 دراسات وبحوث

دين الفطرة

الدين المدموغ في عقل الإنسان، والمسجل في جيناته.

تؤكد الأبحاث والدراسات الاجتماعية الدينية، أن التدين صفة عامة لجميع البشر، قديمهم وحديثهم، وهو ما لخصته موسوعة، لاروس القرن العشرين، بالقول: " إن الغريزة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشرية، حتى أشدها همجية، وأقربها إلى الحياة الحيوانية." (1).

و من أحدث هذه الأبحاث والدراسات العلمية الأكاديمية، في القرن الحالي، دراسة أجرتها جامعة أكسفورد، من خلال مشروع أكاديميي ضخم، ضم 57 باحثا من 20 دولة، وانتهت إلى ما عبر عنه أحد قادة الفريق العلمي لهذا المشروع الدكتور روجر تريغ بالقول: " لقد جمعنا أدلة كثيرة تثبت أن التديّن حقيقة مشتركة في طبيعة الإنسان في المجتمعات المختلفة "(2).

كما تؤكد الأبحاث والدراسات، أنه لم توجد قط على مر التاريخ جماعة بدون دين، بل إنه قد يغيب العمران، وتغيب السياسة والعلوم والصناعات والفنون، في فترة من فترات تاريخ الإنسان، ولكن الدين كان دائم الحضور في حياة الجماعات البشرية، كما جاء على لسان المؤرّخ اليوناني بلوتارك:" لو لاحظتم العالم فإنّكم ستجدون أماكن كثيرة لا عمران فيها ولا علم وصناعة وسياسة ودولة، ولكنّكم لا تجدون موضعاً ليس فيه اللَّه."(3).و هو ما عبر عنه الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون بالقول: " لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية، من غير علوم وفنون وفلسفات، ولكن لم توجد قط جماعة من غير ديانة."(4).

فما سر التلازم بين الإنسان والدين على مر التاريخ ؟

يرجع العديد من الفلاسفة والمفكرين، ذلكم التلازم المتماهي بين الإنسان والدين على مر التاريخ، إلى كون التدين من وظائف الإنسان في الحياة،كما قال الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس:" حياة الدين ككل هي أهم وظيفة من وظائف الإنسانية."(5). بشكل يجعل الدين، ضرورة طبيعية بشرية، كما قال المؤرخ البريطاني، أرنولد توينبي:" الدين إحدى الملكات الضرورية الطبيعية البشرية."(6)، وحاجة إنسانية لا غنى عنها، كما عبر الفيلسوف الألماني إريك فروم بالقول:" لا وجود لإنسان بدون حاجة دينية."(7). فضلا عن كون معرفة الله تعالى والإيمان به، غريزة فطرية مغروسة ومنطبعة في نفس الإنسان منذ أن خلق، كما عبر عن ذلك الفيلسوف والرياضي الفرنسي ديكارت، في تأملاته، وهو يتحدث عن فكرة الله، بقوله:" هذه الفكرة وُلدت ووُجدت معي منذ خُلقت... والحقّ أنه لا ينبغي أن نعجب من أن الله حين خلقني غرس فيّ هذه الفكرة..."(8).

وهو ما يؤكده العديد من الباحثين والعلماء المعاصرين، كالبريطاني جاستون باريت، الباحث في مركز علم الإنسان والعقل في جامعة أوكسفورد، مؤلف كتاب: " مؤمنون بالولادة " (9). والذي ضمنه عصارة أبحاث ودراسات امتدت، لما يناهز العقد من الزمن، انتهت إلى أن:" الأطفال يولدون مؤمنين بالله، ولا يكتسبون الأفكار الدينية عبر التلقي "(10). والكندي بروس هود الأستاذ بجامعة برستول البريطانية، القائل في هذا الصدد:" إن الإيمان بالله وغيرها من الاعتقادات ... مطبوعة في عقول البشر منذ الولادة (11).

وهذا ما يفند أطروحة عالم الاجتماع الفرنسي لوسيان مالصون مؤلف كتاب:"الأطفال المتوحشون"(12)، في نفي الفطرة لدى الجنس البشري، ويدحض مذهب الفيلسوف الإنجليزي جون لوك، في إنكار الأفكار والمعارف الفطرية، من خلال مقولاته المشهورة، من قبيل:"ليست الأفكار الفطرية مطبوعة على العقل بطبيعتها، لأنها ليست معروفة بالنسبة للأطفال والسذج وغيرهم".، ومثيل قوله:" لا يمكن لمعرفة إنسان أن تتجاوز خبراته."، ونظير قوله: "لا يوجد أمر في الذهن، لم يكن موجودا في البداية في الحواس".(13).

