قال تعالى: - [وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا] - النساء 3 .

نستهل البحث في موضوعة (ملك اليمين) ومشروعيتها، من خلال هذا النص ولكن وقبل الدخول في موضوعة البحث، لا بد من طرد تلك الإشكالية والتي يتوهم بها البعض والقائلة تقول: [إن التعدد في النكاح يرتبط بقضية - القسط في اليتامى -]، ولكن ماذا نعني بالقسط؟، القسط في لغة العرب هو النصيب من الحصص، ومنه جاء معنى الأقساط أي الدفع على التوالي، والقسط ليس بمعنى العدل، فالعدل من الإعتدال قال تعالى: - [الذي خلقك فسواك فعدلك] - الإنفطار 7، إذن القسط شيء والعدل شيء أخر، والدمج بينهما في المعنى ضار بعملية الفهم والتقويم .

 وأما اليتيم في لغة العرب (هو من مات والده وهو صغيرا)، ولا يُقال لمن ماتت والدته يتيماً، ومفهوم اليتم ينتفي موضوعياً عند البلوغ والتمكن، ولكن من أين أتى هذا التوهم في ذهن الكثيرين ؟، ونقول إنه:

1 - القول بأسباب النزول أو سبب النزول وإعتماده، فعند البعض إن آيات الكتاب ونصوصه إنما نزلت بسبب ما، وهذا التوهم والظن الخاطئ أعتمد في الأصل على حكايات وقصص لا أصل لها ولا دليل، كما هي عامة الأخبار التي تعتمد على الجعل والوضع اللاحق، وقد أفرد الواحدي النيسابوري كتاباً له في هذا الشأن .

2 - وربما يكون أصل التوهم هو القول (بالتحريف في بعض آيات الكتاب ونصوصه)، والتحريف في أصله ممكن في الكتاب المجيد، وقد بينا ذلك في بحث منفصل عند الكلام عن (جمع القرآن) الذي حدث في زمن الخليفة عثمان، ومعلوم إن الخليفة قد أمر بجمع وحرق كل المصاحف في الأمصار، وكانت حجته في ذلك ما طرأ عليها من اللحن بسبب كثرة من دخلوا في الإسلام من الأعاجم .

 والقائلين بوجود التحريف يذكرون على سبيل المثال لا الحصر بعض الموضوعات والمفردات، التي يقولون عنها إنها محرفة، سواء في الشكل أو الرسم أو الترتيب من التقديم والتأخير من غير دليل، مستشهدين في قوله تعالى (أقرأ بأسم ربك الذي خلق) فهذا النص هو أول ما نزل من المصحف، ولكننا نرى إن أول ما يبتدأ به من الكتاب المجيد سورة الحمد، وهذا النحو من الترتيب تحريف لأنه مخالفة صريحة لتسلسل النزول [وهنا يُطرح سؤال موضوعي، وكيف بنا التعرف على التسلسل الزمني لنزول الكتاب ؟ هذا الخلل أدى موضوعياً للخلط في الموضوعات وللتداخل]، والتحريف المذكور في كتب الرجال يأتي على نحو أحدى وعشرين نوعاً، ولا بأس من الإشارة إلى التناقض والتكرار، والإضطراب في وحدة الموضوع، والأمر بالشيء والنهي عنه، وهذه كلها لا علاقة لها بموضوعة الناسخ والمنسوخ، والتي قال بها البعض وأدخلها في الكتاب المجيد هرباً من مواجهة الحقيقة أو التصريح بالتحريف .

وعندنا: - إن الكتاب المجيد لا يحتمل النسخ ولا يجوز فيه ذلك ولا ينبغي، وما أعتمده الشافعي في هذا وسار على نحوه من تبعه فباطل بإستحقاق، وهذا الكلام عن أصل هذه الشبهة .

 3 - وهناك وهم الترادف في معاني الكتاب المجيد، الذي كان له كبير أثر في تغيير وتبديل قناعاتنا وفهمنا للنصوص ومعانيها، فأصبحنا لا نميز بين الأسماء والصفات والأفعال، فصار عندنا إن: (جاء بمعنى أتى، وذهب بمعنى مشى، والأسد بمعنى الليث، وهلمجرا) .

 هي إذن مغالطات في البنية التشكيلية للنص وبما التفكير كان ومازال ممنوعاً، وأما المسموح به فهو التقليد والخنوع والإتباع من غير تفكير، لذلك صنعت عندنا التابوات فصارت مقدسات لا يصح ولا يجوز المساس بها .

ونقول زيادة في التأكيد: - إن البعض من المفسرين قد شككوا في أصل هذا النص -، وعليه يكون عندهم الربط بين التعدد في النكاح واليتامى سالبة بإنتفاء الموضوع، ومع إن أصل البحث في قضية التحريف هي مسألة علمية وبحث مدرسي بحت، لكن الحاجة ألزمتنا في بيان النص وتوضيح دلالته، نعم إننا لسنا ملزمين بإلزام أنفسنا بتفسير لا نعتقد بصحته وموضوعيته وقربه من الحقيقة سوى إنه تبرير أستحساني .

 وفي موضوعات الكتاب المجيد نعتقد: إن للعقل دوراً ورأياً حاسماً، فثمة موضوعات يدور حولها نقاش كثير في الكتاب المجيد، يُقال إنها قد وردت أو أضيفت له من قبل الكتبة والنساخ، نرجوا أن يتسع العقل والصدر والمزاج لذلك فهذا مفيد في قضية التحرير والحرية المقصودة .

 وبعد هذا نقول: - أن لا ربط بين القسط في اليتامى، ومعنى أنكحوا ما طاب لكم من النساء -، ذلك إن تشريع النكاح والسماح به لا يتعلق بقضية القسط باليتامى لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون .

ثم إن هناك ثمة مخالفة مفاهيمية سائدة ويجري ممارستها من غير تحقيق ألاَّ وهي: (إنه وبسبب الترادف الممقوت أصبح النكاح أعني الإستمتاع لدى عامة المسلمين هو الزواج، وأسقطت عليه أحكامه وتبعاته)، فالمعلوم: - إن الزواج لاينعقد إلاَّ بميثاق غليظ، ولكن النكاح يتم بعقد -، لكن الغاية من النكاح هي غير الغاية من الزواج وكذلك الشروط فيهما، كذلك الطلاق في الزواج لا يصح إلاَّ إذا وقع خلل في شروط الميثاق وبنوده من أحد الطرفين، ولكن الطلاق في نكاح الإستمتاع فيكون مرتبطا بالأجل والمدة .

 ونعود لنقول: إن إقحام اليتامى في موضوعة النكاح لا معنى لها، ولا ربط سوى ذلك الخلل الذي نشأ بفعل ذلك التفريع، والظن الغالب عندي هو بسبب تلك الفوضى التي تدخل بها النساخ والكتبة في زمن الخليفة عثمان، وإلاَّ لا نجد ما يجعل من موضوعة اليتامى مرتبطة بموضوعة النكاح لا في صيغة الترغيب ولا في صيغة التدارك التي يلهث حولها بعض أهل التبرير والقناعة والرضى بما كان على ماكان .

ونصل إلى ما يريده الكتاب المجيد من معنى (ملك اليمين): تلك العبارة المثيرة للجدل والمثيرة للتحسس لدى البعض، والتي قيل فيها الكثير وظن بها كثير، نتيجة للتوظيف السيء والوضع في المحل والمعنى الذي ليس لها، من قبيل (التسري والإماء والرق والأستعباد) !!!، وقد تفنن البعض من فقهاء التراث في صياغة وإستحداث أحكام وتشريعات حول ذلك، ودائماً حجتهم تكون من الإعتماد على تلك الأخبار والروايات الموضوعة، والمؤسف إننا لم نجد عندهم ذلك التوسع وذلك التحقيق في الكتاب المجيد ولا في البحث فيه عن الدلالة والأهمية، وربما كانت للأحكام السلطانية الدور الحاسم في ترسيخ هذه القناعة المثيرة، والتي تحط من قدر وكرامة المرأة وشأنها .

وأما جملة - ما ملكت أيمانكم - فهي جملة خبرية ولفظ (ملكت) ليس بمعنى الإستملاك، ولا لفظ (ايمانكم) بمعنى اليد، ولا هي بمعنى القوة الدالة على ذلك، إنما هي جملة مركبة من - الملك والايمان -، والايمان هي كناية عن اليمين نرى ذلك في قوله تعالى: - [وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمن] – الواقعة 27، التي وردت من باب التقابل وللتمييز عن أصحاب الشمال، الواردة في صيغة: - [وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال] - الواقعة 41، ولا يعني لفظ اليمين (اليد اليمنى)، ولا لفظ الشمال يعني (اليد اليسرى)، بل هي مصطلحات جيء بها كناية عن جهتين متضادتين بين الإيمان وعدمه، ونفس الفكرة نقرأها في قوله تعالى: - [فأما من أُوتي كتابه بيمنه] - الحاقة 19، الواردة في دور التقابل، كما في القول التالي: - [وأما من أُوتي كتابه بشماله ..] - الحاقة 25، ولايدل هذا المعنى على ترجيح اليد اليمنى على اليد اليسرى، القضية لم تطرح هكذا إنما طرحت ككناية عن جهتين متقابلتين جهة اليمين وجهة الشمال للتعريف فقط، فعرف أهل الإيمان بأهل اليمين أو أصحاب اليمين، وعرف غير المؤمنين بأهل الشمال أو أصحاب الشمال .

 ونفس الشيء قاله في مسألة (ملك اليمين أو ما ملكت أيمانكم) هو كناية أو نسبة لما يملكه أهل الايمان، وفي هذا يكون كل مايقع في هذه الدائرة هو من ملك اليمين أو ما ملكت أيمانكم، والقيد المرموز له إنما جاء على نحو مطلق، وهو يشمل كل الفئة التي تتعرض لظلم يؤدي إلى الفقر والعوز والحاجة (الإقتصادية والإجتماعية)، وفي هذه الحالة قال: - قد تضطر بعض النساء المؤمنات للوقوع في الخطيئة والإستغلال من قبل بعض المغرضين والمجرمين -، مما يؤدي إلى إستغلال وإنتهاك لحرماتهن وكرامتهن، هنا وفي هذه النقطة بالذات ولكي لا يقع ذلك - أباح الكتاب المجيد وعلى نحو مشروط للمؤمنين من إحتضان هذه الفئة من النساء، وحمايتهن من التعدي ورفع هذا الظلم الواقع عليهن -، من خلال توفير لوازم العيش الكريم لهن من مسكن ومعاش، في هذه الحالة إذن جاء قوله تعالى: - [... أو ماملكت أيمانكم ..] - النساء 3، مشترطاً الجواز بتوفير الحماية والحصن للمرأة، كي لا تنزلق وتتوه في ركب الفساد والإنحراف (إذن هذا هو الشرط الموضوعي للإباحة) .

 أعني إن الهدف من الإباحة ليست الموضوعة الجنسية بل موضوعة الحماية والصيانه، وأما العلاقة الجنسية بين الذكر والأنثى فقائمة بالأساس على ثنائية - الرضا والقبول -، وفي قضية ملك اليمين تقع هذه عرضاً أو لنقل في سياق الإباحة وعلتها، ولكنها لم تكن هي الهدف المقصود، فالكتاب المجيد حذر ومنع إستغلال حالة العوز والحاجة للتجاوز على النواميس والكرامة والشريعة.

 ذلك لأن الأصل الأولي للإباحة هو حل المعضل الإقتصادي والإجتماعي والأخلاقي، وأما المتعة الجنسية (النكاح) فتكون عرضاً أو في سياق المعنى العام للحماية والحصانة .

 وحين يكون التركيز على الحماية والحصانة فذلك لأن الكتاب المجيد ركز على هذا، حين قال: - [ولقد كرمنا بني آدم] - الأسراء 70، فالكتاب يستهدف من الحماية كرامة الإنسان هذا الكائن الآدمي، ولا يجيز بحال إنتهاك هذه الكرامة أو السماح بذلك لا في الحروب ولا في غيرها، فالكتاب المجيد يمنع الرق والعبودية والتسري، ويعتبر الحرية شيئاً مقدساً وكرامة الإنسان كذلك محترمة ومُصانة، نعم في الحروب يقع الناس أسرى، ولذلك وضع القوانين والتشريعات والأنظمة الراعية والمحددة، قال تعالى: - [يا أيها النبي، قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أُخذ منكم ..] - الأنفال 70، وهنا أستخدم النص لفظ اليد ولم يستخدم لفظ الايمان، وهذا دليل على دقة ألفاظ الكتاب ودقة مُرادها، ولم يطرح النص فكرة الرق أو الإستعباد ولا غيرها من المصطلحات الخبرية، ولا نجد في الكتاب المجيد ولا دليلاً واحداً يدل على إستعباد الناس وسلب كرامتهم أو إرغامهم على فعل ما لا يرغبون به، ولم يدع الكتاب المجيد للمعاملة بالمثل فتلك عنده صفة مذمومة قال تعالى: - [ولا تزر وازرة وزر أخرى] - التحريم 10، ولهذا فما يُقال في التاريخ عن ظاهرة الإماء اللائي يقعن ضمن الغنائم الحربية ويوزعن على المقاتلة، فشيءٌ ممنوع ذلك لأنه يتعارض وصريح الكتاب المانع لهذا النوع من الممارسة، وحتى حينما يتحدث الكتاب المجيد عن مفهوم الرقيق في صيغة (تحرير رقبة)، هو لا يتحدث عنها بصفتها وبوصفها غنائم حربية وقعت بيد المنتصرين، بل بوصفها ظاهرة تاريخية كانت سائدة قبل عصر نبوة محمد، فهو إذن يحث ويشجع على تحرير الإنسان من سلطة الأستعباد، ولهذا ورد في المأثور وبصيغة الإستنكار المفهومي (متى أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) .

وهذا يعني إن هناك مرحلتين من التاريخ ما قبل عصر النبوة وما بعد عصر النبوة المحمدية، فما كان سائداً قبل ذلك العصر ورد التشجيع والحث والدفع عليه في الكتاب المجيد بتحرير تلك الرقاب التي أستعبدت .

وأما ما بعد عصر النبوة فلم يسمح النص ولم يجز بحال سلب كرامة الإنسان أو إجباره على فعل ضد طبيعتة وضد آدميته، وأما ما يُقال في التاريخ والروايات والأخبار عن الإماء وأمهات الأولاد فلا نقره ولا نعتقد بصحته، ومعلوم إن التاريخ والأخبار ليست بالمحل الذي يمكن الركون إليهما في تصويب أو تشريع القوانين والأحكام (مع ملاحظة إن جميع الحروب التي قام بها الخلفاء والسلاطين، كانت عبارة عن غزو منهي عنه) !! .

 ومن هنا نقول: - إن الدخول بالمرأة من غير رضاها لا يجوز شرعاً، ومن يفعله يكون قد أرتكب الأثم، ذلك إن العلاقة بين الذكر والأنثى لا تتم إلاَّ بالتراضي والقبول -، ولا تصح بالإستغلال أو بوضع اليد فهذا ممنوع شرعاً وعقلاً - ..

ونقول كذلك: - إن المسموح به من فعل (ملك اليمين) هو ما يقع مع النساء المؤمنات وليس مع الكافرات أو المشركات -، هذا بحسب ما يقوله الكتاب المجيد، إذ ورد ما يلي نصه قال تعالى: - [- وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ، بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ، فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ، وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ...] - النساء 25 .

أولاً: المحصنات هو جمع محصنة، وهي من الحصن بكسر الحاء، وهي لفظة دالة على المنع أو الإمتناع بمعنى الحماية والحصانة والصيانة، والمرأة المحصنة هي المرأة الممتنعة حين تقع بضائقة مادية وإقتصادية وإجتماعية لا تستسلم لها، بل تحصن نفسها من إرتكاب الخطيئة أو الإنزلاق فيها رغم المغريات، وهذا الفعل هو قابلية وقدرة على الإمتناع لدى بعض النساء، ولا يدفعهن عسر الحال والعوز والحاجة إلى الإنزلاق أو إرتكاب الخطيئة، ومن أجل هذا جاءت الإباحة لحفظ وصيانة المرأة التي تتعرض لمثل هذا الظلم، من خلال توفير العيش الكريم والحماية والحصانة والصيانة لها، وشرط الحصانة متعلق رتبةً بشرط الإيمان، قال (من فتياتكم المؤمنات)، وهذا يدفع القول الرائج: - بأنهن نساء من الكفار سبايا - .

وثانياً: أشترط النص أن يكون النكاح الذي يقع مع ملك اليمين، أن يتم بأذن أهل هذه المرأة المؤمنة، ويبين هذا إن فعل النكاح هو ليس بوضع اليد أو التملك، وإنما بالتراضي والقبول، والأصل فيه حصانة المرأة من الوقوع في الخطأ أو الخطيئة .

وثالثاً: الحصانة في واقعها الدلالي والمفهومي هو ما يتضمن هذا المعنى وتوابعه المعنوية والمادية، قال تعالى (وآتوهن أجورهن بالمعروف ... محصنات غير مسافحات) .

 ملاحظة:

بعد الحديث عن معنى الزوج في اللغة والكتاب المجيد، يلزمنا بيان في ماذا تعنيه كلمة - بعل -، والبعل في لغة العرب هو المعيل أو الكفيل (وهو هنا معنا عام)، وفي الكتاب المجيد يأتي بمعنى المدير أو من بيده إدارة شؤون الأسرة، وقد ورد التأكيد على ذلك كما جاء في الأثر قوله عليه السلام: - [إن جهاد المرأة حُسن التبعل]، وفي ذلك إشارة لما تقوم به المرأة في حال غياب زوجها عنها وعن البيت، وفي هذه الحالة تكون هي المديرة والراعية لشؤون الأسرة والبيت، فتوفر لهم ما يحتاجون إليه من معاش وأمن وإستقرار .

 ويُفهم من هذا إن البعل لا يكون المقصود منه خصوص ما يقوم به الزوج في فراش الزوجية، بل يعني الرعاية والإشراف والحماية في كل ما يتعلق بشؤون وحاجات الأسرة، وفي هذا المعنى يتساوى الرجل بالمرأة والذكر بالأنثى، طالما كان المُراد من ذلك هو هذا، وإلى ذلك وردت جملة نصوص ومنها:

قوله تعالى: - [أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين] - الصافات 125، والجملة فيها إستفهام إنكاري، لأولئك الذين يتركون أحسن الخالقين ويلتجؤن إلى ما لا يضر ولا ينفع من الأصنام، في تلبية حاجاتهم المعاشية وسد عوز أسرهم وما تعاني منه .

 وقال تعالى: - [وإن إمرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً ...] - النساء 128، والكلام على من بيده الإدارة في مرحلة وقوع الخلاف بين الذكر والأنثى، قال إن المسؤول عن إعادة العلاقة إلى مجرآها الطبيعي هو البعل بصفته مديراً، فهو القادر على فتح باب الصلح وسد ثغرة الخلاف التي قد يأتي منها الطلاق وغيره .

وقال تعالى: - [.. وهذا بعلي شيخاً ..] - هود 72، والكلام عن زوج إبراهيم عندما بشرتهم الملائكة بالولد، وهنا أستخدمت اللفظ كناية عن الزوج وعن الإمكانية في صناعة الولد، بإعتباره المسؤول أو هو صاحب النطفة التي تتم بها هذه العملية، لذلك أستدركت بالقول وهذا بعلي شيخا، كناية وحكاية عن الضعف وعدم القدرة .

وقال تعالى: - [.. ولا يبدين زينتهن إلاَّ لبعولتهن .. أو آباء بعولتهن .. أو أبناء بعولتهن ..] - النور 31، والنص إنما يتحدث عن الأفراد الذين يُسمح لهم برؤية المرأة في زينتها الداخلية، تلك الزينة الممنوعة على الأخرين، ويجب التنبيه: إن الكتاب المجيد حين يستخدم اللفظ في معنى ما، إنما يأتي به للتعريف ولتقريب الذهن، فحين يقول - زوجاً فهو يقصد معناه المتعارف مع حرصه الضمني ان يقوم هذا الزوج بواجباته من النكاح والإدارة - .

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

27 جمادي الأولى 1440 هجرية

 

 

ميثم الجنابي"أنّى تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم،

ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم"

(الغزالي)

 الإهداء إلى  الدكتور مارفن الزايد، صديق الروح ومثقف الإخلاص التام للحق والحقيقة.

 قد يبدو من السهل اعتبار "علماء السوء" ممن يتصف بأنصاف المعرفة و"كمال" السوء، إلا أن هذه التقييمات الصارمة سرعان ما تفقد طابعها الجزمي أمام المقارنة الحية بين العلم والعمل، والفضيلة والرذيلة في ثقافات الأمم وتاريخها. وذلك لآن "علماء السوء" شأن كل وحدة متناقضة في تقييمها أو تعميم عام يوّحد في ذاته اعتبارات الفضيلة والرذيلة، كان يستند إلى تراث متعدد الجوانب. وفي حالة الإسلام، فإن فضيلة العلم كانت منذ بداية الأمر وثيقة الارتباط باتجاهه الأخلاقي. إذ ليس العلم الإسلامي الأول سوى علم الدين، أي فقهه. وقد افترض ذلك في أجنته غزل خيوط الوحدة الخفية بين العلم والعمل. حقيقة إن هذه الوحدة لم تكن ملزمة للجميع، أو بصورة أدق إنه ما كان بإمكانها أن تبتدع نفس العناصر الموحدة عند كل من أحترف العلم والعلوم، وذلك بسبب تباين قضاياها وأساليبها ومناهجها. وإن هذا التباين الضروري يتصف بطابعه النسبي الحيوي لاختصاصات العلوم وليس في غاياتها النهائية. وليس هناك تيارا في الثقافة الاسلامية من أدرك هذه الأهمية البالغة لوحدة العلوم في غاياتها النهائية أكثر وأعمق من المتصوقة. وها بدوره نتاج الالتقاء المحتوم في الفكرة الصوفية وطرقها بميدان الحقيقة. فالتصوف من حيث الجوهر هو فلسفة الحق والحقيقة. وتحتوي هذه الحالة على ما هو ملازم للحقيقة نفسها. وذلك لأن حقائق العلوم تكشف في نهاية المطاف عن وحدتها. وإذا كانت هذه الوحدة في عرف التصوف هي الحق، فإن الاتصاف به يعني تمثل حقائقه. وقد كان هذا إنجازاً عميقاً ومميزاً للروح الباحث عن معالم الوحدة الضرورية بين العلم والعمل. لهذا نظر التصوف إلى انحراف العلم عن العمل، أو ابتعاده أو مخالفته أو مجافاة ما يلزم بالعمل بنتائجه على انه رذيلة تامة!

إن هذه المفارقة التي تصنعها الحضارة، باعتبارها أيضاً أسلوب تناقضاتها الدائمة، هي الميدان الأكبر لتعميق فضائل الروح الأخلاقي. من هنا وجودها الدائم ونفيها الدائم. فبالقدر الذي يبذل العلم قواه من أجل تلافي تصدع العقل النظري، فإن الضمير يبذل روحه من أجل تلافي تصدع العقل العملي. وقد واجه الغزالي مكونات هذه المفارقة لا على أنها أجزاء من ثقافة الإسلام وتقاليده الواقعية والمثالية فحسب، بل وعلى أساس تجربته العملية نفسها. إذ لا نعثر عنده على انشغال جاد بهذه القضايا إلا في مراحل انكساره الروحي، أي منذ (ميزان العمل). إذ يظهر هنا للمرة الأولى قلق العقل النظري حول قضايا العقل العملي، واهتمام العقل العملي بإرشادات العقل النظري.

فهو يتناول "علماء السوء" في انتقاداته اللاذعة للمرة الأولى في (إحياء علوم الدين)، بينما يردد في (الإملاء على مشكل الإحياء) باختصار مكثف ما بثّه في (الإحياء). فالعلماء الذين صورت ثقافة الإسلام وتقاليده الورعة إياهم، باعتبارهم "ورثة الأنبياء" والعلم النبوي و"أدلة الطريق"، أصبحوا جزءاً من نسيج الذاكرة المثالية، أي كما لو أنهم تحولوا إلى كيان بائد لا يمكن العثور إلا على صداه.

إن هذه النظرة القاسية في مظهرها تعبّر عن تجربة الغزالي الشخصية والمصاغة في لهيب التجربة الصوفية. فقد ارتبط نقدها "لعلماء السوء" بمقدمات معرفية وأخلاقية وبأسباب اجتماعية وسياسية. غير أن وقوفها ما وراء طور المصالح المباشرة واحتراب القوى السياسية، بفعل سلوك الطريق وفلسفته الخاصة، جعلها تركز على الجانب المعرفي الأخلاقي. وبهذا تكون قد استوعبت وصهرت في بوتقة تقييمها العملي ما سبق لتقاليد الورع الإسلامي وأن تتبعته على مثال عمل العلماء. لهذا اقتربت تقاليد الورع الإسلامي الأولى في انتقاداتها "لعلماء السوء" مع مثيلتها الصوفية، أو أنهما التقيا في عمق انكماش قلوبهم تجاه رذائل العلم والعلماء في كل من خضوعهم للسلطان (السلطة) واضمحلال الورع مع المعرفة. وليس مصادفة أن تجعل المتصوفة أفعال الحسن البصري وأقواله التعبير الأول عن تحسسها الأخلاقي في زهدها وورعها. فعندما يفرد أبو طالب المكي في (قوت القلوب) فصلاً خاصاً عن التفاضل بين ما أسماه "بعلماء الدنيا وعلماء الآخرة"، فإنه يضع الحسن البصري في مصاف الأستاذ الحق لعلماء الباطن والأحوال. فقد كان الحسن البصري يؤكد، كما يقول ابو طالب المكي (ت386 للهجرة)، على "أن السفهاء همّتهم الرواية، في حين أن العلماء همّتهم الرعاية"[1].  وهي الفكرة التي سيضعها رواد التصوف في صلب زهدهم العملي وأحكامهم الذوقية وتأملاتهم "النظرية. فإذا كان الفضيل بن عياض (ت-187 للهجرة) قد صنّف العلماء إلى عالم دنيا وعالم آخرة، وأن الأول علمه منشور والثاني علمه مستور، فإن تدقيقات عوالم علماء الآخرة الباطنية والظاهرية عند المحاسبي في كتابه (الرعاية لحقوق الله) قد توّجت في وحدتها المتعمقة في أذواق العقل العملي. في حين أجاب الجنيد على سؤال وجّه له:

ــ يا أبا القاسم يكون لسان بلا قلب؟

ــ كثير!

ــ فيكون قلب بلا لسان؟

ــ نعم قد يكون. ولكن لسان بلا قلب بلاء وقلب بلا لسان نعمة[2].

بينما سبق لسهل التستري (ت-283 للهجرة) أن قسّم العلماء إلى عالم بالله، وعالم لله، وعالم بحكم الله. فالأول هو العارف الموقن، والثاني هو العالم بعلم الإخلاص والأحوال والمعاملات، والثالث هو العالم بتفصيل الحلال والحرام[3]. وفي موضع آخر قسّم العلماء إلى عالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله وهم المؤمنون، وعالم بأمر الله لا بأيام الله وهم المفتون في الحلال والحرام، وعالم بالله وبأيام الله وهم الصديقون[4]. والمقصود بأيام الله حسب آراء التستري هو نعمته الباطنة وعقوباته الغامضة. وعندما يعطي لمقارناته بين العلماء صيغتها "النهائية"، فإنه يسلسلها بالشكل التالي: الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء نيام إلا الخائفين، والخائفون منقطعون إلا المحبين، والمحبون أحياء شهداء[5]. وهي الدرجة القصوى في تطور الصوفي، بوصفه تحقيقا لوحدة العلم والعمل. واستند أبو طالب المكي إلى حصيلة الفكر الصوفي في وضع مقارناته البيانية بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة[6].

ذلك يعني بأن لمواقف الغزالي النقدية تقاليدها العريقة في الفكر الصوفي، أي أن انتقاده استند إلى ما جمّعته "ثقافة الإخلاص". غير أنه استمد مادته من حيث مضمونها وغاياتها العملية المباشرة من واقع القرن السادس الهجري ومعالم انهيار الخلافة السياسي والروحي، وطبيعة تجربته المعرفية الشخصية. فعندما واجه "علماء السوء"، فإن انتقاداته اللاذعة إياهم لم تكن نفياً ذاتياً لممارسته بقدر ما أنها كانت من حيث موضوعيتها إعادة نظر أخلاقية بالفكر السالف، وإعادة نظر نقدية بالموقع الأخلاقي للنظم الفكرية، وعلاقة الحقيقة بالسلطة. وعبّر عن موقفه هذا في ما كان يدعوه تهكماً بعبارة "المترسمين بالعلم"، أي أولئك "الذين استحوذ على أكثرهم الشيطان، وأغواهم الطغيان، وأصبح كل واحد يعاجل حظه مشغوفاً. فصار يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً حتى ظل علم الدين منهم مندرساً. ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطغام، أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام، أو سجع مزخرف"[7]. وسوف يرتقي بهذه النزعة النقدية بعد صياغة مبادئها العامة إلى مستوى المواجهة، التي وضعته أمام معضلات المعرفة الفاقدة لروح الأخلاق وجهل الروح. ولم يستغرب الغزالي هذه الظاهرة وذلك بفعل رؤيته لواقع انتشار وسيادة من أسماهم بأهل الزور والفسوق، المتشبثين بالدعاوى الكاذبة والمتصفين بالحكايات الموضوعة، المترنمين بصفات منمقة والمتظاهرين بظواهر من العلم فاسدة، والمتعاطين لحجج غير صادقة. كل ذلك طلبا للجاه أو محبة الثناء.

إن مرور الغزالي بدهاليز "العلم السيء" قد أعطى له إمكانية تحديد هوية الوجود الشخصي في حدّه وحقيقته. وفي الوقت نفسه عمّق حساسية الرؤية النقدية. فالأخيرة لم تعد من ردود الفعل الإرادية ولا من انعكاسات التأمل البارد، بل من وهج التقييم الذوقي، الذي يرى كمال العالم في وجوده بما في ذلك نواقصه. ولكن إذا كانت النواقص فنوناً وأصنافاً، فإن كسادها في العلم هو تعجرف علمائه، أي كل ما يعطي لجهلهم قوته الهجومية ولرذيلتهم طعم الانتقام. لهذا رد عليهم في (فيصل التفرقة) بقوة شديدة، عندما تعرض إلى من حاول تكفيره والتشهير به. ومع ذلك لم يجعل من هذه الظاهرة مسألة شخصية ولا أن يحصرها في إطار الرد والانتقام، بل ليظهر من خلالها بديل التكفير وافتقاد معلنيه لأخلاقية القول والعمل به. لهذا شدد على أن "حق القول به يعطى لأولئك الذين انجلت قلوبهم من الدنس وتطهرت عن وسخ أضرار الدنيا، أولئك الذين ارتقوا بفعل الرياضة والذكر والفكر والتمسك بحدود الشرع إلى المراتب التي تفيض عليها فيها أنوار مشكاة النبوة". وإلا فكيف "يتجلى إسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم، ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم، وعبادتهم خدمة أغنيائهم، وذِكرهم وساوسهم، وفكرهم استنباط الحيل لما تقتضيه حشمتهم. فهؤلاء من أين تتميز لهم ظلمة الكفر من نور الإيمان؟ بإلهام إلهي ولم يفرغوا القلوب عن كدورات الدنيا لقبولها؟ أم بكمال علمي وإنما بضاعتهم في العلم مسألة النجاسة وماء الزعفران؟"[8]. وسوف يدفع هذا الانتقاد إلى إحدى درجاته القصوى عندما شدد في (الإملاء على مشكل الإحياء) على أنه "لا برّ يجمعهم بل اجتمعوا على الكفر. وأن قلوبهم تصفو على الخديعة والمكر". فهم "الجهال في علمهم، الفقراء في طولهم، البخلاء من الله بأنفسهم. لا يفلحون ولا ينجح تابعهم. لذلك لا تظهر عليهم مواريث الصدق، ولا تسطع حولهم أنوار الولاية، ولا تخفق لديهم أعلام المعرفة، ولا يستر عوراتهم لباس الخشية لأنهم لم ينالوا أحوال النقباء ومراتب النجباء وخصوصية البدلاء وكرامة الأوتاد وفوائد الأقطاب"[9]. وحالما قسّم العلماء إلى الحجة والحجاج والمحجوج (توالياً)، فإنه جعل من الصنف الأخير نموذجاً لعلماء عصره. فالمحجوج هو العالم الذي يضع نفسه في وسيلة وغاية مقالاته وبراهينه. بمعنى أن باعثه المحرك ليس العلم والحقيقة بل العلو والجاه. فهو يبدو كأحد الخدم في لباس العلماء. إضافة لذلك إنه مفتون بعلمه مغتر بمعرفته مخذول بنصرته. أما فخره فبلقاء أميره وصلة سلطانه وطاعة القاضي والوزير والحاجب"[10]. فهو شبيه بمن أهلك نفسه لأنه لا ينتفع بعلمه. وإذا أعطي رضى بالعطية ومدح، وإن منع منها شتم وذم وعربد[11]. وعندما التفت الغزالي إلى ما هو حوله من علماء عصره، فإنه لم يجد سوى "أهل سخافة ودعوى وحماقة واجتراء وعجب بغير فضيلة ورياء يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"[12]. وربط هذه النتائج المزرية لحالة العلماء المعاصرين له بالجهل بالنفس. فهو المبدأ الروحي الضروري للذات المفكرة الحقيقية. إذ لا يمكن بلوغ حقيقة السعادة والحقيقة، حسب نظره، خارج وعي الذات أو بمعزل عنها. فهي مقدمة إدراك حقيقة الحق. آنذاك فقط سيكون بإمكانه معرفة علة أهل الباطل ودواء أهل الضعف وأهل القوة معاً. وإن غياب هذه المعرفة هو السرّ القائم وراء احتجاب "علماء السوء" بالجهل وسخافاته، والإصرار وتهاونه، ومحبة الدنيا وتطويل الغفلة، وإظهار الدعوى وكبرها ورياءها[13]، أي كل حالة الزيف الديني (الأخلاقي) التي أفرد لها مقاطع واسعة في كتاباته من أجل إماطة اللثام عن واقعيته وفاعليته وصوره في ظاهر علماء السوء وباطنهم، أي كل ما شكل في حصيلته النتاج الملازم لانفصام وحدة العلم والعمل.

إن الصورة الباهتة الفاقعة التي يقدمها الغزالي عن "علماء السوء" تظهر بكامل صورتها المضحكة المبكية على خلفية أولئك الذين إذا ما حدّثوا صدقوا، أي أولئك الذين ظنهم كيقين إن هموا حدسوا! مما دفعه إلى تصوير تجلياتها الممكنة على أنها نتاج لابد منه لإظهار ازدواجية "علماء السوء" وفراغهم الروحي. فعندما يتطرق إلى آفة الرياء، فإنه يفرق بين ما يدعوه بالرياء في الأعمال التي هي ليست من الطاعات، وأعمال الرياء بالطاعات، بحيث يضع الرياء الأول في حالة أهون من الثانية. ولم يقصد الغزالي بذلك سوى الكشف عن واقع الرياء الديني السائد وسط العلماء أولاً وبين البسطاء ثانياً. وتتبع مظاهر الرياء ودقائقه في أوساط "علماء السوء" في مظاهرهم وبواطنهم. ففي مظاهرهم يتصنّع واحدهم "الخمول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين، وغلبة الخوف من الآخرة، وليدل بالخمول على قلة الأكل وبالصفار على سهر الليل وكثرة الاجتهاد وعظم الحزن على الدين"[14]. ولا يقف أحدهم عند هذا الحد، بل يتعداه إلى الظهور متشعث الشعر ليدل به على استغراق الهمّ ويتصنع "خفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوم، وأن وقار الشرع هو الذي خفّض صوته"[15]. ويجهد أحدهم نفسه في أن "يحلق الشارب ويطرق الرأس في المشية والهدوء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه وغلظ الثياب ولبس الصوف وتشميرها إلى قريب من الساق وتقصير الأكمام وترك تنظيف الثوب وتركه مخرقاً. ومن ذلك لبس المرقعة والصلاة على السجادة ولبس الثياب الزرق تشبهاً بالصوفية مع الإفلاس عن حقائق التصوف في الباطن"[16]. وفي مجال القول، فإن رياءهم يظهر في "الوعظ والتذكير والنطق بالحكمة وحفظ الأخبار والآثار لأجل الاستعمال في المحاورة وإظهاراً لغزارة العلم ودلالة على شدة العناية بأحوال السلف الصالحين، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق، وإظهار الغضب للمنكرات وإظهار الأسف على مقارفة الناس للمعاصي، وتضعيف الصوت في الكلام وترقيق الصوت بقراءة القرآن ليدل بذلك على الخوف والحزن"[17]. ولا يقف الرياء الديني عند حدود الكيان المادي للإنسان ومظاهره الاجتماعية، بل وفي مظاهر العبادة، مثل الظهور بمظهر من يطيل القيام ويمد الظهر ويطيل السجود والركوع وإطراق الرأس وترك الالتفات وإظهار الهدوء وتسوية القدمين واليدين وكذلك بالصوم والغزو والحج والصدقة وغيرها[18]. ويقدم الغزالي كثرة من الأمثلة الواقعية، التي تكشف عن تهكمه العميق وانتقاده المرير لمظاهر الرياء الديني السائد، حيث يبرهن فيه على أنه حالما يتحول الرياء الديني إلى أسلوب الممارسة الواقعية والمثالية المزيفة، فإنه لابد وأن يودي إلى تكليس الوجود الأخلاقي وذلك لأنه لا يضع في اعتباراته سوى الأخذ بمظاهر الوجود العابرة. بمعنى أنه يتعامل مع مثل الأخلاق وعالمها الباطني بمفاهيم ومعايير وقيم الظاهر، مما يؤدي بدوره إلى استيطان قيم الظاهر المزينة بحراشف المغامرة  الغبية للمصالح. مما يؤدي في نهايته إلى تهميش المعنى وتهشيم الحقيقة بتحويل كل ما هو ضروري إلى مفتعل، وكل ما هو مفتعل إلى ضروري.

ولم يقف في انتقاداته الشاملة للزيف بشكل عام وزيف "علماء السوء" بشكل خاص، أي أولئك الذين همهم خدمة السلطان (السلطة) والمناصب، بل وتعداه إلى كافة ممثلي النخبة المفكرة، بما في ذلك متصوفة زمانه. غير أن انتقاداته للمتصوفة تستمد مقوماتها من تقاليد التصوف ذاته في علمه وعمله، أي في إرثه الفكري وفي طريقته نفسها على أساس نقد النفس (المحاسبة والمراقبة الذاتية). إذ من الصعب العثور على شيخ صوفي لم تلازم أقواله وأحواله انتقادات لاذعة لمتصوفة عصره. بصيغة أخرى، إن لهذه الظاهرة جذورها المعرفية والعملية، وبالتالي لها مبادئها الأساسية وتراثها التجريبي.

فالمتصوفة هم الذين وضعوا في ثقافة الإسلام مهمة السمو الروحي للإنسان باعتباره غاية وهدف وجوده الذاتي. وهم الذين وضعوا مهمة الحركة المستمرة في عالم الروح نحو المطلق. وليست هذه الحركة سوى المراقبة الداخلية للنفس وتأديبها المستمر بما يتطابق مع الفكرة المثال للمطلق الصوفي، أي الفكرة التي تعمّق في ذاتها وتتعمق بدورها مع سيره في قطع "منازل السائرين ومقامات الموحدين"، أو هو نفسه مساره في الطريق الذي يوصله إلى حالة تحول جدل العالم وصراعاته إلى أجزاء من صوته الداخلي. فهو يسأل ويجيب، وينتقد ويؤنب، أي كل تلك المتناقضات الحياتية الممكنة التي يتطور فيها الصوفي، باعتبارها أسلوب صيرورة كيانه الروحي وواضعة لبنات صرحه وجوده الفردي. فهو لا يقف عند حد لأن هدفه المطلق. وبغض النظر عن إدراكه لمحدودية وجوده المادي، فإنه يتحسسه في الوقت نفسه على أنه شعاع يستحق التنوير، أي أنه يبقي للموت قيمة الوجود الحق باعتباره بداية الملكوت. فالمراقبة الدائمة للنفس تفعل فعلها في تمحور الذات الصوفية حول المطلق و«أوساطه "من خلال تسوية الإرادة في مساعيها الواقعية للاستغراق في عالم الكمال والمثال". وهي الممارسة التي ترمي بكل ما هو ثانوي وعابر في رحى التلاشي على أنها ضرورة. كما أنها الممارسة التي تقوِّم تعرجات الحياة بالإبقاء على الحياة كقيمة أخلاقية من خلال ربطها بالمطلق، تماماً كما فعل النبي محمد مرة عندما رمى بخاتمه الذهبي، الذي ألهاه باقتسام نظراته: "نظرة إليه وأخرى إلى الناس"! وليس ذلك سوى رمز للتوجه نحو وحدانية الحق في  العمل. والصوفي يسعى لتطبيق هذا المبدأ البسيط في مظهره، الشديد التعقيد في باطنه. فهو يحاول سد طريق الانحراف في ذاته تجاه كل ما يخرجه عن عالم الوحدة سواء كان ذلك بالمعاصي أو الطاعات، باللين أو الشدة، بالشك أو اليقين، مما جعل من انتقاده للنفس نمط وجوده الحق وأسلوب نفيه الدائم. وهو في الوقت نفسه أحد العناصر الجوهرية في العلم الصوفي وفعله. ويمكن القول، بأن لغة الصوفية ذاتها هي لغة البحث عن النفي الدائم في مساعيها اكتشاف "خلل" التعبير عن المطلق. وبالتالي العمل من أجل تشذيبه مازالت التجربة الفردية هي وسيلته، أي كل ما ينبغي للصوفي أن يمثله في فردية جهاده الأكبر (جهاد النفس). فهي المقدمة الأساسية للتصوف بسبب كونها مقدمة تنقية النفس وصقل القلب من أجل اكتشاف حقيقة المطلق فيه على أنه مثاله أيضاً.

فالصوفية تدرك تعقيد العملية الواقعية لتنقية النفس. فهي تدرك بأن الإنسان مازال موجوداً، فإنه لا يمكنه تخطي حدوده الواقعية إلا بأساليب واقعية، ولكن من خلال دفعها إلى نهايتها، أو إلى ما يمكن أن يتخذ في تجليه الظاهري هيئة المذهل المعجز والمحيّر المفجع في تناقضاته، أي أنها تدرك قيمة التناقض كأسلوب لوجود الأشياء. وهي على خلاف الأشياء، تنحو منحاها الإرادي لتذليله في ذاتها، ومن ثم تذليل الإرادة في تسويتها من أجل إفقادها وجودها المستقل. وقد عبّر يحيى بن معاذ (ت-258 للهجرة) عن هذه الفكرة بصورة نموذجية عندما أكد على أن جهاد النفس يقوم في رياضتها. وهو على أربعة أوجه وهي القوت من الطعام، والغمض من المنام، والحاجة من الكلام، وحمل الأذى من جميع الأنام، أي كل ما يؤدي بحصيلته إلى موت الشهوات وصفو الإرادات والسلامة من الآفات وبلوغ الغايات. وهي العملية المترابطة في إخماد الذات النفسية بالخمول الجسدي وقلة الكلام، مما يؤدي إلى إبراز عظمة الحلم وانقطاع النفس عن الظلم والانتقام، أي عندما يكون الوجود بكل تناقضاته مندرجاً في ذاته متحولاً إلى كيان "نظيف ونوري وخفيف وروحاني".  آنذاك ستجول النفس "في ميدان الخيرات وتسير في مسالك الطاعات كالفرس الفارة في الميدان وكالملك المتنزه في البستان"[19].

وبغض النظر عن أن الصوفية لا تضع مفهوم الذات ككيان ما مطلق خاضع لمعاملاتها الخاصة، إلا أنها تنطلق من شموليته المطلقة باعتباره التجلي الإنساني للإلهي في حيثياته الوحدانية. وعلى الرغم من تنوع الله الصوفي، إلا أنه هو هو بالدرجة التي تستوعبها عملية وعي الذات الصوفية الفردانية. إذ ليس وعي الذات الصوفي سوى نفي الذات الفردية (الواقعية) بالذات المثالية المطلقة، أي مساعي تحويل فروض العين المطلقة إلى "تقليد" حياتي يومي. مع ما يترتب عليه من مواقف مفارقة موحدة تجاه الطبيعة وما وراءها، والتاريخي والمافوق تاريخي، والوجودي والميتافيزيقي، والواقعي والخيالي. فالنفس الإنسانية تظل فردية في تشخصها رغم بقاء التعامل الصوفي العام معها في المعرفة. وإن هذا الالتقاء بين العام والخاص في الممارسة يظهر بمظهر التهذيب الأخلاقي الدائم للعالم الباطني في مواقفه وأفعاله ونياته وأهدافه. فالتذويت الفرداني لله الصوفي يتجلى بمقدار سريان الله في التذويت أو بمقدار تجلي القيم المطلقة عن فروض الواجب، كما صاغتها تقاليد التصوف. آنذاك تظهر معرفة الذات الصوفية بهيئة عمل أخلاقي خالص، مما يجعل من وسيلة الوجود الحق نفي التناقض.

ويرتبط بهذه الحصيلة خصوصية انتقاد المتصوفة لنفسها في كل من تراثها النظري والعملي. إذ تجد المتصوفة في شيوخها الأوائل مصدر سموها الدائم وعلائم رفعتها المقوِّمة، بفعل ربطها سلسلة وجودهم بالوجود الحق من خلال المسيرة الإنسانية في أوليائها وأنبيائها وملائكتها، أي في كل الوسائط المادية والمعنوية، التي أبدعها خيال الروح وجموح العقل. أما في واقعها التاريخي فإنها وجدت في انتقاداتها اللاذعة للنفس وسيلة تنقيتها الدائمة. رغم أن هذه الممارسة لم تكن على الدوام متشابهة في حدتها وفاعليتها. وإذا كان هذا الانتقاد في الأوساط الصوفية ملازماً لوجودها منذ  البداية، فإن تجليه الحاد عند شيوخها الأوائل لم يظهر بهيئة منظومة عامة إلا بوصفه أسلوب التجديد الحق للحق في تصوفه. فعندما يضع القشيري رسالته الشهيرة في ثلاثينيات القرن الخامس الهجري (437 للهجرة)  من أجل تكوين الصورة الحية الناصعة عن شيوخ التصوف، باعتبارهم المثال الحق، فإنه ينظر إليهم نظرته إلى "صفوة الأولياء الذين تحوي قلوبهم معادن أسرار الوجود والله، والمختصين من بين الأمة بكونهم غياث الخلق الدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق. الذين تصفّوا من كدورات البشرية ورقوا إلى محال المشاهدات بما يتجلى لهم من حقائق الأحدية، الذين توفقوا إلى القيام بآداب العبودية له وأشهدهم بمجاري أحكام الربوبية"، أولئك الذين لم يبق منهم سوى ذكرهم ومثالهم. فهم الطائفة التي انقرض أكثرها ولم يبق منهم، كما يقول القشيري، إلا أثرهم، كما قيل شعراً:

أما الخيام فإنها كخيامهم     وأرى نساء الحي غير نسائها[20]

لكن إذا كان انتقاد القشيري لظواهر الزيف والرياء "الصوفي" يتضمن صياغة البديل الفكري الواقعي للتصوف المعاصر له على مثال شيوخ الصوفية الكبار، فإن الغزالي لم يقدم تصوراته وأحكامه إلا باعتبارها جزء من معتركه الفكري مع الاتجاهات الأخرى، من أجل صياغة الأطر العامة والعناصر المكونة لتآلفه الفكري البديل. فهو شأن مؤرخي المتصوفة والصوفية أنفسهم، نظر إلى شيوخها على أنهم ممثلو الحق الإسلامي والإرث النبوي المحمدي[21]. وأنه لا ينال السعادة الحقيقية سواهم بفعل إدراكهم حق اليقين بمشاهداتهم الباطنة، التي هي أقوى وأجلى من مشاهدة الأبصار، وهم لا يموتون لأن الموت لا يأخذ منهم سوى أجسادهم وهم أحرار عنها. ذلك يعني أنه أراد القول بأن المتصوفة هم العلماء الحق بالله، أو إنهم البديل الفعلي "لعلماء السوء". ولم يضع في مفهوم العلماء بالله وورثة الأنبياء ما هو سائد في أوساط الفقهاء والمتكلمين، ولا حتى في ما هو شائع في أوساط المتصوفة العادية. فالغزالي يشدد على تمايز الصوفية عن العلماء الآخرين بما في ذلك عن أشدهم ورعاً وتقوى.  فعندما يقارن على سبيل المثال بين أحمد بن حنبل والمحاسبي، فإنه يشبه الأول بنهر دجلة يغترف منه الجميع، بينما شبّه الثاني ببئر عذبة لا يقصدها إلا واحد بعد واحد[22]. وإذا كان لهذه المقارنة جذورها في فكرة العوام والخواص الصوفية، فإنها تعكس في موقفه وبديله العام جوهرية الممارسة الشخصية وسموها الروحي في عالم التصوف مقارنة بعوام "علماء السوء"، أي أنه لم يسع لوضع تعارض لا يمكن تذليله، وذلك بفعل تناوله هذا الخلاف الجوهري في ميدان ومقولات ومتطلبات الروح الأخلاقي المعرفي. فهو ليس تعارضاً بالمعنى الدقيق للكلمة، بقدر ما أنه تمثيل لدرجات القرب والبعد عن الحق والحقيقة.

بصيغة أخرى، إنه أراد إظهار ما في المتصوفة من قوة بديلة تظهر في جمعيتها العملية والعلمية كنقيض "لعلماء السوء".  فعندما صور كيان المتصوفة باعتبارهم البديل العملي (الأخلاقي) "لعلماء السوء"، فإنه يجعل منهم تجسيداً للخشية والخشوع والتواضع وحسن الخلق والزهد[23]. فالغزالي يدرك نقص حصر "مديح" المتصوفة بهذه الصفات، إلا أنها تكفي بحد ذاتها لرفع كفتها مقارنة "بعلماء السوء" إلى أقصى درجاتها، أي أنه أراد كشف كيانها العملي الأخلاقي كمثال لما هو موجود. وهو شأن شيوخ المتصوفة لم يكن بإمكانه تجاهل رؤية "الانحرافات" المتناثرة في الأوساط الصوفية. غير أن انتقاده للمتصوفة ليس انتقاداً منظومياً، بل كان جزءا من انتقاده لمظاهر الرياء باعتباره انعكاساً للانحلال الأخلاقي[24]....(يتبع).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص133.

[2] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص142.

[3] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص140.

[4] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص140.

[5] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص140.

[6] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص129-162.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص2.

[8] الغزالي: فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، ص35-37.

[9] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص13.

[10] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص19.

[11] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص19.

[12] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص19.

[13] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص13.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص297.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص297.

[16] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص297-298.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص298.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص298-299.

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص66.

[20] القشيري: الرسالة القشيرية، ص2.

[21] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص52.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص70.

[23] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص77.

[24] سوف اتناول هذا الجانب في موضعه حال الحديث عن تصوف الغزالي وخصوصيته.     

 

لقد منع الكتاب المجيد - تعدد الزوجات -، ولكنه في المقابل أباح - التعدد في النكاح -، وبين المسألتين جدُ فارق في الفعل والمضمون، ونحن بدورنا سنوضح ذلك ما أستطعنا إلى ذلك سبيلا معتمدين على الكتاب ونصوصه ودون الإلتفات إلى ماورد من أخبار وروايات في هذا الشأن .

 ولكن وقبل البدء في شرح وبيان موقف الكتاب المجيد من هذه المسألة، لا بد من التذكير بأن المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة تخوض صراعاً مستديماً متعدد الإتجاهات، من أجل تحديد الموقف القانوني والشرعي والأخلاقي عن نوع الحريات التي تسمح والتي لا تسمح، وعن طبيعة الحقوق وطبيعة النظام الذي يجب أن يسكنون إليه، وأقول: إن التعريفات العتيقة التي تبنتها المدرسة الإسلامية ما عادت تلبي أو تستجيب لكثير من المفاهيم التي أفرزتها حالة وطبيعة التطور المجتمعية في العالم أجمع -، ولم يعد مناسباً في هذا الشأن التركيز فقط على منتجات التراث، مع جُل إحترامنا لذلك التراث، فالتراث مهما بلغ من شاء، فإنه يظل يعبر عن الماضي بما فيه من أفكار ورجال، والماضي لن يستطيع ان يصنع الحاضر بطريقته وبفهمه للأشياء، وإن منتجي التراث رجال لا قدسية لهم ولا معصومية، وما أنتجوه من أفكار يظل في حدوده الخاضعة لبند الصحة والموافقة لكتاب الله والعقل، والتراث في أصله اللغوي جاء من مادة - ورث - الثلاثية الدلالة والأبعاد ومعناه: ما يحصل عليه الوريث من المورث مادياً -، وإلى ذلك أشار النص التالي قال تعالى: [وورث سليمان داوود ..] - النمل 27، والتوريث هنا كل مايتعلق بما هو مادي من متاع وغيره [وليس منه النبوة والحكم، فالأول إصطفاء والثاني إختيار من قبل الناس]، فالنبوة ليست من الأشياء التي تورث لأنها إصطفاء من الله، كذلك الحكم هو إختيار وإنتخاب للحاكم من قبل الناس فلا يصح فيه التوريث أو ولا ية العهد .

والتراث في عمومه مادي يظهر ذلك حتى في قوله تعالى: (وتأكلون التراث أكلاً لما) - الفجر 19، وكل شيء يتعلق الفعل فيه والممارسة من قبل الإنسان فهو مادي ومنه الأفكار، ولهذا يصدق عليها مفهوم - التراث - أيضاً، كالقيم والأخلاق والمبادئ والتي هي في الواقع أشياء مادية يمكن توريثها، وبهذا المعنى يكون كل ما أنتقل أو وصل إلينا من الماضي القريب أو البعيد هو - تراث -، ولعلي أرجح لفظ - وصل إلينا - بدلاً عن أنتقل إلينا، والفرق بينهما واضح: [فأصل الفعل في أنتقل هو من النقل أي الرفع من مكان لمكان أخر، وبالتالي يكون معنى أنتقل إلينا هو ما نُقل إلينا من محل أخر، واما لفظ وصل إلينا أي ما أتصل بنا -، وفي هذه الحالة يكون الوصل أقرب في الدلالة، فما وصل إلينا من الماضي هو ما أتصل بنا منه، شريطة ان يكون له قابلية التأثير والفعل في حياتنا، من حيث التأثير على أفكارنا ومفاهيمنا وتصوراتنا، وحين نفتقد لشرط القابلية في التأثير والفعل، تكون الدعوة للخروج من حالة التقديس الأعمى لما في التراث ومُنتجيه أمراً لازماً، وبنظرنا المتواضع لم تعد كتب التراث من تفاسير وكتب وأخبار مؤدية للغرض، مع كامل الإحترام والتقدير لتلك الثروة ولذلك الجهد الغير مسبوق في زمانه، وهذا يعني إننا بحاجة إلى حركة نقلة تدرب العقل وتؤهله ليواكب عصره (الزماني والمكاني) .

 وهنا ترآنا نعود للتذكير بمقولة لنا مضت في لزوم ووجوب فتح باب الإجتهاد على نحو مختلف عن ذلك الذي ألفناه، والإجتهاد الذي نلح بالطلب عليه هو في فسح مجال أكبر وأوسع للعقل بعيداً عن سلطة الأخبار وما فيها من القيل والقال والنكاية البعيدة عن مضمون عصرنا وزماننا، مع عدم الإلغاء الكامل أو التجاوز الكامل على كل الماضي وكل التراث، فتلك مخاطرة لا نسمح بها ولا نؤيدها، إنما نريد لبعض الماضي الصحيح والتراث الموثق أن يكون جزءاً مما نستأنس به في موضوعاتنا وبحوثنا .

إن موضوعة - حرية الحقوق - جدلية بإمتياز فهي من حيث هي قضية يتصارع فيها الزمان والمكان، ومن هنا تدفعنا هي ذاتها لتصحيح المسار من خلال رؤية جديدة لمعنى - حرية الحقوق -، والسؤال هل تقع - حرية الحقوق - في دائرة الواجبات أم المباحات ؟،

 وطبعاً هنا في مسألتنا يكون الجواب إنها من المباحات فحق الزواج مثلاً ليس واجباً كذلك حق النكاح وحق التبعل، ومفردة زواح ونكاح وتبعل مفردات أستعملها الكتاب المجيد في سياقها حسب الوضع والطبع، وهي مفردات مختلفة المعنى والدلالة ولا يصح الخلط فيها تبعاً لما كان يفعله أهل التراث والأخبار، والخلط منشأه فكرة الترادف التي شاع وغلب أستعمالها في الشعر والأدب، ومن هناك وظفت في لغة الفقة والشرع عبر الشافعي كوسيط مفترض في هذه الفعلة، فوقع الشطط في المعاني وقد تغلب هذا الفكر على من سوآه من خلال سطوة أهل السياسة والحكم .

ففي قضية - التعدد - هيمن الترادف على ما تؤدي إليه الكلمة من ظنون، جاء ذلك بفعل هيمنة وغلبت الذكورية والقبلية التي كانت سائدة ومازالت في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فالتعدد موضوعة أرتبطت بالمرأة حين فسر المشرع المرأة كسلعة مما أدى مع الأيام لتجهيل - حق المرأة وحريتها -، والمريب في الأمر إن عامة النساء المسلمات رضين بهذا وأستسلمن له تحت ظل ظروف إقتصادية وإجتماعية ضاغطة، حتى صار التجهيل للحق حكم للشرع والدين بنظر العامة، وعلى ذلك سُنت قوانين الأحوال والحقوق الخاصة بالمرأة،  مع إن هذا التجهيل أساسه رجال دين تراثيين وكهنة وتجار قيم .

وفي هذا المجال تبدو الحاجة ماسة ليس فقط إلى إعادة تقييم ونقد التجربة الدينية لأهل التراث من المرأة، بل إلى إنتاج قواعد فكر وقوانين تحمي المرأة وتنظم حقوق المجتمع، وفي هذا أدعوا الجميع لمراجعة واقعية للكتاب المجيد من غير سطوة وهيمنة أهل التراث وفكره، كما أدعوا إلى إعتماد العقل كأداة منتجة ومستقرئة، وهذه الدعوة لنجعل منها الضابط الذي سيكون حاضراً معنا في كل خطواتنا هنا في هذا البحث، ولا ندعي إننا نريد تجديد الخطاب فهذه ثمة أكذوبة أو هي أفيون جديد للتخدير والإلهاء يميل إليه كهنة السلاطين للخروج من حالة التناقض واللا إتزان السائدة، ما نريده بناء منظومة بحث يمكنها إنتاج معرفة تجعل من الجميع حاضراً فيها غير بعيد عنها، وهذا يكون بالتركيز على بيان المعنى بصيغ قريبة إلى فهم السامع، من غير إطناب أو تضخيم أو تفلسف زائد، كما كان دئب من سبق، وهذا بنظرنا ما نرآه يفيد معنى مفهوم تجديد لغة الحقوق وقواعدها من وحي الكتاب والحياة المعاصرة .

 في قضية - التعدد - وقع الوهم والتدليس فبدلاً من أن يكون - التعدد - في النكاح، أصبح - التعدد - سارياً في الزواج لدى عامة الفقهاء ورجال الدين، وبما إن هذه القضية إشكالية لذلك فسوف نسلط الضوء عليها :

ونتسائل ونقول: هل إن فكرة - التعدد - جائزة أو ممنوعة في الكتاب المجيد ؟، وبما إن هذا السؤال يتموضع بين الجواز والمنع، فإننا نقول: إن قضية - التعدد - أساسها الفهم الخاطئ لما ورد في قوله تعالى: [.. فإنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألاَّ تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ..] - النساء 3، أعني الفهم الذي تبنى الترادف في فهم المعاني، الفهم الذي جعل من لفظ - أنكحوا - بمثابة أو بمعنى لفظ - تزوجوا -، مع إن الأصل والجذر اللغوي للفظين مختلف، فلفظ - أنكحوا - دال على الإستمتاع الجنسي، وأصله من الفعل الثلاثي - نكح -، وفي (النكاح) الإستمتاع أو المتعة أباح الكتاب المجيد التعدد، ولكنه في (الزواج) منع الكتاب المجيد التعدد، والزواج في الكتاب المجيد كفعل أو كمضمون ممنوع من التعدد وذلك:

 1 - لأن الزواج في وضعه ودلالته هو أوسع مفهوماً من الإستمتاع أو التمتع، ولذلك لا يجوز قصر معناه في النكاح .

2 - كما إن فعل تزوجوا أعتبر في الكتاب المجيد ممنوعاً من الصرف، والخلط بينه وبين فعل أنكحوا هو مخاطرة وفعل خاطئ .

 3 - ثم إن اللفظ في الكتاب المجيد إنما وضع لمعنى محدد معين لا يتعدآه لغيره - .

وحين قلنا: إن إباحة التعدد في (النكاح) إنما بشرط وجود القدرة والإستطاعة، وفي (الزواج) قلنا بالمنع لأن الزواج مرتبط بميثاق قال تعالى: [.. وأخذنا منكم ميثاقاً غليظا] - النساء 21، والميثاق هو إتفاق بين - الذكر والأنثى

- على طريقة الحياة وعن القوامة وعن الإدارة ورعاية الأطفال والضمان، أي إنه إتفاق على تأسيس الأسرة وفي هذا قال الكتاب المجيد بعدم جواز التعدد، قال تعالى: [وإن أردتم إستبدال زوج مكان زوج أخر ..] - النساء 20، بمعنى إن الجمع والتعدد في الأزواج ممنوع وغير ممكن، وهذا مالم يتوفر هدفاً ومضموناً في النكاح، إذ ليس هناك ثمة ميثاق فيه، إنما ينعقد النكاح (المتعة) بإتفاق بين الطرفين (ذكر وأنثى) من غير قيد وفيه يصح التعدد لطبيعته ولما يُراد منه - .

 وكما قلنا: بعدم جواز الترادف في الكتاب المجيد، كذلك نقول لا يجوز التكرار في الكتاب المجيد فعلاً ومضموناً -، ومنه جاء المنع بعدم جواز إسقاط لفظ - الزواج على النكاح -، وعندنا لا يصح الإتفاق مقروناً بهذا اللفظ في حال الزواج، ودليلنا في عدم الجواز ما عليه قواعد اللغة العربية والتي تمنع التكرار والترادف في هذه المسألة، وأما ما ذهب إليه البعض من أقوال في هذا المجال فلا يعتد بها ولا تفيدنا في هذا المقام، لهذا فالواجب يقتضي ضبط معاني الكلمات من خلال الكتاب المجيد ومن دون النظر أو الحاجة إلى هذه الإستعارة التبعية للشعر ومقولاته، بل ولا يجوز جعل ذلك حجة على معاني وألفاظ الكتاب .

 فإن قلتم: ألم ينزل الكتاب المجيد على سبعة أحرف - .

قلنا: إن ذلك ليس صحيحاً وهو وهم وتجني، ذهب إليه من أراد دفع شبهة التحريف في الكتاب المجيد والتي يقول بها البعض - .

ثم إن التعدد في النكاح ورد مضافاً، وليس عدداً صحيحاً بل العدد مضروباً بنفسه، وهو ليس من قبيل العدد الصحيح واحد وأثنين وثلاثة وأربعة، بل هو مثنى وثلاث ورباع، وفي ذلك يكون العدد مضافاً كما ورد في ذكر أجنحة الملائكة، قال تعالى: [..جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع .] - فاطر 1، ولم يقل أثنين وثلاثة وأربعة، لأن العدد هنا دال على الكثرة الممكنة، مع إنه أستخدم العدد الصحيح في قوله تعالى: [سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ..] - الكهف 22، ومنه يتبين إن اللفظ في الكتاب المجيد إنما يوضع بعناية للدلالة على المعنى المُراد والمقصود، ولكي لا يتم الخلط أو تعمد الخلط .

فحين يستعمل لفظ - تزوجوا - يقتصر الفعل والمضمون على الواحد من غير تعدد، وأما في حال علاقة الإستمتاع جعل التعدد ممكناً بحسب القدرة والإستطاعة، وفي علاقة الإستمتاع جعل الكتاب المجيد حد أدنى وحد أقصى، والأدنى يبتدأ بمثنى أي أربعة وينتهي برباع أي ستة عشر، ثم جعل القيد مرتبطا بمفهوم العدالة من جهة الإستمتاع

 قال - وإن خفتم ألاَّ تعدلوا - قال (فواحدة)، وهذا القيد متعلق بالقدرة والإستطاعة وليس بمحل أخر .

 وبما - المتعة - يُثار حولها بعض اللغط، والذي في غالبه جهل في فهم النصوص وعدم التعاطي مع ذلك بروح الواقع، بل وتغليب بعض الأخبار على نصوص الكتاب المجيد، ومن بين أوضح النصوص الدالة على جواز - المتعة - ماورد في قصة النبي موسى في قوله تعالى: [قال إني أريد أن أنكحك إحدى أبنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشراً فمن عندك ..] - القصص 27، في هذا النص تبدو الدعوة لعلاقة مؤقتة ومشروعة بين ذكر وأنثى في زمن محدد وثمن محدد (نكاح)، هذه العلاقة حسب ظاهر النص جائزة شرعاً، ولم يرد نص في الكتاب بمنع أو إلغاء هذا النوع من النكاح، ولم يجعل هذا النص عقدة النكاح بيد موسى -، مما يدل على أن هذا النوع من الإتفاق والذي يقصد به الإستمتاع المشروط بأجر وزمن يلزم في الحرية الضامنة للطرفين .

يتبع

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

اختلف المسلمون كثيرًا، ولا زالوا يختلفون، في أمر المؤمن العاصي في الدنيا والآخرة، وهل العمل ركن من الإيمان أم لا؟ وافترقوا.

كانت أهم عقائد الخوارج أن الإيمان لا ينفصل عن العمل، فهو ما وقر في القلب وصدقته الجوارح ‏والعمل، وقد قادتهم تلك المقدمة إلى نتيجة خطيرة جعلتهم أول فرقة متطرفة في تاريخ الإسلام، وهي أن ‏الفاسق غير مؤمن، فمرتكب الكبيرة هو كافر بزعمهم، فكفّروا المسلمين ووقعوا في دمائهم، وكان ‏الأزارقة -أتباع نافع بن الأزرق الحنفي- يعتبرون باقي المسلمين مشركين، وديارهم ديار ‏شرك! ولا نجد في أدبيات الخوارج حديث عن توبة صاحب الكبيرة، كما هو الحال عند المعتزلة، وفي ‏هذا فتح لباب المعاصي، وتجاهل للضعف الإنساني، وإغلاق لباب الرحمة في وجوه العباد.

ويذكر ‏الإمام البخاري في صحيحه، في أول باب (قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم) "وكان ابن عمر يراهم ‏شرار خلق الله، وقال: "إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في ‏الكفار، فجعلوها على المؤمنين"‏أهـ. ورواها ابن ‏عبد البر في "الاستذكار" (ج8، ص90) (رقم 10576) من رواية نافع عن ابن عمر. وأقول: ولا زالوا ‏يفعلون، وصدق ابن عباس عندما قال في الخوارج: "يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه".‏

يذكر علي سامي النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج1، ص233) "وجد الإمام الحسن ‏بن محمد بن الحنفية، أن الذين قاتلوا جده مستندين إلى أصل ظاهره الصدق وباطنه الإفك، هو (الحكم لله ‏لا لعليّ)، ينشرون أصلًا آخر خطير لقتل المسلمين، وهو أن لا عقد بدون عمل، فنفر لمجادلتهم، ‏وأعلن أنه لا يضر مع الإيمان معصية، وكان يكتب الكتب إلى الأمصار ويعلنها للناس، بأن الطاعات ‏وترك المعاصي ليست من أصل الإيمان حتى يزول الإيمان بزوالها"أهـ. ‏

أما المعتزلة، فمن أصولهم الخمسة، المنزلة بين المنزلتين، وهي منزلة الفاسق في الدنيا عندهم، فهو لا يُسمى مؤمنًا ولا يُعد ‏كافرًا، وكان تعليل المعتزلة ‏لتلك المنزلة الوسطى التي أنزلوها مرتكب الكبيرة أن الإيمان لو كان موجودًا لعصم صاحبه ‏من الكبائر. ورغم أن تعليلهم للأمر كان مصدره ما حكم به العقل من عدم فصل الإيمان عن ‏العمل، فقد رأى المعتزلة في الآيات القرآنية التي حثت على العمل الصالح في القرآن وقرنته ‏بالإيمان أنها دليل على ركنية العمل كجزء من الإيمان، وهناك نصوص دينية يتفق ظاهرها مع ‏قولهم. يقول تعالى: ‏﴿‏إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر‏‏﴾ [العنكبوت:45]. وورد في ‏صحيح البخاري (2475) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ‏‏"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق ‏حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو ‏مؤمن". وعن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: مثله، إلا ‏النهبة. قال الفربري: وجدت بخط أبي جعفر: قال أبو عبد الله: تفسيره: أن يُنزع منه، يريد ‏الإيمان. وللحديث أطراف بصحيح البخاري، أرقام (5578- 6772- 6810).

فالمعتزلة ‏يرون في النصوص التي قرنت الإيمان بالعمل الصالح، وتلك التي على العكس قرنت نفي ‏الإيمان بالعمل الطالح، نصًا على عدم الفصل بين الإيمان والعمل، -بينما الأشاعرة ترى تمييز ‏الآيات بينهما دليلًا على انفصالهما، كما سأوضح لاحقًا-. وكان هذا الأصل من أصول عقيدتهم هو سبب انعزال واصل بن عطاء عن مجلس ‏أستاذه الحسن البصري، وقد تفرّد المعتزلة به، فكان مخالفة من المعتزلة لاعتقاد الخوارج بأن ‏الفاسق غير مؤمن، ومرتكب الكبيرة كافر، ‏والذي على أساسه كفّر الخوارج المسلمين وخاضوا ‏في دمائهم، وكذا كان فيه مخالفة من المعتزلة لأهل السنة والجماعة من ‏الأشاعرة والماتريدية ‏الذين لم يكفروا أصحاب ‏الكبائر، ولم يحكموا بتخليدهم ‏في النار، بل اعتبروهم مؤمنين فاسقين، أمرهم إلى الله. كما خالفوا المرجئة الذين قالوا: لا ‏يضر مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة، وحكموا بنجاة كل من نطق بالشهادتين، ‏وكان واصل بن عطاء قد فسَّق كلا فريقيّ حرب الجمل، وفيهم علي والحسن والحسين وابن ‏عباس وعمار بن ياسر من جهة، وعائشة وطلحة والزبير من جهة أخرى!!

بينما أهل السُنة والجماعة الأشاعرة على أن العمل ليس ركنًا من الإيمان. وعدّه ركنًا يوقع في معتقد الخوارج أو المعتزلة. والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:110]. أي أنه تعالى في الآية لا يجعل العمل ركنًا من الإيمان، بل يميز بين الإيمان والعمل، ويجعل كليهما شرطًا للطمع في النجاة الأخروية، مع أنه في آية أخرى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء:48]، أي أن من ضيّع إيمانه لا يجب أن يطمح للنجاة، أما من كان صاحب معصية فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾؛ فهم يعتقدون أن إيمان المسلمين أمره مرجأ إلى الله، ويكفينا إقرار الناس بالإيمان لعدّهم مسلمين في الدنيا، والتعامل معهم على هذا الأساس؛ فتارك العمل مرتكب الكبائر مؤمن في الدنيا، ليس كافرًا كما قالت الخوارج، ولا فاسقًا كما زعمت المعتزلة، وهو مستحق للعقاب في الآخرة، لكن لا نحكم بتخليده في النار كما حكمت الخوارج والمعتزلة، بل أمره إلى الله في الآخرة، كما قال بذلك أبو حنيفة.

وهناك قصة شهيرة تحكي سبب إرجاء أبي حنيفة لأمر تارك العمل من المسلمين، وهي ‏مأثورة عن أبي حنيفة مع جارٍ له فاسق، والذي يُروى أن أبا حنيفة رفض أن يُصلي عليه عندما ‏مات، ثم جاء الجار في المنام لبعض أهل الصلاح ليُخبرهم أن الله قد غفر له، ولمّا سأل الإمام ‏زوجة الرجل عن حاله، أخبرته أنه كان يُطعم الأيتام ويطلب منهم أن يدعوا له؛ فعلم الإمام أن كل ‏مُوحد أمره مرجأ إلى الله، والله أعلم بما خفي من عمله.‏

فإرجاء الأشاعرة هو إرجاء سُنة. ويختلف عن اعتقاد بقية المرجئة، فهؤلاء الأخيرون يقولون: "إن من شهد شهادة الحق، دخل الجنة، وإن عمل أي عمل. وكما لا ينفع مع الشرك حسنة كذلك لا يضر مع التوحيد معصية. وقالوا: إنه لا يدخل النار أبدًا، وإن ركب العظائم وترك الفرائض وعمل الكبائر للكبائر"! ‏وقول المرجئة هذا يفتح الباب على مصراعيه أمام اقتراف المناكر، وما جاء الإسلام إلا لمحاربتها.

لكن للعمل مع ذلك وفقًا لاعتقاد أهل السُنة والجماعة قيمة، وإلا فنحن نغامر بآخرتنا، إن شاء عذبنا الله وإن شاء غفر لنا، ثم أن به تتفاوت مراتبنا في الجنة.

يقول إمام الحرمين الجويني في "الإرشاد في أصول الاعتقاد" (ص399-400) عن اعتقاد الأشاعرة في ‏الإيمان ردًا على من يقول بزيادته ونقصانه: "فإن قيل: فما قولكم في زيادة الإيمان ونقصانه؟ قلنا: إذا ‏حملنا الإيمان على التصديق، فلا يفضل تصديق تصديقًا، كما لا يفضل علم علمًا؛ ومن حمله على ‏الطاعة سرًا وعلنًا؛ فلا يبعد على ذلك إطلاق القول بأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهذا ‏مما لا نؤثره. فإن قيل: أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان منهمك في فسقه كإيمان النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: النبي ‏عليه الصلاة والسلام يفضل من عداه باستمرار تصديقه، وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك، واختلاج ‏الريب. والتصديق عرض لا يبقى، وهو متوال للنبي عليه الصلاة والسلام، ثابت لغيره في بعض ‏الأوقات، زائل عنه في أوقات الفترات. فيثبت للنبي عليه الصلاة والسلام أعداد من التصديق لا يثبت ‏لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه بذلك أكثر، فلو وُصف الإيمان بالزيادة والنقصان، وأُريد بذلك ما ذكرناه ‏لكان مستقيمًا فاعلموه. فإن قيل: قد أُثر عن سلفكم ربط الإيمان بالمشيئة، وكان إذا سُئل الواحد منهم ‏عن إيمانه، قال: إنه مؤمن إن شاء الله، فما محصول ذلك؟ قلنا: الإيمان ثابت في الحال قطعًا لا شك ‏فيه، ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة، إيمان الموافاة؛ فاعتنى السلف به وقرنوه بالمشيئة، ‏ولم يقصدوا التشكك في الإيمان الناجز"أهـ.

وعلى قدر إعزازي وتقديري لإمام الحرمين الجويني، فقد زادني جوابه تصديقًا بأن الإيمان يزيد وينقص، وليس ثابتًا بالقدر نفسه للجميع، ولكنه يتفاوت باطنًا وليس ظاهرًا، ولا يلزم من ذلك أن أنزع صفة الإيمان عمن شهد شهادة التوحيد كفعل الخوارج، كما لا يلزم منه أن أفتش في ضمائر الناس لاستكشاف قدر إيمانهم. ثم أخيرًا قرأت للنشار في مقدمة تحقيقه لـ "الشامل في أصول ‏الدين" للجويني (ص38) أن "الشافعي كان يؤمن بأن الإيمان تصديق وعمل، وأن الإيمان يزيد ‏وينقص"، علمًا بأن الشافعي موقفه معروف من الخوارج،‏ فأنا مع الشافعي في اعتقاده.

ولكن يبقى السؤال الأكبر: إن كنا نقطع بأن كل موحد هو مؤمن في الدنيا حتى لو ارتكب ‏الكبائر، ولا نخرجه من عداد المؤمنين لأنه نطق الشهادتين وهما عمود الإيمان، ولا مخرج من ‏الإيمان إلا بإنكارهما، فهل الإيمان يزيد وينقص؟ وإن كان العمل ليس ركنًا للإيمان بل هو متميز ‏عنه، فكيف يزيد الإيمان وينقص؟

جاء في "جوهرة التوحيد" للإمام اللقّاني المالكي:

ورُجِّحَتْ زيادةُ الإيمان *** بما تزيدُ طاعةُ الإنسان

ونقصهُ بنقصها *** وقيلَ لا خُلْفَ كذا قد نُقلا

وذكر البيجوري في "حاشيته على جوهرة التوحيد" (ص94) في شأن العمل "العمل شرط كمال –يعني للإيمان- على المختار عند أهل السُنة، فمن أتى بالعمل فقد حصّل الكمال، ومن تركه فهو مؤمن، لكنه فوّت على نفسه الكمال، إذا لم يكن مع ذلك استحلال أو عناد للشارع أو شك في مشروعيته، وإلا فهو كافر فيما علم من الدين بالضرورة"أهـ. ويضيف (ص100) في شرح البيت الفائت "وقد ذكر المصنف هنا أنه –أي الإيمان- يزيد بزيادته وينقص بنقصه –أي العمل-، ويعني: رجّح جماعة من العلماء، وهم جمهور الأشاعرة القول بزيادة الإيمان؛ لأنه لا معنى لترجيح زيادة الإيمان إلا ترجيح القول بها، ويكون ذلك بسبب زيادة طاعة الإنسان، فالباء سببية، و "ما" مصدرية، والطاعة فعل المأمور به واجتناب المنهي عنه"أهـ.

وأعتقد أن أفضل تشبيه ممكن للإيمان هو بالشجرة، فكما أن الشجرة جذع وأفرع، فالإيمان إقرار وأعمال، فكأن الجذع هو الإقرار، وكأن كل فرع بمثابة عمل، وحتى لو قُطِعت كل فروع الشجرة، فالشجرة لا تزول إلا بقطع جذعها، وكذا الإيمان لا يزول إلا بزوال أصله وهو الإقرار بالشهادتين، حتى لو لم يعمل صاحبه أي عمل. كما قد تكون شجرة جذعها قوي وأفرعها قليلة، وشجرة كثيرة الفروع وجذعها ضعيف، وهي شجرة المُرائي غير المخلص؛ لذا رُوي عن ساداتنا العُرفاء بالله قول بعضهم: "إن الله يقبل قليل عمل مع الإخلاص، ولا يقبل كثير عمل من غير إخلاص". ولعل تشبيهي هذا يُفسر أن يقع شخص كان كثير الصلاة والصوم وقراءة القرآن فريسة الإلحاد، بينما لا يتطرق حتى الشك لنفس شخص تارك العمل، لأن جذع إيمان هذا الثاني قوي حتى لو عدم الفروع.

ومن الفوائد في هذا الباب ما رواه السُبكي في طبقات الشافعية (ج4، ص259) "تكلم الأستاذ الإسفرايني في كتاب "الحلي في أصول الدين" على قول الشافعي رضي الله عنه الإيمان لا يشركه الشرك والشرك يشركه الشرك، بما حاصله أن الإيمان لو قارنه اعتقاد قدم العالم أو نحوه من الكفران ارتفع بجملته، والكفر كالتثليث مثلًا لو قارنه اعتقاد خروج الشيطان على الرحمن ومغالبته كما يقول المجوس لم يرتفع شركه بالنصرانية بل ازداد شركًا بالمجوسية، وأطال في ذلك. قلت –أي السُبكي-: فيؤخذ منه أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن الكفر يزيد وينقص فتأمل ذلك"أهـ.

وهنا يلزمني توضيح فروق هامة بين المنظور السلفي والمنظور الأشعري حول ركنية العمل: المنظور الأشعري قائم على أننا نؤمن به سبحانه، ونطيع ما استطعنا، ونقر بذنوبنا، ونستغفر منها، وهو أرحم الراحمين، فنطمع في رحمته، أما المنظور السلفي فيركز على العمل، فيرون أنهم طالما يُطيعون؛ يصلون ويصومون ويحجون، فهم أهل لنيل رحمته سبحانه. ومن هنا، ولتركيز المنظور السلفي على العمل، فقد يصل الأمر إلى تكفير من لا يقوم به، والإنكار على من يقول أن المؤمن تارك العمل إن شاء الله أدخله في رحمته، لأن نظرتهم إلى المسلم الذي لا يلتزم بأداء العبادات أشبه بالنظرة إلى الربوبي.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيأيا حجر الشحر إلى متى

تسنّ الحديد ولم تُقطَعِ؟

لم يكن بإمكان الغزالي آنذاك بعد أن يقول ما سيقوله الجيلاني عن منازلته لأقدار الحق بالحق للحق، لأنه لم يجتز بعد "طريق الانكسار" حتى نهايته. وإذا كانت تقاليد الصوفية اللاحقة قد أفلحت في إبداع مقارنات عديدة لمنازلات شيوخها، فلأنها وجدت فيها الصدى الروحي لما هو موجود وممكن (الفعل والواجب). بمعنى أنها استطاعت أن توّحد في كلّ واحد تجاربها الفردية العديدة في حقيقة المنازلة. لهذا كان بإمكان الجيلاني أن يقول ما لم يقله الغزالي، وأن تنعكس مع ذلك تجربة الثاني في فكرة الأول. غير أن لهذه المقارنة صداها المعنوي في ثقافة الروح الصوفي، لا واقعية المسار الفعلي للغزالي.

فقد كانت مواجهته للتعليمية الباطنية هي التجسيد الحي لمنازلته الواقعية والممكنة. إذ أدرك في مجراها بأنه ليس الحقيقة هي التي تحدد نظام السياسة، بل السياسة هي التي تدجّن الحقيقة. ومن الممكن أن نعثر على صدى هذا الإدراك الخفي في بعض استنتاجاته في (فضائح الباطنية)، القائلة بأن التعين للإمامة وموافقة الخلق هو لطف من الله في اختيار المرء لخلافته. إذ أن اختيار الخلق في الظاهر هو اختيار الله في الباطن. ولا ينبغي فهم هذه العبارة على أنها تبرير للسلطة في ممارساتها، أو شكل من أشكال إضفاء قدسية التيوقراطية الشاملة عليها. على العكس! إنه عبّر بصورة خفية، أو بصورة غير مباشرة، بما في ذلك في مواقفه وأحكامه الأيديولوجية المناهضة للتعليمية الباطنية عن سعي عقلاني إجماعي إسلامي. وقد حفظته هذه العقلانية من التهشّم وأنقذته من السقوط في مرارة اليأس، بما في ذلك في أشد مراحل انحلاله الروحي وأزمته النفسية الأخلاقية.

لقد كان ارتباط شخصية الغزالي وتطورها الفكري بعالم السياسة جلياً، شأن أغلب رجال الفكر العظام. وترك ذلك بصماته أيضاً في عباراته عن "شكر النعمة" و«إقامة رسم الخدمة للخلفاء والأمراء وغيرها. وبهذا المعنى، فإنه لم يشكل استثناء. وإذا كان بالإمكان الحديث هنا عن استثناء خاص به فهو ذاك الذي استثار الخلافة (السلطة) في طلبها منه تأليف كتاب في الرد على الباطنية حيث وجد في اختياره من بين العالمين لمهمة الذبّ عن الخلافة المستظهرية، استثناء مثيراً للإعجاب والتقدير. فهو يشير في (فضائح الباطنية)، باعتباره الوجه الدفاعي عن (فضائل المستظهرية) إلى هذا الاختيار والتقدير باعتباره وحدة واحدة. وإذا كان الغزالي عادة ما سيذكر (فضايح الباطنية) (بالمستظهري) فليس لكونه أراد التنصّل كلياً مما اقترفه عقله ولسانه ضد معارضيه، بقدر ما أنه وضع الأمور، كما يقال، في نصابها، أي وحّد ما هو موّحد في عباراته: الذب عن المستظهرية من خلال التشهير بفضائح الباطنية التعليمية. فهو يشير في مقدمة كتابه إلى أنه شخصياً كان يرغب في تأليف كتاب في (علوم الدين)  يرد به "شكر النعمة" للخليفة. وإذا كان طلب الخليفة قد استجاب لما في خلجات نفسه، فإن هذا التناغم قد التأم في نسيج التقاليد الكلامية الفِرَقية. بمعنى أنه تضمن في ذاته كل فضائل ورذائل الثقافة الإسلامية الجدلية. فالاستعداد النفسي لتأليف كتاب في "علم الدين" من أجل حظوة الملوك ضد معارضيها، كان في الواقع النتيجة الحتمية لاحتراق الكلمة الجدلية وضمور الروح الأخلاقي، أي كل ما سيهاجمه لاحقاً بقوة نادراً ما نعثر على مثيل لها في الفكر الإسلامي، وبالأخص ما يتعلق منه بالكشف عما أسماه، متتبعاً أثر أبو طالب المكي، بعبارة "علماء السوء". وقد قصد الغزالي بممارسة هؤلاء العلماء أيضاً تجربته الشخصية، أو على الأقل، أنها تتلألأ بين عباراته وانتقاداته اللاذعة في (إحياء علوم الدين) كرنين حاد لأصواته المقموعة في (المستظهري) وغيره من المؤلفات. ومن الممكن العثور على ذلك بجلاء في تلك العبارات العديدة التي ينتقد بها أولئك الذين يسمون سعيهم للجاه والمال في خدمة السلطان، على أنه دفاع عن الدين. حقيقة إنه لم يبتذل ممارسته هذه إلى الدرجة التي يسقط بها إلى حضيض الاحتراف الأيديولوجي الرخيص. لقد كانت خدمته للسلطان هي بمعنى ما أيضاً نتاجاً لعدم حسمه الفكري والشخصي لعلاقة السياسة بالأخلاق، والأخلاق بالحقيقة (العقلية).

فهو يظهر في (المستظهري) كمدّاح للسلطة. حيث ينظر إلى "الأوامر الشريفة النبوية المستظهرية" الموجهة إليه نظرته إلى خادمها. وبهذا يكون تسطيره في الدفاع عن الخلافة هو استجابة لطلب مدفوع الأجر مادياً ومعنوياً. وذلك لأن الطلب الموجّه إليه يحدد له أيضاً مهماته الفكرية ويحجّم بالتالي حدود انتقاداته للتعليمية الباطنية ضمن ما أسماه الطلب بالكشف "عن بدعهم وضلالهم ومكرهم، وإبراز فضايحهم بما ينص إلى هتك أستارهم وكشف أعوارهم"1 ، أي مهمة تنفيذ متطلبات الأيديولوجية السلطوية في أكثر صيغها تحزّباً ودعائية. إلا أن "الفضائح" الباطنية التي ركز الغزالي اهتمامه عليها لم تطمس عقلانيته النقدية. على العكس! إنها، إن أمكن القول، ساهمت في تعميق منظومة التفكير العقلاني. وفي هذا كمن أحد الأسباب الرئيسية في إثارة اصطدام روحه المعرفي والأخلاقي. وليس من المستغرب هنا افتراض فاعلية هذا الاصطدام الداخلي في أعماقه، إذا أخذنا بنظر الاعتبار واقع ابتداء أزمته الروحية، التي أدت به إلى التصوف بعد أشهر قليلة من تأليف هذا الكتاب.

لقد تضمن (فضائح الباطنية) في أعماقه بذور الوعي العقلاني الأيديولوجي والأخلاقي السياسي المتصادم والمعترك، بفعل عدم خضوعه الكلي للحقيقة، وبفعل خضوعه الجزئي للسلطة. فقد شكل هذا التناقض أحد مصادر قلقه الروحي. بل يمكن القول بأن انتقاده للتعليمية الباطنية قد أسدى له خدمة سموه الروحي. وضمن هذا السياق يمكن القول، بأن  مصير الافراد هو بمعنى ما الحصيلة الواقعية لانكسارات حياتهم الفعلية. غير أن ما هو جوهري في حياة ومصير أهل العلم الكبار هو أن هذه التلقائية الوجودية لا تفرضها عشوائية الاجتماع و"فوضى" قوانينه بما في ذلك في أكثر أشكالها وأنماطها تطورا. وتصبح هذه الحقيقة أكثر اقناعا للصوفي بسبب ربطه فكرة المصير بالأزل. فالأزل بالنسبة له ليس نقطة البداية وذلك لأن الأول بالنسبة له هو الآخر. والعكس هو الصحيح. فالأزل بالنسبة له ليس زمنا ساريا بحد ذاته بل هو مسار الحال (الصوفي). فالحال هو الكينونة الوحيدة التي تكشف في ثناياها تذوق حقائق الوجود. آنذاك يفقد الصراع طابعه المفترس. الأمر الذي حدد موقف الصوفية من السلطة والقوة، باعتبارهما أوهاما وأشباحا عابرة لا معنى ولا قيمة لها بمعايير السمو الأخلاقي والروحي. إن هذا الإدراك العميق المبني على رؤية العالم ووحدته ضمن منظومة أخلاقية متكاملة، لم يكن معزولا عن تجارب المتصوفة، وبالأخص تجارب أولئك الذين تحسسوا ذلك بكامل وجودهم، كما كان الحال بالنسبة للغزالي. فقد أوحت هذه التجربة في تذوقها الصوفي للفكرة التي لم يعلنها الغزالي والتي يمكن رؤيتها في مجمل مبادئ منظومته الأخلاقية عن أن الحقيقة ينبغي أن تزيح جانبا تخويل نفسها مسئولية تطبيقها العملي، دون أن يعني ذك في الوقت نفسه رفع شعار الخمول العملي في عالم المتناقضات.

فقد جذبته "فضائح" الباطنية كضالة كان ينشدها، وبغية كان يقصدها، وكيف لا يتسارع إليها، كما يقول هو عن نفسه في مقدمة كتابه، وهو يرى الامتثال والطاعة موجبة مازال الأمر من زعيم الأمة وخليفة الله؟ وقد أقنع نفسه آنذاك بأن ما يقوم به هو ذبّ عن الدين والحق المبين. وإذا كان الغزالي هو المختار بين العالمين، فالإذعان في حقه، كما يقول عن فعله، هو من فروض الأعيان. لقد حشر نفسه في مزالق الوهم الأيديولوجي، ولكن دون أن يفقده ذلك عقلانيته النقدية.

فالتوجه الأيديولوجي لم يقض على عقلانيته، بينما الأخيرة فسحت على الدوام مجالاً لتلألؤ الأنوار الخفية للأخلاق. إذ يمكن القول بأن الغزالي ظل عقلانياً حتى في تلك اللحظات التي كان يتنازل فيها جزئياً، بفعل متطلبات الصراع الايديولوجي (المذهبي الكلامي)، عن وحدة العناصر العقلانية المتجانسة. وهذا ما يبرز بوضوح في تنوع الاحتمالات التي تتضمنها عباراته ومقولاته المؤدلجة، بما في ذلك من حيث إمكانية استعمالها ضده. فعندما يرد على آراء وتأويلات الباطنية التعليمية وبالأخص ما يتعلق منه بصيغة الحروفية والعددية، فإنه يؤكد على إمكانية استعمال الأرقام الأولية من الواحد إلى العشرة بالطريقة المخالفة لاستنتاجات التعليمية الباطنية. بمعنى أننا إذا رأينا شيئاً واحداً، فإننا نستطيع أن نستدل به على عمر بن الخطاب واثنين على محمد وأبي بكر، وثلاثة على محمد وأبي بكر وعمر. وإذا وجدنا سبعة نستدل بها على سبعة خلفاء من بني أمية مبالغة في إرغامهم، كما يقول الغزالي، وإجلالاً لبني العباس عن المعارضة بهم. ويمكننا القول بأن عدد السموات السبع والنجوم السيارة وأيام الأسبوع تدل على معاوية ويزيد ومروان وعبد الملك والوليد وعمر بن عبد العزيز وهشام ثم السفياني المنتظر2 . وينطبق هذا بالقدر ذاته على كافة آراءه ومواقفه وانتقاداته ذات المنحى الأيديولوجي.

فمن المعروف الدور الذي لعبه تأويل الحروف والأعداد في تاريخ الفلسفة بشكل عام والباطنيات بشكل خاص. فقد ربطت التيارات الباطنية في تأويلاتها الحروف والأعداد. وأرست على هذا التأويل الكثير من مفاهيمها وأحكامها وتصوراتها بل وفلسفتها النظرية والعملية. ولم تخل مساعيها هنا من افتعال كبير احيانا. اذ تمتلك الأرقام أربعة وسبعة، على سبيل المثال، أهمية عقائدية بفعل تطابق الرقم أربعة مع فكرتها عن (السابق والتالي والناطق والأساس) حيث وجدت فيه التعليمة الباطنية التعبير العاكس لشموله المطلق الذي يلف الكون ومظاهر الطبيعة. فالطبائع أربعة (الماء والهواء والتراب والنار) ويقابله في الإنسان (البلغم والدم والصفراء والسوداء) والأمزجة الأربعة (الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة). كما يتوافق مع الجهات الأربع للعالم (شمال وجنوب وشرق وغرب) وفصوله (ربيع وصيف وخريف وشتاء). أما في مجال تأويل الحروف والعدد فقدموا مثال ذلك على تأويل (لا إله إلا الله) على أنها أربع كلمات تدل على في العالم الروحاني على (السابق والتالي= النفس والطبيعة) و(الناطق والأساس= النبي والإمام) ويقابلها في العالم الجسماني الطبائع الأربع وهي ذاتها أيضا سبع (لا إ له إ لا ا لله) الذي يتوافق مع دورات الائمة السبعة والأفلاك السبعة. ومن الممكن الاستفاضة هنا بأمثلة عديدة تجري كلها ضمن نفس السياق. بمعنى ان ما يتغير فيها هو مجال التطبيق والاستعمال. غير إن ذلك لا ينبغي أو يلزم النظر إلى أن مضمون وحقيقة الفلسفة الإسماعيلية ترجع إلى هذا المستوى والنمط في التفكير والتأسيس. أنها مجرد مظاهر للتمثيل وليس حقيقة ومضمون الفلسفة الباطنية والإسماعيلية بشكل خاص. وقد قدم الغزالي هذه الامثلة واستفاض في نقدها من أجل الكشف عما اسماه بفقدان العقل والغلو المذهبي. (يتبع....) 

 

ميثم الجنابي

......................

1- الغزالي: فضائح الباطنية، ص2.

2- الغزالي: فضائح الباطنية، ص26.

 

ميثم الجنابي"عند الشدائد تذهب الاحقاد" 

إن سوء الفهم السائد تجاه مضمون نقد الغزالي للفلاسفة المسلمين ينبع أساسا من تأثير تقاليد وشحنة الصراع الثقافي العقائدي، التي تولدت في مجرى احتكاك الكلام بالفلسفة، والفلسفة بالكلام. فإذا كانت الفلسفة قد اتخذت في تقاليد الكلام ووعيه الخاص هيئة "العلم الدخيل"، فإن ذلك لم يمنع النظر إليها باعتبارها من "علوم الأوائل". مما فسح المجال أمام قبولها "الثقافي" باعتبارها جزءا من الحكمة. وقد تضمن ذلك في الوقت نفسه إمكانية الصدام والاحتدام بسبب تراكم التقاليد الفكرية للكلام والعقائد بمعايير التجارب الثقافية الخاصة. وهذه بدورها من إبداع الإنسان وأحكامه الوضعية. بينما جرى وعي الإسلام وإدراكه على أنه من "ملكوت الرحمة". وبالتالي إلزامه عالم الإنسان الروحي ومساعيه المادية وأحكامه الفقهية بشكل كان يلوي كل ما في العالم بالطريقة التي ينبغي أن ينسجم فيها مع وحدانية الإسلام. إن هذا الاصطدام الذي مّهد له تاريخ طويل من صراع العناصر الثقافية والعقائدية هو الذي اعطى (لتهافت الفلاسفة) إمكانية تحوله إلى "حجة" الدفاع عن الإسلام في صراعه ضد "الزندقة" الفلسفية. أما في الواقع فإن "حجة" (تهافت الفلاسفة) هي من انتاج العوارض العقائدية وغلوّها التقييمي، الذي عادة ما تثيره شهية التبديع والتكفير. بينما كان مضمون (تهافت الفلاسفة) فلسفيا عقليا وبالأخص ما يتعلق منه بتمارين الجدل وحيوية برهان الخلف، الذي وجد طريقه الخاص إلى خلخلة اليقين الإيماني وفكرة اليقين التقليدية نفسها مع ما لازمها من أثر على أزمته الفكرية والروحية. 

وهذا ما يمكننا العثور عليه أيضاً في غياب الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث والأخبار. وفي حالة استعمالها فإنها لا تتعدى كونها وصفاً بلاغياً لا دليلاً برهانياً ولا حجة كلامية[1]. فهو يستند في انتقاده "السلبي" إلى كل التقاليد الجدلية التي أبدعها تاريخ الكلام وتقاليد النقد الإسلامي من الهجاء والتهكم حتى السفسطة العقلية. ومن الممكن رؤية تأثره بأسلوب الباقلاني. ولهذا يمكن فهم الأسباب القائمة وراء استعماله في (تهافت الفلاسفة) آراء المعتزلة والكرامية والواقفية رغم معارضته ونفيه الكثير من آرائهم[2]، أي إمكانية استعمال مختلف آراء وأحكام واستفسارات واعتراضات المدارس الفكرية واتجاهاتها دون التزامه بها أو القناعة بمضمونها، بل بوصفها الخميرة الجدلية للشك. فهو يسير هنا في نفس تقاليد الجدل الكلامي وأساليبه النقدية. غير أنه يتجنب الوقوع في اوحالها الأيديولوجية. فهو يؤكد على أن مهمته لا تقوم في تصنيف وتصفيف الآراء المناهضة للفلاسفة في الأوساط الفكرية السائدة من متكلمين وفقهاء وغيرهم، ولا حتى في الاستناد إلى مذهب معين من مذاهب الفرق الكلامية، أي أنه يستغلها جميعها انطلاقاً من شعار "عند الشدائد تذهب الأحقاد". ولا ينبغي فهم هذا الشعار بمعزل عن فهمه لوظيفة الكلام. حقيقة إن هذا الفهم الأولي مازال مندمجاً في مساعيه النقدية وذلك لأن فهمه لوظيفة الكلام باعتباره علم الدفاع عن عقيدة العوام هو من نتاج المرحلة الصوفية. إلا أن بذوره الأولى قد تجمعت في مجرى انتقاده للفلسفة. فانتقاده إياها كان يحتوي على إمكانية تثوير الكلام وتقاليده المستتبة من جهة، ووضعها أمام المحك النظري الأصعب للبرهنة على صلاحيته من جهة أخرى. إذ لا يعني استعماله لمختلف آراء الكلام وفرقه مع عدم القناعة الشخصية بها سوى سريان أحد العناصر الجوهرية التي ساهمت في اكتشافه لاحقاً خطأ وخطيئة الجدل الكلامي وضعف حججه. وبالتالي أشارت إلى ما فيه من حوافز "إفحام الخصم" و"مكر النفس" التي سيدينها.

غير أن ما اتخذ في وعي الغزالي الصوفي هيئة المكر والإفحام، اتخذ في المسار التاريخي الفعلي لتطوره الشخصي صيغة الجدل العقائدي العقلي، أي كل ما ساهم في إمكانية تطوره الداخلي وحركة مفاهيمه الفكرية. إذ حتى في تلك المرحلة التي يظهر في منظومته مفهوم وممارسة العوام والخواص، وإدراجه (تهافت الفلاسفة) في صنف علوم العوام، فإن ذلك ينبغي أن يفهم على أساس صيرورة أسلوبه النقدي وخصوصية وعي الذات النقدي الصوفي، لا على أساس حقيقة (تهافت الفلاسفة) في تكونه الفكري والحقائق بحد ذاتها. إذ ليس "العام" هنا سوى الدفاع عن وحدة العقيدة بالصيغة التي لا ينبغي أن تؤدي إلى تعارض ظاهري بينها وبين مقومات الشرع. من هنا، فإن الآراء التي تحاول تصوير مؤلفاته السابقة بما في ذلك (تهافت الفلاسفة) على أنها لا تعكس حقيقة أفكاره أو أفكاره الحقيقية، لا تمتلك أي معنى من وجهة النظر التاريخية والفكرية لتطوره الذاتي. إذ أن ذلك يفترض وجود مرحلة لا وجود حقيقي لها في حياته! والغزالي نفسه سيؤكد في (الإملاء) على أنه لا خاصة بدون عامة. وإذا كانت هذه حقيقة في ميدان العلاقات الاجتماعية، فإنها أكثر صحة ودقة في عالم الفكر. فالأخير هو التجلي "الخالص" لهذه العلاقة. وهو لا يعبّر عن تناقض مستعص على الحل، بقدر ما أنه يعكس مستويات متباينة للحقيقة، كما هو الحال، على سبيل المثال، بالنسبة لانعدام التناقض بين معطيات الحساب البسيط والرياضيات المعقدة. والغزالي في تطوره حتى مرحلة (تهافت الفلاسفة) لم يخفِ آراءه الخاصة. كما لم يتكلم عن آراء لا يمكن البوح بها. بل حتى العبارات التي سيكررها في وقت لاحق في كل من (الإحياء) و(جواهر القرآن) و(الإملاء) و(مشكاة النبوة) وغيرها لا تعني وجود منظومة من الأفكار السرية الخالصة أو التي لا يمكن صياغتها نظرياً، بقدر ما أنه يقصد بها بعض الأفكار أو بصورة أدق بعض الحلول التي أرهقت الوعي العقلاني الإسلامي آنذاك، وبالأخص ما يتعلق منها بالقضايا والمعضلات "الخالدة". فقد كان الغزالي حتى هذه المرحلة أسير حرية الفكر العقلاني وزهو الإعجاب المفرط بالجدل وإمكاناته. فهو يبدو كلاعب الشطرنج في تعامله مع أحجاره بحرية هو أسير لها. والغزالي لم يخرج عن إطار لعبة القدر الفكرية هذه. وبالتالي، فإن (تهافت الفلاسفة) لم يكن طارئاً أو إبداعاً موهوماً أو عارضاً عن حقيقة آرائه، بقدر ما أنه كان درجة في تطورها. لقد وضعه "تهافت" الفلاسفة أمام تهافت علم الكلام وتراثه العقلاني، أي أنه أخذ يدرك المحدودية المعرفية لعلم الكلام. وسواء أشار إلى هذه المحدودية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإن مما لاشك فيه هو انعكاسها في أسلوب ومنهج انتقاده السلبي للفلسفة. أما إيجابية هذا الأسلوب، فإنها ظهرت كقوة مغتربة ومتشيئة في الوظيفة الخارجية لعلم الكلام، باعتباره حارس عقيدة العوام وإيمانهم.  مما أعطى لانتقاد الفلسفة في آرائه قيمة الحافز العقلاني الجديد لإعادة النظر في تراثه الفكري.إذ أفرز ذلك أهمية الآراء والمناهج الفلسفية بالنسبة له، مما سيجعله في وقت لاحق يعيد النظر بكل قضايا العقيدة الإيمانية ومعضلات الفكر الاجتماعي والسياسي والأخلاقي على أسس "الإيجابية"، التي لم يكن بالإمكان تصورها خارج إطار تراثه السلبي،  أي حصيلة وظيفية الكلام ومنهجية الفلسفة.

فالفكرة الحيادية الأولى، أو بصورة أدق التقييم الإيجابي الأولي لعلوم الفلاسفة، الذي صاغه للمرة الأولى في (مقاصد الفلاسفة) ظل كما هو، أو على الأقل ظل محتفظاً بصيغته العامة في كافة مؤلفاته وأعماله اللاحقة. إذ نرى ذلك في تأكيده على أهمية وضرورية الرياضيات والمنطق والطبيعيات، إضافة إلى تقيمه الرفيع للكثير من آراء الفلاسفة في الاجتماع والسياسة والأخلاق، أي في كل ما هو جوهري في الفلسفة السائدة آنذاك. ففي (مقاصد الفلاسفة) أشار إلى ضرورة وأهمية المنطق والرياضيات[3]. وفي (تهافت الفلاسفة) ركّز على أهمية الرياضيات والمنطق معتبراً محاولات إنكار ضرورتهما أو التقليل من أهميتهما عمل لا معنى له، بل ومناف لحقيقة الدين (الإسلام). وذلك لأن المنطق هو "النظر في آلة الفكر في المعقولات"[4]. وفي (معيار العلم) حاول أن يجعل من المنطق الأداة الضرورية للفقه من خلال التركيز على فكرة استحالة بلوغ الحقيقة دون المنطق. وذلك لأن العلوم النظرية، كما يقول الغزالي، لا توجد عند الإنسان بالفطرة والغريزة. وبالتالي فإن طرق الوصول إلى الحقيقة غير مأمونة "إذ لا كل ظان الوصول إلى شاكلة الصواب آمن من الانخداع بلامع السراب"[5]. ومن هنا سعيه للبرهنة على أن لا قوة للفكر دون المنطق. فالأخير يتخذ بنظره هيئة ميزان البحث والابتكار ومصقل الذهن وشحذ قوة العقل والنقل. فهو بالنسبة لأدلة العقول كالعروض بالنسبة للشعر والنحو بالإضافة إلى الإعراب[6]. أما في (الإحياء) فإنه يورد ذكر الفلاسفة ثلاث مرات، اثنتان بصورة عابرة ومرة بعبارات محددة حال كلامه عن علوم الفلسفة كالهندسة والحساب باعتبارهما من العلوم المباحة والضرورية. وكذلك الحال بالنسبة للمنطق، أي البحث عن وجه الدليل وشروطه، والذي أدخله إلى جانب الإلهيات في علم الكلام، أو البحث عن ذات الله وصفاته. فالفلسفة كما يؤكد الغزالي لم تختلف عن علم الكلام بصدد الإلهيات، بمعنى أنه ليس لها علم خاص أو نمط خاص بالإلهيات، بقدر ما أنها انفردت" بمذاهب عديدة بعضها كفر وبعضها بدعة".

فقد تكلم الغزالي عن تشابه الفلسفة والكلام في قضايا الإلهيات للمرة الاولى في (الإحياء). ومع ذلك يمكن العثور على أجنة هذه الفكرة في (معيار العلم في فن المنطق). إلا أن صياغتها في (الإحياء) تعكس تبلورها الدقيق والعميق من خلال مرورها بتجربته الصوفية وتوليفها الفكري الجديد. وسوف يكرر هذه الفكرة بصيغ عديدة في مؤلفاته الأخرى بما في ذلك في (المستصفى من علم الأصول)، باعتباره آخر كتبه وأكبرها حجما وقيمة. إلا أن تقييمه المتعلق بتشابه علم الكلام والفلسفة في الإلهيات كان نتاجا لنقده الكلامي للفلسفة والفلاسفة بصدد قضايا الإلهيات نفسها. بمعنى توصله إلى قناعة خلوهما من المنطق في الإلهيات. لهذا شدد على انه ليس هناك علم خاص بالإلهيات في الفلسفة، بقدر ما انها مذاهب عديدة موزعة بين الكفر والبدعة. وعند هذا الحد يفترق الكلام والفلسفة بفعل الخصائص الجوهرية المميزة لكل منهما. فإذا كان انتقاد الفلسفة قد أوصله أيضا إلى إدراك الوظيفة الأيديولوجية للكلام، فإن انعكاس ذلك في موقفه من الفلسفة قد جرى من خلال إبراز تباين مذاهب الفلسفة في الإلهيات. أما التشديد على هذا الجانب فيعكس إدراكه المبكر لخلوها من وظيفة الدفاع عن عقيدة العوام. بمعنى أن في علومها الأخرى امكانية كشف الحقائق كما هي. وهو أمر جلي في موقفه وتقييمه للطبيعيات. فبعضها، كما يقول الغزالي، مخالف للشرع والدين الحق، والبعض الآخر ما يبحث في صفات الأجسام وخواصها واستحالتها وتغيرها مما لا يتعارض مع الدين الحق[7].

ولم يقصد الغزالي بمخالفة بعض الطبيعيات للدين والشرع على أن هناك خلاف لازم بينهما. فهو لم يقصد بالطبيعيات هنا سوى ما يتطابق في مضمونه مع الجهل، أي كل ما له صلة بترهل المعرفة وشططها كما هو الحال بالنسبة لعلم الفلك وتدخله بقضايا القضاء والقدر، والكيمياء بالسحر والشعوذة أي كل ما يتعامل بهذا القدر أو ذاك مع "طلاسم" الحياة وشعوذتها "الثقافية". وبهذا المعنى كانت آراء الغزالي أكثر تجانسا في علميتها. فهو من بين المفكرين المسلمين الكبار، الذين اعتبروا محاربة العلم "أفضل الوسائل لمحاربة الدين". ووضع لهذه الفكرة أساسها الفلسفي القائل، بأن معطيات العلوم الطبيعية مستقلة عن قضايا العقائد، وأن فائدتها تقوم أولا وقبل كل شيء في خدمة الإنسان وأغراضه الحياتية.  

 ولا يتنافى ما في (المنقذ من الضلال) مع آراءه ومواقفه وأحكامه السابقة باستثناء طابعها التقييمي العام، الذي يعبّر في الكثير من حوافزه ومظاهره عن إدراكه الجديد لتجربته السابقة. فالغزالي الذي قيّم المنطق عالياً حاول أن يكشف في الوقت نفسه عن عدم تجانس الفلاسفة في استعماله، أي أن انتقاده للفلاسفة لم يكن موجهاً ضد حقائق الفكر الفلسفي، بقدر ما أنه تطرق إلى ما دعاه بتهافتهم، أي عدم تمسكهم المتجانس بما وضعوه في بادئ الأمر كمقدمات أولية. فالآراء الفلسفية من حيث جوهرها مبنية، كما يقول الغزالي، على "الظن والتخمين من غير تحقيق ويقين"[8]. فالإدعاء الذي يقدمه الفلاسفة عن استنادهم إلى المنطق والرياضيات غير صحيح. وإلا فبأي شكل يمكن تفسير اختلافاتهم في الآراء والأحكام والنتائج، كما لم يختلفوا في الأمور الحسابية[9]. ومن هذا المنطلق حاول تطبيق اعتراضاته الجدلية على آراء الفلاسفة بصدد القضايا العقائدية الكبرى.

فقد نظر إلى تباين آراء الفلاسفة وكثرة خلافاتهم على أنه المثال الملموس لغياب التمسك الصارم بالمنطق. وبما أنه كان يدرك الصعوبات العقلية في العلوم النظرية فإنه حاول أن يكشف في الوقت نفسه عن ضعف قابلية المنطق الشكلي في وضع حلول مقنعة لقضايا الوجود والمعرفة والاجتماع والسياسة والفقه والأخلاق. وقد جعله ذلك يتطرف في بعض أحكامه إلى الدرجة التي اعتبر فيها الآراء الفلسفية وصياغاتها النظرية مجرد "استدراج في الحيل". ولهذا السبب اعتبر ادعاء الفلاسفة عن ضرورة الرياضيات والمنطق للفلسفة على أنه مجرد خداع. فالفلسفة بحاجة إلى الرياضيات احتياج الطب أو النحو لها، أو كاحتياج الحساب للطب. فالإدعاء الفلسفي حول الحاجة الماسة للفلسفة بالعلوم  المذكورة  هو كمن يدّعي بأنه لا يمكن معرفة "كون هذه البصلة حادثة ما لم يعرف عدد طبقاتها، ولا يعرف كون هذه الرمانة حادثة ما لم يعرف عدد حباتها"[10].

فهو لم يسعَ هنا فقط لانتزاع احتكار الفلسفة والفلاسفة للمعارف باعتبارها "أم العلوم"، بل وإثبات تهافتها المنطقي من خلال الكشف عن عدم تمسكها المتجانس بمتطلبات المنطق وقواعده. لهذا انتقد بشدة استعمالات الفلاسفة المنطقية، التي حاولوا من خلالها بناء صروحهم المعرفية والوجودية. بينما لم يجد في هذه البنى سوى فرضيات هي أقرب إلى الخيال والوهم من الحقائق، أي معارضتها للوقائع والحقائق كما هي.

والغزالي محق ومصيب عند الحدود التي حاول أن يكشف فيها عن محدودية المعرفة العقلية. بمعنى إدراكه بأن الأحكام العقلية تظل حتى في أقصى حالاتها ودرجاتها المتجانسة أسيرة منطقها الخاص. وبالتالي، فإن استنتاجاتها النهائية تبقى مجرد فرضيات تضفي تصوراتها الخاصة على الواقع. لكن ذلك لا يعني أن الغزالي قد وضع فكرة "الشيء بذاته"، رغم وجود بعض عناصرها في جدله "السلبي" واستنتاجاته عن محدودية المنطق العقلي الفلسفي وعجزه عن تقديم ما يمكنه تجاوز افتراضاته "الوهمية" عن الوجود وغاياته. وسوف تظهر هذه العناصر في وقت لاحق ولكن في اطارها "الإيجابي" ضمن نظريته الأخلاقية. الأمر الذي يكشف بدوره عن أهمية التمادي المتطرف والنقد العقلي للفلسفة في استثارة المساعي الأخلاقية، بوصفه أيضا أسلوب نفي القواعد الشكلية الميتة للمنطق وأحكامه. 

ففي معرض انتقاده ورده على فكرة الفلاسفة عن أبدية العالم والزمان والمكان وبالأخص الفكرة المنسوبة لجالينوس حول أنه لو كانت الشمس مثلاً تقبل الانعدام لظهر منها ذبول في مدة مديدة. وبما أن الارصاد يبرهن على أن مقدارها ظل منذ آلاف السنين كما هو، فإن ذلك يدل على عدم فسادها. بينما حاول الغزالي أن يبرهن استناداً إلى شروط المنطق الشكلي ذاته، عدم دقة  هذا الاستنتاج. فالقضية "الشرطية المتصلة"، أي إن كانت الشمس تفسد فلابد أن يلحقها الذبول، حسب رأي جالينوس، لا تتضمن بنظره برهاناً سليماً، لأنها ذات مقدمة خاطئة. وبالتالي فإن نتيجتها غير لازمة. والقضية (الجملة) يمكن أن تكون أفضل في حالة صياغتها بإضافة شرط آخر وهو "إن كانت تفسد فساداً ذبولياً، فلابد أن تذبل في طول المدة"، أو بصياغة أخرى مثل "لا فساد إلا بطريقة الذبول"، حتى يلزم التالي للمقدم (النتيجة للشرط). وهذا ما لم يوافق عليه الغزالي أيضاً. فالذبول بالنسبة له مجرد أحد وجوه الفساد، وبالتالي فإنه "لا يبعد أن يفسد الشيء وهو على حال كماله"[11]. فهو يصوغ هنا فكرة عميقة تتعدى حدود المنطق الشكلي. ولا يقف عند هذا الحد في جداله الفكري بل ويتقصى مختلف جوانب الظاهرة ومستوياتها، ليس فقط من ناحية المنطق، بل ومن الناحية الواقعية والحسية أيضاً.

 فالإستنتاج القائل بعدم ذبول الشمس وفسادها المبني على معطيات "الحس الساذج" لا يمكن بنظره أن يخدم كبرهان بحد ذاته. فكون الذبول لا يتبين للحس لا يعني انعدامه. إذ لعل الشمس "في الذبول وإلى الآن"[12]. فالحس بنظره "لا يقدر على أن يدرك ذلك لأن تقديره في علم الناظر لا يعرف إلا بالتقريب"[13]. وبالتالي فإن المعرفة الحسية هي معرفة تقريبية قد لا تتطابق مع حقيقة الشيء. وهو يشير إلى أن من الصعب على سبيل المثال رؤية نقصان الذهب أو الياقوتة في غضون مئة سنة ولكنه يحدث. وهذا بدوره يجعله أكثر تدقيقاً في تحديد ضعف الأحكام المنطقية السابقة. بحيث يستنتج بأن من الممكن أن تكون "نسبة ما نقص من الشمس في مدة تاريخ الارصاد كنسبة ما ينقص من الياقوتة في مئة سنة، وذلك لا يظهر للحس"[14].

إن محاولة الغزالي الكشف عن ضعف تجانس الآراء والمواقف والأحكام الفلسفية لم تحشر انتقاداته السلبية في عالم السفسطة، بفعل تلك الحوافز الأولية القائمة وراء حياكة نسيج المنهجية المبنية على معارضة الإشكالات بالإشكالات، أي حوافز الدفاع عن عقائد الإيمان. فانتقاداته لآراء الفلاسفة بصدد القضايا العقائدية الكبرى وبالأخص قضايا حدوث العالم وصفات الصانع (الله) وحشر الأجساد، لم تكن تسعى في محتواها وغاياتها سوى للدفاع عما سيدعوه لاحقاً بعقيدة العوام.

فهو يقف موقف الوسط الذي لا يندفع صوب قناعة الفلاسفة "الظنية" رغم عقلانيتها الظاهرة، ولا صوب القناعة العقائدية (الإيمانية) الساذجة للعوام. فهو لا يهاجم "ما لا يعدم مذهب الفلاسفة فيه أصلاً من أصول الدين". أما الأحكام الدقيقة المتعلقة باكتشافات العلوم فلا تثلب الدين. على العكس! إنها تؤكد صحته! فالأحكام العلمية بصدد الخسوف والكسوف وغيرها بنظره، لا يمكن أن تخص شيئاً من شئون العقيدة. لهذا وجد في مناظرات علماء الدين في محاربة العلم جريمة على الدين وإضعافه[15]. ولهذا السبب أيضاً وقف موقف المعارض الشديد للمحاولات الدينية الساعية لإبطال الحقائق العلمية ومعطياتها الدقيقة (في الحساب والهندسة والطب والفلك وغيرها)، أو محاولة تأويل الآيات والأحاديث بالصيغة التي تفند فيها استنتاجات العلوم الدقيقة والتي "يفرح بها الملاحدة" حسب تعبيره. إذ يسهل عليهم "طريق إبطال الشرع"[16].

لقد أراد من وراء انتقاده لآراء الفلاسفة بصدد مختلف القضايا البرهنة على أن منطقهم لابد وأن يؤدي، في الإلهيات خصوصاً، إلى أخطاء لا تحصى[17]. فالتصورات والأحكام الفلسفية المبنية على الحس لا يمكنها بنظره احتواء حقيقة المطلق. إذ لولا نقصان الآدمي، كما يكتب الغزالي "لما احتاج إلى حواس تحرسه عما يتعرض للتضرر به"[18]. أما المعرفة العقلية فإنها تقف حائرة أمام الله. وليس ذلك بمدهش بحد ذاته من وجهة نظر العقل، كما يقول الغزالي، بل الإعجاب في الأدلة على نفيه. فالعجب "إنما من إعجابهم بأنفسهم وبأدلتهم ومن اعتقادهم أنهم عرفوا هذه الأمور معرفة يقينية مع ما فيها من الخبط والخبال"[19]. فالقضية العقائدية الجوهرية المتعلقة بقدم العالم أو حدوثه شكلت بالنسبة له مقدمة الجدل الإشكالي الواسع، الذي حاول من خلاله إظهار ضعف الأدلة الفلسفية. فهو ينطلق من أنه لا أساس مطلق عند الفلاسفة في رفض الاعتقاد القائل بابتداء العالم من حيث ابتدأ، وأن الوجود قبل ذلك لم يكن مراداً، وأنه في الوقت الذي حدث فيه كان مراداً بفعل الإرادة القديمة (الإلهية). وذلك لأن رفض الفلاسفة إمكانية حدوث العالم بفعل إرادة إلهية قديمة يمكن رده على أساس كثرة القائلين بحدوث العالم، رغم أنه يدرك سذاجة هذا الحكم، انطلاقاً من أن كثرة الأغبياء لا تعني صحة غباواتهم. إلا أن هذا الحكم ينطبق بالقدر ذاته على أصحاب الفكرة المعاكسة. لهذا حاول البحث عن الدليل العقلي الجدلي لمهاجمة فكرة قدم العالم انطلاقاً من أن نفي الفلاسفة حدوث العالم هو مجرد أحكام مبنية على أساس المقارنة النفسية الإنسانية، أي أنهم يماثلون الإرادة الإنسانية بالإرادة الإلهية. فهم يماثلون أو يستبعدون ما هو مشابه لإرادتنا أو ما هو مخالف لها. بينما الاستبعاد لا يمكنه أن يشكل بحد ذاته برهانا. ولا يمكن أن نقارن الإرادة الإلهية بالإرادة الإنسانية. إضافة لذلك، إن قدم العالم بالنسبة للغزالي محال أيضاً، لأنه يفترض ويؤدي إلى إثبات دورات للفلك لا نهاية لأعدادها ولا حصر لآحادها مع أن لها سدساً وربعاً… فهو يحاول استناداً إلى فكرة محدودية حركة الكواكب أن ينظر إلى الحركة ذاتها بوصفها دورة لا غير. ففلك الشمس يدور في سنة واحدة وفلك زحل في ثلاثين سنة والمشتري في اثنتي عشرة سنة. وبالتالي فإن افتراض حركة لانهائية يعني منافاتها للواقع. فاستبعاد حادث عن قديم هو مجرد افتراض ليس له مقوماته العقلية والوجودية. فالاعتراف بحدوث العالم يفرضه "منطق" النظر إلى الحوادث وارتباطاتها. فاستناد الحوادث إلى غير نهاية بنظر الغزالي محال. وهي لابد بالتالي من أن تنتهي في تسلسلها إلى طرف، فيكون هذا الطرف هو القديم[20]. وكل الاعتراضات التي يمكن صياغتها هنا تبقى في محتواها بنظره مجرد تأويلات عقلية ممكنة لا تغير من جوهر الأمر شيئاً. بمعنى أن السؤال الأساسي يظل قائماً وهو إما أن تكون الأشياء قديمة وإما حادثة. وأن "الحركة الدورية الأبدية" التي يقول بها الفلاسفة التي تخلق في مجرى حركتها الحوادث لا تزيل أو تنفي السؤال نفسه، وهو ما إذا كانت هذه الحركة الدورية حادثة أم قديمة؟ فالحركة الدورية بنظره لا يمكنها أن تكون مبدأ الحوادث، وذلك لأن جميع الحوادث بنظره "مخترعة لله أبدا"[21]. فالقديم الحق هو الله وما عداه حادث، أي أن الله مقدم على العالم والزمان، و"أنه كان ولا عالم، ثم كان ومعه عالم"[22]. فالقدم هو انفراده بالوجود. ولا يعني "كان ولا عالَم" سوى وجود ذات الله وعدم ذات العالم فقط. في حين أنه "كان ومعه عالَم" ولا يعني سوى وجود الذاتين فقط. فوجود العالم من حيث وجد وعلى الوصف الذي وجد وفي المكان الذي وجد محدث بالإرادة الإلهية. وليست الإرادة هنا سوى صفة من شأنها تمييز الشيء عن مثله. وبهذا المعنى فإن وجود العالم على ما هو عليه يقع خارج إطار فكرة الإمكان الفلسفية. بمعنى أنه واجب لا ممكن. وبهذا يكون الواجب مستغنياً عن علة[23]. إذ لم يكن وجود العالم "قبل وجوده ممكناً، بل وافق الوجود الإمكان من غير زيادة ولا نقصان" وإن ذلك لا يعني الانتقال من العجز إلى القدرة بالنسبة لله، لأن الوجود لم يكن ممكناً، ولهذا لم يكن مقدوراً. ثم إن امتناع حصول ما ليس بممكن لا يدل على العجز. أما الإجابة عن الكيفية التي تحول بها الامتناع إلى ممكن فإن الغزالي يجيب عليه بإشكالية مقابلة وهي "ولِمَ يستحيل أن يكون ممتنعاً في حال ممكناً في حال آخر؟ وذلك لأن تقدير الإمكانيات التي يطرحها الفلاسفة، لا معنى لها. وذلك لأن الله قديم قادر لا يمتنع عليه الفعل أبداً إن أراده. وليس في هذا القدر ما يوجب إثبات زمان ممتد، إلا أن يضيف الوهم بتلبسه إليه شيئاً آخر"[24].

إن محاولة الغزالي كشف لا يقينية الأحكام الفلسفية بصدد قضايا "الميتافيزيقيا الإلهية" تعكس دون شك مأثرته الكبرى أيضاً رغم توظيفها الأيديولوجي. فقد ساهم في انتزاع القضايا العقائدية المتعلقة بالله وصفاته وقضايا ما بعد الموت من صومعة الأحكام العقلية، باعتبارها قضايا لا يمكن الحكم عليها منطقياً بفعل خروجها عن العقل والمنطق، أي كل ما سيدخله لاحقاً في "طور ما وراء العقل". إلا أن هذه الفكرة  امتصت في صيرورة عناصرها الأولى كل اندفاع النفس الإشكالي المميز لكتاب (تهافت الفلاسفة). إضافة لذلك لم تتأطر هذه الفكرة في منظومة متجانسة لرؤية ماهية العقل وإمكاناته في الحكم على قضايا "الميتافيزيقيا الإلهية". إلا أنها تبلورت في مجرى انتقاده للفلسفة. فالحلول الجازمة للفكر الفلسفي قد استثارت أولاً وقبل كل شيء إشكالية السر القائم وراء القناعة الجازمة، مما أفرز بدوره مشاعر العقلانية في لباسها اللاعقلاني. وليس من الصعب رؤية أثر الكلام وتقاليد العقل والنقل في هذا المضمار. غير أن ذلك يفسر حوافز استمرارية الجدل لا مضمونه. حقيقة إن ذلك لا يعني بأن ما اعترض به على الفلاسفة هنا هو من ابتكاره الخاص. إلا أن تنظيمه للجدل ومنطقة الحجج بروح الإشكالية الفلسفية قد أدى في نهايته إلى نتائج مزدوجة في كل من مساره الفكري العقلي والروحي الأخلاقي.

إذ لا يعني خروج القضايا العقدية الكبرى عن العقل والمنطق لاعقلانيتها، أو عجز العقل عن أن يدلي بآرائه فيها، بما يمكنه أن يشكل الصيغة المناسبة لما أبدعته تقاليد الإسلام عن وحدة المعقول والمنقول. وإن هذه التقاليد يمكنها أن تقتنع بحد "الكفاية" أو ترفعه إلى مصاف "فرض العين"، بينما تبقى كل الإشكاليات "المتهرمنة" في وحدة المعقول والمنقول مثار الجدل غير المتناهي أمام العقل الباحث والشكاك. وعندما تناول آراء الفلاسفة، فإنه كان يدرك دون شك أصولها "الثقافية" غير الإسلامية. ولهذا تعامل معها في الإطار الذي فرضته عليه خلفيته الذهنية والثقافية.  ومكوناتها العقلية والنقلية. لهذا، كان لابد للجدل الإشكالي أن يتخذ تلك الصيغة التي لا يمكن معها الاقتناع بقيم ما جازمة دون أن يضعها أمام فرضيات أخرى مقابلة. غير أن ما أثار الغزالي في (تهافت الفلاسفة) ليس مكونات العقل المجرد وبراهينه، بل نموذج تجليه الفلسفي ومن زاوية الدفاع عن أصول الدين (الإسلامي). لهذا أكد في معرض انتقاده للفلاسفة على أن العقل لا يحيل أفكاراً يحيلها الفلاسفة مثل نهاية المستقبل[25]. وأن استحالة وجود الله أو القول بالمبدأ الأول وأنه عالم مريد قادر يفعل ما يشاء وأمثالها لا تعرف بالضرورة بالعقل ولا نظره[26]. أو ما يقابلها من أفكار الفلاسفة مثل كون السماء شبيهة بالحيوان، بمعنى أنها مما لا ينكر إمكانه ولا يدعي استحالته. غير أن الفلاسفة بنظر الغزالي تعجز عن "معرفة ذلك بدليل العقل"[27]. وهو لم يسعَ من وراء ذلك إلى التقليل أو الانتقاص من شأن العقل، بقدر ما أنه انتقد صيغته التأملية السائدة آنذاك، أو ما دعاه باستنتاجات "التحكم المحض الذي لا مستند له"[28].

إن الصراع الفكري مع الفلاسفة ساهم في بلورة كل تلك العناصر العقلية والشكوك، التي ستشق لنفسها الطريق في أزمته اللاحقة ووعي خروجه منها. فهو لم يرفض ولم يؤيد أسلوب "التحكم المحض" أو الأحكام العقلية بالطريقة التي بلورتها التقاليد الكلامية والفلسفية. فإذا كان علم الكلام قد وقف عند حدود التقليد واجترار حقائقه وأوهامه فإن الفلسفة كانت تفسح المجال الدائم أمام تثليم الإيمان دون أن تعطي بديل اليقين والأمان. والغزالي محق بالقدر الذي مثل فيه نزعة الانتقاد العقلية في بحثها عن الصيغة الأكثر تجانساً في الدليل والبرهان، أي أنه كشف عن عدم تجانس النظريات الفلسفية بغض النظر عن مبادئها الاولية وغاياتها النهائية. وبهذا المعنى فإن انتقاده لها قد جرّد الطريق أمام إمكانية إبداع منظومة أكثر تجانساً في أفكارها وأسسها المكونة حول قضايا العقائد الكبرى والوجود والأخلاق، بحيث تربط في كل واحد ما لم يكن بإمكان الفلاسفة والمتكلمين فعله آنذاك. إلا أن هذا الفعل لم يكن إرادياً أو غائياً، بقدر ما أنه كان النتيجة الملازمة لتجربته الفكرية، بما في ذلك في طبيعة وآثار تعامله مع الفلسفة.

فقد كلفه انتقاد الفلسفة والفلاسفة ثمن الشكوك العقلية التي جعلته يعاني في وقت لاحق من إرهاصات "السفسطة" الحياتية. لكنه صنع في الوقت نفسه مقدمات أسلوب نقد الذات "الفلسفي" (النظري والعملي). فالموقف من الفلسفة وانتقاد قواعدها ومنطلقاتها، أسسها وبراهينها، بداياتها وغاياتها، تضمن في ذاته إرهاصات الرفض الأشد لعلم الكلام نفسه. اما ظهور هذه المعالم في وقت لاحق، فانه يؤكد فرضية صيرورتها المقلقة الأولى وليس نهايتها المحتومة. فعندما أعاد الغزالي النظر بتجربته الفكرية، فإن الفلسفة اتخذت عنده هيئة أخرى تستند في مكوناتها إلى إشكالية (تهافت الفلاسفة) وروحية (الإحياء)، أي كل ما يكشف عن القوة الفاعلة لتقاليد الفكر الفلسفي وأثره على بلورة تهافت العقائدية المرنة بين إشكاليات الشك واليقين ومن ثم انتقاله إلى عالم التصوف.

***

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص148، 178، 289، 290، 307.

[2] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص129-130.

[3] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص3-4.

[4] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص87.

[5] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص26.

[6] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص17.

[7] الغزالي: احياء علوم الدين، ج1، ص22.

[8] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص76.

[9] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص77.

[10] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص84-85.

[11] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص126.

[12] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص126-127.

[13] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص127.

[14] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص127.

[15] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص81.

[16] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص81.

[17] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص202.

[18] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص202.

[19] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص205.

[20] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص107.

[21] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص109.

[22] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص110.

[23] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص117.

[24] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص117.

[25] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص124.

[26] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص152.

[27] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص218.

[28] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص221.

 

 

ميثم الجنابي"على الإنسان أن يبني كلامه على ما يعلم لا على ما يجهل"

(الغزالي) 

لم يكن بإمكان الغزالي شأنه شأن كل شخصية فكرية كبرى أن يعي كل حيثيات تجربته الفردية بصفتها تجربة تاريخية متشعبة الوشائج والصلات. وإذا كان بالإمكان إدراك بعض جوانبها ووحدتها بمعأيير الرؤية الواقعية أو الأخلاقية، فإن كل ما فيها يضمحل في مجرى وعي الذات. فالتجربة الفردية عادة ما تتلاشى في مجرى اعادة تقييم التطور الذاتي بحيث يصبح نسيان "الانكسارات" العميقة فيها الحافز غير المرئي للارتقاء والنمو.  وفيما لو كان بالامكان تصوير تطور الوعي الفردي على اشعة روتنجن لظهرت لنا صورة "مشوهة" في انكساراتها بحيث لا يطيق التمتع بها سوى مفكر جرئ أو فنان مرهف الذوق.

فما يقدمه لنا الغزالي في (المنقذ) هو الصورة المنطقية، الصارمة، المستقيمة لتطور سيرته المعرفية دون أن يغفل في الوقت نفسه رسم تعرجاتها وخفأياها الداخلية. فهو يعكس لنا في الاطار العام اتجاه البحث عن الحقيقة ودورها في تطوره الروحي، أي انه عبّر عما هو جوهري في مساره الفكري والأخلاقي. لقد صوّر تطوره الذاتي على انه عملية معقدة لم ترتبط بظاهرة عابرة أو ثانوية، كما هو مميز لمحاولات تفسير انتقالاته الفكرية وتحوله إلى عالم الصوفية عند الكثيرين من دارسيه وناقديه.

وفيما لو حاولنا تعميم التفاسير التي تناولت انتقاله إلى التصوف، أي تطوره الفكري ككل وخصوصية منظومته النظرية فمن الممكن حصر نماذجها المشهورة في الاطار العام فيما يلي: هناك من اشار إلى واقع انتقاله إلى التصوف دون ان يقدم تفسيراً له، بمعنى انهم تتبعوا مراحل تطوره كما وصفها في (المنقذ من الضلال)[1]. بينما وجد آخرون في انتقاله إلى التصوف نتيجة لتأثير موعظة أخيه الصوفي[2]. في حين بحث آخرون عن سّر ذلك في التربية الصوفية للغزالي في طفولته والتي ستظهر ثمارها في أواخر حياته[3].  بينما وجد آخرون سبب ذلك في "مرضه النفسي" الذي دعاه البعض بمرض الكنظ الذي يميز ذوي الاتجاه الديني المتطرف[4]. في حين وجد القسم الآخر سبب ذلك فيما اسماه بالجبن السياسي خوفا من إرهاب الباطنية الذين اغتالوا رجال الدولة والفكر المناهضين لهم[5]. بينما جمع آخرون بين هذه الاسباب الثلاثة الاخيرة (التربوي والنفسي والسياسي) وراء انتقاله إلى التصوف[6].  في حين حاول البعض الآخر  البحث عن سبب ذلك في تعطش الغزالي لتلبية متطلباته الروحية[7]. بينما وجد قسم آخر سبب ذلك في سعيه المعرفي للبحث عن ملكة أخرى غير العقل وهي كل من الذوق والكشف الصوفيين[8]،  أو للتوفيق بين الدين والعقائد[9].  في حين لم ير البعض في انتقاله للتصوف سوى "تحول من المنهج العقلي إلى المنهج النفسي التجريبي"[10].  بينما وجد البعض الآخر في انتقاله للتصوف تعبيرا شاملا في الرد على ما يمكن دعوته بمتطلبات روح العصر وذلك لأن زمن الغزالي كان تواقا لريّ ظمأ الاطمئنان والسكينة[11].

وبغض النظر عما في هذه التفسيرات من أسس وجوانب جزئية من تطور الغزالي الروحي وإبداعه الفكري إلا أنها تشترك في طابعها الاحادي الجانب في النظر الى مقدمات وأسباب ونتائج انتقاله إلى التصوف. بمعنى أنها تبرز أو تضخم هذا الجانب أو ذاك دون البحث عن وحدة هذه الاسباب (باستثناء فرضية المرض النفسي) وانعكاسها في سيرته. ولعل الضعف المميز لها يقوم في اهمالها الديناميكية الداخلية للفكر الغزالي في تطوره بوصفه سعيا نحو الحقيقة، والذي ارتبط  بمجمل مكونات ومصادر الثقافة المعاصرة له. وعبّر بهذا المعنى، شأن كل تآلف فكري كبير عن أزمة حضارية كبرى ومحاولة حلها في الوقت نفسه.

فالنموذج الذي اشار إلى ظاهرة الانتقال دون تفسيرها لم يقدم اكثر مما اشار له هو في (المنقذ). بينما لا تفسر فرضية تأثره بموعظة اخيه طبيعة الانتقال ومحتواه ولا تكشف عن الخلفية الفكرية الروحية التي يصبح من الممكن معها توقع الفاعلية السحرية لكلمات تقلب مسار المفكر وانتقاله من عالم إلى آخر. اما تأثير تربية الطفولة فذلك مما لا يمكن نكرانه بحق أي مفكر. إلا انها لا تستطيع تفسير آلية انتقاله ولا نموذج بحثه عن الحقيقة ولا تطور عناصر منظومته الفكرية. اضافة لذلك انها تسبغ صفة الجبرية على تطور الشخصية الفكرية وتتعامل مع الذات الإنسانية تعاملها مع حبات القمح. وإذا كان من الممكن التعامل بصورة جدية مع مختلف التفسيرات فإن فرضية المرض العضال تبدو من بين اكثرها ضعفا وابتذالا. والقضية ليست فقط في الفهم الخاطئ لبعض عبارات (المنقذ) بل ولسذاجة التأويل "الطبي" للعبارات التي لم يقصد بها في (المنقذ) سوى التعبير عن حالته وأزمته الفكرية الأخلاقية لا النفسية الفسلجية. اضافة إلى ذلك أن مرضاً عضالاً كهذا لا يمكنه إبداع منظومة فكرية متجانسة، كما لا يمكنه ان يخدم كأساس منطقي وعلمي لتحليل ظاهرة التطور الفكري الروحي. فتطور الغزالي حسب هذه الفرضية يبدو كما لو انه سلسلة أو نتاج لأمراض نفسية مما يجعل من هذا التفسير جزء من ولع الدراسات السيكولوجية لا البحث التاريخي الفلسفي. اما محاولة تفسير ظاهرة انتقاله إلى التصوف استنادا إلى خوفه أو جبنه من ارهاب الباطنية فإنها تعاني من نواقص جدية وتجابه باعتراضات وجيهة من الصعب تذليلها. فالتأثير السياسي من العوامل التي لا يمكن اغفالها أو انكارها في بلورة الشخصية الفكرية وتبدل توجهاتها وأسلوب برهنتها ومواقفها من مختلف القضايا. إلا ان بين تأثير السياسة والجبن السياسي فرق كبير. فالجبن السياسي هو جزء من عناصر انحلال وسقوط الشخصية. ومن الصعب النظر إلى انتقال الغزالي للتصوف على انه انحطاط في الفكر والممارسة. ومن غير الممكن العثور على علاقة عضوية فعلية بين الجبن السياسي والإبداع الفكري الحي. فالجبن السياسي لا يبدع منظومة تآلفية كبرى. وهو في أفضل الأحوال لا يمكنه تجاوز قدرة تلفيق عناصر التبريرية السطحية. ثم ان الجبن السياسي لا يبدع حقائق لأن آليته لا تتضمن حوافز البحث عن الحقيقة.

إن ضعف الأحكام المبنية على ما يسمى بجبنه السياسي باعتباره السبب الفاعل والمؤثر في انتقاله إلى التصوف يقوم في افتقادها للرؤية الموضوعية والتاريخية. فمن الناحية التاريخية (الزمنية) كان مقتل نظام الملك عام 485 للهجرة، أي في الوقت الذي كان الغزالي منهمكا في التدريس في نظامية بغداد. ولم يمنعه ذلك من تأليف كتبه المناهضة للإسماعيلية، وبالاخص كتابه الشهير (فضائح الباطنية). اضافة لذلك ان مهاجمته إياهم ظلت مستمرة حتى في مجرى وما بعد انتقاله للتصوف. كما تجدر الاشارة هنا إلى أن ما بين انتقال الغزالي إلى التصوف ومقتل نظام الملك بضع سنوات، بينما الجبن السياسي، بوصفه "قوة فاعلة"، لا يحتمل هذه الفترة لكي يؤتي ثماره! وإذا كان بالإمكان الحديث عن تهديد من جانب الإسماعيلية للغزالي فقد جرى ذلك من خلال "تهديد" مواقفه وذهنيته الأيديولوجية، الذي لعب أحد الأدوار المهمة في مساره الفكري والروحي والأخلاقي والمعرفي.

 أما التفسيرات التي ربطت انتقاله إلى التصوف بفعل خوضه ارهاصات عالم المعرفة فهو تأكيد سليم الا ان محدوديته تقوم في انه لا يفسر الكيفية التي جرى بها تطور الغزالي في عالم المعرفة، ولا الكيفية التي أدت إلى انتقاله من مملكة العقل إلى مملكة الذوق والمكاشفة، ولا حقيقة العلاقة بين العقل والكشف ولا مضمونها، ولا كيفية انعكاسها وتأثيرها في آرائه اللاحقة، ولا كيفية تأثير الصوفية في تطوره الفكري. فتحقيق الذات و"البحث عن متطلباته الذهنية والروحية" تبقى في مواقف من تطرق اليها خارج اطار ثقافة المرحلة. وهي لا تكشف طبيعة التطور المعرفي وتأثيره في بلورة هذه المتطلبات. والأكثر من ذلك أنها لا توضح طبيعة العلاقة بين هذه المتطلبات ومنطق التطور الموضوعي المعرفي في آرائه. في حين لا تكشف فكرة انتقاله من منهج إلى آخر عن كيفية التعامل اللاحق مع قضايا الفكر وبالتالي تهمل الجوهري في استمرار المكونات العقلية والنفسية الأخلاقية وتآلفهما الجديد. أما تفسير انتقاله بمقولات "روح العصر ومتطلباته" فإنها لا تكشف عن الصلة الداخلية الضرورية في تطور شخصية الغزالي الروحية وإبداعه الفكري، وإلا لكان بإمكان جميع مفكري المرحلة الكبار انذاك ان يصبحوا كالغزالي أو أن تؤدي بهم بالضرورة إلى ابداع ما ابدعه من منظومة.

كل ذلك يضع أمامنا من جديد مهمة التحليل الموضوعي لمجمل العوامل المعقدة لظاهرة انتقاله إلى التصوف والتي لا يمكن ادراك حقيقتها دون تحليل واستيعاب ما يمكن دعوته بتجربته المعرفية - النظرية والعملية- الأخلاقية.

فالغزالي في (منقذه) لا يكشف لنا بصورة مباشرة عن أسباب انتقاله إلى التصوف. إلا انه يلقي الكثير من الأضواء على سيرته التي تعطي لنا امكانية الحكم على ان تحوله هذا كان نتاجا "طبيعيا" لتطوره الفكري - الروحي. أي كل ما قاده لضرورة اعادة النظر الشاملة تجاه كل ما هو قائم من منطلق، وفي ضوء مبادئ الأخلاقية المطلقة.

ففي مجرى تحليل شخصية الغزالى واستقلاله الفكري وسعيه لإدراك الحقائق كما جرى عرضه فيما سبق، يبدو واضحاً أن صيرورة التآلف الصوفي لم تكن عملية عرضية أو إرادية. ومع ذلك فإن هذا لا ينفي ما لشخصيته وقدراته الفردية من دور هائل بهذا الصدد. ولا يمكن ان نكرر ما سبق وان اقتنع هو به من أن ما كان في علم الأزل لا يمكن للمقادير ان تخالفه. وذلك لأن هذه القناعة هي من وحي أو الثقافة اللاهوتية الفلسفية لا حصيلتها التاريخية. والمهمة المطروحة الآن لا تقوم في تتبع جريانه في "سيلان المكر الإلهي"، بل بانتزاعه من حركة افلاك القدر وذرات الوجود الالهي من اجل وضعه في تاريخ الفكر ومنطق تطوره الواقعي.

فتجربته بمقوماتها الكلية هي تجربة وعي الذات النقدية التي ستواجه يوما تأمل نفسها ومصيرها أمام "بحر الصوفية"، أي كل ما بإمكانه ان يتطابق في خيالنا ووعينا المعاصر مع سحرية التنبؤ الرمزي لدعوة استاذه الجويني إياه بالبحر المغرق. إلا أن الاخير تجّسد أولا وقبل كل شيء في ذاته، وثانيا في كيانه التاريخيـ الثقافي. وليس هنا من تناقض. إذ ليست حصيلة الوعي المقارن والخيال المبدع في أيجاد الصلة بين الكلمة العابرة التقيمية - الشاعرية مع المصير الشخصي سوى نتيجة اعادة تقييم ما مضى من وجهة نظر وحدة الحاضر والماضي. فعوضا عن ان يكون مغرقا للآخرين غرق هو في ذاته لكي يصبح بدوره بحرا تضاربت في لججه تقييمات الثقافة اللاحقة.

ولم يكن هذا الواقع معزولا عن تجربة الثقافة اللاحقة في محاولتها استيعاب ظاهرة الغزالى الفريدة، أي ظاهرة التحول والانتقال من مدرسة وميدان إلى آخر والتي عادة ما جرى تحسسها وفهمها بمعايير ومقولات التصورات العادية والنظرية عن ميوعة المواقف وفقدان الثبات الداخلي للشخصية. غير أن هذا الاستنتاج نفسه يحتاج إلى كشف حوافز وأسس هذا التغيير وعدم الثبات. ولا يكفي هنا تتبع حيثيات الفطرة والغريزة التي وضعها الله في جبلته، كما يقول عن نفسه، دون ان يفقد عالمه النفسي لمميزاته الخاصة. وذلك لأن هذه المقدمة في حالة استغلالها الموضوعي لا يمكنها ان تكشف إلا عن الجانب العندي في المعضلة لا المعضلة ذاتها، وعن بعض جوانبها لا جوهرها الحقيقي. فالتغيير الدائم عنده هو اسلوب تطور البحث عن اليقين. وبهذا المعنى ليس التحول والتقلب سوى عوارض ضرورية شكلت بدورها العناصر الجوهرية في صيرورة تآلفه الفكري.

وارتبطت هذه الظاهرة بمجمل الصيرورة الفكرية لذهنية الغزالى ومواقفه من المعرفة في اسلوبها العقلي والمتشكك. وسواء وعى منذ بداية الامر الوحدة الخفية ما بين هذين الاسلوبين ام لا، فإن مما لا شك فيه تمثله لعناصرهما الايجابية في التيارات المتصارعة وخصوصا الاشعرية والمعتزلية. وقد ظل الغزإلى امينا لأسلوب الشك الموصل للحقيقة. وحتى في تلك الحالة التي رفض الشك السلبي في ممارسته الفكرية فان استبداله بمفهوم اليقين لم يكن في مضمونه الجديد سوى الاستمرار المعرفي للشك. إذ لا يقين بلا شك. وهو ما نعثر عليه أيضا في تلك المقدمة المشهورة للبحث عن اليقين كما صاغ نموذجها الأول في (ميزان العمل) عندما قال بإن "الشكوك هي الموصلة إلى الحق. فمن لا يشك لا ينظر. ومن لا ينظر لا يبصر. ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال"[12]. ان هذا الاستنتاج هو عصارة تجربته النقدية العقلية. ‘لا انه حتى هنا لم يحول الشك إلى اسلوب المعرفة بقدر ما نظر اليه باعتباره أحد وسائله الضرورية، أي انه وحّد في كل واحد تجارب الاتجاهات الفكرية في البحث عن الحقيقة مع تجربته الخاصة.

فكون الشك احد وسائل وأساليب المعرفة لم يكن اعترافا غريبا أو انجازا ما خارقا بالنسبة لعلم الكلام والفلسفة، بل ومختلف ميادين المعرفة النظرية التأملية الاخرى. ومن الممكن الاشارة هنا على سبيل المثال إلى الاتجاه المعتزلي وموقفه من الفكرة المنهجية للشك القائلة بضرورة تطهير العقل في اعتراضاته وقناعاته المسبقة وإخضاعه ذاته وأحكامه إلى مبضع التشريح العقلي. فقد اكد ابراهيم النظام (ت- 221 للهجرة) على انه لا يقين قط حتى صار فيه شك. ولم ينتقل احد من اعتقاد إلى آخر حتى يكون بينهما حالة شك. بينما وضع الجاحظ (ت-255 للهحرة) مهمة تعلم "الشك في المشكوك فيه"، واظهر التمايز بين ذهنية الشك العلمي (للخواص) والتقليدية (للعوام). أما ابو هاشم الجبائي (ت- 321 للهجرة) فقد اعتبر الشك ضرورة لكل معرفة، وبداية لكل معرفة حقيقية. فليس النظر أيا كان بدون شك، كما يقول الجبائي، سوى تحصيل حاصل. وتقترب آراء الغزالي بهذا الصدد اقترابا كبيرا من اراء المعتزلة، أو انه ينهل منها باعتبارها احد المصادر الأساسية للثقافة الإسلامية، والتي سيعمقها الفكر اللاحق بما في ذلك جدل الكلام الاشعري- المعتزلي عند الباقلاني والجويني وغيرهما.

ففي استعادته تأمل تجربته الفكرية السابقة برَّز الغزالى أولا وقبل كل شيء إعادة النظر النقدية بها،  أو ما عبر عنه بعبارة "ما قاساه في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق". إن خوضه معاناة البحث عن الحقيقة بين اضطراب الفرق وتبايناتها وصراعاتها العديدة هي العملية الفكرية لسيرته الحياتية التي أدت به إلى رفض التقليد وبالتالي دخوله معترك الثقافة ومعضلاتها الكبرى. فهي العملية التي أدت به في نهاية المطاف إلى الانخراط في "سلوك الطريق" وما آلت اليه من اكتشاف "لباب الحق"، أي كل ما شكل عناصر ديمومة التطور الفكري والسمو الروحي في مجرى صراعه السابق في مدارس الكلام والباطنية والفلسفة. وكذلك في تقييمه لمجرى تجربته الفكرية . فهو لا يدين اتجاه ما دون آخر بقدر ما انه يشير إلى التباين  القائم بين الفرق في وسائل وطرق سعيها لبلوغ الحقيقة، أو ما اطلق عليه عبارة "البحر الذي غرق فيه الأكثرون". ولم تعن هذه العبارة الوصفية في آرائه أيضا سوى الغرق في وهم القناعة العندية، أو الزعم القائل بأنها الفرقة الناجية تماما كما صورها القرآن بعبارة (كل بما لديهم فرحون).

فقد استمد الغزالى مصادر معرفته النظرية من كل ما هو موجود انذاك. ولهذا لم تكن تجربته الفكرية الحياتية كما يقول في (المنقذ) تجربة الجبان الجذور بل المفكر الجسور المتوغل في كل ظلمة والمقتحم لكل مشكلة والمتفحص لكل عقيدة والمستكشف لأسرار مذهب كل طائفة لا لشيء إلا لتمييز المحق عن المبطل والمتسنّن عن المبدع[13]. فهو لا يقف أمام باطني إلا ويجب ان يطلع على باطنيته ولا ظاهري إلا وأراد معرفة حاصل ظاهريته، ولا فيلسوف إلا وقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلم إلا واجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفي إلا وحرص على العثور على سر صوفيته، ولا متعبد إلا ويرغب في معرفة ما تؤدي اليه عبادته وحاصلها، ولا زنديق ومعطل إلا ويتتبعه لمعرفة أسباب الجرأة القائمة في آرائه وأعماله. إن كل ما وضعه في (المنقذ) في عباراته الوجيزة عن تعطشه إلى إدراك حقائق الأمور وسر التباين والخلاف القائم بين الاتجاهات والمدارس هي التي اخضعت تطوره الفكري الروحي إلى تأثير ضغطها الدائم بحيث تركت بصماتها القوية في كل قسمات روحه المعرفي والأخلاقي. فتقريره  عما اسماه بانحلال رابطة التقليد منذ الصبا، أي نبوغ استقلاله النظري لا تكشف عن بساطة هذه العملية واستجلاء آفاقها اللاحقة بقدر ما انها تشير إلى بداية الظاهرة ومجراها العام، أي انها تضعنا أمام الإشكالات الحية للمعرفة في سعيها إلى ادراك حقائق الامور. فإذا كان ديدنه كما يقول عن نفسه هو التعطش لإدراك حقائق الأمور فإن هذا الإدراك لا يمكنه ألا يكون ثمرة التطور الفكري التاريخي. وذلك لأن إدراكه لحقائق الامور لم يكن معزولا عن أساليب ومستوى وصيغ إدراك هذه الحقائق في الاتجاهات والمدارس التي حاول جهده نزع تأثيرها التقليدي عنه.

فهو لم يصل إلى هذه النتيجة بمحض الصدفة وذلك لأن مساره الشخصي مثَّل اتجاه البحث عن الحقيقة. وبما أن هذه الأخيرة كانت هدف وغاية مختلف الطالبين فإنها انتزعت من جهودهم خلاصة تصوراتهم، ومن مداركهم عوالم تأملها، ومن منطقهم اساليب ادراكها. ومأثرة الغزالى تقوم في إدراكه هذا التشعب والتجزئة الكبيرة في إدراك حقائق مختلف الاتجاهات والمدارس. لكنه لم يكن يبحث عن أنصاف الحقائق أو صيغها العندية. لقد وضع أمامه مهمة أيجاد المعيار المطلق للحقيقة. وبغضّ النظر عن إشكالية هذا المعيار والغاية من مسعاه إلا انه شأن المفكرين الكبار وقع ضحية المعرفة وحقائقها النسبية. ومع ذلك فإن بحثه عن الحقيقة المطلقة قد وضع أمامه مهمة البحث عن معيارها المناسب أو ما دعاه بحقيقة العلم، الذي طابقه مع مفهوم العلم اليقيني، أي ذاك الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ،ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك. بل الأمان من الخطأ ينبغي ان يكون مقارنا لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلا من يقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا لم يورث ذلك شكا وإنكاراً. فإني إذا علمت ان العشرة أكثر من ثلاثة وقال لي قائل "لا بل الثلاثة أكثر من العشرة بدليل اني اقلب هذه العصا ثعبانا وقلبها وشاهدت ذلك منه لم اشك بسببه في معرفتي ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه. فأما الشك فيما علمته فلا"[14]. وفي الواقع ليس هناك من صورة اكثر دقة في تحديد طبيعة العلم الحقيقي (المعرفة اليقينية) مما يتطابق مع مضمون المنطق والمادة، أي كل ما يتطابق في حقيقته مع بديهيات المعرفة المنطقية، أو المعرفة التي يكف بها العالم الخارجي ومظاهره الطارئة عن ان تكون مهددة لماهية المعرفة وحقيقتها. فالمعرفة الحقة بهذا المعنى هي تلك التي تستند إلى ذاتها، المجردة عن ثقل وفاعلية التقليد أيا كان شكله ومضمونه ومستواه وأداته بما في ذلك الذي يبدو خارقا في مظهره للوجود الطبيعي للأشياء (المعجزات). وفي هذا تكمن النتيجة المعرفية التي تنفي في نهاية المطاف أسلوب  الشك بوصفه أداة بلوغها.

إن التطور الفكري للغزالى هو بحد ذاته نموذج للنفي الدائم للشك. فهي العملية التي شكلت حافز وغاية تطوره المعرفي. فالمعرفة اليقينية الضرورية للأمان الروحي لا يمكنها حسب نظره ان توجد بمعزل عن الوجود الإنساني في تجاربه القديمة والمعاصرة. ولهذا انطلق من المادة الاقرب والأكثر التصاقا بالحس، والتي تتضمن في أشكالها ومظاهرها المباشرة الصيغة المقنعة للجميع، أي الحسيات والضروريات. انه يحاول الكشف عما إذا كانت الحسيات والضروريات تمتلك بحد ذاتها من حيث علاقتها بالبحث عن حقائق الأشياء كما هي، طابع اليقين المميز للقناعة التقليدية، وما اذا كانت تمثل مستوى آخر من المعرفة لا يتطابق مع حقيقة العلم. فالتجربة الحسية كما يقول الغزالى هي واسطة وضرورة للمعرفة الأولية. غير أن الشكوك فيها قد أوصلته إلى الاحساس بضعف الأمان في المحسوسات. وذلك لأن المعطيات الحسية عادة ما تتناقض مع معطيات التجربة والمشاهدة. فالناظر يرى الظل واقفاً في حين تكشف معطيات التجربة والمشاهدة عن حركته الدائمة. والحس يرى الكواكب صغيرة بينما الأدلة الهندسية تكشف عن ان بعضها اكبر من الارض.  فالحسيات التي تبدو يقينية الطابع سرعان ما تتحول إلى سراب خادع أمام مبضع العقل. مما يفقد القناعة طابع اليقين الضروري. في حين يظهر العقل مقارنة بها اكثر يقينا وأدق حكما. فالحس يكذبه حاكم العقل إلى الحد الذي لا يمكن معه الدفاع عن يقينية المعطيات التي تقدمها الحواس. وإذا كان الامر كذلك فليس هناك من أمل في اليقين إلا بمعطيات العقل. غير ان العقل بدوره يثير السؤال الخفي حول معيار اليقين فيه، وكذلك مبررات اليقين في الأحكام العقلية.

فيقين العقل في المثال السابق يبدو جليا مقارنة  بمعطيات الحس. من هنا فإن الوقوف عندهما لا يعني في الواقع سوى ردع ما هو عير متناه. وبالتالي، فإن افتراض طور ما وراء العقل لا يرفضه العقل. فالإحساس ذاته من خلال تجريده العقلي يثير الشك باستنتاجات العقل وظاهرية احكامه اليقينية. فما هو يا ترى معيار الثقة بالعقل بحد ذاته ما زالت قناعته مبنية على موقفه المدقق لمعطيات الحس وتفنيدها بعد ان كانت في بادئ امرها تبدو يقينية خالصة؟ فالعقل كذَّب الحواس، ولولا العقل لكانت معطيات الحس معترف بها ويقينية. من هنا استنتاج الغزالى القائل بإمكانية وجود ما وراء العقل تماما كما تقر بإمكانية وجود ما وراء الحس (العقل) باعتباره درجة ارقى. إذ ان عدم تجلي هذا الادراك (طور ما وراء العقل) لا يدل على استحالته[15]. ومما يؤيد ذلك حالة النفس الإنسانية في اليقظة والمنام. فالنفس تؤيد افتراض وجود ما وراء العقل. فالنائم على سبيل المثال يرى أشياء سرعان ما تتحول إلى أخرى زمن اليقظة. والنائم لا يشك في يقينية ما يرى في نومه. وفي حالة اليقظة يعلم بأن  كل ما رآه مجرد تخيلات لا طائل تحتها. وإذا كان الامر كذلك فلم يا ترى يجري رفض افتراض وجود الحالة التي تصبح فيها معطيات العقل وأحكامه مقارنة بما وراء العقل شبيهة بحالة معطيات النوم مقارنة باليقظة؟ فهي الحالة التي تتجاوز طور العقل لتكشف عن محدوديته وضعفه، مثل مستوى العقل مقارنة بالحواس، أو ما تدعوه المتصوفة بحالة الموت. غير انه لا ينبغي فهم هذه الصياغة بعباراتها الظاهرية. وسوف نرى لاحقا بأنه لم يسعَ من وراء ذلك إلى اضعاف اهمية العقل أو التقليل من شأنه كما توهم الكثير ممن بحث في فكر الغزالي، بقدر ما انه اراد ان يبرز ذلك التطور الفعلي العقلي الذي مارسه في سعيه لبلوغ اليقين الحق.

فالغزالى لا يتطرق هنا إلى العقل ومعطياته بالمعنى العلمي التجريبي. لقد تناول في اطروحاته اساسا القضايا العقائدية والفلسفية التي أوصلته إلى فكرة محدودية العقل في قدرته على حلها الجازم واليقيني. وبهذا يكون قد "خلَّص" العقل من بعض محاولاته غير المجدية، دون ان يقع في مستنقع التبرير غير العقلاني. فهو يشير إلى ذلك مرات عديدة بطرق غير مباشرة في (المنقذ) وغيره من الكتابات. فعندما يتناول على سبيل المثال الالهام الصوفي مقارنة بالعقل فإنه لم يقصد بذلك معارضة أحدهما بالآخر، أو وضع الالهام بالضد من العقل كما هو، بقدر ما انه تناولها ضمن اطار دحض الاستنتاجات العقلية اللاهوتية والفلسفية التي أضفت تصوراتها وأحكامها الخاصة عن الله وقضايا الإلهيات الكبرى، أي ان معطيات طور ما وراء العقل أو الالهام الصوفي لا تتعارض مع العقل إلا في صيغته وهويته الجدلية أو المعرفة العقلية النفسية عن الله التي دعتها المتصوفة بالحجب. ولم يقصد  المتصوفة بالمعرفة كحجب أو حجاب المعرفة والعلم سوى حجاب التصورات والأحكام التقليدية والقناعة القبلية (المسبقة). إذ ليس ما وراء العقل سوى الحصيلة الوجدانية المعرفية للتجربة الصوفية التي ترمي في مساعيها صوب حقيقة التوحيد والمطلق كل لباس الماضي التقليدي لتستعيد هوية تمثلها الذاتي كما هي عليه.

غير ان هذه الحصيلة النهائية للصيغة المجردة التي لازمت تطوره المعرفي الروحي لا تمتلك قيمتها الفعلية الواقعية في تآلفه الفكري إلا في الاطار العلمي المنطقي. ودون ان يعني ذلك أيضا تجاهله أو اغفاله عما في ما وراء العقل من خصوصية المنطق الصوفي. إلا ان لهذا المنطق اسراره الخاصة التي تشكل  في كلها عناصر علم المكاشفة. وفي هذا تكمن خصوصية تجربة الغزالى النقدية في التعامل مع سيرته المعرفية ونماذج البحث عن الحقيقة في ثقافة الخلافة والأمم السابقة. وقبل أن يصل الغزالي إلى هذه المحصلة العامة كان لابد له فيما يبدو ان يمر بنفس الطريق الشائك للثقافة الإسلامية في سعيها إلى بلوغ اليقين بعد ان ابتدأت به. وقد حصلت هذه العملية على انكسارها الدرامي في موشور وعيه العقلاني والأخلاقي قبل ان تنصهر لاحقاً في بوتقة الطريق الصوفي. فإذا كانت تجربة البحث عن اليقين العلمي في بداية أمرها هي الصيغة الطبيعية للعقلانية النقدية، فإن اتخاذها من الشك وسيلة لتذليله ذاته كان لا بد وان تضعه كما يقول عن نفسه، على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال، أي كل ما واجهه في غضون شهرين بعد جداله النفسي العقلي الشاك في معقولية العقليات وحسية الحسيات وضرورة الضروريات وإشكالية اليقين. لقد دفعه كل ذلك كما يصف لنا حاله في (المنقذ) إلى المأزق المغلق في المعرفة من خلال التمسك بالمنطق الضروري لبلوغ العلم اليقيني، أي دفع الشك باليقين من خلال الدليل ولا دليل!

لكن هذا الانغلاق الإشكالي في المعرفة سرعان ما إنحلَّ في ذهنية الغزالى من خلال استعادة الوثوق والقبول بالضروريات العقلية، أي العناصر الجوهرية التي ستلازم تطوره الفكري في بحثه عن الحقيقة. ولكن إذا كان هذا الرجوع الأولي للضرورات العقلية قد جرى من خلال الاحتكام غير المباشر لقيم العالم الصوفي، فإن اسلوب تجلياته المباشرة كان من خلال ما دعاه الغزالى "بالقذف النوراني"، أي من خلال القناعة غير المنطقية بمنطقية الضرورات العقلية، أو ما عبر عنه الغزالى بكلمات "بلا نظم دليل وترتيب كلام"، والذي سيجعله لاحقا "مفتاح اكثر المعارف".  اما في الواقع فإن هذه الصياغة ما هي إلا الصيغة الاكثر تجريدية للمعطيات العقلية بمستواها الحدسي. اضافة إلى ذلك ان ما تضمنه (المنقذ) من اعادة استدراج للذاكرة النقدية تجاه تجربته النظرية كان لا بد لها من ان تخترق مسامات كيانه الصوفي. فهو لم يسع من وراء استعراض "سيرته" سوى إلى كشف الطريق الضروري لبلوغ الحقيقة لا غير، لكي يكون مثاله مجرد حافز، كما يقول "لكمال الجد في الطلب حتى ينتهي المرء إلى طلب ما لا يطلب. فإن الأوليات ليست مطلوبة، فإنها حاضرة والحاضر اذا طلب فُقِدَ واختفى. ومن طلب ما لا يطلب فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب"[16]. فالبديهيات العقلية أولية بمعنى انها موجودة وفي حال طلب البرهنة عليها ستكف عن ان تخضع لمنطق البديهيات. ومع ذلك فإنه حاول تجاوز الحدود العقلية (والتقليدية) للبديهيات وغير البديهيات للتأكد من يقينها المجرد.

فتجربته الذهنية هي تجربة البحث عن الحقيقة وخوض الصراع الفكري والتطور الروحي الذي تجسد في صيغ تطوره المدرسي في اصناف الطالبين للحق. لقد خاض هو غمار البحث عن اليقين الذي كان في حصيلته النهائية النتاج المعقد لوحدة التجربة النظرية (العقلية) والعملية (الأخلاقية). وإذا كانت هذه الوحدة هي الخيط الذي يربط في كل واحد مجرى ومضمون انتقاله إلى التصوف في نظريته عن المكاشفة والمعاملة، فإنها حصلت على انعكاسها الشخصي في (المنقذ من الضلال). فالاخير لا يكشف اساسا إلا عن الصيغة الشخصية التي تعامل بها في مجرى بحثه عن الحقيقة في مدارس واتجاهات وأصناف الطالبين. وإذا كان ميدان هؤلاء الطالبين في ثقافة الخلافة المعاصرة له تتمركز في علوم الكلام ومدارس الباطنية واتجاهات الفلسفة وطرق الصوفية، فان سيرته تعكس نموذج وعيه الثقافي الأصيل في بلوغ حقائق المرحلة، أي انه عبر عن الصيغة النقدية المثلى للبحث عن الحقيقة في مجمل ثقافة العصر وتوليف ابداعها النظري من خلال معاناته الطويلة باعتباره جزء من العملية التلقائية "للسير في طريق الحق". واذا كانت هذه الحصيلة قد تجسدت في نهاية المطاف بأسلوب الانكسار الفردي للإرادة في طريق الحرية فمن الصعب توقع حصولها في مثال الغزالى دون صيرورة تلك العناصر القائمة في ديناميكية تجربته العقلية التي تكونت في مجرى سباحته في "بحر المعرفة".

ان حصره لميدان طالبي الحقيقة في الكلام والباطنية والفلسفة والتصوف كان بمعنى ما موقفا ثقافيا عاما في التعامل مع حصيلة الاصناف أو الاتجاهات الفكرية الكبرى لعصره. إلا ان هذا الموقف يعكس في مساره أيضا نزع التقليدية المميز لتطوره الذي رافق انتقاله في رحاب الثقافة، بوصفه أسلوب الرؤية النقدية الخلاقة لوحدة الأمة في مساعي مدارسها للبحث عن الحقيقة. لقد تعامل مع اتجاهات العصر الكبرى على اساس كونها اصنافا لطالبي الحق والحقيقة. وبالتالي اعطى له ذلك إمكانية خوض غمارها الذي اسهم  مساهمة جوهرية في صيرورة ابداعه التوليفي، أي انه مثّل في هذه العملية الخطوة الجريئة في عصر الانحلال لتجاوز وتذليل عبث السفسطة وفوضى الاباحية (العدمية) وكسر التقليد من اجل اعادة شعلة الوحدة والنظام للوجود الاجتماعي والكينونة الإنسانية على مثال وحدانية الحق.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] Foster F.H. al-Ghazali’s inner secret.Moslem World, vol.23 w/4,p.378.  

والشيئ نفسه يمكن العثور عليه عند مونتغوميري واط وماكدونالد

[2] Trimingham J.S. The Sufi order in Islam, Oxford 1971, p.33.  

[3] الشيخ محمد صادق عرجون: مقتاح شخصية الغزالي. هل شك حجة الاسلام؟ ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده، القاهرة، 1962، ص838.

[4] زكي مبارك: الأخلاق عند الغزالي، القاهرة، 1971، ص63؛ عمر فروخ: رجوع الغزالي الى اليقين، ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده) 311-330.

[5] هذا ما يقول به الباحث الكبير فريد جبر

[6] عبد الامير الاعسم: الفيلسوف الغزالي، بيروت، 1981، ص38، 49، 63، 150-151.

[7] جورج قنواتي: الفلسفة، علم الكلام، التصوف، ضمن كتاب (تراث الاسلام، القسم الثاني)، الكويت، 1978، ص344.

[8] عبد الرحمن بدوي: الغزالي ومصادره اليونانية، ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده)، ص222.

[9] يوسف الشاروني: موازنة بين اراء الغزالي والقديس اوغسطين، صمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده)، ص689.

[10] ابو العلا عفيفي: أثر الغزالي في توجيه الحياة العقلية والروحية في الاسلام، ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده)، ص739.

[11] Грюнбаум Фон. Классический ислам. М.1988, с.147.

[12] الغزالي: ميزان العمل، ص153.

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص78-80.

[14] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص82.

[15] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص85.

[16] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص88.

 

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (37)

في المقال السابق، تم التطرق الى كيفية تطور تفصيلات قصة صلب يسوع الناصري، وكيف تم اضافة تعديلات و تفاصيل جديدة للقصة مع مرور الزمن، من خلال تتبع ذكر القصة في الأناجيل القانونية الأربعة بمراعاة  التسلسل الزمني.

في هذا المقال، سنتناول التأثير الاجتماعي والسياسي على الروايات والأخبار التي تناولت قصة صلب يسوع المسيح، وأثره في تطور تفاصيل هذه القصة مع مرور الزمن، عن طريق تتبع سرديات الأناجيل القانونية، حسب تعاقب زمن تدوينها.

من المعلوم ان قصة الشاب المصلح يسوع وأقواله ومعاجزه و صلبه،كانت تتناقل على شكل حكايات و سرديات شفوية بين أتباعه المؤمنين به، وتنتقل مع الزمن الى مجاميع المؤمنين الجدد الذين ينضمون تدريجيا الى الايمان المستحدث، ثم يقوم هؤلاء ايضا بنقل هذه القصص والحكايات الى مجاميع اخرى من الناس، ويستخدمونها في التشويق والترغيب لغرض جلب أكبر عدد من المنضمين الجدد للايمان المسيحي، وبمرور الزمن ومع اتساع رقعة المنضمين، تزداد الحكايات و تتسع تفاصيلها، مع تضخم عناصر التشويق والتضخيم خصوصا حول الشخصية المحورية التي يقوم عليها الإيمان الجديد!

وقد استمر الامر على هذا المنوال في الثلاثين عاما التي تلت صلب المسيح، حتى بدأ تدوين أول الأناجيل القانونية وهو انجيل مرقس، ومن بعده بحوالي عشر سنوات انجيلي متى و لوقا، الى زمن تأليف اخر الاناجيل القانونية وهو إنجيل يوحنا، الذي يعتقد أنه كتب حوالي عام 95 أي بعد صلب المسيح بفترة تقارب ما بين 60 الى 70 عام

يسوع الناصري وخلال فترة دعوته الاصلاحية الدينية، لم يستجب له من اليهود سوى عدد قليل جدا من الاتباع الذين واصلوا و بحماس نشر دعوته، بعد صلبه، بين اقرانهم اليهود، وجلبوا للدعوة الجديدة بعض الأتباع الجدد من اليهود، ورغم المضايقات و التعسف الذين واجهوه، لكنهم نجحوا في تكوين فرقة يهودية جديدة داخل المجتمع، تؤمن بيسوع المسيح، لكنها كانت في نظر رؤساء و كهنة اليهود مجرد فرقة يهودية ضالة.  

استمر الوضع هكذا لعدة سنوات الى ان حدث تغير دراماتيكي في تطور الأحداث، حين انضم الى الايمان الجديد شاول الطرسوسي، ذلك اليهودي القادم من مدينة طرسوس، والذي كان متطرفا في مواجهة الفرقة اليهودية الضالة!

لقد غير ايمان (شاول) والذي أصبح لاحقا يعرف بأسم (بولس) مجرى الأحداث، حيث قام بتوجيه بوصلة الدعوة للإيمان الناشئ الى المجتمعات الوثنية التي كانت تشكل الجزء الأعظم من سكان الامبراطورية الرومانية وقتذاك، واخرجها الى أوروبا وآسيا الوسطى، بعد أن كان تلاميذ يسوع المسيح يحصرونها على المجتمع اليهودي فقط .

نجح (بولس) الذي كان يتمتع بثقافة عالية، ويجيد اللغة اليونانية، من خلال استثمار ذكائه، وحماسته ونشاطه الكبير، في تحويل أعداد كبيرة من الوثنيين وفي مناطق جغرافية عديدة الى الإيمان الجديد والذي تحول مع مرور الزمن وازدياد الاتباع من فرقة يهودية صغيرة،تتبع تعاليم يسوع المسيح، الى ديانة جديدة تقوم كليا حول شخص يسوع المسيح !

الدين الجديد الذي بدأ عدد أتباعه بالازدياد المضطرد، واخذت رقعة انتشاره تتسع في ارجاء الامبراطورية الرومانية، خرج من الدائرة اليهودية الضيقة، الى فضاء اوسع وارحب، وصار الغالبية من أتباعه هم الوثنيين السابقين، ومعظمهم من مدن الامبراطورية الرومانية و حاملي التابعية الرومانية (مواطنين) كما هو الحال مع بولس الذي اصبح رسولا للامم !

ومع تحول الفرقة اليهودية الصغيرة (الضالة) الى دين جديد يقدس الشاب اليهودي يسوع الناصري،ويضفي عليه تدريجيا صفات الهية، كان من الطبيعي ان يحدث الصدام الفكري والعقدي بين اليهود وبين أتباع الدين الناشئ والذي صار يشكل مواطني الامبراطورية الرومانية الغالبية العظمى من اتباعه.

واجهت الشريحة المجتمعية الجديدة التي أصبحت تمثل القاعدة الشعبية للايمان المسيحي، معضلة سوسيو/ سياسية !

فالشخصية التي يتمحور حولها إيمانهم الجديد، قد تم تعذيبه وإهانته ومن ثم قتله على يد سلطة الدولة التي يدينون لها بالولاء، ويفتخرون بالانتماء إليها، فيسوع المسيح (ابن الله) قد تم صلبه وفق القانون الامبراطوري الروماني، وبقرار من حاكم روماني، وعلى أيدي جنود رومان !!... حيث انه قد تم الحكم عليه كخارج على القانون و محرض على التمرد ضد الدولة الرومانية، و داعيا الى إنشاء مملكة مستقلة لليهود،  لذلك،تم صلبه، وتعليق لوحة على جسده مكتوب عليها

(هذا ملك اليهود) ليكون عبرة لغيره، ولكل من يفكر بمثل هذا التفكير!

وطبعا، لا يمكن إغفال الدور الذي كان لليهود ورؤسائهم من خلال التحريض والوشاية ضد يسوع الناصري!

استمرت العداوة الايمانية بين اليهود الذين رفضوا يسوع وكذبوه وبين المجتمعات التي آمنت به و ألهته، و أخذت بالازدياد مع مرور الزمن، حتى تحولت - في قرون لاحقة - الى صدام دموي نتج عنه مجازر وحشية بحق اليهود، وذلك حين أصبحت الديانة المسيحية هي الديانة الرسمية الوحيدة للامبراطورية الرومانية...وبمرسوم امبراطوري !

ومع ازدياد العداء الإيماني والتنافر العقدي، فقد كان من الطبيعي ان تلقي هذه المؤثرات الاجتماعية بظلالها على عملية تدوين الأناجيل وخصوصا ان اغلبها كانت موجهة الى شريحة اتباع الدين الجديد من مواطني الدولة الرومانية، وكانت مكتوبة بلغتهم، وعلى ايدي اشخاص يحملون ثقافة يونانية واسعة .

وعند البحث في قصة صلب يسوع المسيح، يلاحظ القارئ في الأناجيل القانونية الأربعة، ان هناك محاولة متقصدة وواضحة جدا في تحميل اليهود المسؤولية الكاملة لجريمة صلب المسيح، مع تكثيف الجهد من أجل إيجاد مبررات لإعفاء الحاكم الروماني الذي اصدر امره بعقوبة الصلب من المسؤولية، او على الاقل ايجاد العذر له !

وعند تتبع هذه النقطة في الأناجيل، و تتبع تطورها الزمني، بحسب زمن تأليف كل إنجيل من الأناجيل القانونية، يكتشف القارئ، ان الذين كتبوا تلك الأناجيل، كانوا مهتمين جدا باضافة تفاصيل جديدة مع مرور الزمن، تثبت ادانة اليهود، وتخفف من مسؤولية السلطة الرومانية، من اجل تخفيف عقدة الذنب التي قد تنشأ نتيجة الولاء لسلطة قامت بصلب الرب!

في اقدم الاناجيل القانونية (انجيل مرقس) نجد ان الحاكم الروماني (بيلاطس) لم يكن مقتنعا بتجريم يسوع الناصري، ولكنه رضخ لرغبة اليهود الذين طالبوا بصلبه، لذلك امر بجلد يسوع وصلبه !!! (انجيل مرقس 15)

اما إنجيل (متى) فقد أضاف تفصيلة جديدة، ولكنها مهمة جدا وخطيرة في نفس الوقت !

حيث نجد في الاصحاح  السابع والعشرين، ان الحاكم الروماني (بيلاطس) وبعد ان اخبر اليهود انه لايجد في يسوع الناصري اي ذنب يستحق العقوبة، ومع إصرار اليهود وتحريضهم على صلب يسوع

نجد كاتب الإنجيل يضيف حبكة درامية مهمة جدا، تتمثل في قيام (بيلاطس) بطلب ماء وثم قام وغسل يديه أمام الجموع، ليؤكد لهم أنه بريئ من دم هذا الإنسان البار.. ثم أصدر قراره بجلده وصلبه !!

(فلما راى بيلاطس انه لا ينفع شيئا بل بالحري يحدث شغب اخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع قائلا اني بريء من دم هذا البار ابصروا انتم)  متى 27/24

ولم ينسى كاتب الإنجيل بعد ان قام بتبرئة الحاكم الروماني، بأن يضيف فقرة تؤكد مسؤولية اليهود، بل وحتى ذريتهم!

(فاجاب جميع الشعب وقالوا دمه علينا وعلى أولادنا!!!)  متى 27/25

وعند الذهاب الى انجيل ( لوقا) نجد كاتب الاناجيل ينفرد باضافة تطورات وتفاصيل جديدة للقصة، من اجل ابراز نفس الغرض، وهو إلقاء اللوم والمسؤولية على اليهود، حيث نجد ايضا في الاصحاح الثالث والعشرين،ان (بيلاطس) مقتنع ببراءة يسوع الناصري، وعندما عرف انه من (الجليل) قام بارساله الى حاكم الجليل (هيرودس) الذي تصادف وجوده في أورشليم بذلك الوقت !!

الحاكم الضيف، لم يجد،كذلك، ان يسوع قد اقترف جريمة او ذنب، فاكتفى بضربه واهانته، وارجعه الى بيلاطس !

وهنا، نجد بيلاطس، يحاول جاهدا، ولثلاث مرات،ان يقنع جموع اليهود، بإطلاق سراح يسوع البريء حسب رأيه، ولكن اليهود،كانت ترتفع أصواتهم بالمطالبة بصلب يسوع، فاضطر الحاكم الروماني (المسكين) الى النزول على رغبة اليهود، فقام باطلاق سراح (باراباس) المدان بقضية شغب وأمر بصلب يسوع الذي كان يجده بريئا !!

اما اخر الأناجيل القانونية تدوينا (إنجيل يوحنا) فقد تطرق الى نفس القصة في اصحاحين (18 و 19)

وقام باضافة تفاصيل وبهارات جديدة لزيادة الحبكة!!... ولو ان بعضها كان يشي بالطرافة والغرابة !!

حيث نجد الحاكم (بيلاطس) يقوم بدور يشبه المفاوض، بين يسوع المتواجد داخل دار الولاية، وبين رؤساء اليهود الذين بقوا خارج تلك الدار، لذلك اضطر بيلاطس للذهاب والمجيئ ثلاث مرات بينهما، ومع ذلك، فشل في إقناع اليهود !!

رغم انه وبعد حوار مطول مع يسوع،بقي مقتنعا ببرائته، وأراد إطلاق سراحه، لكن اليهود أصروا على إطلاق (باراباس)

وهنا نجد ان كاتب انجيل(يوحنا) ابتكر لنا فكرة جديدة وقوية !!... وهي تهديد اليهود لبيلاطس والتلميح له بأنهم سيتهمونه بعصيان القيصر، لذلك خاف بيلاطس !!... وقرر النزول عند رغبتهم !!

(من هذا الوقت كان بيلاطس يطلب ان يطلقه ولكن اليهود كانوا يصرخون قائلين ان اطلقت هذا فلست محبا لقيصر كل من يجعل نفسه ملكا يقاوم قيصر) يوحنا 12/19

هذا التطور المستمر في تحديث و تغيير تفاصيل قصة الحكم بالصلب على يسوع المسيح، يعكس لنا بشكل واضح الأثر الاجتماعي وكذلك السياسي على مخيلة المؤمنين بالمسيحية في زمنها المبكر، والذي انعكس على سرديات نصوص الأناجيل، التي هي بطبيعة الحال، انعكاس لطريقة تفكير هؤلاء المؤمنين ونظرتهم الى الأمور، ومحاولتهم لتصوير الحدث التاريخي وفق الطريقة التي تشيطن خصومهم في العقيدة، وبنفس الوقت، تزيل العنت واللوم عن السلطة التي ينتمون لها

وبذلك خرجت لنا نصوص الأناجيل، بقراءة للتاريخ تقوم على الرؤية الايمانية للمسيحيين الاوائل، اكثر مما هي قراءة حقيقية لمجريات الأحداث التاريخية.

وهذا الأمر تؤكده أيضا، صورة الحاكم الروماني (بيلاطس) في المخيال المسيحي في الفترة المبكرة، حيث اننا نجد بعض الأخبار تشير إلى أن هذا الحاكم القاسي القلب والذي كان يحتقر اليهود، ويبطش بهم،قد  تاب من فعلته، بل يوجد هناك كتاب زائف اسمه أعمال بيلاطس (يرجع إلي القرن الرابع أو الخامس الميلادي) يبرر بيلاطس من كل لوم، ويؤكد أنه اعترف أن يسوع هو ابن الله!!.

كما توجد حتى اليوم كتب أخري باسم أعمال بيلاطس تختلف فيما بينها في بعض التفصيلات، إلا أنها جميعها زائفة. وتزعم إحدى الأساطير أن زوجة بيلاطس صارت مسيحية. ويقال أن بعض الكنائس الشرقية تحتفل بيوم 25 يونيو، تذكارأً لبيلاطس باعتباره قديساً وشهيداً!!!

ورغم ان هذا الرأي يفتقر إلي السند التاريخي، و لايمثل الرأي الرسمي للكنيسة، لكنه بنفس الوقت، يعكس لنا نمطية التفكير لدى المسيحيين الاوائل من غير الأصول اليهودية، والذين كانوا يعتقدون ان تبرئة (بيلاطس) وهو رمز للسلطة الذين هم مواطنوها، سيرفع عنهم عقدة الذنب، الذي سيتم رميه برقبة اليهود ورقاب اجيالهم !!!

 

د. جعفر الحكيم

 

 

نخبة (ِElite) في السياسة والنظرية الاجتماعية، هي مجموعة صغيرة من الناس الذين يسيطرون علي الاقتصاد والسلطة السياسية. ويستخدم المفهوم بصورة عامة للدلالة علي ما هو متميز بجودته نوعيته، غير أنه في العلوم الاجتماعية يتسع ليدل على الجماعات الاجتماعية المتميزة بخصائصها ومواقعها الإدارية والتنظيمية، وخاصة ذوي النفوذ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي[1]. وقد انتشر استخدام المفهوم بهذا المعنى في العلوم الاجتماعية والكتابات السياسية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين خاصة في الثلاثيتيات في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، خاصة كتابات فلفريدو باريتوا Vilfredo Pareto  (1848-1923) وهو اقتصادي وفيلسوف وعالم اجتماع إيطالي، وقد دفعه انتماؤه الارستقراطي ونظرته المتعالية للجماهير من ناحية، وموقفه العدائي من النظريتين الاشتراكية والليبرالية  معا من ناحية أخرى إلى تصنيف  أشكال السلوك الاجتماعي في نوعين أساسيين:

الأول: هو السلوك التجريبية المنطقي أو العقلاني.

الثاني: هو السلوك التجريبي اللاعقلي القائم على أساس انفعالي.

إلا أن تاريخ ونشأة المفهوم لم يتفق علماء الاجتماع والسياسة عليه، وإن اتفقوا على أن ظهور النخبة كتشكلات ضارب في القدم، واستندوا في ذلك على تصميم الفيلسوف أفلاطون على أهمية أن تقود المجتمع فئة من النابهين رآهم في الفلاسفة فضلا عن التأكيد على أن النخب كانت موجودة في كافة المجتمعات،، وعلى هذا يمكن التأكيد أن ظاهرة النخبة ظاهرة ارتبطت بالإنسان منذ بدء الخليقة، وإن اختلفت صورها ونوعية النخبة نفسها فهي مرتبطة بسياق زمني وسياق مكاني يحددان نوعها ودورها[2].

يعتبر باريتو أن ما يجب أن ينشغل به هذا العلم هو دراسة السلوك التجريبي المنطقي، ويعتبر أن نمط السلوك يرتبط بالطبقة أو بالوضع الاقتصادي والاجتماعي للناس، وأن القلة هي التي يمكن وصف سلوكها بأنه سلوك تجريبي منطقي لأنه سلوك ينهض على مبادئ العقل والمنطق، أما سلوك الغالبية أو الغوغاء أو الجماهير، فإنه يمكن وصفه بأنه سلوك لا عقلي لأنه سلوك ينهض على أساس الانفعال.

بالتالي القلة عند "باريتو" هي الفئة الممتازة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، والفئة المثقفة هي الفئة التي تشغل مكانا مرموقا في المجتمع.

إذا النخبة هي كهوية اجتماعية وبنية: أنها جماعة من الناس أو فئة قليلة منهم تحظى بمكانة اجتماعية عالية الشأن وتؤثر في الشرائح الأخرى، وتتمتع بسمات خاصة كالقدرات الفكرية والأدبية، أو الوضع الإداري المتميز والعالي؛ مما يجعلها ذات هيبة عالية ونفوذ واسع الانتشار، وغالباً ما تتشابه في الاتجاهات والقيم ومهارات القوة والاتصالات الشخصية والأسرية.

وتعد مؤلفات "باريتو" عن "العقل والمجتمع" الصادر عام ١٩١٦م، وغايتانو موسكا (١٨٥٨م – ١٩٤١م) الطبقة الحاكمة الصادر عام ١٩٤١م، وروبرت ميشيل (١٩٣٦م)، وشارلز رايت ميلز (١٩٦٢م) أشهر من كتب عن مفهوم النخبة مع اختلافات بينية تعود لاختلاف الزمن الذي عاش فيه بعضهم.

جاتينو أو غايناتو موسكا وروبرت ميشيل، قد رأوا أن ثمة قانون تاريخي أطلق عليه ميشيل القانون الحديدي للأوليجاركية[3]. ففي هذا القانون ثمة "طبقة سياسية" أو "حاكمة" تتواجد في كل مجتمع تكون مسئولة عن إدارته السياسية. ففي عام ١٩١١م، كتب "روبرت ميشيل" عمله الشهير " الأحزاب السياسية"، حيث حاول من خلاله دراسة ما رآه مفارقة حديثة، وهي أن الديموقراطية الليبرالية المعاصرة، قد أتاحت الفرصة لنشأة منظمات ذات أهداف ثورية. لكن بمرور الوقت، وزيادة تعقيد التنظيم، تصير، وللمفارقة، أقل ديموقراطية، ومحكومة من قبل مجموعة من القادة المحافظين، وقد خلص "ميشيل" إلى قانونه: " من يتحدث عن تنظيم يتحدث حتما عن أوليجاركية".

وهكذا كانت نشأة نظرية النخبة تطرح، وكما صرح "باريتو"، أن الديموقراطية هي مجرد أكذوبة أو وهم لا يمكن تحقيقه. لذلك كان البديل لدى المدرسة الإيطالية هو واقعية حكم النخبة بما تحتويه تلك الواقعية من داروينية غير أخلاقية، حيث اعتبر باريتو أن البقاء فيها للأقوى ضمن صراع الطبقات.

وكان هناك أيضا وصف آخر للنخبة وهي النخبة الارستقراطية وهي وفقا للموسوعة العربية[4]، فهي تعني كلمة مركبة من كلمتين يونانيتين وتعني الفاضل أو الجيد، وتعني القوة أو السلطة وكانت الكلمة من مدلولها الأصلي تعني حكم أفضل المواطنين لفائدة جميع الشعب. فالأرستقراطية إذا "حكم الأفضلين" وبهذا المعنى استخدمها أفلاطون في الجمهورية وأرسطو في السياسة، وكان كلامهما يعتقد أن الحكومة الارستقراطية أفضل أنواع الحكومات وأكثرها عدلا ولكنهما أبديا ارتيابا في قدرتها على الديمومة، حيث يقول أفلاطون في الكتاب الثامن من الجمهورية " إذا انحرفت الارستقراطية وتحول أبناؤها إلى إيثار القروة على الشرف تحولت إلى الأوليغارشية (حكم الأقلية) التي لبابها جعل الثروة أساس الجدارة وهو إثم فظيع، ويعد أرسطو الارستقراطية حكومة الأقلية الفاضلة العادلة، إلا أن الأوليغارشية فساد طبيعي لها[5].

مفهوم "النخبة" في العصر الحديث:

أما في العصر الحديث فقد أعيد طرح فكرة النخبة لكن ليس على الطريقة الإيطالية في صناعة النظريات، وإنما كانت دراسات نقدية تكشف زيف الديمقراطية المعاصرة. ففي عام ١٩٥٦ م ظهر كتاب نخبة السلطة لعالم الاجتماع الأمريكي " شارلز رايت ميلز" ( ١٩٦٢م)، للإجابة علي سؤال : كيف وصل النازيون إلى السلطة في دولة الديموقراطية؟

وحاول ميلز تسليط الضوء على الواقع السياسي في موطنه الولايات المتحدة الأمريكية وتحليل ذلك الواقع، ورأى أن النخب القوية في الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تحكم بالفعل، وأن الديموقراطية تتعرض للتفكيك في المجتمعات الحديثة. رقد عد ميلز ٦ مجموعات:

1- العائلات التاريخية في الولايات المتحدة الأمريكية وتتربع على قمة الهرم؛

2- المشاهير؛

3- المدراء التنفيذيين؛

4- الأثرياء من أصحاب الشركات العملاقة

5- أمراء الحروب "جنرالات الجيش"؛

6- الحكام المستبدين السياسيين.

في مقابل نظرية النخبة تطرح نظرية التعددية السياسية والاجتماعية "Pluralism"، كنوع من تطوير الديموقراطية في مقاربة مختلفة لمفهوم السلطة، ولكنه لا يحصرها في الحيازة المباشرة للسلطة.

وتخضع النخبة عادة لقانون التغيير والتبدل وفقا لمقتضيات التطور الذي تمر به المجتمعات على أساس دورة انتقالية يتم من خلالها استبدال نخب وإحلال نخب جديدة وفقا لآلية يكون الهدف منها تحقيق التوازن الاجتماعي بمفهومه الشامل والمحتوي للواقع السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي، التنظيمي[6].

ويرى المفكر المغربي محمد سبلا فيرى في دراسته "النخبة السياسية والنخبة الثقافية في مغرب ما بعد الاستقلال، أن مفهوم النخبة مفهوم وصفي تقربي يشير إلى الفئات التي تحظى بنوع من التميز داخل حقل اجتماعي ما، كما تمارس نوعا من الريادة داخل هذا الحقل، يكتسب أفراد هذه الفئة بعض السمات إما عبر آلية التوارث أو عبر آلية الاكتساب، وفي كلتا الحالتين تكون عملية الحصول على الصفة ناتجة عن مجهود وخاضعة لسياق تناسبي وصراعي، وبالتالي فإن النخبة خاضعة موضوعيا للصراع الاجتماعي ببعديه الأفقي والعمودي، ومن ثم قانون التنافر أو التجانس سواء داخل النخبة الواحدة أو بين النخب.[7]

ويرى الكاتب العراقي سعد محمد رحيم: أن النخب عموما هي الفئات التي تتميز عن بقية أفراد المجتمع من خلال قدرتها علي الفعل والإنتاج في مجالها المحدد – سياسة واقتصاد وثقافة وعلوم..الخ، وحين نقول نخب سياسية فلابد أننا نعني بها الأفراد والجماعات التي تمتلك خطابا سياسيا، وتفترض نفسها قائدة أو موجهة للمجتمع أو لمكونات منه، وتسعى من ثم إلى الفوز بالسلطة السياسية عبر وسائل مشروعة أو غير مشروعة، وبالمقابل فإن عبارة نخب ثقافية تحيلنا إلى أفراد وجماعات أيضا تهتم بالشأن الثقافي، وتسعى لممارسة التأثير على ذهنية المجتمع وقيمة معتقداته وأفكاره وأخلاقه حتى عاداته وتقاليده، ولسوء الحظ لا توجد معايير دقيقة أو حدود صارمة ونهائية يمكننا من خلال اعتمادها معرفة وفرز من هم في ضمن النخب السياسية أو الثقافية ومن هم خارجها.[8]

وبشكل عام هناك صفات تتصف بها النخب غالبا وهي:

1- نخبة اقتصادية واجتماعية وثقافية؛

2- قلة العدد نسبيا باعتبارهم نخبة، تجمعها مشتركات الوعي والنفوذ والمكنة والعلم؛

3- تحتل موقعا متقدما في المجتمع ومرموقا وبالتالي في السلطة؛

4- قدرتها على صنع القرار، وتوجيه الرأي العام؛

5- توجيه الناس إلى القيم الاجتماعية التي تؤمن بها، والتأثير في عقيدتهم؛

6- تنتمي لطبقات ارستقراطية، وليست من عامة المجتمع؛

7- تتعرض للتبدل والتغير وفق معطيات الزمان والمكان، بحيث لا تحكمها معايير ثابتة، من حيث المواصفات ومنظومة القيم؛

8- تتصدى عادة للتغيرات التي تخالف مصالحها أو معتقداتها وقيمها، وتسعى للإصلاح وفق منظورها الذي لا يخلو من أبعاد طبقية أو إيديولوجية؛

9- الاستقلالية، بمعنى أنها تتولى حسم قضاياها وحل مشكلاتها حسب تصوراتها ومصالحها؛

10- قدرتها على خدمة السلطة وإضفاء الشرعية على الحاكم، من خلال تعديل سلوك المواطنين والترويج للأفكار التي تخدم هذه السلطة، وبعض النخب هي خليط غالبا من فئات وتناقضات، تدافع عن مصالح كما تدافع عن أفكار وتوجهات.

إلا أن مفهوم النخبة قد يحيلنا إلي مفهوم الاستبداد، استبداد النخبة الحاكمة، إذ تعتبر كثير من الدول العربية والإسلامية خاضعة لفكرة النخبة الحاكمة، سواء كانت تتمثل في فرد محاط بهيئة نخبوية استشارية، أو بمؤسسات تتحكم في مسارها نخب طبقية، تنتمي لعائلات أو أحزاب أو غيرها.

وهذا لا يعني رفض مفهوم النخبة، أو تقويض تبني مفهوم الديموقراطية الذي يعتمد على حكم الأغلبية من خلال الانتخابات التي تتيح للأفراد من عامة الشعب اختيار ممثليهم، الذين تكون وظيفتهم مراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها، وتشريع قوانين تصب في صالح الوطن والمواطن.

ورغم أن مفهوم النخبة نشأ في بيئة طبقية غالبا بين القرنين التاسع عشر والعشرين، إلا أنه تطور من حيث الدلالة، وخضع لتحولات نتجت عن التجارب الاجتماعية للنخب، وتفاعلها مع تطورات النظريات السياسية في العالم، كالديموقراطية التي تعني حكم الأغلبية، لكنها في ذات الوقت تؤدي مع الأيام لحكم النخبة بل وصناعتها، وهو تحدي يتمثل في حقيقة الحيازة النخبوية للنصيب الأكبر من السلطة وصناعة القرار، وهو تحدي يدفع لتطوير الممارسة الديموقراطية لا رفضها وتقويضها لأنها تبقى خيارا أفضل من الاستبداد.

ويمكن للنخبة في مدلولها الثقافي والاجتماعي، أن تلعب دورا إيجابيا في تطوير وعي الجمهور السياسي، حتى لا تتشكل نخبة حاكمة تتحكم في القرار وفي مصير الدولة والشعب، فلا يمكننا أن ننكر وجود نخبة وإن لم تكن نخبة من الطبقة السياسية الحاكمة، لكنها نخبة ثقافية اجتماعية تلعب دورا بارزا وأحيانا غير مباشرا، في دعم أو معارضة الطبقة السياسية، وفي تقويض الديموقراطية أو تطويرها. فالديموقراطية لها مقومات مهمة، أهمها الحريات والمساواة والحقوق والعدالة. ويمكن للنخب الاجتماعية أن تعزز من هذه المقومات وتنهض بها في وعي الشعب، وتطورها وتدافع عنها وتصونها كحق وكممارسة.

النخبة في الرؤية القرآنية:

النخبة كمفهوم ولفظ لم يتم ذكره بالقرآن، ولكن دلالاته تتلاقى مع دلالات ألفظ أخرى، وفق قاعدة الاشتراك المعنوي، أي اشتراك لفظين مختلفين في ذات الدلالة والمعنى، وما يتفق من حيث الدلالة لمفهوم النخبة الذي أشرنا سابقا إلى أنه مجموعة مشخصة من الناس وصغيرة، تتميز بمميزات تم تحديدها من حيث الطبقة والمعرفة والموقع الاجتماعي، هي من تقود المجتمع سياسيا واقتصاديا وعلميا واجتماعيا. فكانت المحددات غالبا محددات ظاهرية كالعلم، والقدرة المالية، والموقع الاجتماعي.

وهناك مفاهيم قرآنية تلتقي مع بعض دلالات النخبة من حيث الوظيفة، وهي قيادة المجتمع، وتختلف معها من حيث الهدف والمواصفات أو المميزات التي تتسم فيها هذه المجموعة. مع أن القرآن استخدم ألفاظ أيضا تلتقي مع مفهوم النخبة من حيث الدلالة، وتلتقي معه في المميزات التي كانت تميز هذه المجموعة.

فالنخبة في عصرنا قد تعطي دلالات سلبية وقد تكون دلالاتها إيجابية، وتعتمد نوعية الدلالة على نوعية الوظيفة والفعل الذي تؤديه النخبة في محيطها، إلا أن القرآن ميز بين نوعين من النخب لفظيا وبالتالي دلاليا، فوضع مواصفات للنخبة بمدلولها الإيجابي وأطلق عليها لفظ " الصفوة"، ومواصفات لمفهوم النخبة بمدلوله السلبي وأطلق عليها لفظ " الملأ"، وبذلك يكون القرآن ميز بين النخب وقسمها إلى قسمين:

- النخبة بالمدلول السلبي:" الملأ"؛

- النخبة بمدلولها الإيجابي: " الصفوة".

الملأ:

(الملأ) هم الجماعة يجتمعون على رأي فيملأون العيون رواءً ومنظراً والنفوس بهاءً وجلالاً ولذلك يقال لأشراف كلّ قوم (الملأ) لأنّهم بما لهم من مقام ومنزلة يملأون العين[9].

و"الملأ" تطلق عادة على الجماعة التي تختار عقيدة وفكرة واحدة، ويملأ اجتماعها وجلالها الظاهري عيون الناظرين، لأن مادة "الملأ" أصلا من "الملء"، وقد استعملها القرآن على الأغلب في الجماعات الأنانية المستبدة ذات المظهر الأنيق والباطن الفاسد الملوث بالأوساخ والشرور، والذين يملأون ساحات المجتمع المختلفة بوجودهم[10].

ولكن هذه الجماعة الأنانية المستكبرة، وبخاصّة أغنياؤها المغرورون المعجبون بأنفسهم، والذين يعبّر عنهم القرآن بلفظة "الملأ" باعتبار أنّ ظاهرهم يملأ العيون، قالوا لهود نفس ما قاله قوم نوح لنوح (عليه السلام): (قال الملأ الذين كفروا من قومه إنّا لنراك في سفاهة وإنّا لنظنّك من الكاذبين)[11].

ثمّ إنّنا نلاحظ أيضاً أنّ جماعة الأغنياء والمترفين ذوي الظاهر الحسن، والباطن القبيح الخبيث، الذين عبر عنهم بالملأ أخذوا بزمام المعارضة للأنبياء الإلهين العظماء وحيث أنّ عدداً كبيراً من أصحاب القلوب الطيبة والأفكار السليمة كانت ترزح في أسر الأغنياء والمترفين، قد قبلت دعوة الأنبياء واتبعتهم، لهذا بدأ الملأ بمخالفتهم لهؤلاء المؤمنين.

فقال الفريق المستكبر من قوم صالح للمستضعفين الذين آمنوا بصالح: هل تعلمون يقيناً أنّ صالحاً مرسَل من قبل الله (قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أنّ صالحاً مرسَل من ربّه)[12].

سورة النمل، آية 29:

"قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ" وكانت هنا بلقيس تختطب المستشارين النخبة النحاطين بها في السلطة.

سورة ص، آية 6:

"وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى‏ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لشيء يُرادُ"

وأغلب استعمالات كلمة الملأ في القرآن كانت تعظي دلالات عن مجموعة تملأ العين من حيث الموقع والقدرة المادية، وقد يكون موقع علمي، إلا أن دلالات المفهوم في القرآن دلالات سلبية، بمعنى أن هذه النخبة التي هي الملأ، تمتلك مواصفات شبيهة بمواصفات النخبة في مدلولها السلبي وظيفيا وعملانيا، وهي الموقع الاجتماعي، والموقع الاقتصادي، والقدرة العلمية، ويحيطون عادة الحاكم كفرعون مثلا، أو يتصدون لقيادة جماعتهم الدينية كاليهود، في سبيل نجاتهم أو خلاصهم كما في قصة بني إسرائيل مع النبي شموئيل في تنصيب طالوت لتخليص بني إسرائيل من التشتت، طبعا هذا الموقع جعلهم في أعين الناس نخبة، حيث أن قدرتهم المالية وموقعهم الاجتماعي وموقعهم السياسي جعل لهم حظوة عند الناس فالتف الناس حولهم، وهذا الالتفاف زادهم سلطة ونفوذا. إلا أن وظيفة الملأ تتناسب مع أهدافهم، وأهمها تحقيق مكاسب مادية اقتصادية، وموقع متقدم في السلطة السياسية، وتكريس موقعهم الاجتماعي الطبقي، بالتالي تكون وظيفتهم تحكمها معايير تحقق هذه الأهداف، حتى لو كان ذلك بانتهاك حقوق الآخرين أو بمخالفة مبدأ العدالة والكرامة.

فالقرآن يقدم الصفات التالية للملأ:

1- مجموعة تملأ العين، ظاهرهم حسن وباطنهم خبيث.

2- لها مقومات اقتصادية عالية.

3- موقع اجتماعي متقدم.

4- مترفين.

5- علية القوم.

6- لهم نفوذ سياسي.

7- معاندين لدعوة الأنبياء التي تريد تحقيق العدل الذي يزعزع نفوذهم وطبقيتهم ومصالحهم.

8- وظيفتهم وأداءهم يتناسب وأهدافهم.

9- في عرض المشروع الإلهي، بالتالي تكون أهدافهم مادية.

الصفوة "المصطفين":

من الاصطفاء أي الاختيار والتفضيل، وهي من الصفوة، أي صفوة الناس وخيرتهم، وقد ذكرت في القرآن في سورة ص آية ٤٧: " وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار".

فالصفوة هي أقلية من الشعب تتصدى لاتخاذ غالبية القرارات داخل المجتمع، لأهليتها وقابليتها الإدراكية ووعيها، فهي تؤثر على المظاهر العامة للمجتمع في حال أتيح لها القيام بدورها وتصحيح مسار الأحداث لتحقيق العدالة.

وكان هناك في هذه الآية وما سبقها صفات ومميزات تحدد معالم من هم المصطفين الأخيار، وطبعا تحدد أهدافهم ووظيفتهم، وبالتالي وفق هذه المحددات يمكن رسم نموذج للصفوة التي رسم معالمها القرآن:

العبودية لله تعني عدم الاحتياج لغيره، وعدم التوجّه لسواه، والتفكير بلطفه ورحمته فقط، هذا هو أوج تكامل الإنسان وأفضل شرف له.

1- الإنسان يحتاج إلى قوّتين لتحقيق أهدافه، الاُولى قوّة الإدراك والتشخيص، والثانية حسن الأداء. وبعبارة اُخرى: يجب عليه الاستفادة من (العلم) و (القدرة) للوصول إلى أهدافه.

وقد وصف البارئ عزّ وجلّ أنبياءه بأنّهم ذوو إدراك وتشخيص وبصيرة قويّة، وذوو قوّة وقدرة كافية لإنجاز أعمالهم.

2- إنّ هؤلاء الأنبياء على مستوى عال من المعرفة، وأنّ مستوى علمهم بشريعة الله وأسرار الخلق وخفايا الحياة لا يمكن تحديده.

- أمّا من حيث الإرادة والتصميم وحسن الأداء، فإنّهم غير كسولين أو عاجزين أو ضعفاء، بل هم أشخاص ذوو إرادة قويّة وتصميم راسخ، إنّهم قدوة لكلّ السائرين في طريق الحقّ، فبعد مقام العبودية الكامل لله تعالى، لتسلّحوا بهذين السلاحين القاطعين.

وممّا يستنتج من هذا الحديث أنّه ليس المراد من اليد والعين أعضاء الحسّ التي يمتلكها غالبية الناس، لأنّ هناك الكثيرين ممّن يمتلكون هذين العضوين لكنّهم لا يمتلكون الإدراك والشعور الكافي، ولا القدرة على التصميم، ولا حسن الأداء في العمل، وإنّما هي كناية عن صفتين هما (العلم والقدرة).

3- إنّهم يتطلّعون إلى عالم آخر، واُفق نظرهم لا ينتهي عند الحياة الدنيا ولذّاتها المحدودة، بل يتطّلعون إلى ما وراءها من حياة أبدية ونعيم دائم، ولهذا يبذلون الجهد ويسعون غاية السعي لنيلها.

وعلى هذا فإنّ المراد من كلمة (الدار) هي الدار الآخرة، لأنّه لا توجد دار غيرها، وإن وجدت فما هي إلاّ جسر أو ممرّ يؤدّي إلى الآخرة في نهاية الأمر[13].

4- إنّ إيمانهم وعملهم الصالح كانا السبب في اصطفاء البارئ عزّ وجلّ لهم من بين الناس لأداء مهام النبوّة وحمل الرسالة، وعملهم الصالح وصل إلى درجة. استحقّوا بحقّ إطلاق كلمة (الأخيار) عليهم، فأفكارهم سليمة، وأخلاقهم رفيعة، وتصرفاتهم وأعمالهم طوال حياتهم متّزنة، ولهذا السبب فإنّ بعض المفسّرين يستفيدون من هذه العبارة وأنّ الله سبحانه وتعالى اعتبر اُولئك أخياراً من دون أي قيد وشرط، كدليل على عصمة الأنبياء، لأنّه متى ما كان وجود الإنسان كلّه خيراً، فمن المؤكّد أنّه معصوم[14].

عبارة (عندنا) مليئة بالمعاني العميقة، وتشير إلى أنّ اصطفاءهم واعتبارهم من الأخيار لم يتمّ وفق تقييم الناس لهم، التقييم الذي لا يخلو من التهاون وغضّ النظر عن كثير من الاُمور، وإنّما تمّ بعد التحقّق من كونهم أهلا لذلك وبعد تقييمهم ظاهرياً وباطنياً.

أي لم يتحركوا وفق إيقاع الناس، ولم يضبطوا إيقاعهم على إيقاع الناس، بل ضبطوا إيقاعهم وفق إيقاع الله وتحقيق العدل، وحفظ كرامة الناس.

فكلّ واحد منهم كان مثالا واُسوة في الصبر والاستقامة وطاعة أوامر البارئ عزّ وجلّ، خاصّة "إسماعيل" الذي كان على استعداد كامل للتضحية بروحه في سبيل الله، ولهذا السبب اُطلق عليه لقب (ذبيح الله) وهو الذي ساهم مع والده إبراهيم (ع) في بناء الكعبة الشريفة وتثبيت اُسس التجمّع العظيم الذي يتمّ في موسم الحجّ كلّ عام.

فقط يتطابق مفهوم النخبة ودلالاته السلبية مع مفهوم الملأ، إلا أن ما يمكن أن يكون نخبة بشكل حقيقي ويتصدى لمواجهة الانحرافات، ويسعى لتطوير وعي الشعوب، وتحقيق العدالة ومنع الظلم، ورفع كل ما يتقاطع مع كرامة الإنسان هو مفهوم النخبة الذي يتطابق في أغلب مواصفاته مه مفهوم الصفوة " المصطفين"، وصفاتهم وأدوارهم وأهدافهم. فقط يكون من الصفوة شخصا ليس من طبقة اقتصاديه مرموقة، وليس له نفوذ في السلطة أو موقع اجتماعي، لكنه يتميز بمواصفات الصفوة، من علم وبصيرة وعبودية لله، وتقوى ومعرفة، فتؤهله صفاته ليصبح من الصفوة التي تقود الناس نحو العدالة.

لذلك على مر التاريخ وفي كافة التجارب البشرية، والأديان السماوية هناك شبه إجماع على وجود مجموعة محددة من الناس، هي التي تتصدى وتقود المجتمع، وتصنع له وعيه، وجاء الاختلاف على مواصفات هذه المجموعة، ودورها وأهدافها، ورؤيتها الكونية، فالنخبة والصفوة والملأ، مفاهيم لها دلالات، لكن القرآن الكريم رسم معالم ودلالات مفهوم الصفوة والملأ، كصفات وأدوار وأهداف ورؤية كونية، ومفهوم النخبة قد يتطابق مع مفهوم الملأ تارة نتيجة تطابق صفات وأدوار وأهداف شخوص النخبة، وقد يتطابق مع مفهوم الصفوة، لنفس النتيجة. والأصل هو أن الصفوة هدفها تحقيق العدل ومنع هدر كرامة الإنسان، وتحقيق كل المقومات التي تحقق العدالة، وبالتالي لابد أن تستخدم الوسائل الصالحة وتتصف بصفات الصلاح، حتى تستطيع مواجهة كل التحديات التي ستواجهها في مسارها الإصلاحي.

النخبة وتمجيد الجهل:

كما أشرنا سابقا أن النخبة تمتلك مؤهلات كثيرة تمكنها من قيادة المجتمع، وتكون أهم وظيفة لديها هو تحقيق العدالة والحفاظ على حقوق الناس ومنع هدر كراماتهم. ولكن بعض النخب تستخدم هذه الشعارات استخداما وظيفيا تهدف من وراءه تحقيق مصالح تخصها، على مستوى موقعها الاجتماعي، أو مصالحها الاقتصادية، أو على مستوى دورها وموقعها في الطبقة الحاكمة، لتحقق مزيد من النفوذ. ولكن تداعيات استغلالها لهذه الشعارات تكون أكثر مفسدة من فساد مقاصدها وغاياتها، لأنها باستغلال هذه الشعارات تعمل على تضعيف ثقة الناس ليس فقط فيها وإنما بهذه الشعارات المهمة، التي من المفترض أن تصنع وعي الناس عملانيا وتطبيقيا من خلال سعي هذه النخب لإصلاح الواقع وتطبيقها في المجال الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، إلا أن تقاعصها عن ذلك واختلال استخدامها لهذه الشعارات، أدى لتقويض المفاهيم وإضعافها في أذهان الناس، وبدأت نتيجة ذلك أن ترتسم دلالات جديدة لمجرد سماع هذه الشعارات. وحتى لو تصدت نخبة بصدق لتحقيقها فإنها ستواجه بالخذلان وفقدان الثقة من أغلب الناس. فمن المخزي جدا أن تعمل كثير من النخب تحت شعارات إنسانية لا يختلف عليها إثنين، كالحرية والعدالة وحقوق الإنسان والكرامة، لكنها تستخدمها كأدوات لغايات بعيدة عن دلالاتها وواقعها، بل بعضهم ما أن يحقق ما يريد ينقلب على هذه الشعارات ويمارس خلافها تماما، لتتآمر على أوطانها وشعوبها، فيتم بسبب هذا السلوك سقوط هذه المفاهيم الجميلة من وعي الناس، لأنها استخدمت كأدوات للتآمر عليهم وعلى أوطانهم.

فالاستخدام المشين لمفهوم الحرية والعدالة والحق والإنسانية، دفع عامة الناس لترجيح الاستبداد على نيل الحريات وتحقيق العدالة وتكريس الوعي الحقوقي والإنساني، فتمييع هذه المفاهيم واستخدامها كأداة في ضرب الاستقرار والأمن والقيم، جعلت منها سقط المتاع.

هناك نخب تستغل توق الناس للتحرر من عبودية المستبدين، وتعمل على تشويه المفاهيم المحورية في التوحيد، كالحرية والعدالة والحق، بعدة طرق:

1- فهمها الخاطئ لهذه المفاهيم، بالتالي تطبيقها البعيد عن الثوابت والقيم المحيطة، دون قراءة منها للواقع والتاريخ. مما يؤدي لتشويه إما غير متعمد نتيجة التسرع المعرفي وطرح الأفكار دون تدوير ومراجعة، أو نتيجة خلط وتشويه ناتج عن تجارب شخصية، اختلط فيها الواقع المشوه مع الفهم الخاطئ.

2- تأثرها السلبي بالفهم الغربي لهذه المفاهيم، بالتالي محاولاتها تطبيق الفهم الغربي لتلك المفاهيم، في بيئات مغايرة تماما من حيث الهوية والتاريخ، محاولة لتطويع الوعي، بالتالي يؤدي سلوكها لانتاج مفاهيم وتطبيقات مشوهة في المجتمع، لا تلبث حتى تتهاوى، ويقوم المجتمع كرد فعل لحماية هويته برفض أصل المفاهيم، والانكماش الذاتي نحو مزيد من الانزواء والتطرف والانطواء والاستبداد.

3- نخب وظيفية لدى قوى ما بعد الاستعمار، التي هي ذاتها قوى الاستعمار، تعمل براتب كبير، إما تم صناعتها من قبل مطابخ الاستعمار الفكرية والاستخباراتية، أو تم شراءها، بعد أن استغلت هذه الفئة مستواها الثقافي ورصيدها المعرفي والجماهيري، لتعتاش وتسترزق منه على حساب وعي الناس وتزييف الحقيقة، والدفع لمزيد من استعبادهم غير المباشر للغرب، استعباد فكري ومفاهيمي وقيمي، يعمل على تغيير المنظومة القيمية والمعرفية في ذلك المجتمع، ليتم تطويعه تدريجيا باستخدام مشوه ومنحرف لمفاهيم الحرية والعدالة والحق. وقد يكون بعضهم يئس من إمكانية التغيير في داخل جغرافيا وطنه، لتمكن الاستبداد، وتوغل الفساد، والانهزام الأخلاقي والقيمي في المجتمع، نتيجة إما الفقر، أو الاستبداد الذي يقمع الحريات بشكل عسكري، بالتالي يجد خلاصه الوحيد في التعاون مع قوى خارجية تدعمه بحجة نيله الاستقلال والتخلص من أشكال الاستبداد، بل تحت حجة نشر القيم الديموقراطية، لكنها في واقع الأمر هي تستخدمه كأداة في تحقيق طموحها في الهيمنة من جهة، أو الضغط على المستبد لتحقيق مطالبها حتى لو كانت على حساب كرماة شعبه وحريته. فهي بذلك تستخدم هؤلاء كأدوات وجسر.

4- نخب صامته، ترى حجم التشويه، ورغم رصيدها المعرفي تكتفي بالمتابعة الصامتة، دون أن تستغل هذا الرصيد المعطل وتفعله في محاولات طرح هذه المفاهيم، ضمن إطارها المعرفي ورصيدها التاريخي والراهن حوله، وضمن هويتها الخاصة، مع نقد للواقع ومحاولة إصلاحه. هي نخب عاطلة عن العمل المعرفي، ولكنها عالة على المجتمع الذي ينظر إليها كنخبة.

إن أصل مفهوم النخبة بات اليوم عرضة للتشويه الكبير، فالنخبة تحمل دلالات إيجابية في حال تطابقت مع مفهوم الصفوة القرآني في مواصفاته وأهدافه ورؤيته الكونية، بالتالي في سلوكه العملي التطبيقي في الخارج، فتعبر عن هموم الناس، وتحمل قضاياهم على عاتقها، وهي جزء منهم لا تنفصل عنهم، وتعيش كأبسط فرد بينهم، وتدفع حياتها لأجل تحقيق العدالة ورفع الاستبداد، لتنعم شعوبهم بها، فهي نخبة في الميدان، تعيش ضنك الحياة وتبذل ما لديها من مال لأجل قضيتها السامية.

اليوم أغلب النخب تشكل طبقة ارستقراطية برجوازية طبقية، تتوافق ومفهوم الملأ القرآني، ومفهوم النخبة في مبناه الفلسفي المادي، بعيدة عن هموم الناس، وبدل أن تكون هي في خدمة الناس ووعيهم، باتت تريد أن يكون الناس في خدمتها، وتحولت إلى آلهة تعشق التمجيد والتهليل والتصفيق حتى على أسخف الأفكار، وحتى على عمالتها وانبطاحها، تستغل العدد والكم خاصة بعد توافر مواقع التواصل الاجتماعي للجميع، وصناعتها للتزييف الفكري والمعرفي، وصناعتها لنخب وهمية، مما ساهم في تكريس ثقافة القطيع السلبية، وتنفيذ أجندات لا تحقق إلا مزيد من الاستعباد.

وعبر التاريخ كان الصراع في داخل النخبة قائم بين الصفوة والملأ، أي بين النخبة بمدلولها الإيجابي وتلك ذات المدلول السلبي، هذا الصراع ليس صراعا على تفاصيل في طريق الإصلاح، وإنما هو صراع منهجي، ومقاصدي، وصراع مبنائي، إذ يختلف كلاهما في مقاصده ومنهجه وفي القاعدة التي انطلق منها، فبينما الملأ هدفه الاستحواذ وتحقيق مصالحه الخاصة، وعدم اهتمامه بتحقيق العدالة والكرامة، واستغلاله لشعارات إصلاحية لكن لغايات فاسدة تصب في صالحهم، بينما الصفوة كان همها تحقيق العدالة، حتى لو قدمت في سبيل ذلك كل مصالحها، بل كثير منهم دفعوا حياتهم ثمنا في سبيل تغيير مسار المجتمعات، ورفع الظلم عنها، وتحقيق العدالة.

إن استمرار الاستبداد والفساد هو أحد أسباب انحراف النخب، التي بدل أن تسعى لرفعه لينعم الجميع تحت أشعة العدالة والرفاه، مالت تحت هذا الضغط الهائل واليأس من اصلاح فساد راكمته أجيال وأجبال في السلطة، مالت إلى الخلاص الذاتي الأنوي الفردي، لتحقق الرفاه الفردي مستغلة موقعها المعرفي في المجتمع وثقة الناس بها، الناس التي تعاني تحت وطأة الفساد والاستبداد وهدر الفرص والكرامات وضنك العيش، لا لفقر دولها بل مع وفرة المال واحتكاره في طبقة محددة من السياسيين الفاسدين بأغلبيتهم، وطبقة الأحزاب والتيارات السياسية أو الدينية وأتباعهم المخلصين، دفعت الناس للوثوق بنخب طرحت نفسها بصفة المخلص، إلا أن أغلب هذه النخب باعت هذه الثقة لتنعم وحدها بالراحة والرفاه، مقابل بيع الأوهام للناس، أو صناعة وعي جديد يريده منها الكفيل الجديد الذي يدفع لها ثمن الرفاه الخاص.

هو عقد بيع لكنه بيع للوطن وللشعب الذي وضع ثقته للخلاص فيها، فكانت عبوديته بسببها لكنها عبودية غير مباشرة كرست مزيد من هذه العبودية وعمقتها.

ومن الأسباب الأخرى هو غياب الهدف، فمع انتشار الفساد وتمكن الاستبداد، يعم اليأس من تحقيق الأهداف النبيلة، وتنتشر ثقافة الأهداف الذاتية الخاصة والأنوية، التي تحقق مفهوما للسعادة ضيق الأفق بعد اليأس من تحقيق السعادة بمدلولاتها العامة والاجتماعية.

فقديما كانت السعادة هي بتحقيق العدالة الاجتماعية والفردية، من خلال النضال الجماعي لرفع الاستبداد والظلم، عن الجميع فينعم الجميع بهذا الانجاز.

اليوم مع تمكن الاستبداد والفساد بأدوات  ديموقراطية شكلية، تحول مفهوم السعادة  لمفهوم فردي مادي غابت عنه الهدفية في بعدها المعنوي، بالتالي بات الفرد الذي اشتغل على ذاته معرفيا حتى لو كان اشتغالا صحيحا حقيقيا، تحت ضغط اليأس من تغيير الواقع، والصراع الذي يعيشه لتحقيق رؤاه المعرفية بين إما الانتماء لحزب وتيار والتبعية المعرفية لهم، أو التبعية والعمالة للخارج الاستعماري، أو الاستقلال الذاتي وعدم الانتماء، الذي لا يحقق له أي انجاز وفق الفهم العام المرتكز بالأذهان للانجاز، لا يحقق له ما يريده من تغيير  وتحقيق للسعادة لا على مستواه الفردي وليس الاجتماعي.

فهو يلجأ إما لتحقيق سعادته الخاصة، الفردية وبذلك تدريجيا يندفع نحو المفهوم المادي للسعادة، وتنسحب الأبعاد المعنوية في داخله، أو يميل للسعادة المعنوية المتجردة، التي قد تخلق له أوهام سعادة، لأنها لا تحقق عدالة واقعية في الخارج، ولا تغير في واقعه الخارجي أي شيء.

وفي الحالة الأولى قد ينقاد بسبب حاجته للسعادة المادية التي تتطلب مال إلى بيع ذاته للاستعمار، متوهما أنه يريد رفاهية شعبه، وتخليص وطنه من الفساد والاستبداد، أو ينقاد للفساد بحجة استخدام أي وسيلة لتحقيق التحرر من الفساد والاستبداد وتحقيق السعادة، بعد أن تم تشويه مفهومها في وعيه.

وفي الحالة الثانية قد يغرق في الخرافات والأوهام، والروحانيات البعيدة عن الواقع والحقيقة، ويتم تخديره ذاتيا بها، وتعطيله معرفيا بدفعه باتجاهها، أو هو يستخدمها بتجريدها أو انتزاعها عن سياقاتها المعرفية، ويوظفها بطريفة تخديرية وتعطيلية ليسكر ذاته بسعادة وهمية، أو ليثمل الشعب بها بعد عجزه عن تغيير الواقع الفاسد الغارق بالاستبداد، فيوهم نفسه ومحيطه بسعادة معنوية روحية غارقة بالوهم، بعيدة عن واقعه المثقل.

إن إرهاب المفاهيم الذي يتم ممارسته باستغلال كل الأدوات المتاحة في صناعة الوعي، وخاصة الإعلامية منها، التي تروج لمفاهيم ذات دلالات مصنعة في مراكز التفكير وصناعة المفاهيم، بحيث تصبح مفاهيم شعبوية، تمارس بها مجموعات الضغط إرهابا فكريا تفرض فيه فهما أحاديا لهذه المفاهيم، وتطرح دلالات محددة لها، بالتالي تحدد مصاديق أحادية لتلك الدلالات، فمفهوم السعادة على سبيل المثال يصبح له دلالات وتطبيقات خارجية محددة، يتم الترويج لها بكافة الوسائل غير المباشرة في غرسها في لا وعي الشعوب، لتتحول إلى وعي عام وقناعات وحقائق، وأهم وسيلة في ذلك الاعلام الذي يعتبر أكفأ وسيلة في صناعة الوعي واللاوعي، و الترويج للمفاهيم ودلالاتها وتطبيقاتها حسيا من خلال فن الصورة وحكايتها بصمت في وعي الشعوب.

وبعد تحويلها لواقع وحقيقة، يبدأ الترويج لهذه المفاهيم ودلالاتها وتطبيقاتها بطريقة شعبوية، تحرفها عن الدلالات الحقيقية لها، وعن تطبيقاتها الصادقة المطابقة لواقع الدلالة، وتصنع وعي لها مزيف في الفهم والتطبيق.

مثال مفهوم السعادة الحقيقي:

يُفسّر البروفيسور في علم النّفس مارتن سليغمان، من خلال نتاجه مع فريقه البحثيّ حول السّعادة، عن ٣ أنواع من الحياة "السّعيدة":

١- الحياة الممتعة pleasant life: هذا النّوع هو المليء بالأحداث والخصائص المُمتعة (الشّهرة، المال، الحفلات، السّهرات، النّزهات، إلخ). مُشكلة هذا النّوع أنّ السّعادة فيه ليست مُستدامة، وأنّ الشّخص يعتاد عليها فيحتاج جرعات أكبر مع الوقت.

فمثلا هذا النوع من السعادة الذي تروج له الحكومات من خلال الاعلام، يغرق الشعوب في رفاهية مصطنعة، تبعده عن مفهوم الرفاهية الحقيقي، لذلك ينشغل الفرد والمجتمع في العمل لكافة أشكاله، وجمع المال بكافة السبل لتحقيق مفهوم الحياة الممتعة. وهنا لا يسعى الفرد ولا النخب، وفق هذا الفهم للحياة، لرفع ظلم ولا استبداد، ولا تحقيق عدالة، لأن الهدف هنا ذاتي أنوي مادي غير ناظر للأهداف البعيدة المدى، بل أهداف قريبة المدى ذاتية ضيقة الأفق والحدود.

٢- الحياة الجيّدة good life: هذا النّوع هو الغنيّ بالأنشطة الّتي تستحوذ على كامل تركيز الشّخص فيتوقّف الزّمن لديه عندما يبدأ فيها (كالأشخاص المهووسين بالبرمجة أو الكتابة أو القراءة أو الرّسم، إلخ)

وهنا تكمن فردية في بعد فردي معنوي، يحقق لذة معنوية ذاتية، لكنها تعطيلية تخديرية، قد توقعه في وهم الانجاز، ووهم الهدفية، ووهم تحقيق الذات، هو وهم لأنه لا يحقق تغييرا واقعيا للواقع المحيط الاجتماعي والفردي، لا على مستوى الوطن ولا مستوى الشعب. لا يرفع فساد ولا استبداد ولا ظلم.

٣- الحياة الغنيّة بالمعنى meaningful life: هذا النّوع يعتمد على أن يُسخّر نقاط القوّة لديه في سبيل قضيّة أو هدف أكبر منه.

وهنا يستخدم البعد المادي والمعنوي باتزان، في سبيل القضايا الكبرى، كتحقيق العدالة والاستقلال الحقيقي والحرية من كل أنواع العبوديات، ورفع الظلم ومحاربة كل أنواع الفساد. هذه القضايا التي تتجاوز ذاته ومحيطه، إلى محيط أكبر، فهو يتحرك حراك تغييري مادي ومعنوي من ذاته، إلى محيطه الاجتماعي، ثم محيطه العالمي.

يُشير د. سليغمان إلى أنّ الحياة قد تكون غنيّة بالأنواع الثّلاث من التّجارب بنسب مُتفاوتة، ولكن كُلّما ازدادت تجارب النّوع الثّالث، ازداد منسوب "الرّضا عن الحياة" (life satisfaction).

لذلك كلما كانت حياة النخب مليئة بالمعنى، وقريبة من الأهداف العليا المرتبطة بالسماء، كلما استطاعت أن تحرك وعي الناس، وترسم معالم وعيهم التحرري من كل أنواع العبودية، وتقودهم إلى تحقيق الإصلاح الحقيقي في واقعهم الخارجي، الذي في نهاية المطاف يحقق الغاية من الإصلاح وهو العدالة وكرامة الإنسان.

إن واقعنا اليوم يحاكي مفهوم النخبة غالبا في بعده السلبي، حتى في أوساط المتدينين والنخب الدينية، وقد يكون أحد أهم سبب هذه السلبية هو البرادايم الذي تضعه بعض هذه النخب في فهمها للواقع، وفهمها للمحيط. نحتاج إلى ثورة فكرية ومفاهيمية وعملانية تكرس من مفهوم النخبة في دلالاتها الإيجابية "الصفوة"، فنحن لا نريد أن نصنع أنبياء فهي ليست وظيفتنا، بل قد علمنا الله وأشار إلينا كيف يجب أن تكون عليه واقع النخبة، وما هي مواصفاتها التي تجعل منها نخبة فاعلة واقعية تقود مسار التغيير نحو العدالة والكرامة الإنسانية.

 

إيمان شمس الدين

...................

[1] تعريف النخبة السياسية مجموعة تتمتع بإمكانيات فكرية وإبداعية على تسيير الشؤون السياسية أكثر من غيرها من أفراد المجتمع وتأخذ أشكالا متعددة حسب التفسيرات التي قامت على أساسها انطلاقا من الحالة الاقتصادية أو الاجتماعية أوالتنظيمية أو التمثيلية لهذه المجموعة.

[2] النخبة وتأثيرها في تكوين واستقرار المجتمعات وتشكيل نسق الحكم والفكر،المركز الديموقراطي العربي، ٢/يناير/٢٠١٦/ محمد نبيل الشيمي/ تم الاطلاع في ١٠/يوليو/٢٠٢٠/https://democraticac.de/?p=26489

[3] حكم الأقلية، شكل من أشكال الحكم بحيث تكون السلطة محصورة بيد قلة صغيرة من المجتمع، تتميز بالمال أو النسب أو السلطة العسكرية

[4] الموسوعة العربية (سوريا).

[5] النخبة وتأثيرها في تكوين واستقرار المجتمعات، وتشكيل نسق الحكم والفكر، المركز الديموقراطي العربي، ٢٧/يناير/٢٠١٦، محمد نبيل الشيمي،

https://democraticac.de/?p=26489 تمت المطالعة في ٢/أغسطس/٢٠٢٠

[6] محمد شطب: "النخبة السياسية وأثرها في التنمية السياسية"، مجلة جامعة تكريت للعلوم القانونية والسياسية، العدد ٤، ٢٠١٣، ص ٣

[7] محمد سبيلا – الخبة السياسية والنخبة الثقافية

[8] سعد محمد رحيم – نخب سياسية … نخب ثقافية

[9] تفسير الأمثل / الشيخ آية الله ناصر مكارم الشيرازي/ سورة البقرة/ الآية ٢٤٦

[10] سورة الاعراف / آية ٦٠ / المصدر السابق

[11] الاعراف / ايه ٦٦ / المصدر السابق

[12] الاعراف/ ٧٥ / المصدر السابق

[13] تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي،

[14] تفسير الفخر الرازي، المجلّد 26، الصفحة 217

 

ميثم الجنابيانطلق الغزالي في كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد) من أن الصفات هي ليست الذات، بل زائدة على الذات. وإن صانع العالَم عالِم بعلم وحي بحياة وقادر بقدرة[1]. وإن الاختلافات الممكنة هنا بين الصفات يعود إلى تباين الذوات بأنفسها. إذ لا يمكن أن يكفي الواحد منها وينوب عن المختلفات. فوجب أن يكون العلم غير القدرة، وكذلك الحياة والصفات السبع. وأن تكون الصفات غير الذات من حيث المباينة بين الذات الموصوفة وبين الصفة، اشد من المباينة بين الصفتين[2]. لكنه لم يضع الذات والصفات في تعارض، بقدر ما انه وجد في هذه العلاقة النموذج الفاعل للوحدانية في صفاتها الكبرى. فعندما نقول "الله" فإننا بذلك نكون قد دللنا على الذات مع الصفات لا على الذات بمجردها[3]. فالصفات كلها قائمة بذاته. ولا يجوز أن يقوم شيء منها بغير ذاته سواء كان في محل أو لم يكن[4]. وقد حدد ذلك قِدَم الصفات كلها. ففي حالة كونها حادثة، كان القديم محلا للحوادث. وهو الذي حدد انتقاده لآراء الجهم بن صفوان من خلال محاولته حل معضلة القِدَم والحدث في الصفات بواسطة إظهار الوحدة الدائمة والمطلقة بين الصفات والذات. ونظر إلى هذه القضية من خلال ما يمكن دعوته بالوحدة الخفية للمستقبل والحاضر والماضي في علم الله. فالله في الأزل عالم بوجود العالم في وقت وجوده. وهذا العلم صفة واحدة. مقتضاها في الأزل، والعلِم بأن العالِم يكون من بعد، وعند الوجود، العلِم بانه كائن وبعده العلِم بلإنه كان. وهذه الأحوال تتعاقب على العالِم ويكون مكشوفا لله تلك الصفة وهي لم تتغير، وانما المتغير أحوال العالِم[5]. وهي نفس الأفكار التي استعرضها في (قواعد العقائد) و(إحياء علوم الدين). فقد انطلق من أن جميع الصفات قديمة قائمة بذاته، لا تتغير بل يجب للصفات من نعوت القِدم ما يجب للذات. فلا تعتريه التغيرات. ومن هنا فهو عالِم بعلم ، حي بحياة، قادر بقدرة. أما قول القائل بانه عالِم بلا علم، كقوله غني بلا مال، وعلِم بلا عالِم، وعالِم بلا معلوم، فإن العلم والمعلوم والعالم متلازمة كالقتل والمقتول والقاتل[6].

وعندما تناول في (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) قضية الأسماء الإلهية، فإنه أفرد فصلا في (بيان وجه رجوع الأسماء الإلهية الكثيرة إلى ذات وسبع صفات على مذهب أهل السنّة)، أي معالجة فكرة الكيفية التي يمكن إرجاع هذه التسميات العديدة إلى سبع صفات من خلال حلها على أساس الوحدة الفكرية للذات والصفات والأفعال. فإذا كانت الذات واحدة، والصفات سبع، والأفعال كثيرة، والإضافات والأسلوب كثيرة فإن من الممكن التركيب الدائم بين الصفات بالإضافة والسلب، مما يؤدي إلى سعة إمكانيتها التوليفية. وقدّم عشرة أقسام أساسية. الأول منها ما يدل على الذات (مثل الله). والثاني ما يدل على الذات مع السلب (مثل القدوس والسلام والغني) والثالث ما يرجع إلى الذات مع إضافة (مثل العلي والعظيم والأول والآخر). والرابع ما يرجع إلى الذات مع سلب وإضافة (مثل الملك والعزيز)، والخامس ما يرجع منه إلى صفة (مثل العليم والقادر والحي)، والسادس ما يرجع منه إلى العلِم مع إضافة (مثل الخبير والشهيد). والسابع ما يرجع منه إلى القدرة مع زيادة وإضافة (مثل القهار والقوي). والثامن ما يرجع منه إلى الإرادة مع إضافة أو مع فعل (مثل الرحمن والرحيم). والتاسع ما يرجع منه إلى صفات الفعل (مثل الخالق والبارى). والعاشر ما يرجع منه إلى الدلالة على الفعل مع زيادة (مثل المجيد والكريم). فالأسماء جميعها لا تخرج عن هذه الأقسام العشرة مع رجوعها، كما يستنتج الغزالي، إلى هذه الصفات المحصورة المشهورة[7].

لكن ماذا يعني رجوع هذه الأقسام وانحصارها في الصفات المشهورة؟ إنها تعني أولا وقبل كل شيء بقاء الغزالي في الاطار السنّي العام وتوليفته العقلية الإصلاحية  تجاه المستوى العقائدي للعوام. كما هو جلي في (الاقتصاد في الاعتقاد) و(الرسالة القدسية). إضافة لذلك أنها تشكل الأرضية العامة لتقاليد الكلام في قضايا العقائد، أي كل ما أدرجه في منظومته الفكرية كمستويات معقولة ومشروعة تختزل في طابعها الإصلاحي والعملي وحدة المعقول والمنقول.

و يمكننا العثور على الصيغة العقلية المباشرة لموقفه هذا في الفصل المدموج في نهاية (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) والذي اعتبره اضافيا إلى ما في كتابه. فقد استعرض فيه بصورة وجيزة فكرة إرجاع الصفات والأسماء كلها إلى ذات واحدة على مذهب المعتزلة والفلاسفة. أما إنكار المعتزلة والفلاسفة للصفات وإثباتهم ذاتا واحدة، فلا يعني إنكارهم الأفعال ولا كثرة السلوب والإضافات. فالصفات السبع المشهورة ترجع عندهم إلى العِلم، والعِلم إلى الذات. مما جعله يعلّق في النهاية على أن من الممكن الرجوع في انتقاده هذه الآراء إلى ما سجله في (تهافت الفلاسفة)[8].

لكن ما هو الاستنتاج العام الذي ميز (تهافت الفلاسفة) في افضليته في هذا المجال ولِمَ لم يرسل القارئ إلى (الاقتصاد في الاعتقاد)، أو (الرسالة القدسية في قواعد العقائد). فكتاب (تهافت الفلاسفة) لا يحتوى على ردود إيجابية. بمعنى انه تعامل مع آراء الفلاسفة والمعتزلة حسب تقاليد الجدل الكلامي وشكوكه العقلية. في حين كانت ايجابية آرائه في (الاقتصاد في الاعتقاد) و(الرسالة القدسية في قواعد العقائد) موجودة أيضا في (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) وبالأخص في الفصل المتعلق (ببيان وجه رجوع هذه الأسامي الكثيرة إلى ذات وسبع صفات على مذهب أهل السنّة). وبغض النظر عن الطابع اللاهوتي المدرسي في نقاشه لفكرة الأسماء التسع والتسعين، إلا انه مع ذلك لم ينظر إليها نظرته إلى مبدأ ما أو منظومة لها قيمتها الخاصة. لهذا أشار إلى انه قد جرى في شرح الأسماء وعددها على العادة المتبعة في ذلك[9]. وأكد في احد استنتاجاته من أن "المعاني الشريفة لأسماء الله بلغت هذا المبلغ، لا لأن العدد مقصود، ولكن وافقت المعاني هذا العدد، كما أن الصفات عند أهل السنّة سبع وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام. لا لأنها سبع، ولكن صفات الربوبية لا تتم إلا بها"[10]. غير ان هذا الاستنتاج يطوي في ذاته احتمال مقارنته بما ينسب للنبي محمد قوله "مئة إلا واحدة. والله وتر يحب الوتر". وعندما قارن هذه الفكرة بفكرة الصفات، كتب قائلا "إن صفات الله سبع، ليس لأنه وتر يحب الوتر، بل ذلك لذاته وإلهيته. والعدد فيه غير مقصود"[11]. وكان ذلك يعني فسحه المجال أمام الحرية الأوسع في التعامل مع الأسامي والصفات المطلوقة على الله. فعندما ناقش مسألة ما إذا كانت هي بالتوقيف أو تجويزها بالعقل، فإنه مال إلى حاكمية العقل. وهو  موقف عريق في تقاليد الأشعرية، التي مثلت في ميدان الكلام والعوام تقاليدها الأوسع. فالباقلاني، على سبيل المثال، وقف بصدد هذه القضية إلى جانب جوازه، إلا ما منع منه الشرع أو أشعر بما يستحيل معناه على الله. في حين وقف قبله الأشعرى إلى جانب التوقيف. بمعنى عدم الإجازة بإطلاق التسميات إلا بما فيه إذن من الشرع. أما الغزالي، فإنه أكد على أن كل ما يرجع إلى الاسم فذلك موقوف على الإذن، وما يرجع إلى الوصف فذلك لا يقف على الإذن، بل الصادق منه مباح دون الكاذب[12]. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار تمييزه بين الاسم (باعتباره اللفظ الموضوع للدلالة على المسمى) والوصف، فإن مقصده النهائي يصبح أكثر وضوحا. فهو ينطلق من أن لكل فرد ولاية التسمية لذاته (كالأب والابن) وإن وضع أسم لإنسان لا يرغب فيه أو تغييره عادة ما يؤدي إلى اثارة حفيظته، فكيف يا ترى الأمر مع الله. لكنه أكد أيضا على أن ما يقوله هنا هو مجرد نوع قياس فقهي تبنى على مثله الأحكام الشرعية[13]. أما إباحة الوصف فهو لكونه خبر عن أمر. والخبر أما كاذب وأما صادق. والشرع حرّم الكذب إلا بعارض، ودل على إباحة الصدق إلا بعارض. فمثلما يحق لنا القول في زيد "انه موجود" كذلك في حق الله ورد به الشرع أو لم يرد[14]. وفي حالة صعوبة إطلاق لفظ ما عليه، فإنه يجوز اطلاقه في حالة اقترانه بلفظ آخر. فإننا لا نقول على الله "يا زارع يا حارث"، في حين يجوز ان يقال "من وطئ فأمنى فليس هو الحارث، وإنما الله الحارث، ومن بث البذار فليس هو الزارع، إنما الله هو الزارع، ولا نقول لله يا مذلّ! بل نقول يا معزّ يا مذل. فإنه إذا جمع بينها كان وصف المدح، لأنه يدل على أن طرفي الأمور بيديه[15].

لقد أراد الغزالي بذلك إظهار وحدة الكلّ من وراء تعدد الصفات. إلا أن هذه القضية ظلت في اطارها التصنيفي العام تبدو كوحدات متباينة في مفاهيم الذات والصفات. ولم يعن ذلك في الواقع، سوى وحدة الكثرة، ووحدة العابر والدائم، والنسبي والمطلق. انه سعى إلى اظهار التباين المطلق بين ذات الله وصفاته من جهة، وذات الإنسان وصفاته من جهة أخرى. والكشف عن الوحدة والتطابق النسبيين بينهما. لهذا شدد على أن "بين صفات الله وصفات الخلق من البعد ما بين ذات العزيز وذواتهم". وكما أن ذوات الخلق جوهر وعرض وذات الله مقدس عنه، ولا يناسب ما ليس بجوهر وعرض الجوهر والعرض، فكذلك صفاته لا تناسب صفات الخلق[16].

تعكس هذه الصيغة المكثفة مراحل رؤيته لقضايا الصفات والذات واستيعابه النقدي لثقافة الكلام ككل بمعايير السلوك الصوفي. فإذا كان  في بداية الأمر يدافع عن الرؤية الكلامية في مواقفه من الصفات السبع، فانه شدد مع ذلك على خلاف العقل والنقل في التسمية، وتطابقهما في المعنى. بمعنى انه جوّز تسمية الجوهر وإطلاقه على الله من حيث المعنى ومنعه من جهة الشرع. وينطبق هذا بالقدر ذاته على تسميات أخرى  إضافية. وهو الخلاف الذي يصعب تذليله خارج الطريق الأخلاقي المعرفي. مما يعني الإبقاء عليه باعتباره البقية المجهولة أمام سلوك السائر في تذليل الخلاف، مما اصطلحت عليه المتصوفة بتسمية التخلق بأخلاق الله. إذ ليست أخلاق الله هنا سوى صفاته وأسمائه أو التوحيد الحق. لهذا شدد في (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) على ما اسماه بحظوظ الإنسان من أسماء الله، وأبقى في الوقت نفسه على هوة التباين. فعندما تناول الاسم الإلهي (القدوس)، فإنه وصفه بالمنّزه عن كل وصف من أوصاف الكمال الذي يظنه أكثر الخلق كمالا في حقه. وذلك لأن الخلق نظروا إلى أنفسهم وعرفوا صفاتهم وأدركوا انقسامها إلى ما هو كمال، ولكنه في حقهم مثل علمهم وقدرتهم وسمعهم وبصرهم وكلامهم وإرادتهم واختيارهم، ثم كان غايتهم في الثناء على الله ووصفه أن وصفوه بما هو أوصاف كمالهم من علم وقدرة وإرادة وسمع وبصر. والله منزه عن أوصاف كمالهم. وانه لولا ورود الرخصة والإذن بإطلاق هذه الصفات لم يجز إطلاق أكثرها[17].

إن التشديد على عدم تناسب صفات الحق وصفات الخلق هو أسلوب إظهار تناسب المطلق والنسبي، والمجرد والملموس. وبالتالي نموذجه المتكامل في الكلّ (الإلهي والإنساني)، أو ذات الله المقدسة والإنسان الكامل. وهو ذات الحل الذى يؤسس لنفسه ويشق طريقه في الوقت نفسه في ميدان تذليل عدم تناسب الشريعة والحقيقة. من هنا فكرته القائلة، بأن إدراك النفي الشامل لمفهوم الصفات والأسماء، لا يعني في منظومته الفكرية، سوى وحدة تجليات الوجود باعتبارها وحدة تجليات الصفات النابعة من الذات المطلقة. واختزل هذا هو المسار الوجودى الأخلاقي في مكوناته الجديدة عناصر اللاهوت العقلاني. وهذا بدوره ليس إلا الاختزال الأسمى لتقاليد اللاهوت الإسلامي في إدراكه حقيقة الله. فعندما يناقش مسألة تفاوت الناس في محبة الله، نراه يؤكد على اشتراك المؤمنين في أصل الحب، وتفاوتهم في درجاته في الوقت نفسه، بفعل تفاوتهم في المعرفة وحب الدنيا، استنادا إلى أن الأشياء تتفاوت بتفاوت أسبابها[18]. مما اعطى له إمكانية التفريق بين النسبي والمطلق في التعامل مع حقيقة الحب استنادا إلى مستوى المعرفة والمصلحة. فأغلب الناس ليس لهم من الله إلا الصفات والأسماء، التي قرعت سمعهم فتلقوها وحفظوها. وربما تخيلوا لها معان يتعالى عنها الله، وربما يطلعوا على حقيقتها. في حين هناك من يتخيل لها معان فاسدة. فمن يحب الله مثلا لكونه محسنا إليه منعما عليه، ولم يحبه لذاته ضعفت محبته، اإ تتغير المحبة بتغير الإحسان. فلا يكون حبه في حالة البلاء كحبه في حالة الرضاء والنعماء. أما العارفون بالحقائق، فإن حبهم لله مبني لا على الصفات والأسماء أو لعلاقة والمصلحة، بل على حقيقة المعرفة لكل ما هو موجود وخالقه. فكل ما في الوجود هو صنع الله وتصنيفه. والعارف لا يعرف بالجملة، بل يطالع تفاصيل صنع الله فيه. وكلما ازداد المرء إطلاعا على أعاجيب صنع الله ازداد له حبا. وهي العملية غير المتناهية بفعل عدم تناهي الموجودات[19]. إذ لم يعن تجاوز الصفات والأسماء سوى التحلي الحق بصفات الحق، أو تمحور الحق في اسمائه، باعتبارها معالم الكينونة المثالية للعارفين. وتنفي هذه العملية في ذاتها حصيلة التجربة العقلية الفردية والاجتماعية، والتاريخية والثقافية من خلال تحويلها إلى عناصر القوة الفاعلة في تربية الإرادة. وليس ذلك في الواقع سوى رؤية حدود المعقول في الاتصاف بصفات الحق من زاوية الارتقاء الصوفي في مسالك الطريق غير المتناهية.

***

ا. د. ميثم الجنابي

...............................

[1] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص60.

[2] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص63.

[3] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص64.

[4] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص65.

[5] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص69.

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص110.

[7] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص157-159.

[8] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص162.

[9] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص165.

[10] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص170.

[11] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص172.

[12] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص173.

[13] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص174.

[14] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص175.

[15] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص175.

[16] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص25.

[17] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص175.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص319.

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص320.

 

محمد بنيعيشمن لم يعرف نفسه لم يعرف غيره ومن لم يعرف غيره استهان به واستحقره واصطدم معه أو صادمه ودهسه،ومن كان هذا دأبه فهو العنصري بامتياز.هذا هو التعريف المختصر للعنصرية وأسبابها ودوافعها ومساوئها ومظاهرها ،لأنها مجمع للغرور والعجب والكبر والجهل والظلم والإقصاء ...وهذه كلها أمراض نفسية ذات مظاهر خلقية سلوكية سلبية تحتاج إلى مراجعة وعلاج جذري قد يبدأ من ملاحظة الأنا فالأنت ثم الأنتم وهم...

والعنصرية تبتدئ من نرجسية المرء مع نفسه ومرآته ثم استكباره على زوجه وتفرع ذلك في ذريته وانتقال الحال إلى مجاوره ،من حيث الكم والنوع والطول والقصر واللون والمظهر واللغة والتعبير...

وعلى هذا فيعتبر الغزالي كمفكر وطبيب أن الرذيلة المؤدية للعنصرية بأنواعها مرض نفسي،وهي عنده تخضع لقواعد وأسباب ثابتة تمثل كليات جملية ،كما أنها تنتج عن مؤثرات كثيرة ظرفية ذاتية وخارجية.

من هنا فسيكون من اللازم معالجة هذا المرض من كل جوانبه سواء الكلية أو الجزئية،وهذا ما سيسلكه في دراسته الأخلاقية عموما ،منتهجا طريقتين في التحليل والتعليل هما:

أ)  التحليل الجملي للأمراض النفسية وظواهرها

فقد عمد في هذا المسلك إلى وضع قواعد ثابتة مع تهيئ أدوات لازمة لعلاج شتى الأمراض وذلك على شكل جملي كما يقول:"ونحن نشير في هذا الكتاب-أي الربع الثالث من الإحياء- إلى جمل من أمراض القلوب وكيفية القول في معالجتها على الجملة من غير تفصيل لعلاج خصوص الأمراض ،فإن ذلك يأتي في بقية الكتب من هذا الربع ،وغرضنا الآن النظر الكلي في تهذيب الأخلاق وتمهيد مناهجها،ونحن نذكر ذلك ونجعل علاج البدن مثالا له ليقرب من الأفهام دركه" .

فكان من بين خصائص هذا المنهج الجملي في التحليل عنده هو ذلك القياس المتمثل في الربط بين الطب الروحاني والطب الجسماني وقياس أحوال النفس على أحوال الجسد.

بحيث هنا ستظهر المطابقة بينه وابن مسكويه في كتابه تهذيب الأخلاق،لكن الغزالي سيفصل هذا القياس ويشعبه أكثر من سابقه، وذلك بمزجه بين آرائه وآراء ابن سينا النفسية مع تتبع جزئيات ووظائف الأعضاء الحسية عند الإنسان ومقارنتها جزء بجزء مع الحركات النفسية ذات الخاصية الروحانية .

فلقد مثل عنصر الغريزة في العرض الجملي عنده أحد أهم المحاور الرئيسية التي تدور عليها الدراسة النفسية والأخلاقية...

بحيث قد خصص لهذا الموضوع كتابا في الإحياء سماه "كتاب كسر الشهوتين"يعني بهما: شهوة الطعام وشهوة النكاح،أي غريزة البقاء وغريزة النوع،الذين سيجعل منهما محورا رئيسيا في تحليلاته النفسية والأخلاقية ،في حين سيحصر أصل الأمراض النفسية والخلقية في عنصر التخمة والإكثار من الأكل،الشيء الذي سيتولد عنه ضرورة التحريك الجامح للرغبة الجنسية،بعده ستتسلسل عن هاتين الغريزتين عند الإفراط في الاستجابة لهما مجمل الرذائل النفسية، و المشخصة أساسا في إشباع رغبة المنافسة والنزعة إلى السيطرة و الامتلاك،كما سنراه في حينه.

من هنا يرى وجوب توضيح أساليب وآليات كسر شهوة البطن ابتداء وذلك" عن طريق المجاهدة لها والتنبيه على فضلها-أي المجاهدة-ترغيبا فيها، وكذلك شرح شهوة الفرج فإنها تابعة لها ".

بحيث أن هذا الموضوع سيمثل مادة أساسية في المنهج التحليلي عنده، كما سيلمس له حضور في شتى المواضيع الخاصة بالأمراض الخلقية وعلاجها، ومن ثم كان التركيز عليها دراسة من باب القواعد الجملية.

ب) التحليل التفصيلي والمتابعة الميدانية

يتمثل منهج التحليل التفصيلي في هذا التشخيص العلمي للأمراض الخلقية على اختلاف أسبابها ومظاهرها،منها الرذائل ذات الأصل النفسي المحض ومنها ذات الدافع الشهوي الغريزي ...في حين سيسلك في دراسته للأمراض النفسية والأخلاقية بالتفصيل منهجا موحدا يخضع لتسلسل منتظم في الدراسة ،مع إعطاء الأسبقية في العرض والاستدلال دائما للنصوص الدينية التي تدل على حكم من الأحكام الخلقية .

يقول مثلا في ذم الغيبة:"فلنذكر أولا مذمة الغيبة وما ورد فيها من شواهد الشرع..."ثم بعد ذلك يتطرق إلى تعريفها وحدها اعتمادا على ما تضمنته النصوص التي استشهد بها ،فيقول:"اعلم أن حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه أو بلغه سواء ذكرته بنقص في بدنه أو نسبه أو في خلقه أو في فعله أو في قوله أو دينه أو في دنياه حتى ثوبه وداره ودابته" .

فكل هذه الأبعاد التي تمتد إليها الغيبة لم  يكن موردها اعتباطا أو بمجرد قياس ذهني ،بل إنه اعتمد النصوص التي عرضها في بداية الحديث عن الرذيلة محل الدرس،وبهذا فستكون دراسته الخلقية دراسة تفسيرية للنصوص في أغلب الأحيان ،لكنه صاغها في أسلوبه الخاص والمتسلسل في تراكيبه بحسب طبيعة الموضوع المعالج له،حتى قد يخيل للشخص أنه ابتدع شيئا جديدا في المفاهيم الخلقية أو النفسية،لكنه في الحقيقة لا يخرج عن النصوص المعتمدة لديه .

هذا المنهج قد يبدو أكثر حضورا في كتابه: الأربعين في أصول الدين خاصة،إذ أنه قد كان بمثابة تلخيص لكتاب الإحياء ،بسبب أنه سيعمل على اختصار النصوص التي اعتمدها فيه مع التقليص من مستوى التوضيحات التي سلكها في الإحياء عموما،كما سيقتصر على الأهم من أفكاره النفسية والأخلاقية وذلك بأسلوب وجيز جدا مع إشارة بالرجوع في التفصيلات إلى المواضيع المطابقة فيه.

فيقول مثلا في موضوع شره الكلام :"اعلم أن للسان عشرين آفة شرحناها في كتب آفات اللسان ويطول ذكرها،ويكفيك العمل بأية واحدة" .

إذ في قوله: "يكفيك العمل بأية واحدة"دليل على أن التفاصيل التي تضمنتها مواضيع الإحياء كانت للتبيين وزيادة إيضاح للتشخيص المرضي وعلاجاته، تبعا لما أوردناه من الحديث عن الغاية من تنوع الاقتباسات لديه،وإلا فكتاب الأربعين في أصول الدين فيه الغنية لمن يريد أن يعرف أمهات الفضائل والرذائل.

أما الخطوة التالية بعد التعريف الكامل للموضوع فإنها ستنصب على دراسة الأشكال التي تتلون بها هذه الرذيلة أو تلك،إذ هناك من الأعمال ما يقوم بها الإنسان بأعضاء مختلفة لكنها تهدف إلى غاية واحدة،خاصة تلك الرذائل التي لها علاقة بالتواصل الإنساني وذات الأبعاد الاجتماعية ؛كالغيبة مثلا،إذ يرى فيها:"أن الذكر باللسان إنما حرم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه،فالتعريض به كالتصريح،والفعل فيه كالقول والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة ولكل ما يفهم المقصود فهو داخل الغيبة" .

بعد هذا التشخيص الموضوعي ينتقل إلى التشخيص الذاتي وذلك عن طريق التحليل النفسي والغوص في دراسة الدوافع الكامنة وراء هذا المرض الخلقي أو ذاك،إلا أن تشخيص المرض يختلف باختلاف الأشخاص المعرضين له ،فهناك العامة والعلماء والخاصة،وكل واحد من هؤلاء له بواعث  متميزة بحسب ظروفه وبيئته وأحوال معيشته...

فعند ذكر البواعث يلجأ إلى تحديد العلاج،ويقسمه دائما إلى جملي وتفصيلي كعنصر من عناصر التحليل لديه كما رينا.

كلا العلاجين يخضعهما إلى قاعدة واحدة هي المعالجة "بمعجون العلم والعمل، وإنما علاج كل علة بمضادة سببها" .

بعده يشرع في وصف العلاج وتعقب أسباب المرض الجزئية وعلاجها بمضادها،الواحدة تلو الأخرى حتى يستقرئ أقصى ما يمكن من الحالات الممكن أن يظهر بها هذا المرض أو ذاك.

إذ الملاحظ في دراسته هاته غياب الاستشهاد بالوقائع المعاصرة له أو إظهار ذاتيته فيها رغم أنه كان ذا تجارب عملية في حياته اليومية،فلا نكاد نلمسه يتحدث عن نفسه صراحة أو يعبر عن أخلاقه الشخصية أو يعرض بالذكر لصديق أو معاصر له أو يستدل من خلاله ببعض استنتاجاته الفكرية كما فعل مثلا في كتابه المنقذ من الضلال،بل إن المادة العلمية ذات المعتمد النصي والقياس المنطقي كانت السمة الغالبة على دراسته في جل أطوارها،وهذا لا يعني أنه لم يكن ميدانيا بالمرة في دراساته النفسية والأخلاقية هاته! .

كلا ! فإن مجرد إلقاء نظرة سريعة على بعض المواضيع التي تضمنها كتابه الإحياء وغيره من الكتب تعطي لنا انطباعا بأنه كان رجلا واعيا بدقائق أهل زمانه وبأخلاقهم على وجه التحديد،والدليل على هذا؛ كثرة الأمثلة التي أوردها بشكل معمم وبصورة متخيلة واسعة التفرع والآفاق شملت الحديث عن شتى مرافق الحياة الاجتماعية ،فقد يتحدث عن السياسيين والعلماء والحرفيين وبائعي الخبز والحدادين  وأهل الحياكة والفلاحة...

ج – تحقيق العلاج بشرط الاندماج

هذا التنوع في الاستعراض يدلنا بوضوح على مدى اجتماعية الغزالي واندماجه مع محيطه اندماجا فاعلا وعمليا وعن استبصار ،لحد أنه كان يحاول استخلاص النوايا من خلال التوجهات العلمية والتخصصية لبعض العلماء في عصره ثم تحليلها بواقعية وموضوعية صارمة وجازمة .

فهو قبل أن يقوم بحملته الإصلاحية التي تلت تأليفه للإحياء وغيره من الكتب الموالية يذكر أنه قد أجرى استجوابا ميدانيا لكثير من الشرائح الاجتماعية في زمانه كما يحكي نفسه:"فإني قد تتبعت آحاد الخلق أسأل من يقصر منهم في متابعة الشرع وأسأله عن شبهته وأبحث عن عقيدته وسره،وقلت له :مالك تقصر فيها؟ فإن كنت تؤمن بالآخرة ولست تستعد لها وتبيعها بالدنيا فهذه حماقة فإنك لا تبيع الاثنين بالواحد،فكيف تبيع ما لانهاية له بأيام معدودة ،وإن كنت لا تؤمن فأنت كافر فدبر نفسك في طلب الإيمان وانظر ما سبب كفرك الخفي الذي هو مذهبك باطنا وهو سبب جرأتك ظاهرا،وإن كنت لا تصرح به تجملا بالإيمان وتشرفا بذكر الشرع " .

كل هذا إن دل على شيء فإنما يبين أن مكتسباته في الميادين النفسية والأخلاقية كانت مغذاة بمعطيات ميدانية لها أصول واقعية،كما أن رقعة الخيال فيها واسعة؛ وهي تمتاز بالتحليل المنطقي الجاد وبناء أصل على صل وتفريعه إلى أصول وهكذا،حتى إنه يكاد يبني شبكة فكرية أخلاقية لها بنية موحدة ومتراصة،قد يلاحظ بينها الانسجام التام والتطابق العقلي المقبول نظريا .

إذ أجمل ما فيها هو ذاك التقسيم على شكل تشجيري بالسماح لموضوع ما بأن يتسع إلى أبعاد قد لا يحسب لها حسابها منذ الانطلاقة الأولى عند التحليل...

فعلى سبيل المثال حينما يتحدث عن آفة اللسان يقول:"فقد قال الله تعالى:"ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد".

ويدلك على فضل لزوم الصمت أمر،وهو أن الكلام أربعة أقسام:قسم هو ضرر محض وقسم هو نفع محض وقسم فيه ضرر ومنفعة وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة،أما الذي هو ضرر محض فلا بد من السكوت عنه وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة لا تفي بالضرر،وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول والاشتغال به تضييع زمان وهو عين الخسران ،فلا يبقى إلا القسم الرابع ،فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام وبقي ربع،وهذا الربع فيه خطر إذ يمتزج بما فيه إثم من دقائق الرياء ودقائق آفات اللسان والتصنع والغيبة وتزكية النفس وفضول الكلام امتزاجا يخفى دركه فيكون الإنسان به مخاطرا،ومن عرف دقائق آفات اللسان على ما سنذكره علم يقينا أن ما ذكره صلى الله عله وسلم هو فصل الخطاب حيث قال:"من صمت نجا" .

فلو ترك الغزالي هنا العنان لفكره بالاسترسال على هذا القسيم فإنه سوف يربط هذا الموضوع بكل المواضيع الأخلاقية الأخرى من دون أن يشعر القارئ بوجود طفرة أو فجوة وتكلف بينها،وهذه ميزة منهجية لديه ومقصودة،إذ يرى أن العلوم لها ارتباط بنيوي ببعضها البعض،ومن هذا المفهوم سيعمد إلى تطبيق فكرته البنيوية هاته على العلم الواحد في نفسه،وخاصة علم النفس والأخلاق.

من هذا المفهوم أيضا استطاع أن يمزج بين علم الكلام وعلم الفقه وعلم الأخلاق أو التصوف مزجا رائعا،بحيث لم يهمل جانبا على حساب آخر؛ وخاصة حينما تطرق للعلاج النفسي والأخلاقي ،كما كان هذا المزج شديد الوضوح ما بين مجال الفلسفة الخلقية ومجال الإلهيات،حسب رأي بعض الباحثين .

يقول المستشرق الفرنسي كراديفو واصفا نوع الدراسة الأخلاقية قبله بأنها: كانت مختلطة المواضيع وغير مرتبة،بعد ذلك "ظهر حجة الإسلام فجأة مرة واحدة كأخلاقي جد كبير،متمكن تماما من مادته ؛أستاذ فيها ونفسي حاد مرهف، يعبر عما يرى بغزارة وجمال وحرارة ودقة بلغت الغاية" .

فجملة القول حول دافعه إلى تنويع مناهج دراسته النفسية أو الأخلاقية على شكل إجمال وتفصيل هو أنه كان يمثل عصره أصدق تمثيل،فلقد كتب أخلاقياته للمجتمع الإسلامي الفاضل الذي يؤمن به ويدعو إليه ومن وضع له برنامجا أخلاقيا ملائما ومتكاملا ومرتكزا على أسس دينية وطاعات روحية وقلبية .

يقول أبو الحسن الندوي عن هذا الاستنتاج:"عرف الغزالي أوضاع المجتمع قبل أن يؤلف كتاب الإحياء فنظر إلى المجتمع (ما به)من انحراف وابتعاد عن الجادة، وتناوله طبقة طبقة فذكر أمراضها ومغالطاتها وميز بين المقاصد والغايات والوسائل والآلات ..." .

فكتعضيد وموافقة لوجهات النظر هذه يمكن القول بأنه: كان رجلا يعيش أحداث زمانه بكل جزئياتها ومظاهرها؛بعقله وقلبه وجسده معا،ولا أدل على ذلك من رسائله التي كان يبعثها إلى ولاة عصره يعبر فيها عن وعيه بالوضع الاجتماعي السائد آنذاك في المنطقة التي كان يقطنها،ومواساته لآلام الفقراء هناك .

يقول في إحداها مخاطبا أحد الولاة السلجوقيين:"اعلم أن هذه المدينة أشرفت على الخراب بسبب الظلم والقحط،وحينما كنت في أسفرين ودامغان كان يخافك الناس! فالدهاقين كانوا يبيعون الحصاد والظالمون كانوا يعتذرون للمظلومين وحسن الحال.بعد وصولك إلى هنا زال عنهم الخوف والروع ،فالدهاقين والخبازون أغلقوا الدكاكين واحتكروا الغلال وتجاسر الظالمون وقصدوا في الليل بعض الدكاكين والبيوت للسرقة..."

على ذكر الخبازين وغيرهم من التجار والحرفيين سنجده كما سبقت الإشارة يعرض لهم بالحديث في دراساته الأخلاقية وذلك على شكل أمثلة اجتماعية وأخلاقية كما يقول في هذا الموضوع:"قد قال قائلون حد البخل منع الواجب، فكل من أدى ما يجب عليه فليس ببخيل؛ وهذا غير كاف ،فإن من يرد اللحم إلى العصاب والخبز إلى الخباز بنقصان حبة أو نصف حبة فإنه يعد بخيلا..." .

ففي هذا ملاحظة اجتماعية جيدة قلما يتفطن لها الباحث إلا إذا كان بحثه ميدانيا وعن ملاحظة مباشرة للأوضاع العامة !.

هذه إذن هي عادة الغزالي في عرضه للأمثلة المعاصرة له،فهو يطرحها لا بصيغة إخبارية وإنما يصوغها بشكل إنشائي،مبني على تحليلات عقلية دقيقة علها تكتسب الثبات والإقناع ،مع قابلية التطبيق عبر الأزمان والظروف المختلفة ،لأنها أحكام نابعة من الداخل وليست من الخارج،وكل ما هو داخلي وصادق فيشترك الناس كلهم في استشعاره وتصوره عبر الأقطار والشعوب وكذلك القرون والأزمان؛لأنه يمثل جوهر بنيتهم النفسية.فهل من توعية بمثل هذا المنطق لإنقاذ البشرية من ويلات العنصرية وفيروسها الأسوأ والأفتك من كورونا وأخواتها؟نتمنى المبادرة إلى ذلك "والله من ورائهم محيط".

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

محمد بنيعيشمشكلتنا مشكلة التواصل، فقد نتصل ولكن لا نتواصل، ونتكلم ولا نتفهم، ونطالع ولا نتعلم، وننصت ولا نسمع:" وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ"" وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ "قرآن كريم.

إن موضوع اللغة جدير بأن يدرج ضمن العلوم النفسية، بل إن الجسور ينبغي أن تبقى منصوبة بين علم اللغة وعلم النفس بصورة رسمية ومسترسلة، وهذا أقرته الدراسات النفسية واللغوية الحديثة، لأنه بعد فقدان علم اللغة ثقته بعلم النفس جاء العلم النفسي اللغوي ليعيد بناء الجسور[1].

فاللغة هي الإنسان وبدونها فليس هو هناك، حتى إن الحد الذي عرف به عند المناطقة هو أنه: حيوان ناطق[2].

هذا النطق له مظاهر كثيرة إلا أنه يقف عند حد واحد، ألا وهو طريقة التوصل فيما بين الإنسان وأخيه .

اللغة الضرورية وبقاء النوع الإنساني والحضاري

يرى ابن حزم أن اللغة مسألة ضرورية في  كيانه وليست مكتسبة، بل هي تلقين       من الله تعالى ابتداء، مستندا في هذا إلى قول الله تعالى "وعلم آدم الأسماء كلها".

أما البرهان العقلي عنده فهو:أن الكلام لو كان ألفاظا لما جاز "أن يصطلح عليه إلا قوم قد كملت أذهانهم وتدربت عقولهم ونمت علومهم ووقفوا على الأشياء كلها الموجودة في العالم وعرفوا حدودها واتفاقها واختلافها وطبائعها، وبالضرورة نعلم أن بين أول وجود الإنسان وبين بلوغه هذه الصفة سنين كثيرة جدا يقتضي في ذلك تربية وحياطة وكفالة من غير، إذ المرء لا يقوم بنفسه إلا بعد سنين من ولادته ولا سبيل إلى تعايش الوالدين والمتكفلين والحضان إلا بكلام يتفاهمون به مراداتهم فيما لابد منه فيما يقوم معايشهم من حرث أو مواشي أو غراس ومن معاناة ما يطرد به الحر والبرد والسباع ويعاني به الأمراض ولابد لكل هذا من أسماء يتعارفون بها ما يعانونه من ذلك"[3].

فكل إنسان قد كان في حالة الصغر ممتنع الفهم ومحتاجا إلى كافل"والاصطلاح يقتضي وقتا لم يكن موجودا قبله لأنه من عمل المصطلحين وكل عمل لابد من أن يكون له أول، فكيف كانت حال المصطلحين على وضع اللغة قبل اصطلاحهم عليها، فهذا من الممتنع المحال ضرورة".

ثم يخلص بعد هذه التحليلات النفسية الدقيقة و الأناسية-إن صح التعبير(الأنتروبولوجية)-حول مصدر اللغة الأصلي إلى القول بأن: هذه الحقائق المذكورة دليل برهاني وضروري على" وجود الواحد الخالق الأول تبارك وتعالى ومن أدلة وجود النبوة والرسالة، لأنه لا سبيل إلى بقاء أحد من الناس ووجوده دون كلام"[4].

من هنا نستخلص أنه يرى اللغة مسألة توقيفية غرزها الله تعالى في نفوس البشر حتى يتسنى لهم التعايش، وبدونها فلا بقاء لجنسهم على وجه الأرض، إذ الانقراض سيكون مآلهم المحتوم.

هذه اللغة قد تكون بالإشارة والحركة أو بالكلام الفصيح:

أما الأولى فهي ضرورية وجدت منذ وجد الإنسان واضطر إلى التواصل مع أخيه الإنسان، فعبر غريزيا بحركات وإشارات تبين غرضه ومطالبه.

وأما الثانية فهي اصطلاحية جاءت بعد الأولى لأنها مؤلفة وتحتاج إلى زمن حتى يتم جمعها، ومن ثم وضعت لها رموز ومعالم مختلفة أدت إلى تنوع تراكيبها وانقسامها إلى لغات متعددة حتى تؤدي نفس الهدف المنوط بها، وعلى هذا فاللغة الضرورية لغة واحدة أما اللغات المختلفة فهي اصطلاحية[5].

هذا الرأي عند ابن حزم قد يجد تقاربا في التحليل عند علماء السيكولوجية اللغوية في العصر الحديث، بحيث قد استنتج بعضهم أن القدرة اللغوية واحدة في النوع، وذلك من خلال ملاحظة الجماعات البشرية التي لا تخلو أية منها من لغة، بالإضافة إلى هذا فقد لوحظ أن الفروق طفيفة في تعقد الأوصاف لمختلف اللغات فيما يخص مجموعة القواعد اللغوية المجردة، وهذه الملاحظات قادت الكثيرين من دارسي العمليات اللغوية إلى الاعتقاد بأن الكثير من وجوه قدرتنا اللغوية فطرية.

ويرى إيريك لنيبرغ أن: جميع الدلائل تشير إلى أن القدرة على تنمية لغة حقيقية هي خاصية نوعية، بمعنى أنها خاصية يتفرد بها النوع الإنساني، كما أنه يجعل تطور اللغة لدى الإنسان رهين نموه الجسدي وذلك"أن الأطفال يتكلمون متى وصلوا إلى مرحلة معينة من النضج الجسدي وليس قبل ذلك أو بعده"، هذا وقد أثبتت أن النمو اللغوي يترابط بالتأكيد مع النمو الحركي ونمو الدماغ"[6].

كما ذهب إلى هذا الرأي تشومسكي موضحا بأن الإنسان يملك قوة فطرية لغوية ذات صفات عامة بين جميع اللغات، وذلك حينما ناقش نظريات سكنر عن السلوك الكلامي، فكان يرى أن" الخبرة والتعلم لا يفعلان أكثر من تقديم معلومات عن صفات الوجوه العامة للغة التي لابد منها من أجل التواصل مع الناس، في مجتمع لغوي معين (عام1969)"[7].

إن ابن حزم حينما أثبت أن اللغة واحدة في أصلها سعى إلى البحث عن اللغة الأم التي تفرعت عنها كل اللغات، فنراه يناقش شتى الآراء حول الموضوع:

"قد قال قوم هي السريانية-أي لغة آدم- وقال قوم هي اليونانية وقال قوم هي العبرانية وقال قوم هي العربية، والله أعلم.

إلا أن الذي وقفنا عليه وعلمنا يقينا:أن السريانية والعبرانية والعربية، هي لغة مضر وربيعة لا لغة حمير، لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها، فحدث جرش كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيروان ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلسي ومن الخراساني إذا رام نغمتهما، ونحن نجد من سمع لغة فحص البلوط وهي على ليلة واحدة من قرطبة كان أن يقول إنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة، وهذا في كثير من البلاد فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى يتبدل لغتها تبديلا لا يخفى على من له تأمله"[8].

هكذا يمضي في إقامة دراسة موضوعية وتحليلية للظواهر النفسية والاجتماعية وعلاقة اللغة بها ومستوى الإبداع فيها من خلالها، إذ يرى أن الابتكار رهين بوجود قوة النفس وعزتها ومظهر لوجود الاستقرار السياسي في البلاد، وأنه متى ضعفت السلطة في البلاد وحدثت الفتن لم يعد مجال إذاك للتقدم العلمي، بحيث إن أهم ميدان تطاله الأزمة هو العنصر اللغوي كمظهر رئيسي للمستوى النفسي عند الشعوب والمفتاح الأول للتواصل البشري و التلاقح المعرفي.

فالاضطهاد والظلم والحاجة والمذلة والسخرة تميت الخواطر-على حد تعبيره-، وفي هذا تأثر نفسي واضح وشعور بالإحباط، وعند موت الخواطر يتقلص مستوى الإبداع اللغوي، وفي هذه الحالة لم تبق هناك قوة لربط المعلومات ببعضها وإحداث تشكيلة مناسبة للعصر ومتطلباته، فحينئذ تندثر العلوم وتبيد[9].

2) مشكلة علاقة اللغة بالفكر وتحديد الأسبقية

يبدو أن ابن حزم قد كان أكثر عمقا في دراسة مفهوم اللغة وحدودها الوظيفية وآفاقها الفكرية ممن يرون أن "الأفكار لا تتكون ولا تتشكل إلا عبر كلمات وتجميع الكلام وعن طريق الكلمات وتجميع الكلمات في جمل تصور الواقع في الفكر، ولا تصبح الأفكار أفكارا محددة إلا بقدر ما تكون مسجلة ومثبتة في كلمات وفي كلمات مربوطة في جمل، فالأفكار دون لغة غير موجودة شأنها شأن الأرواح دون الأجساد"[10].

هذه الآراء حول علاقة اللغة بالفكر قد لا تستند فيما يبدو لنا إلى استقراء علمي لمجموع البشر، إضافة إلى ما فيها من التكلف في إدراج النزعة المادية المتعامية في تفسير النشاط الإنساني.

فالإنسان البدائي لم يكن يعرف كلمات أو حروف، والأخرس لا يعرف لغة مركبة ولن يعرفها أبدا، إلا أنه يستطيع أن يفكر وأن يومئ بإشارات يفهم منها قصده وأنه قد فكر من خلالها، وأدلى برأيه في قضية ما.

فالفكر سابق على اللغة و ليست اللغة سابقة على الفكر، وإنما هي مجرد وسيلة للتواصل بين بني الإنسان والتعبير عما يختلج الباطن من أفكار وتصورات ومشاعر، قد تعجز أحيانا عن وصفها اصطلاحا.

من هنا فقد أدرك ابن حزم جيدا هذا الموضوع ومن ثم كانت براعة تفكيره بخصوص دور اللغة تتلخص في القول:بضرورة انقراض الجنس الإنساني إذا لم تكن له لغة، نظرا لتعذر التواصل بين الإنسان وأخيه؛فيتعذر تبعا لذلك التعاون والتعاضد والتناسل وتحقق كل متطلبات الحياة الاجتماعية .

غير أن اللغة التي يقصدها ليست مركبة من حروف وكلمات، وإنما هي غير ذلك قد تمثل تفاهما خاصا بين الإنسان وأخيه لوجود طبائع مشتركة فيما بينهما مهدت لهذا التواصل وسيرته.

هذا التواصل ضروري لبقاء النوع، أما الحروف فليست إلا نتيجة مواصفات وتطورات حضارية عند الإنسان تشكلت عنها لغات شتى بفعل الظروف والبيئة والواقع الاجتماعي والسياسي...كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

من هنا يبدو صاحب القول بأن اللغة موجودة قبل الفكر أو معه التحاما - في النص السابق- قد غلبت عليه فكرته المادية في تصوره للعقل الإنساني وأداة التفكير لديه.

فهو يرى أن الفكر ليس إلا انعكاسا للعالم المادي ومن ثم فليس هناك شيء معنوي خالص من هذه المادة، فأراد أن يربط اللغة نفسها بالمادة، جاعلا من العرض جوهرا ومن الجوهر عرضا، وهذا خلط في المفاهيم والتصورات وتحليل المبادئ البديهية.

بحيث يرى أن"الأفكار لا توجد إلا مجسدة في كلمات أو عبارات معينة فليس للأفكار وجود منفصل غير متجسد بمعزل عن التعبير عنها...وليس النشاط التفكيري للمخ إلا مثل هذه الإقامة للصلات بالعالم الخارجي ولا يتم هذا قبل اللغة ولا بمعزل عن اللغة وإنما بالتحديد بواسطة اللغة فحسب"[11].

فبخصوص مسار اللغة يستخلص أنها" تتطور كوسيلة لتعبير أناس يعيشون في مجتمع ما وللاتصال بينهم، وأنها تنشأ وتتطور في مجرى نشاطهم الإنتاجي وكل ألوان نشاطهم الاجتماعي الأخرى، وأن أفكار الناس-التي يعبرون عنها باللغة- تخضع للمنطق، لقوانين الفكر كانعكاس للواقع المادي.

وفي الوقت نفسه فإن الآراء الاجتماعية التي تجد تعبيرا عنها في اللغة وتصاغ بمساعدة المنطق تتطور على أساس علاقات الناس الاقتصادية، ونشاط ومصالح الطبقة الاجتماعية"[12].

فهذا الرأي كما فهمنا قد لا يمس إلا الشطر الثاني من مفهوم اللغة عند ابن حزم، وهو المظهر الاصطلاحي الذي يتطور حسب الظروف والأوضاع النفسية والاجتماعية والسياسية، أما عمق اللغة وحقيقتها فهذا ما لم يستطع أصحاب الاتجاه المادي في تفسيراتهم للنشاط الإنساني إدراكه أو ملامسته.

فإذا تفحصنا هذه النصوص التي تريد أن تعلل قضايا اللغة بالتعليل النفسي فسنجدها لا تعطي توضيحا لمشكلة اللغة ومصدرها الأصلي، بل إن العنصر الموضوعي والتجريبي في هذه النصوص مفقود.

خاصة إذا قارناها بنصوص ابن حزم في إثبات مذهبه حول طبيعة اللغة ومصدرها ومراحل تطورها وتأثرها بالواقع والأحوال الاجتماعية، وذلك في تحليلات علمية سليمة تجمع بين الروحاني والمادي والتجريدي والحسي من غير لف ودوران في بوتقة التعصب المادي الضيق الأفق.

إن مسألة علاقة الفكر باللغة مسألة شائكة ومعقدة، فلقد تساءل"علماء النفس عما إذا كان من الممكن وجود فكر بدون لغة، وكان جوابهم أنه إذا كان من الممكن نظريا على الأقل وجود فكر ابتدائي بدون لغة فإنه من غير الممكن وجود فكر وتفكير حقيقيين عميقين بدون لغة"[13].

فإذا عمقنا النظر في هذه التساؤلات قد نجدها تنصب على اللغة الاصطلاحية، إذ رغم وجودها فقد بقيت مجالا للتشكيك في استيعابها كل حركات الفكر[14].

من هنا فقد ذهب بعض الباحثين إلى القول بأن بين اللغة والفكر تأثيرا متبادلا وأن الفكر متقدم على اللغة؛وهو ما فهمناه عند ابن حزم، مستدلين على هذا بأنه:

"لو كانت اللغة شرطا من شروط الفكر-أي متقدمة عليه- لأمكن التعبير عن كل فكرة، إلا أننا كثيرا ما نشعر بالأفكار تجول في خاطرنا من غير أن نوفق للتعبير عنها...

والحق أن اللغة نتيجة من نتائج الفكر المنطقي وشرط من شروطه، فالكلام والفكر ينموان ويرتقيان معا، إلا أن كثرة المفردات تتبع كثرة المعاني، وتطور الألفاظ تابع لتطور الفكر.

إن وراء الفكر التأملي نفسه صورا من المعاني المستقلة عن الألفاظ، حتى لقد بين علماء النفس أن لدى الطفل تفكيرا غير لفظي وهو تفكير مقارن للعمل تنوب الحركات فيه عن التصورات.

ثم إن هناك فكرا تأمليا وحدسيا يتميزان بتقدم الشعور فيهما على الألفاظ، فالفكرة إذن، أغنى من اللفظ ويمكن التعبير عنها بألفاظ مختلفة"[15].

هذه إذن بعض أهم بواكير علم النفس اللغوي عند ابن حزم، وأجمل ما فيها هو ربطه الوجود الإنساني بالوجود اللغوي، وجعله أساسا من أسس البنية النفسية وليس شيئا خارجيا مكتسبا أو متواضعا عليه، ومن ثم فإن النظر في اللغة يبقى دائما له اتصال بعلم النفس لتحديد أسباب تقدمها أو انحسارها[16].فهل نحن في زماننا هذا لنا الشجاعة لاستعمال معصرة فكرية قد تعطي مثل هذا المعنى للغة من حيث التوظيف والتوصيف والتصنيف وبشكل علمي غير متعصب ولا متذبذب؟...

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

...........................

[1] جان بياجي:البنيوية، ترجمة عارف منيمنة وبشير أوبري، منشورات عويدات بيروت باريس ط1982ص68

[2] مجموعة المتون الكبرى:متن إيساغوجي مطبعة الاستقامة القاهرة1378-1958

[3] ابن حزم:الإحكام في أصول الأحكام، مطبعة السعادة مصر ط1-1345ج1ص29

[4] نفس  ج1ص 39

[5]نفس  ج1ص31

[6] فاخر عاقل:أصول علم النفس وتطبيقاته، دار العلم للملايين، ط6-1984ص152

[7] نفس  ص153

[8] ابن حزم الإحكام في أصول الأحكام ج1 ص31

[9] نفس ج1ص32

[10] موريس كورنفرث:مدخل إلى المادية الجدلية، ترجمة محمد مستجير مصطفى، دار الفارابي بيروت ج3ص50-51

[11] موريس كورنفورث:مدخل إلى المادية الجدليةج3ص52

[12] نفس   ج3ص59

[13] فاخر عاقل:أصول علم النفس وتطبيقاته ص138

[14] نفس ص139

[15] جميل صليبا :علم النفس  ص518

[16] فاخر عاقل:أصول علم النفس وتطبيقاته ص142

 

 

محمد بنيعيشكثير من الباحثين من قد يحسن التفكير والتحليل والتعمق والتدقيق في باب العلم والمعرفة، ولكنه سرعان ما يحول بينه وبين هذا الجمال والجلال العلمي نوع من التعصب أو التعاطف أو الضبابية والتوجس، فيسقط من حسابه عدة مصادر ومراجع قد تكون ذات فائدة وتقريب للمعنى على أحسن وجه وأسلم استنتاج، كما قد يصعب على الكثير منا تقريب المعنى المتسامي للأفهام وملامسة الأذواق والمقصد الرفيع، فلا يجد إلا أمثلة من الواقع المحسوس، ومن القصص والحكايات .وفي هذه اللحظة تمتزج الحقيقة مع الخيال والبرهان مع الخطابة، والجدل يتداخل مع البيان، فتضيع حينها الغاية الراقية ويفقد العلم دوره وحكمه الصارم والقطعي...

أ) الاستمداد والتقاطع بين الصوفية والفلاسفة

ولقد كانت الغاية من الدراسة النفسية أو الأخلاقية عند الغزالي، في شتى المراحل والمباحث، هي السعي إلى تقريب أهمية الأخلاق ودورها في إصلاح الفرد والمجتمع، وذلك بأسلوب قريب من البرهان وبواسطة استدعاء كل الآراء النفسية أو الخلقية السليمة لتقريب أهمية فضيلة ما إلى الأذهان، ولهذا لوحظ عليه عدم توجيه انتقاد إلى الفلاسفة في هذا المجال بل على العكس من ذلك فقد اعتمد كثيرا من أفكارهم.

إن للغزالي في اقتباسه المسائل النفسية والأخلاقية مبرر طريف من نوعه، إذ يرى أن الفلاسفة هم الذين اقتبسوا من الصوفية وليس العكس.

لهذا يجب رد الحق إلى أهله، ومن ثم سيدخل آراء الفلاسفة النفسية والأخلاقية في علم التصوف.

فنراه يقول بهذا الصدد:"أما الخلقية فجميع كلامهم فيها يرجع إلى حصر صفات النفس وأخلاقها وذكر أجناسها وأنواعها وكيفية معالجتها ومجاهدتها، وإنما أخذوها من كلام الصوفية، وهم المتألهون المثابرون على ذكر الله تعالى، وعلى مخالفة الهوى وسلوك الطريق إلى الله تعالى بالإعراض عن ملاذ الدنيا، وقد انكشف لهم في مجاهدتهم من أخلاق النفس وعيوبها، وآفاق أعمالها ما صرحوا بها، فأخذها الفلاسفة ومزجوها بكلامهم توسلا بالتجمل بها إلى ترويج باطلهم، ولقد كان في عصرهم بل في كل عصر جماعة من المتألهين لما يخلي الله سبحانه العالم عنهم، فإنهم أوتاد الأرض، ببركتهم تنزل الرحمة إلى أهل الأرض كما ورد في الخبر حيث قال عليه السلام:" بهم تمطرون وبهم ترزقون، ومنهم كان أصحاب الكهف"...[1]".

هذا الرأي عنده سيتعرض لانتقادات وردود[2]وجدل غالبيته تميل إلى رفضه والتحيز إلى اعتبار الفلاسفة هم رواد الفكر النفسي والأخلاقي، قد لا يسمح لنا المجال تتبعها بالتفصيل...

خلاصة الحديث عن موضوع الاقتباس عند الغزالي هو أنه في مجمله يبدو متوازنا وموضوعيا ومتناسبا، فهو أصولي بالدرجة الأولى وله مرجعية معينة تصوغ أفكاره وآراءه التي ضمنها كتبه النفسية والأخلاقية، خصوصا كتابه "الإحياء"، إذ كما يقول زكي مبارك:"فرأيته لا يضع حكما إلا وقد اقتبسه من حكمة أو مثل أو بيت من الشعر و آية أو حديث أو أثر إلى غير ذلك مما قرأه بنفسه أو سمعه من أساتذته، ولقد حاولت أن أرجع كل حكم لأصله ولكني رأيت في ذلك منافاة للإيجاز، وهو شرط هذا الكتاب –أي كتابه:الأخلاق عند الغزالي"[3].

فبتنويعه للمصادر التي بنى عليها أفكاره قد أراد أن يقول بأن هذه الأخيرة برهانية ومؤسسة على علوم ثابتة ومتفق عليها بين أهل العلم والعقلاء، كما أنه أراد أن يدعم أفكاره بتنويع الاستشهادات حتى يكون وقعها على النفوس قويا، بالإضافة إلى هذا فإن كتبه الأخلاقية قد استهدفت العامة والخاصة من العلماء وكل مستويات الوعي في المجتمع، لأنه في نظره لا يخلو أحد من الناس في الغالب إلا وهو مريض خلقيا[4]، إن لم يكن ظاهرا فسيكون باطنا لا محالة، وإن لم يكن بسيطا فسيكون معقدا ...وهكذا استطرادا.

فلا غرابة إذا كان يخاطب القارئ بشتى اللهجات والأساليب، ابتداء من النص القرآني و الحديثي أصل الأصول، ثم مرورا بالحكم والأمثال والآراء الفلسفية وضرب الأمثلة العامية، كما يصرح بذلك في كتاب عجائب القلب من الإحياء، فيقول :"فلنذكر الآن من شرح عجائب القلب بطريق ضرب الأمثال ما يقرب من الأفهام فإن التصريح بعجائبه وأسراره الداخلة في جملة عالم الملكوت مما يكل عن دركه أكثر الأفهام"[5].

ب) منهج التقريب والتبسيط لقضايا النفس والأخلاق

فبخصوص هذه الأمثلة التقريبية التي كان يستعملها لتوضيح آرائه النفسية والأخلاقية نجد تعسفا واضحا في تأويلها من طرف زكي مبارك، إذ اعتبرها "ميزة خطيرة لمؤلفات الغزالي وهي إقباله على الخيال، فهو يحسن ويقبح بطريقة فنية بديعة تخلب العقول وتمتع القلوب"[6].

فلا ندري أين يكمن الخطر في هذه الأمثال التي ضربها في كتبه، وهي في الغالب مستقاة من آراء الصوفية والفقهاء والفلاسفة قبله ؟.

ثم إن عرض لها فلم تكن إلا تفسيرا للنصوص القرآنية أو الحديثية، وقد تكون توضيحا لفكرة فلسفية عميقة قد لا يفهمها العامي في غالب الأحيان، وهو ما رأيناه في النص السابق الخاص بالهدف من ضرب الأمثلة، كما أنه حينما يسترسل في تشعيب الفكرة محل الدرس فقد كان يعتمد على أسس معقولة وملاحظات دقيقة وواقعية في أغلبها، ثم يستعمل القياس في كل تخيلاته، وذلك بالربط بين الإنسان والحيوان تارة وبين أمثلة الروح والجسد على غرار ما سلكه ابن مسكويه، وكذلك حينما كان يريد أن يعطي لنا توضيحا لعمل القلب فإنه قد لجأ إلى قياسه على الملك وجنوده وكل ما تحتمله المملكة من تنظيم وتشريع وتقاليد، فكان قياسه هذا يقوم على أسس معقولة ومقبولة يقرها الواقع والذوق السليم ولا يجد الخيال المتزن فيها منافرة أو تعارضا .

يقول بخصوص موضوع القلب بعدما عرض له بالدرس الموضوعي وتشريح بنيته المجسدة بطريقة علمية دقيقة:

"فهذه أقسام جنود القلب وشرح ذلك بحيث يدركه فهم الضعفاء بضرب الأمثلة يطول، ومقصود مثل هذا الكتاب أن ينتفع به الأقوياء والفحول من العلماء، ولكنا نجتهد في تفهيم الضعفاء بضرب الأمثلة ليقرب ذلك من أفهامهم"[7].

من هنا يبدو تناقض زكي مبارك في دعواه بأن طريقة الغزالي الخيالية في تقريب أفكاره للقارئ كانت تمثل خطرا في مؤلفاته وذلك حينما أقر بأنه "كان لا يورد فكرة إلا وهي مقتبسة من حكمة أو مثل أو بيت من الشعر..."[8]

ليس المقصود من هذا الاعتراض تعقب الانتقادات الموجهة ضد منهجه في علم النفس والأخلاق، ولكن مرادنا الإشارة إلى خصوصيات هذا التأليف حتى أنه أشكل الهدف منه على بعض من لم يقم بمسح شامل لكل محتويات كتبه سواء الإحياء أو غيره.

حينما نرجع إلى الكتابات الأخلاقية قبله أو بعده فإننا سنجدها غالبا ما كانت تصاغ إما على شكل جمل خلقية وأمثال وقصص، وإما على صورة دراسة منظمة تسعى إلى إقامة البرهان وتثبيت الأفكار بالحجج العقلية والحسية كما لاحظ أحمد أمين بأنه بما كان :"جامعا بين المذهبين في كتابه الإحياء، فهو يبدأ الكلام في كل فضيلة أو رذيلة بالآيات والأحاديث وما روي عن كبار الصحابة والتابعين ثم يتبع ذلك بالتحليل النفسي للفضائل والرذائل، وقد جمع بين المذهبين كما حاول الجمع بين الفقه والتصوف وبين الفلسفة والدين" [9].

قبل اختتام الحديث عن خصائص الاقتباس عند الغزالي لابد من الإشارة إلى مصادر أخرى غير الصوفية والفلسفية اعتمدها في كتابه الإحياء (خاصة)ألا وهي: المصادر الفقهية، وهي مصادر متنوعة ؛غير أنه اعتمد آراء ومأثورات الفقهاء الذين كانوا يمثلون اتجاها صوفيا في سلوكهم وآدابهم، منهم على سبيل المثال: الإمام مالك و أبوحنيفة والشافعي وابن حنبل...وهؤلاء فيما يرى أنهم كانوا يمثلون ويطبقون قواعد السلوك عمليا، لهذا فإن جل اقتباساته عنهم كانت تتمثل في عرض جوانب من سيرهم وما ورد عنهم من مواقف وأقوال مجملة مثل قوله:"وكان في الفقهاء من يقول لا أدري، ومنهم سفيان الثوري ومالك بن أنس و أحمد بن حنبل وبشر بن الحرث..."[10].

من ثم نجده يستشهد بسيرة هؤلاء الفقهاء ويرى أنهم مثال الأتقياء ولم يكن لديهم فصل بين الفقه والتصوف، بل كان هذا الأخير دائم الحضور في أعماقهم ووجدانهم.

في حين؛يرى أن فقهاء عصره لم يعودوا يمثلون سوى سطحيات وقشر ما كان يتضمنه مفهوم الفقه عند الأولين، فيؤرخ لهذا التحول بأنه في "القرن الرابع حدثت مصنفات الكلام وكثر الخوض في الجدال والغوص في إبطال المقالات ثم مال الناس إليه وإلى القصص والوعظ بها فأخذ علم اليقين في الإندراس من ذلك الزمان، فصار بعد ذلك يستغرب علم القلوب والتفتيش عن صفات النفس ومكايد الشيطان، وأعرض عن ذلك إلا الأقلون، فصار يسمى المجادل المتكلم عالما والقاص المزخرف كلامه بالعبارات المسجعة عالما، وهذا لأن العوام هم المستمعون إليهم، فكان لا يتميز لهم حقيقة العلم من غيره ولم تكن سيرة الصحابة رضي الله عنهم وعلومهم ظاهرة عندهم حتى كانوا يعرفون بها مباينة هؤلاء لهم"[11].

لئن كان لغزالي قد اعتمد المصادر الفقهية في كتابه الإحياء فإن أكثر ما وظف اقتباساته منها في الربع الأول والثاني منه خاصة، كما أن كتاب الماوردي الأخلاقي "أدب الدنيا والدين" قد يبدو غير حاضر فيه، سواء من حيث مادته المعرفية أو المنهج، رغم أنه يوجد نوع من التقارب بين الرجلين في تفصيل الأسباب التي قد تكون وراء هذا السلوك أو ذاك...

هذه هي إذن بعض المميزات الخاصة بمنهج التأليف و الاقتباس عند الغزالي، التي يبدو فيها أنه كان طالب علم موضوعي وليس بساع لمذهب أو غاية ذاتية وتقليدية، ويتجلى هذا من خلال تنويع مصادر معرفته، لأن العارف العاقل كما يقول :"يعرف الحق ثم ينظر في نفس القول، فإن كان حقا قبله سواء كان قائله مبطلا أو محقا، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من أقاويل أهل الضلال عالما بأن معدن الذهب الرغام، ولا بأس على الصراف إن أدخل يده في كيس القلاب وانتزع الإبريز الخالص من الزيف و البهرج مهما كان واثقا ببصيرته، فإنما يزجر عن معاملة القلاب القروي دون الصيرفي البصير، ويمنع من ساحل البحر الأخرق دون السباح الحاذق، ويصد عن مس الحية الصبي دون المعزم البارع"[12].

فيا أيها الباحثون: هلا قد حان الوقت لاستعادة زمام المبادرة للرقي بالبحث العلمي والصرامة والفكر الموضوعي حتى نخلص مما نحن فيه من التيه وطغيان الأكاذيب والمخوفات والفزاعات الإعلامية والتعميمية على حياتنا اليومية وقدراتنا الفكرية والتحليلية ...؟.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

..........................

[1] الغزالي :المنقذ من الضلال ص29

[2] حسين الرمضاني الخالدي:الأخلاق عند نابغة العصر، مطبعة التوفيق بدمشق ص7

[3] زكي مبارك:الأخلاق عند الغزالي  ص53

[4] الغزالي :إحياء علوم الدين  ج1ص14وج3ص42

[5] نفس ج3ص3

[6] زكي مبارك:الأخلاق عند الغزالي  ص75

[7] الغزالي:إحياء علوم الدين  ج3 ص5

[8] زكي مبارك:الأخلاق عند الغزالي ص53

[9] أحمد أمين:ظهر الإسلام دار الكتاب العربي بيروت الطبعة الخامسة ج2ص189

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين   ج1ص62

[11] الغزالي:إحياء علوم الدن  ج1 ص30

[12] الغزالي:المنقذ من الضلال     ص30

 

محمد بنيعيشكثير من الباحثين قد يحتارون في طريقة التأليف والمزج بين المعلومة المقتبسة والمتبناة والمستنتجة، فلا يستطيعون التخلص من التقليد والمحاكاة لغاية الابتذال، كما لا يحتفظون بالموضوعية في منازلة الحاضر لديهم والحكم عليه، فيقعون إما في الحذف المتعسف فيكون معه ضياع العلم وجوهره، وإما في المزج والخلط المدلس لحد السرقة العلمية، فلا النص الأول بقي على حاله وقوته ولا المضاف أدى إلى معنى جديد يفيد الباحثين ويطور الفكرة أو النظرية.

إن تحديد المنهج عند الغزالي في هذا الباب يبدو متشعب النواحي ومترامي الأطراف، فهو أصولي مع الأصولي سواء كان صوفيا أو فقيها، وفلسفي مع الفلسفي، مشائيا كان أو رواقيا، وهو مازج بين النصوص الدينية والحكم الصوفية والاستنباطات الفقهية والآراء الفلسفية مزجا دقيقا وواضعا بنية متكاملة في مجالات دراساته النفسية والأخلاقية، إما على شكل سياق متكامل وإما على صورة كتب يصب بعضها في بعض .

فقد يحار الباحث في تحديد كتبه النفسية و الأخلاقية كنموذج خاص للدراسة وجامع لخصائص المنهج عنده.

فهناك كتاب "معارج القدس في مدارج معرفة النفس "و"ميزان العمل "و"منهاج العابدين"و"كيمياء السعادة "و"الأدب في الدين"و"الأربعين في صول الدين "و"المنقذ من الضلال"...إلخ

إلا أن أهم هذه الكتب جملة هو كتابه "إحياء علوم الدين"الذي قسمه إلى أربعة أجزاء عرض فيها عصارة محصلاته العلمية في المجالات النفسية والأخلاقية.

فكان أكثر ما وظف فيه بشكل مركز فكره النفسي والأخلاقي هو ما تضمنه الربعان الأخيران من الكتاب واللذان سماهما ب:ربع المهلكات وربع المنجيات كما لخص مضامينهما في التقسيم التالي:

"ففي ربع المهلكات ما تجب تزكية النفس منه من الشره والغضب والكبر والرياء العجب والحسد وحب الجاه وحب المال وغيرها، وفي ربع المنجيات يظهر ما يتحلى به القلب من الصفات المحمودة كالزهد والتوكل والرضا والمحبة والصدق والإخلاص وغيرها.

وبالجملة يشتمل كتاب الإحياء على أربعين كتابا يرشدك كل كتاب إلى عقبة من عقبات النفس وأنها كيف تقطع، وإلى حجاب من حجبها وأنه كيف يرفع، وهذا العلم فوق علم الفقه والكلام وما قبله لأنه علم السلوك وذلك علم آلة السلوك..."[1].

من الملاحظ على مؤلفاته النفسية والأخلاقية أنها تتضمن أفكارا وأخبارا تكاد تشبه بالحرف ما عند من كتبوا في نفس المواضيع التي عرضها فيها، بحيث قد تفرض علينا هذه الملاحظة التساؤل التالي؛وهو:ما هي مصادر الاقتباس عند الغزالي في علم النفس والأخلاق خصوصا، وما هي مميزاته؟

إن أهم هذه المصادر التي تبدو في صورة جملية صريحة وواضحة لغة ومضمونا يمكن حصرها في مصدرين أساسيين احتلا الصدارة في كتاباته وهما: المصادر الصوفية والمصادر الفلسفية.

أ(المصادر الصوفية وأبعادها العملية

لا يشك باحث في أن الغزالي قد ملأ كتبه النفسية والأخلاقية بعدة آراء وحكم صوفية، منها التي ذكر أصحابها وقائليها ومنها التي عرضها بشكل يوهم للبعض نسبتها إليه...

فكان من بين المصادر التي ذكرها صراحة كمعتمد لديه لفهم معاني التصوف ودقائق علم الأخلاق مثل "قوت القلوب"لأبي طالب المكي رحمه الله، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي ...وغير ذلك من كلام مشايخهم".

كما كان من بين أهم المراجع التي لم يذكرها في كتبه كلها والتي اعتمد عليها كثيرا في تأليف كتابه الإحياء فيما يرى زكي مبارك هو كتاب "الرسالة القشيرية "لأبي القاسم القشيري، في حين يتساءل عن السبب الذي جعل الغزالي"لم يشد بذكر مؤلفها ومؤلف قوت القلوب مع أن فضلهما عليه كبير"[2].

فلست أدري لماذا يلزم بهذه الإلحاح لأن يشيد بذكر الكتب ومؤلفيها؟ كما قد يرد على هذه المسألة بالملاحظة التالية:

بخصوص عدم الإشادة بمؤلف قوت القلوب لأبي طالب المكي فهذا قد سبقت الإشارة إليه -كما رأينا قريبا- من خلال اعتراف الغزالي به كمرجع نظري ذي أبعاد عملية في كتابه المنقذ من الضلال، هذا مع ذكر عدة حكم له في الإحياء نفسه[3].

أما فيما يتعلق بعدم الإشادة ب: "الرسالة القشيرية"أو غيرها من الكتب التي نقل عنها، فهذا مما يميز منهجيته في دراساته كلها، كما قد تعتبر خاصية في الاقتباس عنده على شكل التزام فكري، لأنه في منهجه يسعى إلى التحقيق المعرفي الموضوعي المؤدي إلى ضبط السلوك أوتحصيله، وليس الوقوف مع الشكليات والحشو التاريخي واللغوي، إذ لكل عمل رجال كما يعبر عنه في كتبه، وقد صرح بهذا في كتابه فضائح الباطنية حيث قال: "ولقد طالعت الكتب المصنفة في هذا الفن -أي الرد على الباطنية- فصادفتها مشحونة بفنين من الكلام: فن في تواريخ أخبارهم وأحوالهم من بدء أمرهم إلى ظهور ضلالهم وتسمية كل واحد من دعاتهم في كل قطر من الأقطار وبيان وقائعهم فيما انقرض من الأعصار، فهذا فن أرى التشاغل به اشتغالا بالأسمار، وذلك أليق بأصحاب التواريخ والأخبار، فأما علماء الشرع فليكن كلامهم محصورا في مهمات الدين وإقامة البرهان على ما هو الحق المبين، فلكل عمل رجال[4]".

فكان هذا هو السبب الكامن وراء عدم ذكر المراجع التي اعتمدها في كتاب الإحياء خاصة، بالإضافة إلى هذا فالرسالة القشيرية لا تمثل مصدرا مباشرا للتصوف وعلم الأخلاق، وإنما هي بدورها قد تعتبر مرجعا من المراجع التي اعتمدت على أقوال المشايخ الصوفية السابقين في كل فصولها، ولم تكن هناك تدخلات لمؤلفها إلا في بعض الأحيان وعلى شكل تبيان واستطراد في غالب الأحيان.

ب) المصادر الفلسفية وتوافقها النظري

إن أبرز المراجع التي اعتمدها الغزالي في درسته النفسية والأخلاقية هي مؤلفات ابن سينا الخاصة بالدراسات النفسية وابن مسكويه من خلال كتابه "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق "

1) مؤلفات ابن سينا وخصائصها النفسية

فقد شكلت كتبه، وخاصة الشفاء والنجاة، مرجعا مهما من مراجع الغزالي النفسية في ثوبها الفلسفي ودراسة النفس كجوهر وذات متميزة ومشكلة التحديد.

بحيث ستتبين اقتباساته منها أسلوبا ومنهجا فكريا بكل وضوح في كتابه المتجادل حوله "معارج القدس في مدارج معرفة النفس".

تتجلى هذه المطابقة شبه الحرفية في المواضيع التالية:

فعلى سبيل المثال حينما يتحدث عن حدوث الأرواح البشرية نجد معالجته لها تتشابه مع ما ذهب إليه ابن سينا طالت في بعض الأحيان حتى العبارات والجمل !

يقول في النجاة:"إن النفس الإنسانية متفقة في النوع والمعنى، فإن وجدت قبل البدن فإما أن تكون متكثرة وأن تكون ذاتا واحدة ومحال أن تكون متكثرة وأن تكون ذاتا واحدة على ما تبين، فمحال أن تكون قد وجدت قبل البدن، فنبدأ ببيان استحالة تكثرها بالعدد، فنقول:إن مغايرة الأنفس قبل الأبدان بعضها البعض إما أن يكون من جهة الماهية والصورة، وإما أن يكون من جهة النسبة إلى العنصر، والمادة متكثرة بالأمكنة التي تشمل كل مادة على جهة منها والأزمنة التي تختص كل نفس بواحدة منها في حدوثها في مادتها والعلل القاسمة لمادتها، وليست مغايرة بالماهية والصورة لأن صورتها واحدة، فإذا إنما تتغاير من جهة قابل الماهية أو المنسوب إليه الماهية بالاختصاص وهذا هو البدن، وأما قبل البدن فالنفس مجرد ماهية فقط، فليس يمكن أن تغاير نفس نفسا بالعدد والماهية لا تقبل اختلافا ذاتيا"[5].

فيقول الغزالي في نفس الموضوع:"الأرواح البشرية حادثة حدثت عند استعداد النقطة لقبول النفس من واهبها كما قال الله تعالى:"فإذا سويته ونفخت فيه من روحي"[6].

كما حدثت الصورة في المرآة لحدوث الصقالة، وإن كان ذو الصورة سابق الوجود على الصقالة، وتلخيص البرها: أن الأرواح لو كانت موجودة قبل الأبدان لكانت إما كثيرة وإما واحدة، وباطل وحدتها وكثرتها:فمحال وجودها، وإنما استحال وحدتها بعد التعلق بالأبدان لعلمنا ضرورة بأن ما يعلمه زيد يجوز أن يجهله عمرو، ولو كان الجوهر العاقل منهما واحد لاستحال اجتماع المتضادين فيه كما يستحيل في زيد وحده، ونحن نعني بالروح العاقل كما ذكرنا، ومحال كثرتها لأن الواحد إنما لا يستحيل أن يتثنى وأن ينقسم إذا كان ذا مقدار كالأجسام، فالجسم الواحد ينقسم، فإنه ذو مقدار فله بعض فيتبعض، أما ما لا بعض له ولا مقدار فكيف ينقسم ؟"[7].

كذلك نجد المطابقة التامة بينهما[8]في موضوع تقسيم العقل إلى نظر وعملي وجوهرية النفس وبقائها[9]...إلخ

إن شدة التشابه بين أفكار وتعبير كل من الرجلين، في المواضيع النفسية خاصة، جعل البعض يتشكك في نسبة كتاب "معارج القدس في مدارج معرفة النفس"إلى الغزالي، خاصة وأنه لم يشر فيه كما هي عادته في الإحالة إلى أي كتاب من كتبه السابقة، كما لاحظ عليه ذلك آسين بلاسيوس المستشرق الإسباني، لكنه مع ذلك لا يشكك في نسبة الكتاب إلى صاحبه، إذ يرى أن أسلوبه ومنهجه الفكري الذي يتحكم في الكتاب هو نفسه الذي اعتمده في جل كتبه الأخرى[10]، وذلك من حيث اعتماد التسلسل في عرض الأفكار والمتمثل في بناء أصل على أصل، فيما هو عليه منهجه في علم الكلام[11]، بحيث يمكن استخلاص هذا التوجه من خلال عنوان الكتاب نفسه حيث عبر بلفظة المعارج ومقابلتها بالمدارج.

كما قد يلاحظ عليه تقليده لأفكار ابن سينا النفسية وموافقته لها حتى في المسائل التي عارضه فيها من خلال كتابه"تهافت الفلاسفة "؛خاصة في موضوع جوهر النفس وبقائها[12]، سبقت الإشارة إليه، وهي ملاحظة غير قليل من الباحثين والمفكرين سواء منهم الأقرب معاصرة له كابن رشد أو من المحدثين والمعاصرين[13].

فكيفما كان حال مستوى تقليده لابن سينا في هذا المجال إلا أنه لا يفقده خصوصياته، إذ أن كتابه "معارج القدس"كان كتابا منظما على سلم خاص وغاية منشودة، ابتدأه بتحديد المصطلح وبإثبات الجوهر النفسي وعرض البراهين عليه، ثم تحديد ماهية النفس وصلتها بالجسد وقواها الخاصة بها، كما أن كل قوة من هذه القوى أعطى لها تقسيمات كلا بحسب وظيفته، في حين لم يهمل الجانب الأخلاقي وصلته بقوى النفس .

إذ بعد خوضه في دراسة النفس عموما وتبيين أحوالها العامة انتقل إلى الحديث عن الغاية القصوى للنفس وهي معرفة الله تعالى، وهذا هو منتهى معارج معرفة النفس .

2) مؤلفات ابن مسكويه والتزامها الأخلاقي

إن أهم مؤلف تمثل فيه عنصر الاقتباس عند الغزالي بكل وضوح في الجانب الأخلاقي من الناحية الفلسفية هو كتاب "تهذيب ألأخلاق وتطهير الأعراق"لابن مسكويه.

فإذا كان الغزالي يلتقي معه[14] في تحديد أجناس الفضائل في أربع وهي:"الحكمة والعفة والشجاعة العدالة"[15]إلا أن هذا التوافق لم يكن فيه ابن مسكويه إلا ناقلا عن الفلاسفة قبله، ومع هذا فالغزالي سيعمل على نقل مواضيع من كتاب التهذيب بنصوصها وعناوينها كاملة ويدرجها في كتابه إحياء علوم الدين، من أهمها: الباب الخاص بتربية الصبيان[16]، والذي يتطابق حرفيا مع ما أورده ابن مسكويه تحت عنوان "فصل في تأديب الأحداث والصبيان خاصة"[17] وهو ما لاحظه زكي مبارك وذهب إلى القول على إثره بأن مظاهر النقل عند الغزالي واضحة في هذا المجال[18]، لكنه أضاف أشياء تفصيلية ومدققة أكثر مما تضمنه نفس الموضوع عند ابن مسكويه، بحيث سيقدم منهجا تربويا عمليا خاصا بالصبيان لكي ينشئوا على أخلاق ثابتة تتحكم فيها العادة والتوجيه بحسب أطوار نموهم[19].

حتى إن نفس الأمثلة التي أوردها ابن مسكويه لتقريب المعنى الأخلاقي قد نجدها عنده، إذ في تحديد قوى النفس يقول ابن مسكويه:"وشبه القدماء الإنسان وحاله في هذه الأنفس الثلاث بإنسان راكب دابة قوية يقود كلبا أو فهدا للقنص، فإن كان الإنسان من بينهم هو الذي يروض دابته وكلبه يصرفها ويطيعانه في سيره وتصيده وسائر تصرفاته، فلا شك في رغد العيش المشترك بين الثلاثة وحسن أحواله، لأن الإنسان يكون مرفها في مطالبه يجري فرسه حيث يحب "[20].

ثم لننظر كيف صاغ الغزالي هذا المثال بقوله:"مثل العقل مثال فارس متصيد وشهوته كفرسه وغضبه ككلبه، فمتى كان الفارس حذقا وفرسه مروضا وكلبه مؤدبا معا كان جديرا بالنجاح، ومتى كان هو في نفسه أخرق وكان الفرس جموحا والكلب عقورا فلا فرسه ينبعث تحته منقادا ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعا، فهو خليق بأن يعطب فضلا عن أن ينال ما طلب، وإنما خرق الفارس مثل جهل الإنسان وقلة حكمته و كلال بصيرته، و جماح الفرس مثل غلبة الشهوة خصوصا شهوة البطن والفرج، وعقر الكلب مثل غلبة الغضب واستيلائه"[21].

من خلال هذه المعطيات أمكن القول بأنه كان باحثا مرجعيا في تأليفه لكتبه، غير أنه كان يحاول أن لا يخلل السياق الذي كان يصبو إلى صياغة بحوثه العلمية على صورته بحشو المراجع والإحالات فيه وإفقاده رونقه وتسلسله المنطقي والموضوعي...

فالمواضيع ذات الأفكار المترابطة والتي تحمل نوعا من السعي إلى إقامة نظرية متكاملة واعتماد القواعد تلو القواعد كان لا يذكر عندها مصادرها المقتبسة منها، أما الحكم القصيرة الجامعة لبعض تلك المواضيع فهذه كان يلجأ إلى ذكر قائلها حتى يستقيم له السياق، بالإضافة إلى هذا فإن الجانب النفسي أو الأخلاقي لم يكن موضوعا يفترض الجدل كثيرا؛وخاصة في عناصره الأساسية وأصولها، إذ كل العلماء كانوا يقرون بالفضائل ويرفضون الرذائل جملة وتفصيلا.فهلا راجعنا طريقة بحثنا واقتباسنا ودمجنا ومزجنا لكي نكون في مستوى الباحثين الجامعيين، أم أننا أصبحنا نميل إلى العجن والجبن، والرقن بغير أين ولا بين، ولا أسهل لدينا سوى قطع وإلصاق وحذف وإخفاق؟...

 

الدكتور محمد بنبعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

...........................

[1] الغزالي: جواهر القرآن، منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت ص24

[2] زكي مبارك: الأخلاق عند الغزالي، مطابع دار الكتاب العربي بمصر ص64

[3] الغزالي إحياء علوم الدين، مطبعة محمد علي صبيح وأولاده ج3  ص72

[4] أبو حامد الغزالي: فضائح الباطنية، تحقيق عبد الرحمن بدوي مؤسسة دار الكتاب الثقافية الكويت ص9

[5] ابن سينا: النجاة، منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت الطبعة الأولى 1405-1985 ص222

[6] سورة الحجر آية 29

[7] الغزالي: معارج القدس في مدارج معرفة النفس، منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت ص105

[8] ابن سينا: النجاة  ص206-217-223

[9]الغزالي: معارج القدس ص27-50-117

[10] دكتور محمد قاسم: في النفس والعقل لفلاسفة الإغريق والإسلام، مكتبة الأنجلو المصرية  الطبعة الثالثة  ص100

[11] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، تحقيق محمد مصطفى أبو العلا، مكتبة الجندي ص26

[12] الغزالي: تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنا، دار المعارف بمصر الطبعة الخامسة ص 275

[13] دكتور محمد قاسم: في النفس والعقل لفلاسفة الإغريق والإسلام، مكتبة الأنجلو المصرية ص180

[14] الغزالي: معارج القدس في مدارج معرفة النفس  ص85

[15] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، مطبعة محمد علي صبيح وأولاده ص17

[16] الغزالي إحياء علوم الدين  ج3  ص62

[17] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق    ص58

[18] زكي مبارك: الأخلاق عند الغزالي، مطابع دار الكتب العربي بمصر ص58

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين  ج3 ص 63

[20] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق    ص54

[21] الغزالي: إحياء علوم الدين ج3ص6

 

مجدي ابراهيمانتهينا في المقال السابق إلى أن القاعدة القرآنية المنزَّهة تقول "اَدْعُو إلىَ سَبِيِلِ رَبِّك بالحِكِمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ"، تحدّد الدعوة إلى الله بالحكمة كونها كلمة حق تخرج من لسان صدق، ولا يفترض فيها غير الحق وغير الصدق على طول الطريق، وليس يمكن للحكمة ولا إحسان الموعظة أن يهدفا إلى شيء بغير أن يكونا هادفهما إلى الإصلاح والتقويم والتهذيب في نفس صاحبها أولاً ثم من نفسه بعد فنون الدُرْبَة على الإصلاح والتقويم والتهذيب تنعكس على المجموع إشعاعاته الروحية والدعويّة ولها من الغايات أجَلَّها وأقصدها حين تخلص لله في سبيل الدعوة إليه.

ولا تنتظر من خلقه شيئاً قط قلَّ أو كثُر؛ وذكرنا أن مثل هذا الانتظار نقائض تنفي خلوص التوجه، وتكشف لوثة النية والضمير، وتقدح في التجرُّد لوعي الرسالة المنوطة بما هى عليه في نفسها.

ولم يكن ذكرنا لهذا كله قائماً إلا على تحديد معنى النقائض باعتبارها اضداداً هدامة تعوّل على السّلب والهدم ولا تعول على البناء والإيجاب، ولذا سميت بالنقيضة لأنها تهدم ولا تبنى، ومنها يجئ “النقض” بمعنى الإزالة أو الهدم. ومن أعجب المفارقات أن تلاحظ أن العقل الذي يُفترض فيه أنه يبني، يتضمّن في داخله جراثيم سقوطه وعوامل هدمه وانحلاله . وتلك هى دلالة النقيضة تؤكدها واقعات التطبيق.

ثم قلنا أن تطبيق القاعدة القرآنية المنزَّهة "اَدْعُو إلىَ سَبِيِلِ رَبِّك بالحِكِمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ"، هو بالضبط ما كان يفعله أئمة التصوف فيما يتضح من توجيهاتهم وتعاليمهم خلال ما دَوَّنه عنهم تلاميذهم الأقربون : التربية من أجل الإصلاح, ولكن بالكَلِم الطيب والموعظة الحسنة.

وليس هناك من عجب، فبالكلمات تحيا الأرواح، بالكلمات يَتَغَذَّىَ الروح العاقل في الإنسان، لكنها ليست كلمات كأي كلمات، ولا ككل كلمات؛ إنما هى كلمات حق تخرج من لسان صدق، ولها من الغايات أجلها وأقصدها في غير ما يحول بينها هوى مُقْلِق أو خوف مزعج.

ليس غريباً عندنا ولا هو بالشيء العجيب أن يُؤسِّس الصوفي فكره على "الإخلاص" في الدعوة إلى الله، هذا "الإخلاص" في سبيل الله هو الذي أدىَ بهم إلى التنكيل والتعذيب كما عَرَفْنَا شيئاً منه فيما تَقَدَّمْ.

والإخلاصُ طُهْر يَتَعْدَّىَ ذات الطاهر، ويتجاوز نفسه؛ لينسحب على المجتمع، وعلى من يحيطون به من أتباع وتلاميذ أو هكذا ينبغي أن يتحقق المتصوف من دعوته فتقوم فيه ناهضة قوية بواعث الإصلاح التي لا يُوقفها على نفسه وكفى بل يريد أن يعطيها الجماعة المحيطة به من طريق الدعوة لتتهذب كما تهذب هو؛ ولتستقيم كما استقام هو، ولتَعْرف الله كما عَرَفَهُ هو.

إنمّا الصوفي الحق في هذه الحالة يلمس قلب الأشياء، ويصل إليها مباشرة من خلال اتحاده مع غَايَاته ومقاصدها واتساقه مع نفسه وربه، وخلوصه إلى كلمة التوحيد يَتَحِد بها اتحاداً يعرف فيها من طريق المجاهدة على الحقيقة مُهِمَّة الإخلاص للحقيقة التي ينشدها.

ليست الدعوة الإصلاحية هنا، ولن تكون؛ مجرد كلمات تخرج من أفواه غير قانعة بما تمضي فيه رسالةً تغييريَّةً من أجل الله وكفى، ولا هى بمقتنعة بما تؤديه، ولكنها ولكي تكون إصلاحاً حقيقياً تنطلق من تطابق الذات المُصْلِحَة مع فكرتها : تطابقها بين القول والعمل أو بين الخطاب الأيديولوجي والممارسة الفعلية أو بين اللفظ الصادر كلمة أمينة واعية وبين الحالة الواقعية المعاشة فعلاً في الواقع العملي.

الصوفي لا يجد في هذا التطابق صعوبة ولا غرابة؛ لأنه هو الذي يَخْلِقَهُ، وهو الذي من ذاته يعطيه، وهو الذي يحكم دعوته الإصلاحية من البدء إلى المنتهى على أساسه؛ إنْ في الصورة وإنْ في الحقيقة، إنْ في المظهر البرَّانيِّ وإنْ في الجوهر الجوَّانيِّ. وهذا الاتساق بين الظاهر والباطن هو الذي يشكل شخصية المُحَقِّق الإصلاحية، تلك الشخصية القائمة بدءاً على طُهْر الإخلاص وعلى أمانة الصدق؛ فالصوفي لا يكذب عليك، ولا ينافقك، ولا يداريك، ولا يخونك، ولا يقول لك - كيفما أتفق -  أي كلام في أي لحظة وفي كل لحظة؛ والسلام.

الصوفي لا يفعل ذلك، ولا يخطر له ذلك على بال؛ لأنه مُتَّسقٌ مع ذاته، صَادقٌ في قوله غير مفصوم ولا منقسم، تُعَبِّر لغته عن شخصيته الإصلاحية تتشكل من معدن الإخلاص ومداد الصدق؛ إذْ يبدأ طريقه بالدخول إلى واقع مسكون بالنظافة الباطنة، مسكون باللغة الشاعرة الصادقة المتصلة بالضمير، والمنطلقة من القلب البصير، والعارفة لمعنى ما تقول، والمسئولة أمام الله في نفس الوقت عَمَّا تقول.

لا يتيه الصوفي في تأملاته بعيداً عن واقع يجري فيه الأحياء ممَّن يعيشون ويجرِّبون، ولكنه مسكونٌ بواقعه الذي يعيشه، مسكونٌ بحضوره دوماً في رحاب الله. فليس له من ذنب إذا عاش الأحياء من حوله واقعات أٌخَر غير ما يعيشه هو، وغير ما يستحضره هو، عاشوا واقعات مُزَيفة فرضوها على أنفسهم حتى صارت بالنسبة لهم هى الحياة الحقة ولا حياة سواها. فالواقع الأسود الذي يعيشه إنسان اليوم إنْ هو إلا نتيجة لممارسات دائمة من الزيف والكذب والاختلاق والبطلان، فصارت ممارساته مع دوام التكرار هى الحقيقة التي يتشكل منها واقع الحياة اليوم، بمقدار ما تشكل؛ وسيتشكل مستقبلاً، في كل يوم تعْوَج فيه الضمائر وتنحرف القلوب عن توجهاتها العلوية.

ومَرَدُّ هذا إلى غياب الصدق في الأقوال، أي تردي اللغة وشيوع الكذب فيها واستخدامها الاستخدام الأعوج الكاشف عن عوج الضمائر وخراب القلوب، كما يرتد في الوقت نفسه إلى غيبة الإخلاص في الأعمال، أعني غيبة "الوحدة القصدية" إزاء العمل، وفيما وراء العمل.

وهذه النقطة وحدها كفيلةٌ ببطلان العمل من أساسه فيما لو غابت عنه تلك  الوحدة القَصْدِية؛ ليجيء سقوطه بالجملة من عين الله. والصوفي رجل الله؛ ليس يرى وجهة يتَّجِه إليها سوى وجهة الله مولاه، ففيما الغرابة إذن، وفيما العجب إذا نحن وجدنا "رجل الله"؛ يؤسس فكره على الإخلاص لوجهته التي يتجه إليها؟ فلئن كان الشيطانُ مخلصاً لعوجه وانحرافه, أفغريب على من عرف الله أن يكون مخلصاً لمعرفته، مخلصاً لدعوته، مُبَرَّزَاً فيها بفضل الله، مخلصاً في قوله وعمله من أجل الله، لا لشيء آخر سواه ..؟!

مُهِمَّةُ الصوفي الحقيقية أن يكتشف ما لله في الإنسان، ثم يـَمْضي بهذا الاكتشاف إلى غاية ما يصل إليه طموحه ليُعَمِّمَهُ على أوسع نطاق ممكن من خلال إصلاحياته التأسيسية : الروحية والفكرية والخُلقية، ومتى أنصلح الإنسان الفرد أنصلح معه المجموع، واهتدى على هديه بقدر المستطاع.

هذا الإنسان العظيم الذي خَلَقَه الله على صورته؛ أعظم ما فيه أنه بنيانٌ الله مخلوق على الصورة، لكن من أسف أنه يَهْدمُ نفسه بنفسه، ويقدِّم من نفسه كل يوم الدليل وراء الدليل على هَدْمِهِ :" والإنسان بُنْيَانُ الله مَلْعُونٌ مَنْ هدمه "؛ كما جاء في الخبر المشهور. هَدْمُ الإنسان نفسه بنفسه واضح في أنه يعطي الفرصة سانحة للأغيار أن تهدم فيه ما بناه الله: تهدم روحه، وتفْقر حيويته، وتصيبه بالفقر والشلل والمرض والجهالة والتخلف، رغم أنه أفضل الكائنات وأكرمها قطعاً على الله.

هذا الإنسان الذي حَمَلَ السِّرَّ الإلهي فيه وأستودعه الله أمانته في حين لم ترد السموات والأرض ولا الجبال أن تحملها، وَحَمَلَهَا الإنسان لا لأنه كان ظلوماً وكان جهولاً؛ ولكن لأنه هو المنوط بحملها لا قهراً بل عن حب واختيار وتكليف، هو ظلوم وجهول بتبْعَته، بحبه، وباختياره وبتكليفه، إنما الجهالة والظلم الموصوفتان في القرآن عندما عَرَضَتْ الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبَيْنَ أن يحملنها، وأشفقن منها وحملها الإنسان، هما الخلافة في تعمير هذا الكون، وهما تحقيق الخلق في هذا الواقع العملي، إنما الأمر تكليفُ في تكريم، وليس هذا بالجهل الذي تكون فيه الغفلة، ولا هو بالظلم الذي يرتد أسَفَاً على الإنسان.

هذا الإنسان الذي حَمَل السِّرَّ الإلهي موصولاً فيه وأستودعه أمانته لهو في الحق أهلُ للتبْعَة، وأهل لحمل أمانة التكليف، ولكن بمقدار ما يعرف نفسه ويتبيَّن أغوارها الدفينة ويسوسها بسياسة الوعي الكوني الذي يرفع عنها الحُجُب والعلائق وحواجز النظر المحدود، وبمقدار ما ينفتح باطنه ليرى ببصيرته نور الله مبثوثاً في كل شيء، وبمقدار ما يتهيآ لكشف سر الحياة بداخله، ويستشرف أفاق الكون كله ظاهره وخافيه، لا بل يَتَحَقَّقها، هنالك يكون "الإنسان الكامل" الذي عرفت به أدبيات أذواق الصوفية منسوجة في أعمق نظراتهم الوجودية والمعرفيّة.

متى يَعْرف الإنسان نفسه؟

في الوقت الذي يَتَجَرَّد فيه عن نفسه خالصةً لله طواياه. في الحالة التي يحارب فيها الأغيار فلا يعطيها الفرصة سانحة لهَدْمِهِ في كل حين، في اللحظة التي يتغير فيها من سلب الذات إلى إيجابيتها، من الهَدْمِ إلى البناء، وينفعل داخلياً بالكلمة كيما تتحول فيه إلى أفعال. ومن هنا كانت مهمّة التصوف العملي، تربوياً يَتَرقَّىَ في إطار حركة روحية خَالصة انفردت بها المدراس الصوفية ودَعَّمَتْهَا بقوانين الشرع وأصقلتها بخبرة الوعي التَّبَصري بعد صدق الدعوة إلى الله.

مُهِمَّةُ التصوف العملي في هذا الإطار : إصَلاح ما أفسده الإنسان من نفسه؛ إصلاحه من طريق الدعوة، والعودة إلى أمانة التكليف التي أختارها طواعية لا عن قهر ولا عن غفلة ولا عن ظلم لنفسه بل عن حُبّ وتكريم. ولولا أن للدعوة طريقاً شاقاً وعسيراً لما أختاره الأقوياء العاملون، أولو العزم، الذين فرضوا على أنفسهم أن تكون لله، ومن أجل الله، وفي سبيل الله. وليس يعنيها النتائج تأتي من بشر مخلوقين ليس لهم إرادة على الحقيقة، وليس لهم فعل ولا عزم ولا تصميم.

طريق الدعوة إصلاحاً هو الذي أختاره أهل "الكلمة" مِمَّن عرفوا لها قدرة وفاعلية وحركة وحياة، لكنهم عرفوها حين عرفوها منزوعة من ضمائرهم، مُستلة من عروقهم، مخالطة للحومهم ودمائهم : فكرة مبدعة خلاقة ذات وعى عالي يتأسس بالجملة على الإخلاص.

حقاً! إنها الإخلاص حقيقةً تستقم عليه مهمة المُرَبي المُصلح الداعي إلى الله لا على غفلة وجهالة بل على بصيرة. وقد شاءت إرادة الله لهم أن يكون طريقهم في الحياة هو الإصلاح : دعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالإرهاب والتنفير من الدين. فمن الناس من تنقلب الدعوة على لسانه إلى تكريه الناس في دين الله، وتضييق ما وسَّعه الله على عباده، وتنفيرهم من محبته ولطفه وإحسانه، ومأمُوليته، وولايته لخلقه، ورحمته لهم، تلك الرحمة التي وسعت كل شيء بغير استثناء.

ولن تجد على الإطلاق لهذه الحالة، ولا لمن يتلبَّسها بين أقطاب الصوفية المُصْلِحين وجوداً، لا لشيء إلا لأنهم كانوا أخذوا نفوسهم بالشدة وقلوبهم بالرياضة وأرواحهم بالتزكية والتطهير؛ فهم بحق أهلُ إصلاح وأهل دعوة خالصة ومخلَّصة؛ لأنهم هم الذين فهموا عن الله، وأخذوا علومهم من الله، لا بالتعالي على خلقه، ولا بالتجافي عن الطالبين.

ثم أقرأ قوله تعالى:" وَمَنْ أحْسَنُ قولاً مِمَّنْ دَعَىَ إلىَ الله وَعَمَلَ صَاَلحَاً وَقَالَ إنَّني منَ المُسْلمينَ "؛ ليَتبَيَّن لك أن الدعوة إلى الله والعمل الصالح، لهُمَا بالفعل من حُسْن القول الذي ليس عليه حُسْن يعلوه ولا يتجاوزه، ولكن في الوقت الذي تكون فيه الدعوة خالصة في قلب الداعية، وصادقة في التوجه إلى الله، صادقة وخالصة له سبحانه في وحدة قصدية نافعة وعاملة.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

محمد بنيعيشأولا: اللغة والدلالة والوصف عند المطففين

حينما نقرأ القرآن فقد نقف كثيرا عند ويل للمصلين ، بحيث قد أصبحت هذه العبارة القرآنية مثالا يضرب لكل من لم يلتزم الموضوعية ويلوي أعناق النصوص والواقع ومقتضيات العدالة، بل يعمل على حذف المعنى الحقيقي للخطاب أو النص بتكسيره وبتره قبل الوصول إلى منتهاه.وبهذا فقد يضيع نصف العلم بل ينقلب إلى ضده فيكرس الغلط وتزور الحقيقة أو تبخس حظها في تأدية ما يلزمها من شرح وبيان.

وعلاقة المصلين الساهين بالمطففين كما بالهمزة اللمزة هي الويل والثبور، والوعيد والتهديد، نظرا لما يعتري هذه المجالات من مخاطر ونتائج سلبية قد لا تقتصر على نفس العملية الجزئية لكنها تتعداها نحو الدمار الشامل للمجتمع والاقتصاد والسياسة، ومن بعده المآل والخسران المبين.

ومسألة التطفيف هي ذات أصول لغوية عربية مرنة ومتنوعة المعاني والتوظيف ، ولكن حين التأمل نجدها تؤول إلى معنى واحد ونهاية مأساوية وجودية ، ألا وهي بخس القيمة وإهدار المعنى وتضييع الميزان الذي به تقوم الأشياء وتثمن ويتحقق الاستقرار ويثقل الحمل وتحط الرحال.

وحينما نستنطق اللغة في القواميس نجدها لا تخرج كلمة المطفف من هذه المعاني على أوسع ترادف وتفسير:

ف: طَفيف: اسم والطَّفِيفُ :  قليل، ضئيل، محدود، بسيط. والطفيف : غير التام ، وأَمْرٌ طَفِيفٌ :  خَسِيسٌ، حَقِير.طفّف المكيال : بخسه ونقصه.طفّ يطفّ مصدر طف.طف القش فوق الماء: طفا وارتفع.وحينما نقول بتعبير جديد:  هذه لغة الخشب ، بمعنى أنها ليست بالعمق الذي يجعلها تغوص نحو المعاني وإنما هي طافية تسبح على السطح وتتعرض للتموجات وتبديل التوجهات بحسب حال قائلها ومستعملها.

وحسب تفيسر الكشاف للزمخشري:  "لتطفيف البخس في الكيل والوزن لأنّ ما يبخس شيء طفيف حقير. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلا، فنزلت فأحسنوا الكيل. وقيل قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر. وقيل :  كان أهل المدينة تجاراً يطففون، وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم. وقال «خمس بخمس» قيل يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ قال " ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر " وعن علي رضي الله عنه أنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له أقم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت. كأنه أمره بالتسوية أولا ليعتادها ويفصل الواجب من النفل.

أما بعض الصوفية فقد قالوا حسب سهل التستري: " قوله تعالى:  " وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ " قال:  هم المنافقون ومن تخلق بأخلاقهم، يطففون في صلاتهم، كما قال سليمان رضي الله عنه:  الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله تعالى في حق المطففين" أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ " وتغمزونهم على ما عثروا عليه من عيوب الناس، وترتكبون مثلها وأفظع منها".

ويقول محيي الدين بن عربي الحاتمي في التفسير: " ويل للمطففين " الباخسين حقوق الناس في الكيل والوزن، يمكن أن يحمل بعد الظاهر على التطفيف في الميزان الحقيقي الذي هو العدل، والموزونات به هي الأخلاق والأعمال، والمطففون هم الذين إذا اعتبروا كمالات أنفسهم متفضلين " على الناس يستوفون " يستكثرونها ويزيدون على حقوقهم في إظهار الفضائل العلمية والعملية أكثر مما لهم عجباً وتكبراً.

" وإذا" اعتبروا كمالات الناس بالنسبة إلى كمالاتهم أخسروها واستحقروها ولم يراعوا العدالة في الحالين لرعونة أنفسهم ومحبة التفضل على الناس كقوله تعالى" وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ ".

ثانيا:  المال العام والقوانين في معترك المطففين

وأرى أن في هذه المعاني والتفسيرات ما يسلط الضوء على خطورة الموقف في هذه السورة وأنها ليست مجرد حديث عن مكيال وميزان وبخس بضع دراهم أو سنتيمات ، وإنما هي تقعد لما هو أرقى وأسمى وأعم وأشمل في باب الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والروحي النفسي.وهذا ما تفطن له الصوفية خاصة بما رأينا من المعاني التي كلها تحيل الأمر على صدق التعامل مع الله تعالى، ثم بعد ذلك النظر بعين التقدير والاحترام للخلق كمقياس على صدق الحال والمقال.

ومع هذا فقد يقال إن هذه المعاني يعسر على الكثير فهمها ومقاربتها أو التفطن لها بالنسبة للحكام والمحكومين معا.فالكيل هو الكيل والميزان هو الميزان ومن بخس فيهما فهو المطفف ، وعليه تبعة هذا الغش والتدليس حينما يضبط متلبسا.وهذا صحيح ولكنه ليس بهذه البساطة ، ومنكم نتعلم.

فإذا كان التطفيف له معنى الشيء الحقير واليسير الذي لا يكاد يرى بالعين المجردة كما هو عليه حال الفيروس القاتل كورونا وما شابهها ، فما هي أضراره على الحياة العامة والتوازن الاقتصادي والسياسي وما إلى ذلك من الأمور ذات البلوى والأهمية؟ ما أثر سنتيم زائد أوناقص في البيع والشراء والمعاملات والبيوع والشركات؟.

هذا التساؤل قد يخطر على بال المرء الساذج والمستغفل فيغض الطرف ويقبل بهذا الإجراء إلى حين أن يفاجأ بالتراكم ومباغتة السيل الجارف فيضيع معه الوزن والموزون والوازن.لكن مما أثارني في هذه المسألة وعند بعض التفاسير كالكشاف للزمخشري مثلا هو ما أورده عن هذا الأعرابي والبسيط والغارق في الفقر والحاجة حيث عبر بشكل مثير يفوق تفسير المفسيرين : " وعن عبد الملك بن مروان (الخليفة الأموي) أن أعرابياً قال له قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟"ثم سيبني عليه الزمخشري تفسيرا: " وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظيم، وقيام الناس فيه لله خاضعين، ووصفه ذاته برب العالمين بيان بليغ لعظم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف وفيما كان في مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط، والعمل على السوية والعدل في كل أخذ وإعطاء، بل في كل قول وعمل، وقيل الظنّ بمعنى اليقين، والوجه ما ذكر ونصب "يَوْمَ يَقُومُ " بمبعوثون. وقرىء بالجر بدلاً من يوم عظيم وعن ابن عمر أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله "يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ" بكى نحيباً وامتنع من قراءة ما بعده".

فالأعرابي قد كان أوعى من رجل الدولة في هذا الأمر ، لأنه يعيش الواقع مع حالة الخصاص والفقر والتضييع للحقوق بينما حاكمه ومحيطه ومن هم في دائرته من رجال أعمال ومال وأحزاب ونواب ومقربين ...يرتعون في أموال العامة ويكيلون بمكاييل ويزينون بموازين لا تكاد تحمل من الجانب النازل لصالحهم، ولا يمكن وصفها بالتطفيف بل بالترصيف والدك والتركيم الذي لا يبقي ولا يذر ما يطفف به للفقير والمعدم وذي الحاجة.

ومن هنا يمكن القول بأن سورة المطففين جاءت لإقرار السياسة المالية العامة وليس مجرد ميزان بطاطا أو طماطم.وهذا البعد يتناسب مع نوع الوعد والوعيد الوارد فيها ، حتى إنه قد نجد محطات لا تخلو من رمزية سياسية وقانونية للدولة ومقابلتها من حيث المآل على صورة ثنائية متناقضة .كقول الله تعالى: "كلا إن كتاب الفجار لفي سجين"الذي قابله : "كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين"و: "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون"في مقابل: "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون".كإشارة إلى السجن والتخزين في الظلمات، وأيضا إشارة إلى دور الحاكم الأول في الدولة حينما يضبط هؤلاء المطففين في المال العام فيعمل على إقصائهم وحجبهم عن الاتصال به أو التقرب منه.

وفي هذا يقول الزمخشري: " "سِجِّينٍ " كتاب جامع هو ديوان الشر دوّن الله فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة والفسقة من الجن والإنس، وهو كتاب مرقوم مسطور بين الكتابة. أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه فالمعنى أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان، وسمى سجيناً فعيلاً من السجن، وهو الحبس والتضييق. لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم، أو لأنه مطروح كما روي تحت الأرض السابعة في مكان وحش مظلم، وهو مسكن إبليس وذرّيته استهانة به وإذالة، وليشهده الشياطين المدحورون، كما يشهد ديوان الخير الملائكة المقرّبون. فإن قلت فما سجين، أصفة هو أم اسم؟ قلت بل هو اسم علم منقول من وصف كحاتم. وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف".وعن الحجاب الذي فيه رمز للحجابة في قانون الدولة يقول: " " كَلاَّ " ردع عن الكسب الرائن على قلوبهم. وكونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم، لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم. قال

إذَا اعْتَرَوْا بَابَ ذِي عُبْيَةٍ رُجِبُوا    وَالنَّاسُ مِنْ بَيْنِ مَرْجُوبٍ وَمَحْجُوبٍ

لا أريد أن أفصل في تفسير هذه السورة الكريمة من كل جونبها فهي أعمق وأدل وأسمى من أن تستوعب في مقال أو تفسير مختصر، ولكن كان هدفي هو الإشارة إلى هذه الدلالة القوية التي تضمنتها من حيث مراعاة التوازن العام للأمة وخاصة على المستوى المالي والصرف وتداول البضائع وتقنين تجارتها.وهي مع ذلك قد تقعد للقانون الأخلاقي العام الذي ينبغي أن يلتزمه كل مواطن وحاكم على حد سواء ، مع الإشارة إلى أن كل ما ينظر إليه بأنه هين وغير ذي قيمة ففيه يكمن سر الهلاك واختلال الموازين، تماما كما هو عليه حال الكثير مع فيروس كورنا حاليا.

فمثلا من يصدر قوانين تلزم الضعفاء باحترامها وأداء واجباتها ينبغي أن يكون هو الأولى بتطبيقها على نفسه قبل غيره وإلا فهو من كبار المطففين.ومن يقبل أن يخصص لنفسه أو حزبه وطائفته قانونا وحصانة أو أجرا يفوق ما يستحقه ثم يلزم الفقير المدقع بتأدية ما لم يستطع تأديته من ضرورات معاشه فذلك هو المطفف على أسوأ صورة ومآل، وذاك هو المحجوب والمنبوذ من حضرة الملك والسلطان وغيرها من الألقاب ، سواء في الدنيا إن كان هناك من يقيم العدل ويحترمه، أو في الآخرة حينما يقف الناس يوم الحساب أمام رب العالمين مالك يوم الدين. بل كل من يرى من نفسه متفضلا على غيره ويسمح لها بالاستمتاع دون من هو في نفس مقامه أو مكانته، خلسة وتمريرا لمصلحة يظن أنه أولى بها ولو في أمور بسيطة وعادية، فهو المطفف والويل ثم الويل له...

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب.

 

 

 

مجدي ابراهيمقَوَام الدعوة إلى الله فقه سرائر وبصائر بأساليب الحكمة وإحسان الموعظة، ولا يتفق هذا مع التعصب الأعمي لدين الله والدعوة إليه على غير بصيرة. وليس من شك عندي في أن الذين يربطون عقولهم باتجاه معين ويغلقون طريق الله على أنفسهم؛ ليتحدثوا باسم الله، هم أكثر الناس ركوناً إلى غير الله، وَأَبْعَدَهم معرفة بفقه العقل الدعوي؛ فقه العقل الذي يدعو إلى الله على بصيرة، أو ينبغي أن يكون كذلك. وفقه العقل الدعوي كما يتبدَّى لنا إنما هو فقه قلوب قبل أن يكون فقه ألسنة وحروف، فقه سرائر لا فقه حَنَاجر؛ وفقه السريرة الباطنة أولى بالإتباع من فقه الحنجرة الظاهرة، واستفتاء القلب أحرى بالعناية من استفتاء الناس: تُلخِّصه إشارة صادقة ومخلصة من إشارات العارفين بالله تبحث عن توجُّه القلب من وراء اللسان.

هذه الإشارة هى لأبي القاسم الجنيد - طيِّب الله ثَرَاه - حيث يقول:" مَنْ أشار إلى الله تعالى وسكن إلى غيره ابتلاه الله بالمحن وحَجَبَ ذكره عن قلبه وأجراه على لسانه. فإنْ انتبه وانقطع إلى الله وحده، كشف الله عنه المحن. وإنْ دام على السكون إلى غيره نَزَعَ الله من قلوب الخلائق الرحمة عليه، وألبسه لباس الطمع فيهم، فيزدَادُ مطالبته منهم مع فقدان الرحمة من قلوبهم فيصير حياته عجزاً وموته كمداً وآخرته أسفاً. ونحن نعوذ بالله من الركون إلى غير الله".

عند هذه النقطة : أيجوز لنا أن نقبض عنان القلم ولا نبسطه؛ ليوالي التعبير عن صرخات ونفثات يَلتَاعُ منها الضمير؟ فمن ذا الذي لا يقرأ هذا الكلام قريبُ العهد من الله ولا يتورَّع عن الإشارة إلى الله فضلاً عن احتكار خطابه؟ ومن ذلك الذي لا يقرأ هذا الكلام ولا يتورَّع قيد أنملة عن أن يتحدّث إلى الناس باسم الله، مع ما يبدو في حديثه من طلب الزعامة والرِّيَادة والمكانة؟

حَديثُ الله للبشر شيء؛ وحديثُ البشر عن الله شيء آخر ..! إذا كان الإخلاص شرط النشاط الإنساني كله، وكان التوجُّه إلى الله هو القصد والغاية من عمل العاملين - أو ينبغي أن يكون كذلك - فإنّ "الإشارة" إلى الله هنا والسكون إلى غيره في نفس الوقت، تطعنُ في كل مَنْ يدَّعي الإخلاص لنفسه أو لدعوته. فقلَّ أن يُوجد ذلك الذي يسكن إلى الله، وهو يشير إليه على الدوام، ولا يركن إلى غيره. أقول : قلَّ أن يُوجَد ولا أقول إنه معدوم؛ فإن الغفلة عن الله والسكون إلى غيره طبيعة بشرية ليست ممَّا يَعْتصم منها سوى المعصُومين من الأنبياء، وسوى المحفوظين من الأولياء؛ ومَنْ هم على شاكلتهم مِمَّن واجهوا أنفسهم بدوام المجاهدة فى طريق الاستقامة. وما شَرَّع الله الاستغفار والذكر والتسبيح والحوقلة والتهليل إلا لمثول الغفلة وحضورها، ثم فقدان العزم وقلة البقاء دوماً في رحاب الله على ديدن الإخلاص.  حديثُ الله للبشر شيء، وحديثُ البشر عن الله شيء آخر! إنّ الله لم يعطْ أحد توكيلاً إلهياً ليدعو باسمه كيما يحاكم به عباده. إنه تعالى الوحيد الذي خَلَقَهُم وأودعهم أسراره ووجُّهَهم في هذه الحياة ليكونوا أهلاً لتجلياته فيما يريد. إرادتُه فوق مرادات البشر جميعاً، حتى الأنبياء؛ أصفياء الله وأقرب خلقه إليه، لم يعطهم مثل هذا التوكيل وخاطبهم خطاباً علوياً أعلم في الدلالة النفسية وأحفظ لمقتضيات القلوب قائلاً لحبيبه محمد - صلوات ربي وسلامه عليه :" إنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء, وَهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِين ".

فليس من حقه ولا من شأنه - صلوات الله عليه - أن يتدخل ليهدي من يُحبْ، إذ ليس التدبير تدبيره، ولا الأمر أمره، بل الأمر كله لله. وعليه وحده سبحانه فعل ما يريد:" إنك لا تُسْمِعُ المَوْتَىَ وَلَا تُسْمِع الصُّمَّ الدَّعَاء إذا وَلوا مُدْبِرينَ. وَمَا أَنْتَ بِهَادِي العُمْى عَنْ ضَلَالَتِهِم، إنْ تسمعُ إلا مَنْ يَؤمِنُ بَآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُوُنَ ".

إنّ مشيئة الله لقادرةٌ على تحويل النفوس وتقليب القلوب، وهى أيضاً لقادرة على جعل مَنْ في الأرض جميعاً كلهم أهل هداية وأرباب إيمان، وليس حرصه - صلوات الله عليه - على أن يكون الناس كلهم جميعاً مؤمنين، بمانع من نفاذ المشيئة التي تفعل ما تريد في الوقت الذي تريد: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنْ مَنْ في الأرضَ كُلهُم جَميعَاً، أفَأنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتْىَ يَكُوُنُوا مُؤمِنِيِنَ ".

حَديثُ الله للبشر شيء، وحديثُ البشر عن الله شيء آخر. إنّ تطبيق منهج الله لا يُفْرَض فرضاً بغير إرادة منه. ولن يستطيع مخلوق - كائناً ما كان أو من كان - أن يُصدر عن ذهنه هو تلك الإرادة التي يستولى فيها على المنهج وحده، فيزعم وهو المخلوق المحدود أنه أستوعب بلا نقص في استيعابه كل فروض منهج الله؛ ليحاول تطبيقها على أرض الواقع، ولو شاء الله هذا كله مفروضاً محققاً؛ لكان بلا عنت من عقول البشر، ودون معطيات من تصورات البشر، وبغير أن يكون البشر أصحاب توكيلات إلهية. صحيحٌ أن الأنبياء - صلوات الله عليهم - جَاءوا للهداية حين خرجوا عن منطقة الوحي الخاصة بهم وحدهم دون سواهم، لكنهم في المجمل فَقَهُوا إرادة الله ومشيئته، وعلموا أن العباد عيَالُ الله، فيهم الشقي والسعيد، والقوي والضعيف، ومن أهَّله الله لنَاره ومن خصَّه لجنته، ومن أعطاه الإيمان ومن سلبه عنه، ومن زوَّده بسُبل اليقين ومن زعزع يقينه في غير استقرار. الله وحده أوْلَىَ بالإعالة : الخلق عيَالُ الله، والله وحده أولى بالإعالة. إن تجلياته سبحانه على خلقه فوق أن يحيط بها محدودو العقل والبصيرة مِمَّن عساهم يريدون لأنفسهم مكانةً عند خلقه حين يتحدثون غفلة باسم الله، أو ينسبون لأنفسهم مثل هذا الحديث.

"اَدْعُو إلىَ سَبِيِلِ رَبِّك بالحِكِمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ": قاعدة قرآنية عليا منزّهة عن أغراض الداعين، فالدعوة إلى الله بالحكمة كلمة حق تخرج من لسان صدق، ولا يفترض فيها غير الحق وغير الصدق على طول الطريق، وليس يمكن أن تهدف إلى شيء بغير أن تكون هادفة إلى الإصلاح والتقويم والتهذيب في نفس صاحبها أولاً ثم من نفسه بعد فنون الدُرْبَة على الإصلاح والتقويم والتهذيب تنعكس على المجموع إشعاعاته الروحية والدعويّة ولها من الغايات أجَلَّها وأقصدها حين تخلص لله في سبيل الدعوة إليه، ولا تنتظر من خلقه شيئاً قط قلَّ أو كثُر. فمثل هذا الانتظار نقائض تنفي خلوص التوجه، وتكشف لوثة النية والضمير، وتقدح في التجرد لوعي الرسالة المنوطة بما هى عليه في نفسها.

وهذا هو بالضبط ما كان يفعله أئمة التصوف فيما يتضح من توجيهاتهم وتعاليمهم خلال ما دَوَّنه عنهم تلاميذهم الأقربون: التربية من أجل الإصلاح, ولكن بالكَلِم الطيب والموعظة الحسنة.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

محمد بنيعيشكثير منا من يدعي ويزعم، ويزبد ويرعد ويصخب ويوهم، حتى قد تظن أنه هو الشهم الهمام الفهِم، والرائد القائد، ولكن بعد التحقيق لا تجد سوى السراب المبهم واللعب المعلّب، بحيث عند الامتحان قد يعز المرء أو يهان، وعند التحقيق يتبين الصدق من الروغان...

ومن الغباء أن يطلب من بعض المسئولين التصريح بالممتلكات الخارجية كمسلك للمراقبة المالية والإدارية ولا يلتفت إلى الممتلكات أو الملكات الداخلية التي عن طريقها يمكن تمرير التصريح الأول صحيحا كاملا أو مزيفا وكاذبا...

فالاعتبار النفسي والسلوكي هو الأهم في تحديد مصداقية الدعوى والإجراء معا، وتصحيح النوايا هو الأصل في تصحيح الأعمال وثمراتها.وقليل هم من يهتمون بهذا الأمر أو يتعقبونه أو يعترفون به كعنصر فعال في الحياة العامة، وخاصة حينما يتعلق الأمر بالمسؤولية وبالأموال العامة وتصريفها بأمانة ومراقبة ذاتية نفسية، قبل أن تكون كاميرات أو كامبيالات.

أولا: الاستبطان النفسي ومراجعة أدوات المعرفة والتحصيل

إن الاعتراف بحالة الضعف النفسي وضرورة مراجعة الذات كثقافة تربوية وسلوكية لمما يمثل الجانب الأهم من شخصية أبي حامد الغزالي، العالم الرسمي قبل أن يكون الصوفي، و التي حظيت باهتمام بالغ من طرف الباحثين، وخاصة في جانبها الفلسفي المحض بالدرجة الأولى، وبالأخص في ما يتعلق بمسألة الشك واليقين التي طرحها في كتابه "المنقذ من الضلال" والتي يبدو فيها صريحا وهادفا في نفس الوقت .

إذ من الناذر أن تجد عالما أو كاتبا يعترف بمأزقه الفكري وعجزه عن تجاوزه بسبب حالة نفسية طارئة عليه، لغاية أن يسميها حالة مرضية، فقد عندها الثقة بمعلوماته ومصادرها وأدواتها، مما يعني أنه قد عرض ثقة المتتبع الشكلي لأفكاره ومذهبيته إلى نوع من الاهتزاز والتأرجح في الأخذ بها أو التزامها.

يتجلى هذا في تصريحه أن داء الشك قد دام به "قريبا من شهرين، كما يقول:

"أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال، حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة" .

فالشك عند الغزالي إذن قد كان حالة نفسية تمازجت مع نزعته الفكرية فظهرت بصورة ذكاء ملفت للنظر، كما أرخ له أصحاب التراجم واعترف له به المؤيدون والمعارضون على حد سواء، أذكر منهم على سبيل المثال قول عبد الغافر أحد معاصريه:"لم تر العيون مثله لسانا وبيانا ونطقا وخاطرا وذكاء وطبعا"وأيضا السبكي :"وكان رضي الله عنه شديد الذكاء سديد النظر عجيب الفطرة مفرط الإدراك قوي الحافظة بعيد الغور غواصا على المعاني الدقيقة" وعند المقارنة مع أقرانه يقول عنه أستاذه الجويني:"التحقيق للحوافي و الحدسيات للغزالي والبيان للكيا"..

من هنا فبسبب الامتزاج بين الشك العقلي والنفسي ستكون دراسته لقضايا النفس والأخلاق ذات بعدين رئيسيين هما:

1) البعد التكويني وصياغة علم نفس هادف إلى إنتاج الشخصية المتزنة والمنضبطة فكرا ومشاعر وانفعالا.

2) البعد الطبي العلاجي الذي يسعى إلى حماية هذه الشخصية من الانهيار والتفكك والاضطراب حيث يضيع التوازن والاعتدال...

إضافة إلى هذا فالمرحلة النفسية للغزالي بشكلها الشكي والمتردد ستنتج لديه قدرة على التمنهج والتعمق الفكري في كل قضية قضية، حتى يتوصل بها إلى ما كان يتوق إليه في كل مطالبه المعرفية ألا وهو: تحصيل البرهان الذي لا يبقى معه ريب، وهو مطلب عزيز قلما يتوفر لدى جهابذة العلماء، بل هو منحة وهبة من الله تعالى يختص بها من يشاء من عباده.

كما يصور لنا شغفه المعرفي وتوقه للتحقيق في هذه العبارات:"وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول عمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله تعالى وضعتا في جبلتي، لا باختياري وحيلتي حتى انحلت عني رابطة التقليد وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد شرة الصبا...فقلت في نفسي إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي؟فظهر لي أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم ولا يتسع القلب لتقدير ذلك" .

فهذا البرهان بدوره عبارة عن مؤسس لحالة نفسية جد مهمة في حياة الإنسان، وهي أرقى مطالبه ومتمنياته في تحصيل الاطمئنان الذي هو ضد القلق، ومبعثه الشك والتردد في الحكم على قضية ما، إما لغموض مبدئها أو لانسداد آفاقها وانغلاق أبواب مستقبلها...مما يعني أن التشابك قائم بالضرورة بين العقل والنفس أو بين العقل والانفعال، ومن بعده الحكم والالتزام وكم"فرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما وبين أن يكون صحيحا وشبعانا" حسب تعبيره.

ثانيا: أخلاق الغزالي على محك الواقع

من الصعب جدا تتبع الجزئيات الأخلاقية لشخص ما، خاصة وأن المبحوث فيه لا تربطنا به صلة سوى عن طريق الوصف التاريخي المكتوب، إذ من خلاله فقط يمكننا استخلاص المستوى الأخلاقي الذي كان يتميز به هذا الشخص أو ذاك، وحتى لو ترك لنا مجموعة كتابات يمكن من خلالها تلمس الجوانب المهمة من شخصيته إلا أنها تبقى غير موفية بالمقصود لحد التسليم بواقع الحال، إذ غالبا ما يريد الكاتب أن يظهر بصورة الإنسان المتخلق الذي يتحفظ في سلوكه أمام قرائه و يتزيى بزي الفضيلة حتى ينال الحظوة والإعجاب لديهم كغاية ذاتية ومنفذ للظهور وحبه بهذه الواسطة البراقة!.

غير أن الأمر قد يختلف لدى الغزالي عما هو عليه حال غالبية المتجرين بالعلم وأدواته، إذ أنه كان صريحا في التعبير عن نفسه وسلوكه، ولا أدل على ذلك مما صرح به في كتابه المنقذ من الضلال الذي اعترف فيه بأنه قد كان مغرورا وأن كل أعماله لم تكن لوجه الله تعالى "بل باعثها طلب الشهرة والصيت وحب الجاه" .

حتى إذا تحقق من وضعه الشخصي وأخلاقه تلك سعى إلى التخلص منها وتغييرها بأسلوب علمي وعملي، يستند على بلورة تصوره للأشياء وتغيير المكان الذي تولدت لديه فيه تلك العقد والتصورات السلبية التي ألقت عليه بثقلها وأوصلته إلى ذلك المستوى، مما اشمأز منه شخصيا لما انتبه إليه وشعر بأنه كان مرافقه طوال مسيرته العلمية وحياته العملية!.

من هنا كانت هجرته، تاركا بغداد ومتجها حيث يجد استقراره النفسي والبيئة المناسبة لتحقيق الشفاء مما اعتبره مرضا خطيرا ومزمنا؛ وليس مسألة عرضية يمكن معالجتها بالوصفات الآنية والجاهزة.

على عكس يفعل علماء عصرنا لحل الإشكالات المتجذرة والعقد المتراكمة في المجتمعات وذلك بإصدارهم للفتاوى والنظريات الأرائكية، أي من خلال الاتكاء على الأريكة ودون التحرك العملي للاستكشاف والمعاناة في سبيل العلم واستخلاص الدواء الفعال والقابل للتطبيق على كل الأفراد واختلاف أمراضهم !.

فلقد كانت هجرته حينئذ كمحاولة لنسيان الأسباب المولدة لتلك البواعث التي أقضت مضجعه حينما اكتشفها بعد قطعه لمرحلة جد مهمة من عمره، وهي عملية تشخص عمق النظريات النفسية الحديث في العلاج النفسي والسلوكي من حيث العمل على تقليص مستوى الانعكاسات الشرطية وتداعي الأفكار والإسقاطات وما إلى ذلك، مما هو مطروح سواء في المدرسة التحليلية أو السلوكية على حد سواء.

فمعلوم أن الذي تغلب عليه نزعات حب الشهرة والصيت سيسعى دائما إلى ازدراء منافسيه والعمل على طمس شرارتهم، حتى لا يتألق نجمهم بجانبه ويتفرد بالألمعية والنجومية التي هي غاية حب الشهرة وتجلي النفس في أعلى مستوى أنانيتها و اغترارها...

إن هذا ما حصل بالضبط للغزالي في بداية شهرته وعلو كعبه في مجال العلم والمناظرة وحصافة الرأي، لكنه سينقلب حاله رأسا على عقب بمجرد سلوكه للمدرسة الصوفية العملية والعلمية كما وصفها في كتابه المنقذ من الضلال، وبالتالي سيتخلص من تلك العقد والأمراض النفسية والخلقية التي لازمته ردحا طويلا من حياته كما يرصده أحد معاصريه واصفا بأنه:"أخذ في مجاهدة النفس وتغيير الأخلاق وتحسين الشمائل وتهذيب المعاش، فانقلب شيطان الرعونة وطلب الرياسة والجاه والتخلق بالأخلاق الذميمة إلى سكون النفس وكرم الأخلاق والفراغ عن الرسوم والترتيبات و التزيي بزي الصالحين وقصر الأمل ووقف الأوقات على هداية الخلق ودعائهم إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة " .

كما أن هذه الصور التي سيبرز عليها سلوكه لم تكن مجرد تكلف أو تصنع من أجل الاندماج في المجتمع وإنما قد أصبحت تمثل بنيته النفسية المتجذرة في أعماقه وطبعه الخلقي الملازم له كما يقول عنه معاصره عبد الغافر:"ولقد زرته مرارا وما كنت أحدس في نفسي مما عهدته في سالف الزمان عليه من الزعارة وإيحاش الناس والنظر إليهم بعين الازدراء والاستخفاف بهم كبرا وخيلاء واغترار بما رزق من البسطة في النطق والخاطر والعبارة وطلب الجاه والعلو في المنزلة، أنه صار على الضد وتصفى من تلك الكدورات.

وكنت أظن أنه متلفع بجلباب التكلف متنمس بما صار إليه، فتحققت بعد السبر والتنقير أن الأمر على خلاف المظنون وأن الرجل أفاق بعد الجنون" .

فهذه الملاحظات من، أحد معاصريه ومنتقديه في نفس الوقت تدلنا على التحول الميداني الذي حصل له بشكل جذري في سلوكه، خاصة بعدما التقى بالمدرسة الصوفية وأهلها وامتثل لما أشاروا به عليه من إجراءات في شكل منهجي منضبط، من أجل العلاج النفسي والأخلاقي على حد سواء.

كما ساعد على نجاح هذه الوصفة حالة وجدانية كان مصدرها الخوف من الله تعالى، فقد حكي"أنه فتح عليه باب من الخوف حيث شغله عن كل شيء وحمله الإعراض عما سواه حتى سهل ذلك".

يذكر الشيخ علاء الدين علي بن الصيرفي في كتابه:زاد السالكين"أن القاضي أبا بكر بن العربي قال :رأيت الإمام الغزالي في البرية وبيده عكازة وعليه مرقعة وعلى عاتقه ركوة، وقد كنت رأيته ببغداد يحضر مجلس درسه نحو أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم يأخذون عنه العلم، قال فلما دنوت منه وسلمت عليه وقلت له:يا إمام أليس تدريس العلم ببغداد خير من هذا ؟قال:فنظر إلي شزرا وقال:لما طلع بدر السعادة في فلك الإرادة أو قال :سماء الإرادة، وجنحت شمس الوصول في مغارب الأصول:

تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل

وعدت إلى تصحيح أول منزل

ونادت بي الأشواق مهلا فهذه

منازل من تهوى رويدك فانزل

غزلت لهم غزلا دقيقا فلم أجد

لغزلي نساجا فكسرت مغزلي

هذه الحكاية إن دلت على شيء فإنما تفصح عن عمق التطبع الأخلاقي لديه وأنه كان يعتني بسلوكه اعتناء كبيرا، مبذلا في ذلك أقصى جهده للحصول على أعلى مستويات الفضيلة والاتزان النفسي، حتى إنه قد وزع أوقاته كلها على وظائف الحاضرين من ختم القرآن ومجالسة أهل القلوب والقعود للتدريس، بحيث لا تخلو لحظة من لحظاته ولحظات من معه عن فائدة إلى أن وافته المنية وهو على تلك الحال، رحمه الله تعالى، ودفن بالطابران وهي قصبة طوس سنة 505هـ. فهل نحن لدينا هذه الشجاعة للتصريح بحقائقنا وممتلكاتنا الذاتية وعمق نوايانا حتى نكون أهلا للتصحيح والإصلاح وإعطاء المصداقية لما نكتبه أو ندعيه؟أظن أن الأمر يحتاج إلى مراجعة ومصالحة ذاتية من الصعب أن نطبقها على أرض الواقع، وغياب هذه الإرادة مع الأسف هو لب آفتنا، علماء وحكماء وسياسيين وإعلاميين فما بالك بعامة الناس...

 

الدكتور محمد بنيعيش

شعبة الدراسات الإسلامية

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

ميثم الجنابيللروح مغامراته، وللجسد أيضا، سواء جرى الحديث عن الروح والجسد الفردي أو العام. فكلاهما تعبير خاص ومتميز عما يمكن دعوته بمغامراتهما الثقافية. فالثقافة ونوعيتها وطبيعة مرجعياتها الكبرى هي التي تحدد على الدوام مكانة وقيمة الروح والجسد. فكلما يكون انفتاح مبادئها الجوهرية الكبرى أكبر كلما يكون انفتاح الروح في مغامرات الحرية أبعد وأوسع. وينطبق هذا على الجسد أيضا. وهذه بدورها جميعا نتاج الصيرورة التاريخية للأمم وكينونتها الثقافية. والمقصود بذلك، إن المغامرة كانت وما تزال وسوف تبقى جزء من تاريخ الثقافة. ولا تعني المغامرة هنا سوى الانغماس بهموم الكشف والاكتشاف، أي كل ما يندرج في دروب الحرية التي يجري تحسسها وعقلها وتذوقها في مجرى الإبداع ومعاناته. حينذاك تتلاشى قيمة كل ما يتعارض مع معنى الحق والحقيقة. فالحرية هي مفتاح الحق والحقيقة لأنها سعي دائم للاجتهاد. ومن ثم متحررة من كل قيود خارجية أيا كان شكلها ومضمونها. وفي مجراها يتراكم وعي الذات الإنساني وفلسفة النفس الثقافية.

فالنفس التقليدية ترتجف وتنهار أمام أدنى "خروج" على ما تكلّس في نفسيتها ووعيها من قواعد وقيم. من هنا خوفها وكراهيتها للحرية. بينما النفس الثقافية هي الصيغة الأكثر رقيا وسموا في معاناة الفرد بوصفها اكتشافا إنسانيا والسير معه وفيه حتى "النهاية". مع انه لا نهاية هنا سوى ما يتطابق مع معنى المدى الفعلي للحدود الممكنة في التجارب التاريخية الثقافية للأفراد والجماعات والأمم. ذلك يعني، أن لكل تجارب ثقافية خصوصيتها في تاريخ الأمم والحضارات. وتنبع هذه الخصوصية وتلازم كيفية تكوّن وفاعلية المرجعيات الثقافية الكبرى المحدِدة لمفاهيمها وقيمها تجاه النفس والآخرين والطبيعة والكون، باختصار تجاه الوجود ككل.

وللثقافة الإسلامية طابعها الخاص، المرتبط بصيرورة مرجعياتها الفكرية والعقائدية الكبرى، أي كل ما نعثر عليه في تنوع إبداعها التاريخي في مختلف ميادين الحياة. كما أنها ظاهرة مرتبطة بمسار الإسلام التاريخي ومنطقه الثقافي. فللثقافة الإسلامية مسارها الخاص، الذي ابتدأ بنشوء وتطور وهيمنة الإسلام المحمدي أول الأمر، وتوسع مداه اللاحق في مجرى بناء الدولة الإمبراطورية. بينما تراكم منطقه الثقافي من خلال تفاعل وصراع واختلاف قواه الاجتماعية والسياسية. ونعثر على هذه الحالة في اختلاف وتنوع الفِرق والمدارس الفلسفية والكلامية والفقهية وكثير غيرها، والبقاء في نفس الوقت ضمن حيز الثقافة الإسلامية والانتماء إليها. وقد كان لهذه الظاهرة تجسيدها الخاص في تنوع الفِرق الفكرية، التي حقق المعتزلة في ذاتهم أحد أهم وأرقى نماذجها العقلية والإنسانية آنذاك.

فقد تميز المعتزلة ضمن سياق المسار التاريخي للإسلام بخصوصية منطقهم الثقافي فيه. بمعنى انه حققوا بذاتهم وإبداعهم الفكري ومواقفهم النظرية والعملية أحد النماذج الرفيعة والمتميزة لمنطق الإسلام الثقافي. ولعل إبداع الجاحظ هو أحد النماذج المتميزة والخاصة في تيار الاعتزال الذي حقق بدوره ما ادعوه بالمنطق الثقافي للإسلام.

فقد كان الجاحظ فريدا في هذا المجال والإبداع على السواء. فعنده فقط نرى روح المغامرة الحية في اكتشاف معالم وبواطن الروح والجسد بمعناهما الثقافي. ومن ثم التعامل معهما بمعايير الفكرة الإنسانية وفكرة الحرية. الأمر الذي نراه في تتبعه الدقيق والعميق لمختلف جوانب الوجود الإنساني التي كانت آنذاك محصورة ومطمورة تحت ركام وقيود العقائد المزيفة. إذ نعثر في ما كتبه على ملاحظة مختلف أشكال ومستويات النفس الإنسانية. لكنه كان يتعامل معها بمعايير الرؤية الثقافية. بل انه نظر وحدد مواقفه من مختلف عوالم النفس والجسد الإنساني، بل والحياة ككل، ضمن معايير الرؤية الثقافية. من هنا تحول مغامرات الروح والجسد والعقل والضمير عنده إلى تعبير نموذجي عما ادعوه بصيرورة وتكامل النفس الثقافية.

فقد كان الجسد، بمعايير الرؤية الإسلامية التقليدية السائدة آنذاك يتطابق أساسا مع جسد المرأة. فقد كانت وما تزال المرأة محور "العادات" و"العبادات" في الرؤية الإسلامية التقليدية الجافة والميتة والفاقدة لأبسط مقومات الرؤية الإنسانية وقيم الحرية. كما أنها الهاجس الأول والأخير الذي تتهاوى معه وتنحّط حتى فكرة الله والنبي والقرآن وكثير غيرها مما يرتقي في قواعد رؤيتها إلى مصاف "القيمة المقدسة". فهي هاجس العبادة الأول والأخير في الدنيا والآخرة! في الدنيا بهيئة زواج وطلاق ونساء وإماء، وفي الآخرة حور العين! وما بينهما تشنج في المظاهر وتغنج في البواطن، يعكس بقدر واحد الرياء والرذيلة. ولكن بما انها من "نيات" الباطن، من هنا اختفاءها وراء حجاب الرياء الكثيف.

وقد وقف الجاحظ أمام هذه الظاهرة الخربة التي لا طهارة فيها ولا عبادة، باستثناء الشهوة الخفية. من هنا محاولة إخراجها إلى العلن من اجل إزالة الرياء القاتل للروح الإنساني والحرية الفعلية. وفي الوقت نفسه الكشف عن أن كل ما في المرأة جميل بما في ذلك ما يبدو "فحشا" و"فاحشا" في أعين الذكور الغاضبة! ودفع إلى الأمام أحد النماذج الأكثر إثارة بالنسبة لهذا التنوع من الرؤية والمواقف من اجل كشف عورتها في "عورة" النساء. والمقصود بذلك ظاهرة القيان والغواني. وقد تناول مقدمات الفكرة المقلوبة عن المرأة ومن ثم اللغط والظلم الدائر حولها، ووجدها في التحريم والميراث. ولولاهما "لم يكن واحدا أحق بواحدة منه من الآخر"[1]. وواجهها الجاحظ بفكرة تقول، بأن "كل شيء لم يوجد محرما في كتاب الله وسنتّه فمباح مطلق"[2].

لقد كان مضمون هذا الموقف وغايته تؤسس لإمكانية تأويل كبيرة وهائلة ونزوع كبير نحو الحرية حالما يجري النظر إليها ضمن سياق وغاية تفكير الجاحظ العقلاني وتقاليد الاعتزال ككل. فالجاحظ لا يقيم وزنا لمفهوم الاستحسان أو عدم استحسان المواقف من جانب الناس، وذلك لأنه مفهوم لا يمكنه أن يكون مقياسا دقيقا[3]. من هنا موقفه المعارض والناقد لما اسماه بآراء الحشوية في تحريمها حتى النظر إلى المرأة[4]. بنما نراه يقدم الكثير من صورة  "الفحش" التي كان يقوم بها خلفاء بني أمية، التي أسس لها معاوية بن ابي سفيان، دون أن يجري نقدها وإدانتها من جانب الحشوية وأمثالها من "أهل السنّة والجماعة". لقد اباحوا لأهل السلطان كل ما في الإمكان القيام به واعتبروه في حالات عديدة "سنّة"، بينما يجري محاصرة المرء المسلم بقيود تشمل كل ما فيه، بما في ذلك هواجسه! لقد أرادوا "تطهير" المرء من أية مساع قد تثير فيه رغبة السير نحو حرية الروح والجسد، ومن ثم الإبقاء عليه بهذه الحالة بوصفه مسار "السراط المستقيم" تجاه الموت وانتظار المغانم الخيالية "لحور العين".

وبالتالي، فإن تناول الجاحظ لظاهرة القيان والغواني لم يكن معزولا عن نقد ظاهرة الحشوية (السلفية الدينية الجامدة) في موقفها من المرأة. ومن ثم فهو لم يقصد بذلك استفزاز الضمير الخرب للحشوية، بقدر ما كان يسعى لتأسيس الرؤية العقلانية في التعامل مع المرأة بمعايير الرؤية الإنسانية، وتعظيم دورها المبدع في مختلف المجالات والميادين. وليس مصادفة أن يقول، بأن ما تمتلكه القيان من مهارات في الغناء والشعر والمجالسة وكثير غيرها هو إبداع ما دونه إبداع. بحيث تسائل قائلا:"فأي صناعة في الأرض أشرف منها؟"[5]. ودفع هذه الفكرة صوب مداها المنطقي الذاتي، عندما تناول كل ما كان يبدو "محرما" في أعين العقائد الميتة وقيمها المتهرئة بالكذب والرياء، لكي يكشف عن حقيقتها كما هي. بمعنى البحث عن المعنى الحقيقي في الظواهر، وحقيقة المعنى في الموقف منها، بوصفه التزاما عقليا وإنسانيا.

وقد كانت تلك الصفة العامة والمميزة لكل ما كتبه الجاحظ بهذا الصدد. إنها تشير أولا وقبل كل شيء إلى تحرره الداخلي وتأسيسه للنفس الثقافية من خلال تتبع حيثياتها في كل شيء وفعل ومعاناة وإبداع. ومن ثم فإن كل ما يضعه، بغض النظر عن طابعه "الساخر" والهزلي والمضحك، هو جدّ في جدّ. وكتب بهذا الصد يقول، بأنه "لا يمكن وضع الهزل في قالب الجد، فإن ابدلت السخافة بالجزالة انقلب عن جهته". واستشهد بهذا الصدد بفكرة ابي الدرداء القائل:"أني لاستجمُّ نفسي ببعض الباطل مخافة أن احمل عليها من الحق ما يمّلها". وكذلك قول الإمام علي بن ابي طالب:"العلم أكثر من أن يحصى، فخذوا من كل شيء أحسنه". وقد حدد ذلك موقفه المعارض والنقدي لأولئك المتشددين من أهل النسك والتدين الذين يرفضون ولا يقبلون ذكر ما يبدو لهم مقززا من عبارات وكلمات مثل الأير والنيك وما شابه ذلك. واعتبر الجاحظ هذا النوع من الناس ومواقفهم هو نتاج فقدانهم "للمعرفة والكرم والنبل والوقار"، والذي يجري تعويضه "بهذا القدر من التصنّع"[6]. واستشهد الجاحظ هنا بقول الإمام علي بن ابي طالب لقوم دخلوا عليه، بعبارة:"من يَطُلْ أير أبيه ينتطق به". والمقصود بذلك انه من كثرت إخوته اشتد ظهره بهم. بينما ينسب لابن حازم قوله، بانه كان يقيم ذكره ويصعد الُّسلَّم وامرأته متعلقة بذكره حتى يصعد". كم لو ان أيره العروة الوثقى! بينما تساءل ابن اخي ابي الزّناد من عمه:

أنخر عند الجماع؟

يا بني! إذا خلوت فاصنع ما احببت.

يا عم! اتنخر انت؟

يا بني! لو رأيت عمك يجامع لظننت انه لا يؤمن بالله العظيم![7]

في حين كان بعض الصالحين يقولون في دعائهم:"اللهم قوّ ذكري على نكاح ما احللت لي"[8]. وأورد الجاحظ اعداد كبيرة من النكت والنوادر التي حاول من خلالها الكشف عما في الرياء الديني من أثر سلبي وانتهاك لحقيقة الجماع والنيك والمضاجعة من قيمة معنوية وجسدية وأخلاقية. واستشهد بالكثير من الأمثلة "الفاحشة" ذات الصلة بتصورات الناس على مختلف مستوياتها. منها، على سبيل المثال، كيف أن أحد الرجال أراد أن يعلّم رجلا آخرا النيك، بعد أن استفسر منه، وهما في مجلس الفقهاء. لاسيما وأن عنده جارية يريد أن يشبعها. فقدم له المشورة والوصفة التالية:"إذا صرت إلى منزلك فنم على قفاك، واجعل مخدة بين رجليك وركبك ليكون وطاءً لك. ثم أدع الجارية وأقم أيرك وأقعدها عليه، وتحوّل ظهرها إلى وجهك. وأرفع رجليك ومرها أن تأخذ بإبهامك كما يفعل الخطيب على المنبر(!) ومرها تصعد وتنزل عليه، فأنه شي عجيب. فلما صار الرجل إلى بيته فعل ما أمره به. وجعلت الجارية تعلو وتسفل، فقالت: يا مولاي من علمّك هذا النيك؟ قال: فلان المكفوف. فقالت: يا مولاي ردّ الله عليه بصره"[9].

ويروي كذلك قصة المرأة التي طلب يدها للزواج كثيرون فكانت ترفض. لكنها قبلت بزوج، وفي الوقت نفسه كانت تتخوف من عظم أيره، واشترطت عليه أن يدخل ما يكفيها بكفالة أمها. وليلة الزواج كانت أمها هي التي تدخل من أيره جزأ جزأ، والبنت تقول: زيدي. إلى أن ادخله كله جملة. بينما كانت البنت تقول "زيدي". فقالت الأم "لم يعد شيئا". عندها قالت لأمها:"رحم الله أبي، فإنه كان اعرف الناس بك، إذ كان يقول "إذا وقع الشيء في يديك ذهبت البركة منه". قومي عني!

ويورد حادثة طريفة أخرى تتحدث عن ماجنة في المدينة (المنورة) اسمها سلاّمة الخضراء، أخذت مع مخنث وهي تنيكه بكيرنج (عضو اصطناعي). وعندما أمسكوها أوجعوها ضربا، وأخرجوها على جمل، فشاهدها رجل وتسائل ما بها، فأجابته:"بالله اسكت! ما في الدنيا أظلم من الرجال. انتم تنيكوننا الدهر كله، فلما نكناكم مرة واحدة قتلتمونا"!

إن موسوعة الجاحظ حول ما يبدو مجونا، تعكس في الواقع مستوى تطور العلاقات الاجتماعية والانفتاح الفكري والثقافي في أحد أهم وأعقد مظاهره كالموقف من المرأة والفن، وقيمة وأهمية العلاقة الجسدية والوجدانية في وقاع الرجال والنساء. وقد تناول جميع هذه القضايا، التي ما زال اغلبها في العالم العربي والإسلامي، مغلقة أمام انفتاح الروح. بينما فك رتاجها العتيق يحمل في طياته احد المصادر الكبيرة للحرية. ووضع كل هذه المواقف والأحكام ضمن أنساق الرؤية العقلية والعقلانية المميزة للاعتزال. بحيث نراه يجعل من الحرية والاعتدال طرفي المعادلة الأرقى للوجود الإنساني. فالحرية بالنسبة له اعتدال، والاعتدال حرية بما في ذلك في الموقف من المرأة ومتطلبات الروح والجسد. وكتب بهذا الصدد قائلا: "فكل شيء خرج عن الحدّ في خُلُق، حتى في الدين والحكمة، اللذين هما أفضل الأمور، فهو قبيح"[10]. وفي الحالة المعنية تتضمن هذه الفكرة وتؤسس للدفاع اولا وقبل كل شيء عن الإبداع الإنساني الحر بشكل عام ودور النساء فيه بشكل خاص.

 

ا. د. ميثم الجنابي

...........................

 [1] الجاحظ: القيان، ضمن مجموعة (رسائل الجاحظ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، 1964،ج2، ص147.

[2]  الجاحظ: القيان، ج2، ص147.

[3]  الجاحظ: القيان، ج2، ص147.

[4]  الجاحظ: القيان، ج2، ص154.

[5]  الجاحظ: القيان، ج2، ص180.

[6]  الجاحظ: مفاخرة الجواري والغلمان، ضمن مجموعة (رسائل الجاحظ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، 1964،ج2، ص92.

[7]  الجاحظ: مفاخرة الجواري والغلمان، ج2، ص94.

[8]  الجاحظ: مفاخرة الجواري والغلمان، ج2، ص95.

[9]  الجاحظ: مفاخرة الجواري والغلمان، ج2، ص131-132.

[10]  الجاحظ: القيان، ج2، ص162.

 

محمد بنيعيشعند ابن حزم الأندلسي

تحدث الكثير عن العقل وفلسفه فلسفة ونقده نقدا وشيأه تشييئا ، فمنهم من اعتبره جوهرا ومنهم من جعله وظيفة عامة ومنهم من أخضعه للتطور المادي من أفعال منعكسة إلى غريزة ثم المجموع من هذا وذاك.وكل هذا وذاك رمي في عماية وتخمين يكاد يشبه التخمين حول كورونا وطبيعتها وحركاتها غير المضبوطة.لكن العبرة تبقى دائما محصورة في الوظيفة والتمرة ومذاقها ونتاجها.فناولني تمرة أقول لك بعد الذوق والتمثل هل هي رطب أم حفالة كحفالة الشعير.

وهذا هو الميزان السليم لتقييم العقل وقيمته ومكانته في الحياة الخاصة والعامة ، خاصة وإننا في زمن نطير فيه فوق العقل والمعقول ، ونمتطي جواد التسيب والسيول، ونستهين بالفضائل ونستحلي الرذائل بشكل غير مسؤول...

أولا: المحددات النفسية لأخلاق الطبع والتطبع

وحينما كان أبو محمد بن علي بن حزم الأندلسي يبحث في الجانب الأخلاقي من النشاط الإنساني ، كباقي الفرسان في الميدان، فقد بقي وفيا للمنهج الذي يعتمد على التعليل النفسي للظواهر الأخلاقية وآفاقه المعرفية والسلوكية وخاصة في كتابه "الأخلاق والسير في مداواة النفوس"، فنراه يقر بأنه توجد في الإنسان أخلاق غريزية مطبوعة في النفس منذ البداية وأخرى مكتسبة ومتعود عليها حتى صارت متطبعة في النفس.

1) أوجه التمييز بين الطبع والتطبع

وعندما نتحدث عن أخلاق الطبع لديه فلا ينبغي أن يفهم منه الإشارة إلى تلك الفضائل الأصول ذات الارتباط الوثيق بقوى النفس، كما درج عليه كثير من المفكرين في تقسيم الفضائل والرذائل بحسبها[1].

بل إنها هنا مظهر كامل للعقل الحقيقي في مفهومه ، والذي بواسطته تنضبط الأخلاق والسلوك؛في شكل قواعد علمية متفق عليها قد تشمل كل البشر رغم وجود اختلافات في بعض طبائعها، وليس الأمر كما يرى البعض "أن الكائنات الإنسانة ليست سيلا لا ينتهي من التوائم المتماثلة ولكنها تختلف اختلافا عميقا فيما بينها"[2].

فالعقل عنده هو الذي يلتزم الفضائل ويجتنب الرذائل وهو الذي يقف عند طاعة الله تعالى ولا يعصيه.

كما ذهب في هذا إلى تفسير قول الله تعالى:"إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" إلى أنه أراد بذلك العقل، فالعاقل من أطاع الله تعالى، لأن طاعة الله عز وجل هي جماع الفضائل واجتاب الرذائل، وهي السيرة الفاضلة على الحقيقة التي تخيرها لنا واهب النعم لا إله إلا هو، فلا فضيلة إلا اتباع ما أمر الله عز وجل به أو حض عليه ولا رذيلة إلا ارتكاب ما نهى الله تعالى عنه أو نزه منه.

وأما الكيس في أمور الدنيا لا يبالي المرء ما وافق في استجلاب حظه فيها من علو صوت أو عرض جاه أو نمو مال أو نيل لذة من طاعة أو معصية فليس ذلك عقلا! بل هو سخف وحمق ونقص شديد وسوء اختيار وقائد إلى الهلاك في دار الخلود"[3].

فالفضائل في حقيقتها ليست إلا طاعة الله تعالى، وكل عقل لم يلتزمها فليس بعقل مميز للإنسان، وإن بلغ ما بلغ من الذكاء وحسن التدبير في المعاملات الدنيوية.

إذ العقل هو استعمال الطاعات والفضائل وهو غير التمييز لأنه استعمال ما ميز الإنسان فضله فكل عاقل مميز وليس كل مميز عاقل، وهو في اللغة المنع، تقول عقلت البعير أعقله عقلا وأهل الزمان يستعملونه فيما وافق أهواءهم في سيرهم وزيهم والحق هو في قول الله تعالى:"ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون"يرد الذين يعصونه ، وأما فقد التمييز فهو الجهل أو الجنون على حسب ما قابل اللفظ من ذلك"[4].

بهذا يكون العقل لديه يمثل قوة خاصة من قوى النفس لها علاقة بالأخلاق خصوصا، فليس كل مميز عاقل ولكن كل عاقل مميز- كما سبق وقلنا-لأن العقل الحقيقي هو الذي ينقاد لطاعة الله تعالى، أما التمييز الذي يتمتع به كل الناس سليمي البنية العقلية أو العصبية فهو الحالة النفسية المحضة المميزة عن التي ذات الارتباط بالجانب الأخلاقي، ولهذا فسلامة تركيب هذا العقل ستؤدي لا محالة إلى ترسخ الأخلاق لدى صاحبه.

بحيث إذا وجد هذا النوع من التعقل لدى الإنسان فإن صاحبه :"لا يغتبط بصفة يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد، وإنما يغتبط بتقدمه في الفضيلة التي أبانه الله تعالى بها عن السباع والبهائم والجمادات وهي التمييز الذي يشارك فيه الملائكة.

فمن سر بشجاعته التي يضعها في غير موضعها لله عز وجل فليعلم أن النمر أجرأ منه، وأن الأسد والذئب والفيل أشجع منه، ومن سر بقوة جسمه فليعلم أن البغل والثور والفيل أقوى منه جسما، ومن سر بحمله الأثقال فليعلم أن الحمار أحمل منه، ومن سر بسرعة عدوه فليعلم أن الكلب والأرنب أسرع عدوا منه ومن سر بحسن صوته فليعلم أن كثيرا من الطير أحسن صوتا منه وأن أصوات المزامير ألذ وأطرب من صوته، فأي فخر وأي سرور في ما تكون فيه هذه البهائم متقدمة عليه؟لكن من قوي تمييزه واتسع علمه وحسن عمله فليغتبط بذلك فبأنه لا يتقدمه في هذه الوجوه إلا الملائكة وخيار الناس"[5].

هذا المفهوم للعقل قد خصص له في كتابه الأخلاقي فصلا عنونه ب"العقل والراحة"ذكر فيه أنه أداة أخلاقية قبل أن يكون أداة تمييز ومعرفة ووسيلة للتفكير واكتشاف المعلومات.

فهو قد تتباين قوته بحسب انطباعه بالفضائل أو خلوه منها، وأكثر قبولا للانطباع في الإنسان:فضيلة العدل التي تتوسط كل الرذائل، بحيث يرى أن:من أفضل نعم الله على العبد أن يطبعه على العدل وحبه وعلى الحق وإيثاره!.

فيقول عن نفسه بخصوص هذه الفضيلة :"فما استعنت على قمع هذه الطوالح الفاسدة وعلى كل خير في الدين والدنيا إلا بما في قوتي من ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، وأما من طبع على الجور واستسهاله وعلى الظلم واستخفافه فلييئس من أن يصلح نفسه أو أن يقوم طباعه أبدا، وليعلم أنه لا يفلح في دين ولا في خلق"[6].

من هنا يبدو الفصل واضحا بين أخلاق الطبع والتطبع لديه، إذ أن الأول غريزة في النفوس وعنصر مميز لها إذا ما وجد فيها، بينما الأخلاق القابلة للتغير والتبدل والانسحاب هي أخلاق غير ثابتة و ليست وليدة التطبع أو متفرعة عنه، ويكون دائما تبعا لهذا الطبع، فإذا كان هذا الأخير سليما فالتطبع يكون انعكاسا ومظهرا له وإذا كان العكس فتكون حينئذ نفس النتيجة ولكن بصورة مخالفة.

2) الصور الواقعية للطبع الأخلاقي

هذا الطبع قد يكون خاصا وعاما، أما الخاص فتوجد نماذج منه لدى أشخاص دون آخرين، من بينها كما ذكر:العدل، وكذلك موضوع الملَل الذي هو من "الأخلاق المطبوعة في الإنسان، وأحرى لمن دهي به ألا يصفو له صديق ولا يصح له إخاء ولا يثبت على عهد ولا يصبر على إلف ولا تطول مساعدته لمحب ولا يعتقل منه ود ولا بغض، وأولى الأمور بالناس ألا يعدوه منهم وأن يفروا عن صحبته ولقائه فلن يظفروا منه بطائل.

وأهل هذا الطبع أسرع الخلق محبة وأقلهم صبرا، وانقلابهم على الود على قدر تسرعهم إليه"[7].

فالملل خلق مطبوع في النفس ولكنه يختلف من حيث قوته لدى بعض الناس دون البعض الآخر، فهو خاص من نوع عام في جنسه.

أما فيما يخص الطبع العام لبعض الأخلاق عند الإنسان فقد أورد أشكالا من الواقع والملاحظة الدقيقة للمجتمع وعن بحث ميداني.

بحيث يذكر أن من بين النماذج الأخلاقية التي يشترك فيها الناس عموما ظاهرة التضحية بالنفس بدل التضحية بالمال عندما يقتضي الحال ذلك، فيقول:"وجدت المشاركين بأرواحهم أكثر من المشاركين بأموالهم، هذا الشيء طال اختباري إياه ولم أجد قط على طول التجربة سواه، فأعيتني معرفة العلة في ذلك حتى قدرت أنها طبيعة في البشر"[8].

كتعليق بسيط على هذه الملاحظة نقول:بأن هناك تفسيرا ربما يكون مقبولا من الناحية العقلية والنفسية، وذلك أن الذي يضحي بالنفس قد يكون له أمل التعويض في الدار الآخرة ورجاء مقام الشهادة التي كلها نعيم وسعادة، بينما المحجم عن بذل المال، رغم أن له فضلا أخرويا وكذلك دنيويا من باب الخلف، فقد توهمه نفسه بأنه إذا أنفق المال ولم يعد عليه ربحه في الحال فسييبقى في حالة فقر مستمر، وذلك بحسب مستوى فهمه أو يقينه بالخلف وتوكله على الله تعالى.

ولهذا فقد كان هناك تفاوت حتى بين الصحابة عند الإنفاق بالمال رغم تقدمهم الروحي وقوة يقينهم بالله تعالى وقدرته على أن يعوضهم ما أنفقوه في الدنيا قبل الآخرة!!!.

هكذا إذن يمضي ابن حزم في تمييز الطبع النفسي المحض عن الطبع النفسي الأخلاقي فيقرر بأن الألم شيء مطبوع في النفس الإنسانية عموما، ولهذا فقد لا يصدق من الناس من يقول أنه لا يتألم ممن ناله بسوء.

لكن حينما يوجد طبع أخلاقي آخر ميزته العدل فإن هذا الألم قد يبقى في طي الباطن ولن يظهر إلى الخارج، كما يحكي عن نفسه في الموضوع:

"وأما أنا فإني إن قلت لا آلم لنيل من نال مني لم أصدق، فالألم في ذلك مطبوع مجبول في البشر كلهم، لكني قد قصرت نفسي على ألا أظهر لذلك غضبا ولا تخبطا ولا تهيجا، فإن تيسر لي الإمساك عن المقارضة جملة بأن أتأهب لذلك فهو الذي أعتمد عليه بحول الله وقوته، وإن بادرني الأمر لم أقارض إلا بكلام مؤلم عنه فاحش أتحرى فيه الصدق والعدل ولا أخرجه مخرج الغضب ولا الجهل"[9].

لكن؛إذا وجد الطبع في السلوك فإنه يكون كاملا ويؤدى بسهولة ويوفي بالمقصود، حيث يبين لنا أهم ميدان يستفاد منه بالطبع لدى الإنسان هو العلم كأهم الفضائل وأسماها، إذ به يقف الإنسان عند حدود العدل وبه يتيسر له تطبيقه.

لهذا فاختيار العلم والنجاح فيه يبقى رهين الطبع الذي يميل بصاحبه نحوه، فمن"مال بطبعه إلى علم ما وإن كان أدنى من غيره فلا يشغله سواه، فيكون كغارس النارجيل بالأندلس وكغارس الزيتون بالهند كل ذلك لا ينجب"[10].

عند هذا النص لا ينبغي أن تفوت الإشارة إلى ما تضمنه من قواعد تعليمية مهمة ينادي بها أغلب العلماء التربويين في العصر الحاضر، وهي:ضرورة مراعاة ميل الطالب لتوجيهه إلى العلم المناسب لطبعه واستعداده النفسي.

إن الطبع الأخلاقي الذي يوجد عند الإنسان قد لا يستمر على حاله الأصلي من حيث تحريكه له وتوجيهه ، وإنما هو قابل لكي يتعرض إلى كبت وكمون، وذلك في حالة عدم وجود مناخ مناسب لتوظيفه وتقويته، فيتعرض للانتقاص والاختفاء كما تختفي النار تحت الرماد، لكن لا يفتقد كلية بل يطفو من جديد إذا ناسب ظرفا خاصا به.

يقول ابن حزم عن نفسه بخصوص هذه المسألة:

"لكل شيء فائدة، ولقد انتفعت بمحك أهل الجهل منافع عظيمة، وهي أنه توقد طبعي واحتدم خاطري وحمي فكري وتهيج نشاطي فكان ذلك سببا في تواليف لي عظيمة المنفعة ولولا استثارتهم ساكني واقتداحهم كامني ما انبعثت لتلك التواليف"[11].

فقد يكون الطبع كامنا في الحياة اللاشعورية حتى إذا توفرت الظروف المناسبة لذلك طفا على السطح هذا الخلق أو ذاك كمثل العجب فيما يذكره نموذجا لهذه الأخلاق المطبوعة في الإنسان باعتباره سلوكا خاصا ببعض الأفراد:

"فقد يكون العجب ثمينا في المرء حتى إذا حصل على أدنى جاه ومال ظهر ذلك عليه وعجز عقله عن قمعه وستره"[12]. بحيث سيكون هذا المرض من أهم المظاهر الخلقية التي سيوظف فيها فلسفته الاجتماعية والنفسية وسيصفه وصفا دقيقا مع تحليله والإدلاء ببعض طرق علاجه لتخليص المجتمع من وبائه.فهل بعد هذا نكون قد استوعبنا معنى العقل وحكمة الشريعة الإسلامية في اعتباره من الضروريات الخمس الواجب الحفاظ عليها لسلامة والفرد والمجتمع؟ أتمنى ذلك...

 

الدكتور محمد بنيعيش

شعبة الدراسات الإسلامية

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

............................

[1] ابن حزم:الأخلاق والسير ص60

[2] هـ.ج.أيزنك:الحقيقة والوهم في علم النفس ص289

[3]ابن حزم:الإحكام في أصول الأحكام مطبعة السعادة مصر ط1-1345ص5-6

[4] نفس ج1ص50

[5] ابن حزم:الأخلاق والسير ص18-19

[6] ابن حزم:الأخلاق والسير ص38

[7] ابن حزم:طوق الحمامة ص104

[8] ابن حزم:الأخلاق والسير ص30

[9] نفس ص36

[10] نفس ص ص22

[11] ابن حزم: الأخلاق والسير ص49

[12] نفس ص78