ميثم الجنابيإن الملاذ الأخير لحياة المصلحين يعادل ما اختزنوه في منظومة الفكر ومصيرها التاريخي. ولا تخلو هذه الحالة من مفارقة غريبة حينا ومأساوية حينا آخر. غير أن للحياة والفكرة نهايتهما بوصفها بداية جديدة أو متجددة. من هنا احتمال أفول الفكرة شأن الحياة قبل أن تكتمل في ما يمكنه أن يكون روحا قادرا على الحياة، أو إعادة نسخها أو مسخها بوصفها جزء من "المصير التعيس" لحياة الفرد والفكر على السواء. إذ لا قانون فاعل في هذه الحالة غير مفارقة الوجود والاحتمال الكامنة فيه. وعادة ما يتحسس المفكر الكبير هذه المفارقة عند غروب الحياة أو مشارفتها كما لو انه يتحسس آفاق الرغبة والرهبة القائمة في ما كان ينوي القيام به ويسعى إليه. وقد تكون هي الحالة التي واجهها محمد عبده آخر حياته عندما شدد في سيرته المقطوعة عن أن جميع مواقفه من المجتمع والدولة كانت مهمومة "بروح الدعوة"، رغم كونه لم يكن إماما متبع، ولا رئيسا مطاع. بمعنى انه كان يتحسس ويدرك ويحدس قيمة "الروح" في الدعوة، بوصفها دعوة إصلاحية، أي انه كان يسعى لدفع الفكرة الإصلاحية صوب تكاملها الفلسفي. وليس مصادفة فيما يبدو سعيه أواخر حياته لجمع وتنسيق محاضراته الكلامية في (رسالة التوحيد)، كما لو أنها الملاذ الأخير لروح الدعوة الإصلاحية.

إننا نعثر في المنحى الفكري والغاية النظرية لكتاب (رسالة التوحيد) على محاولة أخيرة لتطويع فكرة التوحيد ضمن سياق رؤيته الإصلاحية، أي تحريرها من الاختمار بمعايير الرؤية السياسية. ومن الصعب القول في ما إذا كان محمد عبده يعي ذلك أم لا، لكن منطق الإصلاحية والنسبة المتكافئة للاعتدال في تفكيره وشخصيته تجعل من هذه الفرضية أمرا محتملا. كما انه احتمال يتصف بقدر كبير من الواقعية حالما نقرأ (رسالة التوحيد) ضمن هذا السياق. فقد تضمنت الصيغة الهادئة "لرسالة التوحيد" بين جوانحها هدوء محمد عبده وسكونه المتراكم في شيخوخته التي أدركت مع مرور الزمن الحقيقة القائلة، بأن الزمن يندثر والتاريخ يبقى. ومن ثم ليس هناك من فكرة جوهرية في تاريخ الإسلام أكثر أهمية من التوحيد. بل هي الفكرة التي شغلت في الواقع كل تفكير جرئ في محاولاته البحث عن علة العلل أو ترابطها في الوجود والزمن، أو استكناه سرّ الحياة ومعناها. ذلك يعني أنها العقدة المتراكمة في كل بحث يرمي إلى بناء منظومة عن الوجود الطبيعي والماوراطبيعي. وليس مصادفة أن يشير محمد عبده في تقديمه "لرسالة التوحيد" إلى انه سلك في ما يكتبه فيها عن "العقائد مسلك السلف، ولم يعبأ في سبر آراء الخلف". وانه ابتعد عن "الخلاف بين المذاهب بُعدَ ممّليه عن أعاصير الشغب"[1].

لقد أراد محمد عبده القول، بأن ما يضعه هنا هو فكر أقرب إلى حالة الإسلام الأول في موقفه من فكرة التوحيد. لهذا لم يعبأ بما سطّره كلام المتأخرين وجدلهم الصاخب. لهذا ابتعد عما كان مميزا لمراحل ونماذج الخلاف ابتعاده هو نفسه عما اسماه بأعاصير الشغب. ولكن ما هو هذا "الشغب" الذي أراد محمد عبده الابتعاد عنه؟ هل هو شغب ما واجهه في مراحل الصراع السياسي الأولى الذي أدى إلى إبعاده عن مصر إلى لبنان؟ فرسالة التوحيد هي نتاج التأمل الهادئ الذي توفر له للمرة الأولى بعد "صخب" الحياة المثير في مصر آنذاك. إذ "أجبره" هذا الهدوء على إفراغ تأملاته في تلك المحاضرات التي ألقاها عام 1303 هجرية وجمعها لاحقا بعد أن أضاعها. فهي دون شك مرحلة ابتعاده عن "أعاصير الشغب" التي جعلته يتمتع بهدوء لبنان الطبيعي، ليكتشف من جديد القيمة الجوهرية في البحث عن مفاهيم الوحدة والاعتدال في الله والكون والوجود والإيمان، أي في كل تلك القضايا التي شكلت لبّ محاضراته المذكورة أعلاه.

فلو نظرنا إلى مستوى محاضراته في قضايا التوحيد، فإنها تبدو عادية للغاية. بمعنى أنها لا تتجاوز في أفضل مستوياتها ما سبق وأن بلورته كتب الكلام الواسعة الانتشار. إلا أن بساطتها وسهولتها استطاعت أن تقرّب تقعير (تعقيد) الكلام القديم وجمود رؤيته ومشاكله التقليدية عبر نقلها إلى أسماع جديدة بعيدة عن صخب الأعاصير السياسية واللاهوتية على السواء.

كما يمكننا أن نلحظ في "رسالة التوحيد" على انعكاس خاص ومستور لما يمكن دعوته بنفسية الانحدار صوب السلفية المتنورة، أو صوب التنوير العقلي للسلفية المجردة من اعتبارات الرؤية السياسية المباشرة. وفيها يمكن رؤية المسار المعتدل لمحمد عبده في مدارج الكلام الإسلامي، أي في مسار الرؤية الإسلامية التي تجعل من أكثر القضايا الخلافية ميدانا للاعتدال النظري والعملي.

إننا نعثر في "رسالة التوحيد" على بعد نظري عملي جديد كان يتمثل الرؤية الإصلاحية الإسلامية بمعايير قادرة على نقل "إسلام السلف" إلى عالم اليوم دون الممرور بأعاصير الشغب. وإذا كانت قيمة التوحيد قد تحولت إلى ميدان اختياره واختباره الجديد، فلأنها شكلت في الوقت نفسه معيار العلم الذي كان يبحث عن ثلاثة محاور كبرى، وهي محور وجود الله وما يجب أن يثبت له من صفاته وما يجوز أن يوصف به; ومحور الرسل والرسالة وقضاياهما المتعلقة بمضمون كل منهما وما يجب أن يكونا عليه وما يجوز أن ينسب لهما; ومحور إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان[2].

ذلك يعني، انه حاول اختصار مضمون ما اسماه بعلم التوحيد في ثلاث قضايا كبرى وهي الله، والرسول، والوحدانية. وهو اختصار يشير من حيث الجوهر إلى محاولة تطويعها بالشكل الذي يجعلها عقيدة نظرية وعملية في آن واحد. بمعنى انتزاعها من تقاليد علم الكلام التقليدي وإدخالها في علم وعمل المعاصرين بالشكل الذي يحررها من اختلافات الخلف وأعاصير الشغب السياسية. وهي رؤية تنوي أكثر مما تحتمل، إلا أنها معقولة ضمن المسار العام لارتقاء محمد عبده في وجدانه الإصلاحي. بمعنى ارتقاء مداركه اللاهوتية صوب تفعيلها العملي من خلال البحث عن نموذج إنساني أو شخصاني يجعل من "تعالي" المفاهيم أمرا معقولا في المعاصرة.

لكن ذلك لا يعني، بأن محمد عبده استطاع أن يشعل جذوة الكلام المنطقية، ولا ردم هوة الفراغ الهائلة بين التاريخ والمعاصرة، ولا حتى توظيف ما في علم الكلام وتقاليده من مفاهيم قادرة على بلورة منظومة من الأفكار والقيم يمكنها الاندماج في الوعي الاجتماعي والسياسي والأخلاقي المعاصر. إلا انه استطاع أن يتعامل مع ما وضعه بالشكل الذي يعمّق حسية وعقلية الاعتدال الإسلامي في رؤيته الإصلاحية. لهذا نراه يتكلم عما "يجب" وعما "يجوز" في الموقف من الله والرسول والتوحيد. بعبارة أخرى، إننا لا نعثر في آرائه ومواقفه وكلماته حتى على ما هو محرّم ومكروه وقابل للتكفير وما شابه ذلك من عبارات مميزة لتقاليد الكلام بشكل عام وفرقه الحنبلية بشكل خاص.

إلا أن هذا الابتعاد الواضح عن تقاليد التزمت والجمود المميزة لمراحل الكلام المتأخرة، يعكس بالقدر ذاته إدراكا عميقا لقيمته المعنوية. فالرجوع إلى تقاليد الكلام القديمة هو رجوع إلى كلام الروح والوجدان الفاعلين بمقاييس العقل الإصلاحي. وهو مضمون ما يمكن دعوته بمحاولات محمد عبده إعادة تأسيس قيمة الكلام في الظروف التاريخية الجديدة.

فمن الناحية التاريخية لم يعد لتقاليد الكلام بعدا فكريا معاصرا. كما انه لم يتغلغل في مدارك الوعي والفعل الإسلاميين. وقد يكون الاستثناء الوحيد هنا هو بعض قناعات البيئة التقليدية لعلوم الدين الواسعة الانتشار في مخابئ التقاليد الضيقة. أما من الناحية الفكرية، فإن علم الكلام يحتوي على أعلام وأئمة كبار وفكر نير وأساليب مثيرة للعقل والوجدان. ومن ثم فهو قادر على بعث الروح المعنوي في حال إرجاعه إلى "وهجه" الأول، أي في حال جعله عنصرا من عناصر اليقظة العقلية والانتماء الوجداني لتاريخ عفا عليه الزمن. وتفترض هذه المفارقة نفي الزمن وإرجاع التاريخ إلى عجلات حركته الأولى التي كان علم الكلام أحدها. وليس مصادفة فيما يبدو أن يؤكد محمد عبده على أن علم الكلام كان موجودا قبل الإسلام. إذ ليست حقيقة علم الكلام سوى نوعا من علم تقرير العقائد وبيان ما جاء من النبوات. وقد كان هذا العلم معروفا عند كثير من الأمم، كما يقول محمد عبده[3]. ومن هذه الفكرة يتضح، بأن محمد عبده أراد أن يجد في علم الكلام مشروعا محتملا من مشاريع الرؤية العلمية المتعلقة بقضايا العقائد. ومن ثم لا يعني الاهتمام بعلم الكلام سوى الاهتمام بتقرير نوع العقيدة أو الأيديولوجية للأمة، بوصفها ضرورة لها تاريخها الخاص عند الأمم. أما في تاريخ الإسلام فإنها تراكمت في مجرى صيرورة الإسلام والكلام على السواء.

طبعا، إن محمد عبده لم يرم من وراء ذلك بناء أو تأسيس أيديولوجية كلامية جديدة، لكنه سعى إلى إعادة بناء الكلام الإسلامي بالشكل الذي يجعل من حصيلته النظرية طاقة إضافية بالنسبة لشحذ الرؤية الإصلاحية. ويمكن ملاحظة هذه المهمة على نموذج إبرازه لقيمة العلم العملية في تنسيق وتوفيق العقل والإيمان. فنراه يشير إلى ما اسماه بطرفي النقيض بين منازع العقول في العلم ومضارب الدين في الالتزام بالعقائد وتقريبها من مشاعر القلوب، الذي كان يميزها سابقا. ولا معنى لهذا التنازع والتضاد في حال وضعه ضمن البنية العامة لحقيقة الفكرة الإسلامية حسب قول محمد عبده. وتصبّ هذه الفكرة عموما ضمن الاتجاه المعروف عن إيجاد النسبة المعتدلة بين المعقول والمنقول، أو العقل والشرع، أو الرواية والدراية التي تكَفّل الإسلام رفعها إلى مصاف النموذج الأعلى، كما اعتقد محمد عبده. ويشكل نموذج الرجوع إليه مهمة نظرية وعملية ممكنة من خلال إعادة بناء علم الكلام. وانطلق محمد عبده في تأسيس فكرته هذه من المقدمة القائلة بأن القرآن اتخذ منهجا خاصا به متميزا عما سبقه من الكتب "المقدسة". لهذا لم يطلب محمد عبده التسليم به لمجرد انه جاء بحكايته، ولكنه "أقام الدعوى وبرهن، وحكى مذاهب المخالفين وكرّ عليه بالحجة، وخاطب العقل واستنهض الفكر، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام وإتقان على أنظار العقول وطالبها بالإمكان لتصل بذلك إلى اليقين"[4].

ذلك يعني، إن محمد عبده حاول الجمع في كلّ واحد الحكاية والدراية، أي المنقول والمعقول بالشكل الذي يفترض إقامة الدعوى والبرهان من أجل تأمل نظام الكون ورؤية تناسقه. ووجد في موقفه هذا الأسلوب الأمثل لبلوغ اليقين، أي الحقيقة كما هي. وفي هذا الأسلوب وجد أيضا ما اسماه "بتآخي العقل والدين أول مرة في كتاب مقدس". ويقرر هذا الاستنتاج ما توصل إليه الفكر الإسلامي بمختلف فرقه ومدارسه، والذي لم يرفض أغلب اتجاهاته الكبرى، إن لم يكن جميعا، حق العقل في البرهنة وضرورته بالنسبة لقضايا الإيمان الإسلامي ككل.

وقد سار محمد عبده ضمن الاتجاه الإسلامي الذي يقول، بأن هناك قضايا دينية لا يمكن الاعتقاد بها إلا عن طريق العقل. وأدرج ضمن هذه القضايا مسألة العلم بوجود الله، ومعنى الرسالة (النبوية)، أي القضايا التي أدخلها في "رسالة التوحيد". ذلك يعني انه ادخل إشكاليات ما وراء الطبيعة والتاريخ، بما في ذلك العقائدي منه، ضمن اهتمام العقل ودائرة إحاطته. بل وأندفع صوب إحدى الصيغ العقلانية في تاريخ الفكر الإسلامي القديم القائلة، بأن الدين إن جاء بشيء يعلو على الفهم فلا يمكن أن يأتي بما يستحيل عند العقل[5]. ولا يعني ذلك ضمن رؤية محمد عبده سوى إرجاع الدين إلى حدود الرؤية العقلية التي تعطي لأشد قضاياه الإيمانية أبعادا قابلة للإدراك. وهي رؤية كانت تؤسس للاعتدال الإسلامي العقلاني وتسير في الوقت نفسه ضمن تياره العام. من هنا رفضه لتقاليد وأساليب الغلوّ العريقة في تاريخ الإسلام نفسه. إذ وجد في هذه التقاليد خروجا على حقيقة الإسلام وضعها في عبارة تقول، بأن "الغلاة تعدوا حدود الدين باسم الدين"[6]. وقدم نماذج بهذا الصدد، ربط أغلبها بالتيارات الشيعية من سبئية وإسماعيلية وباطنية. حيث وجد فيها مصدرا من مصادر المدارس القائلة بالحلول والدهرية والإفراط في التأويل، وتحويل كل عمل ظاهر إلى باطن. وهو حكم يتسم بالتسطيح، لكنه مفهوم ضمن تقاليد التربية السلفية التي تشبع بها محمد عبده في دراسته الأزهرية الأولى. وليس مصادفة أن يجد في الأشعرية نموذجا أعلى للاعتدال. ومع انه لم يقرر ذلك بصورة مباشرة، إلا أن تأكيده على نموذجية الأشعري الذي سلك "سلوكا وسطا بين موقف السلف وتطرّف من خالفهم" يمكن اعتباره إشارة إلى ما أراد الكشف عنه والبرهنة عليه والدعوة إليه. ومن الممكن استشفاف هذه الفكرة أيضا عبر محاولته توظيف الأشعرية بطريقة "عصرية". بمعنى السير ضمن الخط الوسط بين موقف السلف وتطرّف الخلف (المعاصرين). ونعثر على هذا الوسط في استلهام الفكرة الأشعرية بمختلف مظاهرها واتجاهاتها، وكذلك في رؤيته لضرورة العقيدة وماهيتها المعاصرة وموقع العقل فيها.

فإذا كان من الصعب بالنسبة لمحمد عبده أن يحدد أشخاص "السلف"، فإنه وجد نموذجهم في ما اسماه بأصحاب التقليد. وقد دعاه ذلك للحديث عن "مرض التقليد". وكتب بهذا الصدد يقول، بأن ما يميز أصحاب التقليد هو أنهم "يعتقدون الأمر ثم يطلبون الدليل عليه. ولا يريدونه إلا موافقا لما يعتقدون. فإذا خالف ما يعتقدونه نبذوه واندفعوا في مقاومته حتى إن أدى ذلك إلى جحود العقل برمته". واختصر فكرته هذه في عبارة تقول، بأن "أكثرهم يعتقد فيستدلّ، وقلما نجد بينهم من يستدل ليعتقد"[7]. ذلك يعني، إن الفكرة والأفكار والتفكر بالنسبة لهم هي سلسلة من المعتقدات المقبولة سلفا، وفي حصيلتها وأسلوبها هي مجرد عملية مقلوبة رأسا على عقب. وأنها لا تتعدى كونها اعتقادا يبدأ وينتهي بنفس المقدمة. ووجد في هذا النمط من التفكير أسلوبا لا يؤدي إلا إلى الباطل والمضرة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن التقليد يأتي بالباطل والضار. وبالتالي فهو "مضلة يعذر فيها الحيوان ولا تجمل بحال الإنسان"[8]. ويكشف هذا السجع عن مدى استخفاف محمد عبده بالتقليد من حيث كونه تشويها لموسيقى المعرفة واليقين الحقيقي. في حين إن مهمة المعرفة والدين والعقل بنظره تقوم في الوصول إلى يقين يعتمد على الدليل لا أن يسترسل مع التقليد. ورفع هذا النمط من بلوغ اليقين إلى مصاف المطلب الشرعي المحصن بتأمل تجارب الأمم جميعا. لذا نراه يقول، بأننا أمرنا بالنظر واستعمال العقل، ونُهينا عن التقليد بما حكي عن أحوال الأمم في الأخذ بما عليه آباؤهم[9]. وجعله ذلك يتكلم عن أهمية الفلسفة والفلاسفة من حيث كونهما ممثلين للرؤية العقلية. وأعتبر ذلك فضيلة بحد ذاتها عندما أكد على أن الفلاسفة تستمد آراءها من الفكر المحض. بمعنى أنهم لا ينطلقون في تصوراتهم وأحكامهم وقيمهم من "كتاب مقدس" أيا كان نوعه، بل أعتبر همهّم هو تحصيل العلم والوفاء بما تندفع إليه "رغبة العقل من كشف مجهول أو استكناه معقول"[10]. ووجد في ذلك أمرا يتطابق مع حقيقة الرؤية القرآنية في موقفها من العقل. إذ اعتقد بأنه لم يأخذ عليهم أيا من عقلاء المسلمين طريقهم في النظر، ولا وضع أمام سبيلهم في المعرفة عثرة أو اعتراض، ما دام القرآن نفسه قد رفع من شأن العقل بالشكل الذي جعله نهاية العقول في بلوغ السعادة. وبالتالي فإن تطرف المتأخرين منهم دفعهم إلى "ما وراء الاعتدال، مما أدى إلى سقوط منزلتهم من النفوس ونبذتهم العامة، ولم تحفل بهم الخاصة، فذهب الزمان بما كان ينتظر العالم الإسلامي من سعيهم"[11].

وبغض النظر عن مدى دقة هذا التقرير العام لدور وواقع الفلسفة الإسلامية وإبداعها النظري والعملي في تاريخ الإسلام ككل، إلا أن مضمونه ضمن رؤية محمد عبده الإصلاحية، يقوم في محاولته إبراز قيمة الاعتدال والانتظار العقلاني من الجهد الفلسفي المبذول. وهي فكرة معقولة ضمن الرؤية الإسلامية نفسها التي تجعل من القرآن والسّنة مصدرا جوهريا في رؤيتها لكل شيء. كما أنها الرؤية التي تعتقد بأن نهاية الفلسفة الإسلامية هي النتيجة الطبيعية لخروجها على تقاليد الإسلام بشكل عام. إلا أنها اتخذت عند محمد عبده بعدا واقعيا وعقلانيا ضمن تقاليد الإصلاحية الإسلامية.

لقد أراد محمد عبده أن يعيد اللحمة بالفلسفة بالشكل الذي يجعلها جزء من تقاليد العقل المقبول. ومن ثم إدخال علاقة المعقول والمنقول، أو الشرع والعقل ضمن دائرة الاهتمام التاريخي الحديث، بما يجعلها مرجعية قادرة على صنع الاعتدال المعارض للتقليد السلفي الجامد، والارتماء التام والشامل في أحضان الدنيوية (العلمانية) الأوربية. من هنا اعتباره عداوة العلم والدين نتاجا لانحطاط العالم الإسلامي والثقافة الإسلامية. ونظر إلى هذه العداوة على أنها جزء من تاريخ الفوضى العقلية بسبب انتشار الجهل وسيطرة الجهلة على مقاليد الأمور وابتعادهم عن الرؤية الإسلامية الحقيقية. بل انه وجد في الدعوة لهذه العداوة تقليدا لتقاليد أعرق مما في الإسلام وغريبة عليه في الوقت نفسه. من هنا فكرته عن ضرورة نفي هذه التقاليد من خلال ثلاث أفكار أساسية وهي:

- أن يكون دين الإسلام هو دين التوحيد في العقائد لا دين تفريق في القواعد،

- أن العقل من أشد أعوانه والنقل من أقوى أركانه،

- وما وراء ذلك فنزعات شياطين أو شهوات سلاطين.

لقد أراد محمد عبده من وراء ذلك إرجاع حقيقة الدين الإسلامي إلى مبدأين عبر إرجاع حقيقته إلى فكرة التوحيد، وعدم تفريقها في القواعد أيا كانت. بمعنى ألا تكون معتقدات الفرق أيا كانت، عاملا في الفِرقة من خلال رفعها إلى مصاف الرؤية الوحيدة أو المقدسة. وهو مبدأ ينبغي أن يستند بدوره على وحدة العقل والنقل. بمعنى الاعتماد على تقاليد الأسلاف وإنجازاتهم وذخيرة الفكرة الإسلامية المقبولة بمعايير العقل المتجدد. وما عدا ذلك فهي أهواء عابرة أو شهوات السلطة في محاولاتها فرض رؤيتها على حقيقة الدين (الإسلامي). بحيث جعلته هذه الفكرة يقرّ بإمكانية الشريعة الوضعية الخالصة بوصفها شريعة فاضلة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن معرفة الله واجبة، وأن جميع الفضائل وما يتبعها من الأعمال مفروضة، وأن الرذائل وما يتكون عنها محظورة. وفي حال بلوغ هذه المقدمة يمكن وضع مختلف القوانين ودعوة البشر جميعا للاعتقاد بها. ذلك يعني انه يعيد إنتاج الفكرة الإسلامية حول وحدة العقل والشرع بالشكل الذي يجعلها أكثر "ليبرالية" ضمن تقاليد الفكرة الإسلامية نفسها.

لقد وضع محمد عبده فكرة الشريعة على أساس إدراك حدود الفضيلة والرذيلة. ويمكن تجسيد هذه الرؤية الأخلاقية العقلانية بصيغ مختلفة ومتنوعة. مما يعني إقراره بإمكانية صناعة شريعة فاضلة، لكنها تبقى مع ذلك عاجزة عن صنع شريعة متكاملة في حال عدم اعتمادها على الدين. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد الهي". كما لا يستقل الحيوان في إدراك جميع المحسوسات بحاسة البصر وحدها، بل لا بد معها من السمع لإدراك المسموعات. كذلك الدين هو حاسة عامة تكشف ما يشتبه على العقل من وسائل السعادة. والعقل "هو صاحب السلطان في معرفة تلك الحاسة"[12].

من هنا يتضح، بأن محمد عبده يدور في فلك الفكرة القائلة بأنه لا دين بلا عقل ولا عقل بلا دين. ووجد في هذه الفكرة نموذج الاعتدال المطلوب، الذي جعله يقول متتبعا تقاليد الفكرة الإسلامية العقلية، عن أن كل ما يتعارض مع العقل ينبغي تأويله. ولا تتعدى هذه المهمة في الواقع أكثر من توسيع مدى تبعية العقل للإيمان. بمعنى تقييد الحرية العقلية بالشكل الذي يجعلها مقبولة مع الإيمان. وبما أن الإيمان هو "عقل محوّر" حسب معتقدات الفِرق والمدارس، من هنا استحالة تحرره الكامل. لكن الحرية من حيث المفهوم والممارسة هي نسبية في الشكل والمحتوى. فطابعها النسبي يظهر بوضوح تام ضمن معايير الرؤية الدينية. إلا أن قيمتها في مفاهيم محمد عبده تقوم في كونها عملت فعلا على تحرير العقل من قيود الإيمان التقليدي السلفي العادي والجازم. ومع ذلك يبقى الدين في نهاية المطاف الفيصل النهائي في كل شيء وعلى كل قضية. وليس مصادفة أن يعتبر محمد عبده الدين "أقوى العوامل في أخلاق العامة، بل والخاصة. وسلطانه على نفوسهم أعلى من سلطان العقل الذي هو خاصة نوعهم"[13].

إننا نعثر في رؤية محمد عبده المذكورة أعلاه على تقرير لواقع العامة أكثر مما هو تقرير عن إمكانية البدائل ونماذجها العملية المحتملة. وفي هذا تكمن حدود إصلاحيتها الواقعية والعقلانية في آن واحد. ونعثر على هذه الحدود في موقفه الجديد من الدين الذي لم يعد مجرد صيغة بيانية أو إنشائية لعقائد الإيمان، بقدر ما أصبح منظومة من المبادئ النظرية والعملية الهادفة إلى تحقيق ما يمكن دعوته بالحقيقة التاريخية والمعنوية للإسلام. حيث بلور مساعيه بهذا الصدد في فكرته العامة عن الإسلام عندما أعتبر الدين الذي "لم يدع أصلا من أصول الفضائل إلا أتى عليها، ولا أما من أمهات الصالحات إلا أحياها، ولا قاعدة من قواعد النظام إلا قررها".

لقد أراد محمد عبده أن يؤسس لفكرة إقرار الإصلاح بوصفه المبدأ الجوهري في الدين الإسلامي، وحقيقة من حقائقه الكبرى. انه أراد القول، بأن حقيقة الدين الإسلامي هي الإبقاء على كل أصل من أصول الفضائل المتراكمة في التاريخ العالمي. وانه أحيا من الناحية الفعلية والتاريخية أمهات الصالحات المندثرة والمنسية. وبالتالي لا يتعارض في رؤيته مع كل قاعدة قادرة على تثبيت النظام والقانون.

ذلك يعني، إن حقيقة الإسلام من وجهة نظر محمد عبده، تقوم في توحيد الفضائل والصالحات والنظام، أي الفضيلة والفائدة والقانون. وتشكل هذه القيم الجوهرية الحياة المثلى في مستواها الفردي والاجتماعي والدولتي والثقافي على السواء. من هنا استنتاجه القائل، بأن حقيقة الإسلام ترمي إلى تأسيس حرية الفكر واستقلال العقل وصلاح السجية واستقامة الطبع وإنهاض العزائم إلى العمل. ويمكن تلخيص هذه الغاية من خلال ما يمكن دعوته بالمبادئ الكبرى الضرورية التي ينبغي رؤيتها والعمل بموجبها في الإسلام. كما يمكن حصر هذه المبادئ بخمس يدور الأول منها حول محور الرؤية أو العقيدة البديلة، والثاني حول التفاؤل الدائم، والثالث حول الاجتهاد النظري والعملي، والرابع حول الوحدة المتنوعة، والخامس حول الفكرة العملية. (يتبع...).

***

 ا. د. ميثم الجنابي

.................

[1]  محمد عبده: رسالة التوحيد، دار الكتب العلمية، بيروت، (ب.ت)،ص4.

[2]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص5.

[3]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص5.

[4]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص5-6.

[5]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص6.

[6]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص10.

[7]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص35.

[8]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص14.

[9]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص13.

[10]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص13.

[11]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص12.

[12]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص68.

[13]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص67.

 

 

منى زيتونالآية الكريمة من سورة العاديات المُعنونة للمقال أتت جوابًا للقسم بعد سياق قرآني من مدح الحق سبحانه وتعالى للعاديات.

يقول عز وجل: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)﴾.

وقد اختلفوا في العاديات وهل هي الإبل أم الخيل، وإن كنت أرى الوصف في الآيات لا يكون إلا للخيل، فالإبل لا تضبح، والضبح صوت يخرج عند العَدْو، وما يضبح من الدواب إلا الخيل والكلاب. كما أن الإبل لا تقدح بحوافرها الحجارة عند العَدْو، بينما الخيل تفعل، وقد يتطاير من ذلك شرر النيران، وهذا معنى ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ أي أورت نارًا من قدح حدوات حوافرها الحجارة حتى تثير الغُبار في الجو ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾.

وعليه؛ فالعاديات هي الخيل، وهي الحيوان الوحيد الذي أقسم به تعالى في كتابه العزيز، حتى أنه لم يقسم بالإنسان، وتعدى ذلك بأنه بعد أن أقسم بها، قارن الإنسان بالخيل، فأخبره تعالى أنه كنود، أي كفور جحود، ينسى نِعم ربه، وينبغي له أن ينظر إلى تقدير وطاعة الخيل لسيدها ليتعلم! والعرب كانت ولا زالت تُسمي ذكر الخيل الجواد من جوده وعدم تأخره عن بذل أقصى ما يقدر من جهد تلبية لحاجة سيده.

وأنهى الحق سبحانه السورة القصيرة بتذكير الناس بما ينتظرهم يوم البعث من حساب وجزاء على أعمالهم، فهو سبحانه الخبير الذي لا يخفى عليه شيء من تلك الأعمال.

معضلة وجود الشر

يكثر الملاحدة من إطلاق تساؤلاتهم عن سبب وجود الشرور في العالم طالما يوجد إله رحيم قادر؛ فهل هي موجودة برغبته ومن ثم هو غير رحيم، أم بغير رغبته وهو عاجز عن إزاحتها كونه غير قادر؟! وإله مثله –إن صح أن يوجد بهذه الصفات على زعمهم- لا يستحق أن يُعبد.

والإشكالية ولا شك قديمة، وقد رد عليهم كثير من الفلاسفة والمفكرين عبر العصور. كما كان لعلماء العقيدة المسيحيين والمسلمين ردودهم ومناقشاتهم حول المسألة، وهناك فرع من اللاهوت المسيحي يُعرف بالثيوديسيا Theodicy معني تحديدًا بنقاش أسباب وجود الشر.

ولسيدنا الإمام علي بن أبي طالب مقولة عظيمة وهي "العدل ألّا تتهمه"، يعني بها أن كل ما فعله الله وقدَّره هو من ‏العدل؛ فليس الله بظلام للعبيد، ولكن الإنسان قد لا يدرك الحكمة من وراء كثير مما ‏يحدث في الكون. وهو تعالى مالك الكون يتصرف فيه بما يشاء، ولا يُتصور منه ظلمًا.

ومشكلة الشر التي يعنيها الملاحدة لا تقتصر على أفعال الله تعالى بل تتعداها إلى أفعال العباد، فلماذا تحدث الزلازل والبراكين والأعاصير فتقتل وتدمر، ولماذا يمرض الأبرياء؟، ولماذا يقترف البشر الشرور في حق بعضهم البعض وفي حق باقي المخلوقات؟ وأحيانًا قد يتوسع الملحد أكثر فيرى في سلوك الحيوانات المفترسة الغذائي شرًا يحيق أثره بغيره من الأنواع!

أفعال الله

لا يكف الملحد عن التساؤل عن أسباب حدوث الزلازل والبراكين والأعاصير وغيرها من الكوارث الطبيعية، متناسيًا أنها جزء من المنظومة الكونية بقوانينها المطردة، التي يشهد العلماء أنها مخلوقة على نحو أمثل، وأن توقف حدوث هذه الظواهر فيه إخلال بعمل تلك المنظومة المتكاملة؛ فلو قُدِّر لبركان أن يمتنع عن الانفجار فهذا يعني بقاء الضغط والطاقة الكامنة داخل الكرة الأرضية معرضًا إياها لانفجار.

والمرض والموت لا يرى فيهما الملحد إلا أنهما مناقضان للعافية والحياة، ويفشل تمامًا أن يرى حقيقة أن التغير والتبدل ضرورتان في هذا العالم، وماذا كان يمكن أن يحدث لو بقي كل البشر والحيوانات والنباتات منذ خلق الله الأرض، بل وكل النجوم والكواكب منذ خلق الكون، ولم يتجدد شيء، وصارت تتزايد فقط بلا تناقص، أو بقيت ثابتة دون تزايد أو نقصان؟ فهل هذه هي الرؤية المثالية للعالم الذي يراه الملحد؟! ثم أليس في هذا التصور تعطيل لقوانين الكون التي يزعم الملحد أنها سبب وجوده وليس الله؟!

من أجمل ما قرأت وصف عجوز للدنيا تقول فيه: "سُنيهات رخاء وسُنيهات شقاء، ويوم شبيه بيوم وليلة شبيهة بليلة. يهلك والد ويخلف مولود، فلولا الهالك لامتلأت الدنيا ولولا المولود لم يبق أحد".

والملحد في نظرته تلك شديد الأنانية، فهو في حقيقة الأمر لا يعنيه وفاة من لا يهمه من البشر، بل لو خُيِّر لاختار تجدد الأحياء كما هو الواقع في عالمنا، لكنه فقط أضعف من أن يتحمل فقد أحبته.

أفعال العباد

أفعال العباد تحديدًا كان لها النصيب الأكبر من البحث العقدي لدى المسلمين، المرتبط بمعضلة الشر؛ فأهل السُنة الأشاعرة على أن أفعال العباد يخلقها الله، ومع ذلك فهي كسب العباد. وقد ورد لفظ الكسب في القرآن في 34 موضعًا، منها ‏﴿‏وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

فالأشاعرة ينزهون الله سبحانه أن يجري في ملكه إلا ما يشاء حتى لو كان شرًا، حيث يعتقد  أهل السُنة الأشاعرة أن الله وحده الفاعل على الحقيقة، وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون تكون مخلوقة من الله، وهي مع ذلك كسبهم، لكن المعاصي تكون بعلمه وقضائه ومشيئته تعالى لا بأمره؛ فيكون الفعل خلقًا لله، كسبًا للعبد، حادثًا تحت قدرة الله وبعلمه.

ومعنى الكسب عند الأشعري: أن يكون الفعل بقدرة محدثة؛ فكل من وقع منه الفعل بقدرة قديمة، فهو فاعل خالق، ومن وقع منه بقدرة محدثة، فهو مكتسب.

ويرتبط بالاعتقاد في أن العباد يخلقون أفعالهم الاعتقاد في القدر. وكما رفض الأشاعرة عقيدة خلق العباد أفعالهم، فقد رفضوا مذهب القدرية "نُفاة القدر".

يقول الإمام الشافعي:

ما شئتَ كان وإن لم أشأ **** وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن

خلقت البلاد على ما علمت **** ففي العلم يجري الفتى والمسن

على ذا مننت وهذا خذلت **** وهذا أعنت وذا لم تُعن

فهذا سعيد وهذا شقي **** وهذا قبيح وهذا حسن

كذلك رفض الأشاعرة مذهب الجبرية المنكرين للقدرة الحادثة من العباد، فهم يعتقدون أن العبد له كسب، ومن ثم ليس مجبورًا، بل مكتسبًا لأفعاله من طاعة ومعصية، فيتوسطون بين الجبرية والقدرية. يقول السبكي في "طبقات الشافعية" (ج3، ص385-386):

وكذاك كسب الأشعرى وإنه **** صعب ولكن قام بالبرهان

من لم يقل بالكسب مال إلى اعتزال **** أو مقال الجبر ذى الطغيان

يضيف السُبكي: "كسب الأشعرى كما هو مقرر فى مكانه أمر يضطر إليه من ينكر خلق الأفعال وكون العبد مجبرًا، والأول اعتزال والثانى جبر. فكل أحد يثبت واسطة، لكن يعسر التعبير عنها، ويمثلونها بالفرق بين حركة المرتعش والمختار، وقد اضطرب المحققون فى تحرير هذه الواسطة، والحنفية سموها الاختيار. والذى تحرر لنا أن الاختيار والكسب عبارتان عن مُعيَّن واحد، ولكن الأشعرى آثر لفظ الكسب على لفظ الاختيار؛ لكونه منطوق القرآن، والقوم آثروا لفظ الاختيار لما فيه من إشعار قدرة للعبد. وللقاضى أبى بكر مذهب يزيد على مذهب الأشعرى فلعله رأي القوم. ولإمام الحرمين والغزالي مذهب يزيد على المذهبين جميعًا، ويدنو كل الدنو من الاعتزال، وليس هو هو"أهـ.

أما اعتقاد السلفية فيما يخص القضاء والقدر وأفعال العباد، فأن للقدر أربع مراتب، وهي: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وهذه المراتب الأربع كلها لله سبحانه وتعالى، فالله يعلم القدر، وقد كتبه، وكل شيء يجري بمشيئته سبحانه، لكن مشيئة الله تعالى لا تنفي وجود مشيئة للعباد داخلة تحت مشيئة الله. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30]، واختيار العبد هو بمشيئة الله تعالى وعلمه وقدرته، فلا يخرج شيء من فعله واختياره عن قدرة الله ومشيئته. أما معنى مرتبة الخلق أن الله سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء في الكون، ومن ذلك أفعال العباد، فالقدر خيره وشره من الله تعالى، ولكن الإنسان مخيّر والعبد يختار أفعاله، والله يشاؤها ويخلقها كي تُوجد. وهو قول يكاد يطابق قول الأشاعرة في الكسب، ولكن السلفية لم يتفق لهم أن فهموا مراد الأشاعرة بالكسب؛ لذا يرون وجود خلاف، كونهم يعتقدون أن الأشاعرة ينفون قدرة العبد ولا يجعلون لاختياره تأثيرًا، وهو ما لم يقله الأشاعرة.

والعدل هو الأصل الثاني عند المعتزلة، والعدل الإلهي عندهم يرتبط بحرية الإنسان ومسئوليته في خلق أفعاله، لأن من العدل أن يكون الإنسان حرًا ليحاسبه الله، وهذا صحيح، ولكن للمعتزلة ظن متوهم عن وجود خلاف بينهم وبين أهل السُنة في الاعتقاد في وجود حرية للعبد في الاختيار، ولظنهم أن اعتقاد السُنة في خلق الله لأفعال عباده يتنافى مع مسئولية العباد عن تلك الأفعال، وقعوا في نفي أن يكون الله خالقًا لأفعال العباد؛ لأن فيها الشر، ‏والله لا يفعل الشر، ولا يأذن به بزعمهم. من ثم يكون اعتقاد المعتزلة الذين ينزهون الله تعالى عن نسبة الشر إليه، أن أفعال العباد هم يخلقونها لأن فيها الشر؛ إبراءً منهم لله أن يكون مسئولًا عن شرورهم.

ولعل قولهم بأن كل أفعال العباد الخير والشر من خلقهم، كان هربًا من الوقوع في التصنيف الثنوي المجوسي الذي كان قد دخل إلى معتقد بعض المسلمين من بلاد فارس، والقائل بأن الخير من الله والشر من الإنسان. كما يتضح أن اعتقادهم أن العباد يخلقون أفعالهم يرتبط باعتقادهم في القدر.

لكن المسلمين -على اختلاف عقائدهم- لم يجعلوا وجود الشر وحدوث الكوارث في العالم دليلًا على عدم وجود الله كما استدل الملاحدة!

 

الملحدون كالطلبة المشاكسين!

هؤلاء ضاع منهم الهدف واختلت بوصلاتهم حتى لم يعودوا يميزون أنهم على الأرض؛ فكل أسئلتهم الغبية تنطلق من عدم فهم فلسفة الحياة.‏

يتناسون أنهم في دار بلاء وفتنة. يتناسون أن الهدف الرئيس من وجودهم في الحياة الدنيا هو اختبارهم اختبارات متتالية كي يثبتوا جدارتهم بالجنان.

لا يدركون أن الحياة الدنيا مجرد وسيلة انتقال. يتعاملون مع الدنيا كما لو كانت هي حياتهم الوحيدة التي لا حياة غيرها. يتعجلون تلك الجنان فيطلبونها على الأرض؛ إذ يتصورون أن الاستمتاع الدائم في حياتهم على الأرض دون منغصات هي حقهم!

‏﴿‏وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏﴾‏ [فصلت: 35]

يصبحون وحالهم كذلك كطلبة الجامعة الفاشلين الذين يتركون محاضراتهم، ويتغيبون عن امتحاناتهم، ويقضون أوقاتهم في الرحلات والتنزه والتردد على الكافتريا، حتى يضيقون بسبب وجودهم الأساسي في الجامعة؛ وهو تلقي العلم وإثبات جدارتهم واستحقاقهم. فكما لو أنهم موجودون بالأساس في الجامعة ليفرحوا ويمرحوا! فلماذا يزعجونهم بالمحاضرات والامتحانات؟!

يتناسون أنه كما أن الاختبارات الجامعية تطورك حتى تكون جديرًا بالمكانة التي تأمل أن تحصل عليها حال تخرجك بنجاح من الجامعة، فالمحن التي تلاقيها في الحياة الدنيا تفعل بك ليتقرر على أساسها إن كنت تستحق الخلود في الجنان. ولكن هناك من يُصر على محاكمة أفعال الله تعالى وفقًا لمعاييرهم الإنسانية، وتصوير مصاعب الحياة على أنها تعكير لصفو حياتهم ما كان ينبغي أن يُسمح به!

لماذا يوجد شر؟ لماذا يسمح الله بوجود الشر؟

هل يمكن أن يسأل هذا السؤال من يفهم أنه موجود في الحياة الدنيا ليعرف الله ويُختبر إيمانه ثم ‏يُحاسب؟ وكأن أستاذ المادة لا يعرف الإجابة الصحيحة عندما يترك تلميذه يكتب الخاطئة في ورقة إجابته!

الفساد أحد أسباب انتشار الإلحاد

لعل انتشار الفساد في مجتمعاتنا المعاصرة من أهم الأسباب التي أدت لانتشار الإلحاد كأحد جرائره.

ذكرنا أنه من المفترض أننا نُختبر في الحياة وكل منا يُجازى بما يستحق بناءً على جهده فيها، وضعاف الإيمان غالبًا ما يجعلون مدى تحقق العدالة في الدنيا دلالة على حقيقة الحساب والجزاء في الآخرة، ومن ثم فإن انتشار الفساد على الأرض يشكك بعض الناس في الإيمان بالله. ربما لو كان الناس يرون أن كل شخص ينال حقًا ما يستحق لآمنوا جميعًا أن ما يتحملونه من عناء في الدنيا سيكون له مردوده في الآخرة.

ولكننا لا نسمع سوى عن محاربة الفساد؛ فحكامنا فاسدون، واليد غير النظيفة لا تستطيع محاربة الفساد. لا بد أن تكون نظيف اليد وصادقًا أولًا قبل أن تشرع في محاربته، لكن الأمر لا يعدو الادّعاءات.

الدلال (الدلع)!‏ من أهم أسباب الإلحاد

قد يُصدم من يقرأ هذا الكلام. فهل للدلال الزائد علاقة بالإلحاد؟

الكفر لغةً هو الجحود. أوله جحود النِعم، والتي يتبعها جحود الله، وتركيز الإنسان على ما ينقصه وتغافله عما عنده يجعل فقره بين عينيه. وكل منا عنده الكثير، ولكن هناك من يظن أنه يجب أن يحالفه النجاح في كل مساعيه؛ فمن يحوز ذلك؟!

ليس على كل حي إلا أن يسعى طلبًا لحاجاته حتى لو كانت أغلب جهوده مهدرة. ولعل كثيرين لا يدركون أننا نُحاسب ونُجزى في الآخرة على مساعينا في الدنيا وليس فقط على ما حُزناه فعليًا من وراء هذه المساعي. ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)﴾ [النجم: 39-40-41]

والمدقق يرى أن الملاحدة شخصيات ضعيفة تتأوه لأي مصيبة، ليس لديهم جَلَد ولا صبر على النوائب، كلما تمنوا أمنية أو نزلت بهم نازلة ودعوا فلم يُستجب لهم تشككوا!

ربما يظنون الله تعالى سيعاملهم مثلما كانت تدللهم أمهاتهم؛ يهرعون إليهن عندما يتذمرون من شيء أو نقص شيء مستجيبات لطلباتهم!

لم أجد ما حييت شخصًا قوي النفس ضعيف الإيمان؛ لذا فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وإيمانه بالله قوى لا يتزعزع. ربما كانت هذه نظرة جديدة للمعنى الذي ينطوي عليه هذا الحديث، ولهذا أيضًا كان الصبر رأس الإيمان.

 

د. منى زيتون

 

مقدمة: العدالة هدف استراتيجي للأنبياء والأوصياء والمصلحين، كونها مخ مسألة التوحيد، وعماد الاستقرار السياسي والاجتماعي والنفسي على مستوى الفرد. وهي نواة إعمار الأرض واستخراج كل مواهب وقدرات وإبداع البشر في سبيل تحقيق التكامل والسير الوجودي في تطوير القابليات والقدرات البشرية.

وهي قيمة لها بعد إلهي من جهة وبعد إنساني من جهة أخرى، إلا أنها في بعدها الإلهي معصومة على مستوى النظرية والتطبيق، وتبقى في بعدها الإنساني عرضة للخلل التطبيقي وإن عصمت على مستوى التنظير.

وعصمتها على مستوى التنظير تكمن في وجود مرجعيات معرفية نصية لها معصومة، سواء من القرآن أو ما هو موثوق وصحيح على مستوى السند والمتن.

ومن النصوص الحديثية التي تألقت في التنظير لقيمة العدالة على المستوى السياسي الدولتي هو عهد الإمام علي ع إلى مالك الأشتر حينما عينه واليه على مصر.

السند:

العديد من العلماء يصححونه سندا، لكنه ليس صحيحا على جميع النظريات الرجالية والحديثية، وبعضهم يرى أن السند يعاني من أكثر من مشكلة أهمها عدم إمكان توثيق الحسين بن علوان الكلبي، ووفقا لهذا الرأي أن السند الذي يذكر للعهد لا يوجد ما يؤكد أنه ينقل لنا نص العهد الذي في نهج البلاغة، لأن السند لم يذكر نص العهد بينما جاء نص العهد في النهج بدون سند، وبهذا يصعب التأكد من أن تمام فقرات العهد في النهج قد نقلت بالسند الموجود خارج النهج."انتهى إلى هنا هذا الرأي".

إن تركيزنا على العدالة وفقا لتعدد الآراء حول السند سيكون عاما حول نهج الإمام علي عليه السلام، ومجملا بما فيه نص العهد بناء على تصحيح البعض له، وبناء على عدم تنافي أكثر نصوصه مع منهج الإمام ع في العدالة وفق ما نقل من توثيقات تاريخية حول عهد خلافته.

و يأتي الحديث عن العدالة في سياق حقبة زمنية انتقالية بطيئة، يسير فيها الحاضر نحو تبدلات محورية في أنظمة الحكم أو في منهجها، وجل هذه التبدلات يتم رسمها وتخطيطها بإرادات وقوى تدفع باتجاه التفافات على رغبات الشعوب في التحرر وتحديد مصيرها داخليا وذاتيا دون تدخلات خارجية.

هذا فضلا عن التمييز الذي تتصاعد وتيرته تدريجيا وببطئ في الداخل وعلى أساس مذهبي، والذي ستكون مآلاته ومخرجاته كارثية إذا لم يتم معالجتها بشكل جذري وسليم.

لماذا العدالة؟

تعتبر العدالة من المقومات الأساسية بل هي عمود ومحور تحقيق التوحيد الذي بعث الأنبياء والرسل لأجل تحقيقه على الأرض، وكانت أهم وسيلة لتحقيقه هو قيام العدل، والتوحيد ليس مجرد إيمان نظري بوحدانية الخالق، بل هو التزام نفسي وعقلي وسلوكي ومنهجي بالتوحيد سواء على المستوى الآني أو الاستراتيجي، كون نفي الشريك والإقرار بالواحدية الأحدية الوحدانية لله تعالى، نظريا وعمليا له آثاره الدنيوية بل هو محور النظم في الدنيا وبوابته، فهو يحرر الإنسان نفسيا وعقليا من كل أنواع الهيمنة والسلطة والقيد التي تخرج عن دائرة الله وعدالته، وتجعل المثل الأعلى الذي هو الله المرجعية المعيارية في التقييم والنقد والتقويم، بما يصد كل أنواع النزعات السلطوية والاستبدادية وكل محاولات استعباد الإنسان لأخيه الإنسان.

فالتوحيد نظرية حكوماتية إلهية تؤسس لنظام غير استبدادي، يقوم محوره على العدالة، وقلبه ينبض بالرحمة، وأداوته القانونية تطبق بالتساوي على الجميع، وتؤمن بقيمة الإنسان وكرامته.

لذلك حوربت فكرة التوحيد سواء برفضها أو بتشويهها أو بحرفها عن مسارها الدنيوية وتطبيقاتها العملية.

يقول البروفسور كاتاسونوف في أحد لقاءاته: "العبودية هي فعلا، مفهوم متعدد الأبعاد. تعريف العبودية الأول، الحرفي، هو "امتلاك الإنسان". إنسانٌ يمتلك إنسانا آخر، كملكية بموجب القانون. أما البعد الآخر لمفهوم العبودية، فهو العبودية الاجتماعية - الاقتصادية. وهي أن يستخدم شخصٌ شخصا آخر ويستحوذ على حصيلة نشاطه العملي أو الذهني, أي – الاستيلاء على ناتج عمل الغير. والبعد الثالث، هو مفهوم العبودية الأكثر عمقا، أي العبودية الروحية والفكرية. وهي عادات بشرية ما، أو قيم مادية معينة، يتم فرضها على الناس من خلال الهيمنة الإعلامية والتأثير الدعائي النفسي".

لذلك محركات نافذية التوحيد في المجتمع ومنع كل أنواع الاستبداد والعبودية هي العدالة. ووضع منهج للعدالة معياري وسلوكي يعتبر ضابطة مرجعية تضبط أداء الطبقة الحاكمة من جهة، وتضبط مرجعية الجمهور المعيارية في نقدها وتقويمها للسلطة ورجالاتها ليحكمها المنهج لا الشخوص.

طردية العلاقة بين العدالة والكرامة:

في دعوة الأنبياء ورسالة من أرسل منهم يلحظ وبشكل دقيق التركيز على قيمة العدالة وضرورة تحققها، بل كانت الدعوة للتوحيد غالبا ما تقرن بموضوع العدالة لما لهذه القيمية من مدخلية قوية في بناء مفهوم التوحيد بناءً معرفيا في ذهنية المتلقي والقابل.

إذ أن تحقيق العدالة بكافة مصاديقها تتطلب بداية إزالة كل ما تم تحميله من فهم لهذا المصطلح، فهو يشكل المدخل السليم والحقيقي للتوحيد، وأهم ما تحققه العدالة هو رفع الحجب التي فرضتها المسلكيات البشرية نتيجة الفهم البشري المتراكم للنص الديني والذي غالبا ما انحرف عن واقع الأمر، مما أدى إلى حجب الحقيقة وتشويه المفاهيم وتغييب منظومة القيم، مما انعكس بالتالي على السلوك فتشكلت منظومة مفاهيمية بعيدة عن الحقيقة ورست على ضوئها منظومة سلوكية بعيدة عن الواقع، فحجبت الحقيقة وعلى ضوئها حجبت المعارف وألبست العدالة لباس آخر تحكمه الأهواء والاستمزاجات الشخصية.

إن تحقيق العدالة وفق واقع الأمر يعني رفع كل تلك الحجب عن العقل البشري، واستجلاءالمفاهيم وفق دلالاتها واستعمالتها وبناءاتها الصحيحة ليتجلى الأمر بحقيقته بعد ذلك في النفس، لترى الحقيقة فتستقيم الذات وفق أسس العدالة السليمة، وتنعكس عدالة الذات على تحقيق العدالة في الخارج فترتفع الحجب عن كثير من المعارف والعلوم،وتنتظم الحياة تحت عنوان القيم وجوهرها ألا وهي العدالة.

إن العدالة هي مطلب قيمي مهم في المجتمع، لأن مقصد تحقيق العدالة هو تحقيق كرامة الإنسان، وتحقيق كرامة الإنسان مطلب لأداء وظيفته الاستخلافية وفق الرؤية الالهية في الأرض ليقيم المشروع الالهي فيها.

فوفق مقولة العدالة تتحقق الحريات بما يحقق العدالة، وتكون المساواة وفق ما يحقق العدالة، وتنتظم لذلك مجموعة الحقوق والواجبات وفق مطلب تحقيق العدالة، وإذا تحققت هذه القيم في طول مطلب العدالة تحققت بذلك كل مقومات الكرامة الإنسانية وتأهلت النفس لأداء دور الخلافة على الأرض.

فكلما ازداد منسوب العدالة في النفس كلما ازداد في الخارج، كلما انتظمت القيم وبالتالي ارتقت كرامة الانسان، فالعلاقة بين العدالة والكرامة علاقة طردية.

فإذا قلنا نريد أن يرتفع سقف الحريات، تكون الحريات المطلوبة هي تلك التي تحقق العدالة بحيث لا يمكن لهذه الحرية أن تحقق نقيض العدالة بالظلم أو سلب الاخرين لحقهم، فتكون الحرية المطلوبة حرية عادلة، وهكذا المساواة وموضوعة الحقوق.

ولكن هل العدالة المطلوبة هي كما يراها الإنسان وعقله؟

عقل الإنسان محدود، ولا يمكن للمحدود أن يحيط باللامحدود، قد يدرك هذا العقل حسن العدل وقبح الظلم، ويدرك أهمية العدالة في بناء الكرامة الإنسانية، ولكن ماهية العدالة وكيفها لا يمكن أن يدركه إلا بتعليم من الوحي، وهو ما سيصل له العقل إذا أدرك العدالة وأهميتها والتي يعتبر إدراكها مدخلا مهما لادراك التوحيد وعلى ضوء إدراك التوحيد من بوابة العدل، ستبنى منظومة المفاهيم والقيم وفق الرؤية الالهية التي تحقق حتما كرامة الإنسان بما يرتقي به إلى وظيفة.."إني جاعل في الأرض خليفة".

إن السعي نحو الكمال الذي فطر عليه الإنسان هو الداعي العقلي الذي يدفعه دوما لإقامة العدل، والبحث عنه، ولكن تكمن المشكلة في فهم الكمال وآليات تحقيقه ومصاديقه، فكلما ابتعد الانسان عن السماء -إن صح التعبير- كلما ابتعد عن تحقيق العدالة المطلوبة وكلما أصبحت كرامته عرضة للانتهاك.

فرغم السعي التاريخي الحثيث للإنسان نحو تحقيق العدالة في الأرض إلا أننا ما زلنا إلى الآن لم نقم جوهرة القيم )العدالة) ولم نحققها، ولعل أبرز الأسباب في هذا القصور هو الجدل الانساني الذي ينعكس في الواقع الخارجي إلى جدليات متشابكة الأهواء والمصالح ومتناقضة القيم والغايات، وهذا الجدل أدى إلى تشويه مفهوم الكمال بعد الانحراف عن المبدأ والغاية والهدف وبالتالي انحراف آليات تحققه. لذلك كان التشديد على معرفة " من أين وفي أين وإلى أين"، وهي معرفة ترسم خارطة طريق كاملة للإنسان في هذه الدنيا ليحقق هدف الكمال وآليات الوصول اليه.

إن القيم غاية يتطلب تحقيقها وقيامها قيام جوهرها أي العدالة، وهذه الجوهرة تتطلب أن تحقق في ذات الإنسان كي تصبح لها قيامة في الأرض" أقم العدل في نفسك يقوم العدل في أرضك"، فالله لا يغير ما في القوم إلا إذا تغير ما في أنفسهم.

فالعدالة هدف السماء لأهل الأرض لأن بها تستقيم أمور الإنسان ويهتدي إلى الطريق الذي من خلاله تتحقق كرامته لتقوم خلافته ويؤدي بها وظيفته.

العدالة في العهد: تأسيس المنهج

عادة دراسة أي حدث تاريخي أو وثيقة تاريخية تفرض على الباحث دراسة لوازمها، كقائلها ولمن قالها ولماذا قالها وما هدفه، هذا فضلا عن الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة في تلك الوثيقة، حتى يمكن للباحث الخروج بدلالات إجمالية حول تلك الوثيقة أو الحدث.

ووثيقة كالعهد إن صح صدورها عن الإمام، تعتبر من الوثائق التاريخية السياسية والاجتماعية الهامة التي تؤسس لمقومات وسمات إجمالية للعدالة.

وتؤسس لمنهج للحكم والحكام ومن في حاشيتهم، يعتبر منهجا مدخليا ومقدميا هاما لتحقيق العدالة، وهو وسيلة صالحة في تحقيق الهدف، وتضع قيمة للحق وليس للشخوص، بحيث يكون الحق معيارا لتقييم الشخوص، وليس العكس.

وقد ركز العهد في توجيهات الإمام على عدة نواحي فرعية وأساسية كلية، الفروع فيها تصنف تحت كل عنوان كلي وفق تبعيتها له من عدمه:

1- طبقة السلطة ومنظومة الواجبات الوظيفية، ومنظومة الحقوق الخاصة بهذه الطبقة بكل مراتبها، وأسس معيارية مرجعية ضابطة للسلوك وكيفية الاختيار ومجموعة العقوبات الخاصة بالمخالفة.

2- السياسات الاجتماعية، والتنظيم الطبقي للمجتمع، ومناهج السلوك بين الحاكم والرعية وضوابطها ومعاييرها، والعقوبات الخاصة بمخالفة الضوابط والمعايير سواء عقوبات خاصة بالرعية، أو عقوبات خاصة بالطبقة الحاكمة في حال إخلالها بواجباتها وبمنهج تحقيق العدالة في المجتمع.

3- السياسات القضائية، ومعايير الاختيار والضوابط الناظمة، وطرق الحماية والاكتفاء الذاتي، وآليات تحقيق الأمن والعدالة، وعقوبات المخالفة للحاكم والقضاة.

4- السياسات المالية، والنظم الاقتصادية التي تحقق العدالة، وآليات صرف المال من بيت مال المسلمين بما يحقق الاكتفاء والكفاية والرفاه الاجتماعي لكل طبقاته وأفراده، وكيفية حماية المال من الهدر والفساد.

المنهج السياسي في بناء الدولة العادلة:

الوثيقة صادرة من حاكم للدولة الإسلامية هو الإمام علي ع، لمن اختاره كوالي على أحد الأمصار التابعة للدولة، وهنا عدة أبعاد أهمها:

1- الشخصية التي تم اختيارها للحكم هي شخصية مالك الأشتر وهي من الشخصيات التي نقل لنا التاريخ عنها ثباتها وصلابتها في الحق وتطبيق شرع الله، ونزاهتها ومستوى أخلاقياتها العالي الذي عكسته أحداث تاريخية موثقة حول هذه الشخصية، إذا هو شخصية كفوءة لا تنتمى لعائلة الحاكم ولا إلى وجهاء الدولة، بل انتماؤها للحق ومدى القرب منه، (مبدأ الكفاءة لا العصبيات).

2- وأي شخصية تكون قريبة من حاكم ك علي ع، ويتم تكليفها بمهمة من قبل الإمام كمهمة الحكم يلاحظ تشديد الإمام ع على تلك الشخصيات في التوصيات والتوجيهات خاصة التي تتولى مناصب عالية في الدولة (مبدأ التكليف لا التشريف)، حيث تركز توصيات وتوجيهات الإمام على عدة جوانب :

- الجانب النفسي والتركيز على عدالة النفس واعتدالها، وعلى الضبط وفق قواعد الحق والإنصاف.

- الجانب الاجتماعي المتمثل بالشعب والمحيط الخارجي للحاكم، حيث يتم التركيز على المساواة في أدق تفاصيلها، لدرجة طلب الإمام من مالك المساواة في النظر بين الجميع، حتى لا يظن أحدهم بتفاضله على الآخر فيحدث في نفسه أثرا يوهمه بتميزه عن غيره، وعلى تحقيق العدالة الشاملة في كافة مستوياتها، وبناء مجتمع متضامن يشكل نواة الجماعة الصالحة التي تعاضد الأنوية الأخرى المنتمية للدولة الإسلامية، لتشكل بمجموعها الأمة الهادية والمهدية.

- الجانب القضائي الذي يمارس دوره في حل مشاكل الناس، ويفصل في منازعاتهم، وأيضا يستقبل شكاوى الناس عن الحاكم وجهازه وينظر فيها بإنصاف وعدالة، وكيف يجب تحصين جبهة القضاء سواء تحصين ذاتي لأفرادها بتوفير الاكتفاء المادي، واختيار القضاة وفق معايير دقيقة تنظر لتقوى القاضي وانضباطه الشرعي وفق حكم الله لا فقط لشهادته وحصيلته العلمية والخبروية، أو على المستوى الخارجي بتوفير الأمن والحماية والتحصين الذي يقلل من مخاطر الاختراق وشراء الذمم وتحريف الأحكام عن مسار الحق والعدالة.

- الجانب الاقتصادي المتمثل ببيت مال المسلمين، وكيفية الحفاظ على هذه الأمانة، وأهمية نزاهة كف الحاكم في ردع الآخرين عن التسلق على أموال المسلمين.

3- عدم محاباة الإمام لمالك رغم قربه منه، واعتماد معيار. الحق والباطل وتحقيق العدالة وفوقهما رضا الله مرجعية في تقريب هذا الوالي وتثبيته أو عزله وتنحيته بشكل صريح( مبدأ الثواب والعقاب).

4- التركيز على النهوض بوعي الجمهور ليمارس دوره الرقابي على الحاكم وجهازه، ويمارس دوره في المحاسبة أو بشكل أدق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر( الرقابة والتشريع).

العدالة والتمييز: قراءة في الآثار

العدالة:

التشديد على هدف العدالة وإقامتها من قبل جميع من أرسله الله تعالى، بل تركيز الله في القرآن على هذا المبدأ يكشف عن محوريته وأهميته في انتظام الحياة البشرية على الأرض، بل انتظام الكون، كون العدالة لا تقتصر على تعامل الإنسان مع الإنسان، بل العدالة لها مراتب عديدة تحقيقها مجتمعة يحقق ميزان العدالة المطلوب:

1- العدالة الداخل نفسية، وهي وصول الإنسان في صفاته النفسية إلى الاعتدال بحيث يصبح نفسيا لا مفرطا ولا مفرطا، ويمتلك ميزان قويم يقيس وفقه الأمور، وإحراز العدالة النفسية يتطلب مرحلة قبلية منطقية وهي بوابة العدالة النفسية اي اتزان ميزان الأفكار العقلية، والتي تحتاج نظم لمصادر هذه الأفكار ومنبعها، أي نظم لمصادر المعرفة، هذا النظم له بعدين:

- بعد إلهي معصوم ولا محدود يتمثل في القرآن والسنة الموثوقة الصدور.

- بعد بشري غير معصوم ومحدود، يتمثل في العقل والحس والتجربة.

وهذه المرتبة هي مفتاح ومقدمة قاعدية لإحراز مراتب العدالة الفوقية.

2- العدالة السلوكية: وهي المعنية بسلوك الفرد مع محيطه:

- مع نفسه وفق موازين دقيقة أسسنا لها في المرتبة الأولى.

- مع جسده وضبطه وفق ضوابط العقل المنتظمة في معارفها وفق مصادر معتمدة.

- مع الإنسان الآخر سواء كان فردا ارتبط به برابطة حقيقية كالأرحام، أو رابطة حقوقية كالزوجية وباقي صلاته الاجتماعية والدولتية.

- مع الطبيعة والمقصود بها العدالة في التعاطي مع الطبيعة واكتشافاته لها، وكيفية توظيف هذه الطبيعة بما يحقق مبدأ العدالة وعمارة الأرض بالعدل في صالح كمال الإنسان وتكامله.

3- العدالة الوظيفية: وهي المتعلقة بكل موقع يمكن للإنسان أن يتم تنصيبه به، سواء في الأسرة أو في المجتمع أو في الدولة. وهو ما يتطلب إحاطة أشمل في القوانين، والحقوق، والنظم التي من شأنها تحقيق العدالة ومنع الظلم، ولكل وظيفة مرتبة في تحقيق العدالة، فليست العدالة المتحققة في الخارج بمرتبة واحدة، بل لكل مرتبة وظيفية عدالة متعلقة بها وخاصة بمرحلتها.

وتحقيق العدالة في كافة المستويات كفيل بتهيأة قابليات المجتمع جميعا وتوجيهها نحو الأهداف الإلهية، في تحقيق العمارة على الأرض، وتشييد بناء متكامل يفجر طاقات الإنسان العقلية والعملية، ويحقق له القدرة على التكامل وفق مراتب الكمال المختلفة، ويشيع أجواء التعاون على البر، والتنافس في تحقيق الرضا الإلهي، وحتى الرفاه الإنساني، وتوفير فرص واحدة لجميع البشر بما يكفل لهم تفجير طاقاتهم التي أودعها الله تعالى بالتساوي فينا جميعا، ويبقى أمام تساوي الفرص لجميع البشر تحت مظلة العدل، سعي كل إنسان واجتهاده، وحينما يكون هناك تنافس إيجابي سيخلق ذلك عند الجميع الهمة والعزيمة للسعي وسيعلي من مستويات الإرادة في تحقيق ما من شأنه حفظ القيم العليا كالكرامة والحرية والعزة، في مضمار العبودية لله فقط وهو ما يثبت أركان التوحيد في الأرض، كون العدالة تنفي كل أنواع الظلم، بما فيها ظلم الإنسان لنفسه بعبوديته لمثيل له أو لما هو أقل شأن منه.

ستقنن العدالة إدارة الموارد والثروات، وتحد من سلطة الحاكم وحاشيته عليها، بل ستفرض منهجا اقتصاديا مانعا للهدر والفساد والطبقية ومؤسسا للرفاهية والاكتفاء الذاتي وتحقق مبدأ الكفاية. وهذا يعالج كثير من مشاكل الفقر والعوز وعدم تكافؤ الفرص.

التمييز:

التمييز تارة يصب في صالح العدالة، وهو تمييز إيجابي يخلق جو تنافسي تكاملي، ويدفع باتجاه التطور والنهضة، خاصة التمييز على أساس الكفاءة والمرتبة العلمية، كون الله ميز في المراتب بين الأنبياء، ولم يساوي بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهذا النوع من التمييز هو من فروع تحقيق العدالة.

وتارة يكون التمييز عقبة في طريق تحقيق العدالة، بل سهم يصيب العدالة في مقتل، وهو التمييز السلبي، الذي يضع معايير قبلية ومذهبية أو عائلية في التمييز بين فرد وآخر، ولا وجود لمعايير مثل الكفاءة والحق والأهلية، بحيث يتم التعاطي مع الفرد وفق معايير ذاتية قائمة على أسس عصبوية بعيدة عن الحق وعن منهج الله تعالى، ويحقق هذا النوع من التمييز فوضى في القيم والمعايير ويكون قاعدة لكل فساد.

فحينما يتم التمييز بين الأفراد، سواء كانوا أفراد في الأسرة، أو المجتمع، أو مؤسسات الدولة، أو في المدرسة، ويكون التمييز سلبيا، فإن ذلك مع التقادم سيخلق عند الذين وقع ضدهم التمييز حالة من الشعور بالغبن، وهو ما يولد شعورا بالظلم يتعاظم إذا ما تم إنصاف هذا الشخص، وبالتالي ستغيب صفة الإنصاف، وتحضر صفة الانتقام وفق مراتبها الخاصة، حيث لكل مرتبة غبن هناك مرتبة انتقام تناسبها، وهو ما يدفع المظلوم لممارسة الظلم ذاته على من ظلمه، لتحقيق الراحة النفسية ورفع شعور الظلم، وحتى لو مارس تمييزا مماثلا بحق مع ظلمه، بحيث تترسخ مع التقادم معايير وقيم جديدة بعيدة كل البعد عن الحق والإنصاف والعدالة، وتدريجيا تنتقل هذه كعدوى في المجتمع، وتصبح مفاهيم العدل مشوهة، بحيث يجد المظلوم ان العدل هو أن تمارس نفس ما مارسه الظالم عليك، تمارسه بحق الظالم لك، ويغيب معيار الإنصاف الذي يعتبر معيارا يعيد ميزان العدالة لنصابه حتى مع وجود بعض الظالمين، فالإنصاف يزيل الحجب عن النفس، ويعدل الشعور النفسي بالظلم، ويمنع تحوله لشعور بالانتقام، بل يضبطه ليكون شعورا يسعى لتحقيق العدل حتى في حق الظالم.

فمثلا: إذا كان الحاكم قام بممارسة تمييزا بين أفراد الشعب، بأن قرب فئة وأعطاها ميزات على حساب فئة أخرى لأسباب مذهبية أو قبلية أو عائلية، وقامت هذه الفئة باستخدام نفوذها في مخالفة القوانين ضد الفئة الأخرى كنوع من الهيمنة والتهميش، فإن الإنصاف يقتضي من الفئة المظلومة، من عدم السعي للانتقام، وعدم ممارسة نفس ما قامت به تلك الفئة في حال أتيحت الفرصة للفئة المظلومة مساحة للقرب من الحاكم. فإذا اخترقت الفئة المقربة من الحاكم قوانين وظلمت بهذه القوانين الفئة المهمشة، فإن ذلك يستدعي من الفئة المهمشة وفق قاعدة الإنصاف، أن تعيد ميزان العدالة لوضعه الطبيعي، وأن لا تستخدم الأدوات المنحرفة التي استخدمتها تلك الفئة لإعادة حقها، والدفاع عن الحق واسترداده لا يبرر استخدام نفس أدوات الظالم أو لا يبرر ظلم الآخرين بحجة استرجاع الحق، كون الحق لا يسترد بالظلم، أو للانتقام من تلك الفئة، بل عليها أن تعيد ميزان الحق والعدالة لينعم الجميع بها، ولمواجهة الفساد والتقليل من انتشاره.

