جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (41)

يعتبر سفر (ملاخي) آخر أسفار التناخ، الكتاب المقدس لليهود، وبه اختتم العهد القديم، وتحديدا في الإصحاح الرابع من هذا السفر، حيث كانت الخاتمة والتي جائت على شكل توصية مهمة مع نبؤة عن علامة مهمة جدا ستسبق مجيء ملك اليهود الموعود (الماشيح

(اذكروا شريعة موسى عبدي التي أمرته بها في حوريب على كل إسرائيل الفرائض والاحكام

هانذا ارسل اليكم ايليا النبي قبل مجيء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف يرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على ابائهم لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن) سفر ملاخي 4/ 4

في هذه التوصية الختامية، نلاحظ التركيز على المحافظة على شريعة موسى بفرائضها وأحكامها

والطريف انه وبرغم هذه التوصية الأخيرة، نجد ان العقيدة المسيحية التي أنشئت بعد رحيل يسوع المسيح، قد ألغت تماما، العمل بشريعة موسى، بل وتم اعتبارها لم تعد نافعة، ولن يتبرر الانسان بالعمل وأحكامها وفرائضها، وإنما يتبرر فقط بالإيمان، حسب تعليمات بولس الرسول والتي جائت مناقضة لوصايا التناخ وتعاليمه !

إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ رومية 28/3

وبالعودة الى خاتمة سفر (ملاخي) فإننا نجد آخر عددين من الإصحاح الأخير . تتحدثان عن رجوع النبي (ايليا) قبل مجيئ يوم الرب العظيم، وكيف ان هذا النبي سيقوم بعمل انجاز خلال فترة رجوعه يتمثل في إرساء الوئام والتسامح ورح الصفاء والالفة بين شعب اسرائيل، بحيث تكون ثمرة عمله واضحة ومحورية في تهيئة الشعب للمرحلة القادمة 

وقد اتفق اليهود مع المسيحيين على فهم العددين الأخيرين من سفر ملاخي على انها نبؤة عن علامة مهمة ستسبق ظهور المسيح المُخلّص، وأن النبي (ايليا) سوف يعود الى الأرض قبل ظهور المسيح ليهيئ الأمور لكي تصبح ملائمة وناضجة للشروع في العهد المسيحياني !

النبي (إيليا) هو أحد الأنبياء العظام لبني إسرائيل، واليه تنسب اسفار التناخ معاجز مهمة، وقد كان يمتاز بالزهد والصلابة في مواجهة الظلم والوثنية، ويعتقد اليهود والمسيحيون ان هذا النبي لم يمت وانما قد رفعه الله الى السماء

وفي العهد الجديد، تشير النصوص الى ان ايليا قد ظهر مع موسى حين تجليا للمسيح على الجبل .

وفيما يخص النبؤة التي اختتم بها العهد القديم، فأن الفهم اليهودي لهذه النبؤة يتلخص بشكل واضح جدا بالآتي

هذه النبؤة تخبرنا عن علامة مهمة جدا، تسبق ظهور الملك المسيح الموعود، وهي علامة عودة النبي (إيليا)، وظهوره من جديد، بحيث يكون ظهوره وانجازه واضحا ومؤثرا في المجتمع اليهودي

وبما ان النبي إيليا لم يظهر لحد الان، فهذا يعني، بكل بساطة، ان كل الذين ظهروا وادعوا أنهم مسحاء- بما فيهم يسوع الناصري - انما هم بالحقيقة مسحاء مزيفون !

...هذه كانت القراءة اليهودية

اما على الجانب المسيحي، فإننا نجد أن علامة عودة النبي ايليا كانت حاضرة في أذهان المعاصرين ليسوع الناصري

بل ان بعض معاصريه توهم ان يكون يسوع نفسه هو النبي ايليا...حتى تلاميذ يسوع، نجدهم في إصحاح (متى) يوجهون له سؤالا مباشرا عن تلك العلامة التي من المفروض ان تسبق مجيئ المسيح.

وسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: فَلِمَاذَا يَقُولُ الْكَتَبَةُ: إِنَّ إِيلِيَّا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ أَوَّلًا؟)

فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ إِيلِيَّا يَأْتِي أَوَّلًا وَيَرُدُّ كُلَّ شَيْءٍ.

وَلكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ إِيلِيَّا قَدْ جَاءَ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، بَلْ عَمِلُوا بِهِ كُلَّ مَا أَرَادُوا. كَذلِكَ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا سَوْفَ يَتَأَلَّمُ مِنْهُمْ)  متى 17 -10، 11، 12

وهنا نجد ان كاتب انجيل (متى) ينسب الى المسيح جوابا مبهما، يحوي على غموض ومطاطية تسمح بتفسيره على اكثر من معنى ! (ايليا جاء ولم يعرفوه

بينما نجد في نفس الانجيل وفي الإصحاح 11 كلام ليسوع الناصري يتحدث فيه عن يوحنا المعمدان ويصفه بشكل مباشر بأنه هو (ايليا) المزمع ان يأتي

وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ

لأَنَّ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ وَالنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا

وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ) متى 11/14

و يظهر لنا، مما تقدم، ان يسوع الناصري كان يشير الى اتباعه ومعاصريه بشكل مباشر، واحيانا غير مباشر، على ان نبؤة العهد القديم حول عودة النبي ايليا قد تحققت بشخص يوحنا المعمدان !

ويبدو ان هذه النظرة قد انتشرت وسرت في اوساط اليهود وقتذاك !

لذلك نجد في نصوص انجيل (يوحنا) ان اليهود أرسلوا من أورشليم، كهنة ولاويين، ليسألوا يوحنا المعمدان، ويتأكدوا منه حول شخصه… فنفى لهم بأن يكون هو المسيح الموعود

وكذلك نفى ان يكون هو النبي إيليا !! يوحنا 1/21

فَسَأَلُوهُ: إِذًا مَاذَا؟ إِيلِيَّا أَنْتَ؟» فَقَالَ: «لَسْتُ أَنَا. «أَلنَّبِيُّ أَنْتَ؟» فَأَجَابَ: «لاَ»

وبين نفي يوحنا المعمدان ان يكون هو النبي إيليا، وتأكيد يسوع الناصري على ان المعمدان هو ايليا !! حصل التخبّط والتناقض في الفهم المسيحي لهذه العلامة !

ولأن الحاجة هي ام الاختراع! ..كان لابد من اختراع تأويل مناسب يجمع بين التناقضين ويخرج بتفسير يضمن تحقق علامة رجوع ايليا قبل ظهور يسوع الناصري، حتى وان كان ايليا لم يرجع في الواقع!!

هنا نجد كاتب إنجيل لوقا يخرج لنا بأختراع لافت لغرض ترقيع الفتق في القصة المسيحانية

فكان ان ادعى هذا الكاتب ان النبي ايليا رجع على شكل روح حلت على يوحنا المعمدان !!! لوقا 1/17

وهذه التخريجة الطريفة، وان كانت تبدو ذكية، لكنها في الحقيقة، ساذجة وتدعو للسخرية والتعجب !

والسبب هو أن النبوءة المذكورة في سفر ملاخي كانت تتحدث بشكل واضح ومباشر عن عودة (إيليا) بنفسه، وليس عن

روحه، بل وسيكون لعودته وعمله اثار ونتائج ملموسة على الارض

وكذلك نجد ان يوحنا المعمدان عندما سألوه ان كان هو إيليا النبي ؟

أجاب بشكل واضح وقاطع ب: لا

ولم يقل لهم أنا لست ايليا ...ولكن روح إيليا قد حلت عَليّ !!

وفي جانب آخر نجد بعض اللاهوتيين عندما يقفون على موضوعة علامة عودة النبي ايليا يحاولون الخلط بين هذه النبؤة الخاصة بالنبي ايليا وبين عبارة أخرى، تتحدث عن (صوت صارخ في البرية)، ويحاولون من خلال خلط الاوراق، احداث تمويه لغرض إيصال القارئ الى نتيجة بان هذا التوصيف الذي وصف به (يوحنا المعمدان) نفسه هو نبوءة في العهد القديم، مما يؤكد ان (يوحنا المعمدان) هو (إيليا) النبي

لكن هذا نوع من التضليل ينكشف بسرعة ويتهافت من خلال الرجوع الى نصوص التناخ، حيث نجد ان هذه العبارة وردت في الإصحاح الاربعين من سفر (اشعيا)، ولا تتحدث عن النبي (ايليا) اساسا، وانما تتحدث عن علامة أخرى، هي عبارة عن صوت صارخ في البرية !، ولم يشر الاصحاح الى موضوع عودة النبي (ايليا) اصلا !

ومع عدم نجاعة التفسيرات المسيحية المتقدمة، ولخطورة عدم إثبات تحقق العلامة المهمة التي تسبق ظهور المسيح، وتأثير ذلك على مصداقية الادعاء بمسيحانية يسوع الناصري، نجد بعض اللاهوتيين المسيحيين يلجأون الى السلاح الأخير الذي يهرعون اليه عندما تُغلق المنافذ امام تأويلاتهم !! ...وأعني هنا ..اللجوء الى اسطورة المجيء الثاني للمسيح

حيث يتم تفسير عدم تحقق أهم علامة دالة على مصداقية المسيح بأن هذه العلامة سوف تتحقق - لاحقا - عند المجيئ الثاني للمسيح !!.. وقتها سيسبقه النبي ايليا !!

وهنا يأتي الرد اليهودي بشكل واضح ولا يخلو من الدهاء على هذه الازعومة المسيحية الطريفة !

حيث نجد اليهود يردون على هذا الطرح بأنه ليس هناك في نصوص كتابنا المقدس شئ اسمه المجيئ الثاني ولا يوجد اي نبؤة تتعلق بالمسيح تتحدث عن ظهور أول وظهور ثاني !!

ويضيف اليهود:

ان الادعاء المسيحي بان بعض علامات وانجازات المسيح التي أشارت إليها نصوص التناخ سوف ينجزها ويحققها يسوع الناصري بعد رجوعه الثاني لهو أكبر دليل كافٍ على ان يسوع الناصري هو مسيح مزيّف لم يستطع ان يحقق التنبؤات الخاصة بالمسيح الموعود والمنصوص عليها في الكتاب المقدس !

وأما الادعاء المسيحي حول المجيئ الثاني فهو لا يعدو كونه طلب فرصة ثانية لتحقيق ما فشل يسوع في تحقيقه خلال حياته... وهذه الفرصة لو اعطيت ليسوع الناصري ...فمن باب الإنصاف أن تعطى، ايضا لقرابة الخمسين شخصا، كلهم ادعوا المسيحانية ايضا، وانتهى بهم الامر كما انتهى بيسوع الناصري بمواجهة مصيرا دمويا ومشؤوما، حيث كان مصيرهم القتل اما صلبا او بالسيف !!

وبين القراءة اليهودية لهذه النبؤة والعلامة المفصلية حول ظهور المسيح والتي تتسم بالوضوح والاتساق

والقراءة المسيحية لنفس الموضوع والذي تتسم بالانتقائية والتخبّط وخلط المفاهيم تبرز لنا حقيقة واحدة مهمة جدا وخطيرة وهي

ان أهم علامة على ظهور المسيح لم تحدث... لحد الآن

ولازال اليهود ينتظرون تحققها قبل مجيئ مسيحهم الموعود، وبنفس الوقت، لازال المسيحيون ينتظرون تحققها قبل المجيء الثاني لمسيحهم المصلوب !

وبذلك نخلص الى نتيجة خطيرة ومحورية ...هي

ان النبي (ايليا) لم يرجع من السماء ...الى يومنا هذا !!

وان العلامة التي ينبغي أن تسبق ظهور المسيح الموعود.. لم تتحقق بعد !

 

د. جعفر الحكيم

 

الكلام عن - العدل - والبحث فيه بحد ذاته مُخاطرة وأيةُ مخاطرة لذلك يستوجب البحث فيه وعنه المزيد من الحذر والدقة والتأني، لأن البحث هو رحلة في الكشف عن خبايا المادة وعن مفهومها ومعناها، في ظل التناقض والتساؤل والتفاوت الغالب في الحياة وفي الطبيعة والمجتمع، كما إن الكتاب المجيد لم يُقدم لنا أسماً لهذه المادة ولا مصدراً لها، إنما ترك المجال لنا للإشتقاق والتوظيف من الصفة والفعل ودعانا للتعامل معاهما، ولهذا تبدو مهمتنا ليست سهلة فيما لو أتخذنا أحكاماً أو أستنتجنا قواعداً نبني عليها، وبما إن الجدل المعرفي يدور حول المضمون الفلسفي والكلامي، وما يشتق منهما من معاني وتراتبية وأحكاماً .

إن الإفتراض القائل إن العدل منهج في البحث الكلامي، إفتراض صحيح هذا إذا نظرنا للأمر من وجهة ماهو بالفعل من سيادة الكلامية وسطوتها في الأصول والفروع الدينية المُتبعة، وفي الكلامية أيضاً نتج القول التالي: (إن الصفات عين الذات)، وجر هذا القول ليكون أساسياً في بعض المدارس، وليُقال: - إن الصفات هي الأسماء حين تُنسب إلى الذات الإلهية -، جاعلين من هذا القول أصلاً كلامياً يساوي في درجة المعنى والقيمة له بين التوحيد والمعاد، وتداركاً من الخشية المعرفية تبنوا مقولة - اللطف - كمبدأ وكهبة من الله، والحق إن هذا التدارك ليس دقيقاً ولكنه صار غالباً بفعل (الكلامية السياسية) وليس الكلامية العقلية أو المنطقية، ومن هنا كان لا بد من التوضيح والبيان فثمة ما يحتاج للتصحيح والموافقة بين عالمي التكوين والتشريع، والمزج بينهما والتأسيس على ذلك واحدة من المخاطر التي سننوه عليها في تلابيب البحث ..

ولكن ما معنى العدل ؟

وللجواب نقول: العدل في اللسان العربي يأتي بمعنى: - ضد الظلم -، قال تعالى: - [وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ..] - النساء 58، وقال تعالى: - [وإذا قلتم فأعدلوا] - الأنعام 152، ومنه قيل هو: (القصد في الأمر) -، قال أبن منظور: - والعدل ما قام في النفوس أنه مستقيم -، أي إنه (غير ذي عوج) وإلى ذلك أشار إلى مفهوم التسوية والتعديل بقوله تعالى: - [هو الذي خلقك فسوآك فعدلك] - الإنفطار 7، ومنه الإعتدال والمساواة بل وحتى الوسطية، في إشارة إلى قوله تعالى: - [وأقصد في مشيك وأغضض من صوتك ..] - لقمان 19 .

وجاء في الأثر قوله: - وأما العدل فهو وضع الشيء في موضعه -، من غير تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقصان .

ولم يرد اللفظ في الكتاب المجيد بصيغة الأسم أو أسم الفاعل - عادل أو العادل - كما هي العادة الجارية في أسمائه الحسنى الأخرى التي نقرئها في الكتاب، ولكن ورد اللفظ في صيغة الفعل - أعدلوا أو تعدلوا -، وفي صيغة الصفة أو الصفة المشبهة على نحو - العدل أو بالعدل -،، واللفظ لا يكون أصيلاً إن لم يكن مصدراً والمصدر أبلغ في الدلالة وفي التعريف، قيل: ومن العدل أشتقت العَدالَةُ والتي هي: - ملكة جامعة إن حصلت للفرد فيكون المتصف بها أو الموصوف جامعاً للفضائل والقيم - .

 أقول: ولا يبعد المفهوم اللغوي للعدل عن المفهوم الإصطلاحي كثيراً، وفي المفهوم العام أعتُبر العدل من المبادئ الوجودية السامية، لأنه يُحصن الفرد والمجتمع من الظلم إن عُمل به، ومن خواصه إنه لا يكون متعيناً العدل ليست بفرد خاص من أفراد عالم الوجود دون سوآه لكي يكون معلوماً، بل هو يفيد العموم سواء في معناه أو في تطبيقاته، وإن كان اللفظ لم يرد مباشراً في عالم التكوين، وإنما وردت الصفة المتبوعة على نحو إشتقاقي كما في قوله تعالى: - { والسماء رفعها ووضع الميزان } - الرحمن 7، ويُفهم منه إن لفظي - رفع ووضع - أتيآ في السياق دلالة وإشارة على حالتي التوازن والتعادل في نظام الكون والطبيعة (وهو مقتضى العدل) في الصفة والفعل، والتوازن والتعادل شرطين موجبين ومسبقين في صحة النظرية الفيزيائية المادية للكون، وعلى هذا ورد التأكيد في سياق الأثر قوله: - (بالعدل قامت السماوات والأرض) - أنظر التفسير الكبير للرازي ج 5 ص 346، والقياس في ذلك يشبه كثيراً ما بُني عليه عالم التشريع حسب قاعدتي (الحقوق والأولويات) .

وأصل القياس هذا (مبدأ الخاصة الذاتية)، وهو مبدأ فلسفي أقيم على أساس قاعدة التقابل بين الوجود والعدم، ومنه جاء قياس البرهان عن مبدئي الخير والشر،

وقد آمن بذلك مثاليوا الفلسفة الأغريقية القديمة، فهذا بوليمارخس مثلاً قد عَّرف حد العدالة بأنه: (ما يرد للإنسان ما هو له)، ولكن ماذا تعني عبارة - ماهو له - هل تعني المتعلق بتمام الحق لكي يُرد إليه ؟، أم إن المُراد به ما يُرد إليه من كل الحق ؟، أو إنها تعني طبيعة الحق من حيث هو أو المتوقف على طبيعة العلاقة بين المتعاملين ؟ .

وصيغة - بين المتعاملين - وردت في سياق الإشارة للنقيضين، (الأصحاب والأعداء ... الأخيار والأشرار) .. وهكذا، ولفظ الأصحاب في صيغة الأسم الفاعل وردت من صحب، والدالة على معنى (الخاصة) كأصحاب الجنة في قوله تعالى: - (.. ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ..) - الأعراف 46، وأصحاب الحجر في قوله تعالى: - (.. كذب أصحاب الحجر المرسلين) - الحجر 80، إذن فالوصف يحتمل الإيجاب ويحتمل السلب، (وقيل الأصحاب بالألف واللام هم خاصة الرجل الذين يعتقد فيهم الصلاح والأمانة)، والجمع المُحلى - الأصحاب - لغةً يُراد به العموم، وأما الصحبة من حيث هي هي فلا تدل على الصلاح والأمانة، لأنها في الأصل تدل على مجرد الرفقة في المكان أو في الطريق وخلافه ولمدد متفاوتة، وهذا الأصل يبطل ما ذهب إليه الخبر التالي: (أصحابي كالنجوم بأيهم أقتديتم أهتديتم) من الحجية والإعتبار، وبنفس الإعتبار يبطل الرأي القائل - عدالة الصحابة - .

ولو سلمنا جدلاً في صحة شرط - الأمانة والصلاح - فهذا لا يكون من الملازمات الذاتية لشخصية الصاحب ولا يعني، والتسليم بهذا يقودنا للقول (بعصمة الصحابة) وهذا خطأ بيَّن، لأن ذلك يترتب عليه: - أن يكون لهم ما لا يكون لغيرهم -، وهذا التوجيه مغالطة منطقية وعقلية، ثم إن إطلاق مفهوم - العدالة - على جماعة من الناس بعينها، سيؤدي حتماً إلى توالي فاسدة وهذا ليس من العدل المحكي عنه، كما إن الإيمان بذلك يجرنا إلى مضرة أكبر، تشمل الجميع حتى الصالحين منهم .

ومن أجل تصويب المعنى نقول: (إن من البداهة إنتفاع الأصحاب الأمناء والصالحين من العدالة)، ولكن ما أهمية هذا التقسيم الإيحائي للناس إلى صالحين وأشرار ؟، طالماً نعرف إن ضرره سيكون أكثر من نفعه، والمبالغة بالتقسيم وفقاً لذلك الإعتبار سيجعل من الأشرار أكثر شراً، وهذا ضد العدل ..

ولكن ماذا لوكان العدل في خدمة الأقوياء ؟ .

الأقوياء: جمع قوي وهو جمع مُحلى، ويصح في الوصف مبالغة وتفضيلاً على أساس الكثرة في القدرة والنفو ذ، ودلالة معنى - الأقوياء - مختلفة بحسب الوضع الزماني والمكاني:

فمنهم من قال: - هم رجال السلطة والحكم - .

ومنهم من فال: - إنهم رجال المال والثروة من أصحاب البنوك والشركات الرأسمالية -.

وهناك من قال: - إنهم المرتزقة من رجال الدين والكهنة والوعاظ - .

والحق يمكننا إعتبار هؤلاء جميعاً، المؤتلفين ضمن هذا الحلف الثلاثي القائم بين - رجال المال ورجال الحكم ورجال الدين - فهؤلاء هم أهل السطوة والنفوذ، والعدالة في أغلب المجتمعات قد جُعلت من أجل هؤلاء ومن أجل تحقيق مصالحهم، أقول هذا من وحي هيمنة هذا - الحلف الثلاثي - على صناعة القرارات والقوانين وتنفيذها (فهم من يصنعون القوانين وهم من ينفذونها)، بحيث يكونون هم جهة الإدعاء والحكم وجهة الدفاع في آن معاً، أي هم الجهة الممثلة للعدالة والناطقة بأسمها، ومتلازمة - الحلف الثلاثي - موجودة على طول الخط في الماضي والحاضر (وفي قصة فرعون وهامان وقارون خير مثال)، والمُشار إليها بهذا التعاون والعمل المشترك بين هذه الفئات، وعالمنا يشهد إن الحق يدور مع رأس المال حيثما دار إيجاباً أو سلباً .

هذا القول يقودنا للتعرف: عن مدى خطورة هذا التوصيف، الذي يجعل من الناس خدماً وعبيداً لهذا الحلف فتفقد العدالة مضمونها ومعناها، فالحكومة بكل تفاصيلها ليست مقدسة ولا معصومة أو إنها لا تفعل ولا تقوم بأفعال ليس فيها خطأ، وليس هناك حاكماً في الأرض لا يخلط في قضاياه ورغباته الخاصة وبين حاكميته ؟، ولا توجد حكومة في العالم تسن القوانين دائماً لمصلحة الشعب، كما إن المشرع وجهة التشريع فيها ليست مقدسة لدرجة بحيث لا يجوز عليها الخطأ، وفرق كبير بين تشريع القوانين وسنها وبين مفهوم الطاعة ودواعيها .

وفي هذه الفقرة بالذات ذهب بعض من فلاسفة الإسلام مذهباً مثالياً، حين جعلوا من فن الحكم مقدساً في ذاته مما يستوجب الإنقياد إليه وطاعته، يأتي هذا من معنا مثالي يدور في فلك (إن الحكومة إنما تقيم أحكامها تبعاً لمصالح المحكومين جميعاً)، حسب نظرية الراعي والقطيع وهي نظرية موغلة في القدم، وهي قائمة بالفعل على ما يقوم به الحكام، حتى شاع في التاريخ الإسلامي ذلك القول السيء عن معنى إطاعة الحاكم: - [وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك] - !!، فالضرب والتعدي هنا حرره الفكر المثالي تحت بند المصلحة، في الحماية والأمن والإستقرار والنظام، وقالوا: - يكون التعدي أفضل وأنفع من العدالة -، حال تكون العدالة تضييع للحقوق .

ولكن هذه الفكرة السلبية والتي تبرر الظلم، تذهب مذهباً في جعل المصلحة مرتبطة بهذا الحاكم، وكأن الحاكم هو من يهب للناس الرزق والعيش والحياة، ناهيك عن أن الضرب ليس فيه مصلحة، ولا دليل على أن الضرب من حيث هو عمل يرتبط بإستتباب النظام والأمن، والفكرة وردت مجردة من ضميمة مفهومية تقول: (إن أصل تولي الحاكم للحكم لم يكن بإرادة شعبية، إنما كان بالغلبة والسيف والقهر)، فكيف تصح طاعته والتسليم لأحكامه ؟ .

إن مفهوم الدمج بين العدل والظلم تحت مسمى (العدالة فطرة صالحة والتعدي سياسة حسنة)، ذهبت بنا لتبني مقولة - العادل المستبد - التي ظهرت لدى فئة من الإنتهازيين والوصوليين المروجين والمبررين لغلظة حكم الخليفة عمر وشدته المفرطة، التي بررها القوم على أنها بمثابة العدل الذي ينصف الجميع، فأستخرج من فمهم كلاماً يقود إلى معنى قولهم: (إن الظلم بالسوية عدل)، وهذه محاولة لخديعة الناس في جعل ما يفعله الظالم إنما هو في سياق العدالة العام .

تدعي الميثولوجيا الدينية إن خدعة الظالم هذه تأتي من خلال التبرير الطوباوي عن جهات العدل الأربعة، معتمدين على تمويه مرده إلى القول التالي: - إن كل ذي فن قادر على غلبة غيره فيه -، والغلبة من جهة الوعي وجهة تحريك الدلالات في غير محلها (كالخدع البصرية التي تنطلي على غير أهل هذا الفن)، فالمروجين لفكرة - الظلم بالسوية عدل - هي محاولة منهم لتغرير الصالحين قبل غيرهم، وهي محاولة ديماغوجية يظن أصحابها إنها ستنتج مفاداً وتقريراً على هذا النحو: - (إن الفكرة في حد ذاتها عدل وصلاح وحكمة) -، وبناءاً عليه يكون المُخالف الذي في الطرف الأخر جاهل وشرير ومعتدي، وبهذا يتم التبرير للأعمال الشنيعة والفظيعة كقول البعض منهم: - (قُتلَ الإمام الحسين بسيف جده)، وهذا الوصف يعتبرونه من قبيل درء للفتنة تحت مظلة درء الإنقسام والنزاع وحفظ النظام والإستقرار، وهذه السفسطة التاريخية أعتبرت نوعاً من العدالة التي تحقق الوئام والإتساق، وبنفس الدرجة أو بطريقة اللاوعي تقضي على كل توجه من شأنه حتى السؤال عن فداحة العمل وبشاعته .

يأتي هذا في تحد واضح للعقل وأحكامه وحدوده الحسيَّة والمرئية، والعقل بطبيعته أو بما هو هو لا يعتبر العدالة قائمةً في الأساس على تبرير عمل الحاكم أو تبرير عمل المريدين له، بل العدل هو - ما يتسق مع طبيعة الواقع أو طبيعة الحقيقة بحسب وضعه الأصلي -، ومنه يظهر أن التوجيه الذي تبنته جماعة الحكم لا ينفك يخرج عن طبيعتها المادية تلك ونظرتها، والتي هي الوجه الأخر للظلم، فالتركيز منهم على تبرير الظلم على أنه عدل لا يحقق المصلحة إلاَّ في نظر المتبنين ولفترة محددة تنتهي بإنتهاء المنفعة، والتأكيد على المنفعة أو المصلحة لا يمثل منطق الحق من الوجهتين الطبيعية والمكتسبة، وقياس ذلك على تمام مراحل التاريخ قياساً باطلاً ينتهي إلى الإعتراف بالعجز وعدم القدرة في مواجهة الظالم والظلم .

فإن قلتم: - هذا مقتضى السياسة التي تعتبر الحق متعلقاً بالحاكم - .

قلنا: - إن هذا الإقتضاء قهري ولا أساس له سوى كون الحاكم يمتلك القوة، وهذا ما يجعله فوق القانون والعدل - .

وهذا القول الإفتراضي منهم يجرنا للإعتراف بالفوضى كمنفذ للحق، وبالتالي الإستسلام لهذا المنطق فتفقد العدالة قيمتها ومعناها، ومن أجل إقامة التوازن لا بد من الإشارة إلى هذا الخلل في الفهم، وهذا هو الجانب الأول أو المُقدمة في الموازنة بين العدل والظلم وحدودهما .

لقد عجز أنصار تلك الفكرة في التبرير لما يفعله الظالم ولم يجدوا الجواب الشافي، وكذا لم يجدوا تلك الدرجة التي تؤهل التشريع ليكون منسجماً مع هذه الفكرة اللامنطقية وتوابعها، من هنا نقول: - لا يصح أبداً إدراج الأقوال أو الأفكار التي تروج أو تخدم الحاكم، ولا يصح إعتبارها هي العدل أو من العدل أو أنها المعبرة عنه، لأن تلك الأفكار والأقوال توازي ما تتبناه - المثالية الكلاسيكية - المستسلمة والتي تؤيد الخنوع بحجة الحفاظ على الأمن والنظام، حتى لو أعتبرنا هذا التوجه أو هذا التفسير منها زمني لكن الشيء المهم إن فيه الكثير من الإلزام والخضوع الممنوع .

ومن هنا نُعيد التأكيد من جديد والقول: - إن العدل لا يكون صحيحاً حين يجسد إرادة الأقوياء -، ولا يكون صحيحاً كذلك حين يكون لمصلحة الأصحاب والأقرباء، لأن في ذلك التوجه أو الإيمان شياع للظلم في مسمى جديد، وإقتراحات بعض الفلاسفة المثاليين الكلاسيكيين ليست على مايُرام، ولا ينبغي إعتمادها أو الأخذ بها كما لا يجب تبرير مقولات أهل الفقه التراثي في ذلك، فثمة خدوش كبيرة في متبنيات الطرفين، وثمة تماهي وسيرورة واضحة مع إرادة الحاكم مهما كان وحاشيته مهما تكن، وهذا هو الظلم المنهي عنه، وأما العدل فحقيقته وأساسه ومعناه هو في وضع الشيء في موضعه .

 

 

العدل الإلهي:

في البداية نسأل هل الله عادل ؟، ثم لماذا نفترض إن الله عادلاً ؟

وللبيان نقول: لم يرد لفظ - عادل - لا أسماً ولا مصدراً في الكتاب المجيد مطلقاً، ولكن الذي ورد هو صيغة الفعل والصفة، واللفظ في كليهما ورد في باب التشريع والقانون وبصيغ (أعدلوا وبالعدل) وغاب الأسم وأسم الفاعل والمصدر، وهذا يقودنا للكلام عن أو في أصل التكوين والخلق، وفي هذا الأصل نقول: هل كان هناك قيداً أو مانعاً يمنع من ذكر الأسم ؟، وإذا كان موجوداً، فما هو وما نوعه ؟، والسؤال عن الماهية والنوعية في معنى القيد، يقودنا للجواب الذي ورد تحت معنى (آية أو آيات) كدليل غير مباشر لعدم الذكر، وهذا يعني إن التساوي في الخلق ظلم، ولذلك جعل الإختلاف سُنة طبيعية لتوازن الكون والحياة، لذلك كان من مقتضيات صحة نظام الطبيعة هو رفع حالة التساوي في طبيعة الخلق، لا في الفئة الواحدة ولا في الفئات المتنوعة ولا في الفرد الواحد ولا في الأفراد الأخرين، ومن ذلك أستلهم الفقيه والكلامي هذا المعنى ووظفوه في أبحاثهم، فأهل الكلام مثلاً أعتبروا: - (وجوب العدل على الله) - !!، وهذا الإعتبار منحاز للسياق ولطبيعة الله المعنوية، ولكن كيف يكون ذلك ولماذا ؟

أي كيف يكون العدل واجباً على الله ولماذا ؟، يأتي هذا في سياق المُتبنى عند أهل الكلام في قولهم بوحدة الأسم والصفة، ولكن الإعتبار منهم أُخذ من معنى الصفة، وكما قلنا لا يميز الكلامي في الدلالة بين الصفة والأسم، ومهما يكن اللفظ فيكون دالاً على الأخر، نفهم هذا من مقولتهم الشهيرة والقائلة: - إن أسمه عين صفته، وصفته عين أسمه -، في الإشارة والوصف إلى الله، مع إن هذه المقولة ليست بيانية بدرجة، ولكنها إلتفاف وإجابة من بعيد (على هكذا موارد قد يسأل فيها سائل) .

ولكن كيف يكون العدل واجباً ؟، والجواب: إن الوجوب ليس بما نفهمه من المعنى السلبي المُلزم، ذلك إن الله ليس محكوماً ولا تابعاً للغير بالفعل ولا بالقوة، ولكن الله لما سمى نفسد - الرحيم - وعرفناه كذلك، قلنا هذا: من باب إشتقاق المعنى التضمني لمفهوم الرحمة، والذي بمقتضاه: - لا يظلم عند الله أحدا -، وبناءاً على هذا المقتضى يكون الله - عادلاً -، قال تعالى: [كتب ربكم على نفسه الرحمة] - الأنعام 154، ولفظ كتب يدل على الوجوب وقد مر بيانه في معنى الوصية والميراث فلا نعيد، ويكون المعنى المُراد: - (أوجب ربكم على نفسه الرحمة)، أو بتعبير أخر: - (إن الرحمة واجبة على الله)، قال تعالى: - [وربك الغفور ذو الرحمة ..] - الكهف 58 .

ولكن مامعنى عدم ذكر أسم الله (العادل) ولا أسم الصفة (العدل) في عالم الخلق والتكوين ؟

مع أن المفروض أن يكون الأسم والصفة موجودان في عالم الخلق والتكوين، حتى لا يدع مجالاً للشك أو إتهام الله فيما صنع وخلق وسوى، ونحيل أوراق هذه القضية والكلام فيها لمعنى الإختلاف الموجود في اللسان واللون، وتعلمون كم أصاب بعض القوم من هذا الإختلاف ضرر ومخمصة أدت إلى شعور البعض بالضعة والضعف، بل وأدى ذلك إلى إحتقار الغير لهم وإستعبادهم، فهل هذا التفاوت يدخل في صحة معنى قوله تعالى: - [.. وإختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين] – الروم 22،

تدعي المثالية: - إن ساحة العدل الإلهي من السعة بمكان بحيث لاتدع مجالاً لإتهام الله فيما صنع أو خلق أو شَّرع -، أي إنه لا يمكن إتهام الله في خلقه لبعض الكائنات، وجعلها متفاوتاً باللون واللسان من جهة ومن جهة جعلها متفاوتاً بالعلم ودرجة الإستيعاب ومن جهة الرزق، ولعل الكتاب المجيد أدخل هذا التفاوت في المعنى التكاملي للحياة، إذ بدون ذلك يتعذر العيش والحياة عبارة (آيات الله)، أي إن هذا التفاوت والإختلاف هو من آيات الله المرتبطة بالخق والتكوين، وليس لمعنى الآيات مجالاً في عالم التشريع والقانون، ومن هنا فالربط الموضوعي بين الإختلاف والآيات يرتبط حصراً بعالم التكوين، وفي هذه بالذات لا يعد الإختلاف ظلماً بل هو عين العدل ومقتضاه، فالتساوي في الخلق في عالم التكوين يفقد الحياة معناها، ويفقدها هذه الصورة الجميلة التي هي عليها الآن، والإختلاف وفق هذا النظم عده أهل الحقيقة (بيان في حيوية الخلق) .

إذن فلإختلاف في الخلق تكويناً هو القاعدة التي يُبنى عليها، ويغدو من العبث السؤال عن وحول: - لم يذكر الكتاب المجيد الأسم أو أسم الفاعل ؟، ونقول: إن الله في باب التكوين لم يطرح فكرة التساوي في الخلق، لأنها سالبة بإنتفاء موضوعها، ولكنه رسخ مبدأ التساوي في الحكم والتشريع، أي إن الله حين أستخلف العقل في الإدارة والحكم طلب منه، الإلتزام بالعدل صفة وفعلاً حتى يتم تحقيق الصفة والفعل في الحياة في الحقوق والواجبات، لهذا ورد في الأثر (عدل ساعة في الحكم تساوي عبادة ستين عاماً)، وبهذا الطلب يكون التنفر أو إلقاء التهم على الله في كونه أصل المشكلة، إتهام باطل لأن الله إنما أراد الإنسان أن يكون له القدرة والصلاحية في تحقيق فكرة المساوات في الحقوق والأولويات، ومع ذلك لم يترك الله الإنسان وحده في سن القوانين والتشريعات بل ساهم معه في ذلك، عبر تشريع القوانين والنظم في مجالات الحياة كافة، وتبقى فكرة إتهام الله منشأها نفسي ومزاجي، تقوم على الملاحظات البسيطة والكسل والتخاذل في عدم القدرة والإستطاعة على مجابهة المشكلات التي تصنعها الحياة والإنسان، فيُنسب هذه الخلل إلى الله ثم يُتهم مع إن المنطق العلمي يقول: - إن الأصل في عالم الوجود قام على أساس مبدأ الإنتظام الطبيعي -، وهذا المبدأ هو عينه الذي قامت عليه ودلت مقولة إن العدل هو: - (وضع للشيء في موضعه) - .

ومنذ بدايات الخلق لم يخرج مفهوم - العدل - عن كونه الدليل الدال على النظام وحفظ الحقوق للأفراد والجماعات، ولا ينفصل هذا المفهوم وجوداً وعدماً عن مفهوم الحرية كشرط في تحققه وديمومته، فالحرية شرط سابق ليكون العدل في محله وموضعه الصحيح .

ونعود للتأكيد بأن - العدل - لا يعني التساوي في عالم التكوين، ولكنه في عالم التشريع يكون مطلوباً كذلك في مجال الحقوق والعمل، طبعاً لا يجب أن يُفهم من ذلك إن التساوي بمعنى التوافق أو الإنطباق في الهيئة والشكل والمضمون وفي العمل والأجور، ولهذا ورد القول التالي: - لكل حسب قدرته ولكل حسب حاجته -، وهذا القول هو الذي يجيزه العقل ويقره، بمعنى إن العقل لا يسمح بتساوي الأجور مع تفاوت العمل وساعاته، إنما يجيز العقل التساوي في الحقوق المشتركة كقضية التأمين الصحي والتعليم وإن يكون لكل فرد أو عائلة مسكناً يؤون إليه، ولكن في مجال العمل تتفاوت القدرات والجهود المبذولة في ذلك، لذلك نقول: - لا يكون ممكننا المساوات في العمل وفي الأجور، لأن ذلك مدعاة لوقوع الحيف على البعض -، وهذا ممنوع بل ليس من العدل بشيء، ثم إن أسم الصفة - العدل - يتضمن ويدل على - إعطاء كل ذي حق حقه -، ولا يدل ذلك على معنى التساوي في كل شيء، إنما يدل على عدم تضييع الحقوق كثيرها وقليلها .

وهذه دالة العدالة ومضمونها المعرفي، وفي هذا المجال تطرح هذه الإشكالية في صيغة إعتراض، عن الجدوى من تأصيل الفوارق في الرزق وفي العلم وفي الصحة، والتي وردت بصيغة (هل يستوي ..)، التي يفهم منها اللامساوات والتي يجد فيها البعض كما قلنا، وسيلة في التشكيك وإتهام الله وبأن ما حاصل بالفعل إنما منشأه عدم العدل وتأصيله وتشريعه، سواء من جهة الخلق أو من جهة القابلية والقدرة والإستطاعة، من خلال ذلك النظام الظالم الذي رفع بعض الناس على بعض، وقد أستُغل هذا الوضع من جهات وأفراد ليميزوا فيه أنفسهم على غيرهم، مدعين الحق وناسبين ذلك إلى الله وإرادته، التي أفتقدت للعدل حين لم تساوي وفرقت في الخلق وفي الصنع .

وقد أبطلنا هذا القول من جهة (إن الله لم يجعل هذا التمايز لما هو سيء وقبيح)، بل أدخله في مجال وميزان التنافس والعمل طارحاً مبدأ: - (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك) الإسراء 20، فمن جهة جعل الناس شركاء في أساسيات الحياة المعروفة، ومن جهة دفع حالة اليأس والقنوط التي قد يظن بها البعض، ومن جهة أخرى جعل من التمايز سنة طبيعية وجعل من مواجهة الجميع للحياة بنفس الدرجة، ثم أتبع ذلك بقوله: - [ليبلوكم أيكم أحسن عملا] - هود 7 والملك 2، ومفهوم البلاء هنا ليس مفهوماً سلبياً إنما هو تكليف، ورد في صيغة التحدي ومواجهة قوى الطبيعة والحياة، يظهر ذلك في الربط بينه وبين لفظ - أحسن - الوارد في صيغة المبالغة أو لنقل المفاضلة، وبذلك يكون قد حدد طبيعة المواجهة وشكل التحدي لها، معتبراً العمل هو القيمة التي تحدد معنى الأحسن والأفضل في مواجهة الصعاب والمتاعب، إذن هو موضوع طرح على نحو إيجابي طالما كان القصد منه درجة الإعمار والبناء: - (هو أنشأكم من الأرض وأستعمركم فيها) هود 61 ...

وللحديث بقية

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

25 رجب 1440 هجرية

 

 

مجدي ابراهيملا ينفصل الحديث عن المعراج بمعناه الصوفي، عن الحديث عن الإسراء بمعناه الديني، كلاهما (الإسراء والمعراج) يصدر عن مشكاة من النور واحدة، وكلاهما يحيل الغيب من طريق الذوق إلى شهود، وكلاهما يرتفع فوق مرتبة الحسّ المشاهد والعقل المحدود؛ ليخاطب في الإنسان ملكات أعلى من العقل وأدنى إلى البصيرة وأقرب إلى الإيمان، وكلاهما تعبير مباشر عن الصدق والتصديق. فأمّا الصدق ففي آيات الإعجاز. وأمّا التصديق؛ ففي سلامة الإيمان من الدَّغَل والتعطيل.

وإنّا لنلفتُ النظر هنا إلى أننا نقارب حديث الإسراء والمعراج مُقَاربات روحيّة من حيث علاقتها المباشرة بمسألة الإعجاز بالمفهوم الديني، ومسألة الإعجاز في القيمة الروحيّة، واستخلاص الدلالة الباقية من تلك المقاربات في كل حديث على حدة، سواء كان في الإسراء أو كان في المعراج.

توكدت رحلة المصطفي  صلوات الله وسلامه عليه، توكيداً يقينياً من لدُن تنزيل حكيم. كما أكد القرآن الكريم كثيراً من المواقف التي حدثت لرسول الله توكيداً يرفعها فوق رتبة الشك والحيرة وإثارة الريبة في نفوس الناس. في سورة الإسراء يقول الحق تبارك وتعالى :" سُبْحَانَ الَّذي أَسْرَىَ بعَبْدِه لَيْلَاً مِن المسجدِ الحَرَامِ إلىَ المَسْجِدِ الأَقْصَىَ الَّذي بَارْكَنَا حَوْلَهُ لنُرِيَهُ من آيَاتِنَا، إنّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" (الإسراء(1)).

فلا عجب أن تتصَدَّر سورة الإسراء بهذا الاستفتاح الإلهي العظيم الذي يقدّم مفعول القدرة الإلهيّة على كل ما يحدث من عجائب الكون الهائل الفسيح؛ ليعمل عمله الفاعل كرامة للإنسان وتشريفاً له أيّما تشريف، وكفى بشرف العبودية شرفاً ما بعده شرف؛ فإذا تقدّم الوجود الإلهي، ولا بد أن يتقدّم، وَجَبَ هنالك الخضوع والإذعان والتصديق : علامات العبودية لله. وإذا وجدت هذه الثلاث صفات في قلب عبد كريم النفس جواد بمعدن الإيمان، كان أمره أن يرى ما لا يراه غيره من الناس، ولو كانت هذه الرؤية من قبيل الخوارق التي تصدم العقل من أول وهلة.

ولأجل هذا؛ انتقل خبر الإسراء إلى أبي بكر الصديق. وهو - من بعدُ - لم يلتق بمحمد ،صلوات ربي وسلامه عليه، فقال قولته المشهورة إذْ ذَاكَ :" إنْ كانَ قالَ فقد صَدَق ". وقد صدق كريم النفس الذي يجود بكل ما عنده من معدن الإيمان. ولم يكن تصديقه إذْ ذَاَكَ إلَّا الصدق الذي يلزم لكمال الإنسانية من طريق الإيمان، وإلّا الصداقة التي تشتق من الصدق؛ لتجيء زخراً للصادقين؛ فإن صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الندامة. وخيرُ الأصحاب عند الله تعالى كما قال عليه السلام خيرهم لصاحبه". وقال :"لا تصاحب إلّا مؤمناً" .. "ولا خَيَر في صحبة من لا يرى لك الخير كنفسِه".

وليس من عجب أن تكون الصداقة طريقاً للكمال ونموذجاً يحتذى للحياة الإنسانية، يلزم لها كما يلزم للإنسانية أن يجيء من أصدق صفاتها ترقية الأخلاق وتهذيب الحواشي والطباع والنفاذ إلى البواطن قبل الظواهر. لا ريب كان الصدق في الإنسان أهم مزيّة تثلج الصدر وتورث التوازن بين مطالب النفس وحاجات الضمير.

الإنسان الصادق إنسانُ كاملٌ ما في ذلك شك؛ لأنه نموذج أعلى صالح للإنسان كما ينبغي أن تكون عليه خصال الإنسان. ألَا ما أروع الصدق في ذاته، وما أروع ورع الصادقين. وقد قال صلوات الله وسلامه عليه  :"ما يزال الرجل يصدق ويتحَرَىَ الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً". " عليكم بالصدق؛ فإنّ الصدق يهدي إلى البر، والبرُّ يهدى إلى الجنة".

علام لا يكون الصدق فضيلة الفضائل، وعلام لا تكون الأخلاق التي يكشف عنها هى في أعمق أعماقها دلالة أكيدة على فضيلة الصدق إذا توخّاه أهله وأربابه وعارفوه؟

إنَّ الصدق طمأنينة والكذب ريبة كما قال سيد الخلق، صلوات الله وسلامه عليه، وهو المنجاة. أمَّا الكذب فتلف ومهواة. علامَ لا يكون الصدق فضيلة، وقد وصف الله نفسه بمحبة الصادقين؟ وهل بعد وصف الله في كتابه العزيز وصفاً تناط به قيمة الصدق بعيداً عن تحليلات المُحَللين وتعليلات المعللين إلّا أن يكون هو الوصف الذي يجئ لنا على السماحة والمودة والصفاء؟

حقاً .. إنْ كانَ قالَ فقد صَدَق. كلمة رائعة من رجل رائع، نفذَ الصدق إلى أعمق أعماق طواياه؛ ليؤكد هذه الحقيقة الساطعة : أن الله يحب الصادقين فيجرى على قلوبهم وألسنتهم كلماته الخالدة. يحبُّ الله الصادقين ما في ذلك شك، ولا عليه خلاف، لكن هذا الحبّ لا يتأتى مطلقاً إلّا بتطهير الأفئدة من الأخلاق المذمومة؛ فإنّ فضيلة الصدق وتوابعه من الصداقة والمودة والمحبّة والإخاء وحسن الأحدوثة إنما هو نظافة، لتجيء الصداقة : نظافة الباطن من لوثة المهلكات.

ومن أجل هذا؛ كانت كل توابع الصدق في ذاته وصفاته طريقاً في سبيل الكمال، وأن الكُمَّل وحدهم لهم الصادقين على الحقيقة. فإذا لم يكن ها هنا تطهيرٌ ما كانت هنالك صداقة، ولا كان هنالك صدق. ومتى كان الإنسان في نفسه صادقاً، كان قائماً على أخلاق الصادقين على الدوام بلا انقطاع، أولئك الذين زرعوا الصدق والرصانة وحصدوا الثقة والأمانة. ولزم - من ثمَّ - أن يفرض هذا الصدق فرضاً ممتعاً مبهراً على واقع الناس من حوله وعلى الآخرين .. كيف هذا؟

لأنك لا تكون أبداً على فضيلة الإخلاص الصادق في التعامل والمعايشة، ولا تخاطب فيك هذه الفضيلة عنصر الفضل في الإنسانية كلها؛ إذا هى تعلقت بقيم الوجود الروحي والأخلاقي لكل إنسان يَرْقىَ مع هذا النزوع ويسمو مع تلك المطالب ويجوز عليه كل ما هو جائز على إنسان صعدت فيه هذه الفضيلة السامقة الرفيعة ولم تهبط هبوط الحيوانية البغيضة إلى الدرك الأسفل من التخلف والانحطاط. وبما أن الصدق عمود الدين، وركن الأدب، وأصل المرُوُءة، فقد صارت من ها هنا مسألة "القدوة"، وهى خيرُ نموذج صالح، ضرورية لاقتران الفكرة بالمسالك العملية وبالممارسة النافعة في حياة الناس.

القدوة التي رآها أبو بكر في رسول الله صلوات الله عليه، فَصَدّقه في خبر السماء (إنْ كانَ قَالَ فقد صدَق).

لا جَرَمَ كان هذا المضمون الطيَّب أصلاً أصيلاً تتفرَّع عنه الصداقة؛ لتكون طريقاً إلى الكمال، وينطبق عليها ما ينطبق عل فضائل العلاقة الطيبة بين أفاضل الناس. يضيع المجتمع في سفاهة الخُلق الوضيع إذا لم تكن الصداقة بين أفراده مؤسسة على طيبة هذا المضمون، وطيدة تقوم على التلطف والإحسان والثقة المتبادلة، وعلى مراعاة حق الله فيما أمرَ وفيما نَهى، وفيما ألقى على الإنسان تبعة التكليف، يعيش معها مسئولاً  بالتبعية على أخلص ما في ضميره من مزايا وخصال ومن معاملة وتقرير.

ويحسبُ الذين ينظرون إلى مثل هذه الأمور نظرة سطحية أن علاقة الصديق أبي بكر رضوان الله عليه بسيد الخلق صلوات الله عليه تحتّم عليه أن يصدّق قول رسول  الله فيما حَدَّثَ به من أمر الإسراء والمعراج لا لشيء إلا لأنه سيده وقائده ومعلمه ورسوله الذي لا ينطلق عن هوى وكفى. وكفى بهذا تصديقاً في صدق الصديق الذي أطلقت اللفظة اسماً عليه ورسماً؛ لتصديقه خبر الإسراء في حين كذّبه كثيرون. وإذْ لم نُرِدْ نحن أن نقف عند هذه النظرة التاريخية بما فيها من سطحية الإعجاز، يُلزِمنا ذلك أن نريد عمق النظرة في هذا كله، فننظر إلى الإعجاز العميق في جذوره الإيمانية. فلو لم يكن أبو بكر الصديق قد قال ما قاله يوم أسْرىَ برسول الله صلوات الله عليه  فماذا عَسَاهَا إذْ ذَاكَ كانت تكون الرسالة؟ وماذا عساه يكون أمر النبي يومئذٍ، وجليس المرء مثله؟

لكن شَاءَ الله، سبحانه، أن يقيّض لهذا الدين رجاله وأن يدفع بهم الكذب والريبة وعدم التصديق بسيف صارم بتَّار من قوة البصيرة وقوة الإيمان؛ تمثل للوهلة الأولى في أبي بكر الصديق حين نقلت إليه الأخبار أن محمداً أسرى به في ليلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عُرجَ به إلى السموات العُلا عند سدرة المنتهى، ورجع إلى منزلة في نفس الليلة ليحَدِّث الناس بما رأى وبما سمع.

خَارقةٌ أذهلت العقول وأعجزت القلوب ونالت يومها من هشاشة الإيمان عند كثيرين؛ لكأنما هى شكاية تتلون بألوان التكذيب. فما كان منه، رضوان الله عليه، إلّا أن دَفَعَ في وجه كل افتراء تصديقاً لخبر الرسول  :" إنْ كانَ قالَ فقد صدق ".

فهذه مقولة لا يقولها على البديهة إلا مؤمن يتقدَّم عنده الإيمان بالله على سواه، ويصاحبه في نفس هذا التقدُّم الإيمان بصاحب الرسالة.

فلئن كانت النظرة التاريخية تقصر الإعجاز في تلك المقولة على علاقة النبي عليه السلام بأبي بكر الصديق، فإن عمق الإعجاز فيها كلمة أطلقها أبو بكر الصديق، لا يقتصر على العلاقة الحميمة بينه وبين النبي، ولكن أيضاً بالإضافة إلى ذلك، يُشْرِقُ من معدن الإيمان وهو بلا شك معدن أصيل في الطبائع النقية والسلائق المؤمنة، حَدّده وأورد ذكره ذلك الاستفتاح الإلهي العظيم في قوله تعالى " سبحان الذي ... ".

فعلى هذه الكلمة المباركة التي تقدِّم القدرة الإلهية على كل شيء، وترسل الخضوع والإذعان والتصديق أشعة نورانية وضّاءة إلى قلوب المؤمنين بالله، وبما عند الله، إيماناً صادقاً ومخلصاً. أقول؛ على هذه الكلمة الإلهية في التسبيح الوارد ذكره، كان إيمان أبو بكر رضوان الله عليه، حتى ليرى من أمر النبي ما لا يمكن أن يراه سواه ممّن لم يتمكن الإيمان من قلوبهم تمكنه بهذه الصلة القويمة المحكمة.

نعم! ذلك الإيمان الذي يتركّز في هذه اللفظة (لفظة التسبيح) تركيزاً شديداً قد لا يتيسر لنا فتح معناه الذي انكمش في باطن الكلمة " سبحان الذي ... "، ومن هنا؛ فلا نستغرب مطلع الآية القرآنية بحكمة الاستفتاح بالتسبيح؛ لتجيء اللفظة ليست مجرد لفظة عارضة بل قدرة إلهية محمَّلة بالإعجاز الذي تحار فيه العقول المحدودة بمقدار ما تحار في تعليل أسبابه وخوافيه. ولم يكن هذا الإيمان عند خليفة رسول الله ببعيد عن صاحب الرسالة؛ فهو صلوات الله عليه الذي علمه كيف يكون الإيمان. ولو سُئل سيد الخلق : مَنْ من أصحابك أسرع إلى تصديقك في أمر هذا الإعجاز؟ لكانت الإجابة بلا شك أنه أبو بكر.

وسبب هذا؛ أنه يعلم تماماً إيمانه الصادق الصدوق الذي لا يمكن أن يكذب فيه خبراً جرى به لسان النبي عن ربه؛ فهو من معدن الإيمان ينطلق وإلى معدن الإيمان يعود. وأي قياس في طبيعة الإيمان تقاسُ به معجزة الإسراء والمعراج بالنسبة إلى خبر السماء أقنع وأفعل وأصدق من هذا القياس؟

فإذا كان أبو بكر يصدِّق رسول الله  في خبر السماء، فكيف لا يصدقه في خبر الإسراء من مكة إلى القدس، والمعراج من القدس إلى السموات العُلا؟ أليست الدعوة المحمدية كلها، في قضّها وقضيضها، خبراً عن السماء من وحي معصوم عن الكذب والافتئات، ممدود الرعاية الإلهية فيما تقصد إليه الرعاية من تصديق بكل ما جاء فيها، وبشتى ما يجري على مقتضاها من نصرة صاحب الرسالة في أول وآخر مطاف؟

ولنا أن نلاحظ : إلى أي مدى تنتقص القدرة الإلهية في طبيعة إيمان المؤمن بهذه القدرة، فيُواجه بالتكذيب والتشكيك مثل هاته الأمور التي تبدو من الغرائب الأعاجيب بالنسبة للمحجوبين عن أقدار الله وعن موالاة رسوله؟

وليس في مستطاع الخيال أن يتخيّل : إنْ خطرت إذْ ذَاَكَ في قلب الصديق خاطرة شك أو داهمت عقله هاجسة ريب في أمر العلاقة ذات الصلة الوثقى بين ربِّ العزة ورسوله محمد ،ماذا سيكون عليه الحال؟

لم يعد إذْ ذَاَكَ من المتقدّمين ولا من المتأخرين في صدق الإيمان. ولكنه، رضوان الله عليه، صَدَّق؛ لأن الصدق شيمته وثمرة مروءته وزكاة خلقته وربيع قلبه وشعاع ضميره، وهو أقرب الموارد لحرية الاعتقاد تماماً كما هو أقرب الموارد إلى طبيعة الإيمان الصادق منه إلى التشكيك والتكذيب؛ فمن حيث كونه أقرب الموارد لحرية الاعتقاد؛ فلأن أمر العقيدة كلها موكول عليه، وهو غيب في غيب.

ومادام الإنسان أختار بكامل حريته الاعتقاد في الله ورسوله؛ فقد أختار تباعاً كل ما يَلْزَم عن العقيدة من عمل وما يتعلق منها بسلوك. وأولُ هذه المتعلقات اللازمة هو تلك العملية الفكرية التي تنقل الاعتقاد الباطن إلى حيث ميادين السلوك والعمل. وإني لأعنى بالعلمية الفكرية هو ذلك الضرب النادر من الصدق والتسليم : الصدق فيما يواجهك به الاعتقاد من فروض بيد أنها في ذاتها حقائق من شأنها أن تغزو نفسك فتثير فيها الشكوك؛ فتظل تبني على هذه الفروض إرهاصات من خطرات الفكر ووساوس النفس قد تخرجك، إذا لم تكن قوى الإيمان، عن حظيرة الاعتقاد. وإذا كان الصدقُ ربيعَ القلبِ وزكاةَ الخِلْقَةِ وثمرةَ المروءةِ وشعاعَ الضمير، فإن مرَدُّهُ إلى الفعل النافع والعمل القويم المشروط بشرائط الاعتقاد، والصادق مَن يصدُق في أفعاله صدقه في أقواله.

وإني لأجد علاقة ظاهرة رابطة بين الصدق والحرية لا يخطئها نظر الفاحص المتعمق في أغوار الإيمان؛ فالمؤمن الذي يصدّق هو من الحرية بمكان بحيث يجيء الصدق ديدنه المعهود كما تكون الحرية غايته الشريفة الأبيّة. والصادق حرٌّ كريم لا يرضى الضيم ولا الهوان، لا على مستوى العقيدة التي يدين لها بالولاء ولا مستوى العمل بها أو التطبيق.

أمّا من حيث كون الصدق هو أقرب الموارد إلى الإيمان منه إلى التشكيك والتكذيب؛ فمَرَدَّهُ إلى التسليم بأمر العقيدة من حيث كونه اختباراً لقوة إيمان المؤمن بالاعتقاد؛ وتمحيصاً لمساربه في قلبه وضميره، فإذا لم تكن قوى الاعتقاد فلن تكون بحال قوى التسليم.

وقرانة الصدق والتسليم بالاعتقاد هى قرانة ضرورية بحكم البديهة الإيمانية، تدور معه حضوراً وغياباً حتى إذا ما حضر الاعتقاد في القلب حضر معه الصدق، وحضر معه كذلك التسليم، وإذا غاب الاعتقاد وارتفع عن القلب؛ فغياب الصدق وارتفاع التسليم شيءٌ ضروري أيضاً يتحتم معه حلول الشكوك والأكاذيب. فالعلاقة المنطقية بين هذه المعاني ظاهرة لا تخفى على أحد، ولا يمكن لأحد أن يتغافل عنها؛ لكونها أظهر من أن تتعدى حدود المنطق أو تتخطى فواصل المعقول.

وهكذا؛ فقد صدَق الصديق رضوان الله عليه؛ لأن اعتقاده حرٌ كريم، أملى عليه في التوِّ واللحظة أن يكون صادقاً ولم يدعه عرضة لنوازع الفكر غير المضبوط بضوابط الإيمان تأخذه بعيداً عن محراب التصديق. وما كان يمكن أن يكون كذلك لولا أن حضور القلب الذي يُغَذيّه الإيمان بالله على الدوام كان بمثابة الرؤية الهادية إلى التصديق، وهى رؤية كاشفة تتوزع فيها الأنصبة العادلة في كل جوانب الشخصية التصديقية؛ فجانب منها من نصيب الفكرة الإلهية، وجانب فيها من نصيب الذوق والشعور بوافر المعيّة، وجانب ثالث من نصيب تقدير مشكاة النبوّة الذي يترفع ويسمو متى ارتفعت في الإنسان قواه الباطنة. ومن وراء ذلك كله، تكمن الرؤية الكاشفة يتحرَّك من خلالها ذلك الوجود الروحي الحيوي الفعّال. وهو كما قلنا أقرب الموارد إلى طبيعة الإيمان الصادق منه إلى التشكيك والتكذيب بل لا مجال هنالك لأمور التشكيك والتكذيب في مثل هذا الوجود.

على أن الحضور القلبي الذي أسلفنا ذكره لهو هو حضور تجميع لما تفرَّق من أحوال القدرة الإلهية الخافية عن قلوب الغافلين المحجوبين. ففرقٌ؛ وفرقٌ كبير بين حضور الإيمان وحضور الغفلة والتعطيل : الأخير الذي هو حضور الغفلة والتعطيل حجابٌ يصحبه ترديد أجوف منبوذ لشرائط الاعتقاد بالنظر تارة وبالكلام والتشدِّق تارة أخرى، هو مجرد أعجاب باللفظ؛ لكأنما هو قشرة برَّانيَّة هَشَّة فرضت نفسها فاستحضرت أناس لم يبلغ الحضور منهم درجة واحدة تتقوَّم بها عندهم مقومات الإيمان؛ فلئن كان حضوراً محجوباً يصحبه ترديد لفظي لشرائط الإيمان؛ فلأنه حضور لا يفارقه التردد القلبي وتقارنه الشكوك كما تداخله الأوهام. وأمثال هؤلاء هم الذين سمعوا حديث الإسراء والمعراج، فهبوا فزعين لينالوا من صدق النبي عليه السلام، وهم الذين كانوا من قبل يرونَ فيه مثلاً عالياً من الصدق والأمانة؛ فما بالهم اليوم يرتدُّون فيكذبون؟

هل خالط الإيمان قلوبهم أم كان مجرد قشرة خارجية هَشَّة حضورها على الغفلة واعتقادها خذلان؟!

غير أن فَزْعتهم هذه، قد أوجبت عليهم النكاية من جانب أبي بكر الصديق وهو الأمين الصادق الذي أطلق على أسماعهم، بعد أن هبوا إليه فزعين يشكونه هذا المورد الغريب أورده عليهم محمد رسول الله.

يومها أطلق عليهم طلقة صارخة مدويّة بما لم يعتادوا أن يسمعوه أو يفعلوه، وهو "الصدق" الذي جرَّدُوه من الفاعلية، بحضور الغفلة والحجاب، عن الاعتقاد. ولئن كان حضورهم حضور غفلة وتعطيل؛ فحضور الصديق، رضوان الله عليه، حضور إيمان مقرون بحيوية الاعتقاد.

كان حضوراً يَلفَّهُ الصدق الصادق الصدوق، ويطويه الإيمان المنزَّه عن لوثة الشرك والشكوك؛ إذْ كان صدقاً مقروناً بالاعتقاد عند أبي بكر في مقولته الشهيرة :"إنْ كانَ قَالَ فقد صَدَق"؛ فذلك هو حضور الإيمان الذي يخالط قلوب الصادقين.

فإذا كنتَ رأيتَ في الجماعة التي كذَّبَت حديث الإسراء والمعراج حضوراً غافلاً ذليلاً، فها هنا في تصديق الصديق ترى حضور الإيمان والعز واليقين علامة واضحة دفعت أبو بكر أن يقول ما قاله في شأن الرحلة المباركة الكريمة، وليس من عجب؛ فالصدق عز والباطل ذُل.

لقد صَدَّقَ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه  في أبعد من هذا، صَدَّقه في خبر السماء وائتمنه على حقائق الغيب المحجوب : أيكون بعد هذا كله، من الذين يكذبونه كما كذّبه من قومه كل معارض له شائن لدعوته؟ هذا والله مما لا يكون أبداً، ومما لا يصح في حق حضور الإيمان وكرامته وعزته في قلوب المؤمنين الكرماء الأعزاء.

*    *     *

ولا جَرَمَ أن حضور الإيمان، كما قلنا، مقرونٌ في جلالته بالآية الكريمة :" سُبْحَانَ الَّذي أَسْرَىَ بعَبْدِه لَيْلَاً مِن المسجدِ الحَرَامِ إلىَ المَسْجِدِ الأَقْصَىَ الَّذي بَارْكَنَا حَوْلَهُ لنُرِيَهُ من آيَاتِنَا، إنّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ". إنّه سميع بدعوة سيد الخلق محمد  حينما شكا إلى ربه ما هو فيه، بعد أن بلغ به الأسى مبلغه، مع أن طريقة الشكاية لم تكن من طبعه، وأن تحمّله ما لاقاه من أذى كان مثالاً نادراً للصبر الجميل، وللأمل الذي يملأ قلبه في نصر الله، دون أن يكون هنالك ما يفت في عضده، فيصيب منه اليأس من رحمه الله. واليوم اختلفت الأحوال؛ فإلى الجناب الإلهي يبث المصطفى شكواه، لكأنما اهتز لها عرش الرحمن :" اللهمَّ أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين : أنت ربُّ المستضعفين وأنت ربِّي. إلى من تَكِلُني، إلى بعيدٍ يتجهَّمَني أم إلى عدو ملكته أمري. إنْ لم يكن بكَ غضب عليَّ فلا أبالي. ولكن عافيتك أوْسَعَ لي. أعوذُ بنور وجهك الذي أشْرَقَتْ له الظلمات وصَلَحَ عليه أمر الدنيا والآخرة مِنْ أنْ تَنْزِلَ بي غضبك، أو تَحِلَّ عليَّ سَخَطَكَ. لك العُتْبَى حتىَ تَرضَىَ. ولا حَوْلَ ولا قوة إلا بك ".

بهذه الدعوات التي ذَرَفَها الوجد النبويّ فرَقّتْ لها قلوب الجلاميد، فانسكبت في الشعور لتعطي خيرَ ما لدى العبد الطيب الصالح في طلب المعونة من الله واللجوء إليه في السّراء والضراء. هذه الدعوة التي نطقت بها الشفاه الشريفة وتوجَّه بها إمام المستضعفين، وهو الأعز الأمجد، أمام ربّ العالمين، وهو سبحانه العليُّ السميع الأكرم، تتضمن شكواه كما يلاحظ ثلاثة عناصر : ضعف القوة، وقلة الحيلة، والهوان على الناس :

صفات لو تأملها المرء لوجدتها صفات الطيبين من الناس في هذه البشرية، الكثرة الكاثرة ممَّن أقفرت ديناهم من دعائم الوجاهة : من قوة المال والجاه والمنصب والسلطان والنفوذ، وعاشوا في أوطانهم ضعفاء القوة، قليلي الحيلة، هينين على الناس.

يَتَوَجَّهُ بها إمامهم الأعظم، خير خلق الله، دعوة خالصة إلى خالق الناس ربّ البشر ربّ العالمين؛ لا لينال منزلة أو ليحصِّل جاهاً أو ليغنم سلطاناً ونفوذاً .. كلا بل لا يبالي ، إنْ لم يكن لله عليه غضب أو يحلّ به سخط، لا يبالي خوفاً من الدنيا إذا كان رضوان الله فيها هو خير الزاد. ولله العتبى منه حتى يرضى عنه، وأي عتبى وأي رضى؟ إنّه الحبيب الأعظم إمام الطيبين، وقدوة المستضعفين، وسيد الذاكرين لله ممَّن لا يرون في الوجود سواه، ثم ليقول للضعفاء من بعده : أنا إمامكم، أتوجّه إلى ربِّ المستضعفين وربي، فكوني مثلي متوجهين كيما لا يضيركم في هذا الوجود شيء.

قد سمع الله دعوته،  وهو السميع البصير : سميع بضراعته، بصير بعبده حين ذَرَفَتْ منه ذَرَفات الوَجْد النبوي دعوات عالية، فلا يدعه نهبة لعوارض الزيف وأسباب الباطل في هذه الدنيا، ولكن طبيعة الرسول البشرية جعلته يتوجَّه إلى خالقه بتلك الدعوة التي ترق لها، كما ذكرنا، قلوب الجلاميد؛ فما بالك وهو يتوجَّه بها إلى الله تعالى خالق الأشياء كلها بما فيهم العباد والعبيد.

وجاءت بشرى هاته الضراعة إلى محمد تكريماً له، وللذين آمنوا معه، وإذا برسول الله  الذي يتوجّس خُفْيَة من غضب الله أن ينزل عليه أو سَخَطه يحلّ عليه، يمتطي البراق فيسرى به ليلاً ثم يعرج إلى العرش عند سدرة المنتهى؛ ليرفعه ربه إلى السماء؛ وليُرِيَهُ من آياته الكبرى كل مكنونات العبر العجاب وأدلة القدرة المعجزة، ومنه قوله صلوات الله وسلامه عليه  :" ... ثم عُرجَ بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صَرِيفَ الأقلام ".

وهنالك بعد أن أستوى جبريل على صورته الحقيقية بأجنحته التي تملأ الأفق لم يتقدّم خشية الاحتراق في حين تقدَّم النبي عليه السلام وهو ممدود العون بالاختراق، ثم قرب فهبط من علوِّ إلى أسفل، حيث "دنا فتدلى" (آية 8 من النجم) : أي أن الدنو كان على جهة التَّدَلي من علوِّ إلى سُفل، فكان قاب قوسين، أي بمقدار مسافة قوسين أو ذراعين من النبي أو أدنى :"فأوحى إلى عبده ما أوحى، وما كذبَ الفؤاد ما رَأىَ، أفتمارونه على ما يرى؟ ولقد رءاهُ نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جَنَّةِ المأوى، إذْ يغشى السِّدْرة ما يغشى، ما زَاَغَ البصرُ وما طغى، ولقد رأى من آيات ربِّه الكبرى".

يقول رسول الله صلوات الله عليه :" ولم أزل أنزل من سماء إلى سماء، فما مررتُ على شيء في السموات إلّا وهو يقول :" لا إله إلا الله محمد رسول الله ".

فلمّا انتهينا إلى السماء الدنيا، إذا الليل على حاله، لم يتقدّم ولم يتأخر، وأتيتُ مكة، ونزلت عن البراق، فودعني جبريل، وقال : يا محمد إذا أصبحت فحدِّث قومك بما رأيت من العجائب في هذه الليلة، وبشرهم برحمة الله تعالى، فقلتُ : يا أخي جبريل : إني أخاف أن يكذبوني؛ فقال جبريل : إنْ كذبوك صَدَقك أبو بكر؛ فلا تبال بمن كذبوك بعده".

صدقت يا حبيبي يا رسول الله، وصدقت يا سيدي الصديق حين قلتَ : إنْ كانَ قَالَ فقَد صَدَق. وصدق قول الحق سبحانه :" وَقُلْ ربِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنيِ مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاْجْعَل لّيِ مِن لَدُنكَ سُلْطَانَاً نَصِيراً " (الإسراء : آية 80).

أعودُ على ما بدأته فأقول : إنّ هنالك قيمةً باقيةً، وستظل باقية، ما بقيت في الإنسان قواه الروحية يعرج بها صعداً في طراز رفيع من المطالب العلوية كلما تذكر هذه الرحلة الشريفة المباركة؛ فمعجزة الإسراء والمعراج تطلعنا على أن العروج الإنساني متاحٌ للإنسان في هذه الدنيا وميسورٌ له إذا أراده وعمل له وتوخَّاه. وأهم ما يمثله هو "فريضة الصلاة"؛ ففي الصلاة يعرف ويدرك ويتذوق كل مسلم له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أنها معراج روحي تتحد فيه العلاقة المفصومة بين الأرض والسماء. وليست هى مجرد حركات لا تدلُّ على عمل القلب وينفرد بها القالب وحده، كلا بل هى شعور بتحقيق الوحدة مع الحق تعالى في أيسر وسيلة للقرب وللصلة، وأعظمها فريضة على الإطلاق.

ولما كانت الصلاة أمراً من الحق تعالى في قوله :"وأقيموا الصلاة"؛ فهى مخصوصة هنا بإقامة المعراج على الحقيقة، إنْ لم تكن هى لب لباب المعراج الروحي يتخذه الصوفية بل يتخذه المسلمون جميعاً دعامة روحية للاتصال بالله ومحبته ولقائه على السّعة والحضور.

وإذا كانت الصلاة لغة تأتي بمعنى الذكر والانقياد صارت في الوقت نفسه تجرى في عبارة الفقهاء عبارة مخصوصة تطلق على الأحكام المعتادة، إذْ كانت أمراً من الحق أن أقيموا الصلاة خمس مرات. وهذا هو الهجويري أبو عثمان الجلَّابي، يصف شروطها تباعاً كما تجري على التوالي :

أولها : الطهارة من النجاسة في الظاهر، ومن الشهوة في الباطن. وثانيها : طهارة الثوب من نجاسة الظاهر وأن يكون من وجهة الجلال في الباطن. وثالثها : طهارة الروح من الحوادث والآفات في الظاهر، وفي الباطن من الفساد والمعصية. ورابعها : استقبال القبلة؛ فقبلة الظاهر الكعبة، وقبلة الباطن العرش، وقبلة السّر المشاهدة (لاحظ هذا العروج في ترتيب التدرج هنا). وخامسها : قيام الظاهر في حال القدرة، وقيام الباطن في روضة القُربة بشروط دخول وقتها في ظاهر الشريعة. وسادسها : خلوص النية في استقبال الحضرة. وسابعها : التكبير في مقام الهيبة والقيام في محل الوصلة، والقراءة بترتيل وعظمة، والرجوع بخشوع، والسجود بتذلل، والتشهد باجتماع، والسلام بفناء الصفة.

وما دامت أجواف المسلم : مشاعره وطواياه ومواجيده وأطوائه الباطنة الخفية، نابضة بالحياة صالحة للبقاء على هذه الأرض موصولة بالسماء؛ فله الحق كل الحق في أن يجعل قلبه معلقاً بالسماء موصولاً وصلة قربة بخالقه حين يتم له الحضور الإيماني في الصلاة بين يديه. وتلك هى القيمة الباقية : الحكمة من وراء المعراج : إقامة الصلة بين الأرض والسماء. وإني لأذكر تحليلاً ذوقياً راقياً للمرحوم الدكتور "محمد إقبال"، وهو بصدد تعرضه لمعجزة الإسراء والمعراج مفاده أن : محمداً الإنسان يستطيع أن يذهب في مراقي التسامي والنقاء والقدرة الروحيّة إلى أعلى الغايات، وبهذا يمثل الناس جميعاً ويقول لهم : إني لست سوى المثل الأعلى الذي يُحتذى والأسوة التي تُحاكى، وليس حتماً أن تصلوا إلى مثل ما وصلتُ إليه، ولكن باب الصعود مفتوح والسماء ليست ببعيدة عن الأرض، ولكنها تبدو كذلك للمحجوبين وللضعفاء الذين تعوزهم الثقة بالعقيدة يقيمون حيواتهم عليها ...

كان هذا حديث الإسراء بالمعنى الديني المباشر، وهو لا ينفصل كما قلنا في مطلع الدراسة عن المعراج بالمعنى الصوفي؛ لأنهما يصدران عن مشكاة من النور واحدة. أمّا الإسراء فقد عرفناه. وأمّا المعراج فهو الذي ربما تنكره العقول البليدة والقلوب الخربة والتوجهات الفاسدة والأيديولوجيات الموظفة لخدمة مآرب ساقطة. وإذا كان المعراج عرضة للإنكار، وبخاصة معراج الأولياء، يدور حوله اللغط من أناس لا يرتفعون قيد أنملة عن أوْهَاق التصورات الموبوءة، كما هو عرضة كذلك لإثارة التساؤلات والفتن والطامات الدالة على إقفار الذات من الترقي المعرفي، فمن المؤكد أننا لسنا ندري : لِمَ تتوقف العقول الخربة أمام المعراج، ولا تتوقف أمام الإسراء، وكلاهما تثبتهما براهين النصوص النقلية؟

وبعيداً عن اللغط المنفّر ودخولاً في موضوعنا مباشرة، نرى المعراج في الوعي الصوفي يستند بالمباشرة على معراج النبيِّ، صلوات الله وسلامه عليه، ولا يستند مطلقاً على مصادر غير هذا المصدر المباشر يقوم عليه. ولئن كان معراج الصوفي يتخذ من معراج النبوة قدوة له ومنهاجاً إلا أنه في نفس الوقت يختلف عنه مقدار اختلاف الوعي النبوي عن الوعي الصوفي، وهو بتقرير البداهة  اختلاف درجة لا اختلاف نوع.

ولقد عَبَّرَ صوفي هندي مسلم هو "عبد القدوس الجنجوهي" عن إرادة الاتصال الدائم من مقام الشهود حيث لا رجعة ولا عودة، حين قال :"صَعدَ محمد النبي العربي إلى السموات العُلى ثم رجع إلى الأرض. قسماً بربي! لو أني بلغت هذه المقام لما عدتُ أبداً "؛ فهذه هى غاية الصوفي من وراء المعراج : الوصول الدائم والاتصال الذي ما بعد عودة، ولكن هيهات ثم هيهات!

فليس كل معراج لولي يجب أن يكون هو عينه معراج النبي؛ بخلاف الأنبياء؛ فإن معاريجهم الروحية تقتضيها حاجة الناس للتربية الروحيّة وللتعليم والتبليغ؛ لأن النبي مبعوث إلى الخلق فبالناس حاجة إلى معرفة صدقه، ولا يعرف إلا بالمعجزة.

بعكس حال الولي؛ لأنه ليس بواجب على الخلق، ولا على الولي أيضاً العلم بأنه وليّ. فرجعته من معراجه ليست كرجعة النبي تقتضيها رسالة التبليغ.

وبما أن الأولياء في اتصالهم بالله يتخذون من معراج الرسول عليه السلام نموذجاً كاملاً لمعاريجهم الروحيّة، فيهتدون بهديه ويتلمسون طريقته، ويعتبرون اتباع النبي والاسترشاد به أول شرط من شروط السلوك إلى الله، وينحون باللائمة على نظار المتكلمين والفلاسفة الذين يعتدُّون بعقولهم ويعتقدون أن فيها الكفاية والضمان للوصول إلى الحقيقة المطلقة؛ فإنّ في هذا كله ما من شأنه أن ينفي تماماً القول بأن فكرة أفلاطون عن النفس كانت أساساً اتخذه الصوفية لوصف معراجهم الروحي، وهو قول يتغافل عن معراج النبيّ وأثره الواضح في تشكيل معاريج الأولياء والعارفين.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الإصلاحية الإسلامية الحديثة (11)

إن التعقيد الذي يلازم صيرورة وعي الذات السياسي هو ذاته التعقيد المميز لإدراك حقائق الكلّ الثقافي للأمم، باعتبارها عملية اجتماعية سياسية وتاريخية لها بدايتها ونهايتها، ومن ثم حدودها. وبهذا المعنى جرى الحديث عن صنع الأفغاني ومحمد عبده لأحجار وعي الذات السياسي الأولى. فالأخير له تاريخه، بما في ذلك في مرحلة انقطاع التاريخ الثقافي والدولة العربية الموحدة. غير أن هذا الوعي الذاتي السياسي لا قيمة كبرى فيه خارج حدود الدولة وكيانها الثقافي. إذ في هذه الوحدة فقط يمكن لمختلف عناصر ونماذج الصراع المتعلقة بفكرة البدائل السياسية أن تتبلور بهيئة نظم ومؤسسات قادرة على الفعل المتجدد. بمعنى تكاملها الذاتي ضمن حدود تجاربها الخاصة. وتفترض هذه العملية في ذاتها إدراك الغاية والمعنى من الفعل. من هنا كان من الصعب بالنسبة للإصلاحية الإسلامية أن تدرك في أفعالها الأولى حدود عقلانيتها السياسية. لقد كان بإمكانها آنذاك أن تتحسس حدود عقلانيتها الثقافية بأثر تمثلها المتواصل للقدر المتبقي من حضارة الماضي المكتبية والمدرسية. وفي الوقت نفسه كان من الصعب عليها التوفيق بين عقلانيتها الثقافية وبين متطلبات العقلانية السياسية. وذلك بسبب الاضمحلال شبه التام لأسسها ومقدماتها وتاريخها الحضاري.

إن هذا التناقض هو الذي يقلب في مراحل الإدراك الأولي للتحولات التاريخية الكبرى أولويات السياسة والثقافة في الرؤية والمشاريع. فاضمحلال الدولة (العربية) وتاريخها السياسي، هو الذي أعطى لبقايا الحضارة الإسلامية المتراكمة في كمية هائلة من النظريات والقيم قدرة الفعل والحركة والمعنى المتجدد، ومن ثم القدرة على استثارة روح الجهاد الباحث عن خلاص فعلي. غير أنه لم يكن بإمكان هذا الروح الجهادي آنذاك إدراك حقائقه على أنها أجزاء متكاملة في مشاريع السياسة العملية. ووجد ذلك انعكاسه في كمية ونوعية المقارنات المستترة للوعي بين عقائد الماضي ومتطلبات الحاضر، بين يقين الماضي وشكوك البدائل المستقبلية، بين المعلوم والمجهول القابعين في النزوع الجهادي والعقلاني للفكرة الإصلاحية الإسلامية.

فقد جرى إدراك الإصلاحية الإسلامية لذاتها منذ البداية بمعايير العقلانية وغاياتها العملية. الأمر الذي قيّد فكرتها الإصلاحية بمهمة الإدراك المتجدد لإشكاليات التاريخ والمعاصرة. تماما بالقدر الذي ألزمها النظر إلى الآفاق المترامية ما وراء مراميها العملية بمعايير الانتماء المعقول للأصالة الثقافية. وهي ديناميكية تعتصر بين رحاها وضوح الرؤية العملية وعجزها الذاتي. بمعنى تحسس ثقل الانحطاط وخفة الروح الثقافي، وإدراك رزانة التراث المعقول وتهور "القدر المنقول"، أي كل ما يوّلد صعوبة التوفيق بين جهادية الروح وعقلانيته. فبالقدر الذي يمكن أن يؤدي ذلك إلى تكثيف مشاعر السياسة العملية، مع ما يترتب عليه من خوض دروب الأفعال العمياء، فإنه يمكن أن يشحن سحر الثقافة المجذوبة بتأملات الروح العقلاني الخالص، مع ما يترتب عليه من خوض غمار الأعباء والإعياء المجرد.

لكن الارتباط الوثيق بين الحوافز الإسلامية والفكرة الإصلاحية الفعالة قد حدد بدوره اقتران الروح الجهادي بالاجتهاد العقلاني. وأدى إلى إبداع عناصر التوليف المستمر للإصلاحية العقلانية وانتشارها الظاهري والباطني في الرؤية السياسية ومشاريعها العملية البديلة للأمة (الإسلامية) ككل. بمعنى إعادة إنتاج وحدة الجهاد والاجتهاد في الآراء والأحكام والمواقف تجاه قضايا السلطة والدولة، والقانون والحق، والقومية والأمة. أما نتيجة ذلك فقد أدت إلى نقل مكونات الوعي الاجتماعي السياسي والفلسفي العربي إلى ميدان الواقع الفعلي. وبالتالي إعادة تنشيط تقاليده الفكرية (الثقافية). إذ لم يعن الروح الجهادي من الناحية التاريخية سوى استثارة الفعل المدرك لقضاياه وأهميتها بالنسبة لإعادة ترتيب الوجود الكلي للأمة وحضارتها. وهو السرّ القائم وراء اندفاع الفعل المتفائل في نظرته للمستقبل. فقد كان هذا التفاؤل الحي في استشراف آفاق الوجود التاريخي للماضي والحاضر، الصيغة التي تحوي في ذاتها رؤية البديل الأمثل. لاسيما وأنها الحالة التي عادة ما تميز مراحل الانقلابات الكبرى، التي يتحول فيها تفاؤل الرؤية إلى رديف روحي لفعالية النشاط المدرك لقضاياه الأساسية. وليس مصادفة أن يضع الأفغاني رفض القنوت واليأس في أساس دعوته العملية. ولم يكن ذلك مجرد استعادة تقليدية للفكرة الإسلامية القائلة بأن "المؤمنين لا خوفا عليهم ولا هم يحزنون"، وإن "القنوت رديف لانعدام الثقة بالله"وما شابه ذلك، بقدر ما كانت تتمثل حقائق الرؤية الواعية لأفعالها. بمعنى امتلاكها لما يمكن دعوته بالرصيد التاريخي للتفاؤل والفعالية القادر على تنشيط إمكانيات الاستعادة الحية للعظمة الإسلامية. وهذه بدورها ليست إلا "دورة التاريخ" الخالدة، بوصفها الصيغة النظرية التي تلازم كل تطلع عقلاني في رؤيته المتفائلة تجاه تذليل معالم السقوط وحيثياته الواقعية.

فقد واجهت الإصلاحية الإسلامية واقع السقوط! وجعلت منه مقدمة رد فعلها المباشر، وبالتالي جهادها. لهذا أكد الأفغاني على أن الاستعمار الغربي (الأوربي) هو مجرد "خراب"، أي عرضة للزوال. ولم يضع في هذه الرؤية المستقبلية وآفاقها انطباعاته النفسية المباشرة باعتبارها جهادا واعيا ودعوة للفعل المستقل فحسب، بل وتتبع حركتها الداخلية الاجتماعية السياسية في "الذات الإسلامية" وتبلور عناصر وعيها السياسي والعقلاني. لهذا تكلم عن الطابع العرضي والزائل للصدمة التي أحدثها الغرب الاستعماري في مجرى إخضاعه للشرق المسلم. لكنه وجد فيها في الوقت نفسه سلسلة تتكون حلقاتها من الدهشة فالخضوع فالتململ فالاحتجاج فالهجوم المضاد فالنجاح[1].

إن هذه التخطيطية المبسطة في ظاهرها، هي الصيغة المكثفة لإدراك تحولات الروح والجسد الإسلاميين بمعايير الجهاد والاجتهاد أو السياسة والعقل، أو الإصلاحية والرؤية المستقبلية. فالنجاح المفترض للحركة الاجتماعية الإسلامية هنا هو الاستمرار المتعمق لعناصر التجربة التاريخية ووعيها السياسي الذاتي في مجرى تعرضها للصدمة والدهشة والخضوع والتململ والاحتجاج الهجوم. وبالتالي، فإن تأمل إمكانيات هذا الوعي بمعايير التجربة التاريخية سوف يحدد بدوره أسلوب الصيرورة الفاعلة للفكرة السياسية وأشكالها تجسيدها. وبهذا يكون الأفغاني قد نقل قيمة الفعل السياسي من ميدان التأملات العقائدية والمذهبية إلى ميدان الوجود الأوسع للدولة والأمة. فهو لم يحدد الماهية السياسية للإصلاح ضمن سياق المنظومة الفكرية، بل وضمن قدرتها على الفعل. من هنا يمكن فهم اعتباره العقبات القائمة أمام الإصلاح ميدانا للفعل والحيوية. ومن هنا أيضا كلامه عن أهمية الإصلاح التربوي كمقدمة للفعل السياسي. فقد اعتبر التربية عملا ضروريا، وأن من يقوم به ينبغي أن يتميز بالأمانة والمعرفة بتاريخ الأمة في صعودها وسقوطها، إضافة إلى تاريخ الأمم الأخرى[2]. ووجد فيها المقدمة التي يمكن من خلالها أيضا الوصول إلى وحدة التربية الوطنية. واعتبر ذلك أسلوبا لربط العلم بالعمل، وبالتالي تحويل حصيلة المعرفة إلى مقدمة النشاط العملي في مختلف الميادين، بما في ذلك في ميدان شحذ الوعي الاجتماعي السياسي. لهذا نراه يتكلم عن مهمة شحذ الاحتجاج السياسي من خلال التربية. بل ونراه يجد فيها أيضا وسيلة توحيد "مختلف أبناء الطوائف ورؤية طرق العمل للنهوض بالوطن"[3].

إن إدراك أولويات الجهاد، أو الصيغة العملية للفكرة قد حدد بدوره الاتجاه العملي لصياغة المبادئ العامة للنشاط السياسي الإصلاحي عند الأفغاني. فعندما يتناول على سبيل المثال قضية التربية، باعتبارها وسيلة القضاء على الاستعمار الخارجي (الغربي) فإنه لم يضع ذلك بعبارات العلم المجرد والرقي الثقافي (العلمي)، بل وفي مساهمتها بالنسبة لبناء الكيان الوطني الموحد. إذ اعتبرها وسيلة بلوغ اليقظة في الرؤية، والحكمة في العمل. لهذا وضع مهمة العمل من أجل خير الجميع في مقدمة مهمات التربية. وبهذا يكون قد نقلها من ميدان الفعل التربوي الأخلاقي العملي إلى ميدان الفعل السياسي أيضا. بمعنى تحويلها إلى عنصر من عناصر الفعالية السياسية. ومن ثم جعل من التربية أسلوبا في تذليل الطائفية والمذهبية. وذلك لأنها، حسب نظره، نتاج التفرقة والتجزئة، وأسلوب تعميقهما. وإن الخلافات بين الأديان في نهاية المطاف ما هي إلا من "صنع رؤساء الأديان الذين يتاجرون بالدين ويشترون بآياته ثمنا قليلا"[4]. من هنا بحثه في التربية الجديدة عن وسيلة تنظيم وتركيب عناصر التكون الجديد للوطنية السياسية. كما نراه يحاول من خلالها تجميع ما يمكن تجميعه باعتبارها مكونات ضرورية للجيل الجديد، الذي ينبغي أن لا يخضع لسلطان غير سلطان الحق والحقيقة. من هنا حصره للعناصر المكونة لهذا الجيل بكل من عدم طرق باب السلطان، وألا يثنى عزمهم الوعيد، ولا يفرّقهم الوعد، ولا همّ لهم غير هموم نجاة الوطن من الاستعباد[5].

نعثر في هذه العبارات على إحدى الصيغ النموذجية لانكسار تقليدية العبارة أو تحطمها الداخلي من خلال نمو براعم التعبير السياسي، الذي يعادل عنده معنى ومضمون العمل. فالجهاد المفترض في الجيل الجديد هو جهاد الفعل السياسي. أما الوعد والوعيد العريقين في تقاليد الإسلام والكلام، فهما عناصر السلوك السياسي المحاصرة ما بين "باب السلطان" و"نجاة الوطن من الاستعباد". ولا يعني ذلك سوى تأسيس وحدة العناصر الضرورية للفعل المستقل، واحتكامه فقط لمبادئ السياسة العليا. وحاول تأسيس هذه الفكرة في ما يمكن دعوته بضرورة "الإسلام السياسي" الفاعل، أو الربط المؤسس للإسلام والإصلاح بمعايير السياسة العقلانية. وليس مصادفة أن يطابق الأفغاني بين الإسلام وحقيقة الحركة الإصلاحية بوصفها حركة سياسية فاعلة باسم المبادئ المتسامية. ووجد في الوساطة الدينية (وأشكالها المتنوعة) مصدر الخطيئة والرذيلة. وفي الوقت الذي اعتبر صعود الحرية والتطور الأوربيين مرتبطا بكسر فكرة الوساطة الكنسية وفكرتها القائلة بأن "ما يعقدونه في الأرض يعقد في السماء، وما يحلّوه في الأرض يكون محلولا في السماء"، فإننا نراه يجد في نشاط وعمل وفكر رجال الإصلاح الديني النصراني تطبيقا لما في حقائق الدين الإسلامي[6]. وبهذا يكون قد طابق بين حقيقة الإسلام والإصلاح، أو حقيقة الإصلاح والإسلام. وهي مطابقة كانت ترمز في آرائه ومواقفه إلى الاستيعاب الجديد لمضمون الجهاد الضروري، باعتباره فعلا سياسيا مدركا لغاياته العليا. لهذا طالب بضرورة ما اسماه بالحركة الدينية وتهذيب العلوم وتنقيح المكتبات. إذ لم يكن تطور أوربا ومدنيتها المعاصرة في نهاية المطاف سوى نتاج للمنافسة الحادة بين البروتستانتية والكاثوليكية[7].

لقد أدرك الأفغاني الكمون السلبي القائم في صراع المذاهب. إذ ليست البروتستانتية والكاثوليكية في مظاهرها الشكلية سوى الشكل النصراني الأوربي للتشيع والتسنن الإسلامي. إلا أن الخلاف الجوهري بينهما يقوم في وجود وعدم وجود "الوساطة الكنسية". لكن الأفغاني لا يتناول هذه القضية إلا ضمن سياق المقارنة التاريخية والواقعية، باعتبارها عملية أدت في نموذجها الإصلاحي (البروتستانتي) إلى مآثر المدنية الأوربية المعاصرة. بمعنى انه تتبع فقط الأبعاد الإصلاحية السياسية في الحركة الدينية النصرانية التي طالب بإعادة "تقليدها". ولم يعن ذلك في الواقع، سوى البحث عن مصادرها الحقيقية في الإسلام. إذ ليست حركة الإصلاح القائلة بضرورة الفعل الحر، أو نفي الوساطة أيا كانت، سوى "تقليدا للدين الإسلامي" وحقائقه الجوهرية. من هنا استناده إلى الآية القائلة، بأن "الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"[8]، باعتباره الشعار الحركي المعبر عن قيمة الفعل الإرادي الداعي للإصلاح الشامل. لهذا أكد على أن المسلمين لو "عملوا بالقانون الإلهي وبقول القرآن (أن ليس للإنسان إلا ما سعى) لكان أوفر خيرا للأمة. والسعي أول السبل إلى النجاح وأحسن ما تربى عليه الناشئة[9]. من هنا تفنيده في آن واحد الاتهامات الفكرية العقائدية الموجهة ضد الأفكار الإسلامية عن القضاء والقدر وكذلك تهديم أسس الجبرية الخاملة في تقاليد الإسلام اللاهوتي. إذ اعتبر فكرة أولئك الذين وجدوا في اعتقاد المسلمين بالقضاء والقدر سرّ تخلفهم وانحطاطهم، مجرد أحكام مبتسرة أو نتاج لسوء الفهم، بسبب عدم قدرتهم على التفريق بين فكرة القضاء والقدر الإسلامية وبين فكرة الجبرية. فالإسلام، حسب نظر الأفغاني، لا يعرف الجبرية الخالصة. وأن جميع المسلمين من سني وشيعي وزيدي ووهابي وخارجي، كما يقول الأفغاني، لا يرى أي منهم ولا يقول بالجبر المحض. بل أنهم جميعهم يعتقدون أن لهم جزء اختياري في أعمالهم[10]. ووضع الأفغاني هذا "الجزء" في جوهر الإرادة الفاعلة استنادا إلى أن "الاعتقاد بالقضاء والقدر، إذا تجرّد عن شناعة الجبر يتبعه صفة الجرأة والإقدام وخُلق الشجاعة والبسالة"[11]. ولهذا أشار إلى أن "ما أصيب به المسلمون في هذه الأزمنة الأخيرة، إنما هو مما امتحنهم الله به جزاء على بعض ما فرطوا. وليس للناس على الله حجة. فالرجاء في هممهم وغيرتهم الدينية وجمعيتهم الملية. وأن يوجهوا العناية إلى رتق الفتق قبل أتساعه، ومداواة العلة قبل استحكامها"[12].

ويغض النظر عما في هذه العبارات من استحكام للتصورات الدينية في امتحان المرء أمام عوارض الزمن، فإنها تعكس جهادية الروح الإصلاحي عبر وضعه أمام المطلق باعتباره مصدر الحق والحقيقة ومرآتها الناصعة في رؤية القدر الشخصي. ومن ثم إدراك قيمة الفعل ومعناه وحجمه ووسيلته في "القضاء والقدر" لا في "شناعة الجبر". وبالتالي، رؤية القدر المعقول في الإرادة الحرة باعتباره الاستجابة الواعية لمهمة الإصلاح. من هنا توكيده على أن "الله لا يغير ما بقوم من عزة وسلطان ورفاهة وخفض عيش، وأمن وراحة، حتى يغير أولئك القوم ما بأنفسهم من نور العقل وصحة الفكر وإشراق البصيرة، والاعتبار بأفعال الله في الأمم السابقة"[13]. ولا يعني ذلك في الواقع سوى المحاولة الأولية للتأسيس العقلاني "للإسلام السياسي" وتنشيطه، ولكن لا من خلال إدخاله معارك السياسة المباشرة، بل من خلال تحويل مقولات السياسة إلى جزء فعال من عقائده وأصوله الجديدة. (يتبع...)

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص448-450.

[2] المصدر السابق، ج1، ص272-276.

[3] المصدر السابق، ج1، ص278-279.

[4] المصدر السابق، ج1، ص292.

[5] المصدر السابق، ج2، ص456 – 457.

[6] المصدر السابق، ج1، ص176.

[7]المصدر السابق، ج 2، ص328.

[8] المصدر السابق، ج1، ص179.

[9] المصدر السابق، ج1، ص226.

[10] المصدر السابق، ج1، ص184.

[11] المصدر السابق، ج1، ص185.

[12] المصدر السابق، ج1، ص382.

[13] المصدر السابق، ج2، ص338.

 

 

مجدي ابراهيمذكرنا في المقالة السابقة مسألة المفاضلة بين النبوة والولاية عند صوفية الإسلام، وقلنا إنها مسألة لا أساس لها من الصحة ولا صحة لها عندنا من أساس مقبول، ونفينا نفياً قاطعاً أن يكون هنالك اعتقاد أو حتى شبه اعتقاد لدى الصوفية يقدّم أفضيلة الولي على النبي بوجه من الوجوه، فلم يعرف عن أحد منهم أنه كان يقول بذلك أو يجريه على لسانه ولم يكن الحكيم الترمذي مطلقاً ممّن يرى تفضيل الولاية على النبوة ولا الأولياء على الأنبياء، ولم يكشف كتابه "ختم الأولياء" عن هذه النزعة فيه إلا أن يكون التفضيل للولاية من حيث هى مقام في النبوة، لا مطلق التفضيل كما هو الحال عند ابن عربي. وأخذنا على أستاذنا المرحوم الدكتور ابي العلا عفيفي أنه تابع بعض التوجهات السلفية التي تطعن في التصوف فنسب إلى بعض الصوفية القول بتلك المفاضلة غير أنه في كلامه عن ابن عربي لم يفعل ذلك. واليوم نناقش هذه القضية لدى ابن عربي كما ناقشنا في السابق مسألة المفاضلة بين الولاية والنبوة في التكفير الاسلامي.

وسنتناول في هذه المقالة مناقشة نقاط ثلاث أولها: معنى الولاية في مذهبه وخطأ الفهم لها. وثانيها: الحقيقة المحمديّة. وثالثها: المعراج الروحي: معراج النبيّ ومعراج الوليّ؛ ليتمُّ التركيز على آراء ابن عربي وفقاً لمذهبه في تلك النقاط الثلاث. ولابن عربي مذهبٌ خاصٌّ في الولاية يختلف عن مذاهب غيره كما أن له وجهة نظره في المفاضلة بين الرسالة والنبوة من جهة، والولاية من جهة أخرى.

ليس المفهوم من الولاية في مذهبه القداسة ولا المبالغة في التقوى، وإنْ كانت هاتان الصفتان ممّا يمتاز به الأولياء، ولكن أخص صفات الولاية عنده هى "المعرفة" أو العلم الباطن. فالولي على ذلك اسم مرادف للعارف بالله، وهو (أي ابن عربي) يستعمل هذا الاسم استعمالاً واسعاً يدخل فيه الأنبياء والرسل كما يدخل فيه الأولياء الذين منهم "الأفراد" و"الأمناء" و"الأبدال" و"الورثة" وغيرهم من رجال طبقات الغيب. فالرسول وليُّ من حيث معرفته بأمور الغيب، وهو رسول من حيث إنه مكلف بتبليغ رسالة الله إلى الخلق. والنبي وليُّ من حيث علمه بالغيب أيضاً، وكذلك الحال في بقيّة السلسلة التي أسلفنا ذكرها. وبما أن الولاية هى أساس المراتب الروحيّة كلها، كانت هى العنصر المشترك بينها جميعاً، أي بين النبوة والرسالة والولاية والمعرفة. ومن صفاتها الثبات والدوام؛ فالولاية دائمة لا تنقطع لأنها تمثل "البعد الروحي" الباقي بخلاف الحاصل في الرسالة ونبوة التشريع؛ فإنهما تنقطعان لأنهما تمثلان "البعد الزمني" المحدود بزمانه ومكانه. ومن لا يستطيع التفرقة بين هذين البعدين (الزمني، والروحي) في شخص النبي يخطئ فهم ولايته صلوات الله عليه ومن ثم يخطئ فهم المفاضلة بين نبوته وولايته أيضاً.

ويلزم - للصلة القويّة في شخص النبيّ بين الرسالة والنبوة والولاية - الحديث عن الحقيقة المحمديّة: حقيقة أوّليّة النور المحمدي.

غير أن ابن عربي في حديثه عن الحقيقة المحمدية لم يقتصر كابن الفارض على تسميتها بالقطب بل أطلق عليها مسميات منها: الكلمة، وروح محمد، والدُّرة البيضاء، والعقل الأول، والحق المخلوق به، والروح الأعظم. وهنالك - كما يقول الدكتور أبو العلا عفيفي رحمه الله - ما لا يقل عن إنثى وعشرين اصطلاحاً للدلالة على تسمية الحقيقة المحمدية عند ابن عربي منها: حقيقة الحقائق، روح محمد، القطب، العقل الأول (= النوس) عند أفلوطين، العرش، القلم الأعلى، الخليقة، الإنسان الكامل، أصل العالم، آدم الحقيقي، البرزخ، فلك الحياة، الحق المخلوق به، الهيولى (المادة الأولى: الهباء)، الروح الأعظم، عبد الجمع، مرآة الحق، الحقيقة المحمديّة، الكلمة، الدُّرة البيضاء، الاسم الجامع المحيط.

( Affifi (A): The Mystical philosophy of Muhy idin Ibnul Arabi,  combridge.1939. p .p.119 -122)

وكل اصطلاح من تلك الاصطلاحات له اشعاعاته الروحيّة والفلسفية، وله تشابه مع العناصر الخارجية في الثقافات الأخرى غير الإسلامية. وبما أن الحقيقة المحمدية هى المشكاة التي يستقي منها جميع الأنبياء والأولياء العلم الباطن من حيث أن محمداً، صلوات الله عليه، له حقيقة "الختم" (خاتم النبيين) فهو يقف بين الحق والخلق، يقبل على الأول مستمداً للعلم، ناظراً إلى الآخر ممدَّاً له؛ فإن ابن عربي ليقول:"بدء الخلق بالهباء (المادة الأولى = الهيولى) وأول موجود فيه الحقيقة المحمديّة، ولا أين يحصرها لعدم التحيز. وممّ وجد؟ من الحقيقة المعلومة التي لا تتصف بالوجود ولا بالعدم وهى (حقيقة الحقائق) وفيمَ وجد؟ في الهباء ... ولم وُجد؟ لإظهار الحقائق الإلهيّة (الفتوحات المكيّة: جـ 1 ص 118).

من أجل ذلك؛ يعتبر ابن عربي النور المحمدي أو الحقيقة المحمديّة التي هى (القطب)، هو غايات الكمال الإنساني؛ فهو الصورة الكاملة للإنسان الكامل الذي يجمع في نفسه حقائق الوجود، وأن هذا الروح المحمدي هو مصدر العلم والعرفان ومدد الأولياء والعارفين الذي لا ينقطع ولا يزول: "ولهذا بدأ به الأمر، أي بدأ بمحمد (= الكلمة المحمديّة) وختم (فصوص الحكم: جـ 1، ص 214).

ولا يزال هذا (العقل الأول) (= الحقيقة المحمديّة) متردداً بين الإقبال والأدبار؛ يقبل على باريه مستفيداً؛ فيتجلى له؛ فيكشف في ذاته بعض ما هو عليه، ويقبل على من دونه مفيداً هكذا أبد الآباد. ولهذا كانت للحقيقة المحمديّة وجهان: الأول من جهة الاستفادة حين يقبل على باريه وهو الوجه الأحمدي الإيماني الغيبي الأميّ المحجوب، وهو وجه التجلي الذي هو للوجه الأحمدي. والثاني هو الوجه المحمديّ: وهذا الوجه علمي جبرائيلي، وأن التنزيل يكون للوجه المحمدي من جهة الإقبال على من دونه مُفيداً، وهو الظاهر في جميع الأنبياء والأولياء من حيث الإفادة: " ... فكل نبيّ من لدن آدم إلى آخر نبيّ ما منهم أحدٌ يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين، وإنْ تأخر وجود طينته، فإنه بحقيقته موجود؛ وهو قوله صلوات الله وسلامه عليه:"كنت نبياً وآدم بين الماء والطين". وغيره من الأنبياء ما كان نبياً إلّا حين بعث  )فصوص الحكم: جـ 1؛ ص 63- 64).

وعن ابن عربي أخذ الشعراني كثيراً من فنون النظر الإلهي، ومنها بالطبع مسألة الإيمان بهذا الأثر الغيبي الباطني الذي هو أيضاً بالطبع، أثرٌ من آثار التصوف لا شك فيه عندهم، ولذلك تسمى "بطبقات رجال الغيب"، كما اطلق عليه السيوطي هذا الاسم. بيد أنه، كما يوجد مثل هذا الأثر في التصوف، يوجد كذلك في التشيُّع: فمعارف القطب عند الصوفية تتشابه مع عقائد الشيعة مع فارق كبير في الدلالة والتخريج كنا تناولناه فيما سبق من دراسات.

على أن ابن عربي يطلق على الولاية بهذا المعنى اسم "الخلافة العامة"، وهى الخلافة الحقيقية التي على رأسها "الروح المحمديّ" الذي هو منبع العلم الباطن لجميع الأنبياء والأولياء. أمّا من ناحية المفاضلة بين الرسول والنبيّ من جهة، والولي من جهة أخرى، فإن ابن عربي يرى أن كل رسول وكل نبيّ، فإنما هو وليّ أولاً ورسول أو نبيّ ثانياً. وأنَّ كل رسول ونبيّ من حيث هو وليُّ أفضلُ منه من حيث هو رسول أو نبيّ. وهنا يكمن تحديد المفاضلة تحديداً مقيداً لا مطلقاً يعول على البعد الروحي الغيبي الميتافيزيقي لا البعد الزمني المحدود بزمان ومكان .

وهذه الرؤية الكاشفة وجدت لدى الحكيم الترمذي كما وجدت لدى ابن عربي. ولكن الدكتور عفيفي، رحمه الله، أرسلها مفاضلة مطلقة عند الحكيم الترمذي، ولم يقيدها بالتوضيح في حين يلاحظ أن عين رأي الحكيم في المفاضلة لا يتعدى نفس رأى الشيخ الأكبر. كلاهما واحد لا فرق فيه.

لم تكن مفاضلة بإطلاق بل الكلام فيها مقيّد، ولم يكن في وعي الولاية أي تفضيل لها على النبوة، وما يقالُ عن الحكيم الترمذي يقالُ بنفس الدرجة عن الشيخ الأكبر ولا يزيد. ومن أجل هذا يقول الشعراني:" ومن ظن أن ابن عربي يقول بأفضليّة الوليّ على الرسول أو النبيّ بإطلاق، بمعنى أن كل ولي أفضل من كل رسول أو نبيّ فقد أخطأ فهمه".

ويقول الشعراني إنّ الشيخ الأكبر لم يقل ذلك (أي لم يقل إن الولي أفضل من الرسول أو النبيّ) وإنّما قال:" اختلف الناس في رسالة النبيّ وولايته أيهما أفضل؟ والذي أقول به: إن ولايته أفضل لشرف المتعلق ودوامها (أي دوام الولاية) في الدنيا والآخرة، بخلاف الرسالة، فإنها تتعلق بالخلق، وتنقضي بانقضاء مدَّة التكليف، ووافقه في ذلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام. فالكلام مخصوص ومقيد لا هو بالمطلق ولا بالعام، مخصوص ومقيد برسالة النبي مع ولايته لا في رسالته ونبوته مع ولاية غيره: فافهم". هذا ما يقول به الشعراني ويفهمه حاكياً عن ابن عربي.

وعليه؛ فالولاية خارجة من مشكاة النبوة تحقيقاً، صادرة عنها لا محالة، ولا يمكن أن يكون لها مصدر سوى هذا المصدر لا يتعداه؛ فأية محاولة تحاول تخريج معاريج الصوفية خارج حدود المضمون الديني، وخارج حدود المعراج النبوي، هى محاولة محكومٌ عليها بالعوار العلمي والكبوة المعرفية، ومحكوم عليها كذلك بتعسف التخريج، وبالخطأ البيّن الذي ينقض وعي صاحبه من أول وهلة، فضلاً عن قدحه بداية في نواياه.

بطبيعة الحال؛ يختلف هذا المعراج الروحي عند الصوفية، عن المعراج النبوي، وإنْ كان في الوقت ذاته يُشَاركه المثال، لكنه يختلف اختلاف درجة لا اختلاف نوع، باختلاف درجة الوعي بين الأولياء والأنبياء، هو نفسه الاختلاف الذي يرتد إلى عبارة الولي الهندي "عبد القدوس الجنجوهي"؛ فالوعي النبوي إنما هو وعي يتحكم في ضبط قوى التاريخ ضبطاً يوجهها نحو إنشاء عالم جديد من المثل العليا. ورجعة النبي من معراجه الروحي هى رجعة مُبْدِعَة؛ إذْ يعودُ ليشق طريقه في موكب الزمان؛ فيتغيّر بعودته نظام العالم الإنساني تغيراً تاماً.

وقد لاحظ الدكتور "إقبال" الفرق الفارق بين الوعي النبوي والوعي الصوفي؛ إذْ إن:"رغبة النبي في أن يرى رياضته الدينية قد تحوّلت إلى قوى عالمية حيّة رغبة تعلو على كل شيء، ولهذا كانت رجعته ضرباً من الامتحان العملي لقيمة رياضته الدينية، فإرادة النبي في عملها الإنشائي، تُقَدّر قيمتها هى كما تقدِّر عالم الحقائق المحسوسة التي تحاول أن تحقق وجودها فيه. وعندما يتغلغل النبيّ فيما يواجهه من أمور مستعصية، وينفذ إلى أعماقها، تتجلى له حينئذٍ نفسه فيعرفها، ويزيح القناع عنها فتراها أعين التاريخ (تجديد التفكير الديني في الإسلام؛ ص 74).

ولا هكذا الحال في عودة الولي؛ إذا نحن وضعنا في الاعتبار اختلاف وعي النبيّ عن وعي الولي والتحقق من مفهوم العودة بين الأنبياء والأولياء. فالوليُّ لا يريد العودة من المعراج الروحي، بل غايته الاتصال الدائم، غايته هى مقام الشهود، وهو حين يرجع من هذا المقام، ولا بد له أن يفعل؛ فإن رجعته لا تعني الشيء الكثير بالنسبة للبشر على وجه العموم. إنما المعراج في هذه الحالة ذاتيٌّ خاص، والرجعة منه كذلك ذاتية خاصّة .

لقد صوّر ابن عربي، كما صوّر الغزالي من قبله، المعراج الروحي تصويراً يشبه عملية التّحوِّل في العناصر المادية في أحد فصول الفتوحات المكية بعنوان "كيمياء السعادة"؛ وهو الفصل رقم (167) حيث يتخذ رمزاً لصعود الإنسان إلى السماء؛ فحيث إن غاية النفس شهود الله، فلا غرو في أن تجاهد هذا العالم الذي وضعها الله فيه، لكي تحصّل كمالاتها فتحظى في النهاية بمقام رفيع هو الغاية التي كانت تقصدها، وترمي على الدوام إلى بلوغها: شهود الله والاتصال به، ومحبته ومعرفته، والفناء فيه والبقاء معه.

ونموذج معراج النّبي - صلوات الله عليه - كما قلنا في كتابنا "مشكلة الاتصال بين ابن رشد والصوفية": هو النموذج الصالح والكامل، أقام الصوفية معاريجهم الروحيّة عليه، فطهّروا النفوس والأبدان ورققوا الحواشي والطباع، وهذبوا الأفئدة والضمائر، وخاضوا من أجل ذلك كله أعْتىَ التجارب الروحية وأقساها على الطبيعة، فكانت لهم من سيرة النبي أسوة حسنة، ومن مشكاة نبوته هداية صالحة لأن تقام عليها أعباء الطريق إلى الله والاتصال به ومحبته والفناء فيه والقُرب منه على أكمل ما يكون الاتصال، والحب، والقرب، والفناء، محققاً في مقامات السالكين وأحوال العارفين.

إذا نحن عدنا إلى كيمياء السعادة، نرى ابن عربي يعني بها عملية تحويل عناصر النفوس الإنسانية إلى الأكسير الروحي الخالص؛ وذلك لأن التحول في الحياة النفسية أشبهُ شيء بتحوّل العناصر الطبيعية إلى الذهب في الكيمياء. ولأجل هذا؛ فإن النفوس يمكنها أن تتحول من عناصر خسيسة إلى عناصر نفيسة في كيمياء السعادة الروحية. ولا يتمُّ هذا التحول إلا بإخلاص في مجاهدة النفس، بطريق الترقي الباطني؛ أي بطريق المعراج الروحي، حينئذٍ تتحول النفوس كما تتحول المعادن من عناصر خسيسة مُعْدَمة لا حياة فيها إلى أكمل صورة يمكن أن تتغير فيها تغيراً روحياً. وطبيعة النفس في أصلها قابلة لهذا التغير، شريطة أن يتم لها معرفة أصلها الذي انبثقت عنه" (لفتوحات المكية، طبعة بولاق، جـ 2، ص 256).

ولكي يكتمل للنفوس تحولها، فلابد لها من معرفة الأصل (الله) الذي استخلفها في الأبدان وغرس فيها حبّ المعرفة التي تُوصِّل إليه. ولما كانت المعرفة التي توصل إلى الحق نوعاً مختلفاً عن معرفة النظر العقلي؛ لأن العقل وحده قاصر عن أن يصل إلى حقيقة الله تعالى فكيف بالدلالة عليها؟

كان لزاماً لكمال المعرفة في الإنسان من استمداد العَوْن من الدين: من القوة الخارقة للطبيعة؛ لترشده في طريق الوصول إلى الله. ولا يمنع هذا من أن يرشد العقل صاحبه في المراحل الأولى من الطريق إلى الله، ولكن المراحل النهائية، لا يتوصل إليها إلا بنور إلهي يحمل مشكاته الأنبياء ثم يجئ الأولياء؛ ليستلموا الراية؛ وليرفعوا هذا النور أولاً في أنفسهم؛ وليهتدي به ثانياً من هُم دونهم من الناس.

وينتهي ابن عربي، كما انتهى الغزالي قبله، من اعتبار نور مشكاة النبوة طريقاً لمعرفة الحقيقة؛ ولإظهار الحقائق الإلهية، ولإمكان الاتصال بالله بالعروج الروحي إليه. وفي صورة الغزالي أو في صورة ابن عربي تنويعٌ، كما نُلاحظ، لوصف المعراج الروحي مردوداً إلى النبي عليه السلام؛ فهو الهدف الأسمى لتخليص النفس الإنسانية من أدران الآفات وتحولها باطنياً من حالة مذمومة إلى حالة محمودة أعلى منها قابلة للعروج ترتفع ما ارتفعت فيها مراقي الصعود إلى الاتصال بالله من طريق المعراج.

فالارتقاء صعداً في طراز رفيع من المجاهدات والمقامات والأحوال النفسية التي تتدرج فيها حتى يتم لها الاتصال هو مَزيّة هذا التّحوُّل الباطني، وهو فضيلة الغاية المثلى التي ينشدها الصوفي من معالم الطريق وأركانه وشروطه وخصائصه؛ هادفاً إلى الوصول للحق، ولا شيء غير هذا، ولا شيء فوق هذا. وكل المؤثرات الأخرى، كالأفلاطونية مثلاً أو الإشراقية الأجنبية لا ترسم صورة واضحة من حيث الغاية، كما ارتسمت في أذهان الصوفية، وأكدها جانب العمل فضلاً عن الاعتقاد في معاريجهم الروحية، وهى ولا شك من معراج النبوة تترسم صورتها.

ولا يكفي أن نقول إنّ الصوفية قد تأثروا بمعراج النبي فقط بل الأصوب والأصدق أن نقول إنّ معراج النبي كان بمثابة الأصل الذي يتصدر معاريجهم؛ ليصِلَهم بالغاية الشريفة وبالمقصد الأسنى؛ فلولاه ما كانت هنالك معاريج روحيّة، ولا كان هنالك تصوف في الإسلام، ولا كان هنالك إسلام أصلاً: لولاه لم تخرج الدنيا من العدم.

أمّا المؤثرات والمصادر الخارجية، فهى وسائل عامة تتشابه هنا وهناك، لكنها أبداً لا تمسّ صلب المضمون الذي يجعل الغاية بدورها مختلفة. وفي اختلاف الغايات كما نعلم اختلاف المضامين. وفي اختلاف المضامين استقلال الحياة الروحية في الإسلام وامتيازها من ناحية العمق عن غيرها من جملة مضامين كثيرة شَكّلت الاتجاهات الروحية في الحضارات والثقافات العالمية، قديمها وحديثها، وفي هذا ما يجعل ابن عربي أقرب من هذه الناحية: ناحية المضمون في موضوع الاتصال بالله معراجاً رُوحيّاً إلى الغزالي منه إلى أي مفكر آخر، أفلاطونياً كان أو أفلاطيناً، مع اختلاف التخريج الروحي عند كليهما (راجع كتابنا: مشكلة الاتصال بين ابن رشد والصوفية، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، سنة 2000؛ ص 120 وما بعدها).

ويذكر "أسين بلاسيوس" أن "دانتي" قد تأثر تأثراً واضحاً بهذا الفصل الذي يصف فيه ابن عربي الاتصال بالله عن طريق المعراج الروحي والصعود إلى الفردوس. وكذلك تأثر أيضاً برسالته التي يصف فيها رحلة النفس إلى المقام الأعلى حيث تنكشف لها حقائق الكون في عالم الملكوت، وهى بعنوان "الإسرا إلى مقام الأسرى". وهناك من الآراء التي تعدُّ ابن عربي من اتباع المدرسة الإشراقية، نظراً لأن أثار السَّهْرَوَردي المقتول وصلت إلى المغرب وتتلمذ إليها ابن عربي، وهذا ولا شك رأي مخالف للصواب لا يعول عليه. ولا خلاف في أن ابن عربي يمثّل وحده مدرسة كبرى من المدارس الصوفية، وأنه جاء بأقوال نظرية لم تكن موجودة من قبل في التصوف لا عند السَّهْرَوَردي، ولا عند غيره من الصوفية الأوائل والسابقين عليه، هى الأقوال التي صَبَغَتْ آراؤه بصبغة وحدة الوجود، وهى نظرية فلسفية، كما هو معروف، في الوقت الذي لا يمكن لنا أن نخرجها عن مضمونها الديني العميق في فرط الإيمان وجذوة التحقيق.

وكذلك؛ لا يمكن أن نحذفها من أصولها الروحيّة في الإسلام - إنْ في التصوف السُّني أو في آراء السَّهْرَوَردي المقتول - لكنها على أيةٍ حال هى مختلفة الطابع والمضمون والصبغة الفلسفية عن الفلسفة الإشراقية اختلافاً تاماً.

معراج الصوفي الذوقي، إنما هو معراجٌ تنكشف له فيه أسرار الذات الإلهية والأسماء والصفات انكشافاً لا يستطيع الولي التعبير عنه، وهذا مقام المعرفة الحقة: أسعد ساعات السعادة عند الصوفي غبطة عظمى هى بلا شك ثمرة الإيمان يستأنس بنوره العارف؛ فيقوده إلى طمأنينة اليقين ثم إلى منن الشهود.

هذا المعراج الروحي يتباينُ في طبيعته وخصائصه عن المعراج العقلي - إنْ صَحَّ أن يكون للعقل معراجٌ على الحقيقة، وهو الذي كان ابن عربي تخيّله في التفرقة بين علوم النظار من المتكلمين والفلاسفة، وبين علوم الصوفية من أهل الذوق وكبار الروحانيين، تماماً كما فَرَّق الغزالي قبل ابن عربي بين مسلك النظار، فلاسفة كانوا أو متكلمين، وبين مسلك أهل الكشف من الصوفية الذين يستمدون علومهم ومعارفهم من مشكاة النبوة.

غايات الغايات في عمل الأولياء أن تجيء الولاية نفسها مؤسسة على أحكام الشريعة؛ فالركيزة الأساسية التي تستند عليها هى العلم بالشريعة. والأصل اللغوي للولاية يدل بالقطع على الموالاة والنصرة، موالاة الله لأوليائه ونصرتهم له. وممّا يحتمله معنى "الولي" أمرين: أحدهما أن يكون فعيلاً مبالغة من الفاعل؛ كالعليم، والقدير، فيكون معناه: من توالت طاعاته من غير أن تتخَلَّلَهَا معصية. ويجوز أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول؛ كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح، وهو الذي يتولى الحق، سبحانه، حفظه وحراسته على الإدامة والتوالي، فلا يخلق له الخذلان الذي هو قدرة العصيان، وإنما يديم توفيقه الذي هو قدرة الطاعة (الرسالة القشيرية، ج2ص 523: "وهو يتولى الصالحين" (الأعراف، 196).

هذه الموالاة تربط الولاية بأواصر محكومة بحكم الشريعة، تدور معها على ديدن الحضور. وليست للولي، الذي هو الصوفي، ندحة عن نصرة النبي يدافع عنه ويُحاج عن شريعته، فوق نُصرته لها والعمل بها والاقتداء بأحكامها ومقاييسها حتى إذا ما خرج عن هذه الدائرة خرج عن دائرة الشرع، وخرج تباعاً غير مأسوف عليه عن ديوان الولاية.

وأولياء الله كما في رواية ابن عباس عن رسول الله هم الذين "إذا رؤوُا ذكر الله". وفي رواية أبي أمامة أنه صلوات الله وسلامه عليه قال:"إنّ أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاد ذو حظ من الصلاة, أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السّر، وكان غامضاً في الناس، لا يُشَارُ إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافاً، وصبر على ذلك ... ثم نقرَ بيده الشريفة فقال: عجلت منيّته، قَلَّتْ بواكيه، وقلَّ تراثه". تلك كانت أوصاف "الولي"، كما رواها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه تقدح من الوهلة الأولى فيمن ينكرون أحاديثه في الولاية، وهى لازمة لها في الواقع وفي المثال وفي التحقيق؛ فيما يلزم عنه، صلوات الله عليه، من أحاديث.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الإصلاحية الإسلامية الحديثة (10)

ليس مصادفة أن يشترك رجال الإصلاحية الإسلامية في دفاعهم الموحد عن قيم الوحدة المتينة بين الإسلام والعلم. فالأفغاني يشدد في كل لحظة مناسبة على قيمة العلم، وانه لا يمكن الحديث عن تطور وازدهار حقيقي للأمم دون العلم والعلماء. وإن عظمة الحضارة الإسلامية تقوم أساسا في علومها وتشجيعها للعلماء، وإن أغلب الاكتشافات الأوربية المعاصرة سبق وأن جرى اكتشافها من قبل العلماء المسلمين كالجاذبية والمغناطيس، وجملة من انجازات الكيمياء، وكذلك نظرية الارتقاء التي يمكن العثور على بعض عناصرها عند أبي العلاء المعري، وكذلك عند العالم الإسلامي أبي بكر بن بشرون في رسالته إلى أبي السمح. وإن القرآن مليء بالإشارات والرموز، التي يكشف العلم المعاصر عن قيمتها مثل كروية الأرض (والأرض بعد ذلك دحاها)، وثبات الشمس (والشمس تجري لمستقر لها) وإمكانية البرق والتنويم المغناطيسي وما شابه ذلك. وبالتالي، فإننا نستطيع العثور، كما يقول الأفغاني، على إشارات إلى العلوم وقواعدها، أو إشارات صريحة إلى بعضها. ومن الخطأ مطابقة آراء الأفغاني وغيره من رجال الإصلاح الإسلامي عن تضمن القرآن إشارات وتلميحات للانجازات العلمية مع ما هو سائد في الكتابات الإسلامية المتحذلقة المعاصرة. وذلك لأن رجال الإصلاحية الإسلامية لم يتحدثوا عن اكتشافات، بقدر ما أنهم أرادوا التأسيس لجوهرية العلم وضرورته في اصطلاحياتهم العقلانية. أنهم أشاروا إلى ما في القرآن من تلميحات ورموز إلى كليات العلوم. مما يعني طابعها الملزم في "منطق" القرآن. ولم يحصر أي منهم هذه الإلزامية بآيات القرآن، بل بإبداع الحضارة الإسلامية. بعبارة أخرى، إن تأسيسهم للتفسير العلمي في القرآن هو جزء من إصلاحية الروح العلمي وليس اكتشافاته الخاصة. لأنهم كانوا يدركون استقلالية العلم في اكتشافاته واستقلالية القرآن في رموزه، مشددين على ملازمة كل منهما للآخر وعدم تعارضهما.

أما محمد عبده فقد سعى للبرهنة على الوحدة المتلازمة بين الإسلام والعلم، منطلقا من المادة التاريخية الكبرى ومقدمتها القائلة، بأن تطور العلم عند العرب مرتبط بالإسلام. وانه لولا الإسلام لما كان عندنا علم. وشأن الأفغاني والكواكبي لاحقا، لم ينطلق محمد عبده من مقدمات المنطق، بل من يقين التاريخ الواقعي. ومن خلاله حاول تفنيد مزاعم  الاستشراق القائل بمعاداة الدين (الإسلامي) للعلم. حيث سعى للبرهنة على أن استنتاجات الاستشراق في موقفه من الإسلام هي مجرد تعميم ما هو خاص بأوربا والنصرانية. وبالتالي فإن مدنية أوربا الدنيوية (العلمانية) لا يمكنها أن تشكل نموذجا لعالم الإسلام، بسبب تباين مقدماتها وآلية الصيرورة الداخلية لعناصرها. فإذا كانت مدنية أوربا الدنيوية مبنية على أساس تهديمها للنصرانية، بسبب معاداة الأخيرة للعلم، فإن انحطاط العالم الإسلامي هو أساسا نتاج ابتعاده عن حقائق الإسلام الداعية للعلم. ويعكس هذا الخلاف الجوهري تباين الكينونة الثقافية لعالم الغرب الأوربي والشرق الإسلامي. إذ أن الحضارة الإسلامية وتاريخها يكشفان، بأنه بالقدر الذي ابتعد فيه المسلمون عن علم الدين، جرى ابتعادهم عن علوم الدنيا وحرمان ثمار العقل. وأنهم كلما توسعوا في العلوم الدينية، توسعوا في العلوم الكونية. من هنا استنتاجه القائل بأن "الدواء الذي ينجع في شفائهم من هذا الداء لا يكون إلا ردهم إلى العلم بدينهم، للوقوف على أسراره والوصول إلى حقيقة ما يدعو إليه. كان الدين واسطة التعارف بينهم وبين العلم، فلما ذهبت الواسطة تنكرت النفوس وتبدل الأنس وحشة"[1].

ولم يشذ الكواكبي عن هذا الاتجاه العام. فقد وجد في "الإسلامية السمحاء" باعتبارها أحكام القرآن وما ثبت من السنّة وما اجتمعت عليه الأمة في الصدر الأول، مما لا يأباه عقل أو يناقضه تحقيق علمي. وانه كلما "اكتشف العلم حقيقة وجدها الباحثون مسبوقة بالتلميح أو التصريح في القرآن. وودع الله ذلك فيه ليتجدد إعجازه ويتقوى الإيمان به، وانه من عند الله، لأنه ليس من شأن مخلوق أن يقطع برأي لا يبطله الزمان"[2]. بل أن في السنّة المحمدية، كما يقول الكواكبي، من الحكم والحقائق الأخلاقية والتشريعية والسياسية والعلمية ألوفا من المقررات المبتكرة، ويتجلى "عظم قدرها مع تجدد الزمان وترقي العلم والعرفان".

ذلك يعني بأن الإصلاحية الإسلامية لم تسع إلى تأسيس دنيوية الإسلام بالطريقة الأوربية، لأنها لم تر في ذلك ضرورة، ولم تأسلم العلم وانجازاته لأنها لم تجد في ذلك معنى. أنها كشفت من جديد عما هو مميز لوجودها الثقافي الحق، أي ما ينبغي أن تكون عليه علاقة الإسلام بالعلم وموقعهما في وحدة الكل الثقافي. ذلك يعني أن دعوتهم في جوهرها هي دعوة للدنيوية الثقافية، باعتبارها أصالة، ومن ثم أسلوب في بناء الوحدة الجديدة للكلّ الثقافي، أو الرؤية الجديدة للمشروع الإصلاحي في أصالة مقوماته وقواه الخاصة. إذ ليست الأصالة هنا سوى الكلّ الثقافي. وهذا بدوره ليس إلا الإبداع الذاتي. لهذا كان قبول الأفغاني، على سبيل المثال، للاشتراكية الأوربية مرهونا بانتقادها الثقافي. ففي الوقت الذي أبقى على ما فيها من قيم العدالة والمساواة والحرية، فإنه حاول أن يؤسس لهذه القيم بمعايير التاريخ الإسلامي. بمعنى إعادة وعيها وتجسيدها في قيم الذات الإسلامية، أو وعي الذات التاريخي الثقافي السياسي. وذلك لأن منازعة الاشتراكية الأوربية للدين، في حالة تطبيقه على عالم الإسلام، يعني انتزاع تاريخه الأخلاقي والروحي. ولا يعني هذا الفقدان الجوهري للوجود التاريخي سوى تعليق الأمم الإسلامية في فراغ الانقطاع، بينما المهمة تقوم في إعادة ملئه من خلال إعادة لحمة الوجود التاريخي نفسه. إضافة لذلك، إن سيادة روح الانتقام والثأر هو مصدر من مصادر الغلو وافتقاد حدود الوسط المعقولة. وبالتالي، فإن الاشتراكية الحقة للعالم الإسلامي هي اشتراكية إسلامية. ولا تعني هذه الرؤية النقدية المعقولة من حيث مقدماتها وغاياتها سوى محاولة المطابقة بين حدود الأصالة وحدود الاعتدال العقلاني. ومن ثم البرهنة على أن تأصيل الأصالة هو أيضا تأطير المناعة العقلانية ضد الغلو السياسي بمختلف أصنافه، لأنها تدحض في آن واحد نفسية التقليد الأعمى وولع المشاركة الغبية في تجارب المجهول الثقافي. وقد أدرك الأفغاني بصورة عميقة هذه المهمة عندما وضعها في مشروع (العروة الوثقى)، قائلا: لا ضرورة في إيجاد المنعة إلى اجتماع الوسائط وسلوك المسالك التي جمعها وسلكها بعض الدول الغربية الأخرى. ولا ملجأ للشرقي في بدايته أن يقف موقف الأوربيين في نهايته. بل ليس له أن يطلب ذلك. وفيما مضى اصدق شاهد على أن من طلب فقد أوقر نفسه وأمته وقرا وأعجزها. لقد وضع الأفغاني مشروع الأصالة بمعايير الرؤية الذاتية الحرة، بوصفها مشروع وعيها الذاتي.

بينما نرى محمد عبده يحصر هذا المشروع ضمن سياق التنوير الإسلامي. فهو يقترب في الإطار العام من آراء الأفغاني، في انطلاقه من فكرة فساد التقليد الثقافي استنادا إلى ما في تباين المقلِد والمقلَد من فروق جوهرية تجعل من حالة الأول أحط حالا وأخس منزلة. وذلك لأن المقلِد كما يقول محمد عبده، إنما ينظر من عمل المقلَد إلى ظاهره. ولا يدري سرّه وما بني عليه. فهو يعمل على غير نظام، ويأخذ الأمر على غير قاعدة. ذاك يعني، إن محمد عبده ينظر إلى النظام والقاعدة في العمل نظرته إلى مقدمات جوهرية في النهضة. بحيث نراه يطابقها من حيث فاعليتها مع مقومات الأصالة. وذلك لأن التقليد لا يؤدي في نهاية المطاف، حتى في حالة افتراض أخذه جوانب ايجابية، إلا إلى خلط ما لا يمكن خلطه.

غير أن ذلك لا يعني، بأن محمد عبده يسعى أو يؤسس للانغلاق الثقافي، أو الانعزال الإسلامي. على العكس. انه كان يسعى إلى وضع أسس النهضة في إطارها المعقول. انه بحث عن التجانس في رؤية المشروع الثقافي للأصالة. وقد الزمه ذلك الدفاع عن تاريخ الإسلام الثقافي من خلال تحديد حقائقه الأساسية والكبرى، والانطلاق منها باعتبارها حصيلة التجربة الثقافية للأمة. فهي الوحيدة التي تحوي في ذاتها على مذاق الخطأ والصواب. وبالتالي إثارتها مشاعر الارتباط الحميم بالنزوع صوب المستقبل. لهذا السبب وقف بالضد من تطبيق استنتاجات الفكر الأوربي على العالم الإسلامي، وذلك لأنها حصيلة تجارب أممه الخاصة في مواقفها من النصرانية. وقدّم مثال الموقف من السلطة الدينية والسلطة الزمنية، والموقف من العلم كنماذج مشهورة، معتبرا أن وحدة الأولى (السلطة الدينية والسلطة الزمنية) في الكنسية وتاريخ عدائهما في الثانية (والموقف من العلم) لا يتطابق مع ما في عالم الإسلام وتاريخه. وبالتالي فإن من الخطأ السير في "نظام" و"قواعد عمل" الثقافة الأوربية واستنتاجاتها الفكرية، لأنه يؤدي بالضرورة إلى قطع تقاليد الاستمرار الثقافي الخاص. وذلك لأن النتيجة هي مجرد صنع أمما مقلدة عالقة في فضاء فارغ. لهذا أجاز قبول تولد رادع من الأدب والحكمة عند أولئك الشباب المسلمين الدارسين في المدارس الأوربية، عوضا عن رادع الدين (الأخلاقي). إلا انه أكد على أن ذلك في نهاية المطاف هو مجرد غرور أولئك الذين "لا يعلمون طبائع هذه الأمم"[3]. أما طبائع هذه الأمم فقد كانت تتطابق في آراء محمد عبده مع طبائع تاريخها الثقافي. من هنا استنتاجه القائل، بأن حالة الجمود الحالية هي النتيجة الملازمة للتخلي عن التاريخ الذاتي. ومن هنا توكيده على ضرورة الرجوع الواعي إلى التراث الخاص. إذ لولا هذا الجمود الحالي، كما يقول محمد عبده، لوجد المسلمون في "كتب دينهم وفي أقوال حملته ما تبتهج به قلوبهم وتطمئن إليه نفوسهم، ولذاقوا طعم العلم مأدوما بالدين، وتمكنوا من نفع أنفسهم وقومهم. ولوجدت منهم طبقة معروفة يرجع إليها في سير الأمة وسياسة أفكارها وأعمالها الاجتماعية"[4].

فهو ينطلق من أن حالة الجمود والتخلف السائدة في زمنه ليست مبررا لرفض الماضي. على العكس أنها تستلزم التشبث به! بمعنى الرجوع إليه. فهو الأسلوب الذي يقطع على نفسية المقلد انغماسها في أساليب وحالة الخداع الذاتي. فالتقليد الذي يلازم "الانقطاع" من تأمل الماضي الخاص وتجاربه، يؤدي إلى سحق الروح النقدي. بينما تستلزم حالة الجمود إعادة النظر في مقدماته، لا البحث عنها في حلول الآخرين. وذلك لأن حلول الآخرين هي حلول تستند إلى "نظام وقواعد" تاريخها الخاص. ولهذا السبب وضع محمد عبده مهمة الرجوع إلى الكتب الخاصة وإلى أقوال المفكرين المسلمين القدماء، باعتباره الأسلوب المناسب لإعادة اللحمة الثقافية بالنفس. لقد كان يدرك، بأن أوربا في نهضتها رجعت إلى كتبها القديمة وأقوال مفكريها القدماء. وفيها وجدوا أسلوب إعادة بناء الوحدة في تجارب أوربا الثقافية الخاصة. بل ونراه يعتبر ذلك الأسلوب الوحيد الحق في مضمار المشروع الثقافي الحق. وذلك لأنه الأسلوب الذي يصنع مقدمات النهضة المتكاملة. وفي هذه المقدمات وجد إمكانيات إنتاج النخبة المفكرة والسياسية، أو ما اسماه بالطبقة المعروفة التي يرجع إليها في سير الأمة وسياسة أفكارها وأعمالها الاجتماعية. وهو ذات المشروع المتعلق بتأسيس الرؤية الثقافية الحرة للوحدة الاجتماعية والقومية، الذي سيدفعه الكواكبي إلى أقصى إمكاناته ضمن إطار الإصلاحية الإسلامية وتوجهها العقلاني.

وليس مصادفة ألا تشغل فكرة الأصالة بصيغتها المباشرة ذهن الكواكبي وتفكيره النقدي. وعوضا عنها وجه اهتمامه الجدي صوب قضايا العمل السياسي، أي صوب قضايا السلطة والاستبداد. مما كان يعني تمحور مشروعه الثقافي للأصالة في دروب الرؤية النقدية الاجتماعية السياسية والقانونية. لكن ذلك لم يعن غياب القضايا الأخرى. على العكس. انه أدرجها ضمن مختلف الصيغ النقدية تجاه الواقع، وبالأخص ما يتعلق منه بمحاولاته تذليل حالة "الفتور العام"، بما في ذلك من خلال الرجوع إلى تاريخ الإسلام الأول (أو الإسلام الحق). وبالتالي، سعيه لتأسيس الأصالة المفترضة بمعايير السياسة والحق. لهذا وجد في تقليد ممثلي "الإسلام الفاتر" للأوربيين في المأكل والملبس وما شابه ذلك "أقبح آثار الخور"[5]. ولم يعن ذلك في آرائه دعوة للانعزال والتقوقع، أو الاكتفاء الذاتي بما في الماضي وأشكاله المتكلسة، بقدر ما وجد في هذا التقليد استمرار الوهن. في حين نراه يشترط في رؤيته البديلة مهمة تجاوز التقليد في الفكر من خلال التوجه صوب العلم والدنيوية الثقافية، وفي الأخلاق صوب القيم المتسامية ووحدتها في الكلّ الثقافي، وفي السياسة صوب الحرية والنشاط الديمقراطي والقانوني، وفي الدولة صوب النظام الديمقراطي والفيدرالي.

إن ضعف الانهماك الفكري عند الكواكبي بصدد القضايا المتعلقة بجدل الأصالة الثقافية لم يكن نتيجة لجهله بقيمتها، أو إهمالا لفاعليتها. على العكس. لقد وجد في أولوياتها الاجتماعية السياسية والقومية أسلوب تحقيقها الأمثل. وبهذا يكون قد قطع سلسلة الانتماء الثقافي التقليدي للعالم العربي. وعوضا عنها سعى لصنع سلسلة الهوية الثقافية وأصالتها من خلال ربط حلقاتها الجديدة التي كانت تعادل عنده مهمة إرساء أسس وجوده السياسي والقومي المستقل. من هنا غياب تركيزه على قضايا الإسلام والحضارة، والإسلام والعلم وما شابه ذلك، بسبب تبدل رؤيته لأولويات الانتماء الثقافي. فقد كف الإسلام العثماني عن أن يشكل بالنسبة له مرجعية ما. على العكس‎، انه اخذ يبحث فيه عن مصدر الشرور والتخلف القائم. فعندما ناقش، على سبيل المثال، حالة الفتور في زمنه، فانه أشار إلى أن أحد الأسباب القائمة وراء ذلك هو "الدين الحاضر ذاته" والذي يفتقد إلى كل ما هو مميز لحقائقه الأولى وأحكامه من إعداد القوة بالعلم والمال، والأمر بالمعروف وإزالة المنكر، وإقامة الحدود وإيتاء الزكاة[6].

إن الانقطاع عن "الدين الحاضر ذاته" هو النفي الأمثل له في مقولات الواجب الواقعية. فالكواكبي لم يتعامل مع الأمر بالمعروف وإزالة المنكر وإيتاء الزكاة بمفاهيم الفقه التقليدي أو أخلاق الوعاظ المزيفة، بل أدرجها في منظومة الحقوق والقانون والدولة. لهذا لم يعن الانقطاع عن تقليد الماضي والدين الحاضر، سوى نفيهما في بدائل الأمثل. وذلك لأن الإنسان والمجتمع، كما يقول الكواكبي، في حاجة دائمة إلى نواميس (قوانين) كبرى تحكم وجودهم الاجتماعي والسياسي والأخلاقي. وأن هذه النواميس لا يمكنها أن تتماشى وتتفاعل مع العالم المحيط دون أن تمتلك قواسم إنسانية مشتركة. من هنا استنتاجه القائل، بأن "الإنسان مطالب بأن يكون صاحب ناموس، أي متبعا على وجه الاطراد في أخلاقه وأعماله قانونا ما، ولو في الأصول فقط، لكي لا يكون منفورا. كذلك كل قوم مكلفون بأن يكون لهم ناموس عام وملائم نوعا ما لقوانين الأمم التي لها معهم علاقات جوارية أو تجارية أو مناسبات سياسية"[7]. ولا يعني ذلك في الواقع سوى التمسك بما هو جوهري في ناموس الإنسان وتعديله بالشكل الذي يمكنه من الاستجابة لعلاقات التجارة والجوار والسياسة. لقد أراد الكواكبي القول، بأن أولئك الذين اقترحوا على العالم الإسلامي مهمة التخلي عن تقاليدهم ككل، والإسلامية منها بالأخص، استنادا إلى تجربة أوربا في التمدن، لم يدركوا بأن الأوربيين لهم نواميسهم. وهي نواميس لها مقدماتها في تجاربهم الخاصة. وبهذا يكون الكواكبي قد سار في الاتجاه العام للأفغاني ومحمد عبده. لكنه وضع هذا الاتجاه في مساره الاجتماعي السياسي والقانوني والدولتي (الحكومي)، باعتبارها المقدمة الضرورية لإصلاح الإسلام الحاضر. ولا يعني ذلك بدوره سوى نفيه العقلاني الحر. وليس مصادفة أن يدرج الكواكبي في جدل المسلمين عن هوية الإسلام الحق ومشاريعه الحضارية البديلة شخصية من أطلق عليه وصف "السعيد الانجليزي المسلم". فقد كان هذا "المسلم الانجليزي" أو "المسلم الأوربي" نموذج النافذة الإضافية للإسلام العقلاني في حداثته الممكنة. فالسعيد الانجليزي هو المسلم المتحمس في دعوته النقدية للانفتاح والعقلانية تجاه الثقافة الأوربية، أي تقبل قيمها العقلانية الإنسانية، ولكن من خلال صهرها في كينونة إسلامية جديدة، والتي يمكنها جذب البروتستانت (بفعل تمسكهم بالكتاب ورفض البدع) والزنادقة (بفعل مروقهم عن النصرانية بالكلية لعدم ملائمتها للعقل). وقد اشترط الكواكبي، على لسان السعيد الانجليزي، دخول هؤلاء الجدد في الإسلام المعاصر، باستعدادهم "لقبول ديانة تكون معقولة حرة سمحاء".

فالإسلام المفترض في المشروع الثقافي للكواكبي هو الإسلام العقلاني الحر المتسامح، الذي يمكنه أن يكون مقنعا للعقلاء والأحرار في كل مكان. وبالتالي لا يعني رفد الإسلام المعاصر "بالزنادقة" الأوربيين، سوى إمكانيات الانقلاب العميق في الإسلام الثقافي للكواكبي. وقد استمد هذا الانقلاب مقوماته من وعي أولوية السياسة والدولة في صيرورة الأصالة الحقيقية للعالم العربي. فالأصالة، بالنسبة للكواكبي، هي كل ما يتطابق مع أسلوب بناء الذات السياسية. وإذا كان الإسلام في رصيده الروحي والتاريخي هو الخلفية التي كونت ويمكنها إعادة تكوين هذا الأسلوب، فإن تجسيده المعقول في الواقع المعاصر، يفترض بناء الذات السياسية العربية. وهو البناء الذي صنع الأفغاني ومحمد عبده أحجاره الأولى من عناصر "الإسلامية السياسية".

***

 ا. د. ميثم الجنابي

.............................

[1] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص163

[2] الكواكبي ، ج،1 ص 239

[3] المصدر السابق، ص

[4] المصدر  السابق، ص138.

[5] الكواكبي، الاعمال الكاملة، ج1، ص145

[6] المصدر السابق، ج1، ص183.

[7] المصدر السابق، ج21، ص183..

 

 

ميثم الجنابيأسست أفكار الزهراوي المتنوعة المستويات والمواقف مضمون الفكرة القومية الجديدة. كما أنها كانت مظاهرا أو أشكالا لتأسيس الفكرة القومية الجديدة بوصفها فكرة سياسية. فقد كانت هذه الفكرة تدور من حيث مظاهرها ومحتواها حول فكرة العثمانية وموقع العرب فيها، بوصفها شكل الجنسية (القومية بالمعنى الحديث) ومظهرها، وحول فكرة النظام السياسي البديل، بوصفه شكل القومية السياسية الحديثة ومظهرها.

فقد احتوت فكرة العثمانية والموقف منها على ثنائية العلاقة العربية - التركية. بمعنى أن طرح السؤال حول ماهية العثمانية كان يحتوي بحد ذاته على جعلها مادة للتأمل الفكري والسياسي. ومن ثم تحولها إلى قضية سرعان ما تحولت إلى معضلة مع تحللها السريع عند تخوم القرن التاسع عشر – بداية القرن العشرين. مع ما رافقه من صعود للفكرة القومية على النطاق العالمي. وليس مصادفة أن تتخذ إشكالية العثمانية طابع العلاقة الكمية والنوعية للأقوام، أي العدد النسبي والمطلق ضمن الدولة العثمانية ووزن كل منها في إدارة شئونها. فقد احتوى هذا الطرح على ملامح الإدراك القومي الحديث. ومن ثم لم يعن صعود هذه الثنائية إلى مستوى الإشكالية القومية سوى الوجه الآخر لتبلور الفكرة القومية بوصفها فكرة سياسية.

كان الزهراوي من بين أوائل المفكرين العرب الذين أسسوا لها بمعايير الفكرة الفلسفية الواقعية والعقلانية. ففي معرض حديثه عن التضامن باعتباره احد العناصر القائمة في وحدة الدول والأمم، نراه ينطلق من أن لهذا التضامن مظاهر في كل من الأخلاق والسياسة والشريعة. ففي الأخلاق يظهر عبر حب الغير إلى جانب حب النفس. وفي السياسة عبر اشترك الأمة في قوة عامة. وفي الشريعة عبر إقرار الأمة على الشريعة المؤيدة بالقوة العامة. كما أن تلازم التضامن الضروري لوحدة الدولة والأمة بالأخلاق والسياسة والشريعة محدد بحقائق كبرى تلازمها وهي: بدون الأخلاق لا تعاون (على عكس الإثم والعدوان)، وفي السياسة على قدر قوة أو ضعف الدولة والأمة، وفي الشريعة يجري بسط العدل والقضاء على الفساد. وليس مصادفة أن يتعاضد حكماء الأخلاق والشريعة دوما، كما يقول الزهراوي.

أما أشكال وأساليب هذا التضامن، فأنها متنوعة. إذ يكشف التاريخ والواقع عن أن حصوله عادة ما يجري إما بقرابة القومية، وإما بقرابة الأفكار (الدينية وغير الدينية) وإما بالمنافع (وحدة الوطن). فقرابة القومية طبيعية، والأفكار في حال تقاربها فإنها قوية جدا، والوطنية مصدر إضافي قوي في حال تعاون القومية والأفكار. لكن أقوى التضامن من يجمع في ذاته قرابة القومية والأفكار والمنفعة. ذلك يعني إننا نقف أمام رؤية جديدة تماما للتضامن تتجاوز نماذجها القديمة والتقليدية التي عادة ما تتميز بالزيف وتقلب الأهواء. وبهذا يكون الزهراوي قد سعى هنا لتوظيف فكرة التضامن من اجل القضاء على الفرقة بين الدولة والأمة (من جنس واحد ودين واحد)، أي إرساء أسس الفكرة القومية السياسية على أساس تناسبها في العصر الحديث. والأهم من ذلك انه وجد في هذا النموذج من التضامن والوحدة أسلوبا لإضعاف الاستبداد، "إذ لا تعاون مع الاستبداد". ودفع بهذه النتيجة النظرية والعملية إلى أقصى مداها الفكري في تأسيس ماهية القومية السياسية، عندما وقف إلى جانب الفكرة القائلة، بأن ذاتية الأمم اصطناعية على خلاف ذاتية الأفراد. وذلك لأن للأمم ذاتية وشعور خاص. كما أن لها أسلوب أو طريق خاص في تكونها. وفي الإطار العام هناك أمة جنسية (قومية) ودينية وسياسية. الأمر الذي يشير إلى طابعها الاصطناعي. والمقصود بذلك أنها جزء من التجارب التاريخية والسياسية للأمم. مما يفسح المجال أمام إمكانية وضرورة البحث عن بدائل واقعية تستجيب للصيغة المثلى للوحدة القومية الجديدة. وضمن هذا السياق يمكن فهم آراءه النظرية في تحليل ماهية العثمانية والعروبة والموقف منهما.

