ميثم الجنابيالأبعاد العملية والعقلانية في الفكرة الإصلاحية

إن تذليل إمكانية جعل الأفكار النقدية عقائد كان يتضمن النفي العقلاني الجديد لأرث "الدورة المئوية" وتقاليد الرجوع السلفي المتيقن إلى عقائد الماضي ونسخها المتجدد! فقد أنهكت هذه النزعة التقليدية عناصر الواقعية والعقلانية، وذلك لأنها أبقت عليها بوصفها عناصر وأجزاء منحلّة في قدسية العقائد. وبهذا المعنى كانت مواقف الإصلاحية الإسلامية وآراؤها تسير في اتجاه النفي الواقعي والعقلاني للتقليدية السلفية. وبالتالي تمثلها الواعي لعبرة التجربة التاريخية النظرية والعملية. فقد كان إدراكها المباشر انتقادا "مبرمجا" للتقليد. فإذا كانت النزعة التقليدية السابقة أسيرة الرجوع الدائم إلى الفكرة اللاهوتية وثباتها المؤسساتي والقييمي في مفاهيم "الجماعة" و"الفرقة الناجية" ومطابقتها مع "الأنا المجتهدة"، فإن الإصلاحية الإسلامية أخذت تكسر هذا التقليد من خلال تأسيسها لعقلانية الفكرة القائلة، بأن الأنا المجتهدة، بما في ذلك في جهادها، لا تلتزم بعقيدة ما غير عقيدة انتمائها للكلّ الإسلامي. أما هذا الأخير، فانه لم يعد كيانا ثابتا أو عقائد لا تقبل الجدل، بل الكينونة المتجددة للحقائق، والتي يجري اكتشافها في الأعمال النظرية العقلية والعملية السياسية (والأخلاقية). ومن هنا توسيعها لمدى النقد الذاتي. إذ حالما يبلغ الوعي الاجتماعي هذه الحالة، فانه يكون قد بدأ بإدرك ذاته الأولية. ومن ثم الأخذ بوضع العناصر التأسيسية للفكر النقدي في تناوله للظواهر الاجتماعية بمختلف أشكالها ومستوياتها، بما في ذلك وضع أنماط الفكر الكبرى أمام "محاكمة" عقلية وأخلاقية، باعتبارها المقدمة الضرورة لتحرير النفس من إسار التقليد.

وقد حدد ذلك الطابع الجوهري لمعارضة التقليد في الإصلاحية الإسلامية. وهي صفة تميز وتلازم على الدوام كل حركة إصلاحية كبرى. لكن خصوصية هذه الصفة هنا تقوم في كونها جرت تحت ثقل الإدراك النقدي والايجابي لأولويات الواقع التاريخي وقضاياه الاجتماعية والسياسية والأخلاقية الكبرى. وقد أدى ذلك أيضا إلى تجاهل أو هجر الطابع اللاهوتي للقضايا التقليدية وتقليدية القضايا اللاهوتية عن التوحيد وأصوله، والإسلام والإيمان، والكفر والشرك، والأمة والفرقة الناجية، عبر نفيها بمعايير الاستيعاب العقلاني والإصلاحي لمعضلات الفكر الواقعية. ونعثر على ذلك في ظاهرة ازدياد وتعمق قضايا الوجود الاجتماعي والفكري وموضوعاته مثل ماهية الدين وأهميته للمجتمع، والحوافز المدنية والحضارية في الإسلام، وأسباب الانحطاط الحضاري في العالم الإسلامي، وقضايا الإصلاح الديني وأساليب النهضة الممكنة، وموضوعات الأصالة الثقافية والتحرر السياسي، وقضايا الوحدة الإسلامية والاستقلال، وقضية الإسلام والقومية، وموضوعات وعي الذات الإسلامي والعربي، وقضايا السلطة والدولة، والحق والقانون، والدستور، والدين والدنيا، والإسلام والعلم وغيرها من القضايا.

كل ذلك يكشف عن ظاهرة اضمحلال قضايا الماضي وظهور القضايا الواقعية المعقولة. مما حدد بالضرورة بروز الروح النقدي للإصلاحية الإسلامية واشتراك شخصياتها الكبرى في معارضة التقليد في البداية والدعوة للاجتهاد الحر في النهاية. فعندما هاجم الأفغاني الدهرية (الهندية) فإنه حاول أن يكشف أولا وقبل كل شيء عن طابعها التقليدي المدمر. فهو لم يناقش من حيث الجوهر القضايا الفلسفية عن الله والعالم، والخالق والمخلوق وغيرها، بل في ما إذا كان بإمكان الدهرية الهندية أن تبدع شيئا ما نافعا. ولا يعني ذلك خلو جدله الفكري معهم عن تناوله مشكلات الفلسفة وأسئلتها الكبرى ونتائجها العملية في قضايا الأخلاق والدين. فقد كانت هذه القضايا في صلب تفكيره العملي. إلا أنها عكست مراحل تطوره الفكري الأول، أو ما اسماه بتثقيف عقله النظري في الهند. ولهذا غابت قضايا الإلهيات في كتاباته وخاطراته. بينما تعمق وجودها وانتشارها في قضايا الأخلاق وأولوية السياسة ومشاكلها. كل ذلك يكشف عن أن تجربة الجدل العقلي الأولي مع الدهرية هي تجربة الفكر العملي في بحثه عن مواطن الأصالة. فقد وجد الأفغاني في الدهريين الهنود ناسا "لا نصيب لهم من العلم، بل ولا من الإنسانية. فهم بعيدون عن مواقع الخطاب، ساقطون عن منزلة اللوم والاعتراض. نعم لو أريد إنشاء مسرح لتمثل فيه أحوال الأمم المتمدنة، مّست الحاجة إلى هؤلاء لإقامة هذه الألاعيب"[1].

حددت هذه النزعة المعارضة للتقليد مهمات تحرير النفس. وبالتالي شحذ مواقفها النقدية وإعلان ضرورة الاجتهاد، باعتباره حقا دائما. لهذا لم يناقش الأفغاني قضية الاجتهاد، وحدّه وحقيقته، بل وضعها في موضعها المناسب وبصيغتها المناسبة وفي إطارها المناسب باعتباره سؤالا يحتوى في ذاته على إجابته. من هنا قوله:ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟ وأي نص سد باب الاجتهاد؟[2]. فقد نظر الأفغاني إلى هذه المشكلة من الناحية الفكرية باعتبارها مظهرا للعبث واللامعنى. لهذا أهملها ولكن من خلال تجذيرها في المواقف النقدية. من هنا إعارته الاهتمام للقضايا والجوانب المتعلقة بنقد "الذهنية الشرقية" من حيث كونها ظاهرة واقعية وتقليدية أيضا. إذ وجد في اندفاع الانجليز وسيطرتهم على بلدان الشرق، على سبيل المثال، نتاجا لمعرفتهم بخصوصية "الذهنية الشرقية" السائدة آنذاك، التي أعطت لكل ما هو جديد وغريب صفة المعجزة واسم الكرامة[3]. لكنه في الوقت نفسه لم يجد في هذه الذهنية شيئا ما ثابتا أو غريزيا، بقدر ما اعتبرها انعكاسا لسيطرة الأوهام والوهم. لهذا شبّه حال الشرقيين مع الانجليز كمثل شخص مار في مفازة يرى بها جثة أسد مطروحة على طريقه بينما يتوهمه سبعا ضاريا مفترسا قويا[4]. ووضع الأفغاني هذه المقارنة في مقدمة نقده الشديد لمختلف جوانب "الحياة الشرقية" ابتداء من تقاليدها ونظامها السياسي وتقاليد الاستبداد فيها وانتهاء بخلجات روحها الأخلاقي. فقد وجد في الكيان الشرقي جسدا مريضا وروحا خائرة، بحيث جعله ذلك يستصعب أحيانا إمكانية العلاج، بسبب ما اسماه بسقوط الهمم، وخور العزائم، وتفرق الكلمة، والاستسلام للخمول، وابتعاد النفوس عن مرامي العزة النفسية، وحرمانهم من لذة ما تنبسط به الروح عند نوال المنعة القومية والحرية الحقيقية[5]. الأمر الذي جعله أحيانا يعتقد بأنه لا مخرج لهم من هذا الضيق "إلا باشتداد الأزمة وقوة الضغط حتى يفقدوا بقية ما ترك لهم من شبه الراحة التي خلدوا إليها"[6]. بعبارة أخرى، انه أراد أن يصلوا إلى إدراك حقيقة الفقدان الكامل، وانه لا "راحة بعد اليوم"، من اجل عبور حاجز "الموت" إلى "الحياة". ولم تكن هذه الرؤية الوجدانية الدفينة سوى الصيغة المعذبة لفكرة البطولة التي تجد في ذروة صراعها المأساوي بريق الأمل الآتي، أو في موتها عناصر الإثارة الحية للأجيال.  

غير أن الأفغاني لم يترك هذه النزعة والرؤية النقدية سائبة في ميدان العاطفة المتحمسة، بل أدرجها في المسار الواقعي لعناصر اليقين الإصلاحي. ومن هنا هجومه على "رجال المنابر"، أو أولئك الذين لا يتقنون حتى الخطابة والكلام، أولئك الذين لا تتعدى معرفتهم ترديد العبارات المحفوظة عن ظهر قلب مثل: "أن الورد اللطيف فتح من عرقه الشريف"[7]. أما أمراء الشرق فأنهم بنظر الأفغاني ليسوا أكثر من قطط منفوخة لا تبالي بشيء غير "طنطنة الألفاظ وفخامة الألقاب"[8]. لكنه شأن مفكري الإصلاحية الإسلامية، وجه جلّ اهتمامه للبحث عن الأسباب الواقعية. ومن هنا تركيزه على الجوانب الأخلاقية والنفسية ونقد الذات باعتبارها المقدمة الضرورية لتنشيط الفعل الاجتماعي والسياسي وتنشيط الروح الفاترة. فعندما يقارن اختلاف العرب عن الأتراك، فإنه يركز على فكرة الإرث والأثر التاريخي والثقافي. فالعرب تركوا ما هو شاهد على عظم إبداعهم، بينما لم يترك الأتراك أثرا ملموسا رغم قرون السيطرة الطويلة والقوة الكبيرة. وهذا بدوره ليس إلا نتاج التباين الجوهري في رؤيتهم لقيمة وأولوية الإبداع، كما يقول الأفغاني. بمعنى صيرورة الخلافة الإسلامية العربية في ميدان الروح والثقافة، بينما تركت الخلافة التركية في ميدان الجيش والحرب. وفي الوقت نفسه يبحث في هذه الحالة والمفارقة عن عناصر إضافية لتوسيع وتشديد النقد العقلي للعرب أكثر من غيرهم، استنادا إلى أن ترك الآثار دون الحفاظ عليها نقيصة. من هنا استشهاده بمواقف الفرنسيين من هزائمهم أمام الألمان عام 1870. لقد أراد الأفغاني هنا إظهار قيمة النقد الذاتي العقلاني باعتباره مقدمة للعمل. ففي معرض تناوله قوة الانجليز وسيطرتهم الواسعة، حاول أن يكشف عن أن هذه السيطرة لا أساس لها متين غير سيطرة الوهم والخوف والجبن في أذهان وأنفس الشعوب المستعبدة. بحيث جعله ذلك يشير إلى وجود من يهاب دولة الانجليز في الدول العربية اعتبارا لما في سلطتها من الممالك الواسعة[9]. ووجد في هذا الوقع النتيجة التي لازمت وجود الانجليز في "القبة الوهمية" التي أحاطت بها الآخرين. ولا يعني ذلك من الناحية التاريخية والواقعية سوى كون السيطرة الأجنبية لا تحدث إلا حالما يحدث الانهيار الداخلي. وأن هذا الانهيار هو مفتاح دخول الغازي. فالانجليز دخلوا مصر، كما يقول الأفغاني، بمعونة المصريين أنفسهم، لأن مصر كانت مجزأة في حركة إعرابي، وقسم يحنّ إلى الماضي وقسم يخاف. بينما لا عزيمة مع الريب[10]. لهذا وضع مهمة محاربة الجبن إلى جانب تهديم أسس الوهم الاجتماعي والسياسي. فالجبن بنظره هو مرض من أمراض الروح، يذهب بالقوة الحافظة للوجود، والتي "جعلها الله ركنا من أركان الحياة الطبيعية"، كما يقول الأفغاني. إذ نراه يجد فيها ما اسماه بجرثومة كل فساد فردي واجتماعي والسياسي[11]. بمعنى وضعه الجبن في سلسلة الوجود الاجتماعي السياسي. ومن هنا بديله القائل، بضرورة "أن يكون أبناء الملة الإسلامية بمقتضي أصول دينهم أبعد الناس من صفة الجبن"[12]. ومن الصعب بلوغ ذلك دون الانتباه إلى ما في النفس من قوة، وما في الوهم من ضعف. لهذا لم يجد في الانجليز بالنسبة للأمم آنذاك سوى دودة وحيدة، على ضعفها تفسد الصحة وتدمر البنية. وحالما يزول هذا الوهم السائد عند الشرقيين عن الانجليز (أي رؤيتهم حقيقة القوة في ذاتهم وضعفها في مستعبديهم) آنذاك يمكن لحركاتهم أن تؤدي إلى استقلالهم بأمورهم وانقطاع سلسلة الانتقال من عبودية إلى أخرى[13]. بصيغة أخرى، إن الأفغاني حاول أن يربط مكونات النزعة النقدية في وحدة معقولة، أي التأسيس لعقلانية النزعة النقدية من خلال دمجها في مشروع البدائل المعقولة (المستقبلية).

فالأفغاني، شأن رجال الإصلاحية الكبار، لم يؤسس لمشروع وشرعية البدائل المعقولة في تقاليد العقلانية "الخالصة" أو تقاليد الكلام العقلية، التي حاولت أن تبني مقدمات هياكلها الفكرية والعملية على مقولات حدّ العقل وحقيقته. لقد اكتفي هنا، شأن موقفه من الاجتهاد، بالإشارة المتكررة إلى أهمية وقيمة الحجج والبينات العقلية ودمجها في أسلوب تحليله للظواهر وموقفه منها. فقد رفع قيم العقل ودافع عنه بالصيغة التي حوّله إلى عنصر جوهري في الديانة الإسلامية. من هنا توكيده على أن أول الأمور التي تنال بها السعادة هو صفاء العقول. وانه لا يمكن بلوغ الكمال حسب دين الإسلام إلا على "قاعدة الكمال العقلي والنفسي لا غير"[14]. ومن هنا ربطه نيل السعادة بسيادة العقل. ولكن إذا كانت هذه الفكرة تقترب في الكثير من جذورها المعرفية بتقاليد "تهذيب الأخلاق" الفلسفية (العقلانية) فان انكسارها في مواقف الأفغاني العملية قد أعطى لها بعدا اجتماعيا سياسيا وإصلاحيا جديدا. وذلك لان ربطه السعادة بالعقل جرى من خلال نبذ ما اسماه بالوساطة الدينية. ومن هنا دعوته لحرية العقل ودوره التنويري الفعال، كما هو جلي في تشديده على ضرورة أن "تكون عقائد الأمة مبنية على البراهين القوية والأدلة الصحيحة"[15]. وبهذا المعنى أيضا يمكن فهم الحوافز القائمة وراء "الغائية العقلية" في بعض آراءه وأحكامه كتلك التي حاول من خلالها البرهنة على أن غاية الكمال في الوجود هو الحكمة الإلهية في تجلياتها المعقولة. وعندما كتب قائلا بان من "نظر في عالم الوجود الكلي، عَلِم عِلْم اليقين، انه وأن وقع كثير من صور كمالاته تحت قوى طبيعية… إلا أن عامة أفعاله واقعة على ترتيب عقلي محكم. ونعني بالترتيب العقلي ما يكون مبنيا على مراعاة الغايات والحكمة وفوائد الكمال التي تعود على نظام الكلّ وتبقى ببقائه"[16]، فانه لم يضع هذه "الحقيقة الكلية" في جدول البيان اللاهوتي للعقائد، بل في أساس الرؤية العقلية للكلّ الفلسفي، أي كل ما يمكنه أن يخدم "برمجة" المشروع الإصلاحي العقلاني.

لقد أعطى الأفغاني للعقل في آن واحد هيئة الوسيلة المدركة والفاعلة. ففي الوقت الذي حاول أن يكشف عن قدرة العقل المعرفية، للدرجة التي يمكنه فيها كشف حقائق الأشياء، بما في ذلك "القيام بالمستحيلات". بحيث اعتبر من الممكن أن يصل الإنسان بمساعدة العقل إلى اختراعات توصله إلى القمر[17]. وسعى من وراء كل ذلك تأسيس فاعلية العقل العملية ومن ثم إدخاله في صرح الإصلاحية الفاعلة. فقد وجد في العقل القوة القائمة وراء تطور أوربا. واعتبر تخلصها من التقليد هو بسبب استنادها إلى العقل، بما في ذلك في أصول دينها.  وإن العقل هو الذي جعلها تقفز قفزاتها السريعة في المدنية والتجارة المعاصرة[18]. ونعثر على هذه الصيغة وانعكاسها المتنوع أيضا في مواقفه من الإصلاح الإسلامي. إذ وجد في السمو العقلي أساس المدنية الفاضلة. غير أنه بالخلاف عن الماضي لم يضع هذه الفكرة ضمن سياق وتقاليد الطوباوية الفلسفية، بل وضعها في أنساق الإصلاح العقلاني، أي تلك التي سعت إلى عقلنة الفعل الإرادي وتوعيته بالقيم الإصلاحية المتسامية وأولوياتها الاجتماعية السياسية. وإذا كانت بعض صياغاتها تستعيد في عباراتها ثقل التفكير القديم، ففي غاياتها تسعى إلى إعادة لحمة الكينونة الاجتماعية والثقافية بالصيغة التي تستقطب فعلها الواعي لحقيقة غاياتها. فعندما أراد التأسيس الأخلاقي للوحدة الاجتماعية والسياسية، فانه كتب قائلا: "أن الفضائل هي مناط الوحدة بين الهيئة الاجتماعية وعروة الاتحاد بين الآحاد. فتميل بكل منهما إلى الآخر، إلى من يشاكله حتى يكون الجمهور من الناس كواحد منهم يتحرك بإرادة واحدة ويطلب في حركته غاية واحدة"[19]. فمن حيث طابعها المقارن تستعيد هذه الفكرة نموذج المرحلة النبوية (صدر الإسلام)، أما من حيث واقعيتها فأنها تعكس التأسيس العقلاني للإرادة المشتركة باعتبارها وسيلة تذليل الفرقة وأسباب التخلف والتجزئة. بصيغة أخرى، لم يسع الأفغاني من وراء ذلك استعادة الهيبة التقليدية للوحدة على أساس واحدية الأمة في دينها ودنياها، بل وحدتها الحرة على أساس إرادتها وفعلها العقلي الأخلاقي.

وتوصل محمد عبده في مجرى تأملاته الفكرية ونشاطه العلمي إلى نفس هذه الآراء والمواقف. فإذا كانت عقلانية الأفغاني الإصلاحية وطابعها النقدي هي التجلي الأوسع لنقد الذات، فأنها اتخذت عند محمد عبده صيغة التجلي الأعمق. وذلك لأنها دفعت بآراء الأفغاني في هذا المجال إلى نهايتها "المنطقية" ولكن ليس في مضمار السياسة المباشرة، بل في ميدان الإصلاح التنويري. لهذا السبب خفتت النزعة النقدية في مواقف محمد عبده، أو بصورة أدق، أنها لم تنهمك في تناول القضايا التي شغلت الأفغاني.إذ لا نعثر عنده على موضوعات الشرقية والإسلامية، والقضية الوطنية والقومية، والقوة والسياسة، والجبن والرذيلة، والاستعداد للتضحية والعمل. وعوضا عنها تبرز موضوعات العقل والنظرة العقلية، والإسلام والعلم، والتربية والتنوير، والإصلاح القانوني وبعث التراث. وتنعكس في هذه القضايا أيضا خصوصية نقده الذاتي، كما هو جلي في ردوده على رسائل مجلة (الجامعة) في انتقادها للإسلام مقارنة بالنصرانية، أي كل ما جرى جمعه لاحقا في كتابه الشهير (الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية). إذ لم تكن انتقاداته اللاذعة للنصرانية شكلا من أشكال الجدل الديني اللاهوتي، بقدر ما كانت إحدى صيغ النقد العقلاني للنفس. لهذا نراه يهمل الإسراف بالشواهد التاريخية للكشف عن حقائق ما يريد قوله، باعتبارها غير ذي بال وأهمية. واكتفى بإبراز قيم العقلانية والإنسانية في الإسلام فكرا وعقائد، دون أن يهمل سلبياته التاريخية. انه أراد القول بأن ما بين إسلام واقعه وحقائق الإسلام بونا شاسعا. أما في انتقاده للنصرانية وأصولها، مثل التمسك بخوارق العادات، والسلطة الدينية، وترك الدنيا، والإيمان بغير المعقول، وادعاء احتواء كتابهم على علوم الأوائل والأواخر، وعدم التسامح، وما يقابلها ويعارضها في الإسلام وأصوله، ما هو إلا الصيغة غير المباشرة لإصلاحيته العقلانية النقدية. حيث استطاع صهر آرائه ومواقفه المباشرة وغير المباشرة في عقلانية الإصلاح وأولوية الروح المعرفي على الروح الإصلاحي السياسي. لهذا شدد في انتقاده لأسباب الجمود في العالم الإسلامي على ميادين اللغة والشريعة والعقيدة[20]. وبهذا المعنى يكون محمد عبده قد استكمل وتوسع بالطابع النقدي لإصلاحية الأفغاني في ميدان اجتهادها العقلي باعتباره جهادا معرفيا (تنويريا). ومن هنا أيضا تشديده على قيمة الاجتهاد ورفض التقليد. بحيث نراه يعتبر البدع المتجددة كلها كما هي تناج لسوء الاعتقاد الذي ينشأ "من رداءة التقليد والجمود عند حد ما قاله الأول بدون بحث في دليله ولا تحقيق في معرفة حاله، وإهمال العقل في العقائد"[21]. وهي الفكرة التي تستند إلى تقييمه للعقل باعتباره "من اجلّ القوى، بل وهو قوة القوى الإنسانية وعمادها، والكون جميعه هو صحيفته التي ينظر فيها وكتابه الذي يتلوه"[22].

لكنه شأن ممثلي الإصلاحية الإسلامية، لم يضع فكرة العقل وقيمته بعبارات الإطراء التقليدية، رغم أهميتها، بل حاول إبراز قيمته الثقافية في عالم الإسلام نفسه. وقام بذلك من خلال الكشف عن الأسس العقلية المتينة في عالم الإسلام وثقافته باعتبارها احد أعمدته الأساسية. فعندما تناول ما اسماه بحقيقة الإسلام فانه يتطرق إليها من خلال تحليل ما اسماه بالدعوتين. الأولى هي الدعوة إلى الاعتقاد بوجود الله وتوحيده، والثانية هي التصديق برسالة النبي محمد. بحيث ارجع التعويل في الدعوة الأولى إلى العقل، باعتباره الوحيد القادر على إثبات حقيقتها وقيمتها. فهو لم يسع هنا لإظهار قيمة العقل في الإيمان وأولويته فحسب، بل وصياغة وحدة الإيمان والعقل في عبارات المنطق ذاته. بحيث أشار إلى أن الدعوة الأولى يعول فيها على "تنبيه العقل البشري وتوجيهه إلى النظر في الكون، واستعمال القياس الصحيح، والرجوع إلى ما حواه الكون من النظام والترتيب وتعاقد الأسباب والمسببات ليصل بذلك إلى الاعتراف بوجود خالق للكون"[23]. ولا يعني هذا سوى إبراز جوهرية العقل وأولويته في إدراك وجود الله وتوحيده. لهذا أكد على أن "الإسلام لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي في الدعوة بالإيمان بالله ووحدانيته"[24]. ليس ذلك فحسب، بل وشدد على أن القرآن لا يقيد العقل بكتاب (مقدس) في قضايا معرفة الكون، باعتباره طريقا للتوحيد. أما في تأصيله لأصول الإسلام، فانه وضع في أصوله الأول والثاني كل من النظر العقلي وتقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض[25].

وبهذا يكون محمد عبده قد سعى لتأصيل عقلانية إسلامية بروح إصلاحي من خلال تذويب الاجتهاد في العقل الدائم، أو العقل الدائم في الاجتهاد، وبالتالي تأصيل العقلانية في أصول جديدة. وقد تضمن ذلك بحد ذاته خروجا على المألوف في تقاليد علم الكلام والعقائد. فهو لم ينهمك في تقليدية الأصول الإسلامية الكبرى، بل نظر إليها من خلال الأفكار الجدلية المناهضة للإسلام. وبالتالي، فإن الأصول التي سعى لتأسيسها لا تستند على رد الفعل، كما هو في ظاهر اندراجها في كتاب (الإسلام والنصرانية)، بل في معقوليتها المدركة لذاتها بوصفها أصولا تجديدية للإسلام. لهذا نراه تكلم عن هذه الأصول، باعتبارها أركانا للدين، ترجع إليها جميع الفروع[26]، أي طابعها العام والمنظومي. حقيقة أن هذه "المنظومة" بقت في إطار مبادئها العامة والمفككة لحد ما، أي أنها لم تستند إلى نظرية متكاملة في وعي الذات النقدي التاريخي والاجتماعي السياسي، بقدر ما بقيت في حيز إبراز الأولويات الكبرى.

لقد حاول محمد عبده تقديم الأصول الجديدة للإصلاحية، بوصفها عقلانية تنويرية. وليس مصادفة أن يشدد في دفاعه عن الإسلام، على قيم العقل والفكر المستقل بحد ذاته، بما في ذلك في الحالات التي يمكن أن تكون "مثالا" للمسلمين في مساعيهم الإصلاحية[27]. لهذا وضع في سلسلة أصول الإسلام أركان النظر العقلي، وتقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض، والابتعاد عن التكفير، والاعتبار بسنن الله والخلق، وقلب السلطة الدينية، والتسامح، والجمع بين مصالح الدنيا والآخرة. ووضع في "اصل النظر العقلي" كونه وسيلة الإيمان والحق، وانه حجة على الإنسان ومعيار للحكم والسلطة. في حين إذا تعارض العقل والنقل اخذ بما دل عليه العقل. وجعل "الابتعاد عن التكفير" ابتعادا عن تقاليد الماضي وأسلوبا أمام الحرية الفكرية. في حين حاول البرهنة من خلال "اصل الاعتبار بسنن الله في الخلق" على انه "لا يعوّل بعد الأنبياء في الدعوة إلى الحق على غير الدليل"[28]. وأن طبيعة الدين تتوافق مع شرائع أو نواميس أو قوانين الوجود في الأمم والأكوان. وأن قلب السلطة الدينية يعني إزالة فكرة العصمة والوساطة الدينية بين الله والإنسان. وانه ليس هناك في الإسلام من يختص بفهم لا يناله الآخرين للكتاب (القرآن) والعلم. وأن هذه المعرفة ليست مزية لأحد دون آخر. وانه لا تباين بين الناس إلا بقدر "تفاضلهم بصفاء العقول وكثرة الإصابة في الحكمة"[29].

وحاول محمد عبده من خلال هذه الآراء ووحدة أصولها إبراز إصلاحيته العقلانية، وبالأخص في نتائجها العملية المستقبلية. وليس مصادفة أن يكشف عن نماذج هذه الأصول في الماضي، لأنه أراد أن يظهر ما هو جوهري من وجهة نظر المثال، أي الربط بين التاريخي والمثالي في آفاق الرؤية الجديدة. من هنا أيضا محاولته صياغة الكيان المعتدل للعقلانية الإسلامية في روحها وجسدها، وعقلها وضميرها. ويكشف هذا الاعتدال عن عناصره في مكونات الإسلام القديم والمعاصر والمستقبلي، أي في الإسلام النموذجي والمفترض. من هنا دعوته للاعتدال في العادات والعبادات، انطلاقا من أن الإسلام نفسه لم "يبخس الحواس حقها، كما انه هيأ الروح لبلوغ كمالها. فهو الذي جمع للإنسان أجزاء حقيقته واعتبره حيوانا ناطقا لا جسمانيا صرفا ولا ملكوتيا بحتا"[30]. وإذا كانت هذه الصيغة الظاهرية لوحدة الاعتدال في الروح والجسد، هي التعبير المناسب "للاهوت العقلاني" الإسلامي، فان عقلانيتها الواقعية (العملية) تظهر بجلاء في نماذجها التاريخية والروحية. فعندما تناول قضية الزهد في الإسلام، فانه يشير إلى أن سياسة الخلفاء الراشدين من الزهد شيء يوافق الدين (الإسلامي)‎، وان سلوك معاوية في البذخ هو الآخر موافق للدين، وذلك بفعل تغير الظروف. فهو لم ير في سلوك معاوية شيئا ما معارضا لما هو مباح في الإسلام فحسب،  بل واعتبره قوة فاعلة في "ترويج فنون الإبداع في الصنعة على اختلاف ضروبها"[31].

أما في ميدان الروح فانه حاول إبراز البديل الممكن للإصلاحية الإسلامية في قوتها الكامنة، والذي سعى لتأسيس بمقولات السياسة والفعل الاجتماعي المباشر في وحدة العقل والوجدان. فعندما تكلم عن التفاؤل القائم في زمنه عن إمكانية استعادة الإسلام قوته في المدنية المعاصرة، فإنه يشير إلى ضرورة صياغة الوحدة الجديدة للعقل والوجدان. بحيث نراه يجد فيها نتيجة لتطور العلم والدين (الإصلاحي) وأسلوبا في بناء الوحدة المتناسقة للثنائيات الضرورية في الوجود التاريخي والثقافي للمسلمين، أي الوحدة المتناسقة للدنيا والآخرة، والعلم والدين، والعقل والإيمان. لهذا وجد في وحدة العلم والدين وضرورة التقائهما أسلوبا يستلزمه في آن واحد منطق الحقيقة والأخلاق. وهي الصلة التي عبر عنها في فكرة وحدة العقل والوجدان، باعتبارها نتاجا للمساهمة التي يقدمها الدين للعلم والعلم للدين، أو الوحدة العريقة فيما يمكن دعوته بثقافة الحدود الإسلامية، التي أرسى تقاليدها تاريخ متشعب في بلورة نماذج الوحدة المعقولة للمعقول والمنقول، والتفسير والتأويل، والظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة. وقد سار محمد عبده في هذه التقاليد المتنورة، عندما أكد على أن "تطور العقل بمساهمات العلم تؤدي به إلى أن يبلغ قوته ويعرف حدود سلطته. فيتصرف فيما أتاه الله تصرف الراشدين ويكشف ما مكنه فيه من أسرار العالمين. حتى إذا غشيته سبحان الجلال وقف خاشعا وقفل راجعا، واخذ اخذ الراسخين في العلم"[32]. آنذاك يلتقي العقل مع الوجدان الصادق، أو القلب. إذ "لم يكن الوجدان ليكابر العقل في سيره داخل حدود مملكته، متى كان الوجدان سليما وكان ما استضاء به من نبراس الدين صحيحا"[33]. وهي العلاقة المعتدلة أو الوسطية المعقولة، التي أسست لها تآلفات الفكر النظري الإسلامي ابتداء من المحاسبي وانتهاء بالغزالي. من هنا توكيد محمد عبده على رفض ما يتفوه به السذج من أن هناك فرقا بين العقل والوجدان بمقتضى الفطرة والغريزة. وذلك لان الاختلاف في حالة وقوعه، ما هو في نظر محمد عبده سوى عرض عند عروض العلل والأمراض الروحية. إذ اجمع العقلاء على أن المشاهدات بالحس الباطن (الوجدان أو القلب) هو من مبادئ الرهان العقلي[34]. ثم دفع بهذه الفكرة صوب غايتها النهائية عبر توليف العقل والوجدان في عبارته القائلة، بأننا "منحنا العقل للنظر في الغايات والأسباب والمسببات والفرق بين البسائط والمركبات، ومنحنا الوجدان لأدراك ما يحدث في النفس من لذائذ وآلام، وهلع واطمئنان، وشمل وإذعان، ونحو ذلك مما يذوقه الإنسان ولا يحصيه البيان"[35]. وهي ذات النتيجة المميزة لإصلاحية الأفغاني العقلانية وطابعها النقدي، أي نفي تجارب العقلانية والصوفية في وحدة التقائهما.

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص129.

[2] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص329.

[3] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص365.

[4] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص366.

[5] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص456.

[6] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص190

[7] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص335.

[8] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص493.

[9] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص366.

[10] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص369.

[11] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص372.

[12] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص373.

[13] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص369.

[14] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص175.

[15] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص176.

[16] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص257.

[17] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص265.

[18] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص176.

[19] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص376.

[20] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص121-140.

[21] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص134.

[22] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص65.

[23] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص67.

[24] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص69

[25] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص72-73.

[26] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص39.

[27] مثل إشارته لمن اسماهم بأفاضل النصارى، ويقصد به مارتن لوثر، الذي أطلق على أرسطو كلمة الخنزير والدنس والكذاب، بينما كان المسلمون يسمونه بالمعلم الأول.

[28] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص73-75.

[29] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص79.

[30] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص90.

[31] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص96-97.

[32] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص146.

[33] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص147.

[34] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص147

[35] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص147.

 

عامر عبدزيد الوائليمدخل: هنالك تعريفات متنوعة لهذا الحقل من حقول البحث؛ فهناك من ينظر الى الاستشراق وكل منهم ينطلق من الآخر وبتأثير الآخر(من عرب وعرب مسيحيين ومسلمين متأثرين بالغرب)، فإذا كان الآخر أي الغربي تصدر عنه في دراسته للذات العربيّة الاسلاميّة مجموعةٌ من النتاجات الفكريّة والإعلاميّة والسياسيّة، والاستخباريّة، في مجال العقيدة والاجتماع والسياسة والفن يمكن أن ينسب إلى حقل الاستشراق ؛ والى جانب المسلمين نجد كذلك: (الدراسات الصينيّة أو الدراسات الهنديّة أو الدراسات اليابانيّة).

الاستشراق هي حركة غربيّة تركز على استكشاف الثقافة الشرقيّة ودراستها عن كثب، وتوضيح النظرة الغربيّة لهذه الثقافة الشرقيّة، وتدل على مدى تصوير الغرب للبنية التحتيّة للحضارة الشرقيّة، ويوحي مفهوم الاستشراق إلى السلبيّة بناءً على ما ترتب على التفسيرات القديمة للغرب فيما يتعلق بالحضارات الشرقيّة وثقافتهم.

 كما يمكن تعريف الاستشراق بأنّه عبارة عن قيام علماء غير مسلمين من الغرب بإجراء دراسات ذات أبعاد أكاديميّة تركز على دراسة الدين الإسلامي، وجوانب حياة المسلمين المختلفة في: (التاريخ، والشريعة، والحضارة)، إذ تستهدف دراساتهم المسلمين من العرب وغير العرب(1).

ومع أنّ مصطلح الاستشراق ظهر في الغرب منذ قرنين من الزمان على تفاوت بسيط بالنسبة للمعاجم الأوروبيّة المختلفة، لكنّ الأمر المتيقن أن البحث في لغات الشرق وأديانه وبخاصة الإسلام قد ظهر قبل ذلك بكثير، ولعل كلمة مستشرق قد ظهرت قبل مصطلح استشراق، فهذا آربري Arberry في بحث له حول هذا الموضوع يقول "والمدلول الأصلي لاصطلاح (مستشرق) كان في سنة 1638م أحد أعضاء الكنيسة الشرقيّة أو اليونانيّة" وفي سنة 1691م وصف آنتوني وود Anthony Wood صمويل كلارك Samuel Clarke بأنه (استشراقي نابه) يعنى ذلك بأنه عرف بعض اللغات الشرقيّة. وبيرون في تعليقاته على Childe Harold's Pilgrimage يتحدث عن المستر ثورنتون وإلماعاته الكثيرة الدالة على استشراق عميق"(2).

وبحسب تعريف جويري، في كتابه: علم الشرق وتاريخ العمران، يقول "...إنّما هو من جمع بين الانقطاع إلى درس بعض أنحاء الشرق وبين الوقوف على القوى الروحيّة الأدبيّة الكبرى التي أثّرت في تكوين الثقافة الإنسانيّة، فهو من تعاطى درس الحضارات القديمة، وبإمكانه أن يقدر شأن العوامل المختلفة في تكوين التمدن في القرون الوسطى مثلاً أو النهضة ...(3).

يظهر من هذه التعريفات بأنّ القضيّة المركزيّة التي أسّس لها الاستشراق عموماً هي أن الغرب غزا الشرق لهدفٍ مزدوج: ليعرف ماهيّة الشرق، طبعاً لكل لون استشراقي أهدفه الخاصة. وليعيد خلق الشرق، وهذا شأن الاستشراق الرسمي، الاستعماري والثقافي، كيف يراه هو؟، أو صياغة صورة للشرق كما يريدها الغرب (بحسب وظن إدوارد سعيد). ويكمن الاستدلال على صدق هذا التصور من خلال دراسة المراحل التي مرّ بها الاستشراق وتعدُ مراحل أساسيّة، وهي:

الاستشراق الاستعماري (Colonial Orientalism): تعد هذه المرحلة أولى مراحل الاستشراق، وتضم كل ما جاء به الاستشراق منذ ظهوره مروراً بالحركة الرومانسيّة الغربيّة ووصولاً إلى عام ألف وتسعمائة وستين ميلادي. ويرى رضوان السيد "على أنَّ بداية التعرُّف الأوروبي على الإسلام ثقافيًّا ابتدأتْ مع ترجمة الفرنسي"أنطون غالان"(1646-1715 م) كتاب ألف ليلة وليلة، وما تركته من أثر في نفوس المثقفين الأوروبيين في القرن الثامن عشر الميلادي، عصر الرومانسيّة الأوروبيّة بامتياز."(4).

أمّا الاستشراق ما بعد الاستعماري (Post Colonial Orientalism): فهي المرحلة التي بدأت أطوارها من بعد عام ألف وتسعمائة وستين ميلادي، وسلّطت الضوء على الجوانب الثقافيّة واللغويّة التي يمكن التأثير فيها من خلال إدخال التغيرات الجذريّة عليها.

يبدو بعد التحولات الكبيرة أي بعد حقبة الاستعمار وظهور حركات ما بعد الاستعمار وهي قد جعلت الاستشراق غير مرغوب فيه من حيث المنطلقات الأيديولوجيّة والمنهج الذي تعرض الى نقود منهجيّة ؛فظهر شكل جديد من الاستشراق هو الاستشراق الجديد (New Orientalism): هو أحدث ما وصل إليه الاستشراق ومرحلته التي تزامنت مع مطلع القرن الحالي، واستهدف الأمور الدينيّة للأفراد.

أقسام بحوث الاستشراق: تسعى دراسات الاستشراق إلى التركيز على مجالات محدّدة في حياة الشرق والمسلمين خاصة، وتشمل كلاً ممّا يأتي: (التاريخ والاقتصاد والجغرافيا واللغة والآداب وعلم الإنسان والفنون والأديان والفلسفة وعلم الآثار)(5).

مصطلح "الاستشراق الجديد " يمثل عتبة جديدة في العلاقة بين الأنا الغربيّة والآخر الشرقي فإنها عتبة تحاول من أن تخلق تمفصل بين الخطاب الاستشراقي القديم وآخر جديد اذ تناسلت العديد من الأعمال والدراسات التي ظهرت إلى الوجود مع نهاية القرن التاسع عشر الميلادي وبداية القرن العشرين، وقد اعتمدت هذه الدراسات على العديد من المناهج العمليّة والحقول المعرفيّة مثل: (اللسانيات والأنثروبولوجيا، الإثنوغرافيا، السوسيولوجيا، والاثنولوجيا....) وكثير من العلوم المساعدة الأخرى التي ترتبط بالدراسات الاجتماعيّة والإنسانيّة. وإذا كانت هذه النتاجات والأبحاث التي قام بها العديد من الدارسين والباحثين الأجانب، إذ شكلت مجموع ما يصطلح عليه بـ"الإسطوغرافيا الاستعماريّة" أو"الدراسات الكولونياليّة" التي ظلّت موسومة بطابع استعماري وتم توظيفها كتمهيد أوّلي نحو غزو للعديد من المناطق، ومنها منطقة شمال إفريقيا، فإنها في مقابل ذلك، تعد مرجعاً وتراكماً مفصلاً ومدققاً يحمل قيمة علميّة واضحة بحكم ما ارتبط بها من معطيات وحقائق مهمّة حول الجوانب المختلفة التي تهم المجتمعات التي خضعت للسيطرة الاستعماريّة، كما أن هذه الدراسات لا تزال تحتل موقع الصدارة على مستوى القيمة الموضوعيّة والعلميّة التي تنفرد بها، وكذا طبيعة المناهج التي وظفتها والنتائج والخلاصات التي انتهت إليها.

وتعد الأبحاث والدراسات الفرانكفونيّة صاحبة السبق على مستوى تناول مختلف مظاهر الحياة العامّة لدى المجتمعات المغاربيّة بصفة عامة، والمجتمع المغربي بصفة خاصة، ولكن على الرغم من ذلك فالدراسات الانجلوساكسونيّة والأسبانيّة كان لها وقعها الخاص على واقع هذه الأبحاث والكتابات، لاسيما بعدما خاض هذا المضمار العديد من الدارسين والباحثين المرموقين الذين شكّلو اتجاهاً جديداً داخل حقل الدراسات الكولونياليّة، من أبرز هؤلاء، نجد: (جاك بيرك وروبير مونطاي وأرنست غيلنز وجون واتروبوي ورايمون جاموس ومولييراس وبول باسكون وايميليو بلانكوايثاكا ودايفيد هارت.).. (6).

وعلى الرغم من أنّ علماء الإنثروبولوجيا لا يعدون أنفسهم من المستشرقين وغالباً ما ينظرون الى المستشرقين التقليديين بازدراء ؛ وسبب ذلك هو أن تدريبهم داخل حقل علم الانثروبولوجيا أقوى من تدريبهم في لغات وآداب وتاريخ الشرق الأوسط .لكنّهم مع ذلك يقعون من ضمن تعريف إدوارد سعيد للمستشرق:" كل من يدرس أو يكتب أو يبحث في أمور الشرق " (7)، ثم أنّه يعرف الاستشراق بوصفه " أسلوب تفكير يعتمد على تفريق أنطولوجي وإبستمولوجي بين "الشرق " وبين "الغرب" ويرى بأنّ الاستشراق عبارة عن "مؤسسة منظمة للتعامل مع الشرق تعليمه ووصفه بل وحكمه " (8).

فإنّ الاختلاف في مستوى المنهج وتقدمه على مناهج المستشرقين لا يعني تبرئة الانثروبولوجيا من ارتباطها بالاستشراق الجديد، وارتباطها به وبالسلطات الداعمة للبحوث والغايات نفسها القائمة على معرفة الآخر ومن ثمّ حكمه والهيمنة على مقدراته ؛ لهذا تجد رجال الاستشراق الجديد يحتلون مكانة مهمّة في الخطاب الغربي من خلال رسم الاستراتيجيات واحتلال مكانة مهمة في المؤسسات الغربيّة السياسيّة والعلميّة .

تأتي هذا المقاربة من أجل دراسة المنهج الانثروبولوجي في الغرب عامّة ودراسة أرنست غيلنز ؛ اذ سوف نحاول من أن نتناول الأمر من خلال ثلاثة مباحث: الأوّل في تأصيل المنهج والثاني في عرض قراءة أرنست غيلنز ويأتي المبحث الثالث بمثابة مقاربة نقديّة لدى مجموعة من الباحثين في مجال الأنثروبولوجيا .

المبحث الاول: التأصيل المفهومي للأنثروبولوجيا وتياراتها

لقد شكّل هذا المنهج الانثروبولوجيّة مكانة مهمة في العلوم الانسانيّة بكل تحولاتها من ناحية، ومن ناحية أخرى يعد أحد مناهج الاستشراق الجديد .ومن هنا تأتي أهميّة تناوله في هذا البحث. في بعدين الأوّل تعريف بالانثروبولوجيا، والثاني يتناول الانقساميّة وأهم ملامحها ومرجعياتها الاستشراقيّة.

أوّلاً: الأنثروبولوجيا:

هي علم دراسة الإنسان طبيعياً واجتماعياً " وأيضاً، علمُ الجماعات البشريّة وسلوكها ونتاجاتها. علم الإنسان من خلال أنّه كائنٌ طبيعي واجتماعي وحضاري. علمُ الحضارات والمجتمعات البشريّة.

هذهِ التعريفات هي "للأنثروبولوجيا العامّة"، ويمكنُ من خلال التعريف الرابع بأن نعرِّفَ "الأنثروبولوجيا الاجتماعيّة" على أنها: علم الإنسان من خلال كونه كائنٌ اجتماعي." والمشكلة تكمن في تعدد فروع الأنثروبولوجيا فيحددها في ثلاثة تخصصات رئيسة فقط، وهي: الأنثروبولوجيا الطبيعيّة، الأنثروبولوجيا الاجتماعيّة، الأنثروبولوجيا الثقافيّة " (9) .

يبدو أنّ العتبة المهمة في هذا الحقل من العلوم الانسانيّة هو (الميدان) بوصفه مخبراً للانثروبولوجيا كما يذهب كثير من العلماء الى التأكيد على هذا الامر، وهذا ما سوف نستشفه من النماذج التي سوف ندرسها فهي في المجمل كانت تعتمد على البحث الميداني في بناء تصوراتها وتأكيد توصيفاتها ؛فقد كان لزاماً على الباحث الذي يقوم بالبحث في حقل الانثروبولوجيا من أن يختار عيّنات الدراسة - في حقل ما- من خلال دراسة شعوب معيّنة كانت تمثل نمطاً من أنماط العيش سواء كان بدائياً يقوم على أشكال التضامن الميكانيكي إلى أشكال التضامن العضوي أم غير بدائي، كما ذهب إلى هذا "إميل دوركايم " (1858-1917)م(10) في التأسيس الى مفهوم إنقساميّة (segmentarité) في ميدان علم الاجتماع ؛ فقد بيّن بأنّ المجتمعات الإنسانيّة تنتقل بالتدريج خلال صيرورتها التاريخيّة، من أشكال التضامن الميكانيكي إلى أشكال التضامن العضوي.

وهذا ما نجده في منهج البحث  الأنثروبولوجي إذ يذهب الباحث إلى موطن الشعب الذي اختاره موضوعاً للدراسة ؛ لكي يقوم بعمله، فيستمع إلى أحاديثهم ويزور بيوتهم، ويحضر طقوسهم ويلاحظ سلوكهم العادي .. ويسألهم عن تقاليدهم، ويتآلف مع طريقة حياتهم حتى تصبح لديه فكرة شاملة عن ثقافتهم، أو يحلّل جانباً خاصاً من جوانبها. أي أنّه يجمع معلوماته من الميدان حتى يصل الى توصيف مقولاته الواصفة لحياة تلك الشعوب المنعزلة، فهذه الدراسات لا تعدم أمرين:

الأوّل منهما أنّ لها غايّة سياسيّة تسعى من أجلها تلك الدراسات فهي تقوم على دراسة تلك الشعوب ليس من أجل غايات علميّة فحسب ؛ بل أنّ هناك مسوغات سياسية من أجل تقديم تصور علمي عن طبيعة تلك الشعوب حتى تسهل للدول الداعمة للبحوث من أجل تسهيل الطريق امامها في السيطرة على تلك الشعوب من قبل الدول الغربيّة.

الأمر الثاني: إنّ هذه البحوث لا تقوم بعملها من دون خلفيّة علميّة سابقة تقوم عليها برامج البحث في الميدان فالبحوث إمّا أنها تؤكد على الفرضيّات السابقة أو تقدم لها نقداً وتقويماً على أساس ما يظهر في الميدان من نتائج .

أمّا على الصعيد الاول فيجعل البحث العلمي مرتهن الى الخطاب السياسي الذي يقدم دعماً ويسخر جهود الباحثين ؛من أجل غايات الهيمنة على مقدّرات الآخر، عندما عمدت الأنثروبولوجيا الأنجلوسكسونيّة، وبالضبط البريطانيّة، إلى دراسة مجتمعات حوض البحر الأبيض المتوسط وافريقيا بعد الحرب العالميّة الثانيّة إذ ركزت بشكل رئيسي على ظاهرة السلطة داخل هذه المجتمعات.

أُطروحتنا هنا تؤكد على إبراز الغايات السياسيّة التي توجه هذا الحقل المعرفي الذي يدّعي الاستقلاليّة فإنّه يظهر لنا بأنه محكوم بالأحكام المسبقة فضلاً عن الاستراتيجيّة السياسيّة لدى المؤسسات الاكاديميّة والجهات السياسيّة التي تؤكد على توجيه البحث من أجل معرفة الآخر ومن أجل تحقيق أهداف سياسيّة وهو بهذا جزء من المشروع الاستشراقي القديم الذي عمل في المغرب بمراحل الطويلة ؛ لكن من سمات هذا المنهج أنّه جزء من منظومة مدعومة من قبل بريطانيا من أجل تحقيق مقاصدها السياسيّة في الشرق وخصوصاً في منطقة المغرب العربي التي هي جزء من مشروع الاستشراق الغربي، وهذا ما عمدت إليه الأنثروبولوجيا الأنجلوسكسونيّة، وبالضبط البريطانيّة.

ثانيا: منهج الانقسام وأبعاده الاستشراقيّة:

ويعد مفهوم الانقسام من أهم سمات هذا المنهج إذ عدّ ه " بول باسكون " (1923-1985م) بعد بحث واستقصاء مفهوم (الانقساميّة) الى معنى لا يقترب الى مجال الفيزياء والعلوم بل وجده مفهوماً مأخوذاً من مصطلحات علم الحيوان، - كما عرضنا سابقا- يعد إميل دوركايم أول باحث وظّف مفهوم " الانقساميّة " اذ يعد عامل الانشطار يفهم حين يصبح الجيل الواحد مصدراً لأجزاء جديدة: (أبناء)، وهؤلاء بدورهم – كل على حدة – يشكل (وحدة سلاليّة) جديدة، تتفرع عنها هي الأخرى وحدات سلاليّة جديدة، وهكذا دواليك.

أمّا عامل الانصهار، فيبدو حين يصبح هذا الانشطار نفسه مصدراً لتعيين "أجزاء" أو "أقسام" جديدة من داخل النسق الانقسامي. بهذا الشكل إذن، يصبح كل جيل من الأجداد يجسِّد مستوى من الانقسام والتداخل: فالمستوى الأول هو القبيلة، والثاني هو القسمة أو الفرع القبلي (ويصطلح عليه "الخمس"، والثالث هو الوحدة السلاليّة؛ وصولاً إلى أدنى مستوى إذ الوحدة العائليّة ثم الفرد.

لكن، يبقى السؤال المطروح هو: كيف تشتغل كل من آليتي "الانشطار" و"الانصهار" هاتين (سوسيولوجياً)؟ وكيف تعملان على بنية (Structuration) مستويات الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة وأشكالها من داخل المجتمع الانقسامي؟ أو بمعنى أدق، كيف يعمل النسق الانقسامي على وفق هاتين الآليتين على إنتاج وإعادة إنتاج نفسه، على الرغم من عوامل الصراع والتوتر التي تتهدّده؟ هنا بالذات يقدم الانقساميون مقولتي (التعارض) و(التحالف) كنموذجٍ للتحليل، وكقاعدة تؤسس للنسق الانقسامي وتمدّه بشروط الاستمراريّة. فإذا كانت الصراعات وأشكال النزاع التي يشهدها المجتمع الانقسامي- عبر مختلف مستوياته البنائيّة – تمثِّل واقعا مرتبطا أشد الارتباط ببنيات ذلك المجتمع، وتناقضاته الداخليّة – كما يؤكد الانقساميون طبعاً- فإن ذلك لا ينفي وجود أشكال من التماسك والاتحاد أيضاً. فالصراع في مستويات أدنى، لا ينفي أبداً وجود أشكال من التعاون والتحالف في مستويات أعلى، وبصورة تلقائيّة(11).

لقد كانت الدراسات الميدانيّة هي التي أكّدت على هذا المفهوم ثم وبعد مرور حوالي عشر سنوات على تلك الدراستين طرح لبريتشرد من جديد موضوع المجتمعات العربيّة القبليّة، مع الباحثين الأنجلوسكسونيين، من خلال الاعتماد على فرضيّات الأنموذج الانقسامي، ومنطلقاته .

مرد ذلك إلى أن البريطانيين رغبوا في دراسة الأنظمة السياسيّة المحليّة، بهدف المزيد من إحكام الطوق عليها وهكذا برز في ميدان الأنثروبولوجيا أنموذجاً تحليلياً جديداً للمجتمعات (البريّة)، كتحليل طفق يمارس جاذبيّة وإغراء لا يستهان بهما في مجال العلم الأنجلوسكسوني والذي سيبلغ أوجّه في التطبيق على يد ثلّة مهمّة من الباحثين أقصد بذلك: غيلنر، وواتربوري 1939م،(12) ورايمون جاموس تحديداً، إلا أنّه في محاولتنا هذه سنركز على الباحث غيلنر كأنموذج لهذا التحليل." (13)

أمّا على صعيد الأحكام المسبقة فهناك إسقاط خطابات فكريّة غربيّة على شعوب أخر, إسقاط يفقد تلك البحوث من قيمتها التجريبيّة ويجعل منها مرتهنة الى الأحكام الثقافيّة والحضاريّة التي انطلق منها الباحث سواء كان عالماً بها كباحث يخدم مشروع غربي موجه سياسياً .

أمّا موقف الباحثين العرب في مجال الانثروبولوجيا ؛فنلمسه من الاصطلاح اذ من الملاحظ بأنّ مفهوم الانقساميّة عندما انتقل إلى اللغة العربيّة لم يصادف توافقا بين الباحثين فيما يتعلق بالمصطلح. نلامس هنا بعض التفاوت الذي قد يحصل بين المفهوم والمصطلح . ففي تونس استُعمل مصطلح التجزؤيّة مقابلا له وبالمغرب عرّبه عبد الكبير الخطيبي بلفظة التجزيئة بينما استعمل أحمد التوفيق عبارة الانقساميّة، وهي التي نالت الموافقة لدى العديد من المؤرخين. هذا على مستوى الاصطلاح أما على مستوى النظريّة فإنّ النظريّة الانقساميّة تقوم على مبدأين أساسيين:

مبدأ التعارض الأفقي المؤدي إلى التوتر والصراع بين الوحدات المتساويّة في المستوى الأفقي من ضمن المنظومة الانقساميّة من جهة.

ومبدأ التكامل المفضي إلى التعاون بين الوحدات المتسلسلة في المستوى العمودي وتحالفها من جهة أخرى. وللتبسيط، يمكن استحضار المقولة الشهيرة في نظام العصبيّة الخلدوني ؛ وقد تعرّضت هذه النظريّة لكثير من النقد من قبل باحثين مغاربة وغير مغاربة. ومن بين المغاربة نخص بالذكر جرمان عياش وعبد الله حمودي وعبد الله العروي، كل من منطلقاته الخاصة. والنقد الأساسي لهذه النظريّة بأنّها نشأت لتعالج مجتمعات تفتقر إلى بنيَة الدولة وبالآتي فهي تفسِّر التوصل إلى حالة من الاستقرار في المجتمعات القبليّة عن طريق الصراع بين الوحدات المكونة لها مما يؤدي في النهاية إلى التوازن فيما بينها، في حين أن للمغرب مجتمعاً قبلياً ودولة بمواصفات خاصة. انطلاقاً من هذه الدراسات واعتماداً على الرصيد المهم من الوثائق المخزنيّة التي تتصل بالعلاقات بين المخزن والقبائل، تبيّن بأنه بالإمكان تجاوز هذه النظريّة مع الاستفادة منها فظهر من الإجرائي أن أستعمل عبارة الدولة الانقساميّة لتوصيف الدولة المخزنيّة قبل الاستعمار، وهي دولة تتكيف مع النظام القبلي وتستفيد من إيجابياته وسلبياته إما عن طريق التحكيم أو بتأجيج الصراعات بين الوحدات القبليّة أو بتعديد التحركات المجاليّة(14).

لعل هذا ما تمخضت عنه مجموعة من الأبحاث والدراسات أنجزها بعض رواد البحث الأنثروبولوجي الأنجلو سكسون، حول عدد من قبائل المغرب. لقد بدأ اهتمام هؤلاء بالمغرب منذ الحرب العالميّة الثانيّة، غير أن نشاطهم تعزّز أكثر، وأصبح ملحوظاً خلال الستينات من القرن العشرين. ويمكن تفسير ذلك في إطار انشغال جيو- استراتيجي لبعض الدول الرأسماليّة: كإنجلترا والولايات المتحدة تحديداً؛ بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لقد كان الهدف الأساس هو مراقبة، وعن كثب، مجمل التطورات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي تشهدها البلاد، والهدف طبعاً هو تيسير السبل الكفيلة بدمج المغرب – وعلى غرار باقي بلدان المنطقة- في منظومة السوق الرأسماليّة – الإمبرياليّة"(15).

وقد شخّصت تلك الدراسات الانقساميّة بأنّ القبيلة بالمغرب أنموذج لنسق انقسامي قائم الذات.، فكل قبيلة تنقسم على فروع، وهذه تنقسم بدورها على أجزاء، إلى أن تصل إلى مستوى الوحدات العائليّة. ويبقى عامل النسب هو المهيمن من داخل هذا المجتمع، إذ اقترح (غيلنز) حصر مفهوم الانقساميّة واستعماله، في المجتمعات التي تعتمد على النسب وحده فقط؛ لتقعيد العلاقات بين القسمات– كعلاقات اجتماعيّة وسياسيّة " (16) ؛ إنّ أغلب الدراسات الانقساميّة كانت تؤكد على أمرين:

أوّلهما إنّه يقدم الحلول لما تظهر من مشاكل ،عن الإدارة والحكم المحلّي، في المجتمعات البدائيّة والمحليّة ‏التي وصفناها كونها تعتمد على التضامن الميكانيكي . أمّا الثاني فإنّه يقدم معالجة مشكلات التغيير الحضاري السريع في هذه المجتمعات، والمساعدة في التكيّف المناسب. وبالآتي لابد من أن تقترح تلك البحوث حلولاً يمكن أن تطبقها السلطات السياسيّة التي تستثمر نتائج تلك البحوث ؛ (ولكي يحقّق عالم الأنثروبولوجيا النجاح لأهدافه وبحوثه ودراساته، فقد جرى التقليد أن يقوم بأبحاثه الميدانيّة لدى الشعوب (البدائيّة)(17) التي تعيش خارج التيار التاريخي للثقافة الأورو- أمريكيّة، أو الثقافات الأخرى المتحضّرة التي تعرف الكتابة، وذلك بغية المقارنة وإيجاد أوجه التشابه والاختلاف في السياقات التاريخيّة التطوّريّة للثقافات الإنسانيّة المختلفة)(18) بمعنى أنّ تلك البحوث سوف تهون فهم التطور في الحقل الاجتماعي والتحولات التي تطرأ على أشكال التعاون البشري في انتقالها من العلاقات البدائيّة الميكانيكيّة، وما خلّفته من أشكال وعلاقات تجعل السلطة ضعيفة في ظل مجتمعات تعتمد على العلاقات العشائريّة وصولا الى أشكال اكثر تطوراً في المجتمعات المعاصرة تعتمد على أشكال من العلاقات مختلفة تماماً، وبالآتي أصبح علم الأنثروبولوجيا بشكل عام تخصص علمي يبحث في أصول الشعوب المختلفة، وخصائصها، وتوزّعها وعلاقاتها بعضها ببعض، ويدرس ثقافاتها دراسةً تحليليّة مقارنة، ترصد الأنثروبولوجيا انتظام وتغير العقائد والأعراف والتقاليد في مجتمع تسوده موجهات دينيّة أو اجتماعيّة أو عرقيّة.

المبحث الثاني: حياة ومنهج إرنست غيلنر

حياته ومؤلفاته:

من أبرز الأمثلة على هذا المنهج هو إرنست غيلنر (1925- 1995م) ،ولد في 9 ديسمبر 1925م في باريس من أصل يهودي- تشيكوسلوفاكي. هاجرت عائلته من باريس الى براغ. وبعد الغزو النازي لتشيكوسلوفاكيا سنة 1939م هاجرت عائلة غلنر الى لندن وهو في الثالثة عشر من عمره. وقد درس الفلسفة والعلوم السياسيّة والاقتصاديّة في كليّة باليول (Balliol College) بجامعة أكسفورد (Oxford). بداية من سنة 1947م اقتحم مجال التدريس في الجامعات الانكليزيّة بدءاً بجامعة أدنبرغ ثمّ بجامعة لندن للعلوم الاقتصاديّة والسياسيّة. تطوّر في مسيرته العلميّة من الفلسفة الى علم الاجتماع ومنه الى الأنثروبولوجيا الاجتماعيّة. وانطلاقاً من 1954م قام بالعديد من الرحلات إلى شمال إفريقيا ؛لينجز عدداً من البحوث الإنثروبولوجيّة حول الأمازيغ بجبال الأطلس ومنها موضوع أطروحته للدكتوراه التي أنجزها تحت إشراف الأستاذ جون ماك ميراي (John Mac Murray) سنة 1961م إذ حملت عنوانا "الزاويّة لدى البربر: تنظيمها ودورها". هذا فضلاً عن احتكاكه المباشر بالثقافة الإسلاميّة وتعرّفه على عادات المسلمين وعقائدهم وقد ألّف في هذا الغرض مؤلّفات عدّة منها "أولياء الأطلس" (Saints of Atlas) سنة 1969.م.(19)

2- الانثروبولوجيا الإسلاميّة عند إرنست غيلنر:

وضح غيلنر في كتابه " مجتمع مسلم" الذي نقدِّمه إلى القارئ العربي، وبشكل واضح، إنّه يسعى إلى تقديم نظريّة أو نموذج تفسيري لدراسة المجتمعات الإسلاميّة أو العربيّة بشكل عام. وعلى الرغم من أن هذا الطموح كبير، إن لم نقل فضفاض، فإن فيما أكد عليه، باستمرار، في ثنايا متنه إذ كان يعتقد بإمكانيّة ذلك، بل وتمكنهِ من إنجاز مسودة أوليّة مهمّة في هذا الاتجاه. وبطبيعة الحال يرى غيلنز أنّ ما يقدمه إنما يمثل منظوراً ينطلق من مفاهيم أو نظريات ونماذج العلوم الاجتماعيّة عموماً، وعلى وجه الخصوص المنظور الأنثروبولوجي الاجتماعي على الطريقة البريطانيّة!(20).

ولسنا في مجال تناول مسألة أنثروبولوجيا الإسلام من خلال الإمكانيّة أو الأهميّة كموضوع علمي يمكن تقديمه بالدراسة والتحليل، فلقد تناول ذلك العديد من النقاد لعل أبرزهم طلال أسد(21) في نقده لكتاب إرنست غيلنز الذي نقدّمه هنا، وستكون لنا عودة إلى ذلك لاحقاً. إن ما يهمنا هنا – إن سلمنا بإمكانيّة وأهميّة دراسة ” المجتمعات الإسلاميّة”، وهو يوردها “بالمفرد” على اعتبار أنّها تشكل نموذجاً واحداً متشابهاً في كافة أنحاء العالم – هو كيف قدم غيلنز نموذجه النظري.

المرجعيّات التي وظّفها في قراءته:

اعتمد غيلنر على مصادر عديدة في تقديمه لأنموذجه، لكنه اعتمد بشكل محوري وأساسي على مقدمة ابن خلدون، لقد وظف غيلنز التأويل الذي جاء به ابن خلدون للعصبيّة التي تعرف عادتنا بالعصبيّة لكن هذا التأثر لم يكن اعتباطياً بل له مقاصده الثانويّة أو موجهات القراءة الاستشراقيّة التي تعتمد على المنهج الانقسامي وأحكامه المسبقة المتولدة عن قراءات سابقة في أماكن أخرى في العالم لهذا جاء على تصور محدد (لرؤيّة ابن خلدون، يقوم في الأساس انطلاقاً من أن آراء وتفسيرات ابن خلدون لمجتمعات شمال أفريقيا إنما يعتمد على البناء القبلي القائم على العصبيّة والغزو ومن ثم الانقساميّة المستمرّة)(22). إنّ العصبيّة التي درسها ابن خلدون والتي تقوم على توصيف العصبيّة أو العصبة التي لا تعني مطلق الجماعة وإنما الأفراد الذين تجمع بينهم رابطة الدم أو رابطة الحلف أو الولاء بالإضافة إلى شرط الملازمة بينهم من أجل أن يتم التفاعل الاجتماعي، وتبقى مستمرة ومتفرعة بوجود هؤلاء الأفراد واستمرار تناسلهم، فينشأ بين أفرادها شعور يؤدي إلى المحاماة والمدافعة وهم يتعصبون لبعضهم حينما يكون هناك داعٍ للتعصب، ويشعر الفرد بأنه جزء لا يتجزأ من أهل عصبته، وفي هذه الحالة يفقد شخصيّته الفرديّة إذ تذوب في شخصيّة الجماعة، وهو شعور جماعي مشترك لدى أفراد العصبة فهو ذو صبغة جمعيّة أساسيّة بين الفرد والمجموعة، وليس بين فرد وآخر فقط، وفي حال تعرض العصبة إلى عدوان فيظهر في هذه الحالة "الوعي" بالعصبيّة، وهذا " الوعي العصبي" هو الذي يشد أفراد العصبة إلى بعضهم وهو ما يسميه ابن خلدون " بالعصبيّة " التي بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر يجتمع عليه وبالآتي يكون ((والتقارب بين الهويّة والعصبيّة كبير " فالعصبيّة " إنما تكون من " الالتحام بالنسب أوما في معناه " ومن الولاء والتحالف والصحبة . وابن خلدون يرى " إذ النسب أمراً وهمياً لا حقيقة له , ونفعه إنما في هذه الوصلة والالتحام .))(23)؛ فالتأكيد على الرابطة فيها تصور الى تحول وليس ثابتاً كما تريد أن تؤكد عليه الدراسات الاستعماريّة، ومنها دراسة غيلنز في هذا الكتاب الذي نتحدث عنه . ومن هنا يصح القول بأنّ تصوراته تنتمي الى ((تلك النصوص بوصفها قراءات وليدة فضاء استعماري تقوم على منطق الثبات والهويّة بالمقابل فن المنطق الجديد يقدم ممكنات تقوم على مفهوم نقد الثبات والقول بالنسبي والعلاقة المتغيرة بحسب تغير المحيط، فالقيم البدويّة هي قيم ليست سلبيّةً في ذاتها بل هي قيم كانت تستجيب لتحديّات معيّنة لم تعد تستجيب لمنطق الحداثة والعلم لهذا تحولت إلى عائق أمام بناء ثقافة تعدديّة.)).(24)

تأثره الحقيقي والعميق يقوم، على نسخة منقّحة من النظريّة الانقساميّة البريطانيّة حسبما قدمها (ايفانز بريتشارد E.Pritchard)).الذي كان يرى بأنّ مهمّة الأنثروبولوجي تنحصر بدراسة السلوك الاجتماعي الذي يتّخذ غالباً شكل نظم وأنساق اجتماعيّة كنظام العائلة ونسق القرابة والنظام السياسي والإجراءات القانونيّة والعبادات الدينيّة وغيرها من النظم والإجراءات إلى جانب دراسة العلاقة بين تلك النظم والأنساق. (25) ،وهي النظريات الانقساميّة الأكثر شيوعاً وشعبيّة، في السبعينيات، التي كانت تفسر لنا حقل المجتمعات المغاربيّة. اذ حاول غيلنز أن يستلهم أفكار"إيفانز بريتشاد"، في تطبيق تلك الأفكار المستمدّة من المجتمع الأفريقي أن يحاول استلهامها في توصيف المجتمع الصحراوي وإقليمه القائم على التنقل في المغرب كمجتمع قبلي متنقل حاول تشخيصه بالسمات الآتية: إنّ الإسلام ذو رسالة إلهيّة كاملة وخاتمة مما يحول من دون تقديم بعض مجالات الحياة إلى سلطات دينيّة.ثم صعوبة إمكانيّة تقديم صور بديلة للنظام في دفاعه عن موقف الإسلام من الحضارة والصراع بينهما، إذ مجمل التغيرات التي طرأت على الإسلام جراء الحداثة هي تغيرات طارئة ولم تمس الجذور((بأن ما يحدث من تغييرات طرأت على الإسلام جراء الحضارة، بأنه أحدث تغييراً فعلا إلا أن الإسلام لم ينحط))، وصحيح بأنه ليس مصدراً للحداثة إلا إنه المستفيد منها، وذلك ما يدعوه لأن يعالج الفكر الديني كمنهجيّة وليس كعقيدة في تحليل كثير من استنتاجاته وتفسيرها.(26)

من ناحية ثانية كان أمين الى المرجعيّات الغربيّة التي كان يقوم بإسقاطها على واقع مختلف اذ اعتمد غيلنز كذلك على مجموعة متباينة من المفاهيم والأفكار من مصادر متعددة مختلفة تتراوح من هيوم وآراءه في الدين(27) إذ يرى هيوم بـ"أن الدين في المجتمع يتأرجح بين فكرة التوحيد (وحدة الوجود) والتعدديّة، وتبعاً له يرى غيلنز بأنّ هذه الصورة من أقوى الاستعارات التي يمكن من خلالها فهم حركة التدين في المجتمع الإسلامي تاريخياً، وأن مما تميزت به الحركة التاريخيّة للمجتمعات الإسلاميّة في العصر الحديث تحرك البندول في اتجاه طرف الإسلام الأصولي/‏‏‏ النصّي." (28) وإلى توليفة توفيقيّة لمفاهيم "ماكس فيبر" أيضاً الذي كان له أثر في كثير من الدراسات الاجتماعيّة والانثروبولوجيا اذ انصبت كل أعماله على عامل واحد هو الدين، وكانت تتّخذ مسارين اثنين: الأول، تبيان الإسهامة الإيجابيّة للمسيحيّة، أو لإحدى تأويلاتها، في تشكيل مصير الرأسماليّة. الثاني تبيان المعوقات التي أسهمت بها الديانات الأخرى، في منع بروز الرأسماليّة، في مناطق أخرى غير أوروبا.(29)؛ولعل هذا ما يظهر في كتابة الأخلاق البروتستانتيّة التي استعرض بها بروز "التقليد" المتعلق بشكل معيّن من الاقتصاد، وقد أخذ هذا مثلاً على ذلك العلاقة بين روح الحياة الاقتصاديّة الحديثة وبين الأخلاق العقلانيّة لدى البروتستانيّة النسكيّة (30).(ومن ثم كانت موضوعة الدين قد برزت لدى فيبر في تناوله "السلطة الكاريزميّة" التي سوف يكون لها أثرها في غيلنز في توصيفه للمجتمع المغربي ،فهذه السلطة عند فيبر، تقوم على أساس وجود شخص يمتلك صفات استثنائيّة غير اعتياديّة، فالشرعيّة التي يتمتع بها حكم هؤلاء الأفراد تنبع من اعتقاد الناس بصفاتهم الخارقة التي قد تستمد جذورها من شيء غيبي، مثل الاعتقاد بالقوى الروحيّة التي يتمتع بها الحاكم أو التي قد تظهر بوساطة المعجزات أو بوساطة انتصاراته المتتالية في الحروب، أو في مختلف المجالات الأخرى التي هي في صالح أفراد الشعب، ولكن مثل هذه السلطة قد تتلاشى إذا لم يكن هناك شيء من الدلائل على صحة الصفات الخارقة أو غير الاعتياديّة التي يتمتع بها الحاكم، والأمثلة التي يوردها (فيبر) على ممارسي هذه السلطة تشمل: (الأنبياء والسحرة والقادة المشهورين، ورؤساء بعض الأحزاب لمن يتبعهم من الأفراد.. تتميز بالقوة الخارقة والخاصيّة المقدسة لشخص الزعيم وبالنظام المبني على هذه القداسة التي تدفع الأعضاء إلى التسليم بالقيمة الخارقة لرجل أو لفرد يتميز بهذه السلطة) (31).

امّا تأثره بإميل دوركهايم (1858-1917م)، فقد جاء ؛ لأنه الأخير كان له رؤية حاول من خلالها تفسير نشأة المجتمع وما يجعله ممكنا من جهة، ومن جهة أخرى إلى تسليط الضوء على دور المجتمع في انبثاق الفكر المنطقي. ويراهن دوركهايم، على الدين كمفتاح لحل هاتين الإشكاليتين. إذ يؤكد دوركهايم على أنّ التمثلات الدينيّة تمثلات جمعيّة، تبنّى دوركهايم منهجاً تجريبياً، حاول من خلاله استخلاص تلك الإجابات من دراسات ميدانيّة، تناولت بالأساس الحياة الدينيّة لما يسمى بالمجتمعات "البدائيّة"، وخصوصاً الممارسات الطقوسيّة الطوطميّة. وفي كتابه الأشكال الأوليّة للحياة الدينيّة، يعبر دوركهايم عن قناعته بأنّ الدين يشكل الرحم الذي ولدت فيه الحضارة ،فالدين في رأي دوركهايم "يتضمن في نفسه منذ البدايّة كل العناصر التي أدّت إلى انبثاق مختلف تمظهرات الحياة الاجتماعيّة..".(32).

تلك المرجعيّات كانت حاضرة ومتحكمة في فكر غلينز وهذا ما ظهر في كتابه عن الإسلام في المغرب، قد تبدو في الوهلة الأولى متطابقة تماماً مع التيار العام السائد بين المسلمين. فبالنسبة له يقدم الإسلام كمسوّدة اجتماعيّة لنظام اجتماعي، تعاليم الإسلام فيه تفصيليّة وتغطي كافة نواحي الحياة. وهذه المسودة ذات الطبيعة القانونيّة الأخلاقيّة، تتطلب من المسلمين الالتزام بها والإذعان لموجهاتها. وبذلك يتشكّل المجتمع وتتم صورته على هذا الأساس. والإسلام في نظر غيلنز يتميّز عن غيره من الأديان في قدرته وتفوقه على فرض تعاليمه ومعتقداته على أتباعه، وهو ذو شخصيّة مستقلة عن تصرفات أتباعه في نصوصه المقدّسة التي لا يمكن لكائن من كان، تغييرها أو تحويرها أو العبث بها. كل هذا يمكن رصده في كتابة (المجتمع المسلم) بقسميه النظري إذ رصد الباحثون بها تعدداً في الموضوعات وهذا ما جاء في الفصل الاوّل و في الفصول الأخرى المتبقيّة ومرد هذا الى ما عرف عن غيلنز من تعدد في الاهتمامات، فهو بالإضافة إلى أنّه من أبرز علماء الأنثروبولوجيا البريطانيين، فقد كان أيضاً معروفاً بإسهاماته الفلسفيّة وبالذات في حواره ونقده للمدرسة الإنجليزيّة العاملة في مجال فلسفة اللغة. فضلاً عن ذلك، فإن لغيلنز جهوداً معروفة في مجال دراسة علم الاجتماع السوفييتي (سابقاً)، وعلى وجه الخصوص اهتمامه بالبداوة في وسط آسيا ومقارنتها ببداوة الشرق الأوسط عموماً. وله اهتمام متميز بقضايا الحداثة وما بعد الحداثة، فهو من أكبر نقّادها وأبرزهم، وبخاصة في علاقتها بالدين، وربما كانت مداخلته وجدله مع أكبر احمد في إحدى كتبه الأخيرة عن: "العقل والدين وما بعد الحداثة " وفي هذا الكتاب تكامل مع كتابه السابق من خلال الرؤية التي ينطلق منها نحو فهم الإسلام وهي الرؤية التي تؤكد على الثابت، وهو الشريعة وتهمل المتحول وهي الطقوس لهذا فهو، يسعى في الوقت نفسه الى أن يقدم فيها نقده اللاذع للنسبويّة الغربيّة المطلقة، وكذلك الأصوليّة الوثوقيّة الإقصائيّة للآخرين، والتي يرى بأن أفضل من يمثلها الإسلام السياسي، وهذا ما يظهر بكتابة الثاني ،فهو يصف بنيَة المجتمع الإسلامي بالقول: " قد يكون المقوم المركزي والأكثر أهميّة فعلاً في الإسلام هو انشطاره داخلياً الى إسلام نخبوي رفيع يمثل ثقافته العليا الفقهاء والعلماء والمفكرون، وإسلام شعبوي قاعدي يمثِّل العامة ثقافته الدنيا ." فهو يحلل هذا القول عبر تأكيده على التغيرات التي أصابت البنيَة السياسيّة في الإسلام في حقبة التحديث وظهور الاستقلال بالقول:" كان الخطر الذي يدهم الحاكم المسلم متمثلاً في اندماج وتكتل هاتين القوتين: حركة احيائيّة تصر على الحفاظ على الحقيقة الدينيّة المتشددة يؤازرها دعم مجتمعات محليّة ريفيّة ذاتيّة الحكم، متلاحمة ومسلحة وتملك الخبرة العسكريّة مارست هذه المجتمعات المحليّة في العادة شكلاً ثقافياً مختلفاً من الإيمان القاعدي (الشعبي) ." بمعنى أنّه يرصد التحولات الحديثة ؛لأنها جمعت بين فكر تحديثي إصلاحي الى جانب محافظتها على الفكر الشرعي بإطاره العام كما هو في المؤسسات الدينيّة الى جانب الاسلام الشعبي كما هو في الطرق الصوفيّة والأولياء ، وبالآتي فهو يريد إرجاع الصراعات داخل الإسلام الى نمط من الصراع بين تراثين: تراث شعبي وتراث رسمي . ويرى بأنّ الفرق بين النمطين: يعتنق الإسلام النخبوي الرفيع الفقهاء والعلماء في المراكز الحضريّة (وينتمي هؤلاء غالباً الى طبقة التجار إذ تجتمع بين: (الثقافة والعلم والتجارة) وتعكس الميول والقيم الطبيعيّة للطبقات الوسطى المدنيّة وتشمل هذه القيم: (النظام، والتقيد بالقوانين والقواعد، والرزانة والرصانة، والتعلم وتنفر نفوراً شديداً من الحالات الهستيريّة والإسراف في الاهتياج العاطفي والوجداني . والاستعمال المفرط للاستثمارات السمعيّة البصريّة المساعدة على نشر الدين) . يشدد هذا النمط العالم الرفيع من الإسلام النخبوي على الطبيعة التوحيديّة، أمّا الإسلام العام أو إلاسلام القاعدي الشعبي بثقافته الدنيا فمختلف تماما . وإذا ما عرف القراءة والكتابة فهو يفعل ذلك بشكل رئيسي يستعمل الكتابة لأغراض السحر. وليس كأداة للعلم والثقافة وهو يشدد على الشعوذة أكثر من التعلم، والنشوة والوجد والانجذاب الصوفي أكثر من التعقيد بالقانون والنظام . (33) فهذا الكتاب يدعم كتابه الأوّل ويؤازره في التأكيد على الجانب الثابت والصلب هو الشريعة وهي التي تعارض الحداثة والقوانين الوضعيّة لهذا نجده، يقول: "الفكرة الرئيسة، أو النظريّة التي يتمحور حولها الكتاب تدور حول أن الإسلام يشكِّل مسودةً لنظام اجتماعي، لأنه يعبر عن وجود مجموعة من القواعد الأزليّة والمنزلة، المستقلة عن إرادة البشر التي تحدد النظام الصحيح للمجتمع، وهي القواعد الموجودة والمحفوظة والمتاحة للجميع وليست في يد طبقة أو هرميّة دينيّة، مما ينفي الحاجة إلى "كنيسة" من دون أن يلغي هذا وجود "الفقهاء" في المجتمع "(34).

وهو يرجع الأمر الى التاريخ بقوله: "وقد يقوم سواد الناس في المدن بأعمال الشغب تحت قيادة فقيه عالم يحظى بالهيبة والاحترام ؛لكنّه لايشكل تهديداً خطيراً داهماً للسلطات الرسميّة القائمة الخطر الحقيقي الذي يتهددها يكمن في التحالف بين فقيه يتمتع بالاحترام وقبائل طرفيّة تتمتع بقوة عسكريّة . كانت هناك صفة طاغيَة على الحقبة الكلاسيكيّة من الإسلام إذ كانت الدولة مجزّأة بين دولة مركزيّة يحكمها إسلام عالم وأطراف تتمتع بالإدارة الذاتيّة . وبالآتي يصف كل ثوراتها أنها ثورات إصلاحيّة لا نهائيّة أو دوريّة إذ ظلّ يصحح دائماً السلوك الأخلاقي للمؤمنين ويصلحه(35).

المبحث الثالث: المواقف النقدية من المنهج الانقسامي لدى إرنست غيلنز

لقد كان الكاتب إرنست غيلنز الذي نتناول فكره وخصوصاً كتابه عن الانثربولوجيا فالاسلام معروف في الأوساط العلميّة وقد كان موضوعاً لدراسات وانتقادات عديدة. تناولت جوانب عديدة من ما قدمه غيلنز. فبعضها تناول أطروحة غيلنز الأساسيّة بالنقد والدراسة.

و غيلنز يعرض أفكاره بوصفها أفكاراً ” موضوعيّة ” نزيهة من أي تحيّز أو تحامل على المجتمعات التي يدرسها، بل إنّ بعض علماء الأنثروبولوجيا المسلمين كانوا يعدّونه من أبرز المناصرين للرأي المسلم أو على الأقل المدافعين عنه والمتفهمين لدوافعه! وما يجعل لمثل هذه الآراء أهميتها، أن غيلنز كان دائم الحضور في المحافل السياسيّة البريطانيّة والأوروبيّة المهمة، ولعل شغله لمنصب كرسي الدراسات الأنثروبولوجيّة في جامعة كمبريدج ومن ثم إبراز اهتمامه بدراسة الإسلام، عامل مهم للغايَة في تاريخ الدراسات الأنثروبولوجيّة عموماً وفي تاريخ كامبريدج على وجه الخصوص! (36).

طلال أسد:

في مقاله “البحث عن مفهوم لانثروبولجيا الإسلام” والذي يرى فيه طلال اسد أن غيلنز بسط الإشكاليّة التي يدرسها بشكل مخل وتجاهَل حيويّة تاريخ المسلمين وطبيعة تعاملهم مع النصوص الإسلاميّة الأساسيّة، وهو يرى بأنّ ما قدّمه غيلنز عبارة عن نص مقدس يعمل في الهواء، إذ هو غيّب المسلمين بوصفهم كائنات تتفاعل وتعيش تعاليم النص المقدس. ويقترح أسد في هذا المضمار، إعادة النظر في نوعيّة الخطاب الإسلامي برمته، الأمر الذي يتجاهله غيلنز في نظره، ويرى أسد بأنّ من أهم مميزات هذا الخطاب أنه استطراد تفسيري تراكمي على النص المقدّس (القرآن والسنة) فضلاً عن السوابق التاريخيّة والظروف والسياقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة التي يمر بها المجتمع، ومن تفاعل هذه الأمور تتولد عمليّة التفاعل مع النصوص المقدسة والتعامل معها.

وحاول بأن يؤكد على نقده في توظيف المستشرقين لمفهوم الانقساميّة في المجتمع المغربي والذي استمر عليه غيلنز عندما أكّد على أنّ سمات المجتمع المسلم التقليدي مبنيّة على أساس ثلاثة مفاهيم مختلفة جداً .فدين القبيلة المعياري هو "دين الدراويش والمرابطين " وفي كلمات غيلنز يتجسد لنا مفهوم دوركايمي في الأعياد . ويجعلها مبهمة كشيء مقدس ومرئيّة رائعة وأصيلة لذا فإن مفهوم الدين يشمل هنا الإشارة إلى قراءة الطقوس الجماعيّة على اعتبار كونها عمل مقدس – والأمر نجده كذلك عند دوركايم باعتبار الدين تمثيلاً رمزياً للبنيات الاجتماعيّة والكونيّة .

أمّا في المفهوم المستعمل لوصف دين فقراء الحضر فهو مختلف كلياً وهو مشتق بوضوح من الكتابات المبكِّرة لماركس عن الدين وذلك على أساس أن الدين "وعي زائف " فيكتب غيلنز:" للمدينة فقراؤها وهم بدون جذور وغير مستقرين ومغتربين وما يحتاجونه من الدين هو الاندماج والتماسك أو الهروب وذوقهم يميل إلى القساوة والإثارة مع انخراط في الطرف الديني والذي هو نسيان أيضاً .

أمّا حينما نلتفت إلى دين البرجوازيّة فإننا نواجه أفكاراً تنظيميّة نجدها جديدة أيضاً، إذ يعلِّق غيلنز فيقول:"إن البرجوازي الحضر الذي هو أبعد ما يكون عن تذوق الاحتفالات العامة، ويفضل المتعة العاقلة في التقوى التي تقوم على العلم، وهو ذوق أكثر تجانساً مع كبريائه ورسالته التجاريّة" (37).

هنا يقول طلال اسد:"هذه الطرق المختلفة في الحديث عن الدين – القبلي والحضري – هي ليست مجرد جوانب مختلفة للشيء نفسه . إنها بناءات وصيغ مختلفة تحاول أن تقدِّم أشياء مختلفة، وترفض افتراضات مختلفة حول: (طبيعة الحقيقة الاجتماعيّة وأصول الاحتياجات و مبرر المعاني الثقافيّة)، ولهذا السبب، فإنها ليست مجرد تقديمات مختلفة، بل إنّها بناءات متباينة، وعند الإشارة اليها فإننا لا نقارن بين متشابهات"(38).

كذلك يعيب أسد على غيلنز الأسلوب التلفيقي الذي تعامل به في دراسة المجتمعات الشمال أفريقيّة الذي يقدمه في كتابه، وعلى وجه الخصوص كيفيّة استعمال غيلنز لمفهوم الدين ووظائفه عند ماركس ودوركايم وفيبر وجعلها كما لو كانت مفاهيم منفصلة يمكن استعارتها بعيداً عن المنظومة النظريّة التي تنتمي إليها. (39)، وهكذا أرجع تلك الاستعارات التي قد تبدو في ظاهرها معبرة ومنتجة أو حتى ذكيّة، إلا أنّها في حقيقتها تناصات تم توظيفها من دون تبيئتها مع المحيط المدروس "المغرب" بل تمّ إسقاطها بشكل لم يراع تباين البيئات الثقافيّة والاجتماعيّة بين الغرب والمغرب كما ظهر في تبين مرجعياتها كما كشفها طلال أسد فهي ليس نتيجة توصل لها بعد تجارب ميدانيّة ؛ بل إسقاط نتائج متولدة من مجتمع مختلف تم نقلها وإسقاطها على مجتمع مختلف في مداخلاته ومخرجاته .اذ لم تزل تلك الدروس حاضرة كما كشفها أسد . ونتيجة هذه الممارسة جعلنا نتردد في قبول مجمل الأطروحة؛ بسبب هذه الأجزاء المنتزعة من سياقاتها.

سامي زبيدة:

ينتقد غيلنز انطلاقاً من زاويّة مختلفة تماماً، فهو يرى بأنّ نموذج غيلنز أو أطروحته، إن صدق فإنما يصدق على المجتمعات البدويّة في شمال أفريقيا التي درسها في الأصل ابن خلدون والتي لم يضف غيلنز الكثير إليها على ما قدّمه ابن خلدون! ومن ثم تعميم إطروحة غيلنز على المجتمعات الإسلاميّة أمر يحتاج لإثبات. وفي الواقع يقدِّم زبيده اعتراضاته الواحد تلو الآخر مؤكداً على أنّ المجتمعات البدويّة لا تشكل سوى جزء أو صنف من أصناف أخرى ظهرت في العالم الإسلامي والشرق الأوسط على وجه الخصوص. وفي هذا السياق يقدم كنموذج “المجتمع العثماني” وهو مجتمع تميّز بنظام اجتماعي وسياسي حضري مركب متميز ببيروقراطيّة واسعة وحياة حضريّة مركّبة. صحيح إن مثل هذا المجتمع قدّم نماذج نظريّة لدراسته من مثل مجتمعات الاستبداد الشرقي أو المجتمعات المائيّة أو أسلوب الإنتاج الآسيوي وخلافه، فضلاً عن إمكانيّة دراسة أمثال هذا المجتمع، وعلى الرغم من تعدد صوره ونماذجه، بوصفها مجتمعات إمبراطوريّة. بطبيعة الحال يمكننا إضافة مجتمعات الجزيرة العربيّة ذات البناء والتاريخ الاجتماعي المختلف، وكذلك مجتمعات جنوب وجنوب شرق آسيا وكذلك وسط آسيا، والأقليّات المسلمة في آسيا وأوروبا وأفريقيا، والتي تقدِّم نماذج مجتمعيّة ربما كان من الصعب أن نتصور بأنّ أنموذج غيلنز يمكن أن يقدِّم تحليلاً لبنيتها وأسلوب الحياة فيها. وفي رأينا يظهر بأنّ آراء زبيده في هذا الخصوص صائبة. وإن كانت كل ما تفعله هو أنّها تجعل أطروحة غيلنز محصورة في دراسة مجتمعات شمال أفريقيا! (40).(41).

عبد الله حمودي وغيره:

ظهرت مجموعة أخرى من الدراسات النقديّة من الباحثين المغاربة الذين اعترضوا على صلاحيّة الأُنموذج الانقسامي لدراسة مجتمعات شمال أفريقيا، مقدمين في نقدهم العديد من الأمثلة التاريخيّة والاجتماعيّة على عدم صلاحيّة النموذج النظري أو مصداقيّته لتفسير ما كان يجري فعلاً في تلك المجتمعات. وإن كان النقد مركز على الأدوات والمفاهيم وليس بمجمل الأطروحة. ومن تلك الملاحظات على الأدوات الملاحظات الآتيّة:

 أ‌- إسقاط الأنموذج: ونعني بذلك أنّ الانقساميّة سقطت في فخ الأنموذج الذي كان دوركايم قد رسم معالمه فيما سبق واستكمل انجازه ايفا نز بريتشرد في إطار مجتمع نيلي له خصوصيّات تميزه عن المجتمع الإسلامي في منطقة برقة.

ب‌- إهمال البعد التاريخي والتراتب الاجتماعي: يضاف إلى ما سبق أنّ التناقض البارز الذي وقع فيه الانقساميون هو التناقض مع واقع القبائل التي قاموا بدراستها وهذا هو الذي أدى بهم إلى فصل القبائل عن سياقها التاريخي العام.

ج- إهمال أشكال الملكيّة: وفضلاً عن ذلك إن ما يبعث على الاستغراب والدهشة لدى الباحثين ذوي المنحى الانقسامي إهمالهم لمسألة تحليل أشكال الملكيّة داخل المجتمعات القبليّة؛ وذهولهم الشديد عن البت في تأثير الإسلام على نظام الملكيّة.

د- نقد نظريّة الجد المشترك: حينما ركزت النظريّة الانقساميّة على مسألة الجد المشترك الذي تنحدر منه القبيلة فإنها بذلك جانبت الصواب كثيراً. فالواقع يثبت بما لا يدع مجالاً للارتياب، أنّ الجد المشترك المزعوم قد لا يكون جداً فعلياً.

هـ- المرابطون وطوبى التحكيم: يتبين مما سبق بأنّ غلينز يعطي أهميّة قصوى للمؤسسة المرابطيّة في الحفاظ على توازن القبيلة؛ في حين تفيد بعض الدراسات التي أنجزت في حقل التاريخ الاجتماعي المغربي بأنّ الصلحاء كانوا رجال حرب من الدرجة الأولى؛ فقد كانوا يكلّفون بمهام إخماد الفتن؛ وشد أزر السلطان عبر التعاون مع ممثلي المخزن المحليين لإخضاع السكان إما، بالترهيب وأمّا بالترغيب.

وقد تناولها "عبد الله حمودي" (مواليد 1945) في دراسته النقديّة لانقساميّة غيلنز؛ بين كيف أنّ هذا الأخير لم يفطن لأمر وجود عائلات كبرى تحظى بالتقدير الكبير من لدن العطاويين وهم المعروفون بـــ "اختارن" مفرد "أختار" وتعني الكلمة الشيخ أو الكبير/كبير القوم . فـــ " اختارن" هم الذين يحتكرون الرئاسة ؛نظراً لعراقة نسبهم وكرمهم. يقول حمودي في هذا الإطار: "يحدّد النسب ظاهرياً القسمات الاجتماعيّة باعتبارها مفهومة للمجموعات البشريّة ولمستويات الانقسام التي تحتلها وكذلك لنقاط الانصهار والانشطار".

أمّا بخصوص الصراعات يرى الأستاذ حمودي بأنه بسبب الصراعات القبليّة المستمرة يحدث أن تستولي قبيلة ما على أدوار أو على قبيلة أخرى فيتم إدماج المجموعات المغلوبة من ضمن المجموعات الغالبة؛ ومنح أعضائها حق اللجوء، والضيافة وفي نهايّة المطاف إعطاء أسماء جديدة للمناطق التي تم إخضاعها. ويردف حمودي قائلا: " بهذا الأسلوب يبرر الغزاة شرعيّة وجودهم واستحواذهم على أراضي القريّة، كما يحاولون إعطاء صورة متجانسة بالنسبة للخارج عن المجموعة التي يشكلونها مع “مستقبليهم"، وفي النقطة التي تناولت توظيف غيلنز لمفهوم " الصلحاء "يرى عبد الله حمودي: بأنّ صلحاء زاوية التي درسها غيلنز كانوا يتميزون بقدرة هائلة على إخماد الفتن بالقتال الضاري الشيء الذي يجرنا إلى القول بأنّ "الأكرام" زعيم عسكري يقود جموعه التي يرتكب بها أحياناً مجازر وحشيّة في حق المعارضين الأمر الذي يضحي معه خطراً على السلطان نفسه. وهو ما يقذف بنا إلى القول بأن مسالمة الصلحاء، وأدوارهم التحكيميّة بين القسمات المتنازعة؛ تظل في تقديرنا في غايَة النسبيّة، كما لاحظ ذلك غيلنز.

إدوارد سعيد:

بطبيعة الحال لا بدّ لنا من التعريج وبشكل سريع على الجدل الساخن الذي دار بين إدوارد سعيد وغيلنز والقائم على التناول الإيديولوجي الشخصي بين طرفين والذي يوضح كيف أن كليهما حاول بأن يكون "الممثل" الرسمي لوجهة النظر التي يقدمها أو يتبناها، ولا حرج في ذلك أن يلحق بالآخر الغمز في النوايا أو الطعن في عمق المعرفة وعلميّة التناول.

على الرغم من أنّ علماء الانثروبولوجيا لا يعدون أنفسهم من المستشرقين وغالباً ما ينظرون الى المستشرقين التقليديين بازدراء ؛ وسبب ذلك هو أنّ تدريبهم داخل حقل علم الانثروبولوجيا أقوى من تدريبهم في (لغات وآداب وتاريخ الشرق الأوسط).لكنهم مع ذلك يقعون من ضمن تعريف إدوارد سعيد للمستشرق:" كل من يدرس أو يكتب أو يبحث في أمور الشرق " (42)، ثم إنّه يعرِّف الاستشراق بوصفه " أسلوباً للتفكير يعتمد على تفريق أنطولوجي وإبستمولوجي بين "الشرق " وبين "الغرب" ويرى بأنّ الاستشراق عبارة عن "مؤسّسة منظمة للتعامل مع الشرق تعليمه ووصفه بل وحكمه"(43).

فإنّ الاختلاف في مستوى المنهج وتقديمه على مناهج المستشرقين لا يعني تبرئة الانثروبولوجيا من ارتباطها بالاستشراق الجديد، وارتباطها به وبالسلطات الداعمة للبحوث والغايات القائمة على معرفة الآخر نفسها ومن ثم حكمه والهيمنة على مقدراته، لهذا نجد بأنّ رجال الاستشراق الجديد يحتلون مكانة مهمّة في الخطاب الغربي في رسم الاستراتجيات واحتلال مكانة مهمّة في المؤسّسات الغربيّة السياسيّة والعلميّة . ومن هنا يمكن بأن يكون العريف سعيد يشمل الاستشراق الجديد عموماً وغيلنز خصوصا، فالرجل له ارتباط كبير بالاستشراق ،فقد عرف بتعدد اهتماماته، وبسبب أسلوبه الذي لا يخلو من نبرة أنويّة، وأسلوب كتاباته الذي يسعى فيها إلى إسقاط أحكام وتنبؤات على المستقبل ،و ليس فقط إلى تناول الواقع ،وبنبرة وثوقيّة بها قدر كبير من الجرأة والاعتزاز بالنفس. وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار المكانة العلميّة والمنصب الأكاديمي الذي شغله غيلنز، أدركنا كم هو مهم بأن نقدر صدى وقيمة ما يعرضه من أفكار وآراء سواء في كتبه أو مقالاته الصحفيّة أحياناً.

ثارت طائفة كبيرة من الجدل والنقد في كتاب الاستشراق وأعمال إدوارد سعيد الأخرى، فقد رأى إرنست غيلنز، بقوله: إنّ زعم إدوارد سعيد بأنّ الغرب قد سيطر على الشرق لمدة أكثر من 2000 عام أمر مستحيل، فلقد كانت الإمبراطوريّة العثمانيّة حتى أواخر القرن السابع عشر الميلادي تُشكِّل خطراً كبيراً على أوروبا.(44)

 

أ. د. عامر عبد زيد الوائلي

............................

هوامش البحث

(1) http://mawdoo3.com/

(2) ا. ج آربري. المستشرقون البريطانيون .تعريب محمد الدسوقي النويهي. لندن، 1946، ص8.

(3) م.أ. جويري، علم الشرق وتاريخ العمران، الزهراء، الربيع الاول 1347ه ،ص11-14. بواسطة علي مراد، معجم اسماء المستشرقيين، www.alkottob.com

(4) رضوان السيد، المستشرقون الالمان –النشوء والتأثير والمصائر، نشر المدار الإسلامي، ط1، 2007م، ص11.

(5) http://mawdoo3.com/

(6) محمد زاهد، أيت ورياغر، قبيلة من الريف المغربي: أسئلة الأنتروبولوجيا ومداخل الإثنوغرافيا.

(7) ليلى أبو اللغد، المجالات النظريّة في أنثروبولوجيا العالم العربي ،ص 89. وانظر ادوارد سعيد، الاستشراق، نقله الى العربية كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، ط1، بيروت، 1981، ص 269.

(8) ليلى أبو اللغد، المجالات النظريّة في أنثروبولوجيا العالم العربي، وانظر ادوارد سعيد، الاستشراق، ص 196.

((9 حسين فهيم، قصة الأنثروبولوجيا فصول في تاريخ علم الانسان، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ط1، الكويت، 1986م، ص 18.

(10) قد صوّر دوركايم النتيجة في نظرته الى الطوطميّة بوصفها تعبيراً مادياً عن حقيقة مجردة، ترمز إلى شيئين ،فهي الصورة الخارجيّة المحسوسة لما يسمى بالإله الطوطمي من جهة، ورمز خاص للعشيرة تميزها من باقي العشائر من جهة اخرى، وعلى هذا الأساس ظن دوركايم أن الإله والجماعة ليسا سوى شيء واحد ،أي أن إله العشيرة هو العشيرة نفسها، ومن ثم لم تعبد العشيرة إلهاً بل عبدت نفسها .

(11) لطفي الإدريسي، أهم نتائج الطرح الانقسامي بخصوص القبيلة المغربيّة ،دراسة سابقة .

(12) انظر: جون واتربوري، أمير المؤمنين " الملطية والنخبة السياسية المغربية، ترجمة: عبد الغني ابو العزم واخرون، مؤسسة الغني،ط1، الرباط، 2013.

(13)) ونظر: M iddelton (J)- Tait (D): 1958 ; Tribes without Rulers , Studies in African Segmentary Systems ; London ; Mair (L) M 1962, Primitive government.

(14) عبد الرحمن، بعض مفاهيم العلوم الإنسانيّة من منظور المؤرخ ،.المودن 15 نوفمبر 2015م.

(15) المصدر نفسه إذ يبين بأنّ: "دراسة (إرنست كلنر) حول قبائل الأطلس الكبير – الأوسط المواليّة لزاويّة أحنصال، وقبله (د.هارت) الذي يعد أول من درس واقع القبائل المغربيّة من خلال أنموذج التحليل الانقسامي؛ حيث قام بدراسة ثلاثة قبائل هي: (آيت عطا) بالأطلس، (دكالة) بالجنوب و(بني ورياغل) بالريف الأوسط. وأخيرا (رايمون جاموس) الذي ركز دراسته الشهيرة حول "العرض والبركة"، على إحدى قبائل الريف الشرقي، والأمر يتعلق بقبيلة "قلعيّة".

(16) لطفي الإدريسي، أهم نتائج الطرح الانقسامي بخصوص القبيلة المغربيّة ،الحوار المتمدن-العدد: 2907 - 2010 / 2 / 4 - 07

(17) البدائيّة: هناك تقسيم ينظر الى تاريخ البشريّة بالشكل الآتي: المرحلة الوحشيّة التي تتميز بالعيش على النباتات والحيوانات البريّة واستعمال آلات العصر الحجري والمرحلة الثانيّة البربريّة التي تتميز بظهور الزراعة والآلات المعدنيّة ونوع من الحياة الجماعيّة في القرى والحواضر والمرحلة المتمدينة التي بدأت عندما اكتشف الإنسان فن الكتابة .أنظر:أشلى مونتاغيو، البدائيّة، ترجمة محمد عصفور، عالم المعرفة ،الكويت، ص54.

(18) مبروك بوطقوقة، المنهج الأنثروبولوجي والدراسات الميدانيّة

: https://www.facebook.com/profile.php?id=100006738151849

19 http://www.mominoun.com

(20) إنّ توجه الانثروبولوجيين البريطانيين نحو دراسة البناء الاجتماعي والوظيفة قد جاء متأثراً بالاتجاه التجريبي عامة وبأفكار المدرسة الفرنسيّة لعلم الاجتماع. وهكذا توجهت المدرسة الانثروبولوجيّه البريطانيّة نحو دراسة الأنساق الاجتماعيّة Social Systems والبناءات الاجتماعيّة Social Structures مما جعل من مفهوم الانثروبولوجيا الثقافيّة عندهم يتطابق مع مفهوم الانثروبولوجيا الاجتماعيّة Social Anthropology على خلاف المدرسة الأمريكيّة التي اتخذت موقفاً متطرفاً حيال التميز بين الأنثروبولوجيا الثقافيّة والانثروبولوجيا الاجتماعيّة كما يبدو ذلك جلياً من تركيزهم على دراسات الثقافة وإهمال دراسة السلوك الاجتماعي وكما في أعمال رالف لنتون وكلاكهون وبواس . انظر: عيسي شماس، مدخل إلى علم الإنسان، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2004م، ص16.

(21) د. طلال اسد: أستاذ الانتربولوجيا بجامعة هل البريطانيّة، له العديد من المؤلفات منها الانتربولوجيا، والاستعمار. ودراسة عن بدو الكبابيش في السودان فضلاً عن كونه محرر من محرري الاقتصاد والمجتمع.

(22) انظر: عبد الرحمان المودن، بعض مفاهيم العلوم الإنسانيّة من منظور المؤرخ، . 15 نوفمبر 2015م في دراســات.

(23) ابن خلدون ،المقدمة ،بيروت ،دار القلم ،1989م.ص130.

(24) عبد العزيز قباني ،العصبيّة بنيّة المجتمع العربي ،دار الافاق الجديد ،بيروت ،ط 1، ص19.

(25) عالم انثروبولوجيا انجليزى كبير أسهم في تطوير الانثروبولوجيا الاجتماعيّة. كان بروفيسور في الانثروبولوجيا الاجتماعيّة في جامعة اوكسفورد فى انجلترا من سنة 1946 – 1970م. عمل محاضراً في جامعة القاهرة سنة 1932 م. عمل دراسات وابحاث مهمه عن قبيلة الأزاندي والنوير فى افريقيا

. https://arz.wikipedia.org/wiki

(26) الشخصيّة العراقيّة وانثروبولوجيا الدين/ في ضوء أطروحات آرنست غيلنز، 2015م-04-22:  http://www.baytalhikma.iq/News_Print.php?ID=302

(27 (Hume ,A Treatise of Human Nature .Edited by LA Selted-Bigge (Oxford:the Clarendon pres,1896.

(28) عبدالله بن عبد الرحمن الوهيبي، حول الاستشراق الجديد مقدمات اولية، مجلة البيان، ط1، الرياض، 1435هـ، ص 105.

(29) انظر: علي ليلة، ماكس فيبر والبحث المضاد في أصل الرسماليّة، المكتبة المصريّة، ط1، الإسكندريّة، 2004م.

(30) ماكس فيبر، الأخلاق البروتستانتيّة وروح الراسماليّة، ترجمة، محمد علي مقلد، مركز الانماء القومي، ط1، بيروت،ص12.

(31) 2-J. Beckford, Religion and Advanced Industrial Society (London: Unwin-Hyman, م1989)p:32.

(32 (LaCapra D., (2001), Emile Durkheim. Sociologist and Philosopher, Aurora, Colorado: The Davies Group, Second Ed., p. 236

(33) ارنست، غيلنز، العقل والدين وما بعد الحداثة، دار المدى للطباعة والنشر، ط1، بيروت .

(34) محمد م الأرناؤوط: عرض لكتاب مجتمع مسلم لأرنست غيلنر ترجمة أبو بكر أحمد باقادر 2005م، موقع أرنتروبوس.

(35) ارنست، غيلنز، العقل والدين وما بعد الحداثة، ص34

(36) محمد م الأرناؤوط: عرض لكتاب مجتمع مسلم لأرنست غيلنر ترجمة أبو بكر أحمد باقادر 2005م، موقع أرنتروبوس.

(37) انظر: طلال اسد، فكرة انثروبولوجيا الإسلام، ضمن الفصل الثاني من تحرير وترجمة ابو بكر أحمد باقادر، انثروبولوجيا الإسلام، دار الهادي، ط1، بيروت، 2005م، ص 49-53.

(38) المصدر نفسه، 70-74.

(39) محمد م الأرناؤوط، عرض لكتاب مجتمع مسلم لأرنست غيلنر ترجمة أبو بكر أحمد باقادر 2005م، موقع أرنتروبوس.

(40) محمد م الأرناؤوط، عرض لكتاب مجتمع مسلم لأرنست غيلنر.

(41) ليلى أبو اللغد، المجالات النظريّة في أنثروبولوجيا العالم العربي، ضمن الفصل الثالث، من تحرير وترجمة ابو بكر أحمد باقادر، انثروبولوجيا الإسلام، دار الهادي، ط1، بيروت، 2005،ص85-

(42) ليلى أبو اللغد، المجالات النظريّة في أنثروبولوجيا العالم العربي ،ص 89. وانظر ادوارد سعيد، الاستشراق، ص 269.

(43) نفس المصدر والصفحة .

(44) إدوارد سعيد.. مثقف فى مواجهة العالم http://almadasupplements.com/news.

 

مجدي ابراهيمكُنّا في المقالة السابقة طرحنا نماذج لفلسفة التخريج عند صوفية الإسلام فضربنا عليها هنالك بمثالين؛ ووعدنا في نهاية المقالة أن لحديثنا بقيةً، وها نحن ننتقل إلى مثال ثالث، يُوَضِّح افتراق دلالة الظاهر عن دلالة الباطن في لغة الخطاب الصوفي، وقيام فلسفة التخريج لديهم قياماً غير مشكوك فيه عندنا، وذلك لكشف غَوْر المعنى الباطن من مُوحيات اللغة الظاهرة؛ لا بل أبعد غوراً ممَّا تعطيه دلالة الباطن : عبارةً وإشارةً:

كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ت 656هجرية) يقول :"مراكز النفس أربعة : مركز للشهوة في المخالفات. ومركز للشهوة للطاعات. ومركز في الميل إلى الرَّاحَات. ومركز في العجز عن أداء المفروضات : (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) (التوبة : آية ٥).

يبدو في الظاهر أن سياق الآية لا علاقة له قطعاً بما يقوله الإمام الشاذلي. وانفصال العلاقة معناه : "التباس الدلالة". غير أن وجه الإشارة يجيز مثل هذا التخريج ولا يمنعه. ولنذكر مساق الآية الكريمة أولاً ثم نحاول تخريجها بما تفرضه علينا لغة الإشارة، وتكشفه لنا لغة المجاز. ولنقرأ سياق الآية ثانية في قوله تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

إنَّا لنفهم من سياق الآية، أنه إذا انقضتْ أشهر العهد الأربعة : فاحْبِسوا المشركين في المكان الذي يَتَحَصَّنون فيه، وأقعدوا لهم في كل طريق وممرِّ ومكان، كونوا لهم وعليهم وفيهم رُقباء، فإنهم العدو فاحذروهم وأقيموا لهم بالمرصاد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة فلا تتعرّضوا لهم بقتال ولا بنزال، ولا تأسروهم ولا تقطعوا لهم طريقاً، خلّوا سبيلهم إذا التزموا التوبة. ويجيء التعقيب : "إنّ الله غفور رحيم".

هذا ظاهر ما يُسَاق من فهم الآية؛ فما علاقته أصلاً بمراكز النفس كما أورده شيخنا، وما علاقة مراكز النفس به؟

لا توجد علاقة من حيث الظاهر أو هكذا تبدو الرؤية لكل ذي نظر عجول، وعند التأمل يظهر لك الفارق بين دلالة العبارة الظاهرة، ودلالة الإشارة الباطنة؛ فالعلاقة هنا علاقة تشابه بين قتل المشركين كافة كمَا دَلَّت عليه الآية، وبين جهاد النفس في مراكزها الأربعة، والتشابه هو بالطبع :"الأساس الدائم للمجاز أو الاستعارة أو المماثلة".

هنالك يَبْرُز أساس المجاز كونه يأتي لنقل كلمة عن مدلولها الأصلي (الحقيقي) إلى مدلول آخر لعلاقة المُشَابَهة أو غير المُشَابَهَة فتجيءُ "المعاني الإضافية" مُرتبة في نفس صاحبها؛ لتخرج بدقائق الكلام من باطن النفس إلى ظاهرها اللفظي، مع ما يضاف إلى هذا كله من تخريج ذوقي هو أساس علم الإشارة.

وإنَّا لنميل إلى القول هنا "بالمجاز المُجمل"، وهو كما عرفَّه الجرجاني :"ما خَفِيَ المُراد منه بحيث لا يدرك بنفس اللفظ إلا ببيان من المجمل سواء كان ذلك لتزاحم المعاني المتساوية الأقدام، كالمشترك؛ أو لغرابة اللفظ، كالهلوع، أو لانتقاله من معناه الظاهر إلى ما هو غير معلوم. فترجع إلى الاستفسار ثم الطلب ثم التأمل ( را: الجرجاني : التعريفات، ص 180).

ومعنى "المشترك"؛ فيما يقول الشوكاني، هو اللفظة الموضوعة لحقيقتين مختلفتين أو أكثر، وضعاً أولاً من حيث هما كذلك، فخرج بالوضع ما يدل على الشيء بالحقيقة، وعلى غيره بالمجاز، وخرج بقيد الحيثية المتواطئ؛ فإنه يتناول الماهيات المختلفة لكن لا من حيث هى كذلك بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد. هذا عن اللفظ المتواطئ. واختلف أهل العلم باللغة في اللفظ المشترك، فقال قوم إنه واجب الوقوع في لغة العرب، ومنع وقوعه آخرين، وقالت طائفة بجواز وقوعه. وما يعنينا نحن إلاّ الذين أوجبوه؛ لأن الألفاظ متناهية والمعاني غير متناهية. والمتناهي إذا وزِّع على غير المتناهي لزم الاشتراك، ولا ريب في عدم تناهي المعاني (إرشاد الفحول بتحقيق الحق من علم الأصول، ص 19).

وبما أنّا نكتب فلسفة التخريج عند الصوفية، مستخلصين معالمها واقفين على أركانها؛ فيلزمنا قراءة لغة الخطاب الصوفي، إذْ قد تقرَّر عندنا ما كان الجرجاني قد قررَّه سلفاً من "مجاز مُجمل" مفاده : انتقال اللفظ من معناه الظاهر إلى ما هو غير ظاهر ولا معلوم، والأخذ بمعنى الاشتراك فيما جوَّزه علماء اللغة على ما قاله الشوكاني فيما تقدّم .

إنّ عبد القاهر الجرجاني الذي وضع في كتابه "دلائل الإعجاز" علماً مستقلاً من علوم البلاغة هو علم المعاني، فَبَيَّنَ أصوله وصور فصوله وحدودها وشُعَبها تصويراً دقيقاً؛ بمقدار ما وضع في "أسرار البلاغة" نظرية البيان؛ ليقول إنَّ "المجاز" عمل عقلي لا عمل لغوي، وإن حُسْنه من المؤكد يرجع إلى المعاني الإضافية التي يلاحظها الحاذق البصير في تراكيب العبارات وصياغاتها وخصائص نظمها وصور نسقها وسياقها؛ وإنه لا بد أن يُفْهَمَ في كل مجاز معنى الكلمة ومعنى ثانياً وراءه.

وأنك إذا قلت "كلَّمْتُ أسداً" لم تكن فقط بصدد عمل لغوي، وإنما أنت بصدد عمل عقلي داخلي؛ فقد تصرَّفت بالكلمة تصرفاً جديداً، وهو تصرُّف أسعفك به العقل، إذْ لم تُطلق المُشبّه به على المشبّه إلا بعد ادّعائك دخوله في جنسه.

وعليه، يكون الأساس في المجاز هو نقل كلمة عن مدلولها الأصلي (الحقيقي) إلى مدلول آخر (مجازي)؛ لعلاقة المُشابهة أو غير المشابهة.

فمرجوع الجمال من ثمَّ في الصّور البيانية من المجاز والكناية والاستعارة لا إلى مدلولاتها ومضامينها، وإنما إلى تلك المعاني الإضافية فيها؛ أي ترتيب معاني الكلام الإضافية في نفس صاحبها أولاً ثم الخروج بدقائق الكلام من باطن النفس إلى ظاهرها اللفظي.

ولمّا كان المجاز من أسرار العربية فقد وصفه ابن قتيبة في " تأويل مُشكل القرآن" حيث قال :" وللعرب المجازات في الكلام ومعناها طرُق القول ومآخذه، ففيها الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والإخفاء والإظهار والتعريض والإفصاح والكناية والإيضاح ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الإثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم وبلفظ العموم لمعنى الخصوص ...".

وخليقٌ بالمطلع على هذه المباحث أن يتقرَّر عنده ما كان تقرَّر سلفاً لدى علماء العربية من أن أسرارها لتكمن في المجاز والكناية والاستعارة : المعاني الإضافية، وأن ألفاظ اللغة على حضورها وحلاوة تذوقها لترتد إلى باطن النفس شعوراً وتذوقاً وصدوراً، وأن جمال الكلام البليغ ونظمه وما يترتب فيه؛ ليتأتّى وفق ترتيب معانيه في النفس الشاعرة بانفتاح اللفظ من واقعه ومحسوسه إلى حيث فضاءاته الروحانية والذوقية.

وهذا هو المقصود عندنا "بفلسفة التخريج عند الصوفية". إنما الألفاظ في ذاتها من حيث هى ألفاظ مٌجَرَّد أحجار تتحوَّل إلى كريمة بمقدار ما تتحول في النفوس كرامة المعنى لتحَمِّلها المعاني، وبمقدار ما تستشعر القلوب كرامتها وعزتها؛ لينظمها اللسان من طريق الذوق والمعرفة والحَصَافة والإدراك في سياق هادف.

نعود بعد هذه الوقفة إلى إشارة الشيخ أبي الحسن الشاذلي في مراكز النفس الأربعة فنقول : على إشارة الباطن يلزم للمجاهد لنفسه أن يقعد لها كل مرصد، وأن يقاتلها حيثما وجدها، لا .. بل يقتّلها تقتيلاً أينما ذهبت له بالعداء مذاهبها كقتال المشركين حيثما وُجدوا، فهى كالعدو، بل هى "العدو" على التحقيق، ولمَّا كانت عدواً وَجَبَ حَصْرها بأسلحة الجهاد المعروفة عند القوم، وحَبْسها في مراكزها الأربعة وتضييق خناق هذه المراكز عليها بالمراقبة والتَّرَصُّد حتى تفيء مع القعود لها كل مرصد، لأمر الله. وبمثل هذا تجيئ الدلالة ظاهرة مع كونها خفية في لغة الخطاب الصوفي في خصوصيتها، وهذه هى فلسفة التخريج لديهم : طاقة عاملة من طاقات الروح.

ويُلاحظ أن الشيخ مع ذلك لم يكمل الآية : (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ)؛ لأن العهد بالنفس هو النكوص والتردِّي وممانعة الاستقامة. ومن أجل ذلك أخذ من الآية جزءها الذي تحتمله الإشارة : أعني "القرينة المجازيّة"، وقد يكون الجزء الباقي له إشارة أخرى ليس المقام ممَّا يناسبها قرينة ومجازاً.

وحين يكون الحَذر واجباً، واتهام النفس في جميع الأحوال أمراً مفروضاً. وحين يكون الحكم عليها بالعلم الظاهر(الشَّرع) المؤيَّد بحقائق الباطن ممَّا يستوجبه قانون الطريق وترومُه قصداً إشارات العارفين، قال الشيخ أيضاً في موضع آخر :" موت النفس بالعلم والمعرفة، والاقتداء بالكتاب والسُّنة، وإنْ أردت جهاد النفس فأحكم عليها بالعلم في كل حركة، واضربها بالخوف عند كل فترة، واسجنها في قبضة الله أين ما كنت، وأشكُ عجزك إلى الله تعالى كلما غفلت وهى التي: (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا).

مرة أخرى نقابل نفس المشكلة : "التباس الدلالة"، لا علاقة كذلك من حيث الظاهر بين كلام الشيخ وبين ما تعطيه الدلالة الظاهرة في الآية القرآنية؛ فالتي :"لم تقدروا عليها" هى مَغَانم غزوة حنين بعد الفتح كما جاء في التفسير. وأحاط الله بها، أي جعلها تحت قبضته وحَفظها لكم. وفي "معاني القرآن" للفرَّاء :" قد أحاط الله بها، أحاط لكم بها أن يَفْتَحها لَكم " (را: معاني القرآن ج ٣ ص 67).

وإذن؛ فما الذي استشفه مولانا الإمام إشارةً من هذا المعنى ليجريه علاجاً للنفس؟ هو بغير شك الأمر الباطن في معرفة النفس حين لا تنقاد إلى أمر الوسطية والاعتدال إلا بعد مشقة فادحة وجهاد كبير: فالعجز عن جهادها والخلود بها إلى أرض الشهوات وإتباع الهوى، وقلة مساعدة النفس بالتحلي بالفضائل، وركونها دوماً إلى هواها، وانتصارها على صاحبها، وغفلتها عن الله، ورقابة الله لها في كل لحظة؛ هى التي: (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا)؛ فلزم اللجوء والافتقار في شأنها إلى الله على الدوام. ذلك هو ولاشك خطاب الصوفي في لغته الخاصّة : إشارة بعيدة ورمز لمَّاح.

*    *     *

ومثالٌ أخير : وقف أحدهم عند قوله تعالى : (فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (البقرة: آية 269)؛ فقال : إنمّا قال تعالى ذلك؛ لكثرة "الوجوه المَبْطونَة في الكلمات". ولكن قبل أن نستطرد مع هذه الوقفة علينا أن نتوقف عند صاحبها؛ فالذي وقف هذه الوقفة المُلهمة كان أميِّاً لا يكتب ولا يقرأ، وكان يتكلم، كما وصفه تلميذه، على معاني القرآن العظيم والسّنة المشرّفة كلاماً نفيساً تحيَّر فيه العلماء، وكان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو والإثبات، فكان إذا قال قولاً لابد أن يقع على الصفحة التي قال … ذلكم هو الشيخ "علىُّ الخواص" شيخ الشعراني وأستاذه ومعلمه أسرار الطريق ودروب السير فيه (الطبقات الكبرى، ج 2 ص 135).

وإنما أثبتنا هذا عن "الخواص" لئلا يتوهم متوهم أن العرفان بمعاني القرآن متوقف على آلة النظر بالعقل، فهذا جهلٌ بالله، وتحجيرٌ على قدرة الله الذي يقول للشيء كن فيكون؛ فالعلماء الذين يتشدَّقون بالعقل ما لهم آلة لفهم كلام الله تعالى إلّا بالفكر والنظر.

أمّا العارفون، فطريقهم إلى فهمه : الكشف والتعريف الإلهي. وممَّا يزيدك قناعة بفتوح الله على عباده هو أن تنظر إلى "علىِّ الخواص" هذا الأمِّي الذي لا يعرف القراءة والكتابة، انظر إلى الثقة العلويّة بما لديه من عند الله، وانظر إلى "الإبداع" الخالص الذي لا يعرف للتقليد طريقاً، وانظر إلى الخصوصيِّة والتفرُّد .. ماذا تراه يقول؟

إنه ليقول: "لا يُسمى عالماً عندنا إلّا من كان علمه غير مستفادٍ من نقل أو صدر، بأن يكون خضريَّ المقام. وأمّا غير هذا، فإنما هو حاكٍ لعلم غيره فقط، فله أجر من حَمَلَ العلم حتى أدَّاه، لا أجر "العالم"، (والله لا يضيع أجرَ المحسنين)؛ فمن أرادَ أن يعرف مرتبته في العلم يقيناً لا شك، فليُردَّ كل قول حفظه إلى قائله، وينظر بعد ذلك إلى علمه، فما وجده معه، فهو علمه. وأظن أنْ لا يبقى معه إلّا شيء يسير لا يسمى به عالماً (را : طبقات الشعراني : جـ 2، ص 137).

وإنّه ليُفرّق بين العلم والكشف تفرقة فاصلة جديرة بالنظر والاعتبار، خالصة من الالتفات إلى الأغيار، مبدعة بمقدار صدورها من شمس الحقيقة. وعنده إنما يكون الكشف هو علمك بالحقائق على ما هى عليه في نفسها. والعلم هو علمك بالأمور على ظاهرها ( را: الشعراني : درر الغواص على فتاوي سيدي عليّ الخواص، مكتبة الغنيمي؛ القاهرة  1425هـ - 2014م ؛ ص 64).

في الواقع؛ إن ما عبَّر عنه الخواص إنما هى "علوم الحقائق" لا تستفاد من فكر ولا نظر ولا عقل، ولا آله من هذه الآلات، ولكنها علوم وهب وتوفيق، علوم أذكار لا علوم أفكار، وهى التي يعوَّل عليها في فهم "الوجوه المبطونة" في كلمات القرآن الكريم. وقد أجابَ لما سئل عن قولهم : القرآن بحر لا ساحل له. فقال : معناه أنه يقبل جميع ما فسّره به المفسرون؛ وذلك أن المتكلم به، وهو الله تعالى عالم بجميع تلك المعاني والوجوه التي تدل عليها هذه الألفاظ بالنظر إلى كل شارح، فما من شارح يقصد وجهاً في شرح تلك هذه الآية أو تلك إلّا وذلك الوجه المقصود للمتكلم به وهو الله تعالى، بخلاف ما إذا كان المتكلم من الخلق؛ فإنّ الشرح لكلامه لا يتعدّى مرتبة المتكلم من القصور، وإنْ كان اللفظ بعينه. (را : الشعراني : درر الغواص؛ ص 70).

اقتضاه هذا أن يفرِّق أيضاً بين "الفهم" و"العلم"؛ وذلك لإمكان القول إنّ الفهم في الكلام على قسمين : أحدهما مكتسب من مادة. والآخر: موهوب من غير مادة. فالذي وُهبَ من غير مادة، لا يُقال فيه فهم، وإنما يُقالُ فيه علم.

وأمّا المكتسب من المادة، فهو الذي يقال فيه "فهم"، وهو تعلُّق خاصُّ في العلم. فإذا علم السامع "اللفظة" من اللافظ بها أو رأى الكتابة ففهم منها أمراً؛ فمردَّه إلى حكمين : أحدهما : أن يعلم مراد المتكلم من تلك الكلمة مع تضمُّنها في الاصطلاح معاني كثيرة خلاف مُراد المتكلم بها. فهذا يُسمى فهماً؛ لأنه كان اكتسبه عن مادة. والثاني : لا يعلم مراد المتكلم من تلك الكلمة على التفصيل، ولكن يحتمل عنده فيها عدّة وجوه (مبطونة) يدل عليها الكلام، لا يعلم مراد المتكلم من تلك الوجوه، ولا يدري : هل أرادها كلها أو أراد بعضها، فمثل هذا لا يُقال في حقه أنه أُعطى الفهم في القرآن، وإنما يُقَال فيه أنه أعطى "العلم" بمدلولات تلك الكلمة أو الكلمات.

وقد أجمع العارفون على أن كلام الله واسع، حَمَّال أوْجُه كما وصفه الإمام عليّ، رضى الله عنه، يقبل جميع ما فسَّره به المفسرون، لأنه خاطبهم بجميع ما يقبله استعدادهم. فما من وجه مقبول فهمه عبادُه المؤمنون إلا وهو مقصود له تعالى من تلك الكلمة بالنظر إلى فَهْم مَنْ فَهمَ من كلامه تلك الوجوه المقصودة لله أو لذلك الشخص الذي فهم منها ما فهم حيث لم يخرج في فهمه عمَّا يؤديِّه الكلام من التَّجَوِّز؛ فإنْ كان خَرَجَ عَمَّا يؤدِّيه كلام العرب فلا علم ولا فهم. هذا من خصائص كلام الله. أمَّا كلام المخلوقين فقد يكون بعض الوجوه غير مقصود لصاحب الكلام (را: الشعراني : لطائف المنن، ص 85).

ولمَّا كانت الآيات قد وَرَدَتْ في القرآن على التنوِّع والتّفرُّق : آيات لقوم يعقلون، وآيات لقوم يؤمنون، وآيات لقوم يتفكرون، وآيات لقوم يسمعون، وآيات للعالمين، وآيات للمؤمنين، وآيات للموقنين، وآيات لأولي النّهي، ولأولي الألباب، ولأولي الأبصار؛ صار من أوجب واجبات العبد أن يلتزم أدب الفهم في كلام ربَّه عز وجل؛ لينال من توجهات الخطاب ما كان تحقق به وانطبق عليه. وأدب الفهم هو أن يعقل على الدوام أن فيه مجموع ما تفرَّق من آيات : نعته الله بالعقل، والإيمان، والتَّفكّر، والتقوى، والسمع، والقلب الذي هو اللبّ، والأبصار؛ حتى إذا ما نظر في كل صفة هو موصوف بها، وكل نعت هو منعوت به، بعد أن يكون قد مشى حيث مشى به الشرع، ووقف حيث وقف به الشرع، وعقل فيما قيل له فيه هاهنا أعقل، وآمن فيما قيل له فيه هاهنا آمن، ونظر وفكَّر فيما قيل له فيه هاهنا انظر وتفكر، وسلَّم فيما قيل له فيه هاهنا سَلِّم، حتى إذا ما كان هذا دَيْدَنَه في طريق العرفان، ظهر بأوصافه ونعوته في العالم، فكان ممَّن جُمِع له القرآن وأعطي الفرقان من طريق الوهب والتوفيق بعد مكابدة مفاوز الطريق (الشعراني : لطائف المنن؛ ص 86).

والعارفون ليس لهم آلة إلى فهم كلام ربهم أو غيره إلّا بالكشف والذوق لا الفهم والفكر. ومرادنا بهذا الكشف؛ هكذا يتكلم الشيخ الخواص؛ هو كشف العلوم والمعارف الحاصل بالنفث والرَّوْع لا الكشف المعهود في الحسّ بين أرباب الأحوال. فإن العلوم ليست محسوسة حتى يكشف عنها كما يكشف عن الأماكن البعيدة في الكشف الصوري، وقد جعل الحق تعالى لعلماء الشريعة نظير هذا الكشف بواسطة الاجتهاد والأدلة المعلومة بينهم. وأن الله تعالى قد أخبر في كتابه عن أقوام إنْ هم إلا كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون، وأخبر صلوات الله عليه أن أقواماً من أمته يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، فكيف تكون هذه الأقوام متقرّبين إليه؟ وكيف يتقرّبون بعدم العلم الذي هو الجهل، هذا عجيب! (را: الشعراني : دُرر الغواص : ص 8).

 

*    *     *

عندي أن الفهم عن الله لا يتسنى لأحد إلاّ بمقدار ما تتعلَّق به إرادة الله لتفهيم العبد على مقدار إخلاصه. وبهذا أو بمثله يكون فهم القرآن على نورانيّة الصلة الروحيّة، وهو ما يُسمى عندي بملكة "التعلَّق" عند العارف. فالعارف يحظى بملكة خاصّة ينفرد بها هى ولا شك أقوى وسائل التحصيل الذوقي للمعرفة التي هى في الأصل ذوقية صرفة.

وبملكة التعلُّق هذه، يتجاوز الصوفي (العارف) عالم الظاهر المحدود؛ ليتصل في لحظة كاشفة بما ليس ظاهراً ولا محدوداً، ممَّا لا يتناهى، وممَّا لا تقع معرفته في حدود التصوِّر المحدود. التجربة في هذه الحالة هى التي تقودك؛ تأخذك وتستوفيك وتملك عليك بالكلية جميع أقطارك. التجربة هى التي تفعل؛ فيوحي فعلها فيك لغة الإشارة.

في بطن التجربة الصوفية وحدها يكشف العارف في تجربته عن لغتها الرمزية الخاصَّة؛ لغة الحبّ، ولغة التسامح لا التَّمزق، ولغة الفناء في المحبوب تعطيها الإشارة لا العبارة، أي لغة المعنى تحصيلاً وتذوقاً وشعوراً بمعطيات الحَال، يحيط  الحال صاحبه معنىً خالصاً قد لا يتسع له اللفظ المعتاد، وإنْ أتسع له اللفظ المعتاد أفسده، وإنْ ساقته العبارة العادية خَرَجَتْ به عن المقصود. وهو حين يكشفها لا يكشفها في باطن التجربة وكفى بل بعد منازلة الحال وعياً غير عادي ولا معهود.

*    *     *

تلك كانت أمثلة طفيفة على عقيدة فكرية نعتقدها في فلسفة التخريج عند الصوفية، يُستفاد منها القيمة الكامنة من وراء ذلك التراث المهجور : تراث الروح، تتمثل فيه كل ما للشرق من يقظة نفس وقوة ضمير إذا نحن أردنا للشرق أن يستعيد قوته العصماء غير مغبون ولا محتقر ممّن لا يعرف له قيمة واحدة ولا فضيلة واحدة يعزونها إليه.

ولنا كذلك أن نعتقد؛ ونحن أحرار فيما نعتقد، أن الحياة في كل عصر من العصور، وحياتنا هذه التي نعيشها على وجه الخصوص، غير جديرة بأن نحياها ما لم نمل عليها شئنا أم أبينا مثل هاته القيم الروحيّة التي تعلمناها ولم نزل نتعلمها من أقطاب العارفين، ومن أهل الله الكمَّل الذين عرفوا الصلاح وذاقوه، وكرعوا من مناهل أذواق الصالحين؛ فإنهم جميعاً علمونا أن الوجود المادي في الإنسان إنْ لم يكن يتبع الوجود الروحي يخضع له وينقاد ويأتمر بما يفرضه من قيم علوية، فلا تجد أبداً معنى للحياة ولا تنتظر للآدمية كرامة ولا قيمة ولا أصلاً يرتكز عليه وجود الفرد في دنياه وأخراه. هذه حقيقة مصيريّة تامة المعالم لا شك فيها ولا نكران، تبقى ما يبقى للإنسان تطلع إلى مسائل المصير، وتختفي أو تكاد إذا عاش كالسائمة كما تعاش السوائم تنقاد لمطالب الغريزة، ولا تزيد.

لا جَرَمَ أن قيم الحياة الحيّة كلها مَرُّدها إلى ذلك الإحساس بالزمن وتقدير العمر البشري، كما علمتنا همم العارفين، ولا تزال تعلمنا، ضرورة التنبيه لا الغفلة، والمبادرة إلى العمل الدائب المتواصل لا الركون إلى طوارئ الاستكانة والخمول، والتمكين في كل حال لا التلوين مع الأحوال، واليقظة التي تصدر عن ثورة الروح الداخلية وحماسة الضمير لا التي تصدر عن إدعاءً ليست له من مصادر الروح همة ولا فاعلية ولا تكميل.

فما أكثر المظاهر والظواهر وذركشات الأحداث.

وما أخلد القيمة في ذاتها إذا هى صدرت عن ينبوع متدفق من عالم الروح.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيوعي الذات النقدي والعملي في الإصلاحية الإسلامية 

إن تحول الإسلام إلى قوة مستقلة قائمة بحد ذاتها على مسرح الوجود التاريخي كان يعني انه قد بدأ بامتلاك ذاته الجديدة وإدراك حدوده الخاصة. ولم يكن ذلك معزولا عن التأثير المباشر وغير المباشر للنهضة العربية ومساعيها الحثيثة لتهشيم الأسس التقليدية للذهنية السائدة في الوجود والفكر. وبالتالي الخروج من عالم الوحدة المغلقة وانعدام الكيان السياسي المستقل إلى آفاق البدائل الممكنة. أما الأخيرة فقد كانت من الناحية الواقعية الإطار الأوسع لتجارب النظر (العقلي) والعمل (السياسي) في تيارات الفكر واتجاهاته الكبرى، أي الصيغة المدركة لذاتها في مشاريع البدائل من الإصلاح حتى الثورة. من هنا كان تحول الإسلام إلى قوة مستقلة في الوجود الاجتماعي التاريخي للعالم العربي هو المساهمة الأكثر عمقا واتساعا في إدراك الذات ووعيها النقدي. إذ لم تضع هذه المساهمة آنذاك في تصوراتها وأحكامها أشياء أكثر مما ندعوه بحدود الرؤية التاريخية والروحية. وطافت بين هذه الحدود وبين كمية ونوعية القيم الكبرى والمبادئ المتسامية.

وقد تضمنت هذه الرؤية على وحدة جديدة في النظر إلى الحاضر والماضي والمستقبل يقوم مضمونها في البقاء ضمن مكونات الوجود التاريخي للعالم العربي والبحث فيها عما يمكنه أن يكون مدى لأفقها المنظور. ومن الممكن التعبير عن هذا التحول في هذه الرؤية بالعبارة التالية: إذا كانت الاتجاهات الفكرية والسياسية السابقة للحركة الإصلاحية الإسلامية تجمع كل ما يمكن جمعه من أجل قول فكرة واحدة، فإن الإصلاحية الإسلامية انطلقت من فكرة واحدة لقول كل شيء.

وتضمن هذا "الانقلاب" في ذاته تحول الإسلام إلى قوة مستقلة وبقاؤها في الوقت نفسه في الأعماق المغمورة لمشاريع البدائل الفكرية. وهذا بدوره كان الانعكاس غير المرئي لتمركز الثقافة الفكرية الروحية بعد قرن من المحاولات المرهقة في الدين والدنيا والروح والجسد، التي سبقت ظهور الملامح الدقيقة للفكرة الإصلاحية الإسلامية الكلاسيكية. وإذا كانت الحصيلة المادية لهذه العملية هو الهجوع الظاهري للجسد، فإن حصيلتها المعنوية تقوم في استثارتها كوامن الكلّ العربي. فالانطلاق من فكرة واحدة لقول كل شيء يفترض تمركزا في الغايات والأهداف، وتركزا في القيم والمفاهيم بحيث يجعل من الممكن التقاؤهما في الفعل، أي التقاء الغايات بالقيم والأهداف بالمفاهيم. ولم يكن هذا الالتقاء فعلا إراديا بقدر ما كان نتيجة ملازمة لتعمق وعي الذات النقدي.

فقد كان تمركز الثقافة وتركزها في فكرة واحدة لقول كل ما يمكن قوله من خلالها، هو الأسلوب المتطابق مع إدراك حقائق الأولويات الضرورية. فقد كانت هذه "الحقائق" النتائج المتراكمة في مسار الحرية الباحثة عن مبادئ كبرى أو مرجعيات للعمل، والتي أدت في الوهابية الأولى والحركات الصوفية آنذاك (أو ما ادعوه بالتصوف الفاعل) إلى خروج الذهنية العربية من عالم الوحدة المغلقة إلى الآفاق الأرحب في تأمل النفس. لكن الحدود الذاتية والمحدودية التاريخية للوهابية الأولى و"التصوف الفاعل" قد أدى بهما إلى الدوران في فلك معتقداتهم الأساسية. ومن ثم اقفل على "حقائقهما" إمكانية التثوير الدائم. وبالتالي لم يمكن بإمكانهما إبداع نماذج كبرى ودائمة لوعي الذات النقدي. فقد استدرجت الوهابية الأولى، على سبيل المثال، في فكرتها عن التوحيد كل ما يمكنه أن يكون موضوعا لنقدها، لكنها أبقت على "حقائقها الأولية"، باعتبارها مقدمة أزلية ونهاية أبدية لكل بديل محتمل. وينطبق هذا أيضا على "التصوف الفاعل". وذلك لأن حركته كانت تدور في فلك تصوراته التقليدية.

ومع ذلك استطاعت هذه العملية أن تبلور قيم المفاهيم ومفاهيم القيم، وسمو الغايات والغايات المتسامية، مما كان يعني أيضا فسحها الطريق أمام صيرورة العناصر النقدية في العلم والعمل، دون أن تدخل هذه العناصر في مسار النقد الذاتي. فهي لم تتأمل الإمكانيات الجديدة القائمة في حدودها الذاتية. وذلك لأن هذه الحدود كانت بالنسبة لها مجرد يقينيات جبرية. أما أفعالها فهي التجسيد الفردي لنداء الحقيقة (أو الحقائق). وحدد هذا بدوره مسارها الخاص في مناهج الإصلاح التقليدي، أي إلغاء إمكانية الرؤية النقدية تجاه تقاليد الإصلاح نفسها. لهذا توقفت العناصر العقلانية العملية الأولى عند مبادئها. وهي الأسباب القائمة وراء اضطرارها لتوظيف كل ما يمكن توظيفه من أجل قول فكرة واحدة. بينما كان التفكيك الفعلي لهذه الحلقة المفرغة هو نفيها، أي السير في الاتجاه المعاكس لتاريخ الإصلاح التقليدي من خلال إدراك الحدود الواقعية للواجب، وحدود المثال في العمل. بمعنى الانطلاق من البداية المعقولة للوجود التاريخي والنظر إلى الماضي والمستقبل بوصفهما كفتين معقولتين في ميزان الحاضر. وقد تطابقت هذه الحالة مع قيم ومفاهيم العقلانية العربية الصاعدة في اجتهادها، وقيم ومفاهيم الإصلاحية الإسلامية في جهادها. وترتب عليه لاحقا التقاء هذه القيم والغايات، والمفاهيم والأهداف في الفعل الإصلاحي العقلاني، الذي جعل الجهاد اجتهادا والاجتهاد جهادا. وقد أنهى هذا الالتقاء في مستواه النظري مرحلة كبرى في مسار العقلانية العربية الحديثة. إذ استطاع تجاوز تقليدية الماضي من خلال نفي انجازاتها الكبرى المتراكمة في مجرى زمن معقد ودموي رافق ظهور وتطور الوهابية والتصوف الفاعل.

فغياب الوهابية من هجوم الرؤية النقدية المباشرة للأفغاني كان بمعنى ما النفي الأوسع لها، ولكن من خلال التنشيط الفكري والعملي لقضاياها الأساسية ورؤيتها الدينية وحلولها العملية. واحتوى هذا الموقف بدوره على دفع لانجازاتها في ميدان العمل والسياسة والوحدة والأمة وغيرها من القضايا إلى غاياتها القصوى من خلال ربطها بقضايا التحديث والحداثة. ونعثر على هذا الموقف في تقييم الأفغاني المباشر لشخصية وانجازات محمد على باشا. فقد وجد فيه ليس مجرد رجلا كبير العقل والدراية، بل وهائل الهمة والإقدام. وبغض النظر عن أن محمد علي باشا، كما يقول الأفغاني، "لم يتوسع في دروس العلم، ولم يجبل في مصانع السياسة، إلا أن طبيعته الفطرية كانت فائضة بحب الحضارة وبث العلوم، وتأسيس قواعد العمران مع تدفق همته لبلوغ الغاية مما يميل إليه"[1]. لهذا نالت مصر زمنه ما كانت "تقف دونه أفكار الناظرين، إذ طرقت أبواب السعادة من كل وجه فتقدمت فيها الزراعة تقدما غريبا واتسعت دائرة التجارة، وعمرّت معاهد العلم فتقاربت أنحاؤها"[2]، أي وحدتها الوطنية. ووجد الأفغاني في هذه الانجازات نموذجا للاحتذاء والاقتداء.

إن تركيز الأفغاني على انجازات محمد علي في قضايا الفعل السياسي والدولة الموحدة جرى من خلال إظهار أولوية الأبعاد العصرية وبدائلها العملية. بمعنى تذليل الضيق الثقافي المميز للوهابية. والشيء نفسه ميز أيضا آراء ومواقف محمد عبده. فقد وجد في الوهابية "فئة زعمت أنها نقضت غبار التقليد، وأزالت الحجب التي كانت تحول بينها وبين النظر في آيات القرآن ومتون الأحاديث لتفهم أحكام الله عنها"[3]. لكنه في الوقت نفسه نراه يبرز فيها ضيقها الخاص، من خلال وصفها بالتقليدية الجلفاء (اليابسة أو الخشنة). من هنا توكيده على أن هذه الفئة (الوهابية) مع ادعائها نفض غبار التقليد، فهي "أضيق عطنا وأحرج صدرا من المقلدين، وإن أنكرت كثيرا من البدع"[4]. وبغض النظر عن مساهمتها في إزالة الكثير مما أضيف إلى الدين وليس منه، كما يقول محمد عبده، إلا أنها "ترى وجوب الأخذ بما يفهم باللفظ الوارد والتقييد به بدون التفات إلى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين، واليها كانت الدعوة، ولأجلها منحت النبوة. فلم يكونوا للعلم أولياء ولا للمدنية السليمة أحباء"[5]. أما الكواكبي، فانه تجاهل أراء الوهابية المباشرة، وتناول نتائجها في مجال تأسيسه للعقل والسياسة في مساعيهما للوحدة، بالصيغة التي عمقت آراء الأفغاني وعبده في مسارهما العقلاني الإصلاحي.

لقد سارت هذه العملية المعقدة لتوسع وتعمق الرؤية النقدية العقلية صوب الإصلاحية العقلانية عند الشخصيات الكبرى للإصلاحية الإسلامية في دهاليز الرؤية التأملية والفاحصة للتجربة الشخصية النظرية منها والعملية. بمعنى أن عناصر الفكرة الإصلاحية ومبادئ الإصلاحية الإسلامية الجديدة قد تراكمت في مجرى معاناة فردية حرة للعقل والضمير الفردي والاجتماعي والقومي الإسلامي. وليس مصادفة أن يكون اهتمام هذه التجارب النقدية والتأسيسية الأولية بالتصوف بشكل عام و"التصوف الفاعل" بشكل خاص.

فقد مرت جميع الشخصيات الكبرى للحركة الإصلاحية الإسلامية الحديثة بتجارب صوفية أولية مختلفة المستويات. إذ تأثروا جميعا بأقدار متباينة بالتصوف وتقاليده الروحية والفلسفية الكبرى. وعندهم جميعا يمكن رؤية طبيعة هذه التجربة وتحولها الظاهري والباطني، الذي وجد انعكاسه فيما يمكن دعوته باستبدال التجربة الصوفية الفردية بفردانية تمثل الكلّ الاجتماعي بمعايير القومية (العربية) والأمة (الإسلامية). مع ما ترتيب عليه من نفي فكري خاص وجد تعبيره النظري والعملي في توسيع وتعميق أولوية الرؤية الإصلاحية تجاه القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية الكبرى. وقد كانت هذه العملية شكلا من أشكال انحلال التقاليد القديمة "للخلق الدائم" و"تناسخ الأرواح"، أي تحلل ما يمكن دعوته بآلية "التشخصن التاريخي" لرموز الإسلام الكبرى في الجسد المعاصر.

لقد قدم رجال الإصلاحية الإسلامية صيغة جديدة لهذا الخلق والتناسخ عبر نقل تجسيدهما من الحالة الفردية إلى الكينونة الاجتماعية. ولم يكن هذا في الواقع سوى الأثر المباشر وغير المباشر لنوعية الأثر الذي تركه التصوف في الحركة الاجتماعية والسياسية الفاعلة للإصلاحية الإسلامية. وهو أمر جلي ويمكن العثور عليه في تجارب شخصياتها الكبرى بمختف الميادين بشكل عام، وفي إبداعها الفكري بشكل خاص. ووجد ذلك تعبيره الأكثر دلالة في توسع "مآثر" العقلانية الإصلاحية عندهم، بمعنى تمويت الميت وإحياء الحي في تجارب الثقافة الإسلامية وتقاليدها المتنوعة. فعندما حاول الأفغاني‎، على سبيل المثال، تقييم آفاق الوحدة الأفغانية الإيرانية، فإننا نراه أول الأمر يتطرق إليها بمعايير وذوق الفكرة الصوفية الخالصة. بمعنى "شخصنتها" على نموذج الشاه (الإيراني)، بحيث نراه يصوّره بعبارة "الرجل العظيم القدر، الرفيع الشأن، الواسع العرفان، الذي لا تحجبه شئون الكثرة عن ذات الوحدة، ولا تقف به أطوار التلوين دون منازل التمكين، ولا تشغله مظاهر الفرق عن مقامات الجمع. يتجلى له الواحد في مراتب الكثرة، وتتجلى حقيقة الأحدية في المنازل العددية. فالاتحاد مشربه والائتلاف مذهبه"[6]. وهي صيغة نموذجية تختزل العرفان الصوفي ولغته واصطلاحاته عبر تطبيقه على واقع سياسي وتاريخي صرف. ومن ثم تحتوي على صيغة نظرية ومجردة للنظر إلى الواقع من اجل إصلاحه ورفعه إلى مصاف المتسامي. وأبقى الأفغاني على هذه الصيغة والأسلوب في آرائه ومواقفه، باعتبارها مرجعية فكرية أخلاقية. أنها تعكس طبيعة وحجم الهموم الخفية التي كانت تعتمل في نفسية وذهنية وشخصية الأفغاني. وبالتالي تعّبر في رمزيتها المجردة وتشير إلى فكرة العمل وما ينبغي نفيه وتذليله. وقد كانت شخصيته وعوالمها الباطنية والظاهرية هي ميدان تطبيقها الأول، كما نراه بجلاء على مثال مساره الشخصي.

فقد أشار في إحدى خاطراته إلى انه حالما تأمل أوضاع أهل الأرض للبحث في أهم ما هم فيه مختلفون، فإنه وجده في الدين. آنذاك أخذ يبحث في الأديان الثلاثة، كما يقول، "بحثا دقيقا مجردا عن كل تقليد، منصرفا عن كل تقييد، مطلقا للعقل سراحه" فوجد بعد البحث والتنقيب أن الأديان الثلاث (الموسوية والعيسوية والمحمدية) على تمام الاتفاق في المبدأ والغاية. وإن ما ينقص في الواحد من أوامر الخير المطلق استكملته الثانية[7]. بعبارة أخرى، إن تأمله الأول للخلاف أوصله إلى مكامن الوحدة. ووجد في أصول الوحدة عملية تاريخية متكاملة، بوصفها جزء من مسار الخير المطلق، الذي تشكل الفكرة (الديانة) التوحيدية نموذجها التام. ووضعه ذلك أمام مهمة التنظير لفكرة وحدة الأديان، باعتبارها المقدمة المناسبة لوحدة أهاليها (أتباعها)، ما زالت الأديان متحدة في أصلها وغاياتها.

وسواء كان استنتاجه هذا مبنيا على أساس التأمل النقدي أو التوظيف العصري للفكرة الصوفية نفسها عن وحدة الأديان، أو استنتاج مبني على أساس التأمل العقلي "لمنطق الإيمان"، فان محاولة تجسيده اللاحقة في برنامج عملي للخروج من مضيق الخلاف إلى بحر الوحدة سرعان ما تعرض إلى هجمات الأمواج العاتية لملائكة الروح وشياطين الجسد البشري المتناسخة في مصالح الأفراد والجماعات والدول المتحاربة.

إن هذه الاستنتاجات التأملية المتسامية سرعان ما اصطدمت بواقع الخلافات العميقة وعوالمها الخفية الفاعلة في ما وراء الغايات والأصول في الأديان من اختلاف القوى وتعارض المصالح. وهو إدراك له مقدماته النظرية في الطابع النقدي والعقلاني في مواقفه من مثالية التصوف وأخلاقه الرفيعة ورؤيته الخاصة بصدد فكرة وحدة الأديان. لقد سار الأفغاني هنا في الاتجاه الواقعي والعقلاني لنقد الصوفية وليس في اتجاه تفنيد فلسفتها الأخلاقية وغاياتها النهائية. وحاول أن يحدد في الوقت نفسه ملامح الفكرة الصوفية نفسها في مكونات وروافد صيرورته الشخصية وكينونته الروحية وتحقيقها في مواقفه الجديدة. بحيث نسمعه يقول، بأنه حالما "جمع ما تفرّق من فكره" ونظر إلى الشرق وأهله، فاستوقفه الأفغان (أول أرض مس جسمه ترابها) ثم الهند (حيث تثقف فيها عقله) فإيران (بحكم الجوار) ثم جزيرة العرب (من حجاز مهبط الوحي ومشرق أنوار الحضارة) ومن يمن وتبايعتها (ملوكها) واقيال (قادة) حِمْيَر فيها ونجد (منطقة نجد) وعراق وبغداد (وهارونها ومأمونها) (الخلفاء) والشام (ودهاة الأمويين فيها) والأندلس (وحمراءها) (مدينة الحمراء)[8]. باختصار انه حاول الخروج من مضيق الانغلاق الصوفي إلى رحابه الواسعة. ومن ثم البحث في التاريخ الواقعي للماضي عن خلفية الانبعاث الجديد. وبالتالي وضع الحاضر في ميزان الماضي بالصيغة التي حولت الماضي إلى حاكم معنوي، تماما بالقدر الذي لا يعني تذليل العجز الواقعي للتصوف عن تقديم بدائل واقعية عصرية، سوى رفع شأن رموزه الأخلاقية.

وتوصل محمد عبده إلى نفس النتيجة وإن بطريقته الخاصة. فقد ابتدأت ثقافته الروحية والعقلية في أحضان الشاذلية، وبقدر غير مباشر بالسنوسية. ففي مساره الشخصي يبدو كما لو انه تجسيد للفكرة التي صاغها في يوم ما أبو الحسن الشاذلي (ت – 656 للهجرة) عندما قال: "سبحان من قطع كثيرا من أهل الصلاح عن مصلحتهم كما قطع المفسدين عن موجدهم". لكنه جسّد ذلك في تجارب العقلانية الإصلاحية. مما جعل من نزعته النقدية نموذجا أقرب إلى الحد الوسط ما بين روحية الشاذلي في تصوفه وعملية الأفغاني في اصلاحيته السياسية. فإذا كان الله قد خاطبه، كما يقول الشاذلي عن نفسه، بتحوير لقبه من الشاذلي إلى "الشاذّ لي"، فإن محمد عبده لم يشذّ عن شيوخه إلا في الميدان الذي جعل من طابعه العملي العقلاني أقرب إلى الروح الصوفي. فقد صاغ الشاذلي بريق الأمل بالنسبة لأولئك الذين يواجهون انغلاق المستقبل بعبارة "لا طريق إلا الطريق (الصوفي) والإصلاح"[9] بينما رفع مهمة التمسك بالكتاب (القرآن) والسنّة (النبوية) فوق الكشف (الصوفي) في حالة تعارضهما[10]. ولم يجد في طريقته رهبانية، كما أنها ليست في أكل الشعير والنخالة، بل في الصبر على الأوامر واليقين في الهداية. وطالب المريد على الدوام بأن يلزم جماعة المؤمنين وإن كانوا عصاة فاسقين. وأن يقيم عليهم الحدود ويهجرهم رحمة بهم لا تعززا عليهم وتقريعا لهم[11]. وقد أبقى محمد عبده في تجربته اللاحقة على كل ما بلوره الشاذلي من أفكار عن الصراط المستقيم والإصلاح والأخلاق المتسامية وجوهرية الكتاب والسّنة وقيم الجماعة واليقين في الهداية. وإذا كان محمد عبده لم يرتق في منازل الشاذلية إلى "ميدان الروح الرباني" أو "باب ميدان السر" ودرجة "الأبدال والنواب"، فلأنه سلك، إن أمكن القول، طريق المحبين فيها لا المحبوبين. فقد واجه الواقع كما هو وليس بمعايير التقاليد القديمة للطرق الصوفية، بما في ذلك "التصوف الفاعل" منها. بمعنى انه نقل مواجهة الواقع وأبداله ونوابه في طريق وميدان السياسة والفكر. مع ما ترتب عليه من ضرورة مواجهة الواقع بمعايير العقل والإرادة الفاعلة (القوة)، والتي وجد أسلوبها الأمثل في إصلاحية عقلانية. لهذا أشار في معرض انتقاده للمقلدين والتقليدية إلى أن مجرد محاولة الشيخ السنوسي وضع كتاب له في أصول الفقه زاد فيه بعض مسائل على أصول المالكية أثار ردود فعل قوية، رغم أن ما فيه يدل على انه يفهم الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة[12].

ونعثر على موقف مشابهة عند الكواكبي. فهو لم ينصح أتباعه أو مؤيدي اصطلاحيته العقلانية السياسية باتخاذ أفعال المتصوفة مثالا عمليا للسلوك، بمن في ذلك أوائل المتصوفة وأواخرهم والمعاصرين منهم، مثل من اسماهم "بالسادات السنوسية في صحراء أفريقيا"[13]. وبالتالي، لم يكن نقده اللاذع للتصوف سوى جزءا من مشروعه العملي. بمعنى توظيفه الفكري في الاتجاه الذي يعطي للإصلاحية شرعيتها الايجابية باعتبارها نفيا حقيقيا للإرث الصوفي. ولهذا فرّق بين ما اسماه بحقيقة التصوف وتصوف الغلاة. وهو الفرق الذي يعبر عن موقفه من التصوف المعاصر له. فالمتصوفة الأوائل، كما يقول الكواكبي، لا شيء عندهم "إلا التوسل بالأسباب العادية الشاقة لتطهير النفوس من أمراض إفراط الشهوات، وتصفية القلوب من شوائب الشره"[14]. وبهذا المعنى كان التصوف صفة مميزة لأكثر الصحابة والتابعين[15]. وحاول من خلال هذه الفكرة اعتبار التصوف الغالي انحرافا عن مبادئ الإسلام الأساسية. فالتصوف الغالي بنظره، هو نتاج لعمل أولئك الذين "لم يرضوا بالشرع المبين فابتدعوا أحكاما سموها علم الباطن أو علم الحقيقة أو علم التصوف. علما لم يعرف شيئا عنه الصحابة والتابعون وأهل القرون الأولى المشهود لهم بالفضل في الدين"[16]. من هنا اعتباره الإفراط فيه وزياداته المنافية لبساطة الإسلام نتاجا لازم تأثر التصوف بتوسع الفقهاء في شروحهم والمتكلمين في العقائد. حيث أضافوا لكل ذلك اقتباسات من قواعد الإلهيات الفيثاغورية، وجمل من لاهوتيات الأديان والوثنية ألبسوها لباسا إسلاميا. وإذا كانت هذه العملية قد بلغت ذروتها في القرن الرابع الهجري، فإن القرن الذي تلاه استكمل غلو المتصوفة في مقاماتها عن النبوة والولاية والقطب. بحيث أصبح التصوف، كما يقول الكواكبي، فلسفة مشبعة بأحكام تشبه الحِكَم مبنية على زخرفة التأويلات والخيال والأحلام والأوهام[17]. لهذا لم يجد في الحقيقة الصوفية سوى رديفا للسرّ النصراني. أما وحدة الوجود الصوفية فليس إلا الحلول النصراني[18]. وبغض النظر عن سطحية هذه المقارنة وعدم دقتها إلا أنها تكشف في اتجاهها الفكري عن نزوع عملي موجه أساسا ضد غلو التصوف المعاصر له، أي التصوف الطرائقي "المسّيس" (من السياسة) في مساعيه لتكريس الخرافات والأوهام والأحلام وكل ما لا يعبر عن حقائق الإسلام الإصلاحي. من هنا حكمه على متصوفة زمانه باعتبارهم مدلسين في الدين. بل نراه يصفهم بعبارات مثل أولئك "الذين يدعون الكرامة على الله والتصرف بالمقادير واستمالتهم العامة بالزهد الكاذب والورع الباطل والتقشف الشيطاني وتزينهم لهم رسوما تميل إليها النفوس الضعيفة الخاملة سموها آداب السلوك"[19]. ومن هنا أيضا استشهاده بأثر هذا التصوف الكاذب والباطل والشيطاني والخامل في الوعي الجماهيري المعاصر له، والمستند إلى دعاوى باطلة في كرامات الأولياء وإهمال العمل ومسئولية الفرد الشخصية.

إننا نقف هنا أمام موقف واضح المعالم في غاياته يسعى لتفنيد أسس الغلو الصوفي عبر نقد كل ما ينافي العقل والمعقول فيه. ومن ثم هدم الأسس النفسية والفكرية لآثاره الاجتماعية من خلال إبراز الزيف القائم فيه وفي أوهامه العالقة وترهاته الظاهرية، بما في ذلك عبر إبراز حقيقة التصوف الأخلاقية الأصلية. وبهذا يكون الكواكبي قد سار من حيث الجوهر في نفس المسار العام للأفغاني ومحمد عبده، أي البحث عن المعقول والأخلاقي باعتبارهما مقدمات علمية وعملية ضرورية للعمل الاجتماعي الحر، ومصدرا من مصادر وعي الذات النقدي.

وبهذا تكون إصلاحية الجهاد والاجتهاد العقلانية (الإسلامية) قد سارت في طريق الاختزال العلمي والعملي لتجربة قرن من الزمن. وهي الحصيلة التي وجدت انعكاسها في رؤيتها النقدية للواقع. فهي لم تعد تحكم في آرائها على الحاضر بعيون الماضي، ولم تصنع من نماذجه المثالية نظاما لاهوتيا صرف، بل حاولت اختزال مثالية الماضي في نموذجيته، أي إعلاء شأنه باعتباره نموذجا لا يلزم العمل المعاصر بشيء غير إلزامية التأمل الحر. وبهذا تكون قد دفعت ثقافة "كسر الأصنام" و"هدم القبور" إلى نهايتها المنطقية من خلال تحويل سهامها إلى كيانها الخاص. وبالتالي بناء حريتها الجديدة في العمل باعتبارها بؤرة مشعة، وليس تصنيمها (من الصنم) في قطبية الوجود الحق. وقد أدت هذه العملية إلى تعميق نقد الذات العقلاني وقطع دورة الإنتاج التقليدية للعقائد. بمعنى أن الإصلاحية الإسلامية الحديثة لم تجعل من أفكارها النقدية عقائدا.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.................

[1] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص466.

[2] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص466.

[3] محمد عبده: الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية، الجزائر، 1987، ص116.

[4] محمد عبده: الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية، ص116

[5] محمد عبده: الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية، ص116-117.

[6] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص32.

[7] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص294.

[8] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص295-296.

[9] الشعراني: الطبقات الكبرى، بيروت، دار الجبل، 1988، ج2، ص5.

[10] الشعراني: الطبقات الكبرى، ج2، ص5.

[11] الشعراني: الطبقات الكبرى، ج2، ص6.

[12] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص114.

[13] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص231.

[14] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص230.

[15] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص231.

[16] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص198.

[17] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص232.

[18] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص162، 193.

[19] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص163.

 

ميثم الجنابيإن الشخصيات الكبرى جزء من تاريخ الأمم، أي جزء من وعيها الذاتي. وبالتالي، يتوقف على فهم انجازها الحقيقي إرساء أسس التوحيد الاجتماعي والقومي الثقافي. وسواء كانت الشخصية عقلانية وذو نزوع إنساني أو بما يعارضها أو بالصد منها. فالأولى تعمق وعي الذات التاريخي الثقافي، والثاني تستثير وتشحذ وعي الذات النقدي العقلي. ومن ثم كلاهما يسهمان في إرساء طبقات التراكم العقلي والعقلاني للأفراد والجماعات والأمم. 

غير أن هناك اشكالية تتسم بقدر كبير من التعقيد تتلخص في نوعية الموقف من هذه الشخصيات الكبرى بالارتباط مع تباين واختلاف منهج الرؤية والمواقف القيميية. وهذا بدوره مرتبط، إلى جانب الخلاف المحتمل في كل ما له علاقة بالإنسان وتجاربه التاريخية، بنوعية ومستوى التجارب النظرية في تقيمها ومواقفها من تاريخها الذاتي. فانعدام أو ضعف الرؤية العقلية والعقلانية والنزعة الإنسانية عادة ما يثير ويؤجج نفسية وذهنية الخلاف البدائية، أي نفسية وذهنية التقليد والعيش بمعاييرها والحم بمقاييسها. وليس مصادفة أن لا يجتمع العرب في مرحلتهم التاريخية الحالية وضعف تكاملهم الذاتي على مستوى الاجتماع والثقافة والنظام السياسي والفكرة القومية، بما في ذلك تجاه أعظم شخصياتهم التاريخية. وقد تكون الشخصية الوحيدة المجمع عليها هو النبي محمد فقط. مع أن الإجماع على عظمة الشخصيات الروحية والثقافية تفترض ادخال ما لا يقل عن بضعة آلاف منهم ممن يشكل من حيث إبداعه التاريخي رصيدا هائلا للحكمة العقلية والعقلانية والإنسانية. فلا إجماع حول قيمة الفلاسفة الكبار، ولا شيوخ الصوفية الملهمين، ولا أئمة الفقه ولا فحول الشعراء وعظماء الأدباء ورجال السياسة المؤسسين. ولعل الموقف من ابن خلدون يدخل أيضا ضمن هذا السياق الذي يكشف عن خلل الرؤية العقلية والعقلانية، وضعف الأسس الفعلية لوعي الذات القومي والعلمي. من هنا تداخل المواقف السياسية والاجتماعية بل والعرقية والإثنية في جدل المواقف من تقييمه. مع أن المواقف السياسية لا يمكنها أن تكون مصدرا للأحكام العلمية الدقيقة، دع عنك حالما تتطعم بغباء الجهل المعرفي، وبلادة الحس الذوقي، والتطفل الشاذ على فتات المعلومات "المنتخبة" من مزابل الحكاية والرواية. 

وليس مصادفة أن نقف أمام نوعين من التقييم والمواقف، متضادين. فرجال العلم والمعرفة الكبار، بل عظماء المؤرخين وفلاسفة التاريخ الأجانب من غير العرب أعتبره من بين أعظم الشخصيات التاريخية الكبرى. فقد قال عنه أرنولد توينبي، بأن ابن خلدون ابتكر وصاغ فلسفة للتاريخ هي بدون شك أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم. وقال عنه لاكوست الباحث الفرنسي المحترف بدراسة شخصية وإبداع ابن خلدون من ان كتاب ابن خلدون يمثل ظهور التاريخ كعلم، وهو أروع عنصر فيما يمكن أن يسمى بالمعجزة العربية. ووصفه روزنتال في تقديمه لترجمته الخاص للمقدمة إلى الانجليزية كلمات كبيرة من الإطراء العميق والكبير. وقال عنه روجيه غارودي أن ابن خلدون هو عالم وفنان ورجل حرب وفقيه وفيلسوف يضارع عمالقة النهضة عندنا بعبقريته العالمية منذ القرن الرابع عشر.

إن هذه التقييمات وكثير غيرها مما يصب ضمن هذا السياق من المواقف والتقييم مبنية على أساس المعاناة التاريخية العميقة والمتنوعة للفكرة العلمية وقيمة المنهج وعوالم السياسة التي تحمل بين تعرجاتها كل الاحتمالات والممكنات. ولكن مع ذلك كيف يمكن فهم قيمة الرجل السياسي المحنك والمهموم بفكرة الدولة وقيمة الحضارة والتمدن البشري؟ فقد كان ابن خلدون رجلا ذو تجربة سياسية كبيرة وهائلة تراكمت في ظل ظروف صعبة وقاسية وصراعات داخلية وخارجية عنيفة. فقد تمرس في الحكم وإدارة الدولة والنظام الحقوقي والاعتبار بالتاريخ. كما كان دبلوماسيا ماهرا. باختصار، انه كان يجمع في ذاته رجل السياسة والعلم. وهو جمع نادر جدا لم يكن له مثيل حتى ذاك الوقت. ولعل المقارنة الوحيدة الممكنة هنا هو ما سيقوم به مكيافيللي الناضج بعد حوالي قرن من الزمن. غير أن الفرق بينهما يبقى كبيرا وهائلا. فقد حقق ابن خلدون فكرته السياسية في مجال فلسفة التاريخ والثقافة بينما مكيافيللي في ميدان النصائح السياسية العملية. فقد تراكمت شخصية ابن خلدون في ظل احتكاك شديد بين السياسة بوصفها فكرة المصالح وبين العلم بوصفه فكرة العقل النظري المجرد والمتسامي. من هنا نرى ملامحه العربية الإسلامية بوصفه أحد العلماء الكبار الذي واجه صراعات ومحن وفتن المرحلة بقدر هائل من الصبر والتأني والحكمة والروية. إذ عاش في ظل صراعات عنيفة في المغرب بين إمارات البربر (الموحدين والمرينين والحفصيين) على اشده. بينما كان المشرق العربي يعاني من أهوال الغزو التتري المغولي. وضمن هذه الحالة الحرجة في التطور التاريخي لإمارات ودويلات البقايا المتحطمة للخلافة التنقل والعمل بين الأندلس والمغرب ومصر والشام، أي في كل ربوع العالم العربي في مرحلة انهياره التاريخي وسقوطه المزمن. بل إن أحد أعظم أعماله (المقدمة) قد تفرغ له بعد أن تفرغ من الحياة السياسية المباشرة. فقد انجز كتابه الشهير على مدار أربع سنوات قضاها في كنف اصدقائه من بني عريف، الذين انزلوه بأحد قصورهم في "قلعة ابن سلامة" بمقاطعة وهران بالجزائر. وفيها تمكن من تصنيف (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر). وقدم له بمقدمة تحولت إلى مقدمة مستقلة قائمة بذاتها. انجزها وهو في نهاية العقد الخامس من عمره.

وما بعدها كانت حياته السياسية تحقيقا لما وضعه فيما يتعلق بالموقف من السياسة باعتباره اسلوبا وأداة لبلوغ المصالح، التي كانت تتطابق في ذهنيه ونفسيته وشخصيته مع فكرة الدولة والأمة، لا كما يصنفها صغار المتعلمين وأنصاف المثقفين والجهلة من يسار ثوري أحمق عبر إرجاع كل ما فيه إلى مهاترات المواقف السياسية المبتذلة على أساس قربه من السلطان وخنوعه أمام تيمورلنك! أما في الواقع فليس في سلوكه ما يوحي بالخنوع والجبن وخدمة السلطان أيا كان. فقد عمل معظم إن لم يكن جميع المفكرين والفلاسفة الكبار مع السلطة. وقد كن ذلك جزء من ثقافة المرحلة التي لم تعش بمعايير الحرية السياسة المعاصرة والفكرة الثورية المسطحة. مع إن المشكلة كانت قائمة. غير أن ابن خلدون لم ينحدر ولا في أية مرحلة من مراحل حياته إلى ممارسة ما لا يتفق مع فكرته العلمية عن التاريخ والسياسة. وهذه تفترض العمل بما يضمن مصالح الأمة والدولة وليس السلطة والأفراد. وهي فكرة تتخلل كل ما وضعه في المقدمة. فالسياسة بالنسبة له ليست فكرة أخلاقية، بل فكرة عملية محكومة بمسار التطور التاريخي وقانون صيرورة الدولة والنظام السياسي والحضارة. وحياته الشخصية لم تخل من مآس ودرامية كبيرة وعميقة. غير أن هذه الجوانب تبقى شخصية مع انه لا أمور شخصية في الشخصية الكبيرة. وبالتالي، فإن ما قام به وسلكه تجاه السلطات والدولة والحالات الحرجة في مسار التاريخ العربي في الشام وغيرها ينبغي فهمه ضمن هذا السياق.

فالمواقف "النقدية" التي أول من وضعها طه حسين وتابعها وتوسع في جوانبها السياسية والأخلاقية أعداد كبيرة من أصحاب الرؤية الراديكالية لا قيمة علمية كبيرة فيها. بل في أغلبها هي أقرب ما تكون إلى إهانة للعلم. والسبب هو أن أغلب هذه الكتابات والمواقف من جانب أهل الأدب ولكن ليس بالمعنى العربي الإسلامي الكلاسيكي، بل المعاصر. إذ أغلبهم ليسوا أدباء بالمعنى الدقيق للكلمة، ولا يرتقي أي منهم الى مصاف احمد فارس الشدياق وأحمد أمين ومن بمستواهم وأمثالهم. وأغلب من يمثل هذه الرؤية والمواقف والأحكام هم من لصق بمختلف فنون الأدب أو ممن ينتمي إلى بعض فنونه المعاصرة، وأغلبها في الشعر والقصة والرواية. وبالتالي، فإن أحكامهم جميعا بدون استثناء لا يعتدّ بها ولا تصلح لأن تكون مصدرا للمعرفة العلمية والفكرية الرصينة. وذلك لأن أغلبهم أو جميعهم يتسمون بضعف المعارف أو انعدام الرؤية المنهجية العلمية وسوء فهم للثقافة التاريخية العميقة والفكرية النظرية بشكل عام والفلسفية بشكل خاص. وبالتالي فأحكامهم أهواء لا قيمة علمية فيها ولها. ولكنها واسعة الانتشار لأن الوعي السائد لحد الآن في العالم العربي هو وعي وجداني أو ديني إيماني أو لاهوتي أو شعري أو بياني أو سفسطي في أغلبه، أي بلا أصول علمية دقيقة ومحكّمة.

ففيما يخص طه حسين، فإن مواقفه الايجابية والسلبية من ابن خلدون تتسم بقدر واحد من البهرجة المبتذلة المميزة لأغلب ما كتبه في مجال التاريخ الثقافي والفكري. وبغض النظر عن أن كتابه عن ابن خلدون هو مجرد رسالة للحصول على شهادة الدكتوراه، بمعنى أولية في مسار البحث العلمي لكنها كانت تعكس نوعية ذهنيته المتميزة بالأحكام السريعة والنقد الاهوج والمخالفة المتعمدة لسد نقص المعرفة العميقة والقراءة المتأنية للأعمال النظرية الكبيرة[1]. ولا يشذ كتابه (رسالة الدكتوراه التي انجزها عام 1917) بالفرنسية والتي نشرت بالعربية تحت عنوان (فلسفة ابن خلدون الاجتماعية.. تحليل ونقد). وفيها يشدد على أهمية وعظمة ابن خلدون الذي اعتبره إلى جانب المعري أكثر من جرى الاحتفاظ بذكراهما في كل تاريخ الآداب العربية منذ عصر الجاهلية إلى عصرنا، ممن قام بعمل خارق وعبقري ومبتكر من العرب والمسلمين. المعري بأعماله "اللزوميات" و"رسالة الغفران"، والثاني في "مقدمته". وإن قمة هذا العمل بالنسبة له يقوم في "خطته التي خالف بها من سبقه من المؤرخين، حيث لم يتبع الترتيب السنوي كمؤرخ، بل قسّم التاريخ إلى فصول"، والمعلومات المهمة التي قدّمها عن البربر. وهو ايضا حكم متسرع ولا علاقة له بادراك قيمة ومعنى الكل الثقافي الذي كان المعري وابن خلدون شخصيات كبيرة فيهم ولكنهما ليس اكثرهم عبقرية واثر وقيمة. بل هناك المئات بل الالاف الذي يرتقون الى مستواهم ومن أهم وأعلى وأعمق قيمة وأثرا في التاريخ الثقافي العربي والإسلامي ككل. لكن شف طه حسين بهما بشكل عام وبالمعري بشكل خاص جعله يعتقد بأن اختياره لهما يعني إنهما الذروة التي تستحق أن يتسلق لبلوغها كل ذي عقل! وهو حكم لا يخلو من مراهقة فكرية!

لقد لاحظ بعض الجوانب التي يمكن تعريضها للنقد، لكنها بقت في اغلبها ضمن اطار "المبالغات" التي وجدها في بعض ما نقله ابن خلدون من وقائع تاريخية، لكنه لم يفهما ضمن سياق الفكرة التي حاول ابن خلدون الكشف أو البرهنة عليها كما هو الحال بالنسبة زواج الخليفة المأمون العباسي، والبذخ الذي كان فيه. ومع انها وقائع معقولة جدا لم يعرف حياة الخلفاء العباسين في اوج تطورها. لقد كانت الدولة انذاك غنية جدا حتى حالما يجري مقارنتها بالدول الغنية الحديثة. ومع ذلك فان توجيه الاهتمام صوب هذه الصغائر لأنه لا شيئ جدي يمكن نقده بمعايير العقل النظري. اما مقارنة ما وضعه ابن خلدون بمن قبله من مؤرخي اليونان والرومان، فإنها تصب في فضيلة الأوائل عليه. بينما الحقيقة هي بخلاف ذلك تماما سواء ما يتعلق بنقل الاخبار أو تدقيقها وتحقيقها، دع عنك ما وضعه ابن خلدون من مقدمة لا مثيل لها فيمن سبقه. فابن خلدون أراد ان يجعل من التاريخ علما وليس رواية وحكاية، إضافة إلى فلسفته التاريخية. أما ما يسمى بالقوانين الضرورية للمؤرخ التي ينبغي أن يتبعها فهي أمور تبدو صغيرة مقارنة بما وضعه ابن خلدون، وينطبق هذا على ما اسماه بفكرة الصدفة والمصادفة التي يدخلها ابن خلدون ضمن ما يمكن دعوته بالأسباب الخفية المؤثرة في مجريات الأحداث التاريخية، الأمر الذي يفسر كما يقول طه حسين ما اسماه "بقصور العقل البشري" الذي أسقط ابن خلدون في ضعف أمام نقاد العصر الحديث. وهو استنتاج مبني على جهل برؤية ابن خلدون لفكرة الصدفة والضرورة. فهو لم يقل اطلاقا بأهمية وفاعلية الصدفة في الحياة التاريخية ومسار التاريخ. على العكس انه اعطى لها بعدا يعادل معنى الوجه المجهول للضرورة. وهي فكرة لم يكن بإمكان طه حسين ملاحظتها أو فهمها. أما استنتاجه عن أن معظم أخطاء ابن خلدون تعود لجهله بالعوامل أو إهماله لتقدير النتائج، فهو استنتاج خاطئ أيضا.

فقد نظر ابن خلدون إلى باطن أو حقيقة التاريخ في كونه "نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الواقع وأسبابها عميق". ذلك يعني إن حقيقة علم التاريخ تلازم بالضرورة ارتقاءه إلى مصاف العلم النظري،أي اولوية وجوهرية النظر العقلي والتحقيق الفعلي والتفسير السببي لكل ما هو كائن وموجود أو ما هو ثابت ومتغير بالاستناد إلى مبادئ دقيقة فصلها ابن خلدون في مقدمته.إننا نقف هنا أمام رؤية تستند إلى معرفة ماهية الأشياء وكيفيتها وأسبابها، إي إلى الاسئلة الجوهرية بالنسبة للبحث العلمي. انه يشير بصورة دقيقة إلى ضرورة النظر والتحقيق والتعليل لما هو موجود، ومعرفة المقدمات والأسباب الأولية، وآلية الأسباب الفعلية وفعلها في الوقائع التاريخية). غير أن مشكلة لطه حسين تقوم في انه يقرأ النصوص دوما بعيون عمياء! أما الجدل حول ما إذا كان ابن خلدون عالما اجتماعيا أم لا فهو جدل معاصر لا علاقة له بحقيقة ومضمون نظريته الفلسفية عن التاريخ. أما استنتاجه عن أن إطلاق لقب عالم اجتماع على ابن خلدون هو مبالغة فهي إشكالية المصطلح المعاصر ولا علاقة له بابن خلدون. مع انه دون شك يعتبر واضع علم الاجتماع بالمعنى التاريخي. أما أن يكون "علم الاجتماع" بالمعنى الخلدوني والمعاصر يختلفان اختلافا كبيرا، فهو امر طبيعي ولا يرتقي حتى إلى مصاف اكشاف صغير. إذ أن الجميع تعرف إن الفرق بين رياضيات العالم القديم والمعاصر شاسعا جدا. لكن الرياضيات القديمة هي رياضيات دون شك. أما المقارنات التي يقدمها حول بعض القضايا بين ابن خلدون وبين ارسطو أو مونتسكيو فهي مقارنات فجة ولا قيمة علمية فيها. أما الخاتمة التي وضعها لحصيلة ما كتبه عن ابن خلدون فلا علاقة له بها. فمن حيث مضمونها وليس من حيث ما ورد فيها احيانا من كلمات التبجيل، أقرب ما تكون إلى اعتبار ابن خلدون شخصية عادية. وإن مصر كانت عظيمة على الدوام وعقلية وعقلانية! وأنها كانت "تمصر" كل من يقدم إليها. والأتراك المماليك أصبحوا مصريين من حيث التربية والشخصية. ولولا انهم لم يعرقلوا تطور العلوم(!؟) لكانت مصر في تطورها أقرب إلى ذهنية الأوربيين(!).وإن نهضة مصر الأخيرة هي "بأثر الحملة البونابارتية المبارك"![2]. وهي امور واستنتاجات يصعب هضمها ضمن هذا الخليط الغريب والمعقول والمميز لذهنية طه حسين المتغربة والمغتربة، أي المليئة بعثرات العقل الناشي والمندهش بوجدان المراهقة التاريخية.

بينما كان كتاب محمد عابد الجابري (العصبية والدولة. فكر ابن خلدون. معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي) أرقى وأعمق مما وضعه طه حسين بما لا يقاس، لكنه يبقى في نهاية المطاف ضمن سياق الاستعراض والتحليل الجزئي. كما انه يحتوي على أفكار تتناقض في نتائجها مع الفكرة التاريخية والعلمية حول معالم الخلاف بين عقلانية المغرب وصوفية المشرق. وهذا توسع في التخريف مقارنة بما وضعه طه حسين في خاتمة كتابه. كما انه يجري من حيث صيغته الأولية بقاعدة "خالف تعرف". وهو امر جلي فيما سيضعه لاحقا حول (نقد العقل العربي). وفيه أيضا نعثر على خلل المنطق العلمي والضعف الفلسفي، رغم انه يبقى من الكتب الفلسفية الجيدة والكبيرة في التاريخ الفكري العربي الحديث.   

اما الاراء والأحكام المبنية على اساس العلاقة بين المثقف والسلطة الشائعة الانتشار بين مختلف تيارات اليسار، والتي وجدت في ابن خلدون نموذجا لفارس الخيانة! بينما توسع الآخرون بالصورة التي جعلت من ابن خلدون الخائن الأكبر فيما تعرضت له دمشق من غزوة المغول والتتر والمذابح التي جرت بأثرها. تماما كما اتهمت التيارات السلفية الجبانة نفسها في تاريخ المواجهة العربية الحديثة والمعاصرة تجاه قوى الغزو الكولونيالي الحديث، ابن العلقمي في سقوط بغداد وما قام به شيعة العراق في فتح ابواب العراق للغزو الأمريكي، الذين هم كانوا في مقدمة حصار العراق لسنوات مديدة وتوفير الغطاء المادي والمعنوي والسياسي واللوجستي!! وعموما هذا هو ديدن الخونة الفعليين.

بعبارة أخرى، إن القضية أكثر وأكبر تعقيدا من أن يجري ارجاعها إلى ابن خلدون الذي لا علاقة له بتاريخ الأحداث في الشام قبل وأثناء وبعد الغزو الهمجي لتيمورلنك. وعموما إن أحداث التاريخ الكبرى والعاصفة، بما في ذلك سقوط دمشق قد أّرخ لها هو نفسه بمعايير الاستشراف المستقبلي الذي وضع أسسه في فلسفته عن التاريخ. فالأحداث التاريخية والمعلومات الدقيقة عنه تكشف عن ان القضية أوسع وأعمق ولا علاقة لابن خلدون بها. فهو ليس الوزير الأكبر ولا حاكم أو سلطان دمشق. فأغلب حياته في المغرب والأندلس ومصر. وقد كان وجوده في دمشق من مصادفات الزمن لا غير.

وقد كان تركيز الأديب الكبير سعد الله ونوس في مسرحيته حول هذه الواقعة التاريخية التي صور فيها ابن خلدون أو جعل منه نموذجا لخلل المثقف واستعداده لبيع الضمير مقابل الحياة والمال ليست في محلها. وضمن هذا السياق سار الروائي العربي الكبير عبد الرحمن منيف، الذي استنبط من مسرحية (منمنمات) لسعد الله ونوس إشكالية المثقف والسلطة ودوره الضروري في حياة الأمم. حيث كتب بهذا الصدد يقول، بأن "العلاقة بين المعرفة والسلوك، ودور الثقافة والمعرفة، وهل يجب أن يكونا في خدمة القوة والسلطان أو في زيادة وعي الناس وصقل أرواحهم، العلاقة بين الطموح المشروع للمثقف وإغراءات السلطة والمال، ثم ماذا يعني المثقف...هل هو مجرد تقني أم صاحب وجهة نظر وضمير؟"[3].

إن اشكالية المثقف والسلطة غاية في التعقيد. وتحتاج إلى حصافة فكرية ورزانة عقلية وفهم تاريخي عميق بالشخصية وملابسات فعلها التاريخي. وقد وضعت أنا أحد اكبر الاعمال الفكرية الفلسفية والتاريخية التراثية بهذا الصد تحت عنوان (الأشباح والأرواح - تجارب المثقف والسلطة). وهو بثلاث مجلدات كبيرة صدر منها المجلد الأول (قبل شهر تقريبا). والبقية في طريقها للنشر. ففي مجرى البحث النقدي والمتعدد الجوانب والمبني على معارف عميقة وواسعة تتعلق بكل ما ابدعه وسلكه المثقفين فقط يمكن اطلاق الحكم وليس من خلال حادثة طارئة، مهما كان مظهرها مؤثرا ومؤلما بالنسبة للوجدان.

أما ما جرى ويجري كتابته من جانب ممثلي الأقليات العرقية والإثنية والدينية فلا يعتد به، وذلك لأنها تستظهر ما في باطنها من عقد عادة ما تلازم الأقلية في موقفها من القومية الكبرى. وهي ظاهرة عالمية وتاريخية، لا تخص قومية أو أمة دون أخرى. فالأقلية غير المندمجة بمعايير الروح الثقافي تعاني على الدوام من انفصام تزيده مرارة عدم الاكتمال والتكامل بمعايير التاريخ والفكرة العامة. وهي ظاهرة مرتبطة بما يمكن دعوته بغلبة القوة البدائية للأقلية بمختلف أشكالها. وهذا بدوره أحد مظاهر النتاج السيئ للتاريخ الدرامي للأقوام جميعا. إذ عادة ما ينحصر اهتمام هذه "المقالات" أو بصورة أدق هذه الأقوال على ما يمكنه أن يشفي غليل الاحقاد الصغيرة. من هنا التركيز على ما يسمى بإبراز ابن خلدون لبدوية وهمجية العرب وعدم قدرتهم واستعدادهم لبناء الدولة والعلوم والحضارة. ويقابلهم من يسعى لتفسير موقفه على انه قد يكون من أصول ليست عربية! وكلاهما يلتقيان بالغباء والرذيلة.

إن ابن خلدون، كما يحبذ هو القول، عربي من أصول حضرمية، أي من العرب الأصليين! كما أن كل مقدمته مبنية على أساس تحليل نتاج الثقافة العربية الإسلامية وحضارتها. كما انه يضع العرب وإبداعهم الحضاري في مصاف الأمم التاريخية الكبرى آنذاك والمشهورة ضمن التصنيفات العامة بهذا الصدد، أي الحضارة الفارسية واليونانية والرومانية. والعرب هم الذين كّملوا وطوروا ما فيها.

فكلمة العرب بالنسبة لابن خلدون، بوصفها مصطلحا سوسيولوجيا تدخل فيها كل الأقوام في بداية تطورها. لهذا نراه يدخل فيها العرب في بداياتهم والبرير (الامازيغ) والأكراد وغيرهم. فهو يشير الى هذه الأسماء بعينها. ومن غير المعروف لماذا أدخل الأكراد. يبدو من خلال السماع عن طبائعهم الخشنة وشدة البداوة. فباستثناء مرة واحد لا نعثر على أي أثر لهم في كتابه (المقدمة). بينما الأمر يختلف بالنسبة للبربر. فهو يضعهم ضمن القبائل والأقوام الأشد بداوة وتوحشا بما في ذلك في دول الأندلس والمغرب الكبير الحضارية. لكنه في الوقت نفسه يقيم بين اماراتهم انذاك معززا مكرما. لقد كان البربر انذاك يفهمون المعنى الدقيق لكلمة البداوة والتوحش بوصفها كلمة ذات أبعاد اجتماعية لا علاقة لها بالقوم والإثنية.

إن مضمون (المقدمة) كله مرتبط من حيث أبعاده النظرية والفعلية بتاريخ الثقافة العربية الإسلامية. من هنا حديثه عن الأمم الحضارية الكبرى التي أدخل فيها إلى جانب العرب الفرس والروم واليونان. أما الفهم السيئ لما في بعض عباراته بهذا الصدد فهو نتاح القراءة المسطحة وانعدام العقل النظري والثقافة الفكرية المتعلقة بدراسة التاريخ بشكل عام والثقافي بشكل خاص. لكن الخلل الجوهري يقوم هنا في أن الأغلبية إن لم يكن جميع من كتب عنه لم يفّرق بين الأبعاد الاصطلاحية والمنهجية في معنى كلمة (العرب). وهو ما سأشرحه في مجرى تحليل ودراسة ما وضعه في (المقدمة) في بحث كبير. وبغض النظر عن موقفه وكيف يبدو بالنسبة لذهنية الآخرين، فإن ما وضعه ابن خلدون أو ما توصل إليه من أحكام تخلو من أية أبعاد قيمية. إذ هي معدومة في كتابه (المقدمة). ومن ثم فإن كل ما فيها يبقى في نهاية المطاف جزءا من اجتهاده الشخصي، ومن ثم لا يعني صحته بالضرورة. فالتاريخ الثقافي العربي الإسلامي يعرف ما يسمى بالحركة الشعوبية التي سعت للانتقاص من العرب في أحد مراحلهم التاريخية ووصفهم بالتوحش ومختلف أصناف الرذيلة. مع إنها حالة ومرحلة تلازم تاريخ الأمم الكبرى كلها بدون استثناء. وهو أيضا من اكتشافات وتحقيق ابن خلدون حول الانتقال من البداوة والتوحش إلى المدنية والحضارة، باعتبارها الحالة الضرورية والحتمية بالنسبة للشعوب والأمم الحضارية الكبرى كلها بدون استثناء. وفي نفس الوقت هناك مئات بل آلاف العلماء والمفكرين والفلاسفة والفقهاء والأدباء والشعراء والمؤرخين وغيرهم ممن رفع شأن العرب الى مصاف "الأمة المقدسة"، بحيث رفعت لسانها إلى مصاف "لغة اهل الجنة"! وأيا كانت هذه الأحكام فإن العبرة، فيما لو استعملنا مصطلح ابن خلدون نفسه، تقوم في ما قرره التاريخ الواقعي والفعلي عن أن الحضارة التاريخية والكونية الكبرى ظلت تحمل أسم الحضارة العربية الإسلامية. اذ لا حضارة ولا ثقافة إسلامية بدون مقومها الجوهري العربي. والعربي هنا كان يعادل وما يزال المعنى الثقافي وليس العرقي أو الإثني. فالعرب والعروبة والعربية بعد الإسلام هي فكرة ثقافية وليست عرقية أو اثنية. وفي هذا تكمن أحدى خصائصها الكبرى والجوهرية.

لقد سلك ابن خلدون بما يتوافق مع رؤيته الفلسفية عن التاريخ. فحتى في حال افتراض وجود الشر في سلوكه الحياتي الشخصي، وهذا ما لا يتحرر منه أي شخص، باستثناء شيوخ التصوف وأقطابها، هو القدر الذي لابد من ملازمته للخير الكبير والكثير. وإن ابداع ابن خلدون لفلسفته التاريخية هو الخير الكبير والكثير الذي يحرر قيمته وأثره ومعناه من كل ما جرى ويجري وصفه من جانب صغار العقول وأنصاف المتعلمين ووجدان الأدباء الصادق.

إن القيمة التاريخية الفعلية لابن خلدون تقف ما وراء الفضيلة والرذيلة بمعناها السياسي الجزئي والمباشر. انها تسبح وتمرح وتفعل وتؤثر في ميدان الفكرة النظرية التاريخية. ومن ثم عبرتها الفلسفية والثقافية والتاريخية. وهي جوانب يمكن رؤيتها في أعمق أعماق أفكاره بصدد نسب الخير والشر في المسار الحضاري وانعكاسه بما في ذلك في علاقة السلطة بأتباعها بما في ذلك تجاه رجال العلم والمعرفة والثقافة والفكر.

  فقد توصل ابن خلدون بهذا الصدد إلى فكرة تقول بأن احدى المكونات الجوهرية التي ترافق وتلازم انتقال المجتمع والدولة من البداوة إلى الحضارة، أي كل ما يرتبط بهيمنة وسيادة واستبداد الملك (السلطة والدولة) هو توسع مصادر الثروة وثرائها. وهذا بدوره يؤدي إلى الترف الذي يحصل على انعكاسه المتنوع في أبهة الحضارة وبهائها وازدهارها. وهذا بدوره ليس إلا الوجه الناصع منها والذي يكمن خلفه عدد هائل من الرذائل. والرذيلة بدورها جزء من ثقافة الدولة والمجتمع والحضارة. لهذا لم ينظر إليها ابن خلدون بمعايير ومقاييس الرؤية الأخلاقية وأحكامها المجردة (وهي الفكرة التي سيطورها مكيافيللي ولكن بمعايير قواعد العمل السياسي وليس بمعايير الرؤية التاريخية الفلسفية)، بل اعتبرها ضرورية أيضا من وجهة نظر المسار التاريخي الطبيعي للوجود الإنساني. وليس مصادفة إن يفرز في احدى ملاحظاته الدقيقة والنقدية في الوقت نفسه مفارقة الظاهرة الملازمة لتطور الثقافة والحضارة من أن السعادة والكسب يحصل غالبا لأهل الخنوع والتملق. وهي رؤية تاريخية وواقعية تتوافق مع منهجه العلمي والتاريخي الدقيق، أي الذي يقر بالظواهر كما هي ويحللها بمعايير تطورها الذاتي. انه يكشف عن رؤية نقدية لإحدى مفارقات الوجود الطبيعي والتاريخي للإنسان. ويحللها من خلال تطور الدولة وأدواتها المرتبطة بفكرة الإكراه. بمعنى أن الإكراه هو الوسيلة التي من خلالها يجري بناء الدولة ووحدة البشر. وبالتالي، فإن رذيلة الإكراه بمعايير الرؤية الأخلاقية هي فضيلة بمعايير الرؤية التاريخية والسياسية (وهي فكرة سيقول بها ماركس). غير أن للإكراه في الدولة عند ابن خلدون بعدا إيجابيا. إذ حالما يستتب الملك والسلطان ويكبر يصبح الجميع بالنسبة له سواء. ومن ثم يفّضل من يخضع له ويأتمر بأمره في كل شيئ. من هنا "سعادة" المتملقين وتعاسة أهل الشموخ والإباء. وليس مصادفة أن يكون "الكامل في المعرفة" سيئ الحظ كما يقول العامة، وذلك لأنه "حوسب بما رزق من المعرفة"[4]. وينطبق هذا على كافة أهل المعرفة والفقه والعلم وما إلى ذلك. وهنا يبدو سرّ الشكوى التاريخية والمعنوية التي يوجهها أهل العلم والمعرفة من تعاسة الواقع وسوء الحظ. وسبب ذلك الإكراه يقوم في أن التعاون المبني عليه "لا يحصل إلا بالإكراه عليهم لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع"[5]. والسبب الأعمق لذلك يقوم في أن الإنسان وأعماله تصدر عن روية واختيار، ومن ثم تختلف مواقفهم ومشاربهم، وبالتالي لا سبيل إلى وحدته إلا بالقوة والإكراه لكي يجري حفظ الوجود، أو كما يقول ابن خلدون "لابد من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم لتتم الحكمة الإلهية في بقاء النوع"[6]. وبالتالي أعطى لعلاقة الجهل أو المعرفة والإكراه بعدا فلسفيا كما في علاقة الخير الشر القائمة في الوجود. فالخير هو من "العناية الربانية" بينما الشر أحد أعراض الوجود الضرورية كسائر الشرور الداخلة في "القضاء الإلهي" (كما سيقول به هيغل). فوجود الكثير من الخير يلازمه شر قليل وهو "معنى وقوع الظلم في الخليقة"[7]. وفيما لو جرى إزالة اللون التقليدي اللاهوتي في العبارة، فإن معنى "القضاء الإلهي" هنا هو قانون الوجود الطبيعي.

من كل ما سبق يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أن الأوصاف التي تلصق بابن خلدون معنى الرذيلة هو نتاج الرؤية المسطحة والغبية لحمقى "المثقفين"، وفي المقابل نعثر عند اغلبهم على تعظيم لمكيافيللي! مع أن الخلاف بينهما شاسع، لكنه يسير ضمن سياق العقل التاريخي والثقافي للأمم.

***

 ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1]  إن الانطباع الذي تولد عندي بعد قراءة كل ما كتبه طه حسين، هو انه لم يستمع لما كان يسمعه ممن يقرأ له حتى النهاية. والأسباب كثيرة. فمن الصعب الاستماع إلى كتب نظرية كبيرة جدا. لهذا كان يلتقط بعض مما يرسخ في الذاكرة من عبارات قابلة للفهم السريع. وليس مصادفة أن يكره الفلسفة لصعوبة فهمها، بل انه كان "يقرف" من الفلسفة الألمانية، وذلك لأنه لا يمكن فهمها بمجرد الاستماع اليها. بل انه وجد في كتابات العقاد الفلسفية اشياء متعبة ومرهقة مع انها سهلة بالنسبة لطبلة الصفوف الأولى لكلية الفلسفة. بل في اعتقادي انها معقولة حتى بالنسبة لطلبة المدارس الثانوية المتعلمين جيدا. بعبارة أخرى، انني اشك في انه استمع إلى كتاب نظري فلسفي حتى النهاية، أي انه لم يقرأ أي كتاب حتى النهاية. ومع أن لطه حسين ملكة ذهنية وذاكرة حافظة إلا انها لا تكفي في مجال العلم النظري. من هنا توجهه صوب التاريخ والأدب. فهنا مرتع الرواية والحكاية. أما الملكة الفعلية لطه حسين فتقوم في قدرته على ركوب موجة الشهرة من خلال "المفاجئات" التي يقدمها للثقافة التقليدية. وقد عاش طول عمره على هذه البضاعة تحت عنوان النقد والنزعة النقدية. وما قدمه وكتبه طه حسين لا نقد علمي ومنهجي ومنظومي فيه. فهو أقرب ما يكون إلى قاعدة "خالف تعرف" الواسعة الانتشار والصفة المميزة لأنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين. وقد كان طه حسين ينتمي من حيث الجوهر إلى هذا الصنف من الكتاب.

[2] طه حسين: فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، تحليل ونقد. سلسلة المئويات، مصر، القاهرة، 1925، ص184.

[3] عبد الرحمن منيف: لوعة الغياب. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. المركز الثقافي للنشر والتوزيع.الطبعة الثالثة 2003.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص311.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

[6] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

[7] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

 

مجدي ابراهيميُوجب التصوف على دارسه فضيلتين أساسيتين أولهما: اللغة. وثانيتهما: قوة الخيال. وبغير هاتين الفضيلتين لا يستطيع الباحث أن يساير أقاويل الصوفية ورموزهم الخفيّة التي تتطلب لمعرفتها والوقوف على مراميها لغة رفيعة. وبقدر رفعة هذه اللغة التي رمز بها الصوفية في إشاراتهم ولطائفهم المتعددة بعدد أنفاسهم، يكون "التخريج" أصلاً من أصول الفلسفة الذوقية؛ هذا إنْ جاز أن يكون للذوق فلسفة، وهو لا يجوز عندنا إلا باعتبار "وضوح الرؤية" تجيء بعد التفسير والتخريج.

وفلسفة الذوق تفسير له تماماً كما تقوم للفن فلسفته، فيجيء النسق من الفلسفة والمادة من الفن أو يجيء النسق من الفلسفة والمادة من الذوق فلا يخرج هذا عن إطار التفسير وفق ما تراه الفلسفة جديراً بالتفسير. ولا تعدُّ عبارات الصوفية وأقاويلهم فضلاً عن إشاراتهم من جملة مغاليق الرموز والإشارات إلا لأنها تفسّر بلغة عادية مألوفة، وإني لأعني بكلمة "عادية" أن اللغة لا تفي التفسير حقه من كل ما ينبغي أن يُقام عليه تفسير؛ وأعني بكلمة مألوفة هو كل ما يفسّره الذوق العادي لا العالي. فلا يجب، من أجل هذا، أن تنهض اللغة العادية، ولا بمقدورها أن تنهض، لتفسير أقاويل الصوفية وعباراتهم الرمزية لا لشيء إلا لأنها لغة موضوعة للإشارة لا للعبارة إلى حسِّ فصاعداً منه إلى ما بعده أحياناً، وأحياناً أخرى وقوف عنده وكفى.

فلا اللغة العادية المشيرة إلى وقائع العالم الخارجي بمستطيعة أن تفسر شيئاً مما يقوله صوفيٌ لا ينظر ألبتة إلى الحواس والمحسوسات نظرة غيره إليها، بمقدار ما ينظر إليها غيره منها. وإنمّا هو ينظر إلى الحسّ باعتباره صفة من صفات "الذات" واسماً من أسمائها فقط لا غير، ولا ينطلق مثل هذه الانطلاقة الرحبة إلا بملكة روحية فريدة يتجاوز بها عالم المحسوس إلى ما بعده. ولأجل هذا؛ كَثُر الرمز في التصوف؛ لأن اللغة العادية لا تفي بالتعبير عن سريّة معاني التصوف الخفيّة، وما يستشعره الصوفي في حالاته الروحيّة من أذواق ومواجيد.

غير أن تخريج المفهوم المقبول من الرموز والإشارات شبيهٌ بتخريج المذهب من الآيات والأحاديث، كما يفعل كبار الصوفية؛ لأن تخريج اللفظ المقبول من الإشارات والرموز قائمٌ على دعائم ذوقية تماماً كما يقوم المذهب على دعائم من الآي والحديث؛ ففي هذه المشابهة تكمن فلسفة التخريج التي نعنيها، وهى لا تعني سوى إيثار الباطن من القول على ظاهره، والمُضِيُّ معه إلى حيث يكون المقصود؛ فلئن كانت صلة الظاهر من مُرَاد اللغة هى صلة عامة بجميع الناس؛ فكذلك صلة الباطن من مرادها لا تكون لجميع الناس ولا لعامتهم. ومن هنا فقد يكون السبب الذي من أجله كان الصوفية ولا يزالون لا يتكلمون بلسان عموم الخلق، ولا يخوضون فيما يخوض فيه الناس من مسائل علم الظاهر هو: الضَّنُ بما يقولون على مَنْ ليسوا أهلاً لفهمه أو لمراده. فإذا تَيَسَّر للخاطر أن يصرف عن مراد القول كل ظاهر، جَازَ له العلم بمراد الباطن منه على وجه من وجوه الحقيقة كما كان يقول ابن عربي:

فاصْرِفْ الخَاطِرَ عن ظَاهِرِهَا       واطْلُب الباطنَ حتَى تَعْلَما

وبما أن اللغة العادية قاصرة عن أن تعبّر عن تلك المعاني الذوقية التي يدركها الصوفية في أحوالهم ومواجيدهم؛ فقد لزم لقوة الخيال أن تتسع ولا تنقبض عن التفكير في لغةٍ أبعدُ ما تكون عن اللغة العادية، وأقربُ ما تكون إلى الإشارة والرمز، وأدنى ما تكون إلى العاطفة والشعور يومئ بها الصوفي إيماءً إلى تلك المعاني التي لا يدركها على حقيقتها إلا من ذاق للقوم مذاقهم وجرب أحوالهم وهى في جملتها قوة توضع للمعاني وليست بقوة مقصودة لذاتها. وربما كانت إشارة ابن خلدون دقيقة في هذه الجزئية حين قال:"إنَّ أوضاع اللغة إنما هى للمعاني المُتَعَارِفَة" (مقدمة ابن خلدون بتحقيق د. على عبد الواحد وافي ج ٣ ص 1163).

فإذا نحن لم نجد لفظاً نودعه معنى لهذا الوجدان الغائر الثائر على الدوام، كُنَّا كمن يَسْتعير اللفظ من دلالته الحقيقية إلى دلالته الرمزية، أو من مستوى الواقع المُقرَّر المفهوم إلى مستوى الدلالة الغائبة الخفيّة. ومن هنا؛ سَادَ بيننا التعبير الشائع بضرورة قراءة ما بين السطور. ولقد استخدم هذه اللغة الصادرة عن قوة الخيال كثيرٌ من الصوفية على اختلاف مشاربهم بين تصوف سني وفلسفي: المحاسبي، والمكي، والبسطامي، والحلاج، والنفري، والجنيد، والغزالي، والقشيري، ووسّعها ابن عربي توسيعاً ذهب به إلى أبعد من غايته الموضوعة لها.

على أن التخريج في إشارة الرمز غير التأويل في قانون العقل والمباحث الفلسفية؛ لأن تأويل العقل قائمٌ على صرف اللفظ من دلالته الحقيقية المباشرة إلى دلالته المجازية، أو هو كما عرّفه ابن رشد (595 هـ) في فصل المقال:"إخراج دلالة اللّفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخلَّ ذلك بعادة لسان العرب في التّجوِّز".

أمّا التخريج في قانون الذوق؛ فنحسب أن شرطه يمضي مع مضاء المتذوق لعبارات الصوفية إلى منتهاها إنْ كان لها منتهى تنتهي عنده ثم تسرى فيه العبارة أو القول يقوله المتصوف، وكأنه هو الذي يقوله لا أحد غيره، وأن العبارة التي قليت هو الذي قالها لا أحد سواه من جملة قائلين؛ فإذا تحققت هذه الوحدة في المقولة وأحسّ أنه يستوعب معناها ويدرك على الحقيقة مرماها مما هو أمامه من ضروب الأقوال المرموزة والإشارات الملغزة، نهضت طواياه من فوره على الرغم منه تؤول المقصود من وراء العبارة ينطق بها الصوفي أو الإشارة تسنح بها خواطره في حالة وَجْدِه التي هو عليها، بحيث يمكن أن نستدل بما نفهمه من جملة ما يتراكم على الذوق من معاني هى في صميمها مُجَرَّد أقوال قيلت بلطف رائق في المباني من شأنه؛ بعد التعميق واستلهام موارده، أن يتبع لطف الأواني، كأن يشير ابن الفارض إلى ذلك بقوله:

ولطفُ الأواني في الحقيقة تابعٌ     للطف المعاني والمعاني بها تنمو

وهذا يُشْبِه قولنا: لو لم تكن هنالك في الذهن معاني، فلا تنتظر أن تجدَ على الأوراق مباني. وعليه؛ فالإبداع الصادر من خلال الذوق لا جَرَمَ يكون مصدراً من مصادر إدراك الذوق لمفهوم من المعنى واحد أو لعدة مفاهيم متضامنة.

وليس التأويل المقصود هو أن تختفي فيه الإشارات اختفاءً لا يدع للناظر فيها للوهلة الأولى إضمار المعنى ومقصوده بين طوايا العبارات. ولكن التأويل هو إظهار كل مقبول من القول تتسع له الإشارة ولا يتصادم في معناه الداخلي بين معقول يسيغه العقل وتقرّه شرائط البرهان، ومنقول يوجد على حالته في غير مساس، وعلى طريقة تناوله كما هو عليه أمام أنظار الباحثين تماماً كما ذَهَبَ إلى ذلك أو نحوه الغزالي في "قانون التأويل" حيث قال:"بين المعقول والمنقول تصادم في أول النظر وظاهر الفكر، والخائضون فيه تحزَّبوا إلى مفرط بتجريد النظر إلى المنقول، وإلى مفرط بتجريد النظر إلى المعقول، وإلى متوسط طمع في الجمع والتلفيق"( را: قانون التأويل منشور مع معارج القدس ، تحقيق محمد مصطفى أبو العلا ، مكتبة الجندي القاهرة 1388-1968م، ص 235).

والمتوسطون كما يعرض لهم الغزالي هم فرق خمس، أهمها هى الفرقة الخامسة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول والمنقول، الجاعلة كل واحد منها أصلاً مهماً، المنكرة لتعارض العقل والشرع وكونه حقاً. ولعلَّ الغزالي يميل إلى هذه الفرقة؛ لأنها الفرقة المُحقة التي تنهج منهجاً قويماً لا تكذِّب العقل؛ لأن من كذب العقل فقد كذَّب الشرع؛ إذْ بالعقل عرف صدق الشرع، ولولا دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبي والمتنبي والصادق والكاذب. وكيف، على تساؤل الغزالي، يكذب العقل بالشَّرع، وما ثبُت الشرع إلا بالعقل؟

وعلى هذا؛ فالتخريج يأخذ من العقل بمقدار ما يأخذ من النقل. وهو، من بعدُ، غير الظن والتخمين، مادام التخريج في ذاته غير التأويل؛ لأن التخمين والظن جهل، وهو وإنْ كان قد رخص فيه، فقد رخص فيه لضرورة العبادات والأعمال والتعبُّدات التي تدرك بالاجتهاد. وما لا يرتبط به عمل؛ على ما قال الغزالي، إنما هو من قبيل العلوم المجردة والاعتقادات؛ فمن أين يتجاسر فيها على الحكم بالظن؟ وأكثر ما قيل في التأويلات ظنون وتخمينات، والعاقل فيه بين أن يحكم بالظن وبين أن يقول: أعلمُ أن ظاهره غير مراد؛ إذْ فيه تكذيب للعقل، وأمّا عين المراد فلا أدري، ولا حاجة بي إلى أن أدري، إذْ لا يتعلق به عمل ولا سبيل فيه إلى حقيقة الكشف واليقين. من أجل ذلك؛ يُوصي الغزالي بالكف عن تعيين التأويل عند تعارض الاحتمالات؛ فإنّ الحكم على مراد الله سبحانه، ومراد رسوله صلوات الله وسلامه عليه بالظن والتخمين خطر.

فإنما تعلم مراد المتعلم بإظهار مراده، فإذا لم يظهر؛ فمن أين تعلم مراده إلا أن تنحصر وجوه الاحتمالات ويبطل الجميع إلا واحداً فيتعين بالبرهان. (را: قانون التأويل ص 241-242).

فالتخريج على هذا أسلم من التأويل؛ إذ كان التوقف في التأويل أسلم. نعم: من طالت ممارسته للعلوم وكثر خوضه فيها، يقدر على التلفيق بين المعقول والمنقول في الأكثر بتأويلات قريبة ويبقى لا محالة عليه موضعان: موضع يضطر فيه إلى تأويلات بعيدة تكاد تنبو الأفهام عنها. وموضع آخر لا يبين له فيه وجه تأويل أصلاً؛ فيكون ذلك مشكلاً عليه؛ كأن يجيء هذا المشكل من جنس الحروف المذكورة في أوائل السور القرآنية المباركة إذا لم يصح فيها معنى بالنقل.

ومن ظن، هكذا يقول الغزالي، أنه سَلَمَ عن هذين الأمرين؛ فهو إمّا لقصوره في المعقول وتباعده عن معرفة المجالات النظرية فيرى ما لا يعرف استحالته ممكناً. وإمّا لقصوره عن مطالعة الأخبار ليجتمع له من مفرداتها ما يكثر مباينتها للمعقول (قانون التأويل: ص 239).

*    *     *

من ذلك ترى؛ أن الغزالي أباحَ في قانون التأويل قدرة القادر على التلفيق بين المعقول والمنقول، أو على الجمع بينهما، إذا ما طالت ممارسته للعلوم، لكنه من جهة أخرى إذْ يبيح القدرة على التأويل لمن يشتغل بالعلوم والمباحث العقلية؛ مع طول الزمن وتعوِّد الدُّربَة، يأخذ عليه لا محالة أنه ممنوٌّ بموضعين، يضطر في أحدهما إلى وضع تأويلات بعيدة لا تحصلها الأفهام، وقد لا يتبيِّن في الموضع الآخر وجه التأويل أصلاً ... فلا يبقى بعد هذا إلا أن يكون "التخريج" أتمَّ من التأويل، إنْ لم يكن بغير شك أكمل منه.

ومادام غرضنا من "التخريج" هو تذوق العبارة واستلهام المشرب ومعايشة الحالة الشعوريّة لمن شاءت لنا مداركنا أن تعمل فيها عمل الإدراك، وتباين الأغراض الباطنة قبل الظواهر والأعراض؛ فقد وَجَبَ أن نعدَّ التخريج فلسفة ذات مقاصد روحيّة لا تغفل مطلقاً في شروطها شرط الإشارة اللطيفة والانطباع المباشر وإضافة البعد الذاتي الذي تفرضه مقومات الحالة الوجدانية في جوف صاحبها، ولا تلغيه.

*    *     *

ورُبَّ قول يُقال في باب من أبواب الحقائق الروحيّة؛ كأن يكون باب المعرفة مثلاً؛ فلا يعنى هذا القول من وجهة النظر العامة غير الضرب في متاهات لا يدركها مدرك بما توافر له إدراكه من إحاطة، فلا يتسع لظاهر القول ولا يتحقق من خوافيه؛ لأن الوظيفة الفنيّة التي قيل بها مثل هذا القول تقبل التأويل على قانون التأويل الذوقي (أي على قانون التخريج). فالإدراك العقلي المنطقي وَحْدَهُ لمثل هذه الإشارات واللطائف مفصولاً عن ذوق الشعور والوجدان لا ينتهي إلى وضوح واضح، بل ينتهي إلى غموض مُشْكِل. وعلى الذين يؤولونها، من بعدُ، أن تتسع صدورهم لما فيها من بواطن المعاني وخفايا الإشارات يقبلونها على حسب الاستعداد، وبمقدار قوتهم في تعلقهم بالمعنى الباطن.

خُذْ مثلاً على هذا، قول البسطامي حين سُئل عن المعرفة .. ما هى؟ فقال:"إنّ الملوكَ إذا دَخَلوا قَريَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَةً أَهْلَهَا أذلةً. وَكَذَلكَ يَفْعَلُونَ"(النمل: آية 34).

فظاهرٌ من الجواب أنه لا علاقة بينه وبين السؤال على الإطلاق. وعند التأمل ندرك أن المعنى الذي أراده أبو يزيد هو لبّ لباب الجواب الذي أجاب به، وإنْ كنتَ لا ترى فيه من حيث الظاهر علاقة ظاهرة ولا سبباً مباشراً مقبولاً أو معقولاً، ولكنك إذا تمّت لك النقلة الباطنة من خارج القول إلى داخله؛ فهمتَ ما يريد؛ فقد جرت عادة الملوك إذا نزلوا قرية أن يستعبدوا أهلها ويجعلوهم أذلة لهم ولا يقدرون أن يعملوا شيئاً إلا بأمر الملك فيما يأمر به وفيما ينهي، وكذلك المعرفة: إذا دخلت القلب لا تترك فيه شيئاً إلا أخرجته، ولا يتحرّك فيه شيء إلا أحرقته (را: السّراج الطوسي، اللمع في التصوف؛ ص 128).

هذا ما يجيب به البسطامي ويؤوّله السّراج الطوسي  مُفسّراً، وهو صاحب أقدم مرجع في تنظير التصوف وتقييد قواعده النظرية. ولكن بعد قراءة هذا التفسير الذي رأيناه عند الطوسي لم يزل السؤال قائماً: هل حالُ المعرفة في القلب، كحال الملوك إذا هم دخلوا قرية: الفساد والإفساد، وجعل العزيز من أهلها ذليلاً؟

مع ملاحظة أن ما أجاب به البسطامي إنما هو ضربٌ من التفسير كثيراً ما يلجأ إليه الصوفية في إشاراتهم الذوقيّة؛ لأنه كذلك مع ما فيه تجاوز العبارة الظاهرة هو ضرب من التفسير الإشاري للقرآن: معمولٌ به في عرف المفسرين، وبخاصّة أصحاب النزعات الروحيّة الخالصة كالإمام أبي عبد الرحمن السّلمي في كتابه المعروف بحقائق التفسير، والقشيري في "لطائف الإشارات"، وابن عربي في الكثير مما ذكره في الفتوحات المكية.

والتفسير الإشاري، جملة وتفصيلاً، إنما هو ضربٌ من فلسفة التخريج عند الصوفية يقوم على فهم طريقتهم في استعمال دراسة أصول الكلمات (etymology) للوصول إلى استخلاص معنى روحي لها. وما التّخريج إلا ذَوْق يخرِّج به صاحبه ما يعتمل في جوفه من مشارب وأذواق. وبمقدار ما يكون التعميم لتلك المشارب والأذواق سارياً في دوائرهم المعرفيّة تصيرُ فلسفة التخريج على هذا التعميم أساساً صالحاً يختص به المتصوفة دون غيرهم من الفِرَق الإسلاميّة.

*    *     *

قلنا إنّ فلسفة التخريج لدى الصوفيّة تعتمد مباشرة على قانون الذوق، وأن من أخص وظائفها الفنية هو تشبع المتذوق بإشارات الصوفية ولطائفهم، حيث يمكن له تجريب أحوال القوم وتذوق مذاقاتهم، وأنّ الإدراك العقلي وحده لمثل هذه الإشارات لا ينتهي بها إلى وضوح واضح بل ينتهي إلى غموض مُشْكل. وتوقفتْ بنا المساحة المحدّدة عند قول البسطامي حين سئل عن المعرفة؛ فأجاب بقوله:"إنّ الملوكَ إذَا دَخَلوا قَريَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَةً أَهْلَهَا أذلةً. وَكَذَلكَ يَفْعَلُونَ". فاعترضنا بسؤال على تخريج السّراج الطوسي لإجابة أبي يزيد البسطامي فقلنا: هل حال المعرفة في القلب كحال الملوك في القرية؛ الفساد والإفساد، وجعل العزيز من الأهل ذليلاً؟

ونظراً لأهمية فلسفة التخريج التي نعتمدها عند الصوفية قانوناً يستمد خصائصه منهجاً من معدن الذوق، نستكمل ما توقفنا عنده فنقول: هَبْ أن المعرفة هاهنا قد دخلت القلب كما يدخل الملوك القرية، أيكون المراد؛ كما أراده الطوسي, إنها لا تترك في القلب شيئاً إلا وتخرجه، ولا يتحرّك في القلب شيء إلا وتحرقه وكفى؟

المعنى لا يزال غامضاً والإجابة ليست شافية. إنما الاجتهاد يجعلنا نفي "التخريج" حقه من الجلاء والوضوح أزيد وأوفى ممّا أراد الطوسي تفسيره. فلئن كانت إشارة البسطامي تقول: إنّ حال المعرفة في القلب كحال الملوك في القرية إذا هم دخلوها أفسدوا فيها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ولا يزالون يفعلون؛ كذلك المعرفة إذا هى دخلت قلب العبد واستمكنت فيه، وتعلق بها وتعلقت به، أفسدته كما يفسد الملوك بقوتهم وسطوتهم وغلبتهم قرية صغيرة.

ولكن معنى الإفساد هنا هو التحويل من حال إلى حال، انقلاب من الضد إلى ضده، من الأمن والاستقرار إلى القلق والاضطراب، حتى إذا نحن شئنا أن نتصوّر قلب العبد كقرية دخلها ملوك أفسدوها فقد يلزمنا التصور أن نفهم المراد من وراء هذا القصد، ومراده هو: أن المعرفة إذا دخلت قلب العبد واستقرّت فيه، قلبته، وأفسدت فيه ما كان يعتقد أنه عز بأن جعلته ذليلاً ليعز بالذل بعد المعرفة، وليكون ذُلّه عزاً حين يذوق حلاوة المعرفة. فإنّ العز الذي ينبغي أن يفسد هو عز الجهل والاستنامة والبعد عن طريق الحق، وعدم الاهتداء إلى طريق الله، وهو شئ كان قبل المعرفة، وكان القلب معه يعتقد أنه عز، غير أن اعتقاده هذا عين الجهل وعين الوهم وعين الغبن؛ فإذا جاءت المعرفة قلبت هذا العز الموهوم إلى ذل معصوم من الوهم معصوم من الجهل والغبن، بمعنى أنها حوّلت استقرار القلب على الجهل وطمأنينة الغفلة والكنود والبلادة وتسويف الأعمال والبعد عن طريق الحق تعالى إلى قلق المعرفة وإلى اضطراب في حال العارف. وهذا ضرب من العز يأتي بعد ذلّ الجهالة الذي كان قبل حلول المعرفة في القلب عزّاً عند صاحبه.

*    *     *

وعلى هذا تتمُّ لنا النقلة المعرفية المقصودة من فلسفة التخريج على المعنى الذي يحمل وضوح الرؤية من مجمل أقوال الصوفية وإشاراتهم الذوقيّة: أعني النقلة الباطنة من خارج القول إلى داخله، والتي تيسّر لنا بالضرورة فهم ما يريد صوفي حين يقول من الأقوال قولاً، وحين يشير إلى حالة هو لا شك يعانيها، أو إلى وارد يعتريه عنوةً تحت سلطان الحال.

خُذْ مثلاً ثانياً على ما استنبطوه من قوله تعالى:"سَنُرِيهُمْ آيَاتَنَا في الآفَاقِ وَفي أَنْفُسِهُم حَتى يَتَبَيَّنَ لَهُم أنَّهُ الحَقُ"(فصلت: آية 53). معناه وفق هذا التخريج المقصود، سنريهم نعوتنا وصفاتنا في الملكوت حتى يتبين لهم إنه الحق، وما سواه باطل لا جَرَمَ، ولذلك قال النبي عليه السلام "أصدق كلمة قالت العرب ما قال لبيد:" ألا كل شيء ما خلا الله باطلٌ" فهذا الاستنباط يحتاج منا إلى تخريج فكيف نخرّجَهُ؟ إننا نحمله على معنيين من التخريج لا ثالث لهما أولهما: يحمل معنى وحدة التوحيد التي يعتقدُها الصوفية فيشهدون فيها الحق الباطن في دخائل النفس في حال الفناء، وهو حال ممزوج بالعاطفة القوية والروحانية الطليقة الجامحة. وثانيهما: يحمل معنى وحدة الوجود التي يرى أصحابها الحق تعالى في مجالي الجمال والجلال وهو عمل تجليات الصفات الإلهية. في الحالة الأولى كان البسطامي والحلاج والشّبْلي ورابعة العدوية.

وفي الحالة الثانية كان ابن الفارض وابن عربي وتلاميذه. وهذا المعنى الثاني المحمول على وحدة الوجود لا يمكن أن نغفله في كتب الأوائل من الصوفية على وجه العموم؛ إذا نحن لم نستطع أن نفصل فصلاً تعسفياً بين وحدة الشهود ووحدة الوجود في عين التجربة الصوفية.

   (Stace (W): Mysticism and

. philosophy, Mac Millan, London, 1961 .P 40)

وإذا نحن أردنا أن نرد جزءاً من معاني وحدة الوجود إلى ما نسميه من جانبنا بنظرية المضمون الإسلامية، وإذا نحن شئنا ألا نرجع بالوحدة فقط إلى المصدر الهندي مثلاً أو إلى الأفلاطونية المحدثة لأنهما (المصدر الهندي والأفلاطونية المحدثة) يختلفان في المضمون وإنْ اتفقا أحياناً في الشكل عن المضمون الإسلامي الذي ينطلق من عقيدة كتابية أولاً وقبل كل شيء ثم من فكرة التوحيد.

(وللحديث بقية)

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيالمفارقة التاريخية لوعي الذات الإصلاحي الإسلامي (2)

 كان الشرق مضطرا منذ اللحظات الأولى للصراع مع الغرب الأوربي الحديث إلى أن يواجه غزوا "متمدنا"، ومن ثم تحسس وأدرك منذ الوهلة الأولى روح الفضيحة القائمة فيه باعتباره شكلا يتعارض مع أسس مدنيته نفسها. وهو السر القائم وراء تشوه الغزو الأوربي في آرائه، وإشكالاته في غاياته. لقد كشفت المدنية الأوربية وتطور وعيها الذاتي في صراعها المرير من اجل الحرية والتقدم والإخاء والمساواة والديمقراطية والحق عن زيف وأنانية ظاهرية وباطنية، إضافة إلى مادية نفعية مبتذلة ولاعقلانية متغطرسة في الوقت نفسه في تعاملها مع الآخرين. فقد كانت حريتها إذلالا، وعدالتها ظلما، ومساواتها جورا، وتمدنها همجية، وديمقراطيتها استبدادا، واستقلالها عبودية. بصيغة أخرى، أنها كشفت عن أن نموذجها المتمدن هو أنانية قومية ضيقة. وبما أن هذه الصفة كانت مشتركة بين شعوب القارة كلها، فإنها ضاعفت من مركزيتها الغربية في مواجهة الشرق بالصيغة التي جعلته يبحث في ذاته عما يمكنه أن يكون بديلا لهذا الهجوم الشامل. وحصل هذا البديل على إدراك وانعكاسات نظرية وعملية متعددة. أما في عالم الإسلام فقد اتخذ صيغته الأولى بظهور مفهوم "الشرق المسلم" الذي عكس في تطور مضامينه طبيعة التحولات التي جرت في كل من العالم الأوربي والعالم الإسلامي.

فإذا كان الوعي الأوربي قد تقاسم بدرجات مختلفة منذ القرن السادس عشر الاهتمام بالشرق لاعتبارات دينية فكرية وسياسية اقتصادية، فان إحدى نتائج وإفراز هذا الاهتمام تقوم في تراكم التصورات الموضوعية عن العالم الإسلامي. ونعثر على هذه النتيجة بصورة مباشر في ظهور شخصيات علمية عديدة. بينما تتداخل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تيارات الثقافة الغربية والاستشراقية، التي افترض وجودها وتداخلها تطور الرأسمال ومصالح القوة وتوسع الثقافة (الاكزوتيك الرومانسي والعلمي بالشرق). وقد ساهم ذلك، رغم مفارقة الظاهرة، على تعميق شقة الخلاف الشرقي الغربي. وبما أن هذا الخلاف كان مبنيا آنذاك على تباين مستويات القوة والتفوق الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والثقافي، فانه أدى بالضرورة إلى تكوّن العناصر الجديدة لما يمكن دعوته "بالشرق الغربي". وجرى تصوير ملامح هذا الشرق في اطر وتقاليد النزعة المركزية الأوربية، أي كل ما نعثر عليه في مختلف الصور الوهمية والنمطية عن الشرق بشكل عام والإسلامي بشكل خاص. ولم تكن هذه الأوهام معزولة عن انكسار تقاليد العالم الروماني النصراني القديم ورموز وعيه الكبرى منذ الحروب الصليبية، التي كانت حصيلتها العامة تقوم في فضيلة الغرب ورذيلة الشرق، وفضيلة الغرب النصراني ورذيلة الشرق الإسلامي[1]. وكان لهذه الصورة استلابها المبطن في تاريخ الأحقاد وغفلة الذاكرة، إلا أن فعلها المباشر في عالم الإسلام أدى إلى استثارة ردود فعل مباشرة وغير مباشرة فيما يمكن دعوته بشرقية الإسلام وإسلام الشرق، بوصفها درجات متتالية في وعي الذات الروحي الثقافي والعملي السياسي.

لقد كانت "شرقية الإسلام" الغربية تركيبة مغرية، مّثلت في سلبيتها رد فعل الانتماء الأوربي النصراني. إلا أنها كانت ممتلئة بمعاني الاستقلالية العريقة بالنسبة للعالم الإسلامي. وليس مصادفة أن تصبح هذه التركيبة شعارا لوعي الذات الإسلامي الجديد. وحالما دخلت دهاليز الكينونة الجديدة للعالم الإسلامي، فانه كان لا بد لها من أن تخضع لنفس الآلية التي خضعت لها صيرورة "الشرق الغربي"، وإن بصورة معاكسة. بمعنى أنها استثارت في الشرق حمية الشرقية. وهنا ظهرت الملامح الأولى للأنا الشرقية الواعية لذاتها بوصفها كيانا مستقلا ومواجها للغرب.

وإذا كانت هذه المواجهة تتمحور حول ما يمكن دعوته بالشرقية السالبة، فانه لا ينبغي مع ذلك النظر إليها كسلبية في محتواها التاريخي. فهي ليست فقط الدرجة المناسبة لأسلوب المواجهة الذي فرضته إحدى مراحل التاريخ العالمي بين الشرق والغرب، بل ولأن صراع الشرق والغرب قد تحول إلى أسلوب جديد في مخاض الصيرورة العالمية الحديثة. لقد كان لا بد لها من أن تمر في مخاض التجربة القاسية للاتهام والاتهام المتبادل، للصراع والعداء باعتبارها دروبا في وعي الذات. وهو ما يمكننا العثور عليه في آراء رواد الفكر الإسلامي (الإصلاحي) ككل. حيث تظهر بجلاء ملامح الصراع المتزايد بين الشرقية والغربية. فقد كان الأفغاني في كتاباته الأولى، على سبيل المثال، ممثلا للجامعة الشرقية أكثر منه ممثلا للجامعة الإسلامية. وهو ما يفسر لحد ما سبب بقائها في آرائه ومواقفه حتى آخر مؤلفاته. رغم أنها أخذت تتلاشى إلى الدرجة التي يصعب فرزها بمنظومة أو مفاهيم مستقلة قائمة بحد ذاتها. ولم يكن ذلك سوى الانعكاس المتناسب مع طبيعة التحولات التي تعرضت لها فكرة الشرقية والإسلامية في منظومة الإصلاحية (الإسلامية) وممارساتها السياسية ومشروعها النهضوي. فعندما يناقش الأفغاني قضايا الأصالة والتقاليد، فانه عادة ما يردد الفكرة القائلة بان الوطأة الأشد على الشرق تقوم في تقليده للغرب. ولهذا شدد على أن الأمم الشرقية في حاجة إلى تقوية المناعة الذاتية أمام الهجوم الغربي.

لقد كانت مواقف الأفغاني هذه نتاجا لاستيعابه واقع "المسألة الشرقية" آنذاك. فهو  لم ينظر إلى هذه المسألة، حالما تطرق إليها، نظرته إلى قضية سياسية أو عسكرية خالصة، ولم ينظر إليها باعتبارات تتعدى حوافز القوى القائمة في عصره. فقد كان أدرى بعدم التكافؤ. لهذا لم يتحدث في هذا المجال عن مقارنة بين الرجل المريض والرجل السليم، ولا عن العثمانية المتدهورة والأوربية الصاعدة، بل حاول اختصارها فيما اسماه "بمعترك الغربي بالشرقي". فإذا كان الغرب قد تذرع بالنصرانية، فان ذلك لم يكن في الواقع سوى ذريعة وواجهة لا غير. وبالتالي، فان المسألة الشرقية، كما فهمها الأفغاني، هي مسألة الضعف والقوة. أما مهمة وأسلوب حلها الأمثل فقد وجده في الإسلام. وفي هذا نستطيع رؤية تحول المفاهيم والأحكام والمواقف عن عموم الشرق إلى خصوصه، أي من شرقية الشرق إلى شرقية الإسلام، ثم إلى إسلام الشرق.

لقد عكست هذه الثلاثية في صيغتها المجردة التطور التاريخي والواقعي لوعي الذات الشرقي الإسلامي. فقد كانت شرقية الشرق الرد المباشر على غربية الغرب. ونعثر على هذه الصيغة بهذا القدر أو ذاك من الوضوح، عند المفكرين المسلمين للقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. إذ نعثر في تحديد الأفغاني لصفات الغرب على إدراك جلي لغايات الغرب الأنانية تجاه الشرق من جهة، وعدم تكافؤ القوى فيما بين الطرفين من جهة أخرى. فهو يشير إلى أن الغرب لا يقدم للشرق إصلاح سير وسيرة. على العكس!! انه يشجع التخلف والجمود. بل لا تطرق دولة غربية دولة شرقية إلا وتكون حجتها حفظ حقوق السلطان وإخماد فتنة أو حماية المسيحيين والأقليات أو حقوق الأجانب أو حرية الشعب وتعليمه أصول الاستقلال

[2]. أما الغربي فانه حالما يرى بلدان الشرق، فانه يفكر بالشكل التالي: شعب جاهل وأراضي خصبة ومعادن كثيرة ومشاريع كبيرة وهواء معتدل، إذن نحن أولى به![3] ولم يبن الأفغاني هذه الأحكام على أنها فرضيات ممكنة بقدر ما انه نظر إليها كواقع فعلي. فقد عايش هو حيثيات ووقائع الصيغ الأولى للشرقية الإسلامية التي ساهم في رسم ملامحها العملية والنظرية الفعالة. إذ ضمّنها طرفي الهجوم والدفاع، والسلب والإيجاب المستندين إلى محاولات فهم الواقع الجديد. فالأفغاني كان ابعد من أن يصاب بشعور الخيبة أمام حاضره، وأعلى من أن ينحدر إلى درك الرومانسية المبتذلة بتمجيد الماضي. وقد أنقذ ذلك ذوقه النقدي من فساد تعلقه بالماضي. إذ لم يعم الماضي رؤيته الواقعية للأمور. على العكس! لهذا أسهم أيضا في شحذ رؤيته وأحكامه المكونة للشرقية الإسلامية. ففي تقييماته للغرب لا نعثر على غبنه إياه بفعل عدوانه وسطوته ونهبه للشرق. بل يمكن القول، بان كتابات الأفغاني تتضمن في اغلب عناصرها النقدية احتراما عميقا لانجازات الغرب العلمية والعملية. لهذا طالب بالتعلم منه والاستفادة منها. إلا انه وضع هذا التعلم في شروط الإفادة لا التقليد. بمعنى انه طالب بالبقاء في حيز الأصالة باعتبارها الشرط الجوهري لكل تطور حقيقي.

وقدم الأفغاني مثال اليابان آنذاك على انه نموذج يمكن من خلاله شحذ همة المسلمين. لقد أراد القول، بأن الشرق يمكنه، رغم تخلفه المعاصر، أن ينافس ويتفوق على الغرب في مجال الانجازات العلمية. ومن الممكن القول بان مثال الأفغاني يبدو الآن أكثر وضوحا وجلاء منه قبل قرن من الزمن. بمعنى دقة حكمه على ضرورة التعلم وإمكانية التفوق. أما أصالة فكرته العميقة فإنها تقوم في محاولته التركيز على مثال اليابان على فكرة الأصالة الثقافية والتطور العلمي التكنولوجي. وقد شكل مثال اليابان بالنسبة له مرحلة انتقالية من شرقية الشرق إلى الشرقية الإسلامية. وذلك لان الأفغاني أدرى من غيره آنذاك بخصوصية الأصالة الثقافية للعالم الإسلامي. إذ كان شديد الإدراك للأثر الثقافي الكبير الذي تركه المسلمون على تطور الحياة والنهضة الكبرى في أوربا قبل قرون مضت. وبالتالي، فان استعادة هذه النهضة بالنسبة للعالم الإسلامي ممكن ولكن من خلال إتقان أساليب التطور الحديث. فالتطور لا يرتبط بدين دون أخر، ولا بشعب دون آخر. وان مثال اليابان يبرهن ليس فقط على إمكانية منافسة الغرب من جانب الشرق، بل وإمكانية التفوق عليه دون التدين بدين ما أيضا. وان الشرط الوحيد لذلك، حسب نظره، هو شرط الأصالة الثقافية. لهذا أكد على أن اليابان استطاعت أن تبز أقرانها حتى في عدم تدينها، لأنها بقت أصيلة. وبغض النظر عن الملابسات الكثيرة المتعلقة بتدين أو عدم تدين اليابان، فان ما هو جوهري في آراء الأفغاني بالنسبة للعالم الإسلامي آنذاك يقوم في وضعه مهمة تعلمه من الآخرين ورفعها إلى مصاف الضرورة، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالهوية الثقافية. وبما أن هذه الهوية لم تكن معزولة ولا يمكن عزلها عن الإسلام، فانه حاول أن يجد في هذه الشرقية الإسلامية القوة التي يمكنها أن تشكل روح الاندفاع الجديد للتقدم. وبهذا المنحى ينبغي النظر إلى مقارناته العديدة التي يقدمها عن الإنسان الشرقي والإنسان الغربي، وعن الغربي النصراني والشرقي المسلم. فعندما يقارن على سبيل المثال، الانجليزي بالعربي، فانه يعتبر الانجليزي قليل الذكاء عظيم الثبات، كثير الطمع، عنودا وجسورا ومتكبرا، أما العربي فانه يتصف بما يقابلها من الصفات، أي كثير الذكاء، عديم الثبات، قنوع وجزوع وقليل الصبر ومتواضع. وبغض النظر عما في هذه المقارنة من خلل يصعب تلافيه، إلا أنها تتضمن إشارات واقعية وحوافز للبدائل العملية. لهذا السبب ركز على الصفات العملية الفعلية في مقارناته كالثبات والطمع والصبر وما يقابلها من الصفات. فالأفغاني يدرك الطابع المكتسب لهذه الصفات، أي انه يدرك الخلل الممكن في هذه المقارنة في حالة أخذها كما هي بصورة مستقلة عن طابعها التاريخي الملموس وغاياتها النهائية. وذلك لان صفات الأمم عرضة للتغير والتبدل، شأن كل ما فيها. وإذا كان من الممكن الحديث عن صفات أخلاقية نفسية قومية، فان ذلك لا يتعدى حدود شروطها الاجتماعية الثقافية التاريخية باعتبارها قيما سائدة. وقد أصاب الأفغاني في مقارنته هذه وفي محاولته تأسيسها النظري التاريخي عندما رجع إلى القرآن للبرهنة على أن تشديد القرآن على الصبر وضرورة الصبر (وان الصبر هو مفتاح الأمور العسيرة، وان الفوز للصابرين) ليس إلا رد فعل على عدم تميز العرب الجاهليين بالصبر. وهي ملاحظة دقيقة من حيث قيمتها الاجتماعية السياسية. بمعنى أن الأفغاني أراد أن يثير من خلال ذلك حفيظة الفعالية الكامنة في الذات العربية الإسلامية. انه أراد التعبير عما يمكن دعوته بالهمّة الشرقية واستثارتها في مواجهة الغرب المعتدى، باعتبار أن ما يميز الأخير ليس سوى صفات يمكن اكتسابها. من هنا ضرورة الصفات العملية المستندة إلى الفعل الدءوب والصبور. ولكن إذا كانت هذه المقارنة وأشباهها تستند على تمحيص مكونات القوى القائمة وراء "المسألة الشرقية" من اجل استثارة الهمة الشرقية، فان مقارنة الغرب النصراني بالشرق المسلم، أدت في نتائجها إلى صياغة الأسس الجديدة لما يمكن دعوته بإسلام الشرق.

ففي معرض مقارنته النصارى بالمسلمين، يشير الأفغاني إلى أن القائمون بالنصرانية يسخرّون الدين لأجل الدنيا، بينما العاملون بالإسلامية يسخرون الدنيا لأجل الدين. والنصارى يحسنون أمر دنياهم وما تتطلبه مظاهر الحياة بينما لا يعمل المسلمون بأحكام الإسلام فيخسرون الدين والدنيا. والنصرانية تدعو للمسالمة وعدم التدخل بالسياسة وترك أموال قيصر لقيصر وترك المنازعات الشخصية والقومية والدينية، إلا أن أعمالهم عكس ذلك. بمعنى عدم أو ضعف خضوعها لمبادئ النصرانية وتعاليمها والتمسك بها. بينما من يقرأ القرآن ويعرف تاريخه يدرك حقيقة دعوته لاستعمال القوة في الحق والجهاد. بينما نرى أعمال المسلمين على عكس ما يدعو القرآن إليه، خاملة خنوعة غير متمسكة بما يدعو القرآن إليه من القول والعمل. فالنصارى تبدو هنا، كما يقول الأفغاني، كما لو أنها تأخذ بالعهد القديم، بينما المسلمون كما لو أنهم يأخذون بالعهد الجديد.

إن هذه المقارنة التي يوردها الأفغاني تصب في إطار إبراز طبيعة الخلاف والتباين بين العالم الغربي النصراني والشرقي الإسلامي، من اجل استنهاض همة المسلمين تجاه هذا التحدي الجديد. إلا انه لا يضع هذه القضية في إطار المواجهة المباشرة بقدر ما انه أراد الكشف من خلالها واقع التخلف الشرقي الإسلامي وعوامل نهضته الممكنة. فقد كانت نظراته في أعماقها مواجهة تاريخية فكرية سياسية ثقافية للنفس أكثر مما هي مقارنة غربية شرقية أو نصرانية إسلامية. لكنها مهدت الطريق أمام صياغة جديدة للشرقية الإسلامية في مواجهة ذاتها أكثر مما في مواجهة الغرب. ومن هنا مأثرتها الفكرية العميقة.

لقد أراد الأفغاني البحث عن سبب تطور الغرب الأوربي فوجده في خروجه عن نصرانيته. لكنه لم يبحث في ذلك عن نقص في النصرانية، بقدر ما انه صوّر الواقع بما في ذلك في نتائجه، التي يمكن أن تعارض منطلقاته الإسلامية ذاتها. فهو يؤكد على أن تطور الغرب ونهوضه ليس نتاجا لالتزامه بالنصرانية والدين. على العكس! ولم ير في الخروج على الدين فضيلة بقدر ما انه وجد في نموذجه الأوربي شيئا ما طبيعيا ولحد ما ضروريا باعتباره رجوعا للذات ومصادرها الأولى. ولهذا اعتقد بان سبب صعود النصارى الأوربيين يقوم في استعادتهم لتقاليدهم القديمة، أي تقاليد ما قبل النصرانية (اليونانية الرومانية). إذ لم تكن النصرانية بالنسبة لهم، حسب تصور الأفغاني، إلا كالوشي والطراز على الظاهر. بمعنى أن رجوعهم إلى مصادرهم الذاتية (اليونانية الرومانية) هو الذي أدى إلى نجاحهم. ومن هذه المقدمة حاول بناء استنتاجه المماثل والقائل بان الرجوع إلى مصادر المسلمين الأولى، هو الذي يشكل أساس نهضتهم الحية. وان مصادر قوة المسلمين وتقدمهم وازدهارهم هو الإسلام لأنه لا تاريخ لديهم سواه.

وإذا كانت هذه الفكرة هي النتيجة التي يفترضها تطور منطق الموازاة بين الشرق والغرب، والنصرانية والإسلام، فان أساسها الذاتي يقوم في الكيفية التي انكسر بها وعي ضرورة النهوض في مواجهة الغرب بالاستناد إلى الأصالة والارتباط الوجداني العميق بالتراث الخاص. أنها تستند إلى إدراك عميق بأنه لا يمكن للثقافة والحضارة أن يتطورا بسلامة دون الاستناد إلى قواهما الخاصة. فهما يشبهان الكائن الحي. بمعنى أن وضعهما في قالب غريب سوف يؤدي بالضرورة أما إلى تشويههما أو موتهما الطبيعي. فإذا كان التطور الأوربي يستند في إحدى مقدماته الأولية الكبرى إلى حركة النهضة وإعادة الاهتمام بالقضايا الدنيوية عند شعرائه الكبار أمثال دانتي وبوكاشيو وبترارك، فان الثقافة الإسلامية مليئة بمئات الشعراء العظام الدنيويون. وإذا كانت النزعة الإنسانية تمثل إعادة الاعتبار للإنسان من خلال انتزاعه من سيطرة الكنيسة، فان العالم الإسلامي لم يعان من عقدة مؤسسة كهذه. أما الإصلاح الديني فلم يكن بإمكانه أن يكون لوثريا أو كالفنيا. والقضية هنا ليست فقط في أن الإسلام لا يعرف كنيسة أو كيانا ما مقدسا وسيطا بين الله والإنسان، بل ولأنه امتلك تقاليده العريقة في تباين فرقه ومذاهبه وحق الاجتهاد فيه. ولهذا فان الإصلاح كان يستلزم أولا وقبل كل شيء إزاحة ثقل الانحطاط الثقافي والاستبدادية الشرقية (التركية العثمانية) الجاثمة على عقل وضمير العالم الإسلامي من خلال الرجوع إلى ما دعاه الأفغاني بإسلام الحق والحقيقة.

وعند هذا الحد يكون الأفغاني قد تمثل الحركة الواقعية في انتقال عناصر "الشرقية الإسلامية" إلى صياغة المبادئ الجديدة لإسلام الشرق، أو إسلام الدعوة الجديدة، أو الإسلام العملي. وليس مصادفة أن يوجه المفكرون الكبار للحركة الإسلامية الإصلاحية جل اهتمامهم للبديل السياسي باعتباره المقدمة الضرورية للتطور الثقافي. فقد كان نشاط الأفغاني الناضج هو نشاطا سياسيا. وكتابات الكواكبي في جوهرها وغاياتها هي مناهضة للاستبداد السياسي وتأسيسا لبديله العقلاني الإسلامي. ولهذا السبب غابت مقارنة الشرق بالغرب أو معارضتهما عند محمد عبده وظهرت عند الكواكبي. بمعنى أن الفاعلية السياسية في إصلاحية الكواكبي الإسلامية قد وضعته بالضرورة أمام تناول حيثياتها الواقعية سواء في عالم الاستبداد العثماني أو في ضغطها المزدوج على استمرارية التخلف في ظل النزوع الغربي للسيطرة السياسية على العالم الإسلامي. لهذا السبب اقتربت آراؤه وأحكامه بهذا الصدد من الأفغاني. إلا أنها تجاوزتها من حيث اندماجها في منظومة أكثر تماسكا في رؤيتها لواقع الشرق بشكل عام والعربي منه بشكل خاص.

فقد وجه الكواكبي خطابه المناهض للاستبداد للشرق عموما. وهي صيغة كانت تتمثل في نفسيتها بقايا الانتماء الإسلامي. بمعنى مطابقتها النقدية للشرق العام مع الشرق الإسلامي. لهذا أكد في (طبائع الاستبداد) أن على الشرقيين أن يعرفوا أنهم "المتسببون لما هم فيه فلا يعتبون على الاغيار ولا على الأقدار"[4]. وهي صيغة ملائمة لما يمكن دعوته بنقد الذات الشرقي باعتبارها المقدمة الضرورية لتثوير الروح الإصلاحي. فهو يكرر في أكثر من موضع على انه ما "أحوج الشرقيين أجمعين من بوذيين ومسلمين ومسيحيين وإسرائيليين وغيرهم إلى حكماء لا يبالون بغوغاء "العلماء" الغفل الأغبياء، والرؤساء القساة الجهلة. يجددون النظر في الدين… يحتاجون إلى أصله المبين من حيث تمليك الإرادة والسعادة في الحياة"[5]. أما "تجاوز" الديانة هنا فهو تجاوز تخلفها الاستبدادي. لهذا طالب الجميع بحاجتهم إلى علماء مجددين في الدين يضعون بإرادتهم الحرة (تمليك الإرادة)، أي إزالة الاستبداد السلطوي (الرؤساء القساة) والاستبداد الروحي الديني (العلماء الغفل) في أولويات مهماته. وهو الانبعاث المطابق للوعي التاريخي الجديد في إصلاحيته الدينية السياسية. إذ لا يعني إشراك المسلمين والبوذيين والنصارى والإسرائيليين في إصلاحية فعالة سوى اشتراك الشرق في موضوعاته الاجتماعية السياسية وتخلفه الحضاري عند تخوم القرنين التاسع عشر العشرين. مما يعكس أولوية الموضوعات الاجتماعية السياسية وثانوية الدينية في توجهه العملي، وأولوية الإصلاح الديني وثانوية التطبيق العملي لموضوعات الاجتماع والسياسة في أفكاره النظرية. وقد فرض هذه المعادلة منطق الإصلاح العقلاني التنويري، الذي يقترب في تجرده من تاريخ الارتقاء الطبيعي للحضارة ومستلزماته الضرورية. وأدى هذا الإدراك بفعل طابعه النقدي واصلاحيته العميقة إلى مواجهة عقدة الغرب والشرق باعتبارهما أقطاب الوجود التاريخي آنذاك.

فقد تعامل الكواكبي مع خصوصية الشرق والغرب بمعايير الواقعية. وانطلق منها في الوقت نفسه، باعتبارها المقدمة النقدية لوعي الذات السياسي والثقافي. فهو لم ينظر إلى تعارض الشرق والغرب بمقولات النفسية الأخلاقية، بل وضعها ضمن إطار النظرة النقدية لواقع الاختلاف بين الشرق والغرب في النظم والآراء والرؤية. بحيث جعله ذلك يتكلم عن استبداد غربي وآخر شرقي. فإذا كان الأول يتميز بخوفه من العلم، وان يعرف الناس حقيقة أن الحرية أفضل من الحياة، وماهية الحقوق وكيفية الحفاظ عليها، وما هي إنسانية المرء ووظائفها؛ فان أخوف ما يخافه المستبدون الشرقيون هو العلم. فالمستبدون يرتجفون من صولة العلم، وكأن أجسامهم من بارود والعلم نار[6]. وان الاستبداد الغربي احكم وارسخ ولكن مع اللين، بينما الاستبداد الشرقي مقلق سريع الزوال ولكنه مزعج. وانه إذا زال الاستبداد الغربي فانه يتبدل بحكومة عادلة تنجز ما يمكنها انجازه حسب ظروفها وإمكاناتها الملموسة، بينما يخلّف زوال الاستبداد الشرقي استبداد شر منه. وذلك لان الشرقيين لا يفكرون بالمستقبل[7]. تحتوي هذه الرؤية المقارنة على انتقاد عميق للاستبداد ومحاولة كشف خصوصيته. فالكواكبي يدرك أن الاستبداد واحد. وان تباين أشكاله لا يعطي لأي منه امتيازا وأفضلية. غير أن واقعية أحكامه تستند إلى واقعية رؤيته للأولويات في الفكر والسياسة. بعبارة أخرى، أن تقييمه جرى من خلال رؤية نقدية عميقة لتاريخ التطور السياسي للغرب وصعود قضاياه السياسية والحقوقية إلى صدارة وعيه الاجتماعي (الحرية والحقوق والإنسانية)، أي كل ما يفتقده الشرق بشكل عام والإسلامي بشكل خاص.

لم يقصد الكواكبي من كلامه السابق استبدال الاستبداد الشرقي بآخر أجحف منه، بقدر ما انه ربط هذه القضية بافتقاد أو ضعف الرؤية المستقبلية. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة السياسية لأهمية وعي الذات التاريخي والعملي. ومن ثم فإنها تحتوي على ما يمكن دعوته بمهمة صياغة مقومات الوعي الذاتي بما يتطابق مع خصائص الوجود الفعلي. ولعل في مقارناته عما اسماه باختلاف الإنسان الغربي عن الشرقي نموذجا لذلك. فالأول يعني بكسب المال بينما لا يفكر الشرقي بذلك[8]. وان الإنسان الغربي مادي الحياة، قوي النفس، شديد المعاملة، حريص على الانتقام. أما الإنسان الشرقي فهو أدبي، يغلب عليه ضعف القلب وسلطان الحياء، ويصغي إلى الوجدان والرحمة والعطف ولو مع الخصم. متميز بالفتوة والقناعة والتهاون بالمستقبل. وهي صفات لها مقوماتها الواقعية في عصره[9]. وبغض النظر عن طابعها الجزئي ولحد ما طابعها الأيديولوجي، إلا أنها تعكس كما هو الحال عند الأفغاني، معالم التفاؤل المعنوي في إمكانية استنهاض الروح السياسي الإسلامي. فهو لا يتكلم من حيث الجوهر عن اتهام أخلاقي أو سياسي لطرف ما، بقدر ما انه يحاول من خلالها (الصفات) الحديث عن ظاهرة اجتماعية سياسية وثقافية كبرى. فعندما يتكلم الكواكبي عن الاستبداد الشرقي والغربي فانه "رفع" الثاني مقارنة بالأول. بل نراه يكيل المديح للغرب في مختلف جوانب إبداعه العلمي والاجتماعي. ومن خلال ذلك حاول البرهنة على أن الاستبداد يخلق على مثاله مجتمعه وأناسه. ومن هنا حاول إبراز رذائل الشرق في مختلف مكوناته المادية والروحية. مما يعني بان مقارنته المذكورة أعلاه كانت تهدف إلى تعميق وعي الذات الإسلامي. إذ لم يعن الشرق عنده هنا سوى الشرق الإسلامي. كما انه سعى لتعميق هذه الرؤية استنادا إلى مكونات الوجود الإسلامي نفسه. فعندما عارض الإنسان الشرقي بالغربي في موقفه من موقع وعلاقة الغاية بالوسيلة، وتبرير الغربي لكل وسيلة من اجل بلوغ غاياته، فانه أكد على أن "الحكيم الشرقي" لا يبيحها لما بين أبناء الشرق والغرب من التباين في الغرائز والأخلاق[10]. ذلك يعني انه يقر بإمكانية وجودها في عوام الشرق واستحالتها في حكمائه. مما يعني إدراكه لإمكانية قول "حكماء" الغرب بها. وهي الخاصية التي تجد انعكاسها غير المباشر في تباين الرؤية والغايات في الشرق الإسلامي عن الغرب. بحيث نراه يسعى للكشف عنه على مثال الموقف من المجد. فهو يشير إلى أن "المجد لا ينال إلا بنوع من البذل في سبيل الجماعة"[11]. وهو الذي يعبر عنه الشرقيون بعبارة "في سبيل الله، أو سبيل الدين". بينما يعبر عنه الغربيون بعبارة "في سبيل الإنسانية، أو سبيل الوطنية"[12].

أن هذا التعارض البليغ في اللسان والجنان هو النتاج الطبيعي لاختلاف الثقافة وأوزانها الداخلية. لكنه اختلاف لم يسع رجال الإصلاحية الإسلامية إلى دفعه صوب وديان الخلاف، بل وجهوه صوب تعميق الوعي الاجتماعي الإسلامي بالصيغة التي يمكنه تثوير وجوده السياسي والثقافي. وقد أدت هذه النتيجة في حصيلتها إلى تشكيل أسس ومنطلقات البناء اللاحق "لإسلام الشرق" بمختلف مظاهره. ولم يعن ذلك من الناحية التاريخية سوى ظهور الإسلام كقوة سياسية ثقافية مستقلة تأخذ على عاتقها مهمة بناء الكيان الشرقي على أسس إصلاحية عقلانية.

***

 ا. د. ميثم الجنابي 

 ....................

[1] إن الصيغ الأيديولوجية لهذا التفوق تندرج في سطحية الأحكام الأوربية عن العالم الإسلامي. وإذا كان تطور معارف الغرب عن علوم الإسلام قد ذلل في نهاية المطاف هذا الوهم المتعجرف برفعه إلى مصاف الإدراك الموضوعي لحقائق التاريخ والأشياء، فان ذلك لا يعني إزالته كليا. على العكس!! إن سيطرة الأوهام الأيديولوجية والأساطير السياسية الثقافية ما زالت سائدة في الوعي العادي (الجماهيري). وهو ما نعثر عليه في سيادة التعبير السلبي عن رمزية الراية الخضراء والهلال والجهاد، إضافة إلى انعكاس صور الإسلام في وهم الأوربي العادي عن التخلف والجهل وتعدد الزوجات والحجاب والعنف والإرهاب والتطرف. وهي فكرة يمكن العثور على احد نماذجها الكلاسيكية في تلك العبارة المبتلاة بغبائها، والتي أطلقها في يوم ما احد رجال البرلمان البريطاني صارخا: "إن القرآن اصل البلايا في هذا العالم"!!

[2] الأفغاني: الأعمال الكاملة، المؤسسة المصرية للتأليف والنشر، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1966، ص454.

[3] المصدر السابق، ص455.

[4] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ، المؤسسة المصرية للتأليف والنشر، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1970، ج2، ص33.

[5] المصدر السابق، ج2، ص396.

[6] المصدر السابق، ج2، ص360.

[7] المصدر السابق، ج2، ص384.

[8] المصدر السابق، ج2، 384.

[9]إن هذه التقييمات ومثيلاتها عند الأفغاني وغيره من رجال المرحلة تعمم الملاحظات الدقيقة لخصائص التطور الروحي والثقافي للغرب والشرق وبالأخص في مواجهتهما المباشرة في القرن التاسع عشر. حيث تبدت بجلاء علامات حب المال والنزوع نحو السيطرة والقوة وسيادة مبدأ الغاية تبرر الوسيلة عند الإنسان الغربي (الأوربي). بمعنى أنها ليست صفات مطلقة بقدر ما أنها مثلت في واقعيتها الرصد المناسب لما هو عام وجوهري في إحدى المراحل التاريخية (السياسية الاقتصادية). فالشرق ذاته لا يخلو ممن يتصف بصفات الإنسان الغربي المذكورة أعلاه. ولكنها تبقى مجرد صفات جزئية. أي لم تتأطر في منظومة من القيم مؤسس لها في الفكر السياسي والاجتماعي والأخلاقي.

[10] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، 395.

[11] المصدر السابق، ج2، ص362

[12] المصدر السابق، ج2، ص362.

 

 

ميثم الجنابيالمضمون الإصلاحي لفكرة الجهاد والاجتهاد الإسلامية 

"ما ظهر على الإنسان  إلا ما استقر في باطنه.

فما أثر فيه سواه"  (ابن عربي)  

إن الحدس الكامن في وحدة الجهاد والاجتهاد، الذي تبلور في مجرى صيرورة الحضارة الإسلامية وعلومها، لم يكن نتاجا لبيان اللغة وبلاغتها. إذ لكلمات الجهاد والاجتهاد جذورها التاريخية والمعنوية العريقة في لغة العرب. وهي جذور لها جذوتها في العقل والضمير، أي لكل ما كان يتراكم في الوعي التاريخي وفكرة البدائل.

فالأمم لا تنتج إلا ما يقع ضمن استطاعتها. واستطاعتها هي المكونات الواقعية المتجمعة في مجرى تجاربها الخاصة. وبالتالي فهي المكونات الوحيدة القادرة على رفع معاناة البحث عن الحق والحقيقة إلى مصاف المرجعيات العلمية والعملية للأفراد والجماعات والأمة في مساعيهم من اجل الأفضل والأصلح.

فالتجارب الواقعية للأمم هي معاناة البحث عن البدائل. ومن ثم هي النقيض الدائم للتقليد. إذ لا شيء أكثر عبثا وتخريبا لذاكرة الأمم من التقليد أيا كان نوعه وحجمه ومحتواه. من هنا قيمة الإصلاح بوصفه اجتهادا، وتحقيقه بوصفه جهادا. إذ لا معنى حقيقيا بالنسبة لوحدة الجهاد والاجتهاد غير الإصلاح، فهو ميدان تحقيقهما، وأسلوب تهذيبهما الدائم. الأمر الذي جعل الاجتهاد المتخطي لقيم التقليد ومفاهيمه جهادا فعليا، تماما بالقدر الذي جعل من الجهاد من اجل الإصلاح الفعلي (المنظومي) اجتهادا أصيلا وحرا. بعبارة أخرى، إن وحدة الجهاد والاجتهاد في الإصلاح هي فكرة الإرادة المحكومة بقيم عليا.

للإصلاحية جذرها المعنوي العميق في أحد اكبر كوامن العربية أخلاقا وسموا. فإذا كان الوعي العادي نادرا ما يسترق السمع لما في الآذان من تحية للصلاح ودعوة إليه، فإن الوعي الثقافي يجهل في حالات عديدة معاناة الصلاح والأصلح المميزة لصراعات علم الكلام اللاحقة في مدارسه المختلفة. ويشير ذلك في بعض جوانبه إلى عدم تعلّمه بعد إصلاح النفس بالاعتماد عليها أولا وقبل كل شيء. أما نقد الذات المتحزب وبالأخص بمعايير السياسة المبتذلة، فإنه لا يفلح حتى في تجاوز أوهامه المصطنعة لما هو مألوف ومسموح به. بمعنى انه لن يفلح في صنع مقومات الإصلاح الذاتي. مما أدى بالتالي إلى إضعاف همّة الفكر في بحثه عن الاحتمال والإمكان. بينما كانا هما على الدوام الميدان الذي يمكن أن نرمي فيه كل ما هو عصي على الفهم والبرهان. وهو سبب إفقار ملامح الرؤية الواقعية للصلاح والأصلح، باعتبارها قيما وأساليب ومعايير علمية وعملية تندرج في فكرة الإصلاح نفسه.

ومع ذلك ساهم هذا الواقع وما يزال في استثارة البحث عن البدائل في أجنة الكينونة المعاصرة للعالم العربي. وهو أمر يضعنا أمام جوهرية الإشكاليات الحية التي أبدعت مختلف المنهجيات والحلول لقضايا الممكن والواجب في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية، منذ أن اتخذ وعي الذات الثقافي موقعه المناسب في هرم المدنية الإسلامية.

وقبل أن تصل المدنية الإسلامية إلى إدراك معنى وقيمة الهرمية في نظرياتها وأحكامها عن المرجعيات المتسامية، باعتبارها منابع للإصلاح أيضا، كان لابد لها من التيقن بان طرقها الوعرة معبدة بوطء أقدامها الخاصة. غير أن هذه الذروة التي يمكن أن يبلغها وعي الذات الثقافي بوصفها الغاية المتسامية للمبادئ الأولى والفضيلة العليا في تجليها الواقعي، سرعان ما يأخذ بريقها المتلألئ بالتلاشي والخفوت كما لو انه اثر في الخيال. بعبارة أخرى، إن وعي الذات الثقافي يصارع نفسه على الدوام بسبب مجاراته الصميمية للتنوع والتبدل والتغير. وإذا كان هذا التناقض العميق هو أيضا النتيجة الملازمة للمدنية نفسها، فإن ذلك يعني أن له "منطقه" الخاص فيما يمكن دعوته بسرّ الوجود التاريخي للأمم.

فللأمم أيضا محاكاتها "التاريخية" في الولادة والموت والانبعاث. وهي لا تفتعل هذه الدورة الخالدة لوجودها، بقدر ما أنها تلازم ما استقر فيها. وفي هذه العملية يجري ابتداع عناصر استمرارها على انه التجلي الخاص لاجتهادها وإصلاحها الدائم. والمهمة الآن لا تقوم في تطويع معالم الإصلاح التاريخي في تياراته المتنوعة، بقدر ما أن يجري صياغة قيم التفاؤل العقلانية بإمكانية الإصلاح الدائم من خلال رؤية مقوماته الثقافية، بوصفها مرجعيات متسامية. الأمر الذي يحدد ضرورة اقتران إدراكنا عن "سر الوجود التاريخي" للعرب بالإسلام، لأنه مصدر وبداية الوجود التاريخي العالمي لهم.

فهي البداية التي تجبر الوعي التاريخي والسياسي والحضاري على الرجوع إليه سواء جرى ذلك من خلال التفي أو الإثبات. بعبارة أخرى، إن إدراك السر التاريخي لظهور العرب بهيئة أمة تاريخية عالمية ثقافية يفترض بالضرورة الرجوع إلى مصادر وجودهم المعقولة والمطلقة وتجليها التاريخي. وبما أن المطلق التاريخي هو "البداية" المعقولة، فإنها تؤدي في حالة تأملها الفعلي إلى البحث عن "نهاية مثالية". أي لا بد لها من أن تدغدغ المشاعر وتثير الخيال وتجهد العقل على رؤية "سدرة المنتهى" في أحد نماذجها الأكثر رفعة، بوصفه الرونق اللامع في التقاء "البداية" و"النهاية". فهي الحركة التي يستمد منها الوعي الاجتماعي رؤيته بالنسبة لتركيب سلسلة الوحدة الخفية للانتماء الوجداني والعقلي إلى مصدر المطلق التاريخي. بمعنى بلوغه إدراك الحقيقة القائلة، بأن نقطة البداية هي نقطة النهاية. ويجد هذا الإدراك انعكاسه وفاعليته في مرجعية الفكرة القائلة بالقيمة الجوهرية في العودة إلى المصادر الأولى. لهذا كانت وما تزال وسوف تبقى "آلية" هذه العودة إلى المصادر الديمومة المحركة لكل فكرة إصلاحية عميقة المحتوى. وذلك لأنها تؤدي تاريخيا إلى تعميق عناصر وعي الذات، وروحيا إلى تقوية خصال اليقين، وفكريا إلى تقويم معالم البصيرة، وعمليا إلى تأسيس البدائل المتنوعة.

إن القول، بأن الرجوع إلى المصادر الأولى يؤدي إلى تعميق عناصر وعي الذات، وتقوية خصال اليقين، وتقويم معالم البصيرة، وإمكانية وتأسيس البدائل المتنوعة، لا يعني تطابق الإصلاح مع الرجوع إلى الماضي، بقدر ما يشير إلى تلازمهما الضروري. إذ ليس ارتباط الإصلاح بالرجوع للماضي سوى أسلوب التأسيس الواقعي المتين للاستمرار الثقافي، باعتباره أحد الشروط الجوهرية لترسيخ الوعي الإصلاحي. وذلك لاحتواء هذا الرجوع من الناحية التاريخية على عناصر ترسيخ وتعميق وعي الذات، ومن الناحية الروحية على خصال تقوية اليقين، ومن الناحية الفكرية على معالم تقويم البصيرة، ومن الناحية العملية على إمكانيات البدائل المتنوعة.

ولا يغير من هذه الحقيقة حتى واقع عدم إدراك الحركة الإصلاحية لهذه الإشكاليات. مع أنها من صلب الحركة الإصلاحية الفعلية نفسها. وذلك لأنها عادة ما تبدع نموذجها الجديد حتى في حال يقينها أنها لا تفعل إلا على إعادة  بناء "القيم المثلى" للماضي. الأمر الذي يفسر سرّ تعثرها في خطواتها المستقيمة. إلا أن هذا التعثر عادة ما يجبر الفكر على تأمل خطواته من اجل تجاوز "التناقضات البليدة" في العلم والعمل، ومن ثم يساهم في تعميق وترسيخ قيم وعي الذات. وبما أن التاريخ هو الروح في ميدان اليقين، لهذا عادة ما يصبح البحث عن "منهجية" المطلق أحد إشكالاته الكبرى. وبما أن المطلق هو الصيغة الأكثر تجردا للثقافة، من هنا تصبح صورته التاريخية المثلى وعاء الخصال الفاعلة على تقوية اليقين. وبما أن التجلي الواقعي لخصال اليقين لا يمكنه أن يتجاوز الصراع الفعلي في ميادين العلم والعمل، لهذا عادة ما يتحول الصراع إلى مصدر لا ينضب لإشكاليات الفكر وحلوله. وقد حدد ذلك بدوره ضرورة الرجوع إلى الماضي، باعتباره امتحانا للذاكرة واحتكاما لها أما البصيرة، أي تقويمها.

ومع ذلك لا ينبغي اعتبار الرجوع إلى الماضي قدرا لا بد منه أو حتما قاهرا يجرف بذراعيه الباردتين ضمائر المخلصين وسذاجة العوام وحماقات الأدعياء، بقدر ما أنه سنّة البحث الإصلاحي بحد ذاته. وبما أن الماضي هو التيار الجارف في الوعي العابر، لهذا ليس من الضروري أن نلبس هذه الفكرة لباس المطلق من اجل أن تظهر بزي الشمول التاريخي، كما انه ليس من الضروري انتزاع معناها التاريخي من اجل أن تكون مقبولة بالنسبة لعالم البدائل السياسية. لاسيما وأن البدائل السياسية نفسها ما هي إلا التاريخ المتحرك في تيار المصالح والمفاهيم، والانتصار والهزيمة، والإقدام والتراجع، والاستعداد للتضحية وتأمل مآثرها، ومدح النفس وانتقادها النسبي. من هنا استحالة تجاهل قيمة وأهمية الارتباط بالماضي بالنسبة لكل حركة اجتماعية سياسية ثقافية تسعى لاحتلال موقعها الكبير في التاريخ الفعلي للأمم.

وفي ذلك تكمن المقدمات الأساسية للحركة الإصلاحية. وبالتالي لا يفترض ظهورها وتشكلها وارتقاءها حتمية المواجهة، لكنه يفترض تقديمها للحلول المقنعة والهادئة حتى لأولئك الذين تعودا على صيغ العنف في القول والعبارة والعمل والإشارة. ذلك يعني أن المحتوم في الحركة الإصلاحية هو إمكانية مواجهتها المتنوعة لمختلف مظاهر ردود الفعل العاتية منها واللاهية، المرنة والقاسية.

فالحركة الإصلاحية، بوصفها حركة عملية لا تظهر إلا عندما تبلغ مفارقات الواقع والتاريخ درجة تستحث الأفراد والجماعات على الفعل، أي حالما يصبح النظر إلى الواقع انحرافا عن "المسار الطبيعي" و"مثال الأسلاف" وغيرها من النماذج المعقولة. من هنا يصبح إعلان الرجوع للماضي فعلا ضروريا وقيمة عليا. وفي مجرى تعمق هذا "النظر" عادة ما تتبلور ملامح الرؤية الإصلاحية. وعلى كيفية تعمق هذه الرؤية يتوقف مسار الحركة الإصلاحية في العلم والعمل. بمعنى أما السير في اتجاه تحولها إلى حركة اجتماعية سياسية ثقافية لها ثقلها المباشر بالنسبة لتاريخ الأمم ومصائرها، أو تحولها إلى قيمة مجردة بوصفها نموذجا امثل للمحاكاة.

غير أن إشكالية التنوع والخلاف الواقعي والمحتمل بين الصيغة النظرية المجردة والصيغة العملية هي على الدوام إشكالية التاريخ الملموس. وعادة ما تتنوع هذه الإشكالية في الصور والوعي على السواء. وسواء أطلق عليها اسم "تقدير الأزل" أو "ثقل الضرورة" أو "سنّة الوجود"، فإنها تعبر جميعا في تقاليد الرؤية الإسلامية عن إدراك خاص وحدس معقول لعلاقة المتناهي باللامتناهي، أو الخلق بالحق. وهي رؤية تستند إلى يقين الإيمان أكثر منها إلى عروة القناعة العملية.

وإذا كان ترابط الإيمان والعمل في الإسلام هو الصيغة التي تبلورت من خلالها معالم الإسلام الأول بوصفه فعلا توحيديا جديدا في أفق الثقافة الجاهلية، فانه يكون بذلك قد وحّد تاريخيا في ذاته معاقل اليقين ومعالم الفكر. إلا أن هذه الجوانب لم تظهر دفعة واحدة. إضافة لذلك أنها لم تكن قادرة آنذاك بعد على الظهور بهيئة تتجاوز ما تضمنته الوحدانية الإسلامية في بساطتها القائلة، بأنه لا اله إلا الله!

بهذا يكون الإسلام قد أدخل فكرة المطلق إلى عالم الثقافة العربية الجاهلية. وهو مطلق لم يتعد في ملامحه الظاهرية ومضمونه الواعي ما احتوت عليه معاقل الذهنية العربية. وهو حال ضروري بالنسبة للمسار الذي تقطعه الفكرة الإصلاحية في مجانستها لحوافز الفعل وغاية الأفكار. 

فقد كان المطلق الإسلامي الأول من الناحية التاريخية بداية المطلق الثقافي الحر. الأمر الذي رافق منذ البدء حقيقة التوحيد الإسلامي باعتباره حركة إصلاحية شاملة. بعبارة أخرى، انه تضمن في ذاته إمكانية البؤرة الثقافية، التي كانت تعني بالنسبة للإصلاح وتقاليده الروحية وحدة الحركة الفاعلة والوحدانية المتسامية، الذي سيكشف عن نفسه في ثنائياته الكبرى، بوصفها مرجعيات متسامية ومنحلّة في حدوده الوسطى.

فقد كان التاريخ الوحداني الإسلامي في مصادره الأولى هو تاريخ الكلّ القرآني، كما نعثر عليه في نتائجه. إذ كشفت هذه النتائج عما في هذه الوحدة من إمكانيات هائلة بالنسبة لتأسيس البنية الثقافية اللاحقة. فالكلّ القرآني هو ليس مجرد النص العثماني، وليس اختلافات المتكلمين عن الحد والحقيقة، وفقه الفقهاء واجتهادات اللغويين عن الإعجاز والبيان والغريب والمشكل والقراءات والحروف والعلوم والمعاني. وذلك لأنه في حصيلته كان السريان الخفي في جذور الثقافة وثمارها.

ولم يعن ذلك غائية الأحداث ومجاريها، كما لم تكن حتما منذ الأزل وقدرا لابد منه، بقدر ما أنها كانت النتيجة "الطبيعية" لتفتح المبادئ الكبرى والقيم الجوهرية التي وضع الإسلام منظومتها العلمية والعملية على شكل أركان وقواعد وحدود. ولعل أركان الإسلام المتجسدة في العقائد الإسلامية وشروط العبادات وآداب العادات وقواعد السلوك وماهية الإيمان وغيرها من الجوانب هي دليلها ومظهرها. ولم تظهر هذه الوحدة المتكاملة دون وجود ما أسميته بالكلّ القرآني. وذلك لأنها العملية التي احتوت في أعماقها وكشفت في نتائجها عن حقيقة التحول الذي ادخله الإسلام على عالم الجاهلية العربية، بحيث أعاد صنعها على أسس جديدة. وبالتالي تحول الإسلام إلى منبع الكينونة العربية المستقلة.

أما حد وحقيقة هذه الكينونة فيقوم في مبادئها الأولية، التي تحولت لاحقا إلى عقائد كبرى ومرجعيات متسامية، ليست هي سوى التعبير المناسب عما في التوحيد الإسلامي نفسه من حدود للفعل الإصلاحي. ولعل فكرة العلم والعمل هو الصيغة الأكثر وضوحا لها وجوهرية. إذ ليست هذه الفكرة في الواقع سوى الصيرورة في الكينونة. بعبارة أخرى، إن تحول الإسلام في صيرورته التاريخية والثقافية إلى منبع ومصدر وأصل ومرجع الكينونة الفعلية للكلّ العربي كان مرتبطا ارتباطا صميميا بتمثله وتمثيله لقيمة ومعنى وآفاق الإصلاح الشامل. إذ تمّثل الإسلام وقدّم في نموذجه الإصلاحي فكرة الحدود، التي مّدت بقوتها جسد الكينونة العربية وروحها، ولسانها وجنانها، وأركانها وأصولها.

وتضمن ذلك في أعماقه، من الناحية التاريخية، بلورة مبدأ البداية ويقين النهاية. أما من الناحية الفكرية فقد بلور تأسيس الارتباط بالمطلق، ومن الناحية العملية إسناد الفعل بمبادئ الخير. فقد كانت الرؤية القرآنية وتطورها تعبيرا عن تعمق الارتباط بالبداية المطلقة. وإذا كانت هذه البداية أكثر إبهاما من المطلق، فلأنها كانت تشكل الصيغة المتسامية لتأسيس قيمة الفعل المستند بدوره إلى عروة وثقى. وهو ارتباط هّشم مرتكزات الدهر الجاهلي. إذ لم يعد الدهر الجاهلي مصدر ومنبع وأسلوب هلاك كل وجود وموجود، وذلك لتحوله إلى جزء من النهاية ولحظة فيها. وبالتالي لا قيمة له ولا وزن بحد ذاته. أما اليقين فيه فيقوم فقط في تقطّعه نفسه إلى أجزاء متناهية بوصفها أفعالا للإرادة الإلهية المطلقة. وهي الفكرة التي وضعها القرآن في آياته الكثيرة عن مشيئة الله الدائمة في الأشياء والأفعال. فالله هو ملك السماوات والأرض وما بينها، يخلق ما يشاء، وهو على كل شيء قدير [1]، وهو الذي يفعل ما يريد[2]، وهو الذي يحي ويميت، فإذا قضى أمرا فانه يقول له كن فيكون[3].

وقد ذلل هذا الاحتواء التام والكامل للقدرة الإلهية، عبث الأحداث ومجهولها. ولم تعد الذات الإنسانية من حيث وجودها صدفة عابرة، ولم تعد من حيث كيانها أسيرة الدهر، كما لم يعد معنى وجودها وغايتها ألعوبة القدر. فعندما يصور القرآن "الحياة الدنيا" باللهو واللعب، فانه لم يقصد بذلك انتقاص معناها ولا التقليل من شأنها، بقدر ما انه كان يناهض ديمومة الدهر الجاهلي وصلافته المتعنتة برؤية الآفاق المغلقة للأفعال وخلو معانيها من تذوق واندهاش الالتقاء المثير للبداية بالنهاية. لهذا استخف القرآن بزمن الجاهلية عندما أعتبر  اليوم عند الله كألف سنة مما يعدون. ونعثر على ذلك في مختلف صيغ الإدانة المستترة لما هو عابر وجاهلي.

فقد حولت الجاهلية انسياب الزمن إلى قوة قائمة بحد ذاتها، وقلدّته "مفاتيح الغيب" في تجديد وتمويت وإحياء وإفناء كل موجود. بينما استبق القرآن بداية الزمن ونهايته في غاية الوجود الإنساني، عندما شدد على استقلالية الموت والزمن. فالموت يتعلق بالروح في إحدى أطوارها، بينما الزمن مع الجسد. والموت لا يعطي للزمن قوة الدهر الخالد بالمعايير الجاهلية، بل يسلبه إياها، باعتباره سنوات وأشهرا وأياما وليال. وهو تصوير وتقرير نعثر عليه في الكثير من آيات القرآن مثل "كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا ساعة من نهار". غير أن هذه الرؤية الخاطفة لا تسلب من الجميع شيئا غير غشاوة الوهم القائل بخلود الزمن. فتحول الزمن إلى ساعات وليال، يعني أيضا انقطاعه بالموت (الجسدي) واستمراره بالروح (الأخلاقي). وهي الحالة التي تعبر عنها الفكرة القرآنية عن "يوم الفصل"، الذي هو "يوم ميقاتهم أجمعين"، أو هي نفسها وحدة البداية والنهاية، باعتبارها مصرع الزمن العابر في خلود الإرادة. وبهذا يكون الإسلام قد قدّم أسلوبا جديدا في تحطيم أسس الأوهام الجاهلية عن خلود الزمن (الدهر) من خلال إدراجه إياه كلحظة أو آن في أفعال الإرادة الإلهية. وليست هذه الإرادة في نهاية المطاف سوى النفي الخالد للدهر الخالد. وبهذا لم يعد الخلود قوة منطوية في الوجود نفسه أو في قواه الطبيعية والإنسانية، بل في الإرادة الإلهية المتجلية في التاريخ بهيئة ابتلاء للإنسان في أفعاله كما أنها غيب من غيوب الله، انطلاقا من "انه لا يسأل عما يفعل".

حددت هذه الرؤية مضمون الفكرة الإسلامية الأولى ومبادئها الكبرى القائلة، بان الإرادة هي مصدر الفعل، وأنها إرادة الأصلح والأفضل والأسمى[4]. وإذا كان الوجود في مختلف حيثياته بوصفه خلقا، هو التجلي الملموس لهذه الإرادة، فان نموذجها المعقول يقوم في استمرار الوحدانية ومثالها الإصلاحي. الأمر الذي نراه في جوهرية عناصر الرجوع والاستمرار في الفكرة القرآنية نفسها[5]. ونلاحظ ذلك أيضا في التشديد على طابعها الإسلامي، كما في الآية "قل إني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين"، و"من يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سّفه نفسه"، و"قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا".

إن الرجوع إلى حقيقة الوحدانية ما هو إلا "الصراط المستقيم"، بوصفه الهداية الحقيقية للحق. إذ ليس الصراط المستقيم سوى الطريق الذي تشير علاماته إلى معاني الحق والحقيقة. وليست الهداية سوى عدم تسفيه النفس، وهو أسلوب السير في الصراط المستقيم. ومن ثم ليس الإتباع والاستقامة سوى المكونات المندرجة في معالم الإصلاح باعتباره هداية. وبالتالي ليست الهداية سوى هداية الأصلح المبنية على أساس رؤية الحق والحقيقة في أطوارها المتجددة. من هنا تشديد القرآن على الفكرة القائلة، بان اليهود والنصارى لن ترضى ما لم تتبع ملتهم، والرد عليها بالبديل الأكثر تساميا المستند إلى فكرة "قل إن هدى الله هو الهدى". ولا يتعارض ذلك مع ما في القرآن من توكيد دائم على انه لا تعارض بين ما يقوله القرآن وما في "الصحف الأولى"، وان ما في القرآن هو تصديق لما سبقه. وهي فكرة مبنية على أساس الإقرار بمرجعية الوحدانية المتسامية فقط، باعتبارها مصدر الخير المطلق. وظلت هذه الفكرة تتحكم بهواجس الإصلاح العميق في القرآن حتى آخر آياته. بما في ذلك في تلك التي تقول، "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق. لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا. ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلونكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون". وهي الفكرة التي تعبر عن انكسار الوحدانية المتسامية في موشور الصراط المستقيم، بمعنى تجددها وإصلاحها. كما أنها فكرة أشار لها القرآن مرارا بعباراته المتعلقة بالعبرة من تجارب وتواريخ الأمم والشعوب والأقوام مثل اعتباره قصص الأوائل "عبرة لأولي الألباب"، أو تأمله لتجارب الشرائع السابقة مثل قوله "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين".

وقد تضمنت الدعوة الإسلامية لمرجعية الحق على مبدأ إلغاء التقليد. وهو المبدأ الذي يتمثل من حيث الجوهر فكرة الإصلاح بحد ذاتها. فإدراك حقيقة الحق في الوحدانية كما هي يتطابق في التصور القرآني عن فكرة الصراط المستقيم. وهذه بدورها ليست إلا الهداية المتجددة بوصفها رجوعا إلى المنابع الأولى عبر تأمل تجارب مختلف الأقوام والأمم في حياتهم وسننهم. بمعنى إعادة النظر النقدية بالمبادئ الكبرى للصراط المستقيم، ومن ثم بالمقومات الجوهرية للمثال الواجب وإعادة دمجها في وحدة العلم والعمل. وهو موقف يستلزم من وجهة نظر الإسلام "إصلاح النفس"، باعتبارها المقدمة الأولية والضرورية والفعلية للإصلاح الحق. ولم تكن وحدة العلم والعمل، بوصفها أسلوبا الصلاح النفس فعلا فرديا بل واجتماعيا أيضا. وذلك لان تمثل صراط الوحدانية المستقيم كان يتضمن في ذاته وحدة الرجوع للمصادر (الماضي) وامتحانه الدائم في الفعل الحاضر بوصفه إصلاحا. وبالتالي، فان كل العلائق الممكنة بين الإنسان والله كانت تتضمن في مبادئها وغاياتها أثرا اجتماعيا مباشرا. من هنا جوهرية الشريعة الجديدة وتجددها الدائم في الصراط المستقيم للوحدانية المتسامية. ومن هنا أيضا فكرة "الأمة الجديدة" بوصفها تجسيدا للشريعة الجديدة، أي للإصلاح الدائم بوصفه بديلا لما أفسدته الأمم السابقة من انحراف عن جادة الحق ومبادئه.

وفي هذا تكمن حكمة استبدال الأمم، بمعنى اندثار البعض وظهور البعض الآخر. ومن ثم ليس الانحراف عن الصراط المستقيم سوى الصيغة المجردة لاستمرار تقاليد الإصلاح والحق. من هنا عبارات القرآن مثل "تلك أمة خلت لها ما كسبت". وبالتالي ليس اندثارها سوى النتاج المباشر وغير المباشر لعمي بصيرتها عن إدراك حقيقة الحق. لهذا "إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون". بينما لا أحد يعرف حقيقة المفسد من المصلح غير الله. ولا يعني ذلك سوى حكم الحقيقة (والتاريخ) وتحقيقهما في مبادئ المطلق الإسلامي، باعتباره مثالا جديدا وشريعة متممة واستقامة متجددة في الصراط الوحداني. من هنا مطالبة القرآن الدائمة بالا "يفسدوا في الأرض بعد إصلاحها"، وذلك لان الله لا يهلك "القرى بظلم وأهلها مصلحون".

وليس هذا الاندفاع الجديد للوحدانية في مبادئ الإسلام سوى استظهارها الفعلي المتجدد. من هنا مثال الأمة الحقيقي (المسلمة) وتجسيدها التاريخي في أمة العرب. ومن هنا أيضا الدعوة "لأمة الخير" من جهة، وإدانة الجاهلية العربية من جهة أخرى، كما في الآية الداعية لان يكونوا "أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر". وانتقاد صلف الجاهلية وتعنتها التقليدي، كما في الآية التي تقرر ردهم على مطالبة القرآن إياهم بان يتبعوا ما انزل من الله، "بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون".  وهو موقف يعبر عن مساعي حثيثة وشاملة لتهشيم عادات الجاهلية وعباداتها، قيمها وأحكامها، أعرافها وتقاليدها. وإذا كان هذا الموقف في ظاهره يبدو استنطاقا للفكرة الوحدانية، فان تجسيده في سلوك "الصراط المستقيم" كان يتضمن تعريض كل جزئيات الكينونة الجاهلية العربية على لهيب "الإصلاح الإلهي" و"حسابه العسير". وبهذا يكون قد وضع الإصلاح الفعلي ضمن معايير وقيم المطلق الإلهي، بوصفها الصيغة المجردة والمافوق تاريخية للإصلاح التاريخي الواقعي.

ليس المقصود بالمطلق الإلهي (الإسلامي) سوى الكلّ المتسامي في مجرى الإبداع الثقافي، والمرجعية الروحية التي يستمد الجميع منها شعاع الأمل وبريق الرؤية وقواعد المنطق وحجج الجدل ورموز التأمل وصور التفكر والرغبة في الامتثال له وتمثله. وتغلغلت هذه الحصيلة بصورة واعية وغير واعية في صرح البنية التاريخية للخلافة وكيانها الروحي. فقد تمثل الإسلام في فكرته الإصلاحية حصيلة التاريخ الجاهلي. ومن ثم استطاع أن يذلل في ذاته التطور "الطبيعي" للجاهلية، ومن ثم قطع احتمالاته المتنوعة، ناقلا إياها من تيار الزمن إلى تاريخ "الصراط المستقيم". وهو سبب تحول الإسلام إلى بداية التاريخ العربي ووعيه الذاتي.

إن القطع الحاد الذي مارسه الإسلام على مجرى التطور "الطبيعي" كان الصيغة المناسبة لتدخل الفكرة الروحية في جسد التاريخ الهامد. وفي هذه العملية جرى صنع الكيان العربي الإسلامي، عبر نقل العرب من زمن ما قبل الدولة إلى تاريخ الدولة والمدنية. مما أدى إلى أن يكون التاريخ العربي الجديد حلقة في سلسلة "الصراط المستقيم". وقد حدد هذا بدوره صيرورة المرجعيات الجديدة للوحدة الجديدة (الأمة). وبهذا يكون الإسلام قد صاغ في إصلاحيته الواعية وأسس لفكرة تمثل حقيقة الوحدانية لمعالم الصراط المستقيم، باعتبارها مرجعيات متسامية دون أن يحدها بقواعد صارمة. الأمر الذي بلور إمكانية نشوء مختلف البدائل ضمن ما يمكن دعوته ببدائل المطلق الإلهي.

ولعل مفارقة الظاهرة تقوم في أن هذا التنوع المحتمل هو النتيجة المنطقية لغياب المنطق، والنتيجة الملازمة لتلقائية الوحي، التي لم تكن بدورها فعلا سائبا بقدر ما كانت تعكس في ذاتها نظام الوحدانية. لقد تضمنت المنطق كنظام للإيمان والعمل، والغاية والوسيلة دون أن تحوله إلى نظام ثابت. وهي تلقائية كانت تحتوي بذاتها على عناصر الرسالة الإصلاحية بوصفها نظاما روحيا موجها للمساعي العملية. مما ساهم بدوره في إبداع نظام الوجود لاجتماعي وعرضه الدائم على محك المثال المطلق. ولا تتعارض هذه الظاهرة مع دراما الاحتمال في التاريخ. إذ ليست دراما التاريخ واحتمالاته المتنوعة سوى التمظهر الدائم للروح الثقافي بوصفه عقلا عمليا وعقلا نظريا ووجدانا معرفيا للأمة، وللجسد الثقافي بوصفه سلطة حكومية وشريعة فقهية وحركات سياسية للجماعة. وهي مكونات وضعها الإسلام فيما يمكن دعوته بالروح الوحداني في العقيدة، والروح المتسامي في القيم، والروح الوحدوي في الأمة.

بهذا يكون الإسلام قد أعطى للماضي بعدا يتجاوز تجاربه العابرة عند الأفراد والجماعات، وللمستقبل بعدا يجذب نحو مرجعياته المتسامية حركات الإصلاح، بينما يبث في حركته المبدعة روح الإصلاح في جسد الأمة الناشئة معطيا لها هوية الجماعة. وبهذه الطريقة أعطى للقرآن والسنّة مرجعية الروح، وللأمة والجماعة مرجعية الجسد. وهي ثنائية لا تقل إشكالاتها التاريخية تعقيدا عن إشكالاتها المعرفية، وذلك بسبب تمحور نشاط القوى الاجتماعية بين أصول الدين الثابتة ومبادئ السياسة المتغيرة. ذلك يعني أن ميدان هذه الثنائية هو نفس ميدان الوجود التاريخي للأمم والحضارات، أي ميدان صراع المصالح والسلطة والعقائد والأيديولوجية.

فأصول الدين الكبرى تتصف بالثبات من حيث رمزيتها بالنسبة للوعي التاريخي، ومصدريتها بالنسبة للتأويل. بمعنى جوهريتها في العلم (المعرفة). أما مبادئ السياسة المتغيرة، فإنها متغيرة من حيث أثرها المباشر في الوجود التاريخي للدولة. بمعنى جوهريتها بالنسبة لكينونة الجماعة والأمة. من هنا تجليات الثنائية الإسلامية للروح والجسد في مرجعيات الدين والدنيا، التي استندت، شأن غيرها من المرجعيات، إلى مصادر الإسلام الأولى أو مرجعياته الأولى مثل مرجعية الله في القرآن (الدين) ومرجعية النبي في الدنيا ( السياسة) وتحورهما اللاحق في أولوية القرآن والسنّة بالنسبة للاجتهاد، وتمظهرهما الثقافي في الإجماع والاجتهاد، بحيث احتل الإجماع موقع القرآن في اليقين، والاجتهاد موقع السنّة في العمل. ومنهما نشأت مرجعية العلم والعمل.

كانت هذه المرجعيات الثقافية نتاجا للاجتهاد التاريخي للمسلمين. فقد احتوى الإسلام على روح الإصلاح كما احتوى روح الإصلاح على مرجعياته الأولى، التي شكلت مقدمة ما يمكن دعوته بفلسفة الحدود الوحدانية والاعتدال. وفي هذا كانت تكمن الاحتمالات المتنوعة في الواحدية الثقافية للخلافة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] القرآن: المائدة، الاية 17.

[2] القرأن: البقرة، الاية 253.

[3] القرآن: غافر، الاية 68.

[4] وهي جوانب سوف تتكشف لاحقا في توتير الأعصاب الإسلامية حول قضايا القضاء والقدر والاستطاعة والكسب والجبر والاختيار وغيرها من المسائل المختلف عليها، أي كل ما كان يعبر من الناحية المجردة عن فاعلية الوحدانية القرآنية في العلم والعمل، وبالتالي في تفعيل جذور الإصلاح نفسه.

[5] من الصعب حصر هذا الرجوع بمعايير ومعالم العقلانية العملية، لا سيما وأنها عادة ما تتعلق بميدان العلاقات السياسية والمصالح.

 

اكرم جلالإنّ مِن نِعَم اللّه وأفضاله أن أودَع في الأنسانِ صفاةً فِطرية ودَوافع غَرائزية غَير شعورية تَدفعه للسّير باتجاه معرفة الله وتُحفّزه الى رحلةِ البّحث عن حقيقةِ الكمالات المُوصلة الى الكمال المطلق وإدراك عالم القُدس والسكينة والطمأنينة؛ فَتُطَهّر النّفس مِن الموانع والحواجز والوَساوس والشكوك وتَصِل الى مَرتبة اليقين المُطلق أو ما يطلق عليه "بحق اليقين".

قالَ الإمام الصادق عيه السلام: (مَنْ استوى يوماه فَهو مغبون، ومَنْ كان آخر يومه شرّهما فهو ملعون، ومَنْ لم يعرف الزيادة في نفسه كان إلى النقصان أقرب، ومن كان إلى النقصان أقرب فالموت خير له من الحياة1).

إنّ شَرَفَ الطّالب بِشَرف المّطلوب فَكُلّما كان المَطلوب أجَل وأقدَس كانَ السّير نَحوه أشرف الأعمال وأنّ العَناء مِن أجلِ الوصول الى حَقيقة كَماله هِيَ مِنَ التَوفيقات الربّانية والنِّعَم الألهية، لا يَنالها الّا الخَواص مِن عِباده، ولأنّ هذا والسّعي هو من أجل الوصول الى إدراك بَعضاً مِن نُعوته وصفاته، فهي اذن أشرف رحلة وأنّ الفيوضات المُدْرَكة وإنْ  كانت مُتواضعة في أول الطّريق لكنها تَبقى بابٌ الی روضات الجنان وَقَبَسٌ يَناله السالك من مصدرِ النّور المُطلق.

عَن أميرِ المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: (أولُ الدين معرفته ، وكمالُ معرفته التصديق به ، وكمالُ التصديق به توحيدُه ، وكمالُ توحيده الإخلاصُ له ، وكمالُ الإخلاص له نفيُ الصفات عنه ، لشهادة كلِّ صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة2).

وَعَن جميل بن دراج ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لَو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله عز وجل ما مدوا أعينهم إلى ما متع الله به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها، وكانت دنياهم أقلَّ عندهم مما يطوونه بأرجلهم، ولنَعِمُوا بمعرفة الله عز وجل وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله .إن معرفة الله عز وجل أنْسٌ من كل وحشة ، وصاحبٌ من كل وحدة ، ونورٌ من كل ظلمة ، وقوةُ من كل ضعف ، وشفاءٌ من كل سقم . ثم قال عليه السلام: وقد كان قبلكم قوم يُقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير وتضيق عليهم الأرض برحبها، فما يردهم عما هم عليه شئ مما هم فيه ، من غير تِرَةٍ وُتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى ، بل ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ، فاسألوا ربكم درجاتهم ، واصبروا على نوائب دهركم ، تدركوا سعيهم3).

إنّ هذه الرّحلة يَتَمَكّن مِن خلالها السّالك إدراك صُوَر العالم الأُخرَوي فَتَنعكس على الحياة الدنيا لِيَتعايش معها روحاً وَتَطبيقاً وتَشريعاً، فَهو يَتّخذ من الدنيا ممراً نحو الآخرة، ويرتشف ماء الحياة من نَبع العالم الأُخروي ما يَرتوي به لِعَطش الدّنيا، ويَعيش الدنيا ليس لكونها حقيقة الوجود، إنّما يَختَرقها للوصول نحو الكّمال المُطلق.

وفي وَصف هذا المعنى قال أمير المؤمنين علي عليه السلام  في وَصْف المُتّقين: )عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ4).

وَهنا يأتي السؤال: هَل أنّ لِمَحدوديّة العَقل القُدرة علی تَشخيص وَخَوض هذه المّهمة الصّعبة وإدراكها ببصيرة من أجل طَيِّ المَراتب الموصله الى الذّات المُقَدّسة؟

لَقَد جَعَلَت المّسالك الفَلسَفيّة العَقلَ محوراً ومُنطَلَقاً وطَريقاً نَحو إدراك حَقيقة الأمر والوجود، بَينما اتّخَذ العرفانُ الرّوحَ طريقاً للكّشف وَمَسلكاً لإدراك تلك الحقيقة، فَفَتح هذا التَباين البابَ على مصراعيه للصراع بَين هذين المَسلكين. ولأن الخطأ في اختيار مَسلكٍ مُحَدّد علی حِساب الآخر دُون الإتكال على الحُجّة والدّليل قَد تَتَرتّب عَليه نتائج وَخيمة، لهذا كَتب الكثير ونَظّر لهذين المَسلكين العديدُ مِنَ الفلاسفة والمُفَكّرين وَكُلٌ لَه دَليلُهُ وَحُجّتُه ، فَمَطبّات الطّرق الخاطئة تَجعَل السّالك يَعيش في التَّيْهِ المُطلق بَدَل الوُصول الى فيوضاتِ الحَقّ المُطلَق.

وفي هذا المَقال المُقْتَضَب نَعرض بأيجاز واختصار رُؤية كلّ مِن هذين المَنهجين لَيس مِن أجلِ إثبات أحَدهما أو نَفي آخر بل من أجلِ تَسليط الضّوء علی مُتَبنّيات هذين المَسْلكين، ثُمّ نَعَرّج علی الطّريقِ الأقوم والمَّنهَج الأسلم، مَنهَجَ سُفُن الأمان وَحَمَلة القُرآن، المُصطَفى واهل بيته الأطهار صَلواتُ اللّه وسلامه عليهم، سبلُ النجاة  وأمناءَ الوحي والأدلّاء على الله، بهم فَتَح اللّه وَبهم يَختِم.

الفَلسفة كلمةٌ أصلها يُوناني وَتعني "محبُّ الحكمة"، وكانَ أرسطو أول من قدّمها كقاعدةٍ منطقيّةٍ اعتَمَدها كمنهجٍ لمعرفة وَفَهم غَوامض الوجود وإثباتها يكون باستخدام الأمور الحسيّة والعَقلية. فالفَلسَفة اذن هِي المَنهج المَعرفي في البّحث والإستدلال في أمورِ الكون والإنسان والخالق مُستنداً الى العَقل والفِكر والإرادة كقواعدَ وأسُس ومَناهج في هذا الإستدلال. وقد عرّف الفَلسَفة جُملة مِمّن اسّسَها ونَظّر لها، (فسقراط عرّف الفلسفة على أنها "البحث عن الحقائق بحثاً نظرياً، وخاصةً عن المبادئ الخلقية، من خير وعدل وفضيلة" بينما أشار أفلاطون الى أنّها " البحث عن حقائق الأشياء وعن الجمال والانسجام الذي يوجد في الأشياء والذي ليس الا الخير"، في حين أكّد أرسطو على أنّها " العلم بالمبادئ الأولى التي تفسر بها الأشياء حين يتدرج العقل عند مواجهته للأشياء من علة إلى علة حتى يصل إلى العلة الأولى التي هي علة العلل أو حقيقة الحقائق"5).

وَلعَلّ أرسطو هُو أول من أدرَج مَفهوم العقل (noûj) في حَقل الفكر الفَلسفي. وأعدّه من أساسيات المَنهج البَشري في المَعرفة والإدراك. وقد ألغى أرسطو مَفهوم النفس من خلال إعتماده على ثُنائية الصورة والمادة، فَقَد عَرّف النَّفس على أنّها (صورة للجسد)، وذَهَب أبعَدَ من ذلك حينما ألغى الفَرضيّة الأفلاطونية (روح وجسد) والغى استقلالهما، بمعنى أنه لم يؤمن باستقلال النّفس عن الجسد.

ثُمّ انتَقل هذا المَنهج الى البُلدانِ الاسلامية خُصوصاً في عهد بني العبّاس، وأسبابها لا تخفى على القاريء الكريم، حيث انهَمَكوا بترجمة تلكَ الأفكار والمناهج من اليونانيّة إلى العربيَّة، وفي ظل المآرب المَشبوهة فقد عَمَدت السُلْطة الى خلط الأوراق فتأثر بها الكثير من المسلمين وأخذ البعض منهم يُؤسّس لها مدارس ونَظَّر لها الكثير من المُفكرين واعتبروها مَنهَجاً يُعتَمد عليه من أجل الرُقي والتكامل البشري.

إن فَلاسفة المُسلمين خصوصاً أولئك الذين تَكلّموا ونَظّروا لمفهوم العقل هُم كثيرون، وأن ذِكرَهم بالتفصيل قد يَضيق به المقال ولا يخدم البحث، لذا سَنَقتَصر على إيجاز الرُّموز منهم، ولَعلّ أهم مَن أهتَمّ وَشَرَح ونظّر لفكرة العَقل من المسلمين هو يعقوب بن أسحاق الكندي خُصوصا في كتابه (رسالة في العقل) والذي أشار الى ما سمّاه بالعقل البَياني والذي من خلاله ينقل ما يتعلق بالعقل الى عقلٍ آخر. والحقيقة هذا ما أشار اليه بطريقةٍ او أُخرى الاسكندر الأفروديسي في نظريةِ العُقول الثلاث. والفارابي يُعَد من عَمالقة مَن كَتَبوا فيما سَمّاه بالعقل الهيولاني والذي هُو الأستعداد لإدراك الحقائق أو لِقَبول المَعقولات. وقد أفاضَ ابن سينا في مَفهوم العَقل أكثر وتَكَلّم باسهابٍ مُؤكداً انّ المعرفةَ لها مَصدَرين أساسيين وَهُما الحَواس والعقل، وهذا ما ذهبَ اليه من قَبله أرسطو. ثم قَدَّمَ أبن باجة نَظريّته حَول العَقل على أساس أنّ الهيولاني لا توجدُ مُجرّدة عن صورة ما، والعكس فإن الصُّورة يُمكن لها أن تكون مُجَرّدة عن الهيولاني. لقد بدأ أبن باجة فكرة وَحدَة العقل ليُكمِلها بَعده ابن رشد، الذي نَظّر للعَقل عِبرَ ثلاثة مفاهيم اساسية: مَفهوم العَقل وأنواعه، مَفهوم وَحدة العقل ،ومفهوم خلود الروح.

ونَحن هنا لَسنا بِصَدد التّفصيل في شَرح ومُناقشة جَميع الآراء من أجل تأييد البّعض أو نَقض الآخر، لكنّ لَنا الحق في الإشارة الى أنّ للعَقل حُدود وَقُدرات لا يستطيع تَجاوزها ولا يُمكن لَه إدراك كلّ المطالب، فالعَقل يُدرك عِبر مَجَسّات أو حَواس كالسَّمع والبَصر واللّمس والتَذَوق فيقوم بعملية تحليلها واستخلاص النتائج، وبالتالي فَهو يعتمد على مُعطياتٍ حسيّة في عَملية الإستقراء والإستنتاج، وهذه الحَواس لها وجود ومجال وحدود ونطاق، وهذه المَحدوديّة لا يُمكن لها ادراك أمور لا تُدرَك بالحَواس كالتَّوحيد والصفات الإلهية وما شابه ذلك. وفي هذه السياق يشير ابن خلدون الى العَقل بقوله: (أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والأخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طورة فإن ذلك في محال6).

أَضِف الى ذلك أنّ العَقل إنّما يُدرِكُ الأشياء مِن خلال أضدادِها وبما يُقابلها، فالنُّور لا يُدرك إلا عندما يَزول وَيَحلّ مَحَله الظلام، وكذا بالنسبة للخَير والشَّر والجَمال والقُبح والكَرم والبُّخل، الخ. وعَليه فأن وجودَ حَقيقةٍ واحدة دونَ وجود ضِدٍ لها، لا تكفي لحصول الإدراك العقلي. فَكيف للعقل أن يُدرك اللّه الذي هو نُورٌ مُطلق لا ظَلام فيه ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...﴾، وهو عَدلٌ لا يَحيف. فالعقلُ مَحدود، وإنْ كانَت له القُدرة على إدراكِ بعضاً من صنائع الله عن طريق أضدادها، لكنه يَقف عاجزاً عن مَعرفة الكَمال المطلق والنور الأزلي. وهنا لابُدّ من التأكيد على أن العقل وإن كان عاجزاً عن إدراك الذّات المُقدسة فهذا لا يَعني الغاءُه بالمُطلق وَمَحوَه مِن رِحلة البَّحث عنِ الكَمال والتّكامل، فالعَقل شريكٌ لا يُمكن الإستغناءَ عنه كما سَنُبيّن ذلك لاحقاً.

وللحديث تتمة في الجزء الثاني إنشاء الله تعالى ..

 

د. أكرم جلال

..................................

1- أمالي الصدوق ص396

2- نهج البلاغة: 1 / 14 .

3- الكافي: 8 / 247.

4- رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 226 باب المؤمن وعلاماته وصفاته مع اختلاف.

5- الفلسفة اليونانية مقدمات ومذاهب ص13.

6.- المقدمة لابن خلدون ص 460.

 

مجدي ابراهيمفي مقال أرسله الدكتور محمد إقبال إلى (نيكولسون Nicholson) المستشرق الانجليزي المعروف عندما سأله عن مذهبه، وهو يترجم ديوان الأسرار والرموز، جاء فيه تربية الذات وترقيتها وتكميلها من طريق المعراج، وحدَّد فيه مذهبه الفلسفي، وأشار إلى أصول فلسفة الأخلاق الإسلامية، وبيّن أن لكمال الذات ثلاث مراحل:

(1) طاعة القانون الإلهي.

(2) ضبط النفس.

(3) النيابة الإلهية.

وبادي الرأي عندي أن مذهب "إقبال" نفسه في توكيد الذات وإثباتها والإحساس بها ثم تربيتها الروحيّة وفق مراحل الطاعة وضبط النفس؛ لتقويتها وتكميلها، ولترقيتها وإخراج ما أوُدِعَ فيها من مواهب وقدرات؛ لهو هو عينه "معراج روحي" يحسن الإصغاء إليه، والوقوف عنده وقفات.

هذا الرأي فقط هو الذي يجعلني أتوقف تلك الوقفة عند إقبال خلال مقاله المشار إليه. وليس من شك أن تربية الذات ضرورة واجبة بل فريضة إسلامية مفروضة من جانب الله تعالى؛ فهو سبحانه يقول:"يَا أيُّها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضَلّ إذا اهتديتم"؛ فالمسلم الذي يقرأ هذا الآية لا تفوته عنايته بنفسه، ولا يقلد غيره في الضلالة والاختباط.

يتخذ "إقبال" من هذه الآية الكريمة مفتاح مذهبه في توكيد الذات وإثباتها وهى أساس فكرته عن تربية الذات (عليكم أنفسكم). وإشعاعات الكلمة القرآنية توحي لديه بعمارة الوجود الإنساني؛ فالإنسان لديه قوة وقدرة واقتدار غير مسلوب الإرادة ولا منهار القوى، ولكنه خليفة الله في أرضه، تقتضيه هذه الخلافة أن يشعر بذاته ويعدُّ لها عدتها ويجدُّ في العمل لبنائها، لا يغيب عنها، ولا يفنى ولا يستهلك في غيره استهلاك المجاذيب الخواه حتى ولو كان هذا الغير هو الله !

ولذلك؛ فهو يرفض الفناء الصوفي، ويرفض السُّكْر والجذب والغيبة وكل الحالات السلبية التي لا تؤكد الذات بل تمحيها وتورث إذلال النفس وإماتتها فيما يسمى بدعوى الفناء في الله. وعنده أن التصوف "العَجَميّ" الذي شاع بين المسلمين أخذ من رهبانية كل أمة وجهدَ أن يجذب إليه كل نحلة، حتى القرمطية التي قصدت إلى التحلل من الشريعة. إنّ حالة السُّكْر في اصطلاح الصوفية تنافرُ الإسلام وقوانين الحياة.

وحالة الصحو، وهى الإسلام، توافق قوانين الحياة. وإنما قصد الرسول (ص) إنشاء أمة صاحية ليست بالفانية ولا بالعاطلة. ولهذا نجد في صحابة الرسول، الصدِّيق والفاروق ولا نجد حافظاً الشيرازي. وحافظ الشيرازي هذا، هو الشاعر الفارسي المنعوت بلسان الغيب، حَمَلَ "إقبال" عليه حملته العنيفة؛ فحطَّ من شأنه وغضّ من طريقته، ثم نهى الناس عنها وحذَّرهم منها، وهو يعدُّ أعظم شعراء صوفية الفرس في عصره.

ومن المعلوم عندي بالضرورة أن مذهب "إقبال" برمته مذهب يحارب آفة الضعف والركود التي تبدر في أشعار حافظ الشيرازي وشعراء الفرس على التعميم، بمقدار ما كان يحارب كل آفة تفت في عضد المسلم وتبطل ذاته قدر ما تبطل العمل: ركيزة تربية الذات وترقيتها، فكل شعر التصوف عنده ظهر في زمان ضعف المسلمين السياسي. وكل أمة يصيبها ضعف كالذي أصاب المسلمين بعد غارات التتار، تتبدّل أنظارها وتجمُل الاستكانة في أعينها، وتركن إلى ترك الدنيا، وفي الترك تخفي ضعفها. خاطب فلاسفة الهند العقل قي إثبات وحدة الوجود، وخاطب شعراء إيران القلب، فكانوا أشدّ خطر وأكثر تأثيراً، حتى أشاعوا بدقائقهم الشعرية هذه المسألة بين العامة، فسلبوا الأمة الإسلامية الرغبة في العمل، وفهموا من التبتل والروحانيّة دعوات الاستكانة والخمول. وتمتاز أمم الغرب بميلها إلى العمل، فآراؤهم خيرُ دليل لأمم المشرق إلى فهم أسرار الحياة.

وكما وَجَّه "إقبال" ضرباته للشيرازي، خالفَ كذلك الشيخ الأكبر ابن عربي، وغلّطه، ونصَّ أنّ آراءه غير إسلامية وقال: أنا لا أنكر عظمة الشيخ ابن عربي وفضله، بل أعدَّه من كبار فلاسفة المسلمين ولا أرتاب في إسلامه، فإنه يحتج لعقائده، كقوم الأرواح ووحدة الوجود بالقرآن مخلصاً؛ فآراؤه على صوابها وغلطها، قائمة على تأويل القرآن. وأرى أن تأويله غير صحيح. فأنا أعدَّه مسلماً مخلصاً ولا اتبعه في مذاهبه".

ويقول في رسالة إلى أحد المعترضين على رأيه هذا:"الحقُ أن التماس معانٍ باطنة في قانون أمة، هو مَسْخٌ لهذا القانون، كما يُعلَم من سيرة القرامطة، ولا يختار هذه الطريقة إلا أمةٌ في فطرتها الخنوع والذلة".

تبدأ تربية الذات بثلاث مرحل أولاهما: (مرحلة الطاعة) والقصد منها طاعة الله ورسوله. وليس من فرق عنده بين طاعة الله وطاعة رسوله، فكلاهما في منزلة واحدة: "ومن يطع الرسول فقد أطاع الله". هذا شرط أوليُّ لتقوية الذات لا مناص من الأخذ به بقوة، فطاعة الله ورسوله طاعة مطلقة لا تملل فيها ولا فتور شرط المرحلة الأولى في تربية الذات وفي بنائها؛ إذْ هى فرض من جانب الله يقرره القرآن "وأطيعوا الله ورسوله لعلكم ترحمون". "وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون"؛ فمن أراد أن يرحم نفسه؛ لتكون له قوة معينة يتحرَّر بها من سطوات التخلف الديني، ويستقل عن غبن الأغيار التي تلابسَه صباح مساء، وجبت عليه الطاعة؛ فهى أولىَ خطوات بناء الذات وتربيتها.

ثم تأتي المرحلة الثانية، وهى التي تمثل خطوة تالية لا بدَّ منها، وهى مرحلة (ضبط النفس) خلال التحكم في النفس الإمارة، ومراجعتها عن نزواتها وأهوائها، وصدها عن شهواتها ورغائبها التي لا تنتهي. وبما أن النفس الأمارة تقود إلى الشرور دوماً فقد نبّه القرآن الكريم على كوارثها، "إنّ النفس لأمارة بالسوء"، فوجب جهادها والعمل الدائم على مقاومتها؛ فإن طريق ترقية الذات هو التغلب على نزعاتها وأهوائها.

وفي هذا كله تزكية لها وتطهير.

والمرحلة الثالثة: من مراحل مذهب "إقبال" في كمال الذات، والعروج بها إلى أفق الرقي الإنساني واستخلاص ما أوُدِعَ فيها من مواهب هى مرحلة (النيابة الإلهية).

والنيابة الإلهية في هذه الدنيا هى أعلى درجات الرقي الإنساني. ونائب (الله) خليفة الله في الأرض، وهو أكمل ذات تطمح إليها الإنسانية، وهو معراج الحياة الروحي.

وأول شرط لظهور نائب الحق أن ترقى الإنسانية في جانبيها الروحي والجسمي، فإن ارتقاء الإنسانية يقتضي ظهور أمة مثالية يتجلى في أفرادها في الجملة، هذا التَّوحّد الذاتي وتصلح لأن يظهر فيها نائب الحق؛ فمعنى سلطان الله في الأرض أن تقوم جماعة شورية يتوحد أفرادها، ويقوم على هذه الجماعة واحد يمكن أن يسمى نائب الحق أو الإنسان الكامل، وهذا الإنسان الكامل يبلغ ذروة الكمال التي لا يتصور فوقها ذروة. وقد رأى نيتشه (الفيلسوف الألماني المعروف) ضرورة ظهور هذه الأمة المثالية، ولكن دهريته وإعجابه بالسلطان مَسَخا فلسفته كلها. على أن إقبال كان يرى أن في حياة الرسول (ص) أسوةً حسنة للمسلم، فقد كانت حياته خيرَ مثال للسعي الدائم والكفاح الموصول.

لقد كانت حياته كلها صورة للعمل وللمثل الأعلى قال صلوات الله وسلامه عليه:" تخلقوا بأخلاق الله". فكلما شَابَه الإنسان هذه الذات الوحيدة كان هو فرداً بغير مثيل.

ويركز "إقبال" على أن يكون هدف الإنسان الديني والأخلاقي: أثبات الذات لا نفيها، وعلى قدر تحقيق انفراده ووحدته يقرب من هذا الهدف. وتنقص فرديته على قدر بعده من الخالق. والإنسان الكامل هو الأقرب إلى الله، وليس القصد من هذا القرب أن يُفني وجوده في وجود الله، كما تقول فلسفة الإشراق، بل هو، على عكس هذا تماماً، يُمثل الخالق في نفسه؛ لأنه خليفة الله في أرضه.

الحياةُ رقي مستمر (معراج)، تُسخّر كلّ الصعاب التي تعترض طريقها. وحقيقتُها أن تخلُق دائماً مطالبَ ومثلاً جديدة من أمثلة الحياة العليا.

وقد خَلَقتْ من أجل اتساعها وترقيها آلات كالحواس الخمس والقوة المدركة؛ لتقهر العقبات والمشقات. وأشدّ العقبات في سبيل الحياة، المادة أو الطبيعة. ولكن المادة ليست شراً، كما يقول حكماء الإشراق، بل هى تعين الذات على الرقي، وتدفعها إلى (العروج)؛ فإن قُوى الذات الخفيّة تتجلى في مصادمة هذه العقبات، وفي التغلب عليها من طريق الترقية والتسامي. وإذا قهرت "الذات" كل الصعاب التي في طريقها بلغت منزلة الاختيار. الذات نفسها فيها اختيار وجبر، ولكنها إذا قاربت الذاتَ المطلقة نالت الحرية الكاملة. والحياةُ جهادٌ لتحصيل الاختيار. ومقصد الذات أن تبلغ الاختيارَ بجهادها.

وفي المقال الذي أرسله "إقبال" إلى "نيكولسون" لتوضيح مذهبه في توكيد الذات وتكميل الذات وترقيتها، يُظهِر "إقبال" خلافه مع مذهب الأستاذ "بريدلي" الذي كان يقول إن كلَّ مركز للشعور محدود، أي كل ذات مُفْرَدة إنْ هى إلا خداعُ نظرٍ باطل. لكن "إقبالاً" يقول بخلاف ذلك تماماً: إن مركز الشعور المحدود الذي لا يُدْرَك الذات هو حقيقة الكائنات. فالذات حقٌ لا باطل. ولكن تجليات الحياة تؤكد هذا. الحياة كلها فردية، وليس للحياة الكلية وجود خارجي. وحيثما تجلت الحياة تجلت في شخص أو فرد أو شيء. والخالق كذلك فرد، ولكنه أوْحَد لا مثيل له. ومع "إقبال" الحق فيما يقول ردَّاً على "بريدلي"؛ لأن الشعور لا يُحَدُّ ولا يتوقف، وإلا توقفت الحياة نفسها وتعطلت فيها الحيوية.

ولا خلاف على أن هذه الفرديَّة في التّصور وفي التحقيق من حيث إنها تؤكد ذاتية المخلوق وتجعل له وجوداً مستقلاً عن سواه قد أدَّت بإقبال أن يقول: وظاهر أن هذا التصور للكائنات يخالف كل المخالفة ما ذهب إليه شُرّاح فلسفة هيجل من المثاليين من محدثي الإنجليز، ويخالف أصحاب وحدة الوجود الذين يرون أن مقصد حياة الإنسان، أن يُفْنيَ نفسه في الحياة المطلقة أو "أنا" المطلق، كما تَفْنَى القطرة في البحر. وليس من شك، أنّ مثل هذا الفناء لا يؤدي في نظر "إقبال" إلى قيام شخصية المسلم ناهضة قوية بمقدار ما لا يؤدي كذلك إلى إحياء الذاتية الحرة المستقلة التي جاء بها القرآن الكريم وأكدتها أحاديث النبيّ صلوات الله وسلامه عليه، فهدف الإنسان الديني والأخلاقي في مذهب "إقبال" إثباتُ ذاته لا نفيها، وتحرُّرها لا سحبها من معترك الحياة أو من ميادين الجهاد فيها؛ وبمقدار ما يحقق تَفَرُّدَهُ واستقلاله ووحدته، يَقرُب من تحقيق هذا الهدف.

ومن المؤكد أن مذهبه في تحرير الذات يقوم على تحرير الشخصية الإنسانية مما يفنيها ويهدمها ولا يجعل لها كياناً تعتز به وتعتد، وما دامت للفرد شخصيته الحرة المستقلة فلا مناص من أن تكون مركز حياة الإنسان؛ فمركز حياة الإنسان ذات أو شخص، وحيثما تتجلى الحياة في الإنسان تسمى ذاتاً. وشخصية الإنسان من الوجهة النفسانية، حالٌ من التوتر. ودوام الشخصية موقوف على هذه الحال؛ فإن زالت هذه الحال عقبتها حال من الاسترخاء مضرة بالذات، شأنها في ذلك شأن الإرادة؛ كالسيف يُصْدِئُهُ الترك والإهمال ويشحَذَهُ الضرب والنِّزال؛ فإن يكن في حالة التوتر هذه كمال الإنسان فأول فرض عليه أن يعمل لدوام هذه الحال والحيلولة دون حال الاسترخاء، وكل ما يُمَكّننا من إدامة حال التوتر يمكِّننا من الخلود، وهذا التصور للشخصية يقوم معياراً لِيقيّم حقائق الأشياء.

وعند هذه النقطة يصل "إقبال" إلى حلِّ مشكلة الخير والشر حلاً بسيطاً يتوقف على مدى معرفتنا لذواتنا أولاً، ثم ثانياً يتوقف على مدى تربية هذه الذوات الفردية وقدرتنا على تنميتها وترقيتها ثم تكميلها في طريق التنمية والترقية، والعروج بها صعداً في معارج الكمال. إنّ في ذواتنا معيار الحسن والقبح؛ فما يقوّى الذات خيرٌ لا خلاف عليه، وما يضعفها شر لا بد من إزالته. ويجب أن يقوم الدين والأخلاق والفنون بهذا المعيار أيضاً.

ويقول "إقبال": واعتراضي على أفلاطون، هو في أصله اعتراضٌ على كل النظم الفلسفية التي تقصد إلى الفناء لا البقاء، والتي تُغْفِل المادة، وهى أكبر العقبات في سبيل الحياة، وتدعو إلى الفرار منها لا إلى تسخيرها والتسلط عليها بعزائم الإنسان، واقتداره على العمل الدائم المتواصل، وعلى التغلب والنصرة والنضال.

وكما تعرِض مسألة المادة في مبحث حرية الذات، تفرَض مسألة الزمان في مبحث خلودها. إنّ برجسون ليقول: إن الزمان ليس خطاً ممتداً إلى غير نهاية يتحتم علينا المرور به. هذا التصور للزمان غير صحيح؛ فالزمان الخالص لا يدخل فيه تصور الطول، أي لا نستطيع قياسه بمقياس الليل والنهار. إنّ خلود الذات أمل، من أراد أن يظفر به، فليِجدَّ ويدأب لبلوغه. والظفر به موقوفٌ على أن نسلك طريقاً للفكر والعمل في هذه الحياة يعيننا على حفظ حالة التوتر. ولا يستطيع إبلاغنا هذا الأمل دين بوذا ولا التصوف العجمي. وما إلى هذين من نظم الأخلاق الأخرى. لقد أضرّت بنا هذه الطرق؛ هكذا يقول إقبال؛ فأضرعتنا وأنامتنا. إنّ هذه المذاهب هى الليالي في أيام حياتنا".

لا جَرَمَ في أن هذه الفلسفة القرآنية التي اتخذت من القرآن الكريم دعامتها الأولى لهى هى نفسها التي جعلت من "إقبال" ينادي بمذهب فلسفي قويم في تحرير الذات، ويبني عليها مذهبه وقوام آراءه كلها في الحياة وفي الوجود. فللذات الإنسانية مؤهلاتها وقواها الباطنة التي تدفعها دفعاً إلى العروج في مدارج الكمال، وإلى معارج الرُّقيّ لبلوغ أقصى الغايات التي يبلغها الكاملون. لكن هذه الذات وهى في طريقها نحو التحرر ابتغاء المطلوب، تقابلها العقبات والصعاب، وأشدُّ العقبات وأصعبها هو ما يأتي من جهة المادة؛ فالتغلب عليها ومحاولة تذليلها ضربٌ آخر من ضروب توكيد الذات وترقيتها ثم تحرُّرُها من القيود والأغلال. على أن هذا التغلب على المادة يلزمه خطوات أو مراحل حدَّدها "إقبال" وذكرناها فيما تقدم؛ فإذا تمّ للذات غلبتها فقد تمّ لها في نفس الوقت تقويتها ومضاعفة الطاقة فيها على المقاومة والغلبة والانتصار؛ فكل صدام مع المادة يعزز في الذات القدرة على تذليلها والسيطرة عليها ويشحذ فيها الإرادة وينمي مجال النضال؛ ليجيء صعودها وارتقاؤها آخر الأمر تكميلاً لها وتحريراً. إنما الذات تنمو بالعمل وتذكو بالأمل ولا تنمو مطلقاً بالتواكل والكسل ولا تذكو ألبته بالخمول والركود والدعوى العريضة تقوم فيها بغير دليل.

تلك كانت، ولا زالت، تعاليم الإسلام في بساطة رقيها، وشموخ مقاصدها، وسمو ترقيها بالذات الإنسانية، جاءت لتنصر الفرد وتقومه وتقويه لا لتتركه هملاً عرضة للأغيار تفعل فيه الأفاعيل. لقد هضمها "إقبال" في مصدريها الكبيرين: القرآن الكريم والسّنة النبوية المطهرة، وقابلها بالثقافات والمورثات الدينية في الحضارات المختلفة، وواجه بها كل دعوة تفت في عضد المسلم؛ لتَدَعه فريسة للثقافات المستوردة وللموروث الوثني. فلئن كان ينقد التصوف العجمي ويحمل عليه بشدّة، فمعه الحق كل الحق، فإنّ هذا التصوف خارجٌ عن نطاق "المضمون الديني" الذي ينتسب إليه المسلم في عقائده الصحيحة ويدين له بالولاء، ومُغَزَّىَ بمصادر خارجة عن المصدر الإسلامي مختلطة بفلسفات وثنية تضر الذات المسلمة ولا تقويها، ولا تقوِّم فيها قيم "الوجود الروحي" كما تبيّنها له عقائد الإسلام، وتسلبها خصوصيتها وامتيازها وسط ركام هائل من التصورات والمعتقدات، ولا تدع لها هُويَّة ثقافية ولا معرفية تتكئ عليها وتعتمد وتحسن الاعتماد.

ولكن من جانب آخر، في المقابل لا يُفهم من نظرة "إقبال"، أنها نظرة تدعو إلى التقوقع والانغلاق عن لقاء الثقافات البشرية المتنوعة؛ فتأكيد الذات لا يعني الانغلاق، ومحاولة تحريرها من عوامل الاستلاب والاتكال على الغير لا يعني تقوقعها، ولا يُفهم منه انغلاقها على ذاتها، بل كلما اتصلت الذات بغيرها واحتكت بثقافات الآخرين، أزادت توكيداً لوجودها بشرط ألّا تترك هُويتها وتتسوَّل ثم تستجدي ما لدى الآخرين من ثقافة وفنون وعلوم ومعارف وآداب. تلك مسألة على البداهة مفروغٌ منها لا تحتاج إلى مزيد شرح ولا إلى إطالة كلام.

*    *     *

ومع كل ما يثير الإكبار في مذهب "إقبال"، وفي تحريره للذات وترقيها وتكميلها بعد تقويتها؛ فأنا شخصياً أوافقه في أكثر ما ذهب إليه توكيداً للذات الإنسانية واستقلالها، وإثباتاً لإمكاناتها وتفردها، وأخالفه في نقطتين مما هو معروض من مذهبه:

النقطة الأولى: أنه نظر إلى الفناء الصوفي لا من جهة كونه حالة روحية تقبل التحويل سُرَعان ما تتبدل وتتغير؛ ليعود صاحبها إلى ما كان عليه من قبل، ولكن من جهة دوام هذه الحالة، وكأنها حالة "عدم" لا حالة وجود، تحيط بالذات إحاطة تامة فتُركدها وتُفْنيها وتقضي عليها. والفناء في التصوف الإسلامي خاصّة ليس كذلك: لا هو عدم ولا هو حالة دائمة.

ليس الفناء، كما جاء لدى أئمة التصوف السّني، عدماً للذات بل هو حالة تقبل التحويل سرعان ما تزول ويعقبها البقاء بالله، ثم إنّ هذا الفناء نفسه هو فناء في التوحيد؛ أعنى اكتمال المعرفة بالتوحيد ليس إلّا؛ فالأصل في الفناء هو الفناء في التوحيد، لا الفناء في أي شيء آخر غيره. والتوحيد، كما في العقيدة الإسلامية، هو الذي قال عنه "إقبال" نفسه: رأس مال أسرارنا، وكل ما يتعلق بالتوحيد هو بؤرة أفكارنا.

والأمر الآخر: أنه نظر إلى الفناء في التصوف الإسلامي كما لو كان هو نفسه الفناء في التصوف "العَجَمي"، كلا! فليس مذهب بوذا كمذهب البسطامي، ولا التوحيد كما يفهمه أفلاطون كالتوحيد كما نعرفه وندين به في العقيدة الإسلامية، ولا عقائد الهنادكة كعقائد الإسلام لا في الجملة ولا في التفصيل. وهذه النظرة ولا شك نظرة إنْ لم تكن قاصرة فهى ليست وافية ولا محيطة بالفروق الفارقة بين التصوف في الإسلام المؤسس على عقيدة كاملة، تامة، شاملة، وبين أنواع التصوف في الثقافات والحضارات الأخرى.

أضف إلى هذا؛ وهو المهم، أن الفناء في التصوف الإسلامي خاصّة هو غاية ما تبلغه طاقة عمل العامل في سبيل الله، ومن أجل الله. فلئن كان "إقبال" يركَّز دوماً على العمل الإيجابي بُغية تحرير الذات؛ فإنّ هذه الذات نفسها لن تتحرر، ولن تشعر بالتّحَرُّر، حقيقة لا صورة، إلا في حال الفناء؛ إذْ الفناء في مؤدَّاه الإسلامي، وكما هو معلوم لدى أولياء المسلمين، هو منتهى الغاية من الطاقة العاملة: من العمل المنظم الإيجابي فضلاً عن كونه مجرد حالة عارضة لا تدوم، وهو هو التعبير المباشر، اصطلاحاً وإجراءاً، عن التجربة الصوفية، يخوضها العارفون؛ فيتحققون فيها فعلاً وقصداً بمعرفة التوحيد.

إذا نحن حذفنا الفناء كونه حالاً يتوارد من عين الجود فضلاً من الله ومنّة، حذفنا تباعاً خصائص التجربة الصوفية وشروطها ولوازمها؛ إذْ تستند في البداية على بذل المجهود كسباً من العبد وسُّنَّة. وبما أن لطائف العارفين كلها: كل شذراتهم المعرفية وإشاراتهم وعلومهم ومعارفهم صادرة عن تلك التجربة الروحية، وعن مذاقات الشهود فيها؛ فمن ينكر قيام التجربة الصوفية على فاعلية العمل الشاق المضنى، وعلى بذل المجهود العالي - ومعلوم لدينا أن المجاهدات عمل واختبار لتمحيص قيمة الرياضات الدينية - فإنما يُجرّد التصوف كله من أخصِّ خصائصه: من العمل الإيجابي المنظم ثم ينقض نفسه، ويتناقض معها قبل أن ينقض بالجملة تجارب الأولياء. ومع افتراض التسليم بصحة هذه التجارب النادرة وبذل المجهود الشاق للدخول فيها؛ فإنه لا يجوز إسقاط تجربة الفناء منها؛ إذْ لا يتسق القول بالتجربة الصوفية والاعتراف بها مع القول بحذف الفناء منها لا لشيء إلا لأنهما وجهان لعملة واحدة؛ ولأننا إذا قلنا تجربة صوفية فقد قلنا في الوقت نفسه حال الفناء.

وحيث إنَّ قياس الفناء في التصوف الإسلامي على الفناء في التصوف الهندي مثلاً أو البوذي أو الفارسي أو اليوناني أو المسيحي أو ما شَابَه ذلك من مصادر خارجة في تراث الأقدمين، هو خطأ في القياس؛ فتعميم الحكم، والغفلة عن المضمون الديني الذي تتشَكّل منه التجربة الصوفية الإسلامية الحيّة في المعرفة والتحقيق، وتتكئ عليه مباشرة وتعتمد تجارب الأولياء، هو خلط شنيع غير مقبول لدينا وغير معقول.

النقطة الثانية: وهى التي نأخذها على كلام "إقبال" مع تقديرنا الشديد لكلامه في تربية الذات وإحكام الذات، فهى قوله: إنّ الذات تستحكم بالعشق. ومفهوم العشق عنده واسع جدَّاً، ومعناه إرادة التسخير والجذب. وأعلى أشكاله أن يخلُق مقاصده ويجدَّ في نيلها. وخاصّةُ العشق: إفراد العاشق والمعشوق، يعني إظهار الانفراد والاستقلال فيهما. وإذا جدَّ الطالب في طلب الأوْحَد الأسمى ظهر فيه التَّوحُّد. ويتحقق ضمناً توحُّد المطلوب؛ لأنه إنْ لم يكن واحداً مستقلاً بنفسه لم يسكُن الطالب إليه. إنما يمكن عشق شخص أو وجود مُعَيَّن، ولا يمكن لشخص عشق كائن غير مشخَّص.

وكما تستحكم الذات بالعشق تضعف بالسؤال. وكل ما ينال بغير جهد يعدُّ سؤالاً؛ فالذي يرث مال غيره سائل. والذي يتبع أفكار غيره أو يَدَّعِيها لنفسه سائل. والخلاصة ينبغي، لأجل إحكام الذات، أن نخلق في أنفسنا العشق ونَتَجَنَّب كل ضروب الاستجداء والبطالة.

فإنِّا لنوافقه تماماً في الفكرة الأخيرة، وهى كل ما ينال بغير جهد تسوِّلٌ ممقوت يضعف الذات ويمقتها ولا يقويها ولا يرقيها؛ فهذا صحيح لا ينكره أحد مع اقتراف الكثيرين له؛ فمجتمعاتنا في الأغلب الأعم قائمة على هوان التسول ومذلة السؤال، وما يقالُ عن المجتمع يقال في تلك الجزئية على الأشخاص الذين يعيشون فيه، ومن هنا كان ضعفها، ومن هنا كان نكوصها وترديها. ولكن كلامه عن استحكام الذات بالعشق غير مقبول؛ لأنه بداهةً يوحي بالربكة الجُوَّانيَّة؛ فالذات العاشقة من جهة العبد لا تعنى الانفراد والاستقلال؛ فإذا كان هنالك إفراد للعاشق عن المعشوق لم يصحُّ أن يكون عشقاً ولم يصح التَّوَحُّد المطلوب.

الذات العاشقة تعمل عملها الإيجابي تحت إرادة المعشوق وفي كنفه وحمايته، فلو جَرَّدتها عن هذا العمل، فصلتها عن أصلها وعزلتها عن روحها، ولكن إذا تمَّ عملها بشهود المعشوق ورعايته، هنالك يصحُّ التوحُّد المطلوب ويصحُّ بالتالي الفناء.

وفي لغة "إقبال" نفسه:"إذا جدَّ الطالب في طلب الأوْحَد الأسمى ظهر فيه التوحُّد"؛ فماذا عساه يكون المراد من هذا التعبير غير دقة التعبير الدقيق عن حال الفناء؟ هذه واحدة.

أمّا الثانية؛ فإنّ وصف العشق نفسه مشكوكٌ في عقباه؛ للنصوص الواردة للحذر من استخدامه أصلاً في طلب الأوْحَد الأسمى. بيد أن شاعرية "إقبال" غلبت عليه في هذا الموطن، أو قُلْ إنّ ثقافته القومية طغت عليه، فآثر أن يستخدم لفظ العشق والعاشق والمعشوق ولم يرجع فيما يستخدمه إلى آيات القرآن الكريم؛ ليتتبع دلالة هذا الألفاظ فيها. فلو أنه استخدم كلمة "الحب"؛ لكانت أدلَّ على المقصود من كلمة "العشق".

فأما الأولى فشائعة في القرآن وفي الحديث. وأما الثانية، فلا. هذا على فرض وجود العشق وانسحابه على العلاقة بين العبد والربّ، وهو مما لا ينسحب ومما لا يجوز.

وقد أجمعت مصادر التصوف السُّني خاصّة على أن الحق، سبحانه، لا يوصف بالعشق؛ فإذا كان العشق مجاوزة الحدِّ في المحبة، فالحق، سبحانه، لا يوصف بأنه يجاوز الحدّ فلا يوصف بالعشق، ولو جمع محابِّ الخلق كلهم لشخص واحد لم يبلغ ذلك استحقاق قدر الحق. فلا يُقال من أجل هذا: إنّ عبداً جاوز الحدّ في محبة الله.

وعليه؛ فلا يوصف الحق بأنه يعشق ولا العبد في صفته، سبحانه، بأنه يعشق فنُفىَ العشق، ولا سبيل له إلى وصف الحق بالعشق لا من جهة الحق للعبد، ولا من جهة العبد للحق. ولم يكن القشيري ولا أستاذه الدقاق يطلقان لفظ العشق على الحب كما كان يطلقه غيرهما من الصوفية ممن هاموا في حبّ الله لدرجة الفناء؛ لأنه كما نعلم أن المعتزلة والظاهرية كانوا ينزهون الله عن العشق؛ لأنه يقوم من الناحية النظرية على التشبيه. ومن الناحية العملية على الملامسة والحلول. وبهذا يجنب القشيري كما يجنب أستاذه الدقاق في التصوف، كل مظنة تأتي من طرف أعدائه.

تُرى .. هل كان إقبال عقلانياً، مفرطاً في العقلانيّة؟ ربما! وهل أطلع على رأي المعتزلة والظاهرية في العشق فلم يجد في نفسه ما يسيغه؟ وكيف يتفق العقل والمعقول مع رأي كهذا في مسألة العشق؟ وهل من العقل التخلي عمن احتكموا إليه وواجهوا أنفسهم بمنطقه؟ وهَبْ أنه لم يكن عقلانياً ولم يوافق المعتزلة ولا الظاهرية فيما ذهبتا إليه، فلِمَ أصرَّ على أن يواجه الحالة الروحية مواجهة عقلية بغير منهجها وبغير أذواقها وأدواتها حتى لتكاد المواجهة لديه أن تُخرج "الحالة" بعيداً عن القصد المقبول؟

لقد تتبعتُ إقبالاً رحمة الله عليه، وأنا بصدد حديث الولاية في المعراج، عن قصد في المتابعة؛ لأن الرأي بدا لي أن مذهبه في توكيد الذات والإحساس بها، وإثباتها لا نفيها، ثم تربيتها الروحيّة وفق مراحل الطاعة وضبط النفس، لتقويتها وتكميلها ولترقيتها واستخراج ما أوُدِعَ فيها من مواهب وقدرات. أقول؛ إنّ الرأي بدا لي أن مذهبه هو عينه "معراج روحي" اقتضانا الوقوف عنده وتتبع مراحله، حديثنا عن المعراج.

إنما المعراج كما قلنا فيما تقدًّم ذاتي خاص، والرجعة منه كذلك ذاتية خاصة. هذه الذاتية المتفرّدة التي تضرب بجذورها في أغوار النفس البشرية، إذا عززها الدين، يعزز فيها العمق الداخلي والجذوة الباطنية، ولا يعزز فيها ظواهر الشكليات إلا بالمقدار الذي يفهم على المستوى الإنساني، وبخاصة إذا كان هذا المقدار مَرَدّه إلى مطالب الشرع وضرورة التمسك بقيوده من الوجهة العملية.

فلا التحلل من هذه القيود يعطيها حق الظفر المطلق بذلك "التعزيز"، ولا هو ييسّر لها ذلك التعميق الداخلي الذي نقصده، وإنما تتفرَّد "الذات" وتتحرّر من القيود والعلائق، ثم يتعزّز فيها مثل هذا التّفرُّد، إذا هى استبطنت مطالب الشرع وكشفت بنفسها عن الضرورة الواجبة له في صميمها، حينذاك تتسع لها القدرة فتمتلك "الإرادة" الحيّة لأن تصبح ذاتاً حرّة من قيود العلائق الخارجية، فلا يصفو لها الصفاء كلُّه إلا إذا تحرَّرت بمثل ما يكون التّحرُّر دليلاً على الطلاقة الروحيّة معراجاً دائماً للاتصال بالذات المطلقة.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

علي جابر الفتلاويمن البحوث القرآنية (التأويل)، إذ (وردت كلمة (تأويل) في القرآن الكريم سبع عشرة مرة).(1) والتأويل لغة: تفسير ما يؤول إليه الشيء، وقد أوّلته تأويلا وتأوّلته تأولا بمعنى واحد، يقال: آلَ الأمير رعيّته يؤولها أوّلا وإيالا، أي ساسها وأحسن رعايتها،(2) وقيل: التّأويل من الأول أي الرجوع إلى الأصل، (3) والتأويل تفسير الكلام الذي تختلف معانيه، ولا يصحّ إلّا ببيان غير لفظه.(4)

والتأويل اصطلاحا له معان عدة، ذكرها السيد الطباطبائي في كتابه (الميزان في تفسير القرآن)، وحددها في أربعة أقوال رئيسية، ثمّ ذكر سبعة أقوال عدّها متفرعة عن القول الأول، عندما يذكر الأقوال الرئيسية مع فروعها لا يعني أنه متوافق معها بل هو يردّ عليها في نهاية طرح الأقوال، وهذا الاسلوب في الطرح هو جزء من منهجه التفسيري، الرأي الآخر ثم المناقشة والتحليل موافقة أو رفضا، أو يقبل وجها أو أكثر، ويرفض الوجوه الأخرى، في بحثه عن التأويل طرح مفهوم التأويل إصطلاحا، كما سنبيّن لاحقا، والأقوال التي ذكرها في التأويل هي(5):

القول الأول: التأويل بمعنى التفسير، وهو المراد من الكلام، وإذا كان المراد من بعض الآيات معلوما بالضرورة، كان المراد بالتأويل (وما يعلم تأويله إلّا الله والراسخون في العلم)(6) لا يعلم المعنى المتشابه إلّا الله والراسخون في العلم.

يرى البعض أن التأويل بمعنى التفسير هو قول المتقدمين، وبناء على هذا أصبح لكل آيات القرآن تأويل، عدا المتشابه استنادا لقوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله) فلا أحد يعرف تأويل المتشابه من الآيات إلّا الله.(7) يؤيد السيد الطباطبائي أن المتشابه لا يعلمه إلّا الله والراسخون في العلم؛ ونقل خبرا عن ابن عباس أنه كان يقول: أنا من الراسخين في العلم وانا أعلم تأويله،(8) ومفاد القول تخصيص تأويل المتشابه من الآيات بالله تعالى والراسخين في العلم وغير المتشابه متاح تفسيرها للأمة؛ يرى أبو عبيدة: أن التأويل والمعنى والتفسير تعطي نفس المعنى.(9)

القول الثاني: المراد من التأويل المعنى المخالف لظاهر اللفظ، وهو الشائع عند المتأخرين، (10) يقول الرّازي: التأويل هو الابتعاد عن المعنى الظاهري للفظ استنادا إلى الدليل والقرينة، والتي لها تأويل هي الآيات المتشابهة فقط.(11)

القول الثالث: التأويل أحد معاني الآية الذي لا يعلمه إلّا الله تعالى، أو لا يعلمه إلّا الله والراسخون في العلم مع عدم كونه خلاف الظاهر، وهذا القول لا يتوافق مع القول الثاني الذي حدد المعنى بالمخالف لظاهر اللفظ، في هذا القول الثالث يقول الطباطبائي: إنّ للآية المتشابهة معان متعددة بعضها تحت بعض منها ما هو تحت اللفظ يناله جميع الأفهام، ومنها ما هو أبعد منه لا يناله إلا الله تعالى والراسخون في العلم. يقول السيد الطباطبائي: اختلفت الرؤى في كيفية ارتباط المعاني المتعددة باللفظ فهو لا يتوافق مع من يذهب أن اللفظ القرآني يستعمل في أكثر من معنى. ويقصد المعنى في المتشابه، وعنده استعمال اللفظ في أكثر من معنى غير جائز، بل يرى أن اللفظ له معان مترتبة بحيث يكون له معنى مطابقي وله لازم وهكذا يتدرج في المعاني، هي معان مترتبة بعضها على بعض ترتب الباطن على ظاهره، فإذا قال المرء اسقني، فاللفظ طلب يلبي السقي، وهو طلب للإرواء، وطلب لرفع الحاجة الوجودية، وطلب للكمال الوجودي، فهذه كلّها أوامر ومطالب لكنها مترتبة وجاءت بطلب واحد هو طلب السقي، فهذه المطالب جاءت بعضها في باطن بعض، والسقي مرتبط بها ومعتمد عليها، هذا القول يذهب إلى أن لفظ الآية المتشابهه له ظهر وبطن، والبطن يتبعه بطن وهكذا، وهذا الأمر لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم.

القول الرابع: التأويل ليس من قبيل المعاني المرادة باللفظ، بل هو الأمر العيني الذي يعتمد عليه الكلام، فإذا كان الكلام حكما إنشائيا كالأمر والنهي، فتأويله المصلحة التي توجب إنشاء الحكم وجعله تشريعا، فقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة)(12) مثلا تأويله الحالة النورانية الخارجية التي تقوم في نفس المصلّي في الخارج فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وإن كان الكلام خبريا فيكون على صور هي:

1 – إخبار عن الحوادث الماضية والتأويل يكون نفس الحادثة الواقعة في الماضي كالآيات المشتملة على أخبار الانبياء والأمم الماضية.

2 – إخبارعن الحوادث والأمور الحالية والمستقبلية وتكون على قسمين: إما أن يكون المخبَر به من الأمور التي تناله الحواس أو تدركه العقول، فتأويله ما هو واقع في الخارج، كقوله تعالى: (وفيكم سمّاعون لهم)(13) وقوله تعالى: (غُلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلَبِهم سيغلِبون، في بضع سنين)(14) أو يكون من الأمور المستقبلية الغيبية التي لا تناله حواسنا الدنيوية ولا يدرك حقيقتها عقولنا كالأمور المرتبطة بيوم القيامة ووقت الساعة وحشر الأموات ويوم الجمع والحساب وتطاير الكتب، أو يكون ما هو خارج عن طبيعة الزمان وإدراك العقول، مثل صفاته تعالى، وأفعاله سبحانه، فتأويلها نفس حقائقها الخارجية.

الفرق بين الآيات المبينة لصفات الله تعالى وأفعاله وما يلحق بها من أحوال يوم القيامة، وبين الآيات الأخرى التي يمكن حصول العلم بتأويلها. أن الآيات المختصة به تعالى لا يعلم تأويلها إلّا الله تعالى، والراسخون في العلم بتعليم الله سبحانه بمقدار ما تسعه عقولهم، وأما حق التأويل فهو مما استأثر الله تعالى بعلمه. ذكر السيد الطباطبائي أقوالا أخرى عدّها من توابع القول الأول، لكنّ القائلين بها لا يتوافقون معه أنّ هذه الأقوال من التوابع، وذكر في هذا الباب سبعة أقوال نذكرها باختصار:

القول الأول: التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وفي الكتب الإلهية، أما التفسير فيستعمل في الكتب الإلهية وغيرها.

القول الثاني: أنّ التفسير بيان معنى اللفظ الذي لا يحتمل إلّا وجها واحدا، والتأويل تشخيص أحد محتملات اللفظ بالدليل استنباطا.

القول الثالث: أنّ التفسير بيان المعنى المقطوع من اللفظ، والتأويل ترجيع أحد المحتملات من المعاني غير المقطوع بها، يرى السيد الطباطبائي أن هذا القول قريب من سابقه.

القول الرابع: أنّ التفسير بيان دليل المراد، والتأويل بيان حقيقة المراد، مثاله قوله تعالى: (إنّ ربّك لبالمرصاد)(15) فتفسيره: أن المرصاد مفعال من قولهم: رصد يرصد إذا راقب، وتأويله التحذير عن التهاون بأمر الله والغفلة عنه.

القول الخامس: أن التفسير بيان المعنى الظاهر من اللفظ، والتأويل بيان المعنى المشكل.

القول السادس: أن التفسير يتعلق بالرواية، والتأويل يتعلق بالدراية. (16)

القول السابع:أن التفسير يتعلق بالاتباع والسماع، والتأويل يتعلق بالاستنباط والنظر.

لا يتوافق السيد محمد حسين الطباطبائي مع الأقوال الأربعة، والأقوال السبعة الأخرى التي عدّها متفرعة من القول الأول، يقول: (لا يصح الركون إلى شيء من هذه الأقوال الأربعة وما ينشعب منها)(17)

يردّ السيد الطباطبائي على الأقوال الأربعة مع فروعها السبعة بشكلين، الأول مجمل، والثاني مفصّل يقول: إما إجمالا المراد بتأويل الآية ليس مفهوما من المفاهيم تدلّ عليه الآية، سواء كان مخالفا لظاهرها أو موافقا بل هو من قبيل الأمور الخارجية، وليس كل أمر خارجي يصح أن يكون تأويلا للخبر، بل يكون الأمر الخارجي مخصوصا نسبته إلى الكلام نسبة الباطن إلى الظاهر.

ويرد الطباطبائي تفصيلا على الأقوال الأربعة، بالنسبة للقول الأول يقول: أنّه يفيد أن بعض آيات القرآن لا يمكن تأويلها أي تفسيرها أي معرفة المراد من مداليلها اللفظية من عامة الأفهام، وهذا لا يجوز عند السيد الطباطبائي، لأنّه يرى أنّه ليس في القرآن آيات كذلك، بل القرآن ناطق بأنّه إنما أنزل قرآنا لتناله الأفهام، وعليه لا مناص أمام من يقول بالقول الأول، إلّا أن يختار أنّ الآيات المتشابهة إنما هي فواتح السور من الحروف المقطّعة حيث لا ينال معانيها عامة الأفهام، ويردّ السيد الطباطبائي على هذا القول، بأنّه لا دليل عليه، ويقول: مجرد كون التأويل مشتملا على معنى الرجوع، وكون التفسير أيضا خال عن معنى الرجوع، لا يوجب كون التأويل هو التفسير، كما أن الأم مرجع لأولادها وليست بتأويل لهم، والرئيس مرجع للمرءوس وليس بتأويل له. إذن عند الطباطبائي أن المرجعية لا توجب التأويل.

يرى السيد الطباطبائي أنّ ابتغاء الفتنة في الآية السابعة من سورة (آل عمران)، هو من خواص الآيات المتشابهة، وتوجد في غير فواتح السّور، وإن أكثر الفتن التي حدثت في الإسلام إنما حدثت باتباع علل الأحكام وآيات الصفات وغيرها.

ردّ على القول الثاني: التأويل هو المعنى المخالف لظاهر الآية، لأنّ هذا الكلام يبطل الاحتجاج في قوله تعالى: (أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)(18) فالآية صريحة الدلالة على أنّ القرآن معرض لكافة الأفهام ومسرح للبحث والتأمل والتدبر، وليس فيه آية أريد بها معنى يخالف ظاهر الكلام.

ردّ على القول الثالث: أنّ الآيات القرآنية تشتمل على معان مترتبة بعضها فوق بعض، هذه المعاني تتكشف إلى الأفهام حسب التدبر وذكاء السامع، من هذه المعاني الباطنة المترتبة لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم، يرى السيد الطباطبائي أن التقوى وطهارة النفس هما مُعينين في فهم المعارف الإلهية، لكن ذلك ليس على نحو الدوران والعلية، بمعنى أن من يتمتع بالتقوى والطهارة لا يعنى وصوله إلى المعاني الباطنة بالكامل، بل منها ما هو مختص بالله تعالى، كما هو ظاهر قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله).

موقفه من القول الرابع لم يكن رفضا بالكامل، بل تقبل وجها منه ورفض الآخر يرى السيد الطباطبائي أن القول الرابع، أصاب في القول بأن التأويل لا يختص بالمتشابه بل يوجد في جميع القرآن، وأنّ التأويل ليس من صنف المدلول اللفظي بل هو أمر خارجي يبتني عليه الكلام، لكنّ القول الرابع أخطأ في عدّ كل أمر خارجي مرتبط بمضمون الكلام تأويلا للكلام، وأخطأ في حصر المتشابه الذي لا يُعلَم تأويله في آيات الصفات وآيات القيامة. وأوضح السيد الطباطبائي كلامه هذا بقوله:

قوله تعالى: (وابتغاء تأويله) الضمير إما إن يكون راجعا إلى الكتاب أو إلى المتشابه، لا يتوافق السيد الطباطبائي مع من يقول أن الضمير راجع إلى القرآن لأنّ ذلك يتعارض مع قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله)، إذ حصر تأويل القرآن بالله تعالى يتعارض مع رسالة القرآن، لأنّ كثيرا من تأويلات القرآن متاحة إلى الأفهام مثل تأويلات القصص والأحكام، وآيات الأخلاق، هذه الأمور من الممكن أن يعلمها غير الله، وغير الراسخين في العلم من الناس، وحتى الزائغة قلوبهم، مثل الحوادث التي تدلّ عليها آيات القصص يتساوى في إدراكها جميع الناس، وكذلك الحقائق الخلقية، والمصالح التي يوجدها العمل بالأحكام من العبادات والمعاملات وسائر الأمور الشرعية، فهي معلومة للجميع.

من هذه الأمثلة يصل السيد الطباطبائي إلى أنّ الضمير في (تأويله) راجع إلى المتشابه وليس إلى القرآن، والذهاب في هذا الاتجاه يستقيم معنى الحصر في الآية: (وما يعلم تأويله إلّا الله) بمعنى أنّ غيره تعالى وغير الراسخين في العلم مثلا لا ينبغي لهم تأويل المتشابه، لأنّ ذلك يؤدي إلى الفتنة وإضلال الناس، لكن السيد الطباطبائي لا يتوافق مع من يحصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلّا الله والراسخون في العلم، على آيات الصفات وآيات القيامة فحسب، إنّ الفتنة التي توجد في تأويل آيات الصفات وآيات القيامة، كذلك توجد في آيات أخرى مثل آيات الأحكام والقصص وغيرهما، وضرب الطباطبائي مثلا لذلك، فلو قال قائل أن الغاية من تشريع الأحكام هو الإصلاح الإجتماعي، فلو صلح المجتمع في غير الحكم الشرعي، سيكون ذلك مبررا لإلغاء الحكم الشرعي لأنه بالإمكان الإصلاح بغيره. يرى السيد الطباطبائي أنّ هذا من الفتنة في تأويل آيات الأحكام.

أخيرا يخلص السيد الطباطبائي إلى النتيجة التالية:

 إنّ التأويل هو الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنية من حكم وموعظة وغيرهما، وهي موجودة في جميع الآيات القرآنية، محكمها ومتشابهها، وهذه الحقيقة لا تحيط بها الألفاظ، وإنّما قيّدها الله تعالى بالألفاظ لغرض تقريب المعنى إلى الأذهان، قال تعالى:(والكتاب المبين، إنّا جعلناه قرآنا عربيا لّعلّكم تعقلون،وإنّه في أمّ الكتاب لدينا لعلّي حكيم)(19).

 

علي جابر الفتلاوي

.....................

المصادر: 

1 - الدكتور عبد الهادي الفضلي، موقع هدى القرآن الالكتروني. نشر في 29/3/2010 ، hodaalquran.com .

2- اسماعيل الجوهري، معجم الصحاح، ص56 – 57.

3- أبو القاسم حسين بن محمد الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص98.

4- الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، ج8، ص368.

5- محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج3، ص 35- 39.

6- آل عمران: 7.

7- محمد بن يعقوب أبو طاهر الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ج1، ص80.

8 – محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، ج3، ص35.

9 -  معمر بن المثنى أبو عبيدة، مجاز القرآن، ج1، ص86.

10 – محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، ج3، ص35.

11- الفخر الرّازي، التفسير الكبير، ج7، ص189.

12 – البقرة: 43.

13- التوبة: 47.

14 – الروم: 2 – 4 .

15 – الفجر: 14.

16 – علم الدراية: علم يُبحث فيه عن متن الحديث، وكيفية تحمّله وآداب نقله وطرقه من صحيحها وعليلها.يراجع: موقع السراج الالكتروني، alseraj.net .

17- محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، ج3، ص37.

18 – النساء: 82.

19 – الزخرف: 2 – 4.

 

 

مجدي ابراهيمكان الحارث بن أسد المحاسبي مفكراً صوفياً رشيداً، تغلغل في أعماق النفس البشرية فحلل آفاتها؛ ليتسنى له، وللقارئين من بعده، الوقوف على العلل والأمراض المستشرية فيها ثم ليهتدي وليهدي غيره ممَّن أذن الله تعالى لهم بالهداية، إلى طريق الحق والصواب. توفى رحمه الله على أرجح الأقوال عام 243هـ . ومن مؤلفاته : الرعاية لحقوق الله، والوصايا أو النصائح الدينية، ورسالة المسترشدين، وآداب النفوس، والعقل وفهم القرآن، وكتاب التّوهُّم. ولقد ذكر عنه صاحب "حلية الأولياء" (جـ 10، ص73) :

إنه كان لألوان الحق مُشاهداً، ولأثار الرسول عليه السلام مساعداً ومصاحباً. تصانيفه مدوَّنة مسطورة، وأقواله مبوبة مشهورة، وأحواله مصححة مذكورة، كان في علم الأصول راسخاً وراجحاً، وعن الخوض في الفضول جافياً وجانحاً، وللمخالفين الزائغين قامعاً وناطحاً، وللمريدين والمنيبين قابلاً وناصحاً". تلك كانت أوصاف المحاسبي كما قدَّمها أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء.

وبقليل من التأمل؛ نرى كيف تجتمع في هاته الكلمات البسيطة مناقب المحاسبي في جملتها : إتباع سنة ومشاهدة حق، وعلم راسخ وحال صحيح، ورفض لألوان الزيغ والبدعة، وتربية صادقة ورعاية مخلصة للمريدين والتائبين والمنيبين.

رَوَىَ المحاسبي في كتابه "العقل وفهم القرآن" صفحة رقم (287) عن أبي سعيد الخدريّ أن رجلاً أتاه فقال : يا أبا سعيد، أوصني فقال : سألت رسول الله ص أوصني فقال :"أوصيك بتقوى الله عزَّ وجلَّ، فإنها رأس كل شيء. وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام. وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء، وذكرك في الأرض. وعليك بالصمت إلا في حق، فإنك تغلب الشيطان".

هذه وصايا أربع تلقاها أبو سعيد عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فتلقاها المحاسبي رواية عن رواية عن رواية، فما أحسبني أزيد شيئاً فيما لو قلتُ إنّ هذه الوصايا الأربع هى كل شيء من مطالب الذات المؤمنة، وهى بالطبع خيرُ ما يؤمّن المسلم ويقوى رياض إيمانه؛ ليكون على بصيرة من الوعي بحقائق الإيمان. فأولى الوصايا تدعو إلى تقوى الله وتصف التقوى بأنها رأس كل شيء. وهذا حق لا شك فيه، بل هو صدق لا يداخله ريب، وهل يداخل الريب كلاماً قاله المصطفىَ عليه السلام؟ فإن أصل الإيمان تقوى الله والعمل بهذه التقوى حتى الرمق الأخير. وإني لأسأل عبداً من عباد الله قد يغيب عنه معنى كلمة التقوى، فأقول : ألا تحب أن تكون في معية الله؟ ألا تريد أن يكون الله معك في الدنيا والآخرة؟

والإجابة بالطبع هى : نعم نحب ذلك ونتمناه، وإذن : فلتتق الله. ومعناه : أن تحترم وجود الله في داخلك، وأن تُقرنَ الاحترام بالعمل على الدوام، تحترم أنفاس الحق فيك قبل أن تتشدق بمعرفة الله مع الآخرين، ويوم أن تحترم وجود الله في داخلك هو اليوم الذي تراعي فيه حقوقه وترعى حدوده فلا تعتديها، ذلك هو اليوم الذي يوفقك الله فيه أن تكون سَيّاراً على تقواه، وما دمتَ على تقوى الله، فالله إذن معك، ومع جميع من يتقيه :"واتّقوا الله واعْلموا أن الله مع المتقين" (البقرة : 194).

وثاني الوصايا تدعو إلى الجهاد؛ فلولاه ما تمَّ إيمان مؤمن ولا صدقت سريرته في احتمال أشراط الإيمان والصبر على فرائضه؛ فمن المطلوب أن يجاهد المؤمن نفسه أولاً، وهو الجهاد الأكبر كما جاء في الخبر، ثم يجاهد نفوس الآخرين أن تقف له عائقاً عن مسيرة الجهاد. ومما لابد منه، في هذه العملية الجهادية أن يترصد نزغات الشيطان، وأن يقف لها بالمرصاد، إذْ يعني هذا الترصد عندنا رعاية الإرادة بحيث لا تحول الرغبات دون التنازل عنها، ولا رعاية على الإطلاق لإرادة مريدة فعّالة وصاحبها لا ينتقل في حياته على الدوام من جهاد إلى جهاد : من أول جهاد النفوس وصولاً إلى جهاد الاستقامة وجهاد الأسرار. فذلك بغير شك مطلبٌ من مطالب الرهبانية لا يستطيعه إلا أفذاذ الأبطال.

وإنك لتلحظ وصف الجهاد هنا بأنه "رهبانية الإسلام"، فالدلالة فيه أظهر من أن تخفى لأنها تشير إلى شدّة التّعبُّد. والرهبانية في اللغة هى الخوف الشديد، وهى كذلك التبتل الذي يصعد بالروح إلى أجواء عليا من الممارسة التطبيقية للمبدأ العَقَدي.

ومن بدائه الملاحظات في النسق القرآني إنك لتجد القرآن يحدثنا في جلاء ووضوح إن الله سبحانه لم يرسل رُسُله للناس لشيء أعز ولا أنفع للإنسانية من العبادة، فمن أقوال الحق كما جاء على لسان نوح عليه السلام :"ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه، فقال يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيرُهُ، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم". ومن أقوال الحق على لسان هود عليه السلام :"وإلى عادٍ أخَاَهُم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، أفلا تتقون". وفي رسالة شعيب عليه السلام :"وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم أعبدوا الله مالكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربِّكم". وفي الدعوة الإبراهيمية الرشيدة :"ولقد أتينا إبراهيم رُشْدَهُ من قبلُ وكنَّا به عالمين. قال أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم. أفِّ لكم ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون". وفي بشارة عيسى ابن مريم :"إنّ الله ربي وربكم فاعبُدُوه، هذا صراط مستقيم".

لكأنما كان تخصيص الدلالة هنا على العبادة إشارة إلهية قريبة المفهوم قريبة الدلالة غير غائبة ولا خافية تقول ببلاغ للناس إنّ الضرورة واجبة في تقويم الجهاد على حَصْر النفس في زاوية التعبّد الشديد الذي وصفه رسول الله (ص) بأنه رهبانية الإسلام.

وثالث الوصايا؛ تدعو إلى ذكر الله وتلاوة القرآن فهما بلسم الروح المستشرفة إلى طوالع الملكوت، ومصدر القوة والشفافية فيها غير منازع ! بهما يجلو العبد الغشاوة من على القلب والنفس والعقل ودخائل البواطن والأعماق، فيصفو صفاءً .. وأي صفاء.

في ذكر الله نعمة إلهية تصل العبد بخالقه .. وأي اتصال. وفي تلاوة القرآن حكمة ربانيّة لا يعلمها إلا الله واهب الحكمة، أعنى إنه لا يعلم فواتح النعمة على من يتلو القرآن بحضور وترقب إلّا الخالق جلَّ وعلا، وفيها مغنمٌ إنسانيٌ وسرٌ من أسرار الفتوح لا يحيط بهما إلّا السعداء، ولا يظفر بهما إلّا من منحه الله جليل فضله وكريم عطاياه.

ورابع الوصايا توصي بالصّمت فهو الحكمة الناطقة، أو قُلْ هو الحكمة "المؤجلة"، لم يحن موعد تصريفها في مرافقها العليا، ولا جاءت لحظة النطق بها لتأدية مهمتها. الصمت هو الحكمة النازلة والمعنى السابح في أفق البيان، فيه قال سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه :" إذا رأيتم الرجل يصمت فاعْلَمُوا أنه يُلَقن الحكمة ". وما تميزت المعرفة بشيء عند قدماء الحكماء إلا بتميزها بالصمت المفكر الذي يدل على مخزون القوة والامتلاء من مطالب المعرفة العلوية في الذات المؤمنة، وظل شعارهم عليها يقول :"إنْ من يعرف لا يتكلم، ومن يتكلم لا يعرف". وقال أبو سليمان الداراني في المعرفة بالله إنها :  "أقربُ إلى الصمت منها إلى الكلام".

غير أن الصمت في بعض الأحيان بل وفي معظمها أيضاً كما يشاهد الآن في ساحات التملق والمداهنة لا يكون في الحق فضيلة، أي نعم ! لا يكون الصمت في كل الأحوال في الحق فضيلة بل الحق يُوجِبُ الكلام ويوجِبُ الثورة الكاسحة لقلب الأوضاع البالية في داخل النفوس وفي خارجها على السواء. ولا يستدعى الحق التهاون والاستكانة قيد أنملة . ومع ذلك؛ فمن الناس من إذا نطق لا يسكته إلا ألم يشكوه أو مرض يلمُّ به حتى ليتعب من يسمعه كل التعب ويملّ من حوله كل الملل ولا يسكته إلا إذا أحد آذاه. ومنه قول القائل : وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن ... ثرثارة في كل وادٍ تَخْطِبُ.

ومطالب الذات المؤمنة أن تعتدل بغير إفراط في مطالبها، فلا تميل بصاحبها إلى الصمت وهو ضعيف مخذول لكي لا يحجز نفسه وراء الكلام، وهو شاعر أو غير شاعر، بخواء الذات وفقر المضمون.

فهذه الوصايا الأربع إنما هى مطالب ضرورية للذات المؤمنة إنْ لم أقلْ مطالب ضرورية للنفس البشرية إذا أُرِيدَ لها الاستقامة، لتستقيم بها حيويّة المؤمن. وليس ينال المؤمن بالمحافظة عليها سوى تلك التركيبة الأخلاقية التي توظف العمل والسلوك توظيفاً إيجابياً نافعاً وهادفاً، تجمع بين حيويّات متعددة : حيوية الروح، وحيوية النفس، وحيوية العقل، وحيوية الذوق، وحيوية القلب، وحيوية الضمير الديني على الإجمال، ذلك الضمير المنزّه عن الأدران والآفات والأوساخ التي يُبتلى بها سفهاء الآدميين. ثم تجمع بعد ذلك حيويّات أخرى تتداخل فيها وتتشابك حتى ينصقل في الإنسان معنى الإنسانية، وفي الوقت نفسه ينصقل مبناه ويتماسك فحواه؛ ليكون من بعدُ مؤمناً على الحقيقة ينال من مطالب الروح أصدق الخصال وأفضل القيم وكل الفضل كله إذا حرص عليه وتوخَّاه.

* *  *

تقتضي مطالب الذات المؤمنة إدمان القراءة في كتب الصوفية بمنهجية ومعايشة وحضور. وإدمان القراءة في كتب الصوفية يورث الأدب ويقوي ملكة البيان ويضيف إلى النفس أجواءً من عوامل التهذيب، وهى قراءة تنفع وعلم يستفاد منه يوم يحاسب المرء على أعماله وعلومه فيما أودعها مذاهب الحياة. وليس كل مقروء من العلوم والمباحث والأفكار يورث عوامل التهذيب أو ينجم عن ملكات خفية باطنة رابضة في قاع الإنسان.

لكنما هنالك من العلوم ما يظهر قوى الروح حين تكون مظاهر المحسوس غمرتها وأخفتها تحت كثافة المادة وظلمة الأشباح.

فما يظهره الحسّ شبح لا روح فيه. وما تظهره الروح نور لا ظلمة فيه.

ومزيّة التصوف العظمى هى أن تُظهر تلك المواهب الروحيّة المطوية تحت كثافة المادة الحاجبة ثم تجلو مطالب الشعور والوجدان، وتنهض شاهدة على مذاقات قيم الوجود الروحي والأخلاقي في جوف الإنسان. مزيّة التصوف على قلوب العارفين كمزية التجربة الشعورية على فحول الشعراء : قلب كبير ملآن بقوة التجربة فيما يفعل أو يقول. ووجدان حساس ممتلئ برهافة الشعور ونقاء الوجدان. ولا يستطيب قراءة كتب التصوف إلا ذلك الذي صبر وذاق عصارة الأرواح واختبر المعاني الصافية النقية فتطلع إلى جميل الأوصاف وارتفعت نفسه عن أوْهاق المادة وغبن الشهوات.

ونحن؛ وإنْ كنا رأينا جانباً من مثال كان قدّمه المحاسبي في العقل وفهم القرآن؛ فهناك من هذه الكتب التي تشع النور في قلوب قارئيها كتاب "قوت القلوب في معاملة المحبوب" لأبي طالب المكي (386هــ) فهو جوهرة الطالب المؤمن لطريق الحق.

هذا الكتاب الذي قال فيه الإمام أبو الحسن الشاذلي رضوان الله عليه :"كتابُ القوت يورثك النور وكتاب الإحياء يورثك العلم"؛ وهما دعامة التصوف السّني على التحقيق كما أنهما غذاء الذات المؤمنة في أرفع مطالبها من الوجهة العلمية. لكأنما يقالُ لك أقرأ القوت كيما تنوِّر به صدرك، فإذا تنوَّر ما في الصدر وانجلى ما في القلب كانت هى غاية الغايات من التصوف الذي يرى أصحابه وعارفوه الحقيقة كليةً واحدةً لا تقبل التجزؤ والتفتيت؛ فهاهنا تكون وحدة الحقيقة ووحدة المعرفة التي يبحث عنها الباحثون في غير طائل وفي غير معوان من عمل القلوب. حين يقرأ القوت لا يقرأ كما يقرأ أي كتاب آخر ولا يعالج كما تعالج موضوعات بعض الكتب الأخرى إنما الصفحة الواحدة في القوت تشعُّ في القلوب الأنوار؛ لأنه يورث قارئه نورانية تجعل صاحبها في حالة من البسط الذي ينشرح معه الصدر، فيقبل مع الإخلاص على المعرفة بانشراح.

ومجموع الصفحات بما تتضمنه من فنون الأذواق وتشتمل عليه من مطالب الذات المؤمنة، تهز الوجدان هزاً عالياً يرقى بصدق لا ريب فيه. وليجرب القارئ الصادق حين يقرأ القوت أن يعامل الصفحة ولا يعامل الكم، ولينظر، من بعدُ، ما توحي إليه به الجملة الواحدة في العبارة الواحدة، في الفقرة الواحدة، في الصفحة الواحدة، وهو يعامل الصفحة ولا يعامل الكم.

قوت القلوب قوتٌ للأفئدة تغذيها المعاني العزيزة لا المباني الصخّابة، علومه علوم أذكار لا علوم أقوال. وبلاغة الصوفية كلها على وجه العموم من ذلك الجنس من البيان : بلاغة معاني لا بلاغة مباني، ولكن كلما لطفت المعاني لطفت تباعاً لها المباني؛ إذْ لطف الأواني في الحقيقة تابع للطف المعاني، والمعاني بها تنمو كما كان يقول ابن الفارض رحمه الله.

* *  *

الحقيقة إنه من المهم جداً تحديد المجالات التي يكتب فيها الإنسان؛ فهو إذا كتب في مجال العلم والبحث العلمي لا ينبغي عليه أن يخلط خلطاً عشوائياً بين مجال ومجال، فالمجال العلمي لا يصلح فيه استخدام الإنشاء الأدبي، ولا تجدي الإشارة إلى الذات فيه نفعاً، لأن مجال الإنشاء الأدبي لا يليق أن يكون محكاً لطائفة تنظر إلى ميادين البحث في العلوم : طبيعة أو رياضية، فتستغني عن الرمز والإشارة والمصطلح بكتابة الإنشاء الحُرّ في ميادين النظر والآداب. المعلوم أن البحث العلمي شيءٌ والخلق الأدبي شيءٌ آخر، لهذا مجاله ولذاك مجاله الآخر. بالتالي من المهم كذلك التفرقة بين المجالين، وهى تفرقة واردة بحكم البداهة المعرفية بين الإنشاء الوجداني وخطوات البحث العلمي، فلا يجوز أن نقحم الفاعلية الوجدانية في مجال العلوم والمباحث الطبيعية والرياضية، وكذلك ليس بالجائز أن تقحم تلك الفاعلية في أي ميدان قائم على قوانين مادية أو معادلات رياضية وحسابية اللهم إلا إذا كانت دائرة الوجدان في أول مقام هى بمثابة "الحافز" يُغذي النشاط العلمي ويزكيه.

ومن ها هنا يقوم فينا على هذا الكلام اعتراض نُجْمِله في هذا التساؤل : هل يخلو العلم من الوعي؟ وهل تتعارض مطالب الذات المؤمنة مع النشاط العلمي كنشاط إنساني يرتدُّ إلى الوعي ويتقرّر به جوهر الإنسان؟

بدايةً؛ أنا لا أنكر مثل هذا التقسيم المنهجي السابق، ولا أشجع الخلط بين ميدان وميدان، ولا أتجاهل الفروق الجوهرية بين البحث في مجال العلوم الطبيعية والرياضية، والبحث في مجال العلوم الإنسانية، وأقف على الفوارق بينهما في غير مكابرة؛ ولكني فقط أمسك بنقطة هامة أراني أحققها، وألفت الأنظار إليها من الوجهة الإنسانية، كمطلب روحي ليس يستغني عنه بحال ذلك العالم الإنسان.

ليس من شك عندي أن الإنسان إنسان بعاطفته وبعقله وبضميره. وبغير العاطفة القوية والمحبة الجارفة لا يستطيع باحث، كائناً ما كان أو مَنْ كان، أنْ يمضي في بحثه على يقين ثابت وخطوات واثقة في أي مجال من المجالات؛ فإذا قلنا إنّ ميدان العلوم كائنة ما كانت تلك العلوم، طبيعة أو رياضية، تحتاج إلى تنزُّهٍ تامٍ عن الغرض والهوى والعاطفة، وهذا صحيح من هذا الوجه، لكنه من وجه آخر ليس بصحيح صحة كاملة تامة ولا هو بالفرض المسلم بتحققه في دنيا الواقع إذا نحن رحنا نفتش عن الدوافع الإنسانية والعاطفية من وراء أنابيق المعامل وأنابيب الاختبارات والتجارب.

اختر لنفسك من نشاط الباحثين العلميين في أي مجال كانوا فيه يبحثون، ولك إنْ شئت أن تساءلهم : هل بإمكانهم أن يتجرّدوا مطلقاً عن عواطفهم ودوافعهم أو حوافزهم إلى العمل حين يبحثون ويعملون؟ وهل لهم أن يركنوا مباحثهم في جانب ويفصلوها عن عواطفهم وحوافزهم الشعورية وأحلامهم في أن تحقق هذه الأبحاث للإنسانية كل التقدّم والخير والازدهار؟ هل في استطاعة أحد أن يفصل فصلاً تاماً في تكوين الإنسان بين العاطفة والوجدان من جهة، وبين العقل والنظر العقلي أو البحث العلمي؟

أقول؛ لَكَ أن تسأل من تشاء حين تشاء، ربما لا تجد بعد الإجابة حافزاً واحداً يدفعهم إلى العمل وخدمة البحث العلمي غير "العشق". والعشقُ بكل ضروبه يُنسب في أول مقام إلى العاطفة ولا ينسب إلى العقل، ويتعزز من طاقة الوجدان ولا يتعزز من طاقة البحث العلمي وقوانين العلوم كائنة ما كانت.

ومن هنا، تدخل معنا فكرة الوعي الإنساني في أكمل وأتمّ مراحلها؛ فالإنسان إنسان بمقدار ما فيه من الوعي غير مفصول النسبة إليه في جميع مراحل حياته الواعية. والوعي، كما نعلم، أعمُّ وأكملُ من العقل ومن العلم سواء؛ لأنه قوة روحانية تشمل أجزاء الإنسان كله : ظاهره وباطنه، علمه وعقله ومداركه وعاطفته ووجدانه وما يعيه وما لا يعيه على اجتماع يتكاتف ويتعاون ويتكامل، ولا يتناقض ولا يتهافت، ولا يعلو عليه جانب على حساب جانب آخر. وإنه؛ كلما كانت هنالك فكرة في الذهن واضحة أستطاع الإنسان أن يستخرج منها علمه المعملي أو رؤيته النظرية تماماً كما يستخرج من عاطفته ووجدانه شتى ضروب الخَلْق الأدبي. يوم أن يتجرَّد الفرد منا عن الفكرة الواعية لهو اليوم الذي تكون فيه الأفكار العلمية والوجدانية على السواء خاوية من دلالة المعنى ودلالة التحقق والإفهام إلا أن تكون دلالة لا ترتفع عن المادة ولا تنهض بتقويم الإنسان.

يوم إن يتجرّد العالم عن الوعي فقد تجرّد عن الحوافز الباطنة للعلم وللقيم العلمية؛ لأن التّجرّد عن الوعي فيه إنكار ضمني لحقائق الكون الكبرى. والعالم الذي ينكر حقائق الكون يقول بأبلغ لسان إنه يجهل أخص صفات الإنسانية فيه : صفة "الوجود الروحي" التي تفرز بدورها العلم والوعي، وتفرز العقل، وتفرز العاطفة، وتفرز الضمير والوجدان، وتهيئ العالم أن يترقى في مدارج الكمال من طريق البصيرة. ولا يلزم إنكاره من بعدُ أحد أن يكون ما ينكره غير موجود أو إنه في حكم العدم. تجارب العلماء لا تصدق بغير هذا المنظار الواعي، ولأجل هذا كان الدفاع عن الوعي في أول مقام دفاع عن الوجود الإنساني، بظاهره وباطنه، بآماله وآلامه؛ لأنه دفاع عن كيان الإنسان جميعاً، دفاع عن كنه الحق فيه، عن الوعي الذي يلازمه في حياته، وبعد أن تغادر أنفاسه الحياة.

* *  *

تأكدت لدينا مطالب الذات المؤمنة فيما رأيناه في السابق من مصادر التصوف سواء لدى الحارث بن أسد المحاسبي أو لدى أبي طالب المكي فيما أشرنا إليه من كتابه قوت القلوب. والحقيقة أن الذي يخدم فكرة الوجود الروحي في الإنسان من قريب هو التّصَوف؛ إذْ كان ولا يزال هو القوة الخارقة لحجاب الحواس الظاهرة؛ لأن قوته الحقيقية تخدم جوهر الروح كما تخدم ذلك الوجود الروحي في الإنسان على التعميم. وجوهر الروح هو أصل هذا الكون كله وأصل قوانينه المسيّرة له. فهل كان التصوف بهذا المعنى يعادي العلم؟ وللإجابة على هذا السؤال يجدر بنا أن نلاحظ ملاحظتين : أولهما ملاحظة لا يمكن تخطئتها مطلقاً لأن موضوع التصوف ليس هو موضوع العلم بالنظر إلى المنهج، وإلى روح التصوف وجوهره، فقد أخفقت الدراسات النفسية الحديثة والدراسات الاجتماعية المعاصرة التي حدَّدت نفسها بالمادة، وتقيدت بالظواهر المادية المحسَّة الملموسة أو المرئية أو المسموعة أو المذوقة مذاقاً حسياً أو المشمومة؛ أخفقت هذه الدراسات في التقريب بينها وبين كل ما يتصل بالروح وبالوحي وبالإلهام السماوي وبالدين على وجه العموم.

وبما أن التصوف في جوهره روح وإلهام وإشراق فلا يدخل في مجال هذه الدراسات؛ لأن مجالها كما تقدَّم إنما هو المجال المادي، وأن كل ما خرج عن المجال المادي فليس يدخل في بحثها ولا تحت مرصدها ومخبرها ومسْبرها. ومن هنا كان اكتفاء هذه الدراسات بالمظهر والشكل، ومن هنا أيضاً كان إخفاقها كاملاً وفشلها ذريعاً يفجأ النظر؛ فكل ما قيل بلسان العلم عن التصوف لا يمس منه إلا المظهر والشكل، وليس منه فائدة من حيث الروح والجوهر. ولقد أخذ بهذه الملاحظة المرحوم الدكتور عبد الحليم محمود، وترددت في كتاباته عن العلاقة بين العلم والتصوف، وهى ملاحظة جديرة بالنظر كما ذكرنا، لا يُقدَح فيها؛ إذْ تتناول هذه العلاقة بين التصوف والعلم من ناحية منهجية. وقد كان يقول :"إنَّ ما نسميه العلم الحديث إنما هو العلم السائد في أوربا وفي أمريكا في العصر الحاضر. وقد ألزم نفسه إلزاماً تاماً ألا يخرج عن دائرة المادة، وحَدَّد مختاراً دائرته تحديداً دقيقاً بأنها المادة (ولا شيء سواها)، وربط نفسه بذلك ربطاً محكماً إلى درجة أن كل من يخرج عن المادة لا يسمونه عالماً، وأن كل بحث في غير دائرة المُلاحظ المُحس لا يسمونه بحثاً علمياً ... الأمر الذي ينفي نفياً باتاً أن يتصل العلم الحديث، من قرب أو من بعد، بجوهر التصوف ومفهومه الحقيقي.

أما الملاحظة الثانية فهى الملاحظة التي نتصوّر فيها نحن، نظراً لاختلاف المجالين، أن التصوف لا يعادي العلم أصلاً لأن كلاهما يكشف عن الروح الكونية من وراء الحُجُب المادية، ومن هنا يخطئ في نظرنا من يظن أن المعرفة العلمية تتعارض مع التصوف، وأن التصوف ضد العلم هذا الرأي لغو فضول وخرافة ظاهرة، فمن مهام التصوف أن يكشف بقوته الروحية حجب الغيب وراء ظواهر الحواس. ومن مهام العلم أن يسعي بطريقته إلى هذه الغاية وإن كان يبدأ بالحواس. المفروض أن هنالك وحدة تتكامل فيها المعارف ولا تتصارع ولا تتناقض، ومن هذه النظرة الواسعة يحق لنا أن نقول إنه لا تعارض في أن كلاهما (العلم والتصوف) يكشف المجهول؛ كان ألبرت أينشتاين يقول :"كل من يجتهد في طلب المعرفة العلمية، فسوف يأتي عليه وقت يُوقن فيه أن هنالك روحاً تعبّر عن وجودها قوانين هذا الكون ... وهى روح تسمو سمواً عظيماً فوق الإنسان ... ونحن بقدراتنا المحدودة نحسُّ في مواجهتها أننا متواضعون إلى أدنى درجة". وتلك كانت بالضبط هى الروح التي توجهت إليها همم العارفين، أفلا يلتقي التصوف في الغاية مع العلم فيما لو أخلص لهما باحثون مخلصون فحرروهما من التضييق والتحجير. وكما يكون هناك تكامل في وحدة المعرفة البشرية يكون هنا تكامل في الملاحظتين السابقين. أحداهما تنظر إلى المنهج والأخرى تتجه إلى الغاية، وكلُّ يصل إليها بطريقته في غير تعارض إلا أن يكون من جهة الشكل الخارجي والمظهر البَّرانيِّ ويبقى الجوهر الباقي لا خلاف عليه.

* *  *

التصوف قوة واقتدار، لكن قوته لا تتأتى لكل إنسان كما لا يتأتّى اقتداره لأي إنسان ما لم يكن في ذاته أهلاً لكسب هذه القوة وذاك الاقتدار. والتصوف ليس ضعفاً؛ لأن الضعيف لا يكتسب الفضائل العالية، ولا يقتدر على الدوام لمشروعية الاكتساب وأهلية الاقتدار وهما بغير ريب تلك الرقابة الباطنة على الضمير والمجاهدة الدائمة لأهواء النفس وملابسة الشهوات، وهما سرُّ الإخلاص في سبيل الغاية.

ما من ضعيف هو ضعيف إذا أراد فعمل بهذه الإرادة كسباَ شرعياً لفضائل الأخلاق، وبما أن التصوف خُلق يحتاج إلى صفاء، صارت أفضل الفضائل للنفس الزكية هى التخلق بأخلاق الله، وأن يكون روح التصوف خلال صحبه أربابه وذويه، وهم أعلى الناس فضلاً واقتدراً، تعكس بالإيجاب فضله وبالقبول قيمته التي هى فيه.

ومن لطائف الله عليهم بالعرفان أن جُعلت لطائفهم فضلاً ممدوداً من الله لا وارداً من عطايا البشر. وعلى الله فيما تتوجه به قلوب المتصوفة قصد السبيل. ومن أجل ذلك؛ كانت الكتابة في التصوف عبادة. والقراءة في كتب الصوفية كذلك عبادة : عبادة من شأنها أن تُعرّف القارئ خطوات الطريق إلى الله تعالى، وأن تمسك شعوره على هذه الخطوات، وكل عبادة لا تكون على نفس هذا المحور من معرفة تعاليم السلوك، تدور عليه ولا تفارقه فهى أولى بالإهمال.

وكتب الصوفية، كما تقدَّم، رقائق، ترقق القلوب وتهذب الضمائر وتفضي إلى معرفة قواعد السلوك قربة من الله من طريق الأنس مع أحوال العارفين؛ أصحاب العلاقات الطيبة مع الله سبحانه، فهى من أجل هذا تجيء قرأتها عبادة من أشرف العبادات، فقد يكتب الله القبول لكل كلمة ينطق بها عارف من عارفيه؛ إذْ العارف بالله ينطق بما يجرى الله على قلبه لا بتكلف ولا بتصنُّع ولا بادعاء، ولا ينطق بما هو موجود عنده من أقوال منقولة من كلام الناس على اختلاف أهل القول فيما ينطقون ويقولون! وكما تكون القراءة في التصوف عبادة، تكون الكتابة كذلك قُرْبَة من الله واتصال به سبحانه؛ فهلا كنا بما نكتب ونقرأ من كلام العارفين قريبين من الله؟ هيهات ثم هيهات؛ فالكتابة والقراءة لا تفي بغرض القربة ولا بغاية التقريب إلا أن تنقلب إلى عمل وتتحوَّل إلى حياة.

وإذا كانت القراءة والكتابة عملاً فيلزمه الصدق ويلزمه الإخلاص. والمخلصون على خطر عظيم. وبما إن أذواق أهل الإشارات مخلوطة بأرواحهم ممزوجة بضمائرهم معجونة بالسريرة الباطنة التي يُعوّلون عليها في مداركهم للأمور الغائرة ولا يعولون على شيء سواها، فقد تبدو بعيدة المدى عن مدارك المحجوبين.

أذواقهم مواجيد وإشارات تعكس طبيعة العلم الذي يتحدثون به وعنه وفيه، حديث المجرب لا حديث العالم؛ فالعالم بالشيء ليس هو المجرّب له، وكل تجربة روحية فريدة هى في طبيعتها عَالَمُ وحده، عالم مليء بالأنفاس الصادقة والمعاناة المخلصة والعلاقة الطيبة مع الله في سبيل الله وعلى قصد الله.

وليس يعرف لهذا العَالَم معلماً واحداً يدل عليه إلّا من يقف فيه من الداخل، لا خارج عنه، ولا دارس له، ولا قارئ لمجرد القراءة أو الدراسة : التجربة مع الله "علاقة" وليست "قراءة". هذه العلاقة تعجز العبارة عن التعبير عنها بوجه من الوجوه؛ فيجيء الرمز فيها أو تجيء الإشارة تؤمي إيماءً إلى حال صاحبها : تصفه وليست هى بواصفة، وتعبر عنه وليست هى بمعبرة، ومن هذه الجهة كثر الإنكار على أهل الإشارات؛ لقلة الفهم لأذواقهم ومواجيدهم، وهم أهل الكمال في هذا الميدان.

من حكماء الإشارة في تراثنا الروحي ذلك الحكيم الذي عنىَ عناية فائقة بتحليل الأذواق المعرفية بمقدار ما عنى بمطالب الذات المؤمنة في أصل عنصرها الرفيع، وأعني به الحكيم الترمذي ( ت320 هـ)، صاحب كتاب "ختم الأولياء " النتاج الأصيل في التراث المعرفي الصوفي، والثمرة الناضجة للذوق الصوفي العميق، والمجهود المبارك لصميم التفكير الذاتي سواء في ذلك النشاط الرائع على مستوى "الصدق" أو في مستوى "المنَّة"؛ أي في مستوى الجهد البشري الخالص، أو في مستوى النعمة الإلهية السامية (ختم الأولياء : ص 93 وما بعدها). فإن أعزَّ مطالب الذات المؤمنة قبول بشرى الأولياء؛ فهو مطلب عزيز ولا شك رهين بأكبر التضحيات. يحدثنا الحكيم الترمذي في هذا المقام الأسمى عن موت نفوس الأولياء وقبول بشراهم بعد أن أعطاهم الله تعالى طهارة القلوب وعلم التوحيد ومعرفة الآلآء؛ فاطلع قلوبهم مُلكاً مُلكاً، وقطع لهم من كل مُلك حظاً، وأوصلهم إلى نجواه ومجالسه القدسية، وأمات نفوسهم عن جميع الشهوات : دنيا وآخرة، فامتلأت قلوبهم بعظمة الوحدانية، فأنىَّ يستفيقون لذكر النفوس؟ (ختم الأولياء : ص390).

لكأنه إذا امتلأ قلب الوليّ بمناجاة الله فلا شأن له، من بعدُ، بدنيا ولا بآخرة؛ فشواغله القدسية تجعله في معزل عن الأغيار لأنها مصروفة إلى الجناب الأعلى، مشغولة على الدوام بعظمة الوحدانية، فإذا أماتهم الله تعالى - هكذا يقول الترمذي - فهم لا يلتفتون إلى طلب فايدة أو علم أو حكمة حتى يكون هو الذي يفيدهم ويدلّهم، ولا يلتمسون رياسة ولا ميل الخلق إلى ما جاءوا به، حتى لا يصير الالتفات حجاباً لهم عن خالقهم. وبعد هذه الأشياء، بُشِّروا بفوز العاقبة.

فلو لم يكن في قلوب الأولياء إلّا حُسن الظن بعطاء الله؛ لكان تحقيق ذلك الخبرُ على قلوبهم، فكيف بالفراسة والإلهام والحق والحكمة وروح الجلال، وعجائب مطويّة في قلوبهم؟ فكلها محقق ومصدق هذا الخبر. ثم السكينة تُلقي الخبر في القلب فيقبله القلب؛ فكيف يمكنه (= الولي) ردّه (= خبر البشرى)؟ (ختم الأولياء : ص 390). وواضح أن الحكيم الترمذي يقطع ببشارة الولي قطعاً لا مرْيَة فيه؛ فإذا كان الأولياء قد أوتوا من مواهب الفضل والتوفيق ما هو أعلى من البشارة؛ كالفراسة والإلهام والحق والحكمة وروح الجلال وكل العجائب المطوية في أفئدتهم المستنيرة بنور الحق وضياء الموافقة؛ فلا أقلّ من أن يكون خبر البشرى مصدقاً على التحقيق؛ ناهيك عن أن سكينة الولي هى التي يعوّل عليها حين تُلقي خبر البشرى في قلبه، فيقبله القلب ولا يردّه الولي بوجه من الوجوه. وعليه؛ فقبول بشرى الأولياء يجيء من موت نفوسهم عن المطامع الدَّنيّة، وامتلاء قلوبهم بعظمة الوحدانية؛ فبشاراتهم طوالع نور صادرة من حسن الظن بعطاء الله.

وتحدّث الترمذي في معرفة الله، فكان من حديثه أن وجد دين الله عزَّ وجلَّ مبنيّاً على ثلاثة أركان : على الحق، والعدل، الصدق. فالحق على الجوارح، والعدل على القلوب، والصدق على العقول. وجميع هذه المعايير (الحق والعدل والصدق) إنما هى أساس الدين، يلتزمه الإنسان لو شاء أن تكون المعرفة بالله طريقه ومراده. فهو بالحق يضبط الجارحة، وهو بالعدل يزن القلب، وهو بالصدق يفقه حكمة العقل؛ فلو كان على طريق الحق؛ فعليه بخدمة الجوارح؛ فإذا أفتقد الحق من عمل خَلَّفه الباطل. ولو كانت على طريق العدل، فعليه بخدمة القلوب؛ فإذا أفتقد منه العدل خَلَّفه الجور. ولو كان على طريق الصدق، فعليه بخدمة العقول؛ فإذا افتقد منه الصدق خَلَّفه الكذب.

فهذه الثلاثة (الجور والباطل والكذب) أضداد المعرفة؛ لأنها جند الهوى؛ فللهوى جنوده كما أن للمعرفة جنودها من الحق والعدل والصدق. ولا يعرف الله من اتخذ من جنود الهوى سبيلاً في هذه الحياة، فكان بالباطل يبطش وينظر ويتكلم ويرى ويسمع، ويجرح بالجوارح أقدار الحق في عباده. وكان بالجور يظلم ويفتري ويتجبّر ويستطيل فتموت فيه اللطيفة الربانيّة المودعة في دخائله؛ ليحيا كما تحيا البهيمة في غير حياة. وكان بالكذب موصوفاً، وبالباطل منعوتاً، وبالجور مُشاراً إليه، فلا هو من المعرفة قريب، ولا هو من الدين على فهم أو على تجريب. إنما المعرفة بالله لا تكون إلّا على العدل من القلوب، وعلى الحق من الجوارح، وعلى الصدق من العقول. وفي الحق وفي العدل وفي الصدق القيم العلويّة المباركة التي لا يتخلى عنها إنسان يعرف كرامة الإنسانية في جميع الأحوال.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

كنا قد إنتهينا إلى القول: - بأن مبدأ الشورى أساسي و لازم من لوازم الإمامة -، والشورى بمعناها العام هي حكومة الشعب التي تكون بالإنتخاب أو الأختيار، والإمامة هي مؤوسسة مسؤولة عن تحقيق العدالة والنظام والقانون بالفعل بين الناس، هي مؤوسسة إجرائية تنفيذية تنحصر مهامها الرئيسية بالعمل في إدارة البلاد عبر المشاركة الجمعية، كما إن لها وظيفة أخلاقية وثقافية في تعميم قيم الحرية والسلام .

وبمقدورنا القول: - إن هذه الأشياء الحيوية أرادها الكتاب المجيد وقصدها وسعى لها عبر دائرة النصوص الحاثة و المرشدة إلى ذلك، وللتنويه والإعلام فقط نقول: إننا قد أعتمدنا في بحثنا هذا وما سبقه من بحوث، على نصوص الكتاب المجيد بإعتبارها المصدر الوحيد والرئيس في التشريع وفي الإجتهاد، وهذا يعني إننا لم نعتنِ بما ورد في كتب الأخبار من روايات وقصص، لقناعة منا راسخة في عدم إعتبار الأخبار حجة يمكننا الإستفادة منها في البناء والتأسيس، وفي هذا ننطلق من علم وتحقيق أشار لنا بوجود ذلك الخلل الواضح فيها من جهة تأريخها وزمنها وسندها ومضمونها، ومن هنا فالأخبار عندنا لا تصح المحاججة بها ولا في إعتمادها كحجة أو دليلاً في إستنباط الأحكام، وأكثر ما يُستفاد من الأخبار هو بالأستئناس بها بشرط صحتها وموافقتها لنصوص الكتاب، كما يمكن الأخذ بها في أدلة السنن من الأخلاق والشمائل !! .

 والحق إن الأخبار أو ما يسمى (بالسُنة) ماهي إلاَّ ظنون لا يمكن جعلها بمصاف االكتاب أو صنو له في عملية الإٍستنباط، ولهذا فهي لا تصلح البتة في عملية الإجتهاد الفقهي ناهيك عن الإجتهاد العلمي والفلسفي، الذي يتطلب الدقة والوثاقة الموضوعية، ومن باب التذكير نقول: - الأصول المعتمدة عندنا في الإستنباط والإجتهاد، هي كتاب الله المجيد والعقل -، الذي هو الدليل الدال على الكتاب، وأما الإجماع: - فليس عندنا بشيء بشقيه، سواء أكان الإجماع المحصل أو المنقول -، والإجماع المُدعى لا يصلح في عملية البحث والإجتهاد، لأن مستنده معلوم وهو الأخبار والتي عندنا لا تفيد إلاَّ الظن والذي لا يغني من الحق شيئا، وقديماً قالها الإمام الصادق: - أعرضوا اخبارنا على كتاب الله، فإن وافقه فخذو به، وإن خالفه فردوه أو إضربوا به عرض الجدار -، هذا هو المعيار وهذا هو الميزان، بالإضافة إلى إشكالية زمن التدوين وطبيعة الرواة وطبيعة النظام السياسي الذي كان سائداً، والأمر نفسه ولو بنحو أخر وجدناه عند الإمام أبي حنيفة الذي لم يصح عنده من الأخبار سوى سبعة عشر، حين بنى مذهبه وأقامه، مع الإشارة: إلى إن الإمام أبوحنيفة كان قريباً نسبياً إلى زمن الرسول عليه السلام، ومع ذلك أعرض جانباً عنها وقال مقولته تلك .

 نحن إذن أمام إشكالية معرفية تلف مجمل تراث المسلمين، ولا يجب القفز عليها متسلحين بالتقليد الأعمى والإيمان السطحي، الذي لا يقوم على دليل وعلم وبرهان، ثم إن - الآبائية - في الفهم مرفوضة ومنبوذة من عند الله ولهذا قال تعالى: - [.. قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ...] - البقرة 170، في صيغة الرفض وعدم الإتكاء عليها في الإيمان والإعتقاد، ذلك لأنها سلوك فض وينم عن جمود وتحجر ولذلك فهي مرفوضة، ولأنها أيضاً ضد التدبر الذي دعا إليه الله في قوله: - [ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها] - محمد 24، فعدم التدبر هو مذهب الآبائية وسلوكها في الفهم والتبني، وهو نفسه الذي يقود إلى التقليد الأعمى المنهي منه، ويمنع عن قصد الإجتهاد والبحث والتحقيق .

نعم إن هناك ثمة فئة من الناس أستسلمت للتقليد وآمنت به، وهي لا تتقدم خطوة من أجل التحرر والإنعتاق من هذا التحجر والضيق في النفس وفي الأفق، وشعارها الدائم هو - البقاء أو الإبقاء ما كان على ماكان - .

 وفي بحثنا هذا وكغيره من البحوث السابقة، إنما نعتمد و نلتمس وندعوا للنظر والتعمق من غير هآلات قدسية مزعومة، كما أن حُسن الظن القدري بالمتقدمين لا يعيننا في فهم ما يريده الله والناس منا، فثمة زمن مختلف وثمة إرادة ومُريد مختلف، وإلى ذلك نسترعي الإنتباه ..

 

ونعود للقول: هل المقصود في كتاب الله هو الإمام أم الإمامة ؟

و بحدود علمي القضية تحتاج إلى شيء من التأمل، والقضية لا تعني التفريق بقدر ما تعني العلاقة الزمنية، ومن أجل بيان أكثر سنأخذ على ذلك مثالاً من الكتاب المجيد، قال تعالى: - [... وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا] - الأنبياء 73، والملاحظ في النص: - إن الفعل والضمير يعود على المتعلق به وهم من يقومون بفعل الهداية -، والوصف بالهداية وصفاً تعريفياً يعود على الأمر الذي ينفع الناس، وكأن الأئمة هنا هم عنوان ثانوي وإنما المُراد هو العنوان الأولي، أي ما يقومون به من وظائف وأعمال، من نشر العدل وردع الظلم وتعميم السعادة وتوفير الأمن والإستقرار للناس والمجتمع، ومنه يتبين: - إن أصل جعلناهم - إنما جيء به لهدف معين وهو تحقيق العدالة، وليس جعلناهم ليكون أئمة بالمعنى الشخصي الخاص -، فهذا لم يكن المقصود ولا المطلوب في الكتاب المجيد، ثم لا يجب التركيز على مفهوم وحدانية الإمام بالمعنى العددي، بل المقصود هو مؤوسسة الإمامة بإعتبارها الضامنة لهذه الحقوق، وأما الإمام بالمعنى الشخصي - فهو إنسان من الناس ويجري عليه ما يجري عليهم، وهو محكوم عليه بالعدم - وهذا ما يناسب طباعه الواقعية من الموت وغيره (و الله لا يريد لمؤوسسة الإمامة أن تموت)، قال تعالى: - [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة] - الأحزاب 21، والرسول (الإمام) لا يكون أسوة إلاَّ في الرسالة (أعني الإمامة)، والرسول يموت ولكن الرسالة لن تموت .

 ويجري في السياق نفسه قوله تعالى: - [وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ..] - السجدة 24، والصورة هي ذاتها فجعل الأئمة متعلقة رتبة بهدآية الناس لما أمر الله به، وأمر الله متعلق بالعمل الصالح وإصلاح شؤون العباد والبلاد، والجعل في النص إرشادي لطبيعة الوظيفة التي سيضطلع بها الأئمة، وقد ورد في الأثر التأكيد على ذلك بقوله عليه السلام: - (بُني الإسلام على خمس الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية ..)، ومع إن هذا الخبر فيه ضعف بنيوي ومعنوي، لجهة وقوع الوصف على الإسلام وليس على الإيمان، والصحيح القول: - (بُني الإيمان على خمس، الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والولاية ..)، حتى يستقيم المعنى المُراد ..

وأما الولاية: فهي الإمامة أو القيادة أو الحكومة،

ولا يصح جعل - الصلاة والزكاة والحج والصوم ... - من فرائض الإسلام، بل الصحيح إنها من فرائض الإيمان، وبين معنى الإسلام ومعنى الإيمان فارق نجده في الكتاب مسطورا، فالإسلام هو: - (التوحيد، والإيمان باليوم الأخر، والعمل الصالح)، وأما الإيمان فالمُراد به خصوص الإيمان بنبوة محمد عليه السلام ورسالته، مما يعني إن هذا الخبر المروي عن الإمام الباقر ليس صحيحاً من ناحية البناء والتركيب، فالصلاة والصيام وكذا سائر الأعمال والعبادات فرائض إيمانية تتعلق بالرسالة التي جاء بها محمد، وهي ليست من فرائض الإسلام كما يروج لذلك في التاريخ والخبر .

 وجعل الولاية في سلة العبادات والأعمال والوظايف يخرجها من دائرة الإعتقادات، فالولي هو الحاكم والولاية هي الحكومة والتي هي من خصائص الإيمان وليست هي من عقائد الإسلام، فالوالي هو الشخص الذي ينتخبه الناس بعد أن يحصل على غالبية الأصوات، وعندها يكون هو الحاكم والإمام، وأصدق مصاديق ذلك ولاية الإمام علي حين بايعه الناس جميعاً وأختاروه للخلافة والحكم، إذ ليس في التاريخ الإسلامي شبيه لما حدث مع الإمام علي من إنتخاب حر، وقد قال في وصف ذلك: - [فما راعني إلاَّ والناس إليَّ ينثالون عليَّ .. ] - نهج البلاغة الخطبة الشقشقية، وبهذا اللحاظ يكون مقام الولاية من حيث الإعتبار وظيفة إجتهادية وليست نصيه أو وراثية وهي كالصلاة والزكاة والحج والصوم من الأمور الوظيفية التكليفية، بمعنى أنها وظيفة وتكليف عملي كباقي التكاليف التي يجب العمل بها حسب شروطها الموضوعية، وأهم عنصر في هذه الشروط هو إنتخاب الأصلح والأعدل والأكفأ وإن كانت هذه من الصفات النسبية، ولكن المعيار والمناط فيها هو ما يحقق للناس العدل ويجنبهم الشر، ومن يُنتخب بناءاً على ذلك فعليهم طاعته وإتباع أمره حسب الضوابط والحدود، فإقامة الولاية تكليف واجب كالصلاة والزكاه والحج والصوم لمن يكون أهلاً لها ..

وهنا يسأل زرارة بن أعين راوي هذا الخبر فيقول: وأي شئ من ذلك افضل ؟

فيقول الباقر: [أنها الولاية، لأنها مفتاحهن، والولي هو الدليل عليهن]، والباقر يعني: - إن الولاية هي مؤوسسة للحكم يقع على عاتقها، توفير الشروط الموضوعية اللازمة للعيش الكريم بما فيه من إقامة للفرائض والأعمال من غير خوف أو إكراه -، أعني إن الولاية توفر الأرضية المناسبة للإستقرار و الأمن، صحيح إن العبادات هي تكاليف مقصودة في ذاتها، ولذلك فأثرها وتأثيرها يبقى محصوراً في دائرتها، وأما الولاية فتخرج هذه العبادات من حيزها الطقوسي إلى حيز العمل والإستقامة والبناء والتقدم، لذلك جاء الإستدراك بالقول: ـ (أولئك المحسن منهم يدخله الله الجنة لفضله ورحمته)، وكأنه يريد بهذا الإستدراك القول: - إن الولاية الصالحة تجعل من إقامة التكاليف والعمل الصالح جزءاً من منهجها، وعليه فالولاية أو الإمامة هي التي جعلها الله للناس، لكي تقوم بهذا الدور .

وليس شرطاً بل ليس واجباً أن يكون الإمام عالماً أو يعلم الغيب، لأن العلم بالغيب شأناً خاصاً بالله وحده، وقد دل الكتاب المجيد على هذا في جملة نصوص، وليس فيها ما يدل على إنه قد فوض هذا العلم لواحد من أنبيائه، حتى حينما قال: - [عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلاَّ من أرتضى من رسول] - الجن 26، وحتى هذا العلم الذي أُظهره الله لبعض رسله (والمقصود بهم بعض الملائكة) وليس الرسل من البشر، هؤلاء إنما يطلعهم الله على الغيب لغاية محددة، وهي فهم وإدراك ما يؤدون وما يحملون للإنبياء الذين يتواصلون معهم، وهذا الغيب حين يصل للنبي لا يعد غيباً بل يصبح بعد ذلك علماً عادياً، وقد مر الكلام عن ذلك في شرحنا للنبوة فلا نعيد .

 والكلام في هذا وفي معناه هو: - إن ما لا يصح للنبي ولا يكون فمن باب أولى إنه لا يصح للرسول أو الإمام ولا يكون -، -

ولايجب أن يُفهم من معنى الحصر في نسبة الإمامة لخصوص أئمة أهل البيت عليهم السلام، المعنى التعبدي القهري بل إن معناه الحصر النسبي، والذي يعني نفي حاكميت الطواغيت والظلمة، وقد جاء في تفسير نور الثقلين ما يشير إلى هذا بقوله: - (أعرفوا الله بالله والرسول بالرسالة وأولي الأمر بالمعروف والعدل والإحسان) - نور الثقلين ج1 ص 507، ودلالة الحصر هنا معناها الحصر النسبي في زمنهم لعدم أهلية من تقدموا للحكم والولاية آنئذاك، ولا يستمر الحصر هذا حتى في زمن الغيبة، لأن ذلك يقتضي تعطيل للحدود والأحكام ونظام الجماعة .

إذن فتصحيح الفهم تجاه معنى قوله تعالى: - (أُولي الأمر) -، يقودنا للقول: إن جملة - أولي الأمر - دلالتها عامة مطلقة وتشمل كل من صح إنتخابه من قبل الشعب والأمة، وقد قيل في معناها أقوال منها:

الأول: إنها تعني جميع الأمراء والحكام .

والثاني: إنها تعني خصوص الأئمة الأثني عشر .

والثالث: إنها تدل على ما يناسب الحكم والموضوع، أي إن كل من له حق في الأمر والحكم هو ولي للأمر [وهذا يتم بالإنتخاب أو الأختيار الشعبي]، ومن ثبت له ذلك وجبت إطاعته والإنقياد له .

ولا يخفى إن: (مفهوم الأمر والحكم لا يتعلق بالعصمة)، بل يثبت معناه لكل من كانت حكومته قائمة على الإختيار والإنتخاب، ومثال ذلك: - حكومة الإمام علي - التي كانت عن طريق الإنتخاب الشعبي، ولهذا تجب طاعتها وطاعة ولاتها، ومعلوم إن الطاعة مشروطة بهذا القيد (أن لا تؤدي الطاعة إلى ظلم وفساد في المجتمع)، وقد ورد في الأثر قوله: - (من يطع أميري فقد أطاعني، ومن يعص أميري فقد عصاني) - تفسير الكشاف ج 1 ص 212، وكتاب الإمارة لمسلم ص 15 .

 وأما القول الأول: فلا نصوبه ولا نؤيده ذلك لأن مفهوم العموم فيه مشعر بصحة حكم الظالم، والظالم لا يكون إماماً وحاكماً قط، إذ كيف يجوز للظالم أن يُنصب نفسه للإمامة؟، والإمامة هي مؤوسسة حكم وإدارة هدفها تحقيق العدل ورفع الظلم، والشعب الذي ينتخب ظالماً أو يُنصب الظلم، فكمن أسترعى الذئب على غنمه ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

11 جمادي الثاني 1440 هجرية

 

علي جابر الفتلاويإذا تصفحنا الجزء الأول من تفسير الميزان للسيد محمد حسين الطباطبائي، وجدنا مقدمتين، الأولى بعنوان (المقدمة – دفاع عن الميزان) كتبها آية الله جوادي آملي. والثانية بعنوان (المقدمة) كتبها مؤلف التفسير السيد الطباطبائي، وسندرس المقدميتن. نذهب ابتداء لمقدمة الميزان للسيد الطباطبائي، بيّن السيد الطباطبائي بعد أن حمد الله تعالى، وصلّى على النبي محمد (ص) وآله ( ع)، الغاية من مقدمة كتابه (الميزان في تفسير القرآن) قال: نعرف فيها مسلك البحث عن معاني القرآن، بعدها عرّف التفسير: (هو بيان معاني الآيات القرآنية والكشف عن مقاصدها ومداليلها)، وأكد أن علم التفسير بدأ منذ عصر النزول، ولكن بشكل مختصر،واستدلّ على ذلك بالآية الكريمة: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكّيكم ويعلّمكم الكتاب والحكمة).(1)

ومسألة أنّ علم التفسير بدأ منذ العصر الأول لنزول القرآن أمر متفق عليه بين المسلمين، (تفسير القرآن بالمعنى الحقيقي بدأ منذ عصر الرسول (ص)، بل منذ بدء نزول الوحي إلا أّنّه كعلم مدوّن بدأ زمن أمير المؤمنين علي (ع) كما تجمع على ذلك أقوال المؤرخين، والمفسّرين، ورجال هذا العلم يصلون بسلسلة أسانيدهم إلى الإمام علي (ع) .)(2) (ولم يكن يسمى علما في ذلك الوقت).(3) بل تحفّظ البعض أن يعّد التفسير علما؛ يقول ابن عاشور: (وفي عدّ التفسير علما تسامح)(4)

بعد أن ذكر الطباطبائي تأريخ علم التفسير منذ عصر النبوة حتى العصر الحديث   - علما أنّه توفي عام (1981م) - قال: كانت الطبقة الأولى من مفسري المسلمين جماعة من الصحابة والمراد بهم غير علي (ع)، نرى أنّه أخرج الإمام علي (ع) من طبقة مفسّري القرآن الأولى، لا لكون الإمام (ع) لم يكن مفسّرا للقرآن، بل لأنّ علم الإمام والأئمة من ولده لهم (نبأ آخر) حسب تعبيره، أي أن علمهم خاص متميّز عن علم الصحابة الآخرين، وأضاف: أنّ من مفسّري الطبقة الأولى، إبن عباس، عبد الله بن عمر، وأبيّ، وغيرهم، يرى أنّ تفسيرهم لا يتجاوز عن بيان ما يرتبط بالآيات من معانٍ أدبية، وشأن النزول، وقليل من الاستدلال بآية على آية، وقليل من التفسير بالروايات المأثورة عن النبي (ص)، والقصص القرآنية، ومعارف المبدأ والمعاد وغيرها. السيد الطباطبائي يرى أنّ هذه هي أهمّ  محاور التفسير عند مفسّري الطبقة الأولى، واستمرّ هذا الاتجاه التفسيري في عهد التابعين، كمجاهد وقتادة وابن أبي ليلى والشعبي والسّدي وغيرهم في القرنين الأولين من الهجرة. يرى الطباطبائي أن طبقة التابعين لم يزيدوا شيئا على طريقة الصحابة، سوى أنّهم زادوا من التفسير بالروايات، وفي هذه المرحلة دخلت ضمن روايات التابعين الإسرائيليات، خاصة فيما له علاقة بالخلقة، كخلق السموات والأرض والبحار، وقصص الأنبياء وغيرها لكنّه لا ينفي ورود بعض هذه القصص عن بعض الصحابة.

وفي العهد الأموي والعباسي، انتشر علم الكلام والفلسفة، وظهر التصوف مقارنا لانتشار البحث الفلسفي على حدّ تعبير السيد الطباطبائي، لكن الاتجاهات الكلامية والفلسفية والصوفية في التفسير لم تكن عامة، بل بقي (جمع من الناس وهم أهل الحديث على التعبد المحض بالظواهر الدينية من غير بحث إلا عن اللفظ بجهاتها الأدبية)(5) أي رغم انشغال البعض بالرياضات الروحية والنفسية بعيدا عن الاتجاه العقلي، بقي هذا الاتجاه عند طبقة من المفسّرين، شيوع هذه الاتجاهات التفسيرية أدّى إلى إن يتفرق المفسّرون في طرق البحث عن معاني الآيات.

تكلم الطباطبائي في مقدمة تفسيره أيضا عن المحدّثين، وصفهم أنهم اقتصروا على التفسير بالرواية عن السلف من الصحابة والتابعين، فساروا حيث يسير بهم المأثور  ووقفوا فيما لم يؤثر فيه شيء، أو عدم ظهور المعنى في الآية،أخذا بقوله تعالى: (والرّاسخون في العلم يقولون آمنّا به كل من عند ربّنا)(6)

لا يتوافق السيد الطباطبائي مع مفسّري هذا الإتجاه وقال عنهم: قد اخطأوا في ذلك فإنّ الله لم يبطل حجة العقل في كتابه. كذلك لم يتوافق مع أصحاب الكلام، لأنهم يأخذون من التفسير بما يتوافق مع مذاهبهم، والآية التي تتقاطع يذهبون فيها إلى التأويل، وعنده هذا من التطبيق وليس من التفسير، ويعني بالتطبيق أنهم يحملون آراءهم على الآية ويأولونها بما يتطابق مع ما يذهبون إليه في مذهبهم، في حين يفترض أن يكون القرآن هو المرجع الذي يفصل بين المعنى الصحيح وغير الصحيح. تأويل الآية وفق آراء المذهب هو التطبيق الذي يتعارض والهدف من تفسير القرآن. رفض أيضا الاتجاه الفلسفي في التفسير وقال عنهم: عرض لهم ما عرض للمتكلمين من المفسرين من الوقوع في التطبيق، وتأويل الآيات التي في ظاهرها مخالفة للمسلمات الفلسفية، حتى أنهم خالفوا الفرضيات والعلم الطبيعي.

 رفض الاتجاه الصوفي في التفسير،لأنهم اهتموا بالباطن دون الظاهر، طريقتهم اقتصرت على التأويل أيضا، ذهبوا إلى تفسير الآيات بحساب الجمل، والحروف النورانية والظلمانية، يقول: (من الواضح أن القرآن لم ينزل هدى للمتصوفة خاصة، ولا المخاطبين به، هم أصحاب علم الأعداد والأوفاق والحروف، ولا أن معارفه مبنية على أساس حساب الجمل الذي وضعه أهل التنجيم، بعد نقل النجوم من اليونانية وغيرها إلى العربية.)(7)

لم يترك السيد الطباطبائي التفسير بالباطن لكن ليس باهمال الظاهر، كما لم يترك التأويل على حساب أمر التنزيل؛ يؤيد وجود روايات عن النبي (ص) والأئمة (ع) ذكرت أن للقرآن ظهرا وبطنا، لكن أهل التفسير المقبول والسليم، اعتبروا الظهر كما اعتبروا البطن، أي أنهم لم يتركوا ظاهر القرآن كما تركه أهل التصوف، بل اهتموا بالظاهر كاهتمامهم بالباطن، كما اهتموا بالتأويل مثل اهتمامهم بأمر التنزيل. إذن التفسير عنده هو الذي لا يقتصر فقط على الباطن والتأويل، بل يهتم بالظاهر والباطن والتأويل وأمرالتنزيل.

ذهب في مقدمته إلى المفسّرين المعاصرين، أنتقد بعضا منهم، وشكك في قسم منهم كونهم من منتحلي الإسلام، انتقد المعاصرين الذين مالوا إلى مذهب الحسسيين تقليدا لفلاسفة أوربا، يرى هؤلاء الحسّيون أن المعارف الدينية لا يمكن أن تخالف الطريق الذي تصدقه العلوم، هم لا يؤمنون إلا بما يصدقه الحسّ، لذا ينكرون الغيبيات كالعرش والكرسي واللوح والقلم والمعاد إلى غير ذلك من المغيبات، يأولونها بما يتناسب وطريقتهم المادية، كذلك يؤولون التشريع من الوحي والملك والشيطان والنبوة والرسالة والإمامة، وغير ذلك من الأمور الروحية، يرون أنّ الروح نوع من الصفات المادية، والتشريع نبوغ، ذكروا أن الروايات لوجود الصحيح وغير الصحيح فيها تترك؛ لكنّهم يقبلون الرواية التي تتوافق مع مذهبهم، اهملوا حجية العقل في التفسير، وبنوا تفسيرهم على الحسّ والتجربة، صرحوا أن تفسيرهم هو تفسير القرآن بالقرآن، ولكن وفق الاتجاه المادي التجريبي.

يرى السيد الطباطبائي أنّ هذا النوع من التفسير لا يُعد تفسيرا، إنما هو من نوع التطبيق. إذ يعتبرون أفكارهم المادية صحيحة ويطبقونها على القرآن.

أرى أصحاب هذا التفسير يفسّرون بما وصل إليه العلم في عصرهم، ويغفلون أطروحة التطور العلمي في المستقبل، بل يبنون على ما في أيدهم من نتائج علمية علما أن هذه النتائج قابلة للتغيير بدرجة تطور العلم والاستكشافات المستقبلية.

يرى السيد الطباطبائي أنّ في جميع هذه الاتجاهات مشتركات، فكل فريق يطبق ما يحمل من رؤى فلسفية أو صوفية أو مادية على آيات القرآن، فصار بذلك التفسير تطبيقا، والتطبيق تفسيرا، فصارت حقائق من القرآن مجازات، وتنزيل عدة من الآيات تأويلات، يرى الطباطبائي أنّ آيات القرآن واضحة الفهم، فهو بلسان عربي مبين، ويرى أنّ الإختلاف في المصداق وليس في المفهوم.

بيّن السيد الطباطبائي أن المسميات المادية محكومة بالتغير والتبدل بحسب تبدل الحوائج في طريق التحول والتكامل، وضرب لذلك مثلا بكلمة السراج، أول ما عمله الإنسان كان إناء فيه فتيلة وشيء من الدهن تشتعل به أجزاء السراج، ثم بدأ بالتطور حتى وصل إلى السراج الكهربائي، الغرض من السراج واحد هو الإضاءة لكن المصداق يختلف حسب الزمان والمكان والتطور العلمي؛ وكذلك الميزان المعمول أولا، والميزان المعمول اليوم لتوزين ثقل الحرارة، والسلاح المتخذ سلاحا في ذلك الوقت، والسلاح المعمول اليوم.

يقول السيد الطباطبائي: (فالمسميات بلغت في التغير إلى حيث فقدت جميع أجزائها السابقة ذاتا وصفة والاسم مع ذلك باق، وليس إلّا لأنّ المراد من التسمية، إنما هو من الشيء غايته، لا شكله وصورته فما دام غرض التوزين أو الاستضاءة أو الدفاع باقيا، كان اسم الميزان والسراج والسلاح وغيرها باقيا على حاله.)(8)

السيد الطباطبائي يرى أن المدار في صدق الاسم اشتمال المصداق على الغاية والغرض، لا جمود اللفظ على صورة واحدة، والمقصود جمود المعنى في اتجاه واحد، لأن اللفظ باق، يرى الطباطبائي أن الجمود على العادة والأنس يؤدي إلى عدم تغير المصداق وفقا لمتغيرات الغرض والغاية، وممن وقع في هذا الإشكال  حسب تشخيص الطباطبائي المقلّدة من أصحاب الحديث، كالحشوية والمجّسمة، فقد جمدوا على ظواهر الآيات في التفسير، في رأي السيد الطباطبائي إنّ جمود هؤلاء في الحقيقة ليس جمودا على الظواهر، بل هو جمود على العادة والأنس في تشخيص المصاديق، يرى السيد الطباطبائي أنّ من نتائج الاعتماد على الأنس والعادة في فهم معاني الآيات؛ تشويش المقاصد واختلال أمر الفهم.

 أرى أن من يسمون أنفسهم من الوهابيين علماء واقعون اليوم في وهم العادة والأنس، فهم يرفضون الكثير من الحقائق التي اثبت العلم مصداقيتها مثل كروية الأرض، إذ يوجد من الوهابيين من يرفض حقيقة أن الأرض كروية ويقولون أنها مسطحة، فهم يحملون الكثير من أفكارهم البدوية على الآيات القرآنية، فيسمون تطبيقهم تفسيرا. هؤلاء الأعراب يكفّرون المسلم الآخر الذي يؤمن بوجود الله ووحدانيته، ويتحالفون مع اليهود الصهاينة تحت عنوان أنهم أصحاب كتاب، وكأن المسلم الآخر الذي يكفرونه ليس بصاحب كتاب هو القرآن الكريم، أرى سبب ذلك أنهم يفهمون القرآن وفق نمط الأنس والعادة حسب اصطلاح السيد الطباطبائي، لذا احتضن أعداء الإسلام الوهابية ودافعوا عنها، وأصبحت الوهابية من أدواتهم الفكرية التي يطمحون من خلالها تشوية صورة الإسلام وتضعيف المسلمين وبتعاون أمريكا وأدواتهم من الوهابيين، تمّ انتاج الفكر التكفيري الذي من آثاره ولادة جميع حركات الإرهاب، فسُفِكَت دماء المسلمين من جميع الطوائف، وخرّبت المدن وهدمت رموز الحضارة.

لا يجيز السيد الطباطبائي حمل ما ينتج من العقول والفلسفة والعلم على الآية، يرى أن الطريق الأسلم في التفسير هو عدم الحمل والتطبيق من الخارج على القرآن، بل  الصحيح هو تفسير القرآن بالقرآن، فيُستوضح معنى الآية من نظيرتها بالتدبر الذي يريده القرآن، وتشخيص المصاديق، ونتعرف عليها بالخواص التي تعطيها الآيات. يقول: وحاشا للقرآن أن يكون تبيانا لكل شيء ولا يكون تبيانا لنفسه. قال تعالى: (ونزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)(9) أضاف الطباطبائي: أن النبي (ص) الذي هو المعلم الأول للقرآن، ومن بعده خلفاؤه الأئمة الطاهرون (ع) ساروا في منهج تفسير القرآن بالقرآن، يقول: (على ما وصل إلي من أخبارهم في التفسير)(10)

في نهاية المقدمة يؤكد الطباطبائي أنه سار في تفسيره وفق منهج تفسير القرآن بالقرآن، يقول: هذا هو الطريق المستقيم والصراط السوي الذي سلكه معلمو القرآن وهداته صلوات الله عليهم، وذكر المحاور التي فسّر بها القرآن وفق هذا المنهج. نذكرها باختصار: المعارف المتعلقة باسماء الله سبحانه وصفاته، المعارف المتعلقة بأفعاله تعالى، المعارف المتعلقة بالوسائط الواقعة بينه تعالى وبين الإنسان كالحجب واللوح والقلم والكرسي والبيت المعمور والسماء والأرض والملائكة والشياطين والجن وغير ذلك، المعارف المتعلقة بالانسان قبل الدنيا، المعارف المتعلقة بالإنسان في الدنيا، المعارف المتعلقة بالإنسان بعد الدنيا، المعارف المتعلقة بالأخلاق الإنسانية، أما آيات الأحكام فلم يفصّل فيها لأنّها من اختصاص علم الفقه، يرى السيد الطباطبائي أنّ منهج تفسير القرآن بالقرآن يخلّص المفسّر من التأويل المخالف لظاهر الآيات، ولا يعني هذا أنه لا يقرّ بالتأويل عموما، بل يقر بالتأويل الذي يثبته القرآن في مواضع من الآيات، واضاف: أنه وضع في نهايات البيانات، ويعني أنه يفسّر الآية تحت عنوان (بيان)، بعد تفسيره للآية، يذهب في النهاية، إلى وضع أبحاث روائية منقولة عن النبي (ص) وأئمة أهل البيت (ع) من طرق العامة والخاصة، أما الروايات الواردة عن الصحابة والتابعين فليست عنده حجة. وأضاف أيضا ضمن منهجه التفسيري بحوثا فلسفية وعلمية وتأريخية واجتماعية وأخلاقية مؤكدا أن تناول هذه البحوث في تفسيره، وفقا لحاجة التفسير لها.

 أرى منهجه في طرح هذه البحوث حسب الحاجة هو الأسلم، لأنّ مجال هذه العلوم ليس التفسير، إذن البحث في علوم أخرى في منهجه ليست غاية، بل وسيلة للوصول إلى الغرض لمساعدة المفسّر في إيصال المعنى واضحا مفهوما.

ذكرنا في بداية دراستنا لمقدمة الميزان، أن المقدمة الأولى هي لآية الله جوادي آملي وعنوانها (دفاع عن الميزان)، يوحي العنوان أن هناك انتقادات للميزان، وهو يرد عليها، لكن لم يبين آية الله جوادي آملي مَن هي الجهة التي وجهت هذه الانتقادات أو الشخصية التي وجهتها، ذكر في بداية مقدمته معنى الوحي، والظاهر أن الناقد للميزان يرى أن بحث معنى الوحي هو من باب التفسير بالرأي، لكنّ آية الله جوادي آملي يردّ على ذلك دفاعا عن الميزان، إذ بيّن معنى الوحي حسب رؤيته التي أراد من خلالها تفنيد رأي من يعتبر هذه البحوث من باب التفسير بالرأي، قال: (وعلى ضوء ما ذكرناه، واستنادا لما ذكره العلامة الطباطبائي (رحمه الله) يتضح أن الناقد إنما عرض بالنقد لفكرة، لا لما أورده الأستاذ (قدس). )(11) وذكر آية الله جوادي آملي عدة نقاط عدّها الناقد من السلبيات، لكن آية الله آملي ينفي عن الميزان أنّ العلامة أراد المعنى الذي ذكره الناقد، نوجز طريقة الدفاع عن الميزان وردّ الإشكالات التي أثارها الناقد، حسب ما ذكرها آية الله جوادي آملي: 

لا يفهم من كلام العلامة، أنّ الرسول الأكرم (ص) كان كسائر الناس في علوم القرآن، ولا يفهم من كلام العلامة الطباطبائي أنّ الناس كانوا في غنى عن رسول الله (ص) في تحصيل العلوم القرآنية، وأنّ الرسول (ص) كان معزولا عن المرجعية في العلوم القرآنية، ولا يفهم من كلام العلامة أن علوم القرآن كانت بمتناول الجميع وهذا ما يوجب الاستخفاف بالقرآن، وأخيرا يقول: لا يفهم من كلام العلامة، أن الرسول (ص) علّم أصحابه كلّ ما لديه من علوم القرآن، فكانوا يفسّرونها للناس.

أخيرا يقول آية الله جوادي آملي: أن أي من الأمور المذكورة لا يمكن أن تمس بمقام الميزان، ولا يخفى إبداع صاحب الميزان في شرحه لمعنى التفسير بالرأي، وما حمل من نزعة متجددة في هذا الشأن، وأشاد آية الله آملي في استنباط الطباطبائي العميق في جمعه بين الآية: (لا يمسّه إلّا المطهّرون)(12) والآية (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا)(13) إذ يستدل الطباطبائي بالآيتين، أن مسّ باطن القرآن وحقائقه المكنونة هو من نصيب أهل بيت العصمة والطهارة (ع)  وعدم غنى الآخرين عنهم، أخيرا يوجّه آية الله جوادي آملي نصيحة بقوله: وما أجدر المتأخرين والأنسب للمتنعمين أن يجلسوا على مائدة الميزان ومأدبته الغناء للاغتراف من هذه الموسوعة.

 

علي جابر الفتلاوي

.............................

المصادر:

1 – سورة البقرة: 151.

2 – ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، المقدمة، ص2، بيروت، ط 2 2005م. 

3 – موقع mawdoo3 الالكتروني.

4 – محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ص12، تونس، ط1، 1984م. 

5 –  محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، المقدمة، ص6، بيروت، ط1 2010م.

6 – سورة آل عمران: 7. 

7 – محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، المقدمة، ص7.

8 – المصدر نفسه، المقدمة، ص9. 

9 – سورة النحل: 89. 

10 – محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، المقدمة، ص11.  

11 – المصدر نفسه، المقدمة (دفاع عن الميزان)، آية الله جوادي آملي، ص1- 3.

 12 – سورة الواقعة: 79. 

 13 – سورة الأحزاب: 33. 

 

 

 

مجدي ابراهيميخلط الباحثون كثيراً، وبخاصة في الرسائل العلمية التي يتم مناقشتها بين طلاب الدراسات العليا أو بين الباحثين على التعميم؛ إزاء التوجهات الصوفية والنزعات الشيعية؛ فلا يكادون يميزون الفوارق الدقيقة بينها على مستوى الشعور أو على مستوى العقيدة، ويكتفون بمتابعة ما سبق لهم من بحوث طالعوها مطالعة تقليدية في هذا الميدان الواسع، ليس فيها إعمال عقل ولا إحساس بأذواق أصحابها، ثم لا ينبّهون على ما بينها من ضروب الخلاف سواء في التوجُّه أو في القاعدة التأسيسية التي يقوم عليها هذا المذهب أو ذاك؛ كنزعة أصيلة تواجدت في الإسلام بين الحركة السياسية الطارئة المرتهنة بظرفها التاريخي من ناحية والبعد الديني العميق من ناحية ثانية. وما أبعد الفرق بين تحكيم العقل وتحكيم المتابعة والتقليد.

لا تكفي المتابعة وحدها لإماطة اللثام عن "الفكرة" حين يُرَاد لها التأصيل في أغوار العقيدة أو الدين ما لم يتم كشف النقاب عن أصولها وتوجهاتها، ثم عن توظيفها في سياقاتها المعنية، وظرفها التاريخي الذي نشأت في محيطه، وبيان الأغراض التي أتيحت لصياغة المفاهيم المتباينة إذا تعلق الأمر بنزعات التشيع والتصوف في الإسلام.

وعليه؛ فمتابعة السابقين - من المعاصرين خاصّة - فيما كتبوه لا تضيف جديداً ولا تعطي تصوراً حول ما يمكن إثارته من أفكار قد تكون عرضة للخلاف بمقدار ما تجيء على مستوى النظر الفكري مُساقة في ثوب هو أدعى إلى إثارة الخلاف منها إلى الوفاق والتقريب؛ فلا بد من فارق جوهري يميز تميزاً دقيقاً فاصلاً بين توظيف التوجُّه وتبرير الخلاف، وإعطاء الخاصة الدلالية التي تتضمّن فحوى التوجه ولا تلغيه لمجرد التشابه فقط، لكنما التشابه ليس يلغي عندنا مضمون التوجُّه ولا يقدح في دلالة الغاية وسمو مقصدها.

ولربما كان هذا هو السبب الذي جعلني أكتب تلك الأسطر؛ لتنبيه الأذهان إلى الفروق الفارقة بين النزعتين، خلال طرح نقدي للفكرة لا مجرد إثارة خلاف. ولم تكن كتابة هذه الدراسة مرسلة بدون توثيق من مصادرها، بل جاءت موثقة؛ لقناعة الرأي عندي بما فيها أولاُ، ثم ثانياً لقناعة القارئ بالفكرة التي أردت التركيز عليها، والإحاطة بمضامينها، والوقوف عند دلالة التخريج فيها؛ عساه يبذل الجهد فيفرق بين التوجُّه والنزعة. ولا يزال الفرق شاسعاً بعيد البون بين العواصف السياسية والنزعات الدنيوية وبين إشراقة الضمير وسيطرة الروح على توجُّهَات الإنسان.   

يلاحظ أن الطبقة الأولى من طبقات رجال الغيب: هى طبقة القطبانيِّة، وهى مقام القطب الغوث الفرد الجامع، وللسيوطي كتاب بعنوان:"الخبرُ الدالُّ على وجود القطب والأوتاد والنُّجباء والأبدال؛ فيه ردود بالأحاديث الشريفة على مَنْ أنكر وجود القطب كما ورد في "المنار المنيف" لابن القيم، وهو من المنكرين، نظراً لاتجاهه السلفي: أن أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد، كلها باطلة على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأقرب ما فيها (لا تسبوا أهل الشام، فإن فيهم البدلاء، كلما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلاً آخر) وهو ضعيف.

نحن إذن أمام نزعتين متعارضتين، نزعة تقول بوجود رجال الغيب، والأخرى تنفيها. وينجم عن ذلك خلافٌ يرتد إلى خلاف في التوجهات الفكرية يستند على انتماءات مذهبية. لكن هذا الخلاف سرعان ما يتلاشى فيما لو عرفنا أن هذه المراتب والدرجات إنْ هى إلا مراتب ودرجات في سلم القيم الروحي. كان يمكن أن يكون كلام ابن القيم الرافض لها، وأضرابه، صحيحاً لو كانت تلك المراتب والدرجات مراتب في الوجود، غير أن الصفة الميتافيزيقية أغلب عليها وأكثر وصفاً لها. ومن أجل ذلك؛ أطلقوا عليها "طبقات رجال الغيب"، لا لشيء إلا لأنها طبقات روحية ميتافيزيقية، وكان أحمد الكمشخانويّ النقشبندي في "جامع أصول الأولياء" ممّن تناول تلك المراتب والدرجات لدي الأولياء، وفسّرها هذا التفسير، إذْ ليس من شأنها أن تلغي توحيد الربوبية والإلوهية، ولكنها مراتب ودرجات غيبية مجعولة، بالتعبير القرآني، للكدح إلى الله؛ لتحديد حركة الإنسان بما هى فعل غائي بفعل مطلق الربوبية.

لخَّص الشيخ حسن العدوى الحمزاوي تلميذ الشعراني وأحد عارفي فضله ومحبيه، كتاب السيوطي "الخبرُ الدالُّ على وجود القطب والأوتاد والنُّجباء والأبدال"، فنقل عن "اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر" للشعراني ما يخص طبقة القطبانِّيّة، وهو منقول من كلام ابن عربي:" واسم القطب في كل زمان عبد الله، وعبد الجامع، المنعوت بالتحقُّق بمعنى جميع الأسماء الإلهية بحكم الخلافة، وهو مرآة الحق تعالى، ومحل المظاهر الإلهية، وصاحب علم سرّ القدر، ومن شأنه أن يكون الغالب عليه الخفاء .. ولا تطوى له الأرض ولا يمشى في هواء ولا على ماء، ولا يأكل من غير سبب، ولا يطرأ عليه شيء من خوارق العوائد إلاَّ في النادر؛ لأمرٍ يريده الحق تعالى، فيفعله بإذن الله تعالى من غير أن يكون ذلك مطلوباً له ... إلى كثير من الأوصاف (راجع: النفحات الشاذلية: جـ2، ص 267، 268).

وإذا كان من اللافت للنظر شيوع استخدام الصوفية المتأخرين لاصطلاح (القطب الغوث) وخاصّة لدى الشعراني، فلا نعدم وجود أصول هذه "الفكرة" في التابعين، فليس أدل عليها من شخصية "أويس القرني" الذي وصفه أبو نعيم صاحب "حلية الأولياء" بأنه: "سيد العباد"، وعلم الأصفياء من الزهاد، بشّر به النبي صلى الله عليه وسلم، وأوصى به أصحابه عمر وعليّ، ويحاول عمر وعليّ لقاءه كما أوصي النبي. وبما أن "أويس القرني" كان شخصية غامضة من شخصيات التابعين؛ فلأنه فيما تقول المصادر كان يعيش متخفياً، أشعث أغبر ذا طمرين، تتحقق فيه صفات من أطلق عليه مـتأخرو الصوفية " قطب الغوث"، وسنعالج هذه الفكرة مع العودة إلى أويس بعد قليل (الحلية، جـ 2؛ ص 79 وما بعدها).

 ولا خلاف في أن ابن عربي هو أكثر الصوفية الذين تكلموا في هذا الموضوع، موضوع القطبانية، وأفردوا له كتابات خاصّة، وهو كذلك أوسعهم بحثاً وإحاطة به، إنْ لم يكن أسبقهم كلاماً، كما تحدّث عنه في أكبر كتبه وأهمها: "الفتوحات" و "فصوص الحِكَم"، ولا يترك مناسبة في العديد من كتبه ورسائله إلاِّ ويشير إلى خصوصية مثل هذه الكتابات التي يُولي فيها العناية بذلك الموضوع، كما جرت عادته في كتاب: "منزل القطب ومقامه وحاله"، لمّا أراد أن يصف القطب وتجلياته، إذْ الحق لهذا القطب متَجلٍ على الدوام .. ويستشهد بقول الصديق، رضى الله عنه،: " ما رأيتُ شيئاً إلاّ رأيت الله قبله ". ولا بد عنده لكل قطب عندما يلي مرتبه القطبية أن يبايعه كل سرِّ وحيوان وجماد ماعدا الإنسان والجان إلاِّ القليل منهم، وله من البلاد مكة، وله سكن حيث ما سكن ...، فإن محلَّه مكة ليس إلاَّ ... ثم قال: وقد صنفنا في هذه البيعة وكيفية انعقادها كتاباً كبيراً سميناه كتاب "مبايعة القطب في حضرة القُرب" (منزل القطب ومقامه وحاله، ضمن رسائل ابن عربي، ص 251).

ولا تفوته الإشارة في " الفتوحات المكيّة " حين يذكر عن كتاب مبايعة القطب: أنه يتضَّمن علماً كبيراً ما سبقه إليه أحد. وإذا كان العارفون من أهل الله شاهدوه وعلموه، فإن الذي شغلهم عن تبينه للناس ما كان المهم عندهم، ولكن إظهاره للناس كان من الأمور المهمّة عند ابن عربي، ورواياته في الفتوحات عن العارفين الذين تحققَّوا بمقام القطبيّة أو الذين شهدوا هذا المقام فوق أن تحصى (الفتوحات المكية، جـ3، ص91 وما يتلوها).

وفي كتابه "مواقع النجوم" يشير ابن عربي بالنثر تارة وبالشعر تارة أخرى، بحيث لا يتذوق من إشاراته أحد إلا من كان على شاكلته في التذوق وفي طبقته من الإدراك سواء بسواء (مواقع النجوم: ص147، 150، 190).

وعن ابن عربي أخذ الشعراني كثيراً من فنون النظر الإلهي، ومنها بالطبع مسألة الإيمان بهذا الأثر الغيبي الباطني الذي هو أيضاً بالطبع، أثرٌ من آثار التصوف لا شك فيه عندهم، ولذلك سموه كما سبقت إليه الإشارة بـ " طبقات رجال الغيب "، كما هو الحال عند السيوطي فيما تقدَّم، بيد أنه، كما يوجد مثل هذا الأثر في التصوف، يوجد كذلك في التشيُّع: فمعارف القطب عند الصوفية تتشابه مع عقائد الشيعة. على أن معارف الصوفية روحيّة خالصة في حين أن السياسة الحزبية كانت أصلاً لعقائد الشيعة، فمن عقائد الشيعة الإثنى عشرية أن الإمام كالنَّبيَّ، يجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال الإنساني، كالشجاعة والكرم والعفة والصدق والتدبير والحكمة، وأن يكون مؤيّداً من طريق الإلهام بالقوة القدسية، يتلقىَّ المعارف من طريق النبي أو الإمام الذي قبله، وشرطه أن يكون معصوماً: "مكلفاً بالهداية والعدل، والجماعة مكلفون بالاقتداء به والاستنان بسنته " (الشهرستاني: الملل والنحل، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، سنة 1387 هـ ، 1967 م، جـ 1 ص 169 - 173).

وإذا استجد شيء فلابد أن يعلمه من طريق هذه القوة القدسية؛ فمعرفة الإمام عن هذا الطريق الأخير ليست من قبيل الاستدلال العقلي، وإنما تتجلى المعلومات في نفسه كما تتجلى المرئيات في المرآة الصافية. وهنا يتفق الإثنى عشرية مع بعض فلاسفة الإسلام والصوفية الذين جعلوا وراء العقل واستدلالاته طريقاً حدسياً أو كشفياً للمعرفة (أبو الوفا التفتازاني: علم الكلام وبعض مشكلاته، دار الثقافة، القاهرة، سنة 1979، ص82). ولا ريب عندي أن هذا الاتفاق يأخذ التشابه لمجرد التشابه وكفى، ولا يتخذ مواقفه من مقارنات دقيقة للأفكار.

ومن المؤكد أن الشيعة اعتبروا الإمامة جزءاً من العقيدة، يسوى بينها وبين شهادة التوحيد، وبالتالي أضافوا إلى العقيدة أصلاً لم يرد إطلاقاً من قبل، الأمر الذي آثار ضجة كبرى في العالم الإسلامي ممّا جعل أهل السنة يحاربونها ويجادلونها بعنف بالغ (علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، حـ3، 323).

ومن المؤكد كذلك؛ أن هناك شواهد ظاهرة (لكن ينقصها التوظيف: توظيف الصورة المرسومة) على اقتراب التصوف من التشيع، الأمر الذي لا ينفي وجود مثل هذا الاتصال الفكري في كثير من جوانب المذهبين، منها على سبيل المثال لا الحصر:

(1) تلك المكانة التي يحتلها الإمام عليّ ابن أبي طالب لدى الصوفية، فإليه ينسبون مذهبهم، وتحديداً، في لباس خرقة التصوف، وفي فيوضات العلم الباطني ووراثة المعارف اللّدنيّة، فقد كان عليّ، رضوان الله عليه، أعرف الناس بسرِّ الحقائق ودقائق العلوم، وبرموز الأمور الباطنة، والكشف والعيان، وبمشاهدة عالم الملكوت، وروا أن "النبيَّ أمر بسدّ الأبواب إلا باب علي بن أبي طالب"، وقد خَصَّه ابن عربي في فتوحاته بما يبيِّن منزلته الكبرى عنده، وعلو مكانته في نفوس المتصوفة جميعاً، وذلك حين يصفه بقوله: "عليّ من أصحاب العلم وممّن يعلمون من الله ما لا يعلمه غيره". وإنه؛ ليتحدَّث عن مقام أبي بكر، رضى الله عنه، وعن إيمانه الذي يعدل كل أمة محمد، ثم يعرج إلى عليّ فيقول فيه:"ومع هذا الفضل العظيم لأبي بكر، رضى الله عنه؛ يشرك الحبيب الرسول المقرّب الخليل في مقام الخلّة كما صحّ أن يشرك معه في مقام الأخوة عليّاً، كرم الله وجهه، فقال: عليّ منى بمنزله هارون من موسى  (أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الإثنى عشرية، دار النهضة العربية، القاهر سنة 1991 م - 1411 هـ - الفصل الخاص بـ "الإمامة بين التشيع والتصوف"، ص 461، 476)؛ فعَليٌّ رضوان الله عليه: "أكبر العباد"، و" ربَّانيّ الأمة"، وكبير عبادها وزهادها، وكبير علمائها، و"سيد الصحابة"، و"ابن عم الرسول" و"زوج فاطمة الجميلة"، و"باب مدينة العلم" و"حامل الأسرار"، (النشار: نشأة الفكر جـ 3؛ ص 108 و 177).

(2) اتصالُ كثيُر من شيوخ الصوفية بأئمة أهل البيت: فأويس القرني قد أخذ عن علي ابن أبي طالب، وحارب معه في صفين، واستشهد فيها، وقصة استشهاده مع عليّ ترجح صلاته بآل البيت، رغم اختلاف الروايات الواردة في شأن أويس القرني (النشار: نشأة الفكر الفلسفي، جـ3، ص254). ثم أخذ أبو زيد البسطامي عن الصادق، وشقيق البَلْخى عن الكاظم، وأسلم معروف الكرخى على يد عليِّ الرضا وأصبح مولى له، وكان الرضا يحجبه خشية افتتان الناس به، وسلسلة المتصوفة المتأخرين متصلة بمعروف الكرخى، وأخذ السّري السقطى عن معروف الكرخى، ثم أخذ الحنيد عن خاله السَّرى. والدّين لدى الصوفية والشيعة طاعة لرجل (أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الإثنى عشرية، ص465).

(3) اتفاق التصوف مع التشيع في أن مصدر العلم اليقيني إنما هو العلم "الباطن" الذي عبّر عنه الحسن بن علي في حديث مرفوع عن جده (صلى الله عليه وسلم)، أن الله تعالى قال في حديث قدسي يصف العلم الباطن: "هو سرُّ من سرى أجعله في قلب عبدي لا يقف عليه أحدُّ من خلقي ". وظاهر التخريج يقول إن هذا العلم الباطن يأخذ به الصوفيّة كما يأخذ به الشيعة، ولهذا وجب الاتفاق فيما بينهما من حيث التشابه؛ وهو عجيب!

وعلينا أن نتوقف عند النقطة الأولى: تلك المكانة التي احتلها عليّ بصفة خاصّة، لنثير مسألة "رسم الصورة" أو "التوظيف" التي ذُكرت في المقدّمة؛ للتفرقة بين التوجُّه الروحي والنظام الشيعي، فكلاهما وظف (عليّاً) أو رسم صورته من حيث المرجعيّة وفقاً لما يراه مناسباً لمعتقده، فأصبح ربَّاني الأمة عند أئمة التصوف رأس السلاسل الصوفية ورأس السند الصوفي والزهدي؛ فاتّجه إليه أصحاب الروح في الإسلام متأملين متعشقين؛ فقد كان لهذا التوجُّه العلوي أكبر الأثر في تخريج رجال ذكروا (عليَّا) لشدّة قربه من النبي، ولمكانته العظمى في الإسلام. غير أن الصوفيّة أخذوا يحمّلون صورته أحاسيسهم ومشاعرهم؛ فكان في القلب منهم، ولم يفعلوا ذلك صادرين عن "نظام شيعي"، بل عن تأمل روحي عميق في حقيقته المتصلة بالنبي واستمداده لعلمه من روح القرآن. ذلك هو "التوجُّه" الذي قصدناه، وهو يتباين عن النزعة الشيعية كل المُباينة ويفترق عنها في الخصائص والوظائف. ولم تكن الصورة المرسومة لعليّ صورة في غير قصد وفي غير اعتدال، لا إفراط فيها ولا تفريط، وإن كان الإفراط فيها بادياً فممّا أملاه الحب وفرضته لوازم الروح في توجهاتها العليا، فهو إفراط روحي يجيزه منطق الذوق ولا ينفيه، ويسيغه قانون الحب ويوجبه على ذويه.

ولم يكن الصوفية كالشيعة فرقة واحدة، ولكنهم كانوا أهل سنة في جملتهم وتفاصيلهم، وفي مجموع ما يعتقدون فيه، ولم تكن عناية الصوفية منصرفة إلى شيء سوى التأكيد التام على أنهم من أهل السنة وأن عقيدتهم هى عقيدة أهل السنة والجماعة؛ فكانوا يتبنون في مقدمات كتبهم عقائد السنة، يشرحونها ويفسرون ما أغلق منها، ولم يوالوا من أئمة الإسلام قاطبة إلا من هو حقيقٌ بالموالاة من رجال أهل السنة بما فيهم موالاة الخلفاء الأربعة (أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ) ولم يقدح في هذه العقيدة بعدُ: أن يتميز عليّ بن أبي طالب عن الآخرين بأنه المثال الأكمل للعلم الصوفي وللحياة الصوفية، ولم يقدح في هذه العقيدة أيضاً أنه كان للآخرين من الخلفاء، المشاركة في هذا العلم وفي تلك الحياة. وهكذا؛ عاشت صورة على ابن أبي طالب الزاهدة والعارفة (ربّاني الأمة) في دوائر زهاد أهل السنة والجماعة وصوفيتهم فيما بعد حيّة زاهية تتصل بالروح وتمدها بمدد القربة والموالاة.

ولم يكن وسم علي بن أبي طالب "بربَّاني هذه الأمة" صادراً إلا عن رجل من خيرة رجال أهل السنة والجماعة هو الحسن البصري بل أتهم الحسن البصري بموالاة بني مروان. وبقيت صورة عليّ بن أبي طالب الزاهدة العارفة في قلوب أهل السنة والجماعة حتى الآن حيّة زاهية بلا شك. أما لدى الشيعة؛ فقد كان الأمر على خلاف ذلك: ما أن انتهى القرن الأول، وانتهت صفحات التوابين والبكّائين من المسلمين، حتى انمحت صورة عليّ الزاهد في حياة الشيعة، وحلّ محلها صورة عليّ "الإمام"، صورة عليّ ذي الحق السياسي المقدّس عند المقتصدة من الشيعة، وصورة عليّ الغنوصيّ لدى الغلاة منهم.

كان الشيعة الغلاة يتنسّمون بالزهد، ويتمسّحون بالأسرار والطلاسم، ولكنهم فعلوا هذا عن طريق غنوصيِّ خارجي. وبينما عاش عليّ المحب الزاهد العابد في قلوب صوفية أهل السنة والجماعة، عاش على المغيظ الحاقد في قلوب غلاة الشيعة. وقد أندفع الشيعة إلى جمع المال، فأثروا أشدّ الثراء، فانعكس هذا على المشاهد الشيعية المقدسة، المزينة بالذهب والياقوت والزبرجد وشتى الجواهر، بينما شاعت في مساجد مشيخة الصوفية من أهل السنة، البساطة والخلو من السرف والتأنق (النشار: نشأة الفكر الفلسفي جـ 3؛ ص 120-121).

وقتل علي بن أبي طالب ربَّاني الأمة (عام 40 هـ) وقد أنكر على شيعته قبل وفاته إغراقهم في الترف، رآهم مراراً يأتون إليه، وليس فيهم ما أراده فيهم: حُلماء عُلماء ذبل الشفاء يعرفون بالرهبانيّة من أثر العبادة، أخياراً يفترشون الجباه، مذلين أنفسهم العاتية، يفارقون المُأثري الدنيا من الطغاة. فقال "ومالي لا أرى فيهم سيما الشيعة ... خمص البطون من الطوى، يبس الشفاة من الظما، عمش العيون من البكا".

فلئن كان قد أنكر عليهم مسلكهم غير أن هؤلاء الذين جرَّعوه الغيظ حياً، يحاولون الإغراق في التوبة والندم والبكاء، فينشأ فيهم التوابون والبكاؤون، وتسيطر الروح وسط العواصف السياسية والمنازع الدنيوية، ويشيع في العالم الإسلامي إشراقة ضمير تبقى بعد ذلك نبراساً لصوفية الإسلام حين يتكون التصوف كمذهب وكطائفة لها خصائصها التي تميزها عن غيرها من طوائف الإسلام فقهاء ومتكلمين. أما أن فلاسفة الصوفية، وبخاصة المتأخرين من الفرس، قد اعتبروا عليّاً سر الوجود، وصورة تركيب العالم، وأنه الوجود ولولاه لسرى العدم في العالم الموجود؛ فإن هؤلاء الفلاسفة من الصوفية ولا شك كانوا قد فعلوا هذا متأثرين بكل ما حولهم من غنوصيات. والتصوف الفلسفي الإسلامي غير التصوف الإسلامي السُّني. لقد كان الأول مُلفقاً منسقاً مجمعاً؛ بينما كان الثاني صادراً عن القرآن والسنة، واحتضن عليّا في نطاقيهما، وأخرج لنا علم الأخلاق الإسلامي.

تلك كانت هى الصورة المرسومة لعلي بن أبي طالب بين الشيعة والصوفية، صورة مزدوجة فارقة بالحقيقة في تصور ربَّاني الأمة وعَلَم المهتدين، وفيما علق من تلك الصورة على قلوب المؤمنين. لم تكن صورة موحَّدة خالية من التطرف لدى الشيعة الأولين وكفى، بمقدار ما كانت كذلك مُفرطة في جانب المحبّة بحكم القرابة من معدن النبوة لدي كبار الزهاد من العباد وطلاب الآخرة من ذوي الروح لدى أهل السّنة من الصوفية الأوائل، وليس في إفراطها غلو بل كان إفراط التعالي عن أوْهاق المادة والزهد في جواذب الدنيا، وظلت كذلك هى هى الصورة الباقية لعلي بن أبي طالب في ضمائر العلماء الرَّبَّانين.

وهكذا .. يكون التوظيف مخرجاً للبناء الروحي على قدر المساحة الفاعلة في التوجًّه، وهكذا يصبح عمل المقاصد هو القاعدة التأسيسية التي يقوم عليها هذا المذهب أو ذاك: وظف الشيعة صورة عليّ بن أبي طالب توظيفاً سياسياً لا فكاك منه ولا ندحة عنه بحال. ووظف الصوفية نفس الصورة توظيفاً روحياً وخلقياً يخدم مقاصدهم ويخضع لمآلاتهم الروحية والخلقية ويظل يدور في فلك التوجه بما لا ينحرف عنه إلى غاية أو مقصد غير الغاية السامقة والمقصد العلوي الشريف. وإن يكن افتراق الصورة المرسومة داعياً إلى افتراق المنازع بين المذاهب، فلا أقل من أن يكون شرط التوظيف خادماً لتلك الصورة المرسومة، يفْرقها مع افتراق المنازع بين المذاهب، ويوحد بين الصورة والوظيفة في إطار يخدم التوجهات تماماً كما يخدم المقاصد والغايات.

 هذا، بالإضافة إلى جوانب أخرى كثيرة زكتها أغراض الباحثين ومطالبهم ومقاصدهم من البحث، يتفق فيها المتصوفة؛ وبخاصّة الفلاسفة منهم، مع الشيعة، أو تتشابه فيها العقائد بين هؤلاء وأولئك؛ كمسألة العصمة للإمام والحفظ للولي، ومسألة الإيمان بالمهدي الغائب المنتظر، ومسألة قدم النور المحمدي، وأقوال الصوفية في قضاياهم الكبرى: الحلول، والاتحاد، ووحدة الوجود، والمعراج الصوفي، وتأثرهم في ذلك بغلاة الشيعة؛ وبخاصّة الإسماعيلية المتأخرين من الروافض ... إلى كثير من النظريات التي تبدو للباحثين، قديماً وحديثاً، مع مثل هذا التشابه، موضع التقاء، ولكن أهمها جميعاً "نظرية القطب" أو "الغوث" التي هى أقربُ نظريات التصوف إلى إمام الشيعة من حيث إصرار الرأي في القديم والحديث على أن هذه النظرية مأخوذة عن الإسماعيلية.

وقد بني هؤلاء الباحثون آراءهم في الغالب على فرض الاستعارة والتشابه ليس إلّا. ونحن نعني بالاستعارة: استعارة الأفكار السابقة ومقارنتها بالأفكار اللاحقة؛ على اعتبار أن الأولى أثرت بالضرورة في الثانية، وأن الأفكار اللاحقة لابد أن تكون أخذت حتماً عن الأفكار السابقة. أمّا التشابه بين الأفكار فهو ممّا يوحى للأذهان من الوهلة الأولى بانتساب هذه "الفكرة" أو تلك إلى مصدرها، ما دامت وردت مادتها في الفكر القديم شكلاً ينقصه المضمون.

هذا منهج في البحث هزيل ابتدعه المستشرقون (منهج الأشباه والنظائر) لضرب الأصالة في الفكر الإسلامي على وجه العموم؛ واعتباره عالة على الفكر اليوناني وغير اليوناني من أفكار الأمم المتقدّمة، واتبعه نفرٌ غير قليل من الباحثين المستشرقين والعرب من بعدهم، لتأكيد أن الأفكار السابقة لابد أن تكون أثرت، لمجرّد التشابه ليس إلاّ، في الأفكار اللاحقة، ومن ثمّ فالقول بمسألة التأثير والتأثر عندهم ضرورة بحثية لازمة للبحث العلمي الحديث، وإن جاءت على حساب "المضمون" الذي ينتسب إليه المفكر أو الفيلسوف أو المتصوف، ويشكل من ثمَّ عقيدته التي يدين لها بالولاء.

ولمّا بنى هؤلاء الباحثون في التقديم أو الحديث آراءَهم على فرض الاستعارة والتشابه ليس إلا، بين عقائد الشيعة والتصوف الفلسفي من حيث التقاء هذا الأخير مع غلاة التشيع، كيما تقام لديهم صلة فكرية، إنْ في العقيدة وإنْ في التسليك؛ كان الأمر عندي لا يعدو أن يكون مجرّد تشابه بين الأفكار؛ كسائر الأفكار التي تبدو متشابهة بين فكرة ونظيرتها حين تتفق البواعث، وإنْ اختلفت معها الغايات.

ولستُ بصدد مناقشة الصِلات الفكرية القائمة بين عقائد الشيعة والتصوف، ولا فيما يبدو ظاهر الاتفاق بين الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، فهناك دراسات متخصصة كُتبت في السابق، في نفس العنوان تقريباً، وأهمها كتابات الدكتور كامل الشيبي، ولكنني فقط أشير في هذه العُجالة إلى مسألة "القطب" باعتبارها لفتت النظر فيما اقتضاه عنوان المقال، لأظهر اختلافها عن إمام الشيعة؛ ففي كتاب: "نفائس العرفان"، يرسم ابن عربي صورتين بيراعه المبدع الخلاّق، فيشير إلى أهم صفات القطب في رأينا، لتجئ صفات غارقة في التخفي والاستتار، ليست ممّا يتصف به إمام الشيعة بحال.

(1) الصورة الأولى: القطب عنده هو: "المعجوزُ عنه بالإدراك البشري ... فكل من تحقق من دوائر أسماء الله الحُسنى، كان قطباً في دوائر العُلى، وما تحقق بدائرة الاسم الجامع المحيط كان هو القطب الفرد الجامع المخصوص بالميزان الإلهي والوارث المهدي، والتجلي الرحماني، والاستواء الربانيّ (نفائس العرفان: منشور مع كتاب الكُنْه فيما لابد للمريد منه؛  والكتابان لابن عربيً، طبعة مكتبة صبيح، الطبعة الأولى (سنة 1387 - 1967؛ ص32).

فهذه الصورةُ التي يرسمها ابن عربي للقطب هى نفس الصورة التي وردت في الحديث النبوي؛ كما رواه أبو نعيم الأصفهاني صاحب "الحلية"، وهو من الحفَّاظ؛ عن شخصية   "أويس القرني"؛ في حديث طويل جاء فيه: " إنّ الله، عز وجل، يجب من خلقه الأصفياء الأخفياء الأبرياء، الشُّعثة رؤوسهم، المُغبَّرة وجوههم، الخمّصة بطونهم، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإن خطبوا المنعّمات لم ينكحوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن طلعوا لم يُفْرح بطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يشهدوا ... ذلك أويس القرني " ... ولمّا سأله الصحابة: " وما أويس القرني؟". قال: " أشهل ذو صهوبة، بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة، شديد الأدمة، و ضارب بذقنه إلى صدره، رام يبصره إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله، يتلوا القرآن، يبكى على نفسه، ذو طمرين لا يؤبه له، متزر بإزار صوف ورداء صوف، مجهول في أهل الأرض، معروف في السماء؛ لو أقسم على الله لأبرّ قسمه، ألا وأن تحت منكبه الأيسر، لمعة بيضاء، ألا وإنه إذا كان يوم القيامة، قيل للعباد: أدخلوا الجنة، ويقال لأويس: قف فاشفع، فيشفعه الله عز وجل في مثل ربيعة ومضر". ثم ينادي الرسول؛ صلى الله عليه وسلم، عُمر وعلياً ويقول لهما: " يا عمر، يا علي، إذا أنتما لقيتماه، فاطلبا إليه أن يستغفر لكما، يغفر الله لكما" (حلية الأولياء جـ 2 ص 80 وما بعدها).

فلئن صحّ الحديث، على رواية صاحب الحلية، لكان لفكرة " قطب الغوث " أصلُ إسلامي؛ فتلك هى صورته التي انتشرت في أوساط الصوفية فيما بعد: الصوفي الخفيّ البرئ، الأشعث، الأغبر، (سيد عبّاد الروح)، يمشي في طَمْرَين، لو أقسم على الله لأبَّره. (النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، جـ3 ، 252، 253).

هذا؛ فضلاً عن أن هذا الحديث يجعل الإمام عليّ بن أبي طالب نفسه يأخذ عن أويس القرني، وليس العكس. لكننا مع ذلك، ونظراً لأهمية هذه الجزئية، نتابع رواية " أبي نعيم الأصفهاني " صاحب "حلية الأولياء"؛ لنقف على الدلالة الروحية لهذه الشخصية العجيبة، وهي دلالة بالقطع تثبت أمامنا وجود قطب الصوفية، وتميزه عن إمام الشيعة؛ لتجعل منه شخصية فارقة ومستقلة كل الاستقلال عن الإمام عند الشيعة، ناهيك عن أن المصادر ذكرت أن الأحاديث الصحيحة قد استفاضت عنه، فهو ليس فكرة خيالية ولا متوهمة كما يظن البعض؛ ولكن نُرجئ وجهة النظر هذه إلى ما بعد المتابعة لرواية صاحب "حلية الأولياء":

مكثا - عمر وعلي - يطلبانه عشر سنتين، عملاً بوصيته، صلى الله عليه وسلم؛ في حجيج أهل اليمن من القرنيين حتى وجداه في حجيج الكوفة: راعي إبل وأجير قوم ... ووقف أمامه الصاحبان الكبيران يرددان: نشهد أنك أويس القرني، فاستغفر لنا يغفر الله لك".

وينظر إليهما راعي الغنم في دهشة المستريب: لقد عُرف أمره وانكشفت حقيقته وبانت عند الناس أسراره؛ ثم يرد عليهما: " ما أخصُّ باستغفاري نفسي ولا أحداً من ولد آدم، ولكنه في البر والبحر، في المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات ".

عجباً! إنه ليطلق استغفاراً كونياً، يملأً الدنيا جميعاً وقد رآها قد طويت له. ثم سألهما من أنتما؟ فأجابه: عليّ بن أبي طالب، فاستوى أويس قائماً وقال: "السلام عليك يا أمير المؤمنين، وأنت يا ابن أبي طالب؛ فجزاكما الله عن هذه الأمة خيراً، ويطلب منه عمر أن يبقى مكانه حتى يأتيه بنفقته وبعض ملابس وهو يقول له:" إن هذا المكان ميعادُ بيني وبينك ". لكن " أويس " يرد عليه: " يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك".

لا أراك بعد اليوم تعرفني .. ما أصنع بالنفقة، ما أصنع بالكسوة. أما ترى عليّ إزاراً من صوف، ورواءً من صوف، متى تراني أخرقهما. أما ترى نعلىّ مخصوفتان، متى تراني أبليهما. أما تراني قد أخذت من رعايتي أربعة دراهم، متى تراني آكلها؟!

يا أمير المؤمنين: إنّ بيني وبينك عقبة كئوداً لا يجاوزها إلا ضامر مخفف مهزول، فاخف يرحمك الله ..." (حلية الأولياء: جـ 2، ص 82).

فلما سمع عمر كلامه صرخ، ونادي بأعلى صوته: " ألا ليت ابن آم عمر لم تلده، يا ليتها كانت عاقراً لم تعالج حملها، ألا من يخبرها بما فعل لولدها "، ويطلب أويس من عمر: " يا أمير المؤمنين خذ أنت هاهنا حتى أخذ أنا هاهنا "، فولي عمر وصحبه عليّ ناحية مكة، وساق أويس إبله إلى أصحابه، وسلم القوم إبلهم، ثم اختفى، مقبلاً على العبادة (النشار: نشأة الفكر الفلسفي، حـ3 ، 253، 254).

ولنا أن نلاحظ، من بعدُ، أن منهج التحقيق العلمي من شخصية "أويس القرني" يفترض إنها، مع مساقها بمثل هذه الرواية؛ شخصية أسطورية، يفعل فيها الخيال فعل الأعاجيب وتحوطها دهشة الغموض والغرابة من جميع جوانبها؛ كما يصورها الخيال الصوفي بتصوراته البعيدة عن واقع لا يُصدقه عقل. قد تبدو القصة في نظر العقل اختلاقاً يكذّبه الواقع، وتوهّماً لا يوجد إلاّ في خيال كاتبها أو راويها، ولكننا مع ذلك من جهة أخرى؛ نقف إزاءها وقفة المطمئن الواثق من الأصل الذي بُنيَت عليه، والأساس الذي اعتمدته، والدلالة الروحيّة التي تشكلت منها عناصرها ومقوماتها. فليس يكفي القول هنا بأن قصة "أويس القرني" أسطورة من أساطير المتصوفة خلقتها لديهم أنداء الخيال .. لا يكفي هذا القول ترضيه للعقل أو مسايرة لمنهج التحقيق العلمي؛ لأن هذه القصة برمتها - مع افتراض الاختلاق - صُوِّرت على مثال قصة قرآنية هى قصة الخضر مع موسى الكليم؛ فهناك النموذج، وهناك المثال، وهناك الأساس، وهناك الدلالة الروحيّة المباشرة من نصوص القرآن الكريم والتي تشكلت منها عناصرها ومقوماتها ودواعيها في منطق الذوق والتخريج.

إنّ موقف أمير المؤمنين من "راعي الغنم الأجير"، لهو موقف التلميذ من الأستاذ، لا بل هو "الموقف القرآني"، موقف موسى من الخضر، موقف العبد الذي أتاه الله العلم اللّدُنّيِّ، فهو خفيٌ مستتر غير ظاهر معروف؛ ليكون آية من آيات الله في خلقه وطريقاً آخر في معرفة الله غير ما هو معروف للحسّ ومألوف للعيان.

ثم إن هذه القصة، مع إحالتنا إيّاها إلى الأسطورة التي لا تمسّ الواقع في شيء، ومع تقرير هذا الحكم عليها بدايةً، تنفي فكرة "العبد الربّاني" التي فاضت بها الأحاديث الصحيحة، ومن الصعب نفيها أو التعالي عليها ترضية للعقل أو مسايرة لمنهج التحقيق العلمي. فلئن كانت القصة صيغت صياغة روائية يحيلها العقل إلى أسطورة ندّت عن خيال المتصوفة، فلا نعدم في الواقع وجود رجال شهد الواقع نفسه بوجودهم، كانوا عبّاداً للروح، ربّانييّن، فتحققوا بمشهدهم النوراني، ورأت عيون الناس آثارهم ومناقبهم، ولم يكونوا في طبقة "أويس" بل أقل وأدنى. ولماذا نذهب بعيداً فنحكّم الواقع، وفينا حُكم الله، يقطع بالحكم فيما ورد من وجود العبد الخاص من عبيد الاختصاص، ذلك الذي علّمه الله من لدنه علماً، الأمر الذي يجعل فكرة العبد الربّاني، أو القطب الغوث، واقعاً يؤمن به المؤمنون الغيب، ويشهده المؤمنون به شهوداً قلبيّاً لا مزيد عليه، والطعن فيه طعن في الإيمان بالأساس، وقدح في المثال وفي النموذج، بالدلالة الروحيّة على وجه الخصوص.

(2) الصورة الثانية: أمّا الصورة الأخرى التي يرسمها ابن عربي للقطب، فهى أنه - كما يقول - اسم بدل من اسم الله، فكما يكون اسم الله هو المهيمن على جميع الأسماء؛ فكذلك القطب اسم مهيمن على أسماء النزول، وكما أن لله تعالى تسعاً وتسعون اسم، كذلك القطب له تسع وتسعون اسم يحتوي على كل اسم من أسماء الله تعالى، فهو عين عينه، وظاهر باطنه، ووجه ذاته، ومجلى تجلى أسمائه وصفاته، فمن عرفه عرف حضرة الله تعالى، ومن ينكر عليه، فلا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم .. (نفائس العرفان: ص30).

فتلك صورة العبد المتحقّق بالوحدة الذاتية مع الحق، صورة الإنسان الكامل، الذي اتصلت به " كاف الكنتيّة "، كما يسميها ابن عربي في شجرة الكون عند الحديث عن (كنت له سمعاً وبصراً ومؤيداً)، وذلك حين قال: " إني نظرت إلى الكون وتكوينه، وإلى المكنون وتدوينه، فرأيت الكون كله شجرة، وأصل نورها من حبة " كُن " (شجرة الكون، طبعة مكتبة صبيح، القاهرة سنة 1386 هـ ، 1967 م ، ص 3).

ومن خلال ما تقّدم عن هاتين الصورتين المرسومتين عن القطب يمكن أن يتجمّع لدينا المعنى الذي يلخّص الفكرة عن قطب الصوفية، ويفرقها فرقاً فاصلاً عن الإمام عند الشيعة: فقطب الصوفية، وليّ، عارفُ، وليس بإمام يتلقى معارفه من طريق الوراثة من الإمام الذي سبقه كما هو الحال عند الشيعة.

الولي (= القطب) عند الصوفية، يتلقى معارفه من الله مباشرة عن طريق النفث في الرّوع، إلقاءً وانقداحاً، كما قال البسطامي:" أخذتم علمكم ميت عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت"، وليست المعرفة تصل إليه بالوصيّة من الإمام الذي سبقه.

ليس شيخ الصوفية كإمام الشيعة، وليس الدّين هنا طاعة لرجل، ولن يكون. وإنما الرجل هو المُربّي الذي يعرّفَك أن الدين طاعة لله وحده لا شريك له. الرجل هو الذي يربّيك فيرَقِّيك. الرجل هو الذي يقودك على البصيرة إلى الله تعالى حين لم تجد قيادتك أدنى إليك من نفسك. كثيرون هم الذين وصلوا إلى الله بغير شيوخ ترعاهم وترقيهم. ومنهم من قرّر أن الحاجة إلى الشيخ إنما هى للإجلاف الأغبياء. أمّا الأذكياء المرهفون المتصلون بالنور فلا حاجة بهم في طريق الله إلى رجال، وبمواهب الوصول إلى أشياخ !

وإذا كانت المعرفة في كل من المذهبين تنسب الشيخ والإمام إلى العلم اللّدُنىِّ، ففي معرفة الشيخ لهذا العلم يظل الاجتهاد والاحتمال وبذل الطاقة كلها أمور جميعها بمثابة الفصيل الحاكم والعلامة الفارقة. بينما العصمة عند الشيعة هى الأساس لتحصيل الإمام لهذا العلم؛ ولا عصمة مطلقاً لشيوخ التصوف بل حفظ.

على أن الباحثين الذين فرضوا الفروض وطرحوا الأسئلة لالتماس الصلات القريبة بين مشاهد الصوفية وعقائد الشيعة، كالفروض التي صيغت بها فكرة الغوث بما لديه من قوة على التخفي والانتقال على صورة المهدي المختفي الذي يظهر لكل البشر من أتباعه بين الحين والحين؛ وكما الأسئلة التي من جملتها: هل أخذت فكرة المهدي من قصة الخضر القرآني، وصيغت على مثاله، وأخذت الصوفية فكرة الغوث من المصدرين: المصدر القرآني الأصيل في قصة الخضر، والمصدر الشيعي التابع للمصدر القرآني في فكرة المهدي؟!

أقول؛ إن هؤلاء الباحثين لم يحسموا الأمر وأخذوا على أنفسهم يقترحون الاقتراحات التي تتلّون بها آراؤهم، لتكون بين بين، لا هى هذه ولا هى تلك. إن ترك الباب مفتوح بهذه الجهة لا يحل ولا يربط، ولا يقطع في المسألة برأي حاسم، ولا التفات عندنا - ولو فيما نراه نحن - إلى المصدر الثاني إذا عمقنا النظر إلى المصدر الأول، أعني المصدر القرآني الأصيل، ومضينا معه إلى غاية ما يعطيه من أثر ذوقيّ ويحدثه من توجّه روحي، تكفي مساقات هذا المصدر بإطلاق؛ ليكون هو المصدر الأوحد لفكرة القطب الغوث عند الصوفية، وليس هو بالقليل ولا بالهين، ولا بالذي يهمل ليجئ ها هنا مصدر آخر سواه.

على أن هناك فرقاَ جوهريّاً في بنية اللغة نفسها (عبارة - وإشارة) بين الصوفية والشيعة الباطنية، يثبته الشيخ "زرّوق"، بعد أن يذكر أن للناس في أخذ العلم من الكتاب والسنة عدّة مسالك منها: قوم اثبتوا المعاني وحققوا المباني، وأخذوا الإشارة من ظاهر اللفظ وباطن المعنى، وهؤلاء هم الصوفية المحققون والأئمة المدققون. أمّا الباطنية الذين حملوا الكلّ على الإشارة، فهم لم يثبتوا المعنى ولا العبارة " (قواعد التصوف، ص 47، وله أيضاَ: عدّة المريد الصادق، ص118- 119).

ولئن شئنا الدّقة في مسائل اللغة أكثر من هذا، ومنها الرمز بطبيعة الحال؛ فإننا نلاحظ ما كنا لاحظناه فيما سبق من تحقيقنا لكتاب "السر في أنفاس الصوفية " للإمام أبي القاسم الجنيد؛ في المسألة الخاصّة بعلم الإشارة الصوفية فكان مما لاحظناه هنا أن: الرمز في التصوف غير الرمز في التشيع، تماماً كما أن السِّر في التشيع غير السِّر في التصوف؛ وإنْ ظهرت بوادي مشتركة ظاهرة فيما بينهما.

ربما كان أصل الرمز (حسب تعريف إسحاق بن سليمان بن وهب (ت272هـ) صاحب كتاب "البرهان في وجوه القرآن"، وهو كاتب شيعي، ظاهر التشيع، صنف كتباً عدّة في الفقه وعلوم الدين): الصوت الخَفيُّ الذي لا يكاد يفهم، وإنما يُستعمل المتكلم الرمز في كلامه فيما يريد طَيِّه عن كافة الناس. وقد نشأ مذهب الظاهرية في المشرق ليقاوم هذه الدعوة الباطنية، وينكر الحاجة إلى إمام مستتر "يختصه الله بأمانة الإلهام"، يعلم الناس ما ليس في وسعهم أن يتعلموه من ظاهر الآيات القرآنية، فكان داوود بن سليمان الظاهري (201 - 270هـ) هو أول من قام به في المشرق لكنه لم يبلغ من القوة والشيوع مبلغه في المغرب على يد الإمام على ابن أحمد بن سعيد المشهور بابن حزم الظاهري (384-456هـ) وكان ابن حزم أمويّاً شديد التعصب للدولة الأموية. وما كانت علوم الصوفية ولن تكون أبداً مستقاة من إمام معصوم يتلقى من علم الغيب أسراره ومعارفه؛ لأن علومهم، كما قلنا غير مرة، نفثٌ في الرَّوْع يصدرها الحال في لحظة تجرد خالصة، وليست هى بالصادرة عن إمام معصوم.

وهذا هو الفرق الفارق عندي بين باطنية الشيعة من جهة، والحياة الباطنة عند الصوفية من جهة أخرى. قال الغزالي:" لمّا سئل بعض العلماء عن العلم الباطن ما هو؟ أجاب:"هو سرٌ من أسرار الله تعالى يقذفه الله تعالى في قلوب أحبابه لم يطْلع عليه بشراً ولا ملكاً" (الإحياء: جـ 3 ص 24). وحديث الغزالي هنا عن "العلم اللَّدُنِّيّ" أو "العلم الباطن" الذي يقصده الصوفية (= الأخذ عن الله بالمباشرة) يجيء بعد صفاء القلب وطهارة النفس وتزكية الباطن وخلوص السريرة لله، وإليه إشارة الجنيد (297هـ):"لو أن العلمَ الذي أتكلم به من عندي لفنىَ، ولكنه من حق بدا وإلى الحق يعود " (حلية الأولياء: جـ 10 ص 263).

فكل ما يأتيه الصوفي الحق من علوم ومعارف وأسرار يطويها تحت غشاوة الرمز ولُمح الإشارة؛ إنما يأتيه من هذا "الحق" وحده، يبديها لقلبه بعد تزكيته من العلائق وتطهيره من الأوْشاب؛ فهى من أجل هذا: علوم ألهام ونفث في الرَّوع، من الحق بدت وإليه تعود. ليست تتلقى أولاً عن إمام معصوم كما هو الحال في التشيع، وليست تتأتى ثانياً بحيل العقل ولا كد الذهن ولا عنت التحصيل في المقروء والمكتوب: علوم إلهام لا علوم أقوال.

إنما الرمز في التصوف يستند على إشارة روحيّة تحمل سراً يدل على حال الصوفي ولا يزيد: حاله مع الله؛ فأقوالهم وإشاراتهم ما هى إلا أسرى أحوالهم وكفى (راجع: دراستنا وتحقيقنا لكتاب السّر في أنفاس الصوفية للجنيد: علم الإشارة الصوفية؛ دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1436هـ - 2015م؛ ص 106- 107).        

وإذا كانت إشارة الشيخ "زرّوق" تنصرف إلى الفارق اللغوي بداهة، وكانت إشارتنا تنصرف إلى دلالة الرمز في التصوف من حيث كونه علماً للإشارة الصوفية؛ فإن الأستاذ "ماسينيون"، يحقق فرقاً آخر مهمّاً متصلاً بالعقائد هو: قلة قبول الشيعة الإمامية للتصوف ورفضه لشيوخه مع إشعارهم غلبة نزعته الروحية واستقلاله الذاتي بعيداً عن التوسّل بالأئمة. ونص "ماسينيون" هو " ... جاءت الشيعة الإمامية الزيديّة والإثناء عشرية والغلاة في القرن الثالث الهجري؛ فأنكروا كل نزوع إلى التصوف؛ لأنه سيحدث بين المؤمنين ضرباً من الحياة الشاذة (صوف - خانقاه) تتمثل في طلب الرضا من غير توسل بالأئمة الإثنى عشر، وطلب إمامة تناقض ما جروا عليه من تقيّة (مادة تصوف؛ دائرة المعارف الإسلامية، ص 19).

وبعد؛ فإنِّ الذين يلتمسون الشواهد من هنا وهناك؛ لاقتراب التصوف من التشيع من جهة، ولإظهار "الاتصال الفكري" في كثير من جوانب المذهبين من جهة أخرى؛ أغراهم التشابه بين الأفكار ففارقوا التمييز ! تخونهم في الغالب قدرتهم الروحية، ولا أقول العلمية؛ على تحديد الفواصل الدقيقة الفارقة بين المعاني المتداخلة أو المتشابهة، ويعوزهم - من ثمَّ - في الواقع مفتاح المعايشة في باطن تلك الحياة الروحيّة. وإنهم ليحكمون عليها من خارجها، ويرضيهم ذلك، وعدتهم وعتادهم هو ما يقرأونه وما يسمعونه على التقليد، لا ما يشهدونه من جهة الحال ويتذوقونه من جهة المنهج. والأمر جدُّ بعيدٌ بين من رأى وبين من قرأ أو سمع: شتان بين الشهود العيني لمرأى القلوب، وبين السماع القولي والقراءة في كتاب.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم 

 

 

مقدمة: نقول: لقد أخطأ العلامه الحلي في وصفه للإمامة بأنها: - [رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي] - الباب الحادي عشر للحلي، والخطأ نقرئه في أصل التوصيف لأنه أعتمد على كلمات عامة، ولا ربط لها بمفهوم الإمامة ودلالتها، فقوله: إنها رياسة عامة !!، في أمور الدين والدنيا !!، نيابة عن النبي !!، قول غير مفهوم في المُراد من عموم معنى الرئاسة، كذلك الربط بينها وبين النبوة مجازفة غير دقيقة، بل إخلال في موضوعة الإمامة بإعتبارها قضية إجتماعية وحاجة في موضوعها وفي محمولها، فالرئيس لا يكون رئيساً إلاَّ بالإنتخاب أو الإختيار، وهذا يعني نفي كونها نيابة أو أنها هبة أو وصية أو تنصيباً، فكل هذه الأوصاف لا تنسجم وطبيعة الفاعل فيها والذين هم الناس لا غير، فهم أصحاب الشأن في إختيار من يكون رئيسا عليهم فينصبوه .

 ونقول: لا يكون الإمام نائباً عن النبي بأي نحو، ذلك أن موضوعة النبوة قضية إلهية محضة تكون بالإصطفاء من قبل الله، والنبي لا يكون منصوباً أو مختاراً من قبل الناس، فيصح معه ان يكون منصبه قابلا للنيابة، وفي ذلك المعنى تحديداً لا تصح النيابة ولا تصح الوصية ولا يصح التنصيب .

 أذن فحينما نقول: إن الحلي قد أخطأ في التوصيف فنحن نعني ما نقول، وذلك لأن الكلام في شأن الإمامة وطبيعتها مرتبطة بالناس وبشؤوناتهم، هي إذن: (عبارة عن حكومة تنفيذية ترتبط في مهامها بالرسالة)، وفي هذا نكون قد أخرجنا الإمامة من النبوة وطبيعتها وما يتعلق بها، وبهذا يمكننا القول: (هي نيابة عن الرسول في أمور الدين والدنيا) وهذا القول على نحو الإعتبار لا الحقيقة، بإعتبار كونه حاكماً ورئيساً، فالأمر والنهي والقضاء وجميع شؤونات السلطة والحاكمية هي من مهام الرسول، وكذا يكون بالتبعية من مهام الإمام أي (الحاكم أو الرئيس)، فمهام الإمام من مهام الرسول ومهام الإمامة من مهام الرسالة لا النبوة، وهذا الكلام من جهة الوصف وتعيين المصداق، ولكي يكون الوصف صحيحاً يجب ان يكون منسجماً مع معنى الموصوف .

 ولزيادة في الإيضاح نقول: [الإمامة هي سلطة زمنية تستقي فعلها وعناصر قوتها من الرسالة، بلحاظ كونها مؤوسسة من أجل تنفيذ القوانين والتشريعات وإجرائها]، والإمام يكون رسولاً من هذه الحيثية وليس من جهة الشخصية، فالرسول أو الإمام هو عنصر بشري يجري عليه ما يجري على عامة الناس، من جهة تطبيق القانون وإجرائه، ولا يتعلق الأمر بشخص الرسول من حيث هو، لذلك قال: (أفإن مات أو قتل أنقلبتم على أعقابكم) - آل عمران 144، وحتى حينما يقول النص: - [وما آتاكم الرسول فخذوه] - الحشر 7، إنما يعني إن ما جاء للرسول من تعليمات فعليكم بالأخذ بها وتنفيذها، وشرط التنفيذ متعلق بما يحكم به الزمان والمكان من حيث الطبيعة والإنسجام والموافقة، ونفس الشيء يُقال في معنى قوله تعالى: - [أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ..] - النساء 59، ومفهوم الطاعة هنا هو إطاعة ما جاء به الرسول من تعليمات ومن أوامر ونواهي، وليس إطاعة الرسول من حيث هو هو، فهذا شيء أخر إنما المتعلق في الطاعة هو طاعة الرسالة وما فيها، من قوانين وتشريعات، هذا هو الظاهر وفي المقام الأول، وبما إن الرسول هو المنفذ والمجري لهذا القانون في زمانه فتلزم طاعته من هذا الباب، ويعني هذا إن الأمر بالطاعة متعلقق بالرسالة أي طاعة الرسالة ومن ينفذها في كل زمان وفي كل مكان، والمعيار في ذلك هو المفهوم وليس المصداق لأن المصداق متغير بحسب الزمان والمكان .

 والفصل الذي نقصده بين الرسول والرسالة فصلاً إعتبارياً لا فصلاً حقيقياً، أعني هو فصل في الجانب الإجرائي وما يتعلق بفهم النصوص وشرحها والإجتهاد فيها، وفي مسألة الإمامة كذلك فنحن نشير إلى الإمام لا بصفته الشخصية بل بصفته الإعتبارية الدائمة والمتغيرة بحسب الزمان والمكان، بمعنى إن الشخصية مفهوما زمنيا إعتباريا لا يجوز فيه التعلق بها أو تسوية الأمور حسب مواصفاتها الشخصيه لأن ذلك غير ممكن .

 ومع التطور الإجتماعي والإقتصادي وتنامي دور المعلومات وسيادة النزعة الوطنية تقلص دور الإمام بالمعنى التاريخي، ولم يعد مفهوم الخليفة الإمام أوالسلطان مقبولاً في ظل التطور العلمي لمفهوم الحكم، ومن هنا تجذر المفهوم الجغرافي للوطن الذي لم يعد يتسع لمساحات واسعة، فأصبح لكل وطن وقوم أماماً خاصاً لهم ينتخبونه من بينهم ضمن مواصفات إجتماعية وسياسية معينة ...

نعم إن هناك خللاً مفاهيمياً في الفكر الإسلامي، يلف فكرة الإمامة ككل، ويبدأ من خلال الإعتماد المغلوط على أخبار وروايات غير صحيحة في تأسيس الإمامة والبناء عليها، ومن بين تلك الأخبار قولهم ا: - (الائمة أثنى عشر وكلهم من قريش) -، فالتأسيس لمفهوم الإمامة إسلامياً أنطلق من هذا الوضع، ومنه أبتدأت المغالطة والخرافة ونمت وترعرعت وكبر عودها، وصيغ حولها القصص والحكايا، والتي أنتهت بسيادة الغلو والتطرف وكثرة الأخبار التي روجت لذلك، وهذا ما نجده واضحاً في كتب الروايات والأخبار الإسلامية .

والبحث في سند الخبر أرشدنا إلى جميع رواته من الكذابين الوضاعين الذين لا يعتد بهم، ومع إن البحث في الخبر وسنده لا يعنينا لكن ومن باب الإشارة والتذكير جئنا به، وأما المعمول عندنا فهو كتاب الله المجيد وما يقول به العقل في هذا الشأن، فالخبر حسب قواعد الكتاب ونصوصه (خبر متهافت) ولا يصلح في التأسيس والبناء عليه، كما إنه لا يصح نسبة التهافت لرسول الله أو إنه عليه السلام يتبنى هذه الفكرة وبأن يكون الخلفاء من بعده أثنى عشر وكلهم من قريش .

 فالخلافة بمفهومها العام هي سلطة زمنية وليست وهبية ولا كسبية ولا نصيه، إنما هي سلطة إجتماعية في التأسيس والبناء، كما لا يصح الإعتماد على هذا الخبر، لأنه يجعل من الرسول هو المؤوسس لفكرة القومية والتعصب العنصري، وهذا يناقض ما جاء في وصف وما نفهمه من قوله تعالى: - (وما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالمين) - الأنبياء

107، وماورد في المأثور عنه عليه السلام: - (لا فضل لعربي على أعجمي إلاَّ بالتقوى) -، وهذا الكلام يتجاوز البعد الضيق للإنتماء القومي أو القبلي أو المناطقي، والمعيار عنده هو في العمل الصالح .

نعم شكل هذا الخبر دافعاً للبعض للقيام بتمرد مشروع على فكرة الإحتواء القهري الذي يمارس من قبل قوى السلطة، إذ ذاك يعني حذف متعمد لمفهوم السلطة كمؤوسسة إجتماعية تكون وتكبر وتنمو بالإنتخاب (الشورى والديمقراطية)، ناهيك من كون هذا الخبر المسخ يعارض بوضوح نصوص الكتاب المجيد، الداعية إلى التساوي في الحقوق وفي الواجبات من غير تمييز أو تفاوت طبقي أو أثني، كما إن من المفيد الإشارة إلى أخبار تعارض ذلك وتعلن بصراحة رفض فكرة التفاضل حسب النسب والعشيرة، وجعلت من التفاضل المحمود بالعلم والعمل والتقوى وهي مفاهيم مجردة مطروحة للعموم، وليست هي من خواص أو من ممتلكات قريش أو أنصار قريش، ففي المأثور قوله عليه السلام: (والله لعبد حبشي يطيع الله خير من سيد قرشي يعصي الله) .

 ولا يجوز حصر الأفضلية في الطقوس والممارسات والشعائر، بل تكون بالعمل الصالح وبالتقوى وإن كانت الثانية شأن خاص لا يدخل في مجال التنافس والتفاضل بل يجده العبد عند الله، والذي عليه المعول:

 - إن هذا القول عام مطلق ويتناول حركة الإنسان في مطلق الزمان والمكان -، ومن غير تصنيف أو علامات فارقة أفترضتها الذهنية المتخلفة، والكتاب المجيد كذلك يصدح بمقولته الشهيرة: - [إن أكرمكم عند الله أتقآكم] - الحجرات 13، وصفة التفضيل عند الله كذلك هي بالعمل الذي يقي الناس من العنف والشر والجريمة، وفي ذلك لا يكون هناك متسعاً من القول لكي نقول: - إن لقريش فضل على عامة الناس وفي قيادتهم -، وكذا لا يصح كذلك حصر الإمامة بعدد محدد من الخلفاء، طالما إن الأمر يرتبط بالحياة وبالوظائف اليومية للناس وبالزمن الإفتراضي لكل خليفة .

الرسول أو الإمام:

 موضوعة (الرسول أو الإمام) ليست موضوعة ثنائية التشكل والمعنى بل هي أحادية الصفة والمضمون، فالإمام في الكتاب المجيد هو رسول والعكس صحيح (وفي هذا الشأن يجب التركيز على مقولات الكتاب المجيد، وليس على ما تقوله الأخبار والروايات الموضوعة)، وهذا يعني إن للإمام من المهام والواجبات ما للرسول، وله نفس االسلطة والقابلية في إجراء القوانين وتنفيذها والحكم والقضاء بين الناس، إنهما إذن يعبران عن وحدة حال، وإلى هذا أشار النص التالي في قوله تعالى: - [.... إني جاعلك للناس إماماً، قال: ومن ذريتي ؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين] - البقرة 124، وفي بيان معنى هذا النص، نقول: إن مفهوم جعل أي صار في لغة العرب وهو من الصيرورة، أي الإنتقال من حال إلى حال أخرى، ونفس المعنى نجده في الكلامي وفي الفلسفة أيضاً، هو تطور ذاتي وموضوعي يطرأ على الشيء لغاية ما .

 والفعل ورد هنا في صيغة ما يحدث لا حقاً، كالذي حصل لإبراهيم من تطور (صيرورة) فبعد أن كان نبياً صار إماماً، هو إذن تطور في المهام وليس في المقام، وقد عبر الملا صدرا عن ذلك بحركة النقلة، وهذا ما عناه النص أيضاً في قضية الواجبات والمهام التي سيضطلع بها إبراهيم الإمام (الرسول) وليس إبراهيم النبي .

 وكما قلنا غير مرة (إن الإمامة هي ليست النبوة) تختلف عنها من وجه ولا تفترق عنها من وجه أخر، ففي:

الأول قال: إني - جاعلك .. إماماً - بصيغة المفعول الثاني،

 ولفظ - جاعلك - يقوم بمقام الفعل في نصب المفعول، ولا تصح إليه الإضافة، هذا إذا كان بمعنى الحاضر أو المستقبل، وأما إذا كان بمعنى الماضي فلا يقوم بمقام الفعل .

والثاني قولهم: أن أسم الفاعل حين يكون مضافا يكون ماضياً كدليل على الإقرار، وهذا لا يكون عند الكسائي، فهو إن كان مضافاً يحتمل الحال والإستقبال، وعليه يكون معنى النص: (إن الله قد جعل إبراهيم إماماً أما في الحاضر أو في المستقبل) .

 وكا قلنا إن: - (الإمامة شيء والنبوة شيء أخر) -، وإلى هذا ذهب صاحب الميزان حيث قال: - إن إمامة إبراهيم غير نبوته - الميزان ج1 ص 271، والإمام هو ما يُقتدى به ويُتبع في أفعاله وأقواله، كتدبير أمور الناس وإجراء سياساتهم وتطبيق القوانين والأحكام بينهم، ولا تدل عبارة - إني جاعلك - على معنى (إن يكون الإمام منصوباً من قبل الله)، ولكنها تشير فقط إلى تطور وإنتقال في حياة إبراهيم من كونه نبياً يوحى إليه إلى كونه رسولاً يقود الناس ويطبق القانون، إذن هي ترتبط بقضية الفعل والمهام التي سيقوم بها إبراهيم بإعتباره إماماً .

 وأما التوكيد في القول إنه: - (لا ينال عهدي الظالمين) -،

 أي عهد الإمامة لا يناله الظالمين، ولفظ - الظالمين - بصيغة الجمع مع ال التعريف مشعرة بالتخصيص، والمُراد منها (جماعة خاصة بعينها) من ذرية إبراهيم، ولا يصدق معناها على كل من صدر منه أو عنه ظلم أو شرك أو معصية في حياته، ولو كان في برهة من عمره ثم تاب وأصلح !!، ذلك إن الظلم ليست من الصفات الثابتة التي لا تزول بزوال السبب، ثم إن ترتيب الظلم والحكم عليه بأثر رجعي ممنوع عند الله إذ (لا تزروا وازرة وزر أخرى)، هذا من جهة الطبيعة وما يكون عليه الإنسان بالفعل، وقد ورد في الأثر التأكيد على: - إن الإسلام يجُب ما قبله - أي يمحو ما قبله، وبهذه الحيثية دخل الناس في الإسلام وقُبل منهم .

 أما لماذا لا ينال عهد الإمامة من ذرية إبراهيم ؟، فالقيد كما قلنا يشير إلى البعض منهم، والمتعلق في المنع هو الظلم، الصفة والفاعل إذ لا يستقيم أمره ومهام الإمامة، التي يتطلب فيها العدل كونها أمر ونهي وتنفيذ دقيق للأحكام، والشرط الموضوعي المقترح هذا يُلزم من يتصدى من ذرية إبراهيم لهذا العهد، وبأن لا يكون ظالماً أو من الظالمين في الحال وليس في الماضي .

 والظلم صفة نفسية نسبية تكون ضد العدل في مطلق الزمان والمكان، وفي الكتاب المجيد نرى التقابل بين الظلم والإحسان كما في قوله تعالى: - [.. ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين] - الصافات 113، والإحسان كما الظلم من الصفات النسبية المتغيرة، والمعيار في التعريف بالظلم أو الإحسان هو في الطبيعة والكيفية التي يتم الإعتماد عليها فيما ينفع الناس ويحقق مصالحهم .

والظلم والإحسان والعدل وغيرهما هي من الصفات الغير تخيُليه، ولا يصح التوصيف بها أو الكلام عنها على نحو مطلق من غير دليل، وكذا لا يجوز إعتبار لفظ - عهدي - منه تعالى ذو دلالة مطلقة بحيث يشمل كل عهد، حتى في قوله هذا: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ..) - طه 115، فالعهد ليس مطلقاً ومعناه هنا لا يشمل كل عهد، وهكذا قال في قصة يونس: - [سبحانك إني كنت من الظالمين] - الأنبياء 87، ولا يُقال عن الظلم هنا إنه محمول على ترك الأولى، بل يُقال عنه إنه متعلق بما يقوم به الإنسان تجاه نفسه (ظلم النفس)، كما جاء في قول آدم: - [ربنا ظلمنا أنفسنا] - الأعراف 23، وفعل آدم ويونس في الحقيقة لا يدخل في باب العهد الذي نحن بصدده، ولهذا لا يستوجب المخالفة والعصيان، وإنما جاء التوصيف من باب العتب أو لنقل من باب تعظيم الشأن .

 ....

ولكن هل العصمة واجبة للإمام أم العدالة ؟ وقبل بيان مفهوم العصمة، نقول: إن الله أستعرض في الكتاب المجيد الشروط الموضوعية الواجب تحققها في الإمام أو الحاكم، ولم  يذكر العصمة ولم يركز عليها بقدر تركيزه على المفاهيم الإعتبارية الأخرى من العلم والقوة والكفاءة، كما في قصة الملك طالوت والنبي داوود، فهو حين جعل طالوت ملكاً على داوود لم يقل إنه أو لأنه معصوماً، بل شدد على مقومات القيادة مع الحفاظ على النسبية في الأشياء التي تؤهل الفرد ليكون قائداً، مع العلم إن الله قد جعل طالوت ملكاً وجعل داوود جندياً في جيشه، قال تعالى: - [.... إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ..] - البقرة 247، يعني جعله حاكماً عليهم بوجود النبي داوود، وهذه تحتاج إلى تأمل، لأن الله لا يركز في القائد إلاَّ على الصفات التي تحقق للناس العدالة والتساوي وتطبيق القانون، فالحاكم المطلوب من قبل الله هو الحاكم العادل الذي يلزمه علم وقوة ولا تلزمه العصمة، أي إن اللازم توفره في الحاكم هو القدرة على تنفيذ القانون وإجرائه بشكل عادل، وتوفير الأمن والإستقرار للمجتمع وحمايته من التعديات الخارجية .

وحين نقول هذا فإنما نعني الجانب القيمي وفيما يحقق السعادة للمجتمع، وكذلك نقول: - ولا يشترط في الإمام أن يكون معصوماً -، ولكن ماهي العصمة ؟:

- عُرفت العصمة بأنها الحماية أو الوقاية، وأصلها من الفعل الثلاثي عصم، وبقولنا حماية فهذا يعني بان الفعل ذاتي، وقد تقع أثاره في الخارج، فهي حماية ذاتية تمنع صاحبها من الوقوع في الخطأ، وهذه الفكرة تنقسم بحسب موضوعها إلى نوعين:

1 - عصمة تكوينية: ومعناها إن يكون الفرد معصوماً في النشأة والتكوين، أي إنه لا يرتكب الخطأ ولا يفعله تكويناً، وهذا المعنى يجعل من المعصوم غير مكلفاً وهو أقرب إلى النبات والجماد منه إلى الإنسان .

2 - عصمة تشريعية: ومعناها إن يكون الفرد قد راقب نفسه ومنعها من الوقوع في الخطأ أو إرتكاب الخطأ، وهذه المراقبة هي فعل أو قدرة على المقاومة يكون الإنسان فيها مكلفاً ومختاراً، أي إنه من ينتخب ماهو صالح وصحيح له، ويتجنب كل ماهو ضار وقبيح، وهذا الفعل ينطلق من الفرد قبل التشريع، ويأتي التشريع كتعزيز وتثبيت لذلك عبر الأوامر والنواهي، وإلى ذلك أشار النص بقوله: - (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) - العنكبوت 69، ويُفهم من هذا إن التشريع يُثبت ويعزز ويدفع بهذا التوجه، لدى من يجد في نفسه العزيمة والإصرار والرغبة، وهذه الحالة تكون سابقة للنبوة ومنها وعليها يتم الإصطفاء .

وهذا المعنى مطلوب على نحو الإستحباب في الإمام أو الحاكم، لأن من يكون كذلك تكون العدالة لديه تحصيل حاصل، ولكن هذا الشرط ليس لازماً إنما هو شرط إقتضاء، ففيه تتحقق المصلحة والغاية من الحكم العادل والحكومة العادلة، ولذلك تكون العدالة هي الشرط الموضوعي الأكثر إنسجاماً مع الطبيعة البشرية في الحكم .

و أما القول: بأن العصمة هي ملكة نورية قدسية، كما يذهب إلى ذلك مُدعي العرفان والتصوف، فهو قول مجرد بل محض خيال ووهم، لأن العصمة في هذا المعنى تجرد الشخص المعصوم من إنسانيته وتذهب به إلى جهة الملائكة، وهذا ما لا يقره الحق ولا يسمح به، فالذين: - [..لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ..] - التحريم 6، هذا الوصف لا ينسجم ولا ينطبق على الإنسان وماهيته وجوهره، الذي يتميز به من عقل وقوة إدراك وتخيل وإختيار وإنتخاب للفعل والقرار .

ونعول للقول: - إن الإمامة ليست رئاسة عامة -، بمعنى إنها ليست تفويضاً من قبل الله، بل هي تفويضا من الشعب لمن يرتضونه إماماً عليهم، وليست التقوى شرطاً في صحة الإمامة، ذلك لأن التقوى في الغالب شيء أو ملكة ذاتية أو نفسانية يحصل عليها المرء من كثرة العمل بالواجبات والإحتياط عن كل الشبهات، وهي شرط مفاضلة عند الله لا يعلمها إلاَّ هو، ولايصح الوصف بها على نحو موضوعي خارجي، والدخول في جدلية التقوى لا يقودنا إلاَّ إلى الدور الباطل بين التقي والأتقى، كما هو الحال بين المفضول والأفضل، وكلها صفات لا يمكن التحقق منها على وجه الدقة في الخارج .

نعم في الإمامة يجب التركيز على إنسانية الإمام، وما يحقق لنا شرط محاسبته إن أخطأ والنظر والتدقيق فيما يقوم به ويحكم، هذا بلحاظ كون فعل الإمام مرتبطاً بحياة الناس وحاجاتهم، ولا يصح الحكم عليهم من غير تشاور معهم، فالشورى شرط لازم في صحة الإمامة، والشورى: - هي إستنطاق عقول الأخرين فيما ينفعهم وفيما يضرهم -، قال تعالى: - [وشاورهم في الأمر] – آل عمران 159، وقال تعالى:

- [...وأمرهم شورى بينهم] - الشورى 38 ..

وللحديث بقية

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

7 جمادي الثاني 1440

 

 

ميثم الجنابيلقد كفّ التصوف عن أن يكون مجموعة عناصر متناثرة في منظومة الغزالي الفكرية. لقد اندمج اندماجا عضويا في الكلّ الفكري الجديد. وليس الانفصال المّوحد في مفهوم تناغم أو وحدة التصوف والسنّة، سوى الاستمرار الجديد للاهوت الغزالي السالف، أو النفي الصوفي لهذا الاستمرار. فالغزالي يسير بنفس تقاليد المتصوفة في آرائها حول وحدة الحقيقة والشريعة، أي من خلال نفي صيغتها التقليدية على اساس الوعي والممارسة الصوفية. فعندما يناقش على سبيل المثال مفهوم التوكل، فانه يحاول أن يربط في كلّ واحد صياغته الدينية العادية فيما يسمى بضرورة الاعتماد على الله وبين مضمونه الروحي الفكري (الصوفي الفلسفي) في رؤية العلاقات السببية المنفية في إدراك قدرة الله الشاملة والمتجسدة في شروط الوجود نفسها، التي بوجد فيها الإنسان ويفعل. فمن جهة يعتبر ملاحظة الأسباب والاعتماد عليها شرك في التوحيد،غير أن نفي هذه الأسباب كلياِ هو طعن في الشرع، بينما الاعتماد على الأسباب من دون رؤية الأسباب تغيير في العقل وانغماس في غمرة الجهل[1]. من هنا المهمة المعقدة، التي حاول حلها في ربط ما دعاه "بمقتضى التوحيد"، أي الفكرة الصوفية الفلسفية المجردة للتوحيد و"مقتضى النقل والعقل"[2]. وقد استمر الغزالي في محاولته حل نفس معضلات الفكر الإسلامي بمختلف اتجاهاته التي واجهها في مرحلة ما قبل التصوف. ولم يجد حلولها النهائية (الحقيقية) إلا فيما سيدعوه بوحدة العلم والعمل الجديدة (الصوفية) أو  وحدة علم المعاملة والمكاشفة.

فحالما يتكلم عن تصنيفه الجديد (إحياء علوم الدين)، فإنه يشير إلى أن ما يصوغه في هذا التصنيف يبرز كالضرورة[3]. وليست هذه الضرورة في الواقع سوى نتاج الهيكلية الذهنية الجديدة في تناول القضايا من حيث مادتها التاريخية وتطور الافكار ومن حيث غايتها الاخلاقية. وقد دعا كل هذه الأشياء بوحدة علم المعاملة والمكاشفة. وبما ان علم المكاشفة مما لا يجوز الافصاح عنه، فان وسيلة بلوغ حقائقه ينبغي ان يقدمها علم المعاملة. وبهذا المعنى ضمّن الغزالي تقليدية المفاهيم والتصورات مضموناً جديداً. كما اعطى هذا بدوره لربط الشريعة بالحقيقة مضموناً جديداً. لقد اعاقه ذلك جزئياً دون ان يعيق الإبداع الدائم للكلمة الحرة. فالصياغة التقليدية وسيوف الهلع اللاهوتي، كان لابد وان يعترضا ابداع و"تهور" الكلمة الحرة. إلا أن مضمون هذه الكلمة شق لنفسه الطريق دوماً بغض النظر عن الكدمات والعوائق المتعمدة التي رى وضعها أمامه. وقد كانت هذه بدورها جزء من واقعية التاريخ وحقيقة التطور. إذ ليس هناك من مرحلة تاريخية لم تبدع قيودها الخاصة التي بدونها تصبح حركة التطور وصراعها أمرا مستحيل الوجود. آنذاك سيكون من الممكن اعادة النظر في مفهوم وحدة السنّة والتصوف في آراء الغزالي من وجهة النظر هذه ايضاً. والغزالي نفسه يشير إلى ذلك بصورة غير مباشرة، مما يجعل من الضروري الحذر في التعامل مع مفرداته اللغوية وعباراته عندما اكد على أن الباعث الثاني لكتابة مؤلفه (إحياء علوم الدين) بالصيغة التي هو عليها، مستند الى مبدأ "المتزيّ بزيّ كمحبوب محبوبي". لهذا لم "يبعد ان يكون تصوير الكتاب بصورة الفقه تلطفاً في استدراج القلوب"[4]، أي انه تتبع نفس اسلوب ما اسماه بتطلف من رام استمالة قلوب الرؤساء إلى الطب فوصفه على هيئة تقويم النجوم موضوعاً في  الجداول والرقوم، ولا ينبغي فهم صياغته اللغوية كصياغة شكلية خالصة. ففي التصوير الغزالي وحدة  شكلية ضرورية تستمد مقوماتها من تقاليد الشريعة والحقيقة الصوفية، من وحدة المعاملة والمكاشفة بوصفهما درجات في الفكر والممارسة، وباعتبارهما اوجهاً لحقيقة واحدة. إلا أن ما يهمنا الآن هو الاشارة  إلى كونها تبرز كأسلوب الاقناع التاريخي. وبهذا المعنى، فهو يشكل قناعة نسبية ضرورية في وعيه نفسه، أي أنها نفس الاستمرارية القديمة للفكرة الغزالية في الوقف من علم الكلام، الذي يصوغ المواقف التدريجية الجديدة منه في (الرسالة القدسية في قواعد العقائد). إنها إمكانية إدراك الحقائق مع تطور  المعرفة والوعي، تماما كما تتعدد تصورات وجوانب  تعمق وعي الإنسان لكل الكلمات والظواهر التي سمعها وشاهدها في الطفولة. اذ لا اضافة جديدة لكلمة الحق عندما يسمعها الإنسان للمرة الأولى. إلا أنها تحمل مع تطوره عالم غير متناه. والغزالي في سعيه استدراج القلوب سار في طريق استلهام ثقافة الاستدراج التي طورتها حضارة الخلافة في صيغ وتجليات غاية في التباين. وبدورها لم تعن سوى الأساليب التي طورتها حذاقة الوعي التجريدي المتمرس في معمعان الحياة الاجتماعية وقضاياها. فالغزالي نفسه يقدم أمثلة عديدة عن تلك "الحيل" التي استعملها حتى اشد الشخصيات ورعاً من اجل تجنب اضطهاد السلطة. وإذا كان ذلك ممكناً في ميدان الحياة الاجتماعية السياسية، فإنه ممكن ايضاً في ميدان الفكر. رغم خصوصيتها والتي يجري فيها تطوير "الحيلة" بصيغة شحذ الذهن في الكشف عما تدعوه المتصوفة "بخفايا وأسرار العقيدة والشرع".

إن لهذه الظاهرة "قانونيتها" الخاصة في التصوف، والتي لا يمكن توقعها خارج اطار التيارات الفكرية الكبرى من مدارس اللاهوت والفلسفة والادب. فقد شكل التصوف النظري احد نماذج حصيلته المتطورة، الذي صاغ إلى جانب غيره من النماذج آلية قناعته "بأسراره" الخاصة. لكن الغزالي لا يغلق رتاج المعرفة "بالسر الصوفي". انه يكشف عنه باعتباره حقيقة السنّة. وهو لا يؤدي بذلك مهمة الربط الآلي فيما بين الاثنين، بقدر ما انه يكشف عن نسبية تجلي حقائق التصوف الكبرى وتصوراته الكونية عن عالم الملك والملكوت، السفلي والعلوي، الانسان والله في نسيج وحدة الحقيقة والشريعة، الظاهر والباطن، أي محاولة جعل التصوف الممثل الحقيقي للشرع. وقد انجز هذه المهمة لا من منطلق الكلام اللاهوتي ولا من منطلق التصوف الخالص، بل بوحدة تآلف اتجاهات العصر الفكرية التي عادة ما تؤدي في  آرائه إلى نتائج ومواقف اجتماعية عقلانية ذات نزعة أخلاقية شاملة. فعندما يتكلم، على سبيل المثال، عن أفضلية الجوع الصوفي، فانه ينطلق من أن المطلوب الأقصى في جميع الأمور هو الوسط. والتطرف في الأدب هو من اجل صنع الاعتدال. وبالتالي فانه ينبغي النظر إلى مدح الشرع للمضاد والمقابل لما يبدو متطرفاً كالبذل مقابل التقتير والكف مقابل الاسراف بوصفه وسيلة بلوغ الاعتدال[5].

بصيغة اخرى، ان "ربط التصوف بالسنّة" هو شكل من أشكال تجلي التآلف الجديد، الذي عكس في آن واحد استمرار الفكر القديم وخصوصية التصوف الجديد. إذ لا يعني انتقال الغزالي إلى مواقع "علماء الآخرة" وانتقاده الشامل لممارسته السابقة (الكلامية الجدلية، والفقهية والاجتماعية السياسية والأخلاقية) تخليه الكامل عن تراثه السابق. على العكس! إانهما لم يعنيا سوى اعادة نظر جوهرية فيه على اساس وأرضية ربط الفكر بالأخلاق. فما "اهمله" في تجربته السابقه هو المظهر الخارجي، أي موقعه ومواقفه في المنظومة الاجتماعية السياسية والفكرية القائمة آنذاك. إذ لا تشكل وحدة علم المعاملة والمكاشفة سوى الاستمرار النوعي الجديد لتراثه الفكري السابق. وذلك لأن غاية المعاملة المكاشفة، وغاية المكاشفة معرفة الله، أي شمول كل مظاهر وتجليات الحياة والوجود.

لقد دمج تصوراته السابقة وأذاب حصيلة فكره في بوتقة الوعي الصوفي الاخلاقي. ويبرز ذلك بوضوح في اتجاه تعميمه لنتاج الفكر الصوفي استناداً إلى الأرضية العقلانية لثقافته السابقة. وأدى ذلك إلى إثارة الكثير من المعضلات حول ما يسمى بحقيقة الغزالي الصوفية وطبيعة تجربته الصوفية، أي ما إذا كان قد مارس وعيه الصوفي على اساس تجربته الفردية الخاصة ألا. ولعل أولى الانتقادات التقييمية الكبرى في تقاليد الفكر الصوفي في هذا المجال هي تلك التي وضعها ابن عربي. فقد تطرق لها من وجهة نظر الموقف من علاقة اللاهوتي والصوفي في شخصية وتجربة الغزالي، ومن حيث استمرار فكره السابق ومستوى ذوبانه في الممارسة الصوفية. ولعل التقييم الذي قدمّه ابن عربي بهذا الصدد يكشف بعمق عن النوعية الجديدة أيضاً التي أدخلها الغزالي في صرح التصوف النظري. فالفرق بين "علماء النظر" كالفقيه والمتكلم كما يقول ابن عربي، "اذا دخلوا طريق الله (وهو يقصد بذلك الغزالي) وبين الأمي"، الذي لم يتقدم علمه اللدني علم ظاهر فكري يقوم في صعوبة إدراك "الحقائق الإلهية" بالنسبة للأول (علماء النظر). وبما انه لا فاعل إلا الله، كما يكتب ابن عربي، فإن هذا الفقيه أو المتكلم حالما يدخل "الحضرة الربوبية" فإنه يأخذ بميزانه (الفقهي أو الكلامي) ليزن على الله وما عرف إن الله ما اعطاه هذه الموازين إلا ليزن لله لا على الله. آنذاك يحرم الأدب ويعاقب بالجهل بالعلم اللدني. إلا أن من كان وافر العقل كما يقول ابن عربي، فإنه يمكن أن يعلم من اين اصيب. وفي هذه الحالة عادة ما يسلك طريق من بين طرق، وأسلوب من بين أساليب. فمنهم من دخل"طريق الله" وترك ميزانه على الباب حتى إذا خرج أخذه ليزن به لله ولكن قلبه متعلق بما تركه، وأحسن من هذا حالا من كسر ميزانه، فإن كان خشباً أحرقه، وإن كان مما يذوب أذابه وبرّده حتى يزول كونه ميزاناً وان بقي عين جوهره. فلا يبالي وهذا عزيز جداً، وما سمعنا إن احداً فعله. فإن فرضنا، وليس بمحال إن الله قوّى بعض عباده حتى فعل مثل هذا، كما ذكر ابو حامد الغزالي عن نفسه، فإن الأمر يختلف مقارنة بالاميّ[6]. والتعليق اللاحق الذي يقدمه ابن عربي، يشير إلى مثال الغزالي في دخول "طريق الله"، أي أنها حالة "من لم يكن على شريعة فأراد أن يعرف ما ثم فسأل فدل على طريق القوم، فدخل ليعرف الحق بتعريف الله"[7].

وفيما لو استعملنا تعبير ابن عربي، فان الغزالي يكون قد كسر ميزان أحكامه الفقهية والكلامية وأذاب حصيلة معرفته في طريقه الجديد. ولكنه مع ذلك، بقي عين جوهره. وبهذا المعنى بقيت حصيلة المعارف المنفية والمجردة بوصفها الحالة التي "ما سمع أحد فعلها" إلا ما ذكره الغزالي عن نفسه. ولاي مكن فهم حقيقة هذه الصياغة الرمزية في تاريخيتها إلا بالصيغة التي توحي بخصوصيته في عالم الصوفية  تقاليدها المبنية على أساس استمرار الفكر وحصيلة التآلف النظري. وليس بما اعطت للبعض باعث وحجة نفي "تجربة الغزالي الصوفية". فهو استنتاج سطحي بفعل عدم رؤيته اضمحلال وانحلال "التجربة الصوفية" في مقارناته التعميمية. فقد دخل الغزالي "طريق الله" أو عالم الصوفية بعد تجربة فكرية نظرية وعملية اخلاقية متعددة المناهل والمستويات. ومهما حاول هو في وقت لاحق تكسير اطرها الأولية، فإن صورها ظلت تعبث في مخيلته كمصدر جوهري في رؤية العالم وظواهره. وهو لم ينكر  ذلك في يوم من الأيام. على العكس. انه وجد في ذلك أحد السبل الضرورية لعالم الصوفية الاكثر تطوراً. فحالما حاول التنظير لمفهوم العلم اللدني، فإن الحصيلة المعرفية المتعددة المناهل تظل ضرورية من اجل قوة هذا العلم. وهو ما نعثر عليه في البدايات الصوفية الأولى المباشرة وغير المباشرة للغزالي، أي في سعيه للتعميم الذي عادة ما كانت ترفضه المتصوفة الأوائل، ليس لرفضها التعميم، بل من منطلق اولوية التجربة الفردية الذاتيه. أما أحكام الغزالي فقد انصّبت في اطار وحدة المضمون الصوفي والتقاليد العقلانية الكلامية والعمق الفلسفي التحليلي. فعندما يتكلم، على سبيل المثال، حول اصناف التصورات الصوفيه عن الوسواس والذكر فانه يستعرض خمس فرق ليستنتج في نهاية المطاف، بأن كل مذاهبها صحيحة ولكنها كلها في الوقت نفسه قاصرة عن الاحاطة بأصناف الوسواس، بفعل كون كل واحد منهم نظر إلى صنف واحد من الوسواس فاخبر عنه[8]. بصيغة أخرى، انه يقف إلى جانب التجربة الصوفية الفردية في دقة حكمها باعتبارها تجربة المعرفة النسبية، ولكنه يكشف في الوقت نفسه عن افتقادها للتعميم. وقد أدى ذلك به دوماً إلى ابراز فعالية العقل والعقلانية في تجربته الصوفية. وهو بدوره نتاج استمرار التقاليد الفكرية السابقة، التي اتخذت مهمة الربط الدائم بين علوم المعاملة والمكاشفة، أي الارتقاء من ممارستها الصوفية إلى تنظيرها الصوفي. ولم يكن ذلك بمعزل عن الاتجاه الاجتماعي السياسي في آرائه، ومحاولة صنع تآلف فكري عقائدي جديد، والسعي لتوحيد استنتاجات الاتجاهات الفكرية الكبرى، ولوضع حد لبلبلة الصراعات المذهبية آنذاك. فأساليب علم الكلام والفكر المنطقي الفلسفي، هي التي جعلت من الممكن، بل ودفعته لحل الآراء المتعلقة "بالتناقض" بين التصوف والشريعة (السنّة)، أي أن محاولته البحث في ميدان علم المعاملة، كان لابد وأن يضعه أمام مهمة كشف العلاقات الداخلية بين المعاملة والمكاشفة في اطار منظومة فكرية متجانسة. لهذا السبب اكد على ما دعاه بتلازم المعاملة والمكاشفة الشبيه بتلازم "النوع والأصل". فلا يستغني أحدهما عن الآخر، وإن كان أحدهما في رتبة الأصل والآخر في رتبة التابع. وعلوم المعاملة "إذا لم تكن باعثة على العمل فعدمها خير من وجودها، فإن هي لم تعمل عملها الذي تراد له قامت مؤيدة للحجة على صاحبها"[9]. ولم تكن هذه الفكرة معزولة عن أسلوب التفكير الكلامي والمنطقي الفلسفي نفسه. فهو لم يرفض كلياً انتاج العلم الكلامي وآراء الفلاسفة، ولا حتى أسلوب تأويل الباطنية واستنتاجاتها الفكرية العديدة. إان التآلف الفكري الجديد المستند من حيث عناصره الجوهرية إلى تراث مختلف التيارات الفكرية السابقة والمعاصرة له، والمبني على أساس رفض التقليد، والمتسم بروح الإصلاحية الأخلاقية ومبادئ الإسلام الأولية المهذبة بروح الأخلاق الصوفية، هو تآلف ديناميكي المضمون محافظ الشكل. وبهذا المعنى، فإنه فسح المجال أمام تثوير  التصوف والفلسفة والكلام. إنه وضع وصاغ  الآراء والحلول النظرية للقضايا والمعضلات الفكرية الكبرى في وحدة جديدة. ولهذا فإن تثويره اللاحق كان ممكناً من خلال تثوير المنظومة الغزالية ذاتها أما بطريق "التثوير اللاهوتي"، أو الصوفي أو الفلسفي. وسوف تنجز الكثير من اتجاهات اللاهوت والتصوف والفلسفة هذه المهمة إلا أنها ستقف عند الحدود، التي وقفت عندها ديناميكية العلاقات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية.

إن التآلف الغزالي شكّل درجة نوعية في تطور وتطوير ثقافة الخلافة دون أن يكتمل نهائياً من حيث الشكل والأسلوب ولحد ما المنهج. وهو ما يفسرّ استمراره الدائم بصيغة الخميرة الفعالة في التراث الفكري الروحي والاجتماعي السياسي اللاحق والمعاصر. غير انه لم يترك تآلفه هلاميّ الشكل، بل حاول تأطيره منذ (إحياء علوم الدين) كمشروع أولي كبير. حيث ظهر للمرة الأولى بخطوطه الكبرى كمنظومة متكاملة لها تجانسها الخاص، تتطرق إلى وجود الإنسان في منظومة العلاقات الاجتماعية والسياسية، في الكون، وموقفه من النفس والوجود بكافة مستوياته. بصيغة أخرى، لقد وضع وحاول حل "برنامج" وجود ومعنى الإنسان في الكون والحياة. وما تناوله وصاغه كمادة للتفكير في الجزء الاخير من (إحياء علوم الدين)[10] ومادة لسلوك "الطريق" ما هو في الواقع، سوى القضايا التي ناقشها على صفحات كل "موسوعة الوجود الاخلاقي" (إحياء علوم الدين). وبذلك يكون تآلفه قد وضعه أمام مهمة الشمولية "المبرمجة" وأهدفها الاجتماعية الأخلاقية كبديل شامل لنظام الوجود المعاصر له. ذلك يعني انه صاغ البديل الهادف. وبهذا المعنى يكون الغزالي قد زاول ومارس العملية الذهنية التي لم تطرح بصيغتها الجلية إلا في القرن التاسع عشر ـ العشرين [11]. ومع ذلك لم يكن النزوع الهادف لمنظومته الفكرية مستقلة عن تراث الثقافة الإسلامية. وليس اعتباطاً أن يربط آرائه الاجتماعية السياسية بشخصية النبي محمد، بل وإفراده فصلا خاصاً له [12]. بحيث حوله فيها إلى ممثل المبادئ الأخلاقية المطلقة ومجسدها الحياتي. بصيغة أخرى، لقد امتلك هذا الرجوع الدائم للشخصية المحمدية أساسه التاريخي الواقعي والفكري العقائدي والأخلاقي المجرد. فالغزالي سلك نفس العملية الضرورية لبلورة المنظومة الجديدة في اطار التقاليد الفكرية الإسلامية، بوصفه الممثل الحقيقي "لأهل السنّة والجماعة" بالمعنى المحمدي، أي اتباع النبي محمد كما هو. بحيث حوّله إلى كيان فاعل ومطلق في منظومته الفكرية الخاصة. ومن ثم وسيلة وغاية المثال الاجتماعي الأخلاقي. لقد جعل من الشخصية المحمدية القوة المؤنسة لبرنامج الأخلاق المطلقة، التي طور الغزالي اتجاهها العملي من خلال التصوف.

وبغض النظر عن عدم تقبل الفقهاء والاتجاهات السنية العديدة الأخرى له ولأفكاره هذه، إلا انه لم يثر مع ذلك موقفها الفزع من التصوف باعتباره ممثل القيم الأخلاقية التي تتطابق مع التجريد البعيد المدى لمثال الشخصية المحمدية. لهذا استعمل كل تراث البنيان الإسلامي بالكل الذي جعل منه وحدة اجابية فاعلة في ميدان  الصراع الاجتماعي. فالغزالي يرفض السلوك السلبي والخامل. ووقف دوما إلى جانب النشاط الاجتماعي الفعال. ففي ميدان الحقوق يبرز احياناً كممثل لضبط النظام بما في ذلك في أقسى اشكاله حالما يكون ذلك لمصلحة العامة والأغلبية. انه حاول تطبيق فكرة "ولكم في القصاص حياة". ولم تكن هذه الأحكام والآراء في منظومته عرضية الطابع أو ثانوية الأهمية. إن أهميتها التاريخية تظهر بالذات بوصفها الفكرة المؤثرة في بلورة وعي وممارسة العامة والخاصة (الجمهور والنخبة). وبربطه هذين الجانبين يكون قد اختار طريقاً لم يسلكه أحد قبله. ولا ينبغي فهم هذه الصياغة كما لو أنها  ازدواجية للحلول والآراء والمواقف، بقدر ما انها كانت تعبر عن رؤية مستويات متباينة للظاهرة. حيث كانت تتطابق في منظومته الفكرية مع قضية المطلق والعابر، والكلي والجزئي، والحق والضرورة. الأمر الذي جعل من آرائه حتى في اشد حالاتها الصوفية المجردة ذات مضامين اجتماعية سياسية واضحة. إذ أنها وضعت على الدوام مهمة التعامل الملموس مع الفكرة ورؤية المطلق في العابر.

وحدد ذلك بدوره التطبيق الصارم لمبادئ العقلانية الاخلاقية. فقد وقف الغزالي، على سبيل المثال، بقوة ضد فكرة المجاهدة الصوفية المتطرفة، مبرهناً على ضرورة الشهوة والوقاع، مستنداً بذلك الى تحليل الظاهرة البيولوجية الاجتماعية ليثبت على اساسها ويولف فكرة المثال الصوفي الباطني للأخلاق ووجود الإنسان الاجتماعي التاريخي. فالمهمة التي حاول حلها لا تقوم في اخضاع العالم الواقعي لعالم المثال الصوفي، ولا الصوفي للواقعي، بل في استلهام مثل الأخلاق الصوفية كقيم مجردة مثل دوران الحق بالحق للحق. فعندما يناقش، على سبيل المثال، أفكار الحكايات والنوادر الصوفية فأنه يتطرق اليها ليس كمثال يستلزم المحاكاة، بل  لكونها كرامات. ولا يمكن بالتالي بلوغها عن طريق التعلم، لأنها مجرد رمز (سرّ). فمن أراد أن يسخّر كلب بيته كما يقول الغزالي، فمن الاجدى به أن يسخّر كلب أعماقه (الغضب). ومن أراد تسخير الأسود يلزمه اولا تسخير أسده (السيطرة). فإذا لم "يسّخر المرء كلبه الباطن، فلا مطمع له في استسخار الكلب الظاهر"[13].

قد سعى الغزالي من وراء ذلك إلى رفع ايجابية الممارسة الاجتماعية الدينية والأخلاقية. فهي الوسيلة التي ينبغي أن تجعل من أخلاقية الصوفية المثال الإيجابي الفعال. إنه سعي إلى ربط جوهر الأخلاق الصوفية ومثالها المطلق بظاهرية الممارسة الجماهيرية. وبهذا المعنى، فانه رفض الفردية المتطرفة في الفكر الصوفي والطابع السلبي في ممارسته الاجتماعية. فعندما يتكلم عن "اسقاط الجاه" باعتباره احد أساليب الارتقاء الروحي الأخلاقي، فإنه يقدمه على مادة ومثال العلم والحرية، لا مثال الملامتية. رغم أن ممارسة الأخيرة تتضمن مبادئ وقضايا العلم والحرية باعتبارهما عناصر الارتقاء الأخلاقي الصارم. إلا أنهما يولدان شعور الارتداد عند الجمهور، الذي يوهن الموقف الديني الايجابي. انه يكلّف الأخلاق الميتافيزيقية المتسامية إرهاق لا ضرورة فيه[14]. وبالتالي، يفسح الغزالي المجال لشرب عصير التمر في قدح الخمر دون الاعلان عنه. ان هذه "الدعوة الخفية" تظل في اطار السعي نحو إدراك حقيقة السرّ الصوفي الأخلاقي من أجل أن يكون ذلك حافزا للتطور الأخلاقي والرصيد الروحي.

لقد أدرك الغزالي ما في أعماق الأخلاق الصوفية من قوة هائلة على استثارة اليقين الروحي، الذي بدونه لا يمكن للوجود الإنساني امتلاك قيمته الفعلية. فهو لم يتطرق في هذا المجال إلى وعي الضرورة التاريخية. إن آراءه تسير في خطى الصوفية عبر إهمال الزمن الساري والاستعاضة عنه بالزمن الروحي، بوصفه قيمة روحية مطلقة. وبالتالي لا أمس ولا غد بل اليوم، أي اليوم الروحي الذي لا يتجاهل الصوفي معه وفي مجراه فكرة الوجود الدائم. فآراء كهذه تتناقض مع نظرته إلى الكون وعلاقته به بما في ذلك تصوراته عن الله الإسلامي. غير أن الصوفي بفعل انهماكه في عملية النفي الدائم تجعله في اعين معاصريه مثالاً للزندقة، تماماً كما يتعامل هو في اعماقه مع جمهور "الغافلين" من العلماء والسفهاء. إلا انه لا ينظر بعين الازدراء إلا تجاه نفسه. وبهذا المعنى، فانه يظل يدور في دوامة "التسامي الأخلاقي المبرح". والغزالي لا يرفض هذا الجوهر الأخلاقي الروحي، أو هذا التسامي "الشعث". انه يدرك استحالته الطابع الوظيفي في الاطار الاجتماعي التاريخي المعاصر له. مما حدد  بدوره أسلوبه في التعامل مع فكرة الصوفيه الجوهرية في الأخلاق: النفي الشامل لبلوغ الوحدة على أساس ومبدأ الوسط الفلسفي المجرد. انه أدرك تعقيد هذه العملية سواء من حيث فاعليتها التربوية او قدرتها على التغيير، الا ان ممارستها في حدود العقلانية تفسح المجال لتطوير الروح الاجتماعي الأخلاقي وهذا بدوره يعني ضرورة التوجه نحو النظر في العلة المعالجة حسب مبدأ "إن كنت تحب المال فأبذل. وإن أصبحت محب البذل فامسك". وهذه بدورها أيضا ليست إلا ممارسة الوسط العقلاني الذي يمكن بلوغ ذروته في حالة تحول البذل والإمساك إلى فعل واحد ظاهري وعرضي كتعامل المرء مع الماء. أما في الواقع فليس الوسط الحقيقي سوى انعدام الوسط، بمعنى التطابق التام مع الفكرة المثال أولا وقبل كل شيئ وليس ضرورة إدراكها كما هي. فالوعي هو مثير المعضلات ومبدع القضايا، بينما الوسط الحقيقي لا يستلزم رد فعل ظاهري باطني. فهو قائم بذاته. وهي الصيغة التي ابدعت المتصوفة رمزيتها عبر رفعها إلى مصاف المعضلة في ردّ النبي محمد على سؤال في المنام لأحدهم عن سبب قوله "شيبتني هود" بعبارة "فاستقم كما أمرت". فهي الاستقامة التي حاول الغزالي مطابقتها مع الوسط المجرد أو الوسط المنفي في معاملات الأخلاق المطلقة. فهو المثال الذي يستلزم كحد أدنى الاجتهاد بالاقتراب منه في حالة ضعف القدرة على بلوغ حقيقة الاستقامة[15]. أما مشروع الغزالي فقد انصب في تيار الإبداع الساعي لتحويل المتصوف العارف الى قطب الوجود الحق ومثوّر الروح الأخلاقي الدائم.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص243.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4 ص243.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص3.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص4.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج13، ص96.

[6] ابن عربي: شرح كلمات الصوفية (جمع وترتيب محمود الغراب)، ص260-261.

[7] ابن عربي: شرح كلمات الصوفية (جمع وترتيب محمود الغراب)، ص261.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص44.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص9.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص 423-448.

[11] إن لهذه القضية إشكالاتها الخاصة. ومن العبث البحث عن تطابق كلي فيما بين منظومة الغزالي بوصفها مشروعا فكريا شاملا ومثيلاته في العالم المعاصر. وقد بلور الغزالي إحدى صيغ البديل الذهني للوجود الاجتماعي التاريخي. وأبدع ذلك في آن واحد فعالية الآراء الغزالية ومشروع تنفيذها العملي، وفي الوقت نفسه فسح المجال أمام بعض عناصرها للتحول إلى قيود الوعي الطوباوي. ومع ذلك يبقى لمشروعه الفكري الروحي خصوصيته التي سأتناولها في مجرى دراسة آرائه الاجتماعية والسياسية.    

[12] الغالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص357-387.

[13] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص280.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص288.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص64.

 

قال تعالى: - [وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا] - النساء 3 .

نستهل البحث في موضوعة (ملك اليمين) ومشروعيتها، من خلال هذا النص ولكن وقبل الدخول في موضوعة البحث، لا بد من طرد تلك الإشكالية والتي يتوهم بها البعض والقائلة تقول: [إن التعدد في النكاح يرتبط بقضية - القسط في اليتامى -]، ولكن ماذا نعني بالقسط؟، القسط في لغة العرب هو النصيب من الحصص، ومنه جاء معنى الأقساط أي الدفع على التوالي، والقسط ليس بمعنى العدل، فالعدل من الإعتدال قال تعالى: - [الذي خلقك فسواك فعدلك] - الإنفطار 7، إذن القسط شيء والعدل شيء أخر، والدمج بينهما في المعنى ضار بعملية الفهم والتقويم .

 وأما اليتيم في لغة العرب (هو من مات والده وهو صغيرا)، ولا يُقال لمن ماتت والدته يتيماً، ومفهوم اليتم ينتفي موضوعياً عند البلوغ والتمكن، ولكن من أين أتى هذا التوهم في ذهن الكثيرين ؟، ونقول إنه:

1 - القول بأسباب النزول أو سبب النزول وإعتماده، فعند البعض إن آيات الكتاب ونصوصه إنما نزلت بسبب ما، وهذا التوهم والظن الخاطئ أعتمد في الأصل على حكايات وقصص لا أصل لها ولا دليل، كما هي عامة الأخبار التي تعتمد على الجعل والوضع اللاحق، وقد أفرد الواحدي النيسابوري كتاباً له في هذا الشأن .

2 - وربما يكون أصل التوهم هو القول (بالتحريف في بعض آيات الكتاب ونصوصه)، والتحريف في أصله ممكن في الكتاب المجيد، وقد بينا ذلك في بحث منفصل عند الكلام عن (جمع القرآن) الذي حدث في زمن الخليفة عثمان، ومعلوم إن الخليفة قد أمر بجمع وحرق كل المصاحف في الأمصار، وكانت حجته في ذلك ما طرأ عليها من اللحن بسبب كثرة من دخلوا في الإسلام من الأعاجم .

 والقائلين بوجود التحريف يذكرون على سبيل المثال لا الحصر بعض الموضوعات والمفردات، التي يقولون عنها إنها محرفة، سواء في الشكل أو الرسم أو الترتيب من التقديم والتأخير من غير دليل، مستشهدين في قوله تعالى (أقرأ بأسم ربك الذي خلق) فهذا النص هو أول ما نزل من المصحف، ولكننا نرى إن أول ما يبتدأ به من الكتاب المجيد سورة الحمد، وهذا النحو من الترتيب تحريف لأنه مخالفة صريحة لتسلسل النزول [وهنا يُطرح سؤال موضوعي، وكيف بنا التعرف على التسلسل الزمني لنزول الكتاب ؟ هذا الخلل أدى موضوعياً للخلط في الموضوعات وللتداخل]، والتحريف المذكور في كتب الرجال يأتي على نحو أحدى وعشرين نوعاً، ولا بأس من الإشارة إلى التناقض والتكرار، والإضطراب في وحدة الموضوع، والأمر بالشيء والنهي عنه، وهذه كلها لا علاقة لها بموضوعة الناسخ والمنسوخ، والتي قال بها البعض وأدخلها في الكتاب المجيد هرباً من مواجهة الحقيقة أو التصريح بالتحريف .

وعندنا: - إن الكتاب المجيد لا يحتمل النسخ ولا يجوز فيه ذلك ولا ينبغي، وما أعتمده الشافعي في هذا وسار على نحوه من تبعه فباطل بإستحقاق، وهذا الكلام عن أصل هذه الشبهة .

 3 - وهناك وهم الترادف في معاني الكتاب المجيد، الذي كان له كبير أثر في تغيير وتبديل قناعاتنا وفهمنا للنصوص ومعانيها، فأصبحنا لا نميز بين الأسماء والصفات والأفعال، فصار عندنا إن: (جاء بمعنى أتى، وذهب بمعنى مشى، والأسد بمعنى الليث، وهلمجرا) .

 هي إذن مغالطات في البنية التشكيلية للنص وبما التفكير كان ومازال ممنوعاً، وأما المسموح به فهو التقليد والخنوع والإتباع من غير تفكير، لذلك صنعت عندنا التابوات فصارت مقدسات لا يصح ولا يجوز المساس بها .

ونقول زيادة في التأكيد: - إن البعض من المفسرين قد شككوا في أصل هذا النص -، وعليه يكون عندهم الربط بين التعدد في النكاح واليتامى سالبة بإنتفاء الموضوع، ومع إن أصل البحث في قضية التحريف هي مسألة علمية وبحث مدرسي بحت، لكن الحاجة ألزمتنا في بيان النص وتوضيح دلالته، نعم إننا لسنا ملزمين بإلزام أنفسنا بتفسير لا نعتقد بصحته وموضوعيته وقربه من الحقيقة سوى إنه تبرير أستحساني .

 وفي موضوعات الكتاب المجيد نعتقد: إن للعقل دوراً ورأياً حاسماً، فثمة موضوعات يدور حولها نقاش كثير في الكتاب المجيد، يُقال إنها قد وردت أو أضيفت له من قبل الكتبة والنساخ، نرجوا أن يتسع العقل والصدر والمزاج لذلك فهذا مفيد في قضية التحرير والحرية المقصودة .

 وبعد هذا نقول: - أن لا ربط بين القسط في اليتامى، ومعنى أنكحوا ما طاب لكم من النساء -، ذلك إن تشريع النكاح والسماح به لا يتعلق بقضية القسط باليتامى لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون .

ثم إن هناك ثمة مخالفة مفاهيمية سائدة ويجري ممارستها من غير تحقيق ألاَّ وهي: (إنه وبسبب الترادف الممقوت أصبح النكاح أعني الإستمتاع لدى عامة المسلمين هو الزواج، وأسقطت عليه أحكامه وتبعاته)، فالمعلوم: - إن الزواج لاينعقد إلاَّ بميثاق غليظ، ولكن النكاح يتم بعقد -، لكن الغاية من النكاح هي غير الغاية من الزواج وكذلك الشروط فيهما، كذلك الطلاق في الزواج لا يصح إلاَّ إذا وقع خلل في شروط الميثاق وبنوده من أحد الطرفين، ولكن الطلاق في نكاح الإستمتاع فيكون مرتبطا بالأجل والمدة .

 ونعود لنقول: إن إقحام اليتامى في موضوعة النكاح لا معنى لها، ولا ربط سوى ذلك الخلل الذي نشأ بفعل ذلك التفريع، والظن الغالب عندي هو بسبب تلك الفوضى التي تدخل بها النساخ والكتبة في زمن الخليفة عثمان، وإلاَّ لا نجد ما يجعل من موضوعة اليتامى مرتبطة بموضوعة النكاح لا في صيغة الترغيب ولا في صيغة التدارك التي يلهث حولها بعض أهل التبرير والقناعة والرضى بما كان على ماكان .

ونصل إلى ما يريده الكتاب المجيد من معنى (ملك اليمين): تلك العبارة المثيرة للجدل والمثيرة للتحسس لدى البعض، والتي قيل فيها الكثير وظن بها كثير، نتيجة للتوظيف السيء والوضع في المحل والمعنى الذي ليس لها، من قبيل (التسري والإماء والرق والأستعباد) !!!، وقد تفنن البعض من فقهاء التراث في صياغة وإستحداث أحكام وتشريعات حول ذلك، ودائماً حجتهم تكون من الإعتماد على تلك الأخبار والروايات الموضوعة، والمؤسف إننا لم نجد عندهم ذلك التوسع وذلك التحقيق في الكتاب المجيد ولا في البحث فيه عن الدلالة والأهمية، وربما كانت للأحكام السلطانية الدور الحاسم في ترسيخ هذه القناعة المثيرة، والتي تحط من قدر وكرامة المرأة وشأنها .

وأما جملة - ما ملكت أيمانكم - فهي جملة خبرية ولفظ (ملكت) ليس بمعنى الإستملاك، ولا لفظ (ايمانكم) بمعنى اليد، ولا هي بمعنى القوة الدالة على ذلك، إنما هي جملة مركبة من - الملك والايمان -، والايمان هي كناية عن اليمين نرى ذلك في قوله تعالى: - [وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمن] – الواقعة 27، التي وردت من باب التقابل وللتمييز عن أصحاب الشمال، الواردة في صيغة: - [وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال] - الواقعة 41، ولا يعني لفظ اليمين (اليد اليمنى)، ولا لفظ الشمال يعني (اليد اليسرى)، بل هي مصطلحات جيء بها كناية عن جهتين متضادتين بين الإيمان وعدمه، ونفس الفكرة نقرأها في قوله تعالى: - [فأما من أُوتي كتابه بيمنه] - الحاقة 19، الواردة في دور التقابل، كما في القول التالي: - [وأما من أُوتي كتابه بشماله ..] - الحاقة 25، ولايدل هذا المعنى على ترجيح اليد اليمنى على اليد اليسرى، القضية لم تطرح هكذا إنما طرحت ككناية عن جهتين متقابلتين جهة اليمين وجهة الشمال للتعريف فقط، فعرف أهل الإيمان بأهل اليمين أو أصحاب اليمين، وعرف غير المؤمنين بأهل الشمال أو أصحاب الشمال .

 ونفس الشيء قاله في مسألة (ملك اليمين أو ما ملكت أيمانكم) هو كناية أو نسبة لما يملكه أهل الايمان، وفي هذا يكون كل مايقع في هذه الدائرة هو من ملك اليمين أو ما ملكت أيمانكم، والقيد المرموز له إنما جاء على نحو مطلق، وهو يشمل كل الفئة التي تتعرض لظلم يؤدي إلى الفقر والعوز والحاجة (الإقتصادية والإجتماعية)، وفي هذه الحالة قال: - قد تضطر بعض النساء المؤمنات للوقوع في الخطيئة والإستغلال من قبل بعض المغرضين والمجرمين -، مما يؤدي إلى إستغلال وإنتهاك لحرماتهن وكرامتهن، هنا وفي هذه النقطة بالذات ولكي لا يقع ذلك - أباح الكتاب المجيد وعلى نحو مشروط للمؤمنين من إحتضان هذه الفئة من النساء، وحمايتهن من التعدي ورفع هذا الظلم الواقع عليهن -، من خلال توفير لوازم العيش الكريم لهن من مسكن ومعاش، في هذه الحالة إذن جاء قوله تعالى: - [... أو ماملكت أيمانكم ..] - النساء 3، مشترطاً الجواز بتوفير الحماية والحصن للمرأة، كي لا تنزلق وتتوه في ركب الفساد والإنحراف (إذن هذا هو الشرط الموضوعي للإباحة) .

 أعني إن الهدف من الإباحة ليست الموضوعة الجنسية بل موضوعة الحماية والصيانه، وأما العلاقة الجنسية بين الذكر والأنثى فقائمة بالأساس على ثنائية - الرضا والقبول -، وفي قضية ملك اليمين تقع هذه عرضاً أو لنقل في سياق الإباحة وعلتها، ولكنها لم تكن هي الهدف المقصود، فالكتاب المجيد حذر ومنع إستغلال حالة العوز والحاجة للتجاوز على النواميس والكرامة والشريعة.

 ذلك لأن الأصل الأولي للإباحة هو حل المعضل الإقتصادي والإجتماعي والأخلاقي، وأما المتعة الجنسية (النكاح) فتكون عرضاً أو في سياق المعنى العام للحماية والحصانة .

 وحين يكون التركيز على الحماية والحصانة فذلك لأن الكتاب المجيد ركز على هذا، حين قال: - [ولقد كرمنا بني آدم] - الأسراء 70، فالكتاب يستهدف من الحماية كرامة الإنسان هذا الكائن الآدمي، ولا يجيز بحال إنتهاك هذه الكرامة أو السماح بذلك لا في الحروب ولا في غيرها، فالكتاب المجيد يمنع الرق والعبودية والتسري، ويعتبر الحرية شيئاً مقدساً وكرامة الإنسان كذلك محترمة ومُصانة، نعم في الحروب يقع الناس أسرى، ولذلك وضع القوانين والتشريعات والأنظمة الراعية والمحددة، قال تعالى: - [يا أيها النبي، قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أُخذ منكم ..] - الأنفال 70، وهنا أستخدم النص لفظ اليد ولم يستخدم لفظ الايمان، وهذا دليل على دقة ألفاظ الكتاب ودقة مُرادها، ولم يطرح النص فكرة الرق أو الإستعباد ولا غيرها من المصطلحات الخبرية، ولا نجد في الكتاب المجيد ولا دليلاً واحداً يدل على إستعباد الناس وسلب كرامتهم أو إرغامهم على فعل ما لا يرغبون به، ولم يدع الكتاب المجيد للمعاملة بالمثل فتلك عنده صفة مذمومة قال تعالى: - [ولا تزر وازرة وزر أخرى] - التحريم 10، ولهذا فما يُقال في التاريخ عن ظاهرة الإماء اللائي يقعن ضمن الغنائم الحربية ويوزعن على المقاتلة، فشيءٌ ممنوع ذلك لأنه يتعارض وصريح الكتاب المانع لهذا النوع من الممارسة، وحتى حينما يتحدث الكتاب المجيد عن مفهوم الرقيق في صيغة (تحرير رقبة)، هو لا يتحدث عنها بصفتها وبوصفها غنائم حربية وقعت بيد المنتصرين، بل بوصفها ظاهرة تاريخية كانت سائدة قبل عصر نبوة محمد، فهو إذن يحث ويشجع على تحرير الإنسان من سلطة الأستعباد، ولهذا ورد في المأثور وبصيغة الإستنكار المفهومي (متى أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) .

وهذا يعني إن هناك مرحلتين من التاريخ ما قبل عصر النبوة وما بعد عصر النبوة المحمدية، فما كان سائداً قبل ذلك العصر ورد التشجيع والحث والدفع عليه في الكتاب المجيد بتحرير تلك الرقاب التي أستعبدت .

وأما ما بعد عصر النبوة فلم يسمح النص ولم يجز بحال سلب كرامة الإنسان أو إجباره على فعل ضد طبيعتة وضد آدميته، وأما ما يُقال في التاريخ والروايات والأخبار عن الإماء وأمهات الأولاد فلا نقره ولا نعتقد بصحته، ومعلوم إن التاريخ والأخبار ليست بالمحل الذي يمكن الركون إليهما في تصويب أو تشريع القوانين والأحكام (مع ملاحظة إن جميع الحروب التي قام بها الخلفاء والسلاطين، كانت عبارة عن غزو منهي عنه) !! .

 ومن هنا نقول: - إن الدخول بالمرأة من غير رضاها لا يجوز شرعاً، ومن يفعله يكون قد أرتكب الأثم، ذلك إن العلاقة بين الذكر والأنثى لا تتم إلاَّ بالتراضي والقبول -، ولا تصح بالإستغلال أو بوضع اليد فهذا ممنوع شرعاً وعقلاً - ..

ونقول كذلك: - إن المسموح به من فعل (ملك اليمين) هو ما يقع مع النساء المؤمنات وليس مع الكافرات أو المشركات -، هذا بحسب ما يقوله الكتاب المجيد، إذ ورد ما يلي نصه قال تعالى: - [- وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ، بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ، فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ، وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ...] - النساء 25 .

أولاً: المحصنات هو جمع محصنة، وهي من الحصن بكسر الحاء، وهي لفظة دالة على المنع أو الإمتناع بمعنى الحماية والحصانة والصيانة، والمرأة المحصنة هي المرأة الممتنعة حين تقع بضائقة مادية وإقتصادية وإجتماعية لا تستسلم لها، بل تحصن نفسها من إرتكاب الخطيئة أو الإنزلاق فيها رغم المغريات، وهذا الفعل هو قابلية وقدرة على الإمتناع لدى بعض النساء، ولا يدفعهن عسر الحال والعوز والحاجة إلى الإنزلاق أو إرتكاب الخطيئة، ومن أجل هذا جاءت الإباحة لحفظ وصيانة المرأة التي تتعرض لمثل هذا الظلم، من خلال توفير العيش الكريم والحماية والحصانة والصيانة لها، وشرط الحصانة متعلق رتبةً بشرط الإيمان، قال (من فتياتكم المؤمنات)، وهذا يدفع القول الرائج: - بأنهن نساء من الكفار سبايا - .

وثانياً: أشترط النص أن يكون النكاح الذي يقع مع ملك اليمين، أن يتم بأذن أهل هذه المرأة المؤمنة، ويبين هذا إن فعل النكاح هو ليس بوضع اليد أو التملك، وإنما بالتراضي والقبول، والأصل فيه حصانة المرأة من الوقوع في الخطأ أو الخطيئة .

وثالثاً: الحصانة في واقعها الدلالي والمفهومي هو ما يتضمن هذا المعنى وتوابعه المعنوية والمادية، قال تعالى (وآتوهن أجورهن بالمعروف ... محصنات غير مسافحات) .

 ملاحظة:

بعد الحديث عن معنى الزوج في اللغة والكتاب المجيد، يلزمنا بيان في ماذا تعنيه كلمة - بعل -، والبعل في لغة العرب هو المعيل أو الكفيل (وهو هنا معنا عام)، وفي الكتاب المجيد يأتي بمعنى المدير أو من بيده إدارة شؤون الأسرة، وقد ورد التأكيد على ذلك كما جاء في الأثر قوله عليه السلام: - [إن جهاد المرأة حُسن التبعل]، وفي ذلك إشارة لما تقوم به المرأة في حال غياب زوجها عنها وعن البيت، وفي هذه الحالة تكون هي المديرة والراعية لشؤون الأسرة والبيت، فتوفر لهم ما يحتاجون إليه من معاش وأمن وإستقرار .

 ويُفهم من هذا إن البعل لا يكون المقصود منه خصوص ما يقوم به الزوج في فراش الزوجية، بل يعني الرعاية والإشراف والحماية في كل ما يتعلق بشؤون وحاجات الأسرة، وفي هذا المعنى يتساوى الرجل بالمرأة والذكر بالأنثى، طالما كان المُراد من ذلك هو هذا، وإلى ذلك وردت جملة نصوص ومنها:

قوله تعالى: - [أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين] - الصافات 125، والجملة فيها إستفهام إنكاري، لأولئك الذين يتركون أحسن الخالقين ويلتجؤن إلى ما لا يضر ولا ينفع من الأصنام، في تلبية حاجاتهم المعاشية وسد عوز أسرهم وما تعاني منه .

 وقال تعالى: - [وإن إمرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً ...] - النساء 128، والكلام على من بيده الإدارة في مرحلة وقوع الخلاف بين الذكر والأنثى، قال إن المسؤول عن إعادة العلاقة إلى مجرآها الطبيعي هو البعل بصفته مديراً، فهو القادر على فتح باب الصلح وسد ثغرة الخلاف التي قد يأتي منها الطلاق وغيره .

وقال تعالى: - [.. وهذا بعلي شيخاً ..] - هود 72، والكلام عن زوج إبراهيم عندما بشرتهم الملائكة بالولد، وهنا أستخدمت اللفظ كناية عن الزوج وعن الإمكانية في صناعة الولد، بإعتباره المسؤول أو هو صاحب النطفة التي تتم بها هذه العملية، لذلك أستدركت بالقول وهذا بعلي شيخا، كناية وحكاية عن الضعف وعدم القدرة .

وقال تعالى: - [.. ولا يبدين زينتهن إلاَّ لبعولتهن .. أو آباء بعولتهن .. أو أبناء بعولتهن ..] - النور 31، والنص إنما يتحدث عن الأفراد الذين يُسمح لهم برؤية المرأة في زينتها الداخلية، تلك الزينة الممنوعة على الأخرين، ويجب التنبيه: إن الكتاب المجيد حين يستخدم اللفظ في معنى ما، إنما يأتي به للتعريف ولتقريب الذهن، فحين يقول - زوجاً فهو يقصد معناه المتعارف مع حرصه الضمني ان يقوم هذا الزوج بواجباته من النكاح والإدارة - .

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

27 جمادي الأولى 1440 هجرية

 

 

ميثم الجنابي"أنّى تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم،

ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم"

(الغزالي)

 الإهداء إلى  الدكتور مارفن الزايد، صديق الروح ومثقف الإخلاص التام للحق والحقيقة.

 قد يبدو من السهل اعتبار "علماء السوء" ممن يتصف بأنصاف المعرفة و"كمال" السوء، إلا أن هذه التقييمات الصارمة سرعان ما تفقد طابعها الجزمي أمام المقارنة الحية بين العلم والعمل، والفضيلة والرذيلة في ثقافات الأمم وتاريخها. وذلك لآن "علماء السوء" شأن كل وحدة متناقضة في تقييمها أو تعميم عام يوّحد في ذاته اعتبارات الفضيلة والرذيلة، كان يستند إلى تراث متعدد الجوانب. وفي حالة الإسلام، فإن فضيلة العلم كانت منذ بداية الأمر وثيقة الارتباط باتجاهه الأخلاقي. إذ ليس العلم الإسلامي الأول سوى علم الدين، أي فقهه. وقد افترض ذلك في أجنته غزل خيوط الوحدة الخفية بين العلم والعمل. حقيقة إن هذه الوحدة لم تكن ملزمة للجميع، أو بصورة أدق إنه ما كان بإمكانها أن تبتدع نفس العناصر الموحدة عند كل من أحترف العلم والعلوم، وذلك بسبب تباين قضاياها وأساليبها ومناهجها. وإن هذا التباين الضروري يتصف بطابعه النسبي الحيوي لاختصاصات العلوم وليس في غاياتها النهائية. وليس هناك تيارا في الثقافة الاسلامية من أدرك هذه الأهمية البالغة لوحدة العلوم في غاياتها النهائية أكثر وأعمق من المتصوقة. وها بدوره نتاج الالتقاء المحتوم في الفكرة الصوفية وطرقها بميدان الحقيقة. فالتصوف من حيث الجوهر هو فلسفة الحق والحقيقة. وتحتوي هذه الحالة على ما هو ملازم للحقيقة نفسها. وذلك لأن حقائق العلوم تكشف في نهاية المطاف عن وحدتها. وإذا كانت هذه الوحدة في عرف التصوف هي الحق، فإن الاتصاف به يعني تمثل حقائقه. وقد كان هذا إنجازاً عميقاً ومميزاً للروح الباحث عن معالم الوحدة الضرورية بين العلم والعمل. لهذا نظر التصوف إلى انحراف العلم عن العمل، أو ابتعاده أو مخالفته أو مجافاة ما يلزم بالعمل بنتائجه على انه رذيلة تامة!

إن هذه المفارقة التي تصنعها الحضارة، باعتبارها أيضاً أسلوب تناقضاتها الدائمة، هي الميدان الأكبر لتعميق فضائل الروح الأخلاقي. من هنا وجودها الدائم ونفيها الدائم. فبالقدر الذي يبذل العلم قواه من أجل تلافي تصدع العقل النظري، فإن الضمير يبذل روحه من أجل تلافي تصدع العقل العملي. وقد واجه الغزالي مكونات هذه المفارقة لا على أنها أجزاء من ثقافة الإسلام وتقاليده الواقعية والمثالية فحسب، بل وعلى أساس تجربته العملية نفسها. إذ لا نعثر عنده على انشغال جاد بهذه القضايا إلا في مراحل انكساره الروحي، أي منذ (ميزان العمل). إذ يظهر هنا للمرة الأولى قلق العقل النظري حول قضايا العقل العملي، واهتمام العقل العملي بإرشادات العقل النظري.

فهو يتناول "علماء السوء" في انتقاداته اللاذعة للمرة الأولى في (إحياء علوم الدين)، بينما يردد في (الإملاء على مشكل الإحياء) باختصار مكثف ما بثّه في (الإحياء). فالعلماء الذين صورت ثقافة الإسلام وتقاليده الورعة إياهم، باعتبارهم "ورثة الأنبياء" والعلم النبوي و"أدلة الطريق"، أصبحوا جزءاً من نسيج الذاكرة المثالية، أي كما لو أنهم تحولوا إلى كيان بائد لا يمكن العثور إلا على صداه.

إن هذه النظرة القاسية في مظهرها تعبّر عن تجربة الغزالي الشخصية والمصاغة في لهيب التجربة الصوفية. فقد ارتبط نقدها "لعلماء السوء" بمقدمات معرفية وأخلاقية وبأسباب اجتماعية وسياسية. غير أن وقوفها ما وراء طور المصالح المباشرة واحتراب القوى السياسية، بفعل سلوك الطريق وفلسفته الخاصة، جعلها تركز على الجانب المعرفي الأخلاقي. وبهذا تكون قد استوعبت وصهرت في بوتقة تقييمها العملي ما سبق لتقاليد الورع الإسلامي وأن تتبعته على مثال عمل العلماء. لهذا اقتربت تقاليد الورع الإسلامي الأولى في انتقاداتها "لعلماء السوء" مع مثيلتها الصوفية، أو أنهما التقيا في عمق انكماش قلوبهم تجاه رذائل العلم والعلماء في كل من خضوعهم للسلطان (السلطة) واضمحلال الورع مع المعرفة. وليس مصادفة أن تجعل المتصوفة أفعال الحسن البصري وأقواله التعبير الأول عن تحسسها الأخلاقي في زهدها وورعها. فعندما يفرد أبو طالب المكي في (قوت القلوب) فصلاً خاصاً عن التفاضل بين ما أسماه "بعلماء الدنيا وعلماء الآخرة"، فإنه يضع الحسن البصري في مصاف الأستاذ الحق لعلماء الباطن والأحوال. فقد كان الحسن البصري يؤكد، كما يقول ابو طالب المكي (ت386 للهجرة)، على "أن السفهاء همّتهم الرواية، في حين أن العلماء همّتهم الرعاية"[1].  وهي الفكرة التي سيضعها رواد التصوف في صلب زهدهم العملي وأحكامهم الذوقية وتأملاتهم "النظرية. فإذا كان الفضيل بن عياض (ت-187 للهجرة) قد صنّف العلماء إلى عالم دنيا وعالم آخرة، وأن الأول علمه منشور والثاني علمه مستور، فإن تدقيقات عوالم علماء الآخرة الباطنية والظاهرية عند المحاسبي في كتابه (الرعاية لحقوق الله) قد توّجت في وحدتها المتعمقة في أذواق العقل العملي. في حين أجاب الجنيد على سؤال وجّه له:

ــ يا أبا القاسم يكون لسان بلا قلب؟

ــ كثير!

ــ فيكون قلب بلا لسان؟

ــ نعم قد يكون. ولكن لسان بلا قلب بلاء وقلب بلا لسان نعمة[2].

بينما سبق لسهل التستري (ت-283 للهجرة) أن قسّم العلماء إلى عالم بالله، وعالم لله، وعالم بحكم الله. فالأول هو العارف الموقن، والثاني هو العالم بعلم الإخلاص والأحوال والمعاملات، والثالث هو العالم بتفصيل الحلال والحرام[3]. وفي موضع آخر قسّم العلماء إلى عالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله وهم المؤمنون، وعالم بأمر الله لا بأيام الله وهم المفتون في الحلال والحرام، وعالم بالله وبأيام الله وهم الصديقون[4]. والمقصود بأيام الله حسب آراء التستري هو نعمته الباطنة وعقوباته الغامضة. وعندما يعطي لمقارناته بين العلماء صيغتها "النهائية"، فإنه يسلسلها بالشكل التالي: الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء نيام إلا الخائفين، والخائفون منقطعون إلا المحبين، والمحبون أحياء شهداء[5]. وهي الدرجة القصوى في تطور الصوفي، بوصفه تحقيقا لوحدة العلم والعمل. واستند أبو طالب المكي إلى حصيلة الفكر الصوفي في وضع مقارناته البيانية بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة[6].

ذلك يعني بأن لمواقف الغزالي النقدية تقاليدها العريقة في الفكر الصوفي، أي أن انتقاده استند إلى ما جمّعته "ثقافة الإخلاص". غير أنه استمد مادته من حيث مضمونها وغاياتها العملية المباشرة من واقع القرن السادس الهجري ومعالم انهيار الخلافة السياسي والروحي، وطبيعة تجربته المعرفية الشخصية. فعندما واجه "علماء السوء"، فإن انتقاداته اللاذعة إياهم لم تكن نفياً ذاتياً لممارسته بقدر ما أنها كانت من حيث موضوعيتها إعادة نظر أخلاقية بالفكر السالف، وإعادة نظر نقدية بالموقع الأخلاقي للنظم الفكرية، وعلاقة الحقيقة بالسلطة. وعبّر عن موقفه هذا في ما كان يدعوه تهكماً بعبارة "المترسمين بالعلم"، أي أولئك "الذين استحوذ على أكثرهم الشيطان، وأغواهم الطغيان، وأصبح كل واحد يعاجل حظه مشغوفاً. فصار يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً حتى ظل علم الدين منهم مندرساً. ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطغام، أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام، أو سجع مزخرف"[7]. وسوف يرتقي بهذه النزعة النقدية بعد صياغة مبادئها العامة إلى مستوى المواجهة، التي وضعته أمام معضلات المعرفة الفاقدة لروح الأخلاق وجهل الروح. ولم يستغرب الغزالي هذه الظاهرة وذلك بفعل رؤيته لواقع انتشار وسيادة من أسماهم بأهل الزور والفسوق، المتشبثين بالدعاوى الكاذبة والمتصفين بالحكايات الموضوعة، المترنمين بصفات منمقة والمتظاهرين بظواهر من العلم فاسدة، والمتعاطين لحجج غير صادقة. كل ذلك طلبا للجاه أو محبة الثناء.

إن مرور الغزالي بدهاليز "العلم السيء" قد أعطى له إمكانية تحديد هوية الوجود الشخصي في حدّه وحقيقته. وفي الوقت نفسه عمّق حساسية الرؤية النقدية. فالأخيرة لم تعد من ردود الفعل الإرادية ولا من انعكاسات التأمل البارد، بل من وهج التقييم الذوقي، الذي يرى كمال العالم في وجوده بما في ذلك نواقصه. ولكن إذا كانت النواقص فنوناً وأصنافاً، فإن كسادها في العلم هو تعجرف علمائه، أي كل ما يعطي لجهلهم قوته الهجومية ولرذيلتهم طعم الانتقام. لهذا رد عليهم في (فيصل التفرقة) بقوة شديدة، عندما تعرض إلى من حاول تكفيره والتشهير به. ومع ذلك لم يجعل من هذه الظاهرة مسألة شخصية ولا أن يحصرها في إطار الرد والانتقام، بل ليظهر من خلالها بديل التكفير وافتقاد معلنيه لأخلاقية القول والعمل به. لهذا شدد على أن "حق القول به يعطى لأولئك الذين انجلت قلوبهم من الدنس وتطهرت عن وسخ أضرار الدنيا، أولئك الذين ارتقوا بفعل الرياضة والذكر والفكر والتمسك بحدود الشرع إلى المراتب التي تفيض عليها فيها أنوار مشكاة النبوة". وإلا فكيف "يتجلى إسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم، ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم، وعبادتهم خدمة أغنيائهم، وذِكرهم وساوسهم، وفكرهم استنباط الحيل لما تقتضيه حشمتهم. فهؤلاء من أين تتميز لهم ظلمة الكفر من نور الإيمان؟ بإلهام إلهي ولم يفرغوا القلوب عن كدورات الدنيا لقبولها؟ أم بكمال علمي وإنما بضاعتهم في العلم مسألة النجاسة وماء الزعفران؟"[8]. وسوف يدفع هذا الانتقاد إلى إحدى درجاته القصوى عندما شدد في (الإملاء على مشكل الإحياء) على أنه "لا برّ يجمعهم بل اجتمعوا على الكفر. وأن قلوبهم تصفو على الخديعة والمكر". فهم "الجهال في علمهم، الفقراء في طولهم، البخلاء من الله بأنفسهم. لا يفلحون ولا ينجح تابعهم. لذلك لا تظهر عليهم مواريث الصدق، ولا تسطع حولهم أنوار الولاية، ولا تخفق لديهم أعلام المعرفة، ولا يستر عوراتهم لباس الخشية لأنهم لم ينالوا أحوال النقباء ومراتب النجباء وخصوصية البدلاء وكرامة الأوتاد وفوائد الأقطاب"[9]. وحالما قسّم العلماء إلى الحجة والحجاج والمحجوج (توالياً)، فإنه جعل من الصنف الأخير نموذجاً لعلماء عصره. فالمحجوج هو العالم الذي يضع نفسه في وسيلة وغاية مقالاته وبراهينه. بمعنى أن باعثه المحرك ليس العلم والحقيقة بل العلو والجاه. فهو يبدو كأحد الخدم في لباس العلماء. إضافة لذلك إنه مفتون بعلمه مغتر بمعرفته مخذول بنصرته. أما فخره فبلقاء أميره وصلة سلطانه وطاعة القاضي والوزير والحاجب"[10]. فهو شبيه بمن أهلك نفسه لأنه لا ينتفع بعلمه. وإذا أعطي رضى بالعطية ومدح، وإن منع منها شتم وذم وعربد[11]. وعندما التفت الغزالي إلى ما هو حوله من علماء عصره، فإنه لم يجد سوى "أهل سخافة ودعوى وحماقة واجتراء وعجب بغير فضيلة ورياء يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"[12]. وربط هذه النتائج المزرية لحالة العلماء المعاصرين له بالجهل بالنفس. فهو المبدأ الروحي الضروري للذات المفكرة الحقيقية. إذ لا يمكن بلوغ حقيقة السعادة والحقيقة، حسب نظره، خارج وعي الذات أو بمعزل عنها. فهي مقدمة إدراك حقيقة الحق. آنذاك فقط سيكون بإمكانه معرفة علة أهل الباطل ودواء أهل الضعف وأهل القوة معاً. وإن غياب هذه المعرفة هو السرّ القائم وراء احتجاب "علماء السوء" بالجهل وسخافاته، والإصرار وتهاونه، ومحبة الدنيا وتطويل الغفلة، وإظهار الدعوى وكبرها ورياءها[13]، أي كل حالة الزيف الديني (الأخلاقي) التي أفرد لها مقاطع واسعة في كتاباته من أجل إماطة اللثام عن واقعيته وفاعليته وصوره في ظاهر علماء السوء وباطنهم، أي كل ما شكل في حصيلته النتاج الملازم لانفصام وحدة العلم والعمل.

إن الصورة الباهتة الفاقعة التي يقدمها الغزالي عن "علماء السوء" تظهر بكامل صورتها المضحكة المبكية على خلفية أولئك الذين إذا ما حدّثوا صدقوا، أي أولئك الذين ظنهم كيقين إن هموا حدسوا! مما دفعه إلى تصوير تجلياتها الممكنة على أنها نتاج لابد منه لإظهار ازدواجية "علماء السوء" وفراغهم الروحي. فعندما يتطرق إلى آفة الرياء، فإنه يفرق بين ما يدعوه بالرياء في الأعمال التي هي ليست من الطاعات، وأعمال الرياء بالطاعات، بحيث يضع الرياء الأول في حالة أهون من الثانية. ولم يقصد الغزالي بذلك سوى الكشف عن واقع الرياء الديني السائد وسط العلماء أولاً وبين البسطاء ثانياً. وتتبع مظاهر الرياء ودقائقه في أوساط "علماء السوء" في مظاهرهم وبواطنهم. ففي مظاهرهم يتصنّع واحدهم "الخمول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين، وغلبة الخوف من الآخرة، وليدل بالخمول على قلة الأكل وبالصفار على سهر الليل وكثرة الاجتهاد وعظم الحزن على الدين"[14]. ولا يقف أحدهم عند هذا الحد، بل يتعداه إلى الظهور متشعث الشعر ليدل به على استغراق الهمّ ويتصنع "خفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوم، وأن وقار الشرع هو الذي خفّض صوته"[15]. ويجهد أحدهم نفسه في أن "يحلق الشارب ويطرق الرأس في المشية والهدوء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه وغلظ الثياب ولبس الصوف وتشميرها إلى قريب من الساق وتقصير الأكمام وترك تنظيف الثوب وتركه مخرقاً. ومن ذلك لبس المرقعة والصلاة على السجادة ولبس الثياب الزرق تشبهاً بالصوفية مع الإفلاس عن حقائق التصوف في الباطن"[16]. وفي مجال القول، فإن رياءهم يظهر في "الوعظ والتذكير والنطق بالحكمة وحفظ الأخبار والآثار لأجل الاستعمال في المحاورة وإظهاراً لغزارة العلم ودلالة على شدة العناية بأحوال السلف الصالحين، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق، وإظهار الغضب للمنكرات وإظهار الأسف على مقارفة الناس للمعاصي، وتضعيف الصوت في الكلام وترقيق الصوت بقراءة القرآن ليدل بذلك على الخوف والحزن"[17]. ولا يقف الرياء الديني عند حدود الكيان المادي للإنسان ومظاهره الاجتماعية، بل وفي مظاهر العبادة، مثل الظهور بمظهر من يطيل القيام ويمد الظهر ويطيل السجود والركوع وإطراق الرأس وترك الالتفات وإظهار الهدوء وتسوية القدمين واليدين وكذلك بالصوم والغزو والحج والصدقة وغيرها[18]. ويقدم الغزالي كثرة من الأمثلة الواقعية، التي تكشف عن تهكمه العميق وانتقاده المرير لمظاهر الرياء الديني السائد، حيث يبرهن فيه على أنه حالما يتحول الرياء الديني إلى أسلوب الممارسة الواقعية والمثالية المزيفة، فإنه لابد وأن يودي إلى تكليس الوجود الأخلاقي وذلك لأنه لا يضع في اعتباراته سوى الأخذ بمظاهر الوجود العابرة. بمعنى أنه يتعامل مع مثل الأخلاق وعالمها الباطني بمفاهيم ومعايير وقيم الظاهر، مما يؤدي بدوره إلى استيطان قيم الظاهر المزينة بحراشف المغامرة  الغبية للمصالح. مما يؤدي في نهايته إلى تهميش المعنى وتهشيم الحقيقة بتحويل كل ما هو ضروري إلى مفتعل، وكل ما هو مفتعل إلى ضروري.

ولم يقف في انتقاداته الشاملة للزيف بشكل عام وزيف "علماء السوء" بشكل خاص، أي أولئك الذين همهم خدمة السلطان (السلطة) والمناصب، بل وتعداه إلى كافة ممثلي النخبة المفكرة، بما في ذلك متصوفة زمانه. غير أن انتقاداته للمتصوفة تستمد مقوماتها من تقاليد التصوف ذاته في علمه وعمله، أي في إرثه الفكري وفي طريقته نفسها على أساس نقد النفس (المحاسبة والمراقبة الذاتية). إذ من الصعب العثور على شيخ صوفي لم تلازم أقواله وأحواله انتقادات لاذعة لمتصوفة عصره. بصيغة أخرى، إن لهذه الظاهرة جذورها المعرفية والعملية، وبالتالي لها مبادئها الأساسية وتراثها التجريبي.

فالمتصوفة هم الذين وضعوا في ثقافة الإسلام مهمة السمو الروحي للإنسان باعتباره غاية وهدف وجوده الذاتي. وهم الذين وضعوا مهمة الحركة المستمرة في عالم الروح نحو المطلق. وليست هذه الحركة سوى المراقبة الداخلية للنفس وتأديبها المستمر بما يتطابق مع الفكرة المثال للمطلق الصوفي، أي الفكرة التي تعمّق في ذاتها وتتعمق بدورها مع سيره في قطع "منازل السائرين ومقامات الموحدين"، أو هو نفسه مساره في الطريق الذي يوصله إلى حالة تحول جدل العالم وصراعاته إلى أجزاء من صوته الداخلي. فهو يسأل ويجيب، وينتقد ويؤنب، أي كل تلك المتناقضات الحياتية الممكنة التي يتطور فيها الصوفي، باعتبارها أسلوب صيرورة كيانه الروحي وواضعة لبنات صرحه وجوده الفردي. فهو لا يقف عند حد لأن هدفه المطلق. وبغض النظر عن إدراكه لمحدودية وجوده المادي، فإنه يتحسسه في الوقت نفسه على أنه شعاع يستحق التنوير، أي أنه يبقي للموت قيمة الوجود الحق باعتباره بداية الملكوت. فالمراقبة الدائمة للنفس تفعل فعلها في تمحور الذات الصوفية حول المطلق و«أوساطه "من خلال تسوية الإرادة في مساعيها الواقعية للاستغراق في عالم الكمال والمثال". وهي الممارسة التي ترمي بكل ما هو ثانوي وعابر في رحى التلاشي على أنها ضرورة. كما أنها الممارسة التي تقوِّم تعرجات الحياة بالإبقاء على الحياة كقيمة أخلاقية من خلال ربطها بالمطلق، تماماً كما فعل النبي محمد مرة عندما رمى بخاتمه الذهبي، الذي ألهاه باقتسام نظراته: "نظرة إليه وأخرى إلى الناس"! وليس ذلك سوى رمز للتوجه نحو وحدانية الحق في  العمل. والصوفي يسعى لتطبيق هذا المبدأ البسيط في مظهره، الشديد التعقيد في باطنه. فهو يحاول سد طريق الانحراف في ذاته تجاه كل ما يخرجه عن عالم الوحدة سواء كان ذلك بالمعاصي أو الطاعات، باللين أو الشدة، بالشك أو اليقين، مما جعل من انتقاده للنفس نمط وجوده الحق وأسلوب نفيه الدائم. وهو في الوقت نفسه أحد العناصر الجوهرية في العلم الصوفي وفعله. ويمكن القول، بأن لغة الصوفية ذاتها هي لغة البحث عن النفي الدائم في مساعيها اكتشاف "خلل" التعبير عن المطلق. وبالتالي العمل من أجل تشذيبه مازالت التجربة الفردية هي وسيلته، أي كل ما ينبغي للصوفي أن يمثله في فردية جهاده الأكبر (جهاد النفس). فهي المقدمة الأساسية للتصوف بسبب كونها مقدمة تنقية النفس وصقل القلب من أجل اكتشاف حقيقة المطلق فيه على أنه مثاله أيضاً.

فالصوفية تدرك تعقيد العملية الواقعية لتنقية النفس. فهي تدرك بأن الإنسان مازال موجوداً، فإنه لا يمكنه تخطي حدوده الواقعية إلا بأساليب واقعية، ولكن من خلال دفعها إلى نهايتها، أو إلى ما يمكن أن يتخذ في تجليه الظاهري هيئة المذهل المعجز والمحيّر المفجع في تناقضاته، أي أنها تدرك قيمة التناقض كأسلوب لوجود الأشياء. وهي على خلاف الأشياء، تنحو منحاها الإرادي لتذليله في ذاتها، ومن ثم تذليل الإرادة في تسويتها من أجل إفقادها وجودها المستقل. وقد عبّر يحيى بن معاذ (ت-258 للهجرة) عن هذه الفكرة بصورة نموذجية عندما أكد على أن جهاد النفس يقوم في رياضتها. وهو على أربعة أوجه وهي القوت من الطعام، والغمض من المنام، والحاجة من الكلام، وحمل الأذى من جميع الأنام، أي كل ما يؤدي بحصيلته إلى موت الشهوات وصفو الإرادات والسلامة من الآفات وبلوغ الغايات. وهي العملية المترابطة في إخماد الذات النفسية بالخمول الجسدي وقلة الكلام، مما يؤدي إلى إبراز عظمة الحلم وانقطاع النفس عن الظلم والانتقام، أي عندما يكون الوجود بكل تناقضاته مندرجاً في ذاته متحولاً إلى كيان "نظيف ونوري وخفيف وروحاني".  آنذاك ستجول النفس "في ميدان الخيرات وتسير في مسالك الطاعات كالفرس الفارة في الميدان وكالملك المتنزه في البستان"[19].

وبغض النظر عن أن الصوفية لا تضع مفهوم الذات ككيان ما مطلق خاضع لمعاملاتها الخاصة، إلا أنها تنطلق من شموليته المطلقة باعتباره التجلي الإنساني للإلهي في حيثياته الوحدانية. وعلى الرغم من تنوع الله الصوفي، إلا أنه هو هو بالدرجة التي تستوعبها عملية وعي الذات الصوفية الفردانية. إذ ليس وعي الذات الصوفي سوى نفي الذات الفردية (الواقعية) بالذات المثالية المطلقة، أي مساعي تحويل فروض العين المطلقة إلى "تقليد" حياتي يومي. مع ما يترتب عليه من مواقف مفارقة موحدة تجاه الطبيعة وما وراءها، والتاريخي والمافوق تاريخي، والوجودي والميتافيزيقي، والواقعي والخيالي. فالنفس الإنسانية تظل فردية في تشخصها رغم بقاء التعامل الصوفي العام معها في المعرفة. وإن هذا الالتقاء بين العام والخاص في الممارسة يظهر بمظهر التهذيب الأخلاقي الدائم للعالم الباطني في مواقفه وأفعاله ونياته وأهدافه. فالتذويت الفرداني لله الصوفي يتجلى بمقدار سريان الله في التذويت أو بمقدار تجلي القيم المطلقة عن فروض الواجب، كما صاغتها تقاليد التصوف. آنذاك تظهر معرفة الذات الصوفية بهيئة عمل أخلاقي خالص، مما يجعل من وسيلة الوجود الحق نفي التناقض.

ويرتبط بهذه الحصيلة خصوصية انتقاد المتصوفة لنفسها في كل من تراثها النظري والعملي. إذ تجد المتصوفة في شيوخها الأوائل مصدر سموها الدائم وعلائم رفعتها المقوِّمة، بفعل ربطها سلسلة وجودهم بالوجود الحق من خلال المسيرة الإنسانية في أوليائها وأنبيائها وملائكتها، أي في كل الوسائط المادية والمعنوية، التي أبدعها خيال الروح وجموح العقل. أما في واقعها التاريخي فإنها وجدت في انتقاداتها اللاذعة للنفس وسيلة تنقيتها الدائمة. رغم أن هذه الممارسة لم تكن على الدوام متشابهة في حدتها وفاعليتها. وإذا كان هذا الانتقاد في الأوساط الصوفية ملازماً لوجودها منذ  البداية، فإن تجليه الحاد عند شيوخها الأوائل لم يظهر بهيئة منظومة عامة إلا بوصفه أسلوب التجديد الحق للحق في تصوفه. فعندما يضع القشيري رسالته الشهيرة في ثلاثينيات القرن الخامس الهجري (437 للهجرة)  من أجل تكوين الصورة الحية الناصعة عن شيوخ التصوف، باعتبارهم المثال الحق، فإنه ينظر إليهم نظرته إلى "صفوة الأولياء الذين تحوي قلوبهم معادن أسرار الوجود والله، والمختصين من بين الأمة بكونهم غياث الخلق الدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق. الذين تصفّوا من كدورات البشرية ورقوا إلى محال المشاهدات بما يتجلى لهم من حقائق الأحدية، الذين توفقوا إلى القيام بآداب العبودية له وأشهدهم بمجاري أحكام الربوبية"، أولئك الذين لم يبق منهم سوى ذكرهم ومثالهم. فهم الطائفة التي انقرض أكثرها ولم يبق منهم، كما يقول القشيري، إلا أثرهم، كما قيل شعراً:

أما الخيام فإنها كخيامهم     وأرى نساء الحي غير نسائها[20]

لكن إذا كان انتقاد القشيري لظواهر الزيف والرياء "الصوفي" يتضمن صياغة البديل الفكري الواقعي للتصوف المعاصر له على مثال شيوخ الصوفية الكبار، فإن الغزالي لم يقدم تصوراته وأحكامه إلا باعتبارها جزء من معتركه الفكري مع الاتجاهات الأخرى، من أجل صياغة الأطر العامة والعناصر المكونة لتآلفه الفكري البديل. فهو شأن مؤرخي المتصوفة والصوفية أنفسهم، نظر إلى شيوخها على أنهم ممثلو الحق الإسلامي والإرث النبوي المحمدي[21]. وأنه لا ينال السعادة الحقيقية سواهم بفعل إدراكهم حق اليقين بمشاهداتهم الباطنة، التي هي أقوى وأجلى من مشاهدة الأبصار، وهم لا يموتون لأن الموت لا يأخذ منهم سوى أجسادهم وهم أحرار عنها. ذلك يعني أنه أراد القول بأن المتصوفة هم العلماء الحق بالله، أو إنهم البديل الفعلي "لعلماء السوء". ولم يضع في مفهوم العلماء بالله وورثة الأنبياء ما هو سائد في أوساط الفقهاء والمتكلمين، ولا حتى في ما هو شائع في أوساط المتصوفة العادية. فالغزالي يشدد على تمايز الصوفية عن العلماء الآخرين بما في ذلك عن أشدهم ورعاً وتقوى.  فعندما يقارن على سبيل المثال بين أحمد بن حنبل والمحاسبي، فإنه يشبه الأول بنهر دجلة يغترف منه الجميع، بينما شبّه الثاني ببئر عذبة لا يقصدها إلا واحد بعد واحد[22]. وإذا كان لهذه المقارنة جذورها في فكرة العوام والخواص الصوفية، فإنها تعكس في موقفه وبديله العام جوهرية الممارسة الشخصية وسموها الروحي في عالم التصوف مقارنة بعوام "علماء السوء"، أي أنه لم يسع لوضع تعارض لا يمكن تذليله، وذلك بفعل تناوله هذا الخلاف الجوهري في ميدان ومقولات ومتطلبات الروح الأخلاقي المعرفي. فهو ليس تعارضاً بالمعنى الدقيق للكلمة، بقدر ما أنه تمثيل لدرجات القرب والبعد عن الحق والحقيقة.

بصيغة أخرى، إنه أراد إظهار ما في المتصوفة من قوة بديلة تظهر في جمعيتها العملية والعلمية كنقيض "لعلماء السوء".  فعندما صور كيان المتصوفة باعتبارهم البديل العملي (الأخلاقي) "لعلماء السوء"، فإنه يجعل منهم تجسيداً للخشية والخشوع والتواضع وحسن الخلق والزهد[23]. فالغزالي يدرك نقص حصر "مديح" المتصوفة بهذه الصفات، إلا أنها تكفي بحد ذاتها لرفع كفتها مقارنة "بعلماء السوء" إلى أقصى درجاتها، أي أنه أراد كشف كيانها العملي الأخلاقي كمثال لما هو موجود. وهو شأن شيوخ المتصوفة لم يكن بإمكانه تجاهل رؤية "الانحرافات" المتناثرة في الأوساط الصوفية. غير أن انتقاده للمتصوفة ليس انتقاداً منظومياً، بل كان جزءا من انتقاده لمظاهر الرياء باعتباره انعكاساً للانحلال الأخلاقي[24]....(يتبع).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص133.

[2] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص142.

[3] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص140.

[4] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص140.

[5] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص140.

[6] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص129-162.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص2.

[8] الغزالي: فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، ص35-37.

[9] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص13.

[10] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص19.

[11] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص19.

[12] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص19.

[13] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص13.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص297.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص297.

[16] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص297-298.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص298.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص298-299.

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص66.

[20] القشيري: الرسالة القشيرية، ص2.

[21] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص52.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص70.

[23] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص77.

[24] سوف اتناول هذا الجانب في موضعه حال الحديث عن تصوف الغزالي وخصوصيته.     

 

لقد منع الكتاب المجيد - تعدد الزوجات -، ولكنه في المقابل أباح - التعدد في النكاح -، وبين المسألتين جدُ فارق في الفعل والمضمون، ونحن بدورنا سنوضح ذلك ما أستطعنا إلى ذلك سبيلا معتمدين على الكتاب ونصوصه ودون الإلتفات إلى ماورد من أخبار وروايات في هذا الشأن .

 ولكن وقبل البدء في شرح وبيان موقف الكتاب المجيد من هذه المسألة، لا بد من التذكير بأن المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة تخوض صراعاً مستديماً متعدد الإتجاهات، من أجل تحديد الموقف القانوني والشرعي والأخلاقي عن نوع الحريات التي تسمح والتي لا تسمح، وعن طبيعة الحقوق وطبيعة النظام الذي يجب أن يسكنون إليه، وأقول: إن التعريفات العتيقة التي تبنتها المدرسة الإسلامية ما عادت تلبي أو تستجيب لكثير من المفاهيم التي أفرزتها حالة وطبيعة التطور المجتمعية في العالم أجمع -، ولم يعد مناسباً في هذا الشأن التركيز فقط على منتجات التراث، مع جُل إحترامنا لذلك التراث، فالتراث مهما بلغ من شاء، فإنه يظل يعبر عن الماضي بما فيه من أفكار ورجال، والماضي لن يستطيع ان يصنع الحاضر بطريقته وبفهمه للأشياء، وإن منتجي التراث رجال لا قدسية لهم ولا معصومية، وما أنتجوه من أفكار يظل في حدوده الخاضعة لبند الصحة والموافقة لكتاب الله والعقل، والتراث في أصله اللغوي جاء من مادة - ورث - الثلاثية الدلالة والأبعاد ومعناه: ما يحصل عليه الوريث من المورث مادياً -، وإلى ذلك أشار النص التالي قال تعالى: [وورث سليمان داوود ..] - النمل 27، والتوريث هنا كل مايتعلق بما هو مادي من متاع وغيره [وليس منه النبوة والحكم، فالأول إصطفاء والثاني إختيار من قبل الناس]، فالنبوة ليست من الأشياء التي تورث لأنها إصطفاء من الله، كذلك الحكم هو إختيار وإنتخاب للحاكم من قبل الناس فلا يصح فيه التوريث أو ولا ية العهد .

والتراث في عمومه مادي يظهر ذلك حتى في قوله تعالى: (وتأكلون التراث أكلاً لما) - الفجر 19، وكل شيء يتعلق الفعل فيه والممارسة من قبل الإنسان فهو مادي ومنه الأفكار، ولهذا يصدق عليها مفهوم - التراث - أيضاً، كالقيم والأخلاق والمبادئ والتي هي في الواقع أشياء مادية يمكن توريثها، وبهذا المعنى يكون كل ما أنتقل أو وصل إلينا من الماضي القريب أو البعيد هو - تراث -، ولعلي أرجح لفظ - وصل إلينا - بدلاً عن أنتقل إلينا، والفرق بينهما واضح: [فأصل الفعل في أنتقل هو من النقل أي الرفع من مكان لمكان أخر، وبالتالي يكون معنى أنتقل إلينا هو ما نُقل إلينا من محل أخر، واما لفظ وصل إلينا أي ما أتصل بنا -، وفي هذه الحالة يكون الوصل أقرب في الدلالة، فما وصل إلينا من الماضي هو ما أتصل بنا منه، شريطة ان يكون له قابلية التأثير والفعل في حياتنا، من حيث التأثير على أفكارنا ومفاهيمنا وتصوراتنا، وحين نفتقد لشرط القابلية في التأثير والفعل، تكون الدعوة للخروج من حالة التقديس الأعمى لما في التراث ومُنتجيه أمراً لازماً، وبنظرنا المتواضع لم تعد كتب التراث من تفاسير وكتب وأخبار مؤدية للغرض، مع كامل الإحترام والتقدير لتلك الثروة ولذلك الجهد الغير مسبوق في زمانه، وهذا يعني إننا بحاجة إلى حركة نقلة تدرب العقل وتؤهله ليواكب عصره (الزماني والمكاني) .

 وهنا ترآنا نعود للتذكير بمقولة لنا مضت في لزوم ووجوب فتح باب الإجتهاد على نحو مختلف عن ذلك الذي ألفناه، والإجتهاد الذي نلح بالطلب عليه هو في فسح مجال أكبر وأوسع للعقل بعيداً عن سلطة الأخبار وما فيها من القيل والقال والنكاية البعيدة عن مضمون عصرنا وزماننا، مع عدم الإلغاء الكامل أو التجاوز الكامل على كل الماضي وكل التراث، فتلك مخاطرة لا نسمح بها ولا نؤيدها، إنما نريد لبعض الماضي الصحيح والتراث الموثق أن يكون جزءاً مما نستأنس به في موضوعاتنا وبحوثنا .

إن موضوعة - حرية الحقوق - جدلية بإمتياز فهي من حيث هي قضية يتصارع فيها الزمان والمكان، ومن هنا تدفعنا هي ذاتها لتصحيح المسار من خلال رؤية جديدة لمعنى - حرية الحقوق -، والسؤال هل تقع - حرية الحقوق - في دائرة الواجبات أم المباحات ؟،

 وطبعاً هنا في مسألتنا يكون الجواب إنها من المباحات فحق الزواج مثلاً ليس واجباً كذلك حق النكاح وحق التبعل، ومفردة زواح ونكاح وتبعل مفردات أستعملها الكتاب المجيد في سياقها حسب الوضع والطبع، وهي مفردات مختلفة المعنى والدلالة ولا يصح الخلط فيها تبعاً لما كان يفعله أهل التراث والأخبار، والخلط منشأه فكرة الترادف التي شاع وغلب أستعمالها في الشعر والأدب، ومن هناك وظفت في لغة الفقة والشرع عبر الشافعي كوسيط مفترض في هذه الفعلة، فوقع الشطط في المعاني وقد تغلب هذا الفكر على من سوآه من خلال سطوة أهل السياسة والحكم .

ففي قضية - التعدد - هيمن الترادف على ما تؤدي إليه الكلمة من ظنون، جاء ذلك بفعل هيمنة وغلبت الذكورية والقبلية التي كانت سائدة ومازالت في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فالتعدد موضوعة أرتبطت بالمرأة حين فسر المشرع المرأة كسلعة مما أدى مع الأيام لتجهيل - حق المرأة وحريتها -، والمريب في الأمر إن عامة النساء المسلمات رضين بهذا وأستسلمن له تحت ظل ظروف إقتصادية وإجتماعية ضاغطة، حتى صار التجهيل للحق حكم للشرع والدين بنظر العامة، وعلى ذلك سُنت قوانين الأحوال والحقوق الخاصة بالمرأة،  مع إن هذا التجهيل أساسه رجال دين تراثيين وكهنة وتجار قيم .

وفي هذا المجال تبدو الحاجة ماسة ليس فقط إلى إعادة تقييم ونقد التجربة الدينية لأهل التراث من المرأة، بل إلى إنتاج قواعد فكر وقوانين تحمي المرأة وتنظم حقوق المجتمع، وفي هذا أدعوا الجميع لمراجعة واقعية للكتاب المجيد من غير سطوة وهيمنة أهل التراث وفكره، كما أدعوا إلى إعتماد العقل كأداة منتجة ومستقرئة، وهذه الدعوة لنجعل منها الضابط الذي سيكون حاضراً معنا في كل خطواتنا هنا في هذا البحث، ولا ندعي إننا نريد تجديد الخطاب فهذه ثمة أكذوبة أو هي أفيون جديد للتخدير والإلهاء يميل إليه كهنة السلاطين للخروج من حالة التناقض واللا إتزان السائدة، ما نريده بناء منظومة بحث يمكنها إنتاج معرفة تجعل من الجميع حاضراً فيها غير بعيد عنها، وهذا يكون بالتركيز على بيان المعنى بصيغ قريبة إلى فهم السامع، من غير إطناب أو تضخيم أو تفلسف زائد، كما كان دئب من سبق، وهذا بنظرنا ما نرآه يفيد معنى مفهوم تجديد لغة الحقوق وقواعدها من وحي الكتاب والحياة المعاصرة .

 في قضية - التعدد - وقع الوهم والتدليس فبدلاً من أن يكون - التعدد - في النكاح، أصبح - التعدد - سارياً في الزواج لدى عامة الفقهاء ورجال الدين، وبما إن هذه القضية إشكالية لذلك فسوف نسلط الضوء عليها :

ونتسائل ونقول: هل إن فكرة - التعدد - جائزة أو ممنوعة في الكتاب المجيد ؟، وبما إن هذا السؤال يتموضع بين الجواز والمنع، فإننا نقول: إن قضية - التعدد - أساسها الفهم الخاطئ لما ورد في قوله تعالى: [.. فإنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألاَّ تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ..] - النساء 3، أعني الفهم الذي تبنى الترادف في فهم المعاني، الفهم الذي جعل من لفظ - أنكحوا - بمثابة أو بمعنى لفظ - تزوجوا -، مع إن الأصل والجذر اللغوي للفظين مختلف، فلفظ - أنكحوا - دال على الإستمتاع الجنسي، وأصله من الفعل الثلاثي - نكح -، وفي (النكاح) الإستمتاع أو المتعة أباح الكتاب المجيد التعدد، ولكنه في (الزواج) منع الكتاب المجيد التعدد، والزواج في الكتاب المجيد كفعل أو كمضمون ممنوع من التعدد وذلك:

 1 - لأن الزواج في وضعه ودلالته هو أوسع مفهوماً من الإستمتاع أو التمتع، ولذلك لا يجوز قصر معناه في النكاح .

2 - كما إن فعل تزوجوا أعتبر في الكتاب المجيد ممنوعاً من الصرف، والخلط بينه وبين فعل أنكحوا هو مخاطرة وفعل خاطئ .

 3 - ثم إن اللفظ في الكتاب المجيد إنما وضع لمعنى محدد معين لا يتعدآه لغيره - .

وحين قلنا: إن إباحة التعدد في (النكاح) إنما بشرط وجود القدرة والإستطاعة، وفي (الزواج) قلنا بالمنع لأن الزواج مرتبط بميثاق قال تعالى: [.. وأخذنا منكم ميثاقاً غليظا] - النساء 21، والميثاق هو إتفاق بين - الذكر والأنثى

- على طريقة الحياة وعن القوامة وعن الإدارة ورعاية الأطفال والضمان، أي إنه إتفاق على تأسيس الأسرة وفي هذا قال الكتاب المجيد بعدم جواز التعدد، قال تعالى: [وإن أردتم إستبدال زوج مكان زوج أخر ..] - النساء 20، بمعنى إن الجمع والتعدد في الأزواج ممنوع وغير ممكن، وهذا مالم يتوفر هدفاً ومضموناً في النكاح، إذ ليس هناك ثمة ميثاق فيه، إنما ينعقد النكاح (المتعة) بإتفاق بين الطرفين (ذكر وأنثى) من غير قيد وفيه يصح التعدد لطبيعته ولما يُراد منه - .

 وكما قلنا: بعدم جواز الترادف في الكتاب المجيد، كذلك نقول لا يجوز التكرار في الكتاب المجيد فعلاً ومضموناً -، ومنه جاء المنع بعدم جواز إسقاط لفظ - الزواج على النكاح -، وعندنا لا يصح الإتفاق مقروناً بهذا اللفظ في حال الزواج، ودليلنا في عدم الجواز ما عليه قواعد اللغة العربية والتي تمنع التكرار والترادف في هذه المسألة، وأما ما ذهب إليه البعض من أقوال في هذا المجال فلا يعتد بها ولا تفيدنا في هذا المقام، لهذا فالواجب يقتضي ضبط معاني الكلمات من خلال الكتاب المجيد ومن دون النظر أو الحاجة إلى هذه الإستعارة التبعية للشعر ومقولاته، بل ولا يجوز جعل ذلك حجة على معاني وألفاظ الكتاب .

 فإن قلتم: ألم ينزل الكتاب المجيد على سبعة أحرف - .

قلنا: إن ذلك ليس صحيحاً وهو وهم وتجني، ذهب إليه من أراد دفع شبهة التحريف في الكتاب المجيد والتي يقول بها البعض - .

ثم إن التعدد في النكاح ورد مضافاً، وليس عدداً صحيحاً بل العدد مضروباً بنفسه، وهو ليس من قبيل العدد الصحيح واحد وأثنين وثلاثة وأربعة، بل هو مثنى وثلاث ورباع، وفي ذلك يكون العدد مضافاً كما ورد في ذكر أجنحة الملائكة، قال تعالى: [..جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع .] - فاطر 1، ولم يقل أثنين وثلاثة وأربعة، لأن العدد هنا دال على الكثرة الممكنة، مع إنه أستخدم العدد الصحيح في قوله تعالى: [سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ..] - الكهف 22، ومنه يتبين إن اللفظ في الكتاب المجيد إنما يوضع بعناية للدلالة على المعنى المُراد والمقصود، ولكي لا يتم الخلط أو تعمد الخلط .

فحين يستعمل لفظ - تزوجوا - يقتصر الفعل والمضمون على الواحد من غير تعدد، وأما في حال علاقة الإستمتاع جعل التعدد ممكناً بحسب القدرة والإستطاعة، وفي علاقة الإستمتاع جعل الكتاب المجيد حد أدنى وحد أقصى، والأدنى يبتدأ بمثنى أي أربعة وينتهي برباع أي ستة عشر، ثم جعل القيد مرتبطا بمفهوم العدالة من جهة الإستمتاع

 قال - وإن خفتم ألاَّ تعدلوا - قال (فواحدة)، وهذا القيد متعلق بالقدرة والإستطاعة وليس بمحل أخر .

 وبما - المتعة - يُثار حولها بعض اللغط، والذي في غالبه جهل في فهم النصوص وعدم التعاطي مع ذلك بروح الواقع، بل وتغليب بعض الأخبار على نصوص الكتاب المجيد، ومن بين أوضح النصوص الدالة على جواز - المتعة - ماورد في قصة النبي موسى في قوله تعالى: [قال إني أريد أن أنكحك إحدى أبنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشراً فمن عندك ..] - القصص 27، في هذا النص تبدو الدعوة لعلاقة مؤقتة ومشروعة بين ذكر وأنثى في زمن محدد وثمن محدد (نكاح)، هذه العلاقة حسب ظاهر النص جائزة شرعاً، ولم يرد نص في الكتاب بمنع أو إلغاء هذا النوع من النكاح، ولم يجعل هذا النص عقدة النكاح بيد موسى -، مما يدل على أن هذا النوع من الإتفاق والذي يقصد به الإستمتاع المشروط بأجر وزمن يلزم في الحرية الضامنة للطرفين .

يتبع

 

آية الله الشيخ إياد الركابي