لذلك يعتبر التمييز السلبي على مستوى من الخطورة بحق تحقيق العدالة، لآثاره النفسية والاجتماعية، وتغييبه معيار وقيمة الإنصاف، وبغيابها تحجب النفس عن الحق والعدالة، وتوجه إلى حالة الانتقام المتبادل الذي يغرق المجتمع بالظلم والتفرقة ويشتت جهوده ويشيع الفساد، ويكرس وجود الظالم، ويعيب مبدأ التوحيد على المستوى العملي، وإن بقي مرتكزا نظريا في النفس، لكنه معطل عمليا فلا يحرز الأثر المرجو منه.

بينما الإنصاف معيار يعيد نصاب الأمور إلى ميزان العدل والحق، ويمنع تفاقم الفساد، وتوسيع الهوة بين الأفراد والمجتمعات، ويعيد نصاب النظم وفق أسس سليمة في المجتمعات وفي المؤسسات والأسر.

إن إحراز العدالة النفسية وحضور قيمة الإنصاف التي هي قلب العدالة، يمنع انتشار الأمراض في النفس وفي المجتمع، فهو يمثل ضابطة للحاكم من جهة، وضابطة للمحكومين، ويعلي من منسوب الرقابة لكل جهة على الجهة الأخرى، وفق معيار الحق والباطل، بحيث يخرج من دائرة المعيارية كل أنواع الشخصنات مثل القداسات النابعة من المواقع والانتماءات، والعصبيات وكل نفوذ وظيفي أو موقعي يعمد إلى تجيير نفوذه لصالحه او من ينتمي إليه. بالتالي هو يذيب الحواجز والهواجس، ويبني جسورا للتواصل والتواصي بالحق، لأجل تحقيق العدالة الشاملة.

خلاصة ورؤية:

- إن إشكالية مجتمعنا اليوم هو غياب العدالة، وحضور التمييز السلبي بكل أشكاله، ووهذا دفع بالكثيرين إلى غياب قيمة الإنصاف على مستواهم العقلي والنفسي وبالتالي السلوكي، ومن ثم إشغال المجتمع بخلافات بينية بعيدة كل البعد عن الإشكاليات الحقيقية وملفات الفساد.

- غياب المرجعية المعيارية وفق مبدأ الدليل والحق والباطل، وحضور القداسات الشخصية والانتماءات القبلية والمذهبية كمرجعية معيارية، وبالتالي الانشغال بصراعات لا تنجز شيئا غير الفرقة والكراهية وتقسيم المجتمع، وأخطر آثارها تقويض بنى الدولة، وتكريس الاستبداد، وتغييب العدالة واستحضار كل أنواع الغرائز وحضور مبدأ التوحيد على مستواه النظري أو كفرة عابرة، وغيابها على المستوى العملي بما يعيد مبدأ العبودية بأشكال مختلفة،

- عدم قيام المعنيين من النخب من كافة الطبقات بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق معيار الحق لا المصلحة، وهو ما يكرس من الفساد باسم المصلحة ويشرعنه بحجج نفعية ذاتية آنية يسبب فسادا متراكما على المدى البعيد يضر ببنية المجتمع ككل.

- انقياد أغلب النخب لرغبات ومطالب الجمهور حتى لو كانت خلاف الحق والعدل، مع عدم وجود وعي واقعي وموضوعي عند أغلب طبقات الجمهور، بل تحول الجمهور لنظرية مزرعة البصل، كلهم رؤوس.

- عدم امتلاك منهجية معرفية في تقصي الحقائق وامتلاك المعرفة، والاعتماد غالبا على الشائعات في اتخاذ المواقف، مما يدخل المجتمع دوما في رياح الفتنة، ويشغل المجتمع بشائعات تستنفذ طاقته فيما لا يجب، ويسهل تمرير مشاريع سلطوية بعيدا عن الرقابة والمحاسبة، فغياب معايير قيمية على رأسها العدالة، من خلال مصادرة الحريات وممارسة شتي أنواع التمييز السلبي يؤدي إلى الفوضى المعرفية والحكمية.

رؤية مقترحة:

- تفعيل العمل المدني التوعوي القائم على توعية الأفراد والمجتمع على حقوقه، وعلى أهمية مبدأ العدالة الاجتماعية، ونشر وعي حقوقي يمكّن الشعب من ممارسة دوره في تصحيح مسار النخب والسلطة.

- تفعيل مبدأ الإنصاف لتفويت الفرصة على محاولات تقويض القانون وخلق فجوات بين مكونات المجتمع وقطع جسور التواصل والوحدة. من خلال مبدأ الحق لا يسترد بالظلم. ومبدأ ادفع بالتي هي أحسن، وتفعيل قاعدة ولا يجر منكم شنآن قوم ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، وهذا يفترض أن تقوده النخب من خلال المبادرات إلى تفويت الفرص على الفتن المتنقلة، ومواجهة كل أنواع الإنحرافات والفساد الذي يقوض مبدأ العدالة ويستخدم أدوات ظالمة في حق المختلفين معنا حتى لو قاموا هم باستخدامها في حقنا، ولا يكون ذلك إلا بتصدي النخب لتوعية الناس بكافة الوسائل المتاحة.

- تحديد الأولويات التي على النخب والشعب الانشغال بها لتحقيق العدالة، وهو ما يتطلب عمل ورش توعوية حول ذلك تمكن الشعب من فهم الواقع كما هو لا كما يروج له.

- مد جسور التواصل والحوار مع الجميع ووضع قاعدة مشتركات بين الجميع أساسها العدالة والمساواة.

- كشف رعاة الفتن كشفا توثيقيا أمام الشعب، وتشكيل وحدات عمل تتحرك في المقار الانتخابية في وقت الانتخابات مهمتها كشف مدعي الإصلاح وتوعية الناس.

- تفعيل مبدأ التشبيك بين النخب وبين المؤسسات الفاعلة ووضع برنامج تقويمي لمسار العمل السياسي والاجتماعي.

الإنصاف عين العدل والحرية المنضبطة علة غائية لتحقيق العدل، والعدل بوابة لازمة لتحقيق الكرامة الإنسانية.

 

إيمان شمس الدين

 

ميثم الجنابي"أكثر الخلق يرون كل شيء سواه فيستشهدون عليه بما يرونه.

 والصديقون لا يرون شيئاً سواه فيستشهدون به عليه" (الغزالي)

لقد وقف الغزالي في مجرى تطوره الفكري وتقاليد ثقافة المرحلة أمام المفارقة التاريخية التي صنعته وأعطت له في الوقت نفسه إمكانية تذليلها. فمن الناحية المجردة للظاهرة لا تناقض ولا غرابة في الأمر. بل يمكن تأكيد العكس! بمعنى أنها ظهرت بصيغتها العملية الطبيعية لكل ما هو حي من خلال رمي ما كان وسيلة وجوده ونموه. لكن إذا كان للحي الطبيعي في وجوده الآمه الخاصة، فإن ما يرويه لنا الغزالي في (المنقذ من الضلال) عن معاناته الفكرية النفسية لم تكن سوى الحصيلة المجردة لهذه العملية، التي كان الكلام أحد مصادرها الهامة وروافدها الأساسية.

ومن الصعب تحديد ماهية الكلام وموقعه في تآلفه الفلسفي الصوفي دون تحليل ودراسة الصيغة التي تحول فيها الكلام إلى أسلوب تطوره الفكري وانكساره العقلي التأملي (اللاهوتي) وتذليله في قيم التصوف ومبادئه الكبرى. فقد كان علم الكلام وتقاليده العريقة المقدمة الضرورية لصيرورة علماء الإسلام ومثقفيه. فهو لم يكن على غرار لاهوت القرون الوسطى الأوروبية أسير فئة ما معينة، بل كان إلى حد ما أسلوب تمارين العقل والقريحة. وقد تمتع به المتكلمون أنفسهم والفلاسفة وأصوليو الفقهاء وفطاحل الشعراء، ومبتذلو الساسة وكبار الخلفاء. باختصار لقد كان بمعنى ما الخميرة الروحية والعقائدية التي أخذت منها الشخصيات المختلفة لعالم الإسلام تمارين الجدل العقلي وأسلوب رؤيتها للعالم.

فقد عمّق الكلام الثقة في مقدرات العقل للدرجة المفرطة التي سيكشف الغزالي لاحقا عن زيفها الكبير باعتبارها أوهاماً للنفس. وقبل أن يصل إلى هذه الدرجة كان لابد له من أن يمر بدروب الأوهام من أجل رؤية ماهيتها الخربة وحقيقتها المفسدة للحقيقة. ومن الصعب الاتفاق مع هذه الصيغة كما هي. والقضية هنا ليست فقط في إمكانية مطابقة الوهم لحقائق الأشياء، كما سيردد الغزالي لاحقا، بل ولأن هذا التقييم لا يعبر إلاَ عن انتقاده لأسلوب الكلام في رؤيته للأشياء وسيطرة العقائدية الضيقة فيه. غير أن هذه الحصيلة بحد ذاتها هي عملية معقدة ضمن صيرورة العناصر الفكرية المجردة وانعكاسها غير المباشر في مواقفه الشخصية من أسلوب الكلام نفسه.

فجوهرية الكلام العلمية ــ العقائدية في الثقافة الاسلامية هي التي جعلت منه بالضرورة أحد مصادر ثقافة الغزالي وأسلوب تطوره العقلي. فالكلام الذي تبّطن مهنة الفقيه المحترف قد فعل فعله المزدوج في "صعوده" الاجتماعي والعقلي. انه مثّل درجة ومرحلة هامة في ارتقائه الفكري. فإذا كان الكلام هو أحد الأساليب الأساسية للثقافة الإسلامية، فإن المرور به يصبح من ضروراتها. وبين هذين الخطين المتوازيين للضرورة والثقافة تتكون معالم الكينونة الروحية للمفكرين. ومن الصعب حصر نماذج تجليها الشخصي. إذ هي على عدد مفكريها. إلا أن الشرط الأول لتذليل التناقض الضروري لهذه الكينونة وقوتها يقوم في الاستقلال ومحاربة التقليد. ومأثرة الغزالي التاريخية الكبرى في موقفه من ثقافة الإسلام المعاصرة له ككل والكلام بشكل خاص، تقوم في إدراكه جوهرية هذا الشرط، أي انه اختزل في تجربته النظرية (العقلية) الشخصية كل العمق الثقافي النفسي لتقليدية الوعي العقائدي. وإن ابتداءه بمهاجمة التقليد والبحث عن الفطرة الإنسانية قد تضمن في ذاته الكمون الفكري لمحاربة جدلية الكلام العقائدية وإعلان محدوديته المعرفية.

ومن الطبيعي ألا يتعدى هذا الكمون الفكري النقدي في ملامحه الأولية حدود ومعالم الروح الإسلامي. على العكس! انه كان يفترض في كل فعل يفعله ثواب، وفي كل هجوم يشنه عقاب. ولم تكن هذه الحالة العامة التي كوّنت الغزالي الفقيه المتكلم سوى معالم وجود الخلافة في مكوناتها الإسلامية آنذاك، أي انه عادة ما كان يجري إدراك العالم من خلال مؤشر العقل الجدلي وأوهام النفس. وإذا كان الكلام هو وسيلة هذا العقل وهذه النفس، فإنه يصبح من الواضح امتلاءه بشحنة العداء السلبي. غير أن هذه الظاهرة كانت أيضاً الصيغة العقائدية للوجود الثقافي. بمعنى أنها لم تكن عملية إرادية. وإن مقدمتها تكمن في تلك البدايات الأولى لعلم الكلام القائمة في تجميعه عناصر الدفاع عن عقائد الإسلام بين احتراب الفرق. وكذلك بأثر سيطرة القناعة الجازمة عن النموذج المثالي للفرقة الناجية.

فإذا كان احتراب الفرق الإسلامية في ما بينها يجري ضمن مسار "اختلاف أمتي رحمة"، وأن ثواب الاجتهاد في الخطأ والصواب، أي تعبيره الثقافي عن مسار المعرفة والبحث عن الحقيقة، فإن قيود الفرقة الناجية قد اثقلت هذه المساعي الثقافية بكوابح المساعي العقائدية. وقد تبلور الروح الكلامي للغزالي ونزوعه العقلاني في ظل احتراب هذه المساعي المختلفة. فإذا كان نموذجها الأولي في تجسيد الدفاع عن "الفرقة الحق" قد جرى في ميدان الفقه ومعضلاته "الإسلامية" العديدة، فإن بروزه في الصراع ضد الفلاسفة قد نقله إلى عالم الثقافة الأوسع ومعترك صراع المناهج والحقائق. وإذا كان الفقه وصراعاته لم يسمحا للثقافة الكلامية أن تبرز إلا من خلال جدل ومناقشة المذاهب الإسلامية، فإن الهجوم ضد الفلاسفة قد وضع الثقافة الكلامية أمام محك الصراع الفكري.

حقيقة أن هذا الصراع لم يكن بإمكانه أن يتخطى كلياً رواسب الفقه الظنية. لكنه نقل هذه الظنون وجدلها العقلي إلى ميدان العقائد. مما أعطى لها صيغة الجدل الشكوكي. وبهذا يكون قد فسح المجال أمام تهشيم القناعة الجازمة. إلا أن ذلك لم يكن فعلاً مباشراً. لقد استغرق ذلك منه جهود سنوات من التأمل الفاحص لآراء الفلاسفة المسلمين. 

فهو يتكلم في (المنقذ من الضلال) عن دراسته المتخفية والمتأملة لآراء الفلاسفة في الوقت الذي كان يلقى محاضراته الفقهية في نظامية بغداد. ذلك يعني بأن تزاوج الثقافة الفقهية المنطقية الشكلية ونفسيتها الظنية بقناعة الكلام العقائدية قد ولد شرارة الشك الجدلي الحاد ضد الفلاسفة فـي (تهافت الفلاسفة). فقد حاول الغزالي هنا للمرة الأولى تجميع وتنظيم كل قوى الكلام الجدلية في محاربة الفلاسفة وإبراز "تهافتهم". وافلح إلى درجة كبيرة في اظهار تناقضات الاتجاهات الفلسفية الإسلامية في براهينها بصدد قضايا الإلهيات أو بصورة أدق، الكشف عن لا منطقية منطقها في هذه القضايا. وإذا كانت النوازع الداخلية والمعلنة في انتقاده للفلاسفة تقوم في اظهار تهافتهم، بينما وسيلته في ذلك هي مواجهة الإشكالات بالإشكالات، فإن نتائجها العملية والفكرية اثبتت عما في ضرورة المنطق من أهمية جوهرية. فإذا كان انتقاده موجها من أجل البرهة على تهافت الفلاسفة الناتج عن عدم تمسكهم بقواعد النظرة المنطقية من قضايا الإلهيات، فإن ذلك كان لابد وأن يلزمه بضرورة التمسك بها في كل من الانتقاد والإثبات.

لقد ألزمه انتقاد الفلاسفة إثبات ما هو أجدر وأقوى وأدق في منطقية التحليل والبرهان. ومن الممكن العثور على الإدراك الأولي لهذا التناقض في مقدمة (تهافت الفلاسفة) والتي أقرت بمنهجية النقد السلبي وتأجيل البديل الايجابي. وسوف نرى أهمية المنطق في (معيار العلم في فن المنطق). ومع ذلك لا ينبغي الخلط بين ما كان يحرك الغزالي ويكمن وراء إبداعه الفكري قبل (تهافت الفلاسفة) وما بعده بقليل، وبين ما سيقوله ويكشف عنه في مرحلة التصوف. ومن الصعب الآن القول، بأن الغزالي قد نظر إلى (تهافت الفلاسفة) في مجرى تأليفه على أنه كتاب كلامي لا يمت إلى البحث عن الحقيقة بأية صلة. وذلك لأن حوافز طابعه الهجومي السلبي حددتها مهام الدفاع عن عقائد الاسلام. ولم تكن هذه العقائد بالنسبة له آنذاك خاصة بالعوام فقط. على الرغم من أنه كان يدرك في وقتها المستويات المتباينة لاستيعاب هذه العقائد عند العوام والخواص. إلا أن ذلك لم يغير من كونها عقائد ضرورية مقبولة كما هي. فالتقييمات اللاحقة مثل "عقائد العوام" و"أوهام الكلام" هي من وحي العالم الصوفي وإعادة تقييم التجربة النظرية والعقلية. وبهذا المعنى، فإن الطابع الحجاجي (لتهافت الفلاسفة) لا يغير من واقع سعيه على تأكيد ما ينبغي تأكيده. ولهذا تضمن أيضا في انتقاده السلبي عناصر الافتراض الايجابي، أي أن انتقاده لآراء الفلاسفة في قضايا العقائد قد حدد، على الأقل، موقفه الرافض وخلافه المبدئي. مما استلزم بالضرورة تقديم البديل الفكري، الذي اقترح له آنذاك عنوان (قواعد العقائد). ولا توحي آراء الغزالي آنذاك والنص الضمني الموجود بين دفات انتقاده، بأنه كان يسعى لتقديم بديله الإيجابي في تقاليد أخرى غير تقاليد علم الكلام (الفلسفي). وهو ما يمكننا تلمسه بصورته  الملموسة (الظاهرية) في كتاباته اللاحقة وبالاخص كتاب (الاقتصاد في الاعتقاد). ويتبين ذلك بوضوح أكبر في (إحياء علوم الدين) عندما نظر إلى (الاقتصاد في الاعتقاد) نظرته إلى كتاب كلامي. وإذا كان بالإمكان افتراض كون (الاقتصاد في الاعتقاد) هو الرد الإيجابي على قضايا الخلاف المثارة في (تهافت الفلاسفة)، فإننا لا نستطيع أن نرى فيه توجها يتعدى الصيغة المعتدلة لما ينبغي قوله في قضايا الخلافات الكلامية الإسلامية ذاتها.

وقد كان تأثير هذه الظاهرة مزدوجاً في موقفه من الكلام، وفي تأثيره على مجرى تطوره الفكري بشكل عام والكلامي بشكل خاص. فقد تضمن (الاقتصاد في الاعتقاد) صيغة الرجوع إلى القضايا التقليدية لعلم الكلام وتثبيت مقالاته الجديدة. لكنه من حيث مضمونه لم يكن أكثر من "حل وسط" لقضايا الاعتقاد. وقد كان ذلك يعني من حيث موقعه في منظومة الفكر إعادة الترتيب الخفية والإدراك الأولي لمحدودية الكلام، باعتباره علم الدفاع عن عقائد الإيمان، أي أنه واجه وهن قواه العقائدية بعد خمود حمى الصراع مع الفلاسفة، أو ما عبرت عنه النادرة الصوفية في استلهامها منطق الخيال الرمزي الذى يكشف عن أن النتيجة الحتمية لحجر الشحذ:  هو الانكسار. فكتاب (الاقتصاد في الاعتقاد) لا يعني إلا أوساط الحلول، أو الاعتدال في قضايا العقائد، أي أنها الصيغة الأيديولوجية الدينية المعتدلة وليس الصيغة الضرورية للحقيقة. فالحقيقة لا تعرف الاعتدال والتطرف. وإن جمرة هذه الحقيقة المحترقة تتلألأ تحت رماد اعلان (الاقتصاد في الاعتقاد) "اعتدالا" في الاعتقاد.

وقد أدى ذلك إلى ظهور السؤال المنطقي عن الشيء الجديد الذي يمكن للكلام أن يقدمه خارج إطار هذه العقائد. لهذا نرى، بأن ولع الكلام الهجومي المميز لكتاب (تهافت الفلاسفة) سرعان ما يفسح المجال لهدوء الفكر المميز لكتاب (الاقتصاد في الاعتقاد). إلا أن هذا التحول في المزاج الفكري وهدوئه الظاهري كان يستند على أساس متذبذب، وضع لبناته منهج مواجهة الإشكالات بالإشكالات المميزة لكتاب (تهافت الفلاسفة). وبالتالي فإن الشك الباحث عن منطق في كل "منطق" قد ألزمه بالضرورة تمحيص قواعد العقائد وبراهينها في (الاقتصاد في الاعتقاد)، والتي لم يكن بإمكانها احتلال القناعة الجازمة للكلام وعقائده في منطقية التفكير الفلسفي. وبهذا المعنى، فإن الكلام يلتقى مع الفلسفة في قضايا الالهيات. بمعنى ضعفه المنطقي. ففي (معيار العلم في فن المنطق) الذي كان أحد أجزاء الرد الإيجابي المفترض (لقواعد العقائد) لا نعثر على أي تأييد للكلام. على العكس!إذ تبرز هنا للمرة الأولى عناصر التشديد على افتقاد الكلام والمتكلمين للمنطق. وليس غريبا أن يتناول المتكلمين في معرض انتقاده لنزعة السوفسطائية. وذلك لأنها وجدت في ما اسمته تناقض أدلة فرق المتكلمين أحد أسبابها الأساسية1. في حين وجد سّر "تناقض أكبر أقيسة المتكلمين" في عدم تمسكهم بقواعد المنطق وشروطه2 . لقد تضمن هذا التطور اللاحق لآراء الغزالي إمكانية المقارنة الجدية بين قناعته العقائدية ومستواها المنطقي. فإذا كانت الفلسفة باعتبارها مجموعة لعلوم كثيرة تفتقد إلى تجانسها في "منطق" الإلهيات، فإن ذلك لا يلغي احقيتها في المنطق والرياضيات والأخلاق والسياسة وعلومها الأخرى. وفي حالة مقارنة ذلك بالكلام فما هي يا ترى الأجزاء الأخرى لعلم الكلام التي يمكن أن يحتفظ بها مقارنة بالفلسفة؟ وسوف يجيب من حيث الجوهر ععلى هذا السؤال بالنفي. إلا أن هذا النفي كان حصيلة تجربة طويلة ومتعرجة في دهاليز الفكر النظري والعملي أدت في موقفه من الكلام إلى اعتباره علما لا يحتوي بحد ذاته على حلول عقليّة أو منطقية بما في ذلك تجاه قضايا الإيمان. إلا أنه يمكن أن يؤدي وظيفة المدافع عنها. وقد كمن في هذا التناقض أحد المصادر الفكرية العملية لأزمته الروحية الأخيرة والتي ساهمت في انتقاله إلى عالم الصوفية. بمعنى أنه لم يعد يرى في الكلام سوى العلم الذي يؤدي وظيفة عقائدية أيديولوجية صرف. وقد كمن في ذلك عناصر انتقاده المتعمق للكلام، ابتداء من (تهافت الفلاسفة) وانتهاء بكتاب (إلجام العوام عن علم الكلام).

ولعل مأثرته بهذا الصدد تقوم في أنه استكمل تقاليد "محاربة" الكلام التي بلورها تراث الفكر الإسلامي في اتجاهاته الكبرى. فقد صاغته تقاليد الورع الإسلامي، خصوصاً في تيارها الفقهي عند مالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وأبو حنيفة، في مواقفها المعارضة للكلام ومهاتراته الفكرية. بينما لم تجد الصوفية في الكلام سوى تشقيق للفكر ومجافاة للحقيقة. في حين ألغته الفلسفة باعتباره علما لا علاقة له بالبحث عن الحقيقة. وخصوصية الغزالي في موقفه من الكلام تقوم في أنه استمر بتعميق تقاليد الورع الإسلامي من حيث اكتشافها الطابع التدميري للكلام، وتقاليد التصوف من حيث رؤيتها في الكلام قوة مميتة للروح الأخلاقي، وتقاليد الفلسفة التي تراوحت بين قبوله الأيديولوجي ورفضه الضمني.

إن مأثرة وعمق انتقاده للكلام وكشف محدوديته المعرفية واغترابه عن عالم الإنسان الروحي والأخلاقي تقوم في كونه أحد ممثليه الكبار. إنه وحَّد في ذاته تقاليد مواجهة الكلام. فهو الفقيه الكبير، والمتكلم الحاذق، والفيلسوف الصوفي. إن تقييمه للكلام هو تقييم نموذجي يعبر في حصيلته العامة عن تقييم ثقافة الخلافة تجاه أحد ميادين صيرورتها العقائدية والروحية. فتقييمه للكلام لم يتحدد باختصاص ما معين ولا بجميعها، بل من خلال صيرورة تآلفه الفكري.

ففي الوقت الذي عمق انتقاد الفقه والتصوف للكلام رؤية الغزالي تجاه الكلام بسبب جفاءه للورع، وبعده عن الأخلاق، وانغماسه في الجدل المذهبي المتعصب، فإنه وحَّد ما في تقاليد الكلام والفلسفة من خلال دراستهما النقدية. إذ يشترك الكلام والفلسفة في ضعفهما المنطقي في قضايا الإلهيات. إلا أن لكل منهما في الوقت نفسه حدوده وقيمته الخاصة. فإذا كانت الفلسفة ذات قيمة في منطقيتها وأسلوبها ونتائج بحثها عن الحقيقة، فإنه لم يبق للكلام سوى ما سبق للفلسفة نفسها وأن بلورته في تقاليد مواجهتها الكلام، أي إمكانية قبوله الأيديولوجي ورفضه الفكري (الحقائقي). وبهذا يكون قد أقترب هنا أكثر فأكثر من مواقف الفلاسفة. ففي (تهافت الفلاسفة) استعمل آراء مختلف الاتجاهات الكلامية (كالاشعرية، والمعتزلية والكرامية والمرجئية وغيرهم) في صراعه ضد الفلاسفة، بينما في (الاقتصاد في الاعتقاد) ينحو منحى معتدلا ورزينا في تقييمه للكلام محاولا تخطيه، رغم انغماسه الكبير بعد في تقاليده الاشعرية. (يتبع....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

...............

1- الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص162.

2-  الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص167.

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (42)

تطرقنا في مقالات سابقة إلى (قصة قيامة المسيح) وتناولنا تلك القصة من ناحية البحث التاريخي و التأثير السايكوثيولوجي وكذلك تتبعنا نصوص العهد الجديد التي تحدثت عنها، ودرسنا الاختلافات والاضافات التي شهدتها مع مرور الزمن، حيث خضعت تلك القصة للترميم والتطوير المستمر وصولا الى مدونة إنجيل (يوحنا) الذي كان زمن كتابته بعد مرور ما يقارب السبعين عاما على زمان حدوث القصة المزعومة، كما بينا سابقا .

وفي بداية هذا المقال، اود ان اتقدم بالشكر والتقدير للاخوة الاعزاء في قناة (الكرمة) على تناولهم بالبحث احدى المقالات التي تحدثت عن موضوع القيامة وهو المقال الموسوم (قصة قيامة المسيح ..كيف بدأت وكيف تطورت)

فقد اتصل بي قبل أكثر من ثلاث اسابيع احد الاصدقاء من كادر القناة، واخبرني انه سيقوم بمناقشة المقال المذكور في برنامجه، مع ترحيبه باي مشاركة او مداخلة معه على الهواء في وقت إذاعة الحلقة

وقد شكرت الاخ بدوري على اهتمامه ومبادرته الكريمة بالاتصال بي، ونظرا لتزامن وقت بث البرنامج مع وقت عملي، فقد حرصت على مشاهدة كامل الحلقات بعد وضعها على اليوتيوب، والتي وصل عددها الى 3 حلقات

الحلقات الثلاثة كان معظمها مكرسا للرد على فقرة واحدة ذكرتها في المقال وهي الفقرة التالية:

(ورغم إيلاء الكنيسة المسيحية الأهمية العظمى لقصة قيامة يسوع المسيح من الموت، باعتبارها حقيقة ثابتة لا تقبل الشك! واعتبار القبول والتسليم بها، من أهم ضروريات الإيمان القويم الذي يجب على جميع البشر الخضوع له، لتجنب الهلاك في الجحيم الأبدي!!..الا أننا لا نجد لهذه القصة المدعاة اي ذكر او أثر في اي نص تاريخي خارج النصوص الدينية المسيحية)

ويبدو ان الاخوة في الإعداد وفريق الدفاع الخاص بالقناة، قد بذلوا جهدهم من اجل اثبات عدم صدقية الكلام المتقدم، حيث حاولوا حشد أكبر عدد ممكن من النصوص التاريخية والتي بلغت 12 نصا ، وهي نصوص شهيرة من المفروض ان كل باحث في تاريخ المسيحية ، يعرفها ومطلع عليها !!

ومع ذلك ، لم تحوي تلك النصوص التي تم عرضها بالبرنامج على أي ذكر لقصة (قيامة) المسيح، وإنما كانت تشتمل على ذكر شخص المسيح او حادثة صلبه واضطهاد اتباعه وحريق روما وغيرها من الامور الاخرى التي لم يتطرق لها المقال أساسا !!

رغم انهم حاولوا أن يظهروا امام جمهورهم بمظهر الذي جاء (بالذيب من ذيله !!) من خلال اتباع أسلوب يستخدمه طلبة الثانويات ،حين يأتيهم سؤال عن (اذني الفيل) فتجد الطالب الذي لا يملك الاجابة يحاول الظهور أمام المعلم بمظهر الذي يقدم اجابة تملئ ورقة الامتحان ، فيقوم بالكتابة حول (خرطوم الفيل !!!)

والعجيب أيضا، إيراد النص الشهير للمؤرخ (يوسيفيوس) والذي يشكك الكثير من المؤرخين بموثوقية ذلك النص، وقد حاول الاخوة الذين أعدوا الرد ان يدافعوا عن وثاقة ذلك النص والتقليل من شأن الطعون التي أوردها المؤرخون حوله

وسواء كان نص (يوسيفيوس) صحيحا او مدسوسا فهو في الحالتين لا ينفع الاستدلال به، لانه حين ذكر موضوع القيامة، فقد أوردها في سياق ذكر ما يعتقده اتباع المسيح ، وليس من باب الإقرار بحدوث تلك الازعومة !

وأطرف ما جاء في الرد ..حين كانت المحاولة الى اللجوء للمنطق من اجل اثبات موضوع القيامة

حيث وجدنا الجواب يستند الى (عكس المنطق) !!!...ووجدنا المطالبة بأن يقدم اليهود دليلا على (عدم) قيامة المسيح...او ان يأتوا بشاهد ينفي قيامته !!!

ان هكذا اسلوب في الاستدلال فيه من الطرافة واثارة الضحك ما يكفي مؤنة عناء الرد عليه !!

وفي الوقت الذي اكرر فيه شكري للاخوة في القناة لاهتمامهم ومناقشتهم للمقال ، وكذلك لانهم اثبتوا (من دون ان يقصدوا) للقراء ولجمهورهم مصداقية ما جاء فيه حول عدم وجود ذكر تاريخي لقصة القيامة خارج النصوص المسيحية، بنفس الوقت أود التأكيد على الاستعداد للاجابة ومناقشة جميع الاسئلة التي طرحوها من باب (الهجمات المرتدة !!). وأرجو ان تتاح مستقبلا الفرصة للاجابة على كل تلك الاسئلة من خلال نفس المنبر الذي طرحت منه.

وبالعودة الى موضوع المقال ، الذي نحاول فيه مناقشة مخرجات و نتائج قصة القيامة، لابد في البداية من التنبيه الى ان مناقشة اوبحث موضوع ما او قصة معينة لا يعني بالضرورة الايمان بتلك القصة او بمقدماتها و نتائجها، وإنما هي محاولة للتحليل والبحث والتفكيك بين ما هو عقائدي وما هو تاريخي.

في هذا المقال سنحاول مناقشة هل ان عودة يسوع الناصري الى الحياة هو حدث فريد ،ليس له نظير في التاريخ؟

وفي حال افترضنا (جدلا) ان تلك القصة حقيقية (وفرض المحال ليس بمحال) ...فهل هناك ترابط وتلازم بين عودة ذلك الشخص الى الحياة بعد موته وبين اعتباره كائن الهي يستحق العبادة ؟!!

وكذلك سنتتبع النصوص لنرى هل ان قيامة يسوع المزعومة كانت بقدرته الذاتية ام بقدرة الله الخالق؟

النصوص التي تحدثت عن عودة يسوع الناصري الى الحياة بعد موته، احتوت على نقطة مهمة وجديرة بالاهتمام

حيث اكدت العديد منها وبشكل صريح و واضح ومباشر على ان (الله) هو الذي أقام يسوع من الموت، وان يسوع الميت قد قام بارادة الله وقدرته

كما جاء على لسان التلميذ (بطرس) في رسالته الأولى 21/1

(أَنْتُمُ الَّذِينَ بِهِ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَأَعْطَاهُ مَجْدًا، حَتَّى إِنَّ إِيمَانَكُمْ وَرَجَاءَكُمْ هُمَا فِي اللهِ)

وكذلك في سفر أعمال الرسل 10/4

(فليكن معلوما عند جميعكم وجميع شعب اسرائيل انه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه انتم الذي اقامه الله من الاموات.بذاك وقف هذا امامكم صحيحا)

وكذلك في نفس السفر 32/2

(فيسوع هذا اقامه الله ونحن جميعا شهود لذلك)

وقد اكد (بولس) على نفس الامر بشكل صريح وواضح في الرسالة الى غلاطية 1\1

(بولس رسول لا من الناس ولا بانسان بل بيسوع المسيح والله الآب الذي اقامه من الاموات)

وهناك ايضا نصوص عديدة اخرى في ثنايا صفحات العهد الجديد، تشير الى نفس المعنى وتؤكده.

ومن خلال البحث في قصص العهد القديم، نجد ان القيامة من الموت، قد حدثت للعديد من الأشخاص

حيث يروي لنا سفر الملوك الثاني في الاصحاح الثالث عشر العدد 21

ان رجلا ميتا قد عاد الى الحياة ببركة عظام (أليشع)

(وفيما كانوا يدفنون رجلا إذا بهم قد رأوا الغزاة، فطرحوا الرجل في قبر أليشع، فلما نزل الرجل ومس عظام أليشع عاش وقام على رجليه)

ونفس الامر حدث مع (ابن ارملة صرفة صيدا) الذي قام من الموت وعاد للحياة ببركة دعاء النبي (ايليا) كما جاء في سفر الملوك الأول (17- 19\24)

ويروي لنا ،كذلك ، سفر الملوك الثاني في الإصحاح الرابع كيف ان (أليشع) أقام (ابن المرأة الشونمية) من الموت !!

وإذا ذهبنا الى نصوص العهد الجديد، نجد ايضا، العديد من الحكايات التي تتحدث عن قيام بعض الأشخاص من الموت ، والتي من أشهرها قصة قيامة (ليعازر) بعد موته بأربعة أيام،حين تدخل يسوع الناصري،وتضرع الى الله من اجل اقامته

(وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ، وَقَالَ: أَيُّهَا الآبُ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي،

وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا الْجَمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ، لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي».

وَلَمَّا قَالَ هذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!) يوحنا 11

بالاضافة الى هذه القصة ،نجد في العهد الجديد قصص أخرى ، حول أشخاص قاموا من الموت على يد يسوع الناصري ، بل هناك اشخاص كانت قيامتهم على يد بطرس وكذلك بولس !

ومن هنا يتبين لنا ان حادثة عودة أحد الموتى الى الحياة ،وحسب نصوص الكتاب المقدس نفسه،لم تكن حادثة فريدة ومختصة بيسوع الناصري فقط، وإنما حدثت لاخرين عديدين غيره ، شاءت قدرة الله وإرادته ان تكون عودتهم للحياة اما ببركة دعاء بعض الاشخاص او حتى ببركة عظامهم !

وقد يعترض هنا البعض، ويقول… ان الحوادث المذكورة قام فيها الأموات بعد تدخل اناس ابرار ، بينما في حالة يسوع الناصري،الامر مختلف، لانه قام من دون ان يكون هناك تدخل او دعاء من احد !!

وللاجابة على هذا الاعتراض...نؤكد ان هذه الحالة ليست خاصة بيسوع الناصري فقط، فقد حدثت أيضا لغيره، كما يخبرنا بذلك إنجيل (متى) حين يتحدث عن قيام الاموات من قبورهم ودخولهم لأورشليم أثناء فترة الصلب، حيث كانت قيامة أولئك الأموات أيضا بدون تدخل اي شخص ،وانما تحققا لأمر الله وقدرته

(والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين ،وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا لكثيرين)  متى 27

وقد يبرز اعتراض آخر،مفاده، أن جميع الأشخاص المذكورين من الذين قاموا من الموت قد ماتوا مرة اخرى، بينما يسوع الناصري لم يمت لحد الان وإنما ارتفع الى السماء

ومجددا، تكون الاجابة ايضا، بأن هذه الميزة ليست مختصة بيسوع الناصري فقط!!

وإنما هناك اشخاص اخرين لم يموتوا وتم رفعهم الى السماء، كما هو الحال مع (اخنوخ)

(وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ) سفر التكوين 5\24

حيث نجد (بولس) يفسر هذا النص في الرسالة الى العبرانيين التي ينسبها البعض له، بقوله

(بالايمان نقل اخنوخ لكي لا يرى الموت ولم يوجد لان الله نقله اذ قبل نقله شهد له بانه قد ارضى الله)

ونفس الامر، تكرر مع النبي (ايليا) الذي جاءت عربة ونقلته الى السماء كما يذكر سفر الملوك الثاني في الإصحاح الثاني منه، حيث لازال حيا ، وما زال اليهود يتوقعون رجوعه مرة اخرى.

بعض الاخوة المسيحيين، يحاولون الاستدلال على فردانية قيامة يسوع من خلال الاشارة الى اخبار يسوع نفسه عنها، ويجعلون ذلك دليلا على انه هو الذي أقام نفسه وأنه هو (الله)

وهذا الاستدلال يحمل من السذاجة والسطحية ما يثير العجب والاستغراب !!

لان من المفروض ان يسوع وحسب نصوص العهد الجديد هو (نبي) ومرسل من الله الآب

فاين التفرد في اخباره عن أحداث مستقبلية، في الوقت الذي تمتلئ صفحات الكتاب المقدس بنبوءات كثيرة عن أحداث مستقبلية جاءت على لسان العديد من الأنبياء؟!

مما تقدم، وبعد ان تبين لنا ان قصة قيامة يسوع المسيح، ليست حادثة فريدة من نوعها، بل ان هناك العديد من الأشخاص الذين قاموا ايضا من الموت، وكذلك هناك اشخاص اخرين غير يسوع الناصري، ارتفعوا الى السماء وما زالوا هناك احياء….يأتي السؤال الأهم ..وهو :

مالرابط بين عودة يسوع المسيح الى الحياة وبين اعتباره هو الإله الخالق؟

والجواب هو انه لا يوجد اي تلازم منطقي بين الامرين ، لانه في حال لزوم ان تكون عودة يسوع المسيح الى الحياة بعد موته، او أن يكون ارتفاعه الى السماء، سببا في اضفاء الصفة الالوهية عليه، ففي هذه الحالة يستوجب الأمر أن يشاركه في صفة الالوهية كل الاشخاص الاخرين الذين اشتركوا معه في صفة القيام من الموت أو صفة الارتفاع الى السماء!!... وفي هذه الحالة نحتاج بدلا عن الاعتقاد بالتثليث الى الاعتقاد بالتسديس او التسبيع... وربما حتى التعشير !!!

إن فكرة قيامة يسوع من الموت، وبعد أن تم ربطها بعقائد اخرى مثل عقيدة الفداء وعقيدة الخلاص

اريد لها ان تكون القاعدة الأساس التي يستند عليها الإيمان المسيحي، ورغم ذلك، فإن هذه القصة بما تحمله من تناقضات و بما شهدته من إضافات وتعديلات وتطور خلال الفترة الزمنية التي دونت فيها سرديات العهد الجديد، بقيت هي الحلقة الأضعف والأكثر هشاشة في منظومة الميثولوجيا المسيحية.

 

د. جعفر الحكيم

 

منى زيتونالجوارح والجهة والانتقال ونحوه لله (1)

نتتبع في الجزء الثاني من المقال تفسيرات سلف الأمة الحقيقيين لبعض من تلك الآيات والأحاديث الموهمة بالتشبيه والتجسيم في حق الله عز وجل، التي أخذت الفرقة المسماة بالسلفية في تفسيرها بظاهر المعنى. على سبيل المثال:

لابن حزم الظاهري في "الفِصل" (ج2/باب الكلام في الوجه واليد والعين والقدم والتنزل والعزة والرحمة والأمر والنفس والذات والقوة والقدرة والأصابع، ص347-348) ‏كلام مطول في تأويل الألفاظ الدالة على جوارح ورفض إدخالها في الأسماء والصفات. قال رحمه الله فيما يخص نفي الوجه: "قال الله تعالى: ‏‏﴿‏وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾‏‏ [الرحمن:27]، فذهب المجسمة إلى الاحتجاج بهذا في مذهبهم. وقال الآخرون: وجه الله تعالى إنما يُراد به: الله عز وجل. قال أبو محمد: وهذا هو الحق الذي قام البرهان بصحته، لما أبطلنا من القول بالتجسيم. وقال أبو الهذيل: وجه الله هو الله. قال أبو محمد: وهذا لا ينبغي أن يُطلق، لأنه تسمية، وتسمية الله تعالى لا تجوز إلا بنص، ولكنا نقول: وجه الله ليس هو غير الله تعالى، ولا نرجع منه إلى شيء سوى الله تعالى. برهان ذلك قول الله حاكيًا عمن رضي قوله: ‏﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ‏‏﴾‏‏ [الإنسان: 9]. فصح يقينًا أنهم لم يقصدوا غير الله تعالى به، وقوله عز وجل: ‏﴿‏فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ‏‏﴾‏‏ [البقرة: 115]. إنما معناه: فثم الله تعالى بعلمه وقبوله لمن توجه إليه"أهـ.

وقال الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسير الآية: ‏﴿‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ‏‏﴾‏‏ [القصص:88] "والوجه ههنا عبارة عن ذات الشيء ونفسه، وعلى هذا قوله تعالى في السورة التي يذكر فيها الرحمن سبحانه ‏﴿‏وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾‏‏ [الرحمن:27] أي ويبقى ذات ربك. ومن الدليل على ذلك؛ الرفع في قوله ‏﴿‏ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾‏‏ لأنه صفة للوجه الذي هو الذات، ولو كان الوجه ههنا بمعنى العضو المخصوص على ما ظنّه الجهّال، لكان وجه الكلام أن يكون "وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ"، فيكون "ذي" صفة للجملة لا صفة للوجه الذي هو التخاطيط المخصوصة، كما يقول القائل: "رأيت وجه الأمير ذي الطول والإنعام"، ولا يقول "ذا الطول والإنعام"، من صفات جملته لا من صفات وجهه. ويوضح ذلك قوله تعالى في هذه السورة ‏﴿‏تبارك اسم رَبِّكَ ذي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾‏‏ [الرحمن:78]، لمّا كان الاسم غير المسمى وصف سبحانه المضاف إليه، ولمّا كان الوجه في الآية المتقدمة هو النفس والذات، قال تعالى: ‏﴿‏ذُو الْجَلالِ﴾‏‏، ولم يقل "ذي الجلال والإكرام". ويقولون عين الشيء ونفس الشيء على هذا النحو. وقد قيل في ذلك وجه آخر، وهو أن يُراد بالوجه ههنا ما قُصد الله به من العمل الصالح والمتجر الرابح على طريق القُربة وطلب الزلفة، وعلى ذلك قول الشاعر: أستغفرُ الله ذنبًا لستُ محصيه*** ربُ العباد إليه الوجه والعمل. أي إليه تعالى قصد الفعل الذي يُستنزل به فضله، ودرجات عفوه، فأعلمنا سبحانه أن كل شيء هالك إلا وجه دينه الذي يُوصَل إليه منه، ويُستزلف عنده به، ويُجعل وسيلًا إلى رضوانه وسببًا لغفرانه"أهـ.

وأقول: إن من طرائف تلك الفرقة أنهم حين يضطرون إلى التأويل ينسبونه إلى الظاهر! بالرجوع إلى موقع ابن باز لمعرفة رأيه في تفسير الآية ‏‏﴿‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏‏﴾ [القصص:88].‏‏ ‏قال: "على ظاهرها ‏﴿‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏‏﴾‏‏ كل الناس يموتون، إلا الرب جل وعلا فإنه الحي الذي لا يموت، كما قال سبحانه: ﴿‏وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ‏‏﴾، وقال في معنى قول الله تعالى في سورة الرحمن: ‏﴿‏كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ‏‏﴾‏‏ [الرحمن: 26-27] الظاهر مكان الأرض، وكل ما في الأرض هو فاني. الجبال تُدك، والأشجار والأحجار تذهب، والجن والإنس يموتون، والحيوانات تموت. ما يبقى شيء إلا الله سبحانه وتعالى"أهـ.

وأقول: فهل تفسير وجهه بأنه هو ذاته سبحانه من ظاهر النص -كما يدعي ابن باز- أم من التأويل؟! وبما استدللتم على وجود الوجه إذن وأصررتم أنه من صفاته سبحانه وكفّرتم من أنكروه؟! قال الكوثري في تحقيقه لكتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي (ص 287): "هذه الآية ‏‏﴿‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏‏﴾‏‏ [القصص:88]، نص على أن المراد بالوجه الذات، لا صفة من الصفات، ولا عضو من الأعضاء". ويقول الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تعليقه على آية [الرحمن:27] (ص302) "لو كان الكلام محمولًا على ظاهره لكان فاسدًا مستحيلًا على قولنا وقول المخالفين، لأنه لا أحد يقول من المشبِّهة والمجسِّمة الذين يثبتون لله سبحانه أبعاضًا مؤلفة وأعضاءً مصرَّفة أن وجه الله تعالى يبقى وسائره يبطل ويفنى، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا"أهـ.

وكذا لم يثبت السلف، ومن تابعهم من كبار أئمة المسلمين، اليد والعين كجوارح إلى الله، كما فعلت السلفية أخذًا بظاهر معاني النصوص، يقول ابن حزم في الفِصل (ج2/باب الكلام في الوجه واليد والعين والقدم والتنزل والعزة ‏والرحمة والأمر والنفس والذات والقوة والقدرة والأصابع، ص348-349): "‏وقال تعالى: ‏﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏‏﴾‏‏ [الفتح: 10]‏‏، وقال تعالى: ﴿‏لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏‏﴾‏‏ [ص:75]، وقال تعالى: ‏﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا‏‏﴾‏‏ [يس: 71]‏‏، وقال: ‏﴿‏بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ‏‏﴾ ‏[المائدة: 64]‏‏‏، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المقسطون عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين)، فذهبت المجسمة إلى ما ذكرنا مما قد سلف من بطلان قولهم فيه،...، بل نقول إن هذا إخبار عن الله عز وجل، لا يُرجع من ذكر اليد إلى شيء سواه تعالى. ونقر أن لله تعالى -كما قال- يدًا ويدين وأيدي، وعينًا وأعينًا كما قال عز وجل: ‏﴿‏وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي‏‏﴾‏‏، ‏[طه: 39]، وقال تعالى: ‏﴿‏فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا‏‏﴾‏‏ ‏[الطور: 48]. ولا يجوز لأحد أن يصف الله تعالى بأن له عينين لأن النص لم يأت بذلك ونقول: إن المراد بما ذكرنا الله عز وجل لا شيء غيره. وقال تعالى حاكيًا عن قول قائل: ‏﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ [الزمر:56]‏‏، وهذا معناه فيما يقصد به الله عز وجل، وفي جانب عبادته، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وكلتا يديه يمين، وعن يمين الرحمن)، فهو مثل قوله: ‏‏﴿‏مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ‏‏﴾‏‏ [النساء: 24-25-36]، يريد (وما ملكتم)، ولمّا كانت اليمين في لغة العرب يراد بها الحظ للأفضل كما قال الشماخ: إذا ما راية رُفعت لمجد *** تلقاها عرابة باليمين، يريد أنه يتلقاها بالسعي الأعلى، كان قوله: (وكلتا يديه يمين) أي كل ما يكون منه تعالى من الفضل فهو الأعلى"أهـ. فمذهب ابن حزم الظاهري، وأئمة السلف، إمرار هذه الآيات على ظاهر اللفظ، مع اليقين أن المقصود بها ليس الجوارح، بل هي تعبيرات مما يقتضيه لسان العرب، فكل لفظ من ألفاظ الجوارح عند الإنسان له دلالته البلاغية؛ فاستخدمها الله عز وجل للدلالة على ذاته العليّة في القرآن، الذي نزل بلسانٍ عربي مبين، رغم أنه الأحد الصمد المُنزَّه عن كل تأليف وتبعيض.

وفي تأويل قوله تعالى: ‏﴿‏‏‏‏‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏‏﴾ [الزمر:67]، يقول الشريف الرضى في "مجازات القرآن": "معنى ‏﴿‏‏‏‏‏قَبْضَتُهُ‏‏﴾ ههنا أي ملك له خالص قد ارتفعت عنه أيدي المالكين من بريته، والمتصرفين فيه من خليقته، وقد ورث تعالى عباده ما كان ملكهم في دار الدنيا من ذلك، فلم يبق ملك إلا انتقل ولا مالك إلا بطل، وقيل أيضًا: معنى ذلك أن الأرض في مقدوره كالذي يقبض عليه القابض، ويستولي عليه كفه، ويجوزه ملكه، ولا يشاركه فيه غيره. ومعنى قوله ‏﴿‏‏‏‏‏وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏‏﴾ أي مجموعات في ملكه، ومضمونات بقدرته، واليمين ههنا بمعنى الملك. يقول القائل: هذا ملك يميني وليس يريد اليمين التي هي الجارحة، وقد يُعبرون عن القوة أيضًا باليمين، فيجوز على هذا التأويل أن يكون معنى قوله تعالى: ‏﴿‏‏‏‏‏مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏‏﴾ أي يجمع أقطارها، ويطوي انتشارها بقوته، كما قال سبحانه: ‏﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ‏‏﴾. وقيل لليمين ههنا وجه آخر، وهو أن يكون بمعنى القسم، لأنه تعالى لما قال في سورة الأنبياء ‏﴿‏‏‏‏‏ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104]، كان التزامه تعالى فعل ما أوجبه على نفسه بهذا الوعد، كأنه قسم أقسم به ليفعلنّ ذلك، فأخبر سبحانه في هذا الموضع من السورة الأخرى إن ‏﴿‏‏‏‏‏َالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏‏﴾ أي بذلك الوعد الذي ألزم نفسه تعالى وجرى مجرى القسم الذي لا بد أن يقع الوفاء به والخروج منه، والاعتماد على القولين المتقدمين أولى"أهـ.

أما البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص312-313) فقد سرد بعض ما ثبت من توقف السلف، ورفض القول بالجارحة كما يقتضي الظاهر، يقول: "أما المتقدمون من هذه الأمة فإنهم لم يفسروا ما كتبنا من الآيتين والأخبار في هذا الباب مع اعتقادهم بأجمعهم أن الله تبارك وتعالى واحد لا يجوز عليه التبعيض". وذكر أقوال بعضهم، من ذلك توقف قتادة عن تفسير قوله تعالى: ‏﴿‏‏‏‏‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏‏﴾ [الزمر: 67]، وقول سفيان بن عُيينة "كل ما وصف الله تعالى من نفسه في كتابه، فتفسيره تلاوته، والسكوت عليه"، وكذا قول عبد الله بن المبارك عن الصفات الخبرية: "أنا أشد الناس كراهية لذلك –أي ذكر الصفة التي ظاهرها الجارحة-، ولكن إذا نطق الكتاب بشيء جسرنا عليه، وإذا جاءت الأحاديث المستفيضة الظاهرة تكلمنا به"، قلت –أي البيهقي-: "وإنما أراد والله أعلم الأوصاف الخبرية، ثم تكلمهم بها على نحو ما ورد به الخبر لا يجاوزونه"، ثم ذهب البيهقي للحديث عن معنى اليد واليمين ونحوه وفقًا لما قال به العلماء، فقال: "وذهب بعض أهل النظر إلى أن اليمين يُراد به اليد، والكف عبارة عن اليد، واليد لله تعالى صفة بلا جارحة، فكل موضع ذُكرت فيه من كتاب وسُنة صحيحة فالمراد بذكرها تعلقها بالكائن المذكور معها، من الطي والأخذ، والقبض والبسط، والمسح والقبول والإنفاق، وغير ذلك تعلق الصفة الذاتية بمقتضاها من غير مباشرة ولا مماسة، وليس في ذلك تشبيه بحال، وذهب آخرون إلى أن القبضة في غير هذا الموضع قد يكون بالجارحة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وقد يكون بمعنى المُلك والقدرة، وقد يكون بمعنى إفناء الشيء وإذهابه"، ثم ساق من المرويات والأشعار ما يعضد هذا المذهب في تفسير اليمين، وختم: "ليس معنى اليد عندنا الجارحة"أهـ.

وكذا يقول الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره: "القول في تفسيره في تأويل قوله: ‏﴿‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ ‏يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ‏‏﴾‏‏ [المائدة: 64]. قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن جرأة اليهود على ربهم، ووصفهم إياه بما ‏ليس من صفته، توبيخًا لهم بذلك، وتعريفًا منه نبيَّه صلى الله عليه وسلم قديمَ جهلهم واغترارهم به، ‏وإنكارهم جميع جميل أياديه عندهم، وكثرة صفحه عنهم وعفوه عن عظيم إجرامهم. ‏ويقول تعالى ذكره: "وقالت اليهود"، من بني إسرائيل "يد الله مغلولة"، يعنون: أن خير ‏الله مُمْسَك وعطاؤه محبوس عن الاتساع عليهم، كما قال تعالى ذكره في تأديب نبيه ‏صلى الله عليه وسلم: ‏﴿‏وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ‏‏﴾‏‏ [الإسراء: 29]. ‏وإنما وصف تعالى ذكره "اليد" بذلك، والمعنى العَطاء، لأن عطاء الناس وبذلَ معروفهم ‏الغالبَ بأيديهم. فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضًا، إذا وصفوه بجود وكرم، أو ‏ببخل وشحّ وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه، كما قال الأعشى في ‏مدح رجل: ‏يَــدَاكَ يَــدَا مَجْـدٍ, فَكَـفٌ مُفِيـدَةٌ ‏*** وَكَـفٌّ إذَا مَـا ضُـنَّ بِـالزَّادِ تُنْفِـقُ. فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى "اليد". ومثل ذلك من كلام العرب ‏في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يُحْصى. فخاطبهم الله بما يتعارفونه ويتحاورونه بينهم في ‏كلامهم".

وعن قوله تعالى: ‏‏﴿‏إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏‏﴾‏‏ [الفتح:10] يؤولها الشريف الرضى في "مجازات القرآن"، فيقول: "اليد ههنا تُعرف على وجوه: أحدها أن يكون المعنى عقد البيعة فوق عقدهم. وقيل: المراد قوة الله تعالى في نُصرة نبيه عليه السلام فوق قوة نصرتهم. وقيل: اليد ههنا بمعنى السلطان والقدرة، كما يقول القائل: فلان تحت يد فلان، أي تحت يد سلطانه وأمره، فيكون المعنى أن سلطان الله تعالى في هذا الأمر فوق سلطانهم وأمره فوق أمرهم. وقيل في ذلك وجه آخر، وهو أن العادة جارية في المبايعات والمعاقدات أن تقع الصفقة بالأيدي من البائع والمشتري، ومن هناك قالوا: صفقة رابحة وصفقة خاسرة، فقيل: ‏﴿‏يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏‏﴾‏‏ ذهابًا إلى هذا المعنى، كأنه سبحانه قال: فالذي أعطاكم الله في هذه المبايعة أعلى مما أعطيتم وأجل وأربح وأفضل"أهـ.

ويقول الإمام الطبري في تفسيره للقرآن: "القول في تأويل قوله تعالى: ‏﴿‏وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ‏‏﴾‏‏ ‏[الذاريات: 47] يقول تعالى ذكره: والسماء رفعناها سقفًا بقوة"، ثم أتبع قائلًا: "وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل"، ونقل تأويل الأيدي بالقوة ‏بالأسانيد عن‎ ‎ابن عباس‎ ‎ومجاهد‎ ‎وقتادة‎ ‎ومنصور وابن زيد وسفيان.‏

ومثلها قوله تعالى: ‏﴿‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ‏‏﴾‏‏ [يس:71]. ويقول الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسيرها: "والمراد بذكر الأيدي ههنا قسمان من أقسام اليد في اللغة العربية. إما أن تكون بمعنى القوة أو بمعنى تحقيق الإضافة، فكأنه سبحانه يقول: أولم يروا أنا خلقنا لهم أنعامًا اخترعناها بقوة تقديرنا، ومتقن تدبيرنا، أو يكون المعنى أن هذه الأنعام مما تولينا خلقه من غير أن يشاركنا فيه أحد من المخلوقين، لأن المخلوقين قد يعملون سفائن البحر، ولا يعملون سفائن البر المذللة ظهورها، والمحللة لحومها، فهذا وجه فائدة الإضافة في قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا‏‏﴾‏‏، والله تعالى أعلم".

ويقول الإمام القرطبي في تفسيره للقرآن: "قوله تعالى: ‏﴿‏فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا‏‏﴾‏‏ ‏[الطور: 48]،‏ أي بمرأى ومنظر منا نرى ونسمع ما تقول وتفعل. وقيل: بحيث نراك ونحفظك ونحوطك ونحرسك ونرعاك. والمعنى واحد. ومنه قوله تعالى لموسى عليه السلام: ‏﴿‏وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي‏‏﴾‏‏ ‏[طه: 39]، أي بحفظي وحراستي وقد تقدم"أهـ. وذكر البغوي في تفسير الآية: "‏﴿‏فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا‏‏﴾‏‏ أي بمرأىً مِنَّا، قال ابن عباس: نرى ما يُعْمَلُ بك. وقال الزجَّاج: إنك بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إلى مكروهك"أهـ.

ويقول الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسير قوله تعالى: ‏﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا‏‏﴾ [هود: 37]: "هذه استعارة، ومعناها واصنع الفلك بأمرنا ونحن نرعاك ونحفظك. ليس لله عينًا تلحظ ولا لسانًا يلفظ، وذلك كما يقول القائل: إنا بعين الله، أي بمكان من حفظ الله، ومن كلامهم للظاعن المشيّع والحميم المودّع: صحبتك عين الله، أي رعايته وحفظه". وقال في تفسير قوله تعالى: ‏﴿‏وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي‏‏﴾‏‏ ‏[طه: 39] "والمراد بذلك والله أعلم أن تتربى بحيث أرعاك وأراك، وليس هناك شيء يغيب عن رؤية الله سبحانه، ولكن هذا الكلام يفيد الاختصاص بشدة الرعاية وفرط الحفظ والكلاءة. وقد يجوز أيضًا أن يكون المراد بذكر العين ههنا علمه بمكانه، فقال: ولتُصنع وأنا عالم بما يفعل بك، وكذلك قوله تعالى: ‏﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا‏‏﴾‏‏ [القمر: 14]، أي تجري ونحن عالمون بجريها غير خافٍ علينا شيء من تصرفها، وحسن أن تقوم العين مقام العلم، لما كانت العين طريق العلم، وقال تعالى: ‏﴿بِأَعْيُنِنَا‏‏﴾‏‏ ولم يقل: بعيننا، لما خاطب الجميع على طريق التفخيم والتعظيم"أهـ.

وقال البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص297): "من أصحابنا من حمل العين المذكورة في الكتاب على الرؤية، وقال: قوله: ‏﴿‏وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي‏‏﴾ [طه: 39]‏‏، معناه بمرأى مني، وقوله: ‏﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا‏‏﴾ ‏‏‏[الطور: 48] أي بمرأىً مِنَّا، وكذلك قوله: ‏﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا‏‏﴾‏‏ [القمر: 14]. والذي يدل عليه ظاهر الكتاب والسُنة من إثبات العين له صفة لا من حيث الحدقة أولى". أي أن حقيقة رأي البيهقي هو إثباته العين نصًا، مع ترجيح أن المراد بها صفة الإبصار التي لا يختلف عليها أحد من المسلمين كصفة من صفاته عز وجل، وليس أن المراد بها العين الجارحة، وهو ما لا يخدم قول المجسمة، ومثله كثير في كتاب البيهقي.

وذكر ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص74-75): "روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الدجَّال فقال: "ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور". قال العلماء: إنما أراد تحقيق وصفه بأنه لا يجوز عليه النقص، ولم يرد إثبات جارحة، لأنه لا مدح في إثبات جارحة، بل كأنه قال: إن ربكم ليس بذي جوارح يتسلط عليها النقائص، وهذا مثل نفي الولد عنه لأنه يستحيل عليه التجزيء. ولو كانت الإشارة إلى صورة كاملة لم يكن في ذلك دليل على الإلهية ولا القِدم، فإن الكامل في الصورة كثير"أهـ.

وأورد ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص13) أقوال كبار الحنابلة في إثباتهم صفة العين، ورده عليهم. قال: ‏"وقد ذهب القاضي أبو يعلى إلى أن العين زائدة على الذات، وقد سبقه أبو بكر بن خزيمة –وهو حنبلي العقيدة شافعي المذهب- فقال في الآية: لربنا عينان ينظر بهما، وقال ابن حامد: يجب الإيمان أن له عينين. وهذا ابتداع لا دليل لهم عليه، وإنما أثبتوا عينين من دليل الخطاب في قوله صلى الله عليه وسلم (ليس بأعور)، وإنما أُريد نفي النقص عنه تعالى، ومتى ثبت أنه لا يتجزأ لم يكن لما يتخايل من الصفات وجه"أهـ.

وأقول: إنه من الغرائب أنه لا يوجد نص من آية أو حديث يثبت العين بصيغة المُثنى، بينما أثبت السلفية لله عينين، وهذا دليل على توهمهم لله كجسم؛ لأنه ما حملهم على إثبات عينين اثنتين لم تأت بهما النصوص إلا تجسيمهم، وقياسهم لله على مخلوقاته.

ومن تأويل السلف للجنب في الآية الكريمة ‏﴿‏أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ [الزمر:56]. يقول الشريف الرضى في "مجازات القرآن": "قد اُختلِف في المراد بالجنب ههنا، فقال قوم: معناه في ذات الله. وقال قوم: معناه في طاعة الله، وفي أمر الله، إلا أنه ذكر الجنب على مجرى العادة في قولهم هذا الأمر صغير في جنب ذلك الأمر أي في جهته، لأنه إذا عُبر عنه بهذه العبارة دلّ على اختصاصه به من وجه قريب من معنى صفته. وقال بعضهم: معنى في جنب الله أي في سبيل الله، أو في الجانب الأقرب إلى مرضاته بالأوصل إلى طاعاته، ولما كان الأمر كله يتشعب إلى طريقين: إحداهما هدى ورشاد، والأخرى غي وضلال، وكل واحد منهما مجانب لصاحبه، أي هو في جانب والآخر في جانب، وكان الجنب والجانب بمعنى واحد، حسُنت العبارة ههنا عن سبيل الله بجنب الله على النحو الذي ذكرناه"أهـ.

ومن تأويل السلف للأصابع، يقول ابن حزم في "الفِصل" (ج2/باب الكلام في الوجه واليد والعين والقدم والتنزل والعزة ‏والرحمة ‏والأمر والنفس والذات والقوة والقدرة والأصابع، ص350): "‏وكذلك الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الله تعالى)، أي بين تدبيرين ونعمتين من تدبير الله عز وجل ونعمه، إما كفاية تسره، وإما بلاء يأجره عليه. والإصبع في اللغة: النعمة. وقلب كل أحد بين توفيق الله وجلاله، وكلاهما حكمة".

وقد احتجت الفرقة المسماة بالسلفية أيضًا في هذا الباب، بحديث إمساك السموات والأرض على أصابع الذي حكاه الحبر اليهودي للرسول صلى الله عليه وسلم، وقال الراوي إن الرسول ضحك تصديقًا له. رواه الإمام البخاري، والإمام مسلم. وللإمام النووي في "المنهاج" (ج17، ص129-130) شرحٌ مستجاد لهذا الحديث يوضح مذهبيّ الأمة المخالفين لقول من يسمون بالسلفية، يقول: "قوله –أي الحبر- (إن الله يمسك السموات على أصبع والأرضين على أصبع إلى قوله ثم يهزهن). هذا من أحاديث الصفات، وقد سبق فيها المذهبان: التأويل، والإمساك عنه مع الايمان بها مع اعتقاد أن الظاهر منها غير مراد. فعلى قول المتأولين يتأولون الأصابع هنا على الاقتدار، أى خلقها مع عظمها بلا تعب ولا ملل، والناس يذكرون الأصبع فى مثل هذا للمبالغة والاحتقار، فيقول أحدهم بأصبعى أقتل زيدًا، أى لا كُلفة عليّ في قتله، وقيل يُحتمل أن المراد أصابع بعض مخلوقاته، وهذا غير ممتنع، والمقصود أن يد الجارحة مستحيلة –أي مستحيلة في حق الله-. قوله (فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبًا مما قال الحبر تصديقًا له ثم قرأ ‏﴿‏‏‏‏‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏‏﴾ [الزمر: 67]‏‏‏‏‏‏، ظاهر الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم صدّق الحبر فى قوله: إن الله تعالى يقبض السموات والأرضين والمخلوقات بالأصابع، ثم قرأ الآية التى فيها الإشارة إلى نحو ما يقول. قال القاضي: وقال بعض المتكلمين: ليس ضحكه صلى الله عليه وسلم وتعجبه وتلاوته للآية تصديقًا للحبر، بل هو ردّ لقوله، وإنكار وتعجب من سوء اعتقاده، فإن مذهب اليهود التجسيم، ففهم منه ذلك. وقوله (تصديقًا له) إنما هو من كلام الراوي على ما فهم، والأول أظهر"أهـ. وإلى مثل هذا الرأي أشار البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص318).

بينما يُخلِّط القاضي أبو يعلى المجسم الحنبلي –على عادته- فيقول، فيما رواه عنه ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص54-55): "غير ممتنع حمل الخبر على ظاهره في إثبات الأصابع صفات راجعة إلى الذات، لأنّا لا نثبت أصابع هي جارحة ولا أبعاض. ويرد عليه ابن الجوزي: وهذا كلام مخلّط، لأنه إما أن يُثبت جوارح، وإما أن يتأولها. أما حملها على ظاهرها فظاهرها الجوارح. ثم يقول: ليست أبعاضًا. فهذا كلام قائم قاعد، ويضيع الخطاب لمن يقول هذا".

وعن نسبتهم القدم لله تعالى –وحاشاه- وإصرارهم على الأخذ بظاهر الآيات فيما يشبه الترجمة الحرفية في زماننا، فقد خالفوا إجماع سلف الأمة كعادتهم. يقول الطبري: "القول في تأويل قوله تعالى: ‏﴿‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ‏‏﴾‏‏ [القلم: 42]، قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل ‏التأويل: يبدو عن أمر شديد". ‏وذكر الطبري من قال ذلك، وأشهرهم ابن عباس بعدة أسانيد، فروي في إحدى الروايات أنه قال: "هو يوم حرب وشدّة"، وفي رواية أنه قال: "عن أمر عظيم كقول الشاعر: (وقامَتِ الحَرْبُ بنا على ساقٍ)"، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال: "حين يُكشف الأمر، وتبدو الأعمال، وكشفه: دخول الآخرة ‏وكشف الأمر عنه". ‏ورواية أخرى عنه يقول: "هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة". وروى الطبري عن إبراهيم أنه قال: "ولا يبقى ‏مؤمن إلا سجد، ويقسو ظهر الكافر فيكون عظمًا واحدًا. –ثم أضاف إبراهيم- ‏وكان ابن عباس يقول: (يكشف عن أمر عظيم، ألا تسمع العرب تقول: ‏وقامَتِ الحَرْبُ بنا على ساق)". وروى الطبري في رواية عن مجاهد، ‏قوله: "‏﴿‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ‎‏‏‏﴾‏‏ قال: شدة الأمر وجدّه؛ -ثم أضاف مجاهد- قال ابن عباس: هي أشد ساعة في يوم ‏القيامة"، وغيرها. كما روى الطبري عن سعيد بن جبير قوله في الكشف عن الساق "قال: ‏عن شدّة الأمر". ‏وروى عن قتادة في قوله: ‏‏﴿‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ‎‏‏‏﴾‏‏ "‏قال: عن أمر فظيع جليل". ورواية أخرى عن قتادة "قال: يوم يكشف عن شدة الأمر". ‏‏وكان ممن رووا ذلك التفسير عن ابن عباس كبار التابعين كأسامة بن زيد وعكرمة وابن حميد وابن المبارك وسفيان والمغيرة وإبراهيم وابن جريج ومجاهد والضحاك، وممن رووه عن قتادة ابن عبد الأعلى وابن ثور ومعمر، فكيف يتجرأ هؤلاء المتأسلفة بعد ذلك بادعاء الانتساب إلى السلف؟!

وذكر الفخر الرازي في تفسيره (ج30، ص94)، "‏‏﴿‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ‎‏‏‏﴾‏‏: في تفسير الساق وجوه. الأول، أنه الشدة، وروي عن ابن عباس أنه أشار إلى معناه في الشعر (وقامت الحرب بنا على ساق)، ثم قال: وهو كرب وشدة، وروى مجاهد عنه قال: هو أشد ساعة في القيامة. ثم قال ابن قتيبة: "أصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه، يشمّر عن ساقه، فلا جرم يُقال في موضع الشدة: كشف عن ساقه، واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعمال الساق في الشدة مجاز، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى، يستحيل أن يكون جسمًا، فحينئذ يجب صرف اللفظ إلى المجاز، واعلم أن صاحب الكشّاف –أي الزمخشري- أورد هذا التأويل في معرض آخر، فقال: الكشف عن الساق مثلٌ في شدة الأمر، فمعنى قوله ‏‏‏﴿‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ‎‏‏‏﴾‏‏ يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثم، ولا ساق –يعني أنه لا ساق حقيقية لتُكشف كما هو ظاهر المعنى-، كما تقول للشحيح يده مغلولة، ولا يد ثم ولا غل. وإنما هو مثلٌ في البخل. والقول الثاني، هو قول أبي سعيد الضرير: يوم يُكشف عن أصل الأمر، وساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر، وساق الإنسان، أي يظهر يوم القيامة حقائق الأشياء وأصولها. القول الثالث، يوم يُكشف عن ساق جهنم، أو عن ساق العرش، أو عن ساق ملك مهيب عظيم، واللفظ لا يدل إلا على ساق، فأما أن ذلك الساق ساق أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه. والقول الرابع، وهو اختيار المشبهة، أنه ساق الله، تعالى الله عنه، واعلم أن هذا القول باطل"أهـ.

وروى القرطبي في تفسير قوله تعالى ‏﴿‏أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ‏‏﴾‏‏ ‏[ يونس: 2]‏ "اختُلف في معنى ‏﴿‏قَدَمَ صِدْقٍ‏‏﴾‏‏ فقال ابن عباس: قدم صدق منزل صدق؛ دليله قوله تعالى: ‏﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ‏‏﴾‏‏ [الإسراء: 80]. وعنه أيضًا أجرًا حسنًا بما قدموا من أعمالهم. وعنه أيضًا ‏﴿‏قَدَمَ صِدْقٍ‏‏﴾‏‏ سبق السعادة في الذكر الأول، وقاله مجاهد. الزجاج: درجة عالية. قال ذو الرمة: (لكم قدر لا ينكر الناس أنها *** مع الحسب العالي طمت على البحر). قتادة: سلف صدق. الربيع: ثواب صدق. عطاء: مقام صدق. يمان: إيمان صدق. وقيل: دعوة الملائكة. وقيل: ولد صالح قدموه. الماوردي: أن يوافق صدق الطاعة الجزاء. وقال الحسن وقتادة أيضًا: هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه شفيع مطاع يتقدمهم؛ كما قال: (أنا فرطكم على الحوض). وقد سُئل صلى الله عليه وسلم فقال: (هي شافعتي توسلون بي إلى ربكم). وقال الترمذي الحكيم: قدمه صلى الله عليه وسلم في المقام المحمود. وعن الحسن أيضًا: مصيبتهم في النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عبدالعزيز بن يحيى: ‏﴿‏قَدَمَ صِدْقٍ‏‏﴾‏‏ قوله تعالى: ‏﴿‏إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾‏‏ [الأنبياء: 101] وقال مقاتل: أعمالًا قدموها؛ واختاره الطبري. قال الوضاح: (صل لذي العرش واتخذ قدمًا تنجيك يوم العثار والزلل)، وقيل: هو تقديم الله هذه الأمة في الحشر من القبر وفي إدخال الجنة. كما قال: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المفضي لهم قبل الخلائق). وحقيقته أنه كناية عن السعي في العمل الصالح؛ فكُني عنه بالقدم كما يُكنى عن الإنعام باليد وعن الثناء باللسان. وأنشد حسّان: (لنا القدم العليا إليك وخلفنا *** لأولنا في طاعة الله تابع) يريد السابقة بإخلاص الطاعة، والله أعلم. وقال أبو عبيدة والكسائي: كل سابق من خير أو شر فهو عند العرب قدم؛ يقال: لفلان قدم في الإسلام، له عندي قدم صدق وقدم شر وقدم خير. وهو مؤنث وقد يذكر؛ يقال: قدم حسن وقدم صالحة. وقال ابن الأعرابي: القدم التقدم في الشرف؛ قال العجاج: (زل بنو العوام عن آل الحكم *** وتركوا الملك لملك ذي قدم). وفي الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لي خمسة أسماء. أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب) يريد آخر الأنبياء؛ كما قال تعالى: ‏﴿‏وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ‏‏﴾ [الأحزاب: 40]".

وكذلك أوّل ابن حزم القدم، ولم يثبتها صفة. يقول ابن حزم في "الفِصل" (ج2/باب الكلام في الوجه واليد والعين والقدم والتنزل والعزة ‏والرحمة ‏والأمر والنفس والذات والقوة والقدرة والأصابع، ص349-350): "‏وكذلك صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن جهنم لا تمتليء حتى يضع فيها قدمه)، وصح أيضًا في الحديث: (حتى يضع فيها رجله)، ومعنى هذا ما قد بيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر صحيح أخبر فيه أن الله تعالى بعد يوم القيامة يخلق خلقًا يدخلهم الجنة، وأنه يقول للجنة والنار (لكل واحدة منكما ملؤها)، فمعنى القدم في الحديث المذكور: إنما هو كما قال تعالى: ‏﴿‏أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ‏‏﴾‏‏ ‏[يونس: 2]‏. يريد سالف صدق، فمعناه الأمة التي تقدم في علمه تعالى أنه يملأ بها جهنم، ومعنى (رجله) مثل ذلك، لأن الرجل: الجماعة في اللغة، أي يضع فيها الجماعة التي قد سبق في علمه أنه يملأ جهنم بها"أهـ.

وفسر الشريف الرضى في "مجازات القرآن" قوله تعالى: ‏﴿‏أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ‏‏﴾‏‏ ‏[يونس: 2]‏ "المراد بالقدم ههنا السابقة في الإيمان، والتقدم في الإخلاص، والعبارة عن ذلك بلفظ القدم غاية في البلاغة، لأن بالقدم يكون السبق والتقدم، فسُميت قدمًا لذلك، وقال بعضهم إيمانهم في الدنيا هو قدمهم في الآخرة، لأن معنى القدم في العربية الشيء تقدمه أمامك ليكون عدة لك حتى تقدم عليه، وقال بعضهم ذكر القدم ههنا على طريق التمثيل والتشبيه، كما تقول العرب: قد وضع فلان رجله في الباطل، وتخطى إلى غير الواجب، ومعناه أنه انتقل إلى فعل ذلك كما ينتقل الماشي، وإن لم يحرك قدمه ولم ينقل خطاه"أهـ.

وأورد ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص 18) ‏ما قاله أبو يعلى وابن حامد -من مجسمة الحنابلة الأوائل- من أن الساق هي صفة ذاتية، وقد زاد أبو حامد "فمن جحد ذلك كفر". قال ابن الجوزي: "لو تكلم بهذا عامي جلف كان قبيحًا، فكيف من يُنسب إلى العلم، فإن المتأولين أعذر منهم لأنهم يردّون الأمر إلى اللغة، وهؤلاء أثبتوا ساقًا للذات وقدمًا حتى يتحقق التجسيم والصورة"أهـ.

ونسبوا لله نفسًا بسبب أخذهم بالظاهر في تفسير قوله تعالى: ‏﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ‏﴾‏ [آل عمران: 30]، وقوله تعالى: ‏﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ‏﴾ [المائدة: 116]‏. ردّ ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص15): "قال المفسرون: ويحذركم الله إياه، وقالوا: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، وقال المحقّقون: المراد بالنفس هاهنا الذات، ونفس الشيء ذاته".

وقال الشريف الرضى في "مجازات القرآن" (ص60) في تفسير قوله تعالى حاكيًا عن المسيح عليه السلام: ‏﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ‏﴾ [المائدة: 116] "هذه استعارة لأن القديم تعالى لا نفس له، والمراد تعلم ما عندي، ولا أعلم ما عندك، وتعلم حقيقتي وذاتي، ولا أعلم حقيقتك وذاتك، أو تعلم مغيبي، ولا أعلم مغيبك، فكأن فحوى ذلك؛ تعلم ما أعلم، ولا أعلم ما تعلم"، ويضيف الشريف الرضى "فأما قوله تعالى ‏﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ‏﴾‏ [آل عمران: 30]، فالمراد بها ويحذركم عقابه، لأنك إذا قلت: احذر فلانًا، فإنما تريد به، احذر أن يصيبك منه ضرر أو تنال منه شرًا، والتحذير في التحقيق إنما هو من نفس الضرر لا من فاعل الضرر، وفي قوله: ‏﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ‏﴾‏ زيادة فائدة على قوله (ويحذركم عقابه)، كأنه تعالى أراد ما يتولاه هو من العقاب لا ما يوليه بعض العباد، فحصلت في هذا اللفظ مزيّة الاختصاص"أهـ.

كما نسبوا له تعالى روحًا على عكس قول السلف والخلف. قال الألوسي: "‏‏﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: 29] تمثيل لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها، فليس ثمة نفخ ولا منفوخ، أي فإذا أكملت استعداده، وأفضت عليه ما يحيا به من الروح الظاهرة التي هي أمري"أهـ. بينما قال القرطبي في تفسيره (ج12، ص208): "النفخ هو إجراء الريح في الشيء، والروح جسم لطيف، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم. وحقيقته إضافة خلق إلى خالق؛ فالروح خلق من خلقه، أضافه إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا، كقوله: أرضي وسمائي وبيتي، وناقة الله، وشهر الله"أهـ. فتأويل القرطبي يرى فيه وجود خلق تُسمى الروح، ولكنها ليست صفة لله، بل مضافة له إضافة تشريف.

وقال الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسير قوله تعالى عن المسيح عليه السلام: ‏﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ‏‏﴾ [النساء: 171] "المراد أن الناس ينتفعون بهداه، ويحيون من موت الضلالة برشده، كما تحيا الأجسام بأرواحها وتتصرف بحركاتها"ـ وفي تفسير قوله تعالى: ‏﴿‏وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا‏‏﴾ [الأنبياء:91] "المراد إجراء روح المسيح عليه السلام في مريم عليها السلام كما يجري الهواء بالنفخ، لأنه حصل معها من غير علوق من ذكر ولا انتقال من طبق إلى طبق، فأضاف تعالى الروح إلى نفسه لمزيّة الاختصاص بالتعظيم والاصطفاء والتكريم؛ إذ كان خلقه المسيح عليه السلام من غير توسط مناكحة ولا تقدم ملامسة". كما فسر قوله تعالى ‏﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ‏‏﴾ [يوسف:87] "المراد لا تيأسوا من فرج الله، والروح هو نسيم الريح التي يلذ شميمها ويطيب نسيمها، فشبّه تعالى الفرج الذي يأتي بعد الكُربة، ويُطرق بعد اللزبة بنسيم الريح الذي ترتاح القلوب له وتثلج الصدور به. ومثل ذلك ما جاء به الخبر "الريح من نفس الله" أي من تنفيسه عن خلقه، يريد به أن القلوب تستروح إليها كما يستروح المكروب إلى نفسه"أهـ.

ولا يكتمل التجسيم إلا بادعاء أنه سبحانه وتعالى جسم، وحاشاه، مخالفة لسائر الأمة عدا أسلافهم من المجسمة. في "منهاج السنة" (ج2، ص530-531) يقول ابن تيميّة: "وأمّا لفظ الجسم، فإنّ الجسم عند أهل اللغة، كما ذكره الأصمعي وأبو زيد وغيرهما هو الجسد والبدن. وقال تعالى: ‏﴿‏وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ‏﴾‏‏ [المنافقون: 4]، وقال تعالى: ‏﴿‏وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ‏﴾ ‏‏[البقرة: 247]، فهو يدل في اللغة على معنى الكثافة والغلظ كلفظ الجسد، ثم قد يُراد به نفس الغليظ، وقد يراد به غِلظه فيقال: لهذا الثوب جسم، أي غلظ وكثافة، ويُقال: هذا أجسم من هذا أي أغلظ وأكثف. ثم صار لفظ "الجسم" في اصطلاح أهل الكلام أعم من ذلك، فيسمّون الهواء وغيره من الأمور اللّطيفة جسمًا، وإن كانت العرب لا تسمي هذا جسمًا‏".

ثم يقول (ص532) ‏"‏والنظّار كلهم متّفقون -فيما أعلم- على أنّ الجسم يُشار إليه، وإن اختلفوا في كونه مركبًا من الأجزاء المنفردة، أو من المادة والصورة، أو لا من هذا ولا من هذا".

ثم نجده (ص134-135) يقول: ‏"‏وقد يُراد بالجسم ما يُشار إليه، أو ما يُرى، أو ما تقوم به الصفات؛ والله تعالى يُرى في الآخرة، وتقوم به الصفات، ويُشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم قلوبهم ووجوههم وأعينهم، فإن أراد شخص بقوله: "ليس بجسم" هذا المعنى. قيل له: "هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنت لم تُقم دليلًا على نفيه‏. وأما اللفظ فبدعة نفيًا وإثباتًا، فليس في الكتاب ولا السُنة ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها إطلاق لفظ "الجسم" في صفات الله تعالى، لا نفيًا ولا إثباتًا. وكذلك لفظ "الجوهر" و "المتحيِّز" ونحو ذلك من الألفاظ التي نازع أهل الكلام المحدث فيها نفياً وإثباتاً"‏.

ويقول (ص562): ‏"‏وهؤلاء المعطلة ينفون نفيًا مفصلًا، ويثبتون شيئًا مجملًا يجمعون فيه بين النقيضين. وأما الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فيثبتون إثباتًا مفصلًا، وينفون نفيًا مجملًا: يثبتون لله الصفات على وجه التفصيل، وينفون عنه التمثيل. وقد عُلِم أن التوراة مملوءة بإثبات الصفات التي يسميها النُفاة تجسيمًا –يعني الجوارح التي توهموها لله تعالى-، ومع هذا فلم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على اليهود شيئًا من ذلك، ولا قالوا: أنتم مجسِّمون‏".‏ ثم استدل بحديث إمساك الرب للسموات والأرض بالأصابع الذي سبق أن شرحناه عند الرد على فِرية الأصابع.

وملخص كل ما لفّ ودار ابن تيمية ليقوله مواربة –في صفحات مطولة- خوفًا من التصريح به، أن اللغة –في رأيه- لا تمنع من تسمية الله جسمًا، وأن هناك من معاني الجسمية ما هي ثابتة في حق الله تعالى، وقال من ضمن ما قال "النُفاة يعبدون عدمًا"، ويقصد من ينكرون الجوارح، ولكنه فقط يؤكد على أن إنكار الجسمية أو الإثبات لها كلاهما بدعة. وهو فوق ذلك يكذب بادعاء أن سلف الأمة لم ينفوا الجسمية عن الله، ويعترف بتشابه عقيدته مع عقيدة اليهود. وأنا أقول: أشد ما يزعجني فيهم هو إنكارهم المتبجح على من يصفهم بالتجسيم، وهم لا يستبعدون إمكانية أن يكون الله جسمًا بتحقق بعض المعاني! علمًا بأن نفيه التركيب لا يغني شيئًا وهو من تناقضه، لأن وجود الجوارح –كما ادعوها- يقتضي التركيب والتأليف، وكل مركب يفتقر إلى غيره، وهو ما يتنافى مع كونه الرب الغني الأحد.

ذكر الزركشي الشافعي في "تشنيف المسامع" (ج4، ص 648) نقلًا عن صاحب "الخصال" عن الإمام أحمد بن حنبل، الذي يدعي هؤلاء أنه إمامهم، أنه قال: "من قال –الله- جسم لا كالأجسام كـَفَـرَ". وأقول: إن لم يكن هذا نفي صريح من الإمام للجسمية، فماذا عساه يكون؟ ومن تراه المبتدع؟

ويقول الإمام الفخر الرازي في "الإشارة في علم الكلام" (ص96) "اتفقت العقلاء على استحالة كون الباري تعالى جسمًا، إلا جماعة من الحشوية وضعفاء العقول"، وقد توسع الرازي في الرد على هؤلاء من الحنابلة والكرامية في "الإشارة" و "أساس التقديس" وغيرها من كتبه، وساق الحجج العقلية مستدلًا بآيات القرآن، وجمع بين نفي الجسمية، وبين نفي الحيّز والجهة. يقول في "أساس التقديس" (ص30: 32): ‏"﴿‏قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ۝ اللهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ‏﴾‏ [الإخلاص] اعلم أنه قد اشتُهر في التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن ماهية ربه، وعن نعته وصفته، فانتظر الجواب من الله تعالى، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه السورة. إذا عرفت هذا فنقول: هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات لا من المتشابهات؛ لأنه تعالى جعلها جوابًا عن سؤال السائل، وأنزلها عند الحاجة، وذلك يقتضي كونها من المحكمات لا من المتشابهات. وإذا ثبت هذا، وجب الجزم بأن كل مذهب يخالف هذه السورة يكون باطلًا. فنقول: إن قوله تعالى: ‏﴿أَحَدٌ‏﴾ يدل على نفي الجسمية، ونفي الحيِّز والجهة. أما دلالته على أنه تعالى ليس بجسم، فذلك لأن الجسم أقله أن يكون مركبًا من جوهرين، وذلك ينافي الوحدة، ولما كان قوله ‏﴿أَحَدٌ‏﴾ مبالغة في الواحدية، كان قوله ‏﴿أَحَدٌ‏﴾ منافيًا للجسمية. والأحد كما يُراد به نفي التركيب والتأليف في الذات، فقد يُراد به أيضًا نفي الضد والند. فلو كان تعالى جوهرًا فردًا لكان كل جوهر فرد مثلًا له، وذلك ينفي كونه أحدًا. ثم أكدوا هذا الوجه بقوله تعالى: ‏﴿‏وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ‏﴾‏ ولو كان جوهرًا، لكان كل جوهر فرد كفوًا له. فدلت هذه السورة من الوجه الذي قررناه على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر، وإذا ثبت أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر، وجب أن لا يكون في شيء من الأحياز والجهات، لأن كل ما كان مختصًا بحيّز وجهة، فإن كان منقسمًا كان جسمًا –وقد بينا إبطال ذلك-، وإن لم يكن منقسمًا كان جوهرًا فردًا –وقد بينا أنه باطل-، ولما بطل القسمان، ثبت أنه يمتنع أن يكون في جهة أصلًا، فثبت أن قوله تعالى ‏﴿أَحَدٌ‏﴾ يدل دلالة قطعية على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر ولا في حيز وجهة أصلًا"أهـ. وقد رد ابن تيمية على الرازي ردودًا تثبت تجسيمه وتجسيم من هم على نهجه.

ويُفرِّق الفخر الرازي بين الحنابلة والكرامية من حيث انسجام ما يدعون عقليًا. يقول في "أساس التقديس" (ص64): "اعلم أن الحنابلة القائلين بالتركيب والتأليف أسعد حالًا من هؤلاء الكرامية، وذلك لأنهم اعترفوا بكونه مركبًا من الأجزاء والأبعاض، أما هؤلاء الكرامية فإنهم زعموا أنه مشار إليه بحسب الحس، وزعموا أنه غير متناه، ثم زعموا مع ذلك أنه واحد لا يقبل القسمة، فلا جرم صار قولهم قولًا على خلاف بديهة العقل".

وقد جعل السلفية لله تعالى صورة وهو (الباريء المصور!). أورد ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص31) "وقال القاضي أبو يعلى –الحنبلي المجسم-: "يُطلق على الحق تعالى تسمية الصورة لا كالصور كما أطلقنا اسم ذاته". قال ابن الجوزي: وهذا تخليط لأن الذات بمعنى شيء، وأما الصورة فهي هيئة وتخاليط وتأليف، ويفتقر إلى مصور ومؤلف، وقول القائل (لا كالصور) نقض لما قاله، وصار بمثابة من يقول (جسم لا كالأجسام) فإن الجسم ما كان مؤلفًا فإذا قال (لا كالأجسام) نقض ما قال"أهـ.

ويقر الإمام البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص276) بنفس رأي ابن الجوزي من استحالة الصورة على الله. يقول: "الصورة هي التركيب، والمُصوِّر هو المركِّب. قال الله عز وجل: ‏﴿‏يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ۝‏ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ۝‏ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 6-7-8]، ولا يجوز أن يكون الباري تعالى مصوَرًا ولا أن يكون له صورة؛ لأن الصورة مختلفة، والهيئات متضادة، ولا يجوز اتصافه بجميعها لتضادها، ولا يجوز اختصاصه ببعضها إلا بمخصص، لجواز جميعها على من جاز عليه بعضها، فإذا اختص ببعضها اقتضى مخصصًا خصصه به، وذلك يوجب أن يكون مخلوقًا وهو محال، فاستحال أن يكون مصورًا، وهو الخالق الباريء المصور".

ويقول ابن حزم في "الفِصل" (ج2/باب الكلام في الوجه واليد والعين والقدم والتنزل والعزة ‏والرحمة ‏والأمر والنفس والذات والقوة والقدرة والأصابع، ص350-351) ردًا على المجسمة: ‏"وأخبر عليه السلام: أن الله تعالى يبدو للمؤمنين يوم القيامة في غير الصورة التي عرفوه عليها، وهذا ظاهر بيّن، وهو أنهم يرون صورة الحال من الهول، والمخافة غير الذي كانوا يظنون في الدنيا. وبرهان صحة هذا القول: قوله عليه السلام في الحديث المذكور غير الذي عرفتموه بها. وبالضرورة نعلم أننا لا نعلم لله عز وجل في الدنيا صورة أصلًا فصح ما ذكرنا يقينًا. وكذلك القول في الحديث الثابت: (خلق الله آدم على صورته)، فهذه إضافة ملك، يريد الصورة التي تخيرها الله عز وجل ليكون آدم مصورًا عليها، وكل فاضل في طبقته، فإنه ينسب إلى الله عز وجل، ويُضاف إليه. كما نقول بيت الله عز وجل عن الكعبة، والبيوت كلها بيوت الله، ولكن لا يطلق على شيء منها هذا الاسم كما يطلق على المسجد الحرام، وكما نقول في جبريل وعيسى عليهما السلام (روح الله) والأرواح كلها لله تعالى، ملك له، وكما نقول في ناقة صالح عليه السلام: (ناقة الله)، والنوق كلها لله تعالى. فعلى هذا المعنى قيل: على صورة الرحمن. والصور كلها لله، وهي ملك له، وخلق له".

يقول البيجوري في "حاشيته على جوهرة التوحيد" (ص158) في تفسير حديث (إن الله تعالى خلق آدم على صورته): السلف يقولون: صورة لا نعلمها، والخلف يقولون: المراد بالصورة الصفة من سمع وبصر وعلم وحياة، فهو على صفته في الجملة، وإن كانت صفته تعالى قديمة وصفة الإنسان حادثة".

وذكر الإمام تقي الدين الحصني في "دفع شبه من شبه وتمرد" (ص21-22) في حديث (إن ربي أتاني الليلة في أحسن صورة) "رُوي من وجوه كثيرة، فهي أحاديث مختلفة، وليس فيها ما يثبت، مع أن عبد الرحمن لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى وجه التنزل فالمعنى راجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمعنى رأيته على أحسن صفاته، أي من الإقبال والرضا ونحو ذلك"، ثم قال الحصني في حديث (خلق الله آدم على صورته) بعد أن ذكر مآخذًا على رواية الحديث: "الصورة يُعبر بها ويُراد الصفة. تقول هذه صورة هذا الأمر أي صفته، فيكون المعنى خلق الله آدم على صفته من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة، ومع ذلك فالضمير يصح عوده إلى آدم عليه السلام، فالمعنى أن الله عز وجل خلق آدم على صورته التي خلقه عليها تامًا لم ينقله من نطفة إلى علقة كبنيه. قال الإمام أبو سليمان الخطابي، وذكره تغلب في أماليه، وقيل إن الضمير يعود إلى بعض بني آدم، وخلق من العلماء سكتوا عن تفسير هذا الحديث، فالمشبِّه لا متمسك له بهذه الأحاديث لما ذكرناه، وتمسكه بها يدل على جهله وزندقته عافانا الله عز وجل من ذلك".

ومما أصروا على إثباته في حق الله تعالى من صفات أفعال على ظاهرها، الضحك، في مخالفة لكل الأمة التي رأت في النصوص التي روت ضحكه سبحانه وتعالى معنى الرضا والقبول. يروي الإمام البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص432-433) عن أبي سليمان الخطابي، في تفسير حديث "يضحك الله إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة"، قوله: "الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفّهم الفرح، أو يستنفرهم الطرب، غير جائز على الله عز وجل، وهو منفي عن صفاته، وإنما هو مثل ضربه لهذا الصنيع الذي يحل محل العجب عند البشر، فإذا رأوه أضحكهم، ومعناه في صفة الله عز وجل الإخبار عن الرضى بفعل أحدهما، والقبول للآخر، ومجازاتهما على صنيعهما الجنة، مع اختلاف أحوالهما، وتباين مقاصدهما"، ثم روى البيهقي حديثًا مما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما يُذكر فيه الضحك، ثم نقل عن الخطابي أيضًا قوله: "قال البخاري: معنى الضحك الرحمة، قال أبو سليمان: قول أبي عبد الله –يعني البخاري- قريب، وتأويله على معنى الرضى أقرب وأشبه، ومعلوم أن الضحك من ذوي التميز يدل على الرضى والبشر،......"، ثم أتبع بأشعار، وقال أبو سليمان بنفس التأويل في الرواية التي تذكر "عجب الله". قال: "إطلاق العجب لا يجوز على الله سبحانه ولا يليق بصفاته، وإنما معناه الرضى......"أهـ.

أما عن تحييزهم الله تعالى في مكان، وهو خالق المكان. يقول الإمام الفخر الرازي في "أساس التقديس" (ص16) ردًا على المجسمة من الكرامية والحنابلة: "إن جمهور العقلاء المعتبرين اتفقوا على أنه تعالى ليس بمتحيز ولا مختص بشيء من الجهات، وأنه تعالى غير حال في العالم، ولا مباين عنه في شيء من الجهات". ويضيف (ص35) بالاستدلال بجواب موسى عليه السلام على فرعون عن قوله: ‏﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ‏﴾ [الشعراء: 23] على كونه تعالى غير متحيز. يقول الفخر الرازي: "فلفظة ‏﴿‏مَا‏﴾ سؤال عن الماهية، وطلب للحقيقة، فلو كان تعالى متحيزًا لكان الجواب بذكر كونه متحيزًا أولى من الجواب عنه بذكر كونه خالقًا"أهـ. وروى السبكي في "طبقات الشافعية" (ج9، ص42) " قيل ليحيى بن معاذ الرازي: أخبرنا عن الله عز وجل، قال: إله واحد، فقيل له: كيف هو؟ فقال: مالك قادر، فقيل له: أين هو؟ فقال: بالمرصاد. فقال السائل: لم أسألك عن هذا، فقال: ما كان غير هذا كان صفة المخلوق، فأما صفته فما أخبرت عنه"أهـ. وأقول: يحيى الرازي هنا يتبع نهج موسى عليه السلام في الإجابة على أسئلة فرعون عن الله تعالى، فأجابه بما يليق بجلاله تعالى لا وفقًا لأسئلة السائل التي لا تليق للسؤال عن رب.

ويقول ابن حزم في "الفِصل" (ج2/باب الكلام في المكان والاستواء، ص287-288) " قول الله عز وجل يجب حمله على ظاهره ما لم يمنع من حمله على ظاهره نص آخر أو إجماع أو ضرورة حس. وقد علمنا أن كل ما كان في مكان فإنه شاغل لذلك المكان، وماليء له ومتشكل بشكل المكان، أو المكان متشكل بشكله، ولا بد من أحد الأمرين ضرورة، وقد علمنا أن ما كان في مكان فإنه شاغل لذلك المكان، ومتناه بتناهي مكانه، وهو ذو جهات ست أو خمس متناهية في مكانه، وهذه كلها صفات الجسم، فلما صح ما ذكرنا علمنا أن قوله تعالى: ‏﴿‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ‏‏﴾‏‏ ‏[ق: 16] ، ﴿‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ‏‏﴾‏‏ ‏[الواقعة: 85] ، ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾‏‏ [المجادلة: 7] إنما هو التدبير لذلك والإحاطة به فقط ضرورة لانتفاء ما عدا ذلك"أهـ.

وعلّق الشريف الرضى في "مجازات القرآن" (ص309) على آية النجوى، قائلًا: "ظاهر هذا الكلام محمول على المجاز والاتساع، لأن المراد به إحاطته تعالى بعلم نجوى المتناجين، ومعاريض المتخافتين، فكأنه سبحانه يعلم جميع ذلك، سامع للحوار، وشاهد للسرار، ولو حُمل هذا الكلام على ظاهره لتناقض، ألا ترى أنه تعالى لو كان رابعًا لثلاثة في مكان على معنى قول المخالفين –يعني المجسمة- استحال أن يكون سادسًا لخمسة في غير ذلك المكان إلا بعد أن يفارق المكان الأول، ويصير إلى المكان الثاني، فينتقل كما تنتقل الأجسام، ويجوز عليه الزوال والمقام"أهـ.

ورُوي عن الإمام مالك أنه قال عن الحق سبحانه وتعالى: "كان ولا مكان، وهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان". وأقول: طالما أسقطنا المعنى الظاهر الموهم بالمكان، فلا مناص من التفويض أو التأويل، وهو اتفاق الأمة، لكن السلفية لا ينزهونه تعالى عن شغل المكان!

ومن الآيات التي احتج بها الحنابلة لإثبات شغل الله تعالى للمكان، قوله تعالى: ‏‏﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ‏‏﴾‏‏ [الملك: 16]. يرد ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص 25): "قد ثبت قطعًا أن الآية ليست على ظاهرها لأن لفظة (في) للظرفية، والحق سبحانه وتعالى غير مظروف. وإذا منع الحس أن ينصرف إلى مثل هذا بقي وصف العظيم بما هو عظيم عند الخلق"أهـ.

ومثلها قوله تعالى: ‏﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ‏‏﴾ [النور: 39]. قال الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسير الآية: "المعنى وجد وعد الله سبحانه عند انتهائه إلى منقطع عمله السيء، فكاله بصواعه، وجازاه بجزائه، وذلك يكون يوم المعاد، وعند انقطاع تكليف العباد. وقد قيل أيضًا إن الضمير في قوله تعالى ‏﴿‏عِندَهُ﴾ يعود إلى الكافر لا إلى عمله، فكأنه تعالى قال: فوجد الله قريبًا منه، أي وجد عقابه مرصدًا له، فأخذه من كثب، وجازاه بما اكتسب، وذلك كقول القائل: الله عند لسان كل قائل، أي يجازيه على قول الحق بالثواب، وعلى قول الباطل بالعقاب، والقولان جميعًا يؤولان إلى معنى واحد"أهـ.

ولأنهم يعتقدون بحلول الله في السماء، وحاشاه تعالى، أخذًا بظاهر معاني النصوص، فلم يكتفوا بنسبة الكلام إلى الله تعالى في قصة كلامه مع سيدنا موسى، بل توهموه بحرف وصوت، طالما يأتي من السماء، رغم أن النص المنقول عن البخاري الذي يحتجون به لم يقطع بنسبة الصوت الذي في السماء إلى الله.

 

د. منى زيتون

 

منى زيتوننظرًا لارتباط العقيدة السلفية بالنسبة الأكبر من الفتن في تاريخ الإسلام القديم والحديث، فما انتشرت عقيدتهم في مكان إلا كثُرت فيه الفتن، وما خبا ذكرهم في موضع إلا واستراح أهله من الفتن؛ فيلزمنا مراجعة مصدر الأصل الأساسي في تلك العقيدة الخاص بصفات الله تعالى، الذي يوحدونه على أساسها؛ لأنه السبب الأول لتكفيرهم باقي فرق المسلمين، ومن ثم فهو أساس من أسس نشأة شجرة التطرف وتناميها؛ فقد تفرد السلفيون بعقيدة من بين هذه الأمة حول صفات الله تعالى، نتيجة طريقتهم الحروفية في الفهم والاستدلال من نصوص الكتاب والسُنة. وسنعرض لتلك المراجعة بالدرجة التي تكفينا لفهم ما يصدر عن تلك الجماعة، فليس الهدف من بحثنا نقد العقيدة السلفية بذاتها، وهناك من كتب القدماء والمحدثين الكثير مما تصدى تفصيليًا لذلك الموضوع.

وأول المراجعة يجب أن تكون للمسمى. للشهيد الدكتور/ محمد سعيد رمضان البوطي كتاب صادر عن دار الفكر بدمشق بعنوان "السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي". يحاول فيه تصحيح التلبيس الذي وقع على عوام الأمة، بإيهامهم أن تلك الفئة المحددة من المسلمين هي المتمسكة بما كان عليه السلف الصالح للأمة في القرون الثلاثة الأولى، وأنهم المتّبِعون لمنهاج السنة النبوية.

هذا التلبيس الحادث مصدره حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ‏روى الإمام البخاري في صحيحه (3650)، عن عمران بن ‏حصين، يقول:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم - قال عمران: فلا أدري أذكر بعد ‏قرنه قرنين أو ثلاثًا - ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويَنذُرون ولا يَوفون، ‏ويظهر فيهم السمَن".‏ وأطرافه بالبخاري [2651-6428-6695]. وعلّق مصطفى البغا شارحًا الحديث "أنهم يحبون التوسع في المآكل والمشارب التي هي أسباب السمن، وقيل غير ذلك".

‏         وروى البخاري، (3651) حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله رضي الله عنه،‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم ‏يمينه، ويمينه شهادته".‏ قال إبراهيم: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار.‏ وأطرافه بالبخاري [2652 -6429-6658]. وعلّق مصطفى البغا، أن "هذا كناية عن التسرع في الشهادة والحلف والحرص عليها ولو لم يُطلب إليها، وهو عنوان قلة الورع والمبالاة في الدين".

وأخرج الإمام مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، روايات كثيرة مشابهة. ورواه الإمام الترمذي في سننه (2221- 2222-2302-2303-3859).

فبداية المراجعة أن من يُطلقون على أنفسهم مسمى السلفيين، يستغلِّون ذلك المسمى عن طريق ربطه بفكرة الخيرية المُطْلَقة في السلف الصالح، والمتمثل وفقًا للحديث في الصحابة والتابعين ثم من تلاهم من التابعين. ولهذه الفِرقة ادعاءات تطول عن موافقة عقيدتهم وفقههم لعقيدة السلف، علمًا بأنهم لا يكادون يستشهدون بكلمة من المرويات عن الصحابة والتابعين وأئمة السلف، بل يُكثرون النقل من ابن تيمية وغيره من مشائخهم، والتي قد يكون فيها بعض النقول عن السلف، ولا يعودون مباشرة لكتب السلف إلا ما ندر؛ ومن ثم فإنهم في الحقيقة يأخذون برأي مشايخهم الذي غالبًا لا يكون أمينًا في النقل عن السلف، فلا يعرض الخلافات بين الأئمة. والشائع عن مشايخهم حكايتهم الإجماع على ما يلائمهم من آراء، ونقلها لهم على هذا النحو، أو على الأقل تصويب الرأي الذي يوافقهم مهما كان شاذًا، وعوام الفِرقة يُسارعون للأخذ عنهم ظنًا منهم أن هذا ما كان عليه السلف.

وقد عمل هذا الارتباط بين تلك الفئة من المتشددين المتطرفين وبين السلف على تغيير جوهر الإسلام في أذهان العوام من المسلمين وغير المسلمين، فصارت صورة الدين الإسلامي أبعد ما تكون عن كونه رسالة الرحمة التي أرادها الله له، وصار التطرف مرادفًا للتدين لدى كثيرين.

ولن أسرف في ذكر تصنيفات أتباع ذلك المذهب لأعلام الأمة ممن عاشوا في تلك القرون، ومن يعتبرونه ومن لا يعتبرونه من السلف الصالح لسبب بسيط أن هذه تنظيرات لا قيمة لها على أرض الواقع، فحقيقة الأمر أن هؤلاء لا يتبّعون أي من كبار أئمة السلف –على كثرة الاختلافات بينهم في الفروع- ممن عاشوا في القرون الأولى، بما فيهم أئمة المذاهب الأربعة، ولا حتى يتبّعون الإمام أحمد بن حنبل صاحب المذهب الذي يدّعون انتماء فكرهم إليه عقديًا وفقهيًا، فسلفهم الذي يتبعونه في أصولهم العقدية هما المجسمان مقاتل بن سليمان البلخي، ومحمد بن كرام السجستاني‏.

سلفهم الأول، مقاتل بن سليمان

أما مقاتل بن سليمان المتوفي سنة 150هـ، فكان معاصرًا للإمام أبي حنيفة، ويُقال أن أبا حنيفة كتب "الفقه الأكبر" يشرح فيه عقيدة المسلمين لمّا رأى عقيدة مقاتل المجسمة بدأت تنتشر بين أهل العراق. ذكر الذهبي في كتابه "العرش" (ج1، ص125)‏ "نُسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر أنه من المشبّهة، وذكروا أنه هو الذي قال فيه الإمام أبو حنيفة: "أتانا من المشرق رأيان خبيثان، جهم مُعطِّل، ومُقاتل مشبِّه". وقال ابن حبّان عن مقاتل: "كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي وافق كتبهم، وكان يُشبِّه الرب بالمخلوقات، وكان يكذب في الحديث""أهـ. فبينما غالى جهم في التنزيه حتى عطّل ونفى كل الصفات عنه تعالى، غالى مقاتل في إثبات كل ما اعتقده صفات للباري حتى شبّه.

يقول عنه علي سامي النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج1، ص289): "قد اختلفت الأنظار فيه: فذُكر أنه كان مفسرًا سنيًا، وقيل إنه مفسر زيدي، واعتبره الشافعي أكبر مفسر، وأن الناس عيال في التفسير عليه، ولعنه أبو حنيفة. وأجمعت الكتب على أنه كان مشبهًا ومجسمًا، وأنه أخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم تفسيره المشبهي والمجسمي للقرآن، وأنه كان ضعيفًا في الحديث، وأنه قبِل الحشو وضمّنه مذهبه"أهـ.

كما ترجم له الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج7، ص201-202) "قال ابن المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة! وقال وكيع: كان كذابًا. قال البخاري: مُقاتل لا شيء البتة. وقال الذهبي: أجمعوا على تركه"أهـ. بينما رآه ابن تيمية في "منهاج السنة" (ج1، ص56) يصلح للاعتضاد والمتابعة!

يذكر النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج1، ص290-291) "وموجز القول في مقاتل بن سليمان أنه كان مشبهًا ومجسمًا. وقد احتفظ لنا التاريخ بقطع من تفسيره تثبت تمام الإثبات تشبيهه وتجسيمه، ولا شك أن مضر وكَهْمَس وأحمد الهجيمي –مشبهة الحشوية الذين قالوا أن الله جسم لا كالأجسام، وهو مركب من لحم ودم لا كاللحوم والدماء، وله الأعضاء والجوارح- قد سبقوه أو عاصروه في اعتناق التشبيه، ولكن المذهب يُرد إليه ويُنسب إليه في الأكثر. كانت المقاتلية مدرسة تفسير كبرى برعت بلا شك في التفسير، وقد كان التفسير فنًا جديدًا، ومجالًا للأخذ من مختلف الثقافات. ويبدو أن مقاتلًا كان على معرفة دقيقة بكل ما حوله من تراث، فأخذ ما يوافقه، فتأثر بالديصانية والمرقونية والمزدكية، كما تأثر بالإسرائيليات والمسيحيات، وضمّن كل هذا تفسيره. وهنا نتساءل هل كان تجسيمه فلسفيًا استند على رأي فلسفي؟ أو بمعنى أدق هل تأثر مقاتل بالرواقية، وهي أيضًا تقول أن الوجود جسم، وأن الله جسم؟ إننا نعلم أن الرواقية كانت منتشرة في الفلسفيات الثنوية وبخاصة الديصانية، فهل وصلت إلى أعماق تفسير مقاتل خلال الديصانية أو المزدكية؟ من المحتمل أن هذا قد حدث، ومن المحتمل أن الرجل قد وصل إلى التجسيم خلال تفسير قرآني بحت، مستندًا على الثقافة العامة المنتشرة في خراسان إبان ذلك الوقت وهو يفسر العرشية والكرسية، وأن الله استوى على العرش استواءً ماديًا، واستقر استقرارًا محسوسًا"أهـ. وألفت إلى أن ابن تيمية قد عدّ كَهْمَس من السلف الصالحين في مجموع الفتاوى (ج16، ص35)، كما روى عنه الإمام البخاري حديث (4473) بواسطة أحمد بن الحسن، وهو آخر حديث في كتاب المغازي بصحيحه.

وقد انتقلت مقالات مقاتل للحنابلة عن طريق أبي عاصم خشيش بن أصرم، المتوفي سنة 254هـ، بعد وفاة الإمام أحمد بثلاث عشرة سنة. يذكر الكوثري في مقدمة تحقيقه لـ "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع" للملطي (ص5) "أبو عاصم خشيش بن أصرم النسائي –وهو غير الإمام المحدث النسائي- من شيوخ أبي داود وابنه والعسال. كتب كتاب "الاستقامة". وكان ممن سطع نجمه بعد رفع المحنة في فتنة القول بخلق القرآن عند تقريب المتوكل العباسي النقلة. وهو يُعَدّ عندهم ثقة في الرواية، ولكنه متخبط في مسائل الدراية. فيفوه بما ينبذه البرهان الصحيح غير ساكت عما لا يعنيه"أهـ. وابن تيمية ينقل عن أبي عاصم في "منهاج السنة"، ولأن أبا عاصم كان من شيوخ أبي بكر بن أبي داود الناصبي الكذاب الذي تحنبل أواخر القرن الثالث الهجري، وكان سببًا رئيسيًا في محنة الإمام الطبري مع الحنابلة، التي خصصنا لها مقالًا كاملًا، فقد ساهم هذا في نقل مقالات مقاتل التجسيمية إلى من عُرفوا بالحنابلة.

كما ساهم في انتقال اعتقادات مقاتل للحنابلة، روايات نُعيم بن حمَّاد الخزاعي صاحب كتاب "الفتن" المليء بالعجائب والمناكير على حد وصف الذهبي، والذي تربى على يد نوح بن أبي مريم ربيب مقاتل بن سليمان –ونوح أيضًا تتلمذ على أبي حنيفة-. ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج10، ص597) نقلًا عن "تاريخ بغداد" "أن نُعيمًا كان كاتبًا لأبي عصمة –يعني نوحًا-، وكان شديد الرد على الجهمية وأهل الأهواء، ومنه تعلَّم نُعيم، وأن نعيمًا قال: كنتُ جهميًا، فلذلك عرفت كلامهم، فلمّا طلبت الحديث، عرفت أن أمرهم يرجع إلى التعطيل"أهـ. فكأن الرجل قد انتقل من الحال إلى نقيضه، فمن نفي وتعطيل الصفات الثابتة عن الله تعالى كما هو حال الجهمية، إلى إثبات كل ما يجد أمامه في حق الله، والادعاء أنها صفات دون تنزيه كما هو حال المشبِّهة.

ينقل عنه ابن كثير –وهو سلفي العقيدة- في تفسيره لآية الاستواء عن العرش بسورة الأعراف (ج3، ص426-427) "بل الأمر كما قال الأئمة -منهم نُعَيْم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري-: "من شبّه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر". ثم يزيد ابن كثير: "وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى"أهـ. وهذا النفي للتجسيم معتاد ممن يثبتون الأبعاض والجوارح وغيرها بعد أن يُثبتوها! ولا يغني مع فساد عقيدتهم شيئًا. والذهبي يثبت في ترجمة نُعيم بالسير (ص610) عقيدته في إثبات ما يُعرف بالصفات الخبرية التجسيمية، ويثني على ذلك، ولا يُستغرب ذلك من الذهبي كونه حنبلي العقيدة مع ميل للتفويض أحيانًا.

ولكن الذهبي يثبت عنه أنه مُختَلف في توثيقه، وقد اتهمه يحيى بن معين عندما كان يحضر مجلسه في مصر بالكذب على ابن المبارك، وترجمته عند الذهبي محشوة بأقوال كثيرين ممن لم يعدّلوه، وكذا يثبت الذهبي في ترجمته لنُعيم في "ميزان الاعتدال" قول أئمة المحدثين فيه أنه كثير التفرد بروايات، وأهم ما ذكره الذهبي في ذلك (ج4، ص269) "قال الأزدي: كان نُعيم ممن يضع الحديث في تقوية السُنة، وحكايات مزورة في ثلب النعمان كلها كذب"أهـ. فالرجل اُتُهِم صراحة بأنه كاذب، يضع الأحاديث التي يُقوي بها ما يعتقده، إضافة إلى كذبه واختراعه حكايات من كيسه عن الإمام أبي حنيفة النعمان ليس لها أصل. ومنها الحديث غير الصحيح الذي أورده أبو عمر ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (ج2، ص891) (1673)، وذكر أنه لم يصححه أحد، وهو "تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها على أمتي فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم، يُحرِّمون ما أحل الله، ويُحلُّون ما حرم الله"أهـ.

وكان نُعيم قد حُمل من مصر إلى بغداد؛ ليُمتحن في فتنة خلق القرآن، ومات مسجونًا. ورغم أنه ومن المؤكد أنه ليس بمنزلة الإمام أحمد بن حنبل، إلا أن موقفه في المحنة، ورفضه الإجابة إلى خلق القرآن قد أعلوا منزلة ما نقله من اعتقادات مقاتل التجسيمية لدى حنابلة بغداد، حتى صارت اعتقاداتهم، والتي نسبوها زورًا للإمام أحمد.

ويروي الذهبي عن ابن تيمية في كتابه "العرش" (ج1، ص126)‏ مدافعًا عن بعض ما ذكروا من مقالات مقاتل الشاذة؛ ولإعجابه حتمًا بباقي المقالات التجسيمية، "قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما مقاتل فالله أعلم بحقيقة حاله. والأشعري ينقل هذه المقالات من كتب المعتزلة، وفيهم انحراف على مقاتل بن سليمان، فلعلهم زادوا في النقل عنه، أو نقلوا عنه، أو نقلوا عن غير ثقة، وإلا فما أظنه يصل إلى هذا الحد. وقد قال الشافعي: من أراد التفسير فهو عيال على مقاتل، ومن أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة. ومقاتل بن سليمان وإن لم يكن ممن يُحتج به في الحديث -بخلاف مقاتل بن حيان فإنه ثقة- لكن لا ريب في علمه في التفسير وغيره وإطلاعه، كما أن أبا حنيفة وإن كان الناس خالفوه في أشياء وأنكروها عليه، فلا يستريب أحد في فقهه وفهمه وعلمه، وقد نقلوا عنه أشياء يقصدون بها الشناعة عليه، وهي كذب عليه قطعًا، وما يبعد أن  يكون النقل عن مقاتل من هذا الباب"أهـ.

سلفهم الثاني، محمد بن كرام السجستاني

أما الكرامية، فهم أتباع محمد بن كرام بن عراق بن حزبة السجستاني، المتوفي سنة 255هـ. ذكر الشهرستاني في "الملل والنحل" (ج1، ص99) "كان ممن يثبت الصفات، إلا أنه ينتهي فيها إلى التجسيم والتشبيه. نصّ على أن معبوده على العرش استقرارًا، وعلى أنه بجهة فوق ذاتًا، وأطلق عليه اسم الجوهر، فقال في كتابه المسمى "عذاب القبر" أنه أحدي الذات أحدي الجوهر، وأنه مماس للعرش من الصفحة العليا، وجوَّز الانتقال والتحول والنزول، ومنهم من قال أنه على بعض أجزاء العرش، وقال بعضهم امتلأ العرش به، وصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق ومحاذ للعرش، ثم اختلفوا ......"أهـ.

فاعتقاد الكرامية في صفات الله تعالى يشابه اعتقاد الحنابلة القدماء، غير أنهم خالفوهم في مسألتين، ذكرهما الذهبي في كتابه "العرش" (ج1، ص123)، يقول: "المسألة الأولى: أنهم يبالغون في إثبات الصفات –يعني الجوارح التي أثبتها السلفية في حق الله تعالى-، ويخوضون في شأن الكيفية، ودخل عليهم ذلك من جهة إطلاقهم لألفاظ مبتدعة كلفظ (الجسم) و (المماسة). قالوا عنه تعالى: جسم لكن لا كالأجسام. والمسألة الثانية: أنهم يثبتون الصفات بما فيها أن الله تعالى تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك عندهم حادث بعد أن لم يكن"أهـ.

يوضح الشهرستاني في "الملل والنحل" (ج1، ص100) في شأن المسألة الأولى "أطلق أكثرهم لفظ الجسم عليه تعالى، والمقاربون منهم قالوا: يعني بكونه جسمًا أنه قائم بذاته، وهذا هو حد الجسم عندهم"أهـ. وأما المسألة الثانية، فقد ذهب الكرامية –متشبهين بالمجوس- إلى تجويز قيام الحوادث بذات الله تعالى. قال الشهرستاني (ج1، ص101) "ومن مذهبهم جميعًا قيام كثير من الحوادث بذات الباري تعالى، ومن أصلهم أن ما يحدث في ذاته إنما يحدث بقدرته"أهـ. وقد ردّ عليهم الإمام الجويني والإمام الفخر الرازي، وذكر المؤرخون أن مناظرات الرازي معهم وإثباته استحالة قيام الحوادث بذاته تعالى هي سبب سمّ الكرامية له.

وقد أثبت ابن تيمية في كتابه "منهاج السنة" تقارب الكرامية في العقيدة من السلفية المنتسبة زورًا إلى أحمد بن حنبل، ودافع عنهم، بل وكتب كتابًا أسماه "نقض أساس التقديس"، يرد فيه على الإمام الفخر الرازي! كما ثبت عن ابن تيمية عدم إنكار لفظ الجسمية في حقه تعالى، وأنه لا يمتنع عن وصف الله بأنه يمس ما شاء من خلقه. يقول في "منهاج السُنة" (ج2، ص134): ‏"‏وقد يُراد بالجسم ما يُشار إليه، أو ما يُرى، أو ما تقوم به الصفات؛ والله تعالى يُرى في الآخرة، وتقوم به الصفات، ويُشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم قلوبهم ووجوههم وأعينهم، فإن أراد شخص بقوله: "ليس بجسم" هذا المعنى. قيل له: "هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنت لم تُقم دليلًا على نفيه"أهـ‏. وأساس الكذبة التي ادّعاها هو ربط مصطلح الجسم لغويًا بما يُخالف المعروف عنه في لسان العرب، وهذا الربط من ابتكار ابن تيمية. وكان اعتراض ابن تيمية الوحيد على استخدام مصطلح "الجسم" في حق الله تعالى (نفيًا وإثباتًا)، ما ادّعاه من أن ذلك بدعة، ورفض تنزيه الله بنفي أن يكون جسمًا!

ذكر الكوثري في حاشية تحقيقه لـ "التبصير" لأبي المظفر الإسفراييني (ص134) "ابن تيمية يقول في رده على "أساس التقديس" للرازي: "فمن المعلوم أن الكتاب والسُنة والإجماع لم تنطق بأن الأجسام كلها محدثة، وأن الله ليس بجسم، ولا قال ذلك إمام من أئمة المسلمين، فليس في تركي لهذا القول خروج عن الفطرة ولا عن الشريعة"أهـ. ويزيد الكوثري (ص135) "وقال المنبجي صاحب ابن القيم في إثبات المماسة: "قال ابن تيمية: والمعروف عند أئمة أهل السُنة وعلماء أهل الحديث أنهم لا يمتنعون عن وصف الله بأنه يمس ما شاء من خلقه، بل يروون في ذلك الآثار، ويردون على من نفاه". ذكره في الأجوبة المصرية"أهـ. وكما نرى فابن تيمية لا يكتفي بالاتفاق مع معتقد الكرامية، بل ويكذب على أئمة المسلمين.

كذا ثبت عن ابن تيمية تجويزه قيام الحوادث بذات الله. يقول في "منهاج السُنة" (ج2، ص380): "فإن قلتم لنا: قد قلتم بقيام الحوادث بالرب. قالوا لكم: نعم، وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل"أهـ. وهو في هذا الموضع يقرر عقيدته لا عقيدة غيره. ويضيف (ص381) "فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به. قلنا: ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة؟ ونصوص القرآن والسُنة تتضمن ذلك مع صريح العقل، وهو قول لازم لجميع الطوائف، ومن أنكره فلم يعرف لوازمه وملزوماته. ولفظ الحوادث مجمل فقد يُراد به الأمراض والنقائص، والله تعالى منزَّه عن ذلك، كما نزَّه نفسه عن السِنة والنوم واللُغوب، وعن أن يؤوده حفظ السماوات والأرض، وغير ذلك مما هو منزّه عنه بالنص والإجماع. ثم إن كثيرًا من نُفاة الصفات -المعتزلة وغيرهم- يجعلون مثل هذا حجة في نفي قيام الصفات أو قيام الحوادث به مطلقًا، وهو غلط منهم، فإنّ نفي الخاص لا يستلزم نفي العام، ولا يجب إذا نفيت عنه النقائص والعيوب أن ينتفي عنه ما هو من صفات الكمال ونعوت الجلال"أهـ. ومرة أخرى يكذب على أئمة المسلمين بادّعاء أن لا أحد منهم أنكر قيام الحوادث به سبحانه! بينما لم يثبت ذلك إلا سلفه ابن كرام.

والسلفية المعاصرون كإمامهم ابن تيمية، يعتقدون معتقديه الشاذين؛ فهم أقرب للكرامية منهم إلى عقيدة حنابلة بغداد.

ترجم لابن كرام الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج11، ص523) قال: ‏"خُذل حتى التقط من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها، ثم جالس الجُوَيْباري وابن تميم، ولعلهما قد وضعا مئة ألف حديث". كما ترجم له في "ميزان الاعتدال" (ج4، ص21) قال: "وقد سُجِن بنيسابور لأجل بدعته ثمانية أعوام، ثم أُخرج وسار إلى بيت المقدس، ومات بالشام في سنة خمس وخمسين ومائتين، وعكف أصحابه على قبره مدة"أهـ. ومن هنا يتبين لنا كيف وصلت اعتقاداته لبلاد الشام، فالتقطها المقدسيون والدمشقيون، ومنهم ابن تيمية وتلاميذه، وعبد الغني المقدسي، وغيرهم.

***

كان مقاتل بن سليمان بلخيًا؛ من مدينة بلخ، وتقع حاليًا في حدود أفغانستان، ورغم أصوله الأزدية، والأزد كما هو معروف كانوا من أفصح الناس لسانًا، وأعذبهم بيانًا، إلا أن نشأته في بلاد لا يتكلم أهلها بالعربية لن تتيح له اكتساب تلك الفصاحة وذاك البيان. وكذا فإن ابن كرام نشأ بساجستان، وهي منطقة تاريخية تقع في شرق إيران، وقسم منها يقع جنوب أفغانستان. فالفكر التجسيمي الذي أخذ به من سمّوا أنفسهم بالحنابلة أولًا، ثم سمّاهم ابن تيمية بالسلفية، ونسبهم إلى السلف، إنما ورد على الإسلام من تفسير اثنين من مفسريّ القرآن من وراء بلاد فارس، وربما كان لفهمهما الحرفي للغة العربية –كونهما لم ينشآ على العربية- الدور الأساسي في تفسيرهما لآيات القرآن الذي هو أشبه بالترجمة الحرفية، فالمراد بوجه الله عندهما هو وجه، وكأني بهما لو كانا ينطقان بالإنجليزية لترجماها "the face of Allah". إضافة إلى تأثرهما بالثقافة العامة في بلاد فارس المشبعة بالفلسفات الثنوية والإسرائيليات. وفرق كبير بين تفسير مقاتل وابن كرام، وبين تفسير الطبري والزمخشري –وهو معتزلي- والفخر الرازي للقرآن، وهم أيضًا فُرس، وكذا تفسير القرطبي وهو أندلسي، ولكن الأخيرين أتقنوا اللغة، وتسلّحوا بالبيان، وعرضوا لتفسيرات اللغويين، ونقلوا الشعر لتقرير المعنى، مع العلم بأقوال الصحابة والتابعين، وشتان بين الفريقين.

فهذان هما سلفهما القديم عقديًا، أما سياسيًا فهم أمويو الهوى والمشرب، ونصبهم وكراهيتهم لآل البيت لا تخفى على أحد، حتى وصل الحال بابن تيمية أن يفتي بحرمة شد الرحال لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحكي كذبًا إجماع أئمة المسلمين على هذا، وكان سبب سجنه الأخير الذي مات فيه. ولعل من أوجه التشابه بينهم وبين الأمويين لجوئهم إلى سمْ مخالفيهم، والتشنيع بالأكاذيب عليهم، وسنرى من ذلك الكثير عند مراجعة فتنهم عبر التاريخ.

والسلفية أيضًا إضافة إلى تجسيم وتشبيه الله سبحانه بخلقه بنسبة الجوارح إليه، هم أتباع وتلاميذ مدرسة ابن تيمية وابن عبد الوهاب التي كانت لها مخالفات لجموع المسلمين وأهمها، تقسيم التوحيد وما يقولونه في الألوهية والربوبية، وعدم توقير النبي صلى الله عليه وسلم، وتكفير وتضليل المسلمين ممن لا يتبعون عقيدتهم في الله سبحانه وتعالى، ومن يريد الوقوف على حقيقة ما يعتقدون فعليه بهذين الشيخين فهما إماما المذهب الحقيقيين.

جذور الفكر التجسيمي في الإسلام

ينبغي مع ذلك أن نلفت أن مقاتلًا وابن كرام ليسا أول من قالا بالتجسيم والتشبيه. يذكر النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج2، ص173) "أجمع مؤرخو الفكر الإسلامي القدامى، شيعة، وسُنة، ومعتزلة، على أن هشام بن الحكم هو أول من قال إن "الله جسم"، وأن مقالة التجسيم في الإسلام إنما تُنسب إليه، فهو أول من أدخلها أو ابتدعها، كما نُسب إليه التشبيه أيضًا. وثمة خلاف بين التجسيم والتشبيه. ونحن نعلم أن مقاتل بن سُليمان نادى أيضًا بالتجسيم، كما نادى بالتشبيه، غير أن مقاتلًا وصل إلى آرائه خلال تفسير القرآن –أي خلال طريق نقلي-، فقد حشا تفسيره بإسرائيليات ومسيحيات وثنويات، انتهى منها إلى تجسيم وتشبيه غليظين. وهذا ما لم يفعله، فيما يبدو، هشام بن الحكم، بل يكاد يكون طريقه في إثبات الجسمية لله طريقًا عقليًا بحتًا"أهـ.

ولهذا الفارق الذي ذكره النشار، إضافة إلى أن هشام كان رأسًا من رءوس الشيعة الإمامية من المعتقدين بعصمة الأئمة وغيرها من اعتقادات الشيعة، أرى أنه لا مجمل اعتقاداته، ولا طريقته الكلامية الفلسفية في إثبات التجسيم ترشحانه ليُعدّ سلفًا للسلفية.

مصطلحات تشنيعية متبادلة!

يدّعي السلفية أنهم يثبتون ما أثبت الله تعالى لنفسه من صفات، علمًا بأنه تعالى لم يثبت ما ادعوا، ويبدو أنهم لا يدركون معنى صفة في اللغة؛ فهل إذا قال الله تعالى "عين الله" هل عينٌ هنا هي صفة؟، وهل كل مضاف صفة؟!، ومن هنا فهم يُطلقون على كل من لا يثبت لله تعالى ما يعتقدون أنها صفات، مصطلح "المُعطِّلة" أو "الجهمية"، كتعريض بهم. والتعطيل هو عدم إثبات الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه، ورائده الجهم بن صفوان الترمذي، من ترمذ والتي تقع حاليًا في أوزباكستان على الحدود الأفغانية. وُلد ونشأ في الكوفة. وكان الجهم قد تفرّد باعتقاد مُنكر؛ إذ يقول بنفي صفات الله الأزلية، كالقدرة والإرادة والعلم، لاعتقاده أن الخالق لا تُدرِك صفته العقول من جهة ذاته وإنما يُدرك من جهة آثاره.

والعجيب أن جهم فيما نقله عنه الإمام الأشعري في "مقالات الإسلاميين" (ج2، ص167) قال: "إن الجنة والنار تفنيان وتبيدان، ويفنى من فيهما، حتى لا يبقى إلا الله وحده، كما كان وحده لا شيء معه"أهـ. وأثبت له الشهرستاني نفس هذا الاعتقاد الشاذ، والذي أخذه عنه ابن تيمية، وكان مما أُنكِر عليه. وكان جهم أيضًا أول من قال بخلق القرآن، وهي من عقائد ابن تيمية التي استتيب بسببها في مصر عام 707هـ. فجهم الذي لا يفتر ابن تيمية ومن تلاه من الوهابية عن التعريض به، هو سلف لابن تيمية في بعض عقائده، وإن لم تأخذ عنه الوهابية هذه العقائد.

ولأن السلفية اختلفوا مع الأشاعرة في صفات الله تعالى وإثبات الجوارح إليه، وكذا في إثباتهم جلوس الله ‏على العرش والنزول وغيرها، فمن هنا أسماهم الأشاعرة بالمجسِّمة والمشبِّهة، كعادة أصحاب العقائد الإسلامية فكل فرقة ‏تناكف الفرق الأخرى بإطلاق أسماء مزرية توضح رأيهم في اعتقاداتهم، والتشبيه والتجسيم يعنيان أن يُشبّه الله سبحانه وتعالى بأحد من خلقه، وتُنسب له الجوارح الدالة على الجسمية؛ ذلك أن تُقاس صفات الله على صفات الخلق.

كما يوجد اسم آخر يُطلقه ‏الأشاعرة والماتريدية –بل والمعتزلة- على السلفية وهو: الحشويون. ورُوي في أصل تلك التسمية أن الحشويين هم مجموعة من المسلمين من المتأثرين بعقائد أهل الكتاب، وقد كان هناك عرب في نجد وشمال جزيرة العرب على النصرانية قبل الإسلام، كما تأثر البعض بروايات الأحبار والرهبان الذين أسلموا، وكان جماعة منهم قد قدموا إلى حلقة الحسن البصري، فلمّا رأى منهم خوضهم في أقوال وعقائد أهل الكتاب أجلسهم في حشا الحلقة المتطرف –أي في ناحية بعيدة بطرفها-، كي لا يُفتتن بهم من بالمجلس، فشاع المصطلح، وأصبح يدل على كل من في اعتقاده شيء من عقائد أهل الكتاب من التجسيم والتشبيه. قال الإمام الكوثري في مقدمة تحقيقه لـ "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر (ص20): "كان الحسن البصري من جلة التابعين، وممن استمر سنين ينشر العلم في البصرة، ويلازم مجلسه نبلاء أهل العلم، وقد حضر مجلسه يومًا أناس من رعاع الرواة، ولمّا تكلموا بالسقط عنده، قال: رُدّوا هؤلاء إلى حشا الحلقة، أي جانبها، فسُموا الحشوية، ومنهم أصناف المجسمة والمشبهة"أهـ. ومن أمثلة ذلك أن اعتقاد السلفية التجسيمي لله بأنه جالس على العرش –وحاشاه- إنما هو من عقائد أهل الكتاب.

عقيدتهم المختلطة بعقيدة أهل الكتاب

وقد دخلت عقيدة أهل الكتاب على عقائد بعض المسلمين من خلال سماعهم من الأحبار الذين أسلموا. يقول الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج3، ص489) في ترجمته لكعب الأحبار: "إنه كان يهوديًا فأسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر رضي الله عنه، فجالس أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فكان يُحدثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ عجائب، ويأخذ السنن عن الصحابة. وكان حسن الإسلام، متين الديانة، من نبلاء العلماء"أهـ. وقد نقل الذهبي –وهو حنبلي العقيدة- في كتاب "العلو" الكثير من العقائد عن كعب الأحبار وعبد الله بن سلام الصحابي الجليل الحبر الذي أسلم على عهد النبي.

لكن لم يكن جميع من أظهر الإسلام من أصحاب الديانات القديمة حريصًا على تعلم الإسلام بقدر ما أثّروا سلبًا في عقيدة المسلمين؛ فعلّموهم عقيدتهم. ذكر الكوثري في مقدمة تحقيقه لـ "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر (ص19) "وكان عدة من أحبار اليهود ورهبان النصارى وموابذة المجوس أظهروا الإسلام في عهد الراشدين، ثم أخذوا بعدهم في بث ما عندهم من الأساطير بين من تروج عليهم ممن لم يتهذب بالعلم من أعراب الرواة وبسطاء مواليهم، فتلقفوها منهم ورووها لآخرين بسلامة باطن معتقدين ما في أخبارهم في جانب الله من التجسيم والتشبيه، ومستأنسين بما كانوا عليه من الاعتقاد في جاهليتهم، وقد يرفعونها افتراء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أو خطأ، فأخذ التشبيه يتسرب إلى معتقد الطوائف، ويشيع شيوع الفاحشة"أهـ.

يقول الإمام تقي الدين الحصني في "دفع شبه من شبّه وتمرد" (ص15): "والحاصل من كلام ابن حامد والقاضي –يعني أبا يعلى- وابن الزاغوني –وهم من أشهر الحنابلة الأوائل- من التشبيه والصفات التي لا تليق بجناب الحق سبحانه وتعالى هي نزعة سامرية في التجسيم، ونزعة يهودية في التشبيه، وكذا نزعة نصرانية؛ فإنه لمّا قيل عن عيسى عليه السلام أنه روح الله سبحانه وتعالى، اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح ولجت في مريم عليها السلام، وهؤلاء وقع لهم الغلط من سوء فهمهم، وما ذاك إلا أنهم سمّوا الأخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات وليس كل مضاف صفة"أهـ.

مراحل دخول التجسيم في عقيدة المسلمين

يلخص الشهرستاني في "المِلل والنِحل" (ج1، ص79-80) تطور ومراحل دخول التجسيم في عقيدة المسلمين. يقول: "اعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثُبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام، والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة، ولا يفرّقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقًا واحدًا، وكذلك يثبتون صفات جبرية –لعله يقصد خبرية-، مثل اليدين والرجلين والوجه، ولا يؤولون ذلك، إلا أنهم يقولون بتسميتها صفات جبرية، ولمّا كانت المعتزلة ينفون الصفات، والسلف يثبتون، سُمي السلف صفاتية، والمعتزلة مُعطِّلة، فبلغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر، فافترقوا فيه فرقتين، منهم من أوّلها على وجه يحتمل اللفظ ذلك، ومنهم من توقف في التأويل، وقال: عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ‏﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏‏﴾‏‏ ‏[الشورى:11]، فلا يشبه شيئًا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء منها، وقطعنا بذلك إلا أنّا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه مثل قوله تعالى: ‏﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى‏‏﴾‏‏ [طه:5]، ومثل قوله: ‏﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏‏﴾ [ص:75]، ومثل قوله: ‏﴿وَجَاءَ رَبُّكَ‏‏﴾ [الفجر:22]، إلى غير ذلك، ولسنا مُكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقينًا، ثم إن جماعة من المتأخرين –يعني المجسمة والمشبهة- زادوا على ما قاله السلف، فقالوا: لا بد من إجرائها على ظاهرها، والقول بتفسيرها كما وردت، من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر، فوقعا في التشبيه الصِرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف، ولقد كان التشبيه صرفًا خالصًا في اليهود، لا في كلهم، بل في القرائين منهم؛ إذ أوجدوا في التوراة ألفاظًا تدل على ذلك، ثم الشيعة في هذه الشريعة وقعوا في غلو وتقصير، أما الغلو فتشبيه بعض أئمتهم بالإله، تعالى الله وتقدس، وأما التقصير فتشبيه الإله بواحد من الخلق، ولما ظهرت المعتزلة والمتكلمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلو والتقصير، ووقعت في الاعتزال، وتخطّت جماعة من السلف إلى التفسير الظاهر، فوقعت في التشبيه"أهـ.

والشهرستاني هنا يؤكد أن عقيدة الشيعة الأوائل كانت تجسيمية قبل أن تتحول للاعتزال، وأن عقيدة أهل السُنة والحديث كانت التأويل أو التفويض، ثم وقعت جماعة منهم في التشبيه والتجسيم بسبب التفسير بظاهر النصوص.

وقد أُطلق اسم الحنابلة، ثم اسم السلفية، على هؤلاء ممن خرجوا على عقيدة ‏الإمام ابن حنبل، وادّعوا أنهم على العقيدة والمذهب الحنبلي، وظهروا دونًا عن أتباع باقي الأئمة ‏بدءًا من القرن الرابع الهجري. فإن كان أهل العصر الأول والعصر الثاني والعصر الثالث هي القرون التي ‏أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فهولاء هم من ظهروا بعدهم، فأحاديث القرون الثلاث ‏الأولى أراها عليهم لا لهم.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيإن الأرواح الكبيرة للمثقفين صيرورة متراكمة في مجرى إدراك القيم السائدة في ظاهر البشر وبواطنهم. وهو إدراك يؤدي بالضرورة إلى نقد الواقع من خلال انتفاضة الجسد واحتجاج العقل. وحالما ترتقي وحدة الانتفاض الحسي والاحتجاج العقلي إلى مصاف الإدراك الأخلاقي، حينذاك يبدأ الروح في احتجاجه الخاص. لكنه خلافا للعقل والجسد، عادة ما يحفر قنواته العميقة صوب بحار الحكمة، أي نحو عوالم بلا أوهام وأهواء، بوصفها المقدمة الضرورية لصنع إرادة فاعلة في عوالم الخيال المبدع.

وعادة ما يتوقف حجم هذه العوالم ونوعها وعمقها ومداها على قدر ما في تاريخ الدولة والأمة من مساع إمبراطورية. فالشخصيات الكبرى هي الوجه الآخر للمساعي الإمبراطورية والنزعة الكونية. فإذا كانت الإمبراطورية الأموية هي نتاج معارك القوى الاجتماعية والسياسية والروحية للخلافة في مجرى القرن التأسيسي الأول، فإن الحسن البصري كان وجهها الآخر.

إننا نعثر فيه على الصفة الفردية والفردانية لإمبراطورية الروح المناهضة لسلطان السلطة المستبدة. وذلك لأنه جسّد بذاته خزين معارك القرن الأول وصراعاته وبحثه عن البدائل، أي كل ما كان يحتدم في أعمق أعماق النفس وأشد مظاهرها بروزا في حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة[1]. مما جعل منه في العرف الإسلامي العام أحد المصادر الكبرى للفكرة الإسلامية المتسامية رغم تباين المواقف السياسية منه. وهو أمر طبيعي. فالشخصية الكبرى، التي تنذر نفسها من أجل صنع "الإجماع" عادة ما تصبح أحد مصادر الخلاف الأكبر. كما أنه القربان الروحي الضروري لكي تتكامل الدولة بمعايير الحق والمثقف بمعايير الحقيقة.

فقد جسّد الحسن البصري في ذاته نموذج المثقف المتسامي عن صراع القوى الحزبية ونزوعها الضيق وأوهامها وأهوائها وظنونها الجازمة! مما جعل منه نغما متموجا في دبيب النفس الاجتماعية والعقل الحر والروح الأخلاقي. بحيث جعله على الدوام محل الاحتكاك والحراك، كما جعله قريبا من الجميع وبعيدا عنهم. أما في الواقع فإن القرب والبعد ليسا إلا الصيغة الظاهرية عن حقيقة بعده عن الباطل والخطيئة والرذيلة وقربه من الحق والصواب والفضيلة. لكنه اقتراب وابتعاد فرداني متحرر من أوهام وأهواء العامة والخاصة. ومن الممكن العثور عليه في أحد أجوبته عندما قيل له مرة:

يا أبا سعيد! صليت؟

نعم!

لكن أهل السوق لم يصلوا بعد؟!

ومن يأخذ دينه من أهل السوق؟![2]

بمعنى تمثيله لمسار الرؤية الفردية المسبوكة بمعايير المعاناة الفعلية للحق، أي تمثله للحقيقة القائلة، بأن المعاناة هي التي تجعل الحياة سهلة بسيطة كالماء والهواء والنار والتراب. وذلك لأن الحياة الخالية من معاناة كبرى هي ركود وملل. ومن ثم فهي كآبة قادرة على سحب بريق الرأفة والحنان والرقة والجمال من كل مشاعر الجسد وقلق الوجدان وتأمل العقل. وبالتالي من المكونات الضرورية التي تبعث في الوجود حرارة المعنى وقيمته بالنسبة للمصير والتاريخ على السواء.

وليس مصادفة أن نعثر في أكثر من تقرير مقارن له عن إشارة إلى ما "أدركه"، أي رآه وتحسسه وعاينه وعايشه وتأمله وتفكر به. من هنا كلماته العديدة التي يشير فيها إلى الأسلاف، ولكن بمعايير التجربة الفردية والتأمل الحسي والعقلي، وليس التقليد. إذ نراه مرة يقول "لقد أدركت سبعين بدريا ما كان لباسهم إلا الصوف"[3]. وفي حالة أخرى يقول "أدركت سبعين من الأخيار ما لأحدهم إلا ثوبه، وما وضع أحدهم بينه وبين الأرض ثوبا. وكان إذا أراد النوم باشر الأرض بجسمه وجعل ثوبه فوقه"[4]. وفي حالة ثالثة يقول "أدركت أقواما كانوا لا يشبعون بأكل احدهم حتى إذا رد نفسه امسك ذائبا ناحلا مقبلا على نية. يعيش عمره كله ما طوي له ثوب قط، ولا أمر أهله بصنعة طعام، ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا"[5]. وفي حالة رابعة يقول "لقد رأيت أقواما كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه"[6]. وفي حالة خامسة يقول "لقد أدركت أقواما كانوا أؤمر الناس بالمعروف وآخذهم به، وأنهى الناس عن منكر واتركهم له. ولقد بقينا في أقوام أأمر الناس بالمعروف وأبعدهم منه، وأنهى الناس عن المنكر وأوقعهم فيه. فكيف الحياة مع هؤلاء؟!"[7]. إذ يتمم هذا السؤال من حيث منطقه الداخلي تأمل تجربة الماضي والحاضر بمعايير الإدراك الأخلاقي الذاتي. فالقضية هنا ليست في عدد مرات الإدراك بقدر ما تكمن في نموذجيتها المتكاملة في السؤال المتألم حول كيفية العيش مع هذا القطيع المقطوع عن تجارب الأسلاف الكبرى. ويحتوي هذا السؤال في أعماقه على إجابة، وذلك لأنه سؤال الاستغراب والاندهاش من الكيفية التي يمكن الهبوط بها صوب الحضيض، بينما الحقيقة والحق يفترضان الارتقاء الدائم صوب السمو الروحي.

إننا نقف هنا ليس أمام سؤال يهدف إلى إدراك واقع أو حقيقة بقدر ما نقف أمام سؤال هو تعبير عن صرخة العقل والوجدان المتموجة في أعمق أعماقه بوصفها جزء من معاناة تاريخية أخلاقية كبرى. ويمكن الهبوط بهذه المعاناة إلى ميدان الخشونة المرّة للحياة من أجل تحسسها بمعايير الجسد أيضا، كما نراها في الفكرة التي وضعها مرة في عبارة مباشرة يخاطب بها الإنسان قائلا:"ابن آدم! إنك تموت وحدك! وتدخل القبر وحدك! وتبعث وحدك! وتحاسب وحدك! ابن آدم وأنت المعني وإياك يراد"[8]. وهي حقيقة أقرب إلى البديهة العقلية. لكن مفارقتها المثيرة تقوم في عدم تحسس أغلبية البشر لها، مع أنها أقرب الأشياء إلى جسد الإنسان! مما جعل عبارة الحسن البصري المذكورة أعلاه أشبه ما تكون بحشرجة مصدرها غباء العامة، وصلف الخاصة، وغيبوبة العقل، واندثار اليقين الروحي! من هنا يمكن فهم الاستكمال المبسط والمتمم لفكرة إن الإنسان يموت لوحده ويدفن لوحده، وإن المقصود بكل ذلك هو الإنسان المخاطب (الجميع). بحيث نرى الحسن البصري يصل ضمن هذا السياق، إلى مطابقة ماهية المؤمن مع المحاسبة الذاتية باسم الحق، كما وضعها في عبارته القائلة:"إن المؤمن قوّام على نفسه، يحاسب نفسه لله"[9]. بمعنى خروجه من تقاليد التقليد وشرطية العلاقات والقيم والانطواء على النفس بمعايير الروح المتسامي. وسوف تبدع هذه الحالة لاحقا فكرة وسلوك الخلوة بوصفها طريق التنقية الذاتية للنفس. وهي الحالة التي نعثر على صداها وتأسيسها الأول في السلوك الشخصي للحسن البصري، كما نراها على سبيل المثال في رده على ثابت البناني، الذي أراد مرافقة الحسن إلى الحج بعد أن سمع بذلك. فأجابه الحسن قائلا:"ويحك! دعنا نتعاشر بستر الله علينا. إني أخاف أن نصطحب فَيَرىْ بعضنا من بعض ما نتماقت عليه"[10].

إننا نقف هنا أمام فكرة تعكس نوعية السلوك المتراكم في مجرى المعاناة النقدية للنفس بوصفها محاسبة عسيرة، أو ما اسماه بمحاسبة النفس لله. بمعنى تحررها من قيود الظاهر والتقليد وعرف العوام. وليس مصادفة أن يرفع الحسن البصري هذا السلوك إلى مصاف الفكرة النظرية والعملية تجاه علاقة العقل والنقل أو الدراية والرواية، باعتبارها إحدى إشكاليات الثقافة الكبرى آنذاك. بحيث نسمعه يقول مرة:"إن الله لا يعبأ بصاحب رواية، وإنما يعبأ بذي فهم ودراية"[11]. وأن "من لم يكن له عقل يسومه لم تنفعه كثرة مروياته"[12].

وتعكس هذه الفكرة أولا وقبل كل شيء ما يمكن دعوته بنوعية السلوك الباطني المتراكم في مجرى احتكاك النفس بخشونة الواقع الفعلية و"استحالة" المثال. لكنه تراكم فردي بالضرورة ومحكوم بمعاناة التجربة الذاتية الحرة. من هنا اندفاعها مع كل انغماس في دروبها صوب دهاليز الجنون المرعبة للذهنية المستأنسة بروايات الأسلاف، والمستظرفة بأساطيرهم الوديعة، والمتراخية بقصص الليالي وسردها المغري! وهي نتيجة ليست معزولة عن واقع الحقيقة القائلة، بأن السمو الفردي المحكوم بمعاناة التجربة الذاتية الحرة عادة ما يجعل الشخصية "مجنونة" بمعايير الظاهر والعابر والزمن، و"روحا" بمعايير التاريخ والحقيقة. من هنا مقارنة الزمن العابر بالتاريخ الروحي في العبارة التي تفوه بها مرة عندما قال: "صحبت طوائف لو رأيتموهم لقلتم مجانين! ولو رأوا أخياركم لقالوا ما لهؤلاء من أخلاق!"[13]. ويمكن فك رموز هذه "الصحبة" وأسرارها الواقعية والمعنوية حالما يجري وضعها على محك المطلق بوصفه مصدر الوحي الذاتي والكمال المتحرر من رّق الاغيار، كما ستقول به المتصوفة لاحقا ، أي التحرر من عبودية الغير أيا كان شكله ومحتواه. فعندما قيل له مرة، بأن قوما يحضرون مجلسه ليس بغيتهم إلا تتبع سقطات كلامه وإرهاقه بالسؤال، نراه يبتسم ويقول:"إني حدّثت نفسي بسكنى الجنان ومجاورة الرحمن فطمعت! وما حدّثت نفسي بالسلامة من الناس، لأني علمت أن خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم لم يسلم منهم"[14].

وليس في كلامه هذا شيئا غير حقيقة المحبة المفعمة برائحة التحرر من كل ما لا يمكنه أن يوصل إلى إدراك حقيقة الحق. وذلك لأن حقيقة الحق بالنسبة للحسن البصري تقوم في بلوغ الحكمة. وهذه بدورها ليست شيئا غير "تحديث النفس بسكنى الجنان ومجاورة الرحمن"، بمعنى تجديدها وإصلاحها الدائم بحوار الرحمة الأبدية. لكنها رحمة يستحيل بلوغها دون معاناة التجربة الحرة بوصفها حوارا دائما للروح المتسامي. وقد بلغ الحسن البصري هذه الغاية ووضعها في عبارته القائلة: "إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر، وبالفكر على الذكر حتى استنطقوا قلوبهم فنطقت بالحكمة"[15]. كما سيقول عنه أبو نعيم الأصفهاني "مازال الحسن البصري يعي الحكمة حتى نطق بها"[16]. وهو نطق ميز كلمة الحسن البصري وعبارته بوصفها حكمة. لهذا نسمعه يقول:"لسان المؤمن وراء قلبه. إذا أراد أن يتكلم تفكر. فإن كان له تكلم، وإن كان عليه أمسك. وقلب المنافق على طرف لسانه"[17]. ومع ذلك تبقى مقارنة جزئية تعكس الفكرة الأوسع والأعمق والأكثر شمولا لعلاقة اللسان والقلب والحكمة، عندما وضعها في عبارته القائلة:"من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو. ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو. ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو"[18].

إن وحدة الحكمة والتفكر والاعتبار هي الحلقات الضرورية التي تصنع على مثالها سبيكة الأنا الناطقة بالحق. بمعنى صيرورتها التاريخية والذاتية بوصفها تلقائية واحدة وجدت تعبيرها الإسلامي بوحدة الكمية النوعية القائمة في بلوغ الأربعين والنبوة. لهذا نرى المكي وغيره، على سبيل المثال، يقول بأن الحسن البصري ظل "يعي الحكمة أربعين سنة حتى نطق بها"[19]. ويعكس هذا الرقم أولا وقبل كل شيء نمطية التقاليد الإسلامية التي جعلت من الأربعين حدا للنبوة والحكمة. من هنا إجماع الثقافة العامة عنه، بأنه "ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء"[20]. ثم تخصيص ذلك بما يتناسب مع ذوق الثقافة الإسلامية ورؤيتها للعظمة عبر مشابهة كلامه بكلام النبي محمد، كما نراه في العبارة التي يوردها أبو طالب المكي عندما كتب يقول، بأن كلام الحسن البصري "كان يشبه كلام رسول الله"[21]. وبهذا يكون الحسن البصري قد بلغ الدرجة المثلى في العرف التاريخي والروحي للثقافة الإسلامية التي جعلت منه سبيكة حية لتاريخ الأنبياء والحكماء. ويمكننا العثور على هذه الدرجة في العبارة التي وصفته بكلمات:"أن لسانه مثل لسان الأنبياء والحكماء". وليس المقصود بذلك نطق اللسان، بقدر ما كان المقصود به نمط التفكير والأسلوب والغاية. وهو القصد الذي يمكن رؤيته في التحديد الذي قدمه أبو طالب المكي واستعاده الغزالي لاحقا في عباراته القائلة :"لقد كان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء وأقربهم هديا من الصحابة. اتفقت الكلمة في حقه على ذلك. وكان أكثر كلامه في خواطر القلوب، وفساد الأعمال، ووساوس النفوس، والصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس"[22]. ذلك يعني أن الحسن البصري هو الكينونة التي جسّدت في ذاتها رحيق الصيرورة الإسلامية الروحية، من خلال توليف تراث الروح المتسامي والتاريخ الواقعي في سلسلة الوحدة الضرورية للتاريخ الفعلي والمثال الواجب.

 من هنا إرتقائه في سماء الثقافة الإسلامية بوصفه أحد مصادرها وأعلامها الكبرى. كما لو انه تجسيد للحقيقة القائلة، بأن الأنبياء حالما تموت تحيى في ذاكرة الأجيال والأمم بما يتناسب وذوقها التاريخي. من هنا شيوع الصيغ العديدة والمتنوعة في مظاهرها والمتوحدة في مضمونها عنه بوصفه صوت التاريخ والحقيقة والروح الأخلاقي للأمة. لهذا قيل عنه، بأنه في الليلة التي مات فيها الحسن البصري شاهد البعض كما لو أن أبواب السماء مفتوحة، وكأن مناديا ينادي "ألا أن الحسن البصري قدم على الله وهو عنه راض"[23]. وهي الصيغة الرمزية المعبرة عما فيه من مفاتيح قادرة على فك مزلاج الوجود بفكرة الرضا الجوهرية للرؤية الإسلامية. إذ ليس الرضا سوى الوحدة المتجانسة للحرية والإرادة في المواقف. ومن ثم لا يعني رضا الله عنه سوى الصيغة اللاهوتية عن قبول التاريخ والروح له بمعايير وحدتهما التي جسدها الحسن البصري نفسه في صيرورته الفردية وكينونته الذاتية. وبالتالي لا تعني انفتاح أبواب السماء سوى الإطلالة الجميلة لاسترقاق السمع إلى صوت الحقيقة والتاريخ والروح الأخلاقي والأمة المتمثل في شخصية الحسن البصري. من هنا قول عبد الرحمن بن زيد عنه:"كان الحسن البصري إذا أمر بشيء كان من أعمل الناس به. وإذا نهى عن شيء كان من أترك الناس له. ولم أر أحدا قط أشبه سريرة بعلانية منه"[24]. وعندما سأل عنه الأمير مسلم بن عبد الملك، أجابه خالد ابن صفوان قائلا "أشبه الناس سريرة بعلانية، وأشبه قولا بفعل. وإن قعد على أمر قام عليه، وإن قام على أمر قعد عليه. وإن أمر بشيء كان أعمل الناس به، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له. رأيته مستغنيا عن الناس، ورأيت الناس محتاجين إليه"! عندها قال مسلم:"حسبك يا خالد! كيف يضل قوم هذا فيهم؟!"[25]. من هنا شيوع العبارة القائلة عنه:"كنا نشبهه بهدى إبراهيم الخليل في حلمه وخشوعه ووقاره وسكينته!". بمعنى بلوغه الدرجة التي يمكن وضعه، حسب ذوق لعبارة الإسلامية، في مصدر الفكرة الأخلاقية والروحية المتسامية. وليس مصادفة، كما تروي كتب التاريخ والسير الحادثة الطريفة عن الرغبة الوحيدة والأخيرة لجابر بن زيد، عندما قيل له قبيل موته:

ما تشتهي؟

نظرة إلى الحسن!

فلما دخل عليه الحسن، قالوا له:

هذا الحسن!

يا أخوتاه! الساعة أفارقكم إلى النار أو إلى الجنة![26]

ذلك يعني انه بلغ الحالة التي جعلته عروة اليقين والسعادة المحتملة بالنسبة لأرباب الإرادة الحرة والأخلاق المتسامية، بحيث قال عنه الشعبي:"ما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء إلا مثل الفرس العربي بين المقارف! وما شهدنا مشهدا إلا برز علينا"[27]. وتشير هذه العبارة إلى تميز الأصيل عن المزيف. ولا معنى لهذا التمايز هنا سوى ما يتعلق بصيرورة الشخصية وأثرها الفعلي بالنسبة للروح الثقافي، التي جعلت الحسن البصري ممثلا لدراما الانتقال العاصف في تاريخ الدولة والأمة والثقافة.

فقد تمثل الحسن البصري تقاليد الرؤية التوحيدية في مرحلة الانتقال الدموية من فكرة الرشد إلى فكرة السلطان، أي الانتقال من براعم الفكرة العامة للدولة والأمة القائمة على جوهرية الاجتهاد العقلي والعملي المحكوم بمعايير وقيم الشريعة الإسلامية إلى أولوية التسلط المتحرر من فكرة القانون العام. من هنا إلغاء فكرة الدولة والأمة بالمعنى الدقيق للكلمة. بحيث حوّل تاريخ الأموية إلى دموية حروب خارجية وداخلية. وجرى تحسس هذه الحالة من جانب المثقفين المسلمين الكبار على أنها خروجا عن منطق الحق وروح الإسلام. وقد يكون الحسن البصري هو أحد أكبر ممثلي هذا التيار الذي تذّوق طعم المرارة القاسية في هذا التحول الدرامي وواجهها بأسلوب متميز في المواقف النظرية والعملية. الأمر الذي جعل منه نموذجا متميزا وأصيلا في تمثل دراما المرحلة ومواجهة رذائلها الهائلة. ووجد ذلك انعكاسه في شخصيته باعتبارها نموذجا فرديا معبرا عن تأمل الثقافة الورعة لنفسها في مراحل صعودها المتشنج وصراعها الدموي. من هنا تحوله إلى أحد المصادر الكبرى للفكرة الصوفية. ومن هنا قول الثقافة الصوفية اللاحقة عنه بأن الحسن البصري هو أحد الثمانية الذين انتهى إليهم الزهد من التابعين. غير أن مأثرته تقوم في رفعه ممارسة الزهد إلى مستوى الرؤية الفلسفية والعملية. من هنا يمكن فهم قول ابو طالب المكي، بأن بداية الزهد "كانت مجالس الحسن البصري يخلو فيها للذكر مع إخوانه وأتباعه من النساك والعباد في بيته مثل مالك بن دينار وثابت البناني[28] وأيوب السخستياني[29] ومحمد بن واسع وفرقد السبخي[30] وعبد الواحد بن زيد[31]. فيقول :هاتوا انشروا النور! فيتكلم عليهم في هذا العلم من علم اليقين والقدرة وفي خواطر القلوب وفساد الأعمال ووسواس النفوس"[32]. وكان هذا النوع من الكلام يبدو "غريبا" آنذاك. بحيث نرى أبو طالب المكي يقول بهذا الصدد:"إن الحسن البصري أول من انتهج سبيل هذا العلم (التصوف) وفتق الألسنة به ونطق بمعانيه وأظهر أنواره وكشف به قناعه. وكان يتكلم بكلام لم يسمعوه من أحد من إخوانه. فقيل له:

يا أبا سعيد! انك تتكلم في هذا العلم بالكلام لم نسمعه من أحد غيرك! فمن أين أخذت هذا؟

من حذيفة بن اليمان!"[33]

وتعكس هذه الإجابة ارتقاء الروح التلقائي في مجرى تأمله التاريخ والحقيقة. وهو ارتقاء ارتقى بالحسن البصري إلى مصاف المعلِّم الأول للروح الإسلامي الإنساني. من هنا استنتاج المكي:"الحسن هو إمامنا في هذا العلم الذي نتكلم به. أثره نقفو، وسبيله نتبع، ومن مشكاته نستضيء. أخذنا ذلك بإذن الله إماما عن إمام إلى أن ينتهي ذلك إليه"[34]. إذ يعكس هذا التقييم أولا وقبل كل شيء الحالة الفعلية لتقاليد الأسلاف والحقيقة والتاريخ الذاتي للأمة التي تمثلها الحسن البصري في مراحل صعودها وتوتر صراعاتها وفتنة احترابها السياسي بسبب خروج السلطة الأموية على قواعد المنطق الشرعي والأخلاقي الكامنة في الفكرة الإسلامية الأولى.

كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول، بأن خاتمة الحسن البصري قد اختتمت في مواقفها النظرية والعملية منظومة النقد الأخلاقي الشامل لمرحلة الانتقال من الخلافة إلى الملك. إذ جسّد في ذاته ومظهره وحياته ومماته المزاج النقدي تجاه هذا الانتقال ومحاولة تذليله في ميدان الأخلاق العملية والنظرية. وقد لا يكون ذلك معزولا عن البصرة بوصفها "موقد الأجناس" وموطن الاعتدال الديناميكي، مما يجعل من شخصية الحسن البصري بهذا الصدد أنموذجا لتمثل تقاليد المدينة والتاريخ الروحي وقيم العقائد الكبرى. وليس مصادفة أن تظهر في البصرة أغلب المدارس الفكرية الإسلامية الأولى، وكذلك تفرّع مختلف فرق الكلام مثل القدرية والمعتزلة إضافة إلى اتجاهات الزهد والتصوف وغيرهم منه. ولم تكن هذه النتيجة معزولة عما في فكره النظري والعملي وتجربته الذاتية التي رفعها إلى مصاف الحكمة من توحيد خفي وتلقائي لمختلف تقاليد التيارات الإسلامية المعارضة الأولى. من هنا كانت ردود فعله تتسم بقدر واحد من الابتعاد والاقتراب من الجميع، بحيث نعثر فيه على مواجهة نقدية تجاه السلطة والمجتمع والأفراد والجماعات والفرق المختلفة بقدر واحد! وهو نقد اتخذ مساره الخاص من خلال تحويل روافده صوب النفس والغوص في خلجانها والبحث فيها عن كل ما يعيق صفائها الأول. وهي المقدمة الضرورية لنقد الكلّ من خلال عرض النفس على مطالب الحكمة والقيم المتسامية بوصفه محك الاختبار الفعلي للفكر والتفكر والفكرة.

من هنا كان صمت الحسن البصري ونطقه نقدا كليا متكافئا للجميع. بحيث جعل منه ممثل الاحتجاج الأكبر في مرحلة الانتقال العاصفة من الخلافة إلى الملك. إذ كان هذا الاحتجاج يهدف أولا وقبل كل شيء إلى محق الغربة البليدة عن معاناة الأسلاف والتاريخ ومصالح الأمة وتراث الحقيقة. كما لو انه أراد القول، بأنه لا غابرون في التاريخ غير غبار الجهل وخواء العزيمة والخروج على منطق الأخلاق المتسامية. ولا قيمة لهذه المظاهر أمام ما تتوصل إليه الحكمة بوصفها استنطاق النفس الحرة. من هنا كان في احتجاجه أشبه ما يكون بالرمال المتراكمة للكينونة الإسلامية في قدرتها على امتصاص غبار الفتنة وحطامها التي كانت ترمي بها أفعال الأموية الهوجاء على سواحل الحياة الفعلية للروح. كما كان هذا الاحتجاج يكشف في كل مظاهره وخفاياه، لوامعه وملامحه عن ضحالة شواطئ الأموية وأمواجها. كما لو انه أراد القول، بأن الأموية لا يمكنها أن تكون بحر الأرض ولا قمر السماء. لهذا كانت أمواج المد والجزر العارمة تجري في أوهامها، لهذا لم يكن بإمكانها تحسس دور هذه الأمواج وما فيها من حياة وحيوية في صقل قاع الوجود وسماءه.

وفيما لو نقلنا هذه الصيغة البلاغية إلى ميدان الفكر والواقع، فإن حركة المد والجزر التي تزخر بها الحياة لم تكن بالنسبة للحسن البصري، سوى الحركة المتموجة لتناسب العقل والوجدان. الأمر الذي جعل منه الممثل النموذجي لوحدة وتناسب العقل والوجدان في مرحلة الانتقال العاصفة للدولة والمجتمع والثقافة والقيم. فقد حارب الأموية من خلال صياغة نموذج جديد للمعارضة يقوم في تحديد واستخلاص وتجانس موقفه من كل شيء، وفي كل مظاهر الروح والجسد والحياة العامة والخاصة[35]. وكان يصعب إدراج هذه المواقف في ما هو متعارف عليه بالنسبة لحركات المعارضة الأولى من شدة في المواجهة، وتحدي مباشر، ورد فعل في مواجهة سلوك الأموية الدموي بدماء قانية "نقية" من نقد الدينار والدرهم. لهذا وجدوا في مواقفه وكلماته وعباراته مجرد تعبيرا عن "لسان صامت". بحيث وجدت فيه بعض الحركات الشيعية الراديكالية "لسانا خانعا". من هنا قولهم "لولا سيف الحجاج ولسان الحسن البصري، ما قام لبني مروان أمر في الدنيا".

قد يكون ها التقييم الاستثناء الوحيد في تقييم "لسان" الحسن البصري، على خلاف ما هو متعارف عنه. وبالتالي ينبغي فهم عبارة "لولا سيف الحجاج ولسان الحسن البصري لما قامت لبني أمية قائمة!"، بمعايير الحماس الوجداني والمواجهة العنيفة التي كلفت حركات المعارضة السياسية والعسكرية للأموية ضحايا هائلة وعذابات مريرة. من هنا رغبتها في استعادة التقاليد القتالية ولغة البيان الحماسية وبلاغة العبارة القادرة على لسع الجسد الخامل والخائف للاندفاع بقوة الحس والإحساس، والعقل والضمير، والشهامة والمروءة إلى ميدان القتال العلني. إذ كان يصعب على هذه النفسية والذهنية فهم أقوال الحسن البصري المتسامية وتعاليها الغريب في عالم مريب يصعب عليه الاستمتاع بكلمات الرحمة والعفو. غير أن لرجال القدر التاريخي قدرهم في ألسنة العوام. وليس مصادفة فيما يبدو أن تبدع التقاليد العفوية لنزعة العفو المتسامية الرواية المختلقة عن "قبول" الإمام علي بن أبي طالب بقصص الحسن البصري، بعد دخوله البصرة والاستماع إلى خطبائها وقصاصيها. فالمكي يورد في (قوت القلوب) قائلا "لما دخل علي بن أبي طالب البصرة، جعل يخرج القصاص من المسجد ويقول "لا يقص في مسجدنا" حتى انتهى إلى الحسن وهو يتكلم في هذا العلم، فاستمع إليه ثم انصرف ولم يخرجه"[36]. والأغلب أنها رواية مختلقة، وذلك لأن عمر الحسن البصري لم يتجاوز آنذاك في أفضل الأحوال العشرين عاما. من هنا يمكننا القول، بأن هدف هذه الرواية يقوم في تأسيس أو غرس إحدى الصور الرمزية الهادفة إلى كشف ما يمكن دعوته بكلام الحسن البصري بوصفه نموذجا لمنطق الوجدان وليس نطق اللسان. فقد كان لسانه صيغة نقدية تتسامى على احتراب الفِرق مع البقاء ضمن تيار الحقيقة ووجدان الإخلاص الفردي لها. من هنا كان صمته ونطقه تعبيرا عن نقد الكلّ من خلال اختبار النفس، بوصفه أسلوب صيرورة المرجعية الروحية المتسامية في الفرد، وبالتالي صنع فردانية متميزة بين أقرانها. وكانت تلك الصيغة الأولية في تاريخ الثقافة الإسلامية التي حققها الحسن البصري من خلال تأسيس ما يمكن دعوته بفلسفة بكاء الوجود.

لقد أبكى الحسن البصري الوجود فأبكى الجميع. أنه استدّر عطف العوام والخواص من أجل تأمل الرذيلة القائمة في الوجود بوصفها رذيلة كامنة في النفس. وجعل منها مقدمة نقد الكلّ. وبهذا يكون الحسن البصري الفارس الروحي الذي استثار مختلف القوى الجديدة من أجل المشاركة في إحياء وإثراء بكاء الإرادة وقدرها التاريخي الذي وضعت أنغامه وأصواته حركات المعارضة الكبرى للشيعة والخوارج. وهو إحياء وإثراء نقدي. وذلك لأن النقد الأخلاقي الجديد للوجود عند الحسن البصري كان يقوم على فرضية أن الضلال هو ظلال الخطيئة الكامنة في النفس. من هنا كانت فلسفته عن بكاء الوجود ونعيه مبنية على أسس الموقف الفردي المحكوم بقيم الإخلاص للحق والمهّذب بمسالكه. ومن هنا أيضا وحدة بكاء النفس والروح والجسد وتأمله بمعايير السمو الباطني. فالإنسان بالنسبة له نفس وكلّ أخلاقي. وبالتالي ليست الإرادة الحقيقية سوى تحقيق وحدة العلم والعمل بالشكل الذي يجعل منها وحدة لا تجزئة فيها. بمعنى تحريرها من تجزئة الظاهر والباطن، والجزئي والكلي، والغاية والوسيلة وما شابه ذلك. وهو السرّ القائم وراء جعله تعرية النفس أسلوب نقدها الظاهري والباطني. انه أراد فضحها وليس اكتشافها. وهو موقف عملي ونظري لم يكن معزولا عن شخصيته ومعاصرته لمرحلة السيطرة الأموية وما لازمها من سيادة الإكراه، والجبر، والقهر، والقسوة الهمجية، والخروج على الشرعية، وشراء الذمم، واستفحال قوة النفس الغضبية، وصعود الإمبراطورية المتحررة من قيم الرؤية الشرعية وفكرة الدولة، وتفسخ النخبة السياسية(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1] ولد الحسن البصري، كما يقول أبو طالب المكي عام 20 للهجرة، قبل يومين من بقية خلافة عمر بن الخطاب. وبهذا تكون ولادته قد رافقت الاستكمال والاستتباب الأول لفكرة الخلافة الإمبراطورية بوصفها جزء من صيرورة الإمبراطورية الثقافية. إذ لم تكن الوحدانية الإسلامية المتغلغلة في فكرة الغزو، سوى الباعث الروحي الكامن في صيرورة ما ادعوه بالخلافة الإمبراطورية. وقد كانت بدورها محكومة في أبعادها السياسية بفكرة الرشد، أي بالقانون والشريعة والانتماء للأمة، وفي أبعادها الدينية بفكرة الأمة الواحدة المتحررة من مختلف مكونات "الجاهلية". ومن ثم، فإنها كانت تحتوي في أعماقها على مرجعيات الروح الثقافي. مما جعل من ولادتها صيرورة مرادفة لبداية القرن التأسيسي للدولة الكبرى (توفي الحسن البصري عام 110 للهجرة). وهو تأسيس كامن في صيرورته الفردية وكينونته الفردانية. ومنهما تراكمت شخصيته الروحية والاجتماعية والسياسية، التي جعلت منه احد ممثلي الاحتجاج المنظومي على خروج الأموية عن صراط الرشاد في إدارة شئون الدولة، والخروج على منطق مرجعياتها الأولى القائمة في أولوية وجوهرية الشريعة والنظام والقانون والأمة وقيم الأخلاق الروحية والعملية.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص174.

[3] الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، ص23.

[4] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص265.

[5] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص98.

[6] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص134.

[7] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص155.

[8] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص155.

[9] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص157.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص234.

[11] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص199.

[12] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص199.

[13] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص171.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص241.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص425.

[16] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص147.

[17] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص97.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص424

[19] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص150.

[20] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص147.

[21] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص150.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص77.

[23] القشيري: الرسالة القشيرية، ص177.

[24] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص391.

[25] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص147-148.

[26] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4ن ص465.

[27] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص347.

[28] ثابت البناني – إحدى الشخصيات الأولى التي بلورت أسلوب تنقية الإرادة وهيكلة الروح الأخلاقي والمعرفي من خلال الوسيلة. فهو أول من جعل الصلاة أسلوبا لبلوغ الحق من خلال جعلها وسيلة الأنا الباحثة عن ارتباط وانسجام بالمطلق. وليس مصادفة ألا نعرف عنه أكثر من كونه مصليا عابدا. لهذا قيل عنه "من أراد أن ينظر إلى اعبد أهل زمانه فلينظر إلى ثابت البناني". وقد جعلته هذه الصفة كما يقول انس بن مالك "مفتاحا للخير". فقد قال انس بن مالك مرة:"إن للخير مفاتيح! وإن ثابتا مفتاح من مفاتيح الخير". وهو مفتاح فتح أولا وقبل كل شيء ذاته أمام ذاته من خلال حصر مكونات الروح والجسد وتذويبها في فعل الصلاة الدائمة، أي الخشوع أمام المطلق. من هنا قوله "لا يسمّ عابد أبدا عابدا، وإن كان فيه كل خصلة خير حتى تكون فيه هاتان الخصلتان – الصوم والصلاة، لأنهما من لحمه ودمه". بعبارة أخرى، إن العبودية الحقيقية لله تفترض التحرر مما غيره من خلال جعل العلاقة بينما تسري في اللحم والدم، أي في كل وجدان الروح والجسد وكل حركة يقوما بها. وليس مصادفة أن يقول البناني إن "الصلاة خدمة الله في الأرض". من هنا كثرة الحالات الغريبة المنقولة عنه، مثل أن يقال عنه، بان ثابت البناني ربما يمشي فلا يمر بمسجد إلا دخل فصلى فيه. ربما مشى معه امرؤ فإذا عاد مريضا بدأ بالمسجد الذي في بيت المريض. فركع ثم يأتي المريض. من هنا قوله "كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة". لقد كانت الصلاة بالنسبة له سريان الروح في الروح. من هنا وحدة وتناغم المكابدة والسعادة فيها، بوصفها المعادلة التي صنعت صيرورته وكينونته. بحيث نراه يحصر رغبته الأبدية والغاية النهائية من وجوده في ديمومة الصلاة. من هنا دعاءه القائل:"اللهم إن كنت أعطيت احد من خلقك أن يصلي لك في قبره فأعطني ذلك". وقد جرى وضع أساطير على أساس هذا الدعاء مثل سماع الناس صلاته في القبر، وسماعهم لتلاوته القرآن وما شابه ذلك. لقد أراد ثابت البناني أن تكون حياته وموته وحدة متجانسة لديمومة العلاقة الوجدانية التامة بالمطلق. وهي العلاقة التي تجعل من موقف المثقف تجاهه كل شيء لوحة مرئية من وراء دموع الوجدان الدافئة. ويمكننا رؤية بعض الملامح الظاهرية لهذه الحالة في التصوير الذي قدمه البعض عنه عندما رسم لنا شخصية البناني الباكية بعبارة:"رأيت ثابتا البناني يبكي حتى أرى أضلاعه تختلف". وقد لا تكون هذه الحالة معزولة عن الأثر السحري الذي تركته عبارة أنس بن مالك الذي قال له مرة:"ما أشبه عينيك بعيني رسول الله"، فما زال يبكي حتى عمشت عيناه. لكنه عمش العيون المعذبة بعذوبة الرؤية الوجدانية التي ترغم المثقف الكبير على مواجهة سيلان الحياة وصلادة البشر! وهي المفارقة التي يواجهها على الدوام بوصفها امتحانه الدائم. وليس مصادفة أن تؤدي به هذه الحالة إلى إمكانية تلف العين. وعندما جاءوا بطبيب يعالجها، فانه قال له:

أعالجها على أن تطيعني!

وأي شيء؟

على أن لا تبكي!

فما خيرهما أن لم تبكيا.

وأبى أن يتعالج! وبنى موقفه هذا على أساس ما أسميته بالعلاقة التي تجعل من موقف المثقف تجاه كل شيء لوحة مرئية من وراء دموع الوجدان الدافئة. كما أنها العلاقة التي تجعله يتعامل مع ما هو موجود وممكن ومحتمل بمعايير الوحدة السارية للروح في كل مكونات ومسام الجسد. لهذا نراه يقول مرة لأصحابه:

إني لأعلم حين يذكرني ربي.

تعلم حين يذكرك ربك؟!

نعم!

متى؟

إذا ذكرته ذكرني! واني لأعلم حين يستجيب لي ربي.

تعلم حين يستجيب لك ربك؟!

نعم!

وكيف تعلم ذلك؟

إذا وجل قلبي واقشعر جلدي وفاضت عيناي وفتح لي في الدعاء!

(انظر، أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص318-233). 

[29] أيوب السختياني – إحدى الشخصيات التأسيسية الأولى للزهد الإسلامي والتصوف العملي. أنه من أولئك الذين أرسوا أسس التصوف الإسلامي من خلال تمرين الروح والجسد بمعايير الخروج على ما هو مألوف وعادي في فهم إشكاليات الوجود الاجتماعي والسياسي والأخلاقي. فقد شارك إلى جانب المئات ممن يمكن دعوتهم بالرعيل الذائب في نحت الأفكار الجزئية والقيم العملية التي تناسبها. ومن الممن رؤية هذه النسبة في المقارنات والعبارات التي استعملها الحسن البصري عنه، وما قاله أيوب السختياني عن الحسن البصري. فقد قال الحسن البصري عنه مرة:"أيوب سيد شباب أهل البصرة"، بينما نرى السختياني يقول عن الحسن البصري:" هذا سيد الفتيان". وتعكس هذه العبارات رؤية الفرق بين الأبعاد المحلية والكونية. فقد كان أيوب السختياني محليا وجزئيا بمعايير الرؤية الكونية التي بلورها الحسن البصري. لكنه المكون الضروري الذي جعل منه عنصرا فعالا في بناء صرح المرجعيات الروحية المتسامية للثقافة العربية الإسلامية. فقد كان أيوب السختياني بنظر الكثيرين "جهبذ العلماء"، و"أفقه أهل البصرة في دينه" وأصدقهم. فقد كان ابن سيرين يقول عنه "حدثني الصدوق". بل تحول إلى قبلة الاستلهام العملي لأولياء الثقافة الروحية المتراكمة في مجرى تصادم المثقف والسلطة المميز للمرحلة الأموية. فعندما قيل لأحدهم:

نراك تتحرى لقاء العراقيين في الموسم؟

والله ما افرح في سنتي إلا أيام الموسم! القي أقواما قد نوّر الله قلوبهم بالإيمان. فإذا رأيتهم ارتاح قلبي منهم أيوب!

وينبغي فهم هذا اللقاء ضمن سياق المكانة التي احتلها أيوب السختياني في سلسلة الزهاد المصنوعة من معاناة التأمل العميقة لإشكاليات الوجود الفعلية والحياة العامة والخاصة. وليس مصادفة أن يقول بعضهم عنه "ما وعدت أيوب موعدا إلا وجدته قد سبقني إليه". بينما يقول عنه شخص آخر "ما رأيت رجلا قط اشد تبسما في وجوه الرجال من أيوب". وتعكس هذه البسمة بكاءه الروحي، بوصفها المفارقة التي يمكن تحسسها في وعيه الذاتي ونقده للنفس، أي مراقبتها بالشكل الذي يجعل منها كيانا مخفيا من ملاحقة العيون المتطفلة. من هنا قوله "ذكرت وما أحب أن اذكر"، وانه "إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل". بل نراه يقول عن يزيد بن الوليد بعد توليه الخلافة، وقد كانوا أصدقاء قبل ذلك "اللهم انسه ذكري". وهو موقف مبني على فكرته القائلة بأنه "لا يستوي العبد حتى يكون فيه خصلتان، اليأس مما في أيدي الناس، والتغافل عما يكون منهم". ولا يأس في هذا الموقف ولا انزواء بقدر ما يعكس تراكم المبدأ النظري والعملي في تنقيه النفس وجعلها روحا. من هنا بناءه هيكل الفضيلة الروحية والعملية بصمت. ووضع هذا المبدأ في عبارة تقول "ليتقي الله رجل وإن زهد، فلا يجعلن زهده عذابا على الناس، فلأن يخفي الرجل زهده خير من أن يعلنه". ووجدت هذه المعادلة تعبيرها فيما يمكن دعوته بالنفي الدائم للسمو الروحي بوصفه طريق السير الأبدي صوب الحق، كما نراها في فكرته عن الزهد. فقد قال بهذا الصدد "الزهد في الدنيا ثلاثة أشياء، أحبها وأعلاها وأعظمها ثوابا عند الله- الزهد في عبادة من عبد دون الله من كل ملك، وصنم، وحجر، ووثن. ثم الزهد فيما حرم الله من الأخذ والعطاء. ثم يقبل علينا فيقول: زهدكم هذا يا معشر القراء فهو والله أخسّه عند الله! الزهد في حلال الله!". وقد احتوت هذه الفكرة في أعماقها على احتمال بلورة الفكرة القائلة، بأن حقيقة الزهد هي الزهد في الزهد. غير أن تجربة السختياني كانت تدور آنذاك في تنقية اللسان والتفكر بمعايير الروح الأخلاقي. من هنا إجابته على طلب احدهم أن يوصيه بشيء، قائلا:أقلّ الكلام! بينما أجاب في حالة أخرى على سؤال يتعلق بعدم مشاركته في جدل الآراء الدائر آنذاك في البصرة: قيل مرة للحمار: ألا تجتر؟ فقال: اكره مضغ الباطل". وقد جعله ذلك يرد مرة على رجل من أهل الأهواء:

أكلمك كلمة؟

ولا نصف كلمة!

من هنا أفكاره المناهضة لجدل اللاهوت الفارغ والانهماك المتعصب في شحذ كل ما يمكنه العمل على إفراغ العقل والروح من مهمة العمل. فنراه مرة يقول "ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا". وليس مصادفة أن يربط هذا "الابتداع" الزائف بكلمة الاجتهاد، أي الانهماك في مهنة التحريف والتخريف التي ميزت ما كان القدماء يدعونه بفن أو صنعة القصص والقصاصين. لهذا نراه يقول، بأنه "ما افسد على الناس حديثهم إلا القصّاص"، وانه "لا خبيث أخبث من قارئ فاجر". وجعله هذا الموقف يتهرب حتى من حديث أبي حنيفة. إذ تنقل عنه حادثة كيف أن أبا حنيفة دخل عليه مرة وهو بين أصحابه، فقال لهم:"قوموا بنا! لا يعدينا بجربه!". وهو سلوك لا تهرب فيه، بقدر ما انه كان يضع الحرف والكلمة على ميزان المعاملة الروحية. وهي معاملة تختزن المعرفة وتضعها دوما على محك التجربة الذاتية وتختبرها بامتحان الإرادة. لهذا نراه ينصح احد مريده قائلا "انك لا تبصر خطأ معلمك حتى تجالس غيره. جالس الناس!". بينما نسمعه يقول عن نفسه بهذا الصدد "لقد جالست الحسن البصري أربع سنين فما سألته هيبة له". بل ونراه يكثّف هذه المفارقة في عبارة تمثلت تجاربه بهذا الصدد عندما قال "إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون". وترك لنا هذه المفارقة في سلسلة روح المثقفين الأحرار وغيب التصوف. (يمكن الرجوع إلى بعض جوانب وشخصية أيوب السختياني في كتاب أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج3، ص3-14). 

[30] فرقد السبخي- من المقربين للحسن البصري، بمعنى الدوران في فلك تصوراته وشخصيته. غير أن ذلك لم يفقده بريقه الخاص ولمعانه الفردي في حلقات الزهد والزهاد. فهو من بين أوائل الزهاد الذين رفعوا فكرة الجوع إلى مصاف المبدأ. بمعنى بحثه عن مقومات الغريزة وأساليب قهرها. ولم يقف عند ذلك بل وجعل من هذه الأساليب أدوات في تهذيب الإرادة الظاهرة والباطنة. من هنا تركيزه إلى فكرة الخطورة الكاملة في الشبع. فنراه مرة يقول "الشبع أبو الكفر"، و"ويل لذي البطن من بطنه. إن أضاعه ضعف، وإن أشبعه ثقل". وحقق هذا الموقف بنفسه على نفسه بحيث نرى الحسن البصري يقول له مرة بعد أن دعاه إلى الطعام فنظر إلى فرقد وعليه جبة صوف:"يا فرقد! لو شهدت الموقف لخرقت ثيابك مما ترى من عفو الله". بينما نراه مرة يطيل الحديث مع من زاره. وعندما قالوا له:

حان وقت الغداء!

إنما طولت حديثي لكي تجوعوا فتأكلوا ما عندي.

ثم اخرج لهم فقط كسرة خبز شعير اسود. وعندما قالوا له:

ملح يا أبا يعقوب!

قد طرحنا في العجين ملحا مرة. لم تعنّوني أن اطلب لكم!

وهو مبدأ يرفع فكرة وممارسة الزهد إلى إحدى درجاته العليا من خلال التشديد على معارضة الدنيا بالآخرة. والمقصود بذلك نقد الانفصام الجلي بين الظاهر والباطن، والروح والجسد. من هنا مطالبته القوم بعبارة "اتخذوا الدنيا ظئرا والآخرة أما". ورفع هذه الفكرة إلى مصاف المطلب السياسي الروحي عندما قال مرة "إن ملوككم إنما يقتلونكم على الدنيا، فدعوهم والدنيا". وأرجعه هذه المبدأ إلى أعماق النفس من خلال إبراز جوهرية العلم والعمل. فنسمعه مرة يقول "إني رأيت الليلة في المنام كأن مناديا ينادي من السماء: يا أصحاب القصور، يا أصحاب القصور! يا أشباه اليهود، إن أعطيتم لم تشكروا، وإن ابتليتم لم تصبروا، ليس فيكم خير بعد العذاب!". وفي حالة أخرى نراه يشدد على ضرورة ترتيب علاقة الإنسان بذاته من خلال إبراز أولوية العمل لكي تستقيم الإرادة مع ذاتها. فنسمعه يخاطب الناس قائلا:"إنكم لبستم ثياب الفراغ قبل العمل! الم تروا إلى الفاعل إذا عمل كيف يلبس أدنى ثيابه، فإذا فرغ اغتسل ولبس ثوبين نقيين. وانتم تلبسون ثياب الفراغ قبل العمل". مما جعله شديد اليقظة تجاه النفس بحيث قال مرة "ما انتبهت من نوم لي قط، إلا ظننت مخافة أن أكون قد مسخت!". وتحتوي هذه اليقظة في أعماقها على ما يمكن دعوته بمعاناة الهموم الكبرى من اجل تنسيق وانسجام الإرادة وغاياتها، والظاهر والباطن، والفرد والأمة، كما نراها على سبيل المثال في الأحاديث التي اشترك في إسنادها مثل الحديث القائل "قل لعبادي الصالحين لا يغتروا بي، وقل لعبادي المذنبين لا ييأسوا من رحمتي"، و"من أصبح وهمه غير الله فليس من الله. ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم"، وأن "أول من يقرع باب الجنة عبد أدى حق الله وحق مواليه"، و"ملعون من ضارّ مسلما أو ماكره". إننا نرى في هذه المواقف والآراء على هموم فرقد السبخي الكبرى والصغرى، أي كل تلك الهموم التي تتكامل في الشخصية وتصنع وحدة الغربة والغرابة من اجل ألا يكون غريبا عن الكلّ. من هنا قوله "الغريب من ليس له حبيب!". (حول بعض جوانب شخصية فرقد السبخي،انظر أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج3، ص44-54).

[31] عبد الواحد بن زيد – ينتمي، كما كان الحال بالنسبة للبناني وفرقد السبخي إلى ما يمكن دعوته بمدرسة الحسن البصري، أي العيش بمعايير الرؤية الأخلاقية المتسامية والغوص في أعماق النفس والتفتيش الدائم في مكوناتها من اجل ترميم خراب الدنيا بعمارة الدين. وقد عكست هذه الثنائية تصادم واختلاف الروح والجسد، والعابر والدائم، من خلال تذليل خلافهما عبر توحيد صيرورة الروح العملية وكينونته المعرفية، أي التمثل الأخلاقي العملي لمرجعيات المدرسة العقلية البصرية. فقد كان عبد الواحد بن زيد الحلقة المكملة لثابت البناني. وكلاهما يصبان في تيار تأسيس قيمة العبادة بوصفها وسيلة وأسلوب التنقية الروحية المعرفية. من هنا جوهرية الصلاة. لهذا قيل عنه، بأنه صلى صلاة الصبح بوضوء العتمة أربعين سنة! ولهذا السبب كان ينشد:

ينام من شاء على غفلة   والنوم كالموت فلا تتكل

تنقطع الأعمال فيه كما   تنقطع الدنيا عن المنتقل

ووضع هذه الفكرة في أساس موقفه من علاقة الحياة بالموت، والظاهر بالباطن. من هنا قوله:"فرّق النوم بين المصلين ولذتهم في الصلاة". بمعنى سعيه لديمومة العلاقة الوجدانية بالله بوصفها أسلوب تكامل الشخصية. من هنا مناجاته لله بعبارة:"وعزتك لا أعلم لمحبتك فرحا دون لقائك". وهي علاقة تذلل الوسائل والوسائط من خلال تذويبها فيما يمكن دعوته بصيرورة الإرادة الفاعلة بمعايير الإخلاص المجرد من كل ما يمكنه تعكير كينونة الروح الأخلاقي، بوصفها المقدمة الضرورية لإرساء أسس المرجعيات الروحية في الأفراد، أي في كل  تلك الكوكبة التي ساهمت في بناء ثقافة الروح الإسلامي.   

[32] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص149.

[33] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج 1، ص150.

[34] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج 1، ص149. هنا يمكن رؤية "السلسلة" الصوفية ولكن ليس بمعايير المشيخة، بل بمعايير الروح والأثر الشخصي. إذ من الممكن فهم طبيعة هذه العلاقة ليس فقط بمعايير القضايا والطريقة التي تناول بها الحسن البصري علاقته بالله والأمة والنفس، بل وبارتقائها إلى مستوى الفردانية في تمثل تقاليد الأمة (الشريعة) وتحقيقها الفردي (الحقيقة) بوصفها أسلوبه الخاص (الطريقة).

[35] ليس مصادفة أن يكون الحسن البصري أحد مصادر الاعتزال والتصوف. إذ يمكننا رؤية أثره في الاعتزال من خلال إدراك قيمة العقل والحرية والموقف الشخصي الأخلاقي. كما يمكننا العثور عليه في سرّ بحث المعتزلة اللاحق عن الأسباب أو علة وجود الأشياء كلها. أما بالنسبة للتصوف، فإن أثره يبرز ليس فقط في تحوله إلى إحدى حلقات السلسلة الروحية للأولياء، بل وإلى "الناطق" الأول في مختلف علومها المتعلقة بالنفس والسموّ الروحي.

[36] ابو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص148

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة (20)

يعكس مسار التطور الفكري عند محمد عبده تكامل التأسيس النظري للفكرة الإصلاحية من خلال بروز منظومة الوعي الإصلاحي الفاعل بالنسبة لإرساء مختلف المفاهيم والأفكار والمواقف والقيم. وليس مصادفة أن تحتل فكرة النظام والعدل والقانون أضلاع المثلث الكبير لفكرته السياسية الإصلاحية. فهو الثالوث الذي يعبّر بصور نموذجية رفيعة المستوى عن ثالوث فكرة العقل الثقافي الذاتي، والروح الثقافي الذاتي، والروح السياسي الذاتي.

ينطلق محمد عبده في تأسيس الفكرة السياسية الإسلامية من تحديده لفكرة القانون وأهميته بالنسبة للبناء الذاتي. من هنا فكرته عن أن المهمة لا تقوم بمجرد الإصلاحات بالنسبة لما اسماه بالكيان السياسي الإسلامي، بل في تأسيس ضرورة فكرة الإصلاح الديني الصحيح. والإصلاح الديني الصحيح بالنسبة لمحمد عبده هو منظومة الإصلاح الشامل بمعايير التجربة الذاتية والتراث الثقافي. وهي فكرة لا تتعارض مع مضمون الانفتاح الإنساني وفكرة الحق المجرد والمتسامي، على العكس، أنها تسندها وتدعمها بمعايير الإرتقاء الذاتي الفعلي، أي الإرتقاء المتراكم في مجرى معاناة التقدم الذاتي. فعندما يتناول على سبيل المثال قضية فكرة الجمعية الإنسانية، فإننا نراه يربطها بفكرة فلسفية وجودية تقوم على أساس أن الحركة العمومية تسير دوما صوب المركز. وكلما اقتربت من المركز كلما زادت سرعتها، شأن كل حركة طبيعية. من هنا تأثير هذه الحركة على العقلاء من البشر (دوما) فمالوا إلى خدمة الإنسانية دون التعصب إلى عقيدة أو جنس أو دين ومذهب. ووضع هذه المقدمة الفكرية العامة في صلب دعوته إلى السير صوب ما اسماه بالقانون الطبيعي المودّع في فطرة الإنسان، بوصفه سبيل السعادة للجميع . ففيها ومن خلالها يمكن رؤية الحدس العميق في فكرة محمد عبده عن أهمية وجوهرية القانون بالنسبة لنيل السعادة العامة، أي النظام المعقول بمعايير التجربة الإنسانية الحرة. وأسس لهذا الاستنتاج الكامن في رؤيته من منطلق عام يقول، بأن في الإنسان قوة نظرية وعملية، يتوقف كل منهما على الآخر. وأن علوم الإنسان تقوم في إدراك الحدود والاستفادة منها. والقوانين مهمتها ضبط السلوك والمصالح. كما أنها تتوقف على درجة المعرفة (العقل النظري). من هنا اختلاف الأمم في نظرتها إلى القوانين. لكنه اختلاف محكوم بتجاربها ونظراتها العامة. من هنا نراه يركز في الكثير من مقالاته وأبحاثه على أهمية إبراز أولوية وجوهرية القانون. ففي إحدى مقالاته المتعلقة بهذا الجانب تحت عنوان (احترام قوانين الحكومة وأوامرها من سعادة الأمة) يتوصل إلى أن البلاد "تسعد ويستقيم حالها، إذا ارتفع فيها شأن القانون" .

إن جوهرية القانون بالنسبة لمحمد عبده تستند إلى فلسفة إصلاحية تناسبها. كما أنها تنبع من فكرة الإصلاحية نفسها بوصفها فلسفة البناء الذاتي للدولة والأمة والعلاقة المعقولة والضرورية بينهما. في مجرى تناوله قضية علاقة القوة بالقانون، نراه ينطلق من أن استعمال القوة هو مصدر الاستبداد والانحراف الأخلاقي. ووضع هذه المقدمة في أساس نقده الذاتي والثقافي الإنساني. بمعنى نقده العميق أيضا للتجربة العربية والإسلامية والأوربية الحديثة. وأعتبر استعمال أو هيمنة القوة على الحق مصدر الخلل في الوجود الإنساني. وأعتبرها حالة شبه عامة في تاريخ الأمم. من هنا تشابه النتائج القائمة فيما اسماه محمد عبده "بإحداث القبائح"، بوصفها النتيجة المترتبة على استعمال القوة وإهمال القانون.

لقد وجد محمد عبده في إهمال القانون مصدر تخريب القوى السلمية والسليمة في الإنسان السلمية. من هنا أهمية القانون. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه لولا كسر القانون لسورة النفس وتذليل صعوبتها "لما أشرق نور الحق على صفحات الوجود، ولا تمتع الإنسان في الأزمان الأخيرة بلذة الراحة والسعادة. فالحق للقانون لا للقوة" . بل نراه يتوصل إلى أن الالتزام بالقانون هو مصدر التقدم والإرتقاء بما في ذلك العلمي. والعكس هو الصحيح. أما الاستبداد فهو مصدر الانحطاط، "الذي ضرب عن القانون صفحا، وطوى عنه كشحا فهو على مرذلة أخلاقه، وبساطة أفكاره يصبح مضغة تحت أضراس الظلم ويمسي كرة لصولجان البغي" .

إن بلوغ الفكرة القانونية ذروتها السياسية في نقد الاستبداد عند محمد عبده لم يكن جزء من تقاليد العقائد السياسية والأيديولوجية، بقدر ما كان تراكما في فلسفة التأمل العميق للتاريخ وتجارب الأمم والفكرة القانونية وفلسفة الحق. ومن الممكن العثور على هذا التراكم في الفكرة المكثفة التي وضعها بهذا الصدد عندما كتب يقول، بأن "تأمل الكون الأعلى وما فيه من الكواكب والشموس والأقمار، ثم إذا نظرنا إلى العالم الأسفل وما احتوى عليه من نبات وحيوان يشهد في الجميع لكل نوع منها قانونا خاصا في سير وجوده، تقوم البراهين على أنه لو أنحرف عنه لحكم عليه سلطان القهر الإلهي بالعدم والانقلاب" . ونعثر في هذه الرؤية على فكرة تأسيس ضرورة القانون (الإنساني) بالاستناد إلى رؤية وجودية طبيعية. وهو السبب الذي دعا الحكماء والأنبياء على مرور الزمن، كما يقول محمد عبده، بالتشديد على أهمية القانون من أجل حفظ الوجود. وذلك لأنه "من تخطى حدود هذه الحقائق رماه القهر الإلهي بسهام لا يخطى رماها" . والحصيلة هي أن "القانون سرّ الحياة وعماد سعادة الأمم. فإذا أرادت أمة إعادة مجدها فلا بد لها من إعادة شأن القانون، فتشيد ما هدمته يد الغرور وبددته سطوة الفجور" .

إن بلوغ الفكرة السياسية الإسلامية ذروتها من خلال تأسيس وتحقيق فكرة القانون والحق هو الوجه الآخر لإدراك أهميتها بالنسبة للبناء الذاتي. من هنا الربط العضوي بين فكرة القانون والحق والتاريخ الواقعي للأمم. بمعنى ربط محمد عبده لفكرة القانون والحق الإصلاحية بضرورة تحقيقها المتدرج والعقلاني والواقعي بتراث الأمة وواقع العالم العربي (ومصر خصوصا). وانطلق بهذا الصدد من فكرة فلسفية عامة تقول، بأن "أحوال الأمم هي المشرع الحقيقي" . وأستند في فكرته هذه إلى تجارب الأمم بشكل عام والفرنسي بشكل خاص. إذ وجد في تجربة فرنسا ما بعد الثورة نموذجا لتحقيق هذه الفكرة عندما أعتبر كل تطورها لم يكن بأيدي أهل الحل والعقد، بل بأيدي الناس. بل ونسمعه يقول، بأن "القانون الحقيقي هو القانون المسنون حسب الرأي العام" . وأن "أفضل القوانين هي ناشئة عن الرأي العام للأمة"، أي "المؤسسة على مبادئ الشورى. وأن الشورى لن تنجح إلا بين من كان لهم رأي عام يجمعهم في دائرة واحدة" . وبالمقابل نراه يشدد على أن "من عجّل بشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه". بمعنى إدراكه لرفض التقليد واستنساخه المباشر بما في ذلك في ميدان القانون والحق، مع أنها الصيغة الأكثر كمالا للحرية المجردة من ضيق الرؤية والمصالح. لكته يعكس في نهاية المطاف ليس فقط تجارب الأمم بل ومستوى إدراكها الفعلي لماهية القانون ومتطلباته الحيوية المباشرة. لهذا نرى محمد عبده يشدد على ضرورة البدء بالقانون وتوسيع مداه ونطاقه وتربيته في النفوس والعقول والتجارب الخاصة . وأسس لموقفه هذا في فكرته القائلة بالوحدة العميقة والدفينة بين الأخلاق والقانون، بوصفهما وجهان للتربية والتجربة الذاتية في تطور الأمم. لهذا نراه يشدد على وحدة القوانين والأخلاق من أجل نقل المرء من حالة التكليف إلى حالة العادة. وبالتالي تحويل الأخلاق الفاضلة إلى أسلوب حياة الناس والدولة . من هنا ضرورة القضاء على تشتت القوانين لما فيه من مضرة على المصلحة العامة. بل ودعوته إلى تجميعها وتوحيدها ونشرها والعمل بها وذلك لما له من أثر وقيمة وفاعلية في توحيد المجتمع والدولة والأمة والفكرة القانونية وقيم الحق والعدالة. وهذا بدوره ليس إلا المقدمة الأولية. وما بعدها تنفيذ ما يجري سنّه من قوانين. فالجوهري ليس إصدار القوانين الجيدة بل تنفيذها وتجديدها، كما يقول محمد عبده. ووضع هذه النتيجة في نقده اللاذع لحالة مصر المزرية آنذاك بهذا الصدد. وليس مصادفة، على سبيل المثال، أن نراه يعتبر الأخذ عند سنّ القوانين وتنفيذها بمراعاة الحالة الاجتماعية والمعرفية. وعندما طبق ذلك على حالة الزراعة والمزارعين في مصر آنذاك، فإننا نراه يقول أيضا بضرورة استعمال الأساليب العقابية الشديدة من أجل توطين النفوس على العمل (الزراعة).

لقد أدت الحصيلة المتراكمة لفلسفة محمد عبده الإصلاحية إلى بلورة ما يمكن دعوته بفكرة "الروح الليبرالي"، أو على الأقل ملامحه الأولية. وقد يكون جمعه وترتيبه لمحاضراته في كتاب (رسالة التوحيد) آخر حياته أحد مؤشرات هذا التحول الخفي. ففيه نرى أول ملامح تطويع فكرة التوحيد ضمن سياق رؤيته الإصلاحية، أي تحريرها من الاختمار بمعايير الرؤية السياسية. ومن الصعب القول فيما إذا كان سعيه هذا يتسم بقدر كبير من الوضوح بالنسبة له شخصيا، إلا أن منطق الإصلاحية والنسبة المتكافئة للاعتدال في تفكيره وشخصيته تجعل من هذه الفرضية أمرا ممكنا. كما نراه أيضا في "منظومة" العمل التربوي والإصلاحي المعرفي والثقافي والهدوء السياسي. غير أن صعود الحكمة لا يعني نفي أو انعدام الوجدان السياسي وبرودة الروح السياسي، بقدر ما يعني تحول الفكرة الإصلاحية صوب تأسيس المرجعيات الكبرى القادرة على تأسيس صرح الإصلاح الحقيقي. إذ نعثر عنده على قوة الروح السياسي ومساعيه النقدية الحادة حتى آخر لحظات حياته، كما هو جلي في (رسالة من السجن) و(رسالة إلى تولستوي) التي كتبها عام 1904، أي قبيل وفاته بقليل.

ففي (رسالته من السجن) نقف أمام شخصية حرة قوية أخلاقية تواجه رذيلة عصره بقلب ممتلئ بمتناقضات الوجود. لكنه يعطف عليه كما لو انه يعطف على ما فيه. وفيها أيضا تبرز بوضوح ماهية القلق الدفين فيه. بحيث نراه يضع في بدايتها أحد الأبيات الشعرية العميقة والمرهفة:

تقلدتني الليالي وهي مدبرة    كأنني صارم في كفّ منهزم

وهي حالة تتصف بقدر هائل من التناقض المقلق للعقل والضمير. وفيها يمكننا رؤية صراعه النفسي والعقلي ووجدانه العارم في مواجهة النفس والآخرين، والمجتمع وقيمه، والدولة ونظامها السياسي، والحاضر والمستقبل. فعندما يصور حالته فإنه يشير إلى انه يقبع في واقع اشتد فيه "ظلام الفتن حتى تجسّم، بل تحجر! فأخذت صخوره من مركز الأرض إلى المحيط الأعلى. واعترضت ما بين المشرق والمغرب، وامتدت إلى القطبين فاستحجرت في طبقاتها طباع الناس" . وهي حالة جعلت من الممكن أن تتدحرج أمام عينيه رؤية الملامح الخشنة لما يمكن دعوته باليأس الجميل. ففيها نقرأ كيف انه وجد نفسه في موقع "لا يأتي البصر على أطرافه، في ليلية داجية غطي فيها وجه السماء بغمام سوء، فتكاثف ركاما ركاما. لا أرى إنسانا، ولا أسمع ناطقا، ولا أتوهم مجيبا. أسمع ذئابا تعوي، وسباعا تزأر، وكلابا تنبح، كلها يطلب فريسة واحدة هي ذات الكاتب. وألتفّ على رجلي تنينان عظيمان، وقد خويت بطون الكلّ، وتحكم فيها سلطان الجوع. ومن كانت هذه حاله فهو لا ريب من الهالكين" .

لقد واجه محمد عبده عصره ومعاصريه بروح التحدي، وكشف عما في أعماقهم من خواء كان يسعى لانتزاع ما فيه من جرأة وإرادة حية حرة. لقد أدرك بالحس والعقل والحدس، بأن المطلوب هو وذاته. لهذا لم يجد في هذه المساعي الخربة غير سقوط الهمم وخراب الذمم، وغيض ماء الوفاء، وطمس معالم الحق، وتحريف الشرائع، وتبديل القوانين. بحيث لم "يبق إلا هوى يتحكم، وشهوات تقضي، وغيض يحتدم، وخشونة تنفذ. تلك سنة الغدر" . وليس مصادفة أن يجدوا في حبسه، أي عندما يصبح اغتيال العقل الحر والضمير الحي غاية كبرى وفضيلة عظمى! من هنا استغرابه وإدانته بقدر واحد لهذا السلوك كما وضعه في عباراته القائلة:"لا يطلبون ذلك لغامض يبينونه، أو لمستور يكتشفونه، أو لحقّ خفي فيظهرونه! كلا! بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوه غير مخطئين. وقد وجدوا لذلك أعوانا من حلفاء الدناءة، وأعداء المروءة، وفاسدي الأخلاق، وخبثاء الأعراق" . ومقابل ذلك تقف نفسه الأبية وشخصيته الاجتماعية والوطنية والقومية الإنسانية كما لو أنها شمعة تحترق في ظلام الأطلال الخربة للفرد والجماعة والدولة والأمة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن معظم قلبه قد "ذاب من الأسف على ما يلمّ بالهيئة العمومية من مصائب هذه التقلبات، وما ينشأ عنها من فساد الطباع الذي يجعل العموم في قلق مستديم" .

وأمام هذه الكارثة التي تواجه الفكرة الإصلاحية الكبرى وشخصياتها عادة ما تنتفض النفس حتى النهاية كما لو انه "القربان" الذي لابد منه من أجل وضع أسس الهيكل الروحي الأخلاقي والعقلي للبدائل. ونعثر على كل هذه الحالة في الحوار العميق الهائج مع النفس. فنسمعه يقول "هل أتأسف إن كنت سبّاقا إلى الخيرات؟ هل أتأسف إن كنت مقداما في المكرمات؟ هل أتأسف إن كنت شجاعا في الدفاع عن ذوي مودتي؟ هل أتأسف إن كنت أبيا أغار أن ينسب مكروه أو ذل لأولي صلتي؟ هل استحق العقاب على حبي لبلادي والناس لها كارهون؟. والله لن يكون ذلك. ولم ازدد في سبيل الفضيلة إلا بصيرة، ولم ازدد في المحافظة عليها إلا ثباتا. ولئن عشت لأصنعن المعروف، ولأغيثن الملهوف، ولأنقذن الهاوي في حفرة الغدر" .

وإذا كانت حالته تبدو في مظهرها، أي في أحوالها المادية كما قال عنها "أعجز من المُقْعِد عن طلوع النخل، ومن المفلس عن حرية التصرف"، لكنه واجه كل ما ينبغي مواجهته بعبارة صريحة وموقف واضح وضعه في عبارات مقتضبة يقول فيها: "أقول لكم! إن الحوادث المريعة سوف تنسى، وأن هذا الشرف سوف يردّ. ولئن أبت طبيعة هذه الأرض بخسّتها أن يكون لها من عوده نصيب، فليعودن في بلاد خير منها، ولأجذبن إلى المجد أحبتي، ومن إلى المجد ينجذبون" .

بينما نراه في رسالته إلى ليف تولستوي التي كتبها عام 1904، أي قبل وفاته بقليل يعيد من حيث الجوهر مضمون فكرة التحدي الإصلاحية بوصفها فكرة إنسانية وضرورية. فالمضمون العميق لهذه الرسالة ليس فقط في محتواها الذي يتقاسمه محمد عبده نفسه، بل في كونها موجهة من إمام مسلم لأديب نصراني، وجد في سلوكه وفكره ومواجهته للتقليد ودفاعه عن الفكرة الإنسانية قدوة للاعتبار. فنراه يشير فيها إلى انه بالرغم من عدم معرفة شخصه بشكل مباشر، لكنه يحرم التعارف بروحه. ويقيم عاليا موقف تولستوي من محاربة التقليد في العقائد والأديان بإرجاع مضمونها إلى الأصل، أي إلى ما اسماه بحقيقة التوحيد. بل ويطالبه قائلا: "فكما كنت بقولك هاديا للعقول، كنت بعملك حاثا للعزائم والهمم". وانه "أعظم جزاء نلته على متاعبك في النصح والإرشاد هو هذا الذي سموه "بالحرمان" و"الإبعاد". فليس ما كان إليك من رؤساء الدين سوى اعتراف منهم أعلنوه للناس بأنك لست من القوم الضالين. فاحمد الله على أن فارقوك بأقوالهم، كما كنت فارقتهم في عقائدهم وأعمالهم" .

لقد كانت مواقفه الأخيرة هذه تعكس مسار التجربة الشخصية وفردانيتها العميقة، أي كل ما ميّز إبداعه النظري والعملي. ومن الممكن العثور على ذلك في الأصداء غير المكتملة لسيرته الذاتية، التي تحتوي في ذاتها على صورة رمزية أو إيماء تأويلي على انقطاع الفكرة الإصلاحية وروحها الليبرالي. ومن ثم إمكانية تأسيس الدنيوية الإسلامية، أي كل ما يشكل القاعدة الضرورية لتراكم الحكمة التاريخية في الموقف من النفس والبدائل بطريقة تتمثل رحيق التجربة القومية. وإذا كانت هذه الفكرة تحتوي على قدر من الاحتمال والظن، فإنهما يبقيان كما يقال ضمن سياق الرؤية الواقعية. لاسيما وأن المسار التاريخي للفكرة الإصلاحية ونهايتها المتكسرة في ضعف تأثيرها وتطورها التقائي اللاحق، وانهزام تراثها الذاتي، واغترابها الفعلي في تيارات الفكر الجديدة، يكشف عما في هذه الفرضية من أصول واقعية. والسؤال الذي يظهر هنا من أجل فهم الأبعاد المقطوعة في أنغام المقطوعة الإصلاحية هو لماذا تظهر فكرة السيرة الشخصية عند محمد عبده؟ وما هي طبيعة التحول الذي جعله يكتب عن نفسه؟ ومن الممكن العثور على الإجابة الحقيقية على هذه الأسئلة من خلال تحليل الأبعاد الدفينة في السيرة نفسها. فإذا كانت شخصية محمد عبده تتسم بقدر كبير من الهدوء الظاهري والعنفوان الباطني، أي عدم تناسب الظاهر والباطن، فلأنها الصيغة النموذجية لعوالم الشخصيات الكبرى، بمعنى أنها النتاج الملازم لقوة الإرادة في ضبطها هياج الروح النظري والعملي. لهذا نراه ينظر إلى فكرة الكتابة عن النفس في بداية الأمر بمعايير النقد الذاتي. بمعنى النظر إلى هذه المهمة برؤية عقلانية أخلاقية. لكنه سرعان ما يذلل طابعها "الخجول" و"المتواضع". فهو لم يفكر في بادئ الأمر بكتابة سيرة ذاتية. بل استهجنها. ويعكس هذا الموقف بدوره بقايا الاستهجان الأخلاقي والنفسي للأنا الشخصية. وليس مصادفة أن يشدد محمد عبده بما في ذلك في جدله الكلامي والفلسفي على أولية الوجود ومظاهره. بمعنى أن هذا الاعتراض والتمنع والرفض الأولي لم يكن أكثر من بقايا التأثير الشديد للورع الذي ينتزع حقيقة الشخصية بوصفها فردا، أي فردانية المرء. من هنا فكرته عن "أن وقت اصرفه في حكمة استفيدها خير من زمن أنفقه في قصة أستعيدها". لكنه سرعان ما يعيد النظر في فكرته هذه بعد لقائه بأحد "الغربيين" الذي يشرح له قيمة هذا النوع من الكتابة. عندها يستذكر قول النبي محمد "لا تحقرّن من المعروف شيئا". واستكمل هذه الملاحظة بفكرة نقدية ايجابية لتجارب الأوربيين بهذا الصدد التي وجد فيها تقييما وتقديرا للفرد بوصفه جزء من رؤية عقلانية وأخلاقية وإنسانية محكومة بمعايير الحق، كما نعثر عليها في قوله "أولئك قوم يعرفون الأقدار، ويقدّرون الآثار، ولا يبخسون شيئا حقه، ولا ينكرون عليه ما استحقه ويطلبون المنفعة في كل شيء".

لقد استطاع محمد عبده الخروج السريع من تناقضات النفس وهو في عمر الشيخوخة. بمعنى قدرته على تذليل الفارق التاريخي في تجارب الأمم من خلال إرجاعه إلى صيغة نموذجية ورفيعة للفكر والمنطق. فالسيرة لم تعد بالنسبة له قضية شخصية بقدر ما هي قضية فكرية وتاريخية وثقافية وإصلاحية بقدر واحد. وحقق، وإن بصورة لم تكتمل، المهمة الأولى بهذا الصدد والقائلة، بأن كل صعود متسام للفردية هو تمثل متنوع وخاص للتجربة التاريخية. وبالتالي فإن السيرة الذاتية الكبرى فردية بمعالم العبارة، تاريخية بمعالم الفكرة. وعلى قدر تلاقيهما في تأسيس مرجعيات وعي الذات القومي والثقافي والإنساني، ترتقي قيمتها الفعلية.

فقد أخذ محمد عبده بكتابة سيرته الذاتية من منطلق إدراكه لقيمتها الحقيقية باعتبارها تجربة تاريخية وليست جزء من تقاليد المراقبة النفسية الأخلاقية. لقد وجد فيها معيارا ومرآة للعقل النقدي والعبرة التاريخية. من هنا قوله "فما أنا ممن تكتب سيرته، ولا ممن تترك للأجيال طريقته. فاني لم آت لأمتي عملا يذكر، ولم يكن لي فيها إلى اليوم أثر يؤثر، حتى أكون لأحد منها قدوة، أو يكون لأحد فيّ أسوة". وبهذا يكون محمد عبده قد أسس لضرورة إدراك قيمة النفس على خلفية ما هو موجود. من هنا معاناته وإصراره بقدر واحد في مواجهة الآذان الصماء، كما هو جلي في عباراته القائلة، بأنه يسعى يوميا لقول ما ينبغي قوله بينما هم "يسمعون ما بين عابث بلحيته، ولاه بكبريائه وعنجهيته، ومغرور بمقامه ورنينه، ومعجب بسنه وشيخوخته". وليس مصادفة أن تصبح مهمة نقد النفس وإجبارها على جلد المصابرة أمام تحديات الزمن العابر من أجل صنع التاريخ الفعلي المهمة الملهمة لمحمد عبده. فقد أوصله وعي الذات النقدي إلى إدراك قضيتين كبيرتين وهما سئمه الاستمرار على ما يألفه الناس، وارتفاع صوته صوب "أمرين عظيمين" أولهما وأكثرهما أهمية يقوم في "تحرير الفكر من قيد التقليد". وأدخل في هذا الأمر ست مبادئ كبرى وهي: فهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف; والرجوع في فهم كسب المعارف إلى ينابيعها الأولى; والمعرفة ضمن موازين العقل البشري; ومهمة الدين حفظ نظام العالم الإنساني; والدين صديق للعلم، وبالتالي ضرورة البحث عن أسرار الكون; واحترام الحقائق الثابتة والتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل. ووضع كل ما أراد قوله وما لم يستطع إتمامه بهذا الصدد في عبارة وجيزة تعكس حالة الانتظار القلق في مسار الفكرة الإصلاحية عندما كتب في "سيرته" قائلا:"إنني في كل مواقفي من المجتمع والدولة لم أكن الإمام المتبع، ولا الرئيس المطاع. غير إنني اكتب بروح الدعوة" . ووجدت هذه الروح ملاذها الأخير وتعبيرها الخاص في كتابه (رسالة التوحيد).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

يختلف الباحثون في النظر إلى أسباب الصراعات القديمة والحديثة فمنهم من يرجح كونها أيديولوجية أو دينية ومنهم من يميل إلى الطبيعة الاقتصادية لتلك العوامل، كما أن هذه العوامل قد تتفرع إلى مؤثرات جغرافية وتاريخية ومذهب وفكرية..الخ، وهناك توجهات عديدة للتفسير والدليل، منها التفسير المادي للتاريخ، فبموجب رؤية كارل ماركس، فإن الاقتصاد هو العامل المؤثر في حركة التاريخية التغيير الاجتماعي ومايترتب عليه .أما التفسير المثالي فإنه يستند على معطيات دينية وأخلاقية وعربية تعمل ضمن بيئات معينة على منديات إمكانية ومكانية لتؤسس للصراعات أو الحروب .

إن التفسير الرأسمالي -وكان أرى -لايولى اهتماما كبيرا للأسباب بقدر ما يركز على مفاهيم الملكية والفردانية والحرية باعتبارها قيما أخلاقية .

قد يكون من المناسب الإشارة هنا إلى أن مفهوم خير الأمم قد يترتب عليه فعل أو فهم أو مبنى فكري ربما تسبب في كثير من الحالات في صراعات أو حروب على مدى التاريخ البشري، كما أنه من المفيد الإشارة إلى علاقة مفهوم خير الأمم بمفهوم الشخص الفاضل أو الأفضل أو المعصوم أو خير البرية أو خير البشر..الخ وصولا إلى الإنسان الأسطوري او الإنسان الإله كليا أو جزئيا كما ورد في الملاحم الكبرى، على الرغم من أن تأثير هذا المفهوم في الصراعات ليس كبيرا بالمقارنة مع مفهوم خير الامم، فانه يبدو أن العلاقة بين هذين المفهومين هي كالعلاقة بين علمي الاجتماع وعلم النفس فلكل من العلمين منظومته الخاصة ومنهجه العلمي رغم أن العلمين يهتمان بسلوكيات ودوافع الإنسان الفرد (علم النفس) أو الجماعة (علم الاجتماع). وفيما يأتي محاولة لاستعراض مختصر لبعض الأفكار التي تؤسس لهذا الموضوع وفي مختلف الحضارات المهمة ..

تشكل الطبقية أساسا مهما ومعلما واضحا من معالم المجتمع الهندوسي يكون فيها البراهمة صفوة الخلق، وقد الحقوا بالالهة، ولهم أن ياخذوا من أموال عبيده ما يشاؤون، وعلى الرغم من أن الديانة البوذية تطورت تاريخيا عن عن الديانة الهندوسية إلا أنها تتبنى فيما تتبناه جوانب أخلاقية مرتبطة بالتقشف والتحمل ونبذ الكراهية، وبهذا فلا يمكن للمتتبع أن يرصد أيا من الجوانب الاجتماعية المرتبطة بمفهوم خير الأمم أو الفردانية المرتبطة بأفضل الخلق

يعتقد الكثيرون بان الحضارات الأميركية القديمة كالأنكا والمايا والأستيك متصلة عرقيا بشكل أو بآخر بحضارات الصين أو شرق آسيا على ضفة المحيط الهادي الأخرى، فالدلائل متوفرة على أن الإنسان كان قد عبر المحيط الهادي قديما بالفعل وهذا ما حاول إثباته عالم الآثار والانثروبولوجيا التاريخية النرويجي السيد تور هيردال في رحلته الشهيرة إلى جزر البولونيز ..إن هذا التشابه العرقي والحضاري كان ليؤدي إلى متبنيات فكرية متشابهة بما فيها القضية قيد البحث، فلم يرد ما يثبت تبني تلكم الأقوام ايه عقيدة عنصرية أو تدين يشي باعتقادهم الصريح أو الضمني بمبدأ خير الأمم أو أفضل الخلق وهم الذين عرف عنهم تقديمهم الأضاحي البشرية للالهة في طقوسهم الدينية، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الكثير من تراث تلك الأقوام كان قد دمر على يد الغراة الأسبان في القرن الخامس عشر وما تلاه الأمر الذي نتج عنه فقدان الكثير من المعلومات عن تلك الحضارات، ناهيك عن فقدان الكثير الآخر بسبب طبيعة تلك الأمم التي تناقلت ذلك التراث شفاهيا، فعلى سبيل المثال، فإن حضارة الانكا لم تكن لديها أبجدية معروفة .

وعلى الرغم من ان هيرودتس كان يعتقد بان الفرس يرون بانهم خير الناس جميعا من جميع الوجوه وان غيرهم من الامم تدنوا من الكمال بقدر ما يقترب موقعها الجغرافي من بلاد فارس وان "شر الناس ابعدهم عنها" فان هذا التاويل المبني على اسس جغرافية او بيئية له ما يشابهه، فقد اشار ابن خلدون الى اثر البيية على شكل الانسان وسلوكه ووعقله او فطنته وحتى دينه ..لكن ارنولد توينبي يقدم تفسيرا سلوكيا للمسالة برمتها، هذا التفسير يستند الى المنتج (الحضاري) المادي والأخلاقي والسلوكي المتسبب عن التفاعل بين التحدي والاستجابة، ونحن هنا لسنا بصدد نقد النظريات بقدر ما نحن نستعرضها ونشير اليها فقط .

وبهذا فان القصة الحقيقية للتفضيل بين الأعراق والثقافات والأديان بدأت بعد نشوء ما اصطلح عليه بالأديان السماوية أو الابراهيمية وهذا ما نود التركيز عليه، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الأفكار بمجملها ليست نتاجا مجردا لسلوك اجتماعي ليس فيه للسياسة والاقتصاد والبيئة كبير تأثير وهذا ما أشرنا إليه بنحو الإجمال في مقدمة هذا المقال..وعليه فلابد من الالتفات إلى نشوء تلك الأفكار في بيئاتها المختلفة في الدول والامبراطوريات السائدة في حينها.

إن التقسيم الطبقي الاجتماعي الذي كان سائدا إبان الإمبراطوريتين الإغريقية والرومانية كان ناتجا طبيعيا لانتصاراتهما العسكرية في تلك الفترة الأمر الذي تمخض عن حركات فكرية عنصرية تبنت التفوق العرقي لتلك الأمم حيث مازالت هذه الحركات تنتج صداها العنصري عند الأوروبيين والأمريكان حتى وقتنا الحاضر.لقد صنف السكان إلى أربع طبقات على أساس الثروة، ويمكن للناس تغيير طبقاتهم اذا كتبوا المزيد من المال، لقد تبنت الإمبراطورية الرومانية لاحقا الديانة المسيحية التي سرعان ما سيرتها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

إن أوضح التجليات لمفهوم خيرالامم والشعوب هي مفهوم الحلولية والشعب المختار، والحلولية هي الاعتقاد بأن الإله يحل بعض بني الانسان وان فكرة الشعب المختار أو الشعب الكنز هي الاعتقاد الفكري بإيمان اليهود بأنهم شعب مختار وفق النسق الديناميكي اليهودي وتعبير آخر للطبيعة الحلولية التي تشكلت داخل المنتظم اليهودي وتموضعت فيه.

لقد عرفت الحلولية في المسيحية أيضا، حيث يعتقد المسيحيون أن الله حل في السيد المسيح وان الثالوث الحلولي هو الإله و الأرض والشعب، إذ يحل الله في الأرض لتصبح أرضا مقدسة ومركزا للكون، ويحل في الشعب فيجعله مختارا وازليا ومقدسا، ولابد من القول بأن مبدأ الشعب المختار عند اليهود يستوجب وفق المعتقد تفوقا عرقيا اما عند المسيحيين فإن مبدأ فكرة شعب الله لا تتضمن الاختيار بالضرورة .

وعند مجيء الإسلام في القرن السادس الميلادي فقد كذب ادعاءات اليهود والمسيحيين بأنهم أبناء الله وأحبائه على الرغم من أنه أكد أفضلية بني إسرائيل (يعقوب) على الناس جميعا، إلا أنه سرعان ما فسر ذلك التفضيل بأنه تفضيل عطاء ونعمة ومنة قبل خيانتهم للعهد.

لقد أدى مفهوم خير الأمم إلى إشكاليات عديدة لدى متبنيه من الشعوب ولدى شركائهم في التاريخ والجغرافيا تجلت في صراعات وحروب غالبا ما استغلت أيديولوجيا وسياسيا، ويقر القران الكريم بذلك في النص القرآني (كلما اتت امة لعنت اختها)، في حين نجت بشكل عام الأمم التي لم تكن لتحاول شيطنة أو لعن أو ازدراء أو الحط من الشعوب الأخرى.

لقد كان الاستغلال السياسي واضحا في الحروب الصليبية والأنشطة المعادية للسامية (اليهود) والتطهير العرقي والأفعال النازية وممارسات اليهود ضد العرب الفلسطينيين كما أن الرئيس الأميركي جورج بوش كان قد تحدث عن تبنيه لحرب مقدسة صليبية عشية غزوه للعراق عام 1991 سرعان ما اسكته مستشاروه وذكروا له بأنه لم يكن موفقا تماما في اختاره للمفردة (صليبية) التي تشتمل على حساسية كثيرة في مجمل منطقة الشرق الإسلامي.

إن كلا طرفي النزاع العربي الإسرائيلي استعمل مفهوم خير الأمم من خلال تبني اليهود لفكرة شعب الله المختار أو تبني العرب او المسلمين لتاويل الآية (كنتم خير أمة ) في صراعه مع خصمه على الرغم من أن ذلك الاستعمال كان يهدف إلى أغراض تعبويه أكثر منها فكرية أو واقعية...

لقد اختلف فقهاء المسلمين كثيرا في تحديد مفهوم (خير امة) الواردة في سورة آل عمران (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللة)، حيث يشار إلى أهم المناحي والتوجهات التاويلية في من هم مدار الخيرية وأسبابها:

1) هم الذين هاجروا مع النبي محمد (ص) من مكة إلى المدينة.

2)الآية نزلت في جماعة محددة هم:عبد الله بن مسعود مولى أبو حذيفة وأبي ابن كعب و معاذ بن جبل.

3) الأولون فقط حسب رواية عمر بن الخطاب (رض) "تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا.

4) هم الذين يؤدون شرط الله منها (أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان ب الله)

5) أصحاب رسول الله (ص)

6) المشمولون بخطاب (تأتون بهم في السلاسل تدخلونهم في الاسلام.

7 ) تأويلها لأنهم أكثر الأمم استجابة للإسلام.

أما فيما يخص شروط (الخيرية) الثلاثة مدار الآية، ففيها الكثير الآراء والتفسيرات، أي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكذلك الإيمان باللة لكن الشائع منها هو أن المعروف هو ما تعارف عليه الناس من فعل أو قول حسن وهو أمر عقلاني تستحسنه النفوس على العكس من المنكر ..كما أن هناك اختلاف أيضا في من تقع عليه هذه المهمة كمسؤولية شرعية أو حتى اخلاقية..فمن الفقهاء والمفسرين من ضيق ومنهم من وسع ومنهم من اشترط..هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد امتد الخلاف إلى الفعل الماضي (كنتم) حيث قصره البعض وخصصه بزمن النزول ومنهم من مد الحكم الشرعي به بشكل مفتوح ..

(8) يذهب مفسرو وفقهاء الشيعة إلى قراءة ينسبونها إلى الأمام علي (ع) "كنتم خير أئمة أخرجت للناس ويقصرون شمولها بآل محمد واؤصيائه.

9) هناك آراء غير تقليدية لاتعمد على النقل بل تستند إلى العقل والمنطق . في تأويل النصوص الدينية والنصوص التاريخية، وفي الفكر الإسلامي بدأت محاولات جادة بشكل مبكر على يد الكثير من المفكرين أو الجماعات ومنهم الحلاج وابو حيان التوحيدي والمعتزلة وإخوانه الصفا وغيرهم، صحيح أن هذه الآراء حوربت في حينها إلا أنها برزت إلى الساحة الفكرية في القرن التاسع عشر والعشرين على يد مجموعة من المجددين المسلمين كعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغيرهم وقد امتد هذا العمل الفكري إلى وقتنا الحاضر ليشكل تيارا إصلاحية مهما على يد محمد أركون ومحمد شحرور ونصر حامد أبو زيد وعدنان ابراهيم ويوسف الصديق واحمد الكاتب وغيرهم...وعلى الرغم من أن هذا التيار له تأثير كبير في الفكر الإسلامي المعاصر إلا أن هؤلاء العلماء والمفكرين لم يتبنوا خطأ أيديولوجيا واحدا ولهذا السبب فإننا نستعرض مثا لا واحدا هو رأي د.محمد شحرور الذي يتبنى مبدأ مهما هو عدم قبول الترادف في النص القرآني، فهو يميز بدقة بين الأمة والقوم والشعب، فما يميز الأمة برأيه هو وحدة السلوك والقناعة لمجموعة من الناس..كما هي حالة المسلمين (المؤمنين)الذين توحدهم القبلة والصوم والشعائر الأخرى. أما القوم، فواحدها امرئ وهي تطلق على اللسان وليس الدم أو العرق..فأمة محمد هي المسلمين وقومه هم العرب.اما الشعب فهو مجموعة من الناس تضم أمم وأقوام لها وحدة اقتصادية واجتماعية ومرجعية قانونية واحدة. كما أن الدكتور شحرور يرى أن مفهوم الاسلام أكثر شمولا من أتباع الرسالة المحمدية وبهذا فإنه لا وجود عرقي أو ديني أو اجتماعي لمفهوم (خير امة).

وخلاصة القول فإنه يبدو من هذا الاستعراض المختصر لهذا الموضوع الشائك والممتد زمنيا أن هناك نوعان من التناول والتعاطي الفكري والاخلاقي:أولهما : التعاطي المجرد الذي يعتبر الدين والمعتقد باعتباره معادلة رياضية أو عنصرثابت محدد المعالم بدقة متناهية ليس فيها اعتبار للتغيير لاحقا ..الثاني هو فسح المجال لإعادة النظر في مفاهيم ونصوص دينية وتاريخية لأسباب قد تكون عقلية اومنطقية أو برجماتية من شأنها أن تعمل على إشاعة أكبر قدر ممكن من الأمن الاجتماعي والإنساني دون التضحية بالنصوص المقدسة 

 

حسن الشرع

 

 

 

 

 

 

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة (19) 

لقد كان التوجه العميق والتلقائي في تأسيس العقل الثقافي الذاتي النتيجة الملازمة لصعود الرؤية النقدية. فالإصلاحية نقدية بالضرورة. والإصلاحية الإسلامية ليست نقدية فحسب، بل وتلقائية من حيث اختمار أفكارها وقيمها ولحد ما منهجية رؤيتها الوثيقة الارتباط بتجارب الأسلاف وقيم الثقافة الغابرة. لكنها ليست تقليدية. وليس مصادفة أن يتحول نقد التقليد إلى إحدى أهم المقدمات المنهجية والنظرية في الفكرة الإصلاحية. غير أن ما يميز الفكرة الإصلاحية الإسلامية لمحمد عبده هو استنادها الدائم على رؤية ثقافية إسلامية عقلانية وواقعية وإنسانية، أي أنها كانت تعتمد أولا وقبل كل شيء على أولية وجوهرية الموقف الثقافي.

فقد رفع محمد عبده فكرة النقد إلى مصاف الفكرة المتسامية. بحيث نراه يقول "الانتقاد نفثة من الروح الإلهي في صدور البشر"[1]. بل واعتبرها مصدر التطور وشحذ المعرفة وتدقيقها. كما أكد على انه بدون النقد لا تتوسع المعارف ولا تتجلى الحقائق ولا يعرف الحق من الباطل[2]. وإن عدم الاستماع إلى النقد أو رفضه ومحاربته هو دليل على موت الروح والعقل. وليس مصادفة ألا يترك أية ظاهرة تخل بإمكانية الإصلاح أو عرقلته أو إعاقته دون أن يتطرق إليها بالنقد العميق واللاذع. إلا أن موقفه المنهجي ظل متماسكا حتى النهاية فيما يتعلق بوضعه التقليد والجمود الفكري والعقلي في أساس التخلف والانحطاط.

انطلق محمد عبده بنقده أولا للجمود الديني واستكمله بنقد مختلف مظاهر الجمود بوصفه الوجه الآخر للتقليد. إذ أن كل منهما يحدد ويمد الآخر بقوته المخربة للعقل والضمير. من هنا اعتباره الجمود جناية. فنراه يتكلم عما اسماه بجناية الجمود على النظام والاجتماع، وجناية الجمود على الشريعة وأهلها، وجناية الجمود على العقيدة وغير ذلك. ووضع في الجناية الأولى "جناية التفريق وتمزيق نظام الأمة وإيقاعها فيما وقع فيه من سبقها من الاختلاف وتفرق المذاهب والشيع في الدين"[3]. أما في جناية الجمود على الشريعة وأهلها فوجدها في انقلاب المضمون والوظيفة العملية للشريعة. انطلاقا من أنها كانت في الأصل يسيرة وأصبحت الآن عسيرة. بينما أرجع مضمون جناية الجمود على العقيدة في نسيان أو تجاهل ثلاثة مبادئ مترابطة ومركبة وهي أن الإيمان يعتمد اليقين ولا يجوز الأخذ فيه بالظن، وأن العقل ينبوع اليقين في الإيمان، والإيمان فيما بعد ذلك من علم الغيب. بعبارة أخرى، إن الجمود الديني أدى إلى نفي حقيقة الدين بالمعنى الإصلاحي. فقد اعتبر محمد عبده العقل هو الحلقة الرابطة والقوة الجوهرية بالنسبة للإيمان الحق وليس قواعد العقائد الميتة. فالإيمان بالنسبة له يقين، والعقل هو مصدر هذا اليقين. وما يقع خارج ذلك فهو من علم الغيب، أي من عوالم لا يحق الحكم بها بصورة جازمة وتحويلها إلى مصدر للأحكام العملية. وعدم الأخذ بذلك يعني المراوحة في مستنقع التخلف والانحطاط المادي والمعنوي وخروجا على حقيقة الإسلام. من هنا فكرته عن أن الدين هو الذي كان "يطلق العقل في سعة. فلما وقف الدين وقعد طلاب اليقين وقف العلم وسكنت ريحه. ولم يكن ذلك دفعة واحدة ولكنه سار سير التدرج".

ووضع هذه الفكرة العامة في أساس نقده "للبدع" والحالة الدينية السائدة والأحكام العلمية والتصوف وغيرها مما يرتبط بهذا القدر أو ذاك بظاهرة الجمود والانحطاط الديني. فهو لم يقصد بالبدع سوى جملة الممارسات والمفاهيم المشوهة التي تتنافى مع تقاليد الإسلام العقلية والعقلانية والنزعة الإنسانية. من هنا نقده لممارسات الشعوذة "الصوفية" بوصفها "كرامات" بينما هي في حقيقتها شعوذة وامتهان للجسد والروح الإنساني[4]. وفي الوقت نفسه نراه يدافع عن روح التصوف، ويبعده عما هو سائد ومنتشر من تخلف وانحطاط الطرق والشعوذة. وفي كلتا الحالتين نقف أمام تبجيل خفي للتصوف يكمن من حيث الجوهر في أعمق أعماق الروح الإصلاحي لمحمده عبده. فقد وقف محمد عبده بالضد من الفكرة الواسعة الانتشار آنذاك والقائلة، بأن التصوف هو أحد الأسباب الكبرى القائمة وراء انحطاط الإسلام والمسلمين. ورد على ذلك بفكرة يمكن إرجاع مضمونها إلى ابتلاء التصوف في أول الأمر بالفقهاء الجامدين على ظواهر الأحكام، ولاحقا بالجهل به سواء ممن يتبع "ترهاته" ومن يجعل منها حقيقة التصوف. وذلك لأن "الصوفية الحقيقيون في طرف، والفقهاء في طرف آخر" كمال يقول محمد عبده. لكن فساد كل منهما أدى أيضا إلى تشابكهما في تصنيع التخلف.

لقد وجد محمد عبده في مختلف مظاهر الانحطاط الديني تعبيرا عن الجمود والتقليد للمذاهب والانغلاق. وليس مصادفة أن يدعو إلى فكرة الرجوع إلى القرآن والسنّة الصحيحة، أي المصادر الكبرى ولكن من خلال فهمها العقلي والعقلاني والواقعي بمعايير المعاصرة أيضا. فعندما يتناول قضية العقائد وأهميتها بالنسبة للأحكام العملية، فإننا نراه يشدد على ما اسماه بفكرة الحكم لله وحده بحيث لا يؤخذ الدين عن غيره. غير أن هذه "الحاكمية الإلهية" لا تعني عنده سوى الاجتهاد العلمي والعملي من أجل "تقوية الإيمان وإصلاح النفس". وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الإيمان بالنسبة لمحمد عبده وثيق الارتباط بالاجتهاد العقلي، وأن إصلاح النفس هي منظومة السلوك الأخلاقي والإرادة العملية الخيرة، من هنا يمكن فهم حقيقة المضمون الفعلي للأحكام العملية. بمعنى أنها تخرج من إطار التقاليد الميتة لأحكام القواعد العقائدية والذهبية والفقهية المتعلقة بمتطلبات الجسد والعبادات الباهتة. من هنا نراه يقول، بأننا حالما نقر ونعتقد بأن لا فعل لغير الله، فإن ذلك يعني ألا نطلب شيئا إلا منه. وفي الوقت نفسه أن نفهم بأن "طلبنا منه يكون بالأخذ بالأسباب التي وضعها وهدانا إليها"، و"في حالة جهلنا أو عجزنا، عندها نلجأ إلى قدرته ونستمد عنايته وحده". مما سبق يتضح بأن مقصود الفكرة هنا يعود إلى الرؤية العقلية الصارمة المتعلقة بضرورة الأخذ بالأسباب الطبيعية والسير بها حتى النهاية بوصفها "سنّة الله في الوجود". أما العجز عن بلوغ الأسباب أحيانا، فإنه مجرد وقفة في مواقف العلم النظري والعملي التي تكشف عن لانهائية المعرفة. وبقدر ما ينطبق ذلك على العلم ينطبق أيضا على العمل. من هنا استنتاجه القائل، بأن الأحكام العملية إنما تشرّع لتقوية الإيمان وإصلاح النفس.

وطبق محمد عبده هذا الأسلوب النقدي تجاه مختلف المظاهر المخربة للعقل الثقافي الذاتي. بحيث نراه يتتبع أيضا مختلف الإصدارات والأنماط الكتابية. وليس مصادفة أن نراه ينتقد ظاهرة انتشار كتب النوادر والخيال والحب "الفاسد" والروايات الشعبية التي يتلذذ بها العوام بينما يديرون آذانهم عن الاستماع وقراءة كتب الأخلاق وعدم الاهتمام به[5]. وهو موقف ينبع من فكرته الإصلاحية القائمة على ضرورة بناء منظومة القيم والمفاهيم والمبادئ الأخلاقية الضرورية لتكامل المجتمع والدولة وتقدمهما وتمدنهما السليم. لهذا نراه ينتقد ظاهرة ما يسمى بالأدب الوهمي من تعظيم مزيف وما شابه ذلك[6]. بل نراه ينتقد بشدة مجلة (أبو نظارة) الواسعة الانتشار آنذاك في مصر بسبب دورها السلبي حسب اعتقاده بالنسبة لتأسيس العقل الاجتماعي والأخلاقي، وذلك لاهتمامها المفرط أو بنائها على منهج إثارة النكات والنوادر السخيفة والولع بالسبّ والشتيمة[7]. وطبق هذا المنهج في نقده للنقد السائد في الجرائد المصرية. وليس مصادفة أن نراه أحيانا يصور بعضهم بعبارات قاسية مثل قوله "يصورون أنفسهم بأنهم دعاة الحق بينما على حقيقتهم هو رسل الفوضى وجرذان النظام"[8].

وبقدر ما ينطبق ذلك على مواقفه من مختلف مظاهر الحياة الروحية والأدبية والفكرية، ينطبق أيضا على موقفه من التحليل السياسي والتاريخ السياسي لمصر نفسه. لهذا نراه أحيانا ينتقد التسطيح الفكري في النظر إلى سلوك الدول وسياستها تجاه مصر وبالأخص ما يتعلق منه بالموقف من فرنسا وانكلترا حيث أعتقد بأن البحث في سياستهما تجاه مصر عن الدسيسة والوقيعة فقط هو جهل بحقيقة هاتين الدولتين![9]. لكنه في الوقت نفسه نراه يجد فيهما أحد الأسباب الكبرى في إعاقة التمدن الحقيقي. والشيء نفسه يمكن قوله عن مواقفه من شخصية ودور محمد علي باشا بالنسبة لتاريخ التمدن الحقيقي في مصر الحديثة. إذ نعثر في موقفه هذا على رؤية نقدية تستند إلى تاريخ مصر ما قبل الغزو الفرنسي، الذي جعل من صعود محمد علي جزء من حالة القدر. أما محمد علي باشا بالنسبة لمصر فهو "لم يستطع أن يحيي، ولكن استطاع أن يميت". إذ استعمل أسلوب الاستعانة بقوة على أخرى من أجل تصفية كل معارضة. وقضى على الشجاعة والفردية. بحيث لم يبق في البلاد رأسا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه[10]. يرفع الأسافل ويعليهم في البلاد (على عقدة ما فيه). قتل كل نفس قوية. وقضى على الأمراء وجعل من عائلته أميرة واحدة. بل وجعل البلاد المصرية إقطاعا واحدة له ولأهله. ثم أدخل النموذج الغربي وسيادة الغربي ودونية المصري. أما الإصلاحات التي قام بها فمن أجل إحكام السيطرة. فهو لم يصلح اللغة ولا التربية ولا القانون ولا أعار اهتماما لأهل البلد ودورهم في الحياة. حاشيته من الارنائوط والشراكسة والأرمن. همهم خدمة السلطة. بلا ضمير ولا شريعة. كما انه لم يهتم بالمدرسة. من هنا انعدام أثرها. كما انه لا قيمة للترجمات التي قام بها. إضافة لذلك انه لم ينشأ صناعة لأنه لا أثر لها. وكذلك الحال بالنسبة للعلوم. والاقتصاد كان مجرد سخرة. قوة الجيش، لم تكن مصرية. من هنا اندثارها. فعندما دخل الفرنسيون كانت هناك مواجهة وقتال، وعندما دخل الانجليز فإنها كانت نهبا سريعا. أما "الدفاع عن الدين" فقد كان صراعا ضد الوهابية. بمعنى انه كان هجوما على الدين لا للدين. وذلك لأنها كانت مهمة سياسية لخدمة السلطان التركي العثماني. بحيث جعله كل ذلك يختتم فكرته عن آثار ودور وشخصية محمد علي باشا بالنسبة لتاريخ مصر الحديث بعبارة تقول "كان محمد علي لمصر قاهرا ولحياتها معدما"[11]. ولم تخل هذه النظرة من حماسة محمد عبده السياسية في مجرى معارضته آنذاك للخديوي عباس حلمي. غير أنها كانت تحتوي ضمن سياق رؤيته النقدية على ملامح قوية فيما يتعلق بتأسيس العقل الثقافي الذاتي. فمن الناحية السياسية المجردة قد تختلف اختلافا كبيرا عما في تقييم أستاذه الأفغاني الذي وجد في شخصية محمد علي باشا حالة نادرة بالنسبة للتاريخ الإسلامي الحديث، إلا أن التقييم الثقافي لها في مواقف محمد عبده ينطوي على أبعاد رزينة وعميقة، أو على الأقل أنها تحتوي على رؤية نقدية عقلية وعقلانية يمكن ملاحظة آثارها في حياة وتاريخ مصر بعد مرور أكثر من قرنين من الزمن.

غير أن الصيغة المثلى والمستوى الأرقى لتأسيس العقل الثقافي الذاتي في إصلاحية محمد عبده تبرز في جدله الفكري والنقدي في الدفاع عن تاريخ الثقافة الإسلامية والإسلام، كما نراها على سبيل المثال في سلسلة المقالات التي كتبها في الرد على هانونو وفرح انطون. فقد ترك محمد عبده جانبا الهذيان السياسي لهانونو القائل بضرورة "تلقيح" المسلمين بحب السلطة الفرنسية والخضوع والولاء التام لها، وفي حالة الجمع بين الاثنين طاب الجوار، وإلا فإن فرنسا لها الحق في القضاء عليهم وإزالتهم من وجه البسيطة! واعتبر ما يقوله هانونو بهذا الصدد جزء من رؤية سياسية تاريخية لو لم يتعرض للإسلام وعقائده. إذ وجد في حصيلة آراء ومواقف هانونو تعبيرا نموذجيا عن الرؤية التقليدية الفجة للاستعمار الفرنسي آنذاك، مهمتها إثارة العداء بين البشر. إضافة إلى ما فيها من أحكام وآراء تتنافى مع الادعاء بالمدنية والتسامح.

فقد كانت الفكرة الجوهرية للرؤية الثقافية عند هانونو تقوم على معارضة الآرية بالسامية، وأن الآرية هي مصدر التقدم على عكس السامية. وأن المسيحية تتمثل تقاليد الآرية عبر إنزالها الإله إلى التجسيد ومن ثم إلى الله الأب وعبره إلى الابن عبر روح القدس. مع ما في ذلك من تقريب للإله من الإنسان والسمو به. أما السامية فإنها تفصل بين الله والإنسان. وكذلك إذا كانت الجبرية من صفات الديانة السامية، فإن من صفات الآرية على العكس، أي إقرارها بالنزعة القدرية.

وعندما وضع محمد عبده هذه الآراء على محك المواقف النقدية، فإنه حاول أن يكشف عما فيها من فجاجة وتسطيح تصطدم بحقائق التاريخ. منها إن كانت الهند هي مصدر الآرية فإن تراثها وتقاليدها تتعارض مع العقل والنزعة الإنسانية. ولعل شيوع وهيمنة نظام الطبقات هو أحد الأدلة على ذلك. أما بالنسبة للتاريخ الواقعي، فإن أوربا كانت إلى فترة قريبة موطن الهمجية والتخلف. إضافة لذلك أن ربط المدنية الأوربية بالنصرانية والآرية يتعارض مع ما في الإنجيل. والقضية هنا ليست فقط في أن الأناجيل نفسها صناعة "سامية" بل ولأن ما في الإنجيل ودعوته إلى الزهد في الدنيا ومحبة الأعداء قبل الأصدقاء وما شابه ذلك يتعارض مع المدنية الأوربية الحديثة. إذ لا علاقة للمدنية الأوربية الحديثة بالإنجيل والآرية. وذلك لأن ما فيها هو تجسيد لسطوة المال، وسلطان القوة، ومدنية الذهب والفضة، والفخفخة والبهرجة، والاختيال والنفاق. أما من الناحية الفعلية المتعلقة بتطور المدنية والحضارة، فإن الإسلام هو الذي زحف على أوربا من خلال تنظيف وتنقية وتطوير علوم القدماء. ذلك يعني أن الإسلام هو الذي كان يحمل رسالة المدنية الإنسانية عبر تمثل وتوسيع ونشر الحصيلة الثقافة للقدماء (ما صنعته فارس ومصر واليونان والرومان). والشيء نفسه يمكن قوله عن قضية الجبر والاختيار.

لقد وجد محمد عبده في آراء هانونو تسطيحا وجهلا بالفكر الفلسفي والديني. إضافة إلى تعارضها مع الوقائع والحقائق. فالجبر والقدر جزء من صراع الأفكار. وأنها كانت وما تزال بين النصرانيين كما بين فرق الأديان وغير الأديان جميعا. ثم هل رأيت يهوديا متكئا على قفاه لا يعمل؟ بل سمعنا ونعرف سلوك النصارى في الأديرة والرهبنة. والفكر اليوناني أيضا مليء بالإشارة إلى أثر القدر والبخت والاتفاق، أي مملوء بفكرة الجبرية. في حين يوجد في القرآن نحو أربع وستين آية تحث على الكسب. وفيه محاربة للجبر بكل أشكاله. إضافة إلى أن الإسلام يفرق بين اختيار الإنسان في أفعاله وأثر القدرة (الإلهية). وأن سلوك محمد وحياته كلها نضال وكفاح وتحد وتعبير عن الإرادة العارمة. وتوّج محمد عبده هذه الرؤية النقدية باستنتاج فكري سياسي وثقافي يقول، بأن مبادئ الصناعة والعمل عند جميع الأقوام المرتقية في سلّم الإنسانية واحدة. أنها تختلف بأسباب المعيشة وظروف الحياة والطبيعة والمناخ والتاريخ، وجميعها يأخذ من الآخر ولا فرق هنا بين سامي وآري. ويعكس هذا الاستنتاج رؤيته النقدية العقلانية والإنسانية الفاعلة باتجاه بلورة وتدقيق ما أسميته بالعقل الثقافي الذاتي، كما هو جلي على سبيل المثال، في مجرى نقده الفلسفي للآراء التي وضعها فرح انطون في مقارناته بين الإسلام والنصرانية، أي كل ما حصل على صيغته النهائية في كتابه (الاضطهاد في النصرانية والإسلام) أو (العلم بين النصرانية والإسلام)[12].

إن بلوغ الفكرة النقدية ذروتها في تأسيس العقل الثقافي الذاتي كانت بدورها المقدمة التي أرسى عليها محمد عبده مهمة تأسيس الروح الثقافي الذاتي. فالروح الثقافي الذاتي هو ربط عضوي متجانس للعقل الثقافي الذاتي بالتاريخ القومي مع البقاء ضمن فلسفة الرؤية الثقافية الإنسانية. وليس مصادفة أن تتلازم في مجرى تطور الرؤية الإصلاحية عند محمد عبده الفكرة المصرية والعربية الإسلامية، بما في ذلك في مواقفه المتطورة من العثمانية والتركية بوصفها قوى سياسية غريبة ومغتربة عن حقائق التاريخ المصري والعربي الإسلامي. بمعنى إن أشد الأشكال نقدية وشدة في مظهرها القومي ليست إلا الصيغة الوجدانية العارمة للروح الثقافي الذاتي، أي أنها تخلو من حيث بواعثها وغايتها عن الأبعاد القومية العنصرية.

إن النزعة "القومية" الجلية أحيانا في عبارات محمد عبده في نقده للتركية والعثمانية ومختلف الأقليات "الغريبة" على مصر، لم تكن إلا الصيغة السياسية الحادة عن فكرته الإصلاحية. وبالتالي لا علاقة لها بصراع القوميات الضيق والأديان والمذاهب. على العكس أنها كانت تحتوي في أعماقها على محاولة إعادة بناء العلاقة العربية التركية، والعربية الإسلامية، والمذاهب الإسلامية، والإسلامية النصرانية بمعايير الفكرة الإصلاحية، أي رفعها من حضيض القومية والعرقية والعنصرية والدينية والطائفية والذهبية إلى مصاف الفكرة الإصلاحية (الإسلامية) الكونية وإقرارها الفعلي بالتنوع القومي والديني والمذهبي. لهذا نراه على سبيل المثال يشكو في إحدى رسائله للأفغاني في معرض حديثه عما اسماه بمعرفته بمسيحي الشوام قائل: "وجميعهم مع بعض المصريين من اصطبل واحد"[13]. وأدرج ضمنهم أديب اسحق وسليم النقاش وسعيد البستاني. وفي معرض حديثه عن موقف "الأقليات" الدينية والمذهبية والقومية بالمصالح الكبرى للعرب والدولة العثمانية (الإسلامية) نراه يصور النصارى عموما على أن ولائهم للغرب الأوربي (الفرنسي والبريطاني). بل ويضيف إليهم أيضا السنّة، بوصفهم أقرب إلى هذا السلوك فيما يتعلق بإرسال أبنائهم إلى المدارس الأوربية والأمريكية النصرانية (التبشيرية). وكذلك حال الدروز رغم بعض الاختلاف. لكنه يفرز الشيعة عموما والنصيرية (العلوية) خصوصا من بينهم ممن يرفض إرسال أبنائهم لغير المكاتب الإسلامية[14].

غير أن هذا النقد وأمثاله هو مجرد مظاهر خارجية للفكرة الجوهرية في فلسفة الإصلاح، أي فكرة تأسيس العقل الثقافي الذاتي (العربي الإسلامي). وليس مصادفة أن يكون نقده الفعلي موجها ضد سلوك الدولة في تعميم الجهل ولكن من خلال نقد سلوك المذاهب والأديان أيضا. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه مما اسماه بفضائل أهل السنّة بالنسبة للدولة، انطلاقا من فكرة "الأكثرية" الفاعلة آنذاك بمعايير التاريخ الفعلي والثقافة القائمة. وإذا كانت تحتوي في بعض جوانبها على ضيق مذهبي فإنه يتبخر تحت حرارة الفكرة الإصلاحية الداعية إلى ضرورة تأسيس ما أسميته بالعقل الثقافي الذاتي، أي الدرجة الأرقى لتأسيس العقل الثقافي. من هنا نرى أيضا تخوفه مما اسماه بعاقبة انحراف أهل السنّة في ظل استمرار ابتعاد الدولة عن الاعتناء بهم[15]. وينطبق هذا على نقده للأقليات القومية. بمعنى نقده إياها بمعايير التاريخ السياسي وليس القومي. من هنا يمكن فهم مواقفه من سلوك صلاح الدين الأيوبي في جلبه للمماليك، وما آلت إليه البلاد لاحقا. بحيث يعتبر الشراكسة (المماليك) في آخر مراحلهم أتعس من كل ما سواهم. بحيث نرى أحدهم يجرّب حدة السيف في أماكن بيع السلاح من خلال رؤية آثاره على المارة بقطع رؤوسهم أو أجسادهم[16]! وضمن هذا السياق ينبغي أيضا فهم موقفه من الأتراك، كما هو جلي في عباراته القائلة "إن جميع المصريين السياسيين منهم والعاديين يكرهون الأتراك. ولا يشعر المصري بشيء تجاههم غير القرف والكراهية والاستعداد للقتال"[17]. وأن "الأتراك ظلمة. وتركوا في البلاد من أثار السوء ما يضرب القلب ضربان الجرح. فلسنا نريد رجعتهم ولسنا نريد معرفتهم"[18]. بل نراه يجزم مرة قائلا:"ما أحب أن يكون الحاكم في بلادي تركيا أو شركسيا، لأن استعداد أهل بلادي للحكم أقوى من استعداد هذين الجبليين. مظالمهم كبيرة كثيرة، موجودون حراس على أبواب السجون"[19]. وبالمقابل جرى مرة تصوير محمد عبده بعبارة "هذا المصري الأصيل من أهل الفول وليس المصريين المزيفين من أتراك وشراكسة وأرمن وشوام ويهود، كل منهم يدعي انه ابن النيل لا نيل فيه ولا نبل"[20].

إننا نقف هنا أمام رؤية متراكمة لتأسيس الروح الثقافي الذاتي بأبعادها الإصلاحية السياسية. من هنا تداخل وتراكم وانتظام الأبعاد الوطنية (المصرية) والقومية (العربية) والثقافية (الإسلامية) فيها. فعندما يتكلم عن الأبعاد الوطنية، فإن مضمونها يبقى على الدوام راسخا ووثيق الارتباط بفكرة العمل من أجل الخير العام والقانون[21]. لهذا نراه يعتبر تسوية الأمور المالية من دون الإخلال بمصلحة البلاد من بين أهم وأنبل عمل الحكومة والدولة[22]. وليس مصادفة أن نرى مختلف مظاهر هذه الرؤية بما في ذلك في لباسه ومأكله وتوجهه الحياتي وأسفاره وغيرها. فقد غيّر وجهته في السفر عبر صقلية عندما قالوا له بأنك سوف ترى آثار العرب هناك باقية. بل ونراه يقارن بين اهتمام الأوربيين بجمع آثار الماضي من التماثيل والرسوم ومعاناتهم في ذلك بما كان العرب المسلمين الأوائل يعانون من اجله بالنسبة لجمع الشعر وحفظه. ووجد في كلتا الحالتين أشكال مختلفة للاحتفاظ "بديوان" يسجل الماضي وأحداثه[23]. لكنه من جهة أخرى ينتقد العرب انتقادا شديدا على انعدام أثرهم في العصر الحديث. ويتساءل "أين هم"؟ وضمن هذا السياق نراه يؤيد ويدعم ما قام به لويس الصابونجي في نشره لتاريخ العرب والدفاع عن فضيلتهم التاريخية والثقافية. ويطالبه في الوقت نفسه بالاعتماد على مصادر التاريخ العربي الأصلية من أجل التوسع بهذا الصدد[24]. كما نراه يمدح حافظ إبراهيم في ترجمته لكتاب فيكتور هيجو (البؤساء). بل ويجد في ما قام به إبراهيم حافظ "تناسخا" لروح ابن المقفع، وإخراجا للعربية من العجمة[25]. ويقول نفس الشيء في رسالته لسليم البستاني بعد ترجمته لكتاب (الإلياذة).

إن تحول اللغة إلى ميدان وأسلوب وغاية الإصلاح العقلي والروحي والثقافي للأمة يعكس تلقائية التطور الطبيعي والمنطقي للفكرة الإصلاحية عند محمد عبده. بمعنى مسارها الطبيعي والمنطقي صوب تكاملها الخاص بمعايير الرؤية الثقافية الإسلامية، أي الرؤية الثقافية التاريخية الخالصة. مع ما فيها من طاقة كبرى كامنة في تحرير العقل والوجدان من الاغتراب الثقافي والتقليد الفج. وليس مصادفة أن يجد "أول جناية" للجمود التاريخي والثقافي للعرب في ما أسماه بجمود أساليب وآداب اللغة العربية وضياع أمهات الكتب، أي المصادر الضرورية بالنسبة لكل نهضة وإحياء ثقافي حر وأصيل. لهذا نراه يتكلم في معرض انتقاده لحالة اللغة العربية في وقته عن "الناطقين بالعربية من العراق إلى مراكش" بأن "مثلهم مثل قوم من الأعاجم مخالطين للعرب". بحيث وجد في كلامهم بسبب المخالطة مفردات كثيرة من العربية! وهو ضياع تاريخي وثقافي هائل جعل محمد عبده يقر بأن الاشتغال بلغة الأمة وآدابها فضيلة في نفسه ومادة من مواد حياتها. ولا حياة لأمة ماتت لغتها. وبأثر ذلك يصل إلى الفكرة القائلة، بإن إصلاح الأمة يفترض إصلاح اللغة العربية. من هنا نقده لتقاليد إتّباع الغرب في اللغة بحيث نراه يعتبر أسلوب المعلم بطرس البستاني في جرائد (الجنة) و(الجنان) وعلى أثرها (الأهرام) مجرد تقليد فج لا قيمة له بحد ذاته. بل نراه يعتبر اندثار هذا النوع من الكتابة فضيلة. وهو نقد جارح ومتطرف لحد ما، لكنه يعكس غلو الفكرة الإصلاحية في موجهة حالة الانحطاط العميقة ومستوى الاغتراب المحتمل في تقليد لغة الغرب عوضا عن الرجوع إلى أصول اللغة ومنطق تراثها القومي والثقافي. من هنا ربطه بين فكرة إصلاح اللغة العربية وفكرة التمدن. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه عندما كان العرب في أوج كمالهم وتطورهم، بل وأرقى الأمم بمعايير ذلك الزمان، فإن ذلك وجد انعكاسه أيضا في اللغة التي استطاعت أن تعبر عن انجازاتها ومعاركها الفكرية والروحية في مصطلحها وكلماتها وعباراتها وبيانها[26].

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص162.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص165.

[3] لا ينتقد محمد عبده الظاهرة من حيث مقدماتها التاريخية السياسية والثقافية والذهنية القائمة في الدين نفسه. وخطورته تكمن أولا في مستوى التطور ونظام الحرية وما يميز الفكرة الدينية نفسها من انغلاق نسبي ومطلق، تجعل من التكفير والتحريم والتجريم فعلا "مقدسا".

[4]  محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص50-52.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص60.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص64.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص297.

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص627.

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص359.

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص854.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص851-858.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص257-368

[13] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص627.

[14] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص101.

[15] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص103.

[16] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص858.

[17] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص428.

[18] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص428.

[19] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص645.

[20] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص.721.

[21] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1ص318-319.

[22] محمد عبده: الأعمال الكاملة ج1، ص300.

[23] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص198.

[24] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص437.

[25] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص372-373.

[26] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص23-24

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة (17) 

إن المآثر التاريخية الكبرى لإبداعات الثقافة تجد تعبيرها لا في ما تنوي قوله وفعله فحسب. بل وبكيفية إثارتها لحقيقة الكوامن الفاعلة في الذات الثقافية. فالأخيرة تعكس في ردودها مستويات إحساسها وعقلها. وما وراء ذلك طبقات حدسها التاريخي. أما هذه الطبقات فهي المكونات المنسية والحاضرة في ما يمكنه أن يكون بديلا أو مشروعا للرؤية الحالمة والواقعية. فالحدس التاريخي لم يكن في يوم من الأيام فعلا للحاضر، بقدر ما انه النتاج المتراكم في صراع الصيرورة الفتية ومحاولاتها استعادة الماضي وتقاليده أو نفيها المعاصر في ما ترتئيه بديلا فاضلا ونظاما صالحا.

فقد كانت الصيرورة التاريخية للعالم العربي منذ بدايات (القرن العشرين) مسارا متراكما لحيثيات إدراكه الذاتي. ومن ثم الاستكمال الأكثر إدراكا لنفض غبار الخمول والتقليدية الوادعة في قرون الظلام العثماني. أما التلاقح العقلي بين إصلاحية الجهاد والاجتهاد الإسلامية وبين "عقلانية الضمير واللسان العربيين" فقد وضع أسس الانطلاقة الفكرية الجديدة للمكونات المختمرة في أجزاء العالم العربي. حيث اشترك كلاهما في بعث مكونات الكينونة الثقافية العربية واختط في الوقت نفسه ضرورة الاستقلال العربي ضمن حدوده المتجذرة في الذاكرة التاريخية. وبما أن هذه الحدود كانت على الدوام عرضة للانحلال والوحدة، فإن انعكاسها الفكري ما كان بإمكانه أن يتعدى نموذجه الأمثل في اللغة ورموزها الأدبية، في تراثها ومعالمه الروحية، أي في كل ما لا يمكن الإمساك به، وفي كل ما لا يمكن القضاء عليه. وهي الحصيلة التي أدت إليها ما كانت تنوي قوله وفعله عقلانيات "الضمير واللسان" و"الجهاد والاجتهاد". وإذا كان مصير (عقلانية الضمير واللسان) يقوم في اندماجها في ما لا يمكن مواجهته وجها لوجه في عالم العثمانية المنحلّة، فإن مآثر (عقلانية الجهاد والاجتهاد) كان لا بد لها من أن تصطدم بقوة الدولة الاستبدادية، وأن تثير فيها شهوة الانتقام الملازمة للقوة الخائرة. ويفسر هذا السبب غياب ردود الفعل الثقافية من جانب الدولة ومؤسساتها. وذلك لأنها لم تكن تمتلك من مقومات الثقافة ومعنوياتها ما يؤهلها لمواجهة أعدائها. لهذا ارتكنت إلى ما هو تقليدي في عرفها التاريخي من "قصور الدموع" و"سجون السلاطين" في موقفها من الأفغاني، وإلى تقاليد الغيلة المحترفة في موقفها من الكواكبي. وأن تحصد في نهاية الأمر الانهيار والاضمحلال الكامل.

إن المأثرة التاريخية لإبداع الإصلاحية الجهاد والاجتهاد الإسلامية تقوم في رصفها عناصر العقلانية الثقافية في روح الأصالة العملية. لهذا ركزت على ما في مكونات الروح الأخلاقي من خواء خجل، وعلى ما في هرمية الدولة من انحلال مذهل للروح السياسي العقلاني. ودعت سرا وعلانية وجهرا وتقية إلى ما ينبغي القيام به من أجل بعث الروح الفاعل في الكيان الإسلامي. فقد كانت هي الأخرى تحدس في موشور تقاليدها العقلانية ونزوعها الجهادي النتائج الوخيمة للمصير الثقافي والدولي والقومي لشعوب السلطنة العثمانية. غير أن هذا الإدراك المتعمق في وحدة جهادها واجتهادها لم يكن موحدا في تأسيسه لأولويات الفعل المباشر وغاياته النهائية. فإذا كان الأفغاني أمينا لوحدة الإسلامي والقومي في مرجعيتهما الثقافية، فلأنه كان الممثل الأكثر حداثة للأبعاد السياسية القائمة في الفكرة التي دعتها المتصوفة في يوم ما بالكلمة المحمدية. وهو التمثيل الذي كان يستلزم مع مرور الزمن الاقتراب الأكثر واقعية من مهمات تجسيده العملي. مما جعل الأفغاني يقف بالضرورة أمام الضغط المتزايد لإلحاح المتطلبات السياسية في الدولة وإصلاحها. ومن ثم تعميق النقد الذاتي صوب الأدوات الواقعية في التغيير. وإذا كان هذا الإدراك هو الصفة المميزة لظاهرة الأفغاني بحد ذاتها، فإن تأسيسه لأولويات العمل المباشر قد تعرّضت في مجرى تطوره إلى مواجهات مرهقة بسبب غليانه بين تيارين باردين: الدولة العثمانية الاستبدادية المريضة والغرب القوي الغازي. ففي الوقت الذي دعا فيه إلى ضرورة الجامعة الإسلامية، فإنه لم يجد فيها نموذجا للوحدة المثلى إلا بالقدر الذي تستجيب للمصالح الحقيقية للعالم الإسلامي. إلا أن تجزئة العالم الإسلامي وصراعاته الداخلية وتفسخ نموذجه السياسي قد اجبره على أن يدافع ويرد على كافة الجبهات كما لو انه الصيّاح الوحيد في بحر تدحرجت سفنه المتهرئة إلى قاعه. لهذا هاجم بشدة سياسة التحالف غير المبدئي للدولة العثمانية مع الروس ضد إيران معتبرا إياها خيانة للمصالح الإسلامية، تماما بالقدر الذي نراه يهاجم سياسة إيران (زمن فتح علي شاه) في تهديدها للأفغان الذين حاولوا انتزاع الهند من الإنجليز[1]. ومن هذا المنطلق أخذ على دعاة القومية العربية مهاجمتهم للدولة العثمانية انطلاقا من أن الدعوة للقومية وأن أريد بها خير الجنسية (القومية) إلا أن مهاجمة الدولة العثمانية هو حياد عن صراط السياسة القومية الحقة، لأنها تؤدي في نهاية المطاف إلى إضعافها مما يهيئ الإمكانية لابتلاع الدول من جانب الغرب الأوربي. ولم يجد في الوقت نفسه ضررا في بناء العرب لقوميتهم المستقلة من خلال التدرج[2]. غير أن هذه الواقعية الحصيفة والعقلانية السياسية البعيدة المدى قد سبق وأن أفرغ يقينها المجرد تاريخ السيطرة التركية العثمانية نفسه. وهي الحصيلة التي كان الأفغاني يدرك كافة حيثياتها، إلا أن جوهرية الفكرة المتسامية وإمكانية تجسيدها في الواقع هي التي اضطرته في حالات عديدة إلى البحث عن الاحتمالات الدقيقة القائمة بين الإمكانات الخشنة.

فالعناصر العقلانية القائمة في فكرة الدفاع عن أمة الإسلام وقوتها الضارية آنذاك في السلطنة العثمانية هي بمعنى ما تزكية الروح الاستبدادي للدولة التركية. بينما كان يعني محاربتها هو الإمداد غير المرئي للروح الأوربي الغازي. وهو تناقض مستعص على الحل في ظل الإبقاء على تأرجح موازناته النسبية. بعبارة أخرى، انه كان ينبغي قطع هذه السلسلة "المنطقية" المؤرقة للروح السياسي المتحمس من خلال التأسيس لأولويات الوسائل في البدائل. ومن الممكن العثور على صدى هذه الحصيلة في الدعوة للتحرر والاستقلال والتقدم، أي العناصر التي ما كان بإمكانها أن تمتلك معناها وفعاليتها دون جوهرية السلطة والدولة. ما اضطره في نهاية المطاف إلى مواجهة ما ينبغي مواجهته: السلطة والدولة.

فمن الناحية التاريخية والواقعية لم تكن السلطة العثمانية شيئا غير الدولة نفسها، تماما كما لم تكن الدولة بالنسبة لها سوى سلطتها. وجرى اختزال ذلك في فكر الإصلاحية الإسلامية بمقولات الاستبداد والدولة الاستبدادية. وليس مصادفة أن يشدد الأفغاني على أن سيادة الاستبداد في الشرق لفترة طويلة قد أدى إلى فقدان شعوبه للشعور بالحق. في حين أن الإنسان الحقيقي هو الذي لا يحكم عليه إلا القانون المؤسس على دعائم العدل[3]. وبالتالي فإن سبب تخلف الشرق هو الاستبداد. وقد اتخذ الاستبداد صيغا عديدة في حكوماته قديما وحديثا وفي الإطار العام تنقسم حكوماته إلى ثلاثة أقسام، الأول منها هي الحكومة القاسية في أعمالها والتي تشبه في سلوكها قطاع الطرق مثل حكومات جنكيزخان وتيمورلنك[4]. أما القسم الثاني فهي الحكومة الظالمة والتي تتطابق في مضمونها مع الدول العبودية وتشبه في سلوكها سلوك الأخسّاء. وهي الصفة الغالبة في الحكومات الشرقية في الأزمان الغابرة والأوقات الحاضرة وكذلك أكثر الغربيين في الماضي وحكومة الانجليز في الهند[5]. أما القسم الثالث والأخير فهي الحكومة التي اسماها الأفغاني عموما بالحكومة الرحيمة. وتنقسم بدورها إلى فرعين الأول هو الحكومة الجاهلة والثاني هو الحكومة العالمِة. وتنقسم هذه الأخيرة بدورها إلى ما اسماه بالحكومة الأفنية (أو الحكومة التي لم يكتمل عقلها بعد) والحكومة المتنطّسة (أو الخيرة والعالِمة). فالحكومة الرحيمة الجاهلة كالأب الرحيم الجاهل تدعو للسعادة ولا تعرف كيفية بلوغها. وهي إشارة إلى الحكومة العثمانية. أما الحكومة الأفنية فهي تضاهي الأب العالم المأفون المتهالك في تعليم أبنائه ولكنه لا يعرف كيفية مسكهم بالصيغة التي لا تذهب جهوده الأولى سدى. وهي إشارة إلى حكومة محمد على باشا. أما الحكومة المتنّطسة وأساطينها من الحكماء والعلماء فهي التي تجمع في ذاتها العلم والمعرفة والأدب والتجارة والصناعة والزراعة والأخلاق والسياسة الحكيمة والعدل والحق[6]. ووجد نموذجها آنذاك في حكومة المستبد العادل التي كانت تداعب خيال الذهنية المتلطفة في رؤيتها لقيم الفرد المتعالي أكثر من رؤيتها للواقع والتاريخ.

لكن الأفغاني لم يقف عند حدود نقد نماذج القسوة والظلم والخِّسة في الحكومات، بل وتجاوز نموذجها الأرقى في الحكومة العالمة أو "الحكومة الشوروية"، باعتبارها المثال الأعلى، انطلاقا من زوال مانع الاستبداد بسبب قدرة الأفراد على إدارة شؤونهم بأنفسهم[7]. ولم تعن هذه "الشوروية" نظام الشورى التقليدي بقدر ما كانت تتطابق في مضمونها مع النظام الديمقراطي الدستوري. مما يعني سيادة عناصر الدعوة العقلانية للنظام الأفضل. غير أنها شأن مثيلاتها لم تستند إلى رؤية فلسفية للتاريخ. ولهذا أبقت على ملامح المظهر البشري في نماذج الحكومات دون أن تتغلغل في رؤية المقدمات الفعلية لنفيها الاجتماعي الاقتصادي. وقد كان ذلك لحد ما طبيعيا لأن القيمة العقلانية للفعل لم تستند آنذاك إلا لذاتها. من هنا جوهرية العلم (المعرفة) والعقل والأخلاق والتراث. أما توليفهم الدائم في المواقف العملية النقدية فقد أدى إلى نتوء جوهرية السياسة ودورها الحاسم في رؤية الإصلاحية الإسلامية. وقد توصل الأفغاني إلى هذه النتيجة في مجرى تفكيره وعمله. ومن هذه النتيجة انطلق الكواكبي في تأسيسه لفاعليتها الضرورية في الكيان الدولي (الحكومي) المفترض. لهذا نراه يركز حزمه الأضواء العقلانية للإصلاحية الإسلامية في بؤرة الدولة القومية. غير انه لم ينجز هذه المهمة بصورة تامة. فقد وقف الكواكبي عند حدود العقلنة السياسية للتيار الإصلاحي من خلال دعوته لتجسيده العملي في الدولة القومية. من هنا لم يكن بإمكان دعوة الأفغاني ولا دعوة الكواكبي الارتقاء إلى مصاف التجرّد النظري من عناصر النفس الثقافية المترسبة في مسامات الإصلاحية الإسلامية نفسها.

لقد كان ينبغي لهذه العناصر أن تتجزأ في البداية في مجرى الجهد المرهق للجهاد والاجتهاد من أجل أن تتكامل لاحقا في منظومة فكرية لها حدودها النظرية الواضحة والدقيقة. غير أن التحولات العاصفة لبدايات القرن (العشرين) قد أغلقت على هذه العملية إمكانياتها المحتملة بما في ذلك في كيفية نشوء الدولة العربية وأشكال نظمها السياسية. فقد أدت هذه العملية إلى توسيع ما يمكن دعوته بهوية المجهول السياسي والثقافي أمام العالم العربي، وذلك بسبب صعود الفكرة العربية القومية وليس الدينية (الإسلامية).

وبما أن القدر التاريخي لبدايات القرن العشرين قد جرى بصيغة تختلف عما هو محتمل في تراكم الصراعات الاجتماعية السياسية والقومية في "الوحدة العثمانية"، فإن الفرضيات المعقولة للإصلاحية الإسلامية وتراكم تصوراتها السياسية عن الوجود الاجتماعي والدولي والثقافي للعالم الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص، قد تعرضت إلى صدمة استلزمت منها إعادة تجميع قواها النظرية من جديد. وذلك بسبب تعرّض العناصر الإسلامية الوحدوية في الفكر الإصلاحي لضغط الانحلال السياسي الدولي والقومي للسلطنة العثمانية. مما أدى بالضرورة إلى الإهمال المتعاظم لعناصر الوحدة الإسلامية بمضمونها التقليدي.

أما صعود التيار القومي فقد أخذ يمتلئ بمقومات ثقافية، بما في ذلك في مجرى نموه المتراكم بمعايير وأفكار الدعوة الجديدة "للإسلام الخالص". وقد تضمن ذلك محاولة إعادة التوليف الممكنة بين العروبة والإسلام بالصيغة التي تكفل لكل منهما نموه الطبيعي. وقد كان ذلك يعني من الناحية الفعلية ضرورة توحيد العناصر الجوهرية للدولة المستقلة وإعادة ترميم الكينونة المتكسرة في "القرون المظلمة" للسيطرة التركية. بينما أدت أحداث الحرب العالمية الأولى وانهيار السلطنة العثمانية إلى ظهور العالم العربي ودوله المتعددة، بوصفه أيضا جزء من معترك المخططات الاستعمارية أكثر مما هو نتيجة صراع قواه الداخلية. مما أادخل العالم العربي في مجهول جديد، هو مخاض الدولة والقومية.

فقد كانت الإغراءات المعلنة للغرب الاستعماري من جهة، والعجرفة المنهوكة للسلطنة العثمانية في مواقفهما من العالم العربي من جهة أخرى، متكافئة من حيث الوضوح الظاهري. غير أن وراء كل من هاتين القوتين تاريخ خاص في الوعي الاجتماعي العربي وفكره السياسي. وإذا كان التقارب التدريجي للعناصر العقلانية في الفكر السياسي الإصلاحي الإسلامي والعروبي القومي هي النتيجة الملازمة لانغلاق الإمكانات الديمقراطية والقومية التحررية في ظل السلطنة العثمانية، فإن ضغوط الغزو الأوربي في مساعيه الرامية إلى اقتسام غنائم "الرجل المريض"، قد أدت إلى إثارة الكوامن الجديدة الفاعلة في وعي الذات الثقافي العربي.

لم تخل هذه الحالة التاريخية من طابع المأساة الدفينة، وذلك بسبب مساهمتها المباشرة في صنع ما يمكن دعوته بالانقطاع الجديد في الوعي العربي العقلاني. إننا نقف هنا أمام مفترق جديد لظاهرة التبذير "التاريخي" للطاقات الكامنة في المساعي العقلانية للقومية والدولة والثقافة للعالم العربي ونموه السياسي. فقد كان سقوط السلطنة العثمانية بالقوة الخارجية وظهور العالم العربي الجديد بأثر ذلك يبدو كما لو انه هبة مجهولة المصدر. بل واتخذت في بعض ملامحها هيئة "المقايضة التجارية" أو الرشوة السياسية للخدمات التي قدمها "ملوك" العرب في مساعدة الأعداء "المتمدنين الجدد". فقد استصغرت هذه النتيجة حجم التضحيات الجسام والمعاناة الكبيرة لوعي الذات العربي في تلمس هويته الجديدة لأكثر من قرن من الزمن. ذلك يعني أنها رمت في سلة المهملات تاريخ النضال العربي ومكونات وعيه العقلاني الصاعد والمتراكم في الإصلاحية الإسلامية كما لو انه جزء من الهيئة المتهرئة للعثمانية التركية. وهو تبذير كان من الصعب تلافي آثاره بين ليلة وضحاها. لأنه فرض على الوعي العربي المندهش أمام "مؤامرات القدر" الخلاب للتحرر القومي، مهمة مواجهة التغير المفاجئ في تجاوز تفكيره التقليدي وأنماط يقينه الراسخة في نفسيته الاجتماعية ووعيه السياسي. انه فرض على القوى العربية الفاعلة مهمة مواجهة تكاملها الجديد في الصراع مع من كان في الإعلان والدعاوي العلنية حليفها الجديد. بينما كان هذا "الحليف" الجديد أكثر مكرا وقوة وخطورة. وترتب على كل ذلك الوقوع من جديد في شباك معترك معقد بالنسبة لبناء عقلانية الرؤية السياسية والثقافية.

فقد أزال السقوط "المفاجئ" للسلطنة العثمانية بدائل الرؤية العقلانية المتراكمة في مجرى صراعها من أجل العلم والمعرفة والأخلاق والتحرر من الاستبداد والدعوة للأصالة. انه ألزمها في آن واحد اعتناق فكرة التخلي السريع من طاقاتها الفكرية المتراكمة في مجرى قرن من الزمن. ومن ثم مواجهة المعضلات الجديدة المفروضة عليها، باعتبارها قضاياها الملتهبة، دون أن يعطي لها في الوقت نفسه فرصة التأمل البارد. وحصلت هذه الظاهرة على تعبيرها الحاد في عنفوان الحماسة العملية والفكرية للجماهير وانتفاضاتها العديدة في عقود الصعود الوطني والقومي.

وقد أدى ذلك من الناحية الموضوعية إلى ما كانت تسعى إليه أو اكتملت فيه عقلانية الإصلاحية الإسلامية بصدد قضية جوهرية الدولة. غير أن هذه الدولة لم تعد جزءا من إصلاحية الرؤية، بقدر ما أصبحت جزء من مغامرات السياسة. إذ لم تعد جوهرية الدولة جزءا من التأسيس العقلاني والسياسي، بقدر ما أصبحت الكلّ الفاعل لمقامرات السياسة. ذلك يعني، أن العالم العربي وقف أمام مفارقات جديدة لم يجر تأملها بمقولات العقلانية والإصلاحية، بل تحت رياح الأحداث العاصفة. وإذا كان هذا الواقع المتحرك هو المصير الذي ينبغي التعامل معه كما هو الحال بالنسبة للسياسة والساسة، فإن وجوبه المفترض بالنسبة لعقلانية الرؤية يقوم في إعادة تجميع القوى النظرية ونظمها الجديد في بنية الأولويات المعقولة عن جوهرية الدولة والوحدة. وذلك بسبب مواجهتها مستجدات الواقع وتغير أولويات الوجود القومي الدولي والوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي. فقد انقلب المجتمع في هذا الواقع من كائن تعتمل فيه مختلف الإمكانات الثقافية والسياسية في ظل غياب الدولة (المستقلة) إلى مجتمع دولتي (ذي دولة) بمجهول ثقافي. وقد كانت هذه الحصيلة نتاجا لواقع التجزئة العربية واحتراب قواه التقليدية من جهة، ونتاجا لتحلل كينونته الثقافية والسياسية في مصالح القوى الأجنبية المتصارعة (التركية والأوربية) من جهة أخرى. وليس مصادفة أن يرافق صعود كينونته الدولتية الجديدة نسيان تاريخ المعاناة الطويلة، تماما كما جرى نسيان أحزانه العميقة في أفراح الهدايا المفاجئة. بينما كان يقابل فرحه التاريخي الجديد مكرا تاريخيا للغرب. أما استعداده للتضحية من أجل الاستقلال فقد كان يقابله استعدادا للسيطرة والانتداب. أما تفاؤله التاريخي بالوحدة فقد كان يقابله تفاؤلا لا يقل ضراوة في استضعافه وتجزئته الجديد. بينما كان يقابل عدم اكتمال رؤيته الإستراتيجية في السياسة وضوح الرؤية الإستراتيجية واستتبابها في مؤسسات الدول الأوربية وأيديولوجياتها.

لقد فرض هذا الواقع بمكوناته الخفية المتضادة، والذكورة أعلاه، منطقه المستتر على الذهنية العربية المندهشة وحماس الجماهير العارم. وألزمها الإقرار بالتجزئة والعمل ضمن حدودها. ومن ثم توجيه حوافز العمل الملتهبة صوب شعارات الساسة وأهدافهم. تماما بالقدر الذي أدى إلى سكب غضب الحرمان التاريخي للفلاحين في سهام الدعوات الوطنية لرجال الدين المحترفين، والإقطاع "المتنور"، والأمراء المصطنعين، والحاشية المتربية في تقاليد التركية العثمانية. واستجاب هذا القدر من اهتزاز الجسد والضمير المخلص لمزاج الجمهور ووعيه المسطح والسلوك النفعي للقادة الوطنيين الجدد. وإذا كان ذلك يشكل خطوة كبرى إلى الأمام في جمع القدر الممكن من الوحدة الاجتماعية المتخطية لحدود البنية التقليدية، فإن كتلها الحماسية المتناثرة في أهازيج التضحية والثأر لم يمكن بإمكانها تجاوز حدود المساهمة المباشرة في شئون الدولة القطرية.

لقد تجمعت مكونات الفرح التاريخي، والاستعداد للتضحية، والتفاؤل العارم، وضعف الرؤية الإستراتيجية، في كلّ واحد لتصنع بدورها المقدمات الجديدة للحالة الجديدة المتميزة بأولوية وفاعلية العمل المباشر. ومن ثم الانهماك غير الواعي للوعي المتجمع في غضون قرن من الزمن للكفاح العربي من أجل خروج ذهنيته القومية والثقافية من دهاليز الصعاليك والمماليك، باتجاه تأسيس المرجعيات الضرورية لبناء الوعي الاجتماعي والسياسي والدولتي القومي.

أدى هذا الواقع الجديد إلى غرس أولوية العقل السياسي المجزأ، وكذلك إلى تفتيت الوحدة المتراكمة في الرؤية السياسية وبنائها النظري التاريخي والفلسفي. ولم تعد الدولة في هذه الرؤية سوى الدولة السياسية. أما  مثالها العملي الأرقى فهو السلطة القادرة على التجّسد في دولة لها حدودها ومقوماتها المستقلة. وكان من الصعب توقع شيئا ما غير هذه النتيجة بعد انحلال السلطنة العثمانية والضغط  الأوربي الكولونيالي المباشر وغير المباشر باتجاه رسم حدود العالم العربي الجديد في دوله ودويلاته. وقد أدت هذه النتيجة بالذهنية العربية للتعثر من جديد في دروب الافتراق المتزايد. فإذا كان التطور التاريخي السابق يجري في اتجاه توحيد العناصر المعقولة في الاتجاهات الإسلامية الإصلاحية والقومية العربية والثقافية، فإنه أخذ يجري الآن باتجاه الفِرقة والافتراق. ولم تعد الفِرقة والافتراق خطوة إلى الأمام من حيث أثرها بالنسبة لتوليف العناصر الحية في تجارب العقلانية العربية. على العكس، أنها أصبحت خطوة إلى الوراء، وذلك لأنها كانت تسهم في تبذير العناصر العقلانية والواقعية المتراكمة في مجرى التأمل والتحليل الفكري واستنتاجاته التاريخية والسياسية.

إن هذا التناقض التاريخي بين صيرورة الكيان السياسي العربي صوب الدولة، وتقهقر الذهنية الثقافية صوب جوهرية السلطة هو القدر الذي فرضه منطق الأحداث الداخلية والخارجية في مسار التاريخ العربي للربع الأول من القرن العشرين. فقد كان هذا التناقض نتاجا ملازما لضغط التسييس الفعلي للواعي الاجتماعي من جهة، وتبذير حصيلة الفكر المتراكمة في عقلانية الرؤية ومشاريعها النقدية وتوسيع مدى الوعي الذاتي التاريخ والثقافي والقومي، من جهة أخرى. وبالقدر ذاته كان هذا التناقض نتاج الضغط والإجبار السياسي والحضاري للغرب الكولونيالي المتميز بمكره التاريخي ومساعيه الدءوبة للسيطرة المباشرة وغير المباشرة (الانتداب) والتحكم بالتجزئة وإعاقة كل إمكانية لإعادة بناء الوحدة القومية والدولة الموحدة للعرب.

أما حصيلة هذه الضغوط بالنسبة للذهنية العربية فقد أدت إلى كسر كاهل العقلانية العربية وإرهاقها بمهمة تجميع قواها، وترشيد طاقاتها، وإعادة النظر بالقدر المتبقي من شظاياها من أجل توليف ما يمكن توليفه لمواجهة واقعها الجديد. إذ لم تكن آنذاك قادرة على تأسيس رؤيتها النظرية المستقلة والحرة فيما يتعلق بمبادئ الوحدة وواقعيتها السياسية. لقد واجهت قدرها الجديد في التجزئة المفروضة. وترتب على ذلك إهمال تجارب قرن من الزمن. وهو قدر تاريخي. وبمعنى ما مأثرة للوعي السياسي الفاعل أكثر مما هو مأساة له وذلك بسبب كونه نتاجا لتاريخ الكينونة الثقافية والدولية (السياسية) المهشمة للعالم العربي منذ سقوط بغداد عام 656 للهجرة (الموافق عام 1258 ميلادية). فقد كانت هذه المأثرة تقوم أولا وقبل كل شيء في محاولتها ترميم كيان الدولة الجديدة من فسيفساء الأجزاء المتناثرة في الذاكرة التاريخية والوعي المخزون في الكيانات الجهوية والطائفية والقبلية والاجتماعية المجزأة للعرب.

فقد كان العالم العربي في العقدين الأول والثاني من القرن العشرين يتوزع ما بين أنصاف دول وأرباعها وعدمها. فقد كانت مصر لحالها تتمتع بما يمكنه أن يكون نصف دولة. وما عداها مجرد إمكانيات قابلة للوجود دول كالمغرب وتونس واليمن (حكم الإمامة) ومملكة آل سعود. بينما لم تكن الجزائر وليبيا والسودان وسوريا الطبيعية والعراق وسواحل الخليج وعمان واليمن الجنوبي كيانا دولتيا أو حكوميا ملموسا ومحددا. إذ لم تحتوي هذه المناطق آنذاك في ذاتها سوى على إمكانيات الذاكرة التاريخية والوعي المخزون في الكيانات الاجتماعية المجزأة، التي استفزتها في آن واحد سياسة القومية التركية لحزب الاتحاد والترقي، والمشاريع السرية الكولونيالية للغرب الأوربي. أما حصيلة تفاعل كل هذه المقدمات فقد أدت بعد الحرب الامبريالية "العالمية" الأولى إلى تنشيط المواجهة المباشرة لكل المعطيات الواقعية والمفروضة بلغة السياسة العملية. ومن ثم صعود أولوية وجوهرية الوعي السياسي الوطني والقومي الحديث.

لقد أنهت هذه النتيجة المأثرة التاريخية للإصلاحية الإسلامية والعروبية الثقافية، ووضعت حصيلة إبداعهم العقلاني في مهب الصراع السياسي المباشر عن جوهرية الدولة المفترضة. بمعنى القضاء على إمكانية الالتقاء التدريجي لحصيلة التجربة النظرية والعملية المتبلورة في تاريخ الروح الثقافي والسياسي للإصلاحية الإسلامية والعروبية الثقافية. ومن ثم حولت التجزئة الفعلية للدولة العربية الموحدة المفترضة وكينونتها الثقافية إلى واقع مقبول أخذ يفرض قيوده الجديدة على منطق التبرير والتنظير السياسي والفكري. وليس اعتباطا أن يأتي الرد المباشر من التيار القومي والإسلامي. فهما التياران الوحيدان آنذاك اللذان ظلا يحتفظان بإدراك قيمة السياسة وفاعليتها في الصيرورة العربية الجديدة ومعالم كيانها المنشود. ومن الممكن العثور عليه في ظاهرة الازدياد المتعاظم لمهمة التأسيس النظري للقومية والدولة. وإذا كان ذلك شيئا طبيعيا بالنسبة للتيار القومي باعتباره التيار الأكثر حداثة في تأسيس حداثة العالم العربي، فإن التيار الإسلامي الإصلاحي أضطر أمام انهيار "الخلافة" للوقوف أمام مهمة ترميمها ولكن باعتبارها جزءا من معترك الدولة القومية. وبينهما تراوحت وتثلمت انجازات العروبية الثقافية. وقد كانت تلك بدورها أيضا النتيجة الطبيعية الملازمة لصعود التيار السياسي للنهضة الدولتية التي اشترك فيها مختلف القوى القومية والوطنية، التقليدية والثورية، الملكية والجمهورية، الفلاحية والإقطاعية، أي الكلّ المتحمس في انتمائه السياسي الوطني والقومي للدولة العربية. وحصلت هذه العملية على انعكاسها في التأسيس النظري للقومية (الدنيوية) والإسلامية الإصلاحية. وليس مصادفة أن يأتي الرد المباشر وغير المباشر على إلغاء الخلافة عام 1924 من التيار الثاني لا الأول.

فقد تعامل التيار الوطني والقومي (العروبي) مع إلغاء الخلافة تعامله مع شيء طبيعي، لأنه كان يتوافق مع نزوعه السياسي. لاسيما وانه كان يتطابق بأبعاده السياسية مع مضمون التحرر العربي من النير التركي، وفك الارتباط التاريخي بين الخلافة في رمزيتها الثقافية والدينية وبين السلطنة العثمانية. لهذا لم يكن إلغاء الخلافة فعلا فكريا سياسيا روحيا له أبعاده الثورية سواء في تركيا أو العالم العربي. إذ لا الأول ولا الثاني كانا يشعران بمبررها ومعناها السياسي أو الثقافي. وليس مصادفة أن تتوجه أولى الانتقادات الحادة لها في أوساط الإصلاحية الإسلامية نفسها، سواء بصيغتها غير المباشرة في آراء الأفغاني أو بصيغتها المباشرة عند الكواكبي وتأسيسه الفكري لما اسماه بقيمتها الرمزية والروحية فقط.

غير أن هذه الرمزية الروحية لم تعد جزءا من تقاليد الرؤية التاريخية، بقدر ما أصبحت جزءا من مشاريع الرؤية الاستقلالية العربية. وبهذا المعنى كان إلغاء الخلافة في عهد كمال أتاتورك فعلا مستجيبا للنزوع القومي العربي. وهو السبب القائم وراء عدم إثارته اعتراضا بما في ذلك عند أشد شخصياته الدينية والمؤسساتية تقليدية آنذاك (كالأزهر). فقد أيد الأزهر من الناحية الفعلية إلغاء الخلافة، لكنه أبقى عليها بمعايير القيمة الرمزية، من خلال استعمال كلمات الوجوب المقترنة بتقليدية العادات والعبادات المميزة للرؤية الفقهية التقليدية. بعبارة أخرى، لم يجر مناقشة القضية بمعايير الاستحسان والاستصلاح ولا بمنطق السياسة المعاصرة ومصالح الأمة والقومية. أما الاعتراض الحماسي الوحيد فقد انطلق من شبه القارة الهندية وصداها غير المباشر في المناطق الإيرانية التقليدية. لكنها لم تحصل مع ذلك على تأييد "منطقي". ففي الوقت الذي أيد بعض مفكري الشيعة مثل سيد أمير على وأغا خان الإسماعيلي ضرورة بقاء الخلافة، فإن محمد إقبال سار في منطق ما اسماه "بحقائق التجربة القاسية"، أي حقائق التجربة الواقعية للاتاتوركية وحسها السياسي الدنيوي. وقد أدى هذا الإحساس في نهاية المطاف إلى رمي الهيكل المتهاوي للخلافة (العثمانية) تحت ثقل الجهود المرهقة لتركية الاتحاد والترقي القومية المتشددة ونتائج الحرب العالمية الأولى. وبغض النظر عن "التبريرات" التي حاول أتاتورك تلطيف رد الفعل الممكن تجاه انهيار الرمز الثقافي الديني للكيان السياسي الإسلامي القائم آنذاك، إلا انه كان يدرك خواءها التاريخي وغلافها المعيق للفعل السياسي المستقل. لاسيما وانه فعل كان يفترضه منطق الدولة الدنيوية المعاصرة[8]. لهذا استجاب إلغاء الخلافة في نفسية القوميين العرب ونظراتهم السياسية لما كان يعتمل في قلوبهم ويمثل مشاريع الرؤية المستقبلية للتحرر، ومن ثم رمي مختلف أشكال ومظاهر ورموز الزيف السياسي ومصطنعاته التقليدية. ومع ذلك اصطنع هذا الإلغاء ورمي الخلافة فرصة الاستعادة "الحرة" لربط الخلافة والعروبة بأحد بدائل النظام السياسي والدولة الممكنين، كما هو جلي في محاولات خديوية مصر استغلالها آنذاك[9].(يتبع...).

 

ا. د. مبثم الجنابي

...........................

[1] الأفغاني: الأعمال المجهولة، لندن، دار الساقي، 1987، ص95-97.

[2] المصدر السابق، ص90.

[3] المصدر السابق، ص63.

[4] المصدر السابق، ص64.

[5] المصدر السابق، ص65.

[6] المصدر السابق، ص65-70.

[7] المصدر السابق، ص80.

[8] كان إلغاء الخلافة نتيجة متضمنة في قرار المجلس الوطني الأعلى في تركيا والقاضي بفصل السلطنة عن الخلافة عام 1922 وتحويل السلطنة إلى جمهورية. كما جرى تضمين ذلك في دستور عام 1921 ، وبالأخص في المادة التي تقول، (أن الشعب هو مصدر السلطات وانه هو الذي يملك أموره ومقدراته بيديه. وبالتالي هو الوحيد الذي يمتلك الحق في حكم نفسه بنفسه بلا قيد أو شرط). لهذا كان خلع السلطان وحيد الدين وتعيين ابن أخيه عبد المجيد خليفة للمسلمين فعل أقرب إلى دجل السياسة. من هنا عدم قدرته على البقاء فترة طويلة في ظل واقع تركيا المحاصرة بنتائج الحرب العالمية الأولى وانتصار الثورة البلشفية في روسيا.

[9] وهو المظهر "التاريخي" الذي أعطى لأراء على عبد الرزاق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) موقعه ومضمونه المباشر في لعبة السياسة المحترفة ومحاولاتها استعادة توظيف الهزائم والعجز الذاتي بما يخدم ترميم قوة السلطة. لكن إذا كانت هذه المحاولة السياسية لاستعادة "الربط الحر" بين الرموز التاريخية للسيادة العربية وتطابقها الروحي مع "الأنا" الثقافية، جزء من المساعي المحترفة للسلطة التقليدية، فإن الصيغة العميقة أو الوجه الآخر لهذه المحاولة قد جرى في الجهاد التاريخي للإصلاحية الإسلامية واجتهادها "المتحدى" لانهيار الخلافة، كما هو جلي في ظاهرة "الانحراف" السلفي لمدرسة محمد عبده.

***

 

عامر عبدزيد الوائليمقدمة: البحث في موضوعة التربية عامة ومنها التربيّة السياسيّة خاصة، من الموضوعات القديمة في الحضارة الإنسانيّة، إلا أنها تختلف في المرجعيات والغايات المنشودة، والتي تتوافق مع تلك طبيعة الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي:

قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون)(1)

وقال رسول الله ص: (اعمل بفرائض الله تكن من أتقى الناس، وارض بقسم الله تكن من أغنى الناس، وكف عن محارم الله تكن أروع الناس، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمنا، وأحسن مصاحبة من صاحبك تكن مسلما).(2)

وبالإسناد الأول عن علي بن مهزيار، عن فضالة، عن إسماعيل، عن أبي عبد الله (ع) قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول (نبه بالتفكير قلبك، وجاف عن النوم جنبك، واتق الله ربك)(3)

إما من حيث اللغة فالتربية مأخوذة من ربى ولده، والصبي يربه، رباه أي أحسن القيام عليه حتى أدرك .(4) وقد ذكرها ابن منظور في لسان العرب إذ قال:(رَبا الشئَ يَربو رَبْواً ورِباءً بمعنى: زاد ونما، وأربَيْته: بمعنى نَمَّيْته، وفي التنزيل العزيز (ويُربي الصدقات) ومنه أخذ الربا الحرام).،(5) أي انه نمو وزيادة وترقيَة، وهي يربي الصدقات، أي هي في كل هذا ارتقاء الجيل الجديد وهذا ما يظهر في معنى التربية أيضا في اللغة وهي مأخوذة من (ربّى ولده، والصبي يربه، رباه أي أحسن القيام عليه حتى أدرك). (6) أي ارتقى به من حيث التربيَة والتوجيه مما يجعل منه قادر على ما يعجز عنه غيره دونه في التربيّة والاستعداد، وهو ما تحيل إليه اللغة أيضا (رَبَّ، يُرَبِّ الوَلَدَ، بمعنى تعهده وربّاهُ وأدّبَهُ). (7)، وبذلك تكون معاني التربية في اللغة: الزيادة والنمو والنشوء والترعرع والإصلاح والرعايّة والسياسة وتولي الأمر .

أمّا في الاصطلاح نجد أن أفلاطون (347-427ق.م)، ينظر لها بوصفها(هي إعطاء الجسم والروح كل ما يمكن من الجمال، وكل ما يمكن من الكمال) (8) وهي عند أرسطو (384-322ق.م) (الغرض من التربيّة هو أن يستطيع الفرد عمل كل ما هو مفيد وضروري في الحرب والسلم، وإن يقوم بما هو نبيل وخير من الأعمال ليصل إلى حالة السعادة)(9) و التأمل في هذين التعريفين نجدها تركز على التأمل في ما يجب إن يكون عليه السلوك مما يجعل من التربيَة تهدف إلى منح الجسم و الروح: جمال وكمال و نبل، مما يجعل من الفرد مفيد في الحرب والسلم من أجل تحقيق السعادة وهي هدف التأمل الفلسفي .(10)

وقد جمع الغزّالي إلى جانب العقل الدين فقال في التربيَة هي (تشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك، ويخرج النباتات الأجنبيّة من بين الزرع، ليحسن نباته ويكمل ريعه). (11)

فالتربيَة حاضرة في فكر الإمام،عن عامر الشعبي، قال: (تكلّم أمير المؤمنين علي (ع)، بتسع كلمات ارتجلهن ارتجالاً، فقأن عيون البلاغة، و أيتمن جواهر الحكمة، وقطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهن، ثلاث منها في المناجاة، وثلاثة منها في الحكمة، وثلاثة منها في الأدب).(12)، وقد حاولنا إن نعرض لها، في هذا المقال، إذ نحاول النظر في مفهوم التربيَة عند الإمام ثم التربية السياسيّة من خلال نماذج من عهد الإمام (ع) إلى الصحابي الجليل مالك الاشتر النخعي . (13)

التربيّة لدى الإمام علي (ع)

وما يهمنا هنا في تعريف التربيَة هو ما أراده الإمام أمير المؤمنين في كلماته والتي تفسر حقيقة مفهوم التربيَة من وجهة نظر إسلاميّة دينيّة. فالإمام يرى أن الإنسان هو غايَة الوجود والهدف من خلقته هو الوصول إلى الكمال النهائي الذي أراده الله تعالى له، وجعله خليفته في أرضه، ولكي يصل إلى كماله يجب عليه الالتزام في أقواله وأفعاله ومقاصده، على وفق أحكام الله وهداه كما قال الله تعالى لأبينا آدم عند هبوطه من الجنة(قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). (14)

فالتربية القرآنيّة التي تشير إلى آدم عليه السلام هي تربط و توجب الطاعة، تلك الطاعة التي تجمع إليها أيضاً الدراية والمعرفة، يقول النبي صلى الله عليه واله وسلم:(هلاك أمتي في شيئين: ترك العلم وجمع المال)(15)

كما يقول الإمام عليه السلام:(العلم مقرون بالعمل، فمن علم عمل)،(16) فليس المهم من وجهة نظر القرآن الكريم وكلمات الإمام (ع) كثرة العلوم النظريّة؛ لأنها لا تغني عن السلوك الحسن والسيرة الخيّرة، إلى جانب إن الغايّة الإلهيّة تتطلب إن يكون الإنسان يجمع بين النظر والعمل معاً .

ودور الإمام الجمع بين المطلق الله والنسبي الإنسان في الوصل والشفاعة والتربيَة والإعداد أيضا . إذ يبقى الأساس يتجلى في ما يقوله الإمام (ع):(لا تجعلوا علمكم جهلاً ويقينكم شكاً، إذا علمتم فاعملوا وإذا تيقنتم فأقدموا). (17) بالتوجيه والإرشاد للإمام مثلما هو للأفراد هو بالضرورة للجماعة كفضاء لها من أجل تغيير واقعهِ من حال إلى أخر.

 فالتربيَة اجتماعيّة ؛ لكونها تعد صورة لحياة المجتمع الذي تعيش في إطاره , تعكس فكره الاجتماعي وتشير إلى مدى نموه وتطوره وتحدد درجة تطلعه وطموحه وألوان النشاط المتعددة والأوجه التي يمارسها أفراده .

فالتربيّة الإسلاميّة كما يعبر عنها الإمام (ع) هي عمليّة تهدف بالضرورة إلى إحداث تغيير بالسلوك ينقل سلوك المربى من حالة إلى حالة من المرجو أن يكون بها عبر ترسيخ سلوكيّات أخلاقيّة مرغوب بها محل أخرى غير مرغوب بها ؛ لكونها تتعارض مع المرجعيّات والأطر الاجتماعيّة والثقافيّة الاسلاميّة، لهذا قيل عن التربيَة هي مؤثرات تنشد لتحقيق تغييرات في ميول وعادات وقيم من أجل أن يكتسب الأفراد سمات متفق عليها مع المرجعيّات الدينيّة أو الفلسفيّة أو الاجتماعيّة أو الإسلاميّة .

فهذه المرجعيات على تنوعها ؛فهي الأساس الذي يستقى منها المنهاج أو الطريق الذي ينشده المربي سواء كان فرداً أم مؤسسةً لمرجع ديني أو سياسي أو اجتماعي أو تربوي يريد أن ينقل فرداً أو مجموعةً من حالة إلى أخرى أي بعد إكسابهم سمات للشخصيّة المتفق عليها التي تزودت بالخصائص التربويّة.وفي قول الإمام علي(ع): (إبذل لأخيك دمك ومالك، ولعدوك عدلك و إنصافك، وللعامة بشرك و إحسانك) (18) فهذه المقولة تعبر عن مجموعة من المعايير التربويّة التي يتحتم تواجدها في صياغة وإعداد سلوك المسلم في تعامله مع غيره .

والإمام نفسه كان وليد هذه المنظومة الربانيّة، إذ أورد الداعيًة الإسماعيلي النعمان بن حيون (263هـ) فى كتابه المسمى شرح الأخبار في فضل الأئمة الأخيار حديثا قال إن الطبري رواه عن عمار بن ياسر وفيه يقول النبي محمد (ص) مخاطباً الإمام علي (ع): (يا علي إن الله زينك بزينة لم يزين أحداً من العباد يزينه أحب إليه منها وهي زينة الأبرار عند الله، الزهد في الدنيا، ووهب لك حب المساكين فجعلك ترضاهم أتباعاً ويرضون بك إماماً).(19)

فهذا النهج التربوي القرآني ،يحاول تربية مجموعات من البشر وإعدادها على غرار تلك الأطر التربويّة العاملة على ترسيخ قواعد الأخلاق والمثل العليا بين مكوناته وأفراده، وغايتها النهوض بالمجتمع المستهدف، عن طريق تهذيب الفرد وتنمية قواه ومواهبه من خلال خبرات ومعارف تشكلها سلطة ثقافيّة ومعنويّة لديه .

التربيَة السياسيّة لدى الإمام علي (ع):

الحديث في مجال التربيّة السياسيّة نجد أنموذجين كان لهما تقدير لدى الإمام هما (مالك الاشتر، ومحمد بن أبي بكر) وهناك عهدان الأول إلى الاشتر والثاني إلى ابن أبي بكر وفيهما نماذج راقية من القيم الخلقيّة في التربية السياسيّة، إلى جانب مجموعة من الرسائل ؛ لكن يبقى عهد الإمام إلى مالك أنموذجاً رفيعاً على التربيّة السياسيّة للإمام وقد قال الإمام في مالك: (وأنا قابل من رأيك ما كان لله رضي، وأنت من آمن أصحابي، وأوثقهم في نفسي، وأنصحهم وأراهم عندي)(20). ثم قال: (لقد كان لي كما كنت لرسول الله)(21)، وبعد انتخابه لولايَة مصر وصفه بهذا السياق: (أمّا بعد، فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله، لا ينام أيّام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الرّوع، أشدّ على الفجّار من حريق النّار، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج، فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحقّ، فإنّه سيف من سيوف الله لا كليل الظّبة، ولا نابي الضّريبة: فإن أمركم أن تنفروا فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، فإنّه لا يقدم ولا يحجم، ولا يؤخّر ولا يقدّم إلاّ عن أمري ؛ وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم، وشدّة شكيمته على عدوّكم).(22)

لما وصل إلى أمير المؤمنين وفاة الأشتر جعل يتلهّف ويتأسّف عليه، ويقول(ع): (لله درّ مالك، لو كان من جبلٍ لكان أعظم أركانه، ولو كان من حجرٍ كان صلداً، أما والله ليهدّنّ موتك، فعلى مثلك فلتبكِ البوا كي، ثم قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين، إنّي أحتسبه عندك، فإنّ موته من مصائب الدهر، فرحم الله مالكاً قد وفي بعهده، وقضى نحبه، ولقي ربه، مع أنّا قد وطنّا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبةٍ بعد مصابنا برسول الله (ص) فإنها أعظم المصيبة).(23)

وقال الإمام علي عليه السلام إلى مالك في العهد:(ثمّ اعلم يا مالك ! إنّي قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم، وإنّما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألســن عباده، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك، وشح بنفسك عمّا لا يحل لك، فإنّ الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت).

في هذا المقطع من عهد الإمام إلى أحد الأمراء ويرشده إلى ضرورة التفكر في حال الناس وهم قد مر بهم حكام سابقون لكل منهم سيرته، التي عرفها الناس فهناك سيرة عمر ابن العاص وما عرف به من سلوك وهناك غيره من الصالحين، لكل واحد من هؤلاء وغيرهم سيرة عرفها الناس وعلى أساسها أصدروا أحكامهم عليهم .

فالإمام عندما يقول (وأن الناس ينظرون من أمورك) حتى يعرفوا طبيعة هذا الأمر هل هو عدل أم جور، فالإمام يحض على التفكير والتأمل في أحوال الأمة وآثار السياسات في سلوك الناس وحياتهم؛ فالتفكر سمة من سمات التربية العلويّة فقد عرف (ع)انه من المفكرين الأوائل الذين أدركوا أهميّة التفكير عند الإنسان فأشاد بالعقل ودعا إلى تنميته بالفكر؛ لأن الفكر جلاء للعقول، كما أنه يفيد الهداية والرشد واليقظة والاستبصار، ويعصم عن الضلال والشك. وكثيرة هي العبارات التي صدرت عنه بخصوص هذا الأمر إذ يقول (ع): (الفكر يهديو(الفكر عبادة)، و(الرأي بالفكر) و(الفكر رشد) و(الفكر ينير القلب).(24) إذ يجد في التفكير القدرة على كشف الحقائق وتخليص العقل من الأوهام والأساطير، كما وأنه يرى فيه الهداية والرشد والرأي السديد ليس ذلك فحسب، بل أن العلم الحاصل عن التفكير هو من أشرف العلوم وأكثرها ثباتاً ودقة، وذلك بالقياس إلى ما ندّعي امتلاكه بالحفظ والتلقين من دون وعي ودرايّة.

ويقول عليه السلام في العهد إلى مالك الاشتر (وأشعر قلبك الرحمة للرعيّة، والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنّك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك ! وقد استكفاك أمرهم، وابتلاك بهم).(25)

(الرحمة، المحبة، اللطف، المساواة، العفو، الصفح)، سمات الحاكم العادل الذي يمتلك التقوى .هذه السمات الإسلاميّة الحقة التي تجلت في النبي صل الله عليه وعلى اله وسلم، والإمام علي عليه السلام .التي تقوم على تقويّة قوى الخير في نفس الإنسان، فالإنسان يحوي شيء من الضعف كما وصفه الإمام عليه السلام، بقوله: (تؤلمه البقة، وتقتله الشرقة، وتنتنه العرقة).،(26) فحالة الضعف هذا تحتاج منه إن يتجاوز حالة الضعف عبر النظر والتأمل والطاعة، والتقوى، ففي أعماق نفسه تتصارع قوى الخير والشر فهو يجمع إلى جانب العواطف والأهواء والغرائز العقل والفطرة، وحياته تعتورها حالات متضادة نتيجة للصراع بين قواه العقليّة والعاطفيّة، فيمكن إن يرتفع إلى كماله اللائق به إذا ما جعل من عقله القائد والمدير والمدبر لسلوكه وإعماله، يقول الامام علي (ع): (العقل صاحب جيش الرحمان، والهوى قائد جيش الشيطان، والنفس متجاذبة بينهما فأيهما غلب كانت في حيزه) .(27)

وقول الإمام (ع) في العهد (فاخفض لهم جناحك، وألن لهم جانبك، وأبسط لهم وجهك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة، حتّى لا يطمع العظماء في حيفك لهم، ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم، فإنّ الله تعالى يسائلكم معشر عباده عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة، والظاهرة والمستورة، فإن يعذّب فأنتم أظلم، وإن يعف فهو أكرم).(28)

وقول الإمام عليه السلام في العهد لمالك: (ولا تنصبن نفسك لحرب الله، فإنّه لا يد لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته، ولا تندمن على عفو، ولا تبجحن بعقوبة، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت منها مندوحة، ولا تقولن: إنّي مؤمر آمر فأطاع، فإنّ ذلك إدغال في القلب، ومنهكة للدين، وتقرّب من‏ الغير، وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة أو مخيلة، فانظر إلى عظم ملك الله فوقك، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإنّ ذلك يطامن إليك من طماحك، ويكف عنك من غربك، ويفي‏ء إليك بما عزب عنك من عقلك . إيّاك ومساماة الله في عظمته، والتشــبه به في جبروته، فإنّ الله يذل كل جبّار، ويهين كل مختال)(29)

التذكير بعظمة الله وجبروته وانتقامه من الظالم فالمؤمن من يتقي الله،والتقوى تأتي من تجاوز حالة الضعف والظلم صوب التوازن بين العقل والقلب ليكون الإنسان الكامل واعطاء كل منهما حقه في الكمال وقد أشار أمير المؤمنين الى هذه المزية التربويّة فقال (ع): (لقد علق بنياط هذا الإنسان بضعة هي أعجب ما فيه، وهو القلب، وذلك أن له مواد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعده الرضا نسي التحفظ وإن غاله الخوف شغله الحذر، وإن اتّسع له الأمر استلبته الغرّة، وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته الفاقة شغله البلاء، وإن جهده الجوع قعدت به الضعة، وإن أفرط به الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد). (30)

والنجاة تكمن فى " ذكر الله تعالى" وهي واحدةٌ من الخصال التربويّة في منهج الإمام التربوي وأصلها في القرآن الكريم (إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)(31)

وقال تعالى أيضاً: (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي)(32)، قال الإمام علي (ع) في أهميّة الذكر:(إن الله تعالى جعل الذكر جلاءً للقلوب، وتسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد العشوة، وتنقاد به المعاندة. وما برح لله في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات: رجال ناجاهم في فكرهم، وكلمهم في ذات عقولهم)،(33).

وقال الامام (ع) من عهده الى محمّد بن أبي بكر(واعلم ـ يامحمّد بن أبي بكر ـ ... وأن تنافح عن دينك، ولو لم يكن لك إلاّ ساعة من الدهر، ولا تسخط الله برضى أحد من خلقه، فإنّ في الله خلفاً من غيره، وليس من الله خلف في غيره،صلّ الصلاة لوقتها المؤقّت لها، ولا تعجّل وقتها لفراغ، ولا تؤخّرها عن وقتها لاشتغال.واعلم أنّ كل شيء من عملك تبع لصلاتك).(34)

نلاحظ الجمع بين خصال مخالفة النفس، التنافح عن الدين، تجنب سخط الله، الالتزام بالصلاة فهي الأصل في كل عمل، مقاربة تجمع بين الصلاة ؛كونها رباط معنوي ورمزي كلما زاد عمق صلح حال المؤمن واستقامة إعمال وصلحت وسيطر على نفسه وساس الناس بالعدل الذي فيه مرضات لله وتجنب لسخطه .وهو ذاته ما يؤيده وقول الإمام عليه السلام: (أنصف الله وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصّة أهلك، ومن لك فيه هوىً من رعيتك، فإنّك إلا تفعل تظلم ! ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجّته، وكان لله حرباً حتّى ينزع أو يتوب .وبالتالي يمكن يكون (الدِّينُ يَعْصِمُ، أي انّ رعايّة الدين والاهتمام باُموره يعصمان المرء من الحسرة والندم في يوم الجزاء، وهذا ظاهر، كما يعصمانه من الذلّة والهوان في الدنيا، لأنّ المتديّن عزيز ومحترم عند الخلائق، وإذا لحق الإنسان ـ في سبيل الدين ـ أذىً فإنّه لن يُسقطه من أعين الناس، بل يزيد في علوّ قدره وسموّ مرتبته لدى مَن يبصر حقائق الاُمور).(35)، بالمقابل فان الظلم والفساد يجلب غضب الباري عز واجل وهذا ما يصوره الإمام في عهده إلى مالك (وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإنّ الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد .

وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعهــا لرضا الرعيّة، فإنّ سخط العامّة يجحف برضا الخاصّة، وإنّ سخط الخاصّة يغتفر مع رضا العامّة).(36)

هذا المقطع يركز على " الإنصاف " للناس من قبل الحاكم: من نفسه، ومن خاصة أهله، والحواشي، فان هذا جلب الظلم والخصم فيه الله، إذا الإمام يدعو إلى إنصاف الله وتقوى الله، وهذا يتحقق للحاكم إذ زكى نفسه، كما قال الله تعالى في محكم كتابه: (قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها). (37)، فيقول (ع)في وصيّة إلى شريح بن هانئ(38): (واعلم أنك لم تردع نفسك عن كثير ممّا تحب مخافة مكروه، سمَت بك الأهواء إلى كثير من الضرر فكن لنفسك مانعاً رادعاً، ولنزواتك عند الحفيظة واقماً قامعاً).(39)

وبالمقابل وصف أهل السوء وحكام الجور يقول الإمام في الرد على رسالة ابن أبي بكر يطلب النجدة:(وقد قرأت كتاب الفاجر ابن الفاجر معاويّة والفاجر ابن الكافر عمرو، المتحابّين في عمل المعصيّة والمتوافقين المرتشيين في الحكومة، المنكرين في الدنيا، قد استمتعوا بخلّاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلّاقهم، فلا يهلك إرعادهما وإبراقهما، وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله، فإنّك تجد مقالاً ما شئت . والسلام).(40)

وقال الإمام (ع) من عهده إلى مالك: (وليكن أبعد رعيتك منك، وأشنأهم عندك، أطلبهم لمعائب الناس، فإنّ في الناس عيوباً، الوالي أحق من سترها، فلا تكشفن عمّا غاب عنك منها، فإنّما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك).(41)

هذا المقطع يحذر الحاكم من أهل النميمة الوشاة وأهل الكذب فأنها أفعال غير محمودة،وبالمقابل الدعوة إلى التقوى إذ يقول الإمام (ع): (إن تقوى الله حمت أولياء الله محارمه، وألزمت قلوبهم مخافته، حتى أسهرت لياليهم، وأظمأت هواجرهم)،(42)

وقال الإمام (ع) من عهده إلى مالك: (ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزين لك الشر بالجور، فإنّ البخل والجبن والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظن بالله().(43)

فى هذا المقطع اختيار عميق لمن تشاور في أمور الناس وهي قاعدة نفسيّة تقوم على معرفة عميقة بسلوك من تختاره أن يكون مستشاراً ويقدم لك الخبرة والنصيحة من أهل الرأي والخبرة ؛فالتحليل النفسي لهؤلاء يجعلك قادراً على معرفة عمق مشورتهم إذا ما استبعدت منها الصفات السلبيّة السابقة .

وبعد التأكيد على استبعاد الوزراء وبطانتهم من أهل الآثام يقول الإمام (ع) في عهده إلى مالك:(وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم وآثامهم، ممّن لم يعاون ظالماً على ظلمه، ولا آثماً على إثمه، أولئك أخف عليك مؤونة، وأحسن لك معونة، وأحنى عليك عطفاً، وأقل لغيرك إلفاً، فاتخذ أولئك خاصّة لخلواتك وحفلاتك، ثمّ ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك، وأقلّهم مساعدة فيما يكون منك ممّا كره الله لأوليائه، واقعاً ذلك من هواك حيث وقع).(44)

بعد الفرز والتدقيق يتم اختيار أهل الرأي والخبرة والشر،الأساس أن لا يكونوا من أهل الجور والآثام بل من أهل العدل والإنصاف .

وبعد التأكيد على استبعاد المدح والإطراء ؛لأنّه إشارة سلبيّة في نفس من يحكم يقول الإمام في عهده إلى مالك: (ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإنّ في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة ! وألزم كلاّ منهم ما ألزم نفسه).(45) وهذا النص مهم فالحاكم العادل من لا يساوي بين من سلوكهم مختلف بين أهل الإحسان وأهل الإساءة، حتى لا يشعر أهل الإحسان إنهم في خسارة بانتهاجهم هذا الطريق الصالح ويشعرون انه غير مقيم ولا مذكور بعين الحاكم فيكفون عنه وتلك خسارة كبيرة، تجعل أهل السوء يزدادون تمادياً بأفعالهم القبيحة ؛ لأنهم لم يجدوا ردعاً لها .

يؤكد الإمام في عهده إلى مالك على صفة محمودة تجمع حسن الظن بالناس والعدل في معاملتهم فيقول: (فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فإنّ حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً، وإن أحق من حسن ظنّك به لمن حسن بلاؤك عنده، وإن أحق من ساء ظنّك به لمن ساء بلاؤك عنده (46).

الإمام في عهده إلى مالك يقر قواعد هي:

1- (لا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمّة، واجتمعت بها الألفة، وصلحت عليها الرعيّة، ولا تحدثن سنّة تضر بشيء من ماضي تلك السنن، فيكون الأجر لمن سنّها، والوزر عليك بما نقضت منه(47).

(أكثر مدارسة العلماء، ومناقشة الحكماء، في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك)(48) .

 ثم نجد الإمام يقدم توجيهاً يراعي فيه إدارة طبقات المجتمع فهو يراعي هنا الادارة وأخلاقيات التعامل مع كل طبقة بقوله:(إعلم أنّ الرعيّة طبقات، لا يصلح بعضها إلاّ ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض: فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامّة والخاصّة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمّال الإنصاف والرفق، ومنها أهل الجزيَة والخراج من أهل الذمّة ومسلمة الناس، ومنها التجّار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، وكل قد سمى الله له سهمه، ووضع على حدّه فريضة في كتابه أو سنّة نبيه (ص) عهداً منه عندنا محفوظاً (49) ثم يفصّل ما يجب أن يتم مراعاته الى كل مجموعة:

فالجنود، بإذن الله، حصون الرعيّة، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعيّة إلاّ بهم .

ثم لا قوام للجنود إلاّ بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدّوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم .

ثمّ لا قوام لهذين الصنفين إلاّ بالصنف الثالث من القضاة والعمّال والكتّاب، لما يحكمون من المعاقد، ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها .

ولا قوام لهم جميعاً إلاّ بالتجّار وذوي الصناعات، فيما يجتمعون عليه من مرافقهم، ويقيمونه من أسواقهم، ويكفونهم من الترفق بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم .

ثمّ الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم، وفي الله لكل سعة، ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه.

يؤكد الإمام في عهده إلى مالك على أخلاقيّة الحاكم مع المحكوم: (ثمّ تفقّد من أمورهم ما يتفقّد الوالدان من ولدهما، ولا يتفاقمن في نفسك شيء قويتهم به، ولا تحقرن لطفاً تعاهدتهم به وإن قل، فإنّه داعيّة لهم إلى بذل النصيحة لك، وحسن الظن بك، ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالاً على جسيمها، فإنّ لليسير من لطفك موضعاً ينتفعون به، وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه).(50)

الراعي الصالح علاقته بشعبه كعلاقة الوالدين مع أولادهم هي علاقة تقوم على العطف والمحبّة والتقوى .

ثم يذكر الإمام في عهده إلى مالك آليّات الحاكم في استنهاض الناس ودفعهم إلى المكارم (إنّه لا تظهر مودّتهم إلاّ بسلامة صدورهم، ولا تصح نصيحتهم إلاّ بحيطتهم على ولاة الأمور، وقلّة استثقال دولهم، وترك استبطاء انقطاع مدّتهم، فافسح في آمالهم، وواصل في حسن الثناء عليهم، وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم، فإنّ كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع، وتحرض الناكل، إن شاء الله ...، مع حسن الثناء في العباد، وجميل الأثر في البلاد، وتمــام النعمة، وتضعيف الكرامـــة)(51)

ومن أخلاق هؤلاء القادة بحق مربيهم وقائدهم الإمام علي (ع) إذ جاء فيرسالة محمّد بن أبي بكر إلى معاويّة: (والشاهد لعلي مع فضله المبين وسابقته القديمة أنصاره الذين معه الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن ففضّلهم وأثنى عليهم من المهاجرين والأنصار، فهم معه كتائب وعصائب، يجالدون حوله بأسيافهم، ويريقون دماءهم دونه، يرون الحقّ في اتّباعه والشقاق والعصيان في خلافه، فكيف ـ يالك الويل ـ تعدل نفسك بعلي، وهو وارث رسول الله (ص) ووصيّه وأبو ولده، وأوّل الناس له اتّباعاً، وأقربهم به عهداً، يخبره بسرّه، ويطلعه على أمره، وأنت عدوّه وابن عدوّه. فتمتّع في دنياك ما استطعت بباطلك، وليمددك ابن العاص في غوايتك، فكأنّ أجلك قد انقضى، وكيدك قد وهى، وسوف يستبين لك لمن تكون العاقبة العليا، واعلم أنّك إنّما تكايد ربّك الذي قد أمنت كيده، وأيست من روحه، وهو لك بالمرصاد وأنت منه في غرور والسلام على من اتّبع الهدى ..).

في هذه الرسالة يظهر اثر التربيّة العلويّة وتظهر، أيضا ذات القواعد التربويّة التي أكد عليها الإمام في عهدة إلى مالك الاشتر نلمسها أيضا في رسالة الإمام عليه السلام إلى محمّد بن أبي بكر: (فأصحِر لعدوّك، وشمّر للحرب، وادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وأكثِر ذكر الله والاستعانة به والخوف منه يكفِك ما أهمّك، ويُعِنك على ما ولاّك، أعاننا الله وإيّاك على ما لا ينال إلاّ برحمته . والسلام). (52)

بعد هذا العرض لما سبق من نصوص إن الإمام يبقى هو المعين للتربيّة لما يتمتع به من كمال وعصمة وهذا ما يؤكده العلامة الحلي في عرضه إلى وظيفة الإمام، فيذكر قوله تعالى:

(والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون)(53)

(وجه الاستدلال إن الله سبحانه وتعالى نصّب الإمام لحمل الناس على المرتبة فلا بد وان تكون فيه والصالحات جمع محلى باللام فيفيد العموم فالإيمان وعمل الصالحات يشتمل على ترك المعاصي ؛ لأنه حكم بأنهم أصحاب الجنة المستحقون لها فلا يتم إلا بترك المعاصي فالإمام معصوم وهو المطلوب)(54)

الخاتمة

وبهذا ونتيجة تلك الغايات التي هي مطلب تشترك به المجتمعات على تنوعاتها الاجتماعيّة والثقافيّة فهي تجد بالتربية ضرورة اجتماعيّة إذ لا يستطيع الفرد والمجتمع أن يستغني عنها وكلما ارتقى الإنسان في سلم الحضارة ازدادت حاجته إلى التربيَة الهادفة إلى إخراج تلك الحاجة عن حد الكماليّات إلى حد الضروريّات ، ومنها التربيّة السياسية هي تنميّة الخبرة المعرفيّة والسلوكيّة، وعلى مزاولة شؤون السياسة وما ينتج عنها، وإدراك الآليّات التي يمكن لهم من خلالها إدارة شؤون المجتمع.

ولنا في السفر التربوي لدى الإمام (ع) رأسمال معنوي كبير قابل للقراءة والاستثمار في التربيّة وصناعة القادة وتعميق أخلاقيات التقوى ومحاربة الفساد وترصين مناهجنا بما يجعل من الإصلاح منهج رصين وضروري في نهضة المجتمع .

النجف الأشرف 9من محرم الحرام، المصادف 19/9/ 2018م

 

أ. د.عامر عبد زيد الوائلي

.....................

(1) سورة الأعراف، أيّة 42.

(2) الشيخ المفيد، أمالي المفيد، مؤسسة المراقد المقدسة العالميّة، ط1، النجف الأشرف، 2012 م، ص 231.

(3) المرجع نفسه، ص 123.

(4) باقر شريف القرشي، النظام التربوي في الإسلام، ص41، عن تاج العروس، ج1، ص261.

(5) لسان العرب، ابن منظور ج ١٤، ص ٣٠٤.

(6) تاج العروس، الزبيدي، ج١، ص٢٦١.

(7) جبران مسعود، الرائد معجم لغوي عصري، دار العلم للملايين، ج 7،ط1،(د. ت)، ص ٧١٢.

(8) سليمان، كامل والعبد الله، علي: التربيّة، مطبعة صادر، بيروت، 1965م، ص176-177.

(9) المصدر نفسه، ص176-177.

(10) المصدر نفسه، ص١٧٦-١٧٧.

(11) الغزّالي، رسالة أيها الوالد، ترجمة توفيق الصباغ، ص٣٧.

(12) محمد حسين علي الصغير، نوادر وطرائف، دار روافد، ط1، بيروت، 2018م، ص7.

(13) مالك بن الحارث الأشتر النخعي زعيم قبيلة وقائد عسكري شارك في فُتوح الشام وكان من أصحاب علي بن أبي طالبحيث شهد معه الجَمَلوصفيناللتان أبدى فيهما شجاعة مفرطة وشهد مع علي مشاهده كلها، وولاه علي على مصر.

(14) سورة البقرة: (٣٨- ٣٩).

(15) محمد حسين علي الصغير، نوادر وطرائف، ص9.

(16) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد ابراهيم ، ط1،2007م، ج١٩، ص٢٨٤.

(17) المصدر السابق، ج١٩، ص١٦٤.

(18) محمد حسين علي الصغير، نوادر وطرائف، ص8.

(19) هادي العلوي، فصول من تاريخ الإسلام السياسي، مركز الأبحاث و الدراسات الاشتراكيّة في العالم العربي،ط2، نيقوسيا،1999م، ص73، وينظر: الكتاب من مخطوطة مكتبة الأوقاف، ببغداد، تحت رقم 6596-39ب.

(20) الغارات (تحقيق السيد جلال الدين الحسيني المعروف بـ المحدّث) - أبي اسحق إبراهيم بن محمد الثقفي – مجلدين 1/73.

(21) العلامة الحلي، خلاصة الأقوال، تحقيق: الشيخ جواد القيومي، ط1، سنة الطبع: عيد الغدير ١٤١٧م، ص277.

(22) الامام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، جمعه الشريف الرضي، تحقيق، الشيخ محمّد عبده، مؤسسة المختار، القاهرة،2006م، 3: 63.

(23) http://arabic.al-shia.org/مالك-الأشتر-النخعي رضي-الله-عنه۱ انظر: مجالس المفيد ص58

(24) جميع هذه الأقوال أخذت من كتاب (الغرر والدرر) للآمدي، ص43.

(25)الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، 53-من عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعي رحمه الله، جمعه الشريف الرضي، تقديم وشرح الشيخ محمد عبده، مؤسسة المختار للنشر وللتوزيع، ط1، القاهرة، 2006، ص500.

(26) ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج٢٠، ص٢٦٠.

(27) الري شهري: ميزان الحكمة، ج ٦ ص ٤٠٥.

(28) الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، 53-من عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعي رحمه الله،ص500

(29) نفس المصدر، ص 500

(30) المصدر السابق، ج١٨، ص٢٧١.

(31) سورة العنكبوت: ٤٥.

(32) سورة طه: ١٤.

(33) شرح النهج لابن أبي الحديد، ج١١، الخطبة ٢١٧، ص١٧٦.

(34) كان محمّد بن أبي بكر ربيباً لأمير المؤمنين تربّى في حضنه واستلهم مبادئه وأفكاره واهتدى بهديه فكان أنموذجاً حسناً من رجال المسلمين وكان الناس يعجبون لهذا الرجل الذي ترك أباه وحزبه القرشي وتولّى محمّداً وآل محمّد بعيداً عن العصبيّة القبليّة والأهواء الدنيويّة . وبعد ما نكب الإمام (ع) بشهادة أخيه وعضده مالك الأشتر أبقى ابن أبي بكر على ولايّة مصر وهو من ألمع الرجال في فضله وتقواه، ومن أكثرهم حبّاً وولاءً للإمام عليه السلام.

(35) شرح غرر الحكم ودرر الكلم للإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ترجمة وإعداد مكتبة الروضة الحيدريّة:

http://www.haydarya.com/maktaba_moktasah/07/book_59/main.htm

(36) الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، 53-من عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعي رحمه الله،ص502.

(37) المصدر السابق، ج١٧، ص١٣٨.

(38) الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، 53-من عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعي رحمه الله،ص500

(39) نهج البلاغة وصيّة رقم ٥٦.

(40) https://www.haydarya.com/maktaba_moktasah/05/book_13/6/02.htm

(41) الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، 53-من عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعي رحمه الله،ص502

(42) نهج البلاغة، الخطبة١١١.

(43) الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، 53-من عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعي رحمه الله،ص503

(44) الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، 53-من عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعي رحمه الله،ص503-504.

(45) نفس المصدر،ص 504.

(46) نفس المصدر،ص 504.

(47) (نفس المصدر، ص504.

(48) نفس المصدر، ص505.

(49) نفس المصدر، ص505.

(50) نفس المصدر، ص-506- 507 .

(51) نفس المصدر، ص507.

(52) الإمام علي بن أبي طالب البلاغة، 34- و من كتاب له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر، نهج، ص476.

(53) سورة الأعراف، أيّة 42.

(54) العلامة الحلي، كتاب الالفين، ذوى القربى،ط1، قم ، 1431،، ص 367.

 

مفهوم العدل عند الشيعة:

لقد أخطأت الشيعة حينما أعتبرت - العدل - أحد أصول الدين، حين أرتكبت مخالفة معرفية ومجازفة غير محمودة حين أعلنت عن ذلك وتمسكت به، ففي التعريف الأولي لأصول الدين نكتشف إنها موضوعة عامة، لا تتحرك وفقاً لما يعتبره الفقيه أو الكلامي، إنما ينطلق من نظرة عامة للدين بوصفه العام نظرة شمولية للحياة والكون، وفي أن ما ذهب إليه الشيعة في تعريفهم للدين وماهيته ثمة مغالطة مفهومية ومعرفية، وفي ذلك إنما ننطلق من تعريف الكتاب المجيد للدين، الذي يعطينا تعريفاً مغايراً لما هو سائد في أدب المتكلمين وأهل الفرق، فالدين عند الله وفي الكتاب المجيد هو (الإسلام)، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: - [إن الدين عند الله الإسلام ..] - آل عمران 19، ثم عرف الكتاب المجيد لنا الإسلام على إنه عبارة عن (الإيمان بالله والإيمان باليوم الأخر والعمل)، كما في قوله تعالى: - [إن الذين آمنوا والذين هادُوا والنصارى والصابئين من: (آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا)، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا يحزنون] - البقرة 62، هذا هو إذن دين الله الذي هو الإسلام، وهذه هي أصوله وقواعده ومايقوم عليها، وهذا ليس أخبارا وحسب بل وتعليلا كذلك .

الكتاب المجيد يقول: - إن أصول الدين الإسلامي المعتبرة وقواعده الثابتة هي: (التوحيد والمعاد والعمل الصالح) -، وبهذا القول ينتفي المعنى الذي ذهبت إليه الشيعة في إعتبار العدل والإمامة والنبوة من أصول الدين، كما تنتفي الأدلة التي أعتمدتها في هذا المجال لأنها لا تستقيم ولا تنسجم وهذا المعنى، يقودنا هذا للإقرار بالقول: - بإن ما ذهب إليه العلامه الحلي في هذا الباب كذلك ليس صحيحاً -، فقوله: - إن العدل أصل عظيم تقوم عليه قواعد الدين والأحكام مطلقاً - ليس صحيحاً، لأنه في ذلك يخلط بين المعنى الأصيل للعدل وبين المعنى الإشتقاقي له، والتوهم الذي قاده لذلك أساسه إفتراض ذهني ورد على النحو الأتي: - في إعتبار العدل هو الرابط أو الصلة بين التوحيد والنبوة -، وهذا الإفتراض الذهني هو إفتراض ظني لا يقوم على دليل ولا يستند إلى منطق، ذلك إن موضوعة التوحيد شيء وموضوعة النبوة شيء أخر، ولا دليل دال على أن صحة إعتبار الأول مترتبة على صحة وجود الثاني .

ثم إن هذا الإفتراض لازمه نفي صفة الدليل العقلي وإلغائه، كما إنه يستلزم من جهة أخرى أن يكون العدل شرطاً مسبقاً في صحة التوحيد والإيمان بالتوحيد، وجعل ذلك لازماً من لوازمه أو مقتضا من مقتضياته .

وإذا كان ذلك كذلك: فهل التوحيد والتصديق به دليله النقل أم العقل؟، وأيهما أسبق في الإعتبار والوجود النقل أم العقل؟، أقول: بحسب مقولات أهل المنطق يكون النقل متأخر رتبة ودرجة عن العقل في الوجود والإعتبار، وإلى ذلك وردت الإشارة من الإمام علي وهو يبين السر من بعثة الأنبياء قال: (ليثيروا للناس دفائن العقول)، فثورة العقل وردت في سياق النص للإشارة لما هو آت، ويكون العقل بهذا اللحاظ هو القادر وحده على تحريك ما في النقل ليكون ممكنا سواء بواسطة الفعل المباشر أو الفعل غير المباشر .

 وكما أن التوحيد يلزمه الدليل العقلي، كذلك تكون النبوة لازمها الدليل العقلي سواء في إثباتها أو في التصديق بها، وهذا يُظهرُ سابقية العقل على النقل، ومن هنا نفهم صحة ماذهب إليه أهل الفلسفة بقولهم: - والنبوة تحتاج في إثباتها لدليل منفصل -، وهم يعنون بذلك الدليل العقلي .

 نعم يكون الدليل العقلي بمثابة الأرضية التي من خلالها يتم القبول أو التصديق أو الرفض، ولا يعني هذا إن إلتزامنا بالدليل العقلي ينفي الحاجة للأدلة المضافة، بل على العكس فكل دليل تال يكون بمثابة وسيلة إيضاح، وهذا القيد التوضيحي أتينا به في حضرة البعثة النبوية لخاتم الأنبياء محمد، والتي أنتفت معها الحاجة إلى المعجزة الحسية أو التجربة العيانية، تلك التي أدت دوراً إيضاحياً لا بأس به في المراحل السابقة من بعثة الأنبياء، ولكن هذا النوع من أدوات الإيضاح لم تعد تلبي الحاجة، في ظل حركة النقلة التي حصلت للعقل الإنساني، وفيها دخلت - النبوة - مرحلة التحول أو الإنتقال من حال التجربة إلى حال الإدراك العقلي المجرد، ولهذا السبب الموضوعي قلنا: - إن ما قال به العلامة الحلي لا أساس موضوعي له، ولا ندري من أين أتت نظرية الصلة المزعومة والتي تمسك بها؟ -، ثم إسقاطات هذه النظرية وتواليها على العلاقة بين التوحيد والنبوة ومن ثم على العلاقة بين النبوة والإمامة، وهذا كما هو ظاهر إتجاه في الفكر مرفوض ويناقض ما عليه مبادئ العقل ومسلماته، ثم إنه ببساطة يبطل معنى الإيمان بالتوحيد العلمي العقلي والذي تميل إليه في الغالب معظم المدارس الفكرية في العالم ..

نعم لقد بينا في بحث سابق عن طبيعة النبوة وكونها: - شأنا مستقلا مرتبطا بمُراد الله وحده -، وبأنها في الأصل الأولي تقوم على - الإصطفاء - من قبل الله، وهي معرفة يقينية تتم بواسطة الوحي .

وقد وقع خلطا في المفاهيم لدى عامة المسلمين بين النبوة والرسالة وبين النبي والرسول، ولهذا ترآهم لا يميزون في ذلك وعندهم الأثنين بمثابة الواحد، ولهذا أيضاً أختلطت الموضوعات والأحكام، مع إن لكل منهما شأنا وموضوعاً ومعنا مختلفاً، فالنبوة مثلاً: - ليست من خواصها ولا من طبيعتها ولا من شأنها البحث عن أو في الأحكام والتشريعات -، والنبي لا يقوم بدور الحاكم ولا يؤدي ذلك الدور، ومجال عمله ينصب في البحث بواسطة الدليل العقلي عن كيفية الإيمان وطريقته، الإيمان بالوحي وبالغيب وبالوحدانية والتصديق بذلك، وهذه تلازم حركة العقل حكماً ودوره في تعزيز فكرة الإيمان عبر الدليل العلمي .

 وعليه فالنبوة لا تبحث في الاحكام والتشريعات ولا في تطبيقها وتنفيذها، فهذه العملية ليست من أختصاص النبي ولا هي لازم من لوازم النبوة، وإذا كان ذلك كذلك، فهذا يقتضي أو يستلزم: - رد الفكرة التي تبناها الحلي حكماً وموضوعاً في هذا الشأن -، لأن تلك الفكرة يُراد منها إستلال فكرة الإمامة من النبوة وبكونها مرتبطة بها وجوداً وعدما، وهذا كله وهما مضافا إدعاه الحلي وظنه كرابط وصلة وصل في هذا الإتجاه .

وأما الإمامة فلا يصح فيها الإصطفاء بل ولا يجوز، هذا بإعتبار موضوعها ودورها وشأنيتها، فهي من جهة ترتبط بما يقرره الناس وبما يختارونه عبر الإنتخاب الشعبي، ولا توجد إمامة بالمعنى الديني المحض، إنما هي حاكمية وإدارة لشؤون الناس والمجتمع، ولهذا نقول: - لا يكون الإمام إماماً بمعنى حاكماً على الناس إلاًّ بالإختيار أو الإنتخاب من قبلهم -، وحين عرف الكتاب المجيد الإمامة لم يخرجها من هذا المعنى، حتى حينما قال الله تعالى: (.. إني جاعلك للناس إماما ..) - البقرة 124، أي جاعلك رسولاً فالرسول حسب هذا المعنى هو الإمام، أي إن - مقام الرسول هو مقام الإمام - ومقام الرسالة هو مقام الإمامة، وإلى ذلك أشارت المقولة التالية - ليس كل نبي رسولاً -، في المعنى الذي ذهبنا إليه .

ناهيك عن إن متعلق الرسالة وفعلها في الحياة مرتبطا بإدارة شؤون الناس، وتنفيذ وإجراء القوانين والتشريعات، وهذه ليست من مهام النبوة ولا من وظائفها، والفرق هذا كفيل برد مقولة الحلي ومن تبعه في ذلك، وكما قلنا ونقول: - (لا تصح الإمامة بالوصية ولا بولاية العهد ولا بالوكالة) -، وإنما تصح الإمامة وتثبت بالإختيار والإنتخاب الشعبي العام، كما ولا يجوز إخراج دور الرسول في الحكم والإدارة من هذه القيدية وهذا الشرط، وإلى هذا ألمح النص بالقول: - [... وشاورهم في الأمر ..] - آل عمران 159، وفي مكان أخر قال: - [.. وأمرهم شورى بينهم ..] - الشورى 38، وأعمال الرسالة ووظائفها التشريعية والتطبيقية لا تتم بالقهر والإكراه، وإنما بالحوار والجدل بالحسنى، ولا يصح من الرسول فرض شخص بعينه على الناس ليكون لهم إماما، إنما يصح منه الإرشاد والتوجيه بإعتباره فرد من المجتمع، له رأي في مجال الحكم والإدارة، والناس ببعد مفوضين في الأخذ بذلك أو توخي المصلحة بحسب الواقع .

ولا نعلم الصلة بين الرسول ولزوم إختيار من يتولى الحكم من بعده والعدل، نعم هو توجيه إرشادي إن صدر عن الرسول، ذلك لأن الحكومة ورعاية شؤون العباد مهمة يضطلع بها الناس في خياراتهم، وليس من يُفرض عليهم بالقوة والغلبة والقهر، ودور الرسول في ذلك لا يدخل في الحيز التعبدي مطلقاً، ولا تكون الوصية داخلة في هذا الباب، إنما المعلوم من خلال جملة الأدلة: - إن الرسالة قد طرحت وتبنت موضوعة الحكم وكذا شروط إنتخاب الحاكم -، على نحو عام وتركت التفاصيل للناس فهم أولى بشؤون دنياهم، ومن هنا نقول: - إنها لم تترك الأمر سدى كما يظن بعض المروجين، إنما تبنت تنظيم قواعد الإنتخاب وركزت على مفهوم ومعنى تصحيح المفاهيم في هذا الشأن -، مؤمنة بقدرة الناس على إختيار ما يناسبهم ويديم مبدأ التعاون والعمل الصالح .

 إن الترويج الذي تتبناه المذهبية الضيقة وإلغاء دور الرسالة كمؤوسس للحاكمية، هو الذي عطل مبدأ الإنتخاب والإختيار الشعبي، كما وساهم في تعطيل دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما كان له أثراً في تعطيل دور المؤوسسات والقوى المجتمعية في رصد وتوجيه المجتع لكي ينتخب الأقدر والأكفأ والأنزه على تولي المسؤولية والحكم، وماذهبنا إليه مارسه الإمام علي بكل تفاصيله، فهو لم يرفض ما نتج عن السقيفة على نحو مطلق، وقبل أن يكون سادس ستة في الشورى التي أختارها عمر بن الخطاب، وآمن بطريقة البيعة التي حصل عليها من الناس بعد مقتل عثمان، ونضيف في الأثر: موافقة الإمام الحسن على معاهدة الصلح مع معاوية، وموافقة الإمام الحسين على دعوة أهل الكوفة له للبيعة والخلافة بعد هلاك معاوية .

إذن فهذا هو المنهج الصحيح والذي يجب أن يُتبع، في تولي الحكم والإمامة الزمنية، ذلك إن الإمامة في الواقع ليست دينية إنما هي حق مجتمعي تكون للأصلح والأقدر، وبقي أن نقول: - لم نجد صلة بين موضوعة التوحيد والنبوة والإمامة من جهة والعدل من جهة ثانية، كما زعم العلامة الحلي، مضافاً إلى هذا وذاك الطبيعة الموضوعية المختلفة لكل واحدة من هذه الأشياء والمكونات عن العدل، لا بصفته التكوينية الإشتقاقية ولا بصفتها التشريعية - ..

تنبيه:

قلنا إن الصلة بين التوحيد والنبوة والإمامة وبين العدل لا تدخل في باب الوجود والعدم، أي إنها لا يتم وفق ذلك وبمقتضاه، إنما تكون بحسب المعنى التصوري والتخيلي الإعتباري لمفهوم الصلة، والتي تحصل للفرد من باب الإفتراض الذهني الخالص، وبما إن مفهوم العدل لا يتعدى المفهوم الإشتقاقي فهذا يعني نفي الصلة أو الإستلال ثم التوظيف اللاحق بلسان المتكلم أو الأصولي، وهذا هو الممنوع عندنا والممتنع الوجوب أصلاً ..

وبما إننا قد أجرينا قواعد الإيمان والإعتقاد هناك، فسنجريها هنا كذلك في رفض الملازمة والصلة بين (التوحيد والمعاد)، ونقول: من حيث المبدأ لا يمنع العقل ذلك، وبان تكون الصلة بينهما بمثابة المقدمة في التصور الإفتراضي والقائل: - يتولد الإطمئنان من الإيمان بالعدل ومنه تتولد الثقة بالوعد الإلهي -، وهذا القول هو معنا نظري إفتراضي إشتققناه من معنا ذهني، والعقل لا يمنع مع ذلك ولا يرده، لأن أصل الإشتقاق مفهوم ومقدمة عقلية محضة تقوم على أساس: - إن الله وعد عباده في الآخرة، (فللمحسن منهم الثواب وللمسيء منهم العقاب) -، هذه المعادلة قامت في الأصل على أساس العدل، أي التوازن بين العمل والأجر - ونريد بالعمل مفهومه الدنيوي -، والذي هو أصل إعتباري تصوري كذلك .

 وعلى هذا الأصل أقام الأصولي دليله في إستنباط الحكم على قاعدة: - إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً - الكهف 30، وهذه القاعدة أو هذه العلاقة بين العمل والجزاء أعتبرها الأصولي واجبة على الله وأدخلها في باب عدله، ولكن لا نعلم من أين أتت قضية الوجوب على الله ؟، هل المتعلق بالوجوب هو حسن الظن بالله أي المتعلق الذهني، أم الوجوب هو بأصل العلم بعدالة الله ؟، وبالفحص سنجد إن السؤال والجواب لا يخرجان من باب الإفتراض العقلي، القائل: - بما إن الله محسن فهو لا يفعل القبيح -، وهو لذلك لا يعاقب ولا يجازي من غير حجة ودليل، قال: - (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ..) - الإسراء 15، فالعقاب من غير دليل أو حجة يُعد قبحاً، ولا يعقل ان يفعل الله القبيح وهو يدعوا للحسن وخير العمل، وفعل القبيح لازمه الجهل بالفعل والعمل، والجهل بحسب التصور العقلي ممتنع على الله، كذلك يمتنع العجز وعدم القدرة على الله في أن يفعل الحسن، والعقل يقول: - إن الفعل الحسن لازم على الله -، لكونه محتاج إلى ذلك في خلقه وصنعه، ولا ضير إن قلنا: - إن الله محتاج لفعل الحسن، طالما كان المتعلق به فعله في الموصوف والصفة - .. 

تبنت الأشاعرة رأي أو فكرة مشتقة في أصلها من نص يقول: - [لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون] - الأنبياء 23، وبحسب الدلالة التصورية لمعنى النص، فهم لا يريدون بذلك المعنى السلبي، إنما يقولون ذلك في باب الإمكان أو من باب الفرض، بمعنى ان الله قد يعاقب المحسن حين يرى الله إن مفهوم الإحسان لا ينطبق على عمل هذا وفعله، وصفة الإحسان وتقريرها يحدده الله عندهم، وفي ذلك لا يصح القول: - إن الله ظلاما للعبيد - ؟، بمعنى إن الحكم منه متعلق ليس بحسب الظاهر، إنما حكمه متعلق بعلمه الواقعي، وهذا ينطبق على إن الإطمئنان للعمل من جهة العبد تجاوز غير مرغوب، وإنما الصحيح هو طلب الرضوان وإن ينطبق مفهوم العمل على المصداق عند الله وليس في الذهن، وهذا الرأي الأشعري إن كان في هذا السياق فلا غبار عليه ولا شية فيه، ذلك إذا كان الكلام كله مقدر عند الله، وليس عندنا وفيما نفهمه نحن في عالم الدنيا، ووجهات كلام الأشعري حين يتعلق الأمر عند الله وفي عالم الأخرة .

وأما في عالم الدنيا فالحسن والقبح مفهومان عقليان، أي إن العقل يحكم على الأشياء بحسب طبيعتها المادية وما ينتج عنها في الدنيا، ولهذا يجب التمييز في فهم وإدراك المصطلحات، فإعتقادنا شيء والحكم على صحة الإعتقاد شيء أخر، ومن هنا قبلنا فكرة القائلين بالرضا الإلهي فيما يحكم به في الأخرة ..

وسنعود للتذكير في التعريف الأولي للعدل والذي قلنا فيه - بأنه ضد الظلم -، والمقابلة في المعنى ذهنية وعقلية ومنها يجوز توظيف ذلك حتى في مقام االله، ونقول: - لكي ننفي عن الله صفة الظلم في قضية التكوين -، يلزمنا التأكيد على أن مايثيره الناس في مسائل الحياة من تفاوت وإحتلاف ومرض وتشوهات تكوينية، ليس ظلماً والمسؤولية في ذلك لا تقع عليه، مع إن الأمر لا يتعلق بالبشر وما ينتج عن فعلهم المباشر، إنما هو متعلق ومرتبط بالخلق والتكوين، وبما إن الكلام في التكوين فسنحيل الجواب إلى ما تقدم في الجزء الأول من هذا البحث فلا نعيد، نعم يتأكد النفي في هذه الجزئية في عالم التشريع حين نفهم معنى دعوته للعدل بالصفة والفعل وهي لا تخرج عن مضمون التساوي أو قل التوازن، ومن هنا جاء تعريف العدل في مقام التشريع بأنه (وضع للشيء في موضعه)، ويصح هذا التعريف في مقام النفي للجهل والعجز والضعف عنه، وفي المتابعة منه لتحقيق هذا التوازن من خلال تبني العدل صفة وفعلا هذا من جهة، والتشديد على رفض الظلم صفة وفعلاً هذا من جهة أخرى، ومن باب الملازمة العقلية - لا يصح أن ينهى الله عن شيء ويأتي به أو يتبناه -، ولهذا قال: - [إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون] - يونس 44، وفي مقام ثاني يقول: - [إن الله لا يظلم مثقال ذرة] - النساء 40، أو - أن الله ليس بظلام للعبيد - وهذا كله في مقام التشريع .

 والظلم كما العدل لا يخرجان عن المفهوم المتبادر في الذهن عن معنيي الحسن والقبح، وهذا ما يكون بالتقابل أو يكون بحسب دلالة اللغة واللسان للمعنى، والقبح كما الظلم يستحق صاحبه الذم والعكس صحيح، وبتعبير دقيق العدل لا يسمى عدلا إلاَّ حينما يدل على الشيء الحسن في الواقع وبالفعل، ومثله الظلم في التقابل لا يسمى الظلم ظلماً إلاَّ دل على الشيء القبيح في الواقع وبالفعل، ولا يصح نسبة الفعل للقبح أو الحسن إلاّ إذا كان مُراداً ومقصوداً ودل الدليل على ذلك، وبهذا القيد نفهم ماذا تعني مفردتي الحسن والقبح العقليين عند المتكلمين ؟ !! ..

وخلاصة الكلام لا بد من القول: - إن هناك فرقاً بين مفهوم العدل الإلهي ومفهوم العدل الإجتماعي -، والفرق نجده واضحاً فيما بين التكوين والتشريع، ففي التكوين نفتقد للأسم أو أسم الفاعل، ولكن في التشريع نجد الصفة والفعل حاضرين، وفي هذا دلالة عن معنى الملازمة التشريعية، وكأن المُراد في الواقع هو تحقيق العدل بين الناس على أساس مبدئي التوازن والتساوي في الحقوق والأولويات، وما يتعلق بالتكوين فنرجع القول فيه إلى علم الله، والذي وردت فيه النصوص تحت بند آيات الله، ومع إن الأمر لا يخلو من سؤال سيظل يلاحق المتابعين والدارسين إلى أجل غير محدود، ولعل العلم وما يحققه الإنسان من طفرات معرفيه ستجيب على بعض المسكوت عنه، عن لماذا ؟ وكيف ؟، والذي يهمنا الآن هو التأكيد على تنمية وتطوير معنى العدل الإجتماعي الذي سعى لتحقيقه كبار المصلحين وأهل الفكر في العالم، والذي به نحقق للإنسان بعض كرامته وبعض ذاته ومعنى وجوده ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

2 شعبان 1440 هجرية

 

 

مجدي ابراهيمجذر الفعل (وَزَنَ) هو أساس العلاقة بين اللغة والحياة الروحية المستقيمة؛ فإذا كان الوزن هو أساس اللغة عندنا، فالتوازن هو أساس الحياة الحيّة وأساس استقامتها واتصالها بالاستقامة والحياة. هنالك رابطة لا شك فيها تشبه الرابطة العضوية بين الوزن في اللغة، وبين التوازن في الحياة الروحية، تقوم على التعادل بين المطالب والحاجات من جهة وعلى المقاصد والأهداف من جهة ثانية.

فلغتنا العربية لغة اشتقاق تقوم على الوزن - كما يقول الأستاذ العقاد في (اللغة الشاعرة)، بخلاف اللغات الأجنبية تقوم على النحت، ولا علاقة لها بالوزن على الإطلاق.

لا يُلاحظ في الكلمات الأجنبية إنها توضع على وزن معين، لكن هذا يُلاحظ في الكلمات العربية. وليس هناك كلمة واحدة في اللغات الأجنبية لها وزن، في حين كل كلمة في لغتنا العربية لها وزن معين: وزن الفعل، ووزن الفاعل، ووزن المفعول. فعل، يفعل، فعال، كلها أوزان يتغير بها المعنى من الفعل إلى الاسم، ومن الاسم إلى الصفة تبعاً للوزن.

ولا يظهر في تركيب اللغة شيء أظهر من أصالة الوزن فيها؛ فالمصادر فيها أوزان، والمشتقات أوزان، وأبواب الفعل أوزان، وقوام الاختلاف بين المعنى حركةٌ على حرف الكلمة تتبدل بها دلالة الفعل، بل يتبدَّل بها الفعل فيُحسب من الأسماء أو يحتفظ بدلالته على الحدَث حسب الوزن الذي ينتقل إليه.

هذه أصالة في موضع الوزن من المفردات والتراكيب لا يستغرب معها أن يكون للوزن شأنه في شعر هذه اللغة، وأن يكون شأنها في نظم أشعارها على خلاف المعهود في منظومات الأمم الأخرى ولو صرفنا النظر عن أثر الإنشاد الفردي في تثبيت القافية واستقلال فن العروض عن فن الغناء في القصائد العربية. إنّ اللغات السامية تجري على قواعد الاشتقاق وتوليد الأسماء من الأفعال. ولكنّ المقابلة بين هذه اللغات في أقسام مشتقاتها وتفريع الكلمات من جذورها تدل على تمام التطور في قواعد الأوزان العربية، وعلى نقص هذه القواعد أو التباسها في أخواتها السامية بل تدل في باب الإعراب خاصّة على تفصيل في العربية يقابله الإجمال أو الإهمال في أخواتها، وفي غيرها من اللغات الآرية التي دخلها شيء من الإعراب. فالوزن على هذا هو أساس اللغة عندنا.

وكما يكون الوزن هو أساس اللغة عندنا، فالتوازن هو أساس الحياة الروحيّة. التوازن هو النوتة المفتاحية لبلوغ الروحانية؛ إذْ لما كان الإنسان يتكوّن من روح ومادة فهو يحتوي بداخله عوالم المعادن، النباتات والحيوانات، وكذلك عالم الملائكة وعالم الجن. ومهمته تحقيق التوازن بين جميع هذه الأجزاء دون أن ينسى أنه خُلق لا ليكون روحانياً كالملاك أو مادياً كالحيوان. وإذْ يتوصَّل الإنسان إلى الوسط الذهبي؛ فإنه سيكتشف بالتأكيد آخر الأمر الطريق الذي يجب أن يسير عليه والذي سيقوده مباشرة إلى الهدف:"الأبواب ضيقة، والدرب أيضاً ضيق": ضيق لأن كل خطوة منحرفة إلى جانب تبعد عن طريق الحقيقة إلى الطريقة الموازية.

في الحركة ولا شك تدوم الحياة؛ والتوازن هو الذي يُبقي الحركة تحت المراقبة. التوازن شيء فطري طبيعي: فما هو الطريق الذي يسلكه الشخص في الحياة لكي يحقق التوازن؟

وجد الصوفيون المفتاح لذلك التوازن، وجدوه بعد التعمق في الذوات الفردية، وبعد التحول في التوجهات في الحياة من حال إلى حال، بعد أن تبدلت لديهم المعايير وتغيرت القيم: وهو أن يصبح المرء منفصلاً داخل ذاته، بمعنى أن يرقب ذاته ويلاحظها من الباطن، وبالتالي يستطيع أن يحقق التوازن الكامل مع ذاته بذاته، فنوعُ من العزلة يتحقق عن طريق الولوج في الذات متخلصاً من كل التأثيرات الخارجية، يكتسب الإنسان فيها إمكانية تهدئة الموجات الداخلية وامتصاص أكبر قدر من الطاقات الزائدة بالسلب ممّا يضر بالذات ولا ينميها. هنالك تصبح الحياة أكثر سعادة من ذي قبل. كلنا نحب الحياة بلا شك، ولكن ما الحياة؟

الحياة هى: أن تعرف من الله عن الله ما تدرك به الله في نفسك !

لا يوجد في الدنيا سعادة أكبر وغبطة أعظم للإنسان من النشوة الروحيّة، تتأتى إليه صادرة من فعل الطمأنينة القلبية.

أعتاد الإنسان أن يفكر:"أنا ذاك الذي أرى تلك القطعة من اللحم والدم والجلد، هذا هو أنا. لكن أثناء الوجد يتحرَّر الوعي من الجسد، هذه القشرة المقيدة، وينتقل إلى كينونته الحقيقية التي تسمو فوق المآسي والأحزان والآلام. إنها السيادة العظمي: أن ندرك، وأن نحافظ على رقابة جسدنا ومشاعرنا التي من خلالها نتعرَّف نحن إلى هذه الدنيا، هذا يعني أن نكتسب الاتزان والرصانة، وهذه أسمى الحالات.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: كيف يمكن بلوغ الرصانة والاتزان؟ هذا سؤال يطرحه صاحب كتاب "تعاليم المتصوفين" لحضرت عناية خان، وهو بلا شك سؤال مفيد؛ لتجيء الإجابة عليه قابلة للإفادة كذلك في إطار فهم التوازن كونه لبّ النشاط الروحي الإنساني، ويزيد.

هنالك توازن بين النشاط والراحة، بين النوم واليقظة. إذا وثق الإنسان إنه سيصبح عظيماً فيما لو نام كثيراً، وبالتالي سيعوّد نفسه على ذلك، فهو سيتحول إلى غريب الأطوار، وليس إلى إنسان، لأن الجسد الممنوح له من أجل التعرُّف على العالم لن يستخدم. وإذا كان هنالك شخص آخر رفض النوم نهائياً، فخلال أيام معدودة سيُصاب باضطراب عصبي. وإذا أحدهم مارس الصوم بكثرة؛ فهو بالطبع سيصير بلا جسد. سيكون بمقدوره أن يرى عالم الآخرة، وستكون لديه خطط مغايرة.

نفس الفكرة إذا أدرك أحدهم طريق الإلهام؛ فإن الإلهام سيجيئه، لكن ذلك الجسد، أي تلك الأحاسيس ستضعف، بحيث لن تتمكن من إدراك العالم، أي أن تنجز المهمة التي من أجلها كانت قد مُنحَتْ لنا، فالتوازن على هذا هو أساس الحياة المستقيمة الجادة.

ولكن من جهة أخرى حسبما يشير "برجسون" في كتابه "الطاقة الروحية": " كل منّا هو جسد خاضع لنفس القوانين التي تخضع لها كل الأجزاء الأخرى من المادة. وإذا دفع جسمنا، فهو يتقدّم، وإذا سحبناه، فإنه ينسحب، وإن رفعناه وتركناه، يسقط. ولكن إلى جانب هذه الحركات التي تنبعث بصورة ميكانيكية، بفعل سبب خارجي، هناك حركات تبدو آتية من الداخل، وتختلف عن الحركات السابقة من حيث إنها غير متوقعة فيقال عنها أنها حركات "إرادية"، فما هو سببها؟ إنها ما يُعَبِّرُ عنه كل منّا بكلمة "أنا". فما هو "الأنا"؟ إنه شيء يظهر، خطأ أو صواباً ويتجاوز من جميع النواحي الجسد المتحد مع هذا الأنا، إنه يتجاوز في الفضاء كما يتجاوز في الزمن"، هذا التجاوز هو الذي يثبت الأنا ويفنيها في نفس الوقت، وهو يذكرنا بما كان ابن سينا تصوّره في تقديم البراهين على وجود النفس وعلى وحدتها واستقلالها عن البدن، وهو البرهان المعروف ببرهان الرجل المُعلق في الفضاء.

يتعلم الصوفي التوازن عن طريق الوضعيات التي تتضمَّن مراقبة أنشطة الجسم من خلال الصلوات، التعبُّد، الذكر (التراتيل)، وهو يتعلم توازن الفعل بواسطة التركيز. هنالك في الهند يوجد روحانيون يلقبون بال (Madizub)، وهم بلغوا أقصى درجات الروحانية.

نسوا (أنَاهم) الخارجية. تخلصوا نهائياً من عذابات هذا العالم. لكن التّطرُّفَ غير مرغوب فيه سواء كان هذا التّطرُّف جيداً أو قبيحاً. وإنما الاعتدال: النوم واليقظة، العمل والراحة، أن تأكل وتصوم، أن يتكلم المرء ويصمت، هذا هو المقصود أن تكون في حالة توازن.

*    *     *

لا صلاحيّة لإنسان في غيبة التزامه بتعاليم السماء. لا صلاحية له بالمطلق قولاً وفعلاً وغاية، ثم هدفاً يرومه في هذه الحياة. وحين نقول (لا صلاحية) إنما نعلّقها على وجود الطاقة الروحيّة من عدمها؛ فحيثما تكون هذه الطاقة حاضرة في الوجود الإنساني تكون صلاحية الإنسان، ويكون اقتداره من طريق الصدق على الفعل، والصدق على القول، والصدق على الغاية، والصدق على الهدف الذي يرومُ به وجوده الروحي وحقيقته الأصليّة في تلك الحياة.

ومن المعلوم أن الإنسان لديه طاقة ما خفيّة، حافزة للحياة ثرية وغنية، ولكن هذه الطاقة كما هو معروف إمّا أن تكون طاقة إيجابية أو تكون طاقة سلبية على حسب نوايا الإنسان الباطنة. وعلى تلك النوايا كما جاء في الحديث الشريف تتوقف الأعمال، فلا يَتَحَدَّد خير العلم من شرِّه قيد أنملة إلا بنيَّة صاحبه:

(إنَّمَا الأعمالُ بالنيَّات)، (نيةُ المرءِ خيرٌ من عمله)، (خيرُ العمل مَا أكرهت نفسك عليه)، يُولِّد العمل بهذا كله على المنهج والفضيلة لا شك طاقة روحيّة، إذْ يصدر عن طاقة روحية هى مصدر العمل الطيب على التحقيق، وإذا هو صدر عن سواها كان العمل شرّاً لا محالة؛ وجاء بغير قيم علويّة: نكداً لا ينفع صاحبه، ولا ينفع المجتمع الذي يعيش فيه، "والذي خَبُثَ لا يخرج إلاّ نكداً".

أمَّا حين يصدر العمل عن تلك الطاقة الروحيَّة خاصَّة؛ فلا ريب يكون خيراً فيما لو تعلق بجملة من القيم العلوية العاملة النافعة، لكن كنْه هذه الطاقة لم يَتَعَرَّف عليها العالم المعاصر حتى الآن. صحيحٌ هنالك حالياً أجهزة متطورة تكشف سرّ هذه الطاقة الروحية - كما كان يقول المرحوم الدكتور مصطفي محمود - إذْ ربما تكون تلك الطاقة على شكل (هالة) ذات ألوان وخطوط تحيط بالإنسان، ويكون شكلها على حسب خيره وشرِّه أيضاً؛ فالإنسان الروحاني تكون طاقته زاهية بهيّة منتظمة في شكلها.

والإنسان المادي الذي لم يقتصر اهتمامه إلا على متطلباته المادية: جسده المادي كالطعام والشراب والجنس والنوم، تجيء طاقته مشوّهة ومظلمة.

فلئن كانت تلك الأجهزة المتطورة كشفت عن هذا السّر الذي تكلم عنه الأنبياء والأولياء، وأشار إليه المستنيرون عبر تاريخ الإنسان، فهى أجهزة مع تقدِّمها تثبت ولا تنفي تلك "الهالة" ذات الألوان التي تحيط بالإنسان لتحدِّد وجود طاقاته الروحيّة من عدمها.

وعندي أن أول ما تظهر فيه هذه الهالة بوضوح هو اللغة: البيان الذي يكشف باطن الإنسان كما يكشف خصاله وسماته وأكثر خصائصه، فكما تكون (الهالة) ذات الخطوط والألوان طاقة روحية يعرف بها الإنسان الخير من الشرير، كذلك تكون اللغة طاقة روحية تظهر فيها قيم الإنسان ورسالاته بمقدار ما تكشف عنسماته وتوجهاته.

من ذلك أن كل ما يصنعه الإنسان بيده يأخذ من طاقته وأفكاره: فمثلاً لا ينصح بأن تطبخ الأم لأسرتها إذا كانت نفسيتها في حالة من التوتر أو الغضب أو الحقد أو الحسد أو الاكتئاب؛ لأن كل هذا الأمراض النفسيّة تؤثر في الطعام، ومن ثمَّ في الأكل يأكله أفراد الأسرة وتنتقل إليهم هذه الطاقة (السلبية). وأهل الله وخاصته من العارفين يملكون حسَّاً شفافاً عالياً يكشف طاقات ما حولهم؛ فيعرفون ما في نفوس الناس من خير وشر؛ لأن كل ما يكتمه الناس ظاهر في هالاتهم وطاقاتهم المحيطة بهم، ولا يراها إلا صاحب طاقة روحيّة شفافة نقية غير ملوثة.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (41)

يعتبر سفر (ملاخي) آخر أسفار التناخ، الكتاب المقدس لليهود، وبه اختتم العهد القديم، وتحديدا في الإصحاح الرابع من هذا السفر، حيث كانت الخاتمة والتي جائت على شكل توصية مهمة مع نبؤة عن علامة مهمة جدا ستسبق مجيء ملك اليهود الموعود (الماشيح

(اذكروا شريعة موسى عبدي التي أمرته بها في حوريب على كل إسرائيل الفرائض والاحكام

هانذا ارسل اليكم ايليا النبي قبل مجيء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف يرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على ابائهم لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن) سفر ملاخي 4/ 4

في هذه التوصية الختامية، نلاحظ التركيز على المحافظة على شريعة موسى بفرائضها وأحكامها

والطريف انه وبرغم هذه التوصية الأخيرة، نجد ان العقيدة المسيحية التي أنشئت بعد رحيل يسوع المسيح، قد ألغت تماما، العمل بشريعة موسى، بل وتم اعتبارها لم تعد نافعة، ولن يتبرر الانسان بالعمل وأحكامها وفرائضها، وإنما يتبرر فقط بالإيمان، حسب تعليمات بولس الرسول والتي جائت مناقضة لوصايا التناخ وتعاليمه !

إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ رومية 28/3

وبالعودة الى خاتمة سفر (ملاخي) فإننا نجد آخر عددين من الإصحاح الأخير . تتحدثان عن رجوع النبي (ايليا) قبل مجيئ يوم الرب العظيم، وكيف ان هذا النبي سيقوم بعمل انجاز خلال فترة رجوعه يتمثل في إرساء الوئام والتسامح ورح الصفاء والالفة بين شعب اسرائيل، بحيث تكون ثمرة عمله واضحة ومحورية في تهيئة الشعب للمرحلة القادمة 

وقد اتفق اليهود مع المسيحيين على فهم العددين الأخيرين من سفر ملاخي على انها نبؤة عن علامة مهمة ستسبق ظهور المسيح المُخلّص، وأن النبي (ايليا) سوف يعود الى الأرض قبل ظهور المسيح ليهيئ الأمور لكي تصبح ملائمة وناضجة للشروع في العهد المسيحياني !

النبي (إيليا) هو أحد الأنبياء العظام لبني إسرائيل، واليه تنسب اسفار التناخ معاجز مهمة، وقد كان يمتاز بالزهد والصلابة في مواجهة الظلم والوثنية، ويعتقد اليهود والمسيحيون ان هذا النبي لم يمت وانما قد رفعه الله الى السماء

وفي العهد الجديد، تشير النصوص الى ان ايليا قد ظهر مع موسى حين تجليا للمسيح على الجبل .

وفيما يخص النبؤة التي اختتم بها العهد القديم، فأن الفهم اليهودي لهذه النبؤة يتلخص بشكل واضح جدا بالآتي

هذه النبؤة تخبرنا عن علامة مهمة جدا، تسبق ظهور الملك المسيح الموعود، وهي علامة عودة النبي (إيليا)، وظهوره من جديد، بحيث يكون ظهوره وانجازه واضحا ومؤثرا في المجتمع اليهودي

وبما ان النبي إيليا لم يظهر لحد الان، فهذا يعني، بكل بساطة، ان كل الذين ظهروا وادعوا أنهم مسحاء- بما فيهم يسوع الناصري - انما هم بالحقيقة مسحاء مزيفون !

...هذه كانت القراءة اليهودية

اما على الجانب المسيحي، فإننا نجد أن علامة عودة النبي ايليا كانت حاضرة في أذهان المعاصرين ليسوع الناصري

بل ان بعض معاصريه توهم ان يكون يسوع نفسه هو النبي ايليا...حتى تلاميذ يسوع، نجدهم في إصحاح (متى) يوجهون له سؤالا مباشرا عن تلك العلامة التي من المفروض ان تسبق مجيئ المسيح.

وسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: فَلِمَاذَا يَقُولُ الْكَتَبَةُ: إِنَّ إِيلِيَّا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ أَوَّلًا؟)

فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ إِيلِيَّا يَأْتِي أَوَّلًا وَيَرُدُّ كُلَّ شَيْءٍ.

وَلكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ إِيلِيَّا قَدْ جَاءَ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، بَلْ عَمِلُوا بِهِ كُلَّ مَا أَرَادُوا. كَذلِكَ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا سَوْفَ يَتَأَلَّمُ مِنْهُمْ)  متى 17 -10، 11، 12

وهنا نجد ان كاتب انجيل (متى) ينسب الى المسيح جوابا مبهما، يحوي على غموض ومطاطية تسمح بتفسيره على اكثر من معنى ! (ايليا جاء ولم يعرفوه

بينما نجد في نفس الانجيل وفي الإصحاح 11 كلام ليسوع الناصري يتحدث فيه عن يوحنا المعمدان ويصفه بشكل مباشر بأنه هو (ايليا) المزمع ان يأتي

وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ

لأَنَّ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ وَالنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا

وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ) متى 11/14

و يظهر لنا، مما تقدم، ان يسوع الناصري كان يشير الى اتباعه ومعاصريه بشكل مباشر، واحيانا غير مباشر، على ان نبؤة العهد القديم حول عودة النبي ايليا قد تحققت بشخص يوحنا المعمدان !

ويبدو ان هذه النظرة قد انتشرت وسرت في اوساط اليهود وقتذاك !

لذلك نجد في نصوص انجيل (يوحنا) ان اليهود أرسلوا من أورشليم، كهنة ولاويين، ليسألوا يوحنا المعمدان، ويتأكدوا منه حول شخصه… فنفى لهم بأن يكون هو المسيح الموعود

وكذلك نفى ان يكون هو النبي إيليا !! يوحنا 1/21

فَسَأَلُوهُ: إِذًا مَاذَا؟ إِيلِيَّا أَنْتَ؟» فَقَالَ: «لَسْتُ أَنَا. «أَلنَّبِيُّ أَنْتَ؟» فَأَجَابَ: «لاَ»

وبين نفي يوحنا المعمدان ان يكون هو النبي إيليا، وتأكيد يسوع الناصري على ان المعمدان هو ايليا !! حصل التخبّط والتناقض في الفهم المسيحي لهذه العلامة !

ولأن الحاجة هي ام الاختراع! ..كان لابد من اختراع تأويل مناسب يجمع بين التناقضين ويخرج بتفسير يضمن تحقق علامة رجوع ايليا قبل ظهور يسوع الناصري، حتى وان كان ايليا لم يرجع في الواقع!!

هنا نجد كاتب إنجيل لوقا يخرج لنا بأختراع لافت لغرض ترقيع الفتق في القصة المسيحانية

فكان ان ادعى هذا الكاتب ان النبي ايليا رجع على شكل روح حلت على يوحنا المعمدان !!! لوقا 1/17

وهذه التخريجة الطريفة، وان كانت تبدو ذكية، لكنها في الحقيقة، ساذجة وتدعو للسخرية والتعجب !

والسبب هو أن النبوءة المذكورة في سفر ملاخي كانت تتحدث بشكل واضح ومباشر عن عودة (إيليا) بنفسه، وليس عن

روحه، بل وسيكون لعودته وعمله اثار ونتائج ملموسة على الارض

وكذلك نجد ان يوحنا المعمدان عندما سألوه ان كان هو إيليا النبي ؟

أجاب بشكل واضح وقاطع ب: لا

ولم يقل لهم أنا لست ايليا ...ولكن روح إيليا قد حلت عَليّ !!

وفي جانب آخر نجد بعض اللاهوتيين عندما يقفون على موضوعة علامة عودة النبي ايليا يحاولون الخلط بين هذه النبؤة الخاصة بالنبي ايليا وبين عبارة أخرى، تتحدث عن (صوت صارخ في البرية)، ويحاولون من خلال خلط الاوراق، احداث تمويه لغرض إيصال القارئ الى نتيجة بان هذا التوصيف الذي وصف به (يوحنا المعمدان) نفسه هو نبوءة في العهد القديم، مما يؤكد ان (يوحنا المعمدان) هو (إيليا) النبي

لكن هذا نوع من التضليل ينكشف بسرعة ويتهافت من خلال الرجوع الى نصوص التناخ، حيث نجد ان هذه العبارة وردت في الإصحاح الاربعين من سفر (اشعيا)، ولا تتحدث عن النبي (ايليا) اساسا، وانما تتحدث عن علامة أخرى، هي عبارة عن صوت صارخ في البرية !، ولم يشر الاصحاح الى موضوع عودة النبي (ايليا) اصلا !

ومع عدم نجاعة التفسيرات المسيحية المتقدمة، ولخطورة عدم إثبات تحقق العلامة المهمة التي تسبق ظهور المسيح، وتأثير ذلك على مصداقية الادعاء بمسيحانية يسوع الناصري، نجد بعض اللاهوتيين المسيحيين يلجأون الى السلاح الأخير الذي يهرعون اليه عندما تُغلق المنافذ امام تأويلاتهم !! ...وأعني هنا ..اللجوء الى اسطورة المجيء الثاني للمسيح

حيث يتم تفسير عدم تحقق أهم علامة دالة على مصداقية المسيح بأن هذه العلامة سوف تتحقق - لاحقا - عند المجيئ الثاني للمسيح !!.. وقتها سيسبقه النبي ايليا !!

وهنا يأتي الرد اليهودي بشكل واضح ولا يخلو من الدهاء على هذه الازعومة المسيحية الطريفة !

حيث نجد اليهود يردون على هذا الطرح بأنه ليس هناك في نصوص كتابنا المقدس شئ اسمه المجيئ الثاني ولا يوجد اي نبؤة تتعلق بالمسيح تتحدث عن ظهور أول وظهور ثاني !!

ويضيف اليهود:

ان الادعاء المسيحي بان بعض علامات وانجازات المسيح التي أشارت إليها نصوص التناخ سوف ينجزها ويحققها يسوع الناصري بعد رجوعه الثاني لهو أكبر دليل كافٍ على ان يسوع الناصري هو مسيح مزيّف لم يستطع ان يحقق التنبؤات الخاصة بالمسيح الموعود والمنصوص عليها في الكتاب المقدس !

وأما الادعاء المسيحي حول المجيئ الثاني فهو لا يعدو كونه طلب فرصة ثانية لتحقيق ما فشل يسوع في تحقيقه خلال حياته... وهذه الفرصة لو اعطيت ليسوع الناصري ...فمن باب الإنصاف أن تعطى، ايضا لقرابة الخمسين شخصا، كلهم ادعوا المسيحانية ايضا، وانتهى بهم الامر كما انتهى بيسوع الناصري بمواجهة مصيرا دمويا ومشؤوما، حيث كان مصيرهم القتل اما صلبا او بالسيف !!

وبين القراءة اليهودية لهذه النبؤة والعلامة المفصلية حول ظهور المسيح والتي تتسم بالوضوح والاتساق

والقراءة المسيحية لنفس الموضوع والذي تتسم بالانتقائية والتخبّط وخلط المفاهيم تبرز لنا حقيقة واحدة مهمة جدا وخطيرة وهي

ان أهم علامة على ظهور المسيح لم تحدث... لحد الآن

ولازال اليهود ينتظرون تحققها قبل مجيئ مسيحهم الموعود، وبنفس الوقت، لازال المسيحيون ينتظرون تحققها قبل المجيء الثاني لمسيحهم المصلوب !

وبذلك نخلص الى نتيجة خطيرة ومحورية ...هي

ان النبي (ايليا) لم يرجع من السماء ...الى يومنا هذا !!

وان العلامة التي ينبغي أن تسبق ظهور المسيح الموعود.. لم تتحقق بعد !

 

د. جعفر الحكيم

 

الكلام عن - العدل - والبحث فيه بحد ذاته مُخاطرة وأيةُ مخاطرة لذلك يستوجب البحث فيه وعنه المزيد من الحذر والدقة والتأني، لأن البحث هو رحلة في الكشف عن خبايا المادة وعن مفهومها ومعناها، في ظل التناقض والتساؤل والتفاوت الغالب في الحياة وفي الطبيعة والمجتمع، كما إن الكتاب المجيد لم يُقدم لنا أسماً لهذه المادة ولا مصدراً لها، إنما ترك المجال لنا للإشتقاق والتوظيف من الصفة والفعل ودعانا للتعامل معاهما، ولهذا تبدو مهمتنا ليست سهلة فيما لو أتخذنا أحكاماً أو أستنتجنا قواعداً نبني عليها، وبما إن الجدل المعرفي يدور حول المضمون الفلسفي والكلامي، وما يشتق منهما من معاني وتراتبية وأحكاماً .

إن الإفتراض القائل إن العدل منهج في البحث الكلامي، إفتراض صحيح هذا إذا نظرنا للأمر من وجهة ماهو بالفعل من سيادة الكلامية وسطوتها في الأصول والفروع الدينية المُتبعة، وفي الكلامية أيضاً نتج القول التالي: (إن الصفات عين الذات)، وجر هذا القول ليكون أساسياً في بعض المدارس، وليُقال: - إن الصفات هي الأسماء حين تُنسب إلى الذات الإلهية -، جاعلين من هذا القول أصلاً كلامياً يساوي في درجة المعنى والقيمة له بين التوحيد والمعاد، وتداركاً من الخشية المعرفية تبنوا مقولة - اللطف - كمبدأ وكهبة من الله، والحق إن هذا التدارك ليس دقيقاً ولكنه صار غالباً بفعل (الكلامية السياسية) وليس الكلامية العقلية أو المنطقية، ومن هنا كان لا بد من التوضيح والبيان فثمة ما يحتاج للتصحيح والموافقة بين عالمي التكوين والتشريع، والمزج بينهما والتأسيس على ذلك واحدة من المخاطر التي سننوه عليها في تلابيب البحث ..

ولكن ما معنى العدل ؟

وللجواب نقول: العدل في اللسان العربي يأتي بمعنى: - ضد الظلم -، قال تعالى: - [وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ..] - النساء 58، وقال تعالى: - [وإذا قلتم فأعدلوا] - الأنعام 152، ومنه قيل هو: (القصد في الأمر) -، قال أبن منظور: - والعدل ما قام في النفوس أنه مستقيم -، أي إنه (غير ذي عوج) وإلى ذلك أشار إلى مفهوم التسوية والتعديل بقوله تعالى: - [هو الذي خلقك فسوآك فعدلك] - الإنفطار 7، ومنه الإعتدال والمساواة بل وحتى الوسطية، في إشارة إلى قوله تعالى: - [وأقصد في مشيك وأغضض من صوتك ..] - لقمان 19 .

وجاء في الأثر قوله: - وأما العدل فهو وضع الشيء في موضعه -، من غير تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقصان .

ولم يرد اللفظ في الكتاب المجيد بصيغة الأسم أو أسم الفاعل - عادل أو العادل - كما هي العادة الجارية في أسمائه الحسنى الأخرى التي نقرئها في الكتاب، ولكن ورد اللفظ في صيغة الفعل - أعدلوا أو تعدلوا -، وفي صيغة الصفة أو الصفة المشبهة على نحو - العدل أو بالعدل -،، واللفظ لا يكون أصيلاً إن لم يكن مصدراً والمصدر أبلغ في الدلالة وفي التعريف، قيل: ومن العدل أشتقت العَدالَةُ والتي هي: - ملكة جامعة إن حصلت للفرد فيكون المتصف بها أو الموصوف جامعاً للفضائل والقيم - .

 أقول: ولا يبعد المفهوم اللغوي للعدل عن المفهوم الإصطلاحي كثيراً، وفي المفهوم العام أعتُبر العدل من المبادئ الوجودية السامية، لأنه يُحصن الفرد والمجتمع من الظلم إن عُمل به، ومن خواصه إنه لا يكون متعيناً العدل ليست بفرد خاص من أفراد عالم الوجود دون سوآه لكي يكون معلوماً، بل هو يفيد العموم سواء في معناه أو في تطبيقاته، وإن كان اللفظ لم يرد مباشراً في عالم التكوين، وإنما وردت الصفة المتبوعة على نحو إشتقاقي كما في قوله تعالى: - { والسماء رفعها ووضع الميزان } - الرحمن 7، ويُفهم منه إن لفظي - رفع ووضع - أتيآ في السياق دلالة وإشارة على حالتي التوازن والتعادل في نظام الكون والطبيعة (وهو مقتضى العدل) في الصفة والفعل، والتوازن والتعادل شرطين موجبين ومسبقين في صحة النظرية الفيزيائية المادية للكون، وعلى هذا ورد التأكيد في سياق الأثر قوله: - (بالعدل قامت السماوات والأرض) - أنظر التفسير الكبير للرازي ج 5 ص 346، والقياس في ذلك يشبه كثيراً ما بُني عليه عالم التشريع حسب قاعدتي (الحقوق والأولويات) .

وأصل القياس هذا (مبدأ الخاصة الذاتية)، وهو مبدأ فلسفي أقيم على أساس قاعدة التقابل بين الوجود والعدم، ومنه جاء قياس البرهان عن مبدئي الخير والشر،

وقد آمن بذلك مثاليوا الفلسفة الأغريقية القديمة، فهذا بوليمارخس مثلاً قد عَّرف حد العدالة بأنه: (ما يرد للإنسان ما هو له)، ولكن ماذا تعني عبارة - ماهو له - هل تعني المتعلق بتمام الحق لكي يُرد إليه ؟، أم إن المُراد به ما يُرد إليه من كل الحق ؟، أو إنها تعني طبيعة الحق من حيث هو أو المتوقف على طبيعة العلاقة بين المتعاملين ؟ .

وصيغة - بين المتعاملين - وردت في سياق الإشارة للنقيضين، (الأصحاب والأعداء ... الأخيار والأشرار) .. وهكذا، ولفظ الأصحاب في صيغة الأسم الفاعل وردت من صحب، والدالة على معنى (الخاصة) كأصحاب الجنة في قوله تعالى: - (.. ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ..) - الأعراف 46، وأصحاب الحجر في قوله تعالى: - (.. كذب أصحاب الحجر المرسلين) - الحجر 80، إذن فالوصف يحتمل الإيجاب ويحتمل السلب، (وقيل الأصحاب بالألف واللام هم خاصة الرجل الذين يعتقد فيهم الصلاح والأمانة)، والجمع المُحلى - الأصحاب - لغةً يُراد به العموم، وأما الصحبة من حيث هي هي فلا تدل على الصلاح والأمانة، لأنها في الأصل تدل على مجرد الرفقة في المكان أو في الطريق وخلافه ولمدد متفاوتة، وهذا الأصل يبطل ما ذهب إليه الخبر التالي: (أصحابي كالنجوم بأيهم أقتديتم أهتديتم) من الحجية والإعتبار، وبنفس الإعتبار يبطل الرأي القائل - عدالة الصحابة - .

ولو سلمنا جدلاً في صحة شرط - الأمانة والصلاح - فهذا لا يكون من الملازمات الذاتية لشخصية الصاحب ولا يعني، والتسليم بهذا يقودنا للقول (بعصمة الصحابة) وهذا خطأ بيَّن، لأن ذلك يترتب عليه: - أن يكون لهم ما لا يكون لغيرهم -، وهذا التوجيه مغالطة منطقية وعقلية، ثم إن إطلاق مفهوم - العدالة - على جماعة من الناس بعينها، سيؤدي حتماً إلى توالي فاسدة وهذا ليس من العدل المحكي عنه، كما إن الإيمان بذلك يجرنا إلى مضرة أكبر، تشمل الجميع حتى الصالحين منهم .

ومن أجل تصويب المعنى نقول: (إن من البداهة إنتفاع الأصحاب الأمناء والصالحين من العدالة)، ولكن ما أهمية هذا التقسيم الإيحائي للناس إلى صالحين وأشرار ؟، طالماً نعرف إن ضرره سيكون أكثر من نفعه، والمبالغة بالتقسيم وفقاً لذلك الإعتبار سيجعل من الأشرار أكثر شراً، وهذا ضد العدل ..

ولكن ماذا لوكان العدل في خدمة الأقوياء ؟ .

الأقوياء: جمع قوي وهو جمع مُحلى، ويصح في الوصف مبالغة وتفضيلاً على أساس الكثرة في القدرة والنفو ذ، ودلالة معنى - الأقوياء - مختلفة بحسب الوضع الزماني والمكاني:

فمنهم من قال: - هم رجال السلطة والحكم - .

ومنهم من فال: - إنهم رجال المال والثروة من أصحاب البنوك والشركات الرأسمالية -.

وهناك من قال: - إنهم المرتزقة من رجال الدين والكهنة والوعاظ - .

والحق يمكننا إعتبار هؤلاء جميعاً، المؤتلفين ضمن هذا الحلف الثلاثي القائم بين - رجال المال ورجال الحكم ورجال الدين - فهؤلاء هم أهل السطوة والنفوذ، والعدالة في أغلب المجتمعات قد جُعلت من أجل هؤلاء ومن أجل تحقيق مصالحهم، أقول هذا من وحي هيمنة هذا - الحلف الثلاثي - على صناعة القرارات والقوانين وتنفيذها (فهم من يصنعون القوانين وهم من ينفذونها)، بحيث يكونون هم جهة الإدعاء والحكم وجهة الدفاع في آن معاً، أي هم الجهة الممثلة للعدالة والناطقة بأسمها، ومتلازمة - الحلف الثلاثي - موجودة على طول الخط في الماضي والحاضر (وفي قصة فرعون وهامان وقارون خير مثال)، والمُشار إليها بهذا التعاون والعمل المشترك بين هذه الفئات، وعالمنا يشهد إن الحق يدور مع رأس المال حيثما دار إيجاباً أو سلباً .

هذا القول يقودنا للتعرف: عن مدى خطورة هذا التوصيف، الذي يجعل من الناس خدماً وعبيداً لهذا الحلف فتفقد العدالة مضمونها ومعناها، فالحكومة بكل تفاصيلها ليست مقدسة ولا معصومة أو إنها لا تفعل ولا تقوم بأفعال ليس فيها خطأ، وليس هناك حاكماً في الأرض لا يخلط في قضاياه ورغباته الخاصة وبين حاكميته ؟، ولا توجد حكومة في العالم تسن القوانين دائماً لمصلحة الشعب، كما إن المشرع وجهة التشريع فيها ليست مقدسة لدرجة بحيث لا يجوز عليها الخطأ، وفرق كبير بين تشريع القوانين وسنها وبين مفهوم الطاعة ودواعيها .

وفي هذه الفقرة بالذات ذهب بعض من فلاسفة الإسلام مذهباً مثالياً، حين جعلوا من فن الحكم مقدساً في ذاته مما يستوجب الإنقياد إليه وطاعته، يأتي هذا من معنا مثالي يدور في فلك (إن الحكومة إنما تقيم أحكامها تبعاً لمصالح المحكومين جميعاً)، حسب نظرية الراعي والقطيع وهي نظرية موغلة في القدم، وهي قائمة بالفعل على ما يقوم به الحكام، حتى شاع في التاريخ الإسلامي ذلك القول السيء عن معنى إطاعة الحاكم: - [وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك] - !!، فالضرب والتعدي هنا حرره الفكر المثالي تحت بند المصلحة، في الحماية والأمن والإستقرار والنظام، وقالوا: - يكون التعدي أفضل وأنفع من العدالة -، حال تكون العدالة تضييع للحقوق .

ولكن هذه الفكرة السلبية والتي تبرر الظلم، تذهب مذهباً في جعل المصلحة مرتبطة بهذا الحاكم، وكأن الحاكم هو من يهب للناس الرزق والعيش والحياة، ناهيك عن أن الضرب ليس فيه مصلحة، ولا دليل على أن الضرب من حيث هو عمل يرتبط بإستتباب النظام والأمن، والفكرة وردت مجردة من ضميمة مفهومية تقول: (إن أصل تولي الحاكم للحكم لم يكن بإرادة شعبية، إنما كان بالغلبة والسيف والقهر)، فكيف تصح طاعته والتسليم لأحكامه ؟ .

إن مفهوم الدمج بين العدل والظلم تحت مسمى (العدالة فطرة صالحة والتعدي سياسة حسنة)، ذهبت بنا لتبني مقولة - العادل المستبد - التي ظهرت لدى فئة من الإنتهازيين والوصوليين المروجين والمبررين لغلظة حكم الخليفة عمر وشدته المفرطة، التي بررها القوم على أنها بمثابة العدل الذي ينصف الجميع، فأستخرج من فمهم كلاماً يقود إلى معنى قولهم: (إن الظلم بالسوية عدل)، وهذه محاولة لخديعة الناس في جعل ما يفعله الظالم إنما هو في سياق العدالة العام .

تدعي الميثولوجيا الدينية إن خدعة الظالم هذه تأتي من خلال التبرير الطوباوي عن جهات العدل الأربعة، معتمدين على تمويه مرده إلى القول التالي: - إن كل ذي فن قادر على غلبة غيره فيه -، والغلبة من جهة الوعي وجهة تحريك الدلالات في غير محلها (كالخدع البصرية التي تنطلي على غير أهل هذا الفن)، فالمروجين لفكرة - الظلم بالسوية عدل - هي محاولة منهم لتغرير الصالحين قبل غيرهم، وهي محاولة ديماغوجية يظن أصحابها إنها ستنتج مفاداً وتقريراً على هذا النحو: - (إن الفكرة في حد ذاتها عدل وصلاح وحكمة) -، وبناءاً عليه يكون المُخالف الذي في الطرف الأخر جاهل وشرير ومعتدي، وبهذا يتم التبرير للأعمال الشنيعة والفظيعة كقول البعض منهم: - (قُتلَ الإمام الحسين بسيف جده)، وهذا الوصف يعتبرونه من قبيل درء للفتنة تحت مظلة درء الإنقسام والنزاع وحفظ النظام والإستقرار، وهذه السفسطة التاريخية أعتبرت نوعاً من العدالة التي تحقق الوئام والإتساق، وبنفس الدرجة أو بطريقة اللاوعي تقضي على كل توجه من شأنه حتى السؤال عن فداحة العمل وبشاعته .

يأتي هذا في تحد واضح للعقل وأحكامه وحدوده الحسيَّة والمرئية، والعقل بطبيعته أو بما هو هو لا يعتبر العدالة قائمةً في الأساس على تبرير عمل الحاكم أو تبرير عمل المريدين له، بل العدل هو - ما يتسق مع طبيعة الواقع أو طبيعة الحقيقة بحسب وضعه الأصلي -، ومنه يظهر أن التوجيه الذي تبنته جماعة الحكم لا ينفك يخرج عن طبيعتها المادية تلك ونظرتها، والتي هي الوجه الأخر للظلم، فالتركيز منهم على تبرير الظلم على أنه عدل لا يحقق المصلحة إلاَّ في نظر المتبنين ولفترة محددة تنتهي بإنتهاء المنفعة، والتأكيد على المنفعة أو المصلحة لا يمثل منطق الحق من الوجهتين الطبيعية والمكتسبة، وقياس ذلك على تمام مراحل التاريخ قياساً باطلاً ينتهي إلى الإعتراف بالعجز وعدم القدرة في مواجهة الظالم والظلم .

فإن قلتم: - هذا مقتضى السياسة التي تعتبر الحق متعلقاً بالحاكم - .

قلنا: - إن هذا الإقتضاء قهري ولا أساس له سوى كون الحاكم يمتلك القوة، وهذا ما يجعله فوق القانون والعدل - .

وهذا القول الإفتراضي منهم يجرنا للإعتراف بالفوضى كمنفذ للحق، وبالتالي الإستسلام لهذا المنطق فتفقد العدالة قيمتها ومعناها، ومن أجل إقامة التوازن لا بد من الإشارة إلى هذا الخلل في الفهم، وهذا هو الجانب الأول أو المُقدمة في الموازنة بين العدل والظلم وحدودهما .

لقد عجز أنصار تلك الفكرة في التبرير لما يفعله الظالم ولم يجدوا الجواب الشافي، وكذا لم يجدوا تلك الدرجة التي تؤهل التشريع ليكون منسجماً مع هذه الفكرة اللامنطقية وتوابعها، من هنا نقول: - لا يصح أبداً إدراج الأقوال أو الأفكار التي تروج أو تخدم الحاكم، ولا يصح إعتبارها هي العدل أو من العدل أو أنها المعبرة عنه، لأن تلك الأفكار والأقوال توازي ما تتبناه - المثالية الكلاسيكية - المستسلمة والتي تؤيد الخنوع بحجة الحفاظ على الأمن والنظام، حتى لو أعتبرنا هذا التوجه أو هذا التفسير منها زمني لكن الشيء المهم إن فيه الكثير من الإلزام والخضوع الممنوع .

ومن هنا نُعيد التأكيد من جديد والقول: - إن العدل لا يكون صحيحاً حين يجسد إرادة الأقوياء -، ولا يكون صحيحاً كذلك حين يكون لمصلحة الأصحاب والأقرباء، لأن في ذلك التوجه أو الإيمان شياع للظلم في مسمى جديد، وإقتراحات بعض الفلاسفة المثاليين الكلاسيكيين ليست على مايُرام، ولا ينبغي إعتمادها أو الأخذ بها كما لا يجب تبرير مقولات أهل الفقه التراثي في ذلك، فثمة خدوش كبيرة في متبنيات الطرفين، وثمة تماهي وسيرورة واضحة مع إرادة الحاكم مهما كان وحاشيته مهما تكن، وهذا هو الظلم المنهي عنه، وأما العدل فحقيقته وأساسه ومعناه هو في وضع الشيء في موضعه .

 

 

العدل الإلهي:

في البداية نسأل هل الله عادل ؟، ثم لماذا نفترض إن الله عادلاً ؟

وللبيان نقول: لم يرد لفظ - عادل - لا أسماً ولا مصدراً في الكتاب المجيد مطلقاً، ولكن الذي ورد هو صيغة الفعل والصفة، واللفظ في كليهما ورد في باب التشريع والقانون وبصيغ (أعدلوا وبالعدل) وغاب الأسم وأسم الفاعل والمصدر، وهذا يقودنا للكلام عن أو في أصل التكوين والخلق، وفي هذا الأصل نقول: هل كان هناك قيداً أو مانعاً يمنع من ذكر الأسم ؟، وإذا كان موجوداً، فما هو وما نوعه ؟، والسؤال عن الماهية والنوعية في معنى القيد، يقودنا للجواب الذي ورد تحت معنى (آية أو آيات) كدليل غير مباشر لعدم الذكر، وهذا يعني إن التساوي في الخلق ظلم، ولذلك جعل الإختلاف سُنة طبيعية لتوازن الكون والحياة، لذلك كان من مقتضيات صحة نظام الطبيعة هو رفع حالة التساوي في طبيعة الخلق، لا في الفئة الواحدة ولا في الفئات المتنوعة ولا في الفرد الواحد ولا في الأفراد الأخرين، ومن ذلك أستلهم الفقيه والكلامي هذا المعنى ووظفوه في أبحاثهم، فأهل الكلام مثلاً أعتبروا: - (وجوب العدل على الله) - !!، وهذا الإعتبار منحاز للسياق ولطبيعة الله المعنوية، ولكن كيف يكون ذلك ولماذا ؟

أي كيف يكون العدل واجباً على الله ولماذا ؟، يأتي هذا في سياق المُتبنى عند أهل الكلام في قولهم بوحدة الأسم والصفة، ولكن الإعتبار منهم أُخذ من معنى الصفة، وكما قلنا لا يميز الكلامي في الدلالة بين الصفة والأسم، ومهما يكن اللفظ فيكون دالاً على الأخر، نفهم هذا من مقولتهم الشهيرة والقائلة: - إن أسمه عين صفته، وصفته عين أسمه -، في الإشارة والوصف إلى الله، مع إن هذه المقولة ليست بيانية بدرجة، ولكنها إلتفاف وإجابة من بعيد (على هكذا موارد قد يسأل فيها سائل) .

ولكن كيف يكون العدل واجباً ؟، والجواب: إن الوجوب ليس بما نفهمه من المعنى السلبي المُلزم، ذلك إن الله ليس محكوماً ولا تابعاً للغير بالفعل ولا بالقوة، ولكن الله لما سمى نفسد - الرحيم - وعرفناه كذلك، قلنا هذا: من باب إشتقاق المعنى التضمني لمفهوم الرحمة، والذي بمقتضاه: - لا يظلم عند الله أحدا -، وبناءاً على هذا المقتضى يكون الله - عادلاً -، قال تعالى: [كتب ربكم على نفسه الرحمة] - الأنعام 154، ولفظ كتب يدل على الوجوب وقد مر بيانه في معنى الوصية والميراث فلا نعيد، ويكون المعنى المُراد: - (أوجب ربكم على نفسه الرحمة)، أو بتعبير أخر: - (إن الرحمة واجبة على الله)، قال تعالى: - [وربك الغفور ذو الرحمة ..] - الكهف 58 .

ولكن مامعنى عدم ذكر أسم الله (العادل) ولا أسم الصفة (العدل) في عالم الخلق والتكوين ؟

مع أن المفروض أن يكون الأسم والصفة موجودان في عالم الخلق والتكوين، حتى لا يدع مجالاً للشك أو إتهام الله فيما صنع وخلق وسوى، ونحيل أوراق هذه القضية والكلام فيها لمعنى الإختلاف الموجود في اللسان واللون، وتعلمون كم أصاب بعض القوم من هذا الإختلاف ضرر ومخمصة أدت إلى شعور البعض بالضعة والضعف، بل وأدى ذلك إلى إحتقار الغير لهم وإستعبادهم، فهل هذا التفاوت يدخل في صحة معنى قوله تعالى: - [.. وإختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين] – الروم 22،

تدعي المثالية: - إن ساحة العدل الإلهي من السعة بمكان بحيث لاتدع مجالاً لإتهام الله فيما صنع أو خلق أو شَّرع -، أي إنه لا يمكن إتهام الله في خلقه لبعض الكائنات، وجعلها متفاوتاً باللون واللسان من جهة ومن جهة جعلها متفاوتاً بالعلم ودرجة الإستيعاب ومن جهة الرزق، ولعل الكتاب المجيد أدخل هذا التفاوت في المعنى التكاملي للحياة، إذ بدون ذلك يتعذر العيش والحياة عبارة (آيات الله)، أي إن هذا التفاوت والإختلاف هو من آيات الله المرتبطة بالخق والتكوين، وليس لمعنى الآيات مجالاً في عالم التشريع والقانون، ومن هنا فالربط الموضوعي بين الإختلاف والآيات يرتبط حصراً بعالم التكوين، وفي هذه بالذات لا يعد الإختلاف ظلماً بل هو عين العدل ومقتضاه، فالتساوي في الخلق في عالم التكوين يفقد الحياة معناها، ويفقدها هذه الصورة الجميلة التي هي عليها الآن، والإختلاف وفق هذا النظم عده أهل الحقيقة (بيان في حيوية الخلق) .

إذن فلإختلاف في الخلق تكويناً هو القاعدة التي يُبنى عليها، ويغدو من العبث السؤال عن وحول: - لم يذكر الكتاب المجيد الأسم أو أسم الفاعل ؟، ونقول: إن الله في باب التكوين لم يطرح فكرة التساوي في الخلق، لأنها سالبة بإنتفاء موضوعها، ولكنه رسخ مبدأ التساوي في الحكم والتشريع، أي إن الله حين أستخلف العقل في الإدارة والحكم طلب منه، الإلتزام بالعدل صفة وفعلاً حتى يتم تحقيق الصفة والفعل في الحياة في الحقوق والواجبات، لهذا ورد في الأثر (عدل ساعة في الحكم تساوي عبادة ستين عاماً)، وبهذا الطلب يكون التنفر أو إلقاء التهم على الله في كونه أصل المشكلة، إتهام باطل لأن الله إنما أراد الإنسان أن يكون له القدرة والصلاحية في تحقيق فكرة المساوات في الحقوق والأولويات، ومع ذلك لم يترك الله الإنسان وحده في سن القوانين والتشريعات بل ساهم معه في ذلك، عبر تشريع القوانين والنظم في مجالات الحياة كافة، وتبقى فكرة إتهام الله منشأها نفسي ومزاجي، تقوم على الملاحظات البسيطة والكسل والتخاذل في عدم القدرة والإستطاعة على مجابهة المشكلات التي تصنعها الحياة والإنسان، فيُنسب هذه الخلل إلى الله ثم يُتهم مع إن المنطق العلمي يقول: - إن الأصل في عالم الوجود قام على أساس مبدأ الإنتظام الطبيعي -، وهذا المبدأ هو عينه الذي قامت عليه ودلت مقولة إن العدل هو: - (وضع للشيء في موضعه) - .

ومنذ بدايات الخلق لم يخرج مفهوم - العدل - عن كونه الدليل الدال على النظام وحفظ الحقوق للأفراد والجماعات، ولا ينفصل هذا المفهوم وجوداً وعدماً عن مفهوم الحرية كشرط في تحققه وديمومته، فالحرية شرط سابق ليكون العدل في محله وموضعه الصحيح .

ونعود للتأكيد بأن - العدل - لا يعني التساوي في عالم التكوين، ولكنه في عالم التشريع يكون مطلوباً كذلك في مجال الحقوق والعمل، طبعاً لا يجب أن يُفهم من ذلك إن التساوي بمعنى التوافق أو الإنطباق في الهيئة والشكل والمضمون وفي العمل والأجور، ولهذا ورد القول التالي: - لكل حسب قدرته ولكل حسب حاجته -، وهذا القول هو الذي يجيزه العقل ويقره، بمعنى إن العقل لا يسمح بتساوي الأجور مع تفاوت العمل وساعاته، إنما يجيز العقل التساوي في الحقوق المشتركة كقضية التأمين الصحي والتعليم وإن يكون لكل فرد أو عائلة مسكناً يؤون إليه، ولكن في مجال العمل تتفاوت القدرات والجهود المبذولة في ذلك، لذلك نقول: - لا يكون ممكننا المساوات في العمل وفي الأجور، لأن ذلك مدعاة لوقوع الحيف على البعض -، وهذا ممنوع بل ليس من العدل بشيء، ثم إن أسم الصفة - العدل - يتضمن ويدل على - إعطاء كل ذي حق حقه -، ولا يدل ذلك على معنى التساوي في كل شيء، إنما يدل على عدم تضييع الحقوق كثيرها وقليلها .

وهذه دالة العدالة ومضمونها المعرفي، وفي هذا المجال تطرح هذه الإشكالية في صيغة إعتراض، عن الجدوى من تأصيل الفوارق في الرزق وفي العلم وفي الصحة، والتي وردت بصيغة (هل يستوي ..)، التي يفهم منها اللامساوات والتي يجد فيها البعض كما قلنا، وسيلة في التشكيك وإتهام الله وبأن ما حاصل بالفعل إنما منشأه عدم العدل وتأصيله وتشريعه، سواء من جهة الخلق أو من جهة القابلية والقدرة والإستطاعة، من خلال ذلك النظام الظالم الذي رفع بعض الناس على بعض، وقد أستُغل هذا الوضع من جهات وأفراد ليميزوا فيه أنفسهم على غيرهم، مدعين الحق وناسبين ذلك إلى الله وإرادته، التي أفتقدت للعدل حين لم تساوي وفرقت في الخلق وفي الصنع .

وقد أبطلنا هذا القول من جهة (إن الله لم يجعل هذا التمايز لما هو سيء وقبيح)، بل أدخله في مجال وميزان التنافس والعمل طارحاً مبدأ: - (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك) الإسراء 20، فمن جهة جعل الناس شركاء في أساسيات الحياة المعروفة، ومن جهة دفع حالة اليأس والقنوط التي قد يظن بها البعض، ومن جهة أخرى جعل من التمايز سنة طبيعية وجعل من مواجهة الجميع للحياة بنفس الدرجة، ثم أتبع ذلك بقوله: - [ليبلوكم أيكم أحسن عملا] - هود 7 والملك 2، ومفهوم البلاء هنا ليس مفهوماً سلبياً إنما هو تكليف، ورد في صيغة التحدي ومواجهة قوى الطبيعة والحياة، يظهر ذلك في الربط بينه وبين لفظ - أحسن - الوارد في صيغة المبالغة أو لنقل المفاضلة، وبذلك يكون قد حدد طبيعة المواجهة وشكل التحدي لها، معتبراً العمل هو القيمة التي تحدد معنى الأحسن والأفضل في مواجهة الصعاب والمتاعب، إذن هو موضوع طرح على نحو إيجابي طالما كان القصد منه درجة الإعمار والبناء: - (هو أنشأكم من الأرض وأستعمركم فيها) هود 61 ...

وللحديث بقية

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

25 رجب 1440 هجرية

 

 

مجدي ابراهيملا ينفصل الحديث عن المعراج بمعناه الصوفي، عن الحديث عن الإسراء بمعناه الديني، كلاهما (الإسراء والمعراج) يصدر عن مشكاة من النور واحدة، وكلاهما يحيل الغيب من طريق الذوق إلى شهود، وكلاهما يرتفع فوق مرتبة الحسّ المشاهد والعقل المحدود؛ ليخاطب في الإنسان ملكات أعلى من العقل وأدنى إلى البصيرة وأقرب إلى الإيمان، وكلاهما تعبير مباشر عن الصدق والتصديق. فأمّا الصدق ففي آيات الإعجاز. وأمّا التصديق؛ ففي سلامة الإيمان من الدَّغَل والتعطيل.

وإنّا لنلفتُ النظر هنا إلى أننا نقارب حديث الإسراء والمعراج مُقَاربات روحيّة من حيث علاقتها المباشرة بمسألة الإعجاز بالمفهوم الديني، ومسألة الإعجاز في القيمة الروحيّة، واستخلاص الدلالة الباقية من تلك المقاربات في كل حديث على حدة، سواء كان في الإسراء أو كان في المعراج.

توكدت رحلة المصطفي  صلوات الله وسلامه عليه، توكيداً يقينياً من لدُن تنزيل حكيم. كما أكد القرآن الكريم كثيراً من المواقف التي حدثت لرسول الله توكيداً يرفعها فوق رتبة الشك والحيرة وإثارة الريبة في نفوس الناس. في سورة الإسراء يقول الحق تبارك وتعالى :" سُبْحَانَ الَّذي أَسْرَىَ بعَبْدِه لَيْلَاً مِن المسجدِ الحَرَامِ إلىَ المَسْجِدِ الأَقْصَىَ الَّذي بَارْكَنَا حَوْلَهُ لنُرِيَهُ من آيَاتِنَا، إنّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" (الإسراء(1)).

فلا عجب أن تتصَدَّر سورة الإسراء بهذا الاستفتاح الإلهي العظيم الذي يقدّم مفعول القدرة الإلهيّة على كل ما يحدث من عجائب الكون الهائل الفسيح؛ ليعمل عمله الفاعل كرامة للإنسان وتشريفاً له أيّما تشريف، وكفى بشرف العبودية شرفاً ما بعده شرف؛ فإذا تقدّم الوجود الإلهي، ولا بد أن يتقدّم، وَجَبَ هنالك الخضوع والإذعان والتصديق : علامات العبودية لله. وإذا وجدت هذه الثلاث صفات في قلب عبد كريم النفس جواد بمعدن الإيمان، كان أمره أن يرى ما لا يراه غيره من الناس، ولو كانت هذه الرؤية من قبيل الخوارق التي تصدم العقل من أول وهلة.

ولأجل هذا؛ انتقل خبر الإسراء إلى أبي بكر الصديق. وهو - من بعدُ - لم يلتق بمحمد ،صلوات ربي وسلامه عليه، فقال قولته المشهورة إذْ ذَاكَ :" إنْ كانَ قالَ فقد صَدَق ". وقد صدق كريم النفس الذي يجود بكل ما عنده من معدن الإيمان. ولم يكن تصديقه إذْ ذَاَكَ إلَّا الصدق الذي يلزم لكمال الإنسانية من طريق الإيمان، وإلّا الصداقة التي تشتق من الصدق؛ لتجيء زخراً للصادقين؛ فإن صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الندامة. وخيرُ الأصحاب عند الله تعالى كما قال عليه السلام خيرهم لصاحبه". وقال :"لا تصاحب إلّا مؤمناً" .. "ولا خَيَر في صحبة من لا يرى لك الخير كنفسِه".

وليس من عجب أن تكون الصداقة طريقاً للكمال ونموذجاً يحتذى للحياة الإنسانية، يلزم لها كما يلزم للإنسانية أن يجيء من أصدق صفاتها ترقية الأخلاق وتهذيب الحواشي والطباع والنفاذ إلى البواطن قبل الظواهر. لا ريب كان الصدق في الإنسان أهم مزيّة تثلج الصدر وتورث التوازن بين مطالب النفس وحاجات الضمير.

الإنسان الصادق إنسانُ كاملٌ ما في ذلك شك؛ لأنه نموذج أعلى صالح للإنسان كما ينبغي أن تكون عليه خصال الإنسان. ألَا ما أروع الصدق في ذاته، وما أروع ورع الصادقين. وقد قال صلوات الله وسلامه عليه  :"ما يزال الرجل يصدق ويتحَرَىَ الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً". " عليكم بالصدق؛ فإنّ الصدق يهدي إلى البر، والبرُّ يهدى إلى الجنة".

علام لا يكون الصدق فضيلة الفضائل، وعلام لا تكون الأخلاق التي يكشف عنها هى في أعمق أعماقها دلالة أكيدة على فضيلة الصدق إذا توخّاه أهله وأربابه وعارفوه؟

إنَّ الصدق طمأنينة والكذب ريبة كما قال سيد الخلق، صلوات الله وسلامه عليه، وهو المنجاة. أمَّا الكذب فتلف ومهواة. علامَ لا يكون الصدق فضيلة، وقد وصف الله نفسه بمحبة الصادقين؟ وهل بعد وصف الله في كتابه العزيز وصفاً تناط به قيمة الصدق بعيداً عن تحليلات المُحَللين وتعليلات المعللين إلّا أن يكون هو الوصف الذي يجئ لنا على السماحة والمودة والصفاء؟

حقاً .. إنْ كانَ قالَ فقد صَدَق. كلمة رائعة من رجل رائع، نفذَ الصدق إلى أعمق أعماق طواياه؛ ليؤكد هذه الحقيقة الساطعة : أن الله يحب الصادقين فيجرى على قلوبهم وألسنتهم كلماته الخالدة. يحبُّ الله الصادقين ما في ذلك شك، ولا عليه خلاف، لكن هذا الحبّ لا يتأتى مطلقاً إلّا بتطهير الأفئدة من الأخلاق المذمومة؛ فإنّ فضيلة الصدق وتوابعه من الصداقة والمودة والمحبّة والإخاء وحسن الأحدوثة إنما هو نظافة، لتجيء الصداقة : نظافة الباطن من لوثة المهلكات.

ومن أجل هذا؛ كانت كل توابع الصدق في ذاته وصفاته طريقاً في سبيل الكمال، وأن الكُمَّل وحدهم لهم الصادقين على الحقيقة. فإذا لم يكن ها هنا تطهيرٌ ما كانت هنالك صداقة، ولا كان هنالك صدق. ومتى كان الإنسان في نفسه صادقاً، كان قائماً على أخلاق الصادقين على الدوام بلا انقطاع، أولئك الذين زرعوا الصدق والرصانة وحصدوا الثقة والأمانة. ولزم - من ثمَّ - أن يفرض هذا الصدق فرضاً ممتعاً مبهراً على واقع الناس من حوله وعلى الآخرين .. كيف هذا؟

لأنك لا تكون أبداً على فضيلة الإخلاص الصادق في التعامل والمعايشة، ولا تخاطب فيك هذه الفضيلة عنصر الفضل في الإنسانية كلها؛ إذا هى تعلقت بقيم الوجود الروحي والأخلاقي لكل إنسان يَرْقىَ مع هذا النزوع ويسمو مع تلك المطالب ويجوز عليه كل ما هو جائز على إنسان صعدت فيه هذه الفضيلة السامقة الرفيعة ولم تهبط هبوط الحيوانية البغيضة إلى الدرك الأسفل من التخلف والانحطاط. وبما أن الصدق عمود الدين، وركن الأدب، وأصل المرُوُءة، فقد صارت من ها هنا مسألة "القدوة"، وهى خيرُ نموذج صالح، ضرورية لاقتران الفكرة بالمسالك العملية وبالممارسة النافعة في حياة الناس.

القدوة التي رآها أبو بكر في رسول الله صلوات الله عليه، فَصَدّقه في خبر السماء (إنْ كانَ قَالَ فقد صدَق).

لا جَرَمَ كان هذا المضمون الطيَّب أصلاً أصيلاً تتفرَّع عنه الصداقة؛ لتكون طريقاً إلى الكمال، وينطبق عليها ما ينطبق عل فضائل العلاقة الطيبة بين أفاضل الناس. يضيع المجتمع في سفاهة الخُلق الوضيع إذا لم تكن الصداقة بين أفراده مؤسسة على طيبة هذا المضمون، وطيدة تقوم على التلطف والإحسان والثقة المتبادلة، وعلى مراعاة حق الله فيما أمرَ وفيما نَهى، وفيما ألقى على الإنسان تبعة التكليف، يعيش معها مسئولاً  بالتبعية على أخلص ما في ضميره من مزايا وخصال ومن معاملة وتقرير.

ويحسبُ الذين ينظرون إلى مثل هذه الأمور نظرة سطحية أن علاقة الصديق أبي بكر رضوان الله عليه بسيد الخلق صلوات الله عليه تحتّم عليه أن يصدّق قول رسول  الله فيما حَدَّثَ به من أمر الإسراء والمعراج لا لشيء إلا لأنه سيده وقائده ومعلمه ورسوله الذي لا ينطلق عن هوى وكفى. وكفى بهذا تصديقاً في صدق الصديق الذي أطلقت اللفظة اسماً عليه ورسماً؛ لتصديقه خبر الإسراء في حين كذّبه كثيرون. وإذْ لم نُرِدْ نحن أن نقف عند هذه النظرة التاريخية بما فيها من سطحية الإعجاز، يُلزِمنا ذلك أن نريد عمق النظرة في هذا كله، فننظر إلى الإعجاز العميق في جذوره الإيمانية. فلو لم يكن أبو بكر الصديق قد قال ما قاله يوم أسْرىَ برسول الله صلوات الله عليه  فماذا عَسَاهَا إذْ ذَاكَ كانت تكون الرسالة؟ وماذا عساه يكون أمر النبي يومئذٍ، وجليس المرء مثله؟

لكن شَاءَ الله، سبحانه، أن يقيّض لهذا الدين رجاله وأن يدفع بهم الكذب والريبة وعدم التصديق بسيف صارم بتَّار من قوة البصيرة وقوة الإيمان؛ تمثل للوهلة الأولى في أبي بكر الصديق حين نقلت إليه الأخبار أن محمداً أسرى به في ليلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عُرجَ به إلى السموات العُلا عند سدرة المنتهى، ورجع إلى منزلة في نفس الليلة ليحَدِّث الناس بما رأى وبما سمع.

خَارقةٌ أذهلت العقول وأعجزت القلوب ونالت يومها من هشاشة الإيمان عند كثيرين؛ لكأنما هى شكاية تتلون بألوان التكذيب. فما كان منه، رضوان الله عليه، إلّا أن دَفَعَ في وجه كل افتراء تصديقاً لخبر الرسول  :" إنْ كانَ قالَ فقد صدق ".

فهذه مقولة لا يقولها على البديهة إلا مؤمن يتقدَّم عنده الإيمان بالله على سواه، ويصاحبه في نفس هذا التقدُّم الإيمان بصاحب الرسالة.

فلئن كانت النظرة التاريخية تقصر الإعجاز في تلك المقولة على علاقة النبي عليه السلام بأبي بكر الصديق، فإن عمق الإعجاز فيها كلمة أطلقها أبو بكر الصديق، لا يقتصر على العلاقة الحميمة بينه وبين النبي، ولكن أيضاً بالإضافة إلى ذلك، يُشْرِقُ من معدن الإيمان وهو بلا شك معدن أصيل في الطبائع النقية والسلائق المؤمنة، حَدّده وأورد ذكره ذلك الاستفتاح الإلهي العظيم في قوله تعالى " سبحان الذي ... ".

فعلى هذه الكلمة المباركة التي تقدِّم القدرة الإلهية على كل شيء، وترسل الخضوع والإذعان والتصديق أشعة نورانية وضّاءة إلى قلوب المؤمنين بالله، وبما عند الله، إيماناً صادقاً ومخلصاً. أقول؛ على هذه الكلمة الإلهية في التسبيح الوارد ذكره، كان إيمان أبو بكر رضوان الله عليه، حتى ليرى من أمر النبي ما لا يمكن أن يراه سواه ممّن لم يتمكن الإيمان من قلوبهم تمكنه بهذه الصلة القويمة المحكمة.

نعم! ذلك الإيمان الذي يتركّز في هذه اللفظة (لفظة التسبيح) تركيزاً شديداً قد لا يتيسر لنا فتح معناه الذي انكمش في باطن الكلمة " سبحان الذي ... "، ومن هنا؛ فلا نستغرب مطلع الآية القرآنية بحكمة الاستفتاح بالتسبيح؛ لتجيء اللفظة ليست مجرد لفظة عارضة بل قدرة إلهية محمَّلة بالإعجاز الذي تحار فيه العقول المحدودة بمقدار ما تحار في تعليل أسبابه وخوافيه. ولم يكن هذا الإيمان عند خليفة رسول الله ببعيد عن صاحب الرسالة؛ فهو صلوات الله عليه الذي علمه كيف يكون الإيمان. ولو سُئل سيد الخلق : مَنْ من أصحابك أسرع إلى تصديقك في أمر هذا الإعجاز؟ لكانت الإجابة بلا شك أنه أبو بكر.

وسبب هذا؛ أنه يعلم تماماً إيمانه الصادق الصدوق الذي لا يمكن أن يكذب فيه خبراً جرى به لسان النبي عن ربه؛ فهو من معدن الإيمان ينطلق وإلى معدن الإيمان يعود. وأي قياس في طبيعة الإيمان تقاسُ به معجزة الإسراء والمعراج بالنسبة إلى خبر السماء أقنع وأفعل وأصدق من هذا القياس؟

فإذا كان أبو بكر يصدِّق رسول الله  في خبر السماء، فكيف لا يصدقه في خبر الإسراء من مكة إلى القدس، والمعراج من القدس إلى السموات العُلا؟ أليست الدعوة المحمدية كلها، في قضّها وقضيضها، خبراً عن السماء من وحي معصوم عن الكذب والافتئات، ممدود الرعاية الإلهية فيما تقصد إليه الرعاية من تصديق بكل ما جاء فيها، وبشتى ما يجري على مقتضاها من نصرة صاحب الرسالة في أول وآخر مطاف؟

ولنا أن نلاحظ : إلى أي مدى تنتقص القدرة الإلهية في طبيعة إيمان المؤمن بهذه القدرة، فيُواجه بالتكذيب والتشكيك مثل هاته الأمور التي تبدو من الغرائب الأعاجيب بالنسبة للمحجوبين عن أقدار الله وعن موالاة رسوله؟

وليس في مستطاع الخيال أن يتخيّل : إنْ خطرت إذْ ذَاَكَ في قلب الصديق خاطرة شك أو داهمت عقله هاجسة ريب في أمر العلاقة ذات الصلة الوثقى بين ربِّ العزة ورسوله محمد ،ماذا سيكون عليه الحال؟

لم يعد إذْ ذَاَكَ من المتقدّمين ولا من المتأخرين في صدق الإيمان. ولكنه، رضوان الله عليه، صَدَّق؛ لأن الصدق شيمته وثمرة مروءته وزكاة خلقته وربيع قلبه وشعاع ضميره، وهو أقرب الموارد لحرية الاعتقاد تماماً كما هو أقرب الموارد إلى طبيعة الإيمان الصادق منه إلى التشكيك والتكذيب؛ فمن حيث كونه أقرب الموارد لحرية الاعتقاد؛ فلأن أمر العقيدة كلها موكول عليه، وهو غيب في غيب.

ومادام الإنسان أختار بكامل حريته الاعتقاد في الله ورسوله؛ فقد أختار تباعاً كل ما يَلْزَم عن العقيدة من عمل وما يتعلق منها بسلوك. وأولُ هذه المتعلقات اللازمة هو تلك العملية الفكرية التي تنقل الاعتقاد الباطن إلى حيث ميادين السلوك والعمل. وإني لأعنى بالعلمية الفكرية هو ذلك الضرب النادر من الصدق والتسليم : الصدق فيما يواجهك به الاعتقاد من فروض بيد أنها في ذاتها حقائق من شأنها أن تغزو نفسك فتثير فيها الشكوك؛ فتظل تبني على هذه الفروض إرهاصات من خطرات الفكر ووساوس النفس قد تخرجك، إذا لم تكن قوى الإيمان، عن حظيرة الاعتقاد. وإذا كان الصدقُ ربيعَ القلبِ وزكاةَ الخِلْقَةِ وثمرةَ المروءةِ وشعاعَ الضمير، فإن مرَدُّهُ إلى الفعل النافع والعمل القويم المشروط بشرائط الاعتقاد، والصادق مَن يصدُق في أفعاله صدقه في أقواله.

وإني لأجد علاقة ظاهرة رابطة بين الصدق والحرية لا يخطئها نظر الفاحص المتعمق في أغوار الإيمان؛ فالمؤمن الذي يصدّق هو من الحرية بمكان بحيث يجيء الصدق ديدنه المعهود كما تكون الحرية غايته الشريفة الأبيّة. والصادق حرٌّ كريم لا يرضى الضيم ولا الهوان، لا على مستوى العقيدة التي يدين لها بالولاء ولا مستوى العمل بها أو التطبيق.

أمّا من حيث كون الصدق هو أقرب الموارد إلى الإيمان منه إلى التشكيك والتكذيب؛ فمَرَدَّهُ إلى التسليم بأمر العقيدة من حيث كونه اختباراً لقوة إيمان المؤمن بالاعتقاد؛ وتمحيصاً لمساربه في قلبه وضميره، فإذا لم تكن قوى الاعتقاد فلن تكون بحال قوى التسليم.

وقرانة الصدق والتسليم بالاعتقاد هى قرانة ضرورية بحكم البديهة الإيمانية، تدور معه حضوراً وغياباً حتى إذا ما حضر الاعتقاد في القلب حضر معه الصدق، وحضر معه كذلك التسليم، وإذا غاب الاعتقاد وارتفع عن القلب؛ فغياب الصدق وارتفاع التسليم شيءٌ ضروري أيضاً يتحتم معه حلول الشكوك والأكاذيب. فالعلاقة المنطقية بين هذه المعاني ظاهرة لا تخفى على أحد، ولا يمكن لأحد أن يتغافل عنها؛ لكونها أظهر من أن تتعدى حدود المنطق أو تتخطى فواصل المعقول.

وهكذا؛ فقد صدَق الصديق رضوان الله عليه؛ لأن اعتقاده حرٌ كريم، أملى عليه في التوِّ واللحظة أن يكون صادقاً ولم يدعه عرضة لنوازع الفكر غير المضبوط بضوابط الإيمان تأخذه بعيداً عن محراب التصديق. وما كان يمكن أن يكون كذلك لولا أن حضور القلب الذي يُغَذيّه الإيمان بالله على الدوام كان بمثابة الرؤية الهادية إلى التصديق، وهى رؤية كاشفة تتوزع فيها الأنصبة العادلة في كل جوانب الشخصية التصديقية؛ فجانب منها من نصيب الفكرة الإلهية، وجانب فيها من نصيب الذوق والشعور بوافر المعيّة، وجانب ثالث من نصيب تقدير مشكاة النبوّة الذي يترفع ويسمو متى ارتفعت في الإنسان قواه الباطنة. ومن وراء ذلك كله، تكمن الرؤية الكاشفة يتحرَّك من خلالها ذلك الوجود الروحي الحيوي الفعّال. وهو كما قلنا أقرب الموارد إلى طبيعة الإيمان الصادق منه إلى التشكيك والتكذيب بل لا مجال هنالك لأمور التشكيك والتكذيب في مثل هذا الوجود.

على أن الحضور القلبي الذي أسلفنا ذكره لهو هو حضور تجميع لما تفرَّق من أحوال القدرة الإلهية الخافية عن قلوب الغافلين المحجوبين. ففرقٌ؛ وفرقٌ كبير بين حضور الإيمان وحضور الغفلة والتعطيل : الأخير الذي هو حضور الغفلة والتعطيل حجابٌ يصحبه ترديد أجوف منبوذ لشرائط الاعتقاد بالنظر تارة وبالكلام والتشدِّق تارة أخرى، هو مجرد أعجاب باللفظ؛ لكأنما هو قشرة برَّانيَّة هَشَّة فرضت نفسها فاستحضرت أناس لم يبلغ الحضور منهم درجة واحدة تتقوَّم بها عندهم مقومات الإيمان؛ فلئن كان حضوراً محجوباً يصحبه ترديد لفظي لشرائط الإيمان؛ فلأنه حضور لا يفارقه التردد القلبي وتقارنه الشكوك كما تداخله الأوهام. وأمثال هؤلاء هم الذين سمعوا حديث الإسراء والمعراج، فهبوا فزعين لينالوا من صدق النبي عليه السلام، وهم الذين كانوا من قبل يرونَ فيه مثلاً عالياً من الصدق والأمانة؛ فما بالهم اليوم يرتدُّون فيكذبون؟

هل خالط الإيمان قلوبهم أم كان مجرد قشرة خارجية هَشَّة حضورها على الغفلة واعتقادها خذلان؟!

غير أن فَزْعتهم هذه، قد أوجبت عليهم النكاية من جانب أبي بكر الصديق وهو الأمين الصادق الذي أطلق على أسماعهم، بعد أن هبوا إليه فزعين يشكونه هذا المورد الغريب أورده عليهم محمد رسول الله.

يومها أطلق عليهم طلقة صارخة مدويّة بما لم يعتادوا أن يسمعوه أو يفعلوه، وهو "الصدق" الذي جرَّدُوه من الفاعلية، بحضور الغفلة والحجاب، عن الاعتقاد. ولئن كان حضورهم حضور غفلة وتعطيل؛ فحضور الصديق، رضوان الله عليه، حضور إيمان مقرون بحيوية الاعتقاد.

كان حضوراً يَلفَّهُ الصدق الصادق الصدوق، ويطويه الإيمان المنزَّه عن لوثة الشرك والشكوك؛ إذْ كان صدقاً مقروناً بالاعتقاد عند أبي بكر في مقولته الشهيرة :"إنْ كانَ قَالَ فقد صَدَق"؛ فذلك هو حضور الإيمان الذي يخالط قلوب الصادقين.

فإذا كنتَ رأيتَ في الجماعة التي كذَّبَت حديث الإسراء والمعراج حضوراً غافلاً ذليلاً، فها هنا في تصديق الصديق ترى حضور الإيمان والعز واليقين علامة واضحة دفعت أبو بكر أن يقول ما قاله في شأن الرحلة المباركة الكريمة، وليس من عجب؛ فالصدق عز والباطل ذُل.

لقد صَدَّقَ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه  في أبعد من هذا، صَدَّقه في خبر السماء وائتمنه على حقائق الغيب المحجوب : أيكون بعد هذا كله، من الذين يكذبونه كما كذّبه من قومه كل معارض له شائن لدعوته؟ هذا والله مما لا يكون أبداً، ومما لا يصح في حق حضور الإيمان وكرامته وعزته في قلوب المؤمنين الكرماء الأعزاء.

*    *     *

ولا جَرَمَ أن حضور الإيمان، كما قلنا، مقرونٌ في جلالته بالآية الكريمة :" سُبْحَانَ الَّذي أَسْرَىَ بعَبْدِه لَيْلَاً مِن المسجدِ الحَرَامِ إلىَ المَسْجِدِ الأَقْصَىَ الَّذي بَارْكَنَا حَوْلَهُ لنُرِيَهُ من آيَاتِنَا، إنّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ". إنّه سميع بدعوة سيد الخلق محمد  حينما شكا إلى ربه ما هو فيه، بعد أن بلغ به الأسى مبلغه، مع أن طريقة الشكاية لم تكن من طبعه، وأن تحمّله ما لاقاه من أذى كان مثالاً نادراً للصبر الجميل، وللأمل الذي يملأ قلبه في نصر الله، دون أن يكون هنالك ما يفت في عضده، فيصيب منه اليأس من رحمه الله. واليوم اختلفت الأحوال؛ فإلى الجناب الإلهي يبث المصطفى شكواه، لكأنما اهتز لها عرش الرحمن :" اللهمَّ أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين : أنت ربُّ المستضعفين وأنت ربِّي. إلى من تَكِلُني، إلى بعيدٍ يتجهَّمَني أم إلى عدو ملكته أمري. إنْ لم يكن بكَ غضب عليَّ فلا أبالي. ولكن عافيتك أوْسَعَ لي. أعوذُ بنور وجهك الذي أشْرَقَتْ له الظلمات وصَلَحَ عليه أمر الدنيا والآخرة مِنْ أنْ تَنْزِلَ بي غضبك، أو تَحِلَّ عليَّ سَخَطَكَ. لك العُتْبَى حتىَ تَرضَىَ. ولا حَوْلَ ولا قوة إلا بك ".

بهذه الدعوات التي ذَرَفَها الوجد النبويّ فرَقّتْ لها قلوب الجلاميد، فانسكبت في الشعور لتعطي خيرَ ما لدى العبد الطيب الصالح في طلب المعونة من الله واللجوء إليه في السّراء والضراء. هذه الدعوة التي نطقت بها الشفاه الشريفة وتوجَّه بها إمام المستضعفين، وهو الأعز الأمجد، أمام ربّ العالمين، وهو سبحانه العليُّ السميع الأكرم، تتضمن شكواه كما يلاحظ ثلاثة عناصر : ضعف القوة، وقلة الحيلة، والهوان على الناس :

صفات لو تأملها المرء لوجدتها صفات الطيبين من الناس في هذه البشرية، الكثرة الكاثرة ممَّن أقفرت ديناهم من دعائم الوجاهة : من قوة المال والجاه والمنصب والسلطان والنفوذ، وعاشوا في أوطانهم ضعفاء القوة، قليلي الحيلة، هينين على الناس.

يَتَوَجَّهُ بها إمامهم الأعظم، خير خلق الله، دعوة خالصة إلى خالق الناس ربّ البشر ربّ العالمين؛ لا لينال منزلة أو ليحصِّل جاهاً أو ليغنم سلطاناً ونفوذاً .. كلا بل لا يبالي ، إنْ لم يكن لله عليه غضب أو يحلّ به سخط، لا يبالي خوفاً من الدنيا إذا كان رضوان الله فيها هو خير الزاد. ولله العتبى منه حتى يرضى عنه، وأي عتبى وأي رضى؟ إنّه الحبيب الأعظم إمام الطيبين، وقدوة المستضعفين، وسيد الذاكرين لله ممَّن لا يرون في الوجود سواه، ثم ليقول للضعفاء من بعده : أنا إمامكم، أتوجّه إلى ربِّ المستضعفين وربي، فكوني مثلي متوجهين كيما لا يضيركم في هذا الوجود شيء.

قد سمع الله دعوته،  وهو السميع البصير : سميع بضراعته، بصير بعبده حين ذَرَفَتْ منه ذَرَفات الوَجْد النبوي دعوات عالية، فلا يدعه نهبة لعوارض الزيف وأسباب الباطل في هذه الدنيا، ولكن طبيعة الرسول البشرية جعلته يتوجَّه إلى خالقه بتلك الدعوة التي ترق لها، كما ذكرنا، قلوب الجلاميد؛ فما بالك وهو يتوجَّه بها إلى الله تعالى خالق الأشياء كلها بما فيهم العباد والعبيد.

وجاءت بشرى هاته الضراعة إلى محمد تكريماً له، وللذين آمنوا معه، وإذا برسول الله  الذي يتوجّس خُفْيَة من غضب الله أن ينزل عليه أو سَخَطه يحلّ عليه، يمتطي البراق فيسرى به ليلاً ثم يعرج إلى العرش عند سدرة المنتهى؛ ليرفعه ربه إلى السماء؛ وليُرِيَهُ من آياته الكبرى كل مكنونات العبر العجاب وأدلة القدرة المعجزة، ومنه قوله صلوات الله وسلامه عليه  :" ... ثم عُرجَ بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صَرِيفَ الأقلام ".

وهنالك بعد أن أستوى جبريل على صورته الحقيقية بأجنحته التي تملأ الأفق لم يتقدّم خشية الاحتراق في حين تقدَّم النبي عليه السلام وهو ممدود العون بالاختراق، ثم قرب فهبط من علوِّ إلى أسفل، حيث "دنا فتدلى" (آية 8 من النجم) : أي أن الدنو كان على جهة التَّدَلي من علوِّ إلى سُفل، فكان قاب قوسين، أي بمقدار مسافة قوسين أو ذراعين من النبي أو أدنى :"فأوحى إلى عبده ما أوحى، وما كذبَ الفؤاد ما رَأىَ، أفتمارونه على ما يرى؟ ولقد رءاهُ نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جَنَّةِ المأوى، إذْ يغشى السِّدْرة ما يغشى، ما زَاَغَ البصرُ وما طغى، ولقد رأى من آيات ربِّه الكبرى".

يقول رسول الله صلوات الله عليه :" ولم أزل أنزل من سماء إلى سماء، فما مررتُ على شيء في السموات إلّا وهو يقول :" لا إله إلا الله محمد رسول الله ".

فلمّا انتهينا إلى السماء الدنيا، إذا الليل على حاله، لم يتقدّم ولم يتأخر، وأتيتُ مكة، ونزلت عن البراق، فودعني جبريل، وقال : يا محمد إذا أصبحت فحدِّث قومك بما رأيت من العجائب في هذه الليلة، وبشرهم برحمة الله تعالى، فقلتُ : يا أخي جبريل : إني أخاف أن يكذبوني؛ فقال جبريل : إنْ كذبوك صَدَقك أبو بكر؛ فلا تبال بمن كذبوك بعده".

صدقت يا حبيبي يا رسول الله، وصدقت يا سيدي الصديق حين قلتَ : إنْ كانَ قَالَ فقَد صَدَق. وصدق قول الحق سبحانه :" وَقُلْ ربِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنيِ مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاْجْعَل لّيِ مِن لَدُنكَ سُلْطَانَاً نَصِيراً " (الإسراء : آية 80).

أعودُ على ما بدأته فأقول : إنّ هنالك قيمةً باقيةً، وستظل باقية، ما بقيت في الإنسان قواه الروحية يعرج بها صعداً في طراز رفيع من المطالب العلوية كلما تذكر هذه الرحلة الشريفة المباركة؛ فمعجزة الإسراء والمعراج تطلعنا على أن العروج الإنساني متاحٌ للإنسان في هذه الدنيا وميسورٌ له إذا أراده وعمل له وتوخَّاه. وأهم ما يمثله هو "فريضة الصلاة"؛ ففي الصلاة يعرف ويدرك ويتذوق كل مسلم له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أنها معراج روحي تتحد فيه العلاقة المفصومة بين الأرض والسماء. وليست هى مجرد حركات لا تدلُّ على عمل القلب وينفرد بها القالب وحده، كلا بل هى شعور بتحقيق الوحدة مع الحق تعالى في أيسر وسيلة للقرب وللصلة، وأعظمها فريضة على الإطلاق.

ولما كانت الصلاة أمراً من الحق تعالى في قوله :"وأقيموا الصلاة"؛ فهى مخصوصة هنا بإقامة المعراج على الحقيقة، إنْ لم تكن هى لب لباب المعراج الروحي يتخذه الصوفية بل يتخذه المسلمون جميعاً دعامة روحية للاتصال بالله ومحبته ولقائه على السّعة والحضور.

وإذا كانت الصلاة لغة تأتي بمعنى الذكر والانقياد صارت في الوقت نفسه تجرى في عبارة الفقهاء عبارة مخصوصة تطلق على الأحكام المعتادة، إذْ كانت أمراً من الحق أن أقيموا الصلاة خمس مرات. وهذا هو الهجويري أبو عثمان الجلَّابي، يصف شروطها تباعاً كما تجري على التوالي :

أولها : الطهارة من النجاسة في الظاهر، ومن الشهوة في الباطن. وثانيها : طهارة الثوب من نجاسة الظاهر وأن يكون من وجهة الجلال في الباطن. وثالثها : طهارة الروح من الحوادث والآفات في الظاهر، وفي الباطن من الفساد والمعصية. ورابعها : استقبال القبلة؛ فقبلة الظاهر الكعبة، وقبلة الباطن العرش، وقبلة السّر المشاهدة (لاحظ هذا العروج في ترتيب التدرج هنا). وخامسها : قيام الظاهر في حال القدرة، وقيام الباطن في روضة القُربة بشروط دخول وقتها في ظاهر الشريعة. وسادسها : خلوص النية في استقبال الحضرة. وسابعها : التكبير في مقام الهيبة والقيام في محل الوصلة، والقراءة بترتيل وعظمة، والرجوع بخشوع، والسجود بتذلل، والتشهد باجتماع، والسلام بفناء الصفة.

وما دامت أجواف المسلم : مشاعره وطواياه ومواجيده وأطوائه الباطنة الخفية، نابضة بالحياة صالحة للبقاء على هذه الأرض موصولة بالسماء؛ فله الحق كل الحق في أن يجعل قلبه معلقاً بالسماء موصولاً وصلة قربة بخالقه حين يتم له الحضور الإيماني في الصلاة بين يديه. وتلك هى القيمة الباقية : الحكمة من وراء المعراج : إقامة الصلة بين الأرض والسماء. وإني لأذكر تحليلاً ذوقياً راقياً للمرحوم الدكتور "محمد إقبال"، وهو بصدد تعرضه لمعجزة الإسراء والمعراج مفاده أن : محمداً الإنسان يستطيع أن يذهب في مراقي التسامي والنقاء والقدرة الروحيّة إلى أعلى الغايات، وبهذا يمثل الناس جميعاً ويقول لهم : إني لست سوى المثل الأعلى الذي يُحتذى والأسوة التي تُحاكى، وليس حتماً أن تصلوا إلى مثل ما وصلتُ إليه، ولكن باب الصعود مفتوح والسماء ليست ببعيدة عن الأرض، ولكنها تبدو كذلك للمحجوبين وللضعفاء الذين تعوزهم الثقة بالعقيدة يقيمون حيواتهم عليها ...

كان هذا حديث الإسراء بالمعنى الديني المباشر، وهو لا ينفصل كما قلنا في مطلع الدراسة عن المعراج بالمعنى الصوفي؛ لأنهما يصدران عن مشكاة من النور واحدة. أمّا الإسراء فقد عرفناه. وأمّا المعراج فهو الذي ربما تنكره العقول البليدة والقلوب الخربة والتوجهات الفاسدة والأيديولوجيات الموظفة لخدمة مآرب ساقطة. وإذا كان المعراج عرضة للإنكار، وبخاصة معراج الأولياء، يدور حوله اللغط من أناس لا يرتفعون قيد أنملة عن أوْهَاق التصورات الموبوءة، كما هو عرضة كذلك لإثارة التساؤلات والفتن والطامات الدالة على إقفار الذات من الترقي المعرفي، فمن المؤكد أننا لسنا ندري : لِمَ تتوقف العقول الخربة أمام المعراج، ولا تتوقف أمام الإسراء، وكلاهما تثبتهما براهين النصوص النقلية؟

وبعيداً عن اللغط المنفّر ودخولاً في موضوعنا مباشرة، نرى المعراج في الوعي الصوفي يستند بالمباشرة على معراج النبيِّ، صلوات الله وسلامه عليه، ولا يستند مطلقاً على مصادر غير هذا المصدر المباشر يقوم عليه. ولئن كان معراج الصوفي يتخذ من معراج النبوة قدوة له ومنهاجاً إلا أنه في نفس الوقت يختلف عنه مقدار اختلاف الوعي النبوي عن الوعي الصوفي، وهو بتقرير البداهة  اختلاف درجة لا اختلاف نوع.

ولقد عَبَّرَ صوفي هندي مسلم هو "عبد القدوس الجنجوهي" عن إرادة الاتصال الدائم من مقام الشهود حيث لا رجعة ولا عودة، حين قال :"صَعدَ محمد النبي العربي إلى السموات العُلى ثم رجع إلى الأرض. قسماً بربي! لو أني بلغت هذه المقام لما عدتُ أبداً "؛ فهذه هى غاية الصوفي من وراء المعراج : الوصول الدائم والاتصال الذي ما بعد عودة، ولكن هيهات ثم هيهات!

فليس كل معراج لولي يجب أن يكون هو عينه معراج النبي؛ بخلاف الأنبياء؛ فإن معاريجهم الروحية تقتضيها حاجة الناس للتربية الروحيّة وللتعليم والتبليغ؛ لأن النبي مبعوث إلى الخلق فبالناس حاجة إلى معرفة صدقه، ولا يعرف إلا بالمعجزة.

بعكس حال الولي؛ لأنه ليس بواجب على الخلق، ولا على الولي أيضاً العلم بأنه وليّ. فرجعته من معراجه ليست كرجعة النبي تقتضيها رسالة التبليغ.

وبما أن الأولياء في اتصالهم بالله يتخذون من معراج الرسول عليه السلام نموذجاً كاملاً لمعاريجهم الروحيّة، فيهتدون بهديه ويتلمسون طريقته، ويعتبرون اتباع النبي والاسترشاد به أول شرط من شروط السلوك إلى الله، وينحون باللائمة على نظار المتكلمين والفلاسفة الذين يعتدُّون بعقولهم ويعتقدون أن فيها الكفاية والضمان للوصول إلى الحقيقة المطلقة؛ فإنّ في هذا كله ما من شأنه أن ينفي تماماً القول بأن فكرة أفلاطون عن النفس كانت أساساً اتخذه الصوفية لوصف معراجهم الروحي، وهو قول يتغافل عن معراج النبيّ وأثره الواضح في تشكيل معاريج الأولياء والعارفين.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الإصلاحية الإسلامية الحديثة (11)

إن التعقيد الذي يلازم صيرورة وعي الذات السياسي هو ذاته التعقيد المميز لإدراك حقائق الكلّ الثقافي للأمم، باعتبارها عملية اجتماعية سياسية وتاريخية لها بدايتها ونهايتها، ومن ثم حدودها. وبهذا المعنى جرى الحديث عن صنع الأفغاني ومحمد عبده لأحجار وعي الذات السياسي الأولى. فالأخير له تاريخه، بما في ذلك في مرحلة انقطاع التاريخ الثقافي والدولة العربية الموحدة. غير أن هذا الوعي الذاتي السياسي لا قيمة كبرى فيه خارج حدود الدولة وكيانها الثقافي. إذ في هذه الوحدة فقط يمكن لمختلف عناصر ونماذج الصراع المتعلقة بفكرة البدائل السياسية أن تتبلور بهيئة نظم ومؤسسات قادرة على الفعل المتجدد. بمعنى تكاملها الذاتي ضمن حدود تجاربها الخاصة. وتفترض هذه العملية في ذاتها إدراك الغاية والمعنى من الفعل. من هنا كان من الصعب بالنسبة للإصلاحية الإسلامية أن تدرك في أفعالها الأولى حدود عقلانيتها السياسية. لقد كان بإمكانها آنذاك أن تتحسس حدود عقلانيتها الثقافية بأثر تمثلها المتواصل للقدر المتبقي من حضارة الماضي المكتبية والمدرسية. وفي الوقت نفسه كان من الصعب عليها التوفيق بين عقلانيتها الثقافية وبين متطلبات العقلانية السياسية. وذلك بسبب الاضمحلال شبه التام لأسسها ومقدماتها وتاريخها الحضاري.

إن هذا التناقض هو الذي يقلب في مراحل الإدراك الأولي للتحولات التاريخية الكبرى أولويات السياسة والثقافة في الرؤية والمشاريع. فاضمحلال الدولة (العربية) وتاريخها السياسي، هو الذي أعطى لبقايا الحضارة الإسلامية المتراكمة في كمية هائلة من النظريات والقيم قدرة الفعل والحركة والمعنى المتجدد، ومن ثم القدرة على استثارة روح الجهاد الباحث عن خلاص فعلي. غير أنه لم يكن بإمكان هذا الروح الجهادي آنذاك إدراك حقائقه على أنها أجزاء متكاملة في مشاريع السياسة العملية. ووجد ذلك انعكاسه في كمية ونوعية المقارنات المستترة للوعي بين عقائد الماضي ومتطلبات الحاضر، بين يقين الماضي وشكوك البدائل المستقبلية، بين المعلوم والمجهول القابعين في النزوع الجهادي والعقلاني للفكرة الإصلاحية الإسلامية.

فقد جرى إدراك الإصلاحية الإسلامية لذاتها منذ البداية بمعايير العقلانية وغاياتها العملية. الأمر الذي قيّد فكرتها الإصلاحية بمهمة الإدراك المتجدد لإشكاليات التاريخ والمعاصرة. تماما بالقدر الذي ألزمها النظر إلى الآفاق المترامية ما وراء مراميها العملية بمعايير الانتماء المعقول للأصالة الثقافية. وهي ديناميكية تعتصر بين رحاها وضوح الرؤية العملية وعجزها الذاتي. بمعنى تحسس ثقل الانحطاط وخفة الروح الثقافي، وإدراك رزانة التراث المعقول وتهور "القدر المنقول"، أي كل ما يوّلد صعوبة التوفيق بين جهادية الروح وعقلانيته. فبالقدر الذي يمكن أن يؤدي ذلك إلى تكثيف مشاعر السياسة العملية، مع ما يترتب عليه من خوض دروب الأفعال العمياء، فإنه يمكن أن يشحن سحر الثقافة المجذوبة بتأملات الروح العقلاني الخالص، مع ما يترتب عليه من خوض غمار الأعباء والإعياء المجرد.

لكن الارتباط الوثيق بين الحوافز الإسلامية والفكرة الإصلاحية الفعالة قد حدد بدوره اقتران الروح الجهادي بالاجتهاد العقلاني. وأدى إلى إبداع عناصر التوليف المستمر للإصلاحية العقلانية وانتشارها الظاهري والباطني في الرؤية السياسية ومشاريعها العملية البديلة للأمة (الإسلامية) ككل. بمعنى إعادة إنتاج وحدة الجهاد والاجتهاد في الآراء والأحكام والمواقف تجاه قضايا السلطة والدولة، والقانون والحق، والقومية والأمة. أما نتيجة ذلك فقد أدت إلى نقل مكونات الوعي الاجتماعي السياسي والفلسفي العربي إلى ميدان الواقع الفعلي. وبالتالي إعادة تنشيط تقاليده الفكرية (الثقافية). إذ لم يعن الروح الجهادي من الناحية التاريخية سوى استثارة الفعل المدرك لقضاياه وأهميتها بالنسبة لإعادة ترتيب الوجود الكلي للأمة وحضارتها. وهو السرّ القائم وراء اندفاع الفعل المتفائل في نظرته للمستقبل. فقد كان هذا التفاؤل الحي في استشراف آفاق الوجود التاريخي للماضي والحاضر، الصيغة التي تحوي في ذاتها رؤية البديل الأمثل. لاسيما وأنها الحالة التي عادة ما تميز مراحل الانقلابات الكبرى، التي يتحول فيها تفاؤل الرؤية إلى رديف روحي لفعالية النشاط المدرك لقضاياه الأساسية. وليس مصادفة أن يضع الأفغاني رفض القنوت واليأس في أساس دعوته العملية. ولم يكن ذلك مجرد استعادة تقليدية للفكرة الإسلامية القائلة بأن "المؤمنين لا خوفا عليهم ولا هم يحزنون"، وإن "القنوت رديف لانعدام الثقة بالله"وما شابه ذلك، بقدر ما كانت تتمثل حقائق الرؤية الواعية لأفعالها. بمعنى امتلاكها لما يمكن دعوته بالرصيد التاريخي للتفاؤل والفعالية القادر على تنشيط إمكانيات الاستعادة الحية للعظمة الإسلامية. وهذه بدورها ليست إلا "دورة التاريخ" الخالدة، بوصفها الصيغة النظرية التي تلازم كل تطلع عقلاني في رؤيته المتفائلة تجاه تذليل معالم السقوط وحيثياته الواقعية.

فقد واجهت الإصلاحية الإسلامية واقع السقوط! وجعلت منه مقدمة رد فعلها المباشر، وبالتالي جهادها. لهذا أكد الأفغاني على أن الاستعمار الغربي (الأوربي) هو مجرد "خراب"، أي عرضة للزوال. ولم يضع في هذه الرؤية المستقبلية وآفاقها انطباعاته النفسية المباشرة باعتبارها جهادا واعيا ودعوة للفعل المستقل فحسب، بل وتتبع حركتها الداخلية الاجتماعية السياسية في "الذات الإسلامية" وتبلور عناصر وعيها السياسي والعقلاني. لهذا تكلم عن الطابع العرضي والزائل للصدمة التي أحدثها الغرب الاستعماري في مجرى إخضاعه للشرق المسلم. لكنه وجد فيها في الوقت نفسه سلسلة تتكون حلقاتها من الدهشة فالخضوع فالتململ فالاحتجاج فالهجوم المضاد فالنجاح[1].

إن هذه التخطيطية المبسطة في ظاهرها، هي الصيغة المكثفة لإدراك تحولات الروح والجسد الإسلاميين بمعايير الجهاد والاجتهاد أو السياسة والعقل، أو الإصلاحية والرؤية المستقبلية. فالنجاح المفترض للحركة الاجتماعية الإسلامية هنا هو الاستمرار المتعمق لعناصر التجربة التاريخية ووعيها السياسي الذاتي في مجرى تعرضها للصدمة والدهشة والخضوع والتململ والاحتجاج الهجوم. وبالتالي، فإن تأمل إمكانيات هذا الوعي بمعايير التجربة التاريخية سوف يحدد بدوره أسلوب الصيرورة الفاعلة للفكرة السياسية وأشكالها تجسيدها. وبهذا يكون الأفغاني قد نقل قيمة الفعل السياسي من ميدان التأملات العقائدية والمذهبية إلى ميدان الوجود الأوسع للدولة والأمة. فهو لم يحدد الماهية السياسية للإصلاح ضمن سياق المنظومة الفكرية، بل وضمن قدرتها على الفعل. من هنا يمكن فهم اعتباره العقبات القائمة أمام الإصلاح ميدانا للفعل والحيوية. ومن هنا أيضا كلامه عن أهمية الإصلاح التربوي كمقدمة للفعل السياسي. فقد اعتبر التربية عملا ضروريا، وأن من يقوم به ينبغي أن يتميز بالأمانة والمعرفة بتاريخ الأمة في صعودها وسقوطها، إضافة إلى تاريخ الأمم الأخرى[2]. ووجد فيها المقدمة التي يمكن من خلالها أيضا الوصول إلى وحدة التربية الوطنية. واعتبر ذلك أسلوبا لربط العلم بالعمل، وبالتالي تحويل حصيلة المعرفة إلى مقدمة النشاط العملي في مختلف الميادين، بما في ذلك في ميدان شحذ الوعي الاجتماعي السياسي. لهذا نراه يتكلم عن مهمة شحذ الاحتجاج السياسي من خلال التربية. بل ونراه يجد فيها أيضا وسيلة توحيد "مختلف أبناء الطوائف ورؤية طرق العمل للنهوض بالوطن"[3].

إن إدراك أولويات الجهاد، أو الصيغة العملية للفكرة قد حدد بدوره الاتجاه العملي لصياغة المبادئ العامة للنشاط السياسي الإصلاحي عند الأفغاني. فعندما يتناول على سبيل المثال قضية التربية، باعتبارها وسيلة القضاء على الاستعمار الخارجي (الغربي) فإنه لم يضع ذلك بعبارات العلم المجرد والرقي الثقافي (العلمي)، بل وفي مساهمتها بالنسبة لبناء الكيان الوطني الموحد. إذ اعتبرها وسيلة بلوغ اليقظة في الرؤية، والحكمة في العمل. لهذا وضع مهمة العمل من أجل خير الجميع في مقدمة مهمات التربية. وبهذا يكون قد نقلها من ميدان الفعل التربوي الأخلاقي العملي إلى ميدان الفعل السياسي أيضا. بمعنى تحويلها إلى عنصر من عناصر الفعالية السياسية. ومن ثم جعل من التربية أسلوبا في تذليل الطائفية والمذهبية. وذلك لأنها، حسب نظره، نتاج التفرقة والتجزئة، وأسلوب تعميقهما. وإن الخلافات بين الأديان في نهاية المطاف ما هي إلا من "صنع رؤساء الأديان الذين يتاجرون بالدين ويشترون بآياته ثمنا قليلا"[4]. من هنا بحثه في التربية الجديدة عن وسيلة تنظيم وتركيب عناصر التكون الجديد للوطنية السياسية. كما نراه يحاول من خلالها تجميع ما يمكن تجميعه باعتبارها مكونات ضرورية للجيل الجديد، الذي ينبغي أن لا يخضع لسلطان غير سلطان الحق والحقيقة. من هنا حصره للعناصر المكونة لهذا الجيل بكل من عدم طرق باب السلطان، وألا يثنى عزمهم الوعيد، ولا يفرّقهم الوعد، ولا همّ لهم غير هموم نجاة الوطن من الاستعباد[5].

نعثر في هذه العبارات على إحدى الصيغ النموذجية لانكسار تقليدية العبارة أو تحطمها الداخلي من خلال نمو براعم التعبير السياسي، الذي يعادل عنده معنى ومضمون العمل. فالجهاد المفترض في الجيل الجديد هو جهاد الفعل السياسي. أما الوعد والوعيد العريقين في تقاليد الإسلام والكلام، فهما عناصر السلوك السياسي المحاصرة ما بين "باب السلطان" و"نجاة الوطن من الاستعباد". ولا يعني ذلك سوى تأسيس وحدة العناصر الضرورية للفعل المستقل، واحتكامه فقط لمبادئ السياسة العليا. وحاول تأسيس هذه الفكرة في ما يمكن دعوته بضرورة "الإسلام السياسي" الفاعل، أو الربط المؤسس للإسلام والإصلاح بمعايير السياسة العقلانية. وليس مصادفة أن يطابق الأفغاني بين الإسلام وحقيقة الحركة الإصلاحية بوصفها حركة سياسية فاعلة باسم المبادئ المتسامية. ووجد في الوساطة الدينية (وأشكالها المتنوعة) مصدر الخطيئة والرذيلة. وفي الوقت الذي اعتبر صعود الحرية والتطور الأوربيين مرتبطا بكسر فكرة الوساطة الكنسية وفكرتها القائلة بأن "ما يعقدونه في الأرض يعقد في السماء، وما يحلّوه في الأرض يكون محلولا في السماء"، فإننا نراه يجد في نشاط وعمل وفكر رجال الإصلاح الديني النصراني تطبيقا لما في حقائق الدين الإسلامي[6]. وبهذا يكون قد طابق بين حقيقة الإسلام والإصلاح، أو حقيقة الإصلاح والإسلام. وهي مطابقة كانت ترمز في آرائه ومواقفه إلى الاستيعاب الجديد لمضمون الجهاد الضروري، باعتباره فعلا سياسيا مدركا لغاياته العليا. لهذا طالب بضرورة ما اسماه بالحركة الدينية وتهذيب العلوم وتنقيح المكتبات. إذ لم يكن تطور أوربا ومدنيتها المعاصرة في نهاية المطاف سوى نتاج للمنافسة الحادة بين البروتستانتية والكاثوليكية[7].

لقد أدرك الأفغاني الكمون السلبي القائم في صراع المذاهب. إذ ليست البروتستانتية والكاثوليكية في مظاهرها الشكلية سوى الشكل النصراني الأوربي للتشيع والتسنن الإسلامي. إلا أن الخلاف الجوهري بينهما يقوم في وجود وعدم وجود "الوساطة الكنسية". لكن الأفغاني لا يتناول هذه القضية إلا ضمن سياق المقارنة التاريخية والواقعية، باعتبارها عملية أدت في نموذجها الإصلاحي (البروتستانتي) إلى مآثر المدنية الأوربية المعاصرة. بمعنى انه تتبع فقط الأبعاد الإصلاحية السياسية في الحركة الدينية النصرانية التي طالب بإعادة "تقليدها". ولم يعن ذلك في الواقع، سوى البحث عن مصادرها الحقيقية في الإسلام. إذ ليست حركة الإصلاح القائلة بضرورة الفعل الحر، أو نفي الوساطة أيا كانت، سوى "تقليدا للدين الإسلامي" وحقائقه الجوهرية. من هنا استناده إلى الآية القائلة، بأن "الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"[8]، باعتباره الشعار الحركي المعبر عن قيمة الفعل الإرادي الداعي للإصلاح الشامل. لهذا أكد على أن المسلمين لو "عملوا بالقانون الإلهي وبقول القرآن (أن ليس للإنسان إلا ما سعى) لكان أوفر خيرا للأمة. والسعي أول السبل إلى النجاح وأحسن ما تربى عليه الناشئة[9]. من هنا تفنيده في آن واحد الاتهامات الفكرية العقائدية الموجهة ضد الأفكار الإسلامية عن القضاء والقدر وكذلك تهديم أسس الجبرية الخاملة في تقاليد الإسلام اللاهوتي. إذ اعتبر فكرة أولئك الذين وجدوا في اعتقاد المسلمين بالقضاء والقدر سرّ تخلفهم وانحطاطهم، مجرد أحكام مبتسرة أو نتاج لسوء الفهم، بسبب عدم قدرتهم على التفريق بين فكرة القضاء والقدر الإسلامية وبين فكرة الجبرية. فالإسلام، حسب نظر الأفغاني، لا يعرف الجبرية الخالصة. وأن جميع المسلمين من سني وشيعي وزيدي ووهابي وخارجي، كما يقول الأفغاني، لا يرى أي منهم ولا يقول بالجبر المحض. بل أنهم جميعهم يعتقدون أن لهم جزء اختياري في أعمالهم[10]. ووضع الأفغاني هذا "الجزء" في جوهر الإرادة الفاعلة استنادا إلى أن "الاعتقاد بالقضاء والقدر، إذا تجرّد عن شناعة الجبر يتبعه صفة الجرأة والإقدام وخُلق الشجاعة والبسالة"[11]. ولهذا أشار إلى أن "ما أصيب به المسلمون في هذه الأزمنة الأخيرة، إنما هو مما امتحنهم الله به جزاء على بعض ما فرطوا. وليس للناس على الله حجة. فالرجاء في هممهم وغيرتهم الدينية وجمعيتهم الملية. وأن يوجهوا العناية إلى رتق الفتق قبل أتساعه، ومداواة العلة قبل استحكامها"[12].

ويغض النظر عما في هذه العبارات من استحكام للتصورات الدينية في امتحان المرء أمام عوارض الزمن، فإنها تعكس جهادية الروح الإصلاحي عبر وضعه أمام المطلق باعتباره مصدر الحق والحقيقة ومرآتها الناصعة في رؤية القدر الشخصي. ومن ثم إدراك قيمة الفعل ومعناه وحجمه ووسيلته في "القضاء والقدر" لا في "شناعة الجبر". وبالتالي، رؤية القدر المعقول في الإرادة الحرة باعتباره الاستجابة الواعية لمهمة الإصلاح. من هنا توكيده على أن "الله لا يغير ما بقوم من عزة وسلطان ورفاهة وخفض عيش، وأمن وراحة، حتى يغير أولئك القوم ما بأنفسهم من نور العقل وصحة الفكر وإشراق البصيرة، والاعتبار بأفعال الله في الأمم السابقة"[13]. ولا يعني ذلك في الواقع سوى المحاولة الأولية للتأسيس العقلاني "للإسلام السياسي" وتنشيطه، ولكن لا من خلال إدخاله معارك السياسة المباشرة، بل من خلال تحويل مقولات السياسة إلى جزء فعال من عقائده وأصوله الجديدة. (يتبع...)

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص448-450.

[2] المصدر السابق، ج1، ص272-276.

[3] المصدر السابق، ج1، ص278-279.

[4] المصدر السابق، ج1، ص292.

[5] المصدر السابق، ج2، ص456 – 457.

[6] المصدر السابق، ج1، ص176.

[7]المصدر السابق، ج 2، ص328.

[8] المصدر السابق، ج1، ص179.

[9] المصدر السابق، ج1، ص226.

[10] المصدر السابق، ج1، ص184.

[11] المصدر السابق، ج1، ص185.

[12] المصدر السابق، ج1، ص382.

[13] المصدر السابق، ج2، ص338.

 

 

مجدي ابراهيمذكرنا في المقالة السابقة مسألة المفاضلة بين النبوة والولاية عند صوفية الإسلام، وقلنا إنها مسألة لا أساس لها من الصحة ولا صحة لها عندنا من أساس مقبول، ونفينا نفياً قاطعاً أن يكون هنالك اعتقاد أو حتى شبه اعتقاد لدى الصوفية يقدّم أفضيلة الولي على النبي بوجه من الوجوه، فلم يعرف عن أحد منهم أنه كان يقول بذلك أو يجريه على لسانه ولم يكن الحكيم الترمذي مطلقاً ممّن يرى تفضيل الولاية على النبوة ولا الأولياء على الأنبياء، ولم يكشف كتابه "ختم الأولياء" عن هذه النزعة فيه إلا أن يكون التفضيل للولاية من حيث هى مقام في النبوة، لا مطلق التفضيل كما هو الحال عند ابن عربي. وأخذنا على أستاذنا المرحوم الدكتور ابي العلا عفيفي أنه تابع بعض التوجهات السلفية التي تطعن في التصوف فنسب إلى بعض الصوفية القول بتلك المفاضلة غير أنه في كلامه عن ابن عربي لم يفعل ذلك. واليوم نناقش هذه القضية لدى ابن عربي كما ناقشنا في السابق مسألة المفاضلة بين الولاية والنبوة في التكفير الاسلامي.

وسنتناول في هذه المقالة مناقشة نقاط ثلاث أولها: معنى الولاية في مذهبه وخطأ الفهم لها. وثانيها: الحقيقة المحمديّة. وثالثها: المعراج الروحي: معراج النبيّ ومعراج الوليّ؛ ليتمُّ التركيز على آراء ابن عربي وفقاً لمذهبه في تلك النقاط الثلاث. ولابن عربي مذهبٌ خاصٌّ في الولاية يختلف عن مذاهب غيره كما أن له وجهة نظره في المفاضلة بين الرسالة والنبوة من جهة، والولاية من جهة أخرى.

ليس المفهوم من الولاية في مذهبه القداسة ولا المبالغة في التقوى، وإنْ كانت هاتان الصفتان ممّا يمتاز به الأولياء، ولكن أخص صفات الولاية عنده هى "المعرفة" أو العلم الباطن. فالولي على ذلك اسم مرادف للعارف بالله، وهو (أي ابن عربي) يستعمل هذا الاسم استعمالاً واسعاً يدخل فيه الأنبياء والرسل كما يدخل فيه الأولياء الذين منهم "الأفراد" و"الأمناء" و"الأبدال" و"الورثة" وغيرهم من رجال طبقات الغيب. فالرسول وليُّ من حيث معرفته بأمور الغيب، وهو رسول من حيث إنه مكلف بتبليغ رسالة الله إلى الخلق. والنبي وليُّ من حيث علمه بالغيب أيضاً، وكذلك الحال في بقيّة السلسلة التي أسلفنا ذكرها. وبما أن الولاية هى أساس المراتب الروحيّة كلها، كانت هى العنصر المشترك بينها جميعاً، أي بين النبوة والرسالة والولاية والمعرفة. ومن صفاتها الثبات والدوام؛ فالولاية دائمة لا تنقطع لأنها تمثل "البعد الروحي" الباقي بخلاف الحاصل في الرسالة ونبوة التشريع؛ فإنهما تنقطعان لأنهما تمثلان "البعد الزمني" المحدود بزمانه ومكانه. ومن لا يستطيع التفرقة بين هذين البعدين (الزمني، والروحي) في شخص النبي يخطئ فهم ولايته صلوات الله عليه ومن ثم يخطئ فهم المفاضلة بين نبوته وولايته أيضاً.

ويلزم - للصلة القويّة في شخص النبيّ بين الرسالة والنبوة والولاية - الحديث عن الحقيقة المحمديّة: حقيقة أوّليّة النور المحمدي.

غير أن ابن عربي في حديثه عن الحقيقة المحمدية لم يقتصر كابن الفارض على تسميتها بالقطب بل أطلق عليها مسميات منها: الكلمة، وروح محمد، والدُّرة البيضاء، والعقل الأول، والحق المخلوق به، والروح الأعظم. وهنالك - كما يقول الدكتور أبو العلا عفيفي رحمه الله - ما لا يقل عن إنثى وعشرين اصطلاحاً للدلالة على تسمية الحقيقة المحمدية عند ابن عربي منها: حقيقة الحقائق، روح محمد، القطب، العقل الأول (= النوس) عند أفلوطين، العرش، القلم الأعلى، الخليقة، الإنسان الكامل، أصل العالم، آدم الحقيقي، البرزخ، فلك الحياة، الحق المخلوق به، الهيولى (المادة الأولى: الهباء)، الروح الأعظم، عبد الجمع، مرآة الحق، الحقيقة المحمديّة، الكلمة، الدُّرة البيضاء، الاسم الجامع المحيط.

( Affifi (A): The Mystical philosophy of Muhy idin Ibnul Arabi,  combridge.1939. p .p.119 -122)

وكل اصطلاح من تلك الاصطلاحات له اشعاعاته الروحيّة والفلسفية، وله تشابه مع العناصر الخارجية في الثقافات الأخرى غير الإسلامية. وبما أن الحقيقة المحمدية هى المشكاة التي يستقي منها جميع الأنبياء والأولياء العلم الباطن من حيث أن محمداً، صلوات الله عليه، له حقيقة "الختم" (خاتم النبيين) فهو يقف بين الحق والخلق، يقبل على الأول مستمداً للعلم، ناظراً إلى الآخر ممدَّاً له؛ فإن ابن عربي ليقول:"بدء الخلق بالهباء (المادة الأولى = الهيولى) وأول موجود فيه الحقيقة المحمديّة، ولا أين يحصرها لعدم التحيز. وممّ وجد؟ من الحقيقة المعلومة التي لا تتصف بالوجود ولا بالعدم وهى (حقيقة الحقائق) وفيمَ وجد؟ في الهباء ... ولم وُجد؟ لإظهار الحقائق الإلهيّة (الفتوحات المكيّة: جـ 1 ص 118).

من أجل ذلك؛ يعتبر ابن عربي النور المحمدي أو الحقيقة المحمديّة التي هى (القطب)، هو غايات الكمال الإنساني؛ فهو الصورة الكاملة للإنسان الكامل الذي يجمع في نفسه حقائق الوجود، وأن هذا الروح المحمدي هو مصدر العلم والعرفان ومدد الأولياء والعارفين الذي لا ينقطع ولا يزول: "ولهذا بدأ به الأمر، أي بدأ بمحمد (= الكلمة المحمديّة) وختم (فصوص الحكم: جـ 1، ص 214).

ولا يزال هذا (العقل الأول) (= الحقيقة المحمديّة) متردداً بين الإقبال والأدبار؛ يقبل على باريه مستفيداً؛ فيتجلى له؛ فيكشف في ذاته بعض ما هو عليه، ويقبل على من دونه مفيداً هكذا أبد الآباد. ولهذا كانت للحقيقة المحمديّة وجهان: الأول من جهة الاستفادة حين يقبل على باريه وهو الوجه الأحمدي الإيماني الغيبي الأميّ المحجوب، وهو وجه التجلي الذي هو للوجه الأحمدي. والثاني هو الوجه المحمديّ: وهذا الوجه علمي جبرائيلي، وأن التنزيل يكون للوجه المحمدي من جهة الإقبال على من دونه مُفيداً، وهو الظاهر في جميع الأنبياء والأولياء من حيث الإفادة: " ... فكل نبيّ من لدن آدم إلى آخر نبيّ ما منهم أحدٌ يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين، وإنْ تأخر وجود طينته، فإنه بحقيقته موجود؛ وهو قوله صلوات الله وسلامه عليه:"كنت نبياً وآدم بين الماء والطين". وغيره من الأنبياء ما كان نبياً إلّا حين بعث  )فصوص الحكم: جـ 1؛ ص 63- 64).

وعن ابن عربي أخذ الشعراني كثيراً من فنون النظر الإلهي، ومنها بالطبع مسألة الإيمان بهذا الأثر الغيبي الباطني الذي هو أيضاً بالطبع، أثرٌ من آثار التصوف لا شك فيه عندهم، ولذلك تسمى "بطبقات رجال الغيب"، كما اطلق عليه السيوطي هذا الاسم. بيد أنه، كما يوجد مثل هذا الأثر في التصوف، يوجد كذلك في التشيُّع: فمعارف القطب عند الصوفية تتشابه مع عقائد الشيعة مع فارق كبير في الدلالة والتخريج كنا تناولناه فيما سبق من دراسات.

على أن ابن عربي يطلق على الولاية بهذا المعنى اسم "الخلافة العامة"، وهى الخلافة الحقيقية التي على رأسها "الروح المحمديّ" الذي هو منبع العلم الباطن لجميع الأنبياء والأولياء. أمّا من ناحية المفاضلة بين الرسول والنبيّ من جهة، والولي من جهة أخرى، فإن ابن عربي يرى أن كل رسول وكل نبيّ، فإنما هو وليّ أولاً ورسول أو نبيّ ثانياً. وأنَّ كل رسول ونبيّ من حيث هو وليُّ أفضلُ منه من حيث هو رسول أو نبيّ. وهنا يكمن تحديد المفاضلة تحديداً مقيداً لا مطلقاً يعول على البعد الروحي الغيبي الميتافيزيقي لا البعد الزمني المحدود بزمان ومكان .

وهذه الرؤية الكاشفة وجدت لدى الحكيم الترمذي كما وجدت لدى ابن عربي. ولكن الدكتور عفيفي، رحمه الله، أرسلها مفاضلة مطلقة عند الحكيم الترمذي، ولم يقيدها بالتوضيح في حين يلاحظ أن عين رأي الحكيم في المفاضلة لا يتعدى نفس رأى الشيخ الأكبر. كلاهما واحد لا فرق فيه.

لم تكن مفاضلة بإطلاق بل الكلام فيها مقيّد، ولم يكن في وعي الولاية أي تفضيل لها على النبوة، وما يقالُ عن الحكيم الترمذي يقالُ بنفس الدرجة عن الشيخ الأكبر ولا يزيد. ومن أجل هذا يقول الشعراني:" ومن ظن أن ابن عربي يقول بأفضليّة الوليّ على الرسول أو النبيّ بإطلاق، بمعنى أن كل ولي أفضل من كل رسول أو نبيّ فقد أخطأ فهمه".

ويقول الشعراني إنّ الشيخ الأكبر لم يقل ذلك (أي لم يقل إن الولي أفضل من الرسول أو النبيّ) وإنّما قال:" اختلف الناس في رسالة النبيّ وولايته أيهما أفضل؟ والذي أقول به: إن ولايته أفضل لشرف المتعلق ودوامها (أي دوام الولاية) في الدنيا والآخرة، بخلاف الرسالة، فإنها تتعلق بالخلق، وتنقضي بانقضاء مدَّة التكليف، ووافقه في ذلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام. فالكلام مخصوص ومقيد لا هو بالمطلق ولا بالعام، مخصوص ومقيد برسالة النبي مع ولايته لا في رسالته ونبوته مع ولاية غيره: فافهم". هذا ما يقول به الشعراني ويفهمه حاكياً عن ابن عربي.

وعليه؛ فالولاية خارجة من مشكاة النبوة تحقيقاً، صادرة عنها لا محالة، ولا يمكن أن يكون لها مصدر سوى هذا المصدر لا يتعداه؛ فأية محاولة تحاول تخريج معاريج الصوفية خارج حدود المضمون الديني، وخارج حدود المعراج النبوي، هى محاولة محكومٌ عليها بالعوار العلمي والكبوة المعرفية، ومحكوم عليها كذلك بتعسف التخريج، وبالخطأ البيّن الذي ينقض وعي صاحبه من أول وهلة، فضلاً عن قدحه بداية في نواياه.

بطبيعة الحال؛ يختلف هذا المعراج الروحي عند الصوفية، عن المعراج النبوي، وإنْ كان في الوقت ذاته يُشَاركه المثال، لكنه يختلف اختلاف درجة لا اختلاف نوع، باختلاف درجة الوعي بين الأولياء والأنبياء، هو نفسه الاختلاف الذي يرتد إلى عبارة الولي الهندي "عبد القدوس الجنجوهي"؛ فالوعي النبوي إنما هو وعي يتحكم في ضبط قوى التاريخ ضبطاً يوجهها نحو إنشاء عالم جديد من المثل العليا. ورجعة النبي من معراجه الروحي هى رجعة مُبْدِعَة؛ إذْ يعودُ ليشق طريقه في موكب الزمان؛ فيتغيّر بعودته نظام العالم الإنساني تغيراً تاماً.

وقد لاحظ الدكتور "إقبال" الفرق الفارق بين الوعي النبوي والوعي الصوفي؛ إذْ إن:"رغبة النبي في أن يرى رياضته الدينية قد تحوّلت إلى قوى عالمية حيّة رغبة تعلو على كل شيء، ولهذا كانت رجعته ضرباً من الامتحان العملي لقيمة رياضته الدينية، فإرادة النبي في عملها الإنشائي، تُقَدّر قيمتها هى كما تقدِّر عالم الحقائق المحسوسة التي تحاول أن تحقق وجودها فيه. وعندما يتغلغل النبيّ فيما يواجهه من أمور مستعصية، وينفذ إلى أعماقها، تتجلى له حينئذٍ نفسه فيعرفها، ويزيح القناع عنها فتراها أعين التاريخ (تجديد التفكير الديني في الإسلام؛ ص 74).

ولا هكذا الحال في عودة الولي؛ إذا نحن وضعنا في الاعتبار اختلاف وعي النبيّ عن وعي الولي والتحقق من مفهوم العودة بين الأنبياء والأولياء. فالوليُّ لا يريد العودة من المعراج الروحي، بل غايته الاتصال الدائم، غايته هى مقام الشهود، وهو حين يرجع من هذا المقام، ولا بد له أن يفعل؛ فإن رجعته لا تعني الشيء الكثير بالنسبة للبشر على وجه العموم. إنما المعراج في هذه الحالة ذاتيٌّ خاص، والرجعة منه كذلك ذاتية خاصّة .

لقد صوّر ابن عربي، كما صوّر الغزالي من قبله، المعراج الروحي تصويراً يشبه عملية التّحوِّل في العناصر المادية في أحد فصول الفتوحات المكية بعنوان "كيمياء السعادة"؛ وهو الفصل رقم (167) حيث يتخذ رمزاً لصعود الإنسان إلى السماء؛ فحيث إن غاية النفس شهود الله، فلا غرو في أن تجاهد هذا العالم الذي وضعها الله فيه، لكي تحصّل كمالاتها فتحظى في النهاية بمقام رفيع هو الغاية التي كانت تقصدها، وترمي على الدوام إلى بلوغها: شهود الله والاتصال به، ومحبته ومعرفته، والفناء فيه والبقاء معه.

ونموذج معراج النّبي - صلوات الله عليه - كما قلنا في كتابنا "مشكلة الاتصال بين ابن رشد والصوفية": هو النموذج الصالح والكامل، أقام الصوفية معاريجهم الروحيّة عليه، فطهّروا النفوس والأبدان ورققوا الحواشي والطباع، وهذبوا الأفئدة والضمائر، وخاضوا من أجل ذلك كله أعْتىَ التجارب الروحية وأقساها على الطبيعة، فكانت لهم من سيرة النبي أسوة حسنة، ومن مشكاة نبوته هداية صالحة لأن تقام عليها أعباء الطريق إلى الله والاتصال به ومحبته والفناء فيه والقُرب منه على أكمل ما يكون الاتصال، والحب، والقرب، والفناء، محققاً في مقامات السالكين وأحوال العارفين.

إذا نحن عدنا إلى كيمياء السعادة، نرى ابن عربي يعني بها عملية تحويل عناصر النفوس الإنسانية إلى الأكسير الروحي الخالص؛ وذلك لأن التحول في الحياة النفسية أشبهُ شيء بتحوّل العناصر الطبيعية إلى الذهب في الكيمياء. ولأجل هذا؛ فإن النفوس يمكنها أن تتحول من عناصر خسيسة إلى عناصر نفيسة في كيمياء السعادة الروحية. ولا يتمُّ هذا التحول إلا بإخلاص في مجاهدة النفس، بطريق الترقي الباطني؛ أي بطريق المعراج الروحي، حينئذٍ تتحول النفوس كما تتحول المعادن من عناصر خسيسة مُعْدَمة لا حياة فيها إلى أكمل صورة يمكن أن تتغير فيها تغيراً روحياً. وطبيعة النفس في أصلها قابلة لهذا التغير، شريطة أن يتم لها معرفة أصلها الذي انبثقت عنه" (لفتوحات المكية، طبعة بولاق، جـ 2، ص 256).

ولكي يكتمل للنفوس تحولها، فلابد لها من معرفة الأصل (الله) الذي استخلفها في الأبدان وغرس فيها حبّ المعرفة التي تُوصِّل إليه. ولما كانت المعرفة التي توصل إلى الحق نوعاً مختلفاً عن معرفة النظر العقلي؛ لأن العقل وحده قاصر عن أن يصل إلى حقيقة الله تعالى فكيف بالدلالة عليها؟

كان لزاماً لكمال المعرفة في الإنسان من استمداد العَوْن من الدين: من القوة الخارقة للطبيعة؛ لترشده في طريق الوصول إلى الله. ولا يمنع هذا من أن يرشد العقل صاحبه في المراحل الأولى من الطريق إلى الله، ولكن المراحل النهائية، لا يتوصل إليها إلا بنور إلهي يحمل مشكاته الأنبياء ثم يجئ الأولياء؛ ليستلموا الراية؛ وليرفعوا هذا النور أولاً في أنفسهم؛ وليهتدي به ثانياً من هُم دونهم من الناس.

وينتهي ابن عربي، كما انتهى الغزالي قبله، من اعتبار نور مشكاة النبوة طريقاً لمعرفة الحقيقة؛ ولإظهار الحقائق الإلهية، ولإمكان الاتصال بالله بالعروج الروحي إليه. وفي صورة الغزالي أو في صورة ابن عربي تنويعٌ، كما نُلاحظ، لوصف المعراج الروحي مردوداً إلى النبي عليه السلام؛ فهو الهدف الأسمى لتخليص النفس الإنسانية من أدران الآفات وتحولها باطنياً من حالة مذمومة إلى حالة محمودة أعلى منها قابلة للعروج ترتفع ما ارتفعت فيها مراقي الصعود إلى الاتصال بالله من طريق المعراج.

فالارتقاء صعداً في طراز رفيع من المجاهدات والمقامات والأحوال النفسية التي تتدرج فيها حتى يتم لها الاتصال هو مَزيّة هذا التّحوُّل الباطني، وهو فضيلة الغاية المثلى التي ينشدها الصوفي من معالم الطريق وأركانه وشروطه وخصائصه؛ هادفاً إلى الوصول للحق، ولا شيء غير هذا، ولا شيء فوق هذا. وكل المؤثرات الأخرى، كالأفلاطونية مثلاً أو الإشراقية الأجنبية لا ترسم صورة واضحة من حيث الغاية، كما ارتسمت في أذهان الصوفية، وأكدها جانب العمل فضلاً عن الاعتقاد في معاريجهم الروحية، وهى ولا شك من معراج النبوة تترسم صورتها.

ولا يكفي أن نقول إنّ الصوفية قد تأثروا بمعراج النبي فقط بل الأصوب والأصدق أن نقول إنّ معراج النبي كان بمثابة الأصل الذي يتصدر معاريجهم؛ ليصِلَهم بالغاية الشريفة وبالمقصد الأسنى؛ فلولاه ما كانت هنالك معاريج روحيّة، ولا كان هنالك تصوف في الإسلام، ولا كان هنالك إسلام أصلاً: لولاه لم تخرج الدنيا من العدم.

أمّا المؤثرات والمصادر الخارجية، فهى وسائل عامة تتشابه هنا وهناك، لكنها أبداً لا تمسّ صلب المضمون الذي يجعل الغاية بدورها مختلفة. وفي اختلاف الغايات كما نعلم اختلاف المضامين. وفي اختلاف المضامين استقلال الحياة الروحية في الإسلام وامتيازها من ناحية العمق عن غيرها من جملة مضامين كثيرة شَكّلت الاتجاهات الروحية في الحضارات والثقافات العالمية، قديمها وحديثها، وفي هذا ما يجعل ابن عربي أقرب من هذه الناحية: ناحية المضمون في موضوع الاتصال بالله معراجاً رُوحيّاً إلى الغزالي منه إلى أي مفكر آخر، أفلاطونياً كان أو أفلاطيناً، مع اختلاف التخريج الروحي عند كليهما (راجع كتابنا: مشكلة الاتصال بين ابن رشد والصوفية، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، سنة 2000؛ ص 120 وما بعدها).

ويذكر "أسين بلاسيوس" أن "دانتي" قد تأثر تأثراً واضحاً بهذا الفصل الذي يصف فيه ابن عربي الاتصال بالله عن طريق المعراج الروحي والصعود إلى الفردوس. وكذلك تأثر أيضاً برسالته التي يصف فيها رحلة النفس إلى المقام الأعلى حيث تنكشف لها حقائق الكون في عالم الملكوت، وهى بعنوان "الإسرا إلى مقام الأسرى". وهناك من الآراء التي تعدُّ ابن عربي من اتباع المدرسة الإشراقية، نظراً لأن أثار السَّهْرَوَردي المقتول وصلت إلى المغرب وتتلمذ إليها ابن عربي، وهذا ولا شك رأي مخالف للصواب لا يعول عليه. ولا خلاف في أن ابن عربي يمثّل وحده مدرسة كبرى من المدارس الصوفية، وأنه جاء بأقوال نظرية لم تكن موجودة من قبل في التصوف لا عند السَّهْرَوَردي، ولا عند غيره من الصوفية الأوائل والسابقين عليه، هى الأقوال التي صَبَغَتْ آراؤه بصبغة وحدة الوجود، وهى نظرية فلسفية، كما هو معروف، في الوقت الذي لا يمكن لنا أن نخرجها عن مضمونها الديني العميق في فرط الإيمان وجذوة التحقيق.

وكذلك؛ لا يمكن أن نحذفها من أصولها الروحيّة في الإسلام - إنْ في التصوف السُّني أو في آراء السَّهْرَوَردي المقتول - لكنها على أيةٍ حال هى مختلفة الطابع والمضمون والصبغة الفلسفية عن الفلسفة الإشراقية اختلافاً تاماً.

معراج الصوفي الذوقي، إنما هو معراجٌ تنكشف له فيه أسرار الذات الإلهية والأسماء والصفات انكشافاً لا يستطيع الولي التعبير عنه، وهذا مقام المعرفة الحقة: أسعد ساعات السعادة عند الصوفي غبطة عظمى هى بلا شك ثمرة الإيمان يستأنس بنوره العارف؛ فيقوده إلى طمأنينة اليقين ثم إلى منن الشهود.

هذا المعراج الروحي يتباينُ في طبيعته وخصائصه عن المعراج العقلي - إنْ صَحَّ أن يكون للعقل معراجٌ على الحقيقة، وهو الذي كان ابن عربي تخيّله في التفرقة بين علوم النظار من المتكلمين والفلاسفة، وبين علوم الصوفية من أهل الذوق وكبار الروحانيين، تماماً كما فَرَّق الغزالي قبل ابن عربي بين مسلك النظار، فلاسفة كانوا أو متكلمين، وبين مسلك أهل الكشف من الصوفية الذين يستمدون علومهم ومعارفهم من مشكاة النبوة.

غايات الغايات في عمل الأولياء أن تجيء الولاية نفسها مؤسسة على أحكام الشريعة؛ فالركيزة الأساسية التي تستند عليها هى العلم بالشريعة. والأصل اللغوي للولاية يدل بالقطع على الموالاة والنصرة، موالاة الله لأوليائه ونصرتهم له. وممّا يحتمله معنى "الولي" أمرين: أحدهما أن يكون فعيلاً مبالغة من الفاعل؛ كالعليم، والقدير، فيكون معناه: من توالت طاعاته من غير أن تتخَلَّلَهَا معصية. ويجوز أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول؛ كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح، وهو الذي يتولى الحق، سبحانه، حفظه وحراسته على الإدامة والتوالي، فلا يخلق له الخذلان الذي هو قدرة العصيان، وإنما يديم توفيقه الذي هو قدرة الطاعة (الرسالة القشيرية، ج2ص 523: "وهو يتولى الصالحين" (الأعراف، 196).

هذه الموالاة تربط الولاية بأواصر محكومة بحكم الشريعة، تدور معها على ديدن الحضور. وليست للولي، الذي هو الصوفي، ندحة عن نصرة النبي يدافع عنه ويُحاج عن شريعته، فوق نُصرته لها والعمل بها والاقتداء بأحكامها ومقاييسها حتى إذا ما خرج عن هذه الدائرة خرج عن دائرة الشرع، وخرج تباعاً غير مأسوف عليه عن ديوان الولاية.

وأولياء الله كما في رواية ابن عباس عن رسول الله هم الذين "إذا رؤوُا ذكر الله". وفي رواية أبي أمامة أنه صلوات الله وسلامه عليه قال:"إنّ أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاد ذو حظ من الصلاة, أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السّر، وكان غامضاً في الناس، لا يُشَارُ إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافاً، وصبر على ذلك ... ثم نقرَ بيده الشريفة فقال: عجلت منيّته، قَلَّتْ بواكيه، وقلَّ تراثه". تلك كانت أوصاف "الولي"، كما رواها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه تقدح من الوهلة الأولى فيمن ينكرون أحاديثه في الولاية، وهى لازمة لها في الواقع وفي المثال وفي التحقيق؛ فيما يلزم عنه، صلوات الله عليه، من أحاديث.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم