mutham aljanabi2لقد كانت شخصية الإمام علي بن أبي طالب استمرارا للاتجاه الإسلامي المحمدي ولكن في مرحلة انتقال المجتمع من الوحدة الإسلامية إلى وحدة جديدة محكومة بهيمنة الدولة واستقلال السلطة وبلورة ملامحها الأيديولوجية، بوصفها قوة مغتربة عن فكرة الأمة الإسلامية ومصالحها المكفولة بالشريعة (القانون). فعملية التفكك والابتعاد عن الوحدة الاجتماعية للجماعة الإسلامية شكلت في تصوراته رجوعا إلى الماضي. فالجاهلية بدت بالنسبة له كما لو أنها تعيد تشكيل نفسها وتنتظم خيوطها من جديد كما يفعل العنكبوت تجاه مصايده. وعوضاً عن الهروع في هذه الحالة إلى منبع الجماعة الإسلامية ومصدر قوتها وعظمتها كما دعا هو، فإن "قوى المنكر" تسير في خطاها، وإن لأظلم ما في الأمر، كما قال مرة، عندما لا تعترف هذه القوى بجهلها.

لقد نظر إلى الجهل نظرته إلى شر اجتماعي وأخلاق جاهلية. بينما أظهرت الممارسة أن الجهل واللاجهل مجرد مقولات سياسية عملية. وفي هذه الحالة كان لابد للماضي من الظهور بقوته المعهودة، باعتباره السند المتين والدفين في أعماق الذاكرة، واليقين الأخلاقي الذي لا يمكن للقوى المتصارعة أن تمسكه بيديها. وبالتالي كان لابد للعروة "الخالدة" من أن تبحث عن مرتكز لها بعيدا عن محاصرة السلطة المباشرة. وليست هذه العروة الخالدة سوى الماضي أو المستقبل.

و إذا كان المستقبل عادة ما يقلق السلطة باعتباره مستقبلها أيضاً وخزانة آفاق وجودها ومصيرها، فإن الماضي عادة ما يشكل بالنسبة لها مستودع ثرواتها المنسيّة. ومن ثم بإمكانها الرجوع إليه بالقدر الذي تضطرها إليه الذاكرة المحاصرة في سعيها للخروج من هذا المأزق أو ذاك، أو لتبرير ما تجده ضرورياً لأعمالها. فالماضي يتحول بهذا المعنى إلى خادم صغير يؤدي خدماته على مثال صغار موظفيها، على عكس تلك القوى التي تبحث في الماضي عن عروة يقينها الأخلاقي. وتوافق هذه العملية من حيث مضمونها مع الرجوع إلى مبدأ الحق. لهذا كان موقفها من الماضي مبنيا على أساس استقامة الاجتهاد والبحث عن دليل العدالة وليس على أساس التبرير والتأويل المفتعل.

وليس مصادفة أن تؤدي هذه العملية أحيانا إلى نتائج عكسية. فقد رفض الإمام علي الانصياع للإجبار "السياسي" غير المباشر، الذي حاول فرضه على الجميع عبد الرحمن بن عوف. فقد طاف الاخير بسؤال محدد على كل أولئك الذين دخلوا في هيئة الشورى لاختيار الخليفة، عما إذا كان كل منهم سيسلك سلوك من قبله (أبو بكر وعمر)، وأن لا يقرّب أحدا من أهله. وإذا كان عثمان قد أجاب بالإيجاب بينما سيكون سلوكه مغايرا تماما، فإن علياً رده قائلاً: مالك ولهذا؟ إذا قطعتها في عنقي! فإن عليّ الاجتهاد لأمة محمد حيث علمت القوة والأمانة استعنت بها كان في بني هاشم أو غيرهم. وعندما شدد ابن عوف قائلا: لا والله حتى تعطيني هذا الشرط! فأجابه: والله لا أعطيكه أبداً[1]. وبغض النظر عن كل الحوافز الفعلية القائمة وراء ضغوط ابن عوف، فإن ما هو جوهري بالنسبة لنا هو رؤية الموقف الحقيقي من تراث الأسلاف وإدراك الموقع الشخصي في اندماجه بالماضي والمستقبل. فإذا كان عثمان قد قال وخان وأعطى العهد ونكث، فإن علياً رفض القول وآمن ولم يعط الكلمة وتمسك بالحق. وهو السلوك الوحيد الذي يفرضه منطق الحق والروح الأخلاقي. وفي هذه العملية لابد للماضي من أن يتحول إلى معيار صارم ومحك خشن لتقييم كل ما هو موجود. لهذا يصبح الرجوع إلى الماضي أسلوب المقارنة ووعي الذات. لهذا السبب أيضاً وجد الإمام علي في سلوك السلطة رجوعا إلى الجاهلية وماضيها، أي أنه بحث عن المثال الأقوى، الذي يشكل بحد ذاته قيمة معترفا بها من قبل الجميع. والأهم من ذلك قيمة مطلقة بالنسبة له رغم سعيه للاجتهاد الحر. من هنا نستطيع القول بأن الرجوع إلى الماضي في أفكاره وممارسته لم يكن، من الناحية الموضوعية والتاريخية، وهما اجتماعيا.

إن الموقف المذكور أعلاه وأمثاله كما نعثر عليها في (نهج البلاغة) والكتب المؤرخة لحياته وأفعاله، تؤكد بصورة قاطعة على الطابع الاجتهادي لوعيه وفعله. وليست العبارة الشهيرة القائلة بأنه لولا علي لهلك عمر، إلا دليلا على اجتهاده في حل الأمور أكثر مما هي دليلا على "عصمته" في ميدان المعرفة. وإذا كان الارتباط وثيقا بين المعرفة والاجتهاد، فإن المعرفة لا تلزم بالضرورة إنتاج اجتهاد. فقد رأى هو في ظهور الإسلام حلا للفتن التي مزقت شمل العرب بحروبها الدامية. فهو ينظر إليه نظرته إلى الضوء الذي أنار الدنيا الكاسفة النور، والذي لم يفقد شعاعه وتوهجه، على الأقل، بفعل عدم تقدم العهود به والأحقاب والقرون"[2]. وإذا كانت مأثرة النبي محمد التاريخية تقوم في أحد جوانبها بتذليل هذا التفرّق و"دفن الضغائن وإطفاء النوائر والتأليف بين الأخوان" ومن ثم تأسيسه للأمة الإسلامية الموحدة، فإن المصير التاريخي لتطورها الاجتماعي قد وضع علياً ومأثرته على مستوى آخر وباتجاه نوعي جديد. فليست الفتنة من حيث مضمونها التاريخي، والكثيرة التردد في خطاباته، سوى التعبير اللغوي السلبي عن الصراع الاجتماعي المناهض لوحدة الأمة. لهذا نراه يتكلم عن فتنة جاهلية وأخرى معاصرة له. وإذا كان في إحدى كلماته المأثورة قد نصح المرء في أن يكون أيام الفتنة كابن اللبون "لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب"[3]، فإن ذلك لا يعكس رغبته في تجنب الصراع باعتباره ضرورة. فهو لا يحدد هنا سوى موقفه الأخلاقي. ومع ذلك يبقي للنشاط والعمل أهمية كبرى وحاسمة.

فقد اعتبر الإمام علي الجبن نقيصة، والعجز آفة. كما اعتبر الصبر شجاعة. ومن الممكن رؤية الانطباع العربي (الجاهلي) والإسلامي في موقفه من الصبر باعتباره أكثر الصفات جمالاً. لكن تصويره للصبر باعتباره شجاعة، يتضمن في آن واحد رفع شعار التضحية والاستعداد لتحمّل صعابها باسم العدالة. فالمقولات الأخلاقية لا تتضمن في أحكامه معنى سياسيا مباشرا، لكنها تخدم مقولات السياسة العملية بوصفها قيما عليا. لهذا ربط في كلّ واحد الصبر بالشجاعة، والشجاعة بالعدالة، التي أصبح القتال بين الأخوان يجري من أجلها على ما دخل في الإسلام من الزيغ والاعوجاج والشبه والتأويل"[4]. بصيغة أخرى لقد طالب بمواجهة حالة الزيغ عن مبادئ الإسلام بالصبر والشجاعة، وذلك بسبب ما في هذه المواقف من مرارة قاسية تستلزم الجلد في تماسك الروح وانضباط الجوارح. فهو يقف أمام واقع أصبح فيه القرآن السلعة الأكثر بواراً حال تلاوته الحقة والأنفق بيعاً حال تحريفه.

إن انعدام العدالة ومكابدة الفقر تبرز لا بسبب اختلاف "التأويل"، بقدر ما أصبحت نتاج "الانحراف" الاجتماعي السياسي الذي جعل من "صرخة الدماء الصادرة من جور القضاء" المظهر المفزع لانتهاك القيم والمفاهيم التي استوعبها هو. لقد رغب هو في الوسيلة التي بإمكانها أن تلمّ شعث المسلمين، وكان مستعدا لأن يمسك مقابلها عما سواها، غير أن التطور الاجتماعي الاقتصادي والسياسي جعل من هذه الوسيلة مجرد شعار. ذلك يعني أن سعيه للوحدة الاجتماعية لم يكن وهماً سياسيا. لقد اقترب أكثر من غيره آنذاك من استيعاب وفهم القضية الجوهرية التي أبرزت ضرورة تطبيق شعاره المذكور أعلاه، ألا وهي قضية السلطة.

إن إدراك أهمية السلطة يتطابق مع انتهاء مرحلة ما يسمى بخلافة الراشدين. وذلك لأنها كانت ترمز من الناحية الواقعية إلى بروز أهمية وقيمة الفكرة السياسية. فقد كان تاريخ الخلافة حتى صعود الإمام علي إلى السلطة صيرورة متراكمة من الصراع السياسي بكل مكوناته من قيم متضادة. وقد رافقت هذه العملية صيرورة الدولة بشكل عام والإمبراطورية بشكل خاص. فقد كان صعود أبو بكر الصديق واستخلاف عمر بن الخطاب صراعا سياسيا بحتا رغم غلافه الديني الذي برز للمرة الأولى في مواجهة حروب الردة ولاحقا بالفتوحات. أما صعود عثمان بن عفان إلى السلطة فقد كان "مؤامرة" سياسية بحتة، من هنا نهايتها المخجلة والتعيسة والمناقضة لما في فكرة "الخلافة الراشدة" من معنى أولي. فمن غير المعقول توقع اضمحلال رشد المسلمين في انتفاضهم ضد خليفة يمثل الرشاد والعقل. فقد وجدت الأمة المنتفضة في عثمان أنموذجا للغي والضلال وانعدام العدالة. وفي انتفاضتها برهنت على إدراك خاص لقيمة "الرشد" بالنسبة للسلطة. وقد شاطر الإمام علي بن أبي طالب هذا الإدراك، رغم دفع الأحداث إياه عنوة صوب التمسك العملي بها. من هنا وقوفه وصراعه المرير بين عوالم السلطة والروح. فقد استلم السلطة بعد عثمان، بمعنى استلامها كما يستلم آخر متبار في سباق البريد من يد شخص منهوك القوى، متأخراً، لم يقبل هزيمته وتأخره فحسب، بل ويرغي شاتما من ينبغي أن يقطع الشوط الأخير. وهي الحالة التي ميزت تقبّل الإمام علي للوديعة الخربة تحت تأثير حماس الجمهور. وقد قبلها "مجبورا" لاسترجاع الفوز السابق في منازلة كانت نهايتها المحتملة تتأرجح بين الخسران أو إزهاق الروح من أجل اللحاق بالأوائل!

فقد ترك عثمان بن عفان للإمام علي بن أبي طالب خلافة الزمن الفارغ، وكمية هائلة من الاحتجاج الاجتماعي وكتلة هائلة من الخراب المعنوي المتجسد في قوى سياسية واجتماعية متمرسة في عوالم الرذيلة، ومحنكة بالدهاء السياسي. فقد بلغ الزمن ذروته في لذة السلطة وتوظيف "الوحي" بالطريقة التي تجعل كل المواقف مباحة مازالت تؤدي وظيفة التجديد الدائم لهذه اللذة. من هنا ليست محاولة الإمام علي بن ابي طالب إعادة واستعادة "الإسلام الحق" سوى المحاولة التاريخية الأولى والكبرى لبناء الدولة والحضارة، التي تمثلت من حيث الجوهر مشروع الصيرورة السياسية للدولة الإسلامية اللاحقة، والكينونة الروحية للثقافة.

فمن الناحية الظاهرية تبدو اغلب مواقفه السياسية الأولى كما لو أنها رد فعل مباشر وغير مباشر على طبيعة وحجم الخراب الذي أحدثه عثمان في مسار الدولة. أما في الواقع، فقد كانت مواقفه ونموذجه الحياتي وكفاحه ومماته حلقات مترابطة في تأسيس الأبعاد الباطنية للمرجعيات الإسلامية الكبرى في الموقف من الدولة والمجتمع والسلطة والإنسان والروح. فعندما صرح في أولى خطبة له بعد أن بويع بالمدينة قائلا "ذمتي بما أقول رهينة. وأنا به زعيم (كفيل). إن من صرّحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزته التقوى عن تقحّّم الشبهات. ألا وإن بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم. حق وباطل. ولكلّ أهل. ولقلما أدبر شيء فاقبل"[5]. لقد أراد القول، بأنه كفيل بما يقول ويعمل، لأن من يدرك تجارب الأجيال والتاريخ وعقوبته تحرزه رؤيته هذه عن خوض الشبهات. وهي شبها جلية في بلية الانحراف عن الحق وانتشار الباطل. كما أنها حالة حرجة انطلاقا من أنه قلما أدبر شيء فأقبل، بمعنى أن ما ذهب يصعب رجوعه. وذهاب الحق صعب الإرجاع لكنه ممكن. بحيث نراه يجعل من هذه المواجهة معنى القول والعمل. وبالتالي إمكانية استرجاع حقيقة النبوة لا النبوة، وذلك لإدراكه طبيعة العقاب التاريخي الذي تعرضت وتتعرض له الأمة في ظل سيادة "أهل الباطل" بعد أن أدبرت مرحلة النبوة. وقد تحسس وقع هذه الحالة وثقلها عليه كما تلمسها بصورة جسدية مباشرة عندما اندفع عليه الجمهور المنتفض ليبايعوه على الخلافة. بحيث نراه يصورها بكلمات تقول "تداكوا عليّ تداكّ الإبل الهيم يوم ورودها، قد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها، حتى ظننت أنهم قاتليّ أو أن بعضهم قاتل لدى بعض". كما أشعرته هذه الحالة بقدر متكافئ الرغبة في استعادة الحق وهول مواجهته في ظل الخراب العميق وريبة الرؤية السياسية للنخبة المكية العفانية. ونعثر على كل ذلك في تمنعه وتردده من قبول العرض العام لتسلم السلطة، كما نراه ونسمعه في قوله عندما خاطب الجمهور:"دعوني والتمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان. لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول. وإن الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت. واعلموا إني إن أجبتكم ركبت بكم ما اعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب. وإن تركتموني فإني كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم. وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا"[6].

إننا نعثر في هذا الموقف على حجم وطبيعة الإدراك العقلي والوجداني لواقع الدولة وإشكاليات الوجود الاجتماعي والأخلاقي المتمردة من جهة، وعلى طبيعة وحجم التحدي الفردي لكينونته الجديدة بوصفه أميرا من جهة أخرى. لقد نزع من "حق الولاية" تعبير المؤمنين، على خلاف عمر بن الخطاب، وتعامل مع الأتباع والأعداء على أنهم مسلمين من حيث الانتماء الشكلي للأمة والدولة. وتضمن سلوكه هذا معنى الرجوع إلى الرؤية المحمدية في عاملها مع الواقع كما هو لا مع نموذجه المرتجل في رفع شأن الأفراد والأمة إلى مصاف الإيمان. فالإحسان حقيقة الإيمان، ولا إحسان فيما كان يواجهه الإمام علي بن أبي طالب بعد مقتل عثمان، بل خراب وعنفوان وتمرد وصراع. وليس مصادفة أن يشدد في اغلب خطبه على ظاهرة الفتنة. وقد عّبر عن موقفه العام منها في أحد مواقفه القائلة، بأن الفتن "إذا أقبلت شبهّت. وإذا أدبرت نبهّت. ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات". بمعنى أنها تخلط الأمور وتختلط فيها المواقف والأساليب والنتائج. بدايتها قلاقل ونهايتها زلازل، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن حقيقة تقوم في وضعها الجميع أمام تحسس ما في نهايتها من دمار. ووجد إمكانيتها الفعلية الخاصة في بني أمية، أي في السلسلة غير المرئية لأحفاد وأسلاف عثمان بن عفان. وقد قال مرة بهذا الصدد، بأن أخوف الفتن عنده على الناس "فتنة بني أمية، فإنها فتنة عمياء مظلمة عمّت خطتها وخّصت بليتها،وأصاب البلاء من أبصر فيها واخطأ البلاء من عمي عنها. وأيم الله لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء بعدي... حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم أو غير ضار بهم. ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا كانتصار العبد من ربه والصاحب من مستصحبه"[7]. وبنى موقفه هذا على أساس تأمل التجربة التاريخية لهذه الكتلة السياسية ومكونات إرثها "الروحي". بمعنى أنه وقف أمام الإرث المتناقض لسياسة النبي محمد تجاهها واستفحاله في زمن عثمان. فقد كان هذا التناقض محكوما بما في شخصية الإمام علي بن أبي طالب من أولوية الروح الأخلاقي وفكرة العدالة المتسامية على مغامرات السياسة وأبعادها المجهولة. لهذا لم ينظر إليها على أنها مكونا في "أمة المؤمنين"، بل قوة لها امتدادها العريق في جاهلية الروح والقيم. من هنا حكمه الواضح تجاهها عندما قال مرة عن بني أمية:"والله لا يزالون حتى لا يدعوا لله محرما إلا استحلوه ولا عقدا إلا حلّوه. وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا دخله ظلمهم ونبا به سوء رعيهم، وحتى يقوم الباكيان يبكيان، باك يبكي لدينه وباك يبكي لدنياه. وحتى تكون نصرة أحدكم من احدهم كنصرة العبد من سيده. إذا شهد أطاعه، وإذا غاب اغتابه. وحتى يكون أعظمكم فيها غناء أحسنكم بالله ظنا. فإن أتاكم الله بعاقبة فاقبلوا، وإن ابتليتم فاصبروا. فإن العاقبة للمتقين"[8].

فقد اختلط في هذه الرؤية وثناياها بريق الفتنة ودخانها، كما أخذت معالمها تبرز بوضوح بوصفها صراعا بين فكرة الدولة والسلطة. ووجد انعكاسه في مأساته التاريخية بوصفها صراع الروح والسلطة. وهو صراع هائج وعميق المحتوى على قدر ما في الإمام علي بن أبي طالب من أبعاد غير متناهية في وحدة الوجدان والإيمان كما نعثر عليها في تلك العبارة الوجيزة التي كشفت عن أعماقه الملتهبة عندما وقف على شفا قبر فاطمة وهو يقول بملء صوته مخاطبا أبيها:"لقد وسدّتك في ملحودة قبرك وفاضت بين نحري وصدري نفسك... فلقد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة! أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسّهد!"[9]. وتكشف هذه العبارة عن أعماقه المحكومة بالأزل والأبد، بمعنى الهائجة في عوالم لا تتناهى. وهو حال ممكن بالنسبة لأولئك الذين تتسع قلوبهم للوجود والمطلق. وهي قلوب عادة ما تصنعها مراحل الانقلابات الخطرة والعاصفة أما بهيئة شاعر فحل أو كاتب عظيم أو أديب مرموق أو خطيب بليغ أو فيلسوف أصيل أو سياسي مقتول! فقد ارتطمت هذه المكونات جميعها بأقدار ونسب مختلفة في شخصية الإمام علي بن أبي طالب. وليس مصادفة أن يرى "الآفاق قد أغامت" عندما دفعه جمهور الناس لأخذ زمام المبادرة وقيادة الأمة المضطربة بين نشوة قتلها لخليفة جائر وسعيها لاستعادة الحق فيم تراه خصيصا به. وليس مصادفة أن يقف نفسه أمام صراع الروح والسلطة في أعماقه، عندما خاطب الجمهور قائلا:"إني إن أجبتكم ركبت بكم ما اعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب!" لهذا فّضل أن يكون لهم وزيرا من أن يكون أميرا! وفيها يمكن رؤية البطولة والمأساة بقدر واحد. لقد أراد مواجهة العالم وما فيه بما فيه. ذلك يعني أنه لم يسع إلى وضع نفسه بالضد من العالم بقدر ما أراد أن يجعل العالم وذاته المترامية بين الأزل والأبد محكومين بفكرة الروح المتسامي. وهي محكومية عادة ما تؤدي بالشخصية الكبرى إلى مواجهة خطرة في ميدان السياسة واشد خطورة في ميدان الروح. لكنها المواجهة الوحيدة القادرة على صنع مرجعيات الرجال والفكرة في التاريخ ووعي الذات الإنساني والتاريخي. وليس مصادفة أن تكون هذه المرجعية شعار مواجهته المواقع حالما تسلّم الحكم بعد عثمان، بحيث تحول كيانه وكينونته إلى نفي شامل لهما. لاسيما وأنها كانت الخطوة الأولية والضرورية لأية مواجهة تعي وتدرك قيمة الروح بالنسبة للدولة والحق. من هنا محاولته الأولية استرجاع ما اقتطعه عثمان لأصحابه وأقاربه من أراضي الدولة وأموال الأمة كما وضعها في كلماته الشهيرة القائلة:"والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته. فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق"[10].

لقد كانت تلك مواجهة الروح المتسامي لزيغ السلطة. من هنا عنفوان بقاياها الخربة في استثارة رذيلة الدهاء السياسي والعمل بمعاييره. الأمر الذي جعل من "دم عثمان" شعارها للمعركة من خلال اتهام الإمام علي بن أبي طالب. فعندما اتهمته بنو أمية من أنه شارك في مقتل عثمان، فانه أجاب:"أنا حجيج المارقين وخصم المرتابين. وعلى كتاب الله تعرض الأمثال، وبما في الصدور تجازى العباد"[11]. كما رد على من اتهمه بمقتل عثمان بعبارة:"ألا وان الشيطان قد ذمر حزبه، واستجلب جلبه، ليعود الجور إلى أوطانه، ويرجع الباطل إلى نصابه. والله ما أنكروا عليّ منكرا ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا. وإنهم ليطلبون حقا هم تركوه، ودما هم سفكوه"[12]. وعندما وقف وقفته الأخيرة أمام حصيلة الاتهامات التي وجهت إليه من جانب القوى العفانية، فإنه وضع القضية ضمن حدودها الفعلية عندما قال:"لو أمرت به لكنت قاتلا، أو نهيت عنه لكنت ناصرا. استأثر فأساء الأثرة. وجزعتم فأسأتم الجزع. ولله حكم واقع في المستأثر والجازع"[13]. وتكشف هذه المواقف عما يمكن دعوته بمنظومة الخلاف الكبرى والشاملة والجوهرية بين نمطين في الموقف من الدولة والسلطة. والشيء الجوهري الذي قدمه الإمام علي بن أبي طالب بهذا الصدد يقوم في نفي تجارب المرحلة السابقة بدأ من البداية التأسيسية للنبي محمد وانتهاء بالخراب العفاني من خلال تقديم فكرة الحق الشامل.

***

 

ميثم الجنابي

.........................

[1] ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص40.

[2] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص157.

[3] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج4، ص2. ابن اللبون هو أبن الناقة الذي بلغ السنتين من العمر.

[4] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص236.

[5] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص47-48

[6] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص82.

[7] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص184.

[8] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص191.

[9] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص182.

[10] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص46.

[11] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص125.

[12] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ي59-60.

[13] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص75-76.

 

 

mutham aljanabi2إن للقدر لعبته مع الأفراد والأمم! فهو يدرجهما في حركة المصير والذاكرة. وذلك لأن قدر الأفراد والأمم على قدر مكانتهم في التاريخ والزمن، أي على قدر بقاءهم في سريان الروح ووعي الذات الثقافي، أو اضمحلالهم في الدهر البارد. ولا يشذ عن هذه الفكرة تقدير وتقرير المأثرة التاريخية للأفراد أو اللعنة الأبدية الممكنة في نسيان فاحش أو إدانة أفحش، بوصفها الخاتمة التي طبعت من حيث الجوهر حياة وممات عثمان بن عفان. فقد كانت حياته سلسلة متقطعة من زمن الانسياق البارد وراء ملذات عابرة، بينما كان مماته تفاهة اكبر ورذيلة تامة عندما يجري تقييمها على أساس موقعه في هرم السلطة الإمبراطورية الهائجة بتراثها الروحي المسكون بحب الاستشهاد من اجل القيم المتسامية. وليس مصادفة أن يتحول قميصه فقط إلى بيرق الصراع من اجل السلطة بالنسبة لأولئك الذين تغلغل في أعمق أعماقهم حب الجاه والمال. إذ لا شيء في عثمان كان يمكنه أن يغري العقل والضمير. لهذا اندثر في وقت لاحق بين "محبيه" و"كارهيه"، لأنه لم يكن شيئا. وقد كانت تلك من اعنف مفارقات التاريخ السايسي والروحي للخلافة العربية الإسلامية الأولى.

فقد كان عثمان من حيث النفسية والشخصية رخوا، ضعيفا، هشا، مسلوب الإرادة، محكوما بقوة الغريزة. تربع هرم الدولة الصاعدة في اشد مراحل اندفاعها وعنفوانها! ومن الممكن فهم سرّ هذه المفارقة على أنها جزء من مغامرة النفس الجاهلية القابعة في أعمق أعماق الأغلبية من صحابة العصر آنذاك، ومن اعتبر صكوك "التبشير بالجنة" وثيقة التحرر التام من الالتزام الأخلاقي. فقد كانت فكرة "المبشرين بالجنة" الوثيقة الأولية لإفساد الروح المعنوي. وذلك لما فيها من إمكانية متعارضة بين الإرادة والمصير. فقد كان المصير معلوما والإرادة مجهولة. بحيث جعلت هذه المعادلة المقلوبة من الممكن استثارة النفس الغضبية والشهوانية دون أي رادع أخلاقي، لأن الأفعال أيا كانت تصبح جزء من "حكمة الله" المضمونة بحسن الخاتمة الأبدية! وفي هذا يكمن سبب خاتمة عثمان المخزية. كما أنها النهاية التي تكشف عن أن قدر التاريخ الفعلي هو الوحيد الذي يتمتع بواقعية تتجاوز وتذلل كل الاعتبارات الأيديولوجية أيا كان مصدرها. لاسيما وأن ورع عثمان الكاذب وعوده الرخو ورياءه المتميز قد جعل من الأحكام والتصورات الأيديولوجية تطويعا سياسيا فجا للوحي القرآني. بحيث جعل من الآية القرآنية خادما وضيعا للإرادة المبتورة برغبة الاحتفاظ بالسلطة. لهذا كانت خاتمته الفردية مهينة في بداية مهيبة للدولة! وقد واجه الإمام علي بن أبي طالب هذه الحالة، وجعلت منه بمعنى ما ضحية هذه المفارقة الخشنة. إذ وضعته صفته المكتسبة الكبرى، بوصفه "خشنا في ذات الله" على محك التاريخ السياسي والروحي للدولة الجديدة. بمعنى وضع تماسكه الروحي الذاتي على محك التاريخ السياسي للدولة والأمة، مع ما ترتب عليه من مأساة كبرى جعلت منه أنموذجا للفكرة المتسامية وقيم المعنى والرؤية الأبدية.

فقد صنعت ثلاثية الفكرة الروحية وقيم المعنى ورؤية الأبد المتماسكة في شخصيته كينونته الواقعية والمجردة. وجعلت منه في الوقت نفسه الشخصية الأكثر تمثيلا لما يمكن دعوته بالممثل الفعلي للتاريخ الروحي (العربي والإسلامي). وفي هذا كان وما يزال يكمن بريقها الخاطف ومأساويتها المثيرة للعقل والضمير. وذلك لأن تحقيق هذه الوحدة المتماسكة لثلاثية الروح والمعنى والرؤية المتسامية في ميدان السياسة عادة ما يستثير كوامن الرذيلة المتأصلة في الجسد والغريزة البشرية. وبالأخص عند أولئك الذين تراكمت في جينات وعيهم ولاوعيهم الفردي والعائلي حب المال والجاه (السلطة). إذ حالما تصبح السياسة ميدان التحقيق الفعلي لثلاثية الروح والمعنى والرؤية المتسامية، فإنها تولد بالضرورة شرارة الوجد والوجود، والعقل والضمير، والظاهر والباطن. حيث أخذت هذه الشرارة بالتطاير في مجرى الصراع الضاري الذي استتبع مقتل أبن عفان، وانتهى باغتيال الإمام علي من جانب أولئك الذين كان هو نفسه يمثل الأبعاد غير المتناهية وغير المدركة فيما كانوا يسعون إليه. وجسّدت هذه الخاتمة مأساة الموت البطولي، بوصفه النتيجة المعكوسة لزمن النخر الخبيث للدولة والمجتمع والروح الذي جسدته العفانية[1]. فقد كانت العفانية عفونة قاتلة أعمت الجميع وشوهت أذواق النخبة السياسية، التي وجدت في رفع الجماهير المنتفضة للإمام علي إلى سدة الحكم حكما عليها بالموت! من هنا ثائرتها التي أخذت تثور في مختلف أصقاع الإمبراطورية الكبرى التي استحوذ عليها بقوة السيف والسلم والفكرة. وليس اعتباطا أن تظهر المواجهة الارستقراطية المباشرة بعد أول انتخاب فعلي له من جانب الأمة المنتفضة ضد القهر وانعدام العدالة الذي ميز خلافة ابن عفان. بمعنى إننا نقف أمام ظاهرة الصراع التاريخي الكبير بين اتجاهين، الأول وهو الاحتكام إلى قوة الرأي العام وموقف الأمة، والثاني المتمسك بغريزة القوة العارية وجنوح الارستقراطية للاستفراد والهيمنة. وهو صراع تاريخي كان يتراكم في كل مجرى الخلافة قبل استلام الإمام علي للحكم.

لقد كان هذا الصراع المتراكم أيضا خطوة هائلة إلى الأمام في المسار المعقد لوحدة الأمة السياسية، التي سيشاطرها علي بن أبي طالب نفسه في وقت لاحق. لكنه نظر إليها من خلال تصوراته عن حقائق الإسلام ومبادئه وقيمه وغاياته. فالصراعات الداخلية التي شكلت أسلوب نشوء الوحدة الجديدة أسهمت أيضا في إنتاج ثنائية اليقين والقلق، إي المكونات التي عادة ما يحدد مضامينها الحقيقية وتأثيرها المباشر في الفعل السياسي طبيعة وكيفية احتكاكها بما ندعوه الآن برؤية المهمات الملحة. فعندما استشاره الخليفة عمر بن الخطاب حول شخوصه بنفسه لقتال الفرس، فإن عليا أجابه بفكرة تربط في كلّ واحد اليقين بالأمة والقلق عليها. فقد كان ذا ثقة بقوة العرب بالإسلام وكثرتهم بالإيمان لكنه خوّفه من إمكانية الانتفاضة والردة من الأعراب في حالة خروجه من المدينة باعتباره رمز القوة السياسية. وعبّر عن ذلك بنصيحة سياسية دعاه عبرها بضرورة البقاء في المدينة والقيام منها بإدارة شؤون الحرب (السياسة الخارجية). وشدد في نصيحته على "أن العرب وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام وعزيزون بالاجتماع"[2]. وحذّره في الوقت نفسه من أن خروج الخليفة من المدينة قد يؤدي إلى أن تنتفض عليه العرب "من أطرافها وأقطارها"[3]. ولم يظهر هذا التحذير عن فراغ، إي انه كان يستلزم على الأقل وجود من هو قادر على الخروج والانتفاض وأسباب كامنة وراء ذلك.

وإذا كان من الصعب تحديد عمق وقوة الاحتجاج الاجتماعي المختبئ آنذاك في أعماق "الأعراب"، فإن مما لا شك فيه هو أن الفتوحات الإسلامية استقطبت أغلب طاقات الاحتجاج الداخلي وعدم الرضا، الذي لا يمكن القضاء عليه أو استنفاده الكلي في ظروف الدولة ومؤسساتها. فإذا كانت خلافة عمر بن الخطاب قد عمّقت قوة السياسة في الأمة وتثوير طاقاتها الاجتماعية وتوجيه جهودها نحو تأسيس الدولة المتماسكة، فإن التحذير الذي أطلقه الإمام علي يبدو كما لو أنه يحتوي على نزوع رمزي في رؤيته لملامح الانتقال المأساوية. لقد طلب من عمر بن الخطاب أن يكون قطباً يستدير بها رحى العرب. وفي الوقت الذي طالبه بالبقاء في المدينة، فإنه نفسه سينزع إلى مغادرتها في وقت لاحق. وإذا كان يرى في بقاء عمر بن الخطاب مصدرا للقوة، فإن مغادرته لها تبدو إنهاء لقيمة هذا المصدر. لكن هذه المقارنات الشاعرية تبقى من إبداع اللغة المعاصرة وتأملها المترفّع عما كان يجرى آنذاك. فقد كانت هذه المجريات آنذاك "غيبا" ينبغي خوض غماره من أجل رؤية فضائله ورذائله، عظمته وسخافته.

فقد كان الوجود الإسلامي آنذاك في طور التكوين الحكومي، الذي ألهم الجميع مشاعر الاعتزاز والتحدي. فالسلطة ذاتها أثارت شرارة المواجهة، ومن ثم أحرقت مشاعر المؤمنين في تأمل لهيبها. وبهذا المعنى فإن مواقف الإمام علي من السلطة، التي مثلت في كينونتها طبيعة التحولات الجارية، لم تكن مبنية بالضرورة على رؤية كل حيثيات الواقع ومجرياته. لقد كان بإمكان الردة السابقة وحركاتها التي أقلقت حياة أبي بكر، أن تثير في أعماقه شعور القلق السياسي تجاه يقينيات الأمة. وفي هذه العملية كان من الممكن أن تتحول الكثير من العقائد الإسلامية المختلفة إلى بديهيات سياسية.

فقد سلك الإمام علي في أحد مستويات نشاطه السياسي قبل صعوده لسدة الحكم، سلوك الوزير (المستشار)، الذي أثبط لحد ما عزيمته في الصعود للسلطة. بحيث نراه يرفض الخلافة عندما طالبه الجمهور بتقلدها بعد مقتل عثمان بن عفان. بل ونراه يفضل أن يكون لهم وزيرا من أن يكون أميرا. بينما قذفه الصراع الاجتماعي اللاحق إلى المقدمة بحيث جعله ممثل الجماهير المنتفضة ضد السلطة. فقد خاطب عثمان مرة قائلا:"إن الناس ورائي وقد استفسروني بينك وبينهم ...فالله الله في نفسك. فإنك والله ما تبصر من عمى ولا تعلم من جهل. وإن الطرق لواضحة، وإن أعلام الدين لقائمة"[4]. وتكشف هذه العبارة عن طبيعة الصراع الاجتماعي وتناقضاته. وفيها نعثر على تصوير للواقع وتعبير عنه، لم يكن مقتل عثمان بن عفان سوى نهايته الخجولة وبدايته الصريحة. وهو صراع واقعي عبّر عنه بكلمات مقتضبة عميقة المغزى عندما صور ملامحه بصيغة بلاغية قائلا:"أقبل مزبدا كالتيار لا يبالي ما غرّق، أو كوقع النار في الهشيم لا يجفل بما حرّق"[5]. غير أن الصراع ليس قوة مغتربة. وقد أدرك علي أسبابه بوضوح متزايد مع تنوع وتعمق تجربته السياسية والأخلاقية. فالمسلمون الأوائل، كما يقول علي، كانوا يقاتلون مع النبي بغض النظر عن أن القتل يختطف الآباء والأبناء والأخوات والقرابات، بمعنى جريانه على أساس العقيدة الحقة. ولم يفعل ذلك سوى أن يزيدهم بعد كل مصيبة على إيمانهم ومضيهم على الحق تسليماً للأمر وصبراً على مضض الجراح"[6]. أما الآن فإن البحث عن القلوب "التي وهبت لله وتوقدت على طاعته" أصبح في صياغة التمني (المتعجب). مما استثار فيه شعور التألم الأخلاقي الفعال، وبالتالي رؤية الواقع بعيون الرؤية المتسامية.

ذلك يعني أنه أخذ ينظر إلى الواقع من زاوية الحساسية المرهفة لتجمير شعلتها الدائمة. فعندما استفسرت أعماقه بصوت مسموع في إحدى خطبه:"أين العقول المستصحبة بمصابيح الهدى، والأبصار اللامحة إلى منار التقوى، والقلوب التي وهبت لله وتوقدت إلى طاعته؟" فإنه لم ينف وجودها بقدر ما أنه أرادها دائمة الفعل. ومن غير الدقة اتهامه بالقفز على الواقع. فبغض النظر عن البدايات المميزة للحركات العقائدية الكبرى ومحاولاتها تأسيس آلية "الوحدة والحق" والتضحية من أجلها بالغالي والثمين، فإن هذه الخميرة الجوهرية تنحل بالضرورة حال تحولها من بؤرة الروح إلي ميدان السياسة. وهو تحول عادة ما يقلب العالم ويعيد صنعه على مثال مكوناتها. وذلك لأنها لا تعمل في الواقع إلا على صنع واقعٍ له مقدماته التي لا تحددها بالضرورة متطلبات الفكر وأهدافه المعلنة.

ومن الصعب حصر هذه العملية في إطار ما محدد وتعيين نتائجها الملازمة بالضرورة. فالقضية هنا لا تقوم في تتبع كل جوانب وخصوصية هذه العملية التي أدت إلى ما آلت إليه من نتائج في المرحلة السابقة لخلافة الإمام علي، بل من أجل الإشارة إلى الطبيعة العامة للمتغيرات الاجتماعية الأخلاقية والسياسية وانعكاسها في رؤيته لها. فقد تبينت له طبيعة التباين الجوهري بين صراع الماضي والحاضر. فإذا كان الصراع السابق يستند إلى العقيدة والحق، فإن الواقع المعاصر يشير إلى توجه معاكس بحيث أصبح من الصعب رؤية الشخصيات التي تضع نصب أعينها هدف الحق المطلق، أو حسب عبارته، "تلك القلوب التي وهبت نفسها لله". وإن هذا التعجب ليبدو حزيناً بفعل تأسفه المرير، الذي يستثيره "ازدحام الناس على الحطام"[7]، أي المصالح الدنيوية العابرة!

فالمستقبل الذي بشر به الإسلام والقرآن بيقين قاطع، لم يعد يمتلك سحره الغابر. فآية الصافات القائلة، (لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين وإن جندنا لهم الغالبون) أخذت تفسح المجال للتنبؤات المشحونة بتخوف الزمن الآتي، الذي سوف لن يكون به "شيئاً أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل"[8]، "الزمان الذي لن تكون فيه" سلعة أبور من الكتاب (القرآن) إذا تلي حق تلاوته ولا أنفق منه إذا حرّف عن مواضعه"[9]. وبغض النظر عن إمكانية انتحال أو وضع هذه العبارات وأمثالها على لسانه، إلا أن مضمونها يتوافق مع آرائه العامة ومثله الحياتية العملية. إضافة إلى أن ممارسة التنبؤ الإسلامية لم تكن سحرية الطابع ولا أسطورية المعنى. فقد عاش علي بن أبي طالب في تلك المرحلة التي كشفت بوضوح كيفية "تحريف مواضع الكتاب". بصيغة أخرى، أن القضية لا تقوم فقط في أن هذا التنبؤ يستند إلى تقاليد عربية وواقعية، بل ولأن معطيات الصراع التاريخية لتلك المرحلة تكشف عن واقع تحول القرآن أحياناً إلى غطاء، وفي حالات أخرى إلى وسيلة للمكر السافر، كما جرى معه في معارك صفين.

لقد تحولت الآيات القرآنية إلى بديهيات سياسية. لكن مفارقتها تقوم في أنها بديهيات ينبغي أن تخدم مصالح القوى المتعارضة. مما أدى، كما يقول الإمام علي، إلى أن تصبح الناس "أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم"[10]، وبالتالي تحويل الآيات القرآنية إلى جزء من البديهيات السياسية قبل أن ترتقي مفاهيم القرآن إلى هذه الحالة. ذلك يعني أن المصدر الأساسي للأيديولوجيات الإسلامية أصبح منبوذا من قبل حملته، منسيا من حفظته السالفين! ووراء كل ذلك تقف قوة الثروة التي رافقت نشوء الدولة وتطورها. وإذا كان علي قد حدس سرّ الدرهم وقوته، التي أصبحت معها ضربة السيف على المؤمن هينة الوقع[11]، فإنه لم ير في كل هذه العملية سوى تراجع إلى الوراء ونكوص عن المبادئ والقيم وتثليم "حصن الله بأحكام الجاهلية" الجديدة[12].

فالانقلاب الذي أحدثه الإسلام في حياة العرب مازال قائما، لكن أسسه الروحية آخذة في التسوس. وكل ما حوله يشير إلى الانحلال والتعبير عن انحراف مناف للخير الإلهي. ففي كل مكان، كما يقول في إحدى كلماته "لم يعد يوجد إلا فقيرا يكابد فقرا أو غنيا بدّل النعمة كفرا، أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله وفرا، أو متمردا كأن بأذانه عن سمع المواعظ وقرا"[13]. فالعالم الجديد الذي صنعه تيار الإسلام الجارف أفرز في غضون عقود قليلة من صيرورة الخلافة (الدولة) وسلطاتها "أشباحاً بلا أرواح ونساكاً بلا صلاح"[14] بل أن نشاط الناس ليبدو عبثاً، أو حسب عبارته، كتجارة بلا أرباح. فالناس نوّم في يقظتهم، عمي في نظراتهم، وفي نطقهم بكم، تائهة ضحية المذاهب والمشارب. ولم يعن ذلك وقوفه بالضد من التنوع والتباين بقدر ما أنه وجد في هذا الانهماك المتهالك وراء الخلافات تباين المصالح الدنيوية لا مصالح الحق.

ولعل أعمق عبارة صوّر بها هذا الواقع الجديد وانسلاخ الإسلام التاريخي عن فاعليته السابقة بوصفه دين الحركة الاجتماعية الصاعدة وأيديولوجيتها، هي كلماته التي وصف بها حال الإسلام المعاصر له بعبارة "لبس الإسلام لبس الفرو مقلوباً[15]. ومن الصعب القول بان علياً قد وعي كل جوانب ما ندعوه الآن بالعملية التاريخية لصيرورة الدولة، لكنه تحسس وقاوم الاتجاه الصلد في تطور مكوناتها التي أخذت تهشّم الوحدة القديمة لتنشأ على أشلائها وحدة جديدة. لكنها وحدة لم يعد الإسلام فيها قوة تلقائية، بل قوة مؤدلجة وتراثاً يمكن التلاعب به وتطويعه بالصيغة التي يخدم فيها مصالح القوى المتحاربة.

ولا يعني ذلك بأن علياً سعى لمعارضة هذه العملية في تكون الدولة ومؤسساتها. فهو شأن كل رجال المبدأ الكبار وإصلاحيي الروح الأخلاقي العظام كان لابد وأن تضطرب في أعماقه هواجس قوى المعارضة المتسامية للنفس الغضبية (المتسلطة). وبهذا المعنى كان لابد له من أن يفترض في أي موقف ايجابي من السلطة نزع سلطويتها. لكن هذا التعارض الفعلي بين المسار الواقعي لصيرورة الدولة وبين مضامينها العملية التي سعى لتنفيذ برنامجه من خلالها، كان لابد وأن يضع ويثّور معضلات تشكل في حصيلتها الموشور المتشنج لرؤية الماضي والآفاق، وتقييم التجربة الدائمة. وفي الحالة المعنية، كان موقفه المعارض للاتجاه الصلد في تهشيم الوحدة الروحية القديمة باعتبارها المثال الأعلى لحقيقة السلطة، لم يعن تهاونا أو تهادنا أو هجوما ضد بنائها الجديد، بقدر ما كان يعادل سعيه لتمتين وحدتها الداخلية من خلال الرجوع الدائم إلى يقينها الأول.

بعبارة أخرى، لم تكن معارضته سوى المظهر الأنبل لحقيقة الدولة ومؤسساتها. وهو أمر جلي سواء في حياته قبل استلامه السلطة وبعدها. بحيث يمكن رؤية بعض ملامحها في الاتهامات التي وجهت إليه قبل صعوده لسدة الخلافة، بما في ذلك المنسوب منها للخليفة عمر بن الخطاب، التي انتقد فيها ما أسماه بحبه للسلطة ورغبته فيها. وهو انتقاد لا أصالة فيه ولا إخلاص للحق والحقيقة. لكنه ممكن ومحتمل بمعايير الصراع السياسي والرغبة الدفينة في الريادة والسيادة التي كانت تطبع نفسية عمر بن الخطاب نفسه. من هنا يمكن النظر إلى سعي الإمام علي للسلطة، مع ما في هذه العبارة من تجاوز على حقيقة ما كان يعتمل فيه، هو سعي الروح المبدئي وهمومه المتحرقة تجاه إشكاليات الأمة والدولة والحق. فالإمام علي لم يكن رجل السلطة، بل رجل الدولة، ورجل السلطة الإنساني في أدق وأعمق وأجلى معانيها الروحية. وذلك لأن همومه الكبرى كما سيكشف عنها تاريخ الصراع العنيف اللاحق، كانت هموم الإصلاح النوعي للدولة والقانون والروح الأخلاقي العام والخاص. الأمر الذي يفسر سرّ رجوعه المتحمس إلى التجربة المحمدية وإبراز أولوية العمل بها. ولم يكن ذلك معزولا أيضا عن نضوج الصراع السياسي وتحوله إلى صراع مكشوف وعلني لا مواربة فيه ولا رياء. وليس مصادفة أن يؤكد في وصيته لعبد الله بن العباس في محاججته للخوارج على ألا يحاججهم بالقرآن لأنه حمّال أوجه (أي يحمل معاني كثيرة)، بل ماججتهم بالسّنة[16].

إن احتلال العمل مركز الصدارة لم يعن من الناحية التاريخية، سوى كونه المقدمة الضرورية للتطور الاجتماعي السياسي والفكري اللاحق. فقد أحدث انتصار الإسلام انعطافا حاسما في الحياة الاجتماعية والروحية للعرب آنذاك. لكنه شأن كل انتصار سياسي فكري تاريخي كان لابد له من أن يتجزأ ويعيد صياغة نفسه. فتوحيدية الإسلام لم تعق اختلاف الآراء وتنافرها. لقد وفّرت غطاء، وكانت لحد ما مصدرا للمواقف المتباينة تجاه كل ما يجري. وذلك لأن القوة الفاعلة في تحديد المواقف كانت محكومة بالتوجه الاجتماعي للقوى المتصارعة. فالممارسة الاجتماعية السياسية لم تكن آنذاك عميقة للدرجة التي يصبح معها صراع الأفكار قضية أولى، أو أن يندفع فيها هذا الصراع إلى المقدمة باعتباره التعبير المثالي والانعكاس الروحي لأحداث العالم. ومع ذلك ظل الفعل والعمل معيارا نهائيا سواء وعت ذلك القوى المتصارعة أم لم تعيه.

فالسّنة النبوية هي أيضا التعبير العملي النظري عما جرى، والذي بإمكانه أن يكون مثالا (واجبا) لما يجري. فالكلمة تمتلك إمكانية التأويل المتباين بما في ذلك كلمات القرآن. بينما الفعل - الحدث له حكمه القاطع. وفي هذا يكمن سبب توكيد الإمام علي بن أبي طالب على أن تكون السّنة حجيج ابن عباس ضد خصومه. ثم أن السّنة رمز الوحدة في الممارسة. ففي مراحل الصراع الاجتماعي الحاد يصبح الفعل مضمون الكلمة. وإذا كان بإمكان الكلمة أن تكون مصدر خلاف بين ممثلي المعسكر الاجتماعي الواحد، فإن الفعل لا يمكنه أن يؤدي في حالة الاختلاف عليه سوى إلى تجزئة المواقف، ثم الميول والاتجاهات، وفي نهاية المطاف سيحتدم الصراع بوصفه صراعاً لا مهادنة فيه. فالممارسة هي الوحيدة القادرة على أن تكون معيار الحقيقة المطلقة زمن الصراع الذي لا مساومة فيه ولا هوادة. أنها تكشف عن توجه القوى الاجتماعية. وفي هذا الواقع، لم يكن بإمكان الإمام علي تجنب تأثير عملية التفكك والتآلف الجديدة في المجتمع العربي الإسلامي.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث عراقي

......................

[1] المقصود بالعفانية نسبة إلى عثمان بن عفان. وكان الأولى قول العثمانية. ولكي لا يجري الخلط بينها وبين العثمانية (التركية) من هنا جرى نحت هذا المصطلح. وكونها أموية أولية ينبع من كونها هي التي غرست بذور النزعة الأموية وعقدها في الموقف من الدولة والأمة والسلطة والإنسان والقيم والحقوق. ومن الممكن القول، بان العانية هي جنين الأموية. أما بمقاييس التاريخ والروح والعقل والسياسة وفكرة الدولة، فإنها كانت خروجا على منطق الحق والعدالة والنزعة الإنسانية.

[2] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص29.

[3] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص29.

[4] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص69

[5] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص27-28.

[6] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص236.

[7] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص28.

[8] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص30

[9] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص31.

[10] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، 126.

[11] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص126

[12] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص154.

[13] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، 2، ص11-12.

[14] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص207.

[15] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص209.

[16] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج3، ص136.

 

 

mutham aljanabi2ولد في عام أول للهجرة وتوفي عام 53 للهجرة. هو احد أكمل الشخصيات تمثلا وتمثيلا للأموية. وهي شخصية توسطت بكافة المعاني ما بين المغيرة بن شعبة والحجاج الثقفي. ومن ثم كان الحلقة الرابطة بينهما بوصفه الممثل "الشرعي" للأموية. وهي مفارقة تحتمل التعويض الشخصي للخلل أو العقدة الشخصية التي صنعت كينونته الفردية والسياسية. فقد كانت أمه بغيا (وليس مصادفة أن يدعوه أهل العراق بابن سمية مقابل عبارة زيادة بن أبيه). وبالتالي لم يكن اعتراف معاوية بن أبي سفيان به أخا سوى الوسيلة الضرورية لسحبه إلى جانب الوقوف ضد التيار العلوي. وهي حالة واقعية تعكس من حيث رمزيتها العقدة الأموية – السفيانية. بمعنى استقطاب كل الشخصيات القلقة والعصابية المزمنة وذوي الدهاء والمكر من اجل دمجها في آلة القمع والإرهاب. فقد كان زياد بن أبيه أيضا من دهاة العرب المسلمين. من هنا احتلاله موقع النموذج المتقدم للأموية. وإذا كانت إحدى فضائل أبو سفيان تقوم في اعترافه بزياد ابنا "شرعيا"، فإن هذا الاعتراف سرعان ما تحول بفعل ما في الأموية نفسها من رذيلة متجوهرة، إلى أداة لتأسيس نفسية وذهنية الخراب التاريخية الذي تعرضت له الدولة والأمة. وقد نفذ زياد بن أبيه كل المهمات التي أناطها معاوية إليه. وهو تنفيذ لم يكن معزولا عن مقدرات زياد بن أبي سفيان. فقد كان الرجل يتمتع بقدرة كبيرة على إدارة الحرب. كما كان يتمتع بالاستعداد المتشدد في حسم المواقف واستعمال كل الوسائل من اجل بلوغ الغاية. فقد تولى فارس وكرمان والبصرة زمن علي. غير أن اسمه وشخصيته، صعوده وهبوطه ارتبط بمعاوية. ولم ينقذه دهاءه من نهايته المخزية. فقد ولي العراق عام 48 وتوفي عام 53 للهجرة. وسواء كان ذلك بسبب إصابته بالطاعون أو قتل مسموما من جانب معاوية، فإنها تعكس ما دعته تقاليد العوام بشكوى الروح المعذبة أو النفس الماكرة للسلطة. وكلاهما يصبان في سيلان الذاكرة المتشددة في معارضتها لرذيلة زياد بن أبيه التاريخية. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن موته كان بأثر مواقفه المعارضة من فكرة توريث السلطة ليزيد بن معاوية. وسواء كانت مواقفه مبنية على أساس رغبته الشخصية بها (بعد إن جرى الاعتراف به أخا لمعاوية) أو لأنه وجد في يزيد شخصية خربة بحاجة إلى ترميم قبل تقديمها، فإننا نقف في كلتا الحالتين على حالة ابن زياد الفعلية بوصفه عبدا من عبيد السلطة وخدمها. وهي شخصية كان معاوية يدرك حيثياتها بصورة تامة. لهذا نراه يدعوه قبل التحضير لإعلان فكرته عن توريث السلطة ليزيد مع تعمد أهانته الشكلية أيضا. إذ تنقل كتب التاريخ كيف انه لم يستقبله أو يخصص له مكانا للجلوس. بل ووجه مضمون خطبته ضده عندما قال فيها:"هذه الخلافة أمر من أمور الله! وقضاء من قضاء الله. وإنها لا تكون لمنافق، ولا لمن صلى خلف إمام منافق (يقصد الإمام علي! ويشير إلى زياد). وهي فكرة تنزع من زياد بن أبيه كل عنجهية السلطة وأبهة الغرور التي كان يمارسها ضد الناس. والقضية هنا ليس في قبوله بفكرة أن الخلافة أمر من أمور الله وأنها جزء من القضاء والقدر، بمعنى إزالتها من إرادة البشر وحشرها بنوايا معاوية فقط! بل وبقبول أن يكون منافقا ذليلا أمام "علية" القوم! وهو الوجه الحقيقي لعبودية النفس المميزة لكل أزلام الأموية، التي يمكن العثور عليها فيما يسمى بخطبة البتراء. وهي خطبة تكشف بقدر واحد شخصية زياد بن أبيه وطبيعة الأموية، بوصفها خروجا تاما على فكرة الحق والقانون والشرعية، والاستعاضة عنها بالقوة والإرهاب والإرادة السلطوية المتحررة من كل القيم النبيلة، والقبول بالخنوع والاستسلام بوصفه سلاما وإسلاما ضروريا للروح والجسد، والدين والدنيا! وهي خطبة لا مكان فيها لغير الغريزة وامتهان الروح والعقل. كما تعكس بصورة نموذجية نفسية وذهنية زياد بن أبيه والفكرة الأموية في الموقف من الدولة والأمة والإنسان والأخلاق والسلوك والمصلحة والدين والدينا. ففيها نقرأ ما يلي:"فان الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء، والغي الموفى بأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، ينبت (يشب) فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير.. كأنكم لم تقرؤوا كتاب الله ولم تسمعوا ما اعد  الله من الثواب الكبير لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمدي الذي لا يزول. أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا، وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية ولا تذكرون إنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه، من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله. هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر والعدد غير قليل. ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار. قربتم القرابة وباعدتم الدين. تعتذرون بغير العذر، وتغضون على المختلس. كل امرئ منكم يذب عن سفيه صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا. ما انتم بالحلماء. وقد اتبعتم السفهاء. فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونه حتى انتهكوا حرم الإسلام. ثم اطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب. حرام عليّ الطعام الشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا... إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله. لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف. واني لأقسم بالله لأخذن الولي بالمولى، والقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منك في نفسه بالسقيم، حتى يلقي الرجل منكم أخاه فيقول:"انج سعد، فقد هلك سعيد، أو تستقيم قناتكم. إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة. فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي. فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها في. واعلموا أن عندي أمثالها. من نقب منكم عليه فانا ضامن له ما ذهب منه. فإياي ودلج الليل. فاني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه. وقد أجلتكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم. وإياي ودعوى الجاهلية فأنني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثا لم تكن. ولقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة. فمن غرّق قوما غرقناه، ومن احرق قوما أحرقناه، ومن نقب بيتا نقبا عن قلبه، ومن نبش قبرا دفناه حيا فيه. فكفوا عني أيديكم وألسنتكم اكفف عنكم يدي ولساني. ولا تظهر من احد منكم ريبة بخلاف ما عليه عمامتكم إلا ضربت عنقه. وقد كانت بيني وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر إذني وتحت قدمي. فمن كان منكم محسننا فليزدد إحسانا، ومن كن منكم مسيئا فلينزع عن إساءته. إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم اكشف له قناعا، ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته. فإذا فعل ذلك لم أناظره. فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم. فرب مبتئس بقدومنا سيسر، ومسرور بقدومنا سيبتئس. أيها الناس! إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذاذة. نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا. ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا. فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا. فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا. واعلموا إنهما مهما قصرت عنه فلن اقصر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن إبانه، ولا مجمرا لكم بعثا. فادعوا الله بالصلاح لائمتكم. فإنهم ساستكم المؤدبون لكم، كهفكم الذي إليه تأوون. ومتى يصلحوا تصلحوا. ولا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتد لذلك غيظكم ويطول له حزنكم. ولا تدركوا له حاجتكم مع انه لو استجيب لكم فيهم لكان شرا لكم. اسأل الله أن يعين كلا على كل. وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فإنفذوه على إذلاله. وأيم الله أن لي فيكم لصرعى كثيرة. فليحذر كل منكم أن يكون من صرعاي".

وهي خطبة كلاسيكية لتأسيس فلسفة القهر والاستبداد، مهمتها تنفيذ ما دعاه معاوية بن أبي سفيان مرة بضرورة فطم أهل العراق في مواجهة السلطة وتحديها من جهة، وفطمهم من حب علي وآل بيته من جهة أخرى. وليس مصادفة أن زياد بن أبيه كان يجمع أهل العراق في المسجد ويعرض عليهم البراءة من علي بن أبي طالب! وهي السياسة التي تعكس مزاج الأشباح. من هنا تبخرها مع مرور الزمن. بحيث لم يبق بالعراق مكان لزياد بن أبيه غير  أسم ابن سمية بوصفه الاتهام والشماتة الأبدية لفقدان الشرعية والأخلاق.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

mutham aljanabi2ان الاستماع إلى نصائح الآخرين من الناحية المجردة فضيلة. والاستماع إلى ذوي العقل والمعرفة حكمة، أما الاستمتاع إلى سفهاء العقول وأهل المراوغة والخديعة فهو عين الرذيلة والغباء. وقد كان تاريخ الاسلام وشخصياته الكبرى، بدأ من النبي محمد وانتهاء بخلافة عمر بن الخطاب نموذجا للاستماع الفعلي لذوي العقل والحكمة والقيم الفاضلة. بينما تحول الاستماع زمن عثمان إلى أداة للوشاية والغواية. مع ما ترتب عليه من انحراف هائل في مفهوم السلطة والدولة. وعندما نتأمل المحادثات والنصائح السياسية التي أحاطت بعثمان بن عفان في كل مجرى خلافته السياسية، كما أوردتها اغلب الروايات السليمة وكتب التاريخ والسياسة، فإننا نعثر فيها ونكتشف طبيعة النخبة السياسية والتحول العاصف في بنية السلطة وأنموذج عقلها النظري والعملي.

ويكشف هذا الأنموذج عن أن بدايتها ونهايتها محكومة بقيم نفعية ضيقة وعارية من ابسط الفضائل الأخلاقية المميزة للرؤية الإسلامية العامة وتجارب الخلافة الرشيدة كما مثلها وجسدها قبله كل من أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب. فالنصيحة هنا ليست لله، بل لسلطة هي عين الرذيلة والخروج على الحق والحقيقة. ومجرد الاستماع إلى "نصائح" مهمتها الدعوة لقتل المعارضة وتشريد الصحابة وشراء الذمم والنظر إلى الأمة على أنها كمية من البطون التي لا همّ لها غير الطمع، تعكس طبيعة الرذيلة الكامنة في النخبة العثمانية. وتتمثل هذه الأصوات الصدى القائم في شخصية عثمان بن عفان. ولعل المحادثة الفعلية واستمرارها السياسي بينه وبين عمر بن العاص تمثل ما يمكن دعوته بزبدة السياسة وأخلاقيتها الخاصة. فقد كان لسان عمرو بن العاص الظاهري يقول ما تقوله المعارضة، أو صوت الضمير المعذب من رؤية الخروج على ما كان يعتقده حقا وحقيقة. لهذا وجد فيه عثمان أمرا غير جديا، بل اعتبره اقرب ما يكون إلى قمل يدب في فروة ابن العاص. وقد تقبل الداهية الكبير هذه "المهانة" في الظاهر، لأن حقيقة ما كان يسعى إليه هو "نشر" الشائعة والعمل بما يناقضها! بحيث يجعل منه شخصا مقبولا للمعارضة، ومن ثم إمكانية التجسس على خططها من اجل استغلالها بالشكل الذي يقوض دعائهما. وهي فلسفة عاصيّة (على وزن ميكيافلية) تكثف فحش البراعة المهينة التي قبلها عثمان!! بمعنى استعمال كل الأساليب الممكنة بما في ذلك اشد وأحط أساليب الغدر والخيانة والأدوات الرخيصة ضد من كان لا يطالب بشيء غير إتباع نموذج النبوة المحمدية والخلفاء الأوائل، بوصفه مطلبا أخلاقيا وحقوقيا واجتماعيا وإنسانيا وحكوميا.

وإذا كان عثمان قد سلك في نهاية المطاف كما اقترحه عليه "مستشاروه"، بحيث أبقى جميع عماله على أعمالهم وأمرهم بالتضييق على من قبلهم وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه، فإن ذلك يكشف عن طبيعة الانحراف والتحول الحاد في فكرة السلطة التي جعلت من نفسها مرجعية الوجود الكبرى، بحيث استعاضت عن الله والنبوة وتجارب الأسلاف والحق والأخلاق بما يناقضها. فالجدل والنصائح والمواقف المذكورة أعلاه وكثير غيرها مما تحتويه كتب التاريخ والسير يبرهن على حقيقة ونهاية واحدة، تقوم في أن عثمان لم ير ولم يسمع غير ما هو ملائم لنفسية السلطة الغدارة بقوة الثروة المنهوبة، والإرادة المسلوبة بقوة العائلة والقرابة، أي بأكثر النماذج والروابط انحطاطا وتخريبا بالنسبة للدولة والروح العقلي والأخلاقي. لهذا نراه يستمع إلى نصائح المخلصين الكبار مثل علي بن أبي طالب ويؤدي النصيحة المجردة وينقضها بالفعل للحال. ففي إحدى هذه الحالات نستمع إلى المحاورة السياسية بينه وبين علي بن أبي طالب بصدد إمكانية الفتنة وضرورة تذليها. حيث يبدأ عثمان الكلام قائلا:

- قد والله علمت ليقولن الذي قلت‏.‏ أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عبت عليك، ولا جئت منكرا إن وصلت رحما، وسددت خَلة، وآويت ضائعا، ووليت شبيها بمن كان عمر يولي‏.‏ أنشدك الله يا عليُّ هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك‏؟‏

- نعم!

- فتعلم أن عمر ولاه‏؟‏

- نعم!

- فلم تلومني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته‏.

- سأخبرك! إن عمر بن الخطاب كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخه إن بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية وأنت لا تفعل‏.‏ ضعفت ورفقت على أقربائك‏.

- هم أقرباؤك أيضا‏.‏

- لعمري إن رحمهم مني لقريبة، ولكن الفضل في غيرها‏.

- هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها‏؟‏ فقد وليته!

- أنشدك الله! هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من غلام عمر منه‏؟

- نعم!

- فإن معاوية يقطع الأمور دونك وأنت تعلمها‏.‏ فيقول للناس هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تغير على معاوية[1].

وتعكس هذه المحاورة طبيعة عثمان بن عفان ونفسيته وذهنيته، التي ليس فقط لا ترى ولا تسمع، بل ومجبولة على التبرير والغوص فيه، لأنها لا ترى في السلطة غير إرادتها فقط. بمعنى غياب أو اضمحلال وتلاشي فكرة الحق وجوهرية الأمة. من هنا ردود فعلها المباشر وانعدام الرؤية البعيدة المدى. والشيء الوحيد الثابت فيها هو رغبة الاحتفاظ بالسلطة والمغامرة بكل شيء من أجلها. وليس مصادفة أن يذهب عثمان إلى المنبر ويبدأ بالكلام والخطابة بعد المحاورة المذكورة أعلاه مع علي بن أبي طالب. وفيها وفي خاتمتها نعثر على انعكاس يكشف طبيعة ومستوى الانفصال والانفصام بين السلطة والدولة، والسلطة والمجتمع، والإسلامي العام والفردي الخاص في شخصيته ونفسيته وذهنيته. إذ يقول فيها:‏"‏أما بعد، فإن لكل شيء آفة، ولكل أمر عاهة! وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة‏‏ عيابون، طعانون، يرونكم ما تحبون ويسّرون ما تكرهون يقولون لكم ويقولون، أمثال النعام يتبعون أول ناعق‏!‏ أحب مواردها إليها البعيد لا يشربون إلا نغصا ولا يردون إلا عكرا، لا يقوم لهم رائد وقد أعيتهم الأمور، وتعذرت عليهم المكاسب!‏ ألا فقد والله عبتم عليَّ بما أقررتم لإبن الخطاب بمثله ولكنه وطئكم برجله‏،‏ وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم! ولنت لكم وأوطأت لكم كتفي‏، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم عليّ‏!‏ أما والله لأنا أعز نفرا، وأقرب ناصرا، وأكثرا عددا، وأقمن إن قلت هلم! أتي إليّ‏!‏ ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولا، وكشرت لكم عن نابي‏.‏ وأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه، ومنطقا لم أنطق به، فكفوا عليكم ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم! فإني قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا! ألا فما تفقدون من حقكم‏! ‏والله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من قبلي!‏ ومن لم تكونوا تختلفون عليه فضلَ فضل من مال‏.‏ فما لي لا أصنع في الفضل ما أريد؟!.‏ فَلِمَ كنت إماما؟!‏"‏[2].

تكشف هذه الخطبة بصورة تامة مستوى الانحطاط السياسي والمعنوي والأخلاقي لعثمان وفكرة الخلافة. والقضية هنا ليس فقط في أنه لا يسمع ولا يرى، بل ويستمع ويرى النصيحة المحكومة بفكرة الدولة والمصالح العليا للدولة على أنها مهانة! حيث تصبح لغة التهديد والوعيد والاستنكار والفضيحة مضمون الخطاب السياسي. ويجري تتويجها بمصادرة الحقوق العامة باسم الخلافة، مع أن مضمون الخلافة هو استخلاف فكرة الحق الإسلامي، وليس السلطة. من هنا الفكرة الغريبة التي تستغرب بسذاجتها الوقحة "سلب حقوق" السلطة في فعل ما تريد وما ترغب به. وإلا فما هو معنى الخليفة والإمام؟ وهي "مرجعية" نموذجية لما أسميته ببداية وجوهرية السلطة في توظيف الوحي (النبوي)، التي وجدت مخرجها الوحيد في جزئية الإرادة وطابعها العابر والمتغير والنفسي، أي المنفصل والمتعارض مع العقل والحس السليم وحكمة الأسلاف. لكنها إرادة لا تصنع غير بركان النفور والاحتجاج وهوة الخراب الذاتي والخواء المعنوي. ومن ثم تلجأ السلطة إلى استعمال كل ما هو مباح ومكروه ومحرم دون أية ضوابط. والضابط الوحيد هو إرادتها فقط، بوصفها الرابط الوحيد والشديد بين السمع والبصر! ففي رسالته التي يستنجد بها من هو خارج المدينة ومكة نسمعه يقول، بأنه يرى ويسمع غليان الاحتجاج عليه. ووجد في تلك القوى مجرد "أعراب" و"أحزاب" الجاهلية ومن غزاهم بغزوة أحُد، وهو الذي هرب فيها!! ففيها نقرأ ما يلي:"‏إن الله بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا فبلغ عن الله ما أمر به. ثم مضى وقد قضى الذي عليه. وخلف فينا كتابه، فيه حلاله وحرامه، وبيَّن الأمور التي قدَّر، فأمضاها على ما أحب العباد وكرهوا. فكان الخليفة أبو بكر وعمر. ثم أدخلت في الشورى على غير علم ولا مسألة عن ملأ من الأمة! ثم أجمع أهل الشورى على ملأ منهم ومن الناس على غير طلب مني ولا محبة‏.‏ فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون، متبعا غير مبتدع. فلما انتهت الأمور وانتكث الشر بأهله بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام. فطلبوا أمرا وأعلنوا غيره بغير حجة ولا عذر. فعابوا عليَّ أشياء مما كانوا يرغبون، وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها. فصبرت لهم نفسي، وكففتها عنهم منذ سنين. وأنا أرى وأسمع! فازدادوا على الله جرأة حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله وحرمه، وأرض الهجرة. وثابت إليهم الأعراب! فهم كالأحزاب أيام الأحزاب، أو من غزانا بأحُد إلا ما يظهرون، فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق‏"‏‏[3].‏

 إننا نعثر في هذه الرسالة على أبعاد وحجم وماهية الانفصام التاريخي الشامل بين الدولة والسلطة. بحيث تحول التاريخ والنبوة والحق وسيرة الأسلاف إلى أجزاء متناثرة في سمع السلطة وبصرها الخاليين من الاستماع إلى أنغام الوجود ورؤية ألوان الحياة المتنوعة، بحيث يصبح كل ما تسمعه ضجيجا وصخبا ولغوا ومؤامرة، وما تراه ظلاما وسوادا يعمي البصر. إذ تكشف هذه الصورة عن موت البصر والبصيرة والسماع والاستماع لحقيقة ما يجري. بحيث تتحول المدينة ومكة إلى سور الحصار المفروض من جانب القوى التي وجدت في كل ما تقوم به السلطة خروجا شاملا على الحق. أما المحاولات المستميتة الأخيرة من اجل كسب ما يمكن كسبه من أنصار بين الصحابة والناس، فإنها لم تكن في الواقع أكثر من مناورات لم تكن تخفى على المناهضين والرافضين له. بحيث توجت هذه المواجهة مرة برميه بالحصاة وهو يخطب! وقد كانت تلك حجارة السيل القادم، التي جعلت السلطة حصوات مرمية على أطراف تياره العارم. وقد تحسست السلطة هذا التيار، لكن عمى البصر والبصيرة وانعدام استرقاق السمع لحقيقة الأصوات قد اقفل عليها إمكانية حتى الحوار. من هنا عجزها عن محاورة شيء غير نفسها. وهي نفس خربة. من هنا تسارع خطوات الدراما التي أدت إلى مقتل عثمان. فنراه يكرر المشاورة مع علي بن أبي طالب، متقربا إليه بعبارة القرابة والنسب والدم. بينما هي علاقة لا علاقة للإمام علي بها. ثم أنها تعكس مدى الرجوع القهقري إلى قيم الجاهلية التي وجدها عثمان في دفاع "الأعراب والأحزاب" عن الحق!! لهذا نراه يكرر نفس الخطأ، لأن بدايته وغايته خطيئة! فنراه يدخل على علي بن أبي طالب مترجيا:

- يا ابن العم! إن قرابتي قريبة ولي عليك حق عظيم! وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحي. ولك عند الناس قدر. وهم يسمعون منك، وأحب أن تركب إليهم فتردهم عني، فإن في دخولهم عليَّ توهينا لأمري وجراءة عليَّ‏.

- على أيِّ شيء أردهم عنك؟

- على أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي‏.

- إني قد كلمتك مرة بعد أخرى فكل ذلك تخرج وتقول، ثم ترجع عنه! وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية وعبد الله بن سعد‏.‏ فإنك أطعتهم وعصيتني‏.‏

- فأنا أعصيهم وأطيعك!

فأمر علي بن أبي طالب الناس بالخروج. واخبر عثمان بما فعل وكلمه عما ينبغي القيام به من اجل تلافي الفتنة. وقبل عثمان بها. لكنه غيّر رأيه ومواقفه بعد سويعات عندما أقنعه مروان بن الحكم بضرورة إعلام الناس بأن المعارضين والمهاجمين قد رجعوا إلى ديارهم، وإن رجوعهم هو بسبب إدراكهم بأنهم كانوا على عدم بينة من الأمر، وإن ما كان عندهم هو باطل. وبالتالي استغلال هذه الفرصة من اجل انتظار العدة والعدد من المناطق الأخرى لتصفية الحساب مع الجميع! وقد أخذ عثمان بهذه "النصيحة". بحيث أجبرت حتى عمرو بن العاص على مخاطبته بكلمات:"اتق الله يا عثمان! فإنك قد ركبت أمورا، وركبناها معك فتب إلى الله نتب!". لكنها جلعته في الوقت نفسه يخرج عن طوره بحيث رد على عمرو ابن العاص بكلمات:"وإنك هنا يا ابن النابغة! قملت والله جبتك منذ عزلتك عن العمل!". وتعكس هذه المخاطبة طبيعة الخراب الداخلي لعثمان وانهياره المعنوي وفساد عقله. غير أن الضغط اللاحق اجبره على الاستجابة للتوبة العلنية. بحيث نراه يرفع يديه ويستقبل القبلة ويقول:"اللَّهم إني أول تائب‏"‏‏[4].‏

وقد سجلت كتب التاريخ والسير هذه المقطوعة الرقيقة التي لا تخلو من صدق ورذيلة في نفس الوقت! وقد كانت تلك نتيجة لما أسميته بوحدة الخطأ والخطيئة في سلوك عثمان وشخصيته. ففيها نسمعه يقول:"‏أما بعد، أيها الناس! فوالله ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله! وما جئت شيئا إلا وأنا أعرفه! ولكني منتني نفسي وكذبتني وضلَّ عني رشدي! ولقد سمعت رسول الله يقول‏‏ ‏"‏من زلَّ فليتب! ومن أخطأ فليتب! ولا يتمادى في التهلكة". فأنا أول من اتعظ! وأستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه‏.‏ فمثلي نزع وتاب‏.‏ فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم لئن ردني الحق عبدا لأستنن بسّنة العبد، ولأذلنَّ ذل العبد ولأكونن كالمرقوق إن ملك صبر، وإن عتق شكر!"‏‏[5].

