 دراسات وبحوث

تكون الاصولية المسيحية

عامر عبدزيد الوائليالمطلب الاول: في مجال تحليلنا التكويني للديانة المسيحيّة نجد أنّ هذه الديانة ارتبطت بشخص المسيح من خلال مدونة أولها بولص وبتوجيه من أستاذه (حنانيا) (1) وهي رواية من كان يعد العدو الأصوليّة للمسيحيّة، الا إنّه تحوّلَ من هنا جاء التأويل الرسمي للمسيحيّة، ومن خلال هذا التأويل تم تشكيل محور سرد للإحداث يكون بطله المسيح الرب،بالاعتقاد القائل: " أن يسوغ لم يكن يسعى لتأسيس ملك أرضي، بل جاء لهذا العالم بصورة مخالفة لأي صورة بشريّة؛ لأنه ليس من البشر ويحمل رسالة خاصة وفريدة، تتمثل بالموت على الصليب؛ ليفدي ذنوب البشر .فهو مسيح لم يأت ليخلص الإسرائيليين من حكم الرومان؛ ولكن ليخلص كل الناس من ذنوبهم، ويضمن لهم مملكة سماويّة دائمة في الحياة الأخرى). (2)وهكذا ولد بعد المسيح دين اسمه (المسيحيّة) له أسس يقوم عليها منها: أولاً، الإيمان بأن هناك ثلاثة آلهة هم: (الأب ويسوع الابن وروح القدس)، كما جاء في كتاب متى: "فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس "(28:19)، وثانياً أن يسوع، الابن الوحيد للأب، قد قتل على الصليب؛ لكي يفتدي ذنوب البشر بدمه، كما جاء في كتاب يوحنا " لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد؛ لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة .لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم؛ ليدين العالم بل ليخلِص به العالم "(3:16-17)، وإذا ما آمن بهاتين العقيدتين فهو مسيحي، كما يقول يوحنا:"الذي يؤمن به لا يدان والذي لا يؤمن قد أدين؛ لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد "(3:18)، فضلاً عن معتقدات أخرى ومناسبات وأعياد وثنيّة الأصل، مثل: (صلاة الأحد، وعيد الكريسماس وشجرة الميلاد وسانتاكلوس، والأيسر) وغيرها .(3)؛ فهذه الأفكار جزء من الثقافة الهلنستيّة، التي وجدت دعم السياسة الحاكمة الرومانيّة وخلقت وجود لها بين الاوساط اليهوديّة المستنيرة، وقد تجلّت في تأويلات بولص للثورة التي قادها المسيح، وقد جاءت استجابة للعقائد اليهوديّة التي تنتظر المخلص، لكن هذا التأويل يتقاطع مع قوى الثورة ضد الاحتلال التي كانت قائمة في وقتها من قبل اليهود وانتظارهم للمسيح المنتظر الذي سوف يقود الثورة ويغير الحال،وقد أظهرت بعض الدراسات الحديثة أنّ يسوع كان يمثل المسيح المنتظر بنظر نفسه وبنظر (الإسرائيليين في زمانه، من غير اليهود، من كان لا يزال ينتظر ظهور "مسيح" من بيت داود يعيد الملك إلى الشعب الإسرائيلي في شتاته، فاعترف بيسوع على كونه ذلك المسيح، وهبّ لنصرته . لكن مطالبة يسوع بعرش إسرائيل – وهي التي حدئت في "اليهوديّة" بفلسطين في زمن الرومان – اصطدمت بمقاومة شديدة من المؤسسة الكهنوتيّة اليهوديّة، وهي المؤسسة نفسها التي سبق لها أن تصدّت لمسعى جد يسوع زربابل إلى الملك على إسرائيل قبل خمسة قرون تقريباً؛ فأفشلته بطريقة أو بأخرى ."(4) ولعل قصة ولادة المسيح كما يذكرها متى، وهي تشير إلى توقعات المجوس لولادته، على أنه ملك اليهود المنتظر وليس ابن الله الذي سيقتل من أجل خطايا الناس .(انظر: متى: 1:1-2)

 كان للدولة الرومانيّة دور كبير في اختلاقها وتشكيلها ونقل الوحي من رحم اليهوديّة الى الغرب اللاتيني لغة وثقافة عبر بولص الذي كان يشكل خطاباً متكاملاً في أود حركة المخلِص (المسيح) من أجل إزاحة ثورة المسيح وتشويه حركة أنصاره من بعده،وهو بتأويله حول حركة المسيح من بعدها اليهودي كمخلِص وملك من نسل داود،إذ بعث الى اليهود (لم أرسل إلا إلى خراف إسرائيل الضالة).(متى: 15-24)، إلى يوتوبيا دينيّة (لكنّه جاء؛ ليخلِص الناس من ذنوبهم ويؤسس لهم مملكة في السماء وليس في الأرض .و هذا يعني أن يستكين الناس ومنهم الإسرائيليون، أتباع يسوع، لحكم الرومان ولا يقوموا بثورات ضدهم كما حاول يسوع) (5) وكل هذا جاء بفعل اليهودي حنانيا، إذ جاء يسوع في الحلم وأخبره بأن يلتقي بشاؤول ...(6) على أساس هذه الروايّة اعتمدت سلطة الكنيسة التي أسسها بولص . وقد تكوّنت الأصوليّة من يومها ومارست نفي أيّ مخالف لهذه الرواية وعدّت تأويلها هو الاساس واعتبار كل مختلف معها بمجرد هرطقة .أو بدعة Secte؛ فإن البدعة:هي بالمعنى الواسع مجموعة من الأشخاص الذين يعتنقون المذهب نفسه . ويتم أحياناً تطبيق المصطلح على المدارس الفلسفيّة في الزمن القديم بدعة الرواقيين والمشائين ...إن البدعة الدينيّة مطبوعة بواقع أنّ أتباعها يلتحقون برأي تعدّه خاطئاً سلطة كهنوتيّة أو غالبيّة أعضاء كنيسة معينة .،فالأمر ليس رأياً وبحسب، بل هو انحراف . وهذا الانحراف يتناول إما العقائد، أو الطقوس أو النظام ويشكل في هذه الحالة الأولى هرطقة .

فالهرطقة يقابلها وجود أصوليّة؛ فلكي تكون هناك هرطقة، يجب أن تكون هناك مبادئ إيمانيّة أساسيّة، حقائق موحى بها، وأن تكون ثبتت هذه المبادئ وقننتها كنيسة شرعيّة، تمتلك سلطة مطلقة على صعيد الإيمان .... وبتعبير آخر يجب أن يكون هناك عقيدة رسميّة وإلزاميّة ولِنضِف أن العقيدة تضمّ بالنسبة للاهوتيين الكاثوليك، فضلاً عن المبادئ المحددة من التعاليم المعدة للتبشير العادي، بموافقة أكيدة من سلطة الكنيسة العقيديّة؛ فالمبدأ الإيماني يفترض، بالفعل، تدخلاً صريحاً من جانب الكنيسة، التي تحدد موقفها بخصوص نقطة من عقيدتها وتترجم بلغة دقيقة إحدى معطيات الوحي الإلهي ، أو تعاليم الكتاب المقدّسة أو التراث المسيحي البدائي . (7)

يبدو أنّ الديانة المسيحيّة هي التي سوف يقيض لها أن توضح مفهوم المبدأ الإيماني (الدوغما –الأصوليّة) والهرطقة، علماً بأن هذه الأخيرة سوف تتبدل بشكل محسوس على وفق المكان والزمان .