هذه المقولات التي تبناها العلم التجريبي التقليدي، واتخذها شعارا لقرون، قبل أن يثبت العلم التجريبي الحديث، في ظل الطفرة الجينية وفتوحات الهندسة الوراثية، حقيقة الأفكار الفطرية، المطبوعة في عقل الإنسان، والمسجلة في جيناته منذ الولادة، وعلى رأسها معرفة الله والإيمان به.

ففي أعقاب نشر كتاب: " جين الله "(14)، لعالم الوراثة الأمريكي دين هامل، مدير وحدة التنظيم والهيكل الجيني في معهد السرطان القومي الأمريكي- مؤكدا خلاله فرضية كون الإنسان يرث مجموعة من الجينات تجعله مستعدًا لتقبّل الألوهية والدين، ومنها جين VMAT2-، خصصت مجلة " التايم" «The Time» الأمريكية، حيزا مهما من العدد 25 الصادر في أكتوبر 2004، للبحث في الموضوع تحت عنوان: "هل الله في جيناتنا؟"، ونقلت المجلة من خلال تقريرها، آراء العديد من العلماء، تؤكد أن الألوهية شعور يولد مع الإنسان. بحيث يولد الإنسان ويولد معه الشعور بوجود إله، وليس فقط مجرد الاستعداد لتقبل الألوهية(15).

و في هذا تأكيد لنظرية كلود كلننجر، أستاذ علم النفس والطب النفسي وعلم الوراثة بجامعة واشنطن، المعروفة بنظرية "المزاجات والأخلاق الوراثية"، التي تحدد ميول البشر الإنسانية والأخلاقية والروحية، والتي تمثل الأساس النفسي لفطرة التدين وفطرة المنظومة الأخلاقية في الإنسان.(16).

فصارت الفطرة الدينية حقيقة علمية، تقر بارتباط الإيمان بجينات الإنسان، وشعوره، قبل إحساسه وعقله. وهو ما عبر عنه العالم البريطاني، روبرت ونستون رئيس الاتحاد البريطاني لتقدم العلوم، في كتابه:" الفطرة البشرية"، بالقول: " الحس الديني جزء من بيئتنا النفسية ومسجل في جيناتنا."(17).

فالعقيدة الدينية، إذا، مسجلة ومغروسة في الإنسان، وبفعل فاعل، هو فاطر هذا الإنسان وخالقه، عز وجلت قدرته. وليست ناشئة، كما قال ول ديورانت، عن فطرة الإنسان لمجرد ما في الإنسان من تساؤلات لا تنقطع، وخوف وقلق وأمل، وشعور بالعزلة(18).

و هذه الحقائق الفلسفية والاجتماعية والعلمية، والتي لم تكتمل صورتها إلا في أواخر القرن الماضي وبداية القرن الحالي، ما هي إلا ترجمة لبعض أوجه حقائق نقلية، صدح بها القرآن الكريم، وأكدتها السنة النبوية، منذ القرن السابع الميلادي. كما في قوله تبارك وتعالى في الذكر الحكيم:" فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي فطر الناس عليها."(19). وقول النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم،:" ما من مولود إلا يولد على الفطرة ..."(20).

فالإنسان، المخلوق لعبادة الله وعمارة الأرض، يولد بالضرورة، مفطورا على الإيمان بالله، ومعترفا في قرارة نفسه بربوبية الخالق عز وجل، التي شهد بها على نفسه أمام الله تعالى، في عالم الذرة منذ الأزل، بموجب الميثاق الأعضم، وفق تعبير بعض فلاسفة ومتصوفة الإسلام، كالإمام الجنيد رحمه الله تعالى، كما يخبر بذلك القرآن الكريم، في قوله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل:" وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى، شهدنا."(21).

قال العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: " يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو . كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه."(22). وروى الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ:" أَخَذَ اللهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا، قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ "(23).