إننا نقف أمام توبة لا مثيل لها في تاريخ السلطة. بل يمكننا القول، بأنها قد تكون الوحيدة التي ترتقي إلى مصاف التوبة المتسامية بما في ذلك من حيث الصيغة والوجدان والمنطق والبيان. وقد تكون هي العبارة الأجمل والوحيدة التي تحتوي على قدر من الإخلاص في دراما الخبث السلطوي الذي ذهب عثمان ضحيته. لكنها الأكثر شرا بسبب كونها جزء من "منظومة الغدر". مما جعل منها أداة أضافية في توسيع منظومة الفصام والفطام بين الدولة والسلطة في الخلافة. وهو بداية انهيارها المعنوي ‏وسقوطها الشرعي.

وليس اعتباطا أن ترقّ الأسماع والقلوب لخطبته المذكورة أعلاه. لكنها سرعان ما احترقت في أتون المؤامرة والمغامرة الأموية التي شقت لنفسها الطريق على يد عثمان بن عفان، بوصفه أداتها التاريخية الأولى. وكشفت بالتالي عن أن أكثر الصيغ إحكاما للتوبة النصوح قد تتحول إلى أكثرها إحكاما للفعل الفسوق! وإذا كانت كتب التاريخ عادة ما تربط ذلك بوسوسة مروان لعثمان، فإن الشيطان ليس مروان "الكبير" بل عثمان الصغير القابع في هرم السلطة!

لقد فّضل عثمان الاستماع إلى مروان عوضا عن الاستماع إلى كلام زوجته التي وجدت في عدم الالتزام بالتوبة المعلنة موته. وخاطبته بهذا الصدد قائلة:"لا ينبغي له أن ينزع منها". لكنه انحاز في نهاية المطاف إلى الفكرة السياسية التي دغدغت أعماقه الخاوية. فقد انطلق مروان في محاولته ثني عثمان عن توبته والرجوع عنها من أن مقالته مقبولة لو كان هو "ممتنع منيع". لكنها صدرت عن ضعف واشتداد الضغوط. ومن هذه المقدمة توصل إلى استنتاج يخرق الشرعية وينفي أبسط قواعد الالتزام الأخلاقي عندما قال له:"بأن إقامة على خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوَّف عليها". وقد أقنعت هذه المقارنة عثمان للحال بحيث سمح له بالخروج إلى الناس ومخاطبتهم بعبارة:"‏جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا؟! ارجعوا إلى منازلكم، فإنا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا!‏"‏‏. وقد احتوت هذه النتيجة في أعماقها على معنى القطيعة، التي لم يقطعها آنذاك شيء غير الموت. فقد استاء منه علي بن أبي طالب اشد الاستياء بحيث وصفه بجمل الظعينة يقاد حيث يسار بها. وهدده بأنه سوف لن يعود له، وإنه إنسان بلا شرف فاقد الإرادة[6]. وعكست هذه النتيجة أيضا مستوى التصادم البليغ بين السلطة والدولة. إذ لا تعني الرغبة في امتلاك الدولة من جانب السلطة سوى محاولة ابتلاع ما لا قدرة لها على هضمه. فاللقمة أكبر من البطن، والإنسان ليس أفعى! وبغض النظر عن أن السلطة أفعى لكنها ليست وجودية بل معنوية. وحالما تلتهم كل ما في طريقها فإن فحيحها لا يطرب، وسمومها لا تجذب. والنتيجة هروب أو هجوم. وفي كلتا الحالتين قتل وموت! وبدأت ملامح هذه الحالة تظهر بصورة جلية لا تقبل الجدل والمراوغة. لأن كل منهما لا يفعل في الواقع إلا على تسريعها لا تأجيلها. فالتأجيل وهم. بينما كان سائدا في عائلة عثمان. أما تسريعها فقد كان التيار الجارف في سيل الاندفاع الحانق ضد الانتهاك السافر لأبسط مقومات الرؤية الإسلامية التي مازالت طرية في الذاكرة وأشخاصها الأوائل من صحابة وجاهليين.

أما فاعلية الطراوة الحية للذاكرة التاريخية والاستعداد لشم روائحها العطرة، فإنها عادة ما تظهر في أنفاس المقاتلين بعد دفن ضحاياهم. وهي التقدمة السياسية التي تمتع بها عثمان قبيل قتله. لهذا كان يمكن للذاكرة التاريخية للمسلمين الأوائل ألا تلتهب تجاه مطاردة ونفي الصحابة أمثال أبو ذر الغفاري، وتجاهل رعيل الصحابة الأول. وتحوّل هذا التجاهل في الأيام الأخيرة من حكم عثمان إلى شيء أقرب ما يكون إلى همجية الخيال المريض. وليس اعتباطا أن يكون عثمان في الأيام الأخيرة من حياته قبل المقاطعة والحصار والقتل، أقرب إلى ألعوبة. وكل دقائق فعله وما أراده وما لم يرده يشير إلى أنه كان فاقد الضمير والإرادة. لقد أعمته السلطة للدرجة التي جعلت من حبه جنونا بلا مواقف صحو فيها! وجعلت هذه الحالة من توظيف الوحي جزءا من سياسة الخطأ والخطيئة. وهو الشيء الذي نعثر عليه فيما يسمى بكتاب عثمان إلى أهل مكة! وهو العائش بينهم! وقد قرأه ابن عباس عوضا عنه. وفيه نعثر على ما أسميته بتوظيف الوحي، الذي جعل من السلطة محور وجود الدولة، باعتباره التشوه التاريخي الروحي الأول للخلافة. أما نص الكتاب فهو التالي:‏‏"‏بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين والمسلمين‏.‏ سلام عليكم‏.‏ فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو‏.‏ أما بعد، فإني أذكركم بالله عز وجل الذي أنعم عليكم، وعلمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر، وأراكم البينات، وأوسع عليكم من الرزق، ونصركم على العدو، وأسبغ عليكم نعمته‏.‏ فإن الله عز وجل يقول وقوله الحق‏‏ (وإن تعدّوا نعمت الله لا تحصوها. إن الإنسان لظلوم كفار). وقال عز وجل (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعا). وقال وقوله الحق (يا أيها الذين آمنوا... واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا). وقال وقوله الحق (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). وقال وقوله الحق (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله).

أما بعد، فإن الله عز وجل رضي لكم السمع والطاعة والجماعة، وحذركم المعصية والفرقة والاختلاف، ونبَّأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، وتقدم إليكم فيه ليكون له الحجة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة الله عز وجل واحذروا عذابه، فإنكم لن تجدوا أمة هلكت إلا من بعد أن تختلف، إلا أن يكون لها رأس يجمعها، ومتى ما تفعلوا ذلك لا تقيموا الصلاة جميعا وسلط عليكم عدوكم ويستحل بعضكم حرم بعض، ومتى يفعل ذلك لا يقم لله سبحانه دين، وتكونوا شيعا. وقد قال الله لرسوله (إن الذين فرقوا في دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء. إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون). وإني أوصيكم بما أوصاكم الله، وأحذركم عذابه، فإن شعيبا قال لقومه (ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح).

أما بعد، فإن أقواما ممن كان يقول في هذا الحديث، أظهروا للناس إنما يدعون إلى كتاب الله والحق، ولا يريدون الدنيا ولا المنازعة فيها‏.‏ فلما عرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شتى، منهم آخذ للحق ونازع عنه حين يعطاه، ومنهم تارك للحق ونازل عنه في الأمر يريد أن يبتزه بغير الحق‏.‏ طال عليهم عمري، وراث عليهم أملهم إلا مرة فاستعجلوا القدر، وقد كتبوا إليكم أنهم قد رجعوا بالذي أعطيتهم، ولا أعلم أني تركت من الذي عاهدتهم عليه شيئا كانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود فقلت‏:أقيموها على من علمتم تعداها‏.‏ أقيموها على من ظلمكم من قريب أو بعيد قالوا‏:‏كتاب الله يتلى‏.‏ فقلت‏:فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل الله في الكتاب، وقالوا‏:المحروم يرزق والمال يوفى ليستن فيه السنة الحسنة ولا يعتدى في الخمس، ولا في الصدقة، ويؤمر ذو القوة والأمانة، وتردّ مظالم الناس إلى أهلها فرضيت بذلك واصطبرت له وجئت نسوة رسول الله حتى كلمتهن فقلت‏:ما تأمرنني‏؟‏‏‏ فقلن‏:‏تؤمر عمرو بن العاص وعبد الله بن قيس، وتدع معاوية، فإنما أمَّره أمير قبلك فإنه مصلح لأرضه راض به جنده، واردد عمرا فإن جنده راضون به وأمره فليصلح أرضه فكل ذلك فعلت‏.‏ وأنه اعتدي علي بعد ذلك وعدا على الحق‏.‏

كتبت إليكم وأصحابي الذين زعموا في الأمر استعجلوا القدر، ومنعوا مني الصلاة، وحالوا بيني وبين الصلاة، وابتزوا مما قدروا عليه بالمدينة. كتبت إليكم كتابي هذا وهم يخبرونني إحدى ثلاث‏:إما يقيدونني بكل رجل أصبته خطأ أو صوابا غير متروك منه شيء، وإما أعتزل الأمر فيؤمرون آخر غيري، وإما يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من الذي جعل الله لي عليهم من السمع والطاعة. أما إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب فلم يستقد من أحد منهم، وقد علمت إنما يريدون نفسي‏.‏ وأما أن أتبرأ من الإمارة فإن يكبلوني أحب إليَّ من أن أتبرأ من عمل الله وخلافته.‏

وأما قولكم يرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من طاعتي فلست عليكم بوكيل، ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة‏.‏ ولكن أتوها طائعين يبتغون مرضاة الله، وإصلاح ذات البين‏.‏ ومن يكن منكم إنما يبتغي الدنيا فليس بنائل منها إلا ما كتب الله، ومن يكن إنما يريد وجه الله والدار الآخرة وصلاح الأمة وابتغاء مرضاة الله والسنة ‏الحسنة التي استنّ بها رسول الله والخليفتان من بعده، فإنما يجزي بذلكم الله‏.‏ وليس بيدي جزاؤكم ولو أعطيتكم الدنيا كلها لم يكن في ذلك ثمن لدينكم ولم يغن عنكم شيئا‏.‏ فاتقوا الله واحتسبوا ما عنده فمن يرضى بالنكث منكم فإني لا أرضاه له ولا يرضى الله أن تنكثوا عهده‏.‏ وأما الذي يخبرونني فإنما كله النزع والتأمير فملكت نفسي ومن معي ونظرت حكم الله وتغيير النعمة من الله وكرهت سنّة السوء وشقاق الأمة وسفك الدماء فإني أنشدكم بالله والإسلام ألا تأخذوا إلا الحق وتعطوه مني، وترك البغي على أهله وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم الله، فإني أنشدكم الله الذي جعل عليكم العهد والمؤازرة في أمر الله فإن الله قال وقوله الحق (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا). فإن هذه معذرة إلى الله ولعلكم تذكرون.

أما بعد، فإني لا أبرئ نفسي! إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم‏.‏ وإن عاقبت أقواما فما أبتغي بذلك إلا الخير، وإني أتوب إلى الله من كل عمل عملته وأستغفره إنه لا يغفر الذنوب إلا هو‏.‏ إن رحمة ربي وسعت كل شيء إنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الضالون، وإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون‏.‏ وأنا أسأل الله عز وجل أن يغفر لي ولكم وأن يؤلف قلوب هذه الأمة على الخير ويكرّه إليها الفسق"[7]‏.‏

إننا نعثر في هذه الرسالة على ذروة التطويع السياسي للوحي، بحيث تصبح الآية القرآنية خادما وضيعا للإرادة المبتورة برغبة الاحتفاظ بالسلطة. وتشبه إرادته وصيته التي لا تحتوي على أكثر من عبارات يرددها المسلمون بوصفها الصيغة القابعة في وعي ولا وعي الإيمان من انه "لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أن الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه‏.‏ وأن الله لا يخلف الميعاد". أما دفنه فقد كان هو الآخر فضيحة بمعايير السلطة والتاريخ والقيم الأخلاقية. فقد بقي ثلاثة أيام لم يدفن. بل وقعد بعض من المعارضين على قارعة الطريق يتربصون جثمانه بالحجارة. بل وحاول البعض حتى منع الصلاة عليه. ودفنوه غفلة قرب أحد حيطان المدينة يسمى حَش كوكب، بحيث حملوه على إحدى الأبواب لدفنه مسرعين لتلافي نظرات المتمردين بحيث كان رأسه يقرع الباب التي وضعوه عليها. ودفن في ثيابه بدمائه، لم يغسل[8]‏. ولم يقل فيه كلمة غير ابنته عائشة وزوجته نائلة! لكنها تبقى مجرد مأثرة لإخلاص النساء لا علاقة لها بعثمان. أنها خاتمة مهينة! لهذا لم يكن بإمكان أي شيء فيه أن يتحول إلى قيمة غير قميصه ليصبح راية الصراع السياسي المرير وبيرق الخبث والرذيلة والمغامرة من جانب القوى التي ناصبت فيما مضى محمدا العداء والاستهزاء، والرغبة في الاستيلاء على ميراثه الإمبراطوري الآن. وهي عملية أنتجت على قدر ما فيها من درامية واحتدام في صراع المصالح والقيم، أشباحها وأرواحها، أي مستبدين أشداء ومثقفين خلصاء.

***

 

ا. د. ميثم الجنانبي

.....................

[1] ‏‏الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2،ص 645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3،ص 44‏

[2] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2،ص645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3،ص 44‏‏

[3] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص653.

[4] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص657، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص54‏.

[5] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص658، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، 54‏.‏‏

[6] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص660، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص57.

[7] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص685‏.

[8] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص687، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص69‏

 

 

وممّا يعزز القول بتأثرالمصريين القدامى بالانبياء في توحيدهم، هو وجود التشابه في التوحيد بين المصريين واليهود والمسلمين، وهذا ممّا تنبه اليه "والس بدج"، الذي نشر كتابا له عام 1903م، اكّد فيه التشابه بين توحيد قدماء المصريين وتوحيد اليهود والمسلمين فيقول: (انه لاتوجد صعوبة في اظهار ان فكرة التوحيد التي وجدت في مصر منذ العصور المبكرة .. لاتختلف في ملامحها عن تلك التي تمت بين العبرانيين اليهود والعرب المسلمين) . (31).

واخناتون لم يكن اول الموحدين، بل عرف المصريون التوحيد قبله عن طريق الانبياء، فقد عرف المصريون التوحيد قبل اخناتون بالاف السنين . (32) . وامنحوتب الثالث والد اخناتون عرف التوحيد " بمعنى ان للوجود خالقا"، يقول الدكتور مصطفى محمود: (ونحن نرى هذا التوحيد في عهد امنحوتب الثالث في تلك الترنيمة المحفورة على لوحة في المتحف البريطاني .. وهي في صورة ابتهال ومناجاة للاله: (ايها الخالق الذي لم يخلقك احد، الواحد المنقطع القرين في صفاتك، والراعي ذو القوة والباس، والصانع الخالد في اثاره التي لايحيط بها حصر). (33)

 ويتحدث سارتون عن اخناتون (1470-1340 ق. م) فيقول:

(ان اخناتون.. ادرك من وجود الله قدر مانستطيع نحن ان ندرك من وجوده) . (34)

 وهذا يعني ان علوم قدماء المصريين مصدرها سماوي، يقول الدكتور احمد بدوي: (كان علم قدماء المصريين - في اعتقادهم - مرجعه الى السماء .. جاءهم به رسل من حكماء الماضي .. وهو مدّخر في الصحف يتناقله الناس جيلا بعد جيل) . (35)

وعلى هذا الاساس، فمن المرجح، وكما يذكر الثعلبي، ان الملك اخناتون الذي عاصر النبي يوسف (ع)، كان قد اسلم على يديه، واخذ التوحيد منه، يذكر الثعلبي: (وكان الملك يؤمئذ بمصر ونواحيها (الريان)، ويروى ان هذا الملك مامات حتى امن بيوسف .. وتبعه على دينه) . (36)

وينقل ابن كثير عن محمد بن اسحق .. ان صاحب مصر -الملك- .. اسلم على يدي يوسف (ع)، والله اعلم) . (37)

من اين جاءت تسمية العبريين؟

وقد اطلق اهل كنعان على ابراهيم ورفاقه (العبريين)، لعبورهم نهر الفرات؛ اذ لم يكونوا قد عبروا نهر الاردن بعد، اولانهم بدو متجولون يعبرون من واد الى واد) . (38)

العبرانيون والعزلة

كانت العزلة طابع العبرانيين في ارض كنعان، وقبلها في اور، وكانت طابعهم في مصر بعد ذلك بسبب ارتباط العبرانيين بالحكام المستعمرين في مصر (الهكسوس)، وبالتالي نظر الشعب لهم نظر ريبة فلم يتم اختلاط بين هؤلاء واولئك، ثم ان البون كان شاسعا بين العقليتين، فالعبرانيون كانوا قوما بدوا لاثقافة لهم، نزلوا بين اقوام لهم تاريخ ولهم حضارة، فلم يكن من السهل الاندماج بين الطائفتين. (39)

وبسبب هذه العزلة تكونت لدى اليهود النظرة العدائية الحذرة تجاه الاخرين، وبالتالي لم يدينوا بولاء الى الوطن الذي يجمعهم بالاخرين، وانما اتجهوا بولائهم الى جماعاتهم، فاصبحت هذه الجماعة هي وطنهم، وهي دينهم، وهي موضع تقديسهم وليس لهم بسواها صلة او ارتباط. (40)

الاسرائيليون كشعب وجدوا في كنعان

كان بنو اسرائيل قبائل مكونة من اسباط اسرائيل الاثني عشر، ولم يتشكلوا كشعب الا بعد استقرارهم في كنعان.. وفي السابق كان لكل قبيلة وجودها التاريخي الخاص .. قبل ان تكّون اتحادا متينا .. فبعد ان استقروا في فلسطين نمت لديهم فكرة ان لاسرائيل تاريخا مشتركا (41)

توراة موسى

يزعم " ول ديورانت" في كتابه (قصة الحضارة): (ان التوراة التي نزلت على موسى بعد الرسالة هي نسخة من قوانين حمورابي). (42)، كما قالوا:  ان دعوته قومية، اي: خاصة ببني اسرائيل . (43)

ونحن لسنا مع ماقاله ديورانت، بانّ التوراة التي نزلت على موسى (ع)، هي نسخة من قوانين حمورابي . نعم، التوراة حرّفت، وكتبت بعد السبي البابلي، وتاثرت بماعند البابليين، وبقوانين حمورابي. وهذا مايقرره (Welis)، من ان اسفار العهد القديم جمعت لاول مرة في بابل، وظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد . (44) ؛ وذلك لان التوراة الاصلية قد احرقت نسخها الاصلية على يد نبوخذ نصر عام 576 ق. م، ولم يتّم اعادة كتابتها الا قبيل ميلاد المسيح بعدة قرون. (45)

فرعون موسى

هناك بعض الاراء تدّعي ان فرعون موسى لم يكن مصريا، بل كان من الهكسوس، ومن هؤلاء الذين يتبنون هذا الراي الدكتور اسامة الكرم، يقول الدكتور اسامة الكرم: (وهناك اية تكشف بوضوح انّ فرعون موسى ليس مصريا بل كان من الهكسوس، وهي قوله تعالى: (فاوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا) . القصص: الاية: 38 .

ومن الاية يتضح ان مباني فرعون وقومه كانت من الطين، على عكس مباني ملوك المصريين ومعابدهم التي كانت من الحجارة .. فقد كانت حضارة الهكسوس مبنية على الطين وليس الحجارة مثل المصريين) (46)

وانا لا ارى تناقضا بين الطين والحجارة ؛ فقد استخدم القران في مسألة خلق الانسان مفردات عديدة، فتارة يذكر خلق الانسان من ماء، وتارة من تراب، فطين، فصلصال كالفخّار، ولايوجد اي تناقض بين هذه التعابير، فالطين هو عبارة عن مزج التراب بالماء، والصلصال الذي وصف بانه كالفخّار يتكون حين يعرض الطين على حرارة النار.

 وقد كفانا الرد على كلام الدكتور اسامة الكرم غير العلمي، البروفسور " جوزيف دافو ديفيت "، مدير معهد جيوبو ليمار الفرنسي لهندسة البناء، والذي توصل الى فرضية " بناء الاهرامات"، بواسطة قوالب طينية، تمّ تجفيفها وتحجيرها بواسطة النار في موقع البناء. ونشر هذه الفرضية في كتاب له، وحسب رأيه: (ان الفراعنة استخرجوا الطين من ضفاف النيل ثم صبوه في قوالب متساوية تم تسخينها الى درجة 900 مئوية.

 بعد هذا البحث الطويل الذي اجراه البروفسور الفرنسي جوزيف دافو ديفيت الذي يؤكد فيه ان حجارة الاهرام قد صبّت في قوالب خشبية، وبعد سنوات قام احد العلماء الامريكيين بالتأكد من صدق هذه الفرضية باستخدام المجهر الالكتروني وتحليل نماذج من حجارة الاهرامات . (47)

الهكسوس كانوا خليطا

والهكسوس لم يكونوا جنسا واحدا، وانما كانوا خليطا متحالفا من قبائل متعددة الجنسيات . تذكر الموسوعة المصرية مايلي: (ولانزاع ان الهكسوس لم يكونوا من جنس واحد) . (48)، وفي موسوعة لانجر:

(وكان الهكسوس جنسا خليطا) . (49)، ويذكر الدكتور احمد فخري: (ان الهكسوس ليسوا من شعب واحد، وانما من شعوب متعددة) . (50)

 

زعيم الخيرالله

.............................

المراجع والمصادر

31- (J.D. Smith: God and Man in Early Israel) نقلا عن كتاب (اليهودية)، د. احمد شلبي، ص 53.

32- انظر (اضواء على السيرة النبوية)، ج1، ص 5، عبدالحميد جودة السحار.

33- كتاب (الله)، عباس محمود العقاد، ص 64، نقلا عن (قدماء المصريين اول الموحدين)، د. نديم السيار، ط 2، ص 43 .

34- تأريخ العلم، جورج سارتون، ج1، ص 133، نقلا عن (قدماء المصريين اول الموحدين)، د. نديم السيار، ط2، ص 39.

35- تأريخ التربية والتعليم في مصر، ج1، ص 160، نقلا عن (قدماء المصريين اول الوحدين)، د. نديم السيار، ط 2، ص 195 .

36- العرائس، ص 70 .

37- قصص الانبياء، ج1، ص 336 .

38- مقارنة الاديان، اليهودية، د. احمد شلبي، ط2، ص 52، 1988، منشورات مكتبة النهضة المصرية.

39- التوراة، الدكتور فؤاد حسين، نقلا عن كتاب (مقارنة الاديان)، د. احمد شلبي، ص 53.

40- مذكرات وايزمان، ص 3، نقلا عن (مقارنة الاديان، اليهودية)، احمد شلبي، ص 54.

41- جارودي،فلسطين، ص: (111-112)، نقلا عن كتاب: (النبي موسى واخر ايام تل العمارنة)، د. سيد القمني، ص 647 .

42- قصة الحضارة، ول ديورانت، المجلد 1، ج2، ص (322- 385)، وانظر ايضا، (الشرق الخالد)، ص 379 و 399 .

43- حضارة مصر والشرق القديم، ص 355، نقلا عن كتاب (ذرية ابراهيم والمسجد الاقصى)، جمال عبدالهادي، دار الوفاء، ط1، تاريخ الطبع 1986 م، ص 105.

44- (A short history of The World)، نقلا عن كتاب " اليهودية "، د . احمد شلبي، ص 354 ز

45 - ذرية ابراهيم والمسجد الاقصى، جمال عبدالهادي، دار الوفاء، ظ1، تاريخ الطبع 1986 /، ص 329 .

46- القران يؤكد: رمسيس لم يكن فرعون موسى، د. اسامة الكرم، مدونات مكتوب، تاريخ 16-1-2008 م .

47 - هل بنيت الاهرامات من الطين ؟ وهل فرعون هو الذي بناها ؟ موقع الاعجاز العلمي في القران والسنة، عبدالدائم الكحيل .

48- الموسوعة المصرية، المجلد 1، ص 40 .

49- موسوعة تأريخ العالم، ج1، ص 48 .

50- مصر الفرعونية، ص 245 .

 

mutham aljanabi2توفي عام 43 للهجرة ودفن في مصر بعد أن بلغ من العمر ثلاث وتسعين سنة! وهو عمر مديد بمعايير الرذيلة قصير بمعايير الروح الأخلاقي. وما بينما تمادت وتصنعت شخصية عمرو بن العاص المتناقضة. وفي تناقضها أنتجت إحدى اعنف المفارقات الحادة التي تجعل من الضروري إعادة النظر بكلمة "الصحابة" و"الصحابي" من اجل وضعها ضمن سياقها التاريخي بوصفه لقب لأفراد مرحلة تاريخية لا غير. بمعنى تحريرها من الأبعاد الأخلاقية والروحية.

فكما أن المكان "المقدس" لا يقدس من يعيش فيه، كذلك لا تجعل صحبة النبي محمد بالمكان والزمان المرء جليلا. وفي كلتا الحالتين لا يقدس المرء ولا يجعله جليلا شيئا غير عمله. أما أعمال عمرو بن العاص الكبرى فانها تجسيد تام للرذيلة. وهي حالة لم تكن معزولة عما تراكم في وعيه النفسي من رذائل الجاهلية المكثفة في مصيره الفردي. فقد بيعت أمه في سوق عكاظ. وجرى تداولها في سوق النخاسة ثلاث مرات إلى أن وصلت إلى العاص بن وائل. كما أنها تزوجت مرات عديدة بعد ذلك. وهي حالة لا يمكن تحميل أمه (المرأة) مقدماتها وأسبابها، لكنها تغلغلت في شخصية عمرو بن العاص، بوصفه السبيكة التعسة لخراب الروح والجسد الجاهلي. أما الطلاء الإسلامي فانه لم يستطع إخفاء صدئه الداخلي وعفونته النتنة! وليس مصادفة أن تبرز كتب التاريخ والسير والأدب والسياسة أولوية الدهاء والمكر فيه. من هنا أوصاف "من دهاة العرب في الجاهلية"، و"كان رجل حرب ماكر وداهية" وما شابه ذلك. بحيث لا نعثر على أي وصف إسلامي تقليدي يبرز أهمية الأبعاد الروحية والأخلاقية فيه. ذلك يعني ملازمة صفات المكر والدهاء إياه حتى موته. بمعنى انحلال أو انعدام الأخلاق النبيلة في سلوكه الشخصي. مع ما ترتب عليه من سيادة السلوك المحكوم بالمنفعة الخالية من قيم الروح والعقيدة. وهي صفات تجعل منه احد أرذل الشخصيات السياسية في تاريخ الإسلام الأول، بوصفه الوجه الآخر لمعاوية. وكلاهما من صنف واحد هو الدهاء السافر وانعدام الأخلاق التام.

فمن المعروف عنه قبل إسلامه هو انه كان مهموما بقتل النبي محمد والمسلمين الأوائل. لهذا جرى انتخابه ممثلا لقريش من اجل طرد أو قتل المهاجرين المسلمين الأوائل إلى الحبشة! وهو سلوك يعكس نفسيته أيضا، بمعنى استعدادها لتحمل المشقة من اجل القتل والثأر! أما تحوله لاحقا إلى "صحابي جليل"، فينبغي النظر إليه على انه النتاج الطبيعي للخديعة التاريخية للأموية في ابتداعها فكرة أو اسم "أهل السنّة والجماعة" التي كانت تعني وتترادف مع فكرة الخضوع للسلطة. من هنا اندراج عمرو بن العاص فيها. أما من الناحية الفعلية فقد اسلم عمرو بن العاص بعد فشل قريش في غزوة الأحزاب. كما اسلم آل أمية ومروان بعد فتح مكة. ويقال انه اسلم تحت تأثر قول ملك الحبشة الذي أشار إليه بأن محمدا نبي بالفعل!! بينما تقول رواية أخرى بأن الملك طرده بسبب هداياه التي قدمها إليه وطلب بمقابلها تسليمه المسلمين المهاجرين من اجل قتلهم! ومهما يكن من أمر هذه السرديات "الجليلة"، فإنها تعكس في الواقع الحالة التي ميزت إسلام من انتمى إليه في وقت لاحق، واقصد بذلك آل أمية وبنو مروان. وفي هذا يكمن استعداده "للعمل" بوصفه أسلوبا للتعبير عما فيه. وهو سلوك محكوم دوما بالمصلحة والفائدة. لهذا نراه يتولى قيادة الجيوش في معارك فتح الأردن ومصر. ويدعم عثمان بن عفان قبل أن يعزله عن ولاية مصر. ثم يتحول إلى ألد أعداءه. والسبب هو إمارة مصر. فقد أعفاه عثمان من اجل أصحابه وأقاربه، وبالأخص بعد أن ولى مصر عوضا عنه عبد الله بن سعد العامري (اخو عثمان بالرضاعة! سبق وان ارتد زمن النبي وأهدر دمه لكن عثمان استوهبه، توفي سنة 59 للهجرة واعتزل الصراع آنذاك). وهو خلاف كان على تولي الخراج وإدارة الحرب. وقد سحب عثمان الخراج من عمرو بن العاص وأعطاه إلى عبد الله بن أبي سرح. من هنا انهماك عمرو بن العاص في التأليب على عثمان، بحيث تنسب إليه العبارة القائلة، بأنه كان يؤلب حتى رعاة الغنم وأغنامهم على عثمان! لكنه يصبح في طليعة المدافعين عن عثمان والداعين لأخذ الثأر بدمه بعد تولي علي بن أبي طالب الخلافة. من هناك قيادته لجيوش معاوية في الحرب ضد علي، واستعداد للكشف عن عورته لكي ينقذ نفسه، بعد أن تعرض للهزيمة في مبارزة فردية مع الإمام! واليه تعود فكرة رفع القرآن على الرماح وخديعة التحكيم. وهي مكونات تعكس في كلها كلّ الرذيلة التي اسمهم في حرف تاريخ الإسلام والدولة، بحيث يمكن وضعه إلى جانب معاوية في موضع الإفساد المادي والمعنوي الأكبر في تاريخ الإسلام. إذ جسّد في هذا السياق كل حلقات الرذيلة السياسية والأخلاقية. وليس مصادفة أن يكون الوحيد من بين أتباع الأموية (إلى جانب الحجاج الثقفي!) من بقي واليا على مصر حتى موته! وتنسب إليه العبارة التالية قبيل موته:"اللهم أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فما انتهينا!". وهي عبارة ينبغي فهمها بصورتها المباشرة!

***

ميثم الجنابي

 

 

هل كان النبي ادريس مصريا؟ وهل هو اخناتون؟

ذكرنا انه اختلف في ولادته، واختلف فيه، هل هو مصري ام عراقي؟ الاّ ان الدكتور نديم السيّار، في كتابه ( المصريون اول الموحدين)، يقرر: ان ادريس هو النبي المصري الذي عرف بعلم الهندسة، وانه الذي جاء للمصريين يعلمهم الاسلام . (24)، وادريس يسمى في التوراة " اخنوخ"، او على الاقل عرفه اليهود بهذا الاسم منذ عصورهم القديمة قبل تسجيل اسفار عهدهم (اخنوخ) . (25) .

المصريون كانوا موحدين قبل ابراهيم

يبالغ المصريون كثيرا حينما يتحدثون عن اسلافهم المصريين القدامى بانهم اول الموحدين، وهذا عنوان لكتاب اسمه: (قدماء المصريين اول الموحدين)، وكأنّ الامة المصرية - على خلاف سائر الامم والشعوب- ادركت التوحيد بذاتها دون حاجة الى هدي النبوات، وان الانبياء الذين جاءوا الى مصر كانت رسالتهم موجهة الى الهكسوس وقبائل البدو، ولادور لهم تجاه المصريين ؛ لانهم في غنى عن ذلك .

 فالعقاد يرى ان المصريين عرفوا التوحيد قبل ابي الانبياء ابراهيم (ع)، فيقول: (التوحيد لم يكن مجهولا قبل عصر ابراهيم .. كان المصريون الاقدمون يؤمنون بالاله الواحد .. وكانت كلمة الله هي القوة التي تفعل ماتريد ) . (26) .

 ويرى العقاد في كتابه (ابراهيم ابو الانبياء)، ان المصريين اقدم امة عرفت التوحيد فيقول: (التوحيد توحيدان: توحيد الايمان باله واحد خلق الاحياء وخلق معهم اربابا اخرين، وتوحيد الايمان باله واحد لااله غيره، ولم تعرف امة قديمة ترقت الى الايمان بالوحدانية على هذا المعنى الا الامة المصرية، فعبادة " اتون" قبل ثلاثة وثلاثين قرنا غاية التنزيه في عقيدة التوحيد ) . (27) .

 وفي مناقشتنا للعقاد نقول: ان التوحيد الذي ذكره - اي توحيد النوع الاول- هو توحيد منقوص، وهو توحيد الخالقية، وقد تحدث الله تعالى في القران عن ايمان مشركي العرب بهذا اللون من التوحيد، قال تعالى: (ولئن سالتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله)، وهذا التوحيد عرفته كل الامم والشعوب، ولم يختص بامة دون اخرى، ولابشعب دون اخر.

 امّا التوحيد الثاني، فلم تهتد اليه امة بعيدا عن هدي السماء، وبعيدا عن النبوات، ورسالات السماء ؛ لان التوحيد على المستوى الثاني الذي ذكره العقاد اكبر من ان يدركه عقل بشري، ولاتقوى حضارات البشر ان تهتدي اليه ؛ لذلك غرقت كل حضارات البشر التي لم تتصل بهدي السماء بسبب، في مستنقعات الشرك والوثنية .

 ويذكر والس بدج: (ان بيريت يتبنى نفس وجهة النظر القائلة بان المصريين امنوا بالاله الواحد.. الذي لاشريك له) . (28)

 ونحن نقول: نعم، امن المصريون بالاله الواحد الذي لاشريك له بعد ان دلهم الانبياء عليه.

اخناتون والتوحيد

تحدثوا كثيرا عن اخناتون، واعتبروه الموحد الاول في مصر، وقد اختلف فيه، فبعضهم قال: انه نبي الله ادريس، وهذا لايصح ؛ لان ادريس الذي قيل انه كان مصريا، عاش قبل ظهور الاسر، اي: قبل 5500 عام، وهو اول من خط بالقلم، وتفقد النجوم، واصّل لعلم الفلك، ثم عرفت مصر التوحيد بعده، فبعد انحسار الطوفان، رست سفينة نوح على الجودي " شمال كردستان العراق "، ومكان رسوّ السفينة مختلف فيه، وانتشر الموحدون من فوق متنها هابطين الى ارض الرافدين، ومنها لكل العالم، ويقال انه كان من بينهم احد الكهنة المصريين الذين صاحبوا نوحا، وهو الذي عاد لمصر واصطحب معه حفيد نوح المدعو مصر بن حام (مصرايم بن حام بن نوح)، وعلمه اللغة المصرية، ومعا اعادوا تاصيل التوحيد في مصر، ويحتمل ان يكون ذلك عام 2100 قبل الميلاد . (29)

 ولاادري لماذا يربط بعض الكتاب التوحيد باخناتون، في حين ان عبور ابراهيم نهر الفرات باتجاه مصر كان قديما، اذ تم كما يرى اكثر الباحثين حوالي سنة 2000 قبل الميلاد، ويرجح بعضهم انه تم في سنة 1850 ق.م . (30)

( وللحديث صلة) .

 

زعيم الخيرالله

.......................

المصادر والمراجع

24- هل كان اخناتون عبد الشمس ام كان نبيا؟، نقلا عن " منتديات، طريق الحقيقة " .

25- نفس المصدر السابق .

26- ابراهيم ابو الانبياء، عباس محمود العقاد، ص 8، نقلا عن ( قدماء المصريين اول الموحدين)، د. نديم السيّار، ط 2، ص 63 .

27- ابراهيم ابو الانبياء، عباس محمود العقاد، ص 175و 176 .

28- الهة المصريين، ص 163، نقلا عن كتاب ( قدماء المصريين اول الموحدين)، د. نديم السيار، ط 2، ص 8 .

29- التوحيد كان قبل اخناتون، د. محمد حلاوية، 9-11-2007م، نقلا عن مدونات مكتوب .

30- J.W. D. Smith ; God and Man in Early Israel . نقلا عن كتاب ( اليهودية ) دز احمد شلبي، ص 53 .

 

mutham aljanabi2إذا كانت السلطة تعمل بقوة السلطان، فان ذلك لا يكفي بحد ذاته من اجل ديمومتها وإضفاء الشرعية على وجودها السياسي. من هنا أهمية وقيمة "المثقف المرتزق" بوصفه "سلطان الحقيقة" المجيّرة. وهي حالة لا يخلو منها تاريخ الدول والأمم والثقافات الكبرى. لكنها عادة ما تعكس بداية الأزمة أو نهايتها. بمعنى أن ظهور واستفحال ظاهرة المثقف المرتزق هو تعبير عما في تاريخ الدولة والأمة من صراع عنيف ينذر بحتمية السقوط أو مؤشر على اعتراك قواهما الذاتية في تأسيس البدائل. وهو السر القائم وراء تأثير المثقف المرتزق على مجريات الأمور والأحداث سواء فيما يتعلق بإمكانية "تثوير" الأفكار والصراع حولها، أو إعاقة نموها "الطبيعي" من خلال حرفها صوب أمور جزئية أو ثانوية لا قيمة لها بالنسبة لتاريخ الروح. لكن عمله في كلتا الحالتين لا يؤدي إلا إلى إثارة نفسية وذهنية المغامرة القبيحة. ومن تلازم أو التقاء هذين الاتجاهين تتراكم ملامح المصير التاريخي الفعلي للثقافة ومنظومة المرجعيات المعقولة في رؤية الثقافة عن نفسها ودور المثقف فيها. وهي ظاهرة لا تخلو من تعقيد درامي تارة، ومأساوي تارة أخرى. لكنها دراما ومأساة الفرد التائه في دهاليز الغريزة الخائبة. وقد يكون ذلك هو احد الأسباب الرئيسية في اختلاف مرتزقة الثقافات الكبرى الماضية عن مرتزقة الأحزاب والدويلات الحالية بوصفها جعجعة فارغة على رصيف التسول المنفر. لكن جوهر المشكلة يبقى كما هو. بمعنى أن المثقف المرتزق تحت أية يافطة عقائدية كانت هو مجرد حمّال معلومات، أي خال من المعرفة. لكنه يجسد في الوقت نفسه نموذج " العالم الجاهل"، أي الطبل الأكثر دويا في جوقة "علماء السوء" كما دعاهم الغزالي، و"علماء الجهل" كما دعاهم نيقولا الكوزاني. وحالما تلتئم سبيكة السوء والجهل في هيئة "العالم النحرير"، حينذاك تبرز في مظاهر اللؤم غير المحدود في الأقوال والأفعال. وفي الأغلب هي صفة مرتزقة السلطة والأحزاب.

وبغض النظر عن كثرة أو قلة معلومات المثقف المرتزق، فانه لا يفعل في نهاية المطاف إلا على إضعاف الكل الإنساني للدولة والأمة. والسبب يكمن في انه لا يتعدى في نياته وسلوكه وغاياته أن يكون شيئا غير لسان "النفس الغضبية" وليس العاقلة، أي القوة الجزئية وليس الكلية العامة. من هنا تصبح مهمة نقد نماذجها القديمة أسلوب نقد نماذجها الحالية.

وليس مصادفة أن تتشابه مختلف مستويات وأشكال "التبجيل" الهائلة القديمة والحديثة في مواقفها من "علماء السوء" و"علماء الجهل" بغض النظر عن اختلاف ثيابهم الدينية أو الدنيوية (العلمانية)، "اليسارية" أو"اليمينية". فهو مؤشر على بقاء وفاعلية حالة الانحطاط. فالحقيقة خارج تصنيفات العقائد السياسية والحزبية أيا كان شكلها ومحتواها. وذلك لان المثقف الحقيقي لا تحكمه إلا الحقيقة. وبالتالي ليس البقاء ضمن قيود العقائدية السياسية والحزبية سوى الصيغة الملازمة للقبول بعبودية العقل والضمير، أي "الفداء المقدس" للبلادة والغباء وانعدام الضمير الحر.

***

أبو هريرة الدوسي

كان اسمه قبل الإسلام عبد شمس بن صخر. واسماه النبي محمد بعد إسلامه عبد الرحمن بن صخر الدوسي. توفي عام 57 للهجرة بعد أن بلغ من العمر 78 عاما قضى اغلبها في دهاليز التحول الهائل الذي أحدثه الإسلام في المصير التاريخي للعرب والدولة والثقافة.

من مفارقات شخصيته تأثيره الهائل في صنع تقاليد "السنّة" مع فقدانه المفزع للعقل والمعرفة. وهي المفارقة الكامنة والفاعلة في استعداده لوضع الحديث والكذب فيه. لكنها شخصية لا تخلو من طرافة وأصالة. ففي كنيته نتلمس بعض الأبعاد الأخلاقية والإنسانية الرقيقة. فمن عطفه على هرة كان يحملها معه عندما كان يرعى الغنم، بحيث يضعها في الليل في الشجر ويصحبها معه في النهار إشارة ودلالة على رقة القلب وبساطة الاقتراب من الطبيعة. وهي مكونات جميلة فيما لو بقيت ضمن أصولها، أي رعي الغنم والارتماء في وديان اليمن وصحاريها. بينما أدى انتصار الإسلام وصيرورة الدولة وارتمائه في أحظان السلطة إلى انقلاب عاصف في مصيره الشخصي والتاريخي والثقافي. وغرابة أبو هريرة الدوسي تقوم في بقاء عبد شمس الأول فاعلا في شخصيته الفعلية. من هنا "ارتقاءه" سلّم "الصحابة" بفقره وروايته للحديث، واستهجان التاريخ العقلي لابتذاله الكلي.

وضمن هذا السياق يصبح حافز إسلامه الأول مثيرا للجدل. بمعنى يصعب تحديده بمعايير الروح. كما انه ليس نتاج معاناة محكومة بإحساس المشاعر الإنسانية الكبرى أو الأخلاقية العميقة أو المعرفة المجردة. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار عامل الجوع والرغبة الصادقة في محبة الأكل والشرب، التي لازمته مدى الحياة بحيث جعل منها "فضيلة" يتبجح بها بما في ذلك في الدعاء(!)، عند ذاك يصبح احتمال المنفعة الشخصية الضيقة عاملا حاسما في الانتقال من اليمن إلى المدينة، ومن الوثنية إلى الإسلام.

فقد قدم المدينة في السنة السابعة للهجرة، أي بعد معركة خيبر. وتنسب إليه الكلمات الموثقة عن جوعه الدائم وانتمائه إلى "أهل الصفة". دون أن يرتقي لاحقا إلى مصاف "النخبة الروحية". وذلك بسبب الهوة الكامنة في شخصيته، التي جعلته في آن واحد احد المصادر الكبرى لنقل ووضع الحديث النبوي. إذ ينسب إليه حوالي 5374 حديثا نبويا، مع انه لم يعايش النبي محمد سوى عام واحد وتسعة أشهر. وفي رواية أخرى ثلاثة أعوام. وقد اثار هذا الكمّ من الاحاديث شكوك وانتقاد الكثير من الصحابة آنذاك. بحيث نرى صدى ذلك في العبارة المنسوبة إليه، التي يوردها البخاري ومسلم، القائلة "إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن النبي. إني كنت امرأ مسكينا صحبت النبي على بطني. وكان المهاجرون تشغلهم التجارة في الأسواق. وكانت الأنصار يشغلهم القيام على جمع أموالهم. فحضرت من النبي مجلسا فقال:"من بسط رداءه حتى اقضي مقالتي ثم يقبضه إليه، فلن ينسى شيئا سمعه مني". فبسطت ردائي حتى قضى حديثه ثم قبضته إلي. فوالذي نفسي بيده، لم انس شيئا سمعته منه". وهو "حديث" مصطنع دون شك، مهمته إضفاء صفة الوحيد القادر على حفظ الحديث النبوي والأكثر أمانة وصدقا وقربا من كل ذلك الرعيل الذي عايش النبي على امتداد عقود من الزمن، وكوّن الأساس الاجتماعي والأخلاقي والروحي والفكري أيضا للعقيدة الإسلامية. وليس مصادفة أن يصنع أبو هريرة حديث متمم بهذا الصدد يتكلم عن نفسه وسؤاله للنبي محمد قائلا:

-        يا رسول الله! من اسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟

-        لقد ظننت يا أبا هريرة انه لا يسألني عن هذا الحديث احد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث! اسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا اله إلا الله خالصا قلبه".

والقضية هنا ليست فقط في عدم تبلور فكرة ومصطلح "الحديث" في كلام النبي آنذاك، بل وفي الصيغة الجريئة "لابتداع" مختلف النماذج الكاذبة.

إذ لم يكن أبو هريرة شخصية لها وزنها زمن أبي بكر وعمر. وإذا كان عمر بن الخطاب قد عينه لولاية البحرين عام 21 للهجرة فانه عزله عام 23 واخذ منه ما سرقه من أموال تقدر بعشرة آلاف. غير أن الأمر اختلف زمن عثمان وأصبح من المقربين لآل العاص والأمويين بشكل عام. ووضع جملة من الأحاديث لعثمان مثل (عثمان خليلي) و(عثمان تستحي منه الملائكة) (عثمان رفيقي في الجنة) (وعثمان من أشبه أصحابي بي خلقا). ثم خمل زمن علي وبداية الحرب، لكنه استعاد نشاطه زمن معاوية. ووضع لمعاوية أحاديث غريبة مثل (إن الله ائتمن على وحيه ثلاثة أنا وجبرائيل ومعاوية) و(ناول النبي معاوية سهما وقال له:خذ هذا السهم حتى تلقاني به في الجنة)

كما وضع أحاديث كثيرة في فضائل أبي بكر وعمر مهمتها طمأنة الأموية في صراعها مع "ذكرى" الإمام علي وذاكرته في الوعي الاجتماعي والتاريخي العربي الإسلامي. إضافة لذلك كان اغلب وضعه الحديث يفتقد إلى الذاكرة الحسنة والذكرى المناسبة. من هنا خلط الأحداث وربطها بطريقة لا تتطابق مع الواقع أو لا تستجيب مع حياته، مثل نقله الأحاديث (بوصفه مشاركا) لأحداث جرت قبل إسلامه بسنوات طويلة. وهي عادة أو ظاهرة برزت معالمها الأولية منذ وقت مبكر. من هنا نرى عمر ابن الخطاب نهاه وينهره عن الحديث. وكذّبته عائشة وعلي وكثير من الصحابة. وليس مصادفة أن يكون احد أكثر المقربين إلى معاوية والأموية حتى موته. وذلك لاستعداده الفطري على نقل مختلف الأقوال والأحاديث أو تسطيرها بوصفها جزء مما يمكن دعوته بآلية النقل البليدة.

فقد كان أبو هريرة نموذجا للنقال العادي. وليس مصادفة أن يكون ممرا لنقل الإسرائيليات والأفكار الحشوية المميزة للذهنية اليهودية وأساطيرها التي كان يبشر بها كعب الأحبار. وهي ظاهرة تتعارض مع تقليدية الرؤية الإسلامية ومعاييرها الخاصة التي استغربت أن يكون تابعي (كعب الأحبار) مصدرا لصحابي (أبو هريرة). مع انه لا غرابة في الأمر. فالفرق الزمني بين أبو هريرة وكعب الأحبار في اعتناق الإسلام ليس كبيرا. فالأول التحق بالمدينة عام 7 للهجرة، بينما الثاني زمن عمر بن الخطاب، ويقال زمن خلافة أبي بكر. وهو الأقرب. وذلك لما له من حظوة كبيرة نسبية عند عمر بن الخطاب زمن خلافته. ولا يعقل تقربه بهذه السرعة في غضون أيام وأشهر في مرحلة تتصف بالديناميكية العالية. ولعل سفره مع عمر إلى القدس واستشارته في بعض المواقف المهمة دليل على ذلك. ومهما يكن من أمر هذه القضية، فان تحول كعب الأحبار إلى مصدر من مصادر "الحديث" عبر أبو هريرة يشير أولا وقبل كل شيء إلى شخصية أبي هريرة الهشة. ومن الممكن هنا الأخذ بنظر الاعتبار أصولهم اليمنية المشتركة، بمعنى التقائهم بالفطرة والمكان والنفسية. غير أن "ذكاء" كعب و"علمه" بوصفه حبرا من أحبار اليهود جعلت منه قوة قادرة على التأثير والقبول. من هنا اخذ أبو هريرة جملة الأفكار الأسطورية لليهودية. وهو مؤشر عما في شخصيته من استعداد للنقل دون تمحيص وروية. بحث يمكن اعتباره نموذجا لحمار النقل. بمعنى انه لا يعبأ بما ينقل وكيف يقول. لان الشيء الوحيد الذي كان يمتلكه هو "ذاكرة" بلا عقل. من هنا ثقوبها المليئة بإمكانية تمرير كل شيء. وهي صفة جعلته مناسبا ومقبولا ومحببا للأموية حتى موته.

***

 

ميثم الجنابي

 

 

وجاءت عقيدة التوحيد على لسان يوسف الصديق (ع) صافية نقية خالية من شوائب الشرك، كما يصورها القران الكريم:

(اني تركت ملة قوم لايؤمنون بالله وهم بالاخرة هم كافرون، واتبعت ملة آبائي ابراهيم واسحق ويعقوب، ماكان لنا ان نشرك بالله من شيء، ذلك فضل الله علينا وعلى الناس ولكنّ اكثر الناس لايشكرون، ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير ام الله الواحد القهار، ماتعبدون من دونه الا اسماء سميتموها انتم واباؤكم ماأنزل الله بها من سلطان، ان الحكم الا لله امر ان لاتعبدوا الا اياه ذلك الدين القيم ولكنّ اكثر الناس لايعلمون) . (15) .

معتقدات المصريين في زمن يوسف (ع)

كان المجتمع المصري في زمن يوسف (ع)، مجتمعا وثنيا، يعبد الهة عديدة، وان كان النفوذ والهيمنة للاله امون وكهنة معبده، وهذا ماحكاه القران الكريم في حوار يوسف (ع) مع السجينين: (ياصاحبي السجن اارباب متفرقون خير ام الله الواحد القهار) . وهذا لايعني انهم لايعرفون خالقا اوحداً للكون والوجود، فقد ذكر القران الكريم عن عرب الجاهلية المشركين: (ولئن سالتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله) .

 وقد ذكر ابن كثير في قصص الانبياء، ان اهل مصر يعرفون الله غفارا للذنوب، وهذا نص كلامه: (ان اهل مصر يعلمون ان الذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده .. لاشريك له في ذلك). (16)

 ويعلق الدكتور نديم السيار على كلام ابن كثير بقوله: (وهذه المقولة بيان واضح صريح بان اولئك المصريين القدماء في زمن يوسف (ع) كانوا موحدين غير مشركين). (17) .

 ونحن لانرى فيما قاله الدكتور نديم السيار دليلا على توحيد المصريين وعدم شركهم، كما مرّ معنا في مثال مشركي العرب الذين كانوا يؤمنون بالله خالقا ويشركون به اصنامهم في العبادة والاستعانة والتقرب اليه، (مانعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى) .

موسى والتوحيد

ذكر القران ايات كثيرة تنطق بتوحيد الله وتنزيهه على لسان موسى الكليم (ع) منها: قوله تعالى على لسان موسى (ع): (ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى) . (18) .، وقوله تعالى على لسان موسى (ع): (انما الهكم الله الذي وسع كل شيء علما). (19) . فلايمكن ان يكون هذا المستوى الرفيع من التوحيد اخذه موسى من اخناتون، كما زعم فرويد . وكذلك قول الله تعالى على لسان كليمه موسى: (وقال ان كنتم امنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين) . (20) .

الانبياء في مصر

ارض مصر تشرفت بقدوم عدد كبير من الانبياء، فقد ذكر ابن اياس قائلا: (قال الكندي في كتابه (فضائل مصر): (دخل مصر من الانبياء ثلاثون نبيا .. منهم ... واسماعيل ابن ابراهيم، نقل ذلك الشيخ جلال الدين السيوطي) . (21) .

النبي ادريس (ع)

وجاء ذكره في القران الكريم: (واذكر في الكتاب ادريس انه كان صديقا نبيا، ورفعناه مكانا عليا) . (22) .، اشهر ماقيل في نسبه: هو ادريس بن برد بن مهلايل، ويسمى اخنوخ، وينتهي نسبه الى نبي الله شيث بن ادم (ع)، وسمي ادريس ؛ لانه مشتق من الدراسة . قيل انه ولد في بابل في العراق، وقيل انه ولد في مصر . (23) .  (وللحديث صلة) .

 

زعيم الخيرالله

.....................

المصادر والمراجع

15- يوسف: الايات: (37-40) .

16- قصص الانبياء، ج1، ص 322 .

17- (قدماء المصريين اول الموحدين)، د. نديم السّيار، ص 91.

18- طه: الاية: 50 .

19- طه: الاية: 98 .

20- يونس: الاية: 84 .

21- (بدائع الزهور)، ص 129، نقلا عن (قدماء المصريين اول الموحدين)، ص 73 .

22- مريم: الاية: (56-57) .

23- نقلا عن موقع (اهل السنة والجماعة) .

mutham aljanabi2إن إحدى الصفات الجوهرية التي رافقت صعود عثمان بن عفان إلى سدة الحكم تقوم في أن المرجعية الوحيدة الجلية نسبيا آنذاك هي مرجعية الدين والدنيا. كما كانت في الوقت نفسه قابلة للتأويل غير المتناهي بسبب عدم تعين حدودها السياسية. وقد يكون ذلك هو السبب الذي أربك عثمان حالما اعتلى عرش الخلافة لإلقاء خطبته الأولى، بحيث ارتجّ عليه عقله وفؤاده ولسانه فعجز عن الكلام. بل جرى إدراجه إلى جانب "مآثره" الأخرى كونه "أول من ارتجّ عليه في الخطبة!" وذلك لأن عدم تعيين الحدود السياسية لعلاقة الدين بالدنيا بوصفها المرجعية الخفية للقيم النظرية والعملية الإسلامية الأولى، كانت تفسح المجال أمام اجتهاد فردي حر وصريح. وبما أن عثمان لم يكن يتمتع بهذه الصفات، إضافة إلى عمره الكبير الذي بلغ السبعين عند توليه الخلافة، لهذا ارتدّ عليه العمر وبالا، والاجتهاد إرباكا. أما النتيجة المباشرة فهي خطبة مبتورة. فعندما خرج إليه الناس ليسمعوا خطبته، فإنه لم يستطع أن يقول أكثر من عبارة واحدة هي: "أيها الناس! إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء وسيعلّمنا الله!".

لقد كان الرجل بسيطا متواضعا مباشرا لا دجل فيه ولا مخاتلة. وعاش بعدها واستطاع أن يستجمع قواه ويخطب بعد أن تعلم ما لم يتقنه مسبقا. وقد أورد الطبري خطبته التي قال فيها:‏"‏إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه. فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم‏.‏ ألا وإن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور‏.‏ اعتبروا بمن مضى‏.‏ ثم جدّوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم‏.‏ أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعمرّوها ومتعّوا بها طويلا؟ ألم تلفظهم‏؟‏ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها. واطلبوا الآخرة، فإن الله قد ضرب لها مثلا والذي هو خير مثال، فقال (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تدروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا"[1]‏.

‏ ولا شيء في هذه الخطبة يمس الحياة والدولة والسياسة والعلاقة بالأمة أو علاقتها به. كما لا تحتوي على فكرة قانونية أو مشروع مستقبلي أو ترتيب للأولويات الكبرى. باختصار أنها اقرب ما تكون إلى كلمات العجائز أمام صغارهن، بوصفها عبارات محكومة بالحديث عن الأمور البديهية والشائعة كما لو أنها اكتشافا. وعادة ما تنسى هذه الذهنية أو تتناسى اشد الأمور جلاء أمام ذكريات الطفولة. ولا طفولة اقوي بالنسبة للذهنية التقليدية من علاقات "الدم". ففيها تتراكم حكايات الزمن الماضي وتأملات الأيام القادمة، وذلك لأن الوعي الذي يربطها لا علاقة له بالخيال المبدع. من هنا تصبح العلاقة بالأقارب مصدر كل شيء. وقد ميزت هذه الصفة شخصية عثمان بن عفان. وفيها يمكن رؤية سرّ مأزقه اللاحق وتعرضه لقتل الانتفاضة الإسلامية الأولى ضد السلطة.

فقد حوّل عثمان السلطة إلى بداية ونهاية الخلافة. من هنا إمكانية تطويع كل شيء لخدمتها. وليس مصادفة أن يقول مرة عندما اعترضوا على تصرفه الشخصي بالمال العام، بأنه خليفة! وبالتالي لم لا يحق له القيام بما يراه ويريده ويرغب فيه؟! وهو موقف يمكن إعادة ترتيب عبارته بطريقة أخرى تقول "أنا خليفة! إذن يحق لي القيام بكل ما أريده". لقد جعلت هذه الرؤية من الخلافة سلطة محكومة بالرغبة الشخصية بوصفها حقا، قلبت بصورة عاصفة حقيقة الفكرة الإسلامية والخلافة ومعناها الروحي والسياسي والتاريخي. إذ لا تعني "أنا خليفة، إذن يحق لي كل شيء"، سوى تحويلها إلى سلطة محكومة بالإرادة الشخصية والرغبة الفردية. وبما أن إرادة عثمان الخاصة لا عموم فيها لغيرها، من هنا فقدان الأبعاد الوجودية والروحية العامة المميزة للوحدانية الإسلامية في أبعادها المادية والمعنوية. وهنا يكمن جذر الانحراف التاريخي الهائل للخلافة، وكذلك منظومة القيم الأولية المتراكمة عن فكرة الدولة والسلطة بوصفها رشيدة راشدة. واتخذ هذا الانحراف هيئة "المنظومة المتجانسة" في ميادين العادات والعبادات، أي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والروحية. بحيث تحولت علاقات "الدم" والقرابة إلى الرابط الفعلي للتحكم. وهو سلوك ينبع من شخصية عثمان لا من رؤية سياسية مقصودة.

ومن الممكن أن نتخذ من قضية الوليد بن عقبة مثالا نموذجيا بهذا الصدد، لما له من أثر كبير في النقمة على عثمان. فقد جرى تولية الوليد بن عقبة واليا على الكوفة بعد المشاجرة التي حدثت بين الصحابيين سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود. فقد كان سعد بن أبي وقاص واليا على الكوفة في زمن عمر بن الخطاب. وعزله لأمور اتهم بها منها انه لا يحسن الصلاة، وأن الصيد يلهيه، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية‏.‏ لكنها "تهم لم تثبت". مع أن المشاجرة اللاحقة بينه وبين عبد الله من مسعود تكشف عن طبيعة الأبعاد الواقعية لهذه التهم. وليس اعتباطا أن يعزله عمر بن الخطاب ويولي عوضا عنه المغيرة بن شعبة. فلما ولي عثمان أقرَّ المغيرة بن شعبة على الكوفة لمدة سنة واحدة، ثم عزله واستعمل سعد بن أبي وقاص من جديد ثم عزله بسبب المشاجرة المذكورة أعلاه بينه وبين عبد الله بن مسعود. وسببها يقوم، كما تنقله لنا كتب التاريخ والسير، في استقرضه مالا من بيت المال عندما كان عبد الله بن مسعود مسئولا عنه. وعندما حان الوقت طالبه عبد الله بن مسعود بإرجاع المال، فإن سعد هدده وعيرّه قائلا:

- هل أنت إلا ابن مسعود عبد من هذيل‏؟‏‏!‏

- أجل والله! إني لابن مسعود وإنك لابن حمينة‏!

وشبت معركة كلامية بينهما انتهت بقطيعة، عزل بأثرها سعد بن أبي وقاص للمرة الثانية. وعوضا عنه، كما هو الحال في أماكن وأحوال عديدة أخرى، ولى عثمان أقاربه. إذ عيّن عوضا عنه الوليد بن عقبة. وهو أخو عثمان بن عفان لأمه. وكان معروفا عنه الظرف والمجون واللهو. وقد كانت تلك صفات تعادل بمعايير المعاصرة تحرره من قيود التزمت الديني والرياء الأخلاقي، لكنها صفات حالما تصبح جزء من السلطة وشخصياتها، فإنها تتحول بالضرورة إلى كارثة كبرى. إضافة لذلك، إن تاريخه "الروحي" يتميز بمعايير الإسلام الأول بصفات سيئة. فمن المعروف عنه أن أبوه عقبة ابن أبي معيط وضع سلا الجزور على ظهر النبي وهو ساجد. كما كان معروفا عنه عداءه الشديد للنبي محمد والإسلام. أما الوليد نفسه فقد أسلم يوم الفتح. كما أنه الشخص الذي "نزلت به" الآية القرآنية (أن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)، أي تصويره بالفسق. وذلك بسبب أن النبي محمد بعثه مصدقًا إلى بني المصطلق فعاد وأخبر عنهم أنهم ارتدوا ومنعوا الصدقة. أما في الواقع فإنه خاف من خروجهم الجماعي إليه إذ توجس منهم شرا!! وانكشفت حقيقة الأمر حالما بعث إليهم النبي محمد خالد بن الوليد[2]. إضافة لذلك إنه كان متهما بشرب الخمر. وتروى عنه الحادثة الطريفة التالية، كيف أنه سكر وصلى الصبح بأهل الكوفة أربعا! ثم التفت إليهم وقال‏:أزيدكم‏؟‏ وشهدوا عليه عند عثمان، فأمر عليا بجلده، فأمر علي جعفرا فجلده[3]‏.‏ وترتب عليها عزله عن ولاية الكوفة.

أخذت هذه العملية بتوسيع وتعميق فكرة وأنموذج السلطة في سلوك الولاة والخلافة لا فكرة الدولة. لهذا حالما يصل والي الكوفة الجديد سعيد بن العاص، فإن أول ما قام به هو طلبه قبل إلقاء الخطبة بغسل المنبر قائلا: اغسلوا هذا المنبر! فإن الوليد كان رجسا نجسا! ولم يصعده حتى غسل. وبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال‏‏:‏"والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ولكني لم أجد بدا إذا أمرت أن ائتمر! إلا أن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها والله لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني، وإني لرائد نفسي اليوم!‏"[4]‏‏. ولازم هذا التهديد بني أمية إلى أن أنهك قواهم. غير أن المعارك الصغيرة التي ابتدأت بالوليد بن العقبة سوف لن تنتهي إلا بمقتل عثمان، بوصفها الجولة التاريخية الكبرى التي جعلت من السلطة محور الخلافة. لقد كانت خطبة سعيد بن العاص إنذارا وتهديدا. أنها على عكس ما في شخصية الوليد بن عقبة، لكنهما يكملان احدهما الآخر في وعي وإحساس الجمهور الكوفي (العراقي) لأنهما وجدا فيهما تخليفا لا على حق.

فقد كان أهل الكوفة (العراق) وغيرهم يتحسسون ويدركون طابع العلاقة والقرابة في تعيين الولاة الجدد في كل مكان مع وجود من هو أفضل وأنقى وأعقل وأصلح وأصدق منهم. مما جعله مصدر التذمر، الذي يعادل من حيث الجوهر معارضة الخروج على منطق العقل والحق. مما أدى إلى تراكم نفسية وذهنية الروافض، أي القوة الأكثر اجتماعية وإنسانية ودفاعا عن مبدأ العدل والعدالة والحق. وفيها أيضا كانت تتكامل فكرة التحزب السياسي والفكري والدعوة للانتفاض. وليس مصادفة أن يكتب سعيد بن العاص الأموي إلى عثمان كتابا يقول فيه‏:‏‏"‏إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات السابقة. والغالب على تلك البلاد روادف قدمت وأعراب لحقت، حتى لا ينظر إلى ذي شرف وبلاء من نابتتها ولا نازلتها‏"‏.

بعبارة أخرى، لقد وجد هذا الأمير الأموي الجديد في الجمهور الكوفي رعاعا وغوغاء (أو روادف قدمت وأعراب لحقت) لا يحترمون كثيرا "ذوي الشرف والبلاء". وتعكس هذه المواقف طبيعة "العلاقة الإسلامية" الجديدة بوصفها جاهلية قبلية وعائلية لا علاقة لها بفكرة الأمة ومساواتها أمام القانون كما وضع الإسلام الأول أسسها ومرجعياتها الكبرى. وقد أيّد عثمان هذا الموقف في رده قائلا:"‏أما بعد، ففضل أهل السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها بسببهم تبعا لهم، إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به. وأحفظ لكل منزلته. وأعطهم جميعا بقسطهم من الحق‏.‏ فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل‏‏‏". لكنه موقف متذبذب. بمعنى انه يحتمل تفسيره بمعايير السلطة البحتة والقانون. وذلك لأنه يحتوي بقدر واحد على الاثنين. غير أن المزاج العام للعائلة الأموية التي أخذت تتركز في مرافق السيطرة في كل مكان أدت إلى سيادة فكرة السلطة. وبالتالي تحويل القيم والمفاهيم والمبادئ بما فيها "مأثرة" جمع القرآن وتوحيد قراءته التي قام بها عثمان، إلى جزء من بسط السلطة الموحدة بالعائلة والقرابة وليس بالكفاءة والحق. من هنا سياسة الوالي الجديد للكوفة المتوجهة صوب "وجهاءها" من اجل كسبهم، ومن خلالهم إخضاع البقية الباقية. فقد جمع سعيد بن العاص وجهاء الناس من أهل الأيام والقادسية وخاطبهم قائلا:"‏أنتم وجوه من وراءكم‏!‏ والوجه ينبئ عن الجسد! فأبلغونا حاجة ذي الحاجة، وخلة ذي الخلة، وأدخلوا معهم من يحتمل من اللواحق والروادف‏"‏‏[5].

إننا نقف هنا أمام آلية جديدة في تعامل السلطة مع المكونات الجديدة للإمبراطورية. بمعنى استعادة وبعث الجاهلية القبلية. لكن مفارقة الظاهرة تقوم في أن الخليفة عثمان لم يعمل في الواقع إلا على استعادة جاهلية جديدة ولكن بمعايير السلطة. وقد هزّ هذا الانتقال العاصف أعطاف الدولة وجعل من الانتفاض أمرا طبيعيا وضروريا. وكل فعل تقوم به السلطة يصب أساسا في إذكاء النار المحترقة تحت رماد المدن الجديدة المتراكمة من هؤلاء "الروادف والأعراب"، بوصفهم قوة الصعود البشري والاجتماعي والفكري الجديد للأمة الإمبراطورية. فقد جعل والي الكوفة الجديد سعيد بن العاص من القراء (أو القصاصين) جزء من سمره الليلي. وهي خطوة ملازمة لصيرورة الدولة والإمبراطورية. لكنها أدت، شأن كل عملية كبرى ومعقدة إلى أن تصبح ليس فقط وسيلة الترفية الارستقراطي، بل وأداة الانتقال الخاطف للأفكار والقيم والمفاهيم والقيل والقال. لهذا فشت المقالة في أهل الكوفة! وليس مصادفة أن يرى فيها عثمان بن عفان بداية نشوء الفتن. بعبارة أخرى، إن السلطة بدأت تتحسس في مقالات الناس وآراءهم وسمرهم الليلي حول الحكايات والنوادر والقصص مصدر الخطر الجديد. إذ لا لذة أشد وأقرب إلى قلوب الناس عامة من استهداف السلطة وترفها. مما جعل منها وقود الاستياء، التي كانت سياسة عثمان بن عفان تشحنها بقوة لا تهدأ كما لو أنها تتلذذ بمعاييرها الخاصة: الفقراء يشكواهم والأغنياء بثرواتهم! واستعملت السلطة كل الأساليب الممكنة بما في ذلك شراء الذمم، كما فعل عثمان عندما اشترى لأهل الحجاز واليمن أراضي وتوزيعها عليهم بما يقابلها في أماكنهم. ذلك يعني أنه أراد حماية سلطته الجديد بقوة المال والبشر المنتفعة بتوزيع العطايا الصغيرة عليهم على حساب المناطق النائية.

 غير أن ما ينفع الحجاز لا ينفع بالضرورة وحدة الدولة الناشئة. كما إنه لا يشكل بحد ذاته ضمانة لتعزيز السلطة واستحسان أفعالها. على العكس. لقد تحولت هذه السياسية الآخذة في الرسوخ إلى عامل إثارة عنيفة. لهذا كثرت الشكوى والاعتراض والهجاء والنقد. وقد تكون الأبيات التالية الصيغة العادية التي اختزلت معالم الاعتراض والنقد الواسع الانتشار بين أهل الكوفة، والقائلة:

بلينا من قريش كل عام أمير محــدث أو مستشار

لنا نار نخوّفهـا فنخشى وليس لهم فلا يخشـون نار

ويحتوي هذا الموقف النقدي بقدر واحد على أبعاد سياسية وأخلاقية نابعة من القلب. فأهل الكوفة يتأملون الوافدين عليهم باسم الإسلام ولا إسلام فيهم غبر الخضوع للسلطة ومزاجها. وقد كان هذا التكرار والتنوع والتعدد يصب في اتجاه واحد، ألا وهو خلوه من نار الروح الأخلاقي. فإذا كانت نار أهل الكوفة هي نار ذاتية أخلاقية، فنار أهل السلطة برودة القلب القارصة. وأدت هذه الرؤية، على خلفية تراكم الرذيلة السياسية والأخلاقية والانحطاط الروحي الذي ميز خلافة عثمان، إلى تعميق وتوسيع وتنظيم فكرة الاحتجاج السلمي والعنيف. وحدد هذا الاتجاه مسار الدولة والسلطة، التي تحولت في زمن عثمان وبأثر سياسته إلى قوى مغتربة ومتصارعة ومتضادة. فقد كانت مرحلته بداية الفساد والإفساد الشامل، يمكن العثور على صداها في التراكم السريع للاحتجاج الاجتماعي الذي تجسد مرة في شخصية عامر بن عبد الله التميمي، الذي أرسله جمهور المسلمين بعد أن تذاكروا أعمال عثمان. حيث اجتمع رأيهم على إرسال احدهم يكلّمه ويخبره بما يروه فيه. وقد جرت المحادثة بينهما كما ترويها كتب التاريخ بالشكل التالي:

- إن ناسا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما، فإتق الله عز وجل، وتب إليه، وانزع عنها‏.‏

- انظروا إلى هذا!فإن الناس يزعمون أنه قارئ؟! ثم هو يجيء فيكلمني في المحقَّرات، فوالله ما يدري أين الله‏!

- أنا لا أدري أين الله‏؟‏!

- نعم، والله ما تدري أين الله‏!‏

- بلى والله! إني لأدري أن الله بالمرصاد لك!!‏[6].‏

لقد كان جواب التميمي مباشرا عميقا بديعا دقيقا مفحما ممتلئا بالإخلاص لقيم المروءة والحق والعدالة. لكنه يبقى ثانويا مقارنة بما فيه من انفصام منظومي عميق بين قوى السلطة والدولة، وتهشم المعنى الروحي للخلافة. فالتميمي يتكلم باسم المسلمين الذي اجتمعوا ونظروا بعقولهم وأفئدتهم وتقدموا بآراء بمواقف مهمتها تعديل الأمور والتوبة والكفّ عن أعمال يعتقدون أنها منافية لمضمون الفكرة الإسلامية. وكانت هذه المواقف أقرب إلى النصيحة السياسية بوصفها التزاما وواجبا دينيا من جانب المسلمين تجاه ولاة الأمور. وعوضا عن الإجابة عليها نقف أمام تحريف للكلام ومضمونه وحرفه صوب انطباع شخصي لا معنى له ولا قيمة. فعثمان يردد ما سمعه عن مهنة الذي يواجهه كما لو أنها مهنة حقيرة. وليست مهنة القارئ سوى المثقف بالمعنى المعاصر للكلمة! لكنه انطباع يكشف عن المواجهة الأولية بين السلطة والمثقفين، بوصفهم القوة القادرة على قراءة الكتاب والواقع. وإذا كان سؤال عثمان يعني بالنسبة له أن معرفة الله تجعل المرء عفيفا من أن يواجه عثمان بالمحقرّات، فإن مضمونه الواقعي يشير إلى مستوى الاغتراب التام للسلطة عن حقيقة القيم والمفاهيم. لاسيما وأن رفع النفس إلى مصاف القيمة المطلقة تتجافى مع أبسط مقومات الواقع والحقيقة والفكرة. غير أن عثمان كان يفهم من سؤاله معناه المباشر. وعندما استغرب التميمي سؤال عثمان، فإن الأخير تشجع للدرجة التي جعلته يتمادي في سؤاله المباشر. وجاء الجواب بطريقة مباشرة وأقرب إلى الحدس في دقته وعمقه: إن الله له بالمرصاد!

وبينما كان التميمي ينقل الله من المكان إلى مستوى القيمة الروحية والأخلاقية والحقوقية المتسامية، فإن عثمان بن عفان يجهد نفسه للبقاء ضمن نفسية السلطة المغتربة عن فكرة الدولة والحق العام. بل لم تخل حتى محاولات "رجوعه للحق" من مناورة محكومة برخاوة الشخصية وضعفها. وليس مصادفة أن نراه يستغل كل الإمكانيات بما في ذلك استطلاع الأخبار والتأثير عليها بطريقة "الاتصالات العامة" الحديثة من خلال استغلال الموقع السياسي وثروات الأمة. فقد كتب، على سبيل المثال، في رسائله التي وجهها إلى مختلف الأمصار، بأنه سوف يأخذ العمال بموافاته كل موسم. وأنه سيعمل حسب قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبالتالي فإنه لا يرفع عليه شيء ولا على أحد من عماله إلا وأعطاه. وليس له ولعياله حق قبل الرعية إلا وهو متروك لهم. وإن أهل المدينة قد اخبروه بأن أقواما يشتمون ويضربون، فمن ادعى شيئا من ذلك فليوافيه الموسم يأخذ حقه سواء كان ذلك منه أو من أحد عماله. وهي مبادئ ومواقف ضمنّها اغلب رسائله العامة. مما أثارت استحسان الناس. لكنها كانت ظاهرية المظهر دهائية الباطن. إذ رافق هذه العملية الموجهة للجمهور سلوكا مبطنا أو داخليا موجها لعماله وذوي الرأي والمشورة، ممن يتمتع بتأثير مادي ومعنوي في الدولة. ومن الممكن نقل إحدى الصور المعبّرة بهذا الصدد، التي اشترك فيها من عماله كل من سعيد بن العاص (والي الكوفة السابق) ومعاوية بن أبي سفيان (والي الشام) وعمرو بن العاص (والي مصر السابق) وعبد الله بن عامر. فكانت مواقفهم ونصائحهم السياسية في بداية الأمر هي كالتالي: اعتقد سعيد بن العاص، بأن من الضروري إتباع سياسة التحضير السري للمواقف والأفكار من خلال رميها عند من لا يعرفها لكي تكون الشغل الشاغل للمعارضة في أحاديثهم. أما عبد الله بن سعد‏ فقد اقترح أن يقايض العطاء بالأخذ، بوصفها سياسة أفضل من أن يجري ترك الأمور تجري على مجاريها. في حين اقترح معاوية سلوك ما اسماه بحسن الأدب معهم. أما عمرو بن العاص، فقد اعتقد، بأن عثمان قد لان كثيرا وتراخى عنهم. من هنا مطالبته إياه بأن يسلك سلوك عمر وأبي بكر من الشدة في موضع الشدة، واللين في موضع اللين. وربط التشدد تجاه من لا يألو الناس شرا، أما اللين فتجاه من يخلف الناس بالنصح. ‏وإذا كانت هذه الآراء والمواقف معقولة ومقبولة بمعايير الرؤية السياسية، فإن حقيقتها تكشفت حالما اشتدت الأزمة وظهرت إمكانية تعرضهم لنفس خاتمة عثمان. ففي لقاء آخر يجمع عثمان مع عبد الله بن عامر ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن سعد وعمرو بن العاص نسمع مواقف أخرى أكثر تشددا وخبثا. فقد وضع عثمان السؤال بطريقة أخرى تجمع بين النصيحة والمواجهة السياسية للجميع. حيث قال: صنع الناس ما قد رأيتم وطلبوا إليَّ أن أعزل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون فاجتهدوا رأيكم وأشيروا عليَّ‏"‏‏.‏ فقال له عبد الله بن عامر:"رأيي يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمهرهم في المغازي حتى يذلّوا لك فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه، وما هو فيه من دبرة دابته وقمل فروه‏"‏‏. واقترح معاوية أن يرد عماله على الكفاية لما قبلهم وهو يضمن له نفسه. في حين أجاب عبد الله بن سعد:"إن الناس أهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف عليهم قلوبهم‏"‏‏. أما عمرو بن العاص فقال:"‏أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعدل! فإن أبيت فاعتزم أن تعتزل! فإن أبيت فاعتزم عزما وأمض قدما‏"‏‏.‏ عندها قال له عثمان:"‏ما لك! قمل فروك!‏‏ أهذا الجد منك‏؟!‏‏"‏‏.‏ فسكت عمرو حتى إذا تفرَّقوا قال‏ له:‏‏"‏لا والله يا أمير المؤمنين! لأنت أعز عليَّ من ذلك‏.‏ ولكني قد علمت أن سيبلغ الناس قول كل رجل منا، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي، فأقود إليك خيرا أو أدفع عنك شرا‏"‏‏[7].‏ (يتبع...)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] ‏‏الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص 589-590.

[2] ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 2، ص476‏‏‏.‏

[3] ‏السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 123‏‏.

[4] ‏ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص5.

[5] ‏‏ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص5.‏‏

[6] الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج 2،ص 643- 645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص 39-42‏.

[7] الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج 2،ص643-645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص39- 42‏.

 

jafar alhakeemالسريالية كلمة فرنسية الأصل وتعني (ما فوق الواقع) وهي تعبير عن مكنونات العقل الباطن بطريقة يعوزها النظام والمنطق، وهي منهج ثقافي في مجالي الأدب والفن الحديث، وتعتبر طريقة من طرق الابداع في نطاق الفن والادب

لكن هذا المنهج يتحول الى وسيلة لتسويق الوهم، حين يستخدم في نطاق شرح او تأويل نصوص لها علاقة مباشرة بالمعتقدات والتفسيرات اللاهوتية.

يستعرض العهد القديم من الكتاب المقدس، في اول اسفاره والموسوم بسفر (التكوين) قصة الخلق، ابتداءا من خلق الارض والسماء، ومن ثم خلق الحيوانات والنبات، وخلق الانسان الاول، بجنسيه الذكر والانثى، ثم يتسلسل بسرد قصة أول خطيئة للإنسان، وطرده من جنة عدن، ويستمر السفر في سرديته، التي تصف تسلسل الأحداث التي واجهها (ادم و حواء) وابنائهم على الارض لاحقا.

إن القارئ لسفر التكوين، وخصوصا اصحاحاته الثلاثة الاولى، سيتعرف بلا ادنى شك على طفولية الفكر الإنساني في تلك الفترة التاريخية المبكرة، حيث تطغى الصبغة البدائية على التصورات الساذجة لمنظومة الأفكار والمعتقدات التي حاول كاتب او كتبة هذا النص تأصيله! (البعض ينسب كتابته الى موسى والبعض ينسبه لعزرا الكاتب بلا دليل تاريخي موثوق).

وبعد مرور مئات السنين، ومع تحول هذه السردية الى نص مقدس، اصبحت امام اللاهوتيين المتصدين لشرح ونشر العقيدة المستندة الى هذا النص مشكلة كبرى! فهذه النصوص بما تحويه من تصورات بدائية في المخيال الطفولي للمدونين، اصبحت لا تتوائم مع تطور الفكر الانساني ونضوج الوعي واتساع المدارك والتصورات المستندة الى الحقائق، فكان لزاما والحال هذه، ان يلجأ اللاهوتيون الى اسلوب ومنهج جديد، من اجل ادامة زخم القداسة والفخامة الاعتبارية لتلك النصوص، وبناءا عليه، تم استحداث ما يعرف بـ(الهرمنيوطيقا)

ان منهجية تفسير النصوص، موجودة في كل الاديان التي تستند الى نصوص مقدسة، لكن ما يميز التفسيرات اللاهوتية للنصوص التي تتعاطى معها المسيحية بالذات (الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد) هو استغراقها في الخيالية السريالية، وتحميل النصوص معاني وتأويلات، لا تحتملها، مع عدم الخضوع لأي ضابط منطقي او فلسفي، وبلا اي اعتبار لظواهر تلك النصوص!

في هذا المقال، سنستعرض الإصحاح الثالث من سفر التكوين، كدليل على الكلام المتقدم، مع الاشارة الى اهمية هذا السفر، لأنه يؤسس لتأصيلات مهمة جدا في العقيدة المسيحية، مثل خطيئة الانسان الاول، والعلاقة بين الإنسان والشيطان، وهذه التأصيلات سوف تستند عليها العقائد الرئيسية للمسيحية، مثل عقيدة الفداء والتجسد.

وادعو جميع القراء، الى قراءة هذا الاصحاح، ليس فقط، من اجل اهميته المذكورة أنفا، وانما ايضا، لما يحتويه هذا النص من طرافة ممتعة، نتيجة غرابة التناقضات التي يحتويها !

بعد ذكر قصة خلق السماء والأرض، وخلق الإنسان الأول، وزوجته، واسكانهم في جنة عدن، وبعد ان طلب الله منهما ان لا يأكلا من احدى الاشجار، لان العقوبة على هذا العمل ستكون الموت.

يبدأ الاصحاح الثالث من سفر التكوين، بذكر (الحية) ويصفها بأنها (احيل) جميع الحيوانات البرية المخلوقة، ثم يتطرق الاصحاح الى قضية اغواء الحية للمرأة، وتشجيعها على الأكل من الشجرة المحظورة، بعد ان اخبرتها، بان هذه الشجرة سوف تجعلهما يميزان بين الخير والشر، وانهما لن يموتا في حال أكلا من تلك الشجرة.

اكلت المرأة من ثمر الشجرة، وأعطت رجلها، فأكل هو الآخر، فكان العصيان الاول للامر الالهي!

وفورا، انفتحت عيونهما، وادركا انهما عراة، فحاولا ان يسترا نفسيهما باوراق الاشجار، وبعد ذلك...

(وسمعا صوت الرب الاله ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبا ادم و امراته من وجه الرب الاله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الاله ادم و قال له اين انت؟!!!!

فقال سمعت صوتك في الجنة فخشيت لاني عريان فاختبأت

فقال من اعلمك انك عريان هل اكلت من الشجرة التي اوصيتك ان لا تاكل منها؟!!!) سفر التكوين 3

وبعد ان اكتشف الاله، حدوث الخطيئة، أقام ما يشبه المحاكمة الفورية السريعة، لشخصيات الحدث الثلاثة فكانت عقوبة الحية

(لانك فعلت هذا ملعونة انت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية على بطنك تسعين و ترابا تاكلين كل ايام حياتك)

وعقوبة المرأة ...( تكثيرا اكثر اتعاب حبلك بالوجع تلدين اولادا والى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك!!)

اما الرجل، فكانت عقوبته ان الارض اصبحت ملعونة بسببه، وان سوف يحيا عليها، بالتعب والكد من اجل تحصيل لقمته

ويذكر النص ايضا، ان الاله قرر ان يجعل عداوة ابدية بين نسل الحية ونسل المرأة، وهذا القرار الالهي سوف نتوقف عنده مليا في المقال القادم، لانه يمثل اولى النبوءات، المتعلقة بيسوع المسيح حسب التفسير المسيحي لهذه القصة!!

و من خلال استعراض تسلسل احداث الاصحاح الثالث، سنكتشف تناقضات طريفة وغريبة!

على سبيل المثال، نجد ان الحية كانت صادقة حين اخبرت ابوينا عن طبيعة الشجرة، وانهما لن يموتا اذا اكلا منها!

وقد تحقق بالفعل، ما قالته الحية، حيث اصبحا عارفين للخير والشر، ولم يموتا بعد ان أكلا من الشجرة

وهنا نجد المفسرين، قد وقعوا باضطراب وحيرة، فقام كل فريق بمحاولة ايجاد تفسير مغاير لمعنى الموت الوارد في النص

بعض المفسرين، حاول التبرير، بان المعنى هو ان الموت سيكون النتيجة النهائية للانسان، وانه بعصيانه الأمر قد تم حرمانه وذريته من الخلود في الجنة!

وهذا القول مردود، وغير صحيح، لان نفس النص المقدس، يخبرنا، بان الإله قرر طرد ابوينا من الجنة لانهما اصبحا يعرفان الخير والشر، وانهما قد يأكلان من شجرة الخلود فيصبحا خالدين مثل الاله!!!

 (وقال الرب الاله هوذا الانسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر والان لعله يمد يده وياخذ من شجرة الحياة ايضا و ياكل و يحيا الى الابد!!) تكوين 3/22

بعض المفسرين، اضطروا للخروج من هذه الاشكالية، الى تفسير الموت الوارد بالنص على انه موت روحي!!

وهذا تأويل متكلف، لا يحتمله ظاهر النص، وان كان فيه هروب من المأزق!

ونجد ايضا في النص، امر اخر، لافت وغريب، وذلك فيما يخص عقوبة المرأة، حيث نجد ان القرار الإلهي جعل لعنة العقوية على المرأة أبدية، وشملت أوجاع ومعاناة الحبل والولادة، وكذلك ستتسبب لعنة العقوبة بجعل المرأة في حالة اشتياق دائم الى الرجل( وليس العكس!) وان الرجل سيكون سيدا ابديا عليها !

ونلاحظ هنا، ان هذه العقوبة او اللعنة لم تقتصر فقط، على (حواء) وانما امتدت لتشمل كل النساء اللواتي من نسلها (رغم أنهن لم يقترفن الذنب) ونلاحظ ايضا، ان هذه العقوبة جاءت في صالح الرجل في بعض جوانبها !!

ومع استعراض محاكمة وعقوبة شخصيات الحدث( الحية، المرأة والرجل) يبرز هنا تساؤل مهم جدا وهو:

اين الشيطان في القصة التي تمثل الحدث الأخطر في تاريخ البشرية؟!

القارئ لنصوص الأصحاحات الاولى لسفر التكوين، لن يجد أي ذكر للشيطان، حتى في قصة خطيئة الإنسان الاولى، والتي تسببت في طرده من الجنة، ليس هناك اي ذكر او اشارة للشيطان!!

حيث يذكر النص بشكل واضح وصريح ان الحية هي السبب في غواية الانسان، وانها نتيجة لذلك نالت عقوبتها!!

ان هذا التساؤل المهم جدا، دفع اللاهوتيين الى البحث عن تأويلات سريالية لغرض تفسير هذا الخلل الواضح في القصة!

ولم يجدوا حلا، الا من خلال الادعاء بأن الحية هي مجرد رمز للشيطان!

ان هذا التفسير اللاهوتي، قد اوقع اصحابه في مأزق أكثر حراجة وضيقا من المأزق الاصلي!

فلو قبلنا ان (الحية) المذكورة في القصة، هي مجرد رمز للشيطان، وليس المقصود منها ذلك الحيوان المسكين!

ولو قبلنا ايضا، تفسير بعضهم، ان الشيطان قد تسلل للجنة متجسدا بشكل الحية، ولم يعلم الاله بهذه الخدعة!

فكيف يفسر لنا اللاهوتيون، حقيقة ان الافعى( الحية) هي التي اكلت العقوبة، ولا زالت الى يوم الناس هذا تأن تحت وطأتها!

فحيوان الافعى (الحية) لا زالت تزحف على بطنها، ولم يخبرنا الكتاب المقدس، كيف كانت الحية تسير قبل هذه الحادثة؟

هل كانت تطير مثلا؟ او كان لها أقدام تمشي عليها؟ قبل ان يعاقبها الاله بالزحف وأكل التراب !!!

وعندما يرجع القارئ الى تفسيرات اللاهوتيين المسيحيين لهذا النص (القدماء منهم والمعاصرين) سيجد تشكيلة عجيبة من التنطعات التأويلية من اجل اضفاء واقعية عليه وجعله يتسم بالمصداقية التي تتسق مع العقل والمنطق والحقائق!

فمثلا، عندما يتطرق المفسرون الى خرافة ان عقوبة الحية هي ان تأكل التراب طوال عمرها!

نجدهم يحاولون ايجاد مخرج لهذه الخرافة الغير قابلة للتصديق، فتارة يقول بعضهم ان المعنى هو ان الحية تأكل طعامها مخلوطا بالتراب!...وكأن بقية الزواحف لا تأكل طعامها الا بعد ان تغسله بالماء والصابون!!

وتارة اخرى، يقول اخرون، ان معنى التراب هنا هو اقتراف الاثم! من غير ان يوضح اي اثم يرتكبه حيوان الافعى بزمننا!

وسواء قبلنا ان المقصود ب(الحية) هو الشيطان او قبلنا ان المقصود هو الافعى (الحيوان)، تبقى الحقيقة الطريفة في هذه القصة التوراتية، ماثلة و لاتتأثر، وهذه الحقيقة تتلخص في ان الشيطان (الفعلي) نجا من العقوبة، وخرج من القصة سالما

بعد ان لبست (الحية) بدله، التهمة، وحملت العقوبة الى الابد!

وأمام حقيقة تناقض هذا النص وبدائية فكرته المستندة على تصورات ومشاهدات ساذجة، تعامل اللاهوتيون المسيحيون مع هذه الاشكالية، على طريقة الهروب للأمام، من خلال إضفاء تفسيرات سريالية باهتة، في محاولة لإضفاء نوعا من الإيحاء الرمزي بمعاني باطنية عميقة، لكي يستفيدوا منها في تركيب احجار البناء العقدي للايمان المسيحي، وتحويل هذا النص الطفولي في الفكرة والبناء، الى أساس لعقيدة مبنية على خيال مغلف بقداسة مصطنعة، قائمة على تلاعب باللفظ والمعنى!

وللحديث صلة….

 

حوارات في اللاهوت المسيحي (27)

د. جعفر الحكيم

 

 

mutham aljanabi2هو كعب بن ماتع الحميري. توفي عام 34 للهجرة. أصوله من يهود حمير اليمنيين. اعتنق الإسلام زمن عمر بن الخطاب وتحول بفعل قربه من السلطة وثقافته النسبية (التوراتية) إلى شخصية مؤثرة آنذاك. وهي "ثقافة" بسيطة وشفوية. من هنا غلوها في إدخال هذا الكم الهائل من الأساطير التوراتية في الموقف من الأحداث السياسية والدرامية التي مر بها تاريخ الإسلام بعد موت النبي محمد. وهي ظاهرة لقطها المؤرخ الذهبي ووضعه في كتابه (سير أعلام النبلاء)، عندما أشار إلى حالته الغريبة التي جعلت منه وهو "التابعي" أو الذي اسلم في خلافة عمر بن الخطاب، مصدرا لرواية الصحابة مثل أبو هريرة وغيره. أما في الواقع فانه لا غرابة في الأمر. وذلك لأنهما يشتركان ويتكاملان. فقد اسلما في أوقات متقاربة نسبيا. أبو هريرة عام 7 للهجرة، وكعب زمن عمر (ويقال زمن خلافة أبو بكر). وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أصولهم اليمنية، بمعنى التقائهم بالفطرة والمكان والنفسية، و"ذكاء" كعب و"علمه" بوصفه حبرا من أحبار اليهود، وسذاجة أبو هريرة بوصفه ناقلا مباشرا لما يسمعه، فان من السهل معرفة سر ونوعية التأثير المحتمل لكعب الحميري على أبي هريرة.

وليس مصادفة أن يكون اغلب الحديث النبوي الزائف الذي نقله أبو هريرة مشبعا بالفكرة الأسطورية. فقد كان أبو هريرة ضمن هذا السياق مجرد حامل ونقّال. بمعنى انه لا يعبأ بما ينقل. لأن الشيء الوحيد الذي كان يمتلكه هو "ذاكرة" بلا عقل. من هنا ثقوبها المليئة بإمكانية تمرير كل شيء، والإسرائيليات بشكل خاص. وقد لقط ابن كثير (في كتابه تفسير القرآن) الدس التوراتي من جانب كعب الحميري، عندما كتب يقول، بان القصص المروية عن ملكة سبأ وسليمان هي من وضع أهل التوراة مثل كعب ووهب بن منبه، أي أولئك الذين نقلوا ما اسماه ابن كثير بأخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان وما لم يكن، ومما حرّف وبدّل ونسخ.

وليس مصادفة أن يكذبه ابن عباس مرات عديدة في تفسيره للقرآن. بمعنى معارضته لفهم القرآن بمعايير ومفاهيم وصور التوراة. وهي عملية طبيعية بالنسبة لكعب الأحبار، تماما بالقدر الذي لم تكن مثار حساسية دينية. لاسيما وان القرآن يحتوي على "إسرائيليات" عديدة، بوصفها جزء من تراث المنطقة وتقاليدها الدينية والأسطورية. فالأساطير الإسرائيلية جميعا من وحي تراث المنطقة وتاريخها، بمعنى أنها لا نخرج من وادي الرافدين ومصر وفلسطين وفارس. من هنا لم يكن "حشر الإسرائيليات" في الإسلام آنذاك من جانب عبد الله بن سلام ووهب بن منبه وكعب الأحبار فعلا متعمدا بقدر ما انه كان يسري بفعل ثقافتهم الأولية الخاصة.

وفيما يخص كعب الحميري فقد كان تفسيره للقرآن والأحداث بمعايير الرؤية اليهودية يهدف إلى جعل الإسلام نهاية الفكرة الوحدانية والحق. وبالتالي فان "الدس التوراتي" كان بهذا المعنى يهدف إلى البرهنة على أفضلية الإسلام. وهي فكرة يمكن رؤيتها في كل الخطاب الديني والأخلاقي لكعب الأحبار. ومن الصعب توقع مواقف أخرى لكعب الأحبار بهذا الصدد، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار إسلامه المتأخر وهو في عمر تجاوز الثلاثين من العمر، إضافة إلى احترافه الديانة اليهودية بوصفه احد أعلامها و"أحبارها" في اليمن. لهذا لا نعثر في آرائه ومواقفه على استشهاد بالقرآن والحديث مقارنة بما تمتلئ مواقفه وآراءه من التراث الشفوي لليهودية التوراتية.

الأمر الذي حدد رؤيته للماضي والحاضر والمستقبل بوحي خزين تجاربه الدينية والمعرفية. وهو خزين يهودي. لكن مشاعره كانت تميل كليا للإسلام والدفاع عنه كما هو جلي فيما ينقله لنا أبو نعيم الأصفهاني في (حلية الأولياء). وإذا كانت اغلب تصوراته تسير صوب التجسم وإمكانية رؤية الله، فلأنها الرؤية المميزة لليهودية. وهي مكونات تخدم على الدوام جمود الرؤية والمواقف وأسطوريتها، التي عادة ما تكون أداة بيد السلطة بسبب ما في هذه الرؤية من بساطة وتسطيح للوعي. وليس مصادفة أن يصبح كعب الأحبار قريبا ومقربا من السلطة زمن عمر بن الخطاب وعثمان، رغم تباينهما الكبير. وان يحاول معاوية بن أبي سفيان تقريبه منه. وبهذا الصدد تنسب إلى كعب الأحبار فكرة يقول فيها بان مولد النبي بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام! وقد تكون تلك عبارة أطلقها معاوية ونسبها إلى كعب الأحبار. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن كعبا لم يتقرب من معاوية رغم إغواء الأخير إياه. وفضّل أن يعيش في حمص ويموت فيها، قبل مقتل عثمان بسنة واحدة (عام 34 للهجرة).

لقد حبذ كعب الحميري العيش بالقرب من السلطة والابتعاد عن مهمة "الجهاد" الكبرى آنذاك. لهذا لم نسمع عنه اشتراكه في حروب الفتح الإسلامي. لكننا نراه ينهمك في وضع الأفكار السياسية المتلفعة بالخطاب الديني الأسطوري. وهو انهماك جعله قريبا من السلطة في غضون فترة سريعة جدا. فقد اسلم زمن خلافة عمر بن الخطاب وتحول إلى احد المقربين منه. كما احتل هذا الموقع زمن خلافة عثمان بن عفان. وهو تقرب لم يخلو أحيانا من التملق. قد يكون هو السبب الذي جعل بعض كتب التاريخ تنسب إليه إمكانية المؤامرة في مقتل عمر بن الخطاب. وهو تأويل مفتعل. وذلك لان العبارة المنسوبة إليه بهذا الصدد التي كان يقولها لعمر قبل مقتله بأيام بأنه شهيد، لا تعني فيما لو جرى وضعها ضمن تقاليد الرؤية الدينية سوى الصيغة المقدسة لنهاية المرء. وهي فكرة يمكن أن تداعب قلوب المسلمين الأوائل! وإذا كان كعب الحميري يضع هذه الرؤية والمواقف حسب صور التوراة أو أنها "موجودة في التوراة"، فلأنها الصيغة التي تداعب الخيال الإسلامي آنذاك عما دعاه القرآن بعبارات عديدة مثل "موجود في الكتاب" و"مصدق لما بين يديه" وما شابه ذلك. وعدما استغراب عمر بن الخطاب أن يكون شهيدا، فإن جواب كعب الحميري هو "إن صفاتك موجودة في التوراة". وهو نفس الموقف الذي قال به عندما تعرض عثمان لإمكانية القتل. وإذا كان عمر بن الخطاب قد رفض هذا التأويل انطلاقا من انه لا شهادة في ارض العرب، فان عثمان رفضه حبا بالحياة! بينما نرى عمر يعارض فكرة كعب من بناء المسجد شمال الصخرة بحيث تصبح قبل القبلة في التوجه للصلاة. من هنا بناء عمر للمسجد في مقدمة ما يسمى بجبل الهيكل. وحتى في هذا الموقف لا ينبغي فهم رؤية كعب الحميري إلا ضمن سياق محاولة إدخال التوراة في كل موقف، بوصفها الجزء الجوهري من ذخيرته المعرفية والدينية.

إن هذا التناقض الجلي في شخصية كعب الحميري هو الذي جعل منها اشد عسرا بالنسبة لتاريخ الأفراد والأفكار. كما أن الأساطير والحكايات التي حيكت عنه وحوله جعلته اشد تعقيدا بالنسبة لتحديد موقعه الفعلي في الثقافة الإسلامية الأولى وموقع المثقفين من السلطة. أما في الواقع، فقد تمثل كعب الحميري هذا التناقض وعاش معه حتى النهاية. بمعنى دخوله الإسلام بتراثه اليهودي. وعيشه وفعله بمقاييس اليهودية من اجل الإسلام. وكذلك محاولة الجمع بين واقعية الرؤية العربية المتربية بتقاليد الجاهلية وحبكة الرؤية الأسطورية لليهودية. وهو تناقض جعله فريسة السلطة واستحالة الانفكاك عن تأييدها. الأمر الذي أثار حفيظة الوعي الإسلامي الأخلاقي النقدي، بحيث وجد في مواقفه شخصية غريبة عن الإسلام، ومن ثم رده دوما وذكّره بأصوله اليهودية. فعندما أراد عثمان اقتسام أموال عبد الرحمن بن عوف بعد موته، نراه يخاطب كعبا:

-        ما تقول فيمن جمع هذا المال، فكان يتصدق منه، ويعطي في السبيل ويفعل ويفعل؟

- إني لأرجو له خيرا!

عندها غضب أبو ذر الغفاري ورفع العصا في وجه كعب قائلا:"وما يدريك يا ابن اليهودية! ليودّن صاحب هذا المال يوم القيامة لو كانت عقارب تلسع السويداء من قلبه!". وعندما كان عثمان يأخذ من مال المسلمين (قرضا بلا عودة!) نراه يسأل كعبا بهذا الصدد عما إذا كان مسموحا للخليفة أن يأخذ من بيت مال المسلمين إذا كان بحاجة على أن يردها فيما يعد. فلم يعترض كعب. على العكس! بينما نرى أبو ذر يعارضه بشدة مخاطبا كعب الأحبار:"أتعلمنا يا ابن اليهودية"؟!

وهو نفس الرد السريع الذي قال به المسلمون الذين حاصروا عثمان قبيل مقتله، عندما سمعوا قول كعب بان مقتل عثمان سوف يؤدي إلى حروب دامية. وهو "تنبؤ" سليم، يحمل من حيث أصوله ووسيلته معنى "الإخلاص" للسلطة. بمعنى إنها فكرة ليست محكومة بالرؤية التاريخية السياسية، بقدر ما أنها كانت تعمل من اجل أمل الإبقاء على عثمان حيا يرزق في سرقته وإفساده للدولة والأمة والفكر. وهي الحالة التي لقفها معاوية وكل أولئك الذين كونوا عصابته الظاهرة والمستترة وراء عباءة الإسلام المزيف. كما كان الحال بالنسبة لعمر بن العاص. فقد كان، حسب كلماته، يؤلب حتى الرعاة على أغنامهم على قتل عثمان! بينما نراه يتحول إلى مقدمة الرافعين لشعار الثأر لمقتل عثمان عندما جرى اختيار الإمام علي خليفة للمسلمين للمرة الأولى بصورة حرة ومن جانب المجتمع وقواه الحية!

***

 

ميثم الجنابي

 

ali jabaralfatlawi2(فبعثَ اللهُ غُرابا يبحث في الأرض ليرِيهُ كيف يواري سوأة أخيه قال ياويلتي أعجزتُ أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبحَ من النادمين).

الآية 31 من المائدة، والآيات قبلها ابتداء من الآية 27، تتحدث عن ابني آدم كما جاء في تفسير الميزان، (الآيات تنبئ عن قصة ابني آدم وتبيّن أنّ الحسد ربما يبلغ بابن آدم إلى حيث يقتل أخاه ظالما فيصبح من الخاسرين ويندم ندامة لا يستتبع نفعا ... والمراد بهذا المسمى بآدم هو آدم الذي يذكر في القرآن أنه أبو البشر، وقد ذكر بعض المفسرين أنه كان رجلا من بني إسرائيل تنازع ابناه في قربان فقتل أحدهما الآخر وهو قابيل أو قايين قتل هابيل ولذلك قال تعالى بعد سرد القصة: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل)..)(1) وهي بداية الآية 32 من سورة المائدة.

 السيد الطباطبائي لا يتفق مع المفسرين القائلين أن آدم في الآيات السابقة هو رجل من بني إسرائيل، ويؤكد أن آدم هو أبو البشر الذي جاء ذكره في القرآن، وأن قابيل وهابيل هما إبنا آدم أبو البشر، والقول أنه من بني إسرائيل كلام فاسد لثلاثة أسباب ذكرها في تفسيره، منها أنّ من خصوصيات القصة قوله تعالى (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ...) كلام الآية وهو موضوع بحثنا: (إنما يلائم حال الإنسان الأولي الذي كان يعيش على سذاجة من الفكر وبساطة من الإدراك يأخذ باستعداده الجِبلي – الفطري – في ادخار المعلومات بالتجارب الحاصلة من وقوع الحوادث الجزئية حادثة بعد حادثة، فالآية ظاهرة في أن القاتل ما كان يدري أن الميت يمكن أن يستر جسده بموارته في الأرض، وهذه الخاصة إنما تناسب حال ابن آدم أبو البشر لا حال رجل من بني إسرائيل، وقد كانوا أهل حضارة ومدنية ..)(2)

منهج الطباطبائي التفسيري هو تفسير القرآن بالقرآن، مستعينا بظاهر الآيات في تفسيره، وهذا ما فسر به الآية 31، وهو منهج يتبعه بعض المفسرين مستفيدين من الحجة العقلية في توجيه تفسيرهم للآية حسب الظاهر، وكذلك يستفيدون من بعض الروايات التي يعدها المفسر موثقة، عدّ السيد الطباطبائي الآيات 27-32 من سورة المائدة، أنها تخص قابيل وهابيل أبني آدم أبو البشر، ولا تخص رجلين من بني إسرائيل كما يقول بعض المفسرين.

 يتوافق صاحب التفسير الكاشف مع العلامة محمد حسين الطباطبائي في تفسيره أن القاتل قابيل والمقتول هابيل هما ابنا آدم أبو البشر، لكن لا يتوافقان حول الروايات عنهما فصاحب التفسير الكاشف يقول: (لقد حاك القصّاص، وكثير من المفسرين الاساطير من قصة ابني آدم هذين .. ولا مصدر إلّا الاسرائيليات.)(3) يشكك صاحب التفسير الكاشف الشيخ محمد جواد مغنية، بجميع الروايات عن آدم وابنيه ويعدّها من الإسرائيليات، ويذهب في تفسير الآية والآيات التي قبلها إلى ما يستنتج من ظاهر الآيات، مستفيدا من آراء بعض المفسرين والمؤرخين، ورافضا روايات القصّاصين ويعدّها من الإسرائيليات، لكن السيد الطباطبائي يروي بعضا من هذه الروايات في تفسيره عن ابني آدم، وانتقد كلّ رواية مستقلة عن الأخرى قبولا أو رفضا كليّا أو جزئيا.

بعد أن نفّذ قابيل قتل أخيه هابيل عامدا، يقول محمد جواد مغنية مفسرا الآية حسب ظاهرها: (وبعد أن صار أخوه جثة هامدة لم يعرف كيف يواريها، فبعث الله غرابا فحفر برجليه ومنقاره حفرة فلما رآها القاتل زالت حيرته واهتدى إلى دفن أخيه من عمل الغراب .. ولكنّه عضّ يده ندامة بعد أن أدرك فداحة الخطب، كما أنه أدرك أنه دون الغراب معرفة وتصرفا.)(4)

 استوحى العلامة محمد جواد مغنية من ظاهر الآية، أن القاتل قابيل ندم ندامتين الأولى لأنه قتل أخاه هابيل، والثانية إذ لم يُوفَق لطريقة يدفن فيها أخاه إلا بعد مشاهدة الغراب، كيف يبحث ويواري؟ فشعر بالندامة لأنه دون الغراب معرفة إذ لم يهتدِ الى طريقة الغراب في الدفن. أما العلامة الطباطبائي فأنه يؤكد ندامة قابيل على عدم مواراته سوأة أخيه، ورجح ندامته على القتل، يقول: (أن قوله: (فأصبح من النادمين) إشارة إلى ندامته على عدم مواراته سوأة أخيه، وربما أمكن أن يقال: إن المراد به ندمه على أصل القتل وليس ببعيد)(5) نستوحي من تفسير العلامة الطباطيائي، أنه يؤكد ندامة قابيل بعد رؤيته للغراب يبحث ويواري، ويرجّح ندامة قابيل الثانية ولا يؤكدها إذ يقول: (وربما أمكن أن يقال ..ندمه على أصل القتل وليس ببعيد)، واستوحي من كلام الطباطبائي أنه لا يؤكد أن قابيل ندم ندامتين، إنما يؤكد ندامة واحدة.

  العلامة محمد جواد مغنية يتوافق مع السيد محمد حسين الطباطبائي بأن القاتل قابيل والمقتول هابيل، وهما ابنا آدم صلبا، كذلك يتوافقان أن دافع القتل هو القربان الذي تقبله الله تعالى من هابيل، ولم يُتقبله من قابيل، فحسد قابيل هابيل مما دفعه لقتل أخيه، فالدافع نفسي عند السيد الطباطبائي هو دافع القتل، لكن لماذا تقبل الله من هابيل ولم يتقبل من قابيل؟ يقول البعض من المفسرين لأن قربان قابيل يختلف عن قربان هابيل، وفي تقديري هذا التفسير غير صحيح لأن الله يفعل ما يريد وفق نوايا الفاعل، فهو العالم العادل الحكيم المقدّر اللطيف في التعامل مع العباد، وأذا رجعنا إلى الأية 27 من السورة التي ترتبط مع الآيات بعدها في السياق من آية (27-32) فإنها تعطي سبب عدم تقبل القربان من قابيل، إذ ذكرت أنه لم يكن من المتقين (فتُقبّل من أحدهما ولم يُتقبّل من الآخر قال لأقتلنّك قال إنما يتقبل الله من المتقين) جواب هابيل لأخيه قابيل الذي هدّده بالقتل، بسبب عدم تقبل القربان، إذ قال له: (إنما يُتقبّل من المتقين)، فعدم تقبل قربان هابيل لأنه لم يكن من المتقين، وليس بسبب نوع القربان الذي قدّمه مثل ما يذكر بعض المفسرين. ويوجد من المفسرين من يرفض الروايات عن ابني آدم جملة، مثل محمد جواد مغنية ويعدها من الاسرائيليات، ويلتزم بظاهر النص مستعينا بآراء بعض المفسرين والمؤرخين.

إذن تقبل الله تعالى قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل، وهذا ما صرّحت به الآية 27، وبسبب هذه الحالة اندفع قابيل لقتل أخيه هابيل، أما لماذا تقبل الله سبحانه من هابيل ولم يتقبل من أخيه قابيل؟ الجواب في سياق الآيات السابقة للآية 31 أنه لم يكن من المتقين، أما الحديث أن نوع القربان له علاقة بعدم تقبله، فهو غير صحيح واتفق مع الشيخ محمد جواد مغنية أنه قد يكون من الإسرائيليات، فهو قد رفض جميع القصص عن ابني آدم وعدّها من الإسرائيليات لا يمكن تصديقها.

أثار الشيخ محمد جواد مغنية مسألة خلافية عند علماء الاخلاق منذ القديم، لها علاقة بقضية القتل في الآية، وهي هل الانسان شرير أم خيّر بالطبع ام لا؟ وأجاب: (أنّ في كل انسان استعدادا للخير والشر بفطرته، حتى خير الأخيار، وشرّ الاشرار والفرق أنّ في بعض الافراد مناعة من عقل رصين، أو دين متين يكبح نزواتهم إلى الشّر، ويندفع البعض الآخر مع شهواته لضعف في دينه، أو عقله.)(6)

فسّر العلامة الطباطبائي الآية 31 في تفسيره الميزان، وننقل تفسيره بتصرف مع المحافظة على المعنى: البحث لغة طلب الشيء في التراب، والمواراة الستر، ومنه التواري للتستر، والسوأة ما يتكرهه الانسان، والويل الهلاك، وياويلتا كلمة تقال عند الهلكة والعجز مقابل الاستطاعة. ويستدل الطباطبائي من سياق الآية أن القاتل وهو قابيل بقي متحيرا من أمره لا يعرف كيف يتصرف مع الجثة؟ حتى بعث الله الغراب، ومن ظاهر الآية يستدل العلامة الطباطبائي أن بعث الغراب وبحثه لم يكن متقاربا في الوقت مع عملية القتل ويستدل على ذلك من قوله تعالى: (قال ياويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب) ويستفيد الطباطبائي من سياق الآية أن الغراب كان قد دفن شيئا في الارض بعد البحث فيكون هدف الغراب حينئذ إراءة كيفية المواراة لا كيفية البحث.(7) هذا ما استنتجه العلامة الطباطبائي من سياق الآية.

 واتفق مع العلامة الطباطبائي في استنتاجه، لأنّ الغراب كان هادفا في فعله ومسخّر ربّانيا لتوصيل رسالة هي تعليم قابيل كيفية الدفن، وهنا تحضر عملية التسخير الإلهي للغراب الذي لا يعي شيئا، إنما يقوم بفعله غرائزيا أو فطريا، وكذا جميع المخلوقات الفاقدة للعقل، بتوجيه ربّاني نجهل ماهيته ونحن نعرف أن الله يبعث الانبياء والرسل، لكن كيف يبعث الله الغراب أو غيره من المخلوقات غير الإنسية؟ فالعلم عند الله ولم أجد من العلماء من  بحث بعث الطيور والمخلوقات غير الأنسية.

ذكر السيد الطباطبائي في تفسيره عدة روايات تحدثت عن قتل قابيل أخاه هابيل وعندما ذكرها في التفسير لا يعني أنه قَبِل بها، فهو أيضا يشكك في بعض الروايات، لكنه حسّن الرواية التي ذكرت في تفسير العياشي مروية عن الإمام الصادق (ع)، إذ وصفها الطباطبائي: انها من أحسن الروايات الواردة في القصة والرواية هي: (لما قرّب ابنا آدم القربان فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال: (تقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل دخله من ذلك حسد شديد، وبغى على هابيل ولم يزل يرصده ويتبع خلوته حتى ظفر به متنحيا من آدم فوثب عليه وقتله..)(8) لكنه ذكر رواية أخرى عن تفسير القمي، مروية عن علي بن الحسين(ع)، من أحداثها أن قابيل لا يدري كيف يقتل اخاه هابيل؟ بعد أن صمم على قتله، حتى جاءه ابليس فعلمه كيف يقتله؟ فلما قتله لا يدري ما يصنع به، فجاء غرابان اقتتلا فقتل أحدهما الآخر، ثم حفر الغراب القاتل حفرة بمخالبه ودفن صاحبه، فتعلم منه قابيل، فصارت سنّة دفت الموتي. يقول الطباطبائي: (الرواية لا تخلو من تشويش.. وهذه روايات جلّها أو كلّها ضعيفة، وهي لا توافق الاعتبار الصحيح ولا الكتاب يوافقها فهي بين موضوعة بيّنة الوضع، وبين محرّفة أو مما غلط فيه الرواة من جهة النقل بالمعنى)(9)

يصف السيد محمد حسين الطباطبائي الآية 31 من المائدة بقوله: (آية واحدة في القرآن لا نظير لها من نوعها، وهي تمثل حال الانسان في الانتفاع بالحس، وأنه يحصّل خواص الأشياء من ناحية الحس، ثم يتوسل بالتفكر فيها إلى اغراضه ومقاصده في الحياة على نحو ما يقضي به البحث العلمي، إن علوم الانسان ومعارفه تنتهي إلى الحس خلافا للقائلين بالتذكر والعلم الفطري.)(10)

يقول السيد الطباطبائي: (وبالجملة فالله سبحانه هو الذي علّم الانسان خواص الأشياء التي تناله حواسه نوعا من النيل، علّمه إياها من طريق الحواس، ثمّ سخّر له ما في الأرض جميعا، قال تعالى: (وسخّر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا)الجاثية:13)(11)

واستوحي من مجموع ما اطلعت على تفسير الآية، أن الآية 31 من المائدة، تؤشر إلى أن أول عملية دفن للإنسان هي دفن هابيل المقتول من قبل القاتل قابيل، لهذا بقي قابيل حائرا ماذا يفعل بجثة أخيه، حتى قيّض الله تعالى الغراب ليتعلم منه قابيل سنّة الدفن، التي جرت في الخلق أجمعين من بعده، وهذه هي الحكمة والرحمة الربّانية للانسان وسننه في خلقه، التي تشمل المطيع والعاصي كي يتعلما من سننه تعالى التي تجري بمعيار العدالة الإلهية على جميع المخلوقات.

 وعن سنّة الدفن وندامة قابيل نستعرض بالمختصر أقوال بعض المفسرين، يقول الطبري في تفسيره: فاحبّ الله تعريفه – اي لقابيل – السنّة في موتى خلقه فقيّض له الغرابين، وأستوحي من الموقف أن الله تعالى لايترك عبده، بل رحمته تسع الجميع المطيع والعاصي، ويقول القرطبي في تفسيره: وظاهر الآية ان هابيل هو أول ميت من بني آدم، ولذلك جُهِلت سنّة المواراة.. فصار فعل الغراب في المواراة سنّة باقية في الخلق، فرضا على جميع الناس على الكفاية، من فعله منهم سقط فرضه عن الباقين. وأخص الناس به الأقربون الذين يلونه، ثمّ الجيرة، ثمّ سائر المسلمين.

وجدت التفاتة جميلة عند الشيخ محمد متولي الشعراوي بخصوص قوله تعالى: (ياويلتي أعجزت أن اكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فاصبح من النادمين) يقول الشعراوي في تفسير خواطر:  علينا أن نفرق بين (نَدِم) و (نَدَم) وضرب مثلا: هناك شخص يشرب الخمر بالنقود التي كان عليه أن يشتري بها طعاما لأسرته، وعندما عاد لبيته وجد أسرته في انتظار الطعام، ندم لأنه شرب الخمر، فهل ندم لأنه عصى الله بشربه الخمر؟ أم ندم لأنه صرف النقود في شرب الخمر فلم يستطع شراء الطعام، كذلك كان ندم قابيل، فهو لم يندم لأنه قتل أخاه وعصى ربّه بهذه الجريمة، بل ندم على خيبته لأنه لم يعرف ما عرفه الغراب. وفي هذا المحور اختلف الشيخ محمد متولي الشعراوي مع المفسرين القائلين أن قابيل ندم ندامتين، ندم على قتله هابيل، وندم لأن الغراب أفطن منه بعد أن استوحى من الغراب عملية مواراة الميت.

 أخيرا أرى أن كل الآراء محترمة، وفهم القرآن متجدد مع الزمن لذا تتجدد الأفهام وتتنوع بمرور الوقت، وبما يُكتشف من علوم ولا نعني آيات العبادات، بل الآيات التي تتحدث عن آيات الله في الكون والانسان، لكن هناك من العقول من ترفض التعامل مع العلم وتطوره، إذ يوجد من أدعياء الدين ذوي العقول المتحجرة من يرفض التطور العلمي الذي يكشف سنن الله تعالى للانسان، بمقدار ما يستوعب من علوم جديدة وآليات كشف متنوعة، علما أنه لا تزال توجد بعض الشخصيات التي تدعي الدين ويسمون أنفسهم علماء، يكفّرون من يقول بكروية الأرض مثلا، إذ يدعون أنها مسطحة، أو غير ذلك من الحقائق العلمية الثابتة. جعلنا الله وإياكم من السائرين على نهج القرآن، بالعقل المفتوح الذي يستوعب حقائق الله وسننه في الكون كي تزيد إيماننا به سبحانه الخالق العظيم، وتقرّبنا أكثر إلى سبيل الله القويم.

 

علي جابر الفتلاوي

................

(1): الميزان في تفسير القرآن، ج5، ص225، السيد محمد حسين الطباطبائي.

(2): م.ن، ج5، ص225- 226.

(3): التفسير الكاشف، م3، ص45، محمد جواد مغنية.

(4): م.ن، ص46.

(5): الميزان في تفسير القرآن، ج5، ص232، السيد محمد حسين الطباطبائي.

(6): التفسير الكاشف،م3، ص46، محمد جواد مغنية.

 (7): الميزان في تفسير القرآن،ج5،ص232،231،السيد محمد حسين الطباطبائي.

(8): م.ن،ص241.

(9): م.ن، ص242.

(10): م.ن،ص231و232.

(11): م.ن، ص234.

 

 

يرفض بعض الباحثين الربط بين سلالة ابراهيم وبين موسى، والفاصل بينهما سبعمئة سنة، فموسى في رأيهم مصري نشا في البلاط الفرعوني، وقاد الجيوش في حملات عسكرية على اثيوبيا، ومن هؤلاء المؤرخين القدماء (يوسيلافيوس)، الذي عاش في القرن الميلادي الاول، والفيلسوف (فيلون)، وكلاهما من يهود الاسكندرية ولكنهما خالفا الاجماع اليهودي على عبرية موسى . ومن الباحثين المعاصرين (ول ديورانت)، عالم الحضارات الشهير، الذي اشتهر بكتابه المشهور (قصة الحضارة)، اذ قال: (ان اسم موسى اختصار للفظ احموس، وان كلمة موسى تعني الطفل وكانت مسبوقة باسم احد معبودات المصريين مثل (تحوت موسى)، وينطق (تحوتمس)، ورع موسى ولكن اليهود حذفوا الشق الاول حتى ينزعوا عن بطلهم القومي اي انتساب لمصر) . (7) .

 وورد في قاموس الكتاب المقدس، ان موسى كان كاهنا مصريا، قامت ابنة فرعون بتربيته على يد معلمين من الكهنة، وعندما بلغ اربعين سنة من العمر .. كان قد اتقن كل اسرار الكهنوت . (8) . ويذكر الدكتور لويس عوض ناقلا قول المؤرخ المصري القديم مانيتون .. ان موسى في الاصل كان كاهنا مصريا في معبد اون (عين شمس) . (9) .

 ونحن لانوافق على هذه الاراء التي لاتفهم معنى النبوة، وانها اصطفاء الهي لاشأن للبشر به، فالنبي يعد اعدادا خاصا، ويصنع على عين الله، يقول الله تعالى: (ولتصنع على عيني) .

 ويورد " جوزيف سميث، المؤلف اليهودي المتوفى سنة 100 م، معلومات عن موسى لم ترد في التوراة، فهو يقرر ان موسى كان قائدا في الجيش المصري خلال الحملة المصرية على الحبشة، وقد تزوج موسى من اميرة حبشية في هذه الاثناء .(10) .

موسى من بني اسرائيل

وبعيدا عن هذه الظنون والتخرصات، فان موسى نبي من انبياء بني اسرائيل، ارسله الله تعالى لانقاذ بني اسرائيل من عسف واظطهاد الفراعنة، والى ذلك اشارت التوراة، واشار القران الكريم، وهذا مااكده الباحث المصري الدكتور نديم السيار في كتابه: (قدماء المصريين اول الموحدين) ، بان موسى من بني اسرائيل، خلافا للقائلين بمصريته . (11) .

عقيدة بني اسرائيل

كانت عقيدة بني اسرائيل اي بني يعقوب، هي عقيدة الانبياء جميعا، عقيدة سليمة صافية، عقيدة التوحيد الخالص، قال تعالى: (انا اوحينا الى نوح والنبيين من بعده واوحينا الى ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط) . (12) . وكذلك ذرية ابراهيم من الاسباط موحدون: (كلا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان) . ابراهيم وبنوه موحدون، وهناك ايات تشهد لابراهيم وبنيه انهم مؤمنون موحدون، وقد قص علينا القران قصة ابراهيم في مواجهة المشركين، يقول الله تعالى:

(ومن يرغب عن ملة ابراهيم الا من سفه نفسه، ولقد اصطفيناه في الدنيا وانه في الاخرة لمن الصالحين، اذ قال له ربه اسلم قال: اسلمت لرب العالمين، ووصى بها ابراهيم بنيه ويعقوب: يابني ان الله اصطفى لكم الدين فلاتموتن الا وانتم مسلمون، ام كنتم شهداء اذ حضر يعقوب الموت اذ قال لبنيه: ماتعبدون من بعدي: قالوا نعبد الهك واله ابائك ابراهيم واسماعيل واسحق الها واحدا ونحن له مسلمون) . (13) .

التوحيد الابراهيمي ومؤرخو الغرب

ولكن مؤرخي الغرب ومفكريه، لاتسمو عقولهم، ولاترقى مداركهم، لفهم مضامين التوحيد الابراهيمي السامية، وانما يدركون التوحيد وفق مقاساتهم وتصوراتهم المادية؛ فهم يتصورون اله ابراهيم، مثل الاله (يهوه) الها محليا قبليا لليهود، اصطنعه اليهود بعد ان انحرفوا عن نقاء التوحيد الابراهيمي وصفائه، يقول المؤرخ (Weech): (ان الفكر الديني كان بدائيا في عهد ابراهيم، وان الاله الذي دعا له ابراهيم كان من نوع الالهة التي كان يعبدها ابوه، وانه هو "يهوه" الذي اعتبر اله بني اسرائيل). (14) .

 

زعيم الخيرالله

....................

المراجع والمصادر

7- سيدنا موسى: مصري ام يهودي؟ المؤرخ الصحفي جمال بدوي، جريدة الاخبار، تاريخ: 1-2-2006 م .

8- قاموس الكتاب المقدس، ص 930 .

9- مقدمة، د. لويس عوض، ص 20 .

10- (God and Man in Early Israel,by j.Smith, p38، نقلا عن مقارنة الاديان -اليهودية- د. احمد شلبي، ص 67 .

11- انظر: (قدماء المصريين اول الموحدين)، الدكتور نديم السيار، ط2، ص 91 .

12- سورة النساء: الاية: 163.

13- البقرة: الايات: (130-133) .

14- (Civilization of the Near East , P,83)، نقلا عن (اليهودية)، احمد شلبي، ص 159 .

 

 

الذي دعاني لكتابة هذا البحث؛ هو ماقرّره (سيجموند فرويد )، عالم النفس اليهودي الشهير في كتابه: ( موسى والتوحيد )، بانّ النبي موسى ليس من بني اسرائيل، بل كان مصريا تعلّم التوحيد من اخناتون. ويذكر فرويد سببن لاستنتاجه هما:

1- ان اسم موسى اسم مصري، مركب من كلمتين هما: " مو وسي "، ويعني هذا المركب: " وليد الماء" .

2- الختان: الختان من التعاليم المهمة في توراة موسى، وفرويد يذكر انّ: الختان عادة مصرية قديمة، ومتأصلة عند المصريين . (1) . وللمناقشة في هاتين المسألتين نقول:

1- انّ كون اسم موسى اسم مصري، حسب ما افترضه فرويد، والذي يعني وليد الماء، لايعني ان النبي موسى(ع) مصريا؛ لان موسى حسب ماقصّ لنا القران حكايته، ولد في زمن اظطهاد وقمع لبني اسرائيل، وفي هذا الجو الخانق، وضعته امه في التابوت، والقته في النهر والتقطه ال فرعون، وحمته من القتل زوجة فرعون، فالذي اختار له الاسم هو عائلة فرعون المصرية . والتوراة تذكر ان المراة التي احتضنته هي بنت فرعون لا زوجته، فالتسمية جاءت من قصر فرعون لامن عائلة موسى (ع) .

2- امّا مسألة الختان، فهي معروفة عند بني اسرائيل، وهي من سنن الفطرة، ومن بقايا تعاليم ابراهيم الخليل (ع)؛ وبالتالي هي لاتصلح كسابقتها، لتكون دليلا على ان موسى (ع) مصريا .

 وامّا ما ادعاه فرويد من انّ موسى (ع) تعلم التوحيد من اخناتون؛ فقد بنى فرضيته هذه على اساس التماثل والتشابه اللغوي بين اسماء الالهة عند المصريين والعبرانيين واسم الاله السوري، يقول فرويد:

( اذا لم يكن من قبيل المصادفة ان اسم اتون المصري يذكر هنا باللفظة العبرية "ادوناي" "Adonai"، وباسم الاله السوري " ادونيس"، واذا كان التشابه نتيجة لتماثل بدائي في المعنى واللغة، فانّ في مستطاعنا ترجمة العبارة اليهودية على النحو التالي: ( اصغ يااسرائيل: انّ الهنا اتون " ادوناي" هو الاله الواحد ) . (2) .

 وذهب " زاهي حواس " الى نفس ماذهب اليه فرويد من كون موسى مصريا خالصا فيقول:

(ان اسم النبي موسى هو من دون شك مصري خالص ويعني "الوليد "، وربما يكون هو الاسم الذي اطلقته زوجة فرعون لحظة العثور عليه . وهناك من يرى ان اسم موسى يعني ابن الماء او وليد الماء، على اساس ان مو تعني ماء وسى تعني وليد او اسم) . (3) .

سلسلة نسب النبي موسى (ع)

يذكر ابو الفدا نسب النبي موسى فيقول: (هو موسى بن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب) . (4)، وفي التوراة ذكر نفس النسب (5)، ونفس النسب ذكرته المراجع المسيحية ايضا . (6) . وللحديث صلة .

 

بقلم : زعيم الخيرالله

.......................

المصادر والمراجع

1- راجع كتاب فرويد ( موسى والتوحيد )، ترجمة: جورج طرابيشي.

2- سيجموند فرويد، موسى والتوحيد، ص 34 .

3- سيدنا موسى مصري واسمه وليد، زاهي حواس، الشرق الاوسط، العدد 11272، تاريخ (8-10-2009 ) .

4- المختصر في اخبار البشر، مجلد 1، ص 18 .

5- سفر التكوين 22-23: 49 ) .

6- قاموس الكتاب المقدس، ص 930 .

 

 

mutham aljanabi2إن الصيغة التاريخية والسياسية التي جعلت من عثمان بن عفان خليفة للأمة الناشئة ودولتها الصاعدة تبقى من بين أكثر الفصول الدرامية في التاريخ العربي والإسلامي. وسوف لن ينتهي هذا الفصل بسبب دوره الفاعل في انعطاف فكرة الدولة والسلطة والحق. مع ما ترتب عليه من موت مأساوي للخلافة الراشدة، الذي دفع الإمام علي ثمنه الباهظ. أما مقتل عثمان فقد كان اقرب ما يكون إلى عثرة لا قيمة لها بمعايير التاريخ المأساوي للدولة والثقافة. لكنه استكمل الشوط الآخذ في التراكم بالنسبة لصعود السلطة، وضمور الوحي، وغياب منظومة القواعد الضرورية لإدارة الدولة وتداول سلطانها.

فإذا كان وصول الخليفة الأول إلى السلطة "فلتة"، فإن استخلاف عمر كان نتاجا لاعتبارات وعلاقات شخصية. أما تسلم عثمان للخلافة، فقد كان الصيغة الأكثر بؤسا لفلتة العلاقات الشخصية. من هنا ضحالتها بالنسبة للقيم المتسامية، وتفاهتها المريعة بالنسبة للفكر السياسي والتاريخي. لهذا لم يتعد دمجه اللاحق في سلسلة الخلفاء الراشدين أكثر من محاولة بائسة لتبرير انتقال السلطة للحكم العائلي (الأموي)، الذي وضع عثمان تقاليده الفعلية. فقد كان عثمان من حيث الواقع والرمز والأصل والفصل والنفسية والشخصية الخليفة الأموي الأول.

إذ لا يمكن لشخصية رشيدة أن تتعرض للسحق والقتل بالطريقة التي تعرض لها عثمان بن عفان. لقد سحقته الجماهير الإسلامية التي لم تفطمها السلطة عن قول الحق والتمسك العملي به، كما ستفعل الأموية لاحقا. ومن ثم لم يرتق إلى مصاف "القيمة الروحية" إلا بالنسبة لأولئك الذين أصبح قميصه، ولا شيء آخر، بيرق الصراع من اجل السلطة. إذ تعكس هذه العلامة والرمز قيمته الفعلية بالنسبة للوعي السياسي والتاريخي آنذاك. كما أنها العلامة الرمزية التي سيجري لاحقا رؤية ملامحها الأولية في تضييعه لخاتم النبي محمد، التي جعلت المسلمين يتشاءمون لفقدانه[1]‏. بحيث جعلهم يقولون "إن عثمان لما مال عن سيرة من كان قبله كان أول ما عوقب به ذهاب خاتم رسول الله من يده". ومن الممكن فهم هذه الفكرة بمعايير الرؤية الإيمانية وذوق التخمين المناسب لها في تصورات العوام عن القضاء والقدر والإشارة والرمز في الوقائع والأحداث. لكنها رؤية كانت تسعى لتوكيد نتائج الأحداث. ومن ثم تبرير ملامحها التعيسة بوصفها عقابا إلهيا جرى التبشير به بصورة أولية في ضياع خاتم السلطة "النبوية"، بوصفها سلطة الحق والعدالة. والنتيجة لا يمكنها أن تكون شيئا آخر غير ضياع الارتباط الروحي بأصل النبوة وتقاليدها مهما كان الثمن المدفوع من اجل صنع نسخة منه. فالفرق يبقى جوهريا بين النسخة والأصل. وفي الحالة المعنية لا يمكنه أن يكون شيئا غير العقوبة التي تجّسد حالة الضياع الفعلي للسلطة والأمة في أشد الفتن وأقواها وأكثرها خطورة في تاريخ الإسلام. وفيما لو حاولنا تصوير ضياعه بمعايير الرؤية التاريخية الثقافية والسياسية، فإنه يعادل انكسار السلسلة "النبوية" في إحدى حلقاتها. ومن ثم انفراط وحدتها، الذي انتج مقدمات وبواعث الاختلاف العنيف والتنوع اللاحق في المواقف والآراء. ومن ثم ظهور التمايز الحاد بين السلطة والمثقف الإسلامي الجديد.

فقد كانت شخصية الصدّيق، من حيث موقعها التاريخي في صيرورة الدولة العربية الإسلامية، التمثيل النموذجي لنهاية الوحي وبداية الدولة. لهذا كان يعي نفسه باعتباره حلقة في سلسلة الحق دون أن يفقده ذلك لمعانه الخاص فيها بوصفه خليفة النبي محمد. لكنه لم يتحسس هذه الخلافة ويدركها بمعايير الهرمية، بل بمعايير القرب من مثالها والسعي لتجسيدها وتحقيقها بالقدر الذي تبقى فيه النفس ونياتها عارية أمام البصر الإلهي، أو الضمير الحي. لهذا عاش بأعلى درجات الزهد والتقشف ممتلئا بصدق الإخلاص لفكرة الحق والدولة الشرعية. وفي هذا كان يكمن المضمون الفعلي لفكرته عن الرشاد في إدارة شئون الأمة والدولة. كما انه النموذج الأولي الذي تركه لخلفه اللاحق.

أما شخصية عمر بن الخطاب فقد تكاملت مع تكامل الفكرة الإسلامية وانتقالها من الغيب اللاهوتي إلى تاريخ الدولة. حيث تمثلت شخصيته معالم الانتقال الكبرى من الفكرة المجردة إلى الواقعية، ومن الوحي المقدس إلى التأويل السياسي. وبهذا يكون قد جّسد بداية الصيرورة الثقافية للدولة والسلطة، التي حقق مثالها بمعايير الوحدة الإسلامية للدين والدنيا. من هناك غياب المعارضة الفكرية والروحية غيابا تاما. لكنه كان أكثر من صنعها عبر تأسيسه لمرجعية الدولة والسلطة المحكومة بمعايير العدل والحق السياسي ونموذجها الروحي في وحدة الدين والدنيا.

وقد وقف عثمان أمام هذه النتيجة. ومن الممكن القول، بأنها كانت تحتوي على "مشروع" قتله اللاحق، لأنها كانت تحتوي على مكونات تصرع ما فيه من رقة ورخاوة وضعف. وهي صفات لم تكن مجهولة لمن وضعه ضمن قائمة الشورى. وبهذا المعنى يمكننا القول، بأن سلفه قد وضعه أمام مطرقة الخلافة واستحقاقاتها الدينية والدنيوية، وسندان الضعف الشخصي. وكلاهما كانا يطرقان عجينة عثمان الشخصية بطريقة لا تنتج غير أصوات شاذة لم يعد الرجل معها قادرا على الاستماع إلى أصوات المعارضة وأنغام الاحتمالات القائمة فيما يمكن أن تؤول إليه الأمور. ولم تكن هذه الحالة معزولة عن شخصيته وعن الحالة التي ميزت الدولة الناشئة ومرجعيات وجودها المادية والمعنوية.

فقد تبلورت شخصية عثمان بين يسر التجارة وعسر المرارة المتراكمة في نهمها الغريزي الشره. كما أنها حالة ملازمة للمهنة. ومن ثم فإن معاناتها هي معاناة الكمية النهمة. وتبقى ما بقيت جزء من نفسية وذهنية حاملها. بل أنها حاملة وجوده المادي والمعنوي. فإسلامه لم يكن نتيجة لمعاناة عسيرة في الروح والجسد، ولم تكن أيضا نتاجا للبحث عن مخرج من نفق "الوثنية" ولا لحاجة سياسية. إننا لا نعرف بالضبط مكنونها الدفين، لكننا نعرف مظهرها العام. إننا نعرف كيف انه أسلم وهو في عمر تجاوز الثلاثين. وكان نتيجة لدعوة أبي بكر إياه إلى الإسلام فأسلم. وكانت هذه الدعوة اقرب إلى المحادثة الشخصية والعابرة. فقد عرض أبو بكر عليه الإسلام، كما تنقل الروايات التاريخية قائلا له:

- ويحك يا عثمان! إنك لرجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل. هذه الأوثان التي يعبدها قومك، أليست حجارة صماء لا تسمع، ولا تبصر، ولا تضر، ولا تنفع‏؟‏

- بلى! إنها كذلك!

- هذا محمد بن عبد الله قد بعثه الله برسالته إلى جميع خلقه، فهل لك أن تأتيه وتسمع منه‏؟‏

- نعم‏!

وفي هذا اللحظة مر النبي محمد فقال لعثمان:"يا عثمان! أجب الله إلى جنته، فأني رسول الله إليك وإلى جميع خلقه!". عندها فال عثمان "فوالله ما ملكت حين سمعت قوله أن أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله!". وفي حال قبول هذه الصيغة "المقدسة" لإسلام عثمان، فإننا نقف بذلك أمام إسلام لا معاناة فيه وقبله. وقد تكون المعاناة الوحيدة هي ما تورده كتب التاريخ والسير عن الكيفية التي أخذه بها عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية عندما عرف بإسلامه. بحيث أوثقه برباط وقال له:

- أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث‏!‏ لا أخليك أبدا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين!

- والله لا ادعه أبدا!

وجرى تصوير هذا الرد على انه نموذجا "للصلابة في الدين"[2].‏ لكنها كانت في الواقع اقرب إلى الرخاوة. وذلك لأن مجرد فسح الرجل وهو في عمر تجاوز الثلاثين وغني الثروة أن تتعامل معه الأعمام بهذه الطريقة هو مؤشر على رخاوة قد لا تتعارض مع "الصلابة في الدين"، بمعنى التمسك بفكرة أو عقيدة أو عادة. لكنها تحتوي على ما فيه من استعداد للانقياد سوف يظهر في وقت لاحق ويصبح موضوعا لتجريمه ومعاقبته من جانب المنتفضين والرافضين لحكمه وأسلوبه في قيادة الدولة. ولم تكن هذه النتيجة معزولة عن نوعية إسلامه. بمعنى خلوها من المعاناة الشخصية العميقة. لاسيما وأن إسلامه كان أقرب ما يكون إلى نزهة تكللت، كما يقول عثمان نفسه، بزواجه من رقية بنت النبي محمد. بحيث قيل لاحقا "أحسن زوجين رآهما إنسان، رقية وعثمان". وهو سجع اقرب إلى سجع إسلامه.

 أما الصور اللاحقة التي حاولت أن تعطي لعثمان بعدا متمثلا لفراسة الفارس الروحي فهي من صنع الخيال اليتيم ليتامى الخيال! وينقل لنا ابن سعد في (كتاب الطبقات) صورة عن "رؤيته" المستبقة لإسلامه. ففيها يقول للنبي محمد:"يا رسول الله! قدمت حديثا من الشام، فلما كنا بين معان والزرقاء فنحن كالنيام إذا مناد ينادينا‏:‏ أيها النيام! هبّوا فإن أحمد قد خرج بمكة! فقدمنا فسمعنا بك!". هكذا ببساطته المعهودة. انه لم يسمع بمحمد وهو الذي يعيش بينهم لعقود طويلة، كما لو أنه بقي يتيما في صحراء الربع الخالي! ومهما يكن من أمر هذه "الرؤية"، فإنها تعكس في الواقع خلو التاريخ الشخصي لعثمان عما يمكنه أن يكون مادة للخيال الديني في صنع صوره الخلابة لذوق العوام.

وليس مصادفة أن تكون "فراسته" ما قبل الإسلام متساوية من حيث القيمة لفراسته الوحيدة التي تنقلها لنا كتب السير والتواريخ عن الحادثة التالية، التي تحكي لنا عن دخول رجل عليه فخاطبه عثمان قائلا:

- يدخل علي احدكم والزنا في عينيه!

- أوحي بعد رسول الله؟!

- لا! ولكن فراسة صادقة!

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام حالة وحيدة من الفراسة الصائبة حالما تتفحص وجود الزناة ودعارة المسلمين الخفية! وقد تكون الحادثة فعلا لا خيال فيها. لكنها تعكس أولا وقبل كل شيء فراسة عثمان الصغيرة، المحصورة بسفاح الرجال. ومن المكن العثور على هذه الفراسة عند سماسرة المومسات! ‏وليس مصادفة أن يستغرب الرجل مطالب أولئك الذي قطعوا مسافات شاسعة بين مصر والعراق والحجاز من اجل إرغامه على التخلي عن الخلافة أو القتل. وقد جرى وضع هذه الحالة في "كرامات عثمان". بمعنى تحول "كراماته" إلى جزء من نفسية التعويض عما تعرض له الرجل، كما نراها على سبيل المثال في القصة التي تروى عما أصيب به (جهجاه) من الأكلة (الحكة) في رجله، لأنه كان احد الذين اشترك في الهجوم على عثمان، وكسر عصا الخليفة على ركبتيه! كما أن هناك حكاية مروية عن "كرامة" أخرى تتحدث عن سماع أحد الرواة (أبو قلابة) كيف أنه سمع صوت رجل يقول‏ "يا ويلاه النار!". وعندما نظر إليه وجده مقطوع اليدين والرجلين، أعمى العينين، منكبا لوجهه! وعندما سأله عن حاله، أجاب الرجل "إني قد كنت ممن دخل على عثمان الدار، فلما دنوت منه صرخت زوجته فلطمتها!". عندها قال لي (عثمان) "‏ما لك؟! قطع الله يديك ورجليك وأعمى عينيك وأدخلك النار!". "فأخذتني رعدة عظيمة وخرجت هاربا فأصابني ما ترى ولم يبق من دعائه إلا النار!".

مما سبق يتضح حجم وعدد وطبيعة "الكرامات" المزيفة. والقضية هنا ليست فقط في أنها كرامات "الانتقام" ممن انتفض ضده وهاجمه، بل وفي ضعفها الجلي حالما نضعها على محك الرؤية العقلية والواقعية والأخلاقية. إذ لا كرامة في الأولى. بل على العكس. إن الكرامة في كسر العصا، وذلك لأنها أداة لا ينبغي أن يتعامل بها إنسان مع إنسان، وخليفة مع أمته! أما الثانية فإنها "شهادة زور" لا يقوم بها رجل على نفسه. لاسيما وأن سلوك المنتفضين كان محكوما بفكرة إسلامية كبرى تقوم في انه "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

ذلك يعني، أن تأريخ "الورع" اللاحق لم يفلح في إيجاد ما يمكنه أن يكون كرامة فعلية كبرى فألحقها بإيديولوجية الاتهام اللاهوتي التي ميزت مساعي وأكاذيب الأموية الأولى للاستيلاء على السلطة. وذلك لأن حقيقة الكرامات أعمال تاريخية كبرى لها أبعاد جليلة بالنسبة للدولة والأمة والعقل والأخلاق والروح الإنساني. وكلها مكونات لم تكن موجودة في الأعمال "الجليلة" التي اقترفها عثمان وكوّنت مرحلة الانتقال العاصفة من حكم الراشدين إلى ملوكية العائلة والوراثة المنوية. أما جعل الانتقام والتشفي كرامة فهي الصيغة الموازية لتحويل دمه وقميصه إلى بيرق القوى المتعطشة للدماء والسلطة. وهي نتيجة لم تكن معزولة عن شخصيته الرخوة والمفتعلة. لهذا لم ينقذه كونه "أحد العشرة المبشرين بالجنة‏"، ولا كونه "كان أعلم الصحابة بالمناسك". فكلاهما من ولع الكسب المباشر لمرحلة صدر الإسلام ومعترك تثبيته في الواقع والخيال. والشيء نفسه يمكن قوله عما يسمى باختصاصه في كتابة الوحي. وجرى رفع هذه الصورة إلى مصاف المقدس عندما كان يقول له النبي محمد:"اكتب يا عثيم!". كما جرى وضع هذه المطالبة في الفكرة القائلة، بأنها منزلة "شخص لا يمكنه أن يكون إلا كريما على الله ورسوله". لكننا نعرف وجود من كتب الوحي وهو في أدنى درجات الخسة والرذيلة. وليس اعتباطا أن يرى الجاحظ لاحقا في الكتّاب نموذجا للانسلاخ عن الورع والصدق والأمانة. وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى الأحاديث المنسوبة للنبي محمد مثل "‏اللَّهم إني رضيت عن عثمان فارض عنه"، و"‏عثمان أحيا أمتي وأكرمها‏"، و"‏عثمان في الجنة"، و"‏عثمان رفيقي معي في الجنة"، و"‏عثمان حيي تستحي منه الملائكة" على أنها أحاديث عادية يمكن رؤية بواعثها المباشرة في طبيعة ومستوى المواجهة التي تعرض لها النبي محمد في بداية الدعوة.

ففي تلك المرحلة كانت ابسط الأعمال والمواقف ترتقي إلى مصاف "الجود الإلهي" مثل حفر بئر وشراء طعام وماء. وهي أفعال كانت تجود بها نفسية عثمان الكريمة بوصفها أيضا جزء من تقاليد الكرم والجود العربية. وليس مصادفة فيما يبدو أن يعجز أبو نعيم الأصفهاني وهو المتمكن في بلورة الحد الأقصى للأبعاد الروحية في تاريخ الأولياء أن يقف معقوف اللسان في رسم صورة جذابة عن عثمان بن عفان. لهذا نراه يكتفي بالقول:"عثمان بن عفان، وهو ثالث القوم القانت ذو النورين، والخائف ذو الهجرتين، والمصلي إلى القبلتين"[3]. ولا معنى لهذه الصورة لغير حركة الجسد مرتين باتجاه نساء، ومرتين باتجاه جهات، ومرتين في الصلاة. كما انها تخلو من مثالية وتميز وأصالة يمكنه أن يجعلها قيمة بذاتها أو فضيلة.

غير أن الأمر يختلف فيما يتعلق بالأحاديث الموضوعة مثل "‏عثمان وليي في الدنيا والآخرة، و"‏غفر الله لك يا عثمان ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة"، و"‏رحمك الله يا عثمان ما أصبت من الدنيا، ولا أصابت منك"، و"‏يا عثمان إنك ستبلى بعدي فلا تقاتلن". فقد كانت مهمة هذه الأحاديث إعادة تركيب صورته بطريقة تجعله جزء من المستقبل. بينما لا مستقبل في شخصية عثمان بن عفان. وفي هذا تكمن كل دراما الموت التعيس الذي واجهه وهو في أوج ما لم يحلم به. وقد يكون هو السرّ الذي جعله يفضل الموت على التنازل عن السلطة وهو في هرم الشيخوخة.

لقد واجه عثمان بن عفان موته بلا بطولة ولا فروسية، خاليا من أي تحد أو استعداد للتضحية. فقد كان موته مجرد تجارة صغيرة لا قيمة لها. من هنا لم يكن بإمكانها ألا تكون بضاعة رخيصة بأيدي قوى ارخص منها عندما ننظر إليها بمعايير الرؤية الأخلاقية والمستقبلية. وبالتالي، فإن الأحاديث الموضوعة عن الولاية والغفران الأبدي والشهادة ليست إلا الصيغة الأيديولوجية للغنيمة الأموية. وإلا فإن مجرد كونه "من العشرة المبشرين بالجنة" تكفي بحد ذاتها لكي تكون صك الغفران الأبدي. ومن ثم لا معنى للولاية والشهادة وما شابه ذلك. وذلك لكونه تعارض كان يمكن حله بسفسطة القضاء والقدر اللاهوتية. غير أن للتاريخ منطقه الشديد والواقعي. وحالما يحدث، حينذاك يمكن رفعه بسهولة إلى مصاف الأزل. أما في حالة عثمان، فقد تحولت هذه السهولة الممتعة للعقل البليد إلى معضلة عصية. إذ كيف لمن كان من المبشرين بالجنة أن يقتل بتلك الطريقة الشنيعة على أيد مسلمين مؤمنين شعارهم الحق ورايتهم الاقتصاص لله والأمة من انحراف شخصي وسياسي جلي للحس والعقل والضمير؟

 وقد كان الجواب سهلا مثل حياته وموته: انه الحلقة الثالثة في سلسلة الخلافة الراشدة. ومن ثم فهو من ثالث القوم وثالث الخلفاء الراشدين! لكنها حلقة شكلية، إذ لا مضمون فيها يمكنه الارتقاء إلى مصاف القيمة المتلألئة ما وراء التاريخ الواقعي بالنسبة للوعي التاريخي والضمير الإنساني والعقل النقدي. وذلك لأن الصورة الجليلة تفترض نوعا من الموازاة الممكنة بين الحياة الفعلية ومآثرها التاريخية. فالصورة الجذابة للشخصية التاريخية تتلون بألوان الأشعة الكامنة في تجاربها الفردية ومستوى تمثلها في الأقوال والأعمال، أو في الإبداع الشخصي وخاتمته. وحالما نضع هذه المقدمة في أساس الموقف من شخصية عثمان، فإننا نقف أمام صورة باهتة وشاحبة باستثناء ما كان يتلون به في مظهر لحيته المخضبة بالحناء وأسنانه الذهبية وملابسه المزركشة وطلعته الجميلة وحياءه وأدبه وكرمه. ولا علاقة لهذه الصفات بمكونات الشخصية التاريخية لأنه يمكن العثور عليها بين اشد الشخصيات انحطاطا وجهالة.

وليس مصادفة أن تضع كتب التاريخ والسير "المؤدبة" و"المهذبة" كرمه وبذله الأموال في سبيل الدعوة الإسلامية باعتبارها أعلى فضائله العملية. فقد اشترى بئر رومة في عقيق المدينة من اليهود بعشرين ألف درهم وتصدق بها للمسلمين. كما قام بتجهيز جيش العسرة. إذ جهَّز ثلث الجيش بتسعمائة وخمسين بعيرا وبخمسين فرسا‏.‏ وقد كانت تلك بالفعل نفقة لم يقم بها قبله أحد من المسلمين. بل قيل انه جاء بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجر النبي محمد، عندها قال النبي:"‏ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم‏". وهو سلوك يشير إلى ثروة عثمان الكبيرة وكرمه الفعلي. وقد لازمته هذه الصفات مدى الحياة. بحيث طبعت سلوكه السياسي. بما في ذلك توزيع الأراضي والثروات والمناصب على أقرباءه وأصدقاءه. وهو سلوك لا علاقة له بفكرة الدولة بقدر ما يعّبر عن شخصيته الخاصة وفعل الثروة العميق في بلورة أخلاقه العملية، كما نعثر عليها حتى في موقفه من الأكل. فقد نقل عنه عمرو بن أمية الضُمري القصة الطريفة التالية، قال‏:‏ كنت أتعشى مع عثمان خزيرا (نوع من الطبخ) من أجود ما رأيت، فيها بطون الغنم وأدمها اللبن والسمن، فقال عثمان‏:

- كيف ترى الطعام‏؟

- هذا أطيب ما أكلت قط!

- يرحم الله ابن الخطاب! هل أكلتَ معه هذه الخزيرة‏؟‏

- نعم! فكادت اللقمة تفرث بين يدي حين أهوي بها إلى فمي وليس فيها لحم! وكان أدمها السمن ولا لبن فيها!

- صدقت! إن عمر أتعب والله من تبع أثره!!

ذلك يعني أن عثمان ظل يعيش بمقاييس حياته العادية وليس بمقاييس الخلافة الرشيدة. لهذا كانت ثروته بعد مقتله حوالي ثلاثين ونصف مليون درهم (عند خازنه)، وحوالي مائة ألف دينار (نقدا)، وألف بعير، وصدقات بحوالي عشرة ملايين دينار!! بينما مات أبو بكر وعمر بلا شيء على الإطلاق. فقد تحسس هذا التعارض، لكنه كان عاجزا عن العمل بمقتضاه. مما يعكس اختلاف طبعه وتطبعه من جهة، ونوعية التحول العميق في صيرورة الأفراد والجماعات والعلاقات، الذي استتبع تحول الخلافة إلى إمبراطورية، وارتقاء السلطة الروحية إلى دولة لها "منطقها" الخاص في التطور وإفراز قواها وتياراتها واتجاهاتها المتصارعة، من جهة اخرى. فسيرته الشخصية ما قبل الإسلام لا تتعدى التجارة والمتاجرة. وما بعده لم تحتو على أي قدر من الصفات التي تشير إلى نوعية الشخصية القادرة على مواجهة الصعاب والتحديات. وقد تكون المعاناة الوحيدة هي هجرته إلى الحبشة. فقد هاجر إلى أرض الحبشة مع زوجته رقية، فكان أول مهاجر إليها. ثم تابعه سائر المهاجرين إلى أرض الحبشة، ثم هاجر الهجرة الثانية إلى المدينة[4]‏. ولا يخلو هذا الفعل من بطولة بمعايير ذلك الزمن، لكنها أقرب إلى بطولة الاختباء والهروب. ولم يكن ذلك معزولا عن شخصيته اللينة وهدوءها الباطني وطابعها المسالم. وليس مصادفة أن يكون دوما من المتخلفين أثناء المعارك. فقد تخلف عن غزوة بدر وهرب في معركة احد. بحيث عيّره بها أبو عبيد الجراح أو على الأقل انه قال له في إحدى مشاجراته معه:

- يا عثمان تخرج عليَّ في الكلام وأنا أفضل منك بثلاث.

- وما هن‏؟‏

- الأولى إني كنت يوم البيعة حاضرا وأنت غائب، والثانية شهدت بدرا ولم تشهده، والثالثة كنت ممن ثبت يوم أحد ولم تثبت ‏أنت‏.

- صدقت! أما يوم البيعة فإن رسول الله بعثني في حاجة ومدَّ يده عني‏.‏ وأما يوم بدر فإن رسول الله استخلفني على المدينة ولم يمكنني مخالفته، وكانت ابنته رقية مريضة واشتغلت بخدمتها حتى ماتت ودفنتها‏.‏ وأما انهزامي يوم أحد فإن الله عفا عني وأضاف فعلي إلى الشيطان‏". ثم استشهد بالآية (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم).

‏ بعبارة أخرى لقد جرى تبرير غيابه في بيعة الرضوان ومعركة بدر بصورة مقبولة نسبيا وذلك لتزامنها مع ما كان ينقذه على الأقل أمام الكلمة ومظاهر الأحداث ولحد ما الضمير المتراخي في نعيم الثروة وطيبة القلب. فقد كان تخلّفه عن الاشتراك في معركة بدر مرتبطا بمرض زوجته رقية، حيث أذن له النبي محمد بذلك. وترافق موتها مع انتصار المسلمين في المعركة، فجعله من المشتركين فيها بحيث ضرب له سهمه وأجره فيها، ومن ثم حصوله على حصته من الغنيمة واعتبروه بدريا. وهو فعل يمكن رؤية الأبعاد الرجولية والإنسانية الرقيقة فيه، لكنه فعل بلا فروسية. كما أن تخلّفه عن بيعة الرضوان كانت بطلب من عمر بن الخطاب الذي اقترح إرسال عثمان عوضا عنه إلى مكة لأنه لا ظهير له فيها على عكس عثمان، الذي وجد فيه رجلا مقبولا من جانب قريش بشكل عام وآل سفيان بشكل خاص[5]. أما هروبه في معركة احد، فهي المحك الفعلي لشخصيته. بمعنى أنه سلك هنا السلوك الطبيعي المناسب لما في أعماقه وشخصيته. فالرجل لم يكن فارسا ولم يكن شجاعا ولا متمرسا في القتال. وليس من سبب يدعوه لأن يكون مقاتلا وفارسا بالضرورة. غير أن الشجاعة ليست صفة عضلية، بل شخصية ونفسية وذهنية وأخلاقية. من هنا يصبح فقدانها نقصا جوهريا في الرجال وبلأخص زمن رئاسة الدولة. فانعدامها عادة ما يجعل من ضعف الشخصية مرتعا للرذيلة والجبناء، ومن تاريخ الدولة زمن السلطة.

تعكس الصور والحالات المذكورة أعلاه طبيعة ومضمون الصورة الفعلية لعثمان بن عفان وشخصيته، أي الصورة المعبّرة عن تاريخه الواقعي وليس اللاهوتي. وفي الواقع، لا نعثر على تمايز كبير بينهما. والسبب في ذلك يقوم في أن تاريخه الواقعي عادي للغاية، بمعنى أنه تاريخ بلا مآثر بطولية و"معجزات" يمكن أن تلهب العقل والضمير، ومن ثم ضعف قدرتها على شحذ الذاكرة والخيال في إبداع ما يمكنه أن يرتقى إلى مصاف "السماء" و"سر الغيب". وليس اعتباطا أن تسجل في مآثره أيضا زيادته وتوسيعه للمسجد النبوي والمسجد الحرام وكذلك تحويل الساحل الذي اعتاد عليه أهل مكة من منطقة الشعيبة إلى منطقة جدة. وهي إجراءات عادية، لكنها تصبح مقبولة في سلة "المآثر" مازالت المآثر قليلة فعلا.

والشيء نفسه يمكن قوله عما يسمى بالأوليات، أي أول ما قام به في تاريخ الخلافة والأمة. حيث أدرج فيها مجموعة من الإجراءات والأحداث قد يكون أهمها من الناحية التاريخية والثقافية هو ما يسمى بجمع الناس على حرف واحد في القراءة. والمقصود بذلك جمع القرآن وقراءته بطريقة موحدة. غير أن هذا الانجاز الهائل لم يكن من إبداعه الشخصي بقدر ما ارتبط بزمنه. بمعنى أنه كان جزء من تاريخ القرآن وتطور الإدراك الذاتي العربي الإسلامي بضرورة جمع القرآن بوصفه "كتاب الله". إذ لم يكن هذا الجمع معزولا من حيث مقدماته وأسلوبه وغاياته عن آلية فعل الدولة المركزية وسعة انتشارها ومتطلبات توحيدها الروحي والعقائدي. أما الانجازات الفعلية التي ارتبطت بإرادته السياسية ورؤيته باعتباره أول من قام بها وادخلها في ذهنية وذوق الدولة والسلطة والأمة فهي "قطع القطائع"، و"نخل الدقيق"، و"رزق المؤذنين"، و"اتخاذ صاحب شرطة"[6]. وتعكس هذه المبادرات الأولويات عند عثمان. بمعنى التركيز على توزيع الأرض وشراء ذمم المؤذنين وتوسيع دائرة التجسس والتنظيم الشرعي للمطاردة. ومع أنها جزء من آلية الدولة، إلا أن تراكمها في أولوياته السياسية يكشف عن طبيعة التحول النوعي في الموقف من السلطة.

وحاول توظيف هذا التحول من اجل أن تكون السلطة أداة قائمة بحد ذاتها. مما أدى إلى قلب العلاقة المتراكمة في خلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب تجاه السلطة من خلال جعل السلطة كيانا قائما بذاته وفوق كل اعتبار آخر. فقد كانت خلافة الصدّيق تجسيدا لمرحلة الانتقال من دولة النبوة إلى الدولة السياسية. من هنا دراما تأويل النص القرآني والسلطة. فقد جعلت هذه العملية الاجتهادية من الوحي مصدرا متساميا وواقعيا. بينما دفعها عمر بن الخطاب إلى الأمام من خلال إعلاء شأن الدولة ومؤسساتها، أي من خلال رفع وحدة الدولة والسلطة إلى مصاف المرجعية التي توازي وحدة الدين والدنيا. وهو استمرار كان يصعب على عثمان تحقيق اليسير منه. من هنا تعاظم التشوه الفعلي في مكونات الدولة والسلطة، والدين والدنيا. بمعنى تعاظم الخلاف والتشوه في الموقف من كمية ونوعية المرجعيات الخفية والعلنية المتراكمة في الوعي السياسي والأخلاقي الإسلامي قبل صعوده إلى سدة الحكم. من هنا بروز أولوية توظيف الوحي (الدين) في كل ما يمكن أن تصل إليه الأيادي وتنطق به الألسن. لاسيما وأن الدولة لم تستطع آنذاك بعد أن تؤسس لقواعد عمل السلطة ونظامها على أسس شرعية وواضحة المعالم.

***

 

ا. د. ميثم الجنانبي

........................

[1] يورد الطبري هذه القصة بالشكل التالي:" فقد استلم الخاتم الذي جرى تصنيعه للنبي محمد عندما أراد أن يكتب إلى غير العرب كتبا يدعوهم إلى الإسلام. عند ذاك قالوا له، بان الأعاجم لا يقبلون كتابا إلا مختوما‏.‏ عندها طلب بان يعملوا له خاتم من فضة. وكان نقشه ثلاثة أسطر تحمل كلمات محمد ورسول والله. ولما استخلف أبو بكر ختم به‏.‏ ثم ولي عمر بن الخطاب فجعل يختم به. وعندما صار إلى عثمان فتختم به ست سنين. لكنه أضاعه في بئر كانت قليلة الماء عندما جاءه ذات يوم فقعد على رأسه يعبث بالخاتم، فسقط من يده في البئر. ولم تفلح محاولات البحث عنه، بحيث نراه يوعد الذي يعثر عليه بجائزة كبيرة ولكن دون جدوى. وقد اغتم عثمان لذلك غما شديدا، فلما يئس منه صنع خاتما آخر على مثاله ونقشه، فبقي في إصبعه حتى قتل. ثم ضاع هذا الخاتم ولم يعلم من أخذه" (الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص 614، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص 9.)

[2] السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 119.

[3] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص55.

[4] السيوطي: تاريخ الخلفاء ص120

[5] الذهبي: تاريخ الإسلام، ج1، ص 253. ‏

[6] السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص131.

 

 

mutham aljanabi2تقديم عام: إن الغاية من سلسلة المقالات المتعلقة بتناول قضية (شخصيات وأفكار وقيم من التراث) التي اخصصها لتناول أفراد لهم أثرهم في تاريخ الفكر والروح والدولة،وأفكار وقيم مازالت فاعلة رغم عقمها أو خطأها، ترمي إلى وضعها ضمن سياق وجودهم التاريخي من جهة، وتحليل ما فيهم ضمن ثنائية السلطة – المثقف، والخير والشر، والجميل والقبيح من جهة أخرى. لاسيما وأن هذه العلاقات هي في الوقت نفسه إحدى المعضلات الكبرى للتاريخ الفعلي ووعي الذات القومي والثقافي. كما أنها باقية ما بقيت السلطة والدولة. وبالتالي يمكن النظر إليها باعتبارها "قضايا أبدية" ما لم يرتق الروح إلى مصاف الأبد، أي ما لم يجري تذليل مراحل الوجود الطبيعي للبشر والوعي ومؤسسات وجودهم التاريخي. وهو الخلاف الجوهري بين ثقافة الأشباح والأرواح، أي كل ما يمكننا رؤيته أيضا في سعة وانتشار ثقافة الارتزاق المعاصرة، وكثرة "المفكرين" الجهلة للسلطات والأحزاب، وتحويل الخير إلى شر وبالعكس، وجعل القبيح جميلا وبالعكس. بعبارة أخرى، ان المهمة الأساسية من وراء هذه المقالات الصغيرة هو شحذ الرؤية النقدية في الموقف مخ التراث وتنقيته من زيف "القداسة" وما شابه ذلك من تخريف للعقل وحشوه بخزعبلات التدين المزيف والإرادة المخذولة. أما الغاية النهائية فتقوم في بلورة الوعي النقدي والعقلاني من الماضي والمستقبل بما يخدم صنع الإجماع العلمي المحكوم بالنزعة الواقعية والعقلانية والإنسانية.

***

عبد الرحمن بن عوف

توفي عبد الرحمن بن عوف عام32- 33 للهجرة. اسلم بعد أن بلغ الثلاثين من العمر. وعادة ما يجري إدراجه ضمن أوائل المسلمين. وليس مصادفة أن يدخل ضمن ما يسمى بالعشرة المبشرين بالجنة. وهي العبارة التي تكشف عن قيمة واثر أولئك الذين كان إسلامهم دخولا في عالم مجهول. وبالتالي لم يكن التبشير بالجنة سوى الضوء الساطع في نهاية "الغيب" الذي قدمه الإسلام آنذاك.

كان اسمه الأول عبد عمرو فغيرّه النبي محمد إلى عبد الرحمن. اسلم وهو كبير الثروة. وتعرض بأثر ذلك لمضايقات قريش وأذاهم. واضطر للهجرة مرتين (الحبشة والمدينة). تبرع بأمواله من اجل الإسلام. حيث تصدق مرة بأربعين ألف دينار وخمسمائة فرس! وعندما اضطر للهجرة إلى المدينة، فانه رفض مقاسمة الأنصار أموالهم. وكان طلبه الوحيد معرفة مكان السوق! إذ كان رجلا عمليا مولعا بالتجارة وماهرا بشروطها وأسرارها. عندها اخذ بتوسيع الثروة. وإليه تنسب العبارة القائلة:"لو رفعتن حجرا لوجدت تحته ذهبا!". وليس مصادفة أن يجمع ثروة هائلة بحيث نراه يوصي منها لأهل السبيل فقط بخمسين ألف دينار. وترك مما لم يوص به ألف بعير، وثلاثة ألف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع. بل ينقل عنه انه قال مرة عن نفسه "إني أخشى أن أكون قد هلكت! إني من أكثر قريش مالا". كما ينقل عنه بكاءه قبيل وفاته وقوله:"إن مصعب بن عمير كان خيرا مني ولم يكن له ما يكفن به. وان حمزة بن عبد المطلب كان خيرا مني لم نجد له كفنا. وإني أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته في الحياة الدنيا، وأخشى أن احتبس عن أصحابي بكثرة مالي".

وفي نفس الوقت كان متواضعا في سلوكه الحياتي، بحيث قيل عنه بأنه ما كان يعرف من بين عبيده بسبب تواضعه، كأنه مثل الرقيق يحمل كما يحملون، ويأكل كما يأكلون، ويسير كما يسيرون. وقد أثارت هذه الصفات المتضادة والمتعارضة في زمنه تعارض الآراء واختلافها حوله. لهذا قال بعض المسلمين عنه عندما تصّدق للمرة الأولى في المدينة بأربعة آلاف دينار:"إن عبد الرحمن لعظيم الرياء!". غير أن سلوكه هذا كان جزء من شخصيته الغريبة التي نعثر عليها أيضا في سلوكه الحياتي والسياسي والعقائدي.

فقد هاجر الهجرتين وشهد اغلب المعارك الأولى. ومن بين اكبر مآثره بهذا الصدد قتاله في معركة احد وإنقاذه النبي محمد وتعرضه إلى طعنات الحرب بحيث أصيب، كما يقال بأكثر من تسعين طعنة. وتعرض بأثر إحداها إلى شلل يده. بل أن كل ملامحه كانت تشير إلى اثر الحياة والمعارك من هتم وعسر وعرج! وبالقدر الذي كان يتصف باللين والنعومة، فانه كان شجاعا مقداما. وبالقدر الذي كان غنيا، فانه كان سخيا كريما. بحيث جعلت منه هذه الخصال، إضافة إلى كونه من أوائل المسلمين و"العشرة المبشرين بالجنة"، أن يدخل مجموعة الستة المكونين لهيئة الشورى.

لكن سلوكه الذي اتصف بالتخلي الشخصي عن الخلافة كان يحتوي على مؤامرة صغيرة في تسليمها لعثمان. إذ لم يخل هذا الموقف السياسي من رياء أخلاقي محكوم بالثروة وأثرها في بلورة المواقف العملية! خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما كان لهذا الفعل والموقف من اثر مباشر وغير مباشر في إثارة الحمية الأموية ونموها اللاحق، واندثار معالم الإسلام الأول. مع ما ترتب عليه من تحويل التضحيات الكبرى من اجل تحقيق المبادئ الاجتماعية والأخلاقية الكبرى للإسلام الأول إلى مجرد عبث وأنقاض لا قيمة لها.

إن حياة وممات عبد الرحمن بن عوف وأثره اللاحق، تكشف عما في الشخصية الإنسانية من تناقض يصعب حده أحيانا بمعايير المنطق، لكنها تبرهن في الوقت نفسه، بان حقيقتها لا تقوم في سماء اللاهوت أيا كان مصدره وشكله ومستواه، بل في قاع الضمير الأخلاقي والسياسي للأمم. الأمر الذي أبقى عليه واحدا من "عشرة مبشرين بالجنة" إلى جانب ملايين أو مليارات يمكنهم التعويل عليها، لكنه اضمحل وتلاشى من الذاكرة الحية لجنان الروح الإنساني ومغامرات البحث عن العدل والنظام الأمثل.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

jafar alhakeemفِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ (لوغوس) وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ (اله)

هذه هي المقدمة الاستهلالية للانجيل المنسوب إلى (يوحنا) والتي دائما ما يستشهد بها الاخوة المسيحيون لاثبات الوهية يسوع الناصري، ويكثرون من ترديدها في كل مناسبة.

وفي سياق مناقشة هذا النص، يجب اولا توضيح حقيقة مهمة جدا، وهي ان هذا النص الشهير، ليس كلام الله،ولا كلام يسوع المسيح!، وإنما هو مجرد عبارات سطرها الأشخاص المجهولون الذين قاموا بتأليف الانجيل المنسوب ليوحنا!

والقارئ للكتاب المقدس يلاحظ بشكل واضح ان يسوع المسيح لم يستخدم ابدا لفظة (الكلمة) في توصيف نفسه، رغم ورود عبارات وجمل كثيرة منسوبة ليسوع يتحدث فيها عن نفسه، مع ذلك لم يقل ابدا عن نفسه انه (الكلمة!)

الامر الاخر، الذي يلاحظه القارئ للكتاب المقدس، هو ان لفظة (الكلمة) وردت مرارا وتكرارا في نصوص العهد القديم وكذلك الجديد، لكنها ابدا لم ترد ضمن المعنى الذي وضعه المؤلفون لانجيل (يوحنا) ولا حتى ضمن معنى قريب منه!

فقد وردت لفظة الكلمة احيانا بمعنى (الشريعة) واحيانا بمعنى (الوحي) واحيانا اخرى بمعنى الاوامر الالهية، والشواهد كثيرة ولا نحتاج لإيرادها،لأنها معروفة لكل من تصفح الكتاب المقدس!

من خلال التمعن في كلمات النص الاستهلالي والافتتاحية التي هي أقرب الى الاشعار الرومانسية للانجيل المنسوب الى (يوحنا) نلاحظ ان معنى لفظة (الكلمة) والذي اقحمه المؤلفون لهذا الانجيل، هو معنى غريب وغير متسق مع دلالة نفس اللفظة في متون الكتاب المقدس، وانما تم اقحامها في هذا الإنجيل المتأخر زمنيا عن باقي الأناجيل من أجل غرض معين!

ان اقحام معنى غريب عن ادبيات الكتاب المقدس، تسبب في اخراج نصا مشوها، ينقض بعضه بعضا، ويبدو ان السادة كتبة إنجيل (يوحنا) لم يكونوا مهتمين بهذا الأمر!

بقدر اهتمامهم بتقديم تصورا لاهوتيا جديدا من اجل ترسيخه في أذهان المؤمنين!

وهذا المفهوم، يتحدد بشكل واضح في العبارة التي اثبتها هؤلاء الكتبة - بعد اللف والدوران- وهي عبارة

(وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ،مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ،مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا)يوحنا 1/14

بعد هذه العبارة، يتضح المعنى الذي يراد ترسيخه، وهو ان يسوع المسيح هو الكلمة، وهو أزلي غير مخلوق وهو نفسه (الله) المتجسد في شكل انسان، وانه اقنوم (الابن) الذي يساوي مجده نفس مجد (الاب!)

ان لجوء كتبة هذا النص الى المخاتلة اللفظية والتلاعب بدلالة الالفاظ، اوقعهم في تناقضات عجيبة، تسببت في تهافت المعنى الذي يراد إيصاله، بل وتناقضه مع بعضه البعض، وتناقضه مع سرديات بقية نصوص الكتاب المقدس!

فعندما اراد كاتب النص الإشارة الى ازلية المسيح، استخدم تعبير (في البدء كان الكلمة!)، فقام بنفسه بنسف هذا المعنى!

والسبب بسيط وواضح، فعبارة (في البدء) لا تعني ابدا (الازلية) وان كانت احيانا تعني (الاقدمية)، فعندما يقول الكتاب المقدس (في البدء خلق الله السموات والارض) لايفهم القارئ ان المقصود هو ازلية السماء والارض!

ونلاحظ ان هذا التناقض الواضح قد اوقع اللاهوتيين الذين حاولوا شرح هذا النص في اضطراب شديد، فصاروا يحاولون تاويل هذا التناقض بتفسيرات سطحية وساذجة!، حتى صار بعضهم يلجأ الى معاجم اللغة العربية ويلف ويدور، ليخرج لنا بتفسير يقول : ان (في البدء) تعني الأقدمية! ليفسر لنا الماء...بعد الجهد...بالماء !!

ومن التناقضات التي يحملها هذا النص، عبارة(والكلمة كان عند الله!) فهذه العبارة تنقضها العبارة التي تليها (وكان الكلمة الله) لأن المعنى الذي تستوجبه العبارتين يستدعي ان يكون(الله عند الله!) وهذا المفهوم لايتسق مع أي منطق!

وكما اوضحت آنفا، ان كل هذه اللفة والدوران التي قام بها كتبة هذا النص، غرضه هو الوصول للنتيجة التي يريد هؤلاء السادة تمريرها، وهي أن (الكلمة) هي (الله المتجسد) على شكل (يسوع المسيح!)

ولو سلمنا لهم بهذا المعنى، فسيحدث اضطراب كبير في مفهوم الإيمان،لأن هذا المعنى يستلزم ان يكون أقنوم

(الابن/ الكلمة) هو الخالق الذي(به كل شيء كان وبغيره لم يكن!)

فهل هذا يشمل بقية الأقانيم (الآب والروح القدس)؟!

هل هذه الاقانيم خلقها اقنوم (الكلمة الابن) ام كانت مخلوقة معه؟! والنص يقول(به كل شيء كان!!!)

ومن المفارقات الغريبة لهذا النص المتناقض، والذي تم اقحامه على نصوص الكتاب المقدس لغرض اعطاء بعدا لاهوتيا لشخص المسيح، ان هذا النص ليس فيه اي اشارة الى الاقنوم الثالث الذي يتشكل منه الله واعني به (الروح القدس!)

والسبب واضح، وهو ان هذا النص تمت كتابته في اوائل القرن الثاني الميلادي، بينما لم يتم (ترقية)  الروح القدس الى درجة الالوهية الا في اواخر القرن الرابع الميلادي !

ولا اريد الاستفاضة في نقد وتبيان تناقضات النص الاستهلالي لانجيل يوحنا، لان ذلك يتطلب مقالا او اكثر، ولان هناك الكثير من الردود والشروح الرائعة لكثير من الشباب على الشبكة العنكبوتية، توضح تهافت وتناقض النص، ويستطيع من يريد الاستزادة الرجوع اليها، لكني فقط اود الاشارة الى التلاعب وتحريف الترجمة التي عمد اليها مترجمو النص،حين وصلوا الى عبارة (وكان الكلمة الله) حيث قاموا بترجمة كلمة (اله) إلى كلمة (الله) لكي يضبطوا تحريف معنى العبارة !!

لأن النص الاصلي يذكر كلمة (اله) والتي تعني احيانا الشخص الذي يملك السلطان الالهي كما هو الحال مع (موسى) حيث نجد ان الله يخاطبه في العهد القديم قائلا:

(انا جعلتك الها لفرعون)

اما في نص إنجيل يوحنا المتقدم قام المترجمون بتحريف الكلمة(اله)  الى كلمة (الله) لكي يكون يغيروا المعنى بشكل مختلف تماما، من اجل ان يتسق مع العقيدة التي يريدون تسويقها!!

وبالرجوع الى أسباب إقحام هذا النص الهجين في الكتاب المقدس،بل وجعله مقدمة افتتاحية للانجيل المتأخر زمنيا، علينا ان نتتبع اصل الفكرة التي اقتبسها الذين كتبوا هذا النص، وهي فكرة (اللوغوس) والتي قام هؤلاء الكتبة بإعطائها معنى جديدا، وهو (الكلمة) بعد ان كانت متداولة بمعنى (العقل)

ان عقيدة الكلمة (اللوغوس) هي بالأصل فكرة مسروقة من فلسفة يونانية قديمة كان (هيراقليطوس) اول من تكلم بها في القرن السادس قبل الميلاد حيث انشأ فلسفته على اساس ان كل شيئ في الكون يديره وينظمه عقل الله(اللوغس) الازلي!

ثم جاء (فيلون السكندري) في نهايات القرن الاول الميلادي و طور هذه الفكرة واعتبر (اللوغوس) هو أقدم شيئ في العالم وبه قد تم خلق كل شيئ في هذا الكون!

هذه الأفكار كانت منتشرة و رائجة في أوساط الجاليات الناطقة باليونانية ومدنها، وخصوصا في مدينة (افسس) التي يعتقد ان كتابة انجيل (يوحنا) قد انجزت فيها، والتي هي بنفس الوقت المدينة التي عاش فيها (هيراقليطوس) صاحب فكرة (اللوغوس)

بالنسبة للانجيل المنسوب ليوحنا، وحسب اشارات الكثيرين من مؤرخي الكنيسة، فقد تم كتابة هذا الإنجيل، للرد على الهرطقات التي بدأت تنتشر في ذلك الوقت!، ونحن نتكلم هنا عن الفترة ما بين نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني

وواضح جدا، ان المقصود بالهرطقات، هي العقائد التي كان يتبناها الكثير من المسيحيين الاوائل، والتي لا تؤمن بالوهية يسوع الناصري ولا تتخذ منه إلها معبودا

ورغم ان المؤرخين المسيحيين حاولوا دائما طمس واخفاء المعالم التي تشير الى الصورة الكاملة لتنوعات الايمان المسيحي المبكر، وتصوير المشهد مقتصرا على مسيحية الكنيسة وإيمانها القويم، الا انه ورغم ذلك،تسرب لنا بعض الاخبار عن مجاميع مسيحية كان لها ايمانا لا يتطابق مع الكنيسة كالغنوصيين والأبيونيين

لقد كانت طائفة الابيونيين المسيحية تمثل مجموعة مبكرة من المسيحيين المتهودين، والذين كانوا يتبعون يسوع الناصري ويعتبرونه (نبيا مختارا) من الله، وبنفس الوقت اختلفت طائفة الأبيونيين (ابيونيم تعني: الفقراء) مع ايمان الكنيسة الارثوذكسية، في صفات يسوع الناصري، حيث كانوا يعتبرونه بشرا عاديا، ولا يؤمنون بولادته العذرية، ولا بمسيحانيته

في هذا الجو المليئ بالافكار المتضادة حول المسيح، تم تاليف الانجيل المنسوب ليوحنا، متضمنا مقدمته الاستهلالية والتي تؤكد على اعطاء يسوع الناصري بعدا لاهوتيا، لغرض الرد على أفكار المجاميع المسيحية الأخرى، كالابيونيين، و لغرض تثبيت الإيمان الذي يسوق له المؤلفون لهذا الانجيل في نفوس اليونانيين الذين بدأوا بمفارقة الوثنية واعتناق الايمان الجديد، وذلك من خلال اقتباس فكرة يونانية راسخة لدى تلك الجالية،وهي  فكرة (اللوغوس) وتطويرها لكي تصبح موائمة للوضع العقدي الجديد، وقد نجحوا فعلا، في جعل الوثنيين اليونانيين يتقبلون الفكرة القديمة/الجديدة ويعتنقونها كعقيدة!

فصار اللوغس(العقل) يعني (الكلمة) وأصبح يسوع هو التجسد لهذه الكلمة، والاله الجديد الذي حل محل الالهة القديمة!

وبهذه التوليفة العقدية الجديدة، تم ترسيخ فكرة ازلية يسوع الناصري، وجعله خالقا بعد ان كان مخلوقا!

من خلال نص هجين متهافت المعنى تم اقتباسه من فلسفة يونانية، و اقحامه في نصوص تم اعطاءها، لاحقا، صفة القداسة، رغم التناقض المخل، والاضطراب البين في المفهوم الكلي الذي حاولت معاني تلك النصوص تشكيله!! 

 

حوارات في اللاهوت المسيحي 26

د. جعفر الحكيم

 

 

mutham aljanabi2لقد ارتقى إدراك عمر بن الخطاب لمبدأ الدولة وأولويتها بالنسبة للدين والدنيا إلى مصاف المرجعية الكبرى. بحيث تحولت عنده في وقت لاحق إلى مبدأ شامل. بل تحول عمر بن الخطاب نفسه إلى قوة جامعة متحركة في تتبعها لكل شيء ومكان يمكن أن تصل إليه يداه وساقاه ونظره وعقله وفؤاده. الأمر الذي كان يعني من الناحية الفعلية تداخل الدولة والسلطة على مثال تداخل الدين والدنيا. بحيث أصبحت علاقة السلطة بالدولة الوجه العملي لعلاقة الدين بالدنيا. ولم يفتعل عمر بن الخطاب هذا التداخل، بقدر ما كان ينبع من وحدة شخصيته وتمثله للرؤية الإسلامية التي جمعت في أعمق أعماقها الحمية العربية الجاهلية (الواقعية) والإسلامية (الأخلاقية المتسامية). ومن الممكن تلمس هذا التداخل في ارتقاء وحدة الدين بالدنيا للدرجة التي كانت تجعله يتتبع أدق الصغائر ومعاملتها بطريقة جعلت منه مثالا للشخصية التي لا تأخذها في الحق لومة لائم. لهذا امتلأت كتب التاريخ والمناقب عنه بحكايات لا تخلو من الطرافة الواقعية، مثل الحكاية المروية عن إرسال قيصر الروم رسولا إليه لينظر أحواله ويشاهد أفعاله. فلما دخل المدينة سأل أهلها:

- أين ملككم؟

- ما لنا ملك، بل لنا أمير خرج إلى ظاهر المدينة.

فخرج في طلبه فرآه نائما في الشمس على الأرض فوق الرمل الحار وقد وضع درته كالوسادة والعرق يسقط من جبينه إلى أن بلّ الأرض. فلما رآه على هذه الحالة، وقع الخشوع في قلبه وقال: رجل تكون جميع الملوك لا يقر لهم قرار من هيبته وتكون هذه حالته! لكنك يا عمر قد عدلت فأمنت، وملكنا بجور فلا جرم أنه لا يزال ساهرا خائفا"[1]. وقد غذت هذه الصورة المثالية للخيال الواقعي وحدة الدين والدنيا في سلوكه العملي، بوصفها الصيغة الروحية لوحدة الدولة والسلطة السياسية.

فمن المعروف عنه كونه دائم الرقابة لنفسه، ولكل ما يترامى على ارض الخلافة. لهذا نراه يقول:"والله لو أن بغلة عثرت بشط الفرات لكنت مسئولا عنها أمام الله، لماذا لم أعّبد لها الطريق". وكيف كان يخرج في الليل يطوف مع العسس حتى يرى خللا يتداركه. وكان يقول:"لو تركت عنزا جرباء على جانب ساقية لم تدهن لخشيت أن اسأل عنها يوم القيامة"[2]. وقد جسّدت هذه الرؤية وحدة الدين والدنيا بوصفها الوجه المثالي لوحدة الدولة والسياسة التي حصلت على رونقها المتألق في فكرة الخلافة الرشيدة. كما حصلت على نموذجها الأولي الكبير في خلافته وشخصيته السياسية. وليس اعتباطا أن ترتبط من الناحية التاريخية تسمية أمير المؤمنين بخلافته، بوصفها التسمية التي تعكس الارتقاء الجديد لوحدة الدين والدنيا إلى مصاف الدولة والسلطة، أي وحدتها النموذجية المحكومة بمبادئ العدل.

وقد نسج الخيال الإسلامي اللاحق عن هذه الخلافة صورا جميلة ومثيرة للوجدان، لكنها واقعية بمزاج المرحلة وعقائدها الكبرى. وهو خيال له أصوله في أصل الشخصية العمرية، وجد تعبيره السياسي والمثالي في مظهر ومضمون فتح إيلياء (القدس) ودخولها، والعقد التاريخي معها. فقد قبل آباء الكنسية فيها. ودخلها كما دخلها قبل قرون المسيح على بغلة، كما لو أنه يعيد تاريخ الوحدة الروحية في التعامل مع أحد الرموز الحيوية في الفكرة الدينية والتاريخية. لكنها احتوت في سلوك عمر بن الخطاب على بعد سياسي خاص يقوم في تأسيس أحد الأنماط الواقعية والعقلانية الإنسانية في وحدة الدولة والسلطة، والديني والدنيوي. بمعنى أنها أرادت الجمع بين مكونات طبيعية آنذاك ولكن من خلال رفعها إلى مصاف النموذج الروحي. وإذا كانت مظاهرها توحي بأولوية الانتماء إلى تاريخ الروح والمقدس، فإن مضمونها كان يسير في اتجاه ترسيخ تاريخ الدولة والسلطة. بمعنى انه كان يتغنى باغتناء التاريخ الروحي والسياسي.

فقد كان نمط ونموذج دخوله للقدس يحتوي على ما يمكن دعوته بالدعاية السياسية لتقمص مسيح القوة الصاعدة، مسيح الدولة والسلطة الروحية العملية، كما نراها في "وثيقة العهد العمرية"، التي أعطت الأمان لسكنتها وكذلك لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها، بحيث لا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن معهم أحد من اليهود، كما أرادوا. وهي ممارسة ودعاية عملية لا افتعال فيها. بل يمكن اعتبارها الصيغة التاريخية الإسلامية لفكرة العدل المتسامية، التي كانت صورة المسيح الإسلامية أحد أشكالها الرفيعة. من هنا طابعها العملي "الخشن". وذلك لأن حقيقة المسيح هي خشونة أبدية ورّقة أزلية تربطهما فكرة البساطة المميزة لأدراك حقائق الوجود الكبرى. من هنا اتخاذها في شخصية الخليفة (عمر) أنموذج الخلافة لفكرة الحق البسيطة والمباشرة. فقد كان عمر بن الخطاب عفيفا تاما في أدق خلجات نفسه وحياته من المال العام. حتى إنه جعل نفقته ونفقة عائلته كل يوم درهمين، مقابل توزيع أموال الخراج على المسلمين، ولا يبقي لنفسه منه شيئا. ووجدت هذه الحالة انعكاسها العملي في تلك النادرة التي تصوّره وقد أتى المنبر، وكان قد اشتكى ألما في بطنه فوصف له العسل. وكان في بيت المال آنية منه، فقال يستأذن: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلا فإنها علي حرام! فأذنوا له فيها!! وحصلت هذه الممارسة على تعبيرها الفكري في عبارته القائلة:"أنزلت مال الله مني منزلة مال اليتيم، فإن استغنيت عففت عنه، وإن افتقرت أكلت بالمعروف".

لقد كانت ممارسته تتمثل فكرة الدولة من خلال السلطة، والسلطة من خلال الدولة. وأرتقى تجسيد فكرة العدل الإسلامية على المستوى الفردي والحكومي إلى مصاف النموذج الإسلامي الأمثل والأصدق. وليس مصادفة أن يكون عمر بن الخطاب ممن نقل الحديث النبوي القائل "لم يخل الله تعالى في الأرض شيئا أفضل من العدل. والعدل ميزان الله في أرضه. فمن تعلق به أوصله إلى الجنة"[3]. لهذا نراه يتمسك به بحذافيره، بحيث أقام الحد (العقوبة) على ابنه حتى الموت. وكذلك يقول:"يجب علي أن أسافر لأقضي حوائج المسلمين في أقطار الأرض، لأن بها ضعفاء لا يقدرون على قصدي في حوائجهم لبعد المكان. وينبغي أن أطوف في البلاد لأشاهد أحوال العمال وأسبر سيرتهم"[4]. ووضع هذا السلوك والمثال الفردي في موقفه من السلطة وعمالها. فقد كان يقول لمن ينفذه عاملا على مصر من الأمصار، أي يجعله مسئولا عن منطقة من مناطق الخلافة:"اشتروا دوابكم وأسلحتكم من أرزاقكم، ولا تمدوا أيديكم إلى بيت مال المسلمين، ولا تغلقوا أبوابكم دون أرباب الحوائج"[5]. كما كان إذا بعث عاملاً كتب ماله، حتى يحاسبه إذا ما استعفاه أو عزله عن ثروته وأمواله. وكان أيضا يدقق الاختيار لمن يتولون أمور الدولة والأمة، أو يتعرضون لحوائج المسلمين، ويعد نفسه شريكا لهم في أفعالهم. لهذا كان يقول بعد أن يبرك على ركبته:"اللهم أعّني عليهم، فإن كل واحد منهم يريدني على ديني!"

إننا نعثر في كل هذه الأقوال والأعمال على أحوال وأمثلة تجّسد فكرة وحدة الدولة والسلطة، بوصفها الصيغة الضرورية لمرجعية الدين والدنيا. بحيث رفعها عمر بن الخطاب إلى ما يمكن دعوته بفريضة الروح الإسلامي الحق. وفيها يكمن تأسيس إمكانية التمثل الواعي لتجارب الدول السابقة يغض النظر عن أصولها وعقائدها الدينية والفكرية، مثل تدوين الدواوين، واتخاذ بيت المال، وإنشاء المدن الجديدة، و"تمصير الأمصار"، والاستمرار في توسيع الفتوحات. حيث فتحت في عهده العراق والشام وفارس ومصر وليبيا وأذربيجان ونهاوند وجرجان. كما نراه يخرج اليهود من الجزيرة، ويجعل الهجرة بداية التأريخ الإسلامي، ويقنن الجزية على "أهل الذمة" ويعفي منها الشيوخ والأطفال والنساء. ويشير هذا السلوك إلى ما يمكن دعوته بالتوحيد المستمر لفكرة الدولة والسلطة لكي تشمل آلية عملها كل دقائق الأمور من خلال تجسيدها وتحقيقها الفردي في شخص الخليفة بوصفه أميرا للمؤمنين.

لقد كانت إمارة المؤمنين تعني من الناحية الواقعية والرمزية إمامة التحول الضروري في صيرورة الدولة والسلطة التي جعلت من أسلمة الدولة ومد سلطانها على كل شيء فعلا كليا واحدا. واستطاع عمر بن الخطاب ترسيخ أسسه هذه العملية في غضون عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام من خلافته. وهي عملية كانت تفترض في مسارها الطبيعي الانتقال من الباطن إلى الظاهر. بمعنى استكمال المقدمات التي أرساها أبو بكر. فإذا كانت خلافة أبو بكر تتمثل نهاية الوحي وبداية الخلافة، فإن إمامة عمر كانت تتمثل بداية الوحدة المتماسكة للدولة والسلطة بوصفها دراما الوحدة الصلبة للدين والدنيا، أي استكمال مهمة الدولة من خلال توسيع مدى السلطة وتأثيرها المباشر وغير المباشر على مختلف جوانب ومستويات الحياة. بحيث جعلت من التأويل السياسي نهاية الوحي المقدس. وبالتالي فسحت المجال أمام التأويل بوصفه اجتهادا. مع ما ترتب عليه من تحويل النص القرآني والنموذج النبوي إلى نص الدولة وكلمة الحق. ومن ثم إعلان وإعلاء أولوية الظاهر. وهو تحول يلازم بالضرورة توسع وترسخ منظومة عمل الدولة والسلطة. لهذا نرى عمر بن الخطاب يعلن في بعض خطبه قائلا:"أيها الناس قد كان الوحي ينزل في عهد رسول الله، فكنا نعرف به ظاهر الناس وباطنهم، جيدهم ورديئهم. والآن قد انقطع الوحي عنا. فنحن من كل أحد إلى علانيته والله اعلم بسريرته. وأنا على العهد وعمالي أن لا نأخذ شيئا بغير حق، ولا نعطي شيء بغير حق"[6].

إننا نقف هنا أمام تحول هائل في فكرة الحق من علياء الوحي المقدس إلى اجتهاد الرؤية السياسية. إذ ليس المقصود بالحق هنا سوى الحق السياسي، أي الحق المحكوم برؤية السلطة عن المصلحة العامة والخاصة. ويبدو هذا الأمر جليا في رؤية عمر وممارساته التي كانت تهدف إلى جعل الحق والحقيقة مقومات أساسية في ترسيخ وتوسيع السلطة والدولة. من هنا الاعتداد الفطري بالحق وتجسيده الفردي. بحيث نراه يقول مرة في إحدى خطبه:"اعلموا أن شدتي التي كنتم ترونها ازدادت أضعافا عن الأول على الظالم والمعتدي، والأخذ للمسلمين لضعيفهم من قويهم. وأني بعد شدتي تلك واضع خدي إلى الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف، إن كان بيني وبين من هو منكم شيء من أحكامكم أن امشي معه إلى من أحبه منكم فينظر فيما بيني وبينه. فاتقوا الله وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولأني الله من أمركم". ويتمثل هذا الموقف الأبعاد الأخلاقية المثلى لفكرة الحق السياسي من خلال جعله معيارا لظاهر وباطن السلطة في موقفها من كل شيء. وقد كانت تلك المقدمة الضرورية لإعادة إنتاج الدورة الكاملة للدولة والسلطة، باعتبارها دورة مستمرة: دولة – سلطة – دولة. ومن خلالها تجسيد القدر الممكن لنموذج الحق الأخلاقي. فنراه يقول لأبي عبيدة حالما ولاه على جند الشام:"وليتك أمور المسلمين فلا تستحي، فإن الله لا يستحي الحق. ولا تنفذ المسلمين إلى الهلاك رجاء غنيمة". وهي الفكرة الأولية التي جعلت من وحدة الدين والدنيا مدخلا لتوسيع رقعة الدولة ومنعتها الداخلية بالحفاظ على قواها الذاتية. وحالما جرى انجاز هذه المهمة، فإن توجهه أخذ يسير صوب ترسيخها. من هنا كتابته لأبي موسى الأشعري قائلا:"إذا كانت بين القبائل نائرة (عداوة) وتداعوا بآل فلان، فإنما تلك نجوى الشيطان فاضربهم بالسيف حتى يفيئوا إلى أمر الله، وتكون دعواهم إلى الله وإلى الإمام".

كانت مساعي عمر بن الخطاب لإخضاع الجميع إلى الله والإمام أو الدين والدولة، المقدمة الضرورية لتوحيد الحق السياسي والأخلاقي. ووضع هذه الرؤية في حكمة سياسية عملية تقول في إحدى ملاحظاته لأبي موسى الأشعري:"إذا زاغ العامل زاغت رعيته. وإن أشقى الناس من شقيت به رعيته". كما كتب مرة إلى معاوية (وقيل إلى أبي عبيدة) قائلا:"إياك والاحتجاب، وأذن للضعيف وأدنه حتى تبسط لسانه وتجرئ قلبه". وقد تمثلت هذه الحكمة العملية والسياسية مفهوم الحق السياسي للسلطة، بوصفها أداة الدولة الرشيدة. أما صيغها العملية فينبغي أن تحقق مضمونها المتنوع بوصفه حقا أخلاقيا أيضا. وقد تكون الخطبة التي أوردها أبو يوسف في (كتاب الخراج)، أحد النماذج الدقيقة عن هذه الرؤية والاتجاه في تحويل الحق السياسي إلى حق أخلاقي وارتقائهما سوية في وحدة الدولة والسلطة بوصفها النموذج العملي لوحدة الدين والدنيا. فقد ابتدأها بفكرة عامة تقول، بأن "المال لا يصلحه إلا ثلاث، أن يؤخذ بالحق، ويعطى في الحق، ويمنع من الباطل". واختتمها بموقف شخصي يقول:" فلا يقولن أحد منكم أن عمر تغير منذ ولي. أعقل الحق من نفسي، وأتقدم وأبين لكم أمري. فأيما رجل كانت له حاجة، أو ظلم مظلمة، أو عتب علينا في خلق، فليؤذنني (يعلمني). فإنما أنا رجل منكم، فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم، وحرماتكم وأعراضكم. وأعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إليّ. فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة"(ميل). وما بينهما حدد الملامح العامة للعلاقة بين السلطة والمجتمع بوصفها علاقة مبنية على وحدة الحق السياسي والأخلاقي. إذ ابتدأها بحقه القائم في أن لا "يدع أحدا يظلم أحدا ولا يعتدي عليه حتى يضع خده على الأرض، ويضع قدمه على الخد الآخر حتى يذعن للحق". وهو حق سياسي مهمته تحقيق المضمون الأخلاقي للحق. أما وجهه الآخر فهو حقوق الأمة عليه في "أن لا يجبي شيئا من خراجهم ولا مما أفاء الله عليم إلا من وجهه"، و"إذا وقع في يديه أن لا يخرج منه إلا في حقه"، و"أن يزيد أعطياتهم وأرزاقهم وسدّ ثغورهم"، و"أن لا يلقيهم في المهالك ولا يجمرهم (يحبسهم) في ثغورهم".

لقد تكاملت شخصية عمر مع تكامل الفكرة الإسلامية وانتقالها من الغيب اللاهوتي إلى تاريخ الدولة. وتمثل معالم الانتقال الكبرى من الفكرة المجردة إلى الواقعية، ومن الوحي المقدس إلى التأويل السياسي. وبهذا يكون قد جسّد بداية الصيرورة الثقافية للدولة والسلطة، التي حققها بمعايير الوحدة الإسلامية للدين والدنيا. وفي هذا يكمن السبب القائم وراء غياب المعارضة الفكرية والروحية غيابا تاما. لكنه كان أكثر من صنعها وأسس لها من خلال تأسيسه لمرجعية الدولة والسلطة المحكومة بفكرة العدل والحق السياسي ومثالها الروحي في وحدة الدين والدنيا.

***

 

 ا. د. ميثم الجنابي

..................

[1] الغزالي: التبر المسبوك، ص117.

[2] الغزالي: التبر المسبوك، ص115.

[3] الغزالي: التبر المسبوك، ص194.

[4] الغزالي: التبر المسبوك، ص206

[5] الغزالي: التبر المسبوك، ص 205-206.

[6] الغزالي: التبر المسبوك، ص210.

 

 

mutham aljanabi2كان بلوغ فكرة الرشاد مضمونها السياسي الأول بصدد إدارة شئون الدولة والأمة، المقدمة الضرورية لما أسميته بنهاية الوحي وبداية الدولة. فهي المرحلة التي أخذ فيها المسار الطبيعي للدولة طابع العملية التاريخية السياسية. مما جعل من مسار الدولة والسلطة خليطا من دراما التأويل والنفعية السياسية. وكلاهما كانا الأسلوب الضروري الملازم لتلازم الدولة والسلطة. كما أنها العملية التي تؤسس أكثر فأكثر لفكرة الاجتهاد السياسي، بوصفه أحد آليات وجود الدولة والسلطة والأفراد والقيم والحقائق. ومن خلالها يمكن للتأويل السياسي أن يرتقي إلى مصاف العقيدة، وهبوط العقيدة من علياء اللاهوت إلى مصاف السياسة. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار، أن وحدة الدين والدنيا هي الصيغة التي كانت تعادل من حيث قيمتها المادية والمعنوية تجانس الوجود والمثال بالنسبة لأولئك الذين شكلوا شخصيات الإسلام الأول وعماد أفكاره العملية.

وليس مصادفة أن ترتقي شخصية عمر بن الخطاب في الخطاب الديني التقليدي (السنّي) إلى مصاف ما سمي أحيانا بموافقة القرآن لرأي عمر. والمقصود بذلك ما هو مشهور من مواقفه العملية التي دعا إليها وتحولت إلى فكرة قرآنية، مثل قوله للنبي محمد "يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى"، فظهرت الآية (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)[1]، وكذلك قوله: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فظهرت آية الحجاب (وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب)[2]، وكذلك قوله لنساء النبي وقد اجتمعن عليه في الغيرة كلمات ظهرت كما هي في الآية (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن)[3]. وقد جعلت هذه الوقائع والحقائق النبي محمد يقول مرة "جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه". وفي هذا كانت تكمن إحدى مقدمات الأفكار الجليلة والمبجلة لشخصيته التي جرى وضع أحاديث لا يخلو اغلبها من أثر الصراع السياسي اللاحق. لكنها كانت تعكس بقدر واحد تمازج الخيال الديني والمنفعة السياسية الضيقة. كما هو الحال في الأحاديث الموضوعة (الكاذبة) مثل "ما من نبي إلا له وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء ‏‏فجبريل‏ ‏وميكائيل،‏ ‏وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر". وكذلك الحديث الذي توج الصورة المسرحية التي تصور كيف أن النبي محمد ‏خرج ذات يوم فدخل المسجد ‏‏وأبو بكر ‏وعمر ‏أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهو آخذ بأيديهما، ثم قال: ‏"هكذا نبعث يوم القيامة!"، أو التصوير القائل، بأن النبي محمد ‏‏كان ‏‏يخرج على أصحابه من ‏المهاجرين ‏‏والأنصار ‏‏وهم جلوس، ‏‏فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا ‏أبو بكر وعمر، ‏‏فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويتبسمان إليه ويتبسم إليهما.

إننا نقف هنا أمام صورة تحاول جعلهما ظل النبي وأجنحته الطائرة في حواره وجواره. كما تسعى لإعطائهما بعدا روحيا إضافيا، هي الصيغة الدينية والعقائدية الموازية لما أسميته بدراما التأويل والنفعية السياسية التي لازمت مسار الدولة والسلطة. ولا تخلو هذه الصيغة من دراما الانضمام لجوقة الإسلام الأولى، وبالأخص من جانب عمر بن الخطاب. فمن المعلوم عنه كونه أحد أشد المعادين والمعارضين لمحمد قبل أن يعتنق الإسلام. فقد ظل على معاداته وصراعه وعنفه ضد النبي محمد والمسلمين عموما حتى الهجرة الأولى إلى الحبشة. وأسلم في السنة السادسة من بدء الدعوة الإسلامية. حيث كان يبلغ آنذاك من العمر حوالي ست وعشرين سنة. وكان انتقاله للإسلام عنيفا كما كان الحال بالنسبة لمعارضته إياه. وتروي كتب التاريخ والسير حادثة إعلانه الإسلام نتيجة الحمية العنيفة التي أوقفته عند حدود الإقدام على قتل محمد. فقد ثارت به حمية الجاهلية مرة بحيث شهر سيفه وصرخ "أريد أن أقتل محمدًا!". وعندما قيل له لم تقتل محمد على إسلامه وهناك من بني بيتك من اسلم؟! وكانوا يقصدون بذلك كل من أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد. وعندما أسرع إليهما وجدهما في الدار وكان عندهما خّباب يقرئهما سورة (طه). فدخل وهو في ثورة عارمة ورغبة فاحشة بالانتقام. فوثب على سعيد فضربه، ولطم أخته فأدمى وجهها. لكنه حالما رأى الصحيفة وأخذ يقرأ ما فيها، فإنه لان و"شرح الله صدره للإسلام". عندها سار إلى النبي محمد. فلما دخل عليه وعلى أصحابه، خرج إليه النبي، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف وقال له:

- أما أنت منتهيا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة؟!

- يا رسول الله! جئتك لأومن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله!

إننا نقف هنا أمام رواية يقترن فيها الخيال بالواقع، لكنها تعكس وتعبر عن طبيعة التحول العاصف، الذي عادة ما يميز أولئك الذين تختمر في أعماقهم وحدة الوجدان والعقل في حمية الفعل وهمّة الروح. وقد ظل عمر بن الخطاب أمينا لهذه الصفات مدى الحياة. لهذا رفع من شأن الهمّة بحيث نسمعه يقول:"أجهد أن لا تكون دنيء الهمة. فإني ما رأيت شيئا اسقط لقدر الإنسان من تواني همته"[4]. وصنع هذا التحول شخصيته التي رسم الأصفهاني في (حلية الأولياء) معالمها الروحية وخطها البياني الواقعي في عبارات أخاذة تقول، بأنه ثاني القوم الذي "أعلن الله به دعوة الصادق المصدوق، وفرّق به بين الفصل والهزل، وأيد بما قوّاه به من لوامع الطول، ومّهد له من منائح الفضل شواهد التوحيد وبّدد به مواد التنديد، فظهرت الدعوة، ورسخت الكلمة، فجمع الله بما منحه من الصولة ما نشأت لهم من الدولة. فعلت بالتوحيد أصواتهم بعدما تخافت، وتثبّتوا في أحوالهم بعد تهافت. غلب كيد المشركين بما ألزم قلبه من حق اليقين. لا يلتفت إلى كثرتهم وتواطيهم، ولا يكترث لممانعتهم وتعاطيهم، محتملا لما احتمل الرسول، ومصطبرا على المكاره لما يؤمل من الوصول، ومفارقا لمن اختار التنعم والترفيه، ومعانقا لما كلّف من التشمر والتوجيه. السكينة تنكلّ على لسانه. والحق يجري الحكمة عن بيانه. كان للحق مائلا، وبالحق صائلا، وللأثقال حاملا، ولم يخف دون الله طائلا"[5].

وليس مصادفة أن نراه يخاطب قريشا عندما قرر الهجرة إلى المدينة قائلا:"من أراد أن يثكل أمه، أو ييتم ولده، أو يرمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي!". وتعكس هذه الصورة شخصيته الواقعية في مواجهة الأحداث. بمعنى الانتقال المباشر والسريع دون الالتفات إلى الماضي و"قداسة" إي شيء فيه. فكما نراه يتقد بحمية الرغبة الجاهلية في قتل محمدا، نراه يعلن ولاءه للدين الجديد. بحيث يطالب النبي محمد قائلا: إذا كنا نحن (المسلمون) على الحق سواء كنا أحياء أو أموات فلماذا نخفيه؟ وعندما سمع الجواب بأنه لا معنى لإخفائه، عندها طلب بإخراج المسلمين للدخول علنا في المسجد. وهو فعل كان من الناحية الرمزية والواقعية أول ظهور علني وبصورة دعائية ومتحدية من جانب المسلمين في مكة. وعادة ما يربط اسم الفاروق بهذه الحادثة، استنادا إلى الرواية القائلة، بأن النبي محمد دعاه آنذاك بالفاروق لأنه كان يفرّق بين الحق والباطل ولا يخاف في الله لومة لائم. ومهما يكن من أمر هذه الرواية، فإن تفرقة الحق عن الباطل لا علاقة جوهرية لها بشخصية عمر بن الخطاب، لكنها تطابقت مع شخصيته في العرف الإسلامي بفعل الدور الذي مّيزه بوصفه "رجل الساعة". وليس اعتباطا أن تظهر آنذاك وبعدها عبارة "مازلنا أعزة منذ أسلم‏ ‏عمر"، و"استبشر أهل السماء بإسلام عمر". ذلك يعني أنه ربط في ذاته سمات العزة والاستبشار، بوصفها المكونات التي تعني من حيث الرمز والواقع وحدة الحاضر والمستقبل، والمادة والروح. وليس مصادفة أن يظهر الحديث النبوي القائل في مخاطبته لعمر:"والذي نفسي بيده ‏‏ما لقيك الشيطان قط سالكا ‏فجا ‏إلا سلك ‏فجا ‏غير ‏فجك".

لقد انتقل عمر في "أطوار الولاية"، وتمثل في شخصيته وذاته المسار المعقد للانتقال من الجاهلية إلى الإسلام، ومما قبل الدولة إلى الدولة. ووجد هذا التحول صداه أيضا في التعبير الذي عادة ما يلازم الحكمة المتألمة من وجع الوجود، عندما ترسم على ملامح رجالها خطوط البكاء وملامح العيون الدامعة. وعندما أرادت الثقافة التقية لاحقا إدراجه ضمن كوكبة حكماءها، فإنها اختارت له صورة رسمتها بعبارة تقول:"كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء". ومن الممكن تأويل هذا الرسم على تلازم دموع الفرح والحزن، بأنه الوحدة المتناقضة لكل ثنائيات الحياة الضرورية من حياة وموت، وجميل وقبيح، وخير وشر. وهو تأويل يمكن القبول به حالما نطبقه على حياة عمر بن الخطاب بوصفه تاريخ الانتقال من سرّ الغيب الإسلامي إلى عالم الوجود الثقافي للدولة. وقد شحذ هذا الانتقال وهذّب حقيقة ما فيه. وفي مجراه تكشفت حقيقة الأبعاد الكبرى للتحول العاصف في صيرورة الإسلام والدولة والسلطة، أي كل ما كان يلازم وحدة الدولة والسلطة، والدين والدنيا.

فقد كان سلوكه الحاد والعنيف تجاه أخته فاطمة بسبب إسلامها، هو نفس ما ميز أسلوبه في التعامل مع فاطمة زوجة الإمام علي وبنت النبي محمد. فقد أدمى وجه الأولى بسبب إسلامها، وكسر أضلاع الثانية بسبب امتناعها عن مبايعة أبو بكر بالخلافة. والشبه الوحيد في هذا السلوك يقوم في سعيه لفطم سلوك المعارضة في مواجهة ما يعتبره حقا. وهو سلوك يشير إلى شخصيته وطبيعة تفكيره وفعله. إذ نعثر فيه على ما يمكن دعوته بالحمية الحامية في إرادته الفردية. ففي الأولى حمية الجاهلية وفي الثانية حمية الدولة. وهي حمية الشخصية الفاعلة بمعايير الرؤية العملية وضرورة تجسيدها مهما كلف الثمن. وضمن هذا السياق يمكن فهم سلوكه ومواقفه بعد اختيار أبو بكر للخلافة تجاه كل من عارض أو اعترض أو توقف أو اعتزل، عندما سعى لإجبارهم على المبايعة. فنراه يطالب أبا بكر، بأن يبايعه سعد بن عبادة[6] قائلا له"لا تدعه حتى يبايعك"[7]. كما نراه يذهب إلى بني هاشم لكي يجبرهم على المبايعة لأبي بكر بحيث نراه يأخذ الزبير بن العوام بالقوة[8]. كما نراه يخاطب عليا بعبارة: "انك لست متروكا حتى تبايع". بل نراه يكرر دعوته لأبي بكر لكي يجبر عليا على المبايعة قائلا له:"لا تمهل هذا المتخلف عنك بالمبايعة"[9]. بل نراه يطالب بقتل علي إذا رفض المبايعة، كما في قوله:

- إذا لم تبايع، فوالله الذي لا اله إلا هو نضرب عنقك!

- إذا تقتلون عبد الله وأخا رسول الله؟!

- أما عبد الله فنعم! وأما اخو رسول الله فلا![10]

ولم يكن سلوك الإجبار هنا سوى المظهر المتوتر والمعبّر عن إدراكه لقيمة وأولوية الدولة ومركزيتها بالنسبة للدين والدنيا. من هنا رغبته في إجبار الجميع على المبايعة والإقرار بضرورة الاعتراف بالدولة والسلطة المركزية. لهذا اعتبر من الممكن قتل "عبد الله"، أي "مواطن" الدولة الجديدة إذا كان ذاك ضروريا بالنسبة لإعلاء شأنها وهيبتها، بينما ترك المجال مفتوحا أمام علاقة "الأخوة" والقرابة. انه شدد على أولوية "عبيد الله"، بوصفهم أعضاء الأمة والدولة، واعتبرهم أفرادا مهما كان أصلهم ومنشئهم. وهي ممارسة تعكس فهمه لقيمة الدولة. وفي هذا الموقف نلمس إدراكه لمبدأ الدولة وأولويتها بالنسبة للدين والدنيا، ورفعه إياه إلى مصاف المرجعية الكبرى.

[1] القرآن: سورة البقرة، الآية 125.

[2] القرآن: سورة الأحزاب، الآية 53

[3] القرآن: سورة التحريم، الآية 5.

[4] الغزالي: التبرك المسبوك في نصيحة الملوك، ص291.

[5] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص38.

[6] سعد بن عبادة (ت- 14 للهجرة)- اسلم مبكرا. وشهد بيعة العقبة وجميع الأحداث الكبرى في صدر الإسلام. سمي بالكامل لإتقانه السباحة والرمي. وهو أول من طرح فكرة أن يكون الأنصار خلفاء للنبي، بمعنى المشاركة الفعلية في إدارة الدولة وليس حصرها بمعايير القبيلة والمنشأ. لهذا نراه يرد في نهاية المطاف على محاولة إبعادهم عن السلطة بفكرة "منا أمير ومنكم أمير". وهي فكرة متناقضة بالنسبة لمركزية الدولة الضرورية، لكنها تعكس من حيث حوافزها وغاياتها إدراك أهمية المشاركة العامة.

يمكن اعتباره أول الشخصيات الحرة في الموقف من السلطة (الخلافة). إذ لم يؤيد البيعة لأبي بكر. وتنسب إليه العبارة التي خاطب بها أبا بكر:"والله لا أبايعكم أبدا". والتزم بها حتى النهاية. بل هو الشخص الوحيد الذي لم يبايع عمر بن الخطاب. وقد اضطر لترك المدينة والهجرة إلى الشام وتوفي في الطريق إليها(منطقة حوران) عام 14 للهجرة.

وبغض النظر عن حوافز معارضته للصيغة التي جرى بها اختيار أبو بكر ولاحقا عمر بن الخطاب لخلافة المسلمين، إلا أن ردود فعله المتجانسة في الموقف من أبي بكر وعمر بن الخطاب تشير إلى صلابة موقفه السياسي المعارض. فقد احتوت معارضته السياسية من حيث مقوماتها الداخلية على عناصر الرؤية التاريخية والحقوقية. بمعنى انه حاول تقديم أولوية أو أحقية الأنصار بالخلافة انطلاقا من دورهم السياسي والأخلاقي والاجتماعي والتاريخي في تثبيت أسس الدعوة الإسلامية وانتصارها. فانتصار الإسلام كان بمعنى ما مرتبطا وثيق الارتباط بالأنصار. وبالتالي فان تمثل فكرة أحقيته بالخلافة مبنية على رؤية ومبادئ لا علاقة لها بالقبيلة وقرابة الدم. وقد كانت تلك فكرة متطورة بحد ذاتها. لاسيما وان الأنصار كانوا من الناحية الفعلية القوة التاريخية للإسلام وقربانه البشري الأكبر. كما انه القربان الذي دفعه سعد بن عبادة في مجرى حياته الأخيرة أيضا عندما توفي وهو في طريقه إلى الشام، باعتباره احد أشكال الاحتجاج على السلطة. وليس مصادفة أن يقول عمر بن الخطاب عن موته:"قتله الله!". (ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج2، ص470). وهي عبارة لا مروءة فيها.

[7] ابن قتيبة: الإمامة والسياسية، ج1، ص16.

[8] الزبير بن العوام (ت- 36 للهجرة)- اسلم وعمره خمس عشرة سنة. من أوائل المسلمين (السبعة). هاجر للحبشة والمدينة. وشهد بدر وجميع غزوات النبي. كما ساهم في فتح مصر. ودخل مجموعة الشورى الستة. ويعكس في شخصيته كل تناقضات مجموعة الشورى التي وقفت إلى جانب خلافة عثمان بن عفان. وهو موقف أسهم من الناحية التاريخية والسياسية بتهشيم أسس الصيرورة الإسلامية السليمة وكينونتها الروحية، كما نعثر عليه بصورة جلية فيما أدت إليه خلافة عثمان من نخر أسس الدولة والأمة والفكرة الإسلامية الأولى ومبادئها الكبرى. وهو اختيار سياسي له مقدماته وغاياته. وليست حرب الجمل التي اشترك فيها الزبير بن العوام وقادها ضد خلافة علي بن أبي طالب سوى الوجه الظاهري لباطن رؤيته السياسية والأخلاقية. فقد غلبّ المصالح الضيقة على مصالح الدولة والأمة والحق. وحكم هذا التناقض حكم سلوكه السياسي المعارض لخلافة علي بن أبي طالب ثم اعتزاله الحرب ومقتله الذي كان يفتقد لكل المعاني الجليلة التي لازمت صيرورته الفردية والاجتماعية والإسلامية.

فقد قرر اعتزال القتال مع علي. وعندما قابله ابنه عبد الله بعبارة "جبنا جبنا"! فانه لم يجد فيها ما يستحق الرد. فمن المعروف عنه شجاعته وبأسه وبطولته في القتال والمعارك. إذ كان من فرسان قريش مقداما. كما كان غنيا كريما كثير الشمائل والفضائل. ويقال انه مات وهو كثير الديون لكرمه. كما كان مخلصا للدعوة الإسلامية. بحيث تنسب للنبي محمد عبارة عنه يقول فيها:"لكل نبي حواريّ. وحواريّ الزبير". والحواري بالعربية تعني ناصر الأنبياء أو الخالص، أو الخليل. وهي عبارة يمكن أخذها على علتها، لكنها تعكس موقعه الشخصي من النبي محمد. غير أن العبارة العابرة في تقييم النبي محمد لمن صحبه ليست صك الغفران الإسلامي ولا تحتمل معنى "الشفاعة" الأبدية. انطلاقا من أنها قيلت ضمن سياق الصراع وسباق الأحداث، شأن كل كلمة تقال في الأفراد أيا كان حجمهم وموقعهم في الوجود.

[9] ابن قتيبة: الإمامة والسياسية، ج1، ص18-20.

[10] ابن قتيبة: الإمامة والسياسية، ج1، ص21. وقد يكون هذا الموقف احد اشد الأشكال تطرفا وغلوا لأدراك قيمة الدولة. بمعنى إننا نستطيع تحسس الهاجس الخفي والعميق والكبير لفكرة الدولة في مواقف وشخصية عمر بن الخطاب. وهو أمر جلي في خضوعه الشخصي للخليفة الجديد. بحيث لم نسمع عن أية معارضة مهما كان نوعها، بل الاشتراك المباشر وغير المباشر في تحسين شروط فعلها وأداءها. ولم يكن هذا الاشتراك معزولا عن الرغبة المحتملة في احتلال موقع الخلافة بعد أبي بكر. لاسيما وان ترشيح أو استخلاف أبو بكر إياه قبيل موته احد الأدلة الواقعية والدقيقة بهذا الصدد. وهو أمر لا تخلو منه الحياة السياسية. فبعد موت النبي محمد لم يعد الإسلام إذعانا لله والدعوة الجديدة، بل إسلاما للدولة والأمة. فقد لازم هذا الانتقال الموضوعي تحول الإسلام إلى دين الدولة، أي أيديولوجيتها "المتسامية". أما عمر فقد طوعها بطريقة واقعية وسياسية خالصة. وقد يكون أكثر أشكالها جلاء بهذا الصدد هو الطابع الحاد المميز لشخصيته في اتخاذ القرار وتنفيذه، بوصفه احد شروط رجل الدولة الكبير. غير أن الخطأ ولحد ما الخطيئة التاريخية في سلوك عمر بهذا الصدد، يقوم في تحويل الحادثة التاريخية العابرة إلى مبدأ. إذ ارتبط هذا التحول بشخصية عمر بن الخطاب، الذي جعل من الإكراه مبدأ ضروريا لمركزية ووحدة الدولة والأمة. بحيث تحولت "المبايعة" لاحقا إلى عمل تقليدي ملزم للجميع. بمعنى جعل المعارضة أيا كان شكلها ومستواها "خروجا على الإسلام". وهو تناقض فض! إذ جعل من فكرته السياسية واجتهاده العملي جزء من العقيدة الدينية والإيمان القويم! وفي هذا يكمن التناقض القاتل لعبارة عمر المذكورة أعلاه وسلوكه العملي. إضافة إلى كمون الخطيئة والفساد الأخلاقي والسياسي فيها. وذلك لأنها أسست لما يمكن دعوته بحاجة الدولة إلى لسان كاذب وقلب خرب. وذلك لأن فكرة المبايعة بالطريقة العمرية أفرغت حرية الإنسان وفكرة الإرادة الحرة وحق الاختلاف من معناها. كما أعطت للسلطة وحدها ممارسة الإجبار بوصفه حقا، بينما جعلت من الاختلاف معها ومعارضتها خروجا على الإيمان ومروقا على الدين! مما أدى إلى جعل الإسلام والقهر السياسي للسلطة تجاه الأفراد والجماعات والأمة شيئا واحدا.