قيل في أدبيات كثيرة وكتب وأبحاث مثل عربات الآلهة لإريك فان دينكين وكتب ونظريات لزكريا سيتشين، أن الأرض شهدت حضارات متقدمة في أزمان غابرة وعاش فيها عرقاً متطوراً ومتقدماً من الناحية العلمية والتكنولوجية لا أحد يعرف أصله، لذلك افترض البعض أنه قدم من الفضاء الخارجي ومكث إلى جانب شعوب بدائية أقرب إلى الحيوانات منها إلى الإنسان الحالي الذي نعرفه. ويعتقد أن هذا العرق المتطور هو الذي كان وراء هيكيليات وأبنية وصرح وآثار مازالت شاخصة إلى يومنا هذا، وتمثل ألغازاً مثل صخور بعلبك في لبنان ومهبط المركبات لحضارة النازكا الغامضة في البيرو وإهرامات الجيزة وأبو الهول في مصر، حتى أن فيلم بوابة النجوم استلهم هذه الفكرة وتحدث عن عرق من كائنات فضائية هبطت في مصر واتخذها الشعب البدائي الذي كان يعيش هناك كآلهة يعبدها وهو نفس الوصف الذي أعطي لها في نصوص العهد القديم وعبر التقاليد والروايات الشفهية المتناقلة عبر العصور فالإلوهيم وأدوني، كما وردت في التوراة لها ترجمة أخرى غير " الله" وهي بالجمع وليس بالمفرد، وتعني الهابطون من السماء. كما أشير إلى ذلك في العديد من النصوص في الألواح الطينية من الصلصال التي عثر عليها في الآثار العراقية القديمة في نينوى عاصمة الآشوريين وذي قار عاصمة السومريين، وكتلك التي عثر عليها السير أوستن هنري لايارد وهي تعود للحضارة السومرية بين 4000 و 2000 سنة قبل الميلاد وعرفت لدى البعض بالألواح السومرية. ولقد أطلقت الألواح تسمية الآنوناكي على تلك الكائنات اللابشرية والتي تعني أولئك القادمون من الجنة إلى الأرض An .unnaki.ki حسب ترجمة سيتشين. وفي النص التوراتي القديم المعروف بكتاب أنوش أو أنوخ أو إينوخ Enoch وصف لتلك الكائنات ــ الآلهة بأنهم " المراقبون" ويعتقد المصريون أن آلهتهم مراقبين قدموا إلى الأرض بمراكب سماوية. وفي سفر حزقيال حديث عن عربات نارية هبطت من المساء وأقلته معها مرتين، في المرة الأولى أعادته إلى الأرض ليروي ما حدث له في رحلته السماوية " معراج حزقيال" وفي المرة الثانية صعدت به إلى السماء بلا رجعة. ونفس الشيء لإيليا وهم أنبياء توراتيون . يقول سيتشين أن أصل الآنوناكي هو من كوكب يدعى نبيرو Nibiru وربما يكون هو الكوكب العاشر إكس X الذي أفترض العلماء المعاصرون وجوده على تخوم نظامنا الشمسي بعد بلوتو وقد يكون جزء مجموعتنا الشمسية. وتقول أسطورة أخرى أن " تيامات أو الوحش المائي، على حد الوصف السومري، هو كوكب اصطدم مع قمر تابع لكوكب نبيرو ومن واقع ذلك التصادم نشأت الأرض لكن ذلك لم يتم إثباته علمياً في النظريات الفلكية والكونية المعاصرة. وكان السومريون والحضارات الرافدينية القديمة متقدمون جداً في علم الفلك والرياضيات والهندسة والتصاميم المعمارية. وتعزى الطفرة التطورية التي تحلى بها الإنسان المعاصر إلى مزج بين جينات الآنوناكي وجينات الكائنات البشرية ــ الحيوانية ، كنوع من القردة المتطورة عن غيرها من أجناس القرود الأخرى مثل الشمبانزي، ونتيجة لهذا الخلط الجيني تحول الكائن القديم المعروف باسم الإنسان المنتصب أو الإنسان القرد Homo Erectus إلى الإنسان الحديث Homo Sapiens والذي ظهر في أفريقيا قبل مليون ونصف المليون سنة . ولقد ذكرت الألواح السومرية أن الذي كان يقف وراء خلق هذا العرق البشري الجديد هو " آنكي Enki أو سيد الأرض" و " نينتي Ninti أو سيدة الحياة بأمر من " إنليل Enlil " سيد شعب الآنوناكي"، وهي الأسطورة التي سرقتها التوراة وصاغتها في سفر التكوين والتي تقول: أن الله خلق آدم وخلق من ضلعه حواء. في حين تحدثت الألواح والنصوص السومرية عن مخلوق نجم عن المزج الجيني سماه السومريون لولو LuLu والذي نجم عن انصهار أو مزج الجينات الحيوانية البدائية مع جينات " الآلهة" لخلق كينونة بشرية جديدة قابلة للتطور السريع خاصة من ناحية العقل والذكاء والنطق واللغة وصناعة الأدوات قبل أكثر من 300000 سنة. وهذه الأسطورة هي التي استلهمها اللاويون من كهنة العبريين في سفر التكوين وسفر الخروج حوالي 589 سنة قبل الميلاد في بابل لأن البابليين كانوا على إطلاع على الأساطير والروايات السومرية .

إن العهد القديم نموذج كلاسيكي لعملية إعادة التكرار الديني التي كانت خلف نشوء كافة الديانات السماوية اللاحقة.

وفي هذا السياق يذهب د. سيد القمني إلي أن الديانة اليهودية ما هي إلا تجميعة أو إعادة صياغة من أساطير حضارات مصر والعراق كما جاء في سؤال طرح على الدكتور خزعل الماجدي، حيث رد هذا الأخير موضحاً" أن الديانة اليهودية ظهرت في وادي الرافدين بعد ماعرف بالسبي البابلي في 586 ق.م، وتأثرت كثيراً بالديانة البابلية وبمجمل التراث الديني الرافديني ولاشك أنها حملت مؤثرات دينية شامية ومصرية، فالتوراة كتبت في وادي الرافدين وكذلك التلمود والمدراش وهي أهم الكتب الدينية بعد التوراة .. الديانات الغنوصية في المنطقة ساهمت في صياغة هيكل اليهودية وهذبتها". علق رامز النجدي قائلاً أن الحبر ابراهيم بن داود عليه السلام أوضح أن الفلسفة الفريسية المقدسة هي أصل لكل الحقائق العالمية وكتابه دورات هاعوليم هو اكبر دليل أن اليهودية الصدوقية هي التي انحرفت عن الأصل عبر مدرسة بن جماليل فرد الدكتور خزل الماجدي بقوة وصلابة قائلاً : ماهذا الايمان الأعمى بالكتب المسماة مقدسة، كيف يمكننا الحديث بهذه الطريقة الاختزالية عن العلوم التي صنعها علماء عظام بجهود مضنية وكبيرة استمرت تتراكم لقرون وتعيدها إلى كتاب سحريّ صوفي مثل القبالا !! كيف يمكن أن تقبل هذا لنفسك ؟ لقد صنعوها في مختبرات علمية دقيقة وليس في كنائس أو محافل أو صومعات .. لا يجوز أن نضحك على الناس بهذه الطريقة، وليذهب كل الأحبار والشيوخ ورجال الدين الملفقين الى الجحيم. وأنا أتفق كلياً مع الدكتور الماجدي.

المشكلة التي واجهت العقل التوحيدي اليهو- مسيحي والإسلامي، في القرن العشرين والعقدين الأولين من القرن الواحد والعشرين، هي مشكلة الفهم والاستيعاب والإدراك، ومن ثم التصديق والتقبل للمفاهيم الثيولوجية التي طرحها بمنهجية القرون الغابرة والقرون الوسطى، والتي يخاط بها مدنيات ومجتمعات علمانية متقدمة ومتطورة علمياً وتكنولوجياً. المشكلة هي مشكلة لغة ومصطلحات ومفاهيم فلم يعد إبن الشارع العلماني العقلاني يفهمها اليوم والمطلوب منه تصديقها كما هي بلا مناقشة أو تمحيص. أي أن تكون الفكرة الثيولوجية مقبولة ومرغوبة مايعني أن على الأديان أن تقدم للمجتمعات المعاصرة صورة كلية شاملة لمحتوياتها وتوضيح الغاية الحقيقية من عملية الخلق الرباني، ليس فقط للبشر والكائنات الحية على الأرض فحسب، بل للكون المرئي برمته. وهذه مهمة عسيرة إن لم نقل شبه مستحيلة اليوم، لأن البشرية تشربت المنهج العلمي ودمغت اليوم بالعلوم التجريبية والتطبيقية، وتعلم العقل البشري التمييز بين الواقع والخيال، والتفريق بين المنطق العقلي والمنطق الخرافي، والفصل بين التجربة العلمية والواقعة الخرافية، والاختيار بين التفكير العقلاني و والهذيان. وتعلم الناس اليوم بفضل العلوم والتكنولوجيا ماهي المعايير الحقيقة و ما هو اليقين، وبالتالي على الأفكار التي تريد أن تقنع أن تكون جلية وواضحة ومفهومة وقابلة للإدراك بالعقل والتصديق وبأنها يمكن أن تكون حقيقية.

هناك في التراث الإسلامي المعتمد خاصة كتب الصحاح والحديث كصحيح البخاري وصحيح مسلم مواضيع لايتجرأ أحد من المسلمين على تقبلها على أنها وقائع حدثت وحقائق موجودة، ولا على إنكارها خوفاً من التكفير والاتهام بالارتداد، من قبيل التشبيه والتجسيد للذات الإلهية، وأن لله عينين يرى بهما، وهو يضحك، ولديه أضراس، ويعلم بهفوات أنبيائه ويسكت عنها، وإنه قام بفضح موسى أمام قومه، وموافقته على أن يقدم إبراهيم زوجته للزنى بها، وأن محمد فكر بالانتحار، وتبول يوما ما وهو واقف أو قائم، وهو لايستطيع السيطرة على شهوته الجنسية حتى عندما تكن المرأة التي يشتهيها حائض، وحاول تحريف بعض آيات القرآن إرضاءاً للكفار لاستمالتهم، وإنه نسي أنه على جنابة وأقام الصلاة، كما نسي بعض آيات القرآن الخ من هذه الشواهد التي يزخر بها التراث الإسلامي، لا سيما السني على وجه الخصوص مع عدم خلو التراث الشيعي من الخرافات والخزعبلات التي وردت في الكثير من كتبه المعتمدة كبحار الأنوار والكافي وغيرها .

كانت الحضارة الإغريقية حضارة عقل في حين أن الحضارة الإسلامية حضارة نص كما قال المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد. فلكل حضارة بصماته ولها إنتاجها، المادي والعلمي، أولا، من علوم طبيعية ورياضيات وتكنولوجيا الخ، وثانياً، إنتاج معنوي، من سياسة واجتماع وفلسفة وأدب وفن الخ ...

عندما اشتعلت المعارك بين الفلسفات واللاهوت الديني حول قضية وجود أو عدم وجود الله، وقف العلم على الحياد لفترة من الزمن رغم ما أحدثه من ثورة في العقل البشري ومدى فهمه وإدراكه واستيعابه للواقع وللحقيقة العلمية ولطريقة فهمه للعالم والوجود لكنه لم يقل كلمته الفصل فيما يتعلق بهذا الكائن الأسمى الذي يعبده الجزء الأكبر والأغلب من البشر باعتباره المصدر الوحيد للحقيقة والذي يسمونه " الله" . لقد اعتكف العلم وشغل نفسه بالتعامل مع القوانين المادية والتعامل مع العالم الطبيعي والفيزيائي المحض تاركاً للدين قضية التعامل مع المسائل الأخلاقية والإيمانية بيد أن الدين هو الذي حشر نفسه في أمور جوهرية ليست من صلب اختصاصه تمس الطبيعة والمادة، علماً بأن أغلب العلماء في العالم يفضلون ابتعاد العلم عن الشؤون الدينية وتجنب النزاعات الخطيرة القائمة بين العلم والدين التي أشعلتها المؤسسات الدينية نفسها. لقد فرضت المؤسسات الدينية التوحيدية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلامية، تصورها عن " الله" باعتباره كائناً فائقاً متعالياً خارج الكون والمادة والزمان والمكان، لكنه يتدخل في كل شيء وفي كل نانوثانية ونانومتر موجود في هذا الكون، فهو يعرف كل شيء ويسجل كل شيء ووراء كافة التفاعلات التي تحدث بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر، لكنها، أي الأديان السماوية التوحيدية الثلاثة، لم تتفق في صفاته. فــ "لله" لن يظهر كوجود ملموس إلا بإثبات ضروريته، وإثبات عجز العلم عن تقديم وصف وتفسير معقول ومقبول عقلياً لأية ظاهرة مبنية على العمليات الطبيعية والمعطيات الفيزيائية أو المادية وحدها. ويدعي بعض اللاهوتيين أن هناك " فجوات أو ثغرات" غير مملوءة في النظريات العلمية لا يملأها سوى كائن أسمى يعمل خارج إطار العالم الطبيعية أو الفيزيائي ويؤكدون قولهم هذا تحت ذريعة أن هناك اتساق ودقة تنظيم لامتناهية في ثوابت وقوانين الفيزياء والكون لا يمكنها أن تحدث على نحو طبيعي عفوي لوحدها وبالصدفة، وإن أصل الكون المادي والقوانين التي يعمل وفقها لا يمكن أن تنشأ من " لاشيء" بدون تدخل ماورائي خارج الطبيعية الكونية المادية وهذه القوة هي " الله" . وهو قطعاً ليس " الإله" الذي يؤمن به الإلهيين Déisme، أي الذين يؤمنون بوجود إله هو الذي خلق العالم لكنه تركه يعمل لوحده كالساعة، ولا هو قطعاً " إله وحدة الوجود panthéisme " الذي يتساوى مع كل الوجود لأنه هو الوجود نفسه وكل شيء في الوجود هو جزء منه ومن مكوناته فلا وجود غيره، لأن " الله" اليهو – مسيحي – إسلامي، خارج الوجد المادي للوجود ومتميز عنه وغير متداخل معه. وبما أن الأديان لم تنجح في تقديم دليل قاطع على وجود " الله" فإن إنعدام الدليل على وجوده هو دليل على عدم وجوده. وعندما لا نملك أدلة أو سبباً آخر للاعتقاد بكيان ما فيمكننا أن نكون متأكدين أن ذلك الكيان غير موجود.

وكما قال جون فون نويمان:" العلوم لا تحاول أن تشرح الــ "لماذا"، بل نادراً ما تحاول التفسير السببي. فهي في الأساس تصنع النماذج، وما نعنيه بالنموذج هنا، هو بناء رياضياتي يستطيع، بإضافة تفسيرات محددة، أن يصف الظواهر المشاهدة أو المرصودة. إن المرجح الوحيد لبناء رياضياتي كهذا هو على وجه الدقة مجرد أننا نتوقعه أن يعمل ".

أو كما يقول الفيلسوف ديفيد هيوم:" كل ما ينتمي إلى الفهم البشري، في غمرة الجهل والتشويش العميق، هو أن تكون شكاكاً، أو حذراً على الأقل: أي ألا تقر بأي فرضية، أياً ما كانت، وبالخصوص ما لم يكن هناك ما يدعمها أو أن تكون مدعومة بأي مظهر من مظاهر الإحتمال،" وبالتالي فإن فرضية الله تكون هنا فاشلة وغير ضرورية.

فنحن بحاجة ماسة وبأسرع وقت ممكن لتحرير العقل من الخرافة وترسيخ العقل العلمي ونشر حرية التفكير والمعتقد والكلمة والعمل على فصل الدين عن السياسية، بل وعن كافة الشؤون اليومية والزمنية والواقع المعاش يومياً خاصة التربية والتعليم، وجعله علاقة خاصة بين الفرد ومن يؤمن به. مع عدم إغفال حقيقة هي أن الأديان كانت عامل تفرقة وتعصب ومحاربة التسامح الفكري ومرتع للخرافات والتسلط والعنف والوحشية والقسوة بإسم الله كما في مثال محاكم التفتيش المسيحية وجرائم داعش الإسلاموية، وهي التي وصفت النظم العلمانية والديموقراطية الدستورية بالكافرة والملحدة والجاهلية .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

ميثم الجنابياحد أعلام الترجمة العظام والأطباء الكبار في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. أصله من الحيرة. أما حياته ومماته ففي بغداد. وقد لازم صعوده العلمي ودراما حياته الشخصية في أوج تطور الدولة العباسية وتأسيسها لما ادعوه بإمبراطورية الثقافة وطابعها الكوني. وقد تكون شخصية حنين بن اسحق احد النماذج الجلية بهذا الصدد.

لقد أتقن حنين بن اسحق (194-264 للهجرة) اللغات السريانية والإغريقية والفارسية والعربية. وهذب معارفه بالعربية على أيدي شخصيات كبرى مثل الخليل بن احمد الفراهيدي. كما انه طور مفرداتها العلمية وبالأخص في ميدان الطب. إذ ترجم اغلب مؤلفات جالينوس إلى العربية. كما ساهم في تنقيح وتدقيق اغلب ما ترجم إلى العربية في علم الطب. لكن اهتمامه لم يكن محصورا بالترجمة، إذ أبدع حنين في ميدان الطب أيضا بحيث جعله ذلك احد الأعلام الكبار. وترجم كذلك بعض الكتب الفلسفية. وتنسب إليه كتابات في مجال الفلسفة والتاريخ، مثل كتاب (نوادر الفلاسفة والحكماء وآداب المعلمين القدماء)، وكتاب (تاريخ العالم والمبدأ والأنبياء والملوك والأمم والخلفاء والملوك في الإسلام) انتهى به حتى زمان المتوكل.

جسّد حنين بن اسحق وحقق في ذاته فكرة الاندماج الثقافي وتنوع الأصول والمساهمة الفعالة في تأسيس كونية الثقافة الإسلامية. كما انه احد النماذج الرفيعة لوحدة الإرادة الإنسانية في تحديها لنقائص الأقلية ورذيلة الحسد المهني وبقايا الأموية في السلطة والحاشية. إذ تراكمت هذه المكونات في مجرى انتقاله من الحيرة الى بغداد، التي كانت تتمثل من حيث رمزيتها وواقعيتها الانتقال من إمكانية الصيرفة الى واقع العلم! والمقصود بذلك هو أن أهل الحيرة كانوا يتميزون آنذاك بمزاولة الصيرفة بينما كانت صناعة الطب حكرا على أهل جنديسابور. وهو "احتراف" مؤقت، لأنه طارئ بسبب مصادفات التاريخ الملازمة لصعود الحضارات وانحطاطها.

غير أن سيرة حنين بن اسحق تكشف عما في هذه المصادفات من تأثير على بلورة نفسية الانغلاق وأثرها السلبي في الموقف من العلم كما هو بوصفه حصيلة الإبداع الإنساني العام. وهي عمومية تستثير الإرادة الإنسانية لتجعل منها قوة عارمة في إعادة الاعتبار للعلم كما هو. لكن إعادة الاعتبار هذه عادة ما تدفع الرواد الأوائل الى تقديم قرابينها في مآس عديدة. وقد تكون شخصية حنين بن اسحق ضمن سياق تطوير العلم الطبي في الثقافة العربية الإسلامية احد النماذج الكبرى. إذ تروي لنا كتب التاريخ والسير كيفية انتقاله من الحيرة الى بغداد ومحاولاته التعلم في مدرسة أهل جنديسابور الطب. حيث كان يقرأ على يوحنا بن ماسويه. وكان المعروف عن حنين كثرة السؤال والاستفسار. مما كان يحرج أستاذه بحيث دفعه مرة إلى الاستهزاء به وطرده تخلصا من إلحاحه في السؤال وتخوفا من انتقال معارف الطب الى "أهل الحيرة"! وتنسب لأستاذه عبارة يخاطبه بها "ما لأهل الحيرة ولتعلم صناعة الطب"! وان من الأفضل له تعلم الصيرفة وخداع المشترين والمتاجرة بالمال المزيف! وقد مّست هذه العبارة أعمق أعماقه، ووضعته أمام تحد للنفس والإرادة. وفيها كانت تكمن فضيلة الرذيلة! لاسيما وأنها المعادلة الخشنة للوجود التي عاني منها حنين بن اسحق لاحقا وعلى امتداد حياته بحيث جعلته يعجب أيما إعجاب بأستاذه الروحي جالينوس القائل، بأن الأخيار من الناس قد ينتفعون بأعدائهم الأشرار!

لكن حقيقة الفائدة تتراكم في مجرى تربية الإرادة. وقد ربى حنين بن اسحق حقيقة الإرادة بوصفها سعيا علميا أخلاقيا. ومن الممكن رؤية ملامحها العديدة والمتعددة في كمية ونوعية المحن التي واجهها من جانب السلطة وحاشيتها. إذ تروي كتب التاريخ والسير والطبقات الامتحان الذي لاقاه على يد المأمون من اجل التأكد من أمانته العلمية والمهنية. انطلاقا من أن تقريب الطبيب من الملوك يحتوي بقدر واحد على قوة الشفاء والشقاء. لاسيما وان السفر الطويل لحنين بن اسحق إلى بلاد الروم وتعلمه اللغة الإغريقية وأصوله النصرانية كانت آنذاك تلعب دورا محتملا في استغلاله لصالح القوى المتصارعة. غير أن حنين استطاع تجاوز هذا الامتحان الصعب. وقد كانت عاصمته وحدة الأخلاق والعلم. انطلاقا من أن مهنة الطب ترمي الى شفاء الناس لا شقاءهم، وان حقيقة العلم تفترض التمسك بقيم الفضيلة والإنسانية. وقد أعجب المأمون بشخصيته وقرّبه بحيث جعله احد أطباء البلاط ومترجمي دار الحكمة. وقد شغل هذا الموقع لاحقا حتى مماته.

وقبل أن يصل إلى هذه الحالة فانه قد تعرض لمحنة زمن المتوكل أقسى وأصعب واشد إثارة لليأس من سابقتها. غير أن حنين اجتازها استنادا الى نفس المبدأ القائل بان العلم فضيلة والفضيلة علم. أحداهما للعقل والأخرى للإرادة. وكلاهما يصبان في مصب المصير الشخصي والتاريخي. فإذا كانت المحنة الأولى امتحان السلطة إياه من اجل اختبار إخلاصه للسلطة والعلم، فان الثانية كانت محنة الشخصية الصاعدة في وسط متميز بالصراع وحسد المهنة ورذيلة الانغلاق ونفسية وذهنية الأقلية. وقد اجتازها حنين بن اسحق بالشكل الذي جعله ارفع شخصيات العلم الطبي آنذاك وكبار المترجمين. وقد ترجم لهذه المحنة الشخصية في إحدى الرسائل الجميلة بوصفها إحدى الاعترافات الدقيقة عن خلجات نفسه وعذاباته وهمومه. لكنها تعكس بالقدر ذاته شخصيته الرفيعة ونبلها الكبير. وقد يكون ذلك احد الأسباب الخفية وراء تأليفه لكتاب (الطبيب الفاضل يجب أن يكون فيلسوفا) و(محنة أفضل الأطباء).

وليس ذلك معزولا عن المرجعية الفكرية والروحية القائلة بأن (العقل السليم في الجسم السليم) وكذلك مرجعية التجانس الضروري بين العقل والوجدان وغيرها من الثنائيات الكبرى التي تلازم ارتقاء الحضارة وتكاملها الذاتي. ففي مجراها عادة ما تتصارع وتتعايش، وتتحد وتختلف الأذواق والآراء والمواقف والشخصيات بقدر اقترابها أو ابتعادها عن إدراك هذه الثنائيات الكبرى وتحقيقها الفردي. وليس تجارب الشخصيات الكبرى سوى الصيغة الفردية لهذه الظاهرة التاريخية، التي تعطي لكل منهم مذاقه وموقعه في تاريخ الروح الثقافي. إذ تحتوي هذه التجارب على تنوع يصعب أحيانا إخضاعه لمنطق صارم. مع انه يتغلغل في كل مسام الأفراد والتاريخ والروح بصورة لا تخلو من أثر الدراما الدامية أحيانا للحقيقة القائلة، بان عصمة الأنا الكبرى محكومة بالعلم، وان العلم الحقيقي هو مصدر الرؤية الأخلاقية المتسامية. بمعنى أن العلم الحقيقي هو الذي يعصم الإرادة الفردية من التحلل والانهيار أمام تيار الزمن الفارغ وغبار السلطة والجاه والأهواء.

 

ميثم الجنابي

 

 

مجدي ابراهيمكان الإمام أبو حامد الغزالي - طيَّب الله ثراه - قد بحث هذا الجانب من ميل النفس البشرية فأصاب الحقيقة في بحثه عن تربية الإرادة؛ ففي عبارة موجزة ومختصرة وشديدة التركيز يطلعنا عن كيفية "تربية الإرادة" إذْ يقول إنها تتربَّى عن طريق:" تكرار طاعة الميل المحمود، وتكرار مجاهدة الميل المذموم". فهذه عبارة في تقديري معجزة من الإعجاز؛ فللنفس كما ترى ميلان الأول: مانع . والثاني: دافع. أحدهما: يقتضي التخلي. والثاني يتطلب التحلي. فالذي يقتضي المنع والتخلي ميلٌ مذموم، والذي يتطلب الدفع والتحلي ميلٌ محمود، وكلاهما يحتاج إلى "تكرار"؛ ليرسَخ في النفس فعل المقاومة عادة وجبلة. وهذا التكرار من الأهمية بمكان؛ فتكرار طاعة الميل المحمود فعلُ إيجابي يحتاج إلى تضخيم التفكير الإيجابي فيه، ودوام الفكرة في فعل الطاعة باستمرار لترسخ، وتكرارُ مجاهدة الميل المذموم تقتضي أن يسقط المرء من حسابه هذا الميل، فلا يعود إليه أبداً لأنه فعل سلبي، لكن تكرار المجاهدة نفسها فاعلية إيجابية لا غنى عنها؛ فإن لم يستطع المجاهد الذي يكرر تلك الفاعلية الإيجابية أن يسقط ميله بالمرة دفعة واحدة، فعليه أن يقوم بضوئلة الفكرة فيه، وتحديدها وتقزيمها حتى يخفيها تماماً من اعتباره تمهيداً للإسقاط.

نأتي إلى نص الغزالي الممتاز حيث يقول في كتابه الموسوعة "الإحياء": " إذا حَصَلَ أصلُ الميل بالمعرفة، فإنما يقوى بالعمل بمقتضى الميل والمواظبة. فإنّ المواظبة على مقتضى صفات القلب تجري مجرى الغذاء والقوت لتلك الصفات. فالمائل إلى طلب العلم أو طلب الرياسة مثلاً، لا يكون ميله في الابتداء إلا ضعيفاً، فإنْ اتبع مقتضى الميل، واشتغل بالعلم، وتربية الرياسة والأعمال المطلوبة لذلك، تأكد ميله ورسخ، وعسر عليه النزوع. وإنْ خالف مقتضى ميله، ضعف ميله، وأنكسر، وربما زال ..".

الغزالي هنا يقرِّر حقيقة جُبَلت عليها النفس البشرية فطرة وغريزة؛ فهو إذْ يقرر أولاً أن "الميل" إلى الاستعداد المغروز في الفطرة البشرية إذا هو توجَّه إلى الفعل، يلزمه أن يقوى بالعمل والمواظبة عليه؛ فلئن كان الميل إلى المحمود؛ فمقتضى الميل عملاً دائماً في هذا المحمود. ولئن كان الميل إلى المذموم؛ فمقتضى الميل جهاداً دائماً في مخالفة هذا المذموم. وغنيٌ عن البيان؛ أن هذا العمل الدائم في الحالة الأولى, وهذا الجهاد الدائب في الحالة الثانية, هما فعل "المواظبة". والمواظبة على مقتضى صفات القلب تجرى كما قال مجرى الغذاء والقوت لتلك العقبات. "والمواظبة" تعني "التكرار"؛ والتكرار يفيد رسوخ العادات.

ثم ضرب الغزالي مثلاً ثانياً على رسوخ الميل؛ بالتكرار والممارسة والتعوِّد والمران، وهو ما يعرف بـ "الملكة"؛ فالمائل إلى طلب العلم، ذلك الذي يجد في نفسه ميولاً إلى طلب العلم والاشتغال به؛ إذا هو قام بالأعمال المطلوبة لذلك، وواظب عليها تأكدت في القلب، واندفعت (= القوة الدافعة) من الجوارح آثارها إلى القلب فرسخت، فيصير عالماً بمقتضى العمل بالميل. ثم أخذ الغزالي يتدفق ويسهب كما عودنا دائماً على التدفق والإسهاب ضارباً مثلاً هاماً يعرفه كل من يجرِّبه تجريباً حياتياً ملموساً في وقائع الأحياء فيقول:" بل الذي ينظر إلى وجه حسن مثلاً فيميل إليه طبعه ميلاً ضعيفاً، لو تبعه وعمل بمقتضاه فداوم على النظر، والمجالسة، والمخالطة، والمجاورة، تأكد ميله حتى يخرج أمره عن اختاره، فلا يقدر على النزوع عنه. ولو فطم نفسه ابتداء، وخالف ميله لكان ذلك كقطع القوت والغذاء عن صفة الميل (ولنلحظ أن صفة الميل هذه صفة قلبية) ويكون ذلك دافعاً في وجهه حتى يضعف ... لأن بين الجوارح والقلب علاقة حتى أنه ليتأثر كل واحد منهما بالآخر. إلا أن القلب هو الأصل المتبوع؛ فكأنه الأمير والراعي. والجوارح كالخدم والرعايا والأتباع " (الإحياء؛ جـ 3, ص66) .

هذا تحليلُ رجل عارف خبيرٌ بمعالجة الأفكار الكبرى، وبخاصّة في مجالي التربية وعلم النفس؛ تحليل مَنْ وافقت أفكاره حياته، ومَنْ انطبعت حياته بفكره، ومَنْ جرَّب المعاني تجريباً عملياً، ولم ينفصل مدد الذوق لديه عن التجربة والمعايشة والحياة. هذا هو الصوفي الكبير الذي لم يفترق لديه العلم عن الإدراك. وتلك هى المنهجية الصوفية اللازمة لمعرفة التصوف أو دراسته والارتقاء به إلى مستواه الأعلى من شئون الروح وشئون العمل وشئون التهذيب، وتلك هى غايات التصوف الحقيقية: الوصول إلى الحقيقة الإلهية بالتزكية والتطهير.

أعودُ إلى ما كنت بصدده قبل أن أستطرد مع الغزالي في تحليله الفلسفي وفي رؤيته النفسية مستدلاً به على مكامن هاتين القوتين العظيمتين في أطواء النفس البشرية وأغوارها الدفينة الباطنة؛ فبهاتين القوتين الفاعلتين: قوة التخلي (= المنع)، وقوة التحلي (= الدفع) تتحقق فضيلة الجهاد الذي يهتدي بفضله المجاهدون إلى طريق الله كما في قوله تعالى:" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا"؛ فالسبيلُ إلى الله لا يتمُّ إلا بجهاد، ومعناه: انتقال النفس على الدوام من جهاد إلى جهاد كيما يتم الوصول. ففي الأمر - كل الأمر- مجاهدة ومكابدة يتحقق فيهما إدراك المتصوف وتذوقه لحلاوة الإيمان. وفي طبيعة المتصوف الداخلية، وفي قدرته القادرة - أو غير القادرة !- على مثل هذا الإدراك (= الإدراك الذوقي العرفاني) ما من شأنه أن يبرر تلك الوحدة المنشودة ظاهرة بلا خفاء بين "العلم" و"الإدراك"، ويجعل من الإدراك مادة خصبة لتمايز عبارات الصوفية واختلافها من متصوف إلى آخر، وإنْ كانت كلها، كلها، تتوارد من معين واحد، وتستقي من معدن واحد لا خلاف عليه في ضوء التجربة الصوفية هو: معين الروح ومعدن الأخلاق.

ولكن هذا التمايز والاختلاف في العبارة التي يقولها المتصوف فيختلف بها عن إخوانه إنما تأتي بمقدار القابلية التجريبية التي تنبثق من داخلية الوجدان الديني لديه. وعليه؛ فلامناص للذوق العرفاني من أن يكون مصدراً لكل اللطائف والأدبيات والإشارات والنظريات الكبرى، ما دامت أصل العلاقة بين المتصوف وخالقه كلها أدباً، ومعرفة، ومحبة، وعرفاناً.

والخُلقُ الصوفي الرفيع - خُلق التجربة والممارسة والتسليك - هو في الحقيقة أدبٌ تتهذب به النفس وتسمو منطلقة في مدارج التربية والتهذيب؛ لأنه الأدب الذي ينفرد به المتصوف خلال التحقق وعياً في بطن التجربة، ويزيدُ على ذلك أنه لا يكتفي بالإطار النظري بل يشفع النظر بالممارسة، ويسيطر على النظرية بمقدار ما يسيطر على الممارسة فينشأ من خلال هذا وذاك حدس في مجال الأخلاق والمعرفة قلما يتاح أصلاً لغير المتصوف. والمعرفة الإلهية والمحبة التي يهبها الله عطية غير مجزوزة لعارفيه، هما كذلك ضرب من ضروب الأدب. والعرفان الذوقي فيه من الخصائص الأدبية واللطائف المعرفية ما لا يمكن عزله عن أدبيات أذواق الصوفية بحال إذا لم يكن في الأصل (أي العرفان الصوفي الذوقي) هو المصدر لتلك الأذواق والمعارف والمواجيد.

على أننا لا نعني بالأدب هنا عناية اللغويين به من حيث أنه الشعر الذي يقرضه الشعراء أو النثر الذي تسوقه طبائع الأدباء والبلغاء، ولكن عنايتنا تنصرف إلى ذلك الأدب الصوفي بمعناه الدقيق، باعتباره مقاماً يصعد بمقتضاه العارف دوماً وبغير انقطاع في معارج المعرفة ومدارج السلوك: نقل أبو القاسم القشيري (ت 465 هـ) صاحب الرسالة القشيرية عن أبي نصر السراج الطوسي (ت 378 هـ) صاحب كتاب "اللمع في التصوف" قوله:" الناس في الأدب ثلاث طبقات: أما أهل الدنيا؛ فأكثر آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسماء الملوك وأشعار العرب. وأما أهل الدين؛ فأكثر آدابهم في رياضة النفوس وتأديب الجوارح وحفظ الحدود وترك الشهوات. وأما أهل الخصوصية (= الأولياء والعارفين بالله)؛ فأكثر آدابهم في طهارة القلوب، ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود، وحفظ الوقت، وقلة الالتفات إلى الخواطر، وحسن الأدب في مواقف الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب. وروى كذلك عن سَهل بن عبد الله التُّسْتَري (ت 383 هـ) أنه قال:" من قهر نفسه بالأدب، فهو يعبد الله تعالى بالإخلاص".

وقيل في إطار هذا الذوق الصوفي المتحقق بالتجربة والفياض بلوعة المعايشة، قيل إن: كمالُ الأدب لا يصفو إلا للأنبياء عليهم السلام والصديقين. فهذا الأدب المقصود على ما تقدَّم من أوصاف إنما هو أدبٌ داخلي من طبيعة العرفان الذوقي الذي يختص به العارف عَمَّن سواه؛ هو أدب نفس تتهذب في حجر المعروف، أو هو - كما قال الصوفي الكبير ذو النون المصري:" أدبُ العارف فوق كل أدب، لأن معروفه يؤدِّب قلبه". ومن تخريجات الصوفية في هذا الصدد أن أحد العارفين قال: يقول الحق سبحانه: من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي ألزمته الأدب، ومن كشفت له عن حقيقة ذاتي ألزمته العطب، فاختر لنفسك أيهما شئت: الأدب أو العطب.

وإذا رحنا نجتهد في تخريج هذه الإشارة، يُلزمنا القول بما يتبادر إلى الخاطر من دلالتها، إن حقيقة الذات الصمدية من المحالات التي إذا هى تحققت نتج عنها العطب، وفي العطب تلف الأرواح، وتلف الأرواح يقتضي سقوط شروط الأدب ليحل محله العطب والتلف. وعندما يكون التلف واقعاً محققاً على الروح تكون المحبة وارداً قوياً له ما يبرره إذا ما كان "الفناء" في الذات الإلهية. ومع وجود المحبة يقع الفناء، وفي الفناء غيبة صارخة بعطب الحواس وتلف الأرواح، ومن ثمَّ سقوط شروط الأدب. ولعل هذا المعنى تفسره إشارة الجنيد (ت 297 هـ) حيث قال:" إذا صحَّت المحبة سقطت شروط الأدب". وقيل: سقوط شروط الأدب هنا يكون تكلفاً لا وجوداً.

ولما كان موقع الأدب عظيماً في التصوف، صارت إشارات الصوفية فيه لها مغزاها المعرفي ومعيارها الخلق، فقد لا يخلو متصوف من حديث عن الأدب بوجه من الوجوه. إنه أبو حفص الحداد (ت260 هـ) هو الذي قال:" التصوف كله آداب، لكل وقت أدب، ولكل حال أدب، ولكل مقام أدب؛ فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال، ومن ضيع الآداب؛ فهو بعيدُ من حيث يظن القرب ومردودُ من حيث يظن القبول".

وقال أبو عبد الله بن خفيف (ت 371 هـ):" قال لي رُوَيْم (ت 303 هـ):" يا بُنيَّ أجعل عملك ملحاً، وأدبك دقيقاً". وفي أقوال بعضهم:" ألزم الأدب ظاهراً وباطناً، فما أساء أحدُ الأدب ظاهراً إلا عوقب ظاهراً، وما أساء أحدُ الأدب باطناً إلا عوقب باطناً".

وقال ذو النون المصري إذا خرج المريد عن استعمال الأدب؛ فإنه يرجع من حيث جاء "؛ فمن المؤكد الذي لاشك فيه عندنا، أن هذه النماذج المقتضبة من إشارات العارفين تفيدنا - بما لا يدع محلاً للشك - بأن الأدب العرفاني كله أخلاق حسنة، وكله سلوك طيب يشي بالأدلة الكافية على صدوره بالجملة عن "ذَوْق العرفان"، فإن حُسن الأدب في الظاهر عنوان حُسن الأدب في الباطن".

ومن أجل ذلك؛ صار الأدبُ مع الله هو أدب نفس تتهذب، وترتفع بالتهذيب في مدارج المعرفة والتوحيد؛ فإذا النفس على طريق الأدب منذ البداية، تتأدَّب بأفضل ما تتأدَّبُ به النفوس وتجاهد ليكون أدبها خلقاً كريماً يجيدُ فنون التعامل مع الله؛ لتصل من بعدُ بفضل الله تعالى إلى الله؛ فلا جَرَمَ في أن يكون وصولها أدباً رفيعاً وحكمة ربانية خالصة: إنه الأدب الداخلي الذي تهتمُّ به هِممُ النفوس الأبية وتهيم فيه، حتى إذا ما أخرجته كلمات وإشارات ولطائف وتعبيرات، بل ونظريات كبرى لها خطرها في مجال التصوف الفلسفي، بات واضحاً من خلاله كيف تفهم تعبيرات هذه النفوس عن ذواتها: شعراً كان أو نثراً أو إشارة من الإشارات التي لا حَصر لها عند الصوفية ولا حدود لأسرارها ومعانيها الباطنة الخفية. والأصلُ في هذا - كما تقدَّم فسبقت إليه الإشارة - هو في الذوق العرفاني وقيم الأخلاق التي يتعارف عليها منطق الوجدان الديني عند الصوفية بغير استثناء .

ولعَلَّ قائلاً يقول: ما فائدة هذا الكلام، وما هى غايته في عصر لم يعد يعترف قيد أنملة بقيم الروح وأخلاق العرفان؟ ما فائدة الكتابة في التصوف وما غايتها في عصر تقاسُ كل ذرة فيه بمقاييس المادية المُوغلة في الطفاسة والدناءة وانقلاب الأوضاع؟ إننا مقبلون على شطط أهوج يختل فيه التوازن المنشود بين قيم الروح ومطالب المادة؛ فمن الطبيعي والمنطقي أن يجيء ردَّ الفعل - شئنا أم أبينا - تعلقاً بقيم الروح وحيوية الضمير وأخلاق العرفان. إننا نعيش زمناً تتفشى فيه غيبة الأدب وانتكاس الأخلاق، والظلمُ البيِّن للشعوب وللحضارات، بل وللإنسان العربي على وجه الخصوص, والإساءة إلى مقدساتنا الدينية كل في فترة وفي كل حين؛ فنحن نبحث عن الأدب فلا نجده، وعن السلام والمحبة والتراحم والوئام، فلا نتحقق من هذه الأشياء إلا أسماءها؛ فإذا الحُريات التي حُفيت في سبيل الدعوة إليها أقلام كبار الفلاسفة والمفكرين مكبَّلة بل ومفقودة، وإذا القيمُ الصريحة في مواجهة الطغيان منتكسة بل ومسلوبة؛ فلا مناص لنا من انطلاقة رحبة تتسع ولا تنقبض عن لقاء تلك المعاني والمدركات العليا؛ وفي التصوف عموماً، وفي حياة الأولياء والعارفين تكون نقطة الانطلاق .. فهلا كان لقاء بعد طول غياب؟!

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

نعم إن هناك ثمة فرق بينهما وهذا ما نرصده في دلالة اللفظ في كتاب الله المجيد، وكذا نرصده في لغة العرب، ولكن بعض أهل التراث قد خالفوا في ذلك، من غير دليل سوى ذلك القياس الباطل والمظنة، حينما جعلوا اللفظين بمعنى واحد وهذا منهم خطأٌ بيَّن، وفي مقامنا هذا سنحاول التدليل على طبيعة الفرق بينهما ... أين وكيف ؟، فوحدة المعاني المُدعاة قد وفدت إلينا وقد هيمنت على لغة الكتاب المجيد بفعل سطوة الشعر ومريديه، وقد كان ذلك بفعل وأثر مضافات الخلفاء والسلاطين الذين وظفوا الشعر كوسيلة في الدعاية والإعلام، مما أثر سلباً على لغة الكتاب المجيد وفهم معانيه ودلالاته، ومن بين من تأثروا بهذه النزعة [الإمام الشافعي الفقيه والشاعر]، وأثروا حين أسترسل في الدمج بين لغة النص ومقولات أهل الشعر، مما أنتج في تراثنا مفهوم - الترادف -، ذلك المفهوم الذي حّرَف الكثير من المعاني والدلالات و جر إلى إرتكاب الكثير من الأوهام في الأحكام وفي الموضوعات .

هذه النزعة الخاطئة كان ضررها في فهم الكتاب المجيد ومعانيه جليٌ وواضح، وفي بحثنا عن معنى - بكة ومكة - تلمسنا ذلك ووجدنا كيف تسنى لبعض التراثيين الدمج بينهما ليكون معناهما واحداً، والحال إنهما صيغتان مختلفتان لفظاً ومعناً، واللسان العربي حين تناول تعريف هاتين الكلمتين أعطى لكل واحدة منهما معناً معيناً خاصاً، ففي وصفه لمعنى - بكة - قال: - إنها لفظ أصيل ثنائي المصدر من - بك يبك بكة أي زاحم مزاحمة - والمزاحمة صفة دالة على الكثرة أو من، وبما إن الموصوف بها الناس، لذلك قال للناس في وصف واقع الحال -، وهكذا قال أبن منظور: - وبك الرجل صاحبه يبكه بكاً أي زاحمه -، قال أبن دريد هي من أفعال الأضداد، قال الزجاج إن: - كل شيء تراكب فقد تباك -: - وتباك القوم أي تزاحموا - .

وفي الكتاب المجيد وردت الصيغة كمبني للمعلوم للدلالة عن الشيء المحكي عنه، ولم ترد بصيغة المبني للمجهول أو للمتصور أو الذي سيكون في المستقبل حتى يمكن ربطها في أماكن أخرى فلا تبادر هنا ولا توافق من حيث البناء اللفظي، ذلك لأن المولى حين وضعها في سياقها الموضوعي كان يريد معناها بحسب الوضع الطبيعي لها، وهكذا يكون كل لفظ في الكتاب المجيد دالا على معنى محدد مقصود يريده الله ويدعونا لتدبره، ومن هنا يتبين خطأ قول القائل: - إن القرآن حمال أوجه - فالقرآن لا يحتمل الوجوه المتعددة إنما له وجه واحد، دعانا لتدبره من خلال تأويله، ولذلك: - [لا يصح في القرآن أن تقول ويقولون] - إنما الصحيح هو قول واحد لمعنى واحد، يكون مُرادا من قبل الله بذاته لذاته لا يتعدآه إلى غيره، وأما ما نُسب إلى الإمام علي في هذا الشأن من الحوارية المزعومة مع عبدالله بن عباس بعد قضية التحكيم، فليس عندنا بشيء لسقوطها سنداً ودلالةً .

ونفي الترادف في الكتاب المجيد هذا المعنى مقصود وواجب تعميمه لكي يتسنى للجميع التعرف على كتاب الله وفهم معانيه، ومنع الترادف يكون بجميع فصول الكتاب وأبوابه، وهذا يعني: - إن الألفاظ في الكتاب المجيد إنما وضعت لمعاني محددة وخاصة وذات دلالة معينة لا تتعدها إلى غيرها - .

فمثلا لا يصح في الكتاب المجيد: - [أن نقول إن البيت الحرام هو المسجد الحرام، كما لا يصح القول بإن ذهب بمعنى مشى، ولا يصح أن نقول: - إن جاء بمعنى أتى وهكذا ...]، وهذه القاعدة تجري في الأفعال كما في الأسماء والصفات:

وحينما يقول الله: - [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ] – آل عمران 96 ..

هو لا يعني أبداً القول: - إن بكة هي مكة - ولو أراد ذلك لذكره من غير زيادة في اللفظ أو تحريف اللفظ، ثم إن للكتاب لغة واحدة وحرف واحد ولم ينزل على أحرف متعددة تبعاً لتعدد لهجات العرب وقبائلهم، ولو كان ماذكره بعض المفسرين في هذا المجال صحيحاً لسادة الفوضى وعم الإرتباك كما هو حاصل لدى بعض التراثيين، - فأول بيت - لا يعني البيت الحرام ولا يعني الكعبة المشرفة ولا يعني المسجد الحرام، ذلك لأن - لفظ البيت هنا يدل على المكان الذي يستقر به الناس ومع ضميمة مباركاً وهدى - فيكون المُراد به إعتباراً مكاناً خاصاً للعبادة في صيغتها المطلقة، وبكة كما هي في النص ليست من أسماء مكة ولا العكس، ولا يكون ذلك من أسمائها لا من باب العموم ولا الخصوص، وأما ما قيل هي عادة عربية في إستبدال الحروف تمشياً مع لهجات العرب وقبائلها كما يدعي مدع ذلك، فهذا ليس صحيحاً في لغة الكتاب -، ذلك لأن الكلام في النص إنما يتحدث عن [البيت الأول] الذي وضعه الله للناس لكي يعبدوه فيه ويوحدوه ولم يتحدث عن المسجد الأول، والبيت أصله ثلاثي صحيح من بات، ويعني المكان الذي يأوي إليه الفرد أو الجماعة ويتخذوه سكناً، وأما المسجد فأصله من سجد الفعل الثلاثي المصدر الدال على مكان السجود ومواضعه قال تعالى: - [وإن المساجد لله فلاتدعوا مع الله أحدا] - الجن 18 .