وهذه الحقيقة النقلية والعقلية، التي كانت مستنكرة من الماديين، صارت حقيقة علمية تجريبية، بعدما أكدها علم الوراثة، الذي أثبت وجود الأبناء في صلب الآباء منذ ولادة الآباء، بإثبات انتقال الصفات الوراثية بين الآباء والأبناء من جيل إلى جيل، وبالتالي وجود جميع البشر في صلب آدم عليه السلام، وحواء رضوان الله عليها منذ خلقهما.(24).

فالدين بموجب الواقع، وبمقتضى النقل والعقل والعلم التجريبي، إذا، حقيقة فطرية مسجلة ومطبوعة في النفس البشرية، ومسجلة في جينات الإنسان.

وليس الدين مجرد نتاج الخوف من القوى غير المرئية التي اختلقها الذهن البشري، أو تخيلها من الحكايات المشروعة، كما قال الفيلسوف البريطاني توماس هوبز(25).

لكن ما طبيعة الدين المدموغ في عقل الإنسان، والمطبوع في جيناته بالولادة ؟ أمام تعدد الأديان بين السماوي الإلهي) اليهودية والمسيحية والإسلام (، والوضعي البشري ) الهندوسية والبوذية والكونفوشية ...(.

التوحيد دين الفطرة

مع التسليم بفطرية الدين، إلا أن الأمر ليس على إطلاقه. فليس كل دين، وضعيا كان أو سماويا، بمطبوع في طبيعة الإنسان، وبمسجل في جيناته. وذلك اعتبارا لكون الأديان البشرية مكتسبة، ومن صنع الإنسان نفسه.

و المكتسب لا يكون فطريا. إذ لا يجوز أن تكون الصنعة جزءا من ماهية الصانع، ولا يصح أن توجد معه بالخلقة والولادة.

فدين الفطرة، هو الدين الإلهي، دين السماء، الدين الذي جبل عليه الإنسان، ودمغ في جيناته، وشهد به على نفسه أمام الخالق تعالى، في عالم الذرة منذ الأزل؛ بموجب الميثاق الإلهي مصداقا لقوله تعالى:" وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى، شهدنا."(26).

و لا يتعلق الأمر فقط بدين من أديان السماء المنسوبة لله تعالى، بل بدين التوحيد منها، توحيد الله تعالى وإفراده بالألوهية، وتخصيصه بالعبادة.

فالتوحيد هو أصل الدين، وهذه حقيقة قديمة قدم الدين نفسه، أكدها التاريخ، وأثبتها العديد من الباحثين، كالأستاذ لانج الذي أثبت وجود عقيدة الإله الأعلى أو إله السماء، عند ما يعرف بالقبائل الهمجية في أستراليا وأفريقيا وأمريكا، وكذا شريدر الذي أثبتها عند الأجناس الآرية القديمة، وبروكلمان الذي وجدها عند الساميين قبل الإسلام، وكاترفاج عند أقزام أواسط أفريقيا(27)، وشميث الذي أثبت أن فكرة الإله الأعظم توجد عند جميع الشعوب بما فيها أقدم الأجناس البشرية(28). وهو ما عبر عبر عنه الأستاذ فوركارت في موسوعة دائرة معارف القرن العشرين بالقول:" إن تصور إله السماء يرجع إلى أقدم العصور الإنسانية، وأن فكرة تعدد الآلهة فكرة لاحقة لفكرة التوحيد."(29).

وهذا الذي تدل عليه نظرية خلق الإنسان كما سطرها القرآن الكريم، هو ما تؤكده الأبحاث العلمية الأركيوليوجية، المفندة للنظريات، التي تزعم، دون برهان علمي مقنع، أن عبادة الإله الواحد، مرحلة لاحقة من تطور الدين عند الإنسان، الذي بدأ بتقديس الظواهر الطبيعية والأوثان(30). وفي ذلك يقول الفيلسوف الألماني ماكس مولر: "خلافاً لما تقوله النظرية الشهيرة بأنّ الدين ظهر أوّلًا بعبادة الطبيعة والأشياء والأصنام، ثمّ وصل إلى عبادة اللَّه الواحد، فلقد أثبت علم الآثار بأنّ عبادة اللَّه الواحد كانت سائدة منذ أقدم الأيّام."(31).

فقد عاشت البشرية على دين أبيها نبي الله آدم، دين التوحيد لقرون، ولم تعرف الشرك إلا مع قوم نوح عليه السلام، مصداقا لقوله تعالى في الحديث القدسي:" إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا."(32).