إن التعريف الكاثوليكي، أو خطأ إرادي ومتشبث به، متعارض مع مبدأ إيماني موحى به،وتعلمه الكنيسة هذه . ومن وجهة النظر التاريخيّة، ينبغي التوسع بالتعريف؛ لأنّ مفهوم الهرطقة موجودة، وإن كان بطريقة أكثر غموضاً، في كنائس أخرى غير الكاثوليكيّة .الرومانيّة .هكذا يعد الروم الأرثوذكس "اللاتينيين" هراطقة؛ لأنهم تبنّوا المبادئ الإيمانيّة التي لم تكن قد تحدثت عنها المجاميع المسكونيّة السبعة الأولى (كمبدأ وجود المطهِر). أما الكنيسة البروتستانتيّة؛ فكان لديها هراطقتها، على الأقل في البدايات. فلقد أدان ميشال سيرفيه، بهذه الصفة، وفعل لوثر الأمر نفسه مع القائلين بتجديد العماد . (8)

الفرق بين الهرطقة والبدعة:لا يصبح الفرد منتسباً إلى بدعٍ دينيّة إلا حين يستمر في أخطائه وينفصل بشكل مكشوف عن الكنيسة مع عدد من الأشخاص الذين يفكِرون مثله على صعيد الإيمان .؛ فالمرء لا يشكل بدعة لوحده، ولكن يمكن شخصياً، لوحده، أن يؤمن بهرطقة من دون أن يكون عضواً في جماعة هرطقيّة أو زعيماً لها . (9)

على وفق هذه الرواية تشكّلت نظرة الكنيسة الى الآخر، وقد جاءت اللحظة التي تشكّلت بها الأصوليّة الكنسيّة عندما فرضت رؤيتها للإيمان بكل أصولها التي جاء بها " بولص" وتمّ فرضها على الآخرين وبهذا تم اتِهام المختلفين معها كونهم مبتدعة كمجموعات أو هرطقة كأفراد ونفذ بهم، وكانت أول حالة تمت مواجهتها هي في طبيعة العلاقة مع اليهوديّة، إذ كان هناك موقفان منها: الاول "يعتبر أن الإنجيل لم يلغ الناموس، وينبغي الحفاظ على سبيل المثال، على طقس الختام؛ والثاني، الأكثر اعتدالا، فكان يقبل، بخصوص الوثنيين المهتدين إلى المسيحيّة، بإمكانيّة عدم الالتزام بالأنظمة القانونيّة الخاصة بشريعة موسى؛ لكنّ الالتزام بالرأي الاول، كان ذلك يقضي بجعل المسيحيّة بدعة دينيّة يهوديّة؛ أما في الحالة المعاكِسة؛ فكان ذلك يعني خلق فئتين من المسيحيين، فئة " التامين " وفئة "المتهودين" (10)

هذا الصراع قائم منذ ظهور "بولص" وتأويله للمسيح تأويل مختلف كل الاختلاف،فالذين واصلوا الالتزام بالعقيدة الأصليّة للمسيح اتُهموا بكوهم متهودين وإنهم الابيونيين وهم يذهبون إلى الاختلاف مع تأويل بولص؛ فيقولون إن المسيح ليس مولودا من الله الأب، بل مخلوقاً، وهو أحد رؤساء الملائكة، المالك على الملائكة وعلى كل أعمال القدير (11)، ويقولون إن المسيح نزل على يسوع يوم عماده في الاردن، وفارقه قبل استشهاده (12)؛ وهذه الهرطقة المتكونة من التوفيقيّة اليهو- مسيحيّة سريعة العطب جداً إذ لن تصمد أمّا الاندفاع للديانة الكوسموبوليتيّة الجديدة،صحيح أنها بقيت موجودة في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، ولكن سرعان ما اختفت بعدئذ؛ لعجزها عن حل مأزق الانتماء: الى اليهوديّة أو الى المسيحيّة .(13)

ولعل التلمود قام بالمهمة نفسها عندما وجّهَ نقداً عنيفاً للمسيحيّة،وهو يتناول شخصيّة المسيح وعائلته وتأويلاته للأحداث تظهر الزاوية نفسها التي قامت بها المسيحيّة على خصومها يوم اتّهمتهم بالهرطقة كأفراد وبالبدعة كجماعات؛ فهي بنظر التلمود البابلي الذي كان بعيداً عن سلطان الكنيسة الرومانيّة إذ يعيش في أجواء حريات دينيّة في ظل الحكم الفارسي (حيث يقدم التلمود البابلي ..بكلمات قليلة وأسلوب استطرادي مميز للنص البابلي –قصة مناقضة مدمرة وطموحة للغاية ضد قصة الرضيع في العهد الجديد)(14).إذ تمّ معاقبة يسوع كمهرطق وعدو لليهوديّة فـ (تخبرنا كيف يتشارك يسوع مكانه في العالم الآخر مع طيطس وبلعام، العدوين الأسوأ سمعةً للشعب اليهودي . وفي حين يعاقب طيطس على تدميره للهيكل بإحراقه حتى يصير رماداً، ومن ثم تجمع أعضاؤه ويحرق من جديد، وفي حين يعاقب بلعام برميه في سائل منوي حار، فإن مصير يسوع يتجلى بوضعه إلى الأبد ضمن براز يغلي)(15)

هنا يظهر كما هي متجذرة الأصوليّة في اليهوديّة في التلمود والتي أثارت ردود فعل عنيفة أشد أصوليّة من المسيحيّة؛ فالحرب الأصوليّة المسيحيّة كانت تأخذ بعدين الاول: في الداخل مع الهرطقة المسيحيين، والثانيّة مع الخارج ضد اليهود والمسلمين .

المطلب الثاني: موقف الاصولية المسيحية من الخارج معاداة الاسلام

متنوع وبخاصةً في العصر الوسيط،وقد تأخذ هذه العلاقة مع الآخر بعداً غير واقعي بل تخيلي اصطناعي،فهناك كثير من الصور النفسيّة أسقطها الآخر (الغرب) على الشرق الاسلامي هي مجرّدة من الحقيقة بل مختلقة اذ يرتبط بها اختراع الآخر؛ لأن الخطاب حول الآخر هو بالأساس يعد خطاباً حول الاختلاف؛ (فإن التساؤل فيه ضروري حول الأنا أيضاً، ذلك إن هذا الخطاب لا يقيم علاقة بين حدين متقابلين، وإنما علاقة بين آخر وأنا متكلمة عن هذا الآخر)(16)؛ فإن تحديد العلاقة بين الأنا والآخر على الرغم من بعدها التاريخي والسياسي إلا إنها كانت علاقة غير مفكر بها تبدو مضمرة؛ لكن الدراسات المعاصرة في مجال الخطاب هي من اتاحت لها الظهور من خلال بحثها في تلك العلاقة، وارتباطها بالهويّة والاختلاف من خلال البعد الظاهراتي الذي أخذ تحولاً يراعي الجوانب النفسيّة في كشف صورة الآخر، وهذا ما يمكن ملاحظته في (اختلاف بين السياقين الوسيط والحديث في العلاقة بين الأنا والآخر، إنما يعكس اختلافاً جلياً في صورة الآخر في الثقافة العربيّة، وفي مجال الآخريّة، فإن كان مجال الآخريّة في السياق الحديث قد اختزل في الغرب وحده، فإن مجال الآخريّة في السياق الوسيط كان متشعباً ومتعدداً وممتداً بامتداد المعلوم من العالم آنذاك)(17)؛ فإن التصور عن الآخر كما قلنا هو فعاليّة نفسيّة مثلما هي سياسيّة تحاول أن تمنح الآخر توصيفاً او تنميطاً؛ وهو قد يكون سلبياً او ايجابياً، وعلى الرغم من أنه قد يكون سلبياً؛ وقد ظهرت كثير من الدراسات كشفت عن علاقة الغرب المستعمر بالآخر، وهي دراسات تدخل في نطاق يهتم بدراسة الاستعمار الكولونيالي، وما يحمله من تنميطات هومي بابل (Homi K.BahBah)؛ فهو يرى أن المستعمر يميل إلى تنميط المستعمر، من خلال وصفه بصفات ثابتة ومبالغ فيها، ويحرص على تكرارها، مثل وصف المستعمر بالوحشي والانحراف الجنسي .(18) من هنا نستطيع الاستدلال على طبيعة العلاقة " الغرب والإسلام "، لها كثير من المضامين الايديولوجيّة والنفسيّة والوجدانيّة؛ بل تركت أثرها في كثير من الصور النمطيّة في تصوير الطرفين كليهما أحدهما للآخر،وهذا جزء من علاقة الصراع الطويلة بين الطرفين في أثناء العصر الوسيط وحقبة الاستعمار ، شكّلت حضوراً وراسباً عميقاً في الخطاب الجمعي بكل حمولاته المعنويّة .اذ نستطيع من أن نعرض الى تحولات في تلك العلاقة وتحولاتها، التي صاحَبت الصراعات في العصر الوسيط (الحروب الصليبيّة)، ويمكن اجمال تلك الصراعات مع الاسلام بالآتي:

العلاقة التاريخيّة بين الاسلام والغرب:

دخل الإسلام إلى أوروبا فاتحاً في العصر الوسيط؛ لكنّه جاء ثانية بعد الاحتلال الاستعماري الغربي الى ديار الاسلام جاء الاسلام مع المهاجرين كعمال في الغرب .وقد تكون تلك العلاقة القائمة على النزاع قد تركت آثاراً نفسيّة وثقافيّة مازالت حاضرةً في النفوس وتظهر بأشكال متنوعة،وقد تحوّل إلى نزاع او إلى صدام عنيف قد يصل إلى درجة الصراع الدموي. يظهر بأشكال متنوعة من الممارسات السلوكيّة أوالإعلاميّة اتجاه الآخر؛ لهذا نجد أن العنفُ بين الطرفين سواء أكان اعتداءاً ضد المسلمين أم العكس يعد سلوكاً عنفياً يُعرَّف بأنه: أيّ عمل أو لفظ أو اتجاه سلوكي أو بنيّة أو نظام يُلحق ضرراً جسدياً أو نفسياً أو اجتماعياً أو محيطياً بالأشخاص أو يعيقهم عن تحقيق كامل إمكانياتهم البشريّة.من هنا تاتي ضرورة التأصيل من أجل تبيان الأحداث وأشكالها المتنوِعة بين التواصل والعنف .

 كان الغرب يحضر بقوة في الشرق وإفريقيا من خلال الوجود الروماني لكن بعد حضور الاسلام انزوى الوجود الروماني وتحوّل الغرب من مهاجم إلى مدافع اذ حضر الاسلام فاتحاً إلى أجزاء من الجزر والسواحل الأوروبيّة الواقعة على البحر الأبيض المتوسط خلال القرن السابع عن طريق الفتوحات الإسلاميّة. اذ دخل الإسلام إلى أوروبا منذ سنة 670 بعد الميلاد.؛ لكن لم يكن هناك انتشار واسع جدا له، تأسست في شبه الجزيرة الايبيريّة دول إسلاميّة في الأندلس وهي تسميّة عادةً ما يُقصد بها فقط الإشارة إلى الأراضي الأيبيريّة التي فتحها المُسلمون وبقيت تحت ظل الخِلافة الإسلاميّة والدُويلات والإمارات الكثيرة التي قامت في رُبوعها وانفصلت عن السُلطة المركزيّة في دمشق ومن ثُمَّ بغداد، مُنذ سنة 711م حتَّى سنة 1492م حينما سقطت الأندلس خلال حروب الإسترداد بيد اللاتين الإفرنج وأُخرج منها المُسلمون، علمًا أنَّه طيلة هذه الحقبة كانت حُدودها تتغيَّر، فتتقلَّص ثُمَّ تتوسَّع، ثُمَّ تعود فتتقلَّص، وهكذا، تغير إلى هجوم ، استنادًا على نتائج الحرب بين المُسلمين والإفرنج.وقد ارتكبت الفظائع بحق المسلمين من محاكم فتيش،والتحول الى المسيحيّة في ظل ضغط الكنيسة وقسوتها وعنفها الرمزي والجسدي يطارد العرب الموريسكيّة كان عنف رمزي يقوم على محو الهويّة الاسلاميّة وقد تجلّى بأشكال متنوعة من منع اللغة العربيّة وكتابتها في وقت كانت بمثابة ميراث معنوي (الحديث بالعربيّة كان يعني المخاطرة بجذب انتباه محاكم التفتيش).(19) وكان الختان ممنوع كعلامة تميز للهويّة لهذا (كانت عقوبة الختان هي النفي الدائم وخسران جميع الممتلكات، وبذلت جهود لتعقب اولئك الذين كانوا يقومون بعمليات الختان) (20) كانت تلك الاوضاع قد عكست موقفا غربيا عنيفا وعصابي اتجاه الاخر .

