مجدي ابراهيممن صفة العارف التي تقوم على الإيمان، ويقوم الإيمان أساساً عليها، يلزم لهذه الصفة - عند التّحقق - أن تأسس على المكابدات والمجاهدات؛ فمكارم العارف على التحقيق موصولة بمكارهه، ومكارهه في معاناته. وما من عجب فإن النفس المستقيمة هى النفس التي تعاني: وهى في معاناتها تتألم. غير أنها في كل حالاتها تعاني الألم، فالألمُ موجودُ في كل الحالات، لكن ألم الاستقامة غير ألم الانحلال.

نعم! قد تعاني النفس في استقامتها أشد المعاناة، ولابد لها من المعاناة ترويضاً وتطبيقاً لفاعليّة الجهاد وإيثاراً لطاعة الله على طاعة هواها، وهى في ذلك تعاني ألم الاستقامة؛ أعني بقاء النفس دوماً على أمر الاستقامة. ولكن هذه النفس المستقيمة إذا فَلَتَ منها ميزان الاعتدال وانفرط عقد جهادها لشهواتها وأهوائها، ولم تعد تستطيع القدرة على المقاومة، كان عناؤها أكبر وأشد وأثقل عليها، وكان ألمُها ممَّا لا تحتمل له أثراً، ذلك لأنه ألم الانحلال الذي لا يضبطها لتكون في معية الله. ففي كل الحالات الألم بالنسبة للنفس موجود، ومن استقامة النفس أنها تعاني على الدوام لا محالة.

والنفس المعَوَجَّة هى التي لا تعاني؛ لأنها تستروح إلى ما هى عليه، ولا تشتاق مطلقاً إلى فضيلة التغيير، لكن النفس المستقيمة أو التي تطلب الاستقامة هى التي تعاني مزيداً من المعاناة حتى تجد بغيتها حاضرة معها محققة لها في مزيد من التطبيق والتحقيق. والقارئ مُرْجُوُّ أن يلحظ أنه قد تكررت معنا عمداً كلمة (المعاناة) في هذا السياق عدة مرات، ولتكرارها هنا عمداً دلالاته المقصودة عندنا؛ إذْ المعاناة تقابل "التجربة الصوفية" فيما تحمله من شدِّ وجذب، ومن قبض وبسط، ومن قوة وضعف، ومن توتر وحيرة، ومن قلق واضطراب في بعض الأحايين بل وفي أكثرها، تلك هى المعاناة التي نقصدها حين تتكرر معنا عمداً يَصْحُبه سبق الإصرار. إننا لنقصد التجربة الروحيّة التي يعيشها المتصوف، إذْ يلزمه الجهاد أو يلزم نفسه به في كل حال، يلزمه الجهاد فيها بغير انقطاع، والجهاد وحده دَاَلُّ على المعاناة.

مجرَّد كلمة "الجهاد" مُجَرَّدَةً توحي بمفردها بالألم، فلا يوجد جهادُ مطلقاً بغير ألم وبغير عناء. وجهاد العارف في حياته الروحيّة تجربة من أعمق التجارب الحياتية؛ لأنها كذلك من أعمق آيات الجهاد؛ ولأنه جهادٌ يحول النفس من حال في الحياة إلى حال وينقلها نقلاً من مُرَاد إلى مُرَاد. إنما الألمُ بالنسبة للنفس القوية يعني الجهاد لأدرانها وآفاتها فهو إذن في جميع الحالات موجود، ولن يستطيع الفرد المستقيم أن يتخلص من عذاباته النفسية إلا بوجود "إرادة" مطواعة؛ فهناك ما يَشُدُّه إلى أسفل، وهناك ما يجذُبه إلى أعلى، وفي كلتا الحالتين هو بين الشدِّ إلى هنا والجذب إلى هناك في عذابات. لا شك كانت تلك العذابات تحتاج إلى جهاد مع كونها ناتجة أصلاً من فاعلية الجهاد؛ لأن النفس تعاني فيها كما قلنا أشدَّ ألوان العناء. فالألم في جميع الأحوال موجود: موجودٌ غير مفقود, لكنه ألم مقرون بالسعادة؛ لأن فيه مخالفةً لهوى النفس على الدوام.

وجودُ الألم معناه أن الروح تطلب خلاصها لتتحرر من وطأتها الجسدية وثقلها المادي، وخلاصها لا يكون إلا بضريبة مفروضة، ولا يحصل إلا بسلوب من النفس في أعز ما تهوى وتشتاق وتريد وتتمنى من منالات حسيّة ونزوع ملموس؛ فالذين يجاهدون نفوسهم يتألمون كثيراً، وبمقدار معاناتهم تجيء من فورها سعادتهم.

أي نعم؛ بمقدار ما تعاني تسعد ..!

هذه حقيقة كبيرة من حقائق جهاد العارفين. هنا؛ علينا قبل أن نستطرد في شرح هذه الحقيقة أن نُفَرِّق بين نوعين من الألم. الأول: ألم السعادة. والثاني: ألم الشقاء. ألمُ السعادة قبل التجربة. وألمُ الشقاء بعد التجربة. فأنت سعيد قبل أن تجرِّب المعصية؛ لأن المعصية شقاء ومذلة. أنت سعيد قبل أن تجرِّب الرذيلة؛ لأن الرذيلة تعاسة محققة وخذلان بكل تأكيد. أنت سعيد قبل أن تجرب الخطيئة؛ لأن الخطيئة استعباد لا حرية، بل هى موت ودمار. أنت سعيد قبل أن تجرِّب الغفلة؛ لأن الغفلة جناية كبيرة عند أولى العزم من أهل التحقيق: شَرٌّ يستوجب التوبة والإنابة.

ولكننا مع ذلك نتساءل: هل كانت هذه السعادة تحملُ ألماً؟ والجواب يأتي بالطبع، نعم! نعم هنالك ألم .. إنه ذلك الألم النفسي، الباطني، الجُوَّانيِّ: ألمُ الرَّفْض والمقاومة، وهو ألمُ في البداية لكنه سعادة في النهاية، هو ألمُ يعتصر النفس عصراً قبل أن تجرِّب الرذائل والمحظورات، وقبل أن تَقْدِم على فعل الضرر الذي يلحقها. أفئن هى قاومت وانتصرت مع شدة الألم نجحت، فينقلب ألمُها من فوره إلى سعادة مُحَققة. فالألم الواقع عليها هنا هو ألم الرفض، أو نتيجة لفعل الرفض، هو ألم المقاومة، أو هو مُصَاحب لعملية المقاومة، هو ألم ناتج عن إرادة الامتناع. فأنت من هاهنا سعيد بألمك قبل التجربة، أي قبل ممارسة مثل هذا السلوك البغيض أو ذَاَك، حتى وإنْ كنت تتألم من أجله، بيد أنه ألم سعادة لا ألم شقاء. وعليه؛ فألم السعادة يكمن في تلك المجاهدة الدائمة والمقاومة المستمرة والمعاناة الرافضة لكل خنوع يمضي مع النفس في إتيان هواها. والرفض هنا شيء عظيم وجليل هو الذي يُضفي على الشخصية الرافضة سحرها من جانب العظمة وإيهاب الجلال، هو أبدع إمكانيات النفس ضد طغيانها وضد هواها، وضد ما تسببه لصاحبها من عجز ومرض وبلادة وجهالة دائمة، حتى صنوف العجز والمرض والبلادة والجهالة يمكن رفضها من قبيل النفس المستقية، ويمكن التغلب عليها بفعل المجاهدة المنظمة الدائمة. أما ألم الشقاء؛ فهو بعد التجربة، أي بعد أن يخوض الفرد تجربة الشرور التي يقترفها.

جَرِّب إنْ شئت كل صنوف الضياع وأترك لنفسك هواها كيفما شاءت، ودع عنك المجاهدة, ودع عنك المقاومة والامتناع، ودع عنك كل ما يقهر نزوع النفس لديك، جَرِّب جميع الأفعال التي ترافق هوى النفس الطبيعي؛ فأنت إذْ ذَاكَ في النهاية مع سعادة النفس بداية، ستكون شقياً لا محالة، وفي الشقاء كل ألوان الحسرة والألم بغير مَنَازَع.

ذلك هو ألم الشقاء الذي يأتي بعد التجربة؛ لأنه ألم يمضي بالنفس إلى اقتراف الضرر الذي يتحقق منه المرء من الوهلة الأولى، وهو مع هذا يجرِّبه ليكون بتجربته سعيداً أو يَتَوَهَمْ ذلك. هذا الضرر لا يعود على أحد إلا على المُجرِّب نفسه، تماماً كما أن ألم السعاة لا يعود نفعه على أحد إلا على المُجَرِّب عينه، كذلك ألم الشقاء لا يعاني منه أحد إلا مُجَرّبه، وتلك جريرة النفس مع صاحبها: أن توُدي به في طريق المهالك، وليس هذا بغريب:" فرُبَّ نفس عَشَقَتْ مَصْرَعَهَا ". إنها لحقيقة كبيرة من حقائق جهاد العارفين مع أنفسهم، استخلصوها لنا من خلال تجاربهم, حقاً:"بمقدار ما تعاني تسعد".

لكنها حقيقة أبعدُ ما تكون عن التطبيق الواقعي والتنفيذ الفعلي إذا كانت النفس ضعيفة، والإرادة خربة، والعزيمة بالية، والمثابرة فاترة، والهمة ساقطة، فلا تنتظر إذا كانت أحوال النفس على تلك الأوصاف أن تكون هنالك حقيقة ظاهرة أو باطنة تحتمها قوة العرفان في المعدن العارف، ولا يتأتى لك أن ترجو سعادة من وراء تلك المجاهدات النفسية حين تكون النفس فقيرة السعي نحو الأهداف العظيمة تتلاقى معها على استعداد واكتمال.

تأمل قوله تعالى:" وَاَلَّذينَ جَاهَدُوا فينَا ". النجاحُ الحقيقي للإنسان يتلخص في عبارة واحدة:" ترويض النفس وحَمْلها على المكاره ". حملها على المكاره من طريق الصبر؛ وما الصبر سوى حَبْس النفس على المكاره! فالصبر كله فضيلة كبيرة هو" عَزْمُ الأمور". أتدري كم مرة وَرَدَتْ "عزم الأمور" في القرآن الكريم؟ في ثلاثة مرات فقط؛ هى نصف الدين حقيقة لا مجازاً:

الأولى: في آل عمران آية (186):" لتُبلَوُنَّ في أمَوَالَكُم وَأَنْفُسكُم وَلَتَسْمَعُّنَ منْ الذَّينَ أُوُتُوا الكتَابَ منْ قَبْلكُم وَمن الذَّينَ أشْرَكُوا أذَى كَثيرَاً، وإنْ تَصْبرُوا وَتَتَّقُوُا، فَإنَّ ذَلكَ منْ عَزْم الأمُور ".

والثانية: في لقمان آية (17):" يَا بُنَيَّ أقمْ الصَّلاة وَأمُر بَالمَعْرُوُف وأنْهَ عن المُنْكَر وَاصْبر عَلى مَا أَصَابَكَ؛ إنَّ ذَلكَ منْ عَزْم الأمُور ".

والثالثة: في الشورى آية (43):" وَلمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ؛ إنَّ ذَلكَ لمنْ عَزْم الأمُور ". فلتنظر إلى هذه الآيات الكريمة وتتدبرها جيداً تجد أن مصدر الأخلاق الجميلة هو "عَزْمُ الأمُور" كما سَمَّاه القرآن، وهو مصدر كل خُلق جميل حَثَّتْ عليه شريعة القرآن. عزم الأمور نيةٌ في القلب خفية، وقدرة في المنع قوية، وَرَدُّ للنفس عن بعض ما تشاء، لكنما نفوسنا الضعيفة نفوس خَربَة تشاء الكسل وتأنف من بذل المجهود، تشاء المتعة وتمتنع عن الإقلاع، تشاء الأكل الكثير والراحة والنوم وتمتنع عن الجوع والمشقة والسّهر، تشاء إتباع الهوى والشهوة والشيطان وتمتنع عن حظيرة الله والاستقامة والإيمان، تشاء الرذيلة وتمتنع عن الفضيلة؛ فلن يكون خَيْرٌ لها ولن يتم، ما لم يردها صاحبها بعزم الأمور عن بعض ما تشاء.

والأصلُ في ذلك كله هو الصبر جهاداً، والتحلي تصبُّراً بأطيب الفضائل وأكرم الأخلاق.

حقيقةً مصدر الأخلاق الجميلة هو "عزم الأمور" كما سَمَّاه القرآن، مصدر الأخلاق الجميلة هو القدرة على الامتناع، ورد النفس عن بعض ما تشاء، وضبطها بهذا القانون الأعلى الذي يجري على صفته الشمولية، التامة، الكاملة. مصدرٌ الأخلاق هو أن يشعر الإنسان بالتبعة المسئولة، وأن يدين بها نفسه، وأن يُسَاءل ضميره فيها. مصدر الأخلاق أن يكون الإنسان سيد نفسه، وأن يملك زمام أمره، وأن يتحلى بفضائل الجهاد كما سَنَّهُ نظام التَّعَبُّد الصوفي.

كان إبراهيم بن أدهم يُشَدّد على الصالح بقطع عقباته ويقول: " لن ينال الرجل درجة الصالحين حتى يجتاز ست عقبات؛ الأولى: أن يغلق باب النعمة ويفتح باب الشدة. والثانية: أن يَغْلق باب العز ويفتح باب الذل. والثالثة: أن يغلق باب الراحة ويفتح باب الجهد. والرابعة: أن يغلق باب النوم ويفتح باب السَّهر. والخامسة: أن يغلق باب الغنى ويفتح باب الفقر. والسادسة: أن يغلق باب الأمل ويفتح باب الاستعداد للموت "(الرسالة القشيرية, ص 98 - 99).

تلك هى أهم الصفات الواجبة على المُجَاهد: غلق باب الراحة وفتح باب القسوة على نفسه، فيما لو عرف للجهاد مَعْناه، وعرف له من ثم َّ قيمة نافعة في هذه الحياة؛ فليس ينقصه سوى العمل وسوى التطبيق ليكون بهما عارفاً بفضائل العرفان.

أي نعم؛ الذين يجاهدون نفوسهم يتألمون؛ لأن الألم رفيق المعاناة إذا كانت ثمرة المجاهدة هو هذا العناء، ولأن المجاهدة تزكية، وفيها خُلَاصُ الأرواح من أدران الغفلات، وفيها كذلك ألمٌ وعناءٌ ومكابدةٌ هى الظواهر النفسيّة المُصَاحبة لعملية الجهاد: أنْ تعرف كيف تعاني؛ أنْ تعرف كيف تتألم، أنْ تعرف كيف تكابد، حتى إذا ما عرفت كيف تعاني وتذوَّقت هذه المعاناة كنت مجاهداً. وإذا عَرفْتَ كيف تتألم، وتذوَّقت هذا الألم، صرت مجاهداً. وإذا عرفت كيف تكابد وَتَذَوَّقت هذه المكابدة كنت من المجاهدين حقاً وصدقاً، وما أطيبُ وصف شاعرنا العربي حين قال:

لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلا مَنْ يُكَابِدَهُ     وَلا الصَّبَابةَ إلاَ مَنْ يُعَانِيَها

يَصفُ القشيري طريق التصوف في أربع خلال للمجاهدين في سبيل الله، فهم يجاهدون في سبيل الله على أربع حالات: الحالة الأولى: يجاهدون بنفوسهم من حيث استدامة الطاعات. والحالة الثانية: يجاهدون بقلوبهم بقطع المنى والمطالبات. والحالة الثالثة: يجاهدون بأرواحهم بحذف العلاقات. والحالة الرابعة: يجاهدون بأسرارهم بالاستقامة على الشهود في دوام الأوقات (لطائف الإشارات؛ تحقيق إبراهيم بسيوني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الثانية، القاهرة سنة 1983م, ص 432).

من ذلك ترى في نص القشيري أسس المجاهدة تتمثل في أربعة: المجاهدةُ بالنفس، والمجاهدةُ بالقلب، والمجاهدةُ بالروح، والمجاهدةُ بالسِّر؛ فقوام الحياة الروحية كلها مجاهدة النفس أولاً موقوفة على دوام الطاعة، وهذه مجاهدة بدنية تتعلق بالظاهر، وتبذل جهدها في مقاومة أهواء النفوس وطغيان الشهوات، ثم يترقى العبدُ صَعدَاً في طريق المجاهدة الباطنة ليجاهد ثانياً بقلبه فيقطع مُنَاه من كل شيء سوى وجه الله فيما يُرضي الله؛ ليترقى ثالثاً فيجاهد بروحه بحذف أية علاقة عائقة؛ ليترقى رابعاً فيجاهد بسرِّه ليكون دائم الاستقامة في جميع الأوقات على منن الشهود.

ويتبين من هذا؛ أن الجهاد هو أساس الحياة الروحيّة عند صوفية الإسلام لا يتخَلَّف عنه متصوف حقيقي مطلقاً في جميع مقاماته وأحواله، ويفيدنا نص القشيري بمثل هذه الأسس مجتمعة في النفس، والقلب، والروح، والسّر. وأساسها الأول، هو مجاهدة النفس؛ لأنه بمثابة القاعدة التأسيسية ينبني عليها مجاهدات القلب والروح والسِّر؛ يفيدنا النص إذا نحن عرفنا القاعدة الأساس عند المتصوفة، وحملناها محمل التجريب عرفنا تباعاً؛ ومن خلال هذا المحمل؛ كيف تتحقق صفة العارف، وعرفنا من ثمَّ مغزى قولهم بمجاهدة القلب، وما يتلوها من مجاهدة الروح، ثم مجاهدة السرِّ التي يعرفون فيها ما لم يعرفه سواهم من منن الكشف وعطايا الشهود.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيملئن كُنَّا رددنا من جانبنا في المقالة السابقة تلك الخاصة العرفانية إلى "قوة الإيمان" وأسندنا إليها ارتقاء الذوق وارتقاء العقل وارتقاء الوجدان، كما أسندنا إليها " تثوير" الأنشطة الروحيّة من فكر وفن وأدب وعلم في الوعي الإنساني؛ فلأن الإيمانَ شَوْقٌ من أشواق الروح الإنساني، فيه مغالبة الروح وترقيها دوماً لإدراك الغيب المجهول، وبمقتضى تلك المغالبة يستطيع الإنسان أن يتفرَّد وأن يستقل كما يستطيع أن يبدع في استقلاله وتفرده. إننا حين نشهد مقومات الصلاح في الفرد الصالح نشهدها فنشهد منه الظاهر فقط، ولسنا نرى منه الخفي المستور، وهذا الخفي المستور إنما هو روح تنبض بالأحوال الباطنة، بالتوتر والتفرد والاستقلال وتعبِّر عن ذات العارف في الطلاقة الروحيّة ومناجاة الواحد، وفي التوجه بكل الطاقة الفاعلة: بالهمة الطليقة من قيود المحسوس والملموس نحو ما يملأ فيها الشعور بأعمق معطيات التجربة مع الواحد، مع المطلق. ربما قد لا ندرك في حقيقة الأمر نماذج لتلك الكيفية التي تتلاقى عندها مثل هذه "المقومات": أعني حركتها الجُوَّانيَّة المضمرة وأحوالها الخفيّة، وربما لا ندرك أيضاً كيف يتمُّ تفعيل الباطن الذي صدر عنه الوعي الإيماني؛ لأن هذا عمل باطني صرف، محض خفاء ومحض معاناة: هو عمل نفس تتغالب ووجدان يتصارع في الباطن بشتى المتناقضات.

ولكن من المؤكد أننا نُدْرك "الآثار" و"الأعمال"، وبمُجَرَّد إدراكنا لها تصف لنا من فورها شيئاً عن تلك الأحوال الباطنة فتخبرنا عن فاعليتها وتوجهاتها وتحيطنا بدخائلها في الوعي الغائر العميق السحيق المستقر - في غير استقرار! - في تابوت الحكمة: (= القلب). وحيثما ندرك بالذوق مثلاً - ومدارك الذوق عزيزة ونادرة - مقومات الاستقامة والصلاح، ندرك من فورنا هذا النزوع الدائم الذي يُغَالب النفس الإنسانية فيشدها من السكينة إلى الثورة، ومن الهدوء إلى التوتر، ويُسْتَشْعَر فيه الشوق المتدفق إلى الغيب المحجوب ومعانقة المطلق؛ ربما لأننا نفتقر إلى الممارسة الفعليّة والتطبيقية يُخيَّل إلينا أن هذه الصفة تخلو من الواقع الذي نعيشه أو يخلو الواقع الذي نعيشه منها، ونحن نعيش الواقع على الغفلة والاستنامة والنكوص، لكن التحليل الذوقي الكاشف لطبيعة الإيمان والاطلاع من خلال ثماره وآثاره على نوره في القلوب، ثم تذوق هذه الآثار قد يعطي صورة تهيئ الذهن فعلياً لعملية الإدراك لمقوماته من حيث استقرت بين شغاف قلوب أربابه وذويه.

أولى هذه الإدراكات المقوِّمة للإيمان، الامتثال للترقية من طريق الوعي بالصفات التي يترقى بها الفرد الباحث عن الإيمان، ذلك الطلعة الشغوف بمطامح الوصول إلى "الحقيقة" في ذاتها بعيداً عن ظروف الجماعة المحيطة به.

وأقول "الباحث عن الإيمان" وأنا أعني ما أقول: البحث عن الإيمان مقدّمة ضرورية لابد منها للبحث عن الحقيقة المغيّبة. البحث عن الإيمان من أجل التحقيق يقتضي الجهاد في سبيله، والمجاهدة تزكية وتحلية. في كل فرد منَّا صفات مذمومة يتخلى عنها؛ أو المفروض أنه يتخلى عنها؛ في سبيل التزكية بالصفات المحمودة والبقاء عليها بعد تحصيلها، ومغادرة كل ما يعيق الوصول إليها من طريق التمحيص الداخلي لنشاط النفس في مساربها وتوجهاتها, وفيه الإشارة إلى قوله تعالى في سورة (آل عمران، آية 141): " وليُمَحّص اللهُ الذَّينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكافرينَ ".

والمحق هنا هو "الإزالة"، ونزع البركة كما في قوله تعالى:"يَمْحَقُ اللهُ الرّبَا وَيُرْبي الصَّدَقَات"؛ هنالك تصير المجاهدة بمثابة مفتاح الوصول إلى تلك الحقيقة المغيبة والمجهولة. وفي المقابل لا يتسنى الوصول إلى تلك المجاهدة ما لم يكن هاهنا دافع " الإيمان" قوياً، وهو يقوى ويشتد بمقدار فاعلية الجهاد وبمزيد من العزم عليها إنْ في الشدة وإنْ في الضعف. يدور الإيمان في تلك المرحلة الحاسمة منه مع فاعلية الجهاد قوة وضعفاً، ويزداد وينقص بزيادة المقاومة وضعفها.

هنالك يترقى بمقتضى المجاهدة ذلك الفرد الذي أخذها مأخذ الجد في جميع مستوياته الإدراكية: يترقى في النفس ويتهذب في الضمير والوجدان، ويتعالى على جميع نقائصه المعرفية والسلوكية؛ لأنه حينذاك يمضى في طريق المعرفة على بصيرة بكل صفة معلومة السبب غير مجهولة الإدراك، ويقوده المعلوم من الصفات إلى المجهول، بمقدار ما يقوده المعلوم من الحقائق إلى المجهول منها، لكن هذا المجهول من تلك الحقائق لم يعد مجهولاً مع فضيلة الجهاد، بل يتكشف كل لحظة في الوعي الباطن، ويترقى الفرد مع التكشف ترقياً روحياً وأخلاقياً يعجب الإنسان لفعله، وقد يأخذه الزهُّو، وتأخذه الفتنة؛ بما يمكن أن يصل إليه في سبيل العرفان، ومن هنا قد نعذر عبارات الصوفية الشاطحة؛ لأنهم بلغوا من طريق الجهاد ما لم يبلغه سواهم؛ فصدرت عنهم مثل هذه العبارات تعبيراً عن حالات الزهو والتيه بما وصلوا إليه، لكنه ليس تيهاً بالنفس ولا زهوَّاً بها بمقدار ما هو فَرَحٌ بالله وزهو فيه وتيهٌ به.

ففي طريق المعرفة يتوحَّد الفرد العارف مع الموضوع المعروف، ويتصل المخلوق بالخالق ليصبح إنساناً كاملاً وتتلاقى حينذاك مع الترقي من التراب المجبول إلى أفق الأرواح والعقول، جميع المزايا التي تطلعه بصدق على جوانب الإدراك الذاتي بالصفات الإدراكية العليا وهو في الحق لم يكن إدراكاً ذاتياً محض إدراك بل كان توفيقاً من أعلى محض توفيق. يصقل هذه الجوانب شوق النزوع الدائب إلى المعرفة ولكونه إدراكاً ذاتياً؛ فليس يخفى فيه أن يكون مجرَّداً في القيمة مدركاً لخواص المعرفة وسريانها (حالاً باطناً) في نفسه أولاً قبل أن يصل بها - بالعقل بعد الكشف - نفوس الآخرين.

من المعلوم لدينا بالضرورة أن أخص مقومات الإيمان أنه كما قلنا فيما تقدَّم يرتكن على"القدرة"، ولا تتم مقوماته على الحقيقة، ولا يكتمل في النفس المؤمنة إلا بهذه "القدرة"، وكل إيمان يفتقر إلى القدرة هو إلى العجز أقرب منه إلى القوة، ولن يكون الإيمان إيماناً وصاحبه موصوف بالعجز والضعف؛ لأنه لا يعطي تصوراً واضحاً لطبيعة النفس المؤمنة وأحوالها: ماذا عَسَاهَا تكون, وما هى تلك المؤهلات التي هيئت لها خصائص النزوع الباطني كيما تكون نفساً مؤمنة على الحقيقة؟ وما معنى أن تكون النفس مؤمنة، وهى تتبطن مثالب ونواقص وآفات تعوق عملية "التحقق الباطني": شرط الإيمان وشرط القدرة والاقتدار في كل حال؟

تلك كانت أسئلة تأتي الإجابة عنها لتحدد مصير النفس فيما لو كانت "ذاتاً مؤمنة"؛ فضلاً عن أن تكون بمقتضى الإيمان "ذاتاً عارفة"، وهى تعيش حالات الإيمان على جميع أصعدته: النظرية والعلمية, الفكرية والتطبيقية, النفسية الداخلية والخارجية الظاهرية وفق قانون الرياضة، حتى إذا ما كانت هناك شرائح من طبقات المجتمع الذي يجيء بين جنبَاته ذلك الفرد القادر على تحقيق صفات الإيمان في ذاته العارفة؛ تهيأت نفسه من جديد لإدراك الواقع الفعلي والحياتي، لكن هذا التهيؤ لايتأتى بمعزل عن خبرة الباطن المصقول بالوعي الصوفي خَاصَّة - لا الوعي العادي - وإنما يتأتى وفق ما يحكمه من قانون الإيمان من حيث كونه شعوراً دافقاً وإحساساً عارماً وفيضاً من الطمأنينة القلبية والاتصال المباشر، ثم بتلك الكيفية التي يصير بمقتضاها فرداً مؤمناً على الحقيقة دون المجاز.

لا تتأتى بحال تلك القدرة لفهم حيوية الإيمان بغير جهاد للنفس يسوسها ويدركها حين يدرِّبها ويذيقها طعم الحلاوة الداخلية، فتنمو القدرة في أعماق الباطن فاعلية واقتداراً على مجاوزة العراقيل المانعة وإحياء طاقات العوامل الدافعة.

ومن أهم تلك العراقيل المثبطة لهمم السائرين تلك الشرائح المختلفة تُصَادف "العارف" من طبقات المجتمع بما كان قد تخلى عنه بدايةً إذْ تعتبره (أي هذا الذي كان تخلى عنه) هو كل شيء من ألوان الإدراكات؛ وهو الحقيقة الوحيدة التي يدركونها ولا يدركون غيرها شيئاً في عرفه هو، وفي قناعاته هو، وفي إدراكاته هو. وتحاول تلك الشرائح التي تُصَادفه على الدوام في مجتمعه بين اختلاف طبقات هذا المجتمع وتنوع شرائحه، أن تَسْلب منه تلك "القدرة" لتضفي عليه "العجز" أو تغريه بدلاً من تأملاته الذاتية؛ بمعايشة الجماعة وآفاتها والمجتمع وأمراضه، وماذا يصلح الفرد أصلاً في مجتمعه، وأغلب أفراده معطلين عن تلك القدرة الإيمانية وهم عاجزون عن المضيء فيها قدماً بمقدار عجزه هو عن مسايرة المجموع، والتضحية بتعطيل قواه الباطنة من أجل أفسادها مع الجماعة وإفساد الجماعة لها: الجماعة التي يعمل هو على الدوام لأجلها، ومن أجلها فيما لو علمت.

أشار ابن سينا إلى صفة العارف هذه، من حيث أحواله الباطنة التي تجيء فلا يحتمل فيها قط شاغلاً مهما كان أو أياً ما كان، يصرف سرّه عن التوجه إلى الحق؛ فقال:" العارف له أحوال لا يحتمل فيها الهَمْس من الخفيف فضلاً عن سائر الشواغل الخارجة، وهى في أوقات انزعاجه بسرّه إلى الحق؛ إذا أتاح حجاب من نفسه أو من حركة من سره، قبل الوصول؛ فأما عند الوصول: فأما شغل له بالحق عن كل شيء، وأما سعة للجانبين بسعة القوة، وكذلك عند الانصراف في لباس الكرامة فهو أهش خلق الله ببهجته (الإشارات والتنبيهات مع شرح نصير الدين الطوسي؛ تحقيق د. سليمان دنيا؛ دار المعارف سنة 1958م؛ ص 774).

أفلا نعيد هنا وصية أستاذ الشاذلي، الشيخ عبد السلام بن مشيش، لمّا أن قال له الشاذلي: أوْصني، فأوْصَاه وصيته الأخيرة قبل أن يُفَارقه ليُطلعه على رفض الشواغل والعوائق كيما يمتلك أحواله بعيداً عن ترهات المجموع؛ ليكون مشغولاً بالحق عن كل شيء قائلاً له:" الله الله، والناس الناس، نَزِّه لسانك عن ذكرهم، وقلبك عن التماثيل من قبلهم، وعليك بحفظ الجوارح وأداء الفرائض، وقد تمَّت ولاية الله عندك، ولا تذكرهم إلا بواجب حق الله عليك، وقد تمَّ وَرَعَك. وقُلْ: اللهم أرحمني من ذكرهم، ومن العوارض من قبلهم، ونجِّني من شرهم، وأغنني بخيرك عن خيرهم، وتولني بالخصوصية من بينهم، إنك على كل شيء قدير" (يراجع ابن الصبَّاغ: دُرَّة الأسرار؛ ص 229) .

الله الله، والناس الناس: الله الله الإيمان كقدرة لا يتأتى إلا بالله. والناس الناس: الجحودُ كعجز ولو ظُن به القوة، واحتمل فيما يأتيه القدرة. وكما أن مقومات الإيمان قائمة في البداية على القدرة؛ فهو كذلك (أي الإيمان) في مسيرته إلى التحقيق هبة وتوفيق: التوفيق يعز ويُمْنع ويستحيل أن ينال منه أحدٌ كائناً ما كان. وإذا كان المقوم الأصلي لفاعلية الإيمان يستند إلى قدرة المجاهدة للشرور الإنسانية والأمراض النفسيّة والآفات الملازمة لعنصر الهوى البشري؛ فإن التوفيق فتحٌ روحي من عند الله، خصوصية اصطفائية، وهو العزاء فيما لو قوبلت تلك النزعة الروحيّة من قبيل المجموع باللامبالاة وعدم الاكتراث، بل هو "الضمان الإلهي" لورود الفردية الحرَّة المستقلة عن أهواء الآخرين مَوَارد الحق الصُّرَاح: التحقيق بالوحدة مع الله، والاتصال به، والبقاء معه على الدوام بغير قطيعة.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيمالإيمان في منحى من مناحيه إنْ هو إلا "تقدير" في الذات المؤمنة، وامتياز في الذات العارفة: هو تقدير لها يرتد إلى القدرة؛ فمن امتياز الذات العارفة واقتدارها أن تترقى بالقدرة لتصل إلى الإيمان لتنال التقدير. وما القدرة في البداية إلا جهد الكسب، وما التقدير في النهاية إلا توفيق الوهب. وليس للقلب البشري إلا أن يتوتر بين الجهد المكسوب والوهب الذي يأتي من عين الجود. فمثل هذا التوتر هو عينه "التجربة الروحية": الارتقاء في تحصيل الإيمان بفعل "القدرة"، أي بفاعلية المجاهدة والمكابدة، والممارسة العملية، والمعايشة الحياتية لأصول الدين وفروعه، ولآدابه وقوانينه، ثم الانتظار والترقب لفيوض التقدير: والتقدير معرفة، واتصال، وفناء في الذات الإلهية مما ينفتح في سر القلب من جَرَّاء الاتصال بالغيب: هو إنْ شئت قلت: الوَهْب اللَّدُنِّي والتوفيق الإلهي.

ولما كان الإيمان تقديراً وقدرة؛ لأنه اقتدار، صار تعبيراً عن قدرة الإنسان التي لا تحد وتجسيداً لإرادته التي لا تنازع؛ لأن الإيمان في جميع مستوياته التي يحد الإيمان بها إنْ في مجال الفكر أو القلب، وإنْ في ميدان العمل العقلي أو الذوق الوجداني؛ إنما هو اقتدار يتشكل في إطار فكري نظري أولاً ليُعرف، ثم يُذَاقُ بالتجربة بعد المعرفة كيما يُمارس. وبالإطار الفكري النظري قد يستولي من الظاهر ليكون قشرةً سطحيةً على تقدير الناس في أول مقام.

فالعقلُ وحده بمعزل عن الإيمان ليس كفيلاً ولا كافياً أن يعطيك تصوِّراً صادقاً أو صحيحاً عن العقيدة الإيمانية فيما لو كانت على استقرار الرسوخ والتمكين؛ أو هو قد يعطيك عقيدة فكرية بحتة لا شأن لها بتعقُّل الإيمان إلا من خارج. والإيمانُ شعورُ وفهمُ واستدلالُ - كما يذهب القديس أنْسِلم - شأنه في ذلك شأن القديس أوغسطين الذي نادي بـ "تعقل الإيمان"؛ لأن الإيمان يُوَلِّدُ في النفس المحبة، ومن خصائص المَحَبة أن تدفع إلى استعجال الرؤية الآجلة بالاستدلال.

كان "كانط" يقول:" إنّ الدين هو شعور بالأمر الإلهي، وليس بواسطة العقل؛ إذْ العقل عنده لا يوافق حقيقة الأشياء. وعلى ذلك يكون الدين بهذا المعنى شعوراً إلهامياً محضاً. فالإيمانُ من ثمَّ شرطُ التَّعقل؛ وقد قال"أشعيا": "إنْ لم تؤمنوا فلن تفهموا "؛ فالذي لا يؤمن لا يشعر بموضوع الإيمان؛ والذي لا يشعر لا يفهم. والشعور بالإيمان يفوق مُجَرَّد سماع الحديث عنه، والتَّعُقُّل وسط بين الإيمان في الحياة الدنيا، ومعاينة الله في الآخرة؛ هو اقتراب من علم الله !

إنما العقل المحدود المفصولُ بالكلية عن شعور الإيمان الديني العميق، والمعزولُ عن فهم دخائله ومراقبة خلجاته وطواياه، لا يَمَسُّ الحقيقة الدينية في شيء؛ فعقيدتُه محضُ فكر خارجي يُصلح للعلم والتفكير المحسوس: يصلح للصخور والمعادن والأحجار وري الأرض وحفر المجاري ومدِّ القنوات ونقل المزابل؛ ولا يُصْلح لتأمل الحقيقة الإلهية.

هنالك فرقٌ؛ وفرقٌ كبير؛ بين العقل المُروَّض على التعامل مع الحقيقة الإلهية، والتي موضعها القلب إيماناً، ومُدْركُها الفكرُ تعقُّلاً وعرفاناً؛ وبين العقل العابث المخلوط بأهواء صاحبه، إنْ هو أدرك فلا يدرك إلا الهوى، وإنْ هو أصاب فلا يصيب إلا الدَّنِيَّة من الدين والدنيا على السواء. هذا العقل المغموس بعكارة النفس الملوَّثة إذا تَعَرَّض للإيمان أفسد معانيه. إنه فريد الدين العطار؛ الشاعر الصوفي الفارسي البديع هو الذي صور عجز العقل (باعتباره ملكة الاستدلال) عن إدراك الحقيقة الإلهية تصويراً يفوق الروعة ويعلو على خيال الملهمين؛ وذلك حين قال:" ذهبنا وراء عالم العقل والفهم، العقل لا يُجدي عليك، إنما يأتي بما يأتي به غربالٌ من بئر، إنما يحاول العقل أن يدرك هذا العالم، ولكن هذا العقل الذي يفقد نفسه بجرعة من الخمر لا يقوى على المعرفة الإلهية. العقل أجبن من أن يرفع الحجاب ويسيرُ قدماً إلى الحبيب.

ولن يكون هذا الإيمان مُحَدَّداً بكيفية معينة ما لم يتم تحديده (داخلياً) على طريقة ذات معنى يتلازم مع الكينونة البشرية، يمكن للفرد أن يتهيأ له ويستعد، أو بعبارة أخرى؛ لن يكون الإيمان سوى مجرَّد فورة باطنية ما لم يُكيّفه صاحبه في مستوى التوجه؛ وتكييفهُ شوقٌ دائمٌ إلى الحقيقة الإلهية، وإلحاح إدراك للغيب المجهول، ومحاولة استكناة خفاياه. ولن يتاح لفرد - كائناً ما كان - أن يتذوق في قلبه حلاوة الإيمان، وهو - من بعدُ - لم ينفرد في نفسه بتلك "الصفة" - صفة العارف - المطروحة في أعمق أعماقه الداخلية، والمبطونة في أصدق دخائله الوجدانية والشعورية، وهو معزول في نفسه عن نزوع الشوق الغالب لمعرفة الحقيقة الإلهية حتى ولو توافرت فيه أجل الصفات وأعظمها، وحتى ولو أنفرد بصفات ظن أن هذه "الصفة" على التحديد دونها. فليس له من مطمع، من بعدٌ؛ أن يتذوق طعم الإيمان ولم تغالبه نفسه إذْ ذَاكَ إلى الشوق الدائم لمعرفة الغيب المجهول.

تلك الصفة المبطونة داخل كل فرد من أفراد البشر، وهذه الصفة المطمورة في الأغوار الجُوَّانيَّة هى عندي "صفة العارف"، ففي كل إنسان نورٌ عرفاني يسري في كيانه فيما لو تحرَّر فعلاً هذا الكيان، يستمد أشكالاً وألواناً عديدة حين يظهر، تندرج هذه الصفة في الوعي بكل جميل وبكل جليل وبكل ذي قيمة: الوعي بكل تقدم وترقِّ وقوة ومنعة، الوعي بالطموح الغالب على الأفراد والأفذاذ، عندما يريد أحدهم أن يحقق قيمة ما من القيم الوجودية الباقية، الوعي على الجملة بمجمل القيم في هذه الحياة الدنيا، بكل بما فيها ومَنْ فيها. لاحظ أن الوعي قدرة فاعلة وهو اقتدار أيضاً.

إن فكرة الوعي الفردي ذاتها تنبثق من "صفة العارف" حين تظهر، لا بل كل قيمة من القيم، وكل فضيلة من الفضائل، وكل إبداع ثقافي أو خَلْق أدبي أو فكري أو حضاري، كل إبداع فني أو كشف علمي، مهما كان شكله أو جنسه أو لونه، كل إبداع على التعميم إنما هو لون باطني خفي من ألوان"صفة العارف" هذه، سواء أُدْركَ أم لم يُدْرك؛ لأنه نشاط روحي ولون من ألوان الوعي الفردي. والوعي جزء غائر دفين في تلك الصفة العرفانية، هو منها في صميم الصميم.

ولما كانت هذه الصفة يتشكل منها قيم الوجود الروحي في الإنسان، صارت على وجه العموم هى الأصل الذي يستمد منه الوعي الإنساني جذره المتجذر في الأغوار النابتة منه فروع، أشكال هى وألوان، يستمد منه الوعي الإنساني مدده فيتوجه وجهات في الحياة مختلفة، شأنه في ذلك شأن المنبع تتفرع عنه جداول، كل جدول منها يقوى ويشتد بمقدار قوة استمداده من ذلك النبع؛ فهنالك جدول للأدب، وآخر للعلم وثالث للفن ورابع للفكر وخامس للإبداع الثقافي على التعميم.

وهكذا، وهكذا إلى آخر الفروع المختلفة للنشاط الإنساني؛ تستمد منابعها من أصل المنبع: الوعي الغائر الباطن المطمور في جوف العرفان.

إذا كانت هذه الصفة ظاهرةً جليةً قامت بتنشيط الوعي كله في جوهر الإنسان وباطنه. أما حين تكون خفيّة مطمورة تتوارى تحت كثافة الظلمانية الغليظة؛ فليس يظهر منها نور قط يشع على الإنسانية بجديد؛ فالأدب هاهنا تقليد ومحاكاة وإتباع، والفكر عقيم وبليد وفقير، والعلم مادة كثيفة صماء، إذا أنفرد بالسبق وحده يقضي على القيم الإنسانية إذا لم يكن يقضي على الإنسان في جملته وتفاصيله: على حيويته الرُّوحيّة، ويهدد قناعاته الخلقية، ويفجعه بشؤم المصير.

وتاريخ الاستخدام الخاطئ لمنجزات العلم والتكنولوجيا تكشف عن تحدي الإنسان لإنسانيته، وتقضي على الأخلاق من حيث يظن بها توفير الوقت والجهد، ما لم يكن هاهنا وعي من الرقابة الباطنة: رقابة الضمير والخلق الروحي المتين.

والأمر الذي يجعل الوعي غائباً لا نمو فيه ولا تطور، ولا تقدم يُرْجى من ورائه؛ هو انطماس "صفة العارف" وتواريها تحت كثافة الظلمانية الخبيثة المدمرة. على حين أن قهر تلك الظلمانية بأساليب من المقاومة والمجاهدة والمكابدة واعتياد الرياضات الروحية ينمِّى الفردية على قدرة التوجه إلى أعلى والاتصال بمطالب الروح، كما يُقْدِرها على الاستقلال الفكري والروحي، ويهبها تحرر الكيان الآدمي فيتحرَّر بمقتضاه جميع لواحقه وفروعه؛ فيقتدر الإنسان على الخَلْق الفكري والأدبي أو على سائر أنشطته الحيوية، بمقدار ما يُقْدِر الوعي فيه بالبروز والجلاء والظهور.

والإيمان هو الأساس لترقي صفة العارف ولتأسيس مشكاة النور العرفاني في بواطنه وخوافيه: الإيمان القلبي الذي هو الأصل والمصدر لكل نشاط واعي، بغيره تضيع جميع المحاولات الحياتية الجادة والنافعة، وبغيره يمكنك أن تصف تلك المحاولات في غير تردد بالعبث واللهو والفراغ العقلي والفكري وضياع الوقت والجهد فيما لا ينفع ولا يفيد. ونسوق هنا من "نوادر الأولياء" حادثة دَوَّنَها الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ونقلها عنه شيوخ الطريق من شُرَّاح ومفسرين؛ شواهد ممَّا يستملح ويستظرف في "كرامة الإيمان" الذي لا ينبغي أن يُخَالط بمعصية.

قال ابن عربي: " دَعَانا بعض الفقراء إلى وليمة بزقاق القناديل بمصر، فأجتمع بها جماعة من المشايخ، فَقُدّم الطعام، وعمَّروا الأوعية، وهناك وعاء زجاج قد أتخذ للبول ولم يستعمل فقرَّب فيه ربُّ المنزل الطعام فالجماعة يأكلون، وإذا الوعاء يقول: مذ أكرمني الله بأكل هؤلاء السادة مني لا أرضى لنفسي أن أكون بعد ذلك اليوم محلاً للأذى ثم أنكسر نصفين. فقال ابن عربي: فقلت للجميع أسمعتم ما قال الوعاء؟! فقالوا: نعم. قال فقلت: وما سمعتم!!, فأعادوا القول الذي تقدَّم.

قال، فقلت: قال قولاً غير ذلك. قالوا: وما هو؟ قلت: قال كذلك قلوبكم قد أكرمها الله بالإيمان، فلا ترضوا بعد ذلك أن تكون محلاً لنجاسة المعصية وحُبّ الدنيا؛ جعلنا الله وإياكم من أولى الفهم عنه والتلقن منه " (شرح الرندي على الحكم العطائية؛ جـ2, ص 51).

تلك صفة العارف أن ينطق عنك وأنت ساكت، وهذه هى صفة العارفين أن يدفعوا عن الإيمان كل لوثة من كدورات الدنيا وكل معصية تلحق بصفائه ونقائه. الإيمان شرط كل ما تقدَّم في الصفة العرفانية؛ لأنه أولاً شرط الحقيقة الأصلية في الإنسان: روحه وجوهره وفطرته وتصافيه؛ ولأنه ثانياً يخرق حُجُب الغفلة ويفعِّل فواتح الضمير، بمقدار ما يهيئ العقول والقلوب إلى اليقظة التي لا غفلة فيها، ونحن إذا قلنا "يقظة" فقد قلنا في الوقت نفسه "وعياً"؛ وأحطنا الوعي في قولنا بالتنبُّه الشديد والإدراك العالي لسائر ألوان النشاط الإنساني تفعيلاَ لهذا النشاط؛ كيما يدرك الحقائق الوجودية والمعرفية، ولا يغفل أو يتغافل عنها بوجه من الوجوه.

إنما الحقائق الوجودية والمعرفية "قيم": قيمٌ لا مناص لها من أن تتفَعَّل في الضمائر وتستوطنها من الباطن لتفعل في صاحبها أفاعيل الحركة الناشطة بوجوب التحقيق والتطبيق، وتتردد على العقول والقلوب فتدركها أحياناً حتى لكأنها تقبض على هذا الإدراك قبض الظافر الغانم، وفي تلك الحالة يكون الوعي ايجابياً فاعلاً في أقصى حالات نشاطه. أما حين تتجاهلها أو تغفلها فلا تدرك منها شيئاً، ولا تريد أن تدرك مع التجاهل ومع الغفلة شيئاً؛ فهنا تنطمس بصيرة الوعي حتى لكأن الإنسان في هذه الحالة يُشْبه الحيوان في النكوص والتردي، بل وفي الخيبة والخذلان.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيمحين نريد تحديد صفة العارف في حديث الولاية؛ نحددها خلال ما تعترك به الدنيا وتضج فيه من ناحية، ومن ناحية أخرى خلال ما يبرز لنا واضحاً من قواعد تأسيسية في الطريق نفسها، ليس يمكن الاستغناء عنها في مراحله المتطورة وارتقاءاته الصاعدة في معارج الروح والأخلاق : لسنا بمعنيين هنا بتحديد "صفة العارف" كما أرادها القوم وكما حَوتها كتبهم ومقالاتهم فهذا مما شك فيه إنْ كان من الأهميّة بمكان فهو موجودٌ متوافر في مصنفاتهم لمن شاء أن يطلع عليه. ولكننا عنينا بصفة العارف تحديداً تلك القيمة الباقية من الإنسان فيما لو نهج طريق العرفان واستطاع بمثل هذا المنهاج أن يحدد صفة العارف لا من خلال أقوال الصوفية فيها فحسب، ولكن أيضاً من خلال ظلالها وآثارها في الحياة الحية الواقعة تُعَاش أو ينبغي أن تعاش وفق خَصَال العرفان : أحولاً كانت أو أخلاقاً، ماذا عَسَاهَا تكون صِفَةُ العَارِفْ هذه؟

الإمام أبو القاسم الجنيد (ت 297 هـ) قال وهو يصف العارف: (مَنْ إذا نَطَقَ عَنْكَ وَأنْتَ سَاكت!). وهو وصف موغل في تجسيد الولاية كونها سراً ينطق عن السر، وإنْ كان موغلاً في الوقت نفسه في البعد عن العقلانية التي يشكُل معها النطق بالأسرار لأنها تأخذ بالعموم ولا تأخذ بالخصوص، وتتوجه إلى العقول ولا تتوجه إلى الأسرار، ولكن منذ متى تقاس الولاية بمقياس العقول المحدودة بحدود ما تفكر فيه؟ والولاية بعيدة بعيدة عن حدود العقول المحدودة بحدود ما تفكر فيه، فما يطابقها أو ينطبق عليها في عملية البحث من حيث كونها منهجاً، ليس هو العقل بل البصيرة، أعلى من العقل وأرفع في ملكات الإدراك. وإذن؛ فلابد من معرفة الجهة التي نتحدَّث فيها أو المنقطة التي ينطلق القول منها، ومعرفة ما يناسبها من عمليات الإدراك لكيلا نخلط بين حابل ونابل أو بين منهج ومنهج حين نحاكم أحدهما بالآخر في البحث والفحص والتنقيب. وعليه؛ فلا يفهم من قول الجنيد هذا ما يفهمه صاحب العقل المحدود حين يرى إشارته تتوغل بعيداً عن العقلانية فيحكم بالعقل عن أشياء صدرت من منطقة الذوق، فلا يكون حكمه صواباً بالقياس إلى من يريد أن يقيس الشيء وهو يجهل كيف يقاس. وفي إطار قيم المعرفة منهجاً وتحققاً تجئ صفة العارف متصلة بالإنسان حيث كان، ولكنها لا تتصل حين تتصل إلّا بالإنسان الأعلى من حيث مراقيه المعرفيّة لا من حيث هبوطه ونكوصه وترديه.

فالمحبة والمجاهدة والمعرفة والأخلاق والتحرُّر من عبادة السّوى؛ قيم باقية من خصال العارف تنطلق منها وتعود إليها، وتسمو الحياة بسموها في ضمائر أصحابها؛ وهى من الأصالة بحيث لا يمكن التغاضي عنها؛ فالعارف مجاهد، والعارف محب، والعارف ذو خلق متحرر من عبادة السوى. فهذا الفهم يضعنا في مواجهة العرفان كصفة خاصَّة بالأولياء والعارفين، يتحتم بروزها ليس فقط لدى هؤلاء الأولياء والعارفين بل من وجهة نظرنا كذلك في وقائع الأحياء على التعميم.

إن حُبَّ الله لهو أعظم آيات الامتنان الإلهي، لكنه لن يتحقق بإرادة الإنسان، بل يتحقق بهبة التوفيق. ليس الحب الإلهي الخالص المُخَلَّص من شوائب الزيف آية من آيات الفضل المسبوغ وكفى؛ بل هو كذلك في الأصل هبة إلهية يمنحها الله عطية وتوفيقاً من عنده لخاصة عباده، أختارهم واصطفاهم خاصة لأفضاله وخالص عطاياه. فما من حيلة وما من دعوى، وما كان عطاء ربك محظوراً قط، وما كانت هباته موقوفة ولا ممنوعة، فهو (أي الحب الإلهي) اصطفاء فوق كونه فضلاً مسبوغاً.

على أن الفرق بين الاصطفاء والفضل المسبوغ هو أن الأول تخليص خالص، وانتقاء إلهي كان في عالم الذَّر كما في قوله تعالى:" إنا أخْلَصْنَاهم بخالصة ذكرى الدار. إنّهم عندنا لمن المُصْطَفين الأخْيَار "(سورة ص : آية 46 - 47) ؛ بمعنى أن الله تعالى قد نقاهم من النقائص، وخَصَّهُم بخلة خاصّة وجعلهم من المخلصين المختارين لطاعته حين خصهم بخصائص القربة.

أما الفضل المسبوغ فهو لا يحرم منه أحد، ولا يختص بمخلوق دون مخلوق، ولكن نعمة الإيجاد تتطلب فيه نعمة الإمداد. ثم هو قد ينال جميع خلق الله بمقتضى الرحمة الإلهية، ومن قبَلهَا، وبغير استثناء مخلوق من إمداد الخالق. وفضل الله المسبوغ على عباده عام لا خاص، شامل لا محدود، واسع لا ضيق فيه. والمحبة الإلهية فوق كونها من فضل الله المسبوغ، فهى كذلك هبة تندرج في أعلى صفاتها تحت الاصطفاء الإلهي وتخصيص التقريب كما جاء في قوله تعالى :"والله يَخْتَصُّ برَحْمَته مَنْ يَشَاء، واللهُ ذو الفَضْل العَظيم"(سورة البقرة : آية 105) .

وفي تلك الخاصَّة الإلهيّة لن تتدخل إرادة مخلوق في إرادة الخالق؛ إذْ الأمر كله على التحقيق إرادة ربّ لا إرادة عبد. وهذا الفهم هو المهم في كل توفيق ممنوح. لكأنما أول خاصَّة عرفانية تقابلنا هى هنا خاصة المحبة؛ لأنها فيما يقول الإمام أبي الحسن الشاذلي:" أخذت من الله لقلب عبده عن كل شيء سواه، فترى النفس مائلة لطاعته، والعقل مُتَحَصّناً بمعرفته، والروح مأخوذة بحضرته، والسّرَّ مغموراً في مشاهدته، والعبد يستزيد فيُزَاد، ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته فيُكسى حُلل التقريب على بساط القربة، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم، ومن أجل ذلك قالوا : أولياء الله عرائس ولا يرى العرائس المجرمون"؛ أو يقول:" المحبة سّرُ في القلب من المحبوب، إذا ثبت قطعك عن كل مصحوب"، وينبه محذراً فيقول:"حرامٌ عليك أن تتصل بالمحبوب، ويبقى لك في العالمين مصحوب "، غير أنه سبحانه إذا مَنَعَكَ ممَّا تحب، وَرَدَّك إلى ما يحب، فهى علامة صحبته لك". (يراجع : ابن عباد المحلي : المآثر الشاذلية؛ ص 90 - 91)

وإذا كانت هذه هى خَاصَّة المحبة عرفانية في الأساس؛ فإنها لتندرج في المعرفة فيجيء بمقتضاها نطق العارف مخبراً عن كل شيء، فقد سئل عبد الرحمن الفارسي عن كمال المعرفة فقال:" إذا اجتمعت المتفرقات، واستوت الأحوال والأماكن، وسقطت رؤية التمييز"؛ وعلق السرَّاج الطوسي على تلك الإشارة حيث قال :" ومعنى ذلك أن يكون وقت العبد وقتاً واحداً بلا تغيير، ويكون العبد في جميع أحواله بالله ولله مأخوذاً عمَّا سوى الله، فعند ذلك يكون هذا حاله" (السراج الطوسي : اللمع، ص 62) بمعنى أن تصير جميع الهموم هماً واحداً بلا تغيير، وتسقط جميع الشواغل إلا شاغل واحد هو تحقيق العبودية لله، وهى التي عبر عنها ذو النون المصري بعدم الالتفات إلى الخلق فقال:" إنْ التفت العارف إلى الخلق عن معروفه بغير إذنه، فهو مخذول بين خلقه "، مخذول؛ لأنه مادام قد أختار طريق العرفان ثم ألتفت فقد خَان؛ والخيانة خُذلان؛ ولأنه في هذه الحالة لن يكون مشغولاً بالتحقيق في مقام العبودية، وسيكون في الغالب موزع القوى مشتت الهَمِّ غير مجموع بالعين ولا هو بالمأخوذ كلية، وستكون فيه بقية من اختيار لا توصله إلى درجة العارف كصفة خاصة به.

وهنا قد نصل بالعرفان إلى مذهب "إسقاط التدبير" في تصوف السَّادة الشاذلية عامة، وتصوف أبي العباس المرسي وابن عطاء الله السكندري خَاصَّة؛ فلن يكون اختيار العارف في تلك الحالة القصوى من العرفان إلا بمراد الله لا بمراده، وقد قال يحيي بن معاذ الرازي (ت 258 هـ) مادام العبد يتعرَّف (أي لم يبلغ درجة العرفان بَعْدُ) فيُقال له : لا تختر شيئاً، ولا تكن مع اختيارك حتى تعرف (أي حتى تبلغ من العرفان مبلغه الذي لا يتناهى)؛ فإذا عرف وصار عارفاً بمعنى أنه تحقق من العرفان فيُقال له إذْ ذَاك : إنْ شئت اختر وإنْ شئت لا تختر؛ لأنك إنْ اخترت فباختيارنا اخترت، وإنْ تركت الاختيار فباختيارنا تركت، فإنك بنا في الاختيار وفي ترك الاختيار".

أَفَكَثيرٌ على العارف - وهذه حالته على هذا الوصف - إذا هو نطق، نطق عنك وأنت ساكت؟ كلا! إن حركته وسكونه بالله، فمن نطقه ينطق بالله، وكذلك في سكونه يخبر عن المسكوت عنه فيما لو كان مأذوناً له بالنطق فيه وبالإخبار عنه، وذلك لأنه في الحركة والسكون ليست له إرادة وليس له حظ فيهما.

هذه الصفة، "صفة العارف" هى التي عبر عنها الإمام الشاذلي أيضاً لما أن قال : من انقطع عن تدبيره إلى تدبير الله، وعن اختياره إلى اختيار الله، وعن نظره إلى نظر الله، وعن مصالحه إلى علم الله لملازمة التسلم والرضا، والتفويض والتوكل على الله؛ فقد آتاه الله حُسْن اللب وعليه يترتب الذكر والفكر وما وراء ذلك من الخصائص " (المآثر الشاذلية؛ ص 98)؛ لكأنما الذكر والفكر من المراحل التالية لصفاء اللُّب بترك الاختيار النفسي وإسقاط شواغله إلى حيث اختيار الله تعالى وموالاته على الصفاء، فهما العلامتان اللتان يدلان على معقول النظر واستقامة العمل كما وصفهما بحُسْن اللُّبّ. غير أن هذه الصفة في المطلق لا تتأتى أبداً بغير تحقيق الإيمان ولا تأسس إلا عليه.

ليت شعري : ما الذي يُقدّمُه الإنسان على أسمى جزء موجود فيه، إذا أنعزلت عنده مَدَارك الذَّوْق وراح يدرك كل ما يناله ببصر المحسوس والملموس، ويكتفي بذلك فقط، وينكر ما دونه من مدارك وأذواق؟ إنه ليبدو مخلوقاً تافهاً حقيراً إذا لم تكن المعرفة منذ البداية قد وَقَرَتْ فيه، وإنه لينقلب من فوره إلى وضاعة ما بعدها وضاعة إذا هو لم يقدر وجوده الروحي، ولم يعرف أن هذا الوجود هو في الأصل مُقَدَّمَاً - وينبغي أن يكون مُقَدَّمَاً عنده - على كل وجود سواه، وأن وضاعته لتزداد وشرهه المادي ليتفاقم إذا هو لم يعد يمتلك قدرة التحقق بأسس العرفان.

إنما قصدت هنا تحديداً ذلك العرفان الذوقي بهذا الوجود الروحي أو بتلك الطبيعة الموجودة فيه : طبيعة الروح السامية المتعالية التي تستقر في محيط الإيمان. إنها من غير شك لطبيعة روحانية تسمو على كل طبيعة سواها، ترتفع ما أرتفع الإيمان في معدن الذات المؤمنة وأزدان.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيمالولاية في الأصل لله: "الله وليُّ الذين آمنوا".. "وهو يتولى الصالحين" .

الولاية لله تعالى، ولا ولاية لإنسان من نفسه أو لنفسه، الولاية شأنٌ إلهيّ موهوبٌ غير مكسوب، وهو في ذات اللحظة مشروط بالذين آمنوا. أمّا الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله فأولياؤهم الشيطان. الله وليُّ الذين آمنوا يواليهم بلطفه وعنايته ويرعاهم بكلائته ويرقّيهم دوماً بمراقي الإحسان. إذا كان الشيطان يُوَالي الذين كفروا، فالله عز وجل وليُّ الصالحين أعداء الشيطان، وأعداء النفس والهوى والدنيا، وأعداء القبح في كل صفاته المتجلية دوماً مع تجدِّد كل زمان.

الصالحون أولياء الله؛ لأن الله يتولاّهم، يعادوا من عاداه الله ويوالوا من والاه الله، وأظهر عدوّ للّه هو الباطل، وأقربُ وليُّ له هو الحق؛ واسمه سبحانه وتعالى الحق.

من صفات الولي : ألّا تأخذه في الله لومة لائم، فيكون بالحق ناطقاً، وبحق الله قائماً، فإنْ نَطَقَ نَطَقَ بالله، وأنْ سَكَتَ سَكَتَ بالله، وهو يحتمل الأذى بطيب نفس من كلِّ الخلق، أي يحتمل الرذالة وقلة الأدب من سفهاء الآدميين، لعلمه أن ما يجريه الهوى على ألسنتهم لا يجب الوقوف عنده، وأن مصيره إلى زوال إلاّ إنه على الدوام يصدع بالحق، فلن يكون للباطل إليه من سبيل.

للأولياء أسرارٌ التوحيد بالتعريف من حيث الإلهام والخواطر، ولكنهم لا يؤمرون أن يتكلموا، وإنهم لا يحملون رسالة كالأنبياء إلى الخلق. ومعنى الولي؛ كما بَيّن القشيري في الرسالة، هو الذي يتولّى الحق سبحانه رعايته، أي يتولّى الحق سبحانه ولايته؛ وهو يتولّى الصالحين.

هذا معنى أوَّل؛ حتى إذا ما كان المعنى الأول من جهة الحق، فالمعنى الثاني من جهة الخلق؛ أي من جهة الإنسان المخلوق كونه وليَّاً لله.

من ذلك المعنى الثاني يتبيَّن أن الولي هو الذي يتولى عبادة الله وطاعته، فعبادته تجري على التوالي من غير أن يتخلّلها عصيان، ولا يكون الولي وليّاً إلا بوجوب قيامه بحقوق الله تعالى على الاستقصاء والاستيفاء والمتابعة، ودوام حفظ الله تعالى إيّاه في السّراء والضرّاء. ومعنى إن عبادته تتوالى من غير أن يتخللها عصيان، إنه لا يصرُّ على صغيرة، وأنه ليتدارك ذنبه من فوره بالتوبة والإنابة، فما يتخلّل العبادة من عصيان هو في حد ذاته طاعة وعبادة إذا نُظر إليه من هذا الجانب؛ والولي من تَوَالت أفعاله على الموافقة.

شرط القشيري أن يكون الولي محفوظاً، تماماً كما أن من شرط النبيّ أن يكون معصوماً، فكلُّ من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرورٌ مخدوع. وكما أن الولي تابع للنبي، وأنه - صلوات الله عليه - له المعجزة؛ فإن للولي الكرامة، وكلتاهما (المعجزة والكرامة) تتمُّ بمشيئة الله وفضله. ويرى القشيري أن الكرامة في الأصل دلالة على صدق النبي الذي يتبعه الولي، ولهذا يقول في لطائف الإشارات :       "وكرامات الأولياء مُلحَقة بمعجزات الأنبياء".كيف يكون هذا؟

بالطبع، هذا أجدر بأن يكون كذلك وأولى؛ لأن صدق كرامة الولي تتأكد بمعجزة النَّبي لا من حيث هو نبيّ، ولكن من جهة إتباع الولي له، تأمل قوله تعالى في سورة غافر : " يُلقي الرُّوحَ من أمره على من يَشَاء"؛ تجد هذه الروح هى روح الرسالة، وروح النبوة، وروح الولاية، وروح المعرفة؛ فالأولياء أعلى درجة من العارفين، أو هم صفوتهم، ولكنهم مع ذلك هم أدْنَى درجة من الأنبياء.

فإذا ظهرت عليهم كرامات لا يتعلّقوا بها، ولا يطلبوها مطلقاً، ومن هذه الجهة هم أصدق مع الله؛ لأنهم أصدق مع رسالة النبي المتبوع :" قُل إنْ كنتم تحبُّونَ الله فاتّبعوني يُحْبِبْكُم الله".

وكلُّ ما ينقل عن الأولياء ويُسارع البعض إلى تكذيبه إمّا أن يكون :

(١) رمزاً يُحتاج إلى فكّه بعد فهمه في إطار فقه التجربة الصوفيّة.

(٢) أو مبالغة عن الكبار من صغار المريدين.

(٣) أو محض اختلاق من الأتباع لتقويه الهمم الضعيفة، وإن جاء في ثوب خيال.

خذ مثلاً الروايات التي سِيقت في رسالة القشيري عن البسطامي من أنه قيل له : ما أشدّ ما لقيت في سبيل الله؟ فقال : لا يُمكن وصفه، فقيل له : ما أهون ما لقيَت نفسك منك؟

قال : دعوتها إلى شئ فلم تجبني، فمنعتها الماء سنة!

لك أن تتصور إنه منع نفسه من الماء سنة، ولا يزال يعيش بشحمه ولحمه بين أحياء!

وهنا لفتة تقتضي وقفة، ربما تكون مدخلاً للطعن في نظام السلوك الصوفي من حيث إنه يُخالف التشريع فيبدو في الظاهر ضد نصوص الحديث الصريحة. هذه اللفتة من الأهميّة بمكان للتَّفرقة الفارقة بين أمرين : الغُلوِّ من جهة، ثم طلب الكمال في العبادة من جهة ثانية.

نصوص الحديث قاطعة برفض الغلوّ :" لا تشدِّدوا على أنفسكم فيُشَدّدُ عليكم؛ فإنَّ قوماً شدَّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم؛ فتلك بقاياهم في الصوامع والدّيار، ثم تلا صلوات الله عليه :" ورهبانيّة ابتدعوها ما كتبناها عليهم ".

وقال عليه السلام :" إيَّاكم والغلوُّ فإنّما هَلَكَ من كان قبلكم بالغلوِّ في الدّين" .

وقال :"هَلَكَ المُتَنَطّعون"؛ قالها ثلاثاً.

والمتنطعون هم : المُغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.

وإنّه؛ عليه السلام، دخل يوماً فوجد حبلاً ممدوداً في حجرة بين الساريتين فقال : ما هذا الحبل؟ قالوا : حبلُ لزينب فإذا فترت تعلقت به، فقال : لا .. حلُّوه ! ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد".

هذا الغلوُّ الذي نَهَي عنه رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - له مخاطره التي تخرج بمن يسلكه عن حدود الشرع ومقاصده السّمحة وتدخله في الحظيرة الخطرة : حظيرة الخروج عن الملة بمخالفة النصوص الشرعيّة والافضاء إلى غير المقصود من مقاصد العبادات والطاعات ممّا يشي بالتنفير منها، وورود صاحيها موارد التهلكة.

فالغلوُّ بالطاعة يُهدر حق ذوي الحقوق من مقاصد الشريعة. ومقاصد الشريعة كما نعلم مصالح قصديّة في خمسة؛ مصلحة الدّين، ومصلحة الحياة، ومصلحة العقل، ومصلحة النّسل، ومصلحة المال، تتأتى كلها في إطار فهم الضروريّات فالحاجيات فالتّحسينات، فحيثما تكون المصلحة فثمّ شرعُ الله.

والغلو بالمشقة على النفس في النوافل والزيادات في العبادات، وتكليف النفس فوق طاقتها، وتحمّلها ما لا تحتمل يؤدي إلى الفتور في العبادة ويحرم صاحبه شفاعة الحيبب صلوات الله عليه.

وفي الحديث :" صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي : سلطان غاشم ظالم، وغالي في الدّين يشهدُ عليهم ويبرأ منهم".

في المقابل قد يلتبس على بعض الناس أن في ذمِّ الغلو طريقاً إلى ترسيخ التكاسل في الطاعات خشية ارتكاب الغلو. وفي الحق أن هذا كله شيءُ وطلب الكمال في العبادة شيء آخر؛ فالغلوّ مرفوض بكل الوجوه، ولكن طلب الأكمل في العبادة مطلوب بكل الوجوه؛ فالشواهد تقول إنّ كل متنطع في الدين ينقطع ويفتر ولا يتمُّ طريقه، وليس المُراد منع طلب الأكمل في العبادة؛ لأنه أمرُ محمود بكل حال بل المراد منع الإفراط المؤدي إلى الملال والشعور بالفتور أو المبالغة في التّطوّع والزيادة ممَّا شأنه أن يُفضي إلى ترك الأفضل؛ كمن بات يُصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الفجر في الجماعة فأخرج الفرض عن وقته. يحرص الصوفية لا على الغلوُّ كونه مرفوضاً من النَّص الشرعي، ولكن على طلب الأكمل في العبادة؛ لأن الأساس الشرعي عُدَّة ظاهرة في سلوكهم ليس يفت فيه مقصد من مقاصد الشريعة.

نعود بعد هذه الوقفة إلى ما كنا بصدده :

فمن الرموز حادثة إبراهيم الخواص وتيهه في البادية، إذْ كثيراً ما يتحدّث الصوفيّة عن " التّيه" أو "تيه بني إسرائيل"، ويقصدون بذلك مرحلة ما قبل السلوك. وليس من شك في إن "الخواص" لم يقصد بالطريق : الجوع والعطش والهداية، تلك المعاني المقصودة عند العامة، ولكنه قصد منها الرمز رأساً، وهو أمر يقصده المتصوفة في خطاباتهم دوماً لأنه يسقط عنها الفهم العارض ليحيله إلى العمق.

وفي الرسالة قصةُ تؤيد هذا التأويل الذي ذهبنا إليه، يروي "الخواص" ذاته إنه عطش في بعض أسفاره حتى سقط من العطش ثم يضيف " .... فإذا أنا بماء رُشّ على وجهي ففتحت عيني فإذا أنا برجل حسن الوجه راكب دابة شهباء فسقاني الماء وقال : كن رديفي".

بأمثال هذه الواقعات يكون تأويل عبارات الصوفية في إطار تجاربهم الشهوديّة، فإن البديل للتجربة الصوفيّة هو القياس النظري، ولكن هل يصلح القياس النظري في الطريق؟

الإجابة بالقطع .. لا . إمّا أن يكون خبراً من الشهود والمعاينة بصور المقامات والأحوال، يعني خبر من تجربة مباشرة وشهود محقق بالفعل.

وإمّا أن يكون صاحب قياس في الطريق.

وطريق الله (كما يقول ابن عربي) لا يُدرك بالقياس فإنه تعالى " كل يوم هو في شأن "، وأن كل نفس في استعداد.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيمعشنا ساعات نورانيّة في ظل مناقشة رسالة علميّة ممتازة في الأسبوع الماضي بعنوان (الجهاد لدى المدرسة الشاذليّة) رسالة نوقشت مؤخراً بكلية الآداب - جامعة المنصورة، مقدّمة من الباحث أحمد عبد المعبود يوسف لنيل درجة الماجستير في الآداب من قسم الفلسفة بإشراف الأستاذ الدكتور إبراهيم إبراهيم ياسين أستاذ الفلسفة الإسلامية والتصوف ورئيس قسم الفلسفة الأسبق، وصاحب المؤلفات البديعة في حقل التصوف الإسلامي والتصوف الفلسفي، وعضوية كل من الأستاذ الدكتور عامر النجار أستاذ الفلسفة الإسلامية والتصوف بكلية الآداب - جامعة قناة السويس؛ والأستاذ الدكتور مجدي محمد إبراهيم، كاتب هذه السطور ورئيس قسم الفلسفة ووكيل كلية الآداب لشئون الدراسات العليا والبحوث جامعة العريش (مصر).

ربما يكون من اللافت للنظر أن يكتب أحد أعضاء لجنة المناقشة عن رسالة شارك في مناقشتها؛ فأيَّا ما كانت قيمة الرسالة من الوجهة العلمية مقبولة؛ فكتابة أحد أعضاء اللجنة عنها شيءٌ يدعو إلى الغرابة في الأعراف الجامعيّة، ولكن الذي يرفع الغرابة لدى من يتبادر إلى ذهنه فيدور بخلده مثل هذا الخاطر هو أن التقاليد الجامعية وأصولها العريقة ليست تمنع من تشجع الباحثين الجادين على العمل المتواصل، وهو عين الجهاد، وبخاصّة فيما لو توافرت لديهم الإمكانات مع الاستعداد مثلما توافر في الباحث الذي كتب في موضوع الجهاد مثل هذا الكم الكبير بجهد ملحوظ في رسالته أقترب من أربعمائة صفحة.

عندما كتب عبد الرحمن بدوي رسالته للماجستير قال طه حسين، وقد كان أحد أعضاء لجنة مناقشته "هذا رجل أشعر بضاءلتي إذا ما اقترن اسمه باسمي"، ومن يومها انفتحت كل طاقات عبد الرحمن بدوي المعرفيّة بكلمة واحدة من رجل عظيم في مثل قامة طه حسين فقدَّم للمكتبة العربية ما لم يستطع سواه أن يقدّمه لها. وإذا كان الزمان قد تغيّر فالناس غير الناس، والاستعداد غير الاستعداد، ولست أنا بطه حسين، ولا الباحث بعبد الرحمن بدوي؛ فنحن في مسيس الحاجة إلى تشجيع الجادين في مجال البحث العلمي، وبخاصّة أولئك الذين نلمح لديهم الاستعداد للمواصلة مع حضور القيم العلميّة الفاعلة من جانبهم .. هذه واحدة.

أما الثانية؛ فقد ارتهنت عندي بموضوع صادف قبولاً في نفسي أنا شخصيّاً وهو الحديث عن الإمام أبي الحسن الشاذلي (ت656هـ) : شيوخه ومدرسته وتلاميذه، فقد كتبتُ عنه وعن تلميذه أبي العباس المرسي كتاباً مطولاً تناولت فيه هذه الشخصية المركزية الثانية في المدرسة الشاذليّة (أبو العباس المرسي؛ مذهبه وآراؤه الصوفية)، فهو من هنا له ولتلاميذه ومدرسته في قلبي مكانة تجعلني أبادر بمعرفة كل من حصَّل عنه شيئاً من بين بطون الكتب والمصادر.

أما الثالثة؛ فهى تلك الترجمة لأعلام المدرسة الشاذلية سواء في القديم أو الحديث فلم يغفل الباحث عن ترجمة شيوخ الشاذلي مثل ابن حرازم (ت633هـ) وأبو محمد عبد العزيز المهدوي (ت621هـ) وأبو سعيد الباجي (ت 638هـ) وأبو الفتح الواسطي (632هـ) وعبد السلام بن مشيش ( ت 622هـ). أو تلاميذه؛ كأبي العباس المرسي، وأبي القاسم القباري، وأبي محمد سلامة، وأبي الحسن بن على الحطاب، وعمرو بن الحاجب. أو زملائه : عز الدين عبد السلام، وتقي الدين بين دقيق العيد، وعبد العظيم المنذري، وابن الصلاح، وجمال الدين العصفوري، ونبيه الدين بن عوف، ومحي الدين بن سراقه، والعلم ياسين تلميذ بن عربي ممّن شهدوا صولات الشاذلي وجولاته في المدرسة الكاميلية بالقاهرة.

لكي نتحقق من المرجعية العلمية للطريقة الشاذلية تحقيقاً علمياً دقيقاً، يلزم الرجوع فيها إلى مصدرين أو إنْ شئت قلت طريقين : الأول، طريق أبو محمد ماضي بن سلطان خديم الشيخ أبي الحسن الشاذلي وتلميذه بالمباشرة ومنه إلى ابن الصباغ السيد الحميري صاحب "درة الأسرار" تلميذ الشيخ ماضي ثم الفروع. والطريق الآخر : طريق أبو العباس المرسي وارث سرّ الشيخ أبي الحسن الشاذلي وأفضل أصحابه على الإطلاق، ومنه إلى ابن عطاء الله السكندري ثم الفروع؛ فجميع ما كتب عن الطريقة الشاذلية ومؤسسها يستند إلى هذين المصدرين، وكل الكتابات الأخرى عالة عليهما، ولا يستغني باحث في تراث هذه المدرسة عن الطريقين ولا عن المصدرين ولا يؤثر طريق منهما على طريق، ولا مصدراً على مصدر لأنهما في الأصل طريق واحد.

حقيقة؛ وسَّعَ الباحث من دراسته فشمل مفهوم الجهاد من جميع معانيه؛ إذْ لم يجعله مقصوراً على العناية بجهاد النفس وتزكيتها وكفى، ولكنه أبرز الدور المرموق للمتصوفة إلى جانب جهاد النفس جهاداً في ميادين الحرب كما جرى مع الشاذلي نفسه في معركة المنصورة ضد الصليبين، من أجل إعلاء كلمة الله تعالى، وركز على أشهر الطرق الصوفية، وهى الطريقة الشاذليّة في محاولة للوصول إلى حقيقة موقفهم من الجهاد كونه مفهوماً وسلوكاً يمارس في إطار توجهات العقيدة الدينية التي يتنسبون إليها ويدينون لها بالولاء.

لم يكن بدُّ من الباحث أحمد عبد المعبود أن يجيء هدفه مشمولاً على إلقاء الضوء على الجهاد لدى المدرسة الشاذلية وفروعها المختلفة إنْ في القديم أو في الحديث، وإظهار مواقف أئمتها وأعلامها من مفهومه بمعناه الواسع الأمر الذي يقدح بالجملة فضلاً عن التفصيل في صحة نسبة التكاسل والانكفاء على النفس وخلق الحيل الهروبية والتقاعس عن الجهاد ممَّا يتنافي في المجمل مع أخلاق الصوفية عامة، والمدرسة الشاذليّة خاصّة، بمقدار ما يتنافي على الجملة مع آرائهم وآدابهم وتوجهاتهم الروحيّة.

فالتصوف بغير شك عملٌ متواصل وجهادٌ عنيف واقتدار يملك صاحبه القدرة على المواجهة في شتى ضروب الحياة. ومن أجل ذلك ركز الباحث في رسالته على المنهج التحليلي لبسط وتحليل الآراء وتقديم تفسير لها مضافاً إليه المنهج التاريخي في بعض المواضع لسرد الأحداث التي يقتضيها المنهج وتتبع الفكرة مع ملاحظة تطورها من مرحلة إلى أخرى، ولم يفته استخدام المنهج المقارن كلما دعت الضرورة إليه. هذا ما يشير إليه الباحث في المنهج المتبع في رسالته ويؤكد عليه، وهى خطوة أوليّة ضروريّة ما في ذلك شك. ولكن مع هذه الإشارة المهمة إلى أهميّة توظيف المناهج العلمية هنا، فاته أن يستخدم المنهج النقدي في إطار التحليل؛ وإني لأعتقد أن غياب هذا المنهج لديه لم يكن متعمداً بمقدار ما كان يُستَبدل في ذهن الباحث وهو يكتب رسالته بمنهج آخر لم يشر إليه من قريب أو من بعيد؛ وهو المنهج الأنسب والأهم في الكتابة عن التصوف في الإسلام عموماً، وهو المنهج النادر جداً استخدامه لدى الباحثين في حقل الدراسات الصوفيّة. هذا المنهج بغير شك هو المنهج الذوقي الأصيل لكل بحث صوفي، عارف بإشارات العارفين، مخلص في تناول نصوصهم بالتحليل والمقارنة واسترداد الفكرة لديهم إلى أصولها من الكتاب والسُّنة.

ظهر تأثر الباحث بالمنهج الذوقي بمقدار ما ظهر لديه استخدامه وتحقيقه؛ وهو منهج كما قلت أصيل عندي، ولكن من غير أن يشير إلى توظيفه في إطار النصوص التي تناولها بالعرض والتحليل، وهو من مزايا الرسالة على التعميم. فالنّص الصوفي لا يؤدلج. النص الصوفي يتذوق، ولسنا بحاجة شديدة إلى كثير عناء بكشف استخدامه لدى من يدرسون ويكتبون؛ فهو عندي من الأهمية بمكان؛ لأن الفارق أوضح بكثير بين أدلجة النص الصوفي من جهة وكشف ممكنات هذا النص في إطار فضاءاته المتنوعة. ومهمة الباحث في التصوف على وجه العموم فيما أتصوَّر أن يضفي من ذوقه الخاص وفكرته المستقلة تخريجاً لإشارات العارفين على هذا الذي أمامه ممَّا يقرأ أو ينظر أو يستسيغ أو يرفض بشرط أن تتوافر لديه إمكانيات التذوق للمقروء، ولا عليه في أن يجئ أمره من بعدُ رافضاً أو موافقاً. وعندي أن هذا المنهج الذوقي خاصّة لهو المنهج المناسب إنْ لم يكن الوحيد في تقديري لمعالجة موضوعات التصوف بعرفان يلائمها ويتناسب مع استبصارها الذوقي بالترقي إلى إدراك مواجيد أصحابها كلما ترقى المستخدم له في نفسه أولاً وقبل كل شئ.

أما أدلجة النص الصوفي وتحويله إلى نص عقلي يجوز عليه ما يجوز على النصوص الفلسفيّة والعقليّة من نقد أو تخريج، فهذا خبط عشواء لاختلاط مناهج العقل بمناهج الذوق والاستبصار. إذا أردنا أن نكون نقدة على الأصالة في هذا المجال فلا مناص لنا من أن يجيء نقدنا من الباطن نتمثل الوعي الصوفي ونتفهمه ذوقاً ومعرفة ومعايشة من الداخل، نحسّه ونستشعره ولا نخبط إزاءَه خبط عشواء كيما نقدّم رؤيتنا كليّة جامعة لتكون أقرب إلى الوصف والتصوير والتحليل والمقارنة منها إلى عشوائيّة النقض الهدام الذي يفسد النص الصوفي فلا يُبقي ولا يذر؛ لأنه لم يفهم منه دلالة ولا عبارة فضلاً عن غيبة وعيه بالإشارة أصلاً، أو بالاصطلاح الصوفي الدقيق أن نتعرف - قبل أن توقَّح - على مذهب أهل التصوف تماماً كما سَن الكلاباذي كتابه "التعرف لمذهب أهل التصوف" بتواضعه الشديد ليكون نموذجاً يحتذي حقيقةً إزاء علوم القوم ومعارفهم؛ لأن التَّعرف الصحيح للتصوف أسلم للباحث من الإنكار العقيم يستند عليه معول الهدم النقدي، وهو في الحق ليس نقداً بمقدار ما هو "توقح" يسفر عن ظلمة روحيّة وكدورة عقلية، ويكشف عن لوثة معرفيّة إزاء علوم الصوفية ومعارفهم.

هكذا أتصوّر حين يعمل النقد الفلسفي عمله السلبي إزاء النّص الصوفي فيفسده بغير تفرقة فيه بين غث وسمين. فالنقد في ميدان التصوف ذاتي جُوَّانيَّ من الداخل، ليس كالنقد في مجال الفلسفة يتسلط على كل فكرة ما بالهدم والتخريب، بغير تفرقة فيها بين نقد ونقض؛ فمَن حَرَمَ الذوق في حقل التصوف أنىَ له أن يمضي على بصيرة من إدراك لإشارات العارفين؟ وما يُقال في مجال الفلسفة نقداً لا يقال بنفس الكيفية في مجال التصوف.

وإذا كان التصوف تجربة ليس هو بالفلسفة، ولا هو بالنظرية؛ فمن المؤكد - رغم اتفاق المشرب الواحد والمنهج الواحد بين جميع الصوفيّة بغير استثناء - أن لكل متصوف خصوصيته، يضيف من خلال تجربته ما ليس موجوداً في تجارب سواه؛ حتى لو كان هذا السِّوى شيخه في التربية والترقية برغم وجود وحدة الروح التَّصوفية في الإسلام. ومن هذه النقطة الجوهريّة يجيء التأثير في مجال الفلسفة ليس هو التأثير القائم في حقل التصوف، ولن يكون، فيما لوعَوّلنا التعويل كله بدايةً على التجربة الصوفية واختلافها بالكلية عن الفكرة الفلسفيّة؛ فمن السهولة بمكان تحديد مصادر الفيلسوف ومعارفه التي أستقى منها فلسفته، وكذلك الأمر يُقال في المتكلم، في حين يصعب قوله في المتصوف؛ إذ ذاك يصعب تحديد مصادره من خلال أقوله. إنما التأثير في مجال التصوف انتقال سرّ إلى سرّ ووراثة حال عن حال وليس هو بتبني فكرة نظرية ووراثة مقال عقلي؛ وذلك لأن الصوفي يعطي من ذاته، ويجود من تجربته الخاصَّة، ويفيض من تلك التجربة فيما عَسَاهُ يتصور ويرتأى من مقبول الآراء. الصوفي يأخذ علمه عن الله مباشرة لا عن ميت بل عن الحي الذي لا يموت كما جاء في إشارة أبي يزيد البسطامي طيّب الله ثراه.

الصوفي ابن وقته، ومعنى كونه ابن وقته, يعني ابن حاله، وابن تجربته، وابن معاناته الخاصَّة، فكرته هى نفسه، ورأيه هو ذاته، وإشاراته ومعارفه وشذراته من أنفاسه خاصّة. يلزم لهذا كله من أجل ذلك كله، أن يكون منهج البحث في حقل التصوف مستمداً من طبيعة هذا العلم يوافقه ويوائمه وينهج في معالجة قضاياه نهج من يتعرف أولاً لكي لا يتوقح حتى إذا أقدَم على النقد وهو مشروط عندي بهذا الشرط، كان نقده ذاتياً نابعاً من الداخل في إطار ما يعلم وفي ضوء ما يفهم لا في إطار يخلو من الذوق ومن العلم ومن التّعرُّف، ولا في ضوء ما من شأنه أن يسقط الفهم حين يقدّم النقد عن المقروء والمكتوب.

أنا شخصياً كنت بيني وبين نفسي مغتبطاً للباحث وأنا اقرأ رسالته؛ إذ لم يشر إلى استخدام المنهج النقدي بمعناه الفلسفي، وحاول أن يتذوق المقروء من نصوص الصوفيّة، وإنْ أخذنا عليه ملاحظة شكليّة تنصب في المجمل على مجاوزة النقد إلى الاستغراق في فهم النص والحرص على تقييده، وهى ملاحظة تحسب له ولا تحسب عليه؛ فما أيسر أن يتداركها في مستقبل بحثه العلمي، ولكن ما أصعب أن ينغرس فيه ما ينبغي أن ينغرس في الباحث من مهمة البحث في حقل المعارف الذوقية؛ وهى مهمة مشروطة بشرط التعاطف مع الآراء الصوفيّة والمصالحة معها، والإحساس بالأقوال التي تدور في فلكها وتوافر الملكة البحثية، وكيفية استخدامها استخداماً صحيحاً والشعور بفاعلية الحركة الصوفية في ضوء التجربة قولاً وتسليكاً، وأخيراً استخدام المنهج الذوقي، فلئنْ لم يكن أشار إليه توظيفاً، فلم تفته الإشارة إليه تحقيقاً.

قسّم الباحث أحمد عبد المعبود رسالته إلى خمسة فصول تسبقها مقدمة وتلحقها خاتمة، جاء الفصل الأول في المدرسة الشاذليّة : الجذور والنشأة ومواجهة إشكاليّة تعدد الطرق الصوفية، ثم تناول حياة الشيخ الشاذلي ونسبه وتصحيح النسب، ورفع الخطأ في كتب الأقدمين ممّن وقع فيه العلماء حينما أسقطوا من النسب بما لا ينبغي لهم إسقاطه، ثم تكلم عن أصول الطريقة الشاذليّة الخمسة. وتناول في الفصل الثاني الجهاد وضرورته اللغوية والشرعية وتوابعه من الرباط والخنانقاه وأنواعه وأقسامه. وأفرد الفصل الثالث للحديث عن أنواع الجهاد الأصغر ومكانته في الإسلام مشيراً إلى معناه في القرآن والسنة، والحكمة من مشروعيته، ومركزاً على جهاد رسول الله، صلوات ربي وسلامه عليه، وجهاد الصحابة وجهاد الصوفية وجهاد الشاذليّة.

ثم يأتي الفصل الرابع ليتناول الجهاد الأكبر : مفهومه وخصائصه وأشراطه وأقسامه مركزاً على مجاهدة النفس لدى الشاذليّة وفيه نقطتان مهمتان : أمراض النفس القاطعة للسالك عن الوصول، والنقطة الثانية وهى وسائل الوصول. أما ألفصل الخامس والأخير فقد تضمّن أسباب المجاهدة ووسائلها وشمل كسائر تقسم الفصول السابقة تمهيداً ومبحثين. الأول، أسباب المجاهدة، ويلزم لها شيخ ناصح أمين، ويتوسّع الباحث في علاقة الشيخ بالمريد وحاجته إليه، إذ البحث عنه من جانب المريد من علامات الفلاح ليذكر من بعدُ حق الصحبة وشرائطها وفوائدها ثم لا يغفل دور العلم في المدرسة الشاذليّة وقواعد التعليم، وهو دورٌ من الأهميّة بمكان بحيث كان ينبغي ألا يترك في نهاية الرسالة بل يتصدَّرها. وجاء المبحث الثاني ليذكر أهم ما جاء عن الذكر في القرآن الكريم، وعند الصوفية ثم يفصله لدى المدرسة الشاذلية من حيث أنواعه وآدابه، وبخاصة فيما لو علمنا أن ابن عطاء الله السكندري أفرد كتاباً خاصّاً من كتاباته البديعة للذكر هو كتاب "مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح" خصيصاً لتنوير القلوب على النهج الشاذلي الأمثل.

ثم يأتي الصمت في الكتاب والسنة وأقسام الكلام وشروطه وفوائد الصمت فيما لو كان ذكراً يجري به القلب مجراه الموصول بالله. ومن الصمت يتنقل إلى الخلوة فيتناولها في الكتاب والسُّنة، ويفرِّق بينها وبين العزلة ويعرض لآراء الشيوخ في تفضيلها عن الجلوة والاختلاط، ويبيَّن آدابها وقواعدها العمليّة ممّا أجمع عليه الرواد والأقطاب لمن يريد أن يسلك بها منازل الوصول، ثم يعرج بالحديث عن آفاتها وما يعترض المريد السالك منها، ولكن في الوقت نفسه يجلو ما لها من فوائد يتحقق بها السالكون طريق الله. ومن الخلوة يلزم أن يتحدَّث عن الجوع (الصوم) كما في الكتاب والسنة، وفي المقابل يذكر أمراض الشبع وفوائد الجوع، وتلك هى في المجمل حلية الأبدال (العزلة والصمت والجوع والسّهر) يتخللها الذكر جميعاً، الأربعة التي وصل بها الأبدال إلى منازل الوصول كما جاء في حلية الأبدال لابن عربي أو هى قواطع الطريق كما سَمَّاها الغزالي قبله.

وحينما ينتهي الباحث إلى الخاتمة يعرض نتائج دراسته موجزة؛ لتكشف عن فهم لأسس الطريق الصوفي، وعن امتلاء داخلي بالمعاني الروحيّة كما حققها العارفون، وعن قدرة الباحث لتمحيص المذاقات الصوفيّة في إطار من عملية مسح شامل مكثف لجميع ضروب الجهاد الديني سواء كان بمفهوم الجهاد الأصغر أو بمفهوم الجهاد الأكبر، مع ترجمة حافلة للشيوخ الذين لا يكاد أغلب الباحثين يعرفوا عنهم شيئاً ممَّا يستحق أن تكتب عنهم رسائل علمية خاصَّة، مستعيناً بذلك بالمصادر والمراجع والمواقع والموسوعات الالكترونية لتوضح غرضه لتجيء الرسالة في المجل تطبيقاً عملياً لجهاد الباحث في مجال العلم؛ يعكس؛ فضلاً عن أمانته العلمية وإخلاصه الشديد، حبُّه للإسلام وللصوفيّة وللشاذليّة التي يتنسب إليها ويسلك طريقها تربية وترقية ووصولاً بفضل الله من أجل الله إلى طريق الله.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

ميثم الجنابي"المتصوف الكبير من تتوحد فيه المتناقضات بمعايير الحق والحقيقة"

إن البداية المحققة بمعايير التاريخ هي اللغز الفعلي بمعايير الوحدة المحيرة والمدهشة للأزل والأبد. فالإنسان يولد بالصدفة ويموت بالضرورة وحتميتها. وهي المفارقة التي تشبه دخول الطريق الصوفي والخروج منه. بمعنى مصادفة الدخول وحتمية الخروج إلى فضاء المطلق لكي تستكين الروح بتذوق المعنى. وقد وضع المتصوفة هذه الحالة فيما يتعلق بدخول إبراهيم بن ادهم في الطريق الصوفي بحكاية اقرب إلى مفارقة الخيال منها إلى الواقع، لكنها أكثر واقعية من الخيال بمعايير الذهنية الصوفية ورمزية المعنى القائم فيها. اذ ينقل عن احد المقربين منه (ابن بشار) قوله، كيف انه أمسى مع إبراهيم بن ادهم ليلة ليس لهم ما يفطرون عليه. عندها قال له إبراهيم بأن الله أنعم على الفقراء والمساكين من النعيم والراحة بحيث لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة، ولا حج، ولا صدقة، ولا صلة رحم. وبالتالي لا ضرورة للغمّ، لأن رزق الله آت لا محالة. بالتالي فإنهم الملوك الأغنياء، وذلك لأنهم تعجلوا الراحة، بحيث لا يبالون على أي حال كانوا به مازالوا يطيعون الله. بعدها قام إبراهيم إلى صلاته، وقام ابن بشار. فإذا برجل قد جاء بثمانية أرغفة وتمر كثير فوضعه وقال:كل يا مغموم! عندها فرقها إبراهيم على من حوله وأكل هو الآخر منها. بعدها خرج وأتى قبر فترحم عليه وقال: هذا قبر حميد بن جابر، أمير هذه المدن كلها. كان غارقا في بحار الدنيا ثم أخرجه الله منها. اذ بلغني أنه سرّ ذات يوم بشيء ونام فرأى رجلا بيده كتاب ففتحه فإذا هو كتاب بالذهب: لا تؤثرن فانيا على باق، ولا تغترن بملكك، فإن ما أنت فيه جسيم لولا أنه عديم، وهو ملك لولا أن بعده هلك، وفرح وسرور لولا أنه غرور، وهو يوم لو كان يوثق له بغد، فسارع إلى أمر الله فإن الله قال: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. فانتبه فزعا وقال:هذا تنبيه من الله وموعظة. فخرج من ملكه وقصد هذا الجبل فعبد الله فيه حتى مات.

نعثر في هذه الحكاية المروية على لسان إبراهيم بن ادهم صدى دخوله للطريق الصوفي. اذ يروى عنه أن أباه كان من أهل بلخ. وكان من ملوك خراسان. كان يحب الصيد. في إحدى المرات وهو يصيد متابعا أرنبا أو ثعلبا، فإذا بنداء من وراءه يقول له "ليس لذا خلقت ولا بهذا أمرت". فتوقف ينظر. ثم سار. وهكذا تكرر القول ثلاث مرات (على مثال اقرأ النبوية). عندها جاءه نداه الباطني "جاءني نذير من رب العالمين. والله لا عصيت الله بعد يومي هذا". فرجع إلى أهله وترك كل شيء وساح إلى العراق فلم يعجبه، ثم إلى الشام. فقد قالوا له إن أردت الحلال فعليك ببلاد الشام. وإن أردت الحلال الصافي فعليك بطرسوس. وهناك استقر يعمل بحراسة البساتين وحصاد الأرض. من هنا قوله "ما تهنيت بالعيش إلا في بلاد الشام". أفر بديني من شاهق إلى شاهق، فمن رآني يقول: موسوس. وعندما سألوه مرة منذ كم قدم إلى الشام؟ أجاب منذ أربع وعشرين سنة، ما جئت لرباط ولا لجهاد، جئت لأشبع من خبز الحلال. ومن هنا أيضا حصيلة موقفه في مخاطبته لشقيق البلخي "لم ينبل عندنا من نبل بالحج والجهاد، وإنما نبل عندنا من كان ما يدخل جوفه الرغيفين[1]. وفي عبارة أخرى "يعقل ما يدخل بطنه". وكلاهما يحملان نفس المعنى.

كما نعثر في هذه الصورة التي قدمتها حكايات التصوف (الرمزية في اغلبها) عن توحيد خاص لكيفية دخول سدهارتا غوتاما (بوذا) طريق التصوف، وقراءة النبي محمد، بأثر وحيه الداخلي لحقائق الوجود الكبرى. ولكل منهما انكسار خاص للإرادة وإعادة تأهيلها بمعايير "الفكرة البوذية" و"الفكرة المحمدية". فالقصة المروية عن بوذا (ولد عام 568 قبل الميلاد) تبدأ بالرفاهية والترف وتنتهي بالعزلة والخلوة التامة وهو في السادس والعشرين من العمر. وينحدر سدهارتا من نسب رفيع وعائلة أمراء غنية. وبأثر هذه الخلوة توجه صوب الزهد في الحياة والتقشف الشديد والسلوك المعرفي والتأمل العميق لإشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي. وأبدع منظومة فلسفية نظرية وعملية تهدف إلى "خلاص الإنسان" من كدر الوجود وآلامه. بعبارة أخرى، إننا نعثر في الصيغة الشكلية لسدهارتا غوتاما وإبراهيم بن ادهم على نمط متشابه. لكن الفرق بينهما يقوم في أن انتقال إبراهيم بن ادهم إلى الخلوة والعزلة وتأمل الوجود جرى بمعايير الرؤية "الربانية الإسلامية"، بينما انتقل سدهارتا من الوجود إلى العدم التي شكلت بدورها نقطة التحول التأسيسية للبوذية ومبادئها الكبرى، اي كل ما أدى إلى بلورة فكرة الطريق الخاص في إدراك حقائق الوجود وتنقية القلب واستقامة الإرادة.

ولكل منهما فلسفته النظرية والعملية الخاصة، لكنهما يشتركان في طريق بلوغ الحقيقة. اذ لا تعني بوذا سوى المتنور بالحقيقة، بينما في التصوف هو المتوحد، والفاني في التوحيد، والقطب الصوفي. وفي كلتا الحالتين هو مسار لن ينتهي في الطريق. ففي البوذية عبر التناسخ، وفي التصوف عبر سلسلة الإرادة الرابطة للشيخ والمريد بوصفها سلوكا عمليا وطريقا فرديا في الطريق. وليس مصادفة ان يرد مرة على من سأله: كيف كان بدء أمرك؟ بعبارة: غير هذا أولى بك!

بمعنى إن الجوهري في وجوده ليس بداية الطريق بل السير به حتى "النهاية". فدخول الطريق حكاية بينما السير به إرادة ودراية. ومن ثم فهو تجربة فردية وفردانية. ووجد ذلك انعكاسه في وعيه الذاتي وسلوكه العملي ووعي الآخرين إياه وتقييمه، أي رسم معالم شخصيته الفردية والفردانية.

ومن الممكن الاكتفاء، فيما يتعلق بتقييم القدماء إياه بما وضعه أبو نعيم الأصفهاني في (حلية الأولياء) عندما وصفه قائلا: "الحازم الاحزم والعازم الالزم. أيد بالمعارف فوجد. وامدّ بالملاطف فعبد. كان شرع الرسول نهجه"[2]. إننا نعثر في هذا التقييم البلاغي الجميل والتحديد الدقيق لبعض صفاته الجوهرية على صيغة ترفع إبراهيم بن ادهم إلى مصاف الفكرة الصوفية المتكاملة بذاتها. أما في الواقع فقد كان إبراهيم بن ادهم اقرب ما يكون إلى الحلقة الرابطة بين حالة الزهد ومقام التصوف، أو الحالة الانتقالية من تقاليد الزهد الرفيع (العملية الفكرية) إلى مصاف البداية الأولية للتصوف وبلورة مفاهيمه الأولية وقيمه وطرقه في تنقية الإرادة والقلب.

وقد جّسد إبراهيم بن ادهم في شخصيته توحد المتناقضات بمعايير الحق والحقيقة، شأن كل المتصوفة الكبار. ففي مظهره قيل عنه بأنك إذا رأيت إبراهيم بن ادهم كأنه ليس فيه روح. ولو نفخته الريح لوقع. اسود. متدّرع بعباءة. وفي مظهر آخر قيل عنه "كأنه إعرابي لا يشبع من الخبز والماء. إنما هو جلد على عظم، لا تراه مجالسا احد. فإذا أتى منزله وجلس إليه إخوانه ضاحكهم وباسطهم"[3]. وعندما سأله احد الأشخاص ما هي كنيته أو كيف يكنّيه، أجابه "إن كنّيتي قبلت منك، وإن دعوتني باسمي فهو أحب إليّ"[4]. وهي العبارة التي تتلألأ فيها فكرة الأنا المتحررة أو المكتفية بذاتها.

ووراء هذه المظاهر الشخصية التي يبدو فيها إبراهيم بن ادهم كما لو انه من عالم منزو بذاته هش العود بعيدا عن هموم الوجود، تبرز حقيقته الباطنة التي وضعها الأصفهاني بعبارة الحازم الاحزم، والعازم الالزم، أي ذاك الذي اتسمت شخصيته بالحزم والالتزام بما فيها بلا بقية. اذ تشير الروايات إلى اشتراك الدائم في الغزوات والحروب بمعايير الفكرة المتسامية وليس بمقاييس الفوز والغنيمة. بحيث نعثر في الكثير من السرديات الجميلة عنه عما يمكنه ان يكون "تهورا" بالنسبة للشجعان والفرسان، بينما يبدو الأمر عاديا بالنسبة للشخص الذي يبدو في مظهرا عودا ضعيفا يمكن الإطاحة به بنفخة بسيطة. فقد غزى في حياته غزوتين. كل واحدة اشد من الأخرى. ولم يأخذ سهما ولا نفلا، وكان لا يأكل من متاع الروم[5]. ففي إحدى المرات حين عاين العدو رمى بنفسه في البحر يسبح نحوهم، فلما رأوه على هذه الحال هربوا[6]. ومرة أخرى في إحدى الغزوات حدثت عاصفة ثلجية فهربت جماعته. وبقي هو لحاله، فألقى بكسائه ومكث تحت الثلج. وفي الصباح التالي، شاهدوا خيولا قادمة نحوهم، فاعتقدوا انه العدو، فقال احدهم

- خيل قد أقبلت بسروجها ليس عليها ركاب وخلفها فارس يطردها بقناته!

- انه إبراهيم بن ادهم. انزلوا لكي لا ننفضح مرتان!

فإذا بإبراهيم بن ادهم ومعه 360 فرسا (على عدد أيام السنة؟). عندها خاطبهم "جاءتكم الشهادة ففررتم"[7].

صنعت هذه الأحداث وأمثالها الإطار الذي رسمت فيه صورة "الناجي المنجي" لمن حوله. بحيث نعثر على صداها الأسطوري في تلك الرواية القائلة، بأنه كان في غزوة بحرية فعصفت عليهم الريح بحيث اشرفوا على الغرق، فسمعوا مناديا ينادي بأعلى صوته:"تخافون وبينكم إبراهيم؟!"[8].

وما وراء هذه الصورة المبجلة والأسطورية أيضا كانت تكمن في الواقع شخصيته الواقعية والمتسامية، التي جعلت من كل أفعاله وأقواله وجدا للحق والحقيقة، مع ما ترتب عليه بالضرورة مواقفه ومعناها الحقيقي أو الباطني من العبادات، بوصفها إحدى الحدود الجوهرية في الثقافة الإسلامية. سواء تعلق الأمر بمظاهر العبادة ومستلزماتها بالنسبة لفكرة الجماعة، أو معناها الباطني أو الحقيقي بالنسبة لسمو الروح الأخلاقي وتهذيب أسلوب المعرفة، كما نراها على سبيل المثال في قوله:"اهربوا من الناس هربكم من السبع الضاري، ولا تخلفوا عن الجمعة والجماعة"[9]. بمعنى أهمية الظاهر (الجماعة) وجوهريتها مع البقاء فيها ومعها بمعايير الأنا المتسامية. وهو الأمر الجلي في كل مواقفه وسلوكه المتعلق بالمعرفة ووجدها الذاتي، أي في الصيغة الظاهرية للزهد الصوفي الأول.

فقد كان يقول في كل حجة إذا حج عشر مرات "مرحبا بيوم المزيد، والصبح الجديد، والكاتب الشهيد، يومنا هذا يوم عيد، اكتب لنا فيه ما نقول"[10]. كما انه صلى خمس عشرة صلاة بوضوء واحد[11]. وكان إذا دعي إلى طعام وهو صائم، أكل ولم يقل إني صائم[12]. إننا نعثر في هذه الصيغ والمواقف على مفاهيم متميزة من حيث المظهر والمعنى والغاية. فالحج الظاهري هو الطواف ورمي الحجارة وأشكال أخرى معروفة بنمط الشعيرات الدينية تدعو الله للحصول على شيء من مغفرة الذنوب والحصول على مقاعد وثيرة في جنة الخلد وما شابه ذلك من متطلبات الجسد والنفس الشهوانية، لكنها بالنسبة لإبراهيم بن ادهم هي معاناة من اجل المزيد في ميدان المعرفة والسمو الأخلاقي والروحي. ولم يتمسك بمظاهر الوضوء التي أشغلت الفقهاء في الجدل العقيم حول صحة الصلاة من عدمها، بينما كانت كل هذه الأشياء مظاهر لا قيمة لها بحد ذاتها، وان حقيقة الوضوء هي سكون القلب إلى الحق. كما أنها تشير من جهة أخرى إلى نظافة الروح والجسد من تعاطي الرذيلة أيا مكان شكلها وحجمها. بينما كان يفطر صومه تحببا إلى قلوب من دعاه. بمعنى التخلي عن زيف ورياء الصوم وأمثاله من عبادات العوام. لهذا قيل عنه لم يكن إبراهيم بن ادهم كثير الصلاة، بل كان صاحب تفكر[13]. وانه كان يلبس في الشتاء فروا ليس تحته قميص، ولم يكن يلبس خفين ولا عمامة. ويصوم في السفر والحضر، ولا ينام الليل، وكان يتفكر.

بعبارة أخرى، إن الشيء الجوهري في شخصية إبراهيم بن ادهم هي الفكرة المجردة أو المتسامية، وما سواها حراشف تنتزع نفسها أو تتساقط مع مجرى الزمن ويبقى مصباح الحقيقة يضيء الليل والصباح، اي الحركة الدائبة للوجد والوجود، أو الروح والجسد. وليس مصادفة ان يعرف عنه عدم اهتمامه بجمع الحديث "النبوي" وروايته. بل لم تكن رواية الحديث من شأنه. فلذلك قل حديثه[14]. وعندما سألوه مرة عن صراع علي ومعاوية، فأجاب "من عرف نفسه اشتغل بنفسه، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره"[15]. وعندما سأله احد الأشخاص مرة كيف ينبغي قراءة إحدى الآيات هكذا أو هكذا، أجابه بترك هذه الأشياء إلى ما هو أفضل منها.

لقد رمى إبراهيم بن ادهم كل هذه الأشياء أمام المسير في طريق الحق، اي أمام أقدام الإرادة الساعية لتنقية القلب والعمل بمعايير الحق للحق. ووجد في ذلك معنى الحقيقة والوجود وتواجد به في السلوك والذوق. ووجد ذلك انعكاسه وتعبيره في قوله "قد رضينا من أعمالنا بالمعاني، ومن طلب التوبة بالتواني، ومن العيش الباقي بالعيش الفاني". إذا نراه، على سبيل المثال، يدخل في إحدى المرات النهر حتى ركبتيه ثم شرب وحمد، ثم خرج ومد رجليه وقال لصاحبه:"لو علم الملوك وأبناءهم ما نحن فيه من السرور والنعيم لجالدونا على ما نحن فيه بأسيافهم"[16]. بينما كان مرة في يوم صائف وعليه جبة فرو مقلوبة متقلبا في اصل جبل، رافع رجليه على الجبل وهو يقول:"طلب الملوك الراحة فأخطئوا الطريق"[17]. وبالمقابل كان بعد صلاة المساء ينادي على البيوت "من يريد يطحن؟" فكان يخرج إليه المرأة والشيخ الكبير فيطحن الليل كله بلا كراء. وحالما لا يكون حصادا، يؤجر نفسه في حفظ البساتين والمزارع. بينما اشتهى احد أصحابه شهوة فباع حماره واشترى له ما كان يرغب به. وعندما سأله رفيقه:

- أين الحمار؟

- بعناه!

- فعلى أي شيء نركب؟

- على عنقي![18]

ففي كل هذه الصور المتنوعة تتوحد شخصية إبراهيم بن ادهم بوصفة وحدة واحدة مجردة عما دعته المتصوفة لاحقا بالتحرر من رق الاغيار، اي التحرر من العبودية للغير أيا كان هذا الغير. ومن ثم تبرز حقيقة الأنا بوصفها "أنا الحق". من هنا تنوعها في المواقف وتوحدها بالهموم الباطنة. فقد كان يعمل على سبيل المثال بفلسطين. فإذا مر به الجيش إلى مصر وهو يسقي الماء، قطع الدلو وألقاه في البئر لئلا يسقيهم. وكانوا يضربون رأسه وهو يتخارس.كما نسمعه يقول، "لولا ثلاث ما باليت أن أكون يعسوبا، ظمأ الهواجر، وطول ليلة الشتاء، والتهجد بكتاب الله"[19]. وعندما سأله مرة احدهم عن سقف البيت اهو من الخشب أو الحجارة، فقال "لا ادري". وعن الجارية التي تخدمهم أهي سوداء أم بيضاء، فأجاب "لا ادري". بمعنى الانهماك الذاتي الذي يحرر المرء من تتبع ما لا قيمة له أو على الأقل ما لا يشكل بالنسبة له هما يستحق التأمل. والأخير هو على الدوام تجربة تلقائية محكومة بهموم الحق والحقيقة، اي تحررها من الافتعال أيا كان شكله ونوعه ومستواه. وهذا بدوره ليس إلا النتاج الذي يلازم تتبع الحق والحقيقة والانغماس فيهما حتى النهاية، أو الفناء فيهما كما تقول المتصوفة. وفي هذه الحالة تتوحد المواقف أيا كان محتواها المباشر بوصفها حلقات في سلسلة اليقين الحر، اي المتحرر من الجهل والتقليد والتكلف فيهما. الأمر الذي يؤدي إلى ان تكون المواقف أفكارا والأفكار مواقف.مثل قوله "المواساة من أخلاق المؤمنين"، وان "من لم يواس الناس بماله وطعامه وشرابه فليواسيهم ببسط الوجه والخلق الحسن".اذ نعثر في هذه الأفكار على مواقفه الاجتماعية والأخلاقية، والتزامه الشخصي تجاه إشكاليات الإنسان الروحية.وان لا شيء غريب وفيه عليه ما يخص الروح والجسد، ولكن بمعايير الحق والحقيقة. ففي موقف من السياحة قال مرة "ما قاسيت شيئا اشد على من مفارقة الأوطان". وفي حالة أخرى قال "عالجت العبادة فما وجدت شيئا اشد علي من نزاع النفس إلى الوطن"[20].وعلى الرغم من يقين الوجود الدائم، نراه يقول مرة "الدنيا دار قلقة"[21]. و"إنما أبداننا جربة، إن شاء ادخل فيها مسكا أو عنبرا، وان شاء اخرج منها درا وجوهرا. المشيئة لله والقدرة بيديه"[22]. وهي الصيغة الأكثر عمقا لفكرته السابقة، وذك لأننا نعثر فيها على ما يمكن دعوته باللغز الأبدي للوجود والعدم. الأمر الذي حدد بدوره موقفه من الموت في إحدى عباراته القائلة:"إن للموت كأسا لا يقوى على تجرعه إلا خائف وجل طائع"[23]، اي إلا ذاك الذي يخاف الله بمعايير الحق من وجل وطاعة وغيرها، اي ذلك الذي يتلاشى بينه وبين الله حجاب الوجود والعدم. فعندما سأله مرة احد الأشخاص:

- لم حجبت القلوب عن الله؟

- لأنها أحبت ما ابغض الله. ومالت إلى دار الغرور.

من هنا فكرته القائلة: "لا تجعل بينك وبين الله منعما"، اي وسيطا. ومن ثم ضرورة معرفة الأشياء كما هي. ولا سبيل حق لذلك غير الجمع بين أضدادها، أو كما قال "إذا أردت أن تعرف الشيء بفضله فاقلبه إلى ضده".

تصنع حصيلة هذه المواقف خيوط الهموم الجوهرية لأنا الحق، أي تلك التي لا تكلف فيها ولا تقليد ولا جهل "متعلم". أنها الخيوط التي تصنع لباس الروح وليس فروة الجسد الخرافية (من الخروف والخرافة). فقد وضع إبراهيم بن ادهم الصيغ الأولية أو البراعم الخفية لتدقيق وتحقيق الأفكار والمواقف، ومن ثم أسس التأمل المدقق للسلوك والفكرة. وليس مصادفة أن نرى ملامح الأفكار الكبرى تأخذ بالبروز عند مريديه أمثال شقيق البلخي وحاتم الأصم.

وبغض النظر عن انه لا توجد في آراء ومواقف إبراهيم بن ادهم أبعادا "نظرية" خالصة، إلا أنها كانت تتمثل مع ذلك التجربة العلمية لعصره بمعايير "الوحي الذاتي"، أي الوحي الصادق. فقد كان انتقاله للتصوف "مفاجئا". ونعثر على هذه المفاجأة في اغلب أقواله وأعماله ومواقفه. فقد كانت أعماله ومواقفه تحصل دون "أولويات" مستتبة في الوعي بوصفها تراكما للتجارب الصوفية في العلم والعمل. وفي هذا الناقض الظاهري تنعكس ملامح الإدراك والوحي الصادق فيما يمكن دعوته بأولويات الوجود والحياة، والنظر إليها بعيون المعنى الدامعة، والمستغربة من جهل القائلين لما فيها وبها! لهذا كان يجيب على من يسأله عن العلم والعلماء بإجابات متنوعة لكنها موحدة بإظهار أولوية الأدب، اي العقل العملي المتسامي. مثل قوله "من حمل شأن العلماء حمل شرا كبيرا"[24]، و"كان همي هدى العلماء وآدابهم"[25]، و"ما يمنعني من طلب العلم إنما لا اعلم ما فيه من الفضل، ولكن اكره أن اطلبه مع من لا يعرف حقه"[26]. وبهذا يكون إبراهيم بن ادهم أول من أرسى أسس الفكرة الصوفية عن الموقف من علاقة العلم بالعمل، وعلماء الحق وعلماء الرسوم. كما انه من بين أوائل المتصوفة الذين بلورا ما يمكن دعوته بتصنيف الأبعاد الباطنية للأفكار والقيم والمواقف.

وقد حدد ذلك بدوره الأبعاد الصوفية لمفاهيم والقيم السائدة سواء ما يتعلق منها بقضايا العلم أو العمل أو الإيمان والعبادات والموقف من السلطة والإنسان والحق وغيرها. ومن الممكن الاكتفاء ببعض منها مثل قوله "أثقل الأعمال في الميزان أثقلها على الأبدان"[27]، وانه "لا يقل مع الحق فريد، ولا يقوى مع الباطل عديد"، وأن "راس العبادة التفكر والصمت"[28]، و"اجعل طوافك وحجك وسعيك كنومة غاز في سبيل الله"[29]. وما وراء هذه الأفكار العملية الجزئية نلاحظ تراكم الأفكار الصوفية بهيئة "آداب السلوك" لنيل المعرفة والسمو الذاتي، كما في قوله:"لا ينال المرء درجة الصالحين حتى يتجاوز عقبات: ان يغلق باب النعمة ويفتح باب الشدة؛ تغلق باب العز وتفتح باب الذل؛ تغلق باب الراحة وتفتح باب الجهد؛ تغلق باب النوم وتفتح باب السهر؛ تغلق باب الغنى وتفتح باب الفقر؛ تغلق باب الأمل وتفتح باب الاستعداد للموت"[30].بعبارة أخرى، إننا نقف هنا أمام إحدى الصيغة الأولية لمستلزمات أو محددات الطريق الصوفي وقواعد العملية من تدرج ووحدة من الشدة والذل والجهد والسهر والفقر والاستعداد للموت، اي كل ما سيجري لاحقا تهذيبه في تراكم التجارب الصوفية.

وفي مجال القيم نراه ينظر، على سبيل المثال، للورع باعتباره "تسوية كل الخلق في قلبك، واشتغالك عن عيوبهم بذنبك. وعليك باللفظ الجميل من قلب ذليل لرب جليل"[31]. بل نراه يعتبر "قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع، وكثرة الحرص والطمع تكثر الهم والجزع". الأمر الذي جعله يقول "الفقر مخزون في السماء، يعدل الشهادة عند الله، لا يعطيه إلا لمن أحبه.". من هنا استغرابه كما في احد أقواله "ما لنا نشكو فقرنا إلى مثلنا ولا نسأل كشفه من ربنا؟". وعندما قال له رجل: إني لا أقدر على قيام الليل، فصف لي دواء! فأجابه: لا تعصه بالنهار وهو يقيمك بين يديه في الليل". وان يتوصل بأثر ذلك إلى موقف يقول "اطلب مطعمك ولا عليك أن لا تقوم بالليل وتصوم النهار"[32]. بينما حدد موقفه من السلطة قائلا:"إذا بات الملوك على اختيارهم، فبت على اختيار الله وارض به"[33]. وفي احد مواقفه الاجتماعية أجاب على من قال:اللحم غلا، بكلمة "أرخصوه"!، أي لا تشتروه. وتنطبق آراءه ومواقفه هذه، بمعنى الكشف عن أبعادها الباطنية والروحية على كل ما تناوله وتعرض إليه. ففي موقفه، على سبيل المثال من البخل نراه يجرده من مظاهر وثقل المال والجسد، ليرفعه إلى مصاف الموقف المتسامي وبالضد من أعراض الوجود العابر. بحيث نسمعه يقول "البخل هو الذي يبخل بنفسه عن الله، إلا وان العبد إذا جاء بنفسه لله أورث الله قلبه الهدى والتقى"[34]. وفي مجال الموقف من السلطة والتسلط والسلطان الذي لا يخضع لمعايير الحق والحقيقة انتهاكا لحقيقة ومعنى الكينونة الإنسانية نفسها، كما في قوله "كل ملك لا يكون عادلا فهو واللص سواء، وكل عالم لا يكون تقيا فهو والذئب سواء".

وفيما لو اختصرنا القضايا الكبرى المميزة لسلوك ومعرفة إبراهيم بن ادهم فمن الممكن حصرها في ثلاث وهي المعرفة الوجدانية، والمعرفة الباطنية، ومعرفة السلوك المتسامي (الصوفي). ووجدت هذه المعارف أسلوبها الجلي والمحقق فيما يمكن دعوته ببروز التصنيف في التحقيق، اي تصيف مراتب وأعماق الفكرة عبر وضعها في ترتيب وتصنيف جوانب وأغوار المعرفة الذاتية. ففي هذا التصنيف الصوفي يتجلى تدقيق وتحقيق الفكرة بوصفه أسلوب العلم والعمل. من هنا معرفة (تدقيق وتحقيق كافة قضايا ومستويات الظاهرة. وهي بلا حدود، أو على الأقل أنها تتدقق وتتحقق دوما بطريقة فردية، أي دائمة. ومن الممكن الاكتفاء ببعض منها مثل قوله "ثلاثة لا يعرفن إلا في ثلاثة مواطن. لا يعرف الحليم إلا عند الغضب؛ ولا الشجاع إلا في الحرب إذا لقي الأقران؛ ولا أخاك إلا عند حاجتك له"[35]. وعندما قالوا له مرة "ندعو الله لكنه لا يستجيب لنا!" فقال: ماتت قلبوكم في عشرة أشياء: عرفتم الله ولم تئدوا حقه؛ وقرأتم الكتاب ولم تعملوا به؛ وادعيتم حب الرسول وتركتم سنته؛ وادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه؛ وتقولون نحب الجنة ولم تعملوا لها؛ وتقولون نخاف النار ورهنتم أنفسكم بها وتقولون إن الموت حق ولم تستعدوا له؛ واشتغلتم بعيوب الناس ونبذتم عيوبكم؛ وأكلتم النعمة ولم تشكروا؛ ودفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم"[36]. وفي احد مواقفه من القلب قال "القلب على القلب ثلاثة أغطية وهي الفرح والحزن والسرور. الفرح إذا فرحت بالموجود فأنت حريص، والحريص محروم؛ والحزن إذا حزنت على المفقود فأنت ساخط والساخط معذب؛ والسرور إذا سررت بالمدح فأنت معجب، والعجب يحبط العمل"[37]. واستكمل هذه الأفكار والمواقف بعبارة تقول "كثرة النظر إلى الباطل تذهب بمعرفة الحق من القلب".

غير ان الانجاز التاريخي والفكري الأكبر بالنسبة لصيرورة التصوف الذي قام به إبراهيم بن ادهم يقوم في ميدان المعرفة العملية المتسامية للفكرة الصوفية كما نراها في تحديده لفكرة الزهد، والخلوة والاعتزال، والتوبة، والأنس، والمحبة وغيرها من المفاهيم التي سيجري ترتيبها ودمجها لاحقا في جوهر الفكرة الصوفية العملية للطريق والطريقة. فقد ارتبطت فكرة وممارسة الزهد الصوفي بشخصيته. فقد كان الزهد السابق جزء من سلوك شخصي، أو منظومة أخلاقية يمكن رؤية مقدماتها في الفكرة الإسلامية الأولى ونموذج النبي وبعض الصحابة. غير ان ما يميز الزهد الصوفي هو تطابقه في البداية مع الحال ولاحقا بالمقام. وقد بلور إبراهيم بن ادهم أولى الصيغ الفكرية والعملية للزهد عندما أدرجه ضمن تنوع أصنافه ومستوياته. اذ نراه يتكلم عن ثلاث أصناف من الزهد هو زهد فرض (الزهد في الحرام)، وزهد فضل (الزهد في الحلال) وزهد سلامة (في الشبهات)[38].

ذلك يعني ان للزهد الصوفي منظومته الخاصة به. لها بدايتها وغايتها. ومن ثم محكومة بمفاهيمها وقيمها وأساليبها الخاصة. وبالتالي، فان الانتقال إلى الزهد كان يعني بالنسبة للتصوف الانتقال إلى نمط جديد في العيش والسلوك والفكرة والغاية. وفي جميع أشكال ومظاهر هذا الانتقال الفردي والفرداني بقدر واحد، نعثر على بداية التوبة بوصفها فكرة الرجوع إلى الأصل،اي كل ما كان يمهد لفكرة الطريق.

الأمر الذي جعل منها مبدأ وأسلوب ومقام. فالتوبة الواعية والتوبة الداعية تحتوي بذاتها على فكرة بداية السلوك ثم بداية الطريق ثم مقام لابد منه، أي فكرة - منظومة لها حدودها ووظيفتها في صنع الإرادة (والمريد) أما أساليبها اللاحقة فهي جزء من صيرورة التجارب الصوفية. وقد بلور إبراهيم بن ادهم بعض الأفكار والمواقف بهذا الصدد مثل "إذا أدمت النظر في مرآة التوبة بان لك شيء من المعصية"[39]، و"من أراد التوبة فليخرج من المظالم، وليدع مخالطة الناس وإلا لم ينل ما يريد".

ان التكامل بمعايير الفكرة الصوفية يفترض بالضرورة أما السياحة في الوجد والوجود والزمان والمكان، وأما بالعزلة والخلوة، أو بالجمع بينهما. وقد جمع إبراهيم بن ادهم بينهما بالشكل الذي بلور مواقف العملية والنظرية بهذا الصدد. فعندما سألوه مرة العزلة والخلوة بعبارة "لم لا تخالط الناس؟ أجابهم: إن صحبت من هو دوني أذاني بجهله، وإن صحبت من هو فوقي تكبّر عليّ، وإن صحبت من هو مثل حسدني، فأشتغلت بمن ليس في صحبته ملل ولا وصلة انقطاع ولا في الأنس به وحشة. وضمن هذا السياق يمكن فهم رده على من قال له "لو تزوجت" بعبارة "لو أمكنني أن أطلق نفسي لفعلت"! من هنا فكرته القائلة، بأن "حب لقاء الناس من حب الدنيا" ولهذا "زهد الزاهدون في الدنيا اتقاء أن يشركوا الحمقى"[40]. من هنا مطالبته المبتدئ والمريد بعبارة "اقلوا من الإخوان والأخلاء"، وانه "لم يصدق الله من أحب الشهرة".

وبالمقابل رفع من شأن الأنس بوصفه وجدا ذاتيا خالصا. من هنا قوله "إذا خلوت بأنيسك فشق قميصك"[41]. بحيث جعل من الأنس الذاتي بالحق ومحبته كلا واحدا. من هنا قوله "اللهم انك تعلم أن الجنة لا تزن عندي جناح بعوضة إذا أنت أنستني بذكرك، ورزقتني حبك، وسهلت عليّ طاعتك. فأعط الجنة لمن شئت"[42]. لهذا نراه يعتبر "لو أن العباد علموا حب الله لقلّ مطعمهم ومشربهم وملبسهم"، وذلك لان "السابق بالخيرات يساوي السابق مضروب بسوط المحبة، مقتول بسيف الشوق، ومضطجع على باب الكرامة"[43]. ويستحيل هذا كل دون قهر الارادة بمحبة الحق كما في قوله "اشغلوا قلوبكم بالخوف من الله، وأبدانكم بالدأب في طاعة الله، ووجوهكم بالحياء من الله، وألسنتكم بذكر الله، وغضوا إبصاركم عن محارم الله". ومن الممكن رؤية موقفه بهذا الصدد وأفكاره المتميزة أيضا والتي كشف عنها في إحدى المحاورات التي دارت بينه وبين شقيق البلخي. فقد ابتدأ إبراهيم الحوار بالسؤال التالي:

- على أي شيئا أصّلتم أصلكم؟

- أصلنا على إنا إذا رزقنا أكلنا، وإذا منعنا صبرنا.

- هكذا تفعل كلاب بلخ!

- فعلى ماذا أصّلتم؟

- أصّلنا على إنا إذا رزقنا آثرنا، وإذا منعنا شكرنا"[44].

في حين نراه ينظر إلى الصبر، باعتباره احد المنازل الضرورية والجوهرية في تنقية الارادة والسير بطريق الحق. من هنا قوله "إن أدنى منازل الصبر ان يروض العبد نفسه على احتمال مكاره الأنفس.... إذا كان محتملا للمكاره أورث الله قلبه نورا... سراج يكون في قلبه يفرّق بين الحق والباطل والناسخ والمتشابه"[45]. وهي الغاية التي تبلغ ذروتها بالأولياء، الذين رفعهم إبراهيم بن ادهم إلى مصاف المرجعية الروحية والعملية الشاملة كما في قوله "ان الله يغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم. وذلك لان الحكماء هم العلماء وهم الراضون عن الله إذا سخط الناس، وهم جلساء الله بعد النبيين"[46]. واتخذ من نموذج مثالا في السلوك الموجه للمريد والباحث عن الحق والحقيقة. من هنا قوله مخاطبا إياهم "كن لهم أرضا يطئون عليك وإن ضربوك وشتموك وطردوك"[47]، و"اتخذ الله صاحبا وذر الناس جانبا"، و"افتح باب الاستعداد للموت"[48]. بل نراه يتوسع ويدقق نصائحه للمريد في السلوك الظاهر والباطن بالشكل التالي:

- لا تطمع في السهر مع الشبع

- لا تطمع في الحزن مع كثرة النوم

- لا تطمع في الخزف لله مع الرغبة في الدنيا

- لا تطمع في الأنس بالله مع الأنس بالمخلوقين

- لا تطمع في الهام الحكمة مع ترك التقوى.

- لا تطمع في الحصة في أمورك مع موافقة الظلمة

- لا تطمع في حب الله لك مع محبة المال والشرف

- لا تطمع في عين القلب مع الجفاء لليتيم والأرملة والمسكين

- لا تطمع في الرقة مع فضول الكلام

- لا تطمع في رحمة الله مع ترك الرحمة للمخلوقين

- لا تطمع في الرشد مع ترك مجالسة العلماء

- لا تطمع في الحب لله مع حب المدح

- لا تطمع في الورع مع الخوض في الدنيا

- لا تطمع في القناعة والرضا مع قلة الورع[49].

اننا نرى فيما سبق ما يمكن دعوته بوضع إبراهيم أسس التأمل المدقق للسلوك والفكرة الصوفية. وليس مصادفة أن نرى ملامح الأفكار عند مريديه مثل شقيق البلخي ولاحقا حاتم الأصم.

توفي إبراهيم بن أدهم سنة 162 للهجرة. وقيل انه مات وهو مرابط مجاهد في إحدى جزر البحر المتوسط، ولما شعر بدنو أجله قال لأصحابه: أوتروا لي قوسي. فأوتروه. فقبض على القوس ومات وهو قابض عليها يريد الرمي بها. وقيل إنه مات في حملة بحرية على البيزنطيين ودفن في مدينة جبلة على الساحل السوري، وأصبح قبره مزاراً. وقيل أنه مات بحصن سوقين ببلاد الروم وأقيم في موضع وفاته مسجد سمي جامع السلطان إبراهيم (بن ادهم) وهو أهم مساجد جبلة اليوم. وقيل مات في إحدى غزواته في الجزيرة. فحمل إلى صور ودفن فيها. وعموما، فانه أينما مات وكيف مات تبقى مجرد ذكريات عابرة لكنها ذات قيمة لمعرفة شخصية إبراهيم بن ادهم. أما مصيره فهو جزء حيوي في تاريخ فلسفة المعنى الصوفية وروح البحث عن الحق والحقيقة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص368-369.

[2] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص367.

[3] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص9.

[4] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص21.

[5] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص388.

[6] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص 379.

[7] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص8.

[8] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص6.

[9] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص31.

[10] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص38.

[11] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص22.

[12] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص10

[13] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص17.

[14] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص14.

[15] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص15.

[16] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص370-371.

[17] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص28.

[18] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص.382

[19] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص23.

[20] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص380.

[21] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص11.

[22] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص36.

[23] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص13.

[24] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص27.

[25] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص27.

[26] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص27.

[27] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص16.

[28] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص17.

[29] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص19.

[30] القشيري: الرسالة القشيرية في التصوف، ص8.

[31] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص16.

[32] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص31.

[33] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص22.

[34] السلمي: طبقات الصوفية، ص18.

[35] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص398.

[36] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص35-36.

[37] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص34.

[38] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص26.

[39] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص26.

[40] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص21.

[41] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص36.

[42] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص35.

[43] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص37.

[44] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص37.

[45] السلمي: طبقات الصوفية، ص 16.

[46] السلمي: طبقات الصوفية، ص17.

[47] السلمي: طبقات الصوفية، ص18.

[48] السلمي: طبقات الصوفية، ص22.

[49] السلمي: طبقات الصوفية، ص20-21.

 

 

بنو اسرائيل هم الاسباط من ذرية يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم عليهم السلام جميعا. وهم اثنا عشرة سبط (يوسف او منسى – ابنه -، بنيامين، لاوي، روبين، يهودا، شمعون، زبولون، ياساكر، دان، نفتالي، جاد، عشير) .

ان مجتمع بني اسرائيل كان مجتمعا موحدا لله، خاضعا لتعاليم دين ابراهيم الخليل . لكن القرآن الكريم يكشف لنا ضعف النفس الانسانية في ذلك المجتمع – مع ايمانها -، وكان الداء الاول الذي تسبب في انهيار هذا المجتمع لاحقا هو (الانا) . حيث تنافس ابناء النبي يعقوب في التقرب الى ابيهم والحظوة عنده، فسوّلت لهم نفسهم قتل اخيهم النبي (يوسف الصدّيق) . وهذا الامر يثير فينا تساؤلا اكبر: كيف كان تعاملهم مع الاخرين من بني اسرائيل الذين لم يكونوا من ذرية يعقوب النبي ؟!، {اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ }يوسف9، {قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ }يوسف10، وكما هو واضح لم تكن نفوسهم خالية من الايمان ابداً، بل نراهم خلف هذه الآيات قوما مؤمنين تدغدغهم (الانا).

ان (الانا) التي توّلدت في ذلك اليوم جعلت من بني اسرائيل مجتمعا (مغلقا) في الغالب، وهذا ما يتعارض مع مبدأ هجرة الهداية الابراهيمية . ومع ذلك كان ليوسف ان يصل الى مراتب دنيوية عالية بالاضافة لمقامه في الاولياء، وقد كاد الله له من خلال وصوله الى ارض مصر في زمن الهكسوس، وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الجزء: ١٢ | يوسف (١٢)| الآية: ٢١]، وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌۭ [الجزء: ١٣ | يوسف (١٢)| الآية: ٥٤]، قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌۭ [الجزء: ١٣ | يوسف (١٢)| الآية: ٥٥] .

لكن رغم ذلك كان لوجود اسحق ومن بعده يعقوب دورا هاما في التأثير الاخلاقي والسلوكي على المجتمعات المحيطة، التي رأت في المجتمع الاسرائيلي الاول مجتمعا صالحا، يختلف عمّا رأته من مهاجرين سابقين .

ان مساهمة اسحق في حفر الكثير من الآبار في الارض الكنعانية، وفتحها امام كل الاقوام اوجد تصورا آخر لدى الاقوام المحيطة بالمجتمع الابراهيمي، يقوم على اساس المقارنة بين الصالحين والطالحين من قادة الاقوام المتجاورة، وشكّل سهما مهما في نظرية تولي الصالحين للقيادة .

ان المجتمع الفرعوني المصري كان يشكل اخطر العقبات التي تواجه نشر العقيدة الايمانية الابراهيمية، لان ذلك المجتمع كان في الواقع يتعبد بالشريعة السحرية، ويمارس طقوس السحر الاسود ، لذلك كان بحاجة (الهجرة الايمانية)، التي تزيل عنه الدنس وغبار الاوثان، وتوقظه من غفلة الجهل بالرب الحقيقي . لذلك كان على بني اسرائيل ان يهاجروا، وسنة الهجرة البلاء، فحدث القحط في كنعان، وتوجه اخوة يوسف الى ارض مصر كباقي الاقوام المحيطة، فعرفهم يوسف، وخطط لتنفيذ مهمة الرب، ونجح عبر استغلال (دين الملك) ان يثبت حقوقه التي صادرها القريب قبل البعيد، وتاب اخوته، فطلب الى الملك الهكسوسي ان يستقدم بني اسرائيل الى مصر، فرحب الملك باولياء الله من آل يعقوب، واسكنهم احسن ارضه، واكرم مثواهم .

كان يعقوب النبي يستشرف المستقبل ويدرك القادم، وهو يعلم مقدار تأثير سحر المعتقدات الفرعونية في حال انهار الهكسوس وعاد الفراعنة للحكم، لذلك جمع بنيه واوصاهم وبيّن حقيقة الرب الخالق، لماذا ؟، فهي خطوة قلّما فعلها احد الانبياء، ذلك انه ادرك مقدار الشبهة التي سيوجدها مفهوم الرب الفرعوني على العقل الاسرائيلي .

{ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (القرآن الكريم : البقرة، 127 – 134)

لكن من الطبيعي ان يدفع المجتمع الاسرائيلي ضريبتين عند انتصار الفراعنة على الهكسوس، الاولى لأنهم كانوا موحدين يدينون بعقيدة تجرّم عقيدة الفراعنة، والثانية لأنهم كانوا جزءاً من المجتمع الهكسوسي ذاته .

كان الفراعنة هذه المرة اقوى لسببين انهم عرفوا العربة الحربية من الهكسوس وانهم اسقطوا اهم القوى المنافسة في المنطقة، فكان على بني اسرائيل (يعقوب) ان يدفعوا ثمن علاقتهم بالهكسوس،فاستعبدهم الفراعنة واذلوهم .

توفرت في بني اسرائيل صفتان مهمتان يحبهما الشيطان هما : (الانا) و(امراض الاستعباد النفسية)، فتأثروا كثيرا بالمجتمع الفرعوني المصري ووجد البعض فيه ضالتهم،وكذلك وجد الشيطان جنودا ورجالا كان يبحث بجهد عن مثلهم .

ان العالم الجديد الذي يخدم رغبات الشياطين هو القائم على تحالف الفرعون وهامان وقارون، وهو ثلاثي كان فيه فرعون هو السلطة المتواصلة مع العالم الآخر، وهامان هو الاداة التنفيذية والعلمية، وقارون هو الكيان المادي الشره للمال والثروة واللذات . لقد تم اختيار قارون لهذه المهمة لاسباب ذاتية وموضوعية، فهو يحمل خصائص (الانا) التي انحدرت بالمجتمع الاسرائيلي، كما انه عنصر داخل المجتمع الايماني المعادي للمجتمع الفرعوني، وهو ايضا قريب من العائلة الابرز والاهم في مجتمع بني اسرائيل الموحد، هو اذاً ابن المجتمع الديني والمرجعية الدينية لمجتمع بني اسرائيل .

قال تعالى : (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين (76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77))

(فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون (80)) (القصص).

لقد كان قارون احد اهم الاسباب لاختراق المجتمع الايماني الاسرائيلي، وقد كان تملكه من قبل الشيطان هو الباب الذي خرج منه المئات بل الآف الذين يحملون صفة قارون في المجتمع اليهودي المعاصر، والذين يؤدون ذات الدور .

من لطيف الروايات التي تربط اساليب القارونيين قديما باساليبهم حديثا هي : (عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : لما أتى موسى قومه أمرهم بالزكاة، فجمعهم قارون فقال لهم : جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، فتحملوا أن تعطوه أموالكم . فقالوا : لا نحتمل أن نعطيه أموالنا فما ترى ؟ فقال لهم : أرى أن أرسل إلى بغي بني إسرائيل فنرسلها إليه، فترميه بأنه أرادها على نفسها، فدعا الله موسى عليهم فأمر الله الأرض أن تطيعه، فقال موسى للأرض : خذيهم . فأخذتهم إلى أعقابهم، ...) (المستدرك على الصحيحين) .

وكانت الفترة بين نزول يعقوب مصر وظهور موسى عدة قرون، تغير خلال ذلك المجتمع الاسرائيلي بصورة كبيرة وانحرف، الا انهم لازال فيهم الكثير من المؤمنين، ولازالوا المجتمع الايماني الاكبر في العالم، فكان من الضروري ان يستنقذهم الله من براثن فرعون وهامان وجنودهما ويريهم ويري بني اسرائيل من آياته،فبعث فيهم موسى عليه السلام،الا ان مهمة موسى كانت صعبة ومضاعفة، لانه سيواجه فرعون ومن خلفه الشياطين، وكذلك عليه ان يبين لبني اسرائيل حقيقة ما يجري، لأنّ العقائد المصرية الفرعونية اقترنت بالسحر وكانت معقدة جدا، لذلك انبهر لها طائفة كبيرة من بني اسرائيل في ظلّ غياب الجو الاجتماعي المناسب .

كتب الباحث محمد حسن المبارك ما نصه : (لا شك أن بني اسرائيل خلال وجودهم في مصر تأثَّروا كثيرا بالثقافة الوثنية التي كانت سائدةً هنالك، إلاَّ أنهم وبعد خروجهم من مصر استرفدوا الكثير من المعطيات الوثنية لدى المصريين القدماء، محاولين بذلك إدخاله على دينهم اليهودي الذي اختلطت به وثنيات وأساطير كثيرة، فقد عرفوا تقاليد كابالا المصرية القديمة ونقلوها من جيل إلى جيل كتعاليم شفوية .

فالحضارة الفرعونية المصرية تعد من أقدم الحضارات الإنسانية، وكان الفراعنة على رأس السلطة،حيث يحكمونها بمطلق القسوة والدكتاتورية، ثم يأتي فريقان مهمان كانا يحيطان بفرعون، وهذان الفريقان هما "الملأ" المذكور في القرآن الكريم . وهما:

ـ الجيش والذي يمثل القوة المادية لفرعون.

ـ السحرة أو الكهان، والذين كانوا يمثلون الفكر والفلسفة التي يعتمد عليها فرعون، مع اشتغالهم بالسحر أيضاً وتأديتهم لطقوس سحرية معينة من السحر الأسود، بالإضافة إلى اشتغالهم ببعض العلوم الطبيعية كعلم الفلك والرياضيات والهندسة .

و قد تكونت خلال هذه الحضارة الطوطمائية قاعدة هائلة من الثقافة السحرية السوداء، وقد انتقلت تلك الثقافة تدريجياً الى بني اسرائيل من خلال إقامتهم عدة قرون في مصر، وتشكَّلت في تعاليم كهنوتية وفلسفية وسحرية عُرفت في التاريخ اليهودي فيما بعد بثقافة الكابالا، والتي قاموا من خلالها بنقل التراث الوثني لمصر القديمة إلى الأجيال الأخرى ...) .

لقد كانت بعثة موسى ضرورة تحتمها الحاجة الواقعية المركبّة، حيث الطغيان الفرعوني وشريعته المعقدة السحرية، وكذلك الانبهار الذي عاشه المجتمع الاسرائيلي امام هذه القدرات المادية الخارقة لهذه الشريعة . فالمجتمع الاسرائيلي عانى ضغطاً نفسياً وفاقة للمادة، بسبب الاستعباد والاستغلال الفرعوني، لذلك صار معيئاً في جزء واسع منه للدخول في عالم المادية الظلموتية .

بعث الله تعالى موسى كسفينة يركبها من يريد النجاة من بني اسرائيل، وكذلك كدليل يري فرعون وجنوده وملأه وشعبه انّ القدرات الخارقة لشريعة الفراعنة ليست حكراً عليهم، ولا تعني انّ المنتج لها اله، لكنها تلاعب بفيزياء الطبيعة، التي أوجدها الخالق الأكبر، وهو الله جلّ شأنه .

من هنا كان لموسى مهمة كبيرة، تدعمها المعجزات الكبرى، الموافقة لما عليه ذلك المجتمع من اعتقادات وممارسات، لكنها في الطرف الاخر الصالح . وقبل خروج موسى بشعب بني اسرائيل ومن معهم اظهر امام الملأ الحقيقة كاملة .

[ وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الجزء: ١ | البقرة (٢)| الآية: ٥٣]، [ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الجزء: ٨ | الأنعام (٦)| الآية: ١٥٤]، [كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ [الجزء: ٣ | آل عمران (٣)| الآية: ١١] .

وفي سورة يونس : (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ * قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ * قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٍۢ * فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ * فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ * فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ عَلَىٰ خَوْفٍۢ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ * وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ) .

وفي سورة الاعراف : (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ * وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرْعَوْنُ إِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ * قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـَٔايَةٍۢ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ * فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌۭ مُّبِينٌۭ * وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ * قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٌۭ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ ۖ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٍۢ * وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوٓا۟ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَٰلِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا۟ ۖ فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ سَحَرُوٓا۟ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍۢ * وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا۟ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُوا۟ صَٰغِرِينَ * وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ * قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌۭ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا۟ مِنْهَآ أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَٰفٍۢ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا ۚ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ * وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَٰهِرُونَ * قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوٓا۟ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنۢ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُوا۟ لَنَا هَٰذِهِۦ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ ۗ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَقَالُوا۟ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِۦ مِنْ ءَايَةٍۢ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٍۢ مُّفَصَّلَٰتٍۢ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَٰلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ * فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ * وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟ ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُۥ وَمَا كَانُوا۟ يَعْرِشُونَ) .

وهذه الآيات من سورة الاعراف القرانية كاشفة عن عدة نقاط :

١ - جهل فرعون بحقيقة اله موسى، واختلاط اللاهوت في ذهنه، نتيجة للتلاعب التاريخي الكبير الذي اصاب عقيدة التوحيد والخلق في مصر .

٢ - إيمان المصريين بالسحر تماما، لذلك جعلوا كلّ أية خارقة يرونها فرعاً عن السحر، وبالتالي استخدموا لمواجهة موسى كبار السحرة في مجتمعهم .

٣ - انّ السحرة لم يكونوا يمارسون طقوسهم دجلا، بل كانوا يَرَوْن ما يفعلون جزءاً من شريعة صادقة تربطهم بالإله، لذلك آمنوا عند اللحظة الاولى التي اكتشفوا فيهم انهم كانوا مخدوعين، وحين عرفوا حقيقة وجود عوالم كانت تؤثر فيهم، وانّ الله الخالق اكبر من ذلك كله .

٤ - انّ المادية وحبّ الملك والدنيا طغت في نفس فرعون، ما جعله في هستيريا منعته من اتبّاع رأي المختصين - السحرة -، وصار يتوعد بالقتل والابادة .

٥ - انّ المنتفعين من ملأ فرعون واصحاب رأس المال والنفوذ كانوا يريدون إبادة كل الذي يتعلق بموسى قبل انهيار منظومتهم النفعية .

٦ - كان على المجتمع المؤمن ان يمرّ بابتلاءات وامتحانات متعددة، تستلزم الصبر والاستعانة بالله الخالق .

٧ - وهي نقطة مفصلية، حيث كشفت الآيات انهيار النفس الإسرائيلية في بعض جوانبها، نتيجة الضغط والمادية، وبالتالي تذمّرها، وبداية الانشقاق داخل المجتمع الإيماني التوحيدي . لذلك جائت الآيات اللاحقة من سورة الاعراف لتعرّفنا مدى المادية والتشوه الفكري والعقائدي الذي اصاب هذا المجتمع : (وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْا۟ عَلَىٰ قَوْمٍۢ يَعْكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصْنَامٍۢ لَّهُمْ ۚ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَٰهًۭا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌۭ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌۭ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٌۭ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًۭا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ * وَإِذْ أَنجَيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ * وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيْلَةًۭ وَأَتْمَمْنَٰهَا بِعَشْرٍۢ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّۭا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًۭا ۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ * قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِى وَبِكَلَٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُۥ فِى ٱلْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْعِظَةًۭ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍۢ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَٰسِقِينَ * سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ * وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلْءَاخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ * وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُوا۟ ظَٰلِمِينَ * وَلَمَّا سُقِطَ فِىٓ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا۟ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا۟ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ * وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًۭا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنۢ بَعْدِىٓ ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا۟ يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ * قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ) .

ولسنا بحاجة الان لمعرفة حقيقة عقيدة (العجل) ومن أين جاء بها بنو اسرائيل، بعد ان عرفنا عمق هذه العقيدة في الديانة الفرعونية القديمة . ومن هنا وَمِمَّا سبق نعرف مدى تأثير الحضارتين السامية والفرعونية إحديهما في الاخرى، وبالاتجاه المعاكس .

لكن مع ذلك فالمجتمع الاسرائيلي تضعضع وانشقّ، لكنّه لم ينحرف بالكامل، بل ربما بقيت الأغلبية على ايمانها في الجملة . الا انّ الملاحظة المهمة هو انّ الانحراف دبَّ في الكهنوت الرجالي الاسرائيلي، حيث كان صاحب بدعة (العجل) احد مساعدي موسى ذاته، وهو (السامريّ)، (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ * فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى * قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًۭا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ) كما في سورة طه . لكنّ موسى مع ذلك لم يكن شديداً في مخاطبة السامريّ، ربما لانه من اصحاب التاريخ الكبير في حركة بني اسرائيل (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَٰسَٰمِرِىُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ فَقَبَضْتُ قَبْضَةًۭ مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى * قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًۭا لَّن تُخْلَفَهُۥ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًۭا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا * إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًۭا) كما في نفس السورة السابقة .

 

علي الإبراهيمي

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي 31

بموتك يارب نبشر !

(فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز، وشربتم هذه الكأس، تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء) 1كو 11 : 26

الله مات من اجل خطايانا !

امثال العبارات المتقدمة تتردد كثيرا في الكنائس أو البرامج التبشيرية المسيحية وعلى ألسن المكرزين، وهي تعكس أساس مهم من أسس الإيمان المسيحي، الذي يقوم على عقيدة الفداء والتجسد والصلب من أجل تحقيق الخلاص للبشر.

في الميثولوجيا المسيحية، كان اقتراف آدم وحواء لخطيئة (الأكل من الشجرة) سببا بوضع (الله) في موقف صعب جدا! لانه يحب ان يعفو عن الخاطئين، لكن عدالته الصارمة تستوجب إنزال العقوبة، وبسبب ان الخطيئة كانت تجاه الله الغير محدود، من خلال كسر قانونه، لذلك فإن الله لا يستطيع الغفران مالم تكن هناك كفارة غير محدودة عن ذلك الذنب!

لأن الله بطبعه لا يغفر من دون أن يكون هناك ذبيحة يسفك دمها لكي يتنسم الرب رائحة الرضا !!

( وكل شيء تقريبا يتطهر حسب الناموس بالدم وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة) عبرانيين:9-22

وأمام هذه الورطة لم يكن امام الله الا ان يقرر ان يكون هو الذبيحة التي سيقدمها الله لنفسه، لكي يرضى الله !!

فقرر ان يتجسد بهيئة انسان هو (يسوع الناصري) وان ينزل الى دنيا البشر، و يجري الاقدار والأحداث حسب الخطة التي وضعها، والتي تقضي بأن يقوم البشر، بقتل الله (المتجسد) دون ان يعرفوا انه الله !!.. وبذلك يرضى الله بدم الذبيحة (الغير محدودة) التي قدمها لنفسه، والتي هي بنفس الوقت تمثل الله نفسه، فيكون وقتها الله قادر على غفران الخطيئة التي دخلت الى عالم البشر بسبب الأكل من الشجرة الكارثة !!!

وبذلك قام الإيمان باعتبار الشاب اليهودي يسوع الناصري هو الله المتجسد الذي جاء الى الدنيا ليحمل خطايانا!

ورغم ان يسوع الناصري قال عن نفسه بشكل واضح وصريح ومباشر انه انسان !!

(وَلكِنَّكُمُ الآنَ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي، وَأَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللهِ) يوحنا 40/8

ورغم ان يسوع الناصري لم يقل ابدا عن نفسه انه انسان متأله ولا اله متأنسن، ولم يطلب من أحد أن يعبده

ورغم ان الكتاب المقدس، ينفي تماما أن يكون الله انسان !

(لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ) سفر العدد 19/23

مع ذلك، يقوم الاعتقاد المسيحي على الإيمان بالوهية الشاب اليهودي المصلح يسوع، مع الاعتراف انه كان انسان كامل، لكن مع اعطاء صفة الالوهية الكاملة ايضا، باعتبار ان اللاهوت قد اتحد مع الناسوت في شخص هذا الشاب !!

ولسنا بصدد مناقشة هذا المعتقد في هذا المقال، لكن من الضروري التأكيد على ان الجميع متفق على ان يسوع الناصري، لم يأتي الى هذه الدنيا من خلال الهبوط المفاجئ من السماء !

وانما خرج الى الدنيا بعد ان ولدته أمه السيدة مريم التي حملته في رحمها، الذي مكث فيه الأشهر اللازمة لعملية التكون الطبيعي للجنين من مراحل الخلايا البسيطة الى مرحلة الجنين المتكامل.

وبعد الولادة، ومرحلة الرضاعة، بدأ الطفل يكبر وينمو مثل اي انسان طبيعي، حتى بلغ عمر الثلاثين وبدأ كرازته.

وهنا يجب ان نشير الى الخلاف الكبير الذي حدث بين الكنائس المسيحية منذ ما قبل زمن مجمع ( خلقيدونية) الشهير

حيث انقسمت الكنائس الى قسم يعتقد ان يسوع الناصري، كان بطبيعة واحدة متحدة ( لاهوت وناسوت) وهذا القسم مثلته الكنائس الشرقية( القبطية، الارمنية والسريانية)، وقسم اخر مثلته الكنيسة الرومانية والبيزنطية، الذين اعتقدوا أن الرجل كان بطبيعتين منفصلتين !

وعندما نصل الى المرحلة الاهم في مشهد الحدث، وهي لحظة موت يسوع الناصري على الصليب، هنا ينبثق السؤال الاهم

من الذي مات على الصليب؟

الإنسان؟ ام الله؟ ام كلاهما؟!

ان هذا التساؤل ليس جديدا، وإنما كان موضوع جدل قديم ومستمر الى يومنا هذا بين المسيحيين وغيرهم

وهذا الموضوع بالذات نجد فيه، اضطراب وتناقض مع ارتباك في المفاهيم لدى متابعة الردود المسيحية حوله!

ووجه الاضطراب يكمن في ان نصوص الكتاب المقدس، حددت بشكل واضح ومباشر وصارم طبيعة الله الذي لا يموت!

فالنصوص الكتابية تقول بشكل صريح ان الله حي ابدي و لا يمكن ابدا ان يموت، حيث يقول الله عن نفسه:

(حي أنا إلى الأبــد) سفر التثنية 32/40

(ألست أنت منذ الأزل يا ربُّ إلهي قدوسي لا تموت) حبقوق 1/12

(لَكنَّ الرّبَّ هوَ الإلهُ الحَقُّ، الإلهُ الحَيُّ والمَلِكُ الأزَليُّ) ارميا 10/10

وهناك الكثير من النصوص الاخرى في الكتاب المقدس تؤكد على ان الله حي ولا يموت ابدا !

وهنا نواجه استحقاق تكرار السؤال السابق!.... من الذي مات على الصليب؟!

ومرة اخرى، عندما نبحث في الاجوبة المسيحية على هذا السؤال، نلاحظ اضطراب وارتباك وتناقض، لأن القول إن الرب المتجسد (يسوع) مات بلاهوته مع ناسوته، سينتج لنا تناقض صريح مع ما قرره الكتاب المقدس عن عدم موت الإله!

اما القول ان الذي مات هو (يسوع الإنسان) فقط...فإن هذا يعني أن خطة الله لم تتحقق، لانها كانت تقضي ان يقدم الله نفسه للموت، اي أن الموت يجب ان يطال اللاهوت الذي هو وحده الذي يستحق أن يكون الذبيحة المناسبة للتكفير عن الخطيئة!

بعض الردود المسيحية، حاولت اللجوء الى طريقة التفذلك المتنطع!..من قبيل ان الذي مات هو يسوع الإنسان، لكن روحه اللاهوتية فارقت فقط جسده وبقيت مرتبطة مع اللاهوت...وبذلك يكون الموت قد طال يسوع الإنسان مع روحه الالهية!!

وهذا تنطع متكلف جدا، ومحاولة التفاف ساذجة على معنى الموت!!!...لان الموت حتى بالنسبة للبشر العاديين، لايعني ابدا فناء الروح او تلفها، وانما يعني مفارقة الروح للجسد، وعندما يحدث هذا الأمر يتحقق الموت في الإنسان، ويعتبر ميتا

ونفس الأمر ينطبق على يسوع (الإنسان) فقد حل الموت على جسده (الناسوتي) بمفارقة روحه لذلك الجسد، بغض النظر عن طبيعة روحه او المكان الذي قضت فيه فترة الموت، حاله حال بقية البشر حيث تموت أجسادهم بمفارقة الروح لها.

في هذا المقال، لا اريد ان استعرض واناقش كل الردود والتوضيحات والتأويلات العقدية المتكلفة، التي قدمها اللاهوتيون القدماء منهم والمعاصرون، لأن معظم هذه الردود متوفرة على الشبكة العنكبوتية، وانصح المهتمين، بالاطلاع عليها و دراستها، لمعرفة مستوى التنطع والجمع بين المتناقضات من أجل الخروج بتأويل لمفهوم عقدي لا يتسق مع المنطق!

والحصول على اجوبة تمثل قمة التناقض اللامنطقي، من قبيل :

الله حي لا يموت….لكنه مات!!... من اجل خطايانا !!!

اللاهوت لا يمكن ان يموت ابدا... لكن الناسوت مات…. وبذلك يكون اللاهوت قد مات !!!

ويبقى التناقض الاغرب والاعجب... هو انه بعد القول ان اللاهوت يعتبر قد مات ..بموت الناسوت !!

يرجع ويقول لك…. ان الله (اللاهوت) قد اقام (الله الميت) من الموت …!!

(وَإِلَهُ السَّلاَمِ الَّذِي أَقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ رَاعِيَ الْخِرَافِ الْعَظِيمَ، رَبَّنَا يَسُوعَ) عبرانيين 13/20

وهذا الوضع يستوجب أن يكون هناك إلهين!!... أحدهما ميت (يسوع) والآخر حي...قام باحياء الإله الميت!

وعندما يتم الاعتراض على هذا القول، لمخالفته الصارخة والفاضحة لمعنى التوحيد الذي حدده الكتاب المقدس

(اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ) تثنية 4/6

(فيعرف جميع الأمم انك انت الاله وليس آخرسواك ) سفر يهوديت 19/9

وقتها ..سيأتيك الجواب التقليدي….. انتم لا تفهمون... هذه وحدة جامعة !!!!

 

د. جعفر الحكيم

 

مجدي ابراهيميقودنا التأمل في مدلول "الرسالة"، فنراه على الحقيقة يشمل روح الدين وجوهره، غاياته وأهدافه ومقاصده، تماماً كما أن الرسالة هى روح النبوة ومقاصدها الكريمة السامية، هى النموذج الأعلى يحتذيه كل فرد يؤمن بالله، ويريد أن يكون على منهاج النبوة من طريق البلاغ والهداية والرحمة المهداة إلى ربِّ العالمين.

ولكن قبل أن أدخل مباشرة في لبّ الموضوع أجدُ لزاماً عليّ أن أبدأ بتقرير هذه البديهة المعرفيّة منهجاً هو عندي من الأهميّة بمكان فأقول: تستطيع أن تصل بجهدك وعقلك إلى أي فيلسوف أو عالم أو أديب أو كاتب أو عبقري من عباقرة البشريّة، فتعرف فكره وتحلل إنتاجه وتسبر غور المشكلات والقضايا التي تناولها ثم تقول فيه رأيك ناقداً ومؤاخذاً وتظل معه ولا يخفى عليك شيئاً ممّا ترك من آثار. كل هذا معروفٌ ومحققٌ ومدروسٌ، لكنك لو اقتربت من مشكاة النبّوة بنفس الأدوات التي كنت تجريها كشفاً لحقيقة هذا المفكر أو العالم أو الأديب أو الفيلسوف أو العبقري الطّلعة الشغوف، ضعت من فورك وضيّعت معك من يستمع إليك أو يثق لك في قول أو في تحليل، ستظل تخبط خبط عشواء في تيه من الظلام أو على أحسن الفروض تخبط في نور تستدعيه ولا تدري شيئاً عن خوافيه؛ كمن ظل زمناً في غرفة مُظلمة ثم في لحظة خاطفة فاجأه النور المبهج الوضئ فأصابه الغبش، ثم تحكم على أشياء لا تدريها، وبأدوات لست قادراً بالمطلق على تمثلها والتحقق بها، ما لم يفتح الله عليك بأدوات أخرى من نوع آخر غير ما تعرفه أو تجريه، بطريق التحقيق.

ومهما أفاء الله به عليك من العبقرية والنبوغ حقيقة لا دعوى، فأنت إزاء مشكاة النبوة لن تصل فيها إلى شئ إلا بجمعيّة مع قبضة النور، قد تكون شذرة، أو نظرة، أو طيف خيال يواريك، أو فيض دمع جرى من مقلتيك شوقاً إليه، غير إنه يجافيك. من أجل ذلك؛ كانت علوم تلك المشكاة النبويّة لا تدوّن في كتب ولا تحصيها أقلام العلوم النظرية؛ لأنها علوم حقائق، غاية ما يستطيع زكي العقل تحصيله منها، وصلة روحيّة أو رشفة علوية تشدّ القلب شداً إلى أجواء المعيّة، وتربطه بوجوب الصحبة رفقاً وتولُّهاً مع الحقيقة المصطفويّة، في بحور تجليات الأنوار الإلهيّة: أعني وصلة قُربة، وتفرّد روح، واختصاص.

وأعودُ على ما بدأته فأقول؛ يقودنا التأمل في مفهوم الرسالة فنجده يشمل جميع الأعمال النافعة لخدمة الفرد أو خدمة النوع خدمة المجتمع الذي يعش فيه الأفراد، إذا هم اضطلعوا بالأعمال الهادفة والإصلاح الوطني لمصلحة المجموع. وربما توسع الكتاب والمفكرون المعاصرون في استخدام مدلول الرسالة ونقلها من الأجواء الدينية إلى التصورات الفكرية؛ للدلالة على أن كل إنسان مدفوع بتأثير ميوله الطبيعية للاضطلاع بالأعمال العامة التي توثر بالإيجاب في الأفراد والمتجمعات وينتفع بها الوطن كمحصّلة أخيرة، وتجيء في الأصل، إذا صحَّت النية خالصة، مرضاة لله تعالى، وهم بذلك ما خرجوا قط عن مقاصد التصور الديني لمفهوم الرسالة، يعبر تمام التعبير عن روح الدين وجوهره ما دامت الغاية هى: خدمة الله بالأعمال.

الرسالة بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت، ولا زالت، رحمة لعباد الله بل رحمة من الله إلى خلق الله:" وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين". لم يبعث رسول الله ص لفئة دون فئة ولا لطائفة دون طائفة، ولا لقبيلة دون قبيلة، ولكنه بعث للناس كافة رحمة للعالمين فكانت رسالته ص ؛ وينبغي أن تكون على الدوام نقلة بعيدة يتحوّل فيها الناس من عبادة الوثن إلى عبادة ربّ العالمين .. كان هذا "التحول" هو الغاية من الرسالة في هذه الحياة وعلى هذه الأرض، وكان هو نفسه الدلالة .. كان الطريق مظلماً فأضحى بعد الرسالة نوراً يُضاء للسالكين.

فهو إذن الطريق الذي يسلكه الفرد فتتحوّل بمثل هذا السلوك حياته كلها من وجهة في العبوديّة إلى وجهة أخرى، تناقضها وتختلف عنها كل الاختلاف: في الغاية وفي التصور وفي الوسيلة وفي الإدراك.

وليس التحوّل سلوكاً فقط بل تحوّل فكرة وعقيدة وتحوّل قيم إيمانيّة هى التي يتقوَّم بها السلوك ويتهذب العمل وتتجلى فيها أسمى آيات الفاعليّة نحو الغاية والهدف والرمز المنشود .. التحوّل المقصود هنا هو "تحوّل باطني" من طريق إلى طريق، ومن اتجاه في الحياة إلى اتجاه، ومن فكر إلى فكر، ومن عبادة إلى عبادة: من طريق الشيطان إلى طريق الله، من اتجاه في الحياة نحو الغايات الترابية إلى اتجاه في الحياة نحو الغايات الهادية والسامية والنبيلة، هو تحوّل من فكرة تخدم القيم الماديّة إلى فكرة تخدم القيم الروحيّة والخلقية، ومن عبادة كل ما سوى الله إلى عبادة الله وحده لا شريك له.

لا ريب كان هذا التحوّل هو الذي يحدّد واجب المخلوق المكلف، إذ لم يكن قط سعياً وراء كل ما هو زائل تافه حقير، ولم يكن جرياً مع أهداف الذين لا يقدرون الحياة بما فيها من فعل إلهي قدرها، وفيما هم مجبولون عليه من طاقات روحية ومعنوية، تدفعهم نحو النظر إلى أعلى ونحو التعالِ على كل غريزة وضيعة وكل هدف مبتذل.

واجب المخلوق المُكلف إذا هو تحقق من الرسالة فعليّاً أن يكون له كفاحه المتصل من أجل الله لا أجل فكرة مادية أو مذهب سياسي أو طريق حياتي أو رأي يراه صاحبه هو الحقيق بالإصلاح كله دعوى بغير دليل، إذا هو أراده وتبنّاه فيتبعه ويلزم الآخرين أن يتبعوه؛ ليس هذا من الرسالة التي حازت كل صنوف الرحمة للعالمين في شيء. وليس هذا من ميراث النبوة في شيء، وليس هذا مرة ثالثة من مدرجة محمد صلوات ربي وسلامه عليه؛ فإن الفكرة في الله هى الأصل الأصيل في كل كفاح مضمون، والطريق إلى الله هو الأولى والأحق بالإتباع إذا كان إتباع المخلوقين من العباد يعود على التابع بكل ألوان الظلم والقهر والنكاية والإجحاف. ثم الرأي الذي ننشد من وراء معرفة الله هو الأهم والأقدر من كل رأي تخرجه لنا عقول الناس بين قوى وضعيف وراجح ومرجوح، وهو في النهاية لا يقدم شيئاً ينفع في حياة الناس.

التكليف نهج موفق ومضمون على نهج الرسالة المحمدية؛ فكل مسلم مكلف بهذه الرسالة مضطلع بها فيما يأتيه إذا لم تكن له رسالته التي يخدم بها الله في هذه الحياة الدنيا فتحوز كل أشكال الرحمة للناس جميعاً؛ فما فقه من إسلامه الذي يدين له بالولاء إلا القشرة الظاهرة والسطح البَرَّاني بغير مضمون يشهد فيه إسلام الوجه لله.

فالعنف والإرهاب والدمار والخراب والقتل والسرقة والعدوان وأكل حقوق الناس بالباطل والشر والرذائل على اختلاف ألوانها وأشكالها مدعاة للخروج عن نهج الرسالة. ليست فيها رحمة تفرضها مقومات الرسالة المحمدية؛ ومن ثمّ فهى عمل ينقض دلالتها: خروجٌ عن جوهر الدين وعن نهج الرسالة مادامت الرحمة بالإنسانية هى من الأسس القويّة لرسالة سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه.

فمن نَهَجَ نَهْج الرسالة كان مرحوماً بذاته رحيماً بغيره، وإنه مادام مرحوماً في ذاته، فلن تكون رحمته في نفسه إلا مشمولة بالعموم على جميع خلق الله تعالى عملاً بقوله:" وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين".

الرسالة قيمة علوية يتمُّ فيها ذلك التحوّل الباطني، فتكون من أقوى الدوافع الوجودية على إخلاص العمل لله لا إخلاصه لأجل غاية نفعية أو مادية أو حتى منفعة شخصية .. علينا أن نعمل ونتحرى الصدق في العمل وليس علينا إدراك النتائج كلما كانت قلوبنا واعية ومُعقلة على الله في التوجه، ولتكن بواعثنا على العمل أحرى بالعناية من غاياتنا، ولننتظر المثوبة من الله لا من الناس, وليتنا نغفل تماماً عن الجزاء على الأعمال، ولنطلب وجه الله المأمول بالعمل خالصاً مُخلصاً ليكون نفعنا من رسالتنا أخروي الجزاء.

حَطم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه الأصنام والأوثان ليقول لنا بأبلغ لسان: حرروا عقولكم وضمائركم وقلوبكم عن عبادة الأصنام، وستكون لكم في مستقبل الأيام - معشر المسلمين - أصناماً وأوثاناً تخلقونها على هواكم وتتصورها أوهامكم، وليست بالضرورة أن تكون حجراً أو قطعة من طين أو عجين؛ فلربما تكون قيمة تخلقها الغفلة، أو تكون لا فتة يتصورها الوهم، أو شارة ينسجها الخيال العاطل، أو تكون رباً من الأرباب تعبدونه من دون الله أو تكون منصباً أو جاهاً أو فكرة أو عقيدة تغشى عيون قلوبكم وتظلمها فلا ترون الحق أبداً وعلى قلوبكم غشاوة وفي أبصاركم غبش !

هذا هو الرمز، وتلك هى الدلالة من الرسالة الدائمة التي يجب على مفكري الإسلام وعارفي فضله الاضطلاع بها: تحطيم الأصنام والأرباب والأوثان التي تتراءىَ لنا صباح مساء، فتصرفنا عن روح الدين وجوهر العقيدة السمحة تماماً كما تصرفنا عن نهج الرسالة المحمديّة كونها رحمة للعالمين، في كفاحها المتصل وجهادها الجميل وصبرها الدائم الموصول على سبل الكفاح والجهاد؛ وليفتش كل مسلم عما هو موقور في داخله وليبحث عن الصنم الذي يعبده دون الله: المال، الجاه، المنصب، الرئاسة، وليتحرّر من كل هذا ليشهد الله على الحقيقة، وليعلم إنما الدنيا أسباب وراء أسباب؛ وإنه بهذه الأسباب لمحجوب عن الله بالسبب، فليعتق نفسه ليشهد تجلي الفعل الإلهي من خلف حجاب الأسباب.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيينحدر محمد بن سيرين (ت- 110 للهجرة) من عائلة تمارس مهنة صنع القدور النحاسية. وكان أبوه مولى لأنس بن مالك، بأثر السبي الذي تعرضوا له من إحدى غزوات خالد بن الوليد. وهي مصادفة تحتوي في أعماقها على إمكانية تأثره بمجرى الأحداث السياسية التي عصفت في تاريخ الخلافة. وهو تأثر لا جبرية فيه، لكنه يحتوي بفعل الصعود الهائل للروح والجسد الإسلاميين على إمكانيات عديدة في التأثر بمجرياته. وقد وجد ذلك سبيله الى مخيال محمد بن سيرين بحيث جعل منه أولى الشخصيات الإسلامية الكبرى في إبداع الصيغ الواقعية لعالم الخيال، أي "احترافه" تفسير الأحلام واستعداده الكبير لتأويلها. وهي حالة لم تكن معزولة فيما يبدو من فورة النفس الثقافية التي انهمكت بتفسير كل ما يجري من أحداث. وإذا كان أغلبية الصحابة والتابعين، بوصفهم مثقفي الأمة الكبار منهمكين في أحداث "الساعة" وتحديد مواقفهم من مجرياتها إضافة الى الغوص في بواطن النفس الأخلاقية واللاهوت المتبختر في معترك القوى واحترابها العنيف، فان ابن سيرين طاف على أمواج العوام والخواص في أحلامهم.

فهو العالم الجديد الذي أبدع فيه ابن سيرين رؤية الثقافة الإسلامية الصاعدة وتمثل احد نماذجها لجميلة. وليس اعتباطا أن يجمع في ذاته لقب التابعي الجليل وإمام عصره في تفسير الأحلام. بعبارة خري، لقد جعل ابن سيرين من أحلام الناس عينة تأويله المعرفي. فهو لم يخضع الأحلام في تفسيره إياها الى قواعد ثابتة وعقيدة ثابتة، بقدر ما انه أخضعها لما يمكن دعوته لمبدأ الظن العقلي والاجتهاد النسبي والغاية الأخلاقية. بمعنى أن شاغله هنا لم يكن بناء منظومة قائمة بحد ذاتها في تفسير الأحلام، بقدر ما كان يقوم في مجارة الأمة في أحلامها اليومية من اجل بناء أحلامها الواقية من رذيلة الانسياق وراء الغريزة والابتذال المادي والمعنوي.

فقد كان تفسيره للأحلام وثيق الارتباط اجتهاده الشخصي في ميدان الفقه والتفسير والحديث. بمعنى أن الصيغ المتنوعة لتفسيره للأحلام وثيق الارتباط بما جمعته التجربة الثقافية الإسلامية. من هنا الثقل النسبي للقرآن في تفسير الأحلام. وهو ارتباط لا علاقة له باللاهوت، بقدر ما انه كان الصيغة الأولية لتمركز "الكتاب" في الوعي الثقافي. إضافة الى ما فيه من قيمة متسامية بالنسبة لوعي الصحابة والتابعين والأمة، أي للخواص والعوام.

بمعنى أن تفسيره للأحلام كان إحدى الصيغ الثقافية الأولية في الموقف من النفس وتجاربها الحياتية وآمالها ورغباتها ومعاناتها، أي مختلف تجارب الوعي الباطن. وهي تجارب سوف تضعها الثقافة الإسلامية اللاحقة، ضمن سياق فكرة الفراسة. وسوف تعطي مختلف الاتجاهات رؤى مختلفة عنها لكنها تشترك في إعلاء شأنها بوصفها إحدى خصال الإيمان. وفيما لو جرى وضع هذه العبارة ضمن سياق الرؤية العقلية والمعاصرة، فإنها كانت تشير الى قيمة الحدس والرؤية النقدية في الموقف من الأشياء والأشخاص والأفكار بوصفها "هبة إلهية"، أي قيمة عليا في الإنسان.

وضمن هذا السياق يمكن اعتبار ابن سيرين احد مؤسسي فكرة وقيمة الفراسة الثقافية عندما جعل من الأحلام، أي تيار الباطن الملهم لمختلف أصناف التأويل، موضوع وميدان إبداعه الفكري. من هنا مبدأ ابن سيرين في مواقفه من تفسير الأحلام عندما كان يشدد على أن ما يقوله بهذا الصدد هو مجرد ظنون، أي اجتهاد عقلي خاص. من هنا قوله "إنما أجيب بالظن. والظن يخطئ ويصيب".. لهذا كان يتردد في الإجابة على أسئلة الناس من اجل تفسير أحلامهم، لكنه كان يجيب المتسائل قائلا "اتق الله وأحسن في اليقظة. فانه لا يضرك ما رأيت في المنام".

غير أن إجاباته كانت تحتوي أيضا على عقيدته المتنامية في شخصيته وتجاربها الحياتية، أي الجمع بين البساطة والموقف الأخلاقي المتسامي. إذ تنقل لنا كتب التاريخ والسير ملامحه الشخصية بعبارات تقول، بأنه كان قصيرا بدينا، مصابا بالصمم، طيب المزاج والمرح، رفيع الأخلاق. وليس مصادفة أن يجري استغلال هذه الصفات بحيث جرى وضع تفاسير للأحلام على لسانه يقل بها. وهي الحالة التي لحظها الذهبي عندما قال، بان "ابن سيرين جاء في التعبير بعجائب يطول ذكرها، وكان له في ذلك تأييد الهي. غير أن ليس كل ما ينسب إليه يصح عنه". وهو تقييم دقيق. وذلك لان اغلب تفاسيره كانت تسير صوب إلزام النفس بقيم الخير. وليس مصادفة أن ترفعه الثقافة الى مصاف الشخصية الجليلة ولكن بمعايير الرؤية الحسية والواقعية، بمعنى تخليصه من عبارات اللاهوت المفرطة بطابعها التقليدي الجاف. كما نراه على سبيل المثال في العبارات التي قيلت عنه مثل "كان ابن سيرين إذا حدّث كأنه يتقي شيا أو يحذر شيئا"، وانه "ما رأيت رجلا افقه في ورعه ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين"، وانه "كان إذا سئل عن شيء في قضايا الحلال والحرام يتغير لونه ويتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان"، و"كنا إذا نتذاكر معه الموت يتغير لونه ويصفر وكأنه ليس بالذي كان" وان ابن سيرين "كان إذا ذكر الموت مات كل عضو فيه". وهي صور تكشف عما فيه من وحدة داخلية تتزاوج فيها الواقعية والسمو الأخلاقي. بحيث ارتقت وحدة المعرفة والموت الى مصاف البؤرة الشخصية في الموقف من النفس والآخرين والأحداث.

بعبارة أخرى، لقد أصبحت المعرفة والموت عنده شيئا واحدا لأنهما يضعان المرء أمام المهمة الأصعب. فالمعرفة بالنسبة له ليست لهوا، كما أن المعرفة هي المهمة الأعقد بالنسبة لفراسة الروح العاملة بمعايير الصواب والخطأ. وبالتالي، فان إقراره بفكرة أن الاجتهاد ظن، لم يغير من قيمة الالتزام الأخلاقي بنتائجه التي عادة ما تجعل من الخطأ شيئا اقرب إلى الخطيئة في ضمير المثقف الكبير. لهذا قيل عنه بأنه "لم يعرض له أمران في دينه إلا اخذ بأوثقهما"، وانه "كان إذا ذكروا عنده رجلا بسيئة فانه يذكره بأحسن ما يعلم". من هنا قوله "ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوء ما تعلم وتكتم خيره". وهو مبدأ حدد مواقفه الشخصية. إذ ينقل عنه، بأنه كان إذا دخل على أمه لم يكلمها بلسانه تخشعا لها. في حين نراه بصورة مغايرة ومكملة عندما أرسل عليه ابن هبيرة والي العراق. فنسمع يجيب على سؤال ابن هبيرة بعد أن دخل عليه:

- كيف تركت أهل مصرك؟

- تركتهم والظلم فيهم فاش!

- وماذا رأيت منذ قربت من بابنا؟

- رأيت ظلما فاشيا!

وعندما غمزه ابن أخيه، التفت إليه ابن سيرين قائلا:"إنك لست تسأل، إنما اسأل أنا"! وفي نفس الوقت كان معروفا عنه، كونه حالما يدخل الى وليمة عرس وأمثالها، فانه كان يقول:

- اسقوني شربة سويق!

- يا أبا بكر أنت تذهب الى الوليمة أو العرس تشرب سويقا؟!

- إني اكره أن احمل حد جوعي على طعام الناس.

وهي مكونات تعكس شخصيته التي يمكن تأطير حجمها بالنسبة للثقافة آنذاك في توليفه وحدة المكونات الواقعية والنقدية تجاه النفس والعالم، التي وجدت تعبيرها الجميل في تفسير الأحلام. من هنا عدم خلوها من الطرافة أيضا شأن كل نفس نبيلة. وقدم الكثير من النماذج المثيرة لتسلية النفس وانقداح شرارة وهجها المتفائل. فعندما قال له احد الأشخاص بأنه رأى وكأن لحيته بلغت سرته، أجابه "أنت رجل مؤذن تنظر في دور الجيران!". وعندما قال له رجل بأنه رأى في منامه كأنه يطير بين السماء والأرض، أجابه "أراك تكثر الأماني!". بينما نراه يفسر ما ينسب الى الحجاج الثقفي من نادرة تقول، بأنه كتب الى مالكه عبد الملك، يخبره بأنه رأى في منامه كأن حوريتان أتتاه، فاخذ إحداهما وفاتته الأخرى، فأجابه عبد الملك "هنيئا لك يا أبا محمد!". وعندما بلغ ذلك ابن سيرين، قال "اخطأ! هذه فتنتان! يدرك إحداهما وتفوته الأخرى".

***

ميثم الجنابي

 

 

مجدي ابراهيمالأصل في فهم القرآن هو "التدبر"، وليس الأصل فيه تسطيح المفهوم؛ لأن فهم القرآن أولى وأحرى بالاهتمام من أن يجيء جرس اللفظ وحسن الصوت عالياً على المعنى بغير أن يكون هناك إدراك للعوامل الداخلية التي سببت ارتفاع الصوت وحُسْنه أو جرس اللفظ وحلاوته، فما يكون في خارج اللفظ ليس هو في الحقيقة ما يكون في داخله، إذا تَسَطحتَ معنا المفاهيم وغابت دلائل التدُّبر المنشود في معناه وفحواه.

والذي يقرأ القرآن على التؤدة والتمهل يأخذ منه نصيباً من الفهم على قسطاس الحضور والتدبر؛ فتتلاشى شيئاً فشيئاً عنده أنصبة التسطيح للمفاهيم التي ينساق فيها وراء جرس اللفظ وتواجد الوقع. وليس معنى هذا أن جرس اللفظ لا معنى له وأن تواجد الوقع لا فائدة من ورائه، كلا بل في هذا وذاك كل الفائدة وكل المعنى إذا جاءت ثمراته في مراحل تالية على المرحلة التي لا بد فيها من فهم التدبر للمعنى: كيف جاء على رقي النموذج الذي يدركه القارئ، ومتى أصابت منه قواه الداخلية سبَّبت مثل هذا الوقع المتواجد حلاوةً في اللفظ وفي المعنى على حدٍ سواء؛ فموسيقى الألفاظ الناشئة إنما هى حلاوة معنى مُدْرك مَرَدَّها إلى فهم وتدبر, أو هكذا ينبغي أن تكون في ملكوت القرآن.

على أن التدبر ليس مجرد كلمة عابرة، ولكنه استعداد لفهم أكبر قضية وأشرفها من قضايا الغيب (الإيمان)، فيها فضائل العلوم والأسرار، وفيها الفتوحات الإلهيّة والتنزلات الصمدانيّة، فيها أعلى أنواع الاستعداد لتلقي المعرفة عن الله بالمباشرة، وفيها الكشف عن وجه الحق في كل موهوب لا مكسوب، وفيها أسرار الحق المبثوثة في ظوهر الموجودات وباطنها وحكمها الساري قدراً على الأشياء.

التدبر، معرفة، وإحاطة، وإطلاع، وحضور. والتدبر تأمل في آي الذكر الحكيم. والتأمل في القرآن هو الذي يُقصد لذاته وليس المقصود القراءة لمجرَّد القراءة؛ فقراءة القرآن دون تأمل وتدُّبر نقصٌ شنيعٌ يربأ عنه العارفون بالله هو ذلك النقص الذي يطلبه القلب اللاهي عن فهم معاني القرآن:" أفلا يتدبَّرون القرآن أم على قلوب أقفالها".

من أجل ذلك؛ لا تجدي نفعاً قراءة القرآن بقلب لاهٍ، وإنما جدواه الحقيقية النافعة هى أن يكون قارؤه على طريقة من الإدّكار الفطن تدبُّره، ولا يقف على معناه واقف كائناً ما كان إلا بمقدار ما يفتح الله به عليه من عرفان الأسرار التي هى من عند الله لا من عند هوى النفس البشرية؛ لأن أهواء النفس البشرية قاصرة عاجزة لا تدرك حقائق العرفان بمحض إرادتها، وإنما الإرادة الفاعلة - لا هوى الأمنية - تدرك تلك الحقائق بمحض الموهبة الإلهية المُفَاضَة فتحاً مُبيناً من عند الله.

وللتدبُّرِ في أي الذكر الحكيم جلال وجمال: الجلال منه مهيب، رهيب، مُخَوِّف، قهَّار. والجمالُ فيه: مرغوب، مُحَبَّبٌّ، مُرَجَّى، غفار وستار. والنفس الإنسانية بين حالين في تدبرها، حالة كونها خائفة، وحالة كونها راجية. وفي سورة الإنعام على سبيل المثال لا الحصر آية تدعو إلى جلال التدبر يهتزُ لها الشعور هزات نابضة بالجلال الرهيب المهيب في قوله تعالى:" قُلْ تعالوا أَتْلُ مَاَ حَرَّمَ رَبُّكُم عَلَيْكُمْ أَلَا تُشْرِكُوا بهِ شَيئاً، وبالوالدين إحْسَاَنَاً، وَلاَ تَقْتِلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقَكُم وَإيَّاهُم، وَلَا تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَاَ بَطَنَ، وَلاَ تَقْتِلُوا النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلاَّ بالحَقِ ذَلِكُم وَصَّاَكُم به لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ. وَلاَ تَقْرَبُوا مَاَلَ اليَتِيمِ إلَّا بالَّتي هىَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشَدُّه، وأوْفُوا الكيْلَ والميزانَ بالقِسْطِ لاَ نُكَلِّف نَفْسَاً إلاَّ وسْعَهَا، وإذَا قُلْتُمْ فاعْدِلوا وَلَو كانَ ذَا قُرْبَي وبعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلكم وصَّاَكُمْ به لَعَلَّكُم تَذَكَّرُون. وأنَّ هذا صِرَاطي مُسْتَقِيماً فاتَّبِعُوه, ولا تتبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بكم عَن سَبِيلهِ, ذَلكُم وَصَّاَكُم به لَعلَّكم تَتَّقُون".

فما حَرَّم ربنا علينا إنما هو قضايا خمس كلها من كبائر الموبقات والذنوب إذا اقترفها إنسان, كان كمن يرتكب الكبيرة. ولا شك أن قوة "المنع" عن ارتكاب الكبيرة من إنسان يرتكبها لا بد وأن يتوافر فيه زاجر أقوى من كل قوة هو زاجر التوفيق في الإيمان؛ فلا إيمان بغير أن يكون هنالك زاجرٌ عن المعاصي والذنوب. ومعلومٌ أن الإيمان مكانهُ القلب، والقلب الفارغ من الإيمان من شأنه أن يلهو ويعبث ثم يضيق ذرعاً بتطبيق أركان الإيمان من أوامر ونواهٍ. ولا يتأتى هذا التطبيق الرشيد إلا بجهاد شريف يُنَاقض الجهل المركب والإصرار على الغفلة؛ فإن الجاهل جهلاً مركباً ذلك الذي يدرك أن الجهل في جميع الأحوال قيمة، وأن بقاء الجاهلين على حالة الجهل المقدس أهم وأعلى من إدراك العَالمينَ !

الجاهل جهلاً مركباً هو الذي يُقدِّس جهالته؛ لأنه لا يعرف نفسه إذْ لم يجاهد فيها الآفات والرذائل ولم يجتهد في الحصول على قيمة باقية من وراء الجهاد؛ فهو الذي يتبع نفسه هواها ويتمنى على الله الأماني. والجهاد الحق جهاد نفس شرهة وكفاح أمراض مستشريّة, ولا يتحقق معنى الإيمان بغير جهاد لنوازع الجسد تحجب الفكر عن الحقائق الإيمانية، فضلاً عن الحقائق الكونيّة المُصَفَّاة؛ فلا فكر على الحقيقة بغير جهاد، ولا إيمان ولا دنيا لمن لا يحيي ديناً من حيث إنه لا إيمان ولا دنيا لمن لا تحيا فيه فريضة التفكير.

قال الإمام علي كرم الله وجهه في هذا الصدد:" خيرُ العَمَلِ مَا أكرَهْتَ نَفْسَكَ عليه". وقال أيضاً:" ميدانكم الأول أنفسكم، فإن انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإنْ خُذِلْتُم فيها كُنتم على غيرها أعجز, فجربوا معها الكفاح أولاً".

هذا المعنى يُفَسّر لك العجز العربي والإسلامي اليوم: انسياق دائم كما تُسَاق السَّوَائم وراء الأهواء، وتلبس غير معهود ولا معقول بمطالب المادة، وقلة حيلة في التعامل مع الآخرين شعوباً وأنظمة لا لشيء إلا لأن الواقع العربي اليوم مخذولٌ في نفسه، وخذلان النفس هوانٌ ما بعده هوان؛ لا يقاربه خذلان الآخر مِمَّن لم تتوافر لنا القدرة عليهم ما دامت نصرتنا على أنفسنا خذلاناً وهواناً وعجزاً؛ فمحاربة النفس بالإضافة إلى أنها تمكننا من القدرة على الغير, تعطينا طريقاً إلى معرفة الله، والانتصار عليها طريق الإيمان في كافة الأحوال.

فإذا نحن عدنا من هذه الوقفة إلى القضايا الخمس التي أشارت إليها الآية المباركة والتي حرمها الله على عباده، وجدناها كلها من الكبائر لا يرتدع عنها أحدٌ إلا برادع الإيمان؛ ففيه وحده مِكْنَة التجنّب من ارتكاب أدناها إلى التحقيق. وهذه القضايا تحيطها الوصية الإلهية بسياج محفوظ من "إرتجاء العقل"؛ فما يوصي الله به في تلاوة ما حرم على عباده إنما هو وصية محاطة برجاء أن يكون العبد المنفذ لها عاقلاً معصوماً عن الغفلة أو يكون على أقل تقدير محفوظ عن الغرق في مستنقعها الآسن, وتتضمّن القضايا الخمس الآتي:

(1) التحريم القطعي للشرك بالله في (ألا تشركوا بالله شيئاً).

(2) والإحسان للوالدين في (وبالوالدين إحساناً).

(3) والنهي عن قتل الأولاد من خشية الفقر والإملاق.

(4) وتحريم الاقتراب من الفواحش في (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن).

(5) وتحريم قتل النفس في (ولا تقتلوا النفس التي حَرَّم الله إلا بالحق).

فهذه القضايا الخمس هى مما يُوصي الله به في قوله تعالى:" ذَلِكُم وَصَّاَكُم به لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ".

ولنلحظ التعقيب على الحكم: إيمان بالعقل، وحَثُّ على استخدامه لتتحقق فوائد الإيمان، لكأنما كان رجاء الإيمان ها هنا مُعَلقاً على وصية إلهية يُرجى فيها استخدام العقول العاقلة عن ربها مطالب العزة وفقه الحكم بالعقل. ولا تنتهي تلاوة ما حَرَّم إلى هذا الحد، بل يستطرد في تلاوة غيرها من الأحكام إلى حيث تكون الوصية في هذه المرة لا لأولئك الذين يعقلون، ولكن لمن يذكَّرون؛ فانتقال الوصية من مجال "إرتجاء العقل" إلى مجال "إرتجاء التذكرة" له مدلوله في تخريج مفهوم الآية. وهذا المدلول لامناص له من أن يؤدي إلى تعميق الإيمان حسبما يشير إليه السياق الواضح والمحدد من تلاوة ما حَرَّم الله على عباده. لكن هذه الوصية التي يرتجي منها التذكرة تشمل على أربعة أركان:

الأول يقول "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هى أحسن حتى يبلغ أشده". فإذا أنتهي هذا الركن بتقرير النهي عن اقتراب مال اليتيم، يأتي الركن الثاني بتقرير الوفاء في الكيل والميزان "وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نُكلف نفساً إلا وسعها".

ثم يجيء الركن الثالث ليؤكد هذه الحقيقة:" وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى". والمعنى من هذا هو: أي لو كان المتعلق به قولكم قريباً لكم لا تجاملوا أحداً في الحق، بل العدل أقرب إلى أن تكونوا على منهاج الحق فيما تعاملون به الناس سواء بسواء من غير أن يكون هنالك اعتبار لقريب أو ما يشبه القريب.

ويأتي الركن الرابع والأخير ليقول "وبعهد الله أوفوا"، ثم تنتهي الأركان الأربعة بتعقيب على الحكم يُوصي الله به عباده:" ذلكم وصَّاكم به الله لعلكم تذكرون".

ويلاحظ في سياق الدلالة من أحكام القضايا الخمس السابقة أن الوصيّة كانت منصبة على الذين يعقلون:"ذلكم وصَّاكم به لعلكم تعقلون"، وهنا في هذه الأركان يجيء سياق الدلالة من الوصية تعقيباً على الأحكام:" ذلكم وصّاكم به لعلكم تَذَكَّرُون ".

لاحظ إرتجاء التذكرة في الأركان هنا جاء مُعَلَّقاً على إرتجاء العقل في القضايا هناك في حين كان التعقيب على الأحكام "تذكرة"؛ لماذا؟ لكأنما الإنسان إذا هو عقل وصية ربه في الحالة الأولى؛ حالة القضايا التي تتعدد فيها ذكر ما كان حرم الله على عباده, صار يسيراً عليه فعل التذكرة في الحالة الثانية.

فحينما قال المولى تبارك قوله (لعلكم تذكرون)، كأنه يريد أن يقول لعلكم تذكرون ما قد علمتموه من الوصية الأولى، فإذا كنتم عقلتم وصيتي الكبرى وأوجبتم على أنفسكم تنفيذ ما يمكن أن يكون فيها من زواجر ونواهي, ومن أوامر وتكليفات هى إنْ فعلتموها كانت لا شك في صالحكم، صار ما أقرره في هذه الأركان يسيرة عليكم تأديته في الحالة التي إذا ما أنتم قمتم فيها بواجب الوصية الأولى؛ فإذا الفعل ها هنا ليس فيه عُسر ولا مشقة.

والتذكرة هنا لا تحتاج إلى العناء الذي ربما كانت ظواهره بادية عليكم حال كونكم تنفذون الوصية الأولى؛ فموجب الوصية قطعاً ها هنا لا يحتاج فيه الفعل إلى شيء غير التذكرة وكفى. وإذا تجمّعت الحكمة من وراء إرتجاء التذكرة مع الحكمة من وراء إرتجاء العقل، كانت هنالك نتيجة مؤداها أن تخلص - بمقتضى الإيمان - سريرة الإنسان، تخلص من ماذا؟ تخلص من العوالق والقواطع والأغيار التي تنخر فيها كما السوس مفسدة لها في كل حال؛ لتتوحد السريرة خالصة مع الله؛ فإذا التوحيد شهادة حقيقية ليس فيها مجاز؛ وإذا هو واقع مُحَققٌ لا صورة هزيلة فارغة من المعنى أو من المضمون.

ليس للفكر دين. التفكير فريضة إنسانيّة، ولا يمكن أن يكون غير هذا؛ إذْ ليس للفكر دين؛ لأنه لو كان للفكر دين لأصبح في معزل عن الإنسان من حيث أنه كائن مفكر ولصار الدين هو الحاكم الأول والأخير على فريضة التفكير لديه؛ وإنما الإنسان الذي يفرز الفكر هو الذي يفرز العلم ويناقش الدين بعمل العقل والتفكير؛ ولأن العمل العقلي في كل حال هو الذي يستوجب في كل حال فريضة التفكير.

ولكن الفكر الذي على هذا النحو سرعان ما يتحوَّل إلى وثن يعبد وإلى صنم يقدس. ربما يُقال في هذه المسألة: ما قيمة الدين من أساسه إذا كان في مستطاع الإنسان أن يتخذ من فكره ديناً يتكئ عليه ويستند على مقرراته المعرفيّة فلا حاجة به إلى دين أو عقيدة؟ وبما أن التفكير فريضة إنسانية؛ فالأديان تنحصر في تفكير الإنسان المحدود وتتقزم بما لدى الإنسان من عقائد التفكير.

تدور الأسئلة التي من هذا النوع كثيراً على أذهان المتسائلين، ولكن الذي يوقفها عند حدودها هو التفكير في مسائل المصير والتأمل الدقيق في أجواء الإيمان؛ فالإنسان مهما كان وأيَّا ما كان فهو محدود التفكير ومحدود العمر، وهو بطبيعته كائن محدود العقل، محدود الزمن، إذا هو فكر كثيراً في مصيره لا يلبث إلا ويعود عليه مثل هذا التفكير بتقرير الإيمان والدخول فيه دخولاً يتغشاه من الباطن ويتعمقه بعيداً عن السطح الظاهر؛ ليصل به إلى حقيقة امتداده فيما وراء الحياة المحدودة، والزمن المحدود، والعقل المحدود، والعمر المحدود، ولا يصل إلى تلك الحقيقة إلا بما يتقرّر لديه من مقررات الإيمان .

بيد أنه لو أقتصر على فكره مجرداً عن الدين والإيمان سرعان ما يقدس هذا الفكر فيصبح تفكيره (دجمة) مقدَّساً، مُجَرَّد وثن يعبد كأنه يؤمن به إيماناً خالصاً كمَا يؤمن المؤمنون بالإله الواحد، فلا يستطيع الخروج من ذاته تفكيراً وتعبيراً إلى حيث رحابة الكون وأفق اللانهائي اللامحدود واللامتناهي. والقرآن يقوده بالإيمان والعقل معاً إلى هذا الرحاب العلوي الأكرم ويخلصه من غواشي التفكير المحدود بتحرير اللطيفة الباطنة الجُوّانيَّة عن سطوات الأغيار.    

ولا خُلاص لهاته اللطيفة الجُوَّانيَّة إلا أن يكون خلاصها الوحيد في عقل يعقل وصيّة ربه على قانون الجهاد في سبيله، وضبط النفس والانتصار عليها؛ ليلزمها شرف البقاء دوماً في رحاب المعيّة. فالعقل من ثمَّ هو أشرف معنى من معانيه، وهو هنا أكمل ما يكون كاملاً حين يتصف به الإنسان الكامل في الفهم عن الله. والإنسان الكامل في توخي العبادة وملازمة السلوك القويم بمقتضى فكرة التوحيد وفي إطارها؛ فلا هو بالعقل الذي يستقبل ثم يرفض، ولا هو بالعقل الذي يسمع ولا شأن له بالتطبيق، ولكنه العقل الذي يحيل إلى البصيرة ويقود إلى الإيمان على أكمل ما يكون الإيمان في متابعة السبيل كما يصفه ربّ العزة في قوله تعالى:" وأنَّ هذا صِرَاطي مُسْتَقيماً فاتَّبِعُوه ولا تتبعوا السُّبَل فَتَفَرَّقَ بكم عن سبيله، ذَلكم وصَّاكم به لعلكم تَتَّقونَ".

أمامنا الآن ثلاثة محاور أساسية كبرى في الإرتجاء هى بمثابة تعقيبات أحكام تتسلسل بعضها عن بعض.

(1) محور أول في إرتجاء العقل.

(2) ومحور ثاني في إرتجاء التذكرة.

(3) ومحور ثالث في إرتجاء التقوى.

والأساس الصالح والركيزة الفاعلة في هذه المحاور هو "العقل"؛ فلولا العقل ما كانت التذكرة، ولولا اجتماع التذكرة التي تستقي روافدها وأركانها من العقل لمَا كان هناك تناسق في الصفة التي يتصف بها الإنسان من نشدان الكمال المعصوم في إتباع السبيل في غير تشتت وتَفَرُّق.

هو ذاكر لأنه عاقل، ويسير عليه فعل التذكرة بعدما اتصف بالرشاد والعقلانية، لكنها عقلانيّة ممزوجة بالنور تأخذ من مشكاة القلب ليرقيها، معجونة بخميرة الإشراق الروحي، وليست هى بالمعزولة عن هذه أو تلك بحال، ولا هى كذلك بالعقلانية البعيدة عن مثل هذا النور بشطط العقل الأهوج الغافل البليد.

فإذا تمَّ الرجاء في عقله سَهَلَ أن تتمَّ التذكرة عنده لتمام الرجاء في عقله سابقاً، ثم إذا أنت قرنت العقل مع التذكرة قرانة لزوم وارتباط كاللزوم الضروري والارتباط السّببيّ بين القضايا والأركان ثم التعقيبات على أحكامها، نتجت عن ذلك نتيجة مؤداها أن رياض الإيمان هو هو الفاعل في كل هذه القضايا والأركان يرتد من فوره إلى التقوى؛ وهو المُراد بوصية أخرى ثالثة هى بمثابة اللازمة الضرورية من مقدمتين سبقت أهمهما إحداهما؛ فالأهم كانت في إرتجاء العقل، ثم إرتجاء التذكرة بعد العقل بالطبع؛ فَلَزَمَ عن هذه وتلك, ذلك "الإيمان", وهو المراد بقوله تعالى:" ذلكم وصَّاكم به لعلكم تَتَّقونَ".

والتقوى لا مَحَاَلَة هى لب لباب الإيمان.

أي نعم! لب لباب الإيمان هو التقوى، ولماذا كانت التقوى؟ لأن للتقوى أنوراً هى ثمرة الجهاد مع التذكرة، تشع في باطن السريرة الإنسانية، فتلزمها كمال البقاء على الصراط المستقيم؛ فبعد أن يؤدى العقل الغرض الشريف ممّا هو مكفول له أن يؤديه، فيكتمل الرجاء فيه كلما عقل عن الله مراده وحكمه، وبعد أن تفي التذكرة بأركانها واحداً واحداً؛ يجيء الأمر صادراً بوصية التقوى (= أعلى الوصايا) في أن هذا صراطي مستقيماً فأتبعوه؛ فإذا أتبعتموه في مجال التذكرة ومن قبلها مجال العقل، كنتم لاشك من المتقين الذين يعرفون للاستقامة معنى ودلالة؛ أي كنتم لا شك - بمتابعة السبيل - من الذين هداهم الله إلى الإيمان الحق، فكان الإيمان الحق حقيقاً بأن تكونوا، بمزاولته، من المتقين.

ولا بأس آخر الأمر من الاستئناس بما وَرَدَ في "لطائف الإشارات" للإمام أبي القاسم القشيري (ت 465هـ) في تفسير الآية حيث ذكر أن الآية المباركة تضمَّنت عشرة أشياء أولها الشرك، فإنه رأس المحرَّمات, والذي لا يُقبَل معه شيء من الطاعات, وينقسم ذلك إلى شرك جليِّ وشرك خفي؛ فالجلي عبادة الأصنام، والخفيّ ملاحظة الأنام بعين استحقاق الإعظام. والثاني من هذه الخصال: ترك العقوق، وتوقير الوالدين بحفظ ما يجب من أكيدات الحقوق. والثالث: قتل الأولاد خشية الإملاق، وإراقة دمائهم بغير استحقاق. والرابع: ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما بدا واستتر، ويدخل في ذلك جميع أقسام الآثام. والخامس: قتل النفس بغير الحق، وذلك إنما يكون لفقد شفقة الخلق. والسادس: مجانبة مال اليتيم والنظر إليه بعين التكريم. والسابع: بذل الإنصاف في المعاملات والتوقي من جميع التبعات؛ أي: الاحتراز عما فيه تبعة. والثامن: الصدق في القول والعدل في الفعل. والتاسع: الوفاء بالعهود الإلهية. والعاشر: متابعة السبيل بما تشير إليه لوائح الدليل. قال القشيري: "فمن قابل هذه الأوامر بجميل الاعتناق سعد في داريه وحظى بعظائم منزلته". فاللهم حقق .

نعم، لقد صدق نظر العرفان الذوقي بمقدار ما لديه من صدق الموافقة والمتابعة, وكذبت أنظار المتعالمين من ذوي الدعوى العريضة في غير تحقيق ولا استشراف؛ فلئن خَرَّج القشيري دلالات هذه الآيات المباركات، فلقد خَرَّجها من ذوق عرفاني ودلالة معرفيّة غير أنها إشاريّة، ولم يخرجها دعوى عريضة لمجرد النظر العابر في سطح المفهوم .

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

                      

عدنان عويد(قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ. ).

إذا كان التيار السلفي الجبري المعادي للحداثة قد اعتمد على النص الديني المقدس أو من قام على تفسيره وتأويله من فقهاء العصور الوسطى، فكذلك تيار العقل وحرية الإرادة والمناصر للحداثة لم يخرج عن هذه لقاعدة أيضاً. لذلك دعونا ننظر في هذا التيار من الخطاب الإسلامي التنويري وآلية تفكيره ومرجعياته الفكرية.

(قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ . ). (1).

جاء شيخ إلى علي بن أبي طالب عند الإعداد لمعركة صفين يسأله قائلاً: (أكان المَسيرُ بقضاء الله وقدره). فكان رد علي عليه ( لعلك تظن قضاءً واجباً وقدراً حتماً، ولو كان الأمر كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد ولما كانت تأتي من الله لائمة لمذنب ولا محمدة لمسيء. وهذا رأي إخوان ألشياطين وعبدة الأوثان. وشهود الزور. وخصماء الرحمن. وأهل العماء عن الصواب في الأمور، إن الله أمر تخيراً وانهى تحذيراً، ولم يكلف جبراً، ولا بعث الأنبياء عبثاً.).(2)

هذا هو موقف أمير المؤمنين من الجبر، والعقل وحرية الإرادة. فليس هناك قضاء واجب، ولا قدر حتم، وإنما هناك إنسان حر في اختياره وإرادته، وما أوامر الله في نصه المقدس إلا من باب التخيير، وما النهي عند الله إلا نذيراً لهذا الإنسان ونهيه عن فعل الشر وظلم الناس، وما التكليف عنده إلا تخيراً وليس جبراً على الإنسان، ومن يقول أو يمارس غير ذلك فهو ليس بمسلم. فجوهر الدين كما يفهمه أصحاب العقل وحرية الإرادة هو ما جاء في النص المقدس ذاته: (يأيها الذين آمنوا إركعوا واسجدوا واعبدوا بكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم من حرج.).(3). وعلى هذا الأساس في عدم الإحراج في الدين يأتي هنا موقف "ابن الجوزي" في التقليد الذي يبطل العقل وحرية الإرادة حيث يقول: (في التقليد إبطال لمنفعة العقل، لأنه خُلق للتدبير والتأمل، وقبيح من أعطي شمعة ليستضيء بها أن يطفئها ويسير في الظلام.).

هذا هو الفرق بين أن تأخذ العقل شعلة للمعرفة بكل معطياتها وبالتالي تستطيع عبره أن تؤكد ذاتك كإنسان قادر على معرفة ورسم الطريق الدال على مصالحك في خيرها وشرها، وبين أن تطفئ هذه الشعلة وتسير في ظلمة قاتمة وتترك أمر قيادتك للآخر الذي سيأخذك إلى ما يريد هو أو ما اعتقده هو الصح، أو ما تشتهيه مصالحه. فالفرق شاسع إذن بين النور والظلة...بين المعرفة والجهل .. بين العقل والنقل. وأخيراً بين أن تكون حراً في اختياراتك أو مجبر عليها

إن السير على هدّي العقل وحرية الارادة في تاريخ الدولة العربية الإسلامية لم يأت من فراغ، بل جاء متكئاً على النص المقدس ذاته، هذا النص الذي أعطى شرعية التفكير والتدبير في أمور الحياة للإنسان وفي مقدمتها الإيمان بالله ذاته، حيث لا جبر عليه في حريته: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر.).(الكهف – 29) وأيضاً: ( قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، وإن ظل فإنما يظل عليها، وما أنا عليكم بوكيل.)، (يونس -108)، مروراً بالتأكيد على حرية الإرادة في أمور الحياة، واعتبار أن كل ما يصيب الإنسان هو من عند الإنسان ذاته: (ذلك بما قدمت أيديكم والله ليس بظلام للعبيد.). آل عمران – 182).) وصولاً إلى حرية العقل والتفكير التي لم تخلوا سورة من القرآن إلا وأكدت عليها، ومنها أول آية نزلت وهي: (إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم...).) سورة العلق). وعلى هذا الأساس انطلق القدرية عموماً والمعتزلة على وجه الخصوص منذ السنين الأولى للدعوة يؤكدون على أهمية العقل بالنسبة لمعرفة الحق والباطل. فهذا القاضي "عماد الدين عبد الجبار أحد شيوخ المعتزلة في كتابه (طبقات الاعتزال)، يقول عن أهمية العقل بالنسبة للدين والدنيا معاً: ( لأن به يُميز بين الحسن والقبيح، ولأن به يُعرف الكتاب حجة، وكذلك السنة والاجماع، وربما تَعجب بعضهم من هذا الترتيب، فيظن أن الأدلة هي الكتاب والسنة والاجماع فقط، أو يظن أن العقل إن كان يدل على أمور فهو مؤخر، وليس الأمر كذلك، لأن الله لم يخاطب إلا أهل العقل، لأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والاجماع، فهو الأصل في هذا الباب.). (4).

من هذا الفهم السامي للعقل ودوره في فهم الدين والدنيا، جاء نضال أهل العقل في تاريخ الخلافة الإسلامية، وفهمهم لضرورة تسخير العقل كي يبحث عن حلول لمستجدات الحياة التي لم يرد فيها نص مقدس، أو حديث، أو إجماع، وذلك عبر فتح باب الاجتهاد القائم على استخدام العقل. بل إن أصحاب العقل وحرية الإرادة من شيوخ المعتزلة قد أكدوا على (الفكر قبل ورود السمع)، بعد أن عرفوا كيف كان الكذب والتدليس والتزوير في وضع الحديث أو تأويل النصوص المقدسة خدمة لمصالح شخصية أوسياسية. وهذا ما أشار إليه أحد شيوخ المعتزلة وهو " ابراهيم النظام" بقوله: (وكيف نأمن كذب الصادق، وخيانة الأمين، وقد ترى أن الفقيه يكذب في الحديث، ويدلس في الإسناد، ويدعي لقاء من لم يبلغه، ولولا أن الفقهاء المحدثين والرواة الصلحاء المرضيين يكذبون في الأخبار ويغلطون في الآثار، لما تناقضت آثارهم ولا تدافعت أخبارهم.). (5).

لا شك أن العقلانيين المناصرين للحداثة من القدريين (أهل العقل والعدل)، قد اتخذوا من تجربة الخليفة "عمر بن الخطاب في فتح دلالات النص على الواقع المتغير والمتبدل درساً في التشريع لمقتضيات العصر، وهو الذي فتح باب الاجتهاد في مسائل المؤلفة قلوبهم، والسرقة في عام الرمادة، وتوزيع أراضي سواد العراق على ألمقاتلين حجة ودليلاً لما آمنوا به . فعمر كان رائداً في استخدام العقل وفتح دلالات النص على ما يخدم الإنسان ويراعي تطور حياته ومستجداتها. وهذا ما نسميه في فكرنا المعاصر (الحداثة)، أي منح الإنسان القدرة على استيعاب مستجدات المرحلة التاريخية المعيشة، والبحث عبرها عن السبل والوسائل القادرة على تجاوز عقبات تحقيق مصالح الإنسان في حريته وعدالته ومساواته، وتأكيد إنسانيته في كل مرحلة تاريخية.

إن هذا الموقف الحداثي في تاريخ الخلافة الاسلامية وخطابها الديني الذي واجهه كما بينا سابقاً الخطاب الجبري الرافض لدور عقل الإنسان وإرادته، وأراد لهذا الإنسان أن يطفئ ضوء الشمعة التي مُنحت له كي يستضيء بها، ليبقى أسير الوهم والظلام والامتثال والاستسلام الذي رسمه له فقهاء السلطان منذ بداية العصر الأموي عندما اعتمد الأمويون على الجبر وناصروا شيخه الموالي لهم " جهم بن صفوان" الذي تراجع عن مواقفه وانتقد سطة الأمويين وفسادهم وموقفهم المعادي للموالي، فقدم حياته ضحية لمواقفه هذه، علماً أن الجهمية في مواقفها الجبرية الأولى المعادية للفكر والعقل معاً والمؤيدة للسلطات الاستبدادية لازالت سائدة حتى اليوم

إن الجبر في كل مدارسه السلفية عند (الحنابلة والأشاعرة والماتريدية والوهابية.. )، يريد حملته الاجتماعيون للواقع دائما أن يكون تحت سيف النص المقدس الذي اختاروه من بين نصوص ألقرآن وفسروه وأولوه ليس (وفقاً لأسباب النزول بل وفقاً لعموم اللفظ)، بعد أن نسخوا ما يخالف النصوص الجبرية من نصوص قدرية لا تتفق ومصالح من هم تحت أمرتهم. فهذا الغزالي يقول عن مسألة النسخ: (يجوز نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقران لأن كل ذلك من عند الله.)، ناسياً أو متجاهلاً بأن الرسول لم يأمر بكتابة الحديث أصلاً، وأن هناك آلاف الأحاديث الموضوعة على لسان الرسول، متجاوزاً في ذلك الغزالي ومن مارس النسخ على هواه، حدود الله ودوره في عملية النسخ هذه وهو القائل" ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها.). (لبقرة- 106)، وذلك خدمة لمصالح أنانية محددة، متجاهلين مصالح الناس، ومتجاهلين من خلال تمسكهم بجبريتهم حالة حركة وتطور وتبدل الواقع الذي هو في حالة سيرورة وصيرورة مستمرتين، وأن مصالح الناس وحاجاتهم ليست ثابتة، بل هي مفتوحة على المطلق. وللحقيقة نقول إن الغزالي نفسه ورد عنده ألف حديث ضعيف كما تذكر بعض المصادر.

إن الفهم الديني للحداثة هو الفهم الذي يقر بأن النص الديني المقدس في حالة صدام مع الواقع دائماً في حركته وتطوره وتبدله، وهذا يتطلب من الفقهاء وعلماء الدين العقلانيين البحث دائماً عن حلول لمستجدات الواقع، كي تتحقق حالة التوازن المطلوب بين مصالح الناس وبين النص المقدس.

يظل الموقف العقلاني / الحداثي للخطاب الإسلامي في تعامله مع النص المقدس موقفاً حضارياً – حداثياً، طالما هو قادر على فتح هذا النص على دلالاته لإنسانية المطلقة، والبحث في مخزونه عن كل ما يخدم حرية الإنسان وإرادته وتحقيق مصالحه اللامحدودة، والقدرة على التطابق مع قضايا الحياة المعيشة في كل مرحلة تاريخية تمر بها الإنسانية. ففي مثل هذا التعامل العقلاني مع النص المقدس، سيشكل هذا النص بالضرورة في مجتمعنا العربي قوة تحفيز روحية وعملية للجماهير، واستلهاماً للحس الوطني، بعيداً عن الوعظ والتكرار واجترار ما قاله أو مارسه السلف حتى القرون الهجرية الثلاثة الأولى، على اعتبار أن هذه القرون الثلاثة هي من يمثل الإسلام الصحيح فكراً وممارسة.

ملاك القول : إن في مرتكزات الخطاب الديني الإسلامي الحداثي كما يراها النص الديني الدال على حرية الإنسان وإرادته، وكما يراها فقهاء الشعب وليس فقهاء السلطات ألاستبدادية، هي أن الدين في معطياته العامة عبادات ومعاملات، وإذا كانت العبادات علاقة خاصة بين الفرد وربه، وحدودها هي حدود الله وأحكامه، ولا دخل لأحد فيها، كون الله وحده هو من يعرف دواخل الإنسان وسرائره إن كان مؤمناً به أو كافر من جهة، ثم إن كل ما يؤديه الإنسان من طقوس دينية هي لله وحده وليس لعباده كما (الصيام لي وأنا أجزي به) من جهة ثانية، لذلك ليس هناك من سلطة دينية في الإسلام تجبر الناس على اتباع هذه الفرقة الناجية أو تلك، سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر، وما للخليفة أو القاضي أو المفتي أو لشيخ الإسلام من سلطة فهي سلطة مدنية كما يقول الشيخ "محمد عبده". ) إذ لم يجعل الإسلام لأحد من هؤلاء سلطة على عقائد الناس وتقرير الأحكام).(6).

أما بالنسبة للشق الثاني وهو المعاملات (التشريع)، فإنها تخص الناس أنفسهم في الدرجة ألأولى ممثلة في القوانين المدنية والجنائية والأنظمة السياسية ولاقتصادية والاجتماعية والعلمية وغيرها من علوم وضعية، فالناس هم الذين يقررونها بمحض إرادتهم، وبما يتفق ومصالحهم العامة والخاصة، وبما لا يتعارض معها، وبمقتضى العقل والعلم بكل ما تعنيه هذه العبارة من معنى، والناس وحدهم من يقررون تطبيق حدودها أو يسقطونها أو يعدلون فيها أو يضيفون إليها ويطورونها وفق المفهوم السابق وفي ضوء متغيرات الزمان والمكان، فحدود القاتل والمقتول والسارق والمسروق والظالم والمظلوم وهي حدود الناس، وهم وحدهم من يقرر تقاسمها عقوبة ومثوبة. فحدود المعاملات في النص المقدس محدودة وهي لا تتجاوز عشرات ألآيات جاءت مطابقة لزمن نزولها، في ذلك العصر، وهناك أمور كثيرة فرضها الزمن والتاريخ على الفرد والمجتمع لا بد من البحث عن حلول لها، والناس (أدرى بأمور دنياهم.).

إن ممكنات الإسلام الروحية والأخلاقية والعملية والحضارية اليوم، كما يقول الكاتب والباحث "عبد الرزاق عيد" تكمن في تجديدها.فعندما تصبح الوطنية هي أساس النشاط الديني، وليس الحاكمية والإمارة وتطبيق الشريعة كما فسرها وفهمها التيار السلفي الجبري. وكذلك عندما يصبح العداء للمستعمر (الغرب) كونه مستعمر وليس مسيحي كافر، وعندما يكون العداء للدولة ليس على علمانيتها وإنما على ظلمها للرعية وفساد حكامها وتفريطها بالأوطان وحقوق الأمة والمواطنة، وعندما تصبح كل مكونات الدولة بكل أطيافهم الدينة مواطنين لا يقيمون وفقاً للفرقة الناجية، أو وفقاً لكونه مسلم مؤمن ومسيحي كافر، وعندما تصبح المرأة نصف المجتمع ولم تخلق من ضلع ناقص، وعندما نفهم الديمقراطية على أنها آلية عمل وبناء لمشاركة كل أبناء الوطن وليست فكراً غربياً أو وضعياً تغريبياً كافرا، وعندما يفهم الدين على أنه نص مقدس جاء لمصلحة الإنسان وخيره وعدالته ومساواته، وأن الاختلاف في تفسيره وتأويله يجب أن يأتي بناءً على خدمة مصالح المجتمع، وليس لخدمة قوى اجتماعية محددة تعمل على توظيف النص الديني خدمة لمصالحها، عندها سيكون الإسلام حداثياً وسيتمكن الإسلام والإسلاميون من إيجاد مجال مشترك مع كل مكونات المجتمع أو أطراف الأمة، فالسماء كما يقول "عيد" لا تظللهم وحدهم، بل تظلل الجميع، وللسماء وحدها حق تقرير المصير يوم الحساب.

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

..........................

الهوامش

1- الأنعام- 104

2- حسن ابراهيم حسن- تاريخ الدولة الإسلامية- القاهرة – 1991 – ج1– 244-345.

3- الحج- 77و78.

4-الثقافة الجديدة – العدد 27- 1997- ص 48.

5- المصدر نفسه – ص 46.

6- محمد عبده- الأعمال الكاملة- جمع وتحقيق " محمد عمارة" بيروت- المؤسسة العربية للدراسة والنشر- 1974 – ص285-286.

 

ميثم الجنابيهو عامر بن شراحيل. توفي عام 105 للهجرة. بلغ حسب البعض الثانية والثمانين. بينما قال الواقدي بان الشعبي مات عن سبع وسبعين سنة. ذلك يعني انه إلى جانب من قال بان ولادته كانت عام 28 للهجرة. وهو الأدق. كانت أمه من سبي جلولاء. وقد ولد ضئيلا نحيفا مع أخ له توأما. من هنا قوله مازحا "إني زوحمت في الرحم"! وهي صفة ظلت تلازمه مدى الحياة. بحيث نراه مرة يرد على رجل مغفل لقاه وهو يمشي مع امرأة. فسأله الرجل:

- أيكما الشعبي؟

- هذه!

بينما نراه يرد على سؤال رجل:

- ما اسم امرأة إبليس؟

- ذاك عرس ما شهدته!

بل ينقل عنه كيف انه وهو في طريقه إلى الشام دخل مسجدا، فوجد رجلا يقص على الناس حكايات من بينها قوله بان لله صورين ينفخ فيها يوم القيامة. وعندما قال له الشعبي بان هذا لا يتفق مع ما في القرآن. فالقرآن يقول (يوم ينفخ في الصور). عند ذاك صاح القصاص: يا هذا! أقول لك لله صوران فتقول صور واحد، استكثرت ذلك على الله؟! وحالما اخذ الناس بالاستعداد لرميه بالحجر، فانه اخذ يصرخ: والله! إن لله سبعين صورا! وهي صورة ظلت منطبعة فيما يبدو في أعماقه بحيث احتل القراء والقصاص موقعا خاصا في مواقفه النقدية. لهذا نراه مرة يرد على قول أولئك الذين استغربوا كثرة مزاحه قائلا: قراء داخل وقراء خارج! نموت من الغم!". وقد واجه هذا "الغم" الهائل بسبب ظروف المرحلة القاهرة القائمة في ضغط الأموية وأصوله الكوفية. فهو الغم الأكبر الذي تقطعت بين أسنانه الحادة شخصية الشعبي، وجعلت منه متنوع المظاهر والبواطن. إذ ينقل لنا احد الأشخاص صورته المزركشة عندما قال "رأيت الشعبي ينشد الشعر في المسجد، وعليه حلة حمراء، وإزارا أصفر". وفي نفس الوقت نقف أمام شخصية هي الأوسع معرفة واطلاعا على التاريخ وأحداثه ورواياته وشعره وأدبه وفقهه، أي كل ذلك الكم الضروري للارتقاء في سلم الثقافة آنذاك. وهو الكم الذي وضع الرجال آنذاك أمام إشكالية الموقف من السلطة. وذلك لما في الأموية من انحراف عن فكرة الحق والشرعية. من هنا هلعها الداخلي من الكلمة والمثقف، تماما بالقدر الذي سعت إلى احتوائهم بالشكل الذي يجعل منهم أدوات في لهوها الفارغ وسهوها السائغ في ذوق الانحطاط.

وقد واجه الشعبي هذه الحالة ودفع ثمنها من خلال جعله متذبذبا متعلقا بين ذاكرته التاريخية وذكراها في التاريخ. وهي حالة تتصف بقدر كبير من الدرامية تعكس دراما ومأساة الكوفة التاريخية والروحية. وذلك لما فيها من تمثل وتمثيل لتقاليد العربية الخالصة والعراقية الأصيلة.

فالشعبي كوفي المنشأ والشخصية. تمثل اغلب معالم الشخصية العراقية في مرحلة القرن التأسيسي للثقافة والدولة الإمبراطورية. وهو تمثل وتمثيل نعثر عليهما في وعيه الذاتي ومصيره الفردي والتاريخي. فنراه مرة يمثل ويتمثل التقاليد العربية عندما يقول "ما مات ذو قرابة لي وعليه دين إلا وقضيت عنه، ولا ضربت مملوكا لي قط، ولا حللت حبوتي إلى شيء مما ينظر الناس". بينما نرى عراقيته المتنوعة المتسامحة عندما سألوه مرة وهو يسلم على نصراني بعبارة "السلام عليك ورحمة الله"، كيف ذلك أجابهم "أوليس في رحمة الله؟! لولا ذلك لهلك!". وهي الصيغة التي عبر عنها في موقفه من العلاقة العادية بين الناس، عندما قال: "ليس حسن الجوار أن تكف أذاك عن الجار، ولكن حسن الجوار أن تصبر على أذى الجار". وهي العلاقة "المقلوبة" التي تتمثل استعداد الروح الأخلاقي والمعرفي في مواجهة كمية ونوعية الهموم والغيوم الثقيلة للحياة بمختلف مستوياتها وأشكالها. وليس مصادفة فيما يبدو ولعه بالبيت القائل:

ليست الأحلام في حين الرضا   إنما الأحلام في وقت الغضب

وبغض النظر عن أن الشعبي لم يستطع تحقيق هذه الفكرة في مواقفه السياسية لكنه واجه اشد حالاتها مأساوية عندما سحبته دعوات الانتفاض ضد الأموية بالاشتراك في ثورة عبد الرحمن الأشعث ضد الحجاج الثقفي. ولعل جذر هذه الحالة المتناقضة للشعبي تكمن في حساسية المثقف الكبير واستبداد الأموية الأكبر. فالثقافة عشق وقلب كبير، أما الاستبداد فهو فلاة مقفرة. ومهما يكن من أمر هذه المعادلة بالنسبة لوعيه النظري وهاجسه الوجداني، فانه يبقى هو القائل:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى   فأنـت وعيـر بالفـلاة سـواء!

وهي النتيجة المترتبة على ما فيه من رغبة عنيفة في الخروج على صحراء الأموية من خلال الرجوع إلى فلاة العشق الأبدي للكلمة والمعنى. فالتقاليد العربية كلمة ومعنى واثر في الذكرى والذاكرة. وليس مصادفة أن تتماهى شخصيته مع الحفظ والقدرة على توليف ما فيه من اجل الأنس والحقيقة. لهذا نسمعه مرة يقول "إني لأدع اللحم مخافة النسيان". بينما نسمعه يقول في حالة أخرى "ما كتبت سوداء في بيضاء قط. وما سمعت من رجل حديثا قط فأردت أن يعيده عليّ". بمعنى أن تربية الإرادة عنده كانت تعمل بقدر واحد على تهذيب الجسد والروح أو الغريزة والعقل بالشكل الذي يجعلهما يتحدان في البحث عن الحقيقة والمعنى.

ومن الممكن العثور على هذا التوليف في عشرات الشواهد الكبرى التي ميزت مواقفه وإجاباته المغرية. إذ تنقل كتب التاريخ والأدب كيف أتاه رجلان يتفاخران (من بني عامر وبني أسد). والعامري آخذ بيد الاسدي، والأخير يقول "دعني". عندها قال الشعبي: يا أخا عامر دعه! ثم قال للاسدي، انه كان لكم خصال ست لم تكن لأحد من العرب". ثم أخذ يعددها، مثل زواج النبي محمد منهم (زينب بنت جحش) و"رجل من أهل الجنة يمشي على الأرض" (عكاشة بن محصن)، وأول لواء عقد في الإسلام (لعبد الله بن جحش)، وأول مغنم لهم في الإسلام، وأول من بايع مبايعة الرضوان. وهي إجابة تكشف معرفته الواسعة بالأحداث والتاريخ وقدرته على توظيفها السريع من اجل إيجاد الحلول المقنعة. والاهم من ذلك توظيفها بطريقة تقف ضد هدم الذاكرة والذكرى من خلال بناءها في صرح الاعتدال والمحبة. إذ نعثر على موقفه هذا تجاه مختلف القضايا، مثل أن يقول "البس من الثياب ما لا يزدريك فيه السفهاء ولا يعيبه عليك العلماء". غير أن ذلك لم ينقذه، شأن كل المثقفين الكبار لمرحلة القرن التأسيسي من الحزن الداخلي العميق في لباس المزاح الرقيق. لهذا نسمعه مرة يقول "ما بكيت من زمان إلا بكيت عليه". وهي عبارة تكشف عن البكاء الباطن للشعبي. وبالقدر ذاته تشير إلى الحالة التي أبكاه التاريخ فيها. وليس مصادفة أن يقول عنه الحسن البصري بعد أن وصله خبر موته: "إنا لله وإنا إليه راجعون! أن كان لقديم السن، كثير العلم، وانه لمن الإسلام بمكان". بمعنى جمعه بين عقود المعاناة الكبرى في الحياة والعلم التي جعلت منه شخصية لها وزنها وأثرها التاريخي الهائل في إرساء أسس الثقافة العقلية والدنيوية الإسلامية.

وليس مصادفة أن يجري إدراجه من قبل البعض ضمن احد الثلاثة الكبار إلى جانب ابن عباس وسفيان الثوري، أي كل في زمانه. وقال آخر بهذا الصدد، "كان عمر (بن الخطاب) في زمانه رأس الناس وهو جامع، وكان بعده ابن عباس في زمانه، وكان بعده الشعبي في زمانه". بينما قال البعض عنه "ما رأيت أفقه من الشعبي". وقال آخر "ما رأيت أحدا أعلم بحديث أهل الكوفة والبصرة والحجاز والآفاق من الشعبي". وقال آخر "ما رأيت أحداً أعلم بسنة ماضية منه". بينما قال عنه ابن سيرين "قدمت الكوفة وللشعبي حلقة عظيمة، والصحابة يومئذ كثير". أما الأخطل بعد لقاءه الأول وإياه عند عبد الملك نسمعه يقول له:"يا شعبي! أرفق بي! فانك تغرف من آنية شتى، وأنا اغرف من إناء واحد". كل ذلك جعل الجميع تعترف بان الشعبي كان علامة أهل الكوفة، إماما حافظا متعدد المعارف والفنون. بحيث جعلته هذه الذروة ينظر بازدراء إلى أنصاف المتعلمين! ومن ثم يضع مهمة التعلم السليم، بمعنى بلوغ كمال المعرفة والبقاء ضمن سباق التعلم الدائم. من هنا قوله "العلم أكثر من عدد القطر، فخذ من كل شيء أحسنه". كما نراه يوسع مدى التعلم ويضيق عليه بقدر واحد كما في قوله "لا تتمنعوا العلم أهله فتأثموا، ولا تحدثوا به غير أهله فتأثموا". وهي رؤية مبنية على معاينته ومعايشته ومعاناته مما في العلم من اثر ظاهري وباطني على الشخصية ومواقفها العملية، أي كل ما يضعها على محك الاختبار المحرج أحيانا. من هنا يمكن فهم موقفه عندما صرخ مرة قائلا بعد ان رفض التعليق والإجابة على أسئلة وجهت اليه:"يا معشر العلماء! يا معشر الفقهاء! لسنا بفقهاء ولا علماء. ولكنا قوم سمعنا حديثا فنحن نحدثكم بما سمعنا. إنما الفقيه من ورع عن محارم الله، والعالم من خاف الله". بل نراه يبتدع صورة خيالية لعذاب علماء وثواب آخرين رغم أقولهم المتشابه، انطلاقا من أن بعضهم يعمل بما يقول، بينما الآخر يقول ولا يعمل. من هنا انتقاده اللاذع وسخريته ممن اسماهم بحمقاء القراء. فنراه مرة يقول "عيادة حمقاء القراء على أهل المريض اشد من مرض صاحبهم. يجيئون في غير حينهم، ويجلسون إلى غير وقتهم". في حين نسمعه يرد على رجل قال له:

- إن فلانا عالم.

- ما رأيت عليه بهاء العلم.

- وما بهاؤه؟

- السكينة! إذا علَّم لا يعنف، وإذا عُلّم لا يتأفف.

ونعثر على هذه الرؤية في فكرته القائلة، بان "زين العلم حلم أهله". وهي صفة شاقة زمن الشقاوات أمثال الحجاج. لكنها في الوقت نفسه الحالة المتناقضة التي أجبرته على اختبار الإرادة الفردية وأوقعته في شباك المغامرة السياسية التي يفرضها بصورة خفية وجلية منطق الانتماء إلى عالم الثقافة والروح.

فقد وضعته المعرفة أمام إشكاليات العقل والضمير والإخلاص. من هنا يمكن تحسس الألم في كلماته التي قالها يوما:"وددت إني أنجو منه (العلم) كفافا لا عليّ ولا ليّ". وان يقول في موضع آخر "ليتني لم أتعلم علما قط". وهي حالة قديمة فيما يبدو. وذلك لأنه هرب وأقام في مكة (في كنف ابن الزبير) مدة ثمانية أشهر، كما تنقل بعض الروايات التاريخية من الكوفة زمن سيطرة المختار الثقفي. وبما أن من هربوا كانوا في الأغلب على صلة بالسلطة الأموية، من هنا يمكن توقع تذبذبه بهذا الصدد من بداية نبوغه الفكري وشهرته العلمية. بمعنى انه تحول منذ وقت مبكر إلى فريسة القوى السياسية ورغباتها الغريزية في الاستحواذ عليه. وهو استحواذ كان يحمل في طياته استعداد الشعبي للقبول به. فقد أشار الشعبي نفسه إلى أن الحجاج بعد أن اختبر معارفه عينه عريفا على قومه. وكان عنده "بأحسن منزلة" قبل أن ينضم إلى حركة عبد الرحمن الأشعث. وهو الانتقال الذي أثار حفيظة وغيض الحجاج بحيث استغرب سلوكه وقال بهذا الصدد "ألا تعجبون من هذا الخبيث! أما لئن أمكنني الله منه لأجعلن الدنيا عليه أضيق من مسك جمل". لكنه قبل ذلك، كن قريبا محببا للسلطة الأموية. ومع ذلك جرى العفو عنه، بحيث أصبح من ندماء عبد الملك والمقربين إليه. وتنقل كتب التاريخ كيف أن عبد الملك كتب للحجاج يقول له، بأنه أصاب من الحياة كل لذة، ولم يبق له "إلا مناقلة الإخوان الأحاديث. وقبلك عامر الشعبي، فابعث به إليّ يحدثني". عندها دعاه الحجاج وجهزه، وأطراه في كتابه وبعث به إليه. فخرج الشعبي حتى بلغ دمشق وعبد الملك. وتمتلئ كتب التاريخ باستعراض مختلف الأحاديث بينهما. وبمجملها تكشف عن اقتراب الجسد وتلاقي الثقافة واختلاف المزاج الدفين. وتنقل لنا الروايات كيف انه حالما اختلى به قال له عبد الملك:

- كيف أنت يا شعبي؟

- بخير

وعندما حاول الشعبي تقديم الأعذار عن خروجه على الحجاج وذهابه مع قوات عبد الرحمن الأشعث، فان عبد الملك قال له: مه! فإنا لا نحتاج إلى هذا! ولا تراه منا في قول ولا فعل حتى تفارقنا! ثم اقبل على الحديث معه. وتنقل لنا الروايات بهذا الصدد نماذج جميلة لما تدعوه العربية بعبارة "الحديث ذو شجون". لكنها تكشف بالقدر نفسه علم ومعارف الشعبي وتفوقه على جميع أقرانه بما في ذلك على الأخطل في مجال المعرفة بالشعر والشعراء. وفي نفس الوقت تكشف عن شخصية عبد الملك الكبيرة ومقدرته المعرفية أيضا على إفحام الشعبي في ميدان الشعر والمقارنة بين شعراءه. عندها قال عبد الملك للشعبي:

- يا شعبي! لعله شق عليك ما سمعته!

- إي والله يا أمير المؤمنين أشد المشقة! إني قد حدثتك فلم أفدك إلا أبيات النابغة في الغلام.

- يا شعبي، إنما أعلمناك هذا، لأنه بلغني أن أهل العراق يتطاولون على أهل الشام ويقولون: إن كانوا غلبونا على الدولة، فلن يغلبونا على العلم والرواية، وأهل الشام أعلم بعلم أهل العراق.

يكشف هذا الحوار عما أسميته بالخلاف الدفين. فالشعبي كوفي عراقي، وعبد الملك شامي أموي. وهو تباين آنذاك تحول إلى مشقة بالنسبة للشعبي بسبب ما فيه من ضعف نسبي أمام السلطة، على عكس أو خلاف ما في شخصية الحسن البصري، الذي ظل رغم كل عنفوان الأموية اقوي واشق عليهم من "إفحامه" بجدل الشعر والشعراء. لاسيما وانه الميدان الذي استفحلت فيه الأموية، على عكس ما تجهله في ميدان العقل النظري والعملي. غير أن للشعبي مصيره فيما صارت إليه معارفه. لهذا نراه يحلب الشعر لكي يغذي ريق العجز الفاعل في جسد عبد الملك. فعندما اشتكى من قرب اجله، نرى الشعبي يستجمع كل ما في جعبة الذاكرة من شعر وأحداث ونوادر قادرة على بعث الأمل في روح عبد الملك، الذي تقبل ما يقال له بابتسامة تداري مشاعر الشعبي وانسه إياه لا غير. ومهما كانت نواياهما بهذا الصدد، فان كل منهما أدى دوره على أفضل ما يرام. فقد كان الشعبي ينادمه حتى موته. مما جعل عبد الملك يقول له: "لقد قويت من نفسي بقولك يا عامر، وإني لأجد خفا وما بي من بأس". وأمر له بصلة. وقال له: "اجلس يا شعبي؛ فحدثني ما بينك وبين الليل. فجلس فحدثه حتى أمسى وخرج من عنده، فما أصبح، سمع الواعية في داره! وهو فراق أعاده إلى العراق من جديد متحررا من الاقتراب الخانق من السلطة. لاسيما وان كل ما كان يقوم به يحمل كمون الخطورة التي تتحسس منها الأموية. فالأموية شأن كل استبداد لا شرعية فيه، عادة ما تتحسس من كل احتمال قادر على الارتقاء إلى مستوى المنافسة. ولعل الحادثة المثيرة التي ترويها كتب التاريخ بهذا الصدد عن إرسال عبد الملك إياه إلى ملك الروم نموذجا طريفا بهذا الصدد. فهي تحكي كيف أن ملك الروم أرسل معه رسالة خاصة لعبد الملك. وعندما فضها وقرأ ما فيها قال للشعبي:

- يا شعبي! أتدري ما كتب به إلي ملك الروم؟

- وما كتب به يا أمير المؤمنين؟

- كنت "أتعجب لأهل ديانتك، كيف لم يستخلفوا عليهم رسولك".

- يا أمير المؤمنين لأنه رآني ولم يرك!

- يا شعبي! إنما أراد أن يغريني بقتلك.

وقد فلت الشعبي من هذا "الإغراء" مرات بسبب الصدفة والحنكة. وفي كلتا الحالتين كان خادمه العلم وقاتله! وذلك لأنه كان يعيش ويرتزق بالعلم. وهو خلط عادة ما يخلط الأمور ويختلط العقل فيه والضمير. وقد يكون خروجه على الحجاج وانضمامه إلى حركة ابن الأشعث من بين أكثرها درامية بهذا الصدد. فقد كان الشعبي كما قال عن نفسه، بأحسن منزلة عند الحجاج قبل أن جاءه قراء أهل الكوفة يخاطبونه، بأنه زعيم قراء الكوفة ومن ثم لابد له من الانضمام إلى حركة المعارضة من اجل القضاء على الأموية. وقد دقت هذه الكلمات على أوتار الكوفية والعراقية الدفينة فيه. بحيث أخرجته إلى صفوف المعارضة واخذ بالوقوف بين الصفين المتقاتلين يذّكر الحجاج ويعيبه بأشياء. وعندما بلغ ذلك الحجاج قال "ألا تعجبون من هذا الخبيث! أما لئن أمكنني الله منه لأجعلن الدنيا عليه أضيق من مسك جمل!". وحالما تعرض جيش الأشعث للهزيمة تحولت حياة الشعبي إلى اختباء وتخفي. وهو شيء صعب كما أن من الصعب أن يبقى ما فيه خفيا! وقد أشار الشعبي نفسه إلى انه بقي تسعة أشهر متخفيا إلى أن جرى إعلان الأمان لكل من يدخل معسكر قتيبة بن مسلم في خراسان. وفي إحدى الأيام عرض خدماته للأمير قائلا:

- أيها الأمير! عندي علم ما تريد

- ومن أنت؟

- أعيذك ألا تسأل عن ذاك

فعرف أني ممن يخفي نفسه، فدعا بكتاب فقال:

- اكتب نسخة

- لا تحتاج إلى ذلك

فجعل يملي عليه حتى فرغ من كتاب الفتح. وهي القصة الطريفة التي يكتشف الحجاج من وراء الرسالة شخصية الشعبي. وإذا برسول الحجاج بكتاب فيه "إذا نظرت في كتابي هذا، فإن صاحب كتابك عامر الشعبي، فإن فاتك، قطعت يدك على رجلك وعزلتك". عندها التفت الأمير إليه وخاطبه قائلا:

- ما عرفتك قبل الساعة! فاذهب حيث شئت من الأرض، فوالله لأحلفن له بكل يمين.

- أيها الأمير إن مثلي لا يخفى.

- أنت أعلم.

عندها بعثه إليه، بعد أن قال لمرافقيه "إذا وصلتم إلى خضراء واسط فقيدوه، ثم أَدخلوه على الحجاج". وهو ما جرى. وعندما وصل إلى باب القصر قال له يزيد بن أبي مسلم:إنا لله يا شعبي لما بين دفتيك من العلم، وليس اليوم بيوم شفاعة! بوء للأمير بالشرك والنفاق على نفسك! فبالحري أن تنجو! ثم لقاه محمد بن الحجاج فقال مثل قولة سابقه يزيد. وحالما وقع نظر الحجاج عليه قال:

- وأنت يا شعبي فيمن خرج علينا وكثر؟!

- أصلح الله الأمير! احزن بنا المنزل، واجدب الجناب، وضاق المسلك، واكتحلني السهر، واستحلسنا الخوف، ودفعنا في خربة خربة، لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء!

- صدق والله! ما بروا في خروجهم علينا، ولا قووا علينا حيث فجروا!

وفي رواية أخرى إن الحجاج استقبله قائلا:

- لا مرحبا ولا أهلا! جئتني ولست في الشرف من قومك، ولا عريفا. ففعلت وفعلت، ثم خرجت عليّ. (والشعبي ساكت، إلى أن قال له الحجاج):

- تكلم!

- أصلح الله الأمير، كل ما قلته حق. ولكنا قد اكتحلنا بعدك السهر، وتحلّسنا الخوف، ولم نكن مع ذلك بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، فهذا أوان حقَنت لي دمي، واستقبلت بي التوبة.

- قد فعلت ذلك.

والنتيجة واحدة. وهي بقاء الشعبي على قيد الحياة. وقد استكملها في الابتعاد عن الصراع السياسي مع السلطة، وتملقها الجزئي، والاحتفاظ بما فيه من طاقة الثقافة الحية التي جعلته أسير تناقضاتها العاصفة. لهذا نراه على سبيل المثال يرد على طلب ابن هبيرة باستعماله على القضاء ومطالبته إياه بمسامرته، "استفردني بواحدة". بمعنى الاستعداد للقبول بواحدة منها فقط. وهو اعتراف من جانب السلطة بكفاءة الشعبي، لكنها تحتوي من حيث وظيفتها وغايتها على محاولة تدجين المثقف الكبير وإخضاعه لها. وهو أمر جلي في طبيعة اختيار السلطة ومحاولاتها استدراج المثقفين الكبار للحصول على تأييد وتزكية أفعالها. إذ تروي لنا كتب التاريخ كيف أن ابن هبيرة، أمير البصرة الأموي، دعا فقهاء أهل البصرة والكوفة والمدينة والشام وقرائها، فجعل يسألهم. بحيث لم يبق من بينهم قادرا على الإجابة المفحمة سوى الشعبي والحسن البصري، أي ممثلي الكوفة والبصرة. وهو تطابق رمزي من حيث الأصل والمظهر والغاية. ففي المدن وشخصياتها يكمن تاريخ الثقافة الحية والمعارضة. وهو أمر جلي فيما استتبعه الإبقاء عليهما فقط من أحداث. فقد قال ابن هبيرة حالما اختلى بهما:

- يا أبا عمرو (الشعبي)، إني أمين أمير المؤمنين على العراق، وعامله عليها، ورجل مأمور على الطاعة. ابتليت بالرعية، ولزمني حقهم، فأنا أحب حفظهم، وتعهد ما يصلحهم، مع النصيحة لهم. وقد يبلغني عن أهل العصابة من أهل الديار الأمر، أجد عليهم فيه، فاقبض طائفة من عطائهم، فأضعه في بيت المال، وفي نيتي أن أرده عليهم. فيبلغ أمير المؤمنين أني قد قبضته على هذا النحو، فيكتب إلىّ أن لا ترده! فلا أستطيع رد أمره، ولا إنفاذ كتابه. وإنما أنا رجل مأمور على الطاعة، فهل علي في هذا تبعة؟ وفي أشباهه من الأمور، والنية فيها على ما ذكرت؟!

- أصلح الله الأمير، إنما السلطان والد يخطئ ويصيب!

وأعجب هذا الجواب ابن هبيرة. وحمد الله عليه! ثم توجه صوب الحسن البصري، فقال:

- ما تقول يا أبا سعيد؟

عندها اخذ الحسن البصري باسترجاع عبارات ابن هبيرة المذكورة أعلاه ثم أردف معلقا عليها بحديث ينسب للنبي يقول فيه "من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة، حرم الله عليه الجنة". ثم أضاف قائلا:"حق الله ألزم من حق أمير المؤمنين. والله أحق أن يطاع، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فاعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله، فإن وجدته موافقا لكتاب الله فخذ به، وإن وجدته مخالفاً لكتاب الله فانبذه! يا ابن هبيرة! أتق الله! فأنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين، يزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك. فدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك، وتقدم على ربك، وتنزل على عملك. يا ابن هبيرة! إن الله ليمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله! وإن أمر الله فوق كل أمر، وإنه لا طاعة في معصية الله، وإني أحذرك بأسه، الذي لا يرد عن القوم المجرمين".

- أرجع عن ظلمك أيها الشيخ! فإن أمير المؤمنين صاحب العلم، وصاحب الحكم، وصاحب الفضل، وإنما ولاه الله تعالى ما ولاه من أمر هذه الأمة، لعلمه به، وما يعلمه من فضله ونيته.

- يا ابن هبيرة! الحساب من ورائك، سوط بسوط، وغضب بغضب، والله بالمرصاد. يا ابن هبيرة! إنك إن تلق من ينصح لك في دينك، ويحملك على أمر آخرتك، خير من أن تلقى رجلاً يغرك ويمنيك.

فقام ابن هبيرة مستاء من قول الحسن البصري. وعندما خرجا منه قال الشعبي للحسن البصري:

- يا أبا سعيد! أغضبت الأمير وأوغرت صدره، وحرمتنا معروفه وصلته!

- إليك عني يا عامر! يقول الناس عامر الشعبي عالم أهل الكوفة!! أتيت شيطاناً من شياطين الأنس تكلمه بهواه، وتقاربه في رأيه. ويحك يا عامر! هلا اتقيت، إن سئلت فصدقت، أو سكت فسلمت.

- يا أبا سعيد، قد قلتها وأنا أعلم ما فيها!

- فذاك أعظم في الحجة عليك، وأشد في التبعة!!

وهي الحادثة التي جعلت الشعبي يقول كلمته الشهيرة عن الحسن البصري:"ما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء، إلا مثل الفرس العربي بين المقارف! وما شهدنا مشهدا إلا برز علينا". وهو تقييم اختتمه الشعبي بموقف ملتزم قال فيه:"أعاهد الله، أن لا أشهد سلطانا بعد هذا المجلس، فأحابيه". وقد عايش الشعبي هذه الحالة المتناقضة وعانى منها على امتداد حياته. فقد بقي رغم كل التذبذب العاصف أحيانا تجاه السلطة كوفيا، أي معارضا للأموية. غير أن الميدان الأكبر لمعارضته الفعلية هو مساهمته العميقة في إرساء أسس الثقافة العقلية والتاريخية والأدبية. لكنه إرساء لم يتجذر في منظومة فكرية أو حتى كتاب خاص، بقدر ما كان يقوم في تعلم وجمع الكم الهائل للمعارف المتناثرة والمتنوعة في شخصيته. وبهذا يكون قد قدم البرهان على ما في الإنسان المتعلم من قدرة تضاهي قوة السلطة وجيوشها. ومن ثم وضعه على الدوام أمام محاولات ابتزازها. وهي الحالة التي واجهها الشعبي على امتداد عقود صنعت تناقضاته ومفارقاته ومواقفه النقدية والواقعية تجاه النفس والمجتمع والقيم.

لقد أدت تجاربه المريرة بهذا الصدد إلى بلوغ الرؤية العقلانية والتشدد الأخلاقي، مثل قوله "من كذب على القرآن فقد كذب على الله"، وانه "ما من خطيب يخطب إلا عرضت عليه خطبته". وكشفت هذه التجارب له عما في صعود المثقف الكبير من خطورة كامنة هي عين الامتحان والمحنة، أي كل ما نعثر عليه في موقفه من العلم والعلماء والفقهاء. من هنا نراه مرة يقول "لو أن رجلا سافر من أقصى اليمن لحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبل من عمره ما رأيت سفره ضائعا. ولو سافر في طلب الدنيا أو الشهوات إلى خارج هذا المسجد لرأيت سفره عقوبة وضياعا".

وفي حالة أخرى نراه يحذر من خطورة ادعاء المعرفة. من هنا مطالبته المتعلمين من مغبة الاغترار بالمعرفة الزائفة. لهذا كان يقول "إذا سئلت عما لا تعلم فقل: الله أعلم"، و"لا تقولن لشيء لا تعلمه إني اعلمه". من هنا إعلاءه شأن من اسماهم بالصالحين الأوائل، الذين كان همهم "الإكثار من الحديث". لهذا نراه يقول عن نفسه "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما حدّثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث". بمعنى البقاء ضمن تقاليد القيل والقال. وهي "حصيلة" تعكس أولا وقبل كل شيء مزاجه من تجربته المريرة أكثر مما تعكس حقيقة مواقفه الفكرية والنظرية العامة والخاصة. وذلك لتحسسه وإدراكه ثقل المحنة التي يحمل العلم رغم كونه مفتاح الأمور. بحيث جعله ذلك مرة يقول "ليتني لم أكن علمت من ذا العلم شيئا". وهي أمنية محكومة بصعوبة التمسك بما في العلم من قواعد وقيم، وذلك بفعل محاصرتها الغريزة وهواجسها بلهيب المنطق والحقيقة. إذ عادة ما تضع هذه الحالة الفكر والمثقف في خلاف أو صراع أو تضاد مع السلطة. ومن الممكن رؤية ملامح هذه الحصيلة في الفكرة التي بلورها عما اسماه بخصال العلم ومتطلباته. فقد قال بهذا الصدد "إنما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان - العقل والنسك. فإن كان عاقلا ولم يكن ناسكا قال: هذا أمر لا يناله إلا النساك فلن أطلبه. وإن كان ناسكا ولم يكن عاقلا قال: هذا أمر لا يناله إلا العقلاء، فلن أطلبه. فلقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم من ليس فيه واحدة منهما، لا عقل ولا نسك". من هنا مطلبه "اتقوا الفاجر من العلماء، والجاهل من المتعبدين، فإنهما آفة كل مفتون". لهذا نراه يجيب على سؤال:

- من أين لك كل هذا العلم؟

- بنفي الاغتمام، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمام، وبكور كبكور الغراب!

وهي صفات تراكمت في شخصيته دون أن تحررها من الخطأ والخطيئة، لكنها كانت تصب في تيار الرؤية الواقعية والأخلاقية والاعتدال العقلاني. فعندما سألوه مرة عن قتال أهل العراق وأهل الشام، أجاب:"لا يزالون يظهرون علينا أهل الشام. ذلك بأنهم جهلوا الحق واجتمعوا، وتفرقتم. ولم يكن ليظهر الله أهل فرقة على أهل جماعة أبدا". وفي الوقت الذي يدين فيه فكرة وواقع الغوغاء، لكننا نراه يعثر فيها على فضيلة كبرى عندما قال "نعم الشيء الغوغاء! يسدون السيل، ويطفئون الحريق، ويشاغبون على ولاة السوء!". وهي أفكار واقعية ميزت الكثير من مواقفه، وطبعت اغلبها بمسحة أخلاقية. فعندما سأله احدهم عما ينبغي أن يفعله المرء وهو غير قادر على تقديم الأضحية، أجابه: "لان اتركها وأنا موسر، أحب إلي من أن أتكلفها وأنا معسر".

غير إن توليف الرؤية الواقعية والأخلاقية تجسدت عنده فيما يمكن دعوته بتأمل التجربة التاريخية للدولة والثقافة. ففي معرض تقييمه للتجربة الإسلامية بهذا الصدد نسمعه يقول "تعامل الناس بالدين زمانا طويلا حتى ذهب الدين. ثم تعاشروا بالمروءة حتى ذهبت المروءة. ثم تعاشروا بالحياء زمنا طويلا حتى ذهب الحياء. ثم تعاشروا بالرغبة والرهبة وأظنه سيأتي بعد ذلك ما هو أشد منه". وفي معرض تقييمه اختلاف الناس والفرق، فانه يسعى للتوصل إلى حكم يتضمن قيمة البحث عن الحق. فهو يقول هنا "ما اختلفت امة بعد نبيها إلا اظهر أهل باطلها على أهل حقها". وهي فكرة يمكننا أن نتحسس فيها أيضا تصوراته عما يمكن دعوته بخروج الدولة (الأموية) عن الحق. ووضع هذه الفكرة في موقفه الداعي للاعتدال العقلاني من التاريخ والماضي وصراعاته. من هنا يمكن فهم كلماته عن أن "حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنّة". بينما وجد في اختلاف الناس في مواقفهم من علي وعثمان مقبولة، باستثناء بغضهما. فعندما قالوا له "أصبحت الأمة على أربع فرق: محب لعلي مبغض لعثمان، ومحب لعثمان مبغض لعلي، ومحب لهما، ومبغض لهما. فمن أيها أنت؟ عندها أجابهم "مبغض لباغضهما". وهو موقف يؤسس للاعتدال وليس للخروج على موقف الدفاع الصريح والواضح عن الحق. وقد لا يكون هذا الموقف معزولا عن ضغط الأموية وولاتها في العراق آنذاك، لكنه يميل ضمن ظروف المرحلة إلى الوقوف ضد السياسة الأموية التي جعلت من بغض علي "سنّة"! وضمن هذا السياق أيضا يمكن فهم مواقفه الداعية إلى الاعتبار بسياسة عمر بن الخطاب. إذ وجد فيه نموذجا للجماعة من خلال استشارة الناس قبل العمل. إذ نسمعه يقول "إذا اختلف الناس في شيء فانظر كيف صنع عمر، فان عمر لم يكن يصنع شيئا حتى يشاور". وهو موقف لم يكن معزولا عن معارضته للقياس المتحزب، أو قياس الأهواء. من هنا وقوفه ضد الغلو في الدين والعبادة. بحيث نراه يقول مرة في مخاطبته البعض "إياك والمقايسة في الدين" لكي لا يجري أحلال الحرام وتحريم الحلال. وقد علق بهذا الصدد مرة على هذه المقايسة في حوار حي هو التالي:

- يا هؤلاء! أرأيتم لو قتل الأحنف بن قيس (هو من الشخصيات الجليلة لصدر الإسلام. نموذج للحكمة والحلم والسمو الأخلاقي) وقتل معه صبي أكانت ديتهما سواء؟ أم يفضل الأحنف لعقله وحلمه؟

- بل سواء.

- فليس القياس بشيء!

وهو السبب الذي جعله يقول "إنما هلكتم بأنكم تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس". وهو موقف لا يعارض أو ينفي القياس العقلي السليم، بل "القياس" الخاضع لغلو الأهواء، أو القياس الشكلي الفارغ. ومن نوادره بهذا الصدد، انه أجاب على أسئلة من خلال استشهاده بأقوال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب. وعندما قالوا له:

- ما ترى أنت؟

- ما تصنع برأي بعد قولهما؟ إذا أخبرتك برأي فبل عليه!

ولم يقصد هو بذلك تفاهة ما يقول، بقدر ما انه أراد القول بضرورة تمثل تجارب الأسلاف والاعتبار بها استنادا إلى ما فيها من قيمة عقلية وعملية دون أن يعني رفعها إلى مصاف المقدس. انطلاقا من أن العاقل يعتبر بالحكمة وينتجها ويسير بهداها. وهي عملية متراكمة من تجارب الأسلاف وتأمل العقل ووهج الوجدان. وقد وضع ذلك مرة في نادرة طريفة تحكي كيف أن احد الرجال صاد قنبرة. فقالت له:

- ما تريد أن تصنع بي؟

- أذبحك وآكلك!

- ما اشفي من قرم ولا اشبع من جوع! ولكن أعلمك ثلاث خصال خير لك من أكلي. إما واحدة أعلمك وأنا في يدك.والثانية على الجبل. والثالثة على الشجرة.

- هاتي الواحدة!

- لا تلهفن على ما فاتك.

فلما صارت على الجبل قالت:

- لا تصدقن بما لا يكون أن يكون.

فلما صارت على الشجرة، قالت:

- يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درتين في كل واحدة عشرون مثقالا.

فعض الرجل على شفتيه وتلهف. فقال:

- هاتي الثالثة!

- قد نسيت اثنتين! فكيف أحدثك بالثالثة؟ ألم اقل لك لا تلهفن على ما فاتك؟ ولا تصدقن بما لا يكون أن يكون؟ أنا وريشي ولحمي ودمي لا أكون عشرين مثقالا!

لقد رجعت القنبرة إلى عالمها، كما عاد الصياد إلى نفسه خالي اليدين ممتلئ بحكمة الوجود. ولم يكن هذا الوجود بالنسبة للشعبي أكثر أو اكبر من عالم صيرورته الثقافية وما أسميته بامتحان ومحنة المثقف في علاقته بالسلطة، ومن خلالها بالماضي والحاضر والمستقبل. وهو الشيء الذي يمكننا لمح بريقه الخاطف أو صداه في النادرة التي وضعها عن الأسد الذي مرض فعاده السباع ما خلا الثعلب. فقال الذئب للأسد:

- أيها الملك مرضت فعادك السباع إلا الثعلب.

- إذا حضر فأعلمني!

وعندما بلغ الخبر الثعلب جاء، فقال له الأسد:

- يا أبا الحصين! عادني السباع كلهم فلم تعدني؟

- بلغني مرض الملك فكنت في طلب الدواء.

- فأي شيء أصبت؟

- قالوا خرزة في ساق الذئب ينبغي أن تخرج.

فضرب الأسد بمخالبه على ساق الذئب. فأنسلّ الثعلب، وقعد على الطريق. فمر به الذئب والدماء تسيل عليه. فناداه الثعلب قائلا:

- يا صاحب الخف الأحمر! إذا قعدت بعد هذا عند السلطان، فانظر ماذا يخرج من رأسك!

***

ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابيهو أبو عبد الرحمن الفارسي اليمني (ت-105 للهجرة). من التابعين. كان نموذجا للإخلاص والحرية. بحيث ارتقت شخصيته إلى مصاف المرجعية الروحية والعملية. وليس مصادفة أن يتحول حتى دفنه إلى مشكلة للسلطة! إذ أدى كثرة المشيعين إلى دعوة الحرس للقيام بتنظيم الدفن. وتنقل كتب التاريخ مشاركة الشخصيات الكبيرة في دفنه وانهماكهم الشديد من اجل إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه.

توفي بمكة وهو يؤدي مراسيم الحج بعد أن بلغ من العمر أكثر من مائة عام! وترسم لنا كتب التاريخ صورة عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب واضعا السرير على كاهله، بحيث سقطت قلنسوته ومزق رداؤه من خلفه. وكان يلازم تابوته حتى بلغ القبر. وهي الحالة التي حدسها طاووس في حياته عندما قال مرة "حج الأبرار على الرحال". كما أنها الفكرة التي تغلغلت في مواقفه من كل شيء، بحيث وجدت تعبيرها في كلمته القائلة: "لا يجرد دين المرء إلا حفرته". ووجدت هذه الفكرة تعبيرها الخالص في الإخلاص للحق والحقيقة التي ميزت شخصيته على امتداد عقودها المديدة. بمعنى الإخلاص التام للفكرة والعمل بمعايير الروح الأخلاقي. وتنسب إلى ابن عباس عبارة عنه يقول فيها: "إني لأظن طاووسا من أهل الجنة". وتعكس هذه العبارة مدى التجانس الفعلي بين ظاهر وباطن الشخصية الفردية والاجتماعية والإسلامية فيه.

عاش حوالي مائة سنة متمثلا تجارب القرن التأسيسي الأول من تاريخ الإسلام. ومن الممكن رؤية الأبعاد الروحية لهذه التجارب في آراءه وأفكاره ومواقفه من السلطة، بوصفها جزء من تكامله الفردي بمعايير الحق والحقيقة والقيم المتسامية. فمما ينسب إليه قوله "ما من شيء يتكلم به ابن آدم إلا أحصي عليه، حتى أنينه في مرضه"، و"أن أكيس الكيس التقيّ، واعجز العجز الفجور"، و"حلوّ الدنيا مرّ الآخرة، ومرّ الدنيا حلوّ الآخرة"، و"لكلّ شيء غاية، وغاية المرء حسن خلقه". بل نراه يجمع كل ما تريد الأديان قوله بعبارة واحدة وهي "الخوف من الله فقط. وأن يحب للناس ما يحب لنفسه". بحيث نراه يبلور هذه الفكرة مرة بهيئة نصيحة وموقف في قوله لشخص "إياك أن ترفع حوائجك إلى من أغلق دونك بابه وجعل دونك حجابا. وعليك بطلب حوائجك إلى من بابه مفتوح إلى يوم القيامة، طلب منك أن تدعوه ووعدك الإجابة". فقد تبلورت هذه الفكرة في مجرى صيرورته الفردية بوصفه لسان الصدق والحق. وكشف عنها في موقفه من السلطة على امتداد حياته. إذ ينقل عنه كيف انه دخل مرة على محمد بن يوسف الثقفي (اخو الحجاج الثقفي) عندما أصبح واليا على اليمن. وكان طاووس برفقة وهب بن منبه. عندها اخذ طاووس يعظ محمد بن يوسف، الذي طلب بدوره من أحد غلمانه، أن يجلب طيلسانا ويضعه على كتف طاووس. لكن طاووس استمر في كلامه، متململا بحيث أدى إلى إسقاط الطيلسان ثم خرج. مما أثار حنق محمد بن يوسف الحجاج. وعندما قال له وهب بن منبه ألا كان من الممكن أخذه وبيعه والتصدق بثمنه للفقراء، أجابه: "أخشى أن يقول العلماء بعدي، نأخذ كما اخذ طاووس ثم لا يصنعون فيما أخذوه ما تقول".

وليس مصادفة أن تسعى السلطة بمختلف الوسائل لإغرائه وإغواءه، لكن دون جدوى. وهناك قصص طريفة، واقعية ومختلقة تكشف عن صلابته في المواقف وأخلاقه السامية. واحتفظت لنا كتب التاريخ والسير والنوادر ببعض الصور الممتعة والحوارات الجميلة بهذا الصدد. ومن بين أكثرها نموذجية بهذا الصدد ما جرى له مع الحجاج بن يوسف الثقفي وهشام بن عبد الملك. ففيما يتعلق بالحجاج تروي النادرة كيف أن الحجاج بن يوسف الثقفي، قد سمع مرة نبرة صوت تهز القلوب في تلبيته مناسك الحج. وعندما طلب محادثته، فان الحوار بينهما دار بالشكل التالي:

- ممن الرجل؟

- من المسلمين!

- لم أسألك عن هذا وإنما سألتك عن البلد؟

- من أهل اليمن!

- كيف تركت أميركم؟ (يعني أخاه)

- تركته عظيما جسيما لبّاسا ركّابا خرّاجا ولاّجا!

- ليس عن هذا سألتك، وإنما سألتك عن سيرته فيكم.

- تركته ظلوما غشوما مطيعا للمخلوق، عاصيا للخالق!

- ما حملك على أن تقول فيه ما قلته وأنت تعلم مكانه مني؟

- أتراه بمكانه منك اعزّ مني بمكاني من الله؟ وأنا وافد بيته ومصدق نبيه وقاضي دينه؟!

ثم قام وانصرف بدون إذن. والشيء نفسه بلغ ذروته في حواره مع هشام بن عبد الملك. إذ تروي الحكاية عن رغبة هشام بن عبد الملك اللقاء بفقيه يعضه أو اللقاء بطاووس. وعندما دخل عليه، فانه أول ما قام به هو خلع نعليه بطرف بساطه، ثم سلّم عليه بغير أن يدعوه بأمير المؤمنين، وخاطبه باسمه، وجلس قبل أن يؤذن له. فاستشاط هشام غضبا وخاطبه قائلا:

- ما حملك يا طاووس على ما صنعت؟!

- ما الذي صنعته؟!

- خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين، وسميتني باسمي ولم تكنني، ثم جلست من غير إذني!

- أما خلع نعلي بحاشية بساطك فأنا اخلعها بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات فلا يعاتبني ولا يغضب. وأما قولك إني لم اسلم عليك بإمرة المؤمنين، فلأن المؤمنين ليسوا راضين بإمرتك، وقد خشيت أن أكون كذابا إن دعوتك بأمير المؤمنين. وأما ما أخذته علي من إني ناديتك باسمك ولم أكنك فإن الله نادى أنبياءه بأسمائهم، وكنى أعدائه فقال (تبت يدا أبي لهب). وأما قولك إني جلست قبل أن تأذن لي، فاني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: "إذا أردت أن تنظر إلى رجال من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام بين يديه"، فكرهت أن تكون ذلك الرجل الذي عد من أهل النار.

وهي نادرة لها أشباهها وصداها في حكايات أخرى. مثل ما جرى، على سبيل المثال بينه وبين عبد الملك عندما أراد رؤية فقيه يتحدث معه حول المناسك. وعندما دخل عليه قال طاووس:

- إن هذا المجلس يسألني الله عنه. يا أمير المؤمنين! إن صخرة كانت على شفير جبّ في جهنم هوت فيها سبعين خريفا حتى استقرت قرارها. أتدري لمن أعدها الله؟

- لا! ويلك لمن أعدها الله؟!

- لمن أشركه الله في حكمه فجار!

إن هذه النوادر وكثير غيرها تعكس شخصية طاووس وصلابة موقفه من السلطة، بمعنى السير والسلوك حسب قواعد الروح الأخلاقي. إذ ينقل عنه كيف أن ابنه قال له في إحدى المرات بضرورة الخروج بالسيف على السلطان. وعندما خرجا إلى الحج ونزلوا في بعض القرى وفيها عامل لمحمد بن يوسف (الثقفي) هو ابن نحيح احد أخبث عمالهم. وعندما علم بوجود طاووس جاءه إلى المسجد وجلس بين يديه على أن يكلمه فأبى طاووس. عندها قام ابنه وهو يقول له بان أباه لم يعرفه. لكن أبا فحيح أجابه، بأن معرفته به هو سرّ إعراضه عنه. لكن طاووس ظل صامتا. وعندما دخلا إلى المنزل قال لابنه: يا لكع! بينما أنت زعمت أن تخرج عليهم بسيفك لم تستطع أن تحبس عنهم لسانك"! وعندما جاء ابن سليمان بن عبد الملك وجلس إلى جانبه، فان طاووس تعمد ألا يراه. وعندما قيل له:

- جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه!

- أردت أن يعلم إن لله عبادا يزهدون فيما بين يديه.

وهي الحالة جسدها في مواقف عدة. فعندما قدم مكة أراد أميرها رؤيته. وحدثوه بأفضاله وشمائله ليحببوه إليه، لكن قال:

- ما لي إليه حاجة!

- إنا نخاف عليك!

- فما هو إذا كما تقولون!

بل نراه يرد على طلب عمر بن عبد العزيز موعظة منه بعبارة واحدة:"إذا أردت أن يكون عملك خيرا كله، فاستعمل أهل الخير. والسلام!". وليس مصادفة أن يكون سلوكه متسما بالمعارضة الخفية والساخنة من السلطة. بحيث يتخذ من الانعزال والانزواء في البيت أسلوبا للاحتجاج. وعندما قيل له بذلك أجاب:"حيف الأئمة وفساد الناس".

بعبارة أخرى، لقد وضع الفرد والجماعة والسلطة أمام مسئولية الفعل الحر. لهذا نراه يقول "من قال واتقى الله خير من صمت واتقى الله". كما نراه يؤكد موقفه هذا قائلا: "لم يجهد البلاء من لم يتول اليتامى أو يكون قاضيا بين الناس في أموالهم أو أمير على رقابهم". وهي الأماكن التي يجري فيها اختبار حقيقة المواقف وكمون الشخصية الفعلية. كما أنه المحك الذي تعرض عليه غاية الوجود الإنساني، التي حصرها طاووس في فكرة السمو الأخلاقي. إذ اعتبر "أن لكل شيء غاية، وغاية المرء حسن أخلاقه". من هنا فكرته عن أولوية إلزام المرء لنفسه أمام نفسه. فعندما قيل له ادع بدعوات لنا، أجابهم:"لا أجد لذلك خشية". وعندما قال له احد أصحابه بان يدعو له، أجابه "ادع لنفسك فانه يجيب المضطر إذا دعاه". وعندما قال رجل كان يمشي معه فسمع غرابا نعب:

- خير!

- أي خير عند هذا أو شر؟ لا تصحبني أو لا تمشي معي!

لقد جعل طاووس بن كيسان من كل الأمور الصغيرة والكبيرة اختبار للإرادة وسموها الأخلاقي. وليس مصادفة أن يفوت عليه الحج وهو الغيور عليه اشد الغيرة بسبب وقوفه على رفيق له مريض. لقد أراد تحرير نفسه من كل ما يمكنه أن يعيق تحرره الذاتي بوصفه التزاما أبديا أمام الحق. من هنا فكرته المتشددة مع النفس عندما قال "اللهم احرمني كثرة المال والولد، وارزقني الإيمان والعمل". وهو تحرر يمكننا العثور فيه على نغمة الوجود الحي والتلذذ بقيمة الإنسان التي أعطت للوجود سكينة التحرر من خوف العدم، كما نراها في عبارته: "لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة، فلما خلق آدم سكنت أفئدتهم". لقد أراد القول بان الإنسان هو مصدر الدفء الأبدي وانسجام الوجود حالما يكون حقيقيا، أي مصنوعا من لبنة الوجود الحق.

***

 

 

محمد فتحي عبدالعالتعتبر قضية تحديد شخصية فرعون موسي من القضايا الشائكة التي شغلت المستشرقين والمؤرخين وعلماء الأثار علي السواء علي مدار التاريخ ..وفي بحثنا اليوم نحاول أن نسلط الضوء علي حقيقة هذه الشخصية من زوايا عدة غير التي أنفق السابقون جم وقتهم في استعراضها والبناء عليها عبر سبر أغوار المدد الزمنية المستمدة من التوراة والقران وتفاسير العلماء المسلمين ومحاولة الوصول منها الي شخصية هذا الفرعون والتي عادة ما يخلصوا منها الي التركيز علي الفراعنة الأطول حكما وعمرا حتي يمكن من خلالها استيعاب مدد زمنية تتعدي الاربعين عاما لحكم فرعون موسي علي أقل تقدير عند البعض وتصل عند أخرين الي اربعمائة سنة !!! ونظرا لتضارب هذه المدد بين التوراة والتفاسير والتاريخ الفرعوني فقد حاولنا أن نسلك مسلكا أخر الي هذا الفرعون مبتدئين في بحثنا بما خلصت اليه أغلب الدراسات من أن فرعون موسي من ملوك الأسرة الثامنة عشر (الدولة الحديثة) وأن لقب فرعون (من برعا وتعني: البيت العالي) كما تقول الموسوعة البريطانية استعمل كمرادف لملك مصر بالدولة الحديثة، منذ الأسرة الثامنة عشر.ومنها نستطيع أن نلمس دقة القران في استعمال الألقاب فعند الحديث في القرآن الكريم عن يوسف عليه السلام كان الخطاب عن ملك قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ)، بينما كان الخطاب مع موسى عليه السلام مع فرعون قال تعالي ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾ وهو ما ينفي أن فرعون كان اسما وليس لقبا كما ذهب البعض .

نتوقف في محطتنا الثانية عند لفظ الهكسوس .وكلمة الهكسوس هى تحريف للكلمتين المصريتين حقاو وخاسوت التى تعنى حكام الأراضى الأجنبية وهى أحد التسميات التى أطلقها المصريون على الآسيويين بشكل عام وقد ترجمها مانيتون فى تاريخه المفقود بمعنى ملوك الرعاة أو ملوك البدو فالمقطع الأوَّل "هك" يعني باللسان المقدَّس "مَلِكاً"، وأمَّا "سوس" فتعني "بدوياً" .

فهل الهكسوس حقا هم بني اسرائيل الوارد ذكرهم في التوراة والقران؟

نستطيع من خلال الجمع بين قوله تعالي في القران علي لسان يوسف لأبيه وإخوته لَمَّا دَخَلوا عليه مصرَ (وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ) وكذلك مع قوله تعالي في سورة المائدة (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ)(20).أن نشتق معني كلمة الهكسوس والتي تحدث عنها مانيتون كما نجد من ملوك الهكسوس (الأسرة الملكية 15، حُكْمهم: 1674-1567 ق.م) أسماء: يعقوب هر، ، وتابعيهم من (الأسرة المعاصرة 16، حكمهم 1684-1567 ق.م) :يعقوب بعل، ويعقب عم ( Yakbam )، كما وردت أسماء أمكنة من عهدهم مثل (يوسف إيل)، مما يؤيد ارتباط الهكسوس وانتمائهم لبني اسرائيل كما أن الساميون كانوا هم العنصر الاغلب بالهكسوس كما أحضروا معهم الحصان والعربة وادخلوا صناعة المعادن وأشكال تميزهم في صناعة الفخار وهو المعروف بفخار تل اليهودية والطريف أن الكلمة الفرعونية سسمت وتعني الحصان مشتقة من اسم الجمع العبري (سوسيم) ومثل هذا الاشتقاق قد يعد حجة أخري علي أن الهكسوس هم في حقيقتهم بني اسرائيل وأن الكلمة انتقلت الي الفرعونية من خلالهم .

ومن أقدم الكتابات التي تقودنا الي هذه الحقيقة ما ساقه المؤرخ اليهودي يوسيفيوس بن متى، الذي عاش في القرن الأول الميلادي عن المؤرخ المصري مانيتون السمنودي–الذي كتب تاريخ مصر القديم حوالي عام 280 ق.م(للأسف فقد مخطوطه في حريق مكتبة الإسكندرية عام 48 ق.م) من أن طرد الهكسوس من مصر بواسطة أحمس ليس الأ خروج بني إسرائيل من مصر، وبالتالي فالمنطقي أن فرعون موسى هو أحمس وهو ما سنتناوله بالتفصيل فيما يلي .

يعتبر دخول يوسف واخوته الي مصر بمثابة تمهيد لحكم الهكسوس وهو في حقيقته حكما ذاتيا لبني اسرائيل بمناطق من مصر تحقق مع فترة الأضطراب التي صاحبت نهاية الأسرة الفرعونية الثانية عشر وهو ما يتفق مع فرضية أن الهكسوس لم يدخلوا مصر بالغزو، ولكن بالتسلل وعاشوا في أرض مصر قبل الاستيلاء على العرش في شمال مصر ومما يعزز فرضيتنا هذه أن المدافعين عن نظرية الغزو الهكسوسي لمصر والمحدد بالاسرة الثالثة عشر يقفوا عاجزين أزاء تفسير كثرة انية الفخار ذات الطراز الهكسوسي بالاسرة الثانية عشر والتي نرجح أنها هي الفترة التي شهدت وجود يوسف عليه السلام وقدوم ابيه النبي يعقوب عليه السلام واخوته أضافة لذلك يمكننا أن نقرأ النقش الخاص بوصول وفد آسيوى رفيع المستوى لمصر في عهد سنوسرت الاول على أحد جدران مقابر بنى حسن بالمنيا بشكل مختلف خاصة اذا وضعنا في حسباننا أنه لم يسجل من قبل فى الآثار المصرية لزيارات آسيوية بهذا المستوى مما يعكس أهمية الزيارة وبالتالي فربما ” أبشا “ زعيم هذا الوفد هو يعقوب عليه السلام وأبشا معناها الزعيم ويعقوب هو قائد أو أب ليوسف وأخوته وزعيم لطائفته .ومما يعزز هذه الفرضية هو أن الوفد الآسيوي المكون من سبعة وثلاثين شخصاً من البدو -رجال ملتحين ونساء وأطفال -مرتدين الملابس الصوفية المزركشة، كانوا غير مقيدين أو ساجدين للفرعون بل علي العكس فالرسم يظهر القادمين مرفوعى الرأس ومعهم رماحهم وفي موكب يحمل الهدايا.وهي صورة تقترب بنا من الصورة القرانية التي تحملها لنا سورة يوسف : (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).

لابد أيضا أن نتوقف عند عبارة ذات مغزي وردت في ورقة سالييه وهي تسمية المصريين للهكسوس بالطاعون وهو المعني الذي يلقي بظلاله علي التغلغل والانتشار والذي لا يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها أو من خلال حرب وقتيه بل لابد أنه قد استغرق وقت وعلي الرغم من اختلاف مغزي حديث النبي صلي الله عليه وسلم فيما يتعلق بالطاعون عن معني ورقه سالييه الا أن الربط بين الطاعون وبني اسرائيل كان لافتا فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الطاعون رجز على من كان قبلكم أو على بني إسرائيل فإذا كان بأرض فلا تخرجوا منها فراراً منه، وإذا كان بأرض فلا تدخلوها.

كما أن ما ذكره المؤرخ المصري مانيتون السمنودي، في وصف الهكسوس زلت علينا لفحة غضب من الله، فقد تجرأ شعب وضيع الأصل من الشرق لم يتنبأ أحد بإقدامه علي غزو بلادنا فسيطروا عليها بالقوة، ودون صعوبة ولا حتي عبر معركة، وبعد أن تغلبوا علي حكامنا فإنهم أحرقوا المدن بوحشية وعاملوا السكان كلهم بمنتهي القسوة) وكذلك كتابات اللاحقون عليه من وصف الهكسوس بالبرابرة القساة الغلاظ يحتاج الي كثير من المراجعة خاصة اذا نظرنا الي الازدهار الاقتصادي في عهد الهكسوس الذي وصل الي التبادل التجاري مع قبرص حيث وجدت أواني تعود الي عصر الهكسوس بقبرص كما كان لهم نشاط في صناعة المعادن ومنها البرنز.

وحتي نختتم هذه النقطة لابد وأن نشير الي ضرورة تخلص الباحثون من الخوف من الأشارة الي أي دور سياسي لعبه بني اسرائيل في مصر فهناك هوة شاسعة بين بني اسرائيل في هذا العهد الذي نتحدث عنه وكانوا فيه اصحاب رسالة ودين وتمكين الهي لهم في الارض وبين اسرائيل المغتصبه لاراضينا في فلسطين اليوم أن صحت نسبتهم الي اجدادهم القدامي.

و في محاولتنا الاجابة عن اسم فرعون موسي سوف نتوقف عند بعض النصوص القرانية واختيارنا للقران في البداية لانه المصدر الأكثر وضوحا وتماسكا ونستهلها بقوله تعالي في سورة الأعراف ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) ( 137 ) لنبدأ رحلتنا عبر التاريخ والأية تحمل أشارة هامة أن فرعون الذي نبحث عنه دمرت أثاره هو ووقومه ولم يعد لها وجود . وهو ما يجعلنا نرجح أن الفرعون الذي نبحث عنه هو أحمس الأول - مؤسس الأسرة الثامنة عشر وطارد الهكسوس والذي حكم من 1550 ق.م حتى 1525 ق.م-

وحتي نستعرض مدي انطباق هذا علي أحمس الأول وقومه فلك أن تعلم أن مصدر المعلومات عن حرب أحمس مع الهكسوس كان مقبرة أحد قواده المدعو (أحمس إبن أبانا) حيث يروى هذا القائد على جدران مقبرته تاريخ حياته وكيف أنه تنقل فى الخدمة العسكرية كقائد لإحدى السفن ويذكر كيف تبع سيده فى حربه مع الهكسوس وكيف سقطت أواريس (عاصمة الهكسوس وهي مدينة صان الحجر حاليا بمحافظة الشرقية) بعد حصارها وكيف فر الهكسوس إلى مدينة (شاروهين) فى جنوب غزة وكيف حاصرها الجيش المصرى حتى اسقطها وكيف هربت فلول الهكسوس إلى زاهى ( كلمة مصرية قديمة كانت تشير إلى منطقة فلسطين وسوريا).وهذا ينقلنا الي سؤال أين الأثار الضخمة التي تليق بحاكم بمثل هذه القوة ومعركة بهذه الضخامة ؟! والأجابة تحملها لنا لوحة The Tempest Stele والتي تؤرخ الي عصر احمس الاول حيث حدثت عاصفة مدمره مصحوبة بفيضان او سيول مدمره دمرت المعابد والأهرامات وعثر علي أجزاء من هذه اللوحة فى معبد الكرنك وهو ما يجعل صورة الفرعون الذي وضع ملامحه القران أكثر قربا .

ولا تتعدي أثار أحمس الباقية لوحة بمعبد الكرنك تضمنت عبارات مدح تقليدية عبر ستة وعشرين سطرا وستة أسطر عن اصلاحات الملك لاعادة أثاث وأواني معبد أمون وأشار فيها إلى الدور الذي قامت به والدته الملكة أعح حتب في القضاء على الهكسوس فيما خلت اللوحة من الاشارة الي حروبه ضد الهكسوس مما يشكك في الروايات التي تتحدث أنه بقي علي قيد الحياة ومارس نشاط حربي بعد طرده للهكسوس . إناء من المرمر نقش عليه اسم أحمس الأول وآخر للزينة من الخزف الأزرق ويوجد عليها صور الأسرى فضلا عن تماثيل صغيرة له والعديد من الجعارين مبعثرة عبر متاحف العالم بالأضافة الي البلطة والخنجر المعروضين في متحف الأقصر ولم يعثر له علي مقبرة حتي الأن!!! . ولأن الأية تطرقت الي مصير جمع أثار فرعون بقومه فأن والد أحمس وهو سقنن رع كل ما وصلنا عن جهاده ضد الهكسوس هو وثيقة متأخرة من عصر الرعامسة عرفت بإسم (بردية ساليه) ترصد كيف بدأ النزاع بين ملوك طيبة وبين الهكسوس وأن الملك سقنن رع (الثانى) كان فى ذلك الوقت حاكما على طيبة وكان معاصرا لملك الهكسوس أبوفيس( أبيبى) الذى أرسل يطلب منه إسكات أفراس النهر فى مياه طيبة لإنها تزعجه وهو فى قصره فى الدلتا !!!كما أن شقيق أحمس والسابق عليه في الحكم وهو الملك كامس وصلت الينا معاركه ضد الهكسوس عن طريق لوحة لصبى فى أحد المدارس كان مدرسه قد أملاها عليه كقطعة إملاء وقد إشتهرت بإسم (لوحة كارنارفون) ولوح حجرى عثر عليه فى أساسات معبد الكرنك وعليه 38 سطرا من الكتابة!!! وهو ما يعني أننا أمام فرعون وقومه دمرت أثارهم الا من بضعة سطور بين أركان المعابد !!!وهو ما نجد له تفسيرا مقبولا من خلال هذه العاصفة التي طالت أيضا معابد الاسرة ال 17 وهي الأسرة السابقة علي أحمس والتي يمثلها أبيه وأخيه .

التوقف الثاني لنا سيكون عند قوله تعالي:(وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ) سورة القصص آية(9). وهو ما يعني أن فرعون موسي كان عقيما أو لا يعش له ابناء والفرضية الثانية نجدها منطبقة تماما مع أحمس الأول فقد تزوج أحمس من شقيقته نفرتاري والتي أنجبت له ثلاثة أبناء أحدهم هو خليفته أمنحتب الأول وقد توفى ابنائه الأول والثانى في سن صغير، وأربعة بنات هم مريت آمون وسات آمون وإعح حتب وست كامس .كما يبدو أن ابنه امنحتب الأول قد رزق به متأخرا وهو ما يظهر جليا من وفاة أحمس الأول الغامضة عن عمر ناهز الاربعين أو الخمسين تقريبا ووصاية زوجته علي ابنه امنحوتب الأول، حتي بلوغه سن الحكم.

التوقف الثالث لنا سيكون عند قول فرعون (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ) النازعات الآية 24. وقوله في نفس المعني (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) القصص الآية 38 والقول الأول لفرعون يعني عند بعض المفسرين أنه يقول: أنا سيدكم، أنا حاكمكم، الذي تجب عليكم طاعته، ولا تعني بالضرورة أنه هو خالق الكون وحتي وأن أخذنا بالمعني الحرفي للربوبية فعبادة أحمس كانت منتشرة في البلاد حتي الأسرة 19 كما نجد وصفه لنفسه في لوحته بمعبد الكرنك والسابق اشارتنا اليها بالاله الأوحد الذي أرضعته نجم الصباح (ايزيس) وكذلك بالعظيم في فنون السحر.

نأتي الي نقطة لا يتوقف عندها الكثيرون وهي زوجة فرعون المؤمنة (آسيا بنت مزاحم) والتي آمنت من آل فرعون وتربى في كنفها موسى عليه السلام، وقد صح في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ). كما ذكرها القرآن الكريم كمثال للنساء المؤمنات (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (سورة التحريم، الآية 11

من المحال بالطبع علي كاتب التاريخ المصري القديم -الذي دائما ما يكتب الرواية الرسمية التي لابد وأن تحمل الثناء علي الفرعون وترفعه الي درجة القداسة وتجعل الجميع يدين له بالطاعة- أن يدون مثل هذا الأيمان والمخالفة الصريحة لفرعون ومن داخل بيته ولكن يمكن البحث عن زوجة متدينة تعلق بها المصريون وخلدوا ارتباطها وعبوديتها لله وهو ما تنفرد به الملكة احمس نفرتارى (سميت بذلك للتمييز بينها وبين نفرتاري زوجة رمسيس الثاني وتعني كلمة نفرتاري المحبوبة التي لا مثيل لها) حيث كانت اول من حملت لقب ""زوجة الاله"" أو "عابدة الإله" وهو ما يجعلنا نطمئن الي الترجيح أن نفرتاري هي اسيا .

والحال نفسه بالنسبة لماشطة بنت فرعون والتي قال عنها النبي صلي الله عليه وسلم: (لما أسرى بي مرت بي رائحة طيبه فقلت ما هذه الرائحة فقيل لي هذه ماشطة بنت فرعون وأولادها). وقد كانت كما تذكر الرواية الاسلامية أمرأه صالحه ومربيه لبنات فرعون وحينما علم بأمر ايمانها بالله الواحد فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَوْلَادُهَا فِيهَا وكلمة ماشطة هي صفة لحرفتها وليس اسمها الحقيقي والغالب علي ظننا انها مربية الملكة أحمس نفرتارى والتي تدعي (ري) وتشير موميائها أنها كانت كانت رشيقة القوام جميلة الطلعة وتوفيت في سن مبكرة دون سبب واضح وأنها ذات شعر غزير مصفوف في ضفائر عدة وكانت صغيرة القدمين واليدين بشكل واضح والسبب في ظننا هذا أن هذه المربية كانت الاقرب لنفرتاري وبالتالي فهي الاوفر حظا لانتقال الايمان اليها من نفرتاري .

نأتي للتوراة في سفر الخروج 14يقول (فَلَمَّا أُخْبِرَ مَلِكُ مِصْرَ أَنَّ الشَّعْبَ قَدْ هَرَبَ، تَغَيَّرَ قَلْبُ فِرْعَوْنَ وَعَبِيدِهِ عَلَى الشَّعْبِ. فَقَالُوا: مَاذَا فَعَلْنَا حَتَّى أَطْلَقْنَا إِسْرَائِيلَ مِنْ خِدْمَتِنَا؟ فَشَدَّ مَرْكَبَتَهُ وَأَخَذَ قَوْمَهُ مَعَهُ وَأَخَذَ سِتَّ مِئَةِ مَرْكَبَةٍ مُنْتَخَبَةٍ وَسَائِرَ مَرْكَبَاتِ مِصْرَ وَجُنُودًا مَرْكَبِيَّةً عَلَى جَمِيعِهَا) وذكر استخدام المركبات الحربية علي هذا النحو من الوضوح يعني أننا أمام أحمس وهو أول من ادخل للجيش المصري العجلات الحربية واستخدمها في قتال الهكسوس .

بالطبع لا يوجد أي أثر لموسي عليه السلام بالتاريخ الفرعوني الا أن الأمر الذي أجده الأكثر طرافة في الأثار الفرعونية أنها علي الرغم من صمتها عن رصد مرحلة الصراع بين فرعون وموسي أبت الا وأن تضع بين أيدينا قصة طريفة تضع أحمس الأول (الفرعون) وموسي في قضية واحدة بل وفي نزاع حقوقي!!!! وبالطبع موسي هذا ليس النبي موسي عليه السلام ففي قضية نزاع علي أرض وهبها أحمس الأول لملاحظ سفن يدعي نيشي ردا لاعتباره نجد اسم موسي الكاتب ببيت مال الاله بتاح!! .

وبعد أن انتهينا من مناقشة أدلتنا السابقة والتي حرصنا علي تنوعها نتوقف عند اسم فرعون في كتب المفسرين المسلمين واللافت فيها هو شبه أجماع حول اسم فرعون موسي وإسمه الحقيقي (الوليــد بن مُصعَــب )!!! وهو ما يجعلنا نبحث عن أصل يربط هذا الأسم بالفرعون أحمس الذي نرجحه وقد غلب علي الكتابات العربية في مثل هذه الحقب القديمة فيما يتعلق بالاسماء الأعجمية أن يكون تعريبهم لها تعريبا معنويا وليس لفظيا والتعريب المعنوي طريقة تعطي معنى للاسم العربي لا تعطيه له طريقة كتابة النطق الاجنبي بحروف عربية وذلك برجوع الاسم الاجنبي الى جذوره اللغوية، ثم ترجمة الجذر او اخذ مرادفه في اللغة العربية واشتقاق الاسم منه فيكون للاسم العربي نفس معنى الاسم الاجنبي تماما وحتي نطبق هذا علي حالة فرعوننا أحمس فكلمة أحمس تعني المولود من القمر أو القمر ولده (القمر معبود لدي الاشمونيين) والوليد تعني المولودُ حين يُولَدُ. أما اسم ابيه مصعب فنرجح أنها صفة لسقنن رع والذي لقب بالشجاع كما أن الشكل الذي وجد عليه مومياه يوحي بما كان عليه حال الرجل من المنعة والصعوبة حيث وجدت ثقوب في الجمجمة نتيجة الضرب بالحرب والبلاطى على رأسه ووجدت أسنانه تضغط على لسانه من شدة الألم !!وبتطبيق الأشعة السينية على جسده وجد في رأسه خمسة جروح، جرحان كانا على الجبين إثر ضربتي فأس، وجرح بآلة حادة أعلى الأنف، وآخر على الجانب الأيمن من العين اليمنى، والأخير أسفل العين اليسرى.

نأتي الي صفات فرعون موسي كما ذكرها المفسرون وهي أنه أحمر قصير كأنه ثور وانه كان أصلع وأخينس والخنس (ذو أنف مرتفع ومتأخر عن الوجه قليلا" وهناك رواية لأبي بكر أنه قال : أخبرت أن فرعون كان أثرم "الثَّرَمُ، :انْكسارُ السِّنِّ من أصْلِها، أو سِنٍّ من الثَّنايا والرَّباعِياتِ" . وبمقارنة ذلك بمومياء أحمس والتي تم التعرف عليها عام 1886 بواسطة جاستون ماسبيرو، نجد طول المومياء1.63 سم (أي قصير) ولها وجه صغير نسبيا بالقياس مع حجم للصدر وأنف بارز وأنه كان قوي الجسم عظيم المنكبين عريضهما وسنه وقت الوفاه بين الاربعين والخمسين .

ولان قضية تحديد شخصية فرعون موسي قد طالت اسماء فرعونية كثيرة كان الابرز فيها ملوك الاسرة الثامنة عشر فكان لزاما أن نطوف في هذه الرحلة مع أهم ملكين طالهما الاتهام.

ونبدأ بأشهر المتهمين وهو رمسيس الثاني وهي نظرية يوسيبيوس القيصاري والتي سار عليها اللاحقون من بعده ونبدأ بتفنيد أشهر الادلة التي تساق في توجيه الاتهام الي رمسيس الثاني وهي مدينة "بر رعمسيس" التي ورد ذكرها في التوراة سفر الخروج حيث سخر الفرعون بني اسرائيل لبناء مدينتي "بي رعمسيس وفيثوم"والحقيقة أن بر ر عمسيس والتي اتخذها رمسيس الثاني بالفعل عاصمه لملكه ما كانت الا اعادة تسميه لمدينة اواريس القديمة والتي كانت قائمة بالفعل وقد اتخذت ايضا اسم تانيس والمسميات الثلاثة هي لمدينة واحدة بعينها وليس أدل علي ذلك من أن تماثيل منبتاح ابن رمسيس الثاني بالمدينة والتي اغتصبها لنفسها كانت تحمل نقوشها القديمه اسم الاله ست صاحب اواريس ..وما نود أن نخلص اليه أن التوراة استخدمت الاسم الأحدث في الاشارة لهذه المدينة القديمة والمجهول بانيها الا أن الصراع التاريخي دائما ما يربطها بالصراع مع الهكسوس (بني اسرائيل).

السبب الثاني الذي يجعلنا نستبعد رمسيس الثاني من دائرة الاتهام أن رمسيس الثاني دخل في معارك مع الحيثيين في قادش بالشام ما يربو علي الخمسة عشر عاما لم ينتصر فيها أي من الطرفين وانتهت بالتوصل الي عقد أول معاهدة في التاريخ، وبالتالي فسيطرته كانت قائمة على الشام خصوصا في جنوبها .فهل يعقل أن تكون مدين بالشام ملاذا امنا لموسي بعد حروب دامية بين الطرفين ومن المنطقي أن يحاول كلا الطرفين المحافظة علي المعاهدة وايواء طريدا لفرعون سببا كافيا للاجهاز علي المعاهدة؟!! لذا فالاجابة المنطقية : بالطبع لا.. وبافتراض أن فراره اليها كان في وقت الحرب بين رمسيس والحيثيين فهل من المنطقي أن يظهر طريد الفرعون علي هذا النحو من الوضوح ويعمل ساقيا للفتاتين بل وينزل علي ارادة الشيخ والد الفتاتين ويبقي ما بين ثمان وعشر حجج دون أن يحقق الحيثيين معه أو يحاولون الوقوف علي أسباب تواجده وهو ابن فرعون أو الاستفادة منه بشكل أو اخر؟!!!.

السبب الثالث للاستبعاد هو أن رمسيس الثاني تزوج بأحد عشر زوجة وثلاثة من بناته وعشرات الجواري وانجب وفق اكثر التقديرات تواضعا تسعين ابنا وابنة وبالتالي فهو ليس بالملك العقيم الذي تتحدث عنه الايه الكريمه.

السبب الرابع أن رمسيس الثاني سجل افتخاره بأنه وُلِدَ من الإله آمون نفسه الذي تقمص جسد (سيتي الأول) فأنجبه من الملكة (تويا) والدته .وفي خطابه الي الاله اوزوريس نجد نبرة توقير وخشوع لا تصدر الا من شخص متواضع ومؤمن في قوله :

(إني أتضرع لوجهك كما كان يفعل ابنك (حورس) وغني أفعل لك آثاراً في المكان المقدس (الجبانة) وأضاعف الأوقاف لروحك، وإني تحت تصرفك وتحت سلطانك، حتى تجعل الأرض ملكاً لي، وحتى تهبني الخلود بوصفك ملكاً والأبدية بوصفك راعياً للأرضيين وإني على استعداد لتنفيذ ما يحبه قلبك كل يوم بلا انقطاع) وبالتالي فهو ليس الفرعون المتغطرس المدعي للالوهية في التوراة والقران.

السبب الخامس أن اشارة القران الي تدمير اثار فرعون وقومه لا يمكن أن تنطبق علي رمسيس الثاني بأي حال من الاحوال واثاره تملأ الدنيا وتشهد بعظمة عصره.

السبب السادس وجود وثائق من عهد رمسيس الثاني تشير الى المعاملة الحسنة لمن اطلق علهم العابيرو او الخابيرو مثل نص المدعو كاوسر رئيس العمال بالمحاجر, الذي أرسل إلي سيده يطمئنه أن “العابيرو” يحصلون علي مستحقاتهم بعدما سحبوا الأحجار إلى معبد رمسيس حيث يذكر النص " لقد أرسلت الطعام (للعابيرو) الذين يسحبون الأحجار للصرح العظيم لمعبد رمسيس محبوب آمون"وبالتالي فهو لم يمارس اضطهادا ضد اليهود.

فضلا عن أن الفحص لمومياؤه هو الاخر سببا وجيها لتبرئة رمسيس حيث كشف عن وجه رجل عجوز وسط فى الطول (173 سم ) بلغ الثانية والتسعين من العمر فهل يستطيع رجل فى هذه السن المتقدم ويعاني من روماتيزم حاد يمنعه حتي من المشىء متنزن دون عصا يتكأ عليها أن يقود عجلته الحربية ويتتبع موسى عليه السلام وقومه من العاصمة حتى مكان الغرق فى البحر؟ كما تم التأكد من خلال البحوث الطبية علي المومياء من عدم وجود أثار للغرق وأن الراحل كان يعاني من خراريج فى أسنان مقدمة الفم تكفي أن تكون سببا في وفاته .

كما أن نظرية موريس بوكاي من وجود فرعونين أحدهما للاضطهاد وهو رمسيس الثاني والثاني للخروج وهو منبتاح فيكفينا فيها أن نوضح أن دليل الادانة لمنبتاح هو ذاته صك براءته وذلك بما نقشه على مسلته الشهيرة فيما يعرف بأنشودة النصر والتي تباها فيها بإنتصاراته على كل ما يحيط به من ممالك ومنهم شعب اليهود وذلك في حياته كما أن الابحاث التي أجريت علي موميائه تشير الي أن وفاته طبيعية وأنه كان يعاني من التهاب المفاصل والشرايين .

كما شمل الاتهام أيضا الملك سيتي الاول وتحتمس الاول والثاني والثالث والذين لا يتسع المجال لتفيند ما يتعلق بهم الا أن المثير حقا أن هؤلاء الملوك الذين جمعهم القدر في قائمة الاتهام عبر العصور بأن منهم فرعون موسي أبي القدر الا أن يجمعهم مع الفرعون الحقيقي في أتون مصير قاس شملهم جميعا وأوقعهم في قبضة لصوص الاثار من عائلة عبد الرسول فيما عرف بخبيئة الدير البحرى وهى مقبرة ضمت أحمس الاول ووالده الفرعون سقنن رع تاعا والفراعنة تحتمس الأول والثانى وتحتمس الثالث ورمسيس الأول ورمسيس الثانى ووالده سيتي الاول أشهر فراعنة مصر وحينما اختلف اللصوص أبلغ أحدهم السلطات فتسلمت مصلحة الأثار المومياوات وعندما وصلت هذه المومياوات إلى ميناء روض الفرج أصر موظف الجمارك علي دفع الرسوم المقررة ونظرا لعدم وجود بند مومياوات عنده فقد أخرجها الموظف بعد دفع الرسوم المقررة عليها بوصفها أسماك مجففة!!!!!!..... وفي النهاية نضع بين يدي القاريء دراسة حاولنا أن نكون فيها محايدين محاولين أن نصل فيها الي بعض الحقيقة وما أصعب الوصول لها في أزمنة غابرة غاب صناعها وانطوت صفحات تاريخهم بشكل يستحيل معه اكتمال الصورة الحقيقية .

 

د. محمد فتحي عبد العال - باحث

 

جعفر الحكيمتصور نصوص الكتاب المقدس العلاقة بين الإله الخالق وبين المؤمنين به على شكل علاقة الأب مع أبنائه، فالرب هو بمثابة الاب الحاني العطوف المحب لأبنائه، والذي يريد لهم دائما السعادة والخير، وهذا التصوير المجازي للعلاقة موجود في ثنايا نصوص العهد القديم وكذلك العهد الجديد، مع بعض الاختلاف في تحديد من هم أبناء الله ؟!

فحسب نصوص العهد القديم، يعتبر الشعب اليهودي (حصرا) هم أبناء الله، بينما حصرت بعض نصوص العهد الجديد، وخصوصا الرسائل، البنوة لله في جماعة الإيمان المسيحي الناشئ والذين اختبروا الولادة الثانية و قبلوا الإيمان الجديد

ومع ان نصوص العهد القديم، اعتبرت جميع اليهود أبناء الله وشعبه المختار، إلا أنه كانت هناك ايضا بعض الامتيازات لبعض أبناء الله من بين أفراد هذا الشعب، مثل داوود وسليمان الذين تردد وصفهم بالبنوة لله مع الوعد بثبات ملكهم، وكذلك تم وصف اسرائيل وافرايم بصفة الابن (البكر) لله، وهنا يقصد ايضا بالتوصيف الشعب اليهودي كله، وقد تم أيضا، توصيف (آدم) في الكتاب المقدس بأنه ابن الله.

مما تقدم، نستطيع ان نفهم توظيف الشاب اليهودي المصلح (يسوع الناصري) لتوصيفات تعكس علاقة البنوة لله في خطاباته وتعاليمه التي كانت يخاطب بها المجتمع اليهودي الذي كان يعيش معه ويخاطبه ضمن أدبيات ثقافته ومفاهيمه الايمانية من خلال مفردات اللغة التي كان ذلك المجتمع يفهمها ويتعامل بها.

ومن هنا، نفهم لماذا كان يسوع الناصري يردد كثيرا توصيفه للرب بانه (الاب) او (ابيه) وكذلك يصف نفسه بانه (ابن الله)، وبنفس الوقت كان يصف الاخرين بانهم ايضا ابناء الله، مثل صانعي السلام او التلاميذ

(طوبى لصانعي السلام لانهم ابناء الله يدعون)

(اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبى وأبيكم وإلهي وإلهكم) يوحنا 17/20

بعد رحيل يسوع الناصري، وبعد الشروع في تأسيس العقيدة الايمانية الجديدة والتي اتخذت من شخصيته المحور الرئيسي الذي تقوم حولها جميع اركان العقيدة الجديدة، قام الاباء المؤسسون لهذه الديانة الجديدة، باستخدام اسلوب المخاتلة اللفظية من اجل الالتفاف حول المعنى الاولي لدلالة لفظ (ابن الله) واستبداله بمعنى جديد يخدم فكرة وتوجه الديانة المستحدثة !

فأصبح (يسوع الناصري) هو اقنوم (الابن) والذي هو أحد أضلاع المثلث الأقنومي المكون لله (بالاضافة الى الآب والروح القدس) وصار لفظ (الابن) يصرف حصرا الى يسوع الناصري بوصفه (الابن الوحيد) لله !

ويستند اللاهوتيون في تمرير هذا المعنى الجديد الى عدة امور منها ما هو نصي ومنها ما هو استنتاج و تأويل للنصوص

بالنسبة للشواهد من النصوص، نلاحظ ان اغلبها ورد في انجيل (يوحنا) او الرسائل المنسوبة اليه، وعند الاخذ بالاعتبار ان هذا الانجيل هو اخر الاناجيل كتابة من ناحية الترتيب الزمني(كتب بعد 70 الى 100 عام من رحيل يسوع) ولو اخذنا بالاعتبار التدرج في اضافة مفاهيم ايمانية جديدة مع مرور الزمن، لغرض اضفاء المزيد من هالة التقديس والاسطرة على الشخصية المحورية للديانة الجديدة، يتضح وقتها، السبب الذي جعل النصوص التي تشير الى بنوة يسوع الخاصة لله !.... ومن اشهر تلك النصوص

(لانه هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به ..) يوحنا 3

(اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ)

وهناك نصوص اخرى، تشير الى ان يسوع هو (ابن الوحيد لله)، مع ملاحظة ان اغلب هذه النصوص تعود الى السادة كتبة انجيل يوحنا او الرسائل المنسوبة له، وهذا مما يرفع درجة الشك في نسبة النص الوارد في يوحنا (3) ليسوع الناصري، والغالب انه اضافة من الاشخاص الذين كتبوا بقية تلك النصوص، لكنهم وضعوها على لسان يسوع والذي لم يستخدم توصيف (الابن الوحيد) في اي من النصوص الاخرى المنسوبة له في العهد الجديد!

ومع افتراض، نسبة تلك النصوص ليسوع او الوحي المقدس، فان ذلك لا يعني ابدا ان المراد منها حرفية اللفظ، وانما المعنى المجازي الذي تريد الالفاظ الاشارة اليه، لانه في حال الاصرار على حرفية معنى اللفظ، فإننا سنواجه مشكلة عويصة في فهم او تصور الكيفية التي من المفترض ان يكون الشاب يسوع الناصري(الابن) في (حضن) الآب !!!

ولو تجاوزنا وقبلنا بحرفية لفظة (الوحيد) في نص يوحنا (3) مع ذلك فإن هذه اللفظة الواردة في الكتاب المقدس لاتعطي معنى الوحيد (الذي لا احد معه!) وإنما تعني (المتفرد الذي يمتاز عن غيره) لان كلمة (الوحيد) هي ترجمة عن الكلمة اليونانية (منوجينوس) والتي تعني (المتفرد اوالمتميز) وقد استخدمها الكتاب المقدس في توصيف اسحق ابن ابراهيم، واعتباره الابن الوحيد لإبراهيم، رغم ان لابراهيم ابن آخر وهو إسماعيل والذي كان أكبر من إسحاق بسنوات كثيرة

(فقال خذ ابنك وحيدك الذي تحبه اسحق) تكوين 22/2

ان طريقة ارجاع اللفظ الى أصله اليوناني (لغة النص الأصلية) هي اسلوب يتبعه اللاهوتيون المسيحيون في تفسير عبارات وجمل الكتاب المقدس، للوصول الى فهم هو أقرب ما يكون للحقيقة، لذلك نجدهم، مثلا، يلجأون الى هذه الطريقة عندما واجهتهم مشكلة توصيف يسوع بانه (بكر كل خليقة)

لان هذا التوصيف يستدعي ان يكون يسوع مخلوقا، وهذا الامر، ينقض العقيدة المسيحية، التي تعتبره خالقا لا مخلوقا !

لذلك وجدنا اللاهوتيين، يذهبون الى أصل كلمة (بكر) في اليونانية(بروتو توكس) ليستنتجوا ان (البكر) لا تعني الاول من حيث الترتيب الزمني، وإنما تعني الأول من حيث ترتيب المقام، لكنهم لم يتبعوا نفس المنهجية مع لفظ (الابن الوحيد) جريا على اسلوب الانتقائية والتناقض المعهودة لديهم، في عملية انتاجهم للمفاهيم، بطريقة المراوغة اللفظية !

ولو تجاوزنا طريقة المراوغة والتلاعب في معاني كلمات النصوص، وتتبعنا التفسيرات التاويلية التي يستنتج منها اللاهوتيون ان يسوع الناصري هو (وحده) الابن الطبيعي لله، سنجدهم ايضا يتبعون أسلوب متنطع في تفسيرات متمحكة، تحاول بشكل فج مطمطة معاني النص وجرجرته الى معاني بعيدة تسند المفاهيم الايمانية التي ابتدعها اللاهوتيون، مثل

(من رآني فقد رأى الآب) وكذلك قول يسوع (انا والاب واحد) وغيرها من النصوص المشابهة

و وجه التنطع في تفسيرات اللاهوتيين واضح جدا، فمثلا بالنسبة للنص الاول، فكل عاقل يفهم ان يسوع لم يكن يقصد ان الذي يراه ويبصر شكله وهيئته هو بالضرورة سيرى شكل الله الذي في السموات !

علما ان لفظة (راى) يستخدمها اليهود احيانا بمعنى (عرف او علم) كما ورد في نصوص الكتاب المقدس

(وراى الله الارض فاذا هي قد فسدت، اذ كان كل بشر قد افسد طريقه على الارض) تكوين 12/6

(ولما رأى أنه لا يقدر عليه، ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه) تكوين 25/32

ومن هنا، يكون المعنى الذي اشار اليه يسوع واضح ومفهوم (من عرفني ..يعرف الاب)

أما بالنسبة للنص المهم (انا والاب واحد) فإن تفسير اللاهوتيين المسيحيين يثير العجب والاستغراب، لانهم يصرون وبشكل مريب على تأويل وفهم هذه العبارة بنفس الطريقة التي اراد اليهود المتربصين بيسوع ان يفهمونها، لكي يجعلوا هذه العبارة سببا لادانة يسوع الناصري بالتجديف، فيكون وقتها مستحقا لعقوبة الرجم بالحجارة

وهنا نترك الاصحاح العاشر من انجيل يوحنا يخبرنا بالقصة….فعندما قال يسوع (انا والاب واحد)

(فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضًا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ.أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي. بِسَبَبِ أَيِّ عَمَل مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟

أَجَابَهُ الْيَهُودُ قَائِلِينَ:لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا»

أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟

إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ،

فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟

إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فَلاَ تُؤْمِنُوا بِي.

وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ، فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ».

فَطَلَبُوا أَيْضًا أَنْ يُمْسِكُوهُ فَخَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ)

وهنا نلاحظ ان يسوع يريد تذكيرهم بما هو مكتوب في العهد القديم، في المزمور (82)

((أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ) والمخاطب هنا هم القضاة من بني اسرائيل

مما تقدم يتضح ان يسوع الناصري، قام بتوضيح وتصحيح الفهم المغلوط لليهود لعبارة (انا والاب واحد) حيث اكد لهم انه لايقصد بها انه اله او مساوي للرب، وانما يقصد ان لديه سلطان اعطاه اياه الرب، كما اعطى قضاة بني اسرائيل، وهو ابن الله، كما كان القضاة ابنائه !.....لان الرب قد قدسه بصفته رسول الرب الى العالم.

ورغم هذا البيان والتوضيح من يسوع الناصري، لكننا نجد اصرار من اللاهوتيين المسيحيين، على تغافل واهمال توضيح يسوع المسيح، والتمسك بالفهم اليهودي الخاطئ والمتربص والذي كان غرضه الايقاع بخصمهم يسوع!

إن تعبير يسوع الناصري و توصيفه، على أنه واحد مع الآب، هو نفس التوصيف الذي استخدمه مع التلاميذ، حيث اعتبر أن إيمانهم سيجعلهم، متحدين في الهدف معه ومع الاب، ليكونوا فيه وهو فيهم، لان الجميع يسعون لتحقيق غايات الله الاب

(ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط، بل أيضا من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم ليكون الجميع واحدا، كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك، ليكونوا هم أيضا واحدا فينا، ليؤمن العالم أنك أرسلتني وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني، ليكونوا واحدا كما أننا نحن واحد

أنا فيهم وأنت في ليكونوا مكملين إلى واحد، وليعلم العالم أنك أرسلتني، وأحببتهم كما أحببتني) يوحنا 17

ورغم هذا الكلام الواضح ليسوع الناصري والذي يوصف فيه علاقته مع الله (الآب) ضمن إطار مفاهيم وثقافة مجتمعه والمفردات اللغوية التي كانت مستخدمة في ذلك الوقت، إلا أننا نجد الآباء المؤسسين للديانة المسيحية، يجتهدون في ابتداع تفسيرات وتأويلات تقوم على منهجية ملتوية تعتمد المخاتلة اللفظية من خلال الاجتزاء تارة او الاقتطاع من النص تارة اخرى، لكي يتم الالتفاف على المعاني الاصيلة لمفردات النص، والخروج بمعاني مغايرة تؤيد فكرهم وعقيدتهم الجديدة، والتي كان الجزء الأعظم منها، مقتبس من العقائد والأساطير اليونانية والاغريقية، التي كانت رائجة في ذلك الوقت

فصار يسوع هو الأقنوم (الابن) وهو الابن (الوحيد) الذي في حضن الله (الاب) لأنه متحد معه في الطبيعة اللاهوتية!

وبذلك انتجوا ايمان جديد يقوم على مفاهيم جديدة مثل، اللاهوت والناسوت، والطبيعة والجوهر والاقانيم!!

علما ان كل هذه المصطلحات، لم يذكرها او يتحدث عنها يسوع الناصري ابدا !!

وربما لم تكن تخطر على باله اصلا !!

 

حوارات في اللاهوت المسيحي 30

 

د. جعفر الحكيم

 

 

عدنان عويدالقرآن جاء منجماً.. نزل على مدة اثنين وعشرين عاماً... فرضت حالة تنجيمه أو تفريقه هذه، مسيرة الدعوة الدينية التي كُلف الرسول محمد (ص) بالدعوة إليها... وأحداث السيرة النبوي وعلاقاتها مع الواقع آنذاك شائكة ومعقدة، فرضت نفسها على النص المقدس (القرآن) في حالات نزوله ونسخه وعموم نصه وخصوصيته، ومحكماته ومتشابهاته، بل وحتى في حالة (غرانيقه). وهذا ما جعل من النص الديني نفسه إشكالية في في تفسيره وتأويله، وبالتالي اعتماده مرجعاً وحيداً لأمور حياة المسلمين في سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين بعد وفاة الرسول. فهذا على ابن أبي طالب يرفض اعتماد النص القرآن مرجعاً لحل خلافه السياسي مع معاوية عندما رفع القرآن على أسنة الرماح في معركة صفين، قائلاً لصحبه لا تحتكموا بالقرآن فهو حمال أوجه. وهذا الرسول محمد (ص) يقول لمن سأله عن تأبير النخل وهو أمر حياتي : (أمور دنياكم أنتم أدرى بها)، وهو ذاته القائل عن إشكالية النص القرآني: (القرآن ذلول حمال أوجه فخذوه على وجهه الحسن). لذلك نقول: من هذا المنطلق الإشكالي. نجد أصحاب الموقف العقلاني /الحداثي من المفكرين الإسلاميين الذين يؤمنون بالعقل وحرية الإرادة ألإنسانية وتغير الأحكام بتغير الأحوال، قد اعتمدوا في رؤاهم العقلانية هذه على النص الديني المقدس ذاته، مثلما اعتمد أصحاب التيار الجبري /التقليدي، على النص الديني ذاته أيضاً، وهو النص الجبري الذي لا يؤمن بدور العقل وحرية الإرادة ألإنسانية، ويدعوا إلى التمسك بسنن الله والفطرة التي فطر الناس أو خلقهم عليها، وهي سنة ثابتة عندهم وغير متناقضة أو متحولة. (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا(. (1) (فهل ينظرون إلى سنة الأولين، فلن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً.). (2). (فأقم وجهك لله حنيفاً، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم.). ( 3).

من هذا المنطلق الوثوقي التسليمي بظاهر النص الذي يأخذ به أصحاب التيار الجبري التقليدي، دون البحث عن دلالات ومغزاه ورموزه، أي دون البحث عن القيم والمقاصد الإنسانية التي جاء الدين من أجلها خدمة للإنسان في حالات تطوره وتبدل شروط حياته وظروفها الاقتصادية وبالاجتماعية، والتي على أساسها جاء النص الديني ذاته منجماً، وعلى أساسها جاء الناسخ والمنسوخ مراعاة لحالات التطور والتبدل هذه، يأتي الموقف الجبري في الخطاب الإسلامي السلفي، الذي يرى أن الإنسان إذا أصغى إلى النفس والشيطان فسيسقط إلى أسفل السافلين، وإذا أصغى إلى الحق والقرآن فسوف يرتقي إلى أعلى عليين، ويصبح بين الكائنات في أحسن تقويم. فالإيمان كما يقول الكاتب السلفي ألإخواني " مصطفى حلمي" : (يفضي إلى التوحيد، والتوحيد يقود إلى التسليم، والتسليم يحقق التوكل، والتوكل يسهل الطريق إلى سعادة الدارين).(4). ثم يتابع في المرجع نفسه: (والعلم الحق هو علم السلف، والسلف هم الصحابة والتابعون من أهل القرون الهجرية الثلاث الأولى، فأصبح مذهب السلف علماً على ما كان عيه هؤلاء، ومن تبعهم من الأئمة، والأئمة هم : سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد، وعبد الله بن مبارك، والبخاري ومسلم، وسائر أصحاب السنة دون من وصُف بالبدعة، كالخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية والمعتزلة وغيرهم.).(5). وعلى هذا الأساس تم تقعيد الفكر السلفي وقوننته، كفكر صالح لكل زمان ومكان، وكل خروج عنه هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أما أهم معطيات هذا الفكر الجبري المنافي للحداثة والتقدم فيمكن إجمالها في التالي:

أولاً: الشرع قبل العقل: فالسلفيون الجبريون يعتبرون أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين حتى القرن الثالث للهجرة، هم الأكثر قدرة على تفسير النص الديني وفهمه، وبالتالي هم الأكثر عقلانيةً في هذا الفهم والتزاماً به، لذلك يجب على الخلف الاقتداء بهم والأخذ برأيهم، وعدم تشغيل العقل بما اشتغل عليه السلف وقرروه في أمر الدين والدنيا، فهم أصحاب الرسول وهم المؤمنون. متكئين في موقفهم هذا على الآية التي تقول: ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى نصله جهنم وساءت مصيرا.). (6)، والمؤمنون هم السلف الصالح الذين حُددت هويتهم أعلاه.

من هنا نجد أن هذا التيار السلفي يبدأ بالشرع أولاً، ثم يخضع العقل له. أي هم يكتفون بالرواية دون العقل والدراية، وأن العقل يجب أن يوافق الشرع. والشرع هنا هو الأصل، والعقل يأتي الفرع. وإذا كان التيار العقلي / الحداثي قد اعتمد على القرآن والمتواتر من الحديث والعقل في العقيدة والتشريع كما سنبين لا حقاً،، فإن التيار الجبري / التقليدي يخالفهم في ذلك، فهم يحتكمون في مراجع عقيدتهم وتشريعهم إلى القرآن والحديث النبوي والقياس والإجماع الذي قال به السلف الصالح، وطوعوا المفاهيم العقلية لها، أما القياس عندهم فهوليس أكثر من البحث عقلياً عن دليل في هذه المراجع لتأكيد شرعية كل مستجد في هذه الحياة. فالعقل عند ابن حنبل ومدرسته، وعند الشافعي والمالكي وأبي حسن الأشعري وابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب، والشيخ البوطي وكل السلفيين المعاصرين، يعجز عن الإحاطة بالحقائق التي أوردها الدين لأن الدين صادر عن خالق الخلق، وقد تناول جميع الفطرة الإنسانية ماضيها وحاضرها ومستقبلها، والعقل لا يمكن أن يحيط بكل هذه الفطرة والسنة الإلهية. (7). فهذا ابن تيمية يقول في هذا الاتجاه مقرراً حقائق لا يأتيها الباطل من تحتها أو بين أيديها: ( وكان من أعظم ما أنعم الله به على أهل السلف، اعتصامهم بالكتاب والسنة، فكانت الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده، فإنه ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق وأن القرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم.). (8).

إن الجبرية يريدون من هذا، القول بأن الله أمر أن يُنظر ويُفكر في خلق السموات والأرض، وعندها سيجد الإنسان ما يثبت وجود الله وقدرته، وأن كل ما أوجده أو خلقه الله في الطبيعة وحياة الإنسان نفسه، يعجز الإنسان عن الإتيان به. ويؤكدون قناعتهم المطلقة هذه بالآية القائلة : ( ويأتونك بمثلٍ إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً.). (الفرقان – 33). وهم يدخلون في هذا الفهم أيضاً أن القرآن قد أشار إلى الكثير من الحقائق العلمية قبل أن يكتشفها عقل الإنسان أو يعلم بها. (9). وعلى هذا الفهم القاصر والسطحي والوثوقي لدلالات النص القرآني، جاءت دعوة بعض السلفيين المعاصرين من تيار (جماعة التكفير والهجرة ) أمثال مؤسس هذه الجماعة " شكري مصطفى"، في تحريم التعامل مع العلوم الوضعية كلها حيث يقول: (لا نتعلم إلا بقدر الحاجة، تماماً كما كانت أمة رسول الله، فقد كانت جماعة رسول الله لا تتعلم لمجرد العلم، ولا تتعلم للدنيا ولكن تتعلم للعبادة.). (10). وهذا الموقف القاصر من العلم وتبخيس دور العقل الإنساني نجده عند شيخ الوهابية في مملكة آل سعود وهو " عبد العزيز بن باز" رئيس هيئة الإفتاء في السعودية، حيث يفتي في مسألة الفكر ودوران الأرض قائلاً: (الفكر والكفر واحد، بدليل أن حروفهما واحدة.)، هذا في الوقت الذي تجيز فتواه قتل من يقول بدوران الأرض وكرويتها، ومصادرة أمواله وأملاكه بعد استتابته. ومثل هذه المواقف المقاومة للحداثة نجدها عند سلفي الكويت المعاصرين، وخاصة في فتوى الشيخ " صالح بن العثيمين " في التحذير من اقتناء صحن استقبال البث الإعلامي والاحتفاظ به، وذلك عندما خاطب المصلين في الخطبة الثانية من يوم الجمعة 25/3/ 1417هـ للهجرة قائلاً: (من مات وخلف في بيته الدش، فقد غش رعيته فَحَرَم عليه الجنة.). والطريف في الأمر أن دولة الكويت الدستورية منذ عام 1963، تتبنى هذه الفتوى في 28/ 1/ و10/2 لعام 1998. (11).

إن كل هذه المواقف المعادية للعقل والعلم الوضعي، ليست جديدة على تاريخ السلفية في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية. فكيف ننسى أيضاً في هذا السياق على سبيل المثال للحصر موقف مشايخ مصر السلفيين الجبريين من العلم أيام "محمد علي باشا" عندما كانوا يحرضون الشعب على عدم إدخال أولادهم المدارس التي افتتحها "محمد علي" بجهود "الطهطاوي"، للتعليم الحديث، فكانت الأم تقوم بفقع عين ولدها كي لا يذهب إلى المدرسة، لأن مشايخهم قالوا لهم إن هذه المدارس الحديثة تعلم أولا دهم الكفر والإلحاد.

عموماً إن كل هذه المواقف المعادية للعقل والحداثة في عصرنا الحاضر هي تعتمد على مواقف سابقة لمنظري التيار السلفي تعود إلى القرون الوسطى، كمقولة ابن حنبل (أصحاب العقل كلهم زناديق)، أو مقولة ابن صلاح السيئة الصيت ( من تمنطق تزندق). أو موقف أبي حامد لغزلي من الفلسفة في كتابه المشهور (التهافت وكتابه (الجام العوام عن علم الكلام). والسيوطي في كتابه ( صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام).. وغيرها الكثير.

أمام هذه المعطيات التجهيلية المحاربة للعقل والمعرفة، جاء موقف هؤلاء السلفيين التكفيريين تجاه الحداثة بكل مضامينها: فالمرأة ظلت عندهم ضلعاً قاصراً، وناقصة عقل ودين، وعورة كلها، وإذا كانت ظروف المجتمع في الجاهلية عند انتشار الدعوة الإسلامية هي ظروف مجتمع الذكورة، وهو المجتمع الذي يعتبر الرجال قوامين دائماً على النساء عقلاً وجسداً ومكانة اجتماعية وأسرية، وهذا يرأيهم ما برر للنص الديني اعتبار شهادة المرأة الواحدة غير مقبولة، مثلما برر في بعض النصوص أيضاً تعدد الزوجات، وما ملكت أيمانكم وغير ذلك من نصوص تشير إلى دونية المرأة، إلا أن هناك نصوصاً أخرى كرمت المرآة وساوتها بالذكر كالآية: (وخلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها). (الأعراف 188). والآية: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات). /35/ - الأحزاب

إن ظروف عصرنا قد أثبت أن للمرأة إمكانات كبيرة في مجال استخدام العقل وتوظيفه في تربية أفراد أسرتها وتعلمها، فكانت كالرجل مدرسة وطبيبة ومهندسة، بل شاركت الرجل في كل نشاطات حياته، وكثير من النساء يبزن الرجال في رجاحة عقولهم ومعارفهن في مجال عملهن، فالأم مدرسة إذا أعددتها. كما نجد الموقف السلفي المتخلف هذا في فهمه لدور الدولة، فالدولة في فهمهم ظلت محكومة بخطاب ديني شمولي ومركزي مقدس، يقر بأن المشرع الوحيد هنا هو الله، وأن الشرع الذي يجب أن يطبق على العالم كله هو الشرع الإسلامي كما فهمه السلف الصالح في القرون الهجرية الثلاث الأولى، وإن هذه الشريعة المقدسة والمطلقة في صحتها نزلت مرة واحدة وإلى الأبد ممثلة بالقرآن والحديث والإجماع والقياس الذي لا يسمح للعقل أن يتجاوز حدود المشابهة والمقايسة بين المحدثات من الأمور وما ورد في النصوص المقدسة، أي قياس الحاضر على الماضي دائماً، لذلك ليس باستطاعة أحد أن يتجاوز النص الديني المقدس، وإنما باستطاعتهم تفسيره وتأويله، وهذا التفسير والتأويل قد تم وأنجز منذ القرون الهجرية الثلاث الأولى وأقفل بعدها باب الاجتهاد. وفي سياق الدولة والحاكمية، يقررون بأن الدولة لا بد لها من حاكم يخلف رسول الله، الذي فوض بالسلطة من صاحب السلطة وهو الله، وهو ما يسمى بالخليفة أو الأمير أو الإمام، وهذا يترتب عليه عالمية الإسلام وعقيدة التوحيد، وبالتالي فلا يمكن أن توجد إلا دولة واحدة، ولا يمكن أن يوجد في زمن محدد إلا خليفة واحد، ولا يمكن تصور وجود سلطات شرعية أخرى إلا إذا استمدت سلطتها من الخليفة التي استمدها بدوره من سلطة الله. والحاكم هذا في أجندتهم التشريعية هو فوق الشبهات والنقد وعلى الرعية الخضوع له والاستكانة حتى لو ظلم، فهم يطالبون من الرعية أن: (لا تسبوا الولاة فإنهم إن أحسنوا كان لهم الأجر وعليكم الشكر، وإن أساؤوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر، وإنما هم نقمته ينتقم الله بها ممن يشاء. فلا تستقبلوا نقمة الله بالحميّة والغضب، واستقبلوها بالاستكانة والتضرع.).(12).

أما بالنسبة لآلية عمل ولاة أو حكام هذه الدولة كما يفهما أصحاب التيار السلفي المعاصر، فقد حددها الشيخ " عبد الرحمن ساعاتي" والد "حسن البنا" في أول عدد من مجلة (الإخوان المسلمون) بقوله للجماعة: (استعدوا يا جنود ليأخذ كل منكم أهبته ويعد سلاحه وامضوا إلى حقكم، إلى حيث تؤمرون خذوا هذه الأمة برفق، فما أحوجها إلى الرفق والعناية والتدليل، وضعوا لها الدواء، فكم على ضفاف النيل من قلب يعاني وجسم عليل، واعكفوا على إعداد الدواء في صيدليتكم، ولتقم على إعطائه فرقة الإنقاذ منكم، فإذا الأمة أبت فأوثقوا يديها بالقيود وأثقلوا ظهرها بالحديد وجرعوها الدواء بالقوة، وإن وجدتم في جسدها عضواً خبيثاً فاقطعوه أو سرطاناً خطيراً فأزيلوه، استعدوا يا جنوداً، فكثير من أبناء هذا الشعب في آذانهم وقر وفي عيونهم عمى). (13)

إن الدولة التي تعتبر هي المؤسسة الأكثر فاعلية في بناء المجتمع ومؤسساته وفق المفهوم السلفي كما تبين معنا، هي دولة عقيدة بامتياز لكونها تمثل القيم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي جاءت في فترة ماضية، وباسم قدسية هذه القيم المستندة على النص المقدس، يسعى دعاتها إلى إعادة إنتاجها بحد السيف لمن يرفض أو لا يرغب في تشريعها وآلية عملها، أي حاكمتيها . وهذا ما يعطي الدولة في صيغتها المعاصرة كما يفهمها السلفيون المعاصرون سمات وخصائص ثابتة تاريخيا. أما أهم هذه سماتها، فهي نزعتها الشمولية، كونها تعتبر القيم الدينية (التشريعات)، كما وردت في النصوص المقدسة هي قيم صالحة لكل زمان ومكان، وهي قادرة على استيعاب حياة الإنسان في أدق تفاصيل حياته، حتى حالة (دخوله المرحاض والخروج منه). وهي أيضاً دولة مركزية كونها تعتبر الخليفة هو المسؤول الأول عن تنفيذ هذه القيم الدينية على كافة مساحة الدولة الجغرافية، وما الأمراء والولاة إلا لتنفيذ ما يأمر به الخليفة الحاكم بأمر الله. فمثل هذه الدولة في طبيعة حكمها لا تختلف في الحقيقة عن أي نظام استبدادي يقر بسلطة الفرد ويعتبر سلطته هي بأمر الله وإردته، وهي سلطة ستلغي بالضرورة العقل والإرادة والحرية لدى أفراد المجتمع، وتجذير السلطات الاستبدادية باسم الدين.

إذن إن الخطاب الإسلامي الجبري / السلفي التكفيري، هو في المحصلة خطاب ضد الإنسان وحريته، وتسخير عقله خدمة لمستجدات حياته. فهو على المستوى الأيديولوجي يدعو إلى العودة للماضي، أو النبع الصافي، ورفض كل جديد وتبديعه. وإن كل ما يقوم الإنسان بإبداعه عبر حياته هو ليس أكثر من تفسير أو تطبيق لما أورده القرآن في هذا المجال الحياتي أو ذاك، فكل الكشوفات العلمية هي ليست أكثر من تجلي لما هو موجود أصلاً في النص المقدس. كما أن هذا التيار ينظر إلى البنية الاجتماعية نظرة عقيدية أيضاً فالناس يقيمون من موقف معياري ثابت فرضه فهمهم هم للعقيدة وتشريعاتها. فالفرد إما (كافر أو مؤمن أو زنديق أو ملحد). ،وبالتالي يرافق ذلك، تلك النظرة الريبية لأصحاب الديانات الأخرى في دولتهم وحاكمتيهم، على أنهم كفار أو أهل ذمة وليسوا مواطنين. كما تنظر إلى أن العمل في هذه الحياة هو لكسب الآخرة وليس لتنمية المجتمع. كما يرفض هذا التيار كل الأيديولوجيات الوضعية واعتبارها فكراً تكفيرياً كونها لم تفتح باسم الله ولم يوقع عليها الرسول، لذلك فهي مردودة على أصحابها لا لكونها باطلة فحسب، بل لوجود الاستغناء عنها بكتاب الله وسنة رسوله. أما على مستوى الشكل، فهذا التيار يتمسك بسلوكيات السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، من حيث اللباس والمسواك وحف الشارب وتطويل الدقن والضحك والعطاس، كما أقرت الوهابية في ذلك على سبيل المثال.

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

................................

الهوامش:

1- فاطر - 62

2- الروم- 43.

3- الروم – 10..

4- د. مصطفى حلمي- الإسلام وفلاسفة الغرب- -دار الدعوة- الإسكندرية- دون تاريخ نشر –ص 99

5- المرجع نفسه- ص-ص 101.

6- النساء – 115.

7. د. مصطفى حلمي- الإسلام وفلاسفة الغرب- -دارالدعوة- الإسكندرية- دون تاريخ نشر –ص104

8- المرجع نفسه . ص 104.

9- د. مصطفى حلمي- الإسلام وفلاسفة الغرب- -دارالدعوة- الإسكندرية- دون تاريخ نشر –ص 109.

10- النهج – مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي – دمشق- العدد /20/- خريف 1999. ص 193.

11- النهج – مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي- دمشق العدد- /29/ - 2002. ص 19.

12- يراجع في ذلك- أبو يوسف – كتاب الخراج- - القاهرة – ص11. وكذلك يراجع - الفخري في الآداب السلطانية- بيروت – 1960- ص 33.

13- النهج – مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في لعالم العربي – دمشق- العدد /20/- خريف 1999. ص 131.

 

ميثم الجنابيهو كيسان بن أبي تميمة العنزي (68-131 للهجرة). ولد ومات بين طاعونين! وما بينهما ترامت حياته التي جعلت منه إماما للمتقين والزاهدين، ومرجعا لليقين الروحي والأخلاقي في مرحلة أتسمت بالحراك والصراع الشديدين. بحيث نرى انعكاسهما المتناقض في صقل شخصيته العصية على الوضع في قالب واحد، شأن شيخ القوم آنذاك الحسن البصري. بمعنى إننا نعثر فيه على ملامح ما يمكن دعوته بالثبات الحرّ زمن المتغيرات الجارفة. فالأخيرة عادة ما تجرف في سيولها كل ما هو عرضة للحمل السريع، أي كل ما يتدحرج بسهوله في تيارها. وفي هذا يكمن معنى إتباع السنّة في فكره وسلوكه، أي إتباع الروح النبوي بوصفها سنّة الحقيقة وليست سنّة السلطان والفرق (الأحزاب) والمذاهب. وضمن هذا السياق يمكن فهم حقيقة ومعنى جحوده "للبدعة" ومعارضته للاعتزال والخوارج. فقد كان يرى في المعتزلة وجدلها العقلي السافر قوة لا تقيم وزنا "لما في السماء"، أي لله وأصنامه الصغيرة المتراكمة في أزقة الخلافة وشطارها الأمويون! بينما لم يكن يرى في الخوارج سوى القوة التي تختلف في كل شيء لكنها تجتمع على السيف! ولم تكن هذه الرؤية والمواقف معزولة عن جملة من الوقائع والحقائق التي جرى تحسها وذوقها بمعايير الاجتهاد الشخصي والسلوك الفردي في مجتمع (عراقي) اتسم من حيث تقاليد وشخصيته (وما يزال، رغم فساده الهائل والعابر أيضا) بعقل الخلاف ونفسيه الاختلاف في كل شيء، بحيث جعلت من الممكن تصنيفهم ضمن "أهل الأهواء والبدع". مع أن الحقيقة وبلوغها غير معقولة دون الخلاف والاختلاف. فهو طريق الحريق التي تتهذب فيه وتتشذب كل عوالق الزمن العابر لتبقى نصاعة التاريخ فيه بوصفها إخلاصا للحق والحقيقة او تعبيرها عنها بوصفها تجربة ثقافية تاريخية.

فقد كان زمن أيوب السختياني زمن اللهيب الهائل لصيرورة الخلافة العربية الإسلامية التي لازمتها كمية غير متناهية من الاحتراب العنيف. الأمر الذي جعل من الجحود والمروق والخروج على المألوف وما شابه ذلك أمرا عاديا، بل وضروريا للوجود نفسه. تماما كما جعل من ظهور شخصياته الثابتة والراسخة القوة القادرة على مسك تربة الوجود التاريخي لكي تنمو فيها ما سيدعوه بعد قرون الفيلسوف الأندلسي ابن باجه، بالنوابت، أي الثوابت في شجرة الحياة الحية! وقد كانت شخصية السختياني ضمن هذا السياق تمثيلا للاستقامة زمن الصراعات الحادة.

بعبارة أخرى، مهما يكن من أمر مواقف السختياني هذه، فأنها تبقى جزئية وعابرة على ضفاف مجراه العارم صوب الهدوء في بحر الحقيقة والإخلاص لها بمعايير السلوك العملي. وفي هذا يكمن سرّ تحوله إلى إحدى الشخصيات التأسيسية الأولى للزهد الإسلامي والتصوف العملي. بمعنى من أولئك الذين ارسوا أسس التصوف الإسلامي من خلال تمرين الروح والجسد بمعايير الخروج على ما هو مألوف وعادي في فهم إشكاليات الوجود الاجتماعي والسياسي والأخلاقي. فقد شارك إلى جانب المئات ممن يمكن دعوتهم بالرعيل الأول الذائب في نحت الأفكار الجزئية والقيم العملية التي تناسبها. وهي النسبة التي يمكن رؤيتها في المقارنة والعبارات التي استعملها الحسن البصري عنه، وما قاله أيوب السختياني عن الحسن البصري. فقد قال الحسن البصري عنه مرة: "أيوب سيد شباب أهل البصرة"، كما لو انه يوازي بالمعنى التقليدي العبارات الوجدانية المتنوعة عن الحسن والحسين باعتبارهما سيدا شباب أهل الجنة، أو أبو بكر وعمر باعتبارهما سيدا كهول أهل الجنة أو مختلف الصيغ المشابهة. فالمضمون جلي. ومضمونه يقوم في محاولة البحث عن نماذج مثلى للتاريخ الفعلي من خلال رفعها إلى مصاف "السعادة التامة". وإذا كانت هذه "الأحاديث" النبوية، بما فيها الموضوعة (أي التي جرى صنعها لاحقا ووضعها على لسان محمد كما هو الحال بالنسبة للحديث المذكور أعلاه عن أبي بكر وعمر)، فان "حديث" الحسن البصري هو أولا وقبل كل شيء موقف فكري روحي لا نزاع فيه لمعترك العقائد والتحزب. بل ينبع من إخلاص الروح ومنطق التاريخ الفعلي للحياة نفسها.

بعبارة أخرى انه لا يتكلم عن "سيادة" وهمية متعالية ومقدسة، بل عن نموذج واقعي - مثالي لأهل البصرة. وهو موقف كوني أيضا. والقضية ليست فقط في أن البصرة آنذاك (وما زالت في أعماقها وإمكاناتها) هي قاعدة الروح الثقافي العربي الإسلامي، بل ولحدسها العميق القائل، بان المتعالي والمقدس تاريخي بالضرورة وفرداني بالمصير. وليس مصادفة أن نسمع السختياني مرة يقول عن الحسن البصري:" هذا سيد الفتيان!". إذ تنعكس في هذه العبارات رؤية الفرق بين الأبعاد المحلية والكونية.

فقد كان أيوب السختياني محليا وجزئيا بمعايير الرؤية الكونية التي بلورها الحسن البصري. لكنه المكوّن الضروري الذي جعل منه عنصرا فعالا في بناء صرح المرجعيات الروحية المتسامية للثقافة العربية الإسلامية.

فقد كان أيوب السختياني بنظر الكثيرين "جهبذ العلماء"، و"افقه أهل البصرة في دينه" وأصدقهم. فقد كان ابن سيرين يقول عنه "حدثني الصدوق". بل تحول إلى قبلة الاستلهام العملي لأولياء الثقافة الروحية المتراكمة في مجرى تصادم المثقف والسلطة المميز للمرحلة الأموية. فعندما قيل لأحدهم:

- نراك تتحرى لقاء العراقيين في الموسم؟

- والله ما افرح في سنتي إلا أيام الموسم! القي أقواما قد نوّر الله قلوبهم بالإيمان. فإذا رأيتهم ارتاح قلبي! منهم أيوب (السختياني)!

وهو لقاء ينبغي فهمه ضمن سياق المكانة التي احتلها أيوب السختياني في سلسلة الزهاد المصنوعة من معاناة التأمل العميقة لإشكاليات الوجود الفعلية والحياة العامة والخاصة. وليس مصادفة أن يقول بعضهم عنه "ما وعدت أيوب موعدا إلا وجدته قد سبقني إليه". بينما يقول عنه شخص آخر "ما رأيت رجلا قط اشد تبسما في وجوه الرجال من أيوب". وهي البسمة التي تعكس بكاءه الروحي. كما أنها المفارقة التي يمكن تحسسها في وعيه الذاتي ونقده للنفس، أي مراقبتها بالشكل الذي يجعل منها كيانا مخفيا من ملاحقة العيون المتطفلة. من هنا قوله "ذكرت وما أحب أن اذكر"، وانه "إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل". بل نراه يقول عن يزيد بن الوليد بعد توليه الخلافة، وقد كانوا أصدقاء قبل ذلك "اللهم انسه ذكري". وهو موقف مبني على فكرته القائلة بأنه "لا يستوي العبد (الإنسان) حتى يكون فيه خصلتان، اليأس مما في أيدي الناس، والتغافل عما يكن منهم". وهو موقف لا يأس فيه ولا انزواء بقدر ما يعكس تراكم المبدأ النظري والعملي في تنقيه النفس وجعلها روحا. من هنا بناءه هيكل الفضيلة الروحية والعملية بصمت. ووضع هذا المبدأ في عبارة تقول "ليتقي الله رجل وإن زهد، فلا يجعلن زهده عذابا على الناس، فلأن يخفي الرجل زهده خير من أن يعلنه". ووجدت هذه المعادلة تعبيرها فيما يمكن دعوته بالنفي الدائم للسمو الروحي بوصفه طريق السير الأبدي صوب الحق، كما نراها في فكرته عن الزهد. فقد قال بهذا الصدد "الزهد في الدنيا ثلاثة أشياء: أحبها وأعلاها وأعظمها ثوابا عند الله، الزهد في عبادة من عبد دون الله من ملك وصنم وحجر ووثن. ثم الزهد فيما حرم الله من الأخذ والعطاء. ثم يقبل علينا فيقول: زهدكم هذا يا معشر القراء فهو والله أخسّه عند الله! الزهد (الحقيقي) في حلال الله!". ويحتوي هذا الموقف في أعماقه على احتمال بلورة الفكرة القائلة، بأن حقيقة الزهد هي الزهد في الزهد.

غير أن تجربة السختياني كانت تدور آنذاك في تنقية اللسان والتفكّر بمعايير الروح الأخلاقي. من هنا إجابته على طلب احدهم أن يوصيه بشيء، قائلا:أقلّ الكلام! بينما أجاب في حالة أخرى على سؤال عن عدم مشاركته في جدل الآراء الدائر آنذاك في البصرة بعبارة: قيل مرة للحمار: ألا تجتر؟ فقال: اكره مضغ الباطل". وهو السبب الذي جعله يرد مرة على رجل من أهل الأهواء:

- أكلمك كلمة؟

- ولا نصف كلمة!

من هنا أفكاره المناهضة لجدل اللاهوت الفارغ والانهماك المتعصب في شحذ كل ما يمكنه العمل على إفراغ العقل والروح من مهمة العمل. فنراه مرة يقول "ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا". وليس مصادفة أن يربط هذا "الابتداع" المزيف بكلمة الاجتهاد، أي الانهماك في مهنة التحريف والتخريف التي ميزت ما كان القدماء يدعونه بفن أو صنعة القصص والقصاصين. لهذا نراه يقول، بأنه "ما افسد على الناس حديثهم إلا القصّاص"، وانه "لا خبيث أخبث من قارئ فاجر". بحيث جعله ذلك مرة يتهرب حتى من حديث أبي حنيفة. إذ ينقل عنه حادثة كيف أن أبا حنيفة دخل عليه مرة وهو بين أصحابه، فقال لهم:"قوموا بنا! لا يعدينا بجربه!". وهو سلوك لا تهرّب فيه، بقدر ما انه كان يضع الحرف والكلمة على ميزان المعاملة الروحية، أي عي ميزان المعاملة التي تختزن المعرفة وتضعها دوما على محك التجربة الذاتية وتختبرها بامتحان الإرادة. لهذا نراه ينصح احد مريده قائلا: "انك لا تبصر خطأ معلمك حتى تجالس غيره. جالس الناس!". بينما نسمعه يقول عن نفسه بهذا الصدد "لقد جالست الحسن البصري أربع سنين فما سألته هيبة له". وهي المفارقة التي كثفها في عبارة تمثلت تجاربه بهذا الصدد عندما قال "إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون". وترك لنا هذه المفارقة في سلسلة روح المثقفين الأحرار وغيب التصوف.

***

 

ميثم الجنابي

 

 

(الروح النقيّة الطاهرة لا المظاهر الخدّاعة، الامتلاء بحب الله شكلاً ومضموناً يعكس الجمال الحقيقي لهذا الحب والذي تظهر حقائقه على الانسان لااحتكار الحديث بأسمهِ)

ولد جلال الدين الرومي في مدينة بلخ احدى مدن خراسان في 30 ايلول 1217 م ). ويقال ان والده اول من ناداه بهذا اللقب ..والده هو العالم الجليل بهاء الدين، الذي كان يلقب بسلطان العارفين لما له من سعة في العلم والمعرفه فقد تتلمذ على يد الصوفي الكبير نجم الدين كبري موءسس الطريقه الكبرويّة، وقد تنبأ الاخير بقرب غزو المغول لمدينة بلخ فنصح تلامذته ومريديه بالمغادره، كان عمر جلال الدين وقتهااربع سنوات فانطلقت القافله التي قوامها ثلاثمئة بعير محملة بالاثاث والموءن والمكتبه العظيمه التي كان يقتنيها بهاء الدين ولد هكذا كانوا ينادونه..

اخذت الاسره بالانتقال من بلده الى اخرى فمرت بنيسابور ثم بغداد حيث درس في المدرسة المستنصرية، ثم مكه ثم لاندا ودمشق ثم استقر به الامر في مدينة قونيه التركيه حيث تلقى الاب بهاء الدين الترحيب من السلطان السلجوقي..اثناء مرورهم في مدينة نيسابورعروس المدن، التقى بفريد الدين العطّار العارف والشاعر الكبير في سوق العطّارين حيث كان يملك زاويه بالسوق فيما يسمّى اليوم (صيدليّة) يعالج فيها المرضى وينظم الشعر العرفاني..ويذكر ان شيخ العطّارين كان مندهشاً من فطنة الشاب وسرعة بديهيته وانه اهداه كتاب (اسرار نامة) وقال لوالده انه سيضرم النار في هشيم العالم..

استقر جلال الدين في مدينة قونيه وبعد وفاة والده ذهب الى الشام مع معلم والده برهان الدين لزيادة مجصوله العلمي وقد تجلّى ذلك بتأليفه كتاب المثنوي.. ثم عاد الى مدينة قونيه وكان يدير حلقات العلم ويلقي الخطب الدينيه وسط تلامذته ومريديه والناس التوّاقين للاغتراف من علمه، فقد كان أشهر من نار على علم..

كان يقول.. (إن كل شئ في الصوفيّه يقوم على الحب ويُبنى، الحب هو ذلك اللهب الذي عندما يتأرجح يحرق كل شئ ولا يبقى الا الله)..

في ذات الوقت كان هناك من سمع بهذاالعالم الجليل وذاع صيته، ذلك هو شمس التبريزي..

ولد شمس الدين التبريزي في مدينة تبريز احد مدن ايران (1228)

وهوابن الامام علاء الدين، عارف ومتصوّف وشاعر فارسي مسلم..ترك بيته وهو في سن العاشره اثر حلم راوده، واتجه للتصوّف يكسب قوت يومه من تفسير الاحلام وقراءة الكف..قال

"عندما كنت صغيرا رأيت الله رأيت ملائكة رأيت أسرار العالمين العلوي والسفلي. ظننت ان جميع الرجال رأوا مارأيت. لكني سرعان ماادركت انهم لم يروا..

اكتسب علمه الصوفي في رحلاته وخصوصا بغداد حيث بقي فيها حتى اتقن هذا العلم ثم انتقل بعدها الى قونية وافتعل مناسبة ليلتقي بمولانا جلال الدين الرومي الذي كان يراقبه عن بعد بعدما ذاع صيته في البلاد كالنار والهشيم..

كان درويشا وعالما ومتصوفا وفيلسوفا محبا لله والحياة يبلغ الاربعين من العمر، اعترض طريقه و قال له: هل انت مولانا جلال الدين الرومي، اجابه الرومي هكذا يُقال فقال له:"ان علماً لايصلك بالله الجهلُ خيراً منه"عندما سمع مولانا هذا الكلام انبهر ويقال اغمي عليه، بعدها قرر ان يلازم التبريزي، اعتكف مع مولانا مدة اربعين في مدينة قونيه وفي بيت مولانا، هذا اللقاء الذي غيّر حياة كل منهما.. وبعد لقاء الرومي به تحوّل من رجل دين الى شاعر يفيض بالمشاعر الجيّاشة والعاطفه وصوفي ملتزم وداعية الى الحب فابتدع رقصة الدراويش وتحرر من جميع القيود التقليديه في عصر سادت به روح التعصب والصراعات والنزاعات الدينيّة، دعا شمس الى روحانيه عامه شامله مشرعا ابوابه امام جميع البشر وبدلا من ان يدعوالى الجهاد الخارجي (الحرب على الكفار) الذي دعا اليه الكثيرون دعا الى الجهاد الداخلي جهاد النفس وهذا اعلى واسمى انواع الجهاد (جهاد الانا)..ويقال ان شمسا نزل مثل الصاعقه على وقار مولانا، وكان مولانا يريد ان تخربه تلك الصاعقه، فبعد ان كان محاطا بالحرس وبعد كل التبجيل والاحترام الذي كان يتلقاه مولانا من الخاصه والعامة جعله التبريزي يدخل الى حانة ليسمع هموم الناس فحوله الى رجل اعتيادي مجرد من كل قيود التبجيل، تاركا كرسي التدريس وامامة الناس، راقصا على قدميه يتامل حب الله، وقد اثار ذلك حفيظة الكثيرين ومنهم تلامذته ومريديه..فقال بذلك مولانا:

وماالذي يزعجني من ان يحل الخراب؟

إنّ تحت الخراب كنزاً سلطانياً

باشارة منه الى الوصول الى الصفاء الذهني والروحي..

ارسى قواعد العشق الاربعون في الحب المطلق للذات الالهيّه بعيدا عن اي تاثير كالخوف من النار اوالطمع في الجنة اي انّك تحب الله لانه الله..ترك ديوان التبريزي في مجال العشق الالهي، قُتل على يد تلامذة الرومي لغيرتهم الشديدة منه وقد حزن عليه مولانا حزنا شديدا واعتكف وكان نتيجة الاعتكاف ديوانه شمس التبريزي..

تتمحور فلسفة التبريزي من فكرة المحبه المطلقه للذات الالهية والعشق الابدي، ومحبة الله تعني محبة جميع مخلوقاته ونبذ كل مامن شأنه ان يمس كرامة الانسان بغض النظر عن لونه وعرقه وجنسه فلا ضغينه ولاحقد ولانبذ لاي انسان..تكريس قيم المحبه كأساس للتعامل مع الناس القلب لا اللسان..وهذا مادعا اليه الرومي ايضا فقد دعا الى العوده للون الابيض النقي فقال..قد يولد المرء ويحيا ولم ينل شيئا من المحبة ولاعرف عنها شيئا وانه متوهم انه من سادة المحبين لايعرف ان المحبه لاتكتمل ولاتاتي أ’كلها الا اذا أ’قتلعت الكراهيه والتعصب من الجذور ورفض الروح اي ظلال لونيّة الا الابيض رمز النقاء والشفافيه..هذه الافكار المتطابقه لحد ما جعلت الارواح تتجاذب وتتفرد وكان نتاج هذا التميز رقصة الدراويش بمراحلها الثلاث وصولا الى الصفاء الروحي عن طريق تأمل الخالق.. وقواعد العشق الالهي الاربعون ..

لقد اوجزت هذه القواعد بنقاط موجزه بعد قرائتي المستفيضه لرواية قواعد العشق الاربعون للكاتبة التركيه المبدعه اليف شافاق وقراءتك لهذه الرواية ستجعلك تبحث بتاريخ الصوفيه ورموزها لتصل الى الحقيقه، وهذا مادعاني الى البحث والاستقصاء في كتب الصوفيّة لكي اصل الى هذه النتيجه وبالحقيقة الموضوع كبير وشائك وفيه من الرموز الكثير الكثير ولكني اكتفيت بهذه المقدمه الموجزة جدا لاصل الى قواعد العشق الاربعون، وهذه هي القواعد..

1- الطريقه التي نرى فيها الله هي نفسها التي نرى انفسنا فيها خيرا كانت ام شراً..

2- الطريقة الى الحقيقة تمر من القلب لامن الرأس (فاجعل قلبك دليلك)

3- كل قارئ للقرآن يفهمه حسب مستوى فهمه فهناك اربع مستويات الاولى المعنى الخارجي والثانية المستوى الباطني والثالثة باطن الباطن والرابعة العمق..

4- يمكنك ان تعرف الله من خلال كل شئ فلايمكنك تحديد مكانه الافي قلب عاشق حقيقي لذات الله.

5- يتكوّن الحب والفكر من مواد مختلفة الفكر يربط البشر في عقد والحب الخالص هو من يذيب هذه العقد.

6- الشئ الذي لاتدركه الكلمات لايمكن ادراكه الا بالصمت.

7- الوحده والخلوة شيئان مختلفان، فالوحده ان تكون وحيدا مرغما على ذلك، اما الخلوة فهي ان تختلي بنفسك بارادتك لتصل لهدف ما..

8- مهما حدث في حياتك ومهما بدت الاشياء مزعجه لاتدع اليأس يسيطر عليك.

9- لايعني الصبر ان تتحمل المشاق بل ان تكون بعيد النظر اي عندما تنظر الى الليل فانك تنتظر الفجر وعندما تنظر الى الشوكه سترى الورده.

10- لايوجد فرق بين الشرق والغرب والشمال والجنوب فمهما كانت وجهتك تجعل الرحلة التي تقوم بها بداخلك انت.

11- لكي تولد نفس جديدة لابد ان يصاحب ذلك الم.

12- ماان تبدأ رحلة البحث عن الحب المطلق حتى تتغير من الداخل والخارج.

13- ان المعلمون الحقيقيون شفافون كالبلور يمر نور الله من خلالهم لذا لاتحاول ان تقاوم التغييرات التي تعتريك بل دع الحياة تعيش فيك.

14- ان الله يتعامل مع كل منا على حده لان البشرية لوحة جميلة رسمها فنان ماهر تتساوى فيها جميع النقاط، لذا فمن السهل ان تحب الله لكن الاصعب ان تحب جميع البشر بنقائضهم فان اردنا ان نحب الله علينا ان نحب جميع خلق الله.

15- ان القذاره الحقيقيه تقبع في الداخل، أما القذارة الاخرى فيمكن غسلها وتوجد قذارة لايمكن غسلها وهي لوثة الكراهية..

16- ان كل انسان عبارة عن كتاب مفتوح وكل واحد منا قرآن متنقل والبحث عن الله متأصل في قلوب الجميع..

17- إذا أراد المرء ان يغير الطريقة التي يعامله فيها الناس، فيجب ان يغيرالطريقة التي يعامل فيها نفسه واذا لم يحب نفسه حبا كاملاً فلا توجد طريقة يمكنه ان يحب فيها.

18- ان الماضي دوامة، فاذا تركته يتحكم بك فهو كفيل ان يقضي عليك..لذا عليك ان تعيش الحاضر لانه بين يديك..

19- الخطوة الاولى تعتبر اصعب خطوة وما ان تتخذها حتى تجري الامور بشكل طبيعي ولا تكن مع التيار بل كن انت التيار.

20- عدم احترام الاختلافات وفرض افكارك على الاخرين يعني عدم احترام النظام المقدس الذي أرساه الله.

21- لايصبح المرء موءمنا بين ليلة وضحاها، فكل خطوة بحث جديدة تقربنا من الله.

22- في كل شئ نفعله قلوبنا هي الملهمة، لامظاهرنا الخارجية.

23- ماالحياة الا دَين موءقت وما هذا العالم الا تقليد هزيل للحقيقة والاطفال فقط هم من يخلطون بين اللعب والحقيقة.

24- يتبوّء الانسان مكافأة فريدة بين خلق الله إذيقول في كتابه العزيز"ونفخت فيه من روحي"سورة الحجر (29)وهذا يعني ان الله خلقنا سواسيه بدون استثناء لنكون خلائف في الارض لنعمرها.

25- ان الجنة والنار تقبعان في داخلك الان فكلما احببت صعدت الى الجنة، وكلما بغصت نزلت الى جهنم، لايوجد جحيماً أسوء من العذاب الذي يعانيه الانسان إذاأحسّ إنه اقترف خطأً جسيماًولاتوجد جنة أفضل من تلك اللحظات التي يشعر الانسان فيها إنه يتحدمع الله.

26- ان معاناة انسان واحد قد توءذينا وبهجة انسان تجعلنا نبتسم، فكن رحيماً بما تطلقه من كلمات لانها لاتتلاشى بل تبقى معلقة في الفضاء اللانهائي ثم تعود اليك، ليس الكلمات فقط بل اي عمل تقوم به خيرا اوشرا ستجني ثماره، عملا بقول الرسول الكريم"من يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره"

27- ان كل شئ سيصبح مختلفا في النهاية لانك ستصبح مختلفا بداخلك

28- ان الماضي تفسير والمستقبل وهم والسرمدية لاتعني الزمن المطلق بل تعني الخلود.

29- لايعني القدر ان حياتك محدده بقدر محتوم، لذا فإن ترك كل شئ للقدر وعدم المشاركة في عزف موسيقى الكون دليل على جهل مطلق

30- ان الصوفي الحق هو الذي يتحمل بصبر حتى لواتُهم باطلاً

31- ان اردت ان تقوّي إيمانك فيجب ان تكون ليّناً بداخلك

32- يجب الاّيحول بينك وبين الله ائمة او قساوسة، ليكن الله وحده دليلك.

33- على الرغم من ان المرء يجاهد ليحقق شيئا فانه سيخلف كل شئ وراءه بعد الموت.

34- القوة الحقيقية تكمن في الاستسلام للقوة المنبعثه من داخلك على ان تكون تلك القوة ايجابية.

35- المتناقضات الصارخة هي مايجعلنا نقوم بخطوة الى الامام ففي كل منا يوجد موءمن وكافر ولذا على الشخص الكافر ان يتعرف على الشخص الموءمن في داخله.

36- لقد خلق هذا العالم على مبدأ التبادل.

37- ان الله ميقاتي دقيق اي ان كل شئ يسير بحساب دقيق، (الشمس والقمر بحسبان..)الرحمن/5

38- لاتوجد وسيلة واحدة تجعل المرء يولد من جديد في حياة جديده الابالموت قبل الموت.

39- ان ديننا هو دين العشق وجميع البشر مرتبطون بسلسلة من القلوب فإذا انفصلت حلقة ستحل محلها اخرى في مكان ما.

40- ليس للعشق تسميات ولا علامات انه نقي وبسيط فالعشق المطلق لله هو ماء الحياة..

تلك هي قواعد العشق الاربعون في الحب المطلق للذات الالهيه..ترك مولانا عدة موءلفات منها ديوان شمس التبريزي، المثنوي والرباعيّات ورقصة الدراويش المعروفة بالمولوية بفتح الميم واللي تتخذ من الدوران حول النفس منهجا للتامل للوصول الى درجة الكمال كما تعمل الكواكب بدورانها حول نفسها..توفي مولانا في مدينة قونيه سنة1273

ومن هذا نستشف ان الحب المطلق للذات الالهية هو الذي يطهر النفس من الاثام ويرتقي بها الى اسمى الدرجات وصولا الى الصفاء الذهني والروحي الذي هو قمة السعادة للانسان..

لقد خلق الله الانسان باحسن تقويم قال تعالى" (لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم) التين/4

ولاتمييز بين انسان وآخر الا بالتقوى، بذلك النور الداخلي الذي ينبع من داخلنا بمايسمى (الجوهر)

قال رسول الله (ص) "لافرق بين عربي ولااعجمي ولاابيض ولااسود الابالتقوى)..

وتلك كانت الرسالة التي وصلتنا من قواعد العشق الاربعون، الحب للحب..

 

مريم لطفي

..........................

المصادر

1- تذكرة الاولياء/شيخ فريد الدين العطار- مصحح آدم آرام

2- كتاب فيه مافيه/احاديث مولانا- ترجمة علي العاكوب

3- رواية قواعد العشق الاربعون/اليف شافاق- ترجمة خالد الجبيلي