ميثم الجنابيلقد قدم الحسن البصري في تعريته للنفس وفضحها، أسلوب ما يمكن دعوته ببكاء الوجود والعدم. ويستمد هذا الأسلوب أصوله من بلوغ الحكمة بوصفها خروجا على العقل بمعاييره. بمعنى بلوغ حدس الذات الخالصة من شوائب العابر والغابر. إذ ما هو السرّ الذي يجعل، على سبيل المثال، آيات القرآن أكثر قربا إلى قلوب المريدين؟ وعبارات المسيح أكثر إثارة للروح والذاكرة؟ وإيماءات بوذا العملية أشد توهجا بالنسبة للخيال؟ إنها الوحدة الحية للكلمة والمعنى، وبالتالي حدس الذات الخالص من شوائب العابر! فكلما يرتقي المرء في مدارج المطلق، كلما يصبح الوجود حدثا عابرا أو وقفة في وجود الكون، أي لحظة في الأبد الزائل! وهي المفارقة التي يلتاع فيها الروح، ويسجد العقل أمام إشكالاتها. كما انه السبب الذي يجعل الصراخ والصمت مظاهرا من مظاهر بكاء الوجود والعدم. بمعنى إدراكه إنهما شيء واحد من حيث المبدأ والمعاد، وإن القوة الوحيدة القادرة على ربطهما بصورة متجانسة هي الإرادة الحرة بوصفها إخلاصا للحق والحقيقة. إذ عادة ما تضع هذه الإرادة القلب أمام مهمة تأمل نقص الوجود واقترابه من العدم. وفي مجراها يبدأ القلب بذرف دموع الحسرة والعبرة، ومن احتراقهما تتصاعد الغيرة المتوهجة بحرارة المساعي الفردية من أجل الخروج من مأزقها. بحيث قيل عنه إن أحدا لم ير الحسن البصري ضاحكا على مدار أربعين سنة! وأن "قلبه كان محزونا!". وقد شخّصه مرة أحد الرجال قائلا: "كنت إذا رأيته قاعدا، كأنه أسير قدِّم ليضرب عنقه! وإذا تكلم كأنه يعاين الآخرة فيخبر عن مشاهدتها! وإذا سكت كأن النار تسعر بين عينيه!"[1]. لهذا قال عنه بعضهم:"ما رأيت أحدا أطول حزنا من الحسن. وما رايته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة"[2]. وقد التقط أبو نعيم الأصفهاني هذه الصورة ووضعها في فكرة جامعة مفادها، إن الحسن البصري "حليف الخوف، أليف الهمّ والشجن، عديم النوم والوسن"، "الفقيه الزاهد، المتشمر العابد"، الذي كان "لفضول الدنيا وزينتها نابذا، ولشهوة النفس ونخوتها واقذا"[3]. ومن كل هذه الصور الخلابة والجذابة لخيال العامة والخاصة استقطرت زيوت اللوحة العطرة التي رسمته على خلفية ما آل إليه مصير ابن سيرين. إذ تنقل لنا هذه الحكاية، كيف أن أحد الأشخاص حزن حزنا شديد قاربه من الموت على موت أبن سيرين. وعندما رآه في المنام وهو في حالة جميلة من العيش، سأله عن حال الحسن البصري، فأجابه ابن سيرين:

قد رفع فوقي بتسعين درجة!

ومم ذاك؟

بطول حزنه![4]

ولا يعني "طول الحزن" هنا سوى شموله وكماله، بمعنى الحزن باسم الجميع وللجميع. ولا يمكن بلوغ هذه الحالة دون تحقيق الحزن في الشخصية. وهذا بدوره مستحيل وغير معقول دون شمولية الموقف النقدي من النفس والآخرين بمعايير المحبة والإخلاص فيها. فالحزن الشامل هو الوجه الآخر للمحبة الشاملة. وحالما يجري وضع هذه العلاقة بعبارة الفكرة الأخلاقية، فإنها تتخذ حينذاك صيغة العداء المستحكم بين الفضيلة والرذيلة. وحالما يجري نقلها إلى ميدان الحياة السياسية وصراعها، فإنها تتخذ صيغة العداء المتراكم بين الحق والباطل. وقد حقق الحسن البصري في موقفه من الحزن هذه المعادلة. من هنا قوله "إن المؤمن يصبح حزينا ويمسي حزينا ولا يسعه غير ذلك لأنه بين مخافتين، بين ذنب قد مضى لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقى لا يدري ما يصيب فيه من المهالك"[5]. بمعنى وقوفه دوما أمام شفرة الحياة والموت الحادة بوصفها الصيغة الجسدية والروحية لوحدة الوجود والعدم. وهي الشفرة التي تحلق الروح من بقايا ونوايا النفس، والجسد من بقايا ونوايا الرذيلة لتجعلهما متقلبين "باليقين في الحزن"، كما يقول الحسن البصري[6]. فالمرء كما يقول الحسن البصري يكفيه ما يكفي العنيزة من التمرة والشربة من الماء"[7]. وبالتالي "ما يسع المؤمن في دينه إلا الحزن"[8]. وهو استنتاج لا يحكمه شيئا غير منطق الرؤية التاريخية والأخلاقية. من هنا مقارناته المبنية على أساس مرجعية المصادر النظرية (القرآن) والعملية (تجارب الإسلاف)، كما في قوله "ما أصبح اليوم عبد يتلو هذا القرآن ويؤمن به إلا كثر حزنه وقل فرحه، وكثر بكاؤه وقل ضحكه، وكبر صبه وشغله وقت راحته وبطالته"[9]. وانه "لا يؤمن أحد بهذا القرآن، إلا حزن وذبل، وإلا نصب، وإلا ذاب، وإلا تعب"[10]. ولا يعني ذلك سوى وضعه حالة الأفراد والجماعات والأمة على محك النماذج المثلى للرؤية القرآنية عن الحق والفضيلة. وهو محك له نماذجه الفعلية في التاريخ. من هنا لا يعني الرجوع إليها تقليدا بقدر ما يعني تأسيس وعي الذات التاريخي الأخلاقي. من هنا قوله "ما من الناس رجل أدرك القرن الأول، أصبح بين ظهرانيكم إلا أصبح مغموما وأمسى مغموما"[11]. بحيث جعلته هذه الحالة مرة يقول:"ذهبت المعارف وبقيت المناكر. ومن بقي من المسلمين فهو مهموم"[12]. لهذا نراه يجد في الحزن أسلوب التنقية الذاتية للفرد من أجل الإرتقاء به إلى مصاف المرجعية الروحية والعملية في مواجهة الجهل والمنكر. بحيث نسمعه يقول مرة: "كثرة الضحك تميت القلب"[13].

وليس هذا "الغلو" الظاهر في العبارة سوى الصيغة الأدبية التي تعكس غلوّ الروح الأخلاقي في مواجهة تداعيات الانحطاط المعنوي والسياسي للسلطة والأمة على السواء، أي خروجهما على مبادئ القرآن الكبرى في مواقفه من الفضيلة والرذيلة. من هنا استنتاجه الفكري والعملي القائل، بأن "طول الحزن في الدنيا تلقيح العمل الصالح"[14]. انطلاقا من الحكمة القائلة، بأن العمل الصالح هو الشعاع الذي تسكبه مرآة القلب النقية على أزقة السلوك الضروري للمرء في مواجهة إشكاليات الوجود الخاص والعام. وهي إشكاليات محكومة هنا بفكرته عن الحياة والموت، والوجود والعدم. من هنا قوله:"يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله مشهده، أن يطول حزنه". بل جعل من هذه النتيجة استنباطا واستقراء للعقل في مواجهة الوحدة الأبدية للحياة والموت، كما في قوله:"ما رأيت عاقلا قط إلا أصبته من الموت حذرا وعليه حزنا"[15]. لهذا أجاب مرة عندما عاتبوه في شدة حزنه قائلا:"ما يؤمنني أن يكون قد اطلع عليّ في بعض ما يكره فمقتني! فقال: اذهب فلا غفرت لك! فأنا أعمل في غير معمل"[16]. وقد استنطق هذه المعاناة الذاتية مرة بعبارة بليغة قال فيها:"لو أن بالقلوب حياة! لو أن بالقلوب صلاحا! لأبكيتكم من ليلة صبيحتها يوم القيامة!"[17].

إننا نقف هنا أمام عبارة لا تعني بمعايير المنطق العقلي المجرد أكثر من تحصيل حاصل. انطلاقا من أن القلوب الحية والصالحة ليست بحاجة إلى من يبكيها، لأنها مستعدة للبكاء بذاتها. غير أن الحدس القائم وراء هذه المطلب يقوم في طبيعة الإلهام الذي توحي به معاناة القلب الحي والصالح في استعداده للبكاء الأبدي. ويتضمن هذا الاستعداد في أعماقه فكرة النفي الدائم لإشكالية الوجود والعدم، التي تثيرها نفسية وذهنية الانقطاع المفتعل في الأفعال والمواقف الإنسانية بين الظاهر والباطن، والعلم والعمل، والروح والجسد، والأبد والآن الدائم. إذ لا يعني الاستعداد للبكاء حتى انقشاع غمامة العابر أمام محنة الخلود الأبدي، سوى وضع الإرادة أمام مهمة استكناه ذاتها بوصفها قيمة مستقلة والعمل بموجبها. وهي نتيجة مبنية في آراء الحسن البصري على أساس موقفه من وحدة الحياة والموت بوصفها الإشكالية الحسية والمعنوية لوحدة القدر الوجودي والقدرة الإنسانية الحرة. كما أنها علاقة تتصف بقدر هائل من الشك واليقين، والتي لا يستطيع بعث التجانس في أوتارها شيء غير القلق المنبعث من دقات الوجود والعدم، أو الحياة والموت بوصفها دقات الوجدان المعقول بمعايير الإخلاص للحق والحقيقة. من هنا قول أحدهم عنه، بأن الحياة تصبح لا شيء بعد كل دخول على الحسن البصري وخروجا منه[18]. بمعنى رؤيتهم فيه تجسيد ما أسميته بدقات الوجدان المعقول في إخلاصه للحق والحقيقة. حينذاك تضمحل إشكالية الشك واليقين، ويتحول القلق إلى باعث التجانس في أوتار الأنغام الجميلة للقلوب والأعمال. ووضع الحسن البصري هذه النتيجة في كثرة كثيرة من العبارات البسيطة والمباشرة التي خاطب بها بني البشر مثل:"انك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك"[19]. وكذلك في مخاطبته الإنسان بعبارة يا ابن أدم، مثل قوله "يا ابن آدم! إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك"[20].، أو عبارة "يا ابن آدم! إنما أنت مراحل، كلما مضى منك يوم أو ليلة قطعت مرحلة. فإذا فنيت المراحل بلغت المنزل. فالساعات تنقلنا والأيام تطوينا"[21]. والحصيلة هي ما صرخ بها الحسن البصري مرة عندما قال:"فضح الموت الدنيا! فلم يترك فيها لذي لب فرحا"[22].

وليس في أفكار الحسن البصري هذه امتهانا للحياة أو إساءة لما فيها من رونق الجمال والمعنى، كما لا تحتوي على أي قدر من الإيماء والإشارة لإضعاف اليقين بما فيها من قدرة واستعداد للكمال، بقدر ما انه أراد الكشف عن ابسط تجليات الحقيق الأبدي القائلة، بأن عمل الإنسان الحقيقي لا ينتهي إلا بالموت، كما وضعها في إحدى كلماته القائلة: "ما لعمل المؤمن انتهاء دون الموت"[23]. ولا علاقة لهذا التقرير بهذه البديهة التي تتماهى مع ثنائية الوجود والعدم، بقدر ما انه يتسلق عروق الإنسان النابضة لتنسيق سيلان دماءها مع دقات القلب الروحي. لكنه تنسيق يستحيل رفعه إلى مصاف البديهة الروحية ما لم ترتق الإرادة الإنسانية إلى مصاف ما يمكن دعوته بوحي الوجود الحق. كما أنه وحي يستحيل إدراك كنهه والعمل بموجبه دون بلوغ حالة "الاستعداد للموت". فهو الوحيد القادر على جعل الحياة تبرق ببريقها، بوصفها حلقات عابرة في إرادة الخير التام. من هنا مخاطبته الجمهور:"المبادرة! المبادرة! فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله. رحم الله امرؤ نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه"[24]. وأن يدعوهم قائلا:"تصبروا! وتشددوا! فإنما هي أيام قلائل! وإنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى الرجل منكم فيجيب ولا يلتفت. فانتقلوا بصالح ما بحضرتكم"[25]. وذلك لأنه "لا راحة للمؤمن إلا في لقاء الله". وبالتالي لا يعني الموت بهذه الحالة سوى يوم السرور والفرح والعزة والشرف[26]. وليس المقصود بذلك سوى أن الموت هو اللحظة التي تكشف حقيقة الوجود والعدم في المرء، أي ما إذا كان جسدا عابرا أو روحا أبديا. لهذا نراه مرة يجيب على سؤال:

يا أبا سعيد! ألا تغسل قميصك؟

الأمر أعجل من ذلك!

لقد جعل الحسن البصري من الاستعداد للموت شعار المعركة العلمية والعملية القاسية للرقي الروحي. وهو شعار بسيط وعميق بقدر واحد يقوم في أن الموت معقود بنواصي المرء وأن الدنيا تطوى من وراءه[27]. وليس مصادفة أن يقولوا عنه بأن الحديث معه حالما تجلس إليه لا يتعدى غير النار وأمر الآخرة وذكر الموت[28]. وهو تهويل! لكنه يعكس في أعماقه حب الحياة بوصفها مقاساة كبرى واختبارا دائما للشخصية الروحية. وهو موقف حققه الحسن البصري على امتداد حياته المديدة. بحيث نراه يقول لمن زاره قبيل موته:"مرحبا بكم وأهلا! حيّاكم الله بالسلام وأحلنا وإياكم دار المقام! هذه علانية حسنة، إن صبرتم وصدقتم وأيقنتم! فلا يكن حظكم من هذا الخبر رحمكم الله أن تسمعوه بهذه الأذن وتخرجوه من هذه الأذن، فإن من رأى محمد فقد رآه غاديا ورائحا لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة. رحم الله عبدا جعل العيش عيشا واحد فأكل كسرة، ولبس خرقا، ولزق بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة، وابتغى رحمة الله حتى يأتيه اجله وهو على ذلك"[29]. وحقق هذا الموقف تجاه النفس أولا وقبل كل شيء. لكنه بقى في الوقت نفسه وفيا لتقاليد الأسلاف وتجارب الحقيقة. من هنا قوله، بأنه أدرك "قوما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه، وما يبالون أشرقت الدنيا أم غربت"[30]. وأوصله هذا الإدراك إلى الفكرة القائلة، بأن الدنيا وديعة ينبغي تأديتها لمن ائتمنهم عليها[31]. انطلاقا من "إن الدنيا دار عمل. من صحبها بالنقص لها والزهادة فيها سعد بها ونفعته صحبتها، ومن صحبها على الرغبة فيها والمحبة لها شقي بها وأجحف"[32]. ووضع هذه المقدمة في مطالبته المرء قائلا:"من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره"[33]. لكنه تحد ينبغي توجيهه صوب النفس من خلال العمل بالفكرة القائلة "اكدح لما خلقت له قبل أن تفرّق بك الأمور فيشق عليك اجتماعها"[34]. وبالتالي، فإذا "أصبحت فانتظر الموت! وإذا أمسيت فكن على ذلك"[35]. اذ "لا شيء أفضل من رفض الدنيا"[36]. من هنا تحديده للموقف الفردي والنهائي من الحياة والموت بمطلب ما اسماه بضرورة مصاحبة الدنيا بالجسد ومفارقتها بالقلب. ومن ثم الوقوف ضد التيار العارم للعوام، ألا وهو الزهد بها أكثر كلما أعجب بها أهلها[37]. بحيث نراه يقول في أحد مواقفه الصارمة:"أهينوا الدنيا! فوالله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها"[38]. بينما نراه يختم موقفه هذا في حالة أخرى مخاطبا بها الإنسان قائلا:"يا ابن آدم! طأ الأرض بقدمك! فإنها عن قليل قبرك"[39]. وهي المفارقة المتسامية للروح الحر في مواجهة إشكاليات الحياة والموت الكبرى، عندما تصبح الأرض ثرى وثريا الفعل الإنساني الحر. إذ تستمد هذه المطابقة مقوماتها من وحي التجربة الأخلاقية وتلقائية أحكامها العلمية والعملية.

إن سيادة الرؤية الأخلاقية ومنظومتها المتغلغلة في آراء الحسن البصري ومواقفه من كل شيء تعكس في مظاهرها انعدام أو ضعف الأخلاق السائدة، وفي باطنها تستجيب لاستلهام العقل الثقافي للأمة الصاعدة في مواجهة إمبراطورية الدولة المستبدة. فقد أدخل الحسن البصري هذه الصيغة الجديدة إلى عالم الثقافة العربية الإسلامية الناشئة. بمعنى رفعها إلى مصاف المنظومة الفكرية وتطوير مفاهيمها بصورة تلقائية تتمثل رحيق ما أسميته بتجارب القرن التأسيسي الأول للخلافة. ذلك يعني أن نقده للواقع لم يقف عند حدود الإدانة ومقارنته بما كان عليه الأسلاف وما ينبغي القيام به، بل عبر تأسيس البدائل في المواقف. بعبارة أخرى، أنه اخذ في استلهام العقل الثقافي للأمة من خلال إخضاع تجاربها إلى امتحان حسي وعقلي، ومن ثم تذوقها الفردي الذاتي. بمعنى رفع رؤيته ومواقفه إلى مستوى الحدس الخالص من شوائب الأوهام والأهواء. ففي موقفه من القرآن على سبيل المثال نسمع يخاطب معاصريه قائل:"إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل وجعلتم الليل جملا. فأنتم تكبونه فتقطعون به مراحله. وإن من كان قبلكم رأوه رسائل أتتهم من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار"[40]. ومنها أستقى موقفه القائل:"تفّقد الحلاوة في ثلاث، فإن وجدتها فابشر وأمض لقصدك، وإن لم تجدها فاعلم أن بابك مغلق عند تلاوة القرآن، وعند الذكر، والسجود"[41].

ولم يعد الإسلام في مواقفه ما هو شائع من نطق اللسان ومستلزماته الظاهرية، بل وحدة ما دعاه الحسن البصري بالسر والعلانية، وإسلام القلب لله، و"أن يسلم منه كل مسلم وكل ذي عهد"[42]. بل انه وقف مرة بعد أن تلا الآية (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، ثم قال "إن الله جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة"[43]. في حين نراه يحدد معالم المسلم من خلال منظومة عقلية واقعية وأخلاقية عملية متسامية، كما في قوله، بأن "من علامات المسلم قوة في دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتجمل في فاقة، وإحسان في قدرة، وتحمل في رفاقة، وصبر في شدة. ولا يغلبه الغضب، ولا تجمح به الحمية، ولا تغلبه شهوة، ولا تفضحه بطنه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نيته، فينصر المظلوم، ويرحم الضعيف. ولا يبخل ولا يبذر ولا يسرف ولا يقتر. يغفر إذا ظلم ويعفو عن الجاهل. نفسه منه في عناء، والناس منه في رخاء"[44].

كما لم يعد المؤمن ما هو متعارف عليه في الصيغ الإسلامية الظاهرية، بل يتعداه إلى الأبعاد السحيقة للموقف الأخلاقي والإنساني والرقي الروحي. من هنا قوله "ما المؤمن الذي يعمل الشهر والشهرين والسنة والسنتين. إنما المؤمن المداوم على أمر الله، الخائف من مكر الله. إنما الإيمان شدة في لين، وعزم في يقين، واجتهاد في صبر، وعلم في زهد"[45]. من هنا إجابته مرة على سؤال:

يا أبا سعيد ما الإيمان؟

الصبر والسماحة!

ما الصبر والسماحة؟

الصبر عن معصية الله، والسماحة بأداء فرائض الله"[46].

بل نراه "يغالي" للدرجة التي أجاب مرة على سؤال وجهوه إليه:

أمؤمن أنت؟

إن شاء الله!

لم تستثني يا أبا سعيد في الإيمان؟

أخاف أن أقول نعم فيقول الله "كذبت يا حسن! فتحق عليّ الكلمة"[47].

إننا نقف هنا أمام تحويل تجارب العقل النظري الإسلامي صوب امتحانها العملي الدائم. ومن خلال ذلك كان يجري توليف الأبعاد الجديد للتجربة الذاتية بوصفها تذوقا خالصا للمعاني ومحكوما بتحقيقها الفعلي المتجدد في الظاهر والباطن. وقد ميز هذا الأسلوب الجوهري الجديد جميع مواقف وآراء الحسن البصري من قضايا الكلام (اللاهوت) حتى أبسط مظاهر الحياة الاجتماعية. ففي موقفه، على سبيل المثال، من الدعاء بالأسماء الإلهية، نستطيع رؤية ما يمكن دعوته بتأسيس سلسلة التراكم الأخلاقي الروحي المثالي، الذي وجد نموذجه في النبي محمد. وهو دعاء، كما تقول بعض الروايات، خلّصه من مكر الحجاج ومحاولاته القضاء عليه ست مرات[48]! وهو الدعاء التالي:"سبحانك لا اله إلا أنت، يا رب كل شيء ووارثه ورازقه وراحمه. يا إله الإلهة الرفيع الجلالة، يا الله المحمود في كل أفعاله، يا رحمن كل شيء وراحمه، يا حي، يا قيوم، يا واحد، يا دائم فلا فناء ولا زوال لمكله، يا صمد من غير تشبيه ولا شيء كمثله، يا بارئ فلا شيء كفؤه ولا مكان لوضعه، يا كبير، أنت الذي لا تهتدي القلوب لوصف عظمته، يا بارئ النفوس بلا مثال خلا من غيره، يا زاكي الطاهر من كل آفة، يا كافي الموسع لما خلق من عطايا فضله، يا نقيا من كل جور، يا حنان (وسعت رحمته كل شيء)، يا منان ذا الإحسان، يا ديان العباد كل يقوم خاضعا، يا خالق، يا رحيم، ويا تام، يا مبدع البدائع، يا علام الغيوب، يا حليم (فلا يعادله شيء من خلقه)، يا معيد ما أفناه،يا حميد الفعال، يا عزيز المنيع الغالب في أمره، يا قاهر، يا قريب المتعالي فوق كل شيء، يا مذل كل جبار، يا نور كل شيء، يا عالي الشامخ فوق كل شيء، يا قدوس الطاهر من كل سوء، يا مبدي البرايا ومعيدها، يا جليل، يا محمود، يا كريم، يا عظيم، يا عجيب فلا تنطق الألسنة بكنه آلائه، يا غياثي عند كل كربة، يا مجيبي عند كل دعوة"[49]. وهو دعاء يحتوي من حيث واقعيته ومكوناته وأسماءه الفعالة في الوعي الباطن صورة الله المتكاملة في محبتها للإنسان، ونفيها لجبروت الأموية الاستبدادي.

إن الوحدة المتكاملة لمحبة الإنسان وكراهة الاستبداد والخروج على منطق الحق والعدالة وجدت تعبيرها المتنوع في مواقفه الفكرية من مختلف القضايا الاجتماعية والأخلاقية، والأهم من ذلك تحقيقها العميق في تجاربه الشخصية. ففي موقفه، على سبيل المثال من "الغلوّ الفكري" نراه يواجهه بغلوّ الحقيقة الرافضة، كما وضعه في عباراته القائلة:"محدثان أحدثا في الإسلام، رجل ذو رأي سوء زعم أن الجنة لمن رأى مثل رأيه، ومترف يعبد الدنيا، لها يغضب، ولها يرضى، وإياها يطلب. فارفضوهما إلى النار!"[50]. ونعثر على نفس الموقف من خلال دفع الفكرة صوب الباطنية المتسامية. فعندما قيل له مرة:

لا نفاق اليوم!

لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطريق"[51].

وهي فكرة، شأن سابقتها تصب في مجرى نحت الحكمة العقلية والأخلاقية الساعية لتوحيد الأنا في مختلف مستويات وتجليات الظاهر والباطن. من هنا قوله في النفاق "إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب، والسرّ والعلانية، والمدخل والمخرج"[52]. فقد جرّب هذه الأفكار وحققها على نفسه كما في قوله "والله لأن أكون أعلم إني برئ من النفاق أحب إلي من قلاع الأرض ذهبا"[53]. وكذلك في موقفه من النفس عندما قال "لو أني أعلم إني برئ من النفاق كان أحب إلي مما طلعت عليه الشمس"[54]. وليس مصادفة أن يقول مرة عندما حكوا عن حالة رجل خرج من النار بعد ألف سنة، فبكى وقال "يا ليتني كنت مثل ذلك الرجل"[55]. بمعنى انه وضع إشكالية الأبد، بما في ذلك أوهامها "الجليلة" ضمن سياق معاناته الأخلاقية بوصفه أسلوب التنقية الدائمة للأنا. انطلاقا من أن طريق التنقية والتطهير هو طريق الامتحان الأبدي للأنا في محاولاتها بلوغ حقيقة اليقين. وهو المعنى الذي يمكن تلمسه في قوله "لو لم يذنب المؤمن لكان يطير طيرا، ولكن الله قمعه بالذنوب"[56].

غير أن الإرادة الحرة للإنسان تضعه على الدوام أمام مهمة إدراك الحد القاطع بين الفضيلة والرذيلة، بوصفه الحد الفاصل بين عالمين واتجاهين. إذ بين الإنسان وربه، كما يقول الحسن، "حد من المعاصي معلوما، إذا بلغه العبد طبع على قلبه فلم يوفق بعدها للخير"[57]. وهو الحد الذي لا يعني من الناحية الفعلية سوى عيون الرقابة الأخلاقية الذاتية التي تحاسب النفس والجوارح على كل ما يخالج أعماقها من نية وأفعال. وهي الحالة التي تصورها النادرة المروية عنه، وكيف انه دخل مسجدا ليصلي فيه المغرب، فوجد إمامهم حبيبا العجمي. فلم يصل خلفه لأنه خاف أن يلحن لعجمية في لسانه. فرأى في منام تلك الليلة قائلا يقول له:"لم لم تصل خلفه؟ لو صليت خلفه لغفر الله لك ما تقدم من ذنبك!". وهي نادرة تكشف أولا وقبل كل شيء عن فاعلية النقد الأخلاقي الذاتي والمحاسبة غير الواعية بوصفها الحالة المستبطنة لوعيه العقلي الأخلاقي. من هنا رده في إحدى المرات على أحد الأشخاص الذين أراد الاعتذار منه بسبب سوء تصرفه، قائلا: "لا تعتذر إليّ، وتب إلى ربك"[58]. لقد أراد الحسن البصري هنا دفع الاعتذار الظاهر صوب التربية الباطنية للإرادة والأخلاق استنادا إلى مقوماتها الذاتية. وذلك لأن الاعتذار الظاهر مهما كان شكله ومحتواه ومحدداته لا يمكنه تحرير النفس بصورة حقيقية. وذلك لما في الاعتذار الخارجي من وسوسة فاعلة بالنسبة لخلاص النفس وتحريرها من مسؤولية الموقف الباطني. وهي الفكرة التي جعلت مواقف الحسن البصري تتصف بقدر متجانس من الرؤية الأخلاقية الإنسانية، كما نراها على سبيل المثال في الحوار المقتضب الذي جري بينه وبين معاوية بن قرة. فقد سأله هذا مرة قائلا:

أعود مريضا أحب إليك أو اجلس إلى قاص؟

عد مريضك!

أشيع جنازة أحب إليك أو اجلس إلى قاص؟

شيع جنازتك!

وإن استعان بي رجل في حاجة أعينه أو اجلس إلى قاص؟

اذهب في حاجتك![59]

وتكشف هذه المحاورة بصورة نموذجية مبدأ الحسن البصري في تحدي إشكاليات الحياة بوصفه أسلوبا لبلوغ حقيقة اليقين الأخلاقي. فالسؤال شك واليقين فعل عندما يتعلق الأمر بامتحان الإرادة واختبارها. من هنا جوهرية العمل في منظومته الفكرية والأخلاقية، كما في قوله "فَّضل الفعال على المقال مكرمة، وفَّضل المقال على الفعال منقصة"[60]. وطالب الإنسان بالعمل الدائم باعتباره سرّ "القرب من الله" وبلوغ الكمال الروحي، كما نراه على سبيل المثال في مطالبته الإنسان قائلا:"يا ابن آدم عملك عملك، فإنما هو لحمك ودمك! فانظر على أي حال تلقي عملك. إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها - صدق الحديث، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، ورحمة الضعفاء، وقلة الفخر والخيلاء، وبذل المعروف، وقلة المباهاة للناس، وحسن الخلق، وسعة الصدر مما يقرب إلى الله"[61].

ذلك يعني انه ربط الفضيلة ببلوغ الكمال الروحي. وهو كمال لا طريق إليه غير العمل، بحيث نراه يجعل من العمل ميزان الكينونة الأخلاقية للإنسان، كما في قوله:"لا تحقرن من الخير شيئا وإن هو صغر، ولا تحقرن من الشر شيئا"[62]. ومن هنا أيضا احتقاره للغو الفارغ، أو تحويل الكلام إلى بديل للعمل. إذ تروى عنه الحكاية التالية: دخل الحسن البصري المسجد ومعه فرقد. فقصدوا إلى جنب حلقة يتكلمون. فنصت لحديثهم عندها قال لفرقد:"ما هؤلاء إلا قوم ملوّا العبادة ووجدوا الكلام أهون عليهم، وقلّ ورعهم فتكلموا"[63]. وليس المقصود بذلك نبذ الكلام أو التقليل من أهميته وقيمته، بقدر ما يشير إلى أولوية وجوهرية العمل بالفكرة بوصفها تفكرا باطنيا عقليا أخلاقيا، وأسلوبا للرقي الروحي والحكمة (يتبع....).

 

ميثم الجنابي

.........................

[1] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص228.

[2] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[3] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص131-132.

[4] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص132.

[5] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص132.

[6] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[7] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[8] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[9] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص47.

[10] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[11] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص133.4

[12] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص132.

[13] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص152.

[14] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص451.

[16] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص228.

[17] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص143.

[18] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 158.

[19] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص155. 

[20] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 148.

[21] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص106.

[22] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 149.

[23] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص90.

[24] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص460.

[25] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص460.

[26] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص465.

[27] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص454.

[28] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص451.

[29] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص460-461.

[30] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص209

[31] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص207.

[32] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص140. 

[33] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص209.

[34]أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 141.

[35] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 142.

[36] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص268.

[37] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 141.

[38] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص210.

[39] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 155.

[40] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص58.

[41] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص285.

[42] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص152.

[43] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص158.

[44] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص166.

[45] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص90.

[46] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص156.

[47] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص122.

[48] إننا نستطيع أن نقرأ وراء هذه الصيغة اللاهوتية الخيالية وأثرها على الوعي الفاعل آنذاك، بعض أبعادها الواقعية، وبالأخص ما يتعلق منها بطبيعة علاقته بالسلطة.

[49] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص171-172.

[50] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص161.

[51] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص123.

[52] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص123.

[53] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص123.

[54] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص234.

[55] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص101.

[56] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص220.

[57] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص185.

[58] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص339.

[59] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص149.

[60] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص156.

[61] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص143.

[62] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص143.

[63] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص157.

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة (18)

إن ما يميز الفكرة الاصلاحية عند محمد عبده ومواقفه االنظرية والعملية منها هو وقوفها أمام مهمة تأسيس باطني لمبدأ البناء الذاتي الشامل، أي أن الإصلاح الحقيقي يفترض استناده إلى مبدأ جوهرية البناء الذاتي الشامل، بوصفه الوجه الآخر لنفي التقليد الداخلي والخارجي، العقلي والاجتماعي، الثقافي والمعرفي. الأمر الذي أعطى للفكرة الإصلاحية بعدها الذاتي التلقائي. وقدّم الكثير من المقارنات بهذا الصدد. ففي مجرى تناوله تاريخ الرقي والتمدن الأوربي الحديث، فإنه كشف عن أن أصول الإصلاح الديني النصراني كانت نتاجا للتأثير الإسلامي الفلسفي والعلمي والثقافي والحياتي، سواء جرى ذلك عبر الحروب الصليبية وبعدها أو من خلال تأثير الحضارة العربية الإسلامية الأندلسية. وقرر هذه الفكرة من خلال الشواهد التاريخية والمعطيات الحسية البسيطة والمباشرة عن عيش الكثير من نخب المجتمع النصراني والناس العاديين بين المسلين فترات زمنية طويلة تأثروا بنمط حياتهم وأفكارهم، أي كل ما شكل الدافع الأساسي لنقد الواقع والخروج من ثقل التقاليد النصرانية المتحجرة. من هنا استنتاجه القائل، بأنه حالما نتأمل النصرانية البروتستانتية، فإننا نرى أغلب آراءها ومبادئها مأخوذة من الإسلام. والاختلاف في العبادات فقط[1].

لقد أراد محمد عبده القول، بأن الفكرة الإصلاحية النصرانية المتطورة التي أثرت بصور كبيرة على عملية التمدن الأوربي ما هي إلا أحد أوجه الإسلام الحقيقي. وضمن هذا السياق طوّع كل موسوعيته في التفسير ورؤيته العقلانية ومواقفه العملية من أجل إبراز حقيقة الإسلام بوصفه دين الإصلاح كما نراها في هذا الكم الهائل من تفسير الآيات[2]. وهو تفسير يختلف و"يشذ" عما كان سائدا، وذلك لنحوه صوب إصلاح الروح والعقل والجسد الفردي والاجتماعي والقومي من خلال مطابقة الفكرة الإصلاحية مع حقيقة الإسلام، أو من خلال جعل الإسلام دين الإصلاح الدائم. من هنا ارتكاز التفسير الذي قدمه لمختلف آيات القرآن وسوره على مبادئ ووحدة العقل والعقلانية والروح الأخلاقي والرؤية الواقعية المتسمة بنزوع إصلاحي شامل. الأمر الذي جعل منه تفسيرا أقرب إلى تفسير "روح المعاني"، ولكن من خلال جعل القرآن أسلوبا لفهم حقائق المعاصرة كما هي. بمعنى تحويل الآيات إلى أسلوب منهجي في فهم إشكاليات الواقع التاريخي. والنظر إليها ليس بعيون التمني الباكية على أطلال الماضي، بل بعيون الرؤية النقدية والواقعية العاملة من أجل تغيير الواقع بوصفه جوهر ومضمون الفكرة الإسلامية. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن التأثير الخفي لتقاليد الروح الصوفي المتسامي وأثر الأفغاني العملي الفعال في جمع هذه المكونات التي تتراءى من خلالها عقلانية الكلام وحنكة الفلاسفة وأدب التصوف الرفيع وأخلاقهم النبيلة.

إننا نعثر في هذا النوع من التفسير على نقل روح التصوف وأخلاقيتهم المتسامية إلى ميدان الرؤية الواقعية والاجتماعية والسياسية ومستقبل الدولة والأمة. بمعنى تنشيط الروح الأخلاقي والعقلي في مواجهة إشكاليات الحاضر من خلال إبداع صورة عملية لما في اجتهاد الغزالي القديم. ووضع هذه الرؤية في المبدأ القائل، بأن "التفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة". ذلك يعني إن المهمة الأولية للتفسير تقوم في إبعاده عن تقاليد الأموات واللاهوت السحري، عبر إرجاعه إلى تيار الحياة وإشكالاتها. لهذا السبب نراه أيضا يقف بالضد من أساليب التأويل الباطني المتطرف. ورفضه لهذا النوع من التأويل الذي وجد انعكاسه فيما ينسب إلى ابن عربي (كتاب تأويل القرآن) مع انه كتاب القاشاني، كما يقول محمد عبده. ومن هنا أيضا فكرته من أن الجوهري بالنسبة له في التفسير ليس "الأحكام العملية" بل "التهذّب ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها ورفعها من حضيض الجهالة إلى أوج المعرفة". لهذا نراه يدعو كل شخص (جاهل وعالم) أن يفهم القرآن بقدر طاقته. ووضع في هذا المبدأ أسلوب ما اسماه بتفسير القرآن بحسب المعنى الأولي، وحسب ما جاء في القرآن نفسه وبما يتوافق مع المعنى في الآية. والغرض من ذلك تحرير الرؤية من ثقل التقاليد المذهبية والحفظ الميت واسترجاع تقاليد الأسلاف، أي البقاء ضمن بطون الكتب المليئة بغبار الماضي.

لقد احتوت هذه الرؤية الإصلاحية على مبدأ دفين يحدد اتجاهها الفعلي ألا وهو أن الأولوية بالنسبة للإصلاح هو إصلاح حال التربية استنادا إلى التقاليد الخاصة[3]. بمعنى أن معاناة الاجتهاد العقلي في مواجهة إشكاليات الوجود التاريخي للفرد والجماعة والمجتمع والدولة والأمة ينبغي أن تقوم عبر تبني الرؤية التربوية الجديدة، التي اعتبرها ضرورية للوجود الإنساني أولا وقبل كل شيء. من هنا فكرته عن "أن الإنسان لا يكون إنسانا إلا بالتربية[4]. ووضع فيها تربية الأصول أو الرجوع إليها، ويقصد بذلك سلوك الأنبياء والمرسلين والحكماء. من هنا فكرته عن انه ليس القوانين الرادعة هي التي تربي الأمم، بل ما اسماه "بنواميس التربية الملّية لكل أمة"[5]، أي التربية المبنية على أساس التقاليد الخاصة، وبصفها الوسيلة الضرورية للتحرر من التقليد. وهذا بدوره الشرط الضروري للاجتهاد الحر والسير في طريق معاناة أو مكابدة نتائجه العملية. وإلا فإن كل ما يجري القيام به سوف لن يؤدي إلى إلا نتائج وآثار مخربة ومدمرة. والقضية ليست فقط في أن هذا النوع من الجهود (التي لا اجتهاد حر فيها) سوف تتحول إلى هباء، بل وكذلك لإمكانية ارتداده بالعكس تماما. من هنا مرجعية الفكرة التي بلورها والقائلة، بأن الأولوية بالنسبة للإصلاح هو إصلاح حال التربية استنادا إلى التقاليد الخاصة[6]. ولم يعن ذلك الانغلاق أمام الآخرين، على العكس. لهذا نراه يقف أيضا إلى جانب نشر المدارس بما في ذلك الأجنبية. بل ولا يمانع من إرسال الأطفال إلى المدارس الدينية للطوائف الأخرى (غير الإسلامية)، ولكن فقط في "حال عدم مبالاتهم بالدين". وهو موقف يعكس بقدر واحد الانفتاح الداخلي والتسامح الخارجي الذي يتفوق على نظيره الأوربي آنذاك أيضا. ولم يكن الحافز وراء هذا الموقف دينيا بقدر ما كان اجتماعيا وثقافيا بحتا. من هنا ربطه إمكانية إرسال الأطفال المسلمين إلى المدارس التبشيرية النصرانية في حال ألا يؤدي ذلك إلى ما اسماه بإثارة خلل وصراع داخل العائلة والمجتمع. غير أن موقفه العام والجوهري هو موقفه الإصلاحي الشامل في ميدان التربية والقائل بضرورة فتح وتوسيع شبكة المدارس الوطنية، لما لها من أثر وفاعلية في تكامل الشخصية الفردية بمعايير انتمائها الديني والقومي الثقافي[7]. وأسس هذا الموقف على رؤيته المتعلقة بأهمية وجوهرية التربية في بناء الإنسان والمجتمع والدولة والأمة. وكتب بهذا الصدد يقول بأنه بدون التربية لا بمكن بلوغ الوحدة والقوة والتقدم وثبات العلوم واستثمارها. على العكس بدونها لا تؤدي حتى العلوم إلا إلى إثارة اللغو والهذيان. وقدّم نماذج عديدة بما في ذلك على مستوى اللغة العادية مثل إيراده كلام الأم لابنها "خذ هذا وأخفه عن الأعين حتى لا يراك أخوك" نموذجا على سوء التربية لما في هذه العبارة من غرس لثلاث خصال مهلكات وهي الأثرة والدناءة والسرقة. ومن هنا أيضا فكرته عن انه لا يمكن بناء جمعية ولا جماعة ولا أمة من الجهلة والجاهلات. وقدم أمثلة من حياته في القضاء حيث وجد ما يقارب 75% من المشاكل التي قضى فيها بأحكام عادة ما تقع بين الأهل والأقارب! وتساءل عما إذا بالإمكان بناء مجتمع على هذا الأساس؟

لقد وجد محمد عبده في انعدام أو ضعف التربية السليمة سرّ الخراب والانحطاط. من هنا تشديده عل أهميتها العلمية والعملية. بل اعتبرها أسلوب بلوغ السعادة. فهو يسير ضمن تقاليد الفلسفة الإسلامية العقلانية التي وجدت في العلم والمعرفة سبب ومقدمات بلوغ السعادة ولكن من خلال نقلها إلى ميدان التنظيم الضروري الذي ينبغي أن تقوم به الدولة والمجتمع والأفراد. وليس مصادفة أن نراه يبحث عن كل صغيرة وكبيرة في مختلف تجارب الأمم، التي تكشف عن دور الفرد والمجتمع المدني والنخبة العاملة من أجل الخير العام والدولة والأمة[8].

انه جعل من التربية مهمة الدولة والمجتمع. وبهذا يكون قد أدرك قيمتها العلمية والعملية الهائلة بالنسبة للإصلاح الشامل. لهذا نراه يعتبر التعليم العام ضروريا. ويشير إلى مسئولية الدولة. فمصر تنفق على التعليم مائتي ألف جنيه بينما ميزانيتها تبلغ 12 مليون[9]. بل ونراه يربط فكرة غنى الأفراد والمجتمع والدولة بمدى انتشار التربية والمدارس فيها. وكتب بهذا الصدد يقول، إن أرض مصر غنية لكنها فقيرة. والسبب يكمن في الإنسان وتربيته. فقر البلاد بقلّة الراشدين وغناها بكثرة المهتدين[10]. من هنا دعوته الأغنياء آنذاك للمساهمة في بناء المدارس والتعليم. فهو ثروة لهم أيضا، مستشهدا بالتجربة الأوربية[11]. والغاية النهائية من وراء كل ذلك تقوم فيما للتربية والتعليم من أثر جوهري في سعادة الأمم. لقد اعتبر الغرض من التعليم وإنشاء المدارس هو تربية العقول والنفوس من أجل نيل كمال السعادة. والمقصود بتربية العقول إخراجها من فساد الرؤية والمعتقدات لكي تبلغ الحالة التي يمكن للمرء التمييز بها بين الخير والشر والصحيح والخطأ، أي بلوغ الحالة التي يصبح فيها العقل نافذا في الحكم على الأشياء، وتحوّل ذلك إلى سجية[12].

وإذا نراه أحيانا يشدد على أهمية التربية الدينية، فإن المقصود بذلك تربية الرؤية الإصلاحية. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه عن وضع ما اسماه بتربية المعتقدات الدينية الصحيحة في أولويات هذه التربية. بمعنى وضعه في أولوياتها ما هو مرتبط بمرحلة الإصلاح الديني والفكرة الإصلاحية، أي "تربية القلوب بما يرضي الخالق، وذلك بشرط عدم خروجها على مكارم الأخلاق"، كما يقول محمد عبده[13]. من هنا تأييده لإجراء وزارة المعارف (نظارة المعارف العمومية) بتعليم العقائد الدينية (التربية الدينية) ولكن بعد ربطها بشروط أساسية وهي أن تكون هذه التربية معنوية حقيقة وليس كعبادة الجاهليين، وملاحظة تعاليم هذه التربية من اجل "ألا تكون محشوة بالتخريف المضادة لحقيقة الدين"[14]. ودفع هذه الفكرة صوب أبعادها النظرية العقائدية عندما تناول قضية إصلاح مناهج التربية. إذ نراه يضع في فكرة تجديد المناهج (حالما تكون جزء من الإصلاح الديني) ضرورة القضاء على الأفكار السيئة مثل الجبرية والمرجئة. ومن ثم المطالبة بالعمل. ولكن من خلال نموذج للتربية دقيق يبدأ بالفقه الباطن، أي تربية الروح الأخلاقي. ثم البقية الباقية على أساس اليسير والسليم، أي المرتبط بالرؤية العقلية الصحيحة[15].

ومن أجل تنفيذ هذه المهمة وضع رؤية عملية تتعلق بتدريس العقائد والحلال والحرام والتاريخ مهمتها جمع الكلمة ونبذ الخلاف. على أن يجري تدريس كل قوم بلغته، بالعربية للعرب وبالتركية للأتراك وهكذا دواليك[16]. كما وضع هذه النماذج المختلفة للدارس الابتدائية ثم المتوسطة وما فوقها، مهمتها في نهاية المطاف أن تأخذ بمنطق الإصلاح والرؤية العقلانية والإنسانية مع البقاء التام والدقيق ضمن معايير التقاليد الإسلامية بوصفها تقاليد ثقافية[17]. وتعدى ذلك إلى مسألة الاهتمام بنوعية الكتب لما لها من أثر بالنسبة لتربية العقول والضمائر. فعندما تناول على سبيل المثال حالة الكتاب آنذاك في مصر نراه يشير إلى وجود أنواع من الكتب دينية تقليدية واسعة الانتشار، وكتب حكمية عقلية فلسفية يصعب الحصول عليها، وكتب الأدب القديمة والحديثة وهي آخذت في الانتشار، وكتب خرافية أو ما يدعوه محمد عبده  بكتب الأكاذيب الصرف مثل عنتر وعبس والظاهر بيبرس وأبو زيد وغيرها، وكتب الخرافات، أي مختلف نماذج الكتب المتعارضة مع العقل من العفاريت وتأثير الأجواء على المصير. ووضع محمد عبده هذه الكتب الأخيرة في مقدمات بقاء وانتعاش التخلف الفكري والروحي والأخلاقي. على عكس ما سعت إليه الدولة من منع الكتب "المضرة بالدين والسياسة"[18]، أي على عكس إدراك الحقيقة التي تكشف عنها وتبرهن تجارب الأمم الراقية في سلم المدنية عما في العلم والتربية من قوة مادية وروحية. لهذا نراه يربط مهمة وإمكانية الدفاع عن الدولة والدين والإنسان بالعلم والتربية، بوصفهما القوى الوحيدة القادرة على مساعدة الأمم في مواجهة التدخل الأجنبي والاحتلال وغيره، انطلاقا من أن "العلم نافع لنا، والجهل مهلك لأرواحنا"[19]. ليس هذا فحسب، بل ونراه يربط بين التمدن الحقيقي ونتائج التربية القائمة على العلم. وليس مصادفة أن يعتبر المعيار الفعلي لحقيقة التمدن هو نمو الثروة العامة. وليس مظاهر البهرجة الزائفة[20]. ولا يكن بلوغ ذلك دون التربية والعلوم وذلك لما لها من أثر جوهري بالنسبة لتنظيم القيم الإنسانية الضرورية بالنسبة لبلوغ السعادة الحقيقية. فعندما يتكلم على سبيل المثال عن فكرة العدالة، فإننا نراه يربطها بالتربية والعلم. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن العلم والعدالة بالنسبة للدولة والأمة "متلازمان في الوجود". والرابط الفعلي بينهما هو العلم. وذلك لأن انتشاره يضيء العقول ويوصل المرء والجماعة إلى أن العدالة والمساواة هما العلة الأولى لسعادة البشر[21].

مما سبق يتضح بأن المبادئ الكبرى المتوحدة في الفكرة الإصلاحية لمحمد عبده كانت نتاجا منطقيا لفلسفته الإصلاحية. بمعنى أنها كانت تحتوي في أعماقها على وحدة التأسيس الأولي لما يمكن دعوته بالعقل الثقافي الذاتي، والروح الثقافي القومي، والفكرة السياسية الإسلامية. بمعنى أنها كانت تحتوي من حيث توجهها العام على تأسيس ثلاثة أبعاد كبرى تعمل من أجل توحيد وعي الذات الثقافي المتحرر من نير التقليد، والوعي الثقافي الذاتي (القومي) والوعي السياسي المبني على فكرة العدالة والحق.

غير أن هذا التوحيد الفكري لم يرتق إلى مصاف الرؤية المنهجية النظرية. بل كان أقرب ما يكون إلى كمية متراكمة من المواقف والأفكار في مجرى تفتح ملامح المبادئ الكبرى للفكرة الإصلاحية الإسلامية عند محمد عبده.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، الطبعة الأولى، دار الشروق، بيروت – القاهرة، 1993،  ج3، ص467-268. وقد كتب أمين الخولي عام 1935 كتابا بعنوان (صلة الإسلام بإصلاح النصرانية).

[2] يمكن الرجوع إلى ذلك في الجزء الرابع والخامس من الأعمال الكاملة لمحمد عبده.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

[4] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص168.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص168.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص60-61.

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، 315.

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص183.

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص45.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص51.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص29.

[13] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص30.

[14] محمد عبده: الأعمال الكاملة،ج3، ص31.

[15] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص80.

[16] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص82.

[17] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص83-91

[18] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص54- 56. 

[19] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص20-21

[20] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، 38-41.

[21] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص24-25.

 

محمد ممدوحظل الموت إلى وقتٍ قريب للغاية فزاعة كبرى لى بمثل ما كان فزاعة لكثيرين .. كان السؤال عن المصير المجهول ملازمًا لى دومًا .. القبر، وماذا بعده؟ والظلمة والظلام والظلمات كلها كلمات ومشتقات قاسية على النفس للغاية .. فما أقسى السؤال ماذا بعد الموت؟ وما أصعب التساؤل ماذا خلف بوابة القبر؟ .. عالم من البرزخ يقطن فى عالم من الغيب، يتلبس بعالم أكثر غيبية، غيب من وراء غيب، يقف أمامه عقل محدود للغاية لا يكاد يُبصر تحت قدميه، لا يكاد يدرك كثيرًا من البديهيات أو يفهم ماورائيات بعض المُسلمات، فأنى له السبيل رشدًا بغيب غاصت فيه الأذهان والأفكار فما خرجت منه بأكثر مما قرآناه فى طفولتنا عن مغارة على بابا والساحر أنطوان.

غذا هذه المخاوف دسائس جهلاء الدعاة الذين صوروا أنفسهم مخلصين أو سفينة النجاة أو مالكى صكوك الغفران، حيث شجاع أقرع ذو ألف ناب، وكل ناب به ألف سن قاطع والسن الواحد يفعل الأفاعيل !! وحيث ظلمات تقبع بعضها خلف بعض أو فوق بعض لا يهُم، المهم أنه عالم ظلامى ظلمانى يتسع لكل مفردات الكلمة ومعانيها ومؤدياتها، عالم لا أمل فيه ألبته .. لا إحسان فيه قط، بل هو عالم الثعابين والنيران والجحيم والعذاب المقيم.

هكذا امتلأ الخطاب الدينى بتلك الصور الشوهاء، وهذا للأسف ما ترسخ فى الأذهان بوعى أو بغير وعى، فلعل العقل الباطن أو اللاشعور قد لعب دورًا كبيرًا فى ترسيخ هذه الصورة بحكم أن الإنسان عدو ما يجهل، والموت هو أعظم ما يجهله الإنسان، ولا سبيل له بإزاحة هذا الجهل إلا بعد القيام بتجربة فعلية، يفقد على إثرها القدرة على النصح أو إرشاد الأحياء إلى الحقائق الغائبة.

وقديمًا اجتهد سقراط حين أصدرت المحكمة الغوغائية عليه حكمًا بالإعدام، فابتسم لقضاته الأكثر جهلاً من عجل السامرى قائلاً : "الموت خير لا شر فيه، فهو إما سياحة فى عالم الآخرة حيث لقاء الأبطال والأنبياء وإما نومٌ لذيد لا ألم فيه ".. العجيب فى هذا القول وتلك الرؤية أن صاحبها قدمها للإنسانية منذ ما يقرب من ثلاثين قرنًا، ومع ذلك لم تحاول البشرية يومًا أن تضع هذه الرؤية كأساس تبنى عليه .. لم تحاول أن تكمل فى هذا الطريق، بل جاءت محاولاتها فى أغلبها سيرًا فى الإتجاه المعاكس والطريق المضاد، فقدموا لنا الموت على أنه الفزّاعة الكبرى التى لا خلاص أبدًا منها.

وباستلهام درب سقراط العقلى والأكثر منطقية يمكننا البناء على أساسه ليصبح الموت لدينا يمثل على الأقل الخلاص من الشك والوصول إلى اليقين المطمئن الذى لا يجزع لشئ، ولا يفرح بشئ، بل يعاين الحقيقة كاملة غير منقوصة...

 يمثل الموت الرحمة المطلقة، الرحمة المخلّصة من عذاب البشر، من ازدواجية المعايير، وتطفيف الموازين بحسب المصلحة، وبخس الحقوق وتضييع معالم القسط وعرج العدالة..

أنظر إلى عينيه، أراه كل صباح والقطط الصغار تلتف حوله .. يسقى أولاً، ثم يداوى الجرحى ثانيًا، ثم يجلس ويكأنه يوجه الشكر والثناء الجميل إلى الله الذى هداه لهذه الإنسانية المجردة .. أبتسم فى نفسى، أسائل ذاتى، إذا كانت هذه الرحمة وتلك الإنسانية المجردة عن أى مصلحة أو نفعية قد اجتمعت فى مخلوقٍ واحد من خلق الله العزيز المقتدر، فكيف بالرحمة التى وزعت على الخلق كلهم، تجدها فى دموعهم رحمة بالمساكين، وفى صيحاتهم وسعيهم على المعوذين، وفى فنائهم فى خدمة البوساء والمرضى و العاجزين، ثم كيف بهذه الرحمات إذا اجتمعت كلها !! وكيف بها إذا كانت جزءًا واحدًا من مائة جزء، ثم هناك إله ادخر لديه تسعًا وتسعين جزءًا، فما عسى أن تكون رحمته .. هذا أحد ما يمثله الموت لى من معانى.

معنى آخر يمثله الموت فى وجهه الآخر ومعناه الأعظم، حيث الصدق النقى الذى لا يشوبه كذب قط .. فكل الأشخاص والأشياء والأنفس تبدو على صفحات مياهها النقية، لا عبث، لا مواربة، لا شئ قط يعوق الرؤية (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (ق22) يُكشف الغطاء .. تُزال الحُجُب كافة، تنقشع الغيوم جميعها .. تُرى الحقائق تسير على أقدام، قد جلاّها الذى يعلم السر وأخفى، وأبدع وصفًا لتلك المكاشفات (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)(الطارق9) ..

يمثل الموت العدل المطلق، فلطالما عانينا استبداد الظالمين، لطالما حبسنا الأنفاس والإحساس، لطالما عجزنا عن إنكار المنكر، لطالما ابتعلنا ألسنتنا عن الأمر بالمعروف، لطالما عانينا الظلم بأنيابه القواطع .. هناك، حيث موازين قسط، عدل مطلق، عدالة قضائية محكمة الأدلة والبينات والشهود، ومن فوق ذلك كله إله قد أحاط بكل شئ علمًا .. لا ظلم ولا مظلمة، فكل شئ يوزن بميزان دقيق يُفصل كل شئ على حقيقته (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء47) (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)) (الزلزلة 7-8)..

هناك، حيث إقامة الميزان الحق الذى صدعت به الفطرة على لسان أبى بكر الصديق "القوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوى عندى حتى آخذ الحق له " ستخرس ألسنة الظالمين والمتكبرين والمتغطرسين، ليقع الكل تحت سيف عدالة الله المطلقة، والمجردة، والكاملة.

يمثل الموت الحرية الحقيقية التى تصبو إليها النفس منذ ولدت، فقد ولدنا أحرارًا ولكن الطبقية البغيضة والاستبداديات القاتلة والفساد الماحق حولونا إلى أجراء، حقراء، عبيد، مجرد عبيد فى حياة الأصل فيها الحرية .. والموت بوابة عظمى من بوابات الحرية التى تُعطى عطاءًا ولا تُنتزع نزعًا .. فلن نُدلى برأى بعد الموت فى رحاب الله، ثم يتصل بنا أحد الكائنات ليقول لنا " لقد تخطيتم الحدود والخطوط بكل ألوانها .. لن نخشى السجن على آرائنا، لن نخشى استبدادًا ولا مستبدًا، بل نمنح الحرية الكاملة فى أى طلب، وفى أى رأى، وفى أى مسعى.

هذا ما يمثله الجانب الإيجابى من الموت، المعنى الآخر والوجه المغاير للموت، فإذا كان بهذه الصورة فلا خوف أبدًا منه، بل يصبح ممثلاً للطمأنينة كلها، والأريحية بأوسع معانيها، يصبح الموت أمل، يتحول إلى أمل لكل عاقل يتفكر فيه بهذه الطريقة .. أو ليس خروج السجين من سجنه أمل !! أو ليس إظهار الحقيقة المدفونة والغائبة سنوات وعقود وقرون أمل !! أو ليس تحقيق العدل والقسط والحق مطلبًا تهفو إليه النفوس وتُدفع فى سبيله الأرواح !! أو ليست معاينة تلك الحقائق أمل لفضح الكاذبين والمخادعين والملقة والمأجورين!!

الموت بهذه المعانى أمل، وبالمعنى السقراطى فى السياحة السماوية أمل، وبالمعنى الفيثاغورى فى تناسخ الأرواح كلٌ لشبيهة أمل، وبالمعنى الإلحادى ذاته فى الفناء المطبق والظلام الدامس على الرفاة أمل، فاختر ما تشاء من هذه المعانى، الأهم أن نكتشف الرحاب المغايرة للموت، الوجوه الأخرى التى تقف خلف تلك البوابة العظمى، بوابة الموت.

 

د. محمد ممدوح

 

ميثم الجنابيالشخصية الكبرى بداية ونهاية. وما بينهما صيرورة حرة. وعلى نوعية هذه الصيرورة وحجم حريتها يمكن تحسس وإدراك حقيقة البداية والنهاية، بمعنى يمكن إدراك قيمة الأفعال الأولى في صيرورتها الذاتية، وأثرها اللاحق في كينونة الأجيال والثقافة والفكرة.

وفيما لو طبقا هذه الفكرة العامة على شخصية معروف الكرخي (ت-200 للهجرة)، فإنها تساعدنا في كشف السرّ القائم وراء انتقاله للتصوف، أي السير في "طريق" الحق، وفي خاتمته بوصفه قوة سارية في تاريخ الحقيقية.

فقد مثل معروف بن فيروز (الكرخي) حالة الانتقال الثقافية الكبرى في الخلافة من الأموية إلى العباسية، ونوعية الانتقال الثقافي الذي اخذ يمزج ويخلط ويولف بين أمم وثقافات وفلسفات وأديان مختلفة في ما يمكن دعوته بالثقافة الإمبراطورية، أي الثقافة الكونية المحكومة بالفكر والتفكر. الأمر الذي هذّب فكرة الحرية والاختيار، وجعل من قدرة الإرادة البشرية قدر الحقيقة الإنسانية ومعاناتها. وضمن هذا السياق يمكن فهم اعتناقه للإسلام، وهو من أصول نصرانية، وفي رواية أخرى، صابئية[1]. إذ لا فرق من حيث الجوهر. فسواء اسلم على يد علي بن موسى الرضا، أو تتلمذ عليه كما تتفق اغلب المصادر الصوفية الكبرى[2]، فإن الشيء الجوهري هنا، هو الاختيار الذي لازم انتقال معروف الكرخي صوب التصوف. فالتصوف عابر للأديان من حيث مضمونه الروحي والأخلاقي، كما انه لا صلة له بالمذاهب. وذلك لأنه يتمثل فكرة وحقيقة "انتصاب القلب في طلب الحق". وما عدا ذلك مجرد قشور أو عادات أو تقليد وتقاليد.

فالفكرة الصوفية العامة تقترن في ما تدعوه المتصوفة بتسوية الإرادة بوصفها انتصاب القلب في طلب الحق. ومن ثم فإن قدر المريد هو مصيره، أي تصيره في مسالك البحث عن الحق، بوصفه حقيقة الوجد والوجود. وقد وجد انتقال معروف الكرخي صوب التصوف تعبيره النموذجي والخالص، أي المجرّد عن شبهات التأويل وتخمين العقول، في "المنام"، أي في الرؤية المميزة لتقاليد العصر آنذاك، والتي تجد في عبرة "اللقاء بالله" و"النبي" و"الملائكة" أسلوب التعبير الخالص عن مبدأ الحق. ووجد ذلك تعبيره في ما رواه أحدهم عن كيفية رؤيته لمعروف الكرخي في المنام، فسأله:

ما فعل الله بك؟

غفر لي.

بزهدك وورعك؟

لا بقبول موعظة ابن السماك، ولزوم الفقر، ومحبتي للفقراء.

لقد سمع معروف الكرخي، كما يروي عن نفسه، كيف أن شخصا كوفيا اسمه ابن السماك يلقي موعظة جاء في بعض منها عبارة تقول "من أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة. ومن أقبل على الله بقلبه، أقبل الله برحمته عليه، وأقبل بجميع وجوه الخلق إليه..."[3].

إننا نعثر هنا على الانعطافة الأولى في إرادة معروف الكرخي، بوصفها انتصابا للقلب في طلب الحق (الله). عندها ترك معروف الكرخي، كما يقول عن نفسه، جميع أعماله باستثناء خدمته لعلي بن موسى الرضا. لقد كانت تلك بداية الولادة الروحية لمعروف الكرخي. وما بينها وبين وفاته عام 200 للهجرة (الموافق 815 للميلاد) ترامت حياته بوصفها إبداعا حرا وجد تعبيره التام في أثره المباشر وغير المباشر في صيرورة الجنيد البغدادي، بوصفه الشخصية المحورية الأولى في مسار الفكرة الصوفية، وأحد أساليبها المتميزة في العلم والعمل. فقد كان الجنيد تلميذا للسري السقّطي، بينما الأخير مريدا لمعروف الكرخي[4]. وفي هذه السلسلة الأولية تكمن القيمة التاريخية والروحية الكبرى للكرخي. وليس مصادفة أن يتحول قبره في مقبرة الشونيزية أو مقبرة باب الدير العتيقة على جانب الكرخ من بغداد، إلى مزار للروح والجسد. لهذا قيل عنه انه "من المشايخ الكبار" "مستجاب الدعوة" و"يستشفى بقبره"[5]. بينما كان أهل بغداد يقولون "قبر معروف ترياق مجرّب"[6].