 لكن سرعان ما عاد الاسلام؛ ليشكل تحديا من جديد اذ خلال التوسع العثماني إنتشر الإسلام في دول البلقان ودول جنوب شرق أوروبا فأخذ الإسلام في هذه المناطق طابعا أوروبيا ذا صبغة تركيّة خصوصاً بين المسلمين الألبان والبوشناق والأتراك والغوراني. اذ خلال التوسع العثماني إنتشر الإسلام في دول البلقان ودول جنوب شرق أوروبا؛ فأخذ الإسلام في هذه المناطق طابعاً أوروبياً ذا صبغة تركيّة وبخاصة بين المسلمين الألبان والبوشناق والأتراك والغوراني. وتواجدت جاليات تاريخيّة مسلمة من التتار ومن الشيشان في كل من روسيا وشبه جزيرة القرم.

 

دكتور عامر عبد زيد لوائلي

رئيس مركز الفكر النقدي

..........................

(1) هنا نحن نعتمد على تأويل ابن قرناس، في كتابه مسيحية بولص وقسطنطين، دار الجمل، ط1، بيروت،2009م، ص9.هامش 1.

(2) نفس المرجع، ص 9-10.

(3) نفس المصدر، ص10-11.

(4) نفس المرجع السابق، ص 19 وانظر: كمال صليبي، يسوع قراءة جديدة في الإنجيل، دار الشروق، بيروت، (د.ت).

(5) نفس المرجع، ص132 -133.

(6) نفس المرجع، ص134-134.

(7) .ج . ويتلر، الهرطقة في المسيحية، دار التنوير، ط2، بيروت، 2010م، ص15-16.

(8) المرجع نفسه، ص16-17.

(9) .ج . ويتلر، الهرطقة في المسيحية، ص 18.

(10) نفس المرجع، ص 49.

(11)ابو موسى الحريري، قس ونبي، دار لأجل المعرفة، بيروت، 1985م، ص 128 وانظر: Epiphane,Panarion ,30/4.6.

(12) نفس المرجع، 129.

(13) ج . ويتلر، الهرطقة في المسيحية، ص 49-50.

(14): بيتير شيفر، يسوع في التلمود المسيحية المبكرة في التفكير اليهودي الحاخامي، ترجمة، نبيل فياض، المركز الأكاديمي للأبحاث ط1، بيروت،2016م، ص37.

(15) نفس المرجع، ص34-35.

(16) الطاهر لبيب، صورة الآخر العربي ناظراً ومنظوراً اليه، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 1999م، ص 21.

(17) نادر كاظم، تمثلات الآخر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 2004م، ص 15.

(18) فاطمة حمد المزروعي، تمثلات الآخر في أدب قبل الإسلام، هيأة أبو ظبي للثقافة والتراث، ط1، ابوظبي، 2007م، ص 49.

(19) اندرو هوتيكروفت، الكفار، تاريخ الصراع المسيحية والإسلام، ترجمة، قاسم عبده قاسم، المركز القومي للترجمة، ط1، القاهرة 2006م، ص 256.

(20) نفس المرجع، ص262-263.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4921 المصادف: 2020-02-25 02:12:04