و مصداقا لقوله تعالى: " وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا."(33). قال العلامة ابن كثير في التفسير:" أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس، كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد، وهو الإسلام ؛ قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام، ثم وقع الاختلاف بين الناس، وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان.".

فلم ينحرف الإنسان عن التوحيد، ويشرك ويبتدع ويلحد، إلا بمقتضى عوارض خارجة عن الفطرة أو لاحقة بها، تبتدأ بترصد الشيطان وفتنته، وتنتهي بفتور الوحي والنسيان، وببغي الإنسان وجحوده وتنطعه.

فدين الفطرة، إذن، هو الدين الحنيف، دين التوحيد، مصداقا لقوله تعالى:" وأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي فطر الناس عليها."(34).

ودين التوحيد، وهو الدين الذي لم يخل منه تاريخ البشر، ولم تخل من التذكير به، والدعوة إليه أمة من الأمم، ولا قوم من الأقوام، مصداقا لقوله عز وجل:"و إن من أمة إلا خلا فيها نذير"(35). وهو الدين الذي بعث به كافة الأنبياء والرسل مصداقا لقوله تعالى:" ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت."(36).

وهذا الدين الحنيف، هو دين أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، مصداقا لقوله تعالى: " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما."(37)، ولقوله جل جلاله: " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، قل بل ملة إبراهيم وما كان من المشركين.". وقوله عز من قائل:" قل إني هداني ربي صراطا مستقيما، دينا قيما ملة إبراهيم، وما كان من المشركين."(38).

فدين التوحيد، إذن، هو أصل الدين، لأنه دين الفطرة، المدموغ في جينات الإنسان. وغيره من الأديان الوضعية والشركيات، مجرد عوارض مكتسبة. أما الإلحاد وما في حكمه، فلا يمكن، أمام الحقائق النقلية والعقلية، والحقائق العلمية التجريبية المفصحة عن الكثير من خفايا مكنونات الأنفس )الهندسة الوراثية( ودقائق الآفاق )الفيزياء الكونية(، إلا أن يكون وهما أو مرضا، أو مشكلة نفسية(39)، أو تجردا من مقتضيات الفطرة، وهروبا من مستلزمات التدين. وفي أحسن الأحوال صنعة(40)، أو اختيارا مكابرا، أو متعالما مبنيا على قصور عقلي وشح معرفي، من باب قول العالم الفرنسي لويس باستور:" قليل من العلم يبعد عن الإله وكثير من العلم يعيد إليه."(41)، ومن باب قول الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون:" إذا كان قليل من الفلسفة يبعد عن الله، فإن الكثير منها يرد إلى الله"(42).

هذا إن لم يكن الإلحاد، عند بعض الأفراد طريقا للشهرة، وحرفة وتجارة مربحة(43)، وعند بعض المؤسسات استراتيجية سياسية، وظاهرة صوتية إعلامية ودعاية تسويقية، متعددة البواعث والغايات، أمام تظافر جهود كل المتضررين والمتوجسين من الدين، بشكل مباشر أو غير مباشر. خاصة مع ظاهرة " الإلحاد الجديد "، الذي يعتمد استراتيجية الهجوم والعداء، والاضطهاد الفكري، وأساليب الشيطنة والتدليس، والسخرية والانتقاص، من الدين بشكل عام، والإسلام بشكل خاص(44).

لكن ما المراد بدين التوحيد، أمام تعدد الأديان السماوية المتبعة، وتعدد نحلها وملل أتباعها؟

الإسلام دين التوحيد

دين التوحيد، هو الدين القائم على إفراد الله تعالى بالربوبية والألوهية، وتخصيصه دون سواه بالعبادة.

و هو الدين الذي بٌعث به كافة الأنبياء، وأٌمروا به وأَمروا بالدعوة إليه. مصداقا لقوله سبحانه وتعالى:" وما أرسلنا من قبلك من رسول، إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون."(45).

و هذا الدين، هو دين الإسلام، دين كافة الأنبياء والرسل، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى، على لسان نوح عليه السلام: " فإن توليتم فما سألتكم من أجر، إن أجري إلا على الله، وأمرت أن أكون من المسلمين"(46)؛

وقوله عز وجل، على لسان إبراهيم الخليل عليه السلام:" وأوصى بها إبراهيم بنيه، يا بني إن الله اصطفى لكم الدين، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون."(47)؛

و قوله سبحانه وتعالى، مخبرا عن يعقوب عليه السلام:" أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي، قالوا نعبد إلهك، وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، إلها واحدا ونحن له مسلمون."(48)؛

وقوله جل وعلا على لسان يوسف عليه السلام:" توفني مسلما وألحقني بالصالحين."(49).

وقوله تبارك وتعالى، مخبرا عن فرعون في قصته مع موسى عليه السلام:" حتى إذا أدركه الغرق، قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين."(50)؛

و قوله سبحانه وتعالى، مخبرا عن حواريي عيسى عليه السلام: " فلما أحس عيسى منهم الكفر، قال من أنصاري إلى الله، قال الحواريون نحن أنصار الله، آمنا بالله، واشهد بأنا مسلمون."(51)؛

و قوله عز وجل، في قصة بلقيس ملكة سبأ، مع نبيه سليمان عليه السلام:" قالت يا أيها الملأ، إني ألقي إلي كتاب كريم، إنه من سليمان، وإنه بسم الله الرحمان الرحيم، ألا تعلوا علي، وآتوني مسلمين."(52).

فدين التوحيد إذن، هو دين الإسلام. وهو دين الهداية الربانية، مصداقا لقوله عز من قائل:" فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام."(53).

و مصداقا لقوله تبارك وتعالى:" قولوا آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيئون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق."(54).

و مصداقا لقوله عز من قائل:" وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أ أسلمتم، فإن أسلموا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ."(55).

الدين فطرة، والتوحيد دين الفطرة، والإسلام دين التوحيد.

فدين الفطرة المسجل في جينات الإنسان، إذن، هو دين الله تعالى في الأرض، وهو الإسلام، مصداقا لقوله تعالى:" إن الدين عند الله الإسلام."(56). ولا أدل على هذا ولا أبلغ، بعد الذكر الحكيم وسنة النبي الأمين، مما تلهج به ألسنة الكثير من المهتدين إلى بر أمانه، كما هو حال هذه الفتاة البلجيكية بقولها:" استجابت نفسي كلها لهذا الإسلام، إذ وجدت فيه دعوة الله المتجاوبة مع أعماق الفطرة البشرية"(57). وهذا الفتى الألماني القائل:" اكتشفت أن الإسلام كمنهج حياة ينسجم من كافة الوجوه مع فطرتي."(58).

و هذه حقيقة لا يسع كل منصف متجرد، ممن عرف كنه الإسلام إلا أن يقر بها، كما عبر المهندس العراقي اليهودي الأصل الدكتور أحمد سوسة، بعد اعتناقه للإسلام بالقول:" على المرء الذي وقف على حقيقة الإسلام أن يعترف أن الإسلام هو في الحق دين الحرية والفطرة ."(59).

و الإسلام هو الدين، الذي اصطفاه الله تعالى، وأمر عز وجل باتباعه، والتمسك به إلى يوم لقائه، مصداقا لقوله عز وجل:" إن الله اصطفى لكم الدين، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمين."(60). وقوله عز من قائل:" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون."(61).

و الإسلام هو دين البشرية، الذي بدأ عقيدة وسلوكا وعبادات ومعاملات، مع آدم عليه الإسلام، وتمت أحكامه واكتملت شرائعه، بنزول الوحي على خاتم الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله، عليه الصلاة والسلام، مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه. وارتضاه الله عز وجل لكافة خلقه، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى:" اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا."(62).

و الإسلام، الذي أتمه الله تعالى ببعثة رسوله الكريم، وارتضاه عز وجل للناس أجمعين، هو الدين الحق، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى:" هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله."(63).

و هذا الدين، هو الدين الذي لا يقبل الله تعالى أن يتبع سواه، ولا أن يتعبد بغيره، مصداقا لقوله عز وجل: " ومن يبتغ غير الإسلام دينا، فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين."(64).

فاللهم ثبتنا على دينك، واشرح صدورنا لهديك ونورك، ووفقنا لطاعتك، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. " أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله." سورة الزمر الآية: 45. وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.        

 

د. البشير عدي

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكادير.

.................

(1) نقلا عن: الدكتور محمد عبدالله دراز: الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، دار القلم بيروت، صفحة 82.

