 دراسات وبحوث

في ظلال آية المُحارب (1)

يكثُر الكلام في الأدبيات الإسلامية عن الحرب وعن المحاربين، وفيها قد خلطوا بين الألفاظ والمعاني حتى غدت الحرب هي القتال، والمُحارب هو المُقاتل في نوع من التعمية والتشويه المتعمد المذموم، ومن ذلك الخلط وتبعاً له نمت وترعرعت أفكارا ومفاهيم بعيدة عن معانيها وسياقاتها الموضوعية والتاريخية، وقلنا ولا نزال نقول: إن كل هذا نشأ وساد بفضل سطوة أصحاب الترادف والتسامح من الفقهاء والمفسرين في أدبنا الإسلامي، وبالتحقيق ثبت إن هذه السطوة أعتمدت في إنتاج معارفها على أخبار شاذ ومقولات منكرة .

 وفي بحثنا عن معنى (آية المحارب) سنرى كيف وضفت الألفاظ في غير معناها ودلالتها، وسنرى كيف أفتى الفقهاء وحكموا على ذلك وتبعاً له، ولم يبتعد المفسر عن ذلك كثيراً، لأنه يعتمد على نفس الحجج والبراهين في ذلك من غير تدبر أو إمعان نظر، أقول قولي هذا بعد النظر والتأمل في الموقف الفقهي والتفسير الغريب، لتفسير قوله تعالى: - (إنما جزاء الذين يُحاربون الله ورسوله، يسعون في الأرض فساداً، أن يقتلوا أو أن يُصلبوا أو تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) - المائدة 33 .

وكان لذاك الموقف والتفسير الأثر والدافع المباشر للبحث والتنقيب والتحقيق في معاني ودلالات النص المتقدم، مبتدئين القول بالتعريف التالي:

قالت المعاجم: (إن الحرب والحرابة والمحارب) هي الفاظ لغوية وضعت لمفاهيم حيوية ترتبط مباشرة بحياة الناس اليومية، وقالت المعاجم: - أن لا دلالة أولية لهذه الألفاظ على القتال وعلى نحو مباشر -، والحرب عند أبن منظور هي نقيض للسلم، وزاد في القول: - فلان حرب ليّ أي عدو -، قال: - وأصل اللفظ من، (حرَبهُ يَحربهٌ من باب نَصرَ إذا أخذ ماله فهو محروب)، والحربٌ بالتحريك أن يُسلب الرجل مالهُ، والحارب: الغاصب الناهب، وحرِب الرجلٌ بالكسر يَحرَبُ: أشتد غضبه، وحرَّبَ السنان: أحدّهُ -، لسان العرب ج1 ص 302 - ..

والأصل في الحرب إنه لفظ دال على مطلق الصراع (الذي يقع في الحياة)، فنقول: حرب نفسية وحرب إقتصادية وسياسية وثقافية وعسكرية، وحرب على الربا، وعلى الإحتكار وعلى ترويج المخدرات، وحرب على الوباء وعلى غير ذلك، إذن فهي مفهوم مشترك عام شامل متعدد المصاديق .

و القتال: هو واحد من تلك المصاديق، وعلى ذلك دل كلام أبن منظور المتقدم، والذي قال فيه: - والحرب نقيض السلم -، وبما أن معنى السلم: - هو الإستقرار والأمن والطمأنينية -، والذي بظله تزدهر الحياة في البناء والإعمار والتطور والتقدم، فبالتقابل تكون الحرب نقيضاً لذلك، أعني هي الفوضى وعدم الإستقرار، والتي تؤدي إلى الخراب والدمار والفناء والتخلف، وفي المعنى العام للحرب يقع القتل وتحدث الفوضى وتبدد الثروات وتضيع الجهود المثمرة وتتلاشى قوى الإبداع .

ومن ذلك يتبين أن جعل معنى الحرب محصوراً بالقتال وحده لا دليل عليه، كما أن مادة - حرب – حين وردت في اللسان العربي وردت للدلالة على مطلق أنواع الصراع، وإلى ذلك أشار نص لا حق على ذلك ودل عليه .

 قال تعالى: - فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله - البقرة 279 -، والحرب هنا وردت للدلالة على معنى الحكم الذي شرعه الله ضد المتعاطين والمتعاملين بالربا، ولفظ الرسول هنا ورد كصفة تعيين للإشراف على الرسالة، وتبليغ ما جاء بها وتنفيذه بحسب الواقع والظرف الموضوعي، والتناسب بين الحكم والموضوع واجب كما أكد على ذلك الكتاب المجيد .