فقد كان الزهراوي يستعمل في كتاباته الأولية مصطلح العثمانية و"العثمانيون"، و"نحن معشر العثمانيون"، على معنى الجماعة، أي التعاون والاجتماع. أما في مجال الدين واللغة والإقليم والسلوك الاجتماعي والسياسي فجماعات متنوعة. وضمن هذا السياق يمكن فهم دعوته بين الحين والآخر إلى ضرورة تقوية الجامعة العثمانية من خلال "تنظيف العقول والتربية السياسية". وكذلك دعواته إلى عثمانية مدنية، ليست قومية ولا دينية، بل بوصفها اتحادا طوعيا للأمم على مبادئ مدنية. واعتقد انه الأسلوب الأمثل للحفاظ على قوة هذا النوع من العثمانية، بمعنى استنادها على العدل باعتباره قوة في التعصب وحب النفس. وذلك لأن العثمانية متنوعة في اللسان والدين لا يجمعها إلا العدل وتساوي الجميع. مما يفسح المجال في الوقت نفسه للعمل بمعايير الحقيقة القائلة، بأن الجامعة العثمانية لا تمنع أن يحب كل جماعة منهم جامعتهم الخاصة (القومية أو الدينية).

مما سبق يتضح، بأن العثمانية بالنسبة للزهراوي هي أولا وقبل كل شيء جامعة ثقافية. من هنا معارضته التغلب فيها للترك رغم "أقليتهم" مقارنة بالعرب. ومن هنا أيضا وجهة نظره الداعية إلى إعادة ترتيب الأولويات في الجماعة العثمانية. فقد أدرك الزهراوي قيمة العثمانية بوصفها دولة موحدة للمسلمين في مواجهة الغرب. واعتبر أن قوة العثمانية، باعتبارها توحيدا واشتراكا لشعوبها (وبالأخص العرب والأتراك) يؤدي إلى إزالة "المسألة الشرقية"1

. ذلك يعني انه نظر إلى ما يمكن تسميته بالعثمانية الحقيقية (النموذج المفترض) باعتبارها "عثمانية المجتمع المدني، أو الوطنية المتعالية عن العرق والجنس والدين واللون". وبالتالي، فإنها، بوصفها اتفاقا أو تضامنا سياسيا مفترضا ينبغي أن تبنى على أساس الانطلاق من إدراكها لوجود اتحادات متنوعة. وإذا كان الزهراوي قد قرر وجود أربع نماذج كبرى وهي الإنساني (الاممي) والديني والجنسي (القومي) والمهني (المصالح)، فانه اعتقد بأن أفضلها بالنسبة للعثمانية هو "الاتحاد السياسي الواعي (الائتلاف) لا الوحدة التامة، أي كل ما يقترب من حيث أسلوبه وغايته من النظام الكونفدرالي. وذلك لأن العثمانية القائمة آنذاك تفتقد، حسب نظر الزهراوي، لفكرة عمومية، أي أيديولوجية كبرى تناسب بنيتها المتنوعة. لهذا نراه يشدد على ما اسماه بنقص العثمانية الروحي. فالعثمانية تفتقد حسب رؤية الزهراوي إلى "روح عمومية". ومن ثم هي عاجزة عن الاستجابة لمتطلبات القومية الحديثة والدولة الحديثة والنظام السياسي الحديث. وفي هذا يكمن سر تخلفها وانحطاطها وإثارتها لصراعات عديدة.

وعلى خلاف ذلك نقف أمام ظاهرة العروبة التي أخذت تعي نفسها بمعايير القومية السياسية الحديثة. وقد تراكمت آراء الزهراوي بهذا الصدد في مجرى تدقيق وتحقيق مختلف الأفكار والمفاهيم المتعلقة بالقومية والتاريخ والسياسة والثقافة والمستقبل. ففي بادئ الأمر كان الزهراوي يتناول مسالة العروبة ضمن مفهوم العثمانية المدنية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الاتحاد العثماني الذي يريده هو ذاك الذي يحافظ على الأجزاء، أي "الاتحاد النافع هو الذي يبقي فيه العربي عربيا والرومي روميا.". ففي معرض حديثه عن قيمة العثمانية، باعتبارها جامعة وحب النفس والتعصب للأنا فيها نسمعه يقول "هناك من يسمح لنفسه أن يبارك الجميع في طلبهم العلى إلا للعرب، بل يشمئزون من ذلك". وبالضد من ذلك نراه يشدد على انه "حتى لو أطبق العالم اجمع على ذلك، فانه لا ينبغي خفض الصوت. من هنا نراه يتكلم حول ضرورة "إعادة مجد الماضي وذكراه وخصال العرب العظمى"، لكي يتوصل في النهاية إلى استنتاج فكري وسياسي مستقبلي كبير يقول انه "لا مجد للعرب بلا تعاون، ولا تعاون بلا رابطة، ولا مجد بلا سياسة". وحالما توصل إلى هذه الفكرة، فإن مداها اللاحق أصبح مجرد تهذيب وتشذيب لمضمونها الداعي إلى توحيد التاريخ والفكرة السياسية والقومية بالنسبة للعرب بوصفه مستقبلا واحدا وموحدا. ففي معرض حديثه عن تناسب القوميات في السلطنة العثمانية، على سبيل المثال، نراه يشدد على ما اسماه بحجم الإجحاف فيها بفعل سيادة الأتراك مع أن الأغلبية فيها للعرب. وأخذ هذا الإجحاف الجلي للعيان في مجرى تجارب التاريخ الحديث يكشف عن ضيق حدود وخواء العثمانية القديمة بكافة الميادين والأشكال والمستويات. وفي الوقت نفسه أدى ذلك إلى نمو وتراكم ما اسماه الزهراوي بروح العمومية والفكرة العمومية. فإذا كانت العثمانية تفتقدها، فإن العرب آخذين بالتجمع حول قضايا معينة كبرى حصرها الزهراوي في خمس هي كل من التنبه بعد الهجوع الطويل، واستحسان التعارف والتعاطف بعد التقاطع، والحرص على تأييد اللسان ومقاومة كل فكرة تقضي بإضاعته وإقامة غيره بالتدرج، والحرص على أن يكون كيانهم من حيث المجموع محترما، والاهتمام بالعلوم والأعمال الصالحة (للتقدم). لهذا نراه يعلق على كتاب جرجي زيدان (تاريخ آداب اللغة العربية) قائلا، بأن هدفه الأساسي هو تعريف العرب أنفسهم بأنفسهم، وأن ماضي العرب عظيم بما في ذلك قبل الإسلام، وأن تاريخهم هو تاريخ الإبداع الدائم من حضارات قديمة في الجزيرة والعراق وسوريا وإفريقيا، وأن ظهور الإسلام جعلهم أمة عظيمة جديدة صنعوا على مثالها أمة الإخاء الإنساني، وأن لغتهم محفوظة، بوصفها لغة القرآن.، وأخيرا أنهم يتمتعون بتراث تاريخي هائل في كافة الميادين بحيث نراه يجعل حتى من دولة حمورابي دولة عربية.

ذلك يعني انه وجد في كتاب جرجي زيدان دليلا وبرهانا تاريخيا موثقا على جوهرية العرب بالنسبة للتاريخ العالمي. إضافة إلى ما في كل ذلك من مقدمات عضوية وحيوية وجوهرية بالنسبة للوعي الذاتي ورؤيته العملية والمستقبلية. فعندما ناقش، على سبيل المثال، مسألة الاحتلال الإيطالي لليبيا، فإنه توصل إلى أن الدولة العثمانية غير قادرة على المواجهة. وبالتالي، فلإن القوة الوحيدة المؤهلة لتحرير ليبيا وغيرها تقوم "في الاعتماد على حماسة العرب المقيمين في ذلك الإقليم. ونرجو أن تظهر هذه الحادثة أن السرّ الذي سار به العرب الأولون لا يزال ساريا". وبالتالي ضرورة أن يتحول مبدأ الاعتماد على النفس إلى مبدأ أولي كما مثلته تجربة دفاع العرب الليبيين ضد الغزو الايطالي". في حين نسمعه يدعو العرب قبل الحرب العالمية الأولى (ما بين أعوام 1909-1911) بكلمات:"أيها الإخوة العرب! لنتأمل الماضي ولننظر إلى الحاضر والمستقبل من اجل النهوض والاستقلال بالاعتماد على النفس".

إننا نعثر في هذه النماذج المشددة على مبدأ الاعتماد على النفس الصيغة الخطابية للفكرة القومية السياسية وضرورة تجسيدها في دولة حديثة لها تاريخها السياسي المستقل، أي استعادة التاريخ المنقطع للعرب، لاسيما وأنهم يتمتعون بأحد أعمق وارسخ وأقوى التواريخ الثقافية العالمية. من هنا تشديده على وحدة التاريخ العربي وتقاليده الثقافية. وهذا بدوره ليس إلا الصيغة الفكرية الثقافية للعروبة بوصفها وعيا ذاتيا قوميا سياسيا. ووجد ذلك تعبيره في ثلاثة أفكار مرجعية جديدة تمثلت حصيلة الاستنتاجات النظرية لفكر النهضة والإصلاح وهي إن عظمة العرب ليست في الإسلام والخلافة والانجازات الخالدة، بل وفيما قبل ذلك أيضا، وأن الإسلام لم يخلق العرب خلقة جديدة، بل استكمل ما فيهم، وأن جاهلية العرب هي جاهلية ما وراء الطبيعة . أما الصيغة الدقيقة والجلية والعملية في الوقت نفسه لكل ذلك فقد وجدت انعكاسها في النشاط السياسي والتأسيس الفكري الذي قام به الزهراوي قبل انعقاد المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913، وفي مجراه ونتائجه وما أدى إليه أيضا على مستوى المصير الشخصي. فقد بلور الزهراوي آنذاك للمرة الأولى بوضوح تام فكرة العروبة عندما شدد على أن العنصر العربي أهم عنصر في الدولة العثمانية، وانه ذو صفات مشتركة (اللغة والعادات والمصالح والميول)، ون من الضروري الاشتراك بإدارة شئون الدولة العثمانية بصفتنا عربا، وأخيرا إن العرب لا يريدون الانفصال عن الدولة العثمانية، بل يسعون إلى وحدة جديدة ودولة عثمانية جديدة على أساس متكافئ.

حددت هذه النتيجة، أي الموقف من الماهية الواقعية والمفترضة للعثمانية، والموقف من فكرة العروبة، البعد الثالث لفكرة القومية السياسية، أي فكرة النظام السياسي البديل. حيث جرى تناوله من خلال الموقف من الخلافة (كنموذج أو مرجعية) والاستبداد (كواقع) والنظام النيابي (كبديل).

فقد أجاب الزهراوي على أسئلة بصدد الخلافة جرى توجيهها إليه عام 1901، أي قبل القضاء عليها بحوالي عقدين من الزمن بطريقة تتسم بقدر كبير من الواقعية والعقلانية. ومن الممكن حصر أهم آراءه ومواقفه بهذا الصدد بما يلي: إن اسم الخلافة كان يطلق على حكم الخلفاء الراشدين الأوائل. وما بعد ذلك ملك. وبالتالي، فإن الاسم المتداول عنها ينافي مضمونها الحقيقي الأول. ذلك يعني، إن إطلاق اسم الخلافة على العاصرين (بما في ذلك الحكم التركي) هو إما اسم لا معنى له أو مضاد لحقيقته. إذ ليس للخليفة بيت مال إلا في حال إذا كان المال والحكم بيد الأمة. كما أن للخليفة حق العمل في التجارة والزراعة أما قبل الحكم أو بعد الحكم. ومن ثم يجوز له ما يجوز للأفراد والأمة. ولا يجوز له الخدم الكثير والقوات الخاصة. كما لا يجوز له التصرف بمال الأمة كما يريد، والتلاعب بالقوانين. ولا يباح له باختيار من يريد إلى الحكم والتقرب من السلطة، وبالأخص من هو مشهور منهم بالرذيلة. كما لا يحق للخليفة سجن أو قتل وإخراج أيا كان بدون قانون، وأخيرا ليس الخليفة مقدسا، وليس مجردا عن السؤال. بصيغة أخرى، إننا نعثر في هذه الإجابة المكثفة على مضمون الفكرة المناهضة لما يمكن دعوته بزمن الخلافة المزيفة التي سادت وما تزال في تاريخ العالم الإسلامي. وفيها نعثر على الصيغة الملطفة أيضا لنقد نظام الاستبداد التركي العثماني، وبالأخص في مراحله الأخيرة.

لقد اعتبر عبد الحميد الزهراوي الاستبداد رديفا للاستعباد. ومن ثم اعتبره رذيلة كبرى. وأشار إلى أن هيمنة وانتشار الاستبداد أدت إلى أن تقول الناس عن نفسها "نحن عبيد السلطان" و"ولي النعمة" و"مالك رقاب الأمم" وما شابه ذلك من عبارات تعكس طبيعة العبودية في السلطة والنظام السياسي. ولا يعني ذلك سوى أن هذا النمط من العلاقة بين السلطان والمجتمع سوى كونه علاقة الاستعباد والإذلال للأمم والدولة.

وحددت هذه النتيجة موقفه من بدائل الاستبداد. فقد وضع آراءه بهذا الصدد انطلاقا من إدراكه لأهمية وقيمة الدولة الشرعية والقانون والمجتمع المدني. لهذا نراه يتكلم عن "علم الواجبات" باعتباره علم الحقوق. من هنا جوهرية فكرة الواجب الضرورية من اجل تكامل الشخصية الفردية والاجتماعية مع ما يترتب عليها من مواقف مناسبة تجاه قضايا ومشاكل ومستقبل الأمة والدولة على السواء. ووجد في الدستور والحكم النيابي الأسلوب الأمثل لبلوغ هذه الغاية. ونعثر على ذلك في مواقفه المشيدة والداعية لأهمية الانتخاب. إذ اعتبر "أمر الانتخاب من أعظم حقوق الأمة". فقد جرى من اجله كفاح طويل مرير. من هنا مطالبته بوجوب الدفاع عن حق الانتخاب، والدعوة إلى عدم انتخاب من فيه ميل إلى النفرة من الانتخاب، وكذلك ضرورة تربية الجميع للميل إلى حاكمية الأمة وتعظيم حقوقها السياسية. ولا يمكن بلوغ ذلك بوصفه نظاما دائما وعاما دون سيادة الدستور. فالدستور قيمة عظيمة بنظر الزهراوي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه في حال النظر إلى تجارب الأمم الأخرى، فإننا نرى "مظاهر العزة والرفعة والإخاء الوطني والمساواة في الحقوق والطموح في المساواة إلى ما هو أبهى من الحاضر". وبالتالي، فإنه في حالة رؤية نواقص أو أمور شبيهة بالماضي فلا ينبغي رميها على الدستور والحكم النيابي"، كما يستنتج الزهراوي. لهذا نراه يدعو في حديثه عن رجال الدولة والنظام السياسي، إلى ضرورة أن يكون في (المبعوثان) أو مجالس النيابة، ممثلون لكل الفئات والاختصاصات والأديان والأفكار. واعتبر هذا التنوع قوة للمجالس. على عكس من يتصور أن من فيها ينبغي أن يكون عالما بكل شيء.

مما سبق يتضح، بأن القيمة النظرية والعملية والمنهجية لفكر الزهراوي تقوم في انه كان محكوما بتحديد المواقف. وهذه بدورها كانت مبنية على أساس تأمل الواقع كما هو والحكم عليه بمعايير الواقعية والرؤية المستقبلية. بمعنى أن كل ما فيه هو نتاج تأمل واقعي وعقلي ونقدي ومستقبلي محكوم بقيم اجتماعية متطورة مثل فكرة الدولة الحديثة والشرعية والمجتمع المدني وقيم الحق والعدل والتقدم والحرية، أي كل ما كان يتمثل ويمثل مضمون الفكرة الليبرالية من حيث كونها منظومة عقلانية وإنسانية، أي مرحلة في مراحل التجربة التاريخية للأمم والعقل النظري والعملي. وقد يكون موقفه من قضايا الإسلام والمدنية المعاصرة، وقضية الشرق والغرب (الإسلام والنصرانية)، وقضية الموقف من أوربا من بين أكثرها وضوحا وأهمية ضمن سياق المرحلة التاريخية آنذاك وإشكالاتها السياسية والثقافية الكبرى.

ففي موقفه من قضية الإسلام والمدنية المعاصرة، نراه ينطلق من مقدمة تاريخية ثقافية وليست دينية. إذ يشدد على أن مجيء الإسلام للعرب هو توسيع لعقولهم صوب ما وراء الطبيعة. إذ لم يكن العرب أمة همجية قبل الإسلام. على العكس. إن فضائل الإسلام هي فضائلهم. وبالتالي ليس للإسلام سبب في تأخر الوطن، على العكس من ذلك. فتاريخ الإسلام هو تاريخ التمدن. أما الإيمان بالغيب، كما هو الحال في كافة الأديان، فانه يكشف عن انه ليس سببا للتأخر، ولا يعيق التقدم. من هنا دفاعه عن "حقيقة الإسلام" عبر إبراز وتأسيس أبعاده الجديدة من خلال مطابقتها مع محتواه التاريخي الأول، ومع غاياته المتعلقة بقضايا الاجتماع والملكية والإرث والسلوك. بعبارة أخرى، انه حاول إبراز المضمون الاجتماعي والسياسي للإسلام من خلال التركيز على جوانب ومبادئ الدعوة للعدل في الحكم، ونظام الشورى في الحكم، والحرية من منطلق لا إكراه في الدين، والدعوة للوحدة الجديدة حسب إمكانية مختلف نماذج ومستويات الاتحاد التي جرى الحديث عنها سابقا، والدعوة لفكرة وجوب الاستعداد وتنمية القوة المادية والروحية للأمة والدولة، والعمل بمبدأ حسن المعاملة، وأخيرا وجوب الرجوع إلى أهل الاختصاص في كل ما له علاقة بمصالح المجتمع والدولة.

لقد كانت مواقف الزهراوي من الإسلام محكومة بالفكرة السياسية بشكل عام والقومية بشكل خاص. بمعنى أنها كانت تسير ضمن سياق التأسيس النظري المواجه لإشكاليات المرحلة الكبرى والقائمة في كمية ونوعية الهجوم الأوربي الكولونيالي آنذاك. لهذا كانت آراءه ومواقفه تتسم بقدر كبير من الرؤية النقدية للنفس من جهة، والتأسيس الايجابي للتراث الذاتي من جهة أخرى. وطبق هذا الأسلوب في موقفه من قضية الشرق الإسلامي والغرب النصراني.

انطلق الزهراوي في موقفه من هذه القضية من مقدمة فكرية فلسفية، مبنية على أساس وحدة المنطق والرؤية التاريخية. وأوصلته إلى نتيجة تقول، بوجوب التضاد والاختلاف في كل شيء. إلا أن لهذه المقدمة مظاهر كبرى منطقية وواقعية، مثل أن الاختلاف لا يزول ولكن له آداب. كما أن التنازع لا يبطل ولكن له سنن. والحق أيضا تختلف فيه الأفكار ولكن التفاهم فيه ممكن. وذلك لأن الأفكار قابلة للتحول وقبول النصح. إضافة لذلك، أن تاريخ البشرية هو تاريخ صراع. أمم تصعد وأخرى تسفل. وأن سبب النزاع فطرة البشر في حب التميز والاستئثار. وبالتالي، فإن كل الأسباب القديمة للنزاع موجودة الآن أيضا. فقد كانت فيما مضى تنحر في مجال المراعي والأراضي والتجارة والمال والرجال والنساء والدين والأفكار وما إلى ذلك. وهي ذاتها الآن رغم تغير بعض مظاهرها، بمعنى أنها محصورة بمساعي الاستحواذ والسيطرة على الغنائم والثروات. إلا أن ليس كل أشكال الصراع طعنا وقتلا، كما يقول الزهراوي. لهذا نراه يتحدث عن بديل لهذه الحالة عبر تهذيب الإنسان والمجتمع بالتربية وتحسين أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية. ووجد في ذلك مقدمات تخفف من حدة الخلاف والاختلاف. لاسيما وأن التاريخ يحفل بنماذج كبرى بهذا الصدد كما نراها في شخصية المسيح ومحمد. فقد ناضل عيسى ضد الاستئثار والتمييز الذي أراده أحبار اليهود. وانتصر بالصبر على الحق. ذلك يعني، أن مسالمة المسيح هي مسالمة الحق. لهذا نراه يدعو إلى القوة أيضا، ولم يستعملها بسبب الظروف فقط. من هنا قيمة النصرانية في تهذيب الشخصية الأوربية. إذ هذبت النصرانية أوربا من همجيتها، وقدمت لها نموذج لحرمة الإنسان. إلا أن أوربا ظلت مع ذلك ذات سيف، ولم تكتف بالكتاب المقدس.

وعندما تناول تجربة الإسلام، فانه حاول الكشف عن أن قوتها في قدرتها على الإقناع والفعل، لا بالقوة والسيف. لأن محمد واحد والمجتمع واحد. وإذا كان انتصار الأول بسرعة، فانه دليل على قوة الشخص والدين. ذلك يعني أن انتصار الإسلام الأول كان مبنيا على مبدأ العدل. من هنا شدة زهد الخلفاء الأوائل. إضافة لذلك أن الإسلام ينكر أكراه الآخرين على الإسلام بالسيف. ولكنه لا ينكر إقامة الدولة الإسلامية. فسيف الإسلام، خلافا لما سبقه ولحقه، هو سيف العدالة وإدخال الجميع في دولة واحدة وليس للاستعباد. وليس مصادفة أن يكون الخلاف التاريخي بين الإسلام وأوربا المسيحية، وليس بين الإسلام والنصارى (الشرقيين). والسبب يكمن في أن ما يميز أوربا هو تقاليد الغلبة والاستيلاء . وإن النظر إلى تاريخ الإسلام، بما في ذلك أشد حكوماته بعدا عن الإسلام أو ظلما، يكشف عن ان النصارى لم يتعرضوا فيه إلى أذية. من هنا خطأ من يدعي الدفاع عنهم وهو مجرد عن الدين (أي لا دين له).

إن حقيقة الغرب (الأوربي) تكمن بالنسبة للزهراوي في عدم تحرره وتخلصه من إرث وتقاليد الغلبة والاستيلاء. وليس مصادفة أن يتميز الغرب (الأوربي) بحصره فكرة الاعتراف بالحقوق بنفسه فقط، سواء على مستوى الدولة أو الأفراد. وأن يكون همه الغالب هو السيطرة والاستيلاء. إلا أن ذلك لا يضعف ولا يقلل ولا يزيل من فضائله الكبرى. ومن بين فضائله الكبرى حسبما يقول الزهراوي هو فكرة الارتقاء. ووجد سرها في إدراك النفس وفي تطوير العلوم، إضافة إلى العزة والقوة والماديات.

إننا نعثر في إبراز صفات الفضيلة التاريخية المعاصرة الكبرى لأوربا الوجه الآخر لما يفتقده الشرق (الإسلامي). فمن الناحية التاريخية والفعلية، كان الشرق منبت التاريخ، ومظهر الإبداع، ومتجلي البدائع والمدنيات والمعارف، كما يقول الزهراوي. لكنه نائم الآن ساكن. ومن ثم فإن المهمة تقوم في تذليل هذا السكون عبر الرجوع إلى النفس وتطوير العلوم. وضمن هذا السياق يمكن فهم المقارنة بين الشرق والغرب التي يمكن تكثيفها من حصيلة كل ما كتبه بهذا الصدد. فقد صور الزهراوي هذه المقارنة بمتضادات كبرى مثل أن الغرب يعربد ويقهر الأمم، والشرق هاجع تناديه فلا يسمع، وأن الغرب تغذيه نار الحمية، بينما يغذي الشرق أنين الإنسانية. وأن عواقب نوم الروح الشرقي تسبب أكثر ضررا من عواقب سكرة الروح الغربي. فتطور الغرب وارتقاءه لم يغرّب ما فيه من شره وهمجية كما هو الحال عند اشد القبائل تخلفا وهمجية. بل ويعتقد الزهراوي أن الغرب يفتقد إلى روح الشجاعة والمواجهة، وانه لا رادع أخلاقي عميق عنده أمام شعور الغلبة، من هنا كان تاريخه على الدوام هو تاريخ اعتداء وانتقام. ومع أن روح الشرقي كروح الغربي، لكن الاستعداد الشرقي، كما يقول لنا التاريخ أقوى وأحسن، وانه متى سنحت الفرصة كان أثره باهرا. وإذا كان الغرب الحديث أحد أسباب استيقاظ الشرق وسعيه للحرية، فإنه يضعنا أمام مفارقة التاريخ المعاصر ألا وهي التمسك بقاعدة "عدو لابد من صداقته".

إننا نقف هنا أمام رؤية نقدية تحليلية وتاريخية مهمتها ليست مهاجمة الغرب الأوربي آنذاك، بقدر ما كانت تهدف إلى مهاجمة النفس والكشف عن عيوبها، مع البقاء في الوقت نفسه ضمن حيز الرجاء التاريخي وفضائل المستقبل المحتملة، كما هو جلي في تخصيص علاقة الشرق والغرب (الإسلام والنصرانية) بالموقف من أوربا. فقد كان الزهراوي من بين الشخصيات الفكرية التي لم تصب آنذاك بعطب التدين المزيف ولا الإسلامية المبتذلة. لهذا نراه يقف بالضد من تأجيج الصراع المفتعل بين الإسلام والنصرانية. وبين أوربا والعالم الإسلامي. إذ نراه يصور أوربا بوصفها مبدعا إنسانيا، وبالمقابل نراه يجد الرذيلة في الشرق الإسلامي آنذاك. ولم تعن الرذيلة بالنسبة له آنذاك شيئا غير التخلف والاستبداد والنقص عن التمام. لهذا نراه يقف بالضد من مواجهة أوربا كلها. وفي الوقت نفسه يؤكد على تفرقة الجيد والسيئ فيها، والصديق من العدو. واعتبر أن من الخطأ إعلان أوربا كلها مجرمة. وأشار بهذا الصدد إلى دورها أيضا في البناء والنهضة ونشر العلوم وما إلى ذلك. بعبارة أخرى، انه طالب بالرؤية الحصيفة تجاه أوربا. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه يمكن لوم أوربا وانتقادها، ولكن بالعقل والحجج لا اللوم الحاقد الناقص. وإن الموقف الحقيقي من أوربا ينبغي أن يكون بالاستقلال الاقتصادي عنها.

لكنه مع تقييمه الايجابي الكبير لأوربا وانجازاتها في مختلف الميادين، فإنه أظهر ما اسماه بعدم خلوها من العيوب، وأن أوربا ليست بريئة من إرادة الكيد للآخرين. من هنا تخطئته لمن يقلد أوربا كليا أو يرفضها كليا. واعتبر المهمة الكبرى والأساسية تقوم في معرفة النفس. وفيما لو جرى تكثيف حصيلة موقفه بهذا الصدد، أي حصيلة الموقف من أوربا، فمن الممكن حصرها في ثلاثة أشياء وهي أن لا نجعل منها خصومة لنا دفعة واحدة، وأن نشغل كل شعب إسلامي بتقوية نفسه دون الأمل على آخر، واليقظة الذاتية وتذّكر خير أوربا وشرها. فقد أوصلته تجربة الرؤية التاريخية والنقدية العلمية للسياسة الأوربية، بعد تحليل مختلف القضايا والمشاكل في علاقتها بالعالم الإسلامي، إلى "انه لا معنى بالثقة بها، ولا ضرورة بتعليق الأمل عليها في شيء، لأنها لا تفكر إلا بمصالحها الاقتصادية".

إلا أن الفكرة الفلسفية المستقبلية العميقة التي توصل إليها من خلال توليف الرؤية النقدية تجاه النفي بالسعي لإدراكها على حقيقتها، ونقد التجربة الأوربية من خلال رؤية محدداتها وغاياتها، تقوم فيما يمكن دعوته بضرورة الرجوع إلى النفس وتأسيس مرجعياتها الحديثة. فقد قيم الزهراوي الإبداع الأوربي في ميادين العلوم الطبيعية والنزعات الإنسانية، لكنه توصل في الوقت نفسه إلى أن فلسفاتهم ليست منطقية بل هي نتاج تجاربهم الذاتية، وبالتالي لا معنى لتقليدها كما هي. وعلى هذا الاستنتاج أسس موقفه الداعي إلى التعلم من أوربا كل ما هو ضروري للمدنية والإنسانية والتحرر دون تقليد ما تقوم به. ووضع هذه الفكرة على أساس تقريره بان أوربا ليست هي الغول، إنما الغول هو سوء الإدارة وفساد السياسة، وأن أوربا هي مطلع نور العالم الحديث. كما أنها تساعد العقول والهمم برؤية أثار العقول والهمم فيها. إضافة إلى ما فيها من مصادر لزيادة المعرفة بحضارتها وأساليب اجتماعها.

لقد شكلت هذه الحصيلة ذروة الرؤية الباطنية للفكرة القومية، بمعنى رؤية الذات القومي العربي بمرآة الواقع الأوربي ومصادر تطوره وأساليب رقيه في مختلف الميادين، أي كل ما يفتقده العالم العربي وما آل إليه من انحطاط شامل وضمور شبه كلي في كيانه وكينونته في ظل السيطرة التركية العثمانية. الأمر الذي جعل من تأسيس الفكرة القومية عند الزهراوي نظرية متراكمة في مجرى توسع وتعمق وتنظيم الرؤية الواقعية والعقلانية والتاريخية والاجتماعية والسياسية.

إن الفكرة القومية عند الزهراوي لم تكن قومية بمعايير الأيديولوجية والسياسية المباشرة، على العكس أنها أخضعت السياسة والأيديولوجية عبر تذويبهما في مشروع تأسيس الرؤية القومية بوصفها بديلا ضروريا للانحطاط والتخلف العربي وانعدام تاريخه السياسي المستقل لقرون عديدة. مما جعل من رؤية الزهراوي ومواقفه مشروعا قوميا واقعيا وعقلانيا يمكن العثور فيه على صدى ومدى التراكم الفعلي لفكرة النهضة العربية والإصلاحية الإسلامية ومضمونها التاريخي بشكل عام وتيار الكواكبي بشكل خاص.

***

وقد شاطر هذه الفكرة في البداية، بل وحتى بداية الحرب العالمية الأولى اغلب إن لم يكن جميع مفكري العرب بما في ذلك أصحاب النزعة القومية، ولم يشذ عن هذا الموقف نجيب عازوري أيضا.

قد يكون جرجي زيدان هو أكثر من مثل هذه الفكرة وأسس لها في مؤلفاته التاريخية والثقافية، وبالأخص في (تاريخ التمدن) و(تاريخ آداب اللغة العربية) التي أثرت فيما يبدو تأثيرا كبيرا على آراء ومواقف الزهراوي بهذا الصدد.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

1- يطابق الزهراوي أحيانا الشرق والغرب مع الأمة الإسلامية وأوربا النصرانية وبالأخص حالما تناول تاريخ الصراع في أشكاله "الصليبية"، باعتبارها ظاهرة سياسية وليس نصرانية، أي أوربية – رومانية.

 

ميثم الجنابيإن مأثرة عبد الحميد الزهراوي (1855-1916) الكبرى تقوم في دراما تجسيده الفعلي لحقيقة الفكرة السياسية التي تمثلها ومثلها وسعى لتأسيسها في الوعي الاجتماعي العربي الحديث. من هنا مفارقة دوره الفاعل في تأسيس الفكرة العربية (القومية) السياسية وصورته المغمورة في التاريخ العلني للعالم العربي الحديث. لكنها مفارقة تكشف بدورها عن أن الشخصيات الكبرى وأفكارها الحية عادة ما تذوب في مسار الحركة التاريخية وتتلاشى في أفق البدائل.

إن القيمة التاريخية والفكرية والثقافية لإبداع ونظرية الزهراوي بصدد الفكرة القومية تقوم في كونه أحد أكبر المفكرين الأوائل للفكرة القومية العربية وتأسيسها الفلسفي والسياسي والاجتماعي والثقافي.

فقد مثل عبد الحميد الزهراوي الحالة الحرجة لتوليف تيارات كان يصعب تأسيسها بمعايير المنهج الموحد آنذاك، وذلك لأن اغلب مكوناتها كانت تتسم بقدر كبير من التأمل والبحث والتجريب، والمقصود بذلك تيارات النهضة الأدبية والإصلاحية الإسلامية واليقظة القومية. وليس مصادفة أن نعثر فيه على ما يمكن دعوته بالصيغة الباردة لتوهج الفكرة السياسية الإصلاحية لمعاصره الكواكبي (1854-1902) وحرارة الفكرة السياسية القومية لنجيب عازوري. ووجد ذلك انعكاسه فيما يمكن دعوته بالصيغة المعتدلة والعميقة أيضا لتوحيد فكرة التربية السياسية وروح الجمعية (وليس الجماعة). وهذه بدورها ليست إلا الصيغة الذكية للفكر القومية السياسية. وليس مصادفة أن نعثر عليها مبثوثة في كل ما تناوله من قضايا، كما أنها تبرز في حصيلة استنتاجاته العملية الداعمة لتأسيس الفكرة القومية باعتبارها فكرة سياسية.

فقد تراكم تأسيس الفكرة العربية القومية بوصفها فكرة سياسية في مجرى توسع وتعمق وتنظيم الرؤية الواقعية والعقلانية والتاريخية والاجتماعية والسياسية تجاه مختلف القضايا وعند مختلف التيارات والشخصيات العربية التي سبقت الزهراوي على امتداد عقود عديدة من الزمن. وليس مصادفة فيما يبدو أن نعثر على صدى هذه الإحساس والإدراك العقلي والعقلاني الذي ميز كتابات ومواقف الزهراوي من القيمة التاريخية والروحية والسياسية والقومية للفكر النظري والمفكرين. إذ نراه يعير اهتمامه الكبير لدور من اسماهم برجال "الفكر والنوابغ الذي عليه مدار سلوك الأمة، بل مسالك الحياة الاجتماعية والسياسية". من هنا مناقشته لما اسماه بأسباب قلة آثارهم رغم كثرتهم، والتي حصرها في كل من التفرق حسب الجماعات، واختلاف مصادر المعلومات والفكر، بمعنى أن منهم من أستاذه الإنجليز، وآخر أستاذه الألمان، وثالث الفرنسيون، ورابع الأسلاف، وما إلى ذلك. الأمر الذي يضعهم في تضاد وصراعات وعدم قبول أحدهم بالآخر. بينما يشكل التقليد، وتمايز القابلية، وتغاير الإرادات، وتفاوت الأعمار، وتباعد الديار، وتباين المناهج، وصراع الأحزاب السياسية البقية الباقية من هذه الأسباب.

إننا نقف هنا أمام رؤية واقعية ومتفحصة ودقيقة للأسباب القائمة وراء مفارقة الظاهرة الفعلية والتاريخية لكثرة النخب وانعدام أو ضعف تأثيرها الفعلي. وفي الوقت نفسه تبرز ما يمكن دعوته بتناسب الأسباب وفكرة الأولوية. بمعنى إدراكه الحقيقة القائلة، بأن منظومة الأسباب الفاعلة في صعود الأمم وهبوطها لا تلغي مهمة إبراز الأولي من الثانوي، على العكس. أنها تفترض ذلك لما له من اثر جوهري بالنسبة للحلول العملية. وفيما لو انظرنا إلى ما وضعه الزهراوي بهذا الصدد، فإننا نقف أمام إبرازه لأولوية التفرق حسب الجماعات الذي يستدرج أو يفعّل البقية الباقية بالشكل الذي يجعل منها أسبابا إضافية للتخريب، مع أنها بحد ذاتها ليست أسبابا للتخريب، كما هو الحال بالنسبة لتنوع واختلاف "الأساتذة" و"مصادر العلوم والمعارف" وتغاير الإرادات وتفاوت الأعمار وتباين المناهج، أي كل تلك الأسباب التي يمكنها أن تفعّل المعرفة والوعي والإرادة والتنافس، ولكن في ظل تمسكها بفكرة الوحدة الكبرى، أي المرجعية الجامعة والعاصمة بالقدر ذاته لمسار الرؤية الواقعية والعقلانية. إذ لم تعن فكرة "التفرق حسب الجماعات" عند الزهراوي، بوصفها قوة مدمرة ومخربة سوى فكرة التفرقة المختلفة (وليس المتنوعة) ومن ثم انعدام ما سيطلق علية عبارة روح الجمعية، أي الروح القومية الاجتماعية الكبرى. فقد كان الزهراوي إلى جانب فكرة التنوع والاختلاف أيضا. لكنه وجد فيهما سببا يقف دون التطور السريع في ظروف التربية السياسية الضعيفة. ومن هنا أيضا استنتاجه القائل، بان مصادر العلوم العديدة والمختلفة لا تؤثر سلبا في حال استقلالهم بالتفكير. بعبارة أخرى، إن هشاشة الوعي السياسي وضعف فكرة الجمعية (أي الانتماء القومي الواضح والجلي بوصفه مرجعية جوهرية كبرى) وانتشار وهيمنة التقليد للقديم والجديد يجعل من المقدمات الشكلية للرقي المحتمل عوامل مخربة.

لم تكن هذه الرؤية واستنتاجاته العملية معزولة عما يمكن دعوته بالروح النقدي للزهراوي، أي الرؤية المنهجية التي حاولت أن تجعل من نقد النفس مقدمة العلم والعمل. وليس مصادفة أن يكون التيار العارم في فكره متشبعا بالحماسة النقدية، أي الرأي الشجاع أو الشجاعة المتروية. ومن الممكن العثور على ذلك في اغلب كتاباته وبنوعيتها أيضا، كما هو جلي في ربطها للعقل بالوجدان، والتاريخ بالمعاصرة، والحاضر بالمستقبل، أي كل ما كان يؤدي إلى تراكم ما يمكن دعوته بالرؤية الإستراتيجية تجاه إشكاليات الواقع والبدائل. في مقالاته العديدة إلى الشباب نراه يحاول البرهنة على ربط الاستقلال الفكري للشباب بالتعلم والعلم، باعتبارهما مكونات الشخصية الحرة والفاعلة. واعتبر الاستقلال الفكري معيار التمييز بين الحسن والقبيح في التاريخ والفكر على السواء. وفي الوقت نفسه نراه يشدد على ما اسماه بزمن الاستقلال الفكري وحدوده. بمعنى أن لكل فعل زمنه الخاص به وحدوده الفعلية. من هنا فكرته عن أن الاستقلال الفكري يتحدد ويرتبط أيضا بكيفية ومدى سبر تاريخ الماضي وتشريعاته ونتائجه وعلى مقدار معرفة الحاضر. ووضع هذه الحصيلة في استنتاجه عما اسماه بضرورة التعلم على أساس ترابط الأسئلة المتعلقة بماهية الأشياء ومكانها وكيفيتها، أي الإجابة على سؤال ماذا تتعلم وأين وكيف. وأجاب عليها بوضوح مباشر أيضا: تعلم العلوم كلها، في الجامعة والمدارس، وبالطريقة العلمية الصحيحة عبر تعميم الكتابة وتعلم العربية وتوسيعها.

وينطبق هذا على أسلوبه فيما كل ما تناوله من إشكاليات وقضايا ومشاريع. بمعنى تركيزه على جوهرية الرؤية النقدية بوصفها رؤية فاحصة ورزينة، عقلية وعقلانية من حيث تأسيسها النظري وأبعادها العملية وغايتها النهائية. لهذا نراه، على سبيل المثال، يقف بالضد مما اسماه "بالغيرة الدينية" التي حاولت تأجيج العداء بين الإسلام والنصرانية. إذ وجد في هذه الإثارة زمن الأزمات صفة مميزة لأولئك الذين ينسون تجارب التاريخ. وانطلق في فكرته هذه من أن الدين ليس سببا جوهريا في الصراع والغزو. وذلك لان الأمم جميعها  كانت غازية. إضافة إلى أن الغزو يجري، وكذلك الدفاع والخذلان وغيرها من الظواهر بين الأديان وبين أتباع الدين نفسه.

طبعا أن الزهراوي يدرك الأثر الفعلي والمحتمل للدين في إثارة الصراعات والخلاف، كما يدرك دوره في الصراع التاريخي بين عالم النصرانية  وعالم الإسلام، إلا انه سعى هنا لتأسيس أولوية الرؤية النقدية تجاه النفس من اجل تذليل إمكانية استغلال الدين بالشكل الذي يجعله أداة إضافية لتوسيع مدى الانحطاط والانغلاق. ولم تكن هذه الرؤية معزولة عن النقد غير المباشر لتاريخ الاستغلال السياسي للدين (الإسلامي) في توسيع مدى الاستبداد والانحطاط في عالم الإسلام نفسه. مع ما في هذه الرؤية من أبعاد سياسية قومية (عربية) دفينة. ومن الممكن رؤية هذه الأبعاد في فكرته القائلة، بأن "الدين ليس قوة في إثارة العصبية". ولا يمكن إغفال ما هذه الفكرة من خروج على مألوف التقاليد الإسلامية التاريخية والسائدة بالأخص في مراحل الانحطاط. لكنها كانت تحتوي في أعماقها على إبراز قيمة وأولوية الوعي السياسي الحديث وفكرة الجمعية (القومية). وذلك لأن الاتكال على الدين باعتباره مصدرا للعصبية كان يعني بالنسبة له البقاء ضمن حيز الضعف أو الانعدام الفعلي للتاريخ السياسي القومي الحديث. وبالتالي لم تعن فكرته عن أن "الدين ليس قوة في إثارة العصبية" سوى البحث عن "عصبية" جديدة تتجاوز "ضعف التربية السياسية". من هنا أيضا يمكن تتبع آراءه المتجانسة بهذا الصدد في مجرى تطبيقها على حالة الصراع الخشنة آنذاك بين "الشرق" و"الغرب"، أو عالم النصرانية وعالم الإسلام في تلك المرحلة.

فقد شدد الزهراوي على أن هجوم الغرب على الشرق "ليس هجوم دين على دين، وإنما هو هجوم قوة على ضعف، وعلم على جهل، وغنى على فقر". بعبارة أخرى، إننا نقف أمام وضوح في الرؤية تبحث عن سبب الخلل في النفس أولا وقبل كل شيء من خلال إرجاعه إلى أشكاله الجلية والواضحة والجوهرية أيضا، والتي وجدها في اختلاف بل وتناقض ثنائية القوة والضعف. ووجد ذلك تعبيره في نقده العام والدقيق لمقدمات ومظاهر الخلل والضعف الشامل للعالم العربي. إذ نراه ينتقد واقع التردي العربي في كافة الميادين والمستويات من خلال نقده لظاهرة غياب العمران، والاستيراد التام لكل شيء من الخارج، وانتشار الجهل، وسوء الإدارة، وانعدام الحرية. كما نراه ينتقد ظاهرة ما اسماه بانعدام الهيبة للرؤساء (العرب) بسبب خضوعهم للأستانة. وكذلك انعدام الأخلاق العامة الرادعة، والاهتمام بالمظاهر وانعدام الجوهر. ووضع كل ذلك وغيره في أساس موقفه من الغزو الأوربي للعالم العربي، باعتباره نتيجة لضعف النفس وقوة الآخرين. فعندما تناول، على سبيل المثال، قضية احتلال ايطاليا لليبيا، فإننا نراه يوجه نقده أولا وقبل كل شيء للنفس ثم للدولة (العثمانية) ثم للمجتمع الإسلامي، ثم للعرب (لفقدانهم جيشهم المستقل وأسطولهم..) ثم للحالة الاجتماعية (الأمراض..). من هنا نراه ينتقد بشدة أولئك الذين يردون كل أسباب الانحطاط إلى أوربا. بل ونراه يسعى بقوة للبرهنة على أن ماضي السلطة (العثمانية) وحاضرها يكشف عن عمق ومدى السفالة والرذيلة في الدولة والمجتمع على السواء، وإن الرذيلة فيه ومنه أولا وقبل كل شيء. ومن هنا استنتاجه الفكري والعملي الذي يكرر بمعايير المواقف السياسية ما سبق وأن توصلت إليه الفكرة الفلسفية عن مهمة معرفة النفس باعتبارها أولوية المعرفة. لكنه يضعها ضمن سياق التاريخ السياسي الحديث والحالة التي وصل إليها العالم العربي في ظل الهيمنة التركية والغزو الأوربي والضعف العرب الشامل. ووضع هذه الأولوية في استنتاجه القائل، بان من الضروري معرفة النفس أولا ثم معرفة الآخر. فهي المقدمة الوحيدة القادرة عل إدراك ومعرفة مقدمات وأسباب الضعف من اجل تلافيها. وذلك لان سيادة القوة على الحق نابع من اثر القوة، كما يقول الزهراوي. من هنا استنتاجه القائل، بان سبب الظلم ينبغي نسبه إلى النفس وليس إلى الغير. وأن مواجهة القوة ينبغي أن تكون بالقوة. وانه إذا كانت القوة هي التي تغتصب، فلم ولماذا وكيف نفتقدها. وجمع كل ذلك في فكرة جوهرية تقول، بان القوة نصير الحق، وأن القوة بالوحدة.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن فكرة "القوة بالوحدة" ترتبط أيضا بجوهرية فكرة الحرية والاستقلال والتقدم، من هنا يمكن رؤية الترابط العضوي بينهما على انه ترابط بين نقد الاستبداد العثماني والدعوة للاستقلال القومي. فمن الناحية الاجتماعية السياسية ليست فكرة الحرية والاستقلال والتقدم سوى مصدر وأسلوب القوة، وما يقابلها هو مصادر وأساليب الضعف. ومن هذه الفكرة كانت تتلألأ ملامح الفكرة الاجتماعية السياسية القومية، أي عندما أخذت هذه الفكرة تصبح رديفا أو موازية للفكرة القومية ومتغلغلة فيها. وليس مصادفة أن نراه يتساهل في نقد تأثير الدين (بوصفه مكونا ثقافيا) في الصراع "الشرقي – الغربي" (النصراني – الإسلامي)، مع انه كان كبير الفاعلية من حيث قدرته على التأليب ومن ثم تغطية المصالح أو تغليفها وتقديمها بالطريق القادرة على استقطاب القوى ومختلف مظاهر اللاعقلانية (من تضحية وما شابه ذلك). وينطبق هذا على كل ما تناوله في النقد من صيغ أيديولوجية يمكنها أن تحرف الوعي السياسي عن إدراك الأسباب الحقيقة والأولوية في البدائل.

إن  فكرة "القوة بالوحدة" التي قال بها عبد الحميد الزهراوي كانت وثيقة الارتباط بفكرة الحرية والاستقلال والتقدم. وهذه بدورها ليست الا الصيغة المعبرة عن نقد الاستبداد العثماني والدعوة للاستقلال القومي. فمن الناحية الاجتماعية السياسية ليست فكرة الحرية والاستقلال والتقدم سوى مصدر وأسلوب القوة، وما يقابلها هو مصادر وأساليب الضعف. ومن هذه الفكرة كانت تتلألأ ملامح الفكرة الاجتماعية السياسية القومية، أي عندما أخذت هذه الفكرة تصبح رديفا أو موازية للفكرة القومية ومتغلغلة فيها. وليس مصادفة أن نراه يتساهل في نقد تأثير الدين (بوصفه مكونا ثقافيا) في الصراع "الشرقي – الغربي" (النصراني – الإسلامي)، مع انه كان كبير الفاعلية من حيث قدرته على التأليب ومن ثم تغطية المصالح أو تغليفها وتقديمها بالطريق القادرة على استقطاب القوى ومختلف مظاهر اللاعقلانية (من تضحية وما شابه ذلك). وينطبق هذا على كل ما تناوله في النقد من صيغ أيديولوجية يمكنها أن تحرف الوعي السياسي عن إدراك الأسباب الحقيقة والأولوية في البدائل

حدد أسلوب الزهراوي هذا وحدة الرؤية الواقعية والعقلانية ومواقفه تجاه مختلف القضايا التي تناولها. بحيث يمكن رؤيتها في مواقفه من القضايا الفكرية الفلسفية والدينية والفقهية والروحية وغيرها. ففي سلسلة المقالات التي كتبها عن (التكاليف والعقول) حاول البرهنة فيها على أن ضرورة الالتزام بفكرة الحق في كل مسألة وإتباعه هي القاعدة، وليس الاعتماد على ما يقوله إنسان أي كان وعلى أي مذهب أو فرقة بعينها. كما نراه يرد على أولئك الذين قالوا بصعوبة فهم حقيقة القرآن، قائلا، بأن القرآن مفهوم معقول، وانه مشروح بأعمال النبي، وإن حكمة التكليف تقوم في تنوير عقولنا بمعرفة الله. وطبق هذا الأسلوب في موقفه من علاقة القرآن بالسنّة وعلاقة العادات والعبادات والمعاملات عندما أكد على أن القرآن والسنة ينطلقان ويعتمدان من مبدأ كون الحسن والضروري والنافع متوافق مع العقل والطبيعة. وضمن هذا السياق يمكن فهم فكرته عما اسماه بالتدين المتفلسف، أي التدين الذي يرتقي من حيث رؤيته وتأسيسه للفكرة والمواقف تجاه مختلف القضايا بقدر من التفلسف (العقلي والعقلاني) الهادي إلى إرساء أسس الاعتدال (العقلانية). من هنا فكرته عن أن حسنة هذا التدين المتفلسف تقوم في تأسيسه للتروي والتفكر، أي الاعتدال. لهذا نراه ينتقد الفكرة السائدة والواسعة الانتشار في التقاليد الدينية عن أن العقل يؤدي إلى الكفر. إذ وجد فيها أمرا مجافيا للعقل والدين والإيمان على السواء. بل نراه يتوصل إلى فكرة حادة ودقيقة وعقلانية بهذا الصدد تعارض وتناقض مع هذه الفكرة، كما في قوله بأن زعم البعض أن إتباع العقول يؤدي إلى الكفر هو مخالفة للحقيقة، وانه لا يؤدي إلى الكفر إلا عدم إتباع العقل.

وطبق موقفه هذا في مجرى تناوله قضايا الفقه وتراثه وحاضره ومستقبله وأهميته. إذ نراه يتناول بصورة نقدية تاريخ الفقه المدّون في تفريعات المعاملات والعبادات بشكل عام وحالة الجمود والتحجر الحالية بسبب ارتباطه بسلسلة الكتب والمدونات والقيل والقال وليس بالحياة والواقع ومتطلباتهما العملية. ووضع نقده المتنوع هذا في سلسلة تتكون من أربع حلقات هي أن زمن الفقهاء والفقه القديم ليس زماننا، وأن قول الرسول هو العمل بالرأي وما قالوه الفقهاء هو اجتهادهم وليس قول الله، وأن آراءهم المتضادة ليس لها من مبرر سوى منافعهم ومنافع السلطان، وأخيرا أن تعدد وتنوع المذاهب أدى إلى تفرقة المسلمين. ولم يكن هذا الموقف النقدي من الفقه والفقهاء معزولا عن التقاليد العقلانية النقدية العميقة في الفكر الإسلامي بشكل عام وعند الغزالي بشكل خاص. فقد كانت اغلب مواقفه النقدية تجاه الفقه والفقهاء مأخوذة من الغزالي. بمعنى تركيزه على أن الفقه الميت هو نتاج التقاليد المدرسية الميتة. من هنا دعوته للتجديد بالخروج من إطار الكتب إلى التجربة الفعلية للعالم المعاصر. وذلك لأن الفقه الحقيقي هو ليس معرفة غسل الفرج ومسح الخفين وما شابه ذلك. وطبق ذلك على موقفه من أصول الفقه من خلال تحديد مواقف ملموسة ودقيقه من القياس والإجماع والسنة والقرآن. إذ اعتبر القياس معقول مقبول وضروري، أما الإجماع، فلا إجماع فيه لأنه لم يحدث ولن يحدث ولا طابع ملزم فيه. أما السنّة فإنها أكثر تعقيدا، لهذا تفرق القوم بسببها، ولم يبق إلا القرآن فهو الحجة الكبرى الوحيدة. في حين وجد في اغلب ما كتب وأثير الجدل حوله في الفروع خزعبلات، لاسيما وأنها جميعا مبنية على الظنون، وبالتالي فهي غير ملزمة ولا مقدسة. بينما نراه ينتقد مختلف مظاهر البطالة والاعتماد على الآخرين في التصوف. ويقف إلى جانب المبدأ النظري والعملي القائل، بأن الزهد والنسك لا يمنعان العمل. وأن النبي محمد هو نموذج أمثل في الزهد والعمل. أما الغلو في التصوف فهو ابتعاد عن العقل والطبيعة والحق. فالكمال الإنساني مقرون بقانون الاعتدال. والكمال هو فضيلة، وكل الكاملون جامعون لخصال الاعتدال.

وإذا كانت بعض آراءه النقدية لا تخلو من شطط وعدم دقة في الموقف من الفقه والتصوف، فلأنها لم تكنن تسعى لتدقيق المفاهيم وأصولها ونتائجها ومظاهرها، بقدر ما كان يسعى إلى نقد الواقع المعاصر من أجل الخروج من حالة الفساد والخراب المادي والمعنوي الذي انحدر إليه العالم العربي في ظل سيطرة تقاليد الفقه والتصوف آنذاك، أي كل تلك الصيغة التي لازمت تحلل الدولة العثمانية واستشراء الجمود والاستبداد فيها. بعبارة أخرى، إننا نلحظ في نقده للجمود والتخلف والتقليد الوجه الآخر لنقد جمود وتخلف البنية السياسية للدولة العثمانية واستبدادها. ليس هذا الاستبداد سوى الوجه الآخر لاستبداد التقليد والنصوص الميتة وشخوصها المحنطة. من هنا موقفه من الاجتهاد واعتباره إياه المسألة الدينية الأهم والأنفع في مجال الإصلاح. وبالتالي لا يعتد بقول من يقول لا اجتهاد.

مما سبق يتضح، بأن الهاجس العميق في فكره النقدي العقلاني بهذا الصدد يقوم في إبراز جوهرية الوحدة المعقولة بمعايير الحياة الواقعية. من هنا يمكن فهم تشديده على جوهرية القرآن والعقل فقط في الأصول بوصفهما مصادر الوحدة الواقعية والممكنة، والنظر إلى كل ما له علاقة بفقه الجسد والروح بمعايير المنفعة ومتطلبات الحياة العصرية والعقل والطبيعة والحق. ومن ثم إشغال العقل فيها بوصفه أسلوب الاجتهاد الضروري. الأمر الذي حدد بدوره القوة الفعلية لنقديته العقلانية، وذلك لأنها كانت تجمع بقدر واحد استمداد طاقتها من رؤية باحثة عن الأسباب، وتوجيه يناسبها صوب التأسيس العملي السياسي لنتائجها. لهذا نراه، على سبيل المثال، يشدد على أن سبب تخلف العالم العربي يرجع إلى استخفاف الحكومات بالعقول في علم نظام الاجتماع.

ووجد هذا الأسلوب طريقه إلى كيفية تناوله لمختلف الإشكاليات الفكرية والسياسية الكبرى التي كانت تواجه الدولة العثمانية وموقع العالم العربي فيها. ففي موقفه من الحماسة المنتشرة آنذاك في الدولة العثمانية عن ضرورة إعلان الحرب على أوربا كلها نراه يحذر من أن ذلك مجرد طيش لأنه يؤدي إلى جعل العدو الواحد (الدولة الواحدة) أعداء عديدين. كما انه لا يمكن خوض الحرب ضدها وكل أسلحتنا (وليس الأسلحة فقط) منها. وبالتالي فان الحماسة وحدها لا تكفي ولا الشجاعة بهذا الصدد، بل حسن الرأي. وأخيرا، إن المحافظة على الحياة أفضل من الموت السريع.

وقد تكون مواقفه من العالم العربي وإدراك مصالحه الكامنة هي المجال والميدان الذي كانت تتراكم فيه هذه الرؤية النقدية الواقعية والعقلانية. إذ نقف أمام ظاهرة تغير مواقفه مع بقائها ضمن سياق الدفاع عن المصالح الكبرى والحيوية للعالم العربي. لهذا نراه يقف بالضد من أولئك الذين اعتبروا علاقة السلطنة بانجلترا خطأ سياسيا. بل نراه على العكس من ذلك يجد فيها حسنة انطلاقا من إدراكه لأفضلية انجلترا مقارنة بالدول الأوربية الأخرى. كما أن الصداقة معها سوف يضيق عليها إمكانية التدخل في شئون الدول والمناطق العربية. وبدون ذلك تتدخل بوصفها عدوا أيضا.

لم تكن هذه الرؤية الواقعية والعقلانية والنقدية معزولة عن أسسها الفلسفية، أي تلك الصيغة التي وجدت منفذها الجزئي والنسبي والعلني فيما أطلق عليه عبارة التدين المتفلسف، باعتباره أفضل التدين. ومن ثم يمكن اشتقاق عبارة الواقعية والعقلانية المتفلسفة منها، بوصفها الصيغة الضرورية لتأسيس الرؤية السياسية العملية بأبعادها الاجتماعية والقومية.

 بعبارة أخرى، إننا نعثر عند الزهراوي على صيغة أولية وجزئية، لكنها فاعلة بمعايير الرؤية السياسية عن وحدة العقلانية ومنظومة الرؤية. فعندما يتناول على سبيل المثال، مسالة الحب والكراهية، فإننا نقف أمام محاولة صياغة نظام للحب والكراهية على أساس فلسفي أخلاقي. ووضع ذلك في سلسلة الأسباب والبدائل تتكون من ستة عناصر وهي على التوالي:

ففي الاسباب وضع كل من

 

الشر- الأوهام الباطلة

الأوهام – الجهل

الجهل- قلة القراءة والكتابة

قلة القراءة – رداءة أصول التعليم

رداءة أصول التعليم بسبب التقليد الأعمى

التقليد هو اختلال شئون النفوس

 

اما البدائل فهي كل من

 

حب الحقائق

تنوير الأذهان

تكثير القراءة والتفقه بها

ضرورة الأصول النافعة في التعليم

ضرورة الفهم بالتفكر

ضرورة وصف العلاج لكي تشفي النفوس منها

 

 ووضع هذا الإدراك للسببية في فكرة البديل. بحيث يمكننا الحديث عن نظام رؤية يوحد في ذاته المتناقضات من اجل أحداث توازن في النفس عوضا عن اختلالها الدائم. وانطلق بذلك من المقدمة القائلة، بأن حياة الإنسان كنظام معروف بعد وجوده. فالحب هو اعتقاد خير راجع أو مناسب للنفس المحبة من الجهة المحبوبة. والبغض ضده. فهو اعتقاد شر راجع أو مناسب للنفس الباغضة من الجهة المبغوضة. الأمر الذي يجعل من الممكن إدخالهما في نظام. وان هذا النظام يبدأ بحب الذات، لأن الإنسان لا يحب في نهاية المطاف إلا ذاته. ومنه يمكن بناء نظام انطلاقا من أن حب الذات أصله طبيعي. مما يستلزم بدوره وجود حدّ (حقوق). من هنا ضرورة الحدود (القانون) لأن تجاوزها يؤدي إلى الشر. ولا يمكن الوقوف عند الحدود دون حب الآخرين (الغير). ولا يمكن حب الآخرين دون حب النفس. ورفع هذه المقدمة النظرية إلى مستوى التأسيس العقلاني للفكرة السياسية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الحب والبغض شيئان متضادان في الوجود (الإنسان). من هنا ضرورة الحدود (القانون) لان تجاوزها مضرة. وهو مصدر "الدفاع الذاتي" (من الانحلال الداخلي والعدو الخارجي). مما يستلزم بدوره محبة الآخرين كعلاج لإمكانية تجاوز الضرر. وهذا بدوره يستلزم التقيد بنظام المحبة الجامعة، أو الخير العام. وبالتالي فمتى كان الحب والبغض ناشئان من فكر سليم كانت السعادة. فالحب والبغض وجهان للخير والشر. الخير هو استعمال الإنسان ما خلق الله له من القوى والاستعداد لأجله استعمالا مشروعا (تابعا للشرع) يراعي فيه حق الغير، والشرّ ما هو ضد ذلك. ووضع هذه الفكرة في استنتاج اجتماعي وأخلاقي أوسع يقول، بأنه إذا كانت ذوات غيرنا مثل ذاتنا، فإن ذلك يستلزم أن نصلح لها ما يصلح لنا. وينطبق ذلك على كل ما له علاقة بالحياة والممات، أي بكل ما له علاقة بحاجات الفرد والجماعة بما في ذلك على مستوى الفكر والهواجس، بالألم والفرح، والخوف والرجاء. ثم رفع هذا الاستنتاج إلى مصاف التوظيف العملي من خلال إدراجه ضمن فكرة الإرادة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الإنسان العاقل يحب الحسن والاستحسان وبغض ضدهما. فالإنسان يحب الأشياء الجميلة، لكن حب الأشياء واستحسانها مرهون بالإرادة. وبالتالي، فإن جمال الإنسان يظهر بحبه أو استحسانه للجميل والخير. ووجد هذا الاستنتاج المتعلق بفكرة الإرادة طريقه إلى فكرة أخلاقية سياسية تؤسس للحرية والحق والاعتدال من خلال نقد حالة الجمود والاستبداد. إذ نراه يصور حالة الجمود بوصفها الصفة الملازمة لمعاصريه. وبالضد من ذلك كتب، بأنه إذا جرى تقرير أساس لبناء نظام الأخلاق والشريعة(القانون)، فإن الشيء الجوهري في الأخلاق هو ذم جمود النفس، وذم غلواءها، والدفاع عن الاعتدال. وهذا بدوره ليس إلا المقدمة التي تميز الإنسان عن غيره من الحيوان. فحب التمييز يميز سلوك الإنسان في كل شيء. لكن خصوصيته الكبرى تظهر في استخدام الفكر. فالحسن في حب التميز هو ارتقاء الحياة النوعية، بينما السيئ في حب التميز هو حرص النفوس على الاستبداد، أي الاستيلاء على حرية الغير.

إننا نقف هنا أمام لوحة فلسفية تغلّف الأبعاد السياسية لنقد الاستبداد، وتؤسس لفكرة الحرية والاستقلال الفردي والجمعي والقومي. وليس مصادفة أن يربط الزهراوي كل هذا التفلسف بفكرة القوة لما لها من أثر في صيرورة الأمم على امتداد التاريخ، وقيمة حيوية تامة في ظل الشروط الجديد لصيرورة الأمة القومية. إذ نراه ينطلق من تقرير الفكرة القائلة، بأن حب القوة طبيعية في الإنسان. ليس هذا فحسب، بل أنها أيضا لازمة من لوازم الكمال. فالقوة فاعل ومنبت في كل الموجودات الحسية والغيبية. ففي الحس هي قوة نفسية (ملكة)، وفي الغيبيات هي قوة غيبية (ملائكة). وبالتالي، فإن التقصير في طلبها هو مرض نفسي واجتماعي.

فقد قسم الزهراوي القوة تنقسم إلى قسمين، قوة طبيعة (جسد – عقل – قلب) وقوة صناعية (قومية – دينية – مدنية). وأن كمال القوة يجري من خلال تضافرها في روابط. بعبارة أخرى، إننا نقف هنا أمام محاولة تأسيس الفكرة الصناعية (الثقافية أو الحضارية) بوصفها استمرار ونفيا للمستوى الطبيعي. وفي الوقت نفسه النظر إليها باعتبارها ظاهرة تاريخية ملموسة. لهذا نراه يعتبر القوة القومية (رابطة القرابة) المرحلة الأولى، ثم تليها القوة الدينية ثم المدنية. فالقومية بالنسبة له ترتبط هنا بفكرة رابطة القرابة، بينما دينية برابطة الفكر والأفكار، أما المدنية فترتبط برابطة الأعمال لحب الزينة والتميز، أي للدولة المدنية والحضارة. وانطلق في تفسيره لهذه المراحل والمستويات من أن الرابطة القومية تنفع الإنسان، ولكنها لا تقضي على العداوة بينه وبين الآخرين. أنها رابطة بتراء، لأنها تجمع من جهة وتفرط من جهة أخرى. كما أنها لا تقر ولا تجّسد الحقيقة القائلة، بأن الإنسان واحد كيفما كان لونه ولسانه. ووضع هذه المقدمة في فكرة سياسية ثقافية عميقة مناهضة للإثنية البدائية التي عادة ما تميز الكثير من الحركات الجنسية (القومية الحديثة). وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه قد ترسخ في الوعي والذاكرة والتقاليد فكرة غير صحيحة تعتقد بأن الرابطة القومية رابطة طبيعية. بينما هي ليست كذلك. وتجارب التاريخ بما في ذلك الحديث تبرهن على ذلك. واستنتج من ذلك موقف عملي سياسي يقول بضرورة الوقوف ضد التعصب القومي لأنه ناقص. وبالأخص ذاك الذي يتميز بالإثم والعدوان.

أما الرابطة الدينية، بوصفها الدرجة الثانية، فانه عادة ما يجري التأسيس لها من قبل مصلحين ملهمين. كما أنها عادة ما تكون ردا على حالة الفساد والحطام والصراع. فكل امة تنتج مصلحيها. مما أدى ذلك إلى ظهور مصلحين تتوحد بأثر جهودهم شعوب ولغات. الأمر الذي جعل من هذه الوحدة (الرابطة) أقوى من أواصر الأبدان ووشائج الأوهام. وبما أن الذين أرادوا الإصلاح يتألف هداهم من توجيه النفس الإنسانية صوب عالم الغيب وتوفيق عواطف الإنسان، من هنا تعدد وتنوع الأديان بفعل تعدد وتنوع الأزمان. وبالتالي، فإن القوانين التي يجري سنّها، بأثر هذه المرحلة (أي قوانين الأديان والشرائع الدينية) عرضة للتغير. وذلك لأن ما كانت تقوم به من اجل تأليف القلوب في فترة ينقلب إلى ضده، كما أن ما قامت به لضرورة آنذاك قد لا تكون الآن ضرورة. وبالتالي، فإن الرموز التي أخذت في وقتها على ظاهرها كما هي عادة ما يجري تطويعها بشكل آخر. كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول، بأن الظروف تتغير ويتغير معها كل شيء. وأن الثابت الحق هو الفطرة، كما يقول الزهراوي1 .

 أما الرابطة المدنية، فإنها مبنية على أساس القاعدة القائلة، بأن الناس في حاجة أثناء اجتماعهم إلى ناموس فطري أو تعليمي. وتتميز هذه الرابطة بأثر التطور الاجتماعي الحديث بسيادة النظام والناموس والقانون والشريعة والمنهاج. فالمدنية هي التعاون في العلوم والأعمال. وأن علمها الأساسي، أي علم أسباب المدنية هو طب الاجتماع. وأن من يعمل بهذا الطب هو السياسي. وذلك لأن المدنية رابطة سياسية. والمدنية فعل لا يتناهى، يعمرها سياسيون ويبيدها سياسيون. وأن التاريخ يكشف ويبرهن على انه لا أمة متمدنة رأسا، بل في تدرج.

ووضع كل هذه المقدمة النظرية في أساس موقفه السياسي العملي من حالة الدولة العثمانية والعالم العربي فيها. فقد انطلق هنا من مقارنة المدنية وضياعها في أوربا وآسيا. واعتبر الفرق بينهما (زمنه) محكوم ببناء وضياع المدنية. وجعل من الاستبداد والحرية أقطابا وأضدادا لهذه الحالة. بمعنى انه ربط صعود المدنية بإزالة الاستبداد، ومن ثم بناء الحرية ونشر التعليم. لهذا نراه يتوصل إلى أن المدنية بالنسبة للعالم العربي (زمنه) تقوم في كل من محاربة الاستبداد وحب الوطن بالأعمال والخير العام، ومحاربة التقليد، والعمل من اجل الوحدة. أما الحصيلة الدقيقة لكل هذه المكونات فيقوم في استنتاجه القائل بضرورة ربطها بفكرة عامة. من هنا قوله بضرورة تحديد السياسة بقانون عام، والعمل من اجل بناء نظام عام ووطن عام وقوة عامة. وقد كانت تلك إحدى أعمق الأفكار النظرية السياسية العملية في تأسيسها للفكرة القومية العربية آنذاك.

***

ا. د. ميثم الجنابي

...................

1- وضمن هذا السياق ينبغي فهم الفكرة التي قالها الزهراوي عن أن الدين الكبير الحق يوّحد الناس بغض النظر عن الصور واللون والجنس ويقاربهم في القلوب ويهذب الأخلاق والنفس، لا تستمد فحواها من تقاليد الفكرة الدينية القديمة، بقدر ما تستمد حقيقتها من رمزية العبارة الداعية إلى تجاوز الطابع المطلق للفكرة الدينية عبر إرجاعها إلى أصولها التاريخية، ومن ثم النظر إلى الحاضر بمعايير الحاضر. ووجدها في الفكرة القومية الحديثة المتحررة من الإثم والعدوان.

 

مجدي ابراهيميظهر لي أن مسألة المفاضلة بين الولاية والنبوة في التفكير الإسلامي مسألة مفتعلة لا أساس لها من الصحة ولا صحة لها عندي من أساس مقبول، تكاد تكون أكذوبة ملفقة ظهرت في أوان الضعف الفكري وصراع العقائد والاتجاهات المذهبية التي تخدمها أمّا بالتأييد أو بالرفض، ولا يكاد المتأمل فيها على البديهة أن يقف على قناعة تعطيه تبريراً للقول بتفصيل الولاية على النبوة في بحوث الأقدمين من ذوي النزعات الصوفية.

ولا يمكن أن يكون الولي أفضل ولا أكمل من النبي، ولكي نحيط القارئ علماً بمسألة الولاية وما يتفرّع عنها من كرامات الأولياء، ونحيطه بالمسائل الشائكة التي لصَقت بالتصوف لصقاً وهو منها براء؛ بشأن المفاضلة بين الأولياء والأنبياء والملائكة، يجدر بنا الوقوف عند هذه المسائل وقفة نقدية طويلة؛ لنتتبّع أسباب ظهورها ومواطن الرأي فيها في التفكير الإسلامي؛ فلم يسمْ الولي وليّاً إلا لنصرة دينه والعناية بحقه وامتثال أوامره وترك نواهيه، فإذا خرق الله له عادة تدل على استقامته فهى عضد وعمدة؛ لصحة دعوى النبيّ الذي أمره ونهاه وامتثل هو ما حدّ له ولم يتعداه.

ومن أجل هذا؛ قال القشيري في شأن الكرامات، وهو باب طويل في أبواب الرسالة :"هذه الكرامات لاحقة بمعجزات نبينا صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنَّ كل من ليس بصادق في الإسلام لا تظهر عليه الكرامة. وكل نبيّ ظهرت كرامته على يد واحد من أمته؛ فهى معدودة من جملة معجزاته؛ إذْ لو لم يكن الرسول صادقاً، لم تظهر على يد من تابعه الكرامة.

فأمّا رتبة الأولياء فلا تبلغ رتبة الأنبياء عليهم السلام؛ للإجماع المنعقد عليه. ومن المؤكد أن هذا الرأي هو إجماع صوفية أهل السنة ورجال التصوف السُّنيِّ قاطبة بغير خلاف؛ فالهجويري، كما سيأتي تفصيله، يتابع القشيري، ويكاد يردد قوله حرفاً ومعنى، حين يرى أن تأييد الأولياء الدائم للنبيّ يستقى ممّا يظهره الله على أيديهم من كرامات وما يجريه لهم من منازل السعداء، تحمل الناس على إجلالهم وتعظيمهم بمقدار ما تحملهم على إجلال وتعظيم صاحب الشرع الذي يتبعونه ويوالونه المحبة متابعةً وتعظيماً لقدره، ومصافاة.

وهذا أبو يزيد البسطامي سُئل عن هذه المسألة فقال :"مَثَلُ ما حَصَلَ للأنبياء عليهم السلام كمثل زِقِّ فيه عسل ترشح منه قطرة، فتلك القطرة مثل ما لجميع الأولياء، وما في الظرف مثل لنبينا صلوات الله عليه ".

ويستدل من إشارة أبي يزيد على ضعف الرأي الذي يقول بمفاضلة الأولياء على الأنبياء، بل وكذبه وفجاجة القول به، وهى مفاضلة ولا شك كما قلنا تُلصق لصقاً في الغالب بالصوفية؛ كونهم لا يتحرّجون من هذه المفاضلة ولا يرون فيها قدحاً في مقام النبوة. وقد ساق المرحوم الدكتور أبو العلا عفيفي في كتابه "التصوف الثورة الروحية في الإسلام"، هذه المسألة مساقاً لا نوافقه عليه؛ إذ ربما يخرجها عن قصدها المعتدل ويلقي بها في زوايا الاهمال العلمي رغم تتبعه طيّب الله ثراه للفكرة في مظانها الرئيسية ولهذا قال : وقد ظهرت المفاضلة بين الإنسان والملائكة في الفكر الإسلامي عموماً وفي الفكر الصوفي بوجه خاص، وكان مبعثها من غير شك ما وَرَدَ في القرآن من قصة آدم ومطالبة الله الملائكة بالسجود له.

والقرآن صريح في أن "الإنسان" الذي أختاره الله خليفة في أرضه وأسجد الملائكة تعظيماً له، أفضلُ من الملائكة بما أودع الله فيه من الصفات وما عليه من الأسماء :

قال تعالى :"وإذْ قالَ ربُّكَ للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة" وهو آدم، وقال :"وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إنْ كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلَّا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم".

وليست هذه "الأسماء" إلا الصفات التي أودعها الله آدم وذريته. ولم يودعها كلها بل أودع بعضها في الملائكة. ولهذا كانت طبيعة الإنسان أكمل وأتم، ومرتبته في سُلم الوجود أعلى من طبيعة الملائكة؛ لأن فيه نزعات الخير التي يتمثل فيها الجمال الإلهي، بمقدار ما فيه كذلك نزعات الشر التي يتجلى فيها الجلال الإلهي، في حين أن الملائكة ليس فيهم من هذه الأخيرة شيء؛ فهم مجبولون على الطاعة والعبادة لا تجد المعصية إليهم سبيلاً؛ لأنهم لم تتهيأ لهم أسبابها. أمّا الإنسان فبذور الشر والمعصية أصيلة في جبلته، فإذا غالب شهوته وهواه وكبح جماح نفسه ومناه، وانتهى به الأمر إلى الطاعة، كان أفضل من الملائكة. ومن يكسب النصر في ساحات القتال خيرٌ ممن يمنح النصر منحاً. وإذا كان الإنسان من حيث هو إنسان أفضل من الملائكة، كان الأنبياء أفضل منهم من باب أولى؛ لأن الأنبياء خاصَّة البشر. كان هذا هو رأي أهل السُّنة وجميع مشايخ الصوفية.

أمّا المعتزلة؛ فالملائكة عندهم أفضل؛ لأنهم في نظرهم أعلى درجة وألطف طبيعة وأكثر طاعة. ولكن هذه الصفات ليست الصفات التي تقع بها المفاضلة، وإلا لكان إبليس وكانت له هذه الصفات جميعها أفضل خلق الله، مع أن الكل مجمع على لعنته بشهادة الله.

فمسألة المفاضلة بين الأولياء والأنبياء إذن سابقة في الفكر الإسلامي، ولم تكن حديثة عهد بظهور شخصيات صوفية بعينها، ولكنها جرت في الأوساط الفكرية إذْ ذَاَكَ لأفضلية الإنسان الذي أختاره الله خليفة في أرضه وأسجد له ملائكته تعظيماً له وتكريماً على الملائكة المجبولين للعبادة الموقوفين عليها في غير اختيار بين الخير والشر أو بين الهدى والضلال.

ويقول الدكتور أبو العلا عفيفي :" وظهرت مسألة المفاضلة بين الأنبياء والأولياء في التصوف، وكان أول من أثارها متصوفة الإمامية بالكوفة (رياح وكليب) من زهاد الزنادقة ثم ظهرت بعد ذلك من كلام متصوفة الشام كأبي سليمان الداراني المتوفى سنة 215هـ وأحمد ابن الحواري المتوفى سنة 230هـ. وكل هؤلاء يذهبون إلى تفضيل الأولياء على الأنبياء جملة. ولا شك أن هذا القول فيه غلوّ من جانب المرحوم الدكتور عفيفي؛ لأن كلاً من هاتين الشخصيتين اعتمدت من شخصيات الرسالة القشيرية، ولهما أقوال معتدلة، فكيف بتفضيل الأولياء على الأنبياء؟ ويمكن الرجوع إلى أقوال أبي سلمان الداراني، في الصفحات التالية: 368،378،458،481، 61،62,68،73,209،214،241،254،277،280،286،294،30453،343،344.

54٤. وأيضاً : لأقوال أحمد بن أبي الحواري ص 61، 62،68.

ثم يقول الدكتور عفيفي أيضاً : وكذلك يذهب هذا المذهب محمد بن على الحكيم الترمذي الذي يستشهد بالحديث القائل :" إن لله أولياء ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء".

ومع تقديرنا الشديد لجهود أستاذنا المرحوم الدكتور أبو العلا عفيفي؛ فإنّا لا نستطيع موافقته على قوله بأن أبا سليمان الداراني وأحمد ابن أبي الحواري كانا يقولان بتفضيل الأولياء على الأنبياء بوجه من الوجوه، لا لشيء إلا لأنهما كانا من رجال "الرسالة القشيرية"، وفضيلتها الاعتدال والمضيُّ قدماً على خُطىَ الشريعة؛ فلو كانا يقولان بمثل هذا التفضيل لما تركهما القشيري، وهو صوفي سنيُّ معتدل، بغير نقد أو اعتراض، ولكنه نقل عنهما أقوالهما وعزَّز رسالته في باب الولاية وغيرها من أبواب بما يقولان. أمّا الحكيم الترمذي فلم يعرف عنه مطلقاً أنه كان يرى تفضيل الولاية على النبوة ولا الأولياء على الأنبياء، ولم يكشف كتابه "ختم الأولياء" عن هذه النزعة فيه إلا أن يكون التفضيل للولاية من حيث هى مقام في النبوة، لا مطلق التفضيل كما هو الحال عند ابن عربي .

وإنّا لنأخذ على أستاذنا المرحوم عفيفي كذلك، متابعته في غير فحص ولا تحقيق لهذه الجزئية، للتوجهات السلفية فيما يتصل برياح وكليب؛ فإنَّ أول من أطلق هذا اللقب الجائر على الصوفية الأوائل : "زهاد الزنادقة" أو "الزنادقة الزهاد"، هو عبد الرحمن الملطي (ت 377هـ) في كتابه "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع" وهو أقدم مؤرخ للعقائد، حشوي غارق في الحشوية. كان أولُّ من أطلق الزندقة على تلك التوجهات الروحية في الإسلام، وتابعه في هذا الاتجاه السلفي المناقض للصوفية ابن الجوزي البغدادي (ت 597هـ) ثم الفقيه الحنبلي المتشدّد ابن تيمية (ت 728هـ).

ولم يكن "الملطي" صاحب "التنبيه" مؤرخاً دقيقاً للحياة الفكرية والروحيّة في الإسلام، وكتابه خليط مشوَّه من الحقائق والأكاذيب والتخريجات الصحيحة والفاسدة. أمّا أبو المهاجر رياح بن عمرو القيسي (ت177هـ) فهو بصري زاهد، تلميذ الحسن البصري، متأله، كبير القدر كما وصفه الذهبي، كان يعيش في حزن دائم وهمِّ مقيم، وكان من الخائفين، ومن البكائيين. ومن لمحاته الصوفية : أنه كان دائماً ما يفتش عن "نور الحكمة"، فكان يقول :"كما لا تنظر الأبصار إلى شعاع الشمس، كذلك لا تنظر قلوب محبي الدنيا إلى نور الحكمة أبداً".

وإنما يقصد بنور الحكمة :"تنقية القلب من حبِّ الدنيا، حتى يمتلأ بذكر الله". ويفسّرها قوله :" عجبت للخليقة كيف أنست بسواك، بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك"؛ فنور الحكمة المقصود هنا : امتلاء القلب بذكر الله بحيث لا يأنس بغير الله.

ولكن "الملطي" يذكر (رياحاً وكليباً) في صنف من الروحانية أو الفكرية المنتمين إلى الزندقة. يؤمنون "بالخلة" وهى نوع من المحبة مستمدة من قصة إبراهيم "خليل الله". ويرى "الملطي" أن هذه الخلة انتهت بهم إلى نوع من الإباحية، فإذا تمت الخلة، ارتفعت التكاليف وأُحِل للخليل ما في مُلك خليله، وهو تخريج هزيل مقلوب، يدل على عقلية ضعيفة متحجرة لا تنجم عن أفق واسع ولا تأويل قريب .

ولم يقف وصف "الملطي" عند هذا الحد، على (رياح وكليب) بل طال رابعة العدوية (185هـ) فجعلها ممّن أباحت نفسها لجليسها كما كانت تقول، وفسّر الإباحة تفسيراً مادياً خبيثاً. غير أن هذه النظرة التي تبناها "الملطي" ودافع عنها هى ولا شك نظرة متطرفة شديدة الإيغال في التخريج المتعسف بل وفي الأكاذيب الشنيعة، وليس لها أساس من الصحة، ولا صحة لها عندي من أساس مقبول؛ فلم يعرف عن رياح ولا عن كليب ولا حتى عن رابعة تلك الإباحية التي ينسبها "الملطي" إلى هؤلاء الزهاد الأوُّل. ولم يكن رياح ولا كليب ممّن يدعوان إلى نبذ التكاليف، فكيف يدعوان إلى تفضيل الولاية على النبوة أو الأولياء على الأنبياء؟

وإنما كان الأول، وهو تلميذ الحسن البصري، غارقاً في الأحزان والآلام والدموع. وكان الثاني (كليب) وهو - كلاب بن جري - على نفس المنهج لا يخالفه ولا يخرج عنه : قد اختلط عنده، كما وصفه أبو نعيم صاحب "حلية الأولياء"، "شدّة الخوف وطرب الشوق". ولم يقدح حزنه وآلامه في سمو روحه وصحة تعاليمه. وكان كما يظهر في مواقفه مع أصحابه من الخائفين : يبكون خوفاً من النيران، شديد الخوف بكّاءً، يطرب شوقاً لمحبة الله ولقائه (را : أبو نعيم : حلية الأولياء : جـ 6، ص 193. وأيضاً د. على سامي النشار : نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ؛ جـ 3 ؛ ص 257 وما بعدها).

كان لابد من تلك "الوقفة النقدية" إزاء ما جاء منها متعلقاً بسهوات الدكتور أبي العلا عفيفي رحمه الله؛ فلئن كنا غيورين على تراث الصوفية ندفع عنهم الظلم الظاهر وسوء التخريج، فلا شك أننا أغير الغيورين على تراث أستاذنا الجليل المرحوم الدكتور أبي العلا عفيفي، طيَّب الله ثراه، من أن تصيبه سهوات هو أعلى منزلة منها وأرفع قدراً في تقديرنا، فما زلنا في هذا الصدد نتابع تخريجاته لمسألة المفاضلة بين الأولياء والأنبياء هذه؛ لنراه يمضي في حديثه العذب سواء في التصوف عموماً أو في موقف ابن عربي من الولاية.

وبما أن أهل السنة يجمعون على تفضيل الأنبياء على الأولياء، ويرون أن الولاية امتدادٌ للنبوة وتأييد دائم لها؛ فلأن النبوة انقطعت بموت النبيّ، والولاية لا تنقطع. فالأولياء هم خلفاء النبيّ وورثته الروحيون الذين يحملون الشعلة المقدَّسة من بعده. وفي هذا يقول الهجويري :" وقد أراد الله أن يظل برهان النبوة قائماً إلى يومنا هذا؛ فجعل الأولياء وسيلة لإظهار هذا البرهان لكي يستقر الحق به، وتظل حقيقة نبوة النبيِّ ظاهرة". أما تأييدهم الدائم للنبي، ففيما يظهره الله على أيديهم من الكرامات التي تمكن لهم في نفوس الخلق وتحمل الناس على إجلالهم وتعظيمهم، وبالتالي على إجلال وتعظيم صاحب الشرع الذي يتبعونه؛ فالناس بعد النبي ليسوا بحاجة إلى نبي جديد، ولا إلى معجزة جديدة، تظهر على يد نبيّ، ولكنهم بحاجة إلى أولياء كاملي الإيمان مؤيدين بتأييد الله يُذكّرون الناس برسالة النبيّ إذا نسوها أو قصروا في إتباعها.

وليس من شك أن رأي الهجويري هذا هو نفس رأي القشيري الذي سبق وأوردناه في صحة متابعة الشارع وتعظيمه خلال ما يجريه الله على أيدي تابعيه من كرامات لاحقة بمعجزات النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وكذلك، أجمع جمهور الصوفية من أهل السنة على تفضيل الأنبياء على الأولياء، وعلى أن الولاية بداية النبوة، وعارضهم في ذلك مجسمة خرسان الذين ادّعوا أن الأولياء يصلون إلى حالة يفنون فيها عن أنفسهم ويبقون بالله، ويسمون هذه الحال بالولاية، وهى ليست حالاً للأنبياء. وكذلك المشبَّهة الذين زعموا أن في الولاية اتصافاً بأوصاف الألوهية عن طريق الحلول وما شاكله، وفي هؤلاء وأولئك يشير الهجويري - كما يرى أستاذنا الدكتور عفيفي - إلى تفضيل الأنبياء على الأولياء، ويقول :" وهذا هو رأي أهل السنة من الصوفية، ولكن يعارضه الحشوية من أهل خرسان الذين يتكلمون كلاماً مناقضاً في التوحيد، والذين لا يعلمون مبادئ الصوفية، ويدعون أنهم من أوليائهم. نعم! هم أولياء، ولكنهم أولياء الشيطان. يقولون إن الأولياء أفضلُ من الأنبياء، ويكفي في إبطال مذهبهم أن يقولوا : إن جاهلاً من الجاهلين أفضل من محمد المحتار. ويرى هذا الرأي أيضاً المشبَّهة الذين يدَّعُون أنهم صوفية ويقولون بالحلول ونزول الله إلى جسم العبد (را : الهجويري : كشف المحجوب ؛ ص 235؛ وأيضاً : أبو العلاء عفيفي : التصوف .. الثورة الروحية؛ ص 306، 307)

ويحاول الهجويري أن يثبت أفضلية الأنبياء على الأولياء بدليلين : أحدهما عقلي والآخر صوفي. أما العقلي فهو أن الأولياء أتباعُ للأنبياء، والأتباع أدنى منزلة من المتبوع، فلا يمكن أن يكون أفضل منه. وأما الدليل الصوفي فهو أن الأولياء على سفر إلى الله. أما الأنبياء فواصلون إلى الله منذ البداية. وصلوا إليه ثم عادوا برسالاتهم لدعوة الناس وتعليمهم. والواصل إلى نهاية الطريق أفضل من السالك الذي لا يزال يسير فيه حتى نهايته. ألا ترى أن "المشاهدة" أول درجات الأنبياء وهى آخر درجات الأولياء : فإنه إذا وصَلَ الولي إلى مقام الجمع استغرق في محبة الله واشتغل قلبه بمشاهدة فعل الله بحيث لا يرى في الوجود غيره. يقول أبو على الروذباري :"لو سقط عن الأولياء مشاهدة معبودهم لسقط عنهم وصف العبودية". ولكن هذه حال الأنبياء على الدوام سواء أكانوا في البدء أم في النهاية.

فإبراهيم عليه السلام في بداية حاله لما رأى القمر بازعاً قال هذا ربي ثم لما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي، هذا أكبر (الأنعام : 78)، لأن الحقيقة كانت غالبة على قلبه فلم ير شيئاً آخر سوى الله، أو لم ير شيئاً آخر بعين الغيرية، بل رأى ما رأى بعين الجمع. وهكذا يجعل الهجويري من الأنبياء صوفية من طراز غير طراز أولياء الصوفية. يجعل منهم صوفية واصلين إلى الله منذ بداية أمرهم، مشاهدين له في كل شيء بمحض طبيعتهم. أما أولياء الصوفية؛ فهم سالكون لا يزالون يشقون طريقهم إلى الله ويطلبون مشاهدته والوصول إليه. وليس السالك في الطريق كمن وصل إلى نهايته.

وهكذا يجعل الدكتور عفيفي من الهجويري لسان حال أهل السنة المعبر عنهم في هذا الموضوع ويتخذه شاهداً على صحة ما يقولون. ومن هنا، كان الأنبياء أفضل من الأولياء. وهذه الأفضلية أفضلية مطلقة لا يمكن أن تكون غير ذلك بوجه من الوجوه. ولا يمكن أن ينسب أحد إلى الصوفية قولهم بتفصيل الولاية على النبوة إلا أن يكون مدعياً عليهم ملفقاً لأقوالهم، وعليه من بعدُ وز الادعاء والتلفيق. أما المعتزلة فينكرون فكرة المفاضلة من أساسها، ويقولون لا مؤمن أفضل من مؤمن، والإيمان هو الأساس الجامع بين المؤمنين بل هم ينكرون الولاية نفسها ويقولون إنِّ المؤمنين أولياء الله لو كانوا مؤمنين حقاً، ولو كانت الولاية تقتضي الكرامة لأعطيت الكرامة لكل مؤمن؛ لأن الإيمان هو الأصل، والكرامة فرع عنه. والمشاركة في الأصل تقتضي المشاركة في الفرع.

 

د. مجدي ابراهيم

 

قراءة في مطلع سورة النساء

إذا فهمنا أنّ التقوى هي صيانة النفس؛ فإنّ آلة الصيانة الأولى هي المعرفة، أيعقلُ أن يطلبَ منا صيانة اجتماعنا الإنسانيّ تأسيساً على معرفةٍ أقلُّ ما يقالُ فيها إنها مشبوهة! لكونها لا تؤدّي إلا إلى خلل فظيعٍ في العلاقات الاجتماعية، وبالتالي إلى عطالةٍ حضاريّة مدمّرة!

يشكّل الفهم السائدُ للعلاقة المنسجمةِ مع التقوى حرجاً كبيراً لكلِّ مسلمٍ مؤمنٍ بالقرآنِ الكريمِ كتاباً نهائياً من الله إلى الناس كافة، بلسانٍ عربيّ مبين، إذْ يرى في ما تنص عليه الاتفاقيّات الدولية المتعلقة بحقوق المرأة والطفل[1]، وشرعةُ حقوق الإنسان[2] ، ما هو أقرب للتقوى؛ لما تدعو إليه من حقوقٍ في العيش الكريم، والاستقلال، والحريّة التي تجعل الفرد مسؤولاً، بغض النظر عن جنسه ولونه.

بناء عليه؛ إما أن يكون كتاب الله يخاطب عالماً لم يعد موجوداً وليس لكلّ زمانٍ ومكان، وإمّا أن تكون الفهومُ التي وصلتنا هي التاريخيّة وينبغي أن نكون في حلٍّ من الالتزام بمقتضياتها!

استجلاءً لذلك، عمدنا إلى الآيات الكريمات المعنيّة بهذا الشأن، وتعاملنا معها بالتحليل للوقوف على مدلولاتها وفق منهجيةٍ تحليليةٍ ترقب الأسلوب والتركيب النحوي والصرفي وتتوخى الدقةَ ما استطعنا إلى ذلك سبيلا بحثاً عن الدلالة الممكنة بحسب زعمنا، ولا ندعي أنها نهائية بل هي ما نستطيعه، إذْ  يسهل عند البعض أن يتخذَ موقفاً بإزاء هذه القضية، فيقول هذا الكتاب من تأليف محمّد "ص"، ولا يكلف نفسه الاطلاع على هذا الكتاب، ولا ينبغي له التحليل ولا التعليل ولا التأويل، وعتاده من الدراية باللسان العربيّ المبين أنه يرفع المضاف إليه والمفعول، ويزعم أنّ معرفة الصرف والنحو غير ذات أهمية في تحصيل المعنى.... كما يزعم البعض أنّ الأوامر والنواهي في القرآن الكريم هي لعرب زمن التنزّل، ولا دليل من لدنه على صحة ما يقول ولا على بطلان سواه، إلا بعض نتفٍ من الحكايات والسير والمغازي، غير المحققة علمياً.

لا نريد أن نفند آراء هؤلاء وهؤلاء لنرد عليها، ولا نرد على الفقهاء والمفسرين، بل نريد أن نمارس المنهجية التي نعتقد بصوابية مندرجاتها بغض النظر عن النتيجة التي نتوصّل إليها.

إذن؛ ما المعرفة العلمية التي يريدنا النص أن نؤسس عليها تقوانا؟ وما هي مظاهر التقوى؟ وما هي مظاهر عدمها؟. ما علاقة التقوى وعدمها بالأمن الاجتماعي والخلل الاجتماعي؟

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[3].

عندما يتعلق الأمر بالاجتماع الإنساني، يأتي التنبيه بواسطة النداء "يا أيها الناس" ومفردة الناس تنطوي على الرجال والنساء، والصغار والكبار، ومن مختلف الألوان والأعراق. وإنْ كان لهذا الأسلوب في التنبيه من دلالة، فهي في أنه يهيّء لإعلان شرعة تريدُ الاجتماع الإنسانيَّ على نحوٍ مخصوص؛ وإلاّ، فلماذا مناداة الناس!؟ أما القول بأن المقصودَ بالناس أهل مكة، أو العرب، فهذا لا يغيّر في المطلوب شيئاً.

الآية تعقّب على النداء هذا بالأمر "اتقوا ربكم" والتقوى هي تحصين الذات، وإذ يقع فعل التقوى على "ربّكم" فهذا يمنح الفعل معنى مأخوذاً من الأبعاد الدلاليّة العديدة للربوبيّة، فهي العناية والرعاية والتربية والهداية وما يمكن أن ينتمي إلى هذا الحقل. والناس ناس لأنهم في هذه الأرض مربوبون، أي في عناية ورعاية وتربية وهداية... ومفردة الناس لا تطلق على مفرد، وجذرُها "أ، ن، س" "وهو ظهورُ الشيء، وكلُّ شيءٍ خالَفَ طريقة التوحُّش"[4]، ما يعني أن مفردة الناس تُطلق على الجماعةِ المؤتلفة، فيكون ائتلافها عقداً اجتماعياً يحمي حقوق الأفراد المكوِّنة لهذا الاجتماع، وهو مظهر الربوبية في حياتهم. وإذْ يكون التنبيه بـ"يا أيها الناس" لإلقاء الأمر عليهم بتقوى الرب "اتقوا ربَّكم"؛ فهذا يعني أن خللا حاصلا يهدد الأمن الاجتماعي أو العقد الاجتماعي، ومردُّ هذا الخلل هو في فقدان التقوى، أي السلوك اليوميّ المخالف لما تقتضيه الربوبيّة. فما هو هذا الخلل؟ وكيف يتجلّى في النص؟

تتّصف مفردةُ " ربّــ " المضافة إلى ضمير المخاطبين"ـكم" بالاسم الموصول "الذي"؛ فهو أداة نحوية من شأنها هنا توجيهُ الأذهان لفهم الربوبيّةِ من زاويةٍ مخصوصة، فتأتي صلة الموصول "خلقَكم" لتحدد هذه الزاوية المخصوصة.

وقع فعْل الخلْق على المخاطبين في أول الآية "يا أيّها الناس"، وقد وصل أثر هذا الفعل إلى مركّبٍ وصفي "نفسٍ واحدةٍ" بواسطة حرف الجرّ " من ". وحرف الجرّ هذا مُختلَف بشأنِ معناه؛ فهو عند الغالبية من المفسرين حرف ابتداء الغاية لتكون هذه النفس الواحدة مبتدأ الوجود الإنسانيّ السلاليّ، وتدلّ مفردة النفس هنا بحسبهم على "آدم" أبي البشر[5]. ويشير هؤلاء المفسرون إلى قلة تقول بأنّ "من" بيانيّة أي إنها تبيِّن نوع المادة التي خلق منها الناس. والغرض من هذا البيان نفهمه من خلال فهمنا الحمولة الدلاليّة للأمر"اتقوا ربكم"؛ إذْ لا يمكن لأمر أن يُطلب تنفيذه في الوقت الذي يُنفَّذ فيه، بل يطلب تنفيذه عندما لا يكون معمولاً به في الناس. وأن يبيّن علةَ وجوب التنفيذ في بيان كون الناس من أصلٍ واحد، أو مادّة واحدة، أقوى من أن يكونوا سلالةً أو سلالات؛ وهذا يحيل على سلوك يوميٍّ للناس يعارض ما يقتضيه خلقُهم من أصل واحد، فإنّهم يجورُ بعضُهم على بعض تبعاً لمواقف ضمنيّة فاسدة؛ فالمطالبة بتقوى الرب الذي خلقهم من نفس واحدة ترمي إلى دفع الجور بالتزام قواعد سلوكية ذهنيّة وحركية مؤسّسَة على حقيقة أنهم من أصل واحد. والسلاليّةُ لا تخدم هذه الفكرة لأنّها تنطوي على التفريع، والتفريع يحيل على الاختلاف الذي هو حق بين الناس؛ فهم مختلفون ألوانا وأحجاما، هيئاتٍ وألسنا، نساء ورجالا، صغاراً وكبارا...إلخ؛ وهذا لا يقتضي أمرَ الناس بالتقوى؛ لأنّ الاختلاف ليس فساداً، ولا ينبغي أن يكون سبباً للفساد في الأرض.

إذن، النفس الواحدة، هي المكوّن الواحد لكل الناس المشمولين بـ"ـكم" المخاطبين، هي الحقيقة الأولى، و في اللسان "النَّفْس عين الشيء وكُنْهُه وجَوْهَره"[6]، ما يستدعي أن نفهم اختراع الناس كان من جوهر واحد، ومن الجوهر نفسه كان قرينُه؛ فالنص يواصل بيان الأمر بالتقوى فيظهر الربوبية للناس ليسلكوا بما تقتضيه معرفتُهم ـــــــ إضافةً إلى خلْقِهم من نفس واحدة ــــــ أنه خلَق منها زوجها، والزوج بحسب ابن سيدة في لسان العرب " الفَرْدُ الذي له قَرِينٌ"[7]، فالزوج قرين زوجه أو هي لزوجها قرين[8]. ولازمُ هذا البيان في سياق التنبيه على ضرورة تقوى الرب؛ هو في أنّ خللاً ما في العلاقة بين الزوج وزوجه مؤسّساً على اعتبارٍ يغالط الحقيقة التي تقول بأنّهما من نفس واحدة، من جوهر واحد؛ فلا اختلاف بينهما في الرتبة إنما في الهويّة. وإن كان لا بدّ لأحدهما من أن يكون سيداً فلا يكون مردّ ذلك إلى كونه رجلاً، أو إلى كونها امرأة، فالتقوى تقتضي أن يكون مردُّ ذلك التفاضل إلى الحقّ، وإلى الحقّ وحده.

بالنظر إلى ترتيب الأفعال في صلة الموصول، نلاحظ أن فعل الخلق واقعاً على المخاطبين﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قد سبق فعل الخلق واقعاً على زوجها ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، ويعطف عليه فعل البثّ واقعاً على الرجال والنساء ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾.

عندما يؤتى بالاسم الموصول "الذي " وصفاً لربكم؛ فذاك لغرضٍ محدد، وهو بيان ما يوجب فعل التقوى، والذي يوجب فعل التقوى هو الخلل القائم في سلوك الناس لاعتبار جهلهم حقيقةَ خلقِهم أو تجاهلها؛ فيأتي الفعل خلقكم من نفس واحدة هو المضاد الحيوي لهذا السلوك الذي يشي بأن بعض الخلق من جوهر مختلفٍ عن الآخر أو من حقيقةٍ أخرى غير الحقيقة التي خُلِقَ منها الآخر. ونفهم عندها أن مقاصد الآية ليست في بيان الترتيب الواقعي للخلق، بل في بيان ما يُلزم بالتقوى؛ لوقف التمييز ضد الآخر المختلف. وجاء فعل الخلق الثاني لا ليدل على حصوله بعد الفعل خلقكم، بل لبيان الحقيقة التي انطوى عليها الفعل خلقكم، وهي أن الفرد وقرينه من نفس واحدة، وحرف العطف "الواو" ليس للترتيب إنما هو للجمع مطلقاً. وإلى ذلك أشار ابن مالك في الألفية[9]:

واعْطِفْ بِواوٍ سَابِقًا أَوْ لاَحِقَا        فِي الْحُكْمِ أَوْ مُصَاحِبًا مُوافِقَا

وغاية الجمع هنا كما سبق وأشرنا هي في إبراز ضرورة التقوى مؤسّسةً على هذه المعلومة المهمة.

ويواصل النص المراكَمة، فيعطف الفعل "بثّ" على الفعل "خلق" بوصفه مظهراً آخر لإيجاد الناس، يقتضي الربوبيّة أيضا، فالمبثوث هو الرجال والنساء، وما هذا التفصيل هنا إلا بمقتضى خللٍ ما في العلاقة بين الرجال والنساء، وهذا الخلل كما تبيّنَ لنا مبنيّ على معلوماتٍ خاطئة تفيد بأنّ الرجل أعلى رتبة من المرأة، وهذا لا يتفق مع التنبيه "يا أيها الناس"، فهل الناس هم الذكور فقط؟! ولا يتفق مع الطلب الذي يأمر بتقوى الرب الذي خلق من نفس واحدة، ولا يتفق مع حقيقة أنّ الزوجين من جوهر واحد؛ وأن يعطف الفعل "بثّ" على فعل الخلق فذاك لبيان حقيقة الانتشار الإنسانيّ وتفرقه واختلافه، وأن يكون المبثوث رجالاً ونساء، فذاك تسييق للنظر في مقاصد الآية الرامية إلى تعديل العلاقة بينهما، وتصويبها بتأثير من معرفة الحقيقة التي لا تميز بينهما تميييزا في الرتبة وإن تفرّقا في الهويّة. فالبث كما يقول ابن فارس:"الباء والثاء أصلٌ واحد، وهو تفريق الشيء وإظهاره"[10] .

أمّا لماذا تقدّم الرجال بالذكر على النساء، فهذا تقديم المُلقي على المتلقّي في آليات البث الطبيعية، وهذه ليست فضيلةً للرجل، ولا نقيصة للمرأة؛ بل هي الطبيعة كذلك، إذْ لا ينزل المطر إلا بالتقاء غمامتين إحداهما سالبة والأخرى موجبة، فأيّ الغمامتين أرقى وأعظم!!! .

وأن يفرّق بين الرجال والنساء بمفردة "كثيراً" فذاك إمعان في التفريق بين عنصري النفس الواحدة، حفاظاً على هوية الرجل مختلفةً عن هويّةِ المرأة، والعكس. أمّا لماذا تقدّم ذكر الرجال على ذكر النساء ؛ فذاك لا يمنح الرجال مرتبة متقدّمة ولا النساء مرتبةً متأخرة؛ فالواو كما مرّ معنا لا علاقة لها بالترتيب. ومع ذلك نرى أن الذي يقتضي ذلك في هذه الآية الكريمة وفي سائر القرآن الكريم، هو طبيعة اللغة العربيّة بوصفها مسكن العرب ومظهر مواقفهم الذكورية، والله جلّ وعلا يخاطب الناس بحسب تقاليدهم القولية.

مفردة "كثيراً"  ليست وصفاً للرجال كما يحلو للبعض[11] أن يفهم، بل هي وصف للمصدر المحذوف "بثّاً"، وما حذفه إلا علامةً على عدم مقصوديته، بوصفه حدثاً مطلقاً غير مقيد بزمن، في الوقت الذي ينوب فيه الوصف "كثيراً " عنه، للدلالة على النماءالعددي[12]، وهو المقصود هنا. وتأخيره إلى ما بعد ذكر الرجال المبثوثين، أوْهَم بأنه وصفٌ للرجال،  وهذا لا يستقيم والوظيفة الدلاليّة الملحوظة هنا؛ إذ لو تقدم "كثيرا" وقال :" بثّ منهما كثيرا رجالا ونساء" لتغيّرت الدلالة وشطّت إلى غير مقصود الآية، فيكون الغرض إذّاك تأكيد البثّ ونمائه عدديا، وليس هذا ما يفيد تسويغاً للتقوى المطلوبة، بل المطلوب بيان المبثوث، وهم الرجال والنساء، لأن التقوى هي الاحتراز مما يغوي به التسلّط و الطغيان؛ لكون الفرق بالهوية بين الزوجين، قد يوهم بفرق في الرتبة الإنسانية.

ويؤكّد النص طلب التقوى مرّةً أخرى وذلك بإسناده أمراً مطلوباً إلى الناس المكنّى عنهم بواو الجماعة "واتقوا"؛ إلا أنه المرّةَ هذه يقع بهذا الفعل على لفظ الجلالة العلَم" الله" ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.

عندما ينبه النص الناس بأسلوب النداء، ويلقي عليهم أمراً بالتقوى، ويقع بتقواهم على ربّ الناس؛ فإننا بذلك فهِمنا أن النص يَعتمد نمطا إيعازياً/ برهانياً يرجع فيه إلى مفردةٍ تكتظّ دلالاتها للإضاءة على مقتضى الأمر بالتقوى. مفردة "رب" تشير إلى العلاقة مع المربوبين، وهي هنا، علاقة خلق وتفريع ونشر، وكلها منّة يلقيها النص على الناس ليعدّلوا سلوكهم البينيّ، إذن؛ اتقوا ربكم، تعني اتقوه باعتبار علاقته بكم، وقد ذكر المفسرون أنّ معنى اتقوا هو احذروا، وهذا المعنى لا يفيد في هذا السياق، بل هو يقدّم لنا الرب، ويقدّم لنا الله على أنّه ممتلئٌ بشهوة التعذيب والانتقام، وحاشا للرحمن أن يكون كذلك. بل معنى اتقوا ربكم، أو اتقوا الله أي اتخذوا ربكم أو الله وقاية لكم، وهذا ما عنينا به تحصين النفس من مغويات الجور. وقلنا إنّ هناك خللاً في العلاقة البينية تتنافى مع الخلق والتفريع والبث كما وردت من رب الناس. فاتقوا ربكم يعني إصلاح ذات بينكم بهذه المرجعية المعرفيّة.

أمّا اتقوا الله، فـــهي بما هي عليه من دعوة إلى تحصين النفس دلالة على أنّ علاقتكم بالله لا تستقيم وسلوككم البينيّ فيه هذا الخلل، فاتخذوا الله وقاية لكم في علاقاتكم وفي معاملاتكم. الله إلهكم بإرادتكم، أنتم اخترتم واقتنعتم، وينبغي أن تكونوا قد التزمتم بما يقتضيه خياركم وقناعتكم.

ووقوع التقوى على الرب أو على الله، فهو لاعتبارين، الأول مرتبط بالربوبية وهي علاقة الخالق بمخلوقاته، والثاني مرتبط بالإيمان. فالرب ربكم سواء آمنتم به أو لم تؤمنوا. أما الله فهو ليس إلهكم إلا إذا آمنتم بألوهيته. لذلك يطالب النصُّ الناسَ بالسلوك في علاقاتهم ومعاملاتهم ومواقفهم الضمنية والعلنية، باعتبار الربوبية، وباعتبار الألوهة. يعني أنتم مسؤولون عن الحياة المستقيمة، المؤسَّسة على قاعدة الأصل الواحد لكل بني البشر، سواء كنتم مؤمنين أو غير مؤمنين.

وتأتي مفردةُ "الأرحام" منصوبةً على الأرجح، لتعيّنَ موطن السلوك المستقيم الذي تغيَّته هذه الآيةٌ الكريمة، فعطف الأرحام على لفظ الجلالةِ؛ لتدل على أنّ تقوى الله جلّ وعلا تكون بالسلوك المستقيم مع الأرحام. فـ"اتقوا " واقعاً على الأرحام  تعني أن اتخذوا الأرحام وقايةً لكم من السقوط في الخلل والزلل المنافي للاستقامة المرجوّة في السلوك من جرّاء الإيمان بالله، وذاك منعكَسٌ جيّدٌ لتقوى الله الذي تساءلون به.

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، بمنظارٍ تداولي ننظر إلى الضرورة التي استدعت التأكيد بـ:"إنّ"، لنرى أنّها في الخلل الحاصل في العلاقات الاجتماعية وبخاصة مع الأرحام، فهي لا تقف على ما تقتضيه تقوى الله، ولا تلتزم ما يمليه الإيمان بالله الذي تساءلون به، فالتأكيد هنا لإزالة الغفلة عن ربوبية الله لخلقه، وقد تمثلت هنا في العلامة "رقيباً" يقول ابن فارس: "الراء والقاف والباء أصلٌ واحدٌ مطّرد، يدلّ على انتصابٍ لمراعاةِ شيءٍ. من ذلك الرَّقِيب"[13]

وفي اللسان"راعَيْتُ الأَمرَ: نَظَرْت إلامَ يصير"[14]. وهذا يجعلنا نفهمُ دلالة إدخالِ "كان" هنا ؛ فهي لإثبات استمرار الرقابة على الإنسان، إذ  تختص كان بمرادفة " لم يزل " كثيراً، أي: أنها تأتي دالة على الدوام، وإن كان الأصل فيها أن يدل على حصول ما دخلت عليه فيما مضى، مع انقطاعه عند قوم، ... أو سكوتها عن الانقطاع وعدمه عند آخرين"[15] ويطرأ سؤال هنا في علّة العدول عن "لم يزل" إلى "كان" لنجدَ أنّ الأصل في "كان" هو الدلالة على حصول ما دخلت عليه فيما مضى، وليس هذا أصلاً فيما دخلت عليه "لم يزل"، والحاجة إلى إثبات الدوام سابقاً وحاضراً ومستقبلاً تقصِّرُ"لم يزل" عن حقها، وأنّ "كان"  تلبي هذه الحاجة؛ فكان استخدام "كان" لإثبات الدلالة المرجوة.

 وعليه، يكون التأكيد بـ"إنّ" من جهة، وماضوية "كان" من جهة ثانية، لا تطلب مجرد التصديق بالرقابة الإلهية للإنسان، بل تنكر غفلةَ الناس عن حقوق الأرحام، وهذا تعظيمٌ لفداحة الخلل في العلاقات الاجتماعية التي نبهت إليها الآيةُ الكريمةُ في مستهلّها.

مظاهر الخلل

استضعاف اليتامى

﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾[16]

اتقوا ربكم، اتقوا الله، والأرحام، وآتوا اليتامى....

من مظاهر التقوى في الحياة الاجتماعية السليمة أن يأخذ كل ذي حق حقه. وعلى ما يبدو من ملفوظ الآية الكريمة، أن هذه الحياةَ كانت تضج بخلل فظيع يطول الفئات الضعيفةَ في المجتمع، ويأتي على رأس هؤلاء اليتامى والنساء،  "عجز اليتامى عن الدفاع، وعن تحصيل حقهم في الميراث، جعل الورثة الكبار يأكلون اموالهم وحقوقهم، ولا يؤدون لهم نصيباً في الإرث"[17].

ويعطف النص على تقوى الله أمراً ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ فالتشريع بما يخص الضعفاء يبدأ برفع الحيف عن اليتامى، وأكثر المفسرين يقولون إن الإيتاء هو الإعطاء، غير أنّ المراقب لاستخدام مفردة إيتاء في القرآن الكريم يجدها قد وردت واقعةً على الزكاة اثنتي عشرة مرّة، ما يشي بأنها تختص بالفرض والواجب وأن يكون الإيتاء علامة على رفع الحيف ففي ذلك إشارةٌ مهمة لحجم المسؤولية فالإيتاء في الغالب واجب وأثبت للمفعول بينما العطاء تفضُّل وأقل إثباتا للمفعول[18]. وبالنظر إلى الصيغة "آتوا" نجدها تختلف عن صيغة "أعطوا" بالمدّ في أولها ليكون الإيتاء مختلفاً عن الإعطاء بالإمهال، فالإيتاء لا يعفي الوليّ من ولايته، بينما الإعطاء ـ لكونه من دون إمهال ـ يعفي الولي من ولايته إذا ما تم أداء الفعل. والحرص القرآني على أن تكون رعاية اليتيم والقيام على شؤونه والإنفاق عليه من ماله من مظاهر التقوى في المجتمع؛ استخدم فعل الإيتاء بدلاً من الإعطاء .

ومن مظاهر التقوى أيضاً ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾  من يتبدّل الخبيث بالطيّب! أيعقلُ أن يكون امرؤ بكامل قواه العقليّة يُقدم على ترك الطيب من المعاملات، أو الأفكار أو الممتلكات....؛ لصالح الخبيث منها؟!

الجواب الطبيعيّ عن هذه التساؤلات هو :"لا". إذن لماذا هذا النهي هنا؟

ألا يعني أن السياق الذي ورد فيه الأمر بإيتاء اليتامى أموالَهم، هو نفسه السياق الذي تحصل فيه مسوّغاتُ هذا النهي؟

تأسيساً على الآية الأولى التي نبهت الناس إلى ضرورة التقوى، يمكننا أن نفهم الخلل الفظيع الذي ينتاب الحياة الاجتماعية، وكبراءُ المجتمع يحسبون أنهم في عيشةٍ راضية، هم لا يحسبون أنهم بحرمان اليتامى من أموالهم إنما يقومون بعمل خبيث، بل هم في سلوكهم مع اليتامى إنما يأخذون ما يمكّنهم من دفع الأخطار عنهم، فاليتيم لا يرث لأنه لا يستطيع أن يحمل السيف، ولئن فعلوا فإنما هم يهدرون أسباب المنعة، لذا؛ لا يرون في سلوكهم هذا إلا ما يعزز مكانتهم حيث تدعو الحاجة.

إذن؛ يرى الشارع أن الأمن الاجتماعي يتحقق بأن تؤدّى الحقوق إلى أصحابها، وعندما يُنزل عدم إيتاء اليتامى أموالهم منزلةَ الخبيث فذاك لأن الناس ينفرون من الخبث ويقبلون على الطيّب، وإذا لم يكن لهذا الأسلوب من فائدة سوى تحريض المتلقّي على سلوكه فهذه مزيةٌ تكفي؛ فلها تداعيات كبيرة في التأسيس المتين لمنهج يبدأ بتشكيل قواعد أو معاييير في النفس يرجع إليها المتلقّي لتقويم سلوكه.

الطلب بالنهي هنا أقوى من الطلب بالأمر، وهو يؤدّي هذا المعنى تماماً، فتعطيل فعل التبدّل مسنداً إلى واو الجماعة" الناس" مطلوبٌ لضمان حياة اجتماعية سليمة، والمفعول الواقع عليه فعل التبدّل معطّلاً، هو "الخبيث" في علاقته مع "الطيّب"، وطبيعةُ هذه العلاقة كما يدلُّ هذا المركّب، هي اتخاذُ الخبيث طيباً والطيب خبيثاً. فالطلب هنا بهذه الصيغة يفيد تعطيل هذا السلوك، كما يفيد اعتماد رائز يتعيّن بموجبه الخبيث والطيّب، وقد سبق طلبه "اتقوا". وهذا ما لا يفيده الطلب بصيغة الأمر.

ويعطف النص على هذا النهي نهياً آخر ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾

مع أنّ النهي عن التبدّل مسيّقٌ في سياق إيتاء اليتامى أموالهم؛ إلا أنّه بلفظه يتجاوز هذه الخصوصيّة ولا يهملها، فالخبيث عام وكذلك الطيب؛ والنهي عن إحلال الخبيث محلّ الطيب يفيد العموم إلى الخصوص. وعليه، يأتي المعطوف هنا ليزيل توهما قد تنشره الجملة السابقة، مفاده أن الكلام عام ولا يخص اليتامى، فالنهي عن أكل أموالهم يفيد التخصيص. و إنزال عدم إيتاء اليتامى أموالَهم، منزلةَ الطعام الذي يحتاجُ إليه، فذاك لتحريض المتلقّي على نفسه التي تزيّن له هذا السلوك بزينة الحاجة الغرائزية حتى ليبدو أن الامتثال لطلب الانتهاء شبه مستحيل. وفي هذا ترويض للإنسان على مواجهة الرغبات في عرضها أولا على معيار الخبث والطيب، وثانياً على معيار الحاجة وعدمها. إنه تأسيس لسلوك يوفر الأمن الاجتماعي اعتماداً على سلطان ثقافيّ يستهدف العادات والتقاليد والأعراف و....

"لا تأكلوا أموالهم"، نهيٌ يعمُّ "الناس" وهذا مطلوب، غير أنّ "إلى أموالكم" تخصص أصحاب الأموال من الأوصياء، فهؤلاء تحدّثهم أنفسهم بزيادة ثرواتهم ولو كان على حساب الضعفاء، ويجدون مبررات كثيرةً لذلك، كما درجت العادةُ إلى زمن التنزّل؛ أن لا يورَّث اليتيم والولد الصغير، والنساء، بحجةِ عدم قدرتهم على حماية القبيلة أو العشيرة أو القرية[19]، لذلك لم تقف الآية عند أكل الأموال، بل أوصلت أثر أموال اليتامى إلى أموال الأوصياء بواسطة حرف الجر"إلى"؛ إذْ يفيد هذا الحرف في أصل معناه انتهاء الغاية بمقابل "من"، ولكونه هنا رابطاً بين أموال اليتامى وأموال الأوصياء؛ فذاك ليدل على الجشع والطمع، وأن يقال إلى بمعنى ظرف المصاحبة "مع"، فذاك مردود إذْ لو كان "مع" يفي بالغرض؛ فليس هناك من ضرورةٍ تملي العدولَ عنه. قد يكون اللبس في ذلك من كون "مع" يفيد المصاحبة، والمصاحبة هي الملازمة والمرافقة، بينما "إلى" يفيد الضم أي جمع الشيء إلى الشيء، فلو أن الآية استخدمت "مع" لما تناسب معناه مع فعل الأكل الذي يشير إلى جشع الأوصياء وطمعهم؛ إذْ ليس لزاماً أن يكون مال اليتامى مع مال الأوصياء علامة سوء نية، بينما الأكل لا مندوحة له عن ذلك، وهذا ما اقتضى إيراد "إلى".

واختتام الآية الكريمة بالتأكيد ﴿إنّه كان حوباً كبيراً﴾ مناسبٌ لمقتَضيات أوامر الآية ونواهيها "آتوا/ لا تتبدّلوا / لا تأكلوا"، كل هذه العلامات في صيغها وسياقاتها تدل على خلل فظيع يجعل العلاقات الاجتماعية لا تُنتج إلا ظلماً واستتباعا، وتعِد بفشلٍ حضاريّ كبير. وهذا ما يؤكّده المركّب الخبري ﴿إنّه كان حوباً كبيراً﴾.

لماذا اختار مفردة حوب حكماً على فعلهم؟ فالحُوب هو الإثم بحسب المفسرين[20]، وهو في "اللسان":"الهلاك، والحزن، والوحشة، والوجع"[21] وهو في "المقاييس" : الإثم والحاجة والمسكنة[22].تأسيساً على ما سبق يمكن أن نلاحظَ قصور مفردة "إثم" بإزاء الخلل الاجتماعي الناجم عن غياب التقوى، فالأبعاد المعجمية لمفردة "حوب" تشير إلى فظاعة الواقع؛ لذا، لن يكتفيَ النص بدلالة الإثم فقط، بل يجد في الحوب إثماً وزيادة، نفهمها من السياق، ومن خلال الأبعاد المعجمية المذكورة، فلفظة إثم قد تطلق على الخمر والميسر، وتعطف على العدوان..... بينما لفظة حوب لم تطلق في القرآن الكريم إلا في هذا السياق. ما يعني أنه الحكم الملائم الذي يقتضيه غياب التقوى.

وتأتي "كان" بين معمولي "إنّ" زيادةً في التأكيد لما تفيده من الاستمراريّة؛ إذْ يستفادُ منها في الدلالةِ على سوء هذا الخلل الاجتماعي ماضيا وإلى الأبد.

استضعاف النساء

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ﴾[23].

تعيدنا هذه الآية الكريمةُ إلى التحقيق في المخاطبين بهذه الآيات من أول سورة النساء.

"يا أيها الناس"، تحتمل أن يكون المعنيُّ بـ" يا أيها الناس" من عايشوا تنزُّل هذه الآية في المحيط القريب جداً، كما تحتمل أن يكون الناس الناس قاطبة في كل مكان وفي كل زمان. ومن المرجح أن يكون المعايشون المحايثون هم المعنيين، لأغراض تتعلق بمفاسدهم ومحاسنهم، بهدف تخليق أمةٍ تستند في تطلعاتها وسلوكاتها على أسس معرفيّة يقينية، تمكّنهم من التقوى. وعليه يكون الضمير في الأفعال التالية:"اتقوا"، "خلقكم"، "تساءلون" "آتوا" "ولا تتبدّلوا" "ولا تأكلوا" كناية عن المستهدف المباشر بالخطاب، وهم المطالبون بالتقوى بوصفهم النواة الأولى للأمة المرجوة. وكذلك الضمائر في "عليكم" و"أموالكم" و"أموالهم. ولا يعني قولنا هذا أن المعرفة المؤسِّسة ينعدم مفعولها بانقضاء العصر، بل يعني أنّني يجب أن أعرفها حتى أتمكن من الفهم، وبالتالي أفهم مقاصد الخطاب تأسيساً عليها.

إذا فهمنا (آتوا اليتامى أموالهم، ولا تتبدلوا، ولا تأكلوا)، أنها مطالب يتوجه بها الخطاب إلى الأولياء والأوصياء، بهدف رفع الجور عن اليتامى المستضعفين، فهذا يعني أن الآية الثالثة من السورة نفسها إذْ تبدأ بـ" وإن خفتم" فالمخاطبون هنا هم أولياء اليتامى والأوصياء أنفسهم؛ فمن هم هؤلاء؟ أليسوا الجدّ العمّ والخال والأخ الأكبر وربما الصديق ..... والقاضي؟

ويستوقنا في هذا الأسلوب تعدية الإقساط إلى اليتامى بواسطة الحرف "في"، وهذا ما يجعل اليتامى ظرفاً مجازياً يتحقق فيه فعل الإقساط، ولذلك أهمية بيانية كبيرة، إذْ نلحظ من جرائها تحيّز الفعل وفاعله داخل اليتامى، ما يعني أنه من الأرحام أو ما بمنزلتهم. ولو أنّ النص عدَل عن "في" إلى أي أداة أخرى لعدل المعنى . وأن يكون المسندُ إليه في فعل الشرط هم من الأرحام فذاك يرقى  بالخطاب إلى مرقاة أخلاقية تبلغ حدّ الإلزام في الضمان الاجتماعي، على هذا النحو أو سواه.

لماذا الخوف من عدم الإقساط في اليتامى؟ طالما أنهم هؤلاء؟ أيكون مصدر الخوف أمراً له علاقة بالنساء وموقعهن في المجتمع فتأتي إباحة النكاح منهن نوعاً من التحصين في الظروف العصيبة؟ بخاصة وأنّ أكثر اليتمِ يكونُ من الحروب، وعليه فإنّ واجبات المجتمع تصبح كبيرة تجاه اليتامى والأرامل؟؟؟

ما هو هذا الأمر المتعلّقُ بالنساء؟

تُخلّف الحروب عدداً كبيراً من اليتامى، وهؤلاء هم أبناء رفاق الدرب المريرة والعسيرة، ومن يبقى حياً من جرّائها، ينظر في الأمر ويعرضه على نفسه، إذ كان من المحتمل أن يكون هو القتيل، وأبناؤه اليتامى؛ ويريد الآن تحت تأثير هذا الشعور أن يرعى أبناء رفيقه، أن يمسح رؤوسهم بكفه، أن يجلب لهم الهدايا، أتراه ينجو من ألسنة الناس لو تردد بين هذا البيت و ذاك  وذلك، ولا رجل في البيت، أليس في ذلك طعنٌ بكرامة المرأة واستخفافٌ بشرفها وعفتها؟ لذا؛ جاء جواب الشرط "إن خفتم"، "فانكحوا" .

أعتقد أن عدم الإقساط عائدٌ إلى عدم القدرة على القيام بالواجب، وهذا سبب وجيه للخوف، مع أنّه لن يصيب كلَّ من يتولى شؤونهم، لذا؛ استخدم أداة الشرط "إنْ" وهي أداة تفيد الاحتمال، وذاك لأنّ الخوف من عدم الإقساط هذا، لا يحصل مع الجدِّ مثلاً، أو خال اليتامى، بل غالبا ما يحصل مع الأخ عمّ اليتامى، أو الرفيق، أو الجار؛ فيأتي الأمر بالنكاح مثنى وثلاث ورباع، ليس أمراً موجها إلى شخصٍ بعينه في هذا السياق، بل هو أمرُ إباحةٍ شرطُه الخوفُ من عدم الإقساط مع اليتامى، إذ ينزع الحجّةَ من الرجل الذي يتذرّع بأنه متزوج ما قد يحولُ دون الإقساط؛ فيقدّمُ النصُ أصنافا من الرجال الغيارى على مجتمعهم، فصنفٌ منهم مقتدرٌ على الزواج باثنتين، وصنفٌ بثلاث، وصنف يتزوج بأربع، وبتقديري يمكن أن يكون هناك أصناف تتزوج بأكثر وأكثر، فالنص لا يضع حداً بأسلوبه هذا، وصنف يخاف الجَور فليكتف بواحدة، أو ما ملكت يمينه، أي ما يستطيعه. إذْ لا يمكن أن يكون الأمر أربع زوجات أو واحدة، ثلاث زوجات أو واحدة، زوجتين أو واحدة، بل الممكن ما يمكنكم القيام به.

وتستوقفنا في هذه الآية الكريمة "ما طاب لكم" فـ"ما" هذه، مصدرية زمانية، وما كان بإمكاني الموافقة على مزاعم تقول بأنها لغير العاقل، وأنّ النصّ بهذا الأسلوب قد أنزل النساء منزلة غير العاقل! ولم أدر السبب الذي يقتضي هذا الإنزال!

قلنا "ما" مصدرية زمانية، أي فانكحوا مدةَ طيب النكاح لكم من النساء، وهذا الأسلوب لا يبدو تشريعاً للنكاح بقدر ما هو تكليف بمهمةٍ تتحرّز بالنكاح وهي كفالة اليتيم، وتوصيل أثر النكاح إلى النساء بواسطة حرف الجر "من" فذاك لبيان النوع الذي يطيب النكاح منه وهو النساء وليس إناث اليتامى فهؤلاء لسن نساء بل هن بنات قاصرات،لا يملكن أنفسهن، بالتالي لا يحق للولي أن يتزوج منهن بحجة الرعاية والاهتمام. في هذه الحال كيف يكون شأن الذكور من اليتامى؟ ألا يحتاجون رعاية واهتماما؟ هل تحلُّ مشكلة يتمهم بزواج أخواتهم القاصرات؟أم أن النصّ يستبعدهم فلا ينظر في شؤونهم؟ فلتتواضع العقليّةُ الذكوريّة قليلا حتى تتمكن من حسن القراءة. ما كان ينقص المفسرين والفقهاء شيء من الذكاء ـ والأمر لا يحتاج ذكاء حاداً ـ ؛ بل كان ينقصهم الخروج على السائد من القيم الذكورية التي جعلتهم لا يتوقعون أن للمرأة حقاً، وأنّ للطفل حقا، وربما هذا لم يكن ممكناً في ذلك الزمن لشدة تمكن الذكورية من الحياة ومصادرتها بالكامل.

ويأتي التعداد لا ليضع حداً للزيجات، كأنْ يقال كان العربُ قبل هذه الآية يجمع كل رجلٍ تحته عدداً غير متناهٍ من النساء؛ فجاءت هذه الآية لتضع الرقم أربعة هو الحدّ الأقصى؛ بل جاء التعداد ليضع مخرجاً للتحرّج مما يُتوهم أنه عائقٌ يحول دون الإقساط في اليتامى. والأسلوب الذي ورد فيه التعداد لا يشي بأنّ "رباع" هو ما يجب أن يقف عنده الرجل، فلو أنه قال انكحوا اربعاً وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة، كنا حسبنا الأربع حداً نهائياً، أمّا انكحوا مثنى، وثلاث، ورباع، فتعني أنّ العدد مفتوح على ما ملكت أيمانكم، أي ما ملكت قدراتكم على العدل. إذْ يرى جمال زعيتر أن اليد اليمنى"ترمز إلى الخير والقوة والحياة"[24] فلكونها ترمز إلى القوة لا يعني أنها ترمز إلى استباحة استرقاق النساء. وقد درجت العادة في القراءة أن يحصروا دلالة ملك اليمين في النساء المملوكات بسبب السبي أو نظام الاسترقاق. ولا أدري كيف يمكن أن نبعد عنا الخوف من عدم العدل بنكاح السبايا أو الإماء! والأنكى أنهم يقولون بأنك لست مطالباً بالعدل مع هذا الصنف من البشر! أيكون هذا من عند الله، الذي يقول "خلقكم من نفس واحدة" !!!!!.

خلاصة

لم يكن الهدف من وراء هذه القراءة المتواضعة، تسفيه ما درج عليه الفقه الإسلاميّ بمختلف مذاهبه، بقدر ما كان بحثاً في القرآن الكريم عما يعزز الانتماء إلى العصر على أسس ترتكز على السرديّة الإسلاميّة التي شكلت العقل العربيّ على مدى قرون من جهة، ومنهجيات التحليل المعاصر من جهة ثانية. وما تبيّن لنا بتوسلنا القراءة المنهجيّة الحديثة، وبتأثير من إلحاح العولمة وتطاولها على الخصوصية، ليس نهائيا ولا يدّعي ذلك، ولا ينبغي له.

وقد خلصنا في نهاية بحثنا إلى جملة خلاصات هي:

إن الأوامر والنواهي في مطلع سورة النساء ارتكزت على تثبيت حقيقة مفادها أن الناس من نفس واحدة، سواء كانوا بيضاً أو سودا، يتامى أو أرامل نساء ورجالا.

الأمر الأولي الضروري الذي لا مندوحة عنه هو التقوى، وهي صيانة النفس بوصفها نفساً تتعرّض على الدوام للإغواء بالظلم بمختلف أشكاله.

لا يمكن أن يكون أمن اجتماعي إلا بالتقوى، ومظاهر فقدانها في المجتمع كثيرة إلا أنها في مطلع هذه السورة لها مظهران:

أكل مال اليتامى

استضعاف النساء واستتباعهن للرجل .

الأمر بالتقوى هو أمر بإعطاء كل ذي حق حقه،

الآية الثالثة لا تنطوي على دعوة للنكاح بأربع بل هي دعوة للإقساط مع اليتامى، وإباحة النكاح بأربع تأتي في سياق حفظ حق اليتامى وكرامة الأرامل.

وعليه لا تكون المرأة ملك يمين الرجل بمعنى الأَمة ـ على الأقل في هذه الآية الكريمة ـ بل فهمنا أن ما ملكت أيمانكم تعني ما هو مقدور عليه من عدد الزيجات. حتى لا تكون الحقيقة التي تأسس عليها هذا الحكم بلا فائدة، إذ ما معنى أن ينبهنا النص إلى كوننا جميعا من نفس واحدة ثم يحط من قدر النساء بإزاء الرجال!

وأخيراً تبيّن لنا أن "أو ما ملكت أيمانكم" بحسب أهل التفسير والفقهاء والرواة، لا قيمة لها في حل مشكلة الخوف من عدم الإقساط مع اليتامى.

أرجو أن لا يكون ما نقوله ثقيلاً إلا أنه هو ما بدا لي بحسب قدراتي.

 والله من وراء القصد.

 

د. سعد كمّـوني

...............................

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

ابن فارس، أحمد، مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر بيروت، 1979.

ابن كثير، عماد الدين اسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر، الرياض، 1999.

ابن مالك، محمد بن عبد الله الأندلسي، متن ألفية ابن مالك، ضبطها وعلّق عليها عبد اللطيف بن محمد الخطيب، ط1، مكتبة دار العروبة للنشر والتوزيع، الكويت، 2006.

ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الأفريقي المصري، لسان العرب، دار صادر، بيروت،د.ت.

اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة؛ الوثيقة ذات الرقم *0360793* الأمم المتحدة، 18/12/ 1979.

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بموجب القرار 217000، باريس في 10/12/1984.

البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1424هـ.

جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلّي، تفسير الجلالين، تحقيق فخر الدين قباوة، مكتبة لبنان ـ ناشرون، 2006.

جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار الساقي، ط4، بيروت 2001.

الجويني، عبد الملك، البرهان في أصول الفقه، تحقيق:عبد العظيم محمود الديب، ط4، دار الوفاء، المنصورة، مصر، 1418هـ.

الرازي، فخر الدين، التفسير الكبير/ مفاتيح الغيب، ط1، دار الفكر، بيروت، 1981،

زعيتر،جمال حسين، الجسد رموز ودلالات،دار العودة، بيروت، 2014.

السمرقندي، نصر بن محمد بن أحمد، بحر العلوم، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1993.

السيوطي، جلال الدين، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع من النحو والصرف، تحقيق أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1998.

الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن،تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط1، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة، 2001.

الفيروز ابادي، مجد الدين، محمد بن يعقوب ، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق محمد علي النجار، وزارة الأوقاف ، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، ط3، 1996.

الماوردي،علي بن محمد بن حبيب، النكت والعيون، دار الكتب العلمية، ومؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، د.ت.. 

 .....................

هوامش

[1]  ) تعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة بهدف تحقيق القضاء على التحيزات والعادات العرفية والممارسات الأخرى القائمة على فكرة دونية أو تفوّق أحد الجنسين أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة) الجزء الأول، المادة الخامسة، الفقرة أ من اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة؛ الوثيقة ذات الرقم *0360793* الأمم المتحدة، 18/12/ 1979.

[2]  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بموجب القرار 217000، باريس في 10/12/1984.

[3]  القرآن الكريم، النساء، 4: 1.

[4]  ابن فارس، أحمد، مقاييس اللغة، مادة "أنس"

[5]  السمرقندي، نصر بن محمد بن أحمد، بحر العلوم، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1993، 1/ 328. الماوردي،علي بن محمد بن حبيب، النكت والعيون، دار الكتب العلمية، ومؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، د.ت، 1/ 446 . ابن كثير، عماد الدين اسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر، الرياض، 1999. 2/ 207.الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ط2، دار ابن تيمية، القاهرة، د.ت. 7/ 515 . ......

[6]  ابن منظور، لسان العرب، مادة "نفس"

[7]  ابن منظور، لسان العرب، مادة "زوج"

[8]  الفيروز ابادي، محمد بن يعقوب ، بصائر ذوي التمييز، تحقيق محمد علي النجار،وزارة الأوقاف ، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، 1996، ط3، 3/ 142.

[9]  ابن مالك، محمد بن عبد الله الأندلسي، متن ألفية ابن مالك، المكتبة الشعبية، لبنان، د.ت. ص37.

[10]  ابن فارس، أحمد، مقاييس اللغة، مادة" بثث".

[11]  الرازي، فخر الدين، التفسير الكبير، ط1، المطبعة البهية المصرية، القاهرة، 1938، 9 /162.. البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، دار إحياء التراث العربي، بيروت،د.ت.،2/ 58. جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلّي، تفسير الجلالين، تحقيق فخر الدين قباوة،مكتبة لبنان ـ ناشرون، 2006، ص258.

[12]  ابن منظور، لسان العرب، مادة" كثر".

[13]  ابن فارس، أحمد، مقاييس اللغة، مادة "رقب".

[14]  ابن منظور، لسان العرب، مادة "رعى"

[15]  السيوطي، جلال الدين، همع الهوامع، 1/ 437.

[16]  القرآن الكريم، النساء، 4: 2.

[17]  جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 5 /567.

[18]  الجويني، عبد الملك، البرهان في أصول الفقه، تحقيق:عبد العظيم محمود الديب، ط4، دار الوفاء، المنصورة، مصر، 1418هـ.1/ 161.

[19]  راجع جواد علي، م.س. ص.ن.

[20]  الطبري،، القرطبي، الرازي، .......

[21]  وَالْحُوبُ: الْهَلَاكُ ؛ وَقَالَ الْهُذَلِيُّ؛وَكُلُّ حِصْنٍ، وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ يَوْمًا سَتُدْرِكُهُ النَّكْرَاءُ وَالْحُوبُ؛أَيْ يَهْلِكُ. وَالْحَوْبُ وَالْحُوبُ: الْحُزْنُ؛ وَقِيلَ: الْوَحْشَةُ ؛ قَالَ الشَّاعِرُ؛ إِنَّ طَرِيقَ مِثْقَبٍ لَحُوبُ أَيْ وَعْثٌ صَعْبٌ. وَقِيلَ فِي قَوْلِ أَبِي دُوَادٍ الْإِيَادِيِّ؛يَوْمًا سَتُدْرِكُهُ النَّكْرَاءُ وَالْحُوبُ أَيِ الْوَحْشَةُ ؛ وَبِهِ فَسَّرَ الْهَرَوِيُّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى طَلَاقِ أُمِّ أَيُّوبَ: " إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ لَحُوبٌ ". التَّفْسِيرُ عَنْ شَمِرٍ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: أَيْ: لَوَحْشَةٌ أَوْ إِثْمٌ. وَإِنَّمَا أَثَّمَهُ بِطَلَاقِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ مُصْلِحَةً لَهُ فِي دِينِهِ. وَالْحُوبُ: الْوَجَع . ابن منظور، لسان العرب، مادة "حوب".

[22]  الْحَاءُ وَالْوَاوُ وَالْبَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَتَشَعَّبُ إِلَى إِثْمٍ، أَوْ حَاجَةٍ أَوْ مَسْكَنَةٍ، وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ. فَالْحُوبُ وَالْحَوْبُ: الْإِثْمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2] ابن فارس، المقاييس في اللغة، مادة "حوب".

[23]  القرآن الكريم، النساء، 4: 3.

[24]  زعيتر،جمال حسين، الجسد رموز ودلالات، ص.369.

 

ميثم الجنابيفكرة الأنا الثقافية الحرة (2)

لقد كان انتقاد الأفغاني لعناصر المُدافَعة الشخصية وشرف النفس والحكومة في آراء الدهريين، هو انتقاد اجتزائها التقليدي من بنية المدنية الأوربية، بوصفه فعلا يفتقد للعقلانية والنزعة الأخلاقية والإنسانية. وذلك لأنه لا يؤدي إلى صنع الوحدة والوفاق الضروريين لعالم الإسلام المجزأ والمتخلف آنذاك. كما أن عقائد المدافعة الشخصية وشرف النفس ما هي في الواقع سوى قيم الفردية البرجوازية المعقولة في منظومة المدنية الأوربية للقرن التاسع عشر. بينما لم تعن بالنسبة لعالم الإسلام وواقعه آنذاك سوى انحلال "هيئة الاجتماع الإنساني" و"المدنية" و"نظام المعاملات" و"صلات البشر"[1].

لقد أدرك الأفغاني قيم الوجود الاجتماعي (هيئة الاجتماع) والمدني (لبس المدنية سربال الحياة) والاقتصادي الحقوقي (استقامة نظام المعاملات) والأخلاقي (صفو صلات البشر من الكدورات). وبهذا كان انتقاده لعقائد الدهريين انتقادا لقيم اللاعقلانية في القومية الأوربية والنزعة الفردية وأخلاقياتها الأنانية، أي أن انتقاده لهذه العقائد جرى من خلال تحجيمها ضمن أطرها الواقعية باعتبارها قيما أكثر مما هي عقائد. وبالتالي فإن الترويج لها هو ترويج تقليدي لا علاقة له بإدراك حقيقة وواقع الوجود التاريخي الذاتي. من هنا فكرته عما اسماه "باعتقاد الإلوهية" و"فكرة الثواب والعقاب" نموذجا مثاليا أوليا للروح الأخلاقي وليس للروح اللاهوتي في موقفه المعارض لقيم التقليد. لقد كان انتقاده هنا يجري من خلال إبراز الطابع غير العقلاني وغير الأخلاقي وغير المدني في محاولات تحويل القيم المجتزئة والمقلدة إلى مبادئ مطلقة (متسامية)، وليس رفض إمكانية دمجها في التآلف العقلاني الإصلاحي. من هنا فإن آراءه ومواقفه بهذا الصدد كانت تحتوي على محاولة إعادة دمجها في نسيج الرؤية الجديدة لوحدة الاجتماعي والمدني، باعتبارها الصيغة المناسبة لفكرة الهوية الخاصة للمدنية الإسلامية ومدنية الإسلام. ومن ثم صياغة الوحدة المعقولة بين التاريخ والثقافة وتنشيطها في الفعل الواعي لأهدافه وغاياته. لهذا رد في إحدى خاطراته على أولئك الذين وجدوا في ارتقاء اليابانيين وتطورهم دليلا على ضرورة عزل الدين عن المدنية، بأن لليابانيين ديانتهم الوثنية. وهي شأن الديانات الوثنية لا تخلو من الآداب والأخلاق. رغم أن في أصولها ما لا ينفع في أحكام الدنيا. بينما الدين في أصوله يدعو إلى السعادة. ولكن "إذا بقي عقيدة مجردة عن الأعمال فلا يحدث منه أثر ولا ينتفع المتسمون به"[2].

تعكس هذه الآراء والمواقف عن أن الأفغاني لم يتجاوز هنا أفكاره الأولية في انتقاده للدهريين، ولا ما وضعه من آراء جديدة في فهم حقيقة الدين. لكنه أضاف إليها إمكانية وضرورة وضع فكرة الأصول في الدين باعتبارها ميدانا للعمل وليس محلا للعقائد الجامدة. فقد وجد في تجرّدها عن العمل ما يعادل الإبقاء عليها بهيئة أصنام عقائدية. ولا يعني ذلك في آرائه ومواقفه سوى أسلوب التأسيس الجديد لفكرة الرجوع إلى المبادئ الأولى، أي صياغة الفكرة القائلة بوحدة التاريخ ومساعيه الدائبة صوب الأمثل. من هنا محاولته جعل وحدة الحق والحقيقة معيارا أساسيا للتدليل على الدين، عندما رد على أولئك الذين وجدوا في الإسلام سبب تأخر العالم الإسلامي. وكتب بهذا الصدد قائلا، بأن "الأديان بمجموعها هي الكلّ، وأجزاؤها هي الموسوية والعيسوية والمحمدية. فمن كان من هذه الأديان كلها على الحق فهو الدين الذي يتم له "الظهور والغلبة". لأن الظهور الموعود به، إنما هو "دين الحق". وليس دين اليهود ولا النصارى ولا الإسلام، إذا بقوا أسماء مجردة. ولكن من عمل من هؤلاء بالحق فهناك "الدين الخالص"[3]. لقد احتوت هذه الفكرة في ذاتها على جوهرية وأولوية الحق، بحيث نراه يطابقها مع حقيقة الدين. أما الدين فإنه لم يعد بالنسبة للأفغاني رديفا للأديان التقليدية. لقد أراد القول، بأن كل ما هو موجود هو حق، وكل ما هو حق هو موجود. وهي فكرة لها رصيدها الكبير وتقاليدها العريقة في الكلام الإسلامي (المعتزلي). أما الحقيقة فهي لسان الموازنة فيما بين الأديان. لكن الحقيقة هنا ليست كيانا معطى مرة واحدة وإلى الأبد بقدر ما هي الكينونة المتجلية في تنوع المبادئ المتسامية ووحدتها في العمل. أما هذه المبادئ بالنسبة له فهي التي ترتبط بمفاهيم الإصلاحية والعقلانية والإنسانية في الإسلام باعتبارها مكونات جوهرية في الوقت نفسه للأصالة الثقافية. ذلك يعني، أن هذه المفاهيم أخذت تجمع في ذاتها وحدة الأصول والمبادئ المتسامية، مما جعلها تحتوي في آن واحد على الفكرة وفاعليتها. ومن ثم فهي تعادل ما وضعه عن وحدة الحق والحقيقة في "الدين الخالص". فعندما تطرق الأفغاني إلى الإسلام في دعوته البديلة، فإنه وجد في أصوله أسس السعادة الممكنة، أي أسس الوحدة الممكنة للروح والجسد، والعقل والوجدان. وليس هذا بدوره سوى الصيغة المعبرة عن وحدة الديني والدنيوي، والدنيا والآخرة. فالإسلام مبني، بنظر الأفغاني، على أساس من الحكمة متين، وبه تجري نيل السعادة في الدارين. أما بلوغها فمحال دون "صفاء العقول من كدر الخرافات" و"الاعتماد على فكرة التوحيد" لا على إنسان أو جماد. وأن تكون نفوس الأمم مستقبلة وجهة الشرف، وإلا تكون "ناقصة في فطرتها عن الكمال"، وأن "تكون عقائد الأمة مبنية على البراهين القويمة والأدلة الصحيحة"[4]. ذلك يعني، أن الفكرة الإصلاحية كما تحتاج إلى قيم الصفاء العقلي والفكرة المتسامية للتوحيد ومساعي النفوس نحو الشرف واليقين بإمكانية الكمال وبناء هذه القيم والأفعال واليقين على أساس البرهان العقلي، فإنها تحتاج أيضا إلى من يجّسدها بالشكل الذي يجعل من عقائدها عن الحق والحقيقة سلطانا أعلى. لهذا شدد على إننا "نحتاج إلى عمل جديد، نربي به جيلا جديدا، بعلم صحيح وفهم جديد لحقيقة معنى السلطان الأول على الأجساد والأرواح"[5]. وإن هذا العمل الجديد والجيل الجديد والفهم الجديد، الذي ينبغي أن يصنع السلطة الجديدة في الروح والجسد الثقافي للأمة، هو الإسلام العقلاني. من هنا تشديده على أن ما يميز الدين الإسلامي عن غيره من الأديان، انفراده في "دفاعه عن العقل واعتباره إياه شرطا في الإيمان"[6]. ولم يضع الأفغاني هذه الفكرة بتقاليد العبارة الخطابية، بل حاول أن يؤسس لها بمعايير وتقاليد العقلانية الفلسفية والأخلاقية ونماذجها النظرية الكبرى عن "المدن الفاضلة". فقد خطط، كما يقول هو عن نفسه، لأن يبرهن على أن "المدينة الفاضلة، التي مات الحكماء على حسرة من فقدها لا تختط في العالم الإنساني إلا بالدين الإسلامي"[7].

إن محاولة الأفغاني استعادة قيم المدينة الفاضلة على أسس إسلامية، باعتبارها الضمانة الوحيدة لتحقيق فضائلها الداخلية، كانت تحتوي على محاولة تأسيس عقلاني لوحدة الحلقة الوسطى المفقودة في المواقف من الإبداع الممكن للفكرة الإنسانية الإسلامية نحو السعادة. فقد احتوت هذه الفكرة في ذاتها على غاية الأحلام المثلى، أو على نموذج التجسيد الممكن للواجب في دراما الحياة وتاريخ الأمم. ومن ثم كانت تحتوي أيضا على توسيع الأبعاد الإنسانية وتعميقها بالصيغة التي تجعلها قادرة على إعادة لحمة الكلّ الإنساني وتناسق فضائله العليا. فهي الرابطة أو الحلقة الوسطى التي كانت تتطابق في آراء الأفغاني مع فكرة الإسلام الجديد في العلم والعمل والأجيال الجديدة، أي في إعادة بناء سلطانه المادي والمعنوي بالصيغة التي تجعله قادرا على صنع وتحقيق مشروعه الثقافي الجديد. إذ أن المدنية الغربية، كما يقول الأفغاني، لا هم لها سوى الاستعباد لا المساواة[8]. أنها لا تعرف حقيقة الاندماج المتناسق، لأنها تفتقد إلى وحدة الفضائل العقلانية الأخلاقية باعتبارها قيما واجبة، على عكس إمكانية الوجوب الإسلامي. ومن هنا رده على أولئك الذين وجدوا في انتشار الإسلام ودعوته للجهاد رديفا لقوة السيف والقتال، بأن ذلك لم يكن إلا بالقدر الذي يستجيب للقوة الغضبية المندمجة في فضائل النفس العقلية وأخذها بالعدل المطلق والمثال الحسن[9]. ومن هنا كان دخول الأمم إليه هو صيرورة أجزاء متكافئة في وحدة الأمة والدولة. وذلك لأن عالم الإسلام هو عالم السلام. بل نراه يضع هذه الفكرة في صلب دعوته لمدنية الإصلاح وأصالته الثقافية. ففي برنامجه الذي أعده لمجلة (العروة الوثقى) نراه يجعل من مهمة الدفاع عن الإسلام والمسلمين إحدى المهمات الأساسية. وكان يقصد بذلك معارضة الأفكار التي تزعم بأن المسلمين لا يمكنهم بلوغ المدنية المعاصرة في حالة بقائهم على أصولهم القديمة[10].

أما محمد عبده، فقد حاول أن يؤسس لوحدة الفكرة الإصلاحية الإسلامية العقلانية من خلال إرساء منظومة التنوير الثقافية. من هنا تتبعه لفكرة الأفغاني عن الإسلام في مبادئه وغاياته، أي إزالة ما اسماه بالشوائب العالقة فيما لا علاقة جوهرية له بمبادئ الإسلام. فالتخلف والنزعة الحربية وما شابه ذلك مما ينسب إلى الإسلام ما هو إلا نتاج الاستئثار بالسلطة، والجهل بالإسلام. ولم يقصد بالجهل والجهلة هنا سوى أولئك الذين لم يشذب الإسلام ويهذب أرواحهم وعقولهم[11]. إذ ليس القتل والقتال، كما يكتب محمد عبده، من طبيعة الإسلام، بل في طبيعته العفو والمسالمة… والقتال فيه لرد اعتداء المعتدين على الحق وأهله[12].

إن هذه الصيغة العامة للدفاع عن الإسلام ضد معارضيه آنذاك، هي محاولة اكتشاف وتأسيس الإسلام الثقافي، أو الإسلام الإنساني والإصلاحي والعقلاني. ولهذا أكد على أن الإسلام خلافا للأديان كلها، والتي عادة ما تبنى عقائدها الإيمانية على المعجزات والخرافات هو دين العقل[13]. ومن هنا تأكيده الخاص على طبيعة العلاقة بين العلم والإسلام، التي أسس لها بالطريقة التي يمكن اعتبارها مبادئ عامة للإسلامية الدنيوية، أي تلك التي وجدت في العلم وضرورته إحدى الخصائص المميزة لحقيقة السلام وحضارته. ومن هنا استفاضته النسبية في كشف واقع ارتباط تطور العلم في حضارة الخلافة بقوة الإسلام، تماما كما أن ضعف الإسلام أدى إلى انهيار العلوم (الطبيعية والإنسانية). ليس ذلك فحسب، بل وأن تطور الإسلام وقوته تكشف عن انه الضمانة الكبرى لحرية الفكر والإبداع. وان العكس هو الصحيح. بمعنى أن انحطاط الإسلام والجهل به أدى إلى انحطاط قيم المعارف العلمية وحرية الإبداع والفكر. فالإسلام هو الذي وضع فكرة العقل والإدراك وتأمل الوجود في صلب تصوراته، كما يقول محمد عبده. وأن رفضه الأولي والمبدئي لفكرة المعجزة، هو الذي مهّد لاهتمامه المبكر بالعلوم، بحيث جعل بعض الخلفاء (كالمأمون) "يضطهد" من يعارض العلوم والفلسفة[14].

إن الإسلامية الدنيوية عند محمد عبده، هي إسلامية الروح الثقافي. وهي الفكرة التي لم يجد محمد عبده حرجا حتى في رفع "امتحان" المأمون واضطهاده لمعارضي الفلسفة والعلوم إلى مصاف النموذج الرفيع، دون أن يعني ذلك قبول أساليبه العملية المباشرة. إذ لم يسع محمد عبده من وراء انتقاده التنويري للتجربة التاريخية إلى رفع شأن الماضي، ولا إلى التقليل من قيمة الأنا الثقافية، بقدر ما انه أراد توحيدهما فيما يمكنه أن يكون أسلوبا جديدا لإدراك حقيقة العلاقة المفترضة بين الديني والدنيوي في الإسلام المعاصر، أي التأصيل للأصولية الثقافية. فقد احتوت هذه الأصولية الثقافية في موقفها من وحدة الديني والدنيوي، أو ما اسماه محمد عبده بالجمع بين مصالح الدنيا والآخرة، على أصل معقول من وجهة نظر الواقع والآفاق. فالحياة في الإسلام، كما يقول محمد عبده، مقدمة على الدين[15]. إذ كيف يتسنى للمسلم "أن يشكر الله حق شكره إذا لم يضع العالم بأسره تحت نظر فكره، لينفذ من مظاهره إلى سرّه، ويقف على قوانينه وشرائعه، ويستخدم كل ما يصلح لخدمته في توفير منافعه؟"[16]. ونعثر في هذا الترتيب للأولويات على استيعاب عقلاني جديد لوحدة الديني والدنيوي. ومن ثم إدراج هذا الترتيب في إطار ينبغي أن يخدم تأصيل الأصالة الثقافية للعقلانية الإسلامية، عبر تأسيس الوحدة المرنة بين الماضي والحاضر، والحقوق والأخلاق، والروح والجسد، والمعرفة والمنفعة. فهي الثنائيات غير التقليدية للفكر الإسلامي، وفي الوقت نفسه هي ثنائيات إسلامية في وحدتها النموذجية. من هنا إمكانية فاعليتها المؤصلة للأصالة بالنسبة لمشروع الإسلام الثقافي وتقاليد الاعتدال المميزة لفكر محمد عبده. وهذه بدورها ليست إلا إحدى الصيغ العقلانية، التي كانت تبحث عن طريق مناسب لتأسيس وحدة الفضائل في الوجود الاجتماعي والسياسي والأخلاقي للأمم. أما صيغتها في إصلاحية محمد عبده العقلانية، فقد جرت من خلال تنشيط روح الاعتدال المتنور بذاته، باعتباره البديل الضروري للعالم الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص، بما في ذلك من وجهة نظر تحديه التاريخي للغرب الأوربي آنذاك. لهذا شدد على أن السلطة المدركة والعاملة بأحكام الإسلام والمتمسكة بما قرره الأولون وما اكتشفه الآخرون، وبأن القرآن لآخرتهم والعلم لدنياهم، قادرون على مزاحمة الأوربيين والفوز عليهم[17].

إن هذا التأصيل غير المباشر لفصل الدين عن الدولة، أو وحدتهما الجديدة في العلاقة المرنة لأولوية العلم والحياة في الوجود الاجتماعي السياسي لعالم الإسلام، ما هو في الواقع سوى التوليف النقدي البارع للفكرة المنطقية في تاريخ الإسلام الثقافي. وليس مصادفة أن يضع محمد عبده أصل "قلب (تغيير) السلطة الدينية" في صلب أصول الإسلام. ومن خلال هذا الأصل حاول البرهنة على أن الإسلام لا يقر بأي سلطة دينية لأي كان[18]. ولا يعني عدم الإقرار بالسلطة الدينية لأي كان سوى افتراض بدائلها في أصل العقل والعمل الحر. وأسس لهذه الفكرة فيما وضعه عن أصول العقل والحاكم العقلي. وبما انه لم يضع للعقل حدودا في الحياة، ولم يقيد أي من أفعاله العلمية بالقرآن، فإن اندفاع صيغة العقل الإسلامية يعادل اندفاع صيغته الثقافية المتجددة. وهي ذات الفكرة التي استحوذت على ذهنية الإصلاحية الإسلامية ككل. وإذا كانت هذه الفكرة توحي في مظهرها الخارجي كما لو أنها استعادة لفكرة التكرار والدوران التاريخية، فإن مضمونها الفعلي قد تباين عند ممثلي الإصلاحية الإسلامية. فقد اتخذت عند الأفغاني صيغة "إسلام الحق والحقيقة"، وعند الكواكبي صيغة "إسلام القومية والعقلانية"، أما عند محمد عبده فقد اتخذت صيغة ما يمكن دعوته بإسلام الزمن الثقافي. وهو إسلام لا معنى للتكرار فيه. إذ لا تعقل حقيقته خارج ارتباطه الصميمي بتراثه الخاص، باعتبارها ألفة الأنا المعتبرة بتاريخها. فعندما ناقش محمد عبده قضية الإسلام والمدنية، فإنه أشار إلى أن "الإسلام لم يقف عثرة في سبيل المدنية أبدا. ولكنه سيهذّبها وينقّيها من أوضارها. وستكون المدنية من أقوى أنصاره"[19]. وأن "القرآن الذي كان يتبعه العالم حيثما سار شرقا وغربا لا بد وأن يعود نوره إلى الظهور ويحرق حجب هذه الضلالات"[20].

إننا نعثر في الصيغة المذكورة أعلاه على موقف يذلل تقليدية الفكرة القائلة، بأن "الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ". بل نعثر فيها على نفي عقلاني لوحدة التاريخ الثقافي في سعيه لتذليل عثراته الخاصة وملء فجواته من خلال استناده إلى وحدة وجوده الحق. وهذا بدوره ليس إلا الاستيعاب الجديد للإصلاحية في تاريخها الخاص. مما حدد بدوره قيمة الزمن الثقافي لا التاريخي. وذلك لأن محمد عبده أراد ربط مراحل التاريخ الذاتي بما في ذلك في فجواته، باعتبارها عِبَراً. ومن ثم ضغط "تاريخ الحق" في روح التفاؤل، باعتبارها المقدمة الذاتية للأصالة والأصالة باعتبارها تفاؤلا. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "الذي مضى بيننا وبين مبدأ الإسلام ألف وثلاثمائة وعشرون عاما، وإنما هي يوم أو بعض يوم فقط من أيام الله… وإن آيات الله في الكون تشهد بأن ما بقي لهذا النظام العظيم يقصر عن تقديره كل تقدير"[21]. وإذا كان محمد عبده يدرك قيمة الحقائق المتباينة بين الزمن "الآلهي" والإنساني، فإن إقراره ببقاء النظام العظيم للكون والفساد أو الصيرورة الدائمة في الوجود، يستلزم بالضرورة الهبوط إلى تاريخ الثقافة، لا إلى روحها الإنساني المجرد، أي إلى حركة التاريخ المدركة لا إلى نهايته اللاهوتية. من هنا مقارنته القائلة بأن المسيحية (والغرب الأوربي) ظلت ما يزيد على ألف سنة قبل أن يظهر فيها العلم، أو تنشأ الحرية الشخصية أو تسري فيها الحركة العلمية وإلى ما فيه صلاح الجمعية الإنسانية، في حين انه لم يمض على المسلمين من يوم استحكمت فيهم البدع إلا اقل من ثمانمائة سنة[22]. وهي إشارة تتضمن في زمنها التاريخي تلميح غير مباشر إلى مرحلة سقوط الخلافة العباسية، وفي زمنها الثقافي إلى انهيار الكيان الثقافي الإسلامي الحق.

***

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] إن هذه الفكرة النقدية العميقة التي بلوها الأفغاني قبل أكثر من قرن من الزمن لم تفقد قيمتها المنهجية والسياسية والاجتماعية لحد الآن، بل أنها تبدو أكثر حيوية وجوهرية بالنسبة للوعي النقدي الذاتي المعاصر. فالنزعة التقليدية في الوعي العربي الحديث والمعاصر ما زالت تتسم بطابع المراهقة بهذا الصدد. واكتفي هنا برديف معاصر للنقد الأفغاني القديم بنقد الاتجاه التفكيكي ومنهجه بشكل خاص. وبغض النظر عن أن التفكيكية بالنسبة لي ليست فلسفة عميقة بل أقرب ما تكون إلى أحد المناهج النقدية اللغوية وفلسفة الألسنيات، لكنها تتخذ في الذهنية العربية المستلبة هيئة الاهتمام المفرط والمغرم بولع "تفكيك" النصوص أو الثقافة العربية الإسلامية القديمة والحديثة في وقت لم يبلغ العالم العربي حالة التكامل في بنية الدولة والوطنية والقومية والأمة والثقافة. الأمر الذي يجعل من التفكيك تخريبا للعقل النقدي الفعلي والرؤية الواقعية والاحتمال المستقبلي. وهو أسلوب وذهنية يمكن أن نطلق عليهما صفة الذهنية القردية الفرحة بألعابها البهلوانبة الفارغة.

[2] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص199.

[3] المصدر السابق، ج1، ص293.

[4] المصدر السابق، ج1، ص173-176.

[5] المصدر السابق، ج2، ص456.

[6]المصدر السابق، ج1، ص177.

[7] المصدر السابق، ج1، ص178.

[8] المصدر السابق، ج2، ص439.

[9] المصدر السابق، ج2، ص439.

[10] المصدر السابق، ج2، ص524.

[11] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص31.

[12] المصدر السابق، ص82.

[13] المصدر السابق، ص72.

[14] المصدر السابق، ص97-111.

[15] المصدر السابق، ص87.

[16] المصدر السابق، ص92.

[17] المصدر السابق، ص31.

[18] وهي الفكرة التي حاول فما بعد علي عبد الرازق تدقيقها وتحقيقها الفكري السياسي في كتابه (الإسلام وأصول الحكم)

[19] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص144.

[20] المصدر السابق، ص144.

[21] المصدر السابق، ص145.

[22] المصدر السابق، ص167.

 

ان نظرة عامة في خمريات الششتري، يجد انها اشعار بسيطة وسهلة في ظاهرها، رغم وجود مصطلحات وتعابير صوفية كثيفة بدلالتها الرمزية الخاصة، مما ينم عن قدرة فائقة على مفاعلة التصوف بالابداع، فقد حاول استثمار الامكانيات التواصلية التي تتيحها اشعار الخمريات، وذلك يتبع ميراث السابقين بأعرافه وتقاليده، فإنه يتجاوزه، ويتجاوز كذلك ظاهر الشريعة، التي تحرم الخمر المادية تحريماً قاطعاً، فيلجأ الصوفي الى التأويل لايجاد أوجه التقاء بين جوهر الخمر، وما يحدث للصوفي من نشوة، وتغيب أثناء الفناء في الذات الالهية، وهكذا يكون السكر عند الصوفية مختلفاً عن السكر الناتج عن الخمر المادية في كونه يعقبه الصحو، ولا يعني الصحو هنا مفارقة حالة السكر بصورة تامة، وإنما الترقي الى حالة أرقى " لإن موضوعها نور خالص بل نور الانوار فلا عجب أن ينعكس سناها على سيماء العارفين والمحبين الالاهين"، فهي خمرة تشربت منها أرواح العارفين فلم يعرف الحزن طريقهم، لانه من أغترف من معين المحبة الالهية لايضمأ ابداً، بل إن المغترف لهذا الشراب الروحي يتجلى في باطنه" فرح ونشاط وهزة وانبساط"، لإنها "شراب الحقيقة يتجلى الله به على حقيقة بعض المخلصين الصادقين من عباده".

وإذا بدأت في تناول المز الصوفي للخمر في النص الصوفي الاندلسي، نجد أنفسنا أمام الششتري الذي صور نشوته بالحب الالهي بنشوة الخمر فأتخذ نفس لغة شعراء الخمر السابقين بما تحتوي عليه من دنان وسقاة، ولا شيء من ذلك" إنما هو جمال الذات الالهية دلع في قلبه وحواسه"، ليقول:

طاب شرابُ المدامِ في الخلوات                أسقني يا نديمُ بلآنياتْ

خمرة تركُها علينا حرامٌ                         ليس فيها إثمٌ ولا شبُهُاتْ

عُتقِّت في الدنِّانِ من قبل آدم                   أصلها طيبٌ من الطيباتْ

ومن علامات التحول العرفاني لرمز الخمر، الكلام على الاديرة المسيحية والرهبان والنواقيس، بما يذكرنا بالخمريات الحسية بالعصر الجاهلي، ويحدثنا الاستاذ عاطف نصر عن وجه الارتباط بين الطقوس المسيحية والخمريات الجاهلية، فيقول"ويرجع الارتباط الى إن نفراً من تجار الخمر كانوا من نصارى الروم، وأن نفراً من الجاليات المسيحية التي أختلطت بالعرب، كانوا يعاقرونها". اما الصوفية فقد اتجهت بهذا الارتباط متجهاً آخر، رمزت من خلاله بأهل الاديرة الى العرفاء الذين ورثوا مقاما عيسويا روحانياً، فهؤلاء الصوفية تذكروا هذه المدامة وأشرفوا بها على عالم الارواح المجردة عن الظلمات، فزج بهم في النور المحمدي الجامع لجميع مقامات الانبياء، ولا يفتأ الششتري يذكرنا بتجرد مدامته عما نعرفه من أغوار أذهاننا من صور محسة، فيقول:

ولمّا أتيت الدير أمسَيتُ سيّدا        وأصبحتُ منْ زهوي أجر به الذيلا

سَألت عن الخّمارِ أين مَحلَّهُ          وهلْ لي سبيل للوصُوُل به أمْ لا

فقال لي القسَّيسُ ماذا تُريدهُ         فقُلتُ أريدُ الخمرِ منْ عنده أملاَ

فقالَ ورأسَي والمسيحِ ومريّمِ      وديني ولو بالدَّرِ تَبذلْ بهِ بَدلا

فقلت أزيدُ التَبرَ للدر قالَ لا        ولو كانَ ذاك التُبرُ تكتاله كيلا

فقلت له أعطيك خُفي ومُصحفي   وأعطيك عُكازاً قطعتُ به السبلا

فقال شرابي ـ جلَ عما ـ وصفته   وخَمرتنا ممّا ذَكرتَ لنا أغلى

فقلت لهُ دَعْ عنك تعظيمَ وصفِها    فخمرتكم أغلى وخرقتنا أعلى

ولكنَّها راحٌ تقادم عهدِها            فما وصُفتْ بَعدٌ ولا عرفت قبلا

أقر بأنّ اللهَ لا ربَّ غَيرُهُ          وأنّ رسول الله أفضلهم رسُلا

عليه سلام الله ما لاح بارقٌ       وما دام ذكر اللهِ بينَ الورى يتلى

وهذه الخمرة مثل المحبة: قديمة أزلية ظهرت بواسطتها الاشياء وتجلت الحقائق، وأشرقت الاكوان "وهي الخمرة الازلية التي شربتها الارواح المجردة فانتشت، وأخذها السكر واستخفها الطرب قبل أن يخلق العالم"، ويؤكد ابن عربي هذا المعنى في قوله:

وأشرب سلافة خمرها  بخمارها        وأطرب على غرد هنالك ينشد

وسلافة من عهد آدم أخبرت             عن جنة المأوى حديثاً يسند

 جعل الخمر سلافة ـ فهي علوم ربانية ومعارف قدسية الهية تورث الابتهاج والفرح.

ويعلن احمد بن يحيى الالبيري عن أتجاهه التجريدي للخمر الحسية من متعلقاتها المادية، فجاءت تعبيراً جياشاً عن أفتراق الروح وهجرة النفس بوارد الجمال الالهي، فقد" سَكر سُكَّراً روحّياً حين طالعت روحه روعة الجمال الازلي المطلق"، أنه شراب بروضة الحب الالهي رحيقاً مصفى أمتزج بروحه فحنت قوى نفسه شوقاً الى عالم الحب الالهي، ليقول:

شربت بكأس الحب                    من جوهر الحب

رحيقاً بكف العقل                     من روضة الحب

وخامر ماء الروح                    فأهتزت القوى

قوى النفس شوقاً                      وأرتياحاً الى الرب

ونادى حثيثاً                           بالانين حنينها

الهي الهي                              من لعبدك بالقرب

أما ابن جنان فقد قدم نفسه وكينونته هدية للمحبوبة االتي أسكرت وعيه وتربعت على عروش احاسيسه فتألقت في اشعاره، وتوهجت في تراتيله سحراً وغيبوبة وانتشاء، فقد معها الشاعر تواصله بعالم الآدميين، فنظم في عرفهم ما يحتاج شرحاً وترجمة وتأويلاً، يقول:

له الكلّ مني بل هو الكلّ وحده       فمن أنا؟ لا أدري، حَسري ولا أدري

فنيت به لمّا سّكرِت بحّبه          فمحويّ إثباتي، وصحّويّ في سكري

سقاني بأكواس المحبةِ صرفها         فيا حّبذا المحبة من خمري

فيا من سقاني من مدامة لطفه         أدرها على حالات سري والجهر

اما لسان الدين بن الخطيب فلسانه يجول في الروحاني، فيستخرج ما بداخله من حالات وجدانية، ويعادل بينها وبين صور الخمر الحقيقية، إنه نزع عنها الثوب الحسي الذي ترفل فيه في فضاء الصورة الذهنية، وحرمها التحقق، وجعلها تنأى بجوهرها عن دلالة الوضع، فهذه الخمرة تتجاوز المعطى المادي، فهي إشراق أنوار التجليات الالهية على قلوب الذاكرين، يقول:

فأشرب على ذكر الحبيبِ وسقّني     صهباءَ تشرقُ في الظلام الداجي

من خمرة السرِّ المقدسة التي         كِلفت بطاساتها يدُ الحلاّج

وأرت له الاشياءُ شيئاً واحداً       فغدا يخاطبُ نفسه ويُناجي

إذ يصرح العرفاء إنه كلما أتسعت معاني العرفان كلما ضاقت اللغة العادية عن أستيعاب مضامينهم، وبذلك يصبح غي الشاعر، تهتكه، وتمزيقه أثواب الوقار أشياء محببة ومبجلة، وهذا ما نجده في قول الششتري:

زارني من أُحب قبلَ الصباح        فحلالي تهتُكي وافتضاحي

وسقاني وقال نم وتسلَّى             ما على من أحبَّنا من جُناحِ

فأدر كأس من أُحِبُّ وأهوى        فهوى من أُحبُّ عَين صَلاحِ

لو سَقَاها لميتٍ عادَ حيَّا             فهي راحي وراحة الارواحِ

لاتلمني فَلست أصغي لِعذلٍ          لا ولو قُطّع الحشا بالصياحِ

لقد نقل الششتري هذا " التراث الخمري بأكسير العرفانية الى رموز شعرية، لوّح بها الى معاني الحب والغيبة عن النفس بقوة الواردات، والوجد الصوفي العارم واليكر الالهي المعنوي بمشاهدة الجمال المطلق ومنازلة الاحوال والتجارب الذاتية العالية"، ليقول:

شربنا كأسَ من نهوى جهاراً                فهمنا عندَ رؤيته حيارى

وشاهدنا بها السَّاقي تجلىَّ                   فصرنا من تجليهِّ سكارى

طلبنا الأمن من ساقي الحُميَّا                فنادى لاحجابَ ولا ستارا

رأينا الكأس في الحانات تجلى              ظننا أنّ في الكاساتِ نارا

 

الاستاذ المساعد: ليلى مناتي محمود

كلية اللغات / جامعة بغداد

 

جدلية - الوصية والميراث – هذه الجدلية المصطنعة التي نشأت وكبرت بفعل فاعل أراد لها أصحابها أن تكون كذلك، هي جدلية سلبية قامت على أساس مقولة مكذوبة جاء فيها أن: - لا وصية لوارث -، مقدمة في ذلك خطاباً فقهياً وشرعياً مضطرباً ومخروماً، إن منتجي هذه المقولة أستغلوا بساطة وعاطفة العقل الإسلامي وتصديقه وميله للتسليم بكل ما يُنسب إلى النبي من أقوال، ولا يغرب عن البال إن مقولة: (لا وصية لوارث) إنما وردت بصيغة خبر نبوي كانت في أصلها عبارة عن دعاية إعلامية وتجييش سياسي مضاد، جاء لا حقاً في خصوص التخاصم في قضية الأحقية في الخلافة، فالقائلين بها إنما سربوها ونشروها من أجل تدعيم وتعضيد نظريتهم بعدم صحة الوصية لفاطمة من أبيها بأرض فدك الشهيرة - .

جاءوا بها محفوفة بطابع إجتماعي ولكنها تُخفي هدفاً و إتجاها سياسياً في رفض تولي علي بن أبي طالب الخلافة بعد رسول الله، هذا أن قرأنها بصورة موضوعية بعيدة عن التكلف والإيحاء الفقهي الركيك، ودالتنا على ذلك طبيعتها وكيفيتها .

نعم إن واضعوها لم يلتفتوا إلى إنها في الحقيقة تعارض نصوصاً صريحة في الكتاب المجيد جاءت لتؤكد على صحة - الوصية للوارث -، ومن بين هذه النصوص قوله تعالى: - [كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت، إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين] – البقرة 180، وقوله تعالى: - [يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ...] - النساء 11 .

ولفظ - كتب - في لغة النص 180 تدل على الوجوب والإلزام، وقد ورد اللفظ بصيغة الفعل وبعبائر مختلفة و متنوعة منها قوله تعالى: [كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ..] البقرة 183، وقوله تعالى: - [كتب (ربكم) على نفسه الرحمة ..] - الأنعام 54، 12، واللفظ في صيغة الفعل (الأمر) وسواء قد أستخدم في باب الفرائض أم في أبواب أخرى فدلالته على الوجوب، وفي النص 180 من سورة البقرة ورد التأكيد على أن من يشعر بالموت أو حتى من قبل ذلك، [- إن ترك خيراً الوصية -]، ومفاد التأكيد في الفعل ورد بصيغة - إن ترك خيراً الوصية - وفعل - ترك - من أفعال الأضداد الذي يحتمل الأمر فيه السلب والإيجاب بحسب الوضع والطبع، وهكذا في مسألتنا هذه فهو يريد الإيجاب بدليل وجود صيغة المفعول - خيرا -، وكذا في الإشارة للمحل الواجب الذي ورد فيه الأمر بالوجوب وهو - (الوالدين والأقربين) -، والوالدين بحدود ما نفهم إنهما من أهل الميراث ومع ذلك تصح الوصية لهم، والقول بالوجوب بحسب المعنى المضمر لكي لا يُضام أحد من هؤلاء محل الوصية .

 والوصية: - هي عهد مكتوب أو تعهد مكتوب غايته الحفاظ على حقوق البعض خوفاً من البعض الأخر - وإضافة لفظ المكتوب إلى العهد من باب الإحتياط والإحتراز، والتعليل بالخوف مشعر بوجود تجاوز أو تجني يحصل بفعل توزيع الأنصبة لدى البعض، فجاء الفعل بمثابة الحماية من الوقوع بالخطأ، وأما الأصل الدلالي لفعل - وصى الثلاثي - فقد جاء مقروناً بحق التصرف في كل ما يمكن أن تصح معه (الوصية)، قال تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ..) - البقرة 132، قال أبن منظور أوصى الرجل إلى أحد ووصاه أي عهد إليه .

 ولم يفرق الكتاب المجيد في أصل الوصية بين قريب وبعيد ولا بين وراث وغيره، والوصية في الكتاب مؤلفة من جزئين (مادي ومعنوي)، ولا يصح فيها التنفيذ من غير القدرة والإستطاعة، شأنها في ذلك شأن باقي الفرائض، وشرط الحرية لازم في الموصي والموصى له ومع عدم التقييد نلتزم بالإطلاق .

 ولا تناقض بين الوصية واحكامها والميراث وشروطه، فقوله تعالى: - ووريث سليمان داوود - النمل 16، لا يناقض قوله تعالى: - ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب .. - البقرة 132، فسليمان الأبن هو الوارث لأبيه داوود وهو الوصي، ولا مانع من أن يوصي داوود لأبنه سليمان في ذلك في الشؤون المادية والمعنوية، فوصية يعقوب لبنيه جارية هنا أيضاً في مقام سليمان وداوود - أنظر 132 من سورة البقرة -، مع العلم إن داوود لا يورث سليمان العلم والنبوة، ولكن يورث له المال والمتاع وأشياء أخرى، بإعتبار إن العلم كسب والنبوة إصطفاء وهما لا يورثان، وأوصاه بالصلاة والزكاة وغيرهما من شمائل الأخلاق، وحدث هذا مع علي بن أبي طالب وصي رسول الله محمد بن عبدالله ووارثه، فقد أوصاه بتأدية الأمانات ورد الحقوق إلى أهلها، قال أبن منظور في اللسان: - (وقيل لعلي عليه السلام وصِيٌّ لاتصال نَسَبِه وسَبَبه وسَمْته بنسب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسَبَبه وسَمْته قلت كرَّم الله وجه أَمير المؤمنين عليّ وسلَّم عليه هذه صفاته عند السلف الصالح رضي الله عنهم) -، ولا يتعلق أمر الوصية هذا بموضوعة الخلافة و الحكم، فتلك قضية يبت بها عامة الناس حين يختارون وحين ينتخبون، ومع إن بعض القوم قد أحتجوا بحقهم في الخلافة كونهم من قريش أو بتعبير تاريخي - نحن الشجرة -، فرد عليهم علياً عليه السلام بنفس المنطق قائلاً - ونحن ثمرة هذه الشجرة -، ومع إن محتوى ومضمون هذه المحاججة لا تصح في قضية الحكم والخلافة، لأن المتعلق هنا هم الناس وليس القرابة أو النسب أو حتى الوصية، فالأصل في الحكم في الإسلام هو رأي الناس وما يعتمدون ويقررون فيه .

نعم ولا يمنع أن يأتي لفظ الوصية مقروناً بسياق خاص يدل عليه وعلى المُراد منه والمتعين (في باب المعنويات والقيم)، فحينما يقول الله تعالى: - [ووصينا الإنسان بوالديه حسنا..] - العنكبوت 8، في سياق ما هو غيره حينما يقول: - [شرع لكم من الدين ما وصَى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى، أن أقيموا الدين ولاتتفرقوا فيه ..] - الشورى 13، فالوصية بإقامة الدين كانت هدفاً مقصوداً بذاته لذاته، وقيام الدين هنا صيغة دالة على (تحرير الدين) من كل السلطات التي تحد من نشاطه وتقدمه، أي تحرير الخطاب من وضعه السكوني ليكون أكثر حيوية وحركية، وهذا بالضبط ماكان يريده الله وجميع أنبياءه ورسله، وهذا المعنى متعين في الحياة وليس لما بعد الموت .

 والوصية: - يجب أن يتشارك في تنفيذها وإجرائها كل قادر ومستطيع على الوفاء بها والقيام -، وتجب على جميع الأطراف من جهة التنفيذ، وعلى هذا المبدأ وصى إبراهيم بنيه ويعقوب، ولم يقل أحد: إن من لوازم صحة الوصية المعنوية أن تكون لما بعد الموت، ولم يدل الدليل من الكتاب على ذلك كذلك، ففعل الخيرات وإقام الفرائض شرطه (أن يكون الموصي والموصى له على قيد الحياة) .

 ولا يذهبن بكم الخيال إلى تحريف متعمد لمعنى قوله تعالى: (ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آباءك ابراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون) البقرة 133، عن ظاهره وخطابه الوارد في صيغة الإستطراد، وفي صيغة الموافقة والتأكيد على مواصلة النهج والمتابعة، وهذه الصيغة جارية في الكتاب كما هي جارية في لسان العرب، حين يُراد التأكيد على المؤكد بالفعل وبالقوة (في المعنى الكلامي)، وتدخل في هذا الباب كل دعوات الخير والصلاح والتقوى، يدل على ذلك قوله تعالى: (ولقد وصّينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ...) النساء 131، وفعل - أتقوا - من الوقاية والتي منها التقوى بمعنى الحماية والحرص والإحتياط بل وتأمين اللوازم والمعدات الواقية، و الفعل في أصله يتكون من المفاهيم القيمية والأخلاقية، التي تعم وتشمل في إرادتها جميع معتنقي الرسالات من - يهود ونصارى وصابئة ومجوس ومؤمنيين - .

نعم وتصح الوصية من الله للعبد في هذا الجانب، أعني مسألة الصلاة والزكاة وغيرهما من الفرائض، كما في قوله تعالى بلسان عيسى النبي: (.. وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً ..) مريم 31 .

 كذلك قد شمل الكتاب المجيد موضوعة الصراط المستقيم (أو الوصايا العشر) من موضوعات الوصية، كما في قوله تعالى: - [قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم:

1 - ألاَّ تشركوا به شيئا .

 2 - وبالوالدين إحسانا .

3 - ولا تقتلوا أولادكم من إملاق .

4 - ولا تقربوا الفواحش ماظهر منها وما بطن.

5 - ولا تقتلوا النفس التي حرم الله (ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) .

6 - ولا تقربوا مال اليتيم .

7 - وأوفوا الكيل والميزان بالقسط.

8 - وإذا قلتم فأعدلوا .

9 - وبعهد الله أوفوا (ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون) .

10 - وأن هذا صراطي مستقيماً فأتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، (ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) - الأنعام 151، 152، 153 .

 فالصراط المستقيم لفظة يكررها لسان المؤمنيين في الصلاة وغيرها كل يوم مرات في صيغة: (أهدنا الصراط المستقيم)، والتي هي نفسها - الوصايا العشرة - التي ذكرت في سورة الأنعام وفي الكتب المقدسة الأخرى، وبما إن أجزائها متعلقة بحياتنا لذلك فعلاقتنا بها علاقة دنيوية وليست أخروية، فالصراط المستقيم: - هو ليس ذلك الشيء المتخيل في ذهن وألسن الناس -، ولا هو الشيء المحكي عنه في الأخرة، والذي صنعته مُخيلة رواة جهلة وصانعي أخبار وقصص متهالكة، بل هو هذه الأشياء العشرة التي أوصانا بها الله لنعيشها في الدنيا ونتحرك معها ونلتزم بها، فهي السبيل الذي أختطه أو أنتخبه الله للناس في حياتهم، هذا من جهة .

 ومن الجهة المقابلة: هناك الوصية المادية الأكثر تداولاً وأهمية لدى عامة الناس، لما لها من إرتباط بقضاياهم المادية وعلاقاتهم العامة، ولكي لا يقع الناس في الخلط المتعمد ومن أجل حل التشابك في هذه الثنائية، عمد الكتاب المجيد إلى ترتيب الأولويات بحسب مجموعة صيغ أبتدئها في:

 1 - قوله تعالى: - [يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كن نساء فوق أثنتين فلهن ثلثا ماترك، وإن كانت واحدة فلها النصف ..] - النساء 11، إذن فالأمر الأول في هذا النص جاء في صيغة - يوصيكم الله -، وجملة (يوصيكم الله في أولادكم) جملة خبرية تدل على البيان والشرح والتعليل كذلك، أي في الكيفية التي يجب معها تقسيم الميراث على الأولاد، بحسب النسق والمقام التالي:

 النسق الأول: أن يكون ذكراً واحداً في مقابل أنثيين .

النسق الثاني: أن تكون نساء فوق أثنتين .

النسق الثالث: أن تكون أنثى واحدة .

 ففي الحصة الأولى: - إن كان ذكراً واحداً في وجود أنثيين -، قال (للذكر مثل حظ الأنثيين)، ولكن ماذا يعني هذا ؟، قال: يعني أن تكون القسمة بينهما متساوية بين هؤلاء الثلاثة، هذه هي القاعدة الأولى والتي على أساسها أقام الله مبدأ توزيع الثروة بالعدل، (ثم إن الله لم يقل - مثل حظي - بل قال مثل حظ -) والفرق بينهما لغة ودلالة معلوم لا يخفى على أهله، فيكون المُراد بحسب هذا النص: - إن ما للذكر الواحد من ميراث يساوي نصيب وحق كل واحدة من الأنثيين -، (أي أن يكون الميراث مقسوما على ثلاثه وليس على أثنيين)، بحيث يكون لكل واحد منهما الثلث من أصل التركة، أعني: - إن الرجل المتوفي لو ترك ذرية من ثلاث أبناء ذكر وأنثيين، فيكون لكل واحد من هؤلاء الثلاثة الثلث، أي للذكر ثلث وللبنت الأولى ثلث وللبنت الثانية الثلث الأخر -، بمعنى إن الله قد جعل حصة كل واحد من هؤلاء الثلاثة مساوية لحصة الآخر، فللذكر ثلث ما ترك وللأنثيين الثلثان كل واحدة منهما الثلث، وبذلك يكون لكل واحد منهم الثلث، ولهذا عبر النص عن ذلك بقوله: إن حظ الذكر مثل حظ الأنثيين سواء بسواء - .

 وليس كما يقول فقهاء التراث: - الذين قدموا للذكر مثل حظي الأنثيين، بحيث جعلوا من المطلوب عكس مُراد الله وقوله -، وهم في ذلك قد أنطلقوا من تفسير تاريخي وقبلي ذكوري، قد حرم المرأة حقها الطبيعي المنصوص عليه من قبل السماء، فالمرأة وبحسب النص المتقدم تعتبر - هي القاعدة - التي على أساسها يجري القياس ويتم التوزيع، أي إنها في الكتاب المجيد وفي أم الكتاب هي الثابت والذكر هو المتغير .

 وهذا المعنى أيضاً نشاهده في الحصة الثانية من النص، حين جعل الله حصة الأناث إن كن فوق أثنتيين، قال فلهن (الثلثين دائماً)، والكلام هنا في أصل التركة وفي شرط صحة الوصية، وهذا من دون النظر لعدد الذكور فالمهم هو قياس وتحديد حصة الأناث، وما يتبقى فللذكور سواء أكانوا واحداً أم أكثر، فهم شركاء في الثلث الباقي من أصل التركة .

 وهذا ما نجده جلياً في الحصة الثالثة حيث جعل الله للمرأة نصف التركة إن كانت واحدة، والباقي يوزع حسب مراتب العصب من الأبناء والأباء وغيرهم، المهم في بحثنا التركيز على ما تبناه الله في الكتاب المجيد، وليس كما يدعيه فقهاء التراث في تقسيم التركة لتوافق رغبة الذكر ..

2 - في قوله تعالى: - [والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج] - البقرة 240، لفظ - أزواجاً - ورد بصيغة المُنكر والدال على الذكر و الأنثى معاً، وصيغة - أزواجا - تدل على الإقتران المنبثق عن الميثاق الغليظ، واللفظ عام ولا قرينة فيه ولا قيد يخرجه عن وضعه هذا، وكذا لفظ - وصية - كذلك وسواء أقرأناها بالنصب أم بالرفع، فدلالتها و مُرادها على الأثنيين واحد - الزوج والزوجة -، ذلك إن لفظ - أزواجا - المُنكرة دالة كما قلنا على العلاقة المشروعة بين الذكر والأنثى والتي تقع وفقاً لميثاق غليظ، ويخرج من هذا الوصف كل ما يقع خارجاً كالنكاح الذي يتم بصيغ - المتعة أو بملك اليمين -، لذلك قال: يجب على الزوج الذكر و على الزوجة الأنثى الوصية لبعضهم البعض، مقرونة بهذا القيد (إلى الحول) وهو قيد إحتراز مهمته المراقبة والفحص لما بعد الوفاة، نعم تتجدد الوصية ويتجدد المتاع (كل حول)، طالما لم يخرج الأزواج من دائرة وظل ميثاق الزوجية لأي سبب كان .

 3 - قوله تعالى: - [كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربون] - البقرة 180، ويواصل الكتاب المجيد عرضه فيما يخص حماية الوالدين والأقربون من خلال تضمين تلك الحماية عبر الوصية لهم، وقد مر معنا: إن دلالة لفظ - كتب - تكون على الوجوب، شأنها في ذلك شأن باقي الصيغ التي وردت في أنساق مشابهة أخرى، وأما دلالة الوصف و المعنى في ذلك يكون: (إن من يحضره الموت فعليه واجبا الوصية)، وبما إن الموت في الغالب العام يأتي خلسةً، لذلك تجب الوصية في حال القدرة والتمكن قبل الفوات، وأما التنصيص على حضور الموت فبداع التذكير وعدم التفريط بالحق لمن هم أهله، وقد مر بيان ذلك فلا نزيد، والأقربون: - هم هؤلاء اسرتك وأهلك وارحامك وجيرانك -، وهؤلاء هم أولى بالمساعدة والعون في كل حال، ويتأكد ذلك أيام الازمات والحروب والمحن، والنظر في حال الموصى لهم لازم كما هو لازم معرفة إحتياجاتهم، فرفع العوز والفقر تتأكد شدة وقوة مع الأقربين بدليل ما ورد في الأثر عنه عليه السلام قوله: (الأقربون أولى بالمعروف) .

ونضيف فنقول: لا يجب التفريق في أصل الوصية بين كونها مادية أو معنوية مادمها تكون لحماية الموصى لهم، ويتوقف الأمر فيها سعة وقوة بحسب دورة المصالح والضرورات، وإلى ذلك نسترعي الإنتباه لماورد في سورة العصر عن الأهمية والتوكيد كما في قوله تعالى: - [والعصر إن الانسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر] - .

.

آية الله الشيخ إياد الركابي

4 رجب 1440 هجرية

 

 

 

ميثم الجنابيالأبعاد العملية والعقلانية في الفكرة الإصلاحية

إن تذليل إمكانية جعل الأفكار النقدية عقائد كان يتضمن النفي العقلاني الجديد لأرث "الدورة المئوية" وتقاليد الرجوع السلفي المتيقن إلى عقائد الماضي ونسخها المتجدد! فقد أنهكت هذه النزعة التقليدية عناصر الواقعية والعقلانية، وذلك لأنها أبقت عليها بوصفها عناصر وأجزاء منحلّة في قدسية العقائد. وبهذا المعنى كانت مواقف الإصلاحية الإسلامية وآراؤها تسير في اتجاه النفي الواقعي والعقلاني للتقليدية السلفية. وبالتالي تمثلها الواعي لعبرة التجربة التاريخية النظرية والعملية. فقد كان إدراكها المباشر انتقادا "مبرمجا" للتقليد. فإذا كانت النزعة التقليدية السابقة أسيرة الرجوع الدائم إلى الفكرة اللاهوتية وثباتها المؤسساتي والقييمي في مفاهيم "الجماعة" و"الفرقة الناجية" ومطابقتها مع "الأنا المجتهدة"، فإن الإصلاحية الإسلامية أخذت تكسر هذا التقليد من خلال تأسيسها لعقلانية الفكرة القائلة، بأن الأنا المجتهدة، بما في ذلك في جهادها، لا تلتزم بعقيدة ما غير عقيدة انتمائها للكلّ الإسلامي. أما هذا الأخير، فانه لم يعد كيانا ثابتا أو عقائد لا تقبل الجدل، بل الكينونة المتجددة للحقائق، والتي يجري اكتشافها في الأعمال النظرية العقلية والعملية السياسية (والأخلاقية). ومن هنا توسيعها لمدى النقد الذاتي. إذ حالما يبلغ الوعي الاجتماعي هذه الحالة، فانه يكون قد بدأ بإدرك ذاته الأولية. ومن ثم الأخذ بوضع العناصر التأسيسية للفكر النقدي في تناوله للظواهر الاجتماعية بمختلف أشكالها ومستوياتها، بما في ذلك وضع أنماط الفكر الكبرى أمام "محاكمة" عقلية وأخلاقية، باعتبارها المقدمة الضرورة لتحرير النفس من إسار التقليد.

وقد حدد ذلك الطابع الجوهري لمعارضة التقليد في الإصلاحية الإسلامية. وهي صفة تميز وتلازم على الدوام كل حركة إصلاحية كبرى. لكن خصوصية هذه الصفة هنا تقوم في كونها جرت تحت ثقل الإدراك النقدي والايجابي لأولويات الواقع التاريخي وقضاياه الاجتماعية والسياسية والأخلاقية الكبرى. وقد أدى ذلك أيضا إلى تجاهل أو هجر الطابع اللاهوتي للقضايا التقليدية وتقليدية القضايا اللاهوتية عن التوحيد وأصوله، والإسلام والإيمان، والكفر والشرك، والأمة والفرقة الناجية، عبر نفيها بمعايير الاستيعاب العقلاني والإصلاحي لمعضلات الفكر الواقعية. ونعثر على ذلك في ظاهرة ازدياد وتعمق قضايا الوجود الاجتماعي والفكري وموضوعاته مثل ماهية الدين وأهميته للمجتمع، والحوافز المدنية والحضارية في الإسلام، وأسباب الانحطاط الحضاري في العالم الإسلامي، وقضايا الإصلاح الديني وأساليب النهضة الممكنة، وموضوعات الأصالة الثقافية والتحرر السياسي، وقضايا الوحدة الإسلامية والاستقلال، وقضية الإسلام والقومية، وموضوعات وعي الذات الإسلامي والعربي، وقضايا السلطة والدولة، والحق والقانون، والدستور، والدين والدنيا، والإسلام والعلم وغيرها من القضايا.

كل ذلك يكشف عن ظاهرة اضمحلال قضايا الماضي وظهور القضايا الواقعية المعقولة. مما حدد بالضرورة بروز الروح النقدي للإصلاحية الإسلامية واشتراك شخصياتها الكبرى في معارضة التقليد في البداية والدعوة للاجتهاد الحر في النهاية. فعندما هاجم الأفغاني الدهرية (الهندية) فإنه حاول أن يكشف أولا وقبل كل شيء عن طابعها التقليدي المدمر. فهو لم يناقش من حيث الجوهر القضايا الفلسفية عن الله والعالم، والخالق والمخلوق وغيرها، بل في ما إذا كان بإمكان الدهرية الهندية أن تبدع شيئا ما نافعا. ولا يعني ذلك خلو جدله الفكري معهم عن تناوله مشكلات الفلسفة وأسئلتها الكبرى ونتائجها العملية في قضايا الأخلاق والدين. فقد كانت هذه القضايا في صلب تفكيره العملي. إلا أنها عكست مراحل تطوره الفكري الأول، أو ما اسماه بتثقيف عقله النظري في الهند. ولهذا غابت قضايا الإلهيات في كتاباته وخاطراته. بينما تعمق وجودها وانتشارها في قضايا الأخلاق وأولوية السياسة ومشاكلها. كل ذلك يكشف عن أن تجربة الجدل العقلي الأولي مع الدهرية هي تجربة الفكر العملي في بحثه عن مواطن الأصالة. فقد وجد الأفغاني في الدهريين الهنود ناسا "لا نصيب لهم من العلم، بل ولا من الإنسانية. فهم بعيدون عن مواقع الخطاب، ساقطون عن منزلة اللوم والاعتراض. نعم لو أريد إنشاء مسرح لتمثل فيه أحوال الأمم المتمدنة، مّست الحاجة إلى هؤلاء لإقامة هذه الألاعيب"[1].

حددت هذه النزعة المعارضة للتقليد مهمات تحرير النفس. وبالتالي شحذ مواقفها النقدية وإعلان ضرورة الاجتهاد، باعتباره حقا دائما. لهذا لم يناقش الأفغاني قضية الاجتهاد، وحدّه وحقيقته، بل وضعها في موضعها المناسب وبصيغتها المناسبة وفي إطارها المناسب باعتباره سؤالا يحتوى في ذاته على إجابته. من هنا قوله:ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟ وأي نص سد باب الاجتهاد؟[2]. فقد نظر الأفغاني إلى هذه المشكلة من الناحية الفكرية باعتبارها مظهرا للعبث واللامعنى. لهذا أهملها ولكن من خلال تجذيرها في المواقف النقدية. من هنا إعارته الاهتمام للقضايا والجوانب المتعلقة بنقد "الذهنية الشرقية" من حيث كونها ظاهرة واقعية وتقليدية أيضا. إذ وجد في اندفاع الانجليز وسيطرتهم على بلدان الشرق، على سبيل المثال، نتاجا لمعرفتهم بخصوصية "الذهنية الشرقية" السائدة آنذاك، التي أعطت لكل ما هو جديد وغريب صفة المعجزة واسم الكرامة[3]. لكنه في الوقت نفسه لم يجد في هذه الذهنية شيئا ما ثابتا أو غريزيا، بقدر ما اعتبرها انعكاسا لسيطرة الأوهام والوهم. لهذا شبّه حال الشرقيين مع الانجليز كمثل شخص مار في مفازة يرى بها جثة أسد مطروحة على طريقه بينما يتوهمه سبعا ضاريا مفترسا قويا[4]. ووضع الأفغاني هذه المقارنة في مقدمة نقده الشديد لمختلف جوانب "الحياة الشرقية" ابتداء من تقاليدها ونظامها السياسي وتقاليد الاستبداد فيها وانتهاء بخلجات روحها الأخلاقي. فقد وجد في الكيان الشرقي جسدا مريضا وروحا خائرة، بحيث جعله ذلك يستصعب أحيانا إمكانية العلاج، بسبب ما اسماه بسقوط الهمم، وخور العزائم، وتفرق الكلمة، والاستسلام للخمول، وابتعاد النفوس عن مرامي العزة النفسية، وحرمانهم من لذة ما تنبسط به الروح عند نوال المنعة القومية والحرية الحقيقية[5]. الأمر الذي جعله أحيانا يعتقد بأنه لا مخرج لهم من هذا الضيق "إلا باشتداد الأزمة وقوة الضغط حتى يفقدوا بقية ما ترك لهم من شبه الراحة التي خلدوا إليها"[6]. بعبارة أخرى، انه أراد أن يصلوا إلى إدراك حقيقة الفقدان الكامل، وانه لا "راحة بعد اليوم"، من اجل عبور حاجز "الموت" إلى "الحياة". ولم تكن هذه الرؤية الوجدانية الدفينة سوى الصيغة المعذبة لفكرة البطولة التي تجد في ذروة صراعها المأساوي بريق الأمل الآتي، أو في موتها عناصر الإثارة الحية للأجيال.  

غير أن الأفغاني لم يترك هذه النزعة والرؤية النقدية سائبة في ميدان العاطفة المتحمسة، بل أدرجها في المسار الواقعي لعناصر اليقين الإصلاحي. ومن هنا هجومه على "رجال المنابر"، أو أولئك الذين لا يتقنون حتى الخطابة والكلام، أولئك الذين لا تتعدى معرفتهم ترديد العبارات المحفوظة عن ظهر قلب مثل: "أن الورد اللطيف فتح من عرقه الشريف"[7]. أما أمراء الشرق فأنهم بنظر الأفغاني ليسوا أكثر من قطط منفوخة لا تبالي بشيء غير "طنطنة الألفاظ وفخامة الألقاب"[8]. لكنه شأن مفكري الإصلاحية الإسلامية، وجه جلّ اهتمامه للبحث عن الأسباب الواقعية. ومن هنا تركيزه على الجوانب الأخلاقية والنفسية ونقد الذات باعتبارها المقدمة الضرورية لتنشيط الفعل الاجتماعي والسياسي وتنشيط الروح الفاترة. فعندما يقارن اختلاف العرب عن الأتراك، فإنه يركز على فكرة الإرث والأثر التاريخي والثقافي. فالعرب تركوا ما هو شاهد على عظم إبداعهم، بينما لم يترك الأتراك أثرا ملموسا رغم قرون السيطرة الطويلة والقوة الكبيرة. وهذا بدوره ليس إلا نتاج التباين الجوهري في رؤيتهم لقيمة وأولوية الإبداع، كما يقول الأفغاني. بمعنى صيرورة الخلافة الإسلامية العربية في ميدان الروح والثقافة، بينما تركت الخلافة التركية في ميدان الجيش والحرب. وفي الوقت نفسه يبحث في هذه الحالة والمفارقة عن عناصر إضافية لتوسيع وتشديد النقد العقلي للعرب أكثر من غيرهم، استنادا إلى أن ترك الآثار دون الحفاظ عليها نقيصة. من هنا استشهاده بمواقف الفرنسيين من هزائمهم أمام الألمان عام 1870. لقد أراد الأفغاني هنا إظهار قيمة النقد الذاتي العقلاني باعتباره مقدمة للعمل. ففي معرض تناوله قوة الانجليز وسيطرتهم الواسعة، حاول أن يكشف عن أن هذه السيطرة لا أساس لها متين غير سيطرة الوهم والخوف والجبن في أذهان وأنفس الشعوب المستعبدة. بحيث جعله ذلك يشير إلى وجود من يهاب دولة الانجليز في الدول العربية اعتبارا لما في سلطتها من الممالك الواسعة[9]. ووجد في هذا الوقع النتيجة التي لازمت وجود الانجليز في "القبة الوهمية" التي أحاطت بها الآخرين. ولا يعني ذلك من الناحية التاريخية والواقعية سوى كون السيطرة الأجنبية لا تحدث إلا حالما يحدث الانهيار الداخلي. وأن هذا الانهيار هو مفتاح دخول الغازي. فالانجليز دخلوا مصر، كما يقول الأفغاني، بمعونة المصريين أنفسهم، لأن مصر كانت مجزأة في حركة إعرابي، وقسم يحنّ إلى الماضي وقسم يخاف. بينما لا عزيمة مع الريب[10]. لهذا وضع مهمة محاربة الجبن إلى جانب تهديم أسس الوهم الاجتماعي والسياسي. فالجبن بنظره هو مرض من أمراض الروح، يذهب بالقوة الحافظة للوجود، والتي "جعلها الله ركنا من أركان الحياة الطبيعية"، كما يقول الأفغاني. إذ نراه يجد فيها ما اسماه بجرثومة كل فساد فردي واجتماعي والسياسي[11]. بمعنى وضعه الجبن في سلسلة الوجود الاجتماعي السياسي. ومن هنا بديله القائل، بضرورة "أن يكون أبناء الملة الإسلامية بمقتضي أصول دينهم أبعد الناس من صفة الجبن"[12]. ومن الصعب بلوغ ذلك دون الانتباه إلى ما في النفس من قوة، وما في الوهم من ضعف. لهذا لم يجد في الانجليز بالنسبة للأمم آنذاك سوى دودة وحيدة، على ضعفها تفسد الصحة وتدمر البنية. وحالما يزول هذا الوهم السائد عند الشرقيين عن الانجليز (أي رؤيتهم حقيقة القوة في ذاتهم وضعفها في مستعبديهم) آنذاك يمكن لحركاتهم أن تؤدي إلى استقلالهم بأمورهم وانقطاع سلسلة الانتقال من عبودية إلى أخرى[13]. بصيغة أخرى، إن الأفغاني حاول أن يربط مكونات النزعة النقدية في وحدة معقولة، أي التأسيس لعقلانية النزعة النقدية من خلال دمجها في مشروع البدائل المعقولة (المستقبلية).

فالأفغاني، شأن رجال الإصلاحية الكبار، لم يؤسس لمشروع وشرعية البدائل المعقولة في تقاليد العقلانية "الخالصة" أو تقاليد الكلام العقلية، التي حاولت أن تبني مقدمات هياكلها الفكرية والعملية على مقولات حدّ العقل وحقيقته. لقد اكتفي هنا، شأن موقفه من الاجتهاد، بالإشارة المتكررة إلى أهمية وقيمة الحجج والبينات العقلية ودمجها في أسلوب تحليله للظواهر وموقفه منها. فقد رفع قيم العقل ودافع عنه بالصيغة التي حوّله إلى عنصر جوهري في الديانة الإسلامية. من هنا توكيده على أن أول الأمور التي تنال بها السعادة هو صفاء العقول. وانه لا يمكن بلوغ الكمال حسب دين الإسلام إلا على "قاعدة الكمال العقلي والنفسي لا غير"[14]. ومن هنا ربطه نيل السعادة بسيادة العقل. ولكن إذا كانت هذه الفكرة تقترب في الكثير من جذورها المعرفية بتقاليد "تهذيب الأخلاق" الفلسفية (العقلانية) فان انكسارها في مواقف الأفغاني العملية قد أعطى لها بعدا اجتماعيا سياسيا وإصلاحيا جديدا. وذلك لان ربطه السعادة بالعقل جرى من خلال نبذ ما اسماه بالوساطة الدينية. ومن هنا دعوته لحرية العقل ودوره التنويري الفعال، كما هو جلي في تشديده على ضرورة أن "تكون عقائد الأمة مبنية على البراهين القوية والأدلة الصحيحة"[15]. وبهذا المعنى أيضا يمكن فهم الحوافز القائمة وراء "الغائية العقلية" في بعض آراءه وأحكامه كتلك التي حاول من خلالها البرهنة على أن غاية الكمال في الوجود هو الحكمة الإلهية في تجلياتها المعقولة. وعندما كتب قائلا بان من "نظر في عالم الوجود الكلي، عَلِم عِلْم اليقين، انه وأن وقع كثير من صور كمالاته تحت قوى طبيعية… إلا أن عامة أفعاله واقعة على ترتيب عقلي محكم. ونعني بالترتيب العقلي ما يكون مبنيا على مراعاة الغايات والحكمة وفوائد الكمال التي تعود على نظام الكلّ وتبقى ببقائه"[16]، فانه لم يضع هذه "الحقيقة الكلية" في جدول البيان اللاهوتي للعقائد، بل في أساس الرؤية العقلية للكلّ الفلسفي، أي كل ما يمكنه أن يخدم "برمجة" المشروع الإصلاحي العقلاني.

لقد أعطى الأفغاني للعقل في آن واحد هيئة الوسيلة المدركة والفاعلة. ففي الوقت الذي حاول أن يكشف عن قدرة العقل المعرفية، للدرجة التي يمكنه فيها كشف حقائق الأشياء، بما في ذلك "القيام بالمستحيلات". بحيث اعتبر من الممكن أن يصل الإنسان بمساعدة العقل إلى اختراعات توصله إلى القمر[17]. وسعى من وراء كل ذلك تأسيس فاعلية العقل العملية ومن ثم إدخاله في صرح الإصلاحية الفاعلة. فقد وجد في العقل القوة القائمة وراء تطور أوربا. واعتبر تخلصها من التقليد هو بسبب استنادها إلى العقل، بما في ذلك في أصول دينها.  وإن العقل هو الذي جعلها تقفز قفزاتها السريعة في المدنية والتجارة المعاصرة[18]. ونعثر على هذه الصيغة وانعكاسها المتنوع أيضا في مواقفه من الإصلاح الإسلامي. إذ وجد في السمو العقلي أساس المدنية الفاضلة. غير أنه بالخلاف عن الماضي لم يضع هذه الفكرة ضمن سياق وتقاليد الطوباوية الفلسفية، بل وضعها في أنساق الإصلاح العقلاني، أي تلك التي سعت إلى عقلنة الفعل الإرادي وتوعيته بالقيم الإصلاحية المتسامية وأولوياتها الاجتماعية السياسية. وإذا كانت بعض صياغاتها تستعيد في عباراتها ثقل التفكير القديم، ففي غاياتها تسعى إلى إعادة لحمة الكينونة الاجتماعية والثقافية بالصيغة التي تستقطب فعلها الواعي لحقيقة غاياتها. فعندما أراد التأسيس الأخلاقي للوحدة الاجتماعية والسياسية، فانه كتب قائلا: "أن الفضائل هي مناط الوحدة بين الهيئة الاجتماعية وعروة الاتحاد بين الآحاد. فتميل بكل منهما إلى الآخر، إلى من يشاكله حتى يكون الجمهور من الناس كواحد منهم يتحرك بإرادة واحدة ويطلب في حركته غاية واحدة"[19]. فمن حيث طابعها المقارن تستعيد هذه الفكرة نموذج المرحلة النبوية (صدر الإسلام)، أما من حيث واقعيتها فأنها تعكس التأسيس العقلاني للإرادة المشتركة باعتبارها وسيلة تذليل الفرقة وأسباب التخلف والتجزئة. بصيغة أخرى، لم يسع الأفغاني من وراء ذلك استعادة الهيبة التقليدية للوحدة على أساس واحدية الأمة في دينها ودنياها، بل وحدتها الحرة على أساس إرادتها وفعلها العقلي الأخلاقي.

وتوصل محمد عبده في مجرى تأملاته الفكرية ونشاطه العلمي إلى نفس هذه الآراء والمواقف. فإذا كانت عقلانية الأفغاني الإصلاحية وطابعها النقدي هي التجلي الأوسع لنقد الذات، فأنها اتخذت عند محمد عبده صيغة التجلي الأعمق. وذلك لأنها دفعت بآراء الأفغاني في هذا المجال إلى نهايتها "المنطقية" ولكن ليس في مضمار السياسة المباشرة، بل في ميدان الإصلاح التنويري. لهذا السبب خفتت النزعة النقدية في مواقف محمد عبده، أو بصورة أدق، أنها لم تنهمك في تناول القضايا التي شغلت الأفغاني.إذ لا نعثر عنده على موضوعات الشرقية والإسلامية، والقضية الوطنية والقومية، والقوة والسياسة، والجبن والرذيلة، والاستعداد للتضحية والعمل. وعوضا عنها تبرز موضوعات العقل والنظرة العقلية، والإسلام والعلم، والتربية والتنوير، والإصلاح القانوني وبعث التراث. وتنعكس في هذه القضايا أيضا خصوصية نقده الذاتي، كما هو جلي في ردوده على رسائل مجلة (الجامعة) في انتقادها للإسلام مقارنة بالنصرانية، أي كل ما جرى جمعه لاحقا في كتابه الشهير (الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية). إذ لم تكن انتقاداته اللاذعة للنصرانية شكلا من أشكال الجدل الديني اللاهوتي، بقدر ما كانت إحدى صيغ النقد العقلاني للنفس. لهذا نراه يهمل الإسراف بالشواهد التاريخية للكشف عن حقائق ما يريد قوله، باعتبارها غير ذي بال وأهمية. واكتفى بإبراز قيم العقلانية والإنسانية في الإسلام فكرا وعقائد، دون أن يهمل سلبياته التاريخية. انه أراد القول بأن ما بين إسلام واقعه وحقائق الإسلام بونا شاسعا. أما في انتقاده للنصرانية وأصولها، مثل التمسك بخوارق العادات، والسلطة الدينية، وترك الدنيا، والإيمان بغير المعقول، وادعاء احتواء كتابهم على علوم الأوائل والأواخر، وعدم التسامح، وما يقابلها ويعارضها في الإسلام وأصوله، ما هو إلا الصيغة غير المباشرة لإصلاحيته العقلانية النقدية. حيث استطاع صهر آرائه ومواقفه المباشرة وغير المباشرة في عقلانية الإصلاح وأولوية الروح المعرفي على الروح الإصلاحي السياسي. لهذا شدد في انتقاده لأسباب الجمود في العالم الإسلامي على ميادين اللغة والشريعة والعقيدة[20]. وبهذا المعنى يكون محمد عبده قد استكمل وتوسع بالطابع النقدي لإصلاحية الأفغاني في ميدان اجتهادها العقلي باعتباره جهادا معرفيا (تنويريا). ومن هنا أيضا تشديده على قيمة الاجتهاد ورفض التقليد. بحيث نراه يعتبر البدع المتجددة كلها كما هي تناج لسوء الاعتقاد الذي ينشأ "من رداءة التقليد والجمود عند حد ما قاله الأول بدون بحث في دليله ولا تحقيق في معرفة حاله، وإهمال العقل في العقائد"[21]. وهي الفكرة التي تستند إلى تقييمه للعقل باعتباره "من اجلّ القوى، بل وهو قوة القوى الإنسانية وعمادها، والكون جميعه هو صحيفته التي ينظر فيها وكتابه الذي يتلوه"[22].

لكنه شأن ممثلي الإصلاحية الإسلامية، لم يضع فكرة العقل وقيمته بعبارات الإطراء التقليدية، رغم أهميتها، بل حاول إبراز قيمته الثقافية في عالم الإسلام نفسه. وقام بذلك من خلال الكشف عن الأسس العقلية المتينة في عالم الإسلام وثقافته باعتبارها احد أعمدته الأساسية. فعندما تناول ما اسماه بحقيقة الإسلام فانه يتطرق إليها من خلال تحليل ما اسماه بالدعوتين. الأولى هي الدعوة إلى الاعتقاد بوجود الله وتوحيده، والثانية هي التصديق برسالة النبي محمد. بحيث ارجع التعويل في الدعوة الأولى إلى العقل، باعتباره الوحيد القادر على إثبات حقيقتها وقيمتها. فهو لم يسع هنا لإظهار قيمة العقل في الإيمان وأولويته فحسب، بل وصياغة وحدة الإيمان والعقل في عبارات المنطق ذاته. بحيث أشار إلى أن الدعوة الأولى يعول فيها على "تنبيه العقل البشري وتوجيهه إلى النظر في الكون، واستعمال القياس الصحيح، والرجوع إلى ما حواه الكون من النظام والترتيب وتعاقد الأسباب والمسببات ليصل بذلك إلى الاعتراف بوجود خالق للكون"[23]. ولا يعني هذا سوى إبراز جوهرية العقل وأولويته في إدراك وجود الله وتوحيده. لهذا أكد على أن "الإسلام لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي في الدعوة بالإيمان بالله ووحدانيته"[24]. ليس ذلك فحسب، بل وشدد على أن القرآن لا يقيد العقل بكتاب (مقدس) في قضايا معرفة الكون، باعتباره طريقا للتوحيد. أما في تأصيله لأصول الإسلام، فانه وضع في أصوله الأول والثاني كل من النظر العقلي وتقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض[25].

وبهذا يكون محمد عبده قد سعى لتأصيل عقلانية إسلامية بروح إصلاحي من خلال تذويب الاجتهاد في العقل الدائم، أو العقل الدائم في الاجتهاد، وبالتالي تأصيل العقلانية في أصول جديدة. وقد تضمن ذلك بحد ذاته خروجا على المألوف في تقاليد علم الكلام والعقائد. فهو لم ينهمك في تقليدية الأصول الإسلامية الكبرى، بل نظر إليها من خلال الأفكار الجدلية المناهضة للإسلام. وبالتالي، فإن الأصول التي سعى لتأسيسها لا تستند على رد الفعل، كما هو في ظاهر اندراجها في كتاب (الإسلام والنصرانية)، بل في معقوليتها المدركة لذاتها بوصفها أصولا تجديدية للإسلام. لهذا نراه تكلم عن هذه الأصول، باعتبارها أركانا للدين، ترجع إليها جميع الفروع[26]، أي طابعها العام والمنظومي. حقيقة أن هذه "المنظومة" بقت في إطار مبادئها العامة والمفككة لحد ما، أي أنها لم تستند إلى نظرية متكاملة في وعي الذات النقدي التاريخي والاجتماعي السياسي، بقدر ما بقيت في حيز إبراز الأولويات الكبرى.

لقد حاول محمد عبده تقديم الأصول الجديدة للإصلاحية، بوصفها عقلانية تنويرية. وليس مصادفة أن يشدد في دفاعه عن الإسلام، على قيم العقل والفكر المستقل بحد ذاته، بما في ذلك في الحالات التي يمكن أن تكون "مثالا" للمسلمين في مساعيهم الإصلاحية[27]. لهذا وضع في سلسلة أصول الإسلام أركان النظر العقلي، وتقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض، والابتعاد عن التكفير، والاعتبار بسنن الله والخلق، وقلب السلطة الدينية، والتسامح، والجمع بين مصالح الدنيا والآخرة. ووضع في "اصل النظر العقلي" كونه وسيلة الإيمان والحق، وانه حجة على الإنسان ومعيار للحكم والسلطة. في حين إذا تعارض العقل والنقل اخذ بما دل عليه العقل. وجعل "الابتعاد عن التكفير" ابتعادا عن تقاليد الماضي وأسلوبا أمام الحرية الفكرية. في حين حاول البرهنة من خلال "اصل الاعتبار بسنن الله في الخلق" على انه "لا يعوّل بعد الأنبياء في الدعوة إلى الحق على غير الدليل"[28]. وأن طبيعة الدين تتوافق مع شرائع أو نواميس أو قوانين الوجود في الأمم والأكوان. وأن قلب السلطة الدينية يعني إزالة فكرة العصمة والوساطة الدينية بين الله والإنسان. وانه ليس هناك في الإسلام من يختص بفهم لا يناله الآخرين للكتاب (القرآن) والعلم. وأن هذه المعرفة ليست مزية لأحد دون آخر. وانه لا تباين بين الناس إلا بقدر "تفاضلهم بصفاء العقول وكثرة الإصابة في الحكمة"[29].

وحاول محمد عبده من خلال هذه الآراء ووحدة أصولها إبراز إصلاحيته العقلانية، وبالأخص في نتائجها العملية المستقبلية. وليس مصادفة أن يكشف عن نماذج هذه الأصول في الماضي، لأنه أراد أن يظهر ما هو جوهري من وجهة نظر المثال، أي الربط بين التاريخي والمثالي في آفاق الرؤية الجديدة. من هنا أيضا محاولته صياغة الكيان المعتدل للعقلانية الإسلامية في روحها وجسدها، وعقلها وضميرها. ويكشف هذا الاعتدال عن عناصره في مكونات الإسلام القديم والمعاصر والمستقبلي، أي في الإسلام النموذجي والمفترض. من هنا دعوته للاعتدال في العادات والعبادات، انطلاقا من أن الإسلام نفسه لم "يبخس الحواس حقها، كما انه هيأ الروح لبلوغ كمالها. فهو الذي جمع للإنسان أجزاء حقيقته واعتبره حيوانا ناطقا لا جسمانيا صرفا ولا ملكوتيا بحتا"[30]. وإذا كانت هذه الصيغة الظاهرية لوحدة الاعتدال في الروح والجسد، هي التعبير المناسب "للاهوت العقلاني" الإسلامي، فان عقلانيتها الواقعية (العملية) تظهر بجلاء في نماذجها التاريخية والروحية. فعندما تناول قضية الزهد في الإسلام، فانه يشير إلى أن سياسة الخلفاء الراشدين من الزهد شيء يوافق الدين (الإسلامي)‎، وان سلوك معاوية في البذخ هو الآخر موافق للدين، وذلك بفعل تغير الظروف. فهو لم ير في سلوك معاوية شيئا ما معارضا لما هو مباح في الإسلام فحسب،  بل واعتبره قوة فاعلة في "ترويج فنون الإبداع في الصنعة على اختلاف ضروبها"[31].

أما في ميدان الروح فانه حاول إبراز البديل الممكن للإصلاحية الإسلامية في قوتها الكامنة، والذي سعى لتأسيس بمقولات السياسة والفعل الاجتماعي المباشر في وحدة العقل والوجدان. فعندما تكلم عن التفاؤل القائم في زمنه عن إمكانية استعادة الإسلام قوته في المدنية المعاصرة، فإنه يشير إلى ضرورة صياغة الوحدة الجديدة للعقل والوجدان. بحيث نراه يجد فيها نتيجة لتطور العلم والدين (الإصلاحي) وأسلوبا في بناء الوحدة المتناسقة للثنائيات الضرورية في الوجود التاريخي والثقافي للمسلمين، أي الوحدة المتناسقة للدنيا والآخرة، والعلم والدين، والعقل والإيمان. لهذا وجد في وحدة العلم والدين وضرورة التقائهما أسلوبا يستلزمه في آن واحد منطق الحقيقة والأخلاق. وهي الصلة التي عبر عنها في فكرة وحدة العقل والوجدان، باعتبارها نتاجا للمساهمة التي يقدمها الدين للعلم والعلم للدين، أو الوحدة العريقة فيما يمكن دعوته بثقافة الحدود الإسلامية، التي أرسى تقاليدها تاريخ متشعب في بلورة نماذج الوحدة المعقولة للمعقول والمنقول، والتفسير والتأويل، والظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة. وقد سار محمد عبده في هذه التقاليد المتنورة، عندما أكد على أن "تطور العقل بمساهمات العلم تؤدي به إلى أن يبلغ قوته ويعرف حدود سلطته. فيتصرف فيما أتاه الله تصرف الراشدين ويكشف ما مكنه فيه من أسرار العالمين. حتى إذا غشيته سبحان الجلال وقف خاشعا وقفل راجعا، واخذ اخذ الراسخين في العلم"[32]. آنذاك يلتقي العقل مع الوجدان الصادق، أو القلب. إذ "لم يكن الوجدان ليكابر العقل في سيره داخل حدود مملكته، متى كان الوجدان سليما وكان ما استضاء به من نبراس الدين صحيحا"[33]. وهي العلاقة المعتدلة أو الوسطية المعقولة، التي أسست لها تآلفات الفكر النظري الإسلامي ابتداء من المحاسبي وانتهاء بالغزالي. من هنا توكيد محمد عبده على رفض ما يتفوه به السذج من أن هناك فرقا بين العقل والوجدان بمقتضى الفطرة والغريزة. وذلك لان الاختلاف في حالة وقوعه، ما هو في نظر محمد عبده سوى عرض عند عروض العلل والأمراض الروحية. إذ اجمع العقلاء على أن المشاهدات بالحس الباطن (الوجدان أو القلب) هو من مبادئ الرهان العقلي[34]. ثم دفع بهذه الفكرة صوب غايتها النهائية عبر توليف العقل والوجدان في عبارته القائلة، بأننا "منحنا العقل للنظر في الغايات والأسباب والمسببات والفرق بين البسائط والمركبات، ومنحنا الوجدان لأدراك ما يحدث في النفس من لذائذ وآلام، وهلع واطمئنان، وشمل وإذعان، ونحو ذلك مما يذوقه الإنسان ولا يحصيه البيان"[35]. وهي ذات النتيجة المميزة لإصلاحية الأفغاني العقلانية وطابعها النقدي، أي نفي تجارب العقلانية والصوفية في وحدة التقائهما.

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص129.

[2] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص329.

[3] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص365.

[4] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص366.

[5] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص456.

[6] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص190

[7] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص335.

[8] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص493.

[9] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص366.

[10] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص369.

[11] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص372.

[12] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص373.

[13] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص369.

[14] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص175.

[15] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص176.

[16] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص257.

[17] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص265.

[18] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص176.

[19] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص376.

[20] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص121-140.

[21] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص134.

[22] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص65.

[23] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص67.

[24] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص69

[25] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص72-73.

[26] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص39.

[27] مثل إشارته لمن اسماهم بأفاضل النصارى، ويقصد به مارتن لوثر، الذي أطلق على أرسطو كلمة الخنزير والدنس والكذاب، بينما كان المسلمون يسمونه بالمعلم الأول.

[28] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص73-75.

[29] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص79.

[30] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص90.

[31] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص96-97.

[32] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص146.

[33] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص147.

[34] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص147

[35] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص147.

 

عامر عبدزيد الوائليمدخل: هنالك تعريفات متنوعة لهذا الحقل من حقول البحث؛ فهناك من ينظر الى الاستشراق وكل منهم ينطلق من الآخر وبتأثير الآخر(من عرب وعرب مسيحيين ومسلمين متأثرين بالغرب)، فإذا كان الآخر أي الغربي تصدر عنه في دراسته للذات العربيّة الاسلاميّة مجموعةٌ من النتاجات الفكريّة والإعلاميّة والسياسيّة، والاستخباريّة، في مجال العقيدة والاجتماع والسياسة والفن يمكن أن ينسب إلى حقل الاستشراق ؛ والى جانب المسلمين نجد كذلك: (الدراسات الصينيّة أو الدراسات الهنديّة أو الدراسات اليابانيّة).

الاستشراق هي حركة غربيّة تركز على استكشاف الثقافة الشرقيّة ودراستها عن كثب، وتوضيح النظرة الغربيّة لهذه الثقافة الشرقيّة، وتدل على مدى تصوير الغرب للبنية التحتيّة للحضارة الشرقيّة، ويوحي مفهوم الاستشراق إلى السلبيّة بناءً على ما ترتب على التفسيرات القديمة للغرب فيما يتعلق بالحضارات الشرقيّة وثقافتهم.

 كما يمكن تعريف الاستشراق بأنّه عبارة عن قيام علماء غير مسلمين من الغرب بإجراء دراسات ذات أبعاد أكاديميّة تركز على دراسة الدين الإسلامي، وجوانب حياة المسلمين المختلفة في: (التاريخ، والشريعة، والحضارة)، إذ تستهدف دراساتهم المسلمين من العرب وغير العرب(1).

ومع أنّ مصطلح الاستشراق ظهر في الغرب منذ قرنين من الزمان على تفاوت بسيط بالنسبة للمعاجم الأوروبيّة المختلفة، لكنّ الأمر المتيقن أن البحث في لغات الشرق وأديانه وبخاصة الإسلام قد ظهر قبل ذلك بكثير، ولعل كلمة مستشرق قد ظهرت قبل مصطلح استشراق، فهذا آربري Arberry في بحث له حول هذا الموضوع يقول "والمدلول الأصلي لاصطلاح (مستشرق) كان في سنة 1638م أحد أعضاء الكنيسة الشرقيّة أو اليونانيّة" وفي سنة 1691م وصف آنتوني وود Anthony Wood صمويل كلارك Samuel Clarke بأنه (استشراقي نابه) يعنى ذلك بأنه عرف بعض اللغات الشرقيّة. وبيرون في تعليقاته على Childe Harold's Pilgrimage يتحدث عن المستر ثورنتون وإلماعاته الكثيرة الدالة على استشراق عميق"(2).

وبحسب تعريف جويري، في كتابه: علم الشرق وتاريخ العمران، يقول "...إنّما هو من جمع بين الانقطاع إلى درس بعض أنحاء الشرق وبين الوقوف على القوى الروحيّة الأدبيّة الكبرى التي أثّرت في تكوين الثقافة الإنسانيّة، فهو من تعاطى درس الحضارات القديمة، وبإمكانه أن يقدر شأن العوامل المختلفة في تكوين التمدن في القرون الوسطى مثلاً أو النهضة ...(3).

يظهر من هذه التعريفات بأنّ القضيّة المركزيّة التي أسّس لها الاستشراق عموماً هي أن الغرب غزا الشرق لهدفٍ مزدوج: ليعرف ماهيّة الشرق، طبعاً لكل لون استشراقي أهدفه الخاصة. وليعيد خلق الشرق، وهذا شأن الاستشراق الرسمي، الاستعماري والثقافي، كيف يراه هو؟، أو صياغة صورة للشرق كما يريدها الغرب (بحسب وظن إدوارد سعيد). ويكمن الاستدلال على صدق هذا التصور من خلال دراسة المراحل التي مرّ بها الاستشراق وتعدُ مراحل أساسيّة، وهي:

الاستشراق الاستعماري (Colonial Orientalism): تعد هذه المرحلة أولى مراحل الاستشراق، وتضم كل ما جاء به الاستشراق منذ ظهوره مروراً بالحركة الرومانسيّة الغربيّة ووصولاً إلى عام ألف وتسعمائة وستين ميلادي. ويرى رضوان السيد "على أنَّ بداية التعرُّف الأوروبي على الإسلام ثقافيًّا ابتدأتْ مع ترجمة الفرنسي"أنطون غالان"(1646-1715 م) كتاب ألف ليلة وليلة، وما تركته من أثر في نفوس المثقفين الأوروبيين في القرن الثامن عشر الميلادي، عصر الرومانسيّة الأوروبيّة بامتياز."(4).

أمّا الاستشراق ما بعد الاستعماري (Post Colonial Orientalism): فهي المرحلة التي بدأت أطوارها من بعد عام ألف وتسعمائة وستين ميلادي، وسلّطت الضوء على الجوانب الثقافيّة واللغويّة التي يمكن التأثير فيها من خلال إدخال التغيرات الجذريّة عليها.

يبدو بعد التحولات الكبيرة أي بعد حقبة الاستعمار وظهور حركات ما بعد الاستعمار وهي قد جعلت الاستشراق غير مرغوب فيه من حيث المنطلقات الأيديولوجيّة والمنهج الذي تعرض الى نقود منهجيّة ؛فظهر شكل جديد من الاستشراق هو الاستشراق الجديد (New Orientalism): هو أحدث ما وصل إليه الاستشراق ومرحلته التي تزامنت مع مطلع القرن الحالي، واستهدف الأمور الدينيّة للأفراد.

أقسام بحوث الاستشراق: تسعى دراسات الاستشراق إلى التركيز على مجالات محدّدة في حياة الشرق والمسلمين خاصة، وتشمل كلاً ممّا يأتي: (التاريخ والاقتصاد والجغرافيا واللغة والآداب وعلم الإنسان والفنون والأديان والفلسفة وعلم الآثار)(5).

مصطلح "الاستشراق الجديد " يمثل عتبة جديدة في العلاقة بين الأنا الغربيّة والآخر الشرقي فإنها عتبة تحاول من أن تخلق تمفصل بين الخطاب الاستشراقي القديم وآخر جديد اذ تناسلت العديد من الأعمال والدراسات التي ظهرت إلى الوجود مع نهاية القرن التاسع عشر الميلادي وبداية القرن العشرين، وقد اعتمدت هذه الدراسات على العديد من المناهج العمليّة والحقول المعرفيّة مثل: (اللسانيات والأنثروبولوجيا، الإثنوغرافيا، السوسيولوجيا، والاثنولوجيا....) وكثير من العلوم المساعدة الأخرى التي ترتبط بالدراسات الاجتماعيّة والإنسانيّة. وإذا كانت هذه النتاجات والأبحاث التي قام بها العديد من الدارسين والباحثين الأجانب، إذ شكلت مجموع ما يصطلح عليه بـ"الإسطوغرافيا الاستعماريّة" أو"الدراسات الكولونياليّة" التي ظلّت موسومة بطابع استعماري وتم توظيفها كتمهيد أوّلي نحو غزو للعديد من المناطق، ومنها منطقة شمال إفريقيا، فإنها في مقابل ذلك، تعد مرجعاً وتراكماً مفصلاً ومدققاً يحمل قيمة علميّة واضحة بحكم ما ارتبط بها من معطيات وحقائق مهمّة حول الجوانب المختلفة التي تهم المجتمعات التي خضعت للسيطرة الاستعماريّة، كما أن هذه الدراسات لا تزال تحتل موقع الصدارة على مستوى القيمة الموضوعيّة والعلميّة التي تنفرد بها، وكذا طبيعة المناهج التي وظفتها والنتائج والخلاصات التي انتهت إليها.

وتعد الأبحاث والدراسات الفرانكفونيّة صاحبة السبق على مستوى تناول مختلف مظاهر الحياة العامّة لدى المجتمعات المغاربيّة بصفة عامة، والمجتمع المغربي بصفة خاصة، ولكن على الرغم من ذلك فالدراسات الانجلوساكسونيّة والأسبانيّة كان لها وقعها الخاص على واقع هذه الأبحاث والكتابات، لاسيما بعدما خاض هذا المضمار العديد من الدارسين والباحثين المرموقين الذين شكّلو اتجاهاً جديداً داخل حقل الدراسات الكولونياليّة، من أبرز هؤلاء، نجد: (جاك بيرك وروبير مونطاي وأرنست غيلنز وجون واتروبوي ورايمون جاموس ومولييراس وبول باسكون وايميليو بلانكوايثاكا ودايفيد هارت.).. (6).

وعلى الرغم من أنّ علماء الإنثروبولوجيا لا يعدون أنفسهم من المستشرقين وغالباً ما ينظرون الى المستشرقين التقليديين بازدراء ؛ وسبب ذلك هو أن تدريبهم داخل حقل علم الانثروبولوجيا أقوى من تدريبهم في لغات وآداب وتاريخ الشرق الأوسط .لكنّهم مع ذلك يقعون من ضمن تعريف إدوارد سعيد للمستشرق:" كل من يدرس أو يكتب أو يبحث في أمور الشرق " (7)، ثم أنّه يعرف الاستشراق بوصفه " أسلوب تفكير يعتمد على تفريق أنطولوجي وإبستمولوجي بين "الشرق " وبين "الغرب" ويرى بأنّ الاستشراق عبارة عن "مؤسسة منظمة للتعامل مع الشرق تعليمه ووصفه بل وحكمه " (8).

فإنّ الاختلاف في مستوى المنهج وتقدمه على مناهج المستشرقين لا يعني تبرئة الانثروبولوجيا من ارتباطها بالاستشراق الجديد، وارتباطها به وبالسلطات الداعمة للبحوث والغايات نفسها القائمة على معرفة الآخر ومن ثمّ حكمه والهيمنة على مقدراته ؛ لهذا تجد رجال الاستشراق الجديد يحتلون مكانة مهمّة في الخطاب الغربي من خلال رسم الاستراتيجيات واحتلال مكانة مهمة في المؤسسات الغربيّة السياسيّة والعلميّة .

تأتي هذا المقاربة من أجل دراسة المنهج الانثروبولوجي في الغرب عامّة ودراسة أرنست غيلنز ؛ اذ سوف نحاول من أن نتناول الأمر من خلال ثلاثة مباحث: الأوّل في تأصيل المنهج والثاني في عرض قراءة أرنست غيلنز ويأتي المبحث الثالث بمثابة مقاربة نقديّة لدى مجموعة من الباحثين في مجال الأنثروبولوجيا .

المبحث الاول: التأصيل المفهومي للأنثروبولوجيا وتياراتها

لقد شكّل هذا المنهج الانثروبولوجيّة مكانة مهمة في العلوم الانسانيّة بكل تحولاتها من ناحية، ومن ناحية أخرى يعد أحد مناهج الاستشراق الجديد .ومن هنا تأتي أهميّة تناوله في هذا البحث. في بعدين الأوّل تعريف بالانثروبولوجيا، والثاني يتناول الانقساميّة وأهم ملامحها ومرجعياتها الاستشراقيّة.

أوّلاً: الأنثروبولوجيا:

هي علم دراسة الإنسان طبيعياً واجتماعياً " وأيضاً، علمُ الجماعات البشريّة وسلوكها ونتاجاتها. علم الإنسان من خلال أنّه كائنٌ طبيعي واجتماعي وحضاري. علمُ الحضارات والمجتمعات البشريّة.

هذهِ التعريفات هي "للأنثروبولوجيا العامّة"، ويمكنُ من خلال التعريف الرابع بأن نعرِّفَ "الأنثروبولوجيا الاجتماعيّة" على أنها: علم الإنسان من خلال كونه كائنٌ اجتماعي." والمشكلة تكمن في تعدد فروع الأنثروبولوجيا فيحددها في ثلاثة تخصصات رئيسة فقط، وهي: الأنثروبولوجيا الطبيعيّة، الأنثروبولوجيا الاجتماعيّة، الأنثروبولوجيا الثقافيّة " (9) .

يبدو أنّ العتبة المهمة في هذا الحقل من العلوم الانسانيّة هو (الميدان) بوصفه مخبراً للانثروبولوجيا كما يذهب كثير من العلماء الى التأكيد على هذا الامر، وهذا ما سوف نستشفه من النماذج التي سوف ندرسها فهي في المجمل كانت تعتمد على البحث الميداني في بناء تصوراتها وتأكيد توصيفاتها ؛فقد كان لزاماً على الباحث الذي يقوم بالبحث في حقل الانثروبولوجيا من أن يختار عيّنات الدراسة - في حقل ما- من خلال دراسة شعوب معيّنة كانت تمثل نمطاً من أنماط العيش سواء كان بدائياً يقوم على أشكال التضامن الميكانيكي إلى أشكال التضامن العضوي أم غير بدائي، كما ذهب إلى هذا "إميل دوركايم " (1858-1917)م(10) في التأسيس الى مفهوم إنقساميّة (segmentarité) في ميدان علم الاجتماع ؛ فقد بيّن بأنّ المجتمعات الإنسانيّة تنتقل بالتدريج خلال صيرورتها التاريخيّة، من أشكال التضامن الميكانيكي إلى أشكال التضامن العضوي.

وهذا ما نجده في منهج البحث  الأنثروبولوجي إذ يذهب الباحث إلى موطن الشعب الذي اختاره موضوعاً للدراسة ؛ لكي يقوم بعمله، فيستمع إلى أحاديثهم ويزور بيوتهم، ويحضر طقوسهم ويلاحظ سلوكهم العادي .. ويسألهم عن تقاليدهم، ويتآلف مع طريقة حياتهم حتى تصبح لديه فكرة شاملة عن ثقافتهم، أو يحلّل جانباً خاصاً من جوانبها. أي أنّه يجمع معلوماته من الميدان حتى يصل الى توصيف مقولاته الواصفة لحياة تلك الشعوب المنعزلة، فهذه الدراسات لا تعدم أمرين:

الأوّل منهما أنّ لها غايّة سياسيّة تسعى من أجلها تلك الدراسات فهي تقوم على دراسة تلك الشعوب ليس من أجل غايات علميّة فحسب ؛ بل أنّ هناك مسوغات سياسية من أجل تقديم تصور علمي عن طبيعة تلك الشعوب حتى تسهل للدول الداعمة للبحوث من أجل تسهيل الطريق امامها في السيطرة على تلك الشعوب من قبل الدول الغربيّة.

الأمر الثاني: إنّ هذه البحوث لا تقوم بعملها من دون خلفيّة علميّة سابقة تقوم عليها برامج البحث في الميدان فالبحوث إمّا أنها تؤكد على الفرضيّات السابقة أو تقدم لها نقداً وتقويماً على أساس ما يظهر في الميدان من نتائج .

أمّا على الصعيد الاول فيجعل البحث العلمي مرتهن الى الخطاب السياسي الذي يقدم دعماً ويسخر جهود الباحثين ؛من أجل غايات الهيمنة على مقدّرات الآخر، عندما عمدت الأنثروبولوجيا الأنجلوسكسونيّة، وبالضبط البريطانيّة، إلى دراسة مجتمعات حوض البحر الأبيض المتوسط وافريقيا بعد الحرب العالميّة الثانيّة إذ ركزت بشكل رئيسي على ظاهرة السلطة داخل هذه المجتمعات.

أُطروحتنا هنا تؤكد على إبراز الغايات السياسيّة التي توجه هذا الحقل المعرفي الذي يدّعي الاستقلاليّة فإنّه يظهر لنا بأنه محكوم بالأحكام المسبقة فضلاً عن الاستراتيجيّة السياسيّة لدى المؤسسات الاكاديميّة والجهات السياسيّة التي تؤكد على توجيه البحث من أجل معرفة الآخر ومن أجل تحقيق أهداف سياسيّة وهو بهذا جزء من المشروع الاستشراقي القديم الذي عمل في المغرب بمراحل الطويلة ؛ لكن من سمات هذا المنهج أنّه جزء من منظومة مدعومة من قبل بريطانيا من أجل تحقيق مقاصدها السياسيّة في الشرق وخصوصاً في منطقة المغرب العربي التي هي جزء من مشروع الاستشراق الغربي، وهذا ما عمدت إليه الأنثروبولوجيا الأنجلوسكسونيّة، وبالضبط البريطانيّة.

ثانيا: منهج الانقسام وأبعاده الاستشراقيّة:

ويعد مفهوم الانقسام من أهم سمات هذا المنهج إذ عدّ ه " بول باسكون " (1923-1985م) بعد بحث واستقصاء مفهوم (الانقساميّة) الى معنى لا يقترب الى مجال الفيزياء والعلوم بل وجده مفهوماً مأخوذاً من مصطلحات علم الحيوان، - كما عرضنا سابقا- يعد إميل دوركايم أول باحث وظّف مفهوم " الانقساميّة " اذ يعد عامل الانشطار يفهم حين يصبح الجيل الواحد مصدراً لأجزاء جديدة: (أبناء)، وهؤلاء بدورهم – كل على حدة – يشكل (وحدة سلاليّة) جديدة، تتفرع عنها هي الأخرى وحدات سلاليّة جديدة، وهكذا دواليك.

أمّا عامل الانصهار، فيبدو حين يصبح هذا الانشطار نفسه مصدراً لتعيين "أجزاء" أو "أقسام" جديدة من داخل النسق الانقسامي. بهذا الشكل إذن، يصبح كل جيل من الأجداد يجسِّد مستوى من الانقسام والتداخل: فالمستوى الأول هو القبيلة، والثاني هو القسمة أو الفرع القبلي (ويصطلح عليه "الخمس"، والثالث هو الوحدة السلاليّة؛ وصولاً إلى أدنى مستوى إذ الوحدة العائليّة ثم الفرد.

لكن، يبقى السؤال المطروح هو: كيف تشتغل كل من آليتي "الانشطار" و"الانصهار" هاتين (سوسيولوجياً)؟ وكيف تعملان على بنية (Structuration) مستويات الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة وأشكالها من داخل المجتمع الانقسامي؟ أو بمعنى أدق، كيف يعمل النسق الانقسامي على وفق هاتين الآليتين على إنتاج وإعادة إنتاج نفسه، على الرغم من عوامل الصراع والتوتر التي تتهدّده؟ هنا بالذات يقدم الانقساميون مقولتي (التعارض) و(التحالف) كنموذجٍ للتحليل، وكقاعدة تؤسس للنسق الانقسامي وتمدّه بشروط الاستمراريّة. فإذا كانت الصراعات وأشكال النزاع التي يشهدها المجتمع الانقسامي- عبر مختلف مستوياته البنائيّة – تمثِّل واقعا مرتبطا أشد الارتباط ببنيات ذلك المجتمع، وتناقضاته الداخليّة – كما يؤكد الانقساميون طبعاً- فإن ذلك لا ينفي وجود أشكال من التماسك والاتحاد أيضاً. فالصراع في مستويات أدنى، لا ينفي أبداً وجود أشكال من التعاون والتحالف في مستويات أعلى، وبصورة تلقائيّة(11).

لقد كانت الدراسات الميدانيّة هي التي أكّدت على هذا المفهوم ثم وبعد مرور حوالي عشر سنوات على تلك الدراستين طرح لبريتشرد من جديد موضوع المجتمعات العربيّة القبليّة، مع الباحثين الأنجلوسكسونيين، من خلال الاعتماد على فرضيّات الأنموذج الانقسامي، ومنطلقاته .

مرد ذلك إلى أن البريطانيين رغبوا في دراسة الأنظمة السياسيّة المحليّة، بهدف المزيد من إحكام الطوق عليها وهكذا برز في ميدان الأنثروبولوجيا أنموذجاً تحليلياً جديداً للمجتمعات (البريّة)، كتحليل طفق يمارس جاذبيّة وإغراء لا يستهان بهما في مجال العلم الأنجلوسكسوني والذي سيبلغ أوجّه في التطبيق على يد ثلّة مهمّة من الباحثين أقصد بذلك: غيلنر، وواتربوري 1939م،(12) ورايمون جاموس تحديداً، إلا أنّه في محاولتنا هذه سنركز على الباحث غيلنر كأنموذج لهذا التحليل." (13)

أمّا على صعيد الأحكام المسبقة فهناك إسقاط خطابات فكريّة غربيّة على شعوب أخر, إسقاط يفقد تلك البحوث من قيمتها التجريبيّة ويجعل منها مرتهنة الى الأحكام الثقافيّة والحضاريّة التي انطلق منها الباحث سواء كان عالماً بها كباحث يخدم مشروع غربي موجه سياسياً .

أمّا موقف الباحثين العرب في مجال الانثروبولوجيا ؛فنلمسه من الاصطلاح اذ من الملاحظ بأنّ مفهوم الانقساميّة عندما انتقل إلى اللغة العربيّة لم يصادف توافقا بين الباحثين فيما يتعلق بالمصطلح. نلامس هنا بعض التفاوت الذي قد يحصل بين المفهوم والمصطلح . ففي تونس استُعمل مصطلح التجزؤيّة مقابلا له وبالمغرب عرّبه عبد الكبير الخطيبي بلفظة التجزيئة بينما استعمل أحمد التوفيق عبارة الانقساميّة، وهي التي نالت الموافقة لدى العديد من المؤرخين. هذا على مستوى الاصطلاح أما على مستوى النظريّة فإنّ النظريّة الانقساميّة تقوم على مبدأين أساسيين:

مبدأ التعارض الأفقي المؤدي إلى التوتر والصراع بين الوحدات المتساويّة في المستوى الأفقي من ضمن المنظومة الانقساميّة من جهة.

ومبدأ التكامل المفضي إلى التعاون بين الوحدات المتسلسلة في المستوى العمودي وتحالفها من جهة أخرى. وللتبسيط، يمكن استحضار المقولة الشهيرة في نظام العصبيّة الخلدوني ؛ وقد تعرّضت هذه النظريّة لكثير من النقد من قبل باحثين مغاربة وغير مغاربة. ومن بين المغاربة نخص بالذكر جرمان عياش وعبد الله حمودي وعبد الله العروي، كل من منطلقاته الخاصة. والنقد الأساسي لهذه النظريّة بأنّها نشأت لتعالج مجتمعات تفتقر إلى بنيَة الدولة وبالآتي فهي تفسِّر التوصل إلى حالة من الاستقرار في المجتمعات القبليّة عن طريق الصراع بين الوحدات المكونة لها مما يؤدي في النهاية إلى التوازن فيما بينها، في حين أن للمغرب مجتمعاً قبلياً ودولة بمواصفات خاصة. انطلاقاً من هذه الدراسات واعتماداً على الرصيد المهم من الوثائق المخزنيّة التي تتصل بالعلاقات بين المخزن والقبائل، تبيّن بأنه بالإمكان تجاوز هذه النظريّة مع الاستفادة منها فظهر من الإجرائي أن أستعمل عبارة الدولة الانقساميّة لتوصيف الدولة المخزنيّة قبل الاستعمار، وهي دولة تتكيف مع النظام القبلي وتستفيد من إيجابياته وسلبياته إما عن طريق التحكيم أو بتأجيج الصراعات بين الوحدات القبليّة أو بتعديد التحركات المجاليّة(14).

لعل هذا ما تمخضت عنه مجموعة من الأبحاث والدراسات أنجزها بعض رواد البحث الأنثروبولوجي الأنجلو سكسون، حول عدد من قبائل المغرب. لقد بدأ اهتمام هؤلاء بالمغرب منذ الحرب العالميّة الثانيّة، غير أن نشاطهم تعزّز أكثر، وأصبح ملحوظاً خلال الستينات من القرن العشرين. ويمكن تفسير ذلك في إطار انشغال جيو- استراتيجي لبعض الدول الرأسماليّة: كإنجلترا والولايات المتحدة تحديداً؛ بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لقد كان الهدف الأساس هو مراقبة، وعن كثب، مجمل التطورات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي تشهدها البلاد، والهدف طبعاً هو تيسير السبل الكفيلة بدمج المغرب – وعلى غرار باقي بلدان المنطقة- في منظومة السوق الرأسماليّة – الإمبرياليّة"(15).

وقد شخّصت تلك الدراسات الانقساميّة بأنّ القبيلة بالمغرب أنموذج لنسق انقسامي قائم الذات.، فكل قبيلة تنقسم على فروع، وهذه تنقسم بدورها على أجزاء، إلى أن تصل إلى مستوى الوحدات العائليّة. ويبقى عامل النسب هو المهيمن من داخل هذا المجتمع، إذ اقترح (غيلنز) حصر مفهوم الانقساميّة واستعماله، في المجتمعات التي تعتمد على النسب وحده فقط؛ لتقعيد العلاقات بين القسمات– كعلاقات اجتماعيّة وسياسيّة " (16) ؛ إنّ أغلب الدراسات الانقساميّة كانت تؤكد على أمرين:

أوّلهما إنّه يقدم الحلول لما تظهر من مشاكل ،عن الإدارة والحكم المحلّي، في المجتمعات البدائيّة والمحليّة ‏التي وصفناها كونها تعتمد على التضامن الميكانيكي . أمّا الثاني فإنّه يقدم معالجة مشكلات التغيير الحضاري السريع في هذه المجتمعات، والمساعدة في التكيّف المناسب. وبالآتي لابد من أن تقترح تلك البحوث حلولاً يمكن أن تطبقها السلطات السياسيّة التي تستثمر نتائج تلك البحوث ؛ (ولكي يحقّق عالم الأنثروبولوجيا النجاح لأهدافه وبحوثه ودراساته، فقد جرى التقليد أن يقوم بأبحاثه الميدانيّة لدى الشعوب (البدائيّة)(17) التي تعيش خارج التيار التاريخي للثقافة الأورو- أمريكيّة، أو الثقافات الأخرى المتحضّرة التي تعرف الكتابة، وذلك بغية المقارنة وإيجاد أوجه التشابه والاختلاف في السياقات التاريخيّة التطوّريّة للثقافات الإنسانيّة المختلفة)(18) بمعنى أنّ تلك البحوث سوف تهون فهم التطور في الحقل الاجتماعي والتحولات التي تطرأ على أشكال التعاون البشري في انتقالها من العلاقات البدائيّة الميكانيكيّة، وما خلّفته من أشكال وعلاقات تجعل السلطة ضعيفة في ظل مجتمعات تعتمد على العلاقات العشائريّة وصولا الى أشكال اكثر تطوراً في المجتمعات المعاصرة تعتمد على أشكال من العلاقات مختلفة تماماً، وبالآتي أصبح علم الأنثروبولوجيا بشكل عام تخصص علمي يبحث في أصول الشعوب المختلفة، وخصائصها، وتوزّعها وعلاقاتها بعضها ببعض، ويدرس ثقافاتها دراسةً تحليليّة مقارنة، ترصد الأنثروبولوجيا انتظام وتغير العقائد والأعراف والتقاليد في مجتمع تسوده موجهات دينيّة أو اجتماعيّة أو عرقيّة.

المبحث الثاني: حياة ومنهج إرنست غيلنر

حياته ومؤلفاته:

من أبرز الأمثلة على هذا المنهج هو إرنست غيلنر (1925- 1995م) ،ولد في 9 ديسمبر 1925م في باريس من أصل يهودي- تشيكوسلوفاكي. هاجرت عائلته من باريس الى براغ. وبعد الغزو النازي لتشيكوسلوفاكيا سنة 1939م هاجرت عائلة غلنر الى لندن وهو في الثالثة عشر من عمره. وقد درس الفلسفة والعلوم السياسيّة والاقتصاديّة في كليّة باليول (Balliol College) بجامعة أكسفورد (Oxford). بداية من سنة 1947م اقتحم مجال التدريس في الجامعات الانكليزيّة بدءاً بجامعة أدنبرغ ثمّ بجامعة لندن للعلوم الاقتصاديّة والسياسيّة. تطوّر في مسيرته العلميّة من الفلسفة الى علم الاجتماع ومنه الى الأنثروبولوجيا الاجتماعيّة. وانطلاقاً من 1954م قام بالعديد من الرحلات إلى شمال إفريقيا ؛لينجز عدداً من البحوث الإنثروبولوجيّة حول الأمازيغ بجبال الأطلس ومنها موضوع أطروحته للدكتوراه التي أنجزها تحت إشراف الأستاذ جون ماك ميراي (John Mac Murray) سنة 1961م إذ حملت عنوانا "الزاويّة لدى البربر: تنظيمها ودورها". هذا فضلاً عن احتكاكه المباشر بالثقافة الإسلاميّة وتعرّفه على عادات المسلمين وعقائدهم وقد ألّف في هذا الغرض مؤلّفات عدّة منها "أولياء الأطلس" (Saints of Atlas) سنة 1969.م.(19)

2- الانثروبولوجيا الإسلاميّة عند إرنست غيلنر:

وضح غيلنر في كتابه " مجتمع مسلم" الذي نقدِّمه إلى القارئ العربي، وبشكل واضح، إنّه يسعى إلى تقديم نظريّة أو نموذج تفسيري لدراسة المجتمعات الإسلاميّة أو العربيّة بشكل عام. وعلى الرغم من أن هذا الطموح كبير، إن لم نقل فضفاض، فإن فيما أكد عليه، باستمرار، في ثنايا متنه إذ كان يعتقد بإمكانيّة ذلك، بل وتمكنهِ من إنجاز مسودة أوليّة مهمّة في هذا الاتجاه. وبطبيعة الحال يرى غيلنز أنّ ما يقدمه إنما يمثل منظوراً ينطلق من مفاهيم أو نظريات ونماذج العلوم الاجتماعيّة عموماً، وعلى وجه الخصوص المنظور الأنثروبولوجي الاجتماعي على الطريقة البريطانيّة!(20).

ولسنا في مجال تناول مسألة أنثروبولوجيا الإسلام من خلال الإمكانيّة أو الأهميّة كموضوع علمي يمكن تقديمه بالدراسة والتحليل، فلقد تناول ذلك العديد من النقاد لعل أبرزهم طلال أسد(21) في نقده لكتاب إرنست غيلنز الذي نقدّمه هنا، وستكون لنا عودة إلى ذلك لاحقاً. إن ما يهمنا هنا – إن سلمنا بإمكانيّة وأهميّة دراسة ” المجتمعات الإسلاميّة”، وهو يوردها “بالمفرد” على اعتبار أنّها تشكل نموذجاً واحداً متشابهاً في كافة أنحاء العالم – هو كيف قدم غيلنز نموذجه النظري.

المرجعيّات التي وظّفها في قراءته:

اعتمد غيلنر على مصادر عديدة في تقديمه لأنموذجه، لكنه اعتمد بشكل محوري وأساسي على مقدمة ابن خلدون، لقد وظف غيلنز التأويل الذي جاء به ابن خلدون للعصبيّة التي تعرف عادتنا بالعصبيّة لكن هذا التأثر لم يكن اعتباطياً بل له مقاصده الثانويّة أو موجهات القراءة الاستشراقيّة التي تعتمد على المنهج الانقسامي وأحكامه المسبقة المتولدة عن قراءات سابقة في أماكن أخرى في العالم لهذا جاء على تصور محدد (لرؤيّة ابن خلدون، يقوم في الأساس انطلاقاً من أن آراء وتفسيرات ابن خلدون لمجتمعات شمال أفريقيا إنما يعتمد على البناء القبلي القائم على العصبيّة والغزو ومن ثم الانقساميّة المستمرّة)(22). إنّ العصبيّة التي درسها ابن خلدون والتي تقوم على توصيف العصبيّة أو العصبة التي لا تعني مطلق الجماعة وإنما الأفراد الذين تجمع بينهم رابطة الدم أو رابطة الحلف أو الولاء بالإضافة إلى شرط الملازمة بينهم من أجل أن يتم التفاعل الاجتماعي، وتبقى مستمرة ومتفرعة بوجود هؤلاء الأفراد واستمرار تناسلهم، فينشأ بين أفرادها شعور يؤدي إلى المحاماة والمدافعة وهم يتعصبون لبعضهم حينما يكون هناك داعٍ للتعصب، ويشعر الفرد بأنه جزء لا يتجزأ من أهل عصبته، وفي هذه الحالة يفقد شخصيّته الفرديّة إذ تذوب في شخصيّة الجماعة، وهو شعور جماعي مشترك لدى أفراد العصبة فهو ذو صبغة جمعيّة أساسيّة بين الفرد والمجموعة، وليس بين فرد وآخر فقط، وفي حال تعرض العصبة إلى عدوان فيظهر في هذه الحالة "الوعي" بالعصبيّة، وهذا " الوعي العصبي" هو الذي يشد أفراد العصبة إلى بعضهم وهو ما يسميه ابن خلدون " بالعصبيّة " التي بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر يجتمع عليه وبالآتي يكون ((والتقارب بين الهويّة والعصبيّة كبير " فالعصبيّة " إنما تكون من " الالتحام بالنسب أوما في معناه " ومن الولاء والتحالف والصحبة . وابن خلدون يرى " إذ النسب أمراً وهمياً لا حقيقة له , ونفعه إنما في هذه الوصلة والالتحام .))(23)؛ فالتأكيد على الرابطة فيها تصور الى تحول وليس ثابتاً كما تريد أن تؤكد عليه الدراسات الاستعماريّة، ومنها دراسة غيلنز في هذا الكتاب الذي نتحدث عنه . ومن هنا يصح القول بأنّ تصوراته تنتمي الى ((تلك النصوص بوصفها قراءات وليدة فضاء استعماري تقوم على منطق الثبات والهويّة بالمقابل فن المنطق الجديد يقدم ممكنات تقوم على مفهوم نقد الثبات والقول بالنسبي والعلاقة المتغيرة بحسب تغير المحيط، فالقيم البدويّة هي قيم ليست سلبيّةً في ذاتها بل هي قيم كانت تستجيب لتحديّات معيّنة لم تعد تستجيب لمنطق الحداثة والعلم لهذا تحولت إلى عائق أمام بناء ثقافة تعدديّة.)).(24)

تأثره الحقيقي والعميق يقوم، على نسخة منقّحة من النظريّة الانقساميّة البريطانيّة حسبما قدمها (ايفانز بريتشارد E.Pritchard)).الذي كان يرى بأنّ مهمّة الأنثروبولوجي تنحصر بدراسة السلوك الاجتماعي الذي يتّخذ غالباً شكل نظم وأنساق اجتماعيّة كنظام العائلة ونسق القرابة والنظام السياسي والإجراءات القانونيّة والعبادات الدينيّة وغيرها من النظم والإجراءات إلى جانب دراسة العلاقة بين تلك النظم والأنساق. (25) ،وهي النظريات الانقساميّة الأكثر شيوعاً وشعبيّة، في السبعينيات، التي كانت تفسر لنا حقل المجتمعات المغاربيّة. اذ حاول غيلنز أن يستلهم أفكار"إيفانز بريتشاد"، في تطبيق تلك الأفكار المستمدّة من المجتمع الأفريقي أن يحاول استلهامها في توصيف المجتمع الصحراوي وإقليمه القائم على التنقل في المغرب كمجتمع قبلي متنقل حاول تشخيصه بالسمات الآتية: إنّ الإسلام ذو رسالة إلهيّة كاملة وخاتمة مما يحول من دون تقديم بعض مجالات الحياة إلى سلطات دينيّة.ثم صعوبة إمكانيّة تقديم صور بديلة للنظام في دفاعه عن موقف الإسلام من الحضارة والصراع بينهما، إذ مجمل التغيرات التي طرأت على الإسلام جراء الحداثة هي تغيرات طارئة ولم تمس الجذور((بأن ما يحدث من تغييرات طرأت على الإسلام جراء الحضارة، بأنه أحدث تغييراً فعلا إلا أن الإسلام لم ينحط))، وصحيح بأنه ليس مصدراً للحداثة إلا إنه المستفيد منها، وذلك ما يدعوه لأن يعالج الفكر الديني كمنهجيّة وليس كعقيدة في تحليل كثير من استنتاجاته وتفسيرها.(26)

من ناحية ثانية كان أمين الى المرجعيّات الغربيّة التي كان يقوم بإسقاطها على واقع مختلف اذ اعتمد غيلنز كذلك على مجموعة متباينة من المفاهيم والأفكار من مصادر متعددة مختلفة تتراوح من هيوم وآراءه في الدين(27) إذ يرى هيوم بـ"أن الدين في المجتمع يتأرجح بين فكرة التوحيد (وحدة الوجود) والتعدديّة، وتبعاً له يرى غيلنز بأنّ هذه الصورة من أقوى الاستعارات التي يمكن من خلالها فهم حركة التدين في المجتمع الإسلامي تاريخياً، وأن مما تميزت به الحركة التاريخيّة للمجتمعات الإسلاميّة في العصر الحديث تحرك البندول في اتجاه طرف الإسلام الأصولي/‏‏‏ النصّي." (28) وإلى توليفة توفيقيّة لمفاهيم "ماكس فيبر" أيضاً الذي كان له أثر في كثير من الدراسات الاجتماعيّة والانثروبولوجيا اذ انصبت كل أعماله على عامل واحد هو الدين، وكانت تتّخذ مسارين اثنين: الأول، تبيان الإسهامة الإيجابيّة للمسيحيّة، أو لإحدى تأويلاتها، في تشكيل مصير الرأسماليّة. الثاني تبيان المعوقات التي أسهمت بها الديانات الأخرى، في منع بروز الرأسماليّة، في مناطق أخرى غير أوروبا.(29)؛ولعل هذا ما يظهر في كتابة الأخلاق البروتستانتيّة التي استعرض بها بروز "التقليد" المتعلق بشكل معيّن من الاقتصاد، وقد أخذ هذا مثلاً على ذلك العلاقة بين روح الحياة الاقتصاديّة الحديثة وبين الأخلاق العقلانيّة لدى البروتستانيّة النسكيّة (30).(ومن ثم كانت موضوعة الدين قد برزت لدى فيبر في تناوله "السلطة الكاريزميّة" التي سوف يكون لها أثرها في غيلنز في توصيفه للمجتمع المغربي ،فهذه السلطة عند فيبر، تقوم على أساس وجود شخص يمتلك صفات استثنائيّة غير اعتياديّة، فالشرعيّة التي يتمتع بها حكم هؤلاء الأفراد تنبع من اعتقاد الناس بصفاتهم الخارقة التي قد تستمد جذورها من شيء غيبي، مثل الاعتقاد بالقوى الروحيّة التي يتمتع بها الحاكم أو التي قد تظهر بوساطة المعجزات أو بوساطة انتصاراته المتتالية في الحروب، أو في مختلف المجالات الأخرى التي هي في صالح أفراد الشعب، ولكن مثل هذه السلطة قد تتلاشى إذا لم يكن هناك شيء من الدلائل على صحة الصفات الخارقة أو غير الاعتياديّة التي يتمتع بها الحاكم، والأمثلة التي يوردها (فيبر) على ممارسي هذه السلطة تشمل: (الأنبياء والسحرة والقادة المشهورين، ورؤساء بعض الأحزاب لمن يتبعهم من الأفراد.. تتميز بالقوة الخارقة والخاصيّة المقدسة لشخص الزعيم وبالنظام المبني على هذه القداسة التي تدفع الأعضاء إلى التسليم بالقيمة الخارقة لرجل أو لفرد يتميز بهذه السلطة) (31).

امّا تأثره بإميل دوركهايم (1858-1917م)، فقد جاء ؛ لأنه الأخير كان له رؤية حاول من خلالها تفسير نشأة المجتمع وما يجعله ممكنا من جهة، ومن جهة أخرى إلى تسليط الضوء على دور المجتمع في انبثاق الفكر المنطقي. ويراهن دوركهايم، على الدين كمفتاح لحل هاتين الإشكاليتين. إذ يؤكد دوركهايم على أنّ التمثلات الدينيّة تمثلات جمعيّة، تبنّى دوركهايم منهجاً تجريبياً، حاول من خلاله استخلاص تلك الإجابات من دراسات ميدانيّة، تناولت بالأساس الحياة الدينيّة لما يسمى بالمجتمعات "البدائيّة"، وخصوصاً الممارسات الطقوسيّة الطوطميّة. وفي كتابه الأشكال الأوليّة للحياة الدينيّة، يعبر دوركهايم عن قناعته بأنّ الدين يشكل الرحم الذي ولدت فيه الحضارة ،فالدين في رأي دوركهايم "يتضمن في نفسه منذ البدايّة كل العناصر التي أدّت إلى انبثاق مختلف تمظهرات الحياة الاجتماعيّة..".(32).

تلك المرجعيّات كانت حاضرة ومتحكمة في فكر غلينز وهذا ما ظهر في كتابه عن الإسلام في المغرب، قد تبدو في الوهلة الأولى متطابقة تماماً مع التيار العام السائد بين المسلمين. فبالنسبة له يقدم الإسلام كمسوّدة اجتماعيّة لنظام اجتماعي، تعاليم الإسلام فيه تفصيليّة وتغطي كافة نواحي الحياة. وهذه المسودة ذات الطبيعة القانونيّة الأخلاقيّة، تتطلب من المسلمين الالتزام بها والإذعان لموجهاتها. وبذلك يتشكّل المجتمع وتتم صورته على هذا الأساس. والإسلام في نظر غيلنز يتميّز عن غيره من الأديان في قدرته وتفوقه على فرض تعاليمه ومعتقداته على أتباعه، وهو ذو شخصيّة مستقلة عن تصرفات أتباعه في نصوصه المقدّسة التي لا يمكن لكائن من كان، تغييرها أو تحويرها أو العبث بها. كل هذا يمكن رصده في كتابة (المجتمع المسلم) بقسميه النظري إذ رصد الباحثون بها تعدداً في الموضوعات وهذا ما جاء في الفصل الاوّل و في الفصول الأخرى المتبقيّة ومرد هذا الى ما عرف عن غيلنز من تعدد في الاهتمامات، فهو بالإضافة إلى أنّه من أبرز علماء الأنثروبولوجيا البريطانيين، فقد كان أيضاً معروفاً بإسهاماته الفلسفيّة وبالذات في حواره ونقده للمدرسة الإنجليزيّة العاملة في مجال فلسفة اللغة. فضلاً عن ذلك، فإن لغيلنز جهوداً معروفة في مجال دراسة علم الاجتماع السوفييتي (سابقاً)، وعلى وجه الخصوص اهتمامه بالبداوة في وسط آسيا ومقارنتها ببداوة الشرق الأوسط عموماً. وله اهتمام متميز بقضايا الحداثة وما بعد الحداثة، فهو من أكبر نقّادها وأبرزهم، وبخاصة في علاقتها بالدين، وربما كانت مداخلته وجدله مع أكبر احمد في إحدى كتبه الأخيرة عن: "العقل والدين وما بعد الحداثة " وفي هذا الكتاب تكامل مع كتابه السابق من خلال الرؤية التي ينطلق منها نحو فهم الإسلام وهي الرؤية التي تؤكد على الثابت، وهو الشريعة وتهمل المتحول وهي الطقوس لهذا فهو، يسعى في الوقت نفسه الى أن يقدم فيها نقده اللاذع للنسبويّة الغربيّة المطلقة، وكذلك الأصوليّة الوثوقيّة الإقصائيّة للآخرين، والتي يرى بأن أفضل من يمثلها الإسلام السياسي، وهذا ما يظهر بكتابة الثاني ،فهو يصف بنيَة المجتمع الإسلامي بالقول: " قد يكون المقوم المركزي والأكثر أهميّة فعلاً في الإسلام هو انشطاره داخلياً الى إسلام نخبوي رفيع يمثل ثقافته العليا الفقهاء والعلماء والمفكرون، وإسلام شعبوي قاعدي يمثِّل العامة ثقافته الدنيا ." فهو يحلل هذا القول عبر تأكيده على التغيرات التي أصابت البنيَة السياسيّة في الإسلام في حقبة التحديث وظهور الاستقلال بالقول:" كان الخطر الذي يدهم الحاكم المسلم متمثلاً في اندماج وتكتل هاتين القوتين: حركة احيائيّة تصر على الحفاظ على الحقيقة الدينيّة المتشددة يؤازرها دعم مجتمعات محليّة ريفيّة ذاتيّة الحكم، متلاحمة ومسلحة وتملك الخبرة العسكريّة مارست هذه المجتمعات المحليّة في العادة شكلاً ثقافياً مختلفاً من الإيمان القاعدي (الشعبي) ." بمعنى أنّه يرصد التحولات الحديثة ؛لأنها جمعت بين فكر تحديثي إصلاحي الى جانب محافظتها على الفكر الشرعي بإطاره العام كما هو في المؤسسات الدينيّة الى جانب الاسلام الشعبي كما هو في الطرق الصوفيّة والأولياء ، وبالآتي فهو يريد إرجاع الصراعات داخل الإسلام الى نمط من الصراع بين تراثين: تراث شعبي وتراث رسمي . ويرى بأنّ الفرق بين النمطين: يعتنق الإسلام النخبوي الرفيع الفقهاء والعلماء في المراكز الحضريّة (وينتمي هؤلاء غالباً الى طبقة التجار إذ تجتمع بين: (الثقافة والعلم والتجارة) وتعكس الميول والقيم الطبيعيّة للطبقات الوسطى المدنيّة وتشمل هذه القيم: (النظام، والتقيد بالقوانين والقواعد، والرزانة والرصانة، والتعلم وتنفر نفوراً شديداً من الحالات الهستيريّة والإسراف في الاهتياج العاطفي والوجداني . والاستعمال المفرط للاستثمارات السمعيّة البصريّة المساعدة على نشر الدين) . يشدد هذا النمط العالم الرفيع من الإسلام النخبوي على الطبيعة التوحيديّة، أمّا الإسلام العام أو إلاسلام القاعدي الشعبي بثقافته الدنيا فمختلف تماما . وإذا ما عرف القراءة والكتابة فهو يفعل ذلك بشكل رئيسي يستعمل الكتابة لأغراض السحر. وليس كأداة للعلم والثقافة وهو يشدد على الشعوذة أكثر من التعلم، والنشوة والوجد والانجذاب الصوفي أكثر من التعقيد بالقانون والنظام . (33) فهذا الكتاب يدعم كتابه الأوّل ويؤازره في التأكيد على الجانب الثابت والصلب هو الشريعة وهي التي تعارض الحداثة والقوانين الوضعيّة لهذا نجده، يقول: "الفكرة الرئيسة، أو النظريّة التي يتمحور حولها الكتاب تدور حول أن الإسلام يشكِّل مسودةً لنظام اجتماعي، لأنه يعبر عن وجود مجموعة من القواعد الأزليّة والمنزلة، المستقلة عن إرادة البشر التي تحدد النظام الصحيح للمجتمع، وهي القواعد الموجودة والمحفوظة والمتاحة للجميع وليست في يد طبقة أو هرميّة دينيّة، مما ينفي الحاجة إلى "كنيسة" من دون أن يلغي هذا وجود "الفقهاء" في المجتمع "(34).

وهو يرجع الأمر الى التاريخ بقوله: "وقد يقوم سواد الناس في المدن بأعمال الشغب تحت قيادة فقيه عالم يحظى بالهيبة والاحترام ؛لكنّه لايشكل تهديداً خطيراً داهماً للسلطات الرسميّة القائمة الخطر الحقيقي الذي يتهددها يكمن في التحالف بين فقيه يتمتع بالاحترام وقبائل طرفيّة تتمتع بقوة عسكريّة . كانت هناك صفة طاغيَة على الحقبة الكلاسيكيّة من الإسلام إذ كانت الدولة مجزّأة بين دولة مركزيّة يحكمها إسلام عالم وأطراف تتمتع بالإدارة الذاتيّة . وبالآتي يصف كل ثوراتها أنها ثورات إصلاحيّة لا نهائيّة أو دوريّة إذ ظلّ يصحح دائماً السلوك الأخلاقي للمؤمنين ويصلحه(35).

المبحث الثالث: المواقف النقدية من المنهج الانقسامي لدى إرنست غيلنز

لقد كان الكاتب إرنست غيلنز الذي نتناول فكره وخصوصاً كتابه عن الانثربولوجيا فالاسلام معروف في الأوساط العلميّة وقد كان موضوعاً لدراسات وانتقادات عديدة. تناولت جوانب عديدة من ما قدمه غيلنز. فبعضها تناول أطروحة غيلنز الأساسيّة بالنقد والدراسة.

و غيلنز يعرض أفكاره بوصفها أفكاراً ” موضوعيّة ” نزيهة من أي تحيّز أو تحامل على المجتمعات التي يدرسها، بل إنّ بعض علماء الأنثروبولوجيا المسلمين كانوا يعدّونه من أبرز المناصرين للرأي المسلم أو على الأقل المدافعين عنه والمتفهمين لدوافعه! وما يجعل لمثل هذه الآراء أهميتها، أن غيلنز كان دائم الحضور في المحافل السياسيّة البريطانيّة والأوروبيّة المهمة، ولعل شغله لمنصب كرسي الدراسات الأنثروبولوجيّة في جامعة كمبريدج ومن ثم إبراز اهتمامه بدراسة الإسلام، عامل مهم للغايَة في تاريخ الدراسات الأنثروبولوجيّة عموماً وفي تاريخ كامبريدج على وجه الخصوص! (36).

طلال أسد:

في مقاله “البحث عن مفهوم لانثروبولجيا الإسلام” والذي يرى فيه طلال اسد أن غيلنز بسط الإشكاليّة التي يدرسها بشكل مخل وتجاهَل حيويّة تاريخ المسلمين وطبيعة تعاملهم مع النصوص الإسلاميّة الأساسيّة، وهو يرى بأنّ ما قدّمه غيلنز عبارة عن نص مقدس يعمل في الهواء، إذ هو غيّب المسلمين بوصفهم كائنات تتفاعل وتعيش تعاليم النص المقدس. ويقترح أسد في هذا المضمار، إعادة النظر في نوعيّة الخطاب الإسلامي برمته، الأمر الذي يتجاهله غيلنز في نظره، ويرى أسد بأنّ من أهم مميزات هذا الخطاب أنه استطراد تفسيري تراكمي على النص المقدّس (القرآن والسنة) فضلاً عن السوابق التاريخيّة والظروف والسياقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة التي يمر بها المجتمع، ومن تفاعل هذه الأمور تتولد عمليّة التفاعل مع النصوص المقدسة والتعامل معها.

وحاول بأن يؤكد على نقده في توظيف المستشرقين لمفهوم الانقساميّة في المجتمع المغربي والذي استمر عليه غيلنز عندما أكّد على أنّ سمات المجتمع المسلم التقليدي مبنيّة على أساس ثلاثة مفاهيم مختلفة جداً .فدين القبيلة المعياري هو "دين الدراويش والمرابطين " وفي كلمات غيلنز يتجسد لنا مفهوم دوركايمي في الأعياد . ويجعلها مبهمة كشيء مقدس ومرئيّة رائعة وأصيلة لذا فإن مفهوم الدين يشمل هنا الإشارة إلى قراءة الطقوس الجماعيّة على اعتبار كونها عمل مقدس – والأمر نجده كذلك عند دوركايم باعتبار الدين تمثيلاً رمزياً للبنيات الاجتماعيّة والكونيّة .

أمّا في المفهوم المستعمل لوصف دين فقراء الحضر فهو مختلف كلياً وهو مشتق بوضوح من الكتابات المبكِّرة لماركس عن الدين وذلك على أساس أن الدين "وعي زائف " فيكتب غيلنز:" للمدينة فقراؤها وهم بدون جذور وغير مستقرين ومغتربين وما يحتاجونه من الدين هو الاندماج والتماسك أو الهروب وذوقهم يميل إلى القساوة والإثارة مع انخراط في الطرف الديني والذي هو نسيان أيضاً .

أمّا حينما نلتفت إلى دين البرجوازيّة فإننا نواجه أفكاراً تنظيميّة نجدها جديدة أيضاً، إذ يعلِّق غيلنز فيقول:"إن البرجوازي الحضر الذي هو أبعد ما يكون عن تذوق الاحتفالات العامة، ويفضل المتعة العاقلة في التقوى التي تقوم على العلم، وهو ذوق أكثر تجانساً مع كبريائه ورسالته التجاريّة" (37).

هنا يقول طلال اسد:"هذه الطرق المختلفة في الحديث عن الدين – القبلي والحضري – هي ليست مجرد جوانب مختلفة للشيء نفسه . إنها بناءات وصيغ مختلفة تحاول أن تقدِّم أشياء مختلفة، وترفض افتراضات مختلفة حول: (طبيعة الحقيقة الاجتماعيّة وأصول الاحتياجات و مبرر المعاني الثقافيّة)، ولهذا السبب، فإنها ليست مجرد تقديمات مختلفة، بل إنّها بناءات متباينة، وعند الإشارة اليها فإننا لا نقارن بين متشابهات"(38).

كذلك يعيب أسد على غيلنز الأسلوب التلفيقي الذي تعامل به في دراسة المجتمعات الشمال أفريقيّة الذي يقدمه في كتابه، وعلى وجه الخصوص كيفيّة استعمال غيلنز لمفهوم الدين ووظائفه عند ماركس ودوركايم وفيبر وجعلها كما لو كانت مفاهيم منفصلة يمكن استعارتها بعيداً عن المنظومة النظريّة التي تنتمي إليها. (39)، وهكذا أرجع تلك الاستعارات التي قد تبدو في ظاهرها معبرة ومنتجة أو حتى ذكيّة، إلا أنّها في حقيقتها تناصات تم توظيفها من دون تبيئتها مع المحيط المدروس "المغرب" بل تمّ إسقاطها بشكل لم يراع تباين البيئات الثقافيّة والاجتماعيّة بين الغرب والمغرب كما ظهر في تبين مرجعياتها كما كشفها طلال أسد فهي ليس نتيجة توصل لها بعد تجارب ميدانيّة ؛ بل إسقاط نتائج متولدة من مجتمع مختلف تم نقلها وإسقاطها على مجتمع مختلف في مداخلاته ومخرجاته .اذ لم تزل تلك الدروس حاضرة كما كشفها أسد . ونتيجة هذه الممارسة جعلنا نتردد في قبول مجمل الأطروحة؛ بسبب هذه الأجزاء المنتزعة من سياقاتها.

سامي زبيدة:

ينتقد غيلنز انطلاقاً من زاويّة مختلفة تماماً، فهو يرى بأنّ نموذج غيلنز أو أطروحته، إن صدق فإنما يصدق على المجتمعات البدويّة في شمال أفريقيا التي درسها في الأصل ابن خلدون والتي لم يضف غيلنز الكثير إليها على ما قدّمه ابن خلدون! ومن ثم تعميم إطروحة غيلنز على المجتمعات الإسلاميّة أمر يحتاج لإثبات. وفي الواقع يقدِّم زبيده اعتراضاته الواحد تلو الآخر مؤكداً على أنّ المجتمعات البدويّة لا تشكل سوى جزء أو صنف من أصناف أخرى ظهرت في العالم الإسلامي والشرق الأوسط على وجه الخصوص. وفي هذا السياق يقدم كنموذج “المجتمع العثماني” وهو مجتمع تميّز بنظام اجتماعي وسياسي حضري مركب متميز ببيروقراطيّة واسعة وحياة حضريّة مركّبة. صحيح إن مثل هذا المجتمع قدّم نماذج نظريّة لدراسته من مثل مجتمعات الاستبداد الشرقي أو المجتمعات المائيّة أو أسلوب الإنتاج الآسيوي وخلافه، فضلاً عن إمكانيّة دراسة أمثال هذا المجتمع، وعلى الرغم من تعدد صوره ونماذجه، بوصفها مجتمعات إمبراطوريّة. بطبيعة الحال يمكننا إضافة مجتمعات الجزيرة العربيّة ذات البناء والتاريخ الاجتماعي المختلف، وكذلك مجتمعات جنوب وجنوب شرق آسيا وكذلك وسط آسيا، والأقليّات المسلمة في آسيا وأوروبا وأفريقيا، والتي تقدِّم نماذج مجتمعيّة ربما كان من الصعب أن نتصور بأنّ أنموذج غيلنز يمكن أن يقدِّم تحليلاً لبنيتها وأسلوب الحياة فيها. وفي رأينا يظهر بأنّ آراء زبيده في هذا الخصوص صائبة. وإن كانت كل ما تفعله هو أنّها تجعل أطروحة غيلنز محصورة في دراسة مجتمعات شمال أفريقيا! (40).(41).

عبد الله حمودي وغيره:

ظهرت مجموعة أخرى من الدراسات النقديّة من الباحثين المغاربة الذين اعترضوا على صلاحيّة الأُنموذج الانقسامي لدراسة مجتمعات شمال أفريقيا، مقدمين في نقدهم العديد من الأمثلة التاريخيّة والاجتماعيّة على عدم صلاحيّة النموذج النظري أو مصداقيّته لتفسير ما كان يجري فعلاً في تلك المجتمعات. وإن كان النقد مركز على الأدوات والمفاهيم وليس بمجمل الأطروحة. ومن تلك الملاحظات على الأدوات الملاحظات الآتيّة:

 أ‌- إسقاط الأنموذج: ونعني بذلك أنّ الانقساميّة سقطت في فخ الأنموذج الذي كان دوركايم قد رسم معالمه فيما سبق واستكمل انجازه ايفا نز بريتشرد في إطار مجتمع نيلي له خصوصيّات تميزه عن المجتمع الإسلامي في منطقة برقة.

ب‌- إهمال البعد التاريخي والتراتب الاجتماعي: يضاف إلى ما سبق أنّ التناقض البارز الذي وقع فيه الانقساميون هو التناقض مع واقع القبائل التي قاموا بدراستها وهذا هو الذي أدى بهم إلى فصل القبائل عن سياقها التاريخي العام.

ج- إهمال أشكال الملكيّة: وفضلاً عن ذلك إن ما يبعث على الاستغراب والدهشة لدى الباحثين ذوي المنحى الانقسامي إهمالهم لمسألة تحليل أشكال الملكيّة داخل المجتمعات القبليّة؛ وذهولهم الشديد عن البت في تأثير الإسلام على نظام الملكيّة.

د- نقد نظريّة الجد المشترك: حينما ركزت النظريّة الانقساميّة على مسألة الجد المشترك الذي تنحدر منه القبيلة فإنها بذلك جانبت الصواب كثيراً. فالواقع يثبت بما لا يدع مجالاً للارتياب، أنّ الجد المشترك المزعوم قد لا يكون جداً فعلياً.

هـ- المرابطون وطوبى التحكيم: يتبين مما سبق بأنّ غلينز يعطي أهميّة قصوى للمؤسسة المرابطيّة في الحفاظ على توازن القبيلة؛ في حين تفيد بعض الدراسات التي أنجزت في حقل التاريخ الاجتماعي المغربي بأنّ الصلحاء كانوا رجال حرب من الدرجة الأولى؛ فقد كانوا يكلّفون بمهام إخماد الفتن؛ وشد أزر السلطان عبر التعاون مع ممثلي المخزن المحليين لإخضاع السكان إما، بالترهيب وأمّا بالترغيب.

وقد تناولها "عبد الله حمودي" (مواليد 1945) في دراسته النقديّة لانقساميّة غيلنز؛ بين كيف أنّ هذا الأخير لم يفطن لأمر وجود عائلات كبرى تحظى بالتقدير الكبير من لدن العطاويين وهم المعروفون بـــ "اختارن" مفرد "أختار" وتعني الكلمة الشيخ أو الكبير/كبير القوم . فـــ " اختارن" هم الذين يحتكرون الرئاسة ؛نظراً لعراقة نسبهم وكرمهم. يقول حمودي في هذا الإطار: "يحدّد النسب ظاهرياً القسمات الاجتماعيّة باعتبارها مفهومة للمجموعات البشريّة ولمستويات الانقسام التي تحتلها وكذلك لنقاط الانصهار والانشطار".

أمّا بخصوص الصراعات يرى الأستاذ حمودي بأنه بسبب الصراعات القبليّة المستمرة يحدث أن تستولي قبيلة ما على أدوار أو على قبيلة أخرى فيتم إدماج المجموعات المغلوبة من ضمن المجموعات الغالبة؛ ومنح أعضائها حق اللجوء، والضيافة وفي نهايّة المطاف إعطاء أسماء جديدة للمناطق التي تم إخضاعها. ويردف حمودي قائلا: " بهذا الأسلوب يبرر الغزاة شرعيّة وجودهم واستحواذهم على أراضي القريّة، كما يحاولون إعطاء صورة متجانسة بالنسبة للخارج عن المجموعة التي يشكلونها مع “مستقبليهم"، وفي النقطة التي تناولت توظيف غيلنز لمفهوم " الصلحاء "يرى عبد الله حمودي: بأنّ صلحاء زاوية التي درسها غيلنز كانوا يتميزون بقدرة هائلة على إخماد الفتن بالقتال الضاري الشيء الذي يجرنا إلى القول بأنّ "الأكرام" زعيم عسكري يقود جموعه التي يرتكب بها أحياناً مجازر وحشيّة في حق المعارضين الأمر الذي يضحي معه خطراً على السلطان نفسه. وهو ما يقذف بنا إلى القول بأن مسالمة الصلحاء، وأدوارهم التحكيميّة بين القسمات المتنازعة؛ تظل في تقديرنا في غايَة النسبيّة، كما لاحظ ذلك غيلنز.

إدوارد سعيد:

بطبيعة الحال لا بدّ لنا من التعريج وبشكل سريع على الجدل الساخن الذي دار بين إدوارد سعيد وغيلنز والقائم على التناول الإيديولوجي الشخصي بين طرفين والذي يوضح كيف أن كليهما حاول بأن يكون "الممثل" الرسمي لوجهة النظر التي يقدمها أو يتبناها، ولا حرج في ذلك أن يلحق بالآخر الغمز في النوايا أو الطعن في عمق المعرفة وعلميّة التناول.

على الرغم من أنّ علماء الانثروبولوجيا لا يعدون أنفسهم من المستشرقين وغالباً ما ينظرون الى المستشرقين التقليديين بازدراء ؛ وسبب ذلك هو أنّ تدريبهم داخل حقل علم الانثروبولوجيا أقوى من تدريبهم في (لغات وآداب وتاريخ الشرق الأوسط).لكنهم مع ذلك يقعون من ضمن تعريف إدوارد سعيد للمستشرق:" كل من يدرس أو يكتب أو يبحث في أمور الشرق " (42)، ثم إنّه يعرِّف الاستشراق بوصفه " أسلوباً للتفكير يعتمد على تفريق أنطولوجي وإبستمولوجي بين "الشرق " وبين "الغرب" ويرى بأنّ الاستشراق عبارة عن "مؤسّسة منظمة للتعامل مع الشرق تعليمه ووصفه بل وحكمه"(43).

فإنّ الاختلاف في مستوى المنهج وتقديمه على مناهج المستشرقين لا يعني تبرئة الانثروبولوجيا من ارتباطها بالاستشراق الجديد، وارتباطها به وبالسلطات الداعمة للبحوث والغايات القائمة على معرفة الآخر نفسها ومن ثم حكمه والهيمنة على مقدراته، لهذا نجد بأنّ رجال الاستشراق الجديد يحتلون مكانة مهمّة في الخطاب الغربي في رسم الاستراتجيات واحتلال مكانة مهمّة في المؤسّسات الغربيّة السياسيّة والعلميّة . ومن هنا يمكن بأن يكون العريف سعيد يشمل الاستشراق الجديد عموماً وغيلنز خصوصا، فالرجل له ارتباط كبير بالاستشراق ،فقد عرف بتعدد اهتماماته، وبسبب أسلوبه الذي لا يخلو من نبرة أنويّة، وأسلوب كتاباته الذي يسعى فيها إلى إسقاط أحكام وتنبؤات على المستقبل ،و ليس فقط إلى تناول الواقع ،وبنبرة وثوقيّة بها قدر كبير من الجرأة والاعتزاز بالنفس. وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار المكانة العلميّة والمنصب الأكاديمي الذي شغله غيلنز، أدركنا كم هو مهم بأن نقدر صدى وقيمة ما يعرضه من أفكار وآراء سواء في كتبه أو مقالاته الصحفيّة أحياناً.

ثارت طائفة كبيرة من الجدل والنقد في كتاب الاستشراق وأعمال إدوارد سعيد الأخرى، فقد رأى إرنست غيلنز، بقوله: إنّ زعم إدوارد سعيد بأنّ الغرب قد سيطر على الشرق لمدة أكثر من 2000 عام أمر مستحيل، فلقد كانت الإمبراطوريّة العثمانيّة حتى أواخر القرن السابع عشر الميلادي تُشكِّل خطراً كبيراً على أوروبا.(44)

 

أ. د. عامر عبد زيد الوائلي

............................

هوامش البحث

(1) http://mawdoo3.com/

(2) ا. ج آربري. المستشرقون البريطانيون .تعريب محمد الدسوقي النويهي. لندن، 1946، ص8.

(3) م.أ. جويري، علم الشرق وتاريخ العمران، الزهراء، الربيع الاول 1347ه ،ص11-14. بواسطة علي مراد، معجم اسماء المستشرقيين، www.alkottob.com

(4) رضوان السيد، المستشرقون الالمان –النشوء والتأثير والمصائر، نشر المدار الإسلامي، ط1، 2007م، ص11.

(5) http://mawdoo3.com/

(6) محمد زاهد، أيت ورياغر، قبيلة من الريف المغربي: أسئلة الأنتروبولوجيا ومداخل الإثنوغرافيا.

(7) ليلى أبو اللغد، المجالات النظريّة في أنثروبولوجيا العالم العربي ،ص 89. وانظر ادوارد سعيد، الاستشراق، نقله الى العربية كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، ط1، بيروت، 1981، ص 269.

(8) ليلى أبو اللغد، المجالات النظريّة في أنثروبولوجيا العالم العربي، وانظر ادوارد سعيد، الاستشراق، ص 196.

((9 حسين فهيم، قصة الأنثروبولوجيا فصول في تاريخ علم الانسان، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ط1، الكويت، 1986م، ص 18.

(10) قد صوّر دوركايم النتيجة في نظرته الى الطوطميّة بوصفها تعبيراً مادياً عن حقيقة مجردة، ترمز إلى شيئين ،فهي الصورة الخارجيّة المحسوسة لما يسمى بالإله الطوطمي من جهة، ورمز خاص للعشيرة تميزها من باقي العشائر من جهة اخرى، وعلى هذا الأساس ظن دوركايم أن الإله والجماعة ليسا سوى شيء واحد ،أي أن إله العشيرة هو العشيرة نفسها، ومن ثم لم تعبد العشيرة إلهاً بل عبدت نفسها .

(11) لطفي الإدريسي، أهم نتائج الطرح الانقسامي بخصوص القبيلة المغربيّة ،دراسة سابقة .

(12) انظر: جون واتربوري، أمير المؤمنين " الملطية والنخبة السياسية المغربية، ترجمة: عبد الغني ابو العزم واخرون، مؤسسة الغني،ط1، الرباط، 2013.

(13)) ونظر: M iddelton (J)- Tait (D): 1958 ; Tribes without Rulers , Studies in African Segmentary Systems ; London ; Mair (L) M 1962, Primitive government.

(14) عبد الرحمن، بعض مفاهيم العلوم الإنسانيّة من منظور المؤرخ ،.المودن 15 نوفمبر 2015م.

(15) المصدر نفسه إذ يبين بأنّ: "دراسة (إرنست كلنر) حول قبائل الأطلس الكبير – الأوسط المواليّة لزاويّة أحنصال، وقبله (د.هارت) الذي يعد أول من درس واقع القبائل المغربيّة من خلال أنموذج التحليل الانقسامي؛ حيث قام بدراسة ثلاثة قبائل هي: (آيت عطا) بالأطلس، (دكالة) بالجنوب و(بني ورياغل) بالريف الأوسط. وأخيرا (رايمون جاموس) الذي ركز دراسته الشهيرة حول "العرض والبركة"، على إحدى قبائل الريف الشرقي، والأمر يتعلق بقبيلة "قلعيّة".

(16) لطفي الإدريسي، أهم نتائج الطرح الانقسامي بخصوص القبيلة المغربيّة ،الحوار المتمدن-العدد: 2907 - 2010 / 2 / 4 - 07

(17) البدائيّة: هناك تقسيم ينظر الى تاريخ البشريّة بالشكل الآتي: المرحلة الوحشيّة التي تتميز بالعيش على النباتات والحيوانات البريّة واستعمال آلات العصر الحجري والمرحلة الثانيّة البربريّة التي تتميز بظهور الزراعة والآلات المعدنيّة ونوع من الحياة الجماعيّة في القرى والحواضر والمرحلة المتمدينة التي بدأت عندما اكتشف الإنسان فن الكتابة .أنظر:أشلى مونتاغيو، البدائيّة، ترجمة محمد عصفور، عالم المعرفة ،الكويت، ص54.

(18) مبروك بوطقوقة، المنهج الأنثروبولوجي والدراسات الميدانيّة

: https://www.facebook.com/profile.php?id=100006738151849

19 http://www.mominoun.com

(20) إنّ توجه الانثروبولوجيين البريطانيين نحو دراسة البناء الاجتماعي والوظيفة قد جاء متأثراً بالاتجاه التجريبي عامة وبأفكار المدرسة الفرنسيّة لعلم الاجتماع. وهكذا توجهت المدرسة الانثروبولوجيّه البريطانيّة نحو دراسة الأنساق الاجتماعيّة Social Systems والبناءات الاجتماعيّة Social Structures مما جعل من مفهوم الانثروبولوجيا الثقافيّة عندهم يتطابق مع مفهوم الانثروبولوجيا الاجتماعيّة Social Anthropology على خلاف المدرسة الأمريكيّة التي اتخذت موقفاً متطرفاً حيال التميز بين الأنثروبولوجيا الثقافيّة والانثروبولوجيا الاجتماعيّة كما يبدو ذلك جلياً من تركيزهم على دراسات الثقافة وإهمال دراسة السلوك الاجتماعي وكما في أعمال رالف لنتون وكلاكهون وبواس . انظر: عيسي شماس، مدخل إلى علم الإنسان، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2004م، ص16.

(21) د. طلال اسد: أستاذ الانتربولوجيا بجامعة هل البريطانيّة، له العديد من المؤلفات منها الانتربولوجيا، والاستعمار. ودراسة عن بدو الكبابيش في السودان فضلاً عن كونه محرر من محرري الاقتصاد والمجتمع.

(22) انظر: عبد الرحمان المودن، بعض مفاهيم العلوم الإنسانيّة من منظور المؤرخ، . 15 نوفمبر 2015م في دراســات.

(23) ابن خلدون ،المقدمة ،بيروت ،دار القلم ،1989م.ص130.

(24) عبد العزيز قباني ،العصبيّة بنيّة المجتمع العربي ،دار الافاق الجديد ،بيروت ،ط 1، ص19.

(25) عالم انثروبولوجيا انجليزى كبير أسهم في تطوير الانثروبولوجيا الاجتماعيّة. كان بروفيسور في الانثروبولوجيا الاجتماعيّة في جامعة اوكسفورد فى انجلترا من سنة 1946 – 1970م. عمل محاضراً في جامعة القاهرة سنة 1932 م. عمل دراسات وابحاث مهمه عن قبيلة الأزاندي والنوير فى افريقيا

. https://arz.wikipedia.org/wiki

(26) الشخصيّة العراقيّة وانثروبولوجيا الدين/ في ضوء أطروحات آرنست غيلنز، 2015م-04-22:  http://www.baytalhikma.iq/News_Print.php?ID=302

(27 (Hume ,A Treatise of Human Nature .Edited by LA Selted-Bigge (Oxford:the Clarendon pres,1896.

(28) عبدالله بن عبد الرحمن الوهيبي، حول الاستشراق الجديد مقدمات اولية، مجلة البيان، ط1، الرياض، 1435هـ، ص 105.

(29) انظر: علي ليلة، ماكس فيبر والبحث المضاد في أصل الرسماليّة، المكتبة المصريّة، ط1، الإسكندريّة، 2004م.

(30) ماكس فيبر، الأخلاق البروتستانتيّة وروح الراسماليّة، ترجمة، محمد علي مقلد، مركز الانماء القومي، ط1، بيروت،ص12.

(31) 2-J. Beckford, Religion and Advanced Industrial Society (London: Unwin-Hyman, م1989)p:32.

(32 (LaCapra D., (2001), Emile Durkheim. Sociologist and Philosopher, Aurora, Colorado: The Davies Group, Second Ed., p. 236

(33) ارنست، غيلنز، العقل والدين وما بعد الحداثة، دار المدى للطباعة والنشر، ط1، بيروت .

(34) محمد م الأرناؤوط: عرض لكتاب مجتمع مسلم لأرنست غيلنر ترجمة أبو بكر أحمد باقادر 2005م، موقع أرنتروبوس.

(35) ارنست، غيلنز، العقل والدين وما بعد الحداثة، ص34

(36) محمد م الأرناؤوط: عرض لكتاب مجتمع مسلم لأرنست غيلنر ترجمة أبو بكر أحمد باقادر 2005م، موقع أرنتروبوس.

(37) انظر: طلال اسد، فكرة انثروبولوجيا الإسلام، ضمن الفصل الثاني من تحرير وترجمة ابو بكر أحمد باقادر، انثروبولوجيا الإسلام، دار الهادي، ط1، بيروت، 2005م، ص 49-53.

(38) المصدر نفسه، 70-74.

(39) محمد م الأرناؤوط، عرض لكتاب مجتمع مسلم لأرنست غيلنر ترجمة أبو بكر أحمد باقادر 2005م، موقع أرنتروبوس.

(40) محمد م الأرناؤوط، عرض لكتاب مجتمع مسلم لأرنست غيلنر.

(41) ليلى أبو اللغد، المجالات النظريّة في أنثروبولوجيا العالم العربي، ضمن الفصل الثالث، من تحرير وترجمة ابو بكر أحمد باقادر، انثروبولوجيا الإسلام، دار الهادي، ط1، بيروت، 2005،ص85-

(42) ليلى أبو اللغد، المجالات النظريّة في أنثروبولوجيا العالم العربي ،ص 89. وانظر ادوارد سعيد، الاستشراق، ص 269.

(43) نفس المصدر والصفحة .

(44) إدوارد سعيد.. مثقف فى مواجهة العالم http://almadasupplements.com/news.

 

مجدي ابراهيمكُنّا في المقالة السابقة طرحنا نماذج لفلسفة التخريج عند صوفية الإسلام فضربنا عليها هنالك بمثالين؛ ووعدنا في نهاية المقالة أن لحديثنا بقيةً، وها نحن ننتقل إلى مثال ثالث، يُوَضِّح افتراق دلالة الظاهر عن دلالة الباطن في لغة الخطاب الصوفي، وقيام فلسفة التخريج لديهم قياماً غير مشكوك فيه عندنا، وذلك لكشف غَوْر المعنى الباطن من مُوحيات اللغة الظاهرة؛ لا بل أبعد غوراً ممَّا تعطيه دلالة الباطن : عبارةً وإشارةً:

كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ت 656هجرية) يقول :"مراكز النفس أربعة : مركز للشهوة في المخالفات. ومركز للشهوة للطاعات. ومركز في الميل إلى الرَّاحَات. ومركز في العجز عن أداء المفروضات : (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) (التوبة : آية ٥).

يبدو في الظاهر أن سياق الآية لا علاقة له قطعاً بما يقوله الإمام الشاذلي. وانفصال العلاقة معناه : "التباس الدلالة". غير أن وجه الإشارة يجيز مثل هذا التخريج ولا يمنعه. ولنذكر مساق الآية الكريمة أولاً ثم نحاول تخريجها بما تفرضه علينا لغة الإشارة، وتكشفه لنا لغة المجاز. ولنقرأ سياق الآية ثانية في قوله تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

إنَّا لنفهم من سياق الآية، أنه إذا انقضتْ أشهر العهد الأربعة : فاحْبِسوا المشركين في المكان الذي يَتَحَصَّنون فيه، وأقعدوا لهم في كل طريق وممرِّ ومكان، كونوا لهم وعليهم وفيهم رُقباء، فإنهم العدو فاحذروهم وأقيموا لهم بالمرصاد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة فلا تتعرّضوا لهم بقتال ولا بنزال، ولا تأسروهم ولا تقطعوا لهم طريقاً، خلّوا سبيلهم إذا التزموا التوبة. ويجيء التعقيب : "إنّ الله غفور رحيم".

هذا ظاهر ما يُسَاق من فهم الآية؛ فما علاقته أصلاً بمراكز النفس كما أورده شيخنا، وما علاقة مراكز النفس به؟

لا توجد علاقة من حيث الظاهر أو هكذا تبدو الرؤية لكل ذي نظر عجول، وعند التأمل يظهر لك الفارق بين دلالة العبارة الظاهرة، ودلالة الإشارة الباطنة؛ فالعلاقة هنا علاقة تشابه بين قتل المشركين كافة كمَا دَلَّت عليه الآية، وبين جهاد النفس في مراكزها الأربعة، والتشابه هو بالطبع :"الأساس الدائم للمجاز أو الاستعارة أو المماثلة".

هنالك يَبْرُز أساس المجاز كونه يأتي لنقل كلمة عن مدلولها الأصلي (الحقيقي) إلى مدلول آخر لعلاقة المُشَابَهة أو غير المُشَابَهَة فتجيءُ "المعاني الإضافية" مُرتبة في نفس صاحبها؛ لتخرج بدقائق الكلام من باطن النفس إلى ظاهرها اللفظي، مع ما يضاف إلى هذا كله من تخريج ذوقي هو أساس علم الإشارة.

وإنَّا لنميل إلى القول هنا "بالمجاز المُجمل"، وهو كما عرفَّه الجرجاني :"ما خَفِيَ المُراد منه بحيث لا يدرك بنفس اللفظ إلا ببيان من المجمل سواء كان ذلك لتزاحم المعاني المتساوية الأقدام، كالمشترك؛ أو لغرابة اللفظ، كالهلوع، أو لانتقاله من معناه الظاهر إلى ما هو غير معلوم. فترجع إلى الاستفسار ثم الطلب ثم التأمل ( را: الجرجاني : التعريفات، ص 180).

ومعنى "المشترك"؛ فيما يقول الشوكاني، هو اللفظة الموضوعة لحقيقتين مختلفتين أو أكثر، وضعاً أولاً من حيث هما كذلك، فخرج بالوضع ما يدل على الشيء بالحقيقة، وعلى غيره بالمجاز، وخرج بقيد الحيثية المتواطئ؛ فإنه يتناول الماهيات المختلفة لكن لا من حيث هى كذلك بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد. هذا عن اللفظ المتواطئ. واختلف أهل العلم باللغة في اللفظ المشترك، فقال قوم إنه واجب الوقوع في لغة العرب، ومنع وقوعه آخرين، وقالت طائفة بجواز وقوعه. وما يعنينا نحن إلاّ الذين أوجبوه؛ لأن الألفاظ متناهية والمعاني غير متناهية. والمتناهي إذا وزِّع على غير المتناهي لزم الاشتراك، ولا ريب في عدم تناهي المعاني (إرشاد الفحول بتحقيق الحق من علم الأصول، ص 19).

وبما أنّا نكتب فلسفة التخريج عند الصوفية، مستخلصين معالمها واقفين على أركانها؛ فيلزمنا قراءة لغة الخطاب الصوفي، إذْ قد تقرَّر عندنا ما كان الجرجاني قد قررَّه سلفاً من "مجاز مُجمل" مفاده : انتقال اللفظ من معناه الظاهر إلى ما هو غير ظاهر ولا معلوم، والأخذ بمعنى الاشتراك فيما جوَّزه علماء اللغة على ما قاله الشوكاني فيما تقدّم .

إنّ عبد القاهر الجرجاني الذي وضع في كتابه "دلائل الإعجاز" علماً مستقلاً من علوم البلاغة هو علم المعاني، فَبَيَّنَ أصوله وصور فصوله وحدودها وشُعَبها تصويراً دقيقاً؛ بمقدار ما وضع في "أسرار البلاغة" نظرية البيان؛ ليقول إنَّ "المجاز" عمل عقلي لا عمل لغوي، وإن حُسْنه من المؤكد يرجع إلى المعاني الإضافية التي يلاحظها الحاذق البصير في تراكيب العبارات وصياغاتها وخصائص نظمها وصور نسقها وسياقها؛ وإنه لا بد أن يُفْهَمَ في كل مجاز معنى الكلمة ومعنى ثانياً وراءه.

وأنك إذا قلت "كلَّمْتُ أسداً" لم تكن فقط بصدد عمل لغوي، وإنما أنت بصدد عمل عقلي داخلي؛ فقد تصرَّفت بالكلمة تصرفاً جديداً، وهو تصرُّف أسعفك به العقل، إذْ لم تُطلق المُشبّه به على المشبّه إلا بعد ادّعائك دخوله في جنسه.

وعليه، يكون الأساس في المجاز هو نقل كلمة عن مدلولها الأصلي (الحقيقي) إلى مدلول آخر (مجازي)؛ لعلاقة المُشابهة أو غير المشابهة.

فمرجوع الجمال من ثمَّ في الصّور البيانية من المجاز والكناية والاستعارة لا إلى مدلولاتها ومضامينها، وإنما إلى تلك المعاني الإضافية فيها؛ أي ترتيب معاني الكلام الإضافية في نفس صاحبها أولاً ثم الخروج بدقائق الكلام من باطن النفس إلى ظاهرها اللفظي.

ولمّا كان المجاز من أسرار العربية فقد وصفه ابن قتيبة في " تأويل مُشكل القرآن" حيث قال :" وللعرب المجازات في الكلام ومعناها طرُق القول ومآخذه، ففيها الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والإخفاء والإظهار والتعريض والإفصاح والكناية والإيضاح ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الإثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم وبلفظ العموم لمعنى الخصوص ...".

وخليقٌ بالمطلع على هذه المباحث أن يتقرَّر عنده ما كان تقرَّر سلفاً لدى علماء العربية من أن أسرارها لتكمن في المجاز والكناية والاستعارة : المعاني الإضافية، وأن ألفاظ اللغة على حضورها وحلاوة تذوقها لترتد إلى باطن النفس شعوراً وتذوقاً وصدوراً، وأن جمال الكلام البليغ ونظمه وما يترتب فيه؛ ليتأتّى وفق ترتيب معانيه في النفس الشاعرة بانفتاح اللفظ من واقعه ومحسوسه إلى حيث فضاءاته الروحانية والذوقية.

وهذا هو المقصود عندنا "بفلسفة التخريج عند الصوفية". إنما الألفاظ في ذاتها من حيث هى ألفاظ مٌجَرَّد أحجار تتحوَّل إلى كريمة بمقدار ما تتحول في النفوس كرامة المعنى لتحَمِّلها المعاني، وبمقدار ما تستشعر القلوب كرامتها وعزتها؛ لينظمها اللسان من طريق الذوق والمعرفة والحَصَافة والإدراك في سياق هادف.

نعود بعد هذه الوقفة إلى إشارة الشيخ أبي الحسن الشاذلي في مراكز النفس الأربعة فنقول : على إشارة الباطن يلزم للمجاهد لنفسه أن يقعد لها كل مرصد، وأن يقاتلها حيثما وجدها، لا .. بل يقتّلها تقتيلاً أينما ذهبت له بالعداء مذاهبها كقتال المشركين حيثما وُجدوا، فهى كالعدو، بل هى "العدو" على التحقيق، ولمَّا كانت عدواً وَجَبَ حَصْرها بأسلحة الجهاد المعروفة عند القوم، وحَبْسها في مراكزها الأربعة وتضييق خناق هذه المراكز عليها بالمراقبة والتَّرَصُّد حتى تفيء مع القعود لها كل مرصد، لأمر الله. وبمثل هذا تجيئ الدلالة ظاهرة مع كونها خفية في لغة الخطاب الصوفي في خصوصيتها، وهذه هى فلسفة التخريج لديهم : طاقة عاملة من طاقات الروح.

ويُلاحظ أن الشيخ مع ذلك لم يكمل الآية : (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ)؛ لأن العهد بالنفس هو النكوص والتردِّي وممانعة الاستقامة. ومن أجل ذلك أخذ من الآية جزءها الذي تحتمله الإشارة : أعني "القرينة المجازيّة"، وقد يكون الجزء الباقي له إشارة أخرى ليس المقام ممَّا يناسبها قرينة ومجازاً.

وحين يكون الحَذر واجباً، واتهام النفس في جميع الأحوال أمراً مفروضاً. وحين يكون الحكم عليها بالعلم الظاهر(الشَّرع) المؤيَّد بحقائق الباطن ممَّا يستوجبه قانون الطريق وترومُه قصداً إشارات العارفين، قال الشيخ أيضاً في موضع آخر :" موت النفس بالعلم والمعرفة، والاقتداء بالكتاب والسُّنة، وإنْ أردت جهاد النفس فأحكم عليها بالعلم في كل حركة، واضربها بالخوف عند كل فترة، واسجنها في قبضة الله أين ما كنت، وأشكُ عجزك إلى الله تعالى كلما غفلت وهى التي: (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا).

مرة أخرى نقابل نفس المشكلة : "التباس الدلالة"، لا علاقة كذلك من حيث الظاهر بين كلام الشيخ وبين ما تعطيه الدلالة الظاهرة في الآية القرآنية؛ فالتي :"لم تقدروا عليها" هى مَغَانم غزوة حنين بعد الفتح كما جاء في التفسير. وأحاط الله بها، أي جعلها تحت قبضته وحَفظها لكم. وفي "معاني القرآن" للفرَّاء :" قد أحاط الله بها، أحاط لكم بها أن يَفْتَحها لَكم " (را: معاني القرآن ج ٣ ص 67).

وإذن؛ فما الذي استشفه مولانا الإمام إشارةً من هذا المعنى ليجريه علاجاً للنفس؟ هو بغير شك الأمر الباطن في معرفة النفس حين لا تنقاد إلى أمر الوسطية والاعتدال إلا بعد مشقة فادحة وجهاد كبير: فالعجز عن جهادها والخلود بها إلى أرض الشهوات وإتباع الهوى، وقلة مساعدة النفس بالتحلي بالفضائل، وركونها دوماً إلى هواها، وانتصارها على صاحبها، وغفلتها عن الله، ورقابة الله لها في كل لحظة؛ هى التي: (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا)؛ فلزم اللجوء والافتقار في شأنها إلى الله على الدوام. ذلك هو ولاشك خطاب الصوفي في لغته الخاصّة : إشارة بعيدة ورمز لمَّاح.

*    *     *

ومثالٌ أخير : وقف أحدهم عند قوله تعالى : (فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (البقرة: آية 269)؛ فقال : إنمّا قال تعالى ذلك؛ لكثرة "الوجوه المَبْطونَة في الكلمات". ولكن قبل أن نستطرد مع هذه الوقفة علينا أن نتوقف عند صاحبها؛ فالذي وقف هذه الوقفة المُلهمة كان أميِّاً لا يكتب ولا يقرأ، وكان يتكلم، كما وصفه تلميذه، على معاني القرآن العظيم والسّنة المشرّفة كلاماً نفيساً تحيَّر فيه العلماء، وكان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو والإثبات، فكان إذا قال قولاً لابد أن يقع على الصفحة التي قال … ذلكم هو الشيخ "علىُّ الخواص" شيخ الشعراني وأستاذه ومعلمه أسرار الطريق ودروب السير فيه (الطبقات الكبرى، ج 2 ص 135).

وإنما أثبتنا هذا عن "الخواص" لئلا يتوهم متوهم أن العرفان بمعاني القرآن متوقف على آلة النظر بالعقل، فهذا جهلٌ بالله، وتحجيرٌ على قدرة الله الذي يقول للشيء كن فيكون؛ فالعلماء الذين يتشدَّقون بالعقل ما لهم آلة لفهم كلام الله تعالى إلّا بالفكر والنظر.

أمّا العارفون، فطريقهم إلى فهمه : الكشف والتعريف الإلهي. وممَّا يزيدك قناعة بفتوح الله على عباده هو أن تنظر إلى "علىِّ الخواص" هذا الأمِّي الذي لا يعرف القراءة والكتابة، انظر إلى الثقة العلويّة بما لديه من عند الله، وانظر إلى "الإبداع" الخالص الذي لا يعرف للتقليد طريقاً، وانظر إلى الخصوصيِّة والتفرُّد .. ماذا تراه يقول؟

إنه ليقول: "لا يُسمى عالماً عندنا إلّا من كان علمه غير مستفادٍ من نقل أو صدر، بأن يكون خضريَّ المقام. وأمّا غير هذا، فإنما هو حاكٍ لعلم غيره فقط، فله أجر من حَمَلَ العلم حتى أدَّاه، لا أجر "العالم"، (والله لا يضيع أجرَ المحسنين)؛ فمن أرادَ أن يعرف مرتبته في العلم يقيناً لا شك، فليُردَّ كل قول حفظه إلى قائله، وينظر بعد ذلك إلى علمه، فما وجده معه، فهو علمه. وأظن أنْ لا يبقى معه إلّا شيء يسير لا يسمى به عالماً (را : طبقات الشعراني : جـ 2، ص 137).

وإنّه ليُفرّق بين العلم والكشف تفرقة فاصلة جديرة بالنظر والاعتبار، خالصة من الالتفات إلى الأغيار، مبدعة بمقدار صدورها من شمس الحقيقة. وعنده إنما يكون الكشف هو علمك بالحقائق على ما هى عليه في نفسها. والعلم هو علمك بالأمور على ظاهرها ( را: الشعراني : درر الغواص على فتاوي سيدي عليّ الخواص، مكتبة الغنيمي؛ القاهرة  1425هـ - 2014م ؛ ص 64).

في الواقع؛ إن ما عبَّر عنه الخواص إنما هى "علوم الحقائق" لا تستفاد من فكر ولا نظر ولا عقل، ولا آله من هذه الآلات، ولكنها علوم وهب وتوفيق، علوم أذكار لا علوم أفكار، وهى التي يعوَّل عليها في فهم "الوجوه المبطونة" في كلمات القرآن الكريم. وقد أجابَ لما سئل عن قولهم : القرآن بحر لا ساحل له. فقال : معناه أنه يقبل جميع ما فسّره به المفسرون؛ وذلك أن المتكلم به، وهو الله تعالى عالم بجميع تلك المعاني والوجوه التي تدل عليها هذه الألفاظ بالنظر إلى كل شارح، فما من شارح يقصد وجهاً في شرح تلك هذه الآية أو تلك إلّا وذلك الوجه المقصود للمتكلم به وهو الله تعالى، بخلاف ما إذا كان المتكلم من الخلق؛ فإنّ الشرح لكلامه لا يتعدّى مرتبة المتكلم من القصور، وإنْ كان اللفظ بعينه. (را : الشعراني : درر الغواص؛ ص 70).

اقتضاه هذا أن يفرِّق أيضاً بين "الفهم" و"العلم"؛ وذلك لإمكان القول إنّ الفهم في الكلام على قسمين : أحدهما مكتسب من مادة. والآخر: موهوب من غير مادة. فالذي وُهبَ من غير مادة، لا يُقال فيه فهم، وإنما يُقالُ فيه علم.

وأمّا المكتسب من المادة، فهو الذي يقال فيه "فهم"، وهو تعلُّق خاصُّ في العلم. فإذا علم السامع "اللفظة" من اللافظ بها أو رأى الكتابة ففهم منها أمراً؛ فمردَّه إلى حكمين : أحدهما : أن يعلم مراد المتكلم من تلك الكلمة مع تضمُّنها في الاصطلاح معاني كثيرة خلاف مُراد المتكلم بها. فهذا يُسمى فهماً؛ لأنه كان اكتسبه عن مادة. والثاني : لا يعلم مراد المتكلم من تلك الكلمة على التفصيل، ولكن يحتمل عنده فيها عدّة وجوه (مبطونة) يدل عليها الكلام، لا يعلم مراد المتكلم من تلك الوجوه، ولا يدري : هل أرادها كلها أو أراد بعضها، فمثل هذا لا يُقال في حقه أنه أُعطى الفهم في القرآن، وإنما يُقَال فيه أنه أعطى "العلم" بمدلولات تلك الكلمة أو الكلمات.

وقد أجمع العارفون على أن كلام الله واسع، حَمَّال أوْجُه كما وصفه الإمام عليّ، رضى الله عنه، يقبل جميع ما فسَّره به المفسرون، لأنه خاطبهم بجميع ما يقبله استعدادهم. فما من وجه مقبول فهمه عبادُه المؤمنون إلا وهو مقصود له تعالى من تلك الكلمة بالنظر إلى فَهْم مَنْ فَهمَ من كلامه تلك الوجوه المقصودة لله أو لذلك الشخص الذي فهم منها ما فهم حيث لم يخرج في فهمه عمَّا يؤديِّه الكلام من التَّجَوِّز؛ فإنْ كان خَرَجَ عَمَّا يؤدِّيه كلام العرب فلا علم ولا فهم. هذا من خصائص كلام الله. أمَّا كلام المخلوقين فقد يكون بعض الوجوه غير مقصود لصاحب الكلام (را: الشعراني : لطائف المنن، ص 85).

ولمَّا كانت الآيات قد وَرَدَتْ في القرآن على التنوِّع والتّفرُّق : آيات لقوم يعقلون، وآيات لقوم يؤمنون، وآيات لقوم يتفكرون، وآيات لقوم يسمعون، وآيات للعالمين، وآيات للمؤمنين، وآيات للموقنين، وآيات لأولي النّهي، ولأولي الألباب، ولأولي الأبصار؛ صار من أوجب واجبات العبد أن يلتزم أدب الفهم في كلام ربَّه عز وجل؛ لينال من توجهات الخطاب ما كان تحقق به وانطبق عليه. وأدب الفهم هو أن يعقل على الدوام أن فيه مجموع ما تفرَّق من آيات : نعته الله بالعقل، والإيمان، والتَّفكّر، والتقوى، والسمع، والقلب الذي هو اللبّ، والأبصار؛ حتى إذا ما نظر في كل صفة هو موصوف بها، وكل نعت هو منعوت به، بعد أن يكون قد مشى حيث مشى به الشرع، ووقف حيث وقف به الشرع، وعقل فيما قيل له فيه هاهنا أعقل، وآمن فيما قيل له فيه هاهنا آمن، ونظر وفكَّر فيما قيل له فيه هاهنا انظر وتفكر، وسلَّم فيما قيل له فيه هاهنا سَلِّم، حتى إذا ما كان هذا دَيْدَنَه في طريق العرفان، ظهر بأوصافه ونعوته في العالم، فكان ممَّن جُمِع له القرآن وأعطي الفرقان من طريق الوهب والتوفيق بعد مكابدة مفاوز الطريق (الشعراني : لطائف المنن؛ ص 86).

والعارفون ليس لهم آلة إلى فهم كلام ربهم أو غيره إلّا بالكشف والذوق لا الفهم والفكر. ومرادنا بهذا الكشف؛ هكذا يتكلم الشيخ الخواص؛ هو كشف العلوم والمعارف الحاصل بالنفث والرَّوْع لا الكشف المعهود في الحسّ بين أرباب الأحوال. فإن العلوم ليست محسوسة حتى يكشف عنها كما يكشف عن الأماكن البعيدة في الكشف الصوري، وقد جعل الحق تعالى لعلماء الشريعة نظير هذا الكشف بواسطة الاجتهاد والأدلة المعلومة بينهم. وأن الله تعالى قد أخبر في كتابه عن أقوام إنْ هم إلا كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون، وأخبر صلوات الله عليه أن أقواماً من أمته يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، فكيف تكون هذه الأقوام متقرّبين إليه؟ وكيف يتقرّبون بعدم العلم الذي هو الجهل، هذا عجيب! (را: الشعراني : دُرر الغواص : ص 8).

 

*    *     *

عندي أن الفهم عن الله لا يتسنى لأحد إلاّ بمقدار ما تتعلَّق به إرادة الله لتفهيم العبد على مقدار إخلاصه. وبهذا أو بمثله يكون فهم القرآن على نورانيّة الصلة الروحيّة، وهو ما يُسمى عندي بملكة "التعلَّق" عند العارف. فالعارف يحظى بملكة خاصّة ينفرد بها هى ولا شك أقوى وسائل التحصيل الذوقي للمعرفة التي هى في الأصل ذوقية صرفة.

وبملكة التعلُّق هذه، يتجاوز الصوفي (العارف) عالم الظاهر المحدود؛ ليتصل في لحظة كاشفة بما ليس ظاهراً ولا محدوداً، ممَّا لا يتناهى، وممَّا لا تقع معرفته في حدود التصوِّر المحدود. التجربة في هذه الحالة هى التي تقودك؛ تأخذك وتستوفيك وتملك عليك بالكلية جميع أقطارك. التجربة هى التي تفعل؛ فيوحي فعلها فيك لغة الإشارة.

في بطن التجربة الصوفية وحدها يكشف العارف في تجربته عن لغتها الرمزية الخاصَّة؛ لغة الحبّ، ولغة التسامح لا التَّمزق، ولغة الفناء في المحبوب تعطيها الإشارة لا العبارة، أي لغة المعنى تحصيلاً وتذوقاً وشعوراً بمعطيات الحَال، يحيط  الحال صاحبه معنىً خالصاً قد لا يتسع له اللفظ المعتاد، وإنْ أتسع له اللفظ المعتاد أفسده، وإنْ ساقته العبارة العادية خَرَجَتْ به عن المقصود. وهو حين يكشفها لا يكشفها في باطن التجربة وكفى بل بعد منازلة الحال وعياً غير عادي ولا معهود.

*    *     *

تلك كانت أمثلة طفيفة على عقيدة فكرية نعتقدها في فلسفة التخريج عند الصوفية، يُستفاد منها القيمة الكامنة من وراء ذلك التراث المهجور : تراث الروح، تتمثل فيه كل ما للشرق من يقظة نفس وقوة ضمير إذا نحن أردنا للشرق أن يستعيد قوته العصماء غير مغبون ولا محتقر ممّن لا يعرف له قيمة واحدة ولا فضيلة واحدة يعزونها إليه.

ولنا كذلك أن نعتقد؛ ونحن أحرار فيما نعتقد، أن الحياة في كل عصر من العصور، وحياتنا هذه التي نعيشها على وجه الخصوص، غير جديرة بأن نحياها ما لم نمل عليها شئنا أم أبينا مثل هاته القيم الروحيّة التي تعلمناها ولم نزل نتعلمها من أقطاب العارفين، ومن أهل الله الكمَّل الذين عرفوا الصلاح وذاقوه، وكرعوا من مناهل أذواق الصالحين؛ فإنهم جميعاً علمونا أن الوجود المادي في الإنسان إنْ لم يكن يتبع الوجود الروحي يخضع له وينقاد ويأتمر بما يفرضه من قيم علوية، فلا تجد أبداً معنى للحياة ولا تنتظر للآدمية كرامة ولا قيمة ولا أصلاً يرتكز عليه وجود الفرد في دنياه وأخراه. هذه حقيقة مصيريّة تامة المعالم لا شك فيها ولا نكران، تبقى ما يبقى للإنسان تطلع إلى مسائل المصير، وتختفي أو تكاد إذا عاش كالسائمة كما تعاش السوائم تنقاد لمطالب الغريزة، ولا تزيد.

لا جَرَمَ أن قيم الحياة الحيّة كلها مَرُّدها إلى ذلك الإحساس بالزمن وتقدير العمر البشري، كما علمتنا همم العارفين، ولا تزال تعلمنا، ضرورة التنبيه لا الغفلة، والمبادرة إلى العمل الدائب المتواصل لا الركون إلى طوارئ الاستكانة والخمول، والتمكين في كل حال لا التلوين مع الأحوال، واليقظة التي تصدر عن ثورة الروح الداخلية وحماسة الضمير لا التي تصدر عن إدعاءً ليست له من مصادر الروح همة ولا فاعلية ولا تكميل.

فما أكثر المظاهر والظواهر وذركشات الأحداث.

وما أخلد القيمة في ذاتها إذا هى صدرت عن ينبوع متدفق من عالم الروح.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيوعي الذات النقدي والعملي في الإصلاحية الإسلامية 

إن تحول الإسلام إلى قوة مستقلة قائمة بحد ذاتها على مسرح الوجود التاريخي كان يعني انه قد بدأ بامتلاك ذاته الجديدة وإدراك حدوده الخاصة. ولم يكن ذلك معزولا عن التأثير المباشر وغير المباشر للنهضة العربية ومساعيها الحثيثة لتهشيم الأسس التقليدية للذهنية السائدة في الوجود والفكر. وبالتالي الخروج من عالم الوحدة المغلقة وانعدام الكيان السياسي المستقل إلى آفاق البدائل الممكنة. أما الأخيرة فقد كانت من الناحية الواقعية الإطار الأوسع لتجارب النظر (العقلي) والعمل (السياسي) في تيارات الفكر واتجاهاته الكبرى، أي الصيغة المدركة لذاتها في مشاريع البدائل من الإصلاح حتى الثورة. من هنا كان تحول الإسلام إلى قوة مستقلة في الوجود الاجتماعي التاريخي للعالم العربي هو المساهمة الأكثر عمقا واتساعا في إدراك الذات ووعيها النقدي. إذ لم تضع هذه المساهمة آنذاك في تصوراتها وأحكامها أشياء أكثر مما ندعوه بحدود الرؤية التاريخية والروحية. وطافت بين هذه الحدود وبين كمية ونوعية القيم الكبرى والمبادئ المتسامية.

وقد تضمنت هذه الرؤية على وحدة جديدة في النظر إلى الحاضر والماضي والمستقبل يقوم مضمونها في البقاء ضمن مكونات الوجود التاريخي للعالم العربي والبحث فيها عما يمكنه أن يكون مدى لأفقها المنظور. ومن الممكن التعبير عن هذا التحول في هذه الرؤية بالعبارة التالية: إذا كانت الاتجاهات الفكرية والسياسية السابقة للحركة الإصلاحية الإسلامية تجمع كل ما يمكن جمعه من أجل قول فكرة واحدة، فإن الإصلاحية الإسلامية انطلقت من فكرة واحدة لقول كل شيء.

وتضمن هذا "الانقلاب" في ذاته تحول الإسلام إلى قوة مستقلة وبقاؤها في الوقت نفسه في الأعماق المغمورة لمشاريع البدائل الفكرية. وهذا بدوره كان الانعكاس غير المرئي لتمركز الثقافة الفكرية الروحية بعد قرن من المحاولات المرهقة في الدين والدنيا والروح والجسد، التي سبقت ظهور الملامح الدقيقة للفكرة الإصلاحية الإسلامية الكلاسيكية. وإذا كانت الحصيلة المادية لهذه العملية هو الهجوع الظاهري للجسد، فإن حصيلتها المعنوية تقوم في استثارتها كوامن الكلّ العربي. فالانطلاق من فكرة واحدة لقول كل شيء يفترض تمركزا في الغايات والأهداف، وتركزا في القيم والمفاهيم بحيث يجعل من الممكن التقاؤهما في الفعل، أي التقاء الغايات بالقيم والأهداف بالمفاهيم. ولم يكن هذا الالتقاء فعلا إراديا بقدر ما كان نتيجة ملازمة لتعمق وعي الذات النقدي.

فقد كان تمركز الثقافة وتركزها في فكرة واحدة لقول كل ما يمكن قوله من خلالها، هو الأسلوب المتطابق مع إدراك حقائق الأولويات الضرورية. فقد كانت هذه "الحقائق" النتائج المتراكمة في مسار الحرية الباحثة عن مبادئ كبرى أو مرجعيات للعمل، والتي أدت في الوهابية الأولى والحركات الصوفية آنذاك (أو ما ادعوه بالتصوف الفاعل) إلى خروج الذهنية العربية من عالم الوحدة المغلقة إلى الآفاق الأرحب في تأمل النفس. لكن الحدود الذاتية والمحدودية التاريخية للوهابية الأولى و"التصوف الفاعل" قد أدى بهما إلى الدوران في فلك معتقداتهم الأساسية. ومن ثم اقفل على "حقائقهما" إمكانية التثوير الدائم. وبالتالي لم يمكن بإمكانهما إبداع نماذج كبرى ودائمة لوعي الذات النقدي. فقد استدرجت الوهابية الأولى، على سبيل المثال، في فكرتها عن التوحيد كل ما يمكنه أن يكون موضوعا لنقدها، لكنها أبقت على "حقائقها الأولية"، باعتبارها مقدمة أزلية ونهاية أبدية لكل بديل محتمل. وينطبق هذا أيضا على "التصوف الفاعل". وذلك لأن حركته كانت تدور في فلك تصوراته التقليدية.

ومع ذلك استطاعت هذه العملية أن تبلور قيم المفاهيم ومفاهيم القيم، وسمو الغايات والغايات المتسامية، مما كان يعني أيضا فسحها الطريق أمام صيرورة العناصر النقدية في العلم والعمل، دون أن تدخل هذه العناصر في مسار النقد الذاتي. فهي لم تتأمل الإمكانيات الجديدة القائمة في حدودها الذاتية. وذلك لأن هذه الحدود كانت بالنسبة لها مجرد يقينيات جبرية. أما أفعالها فهي التجسيد الفردي لنداء الحقيقة (أو الحقائق). وحدد هذا بدوره مسارها الخاص في مناهج الإصلاح التقليدي، أي إلغاء إمكانية الرؤية النقدية تجاه تقاليد الإصلاح نفسها. لهذا توقفت العناصر العقلانية العملية الأولى عند مبادئها. وهي الأسباب القائمة وراء اضطرارها لتوظيف كل ما يمكن توظيفه من أجل قول فكرة واحدة. بينما كان التفكيك الفعلي لهذه الحلقة المفرغة هو نفيها، أي السير في الاتجاه المعاكس لتاريخ الإصلاح التقليدي من خلال إدراك الحدود الواقعية للواجب، وحدود المثال في العمل. بمعنى الانطلاق من البداية المعقولة للوجود التاريخي والنظر إلى الماضي والمستقبل بوصفهما كفتين معقولتين في ميزان الحاضر. وقد تطابقت هذه الحالة مع قيم ومفاهيم العقلانية العربية الصاعدة في اجتهادها، وقيم ومفاهيم الإصلاحية الإسلامية في جهادها. وترتب عليه لاحقا التقاء هذه القيم والغايات، والمفاهيم والأهداف في الفعل الإصلاحي العقلاني، الذي جعل الجهاد اجتهادا والاجتهاد جهادا. وقد أنهى هذا الالتقاء في مستواه النظري مرحلة كبرى في مسار العقلانية العربية الحديثة. إذ استطاع تجاوز تقليدية الماضي من خلال نفي انجازاتها الكبرى المتراكمة في مجرى زمن معقد ودموي رافق ظهور وتطور الوهابية والتصوف الفاعل.

فغياب الوهابية من هجوم الرؤية النقدية المباشرة للأفغاني كان بمعنى ما النفي الأوسع لها، ولكن من خلال التنشيط الفكري والعملي لقضاياها الأساسية ورؤيتها الدينية وحلولها العملية. واحتوى هذا الموقف بدوره على دفع لانجازاتها في ميدان العمل والسياسة والوحدة والأمة وغيرها من القضايا إلى غاياتها القصوى من خلال ربطها بقضايا التحديث والحداثة. ونعثر على هذا الموقف في تقييم الأفغاني المباشر لشخصية وانجازات محمد على باشا. فقد وجد فيه ليس مجرد رجلا كبير العقل والدراية، بل وهائل الهمة والإقدام. وبغض النظر عن أن محمد علي باشا، كما يقول الأفغاني، "لم يتوسع في دروس العلم، ولم يجبل في مصانع السياسة، إلا أن طبيعته الفطرية كانت فائضة بحب الحضارة وبث العلوم، وتأسيس قواعد العمران مع تدفق همته لبلوغ الغاية مما يميل إليه"[1]. لهذا نالت مصر زمنه ما كانت "تقف دونه أفكار الناظرين، إذ طرقت أبواب السعادة من كل وجه فتقدمت فيها الزراعة تقدما غريبا واتسعت دائرة التجارة، وعمرّت معاهد العلم فتقاربت أنحاؤها"[2]، أي وحدتها الوطنية. ووجد الأفغاني في هذه الانجازات نموذجا للاحتذاء والاقتداء.

إن تركيز الأفغاني على انجازات محمد علي في قضايا الفعل السياسي والدولة الموحدة جرى من خلال إظهار أولوية الأبعاد العصرية وبدائلها العملية. بمعنى تذليل الضيق الثقافي المميز للوهابية. والشيء نفسه ميز أيضا آراء ومواقف محمد عبده. فقد وجد في الوهابية "فئة زعمت أنها نقضت غبار التقليد، وأزالت الحجب التي كانت تحول بينها وبين النظر في آيات القرآن ومتون الأحاديث لتفهم أحكام الله عنها"[3]. لكنه في الوقت نفسه نراه يبرز فيها ضيقها الخاص، من خلال وصفها بالتقليدية الجلفاء (اليابسة أو الخشنة). من هنا توكيده على أن هذه الفئة (الوهابية) مع ادعائها نفض غبار التقليد، فهي "أضيق عطنا وأحرج صدرا من المقلدين، وإن أنكرت كثيرا من البدع"[4]. وبغض النظر عن مساهمتها في إزالة الكثير مما أضيف إلى الدين وليس منه، كما يقول محمد عبده، إلا أنها "ترى وجوب الأخذ بما يفهم باللفظ الوارد والتقييد به بدون التفات إلى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين، واليها كانت الدعوة، ولأجلها منحت النبوة. فلم يكونوا للعلم أولياء ولا للمدنية السليمة أحباء"[5]. أما الكواكبي، فانه تجاهل أراء الوهابية المباشرة، وتناول نتائجها في مجال تأسيسه للعقل والسياسة في مساعيهما للوحدة، بالصيغة التي عمقت آراء الأفغاني وعبده في مسارهما العقلاني الإصلاحي.

لقد سارت هذه العملية المعقدة لتوسع وتعمق الرؤية النقدية العقلية صوب الإصلاحية العقلانية عند الشخصيات الكبرى للإصلاحية الإسلامية في دهاليز الرؤية التأملية والفاحصة للتجربة الشخصية النظرية منها والعملية. بمعنى أن عناصر الفكرة الإصلاحية ومبادئ الإصلاحية الإسلامية الجديدة قد تراكمت في مجرى معاناة فردية حرة للعقل والضمير الفردي والاجتماعي والقومي الإسلامي. وليس مصادفة أن يكون اهتمام هذه التجارب النقدية والتأسيسية الأولية بالتصوف بشكل عام و"التصوف الفاعل" بشكل خاص.

فقد مرت جميع الشخصيات الكبرى للحركة الإصلاحية الإسلامية الحديثة بتجارب صوفية أولية مختلفة المستويات. إذ تأثروا جميعا بأقدار متباينة بالتصوف وتقاليده الروحية والفلسفية الكبرى. وعندهم جميعا يمكن رؤية طبيعة هذه التجربة وتحولها الظاهري والباطني، الذي وجد انعكاسه فيما يمكن دعوته باستبدال التجربة الصوفية الفردية بفردانية تمثل الكلّ الاجتماعي بمعايير القومية (العربية) والأمة (الإسلامية). مع ما ترتيب عليه من نفي فكري خاص وجد تعبيره النظري والعملي في توسيع وتعميق أولوية الرؤية الإصلاحية تجاه القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية الكبرى. وقد كانت هذه العملية شكلا من أشكال انحلال التقاليد القديمة "للخلق الدائم" و"تناسخ الأرواح"، أي تحلل ما يمكن دعوته بآلية "التشخصن التاريخي" لرموز الإسلام الكبرى في الجسد المعاصر.

لقد قدم رجال الإصلاحية الإسلامية صيغة جديدة لهذا الخلق والتناسخ عبر نقل تجسيدهما من الحالة الفردية إلى الكينونة الاجتماعية. ولم يكن هذا في الواقع سوى الأثر المباشر وغير المباشر لنوعية الأثر الذي تركه التصوف في الحركة الاجتماعية والسياسية الفاعلة للإصلاحية الإسلامية. وهو أمر جلي ويمكن العثور عليه في تجارب شخصياتها الكبرى بمختف الميادين بشكل عام، وفي إبداعها الفكري بشكل خاص. ووجد ذلك تعبيره الأكثر دلالة في توسع "مآثر" العقلانية الإصلاحية عندهم، بمعنى تمويت الميت وإحياء الحي في تجارب الثقافة الإسلامية وتقاليدها المتنوعة. فعندما حاول الأفغاني‎، على سبيل المثال، تقييم آفاق الوحدة الأفغانية الإيرانية، فإننا نراه أول الأمر يتطرق إليها بمعايير وذوق الفكرة الصوفية الخالصة. بمعنى "شخصنتها" على نموذج الشاه (الإيراني)، بحيث نراه يصوّره بعبارة "الرجل العظيم القدر، الرفيع الشأن، الواسع العرفان، الذي لا تحجبه شئون الكثرة عن ذات الوحدة، ولا تقف به أطوار التلوين دون منازل التمكين، ولا تشغله مظاهر الفرق عن مقامات الجمع. يتجلى له الواحد في مراتب الكثرة، وتتجلى حقيقة الأحدية في المنازل العددية. فالاتحاد مشربه والائتلاف مذهبه"[6]. وهي صيغة نموذجية تختزل العرفان الصوفي ولغته واصطلاحاته عبر تطبيقه على واقع سياسي وتاريخي صرف. ومن ثم تحتوي على صيغة نظرية ومجردة للنظر إلى الواقع من اجل إصلاحه ورفعه إلى مصاف المتسامي. وأبقى الأفغاني على هذه الصيغة والأسلوب في آرائه ومواقفه، باعتبارها مرجعية فكرية أخلاقية. أنها تعكس طبيعة وحجم الهموم الخفية التي كانت تعتمل في نفسية وذهنية وشخصية الأفغاني. وبالتالي تعّبر في رمزيتها المجردة وتشير إلى فكرة العمل وما ينبغي نفيه وتذليله. وقد كانت شخصيته وعوالمها الباطنية والظاهرية هي ميدان تطبيقها الأول، كما نراه بجلاء على مثال مساره الشخصي.

فقد أشار في إحدى خاطراته إلى انه حالما تأمل أوضاع أهل الأرض للبحث في أهم ما هم فيه مختلفون، فإنه وجده في الدين. آنذاك أخذ يبحث في الأديان الثلاثة، كما يقول، "بحثا دقيقا مجردا عن كل تقليد، منصرفا عن كل تقييد، مطلقا للعقل سراحه" فوجد بعد البحث والتنقيب أن الأديان الثلاث (الموسوية والعيسوية والمحمدية) على تمام الاتفاق في المبدأ والغاية. وإن ما ينقص في الواحد من أوامر الخير المطلق استكملته الثانية[7]. بعبارة أخرى، إن تأمله الأول للخلاف أوصله إلى مكامن الوحدة. ووجد في أصول الوحدة عملية تاريخية متكاملة، بوصفها جزء من مسار الخير المطلق، الذي تشكل الفكرة (الديانة) التوحيدية نموذجها التام. ووضعه ذلك أمام مهمة التنظير لفكرة وحدة الأديان، باعتبارها المقدمة المناسبة لوحدة أهاليها (أتباعها)، ما زالت الأديان متحدة في أصلها وغاياتها.

وسواء كان استنتاجه هذا مبنيا على أساس التأمل النقدي أو التوظيف العصري للفكرة الصوفية نفسها عن وحدة الأديان، أو استنتاج مبني على أساس التأمل العقلي "لمنطق الإيمان"، فان محاولة تجسيده اللاحقة في برنامج عملي للخروج من مضيق الخلاف إلى بحر الوحدة سرعان ما تعرض إلى هجمات الأمواج العاتية لملائكة الروح وشياطين الجسد البشري المتناسخة في مصالح الأفراد والجماعات والدول المتحاربة.

إن هذه الاستنتاجات التأملية المتسامية سرعان ما اصطدمت بواقع الخلافات العميقة وعوالمها الخفية الفاعلة في ما وراء الغايات والأصول في الأديان من اختلاف القوى وتعارض المصالح. وهو إدراك له مقدماته النظرية في الطابع النقدي والعقلاني في مواقفه من مثالية التصوف وأخلاقه الرفيعة ورؤيته الخاصة بصدد فكرة وحدة الأديان. لقد سار الأفغاني هنا في الاتجاه الواقعي والعقلاني لنقد الصوفية وليس في اتجاه تفنيد فلسفتها الأخلاقية وغاياتها النهائية. وحاول أن يحدد في الوقت نفسه ملامح الفكرة الصوفية نفسها في مكونات وروافد صيرورته الشخصية وكينونته الروحية وتحقيقها في مواقفه الجديدة. بحيث نسمعه يقول، بأنه حالما "جمع ما تفرّق من فكره" ونظر إلى الشرق وأهله، فاستوقفه الأفغان (أول أرض مس جسمه ترابها) ثم الهند (حيث تثقف فيها عقله) فإيران (بحكم الجوار) ثم جزيرة العرب (من حجاز مهبط الوحي ومشرق أنوار الحضارة) ومن يمن وتبايعتها (ملوكها) واقيال (قادة) حِمْيَر فيها ونجد (منطقة نجد) وعراق وبغداد (وهارونها ومأمونها) (الخلفاء) والشام (ودهاة الأمويين فيها) والأندلس (وحمراءها) (مدينة الحمراء)[8]. باختصار انه حاول الخروج من مضيق الانغلاق الصوفي إلى رحابه الواسعة. ومن ثم البحث في التاريخ الواقعي للماضي عن خلفية الانبعاث الجديد. وبالتالي وضع الحاضر في ميزان الماضي بالصيغة التي حولت الماضي إلى حاكم معنوي، تماما بالقدر الذي لا يعني تذليل العجز الواقعي للتصوف عن تقديم بدائل واقعية عصرية، سوى رفع شأن رموزه الأخلاقية.

وتوصل محمد عبده إلى نفس النتيجة وإن بطريقته الخاصة. فقد ابتدأت ثقافته الروحية والعقلية في أحضان الشاذلية، وبقدر غير مباشر بالسنوسية. ففي مساره الشخصي يبدو كما لو انه تجسيد للفكرة التي صاغها في يوم ما أبو الحسن الشاذلي (ت – 656 للهجرة) عندما قال: "سبحان من قطع كثيرا من أهل الصلاح عن مصلحتهم كما قطع المفسدين عن موجدهم". لكنه جسّد ذلك في تجارب العقلانية الإصلاحية. مما جعل من نزعته النقدية نموذجا أقرب إلى الحد الوسط ما بين روحية الشاذلي في تصوفه وعملية الأفغاني في اصلاحيته السياسية. فإذا كان الله قد خاطبه، كما يقول الشاذلي عن نفسه، بتحوير لقبه من الشاذلي إلى "الشاذّ لي"، فإن محمد عبده لم يشذّ عن شيوخه إلا في الميدان الذي جعل من طابعه العملي العقلاني أقرب إلى الروح الصوفي. فقد صاغ الشاذلي بريق الأمل بالنسبة لأولئك الذين يواجهون انغلاق المستقبل بعبارة "لا طريق إلا الطريق (الصوفي) والإصلاح"[9] بينما رفع مهمة التمسك بالكتاب (القرآن) والسنّة (النبوية) فوق الكشف (الصوفي) في حالة تعارضهما[10]. ولم يجد في طريقته رهبانية، كما أنها ليست في أكل الشعير والنخالة، بل في الصبر على الأوامر واليقين في الهداية. وطالب المريد على الدوام بأن يلزم جماعة المؤمنين وإن كانوا عصاة فاسقين. وأن يقيم عليهم الحدود ويهجرهم رحمة بهم لا تعززا عليهم وتقريعا لهم[11]. وقد أبقى محمد عبده في تجربته اللاحقة على كل ما بلوره الشاذلي من أفكار عن الصراط المستقيم والإصلاح والأخلاق المتسامية وجوهرية الكتاب والسّنة وقيم الجماعة واليقين في الهداية. وإذا كان محمد عبده لم يرتق في منازل الشاذلية إلى "ميدان الروح الرباني" أو "باب ميدان السر" ودرجة "الأبدال والنواب"، فلأنه سلك، إن أمكن القول، طريق المحبين فيها لا المحبوبين. فقد واجه الواقع كما هو وليس بمعايير التقاليد القديمة للطرق الصوفية، بما في ذلك "التصوف الفاعل" منها. بمعنى انه نقل مواجهة الواقع وأبداله ونوابه في طريق وميدان السياسة والفكر. مع ما ترتب عليه من ضرورة مواجهة الواقع بمعايير العقل والإرادة الفاعلة (القوة)، والتي وجد أسلوبها الأمثل في إصلاحية عقلانية. لهذا أشار في معرض انتقاده للمقلدين والتقليدية إلى أن مجرد محاولة الشيخ السنوسي وضع كتاب له في أصول الفقه زاد فيه بعض مسائل على أصول المالكية أثار ردود فعل قوية، رغم أن ما فيه يدل على انه يفهم الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة[12].

ونعثر على موقف مشابهة عند الكواكبي. فهو لم ينصح أتباعه أو مؤيدي اصطلاحيته العقلانية السياسية باتخاذ أفعال المتصوفة مثالا عمليا للسلوك، بمن في ذلك أوائل المتصوفة وأواخرهم والمعاصرين منهم، مثل من اسماهم "بالسادات السنوسية في صحراء أفريقيا"[13]. وبالتالي، لم يكن نقده اللاذع للتصوف سوى جزءا من مشروعه العملي. بمعنى توظيفه الفكري في الاتجاه الذي يعطي للإصلاحية شرعيتها الايجابية باعتبارها نفيا حقيقيا للإرث الصوفي. ولهذا فرّق بين ما اسماه بحقيقة التصوف وتصوف الغلاة. وهو الفرق الذي يعبر عن موقفه من التصوف المعاصر له. فالمتصوفة الأوائل، كما يقول الكواكبي، لا شيء عندهم "إلا التوسل بالأسباب العادية الشاقة لتطهير النفوس من أمراض إفراط الشهوات، وتصفية القلوب من شوائب الشره"[14]. وبهذا المعنى كان التصوف صفة مميزة لأكثر الصحابة والتابعين[15]. وحاول من خلال هذه الفكرة اعتبار التصوف الغالي انحرافا عن مبادئ الإسلام الأساسية. فالتصوف الغالي بنظره، هو نتاج لعمل أولئك الذين "لم يرضوا بالشرع المبين فابتدعوا أحكاما سموها علم الباطن أو علم الحقيقة أو علم التصوف. علما لم يعرف شيئا عنه الصحابة والتابعون وأهل القرون الأولى المشهود لهم بالفضل في الدين"[16]. من هنا اعتباره الإفراط فيه وزياداته المنافية لبساطة الإسلام نتاجا لازم تأثر التصوف بتوسع الفقهاء في شروحهم والمتكلمين في العقائد. حيث أضافوا لكل ذلك اقتباسات من قواعد الإلهيات الفيثاغورية، وجمل من لاهوتيات الأديان والوثنية ألبسوها لباسا إسلاميا. وإذا كانت هذه العملية قد بلغت ذروتها في القرن الرابع الهجري، فإن القرن الذي تلاه استكمل غلو المتصوفة في مقاماتها عن النبوة والولاية والقطب. بحيث أصبح التصوف، كما يقول الكواكبي، فلسفة مشبعة بأحكام تشبه الحِكَم مبنية على زخرفة التأويلات والخيال والأحلام والأوهام[17]. لهذا لم يجد في الحقيقة الصوفية سوى رديفا للسرّ النصراني. أما وحدة الوجود الصوفية فليس إلا الحلول النصراني[18]. وبغض النظر عن سطحية هذه المقارنة وعدم دقتها إلا أنها تكشف في اتجاهها الفكري عن نزوع عملي موجه أساسا ضد غلو التصوف المعاصر له، أي التصوف الطرائقي "المسّيس" (من السياسة) في مساعيه لتكريس الخرافات والأوهام والأحلام وكل ما لا يعبر عن حقائق الإسلام الإصلاحي. من هنا حكمه على متصوفة زمانه باعتبارهم مدلسين في الدين. بل نراه يصفهم بعبارات مثل أولئك "الذين يدعون الكرامة على الله والتصرف بالمقادير واستمالتهم العامة بالزهد الكاذب والورع الباطل والتقشف الشيطاني وتزينهم لهم رسوما تميل إليها النفوس الضعيفة الخاملة سموها آداب السلوك"[19]. ومن هنا أيضا استشهاده بأثر هذا التصوف الكاذب والباطل والشيطاني والخامل في الوعي الجماهيري المعاصر له، والمستند إلى دعاوى باطلة في كرامات الأولياء وإهمال العمل ومسئولية الفرد الشخصية.

إننا نقف هنا أمام موقف واضح المعالم في غاياته يسعى لتفنيد أسس الغلو الصوفي عبر نقد كل ما ينافي العقل والمعقول فيه. ومن ثم هدم الأسس النفسية والفكرية لآثاره الاجتماعية من خلال إبراز الزيف القائم فيه وفي أوهامه العالقة وترهاته الظاهرية، بما في ذلك عبر إبراز حقيقة التصوف الأخلاقية الأصلية. وبهذا يكون الكواكبي قد سار من حيث الجوهر في نفس المسار العام للأفغاني ومحمد عبده، أي البحث عن المعقول والأخلاقي باعتبارهما مقدمات علمية وعملية ضرورية للعمل الاجتماعي الحر، ومصدرا من مصادر وعي الذات النقدي.

وبهذا تكون إصلاحية الجهاد والاجتهاد العقلانية (الإسلامية) قد سارت في طريق الاختزال العلمي والعملي لتجربة قرن من الزمن. وهي الحصيلة التي وجدت انعكاسها في رؤيتها النقدية للواقع. فهي لم تعد تحكم في آرائها على الحاضر بعيون الماضي، ولم تصنع من نماذجه المثالية نظاما لاهوتيا صرف، بل حاولت اختزال مثالية الماضي في نموذجيته، أي إعلاء شأنه باعتباره نموذجا لا يلزم العمل المعاصر بشيء غير إلزامية التأمل الحر. وبهذا تكون قد دفعت ثقافة "كسر الأصنام" و"هدم القبور" إلى نهايتها المنطقية من خلال تحويل سهامها إلى كيانها الخاص. وبالتالي بناء حريتها الجديدة في العمل باعتبارها بؤرة مشعة، وليس تصنيمها (من الصنم) في قطبية الوجود الحق. وقد أدت هذه العملية إلى تعميق نقد الذات العقلاني وقطع دورة الإنتاج التقليدية للعقائد. بمعنى أن الإصلاحية الإسلامية الحديثة لم تجعل من أفكارها النقدية عقائدا.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.................

[1] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص466.

[2] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص466.

[3] محمد عبده: الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية، الجزائر، 1987، ص116.

[4] محمد عبده: الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية، ص116

[5] محمد عبده: الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية، ص116-117.

[6] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص32.

[7] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص294.

[8] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص295-296.

[9] الشعراني: الطبقات الكبرى، بيروت، دار الجبل، 1988، ج2، ص5.

[10] الشعراني: الطبقات الكبرى، ج2، ص5.

[11] الشعراني: الطبقات الكبرى، ج2، ص6.

[12] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص114.

[13] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص231.

[14] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص230.

[15] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص231.

[16] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص198.

[17] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص232.

[18] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص162، 193.

[19] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص163.

 

ميثم الجنابيإن الشخصيات الكبرى جزء من تاريخ الأمم، أي جزء من وعيها الذاتي. وبالتالي، يتوقف على فهم انجازها الحقيقي إرساء أسس التوحيد الاجتماعي والقومي الثقافي. وسواء كانت الشخصية عقلانية وذو نزوع إنساني أو بما يعارضها أو بالصد منها. فالأولى تعمق وعي الذات التاريخي الثقافي، والثاني تستثير وتشحذ وعي الذات النقدي العقلي. ومن ثم كلاهما يسهمان في إرساء طبقات التراكم العقلي والعقلاني للأفراد والجماعات والأمم. 

غير أن هناك اشكالية تتسم بقدر كبير من التعقيد تتلخص في نوعية الموقف من هذه الشخصيات الكبرى بالارتباط مع تباين واختلاف منهج الرؤية والمواقف القيميية. وهذا بدوره مرتبط، إلى جانب الخلاف المحتمل في كل ما له علاقة بالإنسان وتجاربه التاريخية، بنوعية ومستوى التجارب النظرية في تقيمها ومواقفها من تاريخها الذاتي. فانعدام أو ضعف الرؤية العقلية والعقلانية والنزعة الإنسانية عادة ما يثير ويؤجج نفسية وذهنية الخلاف البدائية، أي نفسية وذهنية التقليد والعيش بمعاييرها والحم بمقاييسها. وليس مصادفة أن لا يجتمع العرب في مرحلتهم التاريخية الحالية وضعف تكاملهم الذاتي على مستوى الاجتماع والثقافة والنظام السياسي والفكرة القومية، بما في ذلك تجاه أعظم شخصياتهم التاريخية. وقد تكون الشخصية الوحيدة المجمع عليها هو النبي محمد فقط. مع أن الإجماع على عظمة الشخصيات الروحية والثقافية تفترض ادخال ما لا يقل عن بضعة آلاف منهم ممن يشكل من حيث إبداعه التاريخي رصيدا هائلا للحكمة العقلية والعقلانية والإنسانية. فلا إجماع حول قيمة الفلاسفة الكبار، ولا شيوخ الصوفية الملهمين، ولا أئمة الفقه ولا فحول الشعراء وعظماء الأدباء ورجال السياسة المؤسسين. ولعل الموقف من ابن خلدون يدخل أيضا ضمن هذا السياق الذي يكشف عن خلل الرؤية العقلية والعقلانية، وضعف الأسس الفعلية لوعي الذات القومي والعلمي. من هنا تداخل المواقف السياسية والاجتماعية بل والعرقية والإثنية في جدل المواقف من تقييمه. مع أن المواقف السياسية لا يمكنها أن تكون مصدرا للأحكام العلمية الدقيقة، دع عنك حالما تتطعم بغباء الجهل المعرفي، وبلادة الحس الذوقي، والتطفل الشاذ على فتات المعلومات "المنتخبة" من مزابل الحكاية والرواية. 

وليس مصادفة أن نقف أمام نوعين من التقييم والمواقف، متضادين. فرجال العلم والمعرفة الكبار، بل عظماء المؤرخين وفلاسفة التاريخ الأجانب من غير العرب أعتبره من بين أعظم الشخصيات التاريخية الكبرى. فقد قال عنه أرنولد توينبي، بأن ابن خلدون ابتكر وصاغ فلسفة للتاريخ هي بدون شك أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم. وقال عنه لاكوست الباحث الفرنسي المحترف بدراسة شخصية وإبداع ابن خلدون من ان كتاب ابن خلدون يمثل ظهور التاريخ كعلم، وهو أروع عنصر فيما يمكن أن يسمى بالمعجزة العربية. ووصفه روزنتال في تقديمه لترجمته الخاص للمقدمة إلى الانجليزية كلمات كبيرة من الإطراء العميق والكبير. وقال عنه روجيه غارودي أن ابن خلدون هو عالم وفنان ورجل حرب وفقيه وفيلسوف يضارع عمالقة النهضة عندنا بعبقريته العالمية منذ القرن الرابع عشر.

إن هذه التقييمات وكثير غيرها مما يصب ضمن هذا السياق من المواقف والتقييم مبنية على أساس المعاناة التاريخية العميقة والمتنوعة للفكرة العلمية وقيمة المنهج وعوالم السياسة التي تحمل بين تعرجاتها كل الاحتمالات والممكنات. ولكن مع ذلك كيف يمكن فهم قيمة الرجل السياسي المحنك والمهموم بفكرة الدولة وقيمة الحضارة والتمدن البشري؟ فقد كان ابن خلدون رجلا ذو تجربة سياسية كبيرة وهائلة تراكمت في ظل ظروف صعبة وقاسية وصراعات داخلية وخارجية عنيفة. فقد تمرس في الحكم وإدارة الدولة والنظام الحقوقي والاعتبار بالتاريخ. كما كان دبلوماسيا ماهرا. باختصار، انه كان يجمع في ذاته رجل السياسة والعلم. وهو جمع نادر جدا لم يكن له مثيل حتى ذاك الوقت. ولعل المقارنة الوحيدة الممكنة هنا هو ما سيقوم به مكيافيللي الناضج بعد حوالي قرن من الزمن. غير أن الفرق بينهما يبقى كبيرا وهائلا. فقد حقق ابن خلدون فكرته السياسية في مجال فلسفة التاريخ والثقافة بينما مكيافيللي في ميدان النصائح السياسية العملية. فقد تراكمت شخصية ابن خلدون في ظل احتكاك شديد بين السياسة بوصفها فكرة المصالح وبين العلم بوصفه فكرة العقل النظري المجرد والمتسامي. من هنا نرى ملامحه العربية الإسلامية بوصفه أحد العلماء الكبار الذي واجه صراعات ومحن وفتن المرحلة بقدر هائل من الصبر والتأني والحكمة والروية. إذ عاش في ظل صراعات عنيفة في المغرب بين إمارات البربر (الموحدين والمرينين والحفصيين) على اشده. بينما كان المشرق العربي يعاني من أهوال الغزو التتري المغولي. وضمن هذه الحالة الحرجة في التطور التاريخي لإمارات ودويلات البقايا المتحطمة للخلافة التنقل والعمل بين الأندلس والمغرب ومصر والشام، أي في كل ربوع العالم العربي في مرحلة انهياره التاريخي وسقوطه المزمن. بل إن أحد أعظم أعماله (المقدمة) قد تفرغ له بعد أن تفرغ من الحياة السياسية المباشرة. فقد انجز كتابه الشهير على مدار أربع سنوات قضاها في كنف اصدقائه من بني عريف، الذين انزلوه بأحد قصورهم في "قلعة ابن سلامة" بمقاطعة وهران بالجزائر. وفيها تمكن من تصنيف (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر). وقدم له بمقدمة تحولت إلى مقدمة مستقلة قائمة بذاتها. انجزها وهو في نهاية العقد الخامس من عمره.

وما بعدها كانت حياته السياسية تحقيقا لما وضعه فيما يتعلق بالموقف من السياسة باعتباره اسلوبا وأداة لبلوغ المصالح، التي كانت تتطابق في ذهنيه ونفسيته وشخصيته مع فكرة الدولة والأمة، لا كما يصنفها صغار المتعلمين وأنصاف المثقفين والجهلة من يسار ثوري أحمق عبر إرجاع كل ما فيه إلى مهاترات المواقف السياسية المبتذلة على أساس قربه من السلطان وخنوعه أمام تيمورلنك! أما في الواقع فليس في سلوكه ما يوحي بالخنوع والجبن وخدمة السلطان أيا كان. فقد عمل معظم إن لم يكن جميع المفكرين والفلاسفة الكبار مع السلطة. وقد كن ذلك جزء من ثقافة المرحلة التي لم تعش بمعايير الحرية السياسة المعاصرة والفكرة الثورية المسطحة. مع إن المشكلة كانت قائمة. غير أن ابن خلدون لم ينحدر ولا في أية مرحلة من مراحل حياته إلى ممارسة ما لا يتفق مع فكرته العلمية عن التاريخ والسياسة. وهذه تفترض العمل بما يضمن مصالح الأمة والدولة وليس السلطة والأفراد. وهي فكرة تتخلل كل ما وضعه في المقدمة. فالسياسة بالنسبة له ليست فكرة أخلاقية، بل فكرة عملية محكومة بمسار التطور التاريخي وقانون صيرورة الدولة والنظام السياسي والحضارة. وحياته الشخصية لم تخل من مآس ودرامية كبيرة وعميقة. غير أن هذه الجوانب تبقى شخصية مع انه لا أمور شخصية في الشخصية الكبيرة. وبالتالي، فإن ما قام به وسلكه تجاه السلطات والدولة والحالات الحرجة في مسار التاريخ العربي في الشام وغيرها ينبغي فهمه ضمن هذا السياق.

فالمواقف "النقدية" التي أول من وضعها طه حسين وتابعها وتوسع في جوانبها السياسية والأخلاقية أعداد كبيرة من أصحاب الرؤية الراديكالية لا قيمة علمية كبيرة فيها. بل في أغلبها هي أقرب ما تكون إلى إهانة للعلم. والسبب هو أن أغلب هذه الكتابات والمواقف من جانب أهل الأدب ولكن ليس بالمعنى العربي الإسلامي الكلاسيكي، بل المعاصر. إذ أغلبهم ليسوا أدباء بالمعنى الدقيق للكلمة، ولا يرتقي أي منهم الى مصاف احمد فارس الشدياق وأحمد أمين ومن بمستواهم وأمثالهم. وأغلب من يمثل هذه الرؤية والمواقف والأحكام هم من لصق بمختلف فنون الأدب أو ممن ينتمي إلى بعض فنونه المعاصرة، وأغلبها في الشعر والقصة والرواية. وبالتالي، فإن أحكامهم جميعا بدون استثناء لا يعتدّ بها ولا تصلح لأن تكون مصدرا للمعرفة العلمية والفكرية الرصينة. وذلك لأن أغلبهم أو جميعهم يتسمون بضعف المعارف أو انعدام الرؤية المنهجية العلمية وسوء فهم للثقافة التاريخية العميقة والفكرية النظرية بشكل عام والفلسفية بشكل خاص. وبالتالي فأحكامهم أهواء لا قيمة علمية فيها ولها. ولكنها واسعة الانتشار لأن الوعي السائد لحد الآن في العالم العربي هو وعي وجداني أو ديني إيماني أو لاهوتي أو شعري أو بياني أو سفسطي في أغلبه، أي بلا أصول علمية دقيقة ومحكّمة.

ففيما يخص طه حسين، فإن مواقفه الايجابية والسلبية من ابن خلدون تتسم بقدر واحد من البهرجة المبتذلة المميزة لأغلب ما كتبه في مجال التاريخ الثقافي والفكري. وبغض النظر عن أن كتابه عن ابن خلدون هو مجرد رسالة للحصول على شهادة الدكتوراه، بمعنى أولية في مسار البحث العلمي لكنها كانت تعكس نوعية ذهنيته المتميزة بالأحكام السريعة والنقد الاهوج والمخالفة المتعمدة لسد نقص المعرفة العميقة والقراءة المتأنية للأعمال النظرية الكبيرة[1]. ولا يشذ كتابه (رسالة الدكتوراه التي انجزها عام 1917) بالفرنسية والتي نشرت بالعربية تحت عنوان (فلسفة ابن خلدون الاجتماعية.. تحليل ونقد). وفيها يشدد على أهمية وعظمة ابن خلدون الذي اعتبره إلى جانب المعري أكثر من جرى الاحتفاظ بذكراهما في كل تاريخ الآداب العربية منذ عصر الجاهلية إلى عصرنا، ممن قام بعمل خارق وعبقري ومبتكر من العرب والمسلمين. المعري بأعماله "اللزوميات" و"رسالة الغفران"، والثاني في "مقدمته". وإن قمة هذا العمل بالنسبة له يقوم في "خطته التي خالف بها من سبقه من المؤرخين، حيث لم يتبع الترتيب السنوي كمؤرخ، بل قسّم التاريخ إلى فصول"، والمعلومات المهمة التي قدّمها عن البربر. وهو ايضا حكم متسرع ولا علاقة له بادراك قيمة ومعنى الكل الثقافي الذي كان المعري وابن خلدون شخصيات كبيرة فيهم ولكنهما ليس اكثرهم عبقرية واثر وقيمة. بل هناك المئات بل الالاف الذي يرتقون الى مستواهم ومن أهم وأعلى وأعمق قيمة وأثرا في التاريخ الثقافي العربي والإسلامي ككل. لكن شف طه حسين بهما بشكل عام وبالمعري بشكل خاص جعله يعتقد بأن اختياره لهما يعني إنهما الذروة التي تستحق أن يتسلق لبلوغها كل ذي عقل! وهو حكم لا يخلو من مراهقة فكرية!

لقد لاحظ بعض الجوانب التي يمكن تعريضها للنقد، لكنها بقت في اغلبها ضمن اطار "المبالغات" التي وجدها في بعض ما نقله ابن خلدون من وقائع تاريخية، لكنه لم يفهما ضمن سياق الفكرة التي حاول ابن خلدون الكشف أو البرهنة عليها كما هو الحال بالنسبة زواج الخليفة المأمون العباسي، والبذخ الذي كان فيه. ومع انها وقائع معقولة جدا لم يعرف حياة الخلفاء العباسين في اوج تطورها. لقد كانت الدولة انذاك غنية جدا حتى حالما يجري مقارنتها بالدول الغنية الحديثة. ومع ذلك فان توجيه الاهتمام صوب هذه الصغائر لأنه لا شيئ جدي يمكن نقده بمعايير العقل النظري. اما مقارنة ما وضعه ابن خلدون بمن قبله من مؤرخي اليونان والرومان، فإنها تصب في فضيلة الأوائل عليه. بينما الحقيقة هي بخلاف ذلك تماما سواء ما يتعلق بنقل الاخبار أو تدقيقها وتحقيقها، دع عنك ما وضعه ابن خلدون من مقدمة لا مثيل لها فيمن سبقه. فابن خلدون أراد ان يجعل من التاريخ علما وليس رواية وحكاية، إضافة إلى فلسفته التاريخية. أما ما يسمى بالقوانين الضرورية للمؤرخ التي ينبغي أن يتبعها فهي أمور تبدو صغيرة مقارنة بما وضعه ابن خلدون، وينطبق هذا على ما اسماه بفكرة الصدفة والمصادفة التي يدخلها ابن خلدون ضمن ما يمكن دعوته بالأسباب الخفية المؤثرة في مجريات الأحداث التاريخية، الأمر الذي يفسر كما يقول طه حسين ما اسماه "بقصور العقل البشري" الذي أسقط ابن خلدون في ضعف أمام نقاد العصر الحديث. وهو استنتاج مبني على جهل برؤية ابن خلدون لفكرة الصدفة والضرورة. فهو لم يقل اطلاقا بأهمية وفاعلية الصدفة في الحياة التاريخية ومسار التاريخ. على العكس انه اعطى لها بعدا يعادل معنى الوجه المجهول للضرورة. وهي فكرة لم يكن بإمكان طه حسين ملاحظتها أو فهمها. أما استنتاجه عن أن معظم أخطاء ابن خلدون تعود لجهله بالعوامل أو إهماله لتقدير النتائج، فهو استنتاج خاطئ أيضا.

فقد نظر ابن خلدون إلى باطن أو حقيقة التاريخ في كونه "نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الواقع وأسبابها عميق". ذلك يعني إن حقيقة علم التاريخ تلازم بالضرورة ارتقاءه إلى مصاف العلم النظري،أي اولوية وجوهرية النظر العقلي والتحقيق الفعلي والتفسير السببي لكل ما هو كائن وموجود أو ما هو ثابت ومتغير بالاستناد إلى مبادئ دقيقة فصلها ابن خلدون في مقدمته.إننا نقف هنا أمام رؤية تستند إلى معرفة ماهية الأشياء وكيفيتها وأسبابها، إي إلى الاسئلة الجوهرية بالنسبة للبحث العلمي. انه يشير بصورة دقيقة إلى ضرورة النظر والتحقيق والتعليل لما هو موجود، ومعرفة المقدمات والأسباب الأولية، وآلية الأسباب الفعلية وفعلها في الوقائع التاريخية). غير أن مشكلة لطه حسين تقوم في انه يقرأ النصوص دوما بعيون عمياء! أما الجدل حول ما إذا كان ابن خلدون عالما اجتماعيا أم لا فهو جدل معاصر لا علاقة له بحقيقة ومضمون نظريته الفلسفية عن التاريخ. أما استنتاجه عن أن إطلاق لقب عالم اجتماع على ابن خلدون هو مبالغة فهي إشكالية المصطلح المعاصر ولا علاقة له بابن خلدون. مع انه دون شك يعتبر واضع علم الاجتماع بالمعنى التاريخي. أما أن يكون "علم الاجتماع" بالمعنى الخلدوني والمعاصر يختلفان اختلافا كبيرا، فهو امر طبيعي ولا يرتقي حتى إلى مصاف اكشاف صغير. إذ أن الجميع تعرف إن الفرق بين رياضيات العالم القديم والمعاصر شاسعا جدا. لكن الرياضيات القديمة هي رياضيات دون شك. أما المقارنات التي يقدمها حول بعض القضايا بين ابن خلدون وبين ارسطو أو مونتسكيو فهي مقارنات فجة ولا قيمة علمية فيها. أما الخاتمة التي وضعها لحصيلة ما كتبه عن ابن خلدون فلا علاقة له بها. فمن حيث مضمونها وليس من حيث ما ورد فيها احيانا من كلمات التبجيل، أقرب ما تكون إلى اعتبار ابن خلدون شخصية عادية. وإن مصر كانت عظيمة على الدوام وعقلية وعقلانية! وأنها كانت "تمصر" كل من يقدم إليها. والأتراك المماليك أصبحوا مصريين من حيث التربية والشخصية. ولولا انهم لم يعرقلوا تطور العلوم(!؟) لكانت مصر في تطورها أقرب إلى ذهنية الأوربيين(!).وإن نهضة مصر الأخيرة هي "بأثر الحملة البونابارتية المبارك"![2]. وهي امور واستنتاجات يصعب هضمها ضمن هذا الخليط الغريب والمعقول والمميز لذهنية طه حسين المتغربة والمغتربة، أي المليئة بعثرات العقل الناشي والمندهش بوجدان المراهقة التاريخية.

بينما كان كتاب محمد عابد الجابري (العصبية والدولة. فكر ابن خلدون. معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي) أرقى وأعمق مما وضعه طه حسين بما لا يقاس، لكنه يبقى في نهاية المطاف ضمن سياق الاستعراض والتحليل الجزئي. كما انه يحتوي على أفكار تتناقض في نتائجها مع الفكرة التاريخية والعلمية حول معالم الخلاف بين عقلانية المغرب وصوفية المشرق. وهذا توسع في التخريف مقارنة بما وضعه طه حسين في خاتمة كتابه. كما انه يجري من حيث صيغته الأولية بقاعدة "خالف تعرف". وهو امر جلي فيما سيضعه لاحقا حول (نقد العقل العربي). وفيه أيضا نعثر على خلل المنطق العلمي والضعف الفلسفي، رغم انه يبقى من الكتب الفلسفية الجيدة والكبيرة في التاريخ الفكري العربي الحديث.   

اما الاراء والأحكام المبنية على اساس العلاقة بين المثقف والسلطة الشائعة الانتشار بين مختلف تيارات اليسار، والتي وجدت في ابن خلدون نموذجا لفارس الخيانة! بينما توسع الآخرون بالصورة التي جعلت من ابن خلدون الخائن الأكبر فيما تعرضت له دمشق من غزوة المغول والتتر والمذابح التي جرت بأثرها. تماما كما اتهمت التيارات السلفية الجبانة نفسها في تاريخ المواجهة العربية الحديثة والمعاصرة تجاه قوى الغزو الكولونيالي الحديث، ابن العلقمي في سقوط بغداد وما قام به شيعة العراق في فتح ابواب العراق للغزو الأمريكي، الذين هم كانوا في مقدمة حصار العراق لسنوات مديدة وتوفير الغطاء المادي والمعنوي والسياسي واللوجستي!! وعموما هذا هو ديدن الخونة الفعليين.

بعبارة أخرى، إن القضية أكثر وأكبر تعقيدا من أن يجري ارجاعها إلى ابن خلدون الذي لا علاقة له بتاريخ الأحداث في الشام قبل وأثناء وبعد الغزو الهمجي لتيمورلنك. وعموما إن أحداث التاريخ الكبرى والعاصفة، بما في ذلك سقوط دمشق قد أّرخ لها هو نفسه بمعايير الاستشراف المستقبلي الذي وضع أسسه في فلسفته عن التاريخ. فالأحداث التاريخية والمعلومات الدقيقة عنه تكشف عن ان القضية أوسع وأعمق ولا علاقة لابن خلدون بها. فهو ليس الوزير الأكبر ولا حاكم أو سلطان دمشق. فأغلب حياته في المغرب والأندلس ومصر. وقد كان وجوده في دمشق من مصادفات الزمن لا غير.

وقد كان تركيز الأديب الكبير سعد الله ونوس في مسرحيته حول هذه الواقعة التاريخية التي صور فيها ابن خلدون أو جعل منه نموذجا لخلل المثقف واستعداده لبيع الضمير مقابل الحياة والمال ليست في محلها. وضمن هذا السياق سار الروائي العربي الكبير عبد الرحمن منيف، الذي استنبط من مسرحية (منمنمات) لسعد الله ونوس إشكالية المثقف والسلطة ودوره الضروري في حياة الأمم. حيث كتب بهذا الصدد يقول، بأن "العلاقة بين المعرفة والسلوك، ودور الثقافة والمعرفة، وهل يجب أن يكونا في خدمة القوة والسلطان أو في زيادة وعي الناس وصقل أرواحهم، العلاقة بين الطموح المشروع للمثقف وإغراءات السلطة والمال، ثم ماذا يعني المثقف...هل هو مجرد تقني أم صاحب وجهة نظر وضمير؟"[3].

إن اشكالية المثقف والسلطة غاية في التعقيد. وتحتاج إلى حصافة فكرية ورزانة عقلية وفهم تاريخي عميق بالشخصية وملابسات فعلها التاريخي. وقد وضعت أنا أحد اكبر الاعمال الفكرية الفلسفية والتاريخية التراثية بهذا الصد تحت عنوان (الأشباح والأرواح - تجارب المثقف والسلطة). وهو بثلاث مجلدات كبيرة صدر منها المجلد الأول (قبل شهر تقريبا). والبقية في طريقها للنشر. ففي مجرى البحث النقدي والمتعدد الجوانب والمبني على معارف عميقة وواسعة تتعلق بكل ما ابدعه وسلكه المثقفين فقط يمكن اطلاق الحكم وليس من خلال حادثة طارئة، مهما كان مظهرها مؤثرا ومؤلما بالنسبة للوجدان.

أما ما جرى ويجري كتابته من جانب ممثلي الأقليات العرقية والإثنية والدينية فلا يعتد به، وذلك لأنها تستظهر ما في باطنها من عقد عادة ما تلازم الأقلية في موقفها من القومية الكبرى. وهي ظاهرة عالمية وتاريخية، لا تخص قومية أو أمة دون أخرى. فالأقلية غير المندمجة بمعايير الروح الثقافي تعاني على الدوام من انفصام تزيده مرارة عدم الاكتمال والتكامل بمعايير التاريخ والفكرة العامة. وهي ظاهرة مرتبطة بما يمكن دعوته بغلبة القوة البدائية للأقلية بمختلف أشكالها. وهذا بدوره أحد مظاهر النتاج السيئ للتاريخ الدرامي للأقوام جميعا. إذ عادة ما ينحصر اهتمام هذه "المقالات" أو بصورة أدق هذه الأقوال على ما يمكنه أن يشفي غليل الاحقاد الصغيرة. من هنا التركيز على ما يسمى بإبراز ابن خلدون لبدوية وهمجية العرب وعدم قدرتهم واستعدادهم لبناء الدولة والعلوم والحضارة. ويقابلهم من يسعى لتفسير موقفه على انه قد يكون من أصول ليست عربية! وكلاهما يلتقيان بالغباء والرذيلة.

إن ابن خلدون، كما يحبذ هو القول، عربي من أصول حضرمية، أي من العرب الأصليين! كما أن كل مقدمته مبنية على أساس تحليل نتاج الثقافة العربية الإسلامية وحضارتها. كما انه يضع العرب وإبداعهم الحضاري في مصاف الأمم التاريخية الكبرى آنذاك والمشهورة ضمن التصنيفات العامة بهذا الصدد، أي الحضارة الفارسية واليونانية والرومانية. والعرب هم الذين كّملوا وطوروا ما فيها.

فكلمة العرب بالنسبة لابن خلدون، بوصفها مصطلحا سوسيولوجيا تدخل فيها كل الأقوام في بداية تطورها. لهذا نراه يدخل فيها العرب في بداياتهم والبرير (الامازيغ) والأكراد وغيرهم. فهو يشير الى هذه الأسماء بعينها. ومن غير المعروف لماذا أدخل الأكراد. يبدو من خلال السماع عن طبائعهم الخشنة وشدة البداوة. فباستثناء مرة واحد لا نعثر على أي أثر لهم في كتابه (المقدمة). بينما الأمر يختلف بالنسبة للبربر. فهو يضعهم ضمن القبائل والأقوام الأشد بداوة وتوحشا بما في ذلك في دول الأندلس والمغرب الكبير الحضارية. لكنه في الوقت نفسه يقيم بين اماراتهم انذاك معززا مكرما. لقد كان البربر انذاك يفهمون المعنى الدقيق لكلمة البداوة والتوحش بوصفها كلمة ذات أبعاد اجتماعية لا علاقة لها بالقوم والإثنية.

إن مضمون (المقدمة) كله مرتبط من حيث أبعاده النظرية والفعلية بتاريخ الثقافة العربية الإسلامية. من هنا حديثه عن الأمم الحضارية الكبرى التي أدخل فيها إلى جانب العرب الفرس والروم واليونان. أما الفهم السيئ لما في بعض عباراته بهذا الصدد فهو نتاح القراءة المسطحة وانعدام العقل النظري والثقافة الفكرية المتعلقة بدراسة التاريخ بشكل عام والثقافي بشكل خاص. لكن الخلل الجوهري يقوم هنا في أن الأغلبية إن لم يكن جميع من كتب عنه لم يفّرق بين الأبعاد الاصطلاحية والمنهجية في معنى كلمة (العرب). وهو ما سأشرحه في مجرى تحليل ودراسة ما وضعه في (المقدمة) في بحث كبير. وبغض النظر عن موقفه وكيف يبدو بالنسبة لذهنية الآخرين، فإن ما وضعه ابن خلدون أو ما توصل إليه من أحكام تخلو من أية أبعاد قيمية. إذ هي معدومة في كتابه (المقدمة). ومن ثم فإن كل ما فيها يبقى في نهاية المطاف جزءا من اجتهاده الشخصي، ومن ثم لا يعني صحته بالضرورة. فالتاريخ الثقافي العربي الإسلامي يعرف ما يسمى بالحركة الشعوبية التي سعت للانتقاص من العرب في أحد مراحلهم التاريخية ووصفهم بالتوحش ومختلف أصناف الرذيلة. مع إنها حالة ومرحلة تلازم تاريخ الأمم الكبرى كلها بدون استثناء. وهو أيضا من اكتشافات وتحقيق ابن خلدون حول الانتقال من البداوة والتوحش إلى المدنية والحضارة، باعتبارها الحالة الضرورية والحتمية بالنسبة للشعوب والأمم الحضارية الكبرى كلها بدون استثناء. وفي نفس الوقت هناك مئات بل آلاف العلماء والمفكرين والفلاسفة والفقهاء والأدباء والشعراء والمؤرخين وغيرهم ممن رفع شأن العرب الى مصاف "الأمة المقدسة"، بحيث رفعت لسانها إلى مصاف "لغة اهل الجنة"! وأيا كانت هذه الأحكام فإن العبرة، فيما لو استعملنا مصطلح ابن خلدون نفسه، تقوم في ما قرره التاريخ الواقعي والفعلي عن أن الحضارة التاريخية والكونية الكبرى ظلت تحمل أسم الحضارة العربية الإسلامية. اذ لا حضارة ولا ثقافة إسلامية بدون مقومها الجوهري العربي. والعربي هنا كان يعادل وما يزال المعنى الثقافي وليس العرقي أو الإثني. فالعرب والعروبة والعربية بعد الإسلام هي فكرة ثقافية وليست عرقية أو اثنية. وفي هذا تكمن أحدى خصائصها الكبرى والجوهرية.

لقد سلك ابن خلدون بما يتوافق مع رؤيته الفلسفية عن التاريخ. فحتى في حال افتراض وجود الشر في سلوكه الحياتي الشخصي، وهذا ما لا يتحرر منه أي شخص، باستثناء شيوخ التصوف وأقطابها، هو القدر الذي لابد من ملازمته للخير الكبير والكثير. وإن ابداع ابن خلدون لفلسفته التاريخية هو الخير الكبير والكثير الذي يحرر قيمته وأثره ومعناه من كل ما جرى ويجري وصفه من جانب صغار العقول وأنصاف المتعلمين ووجدان الأدباء الصادق.

إن القيمة التاريخية الفعلية لابن خلدون تقف ما وراء الفضيلة والرذيلة بمعناها السياسي الجزئي والمباشر. انها تسبح وتمرح وتفعل وتؤثر في ميدان الفكرة النظرية التاريخية. ومن ثم عبرتها الفلسفية والثقافية والتاريخية. وهي جوانب يمكن رؤيتها في أعمق أعماق أفكاره بصدد نسب الخير والشر في المسار الحضاري وانعكاسه بما في ذلك في علاقة السلطة بأتباعها بما في ذلك تجاه رجال العلم والمعرفة والثقافة والفكر.

  فقد توصل ابن خلدون بهذا الصدد إلى فكرة تقول بأن احدى المكونات الجوهرية التي ترافق وتلازم انتقال المجتمع والدولة من البداوة إلى الحضارة، أي كل ما يرتبط بهيمنة وسيادة واستبداد الملك (السلطة والدولة) هو توسع مصادر الثروة وثرائها. وهذا بدوره يؤدي إلى الترف الذي يحصل على انعكاسه المتنوع في أبهة الحضارة وبهائها وازدهارها. وهذا بدوره ليس إلا الوجه الناصع منها والذي يكمن خلفه عدد هائل من الرذائل. والرذيلة بدورها جزء من ثقافة الدولة والمجتمع والحضارة. لهذا لم ينظر إليها ابن خلدون بمعايير ومقاييس الرؤية الأخلاقية وأحكامها المجردة (وهي الفكرة التي سيطورها مكيافيللي ولكن بمعايير قواعد العمل السياسي وليس بمعايير الرؤية التاريخية الفلسفية)، بل اعتبرها ضرورية أيضا من وجهة نظر المسار التاريخي الطبيعي للوجود الإنساني. وليس مصادفة إن يفرز في احدى ملاحظاته الدقيقة والنقدية في الوقت نفسه مفارقة الظاهرة الملازمة لتطور الثقافة والحضارة من أن السعادة والكسب يحصل غالبا لأهل الخنوع والتملق. وهي رؤية تاريخية وواقعية تتوافق مع منهجه العلمي والتاريخي الدقيق، أي الذي يقر بالظواهر كما هي ويحللها بمعايير تطورها الذاتي. انه يكشف عن رؤية نقدية لإحدى مفارقات الوجود الطبيعي والتاريخي للإنسان. ويحللها من خلال تطور الدولة وأدواتها المرتبطة بفكرة الإكراه. بمعنى أن الإكراه هو الوسيلة التي من خلالها يجري بناء الدولة ووحدة البشر. وبالتالي، فإن رذيلة الإكراه بمعايير الرؤية الأخلاقية هي فضيلة بمعايير الرؤية التاريخية والسياسية (وهي فكرة سيقول بها ماركس). غير أن للإكراه في الدولة عند ابن خلدون بعدا إيجابيا. إذ حالما يستتب الملك والسلطان ويكبر يصبح الجميع بالنسبة له سواء. ومن ثم يفّضل من يخضع له ويأتمر بأمره في كل شيئ. من هنا "سعادة" المتملقين وتعاسة أهل الشموخ والإباء. وليس مصادفة أن يكون "الكامل في المعرفة" سيئ الحظ كما يقول العامة، وذلك لأنه "حوسب بما رزق من المعرفة"[4]. وينطبق هذا على كافة أهل المعرفة والفقه والعلم وما إلى ذلك. وهنا يبدو سرّ الشكوى التاريخية والمعنوية التي يوجهها أهل العلم والمعرفة من تعاسة الواقع وسوء الحظ. وسبب ذلك الإكراه يقوم في أن التعاون المبني عليه "لا يحصل إلا بالإكراه عليهم لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع"[5]. والسبب الأعمق لذلك يقوم في أن الإنسان وأعماله تصدر عن روية واختيار، ومن ثم تختلف مواقفهم ومشاربهم، وبالتالي لا سبيل إلى وحدته إلا بالقوة والإكراه لكي يجري حفظ الوجود، أو كما يقول ابن خلدون "لابد من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم لتتم الحكمة الإلهية في بقاء النوع"[6]. وبالتالي أعطى لعلاقة الجهل أو المعرفة والإكراه بعدا فلسفيا كما في علاقة الخير الشر القائمة في الوجود. فالخير هو من "العناية الربانية" بينما الشر أحد أعراض الوجود الضرورية كسائر الشرور الداخلة في "القضاء الإلهي" (كما سيقول به هيغل). فوجود الكثير من الخير يلازمه شر قليل وهو "معنى وقوع الظلم في الخليقة"[7]. وفيما لو جرى إزالة اللون التقليدي اللاهوتي في العبارة، فإن معنى "القضاء الإلهي" هنا هو قانون الوجود الطبيعي.

من كل ما سبق يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أن الأوصاف التي تلصق بابن خلدون معنى الرذيلة هو نتاج الرؤية المسطحة والغبية لحمقى "المثقفين"، وفي المقابل نعثر عند اغلبهم على تعظيم لمكيافيللي! مع أن الخلاف بينهما شاسع، لكنه يسير ضمن سياق العقل التاريخي والثقافي للأمم.

***

 ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1]  إن الانطباع الذي تولد عندي بعد قراءة كل ما كتبه طه حسين، هو انه لم يستمع لما كان يسمعه ممن يقرأ له حتى النهاية. والأسباب كثيرة. فمن الصعب الاستماع إلى كتب نظرية كبيرة جدا. لهذا كان يلتقط بعض مما يرسخ في الذاكرة من عبارات قابلة للفهم السريع. وليس مصادفة أن يكره الفلسفة لصعوبة فهمها، بل انه كان "يقرف" من الفلسفة الألمانية، وذلك لأنه لا يمكن فهمها بمجرد الاستماع اليها. بل انه وجد في كتابات العقاد الفلسفية اشياء متعبة ومرهقة مع انها سهلة بالنسبة لطبلة الصفوف الأولى لكلية الفلسفة. بل في اعتقادي انها معقولة حتى بالنسبة لطلبة المدارس الثانوية المتعلمين جيدا. بعبارة أخرى، انني اشك في انه استمع إلى كتاب نظري فلسفي حتى النهاية، أي انه لم يقرأ أي كتاب حتى النهاية. ومع أن لطه حسين ملكة ذهنية وذاكرة حافظة إلا انها لا تكفي في مجال العلم النظري. من هنا توجهه صوب التاريخ والأدب. فهنا مرتع الرواية والحكاية. أما الملكة الفعلية لطه حسين فتقوم في قدرته على ركوب موجة الشهرة من خلال "المفاجئات" التي يقدمها للثقافة التقليدية. وقد عاش طول عمره على هذه البضاعة تحت عنوان النقد والنزعة النقدية. وما قدمه وكتبه طه حسين لا نقد علمي ومنهجي ومنظومي فيه. فهو أقرب ما يكون إلى قاعدة "خالف تعرف" الواسعة الانتشار والصفة المميزة لأنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين. وقد كان طه حسين ينتمي من حيث الجوهر إلى هذا الصنف من الكتاب.

[2] طه حسين: فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، تحليل ونقد. سلسلة المئويات، مصر، القاهرة، 1925، ص184.

[3] عبد الرحمن منيف: لوعة الغياب. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. المركز الثقافي للنشر والتوزيع.الطبعة الثالثة 2003.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص311.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

[6] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

[7] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

 

مجدي ابراهيميُوجب التصوف على دارسه فضيلتين أساسيتين أولهما: اللغة. وثانيتهما: قوة الخيال. وبغير هاتين الفضيلتين لا يستطيع الباحث أن يساير أقاويل الصوفية ورموزهم الخفيّة التي تتطلب لمعرفتها والوقوف على مراميها لغة رفيعة. وبقدر رفعة هذه اللغة التي رمز بها الصوفية في إشاراتهم ولطائفهم المتعددة بعدد أنفاسهم، يكون "التخريج" أصلاً من أصول الفلسفة الذوقية؛ هذا إنْ جاز أن يكون للذوق فلسفة، وهو لا يجوز عندنا إلا باعتبار "وضوح الرؤية" تجيء بعد التفسير والتخريج.

وفلسفة الذوق تفسير له تماماً كما تقوم للفن فلسفته، فيجيء النسق من الفلسفة والمادة من الفن أو يجيء النسق من الفلسفة والمادة من الذوق فلا يخرج هذا عن إطار التفسير وفق ما تراه الفلسفة جديراً بالتفسير. ولا تعدُّ عبارات الصوفية وأقاويلهم فضلاً عن إشاراتهم من جملة مغاليق الرموز والإشارات إلا لأنها تفسّر بلغة عادية مألوفة، وإني لأعني بكلمة "عادية" أن اللغة لا تفي التفسير حقه من كل ما ينبغي أن يُقام عليه تفسير؛ وأعني بكلمة مألوفة هو كل ما يفسّره الذوق العادي لا العالي. فلا يجب، من أجل هذا، أن تنهض اللغة العادية، ولا بمقدورها أن تنهض، لتفسير أقاويل الصوفية وعباراتهم الرمزية لا لشيء إلا لأنها لغة موضوعة للإشارة لا للعبارة إلى حسِّ فصاعداً منه إلى ما بعده أحياناً، وأحياناً أخرى وقوف عنده وكفى.

فلا اللغة العادية المشيرة إلى وقائع العالم الخارجي بمستطيعة أن تفسر شيئاً مما يقوله صوفيٌ لا ينظر ألبتة إلى الحواس والمحسوسات نظرة غيره إليها، بمقدار ما ينظر إليها غيره منها. وإنمّا هو ينظر إلى الحسّ باعتباره صفة من صفات "الذات" واسماً من أسمائها فقط لا غير، ولا ينطلق مثل هذه الانطلاقة الرحبة إلا بملكة روحية فريدة يتجاوز بها عالم المحسوس إلى ما بعده. ولأجل هذا؛ كَثُر الرمز في التصوف؛ لأن اللغة العادية لا تفي بالتعبير عن سريّة معاني التصوف الخفيّة، وما يستشعره الصوفي في حالاته الروحيّة من أذواق ومواجيد.

غير أن تخريج المفهوم المقبول من الرموز والإشارات شبيهٌ بتخريج المذهب من الآيات والأحاديث، كما يفعل كبار الصوفية؛ لأن تخريج اللفظ المقبول من الإشارات والرموز قائمٌ على دعائم ذوقية تماماً كما يقوم المذهب على دعائم من الآي والحديث؛ ففي هذه المشابهة تكمن فلسفة التخريج التي نعنيها، وهى لا تعني سوى إيثار الباطن من القول على ظاهره، والمُضِيُّ معه إلى حيث يكون المقصود؛ فلئن كانت صلة الظاهر من مُرَاد اللغة هى صلة عامة بجميع الناس؛ فكذلك صلة الباطن من مرادها لا تكون لجميع الناس ولا لعامتهم. ومن هنا فقد يكون السبب الذي من أجله كان الصوفية ولا يزالون لا يتكلمون بلسان عموم الخلق، ولا يخوضون فيما يخوض فيه الناس من مسائل علم الظاهر هو: الضَّنُ بما يقولون على مَنْ ليسوا أهلاً لفهمه أو لمراده. فإذا تَيَسَّر للخاطر أن يصرف عن مراد القول كل ظاهر، جَازَ له العلم بمراد الباطن منه على وجه من وجوه الحقيقة كما كان يقول ابن عربي:

فاصْرِفْ الخَاطِرَ عن ظَاهِرِهَا       واطْلُب الباطنَ حتَى تَعْلَما

وبما أن اللغة العادية قاصرة عن أن تعبّر عن تلك المعاني الذوقية التي يدركها الصوفية في أحوالهم ومواجيدهم؛ فقد لزم لقوة الخيال أن تتسع ولا تنقبض عن التفكير في لغةٍ أبعدُ ما تكون عن اللغة العادية، وأقربُ ما تكون إلى الإشارة والرمز، وأدنى ما تكون إلى العاطفة والشعور يومئ بها الصوفي إيماءً إلى تلك المعاني التي لا يدركها على حقيقتها إلا من ذاق للقوم مذاقهم وجرب أحوالهم وهى في جملتها قوة توضع للمعاني وليست بقوة مقصودة لذاتها. وربما كانت إشارة ابن خلدون دقيقة في هذه الجزئية حين قال:"إنَّ أوضاع اللغة إنما هى للمعاني المُتَعَارِفَة" (مقدمة ابن خلدون بتحقيق د. على عبد الواحد وافي ج ٣ ص 1163).

فإذا نحن لم نجد لفظاً نودعه معنى لهذا الوجدان الغائر الثائر على الدوام، كُنَّا كمن يَسْتعير اللفظ من دلالته الحقيقية إلى دلالته الرمزية، أو من مستوى الواقع المُقرَّر المفهوم إلى مستوى الدلالة الغائبة الخفيّة. ومن هنا؛ سَادَ بيننا التعبير الشائع بضرورة قراءة ما بين السطور. ولقد استخدم هذه اللغة الصادرة عن قوة الخيال كثيرٌ من الصوفية على اختلاف مشاربهم بين تصوف سني وفلسفي: المحاسبي، والمكي، والبسطامي، والحلاج، والنفري، والجنيد، والغزالي، والقشيري، ووسّعها ابن عربي توسيعاً ذهب به إلى أبعد من غايته الموضوعة لها.

على أن التخريج في إشارة الرمز غير التأويل في قانون العقل والمباحث الفلسفية؛ لأن تأويل العقل قائمٌ على صرف اللفظ من دلالته الحقيقية المباشرة إلى دلالته المجازية، أو هو كما عرّفه ابن رشد (595 هـ) في فصل المقال:"إخراج دلالة اللّفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخلَّ ذلك بعادة لسان العرب في التّجوِّز".

أمّا التخريج في قانون الذوق؛ فنحسب أن شرطه يمضي مع مضاء المتذوق لعبارات الصوفية إلى منتهاها إنْ كان لها منتهى تنتهي عنده ثم تسرى فيه العبارة أو القول يقوله المتصوف، وكأنه هو الذي يقوله لا أحد غيره، وأن العبارة التي قليت هو الذي قالها لا أحد سواه من جملة قائلين؛ فإذا تحققت هذه الوحدة في المقولة وأحسّ أنه يستوعب معناها ويدرك على الحقيقة مرماها مما هو أمامه من ضروب الأقوال المرموزة والإشارات الملغزة، نهضت طواياه من فوره على الرغم منه تؤول المقصود من وراء العبارة ينطق بها الصوفي أو الإشارة تسنح بها خواطره في حالة وَجْدِه التي هو عليها، بحيث يمكن أن نستدل بما نفهمه من جملة ما يتراكم على الذوق من معاني هى في صميمها مُجَرَّد أقوال قيلت بلطف رائق في المباني من شأنه؛ بعد التعميق واستلهام موارده، أن يتبع لطف الأواني، كأن يشير ابن الفارض إلى ذلك بقوله:

ولطفُ الأواني في الحقيقة تابعٌ     للطف المعاني والمعاني بها تنمو

وهذا يُشْبِه قولنا: لو لم تكن هنالك في الذهن معاني، فلا تنتظر أن تجدَ على الأوراق مباني. وعليه؛ فالإبداع الصادر من خلال الذوق لا جَرَمَ يكون مصدراً من مصادر إدراك الذوق لمفهوم من المعنى واحد أو لعدة مفاهيم متضامنة.

وليس التأويل المقصود هو أن تختفي فيه الإشارات اختفاءً لا يدع للناظر فيها للوهلة الأولى إضمار المعنى ومقصوده بين طوايا العبارات. ولكن التأويل هو إظهار كل مقبول من القول تتسع له الإشارة ولا يتصادم في معناه الداخلي بين معقول يسيغه العقل وتقرّه شرائط البرهان، ومنقول يوجد على حالته في غير مساس، وعلى طريقة تناوله كما هو عليه أمام أنظار الباحثين تماماً كما ذَهَبَ إلى ذلك أو نحوه الغزالي في "قانون التأويل" حيث قال:"بين المعقول والمنقول تصادم في أول النظر وظاهر الفكر، والخائضون فيه تحزَّبوا إلى مفرط بتجريد النظر إلى المنقول، وإلى مفرط بتجريد النظر إلى المعقول، وإلى متوسط طمع في الجمع والتلفيق"( را: قانون التأويل منشور مع معارج القدس ، تحقيق محمد مصطفى أبو العلا ، مكتبة الجندي القاهرة 1388-1968م، ص 235).

والمتوسطون كما يعرض لهم الغزالي هم فرق خمس، أهمها هى الفرقة الخامسة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول والمنقول، الجاعلة كل واحد منها أصلاً مهماً، المنكرة لتعارض العقل والشرع وكونه حقاً. ولعلَّ الغزالي يميل إلى هذه الفرقة؛ لأنها الفرقة المُحقة التي تنهج منهجاً قويماً لا تكذِّب العقل؛ لأن من كذب العقل فقد كذَّب الشرع؛ إذْ بالعقل عرف صدق الشرع، ولولا دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبي والمتنبي والصادق والكاذب. وكيف، على تساؤل الغزالي، يكذب العقل بالشَّرع، وما ثبُت الشرع إلا بالعقل؟

وعلى هذا؛ فالتخريج يأخذ من العقل بمقدار ما يأخذ من النقل. وهو، من بعدُ، غير الظن والتخمين، مادام التخريج في ذاته غير التأويل؛ لأن التخمين والظن جهل، وهو وإنْ كان قد رخص فيه، فقد رخص فيه لضرورة العبادات والأعمال والتعبُّدات التي تدرك بالاجتهاد. وما لا يرتبط به عمل؛ على ما قال الغزالي، إنما هو من قبيل العلوم المجردة والاعتقادات؛ فمن أين يتجاسر فيها على الحكم بالظن؟ وأكثر ما قيل في التأويلات ظنون وتخمينات، والعاقل فيه بين أن يحكم بالظن وبين أن يقول: أعلمُ أن ظاهره غير مراد؛ إذْ فيه تكذيب للعقل، وأمّا عين المراد فلا أدري، ولا حاجة بي إلى أن أدري، إذْ لا يتعلق به عمل ولا سبيل فيه إلى حقيقة الكشف واليقين. من أجل ذلك؛ يُوصي الغزالي بالكف عن تعيين التأويل عند تعارض الاحتمالات؛ فإنّ الحكم على مراد الله سبحانه، ومراد رسوله صلوات الله وسلامه عليه بالظن والتخمين خطر.

فإنما تعلم مراد المتعلم بإظهار مراده، فإذا لم يظهر؛ فمن أين تعلم مراده إلا أن تنحصر وجوه الاحتمالات ويبطل الجميع إلا واحداً فيتعين بالبرهان. (را: قانون التأويل ص 241-242).

فالتخريج على هذا أسلم من التأويل؛ إذ كان التوقف في التأويل أسلم. نعم: من طالت ممارسته للعلوم وكثر خوضه فيها، يقدر على التلفيق بين المعقول والمنقول في الأكثر بتأويلات قريبة ويبقى لا محالة عليه موضعان: موضع يضطر فيه إلى تأويلات بعيدة تكاد تنبو الأفهام عنها. وموضع آخر لا يبين له فيه وجه تأويل أصلاً؛ فيكون ذلك مشكلاً عليه؛ كأن يجيء هذا المشكل من جنس الحروف المذكورة في أوائل السور القرآنية المباركة إذا لم يصح فيها معنى بالنقل.

ومن ظن، هكذا يقول الغزالي، أنه سَلَمَ عن هذين الأمرين؛ فهو إمّا لقصوره في المعقول وتباعده عن معرفة المجالات النظرية فيرى ما لا يعرف استحالته ممكناً. وإمّا لقصوره عن مطالعة الأخبار ليجتمع له من مفرداتها ما يكثر مباينتها للمعقول (قانون التأويل: ص 239).

*    *     *

من ذلك ترى؛ أن الغزالي أباحَ في قانون التأويل قدرة القادر على التلفيق بين المعقول والمنقول، أو على الجمع بينهما، إذا ما طالت ممارسته للعلوم، لكنه من جهة أخرى إذْ يبيح القدرة على التأويل لمن يشتغل بالعلوم والمباحث العقلية؛ مع طول الزمن وتعوِّد الدُّربَة، يأخذ عليه لا محالة أنه ممنوٌّ بموضعين، يضطر في أحدهما إلى وضع تأويلات بعيدة لا تحصلها الأفهام، وقد لا يتبيِّن في الموضع الآخر وجه التأويل أصلاً ... فلا يبقى بعد هذا إلا أن يكون "التخريج" أتمَّ من التأويل، إنْ لم يكن بغير شك أكمل منه.

ومادام غرضنا من "التخريج" هو تذوق العبارة واستلهام المشرب ومعايشة الحالة الشعوريّة لمن شاءت لنا مداركنا أن تعمل فيها عمل الإدراك، وتباين الأغراض الباطنة قبل الظواهر والأعراض؛ فقد وَجَبَ أن نعدَّ التخريج فلسفة ذات مقاصد روحيّة لا تغفل مطلقاً في شروطها شرط الإشارة اللطيفة والانطباع المباشر وإضافة البعد الذاتي الذي تفرضه مقومات الحالة الوجدانية في جوف صاحبها، ولا تلغيه.

*    *     *

ورُبَّ قول يُقال في باب من أبواب الحقائق الروحيّة؛ كأن يكون باب المعرفة مثلاً؛ فلا يعنى هذا القول من وجهة النظر العامة غير الضرب في متاهات لا يدركها مدرك بما توافر له إدراكه من إحاطة، فلا يتسع لظاهر القول ولا يتحقق من خوافيه؛ لأن الوظيفة الفنيّة التي قيل بها مثل هذا القول تقبل التأويل على قانون التأويل الذوقي (أي على قانون التخريج). فالإدراك العقلي المنطقي وَحْدَهُ لمثل هذه الإشارات واللطائف مفصولاً عن ذوق الشعور والوجدان لا ينتهي إلى وضوح واضح، بل ينتهي إلى غموض مُشْكِل. وعلى الذين يؤولونها، من بعدُ، أن تتسع صدورهم لما فيها من بواطن المعاني وخفايا الإشارات يقبلونها على حسب الاستعداد، وبمقدار قوتهم في تعلقهم بالمعنى الباطن.

خُذْ مثلاً على هذا، قول البسطامي حين سُئل عن المعرفة .. ما هى؟ فقال:"إنّ الملوكَ إذا دَخَلوا قَريَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَةً أَهْلَهَا أذلةً. وَكَذَلكَ يَفْعَلُونَ"(النمل: آية 34).

فظاهرٌ من الجواب أنه لا علاقة بينه وبين السؤال على الإطلاق. وعند التأمل ندرك أن المعنى الذي أراده أبو يزيد هو لبّ لباب الجواب الذي أجاب به، وإنْ كنتَ لا ترى فيه من حيث الظاهر علاقة ظاهرة ولا سبباً مباشراً مقبولاً أو معقولاً، ولكنك إذا تمّت لك النقلة الباطنة من خارج القول إلى داخله؛ فهمتَ ما يريد؛ فقد جرت عادة الملوك إذا نزلوا قرية أن يستعبدوا أهلها ويجعلوهم أذلة لهم ولا يقدرون أن يعملوا شيئاً إلا بأمر الملك فيما يأمر به وفيما ينهي، وكذلك المعرفة: إذا دخلت القلب لا تترك فيه شيئاً إلا أخرجته، ولا يتحرّك فيه شيء إلا أحرقته (را: السّراج الطوسي، اللمع في التصوف؛ ص 128).

هذا ما يجيب به البسطامي ويؤوّله السّراج الطوسي  مُفسّراً، وهو صاحب أقدم مرجع في تنظير التصوف وتقييد قواعده النظرية. ولكن بعد قراءة هذا التفسير الذي رأيناه عند الطوسي لم يزل السؤال قائماً: هل حالُ المعرفة في القلب، كحال الملوك إذا هم دخلوا قرية: الفساد والإفساد، وجعل العزيز من أهلها ذليلاً؟

مع ملاحظة أن ما أجاب به البسطامي إنما هو ضربٌ من التفسير كثيراً ما يلجأ إليه الصوفية في إشاراتهم الذوقيّة؛ لأنه كذلك مع ما فيه تجاوز العبارة الظاهرة هو ضرب من التفسير الإشاري للقرآن: معمولٌ به في عرف المفسرين، وبخاصّة أصحاب النزعات الروحيّة الخالصة كالإمام أبي عبد الرحمن السّلمي في كتابه المعروف بحقائق التفسير، والقشيري في "لطائف الإشارات"، وابن عربي في الكثير مما ذكره في الفتوحات المكية.

والتفسير الإشاري، جملة وتفصيلاً، إنما هو ضربٌ من فلسفة التخريج عند الصوفية يقوم على فهم طريقتهم في استعمال دراسة أصول الكلمات (etymology) للوصول إلى استخلاص معنى روحي لها. وما التّخريج إلا ذَوْق يخرِّج به صاحبه ما يعتمل في جوفه من مشارب وأذواق. وبمقدار ما يكون التعميم لتلك المشارب والأذواق سارياً في دوائرهم المعرفيّة تصيرُ فلسفة التخريج على هذا التعميم أساساً صالحاً يختص به المتصوفة دون غيرهم من الفِرَق الإسلاميّة.

*    *     *

قلنا إنّ فلسفة التخريج لدى الصوفيّة تعتمد مباشرة على قانون الذوق، وأن من أخص وظائفها الفنية هو تشبع المتذوق بإشارات الصوفية ولطائفهم، حيث يمكن له تجريب أحوال القوم وتذوق مذاقاتهم، وأنّ الإدراك العقلي وحده لمثل هذه الإشارات لا ينتهي بها إلى وضوح واضح بل ينتهي إلى غموض مُشْكل. وتوقفتْ بنا المساحة المحدّدة عند قول البسطامي حين سئل عن المعرفة؛ فأجاب بقوله:"إنّ الملوكَ إذَا دَخَلوا قَريَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَةً أَهْلَهَا أذلةً. وَكَذَلكَ يَفْعَلُونَ". فاعترضنا بسؤال على تخريج السّراج الطوسي لإجابة أبي يزيد البسطامي فقلنا: هل حال المعرفة في القلب كحال الملوك في القرية؛ الفساد والإفساد، وجعل العزيز من الأهل ذليلاً؟

ونظراً لأهمية فلسفة التخريج التي نعتمدها عند الصوفية قانوناً يستمد خصائصه منهجاً من معدن الذوق، نستكمل ما توقفنا عنده فنقول: هَبْ أن المعرفة هاهنا قد دخلت القلب كما يدخل الملوك القرية، أيكون المراد؛ كما أراده الطوسي, إنها لا تترك في القلب شيئاً إلا وتخرجه، ولا يتحرّك في القلب شيء إلا وتحرقه وكفى؟

المعنى لا يزال غامضاً والإجابة ليست شافية. إنما الاجتهاد يجعلنا نفي "التخريج" حقه من الجلاء والوضوح أزيد وأوفى ممّا أراد الطوسي تفسيره. فلئن كانت إشارة البسطامي تقول: إنّ حال المعرفة في القلب كحال الملوك في القرية إذا هم دخلوها أفسدوا فيها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ولا يزالون يفعلون؛ كذلك المعرفة إذا هى دخلت قلب العبد واستمكنت فيه، وتعلق بها وتعلقت به، أفسدته كما يفسد الملوك بقوتهم وسطوتهم وغلبتهم قرية صغيرة.

ولكن معنى الإفساد هنا هو التحويل من حال إلى حال، انقلاب من الضد إلى ضده، من الأمن والاستقرار إلى القلق والاضطراب، حتى إذا نحن شئنا أن نتصوّر قلب العبد كقرية دخلها ملوك أفسدوها فقد يلزمنا التصور أن نفهم المراد من وراء هذا القصد، ومراده هو: أن المعرفة إذا دخلت قلب العبد واستقرّت فيه، قلبته، وأفسدت فيه ما كان يعتقد أنه عز بأن جعلته ذليلاً ليعز بالذل بعد المعرفة، وليكون ذُلّه عزاً حين يذوق حلاوة المعرفة. فإنّ العز الذي ينبغي أن يفسد هو عز الجهل والاستنامة والبعد عن طريق الحق، وعدم الاهتداء إلى طريق الله، وهو شئ كان قبل المعرفة، وكان القلب معه يعتقد أنه عز، غير أن اعتقاده هذا عين الجهل وعين الوهم وعين الغبن؛ فإذا جاءت المعرفة قلبت هذا العز الموهوم إلى ذل معصوم من الوهم معصوم من الجهل والغبن، بمعنى أنها حوّلت استقرار القلب على الجهل وطمأنينة الغفلة والكنود والبلادة وتسويف الأعمال والبعد عن طريق الحق تعالى إلى قلق المعرفة وإلى اضطراب في حال العارف. وهذا ضرب من العز يأتي بعد ذلّ الجهالة الذي كان قبل حلول المعرفة في القلب عزّاً عند صاحبه.

*    *     *

وعلى هذا تتمُّ لنا النقلة المعرفية المقصودة من فلسفة التخريج على المعنى الذي يحمل وضوح الرؤية من مجمل أقوال الصوفية وإشاراتهم الذوقيّة: أعني النقلة الباطنة من خارج القول إلى داخله، والتي تيسّر لنا بالضرورة فهم ما يريد صوفي حين يقول من الأقوال قولاً، وحين يشير إلى حالة هو لا شك يعانيها، أو إلى وارد يعتريه عنوةً تحت سلطان الحال.

خُذْ مثلاً ثانياً على ما استنبطوه من قوله تعالى:"سَنُرِيهُمْ آيَاتَنَا في الآفَاقِ وَفي أَنْفُسِهُم حَتى يَتَبَيَّنَ لَهُم أنَّهُ الحَقُ"(فصلت: آية 53). معناه وفق هذا التخريج المقصود، سنريهم نعوتنا وصفاتنا في الملكوت حتى يتبين لهم إنه الحق، وما سواه باطل لا جَرَمَ، ولذلك قال النبي عليه السلام "أصدق كلمة قالت العرب ما قال لبيد:" ألا كل شيء ما خلا الله باطلٌ" فهذا الاستنباط يحتاج منا إلى تخريج فكيف نخرّجَهُ؟ إننا نحمله على معنيين من التخريج لا ثالث لهما أولهما: يحمل معنى وحدة التوحيد التي يعتقدُها الصوفية فيشهدون فيها الحق الباطن في دخائل النفس في حال الفناء، وهو حال ممزوج بالعاطفة القوية والروحانية الطليقة الجامحة. وثانيهما: يحمل معنى وحدة الوجود التي يرى أصحابها الحق تعالى في مجالي الجمال والجلال وهو عمل تجليات الصفات الإلهية. في الحالة الأولى كان البسطامي والحلاج والشّبْلي ورابعة العدوية.

وفي الحالة الثانية كان ابن الفارض وابن عربي وتلاميذه. وهذا المعنى الثاني المحمول على وحدة الوجود لا يمكن أن نغفله في كتب الأوائل من الصوفية على وجه العموم؛ إذا نحن لم نستطع أن نفصل فصلاً تعسفياً بين وحدة الشهود ووحدة الوجود في عين التجربة الصوفية.

   (Stace (W): Mysticism and

. philosophy, Mac Millan, London, 1961 .P 40)

وإذا نحن أردنا أن نرد جزءاً من معاني وحدة الوجود إلى ما نسميه من جانبنا بنظرية المضمون الإسلامية، وإذا نحن شئنا ألا نرجع بالوحدة فقط إلى المصدر الهندي مثلاً أو إلى الأفلاطونية المحدثة لأنهما (المصدر الهندي والأفلاطونية المحدثة) يختلفان في المضمون وإنْ اتفقا أحياناً في الشكل عن المضمون الإسلامي الذي ينطلق من عقيدة كتابية أولاً وقبل كل شيء ثم من فكرة التوحيد.

(وللحديث بقية)

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيالمفارقة التاريخية لوعي الذات الإصلاحي الإسلامي (2)

 كان الشرق مضطرا منذ اللحظات الأولى للصراع مع الغرب الأوربي الحديث إلى أن يواجه غزوا "متمدنا"، ومن ثم تحسس وأدرك منذ الوهلة الأولى روح الفضيحة القائمة فيه باعتباره شكلا يتعارض مع أسس مدنيته نفسها. وهو السر القائم وراء تشوه الغزو الأوربي في آرائه، وإشكالاته في غاياته. لقد كشفت المدنية الأوربية وتطور وعيها الذاتي في صراعها المرير من اجل الحرية والتقدم والإخاء والمساواة والديمقراطية والحق عن زيف وأنانية ظاهرية وباطنية، إضافة إلى مادية نفعية مبتذلة ولاعقلانية متغطرسة في الوقت نفسه في تعاملها مع الآخرين. فقد كانت حريتها إذلالا، وعدالتها ظلما، ومساواتها جورا، وتمدنها همجية، وديمقراطيتها استبدادا، واستقلالها عبودية. بصيغة أخرى، أنها كشفت عن أن نموذجها المتمدن هو أنانية قومية ضيقة. وبما أن هذه الصفة كانت مشتركة بين شعوب القارة كلها، فإنها ضاعفت من مركزيتها الغربية في مواجهة الشرق بالصيغة التي جعلته يبحث في ذاته عما يمكنه أن يكون بديلا لهذا الهجوم الشامل. وحصل هذا البديل على إدراك وانعكاسات نظرية وعملية متعددة. أما في عالم الإسلام فقد اتخذ صيغته الأولى بظهور مفهوم "الشرق المسلم" الذي عكس في تطور مضامينه طبيعة التحولات التي جرت في كل من العالم الأوربي والعالم الإسلامي.

فإذا كان الوعي الأوربي قد تقاسم بدرجات مختلفة منذ القرن السادس عشر الاهتمام بالشرق لاعتبارات دينية فكرية وسياسية اقتصادية، فان إحدى نتائج وإفراز هذا الاهتمام تقوم في تراكم التصورات الموضوعية عن العالم الإسلامي. ونعثر على هذه النتيجة بصورة مباشر في ظهور شخصيات علمية عديدة. بينما تتداخل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تيارات الثقافة الغربية والاستشراقية، التي افترض وجودها وتداخلها تطور الرأسمال ومصالح القوة وتوسع الثقافة (الاكزوتيك الرومانسي والعلمي بالشرق). وقد ساهم ذلك، رغم مفارقة الظاهرة، على تعميق شقة الخلاف الشرقي الغربي. وبما أن هذا الخلاف كان مبنيا آنذاك على تباين مستويات القوة والتفوق الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والثقافي، فانه أدى بالضرورة إلى تكوّن العناصر الجديدة لما يمكن دعوته "بالشرق الغربي". وجرى تصوير ملامح هذا الشرق في اطر وتقاليد النزعة المركزية الأوربية، أي كل ما نعثر عليه في مختلف الصور الوهمية والنمطية عن الشرق بشكل عام والإسلامي بشكل خاص. ولم تكن هذه الأوهام معزولة عن انكسار تقاليد العالم الروماني النصراني القديم ورموز وعيه الكبرى منذ الحروب الصليبية، التي كانت حصيلتها العامة تقوم في فضيلة الغرب ورذيلة الشرق، وفضيلة الغرب النصراني ورذيلة الشرق الإسلامي[1]. وكان لهذه الصورة استلابها المبطن في تاريخ الأحقاد وغفلة الذاكرة، إلا أن فعلها المباشر في عالم الإسلام أدى إلى استثارة ردود فعل مباشرة وغير مباشرة فيما يمكن دعوته بشرقية الإسلام وإسلام الشرق، بوصفها درجات متتالية في وعي الذات الروحي الثقافي والعملي السياسي.

لقد كانت "شرقية الإسلام" الغربية تركيبة مغرية، مّثلت في سلبيتها رد فعل الانتماء الأوربي النصراني. إلا أنها كانت ممتلئة بمعاني الاستقلالية العريقة بالنسبة للعالم الإسلامي. وليس مصادفة أن تصبح هذه التركيبة شعارا لوعي الذات الإسلامي الجديد. وحالما دخلت دهاليز الكينونة الجديدة للعالم الإسلامي، فانه كان لا بد لها من أن تخضع لنفس الآلية التي خضعت لها صيرورة "الشرق الغربي"، وإن بصورة معاكسة. بمعنى أنها استثارت في الشرق حمية الشرقية. وهنا ظهرت الملامح الأولى للأنا الشرقية الواعية لذاتها بوصفها كيانا مستقلا ومواجها للغرب.

وإذا كانت هذه المواجهة تتمحور حول ما يمكن دعوته بالشرقية السالبة، فانه لا ينبغي مع ذلك النظر إليها كسلبية في محتواها التاريخي. فهي ليست فقط الدرجة المناسبة لأسلوب المواجهة الذي فرضته إحدى مراحل التاريخ العالمي بين الشرق والغرب، بل ولأن صراع الشرق والغرب قد تحول إلى أسلوب جديد في مخاض الصيرورة العالمية الحديثة. لقد كان لا بد لها من أن تمر في مخاض التجربة القاسية للاتهام والاتهام المتبادل، للصراع والعداء باعتبارها دروبا في وعي الذات. وهو ما يمكننا العثور عليه في آراء رواد الفكر الإسلامي (الإصلاحي) ككل. حيث تظهر بجلاء ملامح الصراع المتزايد بين الشرقية والغربية. فقد كان الأفغاني في كتاباته الأولى، على سبيل المثال، ممثلا للجامعة الشرقية أكثر منه ممثلا للجامعة الإسلامية. وهو ما يفسر لحد ما سبب بقائها في آرائه ومواقفه حتى آخر مؤلفاته. رغم أنها أخذت تتلاشى إلى الدرجة التي يصعب فرزها بمنظومة أو مفاهيم مستقلة قائمة بحد ذاتها. ولم يكن ذلك سوى الانعكاس المتناسب مع طبيعة التحولات التي تعرضت لها فكرة الشرقية والإسلامية في منظومة الإصلاحية (الإسلامية) وممارساتها السياسية ومشروعها النهضوي. فعندما يناقش الأفغاني قضايا الأصالة والتقاليد، فانه عادة ما يردد الفكرة القائلة بان الوطأة الأشد على الشرق تقوم في تقليده للغرب. ولهذا شدد على أن الأمم الشرقية في حاجة إلى تقوية المناعة الذاتية أمام الهجوم الغربي.

لقد كانت مواقف الأفغاني هذه نتاجا لاستيعابه واقع "المسألة الشرقية" آنذاك. فهو  لم ينظر إلى هذه المسألة، حالما تطرق إليها، نظرته إلى قضية سياسية أو عسكرية خالصة، ولم ينظر إليها باعتبارات تتعدى حوافز القوى القائمة في عصره. فقد كان أدرى بعدم التكافؤ. لهذا لم يتحدث في هذا المجال عن مقارنة بين الرجل المريض والرجل السليم، ولا عن العثمانية المتدهورة والأوربية الصاعدة، بل حاول اختصارها فيما اسماه "بمعترك الغربي بالشرقي". فإذا كان الغرب قد تذرع بالنصرانية، فان ذلك لم يكن في الواقع سوى ذريعة وواجهة لا غير. وبالتالي، فان المسألة الشرقية، كما فهمها الأفغاني، هي مسألة الضعف والقوة. أما مهمة وأسلوب حلها الأمثل فقد وجده في الإسلام. وفي هذا نستطيع رؤية تحول المفاهيم والأحكام والمواقف عن عموم الشرق إلى خصوصه، أي من شرقية الشرق إلى شرقية الإسلام، ثم إلى إسلام الشرق.

لقد عكست هذه الثلاثية في صيغتها المجردة التطور التاريخي والواقعي لوعي الذات الشرقي الإسلامي. فقد كانت شرقية الشرق الرد المباشر على غربية الغرب. ونعثر على هذه الصيغة بهذا القدر أو ذاك من الوضوح، عند المفكرين المسلمين للقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. إذ نعثر في تحديد الأفغاني لصفات الغرب على إدراك جلي لغايات الغرب الأنانية تجاه الشرق من جهة، وعدم تكافؤ القوى فيما بين الطرفين من جهة أخرى. فهو يشير إلى أن الغرب لا يقدم للشرق إصلاح سير وسيرة. على العكس!! انه يشجع التخلف والجمود. بل لا تطرق دولة غربية دولة شرقية إلا وتكون حجتها حفظ حقوق السلطان وإخماد فتنة أو حماية المسيحيين والأقليات أو حقوق الأجانب أو حرية الشعب وتعليمه أصول الاستقلال

[2]. أما الغربي فانه حالما يرى بلدان الشرق، فانه يفكر بالشكل التالي: شعب جاهل وأراضي خصبة ومعادن كثيرة ومشاريع كبيرة وهواء معتدل، إذن نحن أولى به![3] ولم يبن الأفغاني هذه الأحكام على أنها فرضيات ممكنة بقدر ما انه نظر إليها كواقع فعلي. فقد عايش هو حيثيات ووقائع الصيغ الأولى للشرقية الإسلامية التي ساهم في رسم ملامحها العملية والنظرية الفعالة. إذ ضمّنها طرفي الهجوم والدفاع، والسلب والإيجاب المستندين إلى محاولات فهم الواقع الجديد. فالأفغاني كان ابعد من أن يصاب بشعور الخيبة أمام حاضره، وأعلى من أن ينحدر إلى درك الرومانسية المبتذلة بتمجيد الماضي. وقد أنقذ ذلك ذوقه النقدي من فساد تعلقه بالماضي. إذ لم يعم الماضي رؤيته الواقعية للأمور. على العكس! لهذا أسهم أيضا في شحذ رؤيته وأحكامه المكونة للشرقية الإسلامية. ففي تقييماته للغرب لا نعثر على غبنه إياه بفعل عدوانه وسطوته ونهبه للشرق. بل يمكن القول، بان كتابات الأفغاني تتضمن في اغلب عناصرها النقدية احتراما عميقا لانجازات الغرب العلمية والعملية. لهذا طالب بالتعلم منه والاستفادة منها. إلا انه وضع هذا التعلم في شروط الإفادة لا التقليد. بمعنى انه طالب بالبقاء في حيز الأصالة باعتبارها الشرط الجوهري لكل تطور حقيقي.

وقدم الأفغاني مثال اليابان آنذاك على انه نموذج يمكن من خلاله شحذ همة المسلمين. لقد أراد القول، بأن الشرق يمكنه، رغم تخلفه المعاصر، أن ينافس ويتفوق على الغرب في مجال الانجازات العلمية. ومن الممكن القول بان مثال الأفغاني يبدو الآن أكثر وضوحا وجلاء منه قبل قرن من الزمن. بمعنى دقة حكمه على ضرورة التعلم وإمكانية التفوق. أما أصالة فكرته العميقة فإنها تقوم في محاولته التركيز على مثال اليابان على فكرة الأصالة الثقافية والتطور العلمي التكنولوجي. وقد شكل مثال اليابان بالنسبة له مرحلة انتقالية من شرقية الشرق إلى الشرقية الإسلامية. وذلك لان الأفغاني أدرى من غيره آنذاك بخصوصية الأصالة الثقافية للعالم الإسلامي. إذ كان شديد الإدراك للأثر الثقافي الكبير الذي تركه المسلمون على تطور الحياة والنهضة الكبرى في أوربا قبل قرون مضت. وبالتالي، فان استعادة هذه النهضة بالنسبة للعالم الإسلامي ممكن ولكن من خلال إتقان أساليب التطور الحديث. فالتطور لا يرتبط بدين دون أخر، ولا بشعب دون آخر. وان مثال اليابان يبرهن ليس فقط على إمكانية منافسة الغرب من جانب الشرق، بل وإمكانية التفوق عليه دون التدين بدين ما أيضا. وان الشرط الوحيد لذلك، حسب نظره، هو شرط الأصالة الثقافية. لهذا أكد على أن اليابان استطاعت أن تبز أقرانها حتى في عدم تدينها، لأنها بقت أصيلة. وبغض النظر عن الملابسات الكثيرة المتعلقة بتدين أو عدم تدين اليابان، فان ما هو جوهري في آراء الأفغاني بالنسبة للعالم الإسلامي آنذاك يقوم في وضعه مهمة تعلمه من الآخرين ورفعها إلى مصاف الضرورة، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالهوية الثقافية. وبما أن هذه الهوية لم تكن معزولة ولا يمكن عزلها عن الإسلام، فانه حاول أن يجد في هذه الشرقية الإسلامية القوة التي يمكنها أن تشكل روح الاندفاع الجديد للتقدم. وبهذا المنحى ينبغي النظر إلى مقارناته العديدة التي يقدمها عن الإنسان الشرقي والإنسان الغربي، وعن الغربي النصراني والشرقي المسلم. فعندما يقارن على سبيل المثال، الانجليزي بالعربي، فانه يعتبر الانجليزي قليل الذكاء عظيم الثبات، كثير الطمع، عنودا وجسورا ومتكبرا، أما العربي فانه يتصف بما يقابلها من الصفات، أي كثير الذكاء، عديم الثبات، قنوع وجزوع وقليل الصبر ومتواضع. وبغض النظر عما في هذه المقارنة من خلل يصعب تلافيه، إلا أنها تتضمن إشارات واقعية وحوافز للبدائل العملية. لهذا السبب ركز على الصفات العملية الفعلية في مقارناته كالثبات والطمع والصبر وما يقابلها من الصفات. فالأفغاني يدرك الطابع المكتسب لهذه الصفات، أي انه يدرك الخلل الممكن في هذه المقارنة في حالة أخذها كما هي بصورة مستقلة عن طابعها التاريخي الملموس وغاياتها النهائية. وذلك لان صفات الأمم عرضة للتغير والتبدل، شأن كل ما فيها. وإذا كان من الممكن الحديث عن صفات أخلاقية نفسية قومية، فان ذلك لا يتعدى حدود شروطها الاجتماعية الثقافية التاريخية باعتبارها قيما سائدة. وقد أصاب الأفغاني في مقارنته هذه وفي محاولته تأسيسها النظري التاريخي عندما رجع إلى القرآن للبرهنة على أن تشديد القرآن على الصبر وضرورة الصبر (وان الصبر هو مفتاح الأمور العسيرة، وان الفوز للصابرين) ليس إلا رد فعل على عدم تميز العرب الجاهليين بالصبر. وهي ملاحظة دقيقة من حيث قيمتها الاجتماعية السياسية. بمعنى أن الأفغاني أراد أن يثير من خلال ذلك حفيظة الفعالية الكامنة في الذات العربية الإسلامية. انه أراد التعبير عما يمكن دعوته بالهمّة الشرقية واستثارتها في مواجهة الغرب المعتدى، باعتبار أن ما يميز الأخير ليس سوى صفات يمكن اكتسابها. من هنا ضرورة الصفات العملية المستندة إلى الفعل الدءوب والصبور. ولكن إذا كانت هذه المقارنة وأشباهها تستند على تمحيص مكونات القوى القائمة وراء "المسألة الشرقية" من اجل استثارة الهمة الشرقية، فان مقارنة الغرب النصراني بالشرق المسلم، أدت في نتائجها إلى صياغة الأسس الجديدة لما يمكن دعوته بإسلام الشرق.

ففي معرض مقارنته النصارى بالمسلمين، يشير الأفغاني إلى أن القائمون بالنصرانية يسخرّون الدين لأجل الدنيا، بينما العاملون بالإسلامية يسخرون الدنيا لأجل الدين. والنصارى يحسنون أمر دنياهم وما تتطلبه مظاهر الحياة بينما لا يعمل المسلمون بأحكام الإسلام فيخسرون الدين والدنيا. والنصرانية تدعو للمسالمة وعدم التدخل بالسياسة وترك أموال قيصر لقيصر وترك المنازعات الشخصية والقومية والدينية، إلا أن أعمالهم عكس ذلك. بمعنى عدم أو ضعف خضوعها لمبادئ النصرانية وتعاليمها والتمسك بها. بينما من يقرأ القرآن ويعرف تاريخه يدرك حقيقة دعوته لاستعمال القوة في الحق والجهاد. بينما نرى أعمال المسلمين على عكس ما يدعو القرآن إليه، خاملة خنوعة غير متمسكة بما يدعو القرآن إليه من القول والعمل. فالنصارى تبدو هنا، كما يقول الأفغاني، كما لو أنها تأخذ بالعهد القديم، بينما المسلمون كما لو أنهم يأخذون بالعهد الجديد.

إن هذه المقارنة التي يوردها الأفغاني تصب في إطار إبراز طبيعة الخلاف والتباين بين العالم الغربي النصراني والشرقي الإسلامي، من اجل استنهاض همة المسلمين تجاه هذا التحدي الجديد. إلا انه لا يضع هذه القضية في إطار المواجهة المباشرة بقدر ما انه أراد الكشف من خلالها واقع التخلف الشرقي الإسلامي وعوامل نهضته الممكنة. فقد كانت نظراته في أعماقها مواجهة تاريخية فكرية سياسية ثقافية للنفس أكثر مما هي مقارنة غربية شرقية أو نصرانية إسلامية. لكنها مهدت الطريق أمام صياغة جديدة للشرقية الإسلامية في مواجهة ذاتها أكثر مما في مواجهة الغرب. ومن هنا مأثرتها الفكرية العميقة.

لقد أراد الأفغاني البحث عن سبب تطور الغرب الأوربي فوجده في خروجه عن نصرانيته. لكنه لم يبحث في ذلك عن نقص في النصرانية، بقدر ما انه صوّر الواقع بما في ذلك في نتائجه، التي يمكن أن تعارض منطلقاته الإسلامية ذاتها. فهو يؤكد على أن تطور الغرب ونهوضه ليس نتاجا لالتزامه بالنصرانية والدين. على العكس! ولم ير في الخروج على الدين فضيلة بقدر ما انه وجد في نموذجه الأوربي شيئا ما طبيعيا ولحد ما ضروريا باعتباره رجوعا للذات ومصادرها الأولى. ولهذا اعتقد بان سبب صعود النصارى الأوربيين يقوم في استعادتهم لتقاليدهم القديمة، أي تقاليد ما قبل النصرانية (اليونانية الرومانية). إذ لم تكن النصرانية بالنسبة لهم، حسب تصور الأفغاني، إلا كالوشي والطراز على الظاهر. بمعنى أن رجوعهم إلى مصادرهم الذاتية (اليونانية الرومانية) هو الذي أدى إلى نجاحهم. ومن هذه المقدمة حاول بناء استنتاجه المماثل والقائل بان الرجوع إلى مصادر المسلمين الأولى، هو الذي يشكل أساس نهضتهم الحية. وان مصادر قوة المسلمين وتقدمهم وازدهارهم هو الإسلام لأنه لا تاريخ لديهم سواه.

وإذا كانت هذه الفكرة هي النتيجة التي يفترضها تطور منطق الموازاة بين الشرق والغرب، والنصرانية والإسلام، فان أساسها الذاتي يقوم في الكيفية التي انكسر بها وعي ضرورة النهوض في مواجهة الغرب بالاستناد إلى الأصالة والارتباط الوجداني العميق بالتراث الخاص. أنها تستند إلى إدراك عميق بأنه لا يمكن للثقافة والحضارة أن يتطورا بسلامة دون الاستناد إلى قواهما الخاصة. فهما يشبهان الكائن الحي. بمعنى أن وضعهما في قالب غريب سوف يؤدي بالضرورة أما إلى تشويههما أو موتهما الطبيعي. فإذا كان التطور الأوربي يستند في إحدى مقدماته الأولية الكبرى إلى حركة النهضة وإعادة الاهتمام بالقضايا الدنيوية عند شعرائه الكبار أمثال دانتي وبوكاشيو وبترارك، فان الثقافة الإسلامية مليئة بمئات الشعراء العظام الدنيويون. وإذا كانت النزعة الإنسانية تمثل إعادة الاعتبار للإنسان من خلال انتزاعه من سيطرة الكنيسة، فان العالم الإسلامي لم يعان من عقدة مؤسسة كهذه. أما الإصلاح الديني فلم يكن بإمكانه أن يكون لوثريا أو كالفنيا. والقضية هنا ليست فقط في أن الإسلام لا يعرف كنيسة أو كيانا ما مقدسا وسيطا بين الله والإنسان، بل ولأنه امتلك تقاليده العريقة في تباين فرقه ومذاهبه وحق الاجتهاد فيه. ولهذا فان الإصلاح كان يستلزم أولا وقبل كل شيء إزاحة ثقل الانحطاط الثقافي والاستبدادية الشرقية (التركية العثمانية) الجاثمة على عقل وضمير العالم الإسلامي من خلال الرجوع إلى ما دعاه الأفغاني بإسلام الحق والحقيقة.

وعند هذا الحد يكون الأفغاني قد تمثل الحركة الواقعية في انتقال عناصر "الشرقية الإسلامية" إلى صياغة المبادئ الجديدة لإسلام الشرق، أو إسلام الدعوة الجديدة، أو الإسلام العملي. وليس مصادفة أن يوجه المفكرون الكبار للحركة الإسلامية الإصلاحية جل اهتمامهم للبديل السياسي باعتباره المقدمة الضرورية للتطور الثقافي. فقد كان نشاط الأفغاني الناضج هو نشاطا سياسيا. وكتابات الكواكبي في جوهرها وغاياتها هي مناهضة للاستبداد السياسي وتأسيسا لبديله العقلاني الإسلامي. ولهذا السبب غابت مقارنة الشرق بالغرب أو معارضتهما عند محمد عبده وظهرت عند الكواكبي. بمعنى أن الفاعلية السياسية في إصلاحية الكواكبي الإسلامية قد وضعته بالضرورة أمام تناول حيثياتها الواقعية سواء في عالم الاستبداد العثماني أو في ضغطها المزدوج على استمرارية التخلف في ظل النزوع الغربي للسيطرة السياسية على العالم الإسلامي. لهذا السبب اقتربت آراؤه وأحكامه بهذا الصدد من الأفغاني. إلا أنها تجاوزتها من حيث اندماجها في منظومة أكثر تماسكا في رؤيتها لواقع الشرق بشكل عام والعربي منه بشكل خاص.

فقد وجه الكواكبي خطابه المناهض للاستبداد للشرق عموما. وهي صيغة كانت تتمثل في نفسيتها بقايا الانتماء الإسلامي. بمعنى مطابقتها النقدية للشرق العام مع الشرق الإسلامي. لهذا أكد في (طبائع الاستبداد) أن على الشرقيين أن يعرفوا أنهم "المتسببون لما هم فيه فلا يعتبون على الاغيار ولا على الأقدار"[4]. وهي صيغة ملائمة لما يمكن دعوته بنقد الذات الشرقي باعتبارها المقدمة الضرورية لتثوير الروح الإصلاحي. فهو يكرر في أكثر من موضع على انه ما "أحوج الشرقيين أجمعين من بوذيين ومسلمين ومسيحيين وإسرائيليين وغيرهم إلى حكماء لا يبالون بغوغاء "العلماء" الغفل الأغبياء، والرؤساء القساة الجهلة. يجددون النظر في الدين… يحتاجون إلى أصله المبين من حيث تمليك الإرادة والسعادة في الحياة"[5]. أما "تجاوز" الديانة هنا فهو تجاوز تخلفها الاستبدادي. لهذا طالب الجميع بحاجتهم إلى علماء مجددين في الدين يضعون بإرادتهم الحرة (تمليك الإرادة)، أي إزالة الاستبداد السلطوي (الرؤساء القساة) والاستبداد الروحي الديني (العلماء الغفل) في أولويات مهماته. وهو الانبعاث المطابق للوعي التاريخي الجديد في إصلاحيته الدينية السياسية. إذ لا يعني إشراك المسلمين والبوذيين والنصارى والإسرائيليين في إصلاحية فعالة سوى اشتراك الشرق في موضوعاته الاجتماعية السياسية وتخلفه الحضاري عند تخوم القرنين التاسع عشر العشرين. مما يعكس أولوية الموضوعات الاجتماعية السياسية وثانوية الدينية في توجهه العملي، وأولوية الإصلاح الديني وثانوية التطبيق العملي لموضوعات الاجتماع والسياسة في أفكاره النظرية. وقد فرض هذه المعادلة منطق الإصلاح العقلاني التنويري، الذي يقترب في تجرده من تاريخ الارتقاء الطبيعي للحضارة ومستلزماته الضرورية. وأدى هذا الإدراك بفعل طابعه النقدي واصلاحيته العميقة إلى مواجهة عقدة الغرب والشرق باعتبارهما أقطاب الوجود التاريخي آنذاك.

فقد تعامل الكواكبي مع خصوصية الشرق والغرب بمعايير الواقعية. وانطلق منها في الوقت نفسه، باعتبارها المقدمة النقدية لوعي الذات السياسي والثقافي. فهو لم ينظر إلى تعارض الشرق والغرب بمقولات النفسية الأخلاقية، بل وضعها ضمن إطار النظرة النقدية لواقع الاختلاف بين الشرق والغرب في النظم والآراء والرؤية. بحيث جعله ذلك يتكلم عن استبداد غربي وآخر شرقي. فإذا كان الأول يتميز بخوفه من العلم، وان يعرف الناس حقيقة أن الحرية أفضل من الحياة، وماهية الحقوق وكيفية الحفاظ عليها، وما هي إنسانية المرء ووظائفها؛ فان أخوف ما يخافه المستبدون الشرقيون هو العلم. فالمستبدون يرتجفون من صولة العلم، وكأن أجسامهم من بارود والعلم نار[6]. وان الاستبداد الغربي احكم وارسخ ولكن مع اللين، بينما الاستبداد الشرقي مقلق سريع الزوال ولكنه مزعج. وانه إذا زال الاستبداد الغربي فانه يتبدل بحكومة عادلة تنجز ما يمكنها انجازه حسب ظروفها وإمكاناتها الملموسة، بينما يخلّف زوال الاستبداد الشرقي استبداد شر منه. وذلك لان الشرقيين لا يفكرون بالمستقبل[7]. تحتوي هذه الرؤية المقارنة على انتقاد عميق للاستبداد ومحاولة كشف خصوصيته. فالكواكبي يدرك أن الاستبداد واحد. وان تباين أشكاله لا يعطي لأي منه امتيازا وأفضلية. غير أن واقعية أحكامه تستند إلى واقعية رؤيته للأولويات في الفكر والسياسة. بعبارة أخرى، أن تقييمه جرى من خلال رؤية نقدية عميقة لتاريخ التطور السياسي للغرب وصعود قضاياه السياسية والحقوقية إلى صدارة وعيه الاجتماعي (الحرية والحقوق والإنسانية)، أي كل ما يفتقده الشرق بشكل عام والإسلامي بشكل خاص.

لم يقصد الكواكبي من كلامه السابق استبدال الاستبداد الشرقي بآخر أجحف منه، بقدر ما انه ربط هذه القضية بافتقاد أو ضعف الرؤية المستقبلية. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة السياسية لأهمية وعي الذات التاريخي والعملي. ومن ثم فإنها تحتوي على ما يمكن دعوته بمهمة صياغة مقومات الوعي الذاتي بما يتطابق مع خصائص الوجود الفعلي. ولعل في مقارناته عما اسماه باختلاف الإنسان الغربي عن الشرقي نموذجا لذلك. فالأول يعني بكسب المال بينما لا يفكر الشرقي بذلك[8]. وان الإنسان الغربي مادي الحياة، قوي النفس، شديد المعاملة، حريص على الانتقام. أما الإنسان الشرقي فهو أدبي، يغلب عليه ضعف القلب وسلطان الحياء، ويصغي إلى الوجدان والرحمة والعطف ولو مع الخصم. متميز بالفتوة والقناعة والتهاون بالمستقبل. وهي صفات لها مقوماتها الواقعية في عصره[9]. وبغض النظر عن طابعها الجزئي ولحد ما طابعها الأيديولوجي، إلا أنها تعكس كما هو الحال عند الأفغاني، معالم التفاؤل المعنوي في إمكانية استنهاض الروح السياسي الإسلامي. فهو لا يتكلم من حيث الجوهر عن اتهام أخلاقي أو سياسي لطرف ما، بقدر ما انه يحاول من خلالها (الصفات) الحديث عن ظاهرة اجتماعية سياسية وثقافية كبرى. فعندما يتكلم الكواكبي عن الاستبداد الشرقي والغربي فانه "رفع" الثاني مقارنة بالأول. بل نراه يكيل المديح للغرب في مختلف جوانب إبداعه العلمي والاجتماعي. ومن خلال ذلك حاول البرهنة على أن الاستبداد يخلق على مثاله مجتمعه وأناسه. ومن هنا حاول إبراز رذائل الشرق في مختلف مكوناته المادية والروحية. مما يعني بان مقارنته المذكورة أعلاه كانت تهدف إلى تعميق وعي الذات الإسلامي. إذ لم يعن الشرق عنده هنا سوى الشرق الإسلامي. كما انه سعى لتعميق هذه الرؤية استنادا إلى مكونات الوجود الإسلامي نفسه. فعندما عارض الإنسان الشرقي بالغربي في موقفه من موقع وعلاقة الغاية بالوسيلة، وتبرير الغربي لكل وسيلة من اجل بلوغ غاياته، فانه أكد على أن "الحكيم الشرقي" لا يبيحها لما بين أبناء الشرق والغرب من التباين في الغرائز والأخلاق[10]. ذلك يعني انه يقر بإمكانية وجودها في عوام الشرق واستحالتها في حكمائه. مما يعني إدراكه لإمكانية قول "حكماء" الغرب بها. وهي الخاصية التي تجد انعكاسها غير المباشر في تباين الرؤية والغايات في الشرق الإسلامي عن الغرب. بحيث نراه يسعى للكشف عنه على مثال الموقف من المجد. فهو يشير إلى أن "المجد لا ينال إلا بنوع من البذل في سبيل الجماعة"[11]. وهو الذي يعبر عنه الشرقيون بعبارة "في سبيل الله، أو سبيل الدين". بينما يعبر عنه الغربيون بعبارة "في سبيل الإنسانية، أو سبيل الوطنية"[12].

أن هذا التعارض البليغ في اللسان والجنان هو النتاج الطبيعي لاختلاف الثقافة وأوزانها الداخلية. لكنه اختلاف لم يسع رجال الإصلاحية الإسلامية إلى دفعه صوب وديان الخلاف، بل وجهوه صوب تعميق الوعي الاجتماعي الإسلامي بالصيغة التي يمكنه تثوير وجوده السياسي والثقافي. وقد أدت هذه النتيجة في حصيلتها إلى تشكيل أسس ومنطلقات البناء اللاحق "لإسلام الشرق" بمختلف مظاهره. ولم يعن ذلك من الناحية التاريخية سوى ظهور الإسلام كقوة سياسية ثقافية مستقلة تأخذ على عاتقها مهمة بناء الكيان الشرقي على أسس إصلاحية عقلانية.

***

 ا. د. ميثم الجنابي 

 ....................

[1] إن الصيغ الأيديولوجية لهذا التفوق تندرج في سطحية الأحكام الأوربية عن العالم الإسلامي. وإذا كان تطور معارف الغرب عن علوم الإسلام قد ذلل في نهاية المطاف هذا الوهم المتعجرف برفعه إلى مصاف الإدراك الموضوعي لحقائق التاريخ والأشياء، فان ذلك لا يعني إزالته كليا. على العكس!! إن سيطرة الأوهام الأيديولوجية والأساطير السياسية الثقافية ما زالت سائدة في الوعي العادي (الجماهيري). وهو ما نعثر عليه في سيادة التعبير السلبي عن رمزية الراية الخضراء والهلال والجهاد، إضافة إلى انعكاس صور الإسلام في وهم الأوربي العادي عن التخلف والجهل وتعدد الزوجات والحجاب والعنف والإرهاب والتطرف. وهي فكرة يمكن العثور على احد نماذجها الكلاسيكية في تلك العبارة المبتلاة بغبائها، والتي أطلقها في يوم ما احد رجال البرلمان البريطاني صارخا: "إن القرآن اصل البلايا في هذا العالم"!!

[2] الأفغاني: الأعمال الكاملة، المؤسسة المصرية للتأليف والنشر، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1966، ص454.

[3] المصدر السابق، ص455.

[4] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ، المؤسسة المصرية للتأليف والنشر، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1970، ج2، ص33.

[5] المصدر السابق، ج2، ص396.

[6] المصدر السابق، ج2، ص360.

[7] المصدر السابق، ج2، ص384.

[8] المصدر السابق، ج2، 384.

[9]إن هذه التقييمات ومثيلاتها عند الأفغاني وغيره من رجال المرحلة تعمم الملاحظات الدقيقة لخصائص التطور الروحي والثقافي للغرب والشرق وبالأخص في مواجهتهما المباشرة في القرن التاسع عشر. حيث تبدت بجلاء علامات حب المال والنزوع نحو السيطرة والقوة وسيادة مبدأ الغاية تبرر الوسيلة عند الإنسان الغربي (الأوربي). بمعنى أنها ليست صفات مطلقة بقدر ما أنها مثلت في واقعيتها الرصد المناسب لما هو عام وجوهري في إحدى المراحل التاريخية (السياسية الاقتصادية). فالشرق ذاته لا يخلو ممن يتصف بصفات الإنسان الغربي المذكورة أعلاه. ولكنها تبقى مجرد صفات جزئية. أي لم تتأطر في منظومة من القيم مؤسس لها في الفكر السياسي والاجتماعي والأخلاقي.

[10] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، 395.

[11] المصدر السابق، ج2، ص362

[12] المصدر السابق، ج2، ص362.