وفيما لو جرى إهمال هذه الخرافة الطبية، فإن معناها الحقيقي يقوم في أن الروح الكامنة في شخصية الكرخي ظلت عطرة في تاريخ بغداد، وذاكرة أهلها. كما أنها ظلت ذكية في عرف التصوف وتقاليد البحث المجرد عن الحقيقة. فقد انتقل الكرخي في الدهاليز المظلمة للوجود من أجل الخروج صوب طريق الحق، بوصفه نور القلب، أو ضوء الضمير الخالص في إخلاصه للحق. لهذا نراه يقول لمن طلب منه قبيل موته أن يوصيه بشيء فقال :"إذا مت فتصدقوا بقميصي، فاني أريد أن اخرج من الدنيا عريانا كما دخلتها عريانا"[7]. وقد كان وصف أبو نعيم الأصفهاني إياه بعبارة "الملهوف إلى المعروف، وعن الفاني مصروف، وبالباقي مشغوف، وللطف مألوف"، دقيقا للغاية. كما صورت التقاليد اللاحقة للخيال الصوفي حالة حياته الدائمة بين أموات الوجود في العبارات التالية:"رأيت كأني دخلت المقابر، فإذا أهل القبور جلوس على قبورهم بين أيديهم الريحان. وإذا أنا بمعروف أبي محفوظ قائما بينهم يذهب ويجيء. فقلت:

أبا محفوظ! ما صنع بك ربك؟ أوليس قد مت؟

بلى!

ثم أنشأ يقول:  

موت التقي حياة لا نفاد لها    قد مات قوم وهم في الناس أحياء

لقد تبلورت شخصية الكرخي بوصفه نموذجا أوليا للفناء والبقاء. بمعنى انه حقق الصيغة العملية للمعرفة القائلة، بأن الحقيقة تكمن في ما هو باق، وما هو زائل عرضة للفناء. ومنهما تبلورت شخصيته المتسمة بقدر هائل من اللطف تجاه الوجود. وضمن هذا السياق يمكن فهم الحوادث والرؤى المتعلقة بشخصيته كما نعثر عليها في ما كتب عنه. مثل أن يقول احدهم، انه رأى رجلا في "سرادق العرش قد شخص بصره ينظر إلى الله لا يطرف". وعندما استفسر من ملائكته قائل:

من هذا؟

معروف الكرخي! عبد الله لا خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنته، بل حبا له[8].

 وفي رواية أخرى، تقول، بأن احدهم رأى معروفا في المنام كأنه تحت العرش، والله يقول لملائكته:

من هذا؟

أنت اعلم يا ربنا

هذا معروف الكرخي! سكر من حبي فلا يفيق (يصحو) إلا بلقائي[9].

لقد تحول معروف الكرخي إلى شخصية كونية وماورائية هي محل المعرفة والإعجاب الإلهي. وحالما يجري إنزالها إلى "تاريخ" الحياة البشرية العادية، فإنها تأخذ بالارتقاء صوب النموذج المنقذ للوجود الإنساني والمغري بروحيته النافعة. إذ نقل عن سفيان بن عيينة استفساره عند بعض أهل بغداد، قائلا:

ما فعل ذلك الحبر الذي فيكم ببغداد؟

من هو؟

أبو محفوظ معروف.

بخير!

لا يزال أهل تلك المدينة بخير ما بقي فيهم.

لقد تحول معروف الكرخي إلى القوة الضرورية لوجود المدن والبشر والحق والحقيقة، كما لو انه الطاقة الضرورية الكامنة في الوجود نفسه. ونعثر على هذه الصيغة في الحكاية التي تروي عن مجيء رجل من الشام إلى معروف الكرخي لكي يسلم عليه. وعندما استفسروا منه عن السبب أجاب: "إني رأيت في المنام يقال لي: اذهب إلى معروف فسلم عليه، فإنه معروف في أهل الأرض، معروف في أهل السماء". 

إن اقتران معروف (الكرخي) بكونه معروفا (بالشهرة) ليس معزولا عن المعرفة التي ميزت شخصيته العلمية والعملية. إذ فيها تنعكس مأثرته التاريخية الأولى بالنسبة للتصوف، كما تنعكس فيها قيمته وأثره بالنسبة للروح الأخلاقي أيضا.

فقد مثل معروف الكرخي نموذجا جديدا للمعرفة يذلل كميتها المستشرية آنذاك بوصفها حفظا وتخزينا للروايات والحكايات. لهذا قيل عنه بأنه "وعى العلم الكثير، فشغلته الوقاية عن الرواية". بعبارة أخرى، لقد تحولت كمية المعرفة إلى نوعية المواجهة للكلمة والعبارة بوصفها معنى ينبغي تحقيقه في العمل. الأمر الذي لازم شخصيته بحيث كان "فزعه من التفكر" دليلا على الغوص في معاناة التأمل الذاتية والعيش بكل دقائقها. لهذا عادة ما كانوا يلاحظون عليه تفكره في المجالس، ثم فزعه وهو يقول "أعوذ بالله"!  

لقد بلغت شخصية معروف الكرخي "الطيران" في خيال الآخرين، للدرجة التي استفسر منه أحد الأشخاص يوما، حسب مزاج المرحلة ونماذج تصوراتها عن اليقين:

بلغني أنك تمشي على الماء!

ما وقع هذا! ولكن إذا هممت بالعبور جمع لي طرفا النهر، فأتخطاه!

لقد أراد معروف الكرخي القول، بأن عبور نهر الوجود أيا كان عمقه ومجراه وخريره ينبغي أن يجري من خلال تخطيه الروحي في أعماق النفس عبر صنع الإرادة المتوحدة. لهذا نراه يقول في إحدى المرات لابن أخته "يا بني! إذا كانت لك إلى الله حاجة فسله بي".

جسّد معروف الكرخي في شخصيته الحياتية حياة الروح المتسامي، أي ذاك الذي ينظر إلى الوجود بمعايير العمل الخارج عن المألوف، أو بمعايير الرؤية الحكيمة، أي تلك التي لا تستخف بسخافات البشر وحماقة الأشرار، بل تنظر إليها بعيون التأسي لنقص العقل وجفاف الضمير. فقد نزل يوماً إلى نهر دجلة يتوضأ ووضع القرآن وملحفة كان يلتحف بها على شاطئ النهر، فجاءت امرأة فأخذتهما. عندها خرج ولحق بها ومسكها قائلا:

أنا معروف لا بأس عليك! ألك ولد يقرأ القرآن؟

لا!

فزوج؟

لا!

فهات المصحف، وخذي الملحفة!

وفي حالة أخرى كان قاعداً على نهر دجلة إذ مر به شباب في زورق، يضربون على الدف ويشربون، عندها قال له أصحابه:

أترى هؤلاء؟ في هذا الماء، يعصون! أدع الله عليهم!

فرفع يديه إلى السماء ثم قال:

إلهي وسيدي! كما أفرحتهم في الدنيا، أسألك أن تفرحهم في الآخرة!

عندها قال له أصحابه:

إنما قلنا لك ادع عليهم!

إذا أفرحهم في الآخرة تاب عليهم في الدنيا. ولم يضركم شيء.

لقد أراد القول، بأن الغضب والنقمة والانتقام ومختلف أشكال الضغينة ليست وسيلة للنجاة والفوز والرقي الأخلاقي، بل على العكس. إن المواقف الايجابية والإنسانية تتمثل حقيقة القيم الأخلاقية الرفيعة. ولم يكن ذلك معزولا عن جوهرية المعرفة والتحرر من ثقل الأشكال المختلفة والمتنوعة للقيم الأخرى مثل الورع والتقية وما شابه ذلك. بمعنى الخروج من مضيق القواعد الأخلاقية العادية إلى فضاء المعرفة المتنورة بقيم الأخلاق المتسامية، أي المهمومة والمتنورة بالوجدان الصادق والخالص. وهذه بدورها ليست إلا فلسفته الحياتية المهمومة بفكرة المعرفة المتسامية. فعندما كان البعض يهدي إليه طيبات الطعام،فإنه يأكل بلا تردد. وعندما قيل له مرة، بأن أخاه بشر لا يأكل مثل هذا، أجاب "إن أخي بشرا قبضه الورع، وأنا بسطتني المعرفة. إنما أنا ضيف في دار مولاي. إن أطعمني أكلت، وإن جوعني صبرت. ما لي والاعتراض والتمييز؟"[10]. ويروى عنه كيف أن أحد معارفه دعاه إلى وليمة، وكان قدامه بعض السياح، فأخذ معروف بيده. فلما رأى السائح تلك الألوان أنكرها وقال:

يا أبا محفوظ! أما ترى ما ها هنا؟

ما أمرتهم بشرائه.

فلما رأى الحلواء قال:

سبحان الله يا أبا محفوظ، أما ترى ما ها هنا؟

ما أمرتهم بصنعته.

فلما رأى مختلف أصناف الحلواء، قال:

أما ترى ما ها هنا!

قد أكثرت علي! أنا عبد مدبر. آكل ما يطعمني، وأنزل حيث ينزلني.

 

وفي رواية أخرى، قال له ابن أخته:

يا خال! أراك تجيب كل من دعاك.

يا بني! خالك ضيف ينزل حيث ينزل.

لقد تبلورت شخصية معروف الكرخي، بأثر دخوله الطريق الصوفي، أي طريق المعرفة الجديدة في التعامل مع إشكاليات الوجود والنفس. وهذا بدوره ليس إلا الفعل الأول الذي يلازم صيرورة الشخصية الصوفية. فالصيرورة الصوفية هي نتاج الدخول في الطريق، والطريق هو بداية صيرورتها الفعلية بوصفها عملية لا تتناهي إلا في الأفعال فقط. وما عداها هو وجدان دائم للوجود. وفي مجراه تتبلور الشخصية وطابعها الفردي، أي كل ما يتراكم في نوعية المعرفة وكيفية تحقيقها الفردي في الظاهر والباطن.

فالباعث الأول في دخول معروف الكرخي للطريق كان يقوم في انتصاب قلبه بطلب الحق عبر تحسس وإدراك وحدس القيمة غير المتناهية في فكرة "الإقبال بالقلب على الوجود". إذ تحول هذا المبدأ إلى أصل العلم والعمل. وعليه بنى مواقفه من كل ما واجهه وتأمله ووقف أمام مهمة اختياره. لقد أدى ذلك، كما هو الحال بالنسبة للتصوف ككل، إلى ما يمكن دعوته ببلورة التماسك الذاتي للشخصية والعمل بمعاييره. بمعنى التعامل مع مختلف مظاهر الوجود بنفسية الهموم الكبرى وذهنية الإخلاص الصادق. وليس مصادفة أن يقول عن نفسه "ما أبالي امرأة رأيت أو حائطا". كما نراه يحدد ماهية وحقيقة الوفاء بعبارة: "إفاقة السرّ عن رقدة الغفلات، وفراغ الهمّ عن فضول الآفات". بمعنى الخروج مما دعته المتصوفة بالتحرر من رق الاغيار، بمعنى التحرر من عبودية الأشياء أيا كانت، والبقاء في نعمة الوجود الحق. من هنا قوله "ليس للعارف نعمة وهو في كل نعمة". مما حدد بدوره موقفه وسلوكه تجاه كل شيء.

ففي الموقف من العمل، اعتبر "طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق"[11].  ووضع ذلك في فكرة جوهرية عام ترتقي إلى مصاف المبدأ المطلق والتي خاطب بها مرة احد أصحاب داود الطائي:"إياك أن تترك العمل، فإن ذلك الذي يقرّبك إلى رضا مولاك". وعندما استفسر منه الرجل:

وما ذلك العمل؟

دوام طاعة ربك، وخدمة المسلمين، والنصيحة لهم[12].

لهذا نراه يجد في ترك العمل أو إرجاعه إلى مجرد اللغو والكلام هو عين الشر والرذيلة. من هنا قوله "إذا أراد الله بعبد خيرا فتح عليه باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل. وإذا أراد الله بعبد شرا، أغلق عنه باب العمل، وفتح عليه باب الجدل"[13].  وليس المقصود بالجدل هنا سوى ما أطلق عليه عبارة كلام الإنسان في ما لا يعنيه. ولم يقصد هو بذلك التنحي والابتعاد عن هموم الآخرين أو الانزواء من أجل النفس. وذلك لأن حقيقة الانزواء والخلوة هي مجرد أسلوب الاقتراب الفعلي من الهموم الكبرى ولكن بعد تنقية القلب من أدران الابتذال، والعمل بمعايير الحق. وهو المعنى الذائب في معارضته للجدل، أي للكلام اللاصق للعاب اللسان وصرير الأسنان، على عكس لسان القلب والوجدان. فالأول سعير وشخير، والثاني تفكير وتحرير للروح والجسد من مغبة التيه في دهاليز العبث بحقائق الوجود. وضع ذلك في عبارة تقول، بأن "كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله".

وفي الموقف من العبادات، نراه يرى حقيقتها بحقيقتها (الباطنة) وليس بمظاهرها أيا كانت. وهو السبب القائم وراء عدم تمسكه بالنوافل. إذ يروي أحدهم عنه قائلا "ما رأيته متنفلا قط إلا يوم جمعة، ركعتين خفيفتين". وعندما ألح عليه أحد الأشخاص لمعرفة كيفية صومه لكي يقارنها بما كانت تقوم به الأنبياء وغيرهم، أجابه بصورة مقتضبة بأنه يصوم الدهر لكنه يأكل حالما يدعوه المرء لذلك. ولا يقول انه صائم. ويروى عنه كيف انه مر بسقّاء يقول "رحم الله من يشرب"، وكان صائما فتقدم فشرب. وعندما قيل له:

ألم تكن صائما؟

بلى! ولكني رجوت دعاءه[14].

بينما نراه يرد على متطفل ألح بسؤاله عليه لمعرفة سبب الأثر على وجه معروف الكرخي، قائلا: "صليت البارحة ومضيت فطفت بالبيت، وجئت لأشرب من زمزم فزلقت فأصاب وجهي هذا"!  

وينطبق ذلك على مواقفه من الدنيا والحياة والموت والقيم والأخلاق والسلطة والفكر والتفكر والحقيقة، بمعنى التعامل معها بروح الإرادة الصادقة والإخلاص للحق. وهو السبب الذي أوصله إلى فكرة تقول، بأنه "ما أكثر الصالحين، وأقل الصادقين في الصالحين". ذلك يعني إن الشخصية الحقيقة هي الصادقة في إخلاصها. مما حدد بدوره كمية ونوعية القيم الايجابية والإنسانية في ذاته، بوصفها البديل الأخلاقي الفعلي لما كان حوله.

وليس مصادفة أن تصبح فكرة التوكل، البؤرة التي تدور حوله ويدور حولها كما لو إنهما من عالم واحد. بمعنى تحول العلم إلى عمل والعمل إلى علم. وفيما بينهما تدور رحى وجده ووجوده استنادا إلى فكرة الحق. وذلك لأن التوكل في الفكرة الصوفية هو بداية ونهاية الرؤية والمواقف والأعمال. وذلك لأن معنى وحقيقة التوكل عند معروف الكرخي هو معرفة الوجود والتعامل معه بمعايير "الانبساط". فعندما ذكروا له مرة انقباض بشر (الحافي) عن الأسباب التي تفتح له، فإنه أجاب قائلا:"أخي بشر قبضه الورع وأنا بسطتني المعرفة"[15]. من هنا قوله "توكل على الله حتى يكون هو معلمك وأنيسك، وموضع شكواك". بمعنى انبساط الروح بمعرفة حقيقة الحق (الله) بوصها القوة الكامنة في الروح والجسد والتي تعطي لهما مناعة الروح ومتانة الجسد الأخلاقي في التعامل مع الحياة ومعاناة معناها.

الأمر الذي حدد موقفه من الحياة والموت ومواجهة إشكاليات الحياة، كما في قوله "ليكن ذكر الموت جليسك لا يفارقك"، و"اعلم أن الشفاء من كل بلاء نزل بك كتمانه، فإن الناس لا ينفعونك ولا يضرونك ولا يمنعونك ولا يعطونك". وليس هذا تقليلا من شأن الجماعة والألفة والحياة الطبيعية، بقدر ما انه يعكس جوهرية التوكل على فكرة الواحد، بوصفه أسلوب تكامل الأنا الفاعلة بمعايير الحق، أي المتحرر في الأفعال والأقوال من العبودية للغير. من هنا فكرته القائلة "توكل على الله حتى يكون هو معلمك وموضع شكواك". مما حدد شخصيته العملية بهذا الصدد. إذ كان معروفا عنه عدم أخذه بالأسباب (الوسائل) إلا عند الحاجة، ويأخذ منه ما لا بد منه. وكان لا يدخر. كما كان قصير الأمل. بحيث لم يكن يأمل بالبقاء من وقت صلاة إلى أخرى، كما ينقل عنه. لهذا كان يقول "إنما أنا ضيف في دار مولاي. إن أطعمني أكلت، وإن أجاعني صبرت حتى يطعمني"[16]. بل يروى انه أقام الصلاة فقال لمحمد بن أبي توبة:

تقدم!

إني إن صليت بكم هذه الصلاة، لم اصل بكم غيرها!

وأنت تحدث نفسك أن تصلي صلاة أخرى؟ نعوذ بالله من طول الأمل، فانه يمنع من خير العمل[17].

وفي حالة أخرى قعد معروف الكرخي على شط الدجلة فتيمم. فقيل له:

الماء قريب منك!

لعلي لا أعيش حتى أبلغه!

 لقد وضع معروف الكرخي فكرة التوكل بوصفها مناعة الروح ومتانة الجسد الأخلاقية في صلب نموذجه الشخصي المحكوم بانبساط القلب بالمعرفة، بمعنى إدراك حقائق الوجود كما هي بمعايير انبساط القلب في التعامل مع الوجود. ووضع هذه الفكرة في عبارة تقول، إن "من كابر الله صرعه، ومن نازعه قمعه، ومن ماكره خدعه، ومن توكل عليه منعه، ومن تواضع له رفعه"[18]. وضمن هذا السياق يمكن فهم حقيقة دعاءه القائل: "اللهم لا تجعلنا بين الناس مغرورين، ولا بالستر مفتونين، اجعلنا ممن يؤمن بلقائك، ويرضى بقضائك، ويقنع بعطائك، ويخشاك حق خشيتك". بمعنى تحرير الروح والجسد، والظاهر والباطن بمعايير الخشية التامة.

إن تكامل الروح والجسد بمعايير الخشية التامة وتحوله إلى "قواعد" السلوك العملي يعني تحريرهما من كل ما لا صلة جوهرية له بالحقيقة بوصفها إخلاصا ذاتيا، أي متحررا من اغيار لا قيمة لها بذاتها. فقد نظر إلى السخاء، على سبيل المثال، باعتباره "إيثار ما يحتاج إليه عند الإعسار". وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه "الخشن" من الحياة عندما حددها بعبارة تقول "الدنيا أربعة أشياء: المال والكلام والمنام والطعام. فالمال يطغي، والكلام يلهي، والمنام ينسي، والطعام يسقي". وليس المقصود بذلك نفي هذه المكونات أو إزالتها من الوجود، بقدر ما تفترض الوحدة التامة للروح والجسد بمعايير الخشية الذاتية، بوصفها نفيها لكل ما يمكنه أن يكون مصدرا للطغيان واللهو والنسيان. إذ ليس هناك من تسخيف أشد لحقيقة الإنسان من أن يكون وعاءا أو إناء للطغيان واللهو والنسيان. إذ لا تتعدى الدنيا أن تكون بهذه المقاييس أكثر من "قدر تغلي وكنيف يرمي" كما يقول معروف الكرخي. من هنا رؤيته البديلة القائلة، بأن "الله يقول أحب عبادي إلي المساكين، الذين سمعوا قولي، وأطاعوا أمري، ومن كرامتهم علي أن لا أعطيهم دنيا فيقبلوا عن طاعتي"، أي أولئك الذين يسمعون صوت الحقيقة كما هي ويعملون بما فيها بوصفهم كرماء الوجود الحق، أي أولئك الذين يشكل وجودهم الظاهري والباطني حقيقة المعنى الإنساني، بوصفه عطاء دائما وكرما أبديا. إذ الكريم من يكرم الوجود بما فيه. وقد جسّد ذلك بموقف رمزي عندما مر بطريق ملقى عليه خشبة فمشى عليها، فقيل له :

ما أردت بذاك؟

مشيت عليها لئلا يخرج صاحبها!

بمعنى أن الخشبة هي وجود ميت، وأن هذا الميت خشبة الطريق لا غير. ولا معنى لخروجه من جديد. لقد اندثر بوصفه النتيجة المحتومة للطغيان واللهو والنسيان. أما الخروج من هذه الحالة إلى حيز الوجود الحقيقي فيفترض تنقية القلب من أدران الرذيلة. ولن يتم هذا إلا "بإخراج الدنيا من القلب". فعندما سألوه مرة:

بم تخرج الدنيا من القلب؟

بصفاء الود، وحسن المعاملة.

ولا يتم بلوغ هذه الحالة دون بلوغ الوحدة الحية في النفس، أو ما أطلقت عليه عبارة مناعة الروح ومتانة الجسد الأخلاقي. لهذا نراه يحدد "علامة الأولياء" بثلاث وهي همومهم لله، وشغلهم فيه، وفرارهم إليه. بمعنى وحدة الهمّ والعمل بموجبه والاستماع إلى ما فيه دوما بوصفها حقيقة الولاية. فالولاية ليست شيئا ما غير الإرادة الحية في مساعيها صوب الوحدة المهمومة بالهموم الكبرى. من هنا يمكن فهم تحديده للابدال، أي للشخصية الصوفية الأكثر رقيا وعلوا في الوجود، من خلال ربطها بمساعيها لإصلاح الأمة والإفراج عن مصاعبها والعمل من اجل رحمتها. فقد قال بهذا الصدد "من قال في كل يوم عشر مرات: اللهم أصلح أمة محمد، اللهم فرّج عن أمة محمد، اللهم ارحم أمة محمد، كتب من الأبدال". بعبارة أخرى، إذا كان الدعاء الدائم لإصلاح الأمة والفرج عنها ورحمتها ترفع المرء إلى مصاف الابدال، فإن البدل الحقيقي هو من يفعل ذلك. مع انه لا خلاف بينهما بالنسبة للكرخي. وذلك لأن القول عمل. الأمر الذي جعله يغيب ويتوارى بمقاييس الحياة العادية، بل يغترب اغترابا كليا عما هو سائد فيها من قيم وأقدار ومفاهيم، ويبقى في الوقت نفسه ضمن معايير العقل الأخلاقي المتسامي. ويتجلى ذلك بوضوح في موقفه من السلطة والمال. فقد كان يقول عند ذكر السلطان:"اللهم لا ترنا وجه من لا تحب النظر إليهم". أما موقفه من المال، فإنه يترامى بين العبث الظاهري والجود الباطني. إذ أتاه مرة رجل بعشرة دنانير، فمر سائل يبكي، فناوله إياها. ثم قال "يا نفس كم تبكين؟ أخلصي تخلصي!". كما يروى عنه الحادثة الطريفة التالية: قال له أحدهم مرة:

يا معروف! لو قعدت على الدقيق لأمضي في حاجة

بشرط أن لا أمنع سائلا!

نعم!

 وقد كان الرجل يظن أن معروف يمكنه أن يعطي أقدار معقولة للسائلين. لكنه حالما رجع فانه رآه قد تصدق بشيء كثير جدا. حينها احمرت وجنتي الرجل. وحالما شاهد معروف ذلك قال له:

لست عائدا إلى هذا الموضع!

 فعندها تقدم صاحب المحل إلى الصندوق فإذا هو فارغ بلا دراهم!

لقد أراد معروف الكرخي القول، بأن المال الحقيقي هو ميل القلب صوب النفس عبر تحريرها من بكاء النفس والعين، وغضب النفس على كمية الدقيق والدراهم. ومن ثم القول، بأن الامتلاء الحقيقي للإنسان يقوم في امتلاء إرادته بالخير. فهو الأسلوب الأمثل للامتلاء الفعلي للوجود الإنساني. وما عدا ذلك مجرد فراغ وتفريغ. من هنا يمكن تحسس وإدراك المعنى العميق في مفارقة تحيته لأولئك الذين زاروه مرة. فقد خاطبهم قائلا:

السلام عليكم ورحمة الله

وعليك السلام.

حياكم الله بالسلام، ونعمنا وإياكم في الدنيا بالأحزان!

لقد جعل من أحزان الوجود نعمة، وذلك لأنها محك ومعيار حياة القلب. إذ أن المواقف الحية في مواجهة الخلل والخراب والرذيلة، عادة ما تبكي القلب وتجعله حزينا. ومن ثم تنقيه أمام مصاعب الوجود العابر، إضافة إلى إثارة دهشته المعرفية أمام مصائب الكون الأبدية.

***

ا. د. ميثم الجنابي

...............................

[1] السلمي:طبقات الصوفية ص 76.

[2] القشيري: الرسالة القشيرية، ص9.

[3] القشيري: الرسالة، ص9-10.

[4] القشيري: الرسالة ص9.

[5]  القشيري: الرسالة، ص9.

[6] القشيري: الرسالة، ص9.

[7] القشيري: الرسالة، ص10.

[8] أبو طالب المكي: قوت القلوب ج2 ص56.

[9]ابن خلكان:  وفيات الأعيان، ج5، ص232

[10]  الغزالي: الإحياء، ج3، ص97.

[11] السلمي: طبقات الصوفية، ص78.

[12] القشيري: الرسالة، ص9.

[13] السلمي: طبقات الصوفية، ص76.

[14] القشيري: الرسالة، ص10.

[15]  أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج2 ص19.

[16] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج2 ص19

[17]  الغزالي: الإحياء، ج4، ص456

[18] الذهبي: سير أعلام النبلاء، ص342.

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الفكرة الاصلاحية الاسلامية (16)

إن نفي النظام الموجود بالنظام الواجب أو الاستبداد بالحرية، هو الذي حدد بدوره نفي الأمة الموجودة (الإسلامية) بالأمة الواجبة (القومية). فقد كانت الأمة الموجودة مزيجا مفتعلا للإسلام والتركية، أي لم تكن أمة الإسلام أو الأمة الإسلامية في الواقع سوى أمة الاستبداد التركي. وهي النتيجة التي أخذت تتعمق في آراء الكواكبي منذ بواكير نشاطه الفكري والسياسي. مما أدى في مجرى تطوره إلى بلورة وصياغة مبادئ وعي الذات العربي. ونعثر على الملامح الظاهرية لهذا التأسيس في انتشار رموز العربية في تعبيره وآرائه. فهو يضع لكتابه الأول تسمية (أم القرى) ويقترحه في الوقت نفسه لأن يكون اسم الجمعية نفسها[1]. ويشير إلى انه ربط مساعيه الأولى لإخراج المسلمين من حالة الفتن بعقد مجالس الجمعية في مكة مهد الهداية. وانه حّظر لذلك بعد زيارة أمهات البلاد العربية[2]. تعكس هذه الإشارة الظاهرية عن الاتجاه الجديد لصيرورة وعي الذات العربي باعتباره بديلا للتركية. فالتركية بالنسبة له ليست إسلامية بالمعنى الدقيق للكلمة، وذلك لأنها فقدت حقيقتها الإسلامية منذ أمد بعيد. بل ودفعه ذلك في حمية الهجوم الأيديولوجي السياسي إلى أن ينتزع عن الأتراك مضمون ومعنى الإسلام الحقيقي منذ بداية اعتناقهم إياه. وليس مصادفة أن يقول الكواكبي، بأن المؤرخين العرب وغيرهم دعوهم بالاروام (أهل الروم) كناية عن الريبة في إسلامهم. لأنهم لم يخدموا الإسلام بغير إقامة بعض الجوامع[3].

لقد صاغ الكواكبي هذه الأفكار تحت ثقل ما اسماه بالضرورة الدينية التي تلزمه قول الحقيقة كما هي. أما من حيث طابعها الواقعي وغاياتها الفعلية، فقد كانت تتضمن نفي الاستبداد العثماني وتحرير العالم العربي منه. وبغض النظر عن الصياغة الأيديولوجية القاسية أحيانا في مواقفه من إسلامية الأتراك، إلا أنها دقيقة ضمن وحدة الكلّ الإسلامي. بمعنى نتائجها المباشرة التي أدت إلى اضمحلال الكيان الثقافي الإسلامي. أما في العالم العربي فقد ظهرت نتائجها المباشرة في اضمحلال الكينونة الثقافية العربية ونظام وجودها السياسي المستقل. وهي الحالة التي حاول الكشف عن مظاهرها العديدة بما في ذلك في مجال الخطاب العادي. فهو يشير إلى أن الأتراك العثمانيين لم يستعربوا ولم يستتركوا العرب. ولم يجد في ذلك شيئا غير ما اسماه بشديد بغضهم للعرب، كما تدل على ذلك كلماتهم عن العرب ومعانيها السيئة، مثل "عرب الحجاز" بمعنى العرب الشحاذين، و"المصريين" بمعنى الفلاحين الأجلاف، بينما وجدت نظرتهم إلى الشام انعكاسها في عبارات عديدة مثل "دع الشام وسكرياتها ولا تر وجوه العرب"!! أما ألفاظهم مثل (بس عرب) وتعني عربي قذر و(عرب عقلي) بمعنى عقل عربي صغير، و(عرب طبيعيتي) بمعنى ذوق عربي فاسد وما إلى ذلك على أنها أدلة إضافية على مواقفهم هذه. وقد كان الكواكبي يدرك دون شك مهزلة العبارات العربية المقلوبة في لفظها التركي. وكان في موقفه هذا شأن الأفغاني الذي عمل على إيقاف ما يسمى بتغليب اللغة التركية على العربية، والمطالبة بعكسها، أي جعل العربية لغة المسلمين الثقافية العامة. فقد قال الأفغاني بهذا الصدد مرة، بأنه في حالة إزالة الكلمات العربية والفارسية عن اللغة التركية، فإن ما تبقى فيها لا يكفي إلا لِسَوْق الحمير!! لكنه وضع هذه العلاقة في إطارها التاريخي المعقول، باعتبار أن كفاءة الأمم ووجودها التاريخي لا يقاس بلغاتها، بل بكيفية وجودها الثقافي. من هنا موقف الكواكبي النقدي تجاه هذه الظاهرة السيئة بحد ذاتها. لهذا اكتفى بالرد على عبارات الأتراك السيئة، كما يقول، بكلمة وجيزة متداولة بين عرب مرحلته، من أن "ثلاث خلقن للجور والفساد: القمل والأتراك والجراد!"، أي أن ما كان يشغله وراء هذا العداء الواقعي هو واقع الجور والفساد. مما ألزمه إعادة النظر بالمقدمات التاريخية والثقافية والسياسية لهذا الواقع. أما الوجه الآخر لهذا الموقف فقد كان يحتوي على البحث عن مقدمات الاستقلال العربي والتأسيس له في الوقت نفسه. وليس مصادفة أن يربط آماله في (طبائع الاستبداد) بما اسماه بالناشئة العربية المباركة الأبية، المعقود آمال الأمة بيمين نواصيهم[4].

فمن الناحية التاريخية، لم يكن تقهقر الإسلام وتكلسه في نظام الاستبداد، حسب رؤية الكواكبي، سوى النتيجة الملازمة لاضمحلال البؤرة العربية في الخلافة. وإذا كانت هذه الصياغة لا تتضمن بحد ذاتها ولا تتطابق بالضرورة مع مضمون النزعة القومية، فإنها مهّدت مع ذلك  في آرائه للفكرة القائلة بضرورة الإصلاح المعقول، باعتباره طريقا لبلوغ الاستقلال. فقد توصل الكواكبي إلى استنتاج مفاده بأن السيطرة التركية قد فقدت مبرر وجودها الإسلامي والثقافي، وتصيرها اللاحق في كيان استبدادي سياسي وقومي. من هنا فكرته عن دور العرب التاريخي في الإسلام.

فقد كان التأسيس النظري لمكانة الوجود العربي بوصفه بؤرة جوهرية في التاريخ الإسلامي هو الصيغة السياسية والثقافية لضرورة الاستقلال القومي. وبهذا لم تكن أوهام الكواكبي عن مثالية عرب الجزيرة سوى معنى التشبث بمثالية الاستقلال وضرورته. إذ لم يكن تحديد الكواكبي "لخلاصة العرب" في الجزيرة سوى ما يتطابق في ذهنه ومشاعره وحوافز نزوعه السياسي مع الكينونة المستقلة للعرب. وحالما يجري توضيح المعنى الكامن في هذه الفكرة على مثال التاريخ الواقعي، فإنه يجد في رقيه الثقافي تحقيقا عمليا لها. وكتب الكواكبي بهذا الصدد يقول، بأن التطور الثقافي لعالم الإسلام قد جرى في المراحل التي تعرّبت فيها الأقوام الإسلامية "مثل استعراب آل بويه والسلاجقة والأيوبيين والغوريين والجراكسة وآل محمد علي باشا"[5]. ووجد في هذه الظاهرة تأكيدا تاريخيا عما اسماه بقيمة العربية الثقافية وليست العرقية في عالم الإسلام، وقيمة القومية الثقافية بالنسبة لوعي الذات السياسي. مما يعني ضرورة هذه العربية الدائمة بالنسبة للنهضة الإسلامية والقومية.

لهذا وضع العرب في خطته العامة عن الاتحاد والعمل الإسلامي المشترك في موقع "الروح" الفاعل في جسد الأمة (الإسلامية). وأعطى للأتراك العثمانيين مهمة حفظ الحياة السياسية الخارجية، وللمصريين حفظ الحياة المدنية، وللأفغان والترك والخزر والقوقاز ومراكش وإمارات أفريقيا مهمة الجندية، ولإيران وأواسط آسيا والهند حفظ الحياة العلمية والاقتصادية[6]. وإذا كانت هذه الصيغة تشير من الناحية الظاهرية إلى البقاء ضمن اطر الجمعية الإسلامية، فإن مضمونها الفعلي يسير باتجاه رابطة أممية من طراز حديث ينفي تاريخ وواقع السيطرة التركية العثمانية بوصفها تخريبا لمعنى الكل الإسلامي القومي والثقافي[7]. ووضع هذه الفكرة استنادا إلى إدراك الأولويات العقلانية السياسية والإصلاحية الإسلامية، بوصفها نزوعا سياسيا للتحرر والوحدة. إذ لم تكن الجزيرة العربية هنا سوى نموذج المثال التاريخي باعتبارها مهد المرجعية الروحية للكلّ العربي والإسلامي. مما حدد بدوره رؤية ما اسماه بخصال العرب وتمييزهم لكي يحتلوا مكانهم المناسب لهم في الكلّ الإسلامي. فهو يشير في قانون جمعية أم القرى إلى أن "الكفاءة لإزالة الفتور بالتدرج موجودة في العرب خاصة"[8]. وربط ذلك أساسا بفضيلة أو صفة الاعتدال الموروثة عندهم بأثر الحصيلة العامة للثقافة الإسلامية.

أما الوجه الآخر لهذه الكفاءة فيقوم في استبطانها الخفي لفكرة وجوب الدولة والقومية الحديثة، أي النفي الشامل للفكرة العثمانية الاستبدادية. لاسيما وأن لهذه الكفاءة تاريخها الثقافي الخاص بوصفه جوهر الثقافة الإسلامية ككل. من هنا ربطه لما اسماه بالنهضة الدينية وآمالها بالجزيرة العربية وما يليها[9]. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن ربطه لهذا النهضة بالعرب لم يكن وليس تعصبا، بل لخصال معينة فيهم حصرها في كون جزيرة العرب هي مشرق النور الإسلامي، ووجود الكعبة فيها، وأنها أنسب المواقع لأن تكون مركز السياسة الدينية، وأنها أسلم الأقاليم من الأخلاط الجنسية والدينية والمذهبية، وأنها تحوي على المسجد النبوي، وأنها أبعد الأقاليم من مجاورة الأجانب، وأنها أفضل الأراضي للأحرار، وعرب الجزيرة هم مؤسسو الجامعة الإسلامية، ولاستحكام التخلق بالدين فيهم، وأنهم أعلم المسلمين بقواعد الدين، وأكثرهم حرصا على حفظه، ولم يزل الدين عندهم حنيفا سلفيا، وأنهم أقوى المسلمين عصبية له، وأمراؤهم جامعون بين شرف الآباء والأمهات والزوجات، وأنهم أقدم الأمم مدنية، وأقدمهم على تحمل مشقة العيش، وأحفظ الأقوام على جنسيتهم وعاداتهم، وأحرص الأمم على الحرية، وأن لغتهم أغنى لغات المسلمين (بالقرآن)، وأنها اللغة العمومية بين المسلمين، وأنهم أقدم الأمم إتباعا لأصول الشورى في الشؤون العمومية، وأهدى الأمم لأصول المعيشة الاشتراكية، وأحرص الأمم على احترام العهود والذمة الإنسانية. وبمجموعها هي الصفات التي تجعلهم أنسب الأقوام، كما يستنتج الكواكبي، لأن يكونوا مرجعا في الدين وقدوة للمسلمين[10].

إن هذا التصوير المكثف والعام لخصال العرب المؤهلة لهم لأن يكونوا مرجعا في الدين وقدوة للمسلمين تكشف عما في آرائه من تجانس داخلي في رؤية القومية القادرة على التمام، باعتبارها نفيا واجبا للأمة الموجودة. لقد جمع المكونات التاريخية والثقافية (الإسلامية) والجغرافية والإستراتيجية، والقومية الدينية، والسياسية والحضارية في كل واحد، من اجل كشف قيمة العروبة في الكل الإسلامي، ونموذجها المثالي باعتباره البديل الواقعي لأفول السيطرة الاستبدادية العثمانية. وهو الحافز المتلألئ في تشديده على خصال امتلاك العرب لتقاليد السياسة المعتدلة في ما اسماه بإتباع الأصول في تساوي الحقوق وأصول الشورى والمعيشة الاشتراكية. إذ تعبر هذه الصيغة المثالية عن قيمة الاعتدال باعتباره البؤرة الحاوية في ذاتها لعقلانية الرؤية وإصلاحية المنهج. وإذا كانت هذه الصياغة العامة تتمحور في إطار الكينونة الفاعلة للجمعية الإسلامية، فإنها تسير من حيث حيثيات تجسيدها السياسي المحتمل صوب إعادة بناء الدولة الجديدة بما يتوافق مع عناصرها السياسية والثقافية الحديثة، أي مشروع الوحدة السياسية والقومية الحديثة. وهو أمر جلي في آرائه عن الخلافة. فهو لم يحصر رؤيته عن الخلافة والخليفة ضمن تقاليد الكلام والفقه واللاهوت التقليدي، بل وجهها صوب ما اسماه بضرورة تطابق الأخلاق بين الرعية والرعاة. من هنا إشارته إلى أن أحد الأسباب الكبرى القائمة وراء انهيار الدولة العثمانية هو أن السلطة فيها كرأس جمل على جسم ثور، أو بالعكس. بينما الأمة تعتبر رئيسها رأسها، فتتفانى دون حفظه ودون حكم نفسها بنفسها كما قال المتنبي:

إنما الناس بالملوك، وهل     يفلح عرب ملوكها عجم[11]

ولا يعني ذلك سوى دعوة الكواكبي لضرورة التجانس الكامل في وعي الذات القومي والسياسي، أي كل ما حصل على تعبيره في فكرته عن ضرورة حكم الأمة بنفسها، باعتباره الهدف الذي ينبغي أن يتحول في مجرى ارتقاء الأمم إلى بديهية من بديهياتها السياسية. ولم تعن هذه البديهية السياسية في إصلاحية الكواكبي سوى صياغة الوحدة السياسية القومية، والقومية الثقافية الجديدة. من هنا جوابه على انه لا معنى للرد على أولئك الذين يمكنهم شم رائحة التعصب للعرب في هجومه على العثمانيين، لأن العثمانيين لا يعنون بالإسلام والعرب، وأنهم دمروا كل ما بناه العرب إضافة إلى إفنائهم الأمة (الإسلامية)، وانه في آرائه "غير متعصب للعرب، وإنما يرى ما لا بد أن يراه كل مدقق يتفحص الأمر"[12]. لهذا وضع في خطابه الحماسي في نهاية (طبائع الاستبداد) دعوته المباشرة بكلمة (يا قوم …) مؤكدا على انه لا يقصد بها سوى "الناطقين بالضاد من غير المسلمين للعمل سوية وترك الأحقاد"[13]. بمعنى دعوته للارتفاع عن حضيض الخلافات الدينية والمذهبية والطائفية باسم الانتماء القومي. ووجدت هذه الصيغة تعبيرها الصريح والبليغ في خطابه القائل: "يا قوم، واعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين… ادعوكم إلى تناسي الأحقاد… فهذه أمم اوستريا (النمسا) وأمريكا قد هداها العلم الطرائق شتى وأصول راسخة للاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي (القومي) دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري. فما بالنا نحن لا نفتكر في أن نتبع إحدى تلك الطرق أو شبهها"[14]. ولا يعني الاتحاد الوطني والوفاق الجنسي (القومي) والارتباط السياسي هنا سوى البديل الأكثر عقلانية ودنيوية في فلسفته الإصلاحية. أما النتيجة المنطقية المتربة على كل ذلك فيمكن العثور عليها في ما يمكن دعوته بتأسيس منظومة وعي الذات العربي السياسي عند الكواكبي.

إن التركيز على أهمية الاتحاد الوطني والوفاق القومي والارتباط السياسي يعكس رؤية الأولويات السياسية في مشروع الكواكبي المناهض للاستبداد العثماني. انه أعطى لأولويات السياسة صيغة الأسلوب المناسب لإعادة بناء الكينونة العربية في وجودها الدولتي والاجتماعي والثقافي. وبهذا يكون قد تجاوز الصيغ العمومية عند الأفغاني عن مساواة الجميع باسم المبادئ الإسلامية العليا. من هنا إعادة النظر النقدية عند الكواكبي تجاه واقع الخلافة (الدولة) العثمانية ودعوته بأثر ذلك لإبراز قيمة الوحدة العضوية بين التاريخ والوعي القومي بالنسبة لوعي الذات السياسي. ولم تعن هذه الوحدة العضوية بين التاريخ والوعي القومي عند سوى الصيغة الثقافية لصيرورة عناصر المركزية العربية وإعادة بناء دولتها الخاصة. ومن هنا حماسه وحميته في إعادة النظر بتاريخ الدولة (الإسلامية) وخلافاتها. ففي هذه الأخيرة تكمن عناصر المركزية العربية للتاريخ الإسلامي. غير أن الكواكبي لم يسع من وراء ذلك وضعها في إطار الاستعلاء القومي، بل في إطار إعادة الكينونة العربية الثقافية أي إعادة بناء التاريخ العربي السياسي في دولته المستقلة.

وبهذا المعنى شكلت جوهرية الخلافة في مشروع النهضة عنده الصيغة المناسبة لبعث الكيان العربي المستقل. من هنا ظاهرها العام في فكرة الانتماء الثقافي الإسلامي، وباطنها الخاص في الأبعاد السياسية القومية. فهو يشير إلى أن حديثه عن الخلافة هنا، يجري في إطار صفتها الدينية فقط. أما في قواعدها فقد أكد على أن يكون حكم الخليفة وسياسته مقصورا على الحجاز ومربوطا بشورى خاصة حجازية. وإن هذه الشورى مهمتها السياسة الدينية فقط. أما مهام الخليفة فمقصورة في الأغلب على إبلاغ قرارات الشورى ومراقبة تنفيذها. ولا يحق له التدخل في الشؤون السياسية والإدارية في السلطنات والإمارات، ويصادق على توليات السلاطين والأمراء. وينطبق هذا بالقدر ذاته على صيغة عمل هيئة الشورى المكونة حسب اقتراح الكواكبي من مائة شخص، ينتخبون، كما هو الحال بالنسب للخليفة، كل ثلاث سنوات[15]. إننا نقف هنا أمام هيئة خاصة وخلافة جديدة مهمتها الحفاظ على استمرار الروح الإسلامي في أحد معالمه الرمزية الكبرى. وفي الوقت نفسه يحتوي هذا النزوع الروحي على أبعاد سياسية جديدة، تتطابق وسائله وغاياته مع فكرة عزل السلطة الدينية عن الدنيوية، وربطهما برباط العروة الثقافية. من هنا انتقاده اللاذع لمن اسماهم بالغشاشين، الذين حاولوا البرهنة على أهلية السلطة العثمانية للخلافة من خلال إرجاع نسبتهم لعثمان وقريش[16]. وتضمن هذا الانتقاد في ذاته على شحن وعي الذات السياسي من خلال إعادة المرجعية الروحية للإسلام الثقافي في الخلافة، وإحيائها من خلال ربطها بالمركزية الجديدة للعرب. من هنا مظهر السلفية العقائدية في مواقفه من الخلافة، وبالأخص ما يتعلق منها بضرورة أن يكون الخليفة عربيا قرشيا مستجمعا للشرائط في مكة، وأن تكون هيئة الشورى الخاصة مكونة من أعضاء تحتوي على ممثلين من جميع الإمارات الإسلامية[17]. إلا أن المعنى الواقعي لهذه السلفية يقوم في تمثله السياسي لاستمرار الإسلام الثقافي في بناء وعي الذات السياسي العربي. إذ لم تعن مرجعية الخلافة في العرب، سوى مرجعية العرب في الخلافة. أما التوليف السياسي الممكن لهذه العلاقة الخفية في آرائه فهي استمرار وربط لمرجعية الروح (الثقافي) بمرجعية الجسد (السياسي).

ففي الوقت الذي حصر الكواكبي مهمة الخلافة في القضايا الدينية فقط، فإنه وضع في وظائفها كلا من "تمحيص أمهات المسائل الدينية، والتي لها تعلق مهم في سياسة الأمة وتأثير قوي في أخلاقها ونشاطها"، مثل قضايا فتح باب الاجتهاد، وسد أبواب الحروب والغارات والاسترقاق، وفتح أبواب حسن الطاعة للحكومات العادلة، وسد أبواب الانقياد المطلق ولو لمثل عمر بن الخطاب. ولم يعن تمحيص أمهات المسائل المتعلقة بالوجود الحيوي للعالم الإسلامي في السياسة والأخلاق، سوى صياغة الأبعاد السياسية لوجود الخلافة الروحي. إذ لم تعن قضايا الاجتهاد ومنع الحروب الداخلية وتأييد الحكومات العادلة ورفض الانقياد المطلق حتى لشخصية جسدت في رمزيتها التاريخية والمعنوية مثال العدل السياسي النموذجي (عمر ن الخطاب)، سوى الصيغة الثقافية التقليدية لرفض الاستبداد السياسي. بعبارة أخرى، إن الخلافة المثالية المفترضة (العصرية) هي الصيغة الروحية للبديل السياسي الأفضل. من هنا محاولته البرهنة على ماهية الحكم السياسي في إسلام الخلافة الرشيدة، باعتباره حكما معتدلا بين الديمقراطية والارستقراطية[18]. فالإسلامية، كما يقول الكواكبي، "مؤسسة على أصول الإدارة الديمقراطية أي العمومية، والشورى الارستقراطية أي شورى الإشراف… وأنه لا يوجد في الإسلامية نفوذ ديني مطلقا في غير مسائل إقامة الدين"[19] أي كل ما يفترض في ذاته رفض الاستبداد بشكل عام ومظاهره العديدة في الدولة العثمانية بشكل خاص.

تحتوي هذه الصيغة الرفيعة لإعادة ربط التاريخ بالوعي السياسي المعاصر للعالم العربي على إدراك قيمة وعي الذات السياسي العربي، أي كل ما وضعه في فكرته عن ضرورة امتلاك الأمم لوعيها الخاص، كما هو جلي في قوله: "إن أفكار الأمم لا تقاوم ولا تصادم"[20]. وهذا بدوره ليس سوى مظهر ما أسميته باستكمال مرجعية الروح الثقافي بمرجعية الجسد السياسي. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار كون الكواكبي قد استقى، حسب عبارته، برنامجه عن الخلافة من قواعد إتحاد الألمان والأمريكان، فإن من السهل رؤية هذه المرجعية السياسية النابعة من وجودها الروحي الثقافي. بمعنى دعوته الضمنية لوحدة العالم العربي في دولة جديدة. وقد أشار هو إلى ذلك بوضوح عندما تمنى أن تكون وحدة إمارات الجزيرة العربية سباقة في نموذجها إلى مثل هذا الاتحاد[21]. وبهذا يكون الكواكبي قد سعى لربط الخلافة بالنظام العصري السياسي الديمقراطي بوصفه النظام الأفضل. واستكمال ذلك في وحدة العالم العربي بأحد نظم الاتحاد العصرية الفضلى (فيدرالية أو اتحاد مركزي لولاياته). فقد امتلك العرب، كما يقول الكواكبي، حكومتهم الديمقراطية في غضون قرنين من الزمن[22]. ولم يعن ذلك من الناحية الرمزية سوى إمكانيتها المعاصرة في وحدة النظام الديمقراطي للاتحاد العربي. والمقصود بقرنين من الزمن هنا هو دولة الخلافة العربية "الخالصة". ولم يكن مقصود الكواكبي بهذه المقارنة والمثال سوى الدعوة غير المباشرة لاستعادة المركزية العربية في وحدتها الجديدة باعتبارها تآلفا عصريا للنظام الديمقراطي والاتحاد الفيدرالي أو المركزي، أو التحقيق الأمثل لجهادية مشروعه السياسي وعقلانية نزوعه القومي. بمعنى تحويل مبادئ وغايات النظام الديمقراطي والاتحاد العربي إلى بديهيات الفكر النظري والسياسة العملية للعالم العربي. وهي البديهيات التي سعى لتأسيسها في رؤيته الإصلاحية المتعلقة بقضايا الدولة والقانون، والوحدة والنظام، والتاريخ والمعاصرة. وبهذا يكون قد دفع بالفكر الإصلاحي العقلاني الإسلامي العربي إلى أقصى ذروته أمام دخوله معترك القرن العشرين ونزوعه الاستقلالي وإعادة بنائه الجديد.

 

ا. د. ميثم الجنابي

....................

[1] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص274.

[2] المصدر السابق، ج1، ص127-128.

[3] المصدر السابق، ج1، ص260.

[4] المصدر السابق، ج2، ص330.

[5] المصدر السابق، ج1، ص259.

[6] المصدر السابق، ج1، ص300-301.

[7] إن ضعف تجانس آراء الكواكبي بصدد الأمة العربية نابع أساسا من عدم اكتمالها التاريخي آنذاك. فقد كانت الأمة السائدة آنذاك هي الأمة الإسلامية. أما الانحطاط السياسي والثقافي للعرب فقد جعل منهم مجموعة مفككة لا يربطها آنذاك شيئا غير شعور الانتماء الباهت لعالم الإسلام اللاهوتي. وقد كان الأفغاني أول من شخّص هذه الظاهرة، بينما دققها الكواكبي لاحقا كما هو جلي في عبارته القائلة، بأن "المسلمين في غير جزيرة العرب لفيف أخلاط وبقايا أقوام شتى لا تجمعهم جامعة غير التوجه للكعبة"(ج1، ص59). وإذا كانت آراؤه هذه تجري ضمن سياق دور القادة والزعماء السياسيين في جمع الأمة على مثال بيسمارك وغاريبالدي، فإن مضمونها الحقيقي والأبعد يندرج ضمن من ما أسميته بفكرة الأمة الواجبة، بوصفها نفيا للأمة الموجودة، أي النظر إلى الأمة القومية بمعايير السياسة الواقعية لعالم منحل آيل للزوال. وهي ذات الفكرة التي اختصرها الكواكبي لاحقا بعبارة:"إن الأمة هي مجموع أفراد يجمعها شعب أو ارض أو لغة أو دين" (ج2، ص409). وهي العناصر التي سوف تجمعها لاحقا الاتجاهات القومية العربية الدنيوية بأشكال مختلفة. لكنها كانت تصب جميعا ضمن المنظور القائل، بأن الأمة هي مجموع أفراد يجمعها شعب ووطن ولغة ودين. وقد كان لهذا الجمع معناه الكبير ومآثره ومثالبه الخاصة في الصيرورة الحديثة للعالم العربي.

[8] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص275.

[9] المصدر السابق، ج1، ص301.

[10] المصدر السابق، ج1، ص301-304.

[11] المصدر السابق، ج1، ص258.

[12] المصدر السابق، ج1، ص316.

[13] المصدر السابق، ج2، ص417.

[14] المصدر السابق، ج2، ص417-418.

[15] المصدر السابق، ج1، ص313-314.

[16] المصدر السابق، ج1، ص311.

[17] المصدر السابق، ج1، ص313.

[18] المصدر السابق، ج1، ص314-315.

[19] المصدر السابق، ج2، ص348.

[20] المصدر السابق، ج1، ص 319.

[21] المصدر السابق، ج1، ص315.

[22] المصدر السابق، ج2، ص378.

 

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الفكرة الاصلاحية الاسلامية (15)

إن الإدراك المتعمق لقيمة العمل العصري الحي هو النتيجة الملازمة لعقلانية الروح الإصلاحي. وذلك بسبب بحثها الدائم عن الأسباب المعقولة وراء حالة الانحطاط، أو ما دعاه الكواكبي بحالة الفتور العام والدعوة لتغييرها. وقد جمع كل ما يمكن جمعه من أسباب من أجل رؤية الحالة العامة والخاصة للانحطاط والتقهقر. ولم يكن هذا الجمع تجميعا للأسباب، بل تصنيفا لأصولها وفروعها. وهذا بدوره يعني محاولة الاحتواء المعقول لأسباب الانحطاط الفعلية، ومن ثم رؤية البدائل الواقعية. فهي الصيغة التي ميزت آراء الكواكبي، بمعنى خلّوها من عناصر الطوباوية والجزئية. فعندما تناول بداية الانحطاط الإسلامي فإنه أكد على أن "مسألة تقهقر الإسلام بنت ألف عام أو أكثر"[1]. ويقترب هذا التصوير مما وضعه محمد عبده. بمعنى مطابقته بداية الانحطاط مع انحطاط المركزية العربية في الخلافة. إلا أن تحديد بداية الانحطاط ما هو إلا الخلفية الزمنية لبحث أسبابه الواقعية. وقد حصرها الكواكبي في الأسباب الدينية والأخلاقية والسياسية. فعندما تناول الأصول والفروع في الأسباب الدينية، فإنه يربطها أساسا بالأفكار السائدة في عصره، وبالأخص ما يخدم مصالح الاستبداد والإمبراطورية مثل هيمنة عقيدة الجبر، وفتن الجدل في العقائد الدينية، والتفرقة، وانعدام التسامح، والتشدد في الدين، وسيطرة العلماء المدلّسين وغيرهما من الأسباب. بحيث جعله ذلك يستنتج في نهاية المطاف، بأن "سبب الفتور الطارئ الملازم لجامعة هذا الدين هو هذا الدين الحاضر ذاته"[2]. ولا يعني "هذا الدين الحاضر ذاته" سوى أنماطه "اليابسة" في أيديولوجية الاستبداد العثماني. فهو يتكلم عن أسباب الفتور الملازم لجامعة هذا الدين باعتباره الكلّ الفاعل في كيان الفتور والتخلف، والتقهقر والانحطاط. أما الأشكال الأخلاقية لظهوره وتجسيده، فإنه يربطها بالأسباب الأصول كالاستغراق في الجهل، وفقدان التضحية، وانحلال الرابطة الدينية، والتربية الدينية والأخلاقية، وعدم وجود الجمعيات، ومعاداة العلوم العالية، وانعدام الاهتمام بالشؤون العامة. أما فروعها ففي كل من استيلاء روح اليأس، والإخلاد إلى الخمول، وفساد التعليم، وترك الأعمال، وإهمال طلب الحقوق العامة جبنا، وتفضيل الارتزاق بالجندية وغيرها. مما يعنى حصره إياه في جمود الروح الاجتماعي الفعال.

إن حصيلة الأسباب التي جرت الإشارة إليها أعلاه في أصولها وفروعها هي الصيغة الدينية والأخلاقية للأسباب السياسية. وذلك بسبب تداخلها في مراحل الانحطاط وتطابقها النسبي. غير أن إفراز الكواكبي للأسباب السياسية القائمة بحد ذاتها يعكس حقائق ومهمات الإدراك العميق لجوهرية السياسة والتركيز عليها، باعتبارها المقدمة الكبرى والوسيلة الأكثر فاعلية في ربط عناصر الرؤية العقلانية والإصلاحية في كل واحد. ذلك يعني أن عقلانية الرؤية وروح الإصلاح لم تعد مجرد مكونات مستقلة وقائمة كل منها بحد ذاته، بل ترتبط بينها بمفاهيم السياسة ومعاييرها. وليس مصادفة أن نعثر في الأسباب الدينية والأخلاقية على خلفية الرؤية السياسية، وفي الرؤية السياسية على استقلاليتها الذاتية. إذ أدرج في أصول الأسباب السياسية كل من السياسة المطلقة غير المراقبة، وما اسماه بالسياسة المقلوبة في مجال الاجتماع والاقتصاد، وكذلك إبعاد الأحرار عن السلطة، وحصر اهتمام الدولة بالجندية والجباية. بينما أدرج في فروع الأسباب السياسية كل من التفرقة، وفقدان حرية القول والعمل، وانعدام العدالة والمساواة، وغياب الرأي العام، والتنكيل بالمعارضة وغيرها. بمعنى ربطه بين طبيعة السلطة والنظام الاجتماعي. ودفع هذا الإدراك إلى المقدمة جملة من القضايا الجوهرية بالنسبة لنهضة الأمم، لعل أكثرها أهمية هي كل من قضايا الحرية والعدالة والمساواة. ولم تعد هذه القيم والمبادئ تسبح في فضاء الشعارات الجذابة أو ما أسميته بلاهوتية الروح والمعنى، بل في متطلبات الفعل السياسي الواعي للأهداف القريبة والبعيدة. وحدد هذا بدوره مواقفه من الاستبداد وبدائله في ميدان النظام السياسي والوحدة (الاجتماعية والقومية). بمعنى إدراكه العقلاني للسياسة بمعايير السياسة ذاتها. الأمر الذي حدد بدوره أيضا الاستيعاب الجديد لأهمية العمل السياسي وتأسيسه الفكري في الوقت نفسه.

ولم تذب (تذوب) دعوته للعمل السياسي في عبارات الخطاب الحماسي، بل في الرؤية السياسية من خلال تأسيس شرعيته وضرورته. لهذا أكد على أهمية العمل السياسي الشرعي والقانوني المنظم انطلاقا من أثره في الحياة الاجتماعية، بحيث طابقه مع "سنّة الله في الوجود". من هنا تأكيده على أن "الجمعيات المنظمة يتسنى لها الثبات على مشروعها عمرا طويلا يبقى بما لا يبقى عمل الواحد الفرد"[3]. إضافة لذلك أنها تستطيع أن "تأتي بأعمالها كلها عزائم صادقة لا يفسدها التردد. وهذا هو سرّ ما ورد في الأمر من أن يد الله مع يد الجماعة"[4].

إن هذا الربط العميق بين التاريخ الاجتماعي والمثال المتسامي هو الصيغة المناسبة لاستثارة روح الجماعة المعاصرة باعتباره روحا اجتماعيا سياسيا مدركا لغاياته ضمن معايير السياسة الفاعلة. وترتب على ذلك تحويل السياسة الفاعلة إلى ميدان الإبداع الذاتي الحر. من هنا واقعية رؤيته السياسية في تناول المهام الجسام والكبرى القائمة أمام النهضة المفترضة. وليس مصادفة أن يضع الكواكبي ما اسماه بمباحث السياسة الدينية في أول مباحثات الجمعية، باعتباره الأسلوب الأفضل "لرفع علة الفتور"[5]. ولم يكن ذلك معزولا عن انطلاق الكواكبي من حضيض الواقع التاريخي، أي من رؤية مكوناته الواقعية بالنسبة لصياغة أسلوب الفعل السياسي المناسب. ومن ثم إمكانية بلورة عناصر الفكرة الجديدة للنهضة الاجتماعية السياسية والقومية والثقافية. لهذا ركز في (طبائع الاستبداد) على أن استمرار الاستبداد والانحطاط ما هو في نهاية المطاف إلا النتاج المباشر للخمول. في حين أن أعظم سرّ الكائنات هو ما يمكن دعوته، حسب آراء الكواكبي، بالاشتراك الفعال. إذ به "قيام كل شيء ما عدا الله وحده. به قيام الأجرام السماوية… والعالم العضوي والأجناس والأنواع… وسرّ الحياة وسرّ تجديد الاستمرار… فالاشتراك هو السرّ، كل السرّ في نجاح الأمم المتمدنة. به أكملوا ناموس حياتهم. به ضبطوا نظام حكوماتهم، به قاموا بعظائم الأمور. به نالوا كل ما يغبطهم عليه غيرهم"[6]. ومن خلال هذا الاشتراك الفعال يكون الكواكبي قد أسس لضرورة العمل السياسي الفردي والعام، باعتباره فعلا اجتماعيا سياسيا ذاتيا. من هنا تأكيده على أن "انحطاطنا من أنفسنا"، وأن سبب الخمول في "استرسال الأمة لعبادة الأمراء والأهواء والأوهام"[7]. وقد حدد ذلك مهاجمته لأفكار الجبر وضرورة تحوير مضامين القضاء والقدر بالشكل الذي ينبغي فهمهما على انه السعي والعمل[8]. وهي ذات الصيغة التي دعا إليها الأفغاني قبله. غير أن الكواكبي أدرجها ضمن الدعوة القومية للحرية، ومن ثم ضمن إطار ما يمكن دعوته بالتأسيس العقلاني للفعل السياسي المنظم. وبهذا يكون قد تجاوز تقاليد الخطابة الرنانة والتقليدية. وإذا كان من الصعب الحديث عن نظرية سياسية متكاملة في آراء الكواكبي، فلأن كتاباته كانت تمر في مرحلة صياغة أسسها النقدية العقلانية الأولية، أي أنها دققت في نفيها الفكري حصيلة التجارب الفكرية والعملية لقرن كامل في وعي العقلانية العربية لذاتها في ميدان العمل.

وبهذا يكون الكواكبي قد أسس بمعايير الفكر المعاصر لنهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، قيمة وأهمية العمل السياسي بالنسبة للعالم العربي. انه أراد التأسيس النظري لوعي الذات السياسي. وبالتالي وضع المقدمات الفكرية (والروحية) للتاريخ السياسي العربي. لهذا شدد على قيمة العمل السياسي المنظم والشرعي، أي وحدة العمل والقانون، لأنها الوسيلة التي يمكن أن تشرك المجتمع فيها. وحاول إبراز قيمة هذه الفكرة من خلال المضمون الجديد لفكرة "يد الله مع يد الجماعة". بمعنى الاشتراك الفعلي النشط للمجتمع في هذا التأسيس، باعتباره الأس الأعظم لوجود الأمم أيضا. ووجد في ذلك قانونا يخضع لصيرورته كل ما هو موجود. وبهذا يكون الكواكبي قد سعى لربط الأبعاد الكونية والاجتماعية والقومية في رؤيته السياسية وغاياتها الأبعد. من هنا تشديده على أن "سرّ نشأة الأمم الغربية ونجاح أعمالها يقوم في تناسب القوة والزمان". ويحتوي هذا الاستنتاج ضمنيا على إدراك خاص لأهمية التحضير العملي والنظري وبالشكل الذي يستجيب لحجم المهمات المستقبلية.