ولفظ - وضع - بمعنى جعل أو صيَّر، ولا يكون الجعل منفصلاً عن الوضع الطبيعي لواقع الحال والمُراد به هنا - الناس -، الذين يُراد لهم أن يهتدوا كجماعة ولذلك جعل لهم هذا - البيت - كمكان للعبادة، وهذا الوضع كان بإعتبار ما يُراد منهم فيه، نقول إعتباري وليس حقيقي، ودليلنا قوله تعالى: - [قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ...] - البقرة 144، فالمتأمل لهذا النص يشعر بأن - المسجد الحرام - لم يكن قبلة الناس التي إليها يتوجهون، وإنما وضع للمؤمنين بعد حالة التقلب التي عاشها النبي والرسول محمد، والتحول يجب النظر إليه بإعتبار ماهو مُراد بحسب واقع الحال التي عاشها النبي، أي في اللحظة التي تم فيها التحول تم الوضع الجديد أو الجعل الجديد، ونعود لنقول: - إنه في الإعتبار العقلي ليس من الحكمة أن يوضع - بيتاً - للعبادة من غير وجود عُباد، وهذه العملية في المنطق الطبيعي عبارة عن نسبة وتناسب .

وأما دلالة النص فهي في مقام وصف الحال الذي كان، والذي كان مرتبطاً بحاجة كان يدعوا لها الله، وحتى تتم على وجه أكمل وصحيح، كان يجب ان يكون للناس مكاناً يعبدون الله فيه فجُعل هذا - البيت - بمثابة المكان الذي يلبي هذه الحاجة، وهذه كما ترى صيغة وصفية وليست صيغة تقريرية ثابتة، هذا الكلام الوصفي كان مرتبطاً بالحاجة الواقعية التي كان يريدها الناس، فكان البيت في المكان الذي سماه - بكة - وفي التعريف فهو مكان مكتظ بالسكان ومزدحم، [وفي التاريخ القديم ليس سوى الحواضر المعروفة في العراق والشام ومصر هي ما يصدق عليها هذا الوصف كالمدائن ومدين وأور وبابل وآشور]، الحواضر التي كانت تحتضن دعوة الأنبياء والرسل، ولهذا نقول: - لا يُعقل أن يضع البيت للناس في مكة الخالية من الناس والبشر -، وبحسب هذا المنطق لا تكون - بكة - بمعنى - مكة - ولا تصح صفة وموصوفاً ولا دلالة وأسماً، كما إن - البيت الأول - الذي وضع للناس ليس هو - البيت الحرام - ولا هو كذلك - الكعبة المشرفة -، فالبيت الحرام التي قال عنها الله: - [رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ] إبراهيم 37، وبحسب الطبيعة والوضع لا يكون الوادي الذي لازرع فيه مكاناً مأهولاً، وبحسب المدوناة التاريخية والرُقم فإن موضوعة التوحيد وعبادة الإله الواحد لم تبتدأ في - مكة -، إنما كانت أولاً في الحواضر التي ذكرناها، فإبراهيم النبي ونوح النبي وتمام أنبياء بني إسرائيل وعامة أنبياء الملل الأخرى كانت هناك، نعم حصلت نقلة بحسب الكتاب المجيد عمل عليها إبراهيم النبي حين أسكن من ذريته بواد غير ذي زرع، هذه النقلة جاءت لا حقاً بحسب موضوعة العبادة لله والتوحيد، وجدلياً يكون مفهوم رفع القواعد من البيت يكون رفعاً لا حقاً بعد أن كثر الناس وأزدحموا - والقواعد هم من يتخذون من البيت مكاناً للتلهي، مُشكلين حاجزاً يمنع العُباد من أداء وظائفهم، والقواعد كناية عن هؤلاء الرجال والنساء، قال تعالى: - [وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ] 127 البقرة، - فإبراهيم النبي يرفع القواعد من البيت وليس للبيت -، وذلك لا يعني العمارة والبناء كما توهم غير واحد في ذلك، والنص مورد البحث في آل عمران يتحدث عن أول بيت وضع للناس، وفي صورة تقريبية قال إن فيه: - [فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ ....] - 97 آل عمران -، فإبراهيم النبي أقام في المكان الذي كان أول بيت وضع للناس، وبقرينة أول فيكون هذا البيت سابق لوجود إبراهيم نفسه، إنما أقام إبراهيم في بكة التي فيها - أول بيت -، وبحسب الملازمة التاريخية والدينية يكون البيت مرتبطاً بما يعمره من الناس، وبمفهوم التقابل يكون - البيت الحرام - هو ليس - أول بيت - وضع للناس، بل جاء الوضع لا حقاً بحسب مفهوم قوله فلنولينك، ثم إن الصحيح بحسب المدوناة التاريخية القديمة، ان المكان الذي عاش فيه ابراهيم أتخذه الناس مصلى وموضعا لعبادة الرحمن بعد ان دعاهم ودلهم ابراهيم على ذلك .

فإن قيل: - فأين موضع قوله تعالى: - [ولله على الناس حج البيت ..] من هذا ؟ .

قلنا: - إن الكلام هنا يفيد المغايرة، خاصةً بلحاظ وجود حرف العطف، أعني إن هناك شقين من الكلام الأول منه: - ويقرأ في قوله تعالى - إن أول بيت وضع للناس -، والثاني نقرئه في قوله تعالى: - ولله على الناس حج البيت -،

ولكل من هذين الشقين دلالته الخاصة، ففي الأول كان الكلام عن مطلق العبادة، وفي الثاني كان الكلام عن جزئية منها وهو الحج، [والحج ومناسكه أرتبط بفعل إبراهيم النبي وماقام به، وجرت على أثره تباعاً الحنيفية] .

قال أهل العلم: - إن النقلة التي حدثت مع إبراهيم النبي أرتبطت بتطور مفهوم العبادة نفسه لدى الناس -، كما وقد تبلورت الصيغة النهائية للحج مع النبي محمد .

.........

ولكن ماذا عن مكة ؟ وكيف جاء ذكرها في الكتاب المجيد ؟

لم تذكر مكة في الكتاب المجيد إلاَّ مرة واحدة وكانت على النحو التالي، قال تعالى: - [ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ]، الفتح 24 -، وفي هذا النص نلتقي بمراتب عده أولها معنى - كف - والمُراد منه، وثانيها معنى - أيديهم عنكم وأيديكم عنهم - والمُراد منه، وثالثها معنى - ببطن مكة - .

وفعل - كف - فعل ثنائي صحيح ومعناه منع أو صد أو صرف، والفعل يتضمن المن من الغير، وفي هذا النص يكون المن من الله، أي إنه هو من صرف ومنع الإعتداء أو الإقتتال، بوجود القرينة الظاهرة في قوله – أيديهم عنكم وأيديكم عنكم -، يعني إن الله صرف عنكم القتال والإشتباك مع العدو، ولأن لهذا الدفع والصرف محل ومكان قال إنه في - بطن مكة -، ولم يقل في - مكة - وكذلك لم يقل في المسجد الحرام ولا في الكعبة، وفي هذا نحن أمام مفردتين الأولى هي مكة إنما ما نريده هو التعرف على معنى لفظ - مكة -- وما سبقها أعني - بطن مكة -، فنحن إذن أمام مفردتين الأولى هي ( مكة ) - وماذا تعنى وماهي حدودها ؟ والمفردة الثانية هي - ( بطن مكة ) - وماذا تعني لغةً وحقيقةً ؟، ففي التعريف المعجمي المتداول جاءت مكة من - المك - وهو المكان الجدب الذي يحت حتا، قال أبن فارس في المقاييس: - [ - مَكَّ - يمك مكة، هو من - الميم والكاف - وهذا أصل ثنائي صحيح للكلمة، والذي - يَدُلُّ عَلَى انْتِقَاءِ الْعَظْمِ -، فيقال: تَمَكَّكَتِ الْعَظْمُ، أي أَخْرَجَتْ مُخَّهُ، وَامْتَكَّ الْفَصِيلُ مَا فِي ضَرْعِ أُمِّهِ: شَرِبَهُ .... ] -، ووفق هذا التعريف تكون اللفظة دالة على الشيء الذي يكون جافاً وناشفاً، وفيه إمارات التصحر بادية، واضحة، حتى إن الله لما ذكر المسجد الحرام الذي هو في مكة قال في وصفه بلسان إبراهيم النبي: - [رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ] 37 إبراهيم - أي إنه يقع في منطقة صحراوية قاحلة لا ماء فيها ولا زرع يجعل من الحياة ممكنة فيها . .

وأما قوله:- ببطن مكة - البطن لغةً تعني الجوف أو الشيء المتوسط، وقولنا - الشيء المتوسط - قول مجازي يناسب المعنى الدارج في ألسن الناس، وذكره مسنداً للدلالة على المسند إليه، قال الراغب في المفردات: - البطن أسفل الجسم -، وهذا بلحاظ ما عليه عامة الحيوانات من حال، والبطن بتعريف أبن خالويه: - هو لفظ مضاف إلى المكان وفي هذه الحالة يُراد به وسطه - أي وسط المكان، ولهذا قال بعض المعاصرين: - البطن هو المركز - لأهميته !!! ...

ولا بد لنا من القول إن - بطن مكة - لا الكعبة ولا المسجد الحرام -، وهذا القول بينه النص 24 من سورة الفتح حين قال: - ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ) -، فكف الأذى وقع من جهة التاريخ في منطقة الحديبية والتي إليها يُنسب – الصلح المعروف - والذي يشير إليه النص المذكور، وهذه القرينة الحالية تدل على أن المُراد بها ليس المسجد الحرام، والذي لم يقع فيه أي إشتباك بين المسلمين وغيرهم في عهد النبي محمد كما قلنا .

ولو تأملنا صيغة - كف - وجملة: - [ايديهم عنكم وأيديكم عنهم]، نعلم إنه لم يحصل بين المسلمين والمشركين في عهد النبي محمد في – المسجد الحرام - قتال البته، وما أشار إليه النص 24 من سورة الفتح فقد حصل - ببطن مكة - التي هي كما قلنا منطقة الحديبية، وهي المكان الذي تم التوقيع فيه على إتفاقية الهدنة بين النبي ومشركي قريش، والحديبية هي منطقة تقع على الطريق بين مكة وجدة، وهي إلى مكة أقرب وهي متوسطة بين الحل والحرم، ولا بد أن نشير إلى إن حرف الباء في - ببطن مكة - متعلق بفعل كف، ويعني إن الكف قد حصل في بطن مكة وليس في المسجد أو توابعه .

قال أهل العلم لذلك جاءت جملة - [من بعد أن أظفركم عليهم] - تابعة في مقام التقرير للحال، والظفر أعم في الدلالة من النصر، لأن فيه تضمن حصول الفتح من غير قتال، قال صاحب عمدة الأصول: - والظفر يكون بمعنى الفوز حينما نحصل على المطلوب من غير قتال -، ومن هنا عَّد أهل الميزان: - الفوز بالمطلوب من غير قتال مطلوب بذاته لأنه يُغنينا عن الدماء والدمار - .

ونقول: - والفوز بالمطلوب من غير قتال إنما يهيء القاعدة التي من خلالها يتم إبلاغ الرسالة ونشر الدعوة من غير معوقات -، وهذا ما حصل للنبي بالفعل من خلال الصلح، والذي به أُتيح له أن يُبلغ رسالته من غير خوف، بل وخلق لدى الجماعة المؤمنة زوح جديدة مكنتهم من إداء رسالتهم وبث دعوتهم بين القبائل من غير مزاحمة ..

وللتذكير فقط نقول: - إن مكة أسم عام يطلق على كل هذه المنطقة التي تضم الحديبية والمسجد الحرام، وقد جاء وصفها في الكتاب المجيد على أنها - أم القرى والبلد الأمين، وهذا يفهم من السياق كصفة لموصوف معلوم كما في قوله على هذا النحو

قال تعالى: - [... وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا] – الأنعام 92 - .

وفي سورة التين قال: - [...وهذا البلد الأمين ..] - التين 3 .

و من هنا يتبين إن مكة هي عنوان عام لمطلق المكان، وأما المسجد الحرام فهو جزء منها أو فيها، والمسجد الحرام أُقيم بواد غير ذي زرع بحسب الوصف التالي: - [ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ .... ] إبراهيم 37 - .

وخلاصة الكلام: - وما تبين لنا من خلال البحث في لغة الكتاب ودلالته، إن بكة هي ليست مكة وإنهما مكانيين مختلفين وفي بلدين مختلفين في عصرنا هذا، وإنما جعلت مكة ومسجدها قبلة للناس بعد ذلك التحول الذي حصل لغاية معلومة ...

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

24 – من رمضان 1439 هجرية

 

 

مجدي ابراهيميأسفُ المرء كثيراً حين يرى البعض منّا يخلط خلطاً عجيباً بين "الحقائق" و"الأوهام"، أو بين "العلم" و"الخُرَافة" أو بين "الصدق" وما يناقضه من أكاذيب وافتراءات. والتصوف - موضوعُ هذه المُدَارسَة - كعلم يعتدُ به ويعتز من عارفي فضله أيَّما اعتزاز، وهو كحقيقة تتوافر فيها مقومات الصدق، يخضع كثيراً اليوم كما كان يخضع في الماضي البعيد لافتراءات المفترين وأكاذيب المُدَّعين وتوقح المتوقحين. ومن عجب العجاب إنك لترى فئات تضفي على التصوف طابع الدروشة والاتكال على الخرافة، وتحاربه باسم العلم الحديث أو العقلانية الفلسفية النظرية أو التجريبية العلمية، وتنأى بما تضفي عليه من هذا الطابع عن حقائقه وعلومه ومعارفه الذوقية !

قبل سنوات، عندما كنا نقرأ عن التصوف والصوفيّة كلمات ناقدة مستفزة كان الحماس يدفعنا بلا تردد للرد عليها فوراً. واليوم لم نجد في أنفسنا حماسة لمجرد دفع اللغط المنفّر الذي يسوقه الجهل أو المرض. وقد تبيّن لنا إذْ ذاك إنها مجرد آراء صادرة عن أناس لا يتعمقون الرؤية أو ينساقون وراء معتقداتهم النظرية أو توجهاتهم العقلانيّة أو يندفعون بدوافع مرضية أو بواعث غير علمية تصرفهم عن التتبع والنظر العلمي الدقيق لظاهرة التصوف في الوجدان البشري كونها ظاهرة حضارية.

ما من أمة من الأمم العالمية إلا ووجد في قمتها التصوف، في قمتها لا في قاعها، لكنه يستند إلى مضمون العقيدة التي يدين لها بالولاء؛ ففي أمم الشرق القديم، مصر وفارس والهند والصين تصوف، وفي حضارة اليونان تصوف، وفي الأديان الكتابية وغير الكتابية تصوف، وفي اليهودية فِرَقٌ صوفية، وفي المسيحية تصوف، وفي الإسلام تصوف؛ لأن التصوف لاشك عمل روحي متصل بالروح الإنساني على التعميم لا يخلو منه دين ولا معتقد. لكن أمثال هؤلاء الذين يسبّون التصوف ويسيئون إليه ويعتبرونه سذاجة ودروشة وسبباً مباشراً لتخلف المسلمين، هم لا يعرفون عن الإنسان إلّا كتلته المادية وأشياؤه المحسوسة، ويتحركون في إطار ما ينظرون ويحسّون ويلمسون، هم مفلسون في القيم الدينية، الإيمانية والروحيّة على التحقيق.

كثير من الفلاسفة وعلماء النفس، عدوا التصوف هو العبقرية الدينية فعلاً، بلا تحيز؛ إذْ كانوا ليسوا بصوفية حقيقيين بل فلاسفة نظريين وعلماء تجريبين ركزوا دارستهم على الحالات الصوفيّة كونها فوق طور الوعي العادي. والوعي العالي لا يُقارن بالوعي العادي مطلقاً ... لا في اللغة ولا في الإشارة ولا في العبارة ولا في الفكرة ولا في التَّوَجُّه. ولسنا بحاجة إلى ذكر أسماء أكثر من الإشارة إلى كتابات هنرى برجسون ووليم جيمس (W. James)، وجومز (Jomes) وإريك فروم، أو كتابات ليوبا، وباستيد، وأندرهل (Underhill)، وثولس، وغيرهم من علماء النفس الديني للوقوف على تلك العبقرية الدينية في أعمال المتصوفة وإشاراتهم الرمزية.

النصوص الصوفية الممتازة لا تصدر عن وعي عادي مطلقاً، وهل كانت نصوص النّفري وابن عربي والصدر القونوي وابن سبعين أو حتى نصوص ابن عطاء الله السكندري والنوري والجنيد من قبله، صادرة عن وعي عادي؟ من يقول بهذا يجهل التصوف كما يجهل الكتابة عنه، وبالتالي لا يستمرء تذوق أشارت الصوفية، فيخبط فيها خبط عشواء؛ فيجيء كلامه من ثمَّ لا يستحق عناء الرد عليه؛ لأنه كلام فارغ من المعنى مضيعة للوقت والجهد. من أجل هذا؛ عزفنا عن الرد، وفقدنا الحماسة حتى في قراءة النقد

ولما كنتُ من المختصين في هذا الفن العالي، فقد يسوؤني أن أرى مثل هذا اللغط العجيب دالاً على فراغ العقل والوجدان من القيم العلوية؛ ولا يتحرك قلمي دفاعاً عن حقائق التصوف ضد أباطيل خصومه؛ ولست في الحق مَعْنيَّاً كما قلتُ في هذه العُجالة بالرد على أولئك الخصوم؛ فإنّ هذا ليس من شيم الصوفية ولا من آدابهم، بمقدار ما يعنيني أن أقدّم بين يدي القارئ الكريم كلمة عن الطريق : أدبياته وأذواقه في إطار المنهج والغاية، ليرى معي عما إذا كان التصوف حقيقاً بتلك الصفة، أو كان هو على النقيض تماماً لما يصفه الواصفون بأوصاف يجهلون فيها الحقائق كما هى عليه ليأخذون بما تبقى لديهم من أباطيل.

وإنه لشيء بغيض جداً أننا نروح فننكر - وتاريخ التصوف الإسلامي كله مُعَرَّض من أهل الغفلة والافتراء للإنكار! - ننكر الحقائق الواضحة بذاتها من طريق غير طريقها، وبأدوات لسنا بقادرين على امتلاكها أو حتى الوقوف عليها، ناهيك عما إذا كانت تلك الأدوات ملكات نفس باطنة ومواهب تُفَاض فيضاً في عالم التجريب.

يَكشفُ التَّصوف مخلصاً على الدوام عن "عنصر القيمة في الوجود الإنساني"، وتشرق في أبوابه وموضوعاته مثل هذه"القيمة" التي يفتقدها الباحثون في غير أبواب التصوف وموضوعاته. التصوف ليس دروشة ولا حذلقة ولا إدعاء، ولكنه حياة روحية خالصة في رحاب القيم . لك - إنْ شئت - أن تفك خيوط الحيوات التي يعيشها المتصوفة حالاً بعد حال، ومعراجاً وراء معراج، وفي كل حال حياة، وفي كل معراج ثورة باطنة فريدة يتميز بها الصوفي بمزية الصمود في الطريق الذي ينشده، وفي الغاية التي يرومها؛ فماذا تراك واجداً غير القيم العلوية الكبرى تضبط تلك الحيوات بضوابط التفرد والاستقلال؛ والطلاقة الروحية النادرة، يعزُّ وجودها إلا من الأفراد، الأفذاذ، الأبطال، القدراء؟

التصوف أسلوبُ متفرِّد في "الحياة الروحية"، وحركة منظمة من أجل العمل خدمة لله، يصدُر عن أناس مُتَفرِّدين، لهم في الحياة منهج، وطريقة، وصعود، ومعراج؛ فالإرادة التي يتمتعون بها قيمةُ من القيم الكريمة الباقية. والكمالُ الذي يتوخونه قيمةُ من القيم الكبرى الباقية. وكل فضيلة من الفضائل الإنسانية هى في أرقى مباهجها قيمة علوية من قيم التصوف سواء عرفناها نحن أم لم نعرفها، أدركنا حقيقتها أم لم ندركها، لكنها في مجملها هى الفضيلة التي تصدر من المتصوفة عن إدراك وتهذيب.

والذوقُ الصوفيُ (لا الحدس الفلسفي) هو الأصل الأصيل في المعنى الذي يصيبه إدراك المتصوف العرفاني حيث لا يرى لغيره معنى آخر غير الحق الذي يراه باستمرار حقيقاً بالإتباع والممارسة والمعايشة والحياة، حضوراً وتجربةً على الدوام بغير انقطاع.

وللذوق الصوفي (لا الحدس الفلسفي) أدبٌ عرفانيٌ جليل هو هو العنصر الحركي ذو الفاعلية "القيميَّة" التي تحكم بدورها طبيعة "التجربة الصوفية" في مسيرتها الفاعلة، يخوض غمارها المتصوف غير مشغول بعوارض الطريق.

هذا الأدب العرفاني هو في الأصل إدراكُ وتهذيب أو - إنْ شئت قُلْتَ - تهذيباً وإدراكاً هو نفسه التهذيب الذي تتجلى فيه "فاعلية القيمة" بمقدار ما تتجلى فيه تماماً تلك الصورة المُعَبرة عن مدارك صاحبها : عن وعيه وطاقاته الروحيّة، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية؛ هو إدراك أولاً, ثم تهذيب ثانياً، بمعنى أن المتصوف في هذه الحالة يدرك الحقائق بوعي خاص به، هو ذلك الوعي المجمل الذي يتميز به عن غيره من جملة مدركين. فلئن كان هذا الإدراك العرفاني هو الوسيلة الوحيدة إلى التهذيب فيما لو كان التهذيب غاية يرومها العارفون؛ فهو هنا الكاشف لا محالة عن عنصر القيمة بإطلاق.

ولو إنك نظرت إلى الجهة المقابلة تجد أنه : لا إدراك إلا بتهذيب، حيث لا تدرك القيمة إلا بمقتضى ذلك التهذيب؛ فالتهذيب بدايةً فيه صورة أدبية تنقلها لنا شاعرية المتصوف ولطيفته الجوانيّة في عاطفة إيمانية نبيلة وقوية في آن، فهو من هذه الجهة وسيلة لاشك فيها تؤدي إلى الإدراك الذوقي حقيقة لا مجازاً؛ بخاصيّة العرفان الموقورة فيه والمستقرة في أعماقه الباطنة حتى إذا ما انتقلنا في التصوِّر درجة، نرى الإدراك الذوقي هذا هو بالضبط المعدن الأصيل لأدبيات أذواق الصوفية؛ فهو من تلك الجهة الأصل، أما الثمرة فهى التهذيب، وأنا أعني بالتهذيب هاهنا ذلك النظام الأخلاقي الكامل المتماسك - والكاشف أيضاً عن عنصر القيمة بوضوح لا غموض فيه - وهو الذي عُرفت به إشارات الصوفية ومواجيدهم الذوقية .

ومادام العرفانُ خاصية العارف الأولى والأخيرة، صارت الصورة الأدبية التي يعلمها هى هى الصورة الأدبية التي يدركها. وأقول؛ "يدركها"، وأنا أعني ما أقول، وأؤكد على هذا الإدراك؛ إذا نحن علمنا إن الإدراك يعنى هنا هو تلك الخاصة الذوقية يجيء دلالة وعلامة على إدراك العارفين. فالإدراك المقصود هنا إدراك ذوقي، وهو شيء آخر غير "العلم".

العلم شيء والإدراك شيء آخر، وليس بين العلم والإدراك لدى المتصوف فرقٌ كبيرُ. لكنما الفرقُ يظهر عند غير المتصوف : علمك بالشيء غير إدراكك له؛ فقد تعلم عن الشيء الكثير ومع ذلك لن تستطيع أن تتذوق من عبابه الفياض قطرة واحدة؛ فأنت من ثمَّ تعلم عنه علماً خارجياً بعيداً عن الإدراك. أمّا حين تدركه فأنت غائرٌ فيه من الداخل، عارفٌ بمعاناته، مدركٌ لمعطياته الباطنة بالفعل الذي لا زيادة لك فيه ولا وسع لديك أن تقدم سواه؛ خذ مثلاً على هذا مضروباً لك "بالإيمان" في أقرب مصادره ومسالكه : كلنا يدعي الإيمان، يدَّعيه بالكلمة مجرد إدعاء، ويروح فيعبِّر عن هذا الإدعاء بألفاظ يستوحيها بالكيفية التي تثبِّت له هذا الإدعاء؛ فمنَّا من يعلمه قشرة سطحية وظاهراً عرضياً؛ فيأتي علمه لفظاً ما جاوز الأشداق؛ فها هنا يكون مجال العلم وكفى.

ولكن مجال العلم غير مجال الإدراك، مجال الإدراك هذا يقتضي أن يغوص الفرد منا في الإيمان ليستغرقه من جميع أقطاره فيدركه إدراكاً ذوقياً وفق خبرة روحية هيأتها له حركة التجربة، وفي تلك التجربة يرسخ الإيمان في القلوب، لكنه إذْ يَرسخ لا مناص له من قوتين أساسيتين : أولاهما قوة "مانعة". وثانيتهما قوة "دافعة". وبغير هاتين القوتين لا محل للإيمان الراسخ في القلوب ولا مكان لتذوق حلاوته إذا نحن قطعنا النظر عن فاعلية القوة الأولى "المانعة" أو قطعناه عن فاعلية القوة الثانية"الدافعة". والقوتان هما مناط إدراك المدرك لفعل الإيمان، وهما أيضاً قوتان فاعلتان : إحداهما، وهى الأولى : مانعة حافظة حاجبة. والثانية : دافعة مثمرة حاصلة، وحصولها في أنها تسبِّب يقيناً مثل هذا الرسوخ المشار إليه سلفاً.

ولا يتأتى رسوخ الإيمان الحقيقي في القلب الصالح بغير تفعيل هاتين القوتين؛ فكلتاهما قوة إيجابية فاعلة, وليست أحداهما سلبية كما يُتوهم والأخرى إيجابية، ولكن كلتا القوتين إيجابية، وإيجابيتها في تقرير الحركة؛ إنْ من جهة المنع وإنْ من جهة الدفع، وهما معاً يعملان جنباً إلى جنب، وكلتاهما سيدة قرارها : تقرِّر الأولى فعل "المنع"، وتحقق الثانية فعل "الدفع". الأولى : مانعة للنفس من المعصية، وهذا عمل إيجابي في حد ذاته؛ وبمقتضاها يكون "التخلي" عن الآفات والشرور والقواطع والأغيار والأشواك والمعاطب وكل ما يقف حائلاً للمرء في طريقه. والثانية : دافعة للنفس إلى الطاعة وفعل الخيرات، وهذا فعل إيجابي كذلك ينمو ويذكو ويترقى، وبمقتضاه يكون "التحلِّي" بأفضل ما تتحلى به النفوس الصالحة.

الأولى : تحفظ النفس وتحجبها عن الشرور والآثام. والثانية تدفعها إلى الفضائل والخيرات، وهى في طريق هذا الدفع تثمر وتفيض وتعلو بصاحبها في سبيل الإدراك؛ فإذا بلغَتْ هذا المرتقي الكريم، فقد بلغَتْ من الإيمان مبلغه الراسخ في غير زعزعة وفي غير اضطراب، فيحصل من ثمَّ قوة مانعة عن أن تزيل رسوخ الإيمان من قلوب المؤمنين.

وليس يخفى أنه من تفاعل القوتين بعضهما مع بعض، شدَّاً وجذباً، ومنعاً ودفعاً، وتحلياً وتخلياً، تنشأ "الإرادة" وتتربَّى حتى تستقر طبعاً في النفس المريدة لا يزول.

وللحديث بقية

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

جعفر الحكيمفَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟!! رومية 7/3

النص المتقدم هو جزء مما ورد في الإصحاح الثالث من رسالة شاؤول( بولس) إلى أهل رومية، والذي تعتبر جزءا من نصوص العهد الجديد، الكتاب المقدس لدى المسيحيين، وهذا النص المشتمل على تبرير وشرعنة واضحة (للكذب) من أجل مجد الرب، يعتبر من النصوص الاشكالية التي وضعت نصوص العهد الجديد أمام ورطة اخلاقية كبيرة !

هذا النص الذي يمثل العدد السابع من الإصحاح الثالث، جاء في سياق دفاع وتبرير السيد شاؤول الطرسوسي عن منهجيته وقناعاته الإيمانية التي استطاع أن يغرسها في الإيمان الجديد في تلك الفترة التي كان فيها المعتقد المسيحي في طور النشوء المتدرج.

القارئ لهذا الإصحاح، يجد ان السيد شاؤول (بولس) يحاول تبرير وشرعنة قناعاته وتصرفاته، والتي من ضمنها استحلال الكذب، لانه حسب قناعة شاؤول يؤدي إلى زيادة صدق الرب لإعلاء مجده!

حيث نجده يقرر مسبقا في العدد الرابع من هذا الأصحاح ان الله وحده هو الصادق وكل انسان كاذب بالضرورة!!

(بَلْ لِيَكُنِ اللهُ صَادِقًا وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِبًا) رومية 4/3

ثم يصل الى النتيجة الكارثية!!...وهي ان الكذب من اجل مجد الرب امر مستساغ وجيد كما قرر في العدد 7 المتقدم

ثم يستدرج شاؤول في كلامه نافيا بعض التهم عنه، ومبررا بعضها الآخر، ثم ليصل الى نتيجة يريد تثبيتها وهي

(انه ليس بارا ولا واحد) العدد 10 وان(الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ)عدد12

لينتهي الى خلاصة كارثية في الاعداد 20 و21 والذي يليهما تؤكد ان أعمال الناموس ليست كافية او ضرورية!!

وإنما الإيمان وحده هو الطريق الذي يجلب الخلاص !!

وبذلك يكون السيد شاؤول قد نسف اهمية ومركزية الناموس( الشريعة) والتي من ضمن فقراتها التأكيد على الأعمال الصالحة وترك الأعمال السيئة مثل الكذب والسرقة وغيرها، والتي هي مناط للمحاسبة والعقاب في حال ارتكابها !

وهذه الخاصية الاجتهادية التبريرية، انفرد بها شاؤول، الذي جعل الخلاص يتحدد بالايمان فقط، بغض النظر عن الأعمال!

وهذا ما خلص اليه في الاصحاح الثالث مدار بحثنا هذا…

(اذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ)!!

فالخلاصة الذي انتهى إليها السيد شاؤول في هذا الأصحاح التبريري،و المشرعن للكذب، هي ان الإنسان ليس بحاجة الى اعمال لكي ينال الخلاص، اذ يكفيه الايمان فقط، حتى لو مارس الكذب او التضليل والتدليس اوغيره!!!

وهذه النتيجة ( الفضيحة) رفضها حتى اباء الكنيسة الاوائل، كما فعل يعقوب (اخو الرب) حيث كتب في رسالته أنه حتى الشياطين لديها ايمان !!!.... لكن ايمانها لن يكون سبيل للخلاص من دون ان يكون مصحوبا بالاعمال الصالحة.

أمام هذا النص الواضح في تبرير الكذب وشرعنته، وجد المفسرون اللاهوتيون أنفسهم في ورطة كبيرة!!!

لان النص واضح ومباشر وصريح، فلم يكن أمامهم للتخلص من هذا المأزق، الا اللجوء الى اساليب الفذلكة، ولي عنق النص، من أجل تحريف المعنى،والخروج بمعنى آخر مغاير تماما لصريح النص!!

فنجد مثلا، ان المفسرين يلجأون الى حيلة ساذجة، هي في حقيقتها،عبارة عن كذبة اضافية سخيفة، وذلك من خلال الادعاء ان هذا النص ( العدد السابع) هو نفي من شاؤول!!....، والبعض الاخر تفذلك بأسلوب خيالي كاذب، ليدعي ان الأصحاح كله عبارة عن (محاورة) يتخيلها شاؤول!!...فيقوم فيها بالرد على اسئلة انسان (يتخيله) ...وبهذه الطريقة العبقرية...يكون كلام شاؤول حول شرعنة الكذب وتبريره هو سؤال من قبل الشخص المتخيل( المعترض) وليس كلام شاؤول….يا سلام !!

ورغم ان الإصحاح هذا من بدايته هو كلام لشاؤول،يسرد فيه تصوراته وتبريراته، وان صريح النص وظاهره لا يشير لا من بعيد ولا قريب، ولا حتى باشارة ضمنية الى وجود شخص اخر(معترض) يطرح اسئلة على شاؤول،ومع ذلك، لو تنزلنا وقبلنا بهذا التأويل التبريري الساذج والكوميدي!!..فان الكلام الذي يلي العدد السابع، لا يؤيد هذه الكذبة بل يدحضها !

حيث اننا نجد ان العدد الثامن، الذي يلي العدد السابع (الفضيحة) مباشرة يبدأ هكذا…

(أَمَا كَمَا يُفْتَرَى عَلَيْنَا، وَكَمَا يَزْعُمُ قَوْمٌ أَنَّنَا نَقُولُ:لِنَفْعَلِ السَّيِّآتِ لِكَيْ تَأْتِيَ الْخَيْرَاتُ؟ الَّذِينَ دَيْنُونَتُهُمْ عَادِلَةٌ.) رومية 8/3

وواضح جدا ان شاؤول، قد انتقل في هذا العدد الى مناقشة اتهام آخر موجه ضده، وهو قوله:

( لنفعل السيئات لكي تأتي الخيرات)

ثم يستدرج في كلامه اللاحق للدفاع عن نفسه وتبرير مقولته تلك، و لاعلاقة لكلامه في العدد الثامن بكلامه السابق .

ان محاولة اللاهوتيين في التغطية على هذا التعليم الشاؤولي الفضائحي، من خلال اللعب على قلب المعنى او تسويفه هي مجرد محاولات ساذجة ومكشوفة، يستطيع كل قارئ ان يكتشف زيفها وسذاجتها حين يقرأ الاصحاح كاملا !

واذا اخذنا بالاعتبار، ان حماسة شاؤول اليهودي الفريسي السابق، لايمانه الجديد،والتي دفعته الى تبرير اي عمل تكون نتيجته تدعيم وتقوية ونشر هذا الايمان، بغض النظر عن الوسيلة، التي ستبررها الغاية النبيلة!، هذه الحماسة والاندفاع، جعلت شاؤول ايضا يبرر التلون و الازدواجية والتناقض، مادام هذه التصرفات ستؤدي الى تدعيم الإيمان المسيحي !!

(فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ) كورنثوس

وقد نجح هذا الرجل فعلا، من خلال منهجيته المراوغة في كسب الاتباع للإيمان الجديد، بل ونجح ايضا في جعل منهجيته تتسلل الى نصوص الأناجيل التي كتبت لاحقا، لتغرس انطباع لدى القارئ ان يسوع المسيح نفسه مارس هذا النوع من الكذب في حياته،من اجل الوصول الى بعض غاياته،كما نرى في الإصحاح السابع من إنجيل يوحنا الذي تمت كتابته في وقت متأخر.

وقد يتبادر سؤال الى الذهن، هل كلام شاؤول حول تشريع (الكذب المقدس) هو مجرد نص عائم في مدوناته، ام انه معزز بتصرفات او سلوك شخصي يعكس تلك المنهجية ؟!

والجواب على هذا التساؤل المهم، يتطلب منا أولا ان نعرف ان السيد شاؤول الطرسوسي (بولس) هو رجل يهودي ينتمي الى فرقة اليهود ( الفريسيون) ...والعجيب ان هذه الفرقة من اليهود،كان يسوع المسيح قد وصفها بأوصاف صعبة، وكان ايضا قد حذر من المنتمين اليها بشكل مكرر، يلفت الانتباه!!

(وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ تُحِبُّونَ الْمَجْلِسَ الأَوَّلَ فِي الْمَجَامِعِ، وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ.

وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ مِثْلُ الْقُبُورِ الْمُخْتَفِيَةِ، وَالَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَيْهَا لاَ يَعْلَمُونَ!) لوقا 11

(وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلاً وَاحِدًا، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ابْنًا لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفًا) متى 23

وبالاضافة الى خلفية شاؤول المشبوهة، والتي حذر منها يسوع المسيح بشكل متكرر، يبرز لنا ايضا، العديد من المحطات في حياته التي توضح ان هذا الرجل كان يتميز بطبيعة انتهازية مع ذكاء شديد،وقدرة على المراوغة والتلون العجيب!

وبالاضافة الى كل هذه الصفات، نجد ايضا لدى هذا الرجل جرأة كبيرة على سرد أكاذيب واضحة ذات أهداف شخصية، مع القدرة على التاثير في البسطاء، وجعلهم يتقبلون هذه الاكاذيب التي يقوم شاؤول بتغليفها بأطر ايمانية وأوشحة عقدية!

ومن الامثلة الشهيرة على اكاذيب السيد شاؤول( بولس) هو ادعائه العجيب الذي ابتدأ فيه باكورة الدعاية الشخصية لنفسه، حين ادعى ان الرب يسوع ظهر له في الطريق الى دمشق، وكلمه، وكلفه بالرسالة!!!!...وبذلك ابتدأ شاؤول بتلبس رداء القداسة والتبجيل لشخصه، ليضمن المكانة المرموقة له في الإيمان الجديد وطمعا في الزعامة المستقبلية !

والامر اللافت، والذي يفضح كذبة هذا الرجل، انه ادعى ان هذا الحدث حصل له حين كان برفقة قافلة متجهة الى دمشق، وان الناس الذين في القافلة قد سمعوا الأصوات، وربما شاهدوا النور وارتعبوا !!!  

لكننا لم نجد ولا شخص واحد يشهد على ماحصل في هذا المشهد الغير الطبيعي والذي صاحبه نور وبرق من السماء!

ولا يوجد اي شخص من القافلة تكلم عن هذا الحدث، سوى شاؤول نفسه فقط !

وادعاء شاؤول هذا مرفوض ومردود حسب تعاليم يسوع الناصري، مالم يكن مصحوبا بشهادة غيره له، وهذا ما طبقه يسوع الناصري، حتى على نفسه !

(إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي لَيْسَتْ حَقًّا. الَّذِي يَشْهَدُ لِي هُوَ آخَرُ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ الَّتِي يَشْهَدُهَا لِي هِيَ حَقٌ.

أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمْ إِلَى يُوحَنَّا فَشَهِدَ لِلْحَقِّ) يوحنا 5

ومن الأكاذيب الاخرى الشهيرة، والتي تفرد بها السيد شاؤول، هي تلك الكذبة الصلعاء، التي ادعى فيها ان يسوع الناصري،قد ظهر بعد موته لأكثر من خمسمئة انسان !!

(وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمئة أخ، أكثرهم باق إلى الآن. ولكن بعضهم قد رقدوا) كورنثوس الاولى 15

هذه الكذبة التي تفرد بها شاؤول، لم يتحدث عنها اي شخص اخر من المعاصرين، ولا اي شخص من هؤلاء الخمسمائة

(المجهولين) الذين من المفترض أنهم شهدوا حدثا غير عادي، ولا يتكرر أبدا، لكنهم جميعا صمتوا، ولم يشهدوا !!

والأمر الاعجب، ان الذين كتبوا الأناجيل، لاحقا، لم يتطرق اي منهم الى هذه الحادثة العجيبة، ولم يذكروها اصلا، رغم ان هكذا حدث ولو كان حصل بالفعل، لرأينا سرديات عديدة وكثيرة حوله نظرا لأهميته البالغة وفرادته المثيرة، لكن يبدو ان السادة كتبة الأناجيل، كانوا اقل اندفاعا في حماستهم الإيمانية من شاؤول، ففضلوا ان يهملوا هذه الكذبة البليدة، ويتجنبوا ذكرها في اناجيلهم، وفي بقية الرسائل، نظرا لضخامة تلك الكذبة والتي تجعلها عسيرة على البلع...والهضم !!!

مما سبق، يتضح ان شاؤول الطرسوسي، الذي اصبحت رسائله وتعليماته، تشكل القسم الأعظم من العهد الجديد، لم يقم بتشريع الكذب والمراوغة والتلون فقط، وانما كرس هذا التعليم الايماني، وعززه من خلال ممارسته له وتطبيقه بالواقع، مما ادى الى ان يكون هذا المنهج اللاخلاقي مغروسا في تعاليم الإيمان الناشئ، حيث أصبح بمرور السنين، تقليدا مقبولا ومباركا، تتم ممارسته في الكثير من النشاطات التكريزية التي نشهدها ونتابعها في جميع الفعاليات المسموعة والمقروءة والتي أضحت تشكل مرتكز مهم تقوم عليه أساسيات الكرازة المسيحية.

حوارات في اللاهوت المسيحي 32

 

د. جعفر الحكيم

 

هناك رقم أثار انتباهي وفزعي يذكر أن 4 مليار نسخة طبعت من الكتاب المقدس التوراة بشقيه العهد القديم والعهد الجديد، وهذا الأخير يضم الأناجيل الأربعة التي اعتمدتها رسميا المؤسسة الكنسية المسيحية في جميع أنحاء العالم، ولا توجد لدي إحصائية دقيقة عن عدد نسخ القرآن التي طبعت ووزعت منذ أن بدأت الكتابة وعصر التدوين وهي بلا شك بمئات الملايين أو أكثر.

هل هذه الكتب حقاً سماوية، أي منزلة من السماء على أشخاص يقال عنهم أنهم أنبياء على اتصال بالإله الواحد القابع في السماء؟ أخبرني صديقي الكاتب والباحث المرموق د. خزعل الماجدي أنه توصل في أبحاثه إلى نتيجة مهمة ومثيرة وأصدرها في كتاب تقول أن هناك كثير من أنبياء التوراة، أي أنبياء بني إسرائيل، المذكور بعضهم في القرآن، هم في الحقيقة ملوك سومريين.

لقد روت لنا تلك الكتب المسماة مقدسة، قصصاً وأساطير وملاحم، منها خرافية، ومنها ما حدث فعلاً في نطاق التاريخ البشري ولكن على نحو مختلف تماماً عما ذكرته الكتب الدينية.

فحتى علم الآثار والحفريات وقع في مصيدة التفسير والتأويل التوراتي للملاحم والقصص والشخصيات الأسطورية مثل نوح وإبراهيم وموسى وباقي أنبياء التوراة. انطلاقاً من مسلمة فرضتها المؤسسات الدينية تقول أن كل ما ورد من أشخاص وأحداث في الكتب المقدسة حقيقي وحدث فعلاً كما جاء في النصوص المقدسة. لقد روت التوراة وأخذت عنها الكتب السماوية الأخرى، قصصاً وحكايات وأحداث موغلة في القدم وجرى تدوينها بين القرن الثامن والقرن السادس قبل الميلاد بلغة الميثولوجيا والسير الذاتية على أنها منزلة من الله وأضفيت عليها القدسية. ولقد هيمنت تلك القصص والحكايات على ذهنية وعقول الناس وسيطرت على المخيال الجمعي للبشر واحتلت مكانتها المقدسة عند المتلقي. ومن ثم شكلت القاعدة الفكرية والثقافية للمجتمعات اليهودية والمسيحية والإسلامية، وأضحت الكتب السماوية المقدسة الأكثر مبيعاً وقراءة. وصار لزاماً على العلم أن يركز، لا على النصوص نفسها بل على المسودات ودراستها لمعرفة تاريخيتها الحقيقية. لم يكن الهدف معرفة دقة وعلمية النصوص التوراتية، فعلماء الكونيات الكوسمولوجيين يعرفون منذ عقود طويلة أن عمر الكون المرئي ليس 6000 سنة كما يدعي العهد القديم، ولا يوجد عالم أحياء واحد على وجه الكرة الأرضية من يعتقد أن المرأة خلقت من ضلع الرجل " آدم" كما تقول الخرافة الدينية التوراتية، هل هناك آثار تاريخية يقرها العلم لوجود شخص يدعى آبرام، وفيما بعد أبراهام " إبراهيم"؟ وهل قام علماء الأحياء والبيولوجيا في محاولة تحديد عمر وكيفية حدوث الطوفان، وعلماء الجيوفيزيائيين يوضحون لنا أسباب " الخروج الكبير" الذي ورد في التوراة؟

فالعهد القديم كتب باللغة العبرية واللغة الآرامية بين القرن الثامن والقرن السادس قبل الميلاد ومكون من 39 نص وأسفار، بثلاث مجلدات تحت تسمية التوراة البنتاكوك وكتاب النفيمي أي الأنبياء، وكتاب الكيتوفيم، أو الكتابات والنصوص الأخرى التي تشكل ما يعرف عند الأقوام القديمة بالتناخ وهي تسمية أخرى للكتاب المقدس العبري الذي ترجم إلى 670 لغة، ويليه كتاب العهد الجديد الذي كتب في وسط ونهاية القرن الأول بعد ولادة المسيح، ومكون من 27 صحاحاً وأربعة أناجيل معترف بها هي إنجيل متى وإنجيل مارك وإنجيل لوقا وإنجيل يوحنا وترجم إلى 1521 لغة، ولا بد من الإشارة إلى وجود نصوص قديمة أقدم من التوراة بكثير دونت على رقم طينية بالكتابة المسمارية بين القرن الثامن عشر والقرن السابع عشر قبل الميلاد روت لنا ملحمة كلكامش وهي التي سرق منها التوراة قصة الطوفان، وملحمة الإلياذة والأوديسة التي كتبت في القرن الثامن قبل الميلاد، وقصة سرجون الأكدي التي سرق منه التوارة قصة موسى، وهناك نصوص دينية أخرى قديمة ليست سماوية مثل البهاغفادا والجيتا الهنديتين اللتين كتبتا بين القرن الخامس والقرن الثاني قبل الميلاد، وبالطبع القرآن الذي كتب في القرن السابع بعد الميلاد.

قام علم الجينوم او علم الجينيات والهندسة الوراثية الذي يدرس انتقال الخصال والصفات الوراثية من جيل إلى آخر، بتحليل جينات قيل أنها لأبراهام أو إبراهيم الأب المؤسس الأول للعنصر اليهودي من خلال إبنه إسحق من زوجته ساره، والذي غير إسمه إلى إسرائيل، وللعنصر العربي كذلك من خلال إبنه الثاني من جاريته هاجر وإسمه إسماعيل، وأيضاً البحث عن الجذور الجينية للكنعانيين، الذين أمر رب الإسرائيليين شعبه المختار بإبادتهم، هذه الدراسات الجينية ألقت أضواءاً جديدة على تلك الشخصيات والأحداث وكشفت أسراراً وتفاصيل مدهشة. فلقد كلفت أوساط دينية بعض علماء الهندسة الوراثية وعلم الجينات بإجراء تجارب فك الشيفرات الجينية لدى عينات من اليهود والعرب لإثبات الأصل المشترك الذي يعود إلى جد مشترك وبالتالي إثبات وجود شخصية إبراهيم تاريخياً. بعض هؤلاء العلماء أدعى وجود ADN حامض نووي خاص لسكان من أصل عبري أياً كان مكان سكناهم وفي ما أسموه الشجرة التطور الجينية l’arbre phylogénétique تأكيداً لتميز العنصر اليهودي عن باقي البشر وترسيخ أسطورة الجد التوراتي الأعلى للأقوام السامية ألا وهو أبراهام أو إيراهيم قبل 4000 سنة كما ورد في التوراة، والزعم بوجود الكرموزوم y الموجود بوفرة لدى اليهود والعرب أو haplogroupe nommé J1، وهو تنويع للحامض النووي الذي تتناقله المجموعات السكانية المتميزة عبر أجيال عديدة ويحافظ على تكوينه وخصائصة فيما عدا فترات حصول الطفرات الوراثية التطورية. ولقد افترق أبناء الجذر الجيني الواحد قبل 4000 سنة إلى عرب وعبريين . بيد أن التحليلات الجينية للــ ADN وللــ haplogroupe nommé J1 أثبتت وجود أصل جمعي وليس فردي للشعبين العبري والعربي أي ليس جد أعلى وعائلته ومن تفرع عنه بل شعوب كاملة شكلت الأصل لما عرف في التاريخ بالأقوام السامية. عكس ما ادعته التوراة وما نص عليه العهد القديم. معنى ذلك أن " إبراهيم وجد تاريخياً ولكن ليس كشخص واحد بل شعب بأكمله بينما ركزت التوراة على شخص واحد ورفعته إلى صف الأسطورة، ونفس الاستنتاج يمكن أن ينطبق على هارون وأخوه موسى فهناك العديد من الأشخاص الذين تنطبق عليهم مزايا وخصائص وسمات موسى وهارون. كما رفع علم الجينوم الغطاء عن الكنعانيين الذين لم يذكر الكتاب المقدس مصيرهم بعد غزو جوشوا Josué لهم في معقلهم في صيدون، التي تقع في لبنان الحالي، حيث يذكر التوراة أنهم ابيدوا عن بكرة أبيهم، في حين يوجد الحمض النووي المشترك لدى 90% من اللبنانيين الحاليين وهذا الــ ADN يعود للعنصر الكنعاني ما يعني أنه لم تتم إبادة كل الكنعانيين.

يصف الكتاب المقدس غضب الرب على فرعون في سفر الخروج وتسليط اللعنة عليه وعلى شعب مصر وتحول مياه النيل إلى دم تنبعث منه رائحة النتانة والعفن بحيث لا يمكن للمصريين أن يشربوا منه وتسليط الحشرات وسقوط الضفادع مع الأمطار وفناء قطعان الماشية وسقوط الصواعق والبرد والماء المجمد أوالحالوب grêle وهجوم الجراد وإحلال الظلام لمدة ثلاث أيام فقط لرفض الفرعون خروج العبرانيين من مصر وكلها خرافات وأساطير مختلقة كتبها الأحبار، والحال يعتقد العلماء أن ما حدث ربما هو تفجر براكين خاصة ترتب عليها تلك الظواهر الفيزيائية، إلا أن التوراة عزتها إلى قوة إلهية خارقة وتحدث بشأنها عن القروح المصرية العشرة حيث ينطبق الوصف التوراتي في الواقع على تفجر بركان جزيرة سانتوريون الإغريقية الذي حدث حوالي 1613 قبل الميلاد حسب آخر المعطيات الآركيولوجية الأحفورية وتقديرات قدرها العلماء بواسطة عنصر كاربون 14 بعد تجارب أجريت على غصن لشجرة زيتون عثر عليه في بقايا البركان وحممه في جزيرة سانتوريون. تروي التوراة أن الكارثة ضربت مصر في 1450 قبل الميلاد أي أن تدوين النص حدث بعد 800 سنة من وقوع كارثة البركان المذكور أعلاه وتبعاته وتداعياته وما نجم عنه من كوارث ومآسي ودمار تناقلتها الألسن شفاهاً عبر أجيال وأجيال، وهو الأمر الذي ألهم كتبة التوراة ونقلوا جغرافية الحدث إلى مصر الفرعونية في زمن موسى فلقد لفظ البركان على امتداد 100 كلم2 من المواد الحمم البركانية والرماد الأسود، وهي مواد ألقيت في المياه واليابسة وعلى الصخور المتكلسة، وهو الحدث البركاني الأهم في تاريخ البشرية إلى جانب ما حدث في أندونيسيا في ساملاس سنة 1257 وتامبورا سنة 1815 بعد الميلاد. لم يشاهد سكان وادي النيل مباشرة حدث الانفجار البركاني لكن آثاره ومواده انتشرت وانتقلت بعيداً ومست أغلب شواطيء البحر الأبيض المتوسط كما أثبت ذلك العثور على بقايا الرماد البركاني في البحر الأسود في تركيا وفي جزيرة رودس وفي بعض بحيرات النيل. كما وردت نصوص على ورق البردي papyrus تحدثت عن كارثة الطوفان cataclysme وتداعياتها الصحية حتى بعد مرور قرنين على الواقعة البركانية وتقدم تفسيراً علمياً لما عرف في التاريخ الديني التوراتي بالقروح العشرة لمصر وهناك تشابه في الآثار الباقية في مصر مع شبيهتها الموجودة في جزيرة سانتوريوم الإغريقية إلى يومنا هذا. ورد في نصوص ورقة البردي المصرية أن هناك حروق سببتها المياه الحمراء والتي تركت آثاراً بيضاء وهي سمات وخصائص للحروق الناجمة عن حامض الكبريت acide sulfurique ومن المعروف أن المصدر الوحيد علمياً الذي يتسبب في حدوث مثل تلك الحروق هو الانفجار أو الثوران البركاني éruption volcanique. دللت الحسابات الفلكية على أن ما روته التوراة بخصوص معركة جبعون التي قادها خليفة موسى حسب كتاب جوشوا والتي تصف غزو بلاد الكنعانيين تنفيذاً لمشيئة الرب وفترة سقوط أريحا Jéricho، قد حدث بالضبط في 30 أكتوبر 1207 قبل الميلاد قبل الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر، ولقد اقترن هذا الحدث بسلوك غريب للشمس والقمر اللذين توقفت حركتهما في وسط السماء كما جاء في الكتاب المقدس فلم تتجه الشمس نحو الغروب لمدة يوم كامل، وهذه معجزة إلهية أظهرها الخالق الدائم الذي لايموت تأييداً لبني إسرائيل، والحال أن علماء الفيزياء وعلماء الفلك وعلماء الكونيات المعاصرين عزوا ذلك لحدوث كسوف كامل للشمس. ولمعرفة الفترة الزمنية التي وقع فيها الكسوف هناك الــ stèle الفرعون مرنبتاح Mérenptah، الذي يشير إلى تواجد بني إسرائيل في بلد الكنعانيين ولقد شيد هذا الــ stèle سنة 1199 قبل الميلاد. ومن جهة أخرى قدر علماء الآثار أن المنطقة كانت تحت السيطرة العسكرية للمصريين حوالي سنة 1450 قبل الميلاد، أي تنحصر المرحلة الزمنية بين 1500 و1050 قبل الميلاد، وتمت مراجعة كل حالات الكسوف التي حدثت في تلك الحقبة الزمنية في بلاد الكنعانيين، التي تضم اليوم فلسطين والأردن ولبنان، وجزء من سوريا، وجاءت النتيجة واضحة بلا لبس: لقد حدث كسوف للشمس في بلاد الكنعانيين في الفترة التي تمت دراستها فلكياً وذلك في 30 أكتوبر 1207 قبل الميلاد في الساعة 15.27 ولغاية الخامسة بعد الظهر . والمدهش في الأمر أن ذلك الكسوف كان حلقي annulaire، أي أن قطر القمر كان أصغر من قطر الشمس، بمعنى أن الكسوف لم يحدث ظلاماً دامساً تاماً أو ما يعرف بالليل النهاري الفوري بل قلل من سطوع الشمس إلى مايشبه ضوء الغروب وبعدها عاد النهار ولكن في لحظة حلول الغروب الحقيقي، وهذا في حقيقة الأمر هو ما وصفه العهد القديم عندما قال أن الشمس لم تكن متعجلة للغروب. وبنفس المنهجية حدد علماء الفيزياء تاريخ صلب المسيح في الثالث من نيسان سنة 33 ميلادية والتي حدث فيها خسوف قمري éclipse lunaire يفسر العتمة التي حلت لحظة الصلب. ولقد حدد عالم الفلك الأمريكي واين أوسبورن Wayne Osborn تاريخ وفاة موسى في الأول من آذار سنة 1399 قبل الميلاد بالنظر والتدقيق بكسوف آخر حيث يقول الكتاب المقدس أن السماء أعتمت عند وفاة النبي موسى. وهناك تناقض في الوقائع إذ أن غزو كنعان على يد خليفة موسى جوشوا حدث بعد فترة قليلة من موت موسى في حين أن هناك فترة قرنين بين الكسوف الذي حدده واين أوسبورن وذلك الذي حدده كولن هيومفري Colin Humphreys .

من الحكايات الأسطورية للتوراة قصة الطوفان وسفينة نوح التي روتها التوراة على شكل ملحمة. هناك نص طوفان مشابه حدث في أفريقيا قبل 100000 سنة وهذا ما أظهرت دراسة phylogénétique النشوء والتطور للأساطير وهي دراسة تعتمد على النظرية التطورية وتأخذ في الحسبان معالجة الإحصائيات والتدقيق في المعطيات والمعلومات. وعلينا أن نعود في هذا السياق إلى الأصل التاريخي للأسطورة التي دونت على ألواح طينية رافدينية يعود تاريخها إلى 2600 قبل الميلاد، أي قبل تدوين التوراة، وهي الأسطورة المعروفة بــ " ملحمة كلكامش" عن رحلة الملك كلكامش ورحلته للبحث عن الخلود ولقائه بأوتونابشتم، الذي روى لكلكامش أن آلهة الحكمة أنذرته بأن طوفاناً وشيكاً هائلاً سيضرب الأرض ويدمر كل شيء وعليه أن يصنع قارباً وأن يصطحب معه زوجين من كافة أنواع الحيوانات معه لإنقاذها وإنقاذ النوع البشري من الهلاك والإبادة التامة. وهي قصة مطابقة تماماً لأسطورة نوح والطوفان التي تحدث عنها العهد القديم ما يعني أن الكتاب المقدس سرقها حرفياً من التراث الأسطوري الرافديني. وهناك أكثر من 300 أسطورة طوفان أحصيت في العالم، كما ذكر المؤرخ والباحث في الأساطير بيرنارد سيرجنت Bernard Sergent وعالم الأنثروبولوجيا جون لويك لوكليك Le Quellec Jean Loic في كتابهما المعنون " القاموس النقدي للميثولوجيا" ولها جميعاً جذر مشترك حيث قام العلماء بتفكيك الأساطير والغوص في تفاصيلها وأساليبها وعزل من تتحدث من بينها عن علاقة الناجي من الطوفان بإله في السماء. ولقد تجمع لدى العلماء كم هائل من المعطيات وقاعدة معلومات هائلة بغية تسهيل مهمة التمحيص والمحاكاة الكومبيوترية الحاسوبية على غرار التفكيك في المنهجية الوراثية الجينية، وتوصل الباحثون إلى أن الأصل يعود إلى قصة دمار البشرية بالماء حدثت في أفريقية قبل 100000 عام، ومن ثم حصلت عليها عمليات تنويع واستنساخ وتغييرات طفيفة أو جوهرية لا سيما في جنوب شرق آسيا، حيث نجم الغضب جراء قتل أو جرح حيوان بري على يد أحد البشر بلا سبب، كعلة وسبب لحدوث الكارثة. وهذه الأسطورة وجدت أيضاً لدى السكان الأصليين للقارة الأمريكية الشمالية قبل 20000 سنة، جراء وصول أقوام آسيوية إلى هناك عبر مضيق بيرنغ détroit de Béring واختلاطهم بالسكان الأصليين واندماجهم بهم. ولقد وجد نص طوفاني في آسيا الوسطى يعود تاريخه إلى 15000 سنة كما يقول العالم الأنثروبولوجي الهولندي ويم فون بنسبيرخن Wim Van Binsbergen، ومن ثم في منطقة الهلال الخصيب بين 9000 و2600 سنة قبل الميلاد حيث تحالف أحد الآلهة مع بطل الأسطورة أو الملحمة الطوفانية لإنقاذه، ونجد مثيلاتها في الحضارة الإغريقية حيث يعطف الإله زيوس على دوكاليون إبن بروموثيوس ــ سارق البرق ــ، وفي بلاد الرافدين كما ذكرنا أعلاه حيث يتعاطف إله الحكمة مع أوتونابشتم، وفي التوراة حيث ينذر يهوه نوح بحدوث الطوفان وينقذه من خلال إيحائه له بصنع سفينة من الخشب . وهذا يعني في نهاية المطاف أن هناك، لجميع الظواهر التي وردت في التوراة، تفسير علمي طبيعي لا علاقة له بالغضب والعقاب الرباني.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

مجدي ابراهيمبمقتضى التفرقة بين الإرادة في مجال المعرفة والإرادة في مجال العلم، نستطيع القول بأن الإرادة في ذاتها شيء، وإدراك الإرادة شيء آخر؛ فجميعُ ما يمكن أن يدركه الإنسان قد يدركه بفعل العلم لا بفعل الإرادة العارفة. ضرورية إذن هذه التفرقة؛ إذْ أن فعل العلم بعيد عن "التحقيق"؛ لأن علمك بالشيء غير تحققك به. العلمُ بالشيء شيء يختلف عن المعرفة به، إذا كانت المعرفة تستلزم إدراكاً موصوفاً بالتَّحَقُّق. قد تعلم الفضيلة مثلاً وتعلم عنها الكثير، لكن علمك هذا شيء غير إدراكك لها، وكلمة "إدراك" تعني هنا "التحقق بالمعروف"، فالتحقق طريق (= إدراك) يوصل إلى المعرفة، في حين لا يمكن أن يصل الإنسان عن طريق العلم وحده إلى المعرفة ذات التحقق الفعلي، فمتى يكون الإنسان عالماً، ومتى يكون عارفاً ؟

في الأوَّل؛ عندما يكون الإنسان عالماً ينبغي أن يكون موصوفاً بالعقل والإدراك النظري، بينما إذا هو أتصف بالإدراك السلوكي الفعلي، أي طَبَقَ النَّظَرَ مع العمل، والتحصيل النظري مع الفعل التجريبي، عند ذلك يكون عَارفَاً لا لشيء إلا لأنه قد تحقق، ومعنى كونه قد تحقق أنه عاش التجربة وتذوق حلاوة الحال، وَتَبَيَّنَ من طريق تجربته الحياة الفعلية الموصوفة له من سبيل العلم وكفى، لكنه لما عَاشَ عَرَف، ولما أختبر ذَاق، ولما جَرَّب تحقق، فوصفه تجريب، واختباره تحقيق، وتذوقه مقاساة الحياة الروحيّة شعوراً منه بوجوده الفعلي وحقيقته الأصلية، فهو من هذه الجهة يمكن أن يكون عالماً، لكن علمه هذا ليس إدراكاً من الخارج، وإنما هو معايشة من الباطن. وفي نفس الوقت يكون عارفاً؛ فالمعرفة والعلم يلتقيان عند العارف في ولوج "التحقيق" الفعلي، والممارسة الواقعيّة، ومنازلة "الحالة" الروحيّة. كان قدماء الصوفيّة فرقوا التفرقة نفسها بين العلم والمعرفة، وكانوا من الدقة بحيث لم يكن لديهم خلط على مستوى الفهم بين المعرفة والعلم.

نعم ظهر التمايز لديهم في فوارق الشعور النَّفسي أولاً قبل الفارق اللفظي، وبناءً على هذا التمايز في الشعور استدلوا من طريق الإدراك والتحقق على الفارق المفهمومي والدلالي؛ فها هو الهجويري يقول إن شيوخ الصوفيّة كانوا أطلقوا اسم المعرفة على كل علم متصل بعمل تعبُّدي وحال رَبَّاني إذْ كان حال العبد يدل على علمه، وفي هذه الحالة لا يسمى صاحب الحال عالماً ولكن يسمى "عارفاً". أما اسم العلم فيطلق على كل فن خلىَ من معنى روحاني وعمل تعبُّدي، وعندهم أن صاحب هذه المعرفة لا يسمى عارفاً ولكن يسمى "عالماً"؛ فمن عرف معنى الشيء وحقيقته يسمونه "عارفاً"، ومن ألمَّ بعبارات منطقية وحفظها بدون إدراك حقيقة روحانية، فهو عالم وكفى، عالم بالشيء غير عارف به. العالم قائم بنفسه. والعارف قائم بربه.

لاحظ كلمة "إدراك" حقيقة روحانيّة تلك، تجد الإدراك هو الفيصل في التفرقة بين حال العالم وحال العارف. ومن هنا قال الغزالي في منهاج العابدين: العلم كرؤية النار مثلاً، والمعرفة كالاصطلاء بها. والمعرفة في عبارة الصوفية هى العلم الذي لا يقبل الشك إذا كان المعلوم ذات الله وصفاته.  

تَغْلُبْ على المعرفة الإرادة ولا تغلب الإرادة على العلم؛ فإذا كانت المعرفة تستند إلى "التحقيق" والمعايشة والحياة، كانت تقتضي أن يكون صاحبها مريداً سالكاً، ذوَّاقاً للطريق الذي يمضي فيه على بينة وعلى بصيرة، وكان من اللازم اللازب له في كل حال أن تكون إرادته سابقةً على أفعاله، فهو هنا يفعل الفعل لأنه يريده، ويترك هذا الفعل أو ذَاَكَ؛ لأنه لا يقع تحت إرادته، وجميع الأفعال المتروكة بالنسبة له إذْ ذَاَكَ لا تقع تحت الإرادة الموجَّهة لاختبار السلوك العملي؛ فالمعرفة من هذه الجهة غير العلم، إذا نحن شَرَطْنَا للمعرفة أن تكون الإرادة أحدى مكوناتها الأساسية، ثم شَرَطْنَا تباعاً للإرادة أن تجيء متصفة بأوصاف التحقق الفعلي المرهون بالسلوك المقرون بالفاعلية التي يتحرر فيها المرء من عشوائية الاتجاه بصدد اختيار الأفعال أو تركها، أو بالأحرى يتحرَّر بمقتضى تلك الفاعلية من عشوائية الاختيار.

أما العلم؛ فما هكذا تكون أوْصَافُهُ ولا أشراطه: شأن العلم إدراك عقلي وكفى، يغلب فيه النظر العقلي ولا تغلب فيه الإرادة، كأن تعلم عن الدين كثيراً لكنك في ذاتك لن تصبح مُتَدَيّنَاً ما لم تتحقق بالمعرفة في الدين، يعني يتوافر لك جانب الإرادة القائمة على السلوك العملي، هنالك تخضع العلم للتطبيق، فيجيء التطبيق هو الآخر إدراكاً باطنياً لكل حركة معرفية، وهنالك يمكن لك إدراك ما لا يتسنى لك إدراكه بفعل العقل وحده، ولكن بفعل الإرادة والتحقيق.

إذا تمَّ للمُدْرِكْ مثل هذا الإدراك؛ عَرَفَ من فوره طريق الحرية؛ لأنه كان عَرَفَ ذَاَتَهُ. وطريق الحرية واحد بوحدة "الذات" لا يتغير ولا يتبدل وفق تلك المفاهيم المتقدمة التي تحمل قيماً غير القيم المتعارف عليها ظاهرياً. لا بل هو فوق حدود المفاهيم جميعاً، وفوق قيودها وسدودها وحواجزها.

الحرية هنا فوق المفهوم؛ لأن المفهوم قيد وحد، حاجز هو وَسَدُّ، فإذا كانت قيم الحرية تتعدد بمفاهيم القيم واختلافها وتضاربها أحياناً عند أصحابها، فهى من أجل ذلك قيم وضعية لا تعرف الانفتاح ولكنها تنحصر في المفهوم، وتنحسر في التصور، إذْ لو كانت قيم الحرية مأخوذة مما تقدم: من طريقها المُفْرَد الواضح تحرراً من هوى الإرادة في كل مرغوب فيه، وتحرراً من كل عوائق "الذات" في تحررها لأتفق الجميع على تحديد معنى "القيمة" التي تحدُّ الحرية ولا تدع لمعناها حداً إلا وربطته بالقيمة وأدخلت عليه طريقاً يمكن أن يكون مأخذه سهلاً بمقدار ما يكون سبيله أيسر وغايته في التوجُّه سَمْحَاء.

مشكلة الحرية في بلادنا أنها تختلف باختلاف الأفراد الذين يزعمون لأنفسهم أو يظنون عندها قدراً من التحرر، وهى في الحق الذي لا مرْيَة فيه أنها مكبَّلةٌ بقيود الهوى مقرونة بتحقيق المنفعة الخاصة بالأشخاص بعيداً عن التَّجَرُّد والنزاهة. من أجل ذلك؛ فلن تكون هنالك حرية ما لم يكن هاهنا في الأصل تحرر عن القيود الجُوَّانيَّة المُكَبَّلة برغائب في النفوس مستشرية على غير ما من شأنه أن يكون متوقعاً مما عساه ينحدر في أعماق وعينا بهاته النفوس. إنّ التقديس الذي نتوخَّاه ليس تقديس النفوس ولا الأشخاص ولا الأهواء ولا المنازع الخاصة ولا العقائد ولا الآراء ولا آفات النفس الظلمانية بل هو تقديس "القيمة" في مَظَانَّها ومواطنها، إذا ما كانت القيمة علوية ذات مصدر إلهي، وكانت أهدَافُها مستمدةً مما هو مقدس لا يُمَسُّ بفعل الهوى أو بفعل النزوع الذاتي المعبَّأ بالآفات الشخصية والأوهام الذاتية الأنانية، وكل ثورة على "المقدس"، ذي المصدر الإلهي باسم الحرية إنْ هى إلا عبودية للنفس فيما لا عساه تدرك، عبودية للنفس بكل ما في النفس من آفات وأمراض وأوهام تعيش فيها وتتمثلها حتى الرمق الأخير. وإنْ هى إلا عَمَايَة، أو ضرب من ضروب الظلمة ليس يسعى المرء إلى الخلاص منها وهو مقيد وأسير.

كل ثورة على الوحي النزيه الحر المقدس ما هى إلا خدمة للهوى الفتاك وضلالُ يقود إلى الضلال!. إن فهم المقدس والاجتهاد في الترقي إليه، ومحاولة تأويله واستخراج مراميه ودلالاته، وإبراز أفقه الواسع الرحيب شيء، ثم التحرر منه وإقحام العقل المحدود لنقده - ونقد المقدس لا يستثنى منه عمل العقل!- شيء آخر. كل محاولات التحرر من قداسة المقدس ذي المصدر الإلهي والتي تتم بواسطة بعض العقول المعزولة عن ملابسة جوهر الإيمان وحقيقته الباطنة إنْ هى إلا محاولات باغية من نفوس ظلمانية وقر فيها الضلال حتى منتهاه. وَبَغْي الناس للناس بغير الحق مردود على الناس أنفسهم، إنما هو بَغْيٌ بغير الحق على أنفسهم:" يَأيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلىَ أنفُسِكُم, مَتَاعَ الحَيَاةِ الدُّنيَا, ثُمَّ إلينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " (يونس: آية 23 .(

تلك المحاولات إنما هى محاولات تعيش في ظلال العبودية للنفس لا العبودية لله، وعبودية النفس عبث فكري فوق كونه اعوجاجاً باطنياً لا يَنمُّ إلا عن قصور في الرؤية وخواء في التفكير والتقدير، مَا إنْ تقرأها وتصبر على قارئتها إلا وتشعر من فورك بالقذارة الفكرية. إنها لأمراض نفسية باطنة لا تزول إلا بزوال أصحابها، إذْ ليس لها علاج؛ لأن صاحبها ليس بجاهل حتى يَعْلم، ولكنه ضال ومنحرف، وغارق إلى أبعد الحدود في الضلالة والانحراف.

لا ريب كانت محاولات تعيش في ظلال العبودية للنفس لا لله؛ وهى من ثمَّ ظلال لها من الأبعاد الذاتية التي تخدم المآرب الشخصية الخاصة الباغية ما من شأنه أن يمنع تحقيق الحرية. وعليه؛ فالحرية الحقيقية لا تعني ممارسة الأهواء والخزعبلات الشخصية ولا القدرة على تنفيذ ما يستطيعه الفرد بغير رقابة داخلية من عصمة الضمير المبْطُون في أعماقه الجُوَّانيَّة، أو حتى رقابة خارجية، والرقابة الخارجية ليست شيئاً على الإطلاق بغير معونة وإمداد الرقابة الداخلية: رقابة الضمير الحي اليقظ ورقابة الفاعلية الروحية. إنما الحرية الحقيقية تعني معرفة الذات، ودوام البحث عن الذات، والقدرة على امتلاك الذات، والتحرر من عبادة الأصنام والأوثان التي نعبد فيها صباح مساء، وكشف أسرار البذرة الإنسانية: السّرِّ الإلهي العجيب في الجوهر الإنساني ثم التحرر من كل شيء يعوقه ويقف حجر عثرة في طريقه؛ وموالاة هذا السّر والعمل على اكتشافه وشهوده في الإنسان هى مهمة الاستبصار الصوفي، ومهمة كل من يواليه ويقتدر عليه. وبهذا وحده تتم الحرية، إذْ يَتم معرفة الوجود الإنساني، ويمكن أن يجيء معه حكم الممارسة حكماً صادقاً وفعالاً ليس يشك فيه مجرب بوجه من الوجوه؛ لأن الحرية تجربة وممارسة قبل أن تكون إطاراً نظرياً وكفى. الإطار النظري بعيدٌ عن التحقيق والمعايشة والحياة لا يشكل من الحرية شيئاً ذا بال، ولا يحقق في الضمير عصمة ولا شعوراً بالتبعة، قد يجيءُ الإطار النظري معرفة سطحية معزولة عن الوجود، ولكن هذا كله على صعيد النظر الذي يخلو من الفاعلية والتطبيق سهل المأخذ قريب المورد تتناوله الإرادة العالمة وكفى، ولكنه يظل بمعزل عن التجريب، ويبقى السؤال قائماً: أين هى الأمانة التي تتوافر في الفرد القادر على حفظ الأمانة بعد تحملها لممارسة فعل الحرية؟!

إنما الحرية تبعة مسئولة تحتاج لفعل الأمانة - كيما تصبح قيمة باقية نافعة ومؤثرة - لتنزيلها من أعلى إلى أسفل، أعني من التجريد النظري وعالم المفاهيم إلى دنيا الواقع الممارس بالتجربة التي تُشَكّله ناهيك عن تنظيرها وتقديرها في مجال الفكر أولاً ثم مجال العمل الواسع والحياة المعاشة ثانياً فهلا كانت هذه الأمانة، وأين هى؟

تكمن الأمانة في الإرادة التي تحقق تلك التبعة المسئولة وممارستها على صعيد النشاط العام وتتمثل في الأخلاق، وتنشَّط بالتربية على "الفعل"، وبالتدريب والتهذيب والتقويم، وبامتلاك عادات الإرادة (التَّعَوِّد، والمران، والدُّرْبَة، والتكرار). من الممكن - لا من المستحيل - أن تجيء الأخلاق مشروطة بالحياة؛ فنحن نقول على الدوام الحياة الأخلاقية ولا نعني بها إلا أن تكون الأخلاق لب لباب الحياة عندنا، أمَا وَقَدْ فَارَقَتْ حياتنا في أخص خواص الإدراك فيها مثل هذه الصفة الأخلاقية، فقد نقع عند ذلك في محظور الوعي ومحظور الفكر والعمل؛ إذْ تَسْقُط كل القيم والدلالات المؤكدة للفعل الحيوي؛ لتصبح الحياة غير جديرة بمعناها، إذا نحن حذفنا منها الجانب الأخلاقي المسئول الكامن في جوهرها: جوهر الأحياء. ولولا وجود هذا الجانب في جوهر الأحياء من الآدميين، ولولا الطرْقُ الدائم على فعاليته التهذيبية في العمل والسلوك، وفي أنماط الإدراك الإنساني على وجه العموم لسقطت منَّا قيم الحياة مجتمعة، إذْ ما قيمة الحياة إذا هى خَلَتْ في الجوهر من الأخلاق؟ ما قيمتها إذا انفعلت فينا جوانبها جميعاً غير جانب واحد منها هو الجانب الأخلاقي؟ ما قيمة الحياة إذا فرضنا أن القوانين التي تحكمها ليست تخضع في الجملة فضلاً عن التفصيل لروابط خلقية؟

الحياة بغير أخلاق لا قيمة لها؛ لأن الأخلاق في أبسط معانيها قرابة إلى سلوك الأحياء هى أنها لابد أن تمارس في بطن الحياة واقعاً معاشاً وفعلاً يقبل الممارسة والتسليك، وليست هى بالفكرة النظرية يُفَارقها السلوك ويغادرها العمل ثم تلوكها الألسنة من بَعْدُ توصيفاً وتنظيراً. وما كان الطابع التنظيري أبداً إلا بمثابة الإطار الخارجي للفكرة الخلقية: الغطاء البَرَّانيِّ والشكل الظاهري الذي يحمله التصور الإنساني المحيط بالأفكار والأقوال حول ما ظهر من العمل فكان مدعاة للتنظير أو ما نقص منه فكان مدعاة للتقويم، لكأنما التنظير أطار خارجي لنواقص العمل ولتوافر العملية النقدية في الناحية النظرية إذا هى لم تسدد في الناحية التطبيقية، إذْ التطبيق أحياناً لا يدع الفرصة سانحة دوماً إلى العلاج: علاج القصور الناشئ في الحركة التهذيبية؛ فينتقل قصور العمل إلى تفكير النظر ليحيطه بالسداد والاكتمال بعد أن كان أصل الحركة التهذيبية فكراً خالصاً وعلماً دائماً، لكن هذا الفكر النظري الخالص أو هذا العلم السطحي الدائم لا وجود له حقيقةً في الواقع الفعلي ما لم يخضع لاستمرارية التهذيب والتطبيق، حينذاك يكشف عن وجوه القوة فيه ووجوه النقص الذي يعتريه. فشأن الأخلاق كشأن التجربة الصوفية: أولها فكرة نظرية. وثانيها: تطبيق وممارسة. وثالثها: حركة فكرية لما كان طُبق بالفعل. فالتطبيق الذي هو بالاصطلاح الفني للقوم يُدْعَي "التسليك" وسط بين محورين؛ أولهما: الفكر الداعي للحركة الفعلية؛ وهذا محور النظر قبل العمل. وثانيهما: الفكر التنظيري الذي يتمخض عن التجربة العملية، وهذا محور النظر بعد العمل، وهو بالطبع يختلف عن المحور الأول؛ لأنه يشرح التجربة ويكادُ يكون مقطوع العلاقة بمحور التنظير الذي يأتي قبل العمل.

فإذا نحن عُدْنَا إلى مقالة شيخنا الجيلاني فيما ذكره عن إذهاب غمِّ القلب نجده تجربة صافية سبقت أقواله وتحقَقَّتْ بعد استشراف: الكلام فيها صادرٌ عمَّا عَسَاهُ يأتي عن المحور الثاني، أعني الفكرة الناشئة عن التجربة العملية الشارحة لحالات الصفاء التي عاشها. وجميع الأفكار التي قالها في مقاله هذا، ليست عن نظر فكري مُجَرَّد نتيجة قراءة وتأمل وكفى، ولكنها بارزة من "فتوح الغيب" كشفاً وشهوداً؛ بفعل التنقية والتصفية، لا بل بفعل التوفيق والاصطفاء، أي بفعل الاختصاص الإلهي، بفعل الحياة الروحية الزاخرة بذوق البصيرة والجهاد الدائم، والإرادة المقصورة على المجاهدة، ثم بالعلم والمعرفة وتحرير الإرادة الدينية عن غَوَاشي الانحراف في المقاصد المطلوبة: تحريرها فيما لو انحرفت هذه الإرادة بوجهتها في وادي الحمقاء.

هكذا تكون التجربة الفاعلة هى المحركة لعبارات القوم إنْ على مستوى التذوق وإنْ على مستوى المقول؛ ومن فيض التجربة تجيء العبارة وَيُفْهَم مدلول الخطاب. أمَا نتذكر قول ابن عطاء الله السكندري:" العبارات قوت العائلة المستمعين. وليس لك إلا ما أنت أكل " (يراجع: شرح الرندي على الحكم العطائية؛ جـ 2, ص 49). غير أنه يَطيب لنا أن نختم حديثنا بحكمة من حكم الإمام الهمام أبي الحسن الشاذلي دفعاً لإنكار المنكرين لهذا الطريق الصافي وتثبيتاً لما قال لهداية المهتدين إليه كيما لا يضيرهم كلام الحانقين، فماذا قال؟ قال:" الناظرُ في قولي معتقداً ومنتقداً، وكل منهما على قسمين: فمعتقدُ يتلفظ به ولا يعقل معناه، ومعتقد يعقل معناه ولفظه، ومنتقد يحرف لفظه ومعناه خسر دنياه وأخراه. ومنتقد يَتَحَرَّر لفظه ومعناه، طوبى له ثم طوبى " (ابن الصَّبَّاغ: دُرَّة الأسرار؛ ص 231). وعندي أنه إنما خَصَّ المنتقد المتحرر للفظ القول ومعناه ولم يخص بالطوبى ذلك المعتقد الذي يعقل المعنى واللفظ؛ لأن كلام المتمكنين جاء لقصد الهداية ولفتح الطريق؛ فإذا حرَّره المنتقد وتحقق من معناه أهتدى من فوره؛ فطوبى له ثم طوبى.

ثم ماذا بعد؟ أليس التصوف، وهو بهذه الخلال؛ يعدُّ بحق العبقرية الدينية في الإسلام ؟

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيمنَفَذَ شَاعرُنَا العربي ببصيرته إلى حقيقة النفس البشرية عندما قال إنها باستمرار تنزع إلى الرغبات إذا هى وجدت المساندة من صاحبها؛ فيشتد بها هذا النزوع حين يدفعها إلى ذلك، لكنها في الوقت نفسه تكتفي بالقليل لو إنها ارتدعت وكفَّت عن النزوع إلى الكثير الذي تريده؛ فحيث يكون الرضى ترضى، وحيث تكون الرغبة ترغب، وما يُقال عن الرضى والرغبة يُقَالُ كذلك عن إرادة الامتناع، فحيث يكون المنع تمتنع، وحيث تكون الرغبة ترغب، وحيث تكون القناعة تقنع :

والنفسُ راغبة إذا رَغَّبتها       وإذا تُرَدُ إلى قليل تقنع

غير أن القانون في علوم الطائفة يبدأ بالصبر والمقاومة والإرادة: مَطَالبُ النفس القوية العجيبة لكن الذي يدفعك إلى الصبر هو "الحب"، والذي يدفعك إلى الحب هو "الإيمان": والصبر نصف الإيمان، والنصف الثاني فَتْحٌ من عند الله غير أنه توفيق، لكأنما الشاعر يريد أن يقول لك من بعيد: أصبر نصف دينك، وانتظر رحمة الله في النصف الآخر. إنما الصبر فضيلة عظيمة، هى الفضيلة الباقية من جوهر الإنسان، كانت موجودة ولا زالت في جميع الثقافات والحضارات الإنسانية، كانت تسمى إرادة جبارة، أو عزيمة فعالة، أو كانت تسمى تنبُّهاً وتركيزاً شديدين، وهما في الواقع عبارة عن "الصبر" بالاصطلاح الديني، وإنْ اتخذ هذا الاصطلاح أشكالاً من التعبير الفني في الثقافات المختلفة.

قلة الصبر على المكاره وابْتعَاث الإرادة في وادي الحمقاء لهو عينه الهلاك المحقق للذين فقدوا إرادتهم حين فقدوا الصبر ولم يتحلوا بالتصبُّر وركلوا الاصطبار؛ ومع فقدان الإرادة وفقدان العزم النافذ والتصميم الفاعل تنبعث الإرادة الإنسانية لتصير كما السائمة في وادي الحُمَقَاء !

وادي الحُمَقَاء .. وما هو وادي الحُمَقَاء؟!

هو وادي لأناس تصوَّروا جهلاً أو غَفْلةً أنهم أعرف الناس بالناس، وأعرف الناس بأنفسهم حتى إذا ما راجعت أحدهم في كلمة قالها أو فكرة تشبث بها أو رأي ارتضاه لنفسه أو حتى خطة من خططه المقلوبة، قال لك من فوره: إني لأعرف جيداً نفسي! وهو في الحق كاذب أو مخدوع؛ لأن درجة معرفة النفس على حقيقتها من الصعوبة بمكان بحيث تنعدم معرفتها أو تكاد. وفي الغالب لا تكاد أن تكون متاحة لكل أحد ولا لأي أحد من الوهلة الأولى: كل الأمور تهون، ولا تهون قط معرفة الإنسان لنفسه؛ فالأحمق هو الذي يدَّعي أبداً أنه أعَرَفُ الناس بنفسه فضلاً عن دعواه بأنه أعَرَفُ الناس بالناس، تقوده الدعوى هذه التي يقرر فيها أنه عَرَفَ نفسه حتى انقشعت عنه ظلماتها فإذا هى أمامه نور أو ما يُشْبه النور إلى جهل محقق مغموس بعكارة الغرور؛ لا معرفة فيه ولا هداية ولا بصيرة بكل تأكيد.

لم يكن "سقراط" يقولها عبثاً تلك الحكمة الخالدة التي وجدها مكتوبة على معبد دلْفس بأحرف من ذهب: " أعرف نفسك "؛ ولم يكن تمسكه بها نهجاً فلسفياً لمعرفة الحقيقة وكفى ولكنه كان فتحاً روحياً بالنسبة له في عالم المعرفة وعالم التفكير؛ إذ التفكير الذي لا يقود إلى عرفان المرء لنفسه هو تفكير أخْرَق مُركب مع الحماقة، وإنما صواب التفكير يعطي أن كل إنسان يحمل في باطنه "مبدأ المعرفة " وشرارتها المنقدحة في قلبه وله أن يطمر هذا وله أن يظهره، بإمكانه ذلك وفي مقدوره، لكن منهجية سقراط قضت أن يَتَوَصَّل المرء إلى ذلك النور المعرفي بطريقين: طريق التهكم وطريق التوليد. غير أن عرفان المرء لنفسه من المؤكد في جهله بها على الدوام؛ لأن هذه المعرفة نفسها فيما لو تحققت من جهة أخرى لتحققت معها معرفة الله، وقد أجمع الصوفية على أنه:" مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ ".

ليس هذا من التناقض في شيء، بل غاية المعرفة هى في هذا الجهل، غاية المعرفة في الحيرة التي تقف المرء على قلة معرفته بنفسه، فضلاً عن معرفتها بربه، إنها بئر غائر سحيقُ قلما يصبر الماهر على الغوص فيها حتى الأعماق، وما أصدق حكمة الأستاذ الإمام محمد عبده حين قال:" أخْفَىَ شيء على الإنسان نَفْسُهُ، وليس من السَّهل أن يعرف دخائلها ".

وبما أن الإنسان مسئولاً عن نفسه أمام ربه، كانت محاسبته لها تزيد من إيمانه، وإهماله لها أيضاً تنقص زيادة الإيمان، من أجل ذلك؛ قال الإمام محمد عبده في حكمة أخرى: " محاسبة النفس وخلجات القلب ركنُ كبير من أركان الإيمان، وقد جَعَلَهَا الصوفية شَرْطَاً مهماً في نجاح الإنسان"؛ لكأنما نجاح الإنسان - إنْ في الدنيا وإنْ في الآخرة - مُتَوَقفُ على مدى معالجته لنفسه تماماً كما هو مُتَوَقف في الوقت عينه على مدى قدرته في معاملة هذه النفس حين يضعها وجهاً لوجه أمام خالقها بحيث لا يطيعها في أمر ولا في نهي.

كان الإمام عبد القادر الجيلاني - طيَّبَ الله ثراه - (ت651 هـ) من الصوفية الأقطاب البارزين في أحكام الطريق شأنه شأن الشاذلي وأبي العباس المرسي؛ وهو صاحب كتاب "الغُنية لطلَّاب طريق الحق"، كتب كتابه "فتوح الغيب" مقالات جاوزت السابعة والسبعون، عبارة عن إشارات ومعاني ترشد إلى قيم السلوك الصوفي، كلمات ظهرت لمولانا من فتوح الغيب، فَحَلَّتْ - كما قال - في جنانه فأشعلت المكان فأنتجها وأبرزها صدق الحال، فتولى لإبرازها لطف المنان ورحمة ربِّ الأنام في قالب صواب المقال، لمريدي الحق والطلاب " (فتوح الغيب؛ مكتبة مصطفي الحلبي؛ الطبعة الثالثة؛ القاهرة سنة 1392هـ - 1973م ؛ ص 6).

تبدأ المقالة الأولى بعد خطبة الكتاب بعنوان " فيما لابد لكل مؤمن"، وهى إشارة هامة ولمَّاحة، مفرطة في ذكاء الروح: أن تجيء المقالة الأولى لتقول: لابد لكل مؤمن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء: أمْرُ يمتثله، ونهي يجتنبه، وقدر يرضى به، فأقل حالة المؤمن لا يخلو فيها من أحد هذه الأشياء الثلاثة، فينبغي له أن يَلْزم همُّها قلبه؛ وليحدِّث بها نفسه، ويؤاخذ بها في سائر جوارحه ". ثم تتعاقب مقالات الكتاب على صغر حجمه إلى أن تصل للمقالة الثامنة والسبعين معنونة بعنوان: " في أهل المجاهدة والمحاسبة وأولي العزم؛ وبيان خصالهم " (فتوح الغيب؛ ص 171).

كتابُ ممتع يُذَاق كالشهد الطيب كما تذاق مقالات العارفين؛ مُطَرَّز في النهاية بلمح من قصائده رحمة الله عليه، مسبوقة بشيء عن حياته ووصاياه لأولاده ومريديه، وتاريخ وفاته، ودخوله لبغداد، وشيء من سيرته رضى الله عنه. أما المقالة التي أريد أن أضعها هنا أمام قلب القارئ لا بصره بل بصيرته، ليذوق منها ما من شأنه أن يريحه من همِّ نفسه حين تجيء هذه النفس جماع الهموم التي ينبغي أن يرتاح منها صاحب الهمِّ النكِد الطويل، فهى المقالة السابعة من الكتاب، فيها على التحقيق "صفة العارف" وأهمها فكرة "إسقاط التدبير". هاهنا، رياض المعرفة وربانيتها، ومتاع الذوق وخصوصيته، ورقي الحياة الروحية العامرة بتجاريب أصحابها القادرين عليها الموفقين من الله إليها، هاهنا الرَّوْعة, وهاهنا الجلال، وهاهنا العلاج، هاهنا الطمأنينة القلبية، وهاهنا البصيرة الذوقية، وهاهنا الرياض المبهجة للعقل والقلب، هاهنا ما لا يحصى وصفه بلسان ولا تتسع لتصوره كلمات، وليس يُحسن بالمرء أصلاً رسمه بقلم، وإنما الأوصاف تقريبية لا تفصيلية، مرشدة ودالة لكنها لا تمسِّ الحقيقة في شيء.

التجربة هى التي تَقفُكَ على الحقيقة إنما الأوصاف لا تعطي الحقيقة ولا شيء منها مما تراه فيك أنت وحدك ولا يراه غيرك منك، جرِّب فقط لتدرك! ذُقْ مَذَاق القوم ثم أنظر ماذا ترى، واعْلم أن القوم ليسوا أهل أقوال ولكنهم أصحاب أفعال، وأن علومهم ليست علوم أفكار ولكنها علوم أذكار: جَرِّب .. ! فإن رأيت مَنْهَلاً أعذب من هذا المنهل فرُدَّه, جرِّب وكفى !

عنوان المقالة هو "في إذهاب غمِّ القلب"، هى السابعة كما قلنا في ترتيب مقالات الكتاب، ترانا نحيطها أولاً بلفظ الشيخ على حرفه هو، ثم نوالي التعليق عليها تباعاً بما أمكن، قال الشيخ:" اخرج عن نفسك وتنح عنها، وانعزل عن ملكك، وسلِّم الكل إلى الله، فكن بوابه على قلبك، وامتثل أمره في إدخال من يأمرك بإدخاله، وأنته بنهيه في صدِّ من يأمرك بصده، فلا تدخل الهوى قلبك بعد أن خرج منه، فإخراج الهوى من القلب بمخافته، وترك متابعته في الأحوال كلها، وإدخاله في القلب بمتابعته وموافاته، فلا ترد غير إرادته، وغير ذلك منك تمنِّ، وهو "وادي الحمقاء"؛ وفيه حتفك وهلاكك وسقوطك من عينه وحجابك عنه. أحفظ أبداً أمره، وأنته أبداً نهيه، وسلم أبداً لمقدوره، ولا تشركه بشيء من خلقه، فإرادتك وهواك وشهواتك من خلقه، فلا ترد ولا تهوى ولا تشته كيلا تكون مشركاً؛ قال تعالى:" فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لقَاءَ رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالحَاً وَلا يُشْركْ بعبَادة رَبّه أَحَدَاً " (الكهف: آية 110).

ولتنظر إلى هذه العبارات تجد مبدأ إسقاط التدبير يشملها تماماً لكأنه حقيقة ماثلة لدى أكابر الأولياء. نتابع قول الشيخ: ليس الشركُ عبادة الأصنام فحسب، بل هو متابعتك هواك، وأنت تختار مع ربك شيئاً سواه من الدنيا وما فيها والآخرة وما فيها؛ فما سواه عز وجل غيره، فإذا ركنت إلى غيره فقد أشركت به عز وجل غيره. فاحْذَر ولا تركن، وخف ولا تأمن، وفتش فلا تغفل فتطمئن، ولا تضف إلى نفسك حالاً ولا مقاماً، ولا تدع شيئاً من ذلك، فإن أعطيت حالاً أو أقمت في مقام فلا تختر شيئاً واحداً من ذلك؛ فإن الله كل يوم في شأن، في تغيير وتبديل، وأنه يحول بين المرء وقلبه، فيزيلك عمَّا أخبرت به، ويغيرك عما تخليت ثباته وبقائه، فتخجل عند من أخبرته بذلك، بل أحفظ ذلك فيك ولا تعده إلى غيرك؛ فإنه كل الثبات والبقاء، فتعلم أنه موهبة وتسأل التوفيق للشكر واستر رؤيته، وإنْ كان غير ذلك، كان فيه زيادة علم ومعرفة ونور وتيقظ وتأديب، قال الله عز وجل:" مَا نَنسَخْ منْ آيَة أوْ نُنسهَا نَأت بخَيْر مّنْهَا أوْ مثْلهَا, أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلّ شَيء قَديرٌ " (البقرة: آية 106). فلا تعجز الله في قدرته، ولا تتهمه في تقديره ولا تدبيره، ولا تشك في وعده، فليكن لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة: نسخت الآيات والسور النازلة عليه، المعمولة بها، المقروءة في المحاريب، المكتوبة في المصاحف، ورفعت، وبدلت، وأثبت غيرها مكانها، ونقل صلى الله عليه وسلم إلى غيرها، هذا في ظاهر الشرع. وأما في الباطن والعلم والحال فيما بينه وبين الله عز وجل فكان يقول:" إنه ليُغان على قلبي فأستغفر الله في كل يوم سبعين مرة"؛ ويروى" مائة مرة ". (والغَيْنُ: غين أنوار لا غين أغيار أو أكدار كما قال الشاذلي؛ والحديث أخرجه مسلم من حديث الأغَرّ المزني إلا أنه قال "في اليوم مائة مرة "، وكذا عند أبي داود. وللبخاري من حديث أبي هريرة " إني أستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة". وفي رواية البَيْهقى في الشعب "سَبْعين" لم يقل أكثر (راجع الحافظ العراقي: المغني عن حمل الأسفار، على هامش الإحياء جـ3، ص242). وتظهر المؤثرات الروحيّة المباشرة في تصوف الجيلاني هنا تماماً كما هى في تصوف الشاذلي والمرسي وابن عطاء، وهى مؤثرات سنية بحتة موصولة بالغزالي مباشرة، إذْ تكاد العبارات الأخيرة من كلام الجيلاني تكون منقولة بحرفها من الغزالي)

وكان صلى الله عليه وسلم ينقل من حال إلى أخرى ويسير به في منازل القُرْب وميادين الغيب، ويغير عليه خلع الأنوار، فتبين الحالة الأولى عند ثانيها ظلمة ونقصاناً وتقصيراً في حفظ الحدود فيلقن الاستغفار؛ لأنه أحسن حال العبد، والتوبة في سائر الأحوال؛ لأن فيها اعتراف بذنبه وقصوره، وهما صفتا العبد في سائر الأحوال، فهما وراثة أبي البشر آدَم عليه السلام إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم حين اعتورت صفاء حاله ظلمة النسيان للعهد والميثاق، وإرادة الخلود في دار السلام، ومجاورة الحبيب المنان، ودخول الملائكة الكرام عليه بالتحية والسلام، فوجدت هناك نفسه مشاركة إرادته لإرادة الحق، فانكسرت لذلك تلك الإرادة وزالت تلك الحالة، وانعزلت تلك الولاية، فانهبطت تلك المنزلة، وأظلمت تلك الأنوار، وتكدر ذلك الصفاء، ثم تنبَّه وذكر صفي الرحمن، فعرف الاعتراف بالذنب والنسيان ولقن الإقرار فقال:" رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإنْ لَّمْ تَغْفرْ لَنَا وَتَرْحَمَنَا لَنَكُونَنَّ منَ الخَاسَرينَ " (الأعراف: آية 23) . وجاءت أنوار الهداية وعلوم التوبة ومعارفها، والمصالح المدفونة فيها ما كان غائباً من قبل، فلم تظهر إلا بها، فبدلت تلك الإرادة بغيرها والحالة الأولى بأخرى، وجاءته الولاية الكبرى والسكون في الدنيا ثم في العقبى، فصارت الدنيا له ولذريته منزلاً، والعقبى لهم موئلاً ومرجعاً وخُلْداً؛ فلك برسول الله وحبيبه المصطفى وأبيه آدم صَفي الله عنصر الأحباب والأخلاء أسوة في الاعتراف بالقصور والاستغفار في الأحوال كلها (فتوح الغيب؛ ص 16- 19).

ولنذكر ما كان قاله الإمام أبي الحسن الشاذلي:" أحْصَنُ الحصون ما أخبرك عنه في الاستغفار؛ وحقيقته أن لا يكون لك مع غير الله قرار، قال تعالى في كتابه:" وَمَا كَانَ اللهُ ليُعَذّبَهُم وَأنْتَ فيهم، وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفرُونَ" (الأنفال، آية 33). ولنلحظ: وحدة الاتجاه بين الشاذلي والجيلانى ممثلاً في إسقاط التدبير ورفض دعوى الإرادة في هذه المقالة؛ ووحدة المشرب الروحي الواحد، ووحدة القصد من وراء التأثر بذوق الطريق، لا بل تأثر ذَوْق الطريق نفسه بهما، وانتهاج هذا الذوق ليكون معبراً عن جانب عظيم في الإسلام، واقتفاء هذا الأثر على طول الخط؛ محافظةً على التصوف السُّني الخالص، واستخلاص أثره الباقي في الحياة الروحية في الإسلام.

هذه هى المقالة التي دبَّجها يَراع الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمة الله عليه في إذهاب غمِّ القلب وأنت ترى فيها أولاً: مقاصد العبودية ومطالبها صريحة في إسقاط التدبير؛ كما يُقَدّمها نظام التَّعَبُّد الصوفي لدى أعلام الحياة الروحيّة معراجاً روحياً فوق كونه تكريماً آدمياً: إزاحة الهوى أولاً، وتنحية الشركاء والأغيار ثانياً، والتغلب على إرادة النفس وشهوات الأهواء والمخالفات ثالثاً، والتوجه بكل الهمة إلى الله تعالى طلباً للمساعدة والتوفيق. هذا المعراج قد وَصَفَه الغزالي في "الإحياء" من قبل، وبين حالات الارتقاء فيه بالنسبة لمعراج النبي صلوات الله وسلامه عليه، والاعتبار به، وَشَرَحَ حالات تطوره الروحي شرحاً مستفيضاً بما لا مزيد عليه.

ثم ترى فيها ثانياً: أن الوادي الذي يهيم فيه الحمقاء هو وادي"دعوى الإرادة" في غير محل للإرادة وفي غير اعتبار لها؛ فالحمقاء هم الذين يريدون غير إرادة الله باعتمادهم على إرادة أنفسهم فيما تصوره لهم أهواؤها، فلذلك قال الجيلاني "فلا ترد غير إرادته، وغير ذلك منك تمن، وهو وادي الحمقاء". لكن هذه الإرادة إذا هى كانت على النحو الذي قرره الشيخ تصبح طلباً للكمال. وطلب الكمال صفة من صفات الروح الإنساني ولازم من لوازم تطلعه الروحاني، بل هو النتيجة الملازمة لكل تلك العواطف والميول والقوى التي رُكبت في هذا الفؤاد الخفَّاق الساكن بين الجوانح: طلب الكمال طلب للتحرير وتأكيد للذات من جانب المعرفة؛ لأنه مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ؛ ولأنه طلبٌ لحقيقة الإنسان الوجودية الأصيلة فيه؛ فمتى تحرَّر وَجَدَ نَفْسَهُ وَشَهَدَ حقيقته الأصلية ولازم إنسانيته في أرفع مطالبها، وترقى صعداً من لوثة التراب المجبول إلى أفق الأرواح والعقول.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

علي رسول الربيعيلقد كان المستشرقون أول من لفت الانتباه لدراسة الفلسفة العربية الإسلامية في ما قاموا به من نشر وتحقيق لنصوصها، ورغم أنهم اصدروا الكثير من الأحكام المجحفة بخصوص أصالة هذه الفلسفة الاً أن عملهم حفز الباحثين العرب لدراسة الفلسفة العربية / الإسلامية والرد على تلك الأحكام. فقد تعمق الباحثون العرب لاحقا في البحث أبتداءً من السؤال عن المنهج الملائم لدارسة تراثنا العقلي والفلسفي لأبراز أصالته وأقامة التواصل معه. فحاولوا تطبيق مناهج مختلفة في قرائتهم له، كان أولها تلك التي نشرها محمد لطفي جمعة عام 1927 بعنوان " تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب " فقدم به دراسة شاملة تغطي حياة وأعمال الفلاسفة من الكندي حتى ابن خلدون، عبرَت عن سعة أطلاعه على التراث الفلسفي الإسلامي، وعن قراءات مقارنة مع أعمال المستشرقين في القرن التاسع عشر(الأعسم)، ولكن ظل عمله هذا يكتنفه عدم الوضوح المنهجي، ويعود ربما هذا جراء محاولة الإحاطة الشاملة بجوانب موضوعه كافة، كذلك يفتقد عمله الكثير من عدم توثيق المصادر التي أقتبس منها، علاوة على تأثره بدراسات بعض المستشرقين مثل رينان (العبيدي)

المنهج التاريخي

يقوم هذا المنهج بكشف السياق التاريخي لنشأة وتطوَره موضوعه، ومن ثم بناءه لتقديم تصور متكامل عن تكوينه، ويهتم تطبيق هذا المنهج في حقل التراث الفلسفي العربي/ الإسلامي بدراسة الفلاسفة بحسب سبقهم الزمني في التأليف الفلسفي فأنصرف جُلً اهتمام الخطاب الفلسفي العربي المعاصر في اتجاهه التاريخي إلى البحث عن مكان في التاريخ لتراثنا الفلسفي (الجابري)، وكانت هذه محاولة مصطفي عبد الرازق في كتابه " تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، مطبعة لجنة التأليف والنشر، القاهرة 1966 " ليقدم منهجاً في دراسة هذه الفلسفة، يتوخي منها الرجوع إلي النظر العقلي الإسلامي في بداياته الأولي وتتبع تطوره في ثنايا العصور حتى يتمكن من كشف عن العقل الفلسفي العربي/ الإسلامي في مذاهب المتكلمين من معتزلة، لأثبات أن هناك تفكيرا فلسفياً في السياق الإسلامي رداً على آراء المستشرقين، ومن هنا اتجه إلى علم الكلام والتصوف الذي لا تُخفى صلته بالفلسفة وكذلك إلى أصول الفقه الذي تشدهُ إلى الفلسفة صلة تقربه من الأنظمام اليها ويكون دليلاً على الأصالة.

تسلم عبد الرازق هذ الرأي من رينان الذي يقول: يمكن العثور على الفكير الفلسفي الأصيل في " الإسلام " متمثلا بمذاهب المتكلمين، وفي علمين أصيلين هما الفقه وأصول الفقه، محاولاً إثبات الخصوصية الفكرية للإسلام (صبحي) . لقد تأثر عبد الرازق بأسلوب نظر المستشرقين في الكتابة عن الفلسفة في الإسلام وحاول الرد على آرائهم التي تطعن في أصالة هذه الفلسفة، من أجل يثبت أن هناك فلسفة عربية/ إسلامية لا على طريقة تفلسف اليونان ولكن بمعنى القدرة على التفكير العقلي في ميدان المعرفة، فيأخذ على المستشرقين تقليلهم من أهمية هذه الفلسفة وغمطهم حقها وموقعها في التاريخ الفلسفي العام، حيث لا يهتمون في دراستها إلا بالبحث عن عناصر أجنبية ليردوها إلي مصدر غير عربي أوغير إسلامي، وبديلاً عن هذا يقترح عبد الرازق منهجاً يكشف عن القدرة على ممارسة تفكير عقلي إسلامي قبل دخول الفلسفة اليونانية التي لم تكن سوي حدث طارئ صادف الفكر الإسلامي ولم تكن نتاجه.

أن هذا المنهج الذي يقترحه عبد الرازق لم يكن سوى منهج المؤرخين المسشرقين الذي يرسم صورة عن تاريخ الفلسفة يقوم على "الوحدة " و"الاطراد "، فينقله إلى ميادين التفكير العقلي من التراث العربي الإسلامي، متبعاً سيًر هذا التفكير منذ بداياته حتي دخوله مرحلة التفكير الفلسفي . لقد حاول عبد الرازق في " التمهيد " من خلال تطبيق منهجه المقترح إيجاد "الوحدة والاطراد" في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، فبدأ بالجدل الديني قبل ظهور الإسلام، معتبراً ذلك أولى مراحل تطور التفكير العقلي عند العرب، حتى ظهور النظر العقلي المنظم عند المسلمين في أصول الفقه الذي تبلور نتيجة العوامل داخلية صرفة.(الجابري : الرؤية الاستشراقية)

لكن " مصادرة " عبد الرازق في " التمهيد " تأتي من أن الانطلاق من الأسس الأولي للتفكير العقلي في " الإسلام " وأصول الفقه لا يؤدي إلى الفلسفة الإسلامية كما هي عند الفلاسفة المسلمين حيث تطور كلا الطرفين في خط مواز للآخر (الجابري : الخطاب)، أي أنه لم يتمكن من إقامة الروابط بين المسارين المستقلين المتمثلين في التفكير العقلي في "الإسلام" وفي الفلسفة الإسلامية، ورغم ما يعطي من صفة فلسفية لأصول الفقه تبقي هناك حقول فكرية مقطوعة الصلة مع بعضها ولا تربط بينهما رابطة لا على المستوي البنيوي ولا التاريخي حيث لكل حقل استقلاله مثل: أصول الفقه، علم الكلام، الفلسفة، والتصوف، وبالتالي فلا " وحدة " ولا " اطراد"، وهكذا يظل عبد الرازق أسير " المركزية الغربية " في مجال تاريخ الفلسفة التي حاول رد عليها.

المنهج الموضوعي

يؤرخ المنهج الموضوعي للفلسفة العربية /الإسلامية من داخل التراث الأسلامي، ويحكم أن هذه الفلسفة لاتتمثل في مقالات الفلاسفة المسلمين فهؤلاء لا يعبرون عن حقيقة وأصالة الفكر العربي/ الإسلامي وموقفه من مشكلات الوجود والمعرفة والقيًم فمن يمثله على الحقيقة هم علماء الكلام والأصول والمتصوفة.

تعبيرا عن هذا المنهج اصدر علي سامي النشًار كتابيه " نشأة الفلسفة في الفكر العربي الإسلامي " و مناهج البحث عند مفكري الإسلام، القاهرة، 1946" الذين اكتسبا بدورهما أهمية كبيرة في الدراسات الفلسفية والمنطقية العربية، مطبقاً فيهما منهجيته الموضوعيًة (الأعسم). لقد تساءل النشًار عن المنهج الذي تكشف بواسطته أصالة الفكر الفلسفي الإسلامي، وأن نفرز جانبه الإسلامي الخالص من بين الميراث الضخم للأمة الإسلامية حتى يمكن كشف الطابع المميًز للحضارة الإسلامية ولجوهرها الحقيقي. وحاول النشار الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال ما يراه في الكشف عن نتائج العبقرية الإسلامية لا في كتب فلاسفة الإسلام لأنهم دائرة منفصلة ومنعزلة عن تيار الفكر الإسلامي العام بل من خلال ممثلي الإسلام حقيقة من علماء الفقه والأصول والكلام. يعتمد النشار على هذه المنهجية لأبراز إبداع العقلية الإسلامية من خلال التأكيد على وجود بحث إسلامي أصيل لدى علماء الأصول، وهو ما يكون انبعاثاً للروح الحضارية لدى الأمة الإسلامية، وأن أي فكر دخيل مصيره الإبعاد والتهميش لانعدام تأثيره على معتقد المسلمين رغم تمتع العرب بعمق ثقافي كبير ومتنوع إلا أنهم صدروا في رسالتهم الجديدة عن نبع فكري صاف، حتى إذا تفاعلوا مع حضارات الأمم الأخري كونوا مزيجاً فكريا جديداً أخرج فلسفة لم يعرفها اليونان من قبل. هذه هي الرؤية التي دعت النشًار يعطي عظيم الاهتمام لعلم الكلام والتصوًف فتتبع نشأتهن الأولى وتطورهن، ولم يلتفت إلى فلاسفة الإسلام حيث يعدهم مجرد ناقلين للفلسفة اليونانية غير مبدعين فيها متفقا مع رينان على أن الفلاسفة المسلمين قبلوا الفلسفة اليونانية كما تلقوها ولم يبدعوا فيها على الإطلاق.

يعد النشًار منهجه هو ما يقدم تفسيرا مطابقا عن نشأة التفكير الفلسفي في اطار الإسلام متمثلا في كتابات المسلمين أنفسهم قبل أن يتصلوا بالفلسفة اليوناني ويقوموا بدراستها، وعلى أساس منهجه هذا يستنتج أن للمسلمين تفكيراً عقلياً خالصاً نابعاً من تكوينهم الذاتي، وتفكيراً تنظيميا تنسيقياً كان لهم فيه ريادة الابتكار.

وجه النشار في دراسته هذه أنظار المهتمين بدراسة الفلسفة العربية الإسلامية إلى ناحية جديدة في الفكر الإسلامي، يعتبرها المعبًر الحقيقي عن روح الحضارة الإسلامية، ويمكن من خلالها أستعادة الطابع الأساسي المميز لهذه الحضارة، وهي تتجلي في علم الكلام وعلم أصول الفقه الذين هما نتاج خالص للمسلمين بالاضافة الي التصوًف الذي يعبر عن جانبها الخُلقي ً. والنتيجة التي يمكن أن ينتهي اليها لطرح النشار هي أنه لا يعترف للحاضر بهوية أخرى غير تلك أورثها له الماضي، أنه اتجاه سلفي يرجع إلى القديم ويعتبره الحقيقة الوحيدة وبالتالي فهو رافض لكل تجديد، إنها الأصالة التي يكتفي بها الخطاب السلفي.

المنهج التاريخي المقارن

نشر إبراهيم بيومي مدكور مؤلفه " في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق " فاكتسب أهمية كبيرة في قراءات تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية على نحو تجاوز الشكل التقليدي لكتابة تاريخ هذه الفلسفة ويعود ذلك لوضوح الأثر الأوربي في دراسته (الأعسم)، حيث قدم فيه منهجاً لـ (تاريخ) الفلسفة الإسلامية وتطبيقاً له. لقد نوه مدكور بأمرين، أولهما نشر وتحقيق متون الفكر الإسلامي لاستعادة الماضي وأحياء تراثه، والآخر يتعلق بالمنهج الذي يمكًنه من ربط الفلسفة الإسلامية بمراحل الفكير الإنساني .

يري مدكور إنً أقوم طريقة لدراسة الفكر الإسلامي أن يعرض بذاته طبقا لواقعه الماضي وتمييزه عن ما وصل إلى المسلمين من أفكار "دخيلة" لكشف ما ولدته البيئة الإسلامية نفسها من أفكار وأنواع من الجدل، والتعريف بالقائلين به كي يمكن إدراكه على حقيقته، ثم تتبع إدوار تكوينه : نشأة، ونموا، وكمالا، ونضجا، ويبين مدى تأثيره على الخلف والمدارس اللاحقة .

إن دراسة كهذه لابد أن تفحص النصوص والوثائق حتى تكون الدعامة القوية لأستنباط الأحكام، وأن تقوم بمقارنة الأفكار ببعضها، ومن ثم توظف المنهج التاريخي الذي يصًعد بنا إلى الأصول الأولى، فبواسطته يمكن استعادة الماضي وعرض صور منه تطابق واقعه ما أمكن، وأن يُضم إليه المنهج المقارن الذي يسمح بمقابلة الآراء والأشخاص ويعين ما بينهما من شبه أو علاقة. أن عرض فكر فيلسوف ما، مثلا، يوضع في بيئته و يُقارن بمن كان حوله وبيان كيفية نشأة فلسفته والعوامل التي أثرت بها ومدى ارتباطها بالأفكار المعاصرة لها، أو الكشف عن نقطة البدء في فلسفته، ثم تشرح كيف ترتب عليها آراؤه ونظرياته المختلفة، أما فيما يخص الأفكار والنظريات فنقوم بشرحها وتكوين تصور كامل عنها بالشكل الذي بدأت عليه في السياق الإسلامي ثم بعد ذلك نحاول تلمس أصولها والبحث عن مصادرها فيما نقل إلى العربية من أفكار أجنبية، أو فيما جاء به الدين من تعاليم، وما نشأ حوله من فرق وطوائف وما تكوًن بجانبه من ملل ونحل ومذاهب ومدارس، ثم نقوم بتتبع تاريخ هذه النظريات للكشف عن مدى أثرها لدي المسلمين أنفسهم .

ينطلق مدكور في الرد على الذين لا يعترفون بوجود فلسفة إسلامية أصيلة، من أنً هذه الفلسفة، رغم جهود المستشرقين في النشر والتحقيق، لم تدرس بعد الدراسات التحقيقية والمعمقة من ناحية تاريخها ونظرياتها لكشف أصالتها، وأن أبحاث المستشرقين بدت قديمة وبالتالي محتاجة للتجاوز والتجديد .

وبداية التجديد هي الأمساك بالحلقة المفقودة في تاريخ الفكر الإنساني، وأن نتابع سير المستشرقين ونقتفي أثرهم في توخي الدقة العلمية علي المستوي الأول، أما على المستوي الثاني فعلينا أن نعتمد كلا المنهجين التاريخي والمقارن حتى يمكن إعادة بناء تاريخ الفلسفة الإسلامية بشكل يكشف عن تلك الحلقة المفقودة في تاريخ الفكر الإنساني، أي حلقة العصور الوسطى، وبذلك يمكن أبراز المكانة التي تستحقها، وفي هذه السلسلة تكون الفلسفة العربية الإسلامية في الشرق مقابلة للفلسفة اللاتينية في الغرب، ومن هاتين الفلسفتين يتكًون البحث النظري في القرون الوسطى من جهة، ومن جهة أخرى ربط الفلسفة الإسلامية بالفلسفات القديمة والمتوسطة والحديثة كي تحتل مكانتها اللائقة في تاريخ الفلسفة، وحتى تكتمل مراحل تاريخ الفكر الانساني.

وهنا تظهر المسافة بين جاذبية المنهج ومزالق تطبيقه عند مدكور حال قيامه بنقد المفاهيم والتصورات التي دعت أن لا تأخذ الفلسفة الإسلامية مكانتها اللائقة في التأريخ للفلسفة، وفي مقدمتها مفهوم (الفكر الإنساني) المحكوم بـ(المركزية الاوربية) التي تعد الفكر الأوربي هو ما يمثل فكر الإنسانية جمعاء، وبالتالي يكون الوضع اللائق للفلسفة الإسلامية في تاريخ الفكر الإنساني، هو أن تكون في موقع التابع ترسم وتكمل تاريخ الفكر الأوربي، أي أن توظف لدعم خط الاستمرارية والتواصل في تاريخ الفكر الغربي حيث يتم التشديد على الحلقة الأضعف متمثلة في القرون الوسطي، و يأتي كل هذا على حساب تاريخية الفلسفة العربية الإسلامية وعل حساب خصوصيتها واصالتها.

إن ما يشكل بعض عيوب هذه الدراسات هو أنصرافها في التأريخ للفلسفة الإسلامية إلى الكتابة عن الأشخاص أكثر من الأهتمام بالمدارس والنظريات الفلسفية فتأسس البحث على طرق تقليدية غير منتجة فكريا، كما نجد في هذه الدراسات تذبذبا شديداً وضموراً في كتابة التاريخ الخاص لهذه الفلسفة، أي لم تكشف عن السياق داخلي الخاص بها الذي له مشكلاته وحلوله، فالفلسفة العربية/الاسلامية ليست مجًرد قراءات منفصلة للفلسفة اليونانية ومنعزلة عن بعضها بل لها وحدتها الذاتية ومفاهيمها الخاصة. وتكثر،أيضا، القراءات الأستنساخية التي ينقصها البحث المحقق المدقق للتراث الفلسفي العربي الإسلامي (الأعسم)

ويمكن القول أخيرا كان التراث الفلسفي العربي/ الإسلامي حقلاً خصباً للقراءة والتأويل من قبل دراسات مختلفة حاولت أن تؤرخ له بغية إبراز أصالته بوصفه نتاج مبدع للفكر العربي الإسلامي وكيً يمكن القول بوجود نشاط عقلي إسلامي أو نمط من المعقولية العربية /الإسلامية.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

.................................

المصادر

الأعسم، عبد الأمير، عرض بيلوغرافي لتواريخ الفلسفة العربية الإسلامية عند العرب المحدثين، دوريات آفاق عربية العدد الثاني، 1985

الجابري : الخطاب العربي المعاصر، دار الطليعة، بيروت، 1985

الجابري: الرؤية الاستشراقية في الفلسفة الإسلامية طبيعتها ومكوناتها الأيديولوجية والمنهجية، ضمن مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، الرياض 1985م

صبحي، أحمد محمود: اتجاهات الفلسفة الإسلامية في الوطن العربي في: الفلسفة في الوطن العربي، بيروت 1985.

عبد الرازق، مصطفى، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية مطبعة لجنة التأليف والنشر، ط3 القاهرة 1966.

العبيدي، حسن: مناهج المحدثين في قراءة التراث الفلسفي العربي الإسلامي، مجلة آفاق عربية العدد(5)، 1993).

النشار، علي سامي: نشأة الفكرة الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، ج1، ط2، القاهرة،1962.

-------- مناهج البحث عند مفكري الإسلام، دار المعارف، ط4 القاهرة،1978.

محمد لطفي جمعة " تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب " المكتبة العلمية، بيروت،1927.

مدكور إبراهيم بيومي، في الفلسفة الاسلامية منهج وتطبيق دار المعارف، ج1 ط3 القاهرة.

مصطفى، عبد الرازق " تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، مطبعة لجنة التأليف والنشر، القاهرة 1966 "

 

 

مجدي ابراهيمكثيرةٌ هى الأحيان التي نزعم فيها لأنفسنا أننا أصحاب عقول، وقليلةٌ هى الأحيان التي نَتَّهم فيها أنفسنا بالغفلة والجهالة والعبث في غير طائل! وما أكثر ما يكون المرء في تلك الحالة على البلادة والعنت ونكران الجميل: نكرانُ الجميل لا مع الخلق وكفى، بل مع الخالق، جل شأنه؛ فإن البطر نكرانُ للجميل مع ربِّ الناس، ربِّ العالمين. يبدو المرء في الواقع بعيداً في تلك الأحيان عن جميع الأوصاف الحميدة التي تؤهله لأن يكون من ذوي الوصف الجميل من الأخلاق والأفعال. لاحظ كل ما يمكن أن يكون موصوفاً به في مثل تلك اللحظات التي يضعف فيها، وتنبَّه جيداً إلى أحواله النفسيّة، إلى أفكاره وأفعاله وسائر تصرفاته تجده مخلوقاً تافهاً مرتعشاً لا يستطيع أن يقدِّم فكرة ولا عملاً ولا طريقاً للهداية والتهذيب: إرادته مسلوبة، وفكره مشوش أو مضطرب، وعمله مشلول، مُعَوَّق وَمَعْطُوب، لا يصلح أن يكون قائماً بين الأعمال النافعة المفيدة، تلك هى أظهر أحواله وأخلاقه وصفاً لحالات الضعف التي تعتريه، ومردَّها قلة الإيمان وجدب العقيدة .. وما أكثرها !

أذكر إني قرأت منذ زمن طويل للأستاذ العقاد عليه رحمة الله عبارة في كتابه "حقائق الإسلام وأباطيل خصومه" لا يقولها إلا فيلسوف خبير بمعالجة الأفكار الكبرى في مثل قامة العقاد طيَّب الله ثراه جاء فيها:" إنك تلمس أصالة الدين عند المقابلة بين فرد يؤمن بعقيدة من العقائد الشاملة وفرد معطل الضمير مضطرب الشعور، يمضي في الحياة بغير محور يلوذ به وبغير رجاء يسمو إليه. فهذا الفارق بين الفردين، كالفارق بين شجرة راسخة في منبتها وشجرة مجتثة من أصولها، وقَلَّ أن ترى إنساناً مُعطل الضمير على شيء من القوة والعظمة إلا أمكنك أن تتخيله أقوى من ذلك وأعظم إذا حَلَّت العقيدة في وجدانه محل التعطيل والحيرة ".

وعليه؛ فالعقيدة الإيمانية محور صادق وأمين يرتكز عليه العمل إذا هى حلت في ضمير الفرد أوجبت عليه مسعى التقدُّم والتعلق؛ فمن حيث جهة التقدم معرفته بالسلوك على هدى من موفور الاعتقاد، ومن حيث جهة التعلق وجوب الأعمال خالصة في إطار تلك العقيدة وفي إطار الانتماء إليها وتقديرها في البواعث التي يتحرك المرء بمقتضاها ويدور في فلكها. وطالما تعلق القلب بالعقيدة الدينية فرضت عليه الإرادة أن يكون عمله في إطارها مرهوناً بالتفتيش في بواعث العمل، وبواعث العمل على نحو من الأنحاء تبدأ بالخواطر، ويلزم للخواطر إرادة واعية.

هنالك أنواع ثلاثة من الخواطر تلمُّ بالنفس العاملة، ومع ذلك ليس بالإمكان أن يقوم العقل بالتفرقة فيها بين الأعمال إلا أن تكون في الأصل عاملة في نفس صاحبها ومسيطرة. الخاطر الأول خاطر شيطاني باعثه على العمل وسوسة الشيطان، وهو شيطاني لأنه إلقاء في النفس من جهة الشيطان. والخاطر الثاني خاطر نفساني: باعثه على العمل الشهوة وطلب الراحة، وهو حديث النفس وطلب الراحات للأبدان والأنفس. والخاطر الثالث، خاطر رباني باعثه العمل والتوفيق، وهو إلقاء من جهة الحق سبحانه، ولذلك كان الخاطر الرباني يرد بأسرار خطابات العارفين وإمداداتهم الإلهامية؛ إذْ كان سراً من الله بعد تزكية حال صاحبه واستقامة قلبه على منهاج العارفين. يلزم للتفرقة بين هذه الخواطر إذْ كانت بواعث إعمال إرادة يقظة ولا يلزم قيامها في نفس صاحبها بغير إرادة؛ فغياب الإرادة وفقدانها غياب في الوقت نفسه للخلق القويم والنظر السديد يشي بفقدان الإيمان وفقدان العقيدة ويدل فقدانهما على حالات الضعف دلالة التقريب.    

هذه حالة مَنْ تتفسخ لديه الإرادة فتنعكس بالسلب على المجموع ممَّن يحيطون به سواء؛ فالخسارة إذن مع تلاشي الإرادة ظاهرة واضحة في الحالتين: حالة الفرد الذي يفسد نشاطه كله بفساد إرادته وتنقلب حيويته إلى ضعف، وإدراكاته إلى فتور، واقتداره على الأفعال إلى خنوع وبلادة وتردي ونكوص. ثم حالة المجموع الذي ينتسب إليه هذا الفرد، إذْ الجماعة البشرية الصالحة والناهضة دوماً لا تتكون مطلقاً ممَّن أصابهم الضعف والفسُولة من جَرَّاء فقدان الإرادة، ولكنها تترقى دوماً من فعل أولئك الذين لديهم القدرة على العزم والحسم والنهوض بجليل التبعات، أعني أولئك العارفين من ذوي الهمم العالية؛ ومع توافر أركان الإرادة من قوة واقتدار وعزم وحسم وتصميم في الأفراد القادرين على توخي أركان الإرادة وتحققها فيهم؛ ينصلح حال المجتمع وتسمو إرادته الجمعية وينهض رجاله بالمسؤولية المنوطة بهم في كل حال وفي كل حين.

فالأخلاق في جوهرها إرادةٌ مسئولة وتبْعَة باطنة ووجود ملحوظ ينبغي أن يتحقق فلا مناص من توافرها في طبقات المجتمع بكافة طبقاته وأطيافه ودرجاته.

ويوم أن ننحِّي"الإرادة" جانباً من نطاق الأفراد يكون على المجتمع وحده تحمُّل العواقب الوخيمة يتضرَّر بها من فئات فقدوا مقومات التربية والترقية من طريق فقدهم لمزايا الإرادة؛ لاسيما تلك الإرادة التي نتحصَّل عليها من الشعور الديني العميق؛ لأن الدين هو أكثر المقومات ترقية للفرد وتربية لإرادته وتهذيباً لأخلاق المجتمعات. الوعي الديني من الأهمية بمكان بحيث يجيء لازماً لابد منه من لوازم الجماعة البشرية: إصلاحها وتعاونها وتآلفها وتوادُّها وتراحمها وحفظ السلامة فيها، وارتقاء أفرادها ذلك المرتقى العلوي الذي يوفِّر لها الأمانة والأمن كما يوفر لها التعايش السلمي بين أبنائها .. وليس هذا بالشيء القليل.

أنزع عن الفرد عقيدته التي يدين لها بالولاء، وأسلخ عنه ولاءه لمجموعة القيم التي يَحْتَكمُ إليها، ثم رَاقب حالته النفسية، ستجد جهازه العصبي كله في غاية الاضطراب، ستدمر كل مصادر الطمأنينة النفسية والقلبية لديه، وسيعيش حالات القلق والخوف والرهبة في أعلى درجاتها؛ لأنك في تلك الحالة نزعت من قلبه الرجاء والأمل، وهما أرقى مراقي العبودية من مخلوق يتوجَّه بهما إلى الخالق دُوناً عن سواه.

والشيء الذي يُقَالُ في فرد، يُقَالُ كذلك في مجتمع يعيش بغير ملاذ الإيمان: فما الكوارث وما الآفات وما الشرور وما الآثام التي يسقط فيها المجموع في مستنقع آسن إلا نتيجة حتمية لزعزعة اليقين بموارد العقيدة وروافدها الإيمانية؛ أو قُلْ هو نتيجة لاعتقاد لا يخالطه عمل، ولاعتناق لدين لا يمازجه سلوك، ولتبني أفكار نظريّة لا تمارس ولا تطبق: التنظير فيها شيء والعمل شيء آخر. العقيدة فيها في جانب والممارسة الفعلية في جانب آخر. الخطاب الأيديولوجي في كفة، والطريقة التنفيذية لهذا الخطاب في كفة مقابلة. هنالك هوَّةُ وسيعةٌ بين القول والعمل، أو بين التصوِّر والاعتقاد من ناحية، والحركة الفعليّة في الواقع العملي من ناحية ثانية؛ وتلك مشكلة الضمير العربي وأزمته الكبرى - ولو فيما نراه نحن - على وجه العموم.

إنما ضعف اليقين وقلة الإيمان وشلل الحيوية الروحيّة أمور تؤدي حتماً بالفردية إلى الوهم، وتفشي الوهم يؤدي حتماً إلى التخلف وظلمة السعي والعمل وانتشار الأمراض النفسيّة بين الأفراد فضلاً عن الجماعات؛ وإذا ضَعُفَ اليقين ونضبت الحيوية الروحية وغارت الحماسة الدينية، شاعت الأوهام في بواطن الفردية وكثرت، وبشيوع الوهم يضطرب السلوك، ويشل العمل النافع للفرد بكل تأكيد؛ فتتمثل أمامه الأوهام والخواطر الدنيا فلا يدرك سواها، بل كل ما يدركه حجاب؛ حتى إذا شاع الوهم وشاعت الخواطر السفلى في مدارك المحجوبين تَبَدَّتْ الحياة أمامهم وكلها حقائق! كأنها الحق الصُّرَاح الذي لا يخالطه باطل، تلك الحقائق التي يتصورونها من فعل الوهم، وهى في الحق سرابُ خَادعُ لعلم لا ينفع ولعَمل لا خير فيه!

إنه لزمن عجيب حقاً؛ ذلك الذي نتصور فيه الحقائق في حين لا ندرك فيه إلا الأوهام.

إذا كنَّا لا زلنا نبحث عن صفة العارف: الذي يمنع عن نفسه أوهامها وأهواءها ويدفع عنها عوائقها وعلائقها ثم يجلب وفق استعداده ما يؤهله للعرفان ويهيئ قلبه لقبول فيوضات الرَّحْمن المنان؛ فيلزمنا أن نقرر وفق غياب هذه الصفة من مجتمعاتنا أن هذا زمن ليس فيه من القيمة إلا ما يملأ النفوس من الأوهام، وبخاصة أوهام الآفات التي تصطدم مع العقول المستنيرة ولا تعطي تصوراً واضحاً لإتاحة الفرصة لها كيما تفكر في تصحيح الأحوال، إذْ تراها معوجَّة كما تراها سارية وكأنها تمضي على منهج منظم مضبوط، لكنه مكتظ بالعديد من الأخطاء الشائعة الشائهة، على ما تراه من كثرة الآفات والمعاطب والعقبات التي تلازم كل عمل في كل حال:

من زمن الآفات؛ زمن الغفلة السارية دوماً بغير عقال، زمن العقول التائهة الحيرانة التي لا تدرك ولا تعرف كيف تدرك؛ لأنها لا تريد أن تدرك، ثم تتصور على الضلالة أن اعوجاجها إدراك. زمن الأوهام الشائعة الشائهة في دنيا الضلال والعوج والبلادة والتشويه. زمن يفتقد فيه المرء معالم الثورة الداخلية فلا يمضي إلا إلى ضياع! من هذا الوجه الذي تشيع فيه الأوهام لتسلب الضمائر حيويتها الروحية إلى ما يقابله من فاعلية الإرادة الصوفية؛ سنرى الفروق الجوهرية بين سلوك وسلوك، أو بين التزام والتزام، أو بين رؤية ورؤية، أو بين عقل وعقل، أو بين خاطر يبعث على العمل مردة إلى الشيطان وإلى هوى النفس، وخاطر رباني هو الباعث على عمل الإنسان في كل حال، أو بين تصور للحياة في مقابل تصور آخر يصيب الحياة بالآفات والمعاطب والأوهام.

ومادامت هناك أوهام فمن المؤكد أن هنالك دعاوى تحركها رعونة الأدعياء، وكل دعيِّ هو في الواقع من أهل البصائر المطموسة والذي يتبعه في رأي أو في منهج أو في تقليد هو كذلك ذو بصيرة مطموسة، وأهل البصائر المطموسة ليسوا أهلاً للصحبة؛ لأنهم ليسوا أهلاً لأن يكونوا أصحاب وعي ينفتح على بصائر الصابرين من ذوي الصدق الخالص، إذْ البصيرة المطموسة وحدها هى التي تحركهم، وهى التي ترشدهم إلى ما في النفوس من مقدرة على خلق الشرور والآثام.

كذلك؛ هى هى التي تصوِّر لهم الحقائق أوهاماً، والخيال واقعاً والواقع خيالاً، كما تصوِّر لهم بصائرهم المطموسة تلك - خلافاً للبصائر المستنيرة التي تعطف مشفقة حتى على أصحاب الخطايا - أن يمضوا إلى درجة كبيرة من درجات الوعي بما في نفوسهم من مواهب وقدرات حصَّلوها من عنت التفكير في أذية خلق الله؛ يمضوا إلى تحطيم كل خير وكل سعادة يشعر بها الآخرون. إنَّ التدبير الحقيقي الذي يخلقونه بعقولهم المنحرفة الخاضعة للعمل بالخواطر السفلى كيما تنفتح على وقائع الأحياء، هو هو التدبير الذي يُقَدَّم على أنه خير؛ وخيرُ كثير، وهو في الواقع تدمير: أشر ما تنضح به سخيمة الإنسان !

ليس ينبغي علينا ولا يجوز أن نقول إنّ العيب فينا؛ فابحثوا - أفادكم الله!- عن عيوب نفوسكم لتستشعروا آفاتكم وتكتشفوها وتعالجوا - من ثمَّ - أمراضها.

كلا..! لا ينبغي علينا أن نذكر هذا وكفى، وعلينا من أجل ذلك أن نتصدى لا لأنفسنا فقط بل أيضاً لزماننا الذي يجدر به أن يتطَّهر كما تتطهر النفوس من أدرانها وآفاتها؛ لأنه بلا ريب زمن الغفلة الشائعة الشائهة والضمير الساقط في الغالب من أكثر الأفراد. وإذا كثرت الأوهام وكثرت التصورات واضطربت الدنيا بالمطالب الفانية؛ أدركتنا كوارث هى من فعل أيدينا تطيح بنا ما لم تتداركنا في المطلق رحمة السماء. لكن جميع هذه الأحكام الشائعة فينا ترتد إلى ضعف محقق بكل تأكيد سَبَبُه الأول والأخير يكمن فيما تقدَّم للوهلة الأولى في قلة الصبر على المكاره. وقلة الصبر على المكاره تعني فقدان الإرادة وفقدان المقاومة؛ وإذا فقدت الإرادة وفقدت المقاومة فقدت تباعاً أسس الأخلاق النافعة لترقِّي الفرد؛ وتهذيب مطامحه ومطالبه، وصار في جميع أحواله وأقواله عُرْضَة للضياع الذي لا شك فيه.

ومن هنا, كان ضرورياً للصوفي العارف أن يبدأ الطريق بضرب النفس وقهرها على الالتزام، وصار واجباً أن يتخلى وهو بإزاء رحابه العلوي عن الغرور الأجوف والإدعاء البغيض والأنانية الحمقاء، وأن ينصرف إلى ما يهمَّه من مرضاة ربِّه غير عابئ بما يتوهَّمه من انتصارات يتحصَّلها في وادي الحمقاء !

ألا ما أصدق حكمة الأستاذ الإمام "محمد عبده" حيث قال:" أخفى شيء على الإنسان نفْسَهُ؛ وليس من السَّهل أن يعرف دخائلها ". وفي كتابه "الرياضة وأدب النفس" (من تحقيق د. أ. ج. آربري؛ د. علي حسن عبد القادر، طبعة مصطفي البابي الحلبي، القاهرة سنة 1366هـ - 1947م؛ 86 - 87) قال الحكيم الترمذي بعد كلام طويل:" إن النفس إذا اعتادت اللذة والشهوة والعمل بالهوى، أقبل على فطمها عن العادة في كل شيء؛ فكلما أشتد عليها فطم شيء، فأقبل قبل (اشتداد) ذلك الشيء حتى تفطمها عنه، حتى يصير قلبك حُرَّاً؛ يألف الله عز وجل ببِّره ولطفه ".

ومن تعريفات سيد الطائفة "الجنيد بن محمد البغدادي" للصدق إنه قال في مخطوط له بعنوان"في الفرق بين الصدق والإخلاص" ما مفاده؛ إنه من الضروري في مسيرة الطريق لكي تتبدد من النفوس أوهامها:" القيام على النفس بالحراسة والرعاية لها؛ بعد الوفاء منك بما عليك ممَّا دلَّك العلم عليه, في إقامة حدود الأحوال في الظاهر؛ مع حسن القصد إلى الله عز وجل في أوَّل الفعل" (يُراجع: في الفرق بين الصدق والإخلاص؛ ضمن مخطوط رسائل في التوحيد؛ معهد المخطوطات العربية؛ لوحة 62 ش؛ وراجع كتابنا التصوف السُّني: حال الفناء بين الجنيد والغزالي؛ مكتبة الثقافة الدينية ، القاهرة سنة 2000م ص 562 وما بعدها).

وأنت ترى من تلك الشذرات البسطة والنادرة معاً، المعجونة بأرواح أذواق أصحابها ما من شأنه أن يفيد القيام على النفس بالمراقبة، والصمود عند زوغانها، واتهامها على الدوام بالتقصير، وحُسْن سياستها إلى حظيرة الجهاد؛ وفاءاً منك بما عليك في مدلول العلم والشرع ممَّا يقيم ظاهرك على التوجُّه بحسن القصد إلى الله في الأعمال والأفعال بُلْه الضمائر والأسرار. وإذا اتصلت السريرة القلبية بوحدة قصدها نالت ما تريد مما لم تكن تتوقعه مطلقاً. المهمُ هو هذا الاتصال؛ المهمُ هو رفع الهمَّة عن دنايا النفس والناس بالمرة واتصالها بالله سبحانه، ولنذكر هنا قول الإمام أبي العباس المرسي:" مَا رَأيتُ العزَّ إلا في رفع الهمَّة عن الخلق "؛ لنستحضر معه همِّم العارفين ومتوجهاتها العليا، واتصالهم فيما يجمعون عليه بالحضور بين يدي الله؛ وفيه قال الجنيد أيضاً في الفرق بين الصدق والإخلاص:" إذا اقتصرت همَّة عبد على الله، نال معرفته. وإذا أنال الله عبده معرفته، فقد حيزت له الدنيا والآخرة "؛ وتلك هى "رَبَّانيَّة المعرفة"؛ تتحقق للولي لينالها من فضل الله.

المُهم أن تقتصر الهمَّة فاعلة، وتنكمش في هذا المطلب وحده دون سواه. ومعنى اقتصار الهمة: ليُّ عنق النفس ليَّاً قوياً بالتمرين على فنون المجاهدة والتدريب على العناء، واستخلاص النفس لطرق الحرمان من الأوهام. هنالك يكون الفرح بالله لا يعدله فرح سواه، كما روى الإمام الجنيد في أدعيته المأثورة أيضاً، والتي تعطي النفس قوتها موصولة بالملأ الأعلى وتبقيها مع خالص الدعاء على بشرى بالفرح بالله:" اللهم أملأ قلبي بك فرحاً ولساني لك ذكراً؛ وجوارحي فيما يُرْضيك شغلاً. اللهم أمحُ عن قلبي كل ذكر إلا ذكرك، وكل حب إلا حبك، وكل ودِّ إلا ودِّك، وكل إجلال إلا إجلالك، وكل تعظيم إلا تعظيمك، وكل رجاء إلا لك، وكل خوف إلا منك، وكل رغبة إلا إليك، وكل رهبة إلا لك، وكل سؤال إلا منك " (يراجع: أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء جـ 10، ص 282، وانظر كتابنا: التصوف السُّني؛ ص 449).

ومن المؤكد أن الانتصار على النفس يكون بالدعاء؛ والتَّضَرُّع إلى الله في أن يعين العبد على نفسه، والثقة بالله في نيل المطلوب مادامت الهمَّة موصولة غير مقطوعة، ومادام النَّفَس العلوي باقياً على هِيجِّير الحضور وديدن العرفان.

لم تنقطع تلميحات الصوفية ولا تلويحاتهم في الإشارة المُعَمَّقة بوجوب الطَرْق الدائم على أن الوصول إلى الله تعالى لا يكون إلا بموت النفس؛ وموت النفس ليس يأتي من قبَل النفس أبداً، فما من نفس تريد أن تموت عما وقر فيها من آفات وشهوات وأوهام تحركها وتنقاد لها كما تنقاد السائمة لمن يقودها. ولكنه مع ذلك يأتي؛ وهو حين يأتي لا شك أنه يجيءُ من جناب علوي غير ميدان النفس المستبدة بصاحبها القادرة عليه مع قلة قدرته عليها. في هذا الجناب العلوي يعمل فيه التفويض عمله الفاعل، وتتزكى جذوته المشتعلة بقبس من دوام الدعاء، فالذي يعجز عن علاج نفسه لن يعجزه التسليم فيها لله؛ لأن الله خالقها بصيرٌ بها مطلع عليها بمقدار بصره وإطلاعه على العباد؛ فلزَمْ التفويض.

ومن ذلك ما قاله ابن عبّاد الرندي في شرحه على حكم ابن عطاء الله السكندري:"وسبيلُ المريد إلى الوصول إلى موت النفس إنما يكون بتقديم الافتقار والالتجاء إلى مولاه في أن يعينه ويقوِّيه على أمر نفسه، ويسهل عليه طريق سلوكه. وعليه أن يستعمل هذا (العلاج دواء لنفسه المريضة) في كل حال ووقت، وليجعله عُمْدَته فيما هو بسبيله" (شرح الرندي على الحكم العطائية، جـ2؛ ص 146).

وليس من شك؛ أن الدعاءَ مُخُ العبادة؛ فما من عَبْد يعبد الله ويتحقق من العبادة إلا وهو يدعوه. ومحور العبودية في مناجاة الله: هِجِّير العارف في مناجاته، وعبادته على الإخلاص توفيق؛ ولسهل بن عبد الله التُّسْتَّري شذرة رائعة تقول:"الأعمال بالتوفيق؛ والتوفيق من الله، ومفتاحها الدُّعَاء والتَّضَرُّع ".

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيمليس التّصوف قراءة نظرية يفني فيها المتصوف عمره بين قيل وقال، وإنْ كانت فاعلية القراءة عملاً ذهنياً لا يُسْتَغْنَى عنه، ولكنها في الوقت نفسه ليست هى المطلوبة في ذاتها حتى ولو كانت موجهة إلى كتب الصوفيّة أنفسهم؛ فلن تكون من أهل القرب والوصال وأنت تكتفي بالقراء في كتب الصوفية صباح مساء، لكنك بمجرّد أن يتحول فيك المقروء إلى عمل حقيقي مستمر، هنالك يصح أن تكون جديراً بلقب صوفي. وفي المقابل أيضاً ليس بصوفي من يستغني عن المعارف النظريّة أو يستغني عن التوجه المعرفي الذي يمنع الجهالة ويدحر الركود إلى البلادة العقلية؛ لأن الصوفي من هذه الجهة طالب علم فوق كونه طالب تصفية؛ ولأن التصفية تحتاج إلى استبصار لإزالة غشاوة الباطن، فلا بد من بصيرة تهيؤ المطلوب كونه غاية سامية تنال بالعلم أولاً ثم العمل على الموافقة والتبصرة.

إنه؛ إذا كان المطلوب هو الله تعالى، وكانت المشقة على قدر الغاية، فليس أصعب؛ إنْ في التصور وإنْ في العمل؛ من أهبّة الاستعداد للوصول إليه. تقتضي أهبة الاستعداد للوصول إليه تعالى أن يتكرر القول بأن التصوف ليس قراءة ولا كتابة بمقدار ما هو علاقة يُحسن فيها العبد مسيرة الوصول وفق منهج الذوق والشعور والاستبصار، ويرتقي خلال المسيرة إلى حيث الغاية من الطريق، ثم يسقطها ليكون مع الله دوماً بلا علاقة. إلى مثل هذا كانت إشارة الجنيد إلى التصوف أن يكون العبد فيه بلا علاقة. الصوفي الحصيف يؤمن بأن الله هو الفاعل الحقيقي لكل فعل، فلا يجعل ثقته بما قدّم من صالحات بل ولا يريد أن يجازي عليها؛ لأن فضل الله عليه فوق كل تقدير يقدّره، ومن هنا تكون ثقته بالله أعظم من ثقته بنفسه سواء كانت تلك الثقة في العمل أو في العلم.

العمل باطل زائف إنْ ظنه المرء ابتداعاً من عند نفسه. تأتي معرفة الله بالإشراق والانكشاف والإلهام. الصوفي يقول (انظر قلبك؛ لأن ملكوت السموات والأرض فيك). والنظر إلى القلب يدعو باستمرار إلى الجهاد الباطن؛ أي يدعو إلى إزالة غشاوة القلب مما ران عليه من مكتسبات الشرور والآفات؛ فمن عرف نفسه حق المعرفة عرف ربه؛ لأن القلب مرآة تنعكس عليها كل صفة ربانيّة؛ فكما تفتقد المرآة قدرتها على عكس المرئيات حين يتغشاها الصدأ، فكذلك الحاسّة الروحية الباطنة التي يسميها الصوفية "عين البصيرة" لا تغشى عن رؤية العظمة العليّة إلا حين يزول حجاب الذاتية المظلم؛ الأنا الحاجبة، بكل ما في هذا الحجاب من نقائص حسيّة زوالاً تاماً، لكنما الصفاء الخالص لا يتمّ إلا بفضل الله على أن يتطلب من جانب العبد جهاداً باطناً.

يوم أن تنجلي غشاوة البصيرة يصبح التوحيد حقيقة ملموسة بالنسبة للصوفي، يصبح حيرة؛ فإذا تناهت عقول العقلاء إليه تناهت إلى الحيرة؛ لكن هذه الحيرة هى حيرة معرفة لا حيرة جهالة. وعليه؛ تصبح حقيقة التوحيد هى باطن المعرفة، وهو - كما قال الجنيد - سَبْقَ المعروف إلى مَنْ بِه تَعَرَّف، بصفة مخصوصة، بحبيب مُقَرَّب مخصوص. بيد أن هذه المعرفة ليست للكافة، ولا يتسع معرفة ذلك الكافة، ومن وراء ذلك سرّ؛ وإفشاء سّر الربوبية كما قالوا كفر.

إذا تساءلنا عن منهج الوصول إلى هذه المعرفة، تكون الإجابة كافية شافية بتنظيف القلب والسّر إلى حيث الوصول بهما على ضوء المنهج الذي يحكم صاحبه، وهو منهج الذوق والشعور والوجدان، إلى رضوان الله. هنالك يكون الأنس بالله والقربة منه مدداً علوياً مباركاً يعيشه قلب العارف، وتعيشه لطيفته الجوانيّة حياةً ينقطع معها النظير.

يروى أن ذا النون المصري وهو في سياحاته كان سمع برجل صالح يعيش في جبل المقطم، فلما بلغه خبره ذهب إليه ليزوره، فأقام معه مدّة، ولما أراد الانصراف سأل ذو النون ذلك العبد الصالح أن يدعو له بدعوة فقال له: " آنسك الله بقربه". فلم يكتف ذو النون بدعوة الرجل الصالح تلك فطلب الزيادة. فقال: من آنسه الله بقربه أعطاه أربعاً بغير أربع: علماً بغير طلب. وغنى بغير مال. وعزاً بغير عشيرة. وأنساً بغير جماعة. ثم سأل: ألا يكفيك هذا؟ فبكى ذو النون وقال: بلى والله تكفي وتزيد.

من أجل مدد القلب بنور من الله، جاهد المجاهدون من أصحاب العزائم كيما ينالوا هذا الأنس، وكيما يعيشوا في ظلال التقريب، وهذا هو لب لباب العمل الديني والغاية منه قصداً على التحقيق.

في إشارة للإمام محمد عبده تقول: "إنما الأعمال الدينيّة تصدر عن الملكات والعزائم الروحيّة؛ لأن الروح لها السلطان القاهر على البدن حقيقة". ومعنى هذا: أن العمل الديني إذا هو صَدَرَ عن عادة الجسد لا يمس الروح في شئ، ولهذا تجيء العبادات شكلاً ينقصها التحقق الروحي الذي يفرضه المضمون الديني وتتطلبه الغاية منه؛ فلا عمل أرجى للقبول من عمل تتولاه الروح وتسعد به، وهنا تكون أعمال القلوب أولى من أعمال الجوارح وأقدر على الاستمرار من تلك الأعمال التي هى مجرَّد عادات لا تعطي ثمرات التحقق من الوصول إلى المقامات العليا.

ولما كانت المجاهدةُ مستندةً على أساس شرعي عند الصوفية عامة، فقد أسفرت عن اتصال بالله حقيقة ليس فيه مجاز؛ لأنهم يعتمدون كثيراً في مجاهداتهم على ما وَرَدَ في القرآن الكريم من آيات تحث على الجهاد سواء كان الجهادُ مُوجَّهاً ضد الأعداء أو كان منصرفاً للنفس لتكون على الدوام مملوكة لا مالكة؛ مركوبة لا راكبة، مغلوبة لا غالبة. ولما كانت قراءةُ الصوفيّة لتلك الآيات قراءة حضور ومعايشة، ثم عمل وتطبيق قبل كل شيء، ولم تكن في الوقت نفسه قراءة للعلم والمعرفة وكفى، ولكنها كانت للحياة كيما تُعَاش؛ فإن الجهاد لديهم أصبح يقوم على فقه الكتاب الكريم، فإذا هم يتخذون من سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، القَوْليَّة والفعْليَّة، سَنَدَاً لما هم فيه من ممارسة وتجربة وحياة، أعني ممارسة الشرع وتجريب الحياة الدينية.

فالأساس الشرعي - من ثمَّ - ظاهرٌ كل الظهور في مجاهدة النفس عندهم، إنْ من مورد الكتاب الكريم أو من مُوْرد الحديث الشريف، ولم يكونوا يجاهدون نفوسهم لهزال كان في باطن النفس فيهم ولا لغرض زائل من أغراض هذه الدنيا ولكن كانت مجاهداتهم تهدف إلى الاستقامة؛ أو على حَدْ وَصْف ابن خلدون (ت 808 هـ) مشروطة بالاستقامة؛ إذ قد نجد كثيراً من المجاهدين لأنفسهم مَنْ يجاهد لا لأجل الاستقامة كالسحرة والمرتاضين، أي تجيء مجاهدتهم في تلك الحالة ليست قائمة على أساس شرعي بل لأجل كشف حجاب الحسّ الذي يحصل لصاحب الجوع والخلوة؛ وليست الاستقامة هنا مشروطة به.

فرقُ؛ وفرقُ كبير؛ بين من يجاهد وهو مستند على مضمون يشكل مجاهدته ويقوِّم منطلقاته النظرية والعملية، ومن يجاهد من أجل أغراض دنيوية كسباً للصحة البدنية أو نيلاً لمآرب ليست قائمة على بواعث شرعية من صحيح الدين وصحيح الاعتقاد. ومن هنا فليس من المبالغة أن نقرأ في كتب الصوفية الأحاديث النبوية الصحيحة الشريفة (كأن نقرأ تلك الأحاديث النبويّة في الإحياء ويقوم بتخريجها الحافظ العراقي في كتابه "المُغني عن حمل الأسفار" في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين للغزالي؛ درءاً لوصمة ضعف الحديث التي شاعت عن كتب الصوفية وبخاصة الإحياء!) يَرْوُنَها باتصال السَّند عن فضيلة الجهاد لتكون معتمدهم ومتكئهم وأساسهم الشرعي كقوله - صلوات ربي وسلامه عليه - لقوم قدموا من الجهاد:" مرحباً بكم قدمتهم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ". قيل: يا رسول الله: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس. وقوله صلى الله عليه وسلم:" المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل"؛ وقوله عليه السلام:" كُفَّ هَوَاكَ عن نَفْسك، ولا تتابع هواها في معصية الله تعالى ".

وفي الحديث الشريف أنه صلوات ربي وسلامه عليه كان يُوَاصل الصوم فأراد أصحابه رضوان الله عليهم أن يواصلوا كما كان يواصل، فشق عليهم ذلك، فنهاهم عليه السلام أن يواصلوا وقال عبارته الشريفة " إني أبيتُ عنْدَ رَبْي يُطْعمَني وَيَسْقيني "، وفي معناه أيضاً " إنَّ لي هَيْئةٌ لَيْسَتْ كَهَيْئَتكُم ".

ومن المؤكد أن هذه الهيئة النبوية المباركة، هيئةٌ علوية خاصة بخصوصيته عليه السلام، لا تنهي عن الصوم الدائم إلا من باب الرحمة والشفقة على الهيئات التي لا ترقى مطلقاً إلى هيئته هو؛ صلى الله عليه وسلم، ولكن مع ذلك ليس هناك ما يمنع من قهر النفس على المكاره والمشقات مادام في النفس طاقةٌ تتوجه بالعمل الخيّر وتستطيعه، ومادام هنالك استعدادٌ علوي لتلقي أطيب الفيوضات الإلهية. فالحديث مانعٌ لمن لا يستطيع، مبيحُ للقادر، والأمر كله مرهون بالنية القلبية. والمفروض هو تلك "الإباحة" لا ذلك "المنع". ومن هنا كان انطلاق الصوفية في مجاهداتهم: الأخذ بالأحوط في الدين والزيادة في فعل الجهاد, لماذا..؟ لأن النفس لا تستجيب لك بسهولة ويسر؛ ولأنها أحياناً كثيرة تتصرف أو تجعلك تتصرف بطريقة آلية بغير تفكير ولا رَويَّة، وذلك ملحوظ جداً في أداء العبادات كالصلاة والصيام وغيرهما، فحملها - من ثمَّ - على المشاق والمكاره أكرم لها من التفريط في حقوقها وأهونها حق البقاء دوماً في معية الله (أعني النية الصادقة على ديدن الإخلاص): النيَّة, وما هى النية أصلاً؟ .. وما هو عملها؟

كان الحارث المحاسبي عرَّف "النية" فقال في معناها هى:" إرادة العبد أن يعمل بمعنى من المعاني، إذا أراد أن يعمل ذلك العمل لذلك المعنى" (الرعاية لحقوق الله؛ ص 192)؛ وهو تعريفٌ عميقٌ وكبيرٌ في الدلالة وفي المفهوم، فلا يمكن أن يكون للمرء قدرةٌ بغير إدراك هذا المعنى ولو قلت قدرته الفكرية على استيعاب المعرفة واستخلاص مباحثها التي يعتمد فيها المرء على الفهم والإدراك والمعرفة، إذْ شرط العمل أن تكون النية معروفة، وحاضرة، ولنقرأ عبارة المحاسبي مرة ثانية في هذا التعريف للنية:" إرادةُ العبد أن يعمل بمعنى من المعاني، إذا أراد أن يعمل ذلك العمل لذلك المعنى"؛ فهناك المعنى أولاً، وهناك العمل ثانياً، وقبلهما الإرادة العاملة؛ الإرادة التي لم تتحول بعد إلى عمل، هى نية قلبية ليس إلّا. فمعرفتنا للنية معناه: قدرةُ الضمير على التوجه إلى ذلك العمل؛ أي معرفة الباعث الذي يتلازم فيه إدراك الإنسان لقواه العاملة مع قواه العالمة؛ فلو أنه أدرك قوته العاملة فقط؛ لأدرك السلوك قبل العلم، وَعَزَّ عليه العلم الناهض للحركة الفعلية؛ أي عَزَّ عليه العلم الذي يحفظ العمل من التحوير عن المقاصد العلية، والانحراف بالمجاهدة عن غاياتها النبيلة، والتشويش عن المطالب النافعة.

والإرادةُ الإنسانية من بعدُ هى الضامنة بدايةً للحركة الفعلية في الواقع العملي وفق هذه الشروط المقررة، بمعنى أنها هى التي تَضْمَنْ قناتين: قناة العلم الحافظ للعمل، وقناة العمل المحفوظ بإحاطة العلم. وأوَّلُ ما تُفَرْط فيه النفس هو حق الله كما ينبِّهنا إلى ذلك الحارث بن أسد المحاسبي في كتاباته النفسية التحليلية الرائعة، وأهمها هنا كتابه "الرعاية لحقوق الله"؛ لا ترعى هذا الحق إلا بجهاد، ولربما أوْهَمَتْكَ أنها ترعاه، وأوهمتك أنها على العهد باقية حتى إذا ما فتشت عنها وعن رعايتها لحقوق الله وَبَحَثْتَ مُخلصاً عن عهودها، أدركت من فورك أنها في غِرَّة، وأن حظوظها أقوى الحظوظ، وأن أوهامها مع الغفلة هى التي تَرْعى، وأن أهواءها هى التي تجيب وتسعى وتُلبي إذْ ذَاكَ مطالبها، ولا يَكادُ أن يكون لحق الله ولا لعهده فيها نصيب غير نصيب القشرة الخارجية والسَّطح البَرَّاني.

إنها لمصيبةٌ كبيرة هى تلك الغفلة! من أجل ذلك؛ صار لابد من قهر النفس على الاستجابة لأمر الله والانتهاء لنهيه، وأن أحسن الاستجابة، تلك "القدرة المانعة للنفس عن بعض ما تشاء"، والمفروض أن تجهد النفس في القيام بالحقوق بمقدار ما تجهدها في القيام بالتطوع والنوافل، ففي هذا القيام نفسه قهر للنفس وحملها على المكاره والمشاق؛ لأن المفروض هنا أن ما تقوم به النفس غير مفروض عليها، وبالتالي فهو أدعى لأن تبذل فيه أحسن الجهود؛ ولأن المفروض كما تَقَدَّم أن النفس لا تستجيب لك بسهولة، ولابد أن تُقهرها على الاستجابة: " تلك القدرة المانعة للنفس عن بعض ما تشاء ":

المفروض هو ذلك "المنع" لا تلك "الإباحة"، أعني منع النفس عن أن يكون لها حظ واحد من الحظوظ التي تتولاها طاقاتها وترعاها أهواؤها، مع التَّنَبُّه الدائم إلى أن القوة القادرة على المنع هى نفسها القوة التي تجعل النفس كارهة لكل فضيلة من الفضائل النافعة في كل حين اللهم إلا إذا كانت الأحيان التي لا تستجيب فيها النفس لتلك المزالق والمداخل التي تسول لها شره الرزيلة.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

صحيفة المثقفمقدمة: إنّ الحديث عن فرص التسامح والتعايش بين الأديان والثّقافات والسعي إلى بعث قيم التسامح من جديد من بين المواضيع التي تشغل الساحة الثّقافية العربية والإسلامية بشكل كبير خاصّة في أيامنا هذه، بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي، فقد أصبح هذا الموضوع رأيا عاما خاصّة في ظل تصاعد وتيرة الحروب الثّقافية وتفشي ظاهرة الخطابات التكفيرية التي أصبحت هاجسًا خاصّة للدول الضعيفة، وهذا ماحدى بالدول العربية والإسلامية إلى تكثيف الجهود أكثر سعيًا للحفاظ على الهوية الإسلامية وترسيخ قيم الفكر الوسطي وقبول الآخر بإقامة ملتقيات وعقد ندوات للبحث والتخابر في سبل إماطة اللّثام عن المخبوء في علاقته بالقوى العالمية الامبريالية التي تحاول إلصاق التهم بهويتنا الإسلامية، فالتحول الاستعماري اليوم أخذ سبلاً جديدة ووسائل عديدة مختلفة عن تلك التي عهدناها مع الاستعمار التقليدي المباشر.

لقد تغيّر السباق من مضمار التسلح إلى مضمار السيطرة الثّقافية، لتصبح الثقافة السائدة هي الثّقافة الغالبة، والثّقافة التابعة هي الثّقافة المستلبة من طرف الثّقافة الغالبة، وهو حال ما نراه اليوم من تلك العولمة الفكرية والاستلاب الثّقافي لبنية الهوية الإسلامية التي تشهد غزوًا رهيبًا لمقوماتها من طرف الثّقافة الغربية التي تحاول ربط الفكر التكفيري بتاريخنا، بطرق وأسالب متعددة ومتنوعة خاصة مع تحول العالم إلى قرية كونية صغيرة الأمر الذي زاد من وتيرة هذا الغزو المنظم في نظامنا الاجتماعي والسياسي ناهيك عن نسقنا الثقافي الفكري المبثوث في نصوصنا التراثية، خاصة في ظل التحول العالمي إلى نظام القطب الواحد وبالتّالي الثّقافة الواحدة إثر بروز معالم النظام الدّولي الجديد بداية من تسعينيات القرن الماضي.

من خِلال ما سبق سنُحاولُ في هذه الورقة البحثية اماطة اللثام عن ما قدمه المفكر العراقي ماجد الغرباوي في هذا الاطار باعتباره مثقفا تنويريا درس التراث بطريقة جديدة، من أجل تحرير العقل الاسلامي من قيد التراث. وعمل على ارساء قيم التسامح والحرية وقبول الآخر. هذه الخطابات التي يفتقدها عصرنا اليوم خاصة ونحن في زمن الحروب الثقافية وسطوة المركزية الغربية الساعية بقوة إلى الفتك بتراث وتاريخ الهوية العربية والإسلامية وذلك من خلال أليات العولمة الثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها، والتي باتت تفرض علينا فرضا في اطار الحوار الحضاري وعمليات التّثاقف والاستيراد القسري لتلك الانظمة الفكرية التي لا تمت بأي صلة لهويتنا الحضارية والثقافية فضلا عن الدينية، وهو ما أحدث ردة فعل عنيفة تمثلت في تفشي الخطابات التكفيرية والغلو والتطرف. وهنا نسعى لبيان بعض الحلول التي قدمها ماجد الغرباوي والتي نرجو من خلالها بث روح التسامح ونشر الخطاب الفكري الوسطي الإسلامي الصحيح.

نحو طرح اشكاليات التّعايش بين الأديان والثّقافات:

يُعتبر الحديث عن التّعايش بين الأديان والثقافات أحد أبرز الاشكاليات التي باتت تطرح نفسها اليوم، خاصة وأن عصرنا أصبح يتخبط في نوع من التيه الكبير بسبب عدول الإنسان عن التمسك بالبوصلة الربانية، فضلا عن علو صوت الخطابات التكفيرية المنتشرة هنا وهناك وهو ما زاد من حدة الصراع بين الثّقافات والأديان، هذا الموضوع الذي أصبح يؤرق الحكومات ويقض مضاجع السياسيين فضلا عن المفكرين المشتغلين بهذا الميدان لعل على رأسهم المفكر العراقي ماجد الغرباوي، فأمام موجة الاختراقات الفكرية من خلال نظريات عنصرية تروج للعنف وتعمل على تفكيك أواصر قيم التعايش والتسامح تطرح العديد من الأسئلة كيف لنا أن نرسي قواعد التّسامح والتّعايش في عالم يسوده الكره والحقد؟ وما السبل والأدوات الكفيلة للتصدي للسياسات الغربية التي تتعامل بها مع الدول العربية والإسلامية والتي تسببت في ظهور موجة العنف والغلو؟ وهل يمكن الحديث عن نوع من التّوافق الحضاري والديني في كنف التعددية الثّقافية والإنسانية؟.

جميع هذه الأسئلة المثيرة تطرح نفسها وبقوة في فكر ماجد الغرباوي الذي عمل وبشدة على فك شفراتها وايجاد الحلول المناسبة لها لتحقيق قيم التسامح والتعايش بين الأديان والثقافات.

الآخر في التراث ودوره في النهضة المنشودة

هل كان لتواجد الآخر في تراثنا العربي الإسلامي دور في النهضة وبأي صورة كان وجد هذا الآخر؟ وما الضوابط والمنطق الذي حكم تواجده؟. سؤال نستهل به سبر بحر آراء ماجد الغرباوي وحديثة عن التّراث ومكان الآخر فيه وفرص التعايش التي حضي بها وكيف كان دوره في بناء نسيج الحضارة العربية الإسلامية، وهو ما يطرح أسئلة عميقة عن حقيقة تواجد الآخر في تراثنا العربي الإسلامي ودوره في النهضة المنشودة.

يعتبر مفهوم النهضة والفعالية الحضارية عموما وسبل قيامها أحد أبرز الموضوعات التي اشتغل عليها كبار مفكرينا بالوطن العربي والإسلامي ومنهم الغرباوي. فهذا المفهوم من المفاهيم الجدلية التي تستعصي على الباحث لتداخله مع العديد من العلوم خاصّة علم الاجتماع وتطرح العديد من الإشكاليات المتداخلة التي يتخبط فيها عالمنا العربي والإسلامي الذي يرزح تحت وطأة الفصل بين الحياة الاجتماعية وتوجيهات الدين وهو ما أكده ماجد في ارجاعه أن السبب الحقيقي يعود إلى "قطع خيوط التواصل بين العقيدة والحياة الاجتماعية. فعقيدة التوحيد التي كان يعيشها الانسان المؤمن في بدايات البعثة الشريفة ممارسة حياتية يومية تطبع سلوكه واخلاقه، صارت تدور في مدارات عقلية بعيدة عن هموم الحياة ومتطلباتها"(1).

أمام هذا الخطاب نتبين مدى الأهمية الكبيرة لأثر العقيدة في تنظيم سير حياة المسلم فما إن تهنا عن الطريق تاهت حضارتنا وأصبحت تحكمها الشهوات وابتعدنا عن روح الإسلام السمح الذي يحث على بعث روح التعايش ونبذ العنف، وهو ما جعل غياب الأفكار الداعية للتجديد والتسامح تغيب بشكل كبير لتحل محلها خطابات الغلو والتطرف وبالتالي فقدان روح الانبعاث النهضوي.

يعرف المفكر الجزائري مالك بن نبي الحضارة بقوله: "إن حضارة ما، ما هي إلا نتاج فكرة جوهرية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر الدفعة التي تدخل به التاريخ، ويبني هذا المجتمع نظامه الفكري طبقا للنموذج الأصلي لحضارته، إنه يتجذر في محيط ثقافي أصلي، يحدد سائر خصائصه التي تميزه عن الثقافات والحضارات الأخرى"(2) . وبتتبعنا لهذا القول المقتضب للحضارة يتبين لنا المرتكزات الأولية لبناء الحضارة من شروط روحية وأخرى مادية تحقيقا لتلك الفعالية المنشودة " مجموع منسجم من الأشياء والأفكار، بصلاتها ومنافعها وألقابها الخاصة وأماكنها المحددة، ومجموع كهذا لا يمكن أن يتصور على أنه مجرد تكديس، بل كبناء وهندسة، أي تحقيق فكرة مثل أعلى" (3) .

تجديد الخطاب الديني وفرص بعث التّعايش من جديد:

لطالما أكد ماجد الغرباوي على ضرورة تجديد الخطاب الديني الإسلامي فهكذا بوسعنا حسب ما ذكره أن نقيم نوعًا من الحركية الحضارية نحو تجديد بعث الخطاب الديني من جديد لتشمل النهضة جميع المجالات من فكر واقتصاد وسياسة وغيرها من المجالات، ليكون للفرد المسلم الدور الأبرز في هذا الحراك مستغلا الوسائل الضرورية لتفعيل حركة التاريخ وهندسة دورة الحضارة القائمة على التراث ومدى تواجد الآخر فيه بما يتلاءم والمعطيات الحضارية الموجودة بعيدا عن فكرة التكديس التي لم يكن لها وجود على مستوى الحضارة الإسلامية أيام الأندلس مثلا باعتبارها نموذجا تراثيا عالميا شهدت دورا كبيرا للآخر ومدى اسهاماته في قيام الحضارة الإسلامية، والتي ما كانت لتكون لولا فرص التسامح والتعايش التي قدمها الإسلام لهم، حيث كان التمازج الثقافي مع الآخر والعطاء العلمي والفكري في أوج ذروته وهو ما ذكرته المفكرة والفيلسوفة الألمانية زيغريد هونكه بعرضها لتلك النماذج التراثية العالمية التي قدمت الكثير للحضارة الإنسانية على اختلاف ثقافاتهم وتنوع مللهم ونحلهم.

ولكن بعد حين من الزمن انقلبت البوصلة الحضارية فلقد تعرض الإسلام والمسلمون في السنوات الأخيرة لحملة ظالمة من الافتراءات والمزاعم التي أرادت أن تلصق بالإسلام تهم التعصب والإرهاب، وترويع الآمنين، ورفض الآخرين، وغير ذلك من دعاوى لا أصل لها في الإسلام ولا سند لها من العلم ولا من الواقع التاريخي.

فالحضارة الإسلامية التي انطلقت من تعاليم الإسلام منذ أربعة عشر قرناً من الزمان قد ضربت أروع الأمثلة في التسامح والتعايش الإيجابي بين الأمم والشعوب من مختلف الحضارات والثقافات والأديان والأجناس، ولا تزال هذه التعاليم الإسلامية حية وقادرة على صقل عقل الأمة وتوجيه سلوكها وتعاملها مع كل البشر في كل زمان ومكان بعيدا عن خطابات الغلو والتطرف المقيتة وهو ما عبر عنه ماجد بقوله "خطاب الغلو نجح في ترسيخ بديهيات عقيدية، من خلال منهج مراوغ، يعتمد الاستدلالات الساذجة، ويستغل رثاثة الوعي، وانحطاط الثقافة، والبيئة المثيولوجية، فيشاغل وعي المتلقي بمضامين غرائبية خرافية عن الرموز الدينية، يغفلون معها سؤال الحقيقة. أي السؤال عن ذات الرمز وحقيقته قبل الحديث عن خصائصه ومعجزاته وكرامته. فعندما يشاغل النص الوعي الرث بأحاديث خارقة، مذهله، غرائبية لا يلتفت لسؤال الحقيقة، بل تصبح لديه منظومة بديهيات، ومبادئ عقيدية مسلّمة، تندرج ضمن اللامفكر فيه، والمقدس، الذي يحرم مقاربته، فضلا عن نقده. هذه البديهيات هي التي تمرر روايات الغلو، لتراكم مزيدا من المعرفة المشوهة، العقيمة"(4) .

فهذا هو الخطاب الديني المقيت الذي يدعو إلى ركود العقل والأخذ بالنص بكامل حذافيره دون إعمال للعقل أو الاعتناء بما يسمى بفقه الواقع ومتغيراته الثقافية والحضارية، وهنا يتم تغييب الدور الحقيقي للمثقف الحر الواعي وهو ما جعل ماجد يقول: "وباختصار إن الأمة بحاجة أولا إلى وعي رسالي تتجاوز به أزمتها، كي تتمكن من تحدي الممنوع، ولا يتحقق لها ذلك إلا بإعادة تشكل وعيها داخل فضاء معرفي، يستظل بمرجعيات تجدد باستمرار فهمها للنص الديني، في ظل المستجدات الحياتية المتأثرة بالظروف الزمانية والمكانية"(5).

فما إن تم تغييب دور المثقف برزت اثر ذلك خطابات الغلو والتطرف وانعدمت قيم التسامح والتعايش تلك القيم الإنسانية السامية التي لطالما دعا ديننا الحنيف وسنتنا النبوية إليها انطلاقا من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾"(6) فإذا ما تم تغييب هذا الشعار فإن الفوضى والتشتت والحروب والغلو وشتى أصناف التطرف سيكون سيّد الموقف ولذلك لابد من تجديد الخطاب الديني وبعث سبل التسامح و التعايش فيه من جديد بعد كل هذا السبات العميق الذي ميز خطابنا الديني وهو ما يجعلنا نبحث في سبل تجديد تراثنا وبشدة.

تجديد التراث وسبل بعثه من جديد عند ماجد الغرباوي

يولي ماجد الغرباوي موضوع تجديد التراث أهمية كبيرة لما للتّراث من دور كبير في حفظ الهوية العربية الاسلامية خاصة وأنه يمثل الانطلاقة الأولى لأي نهضة فقد كان ماجد الغرباوي يطمح إلى انشاء استراتيجية نهضوية نابعة من تراثنا الديني تعترف بأهمية تواجد الآخر ودوره في اثراء الحضارة الإسلامية النائمة على فكرة التعددية الثقافية فالتراث منبع وأصل الهوية بدونه نفقد مقومات وجودنا فالهوية هي: "مركب من المعايير، الذي يسمح بتعريف موضوع أو شعور داخلي ما. وينطوي الشعور بالهوية على مجموعة من المشاعر المختلفة، كالشعور بالوحدة، والتكامل، والانتماء، والقيمة، والاستقلال، والشعور بالثقة المبني على أساس من إرادة الوجود" (7).

ولعل هنا يبرز كنموذج كبير لخطاب التعددية الثقافية نموذج العصر الأندلسي ذاك العصر الذهبي الذي تميز بانتشار كبير لمختلف التيارات الفكرية والدينية ورغم ذلك سادت قيم التسامح وكان الحب والتّعايش سيد الموقف فكان يعيش المسلم جنب اليهودي دون ترهيب أو تقتيل وهو ما جعل ماجد الغرباوي يدعو وبشدة إلى ضرورة تجديد التراث قائلا "ينبغي اعادة النظر في الوعي الذي تكون في اطار بعض النصوص الدينية والمرويات التاريخية" (8). وقد ضرب ماجد الغرباوي في ذلك مثالا بارزا في خطاباتنا التراثية وهو نموذج ما يسمى بالفرقة الناجية الذي يشكك بصحته دائما. حيث يقول بأن هذا الحديث: "لعب دورا كبيرا في تشظي الأمة، والإصرار على احتكار الحقيقة ورفض كل الفرق والمذاهب التي تحتفظ بوجهات نظر اجتهادية مخالفة، حتى بات الجميع إلا ما ندر يعتقد بخطأ المخالف مهما كان نوعه"(9). وهذا ليس من روح الإسلام السمح الذي يحترم باقي الأديان أو مختلف التوجهات الفكرية ويدعو إلى تعددية ثقافية في كنف الامة الواحدة.

لقد كان ديدن الإسلام منذ ظهوره قبل أربعة عشر قرنا من الزمن يرغّب أهل الكتاب من غير المسلمين بالإسلام داعيا إلى مكارم الاخلاق ومثمنا إياها لذلك شاعت حينها خطابات تحث على افشاء الخير ودحر نوازع الشر وخطابات التكفير البغيضة فعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الناس معادن في الخير والشر خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)(10).

يقول ابن حجر رحمه الله: قوله: (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام)، وجه التشبيه أن المعدن لما كان إذا استخرج ظهر ما اختفى منه ولا تتغير صفته؛ فكذلك صفة الشرف لا تتغير في ذاتها بل من كان شريفاً في الجاهلية فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية رأس؛ فإن أسلم استمر شرفه وكان أشرف ممن أسلم من المشروفين في الجاهلية (11). وفي هذا يقول الإمام النووي رحمه الله: ومعناه أن أصحاب المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية إذا أسلموا وفقهوا فهم خيار الناس (12).

لكن عصرنا اليوم انقلبت فيه كل الموازين فخفت الوعي بمدى أهمية التسامح والتّعايش بين الأديان المختلفة وهذا ما يدعوا إلى ضرورة الوعي العميق بضرورة ابراز مثل هذه النماذج الدعوية لإعادة الأمور إلى جادة الصواب وحصر خطابات الغلو والتطرف فحسب ما ذهب إليه ماجد الغرباوي أنه "من دون الوعي لا يمكن تنطلي مؤامرات التزوير على الواقع والتاريخ والدين والحقيقة. ومن دون الوعي لا يمكن النهوض بمشروع حضاري مستقبلي يعتمد مرجعية فكرية وثقافية، مؤسس في ضوء المبادئ الإسلامية. إذن فالوعي أساس في نجاح المشروع الإسلامي، وهو من مهام المثقف الرسالي، الذي ينهض بهذا الدور، انطلاقا من مسؤوليته في تكوين عقل الأمة وتجديد هويتها الثقافية" (13) تلك الهوية الثقافية التي تعاني منذ زمن بعيد تيها كبيرا غياب العقل وسلب الإرادة وأفشى نوازع الغلو والتطرف، وهو ما جعلنا نغيب عن الساحة الحضارية بالعالم فلا دور لنا إلا تلقي الأوامر وتطبيقها بحذافيرها من طرف القوى العالمية فلا اهتممنا بتراثنا ولا بواقعنا الراهن فبتنا مأسورين مدحورين مقيدين لا حراك لنا وهو ما يدعونا إلى ضرورة التساؤل عن ما موقع المثقف الواعي من كل هذا.

دور المثقف الواعي في ايجاد فرص التعايش:

قديما قال الشاعر:

اقرأوا التاريخ إذ فيه العبر... ظل قوم لا يدرون ما الخبر.

بيت شعري على قلة حروفه لكن معانيه تحمل الكثير من الدلالات والسياقات التاريخية والحضارية التي تختزل العديد من الملامح المشكلة لتطور الأمم، لتميط لنا اللثام مبرزة تلك الملامح الكاشفة لبواطن ما اكتنف التاريخ من أحداث

وصراعات بشرية، مشكلة بذلك منعرجات حضارية خطيرة رفعت أمما عاليًا في السماء وأسقطت أخرى أرضًا في حين أخرجت الكثير من سياقها تمامًا معلنة أن لا مكان لها على الركح الحضاري لتحولات العالم وسياقاته، فالركح يا سادة شعاره "كن أو لا تكن" حكر على الأقوياء لا مكان فيه للضعفاء والجدير فيه بحمل وسام البطولة الحضاري من يثبت وجوده لا استسلامه.

يقول ماجد الغرباوي "ثم إن المثقف الإسلامي وعى الإسلام وعيا حضاريا اعتمادا على التراث وليس منفصلا عنه، من دون أن يعيش وهم الماضي، بل ينطلق منه لبناء المستقبل، فيستمد منه القيم لتكون أساسا في ممارساته الاجتماعية والسياسية، فلا يشعر بالغربة من القيم السائدة، وإن كان من ضمن اهتماماته إلغاء ما هو غريب عن قيم الإسلام والإنسانية" (14). فهذا هو جوهر الإسلام القائم على الجد والاجتهاد والوعي العميق بالتراث ودوره في الحراك الاجتماعي القائم على التعدد والتنوع وهو ما يفتح اشكاليات قيم التسامح والتعايش على مصراعيها وهنا يبرز الخطاب الواعي للمثقف الإسلامي الذي يحسن التعامل مع هذه الإشكاليات.

إن تكريس مفاهيم وقيم التسامح والدعوة إليها منهج متأصل في نصوصنا القرآنية وسيرتنا النبوية وكان للمثقف الإسلامي الواعي الدور البارز فيه وفي هذا تحدث ماجد كثيرا عن فكرة التعددية الثقافية وفق الرؤية الإسلامية التي تختلف اختلافا كليا عن مثيلتها الغربية. فالتعددية الثقافية وفق النظرة الغربية كما يرى ماجد الغرباوي "قامت باختزال الدين إلى مجرد تجربة روحية باطنية بمعزل عن الحياة يستطيع أن يعيشها كل إنسان، وفصلت ما بين الشريعة والدين" (15) وهو ما يعترض عليه المثقف الإسلامي الواعي وبشدة فديننا يتدخل في كامل تفاصيل حياتنا اليومية بل هو البوصلة التي توجهنا وتسير حياتنا بوعي وتبين لنا سبل التعامل مع الآخر وكيفية التعامل مع اشكاليات التعددية الثقافية التي لطالما أستفاض ماجد الغرباوي بالحديث عنها في مختلف كتبه.

وهو نفس الأمر الذي ذهب له المفكر المصري محمد عمارة بحديثه عن التعددية الثّقافية ودور المثقف في ايجادها حيث يرجع محمد عمارة أصول قيم التعددية الثقافية إلى السنة النبوية بالضبط في ميثاق المدينة المنورة التي اعتبرها عمارة بمثابة "الإعلان الإسلامي عن شرعية ومشروعية التعددية الإسلامية في هذه المساحات من الفكر وتطبيقاته وفي الأدوات اللازمة لذلك ومنها التنظيمات . تلك هي سنة الإسلام التي شرعت وقننت لمبدأ التعددية في الفكر الإسلامي وفي الممارسات الإسلامية منذ صدر الإسلام والتي بناء عليها وتطبيقا لمنهجها كانت تيارات الاجتهادات الإسلامية مصدرا لثراء الفكر الإسلامي على عهد الازدهار الحضاري الذي سبق عصر التراجع والجمود" (16). ولعل هذا يحيلنا إلى تساؤل آخر أكثر عمق هو كيف لنا أن نخرج من شرنقة ذلك الجمود والانسداد التاريخي الذي جثم على صدر الأمة لمدة طويلة جدا خاصة في ظل التخبط الكبير الذي يعاني منه سواء العالم الإسلامي أو العالم أجمع لعل ذلك الترياق نجده في الهدية النبوي في سنة التخلية قبل التحلية، ففي الهدي النبوي يوجد ما يسمى بالتخلية قبل التحلية ومن ثم يتحتم علينا تنقية الجو الاجتماعي العربي والإسلامي من الشوائب التي تشوبه وتعكر صفو عالمية رسالتنا القائمة على التعددية الثقافية والإنسانية، ومختلف قيم التسامح والتعايش بين مختلف الثقافات والأديان كحق انساني مشروع، ومن ثم يأتي دور التحلية فيتم التركيز على بعض الأمور المهمة التي تستلزم منا زرع قيم فرص التسامح والتعايش من تعددية ثقافية ودينية في اطار الأمة الواحدة، علما أن مثقفنا الإسلامي الواعي يملك كل المقومات والأسس لذلك انطلاقا من البوصلة الربانية والهدي النبوي القويم.

ولذلك لما غاب الوعي الحقيقي لدى المثقف بمجريات فقه الواقع فغاب عنا الفقيه الرباني الذي يحسن التعامل مع متغيرات العصر ومتطلبات المعرفة الجيدة بخبايا متغيرات النص أمام الأسئلة الفقهية الجديدة التي تطرحها التعددية الثقافية حيث يقول ماجد الغرباوي "في ظل هذه الظروف تشكيل عقل المسلم، وأعيد فهم الدين من خلال قوالب جديدة، فأصبح الدين مجرد علاقة خاصة بين العبد وربه، لا صلة له بالحياة الاجتماعية. ولما سارت تلك النظرة إلى الفقه، تقوقع في دائرة الفردية، واخذ الفقيه يفكك بين الموضوعات ويفتي بمعزل عن مقاصد الشريعة وغاياتها، ففقدت الأحكام بالتدريج مداليلها الاجتماعية، بعد أن اعتبرت الفرد وحدة مستقلة لا تربطه أي علاقات أو وشائج اجتماعية. بل تطور الحال إلى حد عجز معه الفرد أن يحدد موقفه من بعض القضايا الحياتية المهمة في ضوء الشريعة، لأن الفقيه لم يتصد للفتوى في تلك المجالات" (17) وهنا يبرز لنا ذلك النموذج الرباني الامام الماوردي الذي عرف بمعرفته الشديدة كفقيه بمدينة البصرة المعروفة لتعدديتها الثقافية وتواجد مختلف الثقافات بها حيث كان الفقيه الوحيد تقريبًا من يحسن وفي ضوء الشريعة ايجاد الفتوى الملائمة لتلك القضايا العويصة الشائكة.

ولذلك فإن مسؤولية المثقف الإسلامي اليوم كبيرة تجاه المنظومة الفكرية الغربية التي تروج لنوازع العداء ونشر قيم التطرف من مثل قول برنارد لويس: "إنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية الإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعات خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال عندهم، ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك، إما أن نضعهم تحت سيادتنا أو ندعهم ليدمروا حضارتنا" (18)

أمام هذا الخطاب الشديد العدائية فإنه يتعين على المثقف العربي والإسلامي العمل من أجل تغيير تلك الصورة النمطية لنا تجاه الآخر الغربي وإزاحة الغشاء الذي يعمي بصيرتنا عن انماط الاستعمار الجديد الساعي إلى نشر الفوضى بأوطاننا وجعلها معادلا موضوعيا لكل ما يمت للهوية الإسلامية بصلة .

فالخطابات الثقافية الغربية التي راجت أثناء وبعد ثورات الربيع العربي تكشف عن تلك الرسائل التي تمرر من خلالها تلك النظرة الفوقية المشبعة بالمركزية الغربية Central Western التي رسمها الاستشراق التقليدي، ويعمل الاستشراق الجديد على ترسيخها حاليا، لترتسم في أذهاننا بأن خلاصنا مرتبط ببرنارد ليفي ومن قبله لورنس العرب... وغيرهم، وكأن مجتمعاتنا العربية لا تتعلم من التاريخ، فإذا بنتائج ذلك انتشار رهيب لخطابات التكفير وشيوع الخراب والدمار بالكثير من هذه الدول، ولعلّ هذا ما جر المفكر الفلسطيني الأمريكي إلى القول في كتابه "تمثيلات المثقف": "من المهام المنوطة بالمثقف أو المفكر أن يحاول تحطيم قوالب الأنماط الثابتة والتعميمات الاختزالية التي تفرض قيودا شديدة على الفكر الإنساني وعلى التواصل ما بين البشر" (19) .

وبعودة قليلة عبر الزمن إلى الوراء بالضبط إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ذاك الحادث الذي أحدث بلبلة كبيرة بالعالم وغير مجريات وموازين كثيرة بالعالم وزادت من حدة الصراع بين الإسلام والغرب فانتشرت الإسلاموفوبيا إلا أنها علمتنا ان التعايش أمر ضروري ومطلب ملح لدى كافة الأديان وفي هذا يقول ماجد الغرباوي "نبوءة هنتنغتون فهي وإن قامت أساسا على رؤية لتاريخية الصراع بين الحضارات، إلا أنها انتهت بالعودة إلى الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه من التاريخ، لابد من تعايش بين الحضارات، وفهم أعمق للفروض الدينية والفلسفية لكل منها، ودعوة لتحديد العناصر المشتركة بين الحضارات، تمهيدا للتعايش والتواصل الذي لا بديل له. إنه لدرس بليغ أن تنتهي أعتى النظريات التي تؤصل للصدام إلى التأصيل للتعايش وتحقيق القدر الأكبر من الوئام" (20).

ولذلك لابد على المثقف الإسلامي الوعي نشر اهمية منح فرص التعايش بين الأديان وتبني روح التسامح لدى المجتمعات المختلفة مهما وصلت حدة تلك الاختلافات فالتسامح tolerance يعني الاستعداد الذاتي لاتخاذ الموقف المتسامح دون أيه ضغوطات أو اضطرار، لا يمكن اعتبار التسامح فضيلة إلا عندما يمكن للشخص ألا يكون متسامحاً. فهو قريب من مفهوم "العفو". والقول المعروف "العفو عند المقدرة من شيم الكرام" يشير إلى المقدرة على العفو، وليس في مقدرتنا أن نتحدث عن موقف متسامح في تراثنا الإسلامي في حال شخص يضطر، وهو مضطهد وفي موقف ضعيف، أن يتحمل الآخرين، وهذا الشخص الذي يتحمل الظلم فإنه، في حال الضرورة ووفقاً للعرف الاجتماعي، له الحق في المعارضة والحق في الدفاع عن نفسه في وجه الاضطهاد والتمييز العنصري.

خاتمة:

من خلال ما طرحناه آنفًا في ورقتنا البحثية هذه من إشكاليات وتساؤلات حول أحد أهم اشكاليات الفكر الاسلامي المعاصر التي تشتغل على خطابات قبول الآخر في تراثنا الإسلامي والتي عمل المفكر ماجد الغرباوي على ايجاد السبل الكفيلة بحلها، وسعيًا منا لإيجاد الحلول المناسبة للوقوف في وجه هذا التسونامي الاستعماري الفكري الجديد إن جاز التعبير الجارف للهويات الدينية والثقافات المتنوعة بوطننا العربي الإسلامي تحت أغطية كثيرة تختزل معادلة الصراع الحضاري العالمي، نطرح في خاتمة مقاربتنا هذه بعض الأفكار والتوصيات التي نرجو أن تسهم في ترميم التصدعات الجاثمة على الخارطة الهوياتية للتنوع الطائفي والديني والثقافي بوطننا العربي، لتحقيق سبل انعتاقنا من مد المركزية الغربية المحرضة على العنف والإرهاب والتكفير وويلاته، وإرساءً لدعائم سبل تحقيق التعايش الثقافي والديني وفق المنهج الإسلامي الصحيح الذي بينه محمد عمارة، نطرحها في النقاط التالية:

1- ارساء قواعد التعايش السلمي وتعلم سُبل التّعايش بين الثقافات والأديان المختلفة لن يكون برفع الشعارات الزائفة، وإنما يتحقق ذلك بتضافر جهود جميع الأطراف داخل العالم الإسلامي باستخدام لغة العصر وأدواته في نشر الفكر الاسلامي الوسطي، وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني المختلفة، ونشر ما يحث عليه الدين الإسلامي من قيم التسامح والتعايش بين المذاهب، خاصّة في المناهج التعليمية تعليمًا وتربية لهم على اتقان فن حقوق الانسان، تحت اشراف مختصّين في المجال وليس مجرد درس يتم إلقاؤه وفقط لتنتهي المهمة عند ذلك، فالأمر أكثر من ذلك بكثير.

2- من الضّروري بعث سبل تجديد الثّقافة العربية خاصّة الخطاب الديني، وتفعيل دوره في الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية بجميع طوائفها بعيدًا عن جدل التعصب للعرق أو المذهب...الخ، وقوفًا في وجه الخطابات الفلسفية الجديدة المغلفة بقيم الاستشراق ذات الطابع الاستعماري الجديد، وهذا كله تأسيسًا لنوع جديد من الاستشراف المستقبلي لأمة اسلامية جديدة ولدت من رحم الانبعاث الحضاري الإسلامي القويم، بعيدًا عن الصراع الديني المدعم من أطراف خارجية تكن الحقد والكره لكل ما يمت للإسلام بصلة.

3- لقد أنتجت فلسفة ما بعد الحداثة انسانًا غربيًا ثاناتوسيا، مخربًا للعالم ناسفًا للقيم حقوق الانسان وشتى أنواع التعايش الثقافي و الديني السلمي القائم على مبدأ قبول الثقافات والأديان ضاربًا بكل ذلك عرض الحائط، ومرسيًا بدل ذلك مفاهيم جديدة من قبل: الهدم، التشظي، المركزية الغربية، الإسلاموفوبيا...إلخ، ساعية إلى نشر هذه المفاهيم وترسيخها في الأذهان، تحت غطاء وأقنعة مختلفة تختزل معادلة صراع الأديان بمختلف أبعادها.

4- تعتبر أحداث 11- 09- 2001 بمثابة النبوءة التي أكدت نظرية صراع الحضارات الهنتنغتونية والتي اتخذت منها الولايات المتحدة الأمريكية مطية لشحذ الهمم وتفعيل الحراك العالمي ضد الهوية الثقافية الاسلامية، وهو ما جعلها تقرع طبول الحرب معلنة المعركة ضد محور الشر كما قال جورج بوش آنذاك، لتعلن بعدها عودة ما سمي بالحروب الصليبية من جديد ونتائج ذلك ماثلة أمامنا في كثير من الدول لعل على رأسها العراق وسوريا حاليًا من انفراط كبير لمد الصراعات الأيديولوجية المفتتة لكيان الدول والناشرة للفتن الطائفية، التي أصبحت تفتك يومًا بعد يوم بقيم التعددية الثقافية للأمة العربية والإسلامية .

5- فرق كبير بين نظرة الفلسفة الغربية الوضعية في نظرتها لقضية التعددية الثّقافية ووجهة نظر الهدي النبوي الذي بينه محمد عمارة في التأسيس لهذا الحق المشروع فالقوى الغربية انطلقت من اكراهات حتمتها عليها الشعوب ما اضطرها لوضع ميثاق عالمي لحقوق الانسان منها حق التعدد الثقافي و الديني، فضلا عن السياسات الاستعمارية في الاتخاذ من هذه الفلسفة مطية للسيطرة على الشعوب، اما الهدي النبوي فقد كان امرا تلقائيا تلبية لنداء الفطرة فضلا عن تنفيد أمر رباني صالح للتطبيق في كل زمان ومكان على اختلاف الثقافات وتنوع الأديان.

6- العنصرية والتفرقة بين الأديان والشعوب والأعراق والثّقافات في الدول الغربية نابع من فلسفة عنصرية متأصلة في الفكر الغربي بداية بأفلاطون وصولا لفوكوياما و هنتنغتون وغيرهم الكثير ترى أن الانسان الغربي أسمى وأعرق ثقافة وأرفع دينا وهو ما جعل العديد من الفلاسفة الغربيين المنصفين أمثال جان جاك روسو وايريك فروم وروجيه غارودي ونعوم تشومسكي... يوجهون نقدهم اللاذع لما وصلت له الحضارة الغربية من عنصرية تجاه الدين الاسلامي فهذا الأخير - نعوم تشومسكي- يعتبر أبرز المفكرين الذين يقفون في وجه السياسات الغربية التي تتخذ من فزاعة حفظ حقوق الأقليات الدينية والثقافية لتقسيم الشرق الأوسط وتفتيته مقيمة شرق أوسط جديد يخدم مصالها وفقط.

7- لابد من تضافر جهود جميع الدول العربية الإسلامية سواء على مستوى الحكومات أو على مستوى الشعوب، وتُحدث فيما بينها تعاون وتنسيقات عالية المستوى، وتكثيف الجهود أكثر على مستوى النخب الثّقافية بما أنها فئة تنويرية بإقامة مؤتمرات وندوات للتباحث في سبل بعث الهدي النبوي في نظرته لفكرة التعددية الدينية والثقافية، إلى جانب العمل على دعم منظمات المجتمع المدني والعمل على تغلغلها داخل النسيج الاجتماعي للمجتمعات العربية والإسلامية حتى تنتشر التوعية أكثر بمخاطر الفتن الطائفية وأثر ذلك على الهوية الإسلامية ومدى تماسك المجتمع تجنبا للانزلاقات الوطنية نحو العنف والدموية.

8- انتشار دواعي حوار الأديان وتمازج الثّقافات وتلاقح الحضارات والمعرفة الكونية...إلخ، كلها تقريبًا صنعت لأغراض سياسية بحتة ساعية إلى إحكام السيطرة على العالم، ونشرًا للنموذج الثّقافي الأمريكي، بدعوى أنها هي الأجدر بقيادة العالم كما أعلن عن ذلك صامويل هنتنغتون على اعتبار أنها ثقافة مركز القوة في العالم، فهي مجرد شعارات رنانة زائفة مزركشة بصورة بهية من الخارج، في حين هي انتهازية استعمارية من الداخل.

 

بقلم الأستاذة: خولة خمري – الجزائر، تخصص تحليل الخطاب ومناهج النقد. مركز الوفاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب – ماليزيا

بالاشتراك مع الاستاذ الباحث: عباس أعومري - الجزائر- باحث أكاديمي

.......................

* ورقة مشاركة في المؤتمر العلمي التاسع للنهوض بالبحث العلمي خطوة أساسية في بناء العراق الموحد. تحت شعار: "النهوض بالبحث العلمي خطوة أساسية في بناء العراق الموحد"... 2-3 شعبان 1439 هـ 17-18 نيسان 2018م، كلية المعارف الجامعة، كليةٌ أهليةٌ عراقيةٌ، بعنوان: (التّسامح وفرص التّعايش بين الاديان والثّقافات بين الواقع والمأمول.. دراسة نقدية في فكر ماجد الغرباوي.)

...............................

الهوامش

1 - ماجد الغرباوي :اشكاليات التجديد - سلسلة قضايا إسلامية معاصرة-، دار الهادي للنشر والتوزيع، ط1، 1421ه، 2001م، بيروت، لبنان، ص 37.

2 - مالك بن نبي: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، دار الفكر، سوريا، ط9، ص4 .

3 - المرجع نفسه:ص42.

4 - http://www.almothaqaf.com/c/c1d-2/925135

5 - ماجد الغرباوي: الضد النوعي للاستبداد "، اصدار مؤسسة المثقف العربي، نشر العارف للمطبوعات، ط1، 2010م، ص 74- 75.

6 - سورة الحجرات: الآية 13.

7 - إليكس ميكشيللي : الهوية، ترجمة علي وطفة، دار الوسيم للخدمات الطباعية، دمشق، ط1، 1993. ص 15.

8 - التسامح ومنابع اللاتسامح - فرص التعايش بين الأديان والثقافات-، الناشر الحضارية للطباعة و النشر، ط1، بغداد، العراق، 1429ه- 2008م، ص60.

9 - المصدر نفسه.

10- المصدر نفسه.

11- البخاري (3383)،كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله تعالى:{لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين}، ومسلم (2378)، كتاب الفضائل، باب من فضائل يوسف.

12- "فتح الباري" (6/529).

13- "شرح النووي لصحيح مسلم" (15/135).

14 - ماجد الغرباوي: اشكاليات التجديد، مصدر سابق. ص67- 68.

15 - ماجد الغرباوي :اشكاليات التجديد، مصدر سابق، ص 67.

16 - ماجد الغرباوي: الضد النوعي للاستبداد "، مصدر سابق، ص 152- 153.

17 - محمد عمارة : http://klmty.net/472766-%D8%AF-

18 - ماجد الغرباوي : اشكاليات التجديد، مصدر سابق. ص 110.

19- عبد الحكيم منصور: حكومة العالم الخفية - الماسونية والثّورات العربية بين الحقيقة والافتراء- دار الكتاب العربي، القاهرة، 2012، ص242.

20 - نجيب الحصادي: جدلية الأنا والآخر، الدار الدولية للنشر والتوزيع، ط1، القاهرة، 1996. ص 56- 57.

21 - ماجد الغرباوي: التسامح ومنابع اللاتسامح - فرص التعايش بين الأديان والثقافات-، مصدر سابق ص9.

 

المصادر

1- القران الكريم

2- عبد الحكيم منصور / حكومة العالم الخفية / الماسونية والثورات العربية بين الحقيقة والافتراء/ القاهرة 2012

3- ماجد الغرباوي / اشكالية التجديد / دار الهدى للنشر / ط1 / 2001 : بيروت

4- ماجد الغرباوي / الضد النوعي للاستبداد / مؤسسة المثقف العربي / دار المعارف للمطبوعات /ط1 2010

5- مالك بن نبي /مشكلة الافكار في العالم الاسلامي / دار الفكر / سوريا /ط9

6- ماجد الغرباوي / منابع التسامح واللا تسامح / فرص التعايش بين الاديان والثقافات / الدار الحضارية للطباعة / ط1 بغداد 2018

7- نجيب الحصادي / جدلية الانا والاخر / الدار الدولية للنشر والتوزيع /ط1 : القاهرة 1996

8- اليكس ميشكيللي / الهوية / ترجمة علي وصفة / دار الوسيم / دمشق ط1 / دت / 1993

 

 

مجدي ابراهيممن صفة العارف التي تقوم على الإيمان، ويقوم الإيمان أساساً عليها، يلزم لهذه الصفة - عند التّحقق - أن تأسس على المكابدات والمجاهدات؛ فمكارم العارف على التحقيق موصولة بمكارهه، ومكارهه في معاناته. وما من عجب فإن النفس المستقيمة هى النفس التي تعاني: وهى في معاناتها تتألم. غير أنها في كل حالاتها تعاني الألم، فالألمُ موجودُ في كل الحالات، لكن ألم الاستقامة غير ألم الانحلال.

نعم! قد تعاني النفس في استقامتها أشد المعاناة، ولابد لها من المعاناة ترويضاً وتطبيقاً لفاعليّة الجهاد وإيثاراً لطاعة الله على طاعة هواها، وهى في ذلك تعاني ألم الاستقامة؛ أعني بقاء النفس دوماً على أمر الاستقامة. ولكن هذه النفس المستقيمة إذا فَلَتَ منها ميزان الاعتدال وانفرط عقد جهادها لشهواتها وأهوائها، ولم تعد تستطيع القدرة على المقاومة، كان عناؤها أكبر وأشد وأثقل عليها، وكان ألمُها ممَّا لا تحتمل له أثراً، ذلك لأنه ألم الانحلال الذي لا يضبطها لتكون في معية الله. ففي كل الحالات الألم بالنسبة للنفس موجود، ومن استقامة النفس أنها تعاني على الدوام لا محالة.

والنفس المعَوَجَّة هى التي لا تعاني؛ لأنها تستروح إلى ما هى عليه، ولا تشتاق مطلقاً إلى فضيلة التغيير، لكن النفس المستقيمة أو التي تطلب الاستقامة هى التي تعاني مزيداً من المعاناة حتى تجد بغيتها حاضرة معها محققة لها في مزيد من التطبيق والتحقيق. والقارئ مُرْجُوُّ أن يلحظ أنه قد تكررت معنا عمداً كلمة (المعاناة) في هذا السياق عدة مرات، ولتكرارها هنا عمداً دلالاته المقصودة عندنا؛ إذْ المعاناة تقابل "التجربة الصوفية" فيما تحمله من شدِّ وجذب، ومن قبض وبسط، ومن قوة وضعف، ومن توتر وحيرة، ومن قلق واضطراب في بعض الأحايين بل وفي أكثرها، تلك هى المعاناة التي نقصدها حين تتكرر معنا عمداً يَصْحُبه سبق الإصرار. إننا لنقصد التجربة الروحيّة التي يعيشها المتصوف، إذْ يلزمه الجهاد أو يلزم نفسه به في كل حال، يلزمه الجهاد فيها بغير انقطاع، والجهاد وحده دَاَلُّ على المعاناة.

مجرَّد كلمة "الجهاد" مُجَرَّدَةً توحي بمفردها بالألم، فلا يوجد جهادُ مطلقاً بغير ألم وبغير عناء. وجهاد العارف في حياته الروحيّة تجربة من أعمق التجارب الحياتية؛ لأنها كذلك من أعمق آيات الجهاد؛ ولأنه جهادٌ يحول النفس من حال في الحياة إلى حال وينقلها نقلاً من مُرَاد إلى مُرَاد. إنما الألمُ بالنسبة للنفس القوية يعني الجهاد لأدرانها وآفاتها فهو إذن في جميع الحالات موجود، ولن يستطيع الفرد المستقيم أن يتخلص من عذاباته النفسية إلا بوجود "إرادة" مطواعة؛ فهناك ما يَشُدُّه إلى أسفل، وهناك ما يجذُبه إلى أعلى، وفي كلتا الحالتين هو بين الشدِّ إلى هنا والجذب إلى هناك في عذابات. لا شك كانت تلك العذابات تحتاج إلى جهاد مع كونها ناتجة أصلاً من فاعلية الجهاد؛ لأن النفس تعاني فيها كما قلنا أشدَّ ألوان العناء. فالألم في جميع الأحوال موجود: موجودٌ غير مفقود, لكنه ألم مقرون بالسعادة؛ لأن فيه مخالفةً لهوى النفس على الدوام.

وجودُ الألم معناه أن الروح تطلب خلاصها لتتحرر من وطأتها الجسدية وثقلها المادي، وخلاصها لا يكون إلا بضريبة مفروضة، ولا يحصل إلا بسلوب من النفس في أعز ما تهوى وتشتاق وتريد وتتمنى من منالات حسيّة ونزوع ملموس؛ فالذين يجاهدون نفوسهم يتألمون كثيراً، وبمقدار معاناتهم تجيء من فورها سعادتهم.

أي نعم؛ بمقدار ما تعاني تسعد ..!

هذه حقيقة كبيرة من حقائق جهاد العارفين. هنا؛ علينا قبل أن نستطرد في شرح هذه الحقيقة أن نُفَرِّق بين نوعين من الألم. الأول: ألم السعادة. والثاني: ألم الشقاء. ألمُ السعادة قبل التجربة. وألمُ الشقاء بعد التجربة. فأنت سعيد قبل أن تجرِّب المعصية؛ لأن المعصية شقاء ومذلة. أنت سعيد قبل أن تجرِّب الرذيلة؛ لأن الرذيلة تعاسة محققة وخذلان بكل تأكيد. أنت سعيد قبل أن تجرب الخطيئة؛ لأن الخطيئة استعباد لا حرية، بل هى موت ودمار. أنت سعيد قبل أن تجرِّب الغفلة؛ لأن الغفلة جناية كبيرة عند أولى العزم من أهل التحقيق: شَرٌّ يستوجب التوبة والإنابة.

ولكننا مع ذلك نتساءل: هل كانت هذه السعادة تحملُ ألماً؟ والجواب يأتي بالطبع، نعم! نعم هنالك ألم .. إنه ذلك الألم النفسي، الباطني، الجُوَّانيِّ: ألمُ الرَّفْض والمقاومة، وهو ألمُ في البداية لكنه سعادة في النهاية، هو ألمُ يعتصر النفس عصراً قبل أن تجرِّب الرذائل والمحظورات، وقبل أن تَقْدِم على فعل الضرر الذي يلحقها. أفئن هى قاومت وانتصرت مع شدة الألم نجحت، فينقلب ألمُها من فوره إلى سعادة مُحَققة. فالألم الواقع عليها هنا هو ألم الرفض، أو نتيجة لفعل الرفض، هو ألم المقاومة، أو هو مُصَاحب لعملية المقاومة، هو ألم ناتج عن إرادة الامتناع. فأنت من هاهنا سعيد بألمك قبل التجربة، أي قبل ممارسة مثل هذا السلوك البغيض أو ذَاَك، حتى وإنْ كنت تتألم من أجله، بيد أنه ألم سعادة لا ألم شقاء. وعليه؛ فألم السعادة يكمن في تلك المجاهدة الدائمة والمقاومة المستمرة والمعاناة الرافضة لكل خنوع يمضي مع النفس في إتيان هواها. والرفض هنا شيء عظيم وجليل هو الذي يُضفي على الشخصية الرافضة سحرها من جانب العظمة وإيهاب الجلال، هو أبدع إمكانيات النفس ضد طغيانها وضد هواها، وضد ما تسببه لصاحبها من عجز ومرض وبلادة وجهالة دائمة، حتى صنوف العجز والمرض والبلادة والجهالة يمكن رفضها من قبيل النفس المستقية، ويمكن التغلب عليها بفعل المجاهدة المنظمة الدائمة. أما ألم الشقاء؛ فهو بعد التجربة، أي بعد أن يخوض الفرد تجربة الشرور التي يقترفها.

جَرِّب إنْ شئت كل صنوف الضياع وأترك لنفسك هواها كيفما شاءت، ودع عنك المجاهدة, ودع عنك المقاومة والامتناع، ودع عنك كل ما يقهر نزوع النفس لديك، جَرِّب جميع الأفعال التي ترافق هوى النفس الطبيعي؛ فأنت إذْ ذَاكَ في النهاية مع سعادة النفس بداية، ستكون شقياً لا محالة، وفي الشقاء كل ألوان الحسرة والألم بغير مَنَازَع.

ذلك هو ألم الشقاء الذي يأتي بعد التجربة؛ لأنه ألم يمضي بالنفس إلى اقتراف الضرر الذي يتحقق منه المرء من الوهلة الأولى، وهو مع هذا يجرِّبه ليكون بتجربته سعيداً أو يَتَوَهَمْ ذلك. هذا الضرر لا يعود على أحد إلا على المُجرِّب نفسه، تماماً كما أن ألم السعاة لا يعود نفعه على أحد إلا على المُجَرِّب عينه، كذلك ألم الشقاء لا يعاني منه أحد إلا مُجَرّبه، وتلك جريرة النفس مع صاحبها: أن توُدي به في طريق المهالك، وليس هذا بغريب:" فرُبَّ نفس عَشَقَتْ مَصْرَعَهَا ". إنها لحقيقة كبيرة من حقائق جهاد العارفين مع أنفسهم، استخلصوها لنا من خلال تجاربهم, حقاً:"بمقدار ما تعاني تسعد".

لكنها حقيقة أبعدُ ما تكون عن التطبيق الواقعي والتنفيذ الفعلي إذا كانت النفس ضعيفة، والإرادة خربة، والعزيمة بالية، والمثابرة فاترة، والهمة ساقطة، فلا تنتظر إذا كانت أحوال النفس على تلك الأوصاف أن تكون هنالك حقيقة ظاهرة أو باطنة تحتمها قوة العرفان في المعدن العارف، ولا يتأتى لك أن ترجو سعادة من وراء تلك المجاهدات النفسية حين تكون النفس فقيرة السعي نحو الأهداف العظيمة تتلاقى معها على استعداد واكتمال.

تأمل قوله تعالى:" وَاَلَّذينَ جَاهَدُوا فينَا ". النجاحُ الحقيقي للإنسان يتلخص في عبارة واحدة:" ترويض النفس وحَمْلها على المكاره ". حملها على المكاره من طريق الصبر؛ وما الصبر سوى حَبْس النفس على المكاره! فالصبر كله فضيلة كبيرة هو" عَزْمُ الأمور". أتدري كم مرة وَرَدَتْ "عزم الأمور" في القرآن الكريم؟ في ثلاثة مرات فقط؛ هى نصف الدين حقيقة لا مجازاً:

الأولى: في آل عمران آية (186):" لتُبلَوُنَّ في أمَوَالَكُم وَأَنْفُسكُم وَلَتَسْمَعُّنَ منْ الذَّينَ أُوُتُوا الكتَابَ منْ قَبْلكُم وَمن الذَّينَ أشْرَكُوا أذَى كَثيرَاً، وإنْ تَصْبرُوا وَتَتَّقُوُا، فَإنَّ ذَلكَ منْ عَزْم الأمُور ".

والثانية: في لقمان آية (17):" يَا بُنَيَّ أقمْ الصَّلاة وَأمُر بَالمَعْرُوُف وأنْهَ عن المُنْكَر وَاصْبر عَلى مَا أَصَابَكَ؛ إنَّ ذَلكَ منْ عَزْم الأمُور ".

والثالثة: في الشورى آية (43):" وَلمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ؛ إنَّ ذَلكَ لمنْ عَزْم الأمُور ". فلتنظر إلى هذه الآيات الكريمة وتتدبرها جيداً تجد أن مصدر الأخلاق الجميلة هو "عَزْمُ الأمُور" كما سَمَّاه القرآن، وهو مصدر كل خُلق جميل حَثَّتْ عليه شريعة القرآن. عزم الأمور نيةٌ في القلب خفية، وقدرة في المنع قوية، وَرَدُّ للنفس عن بعض ما تشاء، لكنما نفوسنا الضعيفة نفوس خَربَة تشاء الكسل وتأنف من بذل المجهود، تشاء المتعة وتمتنع عن الإقلاع، تشاء الأكل الكثير والراحة والنوم وتمتنع عن الجوع والمشقة والسّهر، تشاء إتباع الهوى والشهوة والشيطان وتمتنع عن حظيرة الله والاستقامة والإيمان، تشاء الرذيلة وتمتنع عن الفضيلة؛ فلن يكون خَيْرٌ لها ولن يتم، ما لم يردها صاحبها بعزم الأمور عن بعض ما تشاء.

والأصلُ في ذلك كله هو الصبر جهاداً، والتحلي تصبُّراً بأطيب الفضائل وأكرم الأخلاق.

حقيقةً مصدر الأخلاق الجميلة هو "عزم الأمور" كما سَمَّاه القرآن، مصدر الأخلاق الجميلة هو القدرة على الامتناع، ورد النفس عن بعض ما تشاء، وضبطها بهذا القانون الأعلى الذي يجري على صفته الشمولية، التامة، الكاملة. مصدرٌ الأخلاق هو أن يشعر الإنسان بالتبعة المسئولة، وأن يدين بها نفسه، وأن يُسَاءل ضميره فيها. مصدر الأخلاق أن يكون الإنسان سيد نفسه، وأن يملك زمام أمره، وأن يتحلى بفضائل الجهاد كما سَنَّهُ نظام التَّعَبُّد الصوفي.

كان إبراهيم بن أدهم يُشَدّد على الصالح بقطع عقباته ويقول: " لن ينال الرجل درجة الصالحين حتى يجتاز ست عقبات؛ الأولى: أن يغلق باب النعمة ويفتح باب الشدة. والثانية: أن يَغْلق باب العز ويفتح باب الذل. والثالثة: أن يغلق باب الراحة ويفتح باب الجهد. والرابعة: أن يغلق باب النوم ويفتح باب السَّهر. والخامسة: أن يغلق باب الغنى ويفتح باب الفقر. والسادسة: أن يغلق باب الأمل ويفتح باب الاستعداد للموت "(الرسالة القشيرية, ص 98 - 99).

تلك هى أهم الصفات الواجبة على المُجَاهد: غلق باب الراحة وفتح باب القسوة على نفسه، فيما لو عرف للجهاد مَعْناه، وعرف له من ثم َّ قيمة نافعة في هذه الحياة؛ فليس ينقصه سوى العمل وسوى التطبيق ليكون بهما عارفاً بفضائل العرفان.

أي نعم؛ الذين يجاهدون نفوسهم يتألمون؛ لأن الألم رفيق المعاناة إذا كانت ثمرة المجاهدة هو هذا العناء، ولأن المجاهدة تزكية، وفيها خُلَاصُ الأرواح من أدران الغفلات، وفيها كذلك ألمٌ وعناءٌ ومكابدةٌ هى الظواهر النفسيّة المُصَاحبة لعملية الجهاد: أنْ تعرف كيف تعاني؛ أنْ تعرف كيف تتألم، أنْ تعرف كيف تكابد، حتى إذا ما عرفت كيف تعاني وتذوَّقت هذه المعاناة كنت مجاهداً. وإذا عَرفْتَ كيف تتألم، وتذوَّقت هذا الألم، صرت مجاهداً. وإذا عرفت كيف تكابد وَتَذَوَّقت هذه المكابدة كنت من المجاهدين حقاً وصدقاً، وما أطيبُ وصف شاعرنا العربي حين قال:

لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلا مَنْ يُكَابِدَهُ     وَلا الصَّبَابةَ إلاَ مَنْ يُعَانِيَها

يَصفُ القشيري طريق التصوف في أربع خلال للمجاهدين في سبيل الله، فهم يجاهدون في سبيل الله على أربع حالات: الحالة الأولى: يجاهدون بنفوسهم من حيث استدامة الطاعات. والحالة الثانية: يجاهدون بقلوبهم بقطع المنى والمطالبات. والحالة الثالثة: يجاهدون بأرواحهم بحذف العلاقات. والحالة الرابعة: يجاهدون بأسرارهم بالاستقامة على الشهود في دوام الأوقات (لطائف الإشارات؛ تحقيق إبراهيم بسيوني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الثانية، القاهرة سنة 1983م, ص 432).

من ذلك ترى في نص القشيري أسس المجاهدة تتمثل في أربعة: المجاهدةُ بالنفس، والمجاهدةُ بالقلب، والمجاهدةُ بالروح، والمجاهدةُ بالسِّر؛ فقوام الحياة الروحية كلها مجاهدة النفس أولاً موقوفة على دوام الطاعة، وهذه مجاهدة بدنية تتعلق بالظاهر، وتبذل جهدها في مقاومة أهواء النفوس وطغيان الشهوات، ثم يترقى العبدُ صَعدَاً في طريق المجاهدة الباطنة ليجاهد ثانياً بقلبه فيقطع مُنَاه من كل شيء سوى وجه الله فيما يُرضي الله؛ ليترقى ثالثاً فيجاهد بروحه بحذف أية علاقة عائقة؛ ليترقى رابعاً فيجاهد بسرِّه ليكون دائم الاستقامة في جميع الأوقات على منن الشهود.

ويتبين من هذا؛ أن الجهاد هو أساس الحياة الروحيّة عند صوفية الإسلام لا يتخَلَّف عنه متصوف حقيقي مطلقاً في جميع مقاماته وأحواله، ويفيدنا نص القشيري بمثل هذه الأسس مجتمعة في النفس، والقلب، والروح، والسّر. وأساسها الأول، هو مجاهدة النفس؛ لأنه بمثابة القاعدة التأسيسية ينبني عليها مجاهدات القلب والروح والسِّر؛ يفيدنا النص إذا نحن عرفنا القاعدة الأساس عند المتصوفة، وحملناها محمل التجريب عرفنا تباعاً؛ ومن خلال هذا المحمل؛ كيف تتحقق صفة العارف، وعرفنا من ثمَّ مغزى قولهم بمجاهدة القلب، وما يتلوها من مجاهدة الروح، ثم مجاهدة السرِّ التي يعرفون فيها ما لم يعرفه سواهم من منن الكشف وعطايا الشهود.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيملئن كُنَّا رددنا من جانبنا في المقالة السابقة تلك الخاصة العرفانية إلى "قوة الإيمان" وأسندنا إليها ارتقاء الذوق وارتقاء العقل وارتقاء الوجدان، كما أسندنا إليها " تثوير" الأنشطة الروحيّة من فكر وفن وأدب وعلم في الوعي الإنساني؛ فلأن الإيمانَ شَوْقٌ من أشواق الروح الإنساني، فيه مغالبة الروح وترقيها دوماً لإدراك الغيب المجهول، وبمقتضى تلك المغالبة يستطيع الإنسان أن يتفرَّد وأن يستقل كما يستطيع أن يبدع في استقلاله وتفرده. إننا حين نشهد مقومات الصلاح في الفرد الصالح نشهدها فنشهد منه الظاهر فقط، ولسنا نرى منه الخفي المستور، وهذا الخفي المستور إنما هو روح تنبض بالأحوال الباطنة، بالتوتر والتفرد والاستقلال وتعبِّر عن ذات العارف في الطلاقة الروحيّة ومناجاة الواحد، وفي التوجه بكل الطاقة الفاعلة: بالهمة الطليقة من قيود المحسوس والملموس نحو ما يملأ فيها الشعور بأعمق معطيات التجربة مع الواحد، مع المطلق. ربما قد لا ندرك في حقيقة الأمر نماذج لتلك الكيفية التي تتلاقى عندها مثل هذه "المقومات": أعني حركتها الجُوَّانيَّة المضمرة وأحوالها الخفيّة، وربما لا ندرك أيضاً كيف يتمُّ تفعيل الباطن الذي صدر عنه الوعي الإيماني؛ لأن هذا عمل باطني صرف، محض خفاء ومحض معاناة: هو عمل نفس تتغالب ووجدان يتصارع في الباطن بشتى المتناقضات.

ولكن من المؤكد أننا نُدْرك "الآثار" و"الأعمال"، وبمُجَرَّد إدراكنا لها تصف لنا من فورها شيئاً عن تلك الأحوال الباطنة فتخبرنا عن فاعليتها وتوجهاتها وتحيطنا بدخائلها في الوعي الغائر العميق السحيق المستقر - في غير استقرار! - في تابوت الحكمة: (= القلب). وحيثما ندرك بالذوق مثلاً - ومدارك الذوق عزيزة ونادرة - مقومات الاستقامة والصلاح، ندرك من فورنا هذا النزوع الدائم الذي يُغَالب النفس الإنسانية فيشدها من السكينة إلى الثورة، ومن الهدوء إلى التوتر، ويُسْتَشْعَر فيه الشوق المتدفق إلى الغيب المحجوب ومعانقة المطلق؛ ربما لأننا نفتقر إلى الممارسة الفعليّة والتطبيقية يُخيَّل إلينا أن هذه الصفة تخلو من الواقع الذي نعيشه أو يخلو الواقع الذي نعيشه منها، ونحن نعيش الواقع على الغفلة والاستنامة والنكوص، لكن التحليل الذوقي الكاشف لطبيعة الإيمان والاطلاع من خلال ثماره وآثاره على نوره في القلوب، ثم تذوق هذه الآثار قد يعطي صورة تهيئ الذهن فعلياً لعملية الإدراك لمقوماته من حيث استقرت بين شغاف قلوب أربابه وذويه.

أولى هذه الإدراكات المقوِّمة للإيمان، الامتثال للترقية من طريق الوعي بالصفات التي يترقى بها الفرد الباحث عن الإيمان، ذلك الطلعة الشغوف بمطامح الوصول إلى "الحقيقة" في ذاتها بعيداً عن ظروف الجماعة المحيطة به.

وأقول "الباحث عن الإيمان" وأنا أعني ما أقول: البحث عن الإيمان مقدّمة ضرورية لابد منها للبحث عن الحقيقة المغيّبة. البحث عن الإيمان من أجل التحقيق يقتضي الجهاد في سبيله، والمجاهدة تزكية وتحلية. في كل فرد منَّا صفات مذمومة يتخلى عنها؛ أو المفروض أنه يتخلى عنها؛ في سبيل التزكية بالصفات المحمودة والبقاء عليها بعد تحصيلها، ومغادرة كل ما يعيق الوصول إليها من طريق التمحيص الداخلي لنشاط النفس في مساربها وتوجهاتها, وفيه الإشارة إلى قوله تعالى في سورة (آل عمران، آية 141): " وليُمَحّص اللهُ الذَّينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكافرينَ ".

والمحق هنا هو "الإزالة"، ونزع البركة كما في قوله تعالى:"يَمْحَقُ اللهُ الرّبَا وَيُرْبي الصَّدَقَات"؛ هنالك تصير المجاهدة بمثابة مفتاح الوصول إلى تلك الحقيقة المغيبة والمجهولة. وفي المقابل لا يتسنى الوصول إلى تلك المجاهدة ما لم يكن هاهنا دافع " الإيمان" قوياً، وهو يقوى ويشتد بمقدار فاعلية الجهاد وبمزيد من العزم عليها إنْ في الشدة وإنْ في الضعف. يدور الإيمان في تلك المرحلة الحاسمة منه مع فاعلية الجهاد قوة وضعفاً، ويزداد وينقص بزيادة المقاومة وضعفها.

هنالك يترقى بمقتضى المجاهدة ذلك الفرد الذي أخذها مأخذ الجد في جميع مستوياته الإدراكية: يترقى في النفس ويتهذب في الضمير والوجدان، ويتعالى على جميع نقائصه المعرفية والسلوكية؛ لأنه حينذاك يمضى في طريق المعرفة على بصيرة بكل صفة معلومة السبب غير مجهولة الإدراك، ويقوده المعلوم من الصفات إلى المجهول، بمقدار ما يقوده المعلوم من الحقائق إلى المجهول منها، لكن هذا المجهول من تلك الحقائق لم يعد مجهولاً مع فضيلة الجهاد، بل يتكشف كل لحظة في الوعي الباطن، ويترقى الفرد مع التكشف ترقياً روحياً وأخلاقياً يعجب الإنسان لفعله، وقد يأخذه الزهُّو، وتأخذه الفتنة؛ بما يمكن أن يصل إليه في سبيل العرفان، ومن هنا قد نعذر عبارات الصوفية الشاطحة؛ لأنهم بلغوا من طريق الجهاد ما لم يبلغه سواهم؛ فصدرت عنهم مثل هذه العبارات تعبيراً عن حالات الزهو والتيه بما وصلوا إليه، لكنه ليس تيهاً بالنفس ولا زهوَّاً بها بمقدار ما هو فَرَحٌ بالله وزهو فيه وتيهٌ به.

ففي طريق المعرفة يتوحَّد الفرد العارف مع الموضوع المعروف، ويتصل المخلوق بالخالق ليصبح إنساناً كاملاً وتتلاقى حينذاك مع الترقي من التراب المجبول إلى أفق الأرواح والعقول، جميع المزايا التي تطلعه بصدق على جوانب الإدراك الذاتي بالصفات الإدراكية العليا وهو في الحق لم يكن إدراكاً ذاتياً محض إدراك بل كان توفيقاً من أعلى محض توفيق. يصقل هذه الجوانب شوق النزوع الدائب إلى المعرفة ولكونه إدراكاً ذاتياً؛ فليس يخفى فيه أن يكون مجرَّداً في القيمة مدركاً لخواص المعرفة وسريانها (حالاً باطناً) في نفسه أولاً قبل أن يصل بها - بالعقل بعد الكشف - نفوس الآخرين.

من المعلوم لدينا بالضرورة أن أخص مقومات الإيمان أنه كما قلنا فيما تقدَّم يرتكن على"القدرة"، ولا تتم مقوماته على الحقيقة، ولا يكتمل في النفس المؤمنة إلا بهذه "القدرة"، وكل إيمان يفتقر إلى القدرة هو إلى العجز أقرب منه إلى القوة، ولن يكون الإيمان إيماناً وصاحبه موصوف بالعجز والضعف؛ لأنه لا يعطي تصوراً واضحاً لطبيعة النفس المؤمنة وأحوالها: ماذا عَسَاهَا تكون, وما هى تلك المؤهلات التي هيئت لها خصائص النزوع الباطني كيما تكون نفساً مؤمنة على الحقيقة؟ وما معنى أن تكون النفس مؤمنة، وهى تتبطن مثالب ونواقص وآفات تعوق عملية "التحقق الباطني": شرط الإيمان وشرط القدرة والاقتدار في كل حال؟

تلك كانت أسئلة تأتي الإجابة عنها لتحدد مصير النفس فيما لو كانت "ذاتاً مؤمنة"؛ فضلاً عن أن تكون بمقتضى الإيمان "ذاتاً عارفة"، وهى تعيش حالات الإيمان على جميع أصعدته: النظرية والعلمية, الفكرية والتطبيقية, النفسية الداخلية والخارجية الظاهرية وفق قانون الرياضة، حتى إذا ما كانت هناك شرائح من طبقات المجتمع الذي يجيء بين جنبَاته ذلك الفرد القادر على تحقيق صفات الإيمان في ذاته العارفة؛ تهيأت نفسه من جديد لإدراك الواقع الفعلي والحياتي، لكن هذا التهيؤ لايتأتى بمعزل عن خبرة الباطن المصقول بالوعي الصوفي خَاصَّة - لا الوعي العادي - وإنما يتأتى وفق ما يحكمه من قانون الإيمان من حيث كونه شعوراً دافقاً وإحساساً عارماً وفيضاً من الطمأنينة القلبية والاتصال المباشر، ثم بتلك الكيفية التي يصير بمقتضاها فرداً مؤمناً على الحقيقة دون المجاز.

لا تتأتى بحال تلك القدرة لفهم حيوية الإيمان بغير جهاد للنفس يسوسها ويدركها حين يدرِّبها ويذيقها طعم الحلاوة الداخلية، فتنمو القدرة في أعماق الباطن فاعلية واقتداراً على مجاوزة العراقيل المانعة وإحياء طاقات العوامل الدافعة.

ومن أهم تلك العراقيل المثبطة لهمم السائرين تلك الشرائح المختلفة تُصَادف "العارف" من طبقات المجتمع بما كان قد تخلى عنه بدايةً إذْ تعتبره (أي هذا الذي كان تخلى عنه) هو كل شيء من ألوان الإدراكات؛ وهو الحقيقة الوحيدة التي يدركونها ولا يدركون غيرها شيئاً في عرفه هو، وفي قناعاته هو، وفي إدراكاته هو. وتحاول تلك الشرائح التي تُصَادفه على الدوام في مجتمعه بين اختلاف طبقات هذا المجتمع وتنوع شرائحه، أن تَسْلب منه تلك "القدرة" لتضفي عليه "العجز" أو تغريه بدلاً من تأملاته الذاتية؛ بمعايشة الجماعة وآفاتها والمجتمع وأمراضه، وماذا يصلح الفرد أصلاً في مجتمعه، وأغلب أفراده معطلين عن تلك القدرة الإيمانية وهم عاجزون عن المضيء فيها قدماً بمقدار عجزه هو عن مسايرة المجموع، والتضحية بتعطيل قواه الباطنة من أجل أفسادها مع الجماعة وإفساد الجماعة لها: الجماعة التي يعمل هو على الدوام لأجلها، ومن أجلها فيما لو علمت.

أشار ابن سينا إلى صفة العارف هذه، من حيث أحواله الباطنة التي تجيء فلا يحتمل فيها قط شاغلاً مهما كان أو أياً ما كان، يصرف سرّه عن التوجه إلى الحق؛ فقال:" العارف له أحوال لا يحتمل فيها الهَمْس من الخفيف فضلاً عن سائر الشواغل الخارجة، وهى في أوقات انزعاجه بسرّه إلى الحق؛ إذا أتاح حجاب من نفسه أو من حركة من سره، قبل الوصول؛ فأما عند الوصول: فأما شغل له بالحق عن كل شيء، وأما سعة للجانبين بسعة القوة، وكذلك عند الانصراف في لباس الكرامة فهو أهش خلق الله ببهجته (الإشارات والتنبيهات مع شرح نصير الدين الطوسي؛ تحقيق د. سليمان دنيا؛ دار المعارف سنة 1958م؛ ص 774).

أفلا نعيد هنا وصية أستاذ الشاذلي، الشيخ عبد السلام بن مشيش، لمّا أن قال له الشاذلي: أوْصني، فأوْصَاه وصيته الأخيرة قبل أن يُفَارقه ليُطلعه على رفض الشواغل والعوائق كيما يمتلك أحواله بعيداً عن ترهات المجموع؛ ليكون مشغولاً بالحق عن كل شيء قائلاً له:" الله الله، والناس الناس، نَزِّه لسانك عن ذكرهم، وقلبك عن التماثيل من قبلهم، وعليك بحفظ الجوارح وأداء الفرائض، وقد تمَّت ولاية الله عندك، ولا تذكرهم إلا بواجب حق الله عليك، وقد تمَّ وَرَعَك. وقُلْ: اللهم أرحمني من ذكرهم، ومن العوارض من قبلهم، ونجِّني من شرهم، وأغنني بخيرك عن خيرهم، وتولني بالخصوصية من بينهم، إنك على كل شيء قدير" (يراجع ابن الصبَّاغ: دُرَّة الأسرار؛ ص 229) .

الله الله، والناس الناس: الله الله الإيمان كقدرة لا يتأتى إلا بالله. والناس الناس: الجحودُ كعجز ولو ظُن به القوة، واحتمل فيما يأتيه القدرة. وكما أن مقومات الإيمان قائمة في البداية على القدرة؛ فهو كذلك (أي الإيمان) في مسيرته إلى التحقيق هبة وتوفيق: التوفيق يعز ويُمْنع ويستحيل أن ينال منه أحدٌ كائناً ما كان. وإذا كان المقوم الأصلي لفاعلية الإيمان يستند إلى قدرة المجاهدة للشرور الإنسانية والأمراض النفسيّة والآفات الملازمة لعنصر الهوى البشري؛ فإن التوفيق فتحٌ روحي من عند الله، خصوصية اصطفائية، وهو العزاء فيما لو قوبلت تلك النزعة الروحيّة من قبيل المجموع باللامبالاة وعدم الاكتراث، بل هو "الضمان الإلهي" لورود الفردية الحرَّة المستقلة عن أهواء الآخرين مَوَارد الحق الصُّرَاح: التحقيق بالوحدة مع الله، والاتصال به، والبقاء معه على الدوام بغير قطيعة.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيمالإيمان في منحى من مناحيه إنْ هو إلا "تقدير" في الذات المؤمنة، وامتياز في الذات العارفة: هو تقدير لها يرتد إلى القدرة؛ فمن امتياز الذات العارفة واقتدارها أن تترقى بالقدرة لتصل إلى الإيمان لتنال التقدير. وما القدرة في البداية إلا جهد الكسب، وما التقدير في النهاية إلا توفيق الوهب. وليس للقلب البشري إلا أن يتوتر بين الجهد المكسوب والوهب الذي يأتي من عين الجود. فمثل هذا التوتر هو عينه "التجربة الروحية": الارتقاء في تحصيل الإيمان بفعل "القدرة"، أي بفاعلية المجاهدة والمكابدة، والممارسة العملية، والمعايشة الحياتية لأصول الدين وفروعه، ولآدابه وقوانينه، ثم الانتظار والترقب لفيوض التقدير: والتقدير معرفة، واتصال، وفناء في الذات الإلهية مما ينفتح في سر القلب من جَرَّاء الاتصال بالغيب: هو إنْ شئت قلت: الوَهْب اللَّدُنِّي والتوفيق الإلهي.

ولما كان الإيمان تقديراً وقدرة؛ لأنه اقتدار، صار تعبيراً عن قدرة الإنسان التي لا تحد وتجسيداً لإرادته التي لا تنازع؛ لأن الإيمان في جميع مستوياته التي يحد الإيمان بها إنْ في مجال الفكر أو القلب، وإنْ في ميدان العمل العقلي أو الذوق الوجداني؛ إنما هو اقتدار يتشكل في إطار فكري نظري أولاً ليُعرف، ثم يُذَاقُ بالتجربة بعد المعرفة كيما يُمارس. وبالإطار الفكري النظري قد يستولي من الظاهر ليكون قشرةً سطحيةً على تقدير الناس في أول مقام.

فالعقلُ وحده بمعزل عن الإيمان ليس كفيلاً ولا كافياً أن يعطيك تصوِّراً صادقاً أو صحيحاً عن العقيدة الإيمانية فيما لو كانت على استقرار الرسوخ والتمكين؛ أو هو قد يعطيك عقيدة فكرية بحتة لا شأن لها بتعقُّل الإيمان إلا من خارج. والإيمانُ شعورُ وفهمُ واستدلالُ - كما يذهب القديس أنْسِلم - شأنه في ذلك شأن القديس أوغسطين الذي نادي بـ "تعقل الإيمان"؛ لأن الإيمان يُوَلِّدُ في النفس المحبة، ومن خصائص المَحَبة أن تدفع إلى استعجال الرؤية الآجلة بالاستدلال.

كان "كانط" يقول:" إنّ الدين هو شعور بالأمر الإلهي، وليس بواسطة العقل؛ إذْ العقل عنده لا يوافق حقيقة الأشياء. وعلى ذلك يكون الدين بهذا المعنى شعوراً إلهامياً محضاً. فالإيمانُ من ثمَّ شرطُ التَّعقل؛ وقد قال"أشعيا": "إنْ لم تؤمنوا فلن تفهموا "؛ فالذي لا يؤمن لا يشعر بموضوع الإيمان؛ والذي لا يشعر لا يفهم. والشعور بالإيمان يفوق مُجَرَّد سماع الحديث عنه، والتَّعُقُّل وسط بين الإيمان في الحياة الدنيا، ومعاينة الله في الآخرة؛ هو اقتراب من علم الله !

إنما العقل المحدود المفصولُ بالكلية عن شعور الإيمان الديني العميق، والمعزولُ عن فهم دخائله ومراقبة خلجاته وطواياه، لا يَمَسُّ الحقيقة الدينية في شيء؛ فعقيدتُه محضُ فكر خارجي يُصلح للعلم والتفكير المحسوس: يصلح للصخور والمعادن والأحجار وري الأرض وحفر المجاري ومدِّ القنوات ونقل المزابل؛ ولا يُصْلح لتأمل الحقيقة الإلهية.

هنالك فرقٌ؛ وفرقٌ كبير؛ بين العقل المُروَّض على التعامل مع الحقيقة الإلهية، والتي موضعها القلب إيماناً، ومُدْركُها الفكرُ تعقُّلاً وعرفاناً؛ وبين العقل العابث المخلوط بأهواء صاحبه، إنْ هو أدرك فلا يدرك إلا الهوى، وإنْ هو أصاب فلا يصيب إلا الدَّنِيَّة من الدين والدنيا على السواء. هذا العقل المغموس بعكارة النفس الملوَّثة إذا تَعَرَّض للإيمان أفسد معانيه. إنه فريد الدين العطار؛ الشاعر الصوفي الفارسي البديع هو الذي صور عجز العقل (باعتباره ملكة الاستدلال) عن إدراك الحقيقة الإلهية تصويراً يفوق الروعة ويعلو على خيال الملهمين؛ وذلك حين قال:" ذهبنا وراء عالم العقل والفهم، العقل لا يُجدي عليك، إنما يأتي بما يأتي به غربالٌ من بئر، إنما يحاول العقل أن يدرك هذا العالم، ولكن هذا العقل الذي يفقد نفسه بجرعة من الخمر لا يقوى على المعرفة الإلهية. العقل أجبن من أن يرفع الحجاب ويسيرُ قدماً إلى الحبيب.

ولن يكون هذا الإيمان مُحَدَّداً بكيفية معينة ما لم يتم تحديده (داخلياً) على طريقة ذات معنى يتلازم مع الكينونة البشرية، يمكن للفرد أن يتهيأ له ويستعد، أو بعبارة أخرى؛ لن يكون الإيمان سوى مجرَّد فورة باطنية ما لم يُكيّفه صاحبه في مستوى التوجه؛ وتكييفهُ شوقٌ دائمٌ إلى الحقيقة الإلهية، وإلحاح إدراك للغيب المجهول، ومحاولة استكناة خفاياه. ولن يتاح لفرد - كائناً ما كان - أن يتذوق في قلبه حلاوة الإيمان، وهو - من بعدُ - لم ينفرد في نفسه بتلك "الصفة" - صفة العارف - المطروحة في أعمق أعماقه الداخلية، والمبطونة في أصدق دخائله الوجدانية والشعورية، وهو معزول في نفسه عن نزوع الشوق الغالب لمعرفة الحقيقة الإلهية حتى ولو توافرت فيه أجل الصفات وأعظمها، وحتى ولو أنفرد بصفات ظن أن هذه "الصفة" على التحديد دونها. فليس له من مطمع، من بعدٌ؛ أن يتذوق طعم الإيمان ولم تغالبه نفسه إذْ ذَاكَ إلى الشوق الدائم لمعرفة الغيب المجهول.

تلك الصفة المبطونة داخل كل فرد من أفراد البشر، وهذه الصفة المطمورة في الأغوار الجُوَّانيَّة هى عندي "صفة العارف"، ففي كل إنسان نورٌ عرفاني يسري في كيانه فيما لو تحرَّر فعلاً هذا الكيان، يستمد أشكالاً وألواناً عديدة حين يظهر، تندرج هذه الصفة في الوعي بكل جميل وبكل جليل وبكل ذي قيمة: الوعي بكل تقدم وترقِّ وقوة ومنعة، الوعي بالطموح الغالب على الأفراد والأفذاذ، عندما يريد أحدهم أن يحقق قيمة ما من القيم الوجودية الباقية، الوعي على الجملة بمجمل القيم في هذه الحياة الدنيا، بكل بما فيها ومَنْ فيها. لاحظ أن الوعي قدرة فاعلة وهو اقتدار أيضاً.

إن فكرة الوعي الفردي ذاتها تنبثق من "صفة العارف" حين تظهر، لا بل كل قيمة من القيم، وكل فضيلة من الفضائل، وكل إبداع ثقافي أو خَلْق أدبي أو فكري أو حضاري، كل إبداع فني أو كشف علمي، مهما كان شكله أو جنسه أو لونه، كل إبداع على التعميم إنما هو لون باطني خفي من ألوان"صفة العارف" هذه، سواء أُدْركَ أم لم يُدْرك؛ لأنه نشاط روحي ولون من ألوان الوعي الفردي. والوعي جزء غائر دفين في تلك الصفة العرفانية، هو منها في صميم الصميم.

ولما كانت هذه الصفة يتشكل منها قيم الوجود الروحي في الإنسان، صارت على وجه العموم هى الأصل الذي يستمد منه الوعي الإنساني جذره المتجذر في الأغوار النابتة منه فروع، أشكال هى وألوان، يستمد منه الوعي الإنساني مدده فيتوجه وجهات في الحياة مختلفة، شأنه في ذلك شأن المنبع تتفرع عنه جداول، كل جدول منها يقوى ويشتد بمقدار قوة استمداده من ذلك النبع؛ فهنالك جدول للأدب، وآخر للعلم وثالث للفن ورابع للفكر وخامس للإبداع الثقافي على التعميم.

وهكذا، وهكذا إلى آخر الفروع المختلفة للنشاط الإنساني؛ تستمد منابعها من أصل المنبع: الوعي الغائر الباطن المطمور في جوف العرفان.

إذا كانت هذه الصفة ظاهرةً جليةً قامت بتنشيط الوعي كله في جوهر الإنسان وباطنه. أما حين تكون خفيّة مطمورة تتوارى تحت كثافة الظلمانية الغليظة؛ فليس يظهر منها نور قط يشع على الإنسانية بجديد؛ فالأدب هاهنا تقليد ومحاكاة وإتباع، والفكر عقيم وبليد وفقير، والعلم مادة كثيفة صماء، إذا أنفرد بالسبق وحده يقضي على القيم الإنسانية إذا لم يكن يقضي على الإنسان في جملته وتفاصيله: على حيويته الرُّوحيّة، ويهدد قناعاته الخلقية، ويفجعه بشؤم المصير.

وتاريخ الاستخدام الخاطئ لمنجزات العلم والتكنولوجيا تكشف عن تحدي الإنسان لإنسانيته، وتقضي على الأخلاق من حيث يظن بها توفير الوقت والجهد، ما لم يكن هاهنا وعي من الرقابة الباطنة: رقابة الضمير والخلق الروحي المتين.

والأمر الذي يجعل الوعي غائباً لا نمو فيه ولا تطور، ولا تقدم يُرْجى من ورائه؛ هو انطماس "صفة العارف" وتواريها تحت كثافة الظلمانية الخبيثة المدمرة. على حين أن قهر تلك الظلمانية بأساليب من المقاومة والمجاهدة والمكابدة واعتياد الرياضات الروحية ينمِّى الفردية على قدرة التوجه إلى أعلى والاتصال بمطالب الروح، كما يُقْدِرها على الاستقلال الفكري والروحي، ويهبها تحرر الكيان الآدمي فيتحرَّر بمقتضاه جميع لواحقه وفروعه؛ فيقتدر الإنسان على الخَلْق الفكري والأدبي أو على سائر أنشطته الحيوية، بمقدار ما يُقْدِر الوعي فيه بالبروز والجلاء والظهور.

والإيمان هو الأساس لترقي صفة العارف ولتأسيس مشكاة النور العرفاني في بواطنه وخوافيه: الإيمان القلبي الذي هو الأصل والمصدر لكل نشاط واعي، بغيره تضيع جميع المحاولات الحياتية الجادة والنافعة، وبغيره يمكنك أن تصف تلك المحاولات في غير تردد بالعبث واللهو والفراغ العقلي والفكري وضياع الوقت والجهد فيما لا ينفع ولا يفيد. ونسوق هنا من "نوادر الأولياء" حادثة دَوَّنَها الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ونقلها عنه شيوخ الطريق من شُرَّاح ومفسرين؛ شواهد ممَّا يستملح ويستظرف في "كرامة الإيمان" الذي لا ينبغي أن يُخَالط بمعصية.

قال ابن عربي: " دَعَانا بعض الفقراء إلى وليمة بزقاق القناديل بمصر، فأجتمع بها جماعة من المشايخ، فَقُدّم الطعام، وعمَّروا الأوعية، وهناك وعاء زجاج قد أتخذ للبول ولم يستعمل فقرَّب فيه ربُّ المنزل الطعام فالجماعة يأكلون، وإذا الوعاء يقول: مذ أكرمني الله بأكل هؤلاء السادة مني لا أرضى لنفسي أن أكون بعد ذلك اليوم محلاً للأذى ثم أنكسر نصفين. فقال ابن عربي: فقلت للجميع أسمعتم ما قال الوعاء؟! فقالوا: نعم. قال فقلت: وما سمعتم!!, فأعادوا القول الذي تقدَّم.

قال، فقلت: قال قولاً غير ذلك. قالوا: وما هو؟ قلت: قال كذلك قلوبكم قد أكرمها الله بالإيمان، فلا ترضوا بعد ذلك أن تكون محلاً لنجاسة المعصية وحُبّ الدنيا؛ جعلنا الله وإياكم من أولى الفهم عنه والتلقن منه " (شرح الرندي على الحكم العطائية؛ جـ2, ص 51).

تلك صفة العارف أن ينطق عنك وأنت ساكت، وهذه هى صفة العارفين أن يدفعوا عن الإيمان كل لوثة من كدورات الدنيا وكل معصية تلحق بصفائه ونقائه. الإيمان شرط كل ما تقدَّم في الصفة العرفانية؛ لأنه أولاً شرط الحقيقة الأصلية في الإنسان: روحه وجوهره وفطرته وتصافيه؛ ولأنه ثانياً يخرق حُجُب الغفلة ويفعِّل فواتح الضمير، بمقدار ما يهيئ العقول والقلوب إلى اليقظة التي لا غفلة فيها، ونحن إذا قلنا "يقظة" فقد قلنا في الوقت نفسه "وعياً"؛ وأحطنا الوعي في قولنا بالتنبُّه الشديد والإدراك العالي لسائر ألوان النشاط الإنساني تفعيلاَ لهذا النشاط؛ كيما يدرك الحقائق الوجودية والمعرفية، ولا يغفل أو يتغافل عنها بوجه من الوجوه.

إنما الحقائق الوجودية والمعرفية "قيم": قيمٌ لا مناص لها من أن تتفَعَّل في الضمائر وتستوطنها من الباطن لتفعل في صاحبها أفاعيل الحركة الناشطة بوجوب التحقيق والتطبيق، وتتردد على العقول والقلوب فتدركها أحياناً حتى لكأنها تقبض على هذا الإدراك قبض الظافر الغانم، وفي تلك الحالة يكون الوعي ايجابياً فاعلاً في أقصى حالات نشاطه. أما حين تتجاهلها أو تغفلها فلا تدرك منها شيئاً، ولا تريد أن تدرك مع التجاهل ومع الغفلة شيئاً؛ فهنا تنطمس بصيرة الوعي حتى لكأن الإنسان في هذه الحالة يُشْبه الحيوان في النكوص والتردي، بل وفي الخيبة والخذلان.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيمحين نريد تحديد صفة العارف في حديث الولاية؛ نحددها خلال ما تعترك به الدنيا وتضج فيه من ناحية، ومن ناحية أخرى خلال ما يبرز لنا واضحاً من قواعد تأسيسية في الطريق نفسها، ليس يمكن الاستغناء عنها في مراحله المتطورة وارتقاءاته الصاعدة في معارج الروح والأخلاق : لسنا بمعنيين هنا بتحديد "صفة العارف" كما أرادها القوم وكما حَوتها كتبهم ومقالاتهم فهذا مما شك فيه إنْ كان من الأهميّة بمكان فهو موجودٌ متوافر في مصنفاتهم لمن شاء أن يطلع عليه. ولكننا عنينا بصفة العارف تحديداً تلك القيمة الباقية من الإنسان فيما لو نهج طريق العرفان واستطاع بمثل هذا المنهاج أن يحدد صفة العارف لا من خلال أقوال الصوفية فيها فحسب، ولكن أيضاً من خلال ظلالها وآثارها في الحياة الحية الواقعة تُعَاش أو ينبغي أن تعاش وفق خَصَال العرفان : أحولاً كانت أو أخلاقاً، ماذا عَسَاهَا تكون صِفَةُ العَارِفْ هذه؟

الإمام أبو القاسم الجنيد (ت 297 هـ) قال وهو يصف العارف: (مَنْ إذا نَطَقَ عَنْكَ وَأنْتَ سَاكت!). وهو وصف موغل في تجسيد الولاية كونها سراً ينطق عن السر، وإنْ كان موغلاً في الوقت نفسه في البعد عن العقلانية التي يشكُل معها النطق بالأسرار لأنها تأخذ بالعموم ولا تأخذ بالخصوص، وتتوجه إلى العقول ولا تتوجه إلى الأسرار، ولكن منذ متى تقاس الولاية بمقياس العقول المحدودة بحدود ما تفكر فيه؟ والولاية بعيدة بعيدة عن حدود العقول المحدودة بحدود ما تفكر فيه، فما يطابقها أو ينطبق عليها في عملية البحث من حيث كونها منهجاً، ليس هو العقل بل البصيرة، أعلى من العقل وأرفع في ملكات الإدراك. وإذن؛ فلابد من معرفة الجهة التي نتحدَّث فيها أو المنقطة التي ينطلق القول منها، ومعرفة ما يناسبها من عمليات الإدراك لكيلا نخلط بين حابل ونابل أو بين منهج ومنهج حين نحاكم أحدهما بالآخر في البحث والفحص والتنقيب. وعليه؛ فلا يفهم من قول الجنيد هذا ما يفهمه صاحب العقل المحدود حين يرى إشارته تتوغل بعيداً عن العقلانية فيحكم بالعقل عن أشياء صدرت من منطقة الذوق، فلا يكون حكمه صواباً بالقياس إلى من يريد أن يقيس الشيء وهو يجهل كيف يقاس. وفي إطار قيم المعرفة منهجاً وتحققاً تجئ صفة العارف متصلة بالإنسان حيث كان، ولكنها لا تتصل حين تتصل إلّا بالإنسان الأعلى من حيث مراقيه المعرفيّة لا من حيث هبوطه ونكوصه وترديه.

فالمحبة والمجاهدة والمعرفة والأخلاق والتحرُّر من عبادة السّوى؛ قيم باقية من خصال العارف تنطلق منها وتعود إليها، وتسمو الحياة بسموها في ضمائر أصحابها؛ وهى من الأصالة بحيث لا يمكن التغاضي عنها؛ فالعارف مجاهد، والعارف محب، والعارف ذو خلق متحرر من عبادة السوى. فهذا الفهم يضعنا في مواجهة العرفان كصفة خاصَّة بالأولياء والعارفين، يتحتم بروزها ليس فقط لدى هؤلاء الأولياء والعارفين بل من وجهة نظرنا كذلك في وقائع الأحياء على التعميم.

إن حُبَّ الله لهو أعظم آيات الامتنان الإلهي، لكنه لن يتحقق بإرادة الإنسان، بل يتحقق بهبة التوفيق. ليس الحب الإلهي الخالص المُخَلَّص من شوائب الزيف آية من آيات الفضل المسبوغ وكفى؛ بل هو كذلك في الأصل هبة إلهية يمنحها الله عطية وتوفيقاً من عنده لخاصة عباده، أختارهم واصطفاهم خاصة لأفضاله وخالص عطاياه. فما من حيلة وما من دعوى، وما كان عطاء ربك محظوراً قط، وما كانت هباته موقوفة ولا ممنوعة، فهو (أي الحب الإلهي) اصطفاء فوق كونه فضلاً مسبوغاً.

على أن الفرق بين الاصطفاء والفضل المسبوغ هو أن الأول تخليص خالص، وانتقاء إلهي كان في عالم الذَّر كما في قوله تعالى:" إنا أخْلَصْنَاهم بخالصة ذكرى الدار. إنّهم عندنا لمن المُصْطَفين الأخْيَار "(سورة ص : آية 46 - 47) ؛ بمعنى أن الله تعالى قد نقاهم من النقائص، وخَصَّهُم بخلة خاصّة وجعلهم من المخلصين المختارين لطاعته حين خصهم بخصائص القربة.

أما الفضل المسبوغ فهو لا يحرم منه أحد، ولا يختص بمخلوق دون مخلوق، ولكن نعمة الإيجاد تتطلب فيه نعمة الإمداد. ثم هو قد ينال جميع خلق الله بمقتضى الرحمة الإلهية، ومن قبَلهَا، وبغير استثناء مخلوق من إمداد الخالق. وفضل الله المسبوغ على عباده عام لا خاص، شامل لا محدود، واسع لا ضيق فيه. والمحبة الإلهية فوق كونها من فضل الله المسبوغ، فهى كذلك هبة تندرج في أعلى صفاتها تحت الاصطفاء الإلهي وتخصيص التقريب كما جاء في قوله تعالى :"والله يَخْتَصُّ برَحْمَته مَنْ يَشَاء، واللهُ ذو الفَضْل العَظيم"(سورة البقرة : آية 105) .

وفي تلك الخاصَّة الإلهيّة لن تتدخل إرادة مخلوق في إرادة الخالق؛ إذْ الأمر كله على التحقيق إرادة ربّ لا إرادة عبد. وهذا الفهم هو المهم في كل توفيق ممنوح. لكأنما أول خاصَّة عرفانية تقابلنا هى هنا خاصة المحبة؛ لأنها فيما يقول الإمام أبي الحسن الشاذلي:" أخذت من الله لقلب عبده عن كل شيء سواه، فترى النفس مائلة لطاعته، والعقل مُتَحَصّناً بمعرفته، والروح مأخوذة بحضرته، والسّرَّ مغموراً في مشاهدته، والعبد يستزيد فيُزَاد، ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته فيُكسى حُلل التقريب على بساط القربة، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم، ومن أجل ذلك قالوا : أولياء الله عرائس ولا يرى العرائس المجرمون"؛ أو يقول:" المحبة سّرُ في القلب من المحبوب، إذا ثبت قطعك عن كل مصحوب"، وينبه محذراً فيقول:"حرامٌ عليك أن تتصل بالمحبوب، ويبقى لك في العالمين مصحوب "، غير أنه سبحانه إذا مَنَعَكَ ممَّا تحب، وَرَدَّك إلى ما يحب، فهى علامة صحبته لك". (يراجع : ابن عباد المحلي : المآثر الشاذلية؛ ص 90 - 91)

وإذا كانت هذه هى خَاصَّة المحبة عرفانية في الأساس؛ فإنها لتندرج في المعرفة فيجيء بمقتضاها نطق العارف مخبراً عن كل شيء، فقد سئل عبد الرحمن الفارسي عن كمال المعرفة فقال:" إذا اجتمعت المتفرقات، واستوت الأحوال والأماكن، وسقطت رؤية التمييز"؛ وعلق السرَّاج الطوسي على تلك الإشارة حيث قال :" ومعنى ذلك أن يكون وقت العبد وقتاً واحداً بلا تغيير، ويكون العبد في جميع أحواله بالله ولله مأخوذاً عمَّا سوى الله، فعند ذلك يكون هذا حاله" (السراج الطوسي : اللمع، ص 62) بمعنى أن تصير جميع الهموم هماً واحداً بلا تغيير، وتسقط جميع الشواغل إلا شاغل واحد هو تحقيق العبودية لله، وهى التي عبر عنها ذو النون المصري بعدم الالتفات إلى الخلق فقال:" إنْ التفت العارف إلى الخلق عن معروفه بغير إذنه، فهو مخذول بين خلقه "، مخذول؛ لأنه مادام قد أختار طريق العرفان ثم ألتفت فقد خَان؛ والخيانة خُذلان؛ ولأنه في هذه الحالة لن يكون مشغولاً بالتحقيق في مقام العبودية، وسيكون في الغالب موزع القوى مشتت الهَمِّ غير مجموع بالعين ولا هو بالمأخوذ كلية، وستكون فيه بقية من اختيار لا توصله إلى درجة العارف كصفة خاصة به.

وهنا قد نصل بالعرفان إلى مذهب "إسقاط التدبير" في تصوف السَّادة الشاذلية عامة، وتصوف أبي العباس المرسي وابن عطاء الله السكندري خَاصَّة؛ فلن يكون اختيار العارف في تلك الحالة القصوى من العرفان إلا بمراد الله لا بمراده، وقد قال يحيي بن معاذ الرازي (ت 258 هـ) مادام العبد يتعرَّف (أي لم يبلغ درجة العرفان بَعْدُ) فيُقال له : لا تختر شيئاً، ولا تكن مع اختيارك حتى تعرف (أي حتى تبلغ من العرفان مبلغه الذي لا يتناهى)؛ فإذا عرف وصار عارفاً بمعنى أنه تحقق من العرفان فيُقال له إذْ ذَاك : إنْ شئت اختر وإنْ شئت لا تختر؛ لأنك إنْ اخترت فباختيارنا اخترت، وإنْ تركت الاختيار فباختيارنا تركت، فإنك بنا في الاختيار وفي ترك الاختيار".

أَفَكَثيرٌ على العارف - وهذه حالته على هذا الوصف - إذا هو نطق، نطق عنك وأنت ساكت؟ كلا! إن حركته وسكونه بالله، فمن نطقه ينطق بالله، وكذلك في سكونه يخبر عن المسكوت عنه فيما لو كان مأذوناً له بالنطق فيه وبالإخبار عنه، وذلك لأنه في الحركة والسكون ليست له إرادة وليس له حظ فيهما.

هذه الصفة، "صفة العارف" هى التي عبر عنها الإمام الشاذلي أيضاً لما أن قال : من انقطع عن تدبيره إلى تدبير الله، وعن اختياره إلى اختيار الله، وعن نظره إلى نظر الله، وعن مصالحه إلى علم الله لملازمة التسلم والرضا، والتفويض والتوكل على الله؛ فقد آتاه الله حُسْن اللب وعليه يترتب الذكر والفكر وما وراء ذلك من الخصائص " (المآثر الشاذلية؛ ص 98)؛ لكأنما الذكر والفكر من المراحل التالية لصفاء اللُّب بترك الاختيار النفسي وإسقاط شواغله إلى حيث اختيار الله تعالى وموالاته على الصفاء، فهما العلامتان اللتان يدلان على معقول النظر واستقامة العمل كما وصفهما بحُسْن اللُّبّ. غير أن هذه الصفة في المطلق لا تتأتى أبداً بغير تحقيق الإيمان ولا تأسس إلا عليه.

ليت شعري : ما الذي يُقدّمُه الإنسان على أسمى جزء موجود فيه، إذا أنعزلت عنده مَدَارك الذَّوْق وراح يدرك كل ما يناله ببصر المحسوس والملموس، ويكتفي بذلك فقط، وينكر ما دونه من مدارك وأذواق؟ إنه ليبدو مخلوقاً تافهاً حقيراً إذا لم تكن المعرفة منذ البداية قد وَقَرَتْ فيه، وإنه لينقلب من فوره إلى وضاعة ما بعدها وضاعة إذا هو لم يقدر وجوده الروحي، ولم يعرف أن هذا الوجود هو في الأصل مُقَدَّمَاً - وينبغي أن يكون مُقَدَّمَاً عنده - على كل وجود سواه، وأن وضاعته لتزداد وشرهه المادي ليتفاقم إذا هو لم يعد يمتلك قدرة التحقق بأسس العرفان.

إنما قصدت هنا تحديداً ذلك العرفان الذوقي بهذا الوجود الروحي أو بتلك الطبيعة الموجودة فيه : طبيعة الروح السامية المتعالية التي تستقر في محيط الإيمان. إنها من غير شك لطبيعة روحانية تسمو على كل طبيعة سواها، ترتفع ما أرتفع الإيمان في معدن الذات المؤمنة وأزدان.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيمالولاية في الأصل لله: "الله وليُّ الذين آمنوا".. "وهو يتولى الصالحين" .

الولاية لله تعالى، ولا ولاية لإنسان من نفسه أو لنفسه، الولاية شأنٌ إلهيّ موهوبٌ غير مكسوب، وهو في ذات اللحظة مشروط بالذين آمنوا. أمّا الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله فأولياؤهم الشيطان. الله وليُّ الذين آمنوا يواليهم بلطفه وعنايته ويرعاهم بكلائته ويرقّيهم دوماً بمراقي الإحسان. إذا كان الشيطان يُوَالي الذين كفروا، فالله عز وجل وليُّ الصالحين أعداء الشيطان، وأعداء النفس والهوى والدنيا، وأعداء القبح في كل صفاته المتجلية دوماً مع تجدِّد كل زمان.

الصالحون أولياء الله؛ لأن الله يتولاّهم، يعادوا من عاداه الله ويوالوا من والاه الله، وأظهر عدوّ للّه هو الباطل، وأقربُ وليُّ له هو الحق؛ واسمه سبحانه وتعالى الحق.

من صفات الولي : ألّا تأخذه في الله لومة لائم، فيكون بالحق ناطقاً، وبحق الله قائماً، فإنْ نَطَقَ نَطَقَ بالله، وأنْ سَكَتَ سَكَتَ بالله، وهو يحتمل الأذى بطيب نفس من كلِّ الخلق، أي يحتمل الرذالة وقلة الأدب من سفهاء الآدميين، لعلمه أن ما يجريه الهوى على ألسنتهم لا يجب الوقوف عنده، وأن مصيره إلى زوال إلاّ إنه على الدوام يصدع بالحق، فلن يكون للباطل إليه من سبيل.

للأولياء أسرارٌ التوحيد بالتعريف من حيث الإلهام والخواطر، ولكنهم لا يؤمرون أن يتكلموا، وإنهم لا يحملون رسالة كالأنبياء إلى الخلق. ومعنى الولي؛ كما بَيّن القشيري في الرسالة، هو الذي يتولّى الحق سبحانه رعايته، أي يتولّى الحق سبحانه ولايته؛ وهو يتولّى الصالحين.

هذا معنى أوَّل؛ حتى إذا ما كان المعنى الأول من جهة الحق، فالمعنى الثاني من جهة الخلق؛ أي من جهة الإنسان المخلوق كونه وليَّاً لله.

من ذلك المعنى الثاني يتبيَّن أن الولي هو الذي يتولى عبادة الله وطاعته، فعبادته تجري على التوالي من غير أن يتخلّلها عصيان، ولا يكون الولي وليّاً إلا بوجوب قيامه بحقوق الله تعالى على الاستقصاء والاستيفاء والمتابعة، ودوام حفظ الله تعالى إيّاه في السّراء والضرّاء. ومعنى إن عبادته تتوالى من غير أن يتخللها عصيان، إنه لا يصرُّ على صغيرة، وأنه ليتدارك ذنبه من فوره بالتوبة والإنابة، فما يتخلّل العبادة من عصيان هو في حد ذاته طاعة وعبادة إذا نُظر إليه من هذا الجانب؛ والولي من تَوَالت أفعاله على الموافقة.

شرط القشيري أن يكون الولي محفوظاً، تماماً كما أن من شرط النبيّ أن يكون معصوماً، فكلُّ من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرورٌ مخدوع. وكما أن الولي تابع للنبي، وأنه - صلوات الله عليه - له المعجزة؛ فإن للولي الكرامة، وكلتاهما (المعجزة والكرامة) تتمُّ بمشيئة الله وفضله. ويرى القشيري أن الكرامة في الأصل دلالة على صدق النبي الذي يتبعه الولي، ولهذا يقول في لطائف الإشارات :       "وكرامات الأولياء مُلحَقة بمعجزات الأنبياء".كيف يكون هذا؟

بالطبع، هذا أجدر بأن يكون كذلك وأولى؛ لأن صدق كرامة الولي تتأكد بمعجزة النَّبي لا من حيث هو نبيّ، ولكن من جهة إتباع الولي له، تأمل قوله تعالى في سورة غافر : " يُلقي الرُّوحَ من أمره على من يَشَاء"؛ تجد هذه الروح هى روح الرسالة، وروح النبوة، وروح الولاية، وروح المعرفة؛ فالأولياء أعلى درجة من العارفين، أو هم صفوتهم، ولكنهم مع ذلك هم أدْنَى درجة من الأنبياء.

فإذا ظهرت عليهم كرامات لا يتعلّقوا بها، ولا يطلبوها مطلقاً، ومن هذه الجهة هم أصدق مع الله؛ لأنهم أصدق مع رسالة النبي المتبوع :" قُل إنْ كنتم تحبُّونَ الله فاتّبعوني يُحْبِبْكُم الله".

وكلُّ ما ينقل عن الأولياء ويُسارع البعض إلى تكذيبه إمّا أن يكون :

(١) رمزاً يُحتاج إلى فكّه بعد فهمه في إطار فقه التجربة الصوفيّة.

(٢) أو مبالغة عن الكبار من صغار المريدين.

(٣) أو محض اختلاق من الأتباع لتقويه الهمم الضعيفة، وإن جاء في ثوب خيال.

خذ مثلاً الروايات التي سِيقت في رسالة القشيري عن البسطامي من أنه قيل له : ما أشدّ ما لقيت في سبيل الله؟ فقال : لا يُمكن وصفه، فقيل له : ما أهون ما لقيَت نفسك منك؟

قال : دعوتها إلى شئ فلم تجبني، فمنعتها الماء سنة!

لك أن تتصور إنه منع نفسه من الماء سنة، ولا يزال يعيش بشحمه ولحمه بين أحياء!

وهنا لفتة تقتضي وقفة، ربما تكون مدخلاً للطعن في نظام السلوك الصوفي من حيث إنه يُخالف التشريع فيبدو في الظاهر ضد نصوص الحديث الصريحة. هذه اللفتة من الأهميّة بمكان للتَّفرقة الفارقة بين أمرين : الغُلوِّ من جهة، ثم طلب الكمال في العبادة من جهة ثانية.

نصوص الحديث قاطعة برفض الغلوّ :" لا تشدِّدوا على أنفسكم فيُشَدّدُ عليكم؛ فإنَّ قوماً شدَّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم؛ فتلك بقاياهم في الصوامع والدّيار، ثم تلا صلوات الله عليه :" ورهبانيّة ابتدعوها ما كتبناها عليهم ".

وقال عليه السلام :" إيَّاكم والغلوُّ فإنّما هَلَكَ من كان قبلكم بالغلوِّ في الدّين" .

وقال :"هَلَكَ المُتَنَطّعون"؛ قالها ثلاثاً.

والمتنطعون هم : المُغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.

وإنّه؛ عليه السلام، دخل يوماً فوجد حبلاً ممدوداً في حجرة بين الساريتين فقال : ما هذا الحبل؟ قالوا : حبلُ لزينب فإذا فترت تعلقت به، فقال : لا .. حلُّوه ! ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد".

هذا الغلوُّ الذي نَهَي عنه رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - له مخاطره التي تخرج بمن يسلكه عن حدود الشرع ومقاصده السّمحة وتدخله في الحظيرة الخطرة : حظيرة الخروج عن الملة بمخالفة النصوص الشرعيّة والافضاء إلى غير المقصود من مقاصد العبادات والطاعات ممّا يشي بالتنفير منها، وورود صاحيها موارد التهلكة.

فالغلوُّ بالطاعة يُهدر حق ذوي الحقوق من مقاصد الشريعة. ومقاصد الشريعة كما نعلم مصالح قصديّة في خمسة؛ مصلحة الدّين، ومصلحة الحياة، ومصلحة العقل، ومصلحة النّسل، ومصلحة المال، تتأتى كلها في إطار فهم الضروريّات فالحاجيات فالتّحسينات، فحيثما تكون المصلحة فثمّ شرعُ الله.

والغلو بالمشقة على النفس في النوافل والزيادات في العبادات، وتكليف النفس فوق طاقتها، وتحمّلها ما لا تحتمل يؤدي إلى الفتور في العبادة ويحرم صاحبه شفاعة الحيبب صلوات الله عليه.

وفي الحديث :" صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي : سلطان غاشم ظالم، وغالي في الدّين يشهدُ عليهم ويبرأ منهم".

في المقابل قد يلتبس على بعض الناس أن في ذمِّ الغلو طريقاً إلى ترسيخ التكاسل في الطاعات خشية ارتكاب الغلو. وفي الحق أن هذا كله شيءُ وطلب الكمال في العبادة شيء آخر؛ فالغلوّ مرفوض بكل الوجوه، ولكن طلب الأكمل في العبادة مطلوب بكل الوجوه؛ فالشواهد تقول إنّ كل متنطع في الدين ينقطع ويفتر ولا يتمُّ طريقه، وليس المُراد منع طلب الأكمل في العبادة؛ لأنه أمرُ محمود بكل حال بل المراد منع الإفراط المؤدي إلى الملال والشعور بالفتور أو المبالغة في التّطوّع والزيادة ممَّا شأنه أن يُفضي إلى ترك الأفضل؛ كمن بات يُصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الفجر في الجماعة فأخرج الفرض عن وقته. يحرص الصوفية لا على الغلوُّ كونه مرفوضاً من النَّص الشرعي، ولكن على طلب الأكمل في العبادة؛ لأن الأساس الشرعي عُدَّة ظاهرة في سلوكهم ليس يفت فيه مقصد من مقاصد الشريعة.

نعود بعد هذه الوقفة إلى ما كنا بصدده :

فمن الرموز حادثة إبراهيم الخواص وتيهه في البادية، إذْ كثيراً ما يتحدّث الصوفيّة عن " التّيه" أو "تيه بني إسرائيل"، ويقصدون بذلك مرحلة ما قبل السلوك. وليس من شك في إن "الخواص" لم يقصد بالطريق : الجوع والعطش والهداية، تلك المعاني المقصودة عند العامة، ولكنه قصد منها الرمز رأساً، وهو أمر يقصده المتصوفة في خطاباتهم دوماً لأنه يسقط عنها الفهم العارض ليحيله إلى العمق.

وفي الرسالة قصةُ تؤيد هذا التأويل الذي ذهبنا إليه، يروي "الخواص" ذاته إنه عطش في بعض أسفاره حتى سقط من العطش ثم يضيف " .... فإذا أنا بماء رُشّ على وجهي ففتحت عيني فإذا أنا برجل حسن الوجه راكب دابة شهباء فسقاني الماء وقال : كن رديفي".

بأمثال هذه الواقعات يكون تأويل عبارات الصوفية في إطار تجاربهم الشهوديّة، فإن البديل للتجربة الصوفيّة هو القياس النظري، ولكن هل يصلح القياس النظري في الطريق؟

الإجابة بالقطع .. لا . إمّا أن يكون خبراً من الشهود والمعاينة بصور المقامات والأحوال، يعني خبر من تجربة مباشرة وشهود محقق بالفعل.

وإمّا أن يكون صاحب قياس في الطريق.

وطريق الله (كما يقول ابن عربي) لا يُدرك بالقياس فإنه تعالى " كل يوم هو في شأن "، وأن كل نفس في استعداد.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيمعشنا ساعات نورانيّة في ظل مناقشة رسالة علميّة ممتازة في الأسبوع الماضي بعنوان (الجهاد لدى المدرسة الشاذليّة) رسالة نوقشت مؤخراً بكلية الآداب - جامعة المنصورة، مقدّمة من الباحث أحمد عبد المعبود يوسف لنيل درجة الماجستير في الآداب من قسم الفلسفة بإشراف الأستاذ الدكتور إبراهيم إبراهيم ياسين أستاذ الفلسفة الإسلامية والتصوف ورئيس قسم الفلسفة الأسبق، وصاحب المؤلفات البديعة في حقل التصوف الإسلامي والتصوف الفلسفي، وعضوية كل من الأستاذ الدكتور عامر النجار أستاذ الفلسفة الإسلامية والتصوف بكلية الآداب - جامعة قناة السويس؛ والأستاذ الدكتور مجدي محمد إبراهيم، كاتب هذه السطور ورئيس قسم الفلسفة ووكيل كلية الآداب لشئون الدراسات العليا والبحوث جامعة العريش (مصر).

ربما يكون من اللافت للنظر أن يكتب أحد أعضاء لجنة المناقشة عن رسالة شارك في مناقشتها؛ فأيَّا ما كانت قيمة الرسالة من الوجهة العلمية مقبولة؛ فكتابة أحد أعضاء اللجنة عنها شيءٌ يدعو إلى الغرابة في الأعراف الجامعيّة، ولكن الذي يرفع الغرابة لدى من يتبادر إلى ذهنه فيدور بخلده مثل هذا الخاطر هو أن التقاليد الجامعية وأصولها العريقة ليست تمنع من تشجع الباحثين الجادين على العمل المتواصل، وهو عين الجهاد، وبخاصّة فيما لو توافرت لديهم الإمكانات مع الاستعداد مثلما توافر في الباحث الذي كتب في موضوع الجهاد مثل هذا الكم الكبير بجهد ملحوظ في رسالته أقترب من أربعمائة صفحة.

عندما كتب عبد الرحمن بدوي رسالته للماجستير قال طه حسين، وقد كان أحد أعضاء لجنة مناقشته "هذا رجل أشعر بضاءلتي إذا ما اقترن اسمه باسمي"، ومن يومها انفتحت كل طاقات عبد الرحمن بدوي المعرفيّة بكلمة واحدة من رجل عظيم في مثل قامة طه حسين فقدَّم للمكتبة العربية ما لم يستطع سواه أن يقدّمه لها. وإذا كان الزمان قد تغيّر فالناس غير الناس، والاستعداد غير الاستعداد، ولست أنا بطه حسين، ولا الباحث بعبد الرحمن بدوي؛ فنحن في مسيس الحاجة إلى تشجيع الجادين في مجال البحث العلمي، وبخاصّة أولئك الذين نلمح لديهم الاستعداد للمواصلة مع حضور القيم العلميّة الفاعلة من جانبهم .. هذه واحدة.

أما الثانية؛ فقد ارتهنت عندي بموضوع صادف قبولاً في نفسي أنا شخصيّاً وهو الحديث عن الإمام أبي الحسن الشاذلي (ت656هـ) : شيوخه ومدرسته وتلاميذه، فقد كتبتُ عنه وعن تلميذه أبي العباس المرسي كتاباً مطولاً تناولت فيه هذه الشخصية المركزية الثانية في المدرسة الشاذليّة (أبو العباس المرسي؛ مذهبه وآراؤه الصوفية)، فهو من هنا له ولتلاميذه ومدرسته في قلبي مكانة تجعلني أبادر بمعرفة كل من حصَّل عنه شيئاً من بين بطون الكتب والمصادر.

أما الثالثة؛ فهى تلك الترجمة لأعلام المدرسة الشاذلية سواء في القديم أو الحديث فلم يغفل الباحث عن ترجمة شيوخ الشاذلي مثل ابن حرازم (ت633هـ) وأبو محمد عبد العزيز المهدوي (ت621هـ) وأبو سعيد الباجي (ت 638هـ) وأبو الفتح الواسطي (632هـ) وعبد السلام بن مشيش ( ت 622هـ). أو تلاميذه؛ كأبي العباس المرسي، وأبي القاسم القباري، وأبي محمد سلامة، وأبي الحسن بن على الحطاب، وعمرو بن الحاجب. أو زملائه : عز الدين عبد السلام، وتقي الدين بين دقيق العيد، وعبد العظيم المنذري، وابن الصلاح، وجمال الدين العصفوري، ونبيه الدين بن عوف، ومحي الدين بن سراقه، والعلم ياسين تلميذ بن عربي ممّن شهدوا صولات الشاذلي وجولاته في المدرسة الكاميلية بالقاهرة.

لكي نتحقق من المرجعية العلمية للطريقة الشاذلية تحقيقاً علمياً دقيقاً، يلزم الرجوع فيها إلى مصدرين أو إنْ شئت قلت طريقين : الأول، طريق أبو محمد ماضي بن سلطان خديم الشيخ أبي الحسن الشاذلي وتلميذه بالمباشرة ومنه إلى ابن الصباغ السيد الحميري صاحب "درة الأسرار" تلميذ الشيخ ماضي ثم الفروع. والطريق الآخر : طريق أبو العباس المرسي وارث سرّ الشيخ أبي الحسن الشاذلي وأفضل أصحابه على الإطلاق، ومنه إلى ابن عطاء الله السكندري ثم الفروع؛ فجميع ما كتب عن الطريقة الشاذلية ومؤسسها يستند إلى هذين المصدرين، وكل الكتابات الأخرى عالة عليهما، ولا يستغني باحث في تراث هذه المدرسة عن الطريقين ولا عن المصدرين ولا يؤثر طريق منهما على طريق، ولا مصدراً على مصدر لأنهما في الأصل طريق واحد.

حقيقة؛ وسَّعَ الباحث من دراسته فشمل مفهوم الجهاد من جميع معانيه؛ إذْ لم يجعله مقصوراً على العناية بجهاد النفس وتزكيتها وكفى، ولكنه أبرز الدور المرموق للمتصوفة إلى جانب جهاد النفس جهاداً في ميادين الحرب كما جرى مع الشاذلي نفسه في معركة المنصورة ضد الصليبين، من أجل إعلاء كلمة الله تعالى، وركز على أشهر الطرق الصوفية، وهى الطريقة الشاذليّة في محاولة للوصول إلى حقيقة موقفهم من الجهاد كونه مفهوماً وسلوكاً يمارس في إطار توجهات العقيدة الدينية التي يتنسبون إليها ويدينون لها بالولاء.

لم يكن بدُّ من الباحث أحمد عبد المعبود أن يجيء هدفه مشمولاً على إلقاء الضوء على الجهاد لدى المدرسة الشاذلية وفروعها المختلفة إنْ في القديم أو في الحديث، وإظهار مواقف أئمتها وأعلامها من مفهومه بمعناه الواسع الأمر الذي يقدح بالجملة فضلاً عن التفصيل في صحة نسبة التكاسل والانكفاء على النفس وخلق الحيل الهروبية والتقاعس عن الجهاد ممَّا يتنافي في المجمل مع أخلاق الصوفية عامة، والمدرسة الشاذليّة خاصّة، بمقدار ما يتنافي على الجملة مع آرائهم وآدابهم وتوجهاتهم الروحيّة.

فالتصوف بغير شك عملٌ متواصل وجهادٌ عنيف واقتدار يملك صاحبه القدرة على المواجهة في شتى ضروب الحياة. ومن أجل ذلك ركز الباحث في رسالته على المنهج التحليلي لبسط وتحليل الآراء وتقديم تفسير لها مضافاً إليه المنهج التاريخي في بعض المواضع لسرد الأحداث التي يقتضيها المنهج وتتبع الفكرة مع ملاحظة تطورها من مرحلة إلى أخرى، ولم يفته استخدام المنهج المقارن كلما دعت الضرورة إليه. هذا ما يشير إليه الباحث في المنهج المتبع في رسالته ويؤكد عليه، وهى خطوة أوليّة ضروريّة ما في ذلك شك. ولكن مع هذه الإشارة المهمة إلى أهميّة توظيف المناهج العلمية هنا، فاته أن يستخدم المنهج النقدي في إطار التحليل؛ وإني لأعتقد أن غياب هذا المنهج لديه لم يكن متعمداً بمقدار ما كان يُستَبدل في ذهن الباحث وهو يكتب رسالته بمنهج آخر لم يشر إليه من قريب أو من بعيد؛ وهو المنهج الأنسب والأهم في الكتابة عن التصوف في الإسلام عموماً، وهو المنهج النادر جداً استخدامه لدى الباحثين في حقل الدراسات الصوفيّة. هذا المنهج بغير شك هو المنهج الذوقي الأصيل لكل بحث صوفي، عارف بإشارات العارفين، مخلص في تناول نصوصهم بالتحليل والمقارنة واسترداد الفكرة لديهم إلى أصولها من الكتاب والسُّنة.

ظهر تأثر الباحث بالمنهج الذوقي بمقدار ما ظهر لديه استخدامه وتحقيقه؛ وهو منهج كما قلت أصيل عندي، ولكن من غير أن يشير إلى توظيفه في إطار النصوص التي تناولها بالعرض والتحليل، وهو من مزايا الرسالة على التعميم. فالنّص الصوفي لا يؤدلج. النص الصوفي يتذوق، ولسنا بحاجة شديدة إلى كثير عناء بكشف استخدامه لدى من يدرسون ويكتبون؛ فهو عندي من الأهمية بمكان؛ لأن الفارق أوضح بكثير بين أدلجة النص الصوفي من جهة وكشف ممكنات هذا النص في إطار فضاءاته المتنوعة. ومهمة الباحث في التصوف على وجه العموم فيما أتصوَّر أن يضفي من ذوقه الخاص وفكرته المستقلة تخريجاً لإشارات العارفين على هذا الذي أمامه ممَّا يقرأ أو ينظر أو يستسيغ أو يرفض بشرط أن تتوافر لديه إمكانيات التذوق للمقروء، ولا عليه في أن يجئ أمره من بعدُ رافضاً أو موافقاً. وعندي أن هذا المنهج الذوقي خاصّة لهو المنهج المناسب إنْ لم يكن الوحيد في تقديري لمعالجة موضوعات التصوف بعرفان يلائمها ويتناسب مع استبصارها الذوقي بالترقي إلى إدراك مواجيد أصحابها كلما ترقى المستخدم له في نفسه أولاً وقبل كل شئ.

أما أدلجة النص الصوفي وتحويله إلى نص عقلي يجوز عليه ما يجوز على النصوص الفلسفيّة والعقليّة من نقد أو تخريج، فهذا خبط عشواء لاختلاط مناهج العقل بمناهج الذوق والاستبصار. إذا أردنا أن نكون نقدة على الأصالة في هذا المجال فلا مناص لنا من أن يجيء نقدنا من الباطن نتمثل الوعي الصوفي ونتفهمه ذوقاً ومعرفة ومعايشة من الداخل، نحسّه ونستشعره ولا نخبط إزاءَه خبط عشواء كيما نقدّم رؤيتنا كليّة جامعة لتكون أقرب إلى الوصف والتصوير والتحليل والمقارنة منها إلى عشوائيّة النقض الهدام الذي يفسد النص الصوفي فلا يُبقي ولا يذر؛ لأنه لم يفهم منه دلالة ولا عبارة فضلاً عن غيبة وعيه بالإشارة أصلاً، أو بالاصطلاح الصوفي الدقيق أن نتعرف - قبل أن توقَّح - على مذهب أهل التصوف تماماً كما سَن الكلاباذي كتابه "التعرف لمذهب أهل التصوف" بتواضعه الشديد ليكون نموذجاً يحتذي حقيقةً إزاء علوم القوم ومعارفهم؛ لأن التَّعرف الصحيح للتصوف أسلم للباحث من الإنكار العقيم يستند عليه معول الهدم النقدي، وهو في الحق ليس نقداً بمقدار ما هو "توقح" يسفر عن ظلمة روحيّة وكدورة عقلية، ويكشف عن لوثة معرفيّة إزاء علوم الصوفية ومعارفهم.

هكذا أتصوّر حين يعمل النقد الفلسفي عمله السلبي إزاء النّص الصوفي فيفسده بغير تفرقة فيه بين غث وسمين. فالنقد في ميدان التصوف ذاتي جُوَّانيَّ من الداخل، ليس كالنقد في مجال الفلسفة يتسلط على كل فكرة ما بالهدم والتخريب، بغير تفرقة فيها بين نقد ونقض؛ فمَن حَرَمَ الذوق في حقل التصوف أنىَ له أن يمضي على بصيرة من إدراك لإشارات العارفين؟ وما يُقال في مجال الفلسفة نقداً لا يقال بنفس الكيفية في مجال التصوف.

وإذا كان التصوف تجربة ليس هو بالفلسفة، ولا هو بالنظرية؛ فمن المؤكد - رغم اتفاق المشرب الواحد والمنهج الواحد بين جميع الصوفيّة بغير استثناء - أن لكل متصوف خصوصيته، يضيف من خلال تجربته ما ليس موجوداً في تجارب سواه؛ حتى لو كان هذا السِّوى شيخه في التربية والترقية برغم وجود وحدة الروح التَّصوفية في الإسلام. ومن هذه النقطة الجوهريّة يجيء التأثير في مجال الفلسفة ليس هو التأثير القائم في حقل التصوف، ولن يكون، فيما لوعَوّلنا التعويل كله بدايةً على التجربة الصوفية واختلافها بالكلية عن الفكرة الفلسفيّة؛ فمن السهولة بمكان تحديد مصادر الفيلسوف ومعارفه التي أستقى منها فلسفته، وكذلك الأمر يُقال في المتكلم، في حين يصعب قوله في المتصوف؛ إذ ذاك يصعب تحديد مصادره من خلال أقوله. إنما التأثير في مجال التصوف انتقال سرّ إلى سرّ ووراثة حال عن حال وليس هو بتبني فكرة نظرية ووراثة مقال عقلي؛ وذلك لأن الصوفي يعطي من ذاته، ويجود من تجربته الخاصَّة، ويفيض من تلك التجربة فيما عَسَاهُ يتصور ويرتأى من مقبول الآراء. الصوفي يأخذ علمه عن الله مباشرة لا عن ميت بل عن الحي الذي لا يموت كما جاء في إشارة أبي يزيد البسطامي طيّب الله ثراه.

الصوفي ابن وقته، ومعنى كونه ابن وقته, يعني ابن حاله، وابن تجربته، وابن معاناته الخاصَّة، فكرته هى نفسه، ورأيه هو ذاته، وإشاراته ومعارفه وشذراته من أنفاسه خاصّة. يلزم لهذا كله من أجل ذلك كله، أن يكون منهج البحث في حقل التصوف مستمداً من طبيعة هذا العلم يوافقه ويوائمه وينهج في معالجة قضاياه نهج من يتعرف أولاً لكي لا يتوقح حتى إذا أقدَم على النقد وهو مشروط عندي بهذا الشرط، كان نقده ذاتياً نابعاً من الداخل في إطار ما يعلم وفي ضوء ما يفهم لا في إطار يخلو من الذوق ومن العلم ومن التّعرُّف، ولا في ضوء ما من شأنه أن يسقط الفهم حين يقدّم النقد عن المقروء والمكتوب.

أنا شخصياً كنت بيني وبين نفسي مغتبطاً للباحث وأنا اقرأ رسالته؛ إذ لم يشر إلى استخدام المنهج النقدي بمعناه الفلسفي، وحاول أن يتذوق المقروء من نصوص الصوفيّة، وإنْ أخذنا عليه ملاحظة شكليّة تنصب في المجمل على مجاوزة النقد إلى الاستغراق في فهم النص والحرص على تقييده، وهى ملاحظة تحسب له ولا تحسب عليه؛ فما أيسر أن يتداركها في مستقبل بحثه العلمي، ولكن ما أصعب أن ينغرس فيه ما ينبغي أن ينغرس في الباحث من مهمة البحث في حقل المعارف الذوقية؛ وهى مهمة مشروطة بشرط التعاطف مع الآراء الصوفيّة والمصالحة معها، والإحساس بالأقوال التي تدور في فلكها وتوافر الملكة البحثية، وكيفية استخدامها استخداماً صحيحاً والشعور بفاعلية الحركة الصوفية في ضوء التجربة قولاً وتسليكاً، وأخيراً استخدام المنهج الذوقي، فلئنْ لم يكن أشار إليه توظيفاً، فلم تفته الإشارة إليه تحقيقاً.

قسّم الباحث أحمد عبد المعبود رسالته إلى خمسة فصول تسبقها مقدمة وتلحقها خاتمة، جاء الفصل الأول في المدرسة الشاذليّة : الجذور والنشأة ومواجهة إشكاليّة تعدد الطرق الصوفية، ثم تناول حياة الشيخ الشاذلي ونسبه وتصحيح النسب، ورفع الخطأ في كتب الأقدمين ممّن وقع فيه العلماء حينما أسقطوا من النسب بما لا ينبغي لهم إسقاطه، ثم تكلم عن أصول الطريقة الشاذليّة الخمسة. وتناول في الفصل الثاني الجهاد وضرورته اللغوية والشرعية وتوابعه من الرباط والخنانقاه وأنواعه وأقسامه. وأفرد الفصل الثالث للحديث عن أنواع الجهاد الأصغر ومكانته في الإسلام مشيراً إلى معناه في القرآن والسنة، والحكمة من مشروعيته، ومركزاً على جهاد رسول الله، صلوات ربي وسلامه عليه، وجهاد الصحابة وجهاد الصوفية وجهاد الشاذليّة.

ثم يأتي الفصل الرابع ليتناول الجهاد الأكبر : مفهومه وخصائصه وأشراطه وأقسامه مركزاً على مجاهدة النفس لدى الشاذليّة وفيه نقطتان مهمتان : أمراض النفس القاطعة للسالك عن الوصول، والنقطة الثانية وهى وسائل الوصول. أما ألفصل الخامس والأخير فقد تضمّن أسباب المجاهدة ووسائلها وشمل كسائر تقسم الفصول السابقة تمهيداً ومبحثين. الأول، أسباب المجاهدة، ويلزم لها شيخ ناصح أمين، ويتوسّع الباحث في علاقة الشيخ بالمريد وحاجته إليه، إذ البحث عنه من جانب المريد من علامات الفلاح ليذكر من بعدُ حق الصحبة وشرائطها وفوائدها ثم لا يغفل دور العلم في المدرسة الشاذليّة وقواعد التعليم، وهو دورٌ من الأهميّة بمكان بحيث كان ينبغي ألا يترك في نهاية الرسالة بل يتصدَّرها. وجاء المبحث الثاني ليذكر أهم ما جاء عن الذكر في القرآن الكريم، وعند الصوفية ثم يفصله لدى المدرسة الشاذلية من حيث أنواعه وآدابه، وبخاصة فيما لو علمنا أن ابن عطاء الله السكندري أفرد كتاباً خاصّاً من كتاباته البديعة للذكر هو كتاب "مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح" خصيصاً لتنوير القلوب على النهج الشاذلي الأمثل.

ثم يأتي الصمت في الكتاب والسنة وأقسام الكلام وشروطه وفوائد الصمت فيما لو كان ذكراً يجري به القلب مجراه الموصول بالله. ومن الصمت يتنقل إلى الخلوة فيتناولها في الكتاب والسُّنة، ويفرِّق بينها وبين العزلة ويعرض لآراء الشيوخ في تفضيلها عن الجلوة والاختلاط، ويبيَّن آدابها وقواعدها العمليّة ممّا أجمع عليه الرواد والأقطاب لمن يريد أن يسلك بها منازل الوصول، ثم يعرج بالحديث عن آفاتها وما يعترض المريد السالك منها، ولكن في الوقت نفسه يجلو ما لها من فوائد يتحقق بها السالكون طريق الله. ومن الخلوة يلزم أن يتحدَّث عن الجوع (الصوم) كما في الكتاب والسنة، وفي المقابل يذكر أمراض الشبع وفوائد الجوع، وتلك هى في المجمل حلية الأبدال (العزلة والصمت والجوع والسّهر) يتخللها الذكر جميعاً، الأربعة التي وصل بها الأبدال إلى منازل الوصول كما جاء في حلية الأبدال لابن عربي أو هى قواطع الطريق كما سَمَّاها الغزالي قبله.

وحينما ينتهي الباحث إلى الخاتمة يعرض نتائج دراسته موجزة؛ لتكشف عن فهم لأسس الطريق الصوفي، وعن امتلاء داخلي بالمعاني الروحيّة كما حققها العارفون، وعن قدرة الباحث لتمحيص المذاقات الصوفيّة في إطار من عملية مسح شامل مكثف لجميع ضروب الجهاد الديني سواء كان بمفهوم الجهاد الأصغر أو بمفهوم الجهاد الأكبر، مع ترجمة حافلة للشيوخ الذين لا يكاد أغلب الباحثين يعرفوا عنهم شيئاً ممَّا يستحق أن تكتب عنهم رسائل علمية خاصَّة، مستعيناً بذلك بالمصادر والمراجع والمواقع والموسوعات الالكترونية لتوضح غرضه لتجيء الرسالة في المجل تطبيقاً عملياً لجهاد الباحث في مجال العلم؛ يعكس؛ فضلاً عن أمانته العلمية وإخلاصه الشديد، حبُّه للإسلام وللصوفيّة وللشاذليّة التي يتنسب إليها ويسلك طريقها تربية وترقية ووصولاً بفضل الله من أجل الله إلى طريق الله.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

ميثم الجنابي"المتصوف الكبير من تتوحد فيه المتناقضات بمعايير الحق والحقيقة"

إن البداية المحققة بمعايير التاريخ هي اللغز الفعلي بمعايير الوحدة المحيرة والمدهشة للأزل والأبد. فالإنسان يولد بالصدفة ويموت بالضرورة وحتميتها. وهي المفارقة التي تشبه دخول الطريق الصوفي والخروج منه. بمعنى مصادفة الدخول وحتمية الخروج إلى فضاء المطلق لكي تستكين الروح بتذوق المعنى. وقد وضع المتصوفة هذه الحالة فيما يتعلق بدخول إبراهيم بن ادهم في الطريق الصوفي بحكاية اقرب إلى مفارقة الخيال منها إلى الواقع، لكنها أكثر واقعية من الخيال بمعايير الذهنية الصوفية ورمزية المعنى القائم فيها. اذ ينقل عن احد المقربين منه (ابن بشار) قوله، كيف انه أمسى مع إبراهيم بن ادهم ليلة ليس لهم ما يفطرون عليه. عندها قال له إبراهيم بأن الله أنعم على الفقراء والمساكين من النعيم والراحة بحيث لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة، ولا حج، ولا صدقة، ولا صلة رحم. وبالتالي لا ضرورة للغمّ، لأن رزق الله آت لا محالة. بالتالي فإنهم الملوك الأغنياء، وذلك لأنهم تعجلوا الراحة، بحيث لا يبالون على أي حال كانوا به مازالوا يطيعون الله. بعدها قام إبراهيم إلى صلاته، وقام ابن بشار. فإذا برجل قد جاء بثمانية أرغفة وتمر كثير فوضعه وقال:كل يا مغموم! عندها فرقها إبراهيم على من حوله وأكل هو الآخر منها. بعدها خرج وأتى قبر فترحم عليه وقال: هذا قبر حميد بن جابر، أمير هذه المدن كلها. كان غارقا في بحار الدنيا ثم أخرجه الله منها. اذ بلغني أنه سرّ ذات يوم بشيء ونام فرأى رجلا بيده كتاب ففتحه فإذا هو كتاب بالذهب: لا تؤثرن فانيا على باق، ولا تغترن بملكك، فإن ما أنت فيه جسيم لولا أنه عديم، وهو ملك لولا أن بعده هلك، وفرح وسرور لولا أنه غرور، وهو يوم لو كان يوثق له بغد، فسارع إلى أمر الله فإن الله قال: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. فانتبه فزعا وقال:هذا تنبيه من الله وموعظة. فخرج من ملكه وقصد هذا الجبل فعبد الله فيه حتى مات.

نعثر في هذه الحكاية المروية على لسان إبراهيم بن ادهم صدى دخوله للطريق الصوفي. اذ يروى عنه أن أباه كان من أهل بلخ. وكان من ملوك خراسان. كان يحب الصيد. في إحدى المرات وهو يصيد متابعا أرنبا أو ثعلبا، فإذا بنداء من وراءه يقول له "ليس لذا خلقت ولا بهذا أمرت". فتوقف ينظر. ثم سار. وهكذا تكرر القول ثلاث مرات (على مثال اقرأ النبوية). عندها جاءه نداه الباطني "جاءني نذير من رب العالمين. والله لا عصيت الله بعد يومي هذا". فرجع إلى أهله وترك كل شيء وساح إلى العراق فلم يعجبه، ثم إلى الشام. فقد قالوا له إن أردت الحلال فعليك ببلاد الشام. وإن أردت الحلال الصافي فعليك بطرسوس. وهناك استقر يعمل بحراسة البساتين وحصاد الأرض. من هنا قوله "ما تهنيت بالعيش إلا في بلاد الشام". أفر بديني من شاهق إلى شاهق، فمن رآني يقول: موسوس. وعندما سألوه مرة منذ كم قدم إلى الشام؟ أجاب منذ أربع وعشرين سنة، ما جئت لرباط ولا لجهاد، جئت لأشبع من خبز الحلال. ومن هنا أيضا حصيلة موقفه في مخاطبته لشقيق البلخي "لم ينبل عندنا من نبل بالحج والجهاد، وإنما نبل عندنا من كان ما يدخل جوفه الرغيفين[1]. وفي عبارة أخرى "يعقل ما يدخل بطنه". وكلاهما يحملان نفس المعنى.

كما نعثر في هذه الصورة التي قدمتها حكايات التصوف (الرمزية في اغلبها) عن توحيد خاص لكيفية دخول سدهارتا غوتاما (بوذا) طريق التصوف، وقراءة النبي محمد، بأثر وحيه الداخلي لحقائق الوجود الكبرى. ولكل منهما انكسار خاص للإرادة وإعادة تأهيلها بمعايير "الفكرة البوذية" و"الفكرة المحمدية". فالقصة المروية عن بوذا (ولد عام 568 قبل الميلاد) تبدأ بالرفاهية والترف وتنتهي بالعزلة والخلوة التامة وهو في السادس والعشرين من العمر. وينحدر سدهارتا من نسب رفيع وعائلة أمراء غنية. وبأثر هذه الخلوة توجه صوب الزهد في الحياة والتقشف الشديد والسلوك المعرفي والتأمل العميق لإشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي. وأبدع منظومة فلسفية نظرية وعملية تهدف إلى "خلاص الإنسان" من كدر الوجود وآلامه. بعبارة أخرى، إننا نعثر في الصيغة الشكلية لسدهارتا غوتاما وإبراهيم بن ادهم على نمط متشابه. لكن الفرق بينهما يقوم في أن انتقال إبراهيم بن ادهم إلى الخلوة والعزلة وتأمل الوجود جرى بمعايير الرؤية "الربانية الإسلامية"، بينما انتقل سدهارتا من الوجود إلى العدم التي شكلت بدورها نقطة التحول التأسيسية للبوذية ومبادئها الكبرى، اي كل ما أدى إلى بلورة فكرة الطريق الخاص في إدراك حقائق الوجود وتنقية القلب واستقامة الإرادة.

ولكل منهما فلسفته النظرية والعملية الخاصة، لكنهما يشتركان في طريق بلوغ الحقيقة. اذ لا تعني بوذا سوى المتنور بالحقيقة، بينما في التصوف هو المتوحد، والفاني في التوحيد، والقطب الصوفي. وفي كلتا الحالتين هو مسار لن ينتهي في الطريق. ففي البوذية عبر التناسخ، وفي التصوف عبر سلسلة الإرادة الرابطة للشيخ والمريد بوصفها سلوكا عمليا وطريقا فرديا في الطريق. وليس مصادفة ان يرد مرة على من سأله: كيف كان بدء أمرك؟ بعبارة: غير هذا أولى بك!

بمعنى إن الجوهري في وجوده ليس بداية الطريق بل السير به حتى "النهاية". فدخول الطريق حكاية بينما السير به إرادة ودراية. ومن ثم فهو تجربة فردية وفردانية. ووجد ذلك انعكاسه في وعيه الذاتي وسلوكه العملي ووعي الآخرين إياه وتقييمه، أي رسم معالم شخصيته الفردية والفردانية.

ومن الممكن الاكتفاء، فيما يتعلق بتقييم القدماء إياه بما وضعه أبو نعيم الأصفهاني في (حلية الأولياء) عندما وصفه قائلا: "الحازم الاحزم والعازم الالزم. أيد بالمعارف فوجد. وامدّ بالملاطف فعبد. كان شرع الرسول نهجه"[2]. إننا نعثر في هذا التقييم البلاغي الجميل والتحديد الدقيق لبعض صفاته الجوهرية على صيغة ترفع إبراهيم بن ادهم إلى مصاف الفكرة الصوفية المتكاملة بذاتها. أما في الواقع فقد كان إبراهيم بن ادهم اقرب ما يكون إلى الحلقة الرابطة بين حالة الزهد ومقام التصوف، أو الحالة الانتقالية من تقاليد الزهد الرفيع (العملية الفكرية) إلى مصاف البداية الأولية للتصوف وبلورة مفاهيمه الأولية وقيمه وطرقه في تنقية الإرادة والقلب.

وقد جّسد إبراهيم بن ادهم في شخصيته توحد المتناقضات بمعايير الحق والحقيقة، شأن كل المتصوفة الكبار. ففي مظهره قيل عنه بأنك إذا رأيت إبراهيم بن ادهم كأنه ليس فيه روح. ولو نفخته الريح لوقع. اسود. متدّرع بعباءة. وفي مظهر آخر قيل عنه "كأنه إعرابي لا يشبع من الخبز والماء. إنما هو جلد على عظم، لا تراه مجالسا احد. فإذا أتى منزله وجلس إليه إخوانه ضاحكهم وباسطهم"[3]. وعندما سأله احد الأشخاص ما هي كنيته أو كيف يكنّيه، أجابه "إن كنّيتي قبلت منك، وإن دعوتني باسمي فهو أحب إليّ"[4]. وهي العبارة التي تتلألأ فيها فكرة الأنا المتحررة أو المكتفية بذاتها.

ووراء هذه المظاهر الشخصية التي يبدو فيها إبراهيم بن ادهم كما لو انه من عالم منزو بذاته هش العود بعيدا عن هموم الوجود، تبرز حقيقته الباطنة التي وضعها الأصفهاني بعبارة الحازم الاحزم، والعازم الالزم، أي ذاك الذي اتسمت شخصيته بالحزم والالتزام بما فيها بلا بقية. اذ تشير الروايات إلى اشتراك الدائم في الغزوات والحروب بمعايير الفكرة المتسامية وليس بمقاييس الفوز والغنيمة. بحيث نعثر في الكثير من السرديات الجميلة عنه عما يمكنه ان يكون "تهورا" بالنسبة للشجعان والفرسان، بينما يبدو الأمر عاديا بالنسبة للشخص الذي يبدو في مظهرا عودا ضعيفا يمكن الإطاحة به بنفخة بسيطة. فقد غزى في حياته غزوتين. كل واحدة اشد من الأخرى. ولم يأخذ سهما ولا نفلا، وكان لا يأكل من متاع الروم[5]. ففي إحدى المرات حين عاين العدو رمى بنفسه في البحر يسبح نحوهم، فلما رأوه على هذه الحال هربوا[6]. ومرة أخرى في إحدى الغزوات حدثت عاصفة ثلجية فهربت جماعته. وبقي هو لحاله، فألقى بكسائه ومكث تحت الثلج. وفي الصباح التالي، شاهدوا خيولا قادمة نحوهم، فاعتقدوا انه العدو، فقال احدهم

- خيل قد أقبلت بسروجها ليس عليها ركاب وخلفها فارس يطردها بقناته!

- انه إبراهيم بن ادهم. انزلوا لكي لا ننفضح مرتان!

فإذا بإبراهيم بن ادهم ومعه 360 فرسا (على عدد أيام السنة؟). عندها خاطبهم "جاءتكم الشهادة ففررتم"[7].

صنعت هذه الأحداث وأمثالها الإطار الذي رسمت فيه صورة "الناجي المنجي" لمن حوله. بحيث نعثر على صداها الأسطوري في تلك الرواية القائلة، بأنه كان في غزوة بحرية فعصفت عليهم الريح بحيث اشرفوا على الغرق، فسمعوا مناديا ينادي بأعلى صوته:"تخافون وبينكم إبراهيم؟!"[8].

وما وراء هذه الصورة المبجلة والأسطورية أيضا كانت تكمن في الواقع شخصيته الواقعية والمتسامية، التي جعلت من كل أفعاله وأقواله وجدا للحق والحقيقة، مع ما ترتب عليه بالضرورة مواقفه ومعناها الحقيقي أو الباطني من العبادات، بوصفها إحدى الحدود الجوهرية في الثقافة الإسلامية. سواء تعلق الأمر بمظاهر العبادة ومستلزماتها بالنسبة لفكرة الجماعة، أو معناها الباطني أو الحقيقي بالنسبة لسمو الروح الأخلاقي وتهذيب أسلوب المعرفة، كما نراها على سبيل المثال في قوله:"اهربوا من الناس هربكم من السبع الضاري، ولا تخلفوا عن الجمعة والجماعة"[9]. بمعنى أهمية الظاهر (الجماعة) وجوهريتها مع البقاء فيها ومعها بمعايير الأنا المتسامية. وهو الأمر الجلي في كل مواقفه وسلوكه المتعلق بالمعرفة ووجدها الذاتي، أي في الصيغة الظاهرية للزهد الصوفي الأول.

فقد كان يقول في كل حجة إذا حج عشر مرات "مرحبا بيوم المزيد، والصبح الجديد، والكاتب الشهيد، يومنا هذا يوم عيد، اكتب لنا فيه ما نقول"[10]. كما انه صلى خمس عشرة صلاة بوضوء واحد[11]. وكان إذا دعي إلى طعام وهو صائم، أكل ولم يقل إني صائم[12]. إننا نعثر في هذه الصيغ والمواقف على مفاهيم متميزة من حيث المظهر والمعنى والغاية. فالحج الظاهري هو الطواف ورمي الحجارة وأشكال أخرى معروفة بنمط الشعيرات الدينية تدعو الله للحصول على شيء من مغفرة الذنوب والحصول على مقاعد وثيرة في جنة الخلد وما شابه ذلك من متطلبات الجسد والنفس الشهوانية، لكنها بالنسبة لإبراهيم بن ادهم هي معاناة من اجل المزيد في ميدان المعرفة والسمو الأخلاقي والروحي. ولم يتمسك بمظاهر الوضوء التي أشغلت الفقهاء في الجدل العقيم حول صحة الصلاة من عدمها، بينما كانت كل هذه الأشياء مظاهر لا قيمة لها بحد ذاتها، وان حقيقة الوضوء هي سكون القلب إلى الحق. كما أنها تشير من جهة أخرى إلى نظافة الروح والجسد من تعاطي الرذيلة أيا مكان شكلها وحجمها. بينما كان يفطر صومه تحببا إلى قلوب من دعاه. بمعنى التخلي عن زيف ورياء الصوم وأمثاله من عبادات العوام. لهذا قيل عنه لم يكن إبراهيم بن ادهم كثير الصلاة، بل كان صاحب تفكر[13]. وانه كان يلبس في الشتاء فروا ليس تحته قميص، ولم يكن يلبس خفين ولا عمامة. ويصوم في السفر والحضر، ولا ينام الليل، وكان يتفكر.

بعبارة أخرى، إن الشيء الجوهري في شخصية إبراهيم بن ادهم هي الفكرة المجردة أو المتسامية، وما سواها حراشف تنتزع نفسها أو تتساقط مع مجرى الزمن ويبقى مصباح الحقيقة يضيء الليل والصباح، اي الحركة الدائبة للوجد والوجود، أو الروح والجسد. وليس مصادفة ان يعرف عنه عدم اهتمامه بجمع الحديث "النبوي" وروايته. بل لم تكن رواية الحديث من شأنه. فلذلك قل حديثه[14]. وعندما سألوه مرة عن صراع علي ومعاوية، فأجاب "من عرف نفسه اشتغل بنفسه، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره"[15]. وعندما سأله احد الأشخاص مرة كيف ينبغي قراءة إحدى الآيات هكذا أو هكذا، أجابه بترك هذه الأشياء إلى ما هو أفضل منها.

لقد رمى إبراهيم بن ادهم كل هذه الأشياء أمام المسير في طريق الحق، اي أمام أقدام الإرادة الساعية لتنقية القلب والعمل بمعايير الحق للحق. ووجد في ذلك معنى الحقيقة والوجود وتواجد به في السلوك والذوق. ووجد ذلك انعكاسه وتعبيره في قوله "قد رضينا من أعمالنا بالمعاني، ومن طلب التوبة بالتواني، ومن العيش الباقي بالعيش الفاني". إذا نراه، على سبيل المثال، يدخل في إحدى المرات النهر حتى ركبتيه ثم شرب وحمد، ثم خرج ومد رجليه وقال لصاحبه:"لو علم الملوك وأبناءهم ما نحن فيه من السرور والنعيم لجالدونا على ما نحن فيه بأسيافهم"[16]. بينما كان مرة في يوم صائف وعليه جبة فرو مقلوبة متقلبا في اصل جبل، رافع رجليه على الجبل وهو يقول:"طلب الملوك الراحة فأخطئوا الطريق"[17]. وبالمقابل كان بعد صلاة المساء ينادي على البيوت "من يريد يطحن؟" فكان يخرج إليه المرأة والشيخ الكبير فيطحن الليل كله بلا كراء. وحالما لا يكون حصادا، يؤجر نفسه في حفظ البساتين والمزارع. بينما اشتهى احد أصحابه شهوة فباع حماره واشترى له ما كان يرغب به. وعندما سأله رفيقه:

- أين الحمار؟

- بعناه!

- فعلى أي شيء نركب؟

- على عنقي![18]

ففي كل هذه الصور المتنوعة تتوحد شخصية إبراهيم بن ادهم بوصفة وحدة واحدة مجردة عما دعته المتصوفة لاحقا بالتحرر من رق الاغيار، اي التحرر من العبودية للغير أيا كان هذا الغير. ومن ثم تبرز حقيقة الأنا بوصفها "أنا الحق". من هنا تنوعها في المواقف وتوحدها بالهموم الباطنة. فقد كان يعمل على سبيل المثال بفلسطين. فإذا مر به الجيش إلى مصر وهو يسقي الماء، قطع الدلو وألقاه في البئر لئلا يسقيهم. وكانوا يضربون رأسه وهو يتخارس.كما نسمعه يقول، "لولا ثلاث ما باليت أن أكون يعسوبا، ظمأ الهواجر، وطول ليلة الشتاء، والتهجد بكتاب الله"[19]. وعندما سأله مرة احدهم عن سقف البيت اهو من الخشب أو الحجارة، فقال "لا ادري". وعن الجارية التي تخدمهم أهي سوداء أم بيضاء، فأجاب "لا ادري". بمعنى الانهماك الذاتي الذي يحرر المرء من تتبع ما لا قيمة له أو على الأقل ما لا يشكل بالنسبة له هما يستحق التأمل. والأخير هو على الدوام تجربة تلقائية محكومة بهموم الحق والحقيقة، اي تحررها من الافتعال أيا كان شكله ونوعه ومستواه. وهذا بدوره ليس إلا النتاج الذي يلازم تتبع الحق والحقيقة والانغماس فيهما حتى النهاية، أو الفناء فيهما كما تقول المتصوفة. وفي هذه الحالة تتوحد المواقف أيا كان محتواها المباشر بوصفها حلقات في سلسلة اليقين الحر، اي المتحرر من الجهل والتقليد والتكلف فيهما. الأمر الذي يؤدي إلى ان تكون المواقف أفكارا والأفكار مواقف.مثل قوله "المواساة من أخلاق المؤمنين"، وان "من لم يواس الناس بماله وطعامه وشرابه فليواسيهم ببسط الوجه والخلق الحسن".اذ نعثر في هذه الأفكار على مواقفه الاجتماعية والأخلاقية، والتزامه الشخصي تجاه إشكاليات الإنسان الروحية.وان لا شيء غريب وفيه عليه ما يخص الروح والجسد، ولكن بمعايير الحق والحقيقة. ففي موقف من السياحة قال مرة "ما قاسيت شيئا اشد على من مفارقة الأوطان". وفي حالة أخرى قال "عالجت العبادة فما وجدت شيئا اشد علي من نزاع النفس إلى الوطن"[20].وعلى الرغم من يقين الوجود الدائم، نراه يقول مرة "الدنيا دار قلقة"[21]. و"إنما أبداننا جربة، إن شاء ادخل فيها مسكا أو عنبرا، وان شاء اخرج منها درا وجوهرا. المشيئة لله والقدرة بيديه"[22]. وهي الصيغة الأكثر عمقا لفكرته السابقة، وذك لأننا نعثر فيها على ما يمكن دعوته باللغز الأبدي للوجود والعدم. الأمر الذي حدد بدوره موقفه من الموت في إحدى عباراته القائلة:"إن للموت كأسا لا يقوى على تجرعه إلا خائف وجل طائع"[23]، اي إلا ذاك الذي يخاف الله بمعايير الحق من وجل وطاعة وغيرها، اي ذلك الذي يتلاشى بينه وبين الله حجاب الوجود والعدم. فعندما سأله مرة احد الأشخاص:

- لم حجبت القلوب عن الله؟

- لأنها أحبت ما ابغض الله. ومالت إلى دار الغرور.

من هنا فكرته القائلة: "لا تجعل بينك وبين الله منعما"، اي وسيطا. ومن ثم ضرورة معرفة الأشياء كما هي. ولا سبيل حق لذلك غير الجمع بين أضدادها، أو كما قال "إذا أردت أن تعرف الشيء بفضله فاقلبه إلى ضده".

تصنع حصيلة هذه المواقف خيوط الهموم الجوهرية لأنا الحق، أي تلك التي لا تكلف فيها ولا تقليد ولا جهل "متعلم". أنها الخيوط التي تصنع لباس الروح وليس فروة الجسد الخرافية (من الخروف والخرافة). فقد وضع إبراهيم بن ادهم الصيغ الأولية أو البراعم الخفية لتدقيق وتحقيق الأفكار والمواقف، ومن ثم أسس التأمل المدقق للسلوك والفكرة. وليس مصادفة أن نرى ملامح الأفكار الكبرى تأخذ بالبروز عند مريديه أمثال شقيق البلخي وحاتم الأصم.

وبغض النظر عن انه لا توجد في آراء ومواقف إبراهيم بن ادهم أبعادا "نظرية" خالصة، إلا أنها كانت تتمثل مع ذلك التجربة العلمية لعصره بمعايير "الوحي الذاتي"، أي الوحي الصادق. فقد كان انتقاله للتصوف "مفاجئا". ونعثر على هذه المفاجأة في اغلب أقواله وأعماله ومواقفه. فقد كانت أعماله ومواقفه تحصل دون "أولويات" مستتبة في الوعي بوصفها تراكما للتجارب الصوفية في العلم والعمل. وفي هذا الناقض الظاهري تنعكس ملامح الإدراك والوحي الصادق فيما يمكن دعوته بأولويات الوجود والحياة، والنظر إليها بعيون المعنى الدامعة، والمستغربة من جهل القائلين لما فيها وبها! لهذا كان يجيب على من يسأله عن العلم والعلماء بإجابات متنوعة لكنها موحدة بإظهار أولوية الأدب، اي العقل العملي المتسامي. مثل قوله "من حمل شأن العلماء حمل شرا كبيرا"[24]، و"كان همي هدى العلماء وآدابهم"[25]، و"ما يمنعني من طلب العلم إنما لا اعلم ما فيه من الفضل، ولكن اكره أن اطلبه مع من لا يعرف حقه"[26]. وبهذا يكون إبراهيم بن ادهم أول من أرسى أسس الفكرة الصوفية عن الموقف من علاقة العلم بالعمل، وعلماء الحق وعلماء الرسوم. كما انه من بين أوائل المتصوفة الذين بلورا ما يمكن دعوته بتصنيف الأبعاد الباطنية للأفكار والقيم والمواقف.

وقد حدد ذلك بدوره الأبعاد الصوفية لمفاهيم والقيم السائدة سواء ما يتعلق منها بقضايا العلم أو العمل أو الإيمان والعبادات والموقف من السلطة والإنسان والحق وغيرها. ومن الممكن الاكتفاء ببعض منها مثل قوله "أثقل الأعمال في الميزان أثقلها على الأبدان"[27]، وانه "لا يقل مع الحق فريد، ولا يقوى مع الباطل عديد"، وأن "راس العبادة التفكر والصمت"[28]، و"اجعل طوافك وحجك وسعيك كنومة غاز في سبيل الله"[29]. وما وراء هذه الأفكار العملية الجزئية نلاحظ تراكم الأفكار الصوفية بهيئة "آداب السلوك" لنيل المعرفة والسمو الذاتي، كما في قوله:"لا ينال المرء درجة الصالحين حتى يتجاوز عقبات: ان يغلق باب النعمة ويفتح باب الشدة؛ تغلق باب العز وتفتح باب الذل؛ تغلق باب الراحة وتفتح باب الجهد؛ تغلق باب النوم وتفتح باب السهر؛ تغلق باب الغنى وتفتح باب الفقر؛ تغلق باب الأمل وتفتح باب الاستعداد للموت"[30].بعبارة أخرى، إننا نقف هنا أمام إحدى الصيغة الأولية لمستلزمات أو محددات الطريق الصوفي وقواعد العملية من تدرج ووحدة من الشدة والذل والجهد والسهر والفقر والاستعداد للموت، اي كل ما سيجري لاحقا تهذيبه في تراكم التجارب الصوفية.

وفي مجال القيم نراه ينظر، على سبيل المثال، للورع باعتباره "تسوية كل الخلق في قلبك، واشتغالك عن عيوبهم بذنبك. وعليك باللفظ الجميل من قلب ذليل لرب جليل"[31]. بل نراه يعتبر "قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع، وكثرة الحرص والطمع تكثر الهم والجزع". الأمر الذي جعله يقول "الفقر مخزون في السماء، يعدل الشهادة عند الله، لا يعطيه إلا لمن أحبه.". من هنا استغرابه كما في احد أقواله "ما لنا نشكو فقرنا إلى مثلنا ولا نسأل كشفه من ربنا؟". وعندما قال له رجل: إني لا أقدر على قيام الليل، فصف لي دواء! فأجابه: لا تعصه بالنهار وهو يقيمك بين يديه في الليل". وان يتوصل بأثر ذلك إلى موقف يقول "اطلب مطعمك ولا عليك أن لا تقوم بالليل وتصوم النهار"[32]. بينما حدد موقفه من السلطة قائلا:"إذا بات الملوك على اختيارهم، فبت على اختيار الله وارض به"[33]. وفي احد مواقفه الاجتماعية أجاب على من قال:اللحم غلا، بكلمة "أرخصوه"!، أي لا تشتروه. وتنطبق آراءه ومواقفه هذه، بمعنى الكشف عن أبعادها الباطنية والروحية على كل ما تناوله وتعرض إليه. ففي موقفه، على سبيل المثال من البخل نراه يجرده من مظاهر وثقل المال والجسد، ليرفعه إلى مصاف الموقف المتسامي وبالضد من أعراض الوجود العابر. بحيث نسمعه يقول "البخل هو الذي يبخل بنفسه عن الله، إلا وان العبد إذا جاء بنفسه لله أورث الله قلبه الهدى والتقى"[34]. وفي مجال الموقف من السلطة والتسلط والسلطان الذي لا يخضع لمعايير الحق والحقيقة انتهاكا لحقيقة ومعنى الكينونة الإنسانية نفسها، كما في قوله "كل ملك لا يكون عادلا فهو واللص سواء، وكل عالم لا يكون تقيا فهو والذئب سواء".

وفيما لو اختصرنا القضايا الكبرى المميزة لسلوك ومعرفة إبراهيم بن ادهم فمن الممكن حصرها في ثلاث وهي المعرفة الوجدانية، والمعرفة الباطنية، ومعرفة السلوك المتسامي (الصوفي). ووجدت هذه المعارف أسلوبها الجلي والمحقق فيما يمكن دعوته ببروز التصنيف في التحقيق، اي تصيف مراتب وأعماق الفكرة عبر وضعها في ترتيب وتصنيف جوانب وأغوار المعرفة الذاتية. ففي هذا التصنيف الصوفي يتجلى تدقيق وتحقيق الفكرة بوصفه أسلوب العلم والعمل. من هنا معرفة (تدقيق وتحقيق كافة قضايا ومستويات الظاهرة. وهي بلا حدود، أو على الأقل أنها تتدقق وتتحقق دوما بطريقة فردية، أي دائمة. ومن الممكن الاكتفاء ببعض منها مثل قوله "ثلاثة لا يعرفن إلا في ثلاثة مواطن. لا يعرف الحليم إلا عند الغضب؛ ولا الشجاع إلا في الحرب إذا لقي الأقران؛ ولا أخاك إلا عند حاجتك له"[35]. وعندما قالوا له مرة "ندعو الله لكنه لا يستجيب لنا!" فقال: ماتت قلبوكم في عشرة أشياء: عرفتم الله ولم تئدوا حقه؛ وقرأتم الكتاب ولم تعملوا به؛ وادعيتم حب الرسول وتركتم سنته؛ وادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه؛ وتقولون نحب الجنة ولم تعملوا لها؛ وتقولون نخاف النار ورهنتم أنفسكم بها وتقولون إن الموت حق ولم تستعدوا له؛ واشتغلتم بعيوب الناس ونبذتم عيوبكم؛ وأكلتم النعمة ولم تشكروا؛ ودفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم"[36]. وفي احد مواقفه من القلب قال "القلب على القلب ثلاثة أغطية وهي الفرح والحزن والسرور. الفرح إذا فرحت بالموجود فأنت حريص، والحريص محروم؛ والحزن إذا حزنت على المفقود فأنت ساخط والساخط معذب؛ والسرور إذا سررت بالمدح فأنت معجب، والعجب يحبط العمل"[37]. واستكمل هذه الأفكار والمواقف بعبارة تقول "كثرة النظر إلى الباطل تذهب بمعرفة الحق من القلب".

غير ان الانجاز التاريخي والفكري الأكبر بالنسبة لصيرورة التصوف الذي قام به إبراهيم بن ادهم يقوم في ميدان المعرفة العملية المتسامية للفكرة الصوفية كما نراها في تحديده لفكرة الزهد، والخلوة والاعتزال، والتوبة، والأنس، والمحبة وغيرها من المفاهيم التي سيجري ترتيبها ودمجها لاحقا في جوهر الفكرة الصوفية العملية للطريق والطريقة. فقد ارتبطت فكرة وممارسة الزهد الصوفي بشخصيته. فقد كان الزهد السابق جزء من سلوك شخصي، أو منظومة أخلاقية يمكن رؤية مقدماتها في الفكرة الإسلامية الأولى ونموذج النبي وبعض الصحابة. غير ان ما يميز الزهد الصوفي هو تطابقه في البداية مع الحال ولاحقا بالمقام. وقد بلور إبراهيم بن ادهم أولى الصيغ الفكرية والعملية للزهد عندما أدرجه ضمن تنوع أصنافه ومستوياته. اذ نراه يتكلم عن ثلاث أصناف من الزهد هو زهد فرض (الزهد في الحرام)، وزهد فضل (الزهد في الحلال) وزهد سلامة (في الشبهات)[38].

ذلك يعني ان للزهد الصوفي منظومته الخاصة به. لها بدايتها وغايتها. ومن ثم محكومة بمفاهيمها وقيمها وأساليبها الخاصة. وبالتالي، فان الانتقال إلى الزهد كان يعني بالنسبة للتصوف الانتقال إلى نمط جديد في العيش والسلوك والفكرة والغاية. وفي جميع أشكال ومظاهر هذا الانتقال الفردي والفرداني بقدر واحد، نعثر على بداية التوبة بوصفها فكرة الرجوع إلى الأصل،اي كل ما كان يمهد لفكرة الطريق.

الأمر الذي جعل منها مبدأ وأسلوب ومقام. فالتوبة الواعية والتوبة الداعية تحتوي بذاتها على فكرة بداية السلوك ثم بداية الطريق ثم مقام لابد منه، أي فكرة - منظومة لها حدودها ووظيفتها في صنع الإرادة (والمريد) أما أساليبها اللاحقة فهي جزء من صيرورة التجارب الصوفية. وقد بلور إبراهيم بن ادهم بعض الأفكار والمواقف بهذا الصدد مثل "إذا أدمت النظر في مرآة التوبة بان لك شيء من المعصية"[39]، و"من أراد التوبة فليخرج من المظالم، وليدع مخالطة الناس وإلا لم ينل ما يريد".

ان التكامل بمعايير الفكرة الصوفية يفترض بالضرورة أما السياحة في الوجد والوجود والزمان والمكان، وأما بالعزلة والخلوة، أو بالجمع بينهما. وقد جمع إبراهيم بن ادهم بينهما بالشكل الذي بلور مواقف العملية والنظرية بهذا الصدد. فعندما سألوه مرة العزلة والخلوة بعبارة "لم لا تخالط الناس؟ أجابهم: إن صحبت من هو دوني أذاني بجهله، وإن صحبت من هو فوقي تكبّر عليّ، وإن صحبت من هو مثل حسدني، فأشتغلت بمن ليس في صحبته ملل ولا وصلة انقطاع ولا في الأنس به وحشة. وضمن هذا السياق يمكن فهم رده على من قال له "لو تزوجت" بعبارة "لو أمكنني أن أطلق نفسي لفعلت"! من هنا فكرته القائلة، بأن "حب لقاء الناس من حب الدنيا" ولهذا "زهد الزاهدون في الدنيا اتقاء أن يشركوا الحمقى"[40]. من هنا مطالبته المبتدئ والمريد بعبارة "اقلوا من الإخوان والأخلاء"، وانه "لم يصدق الله من أحب الشهرة".

وبالمقابل رفع من شأن الأنس بوصفه وجدا ذاتيا خالصا. من هنا قوله "إذا خلوت بأنيسك فشق قميصك"[41]. بحيث جعل من الأنس الذاتي بالحق ومحبته كلا واحدا. من هنا قوله "اللهم انك تعلم أن الجنة لا تزن عندي جناح بعوضة إذا أنت أنستني بذكرك، ورزقتني حبك، وسهلت عليّ طاعتك. فأعط الجنة لمن شئت"[42]. لهذا نراه يعتبر "لو أن العباد علموا حب الله لقلّ مطعمهم ومشربهم وملبسهم"، وذلك لان "السابق بالخيرات يساوي السابق مضروب بسوط المحبة، مقتول بسيف الشوق، ومضطجع على باب الكرامة"[43]. ويستحيل هذا كل دون قهر الارادة بمحبة الحق كما في قوله "اشغلوا قلوبكم بالخوف من الله، وأبدانكم بالدأب في طاعة الله، ووجوهكم بالحياء من الله، وألسنتكم بذكر الله، وغضوا إبصاركم عن محارم الله". ومن الممكن رؤية موقفه بهذا الصدد وأفكاره المتميزة أيضا والتي كشف عنها في إحدى المحاورات التي دارت بينه وبين شقيق البلخي. فقد ابتدأ إبراهيم الحوار بالسؤال التالي:

- على أي شيئا أصّلتم أصلكم؟

- أصلنا على إنا إذا رزقنا أكلنا، وإذا منعنا صبرنا.

- هكذا تفعل كلاب بلخ!

- فعلى ماذا أصّلتم؟

- أصّلنا على إنا إذا رزقنا آثرنا، وإذا منعنا شكرنا"[44].

في حين نراه ينظر إلى الصبر، باعتباره احد المنازل الضرورية والجوهرية في تنقية الارادة والسير بطريق الحق. من هنا قوله "إن أدنى منازل الصبر ان يروض العبد نفسه على احتمال مكاره الأنفس.... إذا كان محتملا للمكاره أورث الله قلبه نورا... سراج يكون في قلبه يفرّق بين الحق والباطل والناسخ والمتشابه"[45]. وهي الغاية التي تبلغ ذروتها بالأولياء، الذين رفعهم إبراهيم بن ادهم إلى مصاف المرجعية الروحية والعملية الشاملة كما في قوله "ان الله يغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم. وذلك لان الحكماء هم العلماء وهم الراضون عن الله إذا سخط الناس، وهم جلساء الله بعد النبيين"[46]. واتخذ من نموذج مثالا في السلوك الموجه للمريد والباحث عن الحق والحقيقة. من هنا قوله مخاطبا إياهم "كن لهم أرضا يطئون عليك وإن ضربوك وشتموك وطردوك"[47]، و"اتخذ الله صاحبا وذر الناس جانبا"، و"افتح باب الاستعداد للموت"[48]. بل نراه يتوسع ويدقق نصائحه للمريد في السلوك الظاهر والباطن بالشكل التالي:

- لا تطمع في السهر مع الشبع

- لا تطمع في الحزن مع كثرة النوم

- لا تطمع في الخزف لله مع الرغبة في الدنيا

- لا تطمع في الأنس بالله مع الأنس بالمخلوقين

- لا تطمع في الهام الحكمة مع ترك التقوى.

- لا تطمع في الحصة في أمورك مع موافقة الظلمة

- لا تطمع في حب الله لك مع محبة المال والشرف

- لا تطمع في عين القلب مع الجفاء لليتيم والأرملة والمسكين

- لا تطمع في الرقة مع فضول الكلام

- لا تطمع في رحمة الله مع ترك الرحمة للمخلوقين

- لا تطمع في الرشد مع ترك مجالسة العلماء

- لا تطمع في الحب لله مع حب المدح

- لا تطمع في الورع مع الخوض في الدنيا

- لا تطمع في القناعة والرضا مع قلة الورع[49].

اننا نرى فيما سبق ما يمكن دعوته بوضع إبراهيم أسس التأمل المدقق للسلوك والفكرة الصوفية. وليس مصادفة أن نرى ملامح الأفكار عند مريديه مثل شقيق البلخي ولاحقا حاتم الأصم.

توفي إبراهيم بن أدهم سنة 162 للهجرة. وقيل انه مات وهو مرابط مجاهد في إحدى جزر البحر المتوسط، ولما شعر بدنو أجله قال لأصحابه: أوتروا لي قوسي. فأوتروه. فقبض على القوس ومات وهو قابض عليها يريد الرمي بها. وقيل إنه مات في حملة بحرية على البيزنطيين ودفن في مدينة جبلة على الساحل السوري، وأصبح قبره مزاراً. وقيل أنه مات بحصن سوقين ببلاد الروم وأقيم في موضع وفاته مسجد سمي جامع السلطان إبراهيم (بن ادهم) وهو أهم مساجد جبلة اليوم. وقيل مات في إحدى غزواته في الجزيرة. فحمل إلى صور ودفن فيها. وعموما، فانه أينما مات وكيف مات تبقى مجرد ذكريات عابرة لكنها ذات قيمة لمعرفة شخصية إبراهيم بن ادهم. أما مصيره فهو جزء حيوي في تاريخ فلسفة المعنى الصوفية وروح البحث عن الحق والحقيقة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص368-369.

[2] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص367.

[3] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص9.

[4] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص21.

[5] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص388.

[6] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص 379.

[7] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص8.

[8] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص6.

[9] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص31.

[10] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص38.

[11] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص22.

[12] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص10

[13] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص17.

[14] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص14.

[15] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص15.

[16] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص370-371.

[17] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص28.

[18] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص.382

[19] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص23.

[20] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص380.

[21] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص11.

[22] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص36.

[23] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص13.

[24] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص27.

[25] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص27.

[26] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص27.

[27] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص16.

[28] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص17.

[29] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص19.

[30] القشيري: الرسالة القشيرية في التصوف، ص8.

[31] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص16.

[32] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص31.

[33] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص22.

[34] السلمي: طبقات الصوفية، ص18.

[35] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص398.

[36] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص35-36.

[37] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص34.

[38] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص26.

[39] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص26.

[40] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص21.

[41] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص36.

[42] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص35.

[43] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص37.

[44] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص37.

[45] السلمي: طبقات الصوفية، ص 16.

[46] السلمي: طبقات الصوفية، ص17.

[47] السلمي: طبقات الصوفية، ص18.

[48] السلمي: طبقات الصوفية، ص22.

[49] السلمي: طبقات الصوفية، ص20-21.