وبما إن للحرب مصاديق متعددة فالربا هو واحد من تلك المصاديق، والربا: - هو زيادة على أصل رأس المال، يتحصل عليها الدائن من المدين -، هذه الزيادة هي في الحقيقة إجحاف متعمد بحق المدين، ولا يذهب المدين للتعامل الربوي إلاَّ حين يكون محتاجاً إحتياجاً ماساً، وإستغلال صاحب رأس المال لحاجة المدين وعلى هذا النحو هو الممنوع الذي حرمه الله، قال تعالى: -(وأحل الله البيع وحرم الربا) - البقرة 275، إذن هذا النوع من البيوع والمعاملات حرمه الله لما فيه من ضرر، وأمر الله الناس بتركه وعدم التعامل به، قال تعالى: - انتهوا - وفعل الأمر وأداة الشرط (وإن لم تنتهوا)، وردا في مقام الجواب: - فاذنوا بحرب من الله ورسوله -، أي إن التعامل الربوي شرط في احداث الضرر لذلك ورد الحكم بتحريمه، ويكون كل تعامل ربوي حرام شرعاً بناءا على ذلك، وتترتب على المتعاملين بالربا أحكام قانونية وحقوقية وجزائية رادعة، والرسول بصفته الرسولية مكلفاً بتبليغ هذا الحكم وتنفيذه باعتباره حاكماً شرعياً .

 ولكن من أين جاء توهم بعض من الفقهاء في جعل معنى الحرب هو القتال وحصره بذلك دون غيره؟، التوهم منشأه النظر العرفي وليس العلمي الدقيق، فالحرب من الجهة العلمية وفي لسان النصوص لم ترد بهذا المعنى الحصري، وكذلك المعنى اللغوي لا يدل اطلاقا على الحصر بالقتال وحده، بل جعل القتال واحدا من المصاديق الكثيرة .

 والتوهم أيضاً منشأه المقاربة بين فعل - يحاربون - وفعل - يقاتلون، مع إن الفعلين وردا في السياق العام بدلالة كل واحد منهما، وفي الكتاب المجيد ورد فعل - يُحادون - بمعنى - يحاربون - كما يقول اللسان العربي، ولفظ – مُحادد – يعنى - محارب -، وليس في لغة العرب ما يدل على إن لفظ - يحادد - يدل على الذي -يُقاتل -، وإليكم أن تتدبروا النص التالي وتحكموا، قال تعالى: - إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين - المجادلة 20 - ....

 وأما الجملة الفعلية:

 - يحاربون الله ورسوله - فتوضح لنا صفة المحارب لله ورسوله، كيف يكون ومتى يكون؟: - والذي هو من يتخذ موقفاً معادياً لدين الله ورسالته -، و- دين الله - كما عرفته الشرايع: - هو رسالة الله للناس جميعاً في العدل والحرية والسلام -، وهذه الرسالة هدفها سعادة الإنسان في الدنيا وحمايته في الآخرة، ودور الرسول في ذلك: - هو نشر هذه الرسالة وإبلاغها إلى الناس كافة -، ولذلك فمن يقف بوجه هذه الرسالة، فهو كمن يقف بوجه سعادة الإنسان وتقدمه وإزدهاره، وجملة - يحاربون الله ورسوله - ورد ت في سياق (الإستعارة المجازية)، والتي تكون دائماً مصحوبة بالقرينة الدالة عليها، والإستعارة المجازية كثيرا ما تستخدم في لسان العرب وكلامهم .

 فقد ورد في المأثور: - من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة - أصول الكافي ج2 ص 352 -، وفعل أهان الرباعي أو هان الثلاثي من الهوان الدال على السخرية والإزدراء، وفعل أهان يكون بالفعل تارةً وبالإشارة والإيماء تارةً أخرى، وفعل إن صدر مع القرينة عن أحد على نحو ما أعتبر أو دل على تحد لإرادة الله، ومن مصاديق فعل أهان ما نشاهده ونقرئه من ممارسات وأفعال عنصرية من البيض تجاه السود، حدث هذا ويحدث في أمريكا ودول أوربا عامة،

والفعل إن دل على هذا المعنى سُمي فاعله – محارباً -، هذا بلحاظ السياق النوعي للفظ ولذلك قال - بارزني بالمحاربة -، أي ظاهرني أو واجهني على النحو المغاير والمخالف، والمبارزة من الفعل برز توصيف لنوع الفعل الذي يسببه في الأرض، ولا يهم إن كان هذا الفعل ناتجا عن فعل رجل واحد أو عن مجموعة رجال، المهم ان يصح الوصف والنعت به .