وقد حدد هذا التأسيس العقلاني للعمل السياسي إدراك أولوية الدولة والقومية. ووضعه الكواكبي في أساس كشف الأسباب الكامنة وراء استمرار الاستبداد وفقدان الحرية (الفردية والاجتماعية والقومية) في السلطنة العثمانية. ذلك يعني أن العمل السياسي وضرورته لم يعد جزءا من الإصلاحية وتقاليدها العامة فحسب، بل وخطوة إلى الأمام في مجال تعميق المضمون الاجتماعي والسياسي والقومي. وقد كان هذا بدوره إدراكا جديدا لقيمة البدائل الجديدة في النظام الواجب وضرورته. وحدد ذلك أيضا مهمات انتقاد الدولة بمعايير السياسة، إضافة إلى تقديم الرؤية الواقعية للبديل وشكله الممكن في الوحدة القومية للعالم العربي، باعتبارها بديلا لوحدة الأمة الإمبراطورية (العثمانية). وبهذا المعنى يمكن القول، بأن (طبائع الاستبداد) لم يكن ردا مباشرا على واقع الدولة العثمانية، بل وصياغة جديدة لمبادئ الفكر السياسي العربي المعاصر، وآفاق بدائله الواقعية الممكنة. انه أراد تأصيل العمل السياسي بمفاهيم السياسة الخالصة. لهذا أشار إلى انه لم توجد عند الأقدمين كتبا سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة إلا عند الرومان. أما كتابات (كليلة ودمنة) و(نهج البلاغة) و(الخراج) وغيرها فهي مجرد مؤلفات سياسية أخلاقية. وينطبق هذا بالقدر ذاته على كتابات الرازي والمعري والغزالي. وجعله ذلك يستنتج بأن العلم السياسي الخالص لم يحصل إلا عند الأوربيين المتأخرين. في حين لم يتطرق له من العرب المتأخرين إلا الطهطاوي وخير الدين التونسي وأحمد فارس الشدياق وسليم البستاني. وبغض النظر عما في هذه الأحكام من تجاف نسبي تجاه الإبداع الفكري السياسي الكبر لقدماء المسلمين، إلا انه حكم دقيق ضمن إطار استيعابه الخاص للمهمات الجديدة، التي أخذ يعيها بمفاهيم العقلانية الإصلاحية. بمعنى مطابقته للروح الإصلاحي والعقلاني بمفاهيم السياسة "الخالصة"، أي كل ما نعثر عليه في إبرازه وتأسيسه للنقد السياسي الشامل للاستبداد (الدولة القائمة) وآفاق التطور السياسي للدولة والعالم العربي.

فقد كان نقده للاستبداد هو إدراك سياسي لنهاية التاريخ العثماني وبداية التاريخ العربي، أو بداية التاريخ العربي ووعيه السياسي المستقل. إذ لم يعن نقده للاستبداد سوى نقده السياسي للدولة القائمة ورؤية محدوديتها التاريخية والثقافية. فقد استطاع في نقده للاستبداد وكشف "طبائعه" قطع تقاليد الأحكام المجردة والأخلاقية، من خلال الرجوع إلى الواقع كما هو. فقد رفع الكواكبي نقد الاستبداد إلى مصاف النقد السياسي وتحويله إلى مقدمة الأحكام السياسية. لهذا أدرج وأخضع كل الأبعاد المتعددة في الدولة إلى أحكام السياسة، بما في ذلك الأخلاقية منها. من هنا محاولته كشف أثر الاستبداد في كل نواحي الحياة الاجتماعية. فالاستبداد بنظره هو الذي يصنع الشخصيات الضعيفة، كما انه يقلب الحقائق في الأذهان، ويشوش البديهيات والنظر إلى التاريخ والرجال، ويفقد الإنسان إرادته الحرة[9]. من هنا نقده للفكرة القائلة، بأن سرّ الاستبداد راجع أما إلى مرض فيهم أو جهل منهم أو لتمسكهم بالدين وما شابه ذلك. وبالضد من ذلك شدد على انه فيما لو جرى تتبع الأسباب الحقيقية لأدركوا أن كل ذلك ناشئ "من الاستبداد، وأن العافية المفقودة هي الحرية السياسية"[10]. بعبارة أخرى، انه اعتبر المرض الفعلي لعالم الإسلام يقوم في افتقاده للحرية السياسية. ودفعه هذا الإدراك إلى تتبع مظاهره في نظام الحكم وهيئته الاجتماعية، أي في الدولة والقومية.

ولم يكتف الكواكبي بهذه الإشارة الدقيقة، بل وحاول كشف حقيقتها من خلال تحليل "طبائع الاستبداد"، أي أسبابه وخصائصه ونتائجه وبالتالي أساليب تهديمه. وبهذا المعنى يكون قد وضع الأسس الأولية لوعي الذات السياسي، باعتبارها المقدمة التي شكلت بدورها أساس وعي الذات السياسي العربي (القومي). فالاستبداد، حسب نظر الكواكبي، هو "صفة للحكومة المطلقة العنان، التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب وعقاب محققين"[11]. فالكواكبي يحصر الاستبداد في غياب مراقبة الشعب وعدم انتخاب السلطة. لهذا أكد على أن أشكال الحكومات المستبدة كبيرة، منها حكم الفرد المطلق وحكم الفرد المقيد الوارث أو المنتخب متى كان غير محاسب، وتشمل كذلك حكومة الجمع حتى في حالة انتخابها، لأن الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد، وإن الاستبداد يمكن أن يشمل الحكومة الدستورية أيضا. فهو يوجه نقده إلى جوهر الاستبداد باعتباره ظاهرة سياسية واجتماعية[12].

لقد سعى الكواكبي في ملاحظاته العديدة، الكشف عن الصلة الواقعية والفعلية بين نظام الاستبداد وأشكال مظاهره الاجتماعية وكيفية إعادة إنتاجه في دقائق الحياة. من هنا استنتاجه القائل، بأن "الحكومة المستبدة تكون طبعا مستبدة في كل فروعها، من المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفرّاش، إلى كناس الشوارع"[13]. ودفعه ذلك إلى تتبع ظاهرة الاستبداد، بما في ذلك في أشد العلاقات وجدانية وشخصية ليكشف من وراء ظواهر الامتهان أثر الاستبداد السياسي. بحيث جعله ذلك يستنتج، بأن "القسمة المتفاوتة بين آدم وحواء إلى هذه النسبة المتباعدة هي قسمة جاء بها الاستبداد السياسي"[14].

إن تحديد العصب القائم وراء شلل الوجود الإسلامي في غياب الحرية السياسية أو سيطرة الاستبداد، هو الذي دفع الكواكبي إلى صياغة البديل الفكري الأول في تقاليد العقلانية الإصلاحية المعاصرة ورؤيتها لآفاق التطور الاجتماعي السياسي والثقافي العربي. فهو لم يكتف بالنقد العميق لطبائع الاستبداد، بل وسعى لتأسيسه النظري السياسي في منظومة فكرية واضحة المعالم والغاية. فهو ينطلق من المقدمة العامة والقائلة، بأن سنّة الله في الوجود هو الترقي، أي أن التطور هو الصفة الملازمة لوجود الأشياء. وبما أن الاستبداد عائق للترقي، ومعيق يقلب السير من الترقي إلى الانحطاط، لهذا اعتبر مهمة صياغة البديل المعقول للاستبداد المهمة الكبرى بعد تحليل طبائع الاستبداد وكشف آفاقه المحدودة[15]. انه أدرك مهمة صياغة البديل العقلاني الإصلاحي، أو ما اسماه بالقانون المعتدل للترقي. من هنا نظرته إلى الترقي كطائر ينبغي أن تكون أجنحته في حركة متناسقة. وهو تصور دقيق لرؤية الحركة (الترقي) والتوازن (الاعتدال)، أو ما اسماه بضرورة أن يكون جناحي الاندفاع والانقباض فيه متوازيان كتوازن الايجابية والسلبية في الكهربائية[16]. وهذا بدوره ليس إلا الصياغة التي تسعى لتأسيس ما يمكن دعوته بالاندفاع المقيد بالعقل، انطلاقا من أن سيادة العقل في الاندفاع على النفس يؤدي إلى أن تكون الوجهة فيه إلى الحكمة، على عكس غلبة النفس على العقل، فأنها تؤدي إلى السير باتجاه الزيغ[17]. وتعكس هذه الصياغة من الناحية النظرية تقاليد العقلانية الأخلاقية، أما من حيث توجها الواقعي، فإنها تعكس رؤية البديل العقلاني الإصلاحي. إذ لا يعني القانون المعتدل سوى المعقول الإصلاحي. وهي الفكرة التي حاول البرهنة عليها من خلال التأسيس لكيفية إزالة الاستبداد.

انطلق الكواكبي في تأسيسه لإزالة الاستبداد مما اسماه بمدرسة التاريخ الطبيعي والعمومي وليس من اعتبارات الأخلاق المجردة. إذ وجد فيها أعظم مدرسة. أما البرهان الأقوى فهو برهان الاستقراء[18]. ولم يقصد بالتاريخ الطبيعي سوى تاريخ وجود الأشياء كما هي، أما العمومي فعالميته. وحالما يجري تطويع هذه المقدمة العامة في ميدان التاريخ الملموس فإنها تتمظهر في قضية الدولة، أي في ميدان التاريخ السياسي. من هنا تأكيده على أن حل مشكلة الاستبداد مرتبط بالكيفية التي تحل بها قضية الحكومة (السلطة والنظام السياسي). وذلك لأن تقرير شكل الحكومة، كما يقول الكواكبي، هو "أعظم وأقدم مشكلة في البشر. وهو المعترك الأكبر لأفكار الباحثين"[19]. وبالتالي هو المعترك الأكبر لفكره ووعيه الشخصي أيضا. وحدد هذا بدوره المسار العام لآرائه ومواقفه السياسية وتحليله لواقع الاستبداد العثماني وكيفية الخروج منه. فهو يمتلك واقع التجربة الأوربية في نماذجها السياسية العديدة وحصيلتها العامة في سيطرة العقلانية السياسية ومبادئها الكبرى في الحرية والقانون من جهة ، وواقع الاستبداد العثماني وخصوصية الإمكانات المتاحة للقضاء عليه من جهة أخرى. وقد أدرك الكواكبي هذا الاختلاف وسماته الواقعية. مما أسهم بدوره في تحديد عقلانيته السياسية وطابعها الإصلاحي العميق. فهو يؤكد على أن الأمم الأوربية المترقية قد توصلت عن طريق العقل والتجريب إلى ما اسماه بالبديهيات في حياتها، أي صيرورة البديهيات السياسية في الحرية وسيادة القانون والمساواة والعدالة. بمعنى تحولها إلى أجزاء جوهرية في بنية النظام السياسي. في حين ما زالت هذه "القواعد، التي أصبحت بديهية في الغرب مجهولة أو غريبة في الشرق، لأنها عند الأكثرين منهم لم تطرق سمعهم"[20]. من هنا وضعه مهمة تحويل هذه البديهية إلى واقع معقول في عالم الإسلام (العربي). ولم يضع هذه المهام في عبارات الدعوة الحماسية أو الصياغات الخطابية، بل في بلورة قضايا الفكر السياسي وكيفية حلها الواقعي. ووضع ذلك في خمسة وعشرين مبحثا، يمكنها حسب نظره، أن تساهم في نقل هذه البديهيات (الغربية) إلى الواقع الشرقي، لكي تستثير فيه في الوقت نفسه حوافز الحل السياسي، مثل ماهية الأمة والحكومة، والحقوق العامة، والمساواة في الحقوق، والحقوق الشخصية، ونوعية الحكومة ووظائفها، وحقوق الحاكمية، وطاعة الأمة للحكومة، وتوزيع التكليفات، والقضايا المتعلقة بالجيش، والمراقبة على الحكومة، وحفظ الأمن العام، وحفظ السلطة في القانون، وتأمين العدالة القضائية، وحفظ الدين والآداب، وتعيين الأعمال بالقوانين، وكيفية وضع وسن القوانين، وترقية المعارف والعلوم، وتطوير الزراعة والصناعة والتجارة والعمران.

إن هذا الجرد العام للقضايا التي حاول الكواكبي من خلالها تحويل بديهيات الغرب إلى بديهيات الشرق (العربي) يتضمن بحد ذاته الإدراك العميق لأولويات القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أي المكونات الجوهرية للدولة العصرية ونظامها السياسي. فالموضوعات التي ينبغي أن تشغل فكر الباحثين السياسيين المسلمين بنظره، هي موضوعات النظام السياسي والقانون. ودفع الكواكبي هذه الفكرة إلى أقصى درجاتها الممكنة آنذاك من خلال رفعه قيمة القانون إلى مصاف "المطلق الإلهي"، بعد أن سكبه بمعايير السياسة العملية. إذ لا تعني محاولة إيجاد الأساس القانوني باعتباره البديل المطلق للاستبداد، سوى الإدراك العقلاني لقيمة الحق في بناء الهيكل الصالح للدولة والمجتمع. من هنا مطابقته حالة الفتور العام وانحلال الدولة والمجتمع وتخلفهما المريع مع ظاهرة الاستبداد. فالاستبداد هو فقدان القانون. من هنا استنتاجه العميق القائل، بأن "المنشأ الأصلي لكل شقاء في بني حواء هو أمر واحد لا ثاني له، ألا وهو السلطة القانونية المنحلة"[21]. ذلك يعني، إن انحلال السلطة القانونية هو السبب الأصلي وراء الشقاء التاريخي لعالم الإسلام المعاصر له بشكل عام، والعربي منه بشكل خاص. لهذا أكد على أن القانون هو السد المنيع أمام الاستبداد، وأسلوب البديل العقلاني له. فالاستبداد يعادل الافتقاد الكامل للقانون والحق، وبالتالي لبديهيات الفكر السياسي ومتطلباته المعاصرة. وليس مصادفة أن يناقش الكواكبي باختصار من بين مباحثه الخمس والعشرين المشار إليها أعلاه، سوى المبحث المتعلق بكيفية إزالة الاستبداد. انه حاول تقديم أحد نماذج الحلول الواقعية، وترك البقية الباقية للجميع من أجل الاشتراك في حل القضايا الشائكة والشاملة لترتيب حياة الأمم حسب بديهيات العقلانية السياسية.

فهو يشير في حلوله لكيفية إزالة الاستبداد، من انه لا يضع إلا القواعد الكبرى، التي حصرها في ثلاث قواعد. الأولى هي أن تشعر الأمة بضرورة الحرية. وأن يكون معنى الشعور هنا هو ضرورة إدراكها للخلاص من الاستبداد كنظام وظاهرة، لا من المستبد الفرد. أما القاعدة الثانية، فهي النشاط السلمي التدريجي، بمعنى ترك العنف والقوة، والاستناد إلى الحكمة، لأن الوسيلة الوحيدة الفاعلة "لقطع دابر الاستبداد هو ترقي الأمة في الإدراك الإحساس"[22]. أما القاعدة الثالثة فهي معقولية البديل والتخطيط الواعي له. أو ما وضعه الكواكبي بعبارة "انه يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ما يستبدل به الاستبداد" ‎وذلك لأن "معرفة الغاية إجمالا شرط طبيعي للإقدام على كل عمل. لكن المعرفة الإجمالية في هذا الباب لا تكفي مطلقا. بل لا بد من تعيين المطلب تعيينا واضحا موافقا لرأي الكلّ أو لرأي الأكثرية، التي هي فوق الثلاثة أرباع عدد أو قوة، وإلا فلا يتم الأمر"[23].

إن هذه الصيغة التدريجية في برنامج الأولويات الضرورية لإزالة الاستبداد تعكس في جوهرها الرؤية العقلانية والإصلاحية لمشروعه البديل ومضمونه الاجتماعي السياسي والثقافي القومي. إذ ليست القواعد الثلاث هنا، سوى فاعليتها الداخلية الموحدة وإدراكها الاجتماعي السياسي بالنسبة للنظام القومي. وبالتالي تحويل الشعارات والمبادئ الكبرى إلى بديهيات معقولة. فقد تعامل الكواكبي مع ما اسماه بشعور الأمة بوصفه نظاما وظاهرة شاملة تقوم على أساس إدراكها لضرورة الحرية والتخلص من الاستبداد. ولا يعني إدراك الحرية هنا سوى بلوغ الوعي القومي ذاته على انه بديهية سياسية. لاسيما وأن الكواكبي يضع في فكرة الحرية المعنى السياسي والاجتماعي ككل واحد. ومن ثم تضمينه إياها الأبعاد القومية والاجتماعية والثقافية. فهو لم يتكلم عن حرية جميع شعوب السلطنة في العيش المستقل، بل وعما اسماه بفروعها في تساوي الحقوق ومحاسبة الحكام باعتبارهم وكلاء الأمة، وحرية التعليم والخطابة والمطبوعات والمباحث العلمية والأمن على الدين والأرواح والشرف والأعراض، والأمن على العلم واستثماره[24]. لقد أدرج الكواكبي في الحرية القضايا الاجتماعية والثقافية السياسية الكبرى في وحدة متينة. إذ لم يعد العدل، على سبيل المثال، ما هو شائع في التقاليد الأخلاقية الإسلامية المتأخرة، بل العدل هو الاستعادة السياسية المتجددة للتقاليد العقلانية الإسلامية القائلة بأولوية العدل على الإسلام، انطلاقا من أن إسلام خارج العدل أو بالضد منه ليس إسلاما. إذ لا تطابق بين الإسلام الحق والاستبداد. من هنا أحكام المسلمين العقلانيين القدماء، القائلة بتفضيل الحاكم الكافر العادل على الحاكم المسلم الجائر. وأعاد الكواكبي في انتقاده السياسي للواقع هذه الفكرة بعبارة تقول: "إن الشرع والعقل يحكمان بأن ملوك الأجانب أفضل منهم وأولى بحكم المسلمين، لأنهم أقرب للعدل ولإقامة المصالح العامة، وأقدر على اعمار البلاد وترقية العباد"[25].

وينطبق هذا بالقدر ذاته على كافة القضايا التي ادخلها ضمن مفهوم وفكرة الحرية. فعندما تكلم عن حرية الرأي والخطابة، فإنه حاول أن يعطي لها صيغة القضية المميزة للتراث الإسلامي الهائل. وفي الوقت نفسه جعل منها قضية جديدة في جدل السياسة ومتطلباتها المعاصرة. ففي الوقت الذي حاول أن يعطي لمصطلح الاجتهاد الإسلامي مضمونه المعاصر باعتباره حرية الرأي والخطابة، فإنه دحض تقاليد الاجتهاد القديمة في تسميات المجتهدين المعاصرين، الذين لا يعني اجتهاد أفضلهم سوى تلقين. ولهذا دعا أمثال هؤلاء المجتهدين بالمرجحين أو المخرجين، أو الفقهاء المدققين لا غير[26]. وذلك لأنهم لا يجتهدون في أصول الدين والاجتماعيات والأحكام، بينما الاجتهاد الحق يفترض أن يتلمس المجتهد للضرورات أحكامها، وأن يأخذ بما يفرضه الزمان من متغيرات، وأن يقر بمبدأ الخلاف رحمة، أي الإقرار بضرورة التعددية الفكرية[27]. ووضع هذا المبدأ إلى جانب مبادئ أخرى في جوهر الحرية باعتبارها القاعدة الأولية الضرورية والبديهية السياسية للقضاء على نظام الاستبداد. وذلك لأن فقدان الحرية يؤدي في نهاية المطاف، كما يقول الكواكبي، إلى "إبطال الأعمال وتمويت النفوس، وتعطيل الشرائع واختلال القوانين"[28]، أي الضمور والاضمحلال الشامل للوجود الاجتماعي والقومي. وهو الحافز القائم وراء انتقاده اللاذع "لسياسة" ابن خلدون، رغم تقييمه الرفيع لإنتاجه العلمي. إذ لم يجد في آرائه الداعية للسكون والخلاص من المهالك عند الضرورة بالرضا بما هو موجود سوى قاعدة عبودية تتعارض مع ما يدعو إليه الكواكبي، من أن المجد مفّضل على الحياة عند الأحرار[29]. بمعنى أولوية الحرية في السلوك، أو القاعدة الأولى لإزالة الاستبداد.

غير أن الكواكبي لم يجعل من مبدأ الحرية رديفا للمغامرة السياسية الداعمة للفوضى، بل قيّدها بمبدأ الحكمة، أي بمبدأ وعي الذات السياسي وحدود القانون النابعة من علو الحرية ونظامها السياسي المفترض. ومن ثم دعوته إلى أولوية المبدأ السياسي الواعي لا إلى القوة. فقد وجد فيه أسلوب قطع دابر الاستبداد. ولم يعن ذلك آنذاك سوى صياغة المبدأ السياسي المناهض للراديكالية السياسية المغامرة. فقد حدس الكواكبي في الراديكالية السياسية المغامرة رديفا للاستبداد، وفي إمكاناتها الذاتية وآفاقها استعادة خشنة له. إضافة إلى عزلها جمهور الأمة عن الرقي في المدارك والإحساس إلى مستوى الوعي السياسي وبديهياته الكبرى. وبهذا يكون الكواكبي قد سعى لجعل قاعدة النشاط الواعي ورفض العنف بديهية في الوعي الاجتماعي، وأسلوبا في رقيه السياسي. ووضع هذه الفكرة أول الأمر في إحدى مواد برنامج (أم القرى) عن أن عمل الجمعية ينبغي أن يستند إلى الإخلاص في النية، والثبات على العمل. أما مسلكها فهو تذليل العقبات واحدة فواحدة[30]. ثم عمق هذه الفكرة في (طبائع الاستبداد) عما اسماه بقاعدة السلمية والتدرج، أو المبدأ السياسي الذي يفترض في ذاته تحوله إلى بديهية ملزمة للجميع من خلال تجوهره في وعي الأمة ومشاعرها، أو ما اسماه بترقي الأمة في الإدراك والإحساس لقيمة السلمية والتدرج ورفض العنف والقوة.[31]

ووضع الكواكبي هذا الترقي في وعي الأمة في ما اسماه بوضوح ودقة المطلب، وبموافقته لرأي الكل أو الأكثرية. ذلك يعني أن الطابع الملموس للبدائل يفترض وجود صيغته الملموسة في الوعي والمشاعر. وهذه بدورها غير ممكنة دون وحدة القواعد الضرورية المتحولة إلى بديهيات سياسية قادرة على التأثير من خلال بناء ما يمكن دعوته بالروح السياسي الفعال. أما هذا الأخير، فإنه لم يعد ضمانة لإزالة الاستبداد فحسب، بل ولمنع تولده في بدائل المغامرات السياسية أيضا.

لقد وجد الكواكبي في هذه العملية المترابطة عن كيفية إزالة الاستبداد طريقا طويلا ومعقدا، لكنه الأكثر أمانة ومتانة لبلوغ الأمم حكم نفسها بنفسها. وذلك لأن الأمة إذا لم تحسن سياسة نفسها بنفسها، كما يقول الكواكبي، فإنها تكون بالضرورة ذليلة لأخرى. غير انه لم ينظر إلى هذه الذلة بمعايير الإحساس القومي المباشر، بل نقلها إلى مجال علاقة الوجود والواجب السياسيين. انه حاول نفي الموجود بفكرة الواجب العقلانية والسياسية. ومن ثم تجاوز تقاليد الأخلاق المثالية المجردة ونوازع الطوباوية المتسامية. لهذا لم يخض جدل "المساهمة الايجابية" في ترميم السلطة العثمانية، بل أدرجها في صنف الاستبداد التام في عصره. من هنا أدلته المباشرة وغير المباشرة على ضرورة زوالها باعتبارها نظاما لا معقولا. وأن وجودها التاريخي قد استنفذ كافة إمكانياتها ولم يبق غير مهمة نفيها بالنظام الواجب(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص136.

[2] المصدر السابق، ج1، ص182.

[3] المصدر السابق، ج1، ص141.

[4] المصدر السابق، ج1، ص141.

[5] المصدر السابق، ج1، ص306-307.

[6] المصدر السابق، ج2، ص392.

[7] المصدر السابق، ج1،ص156.

[8] المصدر السابق، ج1، ص268

[9] المصدر السابق، ج2، ص385-397.

[10] المصدر السابق، ج2، ص393.

[11] المصدر السابق، ج2، ص338.

[12] المصدر السابق، ج2، ص338-339.

[13] المصدر السابق، ج2، ص369-370.

[14] المصدر السابق، ج2، ص376.

[15] المصدر السابق، ج2، ص409.

[16] المصدر السابق، ج2، ص411.

[17] المصدر السابق، ج2، ص411.

[18] المصدر السابق، ج2، ص428.

[19] المصدر السابق، ج2، ص428.

[20] المصدر السابق، ج2، ص429.

[21] المصدر السابق، ج1، ص165.

[22] المصدر السابق، ج2، ص435.

[23] المصدر السابق، ج2، ص437.

[24] المصدر السابق، ج1، ص154.

[25] المصدر السابق، ج1، ص158.

[26]المصدر السابق، ج1، ص244.

[27] المصدر السابق، ج1، ص 247.

[28] المصدر السابق، ج1، ص154.

[29] المصدر السابق، ج2، ص362.

[30] المصدر السابق، ج1، ص294.

[31] إن المضمون الاجتماعي السياسي للسلمية في آراء الكواكبي لا ينحصر في إطار رفض المواجهة والعنف، بل وفي شموله مختلف جوانب الحياة المدنية أيضا. وبهذا المعنى يمكن القول، بأنه أول من حاول التأسيس لعناصر العقلانية المدنية في الفكر السياسي العربي المعاصر من خلال انتقاده العميق للروح العسكرية في السلطنة العثمانية. وبغض النظر عن حوافز انتقاد الانكشارية العثمانية، إلا أن نتائج انتقاده السياسي أدت إلى رفع شعار النظام المدني وضرورة خضوع العسكرية له. فهو لم يقف بالضد من الجيش، على العكس. لقد طالب بتكوين جيش قوي قادر على حماية الوطن. ومن هنا انتقاده اللاذع لتحويل الجندية إلى مصدر للكسب والمعيشة. ومقابل ذلك دعا إلى جعلها صنعة وأخلاق. وذلك لأنه وجد في تحول الجندية إلى مصدر الكسب والمعيشة النتيجة الملازمة لافتقاد الجندية في غضون القرنين الأخيرين، وبالأخص في العالم الإسلامي، عن أن تكون صنعة علمية. وسوف يضع الكواكبي هذه الأفكار لاحقا في إطار الفكرة السياسية الواعية عن ضرورة استقلال العالم العربي ووحدته. فعندما تكلم عن إمكانية خوف الأوربيين من الوحدة العربية، فإنه أشار إلى أن العرب اقرب إلى الأمة، وهم أصحاب كلمة وعهد. وبالتالي فلا ضرورة للخوف من فكرتهم عن الجهاد، لأنها لا تعني بحد ذاتها الحرب. ففي القرآن أكثر من خمسين آية تدعو للسلم، أما آيات الجهاد فأقل منها بكثير. إضافة إلى أنها محصورة ومخصوصة بالموقف من العرب المشركين، إذ "لا يوجد في القرآن ملزم لاعتبار عمومية حكمها". ذلك يعني انه سعى لإزالة خوف الأوربيين وطلب مساندتهم في الوقت نفسه للاستقلال العربي، وكذلك لسحب البساط الأيديولوجي من تحت أقدام الحكم العثماني ودعواته عن "الجهاد الإسلامي"، عبر تحويل فكرة الجهاد إلى قضية إسلامية خالصة وفي إطار تاريخها العربي الإسلامي الأول فقط.

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الفكرة الاصلاحية الاسلامية (14)

 لقد توصلت في المقال السابق إلى أن الأفغاني رفع النظام الدستوري الديمقراطي إلى مستوى الفضيلة الأخلاقية، انطلاقا من انه النظام الذي يكفل للإنسان إمكانية تجسيد ذاته والعدالة. لهذا لم يجد في انقراض النظم الاستبدادية في العالم البشري إحدى سنن الوجود، بل وأكد على أن الشورى (الديمقراطية) سوف تؤدي بالضرورة إلى تفقه الشعوب ذاتها. وشكلت هذه الأحكام في حصيلتها أساس الفكرة القانونية والروحية الإصلاحية عند محمد عبده، وأساس الفكرة السياسية الإصلاحية عند الكواكبي.

فقد استطاع محمد عبده تنظيم الأفكار التقليدية بصيغة متجانسة فيما يخص قضايا الإسلام والسلطة، وعلاقة الديني بالدنيوي، وحقيقة الخلافة والخليفة. أنه استطاع وضع تقاليد الصيغ الإسلامية بهذا الصدد في نسق متوافق مع روح الإصلاحية العقلانية، التي بلور الأفغاني معالمها الكبرى. ففي موقفه من السلطة الدينية، سعى محمد عبده إلى هدم أسسها الفكرية من خلال التوكيد على أن الإسلام لا يعرف في حقيقته النزوع التيوقراطي. وانه في مبادئه الأساسية نقيض لها، وذلك لأن الرسول محمد نفسه ما هو إلا مبلّغ ومذّكر لا مسيطر ومهيمن. وأن حقائق الإيمان الإسلامي تلزم المرء في ألا يكون عليه رقيب في ما بينه وبين الله، سوى الله وحده. وانه لا عبودية في الإسلام إلا العبودية لله، وبالتالي ليس لأي مسلم في الأمة، مهما علت أو هبطت رتبته، غير مهمة النصح والإرشاد. وبالتالي، فإن الواسطة الممكنة بين الله والإنسان هو القرآن فقط[1]. وبالتالي، فإن تطبيق الأحكام فريضة ملزمة. من هنا ضرورة الدولة ومؤسساتها. مما استلزم ذلك بدوره وجود القوة المناسبة لإقامة الحدود وتنفيذ حكم القاضي بالحق وصون نظام الجماعة[2]. ولا يمكن تصور هذه القوة دون السلطان أو الخليفة. غير أن طاعتهما مشروطة بانتهاج الكتاب والسنّة. وفي حال انحرافه، فإن من الضروري استبداله بغيره، استنادا إلى مبدأ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق[3]. وذلك لأن الأمة في الإسلام أو نوابها هم من ينّصبون الخليفة. والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه. فهي التي تخلعه متى رأت ذلك في مصلحتها. وذلك لأن الخليفة ما هو في حقيقة الأمر سوى "حاكم مدني من جميع الوجوه"[4]. وبالتالي لا شيء يربط المسلمين به غير حق البيعة. وهذه بدورها مرهونة بمدى تمسكه بالعدل وحماية الحق العام واجتهاده الدائم[5].

إن هذه الصيغة المكثفة والعامة، التي استعادت في تنسيقها نظام الكل الإسلامي، هو التعبير الذي رد به على اتهامات التيارات الدنيوية (العلمانية) للقرن التاسع عشر المعارضة للإسلام. وهي اتهامات لها أساسها المتين في انتقاد الواقع السياسي للعالم الإسلامي. أما ردها المباشر في آراء محمد عبده، فقد كان ردا إصلاحيا إسلاميا "خالصا". فقد تتبع محمد عبده هنا آراء الأفغاني، ولكن في لباسها التقليدي. وبهذا يكون قد دفع عناصر الإصلاحية العقلانية صوب أعماق الكيان الإسلامي "الخالص". إذ لم تعن آراؤه عن مدنية الخليفة ونفي التيوقراطية سوى اختيار وشرعية اختيار الخليفة أو عزله. أما ضرورة سيادة القرآن والسنّة في المعاملات (حسب منظومة الحقوق الإسلامية)، فهي الصيغة الأكثر هدوءا لآراء الأفغاني. فقد كانت آراؤه موجهة هنا ليس صوب المستقبل، كما كان الحال عند الأفغاني، بل صوب الماضي من أجل إعادة بناء الصرح الإصلاحي الجديد. فقد كان المضمون الفعلي لآرائه السياسية يقوم في إظهار جوهرية القانون لا السياسة، أو تقييد السلطة بالكتاب والسنّة لا بالرغبة الشخصية والهوى، وبالجماعة ونظام الشورى لا بالفردية والاستبداد. ويعكس توجهه هذا خصوصية اصطلاحيته العقلانية، باعتبارها إصلاحية أخلاقية حقوقية تنويرية. من هنا غياب ثقل مقولات السياسة، وبالمقابل سعة اهتمامه بالتراث واصطلاحاته العملية. وترتب على ذلك بروز أولوية وجوهرية القانون والمعرفة في مشروعه السياسي. ومن ثم أولوية الروح المعرفي الأخلاقي، باعتباره مقدمة النهضة الشاملة للعالم الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص. فقد كان إبداع محمد عبده بمجمله تجسيد عربيا لإسلامية الأفغاني. وهي نفس المقدمة والأسلوب الذي ميز إبداع الكواكبي ومواقفه ككل[6].

إن انطلاق الكواكبي من استنتاجات الأفغاني ومحمد عبده كان يعني في الوقت نفسه اختزال حصيلة التجربة التاريخية للإصلاحية الإسلامية نفسها. فقد ساهم الأفغاني ومحمد عبده في وضع أسس النقد العقلاني الثقافي الشامل للتجربة التاريخية في عالم الإسلام للقرن التاسع عشر ـ بداية العشرين. فكلاهما لم يهمل تجربة قرن من الزمن مضى في محاولاته إنهاض الوعي من خموله التاريخي في المعتقدات والإيمان. وبهذا يكونا قد أسسا لقيمة الاستمرار الثقافي في التاريخ، ومبدأ ترابطهما الضروري في القول والعمل، أو مبادئ النفي العقلاني الإصلاحي والبقاء في حيز الأنا التاريخية. أما الأخيرة فقد جرى توليفها في ما يمكن دعوته بالأنا الإسلامية الثقافية، باعتبارها الإطار العام القادر على احتواء الأمة الإسلامية والأمة القومية الثقافية.

فقد ادخل الأفغاني ومحمد عبده صراع الأنا التاريخية والأنا الثقافية في ميدان الوعي السياسي والاهتمام بقضاياه المختلفة. مما أدى في الحصيلة إلى وضع أسس الإسلام السياسي (العقلاني التنويري الإصلاحي)، ومن ثم أحكامه وتصوراته ومبادئه الكبرى في الموقف من قضايا الوجود التاريخي والثقافي للأمة. وقد تضمن ذلك وضع حجر الأساس لمنظومة السياسة الفكرية ونسج خيوطها الأولى المتعلقة بصياغة مهمات استنهاض الوجود الثقافي العام (الإسلامي) في الوجود التاريخي الخاص (القومي). من هنا تداخل الثقافة القديمة والتاريخ الحديث في الأمثلة وأنماط الرؤية، والعمل من أجل تثبيت المساعي في جهودها الرامية لاستعادة قوة الماضي وأهميته الحيوية بالنسبة لبدائل الوجود الاجتماعي والسياسي للمسلمين.

وإذا كان مظهر هذا التوجه العام عند الأفغاني اتخذ هيئة الدعوة الصارمة والعارمة للعمل المباشر، وبالتالي إعادة بناء التاريخ من خلال رؤية بدايته ونهايته، فإنه اتخذ عند محمد عبده مهمة ترتيب الرؤية الإصلاحية في ميدان الروح المعرفي والتراثي والإصلاح القانوني، أي إعادة ترتيب التاريخ في بنيته الثقافية.

أما عند الكواكبي فقد اتخذت إعادة ترتيب أولويات العلاقة بين الأنا التاريخية والثقافية صيغة قلب هذه الأولوية وصبّها في وحدة السياسة الفاعلة ومستلزماتها المتعلقة بقضايا وعي الذات الثقافي والتنظير الفكري السياسي للدولة العربية. واحتوت هذه المساعي عنده على إمكانية تذليل بقايا اللاهوت في الروح والمعنى أو الرؤية التاريخية والثقافية، وإبراز قيمة الوجود التاريخي والثقافي للأمة الإسلامية عبر نفيها ببدائل الأمة القومية الثقافية، وأخيرا التنظير لهذه العلاقة وأولوياتها بمعايير وقيم السياسة الفاعلة والمدركة لمبادئ وحدود الدولة القومية والقومية الثقافية. وقد كان ذلك انقلابا كبيرا، وتوليفا عميقا وواقعيا لعناصر الإصلاحية الإسلامية ووحدة جهادها واجتهادها المعاصرة.

أننا نعثر في آراء الكواكبي على ما كل ما وضعه الأفغاني ومحمد عبده بهذا القدر أو ذاك من الوضوح في الموقف من قضايا الدولة القومية ووعي الذات القومي والثقافي. فقد أدى مسار الأشواط الإصلاحية لمحمد عبده في استنهاضه للتراث إلى أن يقف أمام قيمة العربية ومكوناتها في الوجود التاريخي والثقافي للإسلام. وأن يبنى عليها بالتالي أحكامه السياسية. ففي تناوله أهمية القرآن باعتباره معجزة الإسلام الكبرى، نراه يشدد على مظهرها اللغوي العربي. مما ألزمه بالتالي القول بأن من الصعب معرفة حقيقة الإسلام دون معرفة لغته. ومن هنا وضعه مهمة معرفة عادات العرب واعتقاداتهم وتقاليدهم كشرط ضروري لمعرفة ما في القرآن[7]. وليس مصادفة أن يستنتج من أن إحدى الجنايات الكبرى التي جرت على الإسلام هي "جناية الجمود على اللغة العربية وأساليبها وآدابها"[8]. لهذا وضع في شروط المجتهد "أن يكون عالما باللغة العربية وما معها"[9]. وبما انه اشترط في الخليفة أن يكون مجتهدا فإن ذلك يعني بالضرورة إتقانه العربية في آدابها وأساليبها. وحاول من خلال هذا الاستنتاج تفسير أحد الأسباب الكبرى وراء انهيار الخلافة وكيانها الإسلامي الحق. فقد كان الإسلام دينا عربيا، ثم لحقه العلم فصار علما عربيا بعد أن كان يونانيا، ثم "اخطأ" خليفة في السياسة فأتخذ من سعة الإسلام سبيلا إلى ما كان يظنه خيرا له. فقد ظن هذا الخليفة (العباسي) أن الجيش العربي قد يكون عونا لخليفة علوي (شيعي)، لأن العلويين كانوا الصق ببيت النبي، فأراد أن يتخذ له جيشا أجنبيا من الترك والديلم وغيرهم من الأمم"[10]. وهو الخطأ السياسي الذي أدى فيما بعد إلى ما اسماه محمد عبده "باستعجام الإسلام وانقلابه أعجميا"[11]. وأدى هذا الخطأ التاريخي، كما يقول محمد عبده، إلى انهيار دولة الإسلام العربية. وذلك يسبب افتقاد هؤلاء (الترك والديلم آنذاك) إلى قيم الثقافة وإسلامها الحق. وإذا لم يكن لهم، كما يقول محمد عبده "ذلك العقل الذي راضه الإسلام والقلب الذي هذّبه الدين، بل جاءوا إلى الإسلام بخشونة الجهل يحملون ألوية الظلم ولبسوا الإسلام على أبدانهم"[12]. كما أدت هذه العملية إلى انهيار الكينونة الثقافية للعرب والإسلام، بحيث جعلته يصف الخطأ التاريخي السياسي الثقافي للخليفة العباسي بعبارة: "وبأس ما صنع بأمته ودينه"[13]. لقد وجد محمد عبده في هذه العملية مقدمات وأسباب ما آلت إليه أمور العرب حتى نهاية القرن التاسع عشر. الأمر الذي كان يعني أيضا ضرورة إعادة بناء الدولة العربية الجديدة في كيانها السياسي والديني أولا والقومي ثانيا. بمعنى وضعه مهمة القضاء على السيطرة التركية (العثمانية) باعتبارها شيئا لا علاقة له بالإسلام ومكوناته الجوهرية. ومن ثم بث واستنهاض الوجود التاريخي والثقافي الجديد للعرب. فالنهضة الإسلامية الحقة في جوهرها هي نهضة عربية، تماما بالقدر الذي يعني نهوض العرب الثقافي والسياسي نهضة الإسلام الحق. وهو ارتباط وضع الأفغاني أسسه الروحية في عقلانية الإصلاح وثقافته الإسلامية.

غير أن هذا الارتباط الجلي في آراء محمد عبده، بقي يدور في فلك الانتماء الثقافي وردود الفعل المتعمقة تجاه قضايا وحقائق الأنا التاريخية والثقافية للإسلام والعرب. فهو لم يربطها برابطة السياسة العملية المؤَسسة بمعايير الفكر السياسي. بينما أبقي عليها الأفغاني ضمن قيمة العمل المباشر. وبهذا يكونا قد وضعا حجارة الأساس التي بنى عليها الكواكبي صرح نظريته الأولى عن وحدة الدولة والأمة المنتميين للتاريخ الثقافي الخاص. وبهذا المعنى جرت الإشارة السابقة إلى اختزال الكواكبي لتجارب الجهاد والاجتهاد المميز لعقلانية الإصلاحية الإسلامية عند الأفغاني ومحمد عبده.  

ولم يعن هذا الاختزال من الناحية الواقعية سوى صياغة المكونات الأساسية لمنظومة الفكر السياسي والنقدي العملي. فقد جرى ذلك من خلال إعادة النظر بأولويات العلاقة بين الأنا التاريخية والأنا الثقافية في وحدة السياسة الفاعلة، أي عبر توليف عناصر العقلانية والإصلاحية المتراكمتين في مجرى المخاض الفكري والعملي للقرن التاسع عشر. وبهذا المعنى يمكن القول بأن الكواكبي قدّم أول نموذج حي وواقعي لتوليف العقلانية والإصلاحية في رؤيته النقدية الاجتماعية والسياسية والثقافية، وكذلك في فكرته عن البدائل المفترضة لآفاق الدولة العربية والقومية. إذ لم يكن جمعه لعناصر الإصلاحية والعقلانية عملا تقليديا، بل إدراكا واعيا لمهمة التوليف ذاتها. ونعثر على كل ذلك في تقديمه لأبحاثه على أنها نتاج لدراسته المدققة للفكر الإسلامي في مختلف اتجاهاته القديمة والحديثة (إضافة إلى انجازات الفكر الأوربي) وتوظيفه بالشكل الذي يمكن استخدامه في ميدان الإصلاح الاجتماعي والسياسي والأخلاقي. وحدد هذا النزوع بشكل كبير، كما هو الحال عند الأفغاني، ما يمكن دعوته بالروح المتفائل، أي توليف الروح المتفائل بالعمل السياسي الواعي لأهدافه. لهذا أكد على أن الضعف الذي يصيب الأمم هو ليس ظاهرة خاصة بالعرب، بل وبالأمم جميعا. من هنا استنتاجه القائل بأنه ليس "بيننا ولاسيما عرب الجزيرة منا وبين أعظم الأمم الحية المعاصرة فرق سوى في العلم والأخلاق العالية"[14]. في حين ربط أمله بأجيال المستقبل، أي بأولئك الذين تعقد الأمة آمالها بأحلامهم… أولئك الشباب الذين لا يقتصرون ببناء قصور الفخر على عظام نخرها الدهر، ولا يرضون أن يكونوا حلقة ساقطة بين الأسلاف والإخلاف، الذين يعلمون إنهم خُلِقوا أحرارا، الذين يحبون وطنهم حب من يعلم انه خُلِق من ترابه، الذين يعشقون الإنسانية، ويعلمون أن البشرية هي العلم، والبهيمية هي الجهالة، الذين يعتبرون أن خير الناس انفعهم للناس"[15].

إننا نقف أمام إدراك عميق لقيم "الأمم الحية" وما يقابلها من نقيض في مواتها. ويكشف هذا التناقض عن رؤية الضرورة الفاعلة باعتبارها إصلاحية شاملة. مما حدد في آن واحد روح التفاؤل بإمكانية صيرورة الأمم الحية عند الجميع، وربطها في الوقت نفسه بالعلم والأخلاق العالية. بينما طابقه في حالة أخرى بين "البشرية والعلم" و"البهيمية والجهالة"، أي تحويل هذا الإدراك إلى هموم  فاعلة وراء العمل الدائم أو جوهرية الحاضر، أو ما دعاه أيضا بعدم بناء قصور الفخر على عظام الماضي المنخورة، وعدم الرضا بهيئة "الحلقة الساقطة" أو المفقودة بين الماضي والمستقبل. ولم يعن ذلك في الواقع سوى جوهرية العمل العصري الحي، باعتباره إبداعا تلقائيا مستندا إلى وعي الذات التاريخي الواقعي. وترتب على ذلك تحّمل المسؤولية الواعية، انطلاقا من قيمة الحرية في الوجود الإنساني، باعتبارها المقدمة التي ينبغي البرهنة عليها بصورة دائمة، والكشف عما في هذا الاستمرار الفاعل من "حياة" تستجيب للعلم والأخلاق العالية.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص76-77.

[2] المصدر السابق، ص78.

[3] المصدر السابق، ص79.

[4] المصدر السابق، ص79.

[5] المصدر السابق، ص78-79.

[6] ليس المقصود بعروبية محمد عبده نزوعها القومي، وليس المقصود بإسلامية الأفغاني تجاهله للقومية أو مجافاتها. فقد كان الأفغاني أوسع إسلامية من محمد عبده دون أن يعني ذلك أكثر عمقا منها. فالأفغاني، دون شك، هو الفارس الأول في إسلامية الجهاد الإصلاحية، مما حدد بدوره سعة إسلاميته في تناولها كل ما يمكنه خدمة تطلعات روحها العقلاني. فهو الشرط الذي الزم صيرورة كيانه العقلاني والسياسي في إطار الإسلامية الواسعة وجمعيتها. وهذه بدورها شكلت المبادئ العامة التي اعتنقها محمد عبده في تجاربه الشخصية. وبما أن الأخيرة جرت في ميدان تنشيطها العلمي التراثي، لهذا كان انتماؤه للكيان العربي أكثر تماسكا وتجانسا.

[7] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص، 76..

[8] المصدر السابق، ص126.

[9] المصدر السابق، ص79.

[10] المصدر السابق، ص121.

[11] المصدر السابق، ص122.

[12] المصدر السابق، ص122.

[13] المصدر السابق، ص122.

[14] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص140-141.

[15] المصدر السابق، ج1، ص 268.

 

 

ميثم الجنابي تحليل ونقد الفكرة الاصلاحية الاسلامية (13)

 إذا كان الأفغاني قد شدد في آرائه وأحكامه ومواقفه على القرآن فقط، فلأنه حاول من خلاله ربط الجميع بمركز الواحدية الوحدانية. بمعنى تحويله إلى قطب الانتماء الحق في ظل احتراب القوى العالمية وتفسخ الإمبراطورية العثمانية، وسقوط الكيان الإسلامي وتعمق التجزئة والافتراق، وصعود بوادر القومية الحديثة. وقد كان هذا الربط هو الأسلوب المناسب لاندفاع العقلانية الإصلاحية في مراحلها الأولى. وذلك لأنها كانت تعاني آنذاك من ثقل التناقض الخشن لوضوح الرؤية وعجز الإرادة، الأمر الذي ألزم الأفغاني بالبحث عن ضرورة التمسك بعروة المبادئ المتسامية. وهو تمسك يصعب الاستمساك به، بسبب صيرورة المتغيرات المكونة لوضوح الرؤية وعجز الإرادة. فقد كان من الصعب على هذه الرؤية والإرادة أن يتطابقا في الأفعال. لهذا لم تكن "وجهة الوحدة في الدين" و"السلطان في القرآن" سوى الصيغة الأكثر سموا لإعادة بناء الوحدة الإسلامية على أسس أكثر عقلانية وإصلاحا. وقد تضمنت هذه الفكرة في أعماقها على نفي غير مباشر للمركزية العثمانية ونظامها الاستبدادي. لكنه نفي لم يتكامل في منظومة واضحة المعالم آنذاك بسبب خضوع هذه الفكرة لمبدأ الإصلاح التدريجي. من هنا يمكن فهم سرّ معارضة الأفغاني للجنسية (القومية) في بادئ الأمر. وذلك لأنه وجد فيها، كما يقول، أداة بيد الأوربيين لتحطيم الوحدة الإسلامية. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن إدراك الأوربيين آنذاك، بأن أقوى رابطة تجمع المسلمين هو إسلامهم[1]. وبالتالي، فإن "محاربة" القومية عند الأفغاني كانت جزءا أو مرحلة في إدراكه لأولوية المهمات الكبرى للمعركة الفعلية بين عالم الإسلام والعالم الأوربي الكولونيالي، وليس معارضة مبدئية للفكرة القومية كما هي. فقد استند هذا الإدراك السياسي إلى حوافز فكرية وعقائدية عميقة لها أسسها في أممية الإسلام وتاريخه الثقافي. وبهذا المعنى يمكن فهم آرائه القائلة، بأنه "لا جنسية (قومية) للمسلمين إلا في دينهم"[2]. وهو استنتاج له مقوماته في انتقاده الإسلامي للقومية. بمعنى النظر إليها بمعايير المطلق، كما أنها إعلاء شأن الفكرة الأخلاقية الروحية على التاريخية السياسية. ولهذا أعتبر القومية مَلَكة عارضة، وانه لا يذهب إلى "أنها أمر طبيعي". ومع ذلك أكد على انه "قد يكون من المَلَكات العارضة على الأنفس ترسمها على ألواحها الضرورات"[3]. وتحتوي هذه الفكرة على إقرار بواقعية القومية ضمن سياق الضرورة التاريخية. لكنه سعى في الوقت نفسه لتذليلها بمعايير المطلق. من هنا توكيده على أن القومية عرضة للزوال انطلاقا من أنها نشأت بالضرورة، فإنها يمكن أن تزول مع زوال هذه الضرورة. وأن المبدأ الأعلى لزوالها هو المبدأ المتسامي، الذي تتساوى أمامه الجميع، أي الله[4].

وبهذا المعنى يمكن فهم آرائه عن أن ترسيخ الديانة الإسلامية كفيل بتذليل القومية. ولم يقصد بالقومية هنا سوى صيغتها المغتربة عن الكلّ الإسلامي في تقاليده الثقافية والإنسانية. وبالتالي، لم يكن وقوفه ضد القومية المتطرفة ودعوته للاعتدال، سوى محاولة إرساء معادلة للعقلانية والأخلاق، للمطلق والإصلاح. وحصلت هذه المعادلة على تعبيرها الدقيق في فكرته العامة عن الأساس الشرعي والأخلاقي للوحدة الإسلامية، باعتبارها نقيضا للتطرف القومي. فالدين الإسلامي، كما يقول الأفغاني، لم تكن أصوله محصورة في إطار دعوة الناس إلى الله وملاحظة أحوال النفوس من جهة كونها روحانية المنشأ ومدعوة للتوجه من هذا العالم إلى العالم الآخر، بل وجاءت "وافية بوضع حدود المعاملات بين العباد، وبيان الحقوق كلها وجزئيتها، وتحديد السلطة الوازعة التي تقوم بتنفيذ المشروعات وإقامة الحدود وتعيين شروطها، حتى لا يكون القابض على زمامها إلا من أشد الناس خضوعا لها. ولن ينالها بوراثة ولا امتياز في جنس أو قبيلة أو قوة بدنية وثروة مالية، وإنما ينالها بالوقوف عند أحكام الشريعة والقدرة على تنفيذها ورضا الأمة"[5]. وبهذا يكون الأفغاني قد قيّد الوحدة الإسلامية بقيود القانون من خلال رفعه حدود المعاملات وبيان الحقوق وتحديد السلطة الوازعة. وهذه بدورها محصورة ومحددة بالقانون وليس بالوراثة أو الامتياز القبلي أو القومية أو أيما امتياز آخر. وتعكس هذه الآراء بحد ذاتها نقد التجربة التاريخية لدول الخلافة، بما في ذلك نموذجها القائل بقرشية الخلافة وما شابه ذلك، وكذلك نفي الخلافة المعاصرة له (العثمانية).

وشكلت هذه الفكرة الإطار العام لتعميق عقلانية الرؤية في المواقف من قضايا الوحدة والقومية. فقد أبقى على القومية ضمن حيز الانتماء الثقافي، والدعوة لها ضمن حيز الاستقلال السياسي بما يتناسب مع نظام القانون والحق. ولم يعن ذلك في الواقع سوى صياغة الأسس الأولية لترميم الوحدة الخربة في نموذجها الإمبراطوري العثماني. من هنا تأييده وتأكيده المتزايد على عدم تعارض الإسلام مع القومية، رغم تشديده في الوقت نفسه على أن الرابطة الدينية هي أشرف الروابط[6]. لقد أخذ الأفغاني يقترب من واقعية الرؤية، بما في ذلك التاريخية، من أجل إدراجها في فكرته الإصلاحية. فعندما تناول تجربة العرب قبل الإسلام، فإنه أشار إلى ضعف قوة القومية فيهم بفعل توزعها في القبائل، بينما استعاض الإسلام عن قوة القومية بتوحيدية الكلمة والإيمان. في حين أدى سلوك بعض الخلفاء وجهلهم إلى دخول الغرباء (المماليك)، ومن ثم انهيار قوة القومية (العربية) وزوال حكمهم. وينطبق هذا بالقدر ذاته على حالة الدولة التركية (العثمانية) المعاصرة له[7].

وبغض النظر عن التناقضات المتناثرة في هذه الأحكام والتصورات إلا أنها تعكس الإقرار المتزايد والمتعمق في الرؤية الواقعية لعلاقة القومي بالديني في ظل الانعطاف الكبير للدولة العثمانية وصعود العامل القومي، أي التجزئة الجديدة في ظل الوحدة القديمة (المتفسخة)، أو الوحدة الجديدة في ظل التجزئة المكبوتة بالقوة. من هنا استنتاجه القائل بأن الدول لا تتكون إلا في حالة وجود قوتين، وهما قوة الجنس (القومية) الداعية للاتحاد والغلبة، وقوة الدين الذي يقوم مقام الجنسية (القومية) في جمع الكلمة، بحيث أعتبرها من المبادئ الضرورية لحماية الدولة والحفاظ عليها[8]. وتستند هذه المبادئ إلى إدراكه المتعمق للمشاريع العملية في الفكرة الإصلاحية. وذلك لأن آراء الأفغاني الأساسية ومنطلقاته الكبرى تستند على نفي الطابع "الطبيعي" للقومية، أما في رؤيته النموذجية للمثال، فإنه ينفيها بمبادئ المطلق الإلهي (أو الإنساني الإلهي). بينما ألزمته الرؤية الواقعية ومتطلبات الإصلاح العقلاني إلى إدراجها في مشاريع السياسة العملية، باعتبارها مبدأ تقتضيه الضرورة. وفي هذه الضرورة لم تعد القومية لوحدها جزءا منه، بل والدين أيضا. وليس مصادفة أن يضع في تحديده لمكونات القومية كل من الدين واللسان (اللغة) والأخلاق والعوائد والإقليم[9]. ذلك يعني، انه أدرج فيها مكونات عقلانية وغير عقلانية، باعتبارها المعادلة الضرورية للتاريخي والأخلاقي في مشاريع السياسة الواقعية. وهو تحديد واسع وعميق في الوقت نفسه. وبالتالي أكثر عقلانية وإصلاحية في غايته، لأنه حاول أن يحصر إمكانية البدائل القومية بالمضمون الثقافي، وأن ينّشطها في الوقت نفسه باتجاه التوحيد السياسي الجديد. من هنا دفاعه عن العرب والعجم والترك وتشديده على أن القومية وممثلوها الحقيقيون هم أولئك الذين تشبعوا بلغتها وتثقفوا فيها (بغض النظر عن الدين والقومية والعرقية). ومن هذا المنطلق تكلم عن القومية العربية وثقافتها بحيث أدرج فيها المسلمون والنصارى والصابئة، والعرب والفرس والأتراك.

بصيغة أخرى، انه حاول أن يؤسس للفكرة القومية الثقافية من خلال بناء مكونات وحدتها الداخلية الاجتماعية الثقافية والسياسية. من هنا انتقاده لبقاء العقيدة الدينية المجردة عن الأعمال وغياب الصلات الأخرى بين شعوب العالم الإسلامي وقومياته[10]. بحيث جعله ذلك يتكلم عما يمكن دعوته "بالتعصب الثقافي" وقيمته بالنسبة للوحدة السياسية (والقومية). لهذا نراه يسخر من أولئك المتغربين المقلدين، الذين اتهموا بالتعصب من اسماهم هو بأهل الأصالة. وقد رد على ذلك محاولا البرهنة على أن التعصب ضروري لأنه "روح كلي مهبطه هيئة الأمة وصورتها .. وسائر أرواح الأفراد حواسه ومشاعره ". وبالتالي، فإن ضعف تعصب الأمة لذاتها هو دليل انحلالها، وذلك لأنه "قوام الاجتماع الإنساني وبه حياة الأمم"[11]. وينطبق هذا بالقدر ذاته على موقفه من قيمة الرابطة الدينية والقومية. فقد اعتبر الرابطة الدينية أشرف من أية رابطة أخرى. بينما أعتبر الثانية ضرورية ومكملة للأولى. ولم يكن هذا خلطا أو تركيبا عشوائيا، بقدر ما انه كان يخدم إدراكه لضرورة الوحدة الواقعية في عالم الإسلام المعاصر له. فعندما حلل أهمية العصبية باعتبارها "روحا كليا مهبطه الأمة وصورتها"، فإنه لم يقصد بذلك سوى كلّها الثقافي السياسي. وضمن هذا السياق يمكن فهم ردوده على اتهامات الأوربيين المعاصرين له عن "تعصب الإسلام". فقد وجد في هذه الاتهامات أسلوبا لتهشيم الوحدة الإسلامية، باعتبارها القوة المتصدية لمطامعهم في الشرق (الإسلامي). ولهذا نراه يتكلم عما اسماه بزيف الأوربيين في اتهامهم المسلمين بالتعصب، لأنهم (الأوربيين) أشد الناس تعصبا لقومياتهم وأديانهم[12]. في حين لم يقصد بالتعصب الضروري للمسلمين سوى ما يتطابق من حيث مضمونه مع فكرة العدل. فهو يؤكد على أن للتعصب طرفي غلو ووسط معتدل. وأن "التعصب الإسلامي" ينبغي أن يكون أوسطه، أي ذلك الذي يحافظ على شخصية الأمة في حقيقتها وصورتها أو كيانها الثقافي والسياسي. وبهذا يكون الأفغاني قد حوّل حوافز الوحدة "الطبيعية" صوب وجهتها الثقافية والسياسية. وحاول إبراز هذه الصيغة في موقفه من أن "التعصب" الأمثل للمسلمين ينبغي أن يسير في اتجاه طلب القوة الحقيقية والتفوق على الآخرين في المعرفة والعلم[13]. أما نموذجه السياسي فمن الممكن تصويره على مثال التجربة الألمانية. لكنه لم يسع من وراء ذلك إلى نقل التجربة السياسية الألمانية، بقدر ما أراد الكشف عما في طريقة ونموذج وحدتها السياسية والثقافية من قيمة كبرى بالنسبة لإعادة بناء الوحدة الجديدة لعالم الإسلام. فقد كان الألمان، كما يقول الأفغاني، "يختلفون في الدين المسيحي على نحو ما يختلف الإيرانيون مع الأفغانيين في مذاهب الديانة الإسلامية. فلما كان لهذا الاختلاف الفرعي أثر في الوحدة السياسية ظهر الضعف في الأمة الألمانية وكثرت عليها عاديات جيرانها. ولم يكن لها كلمة في سياسة أوربا. وعندما رجعوا إلى أنفسهم وأخذوا بالأصول الجوهرية وراعوا الوحدة الوطنية في المصالح أرجع الله عليهم من القوة والشوكة ما صاروا له حكام أوربا"[14].

وبهذا يكون الأفغاني قد جعل من عقلانية الوحدة السياسية أولوية كبرى للكلّ الإسلامي على اختلافاته الفرعية. ووجد الأسلوب المعقول لبلوغ ذلك في ما اسماه بالأخذ بالأصول الجوهرية ومراعاة الوحدة الوطنية. أما مكوناتها فقد وجدها في عناصر التوحيد والدين والمصلحة[15]. وهي مكونات يحدد كل منها الآخر، بمعنى تقييدها الذاتي بالشكل الذي يمنع عليها إمكانية التطرف الديني أو القومي أو النفعي. وبالتالي لا يعني ربطها الحق فيما بينها سوى ربط مكونات وجود الأمة (الإسلامية) بقومياتها المتعددة بعناصر وجودها الثقافي والسياسي. بمعنى الربط الممكن بين مكونات الدين واللغة والأخلاق (التقاليد) والعوائد (المصالح) والإقليم (الجغرافيا والتراب) في كل قومية لحالها، وفي إطار العالم الإسلامي ككل.

لقد تضمنت هذه الأفكار في حصيلتها العامة محاولة تأسيس الوحدة الثقافية والسياسية لأمة الإسلام وقومياتها بمعايير الإصلاحية العقلانية. واحتوت بالتالي على إدراك وتأسيس قيمة الوحدة وفاعليتها المباشرة وغير المباشرة بالنسبة لترميم وحدة الإسلام المنهارة، وإعادة بنائها الجديد في نظم عصرية معقولة. وإذا كانت هذه الأفكار في مظهرها تبدو أقرب إلى الطوباوية النشطة، فإنها كانت من حيث مضمونها أقرب إلى الواقعية الحالمة. فقد وضعت مهمات وأسس إعادة بناء الوحدة الجديدة للعالم الإسلامي ودوله المحتملة، دون أن تحسم بصورة نهائية ما إذا كان بالإمكان أو من الضروري أن يتجسد ذلك في هيئة قوميات ثقافية ضمن وحدة إسلامية مركزية أو فيدرالية، أو قوميات مستقلة يربطها اتحاد ثقافي وديني. ومع ذلك، فقد استشرف الأفغاني في أفكاره هذه آفاق المستقبل المتفائلة، دون أن يضعها في برنامج سياسي واضح، أو رؤية فكرية سياسية متكاملة، أو منظومة فلسفية ثقافية محددة. لقد كان يمثل في مفاهيمه المتحركة مفاهيم الحركة الصاعدة. لهذا اقترنت أحكامه المتفائلة والمستقبلية عن المشروع الثقافي برؤيته السياسية الواقعية، كما هو جلي في نظراته عن طبيعة الدولة المفترضة ونظامها السياسي.

لقد اقترنت موضوعية الأحكام في رؤية الأفغاني عن إمكانية البدائل الثقافية في الشرق (الإسلامي) بأسلوب تجسيدها السياسي. وهي الخاتمة التي كانت تصب فيها أقواله وأفعاله، أو نشاطه النظري والعملي. وليس مصادفة أن يشدد على أن السلطة الغاشمة، التي لا تتمتع بقدر ضروري من الأمانة، هو أحد الأسباب الكبرى وراء انقراض الأمم أو خضوعها الكامل للأجنبي[16]. واستند في حكمه هذا لا إلى التحذير الأخلاقي من مغبة الخاتمة المحزنة والمخزية لما يمكن أن تؤول إليها مجريات الأمور، بل إلى رؤيته الواقعية للدولة المعاصرة (أو دول العالم الإسلامي ككل والعثمانية منها بالأخص). وإذا كان هذا الحكم يستند إلى تقاليد التصورات والأحكام الأخلاقية عن ضرورة الدولة العادلة، أو جوهرية العدل باعتباره رابطة الكلّ الاجتماعي والفكري، فإن الأفغاني حاول إدراجه في الرؤية السياسية المباشرة. ومن ثم نقله إلى ميدان ضرورة الدولة وقيم النظام السياسي بالنسبة لإعادة ترتيب "الأنا التاريخية السياسية" في العالم المعاصر. من هنا تأكيده على أن الحكومة ضرورية ليس فقط بالنسبة لرفاهية الأمم، بل ولكونها ضمانة الوقوف ضد فوضى التقليد الأجوف "للديمقراطية الأوربية". وذلك لأن النظام السياسي الحقيقي يفترض المرور بمعاناة "الأنا السياسية" واكتمال حدودها الممكنة في مؤسسات الدولة ونظامها المعقول. وهو الذي يفسر أيضا حصره ضرورة الدولة في أشكال الجمهورية أو الملكية المشروطة أو الملكية المقيدة[17]. ذلك يعني أن حدود رؤيته لأهمية الدولة وضرورتها مرتبط في الوقت نفسه، بطبيعة نظامها السياسي. ووجد في النظام الدستوري الديمقراطي الصيغة المثلى بالنسبة للشرق (المسلم). وقد كان ذلك يعني أيضا نفيه لنموذج الدولة العثمانية ونظامها الاستبدادي.

إن تقييد ضرورة الدولة بشكل ما معين من الأنظمة السياسية في بداية مواقفه الفكرية والسياسية، كان يتضمن على موقف يبعد وينفي أنظمة الحكم السائد في العالم الإسلامي آنذاك. إذ لم تعن الجمهورية أو الملكية المقيدة، أو الملكية المشروطة سوى النفي المبطن لنظم الاستبداد السائدة آنذاك. في حين كان اختياره السياسي للنظام الدستوري الديمقراطي مرتبطا بيقينه عن كونه التمثيل الأمثل للفضيلة السياسية وشكل تحقيقها الاجتماعي والأخلاقي. وليس مصادفة أن يجعل من بين أسباب نهوض اليابان وتطورها السريع ما اسماه "بتقييد حكومة الإمبراطور( الميكادو) بالدستور وقبوله الشورى عن طيب خاطر وسعيه بإخلاص من وراء ذلك"[18]. فقد كان "تقييد السلطة" يعني من الناحية التاريخية نفي الاستبداد والإنفراد في نظام الحكم العثماني وأمثاله. لهذا أكد في بعض آرائه ومواقفه على أن نهضة الشرق ممكنة في حالة "تغير شكل الحكم في أهله"[19]. وربط تغير شكل الحكم بالنظام الدستوري الديمقراطي لا النظام الجمهوري. فالنظام الجمهوري بالنسبة للأفغاني كان يعادل النظام الرئاسي. مما كان يعني إمكانية احتواءه على التفرد والاستبداد. لهذا نراه يجد في الحكم الجمهوري شكلا "لا يصلح للشرق اليوم ولا لأهله"[20]. وهو حكم استند في آن واحد إلى حقائق الإدراك العقلاني والإصلاحي للواقع الإسلامي آنذاك، وإلى تحليل التجربة الأوربية. بعبارة أخرى، إن نفي النظام الجمهوري كان يعني بالنسبة للأفغاني نفي الاستبداد والراديكالية السياسية في ظل هيمنة تقاليد الإنفراد والاستفراد في الحكم. ففي مواقفه من تجربة مصر الدستورية المزيفة آنذاك، أكد على أن أهل الشرق ومصر لا يمكنهم أن يحيوا بدوله وإماراته، إلا إذا أتيح لكل منهم رجلا قويا عادلا يحكم بأهله على غير طريق التفرد بالقوة والسلطان. وذلك لأنه بالقوة المطلقة الاستبداد. ولا عدل إلا مع القوة المقيدة. وحكم مصر بأهلها إنما اعني به الاشتراك الأهلي بالحكم الدستوري الصحيح"[21].

إن القوة المقَيّدة بالدستور هي أسلوب النظام العادل، أي كل ما كان بإمكانه أن يتطابق، حسب نظر الأفغاني، مع تقاليد العالم الإسلامي الحقيقية وإمكانية نهوضه المعاصر. فقد شدد في أكثر من موضع على أن الحكم الدستوري يتطابق مع حقائق الحكم الإسلامي الحق[22]. ولم يفتعل الأفغاني تطابق الديمقراطية الأوربية بنظام الشورى الإسلامي، بقدر ما حاول إعطاء تشابههما صيغة البديل الواقعي لتجديد تقاليد الإسلام العقلاني بمعايير الفكرة الإصلاحية والواقعية السياسية الحديثة. لهذا رد على أولئك الذين حاولوا إثارة قضية الخلاف المستعصي على الحل بين السلطة الزمنية والروحية (أو الدينية والدنيوية) على أن "كلتا السلطتين ترمي إلى غاية واحدة في الجوهر والأصل"، وانه إذا طرأ خلل على أحداهما، فإن ذلك ليس في أصل الوضع. من هنا مطالبته بضرورة العمل من أجل إصلاحه و"الوقوف بوجه من أخلّ، وإرغامه على الرجوع إلى الأصل"[23]. بينما لم يضع في السلطة الروحية (الدينية) سوى ما يتطابق مع النفوذ المعنوي الأخلاقي[24]. ذلك يعني، أن الجوهري في الرجوع إلى الأصل هنا يتطابق مع فكرة الوحدة النموذجية بين عقلانية الرؤية وطابعها الإصلاحي في الفعل السياسي. أما نموذجها الأمثل في الحكم فقد ربطه بالنظام الدستوري الديمقراطي. وبالتالي، لم يعن الرجوع إلى الأصل وإرغام من اخلّ به للرجوع إليه سوى أولوية الدستور والنظام الديمقراطي. بينما لم تعن السلطة الروحية هنا سوى تأييدها المعنوي للنظام الدستوري الديمقراطي باعتباره نظاما عادلا. من هنا رفعه للشعار القائل، بأن من الضروري العمل على "أن يبقى رأس الملك بدون تاج، أو تاجه بدون رأس في حالة خيانته لدستور الأمة"[25]. وإذا كانت هذه الصيغة تبدو راديكالية المظهر، فإن مضمونها الفعلي يقوم في إبراز وإقرار قيمة الفكرة الشرعية والحقوق. وجعل من الشرعية والحقوق الحدود الصارمة والتي لا ينبغي لأي كان حق تخطيها وتجاوزها. لهذا أيضا أكد على أن هذا الشعار هو "ما يحسن بالأمة فعله، إذا هي خشيت من أمرائها وملوكها عدم الإخلاص لقانونها الأساسي، أو عدم قابليتهم لقبول الشكل الدستوري قلبا وقالبا"[26].

ووضع هذا الاستنتاج السياسي أيضا في مواقفه الملموسة من مشروع النظام الدستوري المزيف في مصر آنذاك. فقد انطلق في مواقفه المعارضة للنظام الدستوري المصري من أن القوة النيابية لأية أمة كانت لا يمكنها أن تكون حقيقية، إلا في حال استنادها إلى الأمة ذاتها وإرادتها الحرة. وذلك لأن تشكيل النظام بإرادة الغير (الأجانب) يعني صنع نظام مزيف، أو ما اسماه الأفغاني، بالقوة النيابية الموهومة، لأنها موقوفة في إرادتها على إرادة محدثها (الأجنبي). إضافة لذلك إن نظاما كهذا عرضة للزوال ولا قيمة له بحد ذاته. فهو نظام لا يحتوى برلمانه (مجلسه) على مكوناته الحرة في صراعه من أجل تنشيط المجتمع وحفظ حدوده ضمن ما اسماه الأفغاني بالواجبات والمساواة. وذلك لأنه "لا أثر لحزب الشمال (اليسار) في ذلك المجلس. لأن أقل مبادئه أن يكون معارضا للحكومة، وحزب اليمين أن يكون من أعوانها"[27]. لهذا اعتبر وجود هذا النظام يتعارض حتى مع إقراره الشخصي ويقينه بالقاعدة الفلسفية الكلية القائلة، بأن "الوجود خير من العدم". مما دفع ذلك الأفغاني للقول، بأن "عدم مثل هذا المجلس خير من وجوده"[28].

إن هذا الإدراك العميق لقيمة الصراع الحي والإرادة الحرة في صيرورة اليسار (حزب الشمال) واليمين هو الاستيعاب السياسي لتجارب أوربا البرلمانية والسياسية. أما الدعوة لعدمها في الشرق (الإسلامي)، فهو النتاج الملازم، رغم راديكاليتها الظاهرية، لإدراك قيمة الأسس المتينة لنظام الحكم الأمثل والتي يفرضها منطق العقلانية الإصلاحية العميق في رؤيته لآفاق التطور الاجتماعي والثقافي الحر. في حين حدد انتقاده هذا واستيعابه الجديد لإمكانيات النظام الدستوري الديمقراطي مواقفه من جوهرية العدالة والمساواة، التي لم تعد جزءا من شعارات أخلاقية ودعوات عامة، بل كلاّ واحدا للقيم السياسية التي ينبغي تجسيدها من خلال نظام الحكم نفسه. ومن ثم ضرورة تحول الشعب إلى مصدرها الوجودي والحقوقي أيضا. فالسلطة الزمنية (الدنيوية)، كما يقول الأفغاني، بمليكها أو سلطانها، إنما استمدت قوتها من الأمة لأجل قمع أهل الشر وصيانة حقوق العامة والخاصة[29]. وإن إرادة الشعب غير المكره وغير المسلوب الإرادة قولا وعملا هو قانون ذلك الشعب المتبع، والذي يجب على كل حاكم أن يكون خادما له أمينا على تنفيذه[30]. وبهذا يكون الأفغاني قد تعدى حدود التقاليد الدينية العادية السائدة عبر ربط مآثر العقلانية القديمة بمشروعه الإصلاحي، بوصفه بديلا سياسيا لنظام الاستبداد والتفرد بالسلطة. وليس مصادفة أن يؤكد على أن العالم الغربي (الأوربي) بكل تنوع دوله وقومياته ونظمه الداخلية، هو نتاج ما اسماه بالمساواة النسبية للجميع في الفضيلة القائمة في علمهم وعملهم بالواجبات والمساواة. وبهذا يكون الأفغاني قد نقل أخلاق العدالة المجردة إلى ميدان العمل المباشر (السياسة ونظام الحكم). ومن ثم أعطى لها بعدها العملي والأخلاقي الفعلي. بل ونراه يجد في ذلك أسلوبا ضروريا لإزالة "التفرد بالسلطة وسَوْق الأمة على هوى السلطان"[31].

لقد رفع الأفغاني النظام الدستوري الديمقراطي إلى مستوى الفضيلة الأخلاقية، انطلاقا من انه النظام الذي يكفل للإنسان إمكانية تجسيد ذاته والعدالة. لهذا لم يجد في انقراض النظم الاستبدادية في العالم البشري إحدى سنن الوجود، بل وأكد على أن الشورى (الديمقراطية) سوف تؤدي بالضرورة إلى تفّقه الشعوب لذاتها. وشكلت هذه الأحكام في حصيلتها أساس الفكرة القانونية والروحية الإصلاحية عند محمد عبده، وأساس الفكرة السياسية الإصلاحية عند الكواكبي.

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] الافغني: الاعمال الكاملة، ج1، ص307.

[2] المصدر السابق، ج2، ص342.

[3] المصدر السابق، ج2، ص348.

[4] المصدر السابق، ج2، ص248.

[5] المصدر السابق، ج2،ص349.

[6] المصدر السابق، ج2، ص319.

[7] المصدر السابق، ج2، ص314.

[8] المصدر السابق، ج2، ص398.

[9] المصدر السابق، ج2، ص428.

[10] المصدر السابق، ج1، ص205.

[11] المصدر السابق، ج1، ص309.

[12] المصدر السابق، ج1، ص309.

[13] المصدر السابق، ج1، ص309-310.

[14] المصدر السابق، ج 2، ص318-319.

[15] المصدر السابق، ج2، ص319.

[16] المصدر السابق، ج1، ص147.

[17] المصدر السابق، ج1، ص146.

[18] المصدر السابق، ج1، ص200.

[19] المصدر السابق، ج1، ص218.

[20] المصدر السابق، ج2، ص479.

[21] المصدر السابق، ج2، ص477.

[22] المصدر السابق، ج1، ص245.

[23] المصدر السابق، ج2، ص322.

[24] المصدر السابق، ج2، ص323.

[25] المصدر السابق، ج2، ص479.

[26] المصدر السابق، ج2، ص479.

[27] المصدر السابق، ج2، ص273.

[28] المصدر السابق، ج2، ص274.

[29] المصدر السابق، ج2، ص323.

[30] المصدر السابق، ج2، ص323.

[31] المصدر السابق، ج2، ص428.

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الإصلاحية الإسلامية الحديثة(12)

 لقد حاول الأفغاني التأصيل السياسي للعقائد الإسلامية. وشكلت هذه العملية في مرحلة صعود "الإسلام الثقافي" الإصلاحي مصدر قوته وطاقته الإبداعية. بمعنى ربطه في كل واحد تراث الإسلام بالمعاصرة، بالصيغة التي أسست بدورها لنظريات الدولة والسلطة والوحدة الاجتماعية السياسية والثقافية للعالم الإسلامي. فقد اعتبر الأفغاني مفاهيم الوحدة والقوة أصولا من أصول العقائد الإسلامية. وكتب قائلا، بأن الوفاق والغلبة هما "عمادان قويان وركنان شديدان من أركان الديانة الإسلامية، وفرضان محتومان على من يستمسك بها"[1]. من هنا أيضا رفعه لاتفاق الرأي والعمل إلى أعلى مصاف الشريعة الإسلامية. وفي الوقت نفسه لم يحصر ذلك في إطار التقاليد الفقهية، بل أدخلها في مسار التنشيط الفعلي للعمل السياسي الاجتماعي. بحيث جعله ذلك يؤسس للفكرة القائلة، بأن إجماع المسلمين هو حكم الله في الأمور. وكتب بهذا الصدد قائلا بأن الإسلام"جعل اجتماع الأمة واتفاقها على أمر من الأمور كاشف عن حكم الله وما في علمه، وأوجب الشرع الأخذ به على عموم المسلمين، وعدّ جحوده مروقا من الدين أو انسلاخا عن الإيمان"[2]. ذلك يعني، انه أنزل "حكم الله" إلى مستوى الأحكام الأرضية، أو رفع التجربة التاريخية للإجماع إلى مصاف المطلق، أو طابقهما بالصيغة التي تجعل من تجارب الأنا الاجتماعية للأمة في أحكامها وأفعالها معيارا وحيدا حقا.

وبهذا يكون الأفغاني قد ساهم في تقييد التجربة التاريخية المعاصرة له بأحكامها الخاصة. وحصر الطابع العملي المباشر لهذا التقييد بمتطلبات السياسة وغاياتها الكبرى. وليس مصادفة أن يستغرب من القطع الواضح بين عقلانية الرؤية وحكمتها المعرفية عند محمد عبده وبين تجسيدها المباشر في العمل السياسي الإصلاحي، أي الانقطاع النسبي بين عقلانية الرؤية وسياسية الفعل. فقد وجد في محمد عبده "طودا من العلم الراسخ، وعرمرما من الحكمة والشمم وعلو الهمم"، بينما أخذه العجب عندما "يرى المصريين في جمود، وأولى الهمة منهم في قعود، وانه لم تتألف من محمد عبده وسعد زغلول وغيرهم عصبة تناضل الإنجليز"[3]. ووجد هذا الانقطاع على انعكاسه عند محمد عبده في تعمق عناصر "التفسير السياسي" للتاريخ الإسلامي، و"الاشمئزاز" النفسي الأخلاقي من السياسة. لهذا رد على تفسيرات أولئك الذين وجدوا في تأخر العالم الإسلامي نتيجة لصراعاته الداخلية المحصورة بقضايا العداء الديني العقائدي، على خلاف الأمر في العالم النصراني، من أن صراعات الإسلام لم تجر لأسباب تتعلق بالعقائد. فالأشاعرة لم تحترب مع المعتزلة والفلاسفة ولا هؤلاء مع غيرهم، رغم اختلافاتهم العميقة. أما الصراعات والحروب التي ميزت مواقف الخوارج والقرامطة والعباسيين مع الأمويين فقد كانت تجري لأسباب سياسية[4].

وبغض النظر عما في هذه الصيغة من مساع لإخلاء النزاعات القديمة من حوافز النزوع الديني العقائدي، إلا أنها عكست إلى جانب دقتها العلمية، نزوع محمد عبده السياسي، من خلال وضع وقائع التاريخ ومجرياته باعتبارها تاريخا سياسيا. من هنا استنتاجه القائل، بأن "أكبر داء دخل على المسلمين في هممهم وعقولهم إنما دخل عليهم بسبب استيلاء الجهلة على حكومتهم"[5]. فهو لم يعد ينظر إلى أسباب التخلف بمعايير النفس الأخلاقية المجردة، أو بفعل الابتعاد عن عقائد الدين الكبرى، رغم جوهريته، بل بمعايير فاعلية السياسة والسلطة. بمعنى الإدراك المتعمق لقيم التجربة التاريخية المعاصرة له من خلال رؤية الماضي وتاريخه السياسي. ففي الوقت الذي وجد في استيلاء الجهلة على الحكومة (السلطة أو الدولة) سبب خور العالم الإسلامي، فإنه لم يجد في السياسة المعاصرة له ومحترفيها سوى "شيطانا" جديدا. بل نراه يجد فيها "علة عرضت على المسلمين" تمكنت من أفئدتهم وأطفئت نور الإسلام من عقولهم. من هنا تصويره إياها بعبارة "الشجرة الملعونة في القرآن"[6]. بحيث يطابق مضمونها مع "عبادة الهوى وإتباع خطوات الشيطان". ولم يقصد هو بذلك سوى الانحراف التاريخي الذي ميز ابتعاد السلطة عن المبادئ المعقولة والإنسانية في الإسلام. ومن هنا أيضا مطابقته لفكرة السياسة مع الانحراف عن الحق، أو "دور الجمود" مع "دور السياسة". بمعنى ربطه هيمنة السياسة بنفسية المغامرة وغياب الحق وانتشار الهوى. وإذا كانت هذه الصيغة تعكس الروح الإصلاحي الأخلاقي في مواقفه من "تاريخ السياسة"، فإن مضمونها الحقيقي عند محمد عبده، يحتوي على بعد ملموس في انتقاد الدولة العثمانية. فهو لم يجد في السياسة المتبعة في "بث أفكار الخمول والقدر وقبول الخرافات" شيئا متضاربا ومضادا لأصول الإسلام فحسب، بل وأسلوبا في السيطرة السياسية[7]. إذ وجد فيها "سياسة الظًلَمة وأهل الأثرة"، التي روجت ما أدخل على الدين مما ليس منه. مما جعله يؤكد على أن ما تفهمه العامة منهم إسلاما هو ليس بإسلام، بل صورة من بعض أعماله‎[8].

يعكس الاشمئزاز الواضح من السياسة عند محمد عبده الإدراك الإصلاحي والعقلاني لقيمة الفاعلية السياسية، أو الإدراك الذي تخترق مكوناته قيم الأخلاق المتسامية والمسبوكة في أولوية الحق والقانون. وعبّر عن هذا الفهم في مطابقته لما اسماه بدور الجمود ودور السياسة في تاريخ الإسلام. وإذا كانت هذه الرؤية تعكس سيطرة الروح الأخلاقي في تقييم التحولات الكبرى في "التاريخ السياسي" للإسلام، فأنها تكشف من جهة أخرى عما للقانون من قيمة كبرى في أحكامه القيميية والسياسية. ولا يعني ذلك في الواقع، سوى صيرورة الوحدة المدركة للسياسة والقانون، والسياسة في القانون، والقانون في السياسة. وحاول كشف طبيعة هذا الإدراك من خلال انتقاده "لدور الجمود" باعتباره "دورا للسياسة". فهو يؤكد على انه إذا كانت خلافات المسلمين الأوائل تندرج في مجال الاختلافات في الفتيا (الإفتاء) باعتبارها اجتهادا، فإنه حالما جاء دور السياسة "اخذ المتخالفون في التنطع، وأخذت الصلات تنقطع"[9]. ذلك يعني انه يضع استيعابه للتاريخ السياسي عن تلازم التخلف والجمود مع هيمنة السياسة المغامرة، باعتبارها منافاة للاجتهاد (الفكري السياسي) القانوني. لهذا أكد على أن هذه السياسة هي التي تحلّ ما تشاء وتحرّم ما تشاء وتصحح ما تشاء وتعطل ما تشاء، والناس منقادون إليها بازّمة القوة أو الأهواء[10].

إن هذا الإدراك العميق لقيمة القانون باعتباره الميدان المفترض للاجتهاد الفكري والسياسي هو البديل الذي حاول من خلاله محمد عبده انتقاد "سياسة الظَلمَة والأثرة"، أي تلك التي تضع تقاليد القوة من إحلال وتحريم، وتصحيح وتعطيل محل معايير الحق والحقيقة. ومع أن هذا النقد لم يتكامل في منظومة محمد عبده السياسية، إلا انه وضع أولويات رؤيته فيها عن قيمة القانون. مما أدى بدوره إلى دفع عقلانية الرؤية باتجاه اصطلاحيتها السياسية الفاعلة، باعتبارها فعلا قانونيا. وبهذا تكون آراؤه وآراء الأفغاني قد سارت صوب إضفاء الطابع العقلاني على آفاق الرؤية السياسية للتطور الاجتماعي الثقافي العربي (الإسلامي).

تحتوي عملية إضفاء الطابع العقلاني لآفاق الرؤية السياسية في ذاتها على إدراك معين لتذليل تجارب الماضي القريب. لكنه إدراك لم يقيّد نفسه بمفاهيم الماضي وثقل رموزه الكبرى، بل في انفتاحه على أولويات الوجود السياسي المعاصر. ويكشف هذا الإدراك عن قيمة التحولات الكبرى في إبداع الإصلاحية الإسلامية. كما انه يفسر عدم انهماكها في صياغة منظومات الفكر السياسي وولعها في الوقت نفسه بمناقشة قضاياه العديدة من خلال التأسيس الجزئي له في كل مواقفها وتصوراتها وأحكامها. ويمكننا العثور على صيغته المكثفة في برنامج (العروة الوثقى)، الذي يمكن تلخيصه في مهمات كبرى وهي كشف أسباب سقوط الشرق، وإثارة الهمم للنضال، والدعوة للأصالة الثقافية، والوحدة الاجتماعية والقومية والدينية (الإسلامية) والنزعة الإنسانية[11]. وهو برنامج يحتوي بالقدر نفسه على إدراك قيمة الوسائل ومضامينها وحقيقة الغايات ومراميها.

لا يعني إدراك قيمة الوسائل ومضامينها، وحقيقة الغايات ومراميها سوى إدراك صيغها العمومية. وذلك لأنه إدراك متولد عما يمكن دعوته بمرحلة العمومية في تطور الإمبراطورية العثمانية ومجتمعاتها، أو مرحلة الهلامية والانحطاط الشامل. فقد رافقت هذه النتيجة على الدوام الثقافات الفارغة، التي لم يعرف كيانها التاريخي الفعلي غير استعمال القوة الخشنة. من هنا افتقادها للتاريخ المعنوي. وهي ظاهرة لاحظ الأفغاني أشكالها ونتائجها. من هنا تشديده على قيمة الوسائل ومضامينها، وحقيقة الغايات ومراميها. مما يعني أيضا إدراكه لقيمة الإمبراطورية وآفاق ترميمها الشامل. مما حدد بدوره رؤيته البديلة في ما اسماه بمهمات (العروة الوثقى) التي حصرها أساسا بقضايا إدراك أسباب السقوط، والدعوة للنهوض، وتقييدهما بالأصالة الثقافية والجمعية (الاجتماعية والإسلامية). مما حدد بدوره موضوعات تفكيره السياسي واتجاهه، ومن خلالهما تفتح عناصر العقلانية الإصلاحية الإسلامية. فقد أبقى في رؤيته للأسباب على تكافؤ قدرها، دون أن يحدد أولوياتها أو فيما سيدعوه الكواكبي لاحقا بالأسباب الأصول والأسباب الفروع. وقد عبرّت هذه الرؤية ضمن سياقها التاريخي عن تساوي فاعلية الحركة في المفاهيم، والمفاهيم في الحركة الفاعلة، بوصفها الديناميكية المميزة لروح العمومية وأخلاقها الجمعية. لقد أرادت أن تحتوي على كل شيء وأن تحوي كل شيء. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن سطحية الواقع ومحدودية تجاربه. إلا أن ذلك كان من الناحية التاريخية خطوة كبرى إلى الأمام، لأنها دفعت وأسست لإمكانية تجاوز الواقع كله واحتوائه في المفاهيم والأعمال. من هنا تركيزها على قضايا الوحدة والقوة.

فقد كان لقضية الوحدة مقدماتها في ضعف الإمبراطورية وانحلالها. وبهذا المعنى لم تكن الوحدة في آراء الأفغاني، سوى الاستيعاب الإصلاحي لضرورة القوة، التي قيدت مكوناتها وعناصرها أثقال المقارنة الجاثمة على رؤوس الأحياء آنذاك بين ضعف "الرجل المريض" والقوة الأوربية من جهة، وتقاليد الوحدانية الإسلامية في تصوراتها وأحكامها عن الوحدة والتوحيد من جهة أخرى. أما أثقال المقارنة وقيودها فهي التي حددت، على الأقل في بادئ الأمر، إصلاحية الأفغاني وعقلانية رؤيته السياسية عن قيمة الوحدة في الأساليب وحقيقتها في الغايات.

كانت منطلقات الأفغاني الأولى تستند إلى ضرورة ترميم ما هو موجود وإصلاحه. وبالتالي الإبقاء على الجود في ما هو موجود، ودفعه إلى الأمام من خلال إعادة بنائه في مكونات الإسلام الحق. من هنا دعوته للوحدة الإسلامية. لهذا السبب أيضا حاول أن يجعل من مبادرة توحيد الأفغان والفرس نموذجا أوليا لما يمكنه أن يكون محاكاة عصرية لبدايات الإسلام. وكتب بهذا الصدد قائلا، بأنه "ليس ببعيد على همم الإيرانيين وعلو أفكارهم أن يكونوا أول القائمين بتجديد الوحدة الإسلامية وتقوية الصلات الدينية، كما قاموا في بداية الإسلام بنشر علومه وحفظ أحكامه وكشف أسراره، وما قصروا في خدمة الشرع الشريف بأية وسيلة"[12]. وطبق ذلك بالقدر نفسه على كل ما كان بإمكانه أن يؤدي إلى الوحدة.

فهو ينطلق من أن الوحدة المرجوة تستند في مقوماتها إلى الإسلام نفسه، وذلك لأن "تعزيز الولاية الإسلامية" حسبما يقول الأفغاني، هو ركن "من أشد أركان الديانة المحمدية. والاعتقاد به من أوليات العقائد عند المسلمين. ولا يحتاجون فيه إلى أستاذ يعلم ولا كتاب يثبت ولا رسائل تنشر"[13]. وبهذا يكون الأفغاني قد جعل من مبدأ الوحدة بديهية سياسية. وبحث عن أصول لها في تجارب التاريخ السياسي للدول وتجارب الإسلام المعاصر له. لهذا جعل من الدفاع عن النفس، والاتفاق في الآراء على القيام به (الدفاع) عند لزومه، وارتباط القلوب الناشئ عن الإحساس بما يطرأ على الملة (الدين والأمة) من الأخطار، أصولا ثلاثة ومكونات أساسية للوحدة الإسلامية المفترضة. وقدم النموذج الروسي على انه مثال يمكن من خلاله معاينة الواقع الإسلامي. فروسيا أمة متأخرة ولا تمتلك ثروات كبيرة. وليس فيها صناعة، ومصابة بالعجز والحاجة. غير انه "تنبه أفكار آحادها لما به يكون الدفاع عن أمتهم، واتفاقهم في النهوض وارتباط قلوبهم، صيّر لهم دولة ترهب كل أوربا"[14]. بعبارة أخرى، إن أصول الدفاع والاتفاق والارتباط هي ذاتها المكونات الملزمة للنهوض الإسلامي. بمعنى انه يقدمها كنموذج من حيث حوافزها الدافعة وليس بوصفها شكلا نهائيا تاما. وبهذا لم تعد "الوحدة الإسلامية" استعادة مجردة للماضي، أو محاكاة شكلية له. فهو لم يدع إلى وحدة مركزية، بل إلى وحدة الفعل الواعي لغاياته والمقيد بمبادئ الإسلام الحق. لهذا أشار في معرض انتقاده لأسباب انحلال الجامعة الإسلامية إلى انه لم يبق منها سوى "العقيدة الدينية المجردة عما يتبعها من الأعمال"[15]، أي العقيدة الدينية الفارغة ونموذجها الاستبدادي في السلطة السائدة آنذاك.

لقد وضع الأفغاني في "الجامعة الإسلامية" أو وحدة المسلمين مضمون الاتفاق السياسي والنهضة الثقافية. وكتب بهذا الصدد قائلا، بأنه لا يتلمس بأقواله عن الوحدة الإسلامية "أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصا واحدا. فإن هذا ربما كان عسيرا. ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، ووجه وحدتهم الدين. وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الأمر"[16]. وهو أمر تقتضيه الضرورة إلى جانب الدين، كما يقول الأفغاني. وقد كانت فكرة الأفغاني هذه أقرب إلى تقرير أهمية وقيمة الشعور بالانتماء الثقافي لعالم الإسلام أكثر ما هي محاولة لتأسيس أصولها الفكرية. وذلك لأنه كان من الصعب آنذاك بناء نظام فكري لهذا الانتماء في ظل بنية سياسية متخلفة ونظام اجتماعي بدائي في أغلب مكوناته. إلا أن شعور الانتماء الثقافي العميق في آراء الأفغاني هو الذي أعطى لدعوته الإصلاحية توجها عقلانيا معتدلا، بما في ذلك في مجال الوحدة الإسلامية على أساس انتماء الجميع لسلطان القرآن ووحدتهم في الدين. مما افرز بدوره قيمة المبادئ المتسامية للانتماء الثقافي.

***

ا. د. ميثم الجنابي 

.........................

 [1] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ، ج2، ص354.

[2] المصدر السابق، ج2، ص355.

[3] المصدر السابق، ج2، ص479.

[4] محمد عبده: الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية، ص30.

[5] المصدر السابق، ص31.

[6] المصدر السابق، ص121.

[7] المصدر السابق، ص124.

[8] المصدر السابق، ص124 – 125.

[9] المصدر السابق، ص128 - 129.

[10] المصدر السابق، ص129.

[11] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص544- 534.

[12]  المصدر السابق، ج2، ص316.

[13] المصدر السابق، ج2، ص344.

[14] المصدر السابق، ج2، ص344.

[15] المصدر السابق، ج2، ص361.

[16] المصدر السابق، ج2، ص245.

 

ميثم الجنابي الكينونة الإسلامية والأصالة الثقافية (1)

حدد إدراك قيمة الكيان الثقافي لعالم الإسلام مضمون الأصالة الإسلامية في عقلانية محمد عبده ومساعيها الإصلاحية. بمعنى تحديد الاتجاه العام في إدراك ضرورتها، وبالتالي وضع إمكانية تعدديتها في الفكر والممارسة العملية. فإذا كان تأسيسها الأولي عند الأفغاني مرتبط بصراعه الفكري الأول مع الدهرية (الهندية)، ونهايتها في الدعوة الشاملة للنهوض الإسلامي، فأنها اتخذت عند محمد عبده صيغة الارتباط الكامل للعقلانية الهادئة في نزوعها الأخلاقي. مما ألبسها في آن واحد لباس التنوير والنزعة الإنسانية. في حين جرى بلورتها في آراء الكواكبي، بوصفها أجزاء متوحدة في مشروعه السياسي الديمقراطي والقومي التحرري. مما كان يعنى في حصيلته استثارة القوى الروحية الكامنة للثقافة الإسلامية في أفعال القوى الاجتماعية الناشطة. مع ما ترتب عليه من تمهيد لرؤية البدائل ومشاريع النهوض المستقبلية، دون أن يجري فرض تصوراتها وأحكامها على أنها قيما مطلقة. وبهذا المعنى كانت الدعوات الخاصة في الفكرة الإصلاحية الإسلامية عن الأصالة الأكثر أصالة آنذاك. والقضية هنا ليست فقط في أنها كانت أكثر تجانسا في تأسيسها، بل ولأنها استوعبت الأعماق الحية للأصالة باعتبارها عملية ثقافية ـ سياسية في مشروع النهضة.

فعندما تناول الأفغاني أساليب النهضة والصراع حول أساليبها المثلى، فانه حاول توجيه الأنظار صوب ضرورة صياغة مبادئها الإسلامية لا صوب وسائلها المفترضة. لهذا أكد على أن من يبحث عن إمكانية النهضة من خلال نشر الجرائد لا يعلم كيف يمكن ذلك والجهل سائد. ومن يظن أن بالإمكان تذليل الجهل وما شابه ذلك من خلال فتح المدارس وتكثيرها بالطريقة الأوربية، فانه لا يدرك صعوبة تنفيذها بفعل غياب السلطة الحقة والمال. ولو وجدنا السلطة والمال لما كان هناك تخلفا. إضافة لذلك أن تقليد مدارس أوربا لا يمكنه أن يصنع أساسا متينا، لأنها عملية لا تستند إلى ذاتها. وذلك لان أمة تأخذ علومها كاملة من الآخرين لا يمكنها أن تعرف كيفية بذر بذور العلوم ونباتها وقوتها، وبأية تربة غذيت، وبالتالي لا يمكنها أن تعي غاية هذه العلوم وإمكاناتها. بصيغة أخرى، أن الأفغاني لم يقف ضد الجرائد وتوسيعها ولا ضد المدارس وانتشارها، والعلوم وبذرها. لقد أراد القول، بان هذه الوسائل ينبغي أن تكون أجزاء في "ماكينة" الأصالة والإبداع الخاص. وليس ذلك لان التقليد لا يصنع إلا تقليدا، بل ولان التطور الحقيقي يستلزم بالضرورة تلقائيته المتأصلة في مبادئ وجوده الأولى. وإلا فانه يؤدي إلى فساد المعرفة، والى تعاليها المفتعل وانهماكها المتحذلق في نسج ثياب العبودية المزركشة. لهذا وجد في تقليد المعرفة الأوربية عملا لا يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى إفساد الخلق وتعميق الأوهام. إذ أن جيلا متعلم بهذه الطريقة، حتى في حالة افتراض استفادتهم العلمية وإخلاصهم، عادة ما تؤدي إلى عدم مراعاتهم "فيه النسبة بينه وبين مشارب الأمة وطباعها"، مما يؤدي إلى نتائج سلبية "لأنهم ليسوا أرباب تلك العلوم، وإنما هم حملة نقلة"[1]. فقد أرسل العثمانيون والمصريون أولادهم، كما يقول الأفغاني، إلى الغرب، وحصلوا على ما يسمى بالتمدن. ولكن هل أدى ذلك إلى إنقاذهم من أنياب الفقر والفاقة؟ وهل احكموا الحصون؟ وهل بلغوا من البصر بالعواقب؟ والروح الوطنية؟ والقومية؟ إنهم يتشدقون بألفاظ الحرية والوطنية والجنسية (القومية) وما على شاكلتها من عبارات بتراء لا يعرفون حقيقة غاياتها. لقد أغرتهم المظاهر، أو بصورة أدق إنهم اتخذوا من مظاهر التمدن اللباس والمأكل ونمط الحياة، بينما لم يكن ذلك في واقعه سوى زينة ساهمت أيضا في تدمير"أرباب الصنائع من قومهم". دع عنك كيان الأمة الروحي. وليس مصادفة أن يلاحظ الأفغاني خطورة ما اسماه بخبث الغرب في تمييع وقتل روح الشرقيين من خلال محاولاته الدائبة لإقناعهم بأنه "لا توجد في لغاتهم آدابا مؤثرة وليس في تاريخهم مجدا يذكر"[2]. ووجد في كل ذلك نتيجة لازمة للتقليد الثقافي أيا كان نوعه مستواه. ولهذا السبب وجد في "علمانية" الدهريين الهنود ودعوتهم "للمساواة" بالغرب و"الحرية" وما شابه ذلك، مجرد شعارات تؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج معاكسة لما في هذه المفاهيم المتسامية من قيم رفيعة. ذلك يعني انه حاول أن يكشف عن النسبة المهدورة بين القيم المتسامية وواقعيتها في ظل تقليدها الظاهري. فالأخير هو النتاج الطبيعي لفقدان تلقائية الإبداع الحر. لهذا وقف بالضد من الدهرية الغربية من خلال التأكيد على خطورتها بالنسبة للعالم الإسلامي. لقد أدرك الآثار المدمرة لدنيوية (علمانية) لا تستند إلى ذاتها. فقد وجد في إعلانها التخلي عن الفضائل الذاتية باسم "التمدن" و"المساواة" مع الغرب في المظاهر والمشارب مجرد خضوع جاهل للفكر المتسامي. بل نراه يجد فيها عبودية مطرزة بثياب الحرية. فقد كان العالم الإسلامي بنظره بحاجة لا إلى المساواة مع الغرب بل إلى إدراك ذاته وواقعه من اجل تحفيزه على العمل. لهذا شدد على أن من يتبع هذه الأفكار عن المساواة وما شبه ذلك لا يدرك ضررها الكبير على ما اسماه "بفتور الهمم وركود الحركات الإرادية عن قصد المعالي"[3]. وهي الفكرة التي حاول التأسيس لها استنادا إلى ما اسماه بمبدأ حب الاختصاص والرغبة في الامتياز المميز للإنسان باعتباره المبدأ الواعي للمنافسة. وليست هذه الدعوة للمنافسة سوى رفض "التقليدية المتمدنة" ونتائجها المؤدية إلى "ركود الحركات الإرادية"، أي فقدان الإرادة وحريتها، باعتبارها المقدمة الضرورية للإبداع والمكون الملازم لتلقائية الإبداع الحر.

فقد كانت هذه التلقائية عند الأفغاني تتطابق مع إدراكه لقيمة الكينونة الثقافية أو قيم التلقائية المتأصلة في مبادئ الوجود الأول للأمة. وبما أن هذه الأخيرة قد ارتبطت بالإسلام، من هنا إسلاميتها. لكنها إسلامية الروح الثقافي وليس العقائدي الديني. لهذا انتقد سياسة الغرب في استغلاله نصارى الشرق، كما انتقد نصارى الشرق في موالاتهم للغرب، مؤكدا على أن الذلة والمهانة ستقنعهم في نهاية المطاف بان انتماءهم الحق هو انتمائهم لقومهم. واحتوت هذه الفكرة بذاتها على إدراك قيمة الإسلام الثقافي. وبالتالي وحدة الجميع في صيرورته التاريخية وكينونته الثقافية بغض النظر عن اختلاف الدين والقومية. فالأفغاني لم يبحث في التاريخ عن قدسية جديدة للطاعة العمياء بل عن ميدان الرؤية الثقافية. كما انه لم يبحث في تاريخ الإسلام عن ميدان المعارف والمعارك، بل عن مشهدها الحي وعبرتها الدائمة. أما رؤية الإسلام الثقافية وعبرتها الدائمة فقد وضعت الأفغاني في نهاية المطاف أمام مهمة ربط الأصالة بالأصول، باعتبارها المقدمة التي تجبر الفكر على تتبع ماهية الأشياء من اجل تنظيمها في وحدة البناء التاريخي. بمعنى إلزامها ربط الماضي بالمستقبل في المشاريع النظرية والعملية. ومن ثم العمل من اجل تأسيس الأصالة في الأصول، والأصول في الأصالة باعتبارها الدورة الدائمة للروح النقدي الإصلاحي والعقلاني. من هنا مطالبته بتتبع الأسباب الجوهرية لتخلف العالم الإسلامي وضعفه التاريخي. فإذا كان ظهور قوة الأمة الإسلامية وعظمتها مرتبط، كما يقول الأفغاني، بأصول دينها القويمة وقواعده المحكمة وشموله لأنواع الحكم، فإن سبب سقوطها هو ابتعادها عن أصوله وقواعده وأنوع حكمه. وبالتالي فإن علاجها الناجع إنما يكون برجوعها إلى قواعد دينها والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته. وإذا كانت هذه الصيغة توحي بمظهرها إلى سيادة التعصب الذاتي، فإن حقيقتها تقوم في رؤيتها الثقافية لعبرة التاريخ الإسلامي. من هنا استغرابه من استغراب أولئك الذين يتعجبون من ربط الأصالة بالدين. بحيث نراه يجد في مقارنة حالة العرب قبل الإسلام وبعده ما يكفي للرد على هذه الاعتراضات.

إن الجوهري في أصالة الكينونة الإسلامية بالنسبة للأفغاني، هو كيانه الثقافي وإدراكه الفاعل لإعادة بناء أسس النهضة استنادا إلى قواعدها الخاصة. لهذا السبب اعتبر الأخذ بعلوم الغرب خطوة إلى الوراء في التعليم والتمدن، في حالة عدم استنادها إلى وحدتها (العلوم) في الكل الإسلامي (الاجتماعي والاقتصادي والسياسي). حيث اعتبر هذه الممارسة "جدع لأنف الأمة". وذلك لأن القائمين بها "تعلموا علوم قبل أن ينضجوا هم أنفسهم، ولأنها وضعت فيهم على غير أساسها". انه أدرك ضرورة الوحدة المتجانسة في النهضة باعتبارها عملية ثقافية سياسية متكاملة. وذلك لأن أخذ العلوم الناضجة من قبل ناس غير ناضجين لها يعني وضعها على غير أساسها. ولم تعن هذه الفكرة في آراء الأفغاني سوى التأسيس العقلاني لوحدة الأصالة والأصول، باعتبارها الرابطة الضرورية لتلقائية الإبداع الحر.

إن تلقائية الإبداع الحر هي تلقائية الأصالة في بحثها الدائم، أي استمرارها الحقيقي استنادا إلى أسسها الخاصة. لاسيما وإنها الأسس التي تصنع في آن واحد معنى المناعة ومناعة المعنى، أصالة الأصول وأصول الأصالة. وبهذا المعنى ينبغي فهم "الغلو" الفكري في آرائه الأولى ومواقفه من الدهريين، عندما وجد في نظرياتهم أساليب لخدمة العبودية الجديدة، وذلك لما فيها من مساهمة في تفكيك الوحدة الأخلاقية للمجتمع وروابطه الثقافية. بحيث نراه يبرهن عليها من خلال جمع الشواهد والدلائل المناسبة في تاريخ الأمم والحضارات من يونان وفارس وروما. فقد وجد في صعود الحضارة اليونانية نتاجا لاستنادها إلى قوى الفضائل ومنعتها، بينما ربط سقوطها بسقوط فضائلها بفعل انتشار "أخلاقها الكلبية". وينطبق هذا بالقدر ذاته على فارس. بمعنى مناعتها وقوتها بفعل سيادة فضائلها وسقوطها بفعل انتشار "أخلاقها الإباحية". وإذا كانت الكلبية والإباحية، باعتبارهما رديفا تاريخيا للدهرية تتطابقان في تصورات الأفغاني مع الأبيقورية والمزدكية، فإن نموذجها في عالم الإسلام تطابق مع الباطنية ومن اسماهم بخزنة الأسرار الإلهية للحكم الفاطمي[4]. وبغض النظر عما في هذه الشواهد من إجحاف تجاه المدارس والفرق المذكورة، إلا أنها تكشف في إدراكها العقلي والأخلاقي عن توجه نقدي ومستقل في رسم لوحة الأصالة الإسلامية المعاصرة، باعتبارها الإمكانية الجديدة للنهوض الفعلي. ومن ثم أثرها بالنسبة لتعميق فكرة أولويات المناعة الضرورية في وحدة الأخلاق الفاضلة وبنائها المرتكز إلى أصولها الكبرى. وتطابقت هذه الفكرة في آرائه مع الفضيلة المتسامية ونزوعها العملي في وحدة الأمة وغاياتها الكبرى. لهذا نراه يضع عظمة اليونان وفارس والإسلام في كل واحد مع فضائلها، وسقوطها مع رذائلها. مما كان يعني أيضا تطابق معنى المناعة مع الأصول الفاضلة، ومناعة المعنى مع أصول الأصالة الثقافية. لقد أراد الأفغاني إثارة الهموم الواقعية في الوعي الثقافي، أو تنشيط روح المعاناة الضرورة للإبداع، بوصفه الأسلوب الوحيد القادر على إعادة بناء كيان الأمة الحي. وذلك لان المهمة الكبرى، كما وجدها الأفغاني، تقوم لا في رفع شعار التمدن والدنيوية (العلمانية)، بل في بنائهما الذاتي. لهذا نراه يقيم عاليا، على سبيل المثال، ما اسماه بالجرأة الأدبية لشبلي شميل في نشر قيم العلم والدنيوية، وفي الوقت نفسه انتقاده لما اسماه بتقليده (شبلي شميل) الأعمى للغرب[5].

وجد الأفغاني في نشر شبلي شميل لآراء دارون عن أصل الأنواع مأثرة من وجهة نظر العلم والبحث عن الحقيقة (رغم عدم اتفاقه مع فكرة دارون عن أصل الإنسان ودفاعه عنه في الوقت نفسه بوصفه عالما فذا) وجرأة من جهة تحمله لأعباء المكفرين له. وفي الوقت الذي وجد في تكفير المكفرين له نتاجا لانعدام المعرفة والعلم، فإنه مع ذلك وجد في شبلي شميل رجلا "لم يتخل رغم جرأته الأدبية ورسوخه في الفلسفة من وصمة التقليد الأعمى لعلماء الغرب". ومن هنا تناغم دعوته لوحدة الإصلاح والأصالة انطلاقا من أن الإصلاح هو المقدمة الملازمة للأصالة، بينما الأصالة هي الشرط الضروري للإصلاح المتمدن. بمعنى الوحدة الخفية لهما بمعايير الفكر والسياسة. وكتب بهذا الصدد قائلا،"إننا معشر إذا لم يؤسس نهوضنا وتمدننا على قواعد ديننا وقرآننا فلا خير لنا فيه. ولا يمكن التخلص من وصمة انحطاطنا وتأخرنا إلا عن هذا الطريق. وإن ما تراه اليوم من حالة ظاهرة حسنة فينا (ما يسمى بالتمدن) هو عين التقهقر والانحطاط لأننا في تمدننا هنا مقلدون للأمم الأوربية"[6]. ذلك يعني، أن الأفغاني لم يعارض الدنيوية والتمدن (الحداثة)، بما في ذلك ما يمكنه أن يكون شبيها بنمطه الأوربي، بقدر ما انه عارض صيغتها التقليدية. فقد وجد في التقليد الأسلوب الأكثر "رقة ولطفا" لترويج العبودية. وذلك لأن التقليد لا يؤدي إلا إلى الخضوع، وبالتالي الابتعاد عن مصادر القوة الذاتية. من هنا، فإن دعوته للرجوع إلى قواعد الدين الإسلامي وقرآنه لم تكن دعوة للرجوع إلى السلف، بقدر ما كانت دعوة لتأسيس النهضة الجديدة. فهو يدعو إلى تأسيس النهوض والتمدن والتخلص من دورة التقهقر والانحطاط في التقليد. (يتبع...).

 

ميثم الجنابي

...................

[1]الافغاني: الاعمال الكاملة، ج1، ص194-195.

[2] المصدر السابق، ج1، ص

[3] المصدرالسابق، ج1، ص149.

[4] المصدر السابق، ج1، ص152-158.

[5] المصدر السابق، ج1، ص151

[6] المصدر السابق، ج2، ص328.

 

ميثم الجنابيإن تأسيس فكرة العام والعمومية، كما بلورها عبد الحميد الزهراوي ليست إلا الصيغة الواقعية والعقلانية التي تتيح للتنوع والاختلاف العمل بمعايير العقلانية والمدنية الحديثة. بمعنى انه سعى بقدر واحد إلى تأسيس الفكرة النظرية وتوظيفها العملي بالشكل الذي يجعل منها أداة سياسية فعالة في توسيع مدى الرؤية القومية العقلانية.

فقد كان الزهراوي من بين أوائل المفكرين العرب في العصر الحديث الذين أسسوا لفكرة التعدد والتنوع والاختلاف وضرورتها بالنسبة للعلم والعمل. فقد وقف إلى جانب التباين في الآراء والمواقف. واعتبر أن "من المستحيل إزالة التباين"، وانه "ينبغي أن نتمرن في سبيل الحياة الاجتماعية والسياسية مع وجوده" (التباين). كما نراه يعتبر تعدد الأحزاب علاجا "لأمة طال هبوب العوادي عليها"، كما أنه مفيد بما في ذلك في حالة استثارته لصراعات شديدة. ورفع هذا الموقف إلى مصاف المبدأ النظري والعملي تجاه كافة القضايا التي تناولها من القومية والثقافة والسياسة والفكر في الدولة العثمانية. ونعثر على ذلك بوضوح في تحديده لماهية العثمانية كنموذج ضروري لوحدة الشعوب وقوة الدولة. ولكنه في الوقت نفسه ينظر إلى ذلك بمعايير البديل العقلاني والمدني الحديث. فعندما يتناول ما اسماه بتفرق المفكرين بحسب الجماعات، فإننا نراه يشدد على أن محاولات صنع جماعة واحدة (على حساب الآخرين) في دولة متعددة القوميات والأديان والألسن يؤدي إلى نتائج عكسية. من هنا فكرته عن أن عدم إدراك قيمة التعددية هو نقص في العقل. وأن التعدد هو مصدر قوة في حالة بناءه على العدل والقوة (التقدم). وإن الجماعات (التنوع) مفيدة إذا صلحت التربية، وضارة إذا فسدت التربية. وذلك لأن الاختلاف أمر طبيعي. وبالتالي لا ينبغي النفور منه، بل على العكس ينبغي السير فيه قدما و"السلوك فيه أحسن السبل" عبر العمل بمبدأ "الفكر بالوفاق والتدبير بالسياسة". وهذا بدوره مبني على أساس الفكرة الأوسع والأعمق والاشمل والقائلة، بأن الائتلاف مأمول والاختلاف لا يزول، بحيث نراه يجعل ذلك عنوانا لإحدى مقالاته. ومن بين أهم أفكاره بهذا الصدد تجدر الإشارة إلى ما يلي: إن صنع أمة إنسانية واحدة غير ممكن، وأن التباين ضروري وجميل، وأن الممكن من الناحية النظرية لاتحادات متنوعة مثل اتحاد إنساني (أممي عالمي) أو جنسي (قومي) أو ديني أو إقليمي أو بلدي أو صنفي (مهني) وغيره، هو جميعها باستثناء الإنساني (الاممي العالمي العام). أما "الجنسي – الديني" (أي القومي المبني على أسس دينية) فهو ممكن في حال، نادر في حال آخر. إلا أن الممكن والغالب هو الاتحاد الإقليمي والبلدي (القطري) والصنفي(المهني مثل اتحاد الدول على أسس تجارية أو صناعية أو غيرها). واعتبر الزهراوي المثال الناجح لحد الآن هو البلدي (أي القطري أو الوطني).

لقد حددت الرؤية الواقعية والعقلانية نزعة الاعتدال الفكري النظري والعملي في مواقف الزهراوي. وبالتالي لم يكن موقفه من الفكرة القطرية أو الوطنية هنا سوى الصيغة النظرية الملازمة لفكرة الاعتدال. بمعنى أن مواقفه هذه ينبغي النظر إليها باعتبارها جزء أو حلقة في مشروع الفكرة السياسية القومية. وليس مصادفة أن نعثر في اغلب مواقفه الفكرية العملية على موقف عقلاني معارض للتطرف والغلوّ.

فقد عارض الزهراوي مختلف مظاهر الراديكالية سواء في الموقف من الدولة أو السياسة أو القومية أو الدين. من هنا مواقفه الداعية إلى استخدام تجربة الكبار (الساسة القدماء) بما في ذلك تجاه أولئك الذين خدموا استبداد عبد الحميد. ومن هنا أيضا معارضته لما اسماه بالأقوال المتكررة "للصحافة الجديدة ومأجورين اليهود من التبجح بالأيدي الشابة والأفكار الشابة، والإرادة الشابة، والسياسة الشابة". واعتبر أن الشيب ليس بضاعة كاسدة، وإن الشَعر الأسود ليس فضيلة في الظروف الصعبة. كما نعثر على دعواته المتكررة للاعتدال أيضا في الموقف من مختلف المسائل. فقد دعا على سبيل المثال إلى موازنة الصلاحيات بين الرئيس والنواب، بما يخدم وحدة وقوة الدولة مع سيادة الحق. كما نراه يطالب بدور كامل وتام للأمة في الحكومة، وحكومة مقبولة ومعقولة، أي ألا يعارض أحدهما للآخر (أو ما يمكن دعوته بالعقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع المدني). وعندما ناقش وجهات نظر الاتجاهات المتعارضة التي يقول بعضها بضرورة التغيير السريع وقمع المعارضة، بينما يقول البعض الآخر بضرورة الوقوف أولا إلى سلامة الوطن وإعلاء شأنه بالاعتدال، فانه وقف إلى جانب التيار الثاني، معتبرا "الفسق عن سبيل الاعتدال" يؤدي إلى الهلاك. ونفس الشيء نعثر عنده في موقفه من الحرية. إذ نراه يتكلم عن "الحرية المعتدلة". واعتبرها الصيغة الأفضل والأمثل للدولة والمجتمع. فعندما تكلم عن التيارات السياسية الكبرى في لبنان (العالم العربي) فانه أشار إلى أن اتجاهاتها العامة أربعة وهي عنصرية (قومية محلية وضيقة) ومحافظة متطرفة، وحرية متطرفة، وحرية معتدلة. إذ نعثر حتى في هذا التصنيف الذي يقدمه على إفراز وإبراز فكرة "الحرية المعتدلة".

إلا أن الصيغة الأوسع والأدق في تعبيرها عن نزعة الاعتدال ونبذ الغلو تظهر في مواقفه من القضايا الكبرى للدولة (العثمانية) والقومية (العربية) وإشكالاتها المتعلقة بفكرة المركزية واللامركزية وتوابعها في مختلف الميادين والمستويات. ففي موقفه من الحالة الخربة وما يمكن أن تؤدي إليه في المرحلة العثمانية نراه يشدد على فكرة "إننا أمة (معشر العثمانيين) بين مسائلنا الداخلية والخارجية ارتباط عميق". وإن هذا ارتباط يستلزم التروي في كل شيء. وكتب بهذا الصدد يقول، بأننا "في اشد الحاجة إلى الاعتدال والتعقل". بل ونراه يعتبر "الاعتدال مشرب الحضارة وإلى الاعتدال ندعو". من هنا تقديمه نصيحة الاعتدال للجميع أحزابا وساسة وأفراد وجمعيات. بل نراه يدعو إلى وضع كلمة الاعتدال في اسم الحزب الذي يدعو إليه. وانطلق في موقفه هذا من الفكرة القائلة، بأن "الاعتدال ممدوح العواقب في كل وقت". وهذا بدوره لم يكن معزولا عن موقفه العام مما للاعتدال من دور جوهري في ترتيب وتأسيس وتطوير الإصلاح الحقيقي. فالاعتدال في المواقف والرؤية والعمل بالنسبة للزهراوي كان أحد الشروط الضرورية للإصلاح. ووضع موقفه هذا على أساس انه كلما كانت المفاسد كثيرة والاختلاف شديد، كلما صعب الإصلاح السريع. وبالتالي، فإن الاعتدال هو الصيغة المثلى التي تستجيب لحالة الدولة العثمانية وكثرة مفاسدها. وهو السبب الذي جعله يقول أيضا، بأن "أشد الناس احتياجا إلى الاعتدال هو من كانت حاله كحالنا".

مما سبق تتضح معالم الموقف الاجتماعي السياسي الذي ميز كل هواجس التفكير وغاياته العملية عند الزهراوي. فعندما تناول، على سبيل المثال، مفهوم الثروة، فإننا نراه يحصره في كل من الأرض والعمل وأعمال السلف. واعتبر الأمة بلا أرض تملكها وتستثمرها مع انتشار البطالة وتلاشي السلف الصالح عرضة للضياع. وليس مصادفة أن نراه يعتبر الحكمة رأس المال القومي. ويضع في مضمونها فكرة إتقان المحاسبة للماضي والحاضر من اجل تربية العقول والاحتفاظ بالأرض والروح الوطنية الصحيحة. ووجد السبيل إلى ذلك عبر بناء النظام السياسي المعقول والسليم. فقد وجد الزهراوي أمراض العالم العربي في نظمه السياسية. لهذا اعتقد بأن دواء هذه الأمراض يقوم في نهوض الأمة واستعدادها للعمل. وذلك لأن التجربة التاريخية للماضي والحاضر تبرهن على أن حكومة الأفراد هي تجن على العدل ومعنى السلطة وتؤدي إلى فساد كل شيء. الأمر الذي جعله ينادي بفكرة الحرية. ومن ثم اعتبار الحرية الحقيقية هي معيار لكل سلوك وقول. وإن تطابق الأقوال والأفعال مرتبط بالحرية. ووضع هذا في استنتاج سياسي كبير يقول، بأن الأفراد عرضة للزوال، والبقاء للأمم. مما حدد بدوره فكرته عن قيمة الروح العمومي، بوصفه فكرة النهوض القومي.

حددت النتيجة المذكورة أعلاه أهمية الفكرة السياسية. فالروح العمومي والفكرة القومية لا يلعبان ويؤديان دورها على أكمل وجه إلا في ميدان السياسة. ولم تكن هذه الكرة والنتيجة معزولة عن واقع العالم العربي آنذاك، وعن الهواجس الهموم العميقة الكبرى التي كانت تحرك مغزل الفكر النظري للزهراوي. من هنا إدراكه وتوكيده وتأسيسه لأهمية السياسة. فقد أكد الزهراوي في اغلب مواقفه على أهمية السياسة. واعتبرها ضرورية بمعايير الحرية والحاجة على السواء. لهذا نراه يرد على أولئك الذين اعتبروا التفرق بحسب الأحزاب السياسية مخربا للدولة والمجتمع، قائلا: "إن تعدد الأحزاب علاج في أمة طال هبوب العوادي عليها حتى جعلها حرضا" (أي مريضة فاسدة). بينما نراه يشدد في خطابه في المؤتمر العربي الأول في باريس (في حزيران عام 1913)، بوصفه رئيسا للجلسة المنعقدة تحت عنوان (تربيتنا السياسية) على ثلاثة مظاهر تفترض بدورها ثلاثة ردود تناسبها، وهي أن كل شيء عرضة للتغير والتبدل، وأن عادة الحكومات في الشرق لا يسمحون للشعب بالتدخل في السياسة مع ما يترتب عليه من حكم الاستبداد، وأخيرا عدم دخول السياسة لا يعني القبول بالعبودية. أما الردود فهي أن الاهتمام بالسياسة يعني اتخاذ الوسائل لمساعدة الحكومة الصالحة بتحسين حال البلاد، وأن حقيقة الحكومة تقوم في خدمة الشعب وليس بالعكس، وأخيرا أن ذلك يستلزم مراقبتها.

وقد حدد ذلك بدوره أهمية وقيمة فكرة الجماعة الاجتماعية والقومية. بحيث يمكننا العثور عنده على ما يمكن دعوته بفكرة الجماعة السياسية، أي الجماعة المحكومة في رؤيتها وسلوكها وغايتها بفكرة سياسية على خلاف مفهوم الجماعة التقليدي (الديني). الأمر الذي جعل من الجماعة السياسية مقدمة الجماعة القومية، وذلك لما فيها من مقدمات تتماهى من حيث وظيفتها العملية وغايتها النهائية مع فكرة الروح القومي الواعي والنشط بمعايير المشاريع المستقبلية الواعدة بالرقي الشامل. من هنا نراه يؤسس لذلك من خلال حديثه عن الجماعات، باعتبارها كيانات طبيعية. وأرجع مكوناتها إلى عناصر أربع هي كل من التكوّن، والعدد، والتناظر، والتسابق. ووجد في ذلك سنّة الحياة والوجود.

واعتقد الزهراوي، بأن تكوين الجماعة بوصفها قوة يوجد بالاجتماع والتعاون. وأن الجماعة الحية هي تلك التي تمتلك "الروح العمومية". وهذه بدورها تعادل مفهوم "الروح القومي"، باعتبارها الطاقة الفعالة في وعيها الذاتي التاريخي والواقعي. من هنا قوله، بأن "الجماعات التي لها وجود ولكن لا روح عمومية فيها تكون لا حية فترجى، ولا ميتة فتنسى. أنها كالأعضاء المشوهة في الجسم". بينما هذا الصنف من الجماعة التي لن تتطهر "من أوضار الجاهلية، أو غير المؤيدة بقوة الحق والإنصاف، أو غير المفعمة شوقا إلى المعالي والمباراة، أو غير المرزوقة بمصابيح من عقل النوابغ وعزائم المخلصين يكون لها تيه طويل في أودية الفوضى وتخبط كثير على صخور المصائب". وهو تصوير مباشر وغير مباشر للحالة العربية آنذاك في ظل السيطرة العثمانية. بمعنى إننا نعثر في فكرته عن الجامعة ومكوناتها ومسارها تأسيسا لفكرة الجماعة الحديثة، أي الجماعة السياسية بوصفها جماعة قومية. وليس مصادفة أن نراه يعير اهتماما كبيرا لفكرة الزعماء باعتبارهم "نبات الأسباب والسنن الكونية"، أي ضرورة "القيادة التاريخية" التي تأخذ على عاتقها مهمة الإصلاح والصعود التاريخي بالأمة. غير أن ما يميز فكرة الزهراوي بهذا الصدد، هو تجاوزها للاهوت الزعامة والزعماء التقليدي إلى مصاف المطابقة الفعلية بينها وبين القيادة التاريخية للأمة لنفسها عبر إثارة "الروح العمومية". وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الأمم تبقى وببقائها تبقى الأفراد وليس بالعكس. من هنا دعوته لإشراك الأنا في صنع الجماعة والأمة والكل. ذلك يعني انه سعى إلى تأسيس قيمة الزعامة الجماعية عبر الاستجابة لروح العموم ومتطلبات التقدم.

