ميثم الجنابيحقيقة المعرفة وغايتها: تحتل ماهية المعرفة وحقيقتها في شخصية سفيان الثوري وافكاره النظرية والعملية أهمية كبرى. ولا غرابة في الأمر، إذ أن المعرفة الحقيقة هي معرفة الحق، ومعرفة الحق هي الزام والتزام لا حدود لهما في الظاهر والباطن، والعقل والوجدان، والهواجس والحدس، باختصار في كل مسام الوجود والوجد والإدراك. وتتمظهر في سلوك الشخصية الفكرية الكبرى وسلوكها الفردي اشكال ومستويات مختلفة بالارتباط مع ادراكه للأولويات وأهميتها في تراتب المواقف والمعنى التاريخي.

وقد احتل الحديث (النبوي) المرتبة الأولى بالنسبة للمعنى (العلمي) والمواقف الشخصية. فقد كان الحديث الصيغة العملية للقرآن ونموذج العمل الحياتي للنبي محمد. وليس مصادفة أن يتحوّل في مجرى التطور الثقافي للخلافة إلى أحد المصادر الجوهرية لوعي الذات العلمي والعملي، وبالتالي أحد أصول الإسلام، أي أحد أصول الأنا الثقافية ومرآتها العملية. والمقصود بذلك في آراء سفيان الثوري هو الحديث الصادق. من هنا تشديده على قيمة الاسناد واهميته بالنسبة لتحديد الصادق من الكاذب لما له من اثر جوهري بالنسبة للموقف من القضايا التي يواجها ومعالم روحه الباطن. وقال بهذا الصدد "الإسناد سلاح المؤمن. فمن لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟!". وأن يقول بهذا الصدد أيضا "تعلموا الآثار. فمن قال برأيه فقل رأي مثل رأيك". ولم يقصد هو بذلك سوى إن المعرفة الحقة والصادقة تفترض استنادها إلى آثار من سبقنا. وهي الصيغة التي تستجيب لحقيقة المعرفة العلمية بوصفها تراكما لتجارب الاسلاف وتجديدا لها استنادا إلى المعرفة الدقيقة والنقد الايجابي. من هنا تحديد قيمته العالية ومهمته الرفيعة بالنسبة للمعرفة والسلوك على السواء، أو قيمته كأسلوب ومنهج للمسلم. بحيث نراه يرفع مهمته إلى مستوى الصيغة الموازية لمهمة الملائكة في سماء العقيدة الدينية، كما في قوله "الملائكة حراس السماء وأصحاب الحديث حراس الأرض". بل نراه يتعدى هذه الرؤية الى الحالة التي يتحول فيها الحديث إلى صوت الصدق الكامن فيه. من قوله "لو هم رجل أن يكذب في الحديث وهو في جوف بيته لأظهر الله عليه". وهذا بدوره ليس الا الرؤية القائمة على اساس أن الحديث الصادق يكشف عن صدق المرء نفسه، وبالتالي فإن الكذب فيه هو فضيحة للمرء، انطلاقا من أن الصدق لا يقبل الكذب وكلاهما ينتميان الى عوالم مختلفة تجعل كل ما في الانسان مختلف على قدر ما فيه موقفه من صدق او كذب. وهذا بدوره يرتبط بالقيمة الذاتية للحديث نفسه حالما يكن صادقا بذاته ولأجل قضية وحلول صادقة. من هنا قوله عن الحديث: "ما يَعْدِله شيء لمن أراد به الله". لهذا اجاب على سؤال

- إلى متى تطلب الحديث؟!

- وأي خير أنا فيه خير من الحديث فأصير اليه؟ ان الحديث خير علوم الدنيا!

ولم يقل خير علوم الدين. بمعنى إن مهمته هي جزء من الخير، والخير جزء منه حالما يكون مرتبطا بالرؤية الصادقة والهادفة إلى ما يناسبها من مواقف. من هنا قوله "ما عملٌ أفضل من الحديث إذا صحَّت النية". لهذا طالب الآباء بأن يجبروا أولادهم على تعلم الحديث. وذلك لأنه "ليس شيء أنفع للناس من الحديث" كما يقول سفيان الثوري. لهذا كان يختتم درسه لمن اراد معرفة الحديث بعبارة: "ذا خير لك من ولاية عسقلان وصور". لكنه وجد فيه في الوقت نفسه "قوة خطرة" يمكنها ان تحرق المرء أو تقيه منها. وضمن هذا السياق يمكن فهم العبارة التي قالها: "ما اخاف على شيء أن يدلني النار الا الحديث". من هنا قوله الختم بهذا الصدد: "ركعتان اصليهما أرجى عندي من الحديث".

لم يكن مقصود سفيان الثوري عن تفضيل ركعتين من الصلاة على الحديث، سوى البحث عن اليقين. فالحديث وإشكالاته التاريخية والفكرية والسياسية والمذهبية جعلته كما يقال في مهب الريح العاتية للفرق وخلافاتها، والقوى المتصارعة وأهوائها ومصالحها. بينما مهمة الحديث الجوهرية تقوم في الحديث مع النفس، أي تربيتها بمعايير الحق. لهذا نسمعه يقول "كان الرجل إذا أراد كتابة الحديث، تأدب وعبد قبل ذلك عشرين سنة". فالحديث بالنسبة لسفيان الثوري علم. وللعلم، أيا كان، أصوله وقواعده وآدابه. وقد وضع سفيان الثوري هذه الأصول والقواعد والآداب في موقفه من العلم والمعرفة. وانطلق بذلك من فكرة عامة أقرب ما تكون إلى نصيحة منهجية وضعها بعبارة تقول: "زينوا العلم بأنفسكم لا تزينوا بالعلم". بمعنى أولوية الأنا العالمة والعاملة بقواعد العلم وآدابه. وذلك لأن العلم، كما يقول سفيان الثوري، "إنما يطلب ليتقي الله به. فلولا ذلك لكان كسائر الاشياء". وليس الله هنا سوى الحق. الأمر الذي يحدد الأبعاد الأصلية للعلم بوصفه أسلوب التربية العميقة لما اسماه الثوري بالخشية لله. ووضع ذلك في عبارة تقول: "ليس طلب العلم من فلان عن فلان، بل إنما طلب العلم الخشية لله". وفيها نعثر على ما قاله ابو يزيد البسطامي عن طلب الحقيقة من الحي الذي لا يموت عندما كان يسأل "من قال ذلك" فيقولون له "فلان" عن "فلان" عن "فلان" وما الى ذلك. عندها قال كلمته الشهيرة "انتم تأخذون علمكم من ميت عن ميت، بينما نحن نأخذ علمنا من الحي الذي لا يموت". وليس المقصود بذلك سوى جوهرية التجربة الفردية ومذاق معاناتها في البحث عن مصدر الحق والحقيقة. وقد سبق لسفيان الثوري وإن وضع هذ الفكرة ضمن سياق وتقاليد الفقه والحديث والعلوم الإسلامية الأخرى. فقد شدد على ما يمكن دعوته بالمعاناة الشخصية الحرة في البحث عن الحقيقة. اذ لا تعني الخشية هنا سوى القانون الأخلاقي الصارم للنفس أمام النفس، بوصفه منطقا باطنيا وحدسيا للحق والحقيقة، والحق المطلق بوصفه فكرة ومبدأ ومنهجا للرؤية والعمل. لهذا اعتبر انه "لا عمل أفضل بعد الفرائض من طلب العلم". من هنا قوله "لانزال نتعلم العلم ما وجد من يعلمنا". وأن يطالب الاخرين بالتعلم والاستزادة الدائمة من العلم كما في قوله: "تعلموا هذا العلم، واكظموا، وافرغوا عليه ولا تخلطوه بضحك فتجمد القلوب". وذلك لأن الغاية من طلب العلم تقوم في "حفظه والعمل به ونشره". ووضع هذه النتيجة في بعض الثنائيات الحادة المتعلقة بقيمة وأهمية العلم والعلماء، كما في قوله "الأعمال السيئة داء، والعلماء دواء. فاذا فسد العلماء فمن يشفي الداء؟". وأن يعتبر "العالم طبيب الدين، والدرهم داء الدين". واستقى هذه الأفكار او توصل اليها بأثر تجربته الشخصية. فقد قال عن نفسه بانه طلب العلم في بداية امره، ولم تكن عنده آنذاك نية، ثم "رزقه الله النية".

ووضع هذه التجربة المتعلقة بالموقف من العلم والمعرفة وطلبها ونشرها في عبارة مقتضبة تقول "ما أعلم شيئا أفضل من طلب العلم بنية". بمعنى أن يكون طلب العلم للعلم ذاته وعبره لنشر الحق والحقيقة والدفاع عنهما، أي تجرده عن كل ما لا علاقة له بحقيقة العلم وماهية المعرفة وضرورتهما. الأمر الذي يجعل منهما مبردا يسّن به الروح والجسد. بمعنى إن العلم الصادق والعمل بموجبه عادة ما يجعل حياة المثقف الكبير ورجل العلم معاناة دائمة. من هنا قول سفيان الثوري "من ازداد علما ازداد وجعا". واستمد هذه الحقيقة من تجربته الشخصية التي وضعها في عبارة تقول "لو لم اعلم لكان اقل لحزني"، و"وددت أن انجو من هذا الأمر كفافا لا عليّ ولا لي". ولم يعن ذلك سوى أن الإرادة العاقلة وإدراكها لمهمتها أمام الله، أي أمام مرآة العالم الباطني للنفس من أجل تأمل حقيقة ما في ملامحه من صدق وجمال أو كذب وقبح. اذ ليس للإنسان سرّ مع نفسه. من هنا جوهرية فكرة النية الصادقة في طلب العلم والعمل بما فيه وبما يؤدي اليه من قواعد وآداب. أدى هذا به الى بلورة الموقف الفكري والعملي العميق القائل: "ان العلم عندنا الرخص عن الثقة. فأما التشديد فكل انسان يحسنه".

ولا يعني "الرخص عن الثقة" في العلم سوى اختيار أفضل السبل وأكثرها واقعية وإنسانية للحلول، على عكس الأحكام الجازمة القطعية المباشرة. فالأولى نتاج التأمل العقلي والوجدان الصادق في معناة البحث عن حلول ترضي النفس والله، إي المجتمع والحق. أما الثاني فهو إما تحريم وإما تجريم متسرع أو قبول بما هو موجود دون تفحص ودراية لما في أعماقه من إمكانيات يصعب التكهن بها. من هنا فإن "الرخصة عن الثقة" هي نتاج الرؤية العلمية الدقيقة التي تأخذ بقدر واحد تجارب الأسلاف الذاتية والواقع والمستقبل. ولا يمكن بلوغ ذلك دون بلوغ حالة ومستوى الاجتهاد الحر.

تعادل حقيقة ومضمون "الاجتهاد الحر" فيما يخص سفيان الثوري معنى الاجتهاد العقلي، والوجدان الصادق، والضمير الاجتماعي. اذ اننا نعثر في شخصيته وانتاجها العلمي على إحدى الصيغ الأولية الرفيعة لإرساء أسس مرجعية الاجتهاد الحر بوصفها مهمة شخصية وحقيقة فردية ومصيرا معرفيا. ففي مجرى تجربته الشخصية وانعكاسه في المواقف والاحكام نعثر ، على سبيل المثال، الحكم القال، بان الانسان "الى العلم احوج منه الى الخبز واللحم". وهي العملية التي تؤدي بالمرء السائر في دروب العلم إلى إدراك الحقيقة القائلة، بأنه "ما بسطت الدنيا على أحد الا إغترارا، وما زويت عنه إلا اختبارا". بمعنى إن السعة والراحة والدعة وما شابه ذلك من رفاهة العيش ليس الا غرورا سريع الزوال، وبالمقابل ليست متاعب الحياة ومشقتها وما يعاني المرء منه في دروب العلم (وأحيانا غيره أيضا) سوى اختبارا للإرادة والعقل والضمير. الامر الذي يجعل رجل العلم او المثقف الكبير في امتحان دائم للبرهنة اولا وقبل كل شيء امام نفسه من اجل تثبيتها على اقدام اليقين او ما اسماه ايضا بالرخصة في الثقة. من هنا قوله "رضى الناس غاية لا تدرك، وطلب الدنيا غاية لا تدرك"، أي كل ما يترتب عليه بالضرورة ادراك اولوية الانا الباحثة عن الحق والحقيقة. من هنا قوله، "اذا عرفت نفسك فلا يضرك ما قيل فيك". فهي المهمة الاولية او المقدمة الجوهرية للاجتهاد الحر. وقد عالجها سفيان الثوري بالشكل الذي وصفه في احدى عباراته القائلة: "ما عالجت شيئا اشد عليّ من نفسي". لهذا قيل عنه مرة : كان من شدة تفكّره يبول الدم(!). طبعا لا علاقة للتفكر الشديد بمظاهر الافرازات الجسدية، لكنها تحمل معنى التصوير المثير عما يمكن دعوته "بالعقاب" المناسب للتفكّر الشديد، أو أن للجهد والاجهاد المفرط أثره في الجسد. وهذه حقيقة. وأيا كانت مصداقية هذه الصورة، لكنها تبرع اساسا في تصوير المعاناة الباطنة لتفكيره في مرحلة انتقالية عاصفة لازمها تأزم وانفجار الطاقات الثقافية الكبرى لما أدعوه بصيرورة الإمبراطورية الثقافية(للخلافة).

لقد كان الاجتهاد الحر بالنسبة لسفيان الثوري يحتوي في ذاته على كل من الاجتهاد الشخصي وإخلاص الضمير. فعندما سأله مرة أحدهم:

- اصافح اليهود والنصارى؟

- برجلك نعم!

وعندما قال له أحدهم مرة:

- أي شيئا أقول إذا سمعت صوت الناقوس؟

- أي شيء تقول إذا ضرط الحمار؟

لقد رمى سفيان الثوري كل تفاهات اللاهوت الميت وحذلقة الفقهاء الغبية المتعلقة بسفاسف الأمور وتوافه الحياة في مزبلة السخرية التي لا تخلو من الاستهزاء المر. لقد استند الثوري الى حقيقة الاخلاص للحق والحقيقة، التي وجدت الثقافة آنذاك وعائها في القلب. من هنا قوله "ما استودعت قلبي شيئاً قط فخانني"، و"لو أن اليقين استقر في القلب كما ينبغي لطار فرحاً وحزناً وشوقاً إلى الجنة أو خوفاً من النار". واستكمل ذلك في موقف هو أقرب ما يكون إلى القاعدة الأخلاقية كما في قوله "خذ من الدنيا لبدنك، ومن الآخرة لقلبك". مما حدد بدوره موقفه من مختلف مظاهر الوجود الفكرية والحياتية والأخلاقية وغيرها. ففي مجال المعرفة طالب بدفع الشك باليقين، كما دعا المرء إلى أن يترك ما يريبه إلى ما لا يريبه. وفي مجال الأخلاق العملية طالب المرء بأن يخضع عند الطاعة ويستعص عند المعصية. أما موقفه هو من الآخرين فقد بناه على قاعدة "محبة الناس على قدر أعمالهم"، بوصفه المعيار السليم تجاه الأحياء والأموات على السواء. من هنا حكمه: "إذا ذكر الرجل الذي مات، فلا تنظر إلى قول العامة، ولكن انظر إلى قول أهل العلم والعقل"، أي كل أولئك الذين تحتضنهم كلمة "الغريب". فالغريب والغرباء العاملون بمعايير الروح المعرفي والعقلي والأخلاقي بالنسبة لسفيان الثوري، هم حملة الحق والحقيقة. من هنا قوله :"استوصوا بأهل السّنة خيرا فإنهم غرباء". والمقصود بأهل السنّة أتباع الحق والحقيقة، وليس اتباع مذهب "أهل السنّة والجماعة" القديم والحالي..

***

ميثم الجنابيالزهد وأجنة الفكرة الصوفيةتوّج سفيان الثوري في شخصيته العلمية والعملية الحالة الثقافية والروحية التي جمعت بين الزهد والمعرفة. الأمر الذي جعل منه الممثل النموذجي الأول في الثقافة الإسلامية لوحدة الزهد والمعرفة، أي وحدة العلم والعمل. وهي ذاتها وحدة المعرفة والعمل بموجبها. اذ ليس هناك أكثر من حقائق المعرفة المسبوكة بمبادئ السلوك الأخلاقي الرفيع ممن صَنع وحدة الشخصية المتماسكة وإبداعها الحر. ذلك يعني، ان الزهد بالنسبة له هو اداة السمو الاخلاقي والمعرفة العملية. بل وارتقى ي حالات عنه الى مصاف الاختبار الفعلي لحقيقة الشخصية. من هنا فكرته عن ان حقيقة الزهد ليست "أكل الغليظ ولبس الخشن، ولكن قصر الأمل، وارتقاب الموت". وذلك لأن الشيء الجوهري هنا يقوم فيما اصطلح عليه سفيان الثوري بعبارة الكسب الطيب والعناية بالروح والجسد بما يتوافق مع حقيقة العمل وغايته. اذ ينقل عنه احدهم كيفية لقاءه بسفيان الثوري حالما قدم عليه. حينذاك طبخ له قدر سِكْباج (اللحم المطبوخ بالخل) فأكلَ، ثم أتاه بزبيبِ الطائف فأكلَ. بعدها قال له سفيان "اعْلِف الحمار". ثم قام يصلي حتى الصباح. سكباج وحمار وصلاة كلهم واحد بالنسبة له، لان لكل منهم موقعه واهميته بالنسبة للروح والجسد. بينما يخبرنا آخر عنه كيفية دخوله على سفيان الثوري وهو يأكل طباهج (اللحم المشرّحُ بالبيض)، فكلّمه في ذلك، فأجابه سفيان: لم آمركم أن لا تأكلوا طيباً. اكتسبوا طيباً وكلوا! وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه القائل "لأن أخلِّف عشرة آلاف درهم، يحاسبني الله عليها، أحبُّ إليّ من أن أحتاج إلى الناس". وهذا الموقف يستند بدوره الى ادراكه الحر والواقعي من اهمية ويمة المال بالنسبة للحرية الفردية والفكرية في عالم اخذ المال يتحول فيه الى قوة حاكمة وفاعلة في كل شيئ! من هنا قوله "كان المال فيما مضى يكره، فأما اليوم فهو ترس المؤمن". وضمن هذا السياق يمكن فهم مضمون موقفه السابق. اذ اعتبر "المال داء هذه الأمة". من هنا قوله "لا تقتدوا بصاحب عيال لأنه دوما يتعلل بعياله". بينما نسمعه يخاطب في حالة اخرى احدهم قائلا: "عليك بعمل الأبطال، الكسب من الحلال والانفاق على العيال". وفي نادرة اخرى تنقل عنه وقد نظر إليه رجل وفي يده دنانير فقال:

- يا أبا عبد الله تمسك هذه الدنانير؟!

- اسكت: فلولاها لتمندل بنا الملوك"، أي لجعلونا كالمنديل يمسحون به أرجلهم.

ورفع تجاربه الشخصية بهذا الصدد الى فكرة عامة تقول، بأن "الزهد زهدان، زهد فريضة وزهد نافلة. فالفريضة أن تدع الفخر والكبر والعلو، والرياء والسُّمعة، والتزيُّن للناس. أما زهد النافلة فهو أن تدع ما أعطاك الله من الحلال. فإذا تركت شيئا من ذلك صار فريضة عليكَ ألا تتركه إلا لله". وأن يتوصل في حالة أخرى إلى أن "الزهد هو سقوط المنزلة". ولا يعني "سقوط المنزلة" هنا سوى الرجوع إلى الحقائق الأولية المتعلقة بحقيقة المعنى في كل شيء. وكل شيء في الإنسان هو الإنسان نفسه بمختلف مواقفه العلنية والمستترة. وبالتالي، فإن اسقاط المنزلة يعادل معنى التحرر والتخلص من شوائب الزيف السائد في مختلف مظاهر الوجود والحياة. ولهذا شدد في احد مواقفه بهذا الصدد عن انه لم ير اشد صعوبة للتحقق بحقيقة الزهد أكثر مما في حب الرياسة. وأوصله ذلك إلى فكرة عميقة تقول بأن "الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس"، وأوله الزهد في النفس. فبالزهد تبصر عورات الدنيا، أي نواقصها وخللها. ذلك يعني أن الزهد هو المنفذ الى عوالم المعرفة الدقيقة وبلوغ حقيقتها كما هي. من هنا قوله، بأن الإنسان حالما يزهد في الدنيا، فإن الله ينبت الحكمة في قلبه، ويطلق لسانه، ويبصرّه عيوب الدنيا وداءها ودواءها. بل وتوصل إلى فكرة عميقة تقول، بأنه "لا تصلح القراءة الا بالزهد".

لقد حوّل سفيان الثوري الزهد العملي المرتبط بتقاليد الورع الإسلامي الأول إلى فكرة وأسلوب تتناغم فيهما وحدة المعرفة النظرية والعملية. إذ حدّه من حيث هو فكرة بما اسماه بزهد الفريضة والنوافل. وكلاهما بالنسبة له كلّ واحد. وذلك لأن حقيقة الزهد تبتدأ بالزهد بالنفس وتنتهي بتحقيقه في العلم والعمل. وليس تحقيقه سوى النتيجة المترتبة عليه بوصفه أسلوبا في إدراك حقيقة الأشياء كما هي وما اسماه بأثره في إنبات الحكمة في القلب وطلاقة اللسان بالحق ورؤية اسباب العيوب والنواقص وكيفية علاجها. ذلك يعني أن حقيقة الزهد هي علم وعمل بقدر واحد. من هنا اهمية ماهية المعرفة وحقيقتها.

اننا نعثر في الشخصية الروحية والعقلية لسفيان الثوري على ما يمكن دعوته بأجنة الفكرة الصوفية، بمعنى الارتقاء من الزهد والمواقف الأخلاقية والعقلية من الواقع الى مستوى الذوق الصوفي العملي.

فقد ساهم سفيان الثوري في وضع الأسس الخفية لما ستطلق عليه تقاليد الصوفية لاحقا فكرة وحدة الشريعة والطريقة، والشريعة والحقيقة، ولكن بمعايير الزهد والورع الإسلامي وليس بمعايير الحقيقة الصوفية أو فكرة المتصوفة عن الحقيقة بوصفها نهاية الطريق، أو الذروة المترتبة على اعتصار الطريقة للشريعة بقواعد النقاء الحر ونفيها الدائم للأحوال في المقامات. لقد تراكمت ضمن سياق تجارب روحية وعقلية وعملية من طراز آخر، كان يجري إلى جانب النموذج الذي جسّده وحققه سفيان الثوري بذاته. بمعنى انه حقق ذلك عبر تجربته الفقهية النظرية والعملية التي أدخل فيها أو توصل من خلالها إلى عدد من المواقف المنهجية التي أسس لها التصوف ورفعها إلى مصاف متسامية عبر انزالها إلى أعمق أعماق الغور الروحي للإنسان العارف. ونعثر على ذلك في بلورته لفكرة العلاقة بين السر والعلانية، وقضية البلاء الروحي والمعرفي، وفكرة الصبر، والمضمون المعرفي لعلاقة الحياة والموت، وجوهرية "الله" في السلوك الظاهر والباطن بالنسبة للعارف الحق. ففيما يخص علاقة السر والعلانية يقول، بأن "من كانت سريرته أفضل من علانيته فذك الأفضل. ومن كانت سريرته شر من علانيته فذلك الجور". و"اذا عملت ذنبا في السر فتب إلى الله في السر. وإذا عملت ذنبا في العلانية فتب إلى الله في العلانية". اما موقفه من النعمة والبلاء فقد بلوره في عبارة تقول "ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة". أما ما يخص المضمون المعرفي لإدراك طبيعة العلاقة بين الحياة والموت فقد وضعها في فكرة عميقة، تحولت الى عنصر جوهري في الذوق الصوفي، والمقصود بذلك عبارته القائلة: "الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا". والشيء نفسه يمكن قوله عن موقع "الله" بالنسبة للعالم الروحي للإنسان ومواقفه العملية بشكل عام والارادة بشكل خاص. فقد توصل هو باثر تجربته بهذا الصدد الى القول، بانه "عرف الله بفسخ العزم ونقض الهمة"، بمعنى بلوغ معنى وحقيقة الحق من خلال الباطن بوصفها العملية التلقائية للمعرفة. ووجدت هذه الفكرة استكمالها في موقفه الذي خاطب به المرء قائلا: "لا تحب إلا في الله، ولا تبغض إلا في الله". ولا يعني الله هنا سوى فكرة المقياس أو المعيار الأعلى والأسمى للإخلاص المجرد من الأهواء والمصالح بما يخدم الانسان والحقيقة.

واستكمل ما اسميته ببلورة الأجنة الأولية للذوق الصوفي في بلورته الدقيقة على مستوى المواقف والفكر مفاهيم وقيم وقواعد الورع، والعزلة، وفكرة القلب الأخلاقي والمعرفي، ومن ثم ساهم، ضمن سياق وتقاليد الزهد الإسلامي الأول، في بلورة وتحديد الأفكار الأولية عن الحال بوصفه ادبا، ثم قاعدة، ثم مبدأ، ثم طريقة. كما انه أرسى، إلى جانب كل تقاليد الزهد الأول، فكرة وضع الحال في أساس المقام من الناحية التاريخية، والمقام في أساس الحال من الناحية النظرية.

لقد اعطى للقلب اهميته الجوهرية في الاختيار والاختبار والارادة. من هنا قوله "ما استودعت قلبي شيئا قط فخانني". بل ووضع الاحتكام الى القلب تجاه كل دقائق ومظاهر الحياة والسلوك. من هنا قوله: "لا تجيبوا دعوة الا دعوة من ترون قلوبكم تصح على طعامه". وعندما سألوه مرة عن البناء الذي بنوه حول الكعبة، أجاب: "لا تنظروا إليه، فإنهم، إنما بنوه لتنظروا اليه". بعبارة أخرى، انه أراد تفريغ القلب من كل ما لا علاقة له بتوحيد الأنا بمكونات الوحدة الفعلية، أي العمل بتلقائية الحال الصادق. ومن الصعب بلوغ هذا الحال دون الخلوة والعزلة، بوصفهما أدوات وأساليب تربية الإرادة وتنقيتها. ولا يمكن تحقيق ذلك دون ما أسماه سفيان الثوري بتصحيح النية، باعتبارها البداية الأولية، أو الأساس الضروري لتربية الإرادة. من هنا قوله عن نفسه "احب أن أكون في موضع لا أعرف ولا استذل"، و"وددت انني اتخذت نعلي هذه ثم جلست حيث شئت لا يعرفني أحد"، و"اني لأفرح إذا جاء الليل ليس إلا لأستريح من رؤية الناس"، وأن "كثرة الإخوان من سخافة الدين"، و"السلامة في أن لا تحبَّ أن تُعرف". بل أوصلته هذه المواقف والتجارب الحياتية في إحدى الحالات الحرجة فيما يبدو إلى القول: "ما رأيتُ للإنسان خيراً من أن يدخل جُحْراً"! أما الخروج منه فقد وجده كما قال عن نفسه، بين الغرباء، كما في عبارته التالية: "وجدتُ قلبي يصلح بين مكة والمدينة مع قوم غرباء أصحاب صوفٍ وعباءة".

استمد هذا الاقتراب من عالم "الروح الصوفي" مقوماته الأساسية من تجربته الفكرية والأخلاقية التي أوصلته آنذاك إلى أولوية العلم والعمل ووحدتهما المتلازمة في الروح والجسد والمواقف. ففي هذه الثنائية الجوهرية المميزة للفكرة الصوفية وجد سفيان الثوري معيار الفقه وحقيقة الرؤية والمواقف، أي معيار كل شيء. وهنا تكمن القيمة العميقة والتاريخية لسفيان الثوري في المساهمة النظرية والعملية لما يمكن دعوته بلبنات أو عناصر الفكرة التأسيسية في الثقافة الإسلامية. وهي فكرة لها أصولها وجذورها وتاريخها الخاص. لكن خصوصية إبداعه بهذا الصدد تقوم في كونه إحدى الشخصيات الكبرى التي أرست أسس مرجعية الفقه الحر، ومرجعية الاجتهاد الحر، ومرجعية الالتزام بالتفكر ونتائجه. وهذه بدورها كان لابد لها من أن توسع وتعمّق تقاليد الفكرة التأسيسية. فالثقافة التأسيسية، سواء بمعايير الفكرة التاريخية أو التجربة الشخصية، (وكلاهما متوحدان بالضرورة من حيث تطابقهما المنطقي)، هي علمية - عملية، أي قول وعمل، أو فكرة وتحقيقها العملي.

واتخذت وحدة العلم العمل عند سفيان الثوري صيغ ومستويات متنوعة وتحقيق لها في مختلف المجالات والمواقف، لكنها موحدة بما يمكن دعوته بهاجس الحرية ومبدأ الاستقلال الفردي. فقد وصف الكثير من أولئك الذين قيموا شخصية الثوري بهذا الصدد، على إن أحدهم لم ير "عالما يعمل بعلمه إلا سفيان". فقد توصل سفيان الثوري في مجرى تجاربه الشخصية العلمية والعملية إلى أن العلم إنما يراد للعمل. من مطالبته المرء بعبارة: "لا تدع طلب العلم للعمل، ولا تدع العمل بطلب العلم". كما اوصلته تجربته الفردية بهذا الصدد لأن يؤسس لسلسلة العلم والعمل بالشكل التالي: "لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنّة". إننا نعثر في هذه الفكرة على جعل العمل مرجعية جوهرية بالنسبة للعلم، لكنه ربطها في الوقت نفسه بالنيّة والسنّة. بعبارة اخرى، إننا نعثر في هذه الفكرة على نفي تأسيسي لحقيقة العلم والعمل بوصفها حلقات مترابطة بالنيّة ومرجعيات الثقافة، التي كانت "السنّة" (النبوية) أحد مصادرها الأساسية. من هنا اهتمامه الكبير بشخصية العالم واثره بالنسبة لماهية وحقيقة العلم ووظيفة المعرفة. فقد كان من المعروف عنه انه اذا التقى شيخا سأله: هل سمعت من العلم شيئا؟ (فإن اجاب لا) عندها كان يقول: "لا جزاك الله عن الإسلام خيرا". بمعنى إن الإسلام بالنسبة علم ومعرفة على الاقل بما فيه. وعندما سألوه مرة "اي شيء شر؟"، اجاب: "العلماء اذا فسدوا". بل وكان يتعوّذ بعبارة: "نعوذ بالله من فتنة العابد الجاهل والعالم الفاجر". من هنا قوله عن ان "العالم مثل الطبيب لا يضع الدواء إلا على موقع الداء". ومن هنا أيضا ابتعاده عن الجهلة و"سفل الناس" بحيث كان لا يحدّث النبط وسفل الناس. وعندما قيل له بذلك، قال "العلم إنما أخذ عن العرب، فاذا صار إلى النبط وسفل الناس قلبوا العلم". ويقصد بذلك النوع الجاهل من البشر وأهل البلادة من العوام. كما أنه موقف يدخل ضمن الرؤية القائلة، بانه ليس من ليس من مهمة رجل العلم أو المثقف الكبير مجادلة وتصحيح "رؤية" الحمال والاسكافي والحوذي في قضايا العلم والمعرفة.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابيشخصية سفيان الثوري وتقييمه في الثقافة الإسلامية

أرست الأموية ما يمكن دعوته بمبدأ حق التسلط. من هنا يمكن فهم موقفه القائل، بأن "الائمة خمسة فقط" (الخلفاء الراشدون وعمر بن عبد العزيز)، ومن ثم ازال الشرعية عن كل خلفاء بني امية وبني العباس. الامر الذي يفسر سبب عدم ادراج مدرسته الفقهية ضمن ما يسمى بالمدارس الكبرى كالمالكية والشافعية والحنفية والحنبلية، مع انه يفوق عليهم جميعا. طبعا ان ذلك لا يقلل من القيمة الروحية والاخلاقية لفقهاء الاسلام الكبار، بقدر ما يشير الى النوعية التي ميزت شخصية سفيان الثوري. فقد كانت حياة ائمة الفقه متعرجة من حيث الامكانية والكفاءة والمنهج، لكنهم جميعا كانوا يشتركون بالأخلاق العالية. ولكل منهم تاريخ الخاص والشخصي في مواجهة محنة السلطة. واذا كان الاشهر من بينها محنة ابن حنبل، فان ذلك بسبب بساطته وسهولة ما فيه واستجابته لمعنى العوام وخشونة اللسان وجسد الامة. بينما يختلف الحال بالنسبة لسفيان الثوري. انه كان يمثل فكرة العقل والروح والارادة المتسامية.

فقد وجد البعض فيه "أمير المؤمنين في الحديث"، و"إمام الناس في زمانه" و"عالم الأمة وعابدها" و"أفقه الناس". وتنوعت فيه الأحكام بما يتوافق مع اذواق قائليها ووعيهم الشخصي وتجاربهم الذاتية. فقد قال الأوزاعي عنه مرة "لو قيل لي اختر لهذه الأمة رجلاً يقوم فيها بكتاب الله وسنة نبيه لاخترت لهم سفيان الثوري". وفي حالة اخرى قال عنه "ما رأيت عالما يعمل بعلمه الا سفيان". بينما قال ابن المبارك فيه: "ما نُعت إلي أحد فرأيته إلا كان دون نعته، إلا سفيان الثوري". ومقارنة برجال الحديث الفقه الكبار آنذاك، جرى الاقرار بأفضليته في العلم ومعرفة الحديث والورع. فقد قال عنه يحيى بن سعيد القطان: "سفيان أشد من شعبة وأعلم بالرجال"، وانه ليس أحد أحب إليه من شعبة، ولا يعدله أحد عنده. وضمن هذا السياق قال أبو حاتم الرازي عنه "سفيان فقيه، حافظ، زاهد، إمام، هو أحفظ من شعبة". بل ان شعبة نفسه قال :"سفيان أحفظ مني". بينما قال عبد الرحمن بن مهدي: "كان وهيب يقدم سفيان في الحفظ على مالك"، وفي موقف اخر قال عنه "ما رأت عيناي مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري، ولا أشد تقشفاً من شعبة، ولا أعقل من مالك بن أنس، ولا أنصح للأمة من ابن المبارك"، وقال علي بن الحسن بن شقيق عنه "ما أعلم على الأرض أعلم من سفيان".

جمع سفيان الثوري بإقرار الاغلبية "بين العلم والورع والعفة والزهد". فقد قال شعبة عنه "ساد سفيان الناس بالورع والعلم". بينما قال اخرون "لا اعقل من مالك ولا اعلم من سفيان". فيحين قال اخر عنه "لولا الله ثم سفيان لمات الورع".

وقد يكون وصف المتأخرين له وبالأخص عند الذهبي من بين اكثرها تعميما لتجارب الاسلاف كما هو الحال في وصفه سفيان الثري قائلا: "هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، المجتهد، مصّنف كتاب الجامع".

اما الصيغة العميقة والدقيقة عن شخصيته، فهي تلك التي بلور معالمها الزهاد والمتصوفة. فقد قال فيه الزهاد امثال ابن المبارك "كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان". بينما قال عنه ابن عيينة "ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري". وفي معرض مخاطبته لابن حنبل حول شخصية سفيان الثوري قال "لن ترى بعينك مثل سفيان الثوري حتى تموت". في حين كان يحيى بن معين لا يقدِّم على سفيان أحداً في زمانه، في الفقه والحديث والزهد، بل وكل شيء. أما ايوب السختياني فقد قال عنه "ما قدم علينا من الكوفة أفضل من سفيان الثوري". في حين قالت عنه المتصوفة بما يتوافق مع تجارب افرادها وتأثرهم به. اذ ينقل عن بشر الحافي قوله "كان الثوري عندنا إمام الناس". في حين اعتبره الفضيل بن عياض "اعلم من ابي حنيفة". وعندما قيل له من هو امامك فيما تذهب اليه من بعض الورع، اجاب: "سفيان الثوري". اما يوسف بن اسباط فقد قال عنه: "الناس سيعاقبون، أنه لا يوجد بينهم مثل سفيان". وهذه من بين الافكار الرفيعة والدقيقة والعميقة التي تشير الى جوهرية العالم العامل بالنسبة لكينونة الانسان والجماعة والامة. وذلك لان انعدام وجود شخصيات مرجعي بمعايير الروح الخلص للحق والحقيقة سوف يؤدي بالضرورة الى تحلل الانسان والقيم الرفيعة. بمعنى تعرّض الانسان والجماعة والامة الى عقوبة ذاتية بكافة المعايير والنتائج.

ان هذه الحصيلة التي توصلت اليها الرؤية النقدية المتفحصة لحقيقة الشخصية الفكرية والعلمية والاخلاقية لسفيان الثوري قد ظلت عائمة في سماء الرؤية الثقافية النقية، بينما في واقعيتها فقد كانت تعاني من حيث وجودها الواقعي من اثم الوجود نفسه بوصفه صيرورة قاسية. وهو امر لابد منه بالنسبة لصيرورة الروح الثقافي والشخصية الكبرى. فالصيرورة القاسية هي الوحيدة القادرة على سنّ معالم الروح والجسد، شأن كل ابداع عظيم. فنحت الهيكل الجميل في الصخر هو الوجه الاخر لتذليل قبح الواقع او انها العملية التي لابد منها لكي يكون المثال تجسيدا للصورة المركبة من تفاعل العقل والوجدان والارادة الحية.

كانت حياة وممات سفيان الثوري صيرورة قاسية شحذت ملامحها على مسّن الوجود الاثم للسلطة، اي على مسّن الوعي المتراكم في شخصيته من اجل احقاق الحق والعمل بموجبه. ونعثر على بعض مظاهر هذه الحالة والصيرورة الشخصية لسفيان الثوري في الرؤية والاحساس الشخصي لمن حوله ومعرفة به. ففي مجال الفقه والفتيا جرى ملاحظة شخصيته منذ مراحل مبكرة حتى اخر ايامه. اذ ينقل لنا الوليد بن مسلم ملاحظته التي قال فيها: "رأيت سفيان الثوري بمكة يستفتى ولم يخط وجهه بعد". بينما ينقل لنا محمد بن عبيد الطنافسي ملاحظته التالية: "لا أذكر سفيان الثوري إلا وهو يفتي. أذكره منذ سبعين سنة ونحن في الكتَّاب، تمر بنا المرأة والرجل فيسترشدوننا إلى سفيان يستفتونه ويفتيهم". في حين ينقل احدهم ما يلي: "سمعت الناس بمرو يقولون: قد جاء الثوري! قد جاء الثوري! فخرجت أنظر إليه فإذا هو غلام قد بقل وجهه".

بينما يلاحظ البعض سلوكه ومواقفه التي لا تصنع فيها، كما في قول مروان بن معاوية: "شهدت سفيان الثوري وسألوه عن مسألة في الطلاق، فسكت وقال: إنما هي الفروج". والمقصود بذلك انه يخاف الإفتاء بها بالحل وهي محرمة عليه، مما يتسبب في الوقيعة والوقوع في فرج لا تحلّ له. بينما ينقل لنا ابن أسباط الحالة التالية: سئل الثوري وهو يشتري عن مسألة فقال للسائل: دعني! فإن قلبي عند درهمي فلست متفرغاً لأفتيك، وقد أخطئ وأنا منشغل بالبيع والشراء. بمعنى إن الإفتاء ينبغي أن يستند إلى تفرّغ القلب وصحة الدراية. فالإفتاء بالنسبة له عقل ودراية واخلاص.

وليست هذه المظاهر الجزئية سوى الصيغة العابرة والمتذبذبة لاستقامة الروح المعنوي المميز لشخصية سفيان الثوري. اذ ينقل لنا عطاء الخفاف ملامح هذه الشخصية في قوله: "ما لقيت سفيان الثوري إلا باكيا! فقلت: ما شأنك؟ فقال: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيا!". بينما ينقل لنا احدهم مشاهدته لسفيان الثوري واستماعه له قائلا: "كنت لا أستطيع سماع قراءة سفيان من كثرة بكائه". وينطبق هذا على سلوكه في العبادات. اذ ينقل لنا علي بن فضيل: "رأيت سفيان الثوري ساجدا حول البيت، فطفت سبعة أشواط قبل أن يرفع رأسه". في حين قال مؤمل بن إسماعيل عنه: "أقام سفيان بمكة سنة، فما فتر من العبادة سوى من بعد العصر إلى المغرب. كان يجلس مع أصحاب الحديث وذلك عبادة". في حال قال احدهم عنه: "كنت أرمق سفيان في الليلة بعد الليلة ينهض مرعوباً ينادي: النار النار! شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات". كما ينقل لنا اخر حالة الثوري بقوله: "رأيت الثوري في المسجد الحرام بعد المغرب، صلى ثم سجد سجدة فلم يرفع رأسه حتى نودى لصلاة العشاء". وهي الحالة التي يصورها لنا يوسف بن أسباط في قوله: "قال سفيان الثوري وقد صلينا العشاء الآخرة: ناولني المطهرة! فناولته فأخذها بيمينه ووضع يساره على نحره ونمت. فاستيقظت وقد طلع الفجر فنظرت فإذا المطهرة بيمينه كما هي. فقلت له: "هذا الفجر قد طلع!"، فأجاب: "لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الآخرة". من هنا قول قبيصة بن عقبة: "ما رأيت أحداً كان أكثر ذكراً للموت منه". بينما وصفه اخر بعبارة تقول: "كنا نكون عند سفيان الثوري، فكأنه قد اوقف للحساب".

من هنا الانطباع الظاهري الذي خلفته شخصيته المتماسكة في اعماقها بحيث اعتقدوا بجنونه. من هنا قول احدهم عنه: ربما كان يأخذ سفيان في التفكر، فينظر اليه الناظر فيقول "مجنون". كما نعثر على هذه الحالة في قوله عن نفسه: "امرّ بالحائك يغني، فأسدّ اذني". وليس المقصود بذلك كره الغناء وما شابه ذلك، بقدر ما يعني التعبير عن صمت الأصوات الخارجية من أجل استرقاق السمع إلى معزوفة الباطن! فهي الحالة المميزة والملازمة للشخصية المتماسكة في كلّها، ومن ثم القائمة في وجدها ووجودها وعلمها وعملها بحالة التفكر العميق والخروج به إلى عوالم الكينونة الحرة. إذ كل حر عظيم مجنون، بينما ليس كل مجنون عظيم! فالجنون كما يقال فنون! وما كان مميزا لسفيان الثوري العالم المجتهد هو الانغماس في المعرفة والذوبان في تأمل حقائقها. الأمر الذي يجعله غريبا. والغريب مجنون!

وليس مصادفة أن تبتدع الثقافة الإسلامية الفكرة القائلة بغرابة وغربة الانبياء والمصلحين لمن حولهم، وبالتالي رفعت هذه الحالة الى مصاف المثل الاعلى كما في قولها "طوبى للغرباء!". اما في الواقع، فإن الغريب هنا قريب من دبيب الوجود وإشكالاته. ونعثر على هذه الحالة في الوصف الذي قال به احدهم "كنت اخرج مع سفيان الثوري، فما يكاد لسانه يفتر عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهبا وراجعا". في حين قال آخر عنه بهذا الصدد: "ما رأيت أحدا أصفق وجها في ذات الله من سفيان الثوري". لهذا نراه يقول مرة "اذا رأيتموني قد تغيرت عن الحال الذي أنا فيه، فاعلموا أني قد بدلت". وأن يقول في موقف آخر: "مثل المتعبد ببغداد كمثل المتعبد في الكنيف!".

لقد بحث سفيان الثوري عن الحقيقة في أعماقه وأعماقها فوجدها فيما اسميته بكوفة الحقيقة والمعنى، التي وجدت تعبيرها في توليف المعرفة بتحقيقها الذاتي. وقد يكون الزهد المتسامي بالعلم والمعرفة هو مظهرها الخاص عنده. ولعل الوصف الذي قدمه البعض عنه بهذا الصدد نموذجيا بكل ما فيه كما في قوله: "رأيت سفيان الثوري في طريق مكة، قوّمت كل شيء عليه حتى نعله: درهما وأربع دوانق!".(يتبع....)

***

 

ميثم الجنابي

 

 

صالح الطائي(موضوع كتبته بمناسبة إعلان الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي اليوم)

الصلاة عمود الدين، وهي أول ما أقر من أحكام العقيدة. وسورة الفاتحة عمود الصلاة، وهي أول ما تعلمه النبي (صلى الله عليه وآله)؛ لا تصح الصلاة المكتوبة إلا بالإتيان بها، ومع ذلك تجد المسلمين يختلفون في زمن نزولها إلى حد المهزلة والإسفاف، دون أن يلتفتوا إلى هذا المعنى. إذ أورد الشوكاني والسيوطي، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وميسرة وابن عباس والحسن وقتادة (رض)، قولهم: إنها مكية. وقد أخرج الواحدي في أسباب النزول، والثعلبي في تفسيره عن علي (رضي الله عنه) قال: "نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش"(2).

وأخرج أبو بكر بن الأنباري في المصاحف، عن عبادة، قال: "فاتحة الكتاب، نزلت بمكة". وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في دلائل النبوة، والثعلبي والواحدي من حديث عمر بن شرحبيل، أن رسول الله لما شكا إلى خديجة ما يجده عند أوائل الوحي، فذهبت به إلى ورقة، فأخبره، فقال له: إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد يا محمد، فأنطلق هاربا في الأرض، فقال: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه يا محمد، قل: بسم الله الرحمن الرحيم، حتى بلغ ولا الضالين الحديث".

بل قدمها أبو ميسرة، فوضعها في بدايات الطور المكي، كما في قوله: "أول ما أقرأ جبريل النبي فاتحة الكتاب إلى آخرها". ونجد ابن عباس يؤكد أنها نزلت بمكة بعد (يا أيها المثر)"( 3).

ومع ذلك تجد بينهم من ادعى أنها مدنية النزول، فمع أن نزولها في مكة من البديهيات، طالما أنها يجب أن تُقرأ في الصلوات، والصلاة نفسها فرضت في مكة قبل الهجرة، إلا أن جماعة منهم انبروا، وادعوا أنها مدنية!. واستدل من قال إنها نزلت بالمدينة بما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وأبو سعيد بن الأعرابي في معجمه، والطبراني في الأوسط من طريق مجاهد بن أبي هريرة: "رن إبليس حين أنزلت فاتحة الكتاب. وأنزلت بالمدينة"(4). ونقل السخاوي عن أبي هريرة، ومجاهد، والزهري، وعطاء بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر، قالوا: "نزلت فاتحة الكتاب بالمدينة. والأكثر على خلاف ذلك"(5).

وأراد قسم آخر منهم تسوية الأمور بالتراضي، وفق قاعدة تسطيح العقل الإسلامي، فادعوا تكرار نزولها، لهذا، أخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو نعيم في الحلية وغيرهم من طرق، عن مجاهد، قال: "نزلت فاتحة الكتاب بالمدينة، وقيل: إنها نزلت مرتين، مرة بمكة، ومرة بالمدينة، جمعا بين هذه الروايات"(6).

والقسم الرابع منهم، أراد أن يحل الإشكال على طريقة أبي بكر بن العربي في كتابه العواصم من القواصم، فادعى أن نصفها الأول نزل بمكة، ونصفها الآخر، نزل بالمدينة، حكى أبو الليث السمرقندي: "أن نصفها نزل بمكة ونصفها الآخر نزل بالمدينة"(7).

واكتفى الكرمي بقول: "مكية وقيل مدنية وهي سبع آيات"(8).

تجد كل هذا الاختلاف والخلاف الغريب حول مكان نزول سورة فاتحة الكتاب، في الوقت الذي كادوا أن يتفقوا فيه على أن الصلاة فرضت على المسلمين في صبيحة ليلة الإسراء في مكة قبل الهجرة، جاء عن أنس بن مالك(رض): قال النبي(صلى الله عليه وآله): "ففرض الله عز وجل على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك، حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت، فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق، فراجعت، فوضع شطرها، فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال هي خمس، وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلت استحييت من ربي"(9). وقال ابن كثير: "فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف، فرض الله على رسوله (صلى الله عليه وسلم) الصلوات الخمس، وفصل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك، شيئا فشيئا"(10). وهناك بينهم من تحدث عن إجماع العلماء على أن الصلوات الخمس لم تفرض إلا في هذه الليلة(11).

وفي الأثر أن أبا سعيد بن المعلى، وهو صحابي من الأنصار قتل ببدر(12)، ترك قراءة الفاتحة في صلاته، فدعاه النبي، لأن صلاته باطلة، فأعلمه مكان الفاتحة وشأنها(13).

تؤكد هذه الروايات بلا أدنى شك أن الفاتحة قديمة النزول لأنها من شروط صحة الصلاة التي فرضت في مكة. ومع ذلك يأتي من يروي أن أنصاريا كان يصلي بدون قراءة الفاتحة وأن النبي استدعاه وهو يصلي لكي يعلمها له، عن أبي هريرة أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) خرج على أبي بن كعب، فقال: رسول الله: يا أبي، وهو يصلي، فألتفت أبي، فلم يجبه. وصلى أبي، فخفف، ثم انصرف إلى رسول الله، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله: وعليك السلام، ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعونك؟ فقال: يا رسول الله إني كنت في الصلاة، قال: فلم تجد فيما أوحي إلي أن (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)؟ قال: بلى، ولا أعود إن شاء الله. قال: تحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله: كيف تقرأ في الصلاة؟ قال: فقرأ أم القرآن، فقال رسول الله: والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها"(14). وفي خلاصة القول نجد أن (الفاتحة) التي رُحِّلتْ حسب بعض أقوالهم إلى الطور المدني، هناك من يذكر أنها أول السور نزولا، بل سبقت (اقرأ) و(المدثر) في النزول(15).

ولأن المسلمين في غابر وحاضر تاريخهم لا يقوون على رد الحجة بالحجة غالبا، ويلجئون إلى الطريق الأصعب عادة، تجدهم يلجئون إلى التأويل والتعليل، ففيما يخص الحديث الذي أخرجه البيهقي وغيره، قال الرومي: إن هذا الحديث لا يدل على أن الفاتحة كانت أول ما أنزل، بل فيه دلالة على أن جبريل خاطب الرسول غير مرة.. وهذا الحديث مرسل لا يقوى على مناهضة حديث عائشة المرفوع(16).

المهم أن الذي تسبب بهذه الفوضى هي الأحكام الفقهية التي ولدت بعد عصر البعثة بزمن طويل، فمع أن فاتحة الكتاب أحد أهم أركان الصلاة المفروضة إلا أنهم اجتهدوا قبالة هذه الحقيقة مما خلق فجوة تتيح لمن يريد تأخير نزولها إلى الطور المدني أن يقول ذلك دون خوف، ومن يريد أن يقدمها إلى الطور المكي يقول ذلك دون خوف، فبعدما اختلفوا فيما إذا كان يتعين للقراءة في الصلاة فاتحة الكتاب، أم تجزئ هي أو غيرها؟ فقال الإمام أبو حنيفة ومن وافقه من أصحابه وغيرهم: إنها لا تتعين، بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه في الصلاة، واحتجوا بعموم قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن}(17)، وبما ثبت في الصحيحين، من حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته أن رسول الله، قال له: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، قالوا: فأمره بقراءة ما تيسر، ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها، فدل على ما قلناه. وذهب آخرون إلى أنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، ولا تجزئ الصلاة بدونها، وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم وجمهور العلماء؛ واحتجوا على ذلك بحديث: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج"(18). واحتجوا أيضا بما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن".

ثم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم ذهبوا: أنه تجب قراءتها في كل ركعة. وقال آخرون: إنما تجب قراءتها في معظم الركعات، وقال الحسن وأكثر البصريين: إنما تجب قراءتها في ركعة واحدة من الصلوات، أخذا بمطلق الحديث: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: لا تتعين قراءتها، بل لو قرأ بغيرها أجزأه، لقوله: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن}(19).

وقد طُبِّق أسلوب التعليل على باقي الروايات للغاية نفسها، إذ هناك حديث عن جابر بن عبد الله، يذكر فيه أن (المدثر) هي أول ما أنزل من القرآن: حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الصمد حدثنا حرب حدثنا يحيى قال: سألت أبا سلمة أي القرآن أنزل أول؟ فقال: يا أيها المدثر، فقلت: أنبِئتُ أنه اقرأ باسم ربك الذي خلق، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل أول؟ فقال: يا أيها المدثر، فقلت، أنبئتُ أنه اقرأ باسم ربك الذي خلق، فقال: لا أخبرك إلا بما قال رسول الله، قال رسول الله: "جاورت في حراء، فلما قضيت جواري، هبطت فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، فإذا هو جالس على كرسي بين السماء والأرض، فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا علي ماء باردا، وأنزل علي يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر"(20).

حيث عللها العسقلاني بقوله: "المراد بالأولية في قوله " أول ما نزل سورة المدثر " أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي، أو مخصوصة بالأمر بالإنذار، لا أن المراد أنها أولية مطلقة، فكأن من قال: أول ما نزل اقرأ، أراد أولية مطلقة، ومن قال: إنها المدثر، أراد بقيد التصريح بالإرسال، قال الكرماني استخرج جابر " أول ما نزل يا أيها المدثر " باجتهاد وليس هو من روايته، والصحيح ما وقع في حديث عائشة، ويحتمل أن يكون قوله في هذه الرواية " فرأيت شيئا - أي جبريل - بحراء ، فقال لي : اقرأ فخفت ، فأتيت خديجة فقلت : دثروني فنزلت يا أيها المدثر " قلت : ويحتمل أن تكون الأولية في نزول يا أيها المدثر بقيد السبب، أي هي أول ما نزل من القرآن بسبب متقدم وهو ما وقع من التدثر الناشئ عن الرعب، وأما اقرأ فنزلت ابتداء بغير سبب متقدم(21).

وقال الطبرسي في تفسير سورة العلق: "وأكثر المفسرين على أن هذه السورة أول ما نزل من القرآن، وأول يوم نزل جبرائيل على رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو نائم على حراء، علمه خمس آيات من أول هذه السورة. وقيل أول ما نزل من القرآن قوله: (يا أيها المدثر) وقيل أول سورة نزلت على رسول الله فاتحة الكتاب(22). وبالتالي يتضح من هذه الخلاصة وهذا الإيجاز الشديد أن هناك أقوالا غاية في الغرابة، ولكنها اعتمدت مصدرا تشريعيا لبعض الفرق الإسلامية.

إن الخلاف في هذه الجزئية يمثل نموذجا للخلاف الذي استشرى بين المسلمين حول مباني العقيدة، والذي أسهم في خلق الكتل، التي صارت كل واحدة منها تسعى لتكون الكتلة الأكبر فيتسنى لها قيادة المجتمع حتى ولو قادته إلى النار! ولذا لا تستغربوا إذا ما كان السعي وراء تشكيل الكتلة الأكبر قد امتد إلى يومنا الحاضر طالما أنه يملك قوة الموروث.

 

صالح الطائي

.....................

هوامش

(1) الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، ج1/ص17، والسيوطي، الدر المنثور، ج1/ص6.

(2) الواحدي، أسباب النزول...

(3) السخاوي، جمال القراء وكمال الإقراء، ص5354.

(4) الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، ج1/ص17.

(5) السخاوي، جمال القراء وكمال الإقراء، ص5253.

(6) الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، ج1/ص1718.

(7) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1/ص101.

(8) الكرمي، مرعي بن يوسف بن أبي بكر، قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن، كتاب إلكتروني بدون ترقيم.

(9) البخاري، صحيح البخاري، ص87، حديث: 349.

(10) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج5/ص67.

(11) ينظر: موقع الإسلام سؤال وجواب، جواب: 143111.

(12) العسقلاني، ابن حجر، (ت: 852ه)، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، 1425ه 2004م. ج4/ص2247، ترجمة: 10011.

(13) ينظر: السخاوي، جمال القراء، ص115.

(14) السخاوي، المصدر نفسه، ص114115.

(15) البيهقي، دلائل النبوة، ج2/157158، السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج1/ص1920، والسيوطي، الخصائص الكبرى، ج2/ص119.

(16) الرومي دراسات في علوم القرآن، ص253.

(17) المزمل: 20.

(18) الخداج: الناقص.

(19) ينظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1/ ص108 109.

(20) العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن سورة المدثر، باب قوله: وربك فكبر، ص545546، حديث: 4640.

(21) العسقلاني، المصدر نفسه، ص456.

(22) الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج10/ ص306307.

 

ميثم الجنابيتقديم عام للبحث: إن إحدى القضايا الجوهرية الضرورية بالنسبة لتأسيس وعي الذات الثقافي والرؤية العقلانية، والنقدية الواقعية تفترض "تنقية" التراث مما علق به من تشويه متنوع الأشكال والمواقف، إضافة إلى "تفسيره" المعاصر بمعايير الماضي المتكلسة وبعض قيمه السقيمة. وهي المهمة التي أسعى لتحقيقها من خلال إعادة النظر النقدية بمختلف جوانب التاريخ العربي الإسلامي. وسلسلة المقالات والأبحاث التي اكتبها وانشرها تحت عناوين (شخصية ومصير) و(شخصيات من التراث) و(شخصيات صوفية) وغيرها ترمي الى هذه الغاية.

إن مهمة هذا النوع من الكتابة تقوم في حلّ التحنيط المذهبي والعقائدي للشخصيات التي لعبت دورا هائلا في إرساء أسس الثقافة العقلية والعقلانية، والعاملة من أجل تأسيس فكرة الحق والشرعية والنزعة الإنسانية وفكرة الحرية. إضافة إلى تأسيس نمط نوعي آخر في التعامل مع التراث وشخصياته. إذ أغلب ما يكتب بهذا الجانب من مقالات وأبحاث "لا تحصى" مجرد تكرار سمج وممل لمعلومات تطفح بها الكتب التقليدية. ومن ثم يمكن اختصار كل الف مقال وبحث في مقال وبحث واحد، وهذا بدوره مجرد استفراغ مباشر لما في بطون الكتب التاريخية!

بينما المهمة الحالية والمستقبلية تقوم في تحليل ونقد الشخصيات التاريخية الثقافية الكبرى من أجل إعادة دمجها في الذهنية المعاصرة. وهي مهمة تهدف بقدر واحد إلى إرساء أسس الرؤية النقدية والعقلانية تجاه الماضي لما له من أثر كبير بالنسبة لبلورة الوعي الاجتماعي والسياسي الحديث، وكذلك بالنسبة لبلورة وعي الذات الثقافي والقومي المعاصر.

إذ لم يتعرض التاريخ الإسلامي وتراثه الهائل إلى مخاض النقد العقلاني العميق والمتناسق والمنظومي. فالتيارات الدنيوية (العلمانية) أما لا تفقه فيه شيئا أو أنها تعتقد، لأسباب منهجية وسياسية مستلبة، بأنه غريب عنها بالقدر الذي هي غريبة عنه، مما أدى إلى تصنيع اغتراب مزدوج، ملأته "اجتهادات" الفكر الديني المعاصر "بحداثة" مفتعلة أو بنكوص أشد صوب بنية تقليدية أشد تحجرا. الأمر الذي أدى ويؤدي بصورة متزايدة إلى تشويه الوعي الاجتماعي بمختلف مجالاته ومستوياته.

وفيما يخص سفيان الثوري فقد حقق في ابداعه الفكري وحياته العملية احد النماذج المعتدلة والعميقة لنقد الاستبداد السياسي ومذاهب التفرقة والصراع غير العقلاني، أي أحد النماذج الكلاسيكية في مواجهة تقاليد الاستبداد والعنف الذي رافق صعود الخلافة الأموية أولا والعباسية لاحقا، ومن ثم في اغلب نماذج السلطة الإسلامية على امتداد زمنها. الأمر الذي جعل التاريخ الإسلامي يجري في شقين متوازيين ولكل منهما عالمه الخاص، ألا وهو زمن السلطة والسلطان، وتاريخ العقل والوجدان الصادق. إذ طغى زمن السلطة على مظاهر الحياة والعقائد والسلوك والإيمان، بينما بقي تاريخ الروح والعقل الحر يفعل في قاع الوعي النقدي والضمير الحي. وهي الحالة التي مازال العالم العربي يعاني منها، بمعنى عدم خروجه من "مرجعياتها" القذرة.

حدد كل ذلك ما يمكن دعوته بهيمنة وسيادة الفقه والابتذال الديني العقائدي لكل شيء من جانب الفكر الخنوع والمراوغ والرياء غير المحدود "لعلماء السوء" كما وصفهم الغزالي في عدد من مؤلفاته. وقد تكون مدارس الفقه الإسلامي السائدة (باستثناء نسبي لأبي حنيفة) وتيارات الكلام (باستثناء المعتزلة)، وتيارات الفكرة السياسية (باستثناء الخوارج والشيعة الأوائل، أو ما يطلق عليهم تسمية الروافض). اذ استجاب و"يستجيب" جميعها بصورة مباشرة عبر دعم مختلف أصناف الفكرة الداعية لتقديس الخليفة والخلافة والإمامة وعدم المساس بها رغم جلاء خروجها على أحكام الشريعة (القانون)، أو بصورة غير مباشرة من خلال التأسيس لما يسمى بسد "باب الاجتهاد" وتعظيم التقليد ومحاربة العقل أو التقليل من شأنه مقارنة "بالشرع"، والانتقاص والذم لمضمون ووظيفة العلوم النظرية والفلسفية والطبيعية، أي كل ما يؤدي إلى اخماد العقل النقدي والروح الحر والضمير الحي في مواجهة إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة والثقافة. وكان هذا في أغلبه من نصيب ما يسمى "بأهل السنّة والجماعة". فقد كان إلهها ومعبودها الخنوع أمام السلطة بشكل عام والجائرة بشكل خاص. بينما حقق التيار الآخر، أو ما اسميته بتيار التاريخ العقلي والوجدان الصادق، أي المخلص لمبادئ "الإيمان الحي"، الذي يمكن اعتبار سفيان الثوري وأمثاله أحد نماذجه الأولية الكبرى في التاريخ الثقافي لعالم الخلافة الإسلامية، أي كل ذلك الرعيل الذي بلور روح الثقافة الإسلامية الحية والكونية ونزوعها الإنساني والعقلي والعقلاني.

وما زالت هذه الحالة سائدة لحد الآن كما نراها في الكمية الهائلة من مزابل الفتاوى الحنبلية وبالأخص مزبلة ابن تيمية والوهابية المحدثة وما قبلها من وهابية البدو النجدية ومشايخ النكاح والسفاح، و"زعماء وقادة" الاستبداد والانحطاط.

***

سفيان الثوري- أصله ومنشأه وحياته الشخصية

هو ابو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري التميمي (97-161 للهجرة). ولد في الكوفة وتوفي في البصرة. وتربى في عائلة تتسم بالعلم والمعرفة والأدب الإسلامي الرفيع. فقد كان والده من محدثي الكوفة الثقات، ومن أصحاب الشعبي وخيثمة بن عبد الرحمن. وكلاهما من ثقات الحديث الكوفيين. كما يشار إلى أثر أمه في تربيته وسمو اخلاقه. إذ ينسب اليها مخاطبته اياه في نشأته الاولى:"اذهب فاطلب العلم حتى أعولك بمغزلي. فإذا كتبت عشرة أحاديث فانظر هل تجد في نفسك زيادة فاتبعه، وإلا فلا تتعن". وأثر كل ذلك على تربية حب المعرفة وطلب العلم وسمو الروح الاخلاقي. فقد قام برحلات عديدة الى مختلف مناطق الخلافة من اجل طلب العلم والعرفة. بحيث قال عن نفسه مرة انه حالما أراد طلب العلم، فانه خاطب ربه قائلا:يا رب! لا بد لي من معيشة!" ووجد جوابه في رؤيته عن تلاشي واندثار العلم فقرر البحث عنه وفيه. ووجد في ذلك كفاية الكفايات. وهكذا ظل كما يقول عن نفسه مدى الحياة. وفي مجراها كانت حياته تترامى ما بين العمل والهروب من السلطة والعيش بمعايير المعرفة والعلم. وليس مصادفة أن يقال عنه بانه كان نموذجا لوحدة العلم والعمل. فقد كانت حياته علمه، وعلمه عمله.

حقق سفيان الثوري في ذاته وحياته ومماته الخصائص الجوهرية للكوفة في مراحل صعودها وصمودها في الصراع الدامي لصيرورة الخلافة العربية الإسلامية. فقد كانت هي صانعة القواعد الأولية للتفكير السياسي والروح النقدي واللغة العربية، أي المكونات الجوهرية المميزة لمراحل الانتقال الكبرى في تاريخ الإسلام وعقوله الثقافية، أو ما ادعوه باللحظة التأسيسية للتاريخ الذاتي.

وهذا بدوره لم يكن معزلا عن تاريخ وحالة التشيع المميزة للكوفة التي نشأ بها وترعرع. وبغض النظر عن ابتعاده ونقد للأبعاد المذهبية الضيقة في التشيع العملي، إلا أن وهج المواجهة النقدية والعملية والسياسية للطغيان والاستبداد كان محكوما بأثر التشيع. اما الأحكام القائلة بانه ترك التشيع حالما ذهب إلى البصرة متأثرا بأيوب السختياني وعبد الله بن عون فلا نصيب لها من الصحة. لقد كان ذلك بأثر تطوره الفكري العقلي والروحي والعملي الذي اوصله الى صيغة متميزة في الموقف من الاعتدال والتسامح والتشدد والوحدة والوسطية.

فللمدن تاريخها الخاص واثرها المخصوص في صيرورة شخصياتها الكبرى، تماما بالقدر الذي تتكامل هي في علمها وعملها وخيالها الشعبي باثر دورهم الظاهري والباطني في كينونتها التاريخية الثقافية. إذ كانت الكوفة من حيث صيرورتها الاولية الكف الذي لم يستطع الاستبداد الاموي كسر اصابعه، بل تحول الى كفوف تتراءى من خلالها انكفاء السلطة وراء العنف والقهر والاستبداد، ومن ثم التمتع من وراء هذا الستار الواقي للروح بالعزف على اوتار قصائد التحدي وعزة المروءة والفتوة. فقد كانت الكوفة في ذروة فتوتها العقلية والعلمية والروحية والسياسية. إذ مرت بذبذباتها المميزة لمراحل الانتقال العاصفة في تاريخ الخلافة من مقتل الحسين بوصفها الهزيمة الروحية الكبرى لفكرة الحق في التاريخ الاسلامي الأول الى اعادة الاعتبار للنفس بعد هذه الهزيمة في انتصار شعار وفكرة الثأر للروح الخذول كما جسدتها ثورة المختار الثقفي. لهذا أمتلئ كيانه وكينونته باثر هذا التاريخ المرير والجليل. فقد ولد هو في نهاية القرن الاول للهجرة فيها، كما ولد المختار الثقفي في بدايته. لقد كان ذلك قرن العظمة والانحطاط، الذي كسر واعاد لحم انكساراته في شخصياته الكبرى وابداعهم النظري وسلوكهم العملي. بحيث وجد تعبيره في شخصية سفيان الثوري. فقد نشأ في كوفة الروح والمعنى. إذ كانت الكوفة في ذلك العصر ليس فقط مركزاً من مراكز العلم، بل ومركز الرفض الروحي والاخلاقي والسياسي للاستبداد وانحراف الخلافة صوب الملوكية، والشورى صوب الاستبداد السلطوي. وفي هذا يكمن سر الروح المعارض لسفيان الثوري. إذ أرست فيه الكوفة وتقاليد التشيع الاول روح التحدي والمواجهة للسلطة حتى النهاية. لكنه سلك ذلك بطريقته الخاصة بوصفه مثقف الروح الحر والاخلاص للحق والحقيقة

جسّد سفيان الثوري احدى الحالات المأساوية في تاريخ فكرة الحق والدولة والسلطة. والقضية هنا ليست فقط في نوعية حياته المتخفية والمشردة والطريدة والسرية، وموته المخفي عن عيون الانام والانعام، بقدر ما كانت تكمن في تعرض الدور التأسيسي لفكرة الحق الشرعي والاجتهاد الحر والنزعة الاخلاقية الصارمة الى مهانة قاسية من جانب السلطة. فالروايات المحققة بهذا الصدد تقول، بانه حالما مات سفيان جرى بالليل للدفن خوفا من تتبع عيون السلطان. فحملناه بالليل". ليس ذلك فحسب، بل وجرى دفنه بسرعة بحيث لم يشهد دفنه بالصلاة عليه!!. وقد كانت تلك خاتمة العلاقة التي اختتم بها حياته الفردية والعامة، اي حياته الشخصية وعلاقته بالدولة وسلطانها واعوانها. فقد هرب اخر حياته الى البصرة وعمل بالبساتين. وتنقل احدى الروايات كيف ان الطبيب الذي فحصه وهو في مرضه قائلا: "أرى بول رجل قد احرّ الخوف كبده والحزن جوفه"، وفي رواية اخرى عن احد المقربين منه قال فيها "مرض سفيان فذهبت بمائه إلى الطبيب فقال: هذا بول راهب، هذا رجل قد فتت الحزن كبده، ما له دواء".

اذ اختفى وتخفى سفيان الثوري اواخر حياته نحو سنة هربا من السلطة. وتنقل لنا الروايات المحققة بهذا الصدد الحالة المحزنة والفريدة في غياب الشخصية الفكرية الرفيعة التي ابت الخنوع والانكسار وفضلت الاختفاء بالجسد والبقاء بالروح. بمعنى البقاء والمواقف مع النفس والعالم بمعايير الاخلاص للحق. وتنقل لنا الراوية المشهد التالي: غدونا على قبره ومعنا جرير بن حازم، وسلام بن مسكين من أئمة العلم. فتقدم جرير وصلى على قبره ثم بكى وقال:

إذا بكيت على ميت لمكرمة    فابك غداة على الثوري سفيان

وسكت، فقال عبد الله بن الصرباح:

أبكي عليه وقد ولى وسؤدده       وفـــضله ناظر كالغســل ريان

لقد بكاه ذوي الاخلاص وطير الخلاص، كما نعثر عليه في احدى الصور الواقعية التي قد لا تخلو من الخيال المرهف والرمزية المتسامية، التي تحكي كيف انه شاهد بلبلا محبوسا لابن صاحبه فقال له:

- لو خلى عنه!

- هو لابني. وهو يهبه لك

- لا! ولكن اعطيه دينارا

فأخذه وخلى عنه. فكان البلبل يذهب فيرعى ويجيئ بالعشى. فيكون في ناحية البيت. فلما مات سفيان تبع جنازته فكان يضطرب على قبره. ثم اختلف اليه بعد ذلك ليالي الى قبره. فكان ربما بات عليه وربما رجع الى البيت. ثم وجوده ميتا عند قبره فدفن الى جنبه وقبل معه في القبر.

اننا نعثر في هذه الصورة الواقعية - الخيالية على رمزية الحرية والأنا المتسامية، أي كل ما لازم شخصيته. أما لماذا جرت هذه الحالة التي تبدو في كل مكوناتها سلوكا معارضا ومضادا لعلاقة الإسلام ومنطق الحق، فإن سببها يكمن أولا وقبل كل شيء في طبيعة السلطة ونوعية تبلورها في ظل الهيمنة الأموية التي حرفت مسار التاريخ المحتمل للخلافة بكل ما فيه، مع ما ترتب عليه من حالة وضعها سفيان الثوري في عبارة تقول "هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان!"

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

عدنان عويدما هو الإسلام الذي نريده؟. أو ماذا يريد منا الإسلام الصحيح؟.

يتبين معنا من كل ما جئنا إليه في هذه الدراسة من رؤى وأفكار ومواقف أيديولوجية أو سياسية دينية تتعلق بالخطاب الإسلامي وتياراته، أو طبيعة الصراع الذي دار ولم يزل دائراً بين ممثلي هذه التيارات الفقهية والمذهبية والكلامية حتى هذا التاريخ، والذي كان سببه كما بينا في موقع سابق من هذه الدراسة هي السلطة أو الخلافة ممثلة بمصالح الطبقة الحاكمة وفقهائها ممن في قلوبهم زيغ، الذين اتكأوا على الآيات المتشابهات كثيراً، بغية الفتنة وتأويل النص لمصالح أنانية ضيقة، ضاربين عرض الحائط مضمون الآية السابعة من سورة آل عمران التي جعلنا منها منطلقاً لهذه الدراسة، ومتناسين أيضاً حديث الرسول الذي يلتقي مع هذه الآية وهو: (القرآن ذلول ذو وجوه متعددة، فخذوه على وجهه الحسن.). وهذا في الحقيقة ما يبعث فينا التساؤل عن طبيعة الإسلام الذي نريده، أو ماذا يريد منا الإسلام الصحيح؟. وما هي مقاصده وأهدافه التي نطمح إلى تجسيدها في واقعنا كي نتجاوز واقعنا المتخلف حضارياً، ووعي أبنائه الذي سيطرت عليه الثقافة الشفوية بلبوسها الفقهي السلفي المفوّت حضارياً وتاريخياً بسبب رفض الكثير من دعاته فتح باب الاجتهاد، منذ أن رُسمت لنا هذه الثقافة وجُذرت في وعينا مع نهاية النصف الأول للقرن الثاني للهجرة، (تاريخاً، وفقهاً، وعلم كلام، وتفسيراً ومغازي وحديثاً). أي مع بداية ما سمي بعصر التدوين في تاريخ الدولة الإسلامية، والذي حقق في معطياته الثقافية ورجاله صفة التقديس، بل إن النص المقدس نفسه (القرآن) تنحى عند بعض مريدي مشايخ ذاك العصر أمام ما أقره مشايخ الفكر والفقه السلفي التكفيري من السنة والشيعة من دعاة الفرقة الناجية سابقاً.

تستوقفني هنا مقولة رائعة في دلالاتها للمصلح الديني الكبير " مارتن لوثر" تقول: (لا يمكنني أن أتحمل أية قاعدة أو صيغة جاهزة يُفرض علينا التقيد بها من أجل تفسير الكتابات المقدسة، ذلك أن كلام الله الذي يُعَلِمْ كل حرية لا يمكن أن يكون سجيناً.).

وهذه المقولة لها ما يؤكد جوهرها الفكري في الآية القرآنية التالية : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.). (البقرة -260).

نعم.. إن مثل قول "مارتبن لوثر" في الدعوة لحرية الرأي والعقل، ورفض اليقين حتى في العقيدة، كان وراء ثورة دينة حطمت كل التفكير اللاهوتي السكوني الجبري المعادي للدين والمتدينين، بعد أن حُجر على النص المقدس وعلى إرادة وحرية الإنسان معاً مئات السنين، فكان وراء تحرير النص وحرية الإنسان وإرادته تطور العالم الحر ووصوله إلى مصاف التقدم والرقي في مجال استخدام العقل. الذي أمرنا الله نحن المسلمين أن نأخذ به كما جاء في الآية التالية : (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ). (الأعراف - 179). إلا أن هذا التقدم والرقي بنظر رجال الفكر السلفي من دعاة الفرقة الناجية والحاكمية، لم يزل ينظر إليه حتى اليوم فكر زناديق وكفرة، كونه لم يفتتح برضى الشريعة الإسلامية أو وفق فهم دعاة أصحاب الفرقة الناجية لها. وهذا في الحقيقة ما يدعونا نحن أمام هذا الحجر ذاته الذي يمارس على عقولنا وإراداتنا منذ مئات السنين، أن نحقق ثورة حقيقة في خطابنا الإسلامي التقليدي الوثوقي الذي أوقف باب الاجتهاد وجعل الواقع مرتبطاً بما حدده لنا فقهاء الفرقة الناجية، الذين اعتبروا كل ما يوافق العقيدة والشرع في خطابنا الإسلامي الذي (فهموه هم) بأنه حلال وشرعي ومباح، وكل ما يخالف فهمهم حرام ومنافي للشرع ومحرم، وبالتالي هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

إن أول وأهم أسس هذه الثورة التي نريد تجديد خطابنا الاسلامي عبرها هي : رد الاعتبار للإيمان الصحيح المبني على العقل وحرية التفكير والاعتقاد بعيداً عن أي قسر أو إكراه، (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي). (البقرة – 256). .. (قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل.). (يونس – 108). أو الرضوخ لأي تقليد أعمى يفرضه عليك الآخرون دون النظر فيه ومعرفة مدى قدرته على تحقيق مصالح الناس وموافقته لخصوصيات العصر، أو المرحلة التاريخية المعيوشة.

إن مثل هذا التأسيس سيعمل ويجب أن يعمل على تأكيد أهمية الفرد واستقلاليته الذاتية بعيداً عن أية نمذجة لهما وفقاً لقياس المذاهب والمدارس الفقهية والفكرية السكونيّة الرافضة للتغير والتطور، والمكفرة للمختلف والداعية إلى قتله وتحليل دمه وماله باسم الفرقة الناجية، هذه المذاهب الجمودية في رؤيتها التي أوقفت حركة التاريخ لمصلحة فهمهم للنص المقدس في مراحل زمنية تجاوزها التاريخ نفسه فكراً وممارسة وقضايا، فرضت على وعي المؤمن صورة لخالق هذا الكون، بأنه لا يعرف إلا النار وجهنم والعقاب الصارم في كل لحظة... صورة الإله الذي يحاصر المؤمن بالخطيئة والذنب إلى درجة لا يترك له أملاً في هذه الحياة، متناسين قوله تعالى: (إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون.). يونس. (44).

إن التأسيس الذي جئنا عليه هو الذي سيفتح النص المقدس على كل دلالاته الإنسانية بعد أن يتم البحث في مخزونه الإنساني وقيمه الروحية القائمة على المحبة والعدل والمساواة، وذلك لا يتم إلا من خلال أخذنا واستلهامنا مضامين الآيات المحكمات من القرآن الكريم. وبعيداً عن التعامل بمزاجية ومصلحية مع ما نسخ منه وما لم ينسخ، كما حاول أصحاب الفرقة الناجية التعامل معه، فالذي نسخ الآيات وبدلها هو الله، والله يقول في الآية السابعة من آل عمران كما بينا سابقاً، إن هناك آيات محكمات وأخر متشابهات، والراسخون في العلم يقولن آمنا بها وكلها من عند الله، ولم يقولوا ننسخها ونؤولها كما نريد وكما يريد أصحاب من في قلوبهم زيغ. بل يقولون علينا أن نأخذ بالآيات التي تدلنا على العدل والمحبة والمساواة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعلينا أن ننظر دائماً إلى روح النصوص المشبعة بالإنسانية وليس النصوص المشبعة بالقتل والذبح وحصار الاخرين أطفالاً ونساءً وشيوخاً، و وحصارهم وتجويعهم فقط لآنهم لا يلتقون معهم في فهم الدين. وعلينا أيضاً أن نقر بأن الأحكام تتجدد بتجدد الأزمان، لا كما يقول بعض المتكلمين من هذا التيار الجمودي: (بأن النص ينطق ولا يستنطق.). وعلينا أن نفتح باب الاجتهاد على مصراعيه كي يتفق هذا الدين العظيم مع تطور الواقع الذي نزل أساساً من أجل تغييره، وما تجربة "عمر بن الخطاب " في الاجتهاد في عام الرمادة والمؤلفة قلوبهم وتوزيع أراضي السواد، إلا دليلاً على هذا الموقف العقلاني من النص الديني وإمكانية فتحه على كل مخزونه الإنساني. وهذا حديث للرسول يتوافق والفهم الحقيقي للدين وقابليته لفتح باب الاجتهاد، حيث يقول الرسول: (من سن سنة في الإسلام حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن يُنتقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده دون أن يُنتقص من وزرها شيء.). (عن أبي هريرة –رواه مسلم).

من هذا المنطلق العقلاني في تعاملنا مع النص المقدس وما أحاديث الرسول المتفقة مع هذا النص، ومع الرؤى الفكرية العقلانية التنويرية لفلاسفة ومشايخ الدين العقلانيين كابن رشد والفارابي وابن حزم وابن خلدون ومحمد عبدو والأفغاني والكواكبي وعلي عبد الرازق وماجد الغرباوي وغير هم الكثير ماضياً وحاضراً، ستولد حركة فكرية نقدية تجديدية تعطي الأهمية أولاً للعقل وللتجربة الحياتية المباشرة للفرد والمجتمع. إن مثل هذا التأسيس سيؤدي في نهاية المطاف إلى بناء الدولة العقلانية القائمة على فكرة المواطنة والمؤسسات والقانون والمشاركة السياسية وفقاً لـ (وأمرهم شورى بينهم)، ووفقاً لما قال به أول خليفة وهو "أبو بكر" : (وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني.). أو كما قال الخليفة الثاني "عمر بن الخطاب": (إن رأيتهم فيّ اعوجاجاً فقوموني.). وليس بناء الدولة القائمة على الملك العضوض أو خلافة حاكمية الفرقة الناجية التي تقول بأن أصحابها هم النخبة التي اختارها الله فقط لتحقيق شريعة الله على هذه الأرض.

إن الإسلام الذي نريده في نهاية المطاف، هو الإسلام المبني على كل ما جئنا إليه أعلاه، وهو الذي كونه يساهم في توسيع دائرة المباح بما يخدم حياة الإنسان وتطوره، وتقليص دائرة الإلزام التي تحجر على حرية الإنسان وإرادة وتضييق مصالحه وحاجاته الإنسانية، وتعمل على سجن النص المقدس نفسه والإنسان معاً بقوالب فكرية جاهزة تجاوز الزمن الكثير منها فكراً وممارسةً، دون أن نغفل أو ننكر أن هناك مواقف فقهيةً عقلانيةً بين طيات كتب فقهاء السلفية، لها أهميتها، وعلينا تبنيها والأخذ بها طالما هي تعتمد على العقل والمنطق، كما علينا أن نقدر لهؤلاء الفقهاء والمتكلمين تلك الجهود العظيمة في عملهم الشاق والدؤوب في تأصيل علوم الدين وفي مقدمتها قواعد وأصول الفقه، في مرحلة تاريخية حلت فيها الفوضى الفقهية ودخول الدين عبر تفسيره وتاويله الكثير من الرؤى والأفكار الغريبة عن الدين بسبب ثقافات الشعوب الكثيرة التي انضوت تحت مظلة الخلافة الإسلامية وراح مفكروها ورجال دينها يمارسون الشعوبية على العرب والإسلام معاً.

علينا أن نقدر جهود كل من عمل من فقهاء ومتكلمين وفلاسفة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، على الخروج من دائرة (القياس الجزئي على الجزئي). إلى دائرة (القياس الجزئي على الكلي أو العام) كما فعل "ابن حزم". أو من طور في مفهوم الاجماع، ولم يعد يقتصره على علماء أهل المدينة فقط، بل فتح الباب التاريخي له فهناك من رجال الدين وعلمائه المعاصرين من أكتسب معارف العصر بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية وراح يوظف هذه المعارف في خدمة النص الديني كي يوافق خصوصيات العصر ومصالح الناس المتطورة والمتبدلة، أو أعاد قراءة الحديث من جديد وعمل على تناول كل حديث يتفق ورح الآيات المحكمات، أو روح العلم والمنطق والعقل، رافضاً تقديس ما قدسه أهل الفرقة الناجية، وكل ما يقف عائقاً أمام حرية العقل والإرادة الإنسانية أو مستخدماً قواعد واصول الفقه الفرعية مثل المصالح المرسلة، والاستحسان، وسد الذرائع، ومراعات الخلاف، واعتماد المصلحة وتقديمها، وغيرها من القواعد والأصول، التي فسحت في المجال واسعاً أمام الراي واحترام العقل والإنسان ومصالحه الخيرة. ففي مثل هذا التوجه، سيرتفع سقف التكاليف فوق فضاء واسع من الحرية واحترام الآخر، واحترام العقل الإنساني دون أن ينتقص ذلك من حرارة الإيمان بالله شيئاً.

إن الله عز شأنه يريد بالناس اليسر ولا يريد بهم العسر. وبالتالي حد الدين من التنطع في الدين، وهذا ما أشار إليه حديث الرسول الكريم أيضاً بقوله: (إن أعظم المسلمين بالمسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم عليه، فحرم عليهم من أجل مسألته.). (رواه مسلم).. أو قول الرسول أيضاً : (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وعفا عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا فيها.). [حديث حسن، رواه الدارقطني في سننه:].

نعم الأصل في الأشياء الاباحة كما تقول القاعدة الفقهية. وأهم شيء في هذا الأصل هو تأكيد حرية الإنسان من أجل تحقيق مقاصد الدين الحقيقة في بناء الفرد والمجتمع والدولة وفقاً لحاجات الزمان والمكان.

إن حاجات الإنسان ليس لها حدود، فالإنسان أساساً هو مركب حاجات مادية ومعنوية/ روحية، وتنميتها تأتي وفقاً لمفاهيم العدل والمساواة والمحبة بين الناس، التي يفرضها تطور الزمان أيضاً، فجوهر العدل والمساواة والمحبة واحد، وجوهر كل القيم النبيلة واحد، إن كان ما جاء به النص المقدس، أو وفقاً لما يراه العقد الاجتماعي، والناس أدرى بأمور دنياها كما يقول الرسول. نعم إن الناس أدرى بشؤون دنياهم، ومصالحهم تتحقق عبر التداول أو التشاور بينهم، والشورى في التعبير السياسي المعاصر هي الديمقراطية، والديمقراطية مشاركة في بناء المجتمع وتداول سلطة، وليست قميص عثمان. فهذا كتاب الله يعلمنا الشورى وتداول الراي حيث تقول الآية الكريمة على لسان بلقيس: (قالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ. إنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ.). (النمل – 29 حتى 33).

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحت من ديرالزور- سورية

.............................

1- د.فرج فوده- الحقيقة الغائبة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- 1992- ص 65

2- - عبد الجواد ياسين- السلطة في الإسلام – المركز الثقافي اعربي – ط1- 1998- ص 284.

3 -عبد الجواد- المرجع نفسه- ص 291.

4- عبد الجواد ياسين – المرجع نفسه- ص 291.

5- حسن ابراهيم حسن – تاريخ الإسلام- ج1- ص 410.

6- عبد الجواد ياسين – مرجع سابق- ص 27.

7- أبو يعلي الفراء- الأحكام السلطانية- دار الكتب العلمية بيروت- 1983- ص 20. يراجع أيضاً عزيز العظمة- العلمانية من منظور مختلف-ص 42.

8- التفتزاني- شرح العقائد النسفية- ص448.

9- التفتزاني- شرح العقائد النسفية- ص448.

10 - فرج فودة – الحقيقة الغائبة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- ص58. نقلاً عن السيوطي –ص82 .

11- فرج فودة – الحقيقة الغائبة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- ص58. نقلاً عن الطبري. ج2- ص 108 و109.

12- يراجع موضوع القضاء والقدر عند السلفية كتاب (القضاء والقدر)- تأليف عبد الحليم محمد قنبس، ووخالد محمد العكك- دار التاب العربي –دمشق دون تاريخ نشر.

13- محمد سعيد العشماوي- الإسلام والسياسة- سينا للنشر – 1987-ص80 وما بعد.

14 -عبد الجواد ياسين مرجع سابق. ص128.

15- جواد ياسين المرجع نفسه- ص128.

16- جواد الياسين – السلطة في الإسلام- مرجع سابق. - ص 69

17- قول معوية وأبي جعفر – جواد ياسين مرجع سابق.

18- أحمد امين فجر الإسلام – ج دار التاب العربي- بيروت -1969- ج3- ص 380 وما بعد.

19- يراجع عن مسألة القضاء والقدر وحرية الإنسان (ونظرية البداء) – كتاب – آية الله الشهيد المطهري- الإنسان والقدر- منظمة الإعلام الإسلامي 1303هـ.

20- أحمد امين فجر الإسلام –مصدر سابق- ص267.

21- فجر الإسلام المرجع ذاته- ص 263.

22- نهج البلاغة – بيروت- 1982- راجع من ص477 حتى 479.آخر الجزء الثاني.

23- أميل توما- الحركات الاجتماعية في الإسلام – الفارابي- بيروت- 1981- ص 101.

24- أحمد أمين – ضحى الإسلام- دار الكتاب العربي- بيروت- 1969- ص173.

.

عدنان عويدالإشكالات الفكرية، عقيدة وفقهاً في الخطاب الإسلامي السلفي:

دعونا بدية نشير إلى مسألة على غاية من الأهمية تتعلق بمن جعلوا من أنفسهم حماة الدين والمعبرين عن وجهه الصحيح، حتى وصل الأمر إلى اعتبار بعضهم أنهم وحدهم من امتلك ناصية الحقيقة في فهم الدين والتعبير عنه، ووصل ما قالوه أو أفتوا به أو فسروه أو أولوه كذلك عند مريديهم إلى درجة التقديس.

نقول: من السقيفة ظهر علينا التزوير والانتحال والتقول على لسان الرسول في أهم مسألة في الخطاب الإسلامي وهي مسألة (الخلافة)، التي حصرها بعض المتصارعين على السلطة في السقيفة بأنها في قريش فقط، ليأتي فيما بعد من يضع الأحاديث في هذا الشأن خدمة للبيت الأموي والعباسي. فقد جاء في الصحيحين عند مسلم والبخاري: (لايزال هذا الأمر في قريش ما تبقى من الناس إثنان)، وهذا الحديث في الحقيقة يخالف تعاليم الإسلام من جهتين. الأولى: بأن الإسلام لم يحدد طبيعة الحكم وشكله ونظامه. والثانية: لأن الله سبحانه وتعالي يقول (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (13 - الحجرات) وكذلك قول الرسول: (لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى.). (رواه أحمد والطبراني). وهذا الخليفة عمر ابن الخطاب يؤكد ذلك في حديث له كما تذكر المصادر التاريخية بقوله: (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لوليته.). (1). فمسألة الأخذ بكل حديث وفقاً للسند وليس للمتن، ترك إشكالات ليس لها حدود في الخطاب الإسلامي. فكيف نستطيع التصديق مثلاً بأن كل ما جاء في الصحيحين صحيح لا غبار عليه حتى يتحول في المحصلة كل ما فيهما من أحاديث إلى نصوص مقدسة؟. فلنتابع مع النووي حديثه عن الصحيحين ونضعهما في ميزان العقل والمنطق ونرى مدى توافق ما قيل عن الصحيحين وقوانين العقل . يذكر النووي في التغريب: (ذكر الشيخ ابن صلاح أن ما روياه أو أحدهما مقطوع بصحته. والعلم القطعي حاصل.).. كما زعم إمام الحرمين "الجوني" إجماع علماء المسلمين على ذلك وقال: (لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن كل ما في الصحيحين مما حكما بصحته من قول النبي (ص)، لما ألزمه الطلاق.). ويذكر السيوطي أن قول ابن صلاح هذا قول أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة وأكثر أهل الكلام من الأشعرية والشافعية كأبي اسحق وأبي حامد السفراييني والقاضي أبو الطيب وأبي اسحق الشيرازي، ومن الحنفية كالسرخس، ومن المالكية كالقاضي عبد الوهاب، ومن الحنابلة كأبي يعلي وابن الخطاب وابن الغفران.). (2). والملفت للنظر في كيفية جمع "البخاري" للحديث تجعلنا نقف كثيراً عند صحة ما جاء في صحيحه، حيث يذكر "محمد بن الأزهر السجستاني" بأنه: (كنا في مجلس سليمان بن حرب والبخاري معنا يسمع ولا يكتب. فقيل لبعضهم ماله لا يكتب، فقال أحدهم: يرجع إلى بخارى ويكتب من حفظه). (3) .وقد روى الخطيب البغدادي عن البخاري قوله: رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته في مصر ، فقيل له يا أبا عبد الله، بتمامه؟. فسكت.) (4). وتذكر المصادر بأن البخاري قد جمع 7275 حديثاً، بما فيها المكرر، ولو حذف المكرر لظل 4000 حديثاً، وقد اختارها من300000 حديث. (5).

أما ما هو أخطر من هذه المسألة بالنسبة لدور بعض رجال الدين وعلمائه، هو موقفهم من السلطات الظالمة والفاسدة، من حيث تبرير فسادهم وظلمهم وعدم الاحتجاج على الحاكم والاعتراض على حكمه، تحت ذريعة إبعاد البلاد عن الفتنة، بينما نجدهم وأتباعهم يسلطون سيوف التهديد والوعيد للناس الضعفاء من العامة إذا ما أخطأ أحدهم أو ارتكب ذنب لا يقره الشرع وفق فهمهم هم له.

بعد عصر التدوين الحقيقي ، بعد 145 عاماً من الهجرة كما يذكر السيوطي نقلاً عن الذهبي فيما يتعلق بعصر التدوين وبدايته، حيث راحت كتب الفقه والسير والمغازي والتاريخ تدون. (6). علماً أن التدوين في معظم حالاته كان برأيي هو أقلام السلطة قبل أن يكون للحقيقة أو للدين كما أشرت قبل قليل.. فهذا بعض ما كتب عن موقف الفقهاء من الخلافة والخلفاء وتبرير حكمهم حتى لوكان فاسداً وظالماً.

يقول ابن حنبل: (السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين، البر والفاجر، ومن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين). (7). أما الأشاعرة فهذا الباقلاني يقول: (إن حدوث الفسق في الإمام بعد العقد له لا يوجب خلعه، وإن كان مما لو حدث عند ابتداء العقد لبطل العقد له.). (8) . أما النسفي وهو من الماتريدية فيقر بصراحة: (بأن الحاكم لا ينعزل بالفسق. أي بالخروج عن طاعة الله تعالى والجور، أي الظلم على عباد الله تعالى، لأنه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الرشدين والسلف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم.).(9). وهذا موقف آخر لرجال الدين الذين في قلوبهم زيغ يذكره السيوطي في (تاريخ الخلفاء)، عن الخليفة "يزيد بن عبد الملك"، وهو الذي ملأ الدينا مغاني وشراباً ومجنوناً وخلاعة طوال أربع سنوات حكمه، بأنه عندما ولي الخلافة جاء بأربعين شيخاً فشهدوا له بأن ما على الخليفة حساب ولا عقاب.). (10).

فعلى هذه المواقف الفقهية التي يدلي بها فقهاء السلطان، تضيع القيم الأساسية للدين الحنيف، وتتحول المسائل الفقهية من دائرة محاربة الفساد وحل قضايا الناس، إلى دائرة تبريره من خلال التلاعب بالنص المقدس ابتغاء تحقيق مصالح خاصة، أو التوجه نحو فقه الحيض والنفاس.

دعونا هنا نأخذ مثالاً عن مواقف بعض الصحابة الذين يعتبرون من الثقات لدى أهل الحديث، وهو أحد العبادلة الأربعة " عبد الله بن عباس" ابن عم النبي. وهو الذي كلفه علىّ ولاية البصرة في العراق، وبعد فترة من ولايته بلغ عليّ أن عبد الله تطاول على بيت مال المسلمين في البصرة، فأرسل عليّ يستوضح الأمر ويطلب من عبد الله أن يقدم له حساباً عن أموال بيت المسلمين، إلا أن عبد الله رفض، وبعد عدة رسائل متبادلة يقوم عبد الله بأخذ ما تبقى في بيت مال المسلمين في البصرة وقدره كما يذكر الطبري (ستتة ملاين درهم). ثم يهرب إلى مكة ويشتري داراً وثلاث جاريات من حور العين. وعندما ألح عليه عليّ أخيراً برد المال، أرسل لعلي يقول له: (لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملن هذا المال إلى معاوية يقاتلك به.).(11).

والأمر هنا برأي على درجة عالية من الخطورة في مسألة مصداقية كل الأحاديث التي رويت عن عبد الله بن عباس، ولو صحت هذه الرواية، أو كانت حقيقية!. فالذي يعتبر المطالبة بمال المسلمين من قبل علي هي أساطير، والذي يحلل لنفسه أموال المسلمين، كيف سيكون موقفه من الدين الحنيف، وأي مصداقية هذه ترتجى منه.؟!. هذا مع تأكيدي هنا أن التاريخ هو أقلام السلطة.

أما لوعدنا إلى المتكلمين وأصحاب المنطق والرأي من رجال دين وفقهاء ومتكلمين، لوجدنا تلك التناقضات والصراعات العجيبة حول تفسير آيات القرآن وتأويله، فيما يتعلق بوحدانية الله وقدمه وخلقه ومشيئته وعدله، وفي قضائه وقدره، وفي مرتكب الكبيرة ، وفي تحسين العمل وتقبيحه، وهي صراعات أودت بحياة الكثير منهم، مثلما أدت إلى خلق أحزاب ومذاهب وتيارات فكرية راحت تكفر بعضها وتحلل دماء وأموال بعضها، وكل منها تقول بأنها هي من يمثل الإسلام الصحيح، والمؤسف أن أكثر هذه الفرق والمذاهب قائمة حتى هذا التاريخ.

ماهي أبرز الفرق والمذاهب الإسلامية واختلافاتها:

التيار السلفي:

لقد اتفق السلفية جميهم (حنابلة وأشاعرة ومالكية وشافعية وما تريديّة، واليوم الوهابية وغيرهم). وأكدوا على صفات الله كما جاءت في القرآن، وكما أثبتها الله عن نفسه في القرآن والسنة، فيثبتون له كل ما ثبته لنفسه من الأسماء والصفات بتسليم مطلق دون نقاش أو إبداء رأي فيها. عدا الأشاعرة منهم الذين قسموا هذه الصفات بين صفات خبرية وصفات معنوية، وقالوا إن الصفات المعنوية هي الخلق والقدرة والإرادة والبصر والسمع والكلام، وهي صفات ترتبط بذات الله أو هي عينه. أما الصفات الخبرية فموقفهم منها لا يختلف عن بقية القوى السلفية الأخرى. والسلفية يتجنبون التشبيه، (ليس كمثله شيء)، وفي قولهم بالصفات أرادوا الوصول إلى القول بالتوحيد، وبأن الله قادر على كل شيء وله الأمر بكل شيء، وبالتالي ليس للإنسان حرية أو إرادة على الاختيار والفعل دون أمر الله، على الرغم من أن الأشاعرة حاولوا الخروج عن هذه المسألة قليلاً، أي في مسألة القضاء والقدر بطرحهم نظرية (الكسب)، والتي فحواها أن القضاء والقدر بيد الله وحده، ولكن الناس يمارسون أفعالهم بأنفسهم وفقاً للإرادة التي أجراها الله في نفوسهم.(12). ممثلة هذه الإرادة بحديث النفس لدى الإنسان وليس تقريراً لعقله أو إرادته الحرة. وهم بذلك كما يقول ابن تيمية: (حاول أبو حسن الأشعري الخروج من الجبر فوقع فيه). كما يرى التيار السلفي أن الخير والشر من عند الله (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.). (التوبة -51 - 52). كما يقولون بان علم الله أزلي أحاط بكل شيء ، وكل شيء عنده في لوح محفوظ. وهم يميزون بين المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية، فما أراده الله للكون خلقه بكل ما فيه وهو دائماً في خلق مستمر، وما أراده شرعاً فهو أمر فيه الخير وفيه الشر، دعا عباده إليه فعلوه أم لم يفعلوه. وهم يقولون أيضاً بأن الإيمان هو قول اللسان وإخلاص القلب وعمل الجوارح، ولا قول ولا إخلاص ولا عمل إلا بنية، ولا نية ولا قول ولا إخلاص ولا عمل إلا بموافقة السنة. والسلفية عدا (الجهادية) لا يكفرون أحداً بذنب او معصية إلا أن يزول أصل الإيمان الذي أقرته السنة. ومرتكب الذنب عندهم ومنهم الأشاعرة زنديق حتى يتوب، وهو سيعذب في جهنم بحسب ذنبه. لقد أنكرت السلفية السببية في الظاهرة، وقالوا لا وجود لها، وكل شيء يتم بمشيئة الله، وبالتالي كل قوانين الطبيعة والمجتمع تسير بإرادة الله ومشيئته، أو كما يقول أبو حامد الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين)، (بأن الأسباب في الظواهر وراءها ملائكة سخرهم الله لتأدية ما يقوم به الناس، فالشيطان يقوم بدور تأدية أعمال الشر، ويدخل الملائكة هنا كمحررين للظواهر.). (13). وبذلك ينفي الغزالي الحقيقة ويجعلها وهماً. والسلفية وفق هذا الإيمان هم يكرسون الفهم الجبري الذي قال به الجهمية بكل معطياته، وفقاً لرأي "جهم بن صفوان" (إن الإنسان ليس يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا اختيار وإنما يخلق الله الأفعال فيه على حسب ما يخلق كافة الجمادات.). (14). أما أبو حسن الأشعري فيقول في هذا الاتجاه: (إن جميع الموجودات من أشخاص (العباد) وأفعالهم، وكذلك سائر المخلوقات وحركتها، كلها مخلوقة لله.). (15). هذا وأن الزمن عند السلفية هو آنات أو ذرات متقطعة لا وصل بينها، والمتصل عندهم هو الزمن الإلهي فقط بسبب خلق الله المستمر. وهم بذلك ينفون تاريخية الظاهرة.

لقد حارب التيار السلفي بعمومه العقل واعتبر دعاته زنادقة، كما جاء في فتوى ابن صلاح المشهورة: (من تمنطق تزندق). أو كما يقول ابن حنبل: (الحديث الضعيف عندي أهم من الرأي). و (إن أصحاب العقل زناديق). أما لأشاعرة فرغم أنهم استخدموا العقل وآمنوا به، إلا أنهم استخدموه لتثبيت النص وليس للحكم عليه. واعتبروا أن ما أصل له الشافعي وابن حنبل في تحديد مراجع أصول الدين من قرآن وحديث وإجماع وقياس ، وكل ما تركه السلف الصالح من أثر حتى القرن الثالث للهجرة، هي الأساس والمنطلق لكل ما هو تالٍ، وهي وحدها من يحدد شرعية الحسن والقبيح في أعمال الناس. أي قالوا بالحسن والقبيح الشرعيين وليس العقليين. وبذلك سدوا الطريق أمام الاجتهاد وحكموا على الحلال والمباح فقط بما ورد فيه نص مقدس في القرآن أو الحديث أو أي أثر أو إجماع للسلف الصالح حتى القرن الثالث للهجرة، وكل ما جاء بعد ذلك بدعة وضلالة وكفر، إن لم يوجد له شبه أو دليل في هذه المراجع. وهذا ما أكد عليه ايضاً الشافعي الذي أصل للفقه السلفي بقوله: (المحدثات من الأمور ضربان أحدهما: ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً فهذه بدعة.). (16). وبهذا الموقف الفقهي اعتبر الشافعي ومن سار على دربه من التيار السلفي ومدارسه ومذاهبه، عدا المذهب الحنفي إلى حد ما، أن المصالح المرسلة (حكم هوى)، ولم يأخذوا بالاستحسان، وسد الذرائع، كون العقل يدخل فيها. واخيراً من القضايا التي اتفقوا عليها عدى المذهب الحنفي، هو الأخذ بالحديث وفقاً للسند أكثر من المتن، وذلك لاعتبارات عدة أهمها: إن السلفية تعاملوا مع مسألة الجرح والتعديل وفقاً لأغراض سياسية وكلامية ومذهبية، فكل من لم يقل بآرائهم هو غير ثقة، وبالتالي بموقفهم التكفيري لرأي الاخر، اعتمدوا كثيراً على الحديث حتى ولو كان ضعيفاً، أما ابن حنفية، فقد رفض الاعتماد كثيراً على الحديث عدا المتواتر منه، واعتبر المتن الذي يتفق مع النص القرآني هو مرجعه وثقته، وما تبقى أحاديث آحاد، وهي ضنية، (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ). (سورة يونس – 36).

أما في السياسة فقالوا بالشورى (وأمرهم شورى بينهم)، ومع سيطرة الأموين على السلطة بالقوة وتحويلها إلى ملك عضوض واعتبارها أمراً مقدراً من عند الله كما قال معاوية في خطبته عند توليه الخلافة: (الأرض لله ... وأنا خليفة الله، ما أخذت فلي وما تركت للناس فبفضل مني.). وكما قال أبو جعفر المنصور أيضاً: (يا أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة، وعنكم ذادة، نحكمكم بحق الله الذي أولانا سلطانه الذي أعطانا، وأنا خليفة الله في أرضه، وحارس ملكه.). (17). ومع تولي الحكام البويهيين والأتراك والمماليك والعثمانيين، تحولت الشورى عند فقاء السنة ممن في قلوبهم زيغ، إلى غلبة وانتصار بحد السيف، وقبول البيعة للخلافة حتى ولوا بموافقة شخص واحد، كما يقول الماوردي بالأحكام السلطانية، وابن جماعة وغيرهما ممن كتب في السياسة، أو من برر ظلم الحاكم وفساده وعدم الاحتجاج عليه كما مر معنا في موقع سابق.

المعتزلة:

لقد آمنوا بوحدانية الله، وقالوا بأن مشيئته تقع في الكليات، أما الجزئيات فهي من شأن البشر، وذلك لتأكيدهم على حرية الإنسان وإرادته في اختيار أفعاله. (وهديناه النجدين). (سورة البد – 11). كما آمنوا بالسببية واعتبروا أن هناك قوانين موضوعية تتحكم في سير وآلية عمل الظواهر، وهي من خلق الله ويستطيع الإنسان بحرته وإرادته استخدامها. لقد أنكرو التجسيد والصفات وقالوا تأكيداً لقول الله عن ذاته: (ليس كمثله شيء). (الشورى- 11). واعتبروا الحسن والقبيح أمراًن عقليان وليسا شرعيان، وبذلك رفضوا القول بأن يقوم الله بفعل الشر، وسموا لذلك باهل العدل. نظروا إلى مرتكب الكبيرة (الذنب)، في المنزلة بين المنزلتين، فهو عاصي ليس بكافر ولا مؤمن وقابل للتوبة. كما قالوا بخلق القرآن، وأنه ليس قديماً، فالمعتزلة يقولون هو كلام الله، ولكن له حروف وكلمات، وبالتالي هو مخلوق: (إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). (يوسف -2). والجعل عندهم يعني الخلق. بينما السلفية قالوا في هذا الشأن، إن القرآن كلام الله والكلام صفة من صفات الله ، وكل ما هو صفة هو قديم.

لقد آمن المعتزلة بأهم قضية في الفكر الإسلامي وهي قضية العقل ودوره في تسيير حياة المسلم والإنسان عموماً، لقد اعتبروا العقل منحة من الله للإنسان لكي يتميز به عن كل المخلوقات ويمارس خلافة الله على الأرض، وعلى هذا الموقف من العقل فهم في تعاملهم مع النص المقدس يرون الوقوف عند هذه النصوص ولا يسمحون بتأويلها لأنفسهم، وبالتالي أنكروا صفات الله وقالوا: إن معرفة صفات الله وذاته فوق العقل البشري، وليس هناك من قدرة لدى الإنسان أن يدرك بها كنه أو كيفية هذه الصفات. وقالوا وفقاً لذلك وبناءً على الآية السابعة من صورة آل عمران التي جئنا عليها وهي موضوع هذه الدراسة أصلاً: إن كل ما جاء بالقرآن من عند الله، ولا نتكلم فيما لم يجئ، ولا نبحث فيما إذا كانت صفات الله هي عين ذاته ولا غير ذاته. وهم لا ينظرون في كيفية صدور المحدثات عن القديم (الله)، ولا كيف يتصل علم الله القديم والمعلومات المحدثة، ولا نحو ذلك لأنها فوق طاقة العقل البشري، هذا العقل الذي منح القدرة فقط على إدراك البرهان على وجود الله والنبوة العامة ونبوة محمد على وجه الخصوص. (18). كما قللوا من الاعتماد على الحديث أمام اعتمادهم على الرأي، منطلقين من أن الحديث مرتبط بالأشخاص، والأشخاص بشر لهم أهواؤهم ومصالحهم، وبالتالي ما يقولون به أمر ضني.

الشيعة الجعفرية ومن يلتقي معها من فرق الشيعة:

لقد التقت الشيعة الجعفرية مع المعتزلة في الكثير من القضايا العقلانية، أهمها: هم يعتبرون صفات الله عين ذاته. وأن القرآن مخلوق. وأنكروا حديث النفس الذي يقول به الأشاعرة (نظرية الكسب). كما انكروا رؤية الله بالبصر في الدنيا أو الاخرة. قالوا بالحسن والقبيح العقليين، وقدرة العبد على الاختيار (نظرية البداء).(19).، وهي نظرية تقر بالقضاء والقدر من عند الله لكنها تعتبر النص المقدس مفتوحاً في دلالاته ومخزونه على المطلق، وهو جاء لخدمة الواقع وتطوره طالما أن هذا التطور والتبدل لا يسئ لتعاليم الله ومقاصد الدين. كما قالوا بأن الله عادل ولا يصدر عنه قبيح. وأن أفعال الله معللة بالعلل والأغراض.(20). كما أنكرو الجبر في صيغته الجهمية حيث يقول علي بن ابي طالب: (إن الله لا يقضي وجوباً، ولا يقدر حتماً. فلو كان الأمر كذلك لما كان هناك عقاب ولا ثواب ولما كان هناك وعد ولا وعيد. إن الله يأمر تخيراً وينهي تحذيراً ولا يقضي وجوباً، ولم يبعث الأنبياء والرسل عبثاً.).

هذا وللشيعة الجعفرية قضايا فقهية خاصة بمذهبهم منها العصمة لآل البيت، وأن أئمة آل البيت لهم رؤيتهم الخاصة بهم في الخطاب الديني ذاته، وبتكليفهم بأمر الإمامة كما حدده جعفر الصادق بقوله: (خلق الله العالم وانتقل النور إلى نبينا محمد (ص)...ثم انتقل النور إلى غرائزنا ولمع في ائمتنا، ونحن أنوار السماء وانوار الأرض، فينا النجاة ومنا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج، فأئمة الأئمة ومنقذوا الأمة، وحجج رب العالمين فاليهنأ بالنعمة من تمسك بولايتنا، وقبض عروتنا.). (21). هذا مع الإشارة بأن هذا القول فيه مغالاة كثيرة، خاصة وأن الإمام الغائب جاء بعد جعفر الصادق بزمن ليس بالقصير، وأن علي ابن أبي طالب، نفسه قد أنكر العصمة بقوله: (.. فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست من نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي.).(22). كما قالوا بالتقية وفقاً للآية التالية (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم .). النحل- (106). وقد جاءت تقيتهم هذه لكثرة ما عانى الشيعة من الاضطهاد من قبل الأمويين والعباسيين. كما أغرق الشيعة في التفسير الباطني للآيات لتأكيد صحة خلافة علي وآل بيته. واختلفوا مع السنة على أحاديث الرسول، ففي الوقت الذي رفض فيه السنة كل الأحاديث التي وردت عن آل البيت، نجد الشيعة يأخذون من الأحاديث التي قدمها السنة والتي تتفق ورؤيتهم للدين وللوصية وغير ذلك. وقال الشيعة بالغيبة (غيبة الإمام الثاني عشر)، وعودته ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملأت جوراً، وعلى الرغم من أن مفهوم العودة ظل مرتبطا بالشخص الغائب، إلا أن هناك تطوراً فكرياً قد حدث على ما يبدوا لدى بعض المجددين في الإسلامي بشكل عام والفكر الشيعي بشكل خاص من علماء وفقهاء الشيعة الذين راحوا يقولن بأن العودة تعني عودة دولة العدل وقيادتها من قبل المحرومين والمضطهدين. كما قالوا بولاية الفقيه، وهذا المبدأ حدث عليه تطور كبيرً بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، حيث ارتبطت مسألة اختيار الولي الفقيه بمسألة الشورى في حال اختياره، ممثلة هذه الشورى بمجلس من الفقهاء.

الخوارج:

قال الخوارج بالتوحيد والقضاء والقدر كله من عند الله، وقالوا بشورية الخلافة وهي حق حتى للعبد الحبشي طالما هو مسلم ومؤمن ويؤدي حقوق الله وما يأمره به الإسلام. قالوا بأن الإيمان ليس في القلب فحسب، بل هو في عمل الجوارح، ومن لا يطبق ما يؤمن به فهو كافر. كفروا المختلف معهم فكرياً وسلوكياً واحلوا قتله وقتل ذريته، فالكافر عندهم لا يلد إلا فاجراً كفاراً. كما قالوا بأن مرتكب الكبيرة كافر. كانوا متشددين في الدين إلى درجة التزمت. شكلوا العديد من الفصائل، تلتقي كلها في الكثير من تعاليمها مع فرقة الخوارج الأولى (الحرورية)، من هذه الفرق من ابتعد قليلاً عنها أو اقترب قليلاً منها، وهناك من أضاف إلى تعاليمها أو تخلى عن بعضها. ومن أهم فرقهم الأزارقة ولأصافره والنجدية وغيرها.

ملاك القول:

إن كل الذي جئنا عليه من خلافات بين هذه التيارات الاسلامية ومذاهبها وفرقها، جاء بسبب تدخل السلطة في الدين أولاً، إما للحفاظ عليها أو للوصول إليها، وثانياً بسبب تسخير الكثير من رجال الدين ومشايخه لتوظيف علمهم في تفسير النص أو تأويله، أو حتى وضع الحديث خدمة لمصالح سياسية أو أنانية ضيقة، وبالتالي ظل فقط القلة القلية ممن تمسك بدينه الصحيح من رجال الدين، على مبدأ (القابض على دينه كالقابض على جمرة من نار). هذا وقد قدم الكثير من رجال الدين المتمسكين بديهم حياته على مذبح الخلافة من أجل مبادئه وقول الحقيقة، (كجعد بن درهم وغيلان الدمشقي ومعبد الجهني)، وهناك الكثير ممن شوه وفق مبدأ الجرح والتعديل، الذي كانت تقاس فيه أخلاق وفكر رجال الدين وفقاً لدرجة قربهم من السلطة أو الخلافة. فهذا أبن حنبل عاش محنة الرأي في زمن سيطرة المعتزلة على الخلافة زمن المأمون والمعتصم والواثق، كما لاقى، غيره من أصحاب الرأي المحنة ذاتها في عهد الانقلاب السني زمن المتوكل وبحضور ابن حنبل ذاته ورغبته، حيث ظل قائماً وفاعلاً وخادماً لسلطة المتوكل المعادي لأهل الرأي. علماً أن الحنابلة ظلوا أيضاً يدافعون عن السطات الحاكمة عبر تاريخهم كما مر معنا في موقع سابق. ونحب أن نشير هنا أيضاً إلى موقف أبي حسن الأشعري الجبري السلفي من المعتزلة وأصحاب الرأي حيث راح يكفرهم ويزندقهم ويخرجهم من دين الإسلام، وهو المعتزلي الذي ظل أربعين عاماً معتزلياً، إلا أنه قلب حبرياً وتبنى المذهب الحنبلي مع غيره الكثير من علماء ومشايخ الدين، بسبب محاكم التفتيش التي وضعت للقدرية بعد انقلاب المتوكل السلفي. يكتب أبو حسن الأشعري في (الإبانة في أصول الديانة) رأيه في المعتزلة ومواقفهم الفكري التي لا تتفق مع الفكر السلفي الحنبلي بعمومه والأشعري منه على وجه الخصوص بأنهم – أي المعتزلة-: (إن كثيراً من المعتزلة وأهل القدرية مالت قلوبهم وأهواؤهم ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلاً لم ينزل به من سلطان، ولا أوضح به برهاناً، ولا تلقوه من الرسول ولا عن السلف المتقدمين، فخالفوا رواية الصحابة عن النبي في:

1- رؤيتهم الله بالأبصار.

2- أنكروا شفاعة رسول الله.

3- وجحدوا عذاب القبر.

4- وأنكروا أن الكفار في قبوربهم يعذبون. وقد أجمع في ذلك الصحابة والتابعون.

5- وقالوا بخلق القرآن نظيراً لقول إخوانهم المشركين.

6- وقالوا بأن العباد يخلقون الشر نظيراً لقول المجوس الذين يثبتون خالقين، أحدهما يخلق الخير، والآخر يخلق الشر.

7- وزعموا أن الله عز وجل يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، وذلك خلافاً لما أجمع عليه المسلمون ورداً لقوله تعالى: (وما يشاؤون إلا أن يشاء الله والله فعال لما يريد.). (23).

فلنتصور معاً كيف يفكر التيار السلفي بشكل عام، وأبو حسن الأشعري ومن يتبعه اليوم من المسلمين الذين يتبنون الفكر الأشعري السلفي بشكل خاص، وهم الذين يشكلون النسبة الأكبر في الساحتين العربية والاسلامية، بهذه الطريقة الأسطورية اللاعقلانية في الخوض بقضايا يجب على المعتزلة الإقرار بها لأن السلف الصالح اعترف بها، مثل عذاب القبر ومشاهدة الله وشفاعة الرسول وغير ذلك من مسائل لا يعلم بها إلا الله وحده.

أما الخلافات الفقهية فهي لا تخرج في الحقيقة عن تاريخ وأسباب الخلافات الدائرة لدى علماء الكلام، إذ ظهر العديد من هذه المذاهب مثل: (مذهب حسن البصري، وأبو حنيفة، والشافعي ، وأحمد بن حنبل، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، ومالك، وسفيان بن عيينة، واسحق بن راهَوَيّه، وأبي الثور، وداود الطاهري، وابن جرير الطبري).(24). وقد ارتبط هذا العلم (الفقه) بعلم الكلام، وكان للسلطة دور كبير في توجهه، فقد عانى بعض الفقهاء من عنت السلطة ومحاولتها توظيفه لمصلحتها، فهذا ابن حنفيه يقتل مسموماً في عهد الخليفة المنصور العباسي كونه رفض استلام القضاء في عهده، وكذا الحال مع أنس بن مالك، الذي وضع حديثاً او قال بحديث لم يرض الخليفة المنصور، فكانت النتيجة أن عراه المنصور من كل ثيابه وصلبه في الساحة وجلده أمام العامة جزاءً لفعلته. ولكن هناك فقهاء راحوا يوظفون الدين ونصه المقدس تفسيراً وتأويلاً من أجل تبرير مفاسد السلطة، كما مر معنا في موقف سابق .

ونظراً لهذه الخلافات الفقهية، تجري بين الأهالي حروب أهلية دموية ممن يتبع هذا المذهب أو ذاك. فهذا الطبري يذكر في تاريخه عن حوادث عام 554 للهجرة، عن صراع دامي جرى في مدينة استراباذ، بين الشيعة العلوي، والشافعية عندما ولي على المدينة والياً شافعياً هو " محمد الهروي"، وكان قاضيها شافعياً أيضاً، فثار العلوية ومن معهم ضد الشافعية ومن معهم، وقد اتنصر العلوية على الشافعية وسال دم كثير.

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحت من –ديرالزور- سورية

 

علي رسول الربيعيتأخذ مسألة الأنفصال وتقرير المصير منحىً حاداً حول العالم اليوم، اذا تكثر دعوات العديد من الأقليات الى الأستقلال السياسي عن الدولة التي هي جزءً منها. إنها تعبير عن صدع خطير في وحدة ومصير الدول. والسّؤال هنا هو حول ما إن كان يُسمح لأقلّيّة تريد الاستقلال السّياسيّ بالانفصال لتشكيل دولة خاصّة بها، حيث يفضي القبول بهذه الفكرة إلى اتّجاهين متعارضين:

أ‌) إذا كانت هذه الأقلّيّة تعتبر نفسها أمّة منفصلة فيبدو أنّ المبدأ يدعم مطلبها، فسكّان الكيبك أو، سكّان كاتالونيا، أو الكورد في تركيا والعراق مثلا، يرون أنفسهم أنّهم يمتلكون هوّيّة خاصّة منفصلة عن الكنديّين أو الإسبّان أو العرب العراقيين، وهم يرغبون في الاستقلال السّياسيّ على أساس ذلك، إذن نحن ملزمين، من ناحية المبدأ، باحترام حقّ تقرير المصير وبتأييد مطالبهم. لكنّ ستواجهنا تحدّيات بمجرّد أن تبدأ هذه الهوّيّات في التّكاثر، إذ لا توجد طريقة من شأنها المساعدة على استيفاء جميع مطالب هذه الأقلّيّات طبقا لحقائق الجغرافيا والاتشار السّكّانيّ. وهو ما أشار إليه آلن بوكنان حيث يقول: "إنّ المبدأ الوطنيّ المعياريّ وصفة للتّجزئة لا حدود لها". فقد أشار وهو محقّ إلى أنّ هذه العمليّة قد تأتي بكلفة أخلاقيّة غير مقبولة على شكل تمزّقات ونزوح، وحتى بإبادة لجماعات وجدت في الإقليم .

ب‌) أنّ فكرة تقرير المصير نفسها ستفسح للكنديّين والإسبّان أو العراقيين – التي أخذناهم كمثال هنا- حقّ الدّفاع عن مصيرهم أيضا، وحقّ المطالبة بتحديد مستقبل الإقليم الجغرافيّ الذي حُدّد تاريخيّا بوصفه كنديّا أو إسبّانيّا أو عراقيًاً حفاظا على الوضع السّياسيّ القائم. فهذه الفكرة تتحوّل بشكل حاسم وفاصل في الممارسة العمليّة إذا ما استخدم مبدأ "تقرير المصير" كدعوة إلى تقرير مصير الدّولة نفسها وليس الأمّة. إذ يأتي حقّ تقرير المصير هنا ليدعم مطالبة الدّولة بحقّ ممارسة السّيادة داخل حدودها القائمة. لكن هذه الطّريقة في التّفسير هي من جهة تفقد الفكرة حكمها الأخلاقيّ الأصيل وكثيرا من مناشداتها التي تأتّى برؤية مجموعة من النّاس يتقاسمون هوّيّة مشتركة يرغبون في ارتباط بعضهم ببعض، وفي اتّخاذ قرارات بشأن مستقبلهم على أساسها. وهي من جهة ثانية تدفع التّمييز الحاسم بين الأمم والدّول من خلال معاملة الأمم كمجموعة من النّاس ،الذين هم في الواقع، تحت ولاية قانونيّة لدولة معيّنة ولكنها معرضة إلى الانهيار.

تكشف مسألة تقرير المصير عن أنّها توظّف إمّا كوصفة لإثارة فوضًى سياسيّة تكون سببا في إراقة الدّماء، أو كوسيلة للدّفاع عن حقوق أنشاء دولة. والهدف من إثارتها هنا هو استنطاق الوقائع القائمة للبحث عمّا إن كان ممكناً بناء موقف متماسك بشأنها يتجنّب كلاّ من الموقفين المتطرّفين انطلاقا من مبدأ الوطنيّة.

من أجل النظريّة في الانفصال

قبل البدء في المسائل الجوهريّة يجدر التّوقّف للتّساؤل عن الغرض من وضع نظريّة في الانفصال، فقد اقترح بعض المختصّين تحديدا شبه قانونيّ للانفصال يمكن إدراجه في دستور الدّولة أو في ميثاق الهيئة الأمميّة. ويقصدون بذلك تحديد الشّروط والأوضاع التي يمكن تقنينها رسميّا لتكون مساغا مقبولا تحتكم إليه كلّ جماعة تحاول الانفصال عن دولة قائمة، ولأجل أن يعامل مطلب الانفصال بطريقة مستقلّة من قبل محكمة دستوريّة أو دوليّة تفاديّا للاقتتال الدّاخليّ وهو ما يفسح مجالاً للنّقاش حول المعايير. فمن ناحية وعن سبيل المثال، من المرجّح أن يكون هناك تحيّز باعتبار الأغلبيّة المطالبة بانفصال الإقليم المعنيّ لصالح المعايير الإجرائيّة التي لا يكون تطبيقها مثيرا للجدل نسبيّاً، على حساب المعايير الأخرى التي تواجه صعوبة في التّطبيق لما تنطوي عليه من مضامين وأحكام متنازع حولها كادّعاء التّعرّض للقمع، أو للتّمييز بتجاهل اللّغة، أو بتدمير الثّقافة والتّراث الخاصّين. ومن ناحية ثانية، يتعيّن التّفكير في الآثار المحفّزة على اختلاف تعاريف حقّ الانفصال كما يشير إلى ذلك بوكينان؛ فالضّرورة تقتضي السّؤال عن إمكانيّة وكيفيّة إدراج هذا الحقّ في دستور الدّولة الذي من شأنه أن يضبط سلوك كافّة السّلط وطرق إدارة الشّأن العامّ سواء داخل الدّولة القائمة أو على صعيد الإقليم المطالب بالانفصال. ويتوجّه السّؤال الابتدائيّ لأثر هذا الحقّ، ولنتيجة إدراجه في الدّستور إن كان سيجعل الدّولة القائمة مستعدّة لنقل السّلطة للمناطق المرشّحة للانفصال بما قد يتعزّز فيها من مطالب انفصاليّة أو تكون أقلّ استعداداً لذلك. غير أنّه يبدو من الخطأ أن يهيمن الانفصال على تّفكير الطّرفين المعنيين بالمسألة، إذ ينبغي وضع المبادئ الأساس أوّلا، ثمّ السّؤال عمّا يمكن أن يترتّب عن هذه المبادئ العامّة من نتائج ومن أثر على سلوك مختلف الفاعلين السّياسيّين.

ومقابل هذه النّظريّة القانونيّة يمكن اعتبار نظريّة الانفصال نظريّة في السّياسة تقدّم معنى يوضّح تلك المبادئ التي ينبغي أن تقود التّفكير بمطلب الانفصال، سواء من قبل انفصاليّين أو من قبل مواطنين في الدّولة القائمة نفسها أو أعضاء المجتمع الدّوليّ الذين قد يُطلب منهم التّدخّل لصالح هذا الطّرف أو ذاك. فالمتعيّن هنا وفي مثل هذه الحالة هو الدّليل الذي يبرّر مطلب الانفصال ويدعم أيّ قرار قد يتّخذ بشأنه سواء تعلّق الأمر باستفتاء شعبيّ حرّ يخيّر سكّان الإقليم المعنيّ بين الانفصال وبين البقاء ضمن الدّولة القائمة والإبقاء على وحدتها وتماسك مكوّناتها، أو تعلّق الأمر بغير ذلك من المبادرات السّياسيّة. فالدّليل الملموس الذي يقبل الملاحظة والقياس حول استجابة المواطنين لمطلب الانفصال، ويبيّن بوضوح تامّ مبرّراته وأهدافه لازمة من اللّوازم السّياسيّة ومن ضروراتها، وفي غيابه لا يكون مطلب الانفصال مقبولا من النّاحية القانونيّة ولا مستساغا من قبل أعضاء المجتمع الدّوليّ بالنّظر إلى النّواحي السّياسيّة.

قد يدفع منتقد بعدم جدوى السّؤال المطروح لانعدام الحاجة إليه مادامت المسألة تسوّى إجرائيّاً إمّا بالتّصويت والوصول إلى تحقيق أغلبيّة مساندة أو معارضة أو بإعمال طرق أخرى، فالسّؤال حول المبادئ يبقى غير ضروريّ. لكنّ هذه الطّريقة في التّفكير والتّحليل ليست هي الطّريقة المعتمدة في صنع القرار الدّيمقراطيّ، فالملاحظ ، مثلاً، أنّ النّاخبين يوافقون على ما أقرّه الدّستور للحزب الذي يفوز في الانتخابات من إمكانيّات في تدبير الشّأن العامّ بتشكيل الحكومة لأجل تنفيذ ما وعد به من برامج ومبادرات، ولأنّ نتيجة أيّ استفتاء ينبغي أن تكون ملزمة سياسيّا، لكن هذا لا يمنع من طرح المبادئ الواجب اعتمادها كقواعد مرجعيّة يُحْتكَم إليها عند الاقتضاء كما هو الشّأن بالنّسبة لمبادئ العدالة الاجتماعيّة مثلا. قد يخطئ النّاخبون في بعض الأحيان بتأييد حزب يبيّن عمله الحكوميّ أنّ سياساته أقلّ عدالة ولا تحقّق المصالح والانتظارات، ومع ذلك تبقى الثّقة سائدة في الإجراءات الدّيمقراطيّة من حيث إنّها إجراءات تستوجب الإتّـباع. كيف تختلف الأمور عندما تكون المسألة متعلّقة بالانفصال؟ فحتى لو أعتقدنا يتعيّن أن يتمّ الحلّ إجرائيّاً تبقى هناك أساب معقولة للانفصال وأخرى غير معقولة، ومن غير المناسب ألاّ توضّح تلك الأسباب.

لن تكون النّظريّة الإجرائيّة البحتة حلاّ معقولا ولا مرضيا للانفصال بأي حال من الأحوال، لأنّه إذا اعتبرنا تصويت الأغلبيّة لصالحه كافياً للتّبرير فسيطرح السّؤال مباشرة من جهة، عن كيفيّة تحديد الدّوائر الانتخابيّة ومن ثمّة عن مشروعيّة التّصويت ومصداقيّة النّتائج. ومن جهة ثانية، عن كيفيّة تحديد الإقليم المعني بالانفصال الذي سيشكّل نفوذ الدّولة الجديدة. فالمرجّح من النّاحية العمليّة أن يتمّ التّفكير بشكل مسبق في مناطق تُحدَّد إداريّاً بالفعل، مثل منطقة كوردستان بالعراق، ومنطقة الكيبك بكندا لكي يتمّ تحديد القاعدة الانتخابيّة الحقيقيّة بشكل علميّ واقعيّ وعمليّ يساعد على تحديد "الشّعب" المستهدف بالاستفتاء. فالخلفيّة النّظريّة تستدعي ضمنا كلّ الظّروف التي من شأنها أن تجعل الاستفتاء مخرجا مناسباً لمعضلة سياسيّة قائمة، أيً الموازنة بين الانفصال كمطلب مبرّر وبين الانفصال كأمر غير مبرر لتحقيق السّلميّة وتفادي الحرب الأهليّة. فبالدّسترة واحترام الخلفيّة النّظريّة لكلّ سلوك سياسيّ من النّاحيّتين القانونيّة والسّياسيّة يمكن التّعامل مع مثل هذه الحالات بواقعيّة وفعّاليّة تميّز المعقول والمقبول منها عن غير المعقول والمقبول. وعلى أساسها أيضا، يمكن الرّدّ على اقتراح فرد أو مجموعة أفراد يطالب بتنظيم استفتاء للاستقلال. فأن يقترح المسيحيّون في سهل نينوى في العراق الأنفصال، مثلا، يعتبر اقتراحا غير جدّيّ وغير مبرّر، فيكون الرّد وفقاً لما تمّ تشريعه من قواعد آمرة.

إنّ إنجاز نظريّة في الانفصال ليس بالمهمّة البسيطة، لأنّ تقسيم دولة وإنشاء واحدة جديدة مسألة في غاية الجدّيّة، فهي تطرح أسئلة جوهريّة تتعلّق بالسّلطة السّياسيّة، بالهوّيّات التّاريخيّة، بالعدالة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وبحقوق الأقلّيّات. ولكي تكون نظريّة كافية عليها أن تعالج جميع تلك المسائل بكفاية مفاهيميّة وإجرائيّة، يعني هذا أنّ عليها أن تتبنّى تعدّد المعايير وألاّ تكتفي بالبحث عن الشّروط الضّروريّة الكفيلة بتبرير مطلب الانفصال. إذ عليها أن تراعي مختلف المعايير التي تنسحب على كلّ الاتّجاهات مهما كانت متعارضة لأجل أن تصل إلى رأي محكم وقرار حكيم يوازن بين المطالب المتصارعة، ويساعد بنجاعة على حلّ المسائل المعروضة بما يستدعي احترام وحدة التّاريخ والمصير. باختصار شديد عليها أن تسعف في وضع الهوّيّة الوطنيّة في اعتبار كلّ الأطراف، وفي التّحسيس بما تقدم تلك الهوّيّة من أجوبة ومن جاذبية.

مبدأ الهوية الوطنيّة

يمثّل مبدأ الهوية الوطنيّة (مبدأ الجنسيّة) أحد العناصر الثّلاثة التي يشترك فيها سكّان إقليم أو جماعة وطنيّة، ومطلبا مقنعا لتقرير المصير السّياسيّ. فبالرّغم من أنّ الدّولة ذات السّيادة ليست هي الوسيلة الوحيدة والممكنة لتقرير المصير إلاّ أنّها كانت وما تزال الوسيلة الرّئيسة لتحقيقه، لذلك يحقّ لإقليم أن يطالب على أساس هذا المبدأ بالانفصال عن دولة تعاقديّة. مع أنّ هذه المطالبة ليست بالضّرورة هي الإمكانيّة الوحيدة ولا الوسيلة التي يتعيّن أن تهيمن على غيرها من الوسائل، لذلك يمكن أن تُبطلها اعتبارات أخرى سنأتي على ذكرها لاحقاً. وللإشارة فقطّ، ليس الغرض من هذا المبحث تعداد الأسباب المؤيّدة لتقرير المصير، لكنّ الغاية هي النّظر في بعض تداعيات هذا المبدأ.

إنّ الأقاليم التي تقطنها أمّة متجانسة (عرقيّاً) حالة استثنائيّة إلى حدّ بعيد في العالم اليوم، فالمقصود بالدّولة الأمّة أو (القوميّة الوطنيّة) بحسب المتداول والمشهور من التّعاريف جماعة من النّاس يعتبرون أنفسهم أنّهم ينتمون إلى الجماعة نفسها، فيعترفون ببعضهم البعض، ويقرّون بالتزامات خاصة تُجاه بعضهم البعض، ويطمحون إلى استقلال سياسيّ بحكم ما يشتركون فيه من خصائص يؤمنون أنّها تشكّل قاعدة لانتمائهم، وهي التّاريخ المشترك، والارتباط بالمكان الجغرافيّ، والثّقافة العامّة التي تميّزهم عن غيرهم من الجيران. اذا أخذنا هذا التعريف بالاعتبار ونحن ننظر إلى تلك الكيانات التي توصف عموما بأنّها دولة أمّة أو (قوميّة) فمن المحتمل أن نجدها مؤلفة ممّا يلي:

1- أقلّيّات لا تشارك الأغلبيّة في الهوّيّة الوطنيّة مثل المهاجرين الأتراك في ألمانيا.

2- أقلّيّات تقيم في إقليم ترى نفسها أنّها تشكّل أمّة، وتطمح لدرجة أكبر من الحكم الذّاتيّ مثل الأكراد في تركيا.

3- تجمّعات سكّانيّة مختلطة تنحدر من أمم مجاورة مختلفة وتتجمّع في مناطق معيّنة مثل الرّومان والهنغار في ترانسالفانيا.

4- تجمّعات سكّانيّة تحمل هوّيّة مزدوجة أو متداخلة، تعيش في مناطق معيّنة كأقلّيّة قوميّة داخل دولة كبيرة مثل الكاتلون في إسبانيا.

وإذا أردرنا تطبيق مبدأ الهوّيّة الوطنيّة (الجنسيّة) على ما يناسب حالة أو أكثر من هذه الحالات المذكورة فينبغي أن يتوجّه السّؤال لماهية السّلطة السّياسيّة بنيةً وأداءً بما يحقّق هذا المبدأ بالنّسبة لكلّ جماعة مادام الحلّ البسيط لها المتمثّل في الأمّة المتجانسة أو الدّولة الواحدة غير ممكن في مثل هذه الظّروف. لا شكّ في أنّ هذا التّطبيق سينطوي لا محالة على أحكام تتعلّق بالكيفيّة التي يتصوّر بها النّاس هوّيّاتهم، وبالكيفيّة التي تربط هوّيّة جماعة معيّنة بهوّيّات أخرى. ومثاله مقارنة بين وضع الكرد في العراق أو في تركيا مع الكاتالونيّين في إسبانيا. فعلى الرّغم من أنّ الكاتالونيّين ينظرون لأنفسهم في دولة أسبانيا كشعب متمايز عن الأسبان إلاّ أنّهم لا يضمرون أيّ عداء عميق أو متأصّل للأسبانّ، ويقدّرون ما يجمعهم بهم من التّداخل الثّقافيّ المتمثّل في الاعتقاد الملّيّ المشترك (الكاثوليكيّة)، ومن مستوًى معيشيّ أعلى قليلا من المتوسّط الإسبّانيّ إذ تعتبر كاتالونيا تقليديّا أكثر المناطق الإسبّانيّة نموّا وازردهاراً اقتصاديّاً، كما يعترفون بما يعاملون به من نظرة التّقدير من قبل الإسبّانيّين في المناطق الأخرى التي يعيشون فيها. وفي مثل هكذا ظروف لا يعدّ إشكاليّاً أن ينظر أغلبية من الكاتالونيّن إلى أنفسهم بوصفهم كاتالونيّين وإسبان في الوقت نفسه. لكنّ تختلف الحالة الكرديّة في بعض أوجهها عن الحالة الكاتالونيّة، مع ما يوجد داخل الحالة الكرديّة من اختلاف في الوضعيّة بين العراق وتركيا. ففي تركيا مثلا يقلّ نصيب الفرد الكرديّ من الدّخل عن نصف المعدّل الوطنيّ، بينما لا يوجد هذا التّمييز في العراق، لأنّ الأكراد متساوين مع باقي العراقيّين. في تركيا تقمع اللّغة والثّقافة الكرديّة من قبل الدّولة، بينما يتمتّع أكراد العراق بما يتمتّع به جميع العراقيّين من الحقوق. ويشترك كرد تركيا وكرد العراق فيما لهم من تاريخ حافل بالصّراع المسلّح مع الدّولة عراقيّة كانت أو تركيّة. واذا التفتنا الى الحالة التركية فسنلاحظ أن القيادات التّركيّة المتعاقبة التزمت لسنوات كثيرة بالمثل الأعلى لأمّة تركيّة متجانسة وموحّدة، ولم تترك مجالا للتّعدّديّة الثّقافيّة خلافا لما كان في العراق، ونظرا لأوضاع الكرد في تركيا طالبوا بالاستقلال فكان مطلبهم يختلف نوعيّا عن الكاتالونيّين مثلا. واذا لم يحدث هناك أيّ تحول مأساويّ في الوضع التّركيّ السّائد كالتّحوّل الذي حصل في الدّولة العراقيّة منذ حصول الأكراد على الحكم الذّاتيّ وحتى إعلان الفيدراليّة، فإنّه لا توجد أمامهم فرصة للحصول على اعتراف بهوّيّتهم الثّقافيّة المميّزة، إلاّ أن يعمل التّرك والكرد معا سويّاً على تحقيق ديمقراطيّة وعدالة سياسيّة واجتماعيّة. وهذا يعني أنّ الانفصال ليس حلا وحيدا بالضّرورة. فتطبيق مبدأ الجنسيّة على مشكلة كهذه يقتضي البدء بالنّظر إلى ما لهوّيّات كلّ المجموعات من محتوى فعليّ لاكتشاف ما إن كانت المجموعة (س) لها هوّيّة متميّزة تجعلها متناقضة مع المجموعة (ص) التي تخضع لمؤسّساتها السّياسيّة عن سبيل المثال. وبقدر ما لا يكون ذلك كذلك، فإن أيّ مطلب يمكن أن تقدّمه الجماعة (س) من أجل الاستقلال السّياسيّ لا يكون معزّزا بما يكفي من المبرّرات، وهو ما يعني أنّ مطلبها لن يثبت بشكل حاسم في نهاية المطاف كما هو مبيّن أعلاه بسبب العوامل التّعويضيّة.

فإحدى العوامل التي يجب النّظر إليها بجدّيّة هي المطالبة المُنافسة من قبل المجموعة (ص)، وهي الأمّة الأكبر حجما التي ستقسّم أراضيها الحاليّة إذا ما تمّ المضيّ قدماً في الانفصال. لذلك فإنّ مطلب الانفصال لا يكون وجيها مقبولا ومشروعا عندما لا يساوق بين الطّريقة التي ترى عبرها الجماعة الصّغيرة علاقتها بالجماعة الكبيرة، وبين الطّريقة التي ترى عبرها الجماعة الكبيرة علاقتها بالصّغيرة. لقد أكّدت الحالات التي سبق أن كانت تحت المناقشة أنّ الجماعة الكبيرة ستهوّن دون تردّد ممّا يميز الأقلّيّة: ستعمد إلى النّظر إليها باعتبارها جماعة تمتلك تباينا واحدا إلى جانب مشتركات كثيرة بدلاً من النّظر إليها بوصفها ذات هوّيّة مستقلّة وخاصّة، ستتّجه حتما إلى اعتبار أنّ الجماعة (س) ليست جماعة متميّزة ولكن جماعة تتكلّم لغة مختلفة أو لها ثقافة خاصّة. فبينما ينظر الكرد لأنفسهم كأمّة مميّزة عن الأتراك ، ينظر هؤلاء إلى الكرد باعتبارهم مجرّد أتراك يتحدّثون لغة مخلفة، وما يناظر هذه الحالة نجده عند الأسكتلند والإنجليز، وعند المقدونيّين واليونان. قد يكون هناك إغراء للتّفكير في مثل هذه الحالات بأنّ الغالبيّة سارت باتّجاه خاطئ، فإذا كانت الجماعة (س) لا تعتبر نفسها منتمية للجماعة (ص) فإنّ هذه تتجاهل الهوّيّة المشتركة مع نظيرتها (س) وقد تصل إلى حدّ رفض أيّ مواجهة للحقائق بهذا الخصوص. لكن نادرا ما تكون هذه المسألة بمثل هذا الوضوح، إذ على افتراض أنّ الجماعتين (س) و(ص) تشتركان في الهوّيّة الوطنيّة باعتبار الارتباط السّياسيّ لفترة طويلة من الزّمن وهو ما يؤكّد بالفعل أنّ لهما معا سويّا صفة مشتركة حقيقيّة، يكون من المرجّح أنّ الجانبين اعترفا حقّا بالهوّيّة الوطنيّة كهوّيّة جامعة، وأنّ الجماعة (س) أدركت ذلك بإحجامها عن التّلويح باللاّفتة القوميّة. وبالتّالي، فإنّ السّؤال هو كيف يمكن أن تكون للأقلّيّة هوّيّة خاصّة مميّزة وفي الوقت نفسه شعور بالانتماء لمجتمع أكبر.

لعلّ الخطأ المغري هنا هو ما قد يغلب على ظنّ الأغلبيّة من شعور بغياب الإحساس بالهوّيّة المشتركة عندما تعلن الأقلّيّة عن الرّغبة في الانفصال وإنهاء الاتّحاد السّياسيّ، يقارن بعض الكتّاب ذلك بطلاق الأزواج عندما تقرّر أمرأة إنهاء ارتباطها بزوجها الذي ما يزال يعتقد أنه يشكّل معها أسرة، ولا يدرك بحكم الموقع في تلك العلاقة أنّ الاتّحاد يستمر بموافقة الطّرفين. لكنّ هذا التّشبيه غير ملائم، ففيما يخصّ الإرادة الواحدة التي يمكن أن تنشأ عن علاقة بين طرفين، فإنّ علاقة الأمم بعضها ببعض ليست كالعلاقة بين الأفراد لأنّ الأمر يختلف حتما عندما يتعلّق باتّحاد إقليم مع أقاليم أخرى، أو جماعة بنضيراتها ضمن دولة أكبر، أو يتعلّق بنقل السّلطة أو بإدارة دولة مستقلّة. فنقطة كهذه تحتاج إلى معالجة هادئة ومتّزنة لما تثير من قضايا حسّاسة سيشار إلى أهمّها ضمن الفقرات التّالية من هذه الدّراسة. إذ لا ينطوي الانفصال كما هو معلوم على الجانب السّياسيّ فحسب، بل يتعدّاه إلى جوانب استراتيجيّة أخرى كالجانب الجغرافيّ بتقسيم الأراضي وما يستتبع هذا الجانب من جوانب اقتصاديّة واجتماعيّة أيضاً. وهو ما يقتضي البحث عن أفضل السّبل لفهم حقوق القوميّات في الأراضي التي تقطنها والتّعامل معها على أساس العدل والإنصاف. قد يبدو أنّ ما على المحكّ في مثل هذا الموضوع هو حقوق الملكيّة، فعن سبيل المثال: أنا أملك قطعة الأرض هذه، وأنت تملك تلك، وهكذا الكلّ يملك أراضي الإقليم الذي له مسمّى معين. وإذا كانت هذه هي النّظرة التي تؤطّر التّفكير في المشكلة، فإنّ الجماعة التي تقطن منطقة متّصلة وتطالب بالانفصال ستكون مضطرّة إلى تأكيد حقوق الملكيّة المشتركة لإنشاء مطالبة تجزم بملكيّة الأرض التي تسعى لأن تؤسّس عليها الدّولة. لكن والحال كما قال بوكانان، لا يمكن فهم العلاقة بين شعب والأراضي التي يقطنها على هذا النّحو وبهذه الشّروط فقطّ. إنّنا عندما نقول أراضي كردستان، مثلاً، لا نعني أنّ الأكراد يمتلكونها كما يمتلك الفرد عقّارا محدّدا، وإنّما نعني أنّ للكرد مطالب مشروعة في ممارسة السّلطة على أراضٍ يقطنها غالبيّتهم، وتعرف باسمهم في إطار حكم ذاتيّ للمنطقة يشمل كلّ الصّلاحيّات كتحديد السّياسات، وتقرير الأحكام، وصيانة الحقوق وفي مقدّمها حقّ الملكيّة. لكنّ الكرد لم يعودوا مقتنعين بحكم ذاتيّ فقطّ وإنّما يسعون إلى بناء دولة قد يتجاوز إقليمها حدود العراق إلى الدّول المجاورة، ومن ثمّة فهم يستلهمون من الحالة الآيسلنديّة التّأسيس للدّولة عبر التّأسيس لمؤسسات جديدة تماما حتى مع ما قد يُحدِث مثل هذا التّأسيس في المنطقة من زلزال سياسيّ.

لا شكّ أنّ الشّعب الذي يقطن إقليماً محدّداً يشكّل مجتمعا سياسيّا، لذلك فهو يؤسّس لمطلب الانفصال عبر ما يرسي من أعراف من خلال الممارسة السّياسيّة، فضلا عن قرارات تدبير الأشغال العامّة وتشريع القوانين، وتشريع الحقوق الجماعيّة والفرديّة، بالضافة الى الانخراط فيما يشكّل سمات الإقليم ومظهره المادّيّ المميّز. يأخذ هذا مع مرور الوقت أهمّيّة رمزيّة، كدفن الموتى في أماكن معيّنة، وإقامة الأضرحة والآثار الدّنيويّة وغيرها من الأنشطة ممّا ينشئ روابط بالأرض لا تزعزعها عروض بديلة، وهو ما يبرّر في المحصّلة مطلب ممارسة السّلطة السّياسيّة على الإقليم على نحو يلغي مستقبلا كلّ مطالبة منافسة تستند إلى التّاريخ في المجادلة باستلحاقه وحكمه. بالعودة إلى حالة المجتمع المتعدّد حيث الأقلّيّة (س) ترغب في الاستقلال عن الأغلبية (ص) على أراضي الإقليم الذي تقطن به يبرز السّؤال عمّا إن كان ممكنا لـ (س) تقديم مطلب مشروع قانونيّا ومبرّر سياسيّاً لكي تستمرّ في فرض السّيطرة على الإقليم المعني؟ يعتمد الجواب على نوعيّة العلاقة بين الجماعتين وكيفيّة تطوّرها تاريخيّاً. فقد تكون هنالك حالة متطرّفة تعبّر من خلالها الجماعة (س) عن عدم الرّغبة في أن تكون جزءا ضمن الجماعة (ص) التي تعتبرها قوّة احتلال، ومثاله علاقة سكّان دول البلطيق الأصليّين بالأغلبيّة في الاتّحاد السّوفيتيّ سابقا. حيث لم يكن هناك مجتمع سياسيّ حقيقيّ بين الجماعتين (س) و(ص)، ولم تكن مشاريع جماعيّة مشتركة وحرّة بين الطّرفين. فمن الصّعوبة الإقرار بشرعيّة مطالب الجماعة (ص) بأراض تقطنها جماعة (س) إلاّ بقدر ما تملك فيها من استثمارات ماليّة، وفي مثل هذه الحالة تدفع الجماعة (س) تعويضات للجماعة (ص) مقابل تلك الاستثمارات إن هي أعلنت الانفصال. وفي حالة متطرّفة أخرى نجد الجماعة (س) رغم امتلاكها خصائص أو سمات تميّزها عن الجماعة (ص) إلاّ أنّها مع ذلك تشعر بالحرّيّة والمساواة في مجتمع تعدّديّ، غير أنّ القوميّة الجديدة التي تسعى لبنائها وإحراز الاعتراف بها ليست نتيجة استغلال تاريخيّ وإنّما ناجمة عن التّطوّرات الثّقافيّة التي تجعلها تريد الآن السّيطرة على ماجريات الأحداث في إقليمها الخاصّ درءا لما قد يهدّد لغتها بالانقراض أو يهدّد سماتها الثّقافيّة بالمسخ والتّشويه. ففي مثل هذه الحالة يقف مطلب الجماعة (س) على أرضيّة حقوقيّة صلبة تجعله شرعيّا، لا ترقى مطالب الجماعة (ص) إلى منافسته وإبطاله حينما تسعى إلى تجريد الأقلّيّة (س) من جزء من الأراضي تحت طائلة الدّفع بالمساهمة في تنميتها أو بزعم امتلاكها. فقد يثبت مطلب الجماعة (س) في النّهاية إذا لم يكن هناك حلّ توافقيّ للمسألة لأنّه الأقوى، غير أنّ هناك سبب قويّ في مثل هذه الحالة لإيجاد حلّ يعطي الجماعة (س) شكلا من الحكم الذّاتيّ الذي لا يصل إلى الاستقلال. وتنطبق هذه الحالة فيما أعتقد على الأسكتلند والولش في بريطانيا، والكاتالون والباسك في إسبانيا وكندا وممكن جداً أن تنطبق على الكرد في تركيا والعراق.

ننهي هذه المناقشة بالقول: إنّ الاحتكام إلى مبدأ الهوّيّة الوطنيّة أو "الجنسيّة" وتقديمه مبرّراً لتقرير المصير يقتضي تطبيق معيارين على أيّ انفصال محتمل: يقضي الأوّل بتشكيل هوّيّة منفصلة بوضوح عن هوّيّة الأمّة الأوسع، والتّحرّر من الشّراكة معها. بينما يتطلّب الثّاني القدرة على التّحقّق من مطلب الانفصال بتبريره قانونيّا، وإثبات شرعيّة ممارسة السّلطة على الإقليم المعنيّ بالانفصال سياسيّا إذ لا يمكن تطبيق هذه المعايير آليّاً، لأنّ تطبيقها يتطلّب حكماً ودرجة من الفهم التّاريخيّ. وفي حال استيفاء كلا المعيارين يكون لدى الجماعة المعنيّة مطلب حقيقيّ وواقعيّ يسمح لها بالانفصال. لكن يبقى هذا المطلب غير حاسم متى ما تدخّلت عوامل أخرى ذات وزن ومقبوليّة في الاتّجاه المعاكس، حيث تفضي النّظرة الأوّلية على المطلب المناهض للانفصال إلى القبول به حتما ودون تردّد. وفيما يلي عرض لبعض العوامل الأخرى التي قد تحتسب في الحكم النّهائيّ.

مسألة الأقلّيّات والأعداد

الحالة البسيطة هي جماعة وطنيّة غير متجانسة تضمّ أقلّيّة (س) تقطن أقليم محدد تسعى للانفصال عن الدّولة التي تشكّل فيها (ص) الأغلبيّة. لكن الحالة المعقدة هي أن يوجد في الإقليم المطالب بالانفصال بقيادة الأقلّيّة (س)، وحتى بافتراض شرعيّة المطالبة طبقاً للمعاير المذكورة آنفا، أعداد من الأغلبيّة (ص)، وأخرى لا تنتمي لـ (س) ولا لـ (ص). وهو ما يعني أنّ هذا الانفصال ليس تحوّلا من مجتمع غير متجانس وطنيّا إلى مجتمع متجانس وطنيّا؛ وإنّما يعني في الواقع استبدال نمط غير متجانس بآخر غير متجانس أيضا.

إنّ الافتراض الذي يقود المناقشة هنا هو أنّ لكلّ عضو قيمة بصفته مواطن دولة تحتضن أمّة؛ فلئن كان الفرد عضوا ينتمي لأقلّيّة لا يعني ذلك بالضّرورة أنّ الأمر كارثة ولا خيارا أو قدرا سيّئاً. فكيف إذن ينبغي أن تقدّر الأمور قبل الانفصال وبعد حصوله بإعمال هذا المبدأ قاعدة ومعيارا؟ يأتي إحصاء الأفراد الذين يعيشون في دولة ويشكّلون فيها أقلّيّة وطنيّة إحدى المخارج المقترحة، لكن السّؤال الذي يواجهنا هنا يتعلق بمن هي الجهة المخوّلة التي لها صلاحيّة تحديد معايير الانتماء ثمّ الإشراف على الإحصاء، وفي الحالة المتوخاة حيث ستفضّل تلك الأقلّيّة الاستقلال بافتراض أنّ الجماعة (س) هي التي تشكّل الأغلبيّة في الإقليم الذي يطالب بالانفصال، فإنّ الدّولة الجديدة ستتشكّل من أكثريّة هي الجماعة (س) إلى جانب أقلّيّة لم تستوف المعيار هي من الجماعة (ص) أو غيرها من أصحاب الهوّيّات المغايرة. فإذن، بناء الدّولة الجديدة (س) لم يغيّر وضع الانفصاليّين كثيرا عمّا كانوا عليه في دولة الأغلبيّة (ص)، لأنّ التّركيبة الاجتماعيّة المنسجمة لم تتحقّق، كذلك الحال بالنّسبة للأقلّيّات الأخرى في كلتا الدّولتين.

لا يأخذ هذا الاقتراح بالاعتبار سوى الحقائق السّياسيّة للحركات الانفصاليّة التي تفترض على وجه الخصوص، أنّ معاملة الأقلّيّات القوميّة في الدّولة (س) الجديدة لن تكون أسوأ من معاملتها في الدولة (ص) الأصليّة، إذ ستقابل معاملة الأقلّيّة (ص) في دولة (س) بمعاملة الأقلّيّة (س) في دولة (ص)، كما سيقابل الحكم الذّاتيّ الذي سيعطى للأقلّيّة (س) في الدّولة الأصليّة (ص) بما سيمنح من استقلال ذاتيّ للأقلّيّة (ص) في الدّولة الجديدة (س) والعكس صحيح. لكن في كثير من الحالات يكون هذا الافتراض غير واقعيّ إلى حدّ بعيد، حيث يرى عالم الاجتماع دونالد هورويتز أنّ الانفصال يزيد من حدّة الصراع بين الجماعات دائما. فمن أجل تبرير مطلب الانفصال قد تلجأ الجماعة (س) الى المبالغة في السّمات التي تجعلهم يختلفون عن الجماع (ص)، ومتى ما نجحت في ذلك، فمن المرجح أنّها سترغب في تطهير الدّولة الجديدة من التّأثيرات المهلكة بتذويب العناصر المنتمية للجماعة (ص) من خلال حملات القمع وعمليّات الإخضاع الثّقافيّ وفي الحالة المتطرّفة عبر التّطهير العرقيّ الذي يشاهد اليوم في بورما. إنّ التّأثير الجانبيّ للانفصال قد يكون محفّزا لنزاعات جماعية جديدة، ويشير هورويتز إلى كيفيّة تطوّر الانقسامات الإثنيّة الجديدة في أفريقيا وفي أماكن أخرى بعد تفكّك الدّول الأكبر حجما. فالاختلافات التي لا تحظى باهتمام كبير في الوحدة الأكبر، قد تلوّح بالحدوث إلى أبعد حدّ في الوحدة الأصغر حجما بما تنتج من تصوّر للمجتمع السّياسيّ على أساس التّجانس الثّقافيّ ولو بالقسر، وهو ما يفضي إلى سلوك طريق الاقتتال الدّاخليّ بين الجماعات الفرعيّة.

ومن الخطأ البالغ افتراض عدم وجود تغيير في الموقف الأقلّيّ لجماعة (س) التي تعدّ نفسها مجرّد ما تبقّى من دولة (ص) نتيجة التّواجد في هذا المكان، يبدو واضحا أنّها تشكّل أقلّيّة صغيرة تعتقد أنّ تأثيرها السّياسيّ سيكون أقلّ ممّا لو كانت مستقلّة. فقد لا تكون هناك أي دوائر انتخابية تنتخب أعضاءها بانتظام للبرلمان، وقد تجرّد من الحقوق الخاصّة كالحقوق الثّقافيّة باعتبار أنّه لم يبق منها سوى فئة قليلة جدّا تستدعي القلق بشأنها بالإضافة إلى الاهتمام الخاصّ. كما قد يجادل قادتها السّياسيّون في الدّولة (ص) بأنّ وجود الدّولة (س) يوفّر حماية نوعيّة لتلك الجماعة ولثقافتها، إذ سيغيّر إنشاء دولة (س) الهوّيّة السّياسيّة لأعضاء الجماعـة (س) ممّن بقي منهم خارجها. فقد يعزّز وجود تلك الدّولة إحساسهم بقيمتهم الذّاتيّة في بعض الأحيان النادرة، أو قد يشعرون بمزيد من الاستبعاد من قبل جماعة (ص) غير أنّ هذا الشّعور سيكون بالمثل [إذا كنت تعتقد أنّك لا تنتمي لهذه الأرض فلماذا لا تنتقل إلى أرض (س)؟]. ومن ثمّة، سيكون من المرجّح أن تزداد حالة من تقطّعت بهم السّبل من جماعة (س) نتيجة الانفصال.

للأسباب المذكورة يبدو أنّ اقتراح تسوية مسألة الأقلّيّات عن طريق الإحصاء وعدّ الرّؤوس غير كافٍ على الإطلاق، إذ يتعيّن إصدار أحكام تتعلق بكيفيّة تغيير وضع المجموعات المختلفة عبر إنشاء دولة جديدة. والسّؤال في مثل هذه الحالة يتناول البحث عمّا إن كان مبدأ الهوّيّة الوطنيّة (أو الجنسيّة) يرشد إلى حلّ واقعيّ وعمليّ، ولا بدّ في هذا الصّدد من توضيح حقيقة أنّ المبدأ لا ينادي بإنشاء دول متجانسة ثقافيّا أو عرقيّا. ولكنّه يدعو إلى تقاسم هوّيّة وطنيّة مشتركة واحدة وموحّدة تترك قدر الإمكان مساحة للتّنوّع الاجتماعيّ المبنيّ على الاختلاف والمغايرة في العرق واللّغة، في الملّة والمذهب، كما في الرّأي السّياسيّ وما إلى ذلك. والمؤكّد أنّه إلى جانب مبدأ الجنسيّة يأتي إقرار مبادئ أخرى كمبادئ حقوق الإنسان مع ما تتضمّن من مبادئ تحمي حقوق الأقلّيّات، ومبدأ العدالة، ومبدأ المساواة وغيرها. فتنزيل هذه المبادئ في الواقع اليوميّ بوضعها موضع التّنفيذ يخلق ارتياحا في الأوساط الاجتماعيّة على اختلافها. كما أنّ وضعها بالاعتبار عند النّظر في قضايا معيّنة خصوصا عندما يتعلّق الأمر بمطلب الانفصال يساعد على الحكم، وعلى تقدير ما إن كانت حقوق تلك الأقلّيّات أفضل أو أسوأ لقبول أو ردّ المطالبة بالانفصال.

والواضح أنّ هذه التّقديرات صعبة، لكن الفعل الوحيد الذي لا يمكن ارتكابه هو قبول الوعود والتأكيدات التي قد يقدّمها الانفصاليّون هكذا ببساطة كما هي، ودون ضمانات. فالفلاسفة السّياسيّون الذين كتبوا عن هذا الموضوع يميلون في الواقع إلى "القبول بالانفصال شريطة أن يلتزم الانفصاليّون باحترام حقوق الأقلّيّات في الدّولة الجديدة التي هم بصدد إنشائها وتشكيلها". لكن كيف يمكن تطبيق هذا الشّرط على حالة فعلية؟ ما هي القيمة الحقيقيّة لتعهد يقدّم بهذا الخصوص؟ علما أنّه بمجرّد تشكيل الدّولة الجديدة والاعتراف بها تدخل حيّز التّنفيذ قواعد آمرة قويّة تقضي بعدم التّدخّل الدّوليّ في الشّأن الدّاخليّ، واذا وضعنا هنا في الاعتبار تجربة يوغوسلافيا السّابقة فسنجد أنها أكّدت لنا أنّه من الصّعب جدّا السّيطرة على الانتهاكات واسعة النّطاق لحقوق الأقلّيّات من الخارج. فهناك خطورة كبيرة في السّماح للانفصال بالحدوث لما قد يكون من تغاضٍ ضمنيّ عن سوء معاملة الأقلّيّات في الدّولة المشكّلة حديثا، وهو أمر لن يكون من الممكن القيام بشيء حياله في مراحل لاحقة من سوء المعاملة تلك.

قد يقود مبدأ الهوّيّة الوطنيّة نفسه إلى التّفكير في وجهات نظر أخرى، وجهات تستدعي رؤية كامنة تدعو إلى أن يتقاسم مواطنو الدّولة هوّيّة وطنيّة شاملة تتيح مجالا للاختلاف الثّقافيّ. لكن إلى أيّ مدًى يمكن تحقيق هذه الرّؤية المثاليّة على حالة معيّنة؟ بل إلى أيّ مدًى تتضمّن الهوّيّة المعنيّة بطبيعتها عناصر يمكن أن ترتبط بثقافة مجموعة إثنيّة معيّنة؟ فإذا كانت الهوّيّة الوطنيّة للـجماعة (ص) غير متبلورة نسبيّا وكانت هوية الجماعة (س) تتضمّن عنصرا دينيّا أو عرقيّا أقوى عن سبيل المثال، فمن الواضح أنّ هناك فرصة متاحة بشكل أفضل للجماعة (س) بسبب ما لها من هوّيّة مشتركة يمكن أن تتطوّر في الدّولة الأصل (ص) على العكس ممّا قد يحصل لها في الدّولة الانفصاليّة (س). وللإشارة لا يعني هذا المعيار بالضّرورة تأييد الوضع الرّاهن أو تزكيته، وإنما يقصد به التّنبيه إلى حقيقة أنّه في كثير من الحالات لاسيما منها تلك التي تكون فيها الدّولة القائمة راسخة منذ وقت طويل، الشّيء الذي مكّنها من إرساء آليّات جيّدة للتّعامل مع التّعدّديّة حيث يغدو مطلب الانفصال غير واقعيّ وغير مبرّر بما يلزم من النّاحية السّياسيّة. إذ لا يتوقّع أحد بخصوص قضيّة الكرد في العراق مثلا أن تقوم دولة كردستان المستقلة في حماية الحقوق الخاصة بالأقليات في كردستان بكفاءة وفعالية أفضل من ما حاصل من أنتهاك لحقوق هذه الأقليات في العراق، وأيضا لا يتوقّع أحد بخصوص قضيّة الكيبيك مثلا، أن تقوم دولة الكيبيك المستقلّة بحماية الحقوق الخاصّة بالأقلّيّة النّاطقة بالأنجليزيّة على الأقلّ بنفس الكفاءة والفعاليّة التي تقوم بها كندا اليوم في حماية حقوق المتحدّثين بالفرنسيّة. بتعبير أكثر وضوحا يصعب أن نتصوّر تطوّر هوّيّة وطنيّة متفتّحة ومتقبّلة لغير الكرد في كردستان بسبب غياب تقاليد أحترام حقوق الأنسان والأقليلات في الشرق الأوسط عموما وفي العراق خصوصا، أو للنّاطقين بالأنجليزيّة في كيبيك، على نحو ما تطوّرت به الهوّيّة الكنديّة للمتحدّثين بالفرنسيّة في جميع أنحاء كندا بفضل التّرويج النّشط للحديث بها الذي أدى إلى أن تكون الثّقافة الفرنسيّة عنصرا مؤسّسا في تلك الهوّيّة.

لا يوجد سبب يدعو إلى الاعتقاد بإمكانيّة احترام حقوق الأقلّيّات عندما يتعذّر التّعايش السّلميّ في المجتمعات المختلطة ومع اندلاع حرب أهليّة تصبح المصالحة أو التّوافق أمرا غير ممكن بسبب ما تأصّل من عداء متبادل، وحينئذ لن تنجح أيّة صيغة لتقسيم الإقليم. إذ يكون من الضّروريّ التّفكير في تبادل السّكان ابتداء لأجل إنشاء كيانات متجانسة وطنيّا، فاقتراح كهذا سيرحّب به معظم اللّيبراليّين لأنّ خلافه يذكِّر بالشّبح المرعب للتّطهير العرقيّ وبالتّرحيل القسريّ. لا شكّ أنّ كثيرا من التّحوّلات السّكّانيّة قد حدثت في الواقع بشكل أو بآخر تحت طائلة الإكراه الفعليّ، لذلك ينبغي أن نكون مستعدّين للتّفكير في عمليّة تخضع لإشراف دوليّ تكون أقل كلفة من النّاحية الإنسانيّة وأقلّ ضررا من النّواحي الاجتماعيّة. بحيث يتمّ منح المرحّلين حوافز ماليّة لتبادل الممتلكات والعقارات إذا كان البديل عن ذلك هو ما شهد العالم من أحداث دامية في البوسنة، وعلى نطاق أصغر بكثير في أيرلندا الشّمالية.

وعموما ينبغي عند معالجة مسألة الأقلّيّات ألاّ يكون المبدأ هو السّماح بالانفصال عندما تطالب به أغلبيّة إقليميّة، بل يتعيّن حثّ كلّ الأطراف على البحث عن الوسائل العمليّة التي تحقّق التّعايش بشكل أفضل، وتوفّر فرصا فعليّة لخلق دول ذات هوّيّات وطنيّة متجانسة نسبيّا تحمي حقوق الأقليّات داخليّا من النّواحي الاجتماعيّة والثّقافيّة وغيرها. للإحصاء أهمّيّة في معرفة الخريطة السّكّانيّة والإحاطة بالوضع الاجتماعيّ والثّقافيّ لمختلف الفئات، وينبغي أن تحتسب العواقب لأكثر من ذلك عندما تبدو الأوضاع سيّئة للغاية بالنّسبة للأقلّيّات حيث قد يكون من الضّروريّ تشجيع بعض السّكّان على نقل مساكنهم قدر الإمكان.

مسألة العدالة والتّوزيع

يرد التّساؤل عمّا إن كانت الاستجابة للمطالب الانفصاليّة المتعلّقة بتطبيق مبادئ العدالة التّوزيعيّة تحقّق نتيجة أفضل في الاستجابة للانفصال، عندما يبدو أنّ المطالبة بتطبيقها أمر مستخف به لاسيما في فترات الرّكود الاقتصاديّ التي تؤثّر سلبا على الأوضاع الاجتماعيّة داخل الدّول بما فيها المستحدثة نتيجة الانفصال، والتي من المرجّح أن تؤثّر على حجم التّبادل بتغيّر نمط التّوزيع الاقتصاديّ بينها. من الملاحظ عند تتبّع المناقشات التي تناولت هذه المسألة أنّها تعطي لمبادئ العدالة بعدا استراتيجيّا، ومكانا بارزا في نظريّة الانفصال المشروع. ومن ثمّة يأتي السّؤال عن الدّواعي والاعتبارات الفعليّة التي تحتّم تعديل الاستنتاجات المتوصّل إليها بخصوص هذه المبادئ.

يشير بوكانان، إلى إنّ المسألة الأولى التي يتعيّن تسويتها هنا هي نطاق المبادئ المعنيّة. بمعنى هل ينبغي اعتماد مبادئ العدالة التّوزيعيّة كأعراف موجّهة في تحكيم القانون الدّوليّ مع ما يكتنف تطبيقها على الصّعيد العالميّ من صعوبات ومشكلات، أم أعتمادها كمبادئ لها نطاق محدود يتأتّى من التّطبيق العمليّ لها عبر المؤسّسات المحلّيّة؟ يحلّل بوكانان هذه القضيّة برسم التّباين بين "العدالة كمعاملة بالمثل" وبين "العدالة التي تركز على الموضوع"، حيث يرى أنّ التزامات الأولى لا تقع إلاّ بين مساهمين في مشروع تعاونيّ، بينما لا تفرض الأخيرة أيّة قيود من هذا القبيل. غير أنّ مبادئ العدالة التّوزيعية لاسيما المبادئ المقارنة منها مثل المساواة والحاجة والاستحقاق، لها بالفعل نطاق محدود لا تعيّنه الممارسة التّعاونيّة التي تستهدف تحقيق منفعة متبادلة؛ بل تعيّنه مواضعات مجتمع يعترف فيه الأعضاء بعضهم بالبعض وبالانتماء إليه جميعا على السّويّة. يتجنب هذا الرّأي طبعا ما يعتبره بوكانان الضّعف الرّئيس للعدالة بوصفها معاملة بالمثل حينما يعتبر أنّه لا يمكن الاعتراف بالتزامات العدالة تُجاه أولئك الذين لا يستطيعون الإسهام في خطّة للتّعاون الاجتماعيّ، مثل ذوي الإعاقة الخطيرة. وإذا كان نطاق مبادئ العدالة يحدّده ما يتواضع عليه المجتمع المعنيّ من حدود، فإنّ هذه المبادئ ستشمل حتما أولئك أفراد الذين لا يستطيعون المساهمة في النّاتج الاجتماعيّ لسبب أو لآخر، إذ ستطبّق عليهم مثلا مبادئ المقارنة مثل مبادئ المساواة والحاجة والاستحقاق، لها بالفعل نطاق محدود. وعموما الأمّم ليست هي المجتمع الوحيد الذي يمكن أن يُحسب على هذا المنظور، وإن كانت هي الأهمّ.

إذا كانت هذه هي الصّورة فكيف أذن نحكم على عدالة مطلب الأنفصال؟ لا شكّ أنّ الأصل يقضي بالحفاظ على مبدأ الوحدة في مجتمع تخضع مؤسّساته لدرجة أوثق من مبادئ العدالة التي يوافق عليها المواطنون، ومتى ما حدث الانفصال نتيجة سبب من الأسباب، أو تحت أيّ ظرف من الظّروف تتشكّل بالتّبع جماعتان سياسيّتان يتجّسد بشكل أو بآخر في كلّ واحدة منها إحساس بالعدالة بين الأعضاء، لذلك يكون من المزايدة الباطلة اعتبار الانفصال سببا لتحقيق العدالة. إذ يحاجج الموقف المؤيّد للانفصال بسخط الأقلّيّة (س) بسبب ما عانت من ظلم في الدّولة الكبيرة، إمّا لأنّ المبادئ التي اشتركوا فيها مع الأغلبيّة لم تنعكس بشكل كافٍ في سياسات الدّولة، أو لأنّ تلك المبادئ التي تقاسمتها داخل الجماعة (ص) قد نُفّذت بطريقة تمييزيّة. ويحاجج الموقف الرّافض للانفصال بما جنّدت الدّولة الأكبر من موارد وفّرت الحماية من أنواع العوز والحرمان لجميع الأعضاء في كلتا الطّائفتين. والحقيقة التي لا تقبل المراء والمجادلة أنّ الجماعة (س) والجماعة (ص) سيتلقّيان معا معاملة مختلفة بعد الانفصال سواء من قبل الحكومتين أو من قبل المؤسّسات الدّوليّة، وهو سبب آخر ينضاف لمعارضة الانفصال والوقوف ضدّه. وينطلق ذلك من مقدمة هي أن مبادئ العدالة النسبية تطبيق داخل المجتمعات وليس فيما بين مجتمعات في دول أخرى. فأنه ليس من الظلم مثلا أن الألمان يتمتعون في متوسط دخل أعلى أو رعاية طبية أفضل من الإسبان، لذلك إذا كان الباسكيون ينفصلون عن إسبانيا، فلن يكون هناك أي ظلم إذا كانوا يحصلون على مستوى معيشي أعلى (أو أدنى) من مواطنيهم السابقين.

يعني هذا بشكل عامّ أنّ حجّة العدالة ستتعزّز بإعلاء الوطنيّة كانتماء ومبدأ جامع بدل التّعويض بالحجّة الأصليّة لتقرير المصير، لكن عندما تتعارض الهوّيّة الجماعيّة لمجموعتين أو أكثر داخل الدّولة بشكل جذريّ، فيعني ذلك أنه من المحتمل جداًّ سيحصل مجتمع الأقلّيّة على معاملة غير عادلة لواحد أو لكلا السّببين المبيّنين أعلاه. ومن المرجح أن تنافر الهوّيّات الخاصّة يأتي كمحصّلة طبيعيّة لما يعتمل داخل الثّقافات العامّة من تناقض، وبالتالي فهم مختلف نوعا ما لما تتطلبه العدالة. وبالمثل عندما يوجد قدر كبير من العداء بين المجتمعات المحلية، سيشعر الزعماء السياسيون في مجتمع الأغلبية بإغراء قوي لممارسة سياسات تمييزية لصالح أتباعهم. إنّ الهوّيّات الجماعاتيّة تتقارب بشكل أوثق على المستوى الوطنيّ كلّما تحقّقت العدالة، وليس محتملا أن يدعم مبدأ الجنسيّة ولا العدالة التّوزيعيّة مطلب الانفصال.

عند التّفكير في ظروف أخرى يمكن أن تلجأ إليها العدالة للاعتراض على حالة انفصاليّة يبدو أنّ لها ما يبرّرها من نواحي أخرى تبرز حالتان هما:

أولا، أنّ الانفصال كما لاحظ العديد من الباحثين قد يكون غير عادل إذا حرم الدّولة الأصليّة من بعض الموارد القيّمة التي تمتلكها أو التي تمّ إنشاؤها بمجهود جماعيّ مثل ثروة طبيعيّة نصّ عليها دستور الدّولة السّابقة للانفصال بوصفها ملكاً عامّا لكلّ المواطنين، أو استثمار ماليّ كبير قامت به تلك الدّولة في إنشاء محطّة لتوليد الكهرباء على أراضي الإقليم المطالب بالانفصال. حيث يمكن من حيث المبدأ حلّ هذه المسألة من خلال نقل الدّفع من الدّولة الجديدة (س) إلى ما تبقّى من الدّولة الأصل (ص) بالرّغم من صعوبة الاتّفاق على شروط دقيقة بهذا الخصوص. كما يمكن عندما يفرض انسحاب الجماعة (س) معاناة على الجماعة (ص) أن يعقد الطّرفان اتّفاقيّة ذات صبغة دوليّة تستمرّ من خلالها الجماعتان (ص) و(س) في التّعاون وفق الظّروف والشّروط والشّرعيّة المتوقّع معها استمرار ذلك التّعاون حسبما يرى غوتييه. فقد يكون لدى الجماعة (ص) بعض المطالب بالتّعويض التي تنخفض تدريجيّا مع تقدّم الزّمن وتوالي السّنين، لذلك فإنّ من الأفضل اعتبارها من مسائل العدالة الانتقاليّة التي لا ينبغي أن تُخلَط بالفكرة المرفوضة أعلاه التي ترى أنّ الانفصال سببا لتحقيق العدالة، فالموقف النّسبيّ للطّائفتين اللّتان تشكّلتا بفعله لا بدّ من أن يحتكم إلى تطبيق مبدأ المقارنة مثل المساواة والحاجة والاستحقاق عند كليهما.

ثانيا، عندما يكون الانفصال سببا مباشرا لأن تبقى الدّولة الباقية قليلة الموارد لا تقدر على حماية مصالح أعضائها وتأمين متطلباتهم الأساس، فيضطرّها ذلك إلى الرّضوخ والانصياع لأجندات القوى الدّوليّة أو الإقليميّة كأن يختار إقليم غنيّ الانفصال عن أقاليم فقيرة وهامشيّة، وهو أمر يستحقّ التّفكير لأنّه يلقي الضّوء على المبدأ العامّ الذي يستند إليه هذا الافتراض وهو أنّ سعي الجماعة (س) إلى تقرير المصير يتعيّن حتما ألاّ يفضي إلى حالة تحرُم الجماعة (ص) من تحقيق العدالة فيما بين أعضائها ما يجعلها محقّة في المطالبة بالحقّ في تقرير المصير أيضا. وهذا يذكّر إلى حدّ ما بشرط ويلمان الذي يرى ضرورة أن تكون الدّولة الانفصاليّة والدّولة الباقية كلاهما "كبيرتين، ثريّتين، متماسكتين ومتّصلتين جغرافيّا بما فيه الكفاية لتشكيل حكومة تؤدّي بشكل فعّال الوظائف اللاّزمة لخلق بيئة سياسيّة آمنة". ومع اعتبار عدم جدوى الإصرار على مطالبة كلّ دولة بالوصول إلى مستوى من الشّرعيّة اللّيبراليّة قبل تشكيلها يبقى مهمّا بالفعل أن يكون لكلّ من الدّولتين (س) و(ص) ما يلزم من الأراضي والموارد التي تمكّنها من إنشاء مجتمع سياسيّ قابل للحياة؛ أمّا كيفيّة القيام بذلك عمليّا فهذا يعتمد على الثّقافات السّياسيّة المتحصّلة لدى الجماعتين.

الخلاصة

لقد حاولت الدّراسة أن توضّح ما يوفّر مبدأ الهوّيّة الوطنيّة (أو مبدأ الجنسيّة) من وجهات نظر حول قضيّة الانفصال، ومن رؤًى تتجنّب الوقوع في مغبّة تجاهل مطالب الانفصاليّين دون انحياز لطرف على حساب آخر، ودون أن يكون في الأمر ما يرغم على الدّفاع عن الدّولة القائمة. ففي بعض الأحيان تحتاج الحدود إلى تغيير، لكنّ القيام بذلك لا يصحّ ولا يتحقّق إلاّ بتطبيق المعايير ذات الصّلة، وليس فقط عبر المطالبة الصّاخبة والتّجييش المنفعل للعواطف القوميّة، إذ من غير الطّبيعيّ أن تنادي أغلبيّة إقليميّة تريد الانفصال بالاستقلال دون أن يكون لها الحقّ في القيام بذلك. فهي تحتاج إلى قياس قوّة مطالبتها، وقياس المدى الذي تطوّرت إليه هوّيتها، كما تحتاج إلى قياس قدرتها على تحمّل كلفة الانفصال وإلى معرفة كيف يمكن أن يكون مصيرها عند تطوّر هوّيّة أقلّيّة منفصلة داخلها، بالإضافة إلى استيعاب مختلف النّظم الممكنة التي تتطوّر من خلالها مختلف الجماعات والمجموعات وغير ذلك ممّا يتطلّب مستوى من المعرفة العلميّة ومن الحذق السّياسيّ ناهيك عن التّمكّن من فهم الواقع والإمساك بخيوطه المعقّدة والمتشابكة. فبهذه الطّريقة لا بغيرها يمكن أن يكون الانفصال الصّريح مبرّرا من النّاحيتين القانونيّة والسّياسيّة، وبديلا مقبولا عن الأشكال التّوافقيّة الأخرى المتوفّرة داخل حدود الدّولة القائمة كالحكم الذّاتيّ الجزئيّ، الفدراليّة، الحكم الذاتيّ المحليّ، وما إلى ذلك من أشكال.

 

د. عليّ رسول الرّبيعيّ

............................

Reference

Buchanan, A,. Secession, Boudler, colo., Westview Press, 1991, p.49.

Buchanan, A,. ‘Theories of Secession’, Philosophy and Public Affairs,26, 1997, pp 31-61.

Crawford, J., Thr Creation of State in International Law, Oford, CLARENDON Press, 1979, ch,3.

Gauthier, ‘Breaking Up: An Essay on Secession’, Canadian Journal of Philosophy,24, 1994.

Horowitz, D.L., ‘Self-Determination: Politics< Philosophy and Law’, in Shapiro, I., and Kymlicka, W., (eds), Namos XXXIX: Ethnicity and Group Rights, New York, New York UniversityPress, 1997, and Moor, M., (ed0 Self-Determination and Secession, Oxford, Oxford University Press, 1998.

Keating, M., Nation aginst the State: The New Politics of Nationalism in Quebec, Catalonia and Scotland, Basingstoke, Macmillan, 1996.

Ladas, S.P, The Exchange of Minorities: Bulgaria, Greece and Turkey, New York, Macmillan,1932.

Mapel, D.R., and Nardin, T., The constitution of International Society: Diverse Ethical Perspectives, Princeton, Princeton university Press, 1998.

McDowall, D, The Kurds: A Nation Denied, London, Minority Rights Group, 1992; Kreyenbroek, P.G and Sperl, S (ed), The Kurds: A Contemporary Overview, London, Routledge, 1992.

Moore, Margaret, ‘On National Self-Determination’, Political Studies, 45,1997

Nielsen, K, ‘Secession: The Case of Quebec’, Journal of APPLIED Philosophy, 10, 1993, PP 29-43; وايضا Gauthier, ‘Breaking Up: An Essay on Secession’, Canadian Journal of Philosophy,24, 1994, pp,356-72.

Norman, W,. ‘The Ethics of Secession as the Regulation of Secessionist Politcs’ in Moore (ed) National Self-Determination and Secession, Oxford, oxford University Press, 1998.

Petropoulos, J.A., ‘The Compulsory Exchange of Populations: Greek-Turkish Peace-making, 1922-1930’, Byzantine and Modern Greek Studies,2, 1976.

Steiner, H., ‘Territorial Justice’ in Georgy, Caney, S, D and Jones (eds), National Rights, International Obligations, Boulder, Colo., Westview Press, 1996

Wellman, C.H., ‘A Defense of Secession and Political Self-Determination’, Philosophy and Public Affairs, 24, 1995.

عدنان عويدقال الله تعالى في كتابه العزيز: (هو الذي أنزل إليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ولا يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا ألوا الألباب.) .. آل عمران (7).

يقول الفيلسوف الكندي، العربي – الإسلامي عن تجار الدين:

(... ذباً عن كراسيهم المزورة التي نصبوها (لأنفسهم) من غير استحقاق، بل للترؤس والتجارة بالدين وهم عدماء الدين، لأن من تجر بالشيء باعه، ومن باع شيئاً لم يكن له. ومن تجر بالدين لم يكن له دين.).

قبل أن نقدم رؤيتنا المتواضعة في مسألة هؤلاء الذين أخذوا بالآيات المتشابهات والتأويل ابتغاء الفتنة أو تأويله لتحقيق مصالح أنانية ضيقة. دعونا نقف قليلاً عند تعريف أو تحديد مفهومي المسلم والمؤمن كما نص عليهما النص المقدس (القرآن)، وهو المرجع الأساس وربما الوحيد في النظر بمسألتي التشريع والعقيدة، الذي منه اشتقت كل الدراسات الإسلامية الفقهية وعلم الكلام وغيرها. هذا إذا أخذنا بالحديث الشريف القائل: ( من كتب عني غير القرآن فاليمحه.)، صحيح مُسلم . وذلك حتى لا نفسح في المجال لمن يقول بأن كل ما قاله الرسول في غير القرآن هو من عند الله وخاصة في أمر الحياة اليومية المباشرة، انطلاقاً من تفسيرهم الخاطئ لما جاء في النص القرآني بأن الرسول (وما ينطق عن الهوى إن هو وحي يوحى)، (النجم -3). وبناءً على ذلك وضعوا مئات آلاف الأحاديث على لسان الرسول وادعوا وتبنوها بناءً على تفسيرهم الخاطئ لهذه الآية. حتى أن حجة الإسلام أبو حامد الغزالي اعتمد على (1000) حديث ضعيف منها، وراح يقول بأن الحديث ينسخ القرآن والعكس صحيح. أو كما قال ابن حنبل : (الحديث الضعيف عندي أهم من الرأي.). والرسول نفسه أكد عندما سئل عن تأبير النخل قائلاً : (أنتم أدرى بأمور دنياكم.). وأمور الدنيا بحاجة للعقل والرأي والتدبير، وأعتقد ، بل أجزم أن الرسول قد قال ذلك كونه الأدري بما أنزل إليه من عند الله، وما لم ينزل عليه وهو من عنده، ومن يعود إلى خطبته في حجة الوداع يؤكد ذلك. وبالتالي هو أدرى أيضاً بالذين في قلوبهم زيغ.

من هو المسلم، ومن هو المؤمن كما حدده النص القرآني؟:

نقول في هذا الاتجاه: إذا كان "الإسلام" في مفهومه العام هو الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخرة،. وأن مقاصد الدين الحنيف قد حددته الآية الكريمة التالية: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتائي ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.). النحل (90). أو كما حدده حديث الرسول المشهور المتكئ على النص القرآني وهو: (المسلم من سلم الناس من يده ولسانه). رواه مسلم والبخاري). فبذلك يكون المسلمون ليسوا هم من نزلت عليهم الرسالة التي بشر بها الرسول محمد فحسب، بل المسلمون هم كل من آمن بمضمون الآية التي جئنا عليها أعلاه، وعلى مضمون الحديث، من سلم الناس من يده ولسانه. وهذا التحديد لمن هو مسلم جاء بيناً في العديد من آيات القرآن الكريم مثل: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا عليّ وآتوني مسلمين). (النمل 30). وكذلك جاء في سورة يوسف:( توفني مسلماً والحقني بالصالحين).بوسف (101). وقول الآية التالية في سورة آل عمران أيضاً: ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله؟. قال الحواريون نحن انصار الله آمنا بالله واشهد بانا مسلمون.). آل عمران. (52). أما هذه الآية فهي تبين بكل وضوح بأن الإسلام ليس الدين الذي نزل على الرسول محمد فحسب، وإنما هو دين الله الذي نزل على كل ملائكته ورسله.. تقول الآية الكريمة: (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لانفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون. ومن يتبع غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.). آل عمران. (84 و 85).   أما المسلمون الذين اتخذوا الإسلام الذي نزل على الرسول محمد ديناً لهم ، فقد نزل فيهم قوله تعالى قبل وفاة الرسول: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً.). (المائدة -3). وبهذا يكون الإسلام وفق هذه المعطيات هو الدين الوحيد الذي نزل على كل الأنبياء بغض النظر عن الزمان والمكان الذي نزل فيه هذا الدين، وموافقته لقضايا عصر نزوله، إلا أن جوهره واحد وهو: الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به.

أما المؤمنون وفق هذه الآية، فهم كل من آمن بمضمون ومقاصد الإسلام الخيرة وفقاً لمفهوم الإسلام الذي جئنا عليه أعلاه أولاً، ثم هم الذين يجاهدون في سبيل الله حق جهاده ثانياً. والجهاد هنا هو جزاء الذين يعيثون في الأرض فساداً ويعتدون على مقاصد الدين الأساسية وهي حق الحياة والأرض والعرض والنفس والمال، كما تقول الآية: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفون في الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب عظيم.). المائدة 33.

بيد أن المشكلة هنا في مسألة دلالات مبدأ الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر التي تبررها بعض القوى أو التيارات الإسلامية الجهادية المتطرفة، فهي لا تأتي ذريعة لاستخدام عقاب الناس ومحاسبتهم وتعزيرهم ، قطعاً للرؤوس وتكفيراً للآخر المختلف في الهوية، وهو يمثل الفرقة الناجية التي عليها أن تحارب الناس أجمعين لأنهم كفار، وان عقابهم من قبل هذه الفرقة أو هذا المسلم تكليف شرعي من عند الله. ففي مثل هذا الموقف العدائي من قبل المتنطعين في الدين، خروجاً عن مفهوم النهي عن المنكر. فمفهوم الجهاد بشكل خاص، هو عدم الاعتداء على الناس وإباحة دمهم وأموالهم بدون حق. وهذا الفهم الحقيقي يكلف به المؤمنون من المسلمين، عبر مؤسساتهم الشرعية، التي تقررها الدولة، ووفقاً لدراسة معطيات الذنب المرتكب وما يحيط به وما هي دوافعه... وغير ذلك. وبالتالي هذا يدفعنا للوقوف قليلاً عند هذه المسألة الإشكالية. فهذا الرسول يقول عن مسألة الجهاد ودلالاته بعد معركة بدر: (عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) (النسائي والبيهقي وهو حديث مشهور). فحرب الأعداء بالمال والنفس هو الجهاد الأصغر، أما الجهاد الأكبر فهو مجاهدة النفس على الشدائد، ومكابدة الذات على المكاره، ومساعدة الناس على السمو والرفعة، ومعاهدة الروح على البذل والعطاء، وتنقية القلوب وإحياء النفوس على كل ما هو جميل. ونختم هنا حول قضية الجهاد في هذه الآية الكريمة وهي من الآيات العامة والمحكمة في دلالاتها بالنسبة لتحديد من هم الذين يجب أن يقاتلوا، وكم هي سعة رحمة الله وعفوه في قوله تعالى: ( عسى أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم. لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين.). الممتحنة- (7و8).

أما هؤلاء المتنطعين في الدين الذين يدعون بأنهم يقاتلون من أجل الله ودينه من خارج سلطة الدولة، وعلى الطريقة التي يفسرون فيها النص الديني ويؤولونه لمصالحهم أو مصالح من يسخروهم لتحقيق مصالح سياسية أو اجتماعية أو مادية، فإن الله لغني عنهم وعن جهادهم، وهو ليس بحاجة لمثل هؤلاء المتنطعين، أو المرتزقة ممن يدعون الإيمان. فالله تعالى يقول: (ومن يجاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين.). العنكبوت (6). أو في قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون.). المائدة (105).

إن الإسلام في صيغته العامة هذه هو دين يسر ومحبة وعدالة: (وما جعل عليكم في الدين من حرج). المائدة (78). وهو لا يأمر وجوباً، ويلزم الناس فوق طاقتهم، بل يسهل عليهم تجاوز بعض ما حرم عليهم إن اضطروا: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه). البقرة (173). ولكن الاضطرار هنا محكوم بقدره، أي عدم تجاوز حدود المباح وفق هذه الآية حتى لا يتحول المباح هنا إلى ضرر أكثر من نفعه.

أما الموقف من الديانات الأخرى، فالإسلام والمسلمون المؤمنون في نهاية المطاف لا يميزون بين أنبيائه ورسله وكتبه، فكلها من عنده وكلها تدعوا إلى وحدانية الله وتحقيق الجوهر الحقيقي للإنسانية كما بينا في موقع سابق، وكما جاء في الآية الكريمة التالية: (قل آمنا بالله وما أنزل على ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من عند ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون). عمران 84.

الذين في قلوبهم زيغ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله:

جاء في الآية القرآنية التالية ما يحدد أو يبين من هو المسلم الحقيقي، والمؤمن بدور الإسلام ومقاصده الإنسانية. تقول الآية الكريمة: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا ألو الألباب.). آل عمران (7).

إن قراءة دقيقة لمضمون ودلالات هذه الآية، تبين لنا الجوهر الأساس للنص القرآني الذي يجب على كل مؤمن بهذا النص أن يتعامل معه انطلاقاً من هذه الآية. هذه الآية (القدرية في مضمونها) التي تقرر بأن القرآن يحمل بين طياته آيات محكمات، أي بينات واضحات لا غموض فيها أو لبس أو تشابه، وهذه الآيات هن من يشكل الجزء الأكبر من آيات القرآن، أما ما تبقى من الآيات فهن آيات متشابهات، أي فيها الغموض وفيها المفارقة أحيانا ولا نقل التناقض، وفيها تعدد الدلالات في المفهوم. فمن الآيات البينات على سبيل المثال للحصر: (قل هو الله أحد الله والصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد). صورة الإخلاص-1-2-3-4-). فهذه آية بينة، (وكذلك الآيات (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خلق الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ   عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ        ). (العلق -1-2-3-4-5). أما الآيات المتشابهات فلنأخذ بعضها كالآيات التالية : (والذين كذبوا في آياتنا صم وبكم في الظلمات، من يشاء الله يضلله ومن يشاء يجعله على صراط مستقيم). (الأنعام 39). وهذه الآية جبرية في دلالاتها، في الوقت الذي نجد آية أخرى تقول بحرية الإرادة التي يمارس فيها الإنسان أعماله بنفسه أو بقدره، وليس جبراً كالآية التالية: (قد جاءكم بصائرُ من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها وما أنا عليكم بحفيظ.). (الأنعام – 104). أو كالآيات التالية في الموقف من اليهود والنصارى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين.). المائدة (51). والآية المتشابهة التالية: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسون ورهباناً وأنهم لا يستكبرون.). المائدة. (82). وهنا أيضاً الآية التي تفضل اليهود على العالمين: (ولقد آتينا بني اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين.). الجاشية (16). وغير ذلك من هذه الآيات. كما نجد التشابه في مستويات ودلالات أخرى بالنسبة للنص القرآني، من حيث تعدد الدلالة في الآية الواحدة كالآية التالية: (الرحمن على العرش استوى ..). (طه -5)، فدلالات الاستواء هنا غير واضحة، لا في مكانها ولا في طبيعتها. في الوقت الذي نجد فيه آية أخرى تشير إلى حالة الاستواء بكل وضوح كالآية التالية : (وانشقت السماء يومئذ واهية . والْمَلَكُ على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية.). الحاقة (16 و17). ففي هذه الآية يبدو التجسيم أو التجسيد واضحاً بالنسبة لمكان الله وعرشه وحملته. والآية التالية تؤكد بان وجود الله في السماء، ومن هناك يتدبر أمر الخلق : (يدير الأمر من السماء إلى الأرض ثم يُعْرِجُ إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما يقدرون.). السجد (5). وفي آية أخرى يشير فيها إلى سمعه وبصره : (قال لا تخافا إني معكما أسمع وأرى.).طه (46). وأمام كل هذه الآيات التي تشير إلى التجسيد الصريح عن مكان وجود الله وسمعه وبصره واستوائه، نجد آية أخرى تنفي كل هذه الصفات التجسيدية لتقول: (فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيئ وهو السميع البصير.). الشورى (11). فهذه الآية في الحقيقة تنفي التجسد أو التشابه (الصفات) كله في مضمونها، ففي الوقت الذي تشير إلى قدرته على الخلق وإلى سمعه وبصره، تقر أيضاً بأن الله ليس كمثله شيء. أي هو خارج نطاق الوصف. ومن يكن خارج نطاق الوصف سيجرد في النهاية من كل ما يدل على محسوستيه الشخصية بأية صفة كانت.

إذن من خلال هذه الآيات المتشابهات تأتي إشكالية التعامل مع النص المقدس، من حيث تأويله أو تفسيره لمصالح سياسية أو مذهبية أو شخصية، آو الأخذ به ابتغاء الفتنة بين المسلمين أنفسهم، أو بين المسلمين وغيرهم. وبناءً على ذلك نبه الله إلى خطورة التعامل مع هذه المتشابهات وقال بأن الذين في قلوبهم زيغ هم من يحاول التعامل معها أو الأخذ بها ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وكذلك نبهنا الرسول الكريم عن هذه الآيات المتشابهات بقوله: (القرآن ذلول ذو وجوه ، فاحملوه على أحسن وجوهه.) (رواه القرطبي، وابن عباس). أما الراسخون في العلم من المسلمين المؤمنون من أولي الألباب، أي المؤمنون بالله وبدور الإسلام كدين محبة ورحمة وعدالة ومساواة، فهم الذين يقرون أو يعترفون بوجود هذا التشابه أو الوجوه المتعددة في النص الديني، لذلك هم يؤمنون به من جهة كونه كله من عند الله، وعليهم التسليم به، وعليهم في المقابل أن يأخذوا من هذه الآيات كل آية واضحة بينة (محكمة) كما امرهم الله ورسوله. أي الآيات التي لا تفرق بين المسلمين وتحارب الفساد والظلم والاعتداء على حقوق الله وحقوق المواطنين.

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحت من –ديرالزور- سورية

 

هنالك رؤيتين متباينتين كلياً عن الأصل الذي أوجد كوننا المرئي أو المنظور، الأولى علمية والثانية ثيولوجية. الأولى عقلانية دنيوية بشرية تقبل الخطأ والصواب وقابلة للتطور، وتستند على معطيات علمية ونظريات ومعادلات رياضياتية وعمليات رصد ومشاهدات فلكية وتجارب مختبرية وبالرغم من ذلك فهي ليست قاطعة ومطلقة. والثانية تستند على مسلمة الإيمان، وهي غيبية ماورائية تدعي أنها منزلة من السماء في نصوص إلهية مقدسة لا تقبل الطعن أو النقاش أو المراجعة والتمحيص، لأنها إلهية المصدر نقلها الأنبياء والرسل عن الله، وهي قاطعة ونهائية ومطلقة وثابتة لا تتغير و لا تتطور. الأولى تقول أن الأصل هو مادة مكونة من جسيمات أولية لا متناهية في الصغر تتحرك وتتفاعل وتتجمع في تركيبات متنوعة لتخلق هيئات أكبر فأكبر وتخضع لقوانين فيزيائية جوهرية كالجاذبية الكونية أو الثقالة الكونية والقوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية الشديدة والقوة النووية الضعيفة. والثانية تقول بأن الأصل نشأ عن إرادة ربانية أردت أن تخلق الكون " من العدم؟" بطريقة " كن فيكون" ومع ذلك استغرق الله ستة أيام لخلق الكون بما فيه من سماء وأرض وشمس وقمر وليل ونهار وكائنات حية وجماد ونبات وحيوان وبشر، وقبلهم ملائكة وجن، كما ورد في الكتب المقدسة أو المنزلة وهي العهد القديم أو البابيل أو التوارة، والعهد الجديد أو الأناجيل، والقرآن. يقول رجال الدين والمؤسسات الدينية في كل مكان على الأرض، أن الرؤية الثانية هي الصحيحة، وهم لا يؤكدون ذلك فحسب، بل يفرضونه بالقوة تحت التهديد والترغيب والتلويح بالعذاب الدنيوي" كمحاكم التفتيش السيئة الصيت" والوعيد بالعقاب الآخروي والتهديد بعذاب جهنم والنار الخالدة والجحيم لمن لايؤمن بذلك.

ووفق طرح الثيولوجيين بمختلف مشاربهم، لم يكن العالم موجوداً منذ الأزل، الله وحده هو الأزلي وكان موجوداً وحده و لا شيء غيره، فهو الوجود الكلي المطلق. وفي لحظة ما قرر الله أن يخلق الكون، ويعتقد هؤلاء الثيولوجيين أن الله خلقه " من العدم" وهذا يعني ضمناً أن هناك شيء إسمه" العدم" كان موجوداً إلى جانب وجود الله، ولا ندري هل هو من خلقه أيضاً أم لا، أي هل العدم جزء من ملكوت الله أو مستقلاً عنه؟ والحال أننا نعرف، علمياً، أنه لا يوجد شيء إسمه " العدم" إلا في صيغ ومفاهيم فلسفية. وبالتالي لا يمكن لله أن يأخذ شيئاً من شيء غير موجود. والتفسير الوحيد الممكن والمقبول، من وجهة نظر ثيولوجية ودينية بالطبع، هو أن الله أخذ جزءاً من ذاته وصنع منه الكون.

من جهة أخرى يقول الثيولوجيون أن الله يتصف بالكمال والتمامية والكلية، وما يؤخذ منه كجزء لا بد أن يكون ذا صفة كلية تامة وكاملة وتتصف بالكمال، على غرار الكل الأصلي، والحال أن رجال الدين والمؤسسات الدينية تعترف بأن العالم المادي الظاهر لا يتصف بالكمال والتمامية بل يشوبه القصور والنقص. ويقولون أيضاً أن الله خلق بحرية وبكامل إرادته هذا الكون بما فيه وبما يحتويه، وبالتالي فهو مسئولاً عنه وعن النتيجة والهيئة التي ظهر بها هذا الكون المرئي، أي هو مسئول عن خلقه، وإذا كان هناك ثمة نقص فالمسؤولية تقع على عاتق الصانع أو الخالق. مثلما يقولون أن الله خلق للإنسان العقل لكي يختار ولكن إذا أخطأ العقل في اختياره فمن المسئول عن ذلك الاختيار؟ العقل أم من خلق العقل؟. يؤكد رجال الدين أن الشر مصدر الشيطان أو إبليس وأتباعه، لكنهم يتجاهلون حقيقة أن الشيطان أو إبليس وأتباعه هم مخلوقات خلقها الله بنفسه، لكنهم تمردوا عليه وعصوا أوامره مما جعلهم يعيثون فساداً في الكون الذي خلقه الله وتضليل مخلوقاته وبعلمه " لأنه يعلم كل شيء" كما يقول الفقهاء ورجال الدين، فمن غير المعقول أن الله لا يعرف سلفاً بنوايا جزء من ملائكته، وعلى رأسهم إبليس، وبالتالي يحصل الإغواء الشيطاني للبشر بموافقة ضمنية من الله لأنه قادر على منعهم عن ممارسة الشرور ضد البشر لو شاء ذلك، ولو لم يكن موافق ضمنياً لما أتاح لهم ذلك ومنحهم القدرات الخارقة لإتيان الأعمال الشريرة وجر البشر للعصيان والكفر وممارسة الشر. فإما أن يكون الله لم يرد منع الشر أو إنه لم يستطع ذلك وعجز عن منع ظهور الشر، ففي الحالة الأولى يكون مسؤولاً عن الشر، وفي الحالة الثانية تنتفي عنه صفة الكمال والكلية والقدرة اللامحدودة، وهذا ما يرفضه الثيولوجيين ويتهمون من يقول به بالكفر والزندقة. ولقد ورد في الإنجيل أن الله لم يمنع وقوع الشر. :" قال الملك"يسوع" لمن على يمينه، تعالوا أيها المباركون من أبي خذوا المملكة التي أعدت لكم منذ بدء الخليقة، وقال لمن كان على يساره، إبتعدوا عني أيها الملعونون في نار جهنم الخالدة التي أعدت للشيطان ومن تبعه من الملائكة ". فمنذ خلق العالم يكون الله قد خلق السماء وفيها الجحيم أي أن المهندس الأول الخالق يعرف مسبقاً كما يقول الثيولجيين، أن هناك من بين مخلوقاته " من بين أبنائه" من سيتمرد عليه ويعصيه، من ملائكة وبشر وحدد سلفاً من سيذهب للنار ومن سيذهب إلى الجنة ولم يفعل شيئاً لمنع العصاة والمتمردين، لكن ذلك جعل نتاج خلقه ناقص وغير متقن، وإنه أعد النار الخالدة منذ البدء للذين دنسوا عملية خلقه، وهم من مخلوقاته في نهاية المطاف. وعندما يواجه رجال الدين والمؤسسات الدينية بهذه المفارقة يردون بكلمة" هذا سر الله الغامض أو هذا لغز لا يعرف جوابه إلا الله. ومن أهم الألغاز التي يعجز الثيولوجيون الإجابة عنها أو شرحها وتفسيرها وتبريرها هو وجود الشر وتغلغله في ثنايا الوجود الإنساني والبشري وقد يتعدى التبرير حدود الأسطورة، فلا يمكن لرجال الدين إنكار وجود الشر لكنهم حائرون في البوح عمن خلقه ولماذا، فالله خلق النفس الأمارة بالسوء ومنح الشيطان القدرة على الهيمنة على البشر ونشر الشرور بينهم. وقد يحتج البعض أن الله خلق العقل وحباه بالذكاء وملكة التفكير وحرية الاختيار، حسناً وماذا لو اختار العقل الذي خلقه الله طريقاً مغايراً لما أراده الله ورسله وأنبيائه؟ فمن المسؤول هل هو العقل أم الله؟ فالعقل لم يخلق نفسه بنفسه كي يكون مسؤولاً عن اختياراته بل هو من صنع الله . وهل نجح آلاف الأنبياء والرسل في صناعة جنس بشري عاقل يستطيع التمييز بين الخير والشر؟. فماذا يقولون عن مئات الألوف من الحروب بل لعلها ملايين منذ ظهور النوع الإنساني وحتى بعد تحوله لحالة البشر العاقل الواعي؟ وماذا عن جرائم القتل والذبح والتمثيل بالجثث واكل الموتى في المجاعات وغيرها؟ هل ينكر المؤرخون أن البشر اعتادوا على أكل البشر في الكثير من حقب التاريخ البشري والفتك بشعوب كاملة وإبادتها بإسم الله والدين؟

النصوص الأسطورية والحقائق العلمية:  

كلما حقق العلم تقدماً وإنجازاً في عالم المعرفة والبحث عن حقيقة الكون، كلما تبين أن ذلك يتعارض ويختلف كلياً مع ما جاءت به الأديان السماوية والوضعية، وروته من قصص عن موضوع خلق الكون والكائنات، ولتفادي هذه الهوة وتهدئة ذوي العقول المضطربة والحائرة تقد بعض رجال الدين وأنصاف العلماء بموضوعة الإعجاز العلمي المقحم في القرآن وأبرزوا الآية التي تقول أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ(الانبياء 30) فما هي العلاقة أو الصلة بين نظرية الإنفجار العظيم والرتق والفتق بين الأرض والسماء؟ السماء بنظر الكثير من الفقهاء ورجال الدين هي القبة أو الغطاء الفوقي الذي يغطي الأرض والحال لا توجد سماء بل يوجد فضاء في كل مكان بين المجرات والنجوم والكواكب، وفوق الأرض وتحتها وعلى جانبيها، شرقها وغربها، شمالها وجنوبها. هل كان محمد وصحابته قبل 1500 سنة تقريباً يعرفون أن الكون المرئي نشأ عن انفجار نقطة لامتناهية في الصغر عرفت بالفرادة الكونية، وصاغوا هذه المعلومة بآية وفسرها المفسرون على أنها عبارة عن فصل بين السماء والأرض وتقسيم السماء إلى سبع سموات، وكذلك الأرض. الحقيقة العلمية تقول أنه لم يكن هناك سماء و لا أرض عند حدوث الإنفجار العظيم قبل 13.8 مليار سنة وليس خمسة أو سبعة آلاف سنة. بينما يذكر النص الديني أن الفتق حصل لكينونتين موجودتين أصلاً ومندمجتين ببعضهما أي كانتا بمثابة " كتلة" واحدة وتم الفصل بينهما ورفع السماء وأبعدها عن الأرض {اللَّه الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَات بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا الرعد 2}، ومن ثم يستطرد النص القرآني في وصف ما طرأ على السماء والأرض من تغيرات وتطورات وتعديلات لا علاقة لها بما نعرفه عنهما من الناحية العلمية، أَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (النازعات 31) ولكن في أية أخرى تناقضها يقول فيها النص القرآني إن الله خلق الأرض وأكمل أقواتها ثم استوي إلى السماء وهي مجرد دخان فسواها سبع سماوات (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " سورة البقرة 29)

أحتاج تكون الأرض إلى 4 مليار سنة أو أكثر وتقول الآية أن الله خلق الأرض في يومين من ألأيام الستة التي احتاجها الله لخلق الكون برمته:" قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ(فصلت 12) أي انه خلق الأرض وأكمل التعديلات عليها في أربعة أيام ثم استوي إلى السماء وسواها ورفع سمكها وهذا يناقض الآية الأولى (النازعات 31) التي تذكر انه عدل السماء ثم رجع يعدل الأرض (والأرض بعد ذلك دحاها)ويناقض أيضا آية (الأنبياء 30) في كونهما مخلوقتان ثم فصلهما كما يقول ! بمعنى انه خلق السماء والأرض ثم قام بالتعديل (الفتق) رغم انه في موضع آخر هنالك تسلسل في الخلق والتعديل (الأرض ثم التعديل (الأقوات) ثم السماء ثم التعديل (رفع السمك) حسب تسلسل آية فصلت 12. أما التوراة فقد سبق القرآن بهذه الأطروحة الخرافية عن نشأة الكون والإنسان من خلال سلسلة من الأسفار الأسطورية لا سيما سفر التكوين الذي يتحدث عن الخليقة وكيف خلق الله العالم والإنسان في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع ففي :" ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻷﻭﻝ : ﺧﻠﻖ ﺍﻴﺎﻩ ﻭﺍﻟﻨﻮﺭ ﻭﺍﻟﻈﻠﻤﺔ ﻭﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻭﺍﻷﺭﺽ وفي ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺜﺎ:ﹶ ﺧﻠﻖ ﺍﹶﻠد ﻟﻴﻔﺼﻞ ﺑ المياه وفي ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ: ﺧﻠﻖ ﺍﻟﻴﺎﺑﺴﺔ والنباتات وفي ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ: ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻭﺍﻟﻘﻤﺮ والنجوم وفي ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﺎﻣﺲ: خلق ﺍﻴﻮﺍﻧﺎﺕ وفي   ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ: خلق ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ وفي   ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺴﺎﺑﻊ: ﺍﺳﺘﺮﺍﺣﺔ الله، كما جاء في كتاب الباحث في التاريخ القديم الدكتور خزعل الماجدي تحت عنوان " أنبياء سومريون : كيف تحول عشرة ملوك سومريين إلى عشرة أنبياء توراتيين؟. ولقد فصل الدكتور الماجدي مقتبساً نصه من التوراة، في عرض عملية الخلق كما وردت في العهد القديم : في البدء خلق الله السماوات والأرض . وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله: ليكن نور، فكان نور . ورأى الله النور أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة. ودعا الله النور نهاراً والظلمة دعاها ليلاً، وكان صباح يوماً واحداً وهكذا يستمر الله في عملية الخلق وبعد الانتهاء من خلق النباتات والفصل بين الليل والنهار ثم خلق الحيوانات، يقرر خلق الإنسان في اليوم السادس، والذي خلقه على صورته ليسود على باقي الكائنات الموجودة على الأرض وسماه آدم ومن ضلعه خلق له زوجة أنثى سماها حواء ثم يروي لنا باقي الأسطورة عن الجنة والثعبان وإغرائه لحواء بأكل الثمرة المحرمة من شجرة المعرفة أو شجرة الشر والخير، فطردهما الله من الجنة بسبب هذه " الخطيئة " قبل أن يأكلا من شجرة الحياة ويحصلا على الخلود فعاقبهما الله وطردهما من الجنة، التي لا ندري أين توجد هل في السماء أم على الأرض"، وجعلهما على الأرض ليكدحا فيها من تعبهما. عاقب الله آدم وحواء والحية التي قال لها :" لأنك فعلت هذا أنت ملعونة من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية . على بطنك تسعين وتراباً تأكلين كل أيام حياتك" لماذا الحية وليس أي حيوان آخر؟ وكيف تسللت إلى الجنة بدون علم الله؟ وبأي لغة تحدثت مع حواء لتغريها؟ وهل هو الشيطان تنكر بهيئة الحية ليغوي حواء، وإذا كان هذا ما حصل فما ذنب الحية لكي تعاقب؟ هذه هي صورة الخلق الرباني التي لا يمكن للعلم أن يقبلها وللعقل أن يتبناها ويصدقها.

نظرية الانفجار ليست قاطعة لكنها أفضل ما تقدم به العلم عن هذا الموضوع لحد الآن، وبالإمكان نقدها وتفنيدها بالأدلة العلمية ومن الممكن أن يكتشف العلماء نظريات أخرى في تفسير خلق الكون فماذا سيكون موقف القرآن حينئذ؟ هل سيتشبث بصحة النظرية لأن "الإعجاز العلمي للقرآن" أقرها؟ لا بد من إعادة النظر وتمحيص مصداقية ما روته الأديان وكتبها المقدسة من قصص وأخبار وأطروحات أحاطتها بنوع من الهالة المقدسة والغموض المتعمد والرهبة من مناقشتها أو محاولة دحضها أو التشكيك بها تحت طائلة التكفير. والحال أن أغلب تلك النصوص الدينية مأخوذة، إن لم نقل مسروقة، من نصوص قديمة سبقتها بآلاف السنين أنتجتها حضارات قديمة كالسومرية والأكدية والآشورية الكلدانية والبابلية في بلاد ما بين النهرين والفرعونية المصرية وهي نصوص وثنية أفرزتها أديان لحضارات سبقت التوحيد، ما يعني أن النصوص الدينية المقدسة ليست منزلة بل موضوعة ومؤلفة من قبل بشر.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

في هذا البحث سنسلط الضوء على العلاقة الممكنة والمفترضة بين [المعجزة والتاريخ]، أعني: بين اللامعقول وبين التاريخ [واللامعقول في المنطق هو الذي لا يمكننا تصوره وإدراكه]، إذن فنحن هنا سنعمل وفق نهجنا العلمي و في كيفية جعل اللامعقول مقبولاً ومنطقياً ومتماشياً مع حركة ونظام الطبيعة، ونقول: هل يحق للتاريخ أن يسجل لنا ما يعتبره حدثاً غير طبيعيا؟، أعني هل اللامعقول (المعجزة) هي قضية تاريخية؟، وهل يقبل التاريخ الإعتراف بها ضمن قضاياه ومسائله؟ .

[ولكن بعض من المتكلمين يرون: - بإن المعجزة في حقيقتها هي - وسيلة إيضاح على نحو ما - وهي كذلك إنما تستهدف شيئاً ما تريد إيصاله أو الوصول إليه]، ولو تتبعنا هذا الرأي بدقة لرأيناه قائماً بالفعل على معنى (نوع الفاعل ونوع التجربة ومحلها، ولازم ذلك حاجة وضرورة ووجود المقتضي وعدم المانع).

ولكن ماهي المعجزة؟ وقبل بيان ماهيتها، هناك تعريف لغوي بسيط لها، وهو: [إنها من فعل عجز بمعنى - تعب ولم يقدر -، والهاء فيها للمبالغة وجمعها معجزات، وأسم الفاعل إعجاز الذي هو مصدر للفعل أعجز، قال الراغب: أعجزت فلان أي جعلته عاجزاً] .

ولم يرد في الكتاب المجيد لفظ المعجزة على هذا النحو، ولكن ورد الدليل عليها بصيغة - آية أو آيات -، وبدليل الموافقة نفهم إنها في اللامباشر وردت على نحو قوله تعالى: [فأتوا بسورة من مثله وأدعوا شهداءكم ..] – البقرة 23 -، وهي هنا دعوة لمن حاجج في الله أو في كتابه من غير هدي، قال فليأتي بمثل هذا الكتاب أو ليأتي بسورة من مثله، والمضمر في النص هو تحدي المنكر والتدليل على عدم قدرته وإستطاعته [مع العلم منه تعالى بذلك، ولكن الكلام موجه فيه على أصل التجربة ومحلها]، هذا التحدي القرآني أعطى للأصولي الفرصة و الدافع ليستل من هذا المعنى تعريفاً لمثل هذه الحالة، فقال: [إن جعل شيء ما على نحو غير مألوف و في الواقع الموضوعي هو إعجاز بعينه]، و كل شيء يكون كذلك فهو معجز وإن لم يتسمى بذلك، وعندهم [لا مشاحة في الإصطلاح أو التسمية مادام يؤدي الغرض أو يشير إليه]، وأما مفهوم – جعل شيء ما غير مألوفاً - فهو بلغة الأصولي يعني: الحصول على شيء ما في الطبيعة على نحو غير مألوف !!، وقد خالف في ذلك نفر من أهل الكلام فقالوا: [محال عقلي أن نجعل من اللامعقول ممكناً وموافقاً لقانون الطبيعة]، وتكفل في الرد على ذلك أهل المنطق فقالوا: ليس محالاً عقلياً لأن عبارة - جعل شيء ما خارجاً عن العادة المألوفة -، هي عبارة فضفاضة صحيح تبدو لأول وهلة، ولكن عموم اللفظ ودلالة المعنى يسريان على كل موجودات الطبيعة، إن توفرت الأسباب والعلل التي تجعل منها ممكناً ولا ضير في ذلك في مقامي الثبوت والإثبات .

وبالعودة للتعريف الأصولي للمعجزة، فإننا نرى فيه شيئاً ناقصاً وليس تاماً، بدليل [إن الأصولي جعل من المعجزة حركة غير مألوفة]، وعبارة - غير مألوفة - هي ما تثير الإفهام، ولكنها تكون ممكنة إذا قلنا بنسبية معنى - غير مألوف -، فيكون حصولها في محل ما ولسبب ما، أي أن حصولها في الواقع يكون بنفس الشروط الموضوعية للقانون الطبيعي، ولذلك تكون صحيحةً وهذا مذهب بعض الإلهيين .

ثم إن تحقق الشيء الغير مألوف لدى الإلهيين لازمه: [إرادة ومشيئة وإذن]، وشرط الإرادة والأذن شرط لازم في حدوث المعجزة في مقام الإثبات، فيكون حدوث المعجزة واقعاً شرطه اللازم إرادة قاهرة مع حاجة إليها، ليكون الأذن بها ممكناً على نحو الواقعية، ذلك لأن مخالفة نظام الطبيعة وناموسها ليس بالأمر اليسير أو الممكن، لأن المخالفة تؤدي إلى إنهياره وتفككه، وهذا محال إلاَّ بأذن منه تعالى [بإعتباره صاحب الأمر والتكوين] .

ولكي نوضح الفكرة نقول: [إن إرادة الله هي صاحبة الأمر في الفعل، وهي الفاعلة في الوجود]، وبذلك تكون إرادة الله منسجمة مع القانون الطبيعي ولا تناقضه، وفرضية حدوث شيء ما خارجاً على قواعد القانون الطبيعي لا زمه أن يكون هذا الحدوث جزءا من القانون نفسه لا خروجاً عليه، ومتلازمة ذلك [عدم التناقض وعدم التضاد]، وفي هذه الحالة تحتفظ الطبيعة بنظامها من دون خلل أو تزاحم يؤدي إلى تفككها، وفي هذا الإتجاه يجري مفهوم المحو والإثبات لغايات محددة وفي زمن ما، قال تعالى: [يمحو الله ما يشاء ويثبت ...] - الرعد 39، ولا يعني مفهوم المحو والإثبات المعنى الدارج في الإزالة والتثبيت، بل يعني [إحلال فعل ما لأمر ما متعلق بغاية ما لا تناقض فيها ولا تضاد مع الواقع الموضوعي]، وكما المعجزة حدوث غير مألوف في أو ضمن قانون الطبيعة، كذلك يكون المحو والإثبات حدوث غير مألوف في أو ضمن قانون الطبيعة، فحدوث أمر ما من أجل غاية ما لا بد أن تكون أعلى و أهم، قال تعالى: [وما نرسل بالآيات إلاَّ تخويفا] - الإسراء 59 -، في حال نظرنا للآيات بمعنى المعجزات التي يكون حصولها في بعض الأحيان للتخويف والتصديق، ولنقل: - إن رفع التناقض بين حدوث أمر ما في الطبيعة وبين القانون الطبيعي لا يكون إلاَّ بالقدرة والإرادة والمشيئة الإلهية - قال تعالى: [إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون] - يس 82 -، فالأمر بالشيء لا يكون من غير قدرة على ذلك وإرادة في فعله، وفي مسألتنا هذه تستخدم في التنفيذ والإجراء ثلاث صفات قاهرة هي: - [القدرة والمشيئة والإرادة] -، وتحقق هذه الصفات على أمر ما يجعل من حدوثه ممكناً لقوله تعالى: [إذا أردنا شيئاً .. أن نقول له: كن فيكون] !!!، طبعاً مع [وجود الحاجة والضرورة و المقتضي وعدم المانع]، وعندها تكون القابلية على التحقق ممكنة، وشرط [المقتضي وعدم المانع] شرط موضوعي لازم لتحقق الشيء، وفي هذا تقول الفلسفة الدينية: [ولا يتحقق الحصول على الشيء الغير مألوف إلاَّ بالحفاظ على ماهية النظام وكماله، ونفي حالتي التناقض والتضاد فيه]، وفي هذا المعنى الفلسفي: تكون (المعجزة) عبارة عن شيء يعبر عن مشيئة الله وعقله وإرادتة .

* * *

ومن أجل إثبات صحة المعجزة (الآية) وجعلها بمستوى القضية الصادقة وإنها ليست وهماً أو خديعة كما ظن بعضهم، نقول: إن المستند في ثبوتها وفي إثباتها هو الممكن العقلي، إضافة إلى سلسلة نصوص من الكتاب المجيد دالة ومشيرة إليها، وحدوث المعجزة (الآية) لا يتكرر في العادة إلاَّ لمرة واحدة [يعني إنها ليست حالة مضطردة دائمة الحدوث والتكرار]، وهي لا تحصل إلاَّ من أجل إثبات شيء أجل وأكبر [كما في قضية كلام عيسى النبي في المهد، وكذا أحيائه للموتى، وكما في قضية نار إبراهيم التي صارت بردا وسلاماً وغيرها ...]، فإحياء الموتى موضوعياً لم يكن بفعل عيسى نفسه بل حدث ذلك بأذن الله، وعيسى صاحب التجربة أو محب التجربة إنما فعله هو مجرد - وسيلة إيضاح - لقدرة الله أو وسيلة تدليل على قدرة الله، لكن فعل الإحياء في الظاهر كان بواسطة عيسى أو على يد عيسى النبي، كان ذلك بعد الأذن ..

* * *

وللتنويه:

[نقول يمكن تقسيم فعل النبوة إلى قسمين أو إلى مرحلتين:

الأولى: هي المرحلة التجريبية، والتي تحصل المعرفة عليها من خلال التجربة، وهذا ما قام به معظم الأنبياء من أجل إثبات نبوته للكافة، أي إن فعل بعض الأنبياء كان يحتاج إلى وسيلة توضيح ومشاهدة عيانية من أجل التسليم والتصديق ولذلك كانت التجربة، (والمرحلة التجريبية عاشها العقل النبوي، لما كان في حالة التطور وعدم الإكتمال، أعني إن عقل الإنسان بما فيهم الأنبياء كان في حالة تطور نحو الكمال، وهذه المرحلة أمتدت من عهد نوح حتى النبي محمد) .

الثانية: وهي المرحلة التجريدية، والتي تحصل بفعل التفكير المجرد القائم على الحدس العقلي والعلمي، وهذه المرحلة مع نبوة محمد التي أعتمدت في الأصل على الفكر وإعمال العقل والعلم، وهي موضوعياً أبتدأت مع نهاية المرحلة الأولى، أعني مع تطور العقل الإنساني وبلوغه الكمال في التطور، لذلك كان محمداً خاتماً للأنبياء] .

فكانت نبوة الأنبياء السابقين تعتمد على التجربة، كما حدث مع نوح وعيسى وإبراهيم وموسى وغيرهم، دلت على ذلك مقالة الحوارين لعيسى: [هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة ..] - المائدة 112 -، هذه الحالة التجريبية لم تحصل مع محمد النبي، بل كانت آيات القرآن هي ذلك الشيء الذي دُعي الناس جميعاً لتدبرها وفهمها فهماً عقلياً علمياً مجرداً .

* * *

ونعود لنستوضح العبارة الكلامية القائلة: إن عقله عين إرادته، ولكن كيف يكون ذلك؟، أي كيف يكون عقله في إثبات أمر ما هو عين إرادته في تحقيق ذلك الأمر؟، قالت المعتزلة في هذا الشأن: لا خصومة عنده بين العقل والإرادة، وكذا قالت الإمامية: محال أن نتصور أن يكون عقله مخالفاً لإرادته، يأتي ذلك من كون إرادته تسير وفقاً لكمال طبيعة خلقه .

وفي بحثنا عن المعجزة نقول: - الصحيح ما قالت به الفلسفة و بإن الحقيقة والوجود لا يكونان إلاّ بأمر منه -، يعني إن العقل يُسلم في هذه المسألة في مقامي الثبوت والإثبات، والذي يترتب على ذلك كون القوانين الطبيعية لا تصدر إلاَّ عن طبيعتة وكماله، ولهذا فما يحدث من شيء إلاّ وفقاً لذات الطبيعة لا على خلافها، والحدوث على الخلاف كما هو معلوم ممتنع ضرورة .

والتعريف القائل: بإن المعجزة هي عبارة عن حدوث غير مألوف ولكنه واقع بفعل الإرادة والمشيئة إذ بهما توجد وبدونهما تنعدم، قول صحيح بحدود كون ــ الوجود و العدم ــ منه تعالى فيكون الأمر بالشيء متعلق بعقله وتدبيره وطبيعته، وهذا هو معنى القول التالي: ليس في الوجود شئ إلاّ وله سبب وعلة معينة، والعلة والسبب قد يكونان على نحو المباشرية من الله سبحانه وتعالى، او يكونان على نحو اللامباشرية منه ـ أي من خلال الأثر الطبيعي ـ .

وحينما يقول الله تعالى: [إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير، فأنفخ فيه فيكون طيراً (بإذن الله)، وأبرىُ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى (بإذن الله)، وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم] آل عمران 49.

أولاً: أستخدم النص لفظ - أخلق - ولم يستخدم لفظ - أجعل -، ومعناه الإنشاء من العدم [ليس التحول الدينامكي الداخلي الذي جرى للإنسان حينما تحول من بشريته]، ولذلك قرن النص مع فعل - أخلق - مادة الخلق، التي هي الطين والتي هي المادة الحيوية المستخدمة في خلق كل كائن حي، طبعاً مع التنويه إلى إن النص لم يقل طيراً بل قال - كهيئة الطير -، أي إني أخلق شيئاً شبيهاً بالطير أو له هيئة الطير في القدرة على الطيران .

وثانياً: إن هذا الفعل أعني - أخلق - لم يكن بفعل عيسى المباشر إنما كان بإذن من الله [فعيسى في هذه الحالة مُجري التجربة أو مُجري الوسيلة التي توضح للناس كيفية الخلق] .

وثالثاً: إن في هذا القول جدل معرفي واضح بين القوم الذين ينكرون نبوة عيسى وبين الدليل الذي يثبت هذه النبوة، وإثبات نبوة عيسى جرى تقريرها في عالم الإمكان، وعالم الإمكان: هو عالم محكوم بقوانين المادة في الزمان والمكان .

ورابعاً: إن الجدل جرى تقريره حول مادة ـ أخلق ــ وفعلها، والتي هي من أفعال الله حصراً، ولم يستثنى من هذه القاعدة فعل عيسى بدلالة قوله (بإذن الله)، فيكون فعل عيسى هذا مجرد إعتبار ومجاز ليس إلاّ، هو من جهة ــ الخلق ــ ومتعلقاته وشؤونه أمر ملازم لأصل الخلق الأول، ولكنه إن حدث من إنسان فإنه يُنسب إليه تجوزاً وإعتباراً .

لذلك جاء التأكيد من جهة كون الفعل منه على نحو الحقيقة ومن عيسى على نحو المجاز، ودليل ذلك التأكيد القائل ـ بإذن الله ــ أي أن شرط تحقق فعل ــ الخلق ـ صدور الأمر الإلهي وتحقيق الإرادة الألهية وبدونهما يمتنع حدوث الخلق قطعاً، ولكن نسبة الفعل إلى عيسى من جهة الواقع الموضوعي نسبة حقيقية، إذ الفعل صدر منه على نحو المباشرية، وصدور الفعل وتعامله معه على وجه الحقيقة جعل المتيقن للناس حدوث الأمر منه، ولكن عيسى نسب هذا الفعل منه إلى ــ الله وإذنه ــ، ولولا تلك النسبة لأصبح القول مجرداً إدعاء كاذب وعار عن الصحة، فالصحة في الفعل إنطباقه على مصاديقه الممكنة ــ بإذن الله ــ .

أقول: فعل ــ أخلق ــ مع خطاب الجمع - لكم -، وهناك فعل ــ أصنع ــ الذي يساوق فعل اخلق، ولكن فعل أصنع يهتم بالجودة والإتقان، والمادة في الفعلين واحدة وهي اللازمة لخلق كل كائن حي، فالصنع متعلق بالهيئة والخلق متعلق بالإيجاد من العدم، ثم يأتي بعد ذلك فعل ــ فأنفخ فيه ــ، وهو فعل تجريدي يحتاج لفهمه تدبر وإمعان نظر علمي وعقلي،

قال تعالى: [ثم سوآه ونفخ فيه من روحه] - السجدة 9 - .

وقال تعالى: [فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين] - الحجر 29 .

وقال تعالى: [والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا] - الأنبياء 91 .

وقال تعالى: [ومريم أبنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا] - التحريم 12 .

والنفخ عندي بمعنى الإذن بالعمل و الحركة، أي أن النفخ من مستلزمات كون المادة محل التجربة تستطيع الحركة والفعل، والنفخ من لوازم الإرادة .

وفي ذيل النص نلتقي بقوله: [... وأُنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم] - آل عمران 49 -، هذا المقطع من النص ليس له علاقة بموضوعة - المعجزة - التي هي محل البحث، ففي ذيل النص يظهر إن الكلام عن (العلم بالغيب) - والعلم بالغيب ليس هو علم الغيب -، فعلم الغيب بحسب كل النصوص هو ما أختص به الله وحده، ولكن العلم بالغيب هو العلم الذي يحصل للنبي بواسطة الوحي، دل على ذلك قوله تعالى: [عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلاَّ من أرتضى من رسول] - الجن 26 و 27 -، وجملة - من أرتضى من رسول - جملة عامة مطلقة و - رسول - فيها مُنكراً دالاً على ذلك أعني شمولها للنبي الرسول وللملاك الرسول، وفعل – أُنبئكم - فيه إخبار صادق ليس فيه إحتمال الكذب هكذا تقول اللغة العربية في تعريفها، وكما قلنا إن علم الغيب مما أختص به الله ومن مصاديقه حسب الوصف التالي: [إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم مافي الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت ..] - لقمان 34 - .

.

***

وفي الكتاب المجيد يأتي قوله تعالى بلسان إبراهيم: [ربي أرني كيف تحيي الموتى؟، قال: أولم تؤمن، قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي، (قال: فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك، ثم أجعل على كل جبل منهن جزءاً، ثم أدعهن يأتينك سعياً ..] - آل عمران 260 -، يدخل هذا النص فيما نحن بصدده، فجدل الإحياء بعد الموت عمل غير مألوف، والسؤال من إبراهيم يحتمل كونه يريد الجواب لنفسه وربما كان يريده لغيره، وهو يعيش حالة المحاججة والرفض لفكرة الله وقدرته، وقيل: إنه من باب إياك أعني وأسمعي يا جاره، فالسؤال - بأرني - جوابه مضاف بعنوان - ليطمئن -، والإطمئنان سواء أكان فعلاً أم مصدراً يرتبط - بماهية الشيء - والوصف في الفعل تبيان لما يكون عليه الفعل دون مخالفة للطبيعة ونظامها، وحسب رأي عامة المفسرين: إن إبراهيم النبي صحيح إنه كان في مقام المستفهم، ولكنه كان في الوقت نفسه في مقام المجيب لما كان يحيط به من واقع رافض، والإستفهام عن الإحياء بعد الإماتة، مرتبط جدلاً بعامل القدرة على الفعل، في حال المقتضي وعدم المانع من جهة الطبيعة، ومطلق الفعل إن نظرنا إليه فهو لا يتعدى الأمر النسبي المظنون والذي يجري في صيغة فعل - ليطمئن -، ولا نظن إنه لم يكن كذلك ولكن ربط الفعل بنفسه ليعطي للسؤال قيمة توافقية يُرضي بها جميع الأطراف، وهذه عادة شائعة بين أهل اليقين .

ثم كانت التجربة على نحو: [فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ..]، - وصُر يصر صراً - بمعنى شد يشد شداً، وهو هنا مصدر صررته من باب قتلته إذا شدّدته، (وصرهن إليك) أي اضممهن إليك، لماذا؟، لتتعرف على أشكالهن وهيئاتهن، ولكن لماذا؟ كيلا لا يلتبس عليك منهن أحد بعد الإحياء، ثم قال: [ثم أجعل على كل جبل منهن جزءاً ..]، ويواصل النص فعله التجريبي فيقول: - جزَّئهن أجزاء - أي قطعهن قطعاً، وقرُئ في قراءة - بضم الصَّاد وكسرها وتخفيف الراء -، يقال: صارَه يَصُورُه ويَصيره، أماله، وصار الشئ: قَّطعه، وقوله: - إليك - متعلق بصرهن على الأول، ويأخذ على الثاني بإعتبار تضمينه معنى الصمّ .. وكل هذا يجري في مجال التجربة والإستدلال خاصةً مع وجود السؤال (أرني)، وجوابه الذي جاء على نحو: (أدعهن يأتينك سعياً)، فالمقطع أجزاء المتباعد في المكان عودته إلى هيئته الأولى ضرب من المستحيل، مما يوحي للقارئ أن ذلك خرق للقانون الطبيعي، ولكن الجواب كان في إمكانية ذلك في مقامي الثبوت والإثبات، وأسم الله المضاف في ذيل النص، يرتبط هنا بشيئين هما [الحاجة والضرورة والمقتضي وعدم المانع، القدرة والإرادة والمشيئة والأذن]، وشرط ذلك كله السير وفق القانون الطبيعي وعدم مخالفته، ومنه يتبين أن معنى قوله: ــ أرني ــ هو من أجل حصول حالة الإطمئنان قال: - لكي يطمئن قلبي ــ، ونفاذ ذلك في عالم الطبيعة شرطه حصول القدرة والإرادة القاهرة مع الحاجة والمصلحة من ذلك، لكي لا يكون العمل فردي وعبثي .

***

في مفهوم - المعجزة - يجب التركيز على المعنى النسبي لها، المحدد بالزمان والمكان المعينين ولا يتعداهما لمطلق الزمان والمكان إلاّ في الحال التجريدي العقلي المحض، كما في الحوارية االتي جرت بين إبراهيم النبي وبين ذاك الذي حاجه في ربه، كما في سورة البقرة قوله: [ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله المُلك، إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأُميت، قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فإت بها من المغرب، فبهت الذي كفر ...] - البقرة 258 -، لنتأمل جملة - في ربه - من النص، فإننا نرى مفهوم التحدي في القدرة، فيقول إبراهيم: إن ربي يحيي ويمت - وهذه جملة خبرية ومعناها القدرة على الإحياء بعد الموت [وهي تكون إنشائية بلحاظ ما يترتب على القدرة من فعل بعد الإرادة والمشيئة]، وفي مقابل هذا الإخبار وَرَدَ إخبار آخر من الذي (آتاه الله الملك)، [مع التنبيه إن مفهوم إتيان الملك من قبل الله، لهذا الشخص يكون لا على نحو مباشر، بل على نحو وصفي إعتباري من حيث مفهوم مطلق الملك، فالمالك الحقيقي هو الله ومايكون للمخلوقين فعلى نحو مجازي، يقودنا ذلك لما تفوه به إبراهيم النبي عن حقيقة الموت والحياة، وطبعاً جملة - أنا أحيي وأميت - منه جملة وصفية تفيد الجدل والمراء، ذلك لأن لفظ - أنا - منه مقدر على نحو ما يملك في الظاهر، على أساس إنه يستطيع هبة الحياة لمن يريد وينزل الموت لمن يريد وهذه مبالغة في التصور الممتنع واقعاً .

بدليل إن ماهية الموت والحياة شأنية متعلقة بالله بدليل فعل - بإذن الله - كما يبدو في قوله: [وما كان لنفس أن تموت إلاَّ بإذن الله كتاباً مؤجلاً] - آل عمران 145 - .

وكما في قوله: [الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا] – الملك 2 -، وإستخدام فعل - خلق - في مقام الموت والحياة دليل على الأهمية التي يعجز معها الفعل الإنساني مهما بلغ درجات في العلم، ونفس هذا الفعل في مقام نفي قدرة كل الطواغيت والظلمة الذين يستخدمون فعل الموت بداعي التخويف والإرهاب، والقاعدة تقول: [كل نفس ذائقة الموت، ونبلوكم بالشر والخير فتنة] - الأنبياء 35 -، وهذا تعليل وشرح لما تقدم ورد لما ذهب إليه القائل - أنا أحيي وأميت - .. .

***

في الجدلية التاريخية التي ذكَّر بها الكتاب المجيد، هو ذلك التساؤل من قبل العُزير في الكيفية التي تتم بها عملية الإحياء بعد الموت، فكان الجواب من قبل الله على نحو تجريبي مشاهد أي بصيغة - وسيلة الإيضاح -، لنقرأ قوله تعالى: [أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، قال: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)، ولننظر لجملة: - أنى يحيي هذه الله بعد موتها -، وسؤالها في معنى الإحياء بعد الموت، فكان الجواب من جنس السؤال، ومن أجل البيان أحتاج إلى فعل منجز - فأماته الله مائة عام ثم بعثه -، فالموت لمدة معلومة ثم البعث من جديد، لازمه ليكون مثبتاً المشاهدة العيانية، ولكن كيف؟ قال: - وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً -، إذن فالسائل أنطلق من مقدمة تقول: بتعذر إمكانية إعادة الحياة لهذه القرية وهي كناية بمعنى ــ أهل القرية ــ سكانهاـــ والتعذر مترتب أثراً على المقدمات العقلية التي أختزلت في القول السابق، لذلك جاء الإحياء بالطريقة التركيبية وبالكيفية التي رسمها القرآن، أي الطريقة الأكثر انسجاماً مع واقع الحال بقرينة السؤال وطبيعة الجواب . .

إذن فالعرض القرآني تصدى للإجابة عن دور القدرة الإلهية في تشكيل الحياة بعد الموت، ولأن منطق الفهم الإنساني يقوم على الدليل التجريبي لذلك جرى تطبيقه في ميدان الظاهرة التي دار البحث فيها .. يبقى كيف علم بأنه مات مائة عام؟ هنا لابد من التذكير بما قاله الطبرسي في المجمع قال: - علم إنه مات مائة عام بشيئين -:

الأول: بإختيار من إرادة الآية (المعجزة) في نفسه وحماره وطعامه وشرابه وتقطع أوصاله، ثم إتصال بعضها إلى بعض حتى رجع إلى حالته التي كان عليه في أول مرة .

والثاني: إنه علم ذلك بالآثار الدالة على ذلك، لما رجع إلى وطنه .

يقول ابن عربي: - إنه علم بذلك بإخبار من السماء، كما كان الحوار عن الموت والحياة تم من قبل السماء -، ويبقى مفهوم الزمن وإثباته على نحو خاص، فالدال عليه الكتاب كما مر .

إذن فالمعجزة أو (الآية) صحيح إنها لم ترد لفظاً في الكتاب المجيد، ولكنها جاءت دلالة فيه بتعبير آية أو آيات، وكلها دالة على القدرة على الفعل حين يكون لذلك حاجة وضرورة بإضافة المقتضي وعدم المانع، مع الإرادة والمشيئة فيكون الفعل القاهر المتشيء في الزمان والمكان المعين، إلاّ في قضية التجريد فهي القضية التي تدور مع العقل والعلم وتطورهما، والتاريخ قد سجل هذه الظواهر معتبراً حدوثها حقيقة وليس وهماً، وهي لا تعد من أفعال السحر أو التمويه والخداع، بل هي فعل حقيقي ثابت، كما كان ينظر إلى ما قدمه - دارون في نظريته عن التطور - وفي لحظة على أنه معجزة في الزمان والمكان المعينين، وكذلك كل فعل وعمل لا يكون له مثيل ويصح القول فيه إنه غير مألوف، يجوز لنا أن نسميه ونطلق عليه بالمعجز والمعجزة، حسب النوع والكيفية التي مر بها وحدث ...

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

في كل الحقب نعود ونسأل: ماهو الزمن؟ ماهي طبيعته؟ هل له ماهية؟ هل هو موجود بذاته؟ هل هو ذلك الذي وصفه لنا الفلاسفة الإغريق؟ أم هو زمن نيوتن المطلق الثابت؟ أم زمن آينشتين القابل للتمدد والتقلص والاستطالة والانحناء والتسارع والتباطؤ ؟ هل هو زمن اللامتناهي في الكبر الماكروسكوبي، أم زمن اللامتناهي في الصغر مادون الذري أو الكمومي ــ الكوانتي؟ مما لاجدال فيه أن " الزمن" يحتل قلب لغز غامض وغريب لا يستطيع أحد فك طلاسمه. لكن العلم لم يستسلم وبقي يتحدى الزمن ويحاول أن يسبر أغواره. واثبت العلم أن الزمن لا يسير بسرعة واحدة ثابتة بل بسرعات مختلفة حسب المكان والحركة والسرعة ودرجة الحرارة . هل هناك نظرية للزمن يمكنها وصفه؟ نعم هناك نظرية متداولة لكنها صعبة ومعقدة سأحاول أن ألخصها هنا. منطلقين من مسلمة " تباطؤ الزمن مع السرعة" التي صاغتها النظرية النسبية لآينشتين فكلما أسرع جسم ما تباطأ الزمن بالنسبة لهذا الجسم بينما يبقى يسير في إيقاع ثابت مع الأجسام الأخرى من هنا نشأت مفارقة " التؤأم" وإمكانية السفر عبر الزمن وبالأخص الذهاب نحو المستقبل.

تطورت الفيزياء وعلم الفلك حسب توجيه الفيلسوف والعالم الإغريقي آناكسيماندر Anaximandre لفهم كيف يجري الزمن وماهو نظامه وكيف تحدث الظواهر وفق النظام الزمني فعل الفلك القديم وصف حركات النجوم والكواكب في إطار الزمن وداخله. المعادلات الفيزيائية تصف كيف تتغير الأشياء داخل الزمن. من معادلات نيوتن التي أسست لديناميكية مروراً بمعادلات ماكسويل التي وصفت الظواهر الكهرومغناطيسية، ومعادلة شرودينغر التي أوضحت كيف تتطور الظواهر الكمومية أو الكوانتية إلى نظرية الحقول الكمومية التي تصف ديناميكية الجسيمات الأولية مادون الذرية وبالطبع معادلات آينشتين ومفهومه الثوري للزمان واندماجه بالمكان في وحدة منسوجة سماها " الزمكان"، ما يعني أن جميع الأشياء تجري وتتطور وتتغير ضمن ووفق نظام الزمن. فهناك زمن مختلف في كل نقطة في الفضاء الكوني فلا يوجد زمن واحد بل عدد لامتناهي من الأزمان. وإن الزمن الذي تشير إليه ساعتك أو ساعة الحائط في بيتك يسمه الفيزيائيون بالزمن الذاتي أو الزمن الخاص temps propre، ولقد اكتشف آينشتين ذلك وعلمنا كيف نكتب معادلات تصف تطور هذا الزمن الخاص أو الذاتي بالنسبة لزمن الآخرين وعلمنا كيف نحسب الاختلاف والفرق بين زمنين. تهشمت الخاصية التفردية للكون وتركت المجال لتعددية زمنية شبكة العنكبوت الكونية . فنحن في الحقيقة لا نصف تطور الأشياء داخل الزمن بل نصف تطور الأشياء داخل أزمان محلية ذاتية خاصة وعلاقة بعضها بالبعض الآخر كعلاقة وتشابك خيوط العنكبوت . فنسبية آينشتين العامة لاتحثنا عن زمن واحد مطلق ثابت الاتجاه بل عن أزمان لا تعد ولا تحصى فبين حدثين لا توجد مدة زمنية وحيدة بل مديات متباينة حسب السرعة والاتجاه والحركة والمسافة، وتتمايز أشياء العالم وفق إيقاعات مختلفة للأزمان الخاصة المحلية أو الذاتية المتفاعلة مع بعضها البعض. ماذا يترتب على ذلك؟ أهم حصيلة إستنتاجية نخرج بها هو أن " الحاضر" غير موجود، وسنرى بعد قليل أن الماضي والمستقبل لا معنى لهما هما أيضاً . لقد أدرك آينشتين أن الكتل تعمل على تباطؤ الزمن وكذلك السرعة وهذا ما حطم إدراكنا وفهمنا واستيعابنا المألوف والكلاسيكي للزمن. فالزمن " الحاضر" بالنسبة لشخص واقف على سطح الأرض ليس هو نفس الزمن " الحاضر " لشقيقه التؤأم الذي غادره قبل ثواني على متن مركبة تسير بسرعة تقرب من سرعة الضوء. فحاضر الشقيق المسافر يغدو بالنسبة للشقيق الواقف على الأرض مستقبلاً فلو أمضى الشقيق المسافر ساعة في رحلته بسرعة 290000 كلم في الثانية وعاد لشقيقه الذي ينتظره على الأرض يكون حاضر الشقيق الأرضي قد تحول إلى ماضي ومر عليه أكثر من عشر سنوات وهو ينتظر عودة شقيقه المسافر الذي لم يمر عليه سوى ساعة واحدة فقط. فالمدة الزمنية للشقيقين تختلف من واحد لآخر بسبب السرعة فالذي يتحرك يشيخ على نحو أبطأ بكثير من الذي يقف منتظراً، وكذلك المدة الزمنية لرجل يعيش فوق قمة جبل تقل عن المدة الزمنية لشخص يعيش في سفح الجبل.

ماذا يحدث " الآن" في مكان قاصي بعيد؟ فلو كان الشقيق المسافر في لحظة " الآن الأرضية متواجد على كوكب ب بروكسيما تابع لنجم بروكسيما الذي يبعد عن شمسنا أربع سنوات ضوئية ونصف، السؤال في هذه الحالة لا معنى له. فلو كان الشقيق متواجد آنياً في لحظة " الحاضر" بجانب شقيقه على الأرض لكان الحاضر مشتركاً بينهما وله معنى فهو ينظر له أو يهاتفه لو تواجد في مكان قريب جداً منه، ولكن لو نظر الشقيق الواقف على الأرض إلى شقيقه على كوكب بروكسيما ب في اللحظة الراهنة " الحاضر الأرضي" فإنه يتلقى ضوءاً قادماً من شقيقه على الكوكب البعيد استغرق أربع سنوات ونصف السنة لكي يصل إليه فالضوء رغم سرعته الهائلة، 300000 كلم/ثانية، إلا أنه يحتاج للوقت لكي يسافر وينتقل من نقطة إلى أخرى في المكان أو الفضاء الكوني لذلك الشقيق الأرضي لايرى " حاضر" شقيقه على الكوكب بروكسيما ب بل ما كان عليه قبل أربع سنوات ونصف السنة عندما انطلق الضوء منه راحلاً إلى شقيقه على الأرض وهكذا.

ماذا يحدث عندما لا يحدث شيء؟ كم من الوقت لازم لــ " دائماً" تسأل آليس في بلاد العجائب ويجيبها الأرنب: ربما ثانية أو اقل وربما الدهر كله" فهناك أحلام تستغرق بضعة لحظات وأخرى تبدو متجمدة في الأبدية " الزمن مطاطي قابل للتمدد ففي بعض الأحيان تجري الساعات الطويلة كأنها ثواني معدودات والعكس صحيح تبدو الثواني والدقائق كأنها قرون. ومع ذلك نعتقد أن الزمن يجري حسب إيقاع ثابت وبسرعة ثابتة، بعد أن قسمناه إلى قرون وسنوات وأشهر وأسابيع وأيام وساعات ودقائق وثواني. فكلمة زمن حسب أصلها الهندو – أوروبي تعني " التقسيم " لكن الساعات بين الشروق والغروب تختلف حسب الموسم والمكان والموقع على سطح الكرة الأرضية . هناك في الماضي تفسيرين لــ " متى" حسب الأحداث المقصودة كما قال آرسطو أو نيوتن الذي اعتبر الزمن بمثابة كينونة تجري بمعزل عن الأشياء حتى عندما لايحدث شيء، وهذا ينطبق على المكان أيضاً حسب رؤيتهما المتباينتين. فنيوتن يصف المكان الآرسطي بأنه نسبي ظاهر وعادي مبتذل وهو تحديد لما يوجد حول شيء ما . بينما يصف نيوتن المكان بذاته بأنه مطلق وحقيقي ورياضي بمعزل عن الأشياء التي فيه فهو موجود حتى عندما لا يوجد شيء. فنيوتن يعتقد أن هناك فضاء فارغ بين شيئين، في حين يعتقد آرسطو أن المكان الفارغ أمر عبثي لأن المكان ليس سوى نظام للأشياء يوجد بفضلها وبالنسبة لها أي وفق نظام الأشياء فلو لم توجد اشياء تتحرك وتتمدد وتنتقل وتتفاعل فيما بينها وتتصاب بعضها البعض ، لما وجد المكان بينما يرى نيوتن أن الأشياء تتموضع داخل فضاء أو مكان مستمر في وجوده حتى لو كان خالياً من الأشياء أي فارغ. ومن ثم جاء آينشتين ونسف هاتين الرؤيتين بمفهومه للـ " الزمكان" .

مكونات الزمن الأولية أو الأساسية:

إلى جانب اللوحة الغريبة لفيزياء النسبية، تغدو الحالة أكثر تعقيداً وغموضاً وغرابة عندما يتعلق الأمر بالوحدات الكمومية أو الكوانتية ونأخذ في الاعتبار الخصائص الكمومية أو الكوانتية للزمكان. أما المجال التخصصي الذي يقوم بدراسة ذلك فهو " الثقالة الكمومية " أو " الجاذبية الكوانتية " gravité quantique، لا توجد في الوقت الحاضر نظرية متكاملة ومعترف بها ومثبتة بالتجارب المختبرية وبالمشاهدات الرصدية ومطبقة في الوسط العلمي بهذا الإسم ولكن هناك محاولات نظرية عرفت بإسم الثقالة الكمومية الحلقية أوالجاذبية الكوانتية الحلقية gravité quantique à boucles، أو نظرية الحلقات التعاقبية théorie des boucles. وكل اتجاه يتبع مساراً مختلفاً فمسار هذا الاتجاه يختلف عن مسار نظرية الأوتار مثلاً، وهناك تنافس شرس، إن لم نقل حرب غير معلنة، بين مختلف المسارات والنظريات الفيزيائية المعاصرة والعلم يتقدم بفضل هذه النقاشات الشديدة وفي المستقبل سوف يتضح من كان على صواب ومن كان على خطأ.

لا يوجد تعريف لماهية وطبيعة الزمن، ويعرف فقط بأنه " خطي" ومتصل أو متواصل ومستمرcontinu، ولكن عندما نكمم الزمن quantisé يأخذ قيماً مختلفة ويغدو كما لو إنه بات " محبباً granulaire. فالتحبب la granularité هو إحدى خصائص الميكانيك الكمومي أو الكوانتي mécanique quantique، والمقصود بذلك الحبيبات الأولية اللامتناهية في الصغر أو مكونات الجسيمات الأولية. وهناك مستويات تسمى في الفيزياء " النطاقات" لكافة الظواهر فعلى سبيل المثال للحقل الكمومي يسمى المستوى أو النطاق بــ " نطاق أو مستوى بلانك échelle de Planck" والزمن الأدنى الذي لا يوجد زمن أقصر أو أصغر منه يسمى " زمن بلانك temps de Planck" والمكان الأصغر الذي يمكن قياسه هو مكان أو طول بلانك longeur de Planck وقيمته التقديرية صغيرة جداً وهي 33- 10، أماقيمة زمن بلانك، على سبيل المثال فتقدر بــ 44-10 من الثانية وفي هذا الزمن تظهر التأثيرات الكوانتية أو الكمومية على الزمن. فعلى هذا النطاق يتوقف مفهوم الزمن الكلاسيكي المألوف . وهناك ندخل عالم " كمكمة أ تكميم الزمن quantisation du temps ولم تعد هناك قيمة رقمية t للزمن في المعادلات الرياضياتية .

الخصائص الأخرى للميكانيك الكمومي أو الكوانتي هي اللاحتمية indétermination واللادقة incertitude     والإحتمالية probabilité، والتذبذب أو التقلب fluctuation والتراكب superposition، فلايمكن تحديد موقع وسرعة إلكترون بدقة متناهية في نفس الوقت. فبين ظهور للإلكترون وظهور آخر له لا يوجد له موقع محدد كما لو إنه منتشر في سحابة الإحتمالية أي هو في حالة تراكب في المواقع . فنحن لانستطيع أن نعرف أي يتواجد إلا عندما نقوم بعملية رصد أو حساب mesure للإلكترون أو في حالة تفاعله مع غيره من الجسيمات الأولية، فالتفاعل interaction يقوم بنشر حالة اللادقة واللاحتمية.

لو أمعنا النظر علمياً في مفهوم الزمن لتبين لنا أنه لا يوجد " حاضر" فماذا يعني مفهوم " الآن" إذن؟

لم تفلح فيزياء القرن العشرين في وصف الواقع بدقة من خلال " الوقت الحاضر présentisme" والمقصود به زمن حاضر شامل ووضعي مستقل وهو غير موجود في حقيقة الأمر. يمكننا الحديث عن " حاضر نسبي" بالنسبة لمراقب في حالة حركة، وهذا يعني أن ما هو " حاضر بالنسبة لي ليس بالضرورة حاضر بالنسبة لك، حسب حركتك وموقعك وسرعتك، وما هو واقع بالنسبة لي يختلف عما هو واقع بالنسبة لك، في حين أننا نستخدم نفس المصطلح للتعبير عن حالة موضوعية قدر الإمكان. يترتب على ذلك ضرورة التخلي عن مفهوم " الأبدية éternalisme" التي تقول أن الماضي والحاضر والمستقبل هي أزمنة واقعية موجودة، وإن الزمكان برمته موجود أيضاً ككينونة مستقلة عن الأشياء، فلا شيء يتغير و لا شيء يجري حقاً. ومن يدافعون عن هذا المفهوم " أي الأبدية" يستشهدون بآينشتين الذي كتب رسالة عزاء لوفاة صديقه الحميم ميشيل بيسو Michel Besso وشريكه في الفكر والتأمل والنقاش منذ أيام دراستهما في جامعة زيورخ، والتي أرسلها لذويه وبالأخص لشقيقة ميشيل، ومات بعده بأشهر قليلة، قال فيها :" هكذا سبقني مرة أخرى بقليل بمغادرته هذه العالم الغريب. وهذا لا يعني شيئاً . فبالنسبة لمن يعتقد من بيننا بالفيزياء، فإن التمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس سوى وهم مستمر على نحو عنود وملح". ولقد عرفت هذه الفكرة في أوساط العلماء بــ " الكون الكتلة univers bloc" أي يتعين التفكير بقصة الكون بمجملها وبكليتها كأنها كتلة واحدة وفريدة فكل شيء فيها حقيقي وواقعي وإن المرور من لحظة زمنية إلى لحظة زمنية أخرى ليس سوى شيء وهمي . وهذه قطعاً ليست الطريقة الوحيدة الباقية لدينا للتفكير بالعالم، فطريقة تفكيرنا التقليدية التي ترى الكون عبارة عن حقب زمنية متعاقبة لا يعني أن لا شيء يتغير، بل يعني أن التغييرات ليست مرتبة على نحو خلافة تعاقبية ثابتة ومنظمة ووحيدة une unique succession ordonnée، فالبنية الزمنية للعالم هي أكثر تعقيداً من مجرد تعاقب خطي للحظات، ولكن في نفس الوقت هذا لا يعني أن هذه البنية الزمانية غير موجودة أو وهمية. فالتمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس وهمياً لكنه نسبي. أي أن البنية الزمانية للعالم ليست " آنية حاضرة présentisme " فالعلاقات الزمنية بين الأحداث أكثر تعقيداً مما نعتقد، لكن لا يعني هذا أنها غير موجودة. فمفاهيم " الواقع" و " الآن " و " موجود " و " وجود" غامضه ولغزية ولها آلاف المعاني، وفعل " وجد" ومشتقاته لديه ملايين، بل مليارات، المعاني والتفسيرات والتأويلات، والأمر مرتبط بكيفية استخدامنا للفعل والصفة، ولا يتعلق الأمر بطبيعة الأشياء المطلقة. فهذه المفاهيم تختلف بالنسبة لمن يسكنون على الجزء العلوي للكرة الأرضية أو الجزء السفلي للكرة الأرضية وما حول الكرة الأرضية. فالعالم الذي نعيش فيه غير عادي وغير بسيط بل غاية في الغموض والتعقيد وهو غير مألوف لكنه ليس عالماً يفتقد للمعنى. فلو حسبنا الزمن الضروري لكي ينفجر فيه ثقب أسود " نظرياً ورياضياتياً بالطبع " بمروره بالمرحلة الكمومية أو الكوانتية، سوف نستنتج أنه، خلال هذه المرحلة، في داخل الثقب الأسود وجواره القريب، لا يوجد هناك " زمكان " وحيد ومحدد، بل مجرد حالة تراكب كمومية أو كوانتية لشبة من السبينات spin، أي الدورانات الذاتي المغزلية كحالة الإلكترون الضائع في غمامة أو سحابة من الاحتمالات، بين اللحظة التي بعث فيها واللحظة التي يصل فيها إلى شاشة القياس في تجربة يونغ ولوحه ذو الشقين المزدوجين، حيث يمر بعدة أماكن محتملة قبل بلوغه الشاشة، نفس الشيء بالنسبة للتفكك أو التحلل الكمومي أو الكوانتي quantique désintégration للثقب الأسود حيث يخترق مرحلة يمر فيها الزمن بحالة تقلب كمومي fluctuation quantique عنيفة حيث تحصل عملية تراكب كمومية أو كوانتية quantique superposition لأزمنة مختلفة، قبل عودته للحالة الحتمية بعد الإنفجار. فهناك ما يعرف بالزمن الحراري temps thermique،فالطاقة هي التي تتحكم بالتطور داخل الزمن في الحالة الماكروسكوبية ــ أي النطاق ما فوق الذري ــ فالحالة الماكروسكوبية، التي تتجاهل التفاصيل الدقيقة في اللامتناهي في الصغر ومادون الذري، تعمل على تفرد singularise متغير رياضي خاص يمتلك بعض مزايا وخصائص الزمن الذي نعرفه. فالزمن تحكمه نوع من الضبابية والغموض والشواش واللاتحديد والاهتزاز والتردد والتخبط flou، وكان العالم بولتزمان Boltzmann قد استوعب أن سلوك الحرارة يمكن فهمه على أنه نوع من الــ flou بالمعاني المدرجة أعلاه، ففي كأس من الماء يوجد عدد لامتناهي من المتغيرات الميكروسكوبية مادون الذرية التي لانراها والأنتروبي هو عبارة عن عدد من الإعدادات الميكروسكوبية الممكنة للماء، وإن هذا الــ flou يقوم بتحديد وفرض متغير رياضي آخر هو الزمن. فالزمن الذي تحدده حالة ماكروسكوبية هو الذي يسمى بالزمن الحراري temps thermique، لكنه ليس زمن كوني شموالي بل محدد بحالة ماكروسكوبية، أي بــ "الــ flou" أي بــ لاتكاملية incomplitude في الوصف. وهناك الزمن الكمومي أو الكوانتي temps quantique. وهو الذي يحصل إبان التفاعلات الكمومية أو الكوانتية. فالاحتمية الكمومية أو الكوانتية كضفة ذاتي للأشياء، تنتج الــ flou على غرار شواش بولتزمان الذي ينطوي على أن عدم القدرة على التنبؤ imprévisibilité في العالم تكون مثابرة ومستمرة حتى لو تمكنا من قياس كل ما هو قابل للقياس والحساب. فالصفة الزمانية مرتبطة بــ " الــ flou" والذي يعني أننا نجهل التفاصيل الميكروسكوبية ما دون الذرية للعالم. فلو أردنا أن نقيس فقاع صابون طائرة فسوف نلمس أن سرعة واتجاه هذه الفقاعة ليست ثابتة بل تعتمد على متغيرات variables متنوعة مثل درجة الحرارة والضغط الجوي وتيار الهواء وقوة الريح الخ.. وبالتالي من الصيغ صياغة معادلة رياضياتية تسمح لنا بإجراء عملية الحساب للنقطة المضبوطة التي ستتواجد فيها الفقاعة في وقت معين . في حين لو كانت سرعتها موحدة وثابتة واتجاهها محدد ومعروف فسيكون من السهل حساب إدخال عامل الزمن في العملية الرياضياتية وحساب النقطة التي تتواجد فيها الفقاعة بعد عشر ثواني من انطلاقتها مثلاً. فهناك إحداثيات للطول والعرض والارتفاع وللبعد الرابع الزمن حسب نسبية آينشتين. فالفقاعة في علم الكونيات وعلم الفلك لدى الفيزيائيين تستبدل بالنجوم وتوابعها من الكواكب وتجمعاتها في مجرات وتجمع هذه الأخيرة في حشود وأكداس وسدم كلها في حالة حركة وبسرعات معينة، وهذه تنطبق كذلك على البروتونات والإلكترونات في لذرة والفوتونات في العالم الذري ومادون الذري. فهناك معادلات رياضياتية لمثل تلك الحسابات وأبعاد أربعة حيث وصف الزمكان الآينشتيني بأنه فضاء بأربعة أبعاد. فتنقل الفقاعة في عالمنا الواقعي يفترض به ألا يغير من حجم الوعاء المكاني الذي تتنقل فيه الفقاعة وهو مكان إقليدي ذو ثلاثة أبعاد سواء كان مسطح أو كوري أو إهليجي . فحسب المعادلة التي وضعها آينشتين فإن الحجم لجسم متحرك يتنقل، يتغير ويتعدل ويتكيف صعودا ونزولاً، زيادة ونقصان، في أبعاده المكانية، ولكن هل ينطبق ذلك على البعد الرابع أي الزمن؟ يعتمد ذلك على تعريفنا للزمن وفهمنا لماهيته وطبيعته وجوهره وهو هو فقط مجر حساب لعملية التنقل والحركة لحجم مكاني معطى داخل حجم مكاني آخر؟ فلو حسبنا انتقال الفقاعة بعد عشر ثواني ربما يكون عقرب الثواني في الساعة تحرك عشر ملليمتر ولكن في نفس هذا الوقت تحركت الأرض 30 كيلومتر مضروب بعشرة في حركتها الدائرية حول الشمس فإحداثيات الزمن يعبر عنها بالضرورة على شكل علاقة السرعة بالزمن vitesse – temps   أو vt، وهذا ما أثرى مخيلة كتاب الخيال العلمي بشأن إمكانية خلود الإنسان إذا ما انطلق بسرعة تقارب الضوء في الفضاء الخارجي " لأن الزمن اندمج مع المكان أبدياً، فهل سيغوص الإنسان في المستقبل داخل اللانهاية حتى لن يشيخ ابداً ؟ هذه الفرضية عرفت بــ " رحالة أو مسافر لانجفان voyageur dd Langevin، على إسم عالم الفيزياء الفرنسي بول لانجفان التي صاغها سنة 1920، بخصوص السفر عبر الزمن بسرعات فائقة تقرب من سرعة الضوء في الفضاء ما بين النجمي . ووفقاً لمبدأ تباطؤ الزمن مع السرعة في نسبية آينشتين تحدث لانجفان عن مسافره في الفضاء الخارجي الذي ترك الأرض بسرعة قريبة من سرعة الضوء لمدة سنة ذهاب وسنة غياب أي ازداد عمره سنتين فقط وعند عودته إلى الأرض وجد أنها مر عليها قرنين من الزمن حيث اختفى جيله الذي تركه على الأرض وحل محله أجيال أخرى " وقد أثار هذا الموضوع سجالاً واسعاً بين العلماء في سنوات الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن الماضي بالرغم من سلامة الطرح اللانجفاني رياضياتياً . سنعود لاحقاً لتفاصيل هذا الموضع في دراسات قادمة .

 

د. جواد بشارة

 

لم يحدد لنا المعجم اللغوي معنى السُنة على نحو دقيق، ولكنه أطلق لنا معناً يمكننا توظيفه بين ما هو لساني وبين ماهو إصطلاحي، وأقرب التعاريف التي وجدناها هو القول بأنها - [طريق] -، أي السُنة هي طريق وهي في هذه الحالة لا تكون فاعلاً، ولفظ - طريق – حين يكون مُنكراً يكون عاماً، ولكن يمكن الإستفادة من معناه لمن يشتغل فيه أو عليه في الإجتماعي كما في الطبيعي، والسُنة التاريخية متعلقة موضوعاً بفعل الفاعل الذي أنتجها، ولهذا يكون الحكم عليها وفقاً لذلك، وهي دائماً من صنع الإنسان سواء (في الخير أو في الشر)، والفاعل بحسب موضوعها المتقدم وكما نرى هو - العدل أو الظلم -، ولكن في السُنة الطبيعية فالذي يتحكم فيها قوانينها الخاصة، ويكون الفاعل في صنعها هو قانونها الخاص بها [هي الطبيعة نفسها]، وقانون الطبيعة هو عينه القانون السببي [العلة والمعلول] الموضوعي .

ولهذا فالتمييز بين ماهو تاريخي وبين ماهو طبيعي يكون من خلال القانون المنتج لهما، وفي المنطق العلمي: يكون مجال البحث عن كل واحدة منهما منفصلة عن الأخرى، فالسُنة التاريخية: كما قلنا مجال بحثها يكون في - علم الإجتماع ومشتقاته -، ولكن كيف يكون ذلك ؟، قالوا: بما إن السنن هنا هي من إنتاج فعل الإنسان، وهي لم تكن بالفعل لولا حاجات الإنسان إليها، الحاجات الإقتصادية والسياسية والدينية وغيرها [لذلك فمجال البحث عنها وفيها علم الإجتماع ومشتقاته]، والترابط بين علمي الإجتماع والتاريخ مصيري لحدود قصوى قال أبن خلدون،

لكن السُنة الطبيعية: في المنطق العلمي مجال بحثها علم الفيزياء والفلك وغيرها من علوم الطبيعة، لهذا هما متمايزان مختلفان من حيث الماهية والجوهر .

بيد إننا هنا نبحث عن - صلة وصل - بينهما وذلك نجده جلياً في - موضوعة الخصوص والعموم -، ولكن كيف يكون ذلك ؟،

نقول: حسب المنطق العلمي فإن أصل الحركة واحدة ومجالها ــ ممكن الوجود ــ أعني الطبيعة، والإفتراق يكون في الفاعل المنتج لهما، ففي السُنة التاريخية: [يكون الفاعل هو الإنسان، وفي السُنة الطبيعية يكون الفاعل هو الطبيعة نفسها]، وموضوعياً قوانين الطبيعة تختلف عن قوانين فعل الإنسان وإرادته، ولو أفترضنا جدلاً صحة نظرية الوحدة التي ذهب إليها غير واحد من المثاليين، فسيكون علينا لزاماً إلغاء حالة الإختلال في النظم والبناء العام، وهذا غير ممكن بحسب النظرية العلمية للتطور، [يقول ألبرت أنشتاين إن الطبيعة (الكون) حدثت نتيجة للإنفجار العظيم، وهو نفسه (أي الإنفجار) هو من أسس قوانين الطبيعة ونظامها، ونفس الشيء قاله القرآن المجيد ولكن بصيغة ثانية سماها (النفخ في الصور)]، ومفهوم النفخ في الصور هو مفهوم نظري تجريدي يتحدث عن خلق الكون من شيء ما غير محسوس [وهكذا قال ستيف هوكنز تعليقاً على نظرية الإنفجار العظيم]، وعندنا لم يكن الإنفجار هذا عبثياً إنما جرى بصورة منتظمة، أدى إلى جعل - قانون التطور - صيرورة دائمة متقنة ومتوازنه وليس فيها خلل يؤدي إلى طغيان البعض على البعض الأخر .

وفي القديم مال إلى هذا الرأي - ملا صدرا الشيرازي - معتبراً الطبيعة بما فيها من خلق وتكوين ونظم، إنما كانت بفعل الموجد الأول قال أبن سينا، ولذلك فقوانين الطبيعة لم تكن بهذه الدقة لولا طبيعة الخلق من الموجد الأول (وهكذا الإرادة منه منذ البدء كذلك قالت الأشاعرة)، وما يحدث في عالم الطبيعة هو نتيجة لذلك، فالعلل الطبيعية التي وجدت في هذا الكون وفي داخله إنما كانت بفعله، ولذلك قالوا بالتبعية: أي إن فعل الإنسان يدخل ضمن هذه النظرة سواء أكان فعله في الخير أم في الشر، أنظر النص التالي: - [إنا هديناه السبيل (وفي نص أخر النجدين) إما شاكراً وإما كفورا] - الإنسان 3، إذن فهذه النظرة لا تعترف بالقوانين الذاتية المنفصلة .

فالعدل: عندهم ليس فعلاً ذاتياً في الطبيعة أو إنه تطور مع الزمن، بل إنه وجد مع الإرادة في ذلك لتكون الطبيعة متوازنة ومعتدلة وممكنة الحياة فيها، ولذلك قالوا: لم يكن الأمر بالعدل إلاّ ليكون سُنة يستقر على أساسها النظام والقانون في الطبيعة، وما التاريخ إلاّ راصد ومشير وشاهد على ذلك، قال تعالى: [وما خلقنا السماوات والأرض ومابينهما إلاّ بالحق] - الأحقاف 3 -،

فطبيعة الخلق من جهة وحتمية الخلق من جهة أخرى، ليست عبثية ولكنها كانت لسبب ما، وفي المنطق الإلهي يكون (فعل الخلق وسببه) من الحق، وليس كالطبيعة التي لا ترتبط بسبب في تطورها كما تقول - الداروينية -، والحديث في النص عن [الخلق وليس عن التطور] فالخلق هو النفخ أو هو الإنفجار، وأما التطور فهو من لوازم النظام الجيني أو البنيوي [والذي تقول به الأحياء التطورية]، وفي القرآن: تعتبر عملية التطور عملية دورية مستمرة، لكن كيف وأين بدأت ولماذا ؟، وهنا الجواب يكون: عن معنى الطبيعة عن ماهيتها وعن صلتها بالإنسان، وهل هي حقل لتجاربه أو هي وعاء لذلك ؟، [وبالمناسبة نحن نتكلم هنا عن الإنسان وليس عن البشر]، وبين الإنسان والبشر جدُ فارق، أي بين الحيوان الأول وبين هذا الذي تطور في وعيه وعقله ليكون - خليفة لله -، وبحدود علمي: إن القرآن المجيد لم يعط صورة تفصيلية لهذا التطور من البشر إلى الإنسان، ولكنه نوه إلى ذلك ببعض الإشارات، في إعتبار البشرر سابق للإنسان كما نقرأ ذلك بقوله: - [إني جاعل في الأرض خليفة ....قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟) ...] البقرة 30 -، السؤال كما تقول لغتنا العربية، إنه من فئة الأسئلة الإستنكارية، أي إن الملائكة أستنكرت على الله أن يجعل خليفته من هو قاتل وشرير، ولو تتبعنا نظرية التطور لوجدنا إن الأصل في البشر هو الشر، ولكن ماهو المضمر هنا والذي لم نلاحظه في الكتاب المجيد ؟، إن المضمر هو ذلك الزمن الذي لم يُحكى عنه في عملية التطور والتحول، وكم من الوقت أستغرق هذا التحول الجيني والعقلي معاً - أنظر رينيه ديكارت -، أعني إن الكتاب لم يعطنا تفصيلاً عن الزمن الذي أستغرقه فعل التحول بين [فعل خلق وفعل جعل]، ولكن وحسب نظرية الأحياء التطورية: فإن هذا الزمن حدث بعد التدمير للعالم الأول، حدث هذا من خلال التناقض والصراع من أجل البقاء قبل ملايين السنيين وقيل بسبب فعل الطبيعة نفسها .

ولنناقش الفكرة تجزئياً ونقول: هل أرتبط خلق الطبيعة والكون والإنسان بحاجة مقدرة عند الله في التخطيط المنطقي لما تكون عليه صورة الطبيعة ؟، والجواب عند عامة الإلهيين نعم: أن صورة الخلق مرتبطة بضرورة حتمية متعلقة بنظام كلي مسبق في العقل الإلهي !!، وهي لا ترتبط بنظام ذاتي للتطور الغير مسبوق بسبب !! .

وبما إننا نبحث هنا في نظام السنن في القرآن المجيد، لذلك نقول: إن القرآن يطرح موضوعة السببية في الخلق، أي إن الخلق ليس عبثيا أو جاء بلا سبب وليس الأمر فيه متروكاً لنظام التطور الذاتي المرحلي، الذي ينبني على التناقض والخلل الجيني، قال تعالى: [وما خلقت الجن والأنس إلاّ ليعبدون]، ومفهوم الخلق كان لسبب وهو العبادة والتي هي عند الملا صدرا ليست الطقوس والشعائر، إنما هي العمل المرتبط بما يحقق للحياة غايتها وهدفها، وفي هذا المجال يكون قوله تعالى: [ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليماً حكيما] - الفتح 4، مرتبطاً بهذه الغاية وهو محكوماً بقانون السببية، فالكائنات الغير مرئية وجدت لسبب ما وهو حفظ نظام الطبيعة في الإستقرار والتوازن، ونقول: [إن وجود هذه الجنود أو الكائنات الغير مرئية، إنما هي حالة حمائية لحفظ نظام الطبيعة من الإختلال]، وبعبارة منطقية: حفظ نظام الطبيعة بكائنات حية غير مرئية، يحقق للطبيعة قدرتها على حفظ نظامها وصيانته من الإنهيار، وهذا الشيء قال به الفيزيائي الفذ - دايرك - حول نظرية الأشباح التي تملئ الفراغ الكوني، هذه الصورة التي يعبرون عنها بالتجاذب الكهرومغناطيسي، والتي وجدت من أجل هذا التوازن في الطبيعة، قال تعالى: [ولله ملك السموات والأرض] الفتح 14،

- ومفهوم ملك - حين جاء منكراً ففيه دلالة مطلقة على معنى النظم والسيطرة على النظام الكوني، ولا تكون السيطرة والنظم من غير قدرة عاقلة واعية تضبط حركة الكون وتحافظ على وحدة النظام الكوني، وحين ينسب الله المالكية في هذا الشأن وذلك للأهمية، ولا شأنية للإنسان في ذلك إلاّ على النحو الإعتباري المجازي وهذا ليس محله هنا .

قال تعالى: [ولله ميراث السوات والأرض] الحديد 10

أعجبني هذا النص لأنه يتحدث عن المستقبل، فالميراث في عرف المتشرعة هو عبارة عن الأشياء المتبقية بعد فقدان المالك الإعتباري، والنص هذا يرتبط حكماً بما سبقه في قوله تعالى: { له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور } (الحديد / 5) .

أي إن المتبقي من الوجود المخلوق الثابت منه والمتحول هو لله في نهاية الوجود الحتمي الذي يكون ذاتياً من خلال إنعدام الكتلة في السموات والأرض، قال تعالى: - [يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش] – القارعة 4 و5، قال شيخنا الأستاذ: [إن المتبقي هو عبارة عن شأن يختص بمالكه أصالة على نحو الحقيقة لا الإعتبار]، بدليل إن قوله تعالى: [ولله خزائن السموات والأرض] - المنافقون 7، شأنية خاصة بالله وحده ولا شأنية فيها للإنسان .

وبما إن الحديث عن الميراث والمالكية فلا بأس من النظر إلى قوله تعالى: [وإن من شيء إلاّ عندنا خزائنه] الحجر 21، والخزائن جمع خزينة وهي الصندوق الذي تحفظ به الأشياء، وهي هنا كناية عن القدرة الكاملة التامة على كل ممكنات الوجود،، وهذا النص في مقام التعريف بخزائن الله، وهو تعريف يُراد به بيان السُنة الطبيعية، وجعل ذلك كله شأنية خاصة بالله وحده ولا دخل للإنسان فيه .

ونعود لنقول: مفهوم الخلق والتكوين في الفعل وعلى نحو مطلق هو من شؤونات الله، المتعلقة بقدرته للعوالم الكونية المطلقة ولا شأنية للإنسان فيها، بل إن الإنسان هو جزء من ذلك الخلق والتكوين .

قال تعالى: { خلق السموات والأرض بالحق وصوّركم فأحسن صوركم } (التغابن / 3) .

وقال تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأٍ مسنون } (الحجر / 26) .

وقال تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } (المؤمنون / 12) .

وقال تعالى: { وبدأ خلق الإنسان من طين } (السجدة / 7) .

وقال تعالى: { خلق الإنسان من صلصال كالفخار } (الرحمن / 14) .

وقال تعالى: { أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم } (يسن / 77) .

وقال تعالى: { وهو الذي خلق من الماء بشراً .. } (الفرقان / 54) .

وقال تعالى: { والله خلق كل دابة من ماء ..} (النور / 45) .

قال الله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6]

قال تعالى: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [نوح:14

وكما قدمنا فالخلق أرتبط مفهوماً بالبشر وليس بالإنسان، كما في سورة الفرقان 54، والجعل كان للإنسان أي إنه بعدما أنتهى من خلق البشر عبر مراحل، جعل له صورة حسنة تتناسب ووضعه الطبيعي المخلوق من أجله، كما يظهر ذلك في قوله تعالى: [الذي خلقك فسواك فعدلك] - الإنفطار 7 -، وفي ذلك يكون المعنى قريب مما ذهبت إليه - الأحياء التطورية -

.

* * *

تنبيه:

مما تقدم يتضح لنا: إن السُنة الطبيعية تفترق عن السُنة التاريخية في نواحي عدة، فالسُنة الطبيعية أعتبرها العلم حتمية الوقوع، والفاعل في إنتاجها هو الله أو هي قدرة الله، وهي ليست من شؤونات الإنسان وفعله، وأما السُنة التاريخية فهي فعل ناتج عن الإنسان، أي إن الفاعل في إنتاجها وصُنعها هو الإنسان، وفي متعلقات السُنن يكون الفعل آصالة بيد الله ووكالة بيد الإنسان، في قضايا المالكية والإرثية والخازنية .

***

يذهب بعض المثاليين للقول بالإتحاد بالفعل، وهو قول ليس دقيق من وجهة نظر علمية ذلك لأن الكلام فيهما يتعلق دائماً بالماهية وبالكيفية، وحين يكون ذلك كذلك نفهم معنى الإفتراق في قوله تعالى: [قل من يرزقكم من السماء والأرض] يونس 31، وفي سورة فاطر قوله: [هل من خالق غير الله يرزقكم] فاطر 3 -، في هذه النصوص نلتقي مع الله حين يتحدث عن قدرته بالفعل والقوة، ويرجع كل شيء له على نحو مباشر وما يكون من الإنسان فبشكل غير مباشر، فالثروة هي منه ولكنها تكون للإنسان على نحو الفعل والمباشرية والإنتفاع، نلحظ ذلك في العبارة التالية قوله: [ومما رزقناهم ينفقون] البقرة 3، فالرزق هو عبارة عن كل ما ينتفع به من مال أو غيره، وهو صفة وصف وتقدير في الأموال والأشياء، لما ينتفع منه وبه أي إن إيجاده في الأساس هو شأن إلهي، ولكن حق الإنتفاع والزيادة والإستثمار فهي من فعل الإنسان، يدل على ذلك ما قاله تعالى .

تعتبر المادة (الثروة) في الفلسفة الدينية ظرف لصفة التفويض في الإنتفاع، وهي تكون للإنسان وكالة إذا كان قادراً على ادائها بحدودها المعلومة، وفي هذا يكون الرزق عنوان ثانوي يكون فيه الإنفاق شرط في صحة التفويض، ولهذا جاء الوصف على نحو الأسم ـــ بالرازق ــ، ليؤكد على إنه المفوض والفاعل في ما يملك على نحو حقيقي، ويواصل الكتاب المجيد فكرته عن التفويض

بقوله: [قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ومما رزقناهم رزقناهم ينفقون] إبراهيم 31 فالتوزيع العادل مرتبط بقوله ــ رزقناهم ــ والضمير المتصل هنا يعود على الرازق الحقيقي صاحب الملكية أصالة وهو ــ الله ـــ، وفعل الإنفاق يكون في الطبيعية من عمل الإنسان وعلى نحو مباشر، ولكنه في الواقع يشير إلى إن الفعل مجرد تفويض من الله، وتوزيع الثروة شرطه اللازم ليكون مؤدياً للغرض ومنفذاً لمعنى التفويض أن يكون ــ بالعدل ــ، والعدل شرط مسبق في صحة الإنفاق، قال الطبرسي: العدل ملاك صحة الإنفاق وشرطه، ومن غيره يكون الظلم والجور والتعسف، وهذا هو المنهي عنه قطعاً، لذا ورد [التقديم للتعليل المتأخر]، وفي أصول الفقه: يعتبر شرط الإنفاق شرط تكليفي، وهو القرينة الدالة على صحة أداء التكليف، والتلكيف تحرير للصفة بحيث يرى أثرها الواضح في الواقع الموضوعي أعني أثر الإنتفاع وكيفيته .

وفي موضوعنا السنني إيجاد صفة التفويض متناسبة مع حاجة المنتفع، أي جعل الصفة محلاً للضبط والربط بحدود الحاجات والضرورات، ولا يتم هذا من غير [واقع موضوعي ملائم، وشرط إعتباري صحيح]، ولا يخرج هذا من باب [الإيمان مع العدل] ومن غيرهما يقول الطباطبائي يكون الخلل مترتباً أثراً في الواقع وفي الشرط، والخلل سبب مباشر في حدوث السنة التاريخية على نحوها السالب، قال شيخنا الأستاذ: [لعل التمايز اوضح ما يكون في الصفات الإلهية عموماً، تلك الصفات المرتبطة بعالمها الخاص الذي تتحرك فيه]، والصفات: عبارة عن عناوين كلية لمفهوم ـــ الذات ــ كما طرحت في علم الكلام، على نحو: [ــ الصفات عين الذات ــ]، وفي علم الكلام أيضاً: يكون المتحرك والفاعل هو المتجلي والظاهر، وبيان التجلي عند صاحب حكمة الإشراق: يتمظهر بأبرز المصاديق كما في قوله تعالى: (ربي أرني أنظر إليك ؟ قال لن تراني، ولكن أنظر إلى الجبل ــ ميدان التجرية ومكان إختبار الظهور والتجلي ــ فسوف تراني (في أي هيئة ؟)، قال: [فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخرَّ موسى صعقاً]، والتجلي في لغة العرفاء: هو مظهر الكشف عن واقع حال القدرة في الميدان، قال أبن الجنيد: [والتجلي ظهور في القدرة لا ظهور في الذات]، والتناسب هنا بين الذات والصفة تناسب في ميدان الرؤية العينية المشار إليها في التعبير الكلامي آنف الذكر .

وللتوضيح نقول: إن التجلي هو مظهر ظهور الذات على نحو [صفةً]، وذلك لتعذر ظهور الذات واقعاً لقوله: - [ليس كمثله شيء] - الشورى 11 -، والظاهر من هذه الصفة هو ما نطلق عليه بالطبيعي والتاريخي، والطبيعي هو المجسد بالقوانين للنظام الكلي العام، والتاريخي هو المُجسد للحركة ضمن قوانين العليّة، وجدل الله والإنسان هو جدل دائم في الطبيعي والتاريخي، والذي نفهمه عبر السُنن سواء بالفعل الخالص أو الفعل المشترك، والفعل الخالص نشير به للطبيعي [من جهة عموم القانون وخصوص الإرتباط]، والفعل المشترك يكون سريانه بين ما هو طبيعي وماهو تاريخي [من جهة خصوص القانون وعموم الإرتباط]، يقول شيخنا الأستاذ: (إن المشيئة والفعل في الطبيعي يكون بأمر الله، ولكن المشيئة والفعل في التاريخي ترتبطان بحركة الفاعل الإعتباري)، وقد عرفه أستاذنا رضا الصدر: - فعل الإنسان يكون في ساحة المتحول وليس الثابت -، والمتحول من لوازمه التبدل والإنتهاء ولكن بحسب الشرط الموضوعي للواقع، قال تعالى: [ومن نعمره ننكسه في الخلق] يس 68:، وجدلية طول العمر مع فقدان التوازن والقدرة على الحياة، لازمة من لوازم التبدل في الطاقة وإنتهاء للكتلة، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى وبنحو ما: [فإذا جاء أجلهم لا يسأخرون ساعة ولا يستقدمون] - الأعراف 43 - وطبعاً لا يستثنى من هذا القانون ما يحصل في الحروب، وفي الكوارث التي تحصل بفعل الطبيعة، ومنطق التقديم والتأخير المرموز له بالنص المتقدم، ليس معناه إلغاء دور الإنسان في الصنع على نحو مباشر، ولنتأمل الفكرة عينها في صراع النقائض والأضداد في الدوام والزوال والبقاء والهلاك والحق والباطل والخير والشر والحلال والحرام

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

عدنان عويدمدخل: لا يمكن لأي دارس للواقع العربي بشكل عام، أن ينكر دور ومكانة الوعي الديني كمكون فكري/ عقيدي وثقافي وتأثيره على سير حركة المجتمع بكل مكوناته الدينية والطائفية من جهة، وعلى طبيعة حياة هذه المكونات الاجتماعية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً من جهة ثانية. وانطلاقاً من هذا التأثير البالغ الأهمية يأتي موقف الأحزاب التقدمية بشكل عام، وموقف حزب البعث في سورية بشكل خاص من الدين، فمنذ تأسيس هذا الحزب عمل على مراعاة الشعور الديني لدى المواطنين، ومحاولة استيعاب المتدينين بشكل عقلاني في صفوف الحزب، مع تأكيده ضمناً على ضرورة تحييد الدين وعدم الزج به في المشروع السياسي، على اعتبار أن الدين في نهاية المطاف يعتبر بنظر أصحاب المشروع الإسلام السياسي عقيدة مقدسة ثابته في رؤيته ومقاصده من الحياة، وأن السياسة مصالح، والمصالح غالباً ليست ثابته وليست مقدسة أيضاً في أحيان كثيرة. ومن هذا الموقف البراغماتي من الدين، جاءت مسألة طرح العلمانية (فصل الدين عن السياسة)، لتأكيد مقولة (الدين لله والوطن للجميع)، واعتبار المواطنة هي الأساس، كصيغة سياسية تسعى إلى تحقيق التوازن في المجتمع، مراعياً – أي حزب البعث – البنية الاجتماعية السورية المتعددة الطوائف والمذاهب والديانات. بيد أن طبيعة التناقضات والصراعات الكثيرة التي ظهرت داخل الحزب، بسبب وضع المنطلقات النظرية للحزب على الرف في أوقات كثيرة بعد استلام الحزب السلطة، ثم غياب الوضوح الفكري والطبقي في البنيتين التنظيمية والفكرية للحزب بعد أن جرت عملية التنسيب المفتوح للمواطنين دون النظر إلى البنية الطبقية والفكرية للمنتسب، الأمر الذي أعطى للصراعات الدائرة داخل الحزب تأثيرها السلبي على حياة الحزب التنظيمية والفكرية وعلى حياة المجتمع بشكل عام، على اعتبار الحزب قائداً للدولة والمجتمع، هذا التأثير، حال في الحقيقة بين الحزب وقدرته على تحقيق التوازن والاستقرار في البنيتين الاجتماعية والفكرية داخل الحزب من جهة، وعلى قدرته في تحقيق فكرة المواطنة كونه مؤسسة سياسية تقود الدولة والمجتمع من جهة اخرى.

نعم لم يستطع الحزب طوال تاريخ نضاله أن يحقق المواطنة بمفهومها العقلاني، وظلت سياسته اتجاه المكونات الاجتماعية للمجتمع السوري تقوم على خلق حالة من التسويات الرضائية على مستوى القبيلة والعشيرة والطائفة والأيديولوجيا عند تشكيله للقيادات السياسية الحزبية والحكومية في المركز وفي المحافظات. مثلما فشل في الوصول إلى اتخاذ مواقف جريئة تجاه البنية الفكرية السائدة لا من حيث تطبيق العلمانية التي نادى بها منذ تأسيسه، ولا بالنسبة لاحتواء الخطاب الديني وتأثيره على الحياة السياسية والاجتماعية في الحزب والدولة. الأمر الذي جعله يتراجع كثيراً من الناحية الفكرية، وكثيراً ما وضع المنطلقات النظرية للحزب التي أقرها في المؤتمر القومي السادس (1966) بما تحمل من بنية فكرية تتبنى العلمية والثورية على الرف كما قلنا أعلاه، ويستغرق في ممارسة التكتيك البراغماتي على حساب مبدئية الاستراتيجية.

إن حالة الخلل الفكري والتنظيمي لحزب البعث وشهوة السلطة التي أصابت القوى السياسية المتحكمة بحياة الحزب، بعد أن تحول الحزب إلى قائد للدولة والمجتمع، وبالتالي تحوله إلى حزب شمولي/ كلياني، جعلت قياداته عبر الكثير من محطات مسيرتها النضالية ترتمي كثيراً في أحضان الدين ورجال الدين ويأتي في مقدمة هذه القيادات مؤسس الحزب نفسه "مشيل عفلق" الذي تخلى عن مسيحيته وأعلن إسلامه. أما التوجه نحو الدين والعمل شيئاً فشيئاً على إقصاء الفكر العقلاني والتنويري عن الساحتين الحزبية والاجتماعية، فقد جاء بعد أحداث الثمانينيات من القرن الماضي، وظهور الدور المؤثر للإخوان المسلمين والثورة الإسلامية الإيرانية في مجرى الحياة داخل المجتمع العربي بشكل عام والمجتمع السوري بشكل خاص. فأمام المد الإسلامي هذا راحت السلطة تفسح في المجال واسعاً امام رجال الدين في المؤسسة الدينية الرسمية كي يمارسوا دورهم من باب عقلنة الوعي الديني عند المواطنين بغية إقناعهم بطبيعة النظام السياسي القائم أولاً، ثم مواجهة الفكر الإخواني وتياره الذي كان وراء أحداث ثمانينيات القرن الماضي ثانياً، وبدلاً من أن تتكئ القيادة السياسية على الكوادر الحزبية المثقفة والمشبعة بقيم الحزب العقلانية والتنويرية، والقادرة فعلاً على استيعاب الوعي الديني وإمكانية التأثير على مجراه العام في حياة المواطنين دون المساس بالحرية الدينية والعقيدة، وفقاً لما كان يرمي إليه الحزب عند قيامه، رحنا نجد القيادة السياسية التي استمرت أكثر من عقدين من الزمن بعد انعقاد المؤتمر القطري السابع للحزب في نهاية سبعينيات القرن الماضي دون تغيير، تعمل على إقصاء ذوي الكفاءات العقلانية التنويرية داخل الحزب والتركيز على قيادات هشه ثقافياً وذات أرضية فكرية دينية، ساهمت هي ورجال الدين معاً على محاربة الفكر التقدمي وحوامله الاجتماعية داخل الحزب وخارجه. مثلما راحت المؤسسة الدينية الرسمية بتيارها (المدخلي) تعمل على تجذير الفكر الديني السلفي بصيغته الأشعرية والوهابية، والصوفية الطرقية بعد أن سمح لها بنشر الفكر الديني السلفي، عبر إعطاء الدروس الدينية في آلاف المساجد من قبل آلاف الداعيات والدعاة، مع الدعم اللامحدود من قبل المؤسسة الدينية لتحقيق أهدافها، حتى فقد الحزب في نهاية المطاف قدرته على ضبط توازنه التنظيمي والفكري من جهة، والتوازن الفكري والاجتماعي للدولة والمجتمع معاً من جهة ثانية. وكان من أبرز نتائج هذا التوجه الفكري الغيبي والامتثالي المنافي للروح العقلانية التنويرية، هو ما نراه اليوم من فوضى فكرية وأخلاقية واجتماعية وسياسية ليس لها مثيل في العالم كله. وهذا هو الشعب السوري برمته يدفع اليوم الثمن غالياً بما أصابه من هذه الفوضى التي دمرت الحجر والبشر معاً، ويأتي في مقدمة هذه الفوضى انتشار الفساد الذي استشرى ليدخل كل مسامات الحياة داخل المجتمع والدولة .

انطلاقاً من هذا المدخل نقول: إن من يتابع الفكر السلفي في حركته الفكرية والعملية في عالمنا العربي والإسلامي المعاصر، يجده يشتغل في اتجاهات ثلاثة، وكل اتجاه منها يعمل لمصلحة الاتجاه الآخر، بل هو عماد له من أجل اكتمال رسالة هذا الفكر وتطبيقه في الواقع. وهذه الاتجاهات الثلاثة هي: الاتجاه الدعوي، والاتجاه المدخلي، والاتجاه الجهادي. ونظراً لوضوح كل من التيارين الدعوي والجهادي في نشاطهما، فإن اللبس وعدم الوضوح والتناقض يظهر جلياً في نشاط التيار المدخلي، أو ما يسمى بالتيار (الديني الرسمي) على اعتباره قريباً من السلطات الحاكمة ويعمل لمصلحتها أو خدمتها في تأدية مهام تتعلق بعمل الدولة ذاتها كونها الراعية للفرد والمجتمع والمسؤولة عن استقرار قيمه المادية والروحية، وعدم السماح باستغلال القيم الروحية، وفي مقدمتها الدين، حفاظاً على استقرار المجتمع وعدم الدفع به إلى متاهات قد ينتج عنها حروب أهلية تتخذ من الدين وسيلة لتحقيقها. وهذا الدور الايجابي للدولة تجاه الدين تظهر حياديته، وبالتالي إيجابياته لدى الأنظمة العقلانية التي يهمها فعلاً بناء الدولة والمجتمع بناءً عقلانياً يقوم على أهم مسألتين في بناء هذه الدولة العقلانية التنويرية، هما الديمقراطية والعلمانية.

على العموم دعونا نقف عند تحليل دور ونشاط هذا التيار أو الاتجاه المدخلي للفكر السلفي في الخطاب الإسلامي ودوره في زيادة مأزق الدول العربية والإسلامية بشكل عام وسورية التي لم ترتق بعد إلى دولة التعددية وتداول السلطة بشكل خاص، أو الوصول بتعبير آخر إلى دولة الديمقراطية والعلمانية والمواطنة، هذا التيار الذي من أهم ثوابته القبول بالنظام السياسي والاجتماعي للدولة التي يمارس نشاطه فيها، بغض النظر عن طبيعة هذا النظام وشكل الحكم فيه، وعن طبيعة المجتمع ومكوناته الدينية والعرقية. بيد أنه- أي التيار المدخلي- راح مقابل هذا القبول، يعمل على اختراق هذا النظام والعمل على إعادة هيكلته والتأثير فيه من خلال المؤسسات الرسمية للدولة نفسها وفقاً للمنظومة الفكرية والقيمية الدينية السلفية الذي يؤمن بها دعاة التيار السلفي عموماً، وبالتالي العمل على تكريسها باتجاهاتها الثلاثة. وذلك انطلاقاً من رؤيتهم لمفهوم الدولة الإسلامية المراد تطبيقها وفقاً للشريعة الإسلامية ونصوص (الحاكمية)، كما بينها أحد أهم التيارات السياسية السلفية الجهادية وهو تيار " الاخوان المسلمون"، على لسان سيد قطب في كتابه: (العدالة الاجتماعية في الإسلام) حيث يقول: (فما يعتز به الإسلام أن لا يكون بينه وبين هذه النظم مشابه، وما يضيره ألا يكون. فالإسلام يقدم للبشرية من النظام المتكامل لا تجد مثله في أي نظام عرفته الأرض، من قبل الإسلام ومن بعده سواء. والإسلام لا يحاول ولم يحاول أن يقلد نظاماً من النظم، أو أن يعقد بينه وبينها صلة أو مشابهة، بل اختار طريقه منفرداً فذاً، وقدم للإنسانية علاجاً كاملاً لمشكلاتها جميعاً.).(1).

إذن إن التيار الديني المدخلي السلفي، - وغالباً الأشعري والوهابي - نجده في الوقت الذي يظهر فيه للسلطات الحاكمة موافقته على تقديم الخطاب الديني بما يتفق ومهام الدولة العلمانية، و ما تريده سلطاتها الحاكمة من الخطاب الديني وفقاً لمصالح مشروعها، فهو يعمل في الوقت نفسه وبشكل ممنهج على جعل هذه النظم السياسية والبنية المجتمعية التي ينشط داخلها، أن تتماشى مع المعايير القيمية المشتقة من الخطاب الإسلامي، أي مع نصوصه المقدسة من (قرآن وحديث وأثر فكري أو عملي أجمع عليه الصحابة والتابعون وتابعوا التابعين حتى القرن الثالث للهجرة.). أو بتعبير آخر هم يمارسون نشاطهم الديني بناءً على الثقة التي منحتها لهم الدولة أو السلطات الحاكمة بما يتاح لهم من وسائل فكرية ومادية (مؤسسات) تضعها تحت تصرفهم الدولة، من أجل شرعنة النظام وقيمه الذي يمارسون نشاطهم فيه. ثم إعادة هيكلة هذه النظم والقيم وفقاً لخطابهم السلفي ذاته كما بينا في موقع سابق. وما جرى في الدول العربية تحت مسمى الربيع العربي يبين لنا هذا الدور المزدوج في أهدافه الذي تركه هذا التيار في ظهور تلك الأعداد الهائلة من الشباب المسلم المتأثر بالفكر السلفي التكفيري الذي كان يتلقى ثقافته الظلامية الامتثالية الوثوقية التكفيرية المشبعة بالعصبويّة الطائفية والفرقة الناجية، في جوامع الدولة وعبر وسائل إعلامها التي تشرف عليها المؤسسات الدينية الرسمية.

وقبل أن أسلط الضوء على التيار المدخلي في سورية دعونا ننظر في هذا المثال الحي والواضح كل الوضح للتيار المدخلي ودوره في الدفاع عن سياسية الحكومات المصرية ووقوفه إلى جانبها في السراء والضراء، بينما هو يقوم بمحاربة الفكر العقلاني التنويري وتصفية رجالاته، أو اقصائهم خارج الوطن كما جرى لفرج فوده وحامد أبي زيد على سبيل المثال لا الحصر.

عندما كان عبد الناصر في السلطة وهو من ظل يحارب الكيان الصهيوني حتى آخر لحظة من عمره، نجد شيخ الأزهر آنذاك "محمد شلتوت" وهو الممثل الرسمي للتيار المدخلي في مصر زمن عبد الناصر يقف ضد الكيان الصهيوني والدولة الاسرائيلية كونها دولة معتدية ومحتلة للأراضي العربية ومشردة للشعب الفلسطيني. أما في عهد السادات الذي عقد اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني، فنجد شيخ الأزهر آنذاك "عبد الحليم محمود" يقف مع كامب ديفد ويبين شرعيتها وضرورة السير في ركابها. هذا في الوقت الذي ظل مشايخ الأزهر يعملون على تلقين الفكر السلفي في جامعة الأزهر لطلابهم، الأمر الذي جعل من جامعة الأزهر قلعة للفكر السلفي الإخواني المعادي لمفهوم العروبة والدولة العربية.

بعد عرضنا هذا المثال عن طبيعة التوجه السياسي للتيار المدخلي في مصر، سنتناول دور هذا التيار المدخلي في سورية من خلال التعرض لما كان يقوم به بعض قادة هذا التيار المدخلي، إن كان على مستوى شرعنة النظام والدفاع عنه أو عدم نقده أو الخروج عليه تحت فتوى عدم الخروج على السلطان خوفاً من الفتنة كما قرر دعاة الفكر السلفي التقليدي، أمثال ابن حنبل وأبو حسن الأشعري وأبو حامد الغزالي وابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهم من دعاة هذا التيار عبر تاريخ الدولة الإسلامية حتى اليوم. ثم العمل على إعادة هيكلة قيم وذهنية المواطنين وفقاً لما يريده أصحاب هذا التيار أو هذا الخطاب الديني السلفي الذي جيش كل هذه الفصائل المسلحة ضد النظام.

إن ما سنقوم بعرضه هنا من رؤى وآراء صادرة عن منابر المؤسسة الدينية الرسمية في سورية، يؤكد لنا بأن سورية راحت عبر نشاط تيارها المدخلي السلفي لأكثر من أربعة عقود تتحول شيئا فشيئاً إلى قلعة للفكر السلفي، الذي يروج له عبر(23)ألف جامع، و(143)مدرسة شرعية، و(60) الف داعي وداعية، والعديد من المعاهد الدراسية العليا الدينية، ومئات معاهد تحفيظ القرآن والفقه السني، بعقلية تعمل على تفسير وتأويل النص المقدس والترويج له بعيداً عن إعطاء أي دور للعقل والإرادة الإنسانية في الحكم على هذا النص ، أو النظر فيه بما يتوافق ومستجدات الحياة التي تفرض على رجال الدين ومشايخه وعلمائه في هذا التيار أن يفتحوا باب الاجتهاد كي ينسجم هذا النص مع تطور الحياة ومع طبيعة المكون الديني نفسه للمجتمع السوري. الأمر الذي جعل الرئيس بشار الأسد يخاطبهم بعد فوات الأوان بضرورة إدخال الفلسفة إلى الخطاب الديني، أي إدخال العقل كحاكم على النص من أجل فتح باب الاجتهاد بعد أن أغلقوه كل تلك السنوات الطويلة، وأن من نتائج هذا الإغلاق ما تمر به سورية اليوم من مآسي بإسم الدين والفرقة الناجية التي سمحت لعدو الداخل والخارج أن يشتغل عليها لتدمير سورية بأجندة طائفية.

لنتابع بعض النشاطات الفكرية التي مارسها بعض قادة هذا التيار المدخلي في سورية على صفحات المنابر الثقافية الدينية التي وفرتها الدولة لهم من أجل تحقيق المحبة والاستقرار بين مكونات المجتمع السوري المتعدد الطوائف والمذاهب والديانات ، ويأتي في مقدمة رجال هذا التيار المدخلي الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي زعيم هذا التيار والمثل العلى لشباب الرحمن ممثلين بـ (القبيسيات) وذوي (الكلابيات القصيرة).

تعتبر مجلة" نهج الإسلام" من أهم المنابر الثقافية الدينية التابعة لوزارة الأوقاف التي صدرت في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي بعد حوادث ثمانينيات. فلوا تتبعنا بعض ما نشر في هذه المجلة من رؤى وأفكار هدامة منذ السنوات الأولى لصدورها، سيؤكد لنا ما قلناه بحق هذا التيار في نشر الفكر السلفي التكفيري الظلامي الوثوقي وموقفه المعادي ليس للعقل وحرية الإرادة فحسب، وإنما عداءه لنظام الدولة نفسها ومكونها الاجتماعي والسياسي وكل الفكر التقدمي الذي لا يمكن لسورية في تعدد طوائفها ومذاهبها أن تعيش مستقرة بدونه. لأن لا حياة في سورية دون علمانية وديمقراطية تحترم الآخر وحقه في المشاركة بقيادة شؤون وطنه. أو بتعبير آخر، لا حياة في سورية إلا بتحقيق دولة المواطنة والديمقراطية والعلمانية، وعندما نؤكد على العلمانية هنا، كونها لا تعني الإلحاد ومحاربة الدين، وإنما هي في أبسط صورها بالنسبة لمسألة الدين هي فصله عن السياسة، وتعميق المحبة والتسامح بين أبناء الديانات، وعدم الرجوع إلى الطائفة والمذهب والعشيرة والقبيلة كمرجعيات تقليدية لحل قضايا الفرد والمجتمع، بل العودة إلى الدولة ومؤسساتها التي تعتبر المواطنة هي القاسم المشترك بين مكونات المجتمع، وهي وحدها القادرة على رفع وعي الفرد في ممارسة حقوقه وواجباته المشروعة تجاه الدولة والمجتمع التي كفلها له الدستور وليس الفرقة الناجية. فجوهر العلمانية هو الدين لله والوطن للجميع.

في العدد الثالث والعشرين / آذار/ 1986 من مجلة (نهج الإسلام) الرسمية الصادرة عن وزارة الأوقاف السورية، ص48 وما بعد، نجد رسالة موجهة من الشيخ "محمد سعيد رمضان البوطي " وبموافقة وزير الأوقاف "محمد الخطيب" إلى الشيخ "عبد العزيز الباز" الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية، يشكر فيها الباز على تكليفه لجنة من هيئة البحوث السعودية للاطلاع على كتابه (الإسلام ملاذ كل المجتمعات الإنسانية)، وتبيان الملاحظات التي لا تتفق ووجه الإسلام الصحيح الذي يدافع عنه الباز وتياره وهو التيار السلفي في صيغته الوهابية. فمن يطلع على مضمون الرسالة والملاحظات التي بينتها اللجنة المكلفة من الباز لدراسة كتاب الشيخ البوطي، ثم رد البوطي على هذه الملاحظات، يدرك المطلع ذاك التناغم بين فكر الشيخ البوطي والفكر الوهابي، عدا قضية واحدة اختلفوا فيها وهي قضية الكرامات، أي إدخال البوطي البعد الصوفي في الفكر السلفي، هذا مع تأكيدنا أيضاً على أن هذا الفكر الصوفي أيضاً لا ينسجم والتوجه العقلاني والعلماني للنظام السوري، كونه فكر امتثالي غيبي يحارب العقل والحياة برمتها. وإن من أسباب مقتل البوطي هو موقفه هذا من الفكر الصوفي، ومحاولته إدخاله إلى صلب الفكر السلفي التكفيري. وهذا ما قاله من قام باغتياله عندما نشر التحقيق مع من قتله على الفضائية السورية.

والشيخ البوطي ذاته نجده في مكان آخر أكثر خطورة من خلال عدائه للعلمانية في كتابه (العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر)، وهو كتاب مقرر لطلاب الشريعة في جامعة دمشق: حيث يقول عن العلمانية، وهو هنا يتبنى رأي دار الافتاء الوهابية في السعودية ذاتها حول العلمانية: ( أما الدين الإسلامي فيحوي في أصله إلى جانب مبادئ الاعتقاد، الأحكام التي تضبط شؤون الدولة وتتكفل بإقامة أنظمتها وقوانينها، فحجزه عن ممارسة صلاحياته ومسؤولياته، هو تغيير لجوهره وإبطال لكثير من مضمونه - ثم يتابع ناعتاً من يؤمنون بالعلمانية ضمناً، ويتقربون إلى الإسلام قولاً - قائلاً: (إن التظاهر بالخضوع له – أي الدين - بعد ذلك كذب عليه ومخادعة له ولمشرعه.). وهو في هذه الموقف الفكري يواجه النظام السوري ذاته الذي يقول بالعلمانية ويعتبرها أحد المكونات الأساسية للنظام. بل هو لم يتوان أمام اعتبار الإسلام بداية ونهاية كل شيء، ويدفعه هذا الاعتقاد إلى نزع الأخلاق عن العرب قبل الإسلام وعن العروبيين المعاصرين كما ذكر في إحدى حلقاته التي تبث للأسف أسبوعيا على قنوات التلفاز السوري وهي بعنوان، (لن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) حيث يقول: (إن العرب ليس لديهم أخلاق قبل الإسلام، وإن القوميين العرب الذين يقولون بأن العرب كان لديهم أخلاق قبل الإسلام هم كذابون.). هذا في الوقت الذي يُعتبر فيه حزب البعث الذي احتضنه حزبا عروبياً، وهو المنادي بالآمة العربية الواحدة ذات لرسالة الخالدة. مع ضرورة الإشارة هنا، بأن هذا الموقف الذي يتخذه البوطي من القومية العربية ليس جديداً، بل هو قديم يعود إلى ستينيات القرن الماضي، ففي مقال له بعنوان )حقائق عن نشأة القومية)، صادر بكراس مستقل عن لجنة مسجد جامعة دمشق- قسم النشر (41)، 1963 .يكتب البوطي عن القومية ودعلتها وارتباطاتهم بالماسونية والصهيونية والاستعمار، سأقتبس منها بعض أفكاره وأترك للقارئ أو المهتم العودة إلى هذا المقال ليتبين موقف البوطي ومن يقف معه ويتبنى فكره في كرههم للعروبة والقومية العربية.!.

يقول البوطي: (وإننا لو رجعنا واستقرأنا تاريخ دعاة القومية في بلادنا فإننا لن نجد صعوبة في كشف تآمرهم على بلادهم وقومهم، وبروز حقيقتهم سافرة وهي أنهم عملاء للاستعمار بكل ما في هذه الكلمة من معنى....( ويتابع في النص ذاته) قوله: إن مقدمة نشأة القومية في عالمنا الإسلامي تبدا مع بدء التجمع الصهيوني وسعيه استلاب فلسطين...ويقول في مكان آخر: .. إن كلا القوميتين (ويقصد العربية والطورانية)، اتجهتا في الهجوم على عدو واحد ليس له أي شأن في الأمر، ألا هو الخلافة الإسلامية المتمثلة في السلطان عبد الحميد.).(2).

لنتابع موقفاً فكرياً آخر في مجلة "نهج الإسلام نفسها، وفي العدد /23/ السابق في الصفحة /52/، يكتبا الشيخ "فتحي الدريني"، في مقال له عن : (البعد السياسي لمعجزة الإسراء والمعراج) قائلاً: (إن هذا الحدث العظيم كان فتنة للناس بصريح النص القرآني وابتلاءً لصدق من آمن لقوله تعالى: " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس"، وهكذا يتبدى لنا البعد السياسي في تصفية القوم سياسياً، وتمييز مؤمنهم من كافرهم، أو ضعيف الإيمان منهم إذا ثبت أن بعض المؤمنين قد ارتد إثر بلوغه نبأ الإسراء والمعراج. وهذه التصفية السياسية الكاملة ضرورية جدا ليعلم المتخاذل من المبطل من المؤمن الصادق الذي يعتمد عليه في بناء الدولة ودفع الأخطار عنها، وتحمل الجهاد في سبيل تدعيم أركانها ...) وهكذا نرى أن التيار المدخلي في سورية يربط الإيمان بالجهاد ربطاً محكماً، بحيث لا يتحقق إيمان صادق عميق راسخ دون أن تكون هناك عقيدة الجهاد جزءاً دينياً يستلزم هذا البعد السياسي بداهة في مثل قوله تعالى: ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله ويقتلون وعداً عليه حقاً.). هذه الفريضة كانت أولى مشاهدة معراج الرسول. وبناءً على هذه الترويج الفكري لمسألة الجهاد المدخلي في سورية يتبين لنا مسألتان كنا قد أشرنا إليهما في موقع سابق. الأولى: إن التيارات الثلاثة للسلفية وهي الدعوي والجهادي والمدخلي كلها تعمل لخدمة الخطاب السلفي التكفيري والفرقة الناجية، والثانية، هي أن قسماً كبيراً من السوريين الذين حملوا السلاح في هذه الأزمة هم نتاج هذه التوجهات الفكرية التي كانت تحقن في عقولهم يومياً عبر المنابر الثقافية التي وظفتها الدولة لهم.

أما في العدد/ 24/ من مجلة "نهج الإسلام"، لعام 1986، وفي الصفحة /67/ يكتب الشيخ "عبدالرحمن عيسى" مقالاً بعنوان: (الفكر الإسلامي نهج إلهي إنساني جامع)، يقول فيه: (وبعد فإن منطلق الفكر الإسلامي في فحوى آيات الله في القرآن المجيد، المفسرة لحقائق الوجود، وليس في تنطعات المفكرين في الغرب وخططهم الثقافية المبتورة والمجذومة، التي لم تفتح باسم الله ولم يوقع عليها رسول الله، فهي مردودة على ذويها لا لكونها باطلة أو غير صحيحة، بل لوجود الاستغناء عنها بكتاب الله المهين.. فإن إخفاق النظم الوضعية مؤشر على تقدم الإسلام ليؤدي دوره المرتقب والموعود وليشل فاعلية أهل الجحود، وليعطي البشرية دفقة حب وتصفية وعطاء بعد ليل كالح.). فكل ما جاء في هذا القول هو دعوة واضحة وصريحة من قبل رجال وعلماء هذا التيار المدخلي لرفض الفكر الوضعي، واعتباره فكراً كافراً يجب أن يقصى من الوجود.

ماذا تبقى لنا أن نقول أمام معطيات هذا الفكر السلفي الذي راح يفرض نفسه في السر والعلن، ليمنحنا تحت ما سمي بالربيع العربي، مئات الفصائل المسلحة باسم الإسلام، كان من أبرز ملامح نشاطها الذي بشر به الخطاب الإسلامي الأشعري والوهابي السلفي، القتل والتدمير وتكفير الآخر وتعميق الطائفية وإرجاع سورية مئات   السنين إلى الوراء، والذي يتحمل النتيجة في الحقيقة هم من فسحوا المجال واسعا لهذا الفكر السلفي التكفيري الوهابي أن ينتشر بين صفوف شبابنا، بهدف خدمة مصالح أنانية ضيقة، كان دعاتها يعتقدون بأنهم باللعب على ورقة الدين يستطيعون تسيير الدولة والمجتمع وفقاً لمصالحهم.

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

....................................

1- - سيد قطب- العدالة الاجتماعية في الإسلام- سوريا- مطبعة عيسى البابي وشركاه- ط6- 1964- ص94.

2- يراجع المصدر لهذه الرسالة : كتاب القومية والوحدة – القسم الأول- الجزء الثاني- المقالات – تحرير وتقديم محمد كامل الخطيب- دمشق – وزارة الثقافة – 1994- ص 694 و697 و 700.

3- يراجع المصدر لهذه الرسالة : كتاب القومية والوحدة – القسم الأول- الجزء الثاني- المقالات – تحرير وتقديم محمد كامل الخطيب- دمشق – وزارة الثقافة – 1994- ص 694 و697 و 700.

 

 

سؤال يواجهنا في العادة عندما تواجهنا أشياء وحوادث ومشاكل في حياتنا الإجتماعية، وقد أختلف الناس في الإجابة على هذا السؤال بين مؤيد ورافض، وذلك تبعاً لفهم كل واحد منهم في التاريخ وماذا يعني له؟، وهل إن التاريخ هو مجرد سجل رقمي للحوادث والقضايا؟، أم إنه ذلك الشيء الزمني الذي يعبر عن الماضي بكل تفاصيله؟، والتاريخ في الحالين هل يمكنه أو هل يجوز له أن يعود بحرفيته أو بشخوصه أو بأحداثه؟، ثمة أناس قالوا نعم، وثمة أخرين قالوا لا [ونحن من هؤلاء الذين قالوا لا]، وحجتنا في ذلك العقل وما صح من النقل المعتبر، ومع ذلك لا يزال الجدل محتدماً و قائماً، بين هؤلاء وهؤلاء حول ما إذا كان التاريخ يُعيد نفسه أم لا؟ .

ونفس الجدل نلاحظه لدى المتكلمين في قضايا العقيدة والشريعة، كذلك وحتى لدى المشتغلين بحقول العلوم والفنون، وبما إننا نعرف التاريخ على إنه عبارة عن هذا الخليط بين السجل للأحداث والقضايا، وبين كونه الماضي بكل تفاصيله وأجزائه، وهذا التعريف نظرنا إليه من وجهة معرفية خالصة ..

وهنا نقول: مفهوم السجل للماضي يعني سجل للزمان والمكان، وهذا الشيء يرتبط موضوعياً بمفهوم - الصورة والحدث -، الذي من خلاله نرى الماضي كيف كان وكيف سار وكيف تأسس؟، وصورة الماضي رأيناه بعين وعقل الذي تخيلها أو الذي رسمها في ذلك الوقت، وهذه الصورة في كثير من الأحيان هي تخيليه كما ألمحنا وليست واقعية أو دقيقة من جهة الضبط التاريخي، وفي هذه الحالة لا يمكننا إعتبارها حقيقة موضوعية، ولكي تكون كذلك لا بد من تسليط كل الأضواء المتاحة و الكاشفة لنتبين دقتها وصحتها وموافقتها لموضوعة - الزمان والمكان - المحكي عنه، وفي هذه الحالة يتجدد الطرح على نحو أخر، وهل الذي وصلنا عبر الصورة مطابق أو موافق للحقيقة؟، بحيث يمكننا إعتباره قدوة و مثل يمكننا التأسي به والإقتداء؟، بمعنى هل يمكن إعادة الصورة بشرطها الموضوعي الذي كانت عليه؟ والجواب ببساطة لا يمكننا ذلك موضوعياً، بدليل إن الماضي قد مات حسب التقرير القرآني - تلك أمة قد خلت ...!!! .

ولو طُرح السؤال بلغة الفيلسوف: فسيكون على النحو التالي: هل يمكن تصور قوانين الوجود والقيمة في الأين والمثال واحدة في - الماضي والمستقبل -؟

وبمعنى أدق: وهل يعني ذلك إن حركة القوانين الطبيعية لا تخضع لعملية التطور ونظام الصيرورة والتبدل؟

ولو أفترضنا جدلاً .. صحة القول التالي: إن الماضي بكل ما فيه قابل لكي يُعيد نفسه، فهذا الإفتراض الجدلي من لوازمه - جعل التكرار في الماهية والكيفية من لوازم الشيء، ولو سلمنا بصحة هذا الإفتراض فإن ذلك يلغي مفهوم - التطور -، الذي اشار إليه النص بقوله - كل يوم هو في شأن -، كما إن التطور بمفهومه العلمي هو سيرورة في الإرتقاء والنمو والتكامل [وهذا ما أشار إليه دارون]، والتطور: هو عملية داخلة في بنية الشيء وفي ماهيته، ولأنها كذلك فهي بحركة الشيء وبفعله، وعالم الوجود وعالم الإمكان من خواصه الذاتية - التطور - ولذلك يكون قابلاً للحياة وللعيش .

ولنقل إن هذه النظرة للتطور أستندت على - جدل الإنسان والطبيعة ، هذا الجدل الذي يصطدم مع فكرة ومفهوم ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ، بمعنى إنه يجعل من القابلية على التطور غير ممكنة

..

أضف إلى هذا إن ساحة رصد - (الزمان والمكان) ليس فقط فيما هو ذهني وعقلي بل هو مادي أيضاً، أعني إن مجال الرصد هنا في أصل الحركة للصورة المتخيلة، وكما قلنا فالضابط في رصد الحركة هو ــ الشأنية ــ، والشأنية عبارة عن توثيق وشاهدية، ولكي تكون االشأنية ممكنة القبول يلزمها الإقناع والموافقة - ..

* * *

ونعود لنناقش مفهوم الإعادة التاريخية، وفعل إعاد يعني أرجع كما تقول المعاجم، ومصدر الفعل إرجاع ولكي يكون ممكننا في قضايا التاريخ، يلزمه إرجاع أدوات الفعل التاريخي وعناصره والقوى التي صنعته أو إنتجته ، وإرجاع أدوات الفعل االتاريخي تخضع بالضرورة لأدوات الفعل الطبيعي أعني في الماضي، ولكن هل يكون ذلك ممكنا من الناحية المعرفية؟، من الناحية المعرفية يمكن دراسة الحدث التاريخي والتعرف على الطبيعة الموضوعية التي أنتجته، ولكن أبداً لا نستطيع الجزم بتمام الموافقة على صحة ذلك، لأن ليس لدينا تاريخا ضبطت كل عناصره وأدوات فعله .

ثم إن إعادة الفعل التاريخي ومحاولة تكرار تجربته حتى على نحو خاص غير ممكن، ولا يتولد من هذا الفعل شيء يمكننا إلزام به الفرد أو الجماعة – لأن ذلك بمثابة إلزام بما لا يلزم -، ومن الناحية العلمية يكون الإلزمام بما لا يلزم أحد مناقضات التطور .

ولنعد إلى أصل الفكرة نحن نبحث في موضوعة الماضي، ماضينا نحن الذي هو: - عبارة عن تاريخ للفرق والطبقات والطوائف والمقالات -، هذا الماضي المضطرب الذي تتداخل فيه قضايا السياسة والإجتماع كما قضايا الفقة والعقيدة، وهو تداخل صنعته أيدٍ لها علاقة بالقرار السياسي والديني الرسمي وغير الرسمي، إنه تاريخ مجزأ يسود فيه الإختلاف والتعددية والسلبية، ولكي نقرئه بحيادية وموضوعية يلزمنا ما يلي :

أولاً: التحرر من هيمنة الماضي وأحكامه التي أنتهى أوانها، بمعنى إن الماضي بما فيه مرتبط حكماً وموضوعاً بواقعه وزمانه ومكانه .

وثانياً: نفي فكرة ومفهوم ـ التارخ يُعيد نفسه ـ، والنفي بمعناه العلمي الإيمان بالتطور الطبيعي سواء في الفهم المجرد أو في طبيعة المادة .

وثالثاً: وفي قرائتنا للتاريخ لا بد من الإيمان بأن التنازع والإختلاف يولد دائماً التناقض والكذب وعدم المصداقية، وفي أحيان كثيرة التحريف والتزييف، ولا مجال لقوانين العلم والعليَّة وسيادتهما .

ورابعاً: إن التاريخ الذي يصنع التباعيض والأجزاء والتناحر، حريّ بنا أن نضعه في ميزانه الطبيعي وضمن عالمه الخاص، وأن لا نعمل جاهدين من أجل إعادة وترتيب مواضيعه التي أنبنى عليها .

* * *

ولكن كيف لنا أن نفهم دعاة مفهوم ـ التاريخ يُعيد نفسه ــ؟، يمكننا فهم ذلك من خلال تركيبهم لما هو كلامي على ما هو فقهي، ففي علم الكلام الشيعي هناك مقولة تقول بمبدأ ــ الرجعة ـ [والتي عرفتها المدرسة الشيعية: بأنها رجوع جماعة من الأموات إلى الحياة الدنيا قبل يوم القيامة، في صورتهم التي كانوا عليها، ولا يرجع إلاّ من علت درجته في الإيمان، أو من بلغ الغاية في الفساد،ثم يصيرون بعد ذلك إلى النشور وما يستحقونه من الثواب والعقاب] .

هذه الفكرة كما يبدو مصطنعة أختلقتها أخبار كاذبة، ومعلوم إن التاريخ الإسلامي معبء بكثير من هذه الأخبار، والتي تحكمت في قسط وافر من معارفنا، وقد قام بالترويج لها والنشر وعاظ ورجال دين متخلفين، ليضللوا فيها الناس ويُبعدوهم عن التعرف على قضاياهم الإجتماعية والسياسية والإقتصادية الملحة .

وجزء من مفهوم - الرجعة ـ عند هؤلاء تعني العودة المادية لأئمة أهل البيت !!!، أي أنها عودة أشخاص معينين لخصوص سبب معين، وجزء أخر منها عودة أناس آذوا أئمة أهل البيت، والغرض من العودة والسبب هو [إثبات أحقية اهل البيت بالخلافة وبطلان دعوى مخالفيهم] .

فلو أفترضنا صحة هذا الزعم، فإنه سيرجع الإمام علي إلى الدنيا، وسيرجع معاوية كذلك والهدف من رجعتهما هو في [إثبات إن علياً على حق ومعاوية على باطل]، ولننظر هنا إلى أصل العودة والغاية منها وهو في إثبات أحقية علي بالخلافة !!، ولكن السؤال الذي يُطرح هنا، هو إن االعودةوالرجوع في زمن ما، ولناس ما وبالتالي فهي عودة ورجوع لا يعلم به إلاّ من شاهد ذلك و صادفه، وهي في هذه الحالة حجة على من شاهدها وحدثت في وقته، ولا حجية لها على من لم يشاهد ذلك بالدليل العملي، ثم إن هذه الفكرة قد جرى بحثها طويلاً في الكتب الكلامية، وأقر جمهور العلماء بأن علياً كان على الحق ومعاوية كان على باطل، حتى أصبح هذا الحكم هو حكم الكافة في هذه المسألة هذا أولاً .

وثانياً: إن الإيمان بالرجعة الشخصانية على النحو الذي قدمناه يستلزم إبطال مَبِدئيْ ــ الثواب والعقاب .

وثالثاً: إن الإحتجاج بالقرآن في هذا المجال ليس على ما ينبغي، إذ القول بأن للعُزَيْر وحماره ــ رجعة ــ، قول بعيد لما نحن فيه، إذ الأمر فيه يتعلق بقدرة الله، وإذا تعلق الأمر بالقدرة فإن مجال البحث أختلف تماماً في الماهية والكيفية .

ولأنها كذلك فهي فكرة تخالف:

1 – الدين والعقل .

2 – وإنها تحتمل ظرفاً زمانياً مكانياً معيناً .

إذ الأصل الذي أنبنى عليه فكر ـ الرجعة ــ كان كذلك، وهو في المفهوم الشيعي المتداول وفي كتب الأخبار والعقائد يعود لمقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ في مستويي الخطاب ..

مع إن هذا الأصل من ترسبات الفكر التوراتي وتأثيره في الأدب والفكر الإسلامي، وربما كان ذلك مما قرره بولس قبل كتابة الأنجيل إلى أتباعه تحت شعار ــ عودة الأبن إلى أبيه ـ .

***

ولكن هل إن مقولة ـ التاريخ يُعيد نفسه ــ هي من السنن الطبيعية والتاريخية؟

وقد عرفت السنة: بأنها طريقة ونهج يجري أتباعها ضمن علل وأسباب طبيعية، وهذه العلل والأسباب هي نسيج حركي معين يرتبط بوعي مكاني وزماني خاص، ولهذا فهي حركة في الزمان والمكان، وحضورها في وعينا عبارة عن حضور زماني ومكاني يرتبط بعلل وقوانين منتظمة، نقرأ ذلك في قوله تعالى - سنة الله في الذين خلو من قبل]، وهي بهذا المفهوم ضد الفوضى واللا نظام بقرينة المقابلة .

فالسنة الطبيعية تجري بتوافق مع نظام التطور في أتساق وضمن مجموعة قوانين وإرادات ناظمة، وهذا النسيج المتكامل هو الذي يتحكم بعملية التحرك فيها . قال تعالى: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} (يس / 40)، فحركة الشمس ضمن دائرتها في درب التبانة منتظمة بحيث لا تكون سابقة ولا متأخرة، وجميل جداً أستخدام لفظ - سبح - يعني حركة منتظمة، لا يجوز فيها الفوضى والتراكم والتدافع المخل بوحدة النظام .

نعم في معنى السُنة الطبيعية يلزم التسلسل الطبيعي والذي جاء تبعاً – للأنفجار العظيم -، والذي لا يناقض أبداً معنى قوله: {.. إنا بنينا السماء بأيد وإنا لموسعون} (الذاريات /47) .

فالسعة المشار إليها هنا هي ليست ضد القانون وضد الإرادة، والصفة بل هي منها بضميمة قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} (يس / 82)، والكينونة هنا ليست ضد الحركة هناك، فهما في سير واحد يُعطي للتطور قيمته وأهميته، وفي نفس الوقت هو دحض فاعل لمقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ .

إذن فالسُنة هي شاهد يمكن تحليله بذاته، خاصة في عملية المراقبة الواعية للعناصر الفاعلة في السنة، والتحليل عنصر زماني يقوم على مبادئ العلة والمعلول، وهذه المبادئ هي الحصانة من التسويف والتراكمية في الزمانية المركبة من النقل والعقل .

إن إعتبار مقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ جزءاً من القانون الطبيعي، أدى بنا إلى أفكار أرثوذكسية مغلقة في مطلق الزمان والمكان، وهذا الأعتبار هو نتيجة واقعية للخلط المعرفي بين التحليل التاريخي وبين الإعتماد التاريخي، ونريد بذلك: إنتاج الفكر أعتماداً على القواعد والمقدمات المنطقية العقلية، وبين إعتماد التاريخ كوعي فوق الوعي الزماني والعلمي .

وعليه فما يقوله بعض الفقهاء بصحة مقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ وإعتبار ذلك حجة في قضايا الفعل الإنساني في مطلق الزمان وبتعبيرهم ــ حذو القذة بالقذة ــ إعتبار ليس على ما ينبغي، كما إن الكتاب المجيد يدحض الفكرة تحت مظلة - تلك أمة قد خلت -، ومنها أستمد الأمام زين العابدين ذلك ليقول - من تساوى يوماه فهو مغبون -، وهكذا يروى عن الشافعي قوله – أنا كل يوم رجل -، وبحسب المفهوم العلمي للتطور ضمن قانون الحذف الزمني، والمُراد به نهايات المراحل وعدم الإستفادة منها .

***

ولكن هل رفض مقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ هو جزء من مفهومنا عن الثقافة الحديثة التي فيها كل شئ نسبي وليس شئ مطلق؟

مفهوم النسبية ونظريتها الخاصة من مقولات العالم الفذ ألبرت أنشتاين، وهو مفهوم ضمنه النص التالي - كل شيء هالك -، ولكن في مقابل هذا تأتي مقولة - التاريخ يعيد نفسه -، لتلغي قوانين الطبيعة وما يصنعه الإنسان عبر جدلية ــ الفكر واللغة ــ، والتي هي حركية في المستقبل الذي يصنع أو هو تاريخ الإنسان، فتاريخ الإنسان متألف من جزئين ماضي ومستقبل ولا معنى للحاضر فيه مطلقاً .

* * *

إن النظرة العقلانية للتاريخ والقائلة: إنه عبارة عن مجموعة أعمال فيها الحسن وفيها القبيح ــ الباهر والفاشل ــ، نظرة تستمد قيمتها من أنها تخدم غرضاً وتعرض حقيقة وغرضاً من الأعراض التي هي أبعد ما تكون من التاريخ نفسه .

كذلك قال جان مريتان: إنه لا يمكن أن يكون للتاريخ غاية في نفسه (1)

لقد كان بروتاغوراس محقاً حينما [جعل الإنسان هو مقياس لكل شئ، فبه ومنه ومعه تعرف المصالح والمفاسد لأنها له أولاً وبالذات وقيمتها معلومة فيه لأنه مظهر التجربة]، هذه الواقعية في النظر إلى الإنسان تجعله مصدر التطور المرتبط بالواقع الموضوعي، وهنا نكون قد دمجنا بين التصور المادي والتصور الميتافيزيقي للإنسان، مع أنهما عند البعض على طرفي نقيض بناءً على المعتمد من المقدمات عند كل طرف .

***

ولكن هل هناك تمايز بين إرادة الله وإرادة الإنسان؟، والسؤال لا يتعلق بمعنى الإرادة التكوينية، بل بما نسميه إرادة الفعل الناتج عن الحاجة والمصلحة، وفي هذا هناك نوع من الإتساق بين الإرادتين، أعني إن أبداع الإنسان في شيء ما ناتج عن موهبة إلهية مكنونة في عقل الإنسان، هي هبة من الله عند الصنع الأول، وبعبارة كلامية:

ـ الأبداع في المريد الثاني ناتج عن الأبداع من المريد الأول ـ، بمعنى أن إرادة الأبداع عند الأول سابقة عن الإرادة عند الثاني، وهذه الجدلية الكلامية تخضع لجدل الإنسان والوجود منذ النشأة الأولى، وحين نطبقها نظرياً فهي جدلية بين - فكر ولغة -، والحكم على الإرادة عند الأول أعني إثباتها يحتاج إلى فكر يستدل به الثاني على ذلك، والاستدلال ظاهرة علمية فيزيائية مرتبطة بأدوات معرفية أساسها الفكر و اللغة، والذين رفضوها عند الأول [كما هو رأي ريتشارد دوكنز]، إنما أعتمدوا في رفضهم على مايلي: - (إن الأفكار تأتي لعقل الإنسان قبل أن تعبر عن نفسها في الحديث، وأنها تولد دون أدوات اللغة، أي دون إطار اللغة، وبعبارة أخرى إنها تولد عارية) ..

إلاّ أن هذا خطأ ووهم كبير، فمهما كانت الأفكار التي تأتي إلى عقل الإنسان، لا يمكن أن تولد أو توجد من دون لغة أو من دون أدوات اللغة، أي على أساس الألفاظ والجمل اللغوية، فليست هناك أفكار عارية متحررة من أدوات اللغة، أو متحررة من المادة الطبيعية التي هي اللغة، فاللغة هي الواقع المباشر للفكر ولا يمكن أن يتحدث عن الفكر بدون لغة إلاّ المثاليون من المعتكفين وحدهم.

ويُعلق ــ بولتزير ــ قائلاً: (لقد لاقت هذه الأفكار تدعيماً باهراً في العلوم الطبيعية بفضل الأبحاث الفسيولوجية التي قام بها العالم ــ بافلوف ــ فقد أكتشف ــ با فلوف ــ أن العمليات الأساسية في النشاط المخي هي الأفعال المنعكسة الشرطية التي تكون في ظروف محددة، والتي تطلقها الإحساسات سواء الخارجية او الداخلية، وأثبت ــ با فلوف ــ أن هذه الإحساسات تقوم بدور الإشارات الموجهة بالنسبة لكل نشاط الكائن العضوي الحي، وقد أكتشف من ناحية اخرى ان الكلمات بمضمونها ومعناها يمكن أن تحل محل الإحساسات التي تحدثها الأشياء التي تدل عليها، وهكذا تكون الكلمات إشارات للإشارات، أي نظاماً ثانوياً في العملية الإشارية، يتكون على أساس النظام الأولي ويكون خاصاً بالإنسان .

وهكذا تعتبر اللغة هي شرط النشاط الراقي في الإنسان وشرطه نشاطه الإجتماعي وركيزة الفكر المجرد، الذي يتخطى الإحساس الوقتي، وركيزة النظر العقلي . فهي التي تتيح للإنسان أن يعكس الواقع بأكثر درجة من الدقة، وبهذه الطريقة أثبت ــ بافلوف ــ أن ما يحدد أساساً شعور الإنسان ليس جهازه العضوي وظروفه البيولوجية، بل يحدده على عكس ذلك المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان))

فاللغة: إذن هي أساس الفكر، وحيث أن اللغة ليست إلاّ ظاهرة إجتماعية، ولكن هذه الفكرة تطرح سؤالاً على غاية من الأهمية وهو: هل أن اللغة هي التي خلقت من الإنسان كائناً مفكراً بصفتها ظاهرة إجتماعية كما يقرر ــ بولتزير ـ؟

أم أنها وجدت في حياة الإنسان المفكر نتيجة لأفكار كانت تريد الوسيلة للتعبير عنها وعرضها على الآخرين؟

ويبدو إن الإجابة على ذلك لا تكون واضحة دون الإلتفات إلى آراء ـ بافلوف ــ وطريقته في تفسير الفكر تفسيراً فسيولوجياً ــ فبافلوف ــ أستطاع أن يوضح بالتجربة، على أن شيئاً معيناً إذا أرتبط بمنبه طبيعي أكتسب نفس فعاليته، وأخذ يقوم بدوره، ويحدث نفس الإستجابة التي يحدثها المنبه الطبيعي ..

وقد أفترض ــ بافلوف ــ من أجل ذلك نظامين إشاريين:

الأول: النظام الإشاري الذي يتكون من مجموعة المنبهات الطبيعية والمنبهات الشرطية التي لا تتدخل فيها الألفاظ .

الثاني: النظام الإشاري المشتمل على الألفاظ والأدوات اللغوية بصفتها منبهات شرطية ثانوية فهي منبهات ثانوية أشترطت بمنبهات النظام الإشاري الأول، واكتسبت بسبب ذلك قدرتها على إثارة إستجابات شرطية معينة .

***

تعتبر الحركة والسكون مقولتان أساسيتان في علم إجتماع ــ أوغست كونت ــ، فالسكون عنده عبارة عن مطالعة الموضوع الذي أطلق عليه ــ كونت ــ أسم الإتفاق الإجتماعي، فالمجتمع يشبه تركيب أعضاء الكائن الحي الكلي الذي ينتمي إليه، فكذلك شؤون أجزاء المجتمع لا يمكن إحلالها إلاّ بالمجتمع الكلي خلال لحظة معينة من التاريخ ..

والحركة عنده عبارة عن الوصف البسيط للمراحل المتتالية التي تطويها المجتمعات البشرية، وهذا الإتجاه في فهم التاريخ نطلق عليه ــ بفلسفة التاريخ ــ والتي هي: [العلم بالتحولات والتطورات التي تنقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى .. والقوانين المتحكمة في هذه التطورات والتحولات] .

وبعبارة أدق: [هو العلم بصيرورة المجتمعات لا بكينونة المجتمعات، وهي كالتاريخ العلمي علم كلي لا علم جزئي وعلم عقلي لا علم نقلي، ولكنه خلافاً للتاريخ العلمي علم بصيرورة المجتمعات لا بكينونتها، وهو بالضرورة لا يعني إرتباط أحداث هذا العلم بالماضي، بل يعني تفهم تيار انطلق في الماضي ومازال مستمراً وسيبقى يواصل مسيرته في المستقبل .

والزمن ليس ظرفاً عنده بل هو بعُد من أبعاده، والظاهر أن أية نظرية للتقدم تعتبر وليدة إذا كانت ترى الحاضر أو المستقبل القريب بوصفه الغاية النهائية .

بيد أن المؤرخين البرجوازيين لا تزعجهم الإخفاقات الماضية لنظريات التقدم المختلفة وحسب، بل هم واعون للإتجاه القائم في العلم والذي قد يمتلك بعض المعايير الفعلية للتقدم التاريخي، ولكن ليس مطلقاً او ملموساً كما هي حال مادية ماركس التاريخي .

إن الفلسفة البرجوازية تركز في التاريخ على مكافحة الجبرية لأنها في الواقع ترفض الإتجاه الجبري في التاريخ، على أساس إنه حامل للنذر العلمية والتطورية في مجال صراع الطبقات .

وهذا الإتجاه في مكافحة النزعة الجبرية قام على الرد المعاكس في التعلق بالوجودية القائلة بأن الشرط المسبق للخلاص هو تقديم فكرة البديل فالمستقبل دائماً موضع إختيار، إذ يمكننا دائماً إن نختار بين طريق وآخر .

وبالتالي فإن الماضي ليس هو وحده موضع الدراسة العلمية، وهذا التصور قانونه التطور التاريخي إذ إن الفكر لم يكن سوى ظاهرة نشأت من اوضاع إجتماعية معينة مما يولد حالة من التفسير لمجمل الظواهر الفكرية على انها وليدة عوامل إجتماعية ساهمت في إنتاج الأفكار والظواهر، وهي لذلك جدلاً تأتي بمرتبة متأخرة من ناحية الوجود، فالتاريخ لايسجل الوجود الفكري إلاّ كونه ظاهرة ناتجة عن عوامل إجتماعية خاصة .

وهذا السبق للوجود الإجتماعي على الوجود الفكري يستتبع محاولة من التدليل السكيولوجي للتفسير المادي للمجتمع والتاريخ)

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

كيف يكون الله مطلق القدرة والخيرية والمحبة للبشر ورغم ذلك يسمح بوجود الشر.. هذا هو السؤال الذي يطرحه الناس على رجال الدين ولا يحصلون على إجابة وافية ومقنعة أبداً.

هل ما ورد في الكتب المقدسة المنزلة من السماء والتي يقال أنها تنقل كلام الله، يتطابق مع الحقائق العلمية التي توصل إليها العلم الحديث في كافة المجالات لا سيما علم الكونيات الكوسمولوجي وعلم الفلك وعلم الفيزياء النظرية وفيزياء الجسيمات الأولية وميكانيك الكموم أو الكوانتوم وعلم الأحياء وعلم الكيمياء الحيوية وعلم التكنولوجيا المتقدمة وتكنولوجيا النانو وعلم الحفريات الأثرية الآركيولوجيا الخ ..؟ المقصود بالنصوص والكتب المقدس هي التوراة والإنجيل والقرآن، وهناك تسمية أخرى هي العهدين القديم والجديد بالنسبة للأول والثاني والقرآن، التي يفترض أن لها مصدر واحد هو الله الخالق في السماء. التوراة أو العهد القديم يعرف في الغرب تحت إسم La Bible وهو مأخوذ عن اللغة الإغريقية القديمة BIBLIA التي تعني " الكتب" بالجمع وليس " الكتاب" وبالتالي فإن ال " La Bible " هو تجميع لعدد من المؤلفات صاغها وكتبها عدد من المؤلفين المجهولي الهوية، يعتقد أنهم من حاخامات اليهود الذين كانوا موجودين في بابل القديمة بعد السبي اليهودي ونقل اليهود إلى بابل، وإن تلك المؤلفات كتبت في حقب زمنية مختلفة ومن بينها كتب في التاريخ وفي الشعر وفي الرواية وكتب في الفلسفة والتأملات الصوفية، وتجدر الإشارة إلى أن أياً من تلك الكتب لم يصل إلينا بنصه الأصلي كمسودة ولم يعثر عليه من قبل أي شخص ولم تصل إلينا تلك النصوص كما كتبت في الأصل. وما يميزها عن غيرها من المؤلفات هي إدعاء الفقهاء ورجال الدين والمؤسسات الدينية اليهو – مسيحية – الإسلامية، أنها دونت بوحي مباشر وبإلهام مباشر من الله. وبالتالي فهي ليست مؤلفات عادية بل هي كتب مقدسة إلهية المصدر.

لا يمكننا وصف تلك النصوص السردية بأنها مقدسة أو مدنسة، لاهوتية أو ناسوتية، بل يمكننا فقط وصفها بأنها، إما حقيقية أو مزيفة، صحيحة أو خاطئة، ويمكن التحقق من صحتها إذا ما تمكن العلم من تأكيد حقيقة ما روته حوادث بأنها حدثت بالفعل في سياق التاريخ البشري وبالتالي هي ليست خرافات أو أساطير، وإذا تبين أنها لا تتطابق مع الحقائق التاريخية فهذا يعني أن مصدرها ليس ربانياً أو إلهياً أي هي ليست كلام الله لأن الله لا يخطيء وفق منطق الأديان ذاته. ولقد أجريت تنقيبات أثرية في مدينة أريحا القديمة في فلسطين ومدينة أور في العراق للتأكد من صحة ما ورد في التوراة بشأن هذين الموقعين وكانت النتائج الأولية سلبية ومخيبة لآمال الثيولوجيين وعدم مطابقته للنصوص التوراتية التي تحدثت عن احتلال يشوع Josué للأولى ومغادرة أبراهام " إبراهيم " للثانية، وهل حقاً أن الله اختار من بين شعوب الأرض العبرانيين باعتبارهم شعب الله المختار وكشف لهم كيف أنه صنع أو خلق الكون والأرض والسموات والبشر من خلال قصة آدم وحواء والشيطان والملائكة الخ.. وإنه كلف بني البشر بمهمة مقدسة هي خلافته على الأرض ونشر رسالته الدينية بين كافة الشعوب الأخرى. وهل حقاً اختار الله أشخاصاً بعينهم وفق ما ورد في الكتب المقدسة المنزلة من الله، وزودهم بحقائق قاطعة وقوى وإمكانيات هائلة جعلت بعضهم يجترح المعجزات، وينصبهم رسلاً ووكلاء عنه ويمنحهم حق الحكم بإسم الله على البشر؟. لقد أثبت البحث العلمي أن هناك العديد من الملوك السومريين حولهم كتبة التوراة إلى أنبياء توراتيين مرسلين من الله كما جاء في كتاب الباحث الكبير الدكتور خزعل الماجدي المعنون " أنبياء سومريون: كيف تحول عشرة ملوك سومريين إلى عشرة أنبياء توراتيين؟ ".

جاء في التوراة " في البدء خلق " الإلوهيم ELoHYM" الله" السموات والأرض " في أول جملة في كتاب العهد القديم أو التوراة La Bible في سفر التكوين Genèse، وهذه الكلمة الأخيرة مأخوذة من الكلمة الإغريقية GENESIS التي تعني " ولادة " و " جيل"، ولقد اختارها المترجم الإغريقي للنص الديني التوراتي باعتبارها تصف أصل العالم.لا أحد يعرف شيئاً عن هذا المترجم وكل ما نعرفه أنه عاش في القرن الثالث قبل الميلاد وكرس نفسه لترجمة كتب اليهود المقدسة إلى اللغة الإغريقية بطلب من ملك ينتمي للسلالة الإغريقية التي كانت تحكم في مصر آنذاك. ولم يتورع في الخيانة والخروج على النص أو الأصل العبري الذي وردت فيه كلمة برشيت BRECHYT العبرية وهي مكونة من الضمير ب B ويعني " في " وكلمة رشيت RECHYT وهي تحريف لكلمة RECH والتي تعني "رأس" وبالتالي يمكننا أن نستنتج أن الكلمة العبرية تقصد في الرأس أو في المقدمة أو في البدء، ويقابلها في اللغة المصرية القديمة الهيروغليفية M HAT ومن خلال الرموز الهيروغليفية رسم أو صورة بومة وصورة أو رسم للنصف الأمامي لأسد جالس وقدميه ممدتين إلى الأمام مستلقياً على بطنه ويقابل البومة حرف م M الذي يعني " في " ونصف جسد الأسد يقابله لفظ HAT الذي يعني " أمام أو قبل وفي البداية والبدء أو في المقدمة" الخ.. من المرادفات، أما الذراعين الأماميين الممتدتين فيقابلها لفظ أو صوت A وصورة أو رسم نصف الدارة نحو الأسفل التي تمثل لفظة أو صوت ت T . والحال أن العديد من الملوك المصريين من السلالة 12 XII الذي حكموا مصر في بداية الألفية الثانية قبل الميلاد يحملون إسم مون م حات AMeN-M HAT أي" آمون في البدء أو آمون كان البداية". والكل يتذكر إسم توت عنخ آمون وهي تسميات تثبت، قبل مرحلة ظهور موسى ببضعة عقود، أن عقيدة التوحيد كانت معروفة وخرجت من العقيدة الشركية التعددية المصرية القديمة أي أن التوحيد ذو منشأ مصري وليس عبري عندما فرض الفرعون آخناتون عبادة إله الشمس وحده عكس الإدعاء العبري أن البشر بدأوا موحدين يعبدون إلهاً واحداً هو الله monothéisme ثم انحطت العقيدة تدريجاً وتبعثرت وتحولت إلى الشرك polythéisme، وهذا ما ثبت من دراسة الحضارات القديمة التي لم تترك مكاناً مميزاً للفكر التوحيدي وللعقيدة التوحيدية لا المحلية ولا العالمية الشاملة. ﺍﻟﻠﻐﺎﺕ ﺍﻷﻭﺭوﺑﻴﺔ ﺗﺤﻔﻞ ﺑﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﺗﻌﺎﻟﺞ تاريخ الأديان نشأة وكياناً ﻭﻓﻠﺴﻔﺔ، ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﻨﻬﺞ ﻧﻘﺪﻱ .ﺇﺫ ﺻﺪﺭﺕ ﻛﺘﺎﺑﺎﺕ ﻭﺑﺤﻮﺙ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺗﺘﻨﺎﻭﻝ ذلك الشأن بدءاً ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ ﻋﺸﺮ ﻭﻟﻢ ﺗﺘﻮﻗﻒ، ﻭﺑﻌﻀﻬﺎ ﻛﺘب من ﻗﺒﻞ ﻛﺒﺎﺭ الكتاب المؤمنين ﺑﻌﻘﺎﺋﺪﻫﻢ ﻭﺃﺩﻳﺎﻧﻬﻢ ﻛﻤﺎ ﻓﻌﻞ ﺟﻮﻥ ﺩﻭﻟﻴﻤﻮ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺠﻨﺔ Histoire du Paradis ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 1992 "ﻭﺟﻮﻥ ﺑﻮﺗﻴﺮﻭ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﻭﻻﺩﺓ ﷲ   Naissance de Dieu الصادر سنة 1982ﺣﻴﺚ ﺗﻨﺎﻭﻝ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩﻳﺔ   ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺒﺎﺑﻠﻴﺔ كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه الباحث الدكتور فالح مهدي المعنون "البحث عن جذور الإله الواحد" والذي أضاف " ﻟﻠﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ ﺍﻹﻫﺘﻤﺎﻡ ﺑﺎﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺤﺚ، ﺇﻗﺘﻀﻰ ﺍﻟﺨﻮﺽ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩﻳﺔ ﺑﺈﻋﺘﺒﺎﺭﻫﺎ ﺍﻟﻌﻤﻮﺩ ﺍﻟﻔﻘﺮﻱ ﻟﻜﻞ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ، ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﺒﺎﺑﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻀﻢ ﺍﻟﻤﻨﺘﺞ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻭﺍﺩﻱ الرافدين. ( ﻧﺴﺒﺔ ﺍﻟﻰ ﻭﺍﺩﻱ ﺍﻟﺮﺍﻓﺪﻳﻦ ﺃﻱ ﺍﻟﺴﻮﻣﺮﻳﻴﻦ، ﺍﻷﻛﺪﻳﻴﻦ ﻭﺍﻷﺷﻮﺭﻳﻴﻦ (ﺃﺻﺒﺢ ﻣﻦ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ ﺍﻵﻥ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻬﺪ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ ﻗﺪ ﺗﺄﺛﺮ ﺑﺎﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﺍﻟﺒﺎﺑﻠﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮ ﻁﺎﻍ .

التوحيديون يقولون " كان هناك الله" والمشركون يقولون " كانت هناك آلهة " والماديون يقولون " كانت هناك المادة" قبل بدء الوجود. أما العلماء فلا يجيبون بهذه الطريقة لأن تجاربهم وأبحاثهم محدودة بالزمن وبالتطورات العلمية والتكنولوجية ونتائج التجارب المختبرة والمشاهدات الرصدية لأن أي رد قاطع من قبل العلماء يعني الخروج من نطاق العلم الدخول في حقل الفلسفة لذلك تتنوع الإجابات وفق القناعات الشخصية والمفاهيم والمدركات الشخصية لكل عالم فهناك من بينهم ربانيون أو إلهيون أو ماديون، مؤمنون أو ملاحدة وهناك اللا أدريون وهناك من يرفض أصلاً الخوض في هذا الموضوع الشائك وكان هذا هو حال العالم الفيزيائي الشهير ألبرت آينشتين عندما سأله حاخام يهودي سؤال استفزازي : هل تؤمن بوجود الله؟ رد آينشتين إنني أؤمن بإله سبينوزا، ذلك الذي يعبر عن ذاته في أعلى درجات التناغم في الوجود، وليس الإله الذي يشغل نفسه بمصائر وأعمال الكائنات البشرية فلا يمكنني أن أتصور الله على صورة ذلك الكائن الذي يجزي ويعاقب مخلوقاته ويفرض العقاب والثواب على البشر ويرسم أهدافه وغاياته على ضوء أهداف وغايات البشر، فالله هنا باختصار ما هو إلا إنعكاس لضعف وهشاشة الإنسان . وإذا كان هناك أمر في أعماقي يمكن أن أطلق عليه مشاعر دينية فإنه يتمثل بالإعجاب اللامتناهي وغير المحدود بهندسة الكون ".

هنالك شبه توافق واتفاق جماعي تقريباً بين العلماء على فكرة أن هناك دائماً شيئاً ما موجود إلى جانب فكرة الأزلية والأبدية. كما أنهم توصلوا إلى قانون " التطور" وإن كل شيء يتغير أو في حالة تغيير وتطور دائم ولا شيء يبقى على حاله إلى أبد الآبدين. فالكون اليوم يختلف عما كان عليه بالأمس أي قبل مليارات السنين ولن يبقى على حاله في الغد أي بعد مليارات السنين. إن ما يعطينا الشعور بالاستقرار والركود هو بطء عملية التطور التي تحدث على مدى مليارات من السنوات . وإن كل ما يوجد في الطبيعة إن هو إلا تجمعات وتركيبات لجسيمات أولية غاية في الصغر، أي البروتونات والإلكترونات والفوتونات وما تحتها من الكواركات غير المرئية والأوتار التي تنتج الجسيمات الأولية من خلال تردداتها وذبذباتها المختلفة والمتنوعة كما تقول نظرية الأوتار الفائقة.

إن موضوع الله والكون موضوعاً حساساً ومسألة عويصة من الناحية الدينية والفلسفية والعلمية لأنها قابلة لمختلف الاجتهادات والتأويلات خاصة عندما يتعامل الباحث ومعه القارئ مع كتب ونصوص مقدسة لا يسمح عادة بمناقشتها أو الطعن في مصداقيتها. فهناك إشكالية تتمثل في عدم العثور على أية براهين عن حقيقة حدوث الوقائع والقصص والحكايات التي وردت في العهد القديم واستنسخها القرآن فيما بعد بطريقته الخاصة وبأسلوبه الفريد المعتمد على السجع النثري . والباحثون المعاصرون يستندون في استنتاجاتهم على ما قدمه علماء الآثار في فلسطين القديمة وعلى وثائق رافدينية وفرعونية قديمة أيضاً. إلى جانب أبحاث لمفكرين وباحثين معاصرين ومتخصصين من المستشرقين ومن بينهم الخبير بالحضارات الرافدينية الفرنسي بوتيرو الذي يكشف في كتابه المشار إليه أعلاه " ولادة الله" عن العلاقة بين اليهودية والثقافة البابلية التي أثرت بالفكر اليهودي والكتابات اليهودية ومنها بالطبع التوراة، لأن هذه العلاقة هي العمود الفقري لكل فكرة التوحيد كما يقول الدكتور فالح مهدي. لقد بات معروفاً أن حضارة وادي الرافدين ، أي السومريين والأكديين والآشوريين، احتوت على الكثير من النصوص التي تحدثت عن فكرة التوحيد والإله الواحد قبل التوراة والإنجيل والقرآن، كما ثبت أن أصل قصة الطوفان والنبي نوح في الكتب السماوية هي أسطورة رافدينية كتبت قبل 1500 عام من ظهور العهد القديم وهي ملحمة جلجامش والتي أخذها اليهود المقيمين في بابل بعد السبي اليهودي على يد نبوخذنصر حيث تم تقديم الدليل القاطع على سرقة اليهود للإرث البابلي وادعوا أنه منزل من الله على نبيهم . فهناك فرق بين الإله الذي صنعته الآيديولوجية الدينية وبين الإله الكوني. أي ذلك الذي يعرفه آينشتين واستمد ماهيته وتعريفه من سبينوزا وهو الذي يجسد أعلى تناغم في الوجود وليس الإله الذي يشغل نفسه بمصائر الكائنات البشرية ويتدخل بكل صغيرة وكبيرة عندهم، ويجزي أو يعاقب مخلوقاته ويغضب عليهم ويهددهم ويرغمهم على عبادته، فإله الأديان محدود ومختزل بينما إله الأكوان كامل ولا محدود ولامتناهي، ولقد تناولت هذه المسألة باستفاضة في كتابي " إله الأديان وإله الأكوان" الذي سيصدر قريباً عن دار مزيوبوتاميا. وفي المقابل هناك من علماء الكونيات والفيزياء النظرية ممن لا يعتقدون حتى بوجود إله مثل العالم البريطاني ستيفن هوكينغ الذي عرض نظريته ورأيه في كتاب شهير صدر قبل بضعة أعوام باللغة الانجليزية تحت عنوان " التصميم العظيم" وترجمته بالفرنسية كانت" هل هناك مهندس عظيم لهذا الكون؟" حيث وضعنا هوكينغ أمام مشكلة فلسفية عويصة، فإذا كان الكون قد خلق بفعل الصدفة فمن خلق الصدفة؟ ويقودنا هوكينغ بمهارة عجيبة إلى مسألة نزوع الإنسان لمعرفة سبب وجوده وما إذا كان بمحض الصدفة أم أن هناك خالق له وللأرض التي يعيش فوقها والتي خلقت من أجله ومن أجل سعادته كما تقول الكتب السماوية. يقف المرء مبهوراً أمام قدرة الدين، أي دين، في تحريك الملايين من الناس حتى في الدول العلمانية المتقدمة والمتطورة فما بالك بالدول النامية أو المحكومة بالفكر الديني والعقل الخرافي؟ وبالتالي فإن الدين ما هو إلا علاقة مع الكائن العلوي، ورغم ذلك بقي الدين عصياً على التعريف بسبب تنوع الثقافات . قبل عشرة أعوام تقريباً من وفاة عالم الفيزياء الفذ البريطاني ستيفن هوكينغ Stephen Hawking نشر هذا الأخير كتابه الذائع الصيت "The Grand Design التصميم العظيم" ومنذ صدوره أحدث الكتاب ضجة في الأوساط العلمية والدينية والجماهيرية، لأنه تناول مسألة الكون والله وقال بالحرف الواحد أن الكون ليس بحاجة إلى إله خالق لكي يوجد. كانت الصراعات الدينية متأججة وفي أوجها، تشعل الشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا وآسيا الوسطى. كان هناك طائفة دينية متشددة ومتعصبة بجنون تهدد بحرق القرآن مما حث قادة العالم وزعمائه السياسيين للرد على ذلك الخطر الكامن ووقف تداعيات مثل هذا الفعل الشنيع خوفاً من انعكاساته التراجيدية وتطور إلى حروب دينية بين الأديان السماوية الثلاثة تحرق الأخضر واليابس، لكن هذا لم يمنع من اندلاع سجال واسع في الصحف والقنوات التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة للحديث عن كتاب فيزيائي نشره عالم طبقت شهرته الآفاق، وتناولت وسائل الإعلام بعناوين بارزة ومستفزة مأخوذة من الكتاب ذلك الحدث مثل :" لم يخلق الله الكون" وإن " الانفجار العظيم ماهو إلا نتيجة حتمية وطبيعية للقوانين الفيزيائية" كما قال ستيفن هوكينغ في كتابه هذا. لقد استعدى هذا العالم ضده أسقف كانتيربري في بريطانيا وزعيم الحاخاميين في المملكة المتحدة ورئيس لجنة الحوار بين الأديان في المجلس الإسلامي في بريطانيا، الذين وحدوا كلمتهم وجهودهم لمواجهة هذا الانحراف والدعوة إلى إلغاء الله من التفكير البشري وهذه الانعطافة المعادية لله حسب تعبيرهم والتي يقودها ستيفن هوكينغ ورسخها في كتابه المشار إليه أعلاه. عرف عن ستيفن هوكينغ كيف يجد الجمل والعبارة المختصرة وذات الدلالة العميقة والتي تضفي على كتبه وأبحاثه مسحة تفوق ما تتميز به النصوص المقدسة. ففي كتابه الشهير " موجز تاريخ للزمن الصادر سنة 1988 وردت فيه عبارة رسخت في الأذهان تقول:" إذا اكتشفنا النظرية الكاملة والشاملة عن الكون فسيكون ذلك بمثابة انتصار مطلق للعقل البشري عند ذلك سوف نتعرف على حقيقة تفكير الله . وفي كتابه التصميم العظيم Le grand Dessein قام بتركيبة أو خلطة مبسطة لمجمل النظريات العلمية الكوسمولوجية الكونية وللنظريات الفيزيائية المعاصرة وقدمها بلغة مبسطة ومفهومة من قبل القاريء البسيط واختتم استنتاجه أنه يقد لا تكون هناك حاجة أو فائدة ترجى من معرفة تفكير الله يكفينا أن نعرف العلم وقوانينه لنصل إلى الحقيقة ونمتلك الإجابة عن أي تساؤل يطرح. فالنظريات والاكتشافات والتجارب والمشاهدات والانجازات التكنولوجية التي تحققت بعد عام 1988 ونجحت في أن تزيح " الله " عن عرش التفكير البشري. ولقد استعرض ستيفن هوكينغ في كتابه هذا، خطوة بعد خطوة، أسس الفيزياء المعاصرة وصاغ أمل البشر في قهر الجهل والخرافة وخوض معارك معادية للأديان وللمؤسسات الدينية التي تستغل الجهل والخرافة وتسخر النصوص الدينية لإخضاع الناس بوسائل الترهيب والترغيب، على مر القرون.

وكعادة الكتب العلمية المبسطة، يبدأ كتاب ستيفن هوكينغ بعرض أسس وقواعد النظرية النسبية لآينشتين la relativité ونظرية الكموم أو الكوانتوم la théorie quantique. فالأولى تعلمنا ألا نصف العالم المحيط بنا وفقاً لمرجعياتنا الذهنية والأخلاقية والتربوية التي يغلب عليها الطابع الديني والعقل الخرافي. فعند تقريب المغناطيس من علبة، تتولد جراء ذلك شحنة كهربائية داخل العلبة سواء كنا على جانب العلبة أو المغناطيس، فوجهة النظر لا يجب أن تؤثر على كيفية شرحنا لما يحدث فليس في ذلك أية خدعة أو سحر وإنما هو قانون علمي صرف. وكذلك ما يتعلق بفكرة آينشتين أنه لا يوجد شيء يمكنه اللحاق بسرعة الضوء أو تجاوزها فمن المستحيل بلوغ سرعة الضوء وهي 300000 كلم/ثانية، وهي المسلمة التي قادتنا لتحقيق العديد من الاكتشافات المذهلة. وأمام دهشة الجميع، علماء وفيزيائيين وفنانين وشعراء وجمهور واسع من الناس، اتضح أن المدة الزمنية la durée، والطول la longueur والتزامن الآني la simultanéité في الأحداث، تعتمد كلها على الحركة. ليس فقط الحركة الثابتة بل والمتسارعة أيضاً كما تقول النسبية العامة، وأخذ آينشتين في الاعتبار الجانب " الهندسي la géométrie" للكون برمته، أي محاولة صياغة النموذج الكوني الكوسمولوجي، والظواهر الكونية الغامضة الأخرى كالثقوب السوداء.

لقد هزت النسبية قواعد العالم الكلاسيكي أما الميكانيك الكمومي أو الكوانتي فقد زعزع أركانه. فالنموذج الفيزيائي في فيزياء الجسيمات واللامتناهي في الصغر، وهي الحقل الذي يدور فيه عالم الكموم أو الكوانتوم، وانطلاقاً من قوانين ومعادلات الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، قدم لنا نيلز بور Niels Bohr و فيرنر هيزنبيرغ Werner Heisenberg و إروين شرودينغر Erwin Schrödinger نموذجاً فيزيائياً في سنوات العشرينات من القرن المنصرم، يقوم على إزدواجية طبيعة الجسيم الأولي، حيث تسلك الإلكترونات، تارة كموجات، وتارة أخرى كجسيمات أولية حبيبية. واستدعى الأمر التخلي عن مبدأ السببية الجامد، ولقد حاول علماء آخرون بعد الحرب العالمية الثانية كريشارد فاينمان Richard Feynman وزملائه الجمع بين النسبية والميكانيك الكمومي أو الكوانتي ولم ينجح أي منهم في مسعاه لغاية اليوم. وكانت نتيجة ما أفضت إليه محاولات فاينمان أي المحتويات النسبية والكمومية أو الكوانتية للحقول الكهربائية ظهور أحد نماذج الفيزياء النظرية . فأختزل الحقل الكهربائي إلى مجرد تبادل للفوتونات . وحسب فاينمان فإن تفسير أي حدث، أو أية صيغة للحدث ممكنة الحدوث يجب أخذها في الحسبان ومن ثم يجب جمع تلك القصص أو الأحداث الممكنة الحدوث . كيف تتفاعل الإلكترونات فيما بينها؟ يجيب فاينمان أن بوسع الفوتون أن يرحل أو ينتقل من إلكترون إلى آخر أو يمكنه أن يتحول إلى طريق آخر من خلال تغيره إلى زوج من الجسيمات يمكنها أن تعود لتصبح فوتوناً وإنهاء رحلته . إن هذه العملية هي الأكثر تعقيداً، ويمكنها أن تنتج في طريق رحلة الانتقال للفوتون وهي تحدث بالفعل . وكما يقول علماء الفيزياء : كل ما هو غير ممنوع يكون إجباري الحدوث. وهذا ما ركز عليه ستيفن هوكينغ في كتابه المذكور وتطوير هذه الفلسفة القائلة " بأن كل ما يمكنه أن يحدث سوف يحدث بالفعل ".

قاومت الجاذبية كل محاولات الدمج مع النظرية الكمومية أو الكوانتية لحقول أو مجالات القوة champs de force، ولكن في سنوات الثمانينات فرضت نظرية جديدة نفسها ألا وهي نظرية الأوتار la théorie des cordes.

الفكرة الأساسية للنظرية تقول بأن المكونات الأولية الجوهرية للعالم وحجر الأساس للمكون الأولي للكون المرئي أو المنظور، ليست نماذج من انفجارات مصغرة بل قطعة من المادة أحادية البعد، نوع من الخيوط أو الحبال cordelettes الخاضعة لتوتر أو شد كبير وشديد وهائل. ومن شأن هذه الشبكة من الخيوط أو الحبال أن تتذبذب بطرق مختلفة على غرار وتر آلة الكمان الموسيقية، وإن مختلف النوتات تتوافق مع مختلف أنواع الطاقات. ومن ثم تعلمنا أشهر معادلة فيزيائية وضعها آينشتين عن العلاقة بين الكتلة والطاقة وسرعة الضوء وهي E = mc2 أي إن الطاقة تساوي الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء ومن خلالها نتعرف على مختلف أنواع الترددات والذبذبات التي تقوم بها الأوتار الأولية ذات الكتل المختلفة.

في سنوات الثمانينات من القرن الماضي القرن العشرين، بزغ أمل في أن يحل نوع من الحبال أو الأوتار محل عدد من الجسيمات الأولية المختلفة، وبدت للعلماء إمكانية لتوحيد النظريات الفيزيائية في نظرية واحدة شاملة وموحدة وكان الحلم يتمثل في أن الإتساق الذاتي الرياضياتي mathématique l’auto-consistance لا يدع أي بديل آخر سوى نظرية واحدة هي الصحيحة والتي أعطيت تسمية النظرية م «Théorie M» ومعها ستنتهي مهمة الفيزياء المعاصرة في البحث عن حقيقة العالم والوجود. لكن تعقيد الواقع والثغرات الكبيرة في النظريات الفيزيائية القائمة وعدم توافقها مع استمرار التناقضات والمفارقات والألغاز الغامضة، حال دون التوصل إلى تلك النظرية المنشودة. وتوصل علماء الفيزياء إلى أن نظرية الأوتار الفائقة بإمكانها طرح العديد من الحلول أكثر مما كان متوقعاً منها وتمتلك الكثير من التوقعات والتنبؤات القابلة للبرهنة التجريبية وهي حلول على مدى مفتوح قد يصل احتمالها إلى نسبة 10500 وربما إلى عدد لانهائي من الحلول، وكل حل يعطي صورة مختلفة عن الجسيمات الأولية وعن القوانين المقبولة. وأمام هذا الأفق اللامحدود والمفتوح على اللانهاية، فقد بعض علماء نظرية الأوتار الأمل بينما حاول آخرون المثابرة وإعادة التفكير في وضع النظرية ومعادلاتها الرياضياتية بغية الوصول إلى الهدف المنشود ألا وهو النظرية الموحدة والوحيدة théorie unique. وشحذ آخرون سكاكينهم للطعن في جدية ومصداقية زملائهم ودعوا إلى التخلي عن هذه النظرية وترك القوانين تأخذ مجراها الطبيعي لكي تظل على ما هي عليه الآن وببساطة وبلا تعقيد . من تداعيات وتبعات هذه النظرية الأنيقة والمعقدة أطروحة تعدد الأكوان «multivers» ومن بين العلماء الذي مالوا إلى هذه الأطروحة الراحل الفذ ستيفن هوكينغ. وهي الفكرة القائلة بوجود عدة أكوان وعلى أشكال مختلفة فهي، متداخلة ومتوازية ومتعاقبة دورياً ومتفاعلة فيما بينها على نطاق اللامتناهي في الكبر، ولكل كون منها قوانينه الخاصة وثوابته الخاصة ومكوناته الخاصة ويجدون في هذه الأطروحة امتداد لرؤية ريتشارد فاينمان Feynman التي تقول أن كل الصيغ الممكنة الحدوث أخذت في الاعتبار وقد حدثت بالفعل ولكن ليس فقط لوصف الإمكانيات المتعددة التي يوفرها الفوتون تجاه الإلكترون A أ وما يقدمه هذا إلى الإلكترون ب B، بل لوصف وتفسير قصة الكون المرئي برمته ومعه جميع قوانينه، كما أوضح ذلك ستفين هوكينغ في كتابه " التصميم العظيم " أو هل يوجد مهندس معماري للكون؟ ويجيب على ذلك بأن الكون المرئي ظهر على نحو عفوي ويتكرر ظهوره بكل طريقة ممكنة متوفرة أمامه وإن أغلب تلك الأصول الممكنة البديلة تتناسب وتتوافق مع صفات وخصال ومزايا وخصائص أكوان أخرى غير كوننا المرئي فهي نسخ عنه بمواصفات مختلفة وبعضها يشبه كوننا في بعض خصاله والأغلبية تختلف عنه كلياً .

كيف قيض لنا أن نتواجد في كون تجعل قوانينه الذرية المادة والحياة قابلتين للوجود وكيف نفسر ذلك؟ فلو كانت الشحنات الكهربائية المتباينة والمتناقضة بين البروتونات والإلكترونات ليست متساوية ومتعارضة لما كنا هنا موجودون نناقش موضوع وجودنا وحياتنا وكوننا الذي نعيش فيه،فهل مرجع ذلك هو تنظيم إعجازي دقيق أم نتيجة لتدخل إلهي ؟ يرد هوكينغ، ليس في الأمر معجزة، كما لا توجد معجزة إلهية في أن يتواجد كوكبنا الأرض، خلافاً لباقي كواكب المجموعة الشمسية في نظامنا الشمسي، في المنطقة المثالية المطلوبة لتوفر الحياة وتوفر المياه في حالة السيولة ودرجات الحرارة المعتدلة فهذه الحالة موجودة بكثرة وبعدد مهول في الكون المرئي وتمتاز بها كواكب كثيرة في مجرتنا درب التبانة وفي باقي مجرات الكون المرئي. ولقد توصل العلماء المنضوين تحت مظلة أطروحة تعدد الأكوان إلى تفسير إختلاف الأصول للأكوان المتعددة، بما فيها كوننا المرئي، وعزوه إلى إختلاف التخلخلات والتقلبات الكمومية أو الكوانتية les fluctuations quantiques، فيمكن لكون مختلف أن ينشأ، على نحو لانهائي، بمجرد اختلاف فوتون واحد يتحول إلى زوجين من الجسيمات الأولية المتناقضة مثل الإلكترون ونقيضه البوزيترون une paire électron-positron قبل أن يعثر على شكله الأصلي القديم أي الفوتون.فالشرارة الأصلية تنقدح وتحدث فقط لأن الميكانيك الكمومي أو الكوانتي يخبرنا بوجود عدد لانهائي من الاحتمالات التي تؤدي إلى ظهور عدد لا نهائي من الأكوان . وبوسع الفيزياء المعاصرة أن تشرح، ليس فقط كيف يعمل الكون المرئي، بل وكذلك توضيح سبب وجوده وبدون أية مساعدة ربانية أو إلهية فقط بموجب قوانين ومعطيات الفيزياء الكمومية أو الكوانتية مع ما يلزمها من فيزياء الجسيمات الأولية وما توفره نظرية الأوتار الفائقة من معطيات رياضياتية .

الأديان وتعدد الأكوان:

هناك شعوب لديها تجارب عميقة ومتنوعة وثرية مع الأديان كالصين حيث تعايشت البوذية مع التاوية مع حضور الكونفوشيوسية والإسلام والمسيحية بكافة طوائفهما ومدارسهما الفقهية، ونفس الشيء في الهند وانتشار الثقافة الهندوسية وتعاملها مع تعدد الآلهة حيث يوجد في الهند 33 مليون إله، مع وجود الديانات والثقافات المسيحية والإسلامية والبوذية واليهودية، فالسائد هناك هو وحدة الوجود الصوفية، فكل شيء هو الله ونحن جزءاً منه، فالله المطلق ليس منفصلاً عن العالم والوجود بل هو مكون من كل شيء موجود في هذا الوجود. والبوذية لا تعترف بوجود إله لكنها تستند إلى مفاهيم ومبادئ المستنير بوذا، فالبوذية لا تدعو لعبادة الإله الواحدة ولا تعارض تعدد الآلهة . أما الإيمان في الثقافات القديمة، فقد نشأ داخل زمان وفضاء معينين وإن تجربة المقدس الفرعونية والرافدينية، السومرية والأكدية، تلقي ضوءاً على ثقافة المكان في هذه البقعة من العالم وتتميز التجربة المصرية الفرعونية عن غيرها في اعتبار الملك الفرعون إله ذو مظهر مهيب. أما في العصر الحديث فقد عد الدين بمثابة حالة اغتراب الإنسان عن ذاته كما يقول فيورباخ أو هو إنجاز متخيل للكائن البشري كما يقول ماركس فيما اعتبر فرويد الدين مجرد تعبير عصابي، مرضي، لذلك اعتبر الدين في اللغة اللاتينية مفهوم يعني التجميع والاستقبال والتوحيد . وهو بالتالي مؤسسة هدفها توجيه التشريف إلى الرب والاحتفاء به، إلى جانب كونه مجموعة من الطقوس والشعائر تهدف إلى تقديم الثناء والتبريك والقرابين إلى سلطة عليا مقدسة، لذا فهو عبارة عن الشعور الداخلي بذلك المقدس مع الإيمان بتلك القداسة، كما يخلص الباحث الدكتور فالح مهدي في كتابه البحث عن جذور الإله الواحد. وهناك تعريف أوضح لماركس للدين غير عبارة الدين أفيون الشعوب، والأصح هو الدين أفيون الشعب بالمفرد، والتي يعني بها أن الإيمان الأعمى الذي ينتفي فيه التفكير والقدر على التمحيص والنقد تؤدي بالمؤمن أن يغفو ويرقد رقدة الموتى عما يحيط به من أهوال ومصائب، ليس هذا فحسب، بل تقوم الأيديولوجية الدينية بترويضه وجعله طيناً وعجيناً يتم التلاعب بوعيه وتوجيهه كيفما ارتأت تلك اليديولوجية، أما تعريفه الأكمل والأوضح فيقول فيه :" الدين هو النظرية العامة لهذا العالم، قيمته الموسوعية، منطقه بشكله الشعبي، نقطة شرفه الروحانية، ولعه وحماسه البالغ، عقوبته الأخلاقية، طمأنينته وتبريراته الكونية، والتي تمثل الإنجاز المتخيل للكائن الإنساني والسبب في ذلك يكمن في أن الإنسان لا يمتلك الواقع الحقيقي" كما جاء في كتاب البحث عن جذور الإله الواحد للدكتور فالح مهدي والذي يعرف الدين بأنه نظام يستند في قيامه على المخيلة والتمثيل، إذ يقوم منذ لحظة ولادته بتقديم تفسير للعالم بل الكون كله ودور الإنسان فيه، باعتبار أن الله أو الآلهة، خلق هو، أو خلقت هي، كل شيء من أجله أو أجلها، أي خلقا " المخيلة"، ويرسما عبر مجموعة المعادلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطقسية، الطريق الذي يجب عليه أن يسلكه" التمثيل التصوري للإله"، مستندين في ذلك إلى مؤسسات أيديولوجية تقوم بخلقها وتطويرها". لذلك لا نجد هناك عقيدة بدون طقوس ولا يمكنها أن تستقيم وتستمر بدون تلك الشعائر والطقوس. من هنا يعود الباحث إلى نظريته الأثيرة عن المكان ودوره، ويربطها بمفهوم الدين ويقول أن الدين هو تفسير، بل ترجمة متخيلة للنظام الكوني أوجده الحيز الدائري، حيث ساعد هذا الحيز الدائري على وجود نظام العقائد بكل أشكالها، وعبر ثقافة المكان نشأ وترعرع الدين وأصبحت له اليد الطولى في كل ما يمت إلى الإنسان بصلة. ودليله على ذلك أن " الحيز الأفقي" الذي تعيشه الإنسانية في الزمن الحاضر، أفقد الدين الكثير من بريقه، حيث استطاع الإنسان المعاصر، بفضل التركيبات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية القائمة، والتطور العلمي وسيادة الثقافة الحرة، أن يجيب على الأسئلة الوجودية والجوهرية التي تقلقه وتتعلق بوجوده ومصيره ونظام حياته دون الحاجة إلى اللجوء للمعبد والمسجد والكنيسة أو الرجوع للمؤسسات الدينية. أما تولستوي فيقول أن الدين الحقيقي هو ذلك الذي يقيم علاقة ما بين العقل والمعرفة الإنسانية، ما يعني إلغاء دور المؤسسات الدينية، مثلما كان يعلم الفيلسوف والمفكر الفرنسي الشهير فولتير. فلكل دين عقيدة جامعة ووظائف تعمل على رسم وتوجيه حياة المؤمن وتحدد له ماهو ممنوع وماهو مسموح، أو الحلال والحرام بالمفهوم الإسلامي. ويطرح تعريف مكمل للدين بأنه مجموعة من المباديء والإرشادات الأخلاقية والسلوكية التي تتحكم بالإنسان من خلال الطقوس والشعائر التي يتم تدوينها وتوجيهها، مؤطرة بنقطتين جوهريتين هما الإيمان بمفهوم الخالق العلوي الأعلى الموجد لكل شيء، والذي يأخذ عدة صور وأسماء كيهوه بالنسبة لليهود والله بالنسبة للمسلمين وبراهما بالنسبة للهندوس الخ ... وهو مفهوم جوهري موجود في أغلب الديانات حتى في الديانات القديمة فإنليل هو الخالق عند السومريين والذي يتحول إلى مردوخ عند البابليين، بل وحتى عند الأقوام البدائية كما يقول عالم الأديان ميرسيا إلياد. وفي كل الأديان هناك أولاً وقبل كل شيء يتوجب قبول مبدأ " الطاعة" والتسليم بالأوامر والتوجيهات المباشرة وغير المباشرة التي تصدرها المؤسسات الدينية بإسم الخالق وهي بطبيعتها ذات طابع أيديولوجي قسري وقمعي يأخذ طابع القدسية، ولقد أشار سبينوزا إلى ذلك في كتابه " رسالة في اللاهوت والسياسة " حيث أكد على مفهوم الطاعة باعتباره ركيزة جوهرية في قيام الإيمان.

وبعد الطاعة يأتي مفهوم أو مبدأ " الإيمان" الذي ينطوي على التصديق والثقة بالأشياء التي نأمل بها واليقين بأشياء لم نرها كما هو واضح في العقيدة المسيحية . والإيمان هو الثقة العميقة بمعتقد من المعتقدات لا سيما الأمر الروحاني الذي لا يمكن التأكد منه مادياً وينبغي تقبله وأن يكون المرء المؤمن على يقين من وجوده وصدقيته حتى لو لم يره أو يثبت لديه وجوده. هناك أسباب عديدة للتوحيد وانتقال الإنسان من تعدد الآلهة إلى إله واحد متعال لا تدركه الأبصار، فاطر السماوات والأرض، العالم القدير الخالق الخ.. حسبما أوردته صيغ القداسة الإسلامية كما في غيرها من الأديان السماوية؟ لماذا ظهرت الأديان التوحيدية في منطقة محددة واحدة هي الشرق الأوسط؟...وفي هذا المجال تجدر الإشارة إلى كتاب المحلل النفسي الشهير سيغموند فرويد " موسى والتوحيد" والذي عرض فيه أطروحة غريبة تقول أن موسى هو أمير مصري خرج من مصر مع أتباعه بعد فشل تجربة الفرعون المجدد والجريء أخناتون الذي فرض عبادة إله الشمس آتون فقط ونبذ باقي الإلهة وهي أول محاولة للتوحيد في العصر الفرعوني. ويتساءل المؤلف {ز فالح مهدي، هل يوجد توحيد قبل العهد القديم؟ ففي الألفية الثالثة قبل الميلاد كان النظام الديني والعقائدي قائماً على مفهوم تعدد الآلهة وتعدد اختصاصاتها لا سيما في الحضارة الرافدينية لكن محرري العهد القديم، أي من صاغوا التوراة والأسفار الخمسة لموسى في حقبة السبي البابلي تأثروا بها إلا أنهم ألغوا فكرة التعدد وتبنوا فكرة التوحيد وعبادة إله واحد خفي لا يرى هو أكبر وأقوى وأكثر عظمة من جميع الآلهة المعروفة آنذاك، وذلك للتغلب على إحباطاتهم النفسية. ولقد نجح كتاب العهد القديم في تأويل وتوظيف النصوص والأساطير والملاحم الرافدينية وعلى ٍرأسها ملحمة جلجامش بما يخدم هدفهم في عبادة الإله الواحد واختلقوا شخصية النبي نوح وعبادته للإله الأعلى الواحد القهار الذي غضب على البشر وقرر إبادتهم من خلال الطوفان وإنقاذه هو وعدد من أفراد عائلته وزوجين من كل الموجودات الحيوانية والنباتية لإعادة إعمار الأرض بالحياة الجديدة المبنية على عبادة الله الواحد وعدم الشرك به. فالرقم الطينية المكتشفة تقول بحدوث طوفان فعلاً وتروي قصته بعيداً عن القداسة الدينية التوراتية إلا أن اليهود عملوا على توظيفها دينياً ورمزياً وأسطورياً من أجل هدف محدد يقول أن مصير المشركين الهلاك ومصير المؤمنين الموحدين النجاة . ففي النص السومري أن الآلهة الشريرة قررت إغراق الأرض للتخلص من الإنسان وشروره وتحدياته للآلهة ومحو أثره من على وجه الأرض، إلا أن الآلهة الخيرة قررت إنقاذ أتونابشتم وزوجته من تلك الكارثة ومنحهما الخلود. وجهت الآلهة الخيرة تابعها المخلص الأمين أوتونابشتم ببناء سفينة أو فلك ضخم ووضع عائلته ومقتنياته وأقاربه وحيواناته الأليفة والبرية داخل الفلك والإبحار نحو يابسة جديدة بعد غرق الأرض التي يعيش فيها. حور كتاب التوراة النص واختزلوا الآلهة بإله واحد واستبدلوا أوتونابتشم بنوح وألغوا فكرة الخلود فالله الواحد هو الوحيد الخالد الذي لا يموت، وبذلك ولدت فكرة التوحيد وعبادة الإله الواحد التي كررته واتبعته الديانات التوحيدية الأخرى، المسيحية والإسلام فهم يعبدون نفس الإله ولكن بصفات وتعريفات وتسميات وسمات متباينة ومتغايرة.

يأخذنا الكاتب الدكتور فالح مهدي في رحلة شيقة في الفصل الثاني من كتابه القيم في قراءة خاصة ومعمقة وتحليلية للتوراة لاسيما الأسفار الخمسة وعلى رأسها سفر التكوين. ويسرد لنا قصة الخلق كما وردت بالنص في التوراة في سفر التكوين في الإصحاح الأول، ومن ثم يقارن النص بالنصوص الرافدينية حول نفس الموضوع، أي ما عرف بقصة الخلق البابلية والتي كتبت بقرون طويلة قبل الأسطورة التوراتية .

بنت الأساطير الرافدينية تصورها لعملية خلق الكون استناداً على العناصر المعروفة مثل العدم والظلام الدامس. وعندما قررت الآلهة خلق الكون أوكلت الأمر إلى مردوخ الذي غدا نتيجة لذلك سيد الآلهة ويقوم بشق تيامات، إلهة المياه الجوفية، إلى نصفين من القسم السفلي يصنع الأرض ومن القسم العلوي يصنع السماء ثم يواصل عملية خلق العناصر الأخرى كالنور والرياح وبناءاً على ذلك جاء خلق الإنسان حسب الأساطير الرافدينية القديمة بمزج الطين بدم أحد الآلهة الذي اقتصر دوره على ذلك فقط إلى آخر الأسطورة... ولم تكن عملية الخلق البابلية سهلة على شاكلة كن فيكون، بل كانت عملية شاقة وخطيرة خاض فيها الإله مردوخ معركة عنيفة سالت فيها دماء كثيرة انتهت بمقتل تيامات التي تمثل الظلام والفوضى وبمقتلها خرج النور إلى الوجود وأقيم النظام بديلاً للفوضى . كلتا العمليتين، الرافدينية والتوراتية لا تتفقان بالطبع مع قصة ظهور الكون المرئي في العلوم الحديثة إذ أن الأمر استغرق مليارات السنين حسب نظرية الانفجار العظيم البغ بانغ. وهناك قصة للطوفان في نص سومري يتحدث عن الآلهة نينتور وأنليا وخلقهما لذوي الرؤوس السوداء، أي السومريين، باعتبارهم الشعب الذي اختارته الآلهة يقابلهما في التوراة شخصان هما آدم ونوح.  

ثم يقوم الباحث الدكتور فالح مهدي بقراءة أنثروبولوجية ل "أدبا أو أدفا" السومري و"آدم" العبري أو التوراتي، فالأول خلقه الإله أيا ليحكم البشر وكان ملكاً على مدينة أريدو والثاني خلقه الله العبري أو التوراتي يهوه ليكون أب البشر كما وردت القصة في العهد القديم وتبنتها المسيحية والإسلام. يركز المؤلف على أوجه التشابه بين المصدرين أو النصين والشخصين لغوياً والتركيز على أهمية المكان وتعرضهما للاختبار وما لديهما من مشتركات سلوكية وصفات مشتركة والنتيجة التي توصل إليها الباحث هي أن قصة آدم عبارة عن مادة مركبة من مجموعة أساطير سابقة لنصها الوارد في العهد القديم . وبعد تقديم هذا العرض الوافي يلج الباحث مرة أخرى ليغوص تحليلياً في علاقة نوح التوراتي والطوفان الرافديني، حيث يأخذنا الدكتور فالح في رحلة ممتعة أخرى في أعماق الماضي الغارق في القدم وهو يحلل قصة الطوفان الرافدينية وطريقة العيش ونظام بناء المساكن والمشاحيف والقوارب التي ماتزال بعض ملامحها موجودة اليوم في أهوار الجنوب العراقي وطرق بناء السفن وهيكيليتها أو شكلها الهندسي وأحجامها والمواد المستخدمة في بنائها، ثم يقوم بالشيء ذاته وهو يشرح كيف رويت أسطورة الطوفان في العهد القديم وتفاصيلها ونوع الفلك الذي صنعه نوح، بغية المقارنة وإثبات الأصل والفرع بينهما حيث ثبت له أن التوراة أو العهد القديم هو الذي سرق نص الأسطورة وفكرتها من النصوص الرافدينية السابقة له. وفي سياق بحثه يركز الدكتور فالح على مسألة مهمة وهي أن قصة النبي موسى كما رويت في العهد القديم تشبه بحذافيرها قصة سرجون الأكدي التي تسبقها بقرون وكيف أن والدته وضعته في قفة من القصب مقيرة ورمته في الماء حيث حمله النهر إلى سقاء الماء الذي رباه كأنه إبنه حيث أحبته الآلهة عشتار وساعدته على تولي العرش، مثلما هو الحال في قصة موسى . ويفرد حيزاً لا بأس به ليقدم لنا قصة الطوفان السومري وهي الأقدم بين 3000-2800 قبل الميلاد، وتروي قصة طوفان حصل قبل ذلك التاريخ بزمن طويل في فترة ممعنة في القدم وتم تداولها شفهياً ثم ثبتت على الألواح الطينية بعد نشأة الكتابة وهي الأسطورة التي أقحمت في ملحمة جلجامش كما يقول الباحث مما وفر الدليل على وجود علاقة بين العهد القديم والثقافة البابلية، حسب استنتاجات العالم فنكيل، حيث صار ينظر للطوفان كموجة غضب سماوية سوداء مدمرة اكتسحت كل شيء في طريقها وسمحت للآلهة بإعادة صنع الحياة فوق الأرض على نحو أفضل. ومن ثم يشرع الباحث في إقامة مقارنة بين أسطورة نوح والأساطير الرافدينية، حيث يقول النص العبري أن الله قرر أن ينهي الحياة فوق الأرض، هكذا وبدون مقدمات، بسبب فساد الإنسان، ولكن ما هو الفساد الذي ارتكبه الإنسان حتى يستحق مثل هذا العقاب القاسي وهو الإبادة التامة من على سطح الأرض؟ لم يرد نص ديني مقدس، لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن، عن أسباب قرار الله في إحداث الطوفان وإغراق الأرض وما فيها عدا جماعة نوح وحيواناته. وعلمنا أن لنوح ثلاثة أبناء هم سام، الأصل في سلالة الساميين الذين منهم العرب والعبرانيين، وحام أبو الكنعانيين وبافث، ومن أبناء نوح انبثقت منهم شعوب الأرض الجديدة ما بعد الطوفان . وفجأة يصنع نوح من العنب نبيذاً لا ندري كيف تعلم ذلك، وهو ليس بالأمر السهل، ثم يسكر وينام عارياً، ثم يراه إبنه حام وهو عاري فيعاقب الله حام لأنه نظر إلى عورة أبيه، والحال أن الذي يجب أن يعاقب هو نوح وليس إبنه وردد القرآن نفس القصة بكافة حيثياتها التوراتية دون أن يغير فيها كثيراً رغم الارتباك البادي على النص العبري. أما في النصوص الرافدينية التي دونت قبل ألف عام من طوفان التوراة، فإن الطوفان حدث بناءاً على أوامر الإله انكي، ولم يكن السبب فساد الإنسان بل تعب وانزعاج الآلهة من ضجيج البشر، نوح ينفذ أمر الله بدون نقاش أو تردد بينما يعترض أتونابشتم للوهلة الأولى ويناقش إلهه أيا ويطالبه بإعلامه بأسباب قراره وماذا سيقول للناس في المدينة وكيف سيرد على تساؤلات الناس وشيوخهم ووجهائهم فيرد عليه إلهه " قل هكذا إني علمت إن انليل يبغضني فلا استطيع العيش في مدينتكم بعد الآن ولن أوجه وجهي إلى أرض انليل وأسكن فيها بل سأرد إلى ابسو وأعيش مع أيا ربي وعليكم سينزل وابلاً من المطر غزيراً. وفي ترجمة أخرى للنص الرافديني قام به العالم الفرنسي المتخصص بحضارات العراق القديمة بوتيرو يقول أوتونابشتم:" عندما فهمت ما طلب من توجهت إلى ربي أيا سائلاً: الأمر الذي كلفتني القيام به يا مولاي سأطبقه وسأنفذه، ولكن كيف سأواجه مدينتي، شعبي، والشيوخ؟ عندها فتح أيا فاه وتكلم موجهاً كلامه لي، أنا عبده:" ستقول لهم ياشيخي الفطن التالي: يلازمني الخوف من أن إنليل لا يودني كثيراً، لذا لن يطول بي المقام في مدينتكم ولن يبقى اثر لقدمي فوق إقليم إنليل بل سأهبط إلى الابشو وسأقيم برعاية مولاي أيا عندها سينزل عليكم إنليل مطراً غزيراً.

وبعد أسطورة سفر التكوين التي تناولت الخلق والتكوين وخلق الله للأرض والسماء في ستة أيام واستوائه على العرش كما جاء في العهد القديم والقرآن وتعامل مع الشخصيتين الأساسيتين وهما آدم ونوح. يركز الباحث الدكتور فالح مهدي فيما بعد على شخصيتي إبراهيم الذي عاش في حدود 1700 سنة قبل الميلاد، وموسى وسفر الخروج . مما لا ريب فيه أن ظاهرة النبوة كانت معروفة في الحضارات القديمة التي سبقت حقبة العبرانيين ولكن في نفس المنطقة تقريباً وهي فلسطين وسوريا والأناضول وبالطبع مصر والعراق. نقطة الإنطلاق في الإيمان التوحيدي والخروج من الشرك والتعددية تبدأ في النص العبراني من إبراهيم الذي تمرد على النمرود وحاول هذا الأخير حرقه وهو حي كما تقول النصوص الدينية التوحيدية ثم تأتي شخصية موسى لتكون هي الشخصية المركزية لجميع الأيديولوجيات التوحيدية فهو الذي طالب شعبه بعبادة إله واحد لكنه خاص ببني إسرائيل لذلك عرف العبرانيين بشعب الله المختار، ونفس المكانة يحتلها موسى في الديانات التوحيدية الثلاثة وهي اليهودية والمسيحية والإسلامية، ولقد تم التركيز عليه كثيراً في القرآن. خرج موسى من مصر إلى فلسطين لإنقاذ نفسه وأتباعه، وخرج عيسى من فلسطين إلى مصر لإنقاذ نفسه، وخرج محمد من مكة إلى المدينة لإنقاذ نفسه وأتباعه.

يعتبر سيغموند فرويد مصر هي مهد ديانة التوحيد في كتابه الشهير موسى والتوحيد. ويستند في ذلك إلى قصة الفرعون آخناتون 1353-1337، الذي فرض عباد إله الشمس آتون وإلغاء عبادة آمون إله القمر، والحال أن التوحيد اليهودي حدث بعد ثمانية قرون من وقع الحدث الأخناتوني كما يقول الدكتور فالح مهدي ، ومع ذلك فإن التوحيد العبري يعيد نفس طقوس ومراسيم وشعائر الملكية الفرعونية بل وحتى أيديولوجيتها باستناده للتوراة التي تعني الشريعة التي يجب اتباعها بعد أن انزل عليه الله محتويات الألواح العشرة، ولكن لا يوجد اثر لأخناتون في التوراة التي تعتبر العمود الفقري للعهد القديم رغم إنه شخصية تاريخية مشار إليها بوضوح في النصوص الفرعونية بينما لايوجد نص تاريخي مثبت عن وجود شخصية موسى تاريخياً فلا يوجد أي اثر لشخص اسمه موسى في النصوص الفرعونية والسجلات المصرية التي عرف بأنها تدون كل شيء . شكك الكاتب في مصداقية وصلاحية الأطروحة الفرويدية عن موسى لأنه لا يستند إلى أية قاعدة تاريخية صلدة و لا يمكن الأخذ بها في دراسات الدين المقارن، بل إن أسطورته مأخوذة من نصوص أسطورية بابلية تناولت ولادة سرجون الأكدي كما ذكرنا أعلاه، استلهمها اليهود السبايا في بابل وأقحموها في نصوص العهد القديم . يسرد المؤلف أسباب ميوله للأطروحة البابلية بدلاً من الأطروحة الفرويدية قائلاً :" ولد موسى ووضع في قفة وهو الأمر البعيد عن الأعراف المصرية بينما هو أمر معروف في الثقافة الرافدينية بشأن ولادة سرجون الأكدي، وإن نوع القفة أو الطوافة التي وضع فيها موسى لم يكن معروفاً في مصر وبعيد عن هندسة السفن في مصر خاصة وإنها قفة أو طوافة طليت بالزفت أو القير غير المتوفر و الذي لم يألفه المصريون ولم يلجأوا إليه في بناء سفنهم فكان القير أو الزفت يستورد من سوريا وفلسطين إذا دعت الحاجة إليه. أشار الكاتب إلى أن موسى ملتحي كما جاء في النص العبري وهو نمط من أنماط وأدب اللياقة والهندام والوقار لكنه بعيد كلياً عن الإتكيت المصري في حين كان ذلك معروفاً ومنتشراً في وادي الرافدين، حمل موسى ألواحاً دونت فوقها وصياه العشرة والحال إن المصريين لم يلجأوا البتة إلى ألواح الطين بل إلى ورق البردي. يقول النص العبري أن إبنة الفرعون كانت تستحم في نهر النيل في لحظة مرور القفة أو الطوافة التي يوجد فيها الطفل موسى والحال أن ذلك بعيد عن آداب المجتمع المصري وتقاليده، فإبنة الملك لا تستحم في ماء النهر بل في حمامات وأحواض خاصة فاخرة تعجز العين عن وصفها فهي أميرة وإبنة الفرعون الذي هو إله فوق الأرض فلا يمكنها أن تغتسل كباقي الناس في ماء النهر وأخيراً نسي كاتب النص العبري أن النيل في ذلك الوقت كان مليئاً بالتماسيح الخطرة .

من هنا يقول المؤلف أنه على المستوى التاريخي، لم يبدأ التوحيد عند اليهود مع موسى، فالاكتشافات المتعلقة بالنقوش وبالدراسات المعمقة للعهد القديم أكدت على نحو قاطع أن الدين اليهودي، في الألفية الأولى، لم يختلف عن أديان جيرانه. وإن لرب إسرائيل إسم متميز هو يهوه، أي ذلك الإسم الذي رفضت التلفظ به اليهودية المتأخرة، لأنه يشير إلى أنه جاء من ضمن عالم متعدد الآلهة فهو رب الأرباب. فالإسم للرب أو للإنسان، يراد له أن يفيد في التعريف بمن يحمل ذلك الإسم وتمييزه عن أقرانه. لذا فإسم " يهوه" وجد أصلاً لتمييز ذلك الرب عن بقية الآلهة. ففي أثناء تواجد مملكة إسرائيل ويهوذا، من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد، لم يكن يهوه إله اليهود الوحيد، بمعنى آخر أن التوحيد لم يرس دعائمه بعد عند العبرانيين. لقد اعتبر يهوه إله إسرائيل كما كان حال مردوخ إله البابليين، وكيموش إله المؤابين القريبين من يهود تلك الفترة. فاليهود والعبرانيين وغيرهم كثير، عبارة عن قبائل رحل سكنت شرق البحر الميت والصحراء السورية، ولكل قبيلة أو قوم إلهه الخاص به. لم يحتفى بيهوه كإله أعزب، إذ كانت له أنيسة، عبارة عن إلهة تشاركه حياته. ولقد أشارت العديد من الكتابات والشواهد الآثارية، إلى وجود اشيراح Asherah كإحدى الإلهات ضمن المجموعة التي يطلق عليها السامية الغربية هي التي كانت إلى جانب يهوه، وهناك دلائل لوجودها عند الأوغاريتيين، قدماء الفلسطينيين وعند سكان وادي الرافدين وبعض تلك الوثائق والنقوش تعود إلى القرن السابع والثامن قبل الميلاد والتي وردت فيها عبارة مثل :" أبارككم باسم يهوه الشاهد على ما أقول ورفيقته اشيراح " أو " أبارككم باسم يهوه رب السامرة وبإسم رفيقته اشيراح" .. وبالتالي كانت فكرة تمجيد وعبادة يهوه وحده قد حصلت بعد تطور طويل وصراع سياسي وأيديولوجي بين يهود الشمال الذين يعبدون بعل، ويهود الجنوب ممثلين بهذا الملك ولا يعبدون إلا يهوه، وكذلك كرد فعل ضد العنف الآشوري الذي يشترط الخضوع التام للملك الآشوري،كما جاء في كتاب " تحقيق حول الإله الواحد " الذي قدم له توماس رومر في سلسلة عالم الكتاب المقدس منشورات بايارد 2010 في باريس. ففي سفر التثنية هناك تأكيد على أن الرب الوحيد الجدير بالعبادة هو يهوه وليس الملك الآشوري وربه. والتشبث بعبادة إله واحد تم بعد السبي البابلي لليهود أي بعد حوالي ستة قرون قبل الميلاد. فهدم أورشليم لم يكن نتيجة لضعف يهوه بل بالعكس فلقد مكن يهوه البابليين في ذلك لمعاقبة " شعبه" الذي لم يطعه ولم يتعبد له وحده، ما يعني أن قوة يهوه وعظمته تشمل حتى أعداء شعبه الذين أعانهم وساعدهم على تحقيق السبي، ولقد استفاد علماء وفقهاء ومعلمي ورجال الدين اليهود على الأساطير العراقية القديمة التي اطلعوا واستفادوا منها في تحرير نصوص العهد القديم. لقد لعبت بابل دوراً جوهرياً في إخراج ذلك الكتاب المقدس من شكله البسيط ومنحته التعقيد الذي شهدته تلك الحضارة المتقدمة، فتضمن منهجية ونمط تفكير جديدين، ولقد انتبه كبار المختصين في دراسات العهد القديم إلى ذلك التأثير العظيم الذي وصل إلى حد النقل الحرفي الفج لنصوص رافدينية كما لاحظنا ذلك في قصة الخلق وملحمة الطوفان التي شكلت العمود الفقري للكتب أو الأسفار الخمسة الأولى للتوراة المنسوبة لموسى، كما جاء في بحث الدكتور فالح مهدي المهم السابق في كتابه " الخضوع السني والإحباط الشيعي، نقد العقل الدائري. فحتى نجمة داود السداسية اليهودية هي في الأصل نجمة بابلية. وفي الأجزاء الأولى من سفر التكوين، تم التعبير عن يهوه بأنه رب الكون وخالق كل شيء وسمي " الإلوهيم" وهي تعني الرب ولكن بصيغة الجمع أي الأرباب ولقد أكد محررو ذلك الجزء من أن كل آلهة الشعوب الأخرى ما هي إلا تعبير وتجسيم للإله الأوحد يهوه. واستمدوا من الزرادشتية فكرة الجنة والنار، والوعد بحياة أفضل بعد الموت، كما شاع لدى يهود السبي البابلي الذين حررهم فيما بعد الملك قورش الفارسي، في حين أن يهود مستعمرة الإلفانتين éléphantine المصرية كانوا يعبدون إلى جانب يهوه، إلهين آخرين هما آنات وأشيم بيتال، بما ينسجم مع المعتقدات المصرية المتمثلة بالثالوث،كما جاء في كتاب " تحقيق حول الإله الواحد المشار إليه أعلاه.

ثم ينهي الكاتب بحثه عن جذور الإله الواحد في عرض الصلوات والقرابين والشعائر التي قدمها البشر للإلهة على مر العصور وأهميتها النفسية والفلسفية بغية العثور على علاقة مباشرة مع الكائن الأعلى التي قد تؤثر في سلوك الله، ووضع الدين في خدمة الآيديولجيات، وإن المخيلة البشرية هي حجر الزاوية لحياكة القصص والأساطير وهي بديهية أنثروبولوجية قابلة للتعميم على كل أديان العالم فالأساطير والخرافات مادة تتكرر في كافة الأديان، خاصة تلك التي تتحدث عن المقدس والمسخ والوحوش الخرافية والشياطين والجن والعفاريت والأبطال الأسطوريين، وهي بالتالي نتاج للأوهام الفردية والجماعية حيث يتمتع الوهم الديني بديناميكية تتوافق وتنسجم مع نظامه المنطقي الداخلي الخاص به الذي يفرز له مدوناته ونصوصه الأسطورية والخرافية ويضفي عليها طابع القدسية، فالأديان برمتها ما هي إلا أنظمة إدارية للمقدس كما يقول الدكتور فالح مهدي . لا يتفق المؤلف الدكتور فالح مهدي مع أطروحة الباحث الفرنسي باسكال بويير في كتابه المهم " وخلق الإنسان الآلهة " الصادر عام 2003 والذي قرأته بإمعان ووجدته علمياً جاداً أتفق مع أغلب ما جاء فيه وبالذات لأنه أدخل معادلات علمية في الشأن الديني توصل من خلالها إلى أن الآلهة من ابتكار الإنسان بغية إعانته ومساندته في ما يواجهه من تحديات، فكل ذلك الابتكار الذهني البشري ناجم عن النشاط العقلي للإنسان الذي يعبر عن حاجته ومواجهته لألغاز وجوده، فالدين نشاط ذهني محض يدفع المرء لكي يفكر ويتأمل ويبحث عن إجابات للغز الكون المحيط به ولغز الموت المتربص به ولغز الأسئلة الوجودية التي تؤرق حياته . يتسرع الكاتب في القول أنه مع كل التقدم العلمي المذهل حقاً، فقد بقي أصل الكون لغزاً حقيقياً، ذلك إن الإنفجار الكبير، مما يطلق عليه البغ بانغ، لا يؤخذ به علمياً باعتباره ذاك الذي أنجب الكون. فالسؤال المتعلق بولادة الكون بعيد كل البعد عن إيجاد إجابات مقنعة لحل ذلك اللغز الذي يشكل إحدى أم التحديات أما علماء الطبيعة والفيزياء، ولكن لا ينبغي أن نتسرع في الحكم على أشياء ومواضيع نجهلها ولم نتعمق فيها كفاية فلا يكفي قراءة كتاب أو دراسة لكي نصل إلى هذا الاستنتاج التعسفي فهذا المجال واسع وغني رغم تعقيده وقدم الكثير من الإجابات في العقود الثلاثة المنصرمة ومنها أن نظرية الانفجار العظيم ثبتت علمياً ومختبرياً واتفق بشأنها كل الوسط العلمي تقريباً وتدرس اليوم في الجامعات والمدارس والمعاهد المتخصصة، فهذا مجال علمي دقيق لا ينبغي الخوض فيه على عجل وتسرع . لقد أثبت العلماء أن كافة الأشياء في الطبيعة، الحية وغير الحية كالجماد، ما هي إلا تراكمات تتزايد تعقيداً شيئاً فشيئاً من الجسيمات الأولية من الكواركات وما هو أدنى منها، المكونة بدورها للبروتونات والإلكترونات والفوتونات التي تتراكب وتجتمع في تركيبات مختلفة ومتنوعة لإنتاج جسيمات متعددة ذات وظائف محددة فالفوتونات على سبيل المثال ما هي إلا حبيبات للشحنة الكهربائية الموجبة بينما تكون الإلكترونات عبارة عن حبيبات الشحنة الكهربائية السالبة، والفوتونات هي جسيمات الضوء المرئي أو غير المرئي. إن ابسط تلك التركيبات المادية هي تركيبة ذرة الهيدروجين حيث أن ذرتها الأصغر كتلة من بين جميع العناصر الأخرى، تحتوي فقط على بروتون واحد وإلكترون واحد. ويدور الإلكترون بلا توقف حول البروتون كما يدور القمر حول الأرض ولكنه لا يدور بالضرورة حول محوره بنفس المسافة المدارية فيمكنه أن يبتعد عن البروتون المركزي للذرة طارداً جسيم أو أكثر من فوتونات الضوء ويمكنه أن يقترب ويبتلع جسيم أو أكثر من جسيمات الضوء الأولية أي الفوتونات. فالهيدروجين موجود، ليس فقط على الأرض بل في كل مكان في الكون المرئي. ومن الهيدروجين وتفاعلاته النووية ظهرت باقي العناصر في الكون، وتكونت الذرات والمجالات والحقول الكهرومغناطيسية وخلقت الحركة الدائمة الجاذبية أو الثقالة.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

جعفر الحكيمالديانة المسيحية - حالها حال جميع الأديان الاخرى- تضم ضمن اطارها العام العديد من الفرق والطوائف المتنوعة والتي تقترب مع بعضها البعض في مبتنيات عقدية معينة و تتباعد في اخرى، وفي زمننا الراهن، تبرز طوائف مسيحية كبيرة مثل الكاثوليك والبروتستانت والارثوذكس، الى جانب فرق مسيحية اصغر مثل شهود يهوا والمورمن والموحدين الإنجيليين وغيرهم من الفرق المسيحية المتعددة.

ان الانقسام المسيحي إلى فرق متعددة كان سمة واضحة ومبكرة صاحبت تطور هذه الديانة ومنذ زمن التأسيس، حيث برزت في ذلك الوقت عدة مجاميع تحت مسميات متنوعة و بتأصيلات عقدية متباينة، مثل الغنوصيين والأبيونيين وغيرهم

وكانت كل فرقة تعتبر نفسها هي الطريق القويم في اتباع تعاليم المسيح ومنهجه، وتتهم الفرق الاخرى بالهرطقة !!

من بين الفرق المسيحية التي ظهرت بوقت مبكر جدا في تاريخ هذه الديانة، تبرز طائفة المسيحيين (الأبيونيين)

حيث ان لهذه الطائفة حضور منذ نشأة الديانة المسيحية نفسها، ولهم امتداد وتواصل مع رسل وتلاميذ المسيح

المسيحيون الأبيونيون هم الطائفة التي مثلت اليهود الذين آمنوا بيسوع المسيح وصدقوا دعوته، وجاءت تسميتهم بهذا الاسم، والذي يعني الفقراء او المساكين، لان غالبيتهم من الطبقات اليهودية الفقيرة والمعدمة، ويبدو أنهم كانوا مرتاحين لهذا التسمية لانهم كانوا يعتقدون أنهم مشمولين بمباركة وتطويب يسوع المسيح في قوله الشهير :

(طوبى للمساكين بالروح لان لهم ملكوت السماوات)

ورغم ان المسيحية الابيونية تعتبر هي الاقرب للمسيحية الاصلية، من ناحية الزمان وكذلك الجغرافية، لأنها نشأت في فلسطين، الموطن الذي كان يتواجد فيه يسوع الناصري، وبين قومه اليهود،الذين كانت دعوته تهدف الى إصلاح وضعهم

رغم ذلك، يقر الباحثون في تاريخ المسيحية وتطورها، بعدم وصول أي من كتابات هذه الطائفة الينا، بحيث بقيت معظم المعلومات عنهم مستقاة من كتب خصومهم الذين كانوا يعتبرونهم من الهراطقة، ومنحرفين عن الطريق القويم!

تعتبر كتابات ايرينيوس (180 ميلادي) من اقدم واهم المصادر حول الأبيونيين، وتليها كتابات ابيفانيوس(340م) وهناك مصادر مسيحية اخرى ذكرتهم، وقد احتوت تلك المصادر على بعض المقتطفات من افكار وعقائد الابيونيين.

المعتقد:

يعتقد المسيحيون الأبيونيون بمسيحانية يسوع الناصري، ويعتبرونه المسيح المخلص الذي أرسله الرب لخلاص الشعب اليهودي، وفداء ذنوب اليهود من خلال تقديم نفسه ذبيحة فداء على الصليب، وبنفس الوقت، كانوا يعتقدون ان يسوع المسيح هو بشر عادي، مولود بولادة طبيعية لأبويه (مريم ويوسف النجار) ولكن الرب قرر ان يتبناه، فاختاره الرب ابنا بالتبني في وقت تعميد يسوع الناصري على يد يوحنا المعمدان، حيث انفتحت السماء في وقتها، وظهر الروح القدس، وتكلم الرب من السماء قائلا (انت ابني انا اليوم ولدتك) حسب ما تنبأت به المزامير كما يعتقد الأبيونيون.

وقد جاء اختيار الرب ليسوع ابنا له بالتبني، لانه وجده قادرا على تحمل المسؤولية العظيمة، بافتداء خطايا شعبه، وتقديم نفسه للموت، وتحمل عذاباته، لذلك قرر الرب ان يجازي يسوع،من خلال اقامته من الموت بعد 3 ايام ورفعه للسماء.

وهنا لابد من الاشارة الى ان الاقوام القديمة،كانت تعتبر الابن بالتبني افضل واقرب منزلة الى الاب من الابن البيولوجي!

لان ابن التبني هو من اختيار الأب، لما قد يجده في الذي يتبناه من مواصفات و طبائع نبيلة اوعظيمة، على العكس من ابن النسب، الذي ليس بالضرورة ان تكون شمائله كما يحب الاب!!...لذلك نرى في التراث الروماني مثلا، ان الابن المقرب الى يوليوس قيصر والذي جعله وريثه على العرش هو أغسطس، حيث كان مقدما على تيودرس ابن يوليوس بالنسب

ومن هنا نستطيع ان نفهم فكرة الابيونيين القائمة على اعتقادهم ببنوة يسوع المسيح للرب بالتبني !

والتي اعطت يسوع المسيح منزلة عالية جدا عند الرب فاقت درجات كل البشر وحتى الملائكة، مع إصرار الأبيونيين على الاعتقاد ببشرية يسوع، ونفي كل صفات الالوهية او الازلية عنه، فهم لا يعتبرونه الكلمة ولا الروح، وانما انسان طبيعي.

واعتقد الأبيونيون بضرورة الالتزام التام بتعاليم الشريعة اليهودية (الناموس) حيث ان يسوع المسيح لم يأت لينقض الناموس، وإنما جاء ليكمله، لذلك كان الأبيونيون ملتزمون بحرمة يوم السبت وبالختان،والتقييد من ناحية الطعام والذبائح

ولذلك، كان الابيونيون يعتقدون، ان كل شخص غير يهودي، اذا أراد ان يعتنق المسيحية،فعليه ان يختتن اولا، وان يلتزم بشريعة اليهود ومن ثم يؤمن بمسيحانية يسوع الناصري لكي ينال الخلاص !

اختلاف الأبيونيين عن اليهود:

بالرغم من ان الأبيونيين هم في الأصل من اليهود، الا أنهم اختلفوا عن بقية بني قومهم في عدة امور، واهمها انهم كانوا يعتقدون ان يسوع الناصري هو المسيح المخلص لليهود والفادي لخطاياهم، في حين اعتبره بقية اليهود مسيحا كاذبا !

وكذلك اختلف الأبيونيون عن اليهود الآخرين، في موضوع التضحية بالقرابين، حيث توقف الابيونيون عن تقديم الاضاحي، لانهم اعتقدوا ان الاضحية الكبرى قد تم تقديمها من خلال صلب المسيح،وتم بذلك الفداء، ولا داعي لتقديم أضاحي للمعبد.

اختلاف الأبيونيين عن بقية المسيحيين:

اختلف المسيحيون الأبيونيون عن بقية الفرق المسيحية، في إصرارهم على الحفاظ على هويتهم اليهودية والالتزام بتعاليم الشريعة، و كذلك اختلفوا عنهم لأنهم لم يؤمنوا بموضوع ولادة المسيح العذرية، ولا بأزليته او لاهوته.

فقد كانوا مسيحيون موحدون، ولم يؤمنوا بعقيدة التثليث

إنجيل الأبيونيين:

يقول المؤرخون ان الابيونيين كان لديهم انجيل معتمد يسمى بإنجيل (الناصريين) او إنجيل الأبيونيين، ويشير الباحثون المتخصصون في تاريخ المسيحية الى ان هذا الانجيل هو عبارة عن النسخة الارامية لانجيل (متى) محذوفا منه اول اصحاحين، و هما الاصحاحين اللذين تطرقا الى ذكر ولادة يسوع الناصري.

كان المسيحيون الأبيونيون يتبعون تعاليم (يعقوب البار) والملقب بيعقوب أخو الرب، والذي يعتقد انه اخ يسوع الناصري، وهو الذي تولى منصب أول أسقف لكنيسة أورشليم بعد رحيل أخيه يسوع.

في نفس الوقت، كان الابيونيون ينظرون الى شاؤول الطرسوسي (بولس) على أنه منحرف، ويرون دعوته ضالة ومخادعة، وقد كان هناك سجالات وتحرشات بينهم وبين شاؤول، مع اتهامات متبادلة بالانحراف والهرطقة !

عوامل اندثار الأبيونيين:

رغم ان المسيحيين الأبيونيين، كانوا هم الفرقة المسيحية الاقرب الى الاصل، وأنهم جاؤوا من نفس البيئة الاجتماعية الحاضنة ليسوع الناصري،الذي كان راباي يهودي،مؤمن بشريعة اليهود، وداعيا للاصلاح في المجتمع اليهودي، وإقامة فهم جديد لتعاليم التوراة وأسفار التاناخ، ورغم ان الأبيونيين كانوا متواصلين مع تلاميذ المسيح وبقية الرسل، ويمثلون البيئة التي انطلقت منها دعوة المسيح، الا انه لم يكتب لهذه الفرقة المسيحية البقاء طويلا في مسيرة الصراع مع باقي الفرق الاخرى،وقد تقلص تأثير الابيونية تدريجيا مع نهاية القرن الأول،حتى كاد اثرهم ان يختفي تماما بحلول القرن الرابع

والعوامل التي أدت الى اندثار هذه الطائفة المسيحية عديدة، من أهمها:

تمسك هذه الطائفة، بتعاليم الشريعة اليهودية الصارمة، وتمسكهم بضرورة ان يلتزم كل مسيحي من غير اليهود بها

فإذا اراد شخص من الوثنيين مثلا، اعتناق المسيحية، عليه اولا ان يختتن مثل اليهود، وان يلتزم بقوانين شريعتهم!

ان هذا الامر، تسبب في عزوف الراغبين في اعتناق المسيحية عن الانضمام لهذه الطائفة، خصوصا ان الفرقة المنافسة الاخرى، والتي كانت تتبع تعاليم شاؤول الطرسوسي (بولس) كانت لاتشترط مثل هذه الامور، ويكفي الشخص الراغب باعتناق المسيحية، ان يقبل المسيح مخلصا، وبذلك يكون قد نال الخلاص، بالايمان فقط، دون الحاجة لأعمال الناموس

ومن العوامل الأخرى، التي تسببت باندثارهم، هو تقوقعهم الجغرافي في منطقة فلسطين وما جاورها، مع محدودية دعوتهم وانحصارها على الناطقين بالعبرية (اليهود)، بينما كانت الدعوة المنافسة لهم، تمتاز بالعمل الدعوي النشط، والممتد الى ارجاء عديدة من الامبراطورية الرومانية، وكانت متوجهة لكل شرائح المجتمع في الامبراطورية، وخصوصا الوثنيين او متعددي الالهة، وتخاطبهم باللغة اليونانية التي يفهمونها، لذلك كان الإقبال أكبر وأوسع على دعوة (بولس) النشطة، وخصوصا من قبل المجتمعات الوثنية التي وجدت في عقيدة التثليث امتداد طبيعي لعقائدهم القائمة على تعدد الالهة!

واعتقد كذلك، ان احد اسباب اندثار المسيحيين الأبيونيين، هو الكارثة التي حلت بيهود فلسطين في عام 70 ميلادية

حين قامت ثورة اليهود ضد الرومان، وما تبعها من مجازر بشعة طالت اليهود، وتسببت بقتل حوالي مليون انسان، واسر مئات الالاف واستعبادهم، وهروب الذين تبقوا من اليهود وتشتتهم في البلدان بعد فشل ثورتهم وخراب هيكلهم

هذه الظروف الكارثية التي حلت باليهود، تسببت في فناء اغلب الابيونيين، و اما من هرب منهم خارج فلسطين، فقد بقي يعيش في ظروف اقتصادية بائسة جدا بسبب الهجرة والتشتت، مما أدى الى اضمحلال هذه الدعوة تدريجيا، حتى اختفت بشكل شبه تام لاحقا.

الأبيونية و الاسلام:

ختاما، أود الإشارة الى جزئية تتعلق بالبحث حول المسيحيين الأبيونيين، وهي محاولة بعض الكتاب المعاصرين الربط بين الأبيونيين وبين الدين الإسلامي، والإيحاء بأن الإسلام اقتبس نظرته عن النبي (عيسى) من عقيدة الأبيونيين بيسوع المسيح!

وهذه المحاولة، وان كانت ساذجة وكاشفة لهزالة هكذا طروحات، الا أنها تدل أيضا على انتقائية متعمدة ومعيبة!

فقد اعتمد أصحاب هذا الطرح على وجود تقاطع في بعض جزئيات الاعتقاد بين الأبيونيين والاسلام وخصوصا في النظرة الى يسوع المسيح كأنسان، وعدم تأليهه، وكذلك اشتراكهم في التأكيد على عقيدة التوحيد

وبسبب وجود هذا الاشتراك بين العقيدتين، خرج علينا هؤلاء المتفذلكين، بالقول، ان الإسلام أخذ من الأبيونيين!

وهذا الراي، رغم انه مضحك، لكنه يكشف اما عن خيانة علمية لا تليق بالباحثين، او عن جهل وسطحية مخلة

فالابيونيين، لا يعتقدون بولادة المسيح العذرية، كما يعتقد الإسلام، وكذلك يختلف الأبيونيين عن الاسلام، في اعتقادهم بصلب المسيح، وقيامته، في حين ينفي الاسلام ذلك، والذي يختلف كذلك عنهم بعدم اعترافه بموضوع الخلاص والكفارة، ورفضه القاطع لفكرة البنوة لله بجميع اشكالها، في حين يختلف الابيونيين معه باعتقادهم تبني الرب ليسوع !!

كل هذه الاختلافات بين عقيدة الإسلام ومعتقد الأبيونيين، تعمد هؤلاء الانتقائيين اهمالها، لغرض خلط الأوراق وتضليل القارئ وخداعه، ليجعلوه يتقبل فكرتهم البائسة والمضحكة والتي تريد الربط بين الإسلام وبين عقيدة اختفت قبل ثلاث قرون من ظهوره، ولم يكن لها، اصلا، وجود في منطقة الجزيرة العربية حيث نشأ الإسلام، وإنما كان وجودها في القرن الميلادي الاول، وكذلك الثاني، منحصرا على منطقة فلسطين والمناطق المجاورة لها !!

ان هكذا باحثين انتقائيين يصدق عليهم المثل العراقي الطريف، بأنهم يحسبون (كل مدعبل ..جوز!!)

 

د. جعفر الحكيم

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (34)

الجدل حول حقيقة شخصية الشاب اليهودي المصلح يسوع الناصري، جدل قديم يمتد الى قرابة الألفين عاما، ولازال !

فمنذ منتصف القرن الميلادي الأول، ومع بروز جماعة بشرية اعتقدت بامتلاك يسوع الناصري خصائص الهية، ومن ثم بدأ الاعتقاد يتطور تدريجيا حتى بلغ ذروته في اعتبار هذا الشاب اليهودي هو الإله الخالق بصفته اقنوما من اقانيمه الثلاثة !

منذ ذلك الحين، نشأ الجدل حول اثبات او نفي هذا الاعتقاد بين الجماعة الايمانية الجديدة (المسيحيون) من جهة، وبين الجماعات اليهودية التي كانت لا ترى في شخص يسوع الناصري سوى أنه مدع ٍٍٍٍ كاذب للمسيحانية وقد لقي جزاءه !

وبنفس الوقت كان هذا الجدل محتدم ايضا بين أقسام الجماعة المسيحية ذاتها، بين الذين اعتقدوا بالوهية يسوع وبين بقية الفرق المسيحية التي لم تكن تعتقد بالوهيته ،مثل المسيحيين الابيونيين ، ولازال هذا الجدل بين الفرق المسيحية قائما الى يوم الناس هذا، كما هول الحال مع فرقة المسيحيين (الموحدين الإنجيليين) ونقاشاتها حول نفي الألوهية لشخص المسيح.

ورغم اتفاق الجميع، على أنه لا يوجد أي قول صريح ليسوع الناصري، يعلن فيه بشكل واضح ومباشر انه ( الله) ولا يوجد كذلك اي تصريح او تعليم صريح له يطلب فيه من الناس او من خاصته وتلاميذه، ان يتوجهوا إليه بالعبادة ، ومع ذلك فإن للمسيحيين القائلين بألوهيته، مجموعة من الادلة والبراهين ،التي يعتقدون انها كافية وواضحة ، لإثبات الالوهية له

مما يجعل الكرة في مرمى مليارات البشر، فإما ان تقتنع بهذه الأدلة وتعتقد بالوهية يسوع ،وتقبل به الها مخلصا، فتنال بذلك الحياة الابدية المنعمة، والا فان مصير من لايقتنع بذلك، الخلود في بحيرة النار والكبريت، وان كان صالحا او طيبا!

يستند المسيحيون المعتقدون بالوهية المسيح الى العديد من الادلة والاثباتات، ويقدمونها كبراهين قاطعة على صحة اعتقادهم، وهذه الادلة تختلف بطبيعتها، فمنها مثلا ،ما يستند إلى الأعمال الاعجازية المنسوبة للمسيح، ومنها ايضا ما يستند الى تحقق نبؤات العهد القديم في شخص المسيح، وهناك ادلة تعتمد على تأويل تصرفات او عبارات للمسيح او تلاميذه، من قبيل سجود بعضهم له، وغيرها من الادلة الاخرى.

لكن يبقى القسم الاهم والاقوى من بين براهين وادلة الوهية يسوع المسيح،هي تلك التي يقدمها المسيحيون على اساس انها اقوال وعبارات قالها يسوع بحق نفسه، وفيها اشارة واضحة على خصائصه الالهية، من قبيل :

(انا والاب واحد)

(الذي رَآني فقد رأَى الآبَ)

وغيرهما من الأقوال التي سنتطرق اليها في ما يلي من هذا المقال، والذي ليس مخصصا للمناقشة التفصيلية لادلة الوهية يسوع الناصري ، ولا تفنيدها، فقد تم رد بعضها في مقالات سابقة، وانما موضوع المقال هو حول ظاهرة ترتيب الادلة وتطورها ضمن السياق الزمني الذي نشأت فيه النصوص المسيحية المقدسة.

وهنا نحتاج الى التذكير مجددا الى ان العهد الجديد لم تُكتب كل اقسامه في زمن واحد، وانما تم كتابتها في ازمنة متلاحقة، واماكن مختلفة ، وعلى ايدي اشخاص مختلفين.

فاقدم اقسام العهد الجديد، هي الرسائل المنسوبة الى شاول الطرسوسي( بولس الرسول)، ويأتي بعدها في الترتيب الزمني الانجيل المنسوب الى ( مرقس) الذي يحتمل انه كتب بعد رحيل يسوع في فترة 30 الى 40 عام

وبعد ذلك يأتي في ترتيب الاقدمية الزمنية انجيلي ( متى ولوقا) ومن بعدهما يأتي آخر الأناجيل وهو الانجيل المنسوب الى

(يوحنا) والذي يعتقد انه تمت كتابته في نهاية القرن الميلادي الاول تقريبا، اي حوالي 70 عاما بعد المسيح، ويمتاز أنه كتب بلغة يونانية راقية ، وتضمن أفكارا فلسفية كانت شائعة في ارجاء الامبراطورية الرومانية وقتذاك.

وبالعودة الى العبارات والأقوال المنسوبة ليسوع الناصري، والتي يعتمدها الاخوة المسيحيون، كأدلة نصية على ألوهيته

فبالاضافة الى القولين المتقدمين، هناك اقوال عديدة اخرى منسوبة ليسوع ،قد يستشف منها، ايضا، انها تصريح يدل على امتلاك هذا الشاب اليهودي لخصائص إلهية ،تميزه عن بقية البشر ، مثل

(قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ) يوحنا 58/8

(وليس أحَدٌ صَعِدَ إلَى السماءِ إلا الذي نَزَلَ مِنَ السماءِ، ابنُ الإنسانِ الذي هو في السماءِ) يوحنا 13/3

(لانه كما ان الاب له حياة في ذاته كذلك اعطى الابن ايضا ان تكون له حياة في ذاته) يوحنا 26/5

(انا هو الطريق والحق والحياة ليس احد ياتي الى الاب الا بي) يوحنا 6/14

(اني انا في الاب والاب في) يوحنا 10/14

وهناك نصوص أخرى شبيهة ، وسأكتفي بما أوردت مراعاة للاختصار، وسنفترض ان تلك النصوص المنسوبة ليسوع الناصري قد قالها كما هي بالضبط ، بلغته الآرامية التي كان يتحدث بها، وسنفترض ان ترجمتها من الارامية الى اليونانية كانت دقيقة جدا، وكذلك الترجمة من اليونانية القديمة الى اللغات المعاصرة، ومع افتراض دقة الترجمة، سنفترض ايضا، ان المراد من كلام يسوع المسيح هو متطابق تماما مع التفسير المسيحي لها، وان يسوع كان يصرح بحقيقة ألوهيته !

ومع افتراض صحة نسبة هذه العبارات ، وان يسوع الناصري قد قالها بشكل علني وكررها، وسمعها الناس او على الاقل تلاميذه وأتباعه ومريديه، ستواجهنا مشكلة خطيرة وجديرة بالبحث والتدقيق ، وهذه المشكلة هي ، اننا لا نرى اي ذكر لهذه العبارات والأقوال المهمة في جميع النصوص المسيحية المقدسة السابقة في زمن تدوينها على انجيل (يوحنا) والذي هو آخر الاناجيل، وقد تم تدوينه بعد فترة لا تقل عن سبعين عاما؟!!

وهنا يبرز سؤال مهم جدا، وهو، هل يعقل ان يهمل المدونون المتقدمون على زمن كتابة إنجيل (يوحنا) في الرسائل والأناجيل التي كتبوها، اقوال مهمة جدا قد قالها يسوع المسيح، وتتعلق بأهم ركن من أركان الإيمان المسيحي ،وعليه يتوقف الخلاص والنجاة لكل اجيال البشرية والى ان يرث الله الارض ومن عليها ؟!

ونحن هنا نتحدث عن عبارات وتصريحات من المفترض ان يسوع قد قالها بشكل علني، ولا نتحدث عن حادثة او جزء من قصة ،قد يكون التفت اليها احد كتبة الأناجيل، ولم يهتم بها كاتب اخر، ولسنا بصدد حكاية ينقل لنا كاتب للانجيل مقطع منها، وينقل لنا كاتب إنجيل آخر مقطع ثاني!!..وانما بصدد اقوال وتصريحات للمسيح يتوقف عليها اصل الايمان وجوهره!

واذا اخذنا في الاعتبار ان غرض الاشخاص الذين كتبوا اجزاء العهد الجديد، من رسائل واناجيل، كان يتمحور حول هدف رئيسي مهم جدا، وهو تعريف الناس بشخصية المسيح وحقيقتها، وتثبيت كل ما يدعم الإيمان الجديد ويبرهن على صحته وان هذا الإيمان - حسب الادعاء المسيحي - قائم على الاعتراف بالوهية المسيح وقبول تضحيته من اجل البشرية، فكيف والحال هذه، نفهم ان الذين كتبوا الجزء الاعظم من العهد الجديد، لم يذكروا او يثبتوا في مدوناتهم، اهم واعظم، الحقائق التي قالها الاله المخلص الفادي، بشكل علني، ليعلن للناس عن حقيقته السماوية!!!

ولا نجد اي تفسير عقلائي يبرر اهمال هذه الاقوال الخطيرة، والمحورية في تأصيل المعتقد المسيحي ، في اقسام العهد الجديد المتقدمة زمنيا، وظهورها بشكل مفاجئ ومكثف في آخر الأناجيل!!

وخصوصا انه لا يمكن الادعاء ان الأشخاص الذين كتبوا الرسائل والأناجيل السابقة ، كانوا يعلمون انه في المستقبل( بعد حوالي خمسين عام) سيقوم شخص او اشخاص بكتابة انجيل رابع ، وسيذكر فيه أقوال المسيح حول طبيعته الالهية !!

ان التفسير الوحيد والمنطقي، لهذا الاضطراب هو ان السادة كتبة الرسائل والأناجيل السابقة لإنجيل (يوحنا) لم يسمعوا أصلا بهكذا أقوال منسوبة ليسوع المسيح، ولو ان تلك الأقوال التي تم اختراعها لاحقا ، وتم وضعها على لسان يسوع ، كانت معروفة وشائعة لما تردد كتبة الأناجيل المتقدمة زمنيا في تثبيتها في اناجيلهم ، كما فعلوا في قصة إطعام 5000 شخص والتي نجد ذكرها قد تكرر في جميع الأناجيل الاربعة، فهل يعقل ان كتبة الاناجيل يحرصون على ذكر حادثة اعجازية ليسوع ، ويهملون ايراد اهم واخطر الأقوال التي من المفروض ان يسوع قد صرح بها معلنا للبشرية ألوهيته ؟!!

من الثابت في دراسة التاريخ، ان الحقائق تتعرض بمرور الزمن الى التشويه والطمس، بينما الأساطير تتميز انها تكبر وتتضخم كلما ابتعدنا عن زمن الحدث، وهذا بالضبط، ما حدث مع شخصية الشاب اليهودي يسوع الناصري، حيث أخذت شخصيته تكتسب الطابع الأسطوري، والذي من أهم خصائصه في تلك الحقبة الزمنية، اضفاء صفات وطبيعة سماوية إلهية على الشخصية، ولا بأس من وضع نصوص او عبارات على لسان الشخصية لغرض تثبيت تلك الطبيعة الالهية، ومن اجل ان يتم سد الثغرات وردم كل الفجوات في القصة والتي من الممكن ان يستفيد منها الاطراف الاخرى التي كانت ترى ان يسوع الناصري مجرد إنسان مثل بقية البشر، قام الاشخاص الذين كتبوا انجيل (يوحنا) بلغة يونانية وبعقلية متأثرة بالثقافة اليونانية المتشبعة بالأفكار الوثنية وتأليه البشر او تأنيس الالهة، قاموا بأختراع النصوص التي اوردناها وما يشبهها ، وثبتوها في سرديتهم النصية، والتي أصبحت مع مرور الزمن كتابا مقدسا !!!

 

د. جعفر الحكيم

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (33)

انفرد إنجيل (متى) من بين بقية أقسام العهد الجديد، بإيراد قصة هروب العائلة المقدسة (مريم وزوجها يوسف وابنهما يسوع) الى مصر، هربا من بطش الحاكم (هيرودس) الذي امر بقتل جميع الصبيان في بيت لحم، وحفاظا على حياة الطفل يسوع، وقد أفرد هذا الإنجيل كل الاصحاح الثاني، لسرد تفاصيل تلك القصة.

يعتبر إنجيل (متى) أحد الأناجيل القانونية الأربعة المعترف بها من قبل الكنيسة المسيحية، ويرجح الباحثون المتخصصون زمن كتابته الى فترة 60-65 ميلادية والبعض الآخر يرجح انه كتب في الفترة 80-100 ميلادية، أي أنه تمت كتابته في فترة لا تقل عن ثلاثين عاما بعد رحيل يسوع الناصري على اقرب الاحتمالات.

ويرجح المتخصصون في بحوث العهد الجديد، ان إنجيل (متى) تمت كتابته باللغة العبرية، حيث انه كان موجها الى الشعب اليهودي، على العكس من الأناجيل الثلاثة الاخرى والتي كانت كتابتها باللغة اليونانية، اما بخصوص الشخص او الاشخاص الذين كتبوا هذا الانجيل، فالحال مثل بقية الأناجيل، حيث ظل الكاتب مجهولا، فيما تم لاحقا في أواخر القرن الثاني الميلادي نسبة الأناجيل الى اسماء الاشخاص الذين اصبحت تحمل اسمائهم تحت عنوان :

الإنجيل بحسب (مرقص، متى، لوقا، يوحنا) !

امتاز إنجيل (متى) عن بقية الأناجيل، بمحاولة كاتبه (المجهول) والذي كان يجيد اللغة العبرية (لغة اليهود) بمحاولاته اللافتة والمتكررة في ربط مسيرة حياة يسوع الناصري بنبؤات العهد القديم (الكتاب المقدس لدى اليهود)

وقد مارس من اجل ذلك اساليب مثيرة وجريئة مثل الاجتزاء وتحريف المعنى، بل وصل به الأمر الى اختلاق نبؤات لا وجود لها في نصوص العهد القديم!!...كما أوضحنا ذلك في مقالات سابقة حين تم التطرق الى نبؤات (العذراء) ونبؤات الناصري وكذلك نبؤة (من مصر دعوت ابني).... ولن أعيد تكرار شرح هذا الموضوع مراعاة للاختصار.

ان قصة الرحلة المزعومة للسيدة مريم وزوجها يوسف النجار وابنهما الطفل الرضيع يسوع الى مصر، من ناحية الوثوقية التاريخية، لا تعدو كونها قصة مختلقة، مستندة على خبر متناقض وقائم على كذبة تاريخية مفضوحة، على الرغم من انه قد تم، لاحقا، إعطاء قصة هذه الرحلة المزعومة عنوانا فخما، بإيحاء قداسوي مؤثر (رحلة العائلة المقدسة!)

ويبدو ان المؤسسين الاوائل للديانة المسيحية، قد استشعروا الحرج من غياب المصداقية التاريخية لهذه القصة، فحاولوا ابتكار ادلة وبراهين تضفي على القصة لبوس الوثاقة التاريخية، وإخراجها على انها حقيقة تاريخية ذات مصداقية!

فكان الحل، باختراع أسلوب فذلكي مخادع، يستند الى (حلم) رآه السيد (ثينوفيلس) البابا الثالث والعشرين من بطاركة كنيسة الاسكندرية (376-403 م) حيث روى هذا الشخص عن نفسه أنه بعد صلاة طويلة وتضرع للرب جاءته العذراء في المنام وقصت عليه أنباء رحلتها بالتفصيل وطلبت منه أن يسجل رؤيته لها !!

فكان ان كتب هذا البابا وثيقة (ميمر) التي وثقت مسار وتفاصيل الرحلة استنادا على (الحلم) وبعد 300 عام من حدوثها !!

وبعيدا عن (حلم) السيد (ثينوفيلس) وسرده لمسار ومحطات الرحلة، والتي أصبحت مشروعا سياحيا دينيا، تتربح منه الدول!

وبالرجوع الى نصوص إنجيل (متى) سيكتشف القارئ، وبسهولة، ان هذه الرحلة المزعومة، استندت على كذبة تاريخية سمجة ومفضوحة، حيث ان الكاتب المجهول للانجيل ادعى ان سبب هروب العائلة الى مصر هو اصدار الحاكم (هيرودس)

امرا بقتل جميع الصبيان في مدينة (بيت لحم) من عمر سنتين فما دون، وهذا الادعاء الخطير، لا اصل له، ولم يتم ايراد اي ذكر له في اي مصدر تاريخي، ولا وجود له في السجلات الرومانية المحفوظة والتي وثقت كل الأحداث والأوامر السياسية في الامبراطورية.

والامر الاخر، والاهم، هو ان القصة التي أوردها كاتب انجيل (متى) تتناقض مع سرديات إنجيل (لوقا)!!

فعند قراءة قصة ميلاد يسوع الناصري، في الإنجيليين، ومقارنتهما مع بعضهما، سيكتشف القارئ، ان انجيل (لوقا) يرسم مسارا مختلفا لمسير العائلة، حيث نجدها بعد ولادة الطفل يسوع في بيت لحم، قد ذهبت الى اورشليم ومن ثم توجهت مباشرة الى مدينة الناصرة، وهذا التناقض بالقصة في إنجيلي (متى ولوقا) يستوجب ان تكون عائلة يسوع موجودة في منطقتين مختلفتين ومتباعدتين في الوقت نفسه!!...وقد فصلت الحديث عن هذا التناقض في الحلقة 25 من هذه السلسلة .

وقبل الشروع في ذكر الأسباب التي دعت كاتب إنجيل (متى) إلى اختلاق قصة الرحلة إلى مصر، اجد من الضروري الاشارة الى حقيقة مهمة ومركزية في هذا البحث، وهي ان كاتب هذا الإنجيل، وكذلك بقية كتبة الاناجيل الاخرى، لم يكونوا مؤرخين تاريخيين، ولم يكتبوا نصوصهم لغرض التوثيق التاريخي او ارخنة الاحداث، وانما كانوا أشخاص مؤمنين بعقيدة مستحدثة يحاولون من خلال كتاباتهم إثبات صحة هذه العقيدة لغرض اعطائها صفة المصداقية والقداسة، الأمر الذي يؤدي الى تأكيد صوابية الاعتقاد الجديد، ويسهل عملية جذب واستقطاب اكبر عدد ممكن من الناس الى ذلك المعتقد.

من هنا، نتفهم المحاولات الحثيثة لكاتب إنجيل (متى) والذي كان موجها إلى اليهود ومكتوبا بلغتهم، في ربط الأحداث بنبؤات العهد القديم، من اجل ان يثبت لليهود ان يسوع المسيح، هو الشخص الذي كانت تلك النبؤات تبشر بقدومه، وقد استخدم هذا الكاتب كل الاساليب الملتوية - كما اسلفنا سابقا- من اجل انجاح محاولاته، والتي تهدف بالنهاية الى اقناع اليهود، بما يعتقده الكاتب عن يسوع، بدلا من الاعتقاد السائد لدى السواد الأعظم منهم بأن يسوع الناصري، ما هو الا مدعي آخر للمسيحانية، وقد انكشف زيف ادعائه وكذب دعوته، من خلال نتيجة مصيره البائس والذي انتهى بتعليقه على خشبة اللعنة !

لقد كان اختلاق قصة هروب عائلة يسوع الى مصر، احدى تلك المحاولات التي ابتكرها كاتب الإنجيل، والغرض منها هو ربط أحداث القصة بنصوص وردت في العهد القديم، من اجل اعادة صياغتها وإخراجها بمظهر النبؤة المتحققة في يسوع!

لذلك نجد الكاتب، وبعد ان اختلق كذبة أوامر (هيرودس) بقتل أطفال (بيت لحم) يربط الموضوع بنص من سفر (ارميا)، لا علاقة له بيسوع ولا بولادته، وانما يصف احداث تاريخية سابقة

(صوت سمع في الرامة نوح وبكاء وعويل كثير راحيل تبكي على اولادها ولا تريد ان تتعزى لانهم ليسوا بموجودين)

ونفس الأسلوب المخادع، يكرره كاتب الإنجيل عندما حاول ربط عودة عائلة يسوع من مصر، بنص قام ببتره، واجتزاء قسم منه، لكي يصوره كنبوة تحققت في يسوع!!!

(و كان هناك الى وفاة هيرودس لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني) متى 2/15

بينما النص الأصلي في سفر (يهوشع) يتحدث عن اسرائيل، وليس عن يسوع ولا اي شخص اخر !!

(لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَمًا أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي) سفر يهوشع 11/1

ان القارئ لإنجيل (متى) بتمعن، سيلاحظ طريقة تميز بها كاتب هذا الإنجيل، وكررها بشكل مكثف ومتقصد، وهذه الطريقة تتوضح من خلال أسلوب الكاتب الذي يحاول جاهدا، ان يصنع تطابق واحيانا تشابه بين قصة النبي موسى وقصة يسوع!

وكأنه يريد الايحاء لليهود، الذين توجه بكتابه اليهم، ان شخصية يسوع هي بمثابة موسى الجديد، نظرا لما لشخصية النبي موسى من مكانة مقدسة جدا في الوجدان اليهودي، ومن خلال هذا الربط بين الشخصيتين، أراد الكاتب اقناع اليهود ان يسوع الناصري، ليس مسيحا كاذبا، وإنما هو النبي (الشبيه بموسى) والذي بشر به في سفر التثنية 18 !

من هنا تتضح لنا الاسباب التي دفعت كاتب الإنجيل إلى اختلاق قصة الهروب الى مصر، ليصنع تشابهات اختلقها، تربط بين شخصية موسى وشخصية يسوع….حيث يكون يسوع ناجيا من مجزرة ذبح الأطفال كما نجى موسى !

وكذلك يكون يسوع في مصر، حيث كان موسى، ولم يكتف الكاتب بذلك، وانما نجده يجتهد في اختلاق وفبركة تشابهات اخرى عديدة، مثل ذهاب يسوع الى البرية (الصحراء) وصيامه أربعين يوما، كما صام موسى أيضا، وفي الاصحاح السابع عشر، يخبرنا الكاتب ان يسوع صعد الى جبل (كما صعد موسى للجبل) وهناك حصل حادث التجلي، وحصل ايضا لقاء يسوع بالنبي موسى وإيليا !!

لقد كانت الغاية من اختلاق قصة رحلة العائلة المقدسة، وكذلك فبركة الاحداث الاخرى التي ذكرناها، هي لغرض استدراج اليهود إلى العقيدة الجديدة، واقناعهم ان يسوع الناصري هو النبي الذي بشر به موسى في سفر التثنية

(أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتك مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به) تثنية 18/18

ومن أجل ذلك، حرص الكاتب على فبركة تشابهات مختلقة بين الشخصيتين، ليقنع اليهود أن هذه النبوءة تنطبق على يسوع الناصري، رغم ان النبوءة تتحدث بشكل واضح وصريح على أن ذلك النبي سيكون من اخوة قوم موسى (بني اسرائيل) والذين هم ابناء اسماعيل وكذلك أبناء عيسو (اخوة اسحق) وبقية ابناء ابراهيم، ولا تتحدث عن شخص من أبناء يعقوب (إسرائيل) كما هو الحال مع موسى وقومه اليهود، ولا مع يسوع الناصري والذي هو يهودي ايضا .

 

د.جعفر الحكيم

عدنان عويد(إذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزل على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن انزلهم على حكمك، فإنك لا تدري تصيب حكم الله فيهم أم لا. ).

من وصية النبي محمد (ص) إلى بريدة.

الحاكمية كمفهوم :

هي رؤية سياسية، يعتقد دعاتها بأن العقيدة الإسلامي هي المصدر الوحيد للتشريع أو الحكم بين الناس، القادر على إعادة إصلاح هذه الأمة بعد أن فسد أمرها، وأن كل الأفكار والمبادئ والنظريات الوضعية، هي مجرد رؤى جاهلية لا يقر بها الإسلام كنص مقدس، وتشريع اقره الله.

أول مرة طُرحت فيها الحاكمية في التاريخ العربي الإسلامي كان في معركة صفين التي تمرد فيها معاوية على الشرعية، الأمر الذي جعل بعض من كان يقاتل في تلك المعركة أن يرفع المصاحف على أسنة الرماح مطالباً المتقاتلين بضرورة الاحتكام إلى كتاب الله لحل الخلاف بين علي ومعاوية كما هو معروف تاريخياً، يومها قال لهم علي بن أبي طالب رداً على رفع المصاحف : (إن القرآن حمال أوجه)، ومع ذلك أصروا على التحكيم، ولكن بعد التحكيم خرج بعض من كان مع علي يُعيبون عليه قبوله هذا التحكيم ويعتبرونه مرتكباً للكبيرة، كونه قد تنازل عن حقه الشرعي في الخلافة بعد التحكيم وخالف الشرع، في حينها، ارتفعت بعض الأصوات التي تقول برفض التحكيم كلياً، واعتباره مخالفة لشرع الله، وبالتالي فالحل الوحيد لتجاوز الأزمة هو (حاكميه الله). حينها قال لهم علي ابن أبي طالب " (إن الحاكمية كلمة حق يراد بها باطل.. فوالله هذه الأمة لا بد لها من حاكم يسوسها فاجر كان أم مؤمن.).

منذ ذلك التاريخ تشكل تيار إسلامي ذو طابع سياسي سمي بالخوارج، وهو التيار الذي أصل الجذر التاريخي للتطرف الإسلامي الذي راح يفسر النص الديني وفقاً لهواه، ويحاسب الناس على ما يراه أهل الحل والعقد في هذا التيار من حرام وحلال. أو ما سموه بصحيح الإسلام. ومن عباءة الخوارج هؤلاء خرجت كل التيارات الإسلامية المتطرفة التي عرفها التاريخ الإسلامي، منذ ذاك التاريخ حتى اليوم.

الحاكمية أمام مبضع النقد

الحاكمية مفهوم ملتبس في دلالاته المعرفية والعملية، إلا أنها في سياقها العام تقول : (لا حكم على الناس إلا حكم لله)، وكل حكم يقول به الناس غير الحكم التي جاء به (القرآن) هو كفر وخروج عن الدين وتجاوز لحقوق الله.

أما قضية الالتباس في مفهوم الحاكمية فقد جاءت لاعتبارات تتعلق بطبيعة النص الديني نفسه، وبخاصة في الآيات المتشابهات وموقف الإنسان نفسه من هذا النص الديني، ودور مصالحه في تفسيره أو تأويله، أو حتى وضع بعض النصوص الدينية (الحديث) تمريراً أو تثبيتاً لهذه المصالح الدنيوية. وإذا ما نظرنا إلى تلك المواقف الإنسانية تجاه النص الديني المقدس لوجدناها قد شكلت عوامل الالتباس في مفهوم الحاكمية وتطبيقها عملياً على أرض الواقع، وبالتالي نستطيع الإشارة إلى أهمها هنا وهي:

أولاً: في حجة الوداع نزلت الآية القرآنية (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (المائدة – 3)

ففي تفسير هذه الآية اختلف الكثير من رجال الدين وفقهائه حول دلالات هذه الآية، هل هذه الآية تقول بأن الإسلام قد اكتمل بما يدعو إليه من إيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخرة، ومن تأكيد للأخلاق الحميدة التي بشر بها الرسول وفقاً لتعاليم الإسلام التي يريدها الله لعباده، وهي أخلاق أو قيم العدل والمساواة والمحبة والتسامح وغير ذلك؟. أم أن الآية تقول بأن الإسلام كدين قد اكتمل وفقاً لهذه الآية كدين ودولة معاً؟. وهذا رأي طلاب السلطة في تاريخ الدول الإسلامية منذ صفين حتى اليوم. وخير من عبر عن هذا الموقف من الدين بعد سقوط الخلافة الإسلامية عام 1924 على يد كمال أتاتورك، هي تلك الأصوات التي ارتفعت في مصر تطالب بعودة الخلافة كما فعل رشد رضا وبعض رجال التيار السلفي الأزهري. وهناك من وقف ضد هذه الرغبة كما هو الحال مع الشيخ الأزهري علي عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) الذي قال بأن الإسلام لم يتضمن مفهوم الدولة في متن نصوصه المقدسة، الأمر الذي كلفه رأيه هذا الكثير من المعاناة، حيث حُورب ، وفُصل من عمله. كما طرحه أيضاً (الإخوان المسلمون) كتنظيم سياسي، حيث جاء واضحاً في كتاب (معالم في الطريق) لسيد قطب، وكذلك تيار القاعدة بكل فصائله، وهو ما تمثله اليوم دولة الخلافة المعلن قيامها في سورية والعراق من قبل داعش والنصرة وكثير من الفصائل الإسلامية الجهادية في سورية أو غيرها.

ثانياً: إن مسألة الصراع على السلطة فتح في المجال واسعاً أمام شهوة طلابها كما أشرنا أعلاه، في الاشتغال على تفسير النص المقدس وتأويله ووضع الأحاديث التي تُرضي مصالحهم منذ بداية طرحها في تاريخ الدولة الإسلامية. وهذا ما أدخل الدين ذاته (العقيدة) وليس الحاكمية فحسب، في إشكالات معرفية كثيرة منها إشكالية القضاء والقدر ما بين الجبرية والقدرية، وإشكالية مرتكب الكبيرة كافر هو أم مذنب، حيث قرر الخوارج كفره، وقال المعتزلة بأنه بين منزلتين، بينما المرجئة فقد ردوا أمر تحديد ذنبه في العقاب إلى يوم الحساب. كما ظهرت إشكالية الافتراء على الدين نفسه، عندما تحولت الخلافة إلى ملك عضوض مع معاوية، وراح من بعده الخلفاء الأمويون والعباسيون يفترون على الله نفسه، عندما قالوا بان الله هو من اختارهم خلفاء له في قيادة هذه الأمة، وراحوا يفسرون الدين ومن ساعدهم من فقهاء ذاك الزمان بما يخدم مصالحهم، وليقيموا محاكم التفتيش، يكفرون من خلالها من يختلف معهم ويمنحون صكوك الغفران لمن يؤيد حكمهم. هذا إضافة إلى من قال ببطلان هذه الخلافة الأموية والعباسية كلها وهي خروج عن النص الديني الذي قال إن الخلافة أو الإمامة قررت بالوصية كما تقول شيعة علي ، أو بالإجماع والاختيار كما قال الخوارج. دون أن نغفل هنا ذاك الخلاف أيضاً بين من قال بأن الخلافة يجب ان تحصر بالبيت القرشي، وبين من قال هي حق لكل مسلم يمتلك صفات الوصول إليها حتى ولو كان عبداً حبشي.

ثالثاً: بعد ثلاثة قرون من الصراع على السلطة ومسألة الحاكمية، وما تركه هذا الصراع من اختلافات لم ترحم المسلمين يوماً، لا من الناحية الفكرية ولا العملية، حيث كفر الكثير وزندقوا لآرائهم الفكرية أو الدينية، كما قتل الكثير وصلب، وقطعت الرؤوس والأوصال، وسالت الدماء وهدمت البيوت وشرد أهلها، ومع وصولنا إلى نهاية القرن الثالث للهجرة مع الركن الربع من أركان الفكر السلفي (أحمد بن حنبل)، الذي أوقف ومن جاء بعده من تلاميذه الاجتهاد، وحُدد صحيح الإسلام بمراجعه الأصلية وهي : (القرآن والحديث والقياس وإجماع أهل المدينة أو أهل الحل والعقد في تلك القرون الثلاثة). ومع إيقاف الاجتهاد أوقف دور العقل وحرية الإرادة، كما أوقفت حركة التاريخ نحو الإمام، وأصبحت حركة تراجعية، نقطة نهايتها هو القرن الثالث للهجرة. وبالتالي أصبح كل جديد بدعه وكل بدعه ضلالة.. وبذلك حددت نهاية التاريخ في مسألة الدين والدنيا معاً. وأصبحت الحاكمية محكومة حتى هذا التاريخ بما قال به أنس بن مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وابن حنبل، وأخيراً من دون الحديث في القرن الثالث للهجرة كالبخاري ومسلم وإبن ماجه وأبو داوود وغيرهم ممن اشتغل على جمع الحديث أو رويه، ممن انطبقت عليه شروط الجرح والتعديل في مسألة الثقة في أخلاقه وانتمائه للبيت السلفي. كأبي حسن الأشعري، وأبي حامد الغزالي، وابن تيمية، وابن قيم الجوزية والشاطبي والقطني وغيرهم الكثير من فقها الخلافة الإسلامية، وصولاً إلى محمد بن عبد الوهاب والباز ومحمد سعيد مضان البوطي وغيرهم الكثير من رجال الدين السلفيين ومشايخه في تاريخينا المعاصر، الذي أنتج كل من يرفض الأخر ويكفره ويقول بالفرقة الناجية، كما أنتج كل تلك الفصائل الجهادية التي اتخذت من (القرآن والسيف)، أداتين أساسيتين لبناء خلافة الإسلام التي بشر بها الرسول محمد (ص). وفي مقدمة من راح يبشر في هذه الخلافة في تاريخنا المعاصر كما اشرنا اعلاه، (الإخوان المسلمون) وكل الفصائل التي تفرعت أو انشقت عنه ومنها القاعدة وتياراتها كداعش والنصرة وغيرهما.

رابعاً: من القضايا الإشكالية التي أثرت على مسألة الحاكمية هي قضية من هو المؤمن؟. هل المؤمن هو من آمن بقلبه ولسانه فقط؟، أم هو من آمن بقلبه ولسانه وجوارحه؟. أي هو من ربط في إيمانه بين قلبه وعقله وعمله؟. لقد تحولت هذه المسألة إلى حالات صراع طويل في تاريخ الدولة الإسلامية لم يزل قائماً بين رجال الدين ومشايخه... صراع بين من يرفض استخدام العنف ضد المختلف، ويعتبر الإسلام دين رحمة ومحبة وتسامح، وبين من يقول بأن هذا الدين هو الدين الحق، وهو خاتم الديانات، وكل من لا يخضع لعقيدته وتعاليمه فهو كافر ويجب أن يقام عليه الحد كما فعلت داعش في سورية والعراق. وهذا يدفعنا أن ننتقل إلى قضية إشكالية أخرى وهي:

خامساً: اعتبار بعض رجال الدين السلفيين المتطرفين أن الإسلام فقط هو الدين الإسلامي الذي بشر به محمد (ص)، وما عداه دين كفر، حيث راحوا يفسرون هذه الآيات القرآنية التالية وفقاً لفهمهم ومصالحهم هم.(إن الدين عند الله الإسلام). (آل عمران – 19. (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين). (آل عمران- 85). وهم باقتصارهم الإسلام على الدين الإسلامي (المحمدي) فقط، قد تجاهلوا تلك الآيات التي تقرر أن المسلم هو كل من أسلم أمره لله وآمن بكتبه ورسله واليوم الآخرة ، وهذا ما تقرره الآيات التالية بصريح الدلالة: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. ). (النمل – 29-30-31). ( ووصى ابراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وانتم مسلمون.). (البقرة – 132 ). وكذلك قوله تعالى في سورة يوسف: (توفني مسلماً والحقني بالصالحين). (يوسف – 101 ). (فلما أحسّ عيسى منهم الكفر قال مَنْ أنصاري إلى الله ؟. قال الحواريون نحن انصار الله آمنا به وأشهد بأنا مسلمون.).(آل عمران – 52). وأخيرا لم تكن هذه الآية الكريمة التي جاءت مع حجة الوداع إلا تأكيداً على أن أتباع محمد ليسوا إلا مسلمين كغيرهم ممن أسلموا لله : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لك الإسلام دينا.).(المائدة – 3 ).

إن قول الله عز وجل (ورضيت لكم الإسلام دينا)، تشير دلالتها إلى أن الإسلام دين قد طُرح قبل الرسالة المحمدية، وقد جاء الرسول ليبشر به من جديد.

سادساً: وهنا تكمن إشكالية الحاكمية الأكثر خطورة على الدين والمجتمع معاً، وهي قضية تحديد الناسخ والمنسوخ بين الآيات المكيات والمدنيات من جهة، وبين قضية اختيار الآيات التي على أساسها تتم عملية تفسير النص المقدس الذي سيأخذ به وبالتالي تطبيقه على الواقع من جهة ثانية. ففي الوقت الذي نجد فيه الآيات المكيات تدعو إلى المحبة والتسامح وأن الرسول ليس إلا مبشراً، وليس له سيطرة على أحد، وتحديد من هو المؤمن ومن هو الكافر. نجد في المقابل الآيات المدنيات التي تدعوا إلى الجهاد، والقتل والصلب والتشفي بقتل العدو (الكافر). ودعاة الحاكمية أمام اشكالية هذه الآيات المكية والمدنية، راحوا يقولون بأن هذه الآيات المدنيات قد نسخت الكثير من الآيات المكيات، حيث يقول بعض دعاة الحاكمية بأن (الآية الخامسة من سورة (التوبة.) مثلاً وهي القائلة :( (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم)، قد نسخت أكثر من (500) آية محكمة من الآيات السابقة عليها التي تدعوا المؤمنين إلى الصبر، والاكتفاء بدعوى الفكر، وعدم الابتداء بالقتال، وترك الناس وشؤونهم العقدية، ورفض الإكراه على الدين.

من هنا نرى كيف مورست الحاكمية اليوم من قبل داعش في سورية والعراق، عبر محاسبة الناس وفقاً لتفسير أو تأويل النص الديني المقدس من قبل أهل الحل والعقد عندهم، ثم كيف حددت صفات الكافر أو المذنب، الذي مُورست بحقه عقوبة القتل أو الصلب أو الجلد. وهي أحكام لم تراع لا الحرية في التعبير، ولا الاختلاف في الرأي، ولا الشورى أو الديمقراطية أو كل ما يمت إلى الإسلام بصلة سوى صلة مصالح أهل الحل والعقد من دعاة هذه الحاكمية وفهمهم في تفسير النص المقدس الذي كلفوا أنفسهم هم وحدهم تفسيره وتطبيقه على العباد.

هكذا نرى أن الإسلام ليس خاصاً بالإسلام الذي بشر به محمد (ص) فحسب، بل هو دين الله لعباده الصالحين ... لكل عباده دون استثناء، وهذا ما يجعلنا نقف أمام تلك التصرفات اللاإسلامية التي مورست سابقاً وتمارس اليوم بإسم الإسلام وحاكمية بعض دعاته على أهل الكتاب من إخوتنا المسيحيين والأزيديين وغيرهم من الأقليات الدينية في خلافة داعش الموهومة .

من كل هذه المعطيات التي جئنا عليها كإشكاليات في فهم وتطبيق الحاكمية، يتبدى لنا أن (القرآن والحديث والقياس والإجماع) هي المرجعية الوحيدة لدعاة هذه الحاكمية كما يقول التيار السلفي كله في تياراته الثلاثة الدعوي والمدخلي والجهادي. وأن أهل الحل والعقد هم ممن يطالب بتطبيق هذه الحاكمية عملياً، وهم وحدهم الذين يحق لهم تفسير هذا النص وتأويله وتطبيقه على حياة الناس وفقاً للمرحلة التاريخية التي عاشها الجيل الأول من الصحابة أو حتى القرن الثالث للهجرة كما يقول ما يقول الإخوان وتنظيم القاعدة والتيار السلفي بعمومه. وبالتالي هذا يفرض إقصاء كل فكر وضعي يضعه الإنسان كونه فكر جاهلية يخالف النص المقدس، وهذا يقوم عليه محاربة الديمقراطية والعلمانية والليبرالية وما تتضمنه من تعددية ورأي ورأي آخر كون كل ذلك يمثل عالم الجاهلية والكفر.

إن المشكلة هنا إذاً، هي ترك أهل الحل والعقد الممثلين لهذه الحاكمية من يتحكم برقاب الناس ومصيرهم وفقاً لفهمهم (كبشر) لهذا النص الديني الذي لم يراعوا فيه إشكالية الآيات المتشابهات. وهذا يعني أن الحاكمية لم تعد لله، وإنما لمجموعة من رجال الدين الذين فوضوا أنفسهم حكم البشر بإسم الله، وراحوا يفرضون على الناس قناعاتهم وفهمهم للنص المقدس وفقاً لمصالحهم وشهوة السلطة لديهم، تحت ذريعة أن ما يحكمون به هو حكم الله الذي لا راد لحكمه المطلق، وهو الحكم ذاته الذي أعطاهم الحق في فرض الجزية على أهل الكتاب اليوم بعد أن أصبح للمسيحي ما للمسلم من حقوق وواجبات فرضها تطور الواقع وحقوق الإنسان والمواطنة، ثم اعتبارا لاختلاف في الرأي والسلوكية معهم كفراً وزندقة، وبالتالي لابد من ممارسة العقاب الذي يقررونه هم وفقاً لدرجة الذنب الذي ارتكبه، والذي يصل إلى درجات الجلد أو الصلب أو القتل أو قطع الرأس وتقطيع الأوصال من خلاف.

إن ما يقوم به الفصائل الجهادية وفي مقدمتها داعش اليوم من ممارسات ضد من هم تحت سلطة دولتهم الموهومه، هو التطبيق العملي لهذه الحاكمية من جهة، وأن من يقوم بتطبيق هذه الحاكمية ممن نعرف قيم بعضهم الأخلاقية والسلوكية السيئة، هم أهل الحل والعقد لها ثانياً.

ختاماً نقول: إن الحاكمية في رؤيتها وأدواتها وأهدافها، ليست أكثر من مواقف ارتجالية لشخصيات ركبت صهوة الدين وراحت تفسر النص المقدس وفقاً لمصالح خاصة بها، تحت ذريعة إقامة خلافة إسلامية موهومة بإسم الحاكمية لله، التي تريد تحقيق العدل والمساواة والمحبة، ونشر القيم الأخلاقية التي بشر بها الإسلام، للقضاء على عالم الجاهلية والكفر، عالم الفساد والظلم وعدم المساواة. إنها حاكمية قد حددت بداية التاريخ الإنساني ونهايته في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، وكل ما جاء بعدها بدعة وضلالة.. إنها حاكميه وضعت نهاية للتاريخ الإنساني. بيد أن ما نراه من سلوكيات وممارسات اخلاقية للكثير من دعاتها اليوم ينطبق عليه المثل الشعبي المصري الذي يقول : (أسمع كلامك يعجبني، أشوف عمايلك أستغرب.). أو قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ). الصف- 2 و3).

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية