ميثم الجنابيكان التصوف بالنسبة للغزالي قبل انتقاله إلى عالم الصوفية مجرد أحد الاتجاهات الكبرى لثقافة الخلافة الممثلة لأحد أساليب بلوغ الحقيقة. وبالتالي فإن محاولاته الأولى لدخول "الطريق الصوفي" هي محاولات البحث العقلي النظري، الذي صاغه في عبارة " كان العلم ايسر عليّ من العمل"[1]. وقد درس  اغلب كتب المتصوفة ونوادرهم مثل كتابات المحاسبي (ت-243 للهجرة)  والجنيد (ت-297 للهجرة) والمكي (ت-388 للهجرة) والسلمي (ت-412 للهجرة) والقشيري (ت-465 للهجرة) وأبي نعيم الأصفهاني (ت-430 للهجرة)، وشعراء الصوفية كالشبلي (ت-334 للهجرة) والحلاج (قتل عام 309 للهجرة)  وغيرها من الأعمال.

فقد أشار في (المنقذ من الضلال) إلى انه طالع كتب أبي طالب المكي وكتب الحارث المحاسبي ومأثورات الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي (ت-234 للهجرة) وغيرهم من المشايخ[2]. وفي (إحياء علوم الدين) يشير إلى كتاب (حلية الأولياء) لأبي نعيم الاصفهاني[3]، بينما لا نعثر في مؤلفاته الأخرى، باستثناء (الرسالة اللدنية) ما يشير إلى مؤلفات السلّمي والقشيري حيث يشير إلى تفسير القشيري الكبير[4]. وتفسير السلّمي الذي اعتبره الغزالي التفسير الجامع لكلمات المحققين شبه التحقيق، والتي لا مثيل لها في سائر التفاسير الأخرى[5]. في حين لم يشر إلى سراج الدين الطوسي (ت-378 للهجرة) سوى مرة واحدة عندما تحدث عن أهمية وضرورة اللحن والشعر في الممارسة الصوفيه دون التقليل من أهمية القرآن. وأن ضرورة ذلك ترجع كما يقول الغزالي إلى "دوام البشرية في الإنسان"، التي لا تطيق القرآن على الدوام بوصفه كلام الله وصفة من صفاته[6].

ان علاقته بشيوخ المتصوفة لم تكن مجرد نتاج المطالعة "العلمية" أو التأثير الخارجي. لقد تعداه إلى محاولة بناء منظومة فكرية أخلاقية على أسس فلسفية، شكلت تقاليد الوعي والممارسة الصوفية مادتها الأساسية وأسلوب تعبيرها. وفيما لو القينا نظرة سريعة إلى ما بين (إحياء علوم الين) و(قوت القلوب) للمكي، فإننا سنلاحظ الشبه الكبير في الفصول والصياغة. فما يتناوله الغزالي، على سبيل المثال، بصدد العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء، أضافة إلى أرائه حول تطور العلوم الإسلامية بعد موت النبي محمد، يبدو مشابهاً لما يورده المكي في (قوت القلوب)[7]. بل إن (إحياء علوم الدين) يشبه في الكثير من ترتيبه وتصنيفه للموضوعات مما ورد في (قوت القلوب)[8]. إلا أن ذلك لا يعني سوى التأثر الجزئي دون التطابق فيما بينهما حتى بصدد تلك القضايا المشار اليها أعلاه. ففي آرائه يظهر الترتيب المدرسي العقلاني والبحث الفلسفي والشمولية الواسعة التي لا نعثر عليها في (قوت القلوب). إن هذا التباين الكبير يعكس بدوره تبايناً في نوعية المنظومات الفكرية ومستوياتها وطرقها الخاصة في التصوف[9]. فالغزالي والمكي يلتقيان حال الحديث عن ظهور وتطور "العلوم الإسلامية"  في فكرة "اندثار علم اليقين" المرافقة لبداية التأليف (الكتابة). فالغزالي لا ينظر إلى هذه الظاهرة من "منهجية" البدعة. فهو لا يدين ظاهرة الاندثار وإلا لوضع نفسه في نفس موضع الاتهام، أي لأبطل مضمون وغاية (إحياء علوم الدين). لقد أدان في هذه الظاهرة انفصال الكلمة عن العمل وتمخّض ظاهرة التأليف المحترف، الذي دفع ثمنه الباهظ في أحدى المظاهر المدمرة للشر الاجتماعي التاريخي، ألا وهو تجزؤ أو انفصام "الشخصية المؤمنة" وظهور شخصية المحترف المأجور. فالأوائل لم يكن همهم التدريس والتصنيف والمناظرات والقضاء والولاية وتولي الاوقاف والوصايا وأكل مال الأيتام ومخالطة السلاطين ومجاملتهم في العشرة، بل كان الخوف والحزن والتفكر والمجاهدة ومراقبة النفس والظاهر والباطن هو المميز لهم[10]. فهو يحاول أن يبرز ظاهرة اندثار الأخلاق الحقيقية ومبادئها. بينما انتقد في أماكن أخرى من الإحياء آراء أبي طالب المكي نفسه. ففي معرض حديثه عن الإسلام والإيمان يشير إلى أن ما اورده المكي في هذا الصدد، هو "كلام شديد الاضطراب كثير التطويل"[11]. بينما يرفض آراء المكي القائلة، بأن "العمل بالجوارح من الإيمان ولا يتم الايمان دونه، وأدعى الاجماع فيه، وأستدل بأدلة تشعر بنقيض غرضه"[12]. وفي موقع آخر يشير إلى أن المكي ينكر على المعتزلة قولهم في التخليد في النار بسبب الكبائر بينما القائل بهذا كما يعلق الغزالي "قائل بنفس مذهب المعتزلة"[13]. أما تأثره بكتابات المحاسبي، فانه يبرز احياناً بقوة للدرجة التي يعتبر ادراجها كما هي أدق بسبب كمالها في الشكل والمضمون، خصوصاً فيما يتعلق بقضايا علم المعاملة. فالمحاسبي، حسب كلمات الغزالي، كان "حبر الأمة في هذا العلم وله السبق على جميع الباحثين عن عيوب النفس وآفات الاعمال"[14]. غير أن تأثره بكتابات المحاسبي تعدت ميدان علم المعاملة، بحيث يمكننا العثور عليها في بعض نماذج الصياغة الفنية والتعبيرية[15] والأفكار الكلامية[16].  وفيما لو تتبعنا تأثير الفكر الصوفي في فكره، فإن المثير للانتباه هو خلو (المنقذ من الضلال) وكتبه الأخرى من اشارات مباشرة أو واضحة للكلاباذي (ت-380 للهجرة) والهجويري والسلمي والقشيري. وفيما لو استثنينا الجميع ما عدا القشيري في (الرسالة القشيرية)، التي يمكن اعتبارها من حيث مادتها وصياغتها وترتيبها من بين النماذج الأكثر روعة ودقة وجمالية لهذا الصنف من الكتابات الصوفية حتى النصف الاول من القرن الخامس الهجري، فإننا نعثر ونلاحظ دخول اغلب مادة (الرسالة القشيرية) في (إحياء علوم الدين). فهو يورد في مادة السماع كل ما اورده القشيري في هذا الباب[17]. كما يورد نفس الحكايات والنوادر التي يوردها القشيري في رسالته، رغم إننا نستطيع العثور عليها ايضاً في (حلية الأولياء) للأصفهاني. فهناك الكثير من أبواب وفصول (إحياء علوم الدين) ما يتطابق من حيث ترتيب مادته بصورة شبه كلية مع ما في (الرسالة القشيرية) مثل (كتاب الرجاء) وما يورده القشيري في (باب الرجاء)[18]. وينطبق هذا ايضا على قضايا  الصبر والشكر، والفقر والزهد، وما يورده القشيري في رسالته في الأبواب المشابهة. بل أن ما يورده فيما يدعوه "بمنامات المشايخ" يطابق بحذافيره ما في (الرسالة القشيرية) في "باب رؤيا القوم في النوم"[19]. وكذلك "أقاويل المتصوفة عند الموت" في (إحياء علوم الدين) الغزالي وما وضعه القشيري في (باب أحوالهم عند الخروج من الدنيا"[20]. كل ذلك، إضافة إلى غيره من  المقارنات تعكس تأثره بكتابات القشيري.  بل يمكن القول، بأن الكثير من الآراء الصوفية التي يوردها ما هي إلا اعادة صياغة معقلنة وتنظيم أكثر دقة لما كتبه القشيري. ويمس هذا التأثير آراء الغزالي الصوفية ذاتها، التي استندت في ترتيب موضوعاتها وبعض جوانبها إلى ما أورده القشيري باختصار شديد في رسالته. ذلك يعني بأنه قد درس بعمق وإمعان الرسالة القشيرية. ومما يدل على ذلك هو إيراده لنفس التعليقات والشروح التي علقّ عليها القشيري وشرحها في رسالته[21].

إن الحصيلة العامة لهذا التأثير شأن كل عملية فكرية إبداعية، لا يمكن استيعاب حقيقتها ظاهرياً. أما فعاليتها في تطور المنظومة الفكرية للمفكر فأنها تتخذ في حوافزها ومجراها الفعلي صيغة البحث عن الحقيقة. وبهذا المعنى نستطيع القول، بأن دخوله طريق الصوفية كان محاولة جديدة حددها مجرى تطوره الفكري الأخلاقي. لكنها شكلت في بداية الأمر مرحلة تجريبية جديدة. وهو ما يبرز بوضوح في محاولته الأولى اكتشاف طريق و"حقائق" الصوفية عن طريق "دراسة علومهم" لأنها كان، كما يقول "أيسر عليه". وهي الفكرة التي ظل يدافع عنها بصيغ متباينة فيما دعاه "بضرورة العلم النظري الأول" للمتصوفة. أي ذات الفكرة التي حاول الدفاع عنها في مقدمة (إحياء علوم الدين) والقائلة بأن "من حصّل الحديث والعلم ثم تصوف أفلح، ومن تصوف قبل العلم خاطر بنفسه"[22]. انه الاستنتاج الذي وجد مثاله وتأييده الصوفي في محاورة وكلمات السري السقطي للجنيد عندما سأل الأول الثاني

إذا قمت من عندي فمن تجالس؟

المحاسبي

نعم خذ من علمه وأدبه ودع عنك تشقيقه الكلام وردوده على المتكلمين.

ولما خرج الجنيد، سمع السري السقطي يقول مخاطباً اياه "جعلك الله صاحب حديث صوفي ولا جعلك صوفياً صاحب حديث". وسوف يكشف الغزالي عن هذه الفكره بوضوح بالغ في (المنقذ من الضلال) عندما أشار إلى أنه بعد عشر سنوات من العزلة علم يقيناً من إن الصوفية هم السالكون لطريق الله خاصة، وإن سيرتهم من أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق[23]. ومن الممكن أن نعثر على الصيغة الأكثر شمولا وتجريداً لموقفه من "مرحلته الصوفية" في موقفه من مفهوم التجربة ذاتها. فالتجربة مثلا هي "السبيل إلى خلق الأدوية، إلا أن العقل يقصر عن إدراك منافع الأدوية"[24]. بصيغة أخرى، انه يدرك واقعية وضرورية وأهمية ودقة الأحكام العقلية والتجريبية، بإعتبارها وسيلة وسبل إدراك الحقائق دون أن تقدم بدورها وعي الترابط غير المتناهي بالمطلق. فهو لم يرد أن يكشف عن محدوديته بقدر ما أنه اراد أن يعبّر عن ضرورة الاعتراف بعد تناه المعرفة الذي يتضمن في ذاته بالضرورة نفي المحدودية الواقعية، أي التجربة الشخصية للقلق الروحي الدائم بفعل غياب حكم اليقين المطلق.

فالغزالي، الذي تمكن من العلوم النظرية لعصره وأتقن أدواتها المعرفية، قد صنع وبلور في اعماقه أسس تقبل الصوفية و"ورحيتها العملية". وإقد جرى التطرق إلى هذه القضية فيما سبق من ابحاث، لهذا سوف يجري تركيز الاهتمام حول انعكاس هذه التجربة التاريخية النظرية في وعي الغزالي ومشاعره، التي حاول الكشف عنها في وقت لاحق، بوصفها مقدمة مرحلته الصوفية واعتبارها البديل الحق لما مضى.

وقدمّ مثال تجربته الشخصية كمادة للتأمل، دون ان يفرضها على الآخرين. فهو يسلك نفس سلوك المتصوفة الكبار، الذين يلازم كل منهم احترام شيخه إلى "أبد الآباد" دون أن يعرقل ذلك سيرته الخاصة واستقلالية وعيه لحقائق الشيخ والطريق. فالخلافات الفقهية والجدل، الذي شغل طويلاً حياة الغزالي ستتخذ في نصيحته للمريد وغيره فكرة عدم التمسك بردود الفقهاء القائلة بأن الناس اعداء ما جهلوا. فقد وجد في هذه العبارة مجرد تشويه فظ لحقيقتها. إذ أنها كما يقول في (إحياء علوم الدين) "على الخبير سقطت. فإقبل هذه النصيحة ممن ضيع العمر فيه زماناً، وزاد فيه على الأولين تصنيفاً وتحقيقاً وجدلاً وبياناً، فألهمه الله رشده وأطلعه على عيبه فهجره وأشتغل بنفسه"[25]. وفي موقع آخر يقدم نصيحته "المجانية" عندما يؤكد على تجربته الخاصة في التخلص من وطأة ثقل الممارسة الفقهية وبالتالي بلوغه "حقائق الطريق الصوفي" (إصلاح القلب وعلم المكاشفة) قائلاً "اقبل النصيحة مجاناً ممن قام عليه ذلك غالباً ولم يصل إليه إلا بعد جهد جهيد وجرأة تامة على مباينة الخلق العامة والخاصة في النزوع من تقليدهم بمجرد الشهوة"[26].

أما في ميدان علم الكلام، فأنه يصل إلى إدراك حقيقته باعتباره " علم الدفاع عن عقيدة العوام"، الذي لا يؤدي إلى كشف الحقائق كما هي عليه. انه طريق المعرفة المسدودة. وقد عبرّ عن هذه التجربة الشخصية بالعبارة التالية "اسمع هذا الكلام ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر تناسب نوع الكلام، وتحقق إن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود"[27]. ولا يعني كل ذلك من الناحية التاريخية والفكرية  سوى ممارسته الشخصية لما دعاه بتجربة الطريق المسدود. ولا ينبغي فهم هذه العبارة الأخيرة على أساس تجربة أزمته البغدادية القديمة. إذ لم تكن "تجربة الطريق المسدود" تجربة فردية وشخصية بحت رغم صيغها المتناثرة في مؤلفاته (كالمنقذ من الضلال) بحيث تبدو كما لو انها معاناة ذاتيه خالصة. فمن حيث مضمونها التاريخي هي تجربة الطريق الحضاري الآيل إلى الانسداد، والذي أخذت تتضح ملامح سقوطه الاجتماعي السياسي والروحي الاخلاقي. وبهذا المعنى، فإن تجربته الفكرية هي تجربة الوعي الذاتي النقدي لقرون الخلافة الخمسة السابقة.

مرت ذهنية الغزالي في مسارها بمراحل متخطية في تطورها الصيرورة الذهنية للحضارة الإسلامية من فقه اللغة حتى التصوف. فقد ابتدأ فقيهاً وصار متكلماً وجاهد فيلسوفاً وانتهى صوفياً. إنها المراحل التي تعكس الاتجاه العام لثقافة القرون الخمسة الذهنية. إلا اننا لا نسع من وراء ذلك إلى مماثلة الوعي الفردي اياً كان مع التجربة التاريخية في تنوعها الهائل ومستوياتها المتباينة. إان الخطوط العامة في ميادين الفكر الأساسية (الفقه والكلام والفلسفة والتصوف) هي التي اظهرت شخصيته، وهي التي وضعته على الدوام أمام مفترق الطرق إلى أن وقف في نهاية المطاف أمام "بحر الصوفية". وكان ينبغي له خوض اغواره بتجربته الدائمة مازالت الأنبياء تقف على سواحله، كما تقول المتصوفة بتعبيرها المفارق. لقد وقف أمام ذلك الجمود القاهر، الذي أدان الكثير من ظواهره الاجتماعية السياسية والروحية والفكرية والحقوقية، بحيث أصبح النفاذ إليه ممكناً من وسط آخر اكثر سيولة وانسيابية وسكوناً في مظهره الخارجي. وهو ما دعته المتصوفة ببحرها الخاص، أي طريق وعي الذات الخالص. وبهذا المعنى شكّل انتقال الغزالي إلى عالم الصوفية انقلاباً "سقراطياً" في اللاهوت الإسلامي.

غير ان "للسقراطية الإسلامية" تقاليدها الخاصة. ولم يكن هناك بالنسبة للغزالي ادقّ وأكثر يقينية في ترسيخ القناعة التي لا يمكن ان يزحزحها "قانون" الحياة أيا كان شكله السياسي والظاهري من أرضية العناصر التي جمعها وعي الذات الحقيقي (الاخلاقي ــ النقدي) في تراث الخلافة حتى عصره. فقد بلور ذلك في أعماقه وفي مراحل انكساراته الكبرى ضرورة الرجوع الدائم إلى المبادئ الأولى. أو ما دعاه المتصوفة الكبار بضرورة استعادة علم الآخرة. ولكن ماذا كان يعني ذلك في آرائه ومنظومته الفكرية ان لم يكن طريق بلوغ الكمال الاخلاقي؟[28]. بعبارة أخرى، انه استمرار الرجوع إلى المبادئ الأولى التي نظر إليها باعتبارها مهمته الكبرى في بداية القرن السادس الهجري،أي  مهمة التجديد والإصلاح. وفي مفارقات التاريخ ما عمّق هذه الوحدة الضرورية بين استمرار العودة للماضي و"نداء الأزل" في وعي القناعة الذاتية المستندة إلى التقاليد الحية الواقعية والخيالية.

فقد انتقل إلى عالم الصوفية في عمر يناهز الأربعين تماماً كما بدأ النبي محمد دعوته الإسلامية. وعلى الرغم من رفض الغزالي الدائم لسحرية الأرقام والتأويلات الرقمية والحروفية المفتعلة، بما في ذلك نظرته إلى الرقم الأربعين[29]، إلا انه ظل يداعب خياله فيما يبدو، باعتباره "الغاية العليا في حب العلوم" كما قال هو في غير ما موضع. وفي ردوده على معارضيه أواخر حياته عادة ما اخذ يرد بالصيغة التي يظهر بها كما ل انه تجل معاصر للنبي محمد في أخلاقه العملية.  فقد رد في (الإملاء على مشكل الإحياء) على معارضيه تماماً كما رد النبي محمد في وقته على الوثنيين "ستكتب شهادتهم ويسألون. وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون. بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه"[30]. وليس في ذلك ما يتطابق ودعوة النبوة الجديدة التي افلح الوعي التقييمي اللاحق في وضع صياغتها "الخجولة" في عبارة "لو كان بعد النبي نبي لكان الغزالي". أما في الواقع فإن ما صاغه هو نتاج تطور الوعي والممارسة الصوفية، اللذين عادة ما يحفران قنوات "الهرطقة" الروحية،بوصفها التجلي الأكثر دقة في شموله والأكثر أخلاقا في طابعه العملي والأكثر اخلاصاً في عمق مشاعره للتوحيد. وبغض النظر عن البراهين المؤيدة والمناهضة (ضمن اطار الوعي الديني) لهذه الظاهرة فإنه افلح في أن يحتل، على الأقل لثلاثة أيام، مرتبة القطبية الصوفية[31].

وفيما لو تركنا كل احتمالات التأويل، فإن تجربة الغزالي النظرية والأخلاقية قد أدت به إلى إدراك ما دعاه في يوم ما بالبصيرة الحولاء في الفكر القائم و"الأخلاق العرجاء" في السلوك. الأمر الذي جعله يدفع إلى الأمام ضرورة اليقين والأخلاق المتسامية. وبهذا المعنى، ليس التصوف الغزالي سوى طريق بلوغ وحدة الحقيقة والأخلاق.

***

 ميثم الجنابي

 ........................

[1] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص130.

[2] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص131-132

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص416.

[4] الغزالي يقصد فيما يبدو (كتاب اللطائف) للقشيري.

[5] الغزالي: الرسالة اللدنية، ص19. والمقصود هنا فيما يبدو التفسير الذي جمعه عبد الرحمن السلمي من مختلف آراء المتصوفة وبالاخص منها تأويلات سهل التستري (ت-283 للهجرة) والذي يمكن اعتباره مؤلف هذا التفسير المنسوب للسلمي.

[6] الغزالي: إحياء لوم الدين، ج2، ص300-301.

[7] انظر إحياء علوم الدين للغزالي ج1، ص58-82، وقوت القلوب للمكي ج1، 129-136، ص140-145.

[8] ومن الممكن مقارنة ما يتناوله الغزالي في الربع الأول (العبادات) بما عند المكي في الجزء الأول من (قوت القلوب) وبالأخص ما يتعلق منه بقضايا الصوم والصلاة والزكاة والحج. في حين يورد الغزالي الأدعية التي جمعها وصنفها المكي. انظر (قوت القلوب) ج1، ص7-14، و(إحياء علوم الدين) ج1، ص313-321.  

[9] لقد اورد الشيخ احمد البرنسي (ت-899 للهجرة) في كتابه (قواعد التصوف) مقارنات عديدة عميقة وشيقة بين (قوت القلوب) و(إحياء علوم الدين). وعلى الرغم من أن مقارناته وتقييمه تصب أساسا في سياق الوعي الصوفي النظري والعملي إلا انها ذات أهمية بالغة بالنسبة لرؤية ما (لقوت القلوب) و(إحياء علوم الدين) من مكانة في التصوف. وما هو مهم بالنسبة لنا هنا هو رؤية الصلة فيما بينهما والتي جرى التعبير عنها واكتشافها منذ زمن طويل في الفكر الصوفي نفسه. فقد اشار البرنسي إلى إنهما كلاهما يتضمنان الحديث عن العابد والزاهد والورع والعارف. وإنهما كلاهما انطلقا من ضرورة "نقل الفضائل جملة وتفصيلا بأي وجه ممكن ما لم يتعارض مع سنة أو تنقض قاعدة... حتى قالا بكثير من الموضوعات والأحاديث الباطل إسنادها"(قواعد التصوف، ص39). وأشار في موقع آخر إلى أن من يريد مطالعة المتسعات (الكتابات الكبيرة) في التصوف فليرجع إلى (قوت القلوب) و(إحياء علوم الدين) و"هما مسليان بتعزية النفوس ومشاكل أشكالها.... وإن لم يكن للمريد ولا للعالم طريق مفيد في التحقق والتحقيق"(قواعد التصوف، ص42). وأن "التحقق في القوت أكثر منه في الإحياء" بينما "التحقيق في الإحياء أكثر منه في القوت". واختتم هذا التقييم بالفكرة التي قال بها أبو الحسن الشاذلي (ت- 656 للهجرة) من أن "كتاب قوت القلوب يورثك النور، وكتاب إحياء علوم الدين يورثك العلم" (قواعد التصوف، ص42). وبغض النظر عن مدى دقة هذه المقارنات، إلا انها سليمة وعميقة من حيث اكتشافها للوحدة والتباين فيما بينهما.  

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص79.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص116.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص118.

[13] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص118.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص 308-309، ص315-316.

[15] يتعدى هذا التأثير الصياغة والتعبير الفني إلى ما يمكن دعوته "بالفن الإبداعي" الذي يمثله (المنقذ من الضلال) وكتاب (الوصايا) للمحاسبي. فقد تأثر الغزالي بهذا الكتاب للدرجة التي يمكننا اعتبار (المنقذ من الضلال) نسخة (الوصايا) للقرن الخامس الهجري. ولهذه المقارنة صلة داخلية وبون شاسع في الوقت نفسه. ولا مجال للتوسع الآن بهذا الصدد، إلا أن هذا التشابه يعكس "قانون" تطور الفكر النظري وانتقاله إلى الفكر العملي الأخلاقي. ومن الناحية التاريخية الثقافية فإن هذا التأثير يمكنه أن يزيل افتراض تأثر الغزالي بكتاب (اعترافات) اوغسطين. 

[16] من الممكن اعتبار رأي الغزالي في العقل استمرا لما وضعه المحاسبي في كتابه عن العقل (كتاب العقل).

[17] هنا يمكن المقارنة بين ما هو موجود في (إحياء علوم الدين) ج2، ص292 و(الرسالة القشيرية) ص151-158.

[18] هنا يمكن المقارنة بين ما هو موجود في (إحياء علوم الدين)ج4، ص152-154، و(الرسالة القشيرية) ص62-65.

[19] هنا يمكن المقارنة بين ما هو موجود في (إحياء علوم الدين)4، ص507-511، و(الرسالة القشيرية)، ص175-180.

[20] هنا يمكن المقارنة بين ما هو موجود في (إحياء علوم الدين)، ج4 ص481-485، و(الرسالة القشيرية) ص137-140.

[21] انظر على سبيل المثال ما يورده في فكرته حول أقسام الشكر وفكرة الشكر الجامع أو شكر القلب بوصفه "الاعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة"(إحياء علوم الدين، ج4، ص85).، وما يورده القشيري في باب الشكر(الرسالة القشيرية، ص80-82.)

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص 22.

[23] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص139.

[24] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص31.

[25] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص41.

[26] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص55.

[27]الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص97.

[28] سوف اتناول هذه القضية في الأبحاث المتعلقة بفلسفته الأخلاقية.

[29] لقد رفض الغزالي التأويل المفتعل للأرقام وطابعه الأسطوري في الفكر والممارسة على السواء. وقد كان موقفه النقدي من تقاليد الباطنية واضحا بهذا الصدد. لكنه انتقد أيضا بعض نماذجه في الفكر الصوفي، وبالأخص عند البعض منهم ممن حاول تطبيق ذلك في الموقف من تقاليد الادخار في سلوك التوكل. وينطبق هذا على موقفه من بعض الأساطير الدينية. 

[30] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص13.

[31] وسوف تحصل هذه الفكرة على اعتراف بها في كتابات الصوفية المتأخرة. ولم يكن ذلك مجرد اعتراف بفضل الغزالي في التصوف أو تعظيم شخصه. إنها كانت نتاج الآلية الداخلية لتطور الفكر الصوفي وبالأخص ما يتعلق منه بمفاهيم الشيخ الروحي، والسلسلة الصوفية، ونظرية القطب الصوفي.

 

 

ميثم الجنابيلأنوار نور النور في الخلق أنوار

وللسرّ في سرّ المسرّين أسرار

(الحلاج)

إن اتخاذ الغزالي قرار الخلوة والاعتزال لم يكن بالنسبة له مجرد سلوة الشيخوخة وراحة للنفس المتأملة، بل هو رمز الانقلاب الذي غيرّ مجرى حياته. وساهم بالتالي مساهمة جوهرية في إبداع منظومته الفكرية الخاصة.

إذ يعكس انتقاله إلى التصوف، في الاطار العام، الصيغة المميزة لتقاليد "السير في طريق الله"، أي حالة "الانكسار" التي تدفع مهمة التوبة إلى الأمام باعتبارها عتبة الطريق الروحي. وقد صورته المتصوفة بعبارة "انتباه القلب من رقدة الغفلة"، بوصفها مقدمة سلوك الطريق. وبما أن السلوك الصوفي في جوهره هو سلوك الاختيار الفردي الطوعي، فإن "الانكسار" هنا لا يعني رديفاً للهزيمة. فاللغة الصوفية لا تعرف الهزيمة. إذ لا معنى لها في منازلها وأحوالها ومسالكها ومقاماتها. وذلك لأن ملامح القوة والضعف في الوجود التاريخي الفردي والعام ما هو في نهاية المطاف بالنسبة لها سوى انعكاس لسيطرة مقولات ونفسية الغطرسة وليس الروح الاخلاقي والمعرفي الحق. وبالتالي ليس الانخراط في "طريق الله"، الذي تتطابق صفاته الخارجية في الوعي العادي مع حالة ومفهوم الانكسار، سوى نتاج الوهم الاجتماعي النفسي المصطنع وليس حقيقة الطوعية الواعية في مسار الزهد والفقر (الصوفي). وبهذا لا يعني "الانكسار" هنا سوى انكسار القيم، إى إعادة التقييم الشاملة لنمط الحياة والتفكير. وإن هذه الظاهرة نفسها لا تمتلك نمطيتها الخاصة إلا في التجارب الفردية المتباينة، التي اتخذت في الوعي الصوفي وتقاليده صيغة ومفهوم "السرّ" غير المتناهي. وبهذا يكف التحول في وعيها عن أن يكون مجرد مصادفة عابرة أو مصير محتوم. انه يصبح حركة لا متناهية في فعاليتها وتأثيرها لا يمكن فهم حيثياتها ما لم يجر تذوّق ما لم يذاق بعد، وما لم يصبح المطلق (الأخلاقي والمعرفي) الغاية المرجوة. لهذا اكتفى الفكر الصوفي في معرض اشارته لعملية انتقال "ذوي الإرادة" إلى التصوف بإبراز رمزية الظاهرة وطابعها التعليمي النصائحي لا أسبابها الفعلية. فالأسباب في عالم الروح أسرار. وإذا اخذنا ما اورده الغزالي في (المنقذ من الضلال) من عبارات الاطباء عن مرضه كما هي، فانه يكون قد تحسس معاملتهم بصيغة أوحت اليه، بعد مرور عشر سنوات، أن يضع عباراتهم المعبّرة عن أسباب مرضه ووسائل علاجه بضرورة "أن يترّوح السرّ عن الهمّ الملم" الذي اخذ بخناقه. ولم تسع المتصوفة من وراء ذلك مطابقة السبب مع السرّ، ولا العكس. ولا جعلهما مختلفين، ولا رفض الخلاف، ولا تجعلهما متوازيين ولا أن تقاطعهما. بل نظرت إلى هذه العلاقة كما لو أنها تجلّ للباطن والظاهر في حركتهما الدائمة. لهذا لم تجد ضرورة في أن تضع أسساً "منطقية" صارمة للتحليل، ولا أن تختزل عمليات الروح المعرفي والأخلاقي بقواعد المنطق الشكلي، ولا أن تجد ضرورة في اخضاع كل ذلك إلى تحليل الأدوات المعرفية القائمة باعتبارها الحصيلة النسبية للحقيقة، والجزئية للكلّ المعرفي. إنها حاولت بالقدر الذي يمكن للغة صياغته في رموزها وأدواتها أن توحي بأن قوانين الروح لا يمكن إدراكها إلا بروح القوانين. وهي لم تبحث في كل ذلك عن ولع المفارقات اللغوية كما لو أنها عروة وثقى، بقدر ما سعت إلى كشف الحقيقة القائلة، بأنه لا يمكن معاينة ومشاهدة وإدراك روح القوانين خارج رمزية الصياغة. فالرمز هو الوحيد القادر على تحويل الدائم إلى لحظة عابرة، والعابر إلى كيان دائم. لهذا أصبح من الممكن، في العرف الصوفي، أن يجري النظر إلى انتقال الغزالي إلى التصوف باعتباره فعلاً تناغم مع الموسيقية السريّة لآلية ووقع الانكسار في حيثيات الوجود كما عبّر عنها البيت الشعري:

أيا حجر الشحر إلى متى     تسنّ الحديد ولــم تُقْــطَعِ

ولكن إذا كان التعبير الصوفي قد وجد ضالته في إحدى الحالات والعبارات بتصويرها الرمزي لسبب الانتقال، فإن هذا السبب استظهر في أسلوب الوعي الفردي لتجربة الانتقال باطنها الموسيقى ليس في تناغم الفعل والحركة، بل في ذوبان الوعي في الإرادة. وهي العملية الجديدة لانصهار و«انكسار تجارب الوعي النظري والعملي (الاخلاقي) التي كشفت في الابحاث السابقة عن اتجاهاتها العامة.

وقد ابدع الخيال الصوفي لهذه العملية نادرتها الخاصة، التي تقول على لسان احد العلماء:"رأيت الغزالي في البرية وعليه مرقعة وبيده عكاز وركوة، فقلت له:

يا إمام! أليس التدريس ببغداد أفضل من هذا؟ فنظر اليّ شزراً وقال:

لما بزغ بدر السعادة في فلك الإرادة وظهرت شموس الوصل

تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل     وعــدت إلى مصـحوب أول مـــنزل

ونادتني الأشواق مهلا فــهــــذه      مـنازل مـن تهوى رويـدك فانـزل!

وبغض النظر عما إذا كانت هذه النادرة حقيقة أم لا، فإنها تسجّل بصيغة الحكايات الصوفية الجميلة واقع تطور الغزالي الفكري والذي صاغ ملامحه العامة في (المنقذ من الضلال)[1]. انه خط المسار من غمار العلاقات الدنيوية إلى ما دعته المتصوفة بصاحب الكل. ومهما يكن من مستوى الدقة في هذه العبارة بأثر التناقض والضعف القائم والمحتمل في اللغة وقدرتها عن التعبير احيانا، إلا انها تمثّل التباين الفعلي بين الفكرة المجردة والواقع، والذي يتلوع اثناءه الروح الباحث عن سكونه القلق، أو ما دعته المتصوفة بالحيرة. انه بزوغ البدر الذي لا يدرك سعادته ويتحسسها سوى اولئك السابحون في دوران فلكه. وهو أيضا الفناء والبقاء، والغياب والتجلي، بفعل حركته مقابل "الشمس الإلهية". إنها العتمة الحياتية (الدنيوية) التي لفت الغزالي بأذيالها طوال حياته المنصرمة إلى أن واجهت إرادته "إرادة الميتافيزيقيا" السحرية، التي شلّت حركته لتجعله يرقص طرباً في البحث عن موته الحياتي من اجل ان ينهض مستيقظاً.

فالإحياء نيام فإن ماتوا انتبهوا، كما تحبذ المتصوفة القول. والغزالي شأن المتصوفة الكبار حاول ان يبدأ ويتلمس ويتحسس ويمارس ويدرك ويذلل هذه العملية في الحياة. بمعنى إماتة الموت الحياتي (الدنيوي) ببعث الروح الخالد. وليس هذا بدوره سوى التعبير الرمزي الدقيق والمجرد والمتصوف عن التجربة الحياتية التي عادة ما ترافق وتميز انتقال الشخصية المفكرة إلى عالم الصوفية.

فتاريخ التصوف الإسلامي يقدم صوراً غاية في التباين عن نماذج "التوبة" الفردية والانخراط في طريق الصوفية. فالتوبة التي تشكل في طريق الصوفية "أول منازل السالكين وأول مقامات الطالبين" تستلزم كممارسة أولية الندم على ما عمل من المخالفات، وترك الزلة في الحال، والعزم على أن لا يعود إلى مثل ما عمل من المعاصي. فهي الممارسة المدعوة لاستثارة ما اسمته المتصوفة "بانتباه القلب عن رقدة الغفلة ورؤية العبد ما هو عليه من سوء الحالة"، أي استثارة تلك العملية التي تصنع وتعمق في النفس "واعظ الله"، بوصفها الاستثارة الدائمة لإرادة التوبة. كما أنها في الوقت نفسه العملية التي بنت حولها المتصوفة أفكارها وأحكامها العديدة، التي لا تشكل بحد ذاتها شروطاً لها بقدر ما أنها عمقت هذه الممارسة الفعلية القائمة بتحويلها إلى نمط خاص. وما هو مهم بالنسبة لنا الآن هو الاشارة إلى أن "قانون التوبة الصوفية" رغم خطوطه العامة ظل على الدوام فرداني التطبيق والتحقيق. إذ لا يعرف تاريخ التصوف الإسلامي حالات متشابهة في "دخول الطريق". فإبراهيم بن أدهم (ت- 161 للهجرة) أحد ابناء الأمراء خرج يوماً متصيداً فأثار ثعلباً أو ارنباً وهو في طلبه فهتف به هاتف "يا ابراهيم ألهذا خلقت أم بهذا أمرت؟ ثم هتف به أيضاً من قربوس سرجه "والله ما لهذا خلقت ولا بهذا امرت". فنزل عن دابته وصادف راعياً لأبيه فأخذ جبة الراعي من الصوف ولبسها وأعطاه فرسه وما معه ثم دخل البادية[2]. في حين مثّل الفضيل بن عياض (ت-187 للهجرة)  صيغة أخرى للتوبة. لقد كان شطارا يقطع الطريق بين ابيورد وسرخس. وكان سبب توبته انه عشق جارية فبينما هو يرتقي الجدران إليها سمع تال يتلو "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله"، فقال "يارب قد آن". فرجع ثم آواه الليل ثم هجر مجاوراً الحرم (مكة)[3]. بينما انتقل معروف الكرخي (ت-200 للهجرة) النصراني الأبوين، بعد هروب طويل من البيت الأبوي بسبب تعرضه للضرب في طفولته، حيث كانوا يلقونه عبارة "قل ثالث ثلاثة"، فيقول "بل هو واحد"[4]. في حين انتقل السري السقطي (ت-257 للهجرة) إلى التصوف بفعل تأثير كلمات معروف الكرخي، الذي اتاه يوما بيتيم ليكسيه السريّ السقطي وعندما اعطاه ما اراد قال الكرخي له "بغّض الله اليك الدنيا وأراحك مما انت فيه". آنذاك ترك السقطي الحانوت ولم يكن له شيئ أبغض منه، بل لم ير مضطجعاً في عمر جاوز الثمان والتسعين سنة إلا في موته[5]. في حين أبو سليمان الداراني (ت-215 للهجرة) بعد تردده الكثير على مجلس القصاص. لكنه كان على الدوام ينسى ما يسمعه من الكلام، مما اضطره لاحقاً الى ان يدخل "طريق الذكر الدائم"،بحيث جعل يحيى بن معاذ (ت-258 للهجرة) يعلق على ذلك قائلاً "عصفور اصطاد كركياً". كل ذلك يعكس تعددية وتنوع نماذج دخول الطريق الصوفي. ولم يشذّ الغزالي عن هذه القاعدة، بمعنى فردانية الدخول وطريقه الخاص.

فالمتصوفة لا تضع قيوداً على تنوع دخول الطريق. على العكس! انها تجد في هذا التنوع عدم تناهي طرق وأساليب بلوغ حقائقها، أو حقائق الوجود من خلال مبادئها الفكرية وقيمها الأخلاقية. وتوبة الغزالي في خصوصيتها هي توبة فكرية أخلاقية، رغم تجانسها مع مسار التوبة الصوفية. لكنها كانت نتاج ازمة الوعي العقلي والأخلاق، التي كشفنا عن اتجاهيتها العامة في موقفه من الاتجاهات الفكرية الكبرى في كل من العلم والعمل (النظرية والممارسة)، التي طورت شخصيته المعرفية ووضعته في الوقت نفسه أمام مفترق الطرق. إذ نعثر على كل ذلك فيما صاغه هو نفسه في العبارات الوجيزة البليغة المعبرة عن ازمته الروحية التي اغلقت عليه في حينها إمكانية النطق والعيش.

غير أن تطوره "المختصر" كما وضعه في (المنقذ من الضلال) والذي حاول من خلاله الكشف عن مستوى تطور العقل بمروره من الاحساس إلى العقل  ومن إلى ما وراء العقل (طور الولاية) حتى اللحظة التي أصبح من الممكن أن يردد "فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد"[6]. غير ان هذه الصيغة لا تعني خروجه عن اطر العقل والعقلانية أو محاربتهما. إذ ليست تلك الأحكام التي توحي بظاهرها محاربة العقل والعقلانية سوى التعبير الذاتي عن تجربة الغزالي في اكتشاف ضيق ومأزق التفكير العقلي اللاهوتي المعاصر له، الذي بسبب ضيق أسلوبه ظل عاجزاً عن رؤية وتحليل العلاقة القائمه بين الظواهر. فهو لم يرفض من حيث الجوهر سوى العقل اللاهوتي، الذي رتبت براهينه على أساس الحصيلة المعرفية واللغوية. مما وضعه على الدوام أمام إمكانية المأزق. بينما لم يجد الغزالي في العقل بحد ذاته مأزقاً، رغم انه يصنع هذا المأزق في حالة الاعتماد على ادواته الخاصة فقط في تتبع ما يمكنه أن يؤدي به في نهاية المطاف إلى الحيرة والقلق. مما يؤدي به الى الرجوع الى البداية او النقيض.

فالمسار غير المتناهي الكامن في الإمكانية المحددة للعقل لا يعني في الواقع سوى الاستمرار غير المتناهي للجهل. إذ ليس توسع المعرفة سوى اكتشاف الجهل غير المتناهي. غير إن العقل يمكنه أن يكون وسيلة فعالة عندما يدرك ذاته بوصفه جزء من الكشف الذوقي المستند الى وحدة الكل باعتباره تجليَ لله. حينذاك تصبح اللانهاية نهاية بين يدي الله. وهذا بدوره ليس إلا أسلوب بلوغ اليقين الذاتي، الذي يجعل للحقيقة معنى ملموساً وذوقاً خاصاً. من هنا دعوة الغزالي للمريد قائلا:"إن كنت راغباً في استقحام الطريق إلى المقصد، فألق سمعك وأنت شهيد".

إلا أن "استقحام الطريق" بالنسبة له لم تكن عملية بسيطة. وهو ما حاول البرهنة عليه دوما. وبغض النظر عن العبارات العديدة والتسميات المتباينة التي يطلقها على بداية "التوبة الصوفية" مثل "القذف النوراني" أو "الجود الإلهي" أو "نور الرحمة"، فإن ذلك ليس إلا تعبيراً عن الوعي الذاتي لتجربة انتقاله الشخصية إلى عالم الصوفية. وهذه بدورها لم تكن فعلاً معطى  مرة واحدة وإلى الأبد. ويكمن سبب ذلك في مبادئ الممارسة الصوفية ذاتها، التي لا تقرّ بالنهائي في الوجود والمعرفة، مع اقرارها بضرورة اليقين وإمكانية وضوحه المتزايد لا تزايده بحد ذاته كما هو الحال في العبارة القائلة "لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً". غير أن هذه الصيغة هي حصيلة المعراج المعرفي الصوفي وإحدى درجاته. بينما ظل دخول الغزالي طريق الصوفية في أعمق أعماقه وهواجسه وبواعثه هو دخول الباحث عن الحقيقة، التي لم يحصل على صيغتها اليقينية في اتجاهات الكلام والفلسفة والباطنية. بينما أكتشفها في عالم الصوفية بعد تجربة طويلة. فهو لم ينظر إلى الصوفية في بداية الأمر، كما هو واضح في (المنقذ من الضلال) إلا باعتبارها إحدى الفرق التي في حالة "شذ الحق عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع"[7]. (يتبع)

  

 ا. د. ميثم الجنابي

....................

[1] لقد وردت هذه الحكاية بصيغ عديدة. وقد اوردها علاء الدين الصيرفي في كتابه (زاد السالكين لطريق الله) عن ان القاضي ابو بكر ابن العربي هو القائل "رأيت الإمام الغزالي في البرية وعليه مرقعة وعلى عاتقه ركوة وكنت قد رأيته ببغداد يحضر درسه أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم يأخذون منه العلم". ثم قال فدنوت منه وسلمت عليه وقلت له "يا إمام! أليس تدريس العلم ببغداد خير لك من هذا؟". حينها نظر إليّ شزرا وقال :"لما طلع بدر السعادة في فلك الإرادة وجنحت شموس الوصال في مغارب الأصول

تركت هوى ليلى وسعدى بمنزل    وعدت الى صاحب اول منزل

ونادت بي الاشواق: مهلا فهذه      مـــــــنازل من تهوي فإنزل

تصطدم هذه الحكاية باعتراضاتى جدية. منها إن القاضي ابو بكر ابن العربي لم يتصل بالغزالي إلا في بغداد وليس في البرية. ولم يجر الحديث فيما بينهما بما يمكنه أن يوحي بشماتة ابن العربي المبطنة ورد لغزالي المتشنج! إضافة لكل ذلك أن صياغتها اللغوية وأسلوب تعبيرها ملفوف بالأسطورية والخيال الرمزي الصوفي.  

[2] القشيري: الرسالة القيشيرية في التصوف، ص8.

[3] القشيري: الرسالة القيشيرية في التصوف، ص9.

[4] القشيري: الرسالة القيشيرية في التصوف، ص9.

[5] القشيري: الرسالة القيشيرية في التصوف، ص10.

[6] القرآن: سورق (ق) الاية 22.

[7] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص89.

 

ميثم الجنابي"أنّى تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم،

ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم"

(الغزالي)

الإهداء إلى  الدكتور مارفن الزايد، صديق الروح ومثقف الإخلاص التام للحق والحقيقة.

إن انتقاد الغزالي للمتصوفة وافتقاد هذا النقد لطابعه المنظومي لا يعني افتقاده لمنظومته الصوفية الخاصة. وبالتالي، فإن انتقاده للمتصوفة هو استمرار لتقاليد النقد التي كانت تميز بهذا القدر أو ذاك جميع شيوخ التصوف الكبار من اجل تهذيب وتشذيب سلوك المريد من كل ما يعرقل مساره السليم من الشوائب و"الترهات" الفعلية والمحتملة في الطريق. لهذا نراه، على سبيل المثال، يشير حال حديثه عن قواعد المخالطة إلى فائدة التأديب والتأدب، أي الارتباط في كسر شهوة النفس من خلال مخالطة الناس. فالمخالطة تظهر من جهة كوسيلة للتربية بفعل احتكاكها بالعالم "الخارجي"، ولكنها يمكن أن تفسّخ في الوقت نفسه هذا المبدأ وقواعده في حالة افتقاده لقيمته التربوية. فقد شاهد هو نتائج هذا المبدأ في حالة عدم الالتزام بكامل قواعده، في الممارسة المعاصرة له. حيث تحولت أعماله إلى مجرد أعمال "خالطتها الأغراض الفاسدة، ومال ذلك عن القانون كما مالت سائر شعائر الدين"[1]. وسوف يردد هنا شأن سابقيه ولاحقيه البيت الشعري القائل بأن الخيام كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائهم، أي كل ما اتخذ في الخيال المتأمل مقارنة المثال بالواقع. أما في منظومته، فإنه سوف يسعى لانتقاد الزيف العملي في جميع مظاهره، بما في ذلك عند متصوفة زمانه. لهذا كان انتقاده لهم هو الآخر قاسياً، وبالأخص عندما شدد على أن أكثر متصوفة زمانه "لما خلت بواطنهم من لطائف الأفكار ودقائق الأعمال ولم يحصل لهم أنس بالله وبذكرهم في خلوتهم، كانوا بطالين. فقد ألفوا البطالة واستثقلوا العمل، واستوعروا طريق الكسب واستلانوا جانب السؤال والكدية، واستطابوا الرباطات المبنية لهم في البلاد، واستسخروا الخدم المنتقين للقيام بخدمة القوم، واستخفوا عقلوهم وأديانهم من حيث لم يكن قصدهم من الخدمة إلا الرياء والسمعة وانتشار الصيت واقتناص الأموال بطريق السؤال تعللاً بكثرة الأتباع. فلم يكن لهم في الخانقاهات حكم نافذ ولا تأديب للمريدين نافع ولا حجر عليهم قاهر. فلبسوا المرقعات واتخذوا من الخانقاهات منتزهات. وربما تلفظوا ألفاظاً مزخرفة من أهل الطامات"[2].

إن انتقاده اللاذع لزيف المتصوفة أو "للصوفية المزيفة"، هو في جوهره انتقاد للتشبه الظاهري بهم، باعتباره شكلاً من أشكال الرياء. ومن هنا لم يرَ على سبيل المثال في سياحات المتصوفة الكاذبة شيئاً ما مختلفاً عن سياحات البهائم والحيوانات في البراري. وعندما حكم على أنها مباحة أيضا، فلأنه لم يجد فيها شيئاً مضراً أو نافعاً. إلا أن ذلك لا يعفيها من انتقاده الأخلاقي. وذلك لأنها تشّوه باسم التصوف، التصوف نفسه، أو أنها بردائها الوسخ تضفي على جسد التصوف وبال التقزز. ذلك يعني بأن تصويره الرياء بشكل عام ورياء المتصوفة بشكل خاص يسعى في آن واحد للكشف عن الحالة الدينية السائدة، التي أخذت تتوسع وتتعمق فيها مظاهر التقنع بلباس الصوفية، ولهذا تتبع هذه المظاهرة في كل من الزعقة وغيرها من الظواهر. مثل أن أحدهم يجهد نفسه للسقوط والغيبوبة حال سماعه الذكر، وربما أنه يستحي أن يقال له "إنه سقط من غير زوال عقل وحالة شديدة، فإنه يضطر إلى أن يزعق ويتواجد فيتكلف"[3]. وقد يزول عقله فيسقط ولكن يفيق سريعاً فتجزع نفسه أن يقال إنها حالة غير ثابتة، وإنما هي كبرق خاطف، فيضطره ذلك إلى أن يستديم الزعقة والرقص ليرى دوام حاله وكذلك قد يفيق بعد الضعف ولكن يزول ضعفه سريعاً فيجزع أن يقال له لم تكن غشيته صحيحة ولو كان لدام ضعفه مما يضطره إلى الاستدامة المصطنعة لإظهار الضعف والأنين والاتكاء على الغير من أجل أن يرى ضعفه عن القيام، ويتمايل في المشي أو يقرّب الخطى وما شابه ذلك[4]. ولم يقف الغزالي عند حدود المظاهر السلبية لمتصوفة عصره، بل وحاول استظهار عناصرها القائمة في بعض اتجاهات التصوف، التي تفسح المجال أمام افتعال أفعال كهذه. وخصوصاً تلك التي تؤدي في بعض مبادئها الطرائقية إلى ما دعاه بالتحلل ورفض العمل[5]، أي كل ما سيعيد انتقاده في (كمياء السعادة). وقد اتخذ من أسلوب الملامتية الشكلي موضوع ومادة انتقاده المباشر[6]. ولم يكن ذلك بمعزل عن خصوصية التصوف الغزالي، الذي رفض أسلوب إسقاط الجاه "العبثي"، أي ذلك الأسلوب الذي يعطي للمرء إمكانية القيام "بالفواحش" من أجل استثارة ازدرائهم. فهو يعتبره غير جائز ولا يقتدى به، بفعل عدم قدرته على صنع القيم الأخلاقية المؤثرة في فاعلية الموحدة الاجتماعية[7]. وجعله ذلك يتكلم عما أسماه بانمحاق التصوف بالكلية وبطلانه[8]. ولم يقصد بذلك حقيقة التصوف، بل كيفية ونوعية تغلغله في أتباعه المعاصرين له.

وقد أثار هذا بدوره واستثار المعضلة الفكرية والأخلاقية الكبيرة، التي حاول حلها على أساس رؤية التناقض والواقعية في تمايزات وخلافات العلم والأخلاق في سلوك وأفعال المذاهب والمشارب الإسلامية. فهو يدرك أن العلم لا يندرس، وأن عالم السوء لا يفسد حقائق العلم، بل يفسد سريرته. بمعنى بقائه عالماً دون عمل. وعلى عكس التصوف، الذي يستلزم بالضرورة وحدة العلم والعمل، لأنه المخاض النهائي الذي انتهت إليه وأدت به تجاربه العملية.

وقد أثار ذلك أمام الغزالي، وبوحي تجربته العقلية والعملية، قضية غاية في التعقيد، ألا وهي الكيفية التي يجري بها استمرار العلم (الديني) في أفعاله ووظائفه الاجتماعية والسياسية. وعلى الرغم من التعقيدات الملازمة للإجابة الجازمة بفعل الإمكانيات العديدة لتضارب الأجوبة التي يفرضها منطق العقل والتاريخ في مصالح قواه المتنازعة، فإن الغزالي لم يكف عن أن "يلوي" تفريعات المظاهر والظاهر في اتجاه الباطن الأخلاقي. لهذا أكد على أن العلوم جميعاً، باستثناء التصوف لا تنمحق ولا تغيب في حالة اضمحلال جذوتها الأخلاقية، أي موقف الإنسان الأخلاقي منها. ولا يعني ذلك غياب تأثيرهما المتبادل. فعندما يتكلم الغزالي، على سبيل المثال، عن العلوم الطبيعية، فإنه يشير إلى أنها لا تؤدي في الأغلب بأصحابها إلى الغرور، وذلك بفعل عدم سعيهم إلى الحصول على "مغفرة إلهية"، أي أنها لا تتعامل مع الأخلاق بصورتها المباشرة، على عكس العلوم النظرية والشرعية منها خصوصاً[9].

إنه أراد الكشف عن أن الوحدة الداخلية بين آراء ومبادئ الذات المفكرة وبين ممارساتها العملية هي معيار الحقيقة الأخلاقية، التي لا يمكن تجسيدها الحق إلا في التصوف. غير أن ذلك لا يعني انتفاءها أو غيابها في الميادين العملية والعلمية الأخرى. ومن هنا فإن انتقاده لسلوك "علماء السوء" في مختلف الميادين والمستويات مرتبط بنظراته عن طبيعة العلاقة القائمة والواجبة بين العالم والعلم في تأثيرهما الفردي والاجتماعي، والعلمي والأخلاقي. فالعالِم إما مالك وإما هالك. ومن هنا فإنه لا يمكن تذليل التناقض الفعلي بين الواقع والمثال، والعلم والعمل، وأخلاقية العلم ومساعي العالِم، إلا من خلال تثوير عالم الروح الأخلاقي وتنويره. فالغزالي يدرك إمكانية استعمال العلم كوسيلة للعلو الاجتماعي والسياسي في نظر العوام بما في ذلك من جانب العلماء الصالحين. بينما يتحول العلم في هذه الحالة إلى ما يمكن مقارنته بالخبث الخفي المبطن. وعندما يطالب العلماء بضرورة العزلة وطلب الخمول ودفع الفتاوى فإنه لم يقصد بذلك سوى جبرهم على "امتحان النفس" من أجل امتلاك عنانها. فالحقيقة في نهاية المطاف هي الحق. والحق هو الحقيقة. ومن هنا فإن استغناء عالم الشرع عن الفتاوى هي المهمة الأولى من أجل استكمال صلاح القلب.

بعبارة أخرى، إن الغزالي حالما يضع مهمة رفض الفتاوى استناداً إلى واقع أن الإسلام قائم قبله وبعده ومعه وبدونه، فإنه لم يرم بذلك سوى إلى إعلاء أولوية الممارسة الشخصية التي تجعل من الاستغناء الظاهري وسيلة الغناء الباطني. ولهذا السبب رفض المقالات التبريرية التي سمى رجالاتها "بشياطين الإنس"، أي تلك القائلة بأن ممارسة العزلة تؤدي إلى اندراس العلوم واضمحلالها، باعتبارها لا تدرك ضرورة استمرار العلوم القائمة في متطلبات الاجتماع نفسه وكينونة الإنسان الوجودية. وقد رد على "شياطين الإنس" بالصيغة التي حاول فيها كشف ضعف هذه القناعة "الساذجة" القائلة بإمكانية اندراس العلم. حيث وجد فيها مجرد "خيال يدل على غاية الجهل"[10]. فالناس كما يقول الغزالي "لو حبسوا في السجن وقيدوا بالقيود وتوعدوا بالنار على طلب العلم لكان حب الرياسة والعلم يحملهم على كسر القيود وهدم حيطان الحصون والخروج منها والاشتغال بطلب العلم"[11]. وبهذا المعنى، يمكن فهم مضمون الحديث النبوي القائل بأن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم. بينما حذّر في الوقت نفسه من الاغترار بهذا الحديث. ففي "وضعه" يعكس موضوعية الظاهرة دون أن يجعلها مثالاً يحتذى به. لهذا تناول مهمة العزلة ووظائفها وفوائدها بالصيغة التي تجعل من الحديث النبوي المذكور أعلاه أساساً لها. بمعنى أنه يشير إلى ضرورة عدم مشاركة "علماء السوء" بممارستهم، لا العزلة المطلقة. فهو يدعو للعزلة التي تتحول إلى شعاع المعرفة الحقيقية. فالعزلة هي أحد أسس الإرادة الصوفية، وأحد مصادر تنقية القلب. لهذا اتخذت في منظومته صيغة عزلة الحقيقة عن المصالح العابرة لا المصلحة الحقة.

وقد أعطى ذلك له إمكانية التعامل الشامل مع "نواقص" العلوم في مظاهرها الأخلاقية. فانتقاده "لعلماء السوء" هو انتقاد مظاهرهم المنافية للفضائل الأخلاقية الحقة. أما مظاهر هذه المنافاة فتتجسد بصيغ ومستويات غاية في التنوع بفعل تباين ميادين العلوم. وهو يتناول هنا أيضاً تجربته الشخصية من خلال تجربة الثقافة العامة للخلافة ككل، أي ما سبق وأن تناولته في معرض تحليلي لتجاربه العقلية. فعندما يتطرق لدرجات وتجليات المعارف العلمية المختلفة في صيغها الواقعية الأخلاقية، فإنه يسعى لإظهار انتقاده الأخلاقي لها من خلال إبراز مواقفه الشخصية منها، باعتبارها حكماً ومعياراً لهذه المعارف. ذلك يعني أن انتقاده هو انتقاد المعرفة الإيجابية في مجرى صيرورة البديل التآلفي، الذي يتمركز في منظومته حول ضرورة وحدة العلم والعمل. وهو ما افتقدته علوم عصره، وما عجزت عن تطبيقه النموذجي.

لهذا تكلم في معرض وصفه فِرق من يدعوهم بأهل العلم عن أولئك الذين أحكموا العلوم الشرعية والعقلية وتعمقوا فيها إلا أنهم أهملوا تفقد الجوارح وحفظها من المعاصي. فهم المغترون بالعلم، أي أنهم لم يربطوا العلم بالعمل واقتنعوا بأفضلية العلم فقط، أو ما يمكن دعوته بأهل العلم للعلم. وهناك من أحكم العلم والعمل وواظب على الطاعات الظاهرة وترك المعاصي، إلا أنه لم يتفقد قلبه ليمحو الصفات المذمومة من الكبر والحسد وطلب الرياسة. فهم أولئك الذين زينوا الظاهر وأهملوا الباطن. في حين هناك من علم أن هذه الأخلاق الباطنة مذمومة من جهة الشرع، إلا أنهم لعجبهم بأنفسهم يظنون أنهم منفكون عنها، وينظرون إلى كِبرهم على أنه طلب عز الدين وإظهار شرف العلم. وهناك من أحكموا العلم وطهّروا الجوارح وزينوها بالطاعات واجتنبوا المعاصي وتفقدوا أخلاق النفس وصفات القلب من الرياء والحسد والحقد والكِبر ولكن بقيت في زوايا القلب من خفايا مكايد الشيطان وخبايا خداع النفس ما دقّ وغمض. إنهم أولئك الذين يرون في أنفسهم الكمال، إلا أن أعماقهم تشرئب لسماع مدح الخلق وحسن الظن بهم.

أما فرقة أهل الكلام، فإنها تقول بأنه لا عمل إلا بإيمان، ولا إيمان صحيح إلا بالعلم (الجدل)، وأن الإيمان هو عقائدهم. فقسم منهم يرى الشبهة دليلاً، وقسم يظن الجدل أهم الأمور. وهناك من يشتغل بالوعظ والتذكير، وأعلاهم من يتكلم بأخلاق النفس وصفات القلب، إلا أنهم يظنون بأنفسهم أنهم إذا تكلموا بهذه الصفات ودعوا الخلق إليها، فقد صاروا موصوفين بها. ومن النادر، كما يقول الغزالي، العثور على من يتصف منهم بهذه الصفات.

بينما وجد في المعاصرين له من الوعاظ والمذكّرين أناساً لا همّ لهم سوى الاشتغال بالطامات والشطح وتلفيق الكلام المزخرف طلباً للأغراب.

في حين اهتم آخرون بالنكت والسجع والشعر والوجد، بينما اقتنع القسم الآخر بحفظ كلام الزهاد وأحاديثهم بذم الدنيا. واستغرق آخرون أوقاتهم في علم الحديث. في حين أن السماع الحق هو الفهم الحق لا الرواية. أما من اشتغل بعلم النحو واللغة والشعر، فقد أصبح ضحية الكلمة باحثاً فيها عن الحقيقة والقيم غير مدرك بأن لغة القرآن (العربية) تساوي اللغات الأخرى لا فرق بينها سوى لورود الشرع فيها. وبالتالي فإن إضاعة الوقت في البحث عن الغريب فيها هو مجرد غرور لا غير.

أما الفقهاء، فإن عظم غرورهم في فن الفقه لظنون أن "حكم العبد بينه وبين الله يتبع حكمه في مجلس الفقهاء، فوضعوا الحيل في دفع الحقوق وأساءوا تأويل الألفاظ المبهمة"[12].

أما الفِرق الداخلة فيمن يدعوهم بأرباب العبادة فمنها تلك التي أهملت الفرائض واشتغلت بالنوافل، وهناك من غلب عليه الوسوسة، أي الذي يصرف وقته في عقد النية. وهناك من تغلب عليه الوسوسة في إخراج حروف الفاتحة بحيث لا يهتم بصلاته، وفي صلاته إلا في التشديد والتفريق بين الضاد والظاء.

وهناك من اغتروا بقراءة القرآن، بينما لسانه في القرآن وقلبه في أودية الأماني، في حين اغتر آخرون بالصوم، وربما صام الدهر ولا يحفظ لسانه عن الغيبة. في حين اغتر آخرون بالحج من غير خروج عن المظالم،

بينما أخذت فرقة أخرى بطريق الحسبة، أي مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونسي نفسه. وهناك من جاور بمكة واغتر بها، وهناك من زهد بالمال وقنع بالبسيط من اللباس والمسكن، إلا أن حب الرياسة والجاه مسيطر عليه. وهناك من حرص على النوافل لا غير[13].

أما الفرق الداخلة تحت تسمية المتصوفة، فباستثناء القلة الحقيقية منها، فإن هناك من اغتر منهم بالزي والهيئة والمنطق، بينما فرقة أخرى يشق عليها الإقتداء بالمتصوفة ولهذا تركوا الحرير ولبسوا المرقعات النفيسة، في حين ادعى آخرون علم المعرفة (الصوفية) ومشاهدة الحق ومجاوزة المقامات والأحوال الملازمة في عين الشهود وهم لا يعرفون هذه الأمور إلا بالأسامي والألفاظ. بينما وقع آخرون في الإباحة. وهناك فرقة اجتنبت الأعمال وأطلقت الحلال واشتغلت بتفقد القلب، وصار أحدهم يدعي المقامات من الزهد والتوكل والرضا والحب من غير وقوف على حقيقة هذه المقامات وشروطها وعلاماتها وآفاتها. في حين ضيقت فرقة أخرى على نفسها أمر القوت حتى طلبت منه الحلال الخالص وأهملوا تفقد الجوارح والقلب من غير هذه الخصلة الواحدة. في حين هناك من ادعى حسن الخلق والتواضع والسماحة وتصدى لخدمة الصوفية لا لشيء إلا للرياسة وجمع المال، مثلهم مثل من يبني مسجد ويطينها بالعذرة. وهناك فرقة اشتغلت بالمجاهدة وتهذيب الأخلاق وتطهير النفس من عيوبها وصاروا يتعمقون فيها فاتخذوا البحث عن عيوب النفس ومعرفة خدعها علماً وحرفة. بينما هناك من ابتدأ السلوك وحالما انفتح له باب من أبواب المعرفة وتشمم من مبادئها رائحة تعجب منها وفرح فتقيد قلبه بالالتفات إليها والتفكر فيها. وهناك من لم يلتفتوا إلى الأنوار وما يفيض عليهم في الطريق ولا إلى ما تيسر لهم من العطايا الجزيلة، أولئك الذين وصلوا حد القربة إلى الله فظنوا أنهم قد وصلوا إلى الله[14].

لقد حاول من وراء نقده الواقعي والمتسامي لغرور هذه الفرق (الثلاثين) الأساسية من فرق الإسلام النموذجية في مختلف ميادينها ومستوياتها الدينية والفكرية أن يكشف عن ضعفها في بلوغ "درجة الحقيقة"، أي أنه أظهر عجزها الذاتي عن الكمال، بفعل انتاج كل منها وهمه الخاص وتناقضاته السيئة. غير أن هذه الفِرق شكلت جميعها، إن أمكن القول، رصيده الشخصي في تجاربه العقلية والعملية ومقدمة إدراكه حقيقة الصلة المقطوعة بين العلم والعمل في تجلياتها المثلى، أي كل ما سيجده في منظومة الصوفية وطرق تصوفها، باعتبارها طرق بلوغ وحدة العلم والعمل. وقد كانت هذه الخلاصة نتيجة تجربته الفكرية (العقلية) وانكساراتها العملية.

فهو لم ينظر إلى علاقة العلم بالعمل نظرته إلى معضلة للمرة الأولى إلا في (ميزان العمل). ولم يناقش هذه القضية من قبل ولا نعثر عليها في أي من مؤلفاته السابقة له. أما الأفكار التي يوردها في (ميزان العمل) فهي استمرار الصياغة الأخلاقية لعقلانية (ميزان العلم) و(معيار العلم). وأن هذا بدوره يبرهن على أن العقلانية في حالة دفعها إلى نهايتها المنطقية، فإنها لابد وأن تواجه "مصيرها الأخلاقي". أما في حالة الغزالي، فإنها وضعته أمام تنويره الأخلاقي.

فهو لم ينتقل إلى التصوف إلا بعد (ميزان العمل)، أي أنه عبّر عن مرحلة الانتقال. ونعثر على ملامحه ومعالمه في تضمنه عقلانية الفلسفة وأخلاقية التصوف. فهو يشير إلى أن (معيار العلم) هو القسم الأول والضروري لمعيار العمل (ميزان العمل)، أي أن السعادة لا تنال إلا بالعلم والعمل ولهذا استلزم ذلك معياراً لكل منهما. وبهذا المعنى فإن (ميزان العمل) هو استكمال ومكمل (لمعيار العلم). أما عقلانيته فهي لا تظهر في تأكيده على الربط الكلي بينهما فحسب، بل وفي محاولته الأولية إبراز التباين النسبي بين "سلوك" العلم والعمل، أو المنطق والأخلاق في ظل وحدتهما. لهذا شدد على أنه لو استقصى حقيقة الأخلاق في (ميزان العمل) لارتقى إلى حد البرهان على الشروط التي ذكرها في (معيار العلم)[15]. إذ لا يمكن بلوغ السعادة، حسب نظره، دون وحدة العلم والعمل. وهو يدرك بأن هذه الفكرة هي ليست من اختصاص التصوف بقدر ما أنها حصيلة الاتجاهات الفكرية الكبرى للثقافة الإسلامية ومعضلتها الجوهرية في الوقت نفسه. فهو يؤكد على أن المنظومات الفكرية الكبرى جميعاً لعلم الكلام والفلسفة والتصوف محقة في نظراتها العامة عن أن وحدة العلم والعمل هي الطريق الوحيد لبلوغ السعادة[16].

إن إدراك هذه الوحدة لا يشكل ضمانة كافية لبلوغ حقيقتها. بمعنى أنه لا يمكن بلوغ حقيقة الوحدة دون إدراك حقيقة الطريق إليها. فهو ليس أسلوباً إضافياً أو عابراً، بل يتحكم به ذاته في جوهرية الصياغة العملية والعلمية أيضاً في بلوغ السعادة. مما أدى بالضرورة إلى تباين قيمته في نظر أهل العلم من مختلف الاتجاهات والمدارس. ولم يسع الغزالي من وراء ذلك للقول بأنه لا يوجد تشابه بين طرق السماء والأرض، بقدر ما أنه أراد أن يحدد التناسق في ما بينهما باعتبارهما نسخة للمطلق. مثلما سيعبّر عن ذلك لاحقاً بفكرته القائلة، بأن عالم الملك والشهادة هو النسخة المادية (الطبيعية) لعالم الملكوت، تماماً كما أنه لاشيء في الفكر ما لم يكن له وجود في العالم. وأن لهذا الاستنتاج المعرفي سلبية إيجابية في مجال الممارسة العملية، صاغها الغزالي في (أيها الولد) بوضوح عندما قال بأن العلم المجرد والمفلس من الأعمال والخالي من الأحوال لا يؤدي إلى السعادة. وقد أورد مثالاً عن ذلك في سؤاله البسيط القائل، لو كان على رجل في البرية عشرة أسياف هندية مع أسلحة أخرى، وكان الرجل شجاعاً فحمل عليه أسد مهيب فما ظنك، هل تدفع الأسلحة شرّه بلا استعمالها؟ وقد كان الجواب بالنفي. وبالقدر ذاته لا يمكن للمعرفة مهما كان حجمها ووزنها وغزارتها أن تسعف الإنسان دون استعمالها. وحدد ذلك موقفه المتضمن في النصيحة القائلة "عش ما  شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجازى"[17]. فهي المقدمة التي يمكن تتويجها بالعلم العملي الذي يصوغه الغزالي استناداً إلى فكرة الشبلي (ت-334 للهجرة)، الذي وجد في كل علوم الأولين والآخرين ما يمكن بلورته بعبارة "اعمل لدنياك بقدر مقامك فيه، واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها، واعمل لله بقدر حاجتك إليه، واعمل للنار بقدر صبرك عليها"[18].

وتستند هذه الأفكار إلى ما هو مميز للصوفية بشكل عام من تقديم العمل على العلم. بمعنى أنهم لم يحرصوا، كما يقول الغزالي، على تحصيل العلوم ودراستها وتصنيف ما يمكن تصنيفه، بل قالوا إن الطريق هو تقديم المجاهدة بمحو الصفات المذمومة[19]. وهو يشير هنا للمرة الأولى إلى تجربته الشخصية التي نعثر على بعض جوانبها أيضاً في كتابه (إحياء علوم الدين) ومؤلفاته الأخرى. وبالأخص ما يتعلق منها بمحاولاته دخول الطريق الصوفي. فقد أورد في (ميزان العمل) قوله، بأنه عندما أراد دخول الطريق، شاور متبوعاً مقدماً من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن، غير أن الصوفي طالبه قائلاً "السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية"[20]. فهو السبيل الوحيد الذي يجري فيه قطع الاختيار وبقاء الانتظار. غير أن ذلك لا يعكس في الواقع، سوى المظهر الأول لمحاولاته النظرية (العقلية) في ميدان التصوف، لا ممارسته العملية. فهو يشير في (ميزان العمل) وفي أعماله الأخرى اللاحقة، إلى "الكثير من الحقائق المنزّلة على المتصوفة هي من وحي الخيالات. وسببها في الأغلب غياب الرياضة بالعلوم البرهانية الحقيقية"[21]. إذ كم من صوفي، كما يقول الغزالي نفسه، بقي في خيال واحد عشر سنين إلى أن تخلص منه. ولو كان قد أتقن العلوم أولاً لتخلص منها على البديهة[22]. ومن هنا تأسيسه لضرورة معرفة علوم ما حصله الأوائل والأواخر.

وسوف يغير مواقفه هذه تغييراً جوهرياً، بحيث ينفي هذه المقدمة وشرطيتها الملزمة، وإبقاءها باعتبارها درجة ضرورية في بقاء الأسس العلمية (المعرفية) المتينة للتصوف. بصيغة أخرى، إن تغيير مواقفه اللاحقة عن مبدأ المعرفة الأولية والضرورية للدلائل والبراهين لا يعني نفي قيمتها. على العكس! إنه ظل جوهرياً في منظومته الصوفية أيضاً، بفعل مساره الشخصي، الذي مثّل أيضاً أحد تجليات الطريق. وكذلك الحال بالنسبة (لميزان العمل). فقد كان هو التمرين الأول الذي أثار في وعيه النظري الأخلاقي أفضلية الصوفية كما هي. ويمكن العثور عليه أيضاً في الاستثارة الداخلية لصراعه الذاتي، التي يحكي بعض حذافيرها المرهفة الإحساس في (المنقذ من الضلال). وبالأخص ما يتعلق بصراع الوعي النظري الأخلاقي ووضعها إياه كفرد وذات مفكرة أمام محك العمل، باعتباره خياره "الأبدي". وقد قدم لنا في كلماته صياغة غاية في الدقة لخلجات ضميره المضطرب. ولم يغيّر من حساسيتها شيئاً، كونها قيلت بعد سنين طويلة من فعل "الاختيار" الحازم لوضع حد لانتهاك العقل مستلزمات خلاصه الروحي. لهذا أخذ يفكر في حينها، كما يقول في (المنقذ من الضلال) وهو على مقام الاختيار، بتصميم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة الأحوال التي يعيشها يوماً ويحلّ العزم عنها يوماً. ويقدم فيه رجلاً ويؤخر أخرى. لا تصدق له الرغبة في طلب الآخرة بكرة إلا ويحمل عليها جنّ الشهوة حملة فيغيرها عشية[23]. فما يدعوه لقطع علاقته بالدنيا يثير في نفسه شك الاعتراض على أن ما يواجهه هو مجرد حالة عابرة سريعة الزوال.

فهي الحالة التي تثير في النفس صراعات الضمير المستتر بالشكل الذي لا يخضع لرقيب غير رقيب العقل والمصلحة. وفي ما بينها ينبغي للروح أن يقطع شكوكه. وقد شغلت هذه الحالة قلب الغزالي وعقله في غضون الأشهر الستة التي مهدت حالة "تجاوزه حد الاختيار إلى الاضطرار"، أي كل ما سبق وأن كوّن حاله الذي أدى به إلى الانغلاق الذاتي، أو الحالة التي تحول فيها عالمه الروحي إلى ميدان الاختيار النهائي لحقائق الإرادة الباحثة عن معنى خارج ارتكانها المباشر لمهمات وغايات "الوجود الطبيعي"، أو هي ذاتها حالة "السرّ الأعظم" لمسيره الشخصي المتقلب بين فضائل العالِم ورذائله في علومه وأعماله. وليس هناك أكثر منه من كشف عنها في عباراته القائلة "كنت أجاهد نفسي أن أدرّس يوماً واحداً تطييباً لقلوب المختلفة إليّ، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة. حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزناً في القلب بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب. فكان لا ينساغ لي ثريد ولا تنهضم لي لقمة. وتعدى إلى ضعف القوى حتى قطع الأطباء طمعهم في العلاج وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج فلا سبيل إليه بالعلاج إلا بأن يتروّح السرّ عن الهمّ الملِّم"[24]. وهذا بدوره ليس إلا حصيلة الفكرة القائلة، بأن رجل العلم والمعرفة الحقيقي، أي الذي يرتقي إلى مصاف الروح، هو الذي يخلص في الأقوال والأعمال بمعايير الحق والحقيقة. وهو أمر نادر جدا. أما الإدعاء والألقاب فهي أشياء لا يعتد بها لأنها في أدنى حالاتها صورة بلا معنى، وفي أعلاها "بلاغة البلادة".

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص238.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص250.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص331.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص331.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص329-230.

[6] سوف اتناول ظاهرة الملامتية الحقيقية والملامتية المفتعلة في بحث خاص. والغزالي يدرك الفرق أو البون الشاسع بينهما. وبالتالي، من الضروري فهم نقده الشديد لظاهرة الملامتية ضمن حدود فهمه الواقعي لمهمة الإصلاح والالتزام العلني بقواعد السلوك التي تذلل البون المفتعل بين الظاهر والباطن في السلوك الفردي وأبعاده الاجتماعية والأخلاقية العملية. كما ان لهذا النقد محدداته في رؤيته الخاصة لوحدة الشريعة والطريقة والحقيقة التي بلورتها ثقافته الفقهية والكلامية، كما نراها في أسس وغاية بديله النظري والعلمي. وضمن هذا السياق يمكن اعتبار نقده اللاذع للملامتية على انه شكل من أشكال تذليل وتخطي تجربة العوام الصوفية. إذ للمتصوفة أيضا خواصها وعوامها في الأتباع كما هو الحال بالنسبة لكل منظومة فكرية كبيرة قابلة للتغلغل في أوساط العامة.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص288.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص250.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص399.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص433.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص432. إن الفكرة التي يشدد عليها الغزالي باستحالة اندراس العلم لها أساسها المنطقي في المعرفة. أما عمقها الثقافي هنا فيقوم باحتوائها الضمني على الصيغة الإصلاحية البديلة التي بلورها في فكرة بقاء العلوم بفعل الحوافز الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية واستمرارها في "طلب الرياسة والجاه". لقد ابقى على هذه القوى المادية والمعنوية، بوصفها قوى واقعية فاعلة في إنتاج وإعادة إنتاج العلوم ومؤسساتها. إلا انه بحث في واقعية هذه القوى عما يمكن نفيه بقوى الاخلاق الحية من اجل صنع لفيف الوحدة الحقيق والفعلية بين العلم والأخلاق. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة الملموسة لوحدة العلم والعمل. ولا يمكن فهم مضمون وحقيقة هذه المحاولة وأهميتها النظرية والعلمية بمعزل عن تجربته العملية ومساعيها النظرية في نقض وتهشيم مقومات ومكونات السوء في العلم وعلماء السوء. أما احكامه عن عدم اندراس طلب العلم فإنها تعكس من حيث مقدماتها الجازمة واقع الثقافة آنذاك واندفاع من محترفيها من علماء الدين وأمثالهم صوب روافد العلم وتفريعاته بوصفها جزء من حب السيادة والجاه.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص388-399.

[13] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص400-404.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص404-407.

[15] الغزالي: ميزان العمل، ص11.

[16] الغزالي: ميزان العمل، ص21.

[17] الغزالي: أيها الولد، ص94.

[18] الغزالي: أيها الولد، ص95.

[19] الغزالي: ميزان العمل، ص38.

[20] الغزالي: ميزان العمل، ص39.

[21] الغزالي: ميزان العمل، ص40.

[22] الغزالي: ميزان العمل، ص40.

[23] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص135.

[24] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص136.

 

في الحلقة الماضية كنا قد تحدثنا عن مفهوم تعدد الزوجات وموقف الكتاب المجيد منه، وقد دل الدليل على إن هذا المفهوم قد أُسيء أستخدامه وفهمه، وخلط وأستُبدل في معناه بينه وبين غيره، فالتعدد في الزواج كما قلنا هو مستحيل بل غير ممكن -، وإن ما يفعله عامة الناس في هذا المجال ليس صحيحاً لأنه يعتمد في الأساس على أخبار و فتاوى مخالفة لما ورد في الكتاب المجيد .

 ومعلوم أن فقهاء التراث وبعملية لا نفهمها خلطوا بين مفهومي ومصطلحي - النكاح والزواج - وجعلوا منهما معنا واحدا، لكن الكتاب المجيد لما أباح التعدد جعله مقيدا ومحصوراً في النكاح والذي هو المتعة أو التمتع، وذلك لغاية معلومة منه تُلبي الحاجة والغريزة، وبما إن هذه الحاجة وهذه الغريزة متغيرة بحسب الوضع، لذلك ربط الكتاب مفهوم التعدد بذلك مع آلية الزمن المحدد والمعين، و ذلك لتعلق الأمر ليس فقط بالقدرة بل والرغبة أيضاً وإمكانية التعايش .

 لذلك قال: [أنكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورُباع ..]، وفي هذا النص نرى الدور واضحاً كذلك الملازمة بين فعل

 - أنكحوا - وفعل - طاب - مع الأسم الموصول، يدل على الشيء الطيب أو ذلك الشيء الحسن الذي تركنون إليه أو تودون معاشرته، ولعل أن مفهوم - ما تودون معاشرته - هو أقرب المصاديق للمُراد بلحاظ وجود فعل - أنكحوا -، وقد ركز الكتاب المجيد على ذلك من باب الموافقة التحصيلية، ولا نظن إن من منعوا أو أبطلوا (نكاح المتعة) أستندوا في حجتهم إلى دليل من الكتاب واضح ورزين، إنما هو الهوى ولنقل هو المنع السلطاني المرتبط بالحاجة والضرورة بحسب ظرفي الزمان والمكان، ولا يمكننا إعتبار هذا المنع بمثابة الحكم الشرعي المستند على دليل من الكتاب، إنما هو وبحسب الظن الغالب كان المنع مرتبطاً برؤية الحاكم للمصلحة من ذلك وحسب مقاسات الزمان والمكان المعينين، وليس هو حكماً شرعياً يجري ويدوم في كل زمان ومكان، وهذا ما نفهمه من حكم الخليفة عمر بن الخطاب، إذ لا يجوز بحال إعتبار المنع منه بمثابة الحرمة الشرعية المؤبدة والملزمة للجميع في كل زمان ومكان، كما يروج لذلك بعض الأتباع والمريدين .

 وإذا كان ذلك كذلك، فيمكننا إستصحاب القاعدة الأصولية والقائلة: (إن الأحكام تتغير تبعاً لتغير الزمان والمكان) -، مع التنبيه والإشارة إلى إن هذه القاعدة ليست حكماً شرعياً بقدر ما تكون حلاً عقلائياً، خاصة ً في ظل الإضطراب والتفاوت المفهومي والدلالي، أضف إلى هذا إن ما أفتى به - حكم عمر بن الخطاب - لا يتعدى من كونه - منعاً مقيداً بالزمان والمكان - هذا إن إعتبرنا صحة ماروي عنه في ذلك .

 وفي هذا نقول إنه: ليس من حق أحدا ما كائنا من يكون في أن يُحلل أو يُحرم -، ذلك إن التحليل والتحريم هي من شؤونات الله خاصة، أي هي من إختصاصه وحده سبحانه، وليست هي من صلاحيات الحاكم الزمني، ولو تنزلنا وقبلنا عمر بن الخطاب في هذا الشأن، إذن لا بد من القول: إن ذلك منه ليس سوى إجتهاد سلطاني زمني محكوم بظروفه وطبيعته والأسس التي أرتكز عليها -، و مع إن ذلك منه ليس مهماً لنا، إذ إننا لا نتعبد بحكم الرجال، ولكن المهم في الأمر هو تلك التبعات التي أعقبت هذه الفتيا، مما أدى بالبعض من القوم إعتبار إجتهاد عمر بن الخطاب حكماً شرعياً ملزماً للجميع، وهذه مغالطة بل مفارقة وهي واحدة من الأشياء التي أعاقة فهم نصوص الكتاب المجيد والإستفادة منها .

ولها نقول: إن نكاح المتعة جائز شرعاً وعقلاً - وضمن شروطه الموضوعية الضامنة لصحته، وإن توفرت هذه الشروط على نحوها الصحيح فلا بأس بذذلك مع وجود (الحاجة والمصلحة والقدرة والإستطاعة)، ثم إن الملاك والمناط في الجواز هو صحة العلاقة الجنسية المنصوص عليها والمُرادة في ذاتها لذاتها [وكما هي الغرائز والشهوات تدخل في باب الحريات الشخصية]، والكلام هنا في أصل الجواز وليس في التفاصيل التي قد يُناكف بها البعض لعدم الضبط والإلزام .

 وأما ما يترتب على أصل نكاح المتعة من أحكام وتبعات من أطفال وذرية، فيخضع القول فيه وفي أحكامه لنفس أحكام ونواميس الزواج تماماً، من شرط النسب والضمان والحماية والتوريث وكل ما يتعلق بالأولاد الصلبيين، وهذا في الأصل التشريعي لصحة هذه العلاقة ومشروعيتها، ومثالنا الدائم في هذا ما فعله نبي الله موسى، ولم يُذكر إن موسى النبي قد تخلى عن ذريته وأبنائه، وفي ذلك يكون فعله الدليل على صحة النسب والتوريث والحماية والضمان ويجري هذا كذلك بالنسبة لعامة الناس، من غير تفاوت أو إختلاف .

نعم إن كتب الفقه التراثي مليئة بكثير من الشطط والوهن، وإن الكثير مما كتبه الفقهاء ودونوه لا يصلح في المقام ولا يصح تداوله اليوم، خاصةً تلك الفتاوى الفجة والتي تخالف النصوص المجيدة ولا تلتزم بالقواعد تلك، والكثير منها كُتب من غير تحقيق أو تدقيق إنما نُسخت نسخاً عن الغير، وكلامنا هذا نقصد به بعض القوم ممن له شخصية إعتبارية ومع ذلك فهو يفتي بجواز التمتع بالزانية وذات العلم !!!، مع علمهم إن تلك مخالفة صريحة لكتاب الله المجيد الذي قال:  [الزاني لا ينكح إلاَّ زانية .. والزانية لا ينكحها إلاَّ زان .. أو مشرك وحُرم ذلك على المؤمنين] - النور 3، وشرط الصحة في النكاح المسموح به، هو تلك القاعدة الشرعية التي عليها التقرير .

 ونسأل هنا: من أين أتت الجرئه لدى بعض الفقهاء لكي يفتي ويجيز التمتع بالزانية ؟؟؟ !!! .

والجواب: لا يخلو الأمر من قلة وعي أو محاولة تبرير وإيجاد سبيل يحد من الظواهر السيئة، كما إن ما أعتمده الفقهاء من أخبار في هذا الشأن ليست على ما ينبغي، ولذلك نقول: إن أقوالهم في هذا الشأن متهافته وباطلة ولا يعتد بها -، ونضيف: بأن المدة التي لا يحصل من وراءها براءة الأرحام وطهارتها لا يتم بها عقد نكاح المتعة ولا يصح -، ولذلك فالعقود ذات الأجل القصير لا يصح بها عقد المتعة ولا يجوز، لأن الأصل هو براءة الأرحام و لما يستتبع ذلك من لواحق معلومة ..

وزيادةً في الإيضاح نقول: إن مشروعية (نكاح المتعة) شيء وممارسته شيء أخر -، والكلام هنا وفي مجمل البحث عن المشروعية المحكي عنها والمستمرة، وذلك ما نرآه واضحاً في القول التالي: [.. وإمرأة مؤمنة أن وهبت نفسها للنبي إن أراد أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين ..] – الأحزاب 50، ثم إن ضبط وتطبيق تلك المشروعية على المفردات يلزمه ضبط وتطبيق الشروط الموضوعية الضرورية واللازمة في ذلك، ولا يذهبن بكم الخيال لتجريد النصوص من سياقاتها ومعانيها الموضوعية، - فالهبة - مثلاً هنا جاءت مقيدة بفعل النكاح ومفهومه الدال على الإستمتاع، ولا يجوز النظر إليها من خارج دائرة وحرية العلاقات الجنسية المسموح بها والمقررة في الكتاب المجيد، وأما التقيد الوارد في النص فلا يتعلق بمشروعية نكاح التمتع بل بخاصية قوله - (خالصة لك) -، أعني إن المتعلق بالخصوص ليس - النكاح بذاته - بل صيانة ساحة النبوة من العبث والقيل والقال وترصد الأعداء، وفي هذا المعنى صلة شبه أكيدة في المُراد من قوله تعالى: [يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ..] - الأحزاب 32، لذلك حرص الكتاب المجيد للعناية بها وصونها وحمايتها من الغير، وهذا منه متعلق بأصل النبوة و شخص النبي، ولذلك وتدعيماً لهذه الفكرة ورد في السياق نفسه قوله تعالى: [.. وأزواجه أمهاتهم ..] - الأحزاب 6، أي جعل عامة ما يقع مصداقاً في هذا المجال من النساء بمثابة الأمهات من حيث الحرمة والقدسية، ومنه نفهم قوله تعالى - خالصة لك - من دون المؤمنين .

وفي بحثنا عن النبوة قلنا: إن فعل النبي ليس صالحاً للتأسي والإقتداء -، (وفعل النبي هو غير فعل الرسول)، ففعل الرسول له القابلية على ذلك لأنه يرتبط بالنظام والقانون والحاكمية والأمامة، وهذه أشياء تكون مثلاً وحجة على الغير عكس فعل النبي الذي لا يكون كذلك، قال تعالى: [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ..] – الأحزاب 21، وعبارة (كان لكم) أي - إن لكم - على النصب في سياق التبعية الولائية للرسول، ولم يقل: (لقد كان لكم في نبي الله أسوة حسنة) -، وكذلك قال تعالى: [وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فأنتهوا .] – الحشر 7، ولم يقل: (وما آتاكم النبي فخذوه) - ومعنى ذلك: إن دور النبي يختلف عن دور الرسول، ووضع النبي يختلف كذلك عن وضع الرسول وطبيعة النبي صفة وموضوعاً مختلفة عن طبيعة الرسول صفة وموضوعاً -، ومن هنا فأحكام النبوة هي غير أحكام الرسالة، وذلك واضح وجلي، ففي قضية القتال التي هي قضية فطرية ربطها الكتاب المجيد بالنبي ولم يربطها بالرسول في مجال التحشيد وشد الأزر، قال تعالى: [يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ..] – الأنفال 65، ولم يقل – (يا أيها الرسول حرض المؤمنين على القتال)-، ذلك لأن القتال المشروع في اصله هو دفاع فطري، وفي الدفاع لا نحتاج إلى تشريع بل نحتاج إلى تذكير وبلاغ وحماسة وتحشيد وشد أزر، ومعلوم إن القتال المسموح هو ذلك القتال الذي يكون في رد الظلم والدفاع عن المظلوم، قال تعالى: [أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظلموا ..] - الحج 39، فالقتال المسموح والمأذون به شرعاً هو ذلك القتال من أجل دفع الظلم (وحين يقول الكتاب - حرض المؤمنين -، فالكلام فيه لا يتعدى هذا المعنى الذي ذهبنا إليه، إذ ليس مسموحاً القتال الأبتدائي)، والذي من مصاديقه القتال من أجل الدعوة إلى الإسلام ونشره أبتداءاً وهذا باطل لا يجوز، وهو ما توهم به الشافعي وتبعه في ذلك عامة فقهاء التراث مع الأسف، وكما قلنا إن القتال المأذون به هو ما يرتبط بالفطرة .

وبما إن الزواج والنكاح كذلك يرتبطان بالفطرة، لذلك جعلهما الكتاب من لوازم النبوة كالقتال، والكلام هنا عن المشروعية وليس عما يترتب لا حقاً عليهما من أحكام، فذلك محله الرسالة بإعتبارها قوانين تحكم سير العملية التنظيمية للحياة .

ولكن هل يصح للنبي ما لا يصح لغيره من الأفعال؟ .

 والجواب: نعم يصح للنبي ما لا يصح لغيره، ويكون ذلك كذلك لخاصية النبوة، فعلى سبيل المثال ثبت إنه قد: صح للنبي الزواج بأكثر من إمرأة -، ولكن هذا الشيء لا يصح لعامة الناس، أما لماذا يصح له ذلك ولا يصح لغيره؟، فالظن الغالب عندي في ذلك يعود في الأصل لحاجة النبي والنبوة لمريدين ومصدقين وأعوان، وفي هذا يكون الفعل في التعدد له صلة بمفهوم - تقريب القلوب إلى الدعوة وإلى النبوة -، وهذا الفعل ليس تبريراً بل هو تكيتكاً مسموحاً به، مع وجود الحاجة والمصلحة، وقد ثبت بالدليل صحة: مفهوم المؤلفة قلوبهم إنما أنطلق ذلك من حاجة ومصلحة، مما يكون له أثراً ومنفعة مطلوبة في ذاتها لذاتها، وسنزيد في القول: إن الغرض من ذلك دفع الذرائع، والتخفيف من حدة التناقض والبغضاء، وفي المقابل جر الناس إلى ساحة النبوة والتعاطي معها من غير تفريط أو حساسية زائدة، ولهذا نفهم المُراد من قوله تعالى: [ولو كنت فضاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك ..] - آل عمران 159 .

يتبع

آية الله الشيخ إياد الركابي

23 جمادي الأولى 1440

 

ميثم الجنابي"ظنوا أن حكمهم العبد بينه وبين الله

 يتبع حكمه في مجلس الفقهاء"

 (الغزالي)

للثقافة الواحدية إشكالاتها المنطقية، لأنها لا تستطيع إدراك حقيقة وجودها خارج أحكامها، أي أنها لا تتلذذ بتأمل ذاتها دون حصر النفس في قيود ما تعتقده مقبولاً ومرفوضاً. لهذا تبدع حدودها العقلية والعملية باعتبارها ضفافاً لسيلان روحها العارم. وإذا كانت هذه الصورة التي يبدعها خيال المقارنة الفنية توحي أيضاً بهدوء فوران المنابع في المصبات، فلأن الثقافة هي الأخرى تشق لنفسها مجراها في صحارى التجربة الإنسانية لتروي ظمأها العقلي والأخلاقي بجهدها الخاص من منابعها الأولى. وعلى قوة هذا الارتباط الوجداني بالمنابع الأولى تتوقف نوعية جهودها الذاتية في إبداعها العلمي والعملي، أي أن هذه العلاقة تفسح المجال أمام نوعيات مختلفة لتمثيلها في العلم والعمل. فيمكنها أن تولّد صيغة الإدراك القائل بأن جهودها الذاتية هي مجرد فعل في واحدية الثقافة، أو أنها مجرد أخذ وعطاء، أو أنها إبداعها الخاص، أو أنها استمرار لا غير، أو أنها حصيلة لكل هذه التجليات والمظاهر.

إن هذا الارتباط لا يصنع صيغة موحدة رغم وجود مظهرها. وإذا كانت هذه الظاهرة أكثر تعقيداً في الحضارات الواحدية الكبرى، فإن نتوءها في شخصياتها الكبرى لا يقل تعقيداً، بفعل تمثلهم لمكوناتها الثقافية بذواتهم. إلا أن هذا التمثل يجري عبر تقاليد العلم والعمل، أو حدودهما وغاياتهما. فعلوم الثقافة الواحدية تفعل فعلها على الدوام ضمن حدودها العقلية والعملية. وإذا كان الفقه هو الميدان الأوسع لتجربة الغزالي العملية، فلأنه الميدان المباشر لانكسار إبداعات الثقافة الإسلامية في نواحيها المختلفة. فهو الميدان الذي جمع بصورة نموذجية ثنائية العقل والنقل. وإن اكتفاءه بحدود هذه الثنائية المباشرة أو بقاءه في مغامرات الجسد الثقافي، قد استثار على خلفية يقين العقل وشكوكه حوافز البحث عن الاطمئنان الروحي.

فقد تضمن الفقه في أعماقه تجربة العلم والعمل في مستواها المادي الروحي، أي أنه احتوى في ذاته على وجود الثقافة وعدمها. وليس مصادفة أن يشعّ بأنواره الدافئة على روح الثقافة الإسلامية وأن يكبلها في الوقت نفسه بفروضه وحلاله وحرامه ومباحه. غير أن لهذه القيود أثرها غير المباشر في الروح. بمعنى أنها لا تتعامل مع الجسد إلا في إطار عقلانية المواقف والمصالح، بينما تتخلل جزئياً عالم الروح باعتباره ميداناً لتجلي النسبة الخفية في ما بين العبودية والربوبية. وفي هذه العلاقة المجردة اكتشفت تيارات الثقافة كل لنفسها درجات ارتقائها في سلّم الملك والملكوت (الطبيعي وما وراء الطبيعي) أو نزولها من الحضرة الإلهية إلى عرش الوجود. أما في تجلياته الشخصية، فإن هذا الاكتشاف ما كان بإمكانه أن يمتلك معناه الحق وقيمته المؤثرة في إبداع المفكرين والعلماء، إلا من خلال تجربة المعاناة الفردية وانكسارها العملي. لهذا احتل الفقه في فكر الغزالي هذا الموقع الحساس. والقضية هنا لم ترتبط فقط في أنه لعب دوراً كبيراً في صنع وكسر حدوده العقلية والعملية، بل وفي فاعلية خيوطه الخفية في حياكة مصيره الشخصي أيضاً.

فقد كان دخوله طريق الفقهاء هو الأسلوب الأكثر واقعية لصيرورة "العلم" و"العلماء" بالله، أي أنه تضمن في وهم الثقافة ومثالها المجرد قيم العقل والعمل (الأخلاق)،والقيم  المادية والروحية، أما في واقعيته فقد كان الوسيلة المناسبة أيضاً لبناء صرح "علم الدين وعلمائه". ولهذا سيتفوه الغزالي، كما ينسب له، في معرض إعادة تقييم تجربته العلمية ككل والفقهية بشكل خاص، إلى أنه أراد العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله! ولم يكن بإمكان هذا التحول أن يحدث إلا من خلال خوض غماره. وبالتالي، فإن "الانحراف" صوب الله ما هو في الواقع سوى "الاستعدال" في عقلنة العمل وتخليقه،أي جعله اخلاقيا.

فهو لم يشر بصورة مباشرة في مؤلفاته الصوفية إلى تجربته الفقهية، بينما أهملها وتجاهلها في (المنقذ من الضلال). بحيث لم يضعها أو ينظر إليها كدرجة في تطوره الفكري، كما هو الحال بالنسبة لموقفه مما أسماه بأصناف طالبي الحقيقة (المتكلمون والفلاسفة والباطنية والصوفية)[1]. بمعنى أنه لم ينظر إلى الفقه نظرته إلى صنف العلوم الموصلة إلى الحقيقة.

وليس المقصود بإهمال التجربة الفقهية إهمال الفقه كما هو. كما لا يعني ذلك تجاهل قيمته في تكوينه العلمي. فقد ظل الغزالي على مدى حياته فقيها حتى مخ العظام ومن أكابر الفقهاء المسلمين. وظل حتى آخر أيامه فقيها كبيرا يدرك ما للفقه من أهمية جوهرية في تنظيم حياة الأفراد والمجتمع والدولة. لهذا نراه يشير إلى كامل مؤلفاته الفقهية ولم يصنفها أو يدخلها ضمن تصنيف العلمي وغير العلمي، بل أبقى عليها كما هي. بينما نراه يكتب في سنوات حياته الأخيرة أحد أعظم مؤلفاته الفقهية (المستصفى من علم الأصول). ويعكس هذا الواقع موقفه العملي الأخلاقي من الفقه[2]

لقد كان هذا الموقف تجاوزاً عميق المحتوى لادعاءات الفقهاء الصامدة في قرون الخلافة عن حدّه وحقيقته. إلا أنه تجاوز مبني على أساس رؤية الحدود الفعلية للفقه. فالأخير يحذو في مساعيه متطلبات الوجود الاجتماعي والاقتصادي والسياسي حذو النعل بالنعل. ولا يمكن التخلص من ثقل متطلبات الساعة حتى في أشد ادعاءاته التصاقاً بعالم "الغيب والملكوت". ولم يشكل ذلك انتقاصاً له. على العكس! ذلك يعني أن إهمال الغزالي للفقه بوصفه علماً لا يطلب الحقيقة، هو حصره في إطار وظيفته الخاصة، باعتباره فقه المصالح وشئون الحياة الاجتماعية. ومن ثم عمله وبقاءه ضمن ظنونه الدائمة لاكتشاف الترتيب والنظام الممكن والأفضل لما ينبغي أن تتمسك به الأمة في فروضها وواجبها وحلالها وحرامها. وبهذا المعنى، فإنه لا يبحث عن حقائق الأشياء. إنه لا يصنع منظومة من قيم المعرفة العلمية والعملية. إنه يصنع أسلوب ومنظومة العمل في قيم الفرض والواجب والمباح وغيرها. وفي هذا الإطار تنحصر قيمته العملية. لهذا السبب كان بإمكانه أن يشكل مصدراً لانكسار القيم العملية للغزالي. وهو ما يفسر بدوره إعادة تقييمه له من خلال انتقاده مواقف "علماء السوء" وإبقائه على الفقه في الوقت نفسه ضمن منظومة التصوف الأخلاقية.

فالمادة الفقهية هي مادة المصالح المقننة. ولا يغير من مضمونه الواقعي هذا ارتباطه ببعض خيوط "الميتافيزيقيا الإلهية" وعباداتها. فالأخيرة تبقى، إن أمكن القول، النيزك العابر في فلك العادات ودوراته الحياتية اليومية. مما حدد بالضرورة طابعه الظني وتغير أحكامه. وقد ظل أميناً لموقف هذا من الفقه، أي إدراكه لقيمته الاجتماعية السياسية الرفيعة، باعتبارها حرية وسجن الوجود الاجتماعي ومحدودية الحقيقة فيه باعتبارها ظناً. وقبل أن يصل إلى هذه النتيجة ومن ثم إعادة النظر فيه وشحن هيكله المنطقي بروح المبادئ الأخلاقية المطلقة، كان ينبغي عليه، كما سيكرر لاحقاً، أن يمر بدهاليز الفقه، أو بالممر الضروري لعالم الثقافة الإسلامية.  وقد أدرك في قطعه إياه محدوديته المنطوية في ذاته رغم تقييمه الرفيع لأهميته العملية. وذلك لأن الفقه، كما يؤكد في (معيار العلم)، هو نظر المجتهدين في إصلاح الخلق[3]. وبهذا المعنى فإنه عرضة للتغير والتبدل.

غير أن الغزالي لم يسع من وراء ذلك للتقليل من قيمة الفقه، بقدر ما أنه أراد قلب مادته وأسلوبه، وذلك بفعل إدراكه تباين العقليات والفقهيات في الأسلوب والوظيفة والمادة. لهذا أكد على أن الاستقصاء في العقليات ينبغي أن يترك في الفقهيات وذلك بسبب طبيعة الحقائق في كل منهما. فالعقل والعقليات يسعيان لطلب اليقين، بينما  اليقين هو أعزّ الأشياء وجوداً وأكثرها صعوبة ودقة. وأنه لا نهاية للسير في البحث عنه. أما طلب الفقه فهو الظن. وبهذا المعنى فهو أيسرها وأسهلها. فالفقيه يحتكم إلى الظن حتى في حالة استناده إلى المنطق. وإذا كان الغزالي سيسعى لاحقاً لمنطقة الفقه، أو وضع الأساس المنطقي لأحكامه الظنية، فإنه كان يدرك في الوقت نفسه صعوبة تطبيقه أحياناً بصدد القضايا الحياتية المتغيرة.

بصيغة أخرى، إنه حاول أن يكشف عن أن الأحكام الفقهية لا تمتلك صفة الضرورة، وأن ارتباطها بالحقائق كما هي هو مجرد ارتباط ظني تماماً بالقدر الذي لا ترتبط بحقيقته الأخلاق بوصفها قيما، أي أن أحكام الفقه هي أحكام التأرجح بين الإقدام والإحجام. لهذا ضرب مثاله المقارن بالتاجر. حيث حاول أن يكشف على مثاله من أن فكرة الأصلح والأردأ سواء كانا نتاجاً للمخيلة أو الدليل، لا يمتلكان في كلتا الحالتين إلا الميل والظن. وإذا كان الأمر كذلك، أي إذا كانت الأحكام الفقهية تستمد مقوماتها وأسسها من ملاحظة التجارب الحياتية من أجل حسم بعض مشاكلها العابرة، فإنه لا معنى للاستقصاء والتبحر فيها.  فالفقيه الشديد التقصي للمتناقضات شبيه بالتاجر الذي يتأمل حظه المتأرجح بين الربح والخسران، أي أنه لا معنى لطلبه اليقين هنا، لأنه لا يقين هنا. فهو اليقين الذي ينفي أساس وجوده. وذلك لأن الحكم "المنطقي" الوحيد الذي يمكن قوله هنا هو "إنه تاجر جبان لا يربح!". وعلى هذا الأساس يبني استنتاجه الدقيق القائل بأن "الاستقصاء في الفقهيات هو هوس محض، كما أن ترك الاستقصاء في العقليات جهل محض"[4].

وبهذا، يكون قد أشار إلى محدودية الفقه العلمية والمعرفية انطلاقاً من مادته ووظيفته، أي أنه قيده بما هو مطابق لمضمونه. واكتشف وعبّر في الوقت نفسه بصورة أولية عما سيشدد عليه لاحقاً باستمرار. وهو جزئية الحقيقة القائمة فيه، باعتبارها مساعي للإصلاح وتنظيم الحياة الاجتماعية بما يمّكنه أن ييسر حل مشاكلها لا ربطها أو تطابقها بالضرورة مع قيم الأخلاق المطلقة. وليس مصادفة أن يشدد على استمرار ربط العقل بالأخلاق، والمنطق بالقيم في (ميزان العمل)، وبالأخص عندما أكد على أن معرفة الفقهاء الممزوجة بسوء الأخلاق لا يمكنها أن تؤدي إلى بلوغ السعادة. من هنا كان إدراجه الأولي لآراء المتصوفة في مواقفه من الفقه والفقهاء استمرار متعمق لعناصر منظومته الاجتماعية السياسية والأخلاقية.

فقد وضعت المتصوفة الفقهاء في "الرتبة الخسيسة"، انطلاقاً من واقع تعامل الفقه مع البدن، بينما الأخير في "طريق السائرين إلى الله" يجري مجرى الناقة في طريق الحج[5]. أما الفقهاء فهم مثل عمّار الرباطات والمصالح في طريق مكة إلى الحج. إن هذه الأحكام التي تبدو قاسية المظهر لها أساسها الحياتي أيضاً في استيعابه الفردي لتجربته الشخصية وإعادة تقييمها، والتي أدت به لاحقاً إلى أن ينظر إليها نظرته إلى مضيعة للوقت. وإذا كان لهذا التقييم معناه المتأسي بمعايير التعبير النفسي، فإن قيمته العلمية تتعدى ذلك إلى ما هو أكثر واقعية وجوهرية. بمعنى أنه لا يمكن رؤية "المضيعة" في العمر والفكر دون المرور بهما. أما في الواقع فلا مضيعة، وذلك لأنها ذاتها أسلوب صيرورة الأحكام الشخصية ودقة اقترابها من الحقيقة أو بعدها عنها. فعندما يؤكد في (جواهر القرآن) على أنه "ضيع شطراً صالحاً من العمر في تصنيف الخلاف في الفقه"[6]. فإنه لم يقصد بذلك سوى الجهد الذي أفسد في عقله قوة انتمائه لعالم الروح الأخلاقي. أما في واقعيته، فإن هذا الإفساد ما كان بإمكانه أن يؤدي إلى ما أدى إليه في تجربته الفردية ككل والفقهية (العملية الأخلاقية) بشكل خاص، دون المرور بدهاليز الفقه. إنها عملية إدراك النفي التي تولد نقيضها. وهذا ما يفسر بدوره الصيغة الظاهرية في ازدواجية الحكم الشخصي عن الفقه، أو التردد الظاهري بين نفيه الكامل وتأييده الكامل. غير أن لهذه الاحكام الظاهرية جانبين ومستويين، الأول شخصي حياتي، والثاني موضوعي معرفي متعلقين بظهور الفقه وتطوره.

فالتجربة الشخصية للغزالي في عالم الفقه والفقهاء، التي ساهمت في نقله إلى عالم الصوفية، عمّقت عنده وعي عناصر ضرورة الارتفاع فوق معطيات الظن العابرة وعالم الخلافات السيئ الصيت، الذي بلور عقله ونفسه وأسهم في الوقت نفسه بتعميق أزمته الروحية الفكرية وعلاجها. لهذا استنتج بأن من يريد أن يصير "فقيه النفس فلا طريق له إلا أن يتعاطى أفعال الفقهاء"[7]، أي التكرار الدائم للفقه حتى ينعطف منه على قلبه صفة الفقه فيصير فقيه النفس. ولا يمكن فهم حقيقة هذا الاستنتاج بمعزل عن وعي الذات النظري الأخلاقي، الذي عكس بدوره الكثير من العناصر العملية والعلمية في انتقاده قوة الفقه المشاكسة وتجربة الفقهاء التاريخية. فقد واجه ثروتها وتراثها عند تخوم القرن السادس الهجري عندما شدد على ما اعتبره أزمة الفقه الروحية العميقة. وبهذا يكون قد كشف أيضاً عن عمق الأزمة الاجتماعية السياسية والأخلاقية وانحدار الثقافة في هاوية ما يدعوه "بالصدق القبيح"، أي ثناء النفس المبني على المكر والقوة واندثار اليقين. ولم يقف متحيراً أمام هذه الظاهرة المتناقضة. وهو ما سينقذه من الانسياق الأعمى وراء الدفاع عن الفقه أو معارضته العدمية.

فالفقه بنظره يمتلك مقدماته التاريخية في نشوء وتطور الخلافة. فهو لم يكن في بادئ الأمر كياناً ما مستقلاً. على العكس! إن اندماجه في ممارسة الخلفاء الأوائل يبرهن في الوقت نفسه على استقلاليتهم. ولم يكن ذلك بفعل ضعف وتطور الدولة والعلوم، بقدر ما أنه ارتبط بالإدراك العميق لحيوية الفقه وأهميته في عمل الخليفة ووظيفته الأساسية باعتباره "حامي الرعية".

يفتقر هذا الحكم في مظهره إلى الدقة العلمية والتاريخية. فالغزالي يدرك ويعرف تطور العلوم والمعارف. فقد بلورت الثقافة الإسلامية في علومها وجدلها نظرات عميقة للغاية عن فكرة التطور والتبدل والتغير. وصاغت آراءها ومواقفها بمعايير العقل والنقل أي في وحدة رؤيتها الذاتية الأصيلة. وقد تمثل الغزالي هذا الرحيق العذب بكل ما فيه من واقعية وسذاجة على انه كلّ لا يمكن ولا ينبغي فصم عراه. وليس في هذا الموقف تجنيا عل دق الحكم النظري إلا من وجهة نظر التاريخ والعلم الظاهري. أما من حيث "منظومة" الانتماء الروحي فإنه يبرز بوصفه معلما جديدا في توجيه الفكرة الجوهرية صوب اليقين. لاسيما وأن لليقين تاريخه المجرد أو دقته "الموضوعية" باعتباره ارتباطا حيا بين الأنا الفردية والجماعة، أي الأنا الثقافية وحقائقها ومبادئها الكبرى. وبالتالي، فإن تأكيد الغزالي على نفي استقلال الفقه بهيئة كيان قائم بحد ذاته عن الخلفاء الأوائل يعني من حيث مضمونه المعرفي والأخلاقي بلورة وصياغة عناصر البديل التي وضعها في وحدة العلم والعمل وإمكانية تحقيقها في العلم والعمل.      

وهذا بدوره لم يكن معزولا عما هو مميز لوظيفة الفقه في ممارسة الخلفاء. فقد كانت أعمالهم، كما يقول الغزالي، لوجه الله. بمعنى افتقادها للمصلحة الأنانية المباشرة. غير أن ظهور السلطة المستقلة فيما بعد وتركزها في أيدي أناس "بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام هو الذي أدى بهم إلى الاستعاضة بالفقهاء"[8]. فهو يكشف هنا عن الارتباط العضوي بين مصالح السلطة وجهازها الحقوقي الشرعي، أي كل ما حوّل الفقه والفقهاء إلى خادم وضيع للسلطة. وأدى ذلك بدوره إلى أن تحول "الفقهاء" إلى طالبين للسلطة بعد أن كانوا مطلوبين، وتحولوا إلى أذلة للسلطان بعد أن كانوا أعزة[9]. ومذّاك لم يعد الفقه سوى أداة "بيد السلطان ووسيلة منافقة للعيش"[10].

فالغزالي لا يقف عند حدود الإشارة الظاهرية والإدانة الأخلاقية، بل يسعى للكشف عن مفارقة الظاهرة نفسها المتعلقة بوحدة الديني والدنيوي في الممارسة الفقهية التي تتطابق في آرائه بين الأخلاقي والحياتي. فالحياة بالنسبة له هي طريق الآخرة. والإنسان يخلق ويموت. ولا يمكن لحياته أن تختزل إلى لحظة الوجود العابر كعدم محض. والفقيه يقف أمام هذه الظاهرة محاولاً التعامل مع جانبها الدنيوي والأخروي، والمادي والروحي، والوجودي والميتافيزيقي. إلا أن بؤرة نشاطه هو عالم المصالح. إذ لو تناول الناس الحياة بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء[11]. إذ ليس الفقيه في نهاية المطاف سوى "العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق. إنه متعلق بالدين ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا"[12].

لقد اكتشف الغزالي واقع التجزئة والطابع الوظيفي المبتذل في عالم الفقه والفقهاء، دون أن يرمي بمحتوياته على أنها أثقال لا معنى لها ولا قيمة. على العكس. فقد ظل الفقه يمتلك في وعيه ووجوده قيمة ضرورية كبرى، بفعل إدراكه خصوصية الفقه ومكانته المتناقضة في صيرورة الدولة وتطورها. فالفقه هو "وسيلة منافقة للعيش" ولكنه في الوقت نفسه قانون تنظيم الحياة الاجتماعية. وأن توافه الفقهاء لا تعني تفاهة الفقه بحد ذاته. فهناك خصلتان، كما يقول الحديث النبوي، لا تكونان في منافق وهما حسن سمت وفقه في الدين.  ولا ينتقص من صحة هذا الحديث، كما يقول الغزالي، واقع "نفاق بعض فقهاء الزمان". إذ ليس المقصود بالفقه في  هذاالحديث فقه الفقهاء المعاصرين له[13]. وليس مصادفة أن يورد مقارناته الدائمة بين الفقه والطب، مشدداً على أفضلية الفقه بفعل شرعيته وعموميته (للمرضى والأصحاء) ودوامه الكامل في التعامل الدائم مع الإنسان، بما في ذلك ما بعد الموت[14]. إلا أن ما بين صيغة المثال الفقهي وصيغه الواقعية تباين شاسع بفعل ارتباطه بالسلطة وخضوعه لها. مما أدى بحصيلته إلى إنهاك قواه الروحية[15].

فعندما يتكلم في (إحياء علوم الدين) عما أسماه ببيان ما بدّل من ألفاظ العلوم، فإنه يضع الفقه في المرتبة الأولى. ويشير في الوقت نفسه إلى أن الفقه المعاصر له لم يعد أكثر من معرفة الفروع الغريبة في الفتاوى والوقوف على دقائق عللها واستكثار الكلام فيها وحفظ المقالات المتعلقة بها. بمعنى ارتباطه ببحراشف "الحقائق لا بحكمها وإلزاماتها الأخلاقية المحررة للكلمة نفسها". ذلك يعني أن الفقه حوّل نفسه إلى جزء من آلية إنتاج وإعادة إنتاج قيود الكلمة الفارغة، بحيث أصبحت حريته في المعرفة أسيرة الكلمة المكتوبة فيما قيل وقال. لهذا ربط موقفه من حقيقة الفقه أو الفقه النموذجي بذاك الذي ميّز عصر الإسلام الأول، والذي لم يعنِ الفقه فيه سوى ما هو مطلوق على "علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق النفوس وآفاتها ومفسدات الأعمال"[16]. لقد سعى الغزالي هنا للتأكيد على أهمية الفقه الحقيقي باعتباره وسيلة تربية الوحدة الأخلاقية العملية في ميادين الوجود الاجتماعي للأمة ككل. من هنا تشديده على أن الفقه في بداية الأمر كان يعني "علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس" أو ما يدعوه أيضاً بفقه النفس لا تفريعاته العديدة التي لا يمكنها أن تصنع قلباً إنسانياً. إنها لا تفعل إلا على زيادة "قسوة القلب ونزع الخشية منه، كما نشاهد الآن من المتجردين له"[17].  لقد أراد الغزالي التأكيد على وحدة الأخلاق والحقوق في الفقه للدرجة التي يمكن فيها إخضاع المصلحة المادية لمتطلبات الروح الأخلاقي، أو جعل معالم الروح الأخلاقي محركات الحقوق وفاعل غاياتها. لهذا استعرض تجربة أئمة الفقه الإسلامي بالصيغة التي يمكنها أن تكون مثالاً ملموساً لآرائه. فهو يبرّز الشافعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة وسفيان الثوري بالصورة التي يبدو الفقهاء المعاصرون له على خلفيتها نسخاً مزيفة. فالشافعي يظهر كمثال للزهد والورع والإخلاص، الذي طالما ردد أحمد بن حنبل عنه قائلاً "كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس". أما مالك بن أنس فهو الوجه الآخر للشافعي، أي أنه مثال العلم والزهد والورع والدفاع عن الحق وحرية الاجتهاد. لهذا رفض تحويل (الموطأ) إلى قاعدة أحكام الخلافة كما طالبه هارون الرشيد (ت- 193 للهجرة) مستنداً إلى حديث "خلاف أمتي رحمة". وهذا هو حال أبو حنيفة. فهو مثال الزهد والورع وخدمة الحق والحقيقة لا القوة والسلطان. لقد فضّل التعرض للضرب مقابل رفضه قبول بيت المال وتولي القضاء. وينطبق هذا بالقدر ذاته على أحمد بن حنبل وسفيان الثوري[18].

لقد أراد الغزالي من وراء ذلك الكشف عن هوية المثال الفقهي، دون أن يجعل منه في الوقت نفسه نهاية الكمال الحق. وذلك لأنه لا نهاية للحق. ذلك يعني، أنه أراد تذليل التقليد المذهبي الضيق المميز لفقه الفقهاء المنغمسين في عالم المصالح والسلطة، واستبداله بوحدة العلم والعمل أو وحدة الأخلاق والحقيقة في الممارسة الشخصية.

ووضع هذه المقدمة في أساس انتقاداته اللاذعة للفقه والفقهاء. فالفقه حسب نظره، يتعامل مع الوقائع لا مع الحقائق. واحتوت هذه الفكرة في مضمونها على عناصر إزالة ثقل الفقه وتخييمه على "عالم الآخرة". وبهذا تكون قد تضمنت إمكانية تحييد قوة الفقه والفقهاء السياسية والروحية. فالغزالي يدرك قيمة الفقه وضرورته الاجتماعية. إلا أن تركيزه على الجانب الروحي كان يعني فيما يعنيه أيضاً محاولة تخليصه من السيطرة الحقوقية للفقهاء وتذليل سطوتهم التي عادة ما كانت تدفع بمصير الفكر والمفكرين الكبار نحو السجن والقتل والموت ومختلف اشكال المآسي. فقد رأى بأم عينيه المصير المحزن لبعض مفكري العصر وهم يسقطون صرعى السطوة الفقهية، مما جعله يردد في إحدى عباراته اللاذعة قائلاً:"إن فساد الزمان لا سبب له إلا كثرة أولئك الفقهاء الذين يأكلون ما يجدون ولا يميزون بين الحلال والحرام"[19]، أي كل ما يجعله هدفاً لتجريحهم في حياته ومماته، وما كان بإمكانه أن يؤدي به آخر حياته إلى انتزاعه عنوة من خلوته الصوفية وحشره في مؤامرات ومغامرات الحاشية المتحذلقة "لفقهاء الزمان". فهو يشير في (الإملاء على مشكل الإحياء) إلى الاستهزاء الذي واجه به "فقهاء الزمان" أعظم كتاباته (الإحياء) بحيث جعلوه "المثل المذكور في المجالس تحية الداخل وحديث الجالس"[20].

وفي الإطار العام يمكن القول بأن الغزالي لم يسع من وراء ذلك إلى تهديم الفقه أو إزالته باعتباره عقبة أمام "حرية الفكر".  ولا أن يجد فيه مكونات إلزامية لمحاربة الحقيقة. إن عجائب هذه الظاهرة، كما يقول الغزالي،  تقوم في تحول "الحق" إلى قيود الحقيقة،  أو بصورة أدق تحول "الحق" إلى معاداة الحق. مما جعل من هذه الظاهرة مفارقة مذهلة وأعطى لها بعداً يتجاوز في ذاته أبعاد الثقافة والتاريخ الفعلي. فهي الظاهرة التي تكشف عن أن إعلاء مبدأ ما أو عِلم ما أياً كان سيتحول مع مرور الزمن بالضرورة إلى قوة قاهرة. وأن خطورته الاجتماعية والسياسية في عالم الإسلام كانت تقوم في تكليسه مقومات الثقافة الواحدية، أي اختزال تنوع الثقافة الواحدية في مبادئ الفقه عن الحق، بحيث تحول ذاته إلى كيان تدمير الحق. وأن مأثرة انتقاد الغزالي لهذا النوع من الفقه تقوم في محاولته وسعيه في آن واحد انتزاع سيطرة الواحدية الضيقة وإفشال حصار الهيمنة الفقهية الشاملة عبر إنزال حقوق الفقه إلى عالم الجسد وإيقاف هجومه أمام قلاع الروح وعوالمه غير المتناهية.

وقد اضطره ذلك إلى مواجهة مهمة البرهنة على ضعف الفقه في أحكامه الجازمة، وبالتالي كشف هويته العابرة والظنية بما في ذلك تجاه احتياجات الجسد في تنظيمه الاجتماعي. حقيقة إن الغزالي لم يتناول هذه المهمة بمعايير المواقف الأيديولوجية كما لو أنها جزء من مهمات ما سيدعوه بالدفاع عن عقيدة العوام، بقدر ما نظر اليها باعتبارها نتاجا ضروريا لموقع الفقه باعتباره "عدلاً". وبما أن مكانه هو عالم الجسد واحتياجاته المباشرة، فإنه لا يمتلك بالتالي حق التحكم بما هو أكثر من افتراضاته الظنية، أي أن مهمة الفقه وأحكامه لا تلزم الروح إلا فيما يخص علاقاته المباشرة باحتياجات الوجود المادي للإنسان والمجتمع.

وقد كان يرمي من وراء ذلك إلى إنزال الفقه إلى أدنى وأوطأ وسائل الإخضاع والسيطرة، بمعنى قهر قوة القهر فيه وإبعاد تدخله وتدخل المتجردين له من محترفي الفقه في شئون الإنسان الروحية. وهو ما أعلنه ودافع عنه في فكرته الكبرى عن "عدم دخول القلب ولاية الفقيه"[21]، أي أن العالم الروحي للإنسان (والقلب بنظره ومنظومته هو الروح والعقل والنفس والمعرفة) لا يمكن ولا ينبغي أن يخضع لسيطرة الفقيه. غير أن الغزالي لم يبن هذا الاستنتاج على أساس الملاحظة المجردة لسلوك الفقهاء، بل وعلى أساس المادة الموضوعية لفقه العادات والعبادات لا فقه النفس. فالفقيه، حتى حال تكلمه عن الإسلام، فإنه لا يلتفت فيه إلا إلى اللسان. وهو يحكم بصحة إسلام المرء تحت ظلال السيف مع أنه يعلم أن السيف لا يكشف له عن نية المسلم. والفقيه يفتي بصحة الصلاة في حالة الالتزام الظاهري بشروطها، أي بغض النظر عما إذا كان المصلي ساهياً غافلاً في جميع صلاته من أولها إلى آخرها مشغولاً بالتفكير في حساب معاملاته في السوق أو غيرها من الأمور. بل إن الفقيه يمكن أن يستغل علمه بطريقة مذمومة كما كان يحكى عن أبي يوسف القاضي، حيث كان يهب ماله لزوجته آخر الحول (السنة) ويستوهب مالها إسقاطاً للزكاة. إضافة لذلك أن الفقيه لا يتكلم في حزازات القلوب وكيفية العمل بها. وإذا تكلم في شيء من صفات القلب فعلى سبيل التطفل، كما قد يدخل في كلامه شيء من الطب والحساب وعلم الكلام[22].

إن الأحكام الفقهية، أو بصورة أدق فقه المتفيقهين أو فقه علماء السوء، كما كان الغزالي يحبذ تسميتهم، تهمل الجوهري في العلاقات الإنسانية، أي أنها تهمل الأبعاد الروحية الأخلاقية مقابل المصلحة المباشرة. ولم تكن هذه النتيجة رداً صوفياً في أعماقه الثائرة ضد مهاترات الفقهاء وهذيانهم، بل والنتيجة الموضوعية الملازمة لتطور الفقه والأحكام الفقهية. فقد سار التصوف والفقه في دروبهما المستقلة، رغم عمومية الفقه وخصوصية التصوف، والتقيا في مفترق مساعيهما الظاهرية للتوفيق والوحدة بين الشريعة والحق. ولكن إذا كان الفقه هو الممثل الظاهري للشريعة، فإن ادعاءاته عن الحق لم تعن في نظر المتصوفة سوى صيغته القانونية الظنية، بينما أدركت المتصوفة ولمست وتذوقت علاقتها بالحق (القانوني) على أنه درجة في آدابها وأسلوبا لبلوغ علاقتها بالحق (الله). وقد انطلق الغزالي في إعادة تقييمه للفقه من استيعابه وتمسكه المتعمق والجديد لهذا الإرث التاريخي الكبير، الذي أنأى بعالم الروح الأخلاقي بعيداً عن متناول الأحكام الظاهرية الجازمة للفقهاء.

فالفقيه، كما يقول الغزالي، ليس باستطاعته الإجابة  على معاني الإخلاص والتوكل وعن وجه الاحتراز في الرياء وغيرها، رغم دخولها جميعاً في "فرض العين"، أي في علمه الضروري. بينما في إهماله إياها هلاكه الأخروي المحقق (الروحي الأخلاقي). وفيما لو سئلنا الفقيه عن قضايا اللعان والسب والشتم وما شابه ذلك، فإنه "سيرد عليك بمجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها. وإن احتيج لم تخل البلد ممن يقوم بها ويكفيه مؤنة التعب فيها"[23]. فهو يكشف هنا عن فوضى الفقهاء وعبثية تفريعاتهم وانعدام جدواها. بينما أصبح العلم الفقهي نتيجة لذلك أسير معضلاته الخيالية واستنباطاته المتخيلة، التي صنعت وحركت في خلايا دماغه المرهق معارك الهوس والاختبال. فهم يتبعون "غرائب التفريعات في الحكومات والاقضية، ويتعبون في وضع صور تنقضي الدهور ولا تقع أبداً. وإن وقعت فإنما تقع لغيرهم لا لهم. وإذا وقعت كان في القائمين بها كثرة"[24]، أي أنه يربط خواء الممارسة الفقهية المعاصرة له بواقع احتوائها ثقل الخيال الأهوج في كابوسه "العقلي" وخفة الاستعلاء غير المسئول ووحدتهما في سيادة النمطية الفاقعة في أعداد الفقهاء الغفيرة.

وقد جعله ذلك يشدد على افتقاد الفقهاء لمعنى البحث عن الحقيقة. مما حوّل الفقه عندهم إلى كيان مستهلك كصندوق للعجائب لا يحتوي في الواقع إلا على خيال المتعجبين به. ولم يكن ذلك معزولاً عن واقع تحول الفقه إلى وسيلة العيش المبتذلة. ولهذا استغرب كثرة المناطق الخالية من الأطباء المسلمين، بينما يتهاوون على "علم الفقه ولاسيما الخلافيات والجدليات والبلد مشحون من الفقهاء"[25]. ومن هنا فكرته المتضمنة في أعماقها إمكانية الحكم القائل بافتقاد علم الفقهاء الشرعي لشرعيته. فعندما يتكلم الغزالي عن قلة الأطباء المسلمين وكثرة الفقهاء المسلمين، فإنه لا يريد في الواقع سوى الكشف عن أن إسلامية الشرع وشرعية الإسلام الذي يدّعي متفقهة عصره تمثالهما وتمثيلهما يستلزم أولاً وقبل كل شيء رؤية المصلحة الضرورية للأمة. وبما أن المصلحة الأنانية المباشرة تقوم في الاقتراب من جسد السلطة لا أجساد رعاياها، لهذا نرى هذا التكالب المثير من قبل الفقهاء على مراكز السلطة وحاشيتها. وقد أشار إلى ذلك بوضوح عندما كتب يقول بأن "الطب ليس يتيسر الوصول به إلى تولي الأوقاف والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلد القضاء والحكومة والتقدم به على الأقران والتسلط به على الأعداء"[26]. مما حدد بدوره وظيفة الفقيه وشخصيته. فانهماكه في الجدل والخلافيات مرتبط بمساعيه الأنانية لطلب الصيت والجاه. أما ممارسته المزدوجة والمتناقضة في مضمونها (حسنة الظاهر سيئة المضمون) فهي من بين أشد المظاهر  شراً ورذيلة. فتجمّل الفقيه بعمل الطاعات في المظاهر لا تجعله مطيعاً ما لم يراع  الوقت والترتيب، أي السلسلة التي تربط في كل واحد الظاهر بالباطن على خلاف ما هو سائد في الأوساط الفقهية. ففي غياب هذه الوحدة الضرورية للعلم والعمل يكمن سبب فقدان الفقه والفقهاء وظائفهم الاجتماعية والأخلاقية تجاه الأمة والدولة. فالفقيه يفضل الأسهل فالأسهل بما يستجيب لمصالحه ومصالح أقرانه وأسياده. وهو يستعمل لذلك مفهوم "فرض الكفاية"، أي أنه كمن يعمل منهمكاً في صنع الكئوس والناس عطشى، أو يهتم بالفقه رغم حاجة الناس إلى طبيب. وكان لابد من أن تؤدي هذه الممارسة إلى نتائج معارضة لمصالح الاجتماع المادية والمعنوية. مما جعل الفقيه في حالات عديدة يكف عن "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويناظر في مسألة لا يتفق وقوعها"[27]. مما أدى بدوره إلى بلورة صفات مميزة لهؤلاء الفقهاء يحصرها أساساً في كل من تقليديتهم العمياء، وتعصبهم الأجوف للمذاهب، وافتقادهم للاجتهاد الحر بحيث جعله يحكم على أن غياب الاجتهاد هو "حكم كل أهل العصر"[28]. إضافة إلى "تلذذهم بآفات الجدل" مثل عدم فسحهم المجال للخصم في الانتقال إلى مواقع الحقيقة. فهم يثبطون عزيمة المقابل. أما جدلهم بأكمله فمبني على مبادئ المصارعة لا على شرف الحقيقة[29]. ووراء كل ذلك يكمن جبنهم الكامل ما في ذلك في غرورهم الجدلي. فهم يبحثون عمن هو أضعف منهم وأقل مقدرة ويتخوفون من القوي الكفء.

وقد استفاض في رسم الصورة الواقعية المقززة لفقهاء عصره إلى درجة يمكن اعتبارها من بين أشد الصور النقدية قوة وشدة. غير أن ذلك لا يعني وقوفه موقف المعارض المطلق للجدل، بقدر ما أنه أراد كشف خصوصيته عند الفقهاء (والمتكلمين أيضاً) أو بصورة أدق كشف منحاه العام وآفاقه المستنفدة لعوالم الروح المعرفي والأخلاقي. ولم يكن ذلك معزولاً عن تجربته الجدلية. فقد كان الغزالي جدلياً كبيراً. وإن مؤلفاته ما قبل (إحياء علوم الدين) هي نماذج رفيعة المستوى لكيفية خوض الجدل. ولم يفتقد هذه القدرة البارعة بما في ذلك في (إحياء علوم الدين) وأعماله اللاحقة، رغم معاهدته الشخصية لنفسه على تجنب خوضه. لكنه حتى في هذه الحالة، لم يكف الجدل عن أن يتخلل أسلوبه الاستعراضي والتحليلي والنقدي. إلا أنه لم يعد أسلوباً في الوصول إلى الحقائق، بل عنصراً منفياً في مساعيه المعرفية. وقد وضع هذا الأسلوب في أساس انتقاده لجدل الفقهاء والمتكلمين، الذين انتهكوا وحدة الغاية والوسيلة فيه.

فالجدل الفقهي يعاني، حسب نظر الغزالي، من ثقل وتشويه وضع الغاية بالضد من الوسيلة أو اتخاذ كل الوسائل التي يمكنها مساعدته في البرهنة على صحة "براهينه". مما يفقد هذه "البراهين" و"حقائقها" مضمونهما الأخلاقي. لقد أراد من وراء ذلك تغيير الأبعاد الأخلاقية للمعرفة والجدل. إلا أن مروره بتجارب الفقه والكلام العقلية وإدراكه طبيعة الصلة القائمة بين "مصارعة" الجدل و"شرف الحقيقة" دفعته في نهاية المطاف إلى أن يواجه خبايا الجدل بشكل عام والفقهي بشكل خاص. فالأخير لا يبنى على أساس البحث عن الحقيقة، بقدر ما أنه يوظف جهوده لخدمة مصالح السلطة ومؤسساتها، مما حوّله بالتالي إلى بؤرة من بؤر الآفات الاجتماعية الأخلاقية والفكرية. لهذا أيد الفكرة المنسوبة إلى ابن عباس، القائل "خذوا العلم حيث وجدتموه ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض، فإنهم يتغايرون كما تتغاير التيوس في الزريبة"[30]. فالمناظرات الفقهية تؤدي إلى الحقد الشخصي ثم النفاق والغيبة ثم الكذب والبهتان ثم الغرور والثناء على النفس. فقد دفع الجدل الفقهي الفقهاء أحياناً إلى قبائح التجسس، أي دراسة شخصية الخصم وحياته منذ الطفولة من خلال تتبع أخباره وعيوبه ونواقصه (بما في ذلك الجسدية) من أجل استغلالها في الجدل بالتعرض له لخلخلة توازنه النفسي[31]. إنه الجدل الذي تنعدم فيه قوة وقيمة الامتاع والمؤانسة، لأته يرى في خصمه "شيطاناً مارداً أو سبعاً ضارياً"[32]. وهي ذات الممارسة التي قطعت رحم الوصل في علم الفقه بين الفقهاء محوّلة إياه إلى عداوة قاطعة، مما أدى بدوره إلى أن يكره الفقيه أشد الكره ظهور الحق على لسان خصمه[33]. فالأنفة والغضب والبغضاء والطمع وحب المال وطلب الجاه للتمكن من الغلبة والمباهاة وتعظيم الأغنياء والسلاطين واستحقار الناس وكثرة الكلام واستيلاء الغفلة حتى لا يدري المصلي منهم في صلاته ما  صلى وما الذي يقرأه ومن الذي يناجيه أصبحت الصفات الملازمة للفقهاء وأقرانهم من المذكرين والوعاظ والمشتغلين بعلم المذهب والفتاوى[34]، أي كل أولئك الذين بنوا بوجودهم جدار الأيديولوجية "الحقوقية" وقنواته الخبيئة في "تقسيم العمل" المادي والمعنوي!

أدت هذه النظرة النقدية بالغزالي إلى صياغة مهمة الرجوع إلى حقيقه الفقه، التي طابقها مع مهمة الرجوع إلى إسلام الحق وإحيائه، أي إلى ضرورة استشراف "روح" التجربة الحية للسلف الصالح والداعية إلى استقلال الفقه وتلافي خدمة السلطان والسلطة. ولم يكن ذلك معزولاً عما هو مميز لسلوك فقهاء عصره. قد سار الغزالي نفسه في خطى ومسالك أولئك المترقّين في سلّم الخدمة السلطانية منذ بواكير شبابه حتى انكساره أمام "هوة" التصوف. فقد تدحرج ككرة ملساء بين أنامل نظام الملك حتى المستظهر بالله. ولكن إذا كان ذلك بمعنى  ما هو اعتراف بقدراته العلمية، فإن تعويضها المادي قد أفرغ دون شك خزينة روحه الأخلاقي.

لقد تضافرت الحقائق في قدراته على حفظه من السقوط في هاوية الاحتراف المبتذل لخدمة السلطان والقوة، وأبقت له سكينة التأمل الحر لرؤية الباعث الجوهري القائم وراء مناظرات فقهاء عصره من حب الجاه والغلبة والتعصب المذهبي لا الحقيقة ومصلحة الخلق[35]. مما حدد أيضاً مناهضته لهذا الواقع من خلال صياغة مبادئ الدفاع عن الحق والأمر بالمعروف ورفض التقليد والدعوة للاجتهاد وعدم المناظرة إلا في مسألة واقعة أو قريبة الوقوع، ورفض استلام أموال السلاطين والاستقلال في الحكم ووضع مصلحة الخلق والحق فوق كل اعتبار[36]. وقد استجمع هنا وأورد، كما هو الحال في "براهين الأمثلة"، ما هو مشهور في ثقافة الإسلام الشفوية والخطية[37]. مثل رد امرأة على عمر بن الخطاب، فأجابها "أصابت امرأة وأخطأ عمر". بمعنى اعتلاء الحق على السلطان، والحقيقة على الرجال. وهو ما تصوره أيضاً كلمات علي بن أبي طالب بعد أن استفسر منه رجل فرد عليه بكلمات لم ترضه فاعترض عليه مما دفع بعلي للقول: "أصبت (أنت) وأخطأت(أنا). وفوق كل ذي علم عليم"[38]،  أي أنه بحث في التجربة الحية للإسلام عما يمكنه أن يكون نفياً محقاً لما هو مناف للحق، وبديلاً أخلاقياً لفساد القيم، ومعلماً روحياً للتجربة الحرة. لقد حاول صهر مكوناتها في بوتقة التذوق الحر للمعرفة بعيداً عن مغامرات المصلحة ورِّق التقليد. بمعنى تضّمنها بدائل وحدة الحق والحقيقة وقيم الأخلاق المطلقة.

وليس مصادفة أن يورد تلك الأمثلة التي تصور فكرته هذه في ما هو مشهور بين المتصوفة عن جلوس الشافعي بين يدي شيبان الراعي (الصوفي الأمي) وقول الشافعي عنه "إن هذا وفّق لما أغفلناه". وعن جلوس أحمد بن حنبل بين يدي معروف الكرخي. ذلك يعني بأن الغزالي حاول أن يبرهن ويمرر في الوقت نفسه فكرة ضرورة خضوع الفقهاء لقانون الأخلاق المطلقة. وبما أن الصوفية هي تجليها الأمثل، فمن الضروري بالتالي خضوعهم لروح الأخلاق الصوفية. إذ لا ينافي الفقيه كونه صوفياً[39]. فالجهل "ليس بشرط في التصوف عند من يعرف التصوف. ولا يلتفت هنا إلى خرافات بعض الحمقى بقولهم إن العلم حجاب. فإن الجهل هو الحجاب"[40]. والفقيه الحق هو من أخضع علمه الفقهي لقوانين الأخلاق المطلقة، أو ما أسماه الغزالي من "فَقَه عن الله أمره ونهيه وعلم من صفاته ما أحبه وما كرهه"[41]. حقيقة إن هذا الاستنتاج يرتبط في منظومته بآرائه عن الحقيقة والشريعة، والظاهر والباطن، والعقل والشرع، والإلهام والوحي، والتفسير والتأويل، إلا أنه يكشف في الإطار العام عن الاتجاه الأساسي السائد في منظومته القائلة بضرورة الأخلاق المطلقة باعتبارها الحاكم الذي يجرد معطيات الفقه الواقعية عن أنانيتها الضيقة.

فالفقه المعاصر له يفتقد، حسب نظره، لأخلاقيته الباطنية كقيم متسامية. وهو غير قادر حتى على حل معضلاته الخاصة، دع عنك إنقاذ الأمة الاجتماعي الأخلاقي. فدوران الفقه والفقهاء في عجلات الدولة المغتربة عن مبادئها الأولى قد أدى إلى تحويلهم إلى أجزاء من ماكنة السلطة وأدواتها أو إلى "قطع غيار" معلبة! ودفعه ذلك إلى إثارة معضلة جوهرية في الممارسة الفقهية في الثقافة الإسلامية ككل ألا وهي ضرورة استقلال الحكم الفقهي عن مصلحة السلطان والسلطة، والدفاع عن عقلانيته الأخلاقية. فالفقه المعاصر له تجرد كلياً عما دعاه "بمعرفة آفات الأعمال. حيث هجر الفقهاء هذه المعارف واشتغلوا بالتوسط بين الخلق في الخصومات الثائرة في اتباع الشهوات وقالوا هذا هو الفقه"، أي أنهم تجردوا لفقه الدنيا والجسد. ولم تعن هذه الصياغة في آرائه سوى فقدانه للشعلة الداخلية وحرارة نورها الأخلاقي الروحي، أي بقاء الفقه والفقهاء في حيز البهيمية المقننة. فعندما يتأمل الفقيه ويتعامل مع المعاصي فإنه يقسمها، كما يقول الغزالي، إلى ما هو مكروه وغير مكروه. وليس ذلك إلا لكونه مسكيناً يتعامل مع العوام. وذلك لأن جميع المعاصي في حقيقتها "ظلمات بعضها فوق بعض. فينمحق بعضها في جنب بعض. فالسيد الذي قد يعاقب عبده إذا استعمل سكينه بغير إذنه، ولكن لو قتل بتلك السكين أعز أولاده لم يبق لاستعمال السكين بغير إذنه حكم ونكاية في نفسه". فما راعاه الأنبياء والأولياء (الصوفية) من الآداب والتسامح والتساهل فيه مع العوام فهو بسبب هذه الضرورة. وبالتالي فإن الأخلاقية الحقة بعيدة عن أن تعطي للمعصية أياً كان حجمها ونوعها مرتبة أو موقع في "مسلّة الحقوق".

لقد فتح الغزالي باب الأخلاق المطلقة أمام الفقه دون أن يفرضه على الجميع. وهو لم يتركه سائباً بقدر ما جعل منها الكوة الضرورية لإنعاش الوعي الحقوقي الأخلاقي ليأخذ كل منه على قدر طاقته.

***

 ا. د. ميثم الجنابي

 ......................

[1] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص89. لقد نشأ الغزالي في بداية أمره فقيها. وبالتالي، فلإن للفقه دورا كبير بل وتأسيسيا في بلورة شخصيته الذاتية بمختلف مستوياتها. بمعنى إن الفقه لعب دورا كبيرا في بلورة شخصيته الفردية والاجتماعية والأخلاقية والعلمية والحقوقية. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه من الفقه. إذ للفقه عند مستويات ومن ثم آثار مختلفة في شخصيته العلمية والعملية ومواقفه منه أيضا. فقد نظر الغزالي إلى الفقه من وجهة نظر الفقه نفسه، ومن وجهة نظر علم الكلام والفلسفة، وفي ضوء إعادة النظر فيه وتقييمه بمعايير الفكرة الأخلاقية وقيمها. وما هو مهم بالنسبة لهذا المبحث هو الجوانب الأولى فقط. أما الجوانب الأخرى المتعلقة بنظرته النقدية للفقه من وجهة نظر تجربته الصوفية فسوف أتناولها ضمن دراسة وتحليل فلسفته الأخلاقية.

[2] وسوف أتناول هذه الجوانب حالما اتطرق إلى قضايا الفقه عنده وبالأخص ما له علاقة بفقه النفس والفقه الاجتماعي والسياسي وفلسفة الحق.   

[3] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص129.

[4] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص130.

[5] الغزالي: ميزان العمل، ص119.

[6] الغزالي: جواهر القرآن، ص22.

[7] الغزال: إحياء علوم الدين، ج3، ص60.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص41.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص42.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص5.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص17.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص17.

[13] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص5.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص19.

[15] وسوف يشكل هذا الاستنتاج مقدمة متينة لآرائه ومواقفه الاجتماعية والسياسية في دفاعها عن ضرورة استقلال الفقه عن السلطة، أي كل ما كان بإمكانه المساهمة في إضفاء الطابع الأخلاقي على الفقه في سلوك السلطة وإرساء أسس صرحها الشرعي. مع أن لهذه الشرعية في الإسلام خصوصيتها التي سأتطرق لها في مكان آخر. 

[16] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص32.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص32.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص24-28.

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص238.

[20] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص14.

[21] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص18.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص19.

[23] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص21.

[24] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص77.

[25] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص21.

[26] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص21.

[27] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص43.

[28] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص43.

[29] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص44-45.

[30] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص45.

[31] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص46.

[32] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص46.

[33] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص47.

[34] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص47.

[35] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص42.

[36] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص43.

[37] ما يميز كتابات الغزالي يشكل عام و(إحياء علوم الدين) بشكل خاص هو قدرتها على الاقناع من حيث بساطة وسهولة تعبيرها وطابعها الملموس، دون أن ينفي أو يقلل من طابعها "النخبوي" في المعرفة والتأسيس. فقد لعبت ثقافته العقلية والفقهية بشكل خاص إضافة إلى الأدب والتاريخ دورا كيرا في بلورة أسلوبه في الكتابة وأمثلته الواقعية والأدبية في التعبير والكشف عن مضمون الأفكار المعقدة والعميقة. ويمتلئ (إحياء علوم الدين) بشواهد كثيرة على كيفية تقريب الفكرة للقارئ. وبهذا تكون كتاباته أيضا نموذجا للمزاوجة بين رفعة الفكر وسموه من جهة وتقريبه وقربه للأذهان جميعا بما في ذلك "تدنيه في كيفية اقناع العوام من جهة أخرى.   

[38] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص44.

[39] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص154.

[40] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص154.

[41] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج12 ص389.

 

ميثم الجنابي"الإنسان إذا كان عالماً ولم يكن له عقل،

سقط جاهه ومرتبته" (الغزالي)

إن الفكر الصوفي قادر على أن يحبك في نسيج خياله اللغوي ما يواجه في واقعيته صعوبة التنفيذ، وذلك لأنه لا يواجه من حيث الجوهر سوى حقائق ذاته. وقد خلّصه ذلك لحد ما من تعقيد وإشكاليات الإضافات المفرطة للعلم والعقل، والتي يفرضها منطقهما بفعل التباين الدائم والمتغير في كمية المعارف وحجم العقول. فهو لم يواجه في مساعيه رغبات البحث عن موازنات الوعي الشرطي، بل للتخلص من قيودها من خلال نزع آهات الأنا العقلية في شكها وتبريرها. وقد أعطى ذلك لتجاربها الفردية معنى يتجاوز حدود ما تفترضه التجربة العقلية. غير أن هذا التجاوز، الذي تنهمك في صياغة عناصره شفرات الطريق الصوفي، أي كل ما يسهم في تسوية الإرادة وتهذيب المعرفة بالشكل الذي ينفي على الدوام تناقض العلم والعمل، لا يتشابه بدوره عند الجميع بفعل تباين تجاربهم الفردية. وأن الميدان الأكثر حساسية وفاعلية لهذا التباين هو ميدان الروح الأخلاقي (العملي). فالمعارف النظرية تمتلك لحد ما مقوماتها في موضوعية الحقيقة، إلا أنها تتناثر في وعي الذات الفردي، باعتبارها كيانات مرئية وغير مرئية يبنى على أساسها تأمل كل ما كان ويكون، أي أنها تشكل البؤر الضرورية لإعادة تكامل المعرفة في الذات من خلال ادراك الحقيقة في الأنا الباحثة عن يقينها. وعندما أبدعت الصوفية تحديدها للعارف (الصوفي) في فكرة "لون الماء لون إنائه" فإنها لم تقصد بذلك تذويب أرواح عارفيها في زجاج وجودها، بل لكشف وحدة حقائقها في تجاربها، أو حقيقتها في حقها أو مصيرها في وجودها.

إن هذا الإبداع الخاص لوحدة الذات العارفة متنوع بقدر تنوع مريديها، ومتباين بقدر تباين عارفيها، ومتعدد بقدر أعدادهم. بمعنى أن وراء كل صوفي تجربة خاصة. ولا تختلف الصوفية هنا أو تتمايز عما هو مميز لتجارب المفكرين النظرية والعملية ككل. فالجميع تتحمل أثقال ماضيها في أوزار حاضرها، أو بصورة أدق، أنه لا حاضر سوى الماضي، تماماً بالقدر الذي يتضمن الماضي في ذاته كل إمكانات المستقبل و«غيوبه. وإذا كانت هذه التعبيرات تتشابه في عبارات الفرق الإسلامية ومدارسها وفي ألسنة خواصها وعوامها، فلأنها كانت تتشارك في معتقداتها حدود معالمها الثقافية، وفي وحيها تجارب فرقها وطرقها ومذاهبها ومدارسها. وصنع ذلك على قدر كل منها مكونات ما يمكن دعوته بطريقها الخاص. فالصوفية تدرك معالم الوحدة المتناقضة للعلم والعمل على أنه أسلوب وجودها المتميز، لأنه في واقعيته ومثاله يتطابق مع طريقها. وقد كان هذا بالقدر ذاته يقلق همم مدارس الإسلام وفرقه، لأنه هو أيضاً أسلوب وجودها. إلا أن انهماكها في عالم الظاهر أدى إلى سيادة أولوية العلم على العمل أو إلى موازاة وجودهما وتواجدهما.

وقد كانت هذه الحصيلة نتيجة طبيعية لتطور المعارف بفعل كميتها، واستمرارية لها بفعل استقلالها النسبي. فالمعارف لا تشكل بحد ذاتها دليلاً على ضرورتها العملية، ولا يعني إتقانها الشكلي تجوهرها في الوعي. وإن هذه الموازاة الخائبة في الوعي كانت وما تزال تشكل أسلوب إبداع الفجوات الدائمة أمام الوحدة. إلا أنها كانت وما تزال تشكل أيضاً الأسلوب الأكثر انتشاراً للمعارف في كميتها ونوعيتها. فهي تبدع أيضاً مثلها في الوجود، إلا أنها لا تتمثل إلا ما تراه مفيداً، أي أن مساعيها العملية هي في أفضل الأحوال مساعي الأنا المستقلة لا الكلّ. وكان بإمكانها أن تنتج ما لا يمكن حصره، وأن تضيّع أكثره دون أن تشعر بأسى كبير، أو كان بإمكانها أن تنظر إلى ذلك نظرتها إلى ما هو عرضة للفقدان. وبهذا تكون قد عبّرت أيضاً عن نمط الحياة في مسارها "الطبيعي"، على خلاف التصوف الذي لم يكن بإمكانه أن يعاني من شعور الفقدان، لأن الأخير هو إضافة بفعل امتلائه بما يتصوره بقاء  للباقي. وإن كل ذلك يبقى، إن أمكن القول، من إرهاصات التأمل المتعالي لما يمكنه أن يكون موضوعاً للاستقراء المنطقي الجاف. بينما في واقعيته هو التمثيل الأكثر حيوية لتناقضات المعرفة. وفي فرديته هو التجسيد الأكثر عمقاً لأصالة المعرفة. وفي ما بين تناقضات المعرفة وتحقيق أصالتها في البحث عنها تكمن قيمة التجربة الفردية لإدراك معالم الوحدة المتناقضة بين العلم والعمل كما أبدعتها ثقافة الإسلام.

فقد كانت ثقافة الإسلام في إطارها العام واحدية المنحى. مما أدى إلى أن تضع شخصياتها الكبرى بين قيمها المطلقة وشريعتها المقننة، أي أنها أعطت لتناقضات المعرفة طابعها الخاص بإدغامها في نسيج التجربة الفردية التي يبدعها هذا المفكر أو ذاك في محاولاته فهم حقائق المطلق أو في مساعيه الحثيثة  الباحثة عن الحقيقة. لقد وضعت الثقافة الاسلامية من حيث مرجعياتها الكبرى اهل العلم والمعرفة على الدوام بين محك العلم والعمل، وجعلت من كيانهم الفردي ميدان التجسيد الأمثل لتوحيد فردانية الأصالة وأصالة الفردية. أما قيمة ومحتوى هذا التجسيد، الذي يتطابق في واقعيته مع التجربة الفردية، فإنهما يستمدان أسسهما من خصوصية الثقافة الإسلامية وكيفية انكسارها في المسار المعرفي لأرباب الفكر، وفي المسار العملي لأرباب الذوق. حقيقة إن ذلك لا يعني توازيهما في التاريخ الاجتماعي والوجود الفردي. إلا أنهما صاغا، إن أمكن القول، نماذجهما المثالية في ميادين المعرفة.

فإذا كانت المعرفة العقلية قد حاولت إدراك الوجود والعدم في مقولاتها الصارمة، فإن المعرفة الذوقية (الصوفية) حاولت إدراك الوجود والعدم في أعمالها وآدابها. ولم يكن هذا الخلاف مبدئياً في غاياته، بقدر ما أنه عكس تنوع الثقافة الواحدية في مساعيها. وذلك لأن بلورة شخصية أرباب الفكر والنظر لم تكن حصيلة فعل النزعة الظاهرية أو أن ما أنتجته كان خلاصة نقية لها، وذلك لأن تأكيداً كهذا لا يعكس في الواقع سوى حدود وعيه المباشر. وهو في أفضل الأحوال لا يتجاوز رؤية السكون النسبي في حركة الأشياء. فما وراء ظاهرية الثقافة ومعالم إدراكها لتناسب العلم والعمل تكمن على الدوام صيرورة الباطن الخفية، أي أن الظاهرية تتضمنها كأجزاء فيها. وبهذا تكون قد عبّرت عن مظاهر الوجود في إيجاده. ولا يعني ذلك إهمال انتمائها العميق للمطلق، أو فقدانها لوجدانية الاندماج والتعبير. على العكس! إنها نظرت إلى هذه القضايا كأجزاء في وحدة الدقة الظاهرية، التي يفترضها منطق العقل في رؤيته للظواهر. وهو ما يبرز بجلاء في وطأة العقل النظري لمدارس الإسلام وفرقه الكلامية والفلسفية والفقهية.

إن لهذه الوطأة العقلية أسسها الروحية أيضاً. وهو ما يقابله في عالم الإيمان من معتقدات وإفرازها في خلجات الضمير. وفي هذا التواجد الحي لوطأة العقل والضمير تتبلور وتتداخل وتتصادم وتتناقض عناصر العلم والعمل. وفي مجرى ذلك تتكون شخصية المفكر وتجربته الفردية، أي أنها تعكس في صيرورتها طبيعة التداخل والتحول بين مكونات المعرفة الثقافية والعلم الأخلاقي، باعتبارها المكونات الجوهرية في ثقافة الإسلام آنذاك. إذ لم تتعد تجربة المفكرين في مكوناتها الأساسية حدود المعالم الأساسية التي افترضتها ثقافة الإسلام الواحدية. ولكنها أبدعت ضمن هذه الحدود كل ما تراه ضرورياً، أو أنها على الأقل فسحت المجال أمام تثوير ذاتها لأنها لم تحصر ذاتها في ذاتها، بل في طوفانها بين واجب الوجود والوجود، وبين الأول والآخر، وبين الأزل والأبد، وبين الحلال والحرام، وبين المباح وغير المباح، أي أنها حصرت ذاتها الواعية في قيم مبادئها الكبرى.

حقيقة إن هذا الحصر لم يكن فعلاً إرادياً خالصا بقدر ما أنه ارتبط وتحدد بالصيغة التي نشأ بها إسلام الخلافة وسلطته. ومع ذلك لم يكن الأساس المادي لصرحها السياسي الدولي حاسماً في يوم ما على كمّ أفواه الفكر بلجام قوته. لقد أعطى للفكر حوافز استقلاله النسبي، وقيّده في الوقت نفسه بمتطلبات التطور والتغير. وقد استجاب كل علم في إطار حدوده إلى هذه التحولات على أنها قدره الخاص. واشتركت جميعها في الوقت نفسه بعدم تجاوز ذاتها، أو أنها لم تضع أمام نفسها مهمة اختراق ذاتها، لأنها لم تجد في ذلك أسلوب تعميق معناها. وقد كمنت في ذلك عناصر الإبداع والتقليد.

ففي الوقت الذي أسست فيه لإعادة إنتاج ما هو قائم على أنه مثال حي بفعل حصرها قيمة الوجود فيما بدا لها مطلقاً في "شريعتها"، فإنها أدت أيضاً كنتيجة لهذا الحصر إلى اختمار الروح الدائم. وقد جعلها ذلك ضيقة من وجهة نظر التاريخ السياسي والدولتي والعسكري والحرفي (العلمي والصناعي)، ولانهائية في الوقت نفسه من وجهة نظر التاريخ الروحي والمعنوي. فما كان يقلقها ليس كمية المعارف ومداها بل القيمة والمعنى. لهذا أبدعت فكرة الارتباط ووضعتها في جوهر مساعيها. وبما أن الارتباط هو إما علم أو عمل، فإن الثقافة الظاهرية حاولت تجسيده في العلم (المنطق) والكلمة والبرهان، بينما جسدته ثقافة الباطن في العمل (الأخلاق ومساعي الروح).

وقد كان ذلك خلقاً دائماً لحدود الحرية، التي تكتنز في أعماقها ثروة الرزانة والسكينة، بفعل شعورية انتمائها للمطلق، وفورانها وتمردها بفعل وجدانيتها المتحسسة للعدل والظلم. وقد استمدت تجارب المفكرين، بما في ذلك عند الغزالي، حدودها من حدود الثقافة الإسلامية ذاتها. إنها تحسست وأدركت وتذوقت حقيقة التحرر باعتباره قيوداً إضافية. لهذا فإن مطالبتها بالمزيد كان لابد وأن يؤدي إما إلى استثارة القناعة المفرطة بتقليديتها، وإما إلى شكوك المعرفة الحية، وإما إلى يقين الذوق الفردي. واحتوت هذه الاتجاهات الكبرى على نماذج لا تحصى، أو بصورة أدق على عدد أصحابها. وإذا كانت الثقافة الإسلامية في ممهدات تكونها أكثر اقتراباً من أرضية الوجود التاريخي الفعلي، فليس لكونها استندت إلى ما هو "عقلي" في قرآنها وسنّتها، بل لكونها نشأت كتلقائية صارمة في استجابتها لوحدانيتها. وقد أعطى ذلك لها إمكانية الشكر الدائم لنِعَم أفعالها، أو التوبة لذنوبها، أو الاستغفار لأخطائها.

إنها قيّدت مساعيها بالطريقة التي جعلت من ارتباطاتها بمطلقها الروحي وشريعتها المتغيرة الأسلوب الواقعي لتعديل مسارها المقيد في دروب الحرية. ومن هنا استمرارها الرصين وابتعادها عن مغامرات النفس. وقد كانت هذه القيود العامة في واقعيتها شبيهة بسواحل البحر، أي أنها تمتلك قيمة الثبات وعروة النجاة ومعنى الأمان والاطمئنان فقط في حالة محاذاتها لأمواجه! وبالتالي لا تمتلك حدّها وحقيقتها وجمالها وجلالها بمعزل عنها. إنها أبقت في محيطها كل المكونات الضرورية للحياة وصخبها المخيف وأعطت لكل ذلك معناه الهادئ بفعل نجاحها في تحويل مغامرات الجسد إلى عالم الروح. بينما سلك كل مفكر بطريقته الخاصة هذه المغامرة الثقافية للجسد. لهذا كان لابد له من أن يصطدم بالضرورة بثنائية العلم والعمل في مستوياتها العديدة، أما بمستواها العقلي (العلم والعقل) أو الوجودي (المادي الروحي) أو الأخلاقي، أو بهم جميعاً كما هو الحال عند الغزالي.

إن التحول العميق في مخاض وحدة العلم والعمل لم يشترط بالضرورة مروره بهذه الثلاثية، أو على الأقل أنه لا يفترض وجودها كسلسلة لابد منها. وإذا كانت هذه السلسلة قد ميزت انقلاب الغزالي إلى عالم التصوف، فلأنها تطابقت في واقعيتها مع مراحل تطوره العقلي في عوالم الفقه والكلام والفلسفة. فهي التجربة التي كشفت في مجراها عن محدودية العقل اللاهوتي والفلسفي، وأفرزت في الوقت نفسه قيمة الغائب الأخلاقي الروحي. لهذا شدد لاحقاً على مبدأ ضرورة أن يبني المرء أحكامه على ما يعلم لا على ما يجهل. ولم يعن هذا المبدأ أسلوباً لمنهجية المحاجة العقلية، بل وتعبيراً عن ضرورة وضع الحدود الصارمة للعلاقة بين الأحكام المبنية على المعرفة الذوقية بالأمور وبين تلك التي تضع في أساس حكمها التقييمي جهلها بها.

لقد كان هذا المبدأ حصيلة المعرفة العيانية بالجدل الفكري وأحكامه الجازمة والجائرة، التي عادة ما كانت تبني تصوراتها على ما تجهله حقيقة. لهذا شدد على رفض السلوك الذي يجعل من الغائب وغير الموجود أساسا للحكم ومقولاته. وإذا كان يسعى من وراء ذلك للبرهنة على أهمية الذوق الصوفي، فإنه كان لابد له في مواجهة إمكانية القبول والرفض من أن تبنيها على أساس خاص بها، هو أساس المعرفة المستندة إلى المعلوم والموجود لا إلى الغائب والمجهول.

وفيما لو حاولنا تطبيق هذه الصيغة على شخصية الغزالي ووعيه العملي، أي على تلك العناصر التي ترتبت بأثر نموه الفكري في مجرى وصراعات الفرق الإسلامية ومذاهبها وانكسارها في التجربة العملية، فإن الفقه احتل موقع الميدان الأكثر سعة وحساسية، ليس فقط في تقييد الفكر المجرد وإجباره على التقولب ضمن إطار الأحكام الصارمة بل وفي ذلك القدر الضئيل من حرية الروح الأخلاقي، الذي يعاني من وطأة "الإستقامة الحقوقية". فالآلية الداخلية للفقه الإسلامي، التي تمثلت في مجرى تطورها نتاج الثقافة القائمة عانت في حالات عديدة من "تخمة" الإفراط المعلوماتي، مما جعله كلي القدرة قاسي القلب. فقد أتقن الفقه حنكة المراوغة للدرجة التي استطاع بها قهر كثرة من عمالقة الفكر الإسلامي أمام محاكم السلطة، واستفحلت فيه نتيجة لذلك غريزة الانتقام وداء التشفي ومكر الذات المخدوع. وعمق ذلك فيه نزعات السيطرة وادعاء الشمولية واحتكار الحقيقة، التي أفقدته مع مرور الزمن صفاته العملية الأولية المميزة لمبادئه وبداياته، أي كل ما كان يتطابق في الوعي الأخلاقي مع الورع والتواضع والصلاح والإصلاح والمبدئية والحقيقة. ولعل تجربة الغزالي الفقهية هي أحد النماذج النادرة في الثقافة الإسلامية التي حاولت أن تضع حداً لتبجّح الفقه المعرفي (المعلوماتي) من خلال كشف محدودية وظيفته وسطحية حقيقته، وضيق مضمونه وصخب طنينه، وعابرية أحكامه وقوة أوهامه. فهو من بين الفقهاء الأكثر رفعة. وهو الذي تمرّس في تمارين الفقه للدرجة التي لم يتجرأ أي من معاصريه على مواجهته وجهاً لوجه، بل وتجاوز ذلك الحد الذي كسر بها نفسه بنفسه. وإذا كانت هذه النتيجة قد استثارت حفيظة البعض وتعظيم البعض الآخر، فإنها لم تعط مع ذلك لمشاعر الاتهام الخفية إمكانية القول عنه بأن علمه كان أكثر من عقله، أو أن عقله أكثر من علمه1 .

فالغزالي لم يعانِ من تناقض زيادة أو نقصان العلم والعقل وتناسبهما فيه وعنده. وهو ليس من الشخصيات التي كان بإمكان المؤرخين المسلمين أن يطلقوا عليه، كما تجرءوا بالقول على ابن المقفع (ت- 141 للهجرة)، وابن الريوندي (ت-245-250 للهجرة) وفيما بعد السهروردي المقتول (ت- 586  للهجرة) وغيرهم من أن علومهم أكثر من عقولهم2، أو على الفراهيدي (ت- 170 للهجرة) من أن عقله أكثر من علمه.

إن علوم الغزالي لم تكن أكثر من عقله ولا عقله أكثر من علومه. وقد أظهر ذلك أيضاً في إدراكه الدقيق لهذه العلاقة المتناقضة والضرورية في الوقت نفسه في الوعي والممارسة، مازالت هي القوة الفعلية وراء تطور الذات المفكرة. فتطوره الفكري الروحي ما قبل التصوف هو مثال الحركية الدائمة لزيادة ونقصان العقل والعلم في تناسبهما. وفي مرحلته الصوفية فقط وعى خطورة هذه العلاقة ليس بوصفها قضية فكرية، بل وعملية أخلاقية. لهذا نراه يشدد لاحقا في (نصيحة الملوك)  على أن "الإنسان إذا كان عالماً ولم يكن له عقل سقط جاهه ومرتبته"3. ولم يكن حكمه هذا نابعاً من معاينة ودراسة تجربة الصراعات الفكرية على مثال شخصياتها، بل وأساساً في إعادة تقيم تجربته الشخصية العملية، وخصوصاً في ميدان الفقه.

إن معادلة نقصان وزيادة العقل على العلم والعكس، التي أبدعها الخيال الأدبي في بادئ الأمر، لتتخذ في مواقف الكلام صيغة الاتهام العقائدي، تحولت في أيدي الفقهاء إلى وسيلة قمع "المتهورين" وتبرير النفس. فقد كان الفقهاء في العلم فحولاً لكنهم صغار العقول. لهذا تحسسوا قوة الاتهام الفعالة لمعارضيهم في فكرة زيادة العلم على العقل، وبالتالي إبراز أنفسهم كممثلين حقيقيين لوحدة العلم والعقل. ولم تكن هذه المفارقة الحصيلة الضرورية للفقه، بقدر ما أنها كانت النتاج الطبيعي للتناقضات القائمة في البحث الدائم عن الحقيقة، أي تلك الصراعات الناشئة في مرحلة انحطاط القيم وتضخم المعارف، التي وجدت تعبيرها وتجليها الحاد في تناقض العقل والأخلاق.

فقد وقف الغزالي أمام هذه المفارقة الدائمة المميزة للوجود الإنساني ما لم يبلغ درجة وحدة الحقيقة وحقيقة الوحدة. فالعقل يمكنه أن يكون كونياً، ويمكنه أن يتصور ذاته أو يتضاءل أمام بصيرته، أما في مساعيه وحركته وقوة إبداعه وفي فضائله أو رذائله الطبيعية والاصطناعية، فإنه لا يعاني إلا من عزلته في الصراع مع النفس. وقد وقف الغزالي أمام هذه المفارقة محاولاً إدراك رموزها العامة وحل معضلاتها الخاصة. وإذا كان ذلك مرتبطاً في جانبه الفكري بتجربته النظرية في علوم الكلام والفلسفة، وجانبها السياسي الأخلاقي في صراعه مع الباطنية التعليمية، فإن حساسيتها الأخلاقية الروحية تبلورت أساسا في دهاليز الفقه العقلاني ومكره العملي.

***

ا. د. ميثم الجنابي

....................

1- لهذه الفكرة تقاليدها. وقد بنيت في شقيها على رد فعل الصراعات الفكرية. كما كانت تحتوي على وحدة المتناقضات في الوعي التقييمي. فابن النديم يورد، على سبيل المثال، الكلمات التي قيلت عن أولئك الذين زادت عقولهم على علومهم. وأولئك الذين زادت علومهم على عقولهم. واحتوت هذه المقارنة المفارقة على فكرة عميقة من حيث تحديدها للعلاقة بين العقل والمعرفة بمختلف اصنافها. كما تتضمن هذه العبارة على معنى سبق وإن ابدعته الثقافة الإغريقية الفلسفية عن "أن كثرة العلوم (المعارف) لا تصنع عقلا". غير إن عبارة "علمه أكثر من  عقله" كانت تتضمن في الأغلب إشارة إلى التهور العقلي والجرأة المتشددة. أما الصيغة المعاكسة فقد كانت تحتوي على صيغة الاحترام الظاهري المشبوب بقلق داخلي، والذي لا يخلو بدوره من صدق الانتفاض المبطن. غير إن هذا التقييم بصنفيه اتخذ في تقاليد الصراع والاحتراب الفكري والعقائدي طابعا آخر اتسم في أغلبه بالتكفير والتجريم والاتهام والتبديع وما شابه ذلك، كما كان الحال في الموقف من ابن الريوندي والسهروردي المقتول وغيرهم.   

2- إن لهذا الاتهام أو التقييم لكل من هؤلاء الثلاثة (ابن المقفع وابن الريوندي والسهروردي المقتول) مقدماته الفكرية والسياسية ومضمونه الخاص في ظروف كل منهم. بمعنى إن لكل ترديد لعبارة "إن علمه أكثر من عقله" قيمتها ومضمونها ووظيفتها الخاصة. ففي حالة ابن المقفع لم يكن ذلك معزولا عن الصراعات السياسية والثقافية الضيقة، بينما كان الأمر أكثر تعقيدا في حالة ابن الريوندي بسبب تعّقد وتوّسع وتعمّق كل من العلم والعقل الإسلاميين في ميادينهما المختلفة، وبالأخص في ميدان صراع المذاهب والفِرق الكلامية. فالتقييم أو الاتهام المذكور والمنسوب إلى ابي القاسم البلخي (ت- 317 للهجرة) والذي سيدخل تيار الأحكام القاسية للاعتزال كما هو جلي في كتاب (الانتصار) لابي الحسين الخياط. ففيه نعثر على نقد "تهور" ابن الريوندي و"فظاعة" عقله الجدلي. ولم يكن هذا النقد اعتباطا في الفكر المعتزلي. فقد دافع المعتزلة عن العقل واعتبروا أنفسهم القوة الرائدة في هذا المجال. وبالتالي اعتبروا معارضة أحكامهم العقلية واستنتاجاتهم في أفضل الأحوال خروج على العقل. غير أن ما لم يكن بإمكانهم الاقرار به ذهنيا لم يستطيعوا تطبيقه عمليا، أي انهم فسحوا المجال بمواقفهم هذه "لاقتراف الذنوب العقلية" كما هو الحال في موقفهم من ابن الريوندي. إذ لم يكتفوا بذلك بل ونظروا إلى خاتمة حياته البائسة بنفسية التشفي كما هو جلي في مخاطبة الخياط له بعبارة "فهذا مذهبك وهو قولك القائل بقدم العالم والزمان والاستهزاء بالأديان والأنبياء. ومن اجله نفتك المعتزلة وطردتك من مجالسها وباعدتك عن انفسها حتى حملك الغيظ عليها على ان صرت تنبح كالكلب بإزائها وتكذب على أشياخها. وما ضررت بذلك غير نفسك"(الخياط: كتاب الانتصار، بيروت، 1957، ص123). أما في الواقع فإن لهذه الظاهرة مفارقاتها الخاصة، وفي كلّها شكلت المادة الغنية لثقافة الغزالي الفكرية وحساسيتها الأخلاقية اللاحقة (بعد انتقاله إلى التصوف) في موقفه من الجدل. 

3- الغزالي: التبرك المسبوك في نصيحة الملوك، القاهرة، 1900، ص119.

 

 

ميثم الجنابيأيا حجر الشحر إلى متى

تسنّ الحديد ولم تُقطَعِ؟

إن المهمة السياسية الأيديولوجية القائمة وراء (فضايح الباطنية) لم تتجرد في الوقت نفسه عن "ازدواجيتها" العميقة. بمعنى أنها ظلت تحمل في أعماقها ليس فقط حوافز الدفاع عن السلطة العباسية والبرهنة على أحقيتها في الخلافة، بل وكونها كانت من الناحية التاريخية والفكرية شيئاً ما نسبياً وعابراً مقارنة بأسلوبه الجدلي ومضمونه العقلاني. فقد ساهم مؤلفه هذا، سواء على المستوى الشخصي والاجتماعي والثقافي، في تعميق منظومة وقيم الحرية الفكرية واستقلالية العقل ودحض فكرة السلطوية الروحية وأوهام العصمة واحتكار الحقيقة من جانب أي كان. فهو في دفاعه عن السلطة العباسية، على سبيل المثال، لم يتهاو في أوحال التبرير بالصيغة التي يمكن أن يطوي بها قيمة العقل وفضيلة الاجتهاد وحرية الرأي أو أن يرتضي بالعصمة لخلفاء بني العباس.

لقد عمّقت حذاقة النقد المتصدي لفكرة التعليمية الباطنية عن إمامها (العقائدي والسياسي)، باعتباره العارف بحقائق الأشياء والملزم طاعته والتعلم منه لأجل نيل سعادة الدنيا والآخرة، أسلوب الجدل الفكري. غير أن وجهته كانت أيضا تسير باتجاه خدمة مصالح الإمام العباسي (المستظهر بالله). إن جهود الغزالي النظرية لإبطال فكرة التعليمية الباطنية عن عصمة وأحقية إمامها في مصر آنذاك كانت تحتوي على تمهيد الأساس الأيديولوجي للدفاع عن الخليفة العباسي، باعتباره إماماً للمسلمين. بمعنى أنه لم يقف عند حدود دحض الفكرة الباطنية وكشف "فضائحها"، بل ونفيها بالبديل العباسي من خلال جمع كل ما يمكنه ضمان تأييدها بما في ذلك كثرة المعطيات المباشرة والعادية مثل وجود أغلبية المسلمين والقوة إلى جانب المستظهر بالله وما شابه ذلك. رغم أنه كان يدرك جيداً انعدام الصلة الضرورية واللازمة بين القوة والحق، والكثرة والحقيقة. بل إن انتقاداته الفكرية الشديدة للباطنية حول الإمام الواحد والحق كانت موجهة أساساً من أجل البرهنة على استقلالية وموضوعية الحقيقة وتجردها بالتالي عن عوارض الكميات (أتباعاً ومعارضين). وذلك لأن كثرة الأغبياء والحمقى واتفاقهم على الكلمة، كما أكد الغزالي نفسه، لا يعني حقيقتها وأحقيتهم. إن استعماله هذه الفكرة ضمن سياق الدعاية السياسية لم يعن في الواقع سوى إحدى محاولات إعطاء الخلافة العباسية في شخصية المستظهر بالله شرعية وجودها وصلاح إمامها. ومن هذا المنطلق يمكن فهم استنتاجه القائل "بقدسية" الخلافة العباسية. فقد أكد على أن وصول المستظهر بالله للسلطة لم يكن نتاجاً للحيلة البشرية والمخادعات بل بل "رزقاً إلهياً". بمعنى أن اختياره هو اختيار الله له. غير أن الغزالي مع ذلك لا يجعل من واقع الاختيار مقياساً للحقيقة، بقدر ما أنه يمثل أحد مؤشراتها، أي أنه نظر إلى الاختيار باعتباره مقدمة للبيعة الحقيقية، التي ستصرف لاحقاً "قلوب الخلق لطاعته والانقياد له في الأمر والنهي"[1]. وإذا أتاح الله لامرئ هذا، كما يقول الغزالي، فإنه كان من الله لطفاً في اختياره لخلافته[2].

ومن الممكن القول بأن هذا الاستنتاج الأيديولوجي الملطف للتبريرية الجبرية يعكس في بعض جوانبه خشونة المواجهة الفكرية والسياسية للمرحلة. لهذا حاول أن يعطي له طابعاً سياسياً عقلانياً من خلال تصوير استنتاجه السابق على أنه نموذج معارض لفكرة "النص الإلهي" للتعليمية الباطنية، التي وضعت الاختيار الإلهي قبل الإنساني. في حين وضع الاختيار الإنساني قبل الإلهي، أو بصورة أدق أنه وجد في الاختيار الإنساني تطبيقاً للإلهي، وفي وحدتهما الصيغة المثلى لما ينبغي، أي أنه سعى إلى إيجاد نوع من التجانس الواقعي الممكن بين الإلهي والإنساني في الاختيار السياسي. وقد أدت هذه  الفكرة إلى خلافات جوهرية مع ما يقابلها في التعليمية الباطنية. إلا أن الغزالي حالما حاول إنزال هذا التجانس الممكن إلى ميدان الواقع، فإنه كان لابد من أن ينكسر على موشور الصفات الأساسية، التي ينبغي أن يتحلى بها الإمام (الخليفة). فالغزالي يستند هنا جزئياً إلى تقاليد الكلام السياسي في موقفه من الصفات الأساسية للإمام، إلا أنه أخضعها لمصالح أيديولوجية السلطة، بحيث أدى به ذلك إلى أن يجعلها جزءاً من الصراع لا من مكونات البحث عن الحقيقة. فعندما حاول أن يطبق الصفات المكتسبة الأربع على شخصية الخليفة المستظهر بالله (النجدة والكفاية والورع والعلم)، فإنه ينطلق من أن النجدة ضرورية لإظهار قوة السلطة وحسم الفتن وإقرار النظام. وبما أن الغزالي يصطدم بواقع كون القوة العسكرية ليست بيد الخليفة، بل بيد السلاطين الأتراك وما تنتجه هذه الحالة من انتقادات المعارضة للخليفة بما في ذلك في صفة النجدة، فإنه وجد المخرج المناسب في ازدواجية الانتقاد والتبرير. فهو يشير إلى واقع مخالفة السلاطين والأمراء لأوامر الخليفة ونواهيه. بل إنهم في حركاتهم لا يترددون إلا خلف شهواتهم، وإذا هاج لهم غضب لم يبالوا بالأتباع ولم يعرفوا إلا الرجوع إلى ما جبلوا عليه من طباع السباع[3].

إن الغزالي يصوّر الواقع وينتقده بحذق ضمني، لكنه يحدّه في الوقت نفسه ايديولوجياً على أساس أن ذلك لا يغير من طبيعة الخلافة وشرعيتها، مازال السلاطين أنفسهم "يتقربون إلى الله بنصرته ويعتقدون ويطيعون خلافته". أما عدم الطاعة والتردد إلى الشهوات، فإنها صفة كانت قائمة على الدوام. فالمؤمنون على سبيل المثال، لا يخضعون كلهم بقدر واحد لله. إذ هناك الموافق والمخالف. والسلاطين رغم تنصلهم عن الخضوع أحياناً، فإنهم على الدوام شديدو الحرص على إظهار الطاعة له. ذلك يعني أن هذه الظاهرة المثيرة لانتقادات التعليمية لا تغير من أحقيته في الخلافة. ولنا في ذلك أمثلة كثيرة بما في ذلك مع الإمام علي بن أبي طالب، الذي دفعه تنافر قومه وعدم خضوعهم لرأيه وإتباعهم إياه إلى أن يقول يوماً "لا رأي لمن لا يطاع". وإذا كان الإمام علي يقود العساكر بنفسه، فإنه لم يعد ذلك، حسب نظرية الغزالي، شرطاً من شروط الإمامة. بصيغة أخرى، إنه يجمع مختلف الأدلة من أجل البرهنة على شرعية الخليفة العباسي. وبغض النظر عن طابعها التبريري الجزئي، إلا أنها صبّت في مجال التقاليد الكلامية العقلية، التي جعلت من شدة الكلمة وقوتها الجدلية أسلوب البرهنة على الحق والحقيقة. ويمكننا أن نلحظ هذا الأسلوب أيضاً في كيفية تطبيقه على كافة الصفات الأخرى. فالمستظهر بالله يظهر كما لو أنه أحد ممثلي الورع الإسلامي الكبار. وإذا كان الغزالي يركز على هذه الصفة أكثر من غيرها، فلأنها تستلزم أولاً وقبل كل شيء "معاناتها" الذاتية باعتبارها صفة ذاتية مكتسبة على خلاف النجدة والهداية وغيرهما من الصفات، مما يمكن تقويته بمساعدة المستشارين والأعوان. من هنا فإن تميز المستظهر بالله بالورع هو الذي يعطي للغزالي إمكانية حلّ خياله وعقله قيود الاعتدال، ولكنه يبقى مع ذلك أميناً "لمنطقية" الاستنتاج في تقاليده الثقافية الإسلامية. فهو حالما يستنتج من صفة الورع المميزة للمستظهري أحقيته في الخلافة، فإنه يكون بذلك قد عبّر عن استمرارية التقاليد الإسلامية في موقفها من إحدى أهم الصفات وأكثرها جوهرية في صيرورة كيانه الروحي الأخلاقي. فالورع، كما أفرزته تقاليد الإسلام، هو البؤرة الداخلية التي تلتف حولها طبقات الوعي الأخلاقي. ومنها تشع علامات الحق. وإليها تنجذب قوى الروح الكامنة في القلب والعقل والجوارح. وليس مصادفة أن يجمع في تصويره شخصية الخليفة كل هذه الصفات قائلاً بأن المستظهر بالله هو "إمام الورع والتقوى حتى أوفى على الغاية القصوى. فتميز بمتانة الدين وصفاء العقل واليقين حتى ظهر من أحواله منذ تجمّل صدر الخلافة بجماله من إفاضة الخيرات والعطف على الرعايا، وقطع العمارات التي كانت العادة جارية عليها بالمواظبة عليها. كل ذلك إضراباً عن عمارة الدنيا. هذا وما ظهر من سيرته في خاصة أحواله من لبس الثياب الخشنة واجتناب الترفّه والدعة والمواظبة على العبادات"[4].  كل ذلك في ريعان الشباب، فما بالك يا ترى في حالة مقاربته سن الكمال. إذ أن الهلال إذا رأيت نموه أيقنت أن سيصير بدراً كاملا!

إن الغزالي يدرك صعوبة تحقيق التجلي الواقعي لحقيقة الكمال. وذلك لأن الكمال الحقيقي هو لله فقط. إلا أن عدم تجليه الكامل لا يعني عدم وجوده. وبهذا فإن انتقادات التعليمية الباطنية وغيرهم القائلة بخلو الزمان من الإمامة لافتقاد شرطها في الكمال لا يمتلك أساسه السليم. لهذا حاول جهد الإمكان رد هذه الاعتراضات بالصيغة التي يمكنها أن تعقلن المواقف أو تصوغ مبادئ اعتدالها الواقعي. فعندما يتناول على سبيل المثال، شخصية الخليفة الذي بحوزته كل تلك الأموال والإمكانات الاقتصادية الهائلة، فإنه لا ينساق وراء ما يمكن دعوته بالتبريرية الاقتصادية، بل وراء عقلنة المواقف من خلال التركيز على وحدة الورع والاقتصاد في النفقات من خلال شرعنتها الفقهية الحقوقية. فهو ينطلق من أنه لا عصمة للبشر، بما في ذلك للأنبياء. والإنسان عرضة للزلل. وعلى هذا الأساس حاول أيضاً استعمال فكرة الشافعي حول شرط عدالة الشهادة ليطبقها على الإمامة. فالشافعي يؤكد على أنه لا يمكننا القول عن فرد ما بأنه غير ذي طاعة خالصة إلا في حالة عدم اقترافه معصية مطلقا. ولا يمكننا القول عن فرد ما بأنه عاص كلياً إلا إذا أدركنا أنه لم يقم بطاعة قط. أما في الواقع فإنه ليس هناك إنسان منفكّ عن الخلط بينهما. إلا أن من غلبت الطاعات عنده على المعاصي وأن السيئة تثير عنده شعور الاستياء، والحسنة شعور الاستحسان، فهو يقول الشهادة. وفي استناده إلى هذا الاستخلاص الفقهي، يستنتج مخرجاً سياسياً يقول بأننا لا نشترط في عدالة القضاء إلا ما نشترطه في الشهادة، ولا نشترط في الإمامة إلا ما نشترطه في القضاء[5]. إذ ليس الإمام في نهاية المطاف سوى قاضٍ أكبر. وإذا كان الغزالي قد استطاع إخراج المستظهر بالله يابساً من بلل الانتقادات والاتهامات المعارضة في الصفات الأساسية كالنجدة والورع، فإنه أفلح بقوة أكبر في إظهار لمعانه في صفات العلم والكفاية.  غير أن ما يصوغه هنا هو جزء موجز من قناعته السياسية أيضاً بصدد قضايا الدولة والسلطة. إلا أن الثغرة التي ظلت قائمة على الدوام في منظومته الفكرية ما قبل التصوف تقوم في كمون فاعلية الصراع بين عقلانيته المنطقية وتبريره الايديولوجي، أي كل ما كان يسهم في خلخلة روحه الأخلاقي المعرفي.

ولم يكن ذلك معزولاً عن الصراعات الاجتماعية والسياسية والفتن المذهبية وعلائم انهيار الدولة وانحلال الوحدة وتشوّه القيم وانفلات الأمن. وبهذا المعنى كانت أراءه واحكامه ومواقفه الايديولوجية الوجه الآخر للواقعية العقلانية. فعندما حاول الدفاع عن أحقية المستظهر بالله فإنه يصور حالة الدولة والمجتمع بصورة دقيقة، مشيراً إلى أن صعوده إلى سدة الخلافة بعد سابقه (المقتدي) رافقه "إحداق العساكر بمدينة السلام وازدحام أصناف الجند على حافتها. والزمان زمان الفترة، والدنيا طافحة بالمحن متموجة بالفتن. والسيوف مسلولة في أقطار الأرض. والاضطراب عام في سائر البلاد. لا يسكن فيها أوار الحرب ولا تنفك من الطعن والضرب. وامتدت أطماع الجند إلى الذخائر ففغروا أفواههم نحو الخزائن. وكان يتداعى إلى تغيير الضمائر وثور الأحقاد والضغائن"[6]، أي كل ما كان ينبغي للمستظهر بالله وضع حد له وإعادة ترتيب الأوضاع بالصورة الأفضل. وهو ما استطاع القيام به. لهذا كان دفاع الغزالي عنه هو دفاع عن الوحدة الاجتماعية والسياسية للدولة. كما انه دفاع عقلاني وواقعي في الوقت نفسه. أما التناقضات المظهرية في بعض صياغاته النظرية فإنها لم تكن في الواقع نتاجاً لمعارضة الحقيقة بالمذهبية السياسية، بقدر ما أنها نتاج لمعارضة المذهبية العقائدية بالعقلانية السياسية. وقد أدت هذه العقلانية به إلى أن يقف لاحقا أمام هاوية تأنيب الضمير الأخلاقي. وفي وقت لاحق، فإنه لم يقدم الحقيقة كبشاً لفدائه الشخصي، بل شخصه كبشاً لفداء الحقيقة الأخلاقية، أي كل ما سيظهر بجلاء لا لبس فيه بما في ذلك في تمسكه الدائم بآرائه التي صاغها في (المستظهري) ضد التعليمية الباطنية.

لقد تنازل عما هو دعائي وتبريري في آرائه وأحكامه باعتبارها عوارض للصراعات السياسية. فقد كانت هذه العوارض بمعنى ما محاولات إضافية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لهذا فإنه حالما ستظهر أمام مصيره الشخصي معادلة الحقيقة والسياسة، والعقل والأخلاق فإن حلها الضروري اتخذ صيغة التآلف المعرفي الجديد. فلا عقل وأخلاق، بل عقل أخلاقي. وبهذا يكون قد حافظ، كما هو الحال في موقفه من الكلام والفلسفة، على ما هو إيجابي فيهما. وبهذا يكون قد أضاف إلى صرح تجربته النقدية العقلية تجربة الكلام السياسي، رغم أن تأثير التعليمية الباطنية على آرائه لم يكن محصوراً أساساً في ميدان السياسة بل في استمرار تأثير العقلانية النقدية وظهور قيمة الوعي الأخلاقي. ولم يكن هذا بدوره معزولاً عن آراء الباطنية وأسلوبها التأويلي.

فعلى الرغم من معارضة الغزالي الدائمة لآراء التعليمية الباطنية وأسلوبها التأويلي، إلا أن معارضته جرت أساساً، كما هو الحال بالنسبة لمواقفه من الاتجاهات الفكرية الأخرى، من خلال تطوير وتعميق وعي الذات المعرفي النقدي. ومن الممكن رؤية تأثير المادة الباطنية التعليمية الغزيرة في آرائه بما في ذلك في مرحلته الصوفي، وبالأخص ما يتعلق منها بقضايا النبوة والظاهر والباطن والسمو الأخلاقي والمعرفي وغيرها. وليس مصادفة أن تظهر، على سبيل المثال، إحدى القضايا الجوهرية في التعليمية الباطنية، ألا وهي قضية العلم والتعليم والمعلم في آرائه وتتصدر كتابه الأكبر (الإحياء) كإحدى قضاياه الأساسية وأولها، وباعتبارها مدخلاً لما أراد قوله. إلا أن الخلاف مع التعليمية الباطنية ظل مع ذلك جوهرياً، وبالأخص ما يتعلق منه بمواقفهما المتباينة من التأويل وأساليبه ومضمونه وغايته. لكنه حالما تعامل مع قضايا الفكر الصوفي، فإنه أصطدم بالضرورة بالمخزون المشترك لباطنية الصوفية وباطنية الباطنيات العديدة، بما في ذلك التعليمية بفعل دورها الكبير في صياغة وتعميق تقاليد التأويل واستدراجها خيال وعقل الثقافة في أمثلتها العديدة (الفلسفية واللاهوتية والأدبية المجازية وغيرها). لهذا لم يكن بإمكانه التخلي كلياً عما بدا له مضراً في بادئ الأمر في الفكر الباطني. فقد أدرك في مجرى صياغته أطر وموضوعات تآلفه الفكري الجديد، الصلة الخفية بين أسلوب المعرفة القلبية  (الصوفية) في أحوالها ومقاماتها من تذوق وكشوف ومشاهدات وبين التأويل المفرط للمادة القرآنية والحديث باعتباره نتاجاً وتمرينا للفكر الباطني. وقد انعكس في ذلك إحدى أساليب تطور إدراك الغزالي المعرفي وفكره. وبدون ذلك يصبح من الصعب فهم صيرورة تآلفه اللاهوتي الفلسفي الصوفي باعتباره نفياً لآرائه السابقة أو تطويراً مضموني لها. إذ لم تكن هذه الظاهرة بالنسبة له قضية فكرية خالصة بقدر ما أنها ارتبطت أوثق ارتباط بالموقف النقدي من النفس، والذي أدى إليه تجمع عناصر التناقض الداخلية في وعيه الفردي، أي كل ما استجمع في ذاته تناقضات الواقع ومحاولات الخروج من أزمتها.

فهو لم يرفض تراثه السابق بل استعاده بعمق جديد وآفاق أرحب، مشذباً إياه بالصيغة التي عادة ما ترافق إعادة التقييم النقدية الخالصة. وبدون ذلك يكون من الصعب فهم إشاراته العديدة في مرحلته الصوفية إلى مؤلفاته الأولى (ما قبل التصوف)، بما في ذلك دعواته المتكررة للرجوع إلى هذا الكتاب أو ذاك، أو إلى هذا الفصل والباب منه أو ذاك، بما فيها كتبه الموجهة منها ضد الباطنية. ومن الممكن تفسير هذه الظاهرة جزئياً استناداً إلى "شرعية" الحقيقة القائمة في هذه المؤلفات باعتبارها مؤلفات "ظاهرية" مدافعة عن عقيدة العوام، إلا أن هذا "الدليل" لا يشكل بحد ذاته قيمة جوهرية لا من حيث مضمونه ولا من حيث وظيفته في منظومة الحقائق التي أبدعها في تآلفه الفكري الجديد.

لقد ظلت هذه المؤلفات تحمل الكثير من الحقائق الجوهرية التي تمسّك بها ودافع عنها في مرحلته الصوفية أيضاً. وليس مصادفة، على سبيل المثال، أن يردد في (المنقذ من الضلال) جملة الآراء التي بلورها وعرضها في (المستظهري). فهو يشير إلى ما أسماه بالمستحثّ الخارجي، أي أمر الخلافة في الرد على الباطنية[7]. وكذلك آراؤه الداحضة لفكرة العصمة ودعوته للاجتهاد انطلاقاً من أن النصوص متناهية ولا تستوعب الوقائع غير المتناهية[8]. ويؤكد في الوقت نفسه على الفكرة الرئيسية في انتقاده للباطنية  والمتعلقة بقضية التأويل، وأن ما يصوغه من آراء ومفاهيم تستمد مقوماتها من القرآن ويدعو القارئ في حالة رغبته بالتمعن بآراء الباطنية بالرجوع إلى مؤلفاته العديدة بهذا الصدد مثل كتاب (المستظهري) و(وحجة الحق) و(مفصل الخلاف) و(القسطاس المستقيم). ذلك يعني أن الغزالي لم يرفض في الواقع سوى الفجوة التي كانت تتخلل مسام وعيه العقلاني وغياب فاعلية الروح الأخلاقي، أي كل ما استثار، على خلفية وجوده التاريخي القائم آنذاك، شعور القلق الروحي الذي أبدع حوافز تذليل خلاف العقل والأخلاق. فالسخاء العقلي في منطق "الفضائح" وجفاؤه الأخلاقي كان يحوي في جوانحه على عوالم الكمون الحي لمفارقات الحقيقة العقلية الأخلاقية، أي كل ما تطاير على مسنّ التجربة العملية الأخلاقية.

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الغزالي: فضائح الباطنية، ص126.

[2] الغزالي: فضائح الباطنية، ص126.

[3] الغزالي: فضائح الباطنية، ص129.

[4] الغزالي: فضائح الباطنية، ص132.

[5] الغزالي: فضائح الباطنية، ص135.

[6] الغزالي: فضائح الباطنية، ص131-132.

[7] الغزالي: فضائح الباطنية، ص118.

[8] الغزالي: فضائح الباطنية، ص121.

 

ميثم الجنابي"الجنون فنون"

إن الانتقاد العقلاني لمفاهيم التعليمية عن الإمام المعصوم من خلال التركيز على موضوعية الحقيقة قد وضعه أمام إحدى القضايا الكبرى للثقافة الإسلامية، ألا وهي طبيعة العلاقة بين الأخلاق والحقيقة، بين الحقيقة والأيديولوجيا. فالغزالي في مرحلته هذه لم يسعَ لحل هذه القضايا بصورة مستقلة. بمعنى أنه لم يواجهها بوصفها قضاياه الشخصية، بقدر ما أنه واجهها كجزء من مهمات الصراع ضد "الزيغ والباطل" التعليميـ الباطني. لهذا لم يكن بإمكان آرائه هنا أن تتعدى في أفضل الأحوال حدود الدفاع عن العقل واستقلاليته الفكرية ورفض التقليد.

إن لهذه الظاهرة مقدماتها في تقاليد الجدل الكلامي وصراع الفرق الإسلامية. وإذا كان الغزالي قد سار هنا على العموم في تيارها الجارف، فإن مأثرة هذا الانتقاد تقوم في تمظهره بموضوعية التحليل والأحكام بصدد القضايا المثيرة للجدل. لهذا فإنه حالما يتطرق إلى فكرة التعليم، فإنه يؤكد على ضرورتها. ويشدد في الوقت نفسه على أنها لا تستلزم أية عصمة. فالعلوم البرهانية العقلية هي ليست علوماً تقليدية، بينما لا يمكن معرفة حقيقة العصمة إلا بالضرورة أو التقليد. وفي كلتا الحالتين، فإننا لا نستطيع هنا بالدلالة والتدليل سوى اقتراف حماقات لا غير. أما حماقة التعليمية الباطنية، فإنها تقوم في هجومها المستميت ضد العقل وتفضيل تكذيبه. ومنطقياً لا تؤدي هذه المحاولات إلا إلى نفي فكرة العصمة ذاتها. إذ حتى في حالة افتراض إمكانية وجود العصمة والإقرار بقدراتها العملية، بمعنى استطاعة الإمام المعصوم تقديم العلم المطلق في كل شيء، فإن ذلك لا يمكنه تفسير كل من وجود الخلافات أو كيفية القضاء عليها. ولو كان وجوده فعلياً فلم لا يسلك الكل في ربقة التصديق؟ بصيغة أخرى، إنه يحاول من خلال انتقاداته اللاذعة لفكرة العصمة أن يتوصل إلى أن إنكار الرأي والعقل والدعوة للرجوع إلى الإمام المعصوم هي ذاتها قضية مرهقة للمعصوم نفسه ومأزق لا يمكن الخلاص منه. لهذا أكد على أنه إذا كان بالإمكان الإقرار جدلاً بوجود المعصوم كفكرة لها أتباعها في أوساط بعض الفرق الإسلامية وفرق الأديان الأخرى (كل بطريقته الخاصة)، فكيف يمكن يا ترى أن تكون مقنعة لمن لا يقر بوجود الله والأنبياء والمعجزات؟ ومن هنا استنتاجه القائل بضرورة رفض العصمة والمعصوم والدفاع عن حرية الرأي والعقل. فالأخير ليس قادراً على الإقرار بالمعجزة، كما يقول الغزالي، بل وبإمكانه اعتبارها أيضاً مخرقة وسحراً. وبالتالي فبأي معنى يمكن الإقرار أو القناعة بوجود عصمة ما عند فرد ما؟ ولم لا يمكن لهذا الإنسان أو ذاك أن يقلد أو يقتنع بعصمة الآخرين والمعارضين لمن يدّعي العصمة لنفسه؟ ومن هنا بديله القائل بأن الحل الوحيد هنا هو "الأمر بالتفكر والنظر في الدليل" . وبهذا يتحول الرأي والنظر عنده إلى الوسيلة الحقيقية والوحيدة لبلوغ اليقين. أما افتراض إمكانية الثغرات الدائمة في معطيات العقل وأحكامه فهو نتاج السفسطة والجهل العقائدي. إذ أنه يؤدي إلى إبطال العلوم والاعتقادات جميعاً. بل وحتى في هذه الحالة فكيف "يبقى معه وجود التعلم ومعرفة العصمة" .

إن الجدل الفكري الذي خاضه ضد التعليمية الباطنية لم يكن "تمريناً" فكرياً، كما كان الحال في (تهافت الفلاسفة)، رغم احتوائه على بعض القواسم المشتركة فيما سيدعوه في وقت لاحق بالدفاع عن عقيدة العوام، أي أن ما يميزه عن سالفه هو اتجاهه ومضمونه الأيديولوجي العقلاني وهدفه السياسي المباشر. وقد أدى بفعل قوته العقلانية إلى نتائج غاية في التباين من حيث تأثيره على تطوره الفكري الروحي. ففي إجابته على ما إذا كان الإمام المعصوم ضرورياً أم لا، فإنه يتوصل إلى فكرة من حيث استدراجها المنطقي إلى أحكام غاية في الجرأة في دفاعه عن الوحدانية الكلامية الفلسفية، أي تلك الأحكام التي يفترضها منطق العقلانية الصارم. فالفكرة التعليمية الباطنية القائلة بضرورة الإمام المعصوم وبأن غيابه هو فقدان للحق، تتناقض مع الحكمة الإلهية في ترتيب حياة الناس وقيامها على مبادئ الحق هي مقدمة خاطئة. إذ ليس هناك بنظره من حكمة تستلزم من الله خلق إمام معصوم، بل إنه يجوّز خلوّ العالم من نبي استناداً إلى قدرة الله المطلقة. وهو لم يعنِ بذلك سوى "القدرة الإلهية" وحكمتها من افتعال الذهنية المذهبية ومصالح السياسة وبما يتوافق أيضاً مع تجانس نظراته عن حقيقة العدالة والظلم، والحكمة واللاحكمة في الوجود. إذ ليس الظلم حسب عبارة الغزالي سوى وضع الشيء في غير موضعه. ولا يعني ذلك سوى التجريد الاشمل لما يمكنه أن يغطي كل ظواهر الوجود دون أن "يتلوث" بها. من هنا اعتباره لفكرة التعليمية وأمثالها عن ضرورة إرسال الأنبياء والأئمة المعصومين للأمم من أجل إرشادهم، وأن عدم إرسالهم هو مناقضة لأوصاف الكمال الإلهي، مجرد خداع لا غير. بل وحتى في تلك الحالة التي يؤكد فيها على أن الله لا يلزمه في نعوت كماله أن يراعي مصلحة الخلق فإنه لم يسع بذلك لعزله عن مصيرهم بقدر ما أنه سعى للبرهنة على أن التحكم الجزئي والمفتعل بمعطيات العقل في تقرير ما هو واجب وما هو غير واجب على الله، هو وضع الله ووحدانيته المطلقة في قفص الاتهام أمام انتقائية العقل الجدلية ورغبات النفس . إذ أن ذلك يعني فيما يعنيه تقييد العقل ذاته بذاته في هوس يشابه في جنونه فكرة النص والعصمة. غير أن تشديده على هذا الجانب لم يكن يرمي في الواقع إلا لإبراز فساد الفكرة التعليمية الباطنية عن ضرورة الإمام والإمامة. وإذا كان الغزالي يواجه أحياناً لاعقلانية التعليمية بلا عقلانية مناقضة، فلأن ذلك كان نتاجاً لتقاليد الجدل الكلامي من جهة، وأسلوباً لبلوغ الحد  المعقول "للوسط العقلاني" من جهة أخرى، أي أنه الوجه الآخر لتقييد العقل بالعقل. من هنا كلماته القائلة بأن الأمور أعقد مما يبدو لقناعة الذهنية التقليدية عن ضرورة الإمام والنبي، انطلاقاً من أن "صفات الربوبية لا توزن بموازين الظنون. وبهذا يستبين أنه لا يجب بعث نبي ولا نصب إمام" . من هنا فإنه لا معنى "للعهد الأزلي" في تنصيب الإمام مازال ذلك غير ضروري بما في ذلك للنبي. وبغض النظر عن أن التعليمية الباطنية ليست الوحيدة في ادعائها بوجود إمامها المعصوم، إلا أن الغريب في الأمر هو ظنها أن هذه الحماقة، كما يكتب الغزالي، خاصة بها فقط. إذ أن تاريخ الخلافة كما يقول في (فضائح الباطنية) مليء بالأشخاص والحركات التي ادعى كل منها نفسه ممثلاً ليس للعصمة والنبوة، بل وحتى للربوبية. وبهذا المعنى فإنه لا أساس يقيني في ادعاء التعليمية الباطنية، وأحقية معصومها مقارنة بالآخرين.

إن ما يمكن قبوله في اتجاهات التعليمية الباطنية عن الإمامة، حسب نظر الغزالي، هو ادعاؤها بأحقيتها في الخلافة. فهو ادعاء يمكن قبوله عقلاً، لأنه وارد عند الكثير من الاتجاهات الفكرية والسياسية التي يدعي كل منها أفضليته وأحقيته بالخلافة. ثم إن هذا الإدعاء لا بأس به في حالة تركه شرط العصمة والمعرفة المطلقة. آنذاك سيتمظهر الإدعاء في هيئة مشكلة سياسية ومسألة فكرية يمكن التعامل معها على أساس واقعيتها. بمعنى تعاملنا مع مسألة الإمامة باعتبارها قضية بشرية لا إلهية، وحياتية وضعية لا دينية واجبة. فالتجربة التاريخية تبرهن، كما يقول الغزالي، على أن فقدان الإمامة هو هجوم على الأحكام الشرعية وبطلان القضاء وإهدار الدماء. وأن إبطال الإمامة يؤدي بالضرورة إلى الفوضى. وبغض النظر عن رفض بعض المسلمين لضرورتها، إلا أنها محل إجماع الأغلبية. بصيغة أخرى، إن الفرَق العام بين الفِرق بصدد هذه القضية يقوم في أسلوب تعيينها لا في أصلها. وقد أدرك المسلمون هذه الضرورة البالغة في أولى تجاربهم السياسية حيث دعت تجربة السلف الأوائل إلى ضرورة الإمامة. فالنبي محمد مازال مضطجعاً في الموت، بينما الصحابة اجتمعت على اعتقاد أن "الفرض الواجب" يقوم في البيعة ونصب الإمام. بحيث حلوا هذه القضية حتى قبل دفنه. كل ذلك يبرهن على أهميتها في وعيهم السياسي والديني. وبهذا المنحى فُهم ضرورة الإمامة والإمام على أنهما ضمانة للسنّة ودفع الباطل وتقرير الحق . ويتفق الغزالي هنا مع التعليمية الباطنية بضرورة الإمام الواحد. لكنه يختلف عنهم في الأسلوب والمضمون. وينطبق هذا بالقدر ذاته على مختلف القضايا الأساسية الكبرى. فالخلاف في ما بينه وبين التعليمية الباطنية بصدد الإمامة يقوم في تباين مواقفهما منها، وفي تعارض رؤيتهما لأسلوب الإقرار بها، أي كل ما يؤدي في حصيلته إلى تباين رؤية الكيان العام للسلطة والدولة وأيديولوجيتها. ذلك يعني بأنهما يلتقيان في نقاط كثيرة ولكنهما لا يتطابقان في أي مكان. فاتفاقهما الظاهري عن إمامة الواحد يتخلله خلاف داخلي يصل حد التضاد الكامل. وأن هذا التضاد لم يحدده فقط تعارض المصالح السياسية وصراعاتها، بل والرؤية الكلامية الفلسفية لموقع السلطة والإمام في منظومات التعليمية الباطنية ومعارضيها. فالغزالي يتفق، كما هو الحال بالنسبة للتعليمية وأغلبية الفرق الإسلامية، على الصفات الضرورية لما يسمى بشروط الإمامة. إلا أن بحثها وتدقيقها الملموس يؤدي بهما إلى خلافات وصراعات لا تنتهي. وحالما وقف أمام مهمة مهاجمة آراء التعليمية الباطنية، فإنه أدرك، إلى جانب تعقيد القضية الفكري، تعقيدها السياسي. فإذا كانت "سهولة" الجانب الفكري بالنسبة له تستمد مقوماتها من نماذج وتقاليد الجدل الكلامي وأساليبه المتفرعة في الهجوم والهجوم المضاد (كما هو جلي في انتقاده لفكرة النص والعصمة)، فإن التعقيد السياسي يقوم في كونه الأكثر حسماً في واقعيته ووجوده.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابي"الجنون فنون"

وهنا يجدر القول، بأن انتقادات الباطنية للعقل لا تعني رفضها للعقل. فالمنظومات الفلسفية والفكرية للباطنية الإسماعيلية ذات مسحة وعمق عقلي رزين. وبالتالي فإن إهمال الغزالي لهذا الجانب في انتقاداته كان أساساً لاعتبارات النقد السياسي الأيديولوجي، التي ساهمت بدورها في كشف الثغرات الفعلية للاتجاهات الباطنية، بفعل جوهرية فكرة الإمام المعصوم في منظومتها الفكرية. وقد أشار الغزالي بدقة إلى هذه المسألة عندما كتب قائلاً بأنه لولا قولهم بأساسية التعليم وتعارض العقول لما "صنّف هذا الكتاب"[1]، أي (فضايح الباطنية). فقد استندت التعليمية في آن واحد إلى التجربة الواقعية وشدّة الصراعات الفكرية وحوافز الصدامات السياسية. وحاولت من خلالها استبدال العقل الكلامي والفلسفي المعارض لها"بعقل الإمام المعصوم". وفي هذا التناقض حاول الغزالي اكتشاف مأزق التفكير الباطني الإسماعيلي ومفارقاته. فالآراء العامة للتعليمية تشترك في إقرارها بالفكرة القائلة بأن من تتبع العقل وصدّقه ففي تصديقه تكذيبه، وذلك لأنه لابد وله خصم عقلي فيه. وإن جميع المفكرين لهم عقولهم المتماثلة إلا أن أقاويلهم مختلفة كما هو الحال بالنسبة للفلسفي والأشعري والمعتزلي وغيرهم. بينما الحقيقة واحدة ولا كثرة فيها.ومن هنا استنتاجهم بأن الوحدة هي الحق والكثرة هي الباطل، والوحدة مع الإمام والكثرة مع العقول.

غير أن هذه الاستنتاجات التعليمية الباطنية تضع نفسها بالضرورة أمام العقل المستقل، الذي سعت للتقليل من شأنه، أو ما وضعه الغزالي بسؤاله القائل بأي وسيلة بلغ الفكر التعليمي الباطني استنتاجه المذكور؟ هل بالضرورة أم بالنظر؟ وإذا كانت الحالة الأولى مرفوضة بفعل عدم جلائها للجميع، لأنها لا تمتلك طابع البديهة، فإن الثانية هي اعتراف بصحة النظر العقلي. لكن هذا يتعارض مع آراء التعليمية، وذلك لأن مجرد الإقرار بمعرفة خاصة لا يدركها إلا الإمام المعصوم، يعني بأن معرفته إما بالضرورة وإما بالنظر ولا طريق آخر. وفي كلتا الحالتين هو إبطال للمذهب التعليمي الباطني[2].

وقد رد على اعتراض التعليمية الباطنية المتشكك بصحة النظر وبالكيفية التي يتم بها النظر، قائلا، إن كان بالضرورة كما تقول الباطنية فإنه إنكار لهذا الإدعاء بفعل عدم إقرار الجميع بهذه الفكرة وكذلك بفعل تعارض العقول. وإن كان بالنظر لحاله فما هو معيار صحة هذا النظر والخلاف قائم بين الجميع؟ ومع، أقر الغزالي "بشرعية" هذه الأسئلة والاعتراضات ولكن في حالة "إن كانت المعقولات بالموازنات اللفظية"، أي في حالة رفع الجدل السفسطي إلى مصاف البحث عن الحقيقة ومعيارها. ولا يعني هذا بدوره سوى الانطلاق من الواقع ذاته.

فالغزالي يربط في كل واحد حقيقة النظر العقلي بالسلوك. فمن سلك وصل ومن وصل عرف ومن عرف ما سلكه كان هو الطريق. وحتى في حالة الشك، فإن السلوك الوحيد لإزالته هو سلوك جديد آخر من أجل بلوغ الحقيقة. فالمعيار الحقيقي هو الممارسة وليس التقليد والعصمة. ويقدم الغزالي مثالاً غاية في البساطة والإقناع عن أنه فيما لو سألنا شخص ما عن طريق الكعبة فدللناه عليه، وإذا استفسر من أين عرفنا كون هذا هو الطريق بعينه، أجبناه: عرفناه بالسلوك، فإنا سلكناه فوصلنا إلى الكعبة فعرفنا كونه طريقاً. لقد أراد القول بأن التجربة العملية أو الممارسة الواقعية هي معيار حكمنا واستيعابنا للحقيقة النظرية. إلا أنه يدرك تعقيد معيار الممارسة في تطبيقه على كافة الحقائق. فالممارسة ذاتها لا يمكنها أن تحدد على الدوام نهاية الحقائق. فهي بدورها تصنع معضلات الشك المتجدد. وقد أدرك  الغزالي هذه الحقيقة، لهذا حاول أن يوحّد في آن واحد محدودية الممارسة وأحكامها وتطور الحقيقة ضمن هذه المحدودية، أي نسبية الحقائق وجزئيتها بما في ذلك الخطأ. وبهذا حاول أن يكشف عن وحدوية الممارسة في كافة الميادين، رغم تباينها بفعل مستوياتها ونوعيات المنظومات الفكرية وموضوعاتها المختلفة. فإذا كان الطريق إلى الكعبة لا يستلزم سوى المشي من أجل اكتشاف الطريق، فإن طريق الأمور الحسابية من الهندسة والمساحة، يمكنه أن يوصلنا إلى معرفة المجهول بينما يؤدي سلوك طريق الحساب بنا إلى الاعتراف بأن نظر وطريق العقل دليل في الحساب. وينطبق هذا بدوره على العقليات التي يمكن للنظرية أن تكون طريقها. وبهذا المعنى تصبح النظرية طريق النظر العقلي[3].

من كل ما سبق يتضح بأن الغزالي أردا الكشف عن موضوعية الحقيقة، المستقلة عن سفسطات المذاهب. وأن يبرهن في الوقت نفسه على أن سلوك النظر العقلي يمكن أن يبلغ الحقيقة ذاتها في حالة استناده إلى منطق الظاهرة ذاتها وترتيبها العقلي. فالناظر في الهندسة "إذا حصر المقدمات ورتبها على الشكل الواجب، حصل العلم بالنتيجة ضرورة على وجه لا يتمارى فيه. فهكذا جوابنا في المعقولات. فإن المقدمات النظرية، إذا رتّبت على شروطها أفادت العلم بالنتيجة على وجه لا يتمارى فيه، ويكون العلم المستفاد من المقدمات بعد حصولها ضرورياً كالعلم بالمقدمات الضرورية المنتجة له"[4]. إلا أنه يدرك التعقيد الملازم لتطابق أو وحدة المنهج والطريق (السلوك) العملي في بلوغ الحقيقة. وبغض النظر عن تعقيد القضية من حيث إمكانية استيعابها، إلا أنها تبقى سليمة من حيث طابعها المجرد بوصفها الأسلوب العام لإمكانية وتباين وصعوبة بلوغ الحقيقة كما هي. فالمعرفة الحسابية والهندسية على سبيل المثال، معترف بها لأنها ضرورية (بديهية)، أما المعارف العقلية (النظريات العقلية)، فلو كانت مقدماتها بالطريقة المعلومة فلم وقع الخلاف فيها؟ وهو لا يجد في هذا الإحراج "الباطني" قوة منطقية، رغم كونه السؤال الدائم للعقل النظري. لهذا أكد على أن هذا الاعتراض لا يصمد أمام النقد المنطقي العقلي رغم استناده إلى واقع الخلافات القائمة. بمعنى محاولته البرهنة على الطابع الضروري للاستنتاجات العقلية. فاتهام العلوم العقلية استناداً إلى خلافاتها لا يعني بطلان حقائقها. فحتى العلوم الحسابية والهندسية قد دققت حقائقها.. فهي الأخرى تعرف الخطأ دون أن يفقدها ذلك طابعها الضروري. فالعلوم الحسابية والهندسية، كما يقول الغزالي، اختلف فيها جملة وتفصيلاً، كما اختلفوا في هيئة الفلك ومعرفة مقاديرها وهي مبنية على مقدمات حسابية. غير أنها أندر مما هو عليه الحال في العقليات. وسبب ذلك متأتٍ لا من وجود الحقيقة في مكان وفقدانها في آخر. كل ما في الأمر إن الخلاف في الحساب أندر لأنه أظهر، وفي العقليات أكثر لأنها أخفى وأستر. ومع ذلك هناك استنتاجات في العلوم العقلية والحسابية يمكن اعتبارها متساوية في طابعها الضروري، بل لا فرق بينهما. ففي العقليات اتفق الجميع، كما يقول الغزالي، على أن القديم لا يعدم[5].

وقد عمّق هذه الفكرة من أجل البرهنة على موضوعية الحقيقة وإمكانية المعرفة الحقة. فهو يقف في آن واحد ضد حصر مدارك العلوم في الحواس، وإنكار العلوم والمعطيات النظرية (التجريدية العقلية) أو بالعكس. فليست الأولى بنظره سوى سفسطة الحواس، وليست الثانية سوى تشويه المنطق "بالضرورات" المذهبية. وفي كل الأحوال فإن هذا الصراع أبرز مسألة ما إذا كان ذلك يؤدي إلى ضرورة التصديق بمعطيات العقل أو عدم التصديق بها. فالانتقادات السفسطائية التي تنكر ضروريات المعرفة باعتبارها خيالات كما هو الحال بالنسبة لأظهرها، أي معطيات الحس، تبقى بنظره مجرد سفسطات كلامية، أي أنها لا تقدم برهانا منطقياً على التشكيك بالضروريات والعقليات والنظريات. فالعقليات والنظريات حال حصولهما في المقدمات تبقى ضرورية، أما التعليمية فإنها تثير المسألة من منطلق آخر يسعى في نهاية المطاف إلى حصر العقل وإجباره على الاستسلام أمام عصمة الإمام. فالتعليمية لا تطلق القول بإبطال الرأي، وذلك لأن مفكريها يستعملون الأدلة والبراهين على إثبات التعليم. من هنا فإن قولهم ببطلان معطيات العقل ما هو في الواقع سوى نقيض ونقض لآرائهم نفسها. إضافة لذلك إن رفض معطيات العقل واستنتاجاته على أساس الخطأ الوارد فيه لا يعني بنظره سوى قوة العقل لا ضعفه. وذلك لكونها العملية المعرفية العقلية التي تشق لنفسها الطريق في خلافات أتباعه وممثليه في بحثهم عن الحقيقة. من هنا رأى بأنه إذا كان التشكيك بمعطيات العقل مبنياً على أساس خلافات أتباعه، فإن من الممكن مواجهة هذه السفسطة بالتشكيك في حصافة قائلها من خلال الرد عليه والتشكيك فيما إذا كان ما يطرحه هو من أحلام المنام لا من "يقين" اليقظة، أي أن يجري إحراجه بالسؤال عن الكيفية التي يميز هو بها عما إذا كان ما يقوله في النوم أم اليقظة. وإذا أجاب بأنه يدرك ذلك بالضرورة، فإننا يمكن أن نرد عليه بأن الإجابة العقلية في الواقع هي الوحيدة التي يمكنها أن تدرك هذه الضرورة، أي التفرقة بين ما يجوز الغلط فيه من مقدمات وبين ما لا يجوز أيضاً ضرورة[6]. وينطبق هذا بالقدر ذاته على كل الغلط والصواب في مختلف العلوم الأخرى. أما أولئك الذين ينكرون معطيات النظر العقلي كلياً، فإنهم بنظره لم يفهموا معنى النظر العقلي بحد ذاته.

فالأحكام النظرية والعقلية، حسب رأي الغزالي، مبنية على مقدمات منطقية تستند بدورها إلى الحس والتجربة، والتجربة والعقل. من هنا فإن التشكيك بها يستلزم أدلة برهانية، وإلا لكان بإمكان أي كان أن يقول بأن ما يورده أو يعترض عليه هو "مقدمة ضرورية قاطعة". ومن هنا فإن إبطال نظر العقل يعني الوقوع في خلاف لا نهاية له ولا قرار. مما سبق يبدو واضحاً بأن هذه الأدلة التي يقدمها الغزالي تسعى لبناء أسس نظرية يمكن الاستناد عليها للبرهنة على خطأ الفكرة الباطنية التعليمية عن عصمة الإمام القائلة بضرورة التعليم. فهو يتفق مع التعليمية في ضرورة التعليم، إلا أنه يختلف عنها بحصر ضرورته في الإمام المعصوم. فالاستنتاجات التعليمية الباطنية التي تحاول أن تبني في وحدتها هيكل الضرورة المطلقة للإمام المعصوم والتعلم منه استناداً إلى اختلاف العقلاء في ما بينهم، لا تستند بنظره إلى أساس منطقي سليم.  وأن مقدمات هذه الفكرة هي مقدمات خاطئة. وقد عارض الغزالي هذه المقدمات انطلاقاً من تقسيمه للعلوم. فهو ينطلق من أن هناك ما لا يمكن تحصيله إلا بالسماع والتعلم كأخبار الماضي وأحوال الجنة والنار وما شابه ذلك، وبالتالي فإنه لا قيمة هنا لأخبار الآحاد لأنها أخبار ظنية لا يقينية. أما القسم الثاني فهو العلوم النظرية العقلية، التي ليس في فطرة الإنسان ما يمكنه أن يرشده إلى تعلمها، وبالتالي لابد فيه من التعلم لا التقليد، أي تعلم القواعد الأساسية وطرق إدراك الحقائق بغض النظر عن شخصية المعلم سواء كان أفهمهم أو أورعهم، أي تلك المعارف التي لا تحتاج بحد ذاتها إلى معلم "معصوم" مثل الحساب والهندسة وما شابه ذلك. أما القسم الثالث فهو العلوم الشرعية والفقهية، أي معرفة الحلال والحرام والواجب والندب. وهي علوم تبنى أساساً على السماع الذي يورث بدوره العلم والمعرفة. إلا أنها علوم ظنية لا يقينية بفعل العلاقة القائمة بين محدودية النصوص ولا محدودية الوقائع. وبالتالي فلا حاجة هنا، كما يقول الغزالي، لإمام معصوم. من كل ما سبق يتوصل إلى أن رفض المنطق والعقل استناداً إلى خلاف ممثليه وأتباعه شبيه برفض معطيات الرياضيات لخطأ أحدهم فيها. أما معرفة الحق والباطل فإنها تستغني بحد ذاتها عن ضرورة الإمام المعصوم. وذلك لأنه إذا كانت القضايا الجوهرية للفكر الفلسفي والكلامي كقضايا معرفة الله ووجوده وغيرها من القضايا لا تحتاج إلى إمام معصوم، فإن قضايا الشرع والفقه لا تحتاج بدورها إلى أي عصمة بفعل استقلاليتها وخضوعها لأحكام الظن والاجتهاد. فالناس في مواقفهم من هذه القضايا، كما يقول الغزالي، أنواع. منهم المقلدون، الذين يغنيهم تقليدهم عن الإمام المعصوم. ومنهم المتشكك المتأمل، أي أولئك الذين لا يشفيهم إلا الدليل والبرهان القاطع. وبالتالي فإنه لا مفر أمام الإمام "المعصوم" من أجل إثبات عصمته أمام دعوتهم للإيمان به تقليداً أو ضرورة أو تقديم البرهان. ففي الحالة الأولى لا معنى للتقليد إذ لا قيمة له ولا ضرورة. أما في الحالة الثانية، فإنه ملزم بالخضوع لتأمل المتشكك ذاته، لأن البراهين هنا لا تمتلك طابع الضرورة أو اليقين المطلق. بمعنى أن براهينه الممكنة هي كالبراهين الأخرى (العقلية) العديدة. كل ذلك يفقد "العصمة" معناها وضرورتها. وينطبق هذا بجلاء أكبر على القضايا الفقهية. ففي الفقه يوجد ما هو معلوم للجميع كالصلاة والصوم والحج وغيرها، أي ما لا يحتاج إلى معلم معصوم، ومما لا يعرف بصورة قطعية، وما لا نصّ فيه مما يستلزم الإجتهاد. وبالتالي فإن اجتهاد الإمام المعصوم هنا هو الآخر اجتهاد ظني. بمعنى فقدانه العصمة. فهو كإنسان لا يختلف عن الآخرين، وأن ظنه عرضة للخطأ كغيره. فالعصمة في الظنون، كما أراد الغزالي القول، هو صنف من الجنون، إذ أن الأحكام التي يقدمها المعصوم لا بد وأن تستند إلى سماع وهذا غير موجود، أو دليل عقلي كالآخرين، أو تواتر الوحي (مما يتعارض مع النبوة).  وهو مما لا يمكنه أن يكون بفعل استحالة حصر الموجودات (بما في ذلك للنبي نفسه)، بفعل  عدم تناهي الحوادث. ثم إن الشرعيات والفقهيات، حسب نظره، هي أمور وضعية اصطلاحية تختلف باختلاف الأنبياء والعصور والأمم. ثم إن الفقهيات شأنها شأن التجارة والسياسة لابد من الظن فيها، وبالتالي حتمية الاجتهاد[7].

غير أن انتقاده لآراء الباطنية التعليمية يسعى في جوهره إلى تبيان ثغراتها المنطقية والحساسة، وبالأخص ما يتعلق بتضييقها على حرية الرأي والاستقلال الفردي في التعامل مع القضايا الفكرية والسياسية من خلال تحويل الإمام المعصوم إلى حاكم الحقيقة المطلقة. والغزالي يسير هنا في خطى الراديكالية المعرفية التي رفعت حرية الفقيه واستقلاليته الفكرية إلى مصاف الفضيلة الكبرى. متتبعاً تقاليد الإسلام الاجتهادية بالصيغة التي جعلته يجد في أخطاء الاجتهاد أيضاً فضيلة ومغفرة. وقد حدد ذلك بدوره ظهور إحدى المعضلات الاجتماعية السياسية والأخلاقية الكبرى بصدد الموقف من الاجتهاد الظني وفكرة المخطئ  المصيب، أي الكيفية التي يمكن للمخطئ (في اجتهاده) أن يكون مصيباً، لاسيما وأن خطأه قد يكون متعلقاً بقضايا حياتية كبرى؟ وقد رد على هذه الاعتراضات وأمثالها بالصيغة التي لم تجعل منه تبريراً للظلم الممكن، بل للتركيز على حرية الفكر ودحض أفضلية "العصمة" انطلاقاً من واقع خطأ الفقهاء، بما في ذلك إمكانية تعسف بعضهم.

فالغزالي لم يرغب القول بأن رذائل العقل المجتهد أكثر أخلاقية من فضائل التقليد، بقدر ما أنه سعى من خلال إظهار الظن في الفقهيات إلى فسح المجال أمام حرية الرأي. فعندما يتناول فكرة كل مجتهد مصيب، فإنه لم يقصد بذلك سوى ظنية الإصابة لا حقيقتها. وحتى في حالة مساس ذلك بمصالح الناس ومصائرهم، فإن الاجتهادات الظنية تبقى مجرد فرضيات وحلول المصيب فيها واحد. وعلى هذا الأساس حاول البرهنة على عدم إجازة الخلط بين ما يمكن دعوته بالمبدأ المطلق وأشكال تجليه. فخطأ الفقيه لا يعني خطأ المبدأ العام. على العكس، إنه يؤكد ضرورة الاجتهاد مازال الفقه يتعامل مع حياة الناس المتغيرة ومتطلباتها المستجدة. من هنا فإن الخطأ هو في اتباع المجتهد لغيره. فالمقلد لا يمتلك قوة الحقيقة، وأن كل ذلك يبرهن على عدم جدوى العصمة بسبب افتقادها للضرورة في محتواها ومعناها.

وقد دفع جداله مع التعليمية الباطنية هنا حتى نهايته المنطقية، عندما حاول البرهنة على أن الخطأ يصبح أحياناً ضرورة حياتية. وبهذا المعنى فإن تخوف وتخويف التعليمية من وقوع الأخطاء هو مجرد جهل "معقلن"، مازالت الحياة ومقوماتها لا تستند على الدوام إلى ضرورة عقلية ومنطقية. فالمصالح الدنيوية، كما يقول الغزالي، هي مصالح ظنية ولا يمكن التيقن المسبق من نتائجها، أو التخلص من إمكانيات الخطأ فيها ومن أضرارها. وإذا كان الأمر كذلك، وأن الفقهيات الشرعية مبنية على هذا الأساس وأنها تسعى أساساً للإصلاح، فإن الخطأ فيها لا ضرر قاتل فيه.ولهذا اعتبر أن الخطأ في تفاصيل الفقهيات معفو عنه. ووصل في تجانس  آرائه بهذا الصدد ومواقفه إلى الدرجة التي أخذ يخترق فيها إجماع اللاهوت السنيّ من خلال دفاعه عن مرتكب الكبيرة، باعتبارها لا تشكل سبباً موجباً لتخليد العقاب ولا للزومه على وجه لا يقبل العفو. في حين أن الاجتهادات لا أثم على الخطأ فيها[8]. ولهذا نظر إلى الاجتهاد الدائم نظرته إلى أسلوب بلوغ درجة الأئمة.(يتبع...).

***

 ا. د. ميثم الجنابي

............................

[1] الغزالي: فضائح الباطنية، ص31.

[2] الغزالي: فضائح الباطنية، ص51.

[3] الغزالي: فضائح الباطنية، ص52-53.

[4] الغزالي: فضائح الباطنية، ص53.

[5] الغزالي: فضائح الباطنية، ص56.

[6] الغزالي: فضائح الباطنية، ص56-57.

[7] الغزالي: فضائح الباطنية، ص66.

[8] الغزالي: فضائح الباطنية، ص69.

 

ميثم الجنابي "الجنون فنون" 

إن تقييد وتقييم الغزالي للحركة الباطنية بكل اتجاهاتها في مفهوم التعليمية، جعلها في الوقت نفسه سهلة أمام انتقاده العقلاني اللاذع. فهو لا يتحدث عن اتجاه ما محدد في الباطنية، لكنه يقصد في أغلب آرائه ومواقفه النقدية الحركة الإسماعيلية بصيغتها الشعبية العملية. ونعثر على كل ذلك في العبارات التي يوردها عنهم مثل أن "النقل عنهم مختلف"، و"أن أكثر ما حكي عنهم إذا عرض عليهم أنكروه" وما شابه ذلك، أي أننا نقف من حيث الجوهر ليس أمام ظاهرة انتقاد المؤلفات الفكرية والمصادر النظرية الأساسية للإسماعيلية، بل أمام ما نقل عنهم وما حكي عنهم. ويفسر الغزالي هذه الظاهرة بكونهم "لا يخاطبون الخلق بمسلك واحد"[1]. مما جعله حذراً إلى الدرجة التي اعترف بها قائلاً "إن جملة مذهبهم يقتضي لا محالة أن يكون النقل عنهم مضطرباً"[2]. وهو يقدم أكثر من مثال للبرهنة على ذلك. فهو يؤكد على سبيل المثال، أنهم جميعا ينكرون القول بالإباحة المطلقة ورفع الحجاب واستباحة المحظورات وإنكار الشرائع إذا نسب إليهم. ثم يضيف إلى ذلك معلقاً، بأن "الذي يصح من معتقدهم فيه، أنهم يقولون لابد من الانقياد للشرع في تكاليفه على التفصيل الذي فصله الإمام من غير متابعة للشافعي وأبي حنيفة وغيرهما"[3]. والغزالي لا يقف ضد ذلك في الفقه، في حالة كونه جزءاً من الاجتهاد. بل على العكس، إنه وقف ضد محاربة الاجتهاد بأية صيغة ظهر وبأي شكل تشكل. إذ لم يجد في تقليد الإمام عوضاً عن تقليد الآخرين أصالة ما تستحق الاحترام والإجلال. لهذا وقف بالضد من تعصب ومحدودية ربط الحقيقة والتكليف بشخص ما دون آخر، أو ربط الحقيقة بالإمام المعصوم أو أي إمام آخر. إلا أننا نعثر في أماكن أخرى من (فضائح الباطنية) على ما يشير إلى قراءته بعض كتبهم وما كتب عنهم، وتصنيف آرائهم إلى الدرجة التي لم يستطيعوا هم أنفسهم أن يصنّفوه. وهو يقصد بذلك أساساً القضايا التي عالجها. وإلا فالمؤلفات الإسماعيلية تتصف بالدقيق والتصنيف المفرط، الذي لا يدانيه من حيث الترتيب الفكري أي من الاتجاهات والمدارس الإسلامية آنذاك. ذلك يعني، أن الغزالي لم يقصد بعبارته تلك سوى تعميم المفاهيم الجوهرية المشتركة للحركات الباطنية. فهو يتكلم عن "المشترك" بينهم، وبالأخص حول أفكارهم عن إبطال الرأي والدعوة إلى التعلم من الإمام المعصوم.كما يشير بوضوح إلى أن ما يهمه في كتابه هذا هو مناقشة آرائهم عن "إبطال الرأي وإثبات التعلم"[4].

فهو يدرك الجوانب العديدة المميزة للفكر الباطني ونظراته إلى الوجود والله والصفات والأفعال ونظرية العقول والأفلاك وغيرها من الأفكار. وهو يؤكد على أن الباطنية غيّرت وحوّرت آراء الفلاسفة وأدلتهم[5]. ولهذا السبب وضع مهمة وخطة مهاجمتهم على ثلاثة مستويات وهي الأمور التي يمكن قبولها، وإلى ما يتعين من الشرع إنكاره، وإلى ما هو منكر ينبغي مهاجمته. ولا يضع الغزالي في المستوى الأخير من آراء الباطنية سوى ما يخص مذهبهم من "إبطال الرأي وإثبات التعليم من الإمام المعصوم"[6]. بصيغة أخرى، إنه يشدد على خصوصية مهمته وغاياتها في الجدل مع الباطنية. لهذا سعى في استعراضه النقدي لآرائها بصدد قضايا الإلهيات ومسألة المعاد والقيامة والنبوة والإمامة وغيرها للكشف عن طابعها الفلسفي، من أجل إحالة القارئ إلى (تهافت الفلاسفة)، ومن أجل إبقاء ما هو مميز للباطنية أمام مبضع الجدل العقلي.

فهو يردد نفس آراء "النقلة" من أن الباطنية تقر بإلهين قديمين، ولكنها أطلقت عليهما تسميات السابق والتالي. وينطبق هذا بدوره على تسميات العقل والنفس (فلسفياً) والقلم واللوح (شرعاً). بينما تؤدي آراؤهم بصدد الصفات والذات الإلهية إلى نفيهما. إذ ليس في الوجود مبدع بنظر الباطنية، حسب عبارة الغزالي، سوى الوجود ذاته، بما في ذلك المعادن والنبات والحيوان والإنسان. وإن هذه الأفكار بنظره هي حصيلة آراء الفلسفة الدهرية والثنوية والمجوسية المصاغة بالعبارات الإسلامية. أما في مجال القضايا اللاهوتية فإن الباطنية حسبما يقول الغزالي، تبدو أكثر تجانساً في"زندقتها". بمعنى اتفاق الاتجاهات الباطنية على إنكار القيامة استناداً إلى آرائها القائلة بأن نظام الطبيعة يدل على الحركة والخلق الدائم والوجود الدائم. وأن القيامة بالتالي ما هي إلا رمزاً لخروج الإمام وقيام قائم الزمان الناسخ المغير للأمر، أي إبطال مفهوم القيامة الديني وتحويله إلى رمز سياسي. وينطبق هذا بدوره على آرائها بصدد قضايا المعاد. فالأفكار الباطنية "المادية" تظهر هنا كتجل متجانس للفكرة الفلسفية الأخلاقية التي توّحد في كل واحد النزعة الطبيعية والروحية الأخلاقية في مفهوم الحياة والموت. بمعنى إقرارها بأنه ليس هناك من حشر ونشر ولا جنة ولا نار بالمعنى المتعارف عليه. إذ ليس المعاد سوى رجوع الكلّ إلى الكلّ، والكلّ إلى أصله. فالإنسان هو وحدة العالم الروحاني والجسماني. فالجسماني يرجع بفعل مكوناته إلى عناصر الوجود الأربع (النار والتراب والهواء والماء)، والروحاني يرجع إلى أصله باعتباره رجوع النفس المدركة العاقلة(الروح) في حالة تزكيتها الحياتية وتغذيتها بغذاء المعارف والعلوم المتلقاة من الأئمة إلى العالم الروحاني. من هنا فكرة الباطنية القائلة بأن كمال النفس في موتها. إذ هو ميدان تحررها من قيود الجسد. لهذا السبب قيل "إن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا". فالنوم هو الموت وفيه يظهر علم ما لا يحصل في اليقظة. وكذلك الحال بالنسبة للموت. فهو يكشف أموراً لم تخطر على قلب البشر. إلا أن هذه الحالة لا تخص غير أولئك الذين تقدّست نفوسهم بالرياضة العملية والعلمية. فكلما تبتعد النفس من الحسيات تقترب وتكون أكثر استعداداً وقوة للعلوم الروحانية، على عكس القوى المغمورة في عالم الطبيعة. واعتبر الغزالي هذه الأفكار مجرد ترديد لآراء الثنوية والفلاسفة الدهرية. بينما وجه انتقاده لها بالطريقة التي حاول فيها البرهنة على افتقادها للعقلانية أو منافاتها للعقل. وذلك لأن بعث الأجسام، كما يقول الغزالي، ليس أكثر صعوبة من خلقها الأول. وهو لا يناقش معضلة الخلق الأول، بقدر ما أنه ينظر إليه كبديهة أولية. فهو لا يهمل فكرة الابتداء لأجل دحض فكرة معقولية الابتداء ولا معقولية الإعادة. ففي استعراضه آراء المتكلمين والفلاسفة ينطلق من المقدمة اللاهوتية القائلة إنه ليس من المستحيل توقع إعادة العلاقة التي خلقها الله بين النفس والجسد. إذ أن لها مثالها في الواقع وهو حال اليقظة بعد النوم. ومن هنا فإن إنكار البعض للمعاد مبني لا على أساس عقلي، بقدر ما أنه مبني على أساس محدودية التجربة. فإنكار البعث مبني على أساس عدم المشاهدة. إذ لو فرضنا أن الإنسان لم يشاهد خلق الإنسان من النطفة، كما يقول الغزالي، وقيل له ذلك لرفض التصديق به. فالإنكار هنا، كما هو الحال في أمور أخرى مشابهة هو مجرد إقرار في القول كل على قدر مشاهدته، لا على طريق معقول في إثبات الاستحالة. إذ أن البعث وإعادة الأجساد ليس مستحيلاً في العقل وجوده وتصوره. فالإنسان يؤمن بخلقه وحياته وموته لأنه رأى ذلك وشاهده. ولا عذر له في رفض البعث سوى عدم المشاهدة.  في حين أن البعث مع ما قبله في ميزان العقل على وتيرة واحدة[7].

لكن إذا كان انتقاده للآراء الباطنية بصدد القضايا المشار إليها أعلاه مبنياً على أساس كشف محدوديتها العقلية، فإن موقفه من  آرائها بصدد قضايا النبوة والإمامة تتخذ منحى آخر. فهو يتناولها أيضاً باعتبارها قضايا معرفية مستقلة، دون أن يعني ذلك كفه عن رؤية حوافزها "الثنوية". فقد نظرت الباطنية للنبي نظرتها إلى شخص فاضت عليه من السابق بواسطة التالي "قوة قدسية صافية"، أي تلك الظاهرة الممكنة من حيث مناسبتها لما يتمتع به أولئك الذين يرون بالمنام ما سيحصل لهم مستقبلاً أو أولئك الذين زكت نفوسهم. إذ ليس النبي سوى ذلك الذي يرى ما يحدث في اليقظة، أي القادر على إدراك الكليات العقلية "عند شروق ذلك النور وصفاء القوة النبوية، كما تطبع مثال المحسوسات في القوة الباصرة من العين عند شروق نور الشمس على سطوح الأجسام الصقيلة"[8]. إذ لا يعني جبرائيل سوى العقل الفائض على النبي ورمزاً إليه، في حين أن القرآن هو التعبير عن المعارف التي فاضت عليه من العقل (جبرائيل). وبهذا المعنى هو كلام الله بإعجاز باعتباره كلاماً مركباً (من حروف وكلمات وصوت)، في حين أن ما يفيض على النبي من العقل (جبرائيل) هو بسيط لا تركيب فيه. لهذا فهو "باطن لا ظهور له". أما كلام النبي وعبارته عنه فهو ظاهرة لا بطون لها[9].

وعلى الرغم من انتقاده الجزئي لهذه المفاهيم واختلافه معها في بعض الجوانب الجوهرية، إلا أنه يؤكد على أن في آراء الباطنية بصدد النبوة مما لا ينكر[10]. ومن هنا فإن الخلاف الذي يتعمق لاحقاً بينه وبين الباطنية بصدد القضايا المتعلقة بالنبوة مرتبط أساساً بموقفه المعارض "لباطنية" الباطنية وهرمية تصوراتها عن النبوة ودعواها عن العصمة الإمامية والنص الإلهي (على الخلافة). إذ جعلت الباطنية من "النص" المعيار الأعلى والوسيلة الشاملة لأحكامها، بينما لا تستند فكرة النص الباطنية إلى أساس متين وحقيقي.  إذ لو كان التواتر حقيقياً، لعرفه الجميع مثلما نعرف عن أخبار الماضي من المعارك والحروب والرجال والبلدان وغيرها. إضافة لذلك أن القائلين بالعصمة اختلفوا أنفسهم في الإمامة والأئمة. بمعنى افتراقهم إلى شيع عديدة ومتصارعة. أما النصوص التي عادة ما تستشهد بها الفرق الباطنية مثل "من كنت مولاه فعلي مولاه" و"أنت مني بمنزلة هارون من موسى ولكن لا نبي بعدي" وغيرها، فإنها لو كانت نصوصاً صريحة لما استجهلها الناس. في حين أننا نعرف جميعاً، كما يقول الغزالي، وبالتواتر عن وجود علي وخلافته. إذ لو كان هذا النص صريحاً دالاً على الخلافة لما كان بالإمكان مخالفته، كما هو الحال بالنسبة للصلاة والصوم والحج. بصيغة أخرى، إنه يحاول البرهنة على أن النص الشيعي الباطني هو مجرد ظن وتأويل لا يتطابق مع الحقيقة. لاسيما وأن فكرة ونفسية النص والإقرار به لم تتفرد به الفرق الشيعية فقط، بل وحتى الأموية والبكرية (التي أقرت بخلافة أبي بكر) ووالراوندية (التي أقرت بخلافة العباس) وغيرهم. فالنصوص هي "ألفاظ محتملة وليس تصريح"[11]. وفيما لو فتح باب التأويل والظن هنا لاشترك الجميع كل حسب قدرته ومشيئته ورغبته بفعل امتلاك الجميع القدرة على ذلك مما أدى إلى استحالة معرفة الحق من غيره.  وذلك لأن الجميع تمتلك القدرة على الخيال.  إضافة لذلك إن الرجوع إلى فكرة النص هو دليل العجز النظري الفكري. فالنفوس "تضطرب بأقصى الإمكان ولا تتعلق بالشبهة إلا عند العجز عن البرهان"[12]. وقد حدد ذلك رفضه لفكرة العصمة باعتبارها فكرة منافية للمنطق والعقل. إذ بأي طريقة يمكن الكشف عن حقيقة العصمة؟ عن طريق العقل والنظر أم عن طريق السماع والخبر؟ فالطريق الأخير ليس له أساس ضروري. أما عن طريق العقل والنظر فإنه يؤدي في منظومة التصورات الباطنية إلى مأزق وتناقض لا يمكن تذليله. فالعقل يرفض فكرة العصمة بحد ذاتها. من هنا تتبعه فكرة العصمة والإمام المعصوم في كافة مستوياتها مثل قضايا العوام والمعجزة والعقل والنظر والتاريخ والتواتر السمعي. وعندما يؤكد على أن من غير الممكن التصديق بالإمام المعصوم ومعجزته فذلك لأن المعجزة الممكنة هنا هي معجزة القرآن فقط. وهو لا يتناول هذه الفكرة هنا إلا من زاوية أهميتها العقائدية. وإلا فهو يدرك شأن الكثيرين من مفكري تلك المرحلة إمكانية إنكار المعجزات. لهذا السبب لم يقر بالتواتر الذي يوجبه العلم الضروري إلا في القرآن[13]. وبهذا يكون قد رفض أي إقرار بأهمية النص والتواتر، باستثناء القرآن. ففي ظاهره هنا يبدو كما لو أنه يسير في إطار الظاهرية المباشرة، بينما تتضمن حقيقة أفكاره حوافز الدفاع عن العقل في التعامل مع قضاياه.  وبالتالي رفض أية معرفة خارج أطرها الواقعية وأسسها العقلية. من هنا هجومه ضد فكرة علم الباطن للإمام المعصوم. فهو لا يقف هنا ضد "العلم الباطني" بقدر ما يقف ضد ما يمكن دعوته "بالأدلجة الباطنية" واحتكار الحقيقة التي يمكن أن تؤدي في قناعتها الذاتية إلى السفسطة المطلقة. وفي محاولته إظهار هذا الجانب لم يسعَ إلا للكشف عن الإمكانية القائمة فيما يمكن دعوته باللامنطقية المغرورة بنفسها. فالفكرة الباطنية القائلة بقدرة الإمام المعصوم على حل كل رموز الباطن لا يمكن فهمها بالنسبة للتابع والمؤيد إلا بالسماع والرؤية. وكلاهما مستحيل بفعل وجودهما داخل قلب الإمام. وإذا كان الأمر كذلك، فما هو يا ترى العائق من أن تكون اللفظة السماعية التي يطلقها الإمام هي مجرد باطن آخر. وتحت كل باطن باطن آخر، وهلمجرا. بل وحتى في حال إنكار الإمام أن يكون تحت هذا "الباطن الأخير" باطن جديد، فلربما يقصد بذلك الرفض والإنكار رمزاً آخر لباطن آخر[14]. وإذا كان الأمر كذلك فمن الممكن توقع إمكانية كذب "الإمام المعصوم" في تأويلاته للقرآن. إذ من المحتمل أن تكون كل تأويلاته لأجل حاجة أو مصلحة محددة أو سر ّمجهول جاز للإمام أن يظهر خلاف ما يضمره أو ضد ما يفهم منه[15]. من هنا يبدو واضحاً بأن الغزالي يسعى أساساً لكشف نقاط الضعف التي سبق وأن أعتبرها صنف من أصناف الجنون.(يتبع....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

...........................

[1] الغزالي: فضائح الباطنية، ص23.

[2] الغزالي: فضائح الباطنية، ص30.

[3] الغزالي: فضائح الباطنية، ص26.

[4] الغزالي: فضائح الباطنية، ص27.

[5] الغزالي: فضائح الباطنية، ص27.

[6] الغزالي: فضائح الباطنية، ص31.

[7] الغزالي: فضائح الباطنية، ص34.

[8] الغزالي: فضائح الباطنية، ص26.

[9] الغزالي: فضائح الباطنية، ص27.

[10] الغزالي: فضائح الباطنية، ص27.

[11] الغزالي: فضائح الباطنية، ص92.

[12] الغزالي: فضائح الباطنية، ص92.

[13] الغزالي: فضائح الباطنية، ص94.

[14] الغزالي: فضائح الباطنية، ص34.

[15] الغزالي: فضائح الباطنية، ص34.

 

ميثم الجنابي"الجنون فنون" 

إن انتقاد الغزالي للاتجاهات الباطنية في صيغتها الإسماعيلية التعليمية لم يكن وليد الصدفة لا من حيث جانبه الفكري والمذهبي ولا من حيث هويته السياسية. وإذا كان من الممكن القول بأن لهذا التاريخ مقدماته الأولى في ما قبل صعود الإمام علي بن أبي طالب لسدة الخلافة وانهيار نموذجها الراشدي، فإن فاعليتها الحقيقية في استثارة الصراعات والتشنجات القوية في الحركات الشيعية وبينها وبين الفرق الإسلامية الأخرى قد تزامن وتلازم لحد ما مع موت الإمام الصادق (ت – 148 للهجرة). إلا أن ذلك لا يعني أن انتقادات الغزالي وجداله مع الباطنية التعليمية قد جريا في مجرى التقاليد السابقة. فهي بمظهرها لم تختلف كثيراً عما هو مميز للانتقادات السابقة وبالأخص ما يتعلق منها بمساعيها المذهبية السياسية وحوافزها الأيديولوجية السياسية في كشف "فضائح الروافض". غير أن هذا المجرى العام لمسار العناصر السائدة في ثقافة العصر وروحها الجدلية (العقائدية) قد أدى في حالة الغزالي دوراً خاصاً ومتميزاً في تطوره الروحي، بما في ذلك في عملية انتقاله إلى التصوف. فإذا كان كتابه (المستظهري أو فائح الباطنية) يتضمن أحد نماذج، وأحد مراحل شحذ قوته العقلية في نزالها مع خصوم المذهب والسياسة، فإنه يكشف أيضاً عن دوره الخفي في تطويع روح الغزالي لمتطلبات انتقاد الذات ورؤيتها الأخلاقية، أي أن انتقاده للباطنية يكشف عن صيرورة المساعي الحثيثة في أعماق الروح الأخلاقي وتضافرها المعنوي في تعمق أزمته الروحية الكبرى ما قبل انتقاله إلى التصوف. وسوف يشير هو نفسه إلى ذلك في (المنقذ من الضلال) أيضاً، عندما صوّر صراعه مع الباطنية على أنه ميدان أساسي للبحث عن الحقيقة، وبالتالي إحدى مراحل تطوره الفكري الرئيسية. إضافة لذلك، إن أزمته الأخيرة ما قبل التصوف قد تزامنت مع إنجاز كتابه (فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية).

فقد كتب مؤلفه هذا بطلب من الخليفة المستظهر بالله، الذي تولى الخلافة عام 487 للهجرة. ويشير في بعض فقراته إلى خليفة الباطنية (الإسماعيلية) في مصر، أي المستنصر بالله (المتوفى في 17 ذي الحجة عام 487 للهجرة) أما أن أزمته الروحية بدأت في رجب عام 488 للهجرة، فإن ذلك يعني حدوثها بعد ما يقارب الستة أشهر من وقت انتهاء تأليف هذا الكتاب، أي أن من الصعب توقع صدفتها الطارئة. فالغزالي، كما هو واضح من كتاباته الأولية، لم يتعامل مع الباطنية بصورة مباشرة. إنه أدرك جرأة وخطورة الباطنية (الإسماعيلية) السياسية بالنسبة لمصير الخلافة العباسية. ولهذا انهال في انتقاداته اللاذعة على ما يمكن دعوته بأسسها "الجماهيرية"، أي على نموذجها الكلامي السياسي لا الفلسفي العقائدي. وهذا ما يمكن العثور عليه في آرائه التي حاول أن يكشف فيها عن مفارقة الفكر الباطني ككل باعتباره نوعاً من السفسطة والجنون. فالسفسطائي، كما يكتب في (معيار العلم) ينكر المعرفة الكلية، أما الباطنية المعاصرة له، فتشترك مع السفسطائيين في انخداعهم بكثرة الاختلافات بين النظار(المنظرين). حيث بنت على هذا الأساس اعتقادها ببطلان نظر العقل واستبدلته بعصمة الإمام. وهو الاستنتاج الذي اعتبره صنواً للجنون، رغم تأكيده على أن "أحكام الباطنية تجري مجرى الجنون، ولكن لا يسمى جنوناً، والجنون فنون".[1] ولهذا السبب اعتبر مهمة دحض التقليد والعصمة من بين أكثر المهام جوهرية في تفنيد الباطنية التعليمية.

فهو ينطلق في انتقاده للباطنية من واقع تباين الناس في كافة الميادين بما في ذلك في الدين والأخلاق والأحوال (المادية والروحية)، والمواقف النفسية من حب وكره وقبول ورفض، أي إقراره بالتباين الهائل في الوجود. ولم ينظر إلى هذا التباين  كما لو أنه قيمة بحد ذاته، بقدر ما استغله وانطلق منه كخلفية واقعية للصراع ضد الباطنية، وكذلك في دفاعه عن ضرورة الخلاف الفكري أيضاً. بحيث رفعه إلى مصاف الرحمة الإلهية، باعتبارها نتيجته الحتمية. لهذا أكد على أن كل خلاف تستتبعه الرحمة[2].

ولم يقف الغزالي عند حدود رؤية الآثار الأخلاقية والسياسية لآراء الباطنية التقليدية عن الإمامة والعصمة، بل وحاول الكشف عن ضررها المعرفي. من هنا تشديده على أن التقليد ليس صفة للعوام فقط، بل ويمكنه أن يكون صفة الخواص أيضاً، أي عند أولئك الذين اعتقدوا بقدرتهم المستقلة في التحليل والحكم، أو كما قال "عند أولئك الذين سلكوا طريق النظر (العقلي) دون أن يستكملوا فيه رتبة الإستقلال، أولئك الذين يحاولون تقليد من ينسب إلى الفضل والحكمة"[3]. فكم من طوائف، كما يقول الغزالي "رأيتهم اعتقدوا محض الكفر تقليداً لأفلاطون وأرسطوطاليس وجماعة من الحكماء قد اشتهروا بالفضل، ودواعيهم إلى ذلك التقليد وحب التشبه بالحكماء"[4]. وجعل من نقده للاتجاهات الباطنية أسلوب نقده الأساسي ضد فكرة التعليم الباطنية. فهو يؤيد الباطنية في موقفها من ضرورة التعليم، انطلاقاً من أن العلوم النظرية العقلية لا توجد بالفطرة. وبالتالي لا يمكن إدراك براهينها دون التعلم. غير أن التعليم بحد ذاته، كما يقول الغزالي، لا ينبغي أن يتطابق مع تقليد المعلم فيه. فليس الأخير سوى من يقدم طريقة إدراك العلوم، وبالتالي ينبغي للعاقل أن يرجع إلى نفسه فيدركه بنظره، وعند هذا فليكن المعلم من كان[5]. بصيغة أخرى، أنه ينطلق من الإقرار بضرورة التعليم، لكنه يربطه بضرورة معرفة أي من العلم يحتاج إلى معلم ودرجة هذا الاحتياج. وذلك لأن ما هو مهم في التعليم حسب نظره هو الطريقة والأسلوب لا تقليد المعرفة كما هي.ومن هنا اعتباره خطأ الفكرة الباطنية عن ضرورة التعليم كمقدمة لبناء استنتاجاتها "المنطقية"، أي عدم تمسكها بالمنطق السليم وتشويهها المتعمد لقواعده. وذلك "بفعل إطلاقهم مقدمات مهملة غير مفصّلة، تصدق في بعض مقتضياتها دون بعض، مثال القول: إذا اعترفتم بالتعليم فقد اعترفتم بمذهبنا"[6]. إن فكرة كهذه بنظره ليست منافية للمنطق فحسب، بل وتحمل في ذاتها بذور موتها. فطريق التقليد، كما يؤكد الغزالي، مباح إلا أنه غير موثوق به. فالتقليد يمنع المرء من رؤية الحقيقة. وإن كثرة الاتباع لا يعني أحقيتها. فلو اجتمع الكفر بالحماقة والبلادة وقصور النظر في وحدة الكلمة، فإن ذلك لا يدل على أن الحق معهم[7]. إضافة لذلك، إن التقليد ينفي ذاته بذاته حالما يحاول الاستناد إلى أسس منطقية. وذلك لأن المنطق يؤدي بالضرورة إلى نتائج معاكسة لما يريد ويرغب. وحالما أخذ بتطبيق آراءه النقدية بصدد تقليدية الباطنية للإمام المعصوم وفكرة العصمة، فإننا نراه يؤكد على أن العصمة بحد ذاتها لا يمكنها أن تكون دليلاً من دون دليل. وأن المعصوم لا يمكنه مخاطبة الناس من أجل اكتساب ثقتها وتأييدها دون براهين صحيحة ومقنعة. ذلك يعني، أن مصدر القناعة هنا وأسلوبها ليس التقليد والعصمة، بل البراهين والحجج. لأن الجوهري في ذهنية المخاطب هو التعامل مع الدليل لا مع العصمة. ومن هنا فإن العصمة لا تعمل إلا على حيونة الإنسان لأنها تفقده قدرة التفكير المستقل، أو أنها تضع مهمة "تحريره" من خلال تحويله إلى بهيمة. والغزالي يدرك تعقيد النفسية التقليدية في الأوساط الشعبية (مسلمين وغير مسلمين)، أي كل "أولئك الذين لو قطّعوا إرباً لم يدركوا شيئاً في البراهين العقلية"[8]. في حين أنه يغفل التعامل مع "من فارق حيز المقلدين أو عرف أن من التقليد خطر الخطأ فصار لا يقنع به"[9]. وهو يدعو هذا الصنف إلى النظر في خلق السموات والأرض ليعرف به الله، والتفكر في المعجزات ليعرف النبوة.ولم تكن هذه الصيغة الجدلية معزولة عن تقاليد وتأثير علم الكلام وأساليبه الخطابية، باعتباره علم الدفاع عن عقيدة العوام. وسوف يؤكد لاحقاً موقفه من كتابه (فضايح الباطنية)، باعتباره من بين مؤلفات الدفاع عن عقيدة العوام. وفيما لو تركنا جانباً هذه القضية، فإن خصوصية آثارها في شخصية الغزالي تقوم في فعالية دورها الكبير في التحضير لانتقاله إلى عالم الصوفية. وبالأخص فيما لو نظرنا إليها من زاوية تحليله وانتقاده لآراء الباطنية وأسلوبها "التكتيكي" في كسب أتباعها، وفي موقفها من إبطال الرأي والدعوة للإمام المعصوم، وكذلك من زاوية تحليل مقدمات ونتائج الحوافز القائمة وراء تأليف (فضائح الباطنية) ذاته واستنتاجه السياسية.

إن ما يميز (فضائح الباطنية) عن المؤلفات السابقة المعارضة للباطنية، هو تعميقه لإحدى القضايا السياسية والفكرية الجدلية في اتجاهات الباطنية التعليمية، أي عند أولئك الذين يقرّون بضرورة الإمام كمصدر للمعرفة اليقينية. والغزالي لا يناقش في الواقع ومن حيث الجوهر سوى هاتين المسألتين. ومع ذلك، تجدر الإشارة هنا إلى أن الكيان الباطني (الإسماعيلي)، الذي يجادله الغزالي، يستلزم بعض التدقيق، والذي يمكننا الحصول عليه من تسمياته للباطنية وألقابها. فهو يشير إلى ما يدعوه بالألقاب العشر للباطنية، المعبّرة عن مدارسها أو فرقها السبع، وأولها الباطنية وهو لقولهم إن لظواهر القرآن بواطن تجري في الظاهر مجرى اللب من القشر، وإنها رموز وإشارات إلى حقائق خفية. أما الثانية فهي القرامطة، نسبة إلى حمدان بن قرمط، والثالثة الخرمية (الخرمندية) لقّبوا بها تعبيراً عن مذهبهم القائل باللذة والإباحة (إذ الخرمة هي الشيء الملذ المستطاب) وهم أهل الإباحة من المجوسية والداعين إلى ترك بساط التكليف. أما الرابعة فهي البابكية نسبة إلى بابك الخرمي وهي فرقة إباحية أيضاً. أما الإسماعيلية (أو السبعية) نسبة إلى زعيمهم محمد بن اسماعيل بن جعفر، الذي انتهت الإمامة ودورها إليه وهو السابع استناداً إلى آرائهم بأن الإمامة سبعة سبعة وأن أدوارها السبعة في الإمامة تتوافق مع حدوث القيامة وأن تعاقب الأدوار لا نهاية له، إضافة إلى قولها بتأثير الكواكب السبعة (زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر)، أي تأثير ما يدعوه بملحدة التخمين ومذاهب الثنوية في النور. أما السادسة فهي المحّمرة حيث لقّبوا بها لأنهم كانوا يصبغون ملابسهم بالحمرة. والفرقة السابعة والأخيرة هي التعليمية، لقّبوا بها لأن مبدأ مذهبهم إبطال الرأي ودعوة الناس إلى التعلم من الإمام المعصوم. ومستندهم بذلك أن الحق إما يعرف بالرأي وإما بالتعليم. وبما أن الأول خاطئ بفعل اختلاف الآراء وثمرات نظر العقلاء، فإن من الضروري الاعتراف بالإمام المعصوم، الذي ينزلونه كما يقول الغزالي، منزلة النبي.

مما سبق يبدو واضحاً أن الغزالي ردد باختصار ما سبق وأن صاغته تقاليد المعارضة الفكرية للباطنية. وهو لا ينفي ذلك، خصوصاً حال حديثه عن أسباب نشوء الحركات الباطنية. حيث يستند أساساً إلى التصورات المتبلورة في كتابات علم الملل والنحل والكلام والتاريخ، أي حصيلة التصورات التي تسم الباطنية بالغلوّ. ولا يعني ذلك افتقاد هذه التقييمات للدقة من الناحية الفكرية والسياسية أيضاً، كل ما في الأمر أنه حاول أن يجمّع الصورة العامة للباطنية في مختلف العلوم الإسلامية بالصيغة التي يمكنها أن تخدمه في "تبشيع" مظهرها "الإسلامي". وبالتالي إعطاء انتقاده شرعية الدفاع عن عقيدة العوام باسم الدفاع عن الخلافة. لهذا تكلم عما يمكن دعوته بالشخصية العامة للباطنية وأسباب ظهورها بالصيغة التي توافق ما اتفق عليه "نقلة المقالات قاطبة". ولعل محاولته النقدية في توجيه سهامها نحو كشف الأسباب الكامنة وراء نشوء الباطنية وأساليبها السياسية الدعائية هو الشكل الأكثر تعبيرا عن ذلك في إطار ما يمكن دعوته بالصراع الأيديولوجي. ففي استعراضه لأساليب الباطنية في استدراج مؤيديها، يسوق الغزالي كل الدرجات التسع وهي الزرق والتفرّس، أي ضرورة أن يكون الداعي فطناً ذكياً صحيح الحدس صادق الفراسة ومتفطناً للبواطن، وله فيها ثلاثة أمور ينبغي أن يتقنها وهي التمييز بين من يمكن استدراجه ومن يعصي عليه من أجل أن لا يذهب وقته سدى، وأن يكون مستعملاً للحديث ذكي الخاطر في تغيير الظواهر (الآيات) وردها إلى البواطن إما لغوياً أو عددياً أو لمناسبة ما أخرى، وأن يكون بحّاثاً عن مسلك المرء أو معتقده، فمن كان مائلاً إلى التقشف والزهد دعاه إليه ومن كان مائلاً إلى المجون حبّذه إليه ومن كان من أتباع أبي بكر قرر إجماع الناس على خلافته[10]. أما التأنيس فهو العمل على خلق الأنس به عن طريق معرفة القرآن ومهاجمة السلاطين[11]. أما التشكيك فبعد حصول الاستئناس به، وهو جهد الداعي لتغيير اعتقاد المستجيب وزلزلة عقيدته عن طريق التشكيك من خلال الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عنها بمعقول مثل السبب القائم أو الحكمة القائمة وراء مقدورات الشرائع، وعدد الصلوات، ومعنى الحروف في أوائل السور، وآيات القرآن التي تقول بأبواب الجنة الثمانية وأبواب النار التسعة، ولماذا السموات سبع دون ثمان، والتشكيك في خلق آدم وغيرها[12]. أما التعليق فهو طيّ الجواب عن هذه الشكوك، فإن رآه قليل الفضول تركه، وإن رآه متعطشاً لها أخذ منه الميثاق والحلف، وهو الربط، أي الذي يربط الإنسان بإيمان مغلظة وعهد مؤكدة لا يجسر على المخالفة لها[13]. أما التدليس فهو التدرج في بث أسرار الدعوة إليه مع مراعاة قاعدة المذهب وتعميق فكرة تضارب الآراء وأن السر الحق المكنون عند الإمام المعصوم، وبالتالي تعميق فكرة قشرية الآيات (الظواهر) وعمق البواطن. مع التأكيد على أن الباطل ظاهر جلي والحق عميق ودقيق. وترغيبه في أن الكثير من العلماء والفلاسفة هم من أتباع الباطنية، إلا أنهم يكتمون ذلك، أي إقناعه بقوتهم وسعة انتشارهم[14]. أما التلبيس فهو وضع مقدمات لا تنكر في الظاهر ولا تبطل الباطن، بحيث يؤدي إلى تعميق القناعة بفكرة الظاهر الباطن. أما الخلع فهو إيصاله إلى فكرة فهم المعنى الباطن وعدم التقيد بالعمل الظاهر. أما المسخ فهو السلخ الكامل عن الدين وعن التمسك بشرائعه.

مما سبق يبدو واضحاً بأن الغزالي لا يقدم أي جديد في هذا المضمار. فهو يردد من حيث الجوهر نفس الاتهامات السائدة في الأوساط الإسلامية المعادية للباطنية. بمعنى أنها تكشف وتشير إلى بعض الحقائق دون أن تفي بحقيقة الباطنية. فهو يردد نفس الآراء المنتشرة والقائلة بأن الباطنية ما هي إلا محاولة اتباع الأديان الأخرى الأخذ بالثأر من سيطرة الإسلام والقضاء عليه، أي تصويرها على أنها نتاج المؤامرة المجوسية المزدكية من خلال إغواء الروافض، أو ما يدعوه بإيصالهم إلى الحالة التي يغلق عليهم فيها "باب الرجوع إلى الشرع"[15]. إلا أن هذه السطحية تقوم في طابعها الأيديولوجي لا في مضمونها الواقعي. إذ هي تشير إلى بعض الدلائل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية الدينية التي ولعت بها كتب الكلام حول ما دعته بمحاولات تحطيم الإسلام من الداخل. ففي إشارته إلى الجوانب السياسية والاقتصادية يؤكد على ما أسماه بمحاولة الثأر من جانب "أبناء الأكاسرة والدهاقين المجوس، الذين انقطعت سلطتهم قبل الإسلام" و"أولئك الطامحين إلى السلطة، إلا أنه ليس يساعدهم الزمان"[16]، الذين استغلوا رعاع الروافض والدعوة بعظمة أهل البيت كوسيلة لبلوغ مأربهم[17]. بينما هناك من تأثر بالباطنية وانخرط فيها لأسباب شخصية كحب الذات والرغبة في الإنفراد عن الأمة ودعوى التخصص بمعارف لا يصل إليها الآخرون. في حين أن هناك من "يسلك طريق النظر ولم يستكمل فيه رتبة الاستقلال" مما يحدو به عجزه عن البحث عن عروة اليقين في الإمام المعصوم. بينما تأثر آخرون بالباطنية بفعل التقليد والعيش بين أظهرهم. وفي حالات معينة توافقت بعض آراء الباطنية مع آراء وأفكار "ملحدة الفلاسفة والثنوية والمجبّرة في الدين"، الذين اعتقدوا "أن الشرائع نواميس مؤلفة، وأن المعجزات مخاريق مزخرفة"[18]، أي استغلال الباطنية كواجهة لنشر آرائها الخاصة. بصيغة أخرى، إننا نلاحظ في آرائه محاولة الكشف عن كل العناصر الأساسية للباطنية ومكوناتها الاجتماعية والسياسية والثقافية والشخصية وغيرها. وقد حدد ذلك تقييم الغزالي العام لها باعتبارها مذهباً ظاهره الرفض وباطنه الكفر، بسبب حصرها مدارك العلوم في الإمام المعصوم وتقليل شأن العقل في قدرته على إدراك الحق بصورة مستقلة، وطلب الحق بطريق التعليم (التقليد) على يد الإمام والمعلم المعصوم المستبصر بنور الله والمطلع على جميع أسرار الشرائع والهادي للحق والكاشف عن كافة المشكلات، وأن لكل زمان إمام معصوم لابد منه. (يتبع.....)

***

 ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص177.

[2] تستند فكرة الرحمة في الخلاف إلى تعمق الرؤية الواقعية تجاه تباين واختلاف الرؤية والمواقف. بينما أعطى لها الحديث (النبوي) الموضوع (الكاذب) "اختلاف أمتي رحمة" أساسا مزدوجا، بحيث فسح المجال أمام الخلاف من جهة، وأمام اعتباره قيمة كبرى من جهة أخرى. وعلى هذا الأساس كان من الممكن "للإجماع" الثقافي أن يقرّ بتنوع واختلاف مدارس وفرق الإسلام العديدة ومن ثم صراعها الذي كان يبلغ أحيانا حد التكفير والتجريم. وحالما تحول "الاجماع" إلى عنصر من عناصر الروح الفكري السائد، فانه حال دون تعميق عناصر "الرحمة". وظهر ذلك بجلاء في مختلف مظاهر وإشكاليات الفرق المتحاربة والمذاهب المتناحرة. فتطور إدراك الرحمة في الخلاف باعتباره ضرورة، حددته وحدة العناصر المتضادة في الثقافة الإسلامية كالعقل والنقل والبدعة التقليد وغيرها، وكذلك محاولة حلها بالطريقة التي تحافظ على ضرورة الحق وحرية التفكير. ولم يكن من الصعب حل هذه الازدواجية. بينما تباين مرورها، من حيث تعقيده، في دهاليز العلوم الإسلامية المختلفة. ووجدت في حالة الغزالي نموذجها المتميز في محاربة التقليد والبحث عن اليقين. ففي مهاجمته الفلاسفة دفع عناصر الشك العقلي إلى أقصاها من اجل تهشيم الذهنية العقلية التقليدية للفلاسفة ودحض آراءهم القائلة، بإمكانية العقل حل كافة المعضلات العقائدية. بينما دافع عن العقل ضد تقليدية الباطنية مبرهنا على ضرورته عوضا عن "عصمة الإمام". وفي كلتا الحالتين كان حافز البحث عن اليقين مجردا في مساعيه النقدية. إلا أن هذه المساعي استثارت بروز وتجّمع عناصر الرحمة وضرورة الخلاف ومحاربة التقليد وأهمية العقل وضرورة اليقين، أي العناصر  التي تمتلك قيمتها الحية في التذوق الفردي لتجربة الظاهر - الباطن الصوفية.    

[3] الغزالي: فضائح الباطنية، ص21.

[4] الغزالي: فضائح الباطنية، ص21.

[5] الغزالي: فضائح الباطنية، ص58.

[6] الغزالي: فضائح الباطنية، ص60.

[7] الغزالي: فضائح الباطنية، ص84.

[8] الغزالي: فضائح الباطنية، ص62.

[9] الغزالي: فضائح الباطنية، ص88.

[10] الغزالي: فضائح الباطنية، ص12-14.

[11] الغزالي: فضائح الباطنية، ص15.

[12] الغزالي: فضائح الباطنية، ص15-16.

[13] الغزالي: فضائح الباطنية، ص17-18.

[14] الغزالي: فضائح الباطنية، ص19-20

[15] الغزالي: فضائح الباطنية، ص10.

[16] الغزالي: فضائح الباطنية، ص22.

[17] الغزالي: فضائح الباطنية، ص10-11.

[18] الغزالي: فضائح الباطنية، ص21-22.

 

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (40)

قد يخفى على غير العارفين بنصوص العهد الجديد (الكتاب المقدس للاخوة المسيحيين) ان هذا الكتاب، وان كان في مجمله يتضمن السيرة الشخصية ليسوع المسيح، لكنه لا يحتوي إلا النزر اليسير من اقوال وتعاليم المسيح !!

فعند جمع كل أقوال ووصايا المسيح الواردة في أناجيل ورسائل العهد الجديد، لن يخرج من هذه الأقوال سوى ما يعادل الصفحتين فقط من الحجم الطبيعي، بعد حذف المتكرر منها بالطبع.

وفي نفس الوقت نجد ان رسائل بولس الرسول (شاول الطرسوسي)  التي تحتوي على أفكاره وتعاليمه وشروحه التي أصبحت أساسا للعقيدة المسيحية،لاحقا، تشكل ما يعادل أكثر من نصف العهد الجديد! 

وعلى الرغم من قلة أقوال ووصايا يسوع المسيح (نسبيا) في سرديات العهد الجديد، لكن تبقى هذه الأقوال والتعاليم والتوصيات على قدر كبير من الاهمية من الناحية العقدية والاخلاقية وكذلك من ناحية قراءة الواقع واستشراف المستقبل

ولعل من بين أهم الوصايا التي سردتها لنا نصوص الأناجيل والمنسوبة مباشرة ليسوع المسيح، تلك الوصايا والتحذيرات الموجهة لاتباعه وتلاميذه من الأنبياء الكذبة وضرورة الحذر منهم والانتباه لخطورتهم !

فعند قراءة الإصحاح الرابع والعشرين من إنجيل متى،مثلا، نجد السيد المسيح، يحذر(تلاميذه) من الانبياء الكذبة والذين قد يستطيعوا ان يقوموا بآيات وعجائب ويخدعوا حتى (المختارين) لو أمكن !! 

وطلب منهم ان لا يصدقوا ادعاء الكذابين بأن المسيح ظهر لهم هنا او هناك !..او انه ظهر بالبرية او اي مكان آخر،مؤكدا لتلاميذه انه حين يظهر،سيكون ظهوره واضحا للجميع مثل نور البرق الذي يغطي المشارق والمغارب! راجع متى 24

وفي نفس الإنجيل نجد،يسوع المسيح، في الإصحاح السابع، يحذر بشكل لافت جدا، من الانبياء الكذبة الذين ستكون نبؤاتهم الكاذبة بأسم المسيح، وقد شبههم يسوع، بأنهم مثل الذين يرتدون ثياب الحملان،ولكنهم ذئاب بالاصل!

ونجد المسيح يطلب مراقبة ثمار ونتائج أعمال هؤلاء الكذبة للتأكد من كذبهم وادعائهم، حتى لو كانوا يتنبؤن باسم المسيح نفسه، ويعتبرونه هو الرب !!... لانه سوف يتبرأ  منهم ومن أثم أفعالهم وخداعهم للمؤمنين

(كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!)

ان تحذيرات يسوع المسيح لتلاميذه وأتباعه من الانبياء الكذبة،هي انعكاس لاستشراف المسيح للمستقبل، وخطوة احترازية منه لتجنب اثار نتائج الدور التخريبي،الذي قد يسببه هؤلاء الدجالون الذي قد ينجحون بحرف الإيمان كله!

وبنفس الوقت، تعتبر تحذيرات السيد المسيح، تكملة لما تضمنته نصوص العهد القديم حول  الأنبياء الكذبة !

لقد حذر العهد القديم من الأنبياء الكذبة ومن خطورتهم في نصوص عديدة وبشكل مكثف، كما ورد في في سفر التثنية 18

وكذلك في سفر ارميا 14 وايضا سفر حزقيال 13 وغيرها من النصوص العديدة

ومن خلال تلك النصوص، نجد ان العهد القديم وضع علامتين أساسيتين لمعرفة وتمييز الأنبياء الكذبة وهما:

عدم الالتزام بتعاليم الرب ووصاياه التي أوجب الالتزام بها وحفظها كما ورد في الناموس (الشريعة)

والعلامة الثانية هي: ان الأنبياء الكذبة،سوف يفتضحون من خلال ثبوت كذب نبوأتهم حول المستقبل!

ومن أجل معرفة وفرز الأنبياء الكذبة، نحتاج أولا، لمعرفة ما هي النبوة؟ ومن هو الذي يصدق عليه وصف النبي؟

وحسب دائرة المعارف الكتابية المسيحية، فإن النبوة هي (الأخبار عن الله وخفايا مقاصده، وعن الأمور المستقبلية ومصير الشعوب والمدن، والأقدار، بوحي خاص منزل من الله على فم أنبيائه المصطفين)

وبذلك يكون النبي هو (من يتكلم أو يكتب عما يجول في خاطره، دون أن يكون ذلك الشيء من بنات أفكاره، بل هو من قوة خارجة عنه - قوة الله)..لذا وحسب التعريف المسيحي، فان النبي هو الذي يدعي ان تعاليمه وكلامه وارائه هي من الله!

و نظرا لاهمية شخصية شاول الطرسوسي (بولس) في مسيرة تطور الديانة المسيحية، ومحورية آرائه وأفكاره، والتي أصبحت نصوصا مقدسة، وقاعدة اساسية يقوم عليها هيكل تلك الديانة، لذلك، نحتاج الى مقاربة تلك الشخصية من خلال المعايير التي تحدد صفات الانبياء او مدعي الرسالة.

من المفارقات الطريفة، اننا نجد بعض الاخوة المسيحيين، وحتى المتخصصين منهم، عند الحديث عن نبؤة شاول الطرسوسي، نجدهم، ينتفضون، ويعترضون، على اساس ان بولس/شاول رسول وليس نبي !!

والعجيب، انهم يدافعون بهكذا حجة مضحكة، وبنفس الوقت يعتبرون كلام واراء هذا الرجل نصوص مقدسة،تشكل أكثر من نصف الكتاب المقدس لديهم !

ان تكثيف تكرار وصف بولس بالرسول، وتجنب وصفه بالنبي، هو تكتيك ذكي ومدروس اتبعته الكنيسة منذ القرون الاولى من اجل منع وابعاد اي محاولة  لإخضاع بولس لميزان مواصفات النبي الكاذب،التي ذكرها المسيح وكذلك العهد القديم !

وكذلك لمنع حصول اي مقارنة ذهنية لدى اتباعها، بين تحذيرات السيد المسيح من الأنبياء الكذبة،وبين شخصية بولس!

ورغم ان التعريف المسيحي للنبي، ينطبق على بولس وعلى ادعائه ان الرب ظهر له بشكل مباشر!!، والذي يحرص في كل رسائله على التأكيد لاتباعه، انه رسول من الله ومن الرب يسوع، وهما اللذان كلفاه بان يكون رسولا للامم،كما أعلن ذلك بنفسه  !!!...مع التأكيد، دائما،ان أفكاره هي من إلهام الروح القدس وليس منه !!

بل ويذهب الى ابعد من ذلك حيث يؤكد لاتباعه ان الله اختاره واصطفاه وهو في بطن امه !!

(و لكن لما سر الله الذي افرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته ان يعلن ابنه في لأبشر به بين الامم للوقت لم استشر لحما و دما)  غلاطية 15

ان تهرب بعض الاخوة المسيحيين، من إخضاع شاول الطرسوسي(بولس) لمعايير النبوة التي تم تحديدها بشكل صارم

بحجة ان شاول هو رسول وليس نبي!....يثير الاستغراب والتعجب والتساؤل، حيث انهم بهذه الحجة الواهية يكذبون نصوص العهد الجديد نفسه، والتي تشير الى ان شاول كان احد أنبياء العهد الجديد !! كما ورد في سفر الأعمال!

(وَكَانَ فِي أَنْطَاكِيَةَ فِي الْكَنِيسَةِ هُنَاكَ أَنْبِيَاءُ وَمُعَلِّمُونَ: بَرْنَابَا، وَسِمْعَانُ الَّذِي يُدْعَى نِيجَرَ، وَلُوكِيُوسُ الْقَيْرَوَانِيُّ، وَمَنَايِنُ الَّذِي تَرَبَّى مَعَ هِيرُودُسَ رَئِيسِ الرُّبْعِ، وَشَاوُلُ.

وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ،قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ:أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ) اعمال 13

وبعد ان تأكد لنا ومن خلال نص المقدس،وليس الاستنتاج او التخمين،ان هذا الرجل يقع ضمن تصنيف أنبياء العهد الجديد، يحق لنا ان نضع هذه الشخصية، في ميزان المصداقية، وضمن المعايير النصية الكتابية، لنرى هل كان نبيا كاذبا ام لا؟!

ان أهمية هذا التقييم،تبرز لنا، من خلال دراستنا للفترة التي كان يعيش فيها شاول/بولس، حيث كان تراشق الاتهامات بكذب ادعاء النبوة او ادعاء الارسالية للمسيح على أشده بين متصدري المجموعات المسيحية المختلفة وقتذاك!

وقد طالت هذه الاتهامات بولس ايضا، كما اننا نجده كذلك يرمي الاخرين بنفس بالتهمة ذاتها !

و في سفر الرؤيا،نجد في بداية الاصحاح الثاني،،اشارة الى هذا الامر والى ظاهرة الرسل الكاذبين

(أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ،وَأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَحْتَمِلَ الأَشْرَارَ،وَقَدْ جَرَّبْتَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ رُسُلٌ وَلَيْسُوا رُسُلًا،فَوَجَدْتَهُمْ كَاذِبِينَ)

وكما أوضحنا في صدر المقال، فان نصوص العهد القديم، قد حددت بشكل صارم و واضح معيارين مهمين، لتحديد مصداقية الشخص الذي يدعي النبوة او التواصل مع السماء

وعندما نضع بولس/شاول في منطقة المعيار الاول، الخاصة باهمية حفظ وصايا الناموس وعدم مخالفتها

سنكتشف ان هذا الرجل، ليس فقط خالف الناموس، واعتبره لاغيا ولاحاجة له، ولا الى اتباع تعاليم الشريعة، بل تجاوز هذا المدى،واعتبر ان وصايا الناموس ضعيفة وغير نافعة !!

(فانه يصير ابطال الوصية السابقة من اجل ضعفها وعدم نفعها!!) عبرانيين 7|18

وهناك العديد من النصوص الأخرى، منسوبة لبولس، يعتبر فيها وصايا الرب التي جاءت في الناموس غير كافية وأنها غير ملزمة وضعيفة، وان الانسان لا يحتاج لاتباع تلك الوصايا ليتبرر، اذ يكفيه فقط الايمان من اجل ان يتبرر!!

وبذلك تسقط مصداقية ادعاء بولس بالتواصل مع السماء،في الاختبار الأول،المحدد من قبل نصوص العهد القديم!

وعند وضع هذا الرجل في منطقة المعيار الثاني، حيث يتم اختبار تحقق نبوءته في الواقع  كما حدد الكتاب المقدس

حيث يكون عدم تحقق توقعات ذلك النبي دليل على كذب ادعائه التواصل مع السماء

(فَمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ بِاسْمِ الرَّبِّ وَلَمْ يَحْدُثْ وَلَمْ يَصِرْ، فَهُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ، بَلْ بِطُغْيَانٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ، فَلاَ تَخَفْ مِنْهُ) تثنية 18/22

بالنسبة لبولس الرسول، تعتبر واحدة من أهم نبؤاته، هي تلك التوقعات التي بشر فيها اتباعه، بأن قدوم المسيح الثاني هو وشيك جدا،وان وقت رجوعه قد اقترب، وانهم سيشهدون - مع بولس- ذلك الحدث التاريخي المهم، حيث سيلتحق بولس ومعه اتباعه المؤمنين بالمسيح، حين يتم اللقاء بينهم في السماء وعلى السحاب !!!

 (فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ.

لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا.ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ)  تسالونيكي الاولى 4/15

وبطبيعة الحال، توفى بولس، وانتهى جيل معاصريه، ومرت قرابة الالفين عام، ولم يأت المسيح، ولم يحصل لقاء السحاب!

وليس امامنا، والحال هذه، سوى تصنيف تلك النبوءة ضمن التوقعات الخائبة، والتي لايمكن اعتبارها وحيا سماويا، وانما مجرد كلام، بطغيان فم صاحبها كما يشير العهد القديم، لذلك فان مصداقية صاحب ذلك التنبؤ تسقط،مجددا، في الاختبار!!

هذا المقال، سيكتفي فقط، بقياس مصداقية ادعاء بولس تواصله مع السماء والتحدث باسمها، ضمن المعايير والأسس التي وضعها الكتاب المقدس نفسه وبنصوص واضحة ومباشرة، ولن نتطرق الى التناقضات و الأكاذيب والفبركات التي اكتنفنتها اقوال وتعاليم بولس، وهي كثيرة جدا،وتحتاج الى مقال مستقل!!

ان اتهام بولس بالكذب والتلفيق، ليس موضوعا جديدا، ولا فكرة مستحدثة، وإنما هو امر مشهور وقديم منذ زمن هذا الرجل، ولذلك نجد صداه في كتاباته ورسائله التي يحاول فيها وبمواضع عديدة نفي تلك التهمة عن نفسه،والتأكيد لاتباعه بانه هو فقط، من يعطيهم الحقيقة،وان الحق في اقواله، وانه ليس كاذبا !!

(والذي اكتب به اليكم هوذا قدام الله اني لست اكذب فيه) غلاطية 1/20

ومن تتبع رسائل بولس، نلاحظ ان هذا الرجل كان يتبع تكتيك: الهجوم خير وسيلة للدفاع !!

فنجده يطلق نيران الاتهامات بالكذب والضلال،على كل المخالفين لآرائه وتعاليمه !!.خصوصا الذين كانوا يحذرون منه!

بل اننا نجد في رسالته الى غلاطية انه لم يسلم من نيران اتهاماته حتى الرسل من تلاميذ المسيح، بل واصابت حتى الرسول بطرس (كبير التلاميذ) حيث نجد بولس في الاصحاح الثاني يؤشر الى اتهام بطرس بالرياء والنفاق!

ولم يكتفي بولس، بمهاجمة الذين كانوا يحذرون الناس من هرطقاته، او الذين اختلفوا معه، لكنه اخترع طريقة مثيرة وعجيبة من اجل ان يبرر تناقضاته وعدم مصداقية دعاواه!!!

وذلك من خلال الإيحاء لاتباعه، بأنه حتى وان كان يكذب، فانه غير اثم او مدان، لان كذبه هو من اجل اثبات صدق الله!!

وبذلك يكون السيد بولس/شاول قد أسس لبدعة فريدة وعجيبة لازال البعض يتبعها، ويتخذ منها أسلوب ومنهج كرازي!

وهي بدعة الكذب المقدس !!!

(فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟) رومية 3/7

 

د. جعفر الحكيم

 

 ميثم الجنابيإن تاريخ الباطنية الإسلامية بصيغتها الإسماعيلية التعليمية هي بمعنى ما تاريخ "الفضائح" العقلية والأخلاقية. فقد شارك الجميع مؤيدون ومعارضون في إبداع تلك الصورة، التي أذهلت الجميع دون أن تقنع أياً منهم حتى النهاية على أنها الصورة الشافية والوافية، أو عما يمكنه أن يكون لصورتها الواقعية المتكاملة أو المثالية . فبالقدر الذي ارتبط اسم الباطنية الإسلامية بصورة "الغلوّ" الإسلامي، فإن هذا التطرف العارم لم يكن في تاريخيته سوى الرد الأخلاقي المرهف لانتكاسات السياسة في تمثلها لمبادئ الإسلام الكبرى ومساعيه العدلية. وقد جعلها ذلك منذ البداية شفافة القلب في تقبل كل ما لا يمت للواقع بصلة، مازالت يمتلك في ذاتها بعض مقومات "السرّ الباطني" للمثال. وإذا كان مزاج الورع الإسلامي لم يعِ ذاته بالضرورة بمعايير الروح المتسامي، فلأنه كان ملزماً منذ البداية أن يقترب من واقعية الإسلام بفعل قوة عناصره القانونية والعملية. حقيقة إن هذا الاقتراب كان من الناحية الواقعية أيضاً نزوعاً ذاتياً. بمعنى أنه في الوقت الذي استبطن في ذاته مظاهر الصراع فإنه استظهر في ورعه عوالم الاختلاج الباطني. وإذا كان الوعي التاريخي عادة ما يربط ذلك بشخصيات كالحسن البصري وأتباعه وأمثاله، فلأنه أحد نماذجه الجلية. بينما استطاع الوعي التاريخي الإسلامي اللاحق في روحه الباطني وثقافته التأويلية أن يبحث عن شخصياته ورموزه في كل "فضائل" و"رذائل" المسلمين الأوائل.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاستبطان التاريخي للوعي الاجتماعي بشكل عام والسياسي بشكل خاص لابد وأن يدرج في تقاليد التأويل كل ما يمكنه أن يكون مادة للتأمل النظري، أي انه يستبطن الظاهر في المظاهر بسبب انتمائه إلى عالم السياسة المتغيرة. لهذا السبب لا يهتم هذا النمط من التأويل بقيم الأخلاق وإشكالاتها، بما في ذلك في حال إدراجها ضمن تأملاته النظرية. وذلك لأنه يدخلها بوصفها أجزاء متناثرة في فسيفساء خطابه السياسي وخططه العملية. ولا يفعل هذا النط الأيديولوجي في الواقع إلا على جرش كل ما يدخل طاحونته على أمل تحويله إلى مادة عجينه النظري. وبهذا المعنى كان لابد وأن تؤدي "فضائل" و"رذائل" المسلمين الأوائل دور الرموز الضرورية للآراء السياسية والشعارات العملية. ويمكن رؤية ذلك على مثال التأويلات العديدة والمتنوعة لفرق الغلو الإسلامية الأولى وبالاخص الشيعية منها في مواقفها من "فضائل" الأئمة وأصحابهم وأتباعهم و"رذائل" الخلفاء ومن ورائهم من الأتباع، أي مجموعة الفضائل والرذائل السياسية بمعناها الأيديولوجي. ومع ذلك ساهمت هذه الظاهرة السلبية في بلورة تقاليد الباطن والباطنية. ومن ثم مدت الروح الباطني للإسلام بمادة وأساليب وخيال التأويل المفرط. مما ساعد بالتالي على إعادة ترتيب علاقة العقل بالنقل، والتأويل بالتفسير، والأخلاق بالسياسة وغيرها. مما استثار في حصيلته النهائية مهمة البحث الدءوب عن النسب الممكنة في تجليات الروح الباطني، وأبدعت بأثر ذلك كل تلك الأصناف المثيرة للباطنية الإسلامية بما في ذلك "التعليمية" منها.        

 وحالما أخذت هذه الآلية فعلها في تكوين عناصر الذهنية المقارنة والتحليلية، فإنها تكون قد فسحت المجال أيضاً أمام الخيال المبدع في تجلياته العديدة. وبهذا المعنى كانت الباطنية الإسماعيلية (التعليمية) نموذجاً كبيراً لعمل هذه الآلية. إلا أنه النموذج الذي استقل بذاته في ذاته مبدعاً كيانه الخاص، أي أنه استقوى باتجاه بناء استبطانه الداخلي الذي أرهقته وأغنته في الوقت نفسه مساعيه السياسية وإفراطه المذهبي، أي كل ما استثار ولع التشفي والانتقام. ولم تكن هذه العملية وليدة الحسرة الداخلية لمآسي الهزائم السياسية للتشيع، بل ولردود فعلها الظاهرية أيضا. بمعنى أنه لم يكن مجرد تعمّق الباطنية في الالتفاف والدوران الذاتي عن قيم الوجود الكبرى، بل وتعمّق الظاهرية في هجومها ضد "الزندقة" الباطنية.

فقد كانت هذه القضية من حيث محتواها التاريخي جزء من ثقافة الإسلام الروحية والسياسية، أي انها حصيلة الظواهر المعبرة عن روحه الباطني. والمهمة الآن لا تقوم في تتبع هذا التناقض الحي، الذي كان نتاجا ونفيا في الوقت نفسه لواقع الصراع الاجتماعي والسياسي والمذهبي، بل في رسم الصورة العامة لما يمكن دعوته "بالعقل الظاهري" (السنّي) في موقفه من الباطنية التعليمية السابق للغزالي. حقيقة إن ذلك لا يعني خلو الظاهرية من الباطنية، والباطنية من الظاهرية. وسوف اتناول بعض جوانب هذه القضية في مجرى دراسة آراء الغزالي في التفسير والتأويل، والظاهر والباطن، والخواص والعوام وغيرها من القضايا المشابهة. وسوية مع ذلك تجدر الإشارة إلى أن ما تناوله الغزالي وغيره من مفكري تلك المرحلة هو تعبير عن الاستيعاب الفردي في حدوده الثقافية. حيث تبقى كثرة من الحقائق العائمة وراء ثقافة المرحلة في كل من ترابط عقائدها المذهبية وصيغها المنطقية وحدسها المعرفي، أي وراء كل الجدل الفكري بوصفها حقائق ذات قيمة بسبب تعبيرها عن استمرار الخلافات وإمكانية ظهورها المتجدد بما في ذلك في الظروف المعاصرة.   

لقد استثارت الباطنية واستفزت الظاهرية وربطتها في جدل اللاهوت السياسي والسياسة اللاهوتية، مما أدى في حالات كثيرة إلى إبداع مختلف الأساطير والخرافات. حقيقة إن ذلك لم يكن بمعزل عما هو مميز للباطنية بشكل عام والإسماعيلية (التعليمية) بشكل خاص في عالم الخلافة آنذاك. فقد تكلّست التقاليد الباطنية للباطنية (التعليمية) في جدلها اللاهوتي، وتعمّقت في خيالها الفلسفي، واستوطنت في خاصة خواصها. لهذا كانت حصيلتها الظاهرية مجموعة من الإرهاصات الحادة في السياسة. مما حدد طبيعة العلاقة المناهضة للباطنية في الاتجاهات الظاهرية (السنّية) وعلومها وبالاخص في التاريخ والكلام وعلم الملل والنحل، أي تركّزها في قضايا "اللاهوت السياسي" وتفريعاته الكلامية. لاسيما وأنها تمرّست في معارك "الفضائح" الفكرية التي سيرمي الغزالي بدلوه فيها أيضاً. ولكن إذا كانت إسهاماته الجدلية تنصبّ عموماً في نفس الاتجاه الذي أبدعته تقاليد العلوم "السنيّة" في صراعها مع الباطنية، فإن نتائجها في تطوره الروحي مثّلت بمعنى ما مفارقته النظرية (العقلية الأخلاقية) الكبرى.

إننا نقف هنا أمام حالة نموذجية من انكسار "الجمود العقائدي" في أحلامه الكبرى. إذ لا تخلو أية حركة سياسية عقائدية مهما قل شأنها أو كبر من واقع انكسار جمودها في أحلامها. إلا أن ما يميز الباطنية الإسماعيلية (التعليمية) هو أنموذجها المنظومي. بمعنى بناء منظومة باطنية قادرة على أن تشمل كل مكونات الوجود والمجتمع والمعرفة والعقائد. إنها أبدعت منظومة فريدة في مكوناتها من خلال لحم التكلّس اللاهوتي بالخيال الفلسفي. وحاولت جمع مكونات يصعب جمعها، من هنا إبداعها لكل ما هو غريب، أو أنها على الأقل أدرجت كل غرابة الفكر والتفكير في منظومتها بالطريقة التي أصبح من الممكن قبول كل الأساطير على أنها واقع، وكل الحقائق على أنها نماذج حية لمساعيها وغاياتها النهائية. مما انتج بدوره نوع من الاعتزاز المفرط بالقناعة العقائدية الصلبة كالعصمة، واندفاع مبتهج للخيال ومقدرته على إدراج كل ما هو كائن وممكن في هرمها العقائدي والسياسي. وإذا كان لهذا التناقض حيويته الخاصة في الفكر الإسماعيلي، فإن إفرازه الواقعي كان لابد وأن يصدم "العقل الظاهري" باستنتاجاته العملية. إذ تصارع كل منهما مع الآخر متمسكين في الوقت نفسه بنفس الحبل كل من طرفه المقابل دون أن يعي كل منهما إن نقطة الضعف الأساسية ليست في تباين أو شرعية القوى وصلاحيتها، بل في نفسية المنافسة العدائية. وهو استنتاج يستمد مقوماته من النتائج الفعلية التي آل اليها تطورهما كلاهما في الفكر النظري والسياسة العملية.غير أن المأثرة المعرفية والأخلاقية الكبرى لهذا الإدراك يمكن العثور عليها في المسار الشخصي لإبداع الغزالي ومصيره المعرفي الروحي الأخلاقي الفردي.

غير أن المهمة المطروحة الآن لا تتعدى حدود الكشف عن الصيغة التي تبلورت بها عناصر الصراع اللداخلي في ذهنية الغزالي بوصفها النتيجة المترتبة على ما اسميته بسخاء العقل وجفاء الأخلاق، أي الخيبة التي تولدها حيرة المفكر حالما يقف أمام نتائج وحقائق إبداعه النظري وخوائه الروحي، أي تلك النتيجة المميزة لمحترفي الأيديولوجية العقلانيين في حال اندفاعهم العارم صوب هاوية الاحتراف ذاته. فهي الممارسة التي تعمي البصيرة الاخلاقية من رؤية خطوات العقل الجريئة ذاتها. فالفوز الذي يصنع وهم التفوق في جرحه للخصوم من خلال كشف "فضائحهم" يؤدي بالضرورة الى انهماكه غير الواعي في مشاركة الخصوم "قبائحهم". اذ يساهم في شحن الطاقة الجدلية لكنه يثلم في الوقت نفسه قوة اليقين العقلي ويصدئ معادن الروح الأخلاقي. غير ان هذه الرؤية الخاصة من وعي الذات الفردي لا تظهر عند المنتصرين بتلك البساطة التي يمن ملاحظتها في سيماء الخاسرين. الا ان اكتشافها عند الاولئل هو من وحي تداخل البحث عن قوة المعرفة ويقين الاخلاق، أي ما هو اكثرها تعقيدا في صيرورة الفردي والاجتماعي. وقد سار صراع الغزالي وتطوره الروحي ضمن هذا الاطار العام. 

  فقد سبق الغزالي تاريخ طويل من جدل المدارس الكلامية والعلوم الأخرى في مقارعة الباطنية ونقض أنماطها المختلفة. حقيقة إن هذه التسمية عادة ما تتطابق في الوعي الإسلامي وعلومه القائمة آنذاك مع الحركات الشيعية "المتطرفة" والإسماعيلية منها خصوصاً. أما تسمية الباطنية فإنها تعبّر في الأغلب عن تقييم وموقف سلبي لمنهج الباطنية وغاياتها

 

[1]، أي كل ما سيدخل بهذا القدر أو ذاك في أسلوب الغزالي وتقييمه الساعي لكشف "فضائحها". غير أن المهمة الأساسية الآن لا تقوم في تتبع الحيثيات الهائلة لهذه الظاهرة الفريدة والكبيرة في عالم الإسلام آنذاك، بل في تتبع تلك الصورة التي أنتجتها تقاليد العلوم النظرية والتاريخية للمرحلة في مواقفها من الحركة الباطنية في نموذجها الإسماعيلي التعليمي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن انتقاد الغزالي للباطنية لا يشكل ظاهرة استثنائية سواء في منظورها التاريخي أو الفكري رغم بقاء أثرها قوياً في العصور التالية، بحيث شكل مصدراً مهماً لاستعادة وتكرار الانتقاد اللاهوتي والمذهبي ضد مدارس الباطنية (الإسماعيلية).مما أدى بدوره إلى استثارة ردود الباطنية ضد هذه "الإتهامات الباطلة" وأمثالها.

لقد قدمت كتب التاريخ، وعلم الكلام، وعلم الملل والنحل وغيرها من الفنون النظرية والأدبية شواهد لا تحصى عن هذه الصراعات والاتهامات "الباطلة" المتبادلة. ولم يفعل ذلك في الأغلب إلا على تطويع ترسانة الباطن الإسماعيلية لصنع حدود القناعة الجازمة ضد أتباعها ومؤيديها. وإذا كانت هذه الظاهرة متناقضة من حيث مكوناتها وتأثيرها، فلأن ذلك مرتبط بخصوصية الباطنية الإسماعيلية  ومنظومتها اللاهوتية والسياسية. فممارسة التقية والطابع السري للحركة الإسماعيلية على سبيل المثال، شكّلا بحد ذاته مصدراً لقوتها وضعفها في الوقت نفسه. إذ ساعد على تعميق الوعي الذاتي وتطوير فلسفتها استناداً إلى عناصرها الداخلية وتراث الفكر ككل من خلال تجنب الدخول في مهاترات ومناوشات الجدل الضيق، ولكنه أدى في الوقت نفسه إلى نوع من الانغلاق الذاتي والتقوقع والإذابة الدائمة للمكونات الذاتية في الذات. وسوف أكتفي هنا بتحليل المادة التاريخية الفكرية، التي تشكل بحد ذاتها ضمانة أولية ضرورية وكافية لرسم خطوط التقاليد العامة التي سبقت (فضائح) الغزالي في كل من معسكري الباطنية والمعارضة.

فالمؤلفات التاريخية السابقة للغزالي، كما هو الحال عند الطبري(ت- 311 للهجرة)  والمسعودي (ت- 344 للهجرة) والقرطبي (ت- 370 للهجرة) سلطت الكثير من الأضواء على أسباب ظهور الحركات الباطنية وترابطها من خلال التركيز على مقدماتها وقضاياها السياسية. إضافة لذلك حاولت الإشارة، وإن بصورة عابرة، إلى الصلة بين الإسماعيلية والقرامطة. أما كتابات المتأخرين منهم، فقد أخذت تتصف بنوع من العداء والمناهضة الصريحتين للباطنية الإسماعيلية وحركاتها السياسية، مما أدى في حالات عديدة إلى تشويهها المتعمد ونسب آراء ومواقف غريبة إليها، كما هو واضح في كتابات مسكويه (ت- 421 للهجرة) والصابي (ت- 447 للهجرة) ونظام الملك (ت- 485 للهجرة) وابن شداد (ت- 632 للهجرة) وأبو الفدا (ت 732 للهجرة) وغيرهم.

في حين أعار علم الملل والنحل جلّ اهتمامه وبفعل موضوعه ومناهجه الخاصة لدراسة الإسماعيلية وفرقها من زاوية تقاليده في النظر إلى ظهور وتفرق الفرق الإسلامية، كما هو الحال عند الأشعري (ت- 234 للهجرة) والملطي (ت- 377 للهجرة) والبغدادي (ت- 429 للهجرة) وابن حزم (ت- 456 للهجرة) والشهرستاني (ت- 548 للهجرة) وغيرهم[2]. فقد نظر الأشعري على سبيل المثال إلى الإسماعيلية نظرته إلى إحدى الفرق الإسلامية، عارضاً بعض مقالاتها بصدد القضايا المميزة لكتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين).  في حين هاجم البغدادي مدارس الباطنية بشكل عام والإسماعيلية بشكل خاص، حيث اعتبرها من بين فرق الرافضة[3]. فهو ينظر إليها على أنها من فرق الإمامية الرافضة[4]، ويصنفها في الوقت نفسه ضمن الباطنية الغلاة.  من هنا حكمه على الباطنية، باعتبارها من أشد الفرق ضرراً على الإسلام بما في ذلك من اليهود والنصارى والمجوس والدهرية وسائر "أصناف الكفرة". ففضائح الباطنية، كما يقول البغدادي، "أكثر من عدد الرمل والقطر"[5]. لكنه يقدم في الوقت نفسه كثرة من المعطيات عن الفرق الباطنية حيث يدرج فيها كل من الديصانية والقرمطية والمأمونية والخرمية والإسماعيلية. ويشير أيضاً إلى فلاسفتها ومؤلفيها الكبار أمثال الشعراني والترمذي والسجزي والنسفي وأبي حاتم الرازي[6]. ويستند في استعراضه لآرائهم إلى أصحاب المقالات والتواريخ المسلمين. وهو يقصد فيما يبدو كتابات كل من الأشعري والملطي وأبي القاسم البسطي (ت-420 للهجرة) والقاضي عبد الجبار (ت-415 للهجرة) وكذلك الباقلاني وغيرهم، أي دون الاطلاع على مؤلفاتهم الأصلية. ويربط البغدادي ظهور الباطنية بمؤسسي الحركة القرمطية الأوائل كميمون بن ديصان ومحمد بن الحسين (دندان) وحمدان قرمط وأبو سعيد الجنابي، أي كل تلك الشخصيات التي ربطت نفسها، كما يقول البغدادي، بصورة كاذبة بالبيت العلوي من أجل بلوغ مآربها السياسية. بمعنى استناده إلى الفكرة السائدة في كتابات تلك المرحلة ومحاولاتها العديدة في إسدال ستار التعتيم والتشوية المتعمد، دون الالتفات إلى بحث الأسباب الحقيقية الكامنة وراء ظهور هذه الظاهرة الفريدة والعميقة في تاريخ الثقافة الإسلامية. غير أن ذلك لا ينفي وجود آلية البحث عن علل الأشياء بما في ذلك في علم الكلام، باعتباره منبع الأحكام الكبرى حول الفرق الإسلامية في علم الملل والنحل. وليس من المستغرب في هذه الحالة أن يبحث البغدادي عن أحد أسباب انتشار الفكر الباطني السريع في كل من "جهل العوام" و"مكر الباطنية". بل إنه حاول تطبيق ذلك أيضاً على إبداع مفكري الباطنية الكبار أنفسهم.غير أن السبب الرئيسي في سلسلة أسباب ظهور الباطنية بنظر البغدادي قوم في محاولة الثأر من جانب أحفاد المجوس ضد سيطرة الإسلام! أي من جانب أولئك الذين يميلون إلى دين أسلافهم. وبما أنهم لم يستطيعوا الإعلان عن ذلك جهراً، فإنهم اضطروا إلى أسلوب الباطنية في التأويل، وبالصيغة التي تسمح بإمكانية الدفاع عن الديانة المجوسية وفلسفتها الثنوية. فالثنوية تزعم بأن النور والظلمة صانعان قديمان. وأن النور هو فاعل الخيرات والمنافع، وأن الظلام هو فاعل الشرور، وأن الأجسام ممتزجة من النور والظلمة، وكل واحد منهما يشتمل على الإسطقسات (الطبائع) الأربع (الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة). وأن الأصلان الأولان (النور والظلمة) والطبائع الأربع هم الذين يديرون كل ما في العالم. ويشارك المجوس آراء الثنوية من وجود صانعين، غير أنهم نظروا للصانع الأول على أنه قديم فاعل للخيرات، بينما الآخر على أنه شيطان فاعل الشرور، أي ذات الأفكار التي يمكن رؤيتها عند الباطنية ولكن بصيغتها الإسلامية. فالباطنية تؤكد، كما يقول البغدادي، على أن الله خلق النفس، فهو الأول والنفس هو الثاني، وكلاهما يدبران ما في هذا العالم من الكواكب السبع والطبائع الأربع. ومن هنا إشارة البغدادي إلى أن الأول والثاني المدبران للعالم في الباطنية ما هما إلا قول المجوسية. غير أن الأخيرة تعبّر عنه بكلمات يزدان وأهرمن. وإذ لم يكن بإمكانهم، حسب عبارة البغدادي، إظهار عبادة النيران، فإنهم حاولوا إقناع الخليفة هارون الرشيد (ت- 139 للهجرة) بتجمير المساجد، أي تلك الحيلة التي اكتشفها الرشيد والتي أدت إلى نكبة البرامكة الشهيرة[7].

ويقدم البغدادي صورة فظيعة الملامح عما أسماه بعدمية الباطنية ولا أخلاقيتها، بحيث تربط في كل واحد اللواط وعلم النجوم ومحاربة العبادات الإسلامية وغيرها من الأمور، أي كل تلك الصورة الأيديولوجية المفرطة في شناعتها. وفيما لو جرى اهمال هذه "الفضائح" وطرحها جانباً، باعتبارها جزء من نفسية الابتذال وذهنية العداوة ونظرنا إلى ما يتناوله البغدادي  بالتحليل الموضوعي حال استعراضه آراء أهل الكلام في الباطنية، فإن الظاهرة تبدو أكثر تعقيدا. فهو يشير إلى أن أكثرية المتكلمين تشترك في إقرارها بأن غرض الباطنية هو الدعوة إلى دين المجوس بالتأويلات التي يتأولون بها القرآن والسنّة، استناداً إلى مفهوم الأول والثاني (يزدان وأهرمن). بينما زعم البعض أن الباطنية استمدت مقوماتها من الصابئة الحرانية استناداً إلى ممارستهم كتمان الديانة عن الآخرين وإعلانها إلى المقربين والأتباع. أما البغدادي فإنه يحدّ الباطنية بمفهوم "الدهرية الزنادقة"، الذين يقولون بقِدَم العالم وينكرون الرسل والشرائع[8]. ويستند في حكمه هذا إلى ما قرأه، كما يقول، في رسالة عبيد الله بن الحسين القيرواني إلى سليمان بن الحسن بن سعيد الجنابي، والمسماة (بالسياسة والبلاغ الأكيد والناموس الأعظم)، التي تبلور "تكتيك" الباطنية في كيفية التقرب إلى ممثلي وأتباع مختلف فرق الملل والنحل من أجل كسب ودها وتأييدها. وحاول من خلال ذلك إبراز نزعتهم "الدهرية" و«زندقتهم "بالتشديد على ما ينسبه لهم من رد نواميس الأنبياء والقول بقدم العالم"، و"إبطال الثواب والعقاب". و"أنه ليس الجنة إلا الدنيا وليس العذاب إلا اشتغال أصحاب الشرائع بالعبادات"، وأن عبادة أهل الأديان هي لإله لا يعرفونه"[9]. وبالتالي رفضهم المعجزات والملائكة والوحي. إذ ليست الملائكة بنظرهم، كما يقول البغدادي، سوى دعاتهم وليست الشياطين سوى مخالفيهم. أما الأنبياء فهم قوم أحبوا الزعامة. فالنبي بالنسبة لهم هو الناطق والوصي أساسه. وبالتالي فمن يستند إلى تأويل الباطن فهو من الملائكة ومن يعمل بالظاهر فهو من الشياطين. وأدى ذلك بهم إلى تطرف في التأويل بحيث انتزعوا المضمون الحقيقي لما في القرآن والسنّة. فليست الصلاة حسب تأويلاتهم سوى موالاة الإمام، وليس الصوم سوى الإمساك عن إفشاء السر، وليس الزنى سوى الإفشاء بالسر ونكث العهد والميثاق. وبالتالي فإن تشكيك الناس بصحة القرآن والتوراة والإنجيل والدعوة لإبطال الشرائع هو من صلب مهماتهم وغاياتهم النهائية، كما يستنتج البغدادي. إذ لا ملائكة ولا جن ولا آدم ولا الله. وإن ما جاءت به الرسل هو مجرد مخاريق وما كلامهم إلا تناقضات. فعيسى يقول لا أرفع شريعة موسى ويزيلها، ومحمد يستصعب الإجابة عن سؤال وجه إليه عن معنى الروح ويقول "إن الروح من أمر ربي"، وموسى لم يبق له من البرهان على نبوته سوى المخرقة باتقان الحيلة والسحر.  إلا أن خطورة هذه الآراء، حسب نظره، تقوم في أن الباطنية لا تتناولها دفعة واحدة، بل تتبع في ذلك أسلوبها الخاص، الذي بلورته على أساس مفاهيم وممارسات التدرج في المراتب التسع وهي: التفرّس، والتأنيس، والتشكيك، والتعليق، والربط، والتدليس، والتأسيس، والميثاق والعهد، والخلع والسلخ. ومن الممكن العثور على كل ما أورده البغدادي بهذا الصدد عند الغزالي وفي الكتابات المناهضة للباطنية مثلما هو الحال في كتابات حميد بن أحمد المحلي ( ت-652 للهجرة) في كتابه (الحسام البتار في الرد على القرامطة الكفار) وملخصه في كتاب محمد بن الحسن الديلمي في جزئه المخصص "لبيان مذهب الباطنية" في كتابه (قواعد عقائد آل محمد) وغيرها من الكتب. غير أن البغدادي لا يتناول هنا إلا مراتب التفرس والتأنيس والتدليس والتشكيك.

أما ابن حزم فيفسر ظهور الاتجاهات الباطنية انطلاقاً من أسباب "قومية". فهو ينظر إليها باعتبارها رد فعل فارسي ضد السيطرة العربية. إلا أنه لا يضّمن هذه الفكرة مضمونها القومي المعاصر،  بقدر ما أنه يشير إلى بواعثها الفكرية، التي شاطرها في واقع الأمر الكثير من كتاب ومؤلفي تلك المرحلة. بمعنى النظر إلى هذه الحركات بوصفها رد فعل من جانب القوى التي فقدت سيطرتها المادية والروحية.ولهذا اتخذت من الشيعة العلوية في فرقها العديدة، وبسبب معاداتها للسلطات، وسيلة وغلاف لمهاجمة الإسلام[10].  ولا يغير من هذا الحكم شيئاً، كون ابن حزم يضع الإسماعيلية والقرامطة في فرق الباطنية (الشيعية) المجاهرة بترك الإسلام[11]. وهو يقطع إمكانية الجدل منذ البداية عندما يؤكد على أنه لا باطن في القرآن، وأن كل ما فيه ظاهره، وأنه "لا سرّ تحته. كله برهان لا مسامحة فيه"[12]. وبالتالي ليست دعوة الظاهر والباطن سوى مخرقة، إذ لا كتمان في حقيقة الشريعة. إذ ليس هناك من علم خاص تابع للقرابة من النبي. ولا يوجد في القرآن والسنة "سر ولا رمز ولا باطن غير ما دعى الناس كلهم إليه. ولو كتم شيئاً لما بلّغ"[13]. أما آراء الشهرستاني فقد كانت في حصيلتها صياغة موضوعية محايدة تستعرض آراء الباطنية (الإسماعيلية) العامة.

فقد تبلورت شخصية وآراء الشهرستاني بعد الغزالي، وبالتالي لم يكن بإمكانها أن تكون مصدرا للغزالي أو منهلا من مناهل التقاليد السابقة له. إلا أن آراءه وأحكامه العامة يمكنها تسليط الضوء على بعض الجوانب المهمة بالنسبة لرؤية مضمون النقد الحاد الذي وجهه الغزالي ضد التعليمية الباطنية. فالشهرستاني لم يخض جدل العقائد والاتهام. بل اكتفى بالإشارة إلى انه لميبق بعد استعارضه الفرق الاسلامية سوى فرقة واحدة وهي الباطنية. وعلّق على ذلك قائلا بأن أصحاب التصانيف في المقالات اختلفوا في إدراجهم أو إخراجهم من فرق الإسلام. واعتبرهم الشهرستاني بالجملة فرقة تختلف عن فرق الاسلام الاخرى الاثنتين وسبعين[14]. ولا يمكن إغفال ما في هذا التقييم من معان متعددة. فباستثناء موقفه النقدي الوحيد في نهاية استعراضه لآراء الإسماعيلية، والقائل بأن حصيلة أفكارهم تؤدي إلى سد باب العلم وفتح باب التقليد[15]، فإننا لا نعثر عنده على أي موقف معارض أو نقدي آخر. فهو يستعرض ألقاب الإسماعيلية مشيرا إلى أن أشهرها هو اسم الباطنية استنادا إلى قولهم إن لكل ظاهر باطن، ولكل تنزيل تأويل. أما القابهم الاخرى فتختلف باختلاف المناطق. ففي العراق يطلقون عليهم اسم الباطنية والقرامطة والمزدكية، وفي خراسان التعليمية والملحدة. بينما يطلقون هم على أنفسهم أسم الإسماعيلية[16]. كما يفرّق الشهرستاني بين "باطنية قديمة" خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة وأن حصيلة فكرهم تقوم في نفي الصفات حقيقة وتعطيل الذات. أما اصحاب "الدعوة الجديدة" فغنهم تنكبوا الطريقة القديمة حين أظهر الحسن بن الصباح (ت-518 للهجرة) "دعوته وقصر عن الإلتزمات كلامه واستظهر بالرجال وتحصن بالقلاع"[17]. ويمكن لهذه الآراء والأحكام العامة ان تساعد على تدقيق سمية الباطنية والتعليمية، والاتجاه الذي خاض الغزالي الصراع ضده، أي ضد أصحاب "الدعوة الجديدة".

غير أن صورة الباطنية تأخذ بالتغير حال الانتقال إلى ميدان الفلسفة والكلام. وإذا كان جدل العقائد والآراء والأحكام يتخلل كل مسامات الكلام، فإن نظيره الفلسفي عادة ما كان يضمحل في مساعيه التأملية بفعل ابتعادها عن قضايا اللاهوت التقليدي ومماحكة استعماله السياسي والأيديولوجي.غير أن ذلك لا يعني غياب المؤلفات الفلسفية المتصارعة، بما في ذلك داخل الفرقة الباطنية (الإسماعيلية)، كما هو جلي في كتابات النسفي (ت- 331 للهجرة) والسجستاني (ت- 353 للهجرة) ومحاولة توليفهما في كتابات الكرماني (ت- 411 للهجرة). بمعنى أن هذا الجدل كان يسعى للبحث عن تطوير ووحدة الحركة الباطنية الإسماعيلية. لهذا السبب لم يختف هذا الجدل في ما بينهم، كما هو الحال داخل كل الفرق الإسلامية الأخرى.

وما هو مهم ضمن سياق البحث هو مضمون واتجاه التقاليد الفكرية المتبلورة في مجرى صراع الفرق الإسلامية مع الباطنية الإسماعيلية. وإذا كان ميدان العلم الفلسفي "شحيحاً" في هذا المجال، فإن علم الكلام قد امتلأ بمهاترات لا تحصى. وينطبق هذا بقدر أقل على كتابات علم التاريخ والملل والنحل. ومع ذلك فإن هناك تشابهاً كبيراً في التقاليد العامة لهذه العلوم في مواقفها من الباطنية. وفي الوقت نفسه هناك تقاليد مشتركة في ما بين الفرق الإسلامية جميعاً. بمعنى هجوم كل فرقة ضد فرقة ما أو ضد جميع الفرق الأخرى. فمثلما تعرضت المعتزلة، على سبيل المثال، إلى هجوم أغلب الفرق الإسلامية، فإنها هاجمت بدورها الجميع بنفس الحماسة. وينطبق هذا على كل الاتجاهات الإسلامية الكبرى وفرقها العديدة. وبهذا المعنى كان تعرّض الباطنية إلى انتقادات المعتزلة والأشاعرة شيئاً ما طبيعياً، أي كل ما يمكننا العثور عليه في كتابات المعتزلة والأشاعرة مثل القاضي عبد الجبار وأبو القاسم البسطي والباقلاني والجويني وغيرهم.

فعلى الرغم من التشابه النسبي بين المعتزلة والأشاعرة في تقاليدهما الكلامية، إلا أن خلافاتهما الفكرية أدت في حالات عديدة إلى تباين أساليبهما أيضاً في الانتقاد والجدل. لكنهما التقيا في عدائهما للباطنية، تماماً بالقدر الذي ناصبت الباطنية عداءها لهما.

فإذا كانت انتقادات البغدادي تحمل روح التطرف العقائدي والمذهبي، فإن كتابات البسطي تميزت بطابعها الكلامي الفلسفي الجدلي. وبغض النظر عن أن البسطي يشاطر البغدادي فكرة اعتبار الديانة الزرادشتية هي المصدر الفكري الروحي للباطنية الإسماعيلية، إلا أنه يتناول هذه القضية استناداً إلى تحليل ومناقشة آراء المفكرين الإسماعيليين وفلاسفتها الكبار أمثال النسفي والسجستاني وأبي محمد النيسابوري وأبو أيوب القيرواني والقاضي النعمان وغيرهم. وينطبق هذا الأسلوب لحد ما على ما قام به الباقلاني في انتقاداته الجدلية للباطنية في كتابه (كشف الأسرار في الرد على الباطنية). ومن الممكن هنا افتراض أن آراء هذا الكتاب تتشابه من حيث نموذجها العام مع ما وضعه في كتاب (التمهيد). بمعنى تضمنه لأسلوب الكلام العقلي في الجدل وإنجازاته في تتبع وتحليل وانتقاد العقائد والاتجاهات الفكرية والأديان كالفلاسفة والفرق الإسلامية والمجوسية واليهودية والنصرانية والبراهمة. حيث عرّض فرق الشيعة بمختلف اتجاهاتها وفرقها إلى انتقادات تناولت قضايا الإمامة والعصمة والنص والاختيار. وسوف يشير الغزالي في (إحياء علوم الدين) حالما تناول قضية الإمامة قائلاً "قد ذكرنا في كتاب المستظهري المستنبط من كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار تأليف القاضي أبي الطيب في الرد على أصناف الروافض من الباطنية ما يشير إلى وجه المصلحة فيه"[18].

لقد كانت الحصيلة الظاهرية لصراع الغزالي ضد الباطنية التعليمية (الإسماعيلية) تقوم في تعميق وتوسيع الأبعاد السياسية في صراع العقائد، أما حصيلتها الباطنية فتقوم في توسيع فجوة العقل والأخلاق مع ما ترتب عليه من انكسار روحي في شخصيته. الامر الذي حدد تأثير أحد الروافد الكبرى النظرية والعملية في مصيره الفكري كما نراه في انتقاله إلى التصوف وإعادة النظر بإشكالية العقل والأخلاق، السياسة والروح الأخلاقي.

***

ا. د. ميثم الجنابي

............................

[1] يجري الحديث هنا أساسا عن الباطنية(التعليمية)، أي عن تلك الصيغة التي نعثر عليها في كتابات الاتجاهات المعارضة للإسماعيلية. فالباطنية من حيث كونها أسلوبا تختلف عن كونها حركة سياسية ومدرسة عقائدية. وبغض النظر عن وجود قواسم مشتركة بين مختلف أنواع الباطنيات، إلا أن ذلك لا يعني تشابهها. فهناك بون شاسع، على سبيل المثال، بين باطنية الإسماعيلية والتصوف. ومع ذلك هناك تأثير متبادل بينهما. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار اغتراف أغلب مدارس وتيارات الغلو الإسلامي من بحر الباطنية، فإننا نستطيع استشفاف بعض الحوافز الفكرية القائمة وراء القيمة السلبية لتسمية الباطنية عند الاتجاهات "السنيّة". أما في الواقع، فإن أغلب هذه المعارضات هي نتاج الصراع المذهبي وتقاليده السياسية اللاهوتية. وذلك للخطورة الكامنة في أسلوب الباطنية بسبب بطونه واستبطانه الدائم للتأويل، الأمر الذي يؤدي إلى صعوبة استقرار قواعد العقائد، ومن ثم يفسر الأسباب الفكرية والعقائدية واللاهوتية السياسية القائمة وراء عداء واستعداء التيارات السنيّة ضد الباطنية بمختلف أشكالها ومستوياتها وأنواعها.

[2] لقد تناولت هذه الجانب وكثير غيرها مما هو مميز لتقاليد علم الملل والنحل في كتابي (علم الملل والنحل- تقاليد المقالات والأحكام).

[3] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص26.

[4] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص42.

[5] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص213.

[6] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص214.

[7] يمثل هذا النوع من التفسير لأحدى المدارس الفلسفية والسياسية الكبرى عن ضيق أفق شديد بسبب استحواذ عناصر المنهجية العقائدية والمذهبية الضيقة فيه. إذ لا يجد هذا النوع من التفسير في تاريخ الفكر والاجتماع سوى تعبير صادق أو كاذب على معتقداته الخاصة. في حين يستند تقييمه على بعدها أو قربها من تصوراته وأحكامه كما لو أنها "مشكاة" الحقيقة المطلقة.

[8] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص222.

[9] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص222-223.

[10] ابن حزم: الفصل في المِلل والأهواء والنِحل، ج2، ص115.

[11] ابن حزم: الفصل في المِلل والأهواء والنِحل، ج2، ص116.

[12] ابن حزم: الفصل في المِلل والأهواء والنِحل، ج2، ص116.

[13] ابن حزم: الفصل في المِلل والأهواء والنِحل، ج2، ص116.

[14] الشهرستاني: المِلل والنِحل، ج1، ص190.

[15] الشهرستاني: المِلل والنِحل، ج1، ص195.

[16] الشهرستاني: المِلل والنِحل، ج1، ص192.

[17] الشهرستاني: المِلل والنِحل، ج1، ص195.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص141.

 

ميثم الجنابي"عند الشدائد تذهب الأحقاد"

من الصعب استيعاب حقيقة مواقف الغزالي من الفلسفة والفلاسفة وتأثيرهما اللاحق في تطوره الفكري ككل دون إدراك مقدماتها التاريخية الثقافية، وبالأخص تلك التي تبلورت في تقاليد المعارضة الإسلامية للفلسفة. رغم أن هذه المواقف لا تتطابق من حيث قيمتها النظرية وفاعليتها مع مناهضة التفكير الفلسفي وأساليبه بحد ذاته[1].فقد تضمنت آراء الغزالي المعارضة ومواقفه الأولية المتشددة من تيارات الفكر الفلسفي المعاصر له التشكيك بمنطقية البراهين الفلسفية وبدعاوى تمثلها للمعرفة الحقة. بينما استهلكت بأسلوبها الجدلي حوافز الروح الفلسفي من نزوات السفسطة حتى تدقيقات البرهان.

بصيغة أخرى، إن آراءه المناهضة للفلسفات السائدة في عصره (الأرسطية والإفلاطونية والإفلاطونية المحدثة والفيثاغورية وغيرها) ونماذجها الإسلامية لا يعني انقطاعه عن تياراتها أو عدم تأثره بها. وكمن في ذلك أحد الأسباب القائمة وراء الترديد الواسع لكلمات أبي بكر ابن العربي من أن "الغزالي دخل بطن الفلاسفة فأراد أن يخرج فما قدر". غير أن هذه الصيغة لا تعبّر إلا عن مظهر الظاهرة لا حقيقتها.

فالغزالي لم يدخل "بطن الفلاسفة" بقدر ما أن ثقافة الوعي الفلسفي للخلافة قد بلورت آراءه. وبالتالي فإن موقفه المعارض منها وتأثره بأسلوبها كان في الوقت نفسه نتاجاً للتطور الفكري التاريخي ذاته. إلا أن خصوصية مواقفه تقوم في كونه الأول من بين مفكري تلك المرحلة من تجرأ على منازلة تيار فكري متكامل له جذوره القوية في ذهنية الثقافة، وأوراقه المظلة في سمائها الروحي، وأن يعطي لهجومه طابعاً عقلياً منظماً. وفي هذه الظاهرة ينعكس مضمون المفارقة العميقة التي سيصوغها الوعي النقدي الإسلامي اللاحق بعبارته القائلة "إن الغزالي أمرضه الشفاء"[2]. وسواء جرى وعي هذه الكلمة في إطارها الثقافي أم لا، فإن مما لاشك فيه تضمنها حدس الإشارة الخفية في قدرتها على إماطة اللثام عن "مرض" الغزالي الفكري اللاحق ومقدمات "شفائه". وفيما لو تجاوزنا مجازية العبارة، فإن الأزمة التي أبدعها الغزالي في صراعه مع الفلسفة قد صاغت بطريقتها الخاصة قيوده الذاتية، أي أن مهاجمته الفلسفة قد جعلت منه منظومة مفتوحة وأطرقت بذهنه إلى عالم "الإلهيات" الشائك، دافعة إياه نحو تحقيق "منطق الحقيقة" كما هي. وهذا بدوره لم يكن معزلا عما تعرضت له الفلسفة من انتهاك عقائدي ونقدي من قبل المتكلمين، تماما بالقدر الذي جرى تأثرهم بها. أما الصيغة الفعلية لهذه الظاهرة فتقوم في أن ما يسمى بالعداء والخلاف لا يعكس بصورة دقيقة حقيقة المجرى الموضوعي لتطور الفكر الفلسفي والكلامي في عالم الإسلام آنذاك. بمعنى إنها كانت تعكس واقع الصدام والخلاف وليس حقيقة التعامل الفكري. فأغلب الخلافات التي كانت تحدث هي جزء من آلية وتقاليد الخلاف المرافقة لصراع العقل والإيمان. إذ لخلاف المدارس الكلامية والفلسفية أسسه المعرفية والعقائدية أيضا. غير أن ذلك لا يعني تطابق العقل مع الفلسفة، والإيمان مع الكلام. فالكلام هو أيضا فلسفة عقلية، إلا انها إسلامية المعتقد، مما حدد بدوره أوجه ومسار الخلاف الأيديولوجي بينهما، أي كل التقاليد السائدة ما قبل الغزالي. أما الطابع العلني في نقد الغزالي لآراء وأحكام الفلاسفة والفلسفة بشكل عام بصدد قضايا الإلهيات، فإنه يعكس حالة التمثل العميق لتقاليد الصراع بين الكلام والفلسفة. أما حصرها في مجال الإلهيات فقد كان النتاج المرافق لمساعيه الخاص في الكشف عما أسماه بخلل البراهين الفلسفية وضعف تمسكها الدائم بالمنطق الذي تدعيه. الأمر الذي يكشف بدوره عن أهمية المنطق وجوهريته بالنسبة للغزالي، ومن ثم دوره الأساسي في البرهان. أما حصر الجدل في قضايا الإلهيات، فإنه كان يحتوي أيضا على نزوع أيديولوجي، ولكنه مرفوع إلى مستوى الجدل العقلي الرفيع. وقد حددت هذه العملية الشائكة من تداخل العقل والإيمان، والجدل والبرهان، والحقيقة والمعتقد إلى خلخلة العقائدية الصارمة وأسلوبها الأيديولوجي كما كان الحال في شعاره "عند الشدائد تذهب الاحقاد"، ليحل محله لاحقا تأمل الحقيقة خارج احتراب الفرق والمدارس.

استند الغزالي في تجربته النقدية للفلسفة إلى تراث الكلام. لكن ذلك لا يعني أن لعلم الكلام عداء جوهري مع الفلسفة، أو أنه يحمل صفة التناقض الجوهري مع الفلسفة. فالكلام هو الآخر فلسفة. أما الفِرق الكلامية فإنها غاية في التباين والتنوع والاختلاف. ويلتقي بعضها مع الفلسفة ويفترق في كل من المفاهيم والآراء والمواقف والبراهين والحلول. وفي هذا كان يكمن الإحساس المشبوب بالعداء الخشن لما هو مقترن بالتفلسف "المغترب". ومن الصعب الآن القول بأن لهذا الإحساس أطره الثابتة. إلا أنه كان يلتف في أغشية الهذيانات العقائدية، التي أثارت كجزء من أسلوب إعادة إنتاجها، ولع التشفي بكل ما لا يستند إلى معطيات العقائد المتعارف عليها. وإذا كان لهذا التسويف الفكري صلابته في قواعد البنية التقليدية للكلام وموضوعاته الجدلية، فإن ذلك لا يعني غياب مثيلها في التقاليد الفلسفية. من هنا تصادمهما أيضا، بوصفهما أساليب متعارضة في دفاعهما عن "الحقائق". وبما أن الأخيرة كانت في أغلبها "ثقافية" المنزع، فإن منزع الثقافة ألزمهما منطقه السهل ألا وهي المواجهة عندما تقتضي الضرورة، والضرورة في المواجهة من أجل "شرعية" الاستمرار في الوجود. ومع ذلك تجدر الاشارة هنا إلى أنه ليس في تاريخ الفكر والحضارة ما يحتمل الحتمية المطلقة. ففي حصيلته هو نتاج تصادمات لا تحصى. وليس "منطق" المواجهة سوى أحد مظاهر الصدام. ومن السذاجة رفع هذا "المنطق" إلى مصاف الإرادة المدركة لقواه. وفي الوقت نفسه لا يعني ذلك غياب عقلانيته التاريخية. فصيرورة الكلام النظرية لم تكن معزولة عن الفكر الفلسفي أيضا. وبالتالي، فإن لصراعه معها أسسه ومقدماته الثقافية والعقائدية والمعرفية. بمعنى انه يتجاوز قواعد الإدراك السلبي المسبق. وباستثناء تلك الحالات التي تحول فيها الجدل إلى جزء من المهاترات العقائدية الضيقة، بعد أن بلغ تباين وإختلاف الفلسفة والكلام درجة "الاجماع" العام، فإن صراعهما عادة ما كان ينبثق من تلقائية التنافس المميزة لوجود وصراع القوى والمدارس النظرية. الأمر الذي حدد واقع عدم استناد "منطق" المواجهة على إرادة مدركة، مع انه في ذاته إدراك كامل لإرادة الأنا الثقافية - العقائدية. مما حدد لدرجة كبيرة قيمة العقلانية التاريخية في هذا الصراع. وذلك لأنه ألزم الجميع بضرورة التمسك بقواعد "الحقيقة" من أجل إثبات حق الشرعية الوجودية، أي انه اعطى لحوافز البحث عن الحقيقة ومنطقها أداة وقيمة ومعنى لا يمكن تجاهلها. وهو ما نعثر عليه بوضوح في انتقاد الغزالي للفلاسفة وسعيه إلى ما اسماه بكشف تهافتهم المنطقي.

إلا أن ذلك يبقى، إن أمكن القول، من عوارض الغليان الذي تفتعله أحياناً الذهنية العقائدية ونفسية الانتماء المذهبي. وهي في الوقت نفسه عناصر تتخلل بأقدار متباينة جميع المدارس. ولا تفلت منها الشخصيات المفكرة في مجرى تطورها كعناصر ضرورية في تعميق إدراك التجربة الفردية كبحث عن الحقيقة. ولكنها قبل أن تصل إلى هذه الذروة، ينبغي لها أن "تتمتع" بجملة من رذائل الطريق، مازال من المستحيل فرض قواعد الأدب عليها في مسارها الجدلي. وقد تمتع كل من الفلسفة والكلام في مسارهما في عالم الإسلام إلى ما لا يحصى برذائل الجدل، ولكنهما بقيا الكيانين الأرقى في مساعيهما النظرية إلى "الذب عن الحقيقة". وبهذا المعنى فإن صراعهما وخلافهما كان أيضاً يلتقي ويفترق بمدى ملامسته للحقيقة. وبما أن الحقائق الكبرى كانت تدور حول الله أو المطلق، وعقائد الدين كقضايا جوهرية، من هنا اضفاءها على الخلاف تداخلاً من الصعب فرز مكوناته. بمعنى تداخل العقائد والحقيقة، الإيمان والعقل، البرهان والجدل. وفي الوقت الذي كمن في هذا مصدر الخلاف الدائم، فإنه أدى أيضاً إلى إبداع تقاليد مشتركة. وقد انطلق الغزالي من هذه التقاليد المشتركة وخلافاتها. حيث اتخذت الفلسفة في إدراكه) هيئة العلم القائم بحد ذاته إلى جانب علم الكلام، أي كل ما يصوره بعبارة انتقاله في المعارف من الكلام إلى الفلسفة ودراسة علومها.

ولكن ماذا تعني هذه العبارة في تطوره الفكري إن لم تعنِ استمرارية تقاليد علم الكلام في موقفه من الفلسفة وبالتالي هضم العناصر الجديدة في تقاليد وأسلوب الوعي الفلسفي؟ فقد انطلق الغزالي في دراسته العلوم الفلسفية منذ وصوله بغداد للتدريس في نظاميتها، أي أنه اصطدم بها للمرة الأولى كعلم مؤثر في الأوساط الثقافية والعلمية. وساهم في توجهه "المتحزب" وسعيه المتفاني نحو الفلسفة كل من حب البحث عن الحقيقة وضغط عالم الكلام، الذي بلور ثقافته النظرية. والغزالي نفسه يشير إلى أنه "لم ير أحداً من علماء الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك"[3]، أي مهمة دراسة الفلسفة والرد عليها من جانب الفقهاء والمتكلمين وأمثالهم من "علماء الإسلام". أما المتكلمون الذين صرفوا عنايتهم للرد على الفلاسفة، فإن كتاباتهم لم تكن بنظره سوى مجموعة لكلمات مبددة ظاهرة التناقض والفساد وقليلة الجدوى بفعل عدم معرفتهم الدقيقة بالعلوم الفلسفية[4]. آنذاك وضع أمام نفسه مهمة دراسة الفلسفة بالشكل الذي يستلزم، في حالة الرد عليها، إتقانها على التمام. وصاغ على هذا الأساس أحد المبادئ المنهجية العميقة والعلمية في النظرة النقدية لدراسة الأفكار ومدارسها. فمن أجل انتقاد هذا العلم أو ذاك يستلزم من الناقد "معرفة منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك، ثم يزيد عليه في معرفته ويتجاوزه بحيث يطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم ذاته"[5].

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا المبدأ الذي بلوره الغزالي في مرحلة متأخرة نسبيا من حياته الفكرية يعكس تضمنه الفعلي على العناصر الأولية المتجمعة في مجرى تطوره الذهني الفقهي والكلامي. ومن الممكن العثور على هذه العناصر في أعماله الفقهية الأولى. أما جانبها الجدلي الشديد فقد ظهر بقوته الكبرى في (تهافت الفلاسفة). فقد انطلق الغزالي هنا من أن السعي لامتلاك ناصية المعرفة هو المقدمة الضرورية لكل نظرة نقدية جدية. ومن ثم نعثر هنا على ازدواجية المساعي للمعرفة الموضوعية والنزوع الأيديولوجي للمواجهة. ولا يوجد في هذه الحالة "فضيحة" فكرية في حال النظر اليها ضمن سياق المرحلة التاريخية وثقافتها ومزاجها العقائدي. بل يمكن تأكيد العكس! بمعنى إن ذلك يتضمن في ذاته على عناصر التثليم الخفية للتشدد العقائدي من خلال تمتين وحدة المعرفة المتكاملة واستقلال الفكر النقدي، والذي نعثر عليه عند الغزالي في العبارة التي بلورها عما اسماه "ببلوغ منهى ذلك العلم من خلال معرفة الأصل الزيادة عليه بالتفوق على صاحب العلم نفسه". ولا يقصد هو هنا كمية المعارف بل أسسها الضرورية في مصادرها الأساسية. ولكن ماذا تعني الزيادة في المعرفة على ممثل العلم نفسه إن لم يعن في الوقت نفسه تمثل حقائق العلم المعنى "من الداخل"؟ وفي الحالة المعنية استلزم ذلك منه أن يكون "فيلسوفا أكثر من الفلاسفة". وبالتالي لم يكن من الصعب رؤية التأثير الكبير للفلسفة في "مصيره" الروحي.

فالغزالي، كما هو جلي، لم يتناول في بادئ الأمر الفلسفة من زاوية صوابها أو خطئها بقدر ما أنه تعامل معها كتيار فاعل في الثقافة السائدة. وإن تناوله للفلسفة جرى في الوقت نفسه تحت ضغط الخلفية النفسية والفكرية التي بلورها علم الكلام في مواقفه المتشعبة منها. فعلم الكلام، حسبما يقول الغزالي، لم يبنِ أحكامه على أسس برهانية. ولم يعرف الفلسفة للدرجة التي يمكن أن ينازلها كندّ لها. وفيما لو طرحنا جانباً ما إذا كان هو مصيباً في معرفته الفلسفة للدرجة التي فاق بها الفلاسفة أنفسهم بحيث استطاع الإطلاع على ما لم يطلعوا عليه منها، فإن أطروحته ذاتها تكشف عن توجه مسبق للرد على الفلاسفة. فهو لم ير من علماء المسلمين من رد عليهم. أما علم الكلام فإنه عجز عن ذلك بفعل ضعف اهتمامه بالعلوم الفلسفية. ولم يقصد هو بذلك سوى ضعف الاستقلال الفكري في تمثل حقائق الفلسفة، أو التقليد السطحي "لقوتها البرهانية".

إلا أن ذلك لا يعطي أي مبرر للفكرة السائدة في أوساط الباحثين والدارسين القدماء والمعاصرين، عن تناقض الكلام والفلسفة أو عن الطابع الدخيل للفلسفة في الثقافة العربية الإسلامية، أو عن أن العرب المسلمين لم يكن بإمكانهم تقبل أي شيء ما خارجي ما لم يخضع خضوعاً كلياً للعقائد الإسلامية ويذاب فيها. إن لهذه الأحكام حقيقتها الجزئية، ولكنها لا تستطيع أن تفسر ظاهرة الثقافة الإسلامية وصراعاتها الداخلية. وذلك لأن ما يميز الثقافة الإسلامية في مراحل نموها الأولى ونضوجها الكبير حتى زمن الغزالي تقوم في اعترافها العام "بعلوم الأوائل". ولا يعني ذلك في مضمونه المعرفي سوى الإقرار باستمرار المعرفة. وبهذا المعنى جرى تقبل الفلسفة من قبل الجميع كجزء من "علوم الأوائل". لاسيما وأن لحب المعرفة تأييده "الشرعي" في الحديث المستحسن عن "طلب العلم ولو في الصين".  بصيغة أخرى، إن تطور الثقافة الإسلامية ذاتها جرى من خلال البحث الصادق "في الآفاق وفي الأنفس". وكان لابد لهذا البحث وحوافزه الصادقة من أن يثير شعور التقبل والنفور، وتقييم الجليل والدخيل، وأحكام التمنطق والتزندق وأمثالها.

وفي هذه العملية المتناقضة لازدواجية وثنائيات الصراع الفكري جرى تصلّب النصل الثقافي لعالم الإسلام. وقد أضفى هذا العالم لمحاته البارقة على كل ما هو "دخيل" دون أن يستفز ذلك مشاعر التحفّز المسبق لإسباغ ألوانه عليه. لقد جرى صهر المعارف في عالم الإسلام، كما لو أنه قدرها المسمى، وتقبل الجميع هذا المصير بين تشنج النقل وابتهاج العقل، وأنين الحشرجة المذهبية وسكرة اللذة المعرفية. وذلك لأن تعمق الحكمة (والفلسفة)، بدا كما لو أنه تعبير عن الحكمة التي يستحكمها كل حسب "ما هو ميسر له". وبهذا تكون الفلسفة (الحكمة) قد تغلغلت في نسيج الثقافة الإسلامية. وإذا كان نتوؤها البارز في صرح المعرفة النظرية قد استثار حفيظة الوعي اللاهوتي، فلأنها عادة ما كانت تمثل النموذج العقلاني الأرقى في صراع العقل والنقل،و الفكر الحر والعقائد الإيمانية. وقد كمن هنا دون شك أحد الأسباب المعرفية الأساسية لصراع الكلام والفلسفة وشكله الثقافي في محورية الصراع حول العقائد الدينية الكبرى.

ولم يشذ انتقاد للغزالي للفلاسفة ولم يخرج عن هذا الاطار العام. على العكس! انه يؤكده بصورة أشد وضوحا وتجانسا. فهو يشاطر الفلاسفة قناعة الدور الجوهري للمنطق في بلوغ العلم اليقيني. كما يدرك أهمية وقيمة العلوم الفلسفية ككل. إلا أن خلافه "المنطقي" معها يبرز في هيئة الدفاع عن عقائد الإيمان الكبرى. اذ لم يكن الجدل الذي خاضه صراعا في ميدان الميتافيزيقيا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل في مجال العقائد الإيمانية. الا أن مجال هذه العقائد كان، بمعنى ما، ميدان الميتافيزيقيا الإسلامية، أو بصورة أدق ميتافيزيقيا الوجود التاريخي الثقافي لإسلام المرحلة. مما اسبغ بدوره غشاء مزدوجا من وحدة المنطق والسفسطة، العقل والشك، الجدل والنقد لأجل الدفاع عن عقائد الاسلام. وقد أدى ذلك في نهاية المطاف إلى إثارة البلبلة الفكرية والصراعات الداخلية الحادة في ذهنية الغزالي وأزماتها التالية.

فعلم الكلام الذي حارب الفلسفة لم يكف هو ذاته عن أن يكون فنا فلسفياً. إضافة لذلك إن الصراع الذي خاضه علم الكلام لم يتمحور ضد العلوم الفلسفية بحد ذاتها، بقدر ما أنه جرى حول بعض الآراء والنظريات الفلسفية. ولم يحصل هذا الصراع على "إجماع" من حيث مشاطرة الآراء أو مخالفتها. بمعنى أن اتجاهات علم الكلام ظلت مختلفة ومتباينة في مواقفها من النظريات المختلفة للفلاسفة بين معارض ومؤيد، تماماً بالقدر الذي يمكن رؤية هذا الخلاف والتعارض بين المدارس الفلسفية نفسها. وسوف يشير الغزالي لاحقاً إلى التشابه الكبير أحياناً بين آراء الفلاسفة والمعتزلة بصدد الكثير من القضايا. في حين سيؤكد في مؤلفاته ما بعد (تهافت الفلاسفة) أن الكثير من آراء الفلاسفة في السياسة والأخلاق والمنطق والطبيعيات تتطابق أو تتفق مع آراء الأنبياء والحكماء والصوفية. ذلك يعني أن مناهضة الغزالي لم تكن موجهة ضد الفلسفة بحد ذاتها بقدر ما أنه واجه وناقش وجادل ودحض آراء واستنتاجات بعض المذاهب الفلسفية، أي كل ما يمكن العثور عليه في حالة تتبع حوافز انتقاده للفلاسفة.

فهو يشير في مقدمة مواقفه العامة من الفلسفة إلى ما أسماه بالتفاوت العظيم في البعد من الحق والقرب منه عند الفلاسفة[6]. وشكل انتقاده للنزعة التقليدية في آراء ونظريات الفلاسفة المسلمين للفكر الأرسطي والأفلاطوني وغيرهما أحد البواعث الجوهرية لسخطه الكبير. لهذا وجد في آرائهم مجرد استبدال لهيبة التقليد العادية للعوام بتقليدية الوعي الفلسفي. وليس من الصعب رؤية التناقض الخاص في هذه العبارة. فالغزالي، كما هو جلي من آرائه، لم يقف ضد "الحق" الفلسفي، بقدر ما أنه حارب نزعة التقليد السائدة وسط "فلاسفة الإسلام"، التي حاولت أن تقدم أغلب إنجازات العلوم الفلسفية للأوائل (الإغريق والرومان) على أنها حقائق مطلقة. وبهذا المعنى كان انتقاده خطوة كبرى إلى الأمام في ميدان تثوير الوعي الفلسفي ذاته. إلا أن محاربته لتقليدية الفلاسفة لم تكن هي ذاتها حرة (مستقلة) من تقليد العقائدية الدينية. وفي هذا كمن أحد التناقضات الحادة في صيرورة آرائه الأولى، أي في تلك المرحلة التي واجه بها الفلاسفة وجهاً لوجه، والتي جعلته يقترب في آن واحد من إدراك محدودية آراءه ومواقفه الكلامية وآراء الفلاسفة ومواقفهم. ومن الممكن القول إنه توصل إلى رؤية الملمس الحاد لحدّيْ محدودية الكلام والفلسفة فيما حوله منذ زمن مبكر نسبياً، أي منذ المحاولات الأولى التي هاجم بها فلاسفة العالم القديم والمعاصرين له.

فالعرض الموضوعي المنسق، الذي يقدمه في (مقاصد الفلاسفة) كان لحد ما تجربة التمرين الفلسفي المستقلة في استيعاب وتنظيم الآراء والنظم الفلسفية، التي سيتأملها بصورة نقدية في (تهافت الفلاسفة). فهو يشير مرات عديدة في (مقاصد الفلاسفة) إلى أن ما يعرضه هو مجرد "بيان مقاصد الفلاسفة"[7].  وفي الوقت الذي يهمل مجادلة آرائهم في الرياضيات، فإنه يؤكد على صحة أغلب آرائهم في المنطق. غير أنه يفرز في آرائهم كل من الإلهيات والطبيعيات على أنها مثيرة للجدل. وفي هذين الجانبين تظهر ذهنية الغزالي النقدية في مواقفها من "تناقضات" الفكر الفلسفي، دون أن يعني ذلك خروجه على العقلانية الفكرية. فهو يدرك صعوبة بل واستحالة حل هذه القضايا سلباً أو إيجاباً استناداً إلى العقل البرهاني وأحكام المنطق، أي كل ما سيولد عنده لاحقاً فجوة الشك المعرفية.

إن هذا الشك العقلي الفلسفي كان بمعنى ما نتيجة لتأزم صراع الكلام والفلسفة،أي في تلك الحالة التي أخذت تتضح  عنده فيها معالم محدودية الكلام وضعف يقينية الأحكام الفلسفية. وبالتالي وضعته أمام ضرورة البحث عن مخرج آخر سيجده لاحقاً في عالم الصوفية، ولكن دون أن يؤدي ذلك إلى قطع الصلة نهائياً بالتيارات الفكرية (الكلامية والفلسفية) السابقة باعتبارها درجات منفية في تجربته الصوفية الجديدة. وهو ما يمكننا العثور عليه في تقييمه تجربته الفكرية عندما يتناول بالتصنيف مؤلفاته المعارضة للفلسفة وبالأخص (تهافت الفلاسفة). فهو يشير في (جواهر القرآن) إلى أن من العلوم ما يعنى بمحاججة الكفار ومجادلتهم. ومنها يتشعب "علم الكلام المقصود لرد الضلالات والبدع وإزالة الشبهات" والذي "يتكفل به المتكلمون". وهذا العلم شرحه على طبقتين هما الطبقة القريبة، منها (الرسالة القدسية) والطبقة التي فوقها (الاقتصاد في الاعتقاد). ومقصود هذا العلم حراسة عقيدة العوام من تشويش المبتدعة. ولا يكون هذا العلم ملياً بكشف الحقائق. وبجنسه يتعلق الكتاب الذي صنفه في (تهافت الفلاسفة)[8].

إن هذه العبارة تثير معضلات فكرية عديدة حول انتقاده للفلاسفة. وما يثير اهتمامنا الآن هو حوافز هذا النقد ونتائجه المؤثرة على تطوره الفكري. فهو يحدد بوضوح دقيق أن ما وضعه في (تهافت الفلاسفة) هو من "جنس" مؤلفات الدفاع عن عقيدة العوام، أي من صنف العلوم التي لا تعتني بالبحث عن الحقائق كما هي. ومن ثم لا يمتلك في ذاته قيمة علمية  معرفية إيجابية. والغزالي نفسه لم ينكر هذا الاستنتاج بما في ذلك في (تهافت الفلاسفة) نفسه ولا في أي من مؤلفاته الأخرى. رغم أنه ظل يكنّ إعجاباً خفياً له يردده بين الحين والآخر، بما في ذلك في مؤلفاته المتأخرة مثل (جواهر القرآن) و(المقصد الأسنى) و(المنقذ من الضلال) وغيرها من الاعمال. ومن الصعب فهم قيمة ولا قيمة (تهافت الفلاسفة) وأهميته الفكرية ولا علميته في الوقت نفسه دون استيعاب ثنائية وازدواجية العوام والخواص في التعامل مع قضايا الفكر والوجود الاجتماعي والعقائدي المميزة لعصره.

إن انتقاده الأولي للفلاسفة، كان يمثل بالنسبة له المواجهة الفكرية ومستواها الأرقى. وإن إدراكه الجزئي لضعف أسلوبه النقدي في (تهافت الفلاسفة) يقوم أساساً في محاولات كشف تقليدية المذاهب الفلسفية وزرع بذور الشك في يقينها الجازم وإبراز ضعفها المنطقي في "قضايا الإلهيات". وفي هذا الميدان الأخير ومنه تظهر الحاجة الملحة للدفاع عن عقيدة العوام، أو بصورة أدق حراستها من "البدع والضلالات"، أي أن هذه الممارسة النقدية ولّدت في أعماقه عناصر الإدراك الأولي عن أن نقده للفلاسفة هو أيضاً جزء من مهمات حراسة عقيدة العوام. ولكن هل يعني ذلك بأن الانتقادات الكلامية ذاتها لا تمتلك صفة الحقيقة و"شرعيتها" مازالت هي من ميدان الدفاع لا الكشف، ومازالت هي في مستوى عقيدة العوام لا الخواص؟ إن الغزالي لا يجيب على هذه الأسئلة بصورة مباشرة. غير أن آراءه  اللاحقة تؤيد هذه الفرضية. بمعنى خلوها المباشر من عناصر البحث عن الحقيقة كما هي، أو عن الحقيقة الإيجابية. فكتاب (تهافت الفلاسفة) لا يبحث عن حقيقة، بل عن تهافت "الحقائق". وفي هذا تكمن أهميته النقدية بالنسبة لتجربته الفكرية واستمرارها في شحذ ذهنه المعرفي.

فقد ظل (تهافت الفلاسفة) يشكل عنصراً ضرورياً في وعي الغزالي، وبالأخص ما يتعلق منه بالجانب العقائدي. إلا أن هذا الأخير لا يتطابق مع معتى الخلو التام من الحقيقة واللاعقلانية. إذ لم يسعَ الغزالي لتحويل عقائديته الإسلامية إلى ميدان "اللاهوت السلبي"، رغم أن اللاهوت اتخذ لحد ما مظهر الوسيلة المباشرة لنقد الفلسفة. وبهذا المعنى يكون قد فسح المجال لانتقادهما كليهما. رغم أن ملامح هذه الظاهرة ظلت جنينية الطابع في (تهافت الفلاسفة). فالغزالي ينتقد ضمنياً هنا علماء الكلام على فطانتهم البتراء وبصيرتهم الحولاء، أي أنه يسعى لإعطاء علم الكلام تجانسه الأوسع والأدق والأعمق في الكيفية التي ينبغي أن يدافع بها عن عقيدة العوام. وفي مجرى هذه العملية  النقدية، أو على الأقل في نهايتها الأولية أخذت تبرز أمام ناظريه البصيرة الحولاء لعلم الكلام نفسه.

لقد كان جهده الأولي منصباً أيضاً من أجل تهذيب الفطانة البتراء للمتكلمين في مواقفهم من الفلاسفة. وحاول ترميم أحجارها من خلال إثبات ضعف يقينية الأحكام الفلسفية. وبهذا يكون قد تغلغل في وعيه الطابع السلبي لكليهما إلى الدرجة التي أصبح هو  نفسه أسير صراعهما غير المجدي. غير أن ذلك لا يعني التقليل من أهمية هذا الصراع. إذ يستحيل توقع الصيرورة الفعلية لكينونة الغزالي خارج هذه "اللاجدوى"، التي انتجها مسار قرون من شحذ همم العداء المتبادل. فقد كان الصراع في أغلبه يحتكم من حيث حوافزه إلى عناصر الثقافة ورموزها المعرفية. الأمر الذي أدى إلى أن يبدع في دهاليزه المظلمة قيم المعرفة الحقة وضغائن الجهل المذهبي والفرقي. وقد أبدع هذا "المأزق" الحي للثقافة الروحية على مثاله دينامكية الوعي الحاد تجاه رؤيته للنفس والأغيار. أما بالنسبة للغزالي فقد كان ذلك أسلوب تطوره الشخصي، أي انكساراته وأزماته و"انقاذه من الضلال". في حين يشكل ذلك بالنسبة للمعرفة أسلوب احتكامها إلى فيصل الحقيقة وأحكام الوهم. وذلك لأن علم الكلام، كما سيقول  الغزالي لاحقاً، هو جدل ملفّق بفعل استناده إلى التقليد وانطلاقه من مسلمات تفتقد هي ذاتها إلى برهان ودليل. أما الفلاسفة فإنهم أيضاً لم يأتوا بجديد. وذلك لأنهم أيضا مقلدون جدد. وبهذا المعنى فإن التقليد الفلسفي لا يختلف في جوهره عن تقليد العوام في الإيمان[9].

إن انتقاد الغزالي للفلاسفة ذو حدين. فهو يسعى من جهة للبرهنة على أنه لا جديد في الفلسفة العربية الإسلامية، ومن جهة أخرى صاغ مهمة تحطيم الهيبة التقليدية لأي كان. فهو ينطلق من أن مصدر "كفر" أغلب فلاسفة الإسلام يقوم في اتباعهم أسماء شهيرة مثل سقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطو. بمعنى التأثير النفسي للغريب والشاذ. في حين أن هذه النزعة المميزة لمتفلسفي الإسلام وفلاسفته، أي أولئك الذين يقتفون الأسماء دون الحقائق ويدعون الترفع عن مسايرة العوام والدهماء، ما هو في الواقع إلا ظن الارتفاع عن التقليد، أو كل ما اعتبره مجرد انتقال "من تقليد الحق إلى تقليد الباطل". فهو من بين أوائل مفكري الإسلام الكبار، الذين حاولوا الكشف عما يمكن دعوته بضعف المناعة الثقافية المميزة لظاهرة التفلسف الإسلامية. وبغض النظر عن التجني النسبي في مواقفه الجدلية هذه من فلاسفة الإسلام، إلا أنه أشار دون شك إلى جانب مهم للغاية فيما يتعلق بالاستقلال الفكري ودوره في تمتين اليقين المعرفي. إنه حاول انتزاع نفسية التقليد المغتربة. فهو لم يقف ضد التفلسف أو التفاعل الثقافي. على العكس! إنه أراد أن يعطي لهذا التفاعل طابع التعامل المعرفي الصادق المبني على أساس إدراك الحقائق ورفض التقليد. وبهذا المعنى فقط ينبغي فهم تشديده على تقليدية الفلاسفة باعتباره انتقال من تقليد الحق إلى تقليد الباطل. وإلا فإن التقليد واحد من حيث انعدام قيمته المعرفية، أو ما صاغه بعبارة أن الانتقال من تقليد إلى تقليد ما هو إلا خرق وخبال[10].

فهو لا يتجاهل حقائق الفكر الفلسفي وإنجازاته ولا يرمي جانباً قيمه الكبرى. فهو يؤكد على ما يسميه "بحسن أصول الفلاسفة ودقة علومهم"[11]. وحدد ذلك أسلوبه النقدي تجاه الفلسفة والفلاسفة. فهو يدرك منذ بداية الأمر طبيعة العناصر السلبية في أسلوب انتقاده للفلاسفة، أي كل ما وضعه في مضمون ومنهجية "مقابلة الإشكالات بالإشكالات". وليست هذه الإشكالية السلبية سوى التعبير الجدلي المناسب لأحد نماذج الشك العقلي، الذي يدفع إلى المقدمة مهمة إظهار "فساد كلام" الخصم. وقد جعل من هذا الأسلوب مقدمة وغاية (تهافت الفلاسفة)، أو ما دعاه "بتكدير مذهبهم" و"إبطال دعواهم بمعرفة القدم"[12]. وقدم على صفحات (تهافت الفلاسفة) أمثلة كثيرة تكشف عن طبيعة أسلوبه النقدي هذا. فالفلاسفة تجيب، على سبيل المثال، عن السؤال المتعلق بسبب حركة الأفلاك التي يجري بعضها من الشرق إلى الغرب وبالعكس مع تساوي الجهات (لاسيما وأن تساوي الجهات يساوي تساوي الأوقات) استناداً إلى فكرتها القائلة بأنه فيما لو دارت الكواكب في اتجاه واحد، فإنه سيكون من غير الممكن تباينها في الأوضاع والمناسبات، في حين أن هذه المناسبات هي مبدأ كل الحدوث في العالم. وعلى الرغم من أن الغزالي لا ينفي اختلاف جهة الحركة وأشكالها، إلا أنه يثير إشكالية التمايز في الجهات والحركات. فإذا كان رأي الفلاسفة يستند إلى الفكرة القائلة بعدم إمكانية تساوي المتقابلة، فإن ذلك، حسب نظره، ليس بأكثر من الاعتراض القائل بأن التقدم والتأخر في وجود العالم متضادان فكيف يمكن تساويهما. وإذا كان الفلاسفة يتمسكون بآرائهم فلم لا يحق لمعارضيهم أن يعتبروا آراءهم هي الأصح[13].

بصيغة أخرى، إن الغزالي يسعى كما هو جلي من مواقفه هذه إلى دحض دعوى الفلاسفة امتلاك ناصية الحقائق أو سلوكها سلوك الحاكم على كل ما هو موجود، لا معارضة الحقائق كما هي. وبهذا المعنى يكون (تهافت الفلاسفة) أحد نماذج الانتقاد العقلي للتراث الفلسفي. وهو في الوقت نفسه تمثل كلامي فلسفي بليغ للعقلانية المؤدلجة، التي حاولت أن تربط في كل واحد إبراز أهمية العقل ومحدوديته أيضاً في قضايا الميتافيزيقيا الإلهية. وبالتالي، فإن انتقاده للفلاسفة هنا هو مجرد اتجاه معارض ضمن الإطار العام للعقلانيات الفكرية، أي محاولة الكشف عن عدم تجانس أو تهافت العقلانية المنطقية للفلاسفة في قضايا الإلهيات. فهو يظهر هنا كفيلسوف ضد الفلاسفة، ومن ثم التجسيد الخاص لما يمكن دعوته بالنقد الفلسفي للفلسفة.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] ما يثير اهتمامي هنا ليس مقدمات وتقاليد الصراع بين علم الكلام والفلسفة، بقدر ما يقوم في الكشف عن خصوصية هذه العلاقة عند الغزالي، بوصفها مقدمة معرفية وثقافية ساهمت في انتقاله إلى التصوف. فقد سعى الغزالي اساسا لدحض آراء الفلاسفة وأحكامهم عن الطابع المنطقي للفلسفة بصدد الإلهيات معتبرا إياها مجرد أحكام نفسية. واستند في مواقفه هذه إلى حصيلة الجدل بين الفلسفة والكلام وبراهينهم وحججهم. وإذا كانت هذه التقاليد "العدائية" الصفة المميزة لثقافة المرحلة ككل، رغم مساعيها الموازية في تأسيس فكرة وأصول الإجماع، فإننا نستطيع استشفاف فاعلية الجدل وراء كل ذلك، أي حول كل ما سيهاجمه الغزالي في وقت لاحق.

[2] والمقصود بذلك تأثره بكتاب (الشفاء) لابن سينا.

[3] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص94.

[4] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص94.

[5] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص94.     

[6] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص65.

[7] الغزالي: مقاصد الفلاسفة، ص3-4.

[8] الغزالي: جواهر القرآن، ص21. تعكس هذه الصيغة إدراك الغزالي لضرورة التمييز الجزئي والنسبي بين كتبه الكلامية (التقليدية) أو ما اسماه بالطبقة القريبة والتي ما فوقها وفي جنسها مثل (تهافت الفلاسفة). وسوف اتناول هذا التمايز من حث خصوصيته وطبيعة تأثيره في قضايا الكلام والفلسفة عند الغزالي.

[9] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص73.

[10] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص74.

[11] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص74.

[12] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص123.

[13] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص106-107.

 

ميثم الجنابي"العمى أقرب إلى السلامة من بصيرة حولاء"

لقد توصلت في الجزء السابق من هذا البحث إلى ما اسميته بالمفارقة الداخلية لازدواجية المعرفة والأخلاق التي ستضعه وجهاً لوجه أمام ممارسته الشخصية، أي التناقض الذي مزق وحدة النسيج الداخلي لفكره وقناعته العقائدية، والذي شكل أحد عناصر انتقاله اللاحق إلى التصوف

فقد كان الغزالي مضطراً تحت ثقل هذه الازدواجية المعرفية والأخلاقية إلى أن يبرر جزئياً ما لا قناعة له به، بل إنه يضطر في إحدى مراحل تطوره إلى أن يؤدلج متطلبات السياسة وأن يؤدي بالتالي مهمة "مدّاح" الدولة الأيديولوجي و"نائحتها المستأجرة"، أي كل ما سيضعه وجهاً لوجه أمام "محاسبة النفس" وتقريعها الذاتي على كل مقترفاتها السابقة بما في ذلك "العلمية" منها. فالحقيقة التي دافع عنها أنقذت سقوطه الأخلاقي. وهذا ما يفسر سبب ذلك "الهجوم الأخلاقي" الذي جعله يخلِّق حتى أدق الحقائق وجودية ونظرية (معرفية). لكنه قبل أن يصل إلى هذه النتيجة كان لابد لسؤال الإشكالية الفكرية أن يبرز في مجرى الازدواجية المذكورة أعلاه. بمعنى كيف يمكن للعلم الذي لا يبحث عن الحقيقة كما هي والمتميز بعناصر التبرير والتقليد أن يكون أسلوباً للدفاع عن عقيدة العوام الإيمانية؟ وكيف يمكن للعقيدة أن تؤيد بأسلوب لا يمتلك بحد ذاته مقدمات قناعته الخاصة دون أن تعرِّض أسسها للهدم والزوال.

وقد كانت هذه الاشكالية الجوهرية إحدى العقبات الفعلية أمام الوعي النقدي لعلم الكلام. وإذا كانت مدارسه السابقة عادة ما تحل هذه الإشكالية من خلال تذليل حدة النزعة النقدية "بالانكسار" داخل المنظومة العقائدية الكبرى ومذاهبها، فإن مأثرة الغزالي هنا تقوم في سعيه لتحطيم بنيتها العامة من خلال سحب البساط من تحت أقدام علم فن الدفاع عن عقيدة العوام نفسه. وقد كانت هذه العملية النتاج الطبيعي للنفي الداخلي المتمرس ضمن تقاليد علم الكلام. الأمر الذي يفسر أيضا تجمع عناصر الفكر النقدي في تجربته الكلامية. وما ترتب عليه من بحث عن نموذج أرقى للمعرفة، والذي وجده في الذوق والمكاشفة. مما أدى إلى الابقاء النسبي على وجود علم الكلام ضمن المفاهيم والأساليب المتعلقة بضرورته للعوام، بوصفه الأسلوب المناسب لاستيعاب عقائد الايمان. وبهذا يكون الغزالي قد كشف بحذقه الفكري عن مقدمات وغايات علم الكلام، وكذلك بداياته ونهاياته وموقعه المناسب في الثقافة الإسلامية ووظيفته العملية. لكن المهمة التي اتناولها هنا تعلق أساسا بقضية الكشف عن الصيغة التي تراكمت بها عناصر الرؤية النقدية لعلم الكلام وتداخلها مع عناصر تجاربه النظرية العقلية ودورها في دفعه صوب الانتقال إلى التصوف.   

إذ من الصعب فهم حقيقة آراء الغزالي وأجوبته بهذا الصدد دون إدراك حوافزها الاجتماعية والسياسية بالدرجة الأولى والعقائدية بالدرجة الثانية. رغم أن ذلك لم يعقه أحياناً بفعل واقعيته الفكرية ومبدئية مقالاته من أن يستبدل هذه المعادلة بأحكام أخرى. إلا أن جوهر القضية يبقى بالنسبة له في الطابع الاجتماعي والسياسي لظاهرة الكلام وتأثيره اللاحق.

فإذا كان قد نظر في بداية أمره إلى الكلام نظرة المتكلمين المحترفين، فإنه أخذ يدرك على خلفية صراعاته المدرسية والمذهبية والعقائدية، جموده وتحجره، الذي اتخذ في الكثير من قسماته الصفات المرادفة والمشابهة لسمات الفقه والفقهاء. إلا أنه لم يرفضهما من حيث كونها علوما أو فنونا، بل رفض تأثيرهما السلبي في صيغته المتعصبة والتقليدية. الأمر الذي يفسر سرّ دعوته إلى ما أسماه "بفقه النفس" لا "فقه الدنيا"، وموقفه المعارض من فكرة قدرة الكلام على شحذ خواطر الإدراك والمعرفة. وإذا كان قد أقر ّالحقيقة الجزئية لهذه الفكرة، فإنه وجد فيها هوساً كهوس تصور شحذ الشطرنج للخواطر بالنسبة لتعميق الإيمان الديني. من هنا يبدو واضحاً بأن ما يثير اهتمامه في هذه القضية هو الوظيفة الاجتماعية والسياسية لعلم الكلام. مما جعله يعترف بضرورته في ذلك الوقت الذي "ثارت فيه البدع وعمت البلوى وأرهقت الحاجة"[1]. ولكن لا بوصفه أداة للمعرفة بل بوصفه أداة أيديولوجية جزئية. لهذا السبب وقف بالضد من تدريسه بالمدارس والجامعات رغم اعترافه بإمكانية ضمه إلى علم من علوم فرض الكفايات، أي الاعتراف بموقعه الذي شغله بفعل التطور التاريخي للعلوم الإسلامية. وقد تضمن ذلك بذاته الاعتراف النسبي بوظيفته الضرورية الجزئية والدائمة ولكن بوصفه أداة خارجية وثانوية وطارئة. وبهذا يكون قد أزال إمكانية الاحتراف الأيديولوجي الرسمي (السياسي) لعلم الكلام. إذ طالب باستقلاله عن الدولة ومؤسساتها. وبهذا المعنى فإن أيديولوجية الكلام هي أيديولوجية الدفاع الحر عن المعتقد لا غير.

فإذا كان الكلام يتقاسم الكثير مما هو مميز للفقه، فإن الأخير يتميز عنه بكونه أداة داخلية ضرورية ودائمة. وإذا كان الكلام يتشابه في مهمته مع الدواء فإن الفقه يتشابه مع الغذاء[2]. إلا أن الغزالي في دفاعه عن وحدة علم الكلام والفقه لم يقصد الفقه السائد في زمنه، ولم يعن بالمتكلم ما هو شائع في عصره، بل أولئك المستقلين في آرائهم عن السلطة المدافعين عن العقيدة المتجردين للعلم المتميزين بالفطنة والذكاء والصلاح والتقوى[3].

وقد أدرك التعقيد الملازم لتكوين هذا النوع من المتكلمين. ومع ذلك وضع هذه المهمة أمام كل من علم الكلام والمتكلمين والسلطة والمتسلطين. أنه اقترح مشروعاً ايديولوجياً سياسياً أخلاقياً ممكناً وضرورياً إلى جانب علم المعرفة الحقة المبني على أساس التجربة الفردية العميقة واليقين المعرفي الأخلاقي. أما "التناقض" الذي يبدو للوهلة الأولى في آرائه بصدد هذه القضية فهو نتاج تناقض توجهاته في المراحل المختلفة لتطوره الفكري الروحي. ومن الصعب أحياناً فصل هذه المراحل بصورة قاطعة مازالت هي في حصيلتها غير المباشرة الخلفية الفاعلة في بلورة تصوراته وأحكامه الكلية. فالغزالي المتكلم الذي دافع عن الكلام لم يعد هو ذاته في مرحلة التصوف. لقد بقيت في ذهنيته حصيلة التقاليد الكلامية. لهذا كان إدراكه وتصويبه لخفاياها وقوتها وضعفها أشد وأقوى. ولهذا أيضاً كان انتقاده للكلام عميقاً. بينما اتصفت رؤيته لفحواه ووظيفته بواقعية حصينة. وهذا ما يبرز بوضوح في موقفه من الكلام كأيديولوجية. فعلى الرغم من أنه نظر إلى الكلام والفقه مثل "حارسان" لإيمان العوام، فإنه أقر بضرورتهما. بمعنى التركيز على طابعهما الوظيفي الاجتماعي السياسي الايديولوجي. وتضمن ذلك في آرائه استيعاباً عميقاً لخلو هذا علم الكلام من حافز البحث عن الحقيقة، بفعل كونه العلم الذي يشقّ لنفسه قنوات في صحراء الوجود، دون البحث عن المياه العذبة في آبار القلب[4].

 إن علم الكلام لا يمكنه، حسب آراء الغزالي، أن يكشف حقائق الأشياء كما هي، بسبب كونه أسيراً للتقليد. بل حتى دليل الاعتقاد في الكلام هو تقليد كالاعتقاد ذاته[5]. بحيث جعله ذلك ينفي كل البهرجة الزائفة لهيبة المتكلمين التقليدية أيا كان ممثلها. وكتب بهذا الصدد قائلاً "ما ينال به الفضل عند الله شيء وما ينال به عند الناس شيء آخر"[6]. وهو لم يقصد بذلك وضع أحدهما بالضد من الآخر بقدر ما أنه أراد أن يكشف عما يمكن دعوته "بالحقيقة التقليدية" و"الحقيقة الإلهية".

فمعاناة علم الكلام هي معاناة التقليد المرهقة للجسد لا للروح. إنها تصدّئ عالم الفكر الحقيقي بفعل إسداء حجاب التقليد، الذي يعيق المتكلم عن رؤية حقائق الأشياء كما هي. فالمتكلم ينطلق من تجميع "الحقائق والمسلمات" وحسن الظن إلى الدرجة التي لا يمكنه رؤية ما هو مخالف لها. إنها الممارسة التي دعاها "بالحجاب العظيم الذي به حجب أكثر المتكلمين والمتعصبين للمذاهب"[7]. وأدى كل ذلك إلى أن "يضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده"[8]. إذ أنهم كفّروا الناس الآخرين لا لشيء إلا لعدم معرفة أو موافقة آرائهم. وقد اعتبر هذا الصنف من المتكلمين من "أشد الناس غلواً وإسرافاً"[9].

وعلى الرغم من إدراك الغزالي في مجرى تجربته الشخصية لأهمية علم الكلام إلا أنه أدرك أيضاً بأنه العلم الذي أوصله إلى مأزق الفنون اللاهوتية. فهو في الوقت الذي ظل فيه أميناً لفكرة ضرورة علم الكلام في الدفاع عن عقيدة العوام، إلا أنه أخضع هذه الفكرة إلى تحويرات حسب مراحل تطوره ومواقفه الملموسة، دون أن يمسّ ذلك مضمونها النهائي. فقد أشار في (الإحياء) إلى أنه زاول علم الكلام وذكر في كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد) القدر المهم منه[10]. وأن هذه الصيغة لا تعكس فقط وعي ارتباطه (في مرحلته الصوفية) بتراثه الكلامي، بل وبإدراكه أهميته العقائدية والمعرفية الجزئية.

فقد ظل علم الكلام في ممارسة الغزالي اللاحقة ضرورياً للعوام باعتباره المستوى المعبّر عن الصيغة الدينية المبسطة التي يمكنها أن تثبت وتعمق الإيمان وأصول الاعتقادات في الوجدان والعمل. لكن علم الكلام لا يمكنه تجاوز هذه الوظيفة العملية رغم أن الغزالي لا ينفي أحياناً الإمكانية الجزئية لعلم الكلام في تثوير "الحقيقة الإلهية". وبهذا المعنى يمكن لعلم الكلام أن يكون ضرورياً، بما في ذلك في مجال دراسته  المتخصصة من أجل حراسة عقيدة العوام لا بلوغ حقيقة اليقين[11]. وقد اضطر نفسه إلى استعمال "لغة الكلام" في تلك الحالات التي كان من الصعب، فيما يبدو، أن يتكلم بلغة "الزندقة" الصوفية. وتمتلك هذه الظاهرة الفعلية أسسها الثقافية ومقدماتها الفكرية وقناعتها العقائدية في مؤلفات الغزالي. من هنا صعوبة حصرها بمواقفه الشخصية فقط أو باعتبارات خارجية طارئة. إن استعماله "لغة" الكلام هو الاستمرار الطبيعي لثقافته الخاصة وتكوّنه فيها. بينما استمدت هذه اللغة نماذجها البيانية ومقوماتها الفكرية مما هو مميز للفكر الصوفي وجوهرية فكرة الخواص فيه بمقابل لغة العوام. بمعنى إن موقفه هذا يستمد مقوماته من قناعته العقائدية وإدراكه الخاص لضرورة التأثير الفعال على العوام باعتبارهم "مادة الإسلام" وأساس الخواص.

فعندما تعرّض لقضية الجبر والاختيار ضمن فكرة التوكل الصوفي فإنه كتب قائلاً "فلنشرح الاختيار بلسان المتكلمين شرحاً وجيزاً"[12]. والقضية هنا ليست فقط في صعوبة فهم اللغة الصوفية ورمزيتها الضرورية، التي يمكن أن تؤدي إلى سوء الفهم ومتعلقاته من إثارة الغوغاء وضلال الاتهام والتكفير وما شابه ذلك، بل وفي تجنّب المتصوفة مناقشة قضية القضاء والقدر باعتبارها سراً من أسرار الله لا يلزم الإفشاء به. وذلك لأن الإفشاء به يؤدي، حسب منطق بعضهم، إلى إبطال الربوبية والنبوة. إضافة لذلك أنها تبلورت كقضية ومعضلة لاهوتية فلسفية أساساً في لغة الكلام وتقاليده. وبشكل عام لا يمكن فهم حقيقة آرائه بهذا الصدد دون الأخذ بنظر الاعتبار ثقافة علم الكلام اللغوية والفكرية التي تطور ضمنها. وقد أشار هو في (المنقذ) إلى أنه استفاد من علم الكلام[13]. غير أن هذه الاستفادة لم تكن أسيرة جانب ما معين دون آخر في تجربته النظرية العقلية الأولى. إذ أن مضمون هذه الاستفادة في جوهرها وتأثيرها اللاحق قام أساساً في تجاوز محدودية الكلام.

فقد أكد في (المنقذ) على أن علم الكلام "وافٍ بمقصوده"، بمعنى أن مهمته هي "حفظ عقيدة أهل السنّة وحراستها عن تشويش أهل البدعة"[14]. إلا "أنه غير وافٍ بمقصوده"[15]. فقد استند علم الكلام، وبفعل وظيفته الاجتماعية السياسية والعقائدية، على نفس المقدمات التي يطرحها الخصوم أو يضطر إلى التسليم بها إما تقليداً أو لإجماع الأمة عليها أو بمجرد القبول عن القرآن والأخبار[16].  في حين أن الهيبة التقليدية وإجماع الأمة وآيات القرآن والآثار والأخبار لا تكفي بحد ذاتها لإثبات حقيقة البرهان، ولا يمكن الاستعاضة بها عنه في إدراك حقائق الأشياء كما هي. فهي تمتلك قيمتها (بالحالة المعنية) للإيمان العقائدي (التقليدي) لا للدفاع عن الحقيقة. فالآيات القرآنية لا تمتلك، بنظر الغزالي، قيمتها المقدسة من حيث كونها مصدراً للقناعة إلا بالمعنى التقليدي الإيماني.

ان لهذا الموقف أسسه النظرية التي أبدعتها الثقافة الإسلامية ككل بما في ذلك تقاليد علم الكلام والمعتزلي شكل خاص. أما مضمونه الملموس عند الغزالي فقد أرتبط بخصائص ومجرى تطور الكلامي والفلسفي وصراعه ضد الباطنية. فقد أوصلته التقاليد العقلانية الكلامية إلى حقيقة بسيطة مفادها أن القرآن للجميع وقدسيته للمسلمين فقط. وإذا كانت هذه التقاليد قد أفرزت قضية "الكلام" و" العلم" الالهيين كمعضلات لاهوتية – فلسفية، فإنها مع ذلك لم يكن بإمكانها التذليل الثقافي للشق القائم بين "كلام الله" المطلق و"كلام الله" الملموس(القرآن). وإذا كانت تقاليد الإسلام الورعة قد اقرت واعترفت "بالكتب المقدسة" لليهودية والنصرانية كجزء من "الكلام" الإلهي، فإنها حلّت هذا الخلاف "المنطقي" بين المطلق المجرد والتاريخي الملموس ضمن تقاليد العقلانية الإسلامية نفسها، أي ربطها إياه بمستوى التطور الإنساني مع إبقاء "السر الإلهي" وراء الحكمة. وقد شارك الغزالي هذه التقاليد غير أن انتقاله إلى التصوف قد وضع هذه القضية وأظهرها بمستوى ومضمون آخر. فعقلانية الكلامية أصبحت جزأ من جدل العوام المتعلمة (المتكلمين). واختفت مهاترات هذا الجدل العقيم حول هذه القضية أمام معضلات "الوجود الحق". وبالتالي لم تعد قضية "الكلام الإلهي" وقدسيته من مواد الجدل اللاهوتي، بل من معضلات السمو الروحي والمعرفي الأخلاقي. واحتوت هذه الحالة على تعبير عميق عن الروحية الصوفية من جهة، ومحاربة التقليد والدعوة للإصلاح من جهة أخرى.

وقد سار علم الكلام في هذا الدهليز الضيق وبضوء قناعته التقليدية ومنطقها السطحي. فالمتكلم أكثر خوضه "في استخراج متناقضات الخصوم ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم"[17]. أنه يمارس ولع تحصيل الحاصل المقنّع بعبارات النقد المعارض، دون تقديم أي بديل إيجابي. فعلم الكلام الذي نشأ بادئ الأمر لاعتبارات اجتماعية سياسية وعقائدية، أخذ يهتم أيضاً بالبحث عن حقائق الأمور متأثراً بالفلسفة من خلال خوضه في البحث عن الأعراض والجواهر وأحكامها. وقد طابق الغزالي في (الاحياء) بين علم الكلام والفلسفة في مواقفهما من قضايا المنطق والإلهيات[18]، أي نفس الفكرة التي يمكن العثور عليها في (المنقذ)، بمعنى تشديده على الدفاع عن حقائق الفلسفة وسعيها للبحث عن حقيقة الأشياء. ومن الممكن رؤية هذه التقييمات وجلائها حالما يجري نزع الغلاف الأيديولوجي وطابعه الهجومي المميز "لإشكالات" (تهافت الفلاسفة). الأمر الذي يشير إلى إدراكه العميق للصلة الخاصة بين علم الكلام والفلسفة. وفيما يخض القضية المعنية (العرض والجوهر) فيمكننا رؤية امثلتها العديدة في كتابه (معيار العلم في فن المنطق)، حين يشير إلى التشابه والتباين بين المتكلمين والفلاسفة تجاهها. فالمتكلمون، كما يقول الغزالي، يطلقون لفظ الجوهر على الجوهر الفرد المتحيز الذي لا ينقسم ويسمون المنقسم جسما. لهذا السبب يرفضون اطلاق كلمة الجوهر على المبدأ الاول[19]. فالجواهر المتحيزة عند المتكلمين هي "كلها ذات جسد واحد، وإنما تختلف اعراضها. إذ للجسم ماهية واحدة وهو كونه مجتزأ مؤتلفا. فكونه حيا معناه قيام العلم والحياة به... أما الفلاسفة فيقولون إن "الجواهر مختلفة بأنفسها باختلاف حدودها. وإن الصفات المقومات لها هيئات الأشياء، التي بتبدل ماهيتها يتبدل جواب ما هو"[20]. كما كشف عن التشابه التباين بين عدد كبير من اصطلاحات وآراء المتكلمين والفلاسفة[21] . ومع ذلك فإن أولئك الذين خاضوا في علم الكلام لم يبلغوا مقصدهم النهائي. وبهذا المعنى فإن علم الكلام لم يصنع، كما يستنتج الغزالي، إلا حيرة جديدة.

ولم يقصد بذلك حيرة المتصوفة، بل حيرة المعرفة العقلية، التي كشفت في ميدان بحثها الكلامي عن أفقها المسدود. وبالتالي، فإن انتقال علم الكلام من مستواه العقائدي الأول إلى ميدان البحث عن حائق الاشياء قد وضعته أمام إشكاليات جدبة. وإذا كان لهذه الظاهرة الفكرية مقدماتها التاريخية ومؤشراتها الدينية الثقافية التي لازمت ظهور وتطور أدلة الكلام وحججه، فإن انتقاله إلى التفلسف مع الابقاء على حوافزه الداخلية الاولية (الدفاع عن عقائد الإيمان والعوام) قد وضعه أمام إحراج الفكر والعقيدة. إلا أن لهذه الحالة الحرجة مخارجها الخاصة وأساليب بدائلها المناسبة. أما في مثال الغزالي فقد اتخذت صيغة "الحيرة" الجديدة. اذ طبق على نفسه نموذج الكلام في هيئته الفلسفية، كما هو جلي في (تهافت الفلاسفة). وليس مصادفة ان يصنّفه لاحقا باعتباره من بين كتبه الكلامية، أي أن أسلوب البحث عن حقائق الاشياء يطرق الكلام الفلسفي قد أدت إلى حيرة وجدت انعكاسها المباشر في أزمته الفكرية الأخيرة، وغير المباشر في انتقاله إلى التصوف

وأشار إلى ذلك بجلاء عندما كتب معبراً عن تجربته المعرفية الشخصية قائلاً بأن المرء "قد يظن أن فائدة الكلام كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه. هيهات! فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف.  لعل التخبط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف. وهذا إذا سمعته من محدّث أو حشوى ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا. فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر تناسب نوع الكلام. وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود"[22].

إن تجربة الغزالي في تجاوز محدودية علم الكلام هي ليست تجربة شخصية بحتة، بقدر ما أنها ظاهرة تاريخية فكرية. فقد انتقد الغزالي الكلام وتجاوزه باعتباره أحد ممثليه الكبار. بينما كفّ الكلام في وقت لاحق عن أن يشكل قيمة متجددة قادرة على تثوير نفسها. ولم يكن ذلك معزولا عن مأثرته ذاتها في الكشف عن محدودية الكلام وانغلاق آفاق تطوره. مما فسح المجال بدوره أمام تطوير الفلسفة والتصوف الفلسفي. غير أن هذه العملية لم تجر في أثره إلا بمعنى مثالها الفردي ومثاليتها التاريخية ونموذجيتها الفكرية. فالغزالي نفسه لم ينظر إلى تجربته بهذا الصدد على أنها البديل الشامل الوحيد والعلاج المفوض للجميع. لقد أكد على أن الكلام "في حقه لم يكن كافياً، ولدائه لم يكن شافياً"[23]. وبالتالي فإن تجربته التي صاغها في (المنقذ) لم تهدف إلى "الإنكار على من استشفى به. فإن أدوية الشفاء مختلفة باختلاف الداء. وكم من دواء ينتفع به مريض ويستضر به آخر"[24]. فهو يقف هنا بالضد من تحويل التجربة الفكرية الفردية ونتائجها أياً كانت إلى مثال مطلق وملزم وضروري للجميع. أنه يبدو هنا أكثر تجانساً في مواقفه من عقلانية الكلام، التي ظلت حتى في أشد حالاتها جرأة أسيرة مأزقها التقليدي. في حين أن التجربة الفكرية والعملية قد أقنعته بأنه لا ضرورة للتقليد خارج الأوليات (البديهيات).

لقد دفعت الحصيلة العامة للتطور الفكري العقلاني ووضعت أمام الغزالي مهمة تثوير الكلام من الداخل ونزع قيوده الداخلية. إلا أن هذه الحصيلة أوصلته في الوقت نفسه إلى عدم جدوى هذه المهمة. فالوصول إلى هذه الغاية من وجه الكلام مسدود كما سيقول في (الإحياء). ذلك يعني بأن انسداد علم الكلام افترض أيضاً إمكانية البحث عن حل له في طريق آخر، وعن مخرج له في أسلوب آخر، اتخذا عنده طريق وأسلوب التصوف.

فبالتصوف فقط، كما سيشدد مراراً، يمكن رؤية حقائق الأشياء كما هي عليه، بفعل فاعلية التجربة الفردية وقيمتها، وبفعل ضرورة المعاناة الشخصية وجوهريتها، وبفعل ربطه في كل واحد وحدة الحقائق كما هي عليه، بحيث لا يصبح المفكر فيها أجير الكلمة، بل أسير البحث عن روح المعاني. آنذاك لا حدّ محدود ولا أفق مسدود. آنذاك تصبح حرية المعرفة وحقيقة المطلق القيمة العليا، أي كل ما لم يكن بإمكان المتكلمين رؤيته. وهذا ما يفسر عجز المتكلمين كما يقول، عن استيعاب حقائق الصوفية. وذلك لأن علم الكلام توقف عند حدود قناعته التأملية والجدلية دون أن يرى أو يحاول رؤية ما هو أبعد منها وأعمق وأشمل. وقد حدا ذلك بهم، على سبيل المثال، إلى إنكار الأنس والشوق والمحبة الصوفية لأنهم وجدوا فيها دلائل التشبيه. أما في الواقع فليس التشبيه سوى الصيغة المحوّرة والمنعكسة في دلائل علم الكلام من التثبيت أو التعطيل. فالإنسان يقيس على ما هو مميز له، بينما دلائل الكلام ما هي إلا خيالات فاسدة أو مريضة[25]. فالمتكلمون يجهلون بأن "جمال المدركات بالبصائر أكمل من جمال المبصرات، ولذة معرفتها أغلب على ذوي القلوب"[26]. وقد قدم هنا مثال غلام الخليل (أحمد بن غالب) الذي أنكر على الجنيد (ت-297 للهجرة) وأصحابه حديث الحب والشوق، بينما أقر بالصبر فقط. وعلّق الغزالي على ذلك قائلاً:"وهذا كله كلام ناقص قاصر لم يطلع من مقامات الدين إلا على القشور فظن أنه لا وجود إلا للقشر. فإن المحسوسات وكل ما يدخل في الخيال من طريق الدين قشر مجرد ووراءه اللب المطلوب"[27]. فالحقائق أياً كانت لا يرتبط مضمونها بالجدل الوهمي والتصورات والمسلمات السائدة.

وإذا كان علم الكلام قد بنى صرحه على هذا الأساس، فإن قناعة اليقين فيه (في حالة افتراض وجودها) عرضة للتثلم الدائم. لكن ذلك لا يعني دعوة الغزالي إلى يقين جامد ثابت لا معرفي. على العكس! فهو يجد في كل الأشكال السابقة للمعرفة، بما في ذلك الكلامية، مستويات متباينة ومقبولة لحد ما في بعض أجزائها دون افتراض طابعها اليقيني التام. فالمعرفة بنظره لا يمكنها أن تتناهى بفعل عدم تناهي الله وأفعاله. والكون هو تجلي فعله الدائم. وإمكانات وأساليب إدراكه متفاوتة. من هنا إمكانية بقاء واستمرار الكلام. إلا أن الكلام يقابل في ضرورة بقائه موقع السيف للأنبياء. ولكن من هو الذي يقول بأن السيف أبلغ حجج النبي؟ إن قولاً كهذا ينمّ، كما يستنتج الغزالي، عن عدم فصاحة وضعف إدراك.

لقد أراد القول، بأن الشاعر يمكنه أن يقول بأن السيف أصدق إنباءً من الكتب، إلا أن الشعراء لا تستقيم إلا بتعبيراتهم العوجاء! فالنار الطبيعية لا تستقيم. والشاعر الحق أشد ابتعاداً عن الحق المنطقي. بينما لا يمكن لمظاهر القوة أن تكون بالنسبة لأنبياء المعرفة سوى أمثلة طارئة وعابرة وملموسة للإحساس والخيال لا للبصيرة. وبهذا المعنى ليس "علم الكلام والجدال أبلغ مقام من ظهر منه من العلماء" كما يستنتج الغزالي[28].

إن إدراك الغزالي لمحدودية علم الكلام باعتباره التعبير الأيديولوجي والنموذج الفكري للقوة الخشنة في تعبيرها عن عقائد الإيمان لا يمكنه أن يكون أسلوب السمو والوحدة الحقيقية للكينونة الإنسانية. وبهذا تكون تجربته الكلامية أحد المصادر العقلية النظرية لبلورة نزوعه اللاحق صوب التصوف.

***

 

 ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص98.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص99.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص99

[4] لهذه الفكرة التي يرددها الغزالي كثيرا في كتابه (الإحياء) وغيرها من المؤلفات أسسها العميقة في نظراته المتعلقة بطرق بلوغ الحقيقة واليقين، التي سوف اتناولها في مجرى تحليل نظريته عن المعرفة. إلا أن الشيء الذي ينبغي الإشارة إليه هنا هو ربطه إشكالية الأيديولوجيا والحقيقة ومحاولة تأسيسها النظري.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص94.

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص23.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص14.

[8] الغزالي: فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة، ص97.

[9] الغزالي: فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة، ص97.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص247.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص253.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص254.

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص77.

[14] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص91.

[15] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص91؟

[16] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص92.

[17] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص92.

[18]  الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص22.

[19] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص231.

[20] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص 231).

[21] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص222-231).

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص97,

[23] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص92.

[24] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص93.

[25] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص127.

[26] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص340.

[27] الغزالي: اإحياء علوم الدين، ج4، ص340.

[28] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص30.

 

ميثم الجنابي"العمى أقرب إلى السلامة من بصيرة حولاء"

 لقد شكل علم الكلام أحد المصادر الأساسية المكونة لثقافة الغزإلى ونزوعه العقلاني ومقدرته الجدلية. وهي الجوانب التي نعثر على انعكاسها الدقيق في (المنقذ) بما في ذلك من حيث أهميتها بالنسبة لتطور الفكري والروحي. حيث يعتبر علم الكلام أحد مراحل اهتمامه النظري وأحد ميادين نشاطه والمحك المعقد لامتحان سعيه لبلوغ الحقيقة كما هي. وقد استند إلى تراث الكلام العريق في ابداع اساتذته الكبار كالباقلاني والجويني إضافة إلى شيوخ المعتزلة. وبغض النظر عن الانتقادات الشديدة التي وجهها للكلام المعتزلي بما في ذلك في أحد اعماله الفقهية المتأخرة (المستصفى من علم الأصول) إلا انه ظل يكن احتراما لعقلانيته المتألقة، كما نراه أيضا في (فيصل التفرقة) وموقعه في مستويات التأويل والتكفير.

أما موقفه من الكلام وتقاليده في صيرورة نزوعه العقلاني، الذي ساهم في انتقاله إلى التصوف، فمن الصعب توقعه دون وخارج الاعتزال. فالمعتزلة هم أول من أدخل في الثقافة الإسلامية منهجية البحث عن الأسباب والعلل والبحث العقلي تجاه فهم كل شيء. ونعثر على أثر ذلك في تقييم الغزالي لتجربته الفكرية العقلية كما وضعها في (المنقذ) وغوصه في "بحر المعرفة". بل نعثر على ذلك أيضا حتى في آخر أبحاثة الكبرى كما نراها في (المستصفى من علم الأصول) في معرض جدله ونقضه لآراء المعتزلة بصدد الأخلاق. إذ نعثر فيها على محاولة دفع الأخلاق العقلية للمعتزلة إلى اقصى درجة ممكنة. إذ نعثر في اعماقها ليس على تفنيد وجدل العقل اللاهوتي المميز للكلام وتجاربه الشخصية الأولى في مهاجمة آراء المعتزلة. لقد حاول نقض آراءهم ضمن سياق تقاليدهم العقلانية وتقاليد الكلام ككل. لهذا كان نقده ونقضه ومهاجمته إياهم يحمل طابع الاجتهاد العقلي والأخلاقي والروحي. كما نعثر فيه على النفي المبطن وغير المباشر لتقاليد الكلام بحد ذاته

إن تجربة الغزالى في موقفه من علم الكلام وتقاليده هي تجربة إدراك محدوديته المعرفية. فعندما يتناول في احدى مراحل تطوره الصوفي، بعد أن قطع شوطا بعيدا في التخلي عن "هواجس النفس" و"مكر العقل" وإعادة النظر والتصنيف بمؤلفاته السابقة، فإننا نراه يضع اغلبها مثل (تهافت الفلاسفة) و(المستظهري) و(حجة الحق) وغيرها في مصنفات علم الكلام الذي لم يعد بالنسبة له أكثر من "علم الدفاع عن عقيدة العوام"[1]، إي انه مجرد الاستمرار "النظري" لعقائد العوام في الإيمان. ولم يصل إلى إدراك وإعلان محدودية الكلام وطابعه الأيديولوجي (بوصفه فن الدفاع عن عقيدة العوام) إلا في وقت متأخر نسبيا. وما صاغه في (المنقذ) من اعادة النظر في تجربته السابقة تعكس رغم قناعتها الهادئة، المسار المعقد للبحث عن الحقيقة واليقين. فهو يشير إلى قناعته الأولية القائلة بأنه لا مطمع لبلوغ الحق خارج الأصناف الأساسية لطالبي الحقيقة (المتكلمون والباطنية والفلاسفة والمتصوفة). وبهذا فإن نظرته إلى علم الكلام وموقفه منه اتخذ في بداية الأمر صيغة الكيان والمنهج الذي يمكن من خلاله بلوغ الحقيقة. بمعنى، إن موقفه منه في بداية الأمر لم يتصف بالرفض، على العكس! فتربيته بروح الكلام الأشعري وتقاليده قد صنعت منه متكلما رفيع المستوى. وبالتالي، فإن دخوله في دهاليز الكلام لم يتضمن في نزوعه الأولي سوى رغبة بلوغ الحقيقة لا إتقان حلوله الجاهزة. وأن تطوره اللاحق هو الصورة الحية لمتابعة مجرى المعرفة المتعمقة في بحثها عن الحقيقة.

لقد تجمعت عناصر إدراك المحدودية المعرفية لعلم الكلام في مجرى دفاع الغزالي عن معتقداته الكلامية. لهذا ركز في انتقاده لعلم الكلام على كشف أسلوبه الجدلي وبراهينه التي تبتدع "الحقائق" النفسية الأيديولوجية لا حقائق المعرفة المجردة. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن تفحصه النقدي لتجربته الكلامية ذاتها. حقيقة إن إعادة النظر بالكلام اللاهوتي لم تكن عملية فردية أو انعكاسا مباشرا لتجربته الشخصية. فتاريخ الكلام الإسلامي يعرف الكثير من حالات الانقلاب وشواهده من الكلام إلى التصوف والميادين الأخرى. غير أن هذا التاريخ نفسه لا يقدم لنا مثالا نموذجيا كبيرا عن انتقال صوفي إلى الولع بالكلام. وإذا كان بالإمكان استثناء الحارث بن أسد المحاسبي (ت ـ 243  للهجرة) فليس إلا لكونه نتاج المراحل الأولى لمزاوجة الكلام بالزهد الصوفي. وبهذا المعنى يمكنه ان يخدم كمثال للمقارنة مع الغزالى، إلا انه لا يفسر الظاهرة الغزالية.

فقد جرى انتقال الغزالي من الكلام إلى التصوف في وقت بلغ به تطور الكلام مراحل عليا بحيث اتخذ في الكثير من جوانبه هيئة المنظومات النظرية المختلفة من حيث أسس بنائها ومستويات عمقها. بينما كان التصوف يمارس في مدارسه وشخصياته تأمل تراثه الكبير وسعيه نحو المطلق. ومن العبث البحث في هذه العملية عما يمكن دعوته بالتآلف الجديد بين التصوف والسنّة التي تحول بها مخزونه الكلامي إلى ذرات متناثرة في تصوفه العقلاني، كما كان الحال بالنسبة للصيغة العامة المميزة لنموذج المحاسبي. وذلك لأن هذه الفرضية عاجزة عن تفسير حقيقة هذا "الربط" كما أنها لا تستطيع فهم مضمونه ونوعية هذا التصوف. اضافة إلى ذلك إن هذا الافتراض لا يمكنه تسليط الضوء على الكيفية التي كان بإمكان الغزالى ان يوّحد بها انتقاده للكلام (اللاهوتي) الإسلامي ومعتقداته السُّنية، وكذلك رميه إياه في مزبلة الوعي الثقافي باعتباره جهل متحذلق بالمعرفة. أما في الواقع فإن العملية جرت شأن كل ما هو جوهري في الحياة والواقع، أي من خلال نفيه الضروري.

فعلم الكلام الذي شكل أحد مصادر الوعي العقلاني وثقافة البحث عن الأسباب، شحذ قريحة الجدل المعرفي والمذهبي والعقائدي وكذلك أسلوب التبرير والقناعة الشخصية، أي مصدر كل التناقضات الواقعية والممكنة في التفكير العقائدي الاجتماعي والسياسي والميتافيزيقي. وعمَّق في شخصية الغزالى، بسبب "تطرفه" الشديد في ميدان الجدل العقلي، مواجهة حقيقة الإمكانات الفعلية للكلام نفسه، باعتبارها طاقات مفتعلة. مما حدد بالضرورة إعادة النظر بموقع ومضمون ووظيفة الكلام في المعرفة والكينونة الاجتماعية والروحية للأمة.

فالغزالى الذي ولع بالجدل الفكري إلى الدرجة التي أدت به احياناً إلى هاوية السفسطة، قد تمثل في الواقع ليس الاشعرية وخصوصا بصيغتها الباقلانية، بل والاعتزال ومهاترات الفرق الكلامية الأخرى. وإذا كان علم الكلام الإسلامي قد عرف بنماذجه أيضا أسلوب الورع والخشية، فليس إلا عند تلك الشخصيات التي استمدت مثالها الفردي الأخلاقي من بعض ممثلي الإسلام الأول. في حين بقيت في جدالها الفكري ضحية العقائدية والمذهبية الضيقة ومنطقها المقيد لحرية الفكر بين الاتهام والشتيمة وبين التكفير وإباحة الدماء. ولم يجد الفكر العقلاني حرجا في مزاولة ما هو مناهض لمنطق العقل. غير أن مفارقة هذه الظاهرة تقوم في أن هذا المنطق الجدلي قد حوّل العقل إلى أداة طيعة لتبرير كل استنتاجاته بحيث أصبح من الصعب تحديد ما هو منطقي في الأخلاق وما هو أخلاقي في المنطق، والحقيقة في النقد والنقد في الحقيقة. ومن الممكن العثور على هذا النموذج في كتاب (التمهيد) للباقلاني و(التهافت) للغزالي من حيث تشابههما الكبير في منهجية الجدل. ولم يكن هذا الأسلوب حصيلة التيار الأشعري فقط، بل وجميع تيارات علم الكلام.  فالجاحظ، على سبيل المثال، قد مّثل في بعض سخرياته اللاذعة السفسطة الجارحة للنقد العقلاني. انه استهزأ بكل ما هو موجود إلى الدرجة التي رفع بها "الوضيع" أحيانا إلى أعلى عليين واهبط "الرفيع" إلى اسفل السافلين. لكنه ابقى مع ذلك على جوهرية النزعة الإنسانية العقلانية في أحكامه النهائية. بينما اصيب بالحمى ثم الموت مؤسس الفرقة النجارية الحسين بن محمد النجار (ت ـ 230  لهجرة) بعد ان افحمه النظّام في احدى مناظراته[2]. ولعل تاريخ الكلام الإسلامي يعرف في شخصياته نماذج عديدة في استثارة حفيظة الوعي المقارن والنقدي الذي أحتل فيه الغزالى أيضا أحد امثلته الرفيعة.

فقد تتبع في (تهافت الفلاسفة) أسلوب الجدل الكلامي بحيث اكد فيه على أن انتقاده ودحضه للفلاسفة مبني أساسا على منهجية "مقابلة الإشكالات بالإشكالات" من اجل "اظهار فساد كلامهم". أما براهينه الإيجابية فسوف يسطرها في (قواعد العقائد)[3]. غير أن الغزالى لم يكن بإمكانه آنذاك وعي محدودية هذه الايجابية أو صيغتها النهائية. فإذا كان المقصود (بقواعد العقائد) هي (الرسالة القدسية) التي أدرجها في (الإحياء) فإنه يضعها في (جواهر القرآن) في صنف مؤلفات علم الكلام وطبقاته الدنيا، التي تلي من حيث مستواها مؤلفاته الكلامية الشهيرة مثل (الاقتصاد في الاعتقاد) و(تهافت الفلاسفة)، أي الكتابات التي نظر إليها باعتبارها مؤلفات حجاجية لا تهدف إلى بلوغ الحقيقة كما هي[4]. ذلك يعني، أن الغزالى لم يعِ ويقطع بالمحدودية المعرفية لعلم الكلام إلا في مجرى انتقاله إلى التصوف. وهو ما نعثر عليه بوضوح كامل في (الإحياء). آنذاك أخذت تبرز فكرة افتقاد علم الكلام للحقيقة وأن مهمته هي الدفاع عن عقيدة العوام.

ففي مؤلفاته السابقة (للإحياء) لم تختمر هذه الأحكام النهائية بعد. إلا إننا نعثر فيها على بعض العناصر الجوهرية التي شكلت روافد تجاوزه لمحدودية علم الكلام في مجرى معاناته لقبول حقائق الطريق الصوفي. ففي (تهافت الفلاسفة) يظهر المتكلم باعتباره نموذجا للفطانة البتراء والبصيرة الحولاء. بصيغة أخرى، إن البصيرة الحولاء والفطانة البتراء للمتكلمين رغم توجهها العام لاستثارة الهِّمة الكفاحية للعقائد اللاهوتية ضد "زندقة" الفلاسفة، إلا أنها كانت تتضمن في أعماقها إقرارا بواقع المحدودية الفعلية للفكر الكلامي في كل من جدله العقائدي وفي قابليته للبرهنة على مقالاته ومعتقداته. وفي وقت لاحق، حالما واجه مهمة "تثوير" الذهنية اللاهوتية للمتكلمين التقليديين والفقهاء المتشددين من خلال دعوته إلى إدراك أهمية المنطق، فإنه يكون قد سار في التقاليد العقلانية الصارمة للكلام، التي ألزمته بالوقوف أمام حصيلتها الفكرية الأيديولوجية والمعرفية النظرية ومفاهيمها عن "تكافؤ الأدلة".

فقد عمّق مفهوم تكافؤ الأدلة من الناحية التاريخية، الصراع الفكري وشحذ في الوقت نفسه ذهنية العقلانية الجدلية. لكنه أثار في نفس الوقت حفيظة وتعصب النزعة الضيقة التي افرغت المنطق العقلي من محتواه السليم وقدرته البرهانية. ومن الناحية المنهجية كان هذا المفهوم النتيجة النظرية لاستعصاء حل المعضلات الميتافيزيقية (الإلهيات) بصورة قاطعة ومقبولة للجميع، إلا انه احتوى ضمنيا الاقرار بالصراع في ما بين الحلول النظرية المتعارضة للقضايا الفلسفية الكبرى و"شرعية" وجودها. أما من الناحية المعرفية فهو تعميق لمنهجية برهان الخلف.

إن وحدة وتفاعل التأريخي والنظري والمعرفي بعناصرهم جميعا فسح المجال أمام حرية أوسع للنزوع السوفسطائي. إذ انه صنع في مجرى صراع المدارس الفكرية بشكل عام واللاهوتية الكلامية بشكل خاص، إمكانية الجدل السوفسطائي الذي دخل بدوره كعنصر فعال في التقاليد الكلامية التي واجهها الغزالى في سعيه لحل معضلات الفكر الفلسفي وقضايا الميتافيزيقا والمسائل النظرية العملية للوجود الاجتماعي.

إن خوض الغزالى جدل الكلام اضطره إلى الاستعمال الجزئي لجدلية "تكافؤ الأدلة" أو ما دعاه في (تهافت الفلاسفة) "بمواجهة الإشكالات بالإشكالات". بينما اعتبر نفسه الشخصية المعارضة والمنتقدة والمفندة لمقالات الفلاسفة التي يمكنها ان تستلهم كل حصيلة الجدل الكلامي بغض النظر عن مدارسه عندما رفع شعار "عند الشدائد تذهب الاحقاد". لكنه وضع في الوقت نفسه مشروعه الايجابي القادم الذي اقترح له عنوان (قواعد العقائد).

لقد أدرك الغزالي القوة النسبية لمنهج "تكافؤ الأدلة" في الجدل وضعفها في المعرفة. وهذا ما سيظهر بوضوح في موقفه من مفهوم ونظرية تكافؤ الأدلة، والجدل، وحقيقة المعرفة. فقد شدد في (معيار العلم) الذي كان من حيث مشروعه ومهمته تنفيذا وإثباتا لما سبق وأن استعرضه في (مقاصد الفلاسفة) وقرره في (تهافت الفلاسفة) عن صحة المنطق وضرورته لمختلف ميادين الفكر النظري والعملي. فهو يؤكد على أن الإقرار بتكافؤ الأدلة كنهج في النظر أو كمقدمة فكرية عامة لا يعني في الواقع سوى إمكانية مطابقة المنطق مع السفسطة. بل شدد على أن القول بتكافؤ الأدلة هو نتاج الفكر السوفسطائي[5]. وقد أفرز ذلك في مجرى تطور آرائه وصراعه ضد مناهضي المنطق من المتكلمين والفقهاء، عناصر محاربة الأدلجة الكلامية رغم انه لم يتخلص منها كلياً. وفي الوقت نفسه تعيق أحكام المنطق والعقل. فالذين اقروا بالضرورات المنطقية الأولية كما يكتب الغزالى وزعموا "إن الأدلة متكافئة في النظريات فإنما حملوا عليه ما رأوا من تناقض أدلة فرق المتكلمين وما اعتراهم في بعض المسائل من شبه وإشكالات عسر عليهم حلها فظنوا انها لا حل لها اصلاً. ولم يحملوا ذلك على قصور نظرهم وضلالتهم وقلة درايتهم بطريق النظر، ولم يتحققوا شرائط النظر المنطقي"[6]. ذلك يعني أن الأساس المعرفي لمفهوم تكافؤ الادلة يستند إلى رؤية واقع التناقض في أدلة وآراء الفرق الكلامية وتعارضها وعدم تمكنها من شروط المنطق. وبالتالى، فإن نفي إمكانية إدراك الحقيقة في اطار هذا المفهوم هو نتاج الضعف الخاص. لهذا لا يمكنه ان يشكل اساسا للقول باستحالة بلوغ الحقيقة. فالأمور النظرية هي ليست تناقضات خلف خالصة. وبالتالي، فإن الاستعصاء النظري أو تكافؤ الأدلة في النظريات هو نتاج غياب نظرية شاملة ومتجانسة. بينما استعصاء بلوغ الحقيقة في اطار علم الكلام وتناقض أدلة فرقه فهو نتاج تقليديته وتعصبه العقائدي وطابعه التبريري.

فقد بنى علم الكلام استنتاجاته "المنطقية" كما يقول الغزالي، على مقدمات مشهورة جدلية غير مبرهن عليها. ومن ثم جرى اخذها كمسلمة من حيث استبشاع نقيضها أما لما فيه من مخالفة الجمهور (العوام) وأما لما فيه من مخالفة ظاهر القرآن، أي تلك الحالة "المنطقية" المزيفة التي يمكن ملاحظتها في الكثير من "المقدمات المنطقية" في آراء الناس وأحكامهم المبنية على اساس كراهتها للنقيض لا غير.  فالمقدمة التي يحاول المتكلم أن يبرهن فيها "منطقيا" على فكرة رحمة الله وإنه أرحم الراحمين تستند إلى مادة القياس (الكاذبة) من أن الرحيم لا يؤلم البريء عن الجناية، والله أرحم الراحمين فإذن لا يؤلم بريا عن الجناية. إلا إننا نرى، كما يقول الغزالي، إيلام الله للحيوانات والمجانين وما شابه ذلك. فالقضية هنا ليست في الإيلام والرحمة بقدر ما هي في استيعاب طبيعتها وهويتها. فالرحيم بالنسبة للغزالى هو الذي لا يؤلم من غير فائدة. ولا معنى للرحمة خارج المتناقضات، بل أن وجه التناقض والنقص في الأحكام "المنطقية" للكلام تقوم في أخذها النصوص والكلمات القرآنية أو تصورات العوام كما هي. بمعنى إدراك الرحمة والقسوة (الإلهية) بأنسنتها، في حين أن الغلط القائم هنا يقوم في ترك التأويل في محل وجوبه مما يؤدي إلى تناقض أقيسة المتكلمين. إذ أنهم ألِفوا "هذه الأقيسة من مقدمات مسلمة لأجل الشهرة أو لتواضع المتعصبة لنصرة المذاهب عليها من غير برهان ومن غير كونها أولية واجبة التسليم"[7]. وقد حدد ذلك، كما يستنتج الغزالي، الطابع الضيق والوظيفة التبريرية لعلم الكلام. بل نراه يعتبر العلاقة السائدة بين الفرق الكلامية وتناحرها شبيها بتناحر القبائل[8].

إن ضيق ومحدودية الكلام يقوم في منطقه غير المنطقي وسيادة التقليد والتعصب العقائدي والمذهبي الذي يبرز بوضوح في اتجاهاته الكبرى. فالمتكلم يشكل بحد ذاته منظومة فكرية مغلقة لا يتطرق إليها الشك، ولا تتقبل انتقادات المعرفة العلمية بفعل أسسها وأحكامها القَبلية. فالمعتزلي لا يتقبل وجدانياً ومعرفياً آراء الأشعرية، والأشعري يتعامل مع الآراء المعتزلية بالمزاج نفسه. فهي الظاهرة المميزة لأكثر من لقاهم من المتكلمين، كما قال مرة عن نفسه. أو ما دعاه بأولئك "المترسمين باسم العلم" الذين "لم يفارقوا العوام في أصل التقليد، بل أضافوا إلى تقليد المذاهب تقليد الدليل. فهم في نظرهم لا يطلبون الحق، بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما اعتقدوه حقاً بالسماع والتقليد"[9]. فالكلام بهذا المعنى لا يمكنه أن يؤدي إلى الحقيقة واليقين. وهو يتشابه في الكثير من عناصره الداخلية بالفقه. فأسلوبه الجدلي، كما هو الحال في الفقه، مجرد مشاغبة لا برهان. مما جعله ذلك يستنتج قائلا إن "ما ذكره المتكلمون في مناظراتهم مع الفرق جدليات. وهكذا ما يجري في مناظرات الفقه"[10].

وبغض النظر عن إشكاليات تقييمه لاتجاهات الكلام، إلا أن تقييمه العام القائل بضعفه ونقصه بسبب تعمق وهيمنة عناصر التبرير والأدلجة العقائدية فيه، يبقى دقيقاً للغاية. بل يمكن القول بأنه يشكل أحد أهم إنجازاته النقدية في نزوعها العقلي.

ومما هو جدير بالاهتمام، أن الغزالي في معرض إشارته لهذه الجوانب المميزة لعلم الكلام لا ينفي في الوقت نفسه أهميته الاجتماعية السياسية والدينية العقائدية. فهو يشدد على أهمية علم الكلام باعتباره حارس عقيدة العوام. وأن هذا التناقض القائم بين الطابع العملي الأيديولوجي للكلام ووظيفته العقائدية وبين فقدانه لحوافز البحث عن الحقائق كما هي، له جذوره الواقعية في الصفات "الهرمونية" للثقافة السائدة ومُثلُها الأساسية العامة في وحدة ثنائياتها الكبرى كالخواص والعوام ومختلف نماذجها الأخرى كالتأويل والتفسير، والظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة وغيرها.

إن الشيء الجوهري في موقفه من علم الكلام يقوم في أن هذه الثنائيات العامة التي ابدعتها الثقافة الإسلامية كانت الأسلوب الواقعي لتأسيس وتراكم المعرفة واستمرارها في وحدة التقاليد الثقافية والحضارية. وقد أدرك الغزالي هذه الحقيقة التي توصل اليها بأثر تجربته الشخصية ومحاولات جمعه إياها في توليف نظري وعملي خاص. بمعنى انه حاول توظيفها أيضا في مجال توحيد الأمة والدفاع عن حصيلة وخصوصية ابداعها الثقافي والحضاري. ويمكن الرجوع بهذا الصدد إلى كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد)[11]. اضافة لذلك إن هذه القضية تتسم بقدر كبير من التعقيد والتشابك وبالأخص ما يتعلق منها بعلاقة الفكر النظري بالسياسة، وعلاقة السياسة بالأخلاق، وعلاقة كل ذلك بالشريعة.

لقد نظر إلى علم الكلام باعتباره حصيلة الأدلة التي ينتفع بها للدفاع عن العقائد الإيمانية. إلا أن خروج علم الكلام عن إطار مهمته الأولية وتحوله إما إلى مجادلة مذمومة أو مشاغبة بالتعلق بمتناقضات الفرق والخصوم هو الذي أدى به إلى أن يمتلئ، كما يقول الغزالي، بالترهات والهذيانات[12].  غير أن ذلك لا يعني عرضية علم الكلام. فقد نشأ الكلام كما يؤكد الغزالي، شأن أغلب علوم الدين، بفعل الحاجة. وقد طابق الغزالي هذه "الحاجة" مع مهمة علم الكلام الأيديولوجية، أي في الدفاع عن عقيدة العوام. وبغض النظر عن مفارقة هذه الصياغة، إلا أنها تبقى دقيقة من حيث محتواها. بمعنى أنه نشأ ضد "غوغائية العوام" ولأجلها. ولا تعني هذه الظاهرة وتعبيرها المجرد في أحكامه عن منشأ علم الكلام سوى الصيغة المعبرة عن الصراعات السياسية والانتفاضات الجماهيرية التي رافقت تكوين الدولة الإسلامية وعالم الخلافة الثقافي. وليس بعيداً عن الذاكرة كل تلك الانتفاضات والثورات الكبرى للخوارج والشيعة وأمثالها، التي كانت تكتسب أتباعها ببساطة استناداً إلى بساطة مفاهيمها وتباينها. مما جعل إمكانية الوحدة (الأمة) عرضة للتفتت بفعل "الأدلجة" المتزايدة للنزوع الديني والنصوص السمعية (الإيمانية). وقد كشف الغزالي عن هذه الظاهرة بدقة بليغة عندما أكد على أن ضرورة الرد وظهور الكلام نشأت "على ما ظهر من البدع وتجرؤ العوام مع كل ناعق والمنازعة لهم، والسعي في اجتماع الكلمة على السنّة بعد افتراقها"[13]. وبهذا يمكن القول بأن الغزالي أدرك الطابع السلبي للحاجة بعلم الكلام، أي أنه نظر إليه باعتباره العلم المناهض "للبدع". لكنه لم يقصد بضرورة الرد المميزة للكلام في دفاعه عن إيمان العوام سوى مراحله الأولى.

فالبدعة لا تتطابق في أحكامه مع ما هو سيء ورديء، ولا تتضمن على الدوام فحوى سلبي. فهي عادة ما تظهر بهيئة رد فعل على الحاجة، وبالتالي تتضمن تمثلها الواعي لهذه الحاجة. لكن ذلك قد يتخذ صيغة المظهر السلبي كظهور الحرس بسبب ظهور اللصوص في طريق الحج[14]. إن هذا الفهم الواقعي لترابط الظواهر يعكس الادراك العميق للكيفية التي نشأت فيها العلوم بشكل عام والاجتماعية (الدينية) منها بشكل خاص. فتخصص المعارف يعكس الحاجة الطبيعية للإنسان والجماعة. ومع أن الغزالي لم يتطرق إلى هذه القضايا بصورة محترفة، لكنه بلور الكثير من الآراء والمواقف القيمة بهذا الصدد، والتي حاول من خلالها أن يربط في كل واحد الأبعاد الطبيعية للحاجة بما في ذلك من حيث مقدماتها الاجتماعية والسياسية والحياتية. أما موقفه من علم الكلام فقد ربطه بصيرورة الدولة ومؤسساتها. وتعكس هذه الفكرة العميقة إدراكه الدقيق للطابع الأيديولوجي والوظيفي لعلم الكلام وبالاخص في مراحل نضجه الكبير. وفي هذا يكمن أحد الأسباب التي جعلته يقف منه موقفا نقديا. 

وليس مصادفة أن يضع مرتبة المتكلمين مقارنة بالفقهاء في (جواهر القرآن) كنسبة بدرقة طريق الحج وحراسه إلى الحجاج[15]. وهي ذات الفكرة التي يكررها في (الإملاء)، عندما وصفهم "بخدام الشرع وحراس متبعيه"[16]. أنه يدرك وحدة الأضداد التي حالما تفرز ظاهرتها الجديدة، فإن الحكم الأخلاقي المجرد يفقد جوهريته بفعل انتقال مواقع الإدانة وتقدم وتأخر "الأولويات" العملية فيه.

لقد شغلت هذه القضية وما تزال اهتمام الفكر الفلسفي بمختلف ميادينه ومستوياته. وهي قضية علمية وعملية بقدر واحد. بل نعثر فيها على بؤرة التوتر الدائم في أعماق الإدراك العلمي المجرد والضمير الأخلاقي الصافي. فهي تمثل الوحدة المتآلفة من عالِمية المعرفة وأخلاقية الأخلاق. فإذا كانت المعرفة هي حلقات السلسلة الملازمة لتطور الإدراك العلمي المحددة بحاجات الروح والجسد، فإن أخلاقية الأخلاق هي الأخرى أيضا نتاج الوحدة الخفية لحاجات الروح والجسد. وبالقدر الذي يمكن أن يتحولا كلاهما (المعرفة والأخلاق) إلى "عبيد" للجسد، يمكنهما أن يصبحا "أسياد" الروح. وفيما بينهما تتراوح نسب الرؤية والمواقف في تعاملهما مع "الأولويات". فعلى هذا الاساس جرى بناء نظريات الأخلاق وموقفها المختلفة والمتباينة تجاه أبسط القضايا وأكثرها تعقيدا. فمن الناحية التاريخية شكلت النماذج والاتجاهات والمستويات المتباينة للنظريات والمواقف التعبير "الطبيعي" للتنوع الأخلاقي. أما من الناحية المعرفية فقد شكلت الأسلوب الثقافي للمواقف من "الأولويات" والقيم العليا. ومأثرة الغزالي هنا تقوم في عدم خضوعه لآلية الإدانة أو ولع الأولويات المميز للعقائدية الضيقة والمذهبية المفرطة، بل في التتبع الدقيق لعلاقة المكون التاريخي الثقافي بالمعرفي الأخلاقي.

بعبارة أخرى، إن نشوء علم الكلام وتطوره هو "بدعة ضد البدعة". وقد تضمنت هذه العملية الفكرية التاريخية للنفي مقومات ذاتها. فالبدعة حسب تحديده هي "ما يحلّ ويضعف عقدة الإيمان"، بينما الكلام هو "ما يدفع حيل التحليل والتضعيف. والعارف به يسمى متكلماً". ذلك يعني أن علم الكلام هو العلم الذي يقف ضد تلك "الحيل الفكرية"، التي تحاول ردم العقيدة الإيمانية للعوام "بحيل أخرى". فالكلام يخوض معمعة الحيل وبالضد منها دون أن يتجاوز أسلوبها وحدودها ووظيفتها. فهو يمثل وظيفة  الدفاع "المشرّفة" عن العقيدة الإيمانية للعوام، دون أن يمثل في الوقت نفسه الحقيقة كما هي. الأمر الذي جعله يؤكد على أن علم الكلام حالما أخذ على عاتقه تلبية هذه المهمة، فإنه "لم يعد بدعة، بل أصبح بحكم الضرورة مأذوناً فيه، بل صار من فرض الكفايات"[17]. لهذا السبب وقف موقف المعارض للاتجاهات الإسلامية وممثليها الذين لم يروا في الكلام سوى جوانبه "السوداء".

فعندما تناول القضايا المتعلقة بالمذموم والممدوح في العلوم، فإن مما يلفت الانتباه هو عدم إدراجه الكلام والفلسفة في فلك تقييماته، أي أنه يتجاهلها هنا عمداً. ويمكن فهم مرمى الغزالي من وراء هذا "التغافل" فيما يبدو، باعتباره أسلوباً لنقل الجدل إلى ميدان آخر من أجل إثبات نقص وأحادية الأحكام القييمية المباشرة (الذم والمدح) تجاههما (الكلام والفلسفة). وهذا ما يفسر أيضاً اتجاهه المعارض لمواقف أئمة الفقه المستهجنة لعلم الكلام. فقد بنى الشافعي حكمه المعارض للكلام على أساس إحدى المناقشات التي جرت بينه وبين حفص الفرد (الذي يدعوه الشافعي بحفص القرد) بحيث جعله ذلك يقول "لأن يلقي الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله، خير من أن يلقاه بشيء من علم الكلام. ولقد سمعت من حفص كلاماً لا أقدر أن أحكيه". من هنا حكمه على أصحاب الكلام بأن "يضربوا بالجريد ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنّة". أما أحمد بن حنبل فقد أكد على أنه "لا يصلح صاحب علم الكلام أبداً. ولا تكاد ترى أحداً نظر في علم الكلام إلا وفي قلبه غفل".  ومن هنا حكمه القائل بأن "علماء الكلام زنادقة".  في حين أشار مالك بن أنس إلى "بدعة" علم الكلام وضرره على عقائد الإيمان قائلاً "أرأيت إن جاءه من هو أجدل منه أيدع دينه كل يوم لدين جديد؟".  من هنا حكمه "لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء".  في حين اختصر أبو يوسف القاضي هذه الأحكام والمواقف بعبارة "منطقية" مفادها "من طلب العلم بالكلام تزندق".

وعلى الضد من ذلك وقف علماء الكلام، الذين بنوا مواقفهم وأحكامهم منه على تبيان ضرورته الشرعية. فقد أكدوا، كما يقول الغزالي، على أن لغة الكلام المثيرة للفقهاء، مثل الجوهر والعرض وغيرها هي شيء طبيعي وذلك لأن لكل علم اصطلاحاته الخاصة به بما في ذلك الفقه. إضافة لذلك، ليس هناك من دليل يحرم ضرورة المجادلة. على العكس! إذ أن الفهم والبرهان على معرفة الله والوحدانية هما من صلب القرآن والسنّة. أما انعدام وجود التصانيف الكلامية عند الأوائل فله أسبابه الخاصة، تماماً كما لم يوجد عندهم علم الفقه.

أما الغزالي فإنه لم يؤيد وجهة النظر الأولى ولا الثانية. لقد جعلته أحكامه الواقعية ينظر إلى الظاهرة من منظار آخر يقول بأن إطلاق القول بذمّ علم الكلام أو بحمده في كل حال خطأ. فهناك ما يحرّم لذاته. بمعنى أن علة تحريمه في ذاته كالخمر والميتة. في حين أن هناك ما يحرّم لضرره في حالات أخرى كالعسل الكثير. وعلم الكلام شأنه شأن العلوم الأخرى، له منفعة وفيه مضرة. فمنفعته تقوم في الدفاع عن عقيدة العوام، أما مضرته فتقوم في إثارته الشبهات وتحريكه العقائد وتأديته إلى التعصب. إن هذا الاستنتاج الذي وصل إليه الغزالي يعبّر في أحد ملامحه عن تجربته النظرية (العقلية) في رؤية محدودية علم الكلام وانسداد تطوره. غير أن هذا الجانب "السلبي" في علم الكلام هو النتيجة النهائية للعملية الفكرية التاريخية الطويلة، التي أخذ ينظر إليها من حيث قيمتها المعرفية والعملية (الأخلاقية والسياسية) على أنها من بقايا عالم منصرم، أي النتيجة المنطقية لاستيعاب تجربة الكلام في مجرى تطوره الشخصي، التي جعلته ينظر إليه نظرته لداء مناسب لداء آخر أو لدواء مرّ. وذلك لأن مهمته الأساسية حسب نظره، لا تقوم في معرفة حقائق الأشياء كما هي عليه، بل في الدفاع عن عقيدة العوام[18]. فالكلام يبدو حسب وصفه إياه، كشيخ أدخل في بيته طباخ ماهر وجارية حسناء، أي أنه لا يستطيع هضم ما يقول ولا يتمتع بجمال حقائق الأشياء. فكل ما يقوم به ويسعى إليه ينقلب بالضد منه. والقضية هنا ليست فقط في شيخوخة الكلام، بل وفي اعتقاده بلوغ حقائق الأشياء. أما في الواقع، فإنه لا يختلف في اعتقاده وقناعته عما هو مميز لاعتقادات العوام. فالاختلاف الوحيد في ما بينهما يقوم كما يقول الغزالي، في أن المتكلمين يتقنون "صنعة تلفيق الكلام"[19]، أي أنه يعمق مضمون الفكرة التي سبق وأن تناولها في (الإحياء) من أن الفرق البسيط القائم بين اعتقاد المتكلمين واعتقاد العوام يقوم في أن اعتقاد المتكلم يزيد على العامي في "صنعة الكلام" لا غير[20]. وهي ذات الفكرة التي سيرددها بقوة أكبر في (الإملاء) عندما يؤكد على أن المتكلمين من حيث "صناعة الكلام فقط لم يفارقوا عقود العوام، وإنما فارقوهم بالجدل عن الإنخرام. والجدل علم لفظي وأكثره احتيال وهمي. وهو علم النفس وتخليق الفهم، وليس بثمرة المشاهدة والكشف. ولأجل هذا كان فيه السمين والغث. وشاع في حال النضال إيراد القطعي وما هو حكمه من غلبة الظن وإبداء الصحيح وإلزام مذهب الخصم"[21]. بصيغة أخرى لقد أراد القول، بأن العلم الذي لا يفارق في محتوى عقائده عقائد العوام لا يمكنه أن يكون باحثاً عن حقائق الأشياء. وذلك لأن كل أساليبه الجدلية تستند في جوهرها إلى احتيال الوهم وألاعيب النفس ومكر العقل. فهو يعطي للظن طابع اليقين ومهمته ليس الإقناع بل إحراج الخصم. وبالتالي فإن علماً كهذا لا يمكنه أن يتجاوز حدوده، التي رسمها لنفسه أو ما عبّر عنه الغزالي بكلمات "من أين للنازل طي المنازل!؟" وأدى ذلك إلى ظهور شخصية المتكلم الأجير، الذي يتخذ في الكثير من ملامحه صورة النائحة المستأجرة. وليس مصادفة أن يورد الغزالي كلمات محمد بن ذر، عندما سأله ابنه:

ــ ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد فإذا تكلمت أنت سمعت البكاء من كل جانب؟

ــ يا بني! ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.

وهي ذات المفارقة الداخلية التي ستضعه وجهاً لوجه أمام ممارسته الشخصية، أي التناقض الذي مزق وحدة النسيج الداخلي لفكره وقناعته العقائدية، والذي شكل أحد عناصر انتقاله اللاحق إلى التصوف.(يتبع..)

*** 

ا. د. ميثم الجنابي

....................

[1]  الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص21.

[2] ابن النديم: الفهرست، ص268.

[3] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص123.

[4]  الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص21

[5] الغزالي: معيار العلم في المنطق، ص161.

[6] الغزالي: معيار العلم في المنطق، ص162.

[7] الغزالي: معيار العلم في المنطق، ص167.

[8]  الغزالي: ميزان العمل، ص150.

[9] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص77.

[10] الغزالي: ميزان العمل، ص116.

[11] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص8.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص22.

[13] الغزالي: الإملاء، ص29.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص22.   

[15] الغزالي: جواهر القرآن، ص23.

[16] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص29.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص22.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص97؟

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص246.

[20] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص52.

[21] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص29.

 

جعفر الحكيميتداول بعض رابايات اليهود، في معرض السجال العقائدي مع المسيحيين، طرفة تدور حول العلاقة المسيحية - اليهودية

وهذه الطرفة مفادها:

ان مسيحيا طيبا ظهر له الرب!!.. فسأل ذلك المسيحي ربه قائلا:

لماذا يا رب خلقت المورمون؟

فاجابه الرب:

من اجل ان تعرفوا وتقدروا مشاعر اليهود نحوكم!!

قد تبدو هذه الطرفة غير مفهومة لبعض الاعزاء من القراء الكرام، لكني اتمنى ان تكون الفكرة واضحة لديهم عند استكمال قراءة المقال!

في البداية ،نحتاج الى عرض نبذة مختصرة عن طائفة المورمون المسيحية، وهي تعتبر من الطوائف المسيحية التي نشأت حديثا - نسبيا- في امريكا حوالي عام 1830م على يد شخص اسمه (جوزيف سميث) والذي يعتبره أتباع الكنيسة المورمونية ،النبي المؤسس لهذه الطائفة، الآخذة بالازدياد والانتشار ،حيث بلغ افرادها حوالي خمسة عشر مليون مسيحي، يعيش حوالي ستة ملايين منهم في الولايات المتحدة الأمريكية

وإستنادا إلى تاريخ الكنيسة المورمونية فإن منشأ مصطلح المورمون هو نبي كان إسمه النبي مورمون والذي قام بنقش كتاب المورمون على ألواح ذهبية  ثم ظهر على شكل ملاك لمؤسس الكنيسة المورمونية جوزيف سميث في عام 1827 واخبره عن موقع الألواح الذهبية التي تحتوي على نصوص مقدسة ،حيث كانت مخبأة في تل كومورا في مدينة مانشستر بولاية نيويورك، وحسب الرواية التاريخية فإن الألواح كانت تحت حماية ملاك حيث قام جوزيف سميث بتلقي ترجمة الألواح من الملاك وكانت الألواح عبارة عن تأريخ المستوطنين الأوائل لقارة أمريكا تمت كتابته من قبل النبي مورمون، والذي قام بتكليف جوزيف سميث بمهمته النبوية ،ليكون نبيا يعمل على نشر وتصحيح الإيمان المسيحي !

وقد أطلق النبي (سميث) على كنيسته الجديدة أسم (كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة)

ولدى المورمون كتب يعتقدون بأنها مقدسة ،بالاضافة الى العهد القديم والعهد الجديد، ومن أهم تلك الكتب هو (كتاب مورمون)

والذي يعتبرونه التكملة للكتاب المقدس، وبالاضافة الى ذلك ،لديهم أيضا كتب اخرى مقدسة،مثل كتاب(لؤلؤة كثيرة الثمن)

وكتاب ( المبادئ والعهود)... ويعتبرونها اضافات تكميلية للعهد الجديد

يشترك المسيحيون المورمون مع بقية الكنائس المسيحية في بعض أصول الإيمان المسيحي، مثل الاعتقاد بالوهية يسوع المسيح، والتعميد ، وغيرها…. ويختلفون معهم في امور اخرى

يمتاز المسيحيون المورمون بانهم ينشطون في خدمة كنيستهم، وفي الدعوة الى عقيدتهم، وكذلك يمتازون بالتشديد على اهمية الاسرة وترابطها، ولا يقيمون اي علاقات جنسية قبل الزواج، ويعتبرون شرب الخمر والتدخين من المحرمات، ويتميزون كذلك باعتقادهم ان النبوة مستمرة، ولازال لديهم الى الان انبياء يخلف أحدهم الاخر!

يعتبر المورمون أنفسهم جزءا من الديانة المسيحية، ولكن معظم الكنائس المسيحية ترفض ذلك، وتعتبرهم فرقة مهرطقة ضالة، ولا تستند الى الإيمان القويم، وقد حدث الاصطدام مبكرا بين الكنيسة المسيحية وبين المورمون، الذين تعرضوا الى الإضطهاد بسبب عقيدتهم التي لم تلق ترحيبا من أغلبية المسيحيين الذين حاربوهم بشدة وعنف، وكان مصير نبي المورمون، ان اقتيد مع اخيه، ليتم تصفيتهم جسديا!

ان سبب رفض الكنيسة المسيحية لعقيدة المورمون، يمكن تلخيصه بأسباب تعتبر جوهرية لدى الكنيسة مثل اعتقاد المورمون بكتب اضافية الى جانب الكتاب المقدس، وكذلك بسبب خروج المورمون عن ثوابت قانون الايمان المسيحي

والسبب الاهم هو، ان المورمون يتبعون نبي كاذب ادعى ان السماء تواصلت معه، واقنع اتباعه بهرطقات مضللة وبدعة زائفة، تخالف الثوابت الايمانية التي سطرتها نصوص العهد الجديد.

 

ان هذه النظرة التقيمية للكنيسة المسيحية نحو طائفة المورمون، تجعلنا بحاجة الى معاودة قراءة السيناريو التاريخي لتشكلات العقيدة المسيحية نفسها، ومتابعة مراحل تطورها ،والتي ابتدأت تأخذ برادايم الديانة المستقلة، مع بداية مرحلة تدوين النصوص المسيحية المقدسة، حيث كانت باكورتها، رسائل بولس الرسول، وتعليماته، وشروحه للعقيدة الجديدة، والتي أصبحت التأصيل الأساسي للإيمان المسيحي الحالي، واحتلت الحيز الأعظم من مساحة تدوينات العهد الجديد.

ادعى بولس التواصل المباشر مع السماء، من خلال ظهور الرب المسيح له، وكذلك من خلال الوحي والإلهام السماوي الذي يتلقاه ،بشكل مباشر، وبدأ يمارس وظيفته النبوية التي كلفه الرب بها، ويدعو الآخرين الى اتباع الطريق الوحيد للخلاص، من خلال القبول بالعقيدة الجديدة، والتي من ضمن أركانها، التوقف عن العمل بتعليمات التوراة، فلا داعي بعد الان للختان او التقيد بشرائط الاكل والطعام (الكوشر) ...معتبرا ان الخلاص يأتي بالايمان فقط، وليس بالالتزام بالناموس

اضافة الى ذلك، فتح بولس باب الجدل حول طبيعة الإله ووحدانيته، التي تحددها نصوص العهد القديم، وبشكل صارم،على ان الرب هو إله واحد،ليس معه آخر، بينما نجد العقيدة المسيحية تتحدث عن اله معه الهين اخرين ليصبح اله ثلاثي الابعاد

موقف اليهود من الديانة الجديدة في ذلك الوقت، كان تماما ،مثل موقف الكنيسة المسيحية من المورمون، حيث ان اليهود بدأوا يواجهون دعوة جديدة، تخبرهم ان كتابهم المقدس (التاناخ) لم يعد كافيا، وان عليهم التزام الكتاب الجديد!

وان تعليمات الناموس، الذي جاء به نبيهم موسى، واخبرهم ان عليهم الالتزام بها للابد، لم تعد ضرورية ولا حاجة لها!

وانهم معاشر اليهود، وطوال القرون العديدة، لم يكونوا يفهمون حقيقة نصوص كتابهم المقدس، وعليهم ان يتعلموا معنى تلك النصوص وغاياتها من السيد بولس الرسول الذي كلفه الرب بهذه المهمة، من دون شهود على حقيقة ذلك التكليف!

ان رد الفعل الطبيعي لغالبية اليهود، كان تكذيب ادعاءات بولس وجماعته، والالتزام بكتابهم المقدس وتعاليمه، وهو بالمصادفة يشبه تماما نفس مفارقة الرفض المسيحي لادعاءات النبي جوزيف سميث وتعاليمه، والتشبث بالالتزام بالكتاب المقدس، وتعاليم العهد الجديد!

ومن هنا يتضح ان المعايير التي جعلت الكنيسة المسيحية ترفض عقيدة المورمون، وتعتبرهم اتباع بدعة هرطوقية ضالة جاء بها نبي كاذب، هي ، و للمفارقة، نفس المعايير التي جعلت حاخامات اليهود وعلمائهم ، يرفضون العقيدة المسيحية في الحقبة التأسيسية لها، وينظرون لتلك الجماعة الايمانية ورسولهم بولس، بنفس نظرة الكنيسة للمورمون ونبيهم !! 

ان هذه المفارقة التاريخية الطريفة، تجعلنا نفهم حقيقة مشاعر اليهود ونظرتهم تجاه العقيدة المسيحية، وبالتالي تجعلنا نفهم مغزى النكتة اليهودية، المذكورة في صدر المقال ! 

 

د. جعفر الحكيم

في الحلقة الماضية إنتهينا من القول بإن: - شهادة أن محمداً رسول الله، ليس شرطاً في إسلامية المرء ولا هي واجبة في جعل الإنسان مسلماً، ذلك إن الإسلام هو دين الله الذي أرتضاه لعباده وليس هو دين محمد، قال تعالى: - [إن الدين عند الله الإسلام] – آل عمران 19، وبهذا التعريف كان كل أنبياء الله من المسلمين دون إستثناء، وأما هذه الشهادة المتقدمة فلا تعني شيئاً سوى: - الإقرار والإعتراف والقبول بنبوة محمد بن عبدالله وبرسالته وإمامته -، ومن يقر ويعترف ويقبل بذلك فقد أعتبر من - الذين آمنوا -، أي إنه يدخل في حيز ودائرة تلك الجماعة التي ورد ذكرها في مقابل الجماعات الأخرى: [كالذين هادوا والنصارى والصابئين]، فهي إذن صفة تعريف لا صفة تقرير، وهي هكذا وردت في سياقات النصوص .

ومادمنا في سياق البحث عن النبوة، فإننا نقول: - إن النبوة جوهر مستقل بذاته دال على المعرفة اليقينية التي بُعث بها النبي ليكون فاعلاً -، وهذا يعني: - إن جوهر النبوة هو تلك القدرة المودعة فيها موهبةً وإصطفاءاً -، ويكون فعل النبي من خلالها في الطبيعة والواقع مقيداً بماهو ممكن بذاته، وإذا كان ذلك كذلك فهذا يعني: - إن ما يحصل عليه النبي من معرفة لا يدخل في باب القدوة والأسوة -، ولا يمكن تمثله في الواقع، لذلك لم يرد في شأنه: - ولكم في نبي الله أسوة -، بل ورد ذلك في شأن الرسول قال تعالى: - [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة] – الأحزاب 21، ذلك لأن العلة المنتجة للنبوة هي غيرها التي أنتجت الرسالة، ولذلك فهي ليست علة يمكن التأسي بها والعمل بموجب قوانينها، ولهذا: - تعلق التصديق بالنبوة لا بسبب علتها المنتجة بل بسبب فعلها في الواقع -، والخطاب الموجه للنبي متضمن في العادة أسماء وصفات وأفعال، تتعلق بالواقع وبالتاريخ وبالغيب، وما يتعلق بالتاريخ والغيب هي تجليات تظهر له بالكشف الغير مألوف، وليس بالكشوفات العادية .

وهنا ندخل بموضوعة هامة ألاَّ وهي علم الغيب أو عالم الغيب: - وهل النبي يعلم ذلك ؟ .

ننطلق هنا أولاً من تعريف الغيب كما ورد في اللسان العربي الذي قال عنه: [إنه كل ما غاب عنك] فيُعدُ غيباً، ومن هنا ذهب أهل الميزان لتبني مفردتي: - الغيب المادي و الغيب المعنوي -، وعرفوا الغيب المادي: - بأنه ذلك الشيء الذي يتعلق بالصورة والهيئة -، وعرفوا الغيب المعنوي: - بأنه ذلك الشيء الخارج عن عالمي الوجود والشهود -، ولكن في الكتاب المجيد جعل الغيب بمعناه المطلق هو لله ومن الله، قال تعالى: - [فقل إنما الغيب لله] – يونس 20، وأداة الحصر - إنما - قد جعلت الغيب ملكية خاصة به تعالى، وبهذا الإعتبار يصح القول: إن علم ُ الغيب أو عالمُ الغيب دائرة مفاتحها عند الله قال: - [وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاَّ هو ..] - الأنعام 59، ولفظ مفاتح ليس جمع مفتاح أي الآلة التي يفتح بها ما أغلق، بل مفاتح جمع مفتح بمعنى الخزائن، ومعنى النص: - إن الله عنده خزائن الغيب التي لا يعلمها أحد سوآه -، أما قوله تعالى: - [عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد] - الجن 26، ففيه إطلاق لمفهوم - عالم الغيب - لكن ورود التقييد اللاحق بصيغة الإستثناء المنقطع، يدل على إمكانية تزويد البعض من الغيب، يظهر ذلك في قوله: [إلاَّ من أرتضى من رسول] - الجن 27، والضمير في عبارة - من أرتضى - يعود على الله، و التبعيض والتنكير في قوله - من رسول - وردت كدليل على من حمل الوحي وجاء به من عند الله لمن أصطفاه من الأنبياء

وأداة الحصر أو الإستثناء - إلاَّ - إنما تتحدث عن بعض الغيب الذي يظهره الله لبعض رسله من ملائكته، ويُفهم هذا من إطلاق لفظ - أرتضى - كونه مشعر بذلك، وصيغة أرتضى غير صيغة أصطفى الخاصة بما يُناسب النبوة والأنبياء، وجملة - إلاَّ من أرتضى من رسول - دالة على الملاك الذي أرتضاه الله ليكون حاملاً للوحي، والجملة لا تدل على من يُبلغ وينفذ الأوامر والنواهي والأحكام، (لأن هذه الجزئية ليست من عالم الغيب الذي يتحدث عنه النص)، وكما قلنا: - لا بد أن يكون هذا الملاك الذي أرتضاه الله ليخبر النبي قد أطلعه الله على هذا الغيب -، فمثلاً قصة إبراهيم وقصة لوط وقصة موسى أو قصة عيسى أو قصة مريم وغيرها، بُلغت للنبي بواسطة هذا الرسول الذي أرتضاه الله، فأطلعه على ذلك، ويجب أن نفهم: - إن صيغة الإظهار أو الإطلاع في هذا الباب، (هي تجليات وإيحاءات وليست حروفاً أو كلمات) -، وهذا ظاهر في قوله تعالى: - [فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا * ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا] - الجن 27، 28، وهذه الحتمية أو قل هذه الجبرية تكون مع الرسل الغير مخيرين والغير مجتهدين، الذين وصفهم الكتاب بالقول: [..لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون] - التحريم 6 (وهذه صفات الملائكة) .

لكن الرسول الحاكم الدنيوي يكون فعله وعمله قائماً على الإجتهاد والنظر، وليس فيه جبرا أو تفويضا، إنما فعله وعمله خاضعاً للواقع ومتناسباً مع الطبيعة، بدليل قوله: [لا يكلف الله نفسا إلاَّ وسعها ...] – البقرة 286، ويتعلق هذا بالكيفية والطريقية في تنفيذ الأوامر والنواهي، ونعود لنقول: - إن الإظهار في معناه يكون على شكل وسيلة إيضاح رمزية -، ولكن ماذا نعني بذلك ؟، نعني به إن فعل المضارع يسلك لما جيء به هاهنا، أستخدم كعامل رصد ومتابعة في طريقة فهم الوحي وإيصال معناه، وفي هذا تكون الإشارة هنا بمثابة الضبط والإحكام في عملية الإبلاغ الموكل بنقلها الملائكة للأنبياء .

لذلك قيل: - وهذا فعل وأداة مساعدة في فهم النبي جاء بها الوحي -، ولكن كيف وماهي لغة التخاطب بين الملاك والنبي ؟، لغة التخاطب مرتبطة بحسب طبيعة وكيفية الوحي، ولايمكن الجزم بطبيعة لغة الملائكة إذ ليس هناك لغة معينة ومحددة يمكننا وصفهم بها، إنما اللغة التي نفهمها عنهم هي عبارة عن رموز وإشارات (إيحاءات) تُحاكي عقل النبي ومُقدار فهمه، ومن خلال ذلك تتم عملية إيصال المعنى المطلوب للنبي، والنبي مكلف بوضع هذه المعاني في قوالب لفظية دالة ومناسبة للمعنى المطلوب، ويعني هذا إن ما يحصل عليه النبي من الملائكة هو عبارة عن معاني وليست إلفاظاً وكلمات، لكن النبي فهم هذه المعاني بلغته وصبها في قوالب لفظية مناسبة وبنفس السياقات المطلوبة، وكأن هناك تماهياً وليس تخيلاً في المعاني والألفاظ بين الملائكة والنبي .

يجري هذا وبنفس السياق حتى في النصوص التي نسمع بها انه قال – إنني أنا الله -، أو - لاتخافي ولا تحزني -، أو - قال إنما أنا رسول ربك -، أو - قالوا نحن رسل ربك -، وكأن هذه الصيغ وغيرها وردت بصيغة كلمات وحروف، والحق إنها لم تكن كذلك، أي إنها لم تكن كلمات وحروف ومفردات لفظية، إنما كانت معاني تصورها النبي ووضعها في قوالب لفظية متناسبة معها، وإلى ذلك يُشير صاحب الكفاية في قاعدة التناسب بين الحكم والموضوع، تلك القاعدة المضطردة والتي تجري في كل ماهو متصور وممكن، وفي بيان ذلك والرد عليه قال تعالى: - [وللبسنا عليهم ما يلبسون] - الأنعام 9، أي بالإستحالة في مستوى الهئية والصورة، وهذا القيد يسري حكمه على كل الإطلاقات الواردة في الصيغ المتقدمة (سواء في حكاية إبراهيم وقصة العجل الحنيذ أو لوط وقصة قومه الذين جاوءا يهرعون)، والتي قد يفهم منها ذلك المعنى البعيد .

وبنفس الدليل يمكننا القول: إن لغة الله غير قابلة للتصور، حين نفهم أو نريد منها هذه الكلمات والحروف، وحين يوصف بالمتكلم فالوصف صفة بيان للمخاطب لا تدل على الذات ولا تخبر عنه، وقد قلنا في غير مناسبة (إن صفاته غير ذاته)، وللتوكيد ورد القول التالي: - [.. ليس كمثله شيء ..] - الشورى 11 والكلام عن الذات .

ونعود للقول: - إن النبي لا يعلم الغيب -، وأما ما يحصل عليه من علم فهو معرفة غير مسبوقة يأتي بها الوحي، ومع العلم بهذه المعرفة تصبح حقيقة طبيعية أو علماً طبيعياً، وكل شيء لا يُعلم أو يكون مجهولاً يُعدُ غيباً، ومع العلم به تنتفي عنه صفة الغيب ويصبح واقعاً يُفهم من خلال علله، التي تكون بالفعل قد أصبحت معلومة [ومن هنا نقول: - ليس في كتاب الله غيب -]، وقد دل على ذلك ماقاله الإمام علي عن معنى الغيب في الكتاب، نعم هناك إشارة للغيب كما يظهر في قوله تعالى: - [1 – إن الله عنده علم الساعة، 2 - وينزل الغيث، 3 - ويعلم ما في الأرحام، 4 - وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، 5 - وما تدري نفس بأي أرض تموت ..] - لقمان 34، وقد أختُلف في معنى و مفهوم - علم الساعة –، فمنهم من أعتبر العلم بالساعة دليل على يوم القيامة، والمُراد بيوم القيامة هو قيامة الإنسان التي تكون عند موته مباشرة، ومنهم من أعتبر العلم بالساعة هو العلم بنهاية الكون .

وفي الحالة الأولى: تكون الساعة أو العلم بالساعة حكاية عن موضوعة الموت عن الكيف وعن الزمن، بمعنى إن العلم بكيفية الموت وزمن الموت هو مما أختص الله بعلمه، وبما إن الموت هو قيامة الكائن البشري، فيكون العلم بالساعة بهذا المعنى هو العلم بزمن الموت وكيفيته، يعني العلم بقيامة الإنسان .

وفي الحالة الثانية: يكون العلم بالساعة هو العلم بنهاية الكون، ونهاية الكون مرتبطة بمعرفة العلل المنتجة لهذا الكون، أي العلم بالغاية من وجوده، وفي هذه الحالة تنتفي الغاية من وجود هذا الكون، فينتهي إلى زوال بعد أن يفقد مبررات وجوده، فيكون العلم بالساعة بهذا اللحاظ أيئذاناً بنهاية الكون، ولكي يكون ذلك ممكناً لا بد من عمل وجهد يقوم به - الراسخون في العلم - لمعرفة هذه العلل وغايات وجودها، وهؤلاء وحدهم القادرون على تحليل الكون ومعرفة خفاياه ومعرفة العلة من وجوده، هذه النقطة قال عنها الله إنها من علم الغيب الذي هو من أختصاصه .

والموضوعات الأربعة الأخرى المذكورة في سورة لقمان تقع في تلك الدائرة، أي في دائرة البحث عن العلل المؤدية إليها، وكشف ذلك من مهمات - الراسخون في العلم -، أعني معرفة تلك العلل ممكن في ظل تطور أدوات وآليات البحث العلمي .

ولكن هل النبي هو من - الراسخون في العلم - ؟، في تعريفنا للراسخين في العلم قلنا: إنهم تلك الجماعة التي تعتمد في تحليل الموضوعات على البحث والإستقراء والبرهان، وفي ذلك الطريق يستخدمون أدوات بحث علمية ومعرفية خالصة، وبما إن النبي ليس باحثاً علمياً أو يستخدم أدوات البحث العلمي، لذلك فهو بهذا اللحاظ ليس راسخاً في العلم، إنما هو موجه للعقل لكي يستخدمه ويسخره في المجال العلمي، وإخراجه من دائرة الصمت إلى دائرة الحركة والبحث، وإلى ذلك أشار النص الآتي حين قال: - [إن أستطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلاَّ بسلطان] – الرحمن 33، والكلام فيه عن القابلية وعن الإمكانية ودعوة العقل لإكتشاف المجهول، عن طريق البحث العلمي والنظر من خلال الآليات و الأدوات، والتي بها ومن خلالها يمكنه النفاذ والتحرك، لمعرفة العلل الحاكمة لهذا الكون، وقد أستخدم فعل الأمر - أنفذوا - ولكن بشرط التمكن من معرفة العلل التي من خلالها يتم النفاذ أو المساهمة في عملية النفاذ، وهذا يعني إدراك ما يوافق قانون الطبيعة و الوجود .

يُميز العرفاء في مقولاتهم بين الصورة اليقينية و المعرفة اليقينية، كتلك التي يحصل عليها النبي عن طريق الوحي، فالمعرفة اليقينية هي معرفة بالرموز والإشارات (الإيحاءآت)، والصورة اليقينية سابقة للمعرفة وتظهر عند الكلام عن متلازمة الوحي والنبوة، والإيحاء أو الوحي مشتق في العهد القديم من لفظ - روا - التي تدل على كلمة - روح - في العربية، ومعناها - الريح -، ولها إشتقاقات متعددة في اللغة العبرية، منها الذي:

1 - ورد بمعنى - نسمه - كما في المزمور 135 النص 17 قوله (وليس في أفواههم نسمة) .

2 - ورد بمعنى - نفخ فيه - كما في سفر صموائيل - الأول 30: 12 - قوله (وعادت إليه روحه) أي نُفخ فيه .

3 - ورد بمعنى - قوة - كما في سفر يشوع (2: 11) قوله (ولم يبق في أحد روح) - .

4 - ورد بمعنى - صفة للقدرة - كما في سفر أيوب (32: 8) قوله - لكن في البشر روحاً -، أو كما قال في سفر العدد (26: 18) - إنه رجل فيه روح - .

5 - ورد بمعنى - رأي - كما في سفر العدد (14: 24) قوله - فيما أنه كان له روح آخر - اي رأي آخر أو فكرة أخرى، قال في الأمثال: (1: 23) - فإني أفيض عليكم من روحي - .

6 - ورد بمعنى - نفس الإنسان - كما في سفر الجامعة (3: 19)، قوله - ولكليهما روح واحد - أي نفس واحدة .

7 - ورد بمعنى - جهات العالم - كما في سفر حزقيال (37: 9 و42)، قال - بسبب الرياح التي تهب منها - .

وفي - أشعيا وروحكم نار تأكلكم -، إذن فكلمة (روا) العبرية التي مرت ترجمتها، إنما تعبر عن الروح في كل هذه المعاني المتقدمة، ويظهر ذلك في شرح التوارة البابلية لمعنى روا على أنها الروح أو هي الروح، وبحسب المزمور السابع فالروح ليست واحدة بل هي أرواح متنوعة تكون بحسب الطبيعة والوضع، فمنها العالية ومنها الهابطة ومنها الشريرة ومنها الطيبة، وهذا المعنى يقترب من المعنى الوارد في سورة الشمس النص رقم 8، قوله تعالى: - (ونفس وما سوآها فألهمها فجورها وتقوآها)، ولابد من التذكير هنا بأن اللغة العبرية حين تستعمل المصدر، تستخدمه بصيغة الصفة وهذا شائع جداً ..

ونعود لنقول: - أن لا ملازمة عقلية بين صورة اليقين ومعرفة اليقين -، كذلك لا ملازمة عقلية بين المعرفة وبين طبيعة الذات، ونقصد بالمعرفة تلك التي يحصل عليها النبي بواسطة الوحي، وهذه المعرفة من صفاتها النسبية والمحدودية لكونها تتعلق بموضوعات معينة، ولهذا لا يصدر عنها إلاَّ فعل مخصوص واحد، وحتى يتمكن النبي من هذه المعرفة لا بد أن يكون بينه وبين الملاك شيء مشترك، وهذا الشيء هو الذي يُسهل عليه عملية الفهم والإدراك، ولولا ذلك الشيء المشترك بينهما لما تمكن النبي من فهم إيحاءات الملكوت ورموزه وإشاراته، ولولا ذلك أيضاً لمتنع وجود المعاونة بينهما، ويدخل في ذلك الشيء المشترك الغاية الفاعلة والغاية القابلة والغاية التامة، وشرط وجود أياً من هذه الغايات مرتبط بوجود علة من سنخها لا تنفك عنها ولا تحول .

وتكون النبوة بهذا الوصف معقولة لمن يؤمن بها ولمن هو شاك أو ناف لها، لأن هذا يأتي من طبيعتها أو من خلال ما تتم به في التتالي أو في التبدلات .

وقد أعتبرت المباحث الكلامية هذا الشيء هو - مبدأ اللطف - والذي يعني: - إن وجود النبوة لطف من الله -، وبما إنها كذلك فهي تنقسم عندهم إلى ثلاث معان

أولها: أن يكون اللطف بمعنى التفضل الدال على التقدم على الغير، كما نقول فلان فائز بتفضله على غيره .

وثانيها: أن يكون اللطف بمعنى التفضل أي (الموهبة المجانية)، كقولنا أنا أوليك هذه المكرمة .

وثالثها: أن يكون اللطف بمعنى التفضل عرفان الجميل، كقولنا أنَّا نقابل الفضل بالنعمة .

وثاني هذه المعاني يتوقف على الأول، [فإن هبة شيء ما إلى بعض الناس مجاناً]، إنما ينشأ عن الحب الذي يظفر الموهوب إليه بحظوة عند الواهب، والمعنى الثالث يصدر عن المعنى الثاني، فإن - المنُ يتبع الصنيعة -، وواضح إن الفضل بالمعنيين الأخيرين يوجب في مقابلها شيئاً، وهو في الأول الموهبة المجانية، وفي الثاني عرفان هذه الموهبة، ولكن اللطف بالمعنى الأول فيه فرق بين لطف الله ولطف الإنسان، إذ إن لطف الله بمعنى محبة الله الأزلية التي يحظى بها من قد أصطفاه وقربه، وهذا هو الذي يُبنى على يقين خالص ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

14 ربيع الآخر 1440

 

ميثم الجنابي"أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايفتنون؟

ولقد فتنا الذين من قبلهم"

إن التكرار الجديد لغربة الإسلام هي الاستعادة العميقة لمبادئه الحقيقية. كما أنها الدعوة التي تلازم المحافظة على نقاء وقوة الشعلة الأولى و"خلودها" المميزة لبداية الحق في تقرير ذاته. ذلك يعني أن المهمة الأساسية لا تقوم في استعادة محاربة الوثنية الجاهلية، بل محاربة "وثنية" الابتعاد عن المبادئ الأولى. وبهذا يكون الغزالي قد فسح المجال أمام إمكانية الظهور الدائم "للروح المحمدي" في دفاعه عن الإصلاح والتجديد. وقد تضمنت آراء الغزالي جملة من العناصر التي يمكن في حال جمعها وترتيبها أن تولد انطباع الوجود الفعلي لفكرة "الروح المحمدي". غير إن هذه المحاولة تبقى في نهاية المطاف مجرد صيغة مجازية عن حقيقة افكاره ومضمونها الواقعي والتاريخي في نظراته عن "الروح المحمدي". اذ ليس لهذا الروح في منظومته الفكرية سوى أبعاد معنوية محتملة. بمعنى إننا نعثر عنده على صيغة روحية معنوية هي بدورها التعبير الظاهري عما في الفكر الصوفي وتقاليده من ذوق ومشاهدة للمثال الإنساني الإسلامي الأكبر. لاسيما وانه كان بالنسبة للغزالي المثال الواقعي والضروري والحجة التي لابد منها لفكرته الاصلاحية والأخلاقية العملية. وبهذا المعنى فقط يمكن لهذا المثال أن يكون مصدرا لتأسيس القناعة الباطنية وشعارا للعمل الظاهر. من هنا يمكن فهم عثوره في هؤلاء الغرباء على أولئك الذين "يصلحون ما أفسده الناس من سنّة الرسول والذين يحيون ما أماتوه من السنّة"[1]، أي التركيز على مهمة الإصلاح التي نعثر على ملامحها الكبرى في (الإحياء). وسوف تحصل هذه الفكرة على تجسيدها الذاتي في شخصية الغزالي نفسه من حيث إدراكه لذاته باعتباره الكيان الحامل لمهمة الإصلاح والتمثيل الحي لإنجازها التي سبق وأن واجهها النبي محمد قبل خمسة قرون مضت. إلا أن المهمة المطروحة أمامه لم تكن في دعوة الناس للانتقال من الوثنية للإسلام، ومن الشرك للوحدانية، بل لإصلاح ما أفسده الناس وإحياء ما أماتوه (من السنّة). إنها ليست المهمة المحمدية في مواجهة الوثنية (الجاهلية) بل الاستكمال الجديد للوحدانية الإسلامية من خلال استعادة الروح الأخلاقي الأول. إلا أن هذا الإدراك الذاتي لموقعه في سلسلة الإصلاح (المئوي) وفاعلية الإحياء لم تعن في الواقع سوى السير في اتجاه ابداع التآلف الفكري الجديد المستند في أغلب عناصره الجوهرية إلى تراث الخلافة الإسلامية المسبوك في أخلاقية الصوفية ورؤيتها للعالم.

لقد صاغت المتصوفة أكثر من غيرها المقدمات الفكرية المجردة لمحاربة التقليد. وفسحت المجال الكبير أمام حرية الفكر. فعبر تحويلها التجربة الفردية إلى معيار جوهري في استكناه الحقائق تكون قد أرست أسس الإمكانية المجردة لإعادة النظر بكل حقيقة مستتبة. فأفلحت في هذا المجال ما لم تفلح به أي حركة فكرية اجتماعية وسياسية في الخلافة. وفي الواقع ليس هناك من حكم اجتماعي مهما بدا ثورياً أو مغامراً معزول عن التقاليد. إذ ليس هناك من جديد في ميدان الفكر خارج إطار استحداث التقاليد وإعادة إنتاجه من جديد. وبقدر ما ينطبق هذا على العلاقات الاجتماعية والأخلاقية والروحية ينطبق نسبياً أيضا على أساليب التفكير وأحكامه المجردة. فكلاهما يتضمنان عملية النفي الدائمة التي تحول الخوف إلى نظام، والنظام إلى تقليد، والتقليد إلى مثال. ولهذا السبب دعت المتصوفة للرجوع إلى صفاء القلب وإعادة عكس الوجود من خلال إزالة كل ما انطبع فيه من "أدران" الحياة الاجتماعية وتصوراتها وأحكامها وقيمها الشرطية، أي كل المفاهيم التي أدخلها الغزالي في آرائه عن الفطرة الإنسانية كمقدمة لمحاربة التقليد. إلا أنه بالاختلاف عن متصوفة زمانه لم يقف عند حدود عوالم النفس وتنقيتها الدائمة، رغم متابعته إياهم في هذا الشرط باعتباره المقدمة الضرورية لصيرورة الذات العارفة (الصوفية) واستكمال وحدة العمل كشرط للسعادة الحقيقية وغاية الإصلاح والإحياء.

إن تجانس آراء الغزالي في محاربة التقليد منذ بداياته الأولى حتى مرحلة التصوف بما في ذلك دعوته الدائمة للبحث عن الحقيقة لم تقف عند تخوم التجريد، بل تضمنت في ذاتها وجهها الآخر واستمرارها الطبيعي. اذ لم تكن محاربة التقليد بالنسبة له قضية فكرية خالصة، بقدر ما كانت واتخذت في وقت لاحق مضموناً اجتماعيا سياسياً وأخلاقياً عميقاً. فرفضه للتقليد في (ميزان العمل) لم يعد من مقومات الجدل كما هو الحال في مؤلفاته السابقة، بل تحول إلى عنصر من عناصر التثوير الاخلاقي الروحي. فهو يشير إلى أن كثيراً من الناس تناقش وتطالب بالبرهان عن خسارتها درهم واحد ولكنها تأخذ في حالات عديدة مفاهيم كاملة وتقر بها دون أن تطالب ببراهين كافية، بغض النظر عما في هذه المفاهيم من حساسية وأهمية بالنسبة للسلوك الحياتي والروحي[2].

وفي الوقت نفسه كان الغزالي يدرك تعقيد الخروج على التقليد، بمعنى إدراكه لضرورته التاريخية باعتباره بديلاً شاملاً. وهو ما يمكن ملاحظته في مجرى تطور نظراته ومواقفه من مفهوم الفطرة الإنسانية، ومواجهته الآراء التقليدية للمتكلمين والفلاسفة وانتهاءً بدعوته للانتقال من لا تقليدية الفكرة إلى لا تقليدية الممارسة، أي المنظومة الاجتماعية الأخلاقية للكلّ، والتي ستحصل على صيغتها الفكرية من خلال استلهام القناعة التقليدية في ظاهريتها عن الإصلاحي المئوي وتقاليده الإسلامية في الحديث المنسوب للنبي محمد عن ظهور كل قرن من يجدد للأمة دينها. ولم يشذ الغزالي عن تقليدية هذه الصيغة. وهذا بدوره مرتبط بالحقيقة القائلة، بان استمداد النزعة الإصلاحية وبراهينها المنطقية من الروح الأخلاقي المعرفي هو الأسلوب الأكثر عمقا وتـأسيسا في التعامل مع قضايا الوجود الاجتماعي لعصره. لقد بحث الغزالي عما هو جوهري في ميدان الروح الأخلاقي والمعرفي، وبالتالي لم تكن التقليدية الظاهرية في فكرة التجديد المئوية سوى أسلوب تعميق التحرر من التقليد. لاسيما وأن محاربة التقليد والتنقية القلبية (المعرفية - الاخلاقية) هي المقدمة الضرورية والشرط الذي لابد منه لكل عملية إصلاح حقيقية. وهنا نعثر على ما يمكن دعوته بظهور الجديد المتحرر من التقليد بلباس التقليد الظاهري الذي يتطابق من حيث حقيقته مع معنى التقاليد. وبالتالي لا دورية بالمعنى الدقيق للكلمة في الحركة الدورية للإصلاح. تماما كما ان فكرته عن محاربة التقليد تصبح جزء من الرؤية الشاملة للوجود الإنساني، والتي وقف أمام مهمة الرؤية الشاملة للبديل الشامل. ونعثر على ذلك بوضوح في تناوله مختلف القضايا الكبرى لعصره كقضايا الإيمان، والعقل، والسلطة، والأخلاق، ومعنى الوجود والحياة والموت وغيرها، أي كل ما هو عضوي في كينونة النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والروحي القائم آنذاك. وهي القضايا التي سيتناولها من منطلق إحياء ما هو جوهري ومتراكم في حضارة الخلافة من خلال الرجوع إلى المبادئ الأولى.

لقد أراد من وراء ذلك العثور والتمسك "بالعروة الوثقى" أو عين اليقين الذي يمكن أن يعطي له حافز العمل أو قدوة المثال، أي البحث عن التطابق المثالي بين الحاضر والماضي، وبين التاريخ الملموس والمجرد المثالي، والعابر والدائم، أو وحدة الثنائيات والمتناقضات والمتضادات المنفية في المجرى العلمي - العملي. وذلك لأن الرجوع إلى المبادئ الأولية ليس رجوع المقلد الأعمى بل إرجاع الجوهري الحي. فالتاريخ الملموس كما استرعته التقاليد الإسلامية التي تمثلها الغزالي له حدوده الزمنية، والمعرفية، والأخلاقية، والحقوقية. إنه "مزرعة الاخرة"، أو الممر الضروري الذي وعت به مختلف الحركات والمدارس والشخصيات الإسلامية أسلوب وجودها ومعنى حياتها، مما حدد بالتالي مواقفها من مجرياته. فمأثرة الغزالي هنا تقوم في عدم بقائه أسيراً للصراعات الإسلامية اللاهوتية عن الجبر والاختيار وغيرها من معضلات اللاهوت التقليدي بل تعدى حدود الصراع الأشعري ــ المعتزلي إلى الميدان الأوسع والأعمق، أي ميدان القلب الذي يمكن أن تبرز فيه وتتعمق روابط الملك والملكوت والجبروت، والمعرفة والأخلاق، والعلم والعمل والحال، والفناء وفناء الفناء والبقاء. فهو الميدان الذي يمكن احتواء كل ظواهر الوجود، باعتبارها قضاياه الخاصة، ومن ثم النظر اليها بعين البصيرة والتفاعل معها بالهمة الواحدة. بمعنى النظر إليها من منطلق الوحدانية المطلقة التي يتطابق الرجوع فيها إلى المبادئ الأولية مع عملية الانتقال (السريان) من التاريخي إلى المطلق ومنه إلى الملموس. لهذا لم يعن رجوعه إلى مبادئ الأمة الأولية رجوعاً آلياً بسيطاً، بل عملية عميقة المضمون والمغزى استمدت قواها من طبيعة التآلف الفكري الذي غابت عناصره "المتناقضة" وراء وحدة الكلّ. وليست وحدة الكل هنا سوى الاصلاحية الدائمة أو ما دعاه الغزالي بتجديد السنة الدائمة"[3].

لم يكن هذا الرجوع سلفية جامدة مبسطة ومباشرة، بل كان استيعاباً جديداً بروح الإصلاحية العقلانية والأخلاقية المطلقة (الصوفية) لدراسة الواقع وتحديد مهلكاته ومنجياته. وهذا ما يبرز بوضوح على مثال موقفه من مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهو ينظر إلى هذا المبدأ نظرته إلى "قطب الدين الأعظم" و"الهمّ الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين". بل لو طوى بساطه، كما يقول الغزالي، "وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة"[4]. وهنا يشدد الغزالي على أن هذا التعبير يعكس شطح العبارة الصوفية في محاولاتها تذليل ضعف الهموم الخاصة تجاه الهموم الكبرى لأتباع الحق، أي كل ما له علاقة بقضايا الوجود الإنساني وإشكالاته الأخلاقية. فإذا كانت التقاليد الصوفية بدء من التستري قد وضعت فكرة "تعطيل النبوة" في اطار تصورتها عن "سرّ القدر"، فإن تحويرها في مواقف الغزالي العملية من الإرادة الأخلاقية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعكس الكيفية التي جرى من خلالها انكسار ووحدة الأبعاد العقلانية والصوفية في مجرى تطور آراءه عن الإصلاح والإحياء. وضمن هذا السياق يمكن فهم حقيقة موقفه النقدي من الواقع الذي يكشف كل ما فيه عن "إندراس علم وعمل القطب وانمحاق حقيقته ورسمه بالكلية"[5]، أي دلائل تمويت السنّة التي ينبغي "سد ثلمتها اما متكفلا بعملها أو متقلداً لتنفيذها مجدداً لهذه السنّة الدائرة"[6].

وسوف يعطي لفكرة "السنة الدائرة" معانيَ تتعدى حدود زمنها التأريخي الملموس لكي تربط في كل واحد الإصلاح الفردي بالاجتماعي ونقلها من عالم الأخلاق إلى السياسة وبالعكس. إن محاربة التقليد التي أدت في مجرى تطورها إلى خلخلة القناعة الذاتية وتحطيم أسسها المذهبية (الضيقة) كان لابد وأن تؤدي في حالة ملامستها الواقع الاجتماعي والسياسي إلى مواجهة مهمة التعامل معه بمعاييرها الخاصة. وإذا كان التاريخ المنصرم للإصلاحية الإسلامية التي كان نشاط النبي محمد مثالها النموذجي (المجرد والملموس) فإنها اتخذت عنده صيغة الربط الخفية فيما بينهما كصيرورة جديدة لما يمكن دعوته "بالروح المحمدي"، والتي ستحصل في وعي الذات الإصلاحي الإسلامي على أحد تعابيره المفارقة بكلمات: "لو كان بعد النبي نبيٌ لكان الغزالي"، و"كاد الإحياء أن يكون قرآناً".

ولايمكن استيعاب حقيقة المضمون التاريخي لهذه "الصلات" إلا في إطار فهم طبيعة العلاقة بين النموذجي والملموس في التقاليد الإسلامية التي شكلت فيها فكرة النبوة النموذج الأعلى للتمثيل الإنساني في الممارسة (الملموس). إن تحليل هذه الأفكار النموذجية في ثقافة الرمز الإسلامية تكشف عن تمركز وتجوهر الأفكار العقلانية في قالب الأحكام القيميية العليا. وبهذا تكون قد تجاوزت التصورات والأحكام اللاهوتية المباشرة في تعاملها مع رموز الدين الكبرى. فإمكانية الاقرار بوجود نبي بعد النبي محمد هو بحد ذاته "كفر". إلا أن ذلك لم يعق ترديده من جانب أكثر الشخصيات الإسلامية إسلاما وورعا. وينطبق هذا بدوره على مقارنة (الإحياء) بالقرآن. إننا نقف هنا أمام الظاهرة التاريخية الثقافية، التي تصبح فيها قيم الروح العليا مؤشرات نموذجية للاستمرار والتقدم. وفي الحالة المعنية لم تكن هذه الكلمات والمقارنات وليدة الصدفة بقدر ما أنها تعكس المضمون الجديد الذي ادخله الغزالي لعالم الخلافة في أسلوبه غير المباشر في التعامل مع تجربة الإسلام الروحية والفكرية في مجرى القرون الخمسة السابقة له. وهذا ما يفسر أيضا الأسباب التي اعاقت حتى أشد الفلاسفة عقلانية كالفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم من تجاوز القيمة المعرفية والعملية للنبوة ودورها النموذجي في كيان وكينونة الأمة الإسلامية.

 غير أن الغزالي لم ينظر إلى النبوة والنبي كرديف للفيلسوف الأفلاطوني أو الحكيم الارسطي أو مثيلاتها الإسلامية، بل نظر إليهما بروحية التقاليد الصوفية في مواقفها من العارف الكامل. ولم يقف هو هنا عند تخوم الأخلاقية الصوفية الصارمة وعزلتها المتسامية، بل حوّرها في الميدان الأكثر تعقيداً في تعامله مع الواقع، أي ميدان الروح الفعال أو الاصلاح الشامل، والذي يمكن لكل انسان تمثله وتحقيقه. لهذا كان بإمكانه أن يتخذ من شخصه مثال هذه العملية كحلقة في سلسلة "تجديد السنة الدائرة".

قد حاول الكشف عن ذلك في آواخر حياته عندما غادر عزلته راجعاً إلى حلبة الصراع، الذي لم يعد بالنسبة له مجرد رجوع عادي. لهذا لم ينظر إلى رجوعه للتدريس ونشر العلم كرجوع. فالرجوع كما يقول الغزالي هو عُوْد إلى ما كان بينما لا تكرار في الوجود كما سيردد ابن عربي لاحقاً معمقاً فكرة الغزالي ذاتها. فالرجوع ههنا هو شبيه "بالانحصار" بين الأبد والأزل، الذي تتحول فيه الذات الفاعلة بعد ادراكها حقيقة الوجود ومعنى الحياة إلى "قلب بين اصابع الرحمن". ولم تعن هذه الفكرة في آراء الغزالي سوى بلوغ تطابق الغاية والوسيلة في الذات وتذليل استقلالها النسبي في مجرى ووحدة المساعي الحرة. وشكلت هذه النتيجة الفكرية مقدمة القناعة الراسخة للعمل الإصلاحي. من هنا يمكن فهم سبب جعله الرجوع إلى التدريس الحافز الداخلي لكتابة (المنقذ). ولهذا ايضاً يمكن أن نفهم سبب تشديده على إن رجوعه للتدريس في نظامية نيسابور لم يكن رجوعاً عادياً أو بصورة أدق أنه ما رجع. إذ ان الرجوع هو عود إلى ما كان. وعندما يكون قد تغير مضمون كل ما يقوم به فإن مظهر الفعل (الرجوع والتدريس) يصبح هو الآخر مغايراً. اذ لم يعد الفعل (العلمي والتدريسي) بعد الآن نتاج اختياره الضروري بقدر ما انه اصبح تقلبا بين "أصابع الرحمن". ولم تعن هذه الفكرة في مضمونها الصوفي وفي حالة الغزالي بعد الخروج من العزلة سوى وحدة التطابق بين حقيقة الغاية والوسيلة، أو غياب الوسيلة كلياً وذوبانها في رؤية الغاية المتسامية. وعبّر عن هذه الحالة في كلماته القائلة بأن أمنيته وقصده في العمل (التدريس) لم يكن سوى "إصلاح النفس والغير"[7]. فقد شدد الغزالي متتبعا أثر الصوفية وتصوراتها عن سر الروح الاخلاقي. ولم يكن هذا المفهوم الصوفي عن سر الروح من وجهة النظر التاريخية والفكرية ذا بعد واحد. إذ كان هذا المفهوم نتاجا طبيعيا للفكرة الصوفية عن الظاهر والباطن. غير أن التصوف ذلل هذه الثنائية من خلال تأسيس الوحدة التامة والمرنة في علاقة الشريعة بالطريقة وثمرتها الخالصة في الحقيقة. لهذا كان بإمكانه القول بأن القلب لا يدخل في ولاية الفقيه، أو حسب عبارته ليس للفقيه ولاية على القلب، أي انه جرّد الروح الانساني (من ضمير ونية وأفكار وهواجس ووساوس وما شابه ذلك) من خضوعها للأحكام الفقهية للفقهاء. ومن الناحية التاريخية لم تكن هذه الافكار مجرد احتجاج مباشر ضد سلطان فقه السلطة الدينية والدنيوية بل واستمرار معقد لانكسار التصورات الصوفية عن الوحدانية ومبادئها العملية. وبالتالي لم تعد العبارة والكلمة والعمل سوى احد مظاهر وتجليات مستوى تمثل حقيقة الوحدانية في النفس، او وحدة الظاهر والباطن في الوهم والعقل والهواجس والخواطر والأعمال والأفعال، او وحدة الطريقة والشريعة في الحقيقة. وبهذا المعنى كان خروج الغزالي من العزلة فعلا معبر عن حاله لا غير. فهو لم يرجع من الحقيقة للعلم، ومن الطريقة للشريعة، وإلا لأدى ذلك، كما تقول المتصوفة، الى إفساد ارادته. فما هو جوهري في كل ذبك هو تذليل استقلال الظاهر والباطن، والغاية والوسيلة في وحدة الهّم. آنذاك لم يعد للفعل معنى خارج حقيقة السمو الاخلاقي والروحي. من هنا سطحية الاحكام القائلة بتذبذبه وانحرافه وزيغه وما شابه ذلك من احكام فيما يتعلق بسبب رجوعه للعلم والتدريس. فهي أحكام في اغلبها مبنية على الجهل بحقائق الفكرة الصوفية. وليس مصادفة أن يؤسس الغزالي لفكرة إصلاح النفس قبل إصلاح الغير، رغم ربطه الدائم بينهما.  

إن بلوغ الغزالي حالة "القطبية" قد افترضت تلقائية العمل بوحي "مشكاة النبوة" أو نورها المؤيد[8]. بصيغة اخرى، انه لم يعد يعمل إلا بعد مخاض الرؤية اليقينية لحقيقة المرمى. وبهذا ينبغي للعقل أن ينصهر كليا في لحمة المبادئ الأخلاقية المطلقة. فرجوعه إلى معاودة التدريس لم يكن فعلاً ارادياً من جانبه أو من جانب السلطان بل يصبح ذوبانا أو اندماجا خالصا للقضاء والقدر في ضرورة الإصلاح. إلا أن عقلانية الغزالي التي ساهمت في تشذيب الروح النقدي (والمناهض للتقليد) قد تعرضت هي ذاتها إلى تهذيب الشك المعرفي، الذي حالما يعثر على يقينه النهائي في الأخلاق فإنه يعطي بالضرورة لعناصر العقلانية هيئة السمو الروحي ونوازعه الوجدانية الباحثة في كل فعل عن معنى يتجاوز "الأنا" الفردية وكيانها البشري. وإذا كان الغزالي قد شدد مراراً على انه لا معنى لتجاوز بشرية الإنسان، فإن غلبة الافكار المطلقة قد قيدته في حريته الجديدة، أو حررته من قيوده "البشرية" بحيث جعلته ينظر إلى ما هو قائم من زاوية التأمل الكليّ لا من زاوية الانقضاض البهيمي، أي من منطلق الروح والحقيقة لا السياسة والمصلحة. فقد رأى هو اصناف الخلق كما يخبرنا في (المنقذ) وقد ضعف إيمانهم لأسباب يُجملها ببواعث فكرية واجتماعية وأخلاقية عديدة[9].لكنه يرى في الوقت نفسه استعداده النفسي أو ضغط عالم النفس في دعوتها لمهاجمة الفرق من جديد تحت أثر تجربته القديمة وتمكنه الهائل من الصراع ضدها. ذلك يعني أنه كان يتحسس على الدوام ويدرك الصلة الداخلية في تطوره واستمرارية البراهين العقلية والجدلية. إلا ان ما كان يقيده هو عالم النفس بإشعاعه الصوفي. فقد كان يعاني من ضغط عوالم المعرفة ومهمة الإصلاح ووسيلة تجسيده. وهو نفس الصراع الاجتماعي النفسي الأخلاقي بين الغاية والوسيلة الذي ادى في يوم ما إلى إثارة ازمته الروحية الأولى ومرضه النفسي. أما الآن فإن ذلك لم يؤد إلا إلى استثارة التأمل الحزين لما يجري.

لقد تعامل مع معضلات وانحطاط أمته بقدر عال من المسؤولية والاندماج الوجداني. فهو يتحسس عدم اغناء الخلوة والعزلة وقد "عمّ الداء ومرض الاطباء وأشرف الخلق على الهلاك"[10]. وفي الوقت نفسه نراه يواجه النفي الداخلي المستند إلى نفي عالم النفس في براهينه المضادة. فهو يحاور نفسه عن مدى انهماكه في كشف هذه الغمم ومصادمة هذه الظلمات والزمان زمن الركود والدور دور الباطل. أنه يدرك حقيقة الصدام وقوته الذي رغب وعزب عن أن يكون ضحيته المأساوية (المغامرة). لقد أدرك الشقة المثيرة لقلق العقل والضمير، التي يثيرها إدراك ما ينبغي القيام به وعدم توفر الظروف المناسبة لتحقيق ذلك. وقد صوّر كل خلجات ضميره الحرجة وحجج عقله الجدلية في (المنقذ) عندما كتب عن معاتبة نفسه بعبارة "فما تغنيك الخلوة والعزلة وقد عم الداء ومرض الاطباء واشرف الخلق على الهلاك"[11]. في حين رد عليها في نفسه على نفسه:"متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة ومصادمة هذه الظلمة، والزمان زمان الفترة والدور دور الباطل. ولو اشتغلت بدعوة الخلق عن طرقهم إلى الحق لعاداك أهل الزمان بأجمعهم. وأنى تقاومهم فكيف تعايشهم؟"[12]. واذا كان صراع النفس العقلية هي الصفة المميزة للمفكرين فلأنها تعكس ذلك التداخل القائم بين أحكام النطق المجردة ورغبات النفس. ومن الصعب تجاوز هذه الصلة اللامرئية بما في ذلك في الصيغ المجردة للفكر والتفكر دون السعي لتمثل الحقيقة الأخلاقية أو تلك التي سيدعوها لاحقاً بالمعرفة الحرة التي لا يقيدها قيد (المصلحة وأمثالها). وإذا كان الغزالي قد أبرز "عجزه" الفردي أمام واقع الركود ودور الباطل، فإنه أدرك في الوقت نفسه قوة عالمه الروحي. فقد استثار وما يزال "خمول" في الظروف العصيبة للخلافة ومأزقها السياسي وتعرضها للهجمات الخارجية على ردود لعل عديدة ومتنوعة في محاولاتها فهم حقيقة موقفه الصامت. وعادة ما يجري التطرق البها بعلامات الاستفهام والاستغراب والتعجب وما شابه ذلك تجاه موقفه الخامل من هجمات الصليبين على عكس هجومه الشرس ضد الإسماعيلية والإسماعيليين. وهو انتقاد له أساسه الفكري والأخلاقي والعقائدي. غير أن القضية أبعد وأعمق من ان يجري حصرها وتقيمها بمعايير المواقف السياسية والنفسية الظاهرية والمسطحة ومن منطلق "متطلبات الساعة". فالغزالي لم يسلك سلوك الجندي المقاتل أو السياسي الماكر أو المتملق والمتسلق الذليل في موقفه من احداث الساعة. لقد كان آنذاك مهموما بالبحث عن الأسباب الجوهرية التي ينبغي توجيه قواه البها من اجل استنهاض وتجديد قوة الأمة وجبروتها. إذ بين المفكر العظيم والسياسي المحنك بون لا يمكن تذليله وتباين لا يمكن القضاء عليه حتى في تلك الحالة التي يجسد فيها السياسي مقدرة المفكر والمفكر مقدرة السياسي. اما بالنسبة للغزالي فانه حاول تجسيد علاقة المفكر بالسياسة في الميدان الأكثر تعقيدا، أي ميدان إبداع وصيانة أسس ومبادئ المتانة الصلدة لقوة الفرد ومناعة الأمة في وحدتها الروحية والإخلاقية. لقد صاغ الغزالي أحد الأسس الكبرى التي ما زالت تمتلك قيمة هائلة لحد الآن، والقائل بأن إمكانيات التحدي والتصدي الناجح لأي عدوان خارجي يفترض استناده الواعي إلى فكرة الحق. بعبارة أخرى، لقد اكسبته عقلانية الفكر وواقعية التصور إدراك الصلة الممكنة والضرورية بين الإصلاح وأداته القائمة في قوة الفكر، كما نراه في عبارته القائلة:"ولا يتم ذلك إلا بزمان مساعد وسلطان متدين قاهر"[13].

وعندما يصور الغزالي جدل النفس والعقل في موقفه من الأمر السلطاني للتدريس في نيسابور، والذي رفضه مراراً فإنه لم يسع من وراء ذلك إلا للكشف عن التطابق والتوافق بين نضوجه اليقيني وإرادته المجردة للمساهمة في الإصلاح وبين الحركة الطوعية المنبعثة من أمر السلطان لدعوته للعمل. وقد اعطى له ذلك إمكانية الحكم على أن ما جرى لم يجر بإرادته الخاصة المقيدة بمطامع النفس و"مكر العقل"، بل بفعل السر الخفي في هذه الحركة التي ترافقت مع حلول القرن الجديد مما اعطى لها قيمة مطلقة. لكن هذه القيمة من حيث كونها فعلا لم تكن مقنعة بحد ذاتها كما هو الحال بالنسبة للسلوك الصوفي، الذي عادة ما يجري امتحانه الدقيق في عالم اليقظة والمنام، أي حالما تصبح القيمة واحدة في الوعي والوهم، وحالما تتحول إلى همّ واحد وغيب يدور وراء الحجج المادية للنفس، يعد تحوله إلى غاية اخلاقية صارمة كما كان حال النبي محمد.

غير أن التطابق بين شخصية الغزالي والنبي محمد في هذا المجال لم يكن تطابقا مضمونيا، بل تطابقاً معنويا. بمعنى انه استمد تصوراته من "نور مشكاة النبوة" في تقاليدها الصوفية. اضافة إلى تصادف الظاهرة التاريخية مع نهاية القرن الهجري التي جعلته يعتقد باستمراره المعنوي الحق في اتباع حقيقة النبوة وآثارها باعتبارها صراعاً من اجل الإصلاح.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن للثقافة التاريخية حدودها المقيدة. ومن الممكن تجاوز هذه القيود إلا أن من الصعب تهشيمها بصورة تامة، خصوصا إذا كانت هذه القيود تمثل في شفافيتها الروحية لمعان الأنوار المغرية. فقد أبدعت الثقافة الإسلامية أنوارها الخاصة شأن الثقافات الكونية الكبرى. لهذا من الصعب اتهامها أو وصفها "بالطفولة" و"الرعونة" في حال اتخاذ بعض مظاهرها هذا الطابع في أعين البصيرة المعاصرة. ولعل فكرة الدورة المئوية للإصلاح بتمثلها الفردي هو من بين نماذجها المتميزة. فإذا كانت الدورة المئوية قوية التأثير بما في ذلك في الزمن الحالي (بل وتبدو اشد تأثيرا بفعل الطابع الحسي للزمن المعاصر في الوعي والثقافة العالمية ككل)، فإن تجسيده الفردي لم يعد قضية مقلقة للوعي الاجتماعي أيا كان مستواه ونموذجه. وإذا كانت الثقافة الإسلامية قد ساهمت واختبرت بمعايير العقائد في مجرى القرون السابقة للغزالي السر المجهول والساحر لفكرة الانبعاث المئوي، فإن ذلك لا يحتوي اطلاقا على ما يمكنه أن يكون نقيصة أو سذاجة للوعي بما في ذلك النظري، بقدر ما انه يعكس أحد ملامح رؤية التقدم والتجديد في الأصالة الثقافية من حيث رؤية ارتباطها بإرثها الخاص. فقد كان العالم آنذاك واسعا بمعايير المكان والزمان، لكنه ضيقا بمعايير النظر الى الله. فالمساحات الشاسعة والأبعاد الزمنية تتضاءل إلى اقصى درجة أمام الملحمة الخاطفة "للرحمة الإلهية" في ثوابها وعقابها. وقد اعطى ذلك للوعي النظري والعادي قيمة روحية في تأمل دوراته السنوية. لقد وجد فيها صيغة لتحدد الحياة وانبعاثها وإحيائها، أي على خلاف العالم المعاصر الذي أصبح ضيقا في الزمان والمكان وواسعا وبعيدا في نظراته الى الله. لقد اصبح كل شيء بالنسبة له لا متناه مما خلّصه منة عقدة تأمل وملاحظة ما بعد الموت. بمعنى انه افتقد لسحر الملحمة الخاطفة لوعي الوحدة. فهو يعيش اللامتناهي في تناهيه الشعوري. من هنا كان الزمن في "دورته" مجرد استعادة جديدة للمشاكل ومقدمة الحلول، وعتبة وعقبة على طريق مليء بالمستجدات.

 ونعثر على كافة هذه الجوانب والقضايا في استشهاداته وتأويله للآيات القرآنية المنبعثة من قناعة الروح الأخلاقي مثل "أحسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟ ولقد فتنا الذين قبلهم"، أي الدعوة للتحدي التي تعي مهمتها استنادا إلى الالهام (الصوفي) لا إلى عوالم الظواهر الخارجية. فهو يظهر في استيعابه للآية بوصفه جزء من الأمة التي لا يمكن ترك مصيرها عرضة للزلل دون أن يتحمل بذلك مسؤولية أمام الله. وهذه بدورها ليست إلا وحدة الإيمان والعمل. وإلا فلا معنى للإيمان ولا قيمة للعمل. تلك الفكرة التي وجد استمرارها في مثال الدعوة القرآنية للنبي محمد في صراعه كما هو موجود في الآية "لقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واوذوا حتى اتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله". فالمثال النبوي يتحول في وعيه إلى مثاله الخاص. آنذاك لم يعد بحاجة إلا لقناعة اليقين التي وجد رؤيتها في الآية "انما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب". حينذاك يتخذ النشاط اسم الحق (المطلق) لأنه من تدبيره. أما في الواقع فإن هذه التصورات لم تكن سوى نتاج تقاليد الإسلام الإصلاحية التي بلورتها قرون عديدة. بحيث اتخذت في أحد نماذجها الخلابة هيئة التجديد المئوي بإرجاعها إلى لسان النبي محمد من أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة عام من يجدد لها دينها.

وقد اتخذت حياة الغزالي في الكثير من انعطافاتها صيغة التطابق الظاهري مع الشخصية النبوية لمحمد. فهو ايضاً انتقل في الأربعين من العمر إلى عالم "مشكاة النبوة". فعند النبي محمد بداية النبوة وعند الغزالي بداية العزلة ومهمة الإحياء. وإذا كان التطور التاريخي من الناحية الزمنية قد دفع خروجه للإصلاح عند تخوم القرنين الخامس ـ السادس الهجري فإن التطابق الظاهري بين شخصيته وشخصية النبي محمد قد ولّدت في وعيه إمكانية انصهار الابعاد التاريخية والميتافيزيقية إلى الدرجة التي وجد فيها نفسه ممثل الإصلاح والمجدد للأمة دينها.

لكن ما يميز الغزالي هنا هو كونه ذاته نتاجاً للتقاليد الاجتماعية السياسية والروحية للخلافة التي طابقت في شخصيته فكرة وأهمية الأربعين والمائة. ومن الخطأ البحث في آرائه وسلوكه عما يوحي باستلابه أمام قوة الكلمة أو خضوعه الأعمى للتعاليم الدينية اياً كان مصدرها، بقدر ما كان للتطابق الظاهري مقدماته الفعلية في صيرورة الأنا المجددة التي اختزلت وحدة تطوره (الغزالي) المعرفي والأخلاقي على خلفية التصوف الإسلامي. فالتقاليد هي مقدمة النشاط. لهذا لم ير الغزالي في عودته للتدريس سوى بداية تطبيق الوعد القائل بضرورة التجديد المئوية التي وقعت على عاتقه نهاية 499 ـ بداية 500 هجرية. فالعمل الإصلاحي لم يعد فعلاً طارئاً ولا حتى سعياً ذاتياً محضاً بل فعلاً خلاّقاً يعي ارتباطه بالوجود من خلال الله. فهو لم يعط للإصلاح فعل الحركة التنويرية الظاهرية أو التأثير المباشر أو الانقلاب الحاسم في الوجود الاجتماعي التاريخي، بل فعل السعي الحثيث لبلوغ التطابق الحق بين النية والفعل، والغاية والوسيلة، والباطن والظاهر، والحقيقة والشريعة، اي تذليل كل التناقضات الممكنة في طريق السمو الذاتي، باعتباره الأسلوب الأعمق للإصلاح الحقيقي.

وقد استندت فكرته عن الإصلاح الشامل إلى نظراته في المعرفة والوجود وضرورة وحدة المعرفة والتخلق بأخلاق الله (المطلقة)، أي نظريته عن وحدة الكون ووحدانية الله. لهذا وجد في كل حياته من دخوله بغداد حتى خروجه منها، ومن دخوله العزلة حتى خروجه منها، حلقات في مجرى "الرحمة الإلهية". وليس هو نفسه بالتالي سوى "قلب بين أصابع الرحمن" يحركه كيفما يشاء. ومن ثم فمن الخطأ البحث في هذه الفكرة عن هيمنة الجبرية المفرطة في وعي الذات عند الغزالي. فبين الجبرية كفعل ازلي مخطط له وبين وعي الذات في جبرية الوجود بون شاسع. وقد سار الغزالي في الاتجاه الثاني دون ان يفتقد روح التفاؤل التي سيظهرها لاحقا في موقفه القائل "ليس بالإمكان إبداع أفضل مما كان" دون ان يقيد لا تناهي المممكنات. وفيما بين هذه المتناقضات ظهر وتبلور تآلفه الفكري كمحاولة لرؤية العلاقة بين الوجود والمثال، بوصفهما كلا واحد. مما اعطى لآرائه حتى في اشدها تجريدية مهمة كشف الحقائق لذوي البصيرة، أي إننا نقف أمام احدى المعضلات الجوهرية للوعي الفلسفي ألا وهي قضية وحدة الإصلاح والحقيقة، وللوعي السياسي الاخلاقي بوصفها قضية موقع الإنسان في الكون ومعنى الحياة ومبادئ السلوك والقيم، أي كل ما طبع آراءه ومواقفه من قضايا ومعضلات الأمة الإسلامية وثقافتها.

لقد سعى الغزالي لإبداع نظرية تتجاوز الطابع التقليدي وتلفيقية الحلول السائدة في عصره، من خلال إبراز مقياس ومحك الإخلاص الإنساني. ولم تكن هذه المهمة والغاية سهلة الحل. فالمحاولات العديدة التي بذلها الفكر والمفكرون القدماء لم تتجاوز جزئية الإصلاح في ميادين الاختصاص على عكس الغزالي الذي حاول ربط الإصلاح بمصير الإنسان وكينونته الأخلاقية. وقد اثار ذلك الكثير من المعضلات الفكرية أمامه في مختلف ميادين المعرفة والأخلاق العملية، أي المحاولة التي وضعت نصب اعينها مهمة ايجاد الوحدة الايجابية الفاعلة كما وعاها الغزالي في ثقافة القرون الخمسة السابقة بربط مصادرها الفكرية وعصارتها الذهنية من اجل ابداع تآلف فكري مقبول لطبقات الأمة كل بمستوى فهمه وإدراكه. بمعنى حدة الخاصة والعامة، والباطن والظاهر، والمطلق والنسبي، والعقل والنقل، والحقيقة والشريعة، والتي ظلت تحمل في بعض جوانبها نسبية الموازاة التي لم يذللها فكريا احد آنذاك سوى ابن عربي. فقد انطلق ابن عربي في بدايته من نهاية التجربة الحية للموتى. فما ظهر في (الإحياء) كإحياء لما مات سيظهر في (الفتوحات) كنظرة في الغيب وكوحدة للحي الذي لا يموت. ولربما شكلت كلمات الغزالي في نزعه الأخير: الاخلاص! الاخلاص! التعبير الذاتي الواقف أمام هوة المطلق. وقد سبق له وإن شرح نزعه الاخير في (الإحياء) بعبارة تقول "إن الإخلاص هو مساعدة الحال للمقال، أي أن يكون المرء من أهل لا إله الا الله حالا ومقالا ظاهرا وباطنا حتى يودع الدنيا"[14]. وقد سلك الغزالي حسب هذه الوصية حتى لحظاته الأخيرة. انه وعى مصيره قبل موته بزمن طويل دون أن يفرض مثاله على الآخرين.

***

 ا. د. ميثم الجنابي

.....................................

[1] الغزالي: الإحياء، ج1، ص38.

[2] الغزالي: ميزان العمل، ص16.

[3] الغزالي: الإحياء، ج2، ص306.

[4] الغزالي: الإحياء، ج2، ص306.

[5] الغزالي: الاحياء، ج2، ص306.

[6] الغزالي: الاحياء، ج2، ص306.

[7] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص160.

[8] استعمل هنا مفهوم القطبية بما يتوافق مع معنى الحقيقة الصوفية، أي انه يتطابق مع ما هو مميز للطريقة الصوفية التي تعطي للقطب والقطبية مقامها الخاص في الكيان والكينونة الصوفية والوجود أيضا. ومع انه تناول في أعماله الصوفية فكرة القطب في مجرى تأملاته وتأسيسه لمعنى وحقيقة ونموذج الإنسان الكامل، إلا انه لم يتطرق الى هذا اللقب حوله نفسه، شأن بعض كبار الصوفية. لكنه وعى أو تعامل مع نفسه بوصفه مجددا على رأس المائة السادسة للهجرة. ومن الممكن احتمال تضّمن هذه الحالة على معنى القطب والقطبية، أو انها الوحدة الجديدة للمصلح النبوي (الفلسفي العقلاني) والقطب الصوفي. ووجد ذلك انعكاسه فيما بعد في اقوال ومواقف بعض كبار الصوفية. فقد وصفه ابو الحسن الشاذلي بعبارة "حبر الأمة" الذي باهى به النبي محمد انبياء اليهود والنصارى (موسى وعيسى). بينما شهد له تلميذه ابو العباس المرسي بالصديقية العظمى (السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج4، ص134).

[9] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص154-156.

[10] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص157.

[11] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص157.

[12] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص157-158.

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص157-158.

[14] الغزالي: الإحياء، ج1، ص303.

 

محمد ممدوحارتبط الميزان فى العقل الشرعى أو العرفى بالعدل، فهو رمز للعدل لا أكثر، هكذا دل القرآن غير ذات مرة (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (الرحمن9) إنه أمرٌ بالقسط، بالعدل، بعدم تطفيف الميزان باعتباره رمزًا للعدالة، إنه معيار العدالة في المعاملات المادية الدنيوية، وهو كذلك معيارها في الآخرة أمام الله، إنه ذات اللفظ "الميزان"، وذات المقصد "العدالة" ... ولكن الجوهر يختلف كثيرًا بين الإثنين.

القرآن يقر بوجود الميزان في الآخرة (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا) (الأنبياء47) (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) (الأعراف8) إنه يؤكد لفظية الميزان، بما يعطى انطباعًا بمادية مجردة وحسية محضة، إنه أقرب إلى الذهن بصورة الميزان ذى الكفتين، أو الميزان الناطق ذو الأرقام والأعداد الحسابية، ولكن هذا في ميزان الدنيا، ميزان الكيل، أو ميزان الوزن بالكيلو جرام، أو ميزان التقدير القياسى، فكلها أنواع مادية محضة ووسائل قُصد بها إقامة العدل، أما ميزان الآخرة فلن يكون أبدًا بذات الصفات المادية البحتة، لن يكون بكفتين، ولن يكون بمؤشر، ولن يكون بأرقام أو وسائل عددية أو حسابية للقياس ولكنه سيكون شيئًا آخر مغاير للمادية تمامًا.

القرآن ينطق مقرًا عملية الوزن، يصورها للذهن كأنها عملية حسابية بحتة، فما عسى أن يكون الميزان غير ثقلٍ وخفة، وهما ماديتان، والقرآن يقرهما لفظًا ومعنى (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) (القارعة6) (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) (القارعة8) إنه يتحدث بالصفة المادية المحضة، ولكن مراده أعمق من تلك الصورة بكثير.

لن يكون ميزان الآخرة لمجرد وزن الحسنات والسيئات، أبدًا، فليس هذا بمنطق لربٍ قد أحاط بكل شئ علمًا!!

لن تكون الحسنات ذات صفة مادية مع قدرة الله على كل شئ، وكذا لن تكون السيئات بذات الصفة على الرغم من توصيف القرآن لها بأنها حمل ثقيل، بما يعنى اكتسابها لصفة المادية، من ذلك قوله (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) (العنكبوت13) (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) (الأنعام31)، هذا مجرد معنى دلالى لا واقعى، فالمادية صفة دنيوية فقط لا أخروية .. الميزان رمز للعدالة في الدنيا لكنه في غالب الأحيان لا يحققها، هو مجرد رمز لا واقعية له أو مصداقية، فقد يطفف الناس الميزان، وقد يستوفون أو يخسرون بحسب مصالحهم وأهوائهم، وقد يقيمون القسط  في الوزن والجور في السعر والقيمة، مئات السُبُل لتطفيف الميزان في الدنيا، ليكون مجرد رمز للعدالة ولكنه مجردٌ منها تمامًا.

ولا يستسيغ عقل أبدًا أن تستمر تلك الصورة العبثية في الآخرة، فلن يكون الميزان مجرد رمز للعدالة، ولن يكون ماديًا قط، بل لن يشترك بين ميزان الدنيا المعوج وميزان الآخرة ذى العدالة المطلقة إلا الإسم فقط، ومن ثمّ فلا وزن للحسنات والسيئات كما صرح القرآن، هذا مجرد تقريب للذهن لا أكثر، ولكن الإنسان ذاته سيوزن، بشحمه ولحمه، بشعره وأظافره، بمكنونه وظاهره، الإنسان ذاته سيوضع في الميزان بكليته، سيوزن أمام الذى يعلم السر وأخفى، هذا ما تقوم عليه الشواهد، وتشير إليه الأدلة ..

القرآن يتحدث عن علم الله بمكنونات الصدور (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) (النمل74) (وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) (القصص69)

(وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) (النحل19)

(يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) (التغابن4)

(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) (البقرة235)

عشرات الآيات تعطى هذا المعنى وتؤكده، فالله سبحانه يعلم ما أخفت النفوس وأضمرت، يرى ما عششت عليه النوايا وأطبقت عليه الصدور خلاياها، ومن ثمّ فعند الحساب سيوزن الإنسان كاملاً، بأفعاله ونواياه، بظاهره وخفاياه، بمكنونه وخباياه، بمطوياته ونجواه، كل ذلك سيوضع في الميزان، سيخضع للتقدير المحكم من العزيز الحكيم، التقدير الذى لن يخطئ خردلة، ولن يغفل مثقال ذرة، هذا ما تشير إليه مكنون الآيات (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)) (الزلزلة7-8) هذا المثقال لن يوزن أبدًا بميزان حسى مع قدرة الله على ذلك، ومع طلاقة قدرته وإرادته سبحانه، لن يوزن في كفتين إحداهما مضادة للأخرى، ولكن الوزن سيكون القسط، (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (الأنبياء47) ولن يكون هذا القسط  أبدًا بدون وزن الإنسان ذاته، بخفاياه وخباياه وظواهره ومطوياته، بشكله وفكره ومضمونه ومكنوناته، هذا ما يمكننى أن أفهمه من سياقات القرآن الآنفة، وما يمكننى فهمه من قوله (ص) :" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرء ما نوى".. لكل امرء ما نوى في صدره، في قلبه، في خفايا مكنونات نفسه، من ذا الذى أحاط علمًا بما يجرى هناك؟! إنه الله وحده ... من ذا الذى يعلم خفايا التفكير ومترددات الصدور بين ستائر أنسجتها، إنه الله وحده... لا الحفظة يعلمون، ولا الكرام الكاتبون، فتلك المكنونات علمها عند ربى وحده، ومن ثمّ فلا يعقل أن تفلت النوايا من الميزان، وإلا لما كان رسول الله (ص) قد جزم بالقول : " إنما الأعمال بالنيات" وما كان نبى الله عيسى حسم الأمر قائلاً (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (المائدة116) إنه التأكيد الجازم على أن مكنونات الصدور علمها عند الله وحده، ومن ثمّ لم يطلع عليها ملك فيكتبها، وتالياً فمحض تقديرها ووزنها من عمق اختصاصات الله سبحانه، ولن يقدر ذلك ميزانٌ، ولن يفلح في ذلك ملك ولا مؤشر ولا أى مقياس آخر، بل علم الله وحده هو الحكم، علمه سبحانه بمكنونات الصدور، بما أخفت النوايا، وبما أضمرت القلوب.

هذا فقط ما يمكننى فهمه من عبق القرآن وعمق وحى الدين وجوهره .. فالذين نافقوا، أبطنوا الكفر والإلحاد وأظهروا الإيمان!! من الذى يملك أن يفضح خباياهم أو يطلع على أسرارهم ؟ كيف يكون هناك ميزاناً للنوايا وهى محض نفسية داخلية باطنية لا شعورية ؟!! والذين كذبوا على الله، والذين تكبروا وعاندوا وتجبروا، والذين أصروا على الظلم والبغى أو ناصروا أهله ولو بالكلام أو بالرضا الصامت، من الذى يطلع على سرهم وأخفى ؟! ومن الذى يعلم مكنون صدورهم ومطويات نفوسهم غير الله ؟!

هذا ما أفهمه من قوله (ص) : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " .. النبى يتحدث بلغة الداخل، اللا شعور " من كان في قلبه" ومن الذى يحكم على القلوب .. إنه (ص) يعود للتأكيد غير ذى مرة أن القلوب من محض علم الله وحده، يتضح ذلك في قوله لخالد بن الوليد " هلا شققت عن قلبه" .. ويتضح من قول القرآن (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا) (الأحزاب51) مناط علم القلوب إلى الله وحده، والوزن للسيئات لن يكون أبدًا على ما تم بالخطأ أو بعدم التعمد أو بعدم الإصرار، فذلك مما يسعه عفو الله، هكذا نطق القرآن (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (الأحزاب5)،وهذا لا يقوم به ميزان عادى أبدًا، بل لن يُقدره إلا الله، فهو وحده العليم بما في القلوب وحكمه على الجميع بالقلوب، سواء في الدنيا بمثل ما قال لنبيه (ص) (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ) (الأنفال70) أى لو وجد سبحانه فى قلوبهم خيرًا لآتاهم خيرًا، ولكنه وجد قلوبًا مظلمة، مصرة على الكفر إصرارًا، وذات الحال  في الآخرة بمثل قوله سبحانه (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)) (الشعراء88-89)..

القرآن يضع التبعة كلها في الأعمال على النية، على إرادة القلب، على التعمد والتصميم على الفعل، وكم من أمثلة على ذلك (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) (البقرة225)

(وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) (آل عمران154)

القلب مناط الحساب، فالذى أكره على شئ لا حساب عليه ولا ذنب، أما من شرح بالكفر صدرًا فحسابه ومأثمه عند ربه، وهذا وذاك مما لا يقوم به إلا علم الله، ووزن الله سبحانه في ميزان يحقق العدالة المطلقة، ميزان غير ذى كفتين أو مؤشر أو مقياس أو بوصلة، ولكنه ميزان العليم الخبير، الذى لا يأتى علمه باطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يشوبه ظلم قط، بل هو الصورة المطلقة من العدل، تلك التى لم تقع العين قط قبل على مثلها.

فالذين يكذبون أبشروا بعدل الله وميزانه، فأنتم بروحكم وجسدكم ستكونون في الميزان، والوزن قسط، وحق، والله حكم عدل، والذين يظلمون بالقول أو بالفعل أو بالتضليل، والذين ينافقون ويخادعون .. والذين يعاندون ويكابرون .. الكل في هذا الميزان، الكل سيوزن، ويومئذ يفرح الصادقون (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) (المائدة119) ويخسر هنالك المبطلون الكاذبون، وتزاح الحُجُب، وتُعرّى الحقائق، وتُبلى الأسرار، والله من وراء الجميع محيط..

 

د.محمد ممدوح