(2) صحيفة التيليغراف البريطانية العدد الصادر بتاريخ: 2012/03/12. انظر الرابط:

https://www.telegraph.co.uk/news/politics/8510711/Belief-in-God-is-part-of-human-nature-Oxford-study.htm

(3) نقلا عن: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: نفحات القرآن، نشر مدرسة الإمام علي، قم، الطبعة الأولى، ج 3، ص 98.

(4) نقلا عن: الدكتور محمد عبدالله دراز: الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، م س، صفحة 82

(5) د هوست سميت: أديان العالم. تعريب وتقديم سعد رستم، دار الجسور الثقافية، حلب، الطبعة الثالثة، ص 4.

(6) نقلا عن: الدكتور وليد نور: المختصر القويم في دلائل نبوة الرسول الكريم. دار الكتب العلمية بيروت، ص 10 .

(7) إريك فروم: الدين والتحليل النفسي. ترجمة فؤاد كامل، مكتبة غريب القاهرة مصر1977. ص 27.

(8) ديكارت: التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة وتقديم وتعليق الأستاذ عثمان أمين، المركز القومي للترجمة القاهرة 2009، ص 163.

(9) الكتاب طبع بالإنجليزية تحت عنوان: Born believers: the science of children's religious belief، وترجمه مركز دلائل، ونشره تحت عنوان: فطرية الإيمان:كيف أثبتت التجارب أن الأطفال يولدون مؤمنين بالله.

 (10) مجلة "ديلي تلغراف" البريطانية، العدد الصادر بتاريخ 24 نونبر 2008.

(11) جريدة الزمان الصادرة بالعربية في لندن العدد 3393 وتاريخ 2009/09/09 . نقلا عن:صحيفة ديلي ميل البريطانية.

(12) الكتاب مطبوع تحت عنوان: الأطفال المتوحشون: الأسطورة والحقيقة: ترجمة لطيف فرخ، صادر عن دار الفكر بيروت 1997.

(13) يذهب الفيلسوف هيجل، إلى أن هذه المقولة والتي قبلها، منقولتان خطأ عن الفيلسوف اليوناني أرسطو. الموسوعة الفلسفية، ترجمة وتقديم وتعليق الدكتور إمام عبدالفتاح إمام، دار التنوير بيروت، الطبعة الثالثة، 2007، ص 60. ويؤكد هيجل أن معرفة الله هي في طابعها الحق: ارتفاع فوق كل الإحساسات والإدراكات الحسية. الموسوعة الفلسفية، م س، ص 66.

(14) الكتاب طبع بالإنجليزية عة طبعات، تحت عنوان: جين الله: كيف يتم ربط الإيمان بجيناتنا.

THE GOD GENE: how faith is hardwired into our genes

(15) انظر الرابط:

 http://content.time.com/time/magazine/0,9263,7601041025,00.html

(16) د عمرو شريف: رحلة عقل، مكتبة الشروق الدولية،مصر الجديدة، الطبعة الرابعة، 2011، ص179/178.

(17) د عمرو شريف: نفسه، ص173.

(18) ول ديورانت: قصة الحضارة، ترجمة زكي نجيب محمود، دار الجيل، بيروت، ج 1 ص 117.

(19) سورة الروم، الآية: 29.

(20) صحيح الإمام البخاري: كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام.

(21) سورة الأعراف، الآية: 172.

(22) ابن كثير الدمشقي: تفسير القرآن العظيم، دار ابن حزم،بيروت، الطبعة الأولى، ص 797. وهذا ما عليه جمهور الفقهاء، خلافا للمتكلمين. انظر في مذاهبهم: علي القرني: الفطرة: حقيقتها ومذاهب الناس فيها. دار المسلم للنشر والتوزيع، الرياض، ط2003/1.

(23) الإمام الحاكم: المستدرك على الصحيحين: كتاب الإيمان، باب تفسير آية: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم.

(24) انظر للتفصيل: دراسة للدكتور محمود نجا، أستاذ الفارماكولوجيا الإكلينيكية بكلية الطب جامعة القاهرة، تحت عنوان: حديث القرآن والسنة عن الحامض النووي في الأمشاج. منشور بموقع إعجاز القرآن والسنة الإليكتروني. على الرابط: https://quran-m.com/?p=1372.

(25) د إمام عبدالفتاح إمام: توماس هوبز فيلسوف العقلانية، دار الثقافة ط 1985 ص 408

(26) سورة الأعراف، الآية: 172.