لقد كان الروح العمومي في فكر الزهراوي من حيث الجوهر روحا سياسيا. وذلك لأنه كان وثيق الارتباط بالدعوة لصنع أمة موحدة ذات كيان متكامل في الاقتصاد والاجتماع والعمران والقوة العسكرية وغيرها. ولا يمكن بلوغ ذلك، حسب تصورات الزهراوي، إلا بزيادة التربية السياسية للأمة. الأمر الذي أعطى لفكرة التربية السياسية عنده وظيفة متميزة وخاصة. فقد كانت هذه التربية بالنسبة له تعني، كما وضعها في مقالاته التي كتبها تحت عنوان (تربيتنا السياسية) كل من التربية السياسية المناهضة للاستبداد، التي تقوي العلاقات الاجتماعية، وكونها أسلوب تذليل غياب التاريخ السياسي العربي، كما أنها أسلوب وعي الذات القومي. إضافة لذلك أنها عمل دائم وذلك بسبب انتشار وامتداد تقاليد الاستعباد القديمة. ومهمتها الأساسية تقوم في بناء ذات اجتماعية وسياسية وقومية (عثمانية) جديدة تتصف بالقوة والاتحاد. وأخيرا ضرورتها للعرب انطلاقا من كونهم الأغلبية في الدولة العثمانية. بحيث نراه يجعل منها مقدمة لفكرة الاستقلال. فهو ينطلق من أن الكثرة ليست من الأدلة في المنطق لإثبات رأي، ولا في الديانات لإثبات عقيدة، ولكنها "في السياسة والاجتماع قوة يلتفت إليها ويحسب حسابها".

مما سبق يتضح بأن الزهراوي يجعل من فكرة التربية السياسية وروح العمومية كلا واحدا. ويظهر ذلك بجلاء في تأسيسه النظري لهذه الفكرة وتطبيقها العملي أيضا. لها نراه ينطلق من مهمة تأسيس ضرورة التربية السياسية. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام إدراك لأهميتها، بوصفها المقدمة الجوهرية لتصنيع الروح العمومية، تماما بالقدر الذي لا يمكن بلوغ حقيقة الروح العمومية بدون هذه التربية السياسية. من هنا تأكيده على انه لا يمكن خطو خطوة جدية إلى الأمام في مضمار التحرر والإنسانية والمدنية بدون هذه التربية السياسية. إذ لا يمكن بدونها تثبيت المصالح العامة. وحالما طبق ذلك على الواقع العربي فإنه كتب يقول، بأن التربية السياسية للعرب تستلزم إدراك استقلالهم الخاص في الدولة العثمانية، باعتبارها حصيلة الوحدة التركية – العربية. وذلك لأن زمن السيطرة التركية العثمانية أدى إلى إضعاف العرب إضعافا شديدا. أما إعادة القوة للدولة، فانه يستلزم الإشراك الفعال للعرب فيها، باعتبارهم قسمها الأكبر. لهذا نراه يعتبر "بث الفكرة والتعصب لها" أساس هذه التربية السياسية. فهو الأسلوب الوحيد القادر على صنع روح العمومية. لاسيما وانه الشرط الضروري لإحياء وتقوية كل جماعة (قومية). وبدونه لا يمكن انجاز شيء عظيم. واعتبر الإخلاص لروح العمومية يعادل ما يسمى "بالتعصب وحب النفس". وهما ليسا مذمومان على الإطلاق، بل منهما ما يصح أن نسميه "قوام الإنسانية" حسب عبارة الزهراوي.

لهذا نراه يرفع التعصب وحب النفس. إلى مصاف العنصر الجوهري في التربية السياسية للروح العمومية. كما يجعل منه فكرة كبرى تقترب من حيث قيمتها بالنسبة للروح القومي من مرجعية عملية متسامية. وانطلق في فكرته هذه من أن حب النفس ضروري وطبيعي وحق (فعكسها هو كرهها). وأن حب النفس ضروري كالغذاء للجسم. كما أن حب النفس واسطة إلى الخير لكونها وسيلة ضرورية. ثم أن حب النفس كالأغذية متنوعة في الصور والأشكال والطعوم والأثر. وبالتالي لا تعارض بين حب النفس وحب الغير، بل أن أحدهما يستلزم وجود الآخر. فحب الجميع يعني هو أن يحب ارتقاءهم وصلاحهم جميعا. كما أن حب النفس يفترض التمسك بقاعدة لا إفراط ولا تفريط. فالتفريط رذيلة لأنه لا يدعو للعمل. وأخيرا، إن حب النفس أصل منه فروع، فمنه ما هو جيد مثل حب العدل والحق والعلوم والبديع والسلام، ومنه ما هو كريه مثل حب البطالة والسيطرة بلا حد.... أما اللغط الذي تثيره كلمة التعصب فلا أساس من الصحة لها بمعايير اللغة والحقيقة (المنطق). فالتعصب سيئ بمعايير قاموس اللغة، وليس بمعايير اللغة الحقيقية. وذلك لأن معنى التعصب في العربية هو التجمع للتعاون. وبالتالي فإن حقيقته متوقفة على مضمونه وغاياته. إذ لا يتطابق مضمون التعصب مع الأنانية المفرطة. ولولا التعصب لازدادت المذابح، كما يقول الزهراوي. وذلك لأن التعصب يدفع الناس للدفاع عن أنفسهم. وبدون تعصب لا أمم حية ولا إنسان حي. فانعدام العصبية يؤدي إلى إذلال الأمم والناس. لهذا نرى الزهراوي يعتبر التعصب مجاراة لحقيقة التنوع. إذ لو جرى تصور الدين واحدا، والجنس واحد لأدى ذلك إلى نتائج كريهة، كما يقول الزهراوي. من هنا استنتاجه عن ضرورة التعدد في كل شيء (الدين والقومية والفكر والثقافة).

غير أن هذا التعصب وحب النفس ليس إلا النتيجة المترتبة على مقدمات ضرورية لما يمكنه أن يكون عناصر التربية السياسية للروح العمومية (القومية)، والتي أدرج فيها الزهراوي كل من الاستعداد، والاتحاد، وحب النفس. ووضع عنصر الاستعداد في أساس تصوراته عما اسماه بصعود الأمم وهبوطها. لهذا نراه يصفه بعبارة "ملاك الأمر"، أي القوة المحددة للصعود والهبوط، والتعمير والتدمير، والعز والذل. وبما أن الاستعداد في الإنسان (والأمة) قابل للامتزاج وتجري عليه أحكام التربية السياسية، من هنا قيمة المصلحين والأنبياء، كما يقول الزهراوي. أما عنصر الاتحاد، فهو مهم وضروري للقوة والمدنية. وبما أن الاتحادات متنوعة، لهذا لا فائدة لإطلاق القول فيه، كما يقول الزهراوي. والسبب يقوم في أن هذا الإطلاق يجعله غير مفهوما. فالاتحاد في الأصل صيرورة الأشياء المتعددة شيئا واحدا. وهو على ثلاثة أنواع أساسية وهي ما يغيب فيه التعدد، وما يبقى فيه التعدد، وما يتساوى فيه التعدد. وحالما طبق ذلك على ما اسماه بالاتحادات السياسية، فانه وجد فيها كيانات متنوعة أيضا، لكنه أبرز فيها مع ذلك ثلاثة أسباب هي بحد ذاتها مقدمات وشروط الاتحاد. وأعتبر الدين أول هذه الأسباب، بينما أعتبر القسر والاضطرار سببا ثانيا، أما الثالث فهو الاحتياجات المدنية. وفي معرض تدقيقه لهذه المفاهيم انطلق الزهراوي من أن الدين يدعو إلى الوحدة، إلا أن التاريخ يكشف عن خلل دائم بلازم هذه الوحدة. أما الاضطرار، فإنه لا معنى له بالنسبة للفكر لأنه حالة استثنائية. أما الاحتياجات المدنية أو العمران فهو محور الاهتمام، بالنسبة للزهراوي، لأنه حاجة مدنية. من هنا استنتاجه الفكري السياسي والمستقبلي القائل، بأن المقصود من الدعوة للوحدة هنا ليس الوحدة العثمانية، ولا الوحدة التركية، بل الوحدة المدنية. من هنا رفعه لشعار: "نحن مدنيون".

وضمن سياق المرحلة وشروط وجود العالم العربي وخصوصية الدولة العثمانية، أسس الزهراوي للفكرة القائلة، بأن المقصود بالاتحاد المدني هنا هو اتحاد جميع الشعوب في الدولة العثمانية عبر تطوير قومياتهم فيه. وكل فيها يحافظ على أجزائه الحرة. أما أسلوب الاتحاد فإنه يفترض السير به نحو الأسهل أو الأقرب حصولا من أنواعه وترك ما يصعب الحصول عليه. ويستلزم ذلك التمسك بقواعد أو مبادئ حصرها الزهراوي في كل من زيادة المحبة والمودة بين الشعوب، وأولوية المواطنة والوطن، واحترام القوميات كلها، ومساواة الجميع بما في ذلك في الحكم، والتعددية السياسية.

كما رفع الزهراوي من شأن ما اسماه بمواجهة الواقع المر بالاستعداد والصبر والثبات والعدل، أي بالعناصر الضرورية التي يمكنها مواجهة الخلل الشامل في كل مكونات ومظاهر الوجود الفعلي للدولة العثمانية ومكوناتها على كافة المستويات وفي كافة الميادين. بمعنى انه أدخل كل ما يمكن إدخاله من قيم ومبادئ وقواعد عملية يمكنها أن تنّشط وتفعّل التربية السياسية للروح العمومية. من هنا نقده لأولئك الذين عارضوا الاشتراك في الحياة السياسية أو الفكرة المعارضة لفكرة السياسة بحد ذاتها. إذ اعتبر من الخطأ القول بأنها رذيلة بذاتها. وذلك لأن السياسة رغم عيوبها، من جملة المقربات إلى الكمال الإنساني. كما انه لا يمكن للمجتمع الإنساني الكمال إلا بالسياسة. من هنا استنتاجه القائل، بأن السياسة هي القدرة على توليف المتناقضات. وبدونها لا يمكن النجاح. وذلك لأن السياسة الحقيقية والسليمة هي التي تعي متناقضات الحياة وتفعل ضمنها بالشكل الذي يحقق الغاية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الحياة كلها تضاد من تقارب وتباعد، وتصالح وتعاند، وتراحم وتزاحم، وتشابه وتباين، وتصاغر وتعاظم... وانه لا وسيلة لحل هذه المتضادات إلا بالسياسة. وسابقا كان الدين بينما الآن الجنس (القومية) هو دين السياسي. وليس مصادفة أن نراه يدعوه إلى توسيع مضمون ومدى وأساليب التربية السياسية للروح العمومية من خلال توحيد جهود النخب بمعايير الرؤية القومية. لهذا نراه يشدد على ضرورة فكر عمومي يصنع روح عمومية وزعماء وأدباء يتمسكون بها علما وعملا. واعتبر أن القادر على ذلك فقط هو الذي يعرف ناسها وتاريخها ودرجة علاقته بحاضرها. وانه في حالة وجود كتّاب وأدباء وصحفيين لا روح عمومية فيهم، وزعماء منتخبون ولكن ليس لهم روحا عمومية، فإن أدباءهم وزعمائهم مجرد صور تمثل المدنية والعظمة الزائفة وما شابه ذلك. لهذا نراه يطالب في البداية بجعل اللغة العربية لغة التدريس في المدارس الموجودة في المناطق العربية من اجل مساهمتها في صنع "روحا عمومية بين الأمة وبين الزعامات والجماعة العربية"1 .

***

ا. د. ميثم الجنابي

...................

1- إننا نقف هنا أمام حالة مزرية ونوعية في الاستهتار الثقافي والروحي والأخلاقي للتركية العثمانية، كما أنها تعكس في الوقت نفسه حالة الانحطاط الغريب للعالم العربي في ظل السيطرة التركية العثمانية، التي جعلت من تدريس اللغة العربية بين العرب مطلبا ضروريا وأوليا!!

 

ميثم الجنابيفكرة الأنا الثقافية الحرة (1) 

إن التناقضات الملازمة لمحدودية المنظومات الفكرية هي في الوقت نفسه احد الشروط الضرورية لنمو وتراكم الروح النقدي الثقافي. وذلك لأن مساعي الفكر في محاولاته تنظيم الآراء والأحكام والقيم في منظومة لها حدودها الخاصة عادة ما يؤدي إلى تعميق عناصر النزعة النقدية. ومن ثم إرساء أسس المقدمات الضرورية لتأصيل وعي الذات العقلاني، وبالأخص حالما تجري هذه العملية بمعايير الإدراك الواقعي للأولويات التاريخية الفعلية. فنشوء وتطور الفكرة النقدية للإصلاحية الإسلامية تجاه النفس هو الوجه الآخر لإدراك أولويات الإصلاح الذاتي. لاسيما وأن ظهور فكرة الإصلاح الذاتي بهيئة منظومة فكرية نظرية وعملية هو التعبير المناسب عن بلوغ العقل النظري والعملي إدراك حدوده الذاتية.

إن إدراك قيمة الكينونة الثقافية لعالم الإسلام هو الذي حدد مضمون وضرورة الأصالة في عقلانية ومساع الإصلاحية الإسلامية. ومن ثم وضع إمكانية التعددية (العلمية والعملية). فإذا كانت مظاهر الرؤية النقدية للأصالة عند الأفغاني مرتبطة بصراعه الفكري ضد الدهرية (الهندية) ونهايتها في الدعوة الشاملة للنهوض الإسلامي، فإنها اتخذت عند محمد عبده صيغة الوحدة الهادئة بين العقل والأخلاق، مما ألبسها لباس التنوير والنزعة الإنسانية. في حين جرى بلورتها في آراء الكواكبي بوصفها أجزاء مترابطة ومتوحدة في مشروعه السياسي الديمقراطي والقومي التحرري. بحيث أدى في الحصيلة إلى استثارة القوى الروحية الكامنة للثقافة الإسلامية في أفعال القوى الاجتماعية الناشطة. ومن ثم مهدت لصعود فكرة البدائل ومشاريع النهوض دون أن تفرض بصورة جازمة تصوراتها وأحكامها على الآخرين. من هنا يمكن فهم مضمون الفكرة التي وضعها محمد عبده في مجرى مقارنته بين المسيحية (والغرب الأوربي آنذاك) وبين الإسلام في مجال الموقف من العلم. فقد ظلت المسيحية  والغرب الأوربي أكثر من ألف عام قبل أن يظهر فيها العلم، أو تنشأ الحرية الشخصية أو تسري فيها الحركة العملية إلى ما فيه صلاح الجمعية الإنسانية. بينما لم يمض على المسلمين من يوم استحكمت فيهم البدع إلا اقل من ثمانمائة سنة(!) وهي إشارة تتضمن من حيث رمزيتها التاريخية الإشارة إلى فترة سقوط الخلافة العباسية، ومن حيث رمزيتها الثقافية إلى انهيار الكينونة الثقافية الإسلامية الكبرى.

ففي مجرى إدراك ما اسمته بالحدود الذاتية وقيمة الكينونة الثقافية كانت تتراكم صياغة الإمكانات المتنوعة لتأصيل الأصالة، ومن ثم تنوع الرؤية النظرية للماضي والمستقبل وانكسارهما في مختلف قضايا ومسائل الوجود المعاصر. وقد حدد هذا بدوره مهمة تجديد الرؤية ومشاريع البدائل، بوصفها ميدان التجسيد المباشر لبلوغ الوعي النظري والعملي مستواه الرفيع والخاص. لاسيما وأنها الحالة "الطبيعية" التي تفرضها أيضا مشاعر الانتماء الثقافي ومنطق الرؤية العقلية والوجدانية لأولويات "القضايا المصيرية" وكيفية حلها. بمعنى البقاء في حيز الوجود التاريخي والفناء في الواجب، باعتبارها المعادلة التي تحتوي على قيمة وفاعلية الإدراك المتنوع لتأصيل الأصالة (أو إدراك الحدود الذاتية).

وقد جرت هذه العملية في أفكار الإصلاحية الإسلامية من خلال الرجوع إلى بداية الذات الثقافية وليس إلى بداية زمن "السلف الصالح"، وبالتالي لم تجر عبر توجيه الفكرة الإصلاحية وتوجهها العملي صوب فكرة المثال - الواجب، بل من خلال وضعها بمقولات الفكرة الواقعية ومعايير العقلانية المستقبلية. مما حدد بدوره خلوها من إفراط الاستشهاد المتكرر والممل بالماضي وبطولاته الواقعية والوهمية. بعبارة أخرى، لقد جرى الخروج من أوهام الروح البطولي وتقاليده اللاهوتية المخدرة للعقل والضمير صوب تأسيس بطولة الروح العقلاني. ولم يكن هذا رد فعل أو معارضة على ما في "عقلانية الضمير واللسان" (فكرة النهضة العربية الدنيوية) من قيم كبرى وفعالة بالنسبة لاستثارة الحماس الوجداني، بقدر ما كانت تمثل الاستكمال النقدي والأكثر عمقا لما فيها. وذلك لأن الإصلاحية الإسلامية حاولت تحقيق ذلك من خلال الرجوع إلى بداية الصيرورة الثقافية للكينونة الإسلامية. بمعنى أنها لم تقف عند حدود المتحجرات الجميلة للحضارة الإسلامية، بل تجاوزتها صوب مصادرها الأولى. وفي هذا كانت تكمن قدرتها العقلية ونشوتها الوجدانية في تنشيط فكرة التأصيل الثقافي وتأسيسه بالاستناد إلى فكرة الانتماء الثقافي ومرجعيته الجوهرية، أو ما أسميته بوحدة البقاء في حيز الوجود التاريخي والفناء في الواجب.

لقد كانت هذه الحصيلة النتيجة المترتبة على توليف ووحدة النزعة النقدية العميقة والتوجه الإصلاحي، أي كل ما يلازم بالضرورة إدراك قيمة الأولويات باعتبارها المقدمة الضرورية للفعل العقلاني. وبما أن قيمة الأولوية وفاعليتها مرتبطة أساسا بادراك طابعها ومستوى تأسيسها الموضوعي، لهذا لم يكن بإمكان هذه الوحدة الخشنة والمرنة أيضا أن تخلو في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بالنسبة لعالم الإسلام من أثر وتأثير الأغشية الوجدانية والأوهام الصنمية لزمن الاستبداد والاستعباد. وقد انعكست في هذه الظاهرة المتناقضة مفارقة الوجود التاريخي والثقافي للمرحلة (عهد التخلف والاستبداد والهجوم الاستعماري الأوربي) سواء جرى النظر إليه بمعايير الواقع أو بمعايير الواجب. وقد تكون حالة "الواجب" في نظام "الحرام" و"الحريم" وأشكالها ومستوياتها المتنوعة في قصور الخلفاء والسلاطين الصورة النموذجية عن هذه المفارقة. وإذا كانت هذه المفارقة هي الأسلوب المميز أيضا لحالة العالم الإسلامي عند اصطدامه بالقرن التاسع عشر - العشرين الأوربيين، فإن إدراكه الموضوعي في الإصلاحية الإسلامية لم يكن بالإمكان حصره بمستوى ما معين، أو جانب ما معين. مما حدد بالضرورة تنوع مساعي الإصلاحية الإسلامية واشتراكها في الوقت نفسه بأولوية الهموم الثقافية والسياسية. غير انه لم يجر حصر هذه المساعي والهموم ضمن آفاق محددة مسبقا أو معطاة مرة واحدة والى الأبد. أما اليقين الراسخ ومختلف مظاهره وأشكاله فقد كان الصيغة الوجدانية الملازمة لروح الثبات التاريخي المميز للإصلاحيات الكبرى، أي الغشاء الضروري للكينونة الاجتماعية والنفسية والثقافية. فهي المقدمة الخطابية للعمل المرتبط بفكرة الواجب. مما حدد بدوره آلية الرجوع للذات الثقافية، بوصفه تعبيرا عن حال البقاء في حيز الوجود التاريخي والفناء في الواجب. من هنا قيمة المرجعية (الثقافية) وفاعليتها في الرجوع "التاريخي". ذلك يعني، إن مرجعيتها لم تكن لاهوتية سلفية ولا مذهبية سياسية، بل مرجعية الإصلاحية العقلانية صوب الإسلام الثقافي.

إن استمداد الإصلاحية الإسلامية لمرجعياتها الأساسية من الإسلام الثقافي كان النتيجة الملازمة لمنطق الإدراك المتعمق في ذاته. أما التقليدية الظاهرية فيها، فإنها تقليدية الثبات التاريخي ضمن أصوله الثقافية، وليس ثبات الفكر وجموده في مقولات الماضي وقضاياه واهتماماته. ومن هنا اشتراك مختلف شخصيات وتيارات الإصلاحية الإسلامية في مرجعيات كبرى محدودة جرى حصرها بأصول القرآن والسنّة. ولم تعد هذه الأصول ديوان المعرفة المطلقة في تبويبها العقائدي والفقهي الجاهز، بل النماذج الرمزية المعقولة والمتغيرة. لهذا اعتبر محمد عبده القرآن هو "المعجزة الوحيدة" في الإسلام[1]، بسبب كونها "عرضت على العقل ومفهومة من قبله"، كما أن الإيمان لا يستلزم تغير سنّة الله في الوجود. بعبارة أخرى، انه لم يضع الإيمان "بخارق العادة" في ميدان التصديق فحسب، بل وقيّده بإدراك العقل وفهمه إياه. فالمعجزة هنا هي ليست خرق العادة، بقدر ما أنها "سنة الله في الوجود"[2]، أي قانون وجود الأشياء كما هي. وهي "السنّة" التي حاول إدراجها في ما يمكن دعوته بقانون الوحدة الثقافية وكونها احد المصادر التاريخية الجوهرية.

 وليس مصادفة أن يشدد محمد عبده على أن القرآن سيبقى على الدوام سندا أخيرا يمنع الأمة من السقوط في الهاوية. ذلك يعني انه لم يعط للقرآن هيئة الكيان السحري، بقدر ما حاول ربط وجوده التاريخي (أو بصورة أدق ما قبل تاريخي باعتباره وحيا إلهيا) بوجوده الثقافي باعتباره كتابا (فُصّلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون). وتعّبر هذه الوحدة التاريخية الثقافية فيه عن مصدريته الجوهرية، بوصفه "كتابا واحد لأمة واحدة"، وأنه "إمام المتقين ومستودع الدين"[3]. ولم يعن محمد عبده بإمامته ومستودعته هنا سوى رمزيته التاريخية الثقافية، بوصفها القوة الحافظة للوجود العربي (والإسلامي). وفي هذه الفكرة يمكن رؤية محاولته لاستظهار التاريخ المنصرم وتجسيده في آفاق المستقبل، تماما بالقدر الذي يمكنها أن تضع للمستقبل المجهول (والقاتم) حدوده المضيئة، باعتباره السدّ الأخير أمام الهاوية. ووضع محمد عبده هذه الفكرة بعبارة: "إليه المرجع إذا اشتد الأمر وعظم الخطب"[4].

إن مرجعية "المرجع الأخير" تحتوي على ما يمكن دعوته بأصولية الوحدة الثقافية، وليس الدينية والمذهبية والعقائدية منها والمعرفية. وفيها نعثر على إعادة تأسيس لآراء الأفغاني عن أن ازدياد حجم الهزيمة والضغط التاريخي على العالم الإسلامي سوف يجبر أتباعه على وعي حقيقة كونهم لا يفقدون في نضالهم إلا قيودهم، ولكن بالشكل الذي يعطي لما يقومون به بعدا عقلانيا وتنويريا وإصلاحيا. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "لا تزال الشدائد تنزل بهؤلاء المنتسبين إلى الإسلام، ولا تزال القوارع تحلّ بديارهم حتى يضيقوا. وقد بدءوا يفيقون من سكرتهم ويفزعون إلى طلب النجاة… وعند ذلك يجدون هذا الكتاب الكريم في انتظارهم، يعدّ لهم وسائل الخلاص"[5]. ولا يعني انتظار القرآن لأولئك المنتسبين إليه من الناحية الواقعية، سوى إدراك فعل القيم الثقافية الروحية، ومن ثم الرجوع إلى مرجعية الذات الثقافي. إذ لم يسع محمد عبده إلى فرض القرآن على المسلمين، بقدر ما كان يسعى لتوكيد فعل الإفاقة من سكر الجمود والفزع إليه (القرآن) وطلب النجاة به. ولم يعن ذلك بالنسبة له سوى الرجوع الواعي لمصادر وعي الذات. فقد وضع هذه المهمة تحت ضغط عوامل الإجبار الحضاري للقرن التاسع عشر، الذي الزمه كما الزم الأفغاني قبله بمهمة إدراك قيمة "العروة الوثقى". وإذا أراد الأفغاني لها أن تتطابق مع قيمة العمل، فإن محمد عبده أراد لها أن تكون فعلا للقيم، أو إذا أراد الأفغاني أن يكون الاجتهاد جهادا، فإن محمد عبده أراد أن يكون الجهاد اجتهادا. وتنعكس في هذه المواقف والرؤية إدراك الأولويات الكبرى وأساليبها المتنوعة. وليس مصادفة أن يكون تجسيدها الأكثر وضوحا عند الأفغاني موجها صوب سياسة الجسد الثقافي للأمة، بينما يكون تجسيدها الأكثر وضوحا عند محمد عبده في سياسة الروح الثقافي للأمة. ومن هنا اهتمام الأفغاني بالعمل والنشاط السياسي والوحدة، واهتمام محمد عبده بالقانون والشروح والتعليقات والرسائل.

ويكشف هذا التنوع بدوره عن طبيعة مساعي الإصلاحية الإسلامية ونوعية إدراكها لقيمة وأساليب المرجعيات الثقافية والروحية الخاصة. وضمن هذا السياق يمكن فهم آراء الكواكبي ودعوته للرجوع إلى "ما هو معلوم من صريح الكتاب وصحيح السنّة وثابت الإجماع"[6]. فقد كان هذا الرجوع بالنسبة له أسلوب القضاء على التفرقة السائدة في العلام الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص. إذ وجد في فكرة الرجوع أسلوبا لإزالة التفرقة في الآراء[7]. وإذا كانت هذه الصيغة في مظهرها تبدو سلفية صارمة، فإنها احتوت من حيث توجهها الواقعي على قيمة الإدراك المتعمق للحرية بما في ذلك الفكرية. وذلك لأن توجه الكواكبي هنا كان منصبا على صنع الوحدة الاجتماعية والقومية. لهذا لم تعن إزالة الفرقة في الآراء إدانة الاختلاف، بقدر ما كانت تعني الإقرار بتنوعه، وفي الوقت نفسه إدراك الأولويات الأساسية في العمل الاجتماعي السياسي والتاريخي للعالم العربي. ونعثر على كل ذلك فيما اسماه بالأسباب الدينية والسياسية والأخلاقية للفتور العام (أو التخلف والانحلال). ففي الوقت الذي جعل من وحدة الآراء والمشاعر المقدمة الضرورية للقضاء على التفرقة، فإنه لم يجعل من إسنادها بأصول "صريح القرآن وصحيح السنّة وثابت الإجماع" ميدانا للجدل المدرسي، ولا أن يدرجها في تأملاته وأفكاره. لقد أبقى عليها، كما هو الحال عند الأفغاني ومحمد عبده، في مستوى الإشارة العابرة. إذ لم يعن القرآن بالنسبة له هنا سوى "الكتاب الذي وصل إلينا بطريق لا تحتمل الشبهة فيه لاجتماع الكلمة واتفاق الأمة عليه"[8]. بينما حصر مضمون السنّة في "ما قاله الرسول أو فعله أو أقره"[9]. أما الإجماع فقد تركه سائبا، وأبقى عليه بوصفه نموذجا محتملا للاختيار والاختبار. ووضع ذلك في عبارة تقول، بأن المقصود بالإجماع هنا هو ما ترجع"إليه الأمة وتجتمع عليه في بعض أمهات المسائل"[10]. وعندما يطابق الكواكبي الإجماع مع مذهب السلف، فإن ذلك لا يعني في آرائه ومواقفه سوى جوهرية الأصالة الذاتية السليمة وقيمتها الحية. ومع ذلك لم يضع في هذه القيمة معنى الإلزام والوجوب، أي انه لم يحوّل الإجماع إلى قضية عقائدية ولم يدرجها في مدارج العقائد. وبالتالي لم يكن توسيعه لهذا الأصل سوى توسيع الوجود المتزايد للحرية في مباحثها الواقعية. لهذا لم يحصر معجزة القرآن في ذاته ولا في لغته، بل في آنيته المتجددة. وإذا كان لهذه الفكرة تقاليدها الخاصة في علم الكلام الإسلامي والتصوف، فإن استمرارها في إصلاحية الكواكبي، كانت تتماشى مع إدراكه لأولوية التغير الواقعي. وهذا يعني أيضا نقل الإعجاز من ميدان اللاهوت إلى ميدان العمل. وكتب في معرض رده على أولئك الذين حصروا إعجاز القرآن في لغته قائلا: "لو أطلق للعلماء عنان التدقيق وحرية الرأي في التأليف، كما أطلق لأهل التأويل والخرافات، لرأوا في ألوف من آيات القرآن ألوف آيات من الإعجاز، ولرأوا فيه كل يوم آية تتجدد مع الزمان والحدثان تبرهن على إعجازه"[11]. بصيغة أخرى، لقد نقل الكواكبي مطلب حرية الرأي والتأليف من تقاليد المواجهة المباشرة ضد أصحاب "التأويل والخرافات" إلى ميدان حرية البحث والحقيقة. ومن ثم جعل القرآن مصدرا جوهريا بالنسبة لتأسيس حرية البحث غير المتناهي. وذلك لأن الإعجاز الدائم وغير المتناهي في القرآن هو الصيغة غير المباشرة للحرية. وإلا ماذا تعني "الرؤية المتجددة مع الزمان والحدثان" إن لم تعني تجدد الرؤية الواقعية؟ أي نقل إعجازه الحقيقي إلى ميدان المتغيرات والمتجددات في الواقع.

إننا نقف هنا أمام ما يمكن دعوته بحيوية الزمن الثقافي، ولكن دون جعله أسلوبا أو مستوى للتسلية الذاتية. فالرمز الثقافي هنا هو الكيان الحي لوحدة المثال والواجب، أي تلك القوة التي تلازم بالضرورة وعي الانتماء العميق للتاريخ الخاص (الثقافي) ومهمة استدراكه الجديد بالصيغة التي تستثير فاعلية الاستنهاض "الخالد" لمبادئه الكبرى. بعبارة أخرى، أنها عملية الاستعادة الدائمة للمبادئ المتسامية باعتبارها بداية التاريخ وغايته. ومن هنا تنوع ظهورها وتباين مستوياتها وتعدد نماذج تأسيسها النظري عند رجال الإصلاحية الإسلامية. فالاستعادة الدائمة للمبادئ المتسامية باعتبارها بداية التاريخ ونهايته هي الدورة التي يفترضها منطق ما أسميته بالأصولية الثقافية. لاسيما وانه المنطق الملازم لكل إبداع حقيقي، لأنه يفترض في استنتاجاته صدق معاناته. وتستقطب هذه العملية بدورها التاريخ والفكر، باعتبارهما المكونات المحددة لظهور الرموز الثقافية وكيفية فعلها في الوجود الاجتماعي والسياسي للأمم. ولا يمكن لهذه الأصول الثقافية أن تكون مؤثرة دون إعادة "تأصيلها" التاريخي. وتحتوي هذه العملية في أعماقها على تناقضات كبيرة، وبالأخص ما يتعلق منها بإمكانية تأديتها إلى صنمية النزعة التأملية، والابتعاد عن واقعية البدائل المعاصرة وصيرورة "التاريخ العالمي". لكنها في الوقت نفسه كانت تتمثل الأسلوب الأكثر واقعية لترسيخ عقلانية الرؤية والعمل، وبالأخص حالما تجد وتؤسس للنسبة المعقولة بين الماضي والمستقبل في الحاضر، أي حالما تتجنب وضع أفعالها في رياح التجربة الخالصة، وختم المستقبل بمقاييس الماضي وأحكامه القيميية.

وقد نثر الأفغاني الأحجار الأولى لهذا الطريق المعقد في محاولاته المتنوعة لإيجاد النسبة المعقولة بين الديني والدنيوي، والإسلام والعلم، والقومي والإسلامي، والإصلاحي والعقلي، والاجتماعي والإنساني في مدنية الإسلام وحضارته، أي كل ما يشكل في حصيلته مقدمات الرؤية المناسبة لصياغة أسس الثقافة باعتبارها الأسلوب الأكثر واقعية لرسم عقلانية الرؤية والعمل. الامر الذي أدى إلى إبداع قيم الاعتدال والوسط ونسبها الخاصة في مختلف ميادين الوجود الاجتماعي والسياسي لعالم الإسلام. وإذا كانت آراءه وأحكامه تبدو في مظهرها أحيانا غاية في التباين، فلأنها تعكس أساسا تطورها الحي بالارتباط مع مجرى تعمق رؤيته للأمور ومجراها. ولهذا كان من الطبيعي أن يتحمس في بداية أمره لنقد الدهريين بالصيغة التي عمم في مواقفه منطق الأخلاق الصارمة في ما يتعلق بصعود الأمم وسقوطها التاريخي. إذ لم يجد في الدهرية الهندية أكثر من مقلد "للمادية" ومقصدها في "محو الأديان" من خلال نشرها فكرة "الإباحة في الأموال والإبقاع بين الناس عامة"[12]. ووجد في هذه المساعي "الإباحية" مصدر سقوط الحضارات قديما وحاضرا[13]. وبغض النظر عن ضعف هذه الأحكام من حيث رؤيتها للأسباب الفعلية العميقة الخاصة بصعود الأمم وسقوطها، إلا أنها تكشف في ذوق المشاعر الحساسة للإصلاحية الدينية عن قيمة الروح الأخلاقي في إعادة بناء الكيان الثقافي للأمة. من هنا يمكن رؤية تعرضها اللاحق إلى نفي فكري ايجابي في آرائه السياسية. ولم تجر صياغة هذا النفي بين ليلة وضحاها، بل جرى بلورته في مجرى الحماس النقدي في مواقفه من الواقع المتغير. ففي انتقاده للأخلاق الدهرية، باعتبارها سببا من أسباب السقوط الروحي للأمم، نراه يشدد على أن "الدين مطلقا هو سلك النظام الاجتماعي. ولن يستحكم أساس للتمدن بدون الدين البتة"[14].ذلك يعني أن انتقاده لما اسماه بفساد الدهرية الأخلاقي كان يتضمن في أعماقه تراكم القيم الايجابية عن وحدة العناصر الاجتماعية والمدنية في الدين بشكل عام والإسلامي بشكل خاص. لهذا لم يجد في آراء الدهرية عن "المدافعة الشخصية" و"شرف النفس" و"الحكومة" عقائد قادرة على صنع النظام الاجتماعي والسياسي الحق في عالم الإسلام. من هنا وضعه بالضد منها كل من فكرة الإلوهية وفكرة "الثواب والعقاب" باعتبارهما الاعتقادين اللذين "لا تقرر هيئة الاجتماع الإنساني، ولا تلبس المدنية سربال الحياة، ولا يستقيم نظام المعاملات، ولا تصفو صلات البشر من شائبات الفعل وكدورات الغش إلا بهما"[15].(يتبع...)

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص70.

[2]  المصدر السابق، ص71.

[3] المصدر السابق، ص142.

[4] المصدر السابق، ص142.

[5] المصدر السابق، ص144.

[6] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص138.

[7] المصدر السابق، ج1، ص138.

[8] المصدر السابق، ج1، ص212.

[9] المصدر السابق، ج1، ص212-213.

[10] المصدر السابق، ج1، ص138.

[11] المصدر السابق، ج2، ص352-353.

[12] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص129.

[13] المصدر السابق، ج1، ص129.

[14] المصدر السابق، ج1، ص130.

[15] المصدر السابق، ج1، 171.

 

ميثم الجنابيفكرة التأسيس التلقائي للإصلاح العملي عند الكواكبي

إذا كانت إصلاحية محمد عبده العقلانية النقدية هي التجلي الأعمق في نقد الذات، فأنها اتخذت عند الكواكبي صيغة التجلي الأدق، بفعل مسارها المتعمق في دهاليز وطرق وعي الذات السياسي. وقد حدد ذلك طابع المهمات النقدية لآرائه ومواقفه وأحكامه من القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية. لقد سار  الكواكبي في اتجاه وعي الذات السياسي نتيجة لإدراكه قيمة الدولة والوجود القومي المستقل. غير أنه لم ينظر إلى هذه القضية بمعايير القومية ومتطلباتها المعاصرة كما تكونت في التاريخ الأوربي الحديث، بل عبر استنباطها من نقده العقلاني والفكرة الإصلاحية لواقع العالم الإسلامي في ماضيه وحاضره بشكل عام والعالم العربي بشكل خاص. وكذلك نظر إليها في ضوء الأصول المفترضة للوجود الذاتي المستقل، باعتباره كيانا خاصا له حدوده الذاتية. لهذا لم تعد معارضة التقليد عنده جزءا من الاحتكام للعقل النظري المجرد في تصوراته وأحكامه وتصديقاته وظنونه، بقدر ما أصبحت جزءا من منهج النقد الذاتي الفكري والاجتماعي والسياسي والثقافي. ففي مقدمة كتابه (أم القرى) يخاطب القارئ بأن يكون من "أمة الهداية" لا من "أمة التقليد". كما نراه يحذر من يقرأ كتابه قائلا، بأنه إذا كان من "أمة التقليد وأُسراء الأوهام" ولا يحب أن يدري من هو، وفي أي طريق يسير، ويشعر بعار الانحطاط وثقل الواجبات، ولا يطيق تتبع المطالعة وتحكيم العقل والنقل، فمن الأفضل له أن يترك الأمور على ما هي عليه[1]. إننا نقف هنا أمام تحذير لا علاقة له بتقاليد الوعظ الأخلاقية والنفسية المتعارف عليها، بل بمعايير الوعي الذاتي الفاعل. بعبارة أخرى، لم يعد التقليد في آرائه مجرد فعل فردي أو شكل من أشكال الوعي أو نمط من أنماط الفكر، بل الكينونة الاجتماعية للأوهام والانحطاط وعدم المبالاة وانعدام تحكيم العقل والجهل بالنفس. فالسؤال الأول هنا يتعلق بمعرفة النفس وماهيتها وحقيقتها وأسلوبها في العلم والعمل وغايتها. وهذا بدوره ليس إلا السؤال الجوهري المتعلق بوعي الذات، بوصفها المقدمة المندرجة فيما اسماه الكواكبي "بأمة الهداية" النافية "لأمة التقليد".

من هنا صعود مهمات ما يمكن دعوته بالهداية الذاتية. إذ لم تعد الأخيرة جزءا من أفعال "السرّ المجهول" و"الإرادة الأزلية"، بل النتاج المباشر لمهمات وعي الذات. وليس مصادفة أن يضع الكواكبي في أولى المهمات النقدية الكشف عما اسماه بالأسباب الظاهرة لخلل المسلمين "غير سرّ القدر الخافي على البشر"[2]، أي الأسباب الواقعية. بحيث نراه يجعل منها ميدان ومحك نقد الذات. ففي حالة عدم توفر شروط العلم والعمل، فمن الأفضل ترك الأمور على ما هي عليه، كما يقول الكواكبي. مما ألزم بدوره توسيع وتعميق نقد الذات، الذي وجد انعكاسه أيضا بما في ذلك في تجاوز تقليدية العبارة، أي انتظام النقد في منهج واضح المعالم دقيق العبارة. مما يعكس أولوية الرؤية المنطقية في مقدمات تحليله واستنتاجاته. واستند في كل ذلك ليس فقط على قواعد المنطق المجردة، بل وعلى الواقع وتدقيق ظواهره استنادا إلى وحدة العلة والمعلول. فعندما أراد تحديد طبيعة التخلف الإسلامي فإنه أشار إلى عدم دقة الوصف الذي يطلقه الكثير من الباحثين عندما يشبهون حالته بالمرض. إذ نراه يجد في هذا التشبيه صيغة تقليدية صورية. وعوضا عن ذلك اقترح عبارة "الفتور العام"[3].

إن هذا الاقتراح الذي تضّمن في ذاته الصيغة الجديدة لإدراك الواقع، باعتباره صيرورة لا وجودا، وكينونة لا كائنا، يعكس في غاياته منطق الفكر النقدي في تعامله مع الواقع. بمعنى تقييد الفكر بالتعامل المنطقي حتى مع العبارة، باعتباره الحاجز الضروري الأول لكل إدراك متعمق في القضايا. آنذاك سيجري تذليل الخلل الفعلي عبر تصوير الواقع كما هو وليس من خلال تحويله إلى موضوع التأمل العقلي المجرد. واحتوى هذا الأسلوب على مقدمات الاقتراب الدائم من منطق التطابق مع إدراك الواقع في أسبابه ومسبباته. وأدى ذلك إلى انتقاد الفكر والفكرة وتجاربهما، بوصفها عملية معرفية دقيقة في تعبيرها عن الواقع كما هو. فعندما حدد الأطر العامة أو ما اسماه بالأصول والفروع في الأسباب السياسية والأخلاقية والدينية لفتور العالم الإسلامي، فإنه أشار إلى أن المعايشة الطويلة لهذا الفتور أدت في نهاية المطاف إلى قلب الحقائق في أفكار الناس، بحيث جعل عندهم المخازي مفاخرا، والتصاغر أدبا، والتذلل لطفا، والتملق فصاحة، وترك الحقوق سماحة، وقبول الإهانة تواضعا، والرضا بالظلم طاعة[4]. أما هذه "الانقلابات" الواقعية في المفاهيم والقيم، و"انقلابات" القيم والمفاهيم في الواقع، فما هي إلا الأوجه المختلفة لانعدام وعي الذات الحقيقي والغاية المرتجاة منه. لهذا طالب بوضع حد لاستمرار التقليد الفكري في تناول المشكلات والقضايا من خلال تناول واقع التخلف الإسلامي وأسباب انحطاطه كما هو، أي البحث عن الأسباب الواقعية وليس اللاهوتية الغائرة في المخيال التقليدي من قضاء وقدر وتوكل ورضا وما شابه ذلك.

وحدد ذلك اتجاه نقده العقلاني صوب المقدمات الواقعية للتخلف. بمعنى مطابقة نقد الذات مع نقد الوجود الاجتماعي والتاريخي والثقافي. من هنا انتقاده اللاذع لأولئك الذين حاولوا تبرير التخلف والإبقاء عليه استنادا إلى تقاليد "الأخلاق الإسلامية" الموضوعة في أحاديث "المسلم مصاب"، و"أن الله إذا أحب عبدا ابتلاه"، و"أن أكثر أهل الجنة البله"، و"أن غيرنا مستدرجون" وما شابه ذلك[5]. ولهذا السبب أيضا شدد على الأسباب الروحية (الدينية) والإرادية (السياسية) والعملية (الأخلاقية)في الإبقاء على هذا النمط من الرؤية والواقع. لقد أراد الكواكبي الكشف عما في الإرادة المستلبة وافتقادها للتاريخ السياسي وخوائها الأخلاقي من أسباب جوهرية وراء الفتور العام. الأمر الذي جعله يردد في أماكن عديدة الحكمة القائلة: "كما تكونوا يوّل عليكم"، وأن يستنتج من انه "لو لم نكن نحن مرضى لما كان أمراؤنا مدنفين"[6]. وتغلغلت هذه الصيغة في اغلب آراؤه ومواقفه وأحكامه. مما يعكس بدوره إدراكه الدقيق لقيمة العمل السياسي وأهمية شرعية السلطة والدولة. وحاول التأسيس لهذا الإدراك من خلال تعميق نقد الذات بالاتجاه الذي سعى لكسر الحلقة المفرغة أو "الدورة الخالدة" للتقليد والعبودية. وقدم بهذا الصدد وصفا نقديا لاذعا ودقيقا لذرات الاستبداد في الكينونة الاجتماعية للفرد والدولة على مثال ما اسماه بالكيفية التي ينشأ بها "الأسير في البيت الفقير". إذ عادة ما يجري تكوينه الأول في حالة المناكدة والمشاكسة. وحالما يتحرك جنينا في بطن أمه، فإنه يبدأ بتحريك شراسة أمه في شتمه وضربه. وحالما يبدأ بالنمو فأنها تضيق عليه أما لألفتها الانحناء خمولا أو التقلص لضيق الفراش. وحالما تلده تضعه في قيود القماط اقتصادا أو جهلا. فإذا بكى سدت فمه بثدييها أو قطعت عليه أنفاسه بدوار السرير. وحالما يبدأ بالترعرع تمنعه من رياضة اللعب لضيق الملعب. وإذا استفسر أو سأل ليتعلم ضرب على فمه أو زجر. وإذا قويت رجلاه جرى رميه إلى الشارع. وفيما بعد يجري ربطه بالعمل قصد منعه عن السراح والمراح، ثم تزويجه في أول فرصة لكي لا يبرح يقاسمهم شقاء الحياة ويجني على غيره كما جنى عليه أبواه[7].

إن إعادة إنتاج الكيان الاستبدادي في الأفراد التي يصورها الكواكبي تكشف عن عمق الرؤية النقدية الاجتماعية والتاريخية لظاهرة الاستبداد السلطوي وانعدام الهوية السياسية والحقوقية للدولة. وجعل من هذه الظاهرة عينة وميدان نزعته النقدية العميقة من خلال الكشف عما اسماه بالأسباب الدينية والسياسية والأخلاقية للفتور العام. لكنه في الوقت نفسه يفرّق بين أصول وفروع هذه الأسباب.

فمن بين الأصول في الأسباب الدينية يشير إلى سيطرة عقيدة الجبر وتفشي الجدل في العقائد الدينية، وانتشار روح الفرقة، وغياب التسامح، ونفسية التشدد في الدين، وسيطرة العلماء المدلسين، وغلبة الفكرة القائلة بتعارض العقل والدين، والغفلة عن حكمة الجماعة، بينما وضع في فروعها ما اسماه بتأثير المزهدات وعدم تطابق القول والعمل، والغلو الصوفي، والمزايدة في الدين، وسيطرة الشعوذة، وتهاون العلماء في التوحيد، والاستسلام للتقليد، والتعصب للمذاهب، ونبذ الحرية الدينية، وتكليف المسلم ما لا يكلفه به الدين.

في حين وضع في أصول الأسباب السياسية كل من الحكم المطلق للسلطة، وانقلاب المضمون الاجتماعي والاقتصادي للسياسة، وحصر اهتمام السلطة بالجيش وجباية الأموال، وإبعاد الأحرار وتقريب المتملقين. أما فروعها فمثل تفرق الأمة إلى عصبيات وأحزاب، وغياب حرية القول، وفقدان العدالة والمساواة، وتهديم السلطة للدين، وغياب الرأي العام الموحد، والإصرار على الاستبداد، والانغماس في الترف والشهوات.

أما أصول الأسباب الأخلاقية فهي الاستغراق في الجهل، وفقدان النصيحة، وانحلال الرابطة الدينية، وفقدان الاهتمام بالتربية، وغياب القوة الموحدة للجمعيات، وعدم الاهتمام بالشؤون العامة من جانب المجتمع، ومعاداة العلوم، في حين وضع في فروعها كل من استيلاء روح اليأس، والإخلاد إلى الخمول، وفساد التعليم، وترك الأعمال، وغلبة التخلق بالتملق، وتفضيل الارتزاق بالجندية على الصنائع، وتوهم أن علم الدين في العمائم والكتب.

إن مجرد الاستعراض العام لأصول وفروع الأسباب التي وضعها الكواكبي تحت مجهر اهتمامه التحليلي يكشف عن عمق رؤيته النقدية والعقلانية ودقتها. أنها تكشف عن تحليله النقدي لبنية الفتور العام، أو التخلف والانحطاط في مكوناته الأساسية، مع ما يترب عليه من إدراك لأولوية النهضة والانبعاث ومفاصلها في الأصول والفروع. وبالتالي فان نزعته العقلانية والنقدية لم تنحصر ضمن إطار إظهار قيمة العقل النقدي، بل وترتيبه المنظم للأسباب والمسببات في كل واحد، مع إدراك دقيق لمهمات البدائل ومشاريعها العملية. وبهذا يكون قد دفع العقلانية النقدية للفكرة الإصلاحية إلى مداها الأبعد من خلال ربطه النقد العقلاني للواقع بواقعية نقده للذهنية الإسلامية في مكوناتها السياسية والأخلاقية والدينية، أي في كلّها الثقافي.

فهو لا ينتقد السياسة بشكل عام ولا مفاهيمها النظرية، بقدر ما ينتقد شكلها الواقعي وآثارها العملية في الدولة العثمانية وبدائلها الممكنة في موضوعات الفكر السياسي وحلوله. وإذا كانت مواقفه "التاريخية" في جوهرها تتمحور حول رفض شامل "لمناقب" الدولة العثمانية باسم المصير المستقل للعالم العربي، فإن تحليله السياسي "المباشر" للواقع الزمه رؤية الخلل الجوهري في مصاعبها التي أنتجتها بشكل خاص الستين السنة الأخيرة التي ابتدأت من نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر حتى بدايات القرن العشرين. فهي المرحلة التي تميزت بمحاولات إعادة تنظيم الإمبراطورية. إلا أنها باءت بالفشل، وذلك لأنها "عطلت أصولها القديمة، ولم تحسن التقليد ولا الإبداع"[8]. ولم يقصد هو بذلك استحسان ما مضى ولا استحسان أصولها القديمة، بقدر ما انه أراد الكشف عن تناقضاتها الداخلية. فقد أشار هو إلى أن بعض هذه الأسباب التي يتكلم عنها هي "أمراض قديمة ملازمة لإدارة الحكومة العثمانية منذ نشأتها"[9]. وقد أدرج في هذه الأسباب أصولا منها توحيد الإدارة العثمانية للقوانين دون الأخذ بنظر الاعتبار اختلاف طبائع وأطراف المملكة واختلاف أهاليها في الأجناس والعادات. وفي الوقت نفسه تشوش القضاء وتنوع الإجراءات الحقوقية، إضافة إلى تفويض الإمارات المختصة بعوائل معينة. أما في فروعها فقد أشار إلى أسباب عديدة منها التمسك بأصول الإدارة المركزية، وتولية بعض المناصب المختصة ببعض الأصناف كالمشيخة الإسلامية والعسكرية والجند، من اجل ألا يتفقوا فيما بينهم ضد السلطة المركزية. وكذلك عدم تحمل الرؤساء مسؤوليتهم أمام الرعية. وكذلك التمييز الفاحش بين أجناس الرعية، والغفلة عن مقتضيات الزمان ومباراة الجيران، والضغط على الأفكار المتنبهة بقصد منع نموها، وإدارة بيت المال إدارة إطلاق بدون مراقبة وغيرها من الأسباب. في حين أدرج في الأسباب الأخلاقية القائمة وراء انحطاط الدولة عدم تطابق الأخلاق بين الرعية والرعاة، والغفلة عن ترتيب شؤون العامة، وعدم التمسك بالنظام في توزيع الأعمال، وإهمال التخصص، وسقوط الهمة، وترك الاعتناء بتعليم النساء وغيرها من الأسباب[10]. وبهذا يكون الكواكبي قد جعل من الدولة والاستقلال السياسي والنظام الاجتماعي العادل ميدان نقده الذاتي. أما انتقاده للإدارة العثمانية فقد كان يتضمن في ذاته إدراكا نوعيا جديدا يتطابق مع فكرة وعي الذات القومي السياسي. ولم يكن ذلك معزولا عما اعتبره فقدانا جوهريا بالنسبة للوجود العربي آنذاك. مما حدد بدوره مضمون هذا الانتقاد، وبالتالي معنى ومهمات الإصلاحية الإسلامية التي تطابقت عنده مع فكرة سيادة الروح العقلاني بطابعه العملي السياسي والتنوير الثقافي.

وبهذا المعنى كانت الرؤية الإصلاحية عند الكواكبي أكثر قربا من إصلاحية الأفغاني. إلا أنها تميزت بأبعاد سياسية واجتماعية وقومية دقيقة مرتبطة بإدراكه أهمية وجوهرية الدولة والتاريخ السياسي المستقل للعالم العربي. فهو ينطلق شأن كل الإصلاحيين الكبار، من البؤرة المميزة للإصلاحية الإسلامية وعقيدة التوحيد، باعتبارها المقدمة الضرورية لكل فعل حق. ولم يقصد بذلك وضع الحدود لتفريق الخطأ عن الصواب، بقدر ما كان يسير باتجاه تحديد ماهية الحرية. من هنا تركيزه على فكرة التحرر من رقّ العبودية لأي صنم، باستثناء "عبودية الحق".

فقد اعتبر الكواكبي شأن الكثير من المصلحين الكبار أن ثمرة التوحيد الحق هو عتق العقول من الأسر. وذلك لأن ثمرة إتباع الشريعة الإسلامية (شريعة الرسول) يحول دون الوقوع في الشرك[11]. وفيما بين التوحيد والشرك تترامي ميادين الإصلاحية في تحضيرها للعمل. وذلك لأن هذه الأطراف لم تعد موضوعات في حدّ وحدود الكلام التقليدي وعقائده الإيمانية، بل في كونها أجزاء من منظومة الإسلام الإصلاحي المعاصر. من هنا ربط الكواكبي ثمرة التوحيد بثمرة الإيمان بوصفه نفيا للشرك. غير انه وضع هذه الفكرة عبر تأسيسه الجديد للمفاهيم والمقولات الإسلامية المتعلقة بقضايا الذات الإلهية وصفاتها وأفعالها. فإذا كانت هذه المفاهيم هي أيضا القضايا الأساسية لعلم الكلام التقليدي، فإن تناولها في آرائه الجديدة قد افقد طابعها التقليدي اللاهوتي، وذلك لأنه ذوّبها في تأصيله النقدي العقلاني تجاه مختلف المظاهر السلبية الفكرية والاجتماعية والسياسية وآثارها في اعتقادات المسلمين. فالإشراك في الذات بنظره، هو الاعتقاد بالحلول. أما الإشراك فهو اعتقاد البعض تصرّف غير الله في شيء من شؤون الكون، بينما الإشراك في الصفات فهو الاعتقاد في مخلوق انه متصف بصفات الكمال من المرتبة العليا، التي لا ينبغي إلا لواجب الوجود (الله)[12].

مما سبق يتضح، بأن الكواكبي لم يعيد استهلاك تقاليد اللاهوت التقليدي المعقد وتفريعاته العديدة، بل أعطاها مضمون النفي العملي البسيط للاعتقادات السائدة في عصره من اجل الساهمة أولا في "النهضة الإسلامية العلمية والأخلاقية"، والتحضير للأفعال السياسية الكبرى ثانيا. فهي المساهمة التي تستعيد في ذاتها التاريخ الذاتي باعتباره تاريخا للحق، أو تاريخا للإصلاح. لهذا اعتقد بأن الحكماء السياسيون الأقدمون اتبعوا الأنبياء في سلوك هذا الترتيب، أي الابتداء من نقطة دينية توصلا لتحرير الضمائر ثم إتباع طريق التربية والتهذيب بدون فتور ولا انقطاع[13]. وبهذا تتحول روحية الديانة إلى سياسة الروح الفاعلة في إدراكها العملي للمهمات والغايات. لهذا اعتبر أن كل التشويه الذي لحق بالأديان، بما في ذلك الإسلام، كان له غرض واحد وهو الاستبداد[14]. وبالتالي ليس الاستبداد في جوهره سو النقيض المباشر للدين الحق، تماما بالقدر الذي يشكل الدين نقيضا للاستبداد.

ووضع كل هذه الحصيلة في موقفه المعارض للأفكار التي حاولت أن تربط بين الدين والاستبداد خصوصا في موقفها من الإسلام. وفي الوقت نفسه لم ينف إمكانية استغلال ما في بعض ما لازم الإسلام في تاريخه. لكنه يعتبر كل ما ساهم في بلورة تقاليد الاستبداد في الإسلام هو نتاج تأثير ما اسماه "بأساطير الأولين" و"القسم التاريخي" من التوراة والرسائل المضافة إلى الإنجيل، باعتبارها أجزاء ساهمت في صياغة أسس الاستبداد وتقاليده[15]. بعبارة أخرى، إن تقاليد الاستبداد في الإسلام هي نتاج الخروج على حقيقة الفكرة الوحدانية فيه. من هنا يمكن فهم نقده للتوراة والإنجيل، بوصفه نقدا سياسيا. فالتوراة استعاضت عن أسماء الآلهة بالملائكة، أما رسائل (العهد الجديد) فقد وضعت رجال الكهنوت بالشكل الذي جعلهم ناطقون وفاعلون بالنيابة عن الله. في حين وضع الإسلام "قواعد الحرية السياسية المتوسطة بين الديمقراطية والارستقراطية، فأسس التوحيد واظهر للوجود حكومة كحكومة الخلفاء الراشدين"[16]. وإذا كان تخليصه النص القرآني عما يمكنه أن يكون مصدرا للاستبداد، فلأنه يعني في إطار الفكرة الإصلاحية عنده يتطابق مع مبادئ التوحيد المعقولة والأخلاقية. الأمر الذي أفرغ القرآن من إمكانية "توكيله" المطلق لصلاحية "الاستبداد" أيا كان نوعه، كما يقول الكوكبي. وقد كانت هذه الفكرة تخدم في منظومته الفكرية مهمات الإصلاح الديني باعتباره جزءا من مهمات السياسة أو مطابقة لها. فالأنبياء هم المصلحون، والساسة الحكماء يتبعونهم في "الترتيب". من هنا محاولته تحديد قواعدها من خلال الإقرار، بأن الله يرسل الأنبياء حجة على البشر. وإن بعض هؤلاء الأنبياء رسل (أصحاب رسالة). أما قواعدها في الإسلام فهي كون النبي محمد "بلغ رسالته ولم يكتم منها شيئا. وانه أتم وظيفته بما جاء به من كتاب الله، وبما قاله أو فعله أو اقره على سبيل التشريع كمالا لدين الله"[17]. ومن قواعد هذا الدين "انه محظور علينا أن نزيد على ما بلغنا إياه رسول الله أو ننقص منه أو نتصرف فيه بعقولنا، بل محتم علينا أن نتبع ما جاء به التصريح المحكم من القرآن والواضح الثابت من السنة"[18]. أما القاعدة الأخيرة فهي أن "نكون مختارين في باقي شئوننا الحياتية، نتصرف فيها كما نشاء مع رعاية القواعد العمومية، التي شرعها أو ندب إليها الرسول وتقتضيها الحكمة أو الفضيلة"[19].

لقد كان "ترتيب" القواعد المذكورة أعلاه تعبيرا عن الإدراك الواعي لمنظومة الإصلاح في مبادئها العامة. إذ لا يعني إتباع القرآن كما هو بدون زيادة أو نقصان في "ترتيب" الكواكبي سوى حصره إياه ضمن إطار الوحدانية النافية للغلو المتكلس في فرق الإسلام المختلفة. لهذا أكد على أن احد المبادئ الأساسية للجمعية هو كونها لا تنتسب إلى مذهب أو شيعة مخصوصة من مذاهب وشيع الإسلام مطلقا. وأن مسلكها الديني على مشرب السلف المعتدل[20]. أما المقصود بإتباع ما جاء في القرآن والسنة الصحيحة من دون تصرف فيها بعقولنا فهو عقول تلك المدارس والفرق. فالقرآن والسنّة هما المصادر المعقولة والمعتدلة، مما يضفي عليهما صفة الاستمرارية الضرورية في تقاليد الحق. لهذا اعتبر الكواكبي كل ما هو غيرهما مرتبط بخيارنا وبما تدعو إليه الحكمة والفضيلة. ولا يعني ذلك سوى الربط المتناسق بين الفعل الحر (الاختيار) والعقل (الحكمة) والأخلاق (الفضيلة)، أو وحدة العقل والسياسة والأخلاق في علاقتها بالديني، أو الدنيوي بالديني، ولكن ليس بالصيغة المتعارف عليها في تقليد العقائد والإيمان، بل في صيغتها الإصلاحية العقلانية. إذ لم يعن الديني هنا الإيماني العقائدي، بل التراثي الثقافي. مما حدد بدوره الارتباط الواعي بالأنا الحضارية وتقاليدها الروحية من جهة، واستيعابها الجديد لوحدة هذه العلاقة في الظروف الملموسة من جهة أخرى. بمعنى الطابع الملموس للبدائل السياسية والأخلاقية والدينية، بوصفها العناصر الأساسية التي بحث فيها الكواكبي عن أسباب الفتور العام. لهذا نراه يتكلم في بداية (أم القرى) عن ضرورة ما اسماه "ببيان الحالة الحاضرة وأسباب الخلل وإنذار الأمة وتوجيه اللوم للأمراء والعلماء"، وكذلك ضرورة "التشخيص السياسي المدقق" للواقع  الإسلامي من خلال البحث عن "مراكز المرض ليتعين بعد ذلك الدواء الشافي"، ثم كيفية "إدخاله في جسم الأمة بحكمة تصرع عناد الوهم"[21]. فعندما يشير إلى أن "السياسة والدين يمشيان متكاتفين، وان إصلاح الدين أسهل منالا وأقوى وأقرب طريقا للإصلاح السياسي"[22]، فإنه لم يقصد بذلك موازاة الديني والسياسي، ولا أولوية الديني على السياسي، بقدر ما انه وضع "الترتيب" العملي للإصلاح انطلاقا من ظروفه المعاصرة. فهي الصيغة التي تعكس أساسا أولوية السياسي على الديني ولكن لا في إطار معارضتهما، بل في "ترتيب" الأولويات الجوهرية. لاسيما وانه حاول التأسيس لهذه الأولوية بمعايير ومقاييس العقلانية الإسلامية ومضامينها الاجتماعية السياسية والديمقراطية، باعتبارها أيضا مقدمات تحتوي في ذاتها على أصالتها الثقافية في عالم الإسلام نفسه.

وقد حدد ذلك وعكس في فكرته الإصلاحية قيمة التنوير بشكل عام والثقافة بشكل خاص. فهو لم يقف عند حدود التنوير الداعي للقضاء على الجهل باعتبارها مقدمة النهوض العلمي والأخلاقي، بل وانهماكه في تدقيق كيفيته وأساليبه من اجل توجيهه العملي.ووجد في كل ذلك عملية ضرورية ينبغي أن تساهم في إشراك الجميع ببناء الوحدة الاجتماعية المثلى. من هنا وضعه في (وظائف الجمعية) مهمات تعميم القراءة والكتابة والترغيب في العلوم والتخصص في المدارس وإصلاح أصول تعليم اللغة العربية والعلوم الدينية والتربوية والسعي إلى استغلال كل ما يمكنه أن يكون نافعا وايجابيا في الوجود الواقعي للأمة. ومن هنا اقتراحاته بحمل أهل الطرائق (الصوفية) على الرجوع إلى الأصول الملائمة للشرع والحكمة في الإرشاد والتربية المريدين وتكليف كل فرقة منها بمهمة من المهمات مثل تحميل الطريقة القادرية مهمة إشاعة تعليم الأيتام، وأخرى بمواساة المساكين وثالثة بالتمريض وأخرى بالتنفير من المنكرات (كالمسكرات وما شابه ذلك)[23]. أما التجلي الأعمق والأوسع والأدق لهذه النزعة التنويرية الثقافية، فإنه يبرز في وحدة وكمون الفكرة الثقافية في الفكرة السياسية، والفكرة السياسية في الفكرة الثقافية كما هو واضح في تناوله لعلاقة الاستبداد بالجهل، والحرية بالمعرفة. فهو لم ينطلق من انه لا استعباد ولا اعتساف ما لم تكن الرعية حمقاء تتخبط في ظلام الجهل وتيه العماء. وإن المستبد نفسه لا يخشى علوم اللغة ولا يخاف من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد، بل أن المستبد ترتعد فرائصه من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية والفلسفة العقلية وحقوق الأمم والسياسة المدنية والتاريخ المفصل والخطابة الأدبية. فالمستبد يخاف من العلوم التي "توسع العقول وتعرّف الإنسان ما هو الإنسان وما هي حقوقه"[24].

إن الوحدة الحية لكمون الفكرة الثقافية في الفكرة السياسية والفكرة السياسية في الفكرة الثقافية تكشف عن تذليل عقلانية الإصلاحية الإسلامية للذهنية السلفية المعاندة والاستبداد السلطوي، من خلال تأصيلها لمفاهيم العقل العملية، باعتبارها أجزاء ضرورية في منظومة الإصلاح. وبلغ ذلك ذروته في فكرة نقد الذات الاجتماعية والتنوير الثقافي الشامل. مما حدد بدوره حدود النزعة النقدية للإصلاحية الإسلامية وارتباطها بقضاياها التاريخية والوجودية والروحية الخاصة. وبهذا تكون قد أسست لعناصر المنظومة الفكرية الأصيلة، مما الزمها بضرورة التأصيل للأصالة. 

***

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

.......................

[1] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص126.

[2] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص128.

[3] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص145.

[4] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص268.

[5] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص262

[6] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص153.

[7] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، ص405.

[8] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص253.

[9] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص253.

[10] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص253-257.

[11] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص190.

[12] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص193.

[13] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، ص394.

[14] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، ص352.

[15] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، ص342.

[16] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، ص346.

[17] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص188.

[18] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص188.

[19] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص188.

[20] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، ص282.

[21] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص137-138.

[22] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، ص345.

[23] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص286-289.

[24] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص289.

 

 

اكرم جلال﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24].

صورةٌ مِن نُور رَسَمَتها لنا الآية الكريمة وهي تَعكس في مَضمونها أبعاداً تَرسم طَبيعة العلاقة معَ الله تعالى، علاقَة لابُدّ لها مِن أسُس وأواصِرَ وَوَشائج وعناصر فَرَضَتْها الفطرة البَشريّة، بها يَهتدي الطالبون وَيَنجو المُحبّون؛ رَوابط وعلائق مُتَعددة كالتبتّل والاستغفار والدُّعاء والأذكار، والخوف والرجاء ،والأنس والعشق والأنقطاع، وغيرها الكثير.

تِلكَ الروابط بِمَجموعها تُشكّل أطيافاً مِن مسالك نُورانية، تَتَناسَق وَتَتَجانَس مَعَ بعضها البعض لتُكوّن جُسوراً يَعرُجُ مِن خلالها السائِل نَحو المُعطي، خَلْوَةٌ بَين الحَبيب والمَحبوب؛ رَوابط وَمَسالك وَدَلائل يَستَدلّ بها المريدون في الوصول نحو الكمال المطلق، وَلكُلّ مِنها أسلوبه ومنهجه وأثره في تَعميق الإرتباط والتواصل مع الله جل وعلا‏، وأن هذه الأواصر تَتَفاوَت وَتَتَباين مِن شَخص لآخر تبعاَ لميله وانسجامه ولِعُمق وَعيه وإدراكه، ونحن في هذا البحث المقتضب نَتَوقّف عند أبلَغها أثراً وأعمقها دلالة وهو الحُبُّ الإلهي.

ففي مناجاة المريدين للإمام زين العابدين يقول فيها: (إلهِي فاسْلُكْ بِنا سُبُلَ الْوُصُولِ إلَيْكَ، وَسَيِّرْنا فِي أَقْرَبِ الطُّرُقِ لِلْوُفُودِ عَلَيْكَ، قَرِّبْ عَلَيْنَا الْبَعِيدَ، وَسَهِّلَ عَلَيْنَا الْعَسِيرَ الشَّدِيدَ، وَأَلْحِقْنا بِعِبادِكَ الَّذِينَ هُمْ بِالْبِدارِ إلَيْكَ يُسارِعُونَ وَبابَكَ عَلَى الدَّوامِ يَطْرُقُونَ، وَإيَّاكَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يَعْبُدُونَ، وَهُمْ مِنْ هَيْبَتِكَ مُشْفِقُونَ، الَّذِينَ صَفَّيْتَ لَهُمُ الْمَشارِبَ، وَبَلَّغْتَهُمُ الرَّغآئِبَ، وَأَنْجَحْتَ لَهُمُ الْمَطالِبَ، وَقَضَيْتَ لَهُمْ مِنْ فَضْلِكَ الْمَآرِبَ، وَمَلأْتَ لَهُمْ ضَمآئِرَهُمْ مِنْ حُبِّكَ وَرَوَّيْتَهُمْ مِنْ صافِي شِرْبِكَ، فَبِكَ إلى لَذِيذِ مُناجاتِكَ وَصَلُوا، وَمِنْكَ أَقْصى مَقاصِدِهِمْ حَصَّلُوا 1).

كلماتٌ تَحِيرُ فيها الأفهام وَتَجِفُّ عِندَ وَصفها الأقلام، صَدَرت عن قلب مُحب كالإمام عليه السلام، يسأل الله فيها أن يُعينَه في أن يَسلك بِهِ سُبُل الوصولَ إليه، وَيجتازَ به اقربَ الطُّرق وأقْصَرَها للوفود عليه. كلمتان لابُدّ من التوقف عندهما: الأولى "سُبُل" والثانية "طُرُق"، والكلمتان جاءتا بصيغة الجمع، وهذا تأكيد لما تقدم ذِكرُه مِنْ أنّ لله سُبلاً كثيرة وطُرقاً مُتَعَددة من أجل الوفود عليه وبلوغ ساحة مرضاته.

الحُبُّ أوثَق تلك العُرى وأقواها؛ به تُهدَم الأسوار وَتُجلى الأبصار وَتَشُعّ الأنوار؛ يَطلُب الإكثار ولا يَقنَع بالإختصار؛ يَسلك العَبد به أعلى الدّرجات وأبلَغ المَرتبات وأشرف الكَرامات. والحُبّ كما عَرّفه أهل اللغة أنه (الوداد والمحبّة والميل الشديد، ويُقابله البغض والتنفّر. والتحبّب هو إظهار الودّ والحبّ 2).

روي أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: (يا داود من أحب حبيبا صدق قوله، ومن رضي بحبيب رضي فعله، ومن وثق بحبيب اعتمد عليه، ومن اشتاق إلى حبيب جد في السير إليه، يا داود ذكري للذاكرين، وجنتي للمطيعين، وحبي للمشتاقين وأنا خاصة للمحبين. وقال سبحانه: أهل طاعتي في ضيافتي وأهل شكري في زيادتي وأهل ذكري في نعمتي وأهل معصيتي لا أو يسهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم وإن دعوا فأنا مجيبهم وإن مرضوا فأنا طبيبهم، أداويهم بالمحن والمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب. اعلام الدين للديلمي مثله. 3).

إنّ مَراتبَ الحُبّ تَتَفاوَت تَبَعاً لدرجات إيمان العبد، ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾ [سورة البقرة الآية: 165]، والحُبّ في عُمق تَكوينه يَنبَع مِن حَقيقة فَقْر العَبْدِ واحتياجهِ للمالك والمعطي، إنّه السّرُّ الغَيبي الذي يأخُذ بِيَد العَبد الفَقير نَحوَ مالِك المُلك، إنّه سَيرُ المُحتاج نَحو المُعطي، هو ملجأ الضَعيف وكنز الفقير. إنّ أصدَق آيات الحُبّ وأبلغها تلك التي تَنبَع مِنَ الإتّباعِ والإنقياد والسّير على خطى النبيّ وآله الأطهار، فَكُلّما أزداد منهم تقَرُباً وارتقى بِحُبّهم علواً كُلّما كانَ بُلُوغه إلى ساحَة القُدس الإلهي أقرب ومَحضَر قُربِهِ أوكَد وَحُبّه لله أَشد، ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31].

والسَّيرُ نَحو إدراك مَحَبَّة الله قد لا يَكون سَهلاً يَسيراً، فهذا الأمر صَعْبٌ مُستَصْعَب وَسُبُلُه شائِكَة وَعِرة ذاتَ أشواك ومَزالق، لكنّ قلوب المُشتاقين تَهفُو وَلِقُرب الحَبيب تَصبُوا، والصفقة مُربحة ويَهون دونها السير ولو فوق جمار من نار، فالطريق إذن سَهل يَسير لِمَن كانت خطواته ثابتة مُسرعة نَحو مَنبع الحُبّ، ففي الدعاء عن الإمام الحُسين عليه السلام: (عميت عين لا تراك عليها رقيباً ، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيباً 4).

ثم إنَّ الذُنوب والمَعاصي تُضعِف الإيمان وتُمرض القلوب فتقسو وتنطفئ أنوار المحبة فيها فيتحول هذا الظلام الى حجاب يمنعها من إلإستضاءة بنور الله ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74].

وإنّ المَعاصي تَقفلُ القُلوب وتُميتها وتَمنَعها مِن تَلَقّي الفيوضات الإلهية، فَتَعيش الحَيرَة والغَفلة عَن ذكر الله، فَتُحرَم من لَذّة قُرب الله وَشُرب عَذب قربه، فعن الامام زين العابدين عليه يقول: (إلهي ما أطيب طعم حبّك وما أعذب شرب قربك 5) .

إنّ لهذا الحُبّ سراً وعَجَباً، فالقلوب عندما تُحب يَشُدها الشَوق وَتَحنّ الى شَربة من عَذبِ ماءِ القُرب الإلهي، شَوقٌ صادق وَمَحَبة صحيحة وانقطاع تام الى منبع الحُبّ ومصدر الشوق، ففيما جاء في صحيفة إدريس عليه السلام أن الله يقول: (طوبي لقوم عبدوني حباً ، واتخذوني إلهاً ورباً ، سهروا الليل ، ودأبوا النهار طلباً لوجهي من غير رهبة ولا رغبة ، ولا لنار ، ولا جنة ، بل للمحبة الصحيحة ، والإرادة الصريحة والانقطاع عن الكل إلي 6).

وَحينما يَرتَوي القَّلبُ من نَبعِ الحُبّ وَيَمتلئ مِن فيوضاته يَتَحَوّل بذلك الى نُورٍ قُدسي ملؤُهُ الحُبّ وَشَمسٍ يَقينيّة من فُيُوضات الكَمال المُطلق، فَهُو أينما أتّجه وَنَظَر وَفَكّر فإنه لا يَميل ولا يَرتَوي مِن غَير نَبع الواحد الأحد، وسَيَرى كلَّ الاشياء بنور شُعاع قَلبه العاشق وَيُبصِر حَقائق المَلكوت وخَفايا الدُنيا والآخرة وحقائق الأشياء وأسرارها بذلك الحب الذي هُو مِن مَصدَر ومنبع الحب المطلق.

ولأنّ قَلبَ المُحِب لا يَجمَع النَّقيضَين معاً، فَحينما يَرتوي شراباً عذباً طهوراً من يد الله الملأى عَفافاً وكرماً فالقَلب بَعدها لا يأنس بغَيره ولا يَستلذّ شراباً من سواه. ومِن هنا يَبدأ السير نحو غَربَلَة القُلوب من الشّوائب والأدران وتَعميق الشوق والوداد نحوه وَفَكّ الأغلال والأصفاد ونَبذ كلّ ما هو دون الله وإكمال السير وطي المراتب نحو الحبيب الأوحد.

إنّها صَفقَة رابِحَة وَعلاقَة صالِحَة بين المُحب والمَحبوب، صفقة فاز فيها مَن مَلأ قَلبَه حباً للمحبوب الأعلى دون شريك غيره يرتجى، وإنْ سَعى العبد لمودة غيره فهو إنّما طالباً للدلالة وقاصداً للوَساطة وأنّ حُب غيره إنّما هو بقصد الوصول لساحة قدسه ونبع فيوضاته، لا أن يشاركه أحد في مملكته ،فالمحبوب واحد لا شريك له ولا عديل ولا كفؤاً له ولا بديل، (وَ أَسْتَغْفِرُكَ مِنْ كُلِّ لَذَّةٍ بِغَيْرِ ذِكْرِكَ ، وَ مِنْ كُلِّ رَاحَةٍ بِغَيْرِ أُنْسِكَ ، وَ مِنْ كُلِّ سُرُورٍ بِغَيْرِ قُرْبِكَ ، وَ مِنْ كُلِّ شُغُلٍ بِغَيْرِ طَاعَتِكَ 7) .

وکانَ فيما أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: (يا داود ، أبلغ أهل أرضي أني حبيب من أحبني وجليس من جالسني ومؤنس لمن أنس بذکري وصاحب لمن صاحبني ... ما أحبني أحد أعلم ذلك يقينا من قبله إلا قبلته لنفسي ، وأحببته حبا لا يتقدمه أحد من خلقي ، من طلبني بالحق وجدني ، ومن طلب غيري لم يجدني ، فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها ، وهلموا إلي کرامتي ومصاحبتي ومجالستي ومؤانستي ، وآنسوني أونسکم وأسارع إلي محبتکم 8).

إنّ سُلطان الجّوارح هي القُلوب المُبصرة، فَحينما تَستقر حَلاوةَ حُبّ الله ولَذّة قربه فيها سَتَسير عندها الجوارح طائعة خاضعة نحو ربها مسرعة، ولأن القلب هو الأكثر إدراكاً والأعمق بصيرةً من باقي الجوارح، بل هو سيدها ودليلها في مسيرة التكامل نحو نيل فيوضات الحب الإلهي، فحينما يَطرق باب القلب حباً محمدياً أو علوياً أو فاطمياً أو حسنياً أو حسينياُ ، أو حب الأئمة من بعدهم، فأعلم أنّك قد أدركت أسرع الطرق لبلوغ تمام الحب الإلهي، إنّك سَتَجد نَفسَكَ تَسير بهم نحو الله، وتَتَقرّب بذكرهم لذكر الله، وبقُربهم لقُرب الله، وبِحُبّهم لحبّ الله ، فَتَراهُم أدلّائك ووسطائُك الى الله؛ إنّك ستدرك بإيمان ويقين أنّ بلوغ المقامات السامية والمَراتب العالية وملأ القلب من عذب شراب حب الله والشَوق اليه والأنس بقربه ونيل حقيقة معرفته، لا يدرك ولا يَكتَمل بدرجاته المطلوبة ومراتبة المرغوبة الّا بمعرفة وحب المصطفى وأهل بيته الهداة المهديين عليهم السلام.

إنّ إدراك مَحبّة الله هيَ غايَة السائلين ومُنى طَلَب الطالبين ومنتهى آمال العارفين، وإنّ العارف يَنظُر الى الأمور جميعاً بنور الله جل وعلا، فَمَن يَصل الى مَقامات ملكوتية عالية ومراتب الحالات الشهودية لا شك أن الله سيجعل له نوراً يمشي به في الناس ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: 122]، وأن سَيره لا يتوقف نحو مَصدَر الكَمال ومَنبَع الجَمال وأنّ هذا السّير لابُدّ لَهُ من زاد وعُدة، وَرغبة في أمَل وشدّة في عَمَل، ووسيلة تَسير به لِطَيّ المراتب وإدراك أعلى المناقب، وأنّ أوثق الدروب وأقرَبَها وأقوَمَ المناهج وأصدَقَها الى إدراك الحُبّ الإلهي إنّما يَتَمَثّل بالحُبّ الحُسَيني (وَ يَا غَايَةُ آمَالِ الْمُحِبِّينَ ، أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَ حُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ 9)، فالإمام الحُسين عليه السلام رسالةً ومنهجاً وعطاءً، إنّه الدليل الى الله عبر الأزمنة والدُهور، سَفينة النّجاة مِنَ الظلمات والديجور نَحو مَنبَع الحُبّ والنّور وأنّ حبّه وموّدَتَه إنّما هيَ خُلاصة حُبّ الله، فَمَن أدرك حقيقة القُرب الإلهي والشُرب من زُلال نبعه الصافي لا بد أن يَكون للإمام مكاناً في قَلبه، وأنّ التَودد اليه عليه السلام والتَّعَرّف عَليه والتمسك بنَهجه والسير على خطاه إنما هي مناهج سليمة ومسالك أمينة نحو إدراك أعلى مقامات الحب الإلهي.

قال الإمام الصادق (عليه السلام) المشتاق لا يشتهى طعاما ويلتذ شرابا ولا يستطيب وقادا ولا يأنس حميما ويأوي دارا ولا يسكن عمرانا ولا يلبس ثيابا ولا يقر قرارا ويعبد الله ليلا ونهارا راجيا بان يصل إلى ما يشتاق إليه ويناجيه بلسان الشوق معبرا عما سريرته كما أخبر الله تعالى عن موسى (عليه السلام) في ميعاد ربه (وعجلت إليك ربى لترضى) وفسر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حاله انه ما اكل ولا شرب ولا نام ولا اشتهى شيئا من ذلك في ذهابه ومجيئه أربعين يوما شوقا إلى ربه فإذا دخلت ميدان الشوق فكبر على نفسك ومرادك من الدنيا وودع جميع المألوفات واصرفه عن سوى مشوقك ولب بين حياتك وموتك لبيك اللهم لبيك عظم الله اجرك ومثل المشتاق مثل الغريق ليس له همة إلا خلاصه وقد نسي كل شئ دونه 10).

 

د. أكرم جلال

...................

1- الصحيفة السجادية الكاملة: 312 ، و بحار الأنوار: 91 / 147 ، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي.

2- لسان العرب لابن منظور ج 1، ص 289.

3- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 74 - الصفحة 42.

4- بحار الانوار 226: 98.

5- بحار الانوار 26: 98.

6- بحار الانوار 467: 95.

7- الصحيفة السجادية الكاملة: 326 ، و بحار الأنوار: 91 / 151 ، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي.

8- بحار الأنوار 26: 70.

9- الصحيفة السجادية الكاملة: 315 ، و بحار الأنوار: 91 / 148 ، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي.

10- مصباح الشريعة ص196 ، تفسير الصافي ج3 ص316 ، تفسير البرهان ج5 ص181 الحديث 1.

 

ميثم الجنابيالمفارقة التاريخية لوعي الذات الإصلاحي الإسلامي (1)

إن المفارقة التاريخية التي رافقت ظهور العالم الإسلامي الحديث تقوم في ولادته كبيرا. مما حدد بالضرورة عسر تربيته وصعوبة انقياده بما في ذلك لنفسه. وذلك لأن انهيار الإمبراطورية العثمانية (التركية) كان يعني أيضا انهيار روح العظمة الزائفة واستظهار عجزها الذاتي. لقد اثبت ذلك وكشف في الوقت نفسه، عن أنها لم تكن إمبراطورية بالمعنى الدقيق للكلمة، ولم تكن قادرة على أن تكون إسلامية، لأن هويتها النهائية كانت تذوب منذ عهد بعيد في تركية عديمة المعالم. فقد كشفت عما وراء لباسها الإمبراطوري المزركش وهيئتها الانكشارية عن جسد عجوز. أما الحداد الجنائزي الذي أعدته الإمبراطوريات الأوربية المنتصرة فقد كان يكشف عن قوة وشكيمة وإصرار في التهام كل ما يمكن التهامه على انه غنيمة العصر، والثأر التاريخي الذي لازم مخيلة شعوب القارة الأوربية لقرون عديدة.

وقد فرض هذا الواقع معادلة جديدة كانت مقوماتها تامة الكمال في طرفي الصراع الشرقي ـ الإسلامي والغربي ـ النصراني. أنها أحدثت ما كان ينبغي له أن يحدث مطبقة حذافير الفكرة القائلة بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك!! وكشفت في الوقت نفسه عن أن ما جرى هو نتاج لما استقر في أطراف الصراع. وبهذا المعنى كان الضغط الأوربي وإجباره الحضاري الجديد نعمة تاريخية أيضا بمضمونها الثقافي والسياسي، لأنه كشف عن أن العالم والتاريخ نار تحترق بمقدار وتنطفئ بمقدار.

غير أن للإجبار الحضاري معناه العميق بما في ذلك في وجوده كأسلوب مؤثر في صيرورة الحضارة ذاتها. ففي الإجبار يندثر الماضي وتتمظهر في ظل قواه المتصارعة الإمكانات الجديدة في مختلف أشكالها على أنها بدائل "للانبعاث" الجديد. إلا أن هذا الاندثار هو الصيغة التاريخية التي يحددها توازن القوى وكيفية ظهورها. ذلك يعني بان الإجبار الحضاري هو في الوقت نفسه أسلوب وجود الحضارات وتعايشها وتصارعها، لأنه يتضمن في ذاته إمكانيات البدائل. وبالتالي، فانه يضع معيار الاستمرار "الموضوعي" في صراع الحضارات. وما عدا ذلك، فان لكل إجبار معناه الثقافي.

فعندما نقف على أرضية التاريخ الفعلية، فان الخطوات المتخذة لا يمكنها أن تتعدى قوة ذواتها الفاعلة. ذلك يعني، بان الإجبار الحضاري هو في الوقت نفسه الأسلوب المناسب للتعبير عن الطاقة الذاتية للصعود والهبوط. فهو يستمد مقوماته من مبادئ نشوئه الأولى. إذ ليس الصعود الحضاري سوى نمط تجلي الانفتاح المتزايد في بواطن المبادئ الكبرى. وينطبق هذا بالقدر ذاته على إمكانيات هبوطه. بصيغة أخرى، إن العمق الذاتي للثقافات الكبرى هو عمق مبادئها الأساسية، ومنطلقها الأول، وعلى كيفية انكسارها في ظل الصراعات الواقعية تتوقف أنماط "تهذيبها". إلا أن ذلك لا يعني بان التطور التاريخي للثقافات وأساليب وعيها تختبئ بصورة غائية في فعلها الأول. إن فرضية كهذه لا تفعل في الواقع إلا على تأمل ما جرى باعتباره قضاء وقدرا. ومن ثم تحول التاريخ إلى فعل ثابت، معطى مرة واحدة والى الأبد. أما في الواقع فإن "جموده" يقوم في أسلوب رؤيته. فالتاريخ لا يعرف صعودا إلا في مقابل هبوط، ولا هبوط إلا في مقابل صعود. بل انه غالبا ما يعي ذاته ومظاهره الثقافية في مقولات الصراع والتحدي. وفي هذا الوعي يمكن افتراض فرضيات لا تحصى، ولكنه ملزم مع ذلك بالوقوف أمام حقيقة كمون الحاضر في الماضي، والماضي في مبادئه الأولى أو بؤرته الثقافية.

كان الإجبار الحضاري للغرب الأوربي في مواقفه تجاه الشرق وتأثيره عليه هو إجبار في مفاهيم وقيم الخضوع والسيطرة. انه أثر من آثار القوة وموازينها، وليس نتاجا للروح الإنساني في كينونته الفاعلة. فالأخيرة ليست كيانا ما قائما بحد ذاته، أو قوة مغتربة تمتلئ في الفعل التاريخي كما لو أنها تجل لقانونية الحكمة أو حكمة القانون (الطبيعي أو التاريخي)، بقدر ما أنها الروح المّنسق للوحدة. غير أن هذه الوحدة لا تعني التجانس المطلق أو الهدوء الوديع، وذلك لأنها لا تفترض في صيرورتها حد النهاية، بل هي قوة الفعل الحية للصراع أيضا. بعبارة أخرى، إن الكينونة الفاعلة للروح الإنساني لا تفترض بالضرورة مطابقة التاريخ الفعلي مع الواجب المثالي، بل تشير إلى ما في غياب التطابق هذا من "نقص في الكمال"، باعتباره الهوة الواقعية التي تقف أمامها على الدوام مساعي الثقافات الإنسانية.

فقد كان من الممكن النظر إلى انهيار العالم الإمبراطوري العثماني على انه نعمة أيضا، وذلك لأنه ابرز إلى الوجود تعددا إسلاميا وقوميا جديدا، مما افترض في ذاته تكون وتعمق عناصر رجوع الأمور إلى نصابها الحق. انه استثار مشاعر الرجوع للمصادر الأولى. وبالتالي تثوير الروح الإصلاحي والراديكاليات الاجتماعية والسياسية والثقافية. فقد واجه كلاهما هذا الواقع الجديد بحماس خاص تضمن في ذاته كل التناقضات المميزة للواحدة الحية. فقد سلك العالم الإسلامي هنا سلوك البدوي الذي أجاب عن سؤال عما إذا كان يعاني من البرد، وهو عار في الفلاة، بعبارة: "أن نسبي يدفئني"!! وإذا كان هذا الرد يبدو ساذجا باعتبارات الجسد، فانه عميق باعتبارات الروح. فهو يكشف عن أن للجسد دفئه الباطن فيما وراء جلده العادي، أي كل ما يربطه بمشاعر الانتماء غير المرئية.

فقد كان هذا الباطن التاريخي لقوميات "الأمة الإسلامية" يكمن في شعورها العميق بإرثها الثقافي. مما كان يهدأ في ذهنية وسلوك الإصلاحيات الإسلامية والراديكاليات السياسية ورع الضمير المضطرب ويمده في الوقت نفسه بشعور الثقة المستند إلى الفكرة القائلة بأن الحياة في حروبها دول، أي متغيرة ومتبدلة. وفيما لو أزلنا شاعرية هذه الصورة وتجريدها عن كل ما يبدو في لغة الأدب تعبيرا عن مأساوية المصير وبطولة المواقف، والنظر إليها في واقعها التاريخي، فإن المعادلة الجديدة فيما بين الغرب والشرق كانت تتمحور في كينونة التحدي الجديد بين شروق الغرب الأوربي وغروب الشرق الإسلامي، أي كل ما كان يرافق عملية الإجبار الحضاري، التي اخذ "الغرب" يفرضها على "الشرق".

لقد كان لهذا الإجبار الحضاري مقدماته الدامية في التاريخ الأوربي. فهو يظهر كما لو انه إنكار ونفي وخيانة لتلك الأجنة الكبرى في روافده المدنية، أي في تكوّن ونمو عناصر النزعة الإنسانية في عصر النهضة، ومحاربة المركزية الكنسية والدوغمائية الدينية في عصر الإصلاح، والتثوير المعرفي ـ الثقافي لعصر التنوير، وتطور العلوم التجريبية ودورها في ترسيخ العقلانية والدنيوية وما إلى ذلك. إضافة إلى قيم الليبرالية والديمقراطية البرجوازية المنتصرة. أما في الواقع فانه لم تكن هناك خيانة ولا إنكار ولا نفي. لقد سار كل شيء على انه جزء من كلّية الصيرورة الرأسمالية وتراكمها النهم، أي الملازمة لمرحلة الانتقال من الطر الديني السياسي إلى الطور السياسي الاقتصادي في التطور التاريخي الأوربي. وقد كانت هذه العملية عميقة المحتوى وبعيدة الأثر بحيث نقلت الكيان الأوربي، رغم تجزئته المتفاقمة، إلى وحدة جديدة من خلال فرض أولويات مركزيته في وعيه الذاتي. وهو ما يفسر لحد ما غياب رؤية الغير وآثارهم فيه. لهذا أصبح من الممكن أن يفترض الأوربي في تاريخه العلمي والفلسفي والأدبي تلقائية تطوره الذاتي. وهي نظرة واقعية للأنا الأوربية. إلا أن هذا الافتراض الصارم في تجاهله للغير يتضمن البقايا المقلوبة للهمّ الشرقي في الوعي التاريخي الأوربي ووجدانه. ومن الصعب توجيه اللوم إلى ظاهرة من هذا النوع، ما زال التطور الأصيل يستلزم بالضرورة النفي الدائم لمقدماته. فمن الصعب على الشجرة مثلا، أن تلتفت في نموها إلى بذرتها الأولى، ما زالت هي ذاتها تعطي في ثمارها البديل الكمي والنوعي لبذرتها الأولى. إضافة لذلك، ترتبط هذه القضية بتكامل وعي الذات. إذ حالما يحدث ذلك، فانه يؤدي بالضرورة إلى تعميق عملية الإبداع استنادا إلى قواها الخاصة. آنذاك تصبح المطالعة الخارجية جزءا من التراث الحضاري، أو جزءا من تعميق معرفة الذات ومحاولاتها الإحاطة بكل ما هو موجود. وبالتالي تساهم في أنسنة الرؤية رغم كل مثالب هذه العملية بالنسبة لأولئك الذين يصبحون موضوعا أو مادة للدراسة المتأملة. فالعقل المسلوب يمكن أن يتألم لهذه الظاهرة أو يتحسسها ومع ذلك فانه لا ينبغي أخذها على محمل الجد من وجهة نظر تعميق وعي الذات الثقافي. بل ينبغي أخذها على أنها معطيات وليست أحكاما وقيما. فهي في أفضل الأحوال مجرد فرضيات لا غير.

فقد جرى التطور الداخلي لأوربا من خلال الرجوع إلى المصادر اليونانية في الفكر، والرومانية في السياسة، والنصرانية الأولى في إيمانها الوجداني، مرورا بالوساطة العربية[1]. أما التطور الخارجي فقد ارتبط، فيما لو استعملنا عبارة القدماء، بقوى النفس الغضيبة لخيالاتها المشرقية. "فالاكتشافات" الجغرافية لم تكن في احد جوانبها، سوى نتيجة تتبع حاستي الشم والنظر الأوربيتين لبريق الجواهر الشرقية وأريج عطوره وروائح توابله المغرية.

ولا يعني ذلك الانتقاص أو التقليل من شأن هذه "الاكتشافات". فقد كانت دون شك، "اكتشافات" للوعي الأوربي وتوسيعها لمداركه. بمعنى أنها وضعت جغرافية العالم لا في جغرافيته الواقعية، بل في تصوراتها البدائية. وهو ما نعثر عليه في ثبات الوهم القائم في تسميات عديدة كهنود أميركا وما شابه ذلك. ولكن إذا كانت هذه الاكتشافات تمتلك قيمتها في مدارج الوعي الأوربي، بما في ذلك في مركزية تصوراته" العالمية"، فلأنها استجابت لمساعي إبداعه الخاص. فقد جرى تحسسها وتلمسها وإدراكها في معترك البحث الدءوب. وهي الصفة الملازمة لكل إبداع حي، تماما بالقدر الذي عادة ما تؤدي به في البداية إلى إطفاء ورع التواضع المعرفي. وبما أن الأخير كان على الدوام من هواجس الفكر الكبير، فان الاندفاع المتحمس ل"للاكتشافات" الجغرافية، لم يكن حبا للمعرفة ولا توسيعا للمدارك. انه لم يكن "تقليدا" لروح الإغريق القدماء، بقدر ما كان استجابة لسطوة الأوربية الرومانية، أو المادية الشرهة. مما عمق في آن واحد نفسية النفس وشهوة نوازعها المادية. ومن الممكن رؤية هذه الحصيلة ليس في أدب السياسة الأوربية منذ مكيافيللي، بل وفي أدبها الشعري والروائي أيضا.

أدت هذه العملية في مجراها وفي حصيلتها الأولى إلى صنع الأسطورة المثيرة عن "الشرق". مما ولد إلى جانب تهويل هالتها الظاهرة إغراء كوامن السطوة والاغتصاب واستثارة لعاب السرقة ومشاعر الارتياب تجاه من يقف بالضد منها. مما أثقل النفس الأوربية بخطاياها. واثأر فيها روح الغزو والاستيلاء. وذلك لان "اكتشافات" الوعي الأوربي الجديد للشرق استثارت فيه روح المغامرة، وتثلم معارفه الشخصية القديمة. لكنها أرست في نفس الوقت الأساس الموضوعي للاحتكاك السياسي الحضاري الجديد، الذي دفعه تطور البرجوازيات الأوربية إلى نهايته المنطقية: التوسع العسكري والنهب الاقتصادي!! وهي ظاهرة متميزة وفريدة في التاريخ العالمي سواء من حيث فعلها وغاياتها وآليتها ونتائجها.

فقد كان التاريخ العالمي في مساره العام، احتكاما أمام محرابه الذهبي. وبالتالي فلا معنى هنا لاتهام "الآخر" وتبرير النفس في أفعالهما التاريخية. فالأخيرة هي ليست معمدانا للروح الأخلاقي، بل وشمعدانا للصوص! أو على الأقل، إنهما اختلطا على الدوام بإنتاجهما نماذج الوحدة المتناقضة باعتبارها صيرورة للحضارات ومدنياتها. وبهذا المعنى كان التوسع العسكري والنهب الاقتصادي الأوربي، اللذان رافقا صيرورة البرجوازية هو نتاج طبيعي لغياب التكافؤ الاجتماعي والثقافي والعلمي في إحدى مراحل التطور التاريخي العالمي. مما أدى بالضرورة إلى أن لا تتحدد أفعاله بغاياته، ولا آليتها بنتائجها. وإذا كان هذا اللاتطابق هو بمعنى ما إحدى القوى المحركة للتطور التاريخي، فانه شكل أيضا معيارا نموذجيا أو مؤشرا متميزا في إدراك خصوصية الثقافات الكبرى.

فالغايات الكامنة في النزوع البرجوازي للأمم الأوربية لم تكن واضحة المعالم. فهي لم ترتبط بغايات متسامية. فمظهرها المباشر الذي يوحي بالعقلانية المفرطة، ما هو في الواقع سوى أثر معكوس للمادية المبتذلة وأوهامها. ولهذا كان بإمكانها أن تستعمل كل الذخيرة الهائلة للخيال الكاثوليكي والبروتستانتي من اجل البرهنة على أن ما تقوم به، بما في ذلك خارج نطاق وجودها "الطبيعي"، على انه استمرارية لمعجزة المسيح. فهي أيضا تبعث ما في قبور الموتى من كنوز وتشفي الذات من أمراضها. أنها تفترض في آلية فعلها أهدافا لا تتطابق مع غاياتها الفعلية. وعندما أعطى هيغل في وقت لاحق لهذا المسار من خلال تأمله إياه صفة العالمية، فإنه يكون قد اقترب من حقيقة الذات. ولكنه حالما يجعله مسارا للعقل فإنه يكون قد أبعده عن متاهات الادلجة الهمجية. ففي الحالة الأولى كان سبره لغور الماضي اقتحاما للمستقبل، أما في الحالة الثانية فانه يكون قد افترض عقلا لما لا عقل له. ولهذا كان مضطرا على مداعبة جنونه الذاتي بخياله، أي الرؤية المقلوبة، والاستعلاء الرزين المظهر والخاوي المعنى، والتأمل المفرط فيما لا قيمة له.

إن هذا الانقلاب المعنوي للرؤية العقلانية عن التاريخ ومحاولة حشره فيما ترتضيه مشاعر الجرمانية المتحذلقة، كان الصيغة المناسبة للمعاناة الألمانية الباحثة عن معقولية للامعقول في واقعها آنذاك، أي للعقلانية المغلقة في قوميتها الناقصة عن الكمال. أما عقلانية المسار الواقعي لفعل التاريخ الأوربي فقد كانت متضاربة المنازع والمحتوى. مما أعطى لمظهرها همجيته المناسبة. وذلك لأنها أطفأت في ذاتها ورع القيم المتسامية. أنها أعطت للفعل قيمة الإرادة. وربطت الأخيرة بالقوة (المادية). ولهذا كانت نتائجها مطابقة لآليتها. بمعنى إنتاج الهمجية الجديدة كإحدى الصيغ الأكثر حضارة للكينونة الأوربية الحديثة. فهي همجية تختلف عن تنقلات العالم القديم وهجرات الجراد، كتلك التي مثلتها القبائل الجرمانية في أوربا والمغول في آسيا. غير انه في كلتا الحالتين، جرى تعمق الخمول التدريجي لقواهم "البهيمية" من خلال اندماجهم الشامل في امتحان الثقافة والتمدن. فهي العملية التي حورت غريزة الاجتياح الجماعي (القطيعي) صوب سهول العمران ودروبه. مما ألزم الروح بواعثها في البحث عن مصادر الجمال فيما وراء القوة الجسدية. ونعثر على هذه النتيجة في تنّصر القبائل الجرمانية واندماجها في هياكل "دولها المقدسة"، وأسلمة المغول واندماجهم في صروح الإمبراطوريات الهندية ـ الأسيوية. وكلاهما اندثرا وذابا في سيلان الثقافة القديمة. وقد كانت تلك نتيجة طبيعية، بفعل افتقادهما إلى مبادئ موجهة كبرى. ولهذا كانوا ملزمين في استمدادها من نماذج الثقافة "المقهورة". أما الاكتساح الأوربي الحديث، فانه كان في جوهره انقطاعا ونفيا كبيرا لما سبق، لأنه لم يستند إلى غريزة "الخروج" الهمجية، بل إلى كبحها الذاتي. وذلك لأنها استندت أساسا إلى تثوير وعيها الذاتي، أو أنها العملية التي ألهمتها مهمة الرجوع الدائم للنفس من خلال نفيه المستمر كأسلوب يقيني في معرفة الذات. وبما أن هذه الأخيرة قد جرت من خلال تهشم وحدة الكنيسة ودعامتها العقائدية، فقد أدى ذلك بالضرورة إلى إحلال بدائل الأوربية القومية اللادينية. مما أعطى لتطورها نزوعه القومي الدنيوي (العلماني) البرجوازي. ومن ثم حدد بدوره أيضا نزوعها الخارجي نحو السطوة والاستغلال والسرقة.

فالسيطرة "المدنية" الجديدة لم تعد استعمارا بالطريقة الإغريقية ولا بالطريقة الرومانية ولا بالطريقة العربيةـ الإسلامية[2]. لقد كان غزوا اقرب إلى الهمجية المحصنة بوعيها الذاتي الضيق. وذلك لأن حوافزها وأفعالها كانت محددة بآلية الأخذ والاغتصاب والسرقة والنهب. فهي لم تعرف العطاء ولا البذل الروحي. ولهذا لم تشرك في فلك إبداعها "الغرباء" لأنها لم تنوي ذلك، ولم تلهب هواجسها وحدانية الفكر ولا توحيدية القناعة، ولا شعور الواحدية الإنسانية. ولهذا لم يكن "استعمارها" سوى تخريب المكان وتوسيع زمان الصحراء الثقافية للآخرين. وبهذا المعنى لم تختلف الصيرورة الأوربية الجديدة في الكثير من مظاهرها، عما هو مميز للتاريخ البشري المنصرم في حضاراته ككل. بمعنى استعمال القوة الداخلية وامتدادها الخارجي في شكل غزو واحتلال. إلا أن ما يميز هذه العملية الجديدة هو محوريتها المركزية في السيطرة، أي محاولة صنع العالم وصهره من جديد على مثالها.

وقد كان لهذه العملية منطقها الخاص في الثقافة الأوربية وواقع تطورها البرجوازي. أنها استندت إلى ما استقر فيها من نماذج عليا، وذلك من خلال نفيها في مجرى التطور الاجتماعي والاقتصادي والفكري والروحي والعملي التجريبي. بحيث استطاعت أن تستعيد في مجرى تطورها وحدة صراعاتها الأولى، أو نماذج وحدتها وتجزئتها. وبهذا المعنى كانت تتمثل مساعي الرأسمال في عالميته، وحب السيطرة في قوميتها. أو أنها ذاتها الصيغة الجديدة لوحدة وصراع عالمية الكاثوليكية وقومية البروتستانتية. غير أن ذلك لا يستلزم القول بتطابق هذه الصيغ من حيث فاعليتها التاريخية. أنها تشير إلى ما في نماذجها " المتسامية" عما هو قائم فعلا في صيرورة الوعي الأوربي المعاصر ووحدة انتمائه وصراعاته فيها. فقد كانت البروتستانتية، أو بصورة أدق نماذج الإصلاح الديني في واقعيتها شكلا من أشكال الوعي القومي ونزوعه نحو التحرر من عالمية الكاثوليكية أو سيطرتها الكهنوتية الشاملة. مما أدى بالضرورة إلى بزوغ الورع القومي على انه نموذج حي لاستعادة الانبعاث المسيحي. حيث جرى فيه البحث عن الخلاص الحق من الشرعية المزيفة التي حاكت الكنيسة الموحدة في غضون قرون عديدة، ثوبه الميلادي وكفنه الجنائزي. وهو ما يفسر لحد ما سرّ المواجهة التي خاضت أوربا بها صراعها ضد الشرق باسم المسيح. لقد استمدت من حوافز الكاثوليكية العالمية نزوعها الوحدوي الملكي (الإمبراطوري). إلا أن تجسيدها السلطوي كان لا بد وأن يجري من خلال تنافس قومياتها الآخذ في النفور والفرقة. فقد كانت النزعة العالمية تشكل الخلفية الموضوعية لوجود الأمم الأوربية وصراعها. أما القومية الصاعدة فقد كانت الأسلوب المناسب لفعل هذه النزعة العالمية وعملها. وساهم كل ذلك في تشكيل الخلفية المتصارعة والمتناقضة في الوقت نفسه "لأرواح" الأمم الأوربية و"ذهنياتها". وبالتالي خلفية وأسلوب مواقفها وأحكامها وتقييمها للحضارات الأخرى وثقافتها القديمة والمعاصرة. وبما انه لكل تعميم مثالبه الخاصة، لهذا تجدر الإشارة هنا إلى نسبية الحكم المتعلق بالتشابه والتجانس الكاملين في آراء الأوربيين ومواقفهم وأحكامهم للثقافات الأخرى. إذ كشف تاريخ الوعي الأوربي ومدارسه وما يزال، عن تعارض وتضاد يصل أحيانا حد القطيعة فيما بين اتجاهاته بصدد تقييم ثقافته نفسها وثقافات الآخرين. غير أن هذه العملية ما زالت في تناقض لم يحسم نهائيا بعد لصالح التعددية الثقافية. فقد أثار القرن التاسع عشر مسألة ما إذا كان "الغرب" مدينا في ثقافته الفلسفية الإغريقية "للشرق" أم لا. لكنه حسم الإجابة لاحقا لصالح "الغرب الأوربي". وهي إجابة عميقة المحتوى ودقيقة من حيث مكوناتها وفاعليتها الواقعية. ولكنها عوضا عن أن تثبت دعائم التعددية الثقافية، انهمكت في نسج خيالها الثقيل عن عالميتها. ولم تكن هذه الضحية المأسوية للعقل والضمير معزولة عن مكونات الوعي السياسي الأوربية وروح الميكيافلية العميقة فيه. الأمر الذي ساهم ويساهم في رفع عناصر القوة والتفوق والسيطرة إلى مصاف المطلق السياسي والفضيلة العملية.

وقد كانت النتيجة النهائية لهذا الواقع تقوم في صهر الوعي الثقافي الذاتي في بوتقة الانتصارات العسكرية والتكنولوجية وتطويعها النظري والعملي في المواقف. فقد كانت تلك الانتصارات التجسيد المتعاظم والآلي للروح الثقافي. مما أغرى آلية التفكير، بفعل استقامة الميكانيك والآلة، إلى جعل القوة المادية أسلوب وبرهان القوة الروحية والحق. وإذا كانت هذه العملية المتناقضة قد أسهمت في تعميق عناصر العقلانية والموضوعية في الفكر وحريته، فأنها أدت أيضا إلى تثلم وحدة الحقيقة والأخلاق. إذ أخذت تنهمك في تأمل ذاتها ووعي جهودها على انه النموذج الوحيد الموجود. وفي سلوكها هذا كانت اقرب إلى حالة اختزال العقلانية الديكارتية إلى ديكارتية ثقافية متأوربة. وبما أن المادة الموضوعية لتفكيرها هو وجودها الذاتي، من هنا رفعه إلى مصاف الوجود الحق والمعيار النهائي للمكتشفات القديمة والمعاصرة.

وكمنت في هذه العملية المتجذرة للثقافة الأوربية وعي خصوصيتها الفريدة. وهو انجاز عميق المحتوى، بما في ذلك في إنسانيته. لكنه يبدأ بالفساد حالما يحاول تخطي ذاته، أي حالما يحاول فرض مقاييسه الثقافية على أنها نماذج عالمية مطلقة. ومن الممكن ملاحظة ذلك في فرضياته التاريخية العديدة، التي جعل منها منطقا شاملا. بحيث لم يعد تاريخ الأمم الأخرى أكثر من أشياء متبعّضة وعينات جزئية في سلسلة البراهين "العقلانية" على ما في الثقافة الأوربية من شمولية في أحكامها. بينما كان اغلب هذه الفرضيات وأحكامها أوهاما رصينة. لكنها استطاعت في هذه الأوهام أن تصنع وشائج الوعي الراديكالي وعناصر رؤيته للكلّ الإنساني من خلال التركيز على ما في عينات الثقافات والحضارات السابقة من صور "الأنا القديمة" و"الطفولية" للوجود الإنساني.

نعثر في هذا الترّفع والاستعلاء عن قوة ضاغطة نحو إدراك حفريات الوجود الإنساني. واشترك في مهمة تأطيرها الفكري مختلف التيارات التي اتسمت لحد ما بالنزعة الإنسانية. لكنه اشتراك ثقافي الصورة والمضمون. بمعنى امتلاكه خصوصية التعامل مع وجوده الذاتي في التاريخ. أما بالنسبة للثقافة الأوربية فقد كان من الصعب عليها في بادئ الأمر أن تقرن رؤيتها للغير بمعايير الشمول الإنساني[3]. لهذا كانت مضطرة أيضا إلى أن تزاول رؤيتها "العالمية" تجاه معاييرها، وأن تعطي للأخيرة صفة العالمية. وبالتالي مزاولة وهم التدجين الثقافي. بينما لا تفعل هذه الجهود في نهاية المطاف إلا على اجترار بديهيات الثقافة لا إبداعها الحر. وذلك لان تأسيس المواقف والأحكام يجري خارج كينونتها التلقائية. بمعنى نقلها إلى واقع آخر لم يتحسس معاناة الفعل التاريخي (للقيم والمواقف). وهو أسلوب يمتلك معناه وجذوره الموضوعية في الشرطية الثقافية للمقارنة وانعكاسها المعرفي.

فقد كانت بديهيات الثقافة الأوربية تكمن في إبداعها الحر. مما حدد بدوره طبيعة العلاقة بينهما باعتبارها علاقة الأنا بذاتها. أما الصعوبة التي يمكن أن تولدها ضرورة تحديد العلاقة فيما بين البديهية في الثقافة والإبداع الحر، فأنها تزول حالما يجري النظر إليها في إطار الاستمرار والانقطاع التاريخيين، أي في عملية النفي الدائم للذات. ففي هذه الأخيرة (عملية نفي الذات) تتمركز الثوابت المتغيرة للانتماء الثقافي، والتي يشكل كل من الروح الإغريقي ـ الرومي والنصراني، والعلمي ـ التجريبي قواها التاريخية الكبرى، أي كل ما أسهم في صنع وعي الانتماء الأوربي للنفس. وبالتالي إدراك الأنا الأوربية كقوة قائمة بحد ذاتها.

فقد كان هذا الانتماء جليا في التاريخ الأوربي منذ مراحل زمنية مبكرة. واستند هذا الانتماء إلى روابط فعلية ومؤثرة في صيرورة الوعي الثقافي الأوربي. حقيقة، إن الإشكالية الوحيدة هنا هي "بديهة" الانتماء الإغريقي لأوربا. فقد كان هذا الانتماء نتاجا للاستئثار الذاتي الأوربي. إذ ليس للوجود التاريخي والثقافي الإغريقي صلة جوهرية بالنزعة الأوربية المعاصرة. فالأخيرة تبلورت تاريخيا ونفسيا وثقافيا كوحدة متفاعلة للعناصر الرومية ـ النصرانية. والإغريق القدماء لم ينهمكوا في إنشاء وحدة أوربية على مثالهم ونموذجهم. بل انهمكوا في تهذيبهم الذاتي المتوافق مع قوانين الفكر والجمال الإغريقين (الشرق أوسطي)، بينما افلح الروم في التوحيد الأوربي والبحر المتوسطي. إنهم حاولوا صنع وحدة ثقافية عالمية. ووجد ذلك انكساره الخاص في ظاهرة تغلغل النصرانية الشرقية. أما تمركزها اللاحق في "الغرب" فقد أدى إلى صيرورة النزعة الأوربية المتسامية باعتبارها وحدة ثقافية مستقلة، ظهرت ملامحها الأولية الكبرى في الحروب الصليبية ضد العالم الإسلامي، وآخرها في خروجها الحديث عن عزلتها الذاتية. لهذا فان خروج أوربا من "غربتها" الخاصة قد وضعها بالضرورة أمام الشرق. ومن ثم لم يكن بإمكانها أن ترى آنذاك شيئا سواه، مما عمّق وأثار أنانيتها (من الأنا) "الغربية".

وقد كان لهذه العملية آثارها المزدوجة في تعميق شدة الخلاف والمقارنة. بمعنى إفساد الرؤية وشحذ قوتها النقدية. وليس المقصود بإفساد الرؤية التاريخية هنا سوى انبهارها المفاجئ بظواهر العالم الشرقي. فالنفس المنغلقة والمتطورة ثقافيا في ذاتها لا يمكنها أن ترى بغير مقاييسها المعتادة. من هنا كان لا بد للانطباعات الأولى أن تتسم بطابع شرطي من حيث الشكل والمحتوى. وذلك لان اصطدام الغرب الأوربي بالشرق لم يكن بالإمكان إدراكه بصيغ غير صيغ الانبهار والتعجب، والاستخفاف والاستنكار، والرفض الكلي أو التقبل الوجداني. وبالتالي لم يكن بالإمكان آنذاك بناءه على أسس غير أسس رد الفعل النفسي والوجداني. من هنا تناقض نتائج هذه الحالة. ففي الوقت الذي افسد على الرؤية التاريخية مصادر ورموز استيعابها الواقعي للشرق، فانه استثار في الانطباعات الشرطية مزاج الروح النقدي، وخيال التجول في دنيا العجائب. وقد كان هذا نوعا من إغراء الذات بالذات. لكنه كان في الوقت نفسه شكلا من أشكال الاكتشاف. لأنه كان من حيث محاكاته الثقافية بالنسبة للوعي الأوربي شبيها "باكتشاف" أميركا. أما في واقعيته فقد أثر في صيرورة الوحدة والخلاف بين الشرق والغرب. انه ساهم في تكوين الملامح الأولية للرؤية المتبادلة. وبغض النظر عن التقاليد العريقة لهذه الملامح، إلا أنها أفرغت رؤية الآخر من محتواها المتفرس بفعل الانعزال النسبي للحضارات القديمة، وبفعل بناء روحها الثقافي على أسس ومبادئ القومية. فهو لم يعط لها، حتى في حالات الغزو، بعدا اكبر من مجرد شعور السيطرة والخضوع. وهي صفة لم يخلو منها عالم الشرق والغرب على السواء في مواجهتهما الحديثة. وبهذا المعنى كانت الوحدة أيضا الوجه الآخر لرؤية الأبعاد التاريخية في الأنا والآخر. إلا أنها وحدة لها حساسيتها الجديدة، وذلك بفعل دفعها للخلافات إلى مداها الأقصى. وذلك لأنها أبرزت محورية التباين في صيغ الخلافات المدركة لذاتها، والمتمركزة أيضا في منظومات القيم والمفاهيم والأفعال الاستعلائية، كما هو جلي في كيفية ونوعية النوازع التي لازمت نظريات وأفعال المركزية الأوربية. ولم يكن لهذه الصفات وجود فاعل في الحضارات القديمة.

فقد كانت الحضارات القديمة محورية ثقافية أو دينية عالمية. أنها لم تكن قارية جغرافية. أما الخلاف الجديد فقد جرى إدراكه على أساس دمج مكونات تفتقد للتجانس فيما بينها، بالشكل الذي أعطى لها صفة النقيض المستعلي على ما هو حوله، أي وحدة الجغرافي القومي الثقافي. وان هذه الوحدة المتشكلة تاريخيا في غضون فترة طويلة قد بلغت ذروتها في القارة الأوربية "مركزيتها" الأيديولوجية. ومن الممكن أن نعثر على مثالها الأول في وحدة الثقافة الرومانية النصرانية. فقد كان لهذه الوحدة أثرها في إبداع مكونات الانتماء المشترك للشعوب الأوربية. إضافة لذلك أنها صنعت المزاج المشترك في تصورات وأحكام ورموز الشعوب الأوربية نفسها، أي أنها شكلت، بفعل عضوية اندماجها في الأنا الأوربية الحديثة إحدى مقدمات تعارض الشرق والغرب.

إن مشاعر الخلاف هذه لم تكن نتاجا لاستحواذ المركزية الأوربية على عقول الأوربيين فقط، بل وتمتلك مقدماتها وبواعثها في الشرق أيضا. حقيقة انه لم تجر مواجهة المركزية الأوربية بمركزية شرقية (آسيوية)، لأنها لم تمتلك مقدماتها المندمجة في كلّ آسيوي كما هو الحال بالنسبة لأوربا. ومع ذلك كانت "الشرقية" في اتجاهاتها المختلفة هي الإطار والتيار الذي بلورته لغة الأوربيات الصاعدة. وعندما تغنى ردوارد كيبلنغ في أنشودته الشهيرة عن أن الشرق هو الشرق والغرب هو الغرب وسوف لن يلتقيا، فانه كان يعبر في حدسه الشاعري عن افتراق المصير أكثر مما يعبر عن وحدة الضمير الكامنة في صيرورة الحداثة الجديدة للشعوب والأمم. لقد قال هو كلمة حق أريد بها باطل!! وانشد وتغنى بما لا معنى للتغني به. ولكنه عبرّ عن وهم العصر الكبير في فاعليته الكبيرة.

فعندما افترض الغرب الأوربي في وجوده ومثله قيما مطلقة للكلّ الإنساني، فانه لم يفهم الآخرين بمعاييرهم، بل بمعايير وعيه الثقافي الذاتي. ولهذا بدا الشرق في نظره غريبا ومتشائما، لا معقولا وشاذا، لأنه تحسس فيه منذ اللحظات الأولى طاقة المعارضة الخفية كقوة كامنة. فقد كان الغرب اقرب إلى إدراك حقيقة الشرق في أصالته. ولكنه كان من الصعب عليه أن يتقبلها كما هي. وهو أمر طبيعي. وينطبق هذا بالقدر ذاته على كوامن التحدي الشرقي. فقد كان للتحدي الشرقي ذراته الكامنة، ولكنها لم تع نفسها كذرات في مواجهة وتحد شامل. أنها لم تتشبع بروح المركزية الذاتية. وهي صفة كان من الصعب تبلورها آنذاك بفعل روح العالمية الثقافية أو الدينية السائدة فيه (الشرق)، إضافة إلى تنوعه الجوهري وبقائه ضمن إطار ومقومات المرحلة الدينية السياسية في الوجود التاريخي. لهذا كانت مواجهته للغرب الأوربي تفتقد إلى دقة السلاح وسلاح الدقة. لكنه اخذ يدرك ذاته في هذه المواجهة كقوى دينية وقومية وسياسية. مما أدى إلى تجمع الذرات المتناثرة في الوعي "الشرقي" آنذاك في تركيبات جديدة متنوعة ومختلفة أيضا. بمعنى أن الشرق اخذ يكتشف في هذه المواجهة ليس الآخر فحسب بل وذاته الجديدة، التي أنتجها عالم المواجهة والصراع والتحدي، أكثر مما كان ذلك مرتبطا بتطوره التلقائي. (يتبع...)

 

ا. د. ميثم الجنابي

....................

[1] ليست الوساطة هنا شيئا ما عرضيا أو إضافيا، بقدر ما أنها شكلت في واقعيتها التاريخية جزءا مهما في وحدة العناصر المكونة لأسلوب وعي الذات الثقافي وأنماطه الكبرى. فقد كانت الوساطة العربية إحدى المقدمات الضرورية للانبعاث الأوربي. فالوعي الأوربي الفلسفي لم يع أهمية مصادره العقلانية والنقدية من خلال منظومات الفكر الفلسفي الأرسطي العربي (بمختلف تياراته) فحسب، بل وفي تحويلها إلى مصادره النظرية. وبغض النظر عن الجوانب المتناقضة لهذه القضية، إلا أن ما هو جدير بالاهتمام هنا هو الإشارة إلى أن أوربة الثقافة الهيلينية هو نتاج تفاعل النصرانية الكاثوليكية والرومانية، ونفيهما في عصر النهضة والإصلاح. الأمر الذي أدى إلى أن تتخذ الثقافة الهيلينية صيغة المرجعية المناسبة للانبعاث (الأوربي) ومن هنا تكون الوساطة العربية قد تحولت في الوقت نفسه إلى عامل استثارة ومواجهة، اضمحل لاحقا في عملية النهضة نفسها. وهي المقدمة التي لم تعد فرضية قابلة للجدل إلا في مقاييس الوعي الأوربي العادي. وإلا فإنها كانت على الدوام استنتاجا وتأكيدا للدراسات الأوربية الرصينة نفسها. فإذا كانت الثقافة الأوربية في صعودها مرتبطة وثيق الارتباط بالفلسفة العربية الإسلامية، بما في ذلك في اشد حالات الجدل الفكري للاكوينية ومعارضيها، فإن أثر الأدب العربي لم يعد هو الآخر فرضية خاضعة للأخذ والرد. فمنذ آسين بلاثيوس لم تعد الكوميديا الإلهية سوى اثر قوي من مآثر الثقافة العربية الإسلامية، وينطبق هذا بالقدر ذاته على أشعار بترارك والغزل الفروسي. وإذا كان علم التاريخ المعاصر لا يدرجها في صلب مقدماته الواقعية الأولى، فلأنه يعاني في آن واحد من ثقل "الخجل" التاريخي للابتعاد عن الحقيقة كما هي ومن ثقل القيود القومية في استحواذها على الوعي الاجتماعي، أي كل ما يلازم الرؤية القومية الضيقة. لاسيما وأن التاريخ الأوربي في قرونه الثلاثة الأخيرة قد جرى ضمن مشروع وسيكولوجية الأنا القومية. مما أعطى للحقيقة بما في ذلك التاريخية لباسها الخاص. انه أفرغها من منطقيتها وموضوعيتها. وذلك بفعل صعوبة توظيفها في بنية الروح القومي ومطامحه السياسية والحضارية. وهي ظاهرة لها مثيلها أيضا في الثقافة العربية الإسلامية (القديمة والمعاصرة) عند أولئك الذين نفوا، على سبيل المثال، أن يكون علم البيان (العربي) قد تأثر بأرسطو والهيلينية، انطلاقا من انه عربي خالص، وكذلك من جانب أولئك الذين تناسوا مخاض الصدمة الأولى بالعالم الأوربي في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين. 

[2] يختلف الاستعمار العربي الإسلامي عن غيره في كونه فعلا تاريخيا تضمن في ذاته معنى العمران الروحي الدولتي. حقيقة أن هذه الإمكانية لم تكن واضحة للعيان آنذاك حتى بالنسبة لأولئك الذين قادوا ونفذوا عملية الغزو. بمعنى أنها كانت تنطوي فيما وراء الإرادة الإسلامية في استخلافها للنبي. فقد مثل الأخير في إرادته قوانين المطلق التاريخي. ولهذا افرغ فعله من إرادته الأنانية، أي أن فعله كان يتطابق في حوافزه وغاياته مع الروح الإسلامي في وحدانيته. وهي الحوافز والغايات التي ظلت تحرك العرب المسلمين في غزوهم. فالأخير هو السيطرة والاحتلال. لكن للغزو معنى في جاهليته تستحله قواعد المعارك والأخلاق. وبهذا كان الغزو الإسلامي يمتلك شرعيته بما في ذلك في نفوس معتنقيه لا على انه ثأر أو انتقام أو سلب لقوى ما أخرى، بقدر ما انه تحول من محتوى السرقة الخاطفة إلى مصاف "السرقة التاريخية"، التي تضع الجميع أمام مهمة اقتسامها بالحق. فقد نقل الإسلام سرقة الغير وسلبه إلى عالم الوحدانية وقيودها. ومن ثم أعطى لها مبرر الشرعية الأخلاقية من خلال إدراجها في قواعد الحقوق المدنية الإسلامية، أي حقوق المسلم والأمة. مما افرغ السيطرة من محتواها القبلي والقومي والعرقي. ولهذا كان الغزو العربي الأول غزوا إسلاميا. ومن ثم يتطابق مع ما اصطلح عليه المؤرخون المسلمون عبارة "الفتح الإسلامي"، أي أن الله "فتح" على أيديهم البلدان لأنها ملك له. إن هذه الخلفية الروحية الأخلاقية القانونية أفرغت الغزو من محتواه التقليدي باعتباره سيطرة تختزل في ذاتها مدارج البداوة في قطعها لأشواط المدنية، أو هجرة المجاعة للثراء، ولا حتى المؤازرة الملازمة لآلية الدولة الآخذة في النمو والتوسع. فقد كانت هذه العناصر موجودة كروائح وراء الغنيمة، وكاستمرارية موضوعية لتكون الدولة (العربية الإسلامية). إلا أن صيرورتها العمرانية كانت منطوية في هيكلية الخلافة، مما أعطى لأفعالها معنى مندرجا في صلب الوحدانية المتشخصة في الخلافة وبعديها الروحي والقانوني. 

[3] تجدر الإشارة هنا إلى انه لم يجر بعد بلوغ هذه الدرجة من قبل أي من الثقافات القائمة. ولعل الاستثناء الوحيد في التاريخ ككل هو ما حاولت تقديمه تجارب الاشتراكية السوفيتية ونماذجها المتعددة في أوربا (وآسيا). بمعنى تقديم صيغ جديدة للشمولية الإنسانية في تعاملها مع النفس والغير. إلا أنها لم توفق بفعل انهيارها السياسي وانحلال نماذجها العملية. فقد كانت في حوافزها وغاياتها البديل الأوربي الأعمق لأوربا. وليس مصادفة أن تتخذ في جغرافيتها ومضمونها صيغة "أوربا الشرقية" في مقابل "أوربا الغربية". لقد أفلحت في محاولتها استثارة قيمة الشرقي في الأوربي. حقيقة أن هذه المعادلة لها إشكالاتها في الثقافة الأوربية ووعيها السياسي. إلا أن ما هو جوهري في الحالة المعنية واقعية البديل العملي والحضاري للمركزية الأوربية، والتي يفترضها منطق التطور الاجتماعي. ولا يغير من ذلك شيئا سقوط التجارب الاشتراكية الأوربية. فهي تقدم في أسباب انهيارها أيضا، قيمة البديل الحقيقي للشمولية الإنسانية. وذلك لأن التجارب السوفيتية الاشتراكية في موقفها الثقافي كانت تعاني من افتقار كبير للكلية الإنسانية. فقد أغرقت نفسها في شمولية السياسة والأيديولوجيا، مما افزع كلها الثقافي من محتواه الفاعل، باعتباره بديلا ثقافيا. مما أثر بدوره على تضييق الروح الديمقراطي والاجتماعي فيها. فهي لم تنف الغرب من خلال دفاعها عن البدائل الإنسانية المتعددة، بل من خلال رفع شأنها الشخصي المؤدلج إلى مصاف المطلق، واعتباره النظام الوحيد الحق وما عداه ظل وضلال زائل. بمعنى أنها سارت في مسار المعارضة السلبية للضيق الأوربي الغربي. وعوضا عن المركزية الأوربية المتحزبة قدمت توتاليتارية متحزبة.

ان الشمولية الإنسانية هي النتاج المحتمل والملازم بالضرورة لتجاوز المرحلة السياسية الاقتصادية في تطور الأمم إلى المرحلة الاقتصادية الحقوقية. ولا يمكن بلوغها الفعلي إلا على النطاق العالمي بهيئة وحدات مركزية ثقافية كبرى.

 

اكرم جلالالعِرفانُ إذن هُوَ المَنهَج الآخر في السّير نحو المَعرفة وإدراك حَقيقة الكَمالات المُوصلة الى الكَمال المُطلق والى عالم القُدس والسَّكينة والطَمأنينة. هُوَ مَنهجٌ لا يَعتَمد في عُمْقِ مُفرداته على العَقل كأساس ومُنطَلق في السّير نَحو الفَّهم والأدراك، انّما يَعتَبر الإلهامَ والتَّلقي والمُكاشَفة هي الطّرق المُوصلة الى المعرفة والكمال . وأرتَكَز العُرفاء على حقيقةِ أنّ العَقل لايَكفي بَل قد يَكون عاجزاً عَن إدراك ما فَوقه، كما أشار الى ذلك الغَزالي بقوله: (ثم يترقى إلى طول آخر، فيخلق له العقل، فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات، وأموراً لا توجد في الأطوار التي قبله. ووراء العقل طور آخر تفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل، وأموراً أخر، العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز من إدراك المعقولات، وكعزل قوة الحس عن مدركات التمييز1).

والعرفانُ في اللّغة مُشتَقّ مِن عَرَفَ، ويُعْنى به المَعرفة.  وَيُقال هذا عارِف اي يَعرف الأمور، والعارف بالله، هو مَن يتَحقق بمعرفته ذوقاً وكشفاً. والعِرفان هيَ المَعرفة الحاصلة عن طريق المُشاهدة القَلبية، دون وَساطة العَقل ولا التَجربة الحسّية، وتُسمّى أيضاً المعرفة اللّدنيّة كَونها تأتي مِن لَدُنِ اللّه، يَقول ابن عربي: "العارف من أشهده الرب عليه، فظهرت الأحوال على نفسه".

وَقَدَّم بَعضُ أصحاب الاختصاص تعاريف مُشابهة لمنهج العرفان، من أهمها ما قاله القيصري: (هو العلم بالله سبحانه، من حيث أسماؤه وصفاته ومظاهره وأحوال المبدأ والمعاد والعلم بحقائق العالم وبكيفيّة رجوعها إلى حقيقة واحدة، هي الذات الأحدية ومعرفة طريق السلوك والمجاهدة, لتخليص النفس عن مضايق القيود الجزئية واتّصالها إلى مبدئها واتّصافها بنعت الإطلاق والكلّية2).

وَيَرى البَعض أمثال محمد عابد الجابري  أن العِرفان مَنهَجٌ معرفي، ورؤية للوجود، لكنه يرى أنّه انتقل إلينا من ثقافة كانت سائدة قبل الاسلام حَيث تسمّى الغنوص Gnose، والكلمة يُونانية الأصل، ومعناها المَعرفة ، وقَد انتقلت الى الثقافة الإسلامية. لكن مُفَكرين آخَرين أمثال الشهيد مرتضى المطهري(ره) يرى "إن العرفان من العلوم التي ولدت وترعرعت وتكاملت في مهد الثقافة الإسلامية".

فالعِرفانُ اذن هو مَنهج المعرفة الحَقّة والأدراك الجَلي، بلا قُيُود أو حُجُب، وهو إزالة المَوانِع والحَواجز الدنيوية ورفع الغَشاوة والسّير نَحو إدراك الحقيقة والوصول الى مَراتب اليَقين الحق. وما لم تَتَجلّى لَدى الطالب حَقيقة الحقيقة ولو بأَجزاءها فإنه قَطعاً لَم يَطوي جميع المَراتب نَحو كمال العرفان، والإمام الخمينيّ قدس سره وَضّح هذا البيان بقوله:(إنّما حقيقة العرفان والشهود ونتيجة الرياضة والسلوك هي رفع الحجاب عن وجه الحقيقة ورؤية ذلّ العبوديّة وأصل الفقر والتدلّي في النفس وفي جميع الموجودات، ولعلّ في الدّعاء المنسوب إلى سيّد الكائنات صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهمّ، أرني الأشياء كما هي!"، إشارة إلى هذا المقام، بمعنى أنّه صلى الله عليه وآله وسلم سأل الله سبحانه أن يُشهِده ذلّ العبوديّة المستلزم لشهود عزّ الربوبيّة3).

وَقَد قَسّم أهل الأختصاص العرفان الى قسمين: العرفان النظري، والعرفان العملي، على أنّ بَعضَ أهلِ العِرفان قد رَفَضوا هذا التَّقسيم. والعرفان النَّظري، هو العلم الذي يَهتَم بشؤون الخالق والكون والإنسان، فَيَتَعَمق في فَهمِ أسماء الله تعالى وصفاته وتجلّياته، وهو بذلك يقترب من المنهج الفَلسفي في دراسة الوجود، فالفيلسوف يَستعين بالعَقل والفهم فقط من أجل إثبات وإدراك الدّليل والبُرهان لأصل واجب الوجود ، بينما العارف يُقَدّم رؤية كونية من خلال المُكاشفات والإستدلالات نحو معرفة أساسيات حقيقة الوجود، وهو الله جل جلاله والأنسان والوجود نفسه.أما العرفان العَملي فَهو علاقة الإنسان وواجباته مع نَفسهِ وَوجوده ومع خالقه، ويُسمّى ايضاً بعلم "السير والسلوك"، وهو يُبين المَراحل والمَراتب التي لا بُد أن يطويها السالك في سَيره إلى الله، ما هي المحطة الأولى وأين ستكون المحطة الأخيرة، وما هي المنازل والمَقامات التي يَمُر بها العارف أثناء سَيره للوصول إلى معرفة الله تعالى.

فعن أميرُ المؤمنينَ علي عليهِ السلام أنه قال: (وَأَنِرْ أَبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إِلَيْكَ حَتَّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ القُلُوْبِ حُجُبَ النُّوْرِ فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ العَظَمَةِ، وَتَصِيْرَ أَرْوَاحُنَا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ4).

ولِنَظرية وحدة الوجود أهمية تَستَحق الوقوف عندها، وشرح حقيقةَ معناها وتَنقيح ما أصابَها من تَلفيق وتشويه. فَمَن يَدّعي أنّها تَعني إتّحادٌ بين وجود الإنسان ووجود الله عز وجل، فهذا خَطأ عَظيم وَفَرضٌ مَرفوض ولا يَدّعيه مُسلم عاقل. فالموجود الحقيقي هو الله جل جلاله، وما سوى اللّه إنما هي وجودات من صُنعِ الله، فهي امام َحقيقته وَهمية وخَيالية، فوجود الله عز وجل لا حُدود له، وأنّ عِلمَه وقُدرته وحَياته هيَ عَينُ ذاته، وأمّا باقي الموجودات وإن كان لها وجود لكن وجودها ضَعيف، مَحدود، أقرَبُ ان لا يَستَحق تَسميته وجودًا.

والتفسير الواقعي لمعنى وحدة الوجود هو فَناء هذا المحدود (اي الإنسان) في الواجب الغير مَحدود (وهو الله سبحانه وتعالى)، فَمراتب الإيمان تبدأ بالعلم واليَقضة والإيمان والتّوكل ثم التسليم ثم مرتَبة الرّضا وأخيرا مرتبة الفَناء وفيها يَصِل السّالك الى دَرجةِ الفَناء في الله، عندها لايَرى لنفسهِ وجودًا، فالعبادة الحقّة والسّير الحَثيث يَجُذب السّالك نَحو الوجود الحَقيقي، وهو أن لا يَرى إلا الله وجوداً حقاً، وباقي المَوجودات لا وجود لها، فلا يرى لنفسه وجوداً، وهذا ما أشار اليه أمير المؤمنين علي عليه السلام  حينما قال: (ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله وبعده وفوقه وتحته وفيه5)، ومَرتبة الفَناء هذه هِيَ التي تُسمّى بوحدة الوجود، أي أن السّالك قد أنصَهَر بالعبادة أثناء سَيره حتى أدرك أن لا لنفسه وجودًا. ويُستَدلّ على هذا المعنى بالدُّعَاء الوارد عن الِإمام الحُسين  فِي يوم عرفة، (كيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ في وُجودِهِ مُفْتَقِرٌ إلَيْكَ؟! أيَكونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهورِ ما لَيْسَ لَكَ حَتَّي يَكونَ هُوَ المُظْهِرَ لَكَ؟، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى كانت الاثار هِي التِي تدل عليك، عميت عين لا تراك عليها رقيب وخسرت صفقة عبد لم تجعل من ودك نصيب6).

وَكَما أشَرنا سابقاً فأنه من الخطأ التَصوّر أنّ أهلَ العرفان قد ألغوا العَقل البرهاني والتفكير العَقلي بالمُطلق في جميع مراحل الكشف والسير الى الله، فالكثير من أكابر العِرفان يَعتبرونه النُّور الأول من أنوار السّير والسلوك بَل هو مُقدمةً وضرورةً لصحةِ المَسير. فالسّير والمُكاشفة لابد لها من مقدماتٍ مَعرفية، ولا يمكن للعارف ان يَخطو أول خطواته وهو خال من التعليم البَشري، والكَشف لا يَتم الا بتحصيله إعتماداً على العَقل والحواس. فالعقل البرهاني يعلو على كل الحواس الأدراكية وبيده زمام ‏القيادة.

وهنا لابد من التمييز بين العَقل وإدراكه وحصوله على العلم والذي يسميه البعض علماً حصولياً، أمثال العارف اية الله عبد الله الجوادي الآملي،  وهو يأتي بالواسطة بين العالم والمعلوم، بينما العقل الذي يَدرِك نوعاً آخر من العلم أسماه علماً حضورياً فهو يَتَأتّى من دون وساطة بين العالم والمعلوم. لذلك فالعلم الحصولي خاضع للخطأ والبطلان أثناء سير العارف في استكشاف الحقيقة وذلك لوجود الواسطة بين العالم والمعلوم، غير أن هذه الواسطة تنتفي في حال ما يُسمى بالعِلم الشهودي، أي العلم بين الشاهد والمشهود، عندها ينتفي الخطأ والبطلان وتُثَبّت الحقيقة، بمعنى آخر أنّ الحقيقة في العلم الشهودي تُستَمد بناء على الإتقان ‏العَينى، والاتصال والإنصهار وليسَ مثالا منفصل مبني على وجود خارجي. وروى الصدوق مسندا عن أبي المعتمر مسلم بن أوس قال: حضرت مجلس علي عليه السلام في جامع الكوفة. فقام إليه رجل مصفر اللون - كأنه من متهودة اليمن - فقال: يا أمير المؤمنين، صف لنا خالقك وانعته لنا كأنا نراه وننظر إليه، فسبح علي عليه السلام ربه وعظمه عز وجل وقال:(... ولا تدركه الأبصار. ولا تحيط به الأفكار. ولا تقدره العقول. ولا تقع عليه الأوهام. فكلما قدره عقل أو عرف له مثل، فهو محدود7).

وللحديث تتمة في الجزء الثالث إنشاء الله تعالى ..

 

د. أكرم جلال

...........................

1- المنقذ من الضلال، أبو حامد الغزالي ص22.

2- القيصري، شرف الدين محمود، رسائل القيصري، رسالة التوحيد والنبوة والولاية، ص 7، نقلاً عن: حسيني، السيد قوام الدين، العرفان الإسلامي، مركز الدراسات والتحقيقات الإسلامي، قم، ص 19.

3- معراج السالكين، الامام الخميني، ص25.

4- بحار الأنوار, ج 91، ص 98, باب 32: أدعية المناجاة, المناجاة الشعبانيّة.

5- التبريزي الانصاري- اللمعة البيضاء- ص169.

6- إقبال الأعمال، ص‏350.

7- الكافي للشيخ الكليني ج1/ ص137.

 

محمد ممدوحقضية الحياة والموت ومشتملاتهما من الأسئلة الفلسفية الحائرة الكبرى، تلك التى ما انفك العقل الإنسانى عن البحث فيها والتساؤل عن كُنهها والمحاولات الدائبة لسبر أغوارها، لتظل الأسئلة مطروحة على مر الزمن بلا إجابة، لماذا خلق الله الحياة، ولماذا كتب الموت على الخلق؟ لماذا الفناء؟

وكيف؟ وماذا بعد الموت؟ وما المصير؟ وهل من حياة جديدة؟

مئات الأسئلة التى حاصرت العقل الإنسانى عبر تاريخه الطويل، تارة يجيب، وتارة يهرب، وتارة يعجز عن التفكير حتى يصاب بالملل فيشعر بالدوران الفكرى، ويكأنه يبحث عن المجهول، السراب، الخيوط التى ما من سبيل إلى جمعها، الطريق الذى ما من حيلة لاكتشافه.

وفى لحظات يتنسم فيها العقل وميضًا وإشراقًا تتجلى له بعض تلك الحجُب، يُماط له اللثام، يُكشف له الحجاب، فيرى جزءًا ضئيلاً من تلك الغيبيات لتصير لديه شهادة، وتنتقل من حال الغيب إلى حال الشهود.

من المجهول أتينا وإلى المجهول نسير، لقد سارت تلك العبارة خواءًا بلا مضمون، جوفاء بلا معنى، فنحن أتينا من الغيب، عشنا الشهود الذى غابت عنا حكمته كثيرًا، نسير إلى الغيب الذى حُجبت أستاره، هذا هو ملخص الحياة.

هكذا نطق القرآن مخاطبًا العقول (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة28)

أمواتًا حيث العدم قبل ألا كون ولا وجود ولا أمر

ثم أحياءًا لنصير فى عالم الشهود على مرحلتين، الأولى لا حس ولا عقل، فقط روح تسرى فى الجسد، تلك هى الرحلة من عالم الغيب غير المشهود إلى عالم الغيب الشهودى فى رحم الأم، نطفة ثم علقة ثم مضغة مخلّقة وغير مخلّقة، ثم عظامًا يسكوه الخالق لحمًا عبر رحلة هى فى حساب الأحياء تسعة أشهر ولكنها فى حساب الوليد ذاته لا زمن، إذ لا حس ولا عقل، فقط مجرد نبض يبقى على حياته من أثر نفخة الله فيه من روحه.

والثانية رحلة الحياة الدنيا ذات الحس والعقل والشهود، وتدرج الوعى العقلى والحسى والعضلى عبر العمر الذى حدده الخالق سلفًا فى طيات غيبه (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) (الحج5) (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيئا) (النحل78) ثم يتدرج الإنسان فى رحلته، طفلاً فصبيًا فشابًا فرجلاً فشيخًا فكهلاً، هذا هو الشهود، الحس المجرد، الحياة التى يعترف بها ويعرفها الجميع، دون أن يناقضها أحد بعقله.

حياة تجرى عليها نواميس الأحياء، وقوانين الحياة، ضعف وقوة، شباب وشيب، صغرو كبر، حزن وفرح، لذة وألم، تلك هى نواميس الحياة وقوانينها، بعث المتناقضات كلها على جميع الخلق فلا يطال أحدهم النعيم المطلق، ولا يطال آخرين البؤس المطلق، بل تسير الحياة بحكمة غابت أسرارها  أحيانًا كُثر فى مطويات علم الخالق سبحانه، تسير وفق أقدار قدّرها الله وإن غاب عن العقل إدراك أسبابها (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر49) ..

وبعد حياة الشهود تلك، التى امتلأت حسًا وواقعًا وشهودًا ومادة،  ينتقل الإنسان إلى حيث المرحلة قبل الأخيرة (ثم يميتكم) ليذهب إلى البرزخ، الذى هو فى عداد علم الله قنطرة بين الدنيا والآخرة، أقرب للآخرة منه للدنيا، بل هو مبتدأ الآخرة لأن عليه يتوقف مستقبل الحياة القادمة للإنسان، ولذا تجد قول النبى الكريم (ص) " من مات فقد قامت قيامته "(1)، لأنه يكون قد عاين الحقائق، أزيلت عنه الحُجب، اتضحت له الرؤية (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (ق22)، ثم تنعدم نواميس الكون والحياة وقوانين الوجود مرة أخرى من جديد شبيهة بسالفتها تلك التى كانت أول مرة حيث الموتة الأولى التى لم تسبقها حياة.

وبعد ولوج البرزخ تتوقف الحياة، تتوقف تمامًا، إذ تنعزل النواميس الطبيعية عن الإنفعال، إنها لا تنفعل إلا مع الحياة والأحياء فقط أما الموت والموتى فلا انفعال ولا حياة ولا وجود.

فالموت الأول الذى سبق الوجود كان معزولاً عن نواميس الزمان والمكان وقانون الحياة والأحياء.

والموتة الثانية تلقى ذات المصير، حيث العود إلى ذات العزلة التى كانت من قبل، ليصير الموت قد كُتب على كل حىٍ سوى الله مرتين، وكذا الحياة مرتين، والقرآن يسجل لنا ذاك المشهد الإعترافى (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) (غافر11)

وعودة العزلة عن قوانين الزمن للأموات فى الموتة الثانية شئ طبيعى لا ينكره القرآن، بل يسجل اعترافًا واضحًا به فى مشهدين جليلين.

(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ)(البقرة259)

إنه أحد أنبياء بنى إسرائيل، يتعجب من كيفية إحياء الله الموتى بعد أن صاروا لا شئ، لا وجود، لا حياة !!

وهذا سؤال مشروع سبق إليه الخليل إبراهيم (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) (البقرة260) !!

هو سؤال للعقل والوعى الإيمانى معًا، فالاستدلال على الله ليس مشينًا للمستدلين، بل هو أقوى لإيمانهم وأدعم ليقينهم.

وأراد الله سبحانه أن يلقن النبى الصالح درسًا عمليًا، فأماته مائة عام ثم بعثه ... والقرآن هنا يؤيد مشهد سهولة خروج الروح، حتى وإن كانت تلك السهولة حكرًا على المؤمنين بالله الواحد الأحد دون غيرهم، إنه يؤكد تلك الحقيقة بين ثنايا حروفه وسطوره، أماته الله مائة عامٍ ثم بعثه، يسأله سبحانه، كم لبثت؟ والجواب يؤكد جوهر تلك السهولة، حيث يقول (قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) بما يعنى أنه أولاً لم يتذكر أى ألم لخروج الروح، بل إنه ما علم قط أنه غادر حياة الشهود إلى حياة الغيب، لم يدرِ أنه غاب جسدًا وروحًا ووجودًا وشهودًا عن عالم الحس والمادة، وثانيًا أن مدة المائة عام بتمامها وطولها مرت عليه كأنها يوم أو بعض يوم، بما يؤكد توقف نواميس الكون فى الشهود عن حياة الغيب، وتوقف الزمان تمامًا، وتوقف كافة قوانين الحياة عن السريان، وهو ما أكده قوله سبحانه(قال كم لبثتم فى الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يومًا أو بعض يومٍ فاسأل العادين) لم يشعروا بالزمن فقد انقطع الزمن بانقطاع الحياة وغدا هناك لازمن..

أما المشهد الثانى فيأتى فى قصة أولئك الفتية الذين خرجوا فى الزمن الأول فارين بعقيدتهم من حاكمٍ ظالم، فأرخى الله عليهم قانون الموت ليعزلهم تمامًا عن قانون الأحياء (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) (الكهف25) أحصى الله عليهم تلك السنوات خارج الزمن، خارج الحياة، ولكنهم حين تساءلوا عن مكثهم جاءت إجابتهم كإجابة نبى بنى إسرائيل... يومًا أو بعض يوم.. (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) (الكهف19) .

إن إجابتهم تمثل وعيهم، والوعى توقف تمامًا، القانون توقف، الناموس أُلغى عمله، ليصير الموت الثانى كالأول، بلا زمن فى حساب الزمن، وبلا وعى فى حساب العقل.

الموت إذن وما يحدث بعده غيب، عذابه ونعيمه أشبه بالحُلم، حتى هذا الحلم يُعد غيب الغيب، فما الموت الثانى إلا بداية لحياة سرمدية أبدية باقية لا فناء بعدها ولا موت.

إن الحياة الآخرة هى التى تحمل معنى الحياة الحقيقية، وتجرى عليها نواميس الوجود جزءًا لا كلاً، بمعنى أن الحياة الآخرة فيها نعيم مادى لأهل الولاية وحسنى المعتقد، فيها أنهار من عسل مصفى، أنهار من لبن، أنهار من خمر، حور عين، فاكهة مما تشتهى الأنفس، لحم طير مما يعلمون ومما لا يعلمون، متع لم تخطر لهم على بال مسبقًا قط، وكذا أهل التكذيب والظلم لهم شراب من حميم، وعذاب أليم، وقيح وصديد، ودركات فى جهنم بعضها أعمق من بعض، وكلاهما ماديان، النعيم والعذاب، هذا مادى حسى، وهذا مادى حسى شعورى، يقول الله عز وجل (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (الزخرف71) ويقول عن الثانى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) (النساء56)

هذا جزء من الناموس الذى يسرى على الأحياء، أما الجزء الآخر من صغر وكبر، وحزن وفرح، ولذة وألم فلا يجرى أبدًا، فأهل الجنة لا يشيبون، لا يسرى عليهم قانون الوجود ضعف فقوة، وصغر فكبر، وشباب فشيب، وكذا أهل النار، بل يتوقف الزمن تمامًا عن إحداث أى تغييرات بهم، ثم إنهم معًا خالدون، أهل الجنة فى النعيم خالدون، وأهل النار فى العذاب مقيمون إلا ما شاء ربك (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)(هود105-108)

يسرى على هؤلاء وأولئك قانون السرمدية، فلا موت، ولا هرم، ولا شيخوخة، ولا كهولة، ولا ضعف، ولا مرض، ولا نوائب الدهر التى كفلها قانون الوجود الأول، بل تصبح حياة غير الحياة، ومعيشة غير المعيشة الأولى تمامًا، بل ليس لها من الحياة الأولى غير اسم الحياة الموازى للوجود لا أكثر.

إذن ليس المجهول هو الذى يحكم عالمنا، وليس من المجهول أتينا وإلى المجهول المصير والمسير، بل من علم غيب الله أتينا وإليه سبحانه المصير، وهذه المعانى هامة لتغيير حياة الأفراد المحققين لأدنى درجات الوعى، ليعلموا أن الحياة التى يعيشونها وجود ممهد لوجود آخر، حياة سابقة على حياة أخرى، لكن تلك الأخرى متوقفة تمامًا على ما يقدمه الإنسان فى حياته الدنيا (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) (النجم 39-41) (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) (الإسراء12-14)، هذا هو السر من وراء تلك الحياة الدنيا، لم تكن محض مصادفة، ولا مجرد أهواء إلهية أراد الله بها أن يخلق الناس سُدى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون 115) بل تعالى سبحانه عن الهوى، وتعالى عن الهزل، وتعالى عن كل نقصٍ لا يليق بكماله وبهاء جلاله، فما  الحياة الدنيا إلا مقدمة يعقبها نتائج، إما السعادة، وإما الشقاء، وما الحياة الدنيا إلا مصفاة يميز الله بها الخبيث من الطيب، وما الموت إلا قنطرة بين الدارين، الدنيا والآخرة، ثم يكون إلى الله المصير، وبين يديه سبحانه الحساب (وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الأنعام32).

 

د. محمد ممدوح

...................

  1) أخرجه أبو نعيم فى الحلية 266/6 وابن عساكر 214/37

 

منى زيتونقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: 91]. قال الطبري في تفسير الآية: "يقول تعالى ذكره: قال قوم شعيب لشعيب: ﴿يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾، أي: ما نعلم حقيقة كثير مما تقول وتخبرنا به"أهـ.

فالفقه لغةً أوسع كثيرًا من إدراك ظاهر القول، وقد مرّ مصطلح الفقه في الإسلام بمراحل؛ فكان أول الأمر يُقصد به جميع الأحكام الشرعية (الاعتقادية- الخُلقية- العملية)؛ لذا نجد الإمام أبا حنيفة يُعبِّر عن أصول العقيدة بـ "الفقه الأكبر"، ثم انحصر المقصود بمصطلح الفقه بعد ذلك في الأحكام العملية بنوعيها (أحكام العبادات- أحكام المعاملات).

وإن كان الإمام أحمد بن حنبل قد أخذ علم الفقه عن الشافعي وغيره من أتباع أبي ‏حنيفة إلا أنه كان مشغولًا بعلم الحديث وليس الفقه، ومسنده هو أحد كتب الحديث المشهورة، ولم ‏يكن من المبرّزين والمنشغلين بالفتيا، بل كان رضي الله عنه يتهيب الفتيا ورفض أن يتولى قضاء ‏اليمن عندما عرضه عليه الإمام الشافعي.

ويجب أن نعي جيدًا أن ما يُعرف عند المسلمين بالمذهب الفقهي للإمام أحمد بن حنبل لم يُدوِّن الإمام أحمد منه حرفًا، وذلك باعتراف الحنابلة السلفية أنفسهم، فقام هؤلاء ممن نسبوا أنفسهم إليه بتدوين المذهب، بدءًا بأبنائه وتلامذته الذين دوّنوا مسائله، من أقواله وأجوبته، ثم حدد من نسبوا أنفسهم إليه في طبقة تالية، أصولًا للمذهب مضاهاة لباقي المذاهب، ولم تكن تلك الأصول مطابقة لأصول الإمام. وعبر العصور أضاف الحنابلة لذلك المذهب، الكثير من الأحكام الفقهية، وكان أول هؤلاء: أبو بكر الخلّال، وهو تلميذ المروذي تلميذ الإمام أحمد، وله كتاب شهير، والمسمى "السُنة". ومنهم الخرقي، وهو صاحب كتاب "مختصر الخرقي"، أول كتاب في الفقه الحنبلي، وسنأتي على ذكره بعد قليل. ثم تتابعوا بتتابع طبقاتهم، وصارت لهم اجتهاداتهم التي تُخالف الإمام، وأشهرهم في هذا ابن تيمية الحرّاني. ثم ظهر من يتسمون بالسلفية المعاصرين، ويختلفون عن الحنابلة القدماء، وحتى عن ابن تيمية في كثير من أحكام العبادات والمعاملات.

وهنا توجد إشارات قوية تجعلنا نتشكك في صحة نسبة ذلك الفقه كله إلى الإمام أحمد، منها:

1- عدم تأليف الإمام أحمد كتبًا في الفقه:

لم يُصنّف الإمام أحمد بن حنبل كتبًا في الفقه، وهذا لا ينفي فقهه الذي شهد له به أستاذه الإمام الشافعي، حين قال، فيما رواه ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (ج1، ص40): "خرجتُ من بغداد وما خلَّفتُ بها أحدًا أتقى ولا أورع ولا أفقه -أظنه قال ولا أعلم- من أحمد بن حنبل". بل وكان الإمام يكره تصنيف الكتب بوجه عام، لكنه وضع "المُسند" وهو من أشهر كتب الأحاديث. روى السبكي في "طبقات الشافعية" (ج2، ص31) "قال عبد الله –بن أحمد بن حنبل- قلت لأبى: لِمَ كرهت وضع الكتب وقد عملت المسند؟ فقال: عملت هذا الكتاب إمامًا إذا اختلف الناس فى سُنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رُجع إليه"أهـ.

ويعترف ابن القيّم الحنبلي تلميذ ابن تيمية بهذا، ويعزوه إلى أن رفض الإمام أحمد للتقليد كان سببًا في عدم تدوين أي كتاب في الفقه، ولكن تعليل ابن القيّم لا يتفق مع ما أثبته عبد الله بن الإمام عن أبيه. روى عبد الله بن أحمد بن حنبل في "مسائله" (ص437) (1582) "سمعتُ أبي، وذكر وضع الكتب، فقال: أكرهها، هذا أبو حنيفة وضع كتابًا، فجاء أبو يوسف ووضع كتابًا، وجاء محمد بن الحسن فوضع كتابًا، فهذا لا انقضاء له، كلّما جاء رجل وضع كتابًا. وهذا مالك وضع كتابًا، وجاء الشافعي أيضًا، وجاء هذا –يعني أبا ثور-، وهذه الكتب وضعها بدعة، كلّما جاء رجل وضع كتابًا، ويترك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. أو كما قال أبي هذا ونحوه. وعاب وضع الكتب وكرهه كراهية شديدة"أهـ.

وروى عبد الله في "مسائله" أيضًا (ص438) (1585) أنه سأل الإمام أحمد عن "الرجل يريد أن يسأل عن الشيء من أمر دينه مما يُبتلى به من الأيمان في الطلاق وغيره، وفي مصره من أصحاب الرأي، ومن أصحاب الحديث لا يحفظون ولا يعرفون الحديث الضعيف، ولا الإسناد القوي، فلِمن يسأل؟ ... قال: يسأل أصحاب الحديث. لا يسأل أصحاب الرأي. ضعيف الحديث خير من رأي أبي حنيفة"أهـ.

وروى الذهبي في "السير" (ج11، ص231) عن عبد الله بن أحمد ".... أن موسى بن حِزام الترمذي يقول: كنتُ أختلف إلى أبي سليمان الجَوزجاني في كتب محمد –أي لأجل أن أتعلم فقه محمد بن الحسن الشيباني، تلميذ أبي حنيفة-، فاستقبلني أحمد بن حنبل، فقال: إلى أين؟ قلتُ: إلى أبي سليمان. فقال: العجبُ منكم! تركتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يزيد عن حُميد، عن أنس، وأقبلتم على ثلاثة إلى أبي حنيفة رحمه الله. أبو سليمان، عن محمد، عن أبي يوسف، عنه –أي عن أبي حنيفة-. قال –موسى بن حزام-: فانحدرت إلى يزيد بن هارون –وهو من أكابر المُحدِّثين-"أهـ.

بالرغم من ذلك تُنسب بعض الرسائل اليسيرة في الفقه إليه، ككتاب الأشربة، وكتاب الفرائض، والمناسك الكبير، والمناسك الصغير، فهل هي منحولة عليه؟!، لكن الثابت أن الإمام أحمد كان يكره وضع كتب الفقه وطريقة الفقهاء، التي تُقرر الأحكام وتُعلِّل وتُدلِّل عليها، وكان يراها بدعة، وكان يرى فقط أن يُروى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ينهى عن تعلم الفقه، ويعتبره صدًّا عن تعلم الحديث، وانحرافًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكون أكثر كلامه ينهى عن فقه أبي حنيفة تحديدًا؛ فذلك لأنه كان بالعراق، وطلبة العلم هناك يطلبونه أكثر، وهو أقل الأئمة الأربعة اعتناءً بالآثار. والأمر لا يختصّ بكراهية منهج أبي حنيفة الفقهي، بل حتى تأصيل الشافعي للفقه الذي على أساسه يستقي الأحكام، ويستند أولًا للقرآن والسُنة، فإن لم يوجدا فالقياس، والتي اعتمدها في كتبه، لم تعجب الإمام أحمد وعابها ضمن ما عاب. والعجيب أن يُصرّ أحد أن ينسب لرجل ما ثبت عنه أنه رآه بدعة!!

وقد يحتجّ الحنابلة بأن أبا حنيفة رأس الفقه لم يكتب بنفسه أغلب مسائل الفقه الحنفي، وأن تلاميذه قد جمعوا أماليه وأقواله، ولكن قولهم مردود؛ فأبو حنيفة من الثابت عنه أنه طلب الحديث وعلم الكلام، ثم انقطع للفقه، حتى قال كثيرون أنه ضعيف الحديث، ولم يعبأ إلا بحفظ الأحاديث التي يُستنبط منها أحكام الفقه، وكان له تلاميذ مجتهدون، كل منهم من الفقه بحيث خالف أستاذه واستدلّ، وكانوا رءوس الفقه في زمانهم، ونعرف يقينًا رأي أبي حنيفة في كل مسألة، ورأي أي منهم إن خالفه، فلم يخلطوا آراءهم برأيه حتى يمتنع التمييز، وعلى العكس من ذلك كان الإمام أحمد وتلامذته، فأحمد انقطع لطلب الحديث وترك الفقه، ولم يكن تلاميذه على قدر تلاميذ أبي حنيفة ومالك والشافعي، ولا نكاد نعرف رأيه في أغلب المسائل لتناقض ما رواه كل منهم في مسائله.

وكذا يُقال عن مذهب الشافعي. يذكر الدهلوي في "الإنصاف" (ص85) "أما مذهب الشافعي فأكثر المذاهب مجتهدًا مطلقًا، ومجتهدًا في المذهب، وأكثر المذاهب أصوليًا ومتكلمًا، وأوفرها مفسَّرًا للقرآن وشارحًا للحديث، وأشدُّها إسنادًا ورواية، وأقواها ضبطًا لنصوص الإمام، وأشدّها تميُّزًا بين أقوال الإمام ووجوه الأصحاب، وأكثرها اعتناءً بترجيح بعض الأقوال والوجوه على بعض"أهـ. وليس الأمر لدى الحنابلة على هذا النحو.

2- رحلات الإمام أحمد في طلب الحديث:

ثبت عن الإمام أحمد بن حنبل أن رحلاته العلمية إلى البصرة والكوفة والحجاز واليمن، كلها كانت في طلب الحديث، مثل سفره إلى الإمام عبد الرزاق في اليمن. وحتى في بغداد كان منشغلًا أكثر بطلب الحديث. يذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج14، ص381) عن الإمام أحمد "وقد كان في حداثته يختلف إلى مجلس القاضي أبي يوسف –صاحب أبي حنيفة-، ثم ترك ذلك وأقبل على سماع الحديث". ولا ينفي هذا أنه قد سمع الشافعي أيضًا مدة ببغداد، ولكن كان همّه طلب الحديث.

3- الإمام أحمد وموقفه من القياس:

يُعرِّف أبو عمر ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (ج2، ص888) القياس بأنه: "القياس الذي لا يُختلف أنه قياس هو: تشبيه الشيء بغيره إذا أشبهه، والحكم للنظير بحكم نظيره إذا كان في معناه، والحكم للفرع بحكم أصله إذا قامت فيه العِلَّة التي من أجلها وقع الحكم".

وقد استقر الحنابلة على أن لمذهبهم الفقهي أصولًا خمسة أساسية؛ على أساسها تُشتق الأحكام، إضافة إلى بعض الأصول الفرعية (الاستحسان- المصالح- سد الذرائع- الاستصحاب)، كما ذكر ابن القيم أصول الإمام أحمد في "إعلام الموقعين" (ج2، ص49: 62)، وتكاد تكون متطابقة نظريًا مع الأصول الخمسة الأساسية التي يذكرها الحنابلة:

فأولها: (نصوص الكتاب والسُنة)، وهذا هو الأصل الأساسي الذي التزم به الإمام أحمد، وغيره من الأئمة، لكن أحمد بن حنبل كان قد تشدد فيه حتى أنه لا يؤول ولا يُخصص ما ثبت بالسُنة إن نُقِل في المسألة أقوالًا للصحابة تُخالف الأثر.

والأصل الثاني عند الحنابلة: الإجماع العام منه والخاص، رغم ما ثبت عن الإمام أحمد إنكاره لدعوى الإجماع، وابن القيّم يبرر بأن إنكار الإمام أحمد إنما هو إنكار لتقدم أي شيء على النصوص، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجود الإجماع!

والأصل الثالث عندهم: هو فتاوى الصحابة وما صحّ عنهم (الأصل الثاني عند الإمام)، وهي مقدمة عند الإمام أحمد على القياس، وإن كان بين الصحابة خلافًا (الأصل الثالث عند الإمام)، تخيّر من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسُنة، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف، ولم يجزم بقول –وكانت هذه طريقته عند الخلاف عمومًا، حتى خلاف الفقهاء-.

والأصل الرابع هو الأخذ بالقول المُرسل والحديث الضعيف، غير أن الضعف فيه ليس شديدًا.

أما الأصل الخامس فهو القياس، والذي اصطلحه الشافعي وأبو حنيفة، وسقنا تعريف ابن عبد البر له، والمفترض ألّا يدخل فيه الاستحسان أو المصالح أو سد الذرائع أو الاستصحاب، وهي أصول فرعية يكثر الحنابلة من استخدامها، ولكن الحنابلة يخلطونها بالقياس على اصطلاحه. يذكر ابن القيم (ص59) "إذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص، ولا قول الصحابة، أو أحد منهم، ولا أثر مرسل أو ضعيف، عدل إلى الأصل الخامس –وهو القياس- فاستعمله للضرورة، وقد قال في "كتاب الخلّال": سألتُ الشافعي عن القياس، فقال: إنما يُصار إليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه"أهـ. ولكن يمكن القول أنه أصل نظري، لم يستخدمه الإمام أحمد فعليًا، فلا يظهر من مسائله أنه كان يقيس، فأجوبته كلها "حدّثنا" و "أخبرنا". روى ابن القيم عن الإمام أيضًا (ص60) "وقال في رواية أبي الحارث: ما تصنع بالرأي والقياس، وفي الحديث ما يُغنيك عنه؟"، وقال في رواية عبد الملك الميموني: يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس"أهـ.

فهل حقًا في الحديث فقط ما يُغني عن القياس كما ذكر الإمام أحمد؟!

كان أبو حنيفة أول أئمة الفقه من أصحاب المذاهب المتبوعة (80-150هـ)، وأول من اجتهد برأيه منهم؛ ذلك أن الأحاديث لم تكن قد جُمعت في عصره بشكلها التام، لتأخر تدوين الحديث، وقد أكثر من استخدام القياس، وكان الحنابلة ولا زالوا يُعرِّضون بأبي حنيفة، وبفقهه، ويقولون عنه "فقه الرأي". ثم كان أن وضع الشافعي أصول الفقه، وأثبت القياس، رغم أن الأحاديث كانت قد دُوِّنت في زمنه، وقال الشافعي: أنه ضرورة لأنه والاجتهاد بمعنى واحد.

ولم يكن قبول القياس كأصل لاشتقاق الأحكام بدعة ابتدعها أبو حنيفة أو الشافعي. يذكر الإمام ابن عبد البر المالكي في "جامع بيان العلم" (ج2، ص869: 874) جملة من الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والأقوال عن الصحابة والتابعين تثبت اجتهادهم بالقياس، ونقل قولًا للمزني (1648) فيه: "الفقهاء من عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا، وهلُّم جرَّا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام من أمر دينهم. قال: وأجمعوا أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار القياس؛ لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها"أهـ. لكن الحنابلة كما يوردون مثل تلك الأقوال في كتبهم، فإنهم يوردون في المقابل ما يُذم به القياس، وأن أول من قاس إبليس، ليجعلوه أساسًا لتمييزهم بالقبول أو الرفض للأقيسة.

ولا يعنينا الحنابلة أنفسهم، بقدر ما يعنينا تحديد موقف الإمام أحمد من القياس؛ فالقياس كضرورة عند أحمد بمعنى أنه يعتبره كالدواء الذي لا بد أن يكتب وصفته من رأسه، لا نقلًا عن طبيب سابق، وبالتالي فهو يُشفق من كتابة هذه الوصفة؛ فهو لا يردّ أي قياس ورده من الرسول أو الصحابة أو التابعين، ويقبله لأنه أثر لا قياس، ما لم يكن هناك أثر أقوى يدفعه، ولم يُناقض الإمام الشافعي في أنه يرى القياس ضرورة، ولكن في النهاية هو لا يستخدمه. يذكر ابن القيّم في "إعلام الموقعين" (ص60) عن أحمد "كان شديد الكراهية والمنع للإفتاء في المسألة التي ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام"أهـ.

ونرى الحنابلة القدماء متأثرين به في هذا النهج، فهم أقرب إلى عدم استخدام القياس، مثل البربهاري، والذي تزعّم الحنابلة (296-329هـ)، يقول في كتابه "شرح السُنة" (ص70) [11]: "واعلم رحمك الله: أنه ليس في السُنة قياس، ولا يُضرب لها الأمثال، ولا تُتّبع فيها الأهواء، وإنما هو التصديق بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا كيف ولا شرح، لا يُقال: لِم؟ و كيف؟"أهـ. وربما كان البربهاري يقصد هنا التعريض بمدرسة أبي حنيفة؛ لأنهم يدخلون القياس على الأثر.

ولكن يتأكد لنا من استكمال مطالعة ما كتبه البربهاري أنه يطعن في القياس والرأي كليهما. يقول (ص99): [97] "واعلم رحمك الله، أن أهل العلم لم يزالوا يردّون قول الجُهمية، حتى كان في خلافة بني فلان –بني العباس- تكلّم الرويبضة في أمر العامة، وطعنوا على آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذوا بالقياس والرأي، فدخل في قولهم الجاهل والمغفل، والذي لا علم له"أهـ.

ويضيف البربهاري (ص105) [104] "واعلم رحمك الله أن من قال في دين الله برأيه وقياسه، وتأويله، من غير حجة من السُنة والجماعة؛ فقد قال على الله ما لا يعلم. ومن قال على الله ما لا يعلم؛ فهو من المتكلفين"أهـ.

ويقول: (ص127- 128)  [153] "ما كانت زندقة قط، ولا بدعة، ولا هوى، ولا ضلالة؛ إلا من الكلام والجدال والمراء والقياس، وهي أبواب البدعة والشكوك والزندقة". [154] "فالله الله في نفسك، وعليك بالأثر، وأصحاب الأثر والتقليد، فإن الدين إنما هو بالتقليد، ومن قبلنا لم يدعونا في لبس، فقلدهم واسترح، ولا تجاوز الأثر وأهل الأثر"أهـ.

فالبربهاري لا يترك فرصة للطعن على القياس كمنهج، ودائمًا يراه منهجًا مضادًا لمنهج الأخذ بالأثر، ولا يرى فيه ضرورة لا في عقيدة ولا في فقه. وبينما يثني على الإمام مالك من بين الأئمة أصحاب السُنة، لا يذكر أبا حنيفة والشافعي. فهل كان البربهاري بذلك مخالفًا لأحمد بن حنبل؟، أم أن الأصح أن يُقال: أنه كان موافقًا له؛ كونه أقرب إليه من المتأخرين المنتسبين إليه، ممن ادّعوا القياس من أصوله، وأن الأصحّ أن أحمد لم يكن يقيس كما يبدو من مسائله، ولكن من انتسبوا إليه قد أدخلوا القياس بعد ذلك ضمن أصول المذهب. فالحنابلة المنتسبون للإمام أحمد اضطروا لاستخدام قياس الشافعي فيما بعد، بعد أن وضعوا بصمتهم المتشددة بتصنيفه إلى قياس صحيح وقياس مردود. وأما السلفية المعاصرون فإن كانوا يجتهدون في شيء، فاجتهادهم في البحث عن تأصيل لأحكامهم بما يوافق القدماء، وهم بذلك أقرب لأصول الإمام أحمد من أجيال سبقتهم من الحنابلة، ولكن مشكلتهم أنهم وإن كانوا يدّعون الانتساب إلى السلف، فسلفهم الذين يؤصلون أحكامهم منه عادة هو ابن تيمية.

وكذا القاضي أبو يعلى في "طبقات الحنابلة" (ج1، ص14) يقول في ترجمة الإمام أحمد: "كان أصل الفقه كتاب الله وسُنة رسوله وأقوال صحابته، وبعد هذه الثلاثة القياس، ثم قد سُلِّم له الثلاث، فالقياس تابع؛ وإنما لم يكن للمتقدمين من أئمة السُنة والدين تصنيف في الفقه، ولا يرون وضع الكتب ولا الكلام، إنما كانوا يحفظون السُنن والآثار، ويجمعون الأخبار، ويُفتون بها، فمن نقل عنهم العلم والفقه كان رواية يتلقاها عنهم، ودراية يتفهمها منهم"أهـ. وأقول: ربما لم يسمع أبو يعلى بكتاب "الأم" للشافعي. وفي قوله إثبات لثلاثة أصول استخدمها الإمام أحمد، ونفي لاستخدامه سواها.

وقد أوضحت أن الإمام أحمد لا يردّ القياس إن جاءه في صورة أثر، ولكنه لا يُفتي ويستخرج الأحكام عن طريقه. ذكر أبو عمر ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (ج2، ص891) (1673) عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: "ما رُوي عن السلف في ذم القياس، فهو عندنا قياس على غير أصل، أو قياس يُردّ به أصل"أهـ.

وقال ابن عبد البر أيضًا (ج2، ص887): "لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السُنة، وهم أهل الفقه والحديث، في نفي القياس في التوحيد، وإثباته في الأحكام، إلا داود بن علي بن خلف الأصفهاني، ثم البغدادي، ومن قال بقولهم، فإنهم نفوا القياس في التوحيد والأحكام جميعًا"أهـ.

وأقول: ربما كان عدم استخدام الإمام أحمد للقياس سببًا في عدم اعتبار خلافه عند كثير من الفقهاء –كما سنرى-، مثلما كان داود الظاهري مختلف في اعتبار خلافه، وفقًا لما رواه الذهبي في ترجمته لنفس السبب. ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج13، ص105) في ترجمة داود بن علي الظاهري. "قال الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني: قال الجمهور: إنهم –يعني نُفاة القياس- لا يبلغون رتبة الاجتهاد، ولا يجوز تقليدهم القضاء. ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادي عن أبي علي بن أبي هريرة، وطائفة من الشافعية، أنه لا اعتبار بخلاف داود، وسائر نُفاة القياس، في الفروع –أي الفقه والأحكام- دون الأصول –العقائد والتوحيد-. وقال إمام الحرمين أبو المعالي: الذي ذهب إليه أهل التحقيق أن منكري القياس لا يُعدّون من علماء الأمة، ولا من حملة الشريعة، لأنهم معاندون، مباهتون، فيما ثبت استفاضة وتواترًا، لأن معظم الشريعة صادر عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعُشر معشارها، وهؤلاء ملتحقون بالعوام. قلتُ –أي الذهبي-: هذا القول من أبي المعالي أدّاه إليه اجتهاده، وهم قادهم اجتهادهم إلى نفي القول بالقياس، فكيف يُردّ الاجتهاد بمثله."أهـ.

وأقول: رأي الذهبي مفهوم، لأنه وإن كان شافعيًا في الفروع إلّا أنه كان مائلًا للحنابلة؛ كونه على عقيدتهم، ولكن إخراج نُفاة القياس ومن لا يستخدمونه من عِداد الأئمة المجتهدين في الفقه لم يكن رأي الإسفراييني والجويني وفئة منذورة من العلماء، بل هو رأي غالبية العلماء، لأن الفقه أكبر من مجرد حفظ الآثار وترديدها، ولو كان حفظ القرآن والحديث وحدهما كافيين لتقرير الأحكام، لما احتاج الناس في كل زمان إلى الفقهاء لاستخلاص الأحكام من النصوص على قواعد الأصول. وكيف يكون اجتهاد دون قياس، وهما بمعنى واحد؟، يقول الإمام الشافعي في "الأم" (ج1، باب إثبات القياس والاجتهاد) (ص222) "القياس والاجتهاد هما اسمان لمعنى واحد"أهـ.

وروى الدهلوي في "الإنصاف" (ص80) بسند طويل متصل إلى الإمام الشافعي قواعد استنباط الأحكام الفقهية، قال: "قال محمد بن إدريس الشافعي: الأصل قرآن وسُنة، فإن لم يكن فقياس عليهما،.......، ولا يُقاس أصل على أصل، ولا يُقال للأصل: لِمَ وكيف، وإنما يُقال للفرع لِمَ؟، فإذا صحّ قياسه على الأصل صحّ وقامت به الحُجة"أهـ. فالشافعي لا يأخذ بالحديث الضعيف ويترك القياس، فكان القياس أمر لا مفرّ منه قرّره أئمة الفقه المجتهدون، ولم يُعرَف عن الإمام أحمد، لأنه كي يتم القياس، فلا بد من استخراج العلة للأحكام المستخرجة من النصوص، والتي يُدار عليها الحكم، كي يتم القياس عليها بعد ذلك، وفي مسائل الإمام أحمد نجده لا يهتم باستخراج علة الحكم إن كان الأمر ليس فيه اختلاف، فإن كان فيه اختلاف ربما توقف عن إصدار الحكم من أساسه.

4- تهيب الإمام أحمد للفُتيا:

يوضح الإمام أبو زُهرة في "تاريخ المذاهب الإسلامية" (ص324) الفرق بين الإفتاء والاجتهاد (القياس)، يقول: "الإفتاء أخص من الاجتهاد، لأن الاجتهاد هو استخراج الأحكام الفقهية من مصادرها، سواء أكان فيها سؤال أم لم يكن، كما كان يفعل أبو حنيفة في دروسه عندما كان يُفرِّع التفريعات المختلفة، ويفرض الفروض الكثيرة، أما الإفتاء، فإنه لا يكون إلا عند السؤال عن حكم واقعة وقعت، أو بصدد الوقوع، ومعرفة حكمها"أهـ.

ثبت عن الإمام أحمد تهيبه للفُتيا، بسبب موقفه من القياس، وعدم رغبته في اشتقاق أحكام لا أثر وارد فيها، فكان يرد على كثير من المسائل بـ (لا أدري). ذكر ابن القيم –وهو حنبلي- في "إعلام الموقعين" عن الإمام أحمد (ج6، ص133) أنه قال: "من عرّض نفسه للفُتيا، فقد عرّضها لأمر عظيم". وقال أبو داود في "مسائله" (ص367) (1782): "وما أُحصي ما سمعت أحمد يُسأل عن كثير مما فيه اختلاف من العلم، فيقول: لا أدري"أهـ. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "مسائله" (ص438) (1583) "كنت أسمع أبي كثيرًا يُسأل عن المسائل، فيقول: لا أدري، وذلك إذا كانت مسألة فيها اختلاف، وكثير مما كان يقول: سلْ غيري، فإن قيل له: من نسأل؟ يقول: سلوا العلماء، ولا يكاد يُسمي رجلًا بعينه"أهـ.

والمتتبع لإجابات الإمام أحمد بن حنبل في المسائل التي رواها عنه ابناه وتلاميذه، يمكنه تلمح بوضوح أنه كان يُجيب عن المسائل التي لا يكاد يوجد فيها خلاف بكلمات يسيرة، وهي طريقة تُغني العوام ولا تُغني طلبة العلم، فإن كان يردّ في أحيان قليلة بعض ما رجّحه غيره، فذلك لعدم وجود أثر يعرفه في المسألة، مثل رأيه في عدم إعادة الوضوء من الضحك، قال فيما رواه عنه أبو داود في "مسائله" (ص21) (90): "لا أدري بأي شيء أعادوا الوضوء من الضحك؛ أرأيت لو سبَّ رجلًا؟!" وكذا نقل أبو داود عنه (91) "أما أنا فلا أُوجِب فيه وضوءًا؛ ليس تصح الرواية فيه"أهـ.

ولم يكن الإمام أحمد بدعًا في هذا بين العلماء. يذكر الدهلوي في "الإنصاف" (ص46) "اعلم أنه كان من العلماء في عصر سعيد بن المسيب، وإبراهيم، والزُهري، وفي عصر مالك، وسُفيان، وبعد ذلك، قومٌ يكرهون الخوض بالرأي، ويهابون الفُتيا والاستنباط إلّا لضرورة لا يجدون منها بُدّ، وكان أكبر همهم رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم"أهـ. يضيف الدهلوي (ص57) "وكان بإزاء هؤلاء في عصر مالك وسُفيان وبعدهم، قوم لا يكرهون المسائل، ولا يهابون الفُتيا، ويقولون: على الفقه بناء الدين، فلا بدّ من إشاعته، ويهابون رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والرفع إليه"أهـ. ويؤكد الدهلوي على تصنيفه ذاك بقول للإمام الخطابي. يذكر (ص64) "ومن شواهد ما نحن فيه ما صدّر به الإمام أبو سليمان الخطابي كتابه "معالم السُنن"، حيث قال: رأيت أهل العلم في زماننا قد حَصَلُوا حزبين، وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر. وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البُغْيَة والإرادة، لأنّ الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يُوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمار فهو قفر وخراب"أهـ. وأقول: والإمام أحمد اختصّ نفسه بالأساس دون البناء، وترك العمارة لغيره، ولكن أتى من بعده من عمّر ونسب ما عمّره إليه.

ويصف الدهلوي (ص69) حال الإمام أحمد تحديدًا بأنه كان من فئة العلماء الذين أمعنوا في تتبع الكتاب والسُنة والآثار حتى حصل له بالقوة القريبة من الفِعل ملكة أن يتصف بفُتيا في الناس، وأن هذا الاستعداد حصل للإمام أحمد وأشباهه كالإمام إسحق بن راهويه، "باستفراغ الجهد في جمع الروايات؛ فإنه ورد كثير من الأحكام في الأحاديث، وكثير منها في آثار الصحابة والتابعين وتبع التابعين، مع ما لا ينفكّ عنه العاقل العارف باللغة من معرفة مواقع الكلام، وصاحب العلم بالآثار من معرفة طرق الجمع بين المختلفات وترتيب الدلائل ونحو ذلك". فلم يكن حاله كحال أبي يوسف ومحمد بن الحسن، الذين حصل لهما هذا الاستعداد "بإحكام طرق التخريج وضبط الأصول المروية في كل باب عن مشايخ الفقه من الضوابط والقواعد، مع جملة صالحة من السُنن والآثار"أهـ.

فالدهلوي هنا لا يُنكر أنه يمكن أن يكون المرء فقيهًا عن طريق تتبع الآثار فقط، ودون معرفة بأصول الفقه، رغم كونها لا تتشابه فيما اصطلح عليه علماء المسلمين بأن يُسمى فقهًا، وهل الفقيه من يعرف ماذا عليه أن يفعل في أمور دينه فقط، أم أن المعرفة بالأحكام وعللها –ولا أقول استخلاصها من الآثار- أكبر من ذلك بكثير؟

وهنا يتبادر سؤال هام: هذه الطريقة الأولى في الفُتيا وتقرير الأحكام بناءً على الآثار فقط، كما قرّرها الإمام أحمد، هل تصلح للجميع؟ وما محدداتها ومشروطياتها؟

يروي الإمام الذهبي في "السير" (ج11، ص232) عن الإمام الحاكم "حدثنا أبو علي الحافظ، سمعتُ زكريا بن يحيى الضرير، يقول: قلتُ لأحمد بن حنبل: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يكون مُفتيًا؟ يكفيه مئة ألف؟ فقال: لا. إلى أن قال –زكريا-: فيكفيه خمس مئة ألف حديث؟ قال –الإمام أحمد-: أرجو"أهـ.

ونقل القاضي أبو يعلى في "طبقات الحنابلة" (ج1، ص13) عن عبد الوهاب الوراق أحد تلاميذ الإمام أحمد ما حزره لحفظ الإمام. "قال عبد الوهاب الوراق: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل. قالوا له: وأيش الذي بان لك من علمه وفضله على سائر من رأيت؟، قال: رجل سُئل عن ستين ألف مسألة، فأجاب فيها بأن قال: "أخبرنا" و"حدّثنا"". ثم ينقل عن أبي زُرعة الرازي (ص14) قوله: "حزرنا حفظ أحمد بن حنبل بالمذاكرة على سبعمائة ألف حديث. وفي لفظ آخر، قال أبو زُرعة الرازي: كان أحمد يحفظ ألف ألف، فقيل له: وما يُدريك؟ قال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب"أهـ.

وينقل ابن القيّم في "أعلام الموقعين" (ج2، ص84-85) "قال محمد بن عبيد الله بن المنادي: سمعتُ رجلًا يسأل أحمد: إذا حفظ الرجل مئة ألف حديث يكون  فقيهًا؟ قال: لا، قال: فمئتي ألف؟ قال: لا، قال: فثلاث مئة ألف؟ قال: لا، قال: فأربع مئة ألف، قال بيده هكذا، وحرّك يده. قال أبو الحسن –ابن المنادي-: وسألتُ جدي محمد بن عبيد الله، قلتُ: فكم كان يحفظ أحمد بن حنبل؟ قال: أخذ عن ست مئة ألف. قال القاضي أبو يعلى: "وظاهر هذا الكلام من أحمد أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذا لم يحفظ من الحديث هذا القدر الكثير الذي ذكره"، ثم أوّل أبو يعلى كلام أحمد –ومن عجب أن يؤول الحنابلة!- فقال: "وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتوى"أهـ. ثم ضرب مثالًا يوضح أن الحنابلة المتقدمين، بل من أعلاهم رتبة ممن كانوا يجلسون للفُتيا في جامع المنصور ببغداد من كانوا يُصرِّحون بأنه لا يلزمهم هذا الشرط الذي شرطه أحمد للإفتاء.

وبالتالي؛ فإن من انتسبوا للإمام أحمد، لم يلتزموا بهذا الشرط في أصله الأول، كما أضافوا القياس إلى أصوله، وبرّروا ذلك بأن الإمام الشافعي قال له أنه ضرورة، وأنه قبل هذا، رغم عدم استخدام الإمام له، وبالتالي نتساءل إن كان يصحّ أن يُعدّ فقههم على أصوله، ففقه أبو يوسف ومحمد الشيباني قد عدّ في مذهب أبي حنيفة، رغم كونهما مجتهدين مطلقين، ورغم مخالفتهما له في كثير من المسائل، لأنهما وافقاه في الأصل، ونفس الشيء يُقال عن الأئمة المجتهدين من أصحاب الشافعي، فتخريجاتهم التي تُضاف إلى المذهب على أنها منه كثيرة، ولكنها تكون مبنية على أصول الشافعي، ولهم تخريجات لا تُعد من المذهب، وتعد خارجة عنه، عندما يخالف المُخرج نصًا للشافعي أو يخالف قاعدة من القواعد الأصولية، ولكن بأي صفة ينسب من تسموا بالحنابلة فقههم إلى ابن حنبل، وقد خالفوه في أصوله؟! ولم يُشهد لأي فقيه حنبلي بالاجتهاد –بل ادّعوه لأنفسهم- حتى يُضيفوا كل هذه الإضافات للأحكام (الأوجه) فيما لم يرد عن الإمام من مسائل.

5- ما صحّ عن تلاميذ الإمام أحمد:

يحكي الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج12، ص625) في ترجمة الأثرم تلميذ الإمام أحمد، وهو أذكى تلاميذ الإمام، نقلًا عن أبي بكر الخلال عن أبي بكر المروذي "قال الأثرم: كنت أحفظ –يقول الذهبي: يعني: الفقه والاختلاف- فلمّا صحبت أحمد بن حنبل تركت ذلك كله"أهـ؛ فالذهبي يُقرر أن الفقه المعروف لدى باقي أئمة الفقه، والذي كان يُعرف بـ (الاختلاف)، لا يُشبه فقه أصحاب الإمام أحمد؛ حيث كان فقههم –إن صحت تسميته فقهًا-، لا يعدو رواية الآيات والأحاديث في باب المسألة، وتحديد رأي عام، فلا تحليل ولا تعليل ولا قياس؛ وكانت الناس تعرف الحنابلة بـ (فقهاء الحديث)؛ إذ كانوا يرفضون إدخال القياس، ويُسفِّهون مدرسة أبي حنيفة الفقهية؛ كونها توازن بين الآثار وتختار أرجحها، مما يعني رفض الأخذ بأحاديث صحيحة الإسناد في نفس المسألة لتعارضها مع ما رجّحه، وصدق الشافعي إذ قال: "كان الفقه قفلًا حتى فتحه أبو حنيفة".

6- عدم تدوين تلاميذ الإمام أحمد مسائله في حياته:

لم يسمح الإمام أحمد لتلاميذه بتدوين مسائله في حياته، ورغم عناية تلاميذه وتلاميذ تلاميذه بجمعها، إلا أن الحنابلة قديمًا وحديثًا يبررون عدم تكامل الرأي الفقهي للإمام في الكثير من المسائل بأنه قد فاتهم منها الكثير، ولم تبلغهم سائر نصوصه. كما يبررون تناقض ما رواه تلاميذه من إجابات على كثير من المسائل –رغم أنهم يُعدِّلونهم كلهم- بضعف الحافظة وبعد الزمن، وأشياء من هذا القبيل.

وأول من قام بتدوين الفقه المنسوب للإمام أحمد هو أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي، ‏المتوفي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة بعد حوالي قرن من وفاة الإمام. والمؤكد أنه وضعه بعد عام 317هـ؛ ذلك أنه وكما ذكر عنه ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج15، ص 170): "في مصنفه هذا المختصر، في كتاب الحج منه: (ويأتي –أي الحاج- الحجر الأسود ويُقبله إن كان هناك). وإنما قال ذلك لأن تصنيفه لهذا الكتاب كان حال كون الحجر الأسود بأيدي القرامطة حين أخذوه من مكانه في سنة سبع عشرة وثلاثمائة، ولم يردّوه إلا سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة"أهـ. وبالتالي فقد تم تصنيف المختصر بعد وفاة الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة مائتين وواحد وأربعين بما يقارب القرن، وبعد وفاة ابنه عبد الله وهو راوي مسنده، وآخر تلاميذه وفاة، سنة ‏تسعين ومائتين، أي بأكثر من ربع قرن؛ فقد توفي قبله كل تلاميذ أبيه، مثل: صالح بن أحمد بن حنبل سنة 266هـ، وأبو بكر الأثرم سنة 261هـ، وعبد الملك الميموني سنة 274هـ، وأبو بكر المروذي سنة 275هـ، وإبراهيم الحربي سنة 285هـ، وأبو داود السجستاني سنة 270هـ.

- أورد ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج15، ص 171-172) في ترجمة الخرقي أنه ‏صاحب "المختصر في الفقه على مذهب الإمام أحمد". وقال: "خرج من بغداد لما ‏كثر بها السب للصحابة، وأودع كتبه ببغداد، فاحترقت الدار التي هي فيها، وعُدمت ‏مصنفاته"أهـ. وكذا أثبت الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج15، ص363) نقلًا عن القاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي. وكذا ذكر ابن الجوزي في "المنتظم" (ج14، ص49)، وحدّد أن الدار التي احترقت كانت بدرب سليمان. ولكن مختصر الخرقي بالرغم من ذلك توجد له شروح كثيرة للقاضي أبي يعلى وابن حامد وابن عقيل وابن الزاغوني والتميمي وغيرهم، فربما قصد من ترجموا للخرقي -وكلهم سلفية- كالذهبي وابن كثير وابن الجوزي أن باقي مصنفاته تلك الكثيرة المدّعاة قد احترقت وعُدمت عدا المختصر، وربما لم يكن أمر تلك المصنفات أكثر من إشاعة حنبلية تعلية لمرتبة الخرقي لزيادة قيمة المختصر؛ حيث أن سب الصحابة لم يشع ببغداد إلا بدءًا من سنة 329هـ. ينقل ابن كثير عن الصولي في "البداية والنهاية" (ج15، ص151) في حوادث سنة 329‏هـ "وكثر الرفض ببغداد، فنودي بها: من ذكر أحدًا من الصحابة بسوء فقد برئت منه الذمة"‏، وكان ذلك هو السبب في انتقال الخرقي إلى دمشق، وهو العام الذي مات فيه البربهاري رئيس الحنابلة ومتزعم حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ببغداد، فهدأت الأحوال ولم تتجدد الحرائق لسنوات. وكل ما هو ثابت لدينا أنه على كثرة الحرائق ببغداد، والتي ذكرها المؤرخون، لم يذكروا حدوث حريق ضخم في السنوات من سنة 329هـ وحتى وفاة الخرقي سنة 334هـ، سوى ذلك الحريق الذي ذكره الصولي ‏في "أخبار الراضي والمتقي" ‏(ص261) قال: "ووقع بالكرخ حريق عظيم من حد طاق التكك إلى السماكين، وعطف على أصحاب الكاغد وأصحاب النعال، وذهبت النيران بأمتعة البزازين وأموال خطيرة"، وكما هو واضح فإن الحريق كان بمحال الشيعة كعادة الحرائق ببغداد.

- وبالعودة إلى مختصر الخرقي وشروحه، سنجد أن أهم تلك الشروح هو شرح الزركشي الحنبلي له، وله طبعة حديثة حققها عبد الله الجبرين، أطال في مقدمتها الشرح والتعليل والتبرير لكل ما يُثار حول ما يُنسب للإمام أحمد من فقه لم يدونه، ولا دوّنه ابنه عبد الله، ولا أي من تلاميذه. نجد من أهم ما ساقه الجبرين في مقدمته المطولة ادعاء كثرة أصحاب الإمام أحمد -رغم أن الإمام العلامة ابن جرير الطبري وهو معاصر للإمام أحمد لم يعترف بهؤلاء الأصحاب كما سيتضح لاحقًا-، وتعديله لهم جميعًا فيما نقلوه عن الإمام -وهو ما لم يحدث مع رواة حديث رسول الله! فمنهم مردود الرواية-.

- ثم الجبرين مع ذلك يعترف بتعدد الروايات وكثرة الاختلافات في رواياتهم، وعزاه لأسباب منها كثرة توقف الإمام وقلة تصريحه بالإيجاب أو التحريم، يذكر الجبرين (ص19) "هذا الإمام –يعني أحمد- عُرف بتورعه وتحريه في الجواب، وتوقفه في الفتوى وعدم تسرّعه، تحرجًا وتخوفًا من القول على الله بغير علم، فإن أغلب ما يُنقل عنه من العبارات في الممنوع: لا ينبغي هذا، أو لا يصلح، أو أنا أستقبحه، أو هو قبيح، أو لا أراه، أو أكره ذلك، أو لا يعجبني، أو لا أحبه، أو لا أستحسنه، وهكذا يقول في المطلوب: هذا أحب إليّ أو أعجب، أو أنا أحب هذا، أو هذا أحسن، أو ما أحسنه، أو لا بأس به، أو أخشى أو أخاف أن يكون كذا، أو لا يكون، أو يجوز أو لا يجوز، ونحو ذلك، فأما التصريح بالإيجاب أو التحريم فقليل في الرواية عنه إلا مع قوة الدليل، ثم هو كثيرًا ما يجيب على الأسئلة بالنص الصريح في الحكم من آية أو حديث، اكتفاء بإيراده عليها عن البت فيها بحكم، وقد يقتصر على ذكر جواب من سبقه فيها من صحابي أو تابعي مما يكون رمزًا لاختياره"أهـ.

- كما يرد الجبرين اختلافاتهم إلى أن كثيرًا من الرواة قد يخطيء في النقل أو يقع منه وهم أو سهو أو عدم فهم للجواب، للاعتماد على الذاكرة مع طول العهد بالكلام المسموع وكثرة الأسئلة أو عدم الفهم للسؤال أو فوات بعض الجواب، وكذا عزا الاختلافات لضرورات الاجتهاد وفقًا للحالة، وأن العالم قد يكون له قولان في المسألة، وكل ما ذكره الجبرين قد يكون صحيحًا، ولكنه فائق عن الحد في الفقه الحنبلي تحديدًا مقارنة بفقه سائر الأئمة، وليس بإمكاننا أن نستوثق ما يقول به الإمام أحمد ويختاره في المسائل، فالاختيارات غير مثبتة ولا محصورة.

- ثم نجد الجبرين فوق ذلك يعترف (ص24) أنه "يظهر بالتتبع أن الكثير من المسائل المدونة في كتب الفقهاء، كمختصر الخرقي وغيره لا توجد أفرادها منصوصة عن الإمام نفسه، وإنما خرّجها أصحابه على قواعده، وألحقوها بما يشبهها من الوقائع التي نصّ عليها".

- ثم يذكر (ص71) "لم يصرح المؤرخون باسم أحد من العلماء الذين تعلم الخرقي على أيديهم، وإنما ذكر أبو الحسين أنه قرأ على من أخذ عن تلامذة أحمد"أهـ. فالخرقي لم يأخذ عن الإمام أحمد ولا حتى تلامذته.

7- زهد الإمام أحمد و ورعه ليس قطعًا بالحُرمة:

الإمام أحمد كان زاهدًا ورعًا، وكان يتعفف عن كثير من الأمور التي يراها حلالًا، وبالتالي فإن فعله أو عدم فعله لشيء لا يقطع بحله أو حرمته من وجهة نظره. على سبيل المثال فقد ثبت عنه أنه سُئل عن مال السلطان فأجاب أنه لا يراه حرامًا ولكنه يتعفف عنه، فكم مسألة لم يفعلها أحمد وتورع عنها وهو يراها حلالًا، وأعتقد أن في هذا تفسير للصبغة المتشددة للمذهب الحنبلي لأن جزءًا كبيرًا منه أُخذ من أفعال الإمام أحمد التي اختص بها نفسه تورعًا، ولم يُلزم بها أحدًا غيره، لكن أصحابه ألزموا بها العالمين.

8- محنة الإمام ابن جرير الطبري مع الحنابلة:

كانت للإمام ابن جرير الطبري محنة بسبب من كانوا يُسمون بالحنابلة –سبق أن فصّلت فيها في مقال آخر-؛ بسبب موقف الإمام الطبري من الإمام أحمد بن حنبل في كتابه "اختلاف الفقهاء"، وموقفه من ‏مسألة الجلوس على العرش،‏ وذلك بعد رجوعه لبغداد من طبرستان للمرة الثانية، أي بعد سنة 290هـ، ‏حتى منع الحنابلة دفنه في مقابر المسلمين عندما مات سنة 310هـ.

- ذكر ابن الأثير في "الكامل في التاريخ" (ج7، ص8)‏ عن الطبري قال: "ودُفن ليلًا بداره لأن العامة اجتمعت عليه ومنعت من ‏دفنه نهارًا، وادّعوا عليه الرفض، ثم ادّعوا عليه الإلحاد،.......... ولذلك سبب؛ وهو أن الطبري جمع كتابًا ذكر ‏فيه اختلاف ‏الفقهاء لم يصنّف مثله، ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل، فقيل له في ذلك فقال: لم ‏يكن ‏فقيهًا، وإنما كان محدِّثًا، فاشتد ذلك على الحنابلة، وكانوا لا يحصون كثرة ببغداد، ‏فشغبوا ‏عليه وقالوا ما أرادوا"‏‏أهـ.

- ووفقًا لما رواه ياقوت الحموي في "معجم الأدباء" (ج6، ص2450) عن محنة الطبري مع الحنابلة بعد أن صنّف كتاب "اختلاف الفقهاء" ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل. قال ياقوت: "وقصده الحنابلة فسألوه عن أحمد بن حنبل في الجامع يوم الجمعة، وعن حديث الجلوس على العرش، فقال أبو جعفر: أما أحمد بن حنبل فلا يُعدّ خلافه، فقالوا له: فقد ذكره العلماء في الاختلاف، فقال: ما رأيته رُوي عنه، ولا رأيتُ له أصحابًا يُعوَّل عليهم، وأما حديث الجلوس على العرش فمحال"أهـ.

- ذكر ابن الأثير في "الكامل في التاريخ" (ج7، ص10)‏ في ترجمة الطبري، "وكان أبو جعفر ممن لا يأخذه في الله لومة لائم، ولا يعدل في علمه وتبيانه عن حق يلزمه لربه وللمسلمين إلى باطل، لرغبة ولا رهبة، مع عظيم ما كان يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل وحاسد وملحد". وقال الفرغاني –تلميذ الطبري، وصاحب كتاب "صلة تاريخ الطبري"-، فيما روى عنه السبكي في "طبقات الشافعية" (ج3، ص125) "كان محمد بن جرير ممن لا تأخذه فى الله لومة لائم، مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل وحاسد وملحد، فأما أهل العلم والدين فغير منكرين علمه وزهده فى الدنيا ورفضه لها وقناعته بما كان يرد عليه من حصة خلفها له أبوه بطبرستان يسيرة"أهـ، ونقله الذهبي عن الفرغاني في ترجمة الطبري في "سير أعلام النبلاء" (ج14، ص274).

- والطبري فوق ذلك كان فقيهًا، بل من الأئمة المجتهدين في الفقه، وصاحب مذهب فقهي يُنسب إليه. يقول الذهبي في ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (ج14، ص269-270) "كان من كبار أئمة الاجتهاد، وكان ثقة، حافظًا، رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، علّامة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات واللغة، وغير ذلك"أهـ. ولكن مذهبه الفقهي المنسوب إليه "الجريري" درس لقلة الأتباع ولتقاربه مع مذهب إمامه الشافعي، لذا يعده الشافعية منهم.

وكان الطبري قد درس مذهب الشافعي، تلقَّاه عن أصحاب الإمام الشافعي في بغداد ومصر، وتمذهب به قبل أن تكون له اجتهادات خاصة في كثير من المسائل، ودرس المذهب المالكي في مصر على أبناء عبد الله بن عبد الحكم (محمد وأخويه) تلاميذ ابن وهب صاحب الإمام مالك، وتلقَّى مبادئ الفقه الحنفي على أبي مقاتل بالريّ، بل وتلقى فقه الظاهرية مدة على يد داود بن علي الأصبهاني رئيس أهل الظاهر ببغداد، ثم تخلف عن مجلسه. ولو كان الطبري قد وجد من أصحاب أحمد من يستحق أن يأخذ عنه الفقه لطلبه، ولكن كبار تلاميذ الإمام أحمد كانوا من مشاهير أهل الحديث ببغداد كأبي داود السجستاني صاحب السُنن، وإبراهيم الحربي.

كما أن تخلف الطبري عن مجلس داود الظاهري، في زيارته الأولى لبغداد، وتسميته إياه "ذي الأسفار"، تعريضًا به من خلال الآية الكريمة، بسبب حروفيته في استخلاص الأحكام الفقهية، توضح لنا نوعية الفقه التي كانت لدى الحنابلة، والتي جعلت الطبري لا يطأ مجالسهم ببغداد، رغم عدم احتياجه للارتحال إليهم، ولا يعتبر ما عندهم فقهًا، حيث كانوا يُعرفون باسم "فقهاء الحديث"؛ لأن بعض الناس كانوا يستفتون من له علم بالحديث، وحروفيتهم لا تقل عن حروفية الظاهريين، ومن الطبيعي ألا يراها الطبري فقهًا، وهو الفقيه الذي بلغ رتبة الاجتهاد المطلق بشهادة معاصريه ومن تلاهم، وقد ظهر مما قاله لهم أنه يُميز بين المُحدِّث والفقيه.

9- أذيّة الحافظ الخطيب البغدادي من الحنابلة:

ومثل ما حدث للطبري، ما ذكره الحافظ الخطيب البغدادي في ترجمة الإمام أحمد، وعدّه الحنابلة تعصبًا عليهم وذمًا لهم؛ لأنه فارقهم. ذكر ابن الجوزي في ترجمة الخطيب في "المنتظم" (ج16، ص132). قال: "وكان أبو بكر الخطيب قديمًا على مذهب أحمد بن حنبل، فمال عليه أصحابنا لمّا رأوا من ميله إلى المبتدعة –ويعني ابن الجوزي تغيير الخطيب عقيدته إلى الأشعرية-، وآذوه، فانتقل إلى مذهب الشافعي رضي الله عنه، وتعصب في تصانيفه عليهم، فرمز في ذمهم، وصرّح بقدر ما أمكنه، فقال في ترجمة أحمد بن حنبل: سيد المُحدِّثين، وفي ترجمة الشافعي: تاج الفقهاء، فلم يذكر أحمد بالفقه"أهـ.

ولم يكن عدّ الإمام أحمد في المُحدِّثين وليس الفقهاء قاصرًا على الطبري أو الخطيب، بل كان يورده كثيرون، وطالما ردّ عليه الحنابلة في عصور سابقة، سواء بإيذاء العلماء القائلين بذلك كما رأينا، وكان هذا دأب سفهائهم، أو بتدوينات علماء الحنابلة. من ذلك ما نقله الذهبي عن ابن عقيل الحنبلي في "السير" (ج11، ص321) "قال ابن عقيل: مِن عجيب ما سمعته عن هؤلاء الأحداث الجُهّال، أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه، لكنه مُحدِّث. قال: وهذا غاية الجهل، لأن له اختيارات بناها على الأحاديث بناءً لا يعرفه أكثرهم. وربّما زاد على كبارهم". قال الذهبي: "قلتُ: أحسبهم يظنونه كان مُحدِّثًا وبس –أي وحسب-، بل يتخيلونه من بابة محدثيّ زماننا. ووالله، لقد بلغ في الفقه خاصة رتبة الليث، ومالك، والشافعي، وأبي يوسف، وفي الزهد والورع رتبة الفُضيل، وإبراهيم بن أدهم. وفي الحفظ رتبة شُعبة، ويحيى القطّان، وابن المديني، ولكنّ الجاهل لا يعلم رتبة نفسه، فكيف يعرف رتبة غيره"أهـ.

وأقول: عاصر ابن عقيل بدء انتشار العقيدة الأشعرية والفقه الشافعي في بغداد، بعد تشييد نظامية بغداد، وغالبًا كان من يصفهم بالأحداث الجُهّال بعض مدرسيّ النظامية، وربّما كان ابن عقيل يفهم من أين اشتق الإمام أحمد حكمه في كل مسألة سُئل عنها، وأغلب الفقهاء أيضًا يفهمون ولا شك، لكن ربما لم يدرك ابن عقيل أن عدم تعليل الإمام أحمد لأحكامه في حد ذاته، حتى وإن كان لها سند، هو نقص كبير وقدح في طريقة ذلك الفقه، لأن الفقه ليس مجرد إرشاد العامي لِما يجب أن يسلك، بل لا بد من تحديد الحكم الشرعي التكليفي (حرام، حلال، واجب، مندوب، مكروه)، وتحديد حكم من خالف، وما ينبغي في حقه، ولا بد من استخراج العلة لذلك الحكم من النصوص، وليس عدم تحديد وصف التكليف، وإخفاء العلل والاكتفاء بكونه يفهم كيف اشتق ما أرشد به في جوابه.

أما الذهبي فقد قدح في محدثيّ زمانه، وفيهم حُفّاظ كبار مشهود لهم، كونهم لا يُفتون، وبالغ في رتبة الإمام أحمد في الفقه دون بيّنة، ومقارنة بسيطة بين كتاب "الأم" للشافعي، على سبيل المثال، وبين أي كتاب من "مسائل الإمام أحمد" برواية أي من أبنائه وتلاميذه كافية لتوضيح الفارق، وأيهما له الرتبة الأعلى، فهل كان الشافعي يكتفي بأن يقرر حكم مسألة بأن يقول: لا بأس أو لا يُعجبني؟

10- عدم اعتداد فقهاء المذاهب بالمذهب الفقهي الحنبلي حتى عصور متأخرة:

لم يكن المذهب الفقهي الحنبلي يُعتدّ به عند أهل الإسلام. من ذلك، ما كتبه الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي المتوفي سنة 456هـ، في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام" عن تقليد المسلمين الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي دون غيرهم، ولم يأت على سيرة الإمام أحمد أو غيره من الأئمة إلا مرات معدودة، مما يدل على أن تلك المذاهب الفقهية الثلاثة كانت الغالبة لدى عموم الناس في سائر بلاد المسلمين رغم كل ما فعله الحنابلة في بغداد طوال القرن الرابع الهجري -الذي ظهروا فيه بعد وفاة الإمام بأكثر من نصف قرن- من تشغيب على المسلمين لنشر مذهبهم الذي استغلوا تقدير الناس للإمام أحمد بعد موقفه من محنة (خلق القرآن) فعزوه إليه.

يذكر الإمام أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي في "دفع شبهة التشبيه" (ص4)، قال: "إنني لمّا تتبعت مذهب الإمام أحمد رحمه الله، رأيت الرجل كبير القدر في العلوم، قد بالغ في النظر في علوم الفقه ومذاهب القدماء، حتى لا تأتي مسألة إلا وله فيها نص أو تنبيه، لكنه على طريق السلف، فلم يُصنِّف إلا المنقول، فرأيت مذهبه خاليًا من التصانيف التي كثُر جنسها عند الخصوم، وما رأيت لهم تعليقة في الخلاف –يعني خلاف الفقهاء-، إلا أن القاضي أبا يعلى، قال: "كنت أقول ما لأهل المذاهب يذكرون الخلاف مع خصومهم، ولا يذكرون أحمد؟ ثم عذرتهم؛ إذ ليس لنا تعليقة في الفقه، فصنّفت لهم تعليقة". وعلّق الإمام الكوثري محقق كتاب "دفع شبهة التشبيه" بأن ذَكَرَ اختلاف الإمام أحمد على مجالس الفقه، حتى صار له من الفقه حظ وافر، ومع هذا كان الغالب عليه وعلى أصحابه رواية الحديث.

وكان قرار الظاهر بيبرس بتخصيص مذاهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي ‏–إضافة للمذهب الحنبلي- ليكون القضاة من بين علمائها بدءًا من أواخر سنة 663هـ سببًا في شيوع الاعتراف به كرابع المذاهب الفقهية للسُنة. وهذا لا يرجع لشيوع المذهب الحنبلي بين المسلمين حتى أبقاه، بل لأن فتاوى الحنابلة وتشددهم ضد التتار كانت تعجب ولاة الأمر في زمن حروبهم مع التتار.

وإجمالًا فقد كانت طريقتهم الفقهية متأثرة بفقه داود بن علي الظاهري نزيل بغداد، والذي أخذ الفقه عن إسحق بن راهويه وأبي ثور، ولم يكن داود –المتوفي سنة 270هـ- يومًا من تلاميذ أحمد رغم معاصرته له لما ثبت عن داود لدى الإمام أحمد أنه قال بخلق القرآن. وكان لاختلاط تلاميذ أحمد بتلاميذ داود ببغداد أواخر القرن الثالث الهجري أثره البادي في إرساء قواعد المذهب الفقهي المنسوب للإمام أحمد رغم عدم تطابق المذهبين.

وأقول: وتزوير الحنابلة على الإمام أحمد يتعدى نسبة ما أقاموه من مذهب فقهي إليه، فرغم ما ثبت عنه من كراهية وضع الكتب، إلا أنهم ادّعوا أنه عنى بذلك كتب الفقه فقط، ونسبوا إليه كتبًا، بعضها غير موجود، كنسبتهم إليه كتابًا في "التفسير"، ادّعوا أنه مئة وعشرون ألفًا! يقول الذهبي عن هذا الكتاب في ترجمة الإمام في "سير أعلام النبلاء" (ج11، ص328) "فتفسيره المذكور شيء لا وجود له، ولو وُجِد لاجتهد الفضلاء في تحصيله، ولاشتُهِر، ثم لو ألّف تفسيرًا، لما كان يكون أزيد من عشرة آلاف أثر، ولاقتضى أن يكون في خمس مجلدات. فهذا تفسير ابن جرير الذي جمع فيه فأوعى، لا يبلغ عشرين ألفًا. وما ذكر تفسير أحمد أحد سوى أبي الحسن بن المنادي. فقال في "تاريخه": لم يكن أحد أروى في الدنيا عن أبيه من عبد الله بن أحمد، لأنه سمع منه "المسند" وهو ثلاثون ألفًا، و"التفسير" وهو مئة وعشرون ألفًا، سمع ثلثيه، والباقي وِجادة""أهـ. والوِجادة أن يجد الشخص أحاديث بخط راويها، فأين هذه الوِجادة أم أين ما سمعه عبد الله من تفسير؟ وهل الإمام أحمد بحاجة إلى من ينسب إليه مؤلفات؟، وهل وصفه بأنه مُحدِّث كما وصفه الطبري أو الخطيب فيه انتقاص؟!

وكنا حتى قريب نظن أن الفقه لا يعنينا كثيرًا في مبحثنا عن التطرف، لأن العقيدة ترتبط بالتطرف ‏أكثر بكثير مما يرتبط الفقه، وتأثير الفقه لا يعدو بعض الأحكام المتطرفة كتحريمهم الاحتفال ‏بمولد النبي وتحريم التوسل، وإجبارهم النساء على تغطية وجوههن، وإجبار التجار على غلق ‏محالهم وقت الصلاة، وغيرها، وكذا أحكام تجاه غير المسلمين التي يُنسب أغلبها لابن تيمية وليس ‏للإمام أحمد كقتل الأسرى، وبعضها يُنسب لغير ابن تيمية، فيما يخص الكنائس والتعامل مع أهل ‏الذمة. وإنما كفّر الحنابلة المسلمين بسبب اعتقادهم في الصفات، ولو تملكوا لقتلوا المخالفين، أما ‏خلافاتهم الفقهية معهم فبدّعوهم وضيّقوا عليهم بها.‏ لكننا اكتشفنا في السنوات الأخيرة أن التبديع أيضًا يمكن أن يكون سببًا في القتل، وما حادث مذبحة مسجد الصوفية بالعريش منا ببعيد.

 

د. منى زيتون

 

الظاهرة الدينيّة اقدم ظاهرة عرفها الانسان، لانها تعبير عن حاجة اصيلة في اعماق الانسان؛ فهناك حاجة اصيلة في اعماق الكائن الانساني بوجود اعلى، اطلق عليها الشهيد الصدر (رضوان الله عليه)، الحاجة الى الارتباط بالمطلق، وهي حاجة فطرية اصيلة كما جاء في قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الروم: الاية: 30، وعبّر عنها العقاد بالجوع الى الاعتقاد كجوع المعدةالى الطعام، يقول العقاد: (في الطبع الانساني جوع الى الاعتقاد كجوع المعدة الى الطعام) "عباس محمود العقاد، الله، ص 14 "، وسمّاها عبدالجبار الرفاعي بالظمأ الانطولوجي .

ونشاة الظاهرة الدينية - كما قلنا - قديمة قدم الانسان، هذه الظاهرة واكبتها تساؤلات الانسان عن المبدا والمصير، وفلسفة وجود الانسان على هذا الكوكب. هذه التساؤلات شكلت بذور ماعرف اليوم بفلسفة الدين. فهذا الفرع من المعرفة الانسانيّة ليس حديثا وانما وجد مواكبا لوجود الدين محاولا ايجاد تسويغات للتدين، واثارة اسئلة حول متبنيات الدين ومقولاته، والاجابة عن الاسئلة المصيرية الكبرى التي واجهت الانسان. وفلسفة الدين ليست هي اللاهوت في المصطلح الكنسي، ولاهي علم الكلام عند متكلمي المسلمين؛ لان علم اللاهوت اوعلم الكلام، وجد ليدافع عن العقائد الدينية، وايجاد تبريرات ومسوغات للايمان بها . بينما فلسفة الدين تثير الاسئلة حول الدين وعقائدة، وتفحص كافة مقولاته .

واثارات ابراهيم حول عبادة قومه للكواكب تدخل في فلسفة الدين؛ لانها من قبيل الاسئلة حول جدوائية هذه العبادة ومبرراتها . يقول الله تعالى حاكيا عن خليله:

(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) الانعام: الاية: 76، وكذلك في قول ابراهيم لعبدة الاصنام بعد تحطيمها، حطمها كبير الاصنام:

(قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) الانبياء: الايات: 62-63، هذه الاسئلة تقرر عدم جدوائية عبادة اصنام لاتدافع عن نفسها ولاتنطق، ولاتدفع عن نفسها ضرا، ولاتجلب اليها نفعا؛ فهي تدخل في فلسفة الدين .

هناك من يخلط بين الدين والتدين، فالدين واحد، ولكن التدينات مختلفة؛ لان التدينات ناشئة من فهم الناس للدين وممارستهم له، وكذلك الاسلام واحد؛ ولكن التاسلمات متعددة، وهذا مصطلح استخدمه واعني به فهم الناس للاسلام وممارستهم له، يقول الله تعالى:

(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ال عمران: الاية: 19 .

وهذا الفهم تفطن اليه الفيلسوف الالماني كانط، حيث يقول:

(ليس ثمة سوى دين حقيقي واحد، ولكن من الممكن ان تكون هناك اشكال متعددة من العقائد الدينيّة . وتبعا لذلك فقد يكون الادنى الى الصواب ان نقول عن فرد من الناس انه ينتمي الى العقيدة اليهودية او المسيحيّة اوالاسلاميّة بدلا من ان نقول انه ينتمي الى هذا الدين او ذاك) . نقلا عن كتاب (مدخل الى فلسفة الدين، د . مصطفى النشّار، ص 19) .

نظريات تفسير الدين

هناك نظريات عديدة قدمت تفسيرات مختلفة لنشأة الظاهرة الدينيّة، فعالم الاجتماع دوركايم فسر نشوء الدين بالبعد الاجتماعي، وكارل ماركس فسّر ظهور الدين على اساس العامل الاقتصادي، وماكس فايبر عكس القضيّة واعتبر الدين اصلا في ظهور الاقتصاد؛ فهو يرى ان البروتستانتيّة كانت عاملا رئيسيا في ظهور الراسماليّة .

وول ديورانت ذكر بواعث عديدة لنشأة التدين لخّصّها في خمسة وهي: (الخوف والدهشة والاحلام والنفس والروحانيّة) قصة الحضارة، المجلد الاول، ص 99-102) .

واذا كان الدين اصيلا، ويمتلك اسسا فطرية؛ فلايمكن ان يكون مرحلة في حياة البشرية، بل هو جاجة لاتستغني عنها الانسانية في كل مراحل وجودها؛ وعلى هذا الاساس لايمكن قبول قول هيغل بان: (الروح المطلق مؤلف من ثلاث مراحل، هي: مرحلة الفن، ومرحلة الدين، ومرحلة الفلسفة) ابراهيم، زكريا، هيغل والمثاليّة المطلقة، ص 408 . وكذلك لايمكن قبول تقسيمات اوغست كونت للمراحل التي مرّت بها البشريّة، الخرافة، الدين، العلم)، وكذلك لايمكن قبول التفسير الماركسي بان الاديان كلها مثّلت مرحلة من مراحل تطور الفكر الانساني؛ فالدين حاجة اصيلة، لامرحلة يمكن ان تتجاوزها الانسانيّة وتعبرها .

افكار غير مقبولة

يرى نيتشه، ان الخوف كان عاملا مهما في نشاة الطاهرة الدينيّة فيقول: (ان الدين يولد من الخوف، ومن الحاجة، وقد انسل الى داخل الوجود من خلال سبل العقل التائه) نيتشه: انساني مفرط في انسانيته، ص 75 .

القران الكريم طرح فكرة الخوف:

(وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) . (يونس: الاية:12)

وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) يونس: الاية: 22

وقوله تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) . العنكبوت: الاية: 65

ولكنّ الخوف الذي اشارت اليه هذه الايات الكريمات، ليس هو سببا للايمان والتدين كما يرى نيتشه، ولكن الايات تتحدث عن نزعة دينيّة موجودة في اعماق الانسان، ويأتي الخوف ليرسخها، لاليوجدها .

والفكرة الاخرى غير المقبولة التي يطرحها نيتشه، هو اعتباره التوحيد وفكرة الاله الواحد، خطرا على الانسانيّة . (نيتشه: ماوراء الخير والشر، ص 88)، ويعتبر نيتشه الشرك وتعدد الالهة، صورة لحرية التفكير، وتعدديّة افكار الانسان . (نيتشه: العالم الجذل، ص 126) . ويصف نيتشه المسيحيّة بانها: اللطخة الابديّة فوق البشريّة . (نيتشه: عدو المسيح، ص 186) .

ونيتشه يرى ان تاليه الله هو: (تأليه للعدم، وتقديس لارادة العدم) نيتشه: عدو المسيح، ص 50 . وفكرة (موت الاله) عند نيتشه، هي فكرة احلاليّة لاحلال الانسان محل الله؛ لان نيتشه بعد ان قال: (ان الاله قد مات) نيتشه: هكذا تكلم زرادشت، ص 30، قال ايضا: (الا يجدر بنا ان نصير نحن انفسنا الهة) نيتشه: العلم الجذل، ص 118 .

واذ انتقلنا الى عالم النفس فرويد، صاحب مدرسة التحليل النفسي، في تفسيره لنشوء الظاهرة الدينيّة، هو يعتبرها ظاهرة عصابيّة مرضيّة . (موسى والتوحيد، ترجمة جورج طرابيشي، ص 78-79، وتارة خرى يعتبرها نتاج عقدة ادويب جماعيّة.

وهذا التفسير المرضي العصابي للدين ليس ابتكارا فرويديا، بل هي مقولة كل الامم المشركة في مواجهة انبيائها، يقول الله تعالى:

(إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ۗ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ). هود: الاية: 54، وقد اتهم قوم نوح نوحا عليه السلام بالجنون، يقول الله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) القمر: الاية: 9

واتهم فرعون موسى (ع) بالجنون: (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) الشعراء: الاية: 27، واتهم المشركون رسولالله (ص) بالجنون، يقول الله تعالى:(وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) الحجر: الاية: 6، وقوله تعالى: (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ) الصافات: الاية: 36

وقوله تعالى: (وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) القلم: الاية: 51، وقد ردّ الله التهمة هن نبيه بقوله تعالى: (وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ) التكوير: الاية: 22، وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ) الاعراف: الاية: 184 .

وفي الختام، اذكر القاريء العزيز، ان ليس كل فكرة تطرح هي جديرة بالقبول، بل يجب التفتيش عن جذور الفكرة في البنيّة النفسية لصاحبها، وللاسف ان اكثر الدراسات للافكار هي دراسات بمقاربات اجتماعيّة واقتصادية وثقافية، وانا لااقلل من اهمية هذه المقاربات، ولكنني ارى ان المقاربة السيكولوجيّة تشكل البنيّة التحتيّة للافكار.

 

زعيم الخيرالله

 

 

ميثم الجنابيلقد توج الغزالي بإبداعه صرح المنظومة الفكرية الجديدة، مرحلة كبرى في تطور ثقافة الخلافة، حيث تضمّن في أساسه نفي تقاليد واستمرارية علومها النظرية والعملية الأساسية. مما فسح المجال لاحقا أمام تطور منظومات الفكر الإسلامي بصيغ غاية في التباين. بحيث صيّره التاريخ مستودعا عميق المحتوى وممداً لرجالات الفكر ومحترفيه من متكلمين وفقهاء وصوفية وفلاسفة. لهذا كان بإمكان السهروردي المقتول وابن رشد وابن عربي وغيرهم ان يستمدوا منه دون أن ينضب.

ولم يكن بإمكان هذا التآلف الفكري أن يستكمل عناصره ويفرز تأثيراته خارج اطار الاتجاهات العامة للثقافة القائمة آنذاك. والمهمة الآن لا تقوم في الكشف عما إذا كانت عملية التآلف الفكري التي انجزها في بوتقة الصوفيه وتقاليدها هي حصيلة الرغبة الذاتية الخالصة، أو الاضطرار الذي لا مفرّ منه، أو النتاج المنطقي للبحث عن حقائق الأشياء، أي كل ما نعثر عليه فيما يرويه لنا في بحثه عن منقذه من ضلال الخطأ والخطيئة. وهو استنتاج لا يمكن نفيه، على الأقل في الصيغة "التقليدية" لتوليف الوعي الصوفي وقدرته على إحالة التصورات الظاهرة إلى منشئها الأول من اجل إعادة اكتشافها من جديد في ضوء الموقف الأخلاقي. بمعنى النظر إليها من زاوية نفي التقاليد العادية وإعادة لحمها في تسوية الإرادة ووجد الانتظار.

فالمادة "الوثائقية" المبثوثة في مؤلفاته تكشف وتشير إلى بوادر أولية في وعي البحث عن الحقيقة وحقائق الأشياء كما هي، أو محاولة إبداع البديل الفكري الإيجابي، حالما اصطدم به في ميدان الصراع الفكري الجدلي لا الفقهي النظري العملي. آنذاك نكتشف للمرة الأولى التخطيط المسبق لعناصر الوعي اللاحق. ولعل مثال (تهافت الفلاسفة) الصيغة الأكثر جدية ووضوحاً في الكشف عن هذه الظاهرة العفوية الضرورية، أي التعبير المجرد عن استمرارية الفكر وضرورة البديل الفكري. ففي انتقاده لاتجاهات الفلسفة القائمة آنذاك، كان يدرك افتقاد منهجه للايجابية الحقة. وبهذا المعنى قد اكتشف لنفسه الخواء الجزئي للتقاليد الكلامية الاشعرية التي تربى بها. فالجدل العنيف في  أغلب الحالات، لا يقنع المفكر بضرورة البديل الفكري الشامل. انه يظهر بمظهر وآلية القوة العسكرية، التي تفقد فيها كلمة البناء معناها الحقيقي، لتتحول إلى وسيلة التدمير الأقوى للمعارضة. وعلى الرغم من سمو الفكر ونبله، إلا انه ليس أقل جرأة وتخريبا، خصوصاً عندما يتخذ صيغة "مقابلة الإشكالات بالإشكالات" دون حلها. وهو الأسلوب الذي اتبعه في صراعه ضد الفلسفة وجزئياً ضد الاتجاهات الباطنية. وقد وجد منذ البداية ضيق ومحدودية هذا "المنهج" والممارسة الفكرية، التي سيدعوها لاحقاً "بعلم الدفاع عن عقيدة العوام" لا البحث عن الحقائق كما هي. مما جعله منذ البداية يخطط  "لقواعد العقائد"، أي للرد الإيجابي الذي يتضمن الفكرة الشاملة والقادرة على الاقناع من حيث الشكل والمضمون. وبغض النظر عن التسمية اللاحقة التي سيعطيها  "لقواعد العقائد" والتي تتطابق مع (إحياء علوم الدين) لا (الرسالة القدسية)، فإن ما هو جوهري بالنسبة لنا الآن هنا هو بروز الاستمرارية الواعية لضرورة البديل الفكري، دون ان يعني ذلك تحدد ملامحه منذ الوهلة الأولى في وعي الغزالي. فالتطور اللاحق فقط، في فكره وشخصيته، الذي حللناه سابقاً، إضافة إلى أزمته هما اللذان سيؤديان به إلى الاصطدام بعالم الصوفية، وفيما بعد النظر اليها بوصفها ممثلة الحق والحقيقة. والتجربة الغزالية، أو استمرارية الفكر الغزالي في استيعاب التجربة الصوفية، لم تكن إلا حصيلة تشذيب وتطوير آرائه السابقة في ميدان البحث عن "البديل الإيجابي"، أو ما سيدعوه هو "باليقين العلمي والعملي"، أي وحدة الحقيقة والأخلاق. فهي الوحدة، التي حاول البحث عنها في قضايا اللاهوت والفلسفة والتصوف والوجود الاجتماعي السياسي والحقوقي، أي في قضايا العقل والشرع، والإيمان والمعرفة، والإسلام والإيمان، والحقيقة والشريعة، والتأويل والتفسير، والوحي والإلهام، والنبوة والولاية، والصبر والشكر، والفقر والزهد، والتوحيد والتوكل، والمحبة والشوق، والأنس والرضا، والنية والإخلاص، والظاهر والباطن، والدين والدنيا، والله والإنسان، والخير والشر، والحياة والموت، والجميل والقبيح، والعوام والخواص وغيرها.

وقد ضمّن وأدخل في كافة القضايا الفكرية الكبرى لثقافة العصر آنذاك، حصيلة المعرفة المتباينة للاتجاهات اللاهوتية والفلسفية التي وضعها في صيغ الصوفية ومفاهيمها الأخلاقية والنظرية العملية. وسوف نرى في وقت لاحق تلك الاستمرارية الفعلية في آرائه المتحورة والمتغيرة والمنفية، التي كانت تبحث عن وحدة حقيقية فيما أدعوه بالتآلف الفكري الصوفي. وهذا بدوره ليس  إلا حصيلة تجربته النظرية والأخلاقية التي أدت به إلى إدراك "البصيرة الحولاء" في الفكر القائم آنذاك و"الأخلاق العرجاء" في الممارسة. مما دفعه إلى صياغة فكرة ضرورة اليقين والأخلاق المطلقة. وبهذا المعنى ليس التآلف الصوفي سوى طريق بلوغ وحدة الحقيقة والأخلاق المطلقتين. والتعرج المميز لحياة الغزالي الذهنية والفكرية، الذي أثار وما يزال جدلا وافتراضات عديدة، ما هو في الواقع سوى طريق البحث عن وحدة الحقيقة والأخلاق.

غير أن الغزالي لم يدرك ضرورة هذه الوحدة بين ليلة وضحاها. لقد انتجها تطوره الدائم. ففي أولى مراحل اقترابه الفكري من الصوفية، كما نراه في (ميزان العمل)، اشار إلى أن ما يورده من آراء (بصدد الفقهيات) ليس "الا حكاية عن هذا المذهب الذي مدار أكثر هذا الكتاب على وضعه، وهو مذهب التصوف"[1]، والذي دفعه إليه البحث عن وحدة معيار للعلم والعمل. ولم يسلك هو هنا إلا الصيغة النظرية الظاهرية، التي أخذت تدخل وتتضمن في أعماقها أفكار الصوفية، أو المزج الفكري النظري الاخلاقي للفلسفة بمختلف اتجاهاتها مقالات اللاهوت العقلاني وممارسة التصوف. فهو يؤكد على أن تصورات أهل الدين والفلاسفة والمتصوفة صحيحة في مواقفها العامة من قضية وحدة العلم والعمل باعتباره طريق بلوغ السعادة[2].

وعندما يضرب مثال كيفية بلوغ الحقيقة (العلم) في طريق (عمل) الصوفية واختلافها عن الاتجاهات الأخرى، أى اختلاف الطريقة الباطنية عن الظاهرية، أو ما يدعوه "بتحصيل عين النقش وأسلوب الاستعداد لقبول النقش من خارج"[3]، فإنه رغم قناعته آنذاك بأفضلية الأسلوب الثاني اعتبر الحكم بأفضلية أو أولوية أي منهما، أو الحكم بالنفي أو الاثبات في هذا على الاطلاق هو خطأ انطلاقاً من انه "يختلف بالإضافة إلى الاشخاص والأحوال"[4]. وقد ظل يؤكد على هذه الأفكار حتى في آخر مراحل تطوره الفكري، رغم تعرض بعض جوانبها إلى تغيرات ملموسة. إلا أنها ظلت تحوي في اعماقها استمرار أشكال وصيغ أساليب المعرفة المتباينة، التي ظلت تشكل في منظومته الفكرية مجموعة اللبنات الضرورية التي صاغها تطور ثقافة الخلافة وتعدد اتجاهاتها ومدارسها.

إن الصيغة الأكثر وضوحاً لإدراك ووعي استمرارية الفكر في التآلف الجديد تبرز في ظاهرة الإحالات الدائمة لمؤلفاته القديمة بما فيها تلك التي كتبها في أوائل مراحل تطوره وإبداعه. ويعكس ذلك إمكانية رؤية استمرارية الحجج والبراهين الجدلية ولحد ما أسلوب تفكير الماضي. إذ انه عادة ما يحيل إلى مؤلفاته للاستعاضة عن الاستفاضة بصدد هذه القضية أو تلك. كما نعثر في هذا النمط على مواقفه بصدد ما دعاه "بجانب الدفاع عن عقيدة العوام". فهو يشير إلى هذه المؤلفات باعتبارها كتابات ضرورية في مجال الدفاع عن عقيدة العوام، ولكنها غير ضرورية في مجال البحث عن الحقائق كما هي. غير ان في هذين الجانبين المتعارضين نسبيا، تتعايش وحدة الوعي الغزالي في استمرارية تطوره وارتباطه "بإرثه" السابق. وهذا ما يبرز بوضوح في كل من (جواهر القرآن) و(المنقذ من الضلال). إذ أدرج في (جواهر القرآن) أغلب مؤلفاته الكلامية والفلسفية والفقهية مثل (الرسالة القدسية)، و(الاقتصاد في الاعتقاد)، و(تهافت الفلاسفة)، و(المستظهري أو فائح الباطنية)، و(محك النظر)، و(معيار العلم)، و(البسيط)، و(الوسيط)، و(الوجيز) في الفقه وغيرها في اطار ما دعاه "بالطبقة السفلى من علوم اللباب"[5]. وإذا كان قد وجد في "الطبقة السفلى" من مؤلفاته الكلامية مثل (الرسالة القدسية في قواعد العقائد) ما مهمته "رد الضلالات والبدع وإزالة الشبهات"[6]. فإن مهمة الطبقة الأرفع منها (كالاقتصاد في الاعتقاد) تقوم في "حراسة عقيدة العوام من تشويش المبتدعة، ولا يكون هذا العلم ملياً بكشف الحقائق"[7]. بينما علّق على "انهماكه الفقهي" السالف بعبارة "وقد ضيعنا شطراً صالحاً من العمر في تصنيف الخلاف فيه"[8]. في حين وضع (إحياء علوم الدين) في صنف "الطبقة العليا من علوم اللباب"، وليس بعده اإلا "التصانيف التي لم يظهرها" وذلك لأن "أكثر الافهام يكّل عنه ويستضر به الضعفاء وهم أكثر المترسمين بالعلم"[9]، إي ما سيحصل لاحقاً على تسمية الكتب "المضنون بها". وسوف يردد فكرته التقيمية هذه في مواضيع عديدة بما في ذلك في (المنقذ من الضلال). إلا انه يتناولها هنا على أساس إعادة تقيم التجربة الفكرية لتطوره، التي تتطابق في الواقع مع ما دعاه في (جواهر القرآن) "بدرجات العلوم الدينية وقربها من الحقيقة"[10]. وحتى في تلك اللحظات التي يردد فيها ما سبق وإن أورده في مواقفه ومنهجيته النقدية الأيديولوجية من الفلاسفة في (تهافت الفلاسفة) من إن "الجهل أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء"، فإن هذه الانتقادات اخذت تنصّب في انتقاد  النفس وترتفع إلى مصاف "اتهام النفس". وهو ما أشار له في (جواهر القرآن) بعبارة "إن كثيراً من مدعي العلم والمعرفة"أاو ما اسماه بالمتكاتبين الذين "لم يدركوا الموازنة بين عالم الشهادة وعالم الملكوت. فلما لم يدركوا ذلك وتناقضت عندهم ظواهر الاسئلة ضلوا وأضلوا. فلا هم أدركوا شيئاً من عالم الأرواح بالذوق إدراك الخواص، ولا هم آمنوا بالغيب إيمان العوام فأهلكتهم كياستهم، والجهل أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء وكياسة ناقصة ولسنا نستبعد ذلك. فقد تعثرنا في اذيال هذه الضلالات مدة لشؤم أقران السوء حتى أبعدنا الله عن هفواتها ووقانا من ورطتها"[11].  غير أن ما يقوله هنا لا يخص على العموم إلا الجانب العملي الأخلاقي. وبالتالي انعكاساته الممكنه على أساليب البحث والمعرفة وطبيعة القناعة. وما يشير إليه بتعثره وضلالاته السابقة يمكن إدراجها في اطار موقفه النقدي من تجربته الفكرية والعملية السابقة، الذي يشكل بحد ذاته النموذج الأرقى لاستمرار الفكر. إنها تقاليد الاستمرار النقدي الباحثة عن طمأنينتها القلقة التي ماثلها في إحدى عباراته الرمزية القائلة، بأن "احتراق الاشرار يثير رائحة الفردوس"، بينما العارفون:المطلق. لكنه لم يسع من وراء ذلك وضع الفرد بالضد من المجتمع ولا وضع أحدهما فوق الآخر، ولا مساواتهما بقدر ما انه أراد الكشف والتعبير عن انه دون مثال شخصي متسام وصارم على الدوام لا وجود لمثال اجتماعي وبديل فعلي أمثل. ولم تكن هذه القضية بالنسبة له قضية فردية او  شخصية بقدر ما أنها كانت قضية اجتماعية تاريخية. وفي هذه العملية الواعية من تمازج الفردية والتاريخية نشأ تآلفه الصوفي، باعتباره أحد نتائج وإحدى الإكانات النموذجية، وأحد الافتراضات الواقعية للعملية التاريخية الهائلة من تطور أساليب الوعي والممارسة المحتّدة في سعيها لبلوغ الأمثل والأعلى والأفضل والأجمل في كل ما هو موجود وما ينبغي.

فقد وضعت الصوفية في مجرى تطورها وصاغت بأساليب معراجها الخاصة هيكلية نموذجية صارمة، كان بإمكانها قبول الأراء الغزالية. وبهذا المعنى تكف التقييمات الظاهرية السطحية كالتلفيقية والانتقائية وما شابه ذلك عن أن تمتلك قيمة دقيقة وعلمية تجاهها. وينطبق هذا  أيضا على ما يسمى بسعيه للربط فيما بين السنةّ والتصوف. انه سعى إلى تأسيس تآلف فكري شامل. وإثناء هذه العملية ظهرت بالضرورة أمامه وحدة النتاج الفكري للثقافة الإسلامية في تاريخيتها ومهمة إعادة صهرها من جديد. وقد اتخذ التآلف في الكثير من آرائه مظهر الصياغات السنّية. وبغض النظر عن عضوية هذه المظهرية في منظومته الفكرية فإنها مع ذلك كانت الأسلوب الأكثر "طبيعية" للآراء الجديدة. وبهذا المعنى فإنه يكون قد تتبع أسلوب المتصوفة، الذي بلور شيوخه الكبار تقاليده الأولية. إلا انه طوره بفعل أسلوبه العقلاني ليشمل جميع القضايا الكبرى للوجود الاجتماعي التاريخي. إلا أن الغزالي يبقى مع ذلك خارج إطار ما يمكن دعوته بالصوفية التقليدية. بمعنى أنه اقترب أكثر فأكثر مقارنة "بالصوفية الخالصة". وبهذا يكون قد تعدى وتجاوز "استقلالية" و"انعزالية" الصوفية من احتياجات الناس ووجودهم الاجتما عي التاريخي. فهو يضع المثال الصوفي كهدف للمتصوفة ومريديها، وفي الوقت نفسه يستخلص من مثالهم القيم الأخلاقية وأهميتها الملموسة بالنسبة للأمة. فهو يدرك استحالة تقبلّها من قبل الجميع. وهو هنا يكون قد عمّق مبدأ وممارسة الخاص والعوام. وفي هذا تنعكس إحدى الخصائص المميزة لصوفيته. فهو يرفض، على سبيل المثال، الدعوة للعزلة الشاملة التي قال بها الكثير من الزهاد والمتصوفة. ودحض الأسس الفكرية للبرهنة على إمكانية هذا النوع من العزلة، متوصلا إلى استحالتها العملية ولا جدواها الفكري والأخلاقي. لهذا السبب وقف بالضد من محاولة الاستناد إلى القرآن والسنةّ في اظهار افضلية العزلة المطلقة، تماما كما وقف بالضد من التهور المقابل. انه حاول ان يعطي للتصوف الطابع العملي الواقعي وإمكانية التأثير والفعالية في وسط الخاصة والعامة (النخبة والجمهور). وقد حدد ذلك طبيعة الكثير من المبادئ الجديدة التي ادخلها في صرح التصوف النظري والعملي. مما أعطى للكثير من  آرائه مظهر التعارض مع ما يمكن دعوته بالتعميم الصوفي الفردي، أي معارضة رفع معطيات التجربة الفردية إلى مصاف المطلق، أو ما يمكن دعوته بالمبدأ غير الملزم.

فالفكر الصوفي لا يعترف بحقيقة مطلقة ثابتة، باستثناء الحق. واليقين في اعلى درجاته (حق اليقين) أو ما كان "بنعت العيان" كما دعاه القشيري[12]، أو ما بلغ بالذوق والمشاهدة في الشريعة (الحقيقة) كما دعاه الجرجاني[13]، ما هو في الواقع سوى الحركة المستمرة للحقيقة الذاتية المطلقة والنسبية الملموسة. فالحصيلة المعرفية تبدو كما لو أنها تجمع هائل للحقائق لا ترتبط فيما بينها إلا بإخلاص التجربة الفردية في سعيها نحو السمو الصوفي. وقد ادرك الغزالي هذا الطابع المميز للأحكام الصوفية، على الأقل في ميدان الأخلاق. فقيمة الأخلاق الجوهرية تتخذ صوراً غاية في التباين ترتبط فيما بينها بمراحل تطور الصوفي لا بنظرية الحقيقة المجردة. فقد حدد الواسطي (ت-320 للهجرة) الأخلاق في أن "لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله"، بينما حددها القشيري بكلمات "أدناه الاحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له" أو "لا يتهم الحق في الرزق ويثق به ويسكن إلى الوفاء بما ضمن فيطيعه ولا يعصيه في جميع الأمور فيما بينه وفيما بينه وبين الناس". في حين عبّر الحسين بن منصور الحلاج  عنها بعبارة "أن لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك للحق". أما ابو سعيد الخراز (ت -277 للهجرة) فصاغها بكلمات "أن لا يكون لك همّ غير الله". في حين تعبّر كلمات "أن يكون من الناس قريبا وفيما بينهم غريباً"  ن مثال آخر للفكرة. وجميع هذه الأفكار والأحكام التجريبية المنزع والذاتية المصدر تتفاعل مع ما دعاه الغزالي "بثمرات حسن الخلق"، أي إنها تعبّر عن الفكرة المجردة وتحولها في الوقت نفسه إلى مثال. فالتصوف الغزالي يبحث إذن عن مثال مطلق في كل ميدان يبحثه، ولكن ليس عن مطلق التجربة الفردية، بل عن مطلق الفكرة المجردة. آنذاك ستنفتح أمام الفكر والممارسة طريق اللانهاية الحقيقية.

لقد بحث عن صيغة موّحدة للتصوف على أساس نفي التطرف الفردي فيه ومن خلال صياغة الفكرة المجردة بهيئة منظومة. إنه بحث عن تعميمات الفكر الصوفي تجاه قضاياه ومعضلاته من جهة، وتجاه تطبيقها على معضلات وقضايا الوجود الاجتماعي والروحي من جهة أخرى. وبهذا المعنى، فهو لم ينساق في تقاليد الصوفية السابقة في أسلوبها الخاص الفردي الذاتي، بل سار في اتجاه البحث عن أسلوب وحدة الصوفية في البديل الفكري الشامل. وهذا ما يظهر بوضوح في تلك الانتقادات الدائمة، التي وجهها إلى محدودية التعبيرات الصوفية. فقد أشار إلى أن "كلام المتصوفة أبدا يكون قاصراً. فإن عادة كل واحد منهم أن يخبرنا عن حال نفسه فقط ولا يهمه حال غيره. فتختلف الأجوبة لاختلاف الأحوال. وهذا نقصان بالإضافة إلى الهمة والإرادة والجد حيث يكون صاحبه مقصور النظر على حال نفسه لا يهمه حال غيره، إذ طريقه إلى الله نفسه ومنازله وأحواله. وقد يكون طريق العبد إلى الله العلم. فالطرق إلى الله كثيرة وإن كانت مختلفة في القرب والبعد"[14]. لهذا حاول جمع هذه الطرق على أسس فكرية موحدة باستلهام تراث الصوفية وعقلانية الفكر الكلامي الفلسفي وثقافة العصر الروحية.إاذ سعى على الدوام لإبراز أهمية وجوهرية الفكرة كما هي، خارج اطار الممارسة التقليدية "لوسطها الطبيعي" أيا كانت هذه الممارسة. فالتوكل الصوفي، على سبيل المثال، ينبغي أن يرتبط بنظره لا بالموقف من تقليدية الممارسة وبالأخص من أسلوب نصائح السلوك تجاه الادخار أو عدم الادخار والمدة الزمنية وما شابه ذلك، بقدر ما  ينبغي أن ترتبط بالموقف من الأسباب ومسبب الأسباب. فالزمن ليس إلا غير المتناهي في المتناهي. وفي ما بينهما كما يقول الغزالي، درجات غير متناهية. من هنا فالمقصود ليس إلا إصلاح القلب لا الممارسة التقليدية (الزمنية) بحد ذاتها.

لقد استند  الغزالي بهذا المعنى إلى تراث الصوفية مدخلا إياه في عمق منظومته الفكرية. لكنه ظل على الدوام  منهمكا في البحث عن الصيغة الأكثر شمولية لكافة عناصرها الجوهرية في الفكر والممارسة. الأمر الذي جعلها نوعا من العقلنة الرمزية الصوفية، التي تؤدي بالضرورة إلى نوع جديد من التحديث والتطبيق لمبادئها. فالصيغة التعميمية الجديدة، على سبيل المثال، لمفهوم الشكر الصوفيكانت تهدف الى الكشف عن محدوديتها في الممارسة الفردية. وسعى إلى تحقيق ذلك عبر صياغة خاصة لوحدة العلم والحال والعمل، بنظريته إلى حقيقة الشكر باعتباره وحدة التقديس والتوحيد. وهذه بدورها ليست إلا الصياغة الجديدة لفكرة القشيري القائلة بأن الشكر هو "الاعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة". وبغض النظر عن التمايز اللاحق بين  آراءهما، فإن  أفكار الغزالي ظلت يشكل الاستمرار الفعلي للتراث الصوفي استناداً إلى تجربته الفكرية (النظرية) والعملية (الأخلاقية). وبهذا المعنى لا تمتلك اساسا متيناً الفكرة الشائعة الانتشار حول ما يسمى بربطه للسنة بالتصوف بالطريقة التي تجعل من التصوف مقبولا للعالم السني والسنة مقبولة للتصوف[15]، أي محاولة وضع حد لحروب المائتي سنة (من مصرع الحلاج حتى نهاية القرن الخامس الهجري). فهي فكرة ليس لها أساساً لها في مفاهيم الغزالي ولا في موقع وتاريخية منظومته الفكرية ولا في تطورها اللاحق. وليست المأثرة المنسوبة له حول ما يسمى بربطه التصوف بالسنّة، سوى من اختراعات "الوعي التوفيقي" اللاحقة والحديثة. وهي محاولات تصنع إشكالات عدية اكثر من إمكانية حلها "بالصيغة المثلى" حتى  من جانب اشد الممثلين "سنيّة" للتصوف الإسلامي. والسبب يقوم في طبيعة المعضلات الخاصة المميزة لتقاليد الوعي والممارسة الصوفية، التي تجعل من مطابقتها مع نموذج ما معين من "الوعي السنّي" قضية يصعب استساغتها. بل وحتى فيما لو حاولنا ان نطبق ذلك على شخصيتين بارزتين في هذا الاطار وهما عبد القادر الجيلاني (ت-561 للهجرة) وشهاب الدين السهروردي (ت-632 للهجرة) فإننا سوف نقف أمام تباين واختلاف كبير بين آراء الجيلاني في (كتاب الغنية) و(الطوالع)، وكذلك بينها وبين (عوارف المعارف) للسهروردي. ففي كل منهما يوجد ما يمكنه ان يكون معارضا مع ما هو معترف به في هذا الميدان او ذاك من ميادين "الوعي السني". لاسيما وأن ما يسمى "بالوعي السني" لا يخضع لتحديد "حديدي". كما أنه غاية في التشعب والاختلاف والتباين. وفيما لو تركنا هذه القضية جانباً وتناولنا في الاطار العام، طابع العلاقة التاريخي بين التصوف والمدارس السنيّة، فإنها لم تكن على الدوام ذات نسق أو طبيعة واحدة. فالمدارس "السنيّة" متباينة ومختلفة ومتعارضة ومتضادة في مواقفها من العداء السافر في المظاهر حتى الاشمئزاز الخفي، ومن التساهل والتسامح حتى التعاون والتأييد القوي للتصوف وشيوخها. وفي الوقت نفسه تعرضت هذه المواقف إلى تغير وتبدل ارتبطا  بكل من المواقف الفكرية العقائدية والصراعات السياسية للقوى الاجتماعية. فالحسن البصري الذي لا علاقة جوهرية له بالتصوف نراه يتحول إلى رمز وعنصر جوهري في الوعي والممارسة الصوفية اللاحقة. واحمد بن حنبل الذي قاطع المحاسبي وواجهه بالعداء النسبي لم يعق لاحقاً من ان يتحول المحاسبي نفسه إلى أحد ممثلي الورع الإسلامي وأحد ممثلي "التصوف السنّي" عند الحنابلة انفسهم كما هو الحال عند الجيلاني وأتباعه. بل أن المحاسبي نفسه الذي لا نعثر عنده على ذكر كبير للمتصوفة نراه يتحول الى الكتب الصوفية اللاحقة الى شيخ القلوب والأحوال. أما في الواقع،فإن الجدل المرهف والحساس بين الاتجاهات السنية والمدارس الصوفية بدأ مع "محنة الحلاج" التي أدت بدورها الى بلورة نموذج جديد في  تطور الوعي الصوفي وممارساته. وقد استفّز هذا الصراع عالم الصوفية دون أن يغيّره جوهرياً. فالمتصوفة ظلت على الدوام تعي موقعها ومواقفها  باعتبارها ممثلة الحقيقة والشريعة، التي لم تشمّ منها المدارس والاتجاهات السنيّة  بشكل عام والمتشددة منها بشكل خاص، سوى روائح الكفر والزندقة. غير أن الصوفية كانت بحاجة إلى شيوخ كبار من اجل وقف "سوء الفهم السنيّ" الذي سيتصدى له "شيخ الطائفة" الجنيد في بداية الأمر، من خلال شق الطريق في وعي وتقاليد المدارس الصوفية التي تبلورت حتى زمن الغزالي. فالصوفية لم تبحث عما سيدعى فيما بعد بوحدة السنّة والتصوف، بقدر ما انها عمقّت وحدة مفاهيم الحقيقة والشريعة وأمثالها  في بداية الأمر كما نعثر عليها عند كل من ابي طالب المكي والقشيري، باعتبارهما أحد المصادر الصوفية المهمة في فكر الغزالي. اذ نجد نموذجها عند المكي في كشفه لمنظومة التصوف العامة، وعند القشيري على مثال وممارسة شخصياتها وعناصرها الفكرية المتنوعة. لقد حاولا كلاهما، من خلال الرجوع الى المصادر الأولية، البرهنة على أن المتصوفة هم "الصفوة النبوية"، وأنهم المخصصون "بطوالع أنوار الله" و"الدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق"، كما أنهم النتاج الحقيقي للإسلام، باعتبارهم ممثلو وحدة الحقيقة والشريعة و"الخالون من البدع والدائنون في افكارهم لما وجدوا عليه السلف أهل السنّة في التوحيد"، كما يقول القشيري[16]. وبهذا المعنى لا تختلف الصوفية اختلافاً كبيراً عما هو مميز للوعي الثقافي الروحي السائد آنذاك بضرورة استمداد الوحدة من المصدر الإسلامي الأول والتطابق معه. لكنه استمداد استند من حيث تطوره التاريخي إلى التجربة الصوفية العلمية والعملية، والذي وج تعبيره في فكرة ومنظومة الحقيقة والطريقة. وقد وقف الغزالي ي مجرى تطوره وانتقاله الفكري أمام شكل رفيع من درجات تطورها. وبالتالي، فإن ما قام به وما انجزه لم يكن وحدة أو توحيدا للسنّة والتصوف، بل تقييما جديدا وشاملا للفكر الاجتماعي السياسي واللاهوتي والفلسفي والصوفي....(يتبع)

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الغزالي: ميزان العمل، ص118-119.

[2] الغزالي: ميزان العمل، ص21.

[3] الغزالي: ميزان العمل، ص40-41. وقدم الغزالي المثال التالي:"حكي أن أهل الصين والروم تباهوا بحسن صناعة النقش والتصوير بين يدي بعض الملوك. فأستقر رأي الملك ان يسلم إليهم صفة ينقش أهل الصين منها جانبا وأهل الروم جانبا، ويرخي بينهم حجاب بحيث لا يطلع كل فريق على صاحبه. فإذا فرغوا رفعوا الحجاب ونظر إلى الجانبين وعرف رجحان من رحج من الفريقين. ففعل ذلك. فجمع أهل الروم من الاصباغ الغريبة ما لا ينحصر. ودخل أهل الصين وراء الحجاب من غير صبغ وهم يجلون جانبهم. والناس يتعجبون من توانيهم في طلب الصبغ. فلما فرغ أهل الروم أدعى أهل الصين أننا أيضا قد فرغنا. فقيل لهم :"كيف فرغتم ولم يكن معكم صبغ ولا اشتغلتم بنقش؟". فقالوا:"ما عليكم! ارفعوا الحجاب وعلينا تصحيح الدعوى". فرفعوا الحجاب وإذا جانبهم وقد تلألأ فيه جميع الاصباغ الروية الغريبة. إذ كان قد صار كالمرآة لكثرة التصفية والجلاء، فازداد جانبهم بمزيد من الصفاء وظهر فيه ما سعى من تحصيله غيرهم".   

[4] الغزالي: ميزان العمل، ص41.

[5] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص21-22.

[6] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص21.

[7] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص21.

[8] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص22.

[9] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص25..

[10] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص18-25.

[11] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص36-37.

[12] القشيري: الرسالة القشيرية، ص44.

[13] الجرجاني: كتاب التعريفات، ص40.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص42.

[15] تتردد هذه الفكرة عند اغلب إن لم يكن عند جميع من بحث في فكر الغزالي أو تطرق إلى هذا الجانب. وهي فكرة ليست دقيقة بل وخاطئة. وعدم دقتها وخطئها يقوم في انعدام رؤية التطور والتغير الهائل في شخصية الغزالي وفكره. بمعنى أنها لم تر طبيعة ونوعية التغير الذي حدث في مجرى تطوره وإبداعه الفكري النظري. اضافة الى ضعف واحيانا انعدام رؤية خصوصية التآلفات الفكرية الكبرى بمعايير ظهورها التاريخي وتأسيسها الخاص. من هنا أثر الغزالي اللاحق على مختلف مدارس التصوف. وهي حالة طبيعية بالنسبة لهذا النمط من المنظومات الفكرية. ولا معنى للحديث عما يسمى بتوفيق الفكرة السنية والصوفية. فهو خلاف لم يكن الغزالي بصدده ولم يكن بالإمكان حله، وذلك لأنهما تياران يختلفان اختلافا جوهريا من حيث التأسيس والمنهج والغاية وأساليبها العملية. 

[16] القشيري: الرسالة القشيرية، ص3.