الحكم الكلي:

يبين النص 33 من سورة المائدة الحكم الكلي في السياق العام، أي الحكم الكلي على الجرائم التي تُرتكب بحق الإنسان، وورود الحكم في السياق العام قيل: (هو بيان للسبب وذكر للعلة)، أي بيان لسبب المحاربة، أو ذكر لعلتها، كما أن الحرب ذكرت في بيان سبب الفساد وعلته، والذي هو في أصله علة تامة، بدليل أن المتعلق بجملة – يحاربون الله ورسوله - إنما هو جملة - ويسعون في الأرض فسادا -، أي إنهم بسعيهم في الأرض فسادا يحاربون الله ورسوله، وقد تبين إن هذه الجملة مفسره وشارحه لما قبلها، وأما الأحكام اللاحقة والتابعة لها في هذا المجال، فهي عقوبات مقدرة جاءت كعقوبات تقديرية وليست تعبدية يحكمها الظرف والطبيعة، وأما سبب صدور هذه العقوبات أو الحيز الذي صدرت من اجله فيتعلق بحماية المجتمع من التعدي،

أي إنها جاءت من أجل حفظ النظام ورعاية القانون (حماية المجتمع) من كل أنواع الجرائم، ولم يرد ذكر الله ورسوله إلاَّ من باب التنويه قبح الفساد والمفسدين، ولذلك جُعلت العقوبة منسجمة ومتناسبة ومتسقة مع نوع الفساد وطبيعته وأثره في المجتمع، والتناسب صفة ضبط ضروري لإيقاع الحركة في الحياة، والحديث عن الحرب على الله ورسوله، إنما يكون بسبب ما يؤدي إليه - الفساد في الأرض -، أي إن الفساد في الأرض علة تامة لحدوث الحرب على الله ورسوله، والذي هو بطبيعته حرباً على المجتمع وعلى إستقراره وعلى حياته .

 قطاع الطرق:

ورد في بعض الروايات والأخبار، إن المُراد من معنى الفساد في الأرض هم - قطاع الطرق - وحسب، وتبنى ذلك المعنى بعض الفقهاء كأبن قدامة في المُغني ج10 ص 303، والشيخ الطوسي في الخلاف ج 3 ص 212، والعلامة الحلي في القواعد ص 279، على أساس إن ما يفعله - قطاع الطرق - هو السلب والنهب وإشاعة الخوف وتخريب الأمن وعدم الإستقرار في المجتمع، وهذه الأفعال منهم فسادا في الأرض، ولكن هذه الأفعال مجتمعة لا يصح معها إطلاق صفة - الفساد في الأرض - عليها دون سوآها من الأفعال الأخرى، بل إن أفعالهم بلحاظ المعنى المتقدم تكون أحد المصاديق لمعنى الفساد في الأرض لا تمامها، وعليه لا يصح بل لا يجوز تخصيص العقوبة بهم وحدهم دون سوآهم، وبعبارة أدق نقول: إن كل ما يؤدي إلى الفساد في الأرض من فعل وقول وعمل يكون مصداقاً من مصاديقه، وإن لم يتحدث عنه النص ويذكره، بدا لي ان عامة النصوص إنما تأتي بالمفاهيم وتترك تحديد المصاديق للواقع، فقوله تعالى: (ويسعون في الأرض فسادا)، مفهوما عاما يشمل جميع أنواع الفساد والمصاديق تكون على النحو التالي مثلاً:

 (قتل الناس وتفجيرهم في شوارع بغداد والناصرية ودمشق والقاهرة ولندن ومدريد وتفجيرات بوسطن بامريكا)، هذه وغيرها الكثير الكثير من مصاديق مفهوم ومعنى الفساد في الأرض .

 وبالرجوع إلى جملة - ويسعون في الأرض فسادا -، فإننا سنجد إن السعي هنا فعل دال على العمل الفاسد والترويج له، وعدم ذكر الاخبار لهذه المفاسد التي ذكرناها لا يعني نكرانها، وإنما تركها الشارع للمجتمع وللواقع في تحديدها والإشارة إليها .

فإن قلت مستنكراً: ولماذا لم يقل الله بشكل مباشر: - إنما جزاء الذين يسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا ..-؟، ومن دون الحاجة لذكر: - إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادا .....-؟

قلنا: إن الإتيان بجملة - يحاربون الله ورسوله - ليس من باب الزيادة ولكن جاءت للتنبيه والإخطار، على عظيم فعل الفساد وفاعليه في المجتمع، فهو إذن من جهة نبه على خطورة الفساد والمفسدين، ومن جهة ثانية أشار لما يفعله الفساد من تحد لله ورسوله، والتنبيه والتذكير تتعلقان بالمعنى النفسي للفعل، أي تحفيز الفطرة لكي تتفادى هذا السلوك وتمتنع عنه، لما لهذا السلوك من مخاطر على الحياة والمجتمع ..

والعلاقة بين الفساد والسعي في الفساد علاقة القرينة بذي القرينة، فالفساد هو الفعل والسعي فيه هو الترويج والنشر عن عمد وسبق إصرار، وإذا كان الفساد يدل على مطلق الفعل، فالسعي في الفساد توكيد عليه بحسب الوضع والواقع قوةً وضعفاً، وكذا تكون العلاقة بين الجريمة والعقاب .

 قال الله تعالى: - من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكانما قتل الناس جميعاً .. - المائدة 32 -، فالنص يؤكد على أصالة مبدأ التناسب في الحكم بين الجريمة والعقاب:

أولاً: لأن التناسب في أصله مبدأ إلهي عقلي فطري .

وثانياً: ولأن التناسب كذلك ينفي مقولة الحصر بالمصداق الواحد بإعتبار ذلك غير جائز:

 1 - من جهة الدليل المتقدم .

2 - ومن جهة نوع الملاك المتعلق بالفعل - سعى - على نحو عام ومطلق .

3 - وبإعتبار ان مايقع في هذا الباب فهو من باب المثال والمصداق، وليس من باب الحصر والتقييد والتخصيص .

فالعمليات الإنتحارية مثلاً وتفجير السيارات في وسط المدن، وقتل الناس كلها مصاديق لمعنى الفساد في الأرض، ومايفعله الإرهابيين اليوم من قتل للناس على أساس عرقي أو طائفي أو مذهبي هو كذلك مصداقا لمعنى الفساد في الأرض، والتجاوز على القانون وعلى الحريات والحقوق، وسجن الناس دونما ذنب أو مجوز شرعي أو قانوني كل ذلك يقع في لائحة المصاديق المتعددة لمعنى الفساد في الأرض، والإتجار بالمخدرات وتجارة السلاح والمتاجرة بالرقيق، والعنصرية بكل أشكالها والنازية والإستبداد بكل معانيه من مصاديق – الذين يسعون في الأرض فسادا - .

 وبناءاً على هذا فلا يجوز الحصر أو التخصيص تبعاً لما ورد في بعض الأخبار الموضوعة، والتي هي في أحسن الأحوال مجرد ظنون وردت على سبيل المثال لا أكثر، والفساد المحكي عنه ينظر إليه من جهة ما يسببه للمجتمع وما يؤثر فيه بالواقع .

 والعقوبات وردت كرد فعل للتأثير الذي تحدثه الجرائم في المجتمع، ولهذا فهي تتقدر بقدر حجم الجرائم وطبيعتها ونوعيتها، والمفروض إن تطور العقوبات ناتجا عن تطور الجرائم ..

ملاحظة:

الكتاب المجيد تحدث بشكل موضوعي وبالصيغة العامة عن معنى الفساد في الأرض، ولم يتحدث لا حكماً ولا موضوعاً كنتيجة لإفتراضات الفقهاء ومقولاتهم، بل تحدث بالصيغة المطلقة على موضوعة الفساد وحكمها، وترك وصف المصاديق للمجتمع، فقطع الطريق مثلاً أخُتلف في مفهومه وشأنه، بين قائل هو: -

1 - مايحدث خارج المدن والبلدات .

2 - وقائل هو ما يحدث داخل المدن والبلدات .

3 - قائل بانه عنوان كلي عام يشمل كل أنواع السرقة والغصب عن طريق التهديد بالسلاح .

 ومع تعدد الوصف وأختلافه يتنوع الحكم عليه بحسب الأثر الموضوعي له، والممنوع عندنا في هذا الباب: هو الحصر من غير ضرورة لمعناه وتقييده بنوع معين من الإفعال، وهذا ما لادليل عليه لا من كتاب ولا من سُنة صحيحة، كما إنه لم يرد في جميع النصوص ذات الصلة .

تنبيه:

ونقول الآن: ان الجملة الفعلية - ويسعون في الأرض فسادا - هي جملة شارحة ومبينة لما قبلها - يحاربون الله ورسوله -، وهي ليست بمثابة الحكم الخاص الذي يتعلق بفرد خاص، بل هي حكم عام لمعنى عام، وبنفس الإشتقاق يكون معنى المحارب الفاسد في لغة الكتاب المجيد، بحيث لا يقييد هذا العنوان بمن يشهر السلاح بوجه الناس ويخيفهم فقط، بل ورد الإطلاق في الصيغة العامة والسياق العام، وقاطع الطريق يقع مصداقاً من مصاديقه لا عنوانا كليا له، وإما متعلق الحكم فبما يحدث للمجتمع من فساد بسبب ذلك، وهذا المعنى هو عين ما قاله النص عن الذين - يحاربون الله ورسوله - كمقدمة دفع بها الله للتعريف بمعنى - يسعون في الأرض فسادا - ...

قاعدة الجمع والخلو:

هذه من القواعد الفقهية التي يذهب إليها البعض عند التزاحم  الضرورة، ونحن بدورنا نحتاج لهذه القاعدة في ترسيم الحدود وتحديد الملامح بين قطبي - المهم والأهم - عند تطبيق الأحكام الواردة في النص، والتي جاءت على أربعة أنواع من العقوبات التقديرية، والتي هي موضوعيا تتفاوت من حيث الدرجة والنوعية والأهمية شدة وضعفا .

 فإن قلتم: وهل هذه العقوبات مانعة للجمع أو مانعة للخلو؟، هذا السؤال يقودنا للتالي: هل أن تطبيق أحكام العقوبات يتم جملة واحدة؟، أم يتم التطبيق دفعات واحدة واحدة حسب الدرجة والأهمية؟ .

 قلنا: نفهم من ظاهر النص 33 من سورة المائدة، إن تطبيق أحكام العقوبات يتم فيه وفقاً لمبدأ الخلو لا الجمع .

 أما لماذا يكون ذلك كذلك؟، قيل: لكي لا تترك أية جريمة من دون عقاب، وقيل كذلك: إن تطبيق الأحكام وفقاً لهذا المبدأ يحقق العدالة الإجتماعية، التي أمر بها الله بقوله: (إن الله يأمر بالعدل) - النحل 90، ومفهوم العدل هنا هو ان تضع كل شيء في موضعه، وفي مجال تطبيق الأحكام يكون الأمر بالعدل واجبا من أجل سيادة الإستقرار والأمن، والأمر بالعدل في تطبيق العقوبات هو حماية للمجتمع وحفاظاً على القانون والنظام، وقد عرفها المشرع: كفعل مادي رادع هدفه حماية الفرد والمجتمع، والتعريف هذا نظر للعقوبة باعتبارها صفة مادية ذات أثر إجتماعي محدد، وتتنوع العقوبات بتنوع الجرائم فمن قتل النفس، وسرقة المال، وقطع الطريق، وأشاعة الرعب بين الناس، كلها جرائم وضع لها المشرع عقوبات من جنسها في الغالب، وكما تتنوع الجرائم شدة وضعفاً، كذلك الحال بالنسبة للعقوبات، وتطبيقها يكون من الأدنى إلى الأعلى صعوداً، وهكذا الأعلى ثم الأعلى .

 وهذه الصيغة العملية من التطبيق ينظر إليها من وحي: - أن كل جريمة يجب أن تأخذ نصيبها من العقاب المقدر والمعين -، بحسب الوضع والأثر الإجتماعي، وقاعدة منع الخلو حاكمة وراجحة هنا على قاعدة منع الجمع .

 ونقول في الإستدراك: إن جميع العقوبات لم ترد على نحو تعبدي لازم، وإنما وردت على سبيل المثال والإرشاد، والقاعدة القانونية تقول: - كل عقوبة يجب النظر إليها من جنس الجريمة -، لا خارجاً عنها والدليل على ذلك العقل والعرف في كل بلد على حده .

 والخيار في تطبيق أحكام العقوبات يكون للقاضي، يرى فيها رأيه من جهة تطبيق العدل وحماية النظام، ولا يكون خيار القاضي مُسقطاً للعقوبة، بل ناظراً إليها من جهة ما تحققه من الإستقرار والعدل ..

والجريمة كما العقاب حقائق مادية موضوعية وليست تصورية أو ذهنية، ونية المجرم من حيث هي لا يترتب عليها من جهة الواقع أية عقوبة، ولا يحق للقاضي محاسبة الناس بناءاً على نواياهم، لأن النية ليست لازماً من لوازم العقوبة ولا شرطاً فيها، وإنما الشرط الذي تترتب عليه صحة العقوبة هو (الفعل المؤدي إلى الفساد - بالفعل والواقع -) وليس بالذهن والتصور

ملاحظة

والتمييز بين الفساد والإصلاح يكون دائماً في ساحة الفعل الإجتماعي والأثر في الواقع، وإذا كان الفساد هو إستغلال للقوة لتحقيق منافع خاصة، فالتقابل يكون الإصلاح ولنأخذ مثلاً من الواقع: ما تقوم به بعض الأحزاب والجماعات والتنظيمات من سوء إستغلال للنفوذ هو فساد، وما تقوم به المنظمات الإرهابية من أفعال ومن عنف كتفجير السيارات وقطع الطرقات وتهديد الأمن العام هو فساد .

وفي هذا يجب التنويه لعدم الخلط بين إرادة الإصلاح ضمن المعايير التي تحترم المجتمع وحريته وخياراته، وبين دعوى الدفاع عن حقوق المجتمع بوسائل الإكراه والعنف والإرهاب، وهنا نسأل: هل الدعوة الخيرة وحدها كافية في الإقرار بصحة العمل؟، أم إن إرادة الشعب وموافقته هي الشرط اللازم والواجب في ذلك؟، ومعلوم إن الإصلاح المطلوب لازمه إستخداما لوسائل مشروعة، تحافظ على أمن المجتمع وإستقراره، والعكس صحيح إذ لايكون الإصلاح مع العنف ولا مع الإرهاب .

 ومبدأ التقابل بالمثل لا يصح ولا يجوز في هذه المسائل، لذلك قال تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) - فاطر 18، فالنوايا الحسنة وحدها ليست كافية في تبرير الأعمال السيئة، ولا العدالة تصح كذلك بوسائل ظالمة، وهذا يقودنا لإبطال القول التالي: - صحة عمل المستبد العادل -، الذي تتبناه الدكتاتوريات المحلية من أجل تبرير أعمالها، ثم إن إجتماع النقيضين غير ممكن بل مستحيل .

 ولا تصح عملية الإصلاح السياسي بإستخدام الوسائل الممنوعة، والإصلاح السياسي هو عملية مركبة ومعقدة، يتداخل فيها العام مع الخاص، لأنها تشمل إصلاح جميع الإختلالات التي تمس كيان المجتمع والدولة، ولا يصح في مطلق الأحوال الإصغاء لتبريرات من يدعي الإصلاح السياسي والإجتماعي بوسائل غير نزيهة، ذلك أن قواعد عمل العدالة الإجتماعية ترفض ذلك، وكذلك ترفضه قواعد عمل القانون والشريعة، وعلى الحاكم الشرعي النظر لفعلهم ككونه تجسيداً لمعنى الفساد في الأرض، ومن جانب أخر لايحق للحاكم الشرعي أو للقاضي أو لأي جهة مسؤولة ان تُعطي لهؤلاء العذر بما يقومون به من أفعال، طالما يسبب ذلك الفعل أرباكاً في مؤوسسات الدولة والمجتمع، وفي هذا لا يمكن التبرير الميكافيلي البغيض - الغاية لاتبرر الوسيلة -، بل إن الغايات النبيلة يلزمها وسائل عمل نبيلة وصحيحة مثلها .

لذلك فالنوايا الحسنة وحدها ليست شرطاً في نفي عقوبة الفساد، وإنما الملاك أو الشرط الواجب توفره في ذلك هو العمل الصالح وليس العمل الفاسد، والتمييز بين العمل الصالح والفاسد ملاكه الأثار والنتائج المترتبة عليه في الواقع، والقاعدة القانونية تقول: - إن كل فعل فيه تجاوز على الأمن العام والنظام هو فعل فاسد -، ويصدق عليه معنى - الفساد في الأرض - أي إنه مصداق من مصاديقه .

 ولكن ماذا عن الموقف من الحكومة والدولة التي تستخدم وسائل العنف والظلم بوجه شعبها؟، والجواب: ببساطة إن كل حكومة التي تستخدم العنف وأدواته بوجه شعبها، هي حكومة فاسدة وغير صالحة، ويجب تغيرها وأستبدالها بالأطر والوسائل الشرعية والقانونية الصحيحة، وأما سلاح الدولة وأجهزتها الأمنية فإنما جُعلت من أجل حماية الناس وحماية القانون والنظام العام، وليس لقتل الناس وتخويفهم وترويعهم وإرهابهم، قال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ..) - هود 113 ..

وللتذكير:

نقول: ماهي القواعد والمحددات التي تصف لنا معنى الفاسد المحارب؟، فهل هي العقوبات ونوعيتها؟، أم هو التناسب بين أحكام الجريمة والعقاب؟، أم أنه الأثر الإجتماعي الذي يحدثه المحارب من فساد في الواقع؟ .

 والفساد هو سوء إستغلال للقوة في الحصول على منافع ذاتية، وهو ليس نوعاً واحدا، بل هو أنواع كثيرة مختلفة، وقيل: هو ظاهرة إجتماعية ونفسية مركبة ومعقدة تختلط فيها الكثير من الأفعال، ولأنها كذلك فهي تختلف بحسب الزمان والمكان والأدوات .

 والجامع المشترك الذي يدل عليه هو في ذلك الأثر الذي يحدث في المجتمع .

ملاحظة:

وموضوعياً لم ترد أحكام العقوبات على نحو تعبدي في هذا السياق، ولكنها وردت كمثال وعلى الحاكم الشرعي النظر فيها مع مراعاة الواقع، ليكون حكمه منطقياً ومقبولاً ومتناسبا مع نوع الجريمة وحجمها، وله في ذلك أن يُخفف إن أقتضت المصلحة والضرورة ذلك، كما له أن يُغير في الحكم من القوة إلى الضعف بحسب .

وليس من شك إن إطلاق موضوعة التناسب بين الجريمة والعقاب لازمة وشرطه حماية المجتمع والناس، ولا يخلو مفهوم التناسب من الخضوع للعمل الفني من أهل الإختصاص، والحكم بعد ذلك يكون تبعاً له .

وإذا قلنا بأن احكام العقوبات ليست تعبدية، فهذا لا يعني التراخي والإهمال في تطبيقها وإجرائها، وبالعودة إلى مفهوم اللفظ في سورة المائدة 33 لم نجد فيه ما يدل على التعبد أو الحصر، بدليل إنه لما (ذكر القتل ذكر بعده الصلب)، مع إن الصلب هو القتل !!، وذكر الصلب بعد القتل لا يكون زيادةً في العذاب والتنكيل، وأما حرف - أو - الوارد في النص فيدل على التخيير وليس على التدريج، كما لو قال: إنما جزاء الذين يحاربون الله .. إن يقتلوا أو يصلبوا أو يحبسوا أو يخنقوا أو يُغرقوا بالماء وهكذا .... .

 إذن فالعقوبات الأربعة التي ذكرها النص لم ترد من باب التعبد، حتى يتم الإلتزام بها كما هي، وحالها في ذلك حال كل القضايا القانونية التي لم يرد فيها الحصر والتخصيص، وشاهدنا على ذلك السيرة العقلائية في باب الأحكام والقضايا الخاصة بالمجتمع .

تنبيه:

ونقول أيضاً: إن الحكم في - آية الحرابة – لايخص فئة من الناس ولا يتعلق بدين معين من الأديان، بل إنه حكم عام وكلي يشمل جميع الناس وجميع الشعوب والأقوام والملل والفرق والأديان، ولم تنظر الآية للفساد من حيث الهوية الدينية أو القومية، بل نظرت للفساد إليه كفعل مجرد له أثر عام على المجتمع، وسواء أكان صادرا من المؤمن أو من الكافر أو من المشرك أو من غيرهم لا يهم، المهم إنه جريمة بحق المجتمع تترتب عليها عقوبة معينة، ولاتميز في العقوبة بين المؤمن والكافر أو الكافر والمشرك، بل هي عقوبة مجردة من المؤثرات الأخرى وتكون مرتبطة بالفعل وليس بالشخص من حيث إنتماءه أو قوميته .

وليس هناك ما يدل على سبب النزول هنا، بل المعلوم إنه حكم كلي مطلق، ورد في السياق العام خارج إطار الزمان والمكان والظرف المعين، وإن خالف في ذلك الطبري الذي أعتبر سبب نزول نافياً لشمولها للكفار والمشركين، معتبراً النص اللاحق بمثابة التعليل، في قوله تعالى: - إلاّ الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم - .

1- أعتبر الطبري وتبعه الطوسي على ذلك: أن توبة الكافر قبل الإمساك به والتمكن منه لامعنى لها بسبب كفره (أي إن العقوبة ثابتة عليه في كل حال) .

2 - وقال الطبري ومعه الطوسي أيضاً: - إن (المسلم المحارب الفاسد) تُقبل توبته في كل حال قبل التمكن منه أو بعد التمكن منه ولا عقوبة عليه في الحالين !!! .

3 - وقالوا: بخروج المشرك من هذه المعادلة، لأنه ليس من أهل التوبة لذلك فلا تشمله الآية بالحكم - أنظر ج6 من تفسير الطبري ص225 -، والتبيان ج3 ص 509 .

وزاد الشيخ الطوسي في الخلاف ج3 ص209 ما نصه: إن الآية نزلت بحق أهل الذمة الذين حاربوا المسلمين ونقضوا العهد معهم ... ولم تنزل في المرتدين، وقال: - لا يمكن ان تكون قد نزلت فيمن نقض العهد من أهل الذمة، وكذلك على المرتدين، وقال: ان التوبة بالنسبة لأهل الذمة والمرتدين واحدة سواء أكان ذلك قبل الإمساك والتمكن منهم أم بعد .

4 - وقد أيد القرطبي قول البعض: بأن الآية نزلت بحق المحارب المسلم لا الكافر، معتبراً ذلك قولاً حسناً - تفسير القرطبي ج6 ص 149، معتبراً الكافر لا تصح منه التوبة قبل التمكن منه ودخوله الإسلام، قال تعالى: - إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم - ..

والحق إن هذا الكلام منهم مجرد هرطقة لا دليل عليه، بل هو وهمٌ وتخيل وخلافٌ لمعنى الآية وكذلك لمعنى التوبة فيها، إذ المقصود بالتوبة هنا ليس (التوبة من الكفر إلى الإيمان بل التوبة عن الفساد في المجتمع)، وجملة – إلاّ الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم – حاكية عن ذلك، بل دالة على أن المجرم قبل التمكن منه والإمساك به وتاب إلى الله فلاعقوبة عليه، هي إذن تتحدث عن الجريمة بشكلها النوعي وليس عن الكفر أو الإيمان، ومادام الكلام فيها كذلك فلاشأنية للحكم فيها على الإيمان أو الكفر، أعني إن الحكم في الآية يتساوى فيه المسلم والكافر معاً وعلى حد سواء، [ فالمسلم إن تاب عن الجرم الذي أرتكبه قبل التمكن منه فهو معفو عنه، كذلك الكافر إن تاب عن الجرم الذي أرتكبه قبل التمكن منه فهو معفو عنه ]، وعليه فلايجوز الخلط في الفهم والتفسير بين التوبة عن الفساد والتوبة عن الكفر، لأن لكل واحد منهما حكمه الخاص به والمنفصل عن غيره .

5- الحاكم المستبد:

يُعرف الحاكم المستبد على إنه ذلك الحاكم الذي يعامل رعاياه بإزدراء وإحتقار، وإنهم عنده مجرد قطيع لتنفيذ إرادته ورغبته، يحق له إستباحة دمائهم وأعراضهم وحرياتهم، وهو ضمن هذه المواصفات مصداق بارز من مصاديق معنى - الفساد في الأرض -، والظلم صفة ملازمة للمستبد لا ينفك عنها ولا تنفك عنه، والحاكم المستبد ظالما بالطبع وبعكسه الحاكم العادل، والعدل ضد الظلم وبالعدل تتوفر للناس الحياة الحرة الكريمة، وبالعدل أيضاً يتوفر للناس حقهم الطبيعي في إنتخاب الحياة والنظام الذي يريدون ويرغبون، ومن العدل تحترم الخيارات الطبيعية للناس، ولكن مع الإستبداد يُعتدى على حقوق الناس وحرياتهم، وعلى خياراتهم ولنا في المنطقة العربية خير شاهد على ما نقول، إذ نرى ونشاهد كيف تزور الإنتخابات؟ وكيف تستبدل صناديق الإقتراع؟ حدث هذا في العراق وفي غيره من الدول العربية، وهذا الفعل هو نفسه الذي أدى إلى الفوضى وإلى القتل وإلى عدم إستقرار وسيادة الإرهاب الذي عاشه العراق ويعيشه اليوم .

 وفي منطقتنا العربية ليس هناك فرقاً بين منطق الإستبداد والطغيان، بدليل أن الحاكم عندنا يصح له ويجوز إرتكاب أبشع الجرائم، وله الحق في أستخدام كافة الوسائل والأدوات ضد شعبه وإن كانت أسلحة محظورة، والتاريخ يحكي عن قصص مرعبة مارسها المستبد، مما يجعلنا نقول ربما لا تكفي كل العقوبات من النيل أو أخذ بعض الحق، قال تعالى: .. مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا - المائدة: 32، ومفهوم قتل نفساً يصدق على بعض الحكام العرب، إنهم قتلوا الآلاف الأنفس وبددوا الكثير من الثروات والجهود والطاقات، وفي هذه الحالة: هل يكفي حكما واحدا لكل هذه الجرائم؟، أم إننا نحتاج إلى المزيد من الأحكام لكي نستوعب بعض من هذه الجرائم؟، طبيعي إننا بحاجة إلى أحكام أخرى، لكن ذلك غير ممكن في ظل الواقع وطبيعة الحياة، لهذا لم يغفل النص ذلك، وقال بلسان المتوعد: إن لهؤلاء المجرمين في الآخرة عذاب عظيم، قال تعالى: (ولهم في الآخرة عذاب عظيم)، ليخفف على الناس وليزيد في إيمانهم وثقتهم به، ويقول لهم إن حقوقهم محفوظة عنده وهو كفيل بردها وإنتزاعها ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

يتبع

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5027 المصادف: 2020-06-10 03:16:11