(27) وهذا خلافا لما ذهب إليه ول ديورانت في كتابه تاريخ الحضارة من التشكيك، في وجود ديانة لدى أقزام أفريقيا وحديثه عن الإلحاد البدائي. قصة الحضارة،م س، ج 1 ص 98 . مع أن ديورانت يؤكد في ذات الكتاب، أن الدين ظاهرة تهم البشر جميعا . ص 99.

(28) نقلا عن: د أحمد عبد الرحيم السايح: بحوث في مقارنة الأديان: الدين نشأته والحاجة إليه.دار الثقافة،الدوحة.ص 42/43 .

(29) الدكتور محمد عبدالله دراز: الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان دار القلم، م س، ص 82.

(30) انظر في النظريات الوضعية لنشأة الدين وتطوره: د سعيد مراد: المدخل إلى تاريخ الأديان، منشورات عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية. القاهرة بدون تاريخ. وذ محمود العقاد: الله: كتاب في نشأة العقيدة الإلهية، المكتبة العصرية. بيروت1949 .

(31) نقلا عن: ناصر مكارم الشيرازي: نفحات القرآن، م س، ج 3 ص 98.

(32) صحيح الإمام مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار.

(33) سورة يونس، الآية: 19.

(34) سورة الروم، الآية: 29.

(35) سورة فاطر، الآية: 24.

(36) سورة النحل، الآية: 36.

(37) سورة آل عمران، الآية: 66.

(38) سورة الأنعام، الآية:162/161.

(39) انظر في هذ الشأن، دراسة للدكتور عمرو شريف أستاذ الجراحة العامة بكلية الطب جامعة عين شمس بالقاهرة، تحت عنوان: الإلحاد مشكلة نفسية. من منشورات نيو بوك للنشر والتوزيع القاهرة. الطبعة الأولى 2016. ودراسة للدكتور بول فيتز، أستاذ علم النفس التجريدي بجامعة نيويورك بعنوان: سيكولوجية الإلحاد. ترجمة مركز دلائل تحت عنوان: نفسية الإلحاد. دار وقف دلائل للنشر الرياض، السعودية ط2013/2

(40) انظر فصل صناعة ملحد، من كتاب أنطوني فلو: هناك إله: كيف قاد العلم أشرس ملاحدة العالم إلى الإيمان. ص 21 وما بعدها.

(41) نقلا عن: لوك فيري: أجمل قصة في تاريخ الفلسفة. ترجمة محمود بن جماعة. دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى 2015، ص 115.

(42) نقلا عن: الشيخ نديم الجسر: قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن. المكتب الإسلامي بيروت ط3، 1969.ص125

(43) وصلت مداخيل أحد المروجين العرب للإلحاد على الشبكة العنكبوتية، في ثلاثة أشهر فقط ما يناهز: 60.000 دولار. شاهد على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=c1Zhp-Abi9Q

(44) انظر: د عمرو شريف: وهم الإلحاد .كتاب هدية مجلة الأزهر، محرم 1435، نونبر 2013، ص 28. ود محمد عمارة: الإسلام في عيون غربية.دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 2006. ود عبدالله صالح الجعيري: ميليشيا الإلحاد –مدخل لفهم الإلحاد الجديد- مؤسسة تكوين للدراسات والأبحاث، لندن،2014

(45) سورة الأنبياء، الآية:25.

(46) سورة يونس، الآية: 72.

(47) سورة آل عمران، الآية: 66.

(48) سورة البقرة، الآيات: 136/135.

(49) سورة يوسف، الآية:111.

(50) سورة يونس، الآية:90.

(51) سورة آل عمران، الآية:51.

(52) سورة النمل، الآيات: 31/29.

(53) سورة الأنعام، الآية: 132.

(54) سورة البقرة، الآية: 125.

(55) سورة آل عمران الآية: 20.

(56) سورة آل عمران، الآية: 19.

(57) د عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا، المكتب المصري الحديث، الإسكندرية، طبعة 2001، ص 38.

(58) د عرفات كامل العشي: نفسه، ص 18.

(59) د أحمد سوسة: في طريقي إلى الإسلام، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت،2004، ص 40.

(60) سورة آل عمران، الآية: 66.

(61) سورة آل عمران، الآية: 102.

(62) سورة المائدة، الآية: 04.

(63) سورة التوبة الآية: 33.

(64) سورة آل عمران، الآية: 84.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5033 المصادف: 2020-06-16 04:17:35