mutham aljanabi2إن إحدى الصفات الجوهرية التي رافقت صعود عثمان بن عفان إلى سدة الحكم تقوم في أن المرجعية الوحيدة الجلية نسبيا آنذاك هي مرجعية الدين والدنيا. كما كانت في الوقت نفسه قابلة للتأويل غير المتناهي بسبب عدم تعين حدودها السياسية. وقد يكون ذلك هو السبب الذي أربك عثمان حالما اعتلى عرش الخلافة لإلقاء خطبته الأولى، بحيث ارتجّ عليه عقله وفؤاده ولسانه فعجز عن الكلام. بل جرى إدراجه إلى جانب "مآثره" الأخرى كونه "أول من ارتجّ عليه في الخطبة!" وذلك لأن عدم تعيين الحدود السياسية لعلاقة الدين بالدنيا بوصفها المرجعية الخفية للقيم النظرية والعملية الإسلامية الأولى، كانت تفسح المجال أمام اجتهاد فردي حر وصريح. وبما أن عثمان لم يكن يتمتع بهذه الصفات، إضافة إلى عمره الكبير الذي بلغ السبعين عند توليه الخلافة، لهذا ارتدّ عليه العمر وبالا، والاجتهاد إرباكا. أما النتيجة المباشرة فهي خطبة مبتورة. فعندما خرج إليه الناس ليسمعوا خطبته، فإنه لم يستطع أن يقول أكثر من عبارة واحدة هي: "أيها الناس! إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء وسيعلّمنا الله!".

لقد كان الرجل بسيطا متواضعا مباشرا لا دجل فيه ولا مخاتلة. وعاش بعدها واستطاع أن يستجمع قواه ويخطب بعد أن تعلم ما لم يتقنه مسبقا. وقد أورد الطبري خطبته التي قال فيها:‏"‏إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه. فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم‏.‏ ألا وإن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور‏.‏ اعتبروا بمن مضى‏.‏ ثم جدّوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم‏.‏ أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعمرّوها ومتعّوا بها طويلا؟ ألم تلفظهم‏؟‏ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها. واطلبوا الآخرة، فإن الله قد ضرب لها مثلا والذي هو خير مثال، فقال (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تدروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا"[1]‏.

‏ ولا شيء في هذه الخطبة يمس الحياة والدولة والسياسة والعلاقة بالأمة أو علاقتها به. كما لا تحتوي على فكرة قانونية أو مشروع مستقبلي أو ترتيب للأولويات الكبرى. باختصار أنها اقرب ما تكون إلى كلمات العجائز أمام صغارهن، بوصفها عبارات محكومة بالحديث عن الأمور البديهية والشائعة كما لو أنها اكتشافا. وعادة ما تنسى هذه الذهنية أو تتناسى اشد الأمور جلاء أمام ذكريات الطفولة. ولا طفولة اقوي بالنسبة للذهنية التقليدية من علاقات "الدم". ففيها تتراكم حكايات الزمن الماضي وتأملات الأيام القادمة، وذلك لأن الوعي الذي يربطها لا علاقة له بالخيال المبدع. من هنا تصبح العلاقة بالأقارب مصدر كل شيء. وقد ميزت هذه الصفة شخصية عثمان بن عفان. وفيها يمكن رؤية سرّ مأزقه اللاحق وتعرضه لقتل الانتفاضة الإسلامية الأولى ضد السلطة.

فقد حوّل عثمان السلطة إلى بداية ونهاية الخلافة. من هنا إمكانية تطويع كل شيء لخدمتها. وليس مصادفة أن يقول مرة عندما اعترضوا على تصرفه الشخصي بالمال العام، بأنه خليفة! وبالتالي لم لا يحق له القيام بما يراه ويريده ويرغب فيه؟! وهو موقف يمكن إعادة ترتيب عبارته بطريقة أخرى تقول "أنا خليفة! إذن يحق لي القيام بكل ما أريده". لقد جعلت هذه الرؤية من الخلافة سلطة محكومة بالرغبة الشخصية بوصفها حقا، قلبت بصورة عاصفة حقيقة الفكرة الإسلامية والخلافة ومعناها الروحي والسياسي والتاريخي. إذ لا تعني "أنا خليفة، إذن يحق لي كل شيء"، سوى تحويلها إلى سلطة محكومة بالإرادة الشخصية والرغبة الفردية. وبما أن إرادة عثمان الخاصة لا عموم فيها لغيرها، من هنا فقدان الأبعاد الوجودية والروحية العامة المميزة للوحدانية الإسلامية في أبعادها المادية والمعنوية. وهنا يكمن جذر الانحراف التاريخي الهائل للخلافة، وكذلك منظومة القيم الأولية المتراكمة عن فكرة الدولة والسلطة بوصفها رشيدة راشدة. واتخذ هذا الانحراف هيئة "المنظومة المتجانسة" في ميادين العادات والعبادات، أي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والروحية. بحيث تحولت علاقات "الدم" والقرابة إلى الرابط الفعلي للتحكم. وهو سلوك ينبع من شخصية عثمان لا من رؤية سياسية مقصودة.

ومن الممكن أن نتخذ من قضية الوليد بن عقبة مثالا نموذجيا بهذا الصدد، لما له من أثر كبير في النقمة على عثمان. فقد جرى تولية الوليد بن عقبة واليا على الكوفة بعد المشاجرة التي حدثت بين الصحابيين سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود. فقد كان سعد بن أبي وقاص واليا على الكوفة في زمن عمر بن الخطاب. وعزله لأمور اتهم بها منها انه لا يحسن الصلاة، وأن الصيد يلهيه، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية‏.‏ لكنها "تهم لم تثبت". مع أن المشاجرة اللاحقة بينه وبين عبد الله من مسعود تكشف عن طبيعة الأبعاد الواقعية لهذه التهم. وليس اعتباطا أن يعزله عمر بن الخطاب ويولي عوضا عنه المغيرة بن شعبة. فلما ولي عثمان أقرَّ المغيرة بن شعبة على الكوفة لمدة سنة واحدة، ثم عزله واستعمل سعد بن أبي وقاص من جديد ثم عزله بسبب المشاجرة المذكورة أعلاه بينه وبين عبد الله بن مسعود. وسببها يقوم، كما تنقله لنا كتب التاريخ والسير، في استقرضه مالا من بيت المال عندما كان عبد الله بن مسعود مسئولا عنه. وعندما حان الوقت طالبه عبد الله بن مسعود بإرجاع المال، فإن سعد هدده وعيرّه قائلا:

- هل أنت إلا ابن مسعود عبد من هذيل‏؟‏‏!‏

- أجل والله! إني لابن مسعود وإنك لابن حمينة‏!

وشبت معركة كلامية بينهما انتهت بقطيعة، عزل بأثرها سعد بن أبي وقاص للمرة الثانية. وعوضا عنه، كما هو الحال في أماكن وأحوال عديدة أخرى، ولى عثمان أقاربه. إذ عيّن عوضا عنه الوليد بن عقبة. وهو أخو عثمان بن عفان لأمه. وكان معروفا عنه الظرف والمجون واللهو. وقد كانت تلك صفات تعادل بمعايير المعاصرة تحرره من قيود التزمت الديني والرياء الأخلاقي، لكنها صفات حالما تصبح جزء من السلطة وشخصياتها، فإنها تتحول بالضرورة إلى كارثة كبرى. إضافة لذلك، إن تاريخه "الروحي" يتميز بمعايير الإسلام الأول بصفات سيئة. فمن المعروف عنه أن أبوه عقبة ابن أبي معيط وضع سلا الجزور على ظهر النبي وهو ساجد. كما كان معروفا عنه عداءه الشديد للنبي محمد والإسلام. أما الوليد نفسه فقد أسلم يوم الفتح. كما أنه الشخص الذي "نزلت به" الآية القرآنية (أن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)، أي تصويره بالفسق. وذلك بسبب أن النبي محمد بعثه مصدقًا إلى بني المصطلق فعاد وأخبر عنهم أنهم ارتدوا ومنعوا الصدقة. أما في الواقع فإنه خاف من خروجهم الجماعي إليه إذ توجس منهم شرا!! وانكشفت حقيقة الأمر حالما بعث إليهم النبي محمد خالد بن الوليد[2]. إضافة لذلك إنه كان متهما بشرب الخمر. وتروى عنه الحادثة الطريفة التالية، كيف أنه سكر وصلى الصبح بأهل الكوفة أربعا! ثم التفت إليهم وقال‏:أزيدكم‏؟‏ وشهدوا عليه عند عثمان، فأمر عليا بجلده، فأمر علي جعفرا فجلده[3]‏.‏ وترتب عليها عزله عن ولاية الكوفة.

أخذت هذه العملية بتوسيع وتعميق فكرة وأنموذج السلطة في سلوك الولاة والخلافة لا فكرة الدولة. لهذا حالما يصل والي الكوفة الجديد سعيد بن العاص، فإن أول ما قام به هو طلبه قبل إلقاء الخطبة بغسل المنبر قائلا: اغسلوا هذا المنبر! فإن الوليد كان رجسا نجسا! ولم يصعده حتى غسل. وبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال‏‏:‏"والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ولكني لم أجد بدا إذا أمرت أن ائتمر! إلا أن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها والله لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني، وإني لرائد نفسي اليوم!‏"[4]‏‏. ولازم هذا التهديد بني أمية إلى أن أنهك قواهم. غير أن المعارك الصغيرة التي ابتدأت بالوليد بن العقبة سوف لن تنتهي إلا بمقتل عثمان، بوصفها الجولة التاريخية الكبرى التي جعلت من السلطة محور الخلافة. لقد كانت خطبة سعيد بن العاص إنذارا وتهديدا. أنها على عكس ما في شخصية الوليد بن عقبة، لكنهما يكملان احدهما الآخر في وعي وإحساس الجمهور الكوفي (العراقي) لأنهما وجدا فيهما تخليفا لا على حق.

فقد كان أهل الكوفة (العراق) وغيرهم يتحسسون ويدركون طابع العلاقة والقرابة في تعيين الولاة الجدد في كل مكان مع وجود من هو أفضل وأنقى وأعقل وأصلح وأصدق منهم. مما جعله مصدر التذمر، الذي يعادل من حيث الجوهر معارضة الخروج على منطق العقل والحق. مما أدى إلى تراكم نفسية وذهنية الروافض، أي القوة الأكثر اجتماعية وإنسانية ودفاعا عن مبدأ العدل والعدالة والحق. وفيها أيضا كانت تتكامل فكرة التحزب السياسي والفكري والدعوة للانتفاض. وليس مصادفة أن يكتب سعيد بن العاص الأموي إلى عثمان كتابا يقول فيه‏:‏‏"‏إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات السابقة. والغالب على تلك البلاد روادف قدمت وأعراب لحقت، حتى لا ينظر إلى ذي شرف وبلاء من نابتتها ولا نازلتها‏"‏.

بعبارة أخرى، لقد وجد هذا الأمير الأموي الجديد في الجمهور الكوفي رعاعا وغوغاء (أو روادف قدمت وأعراب لحقت) لا يحترمون كثيرا "ذوي الشرف والبلاء". وتعكس هذه المواقف طبيعة "العلاقة الإسلامية" الجديدة بوصفها جاهلية قبلية وعائلية لا علاقة لها بفكرة الأمة ومساواتها أمام القانون كما وضع الإسلام الأول أسسها ومرجعياتها الكبرى. وقد أيّد عثمان هذا الموقف في رده قائلا:"‏أما بعد، ففضل أهل السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها بسببهم تبعا لهم، إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به. وأحفظ لكل منزلته. وأعطهم جميعا بقسطهم من الحق‏.‏ فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل‏‏‏". لكنه موقف متذبذب. بمعنى انه يحتمل تفسيره بمعايير السلطة البحتة والقانون. وذلك لأنه يحتوي بقدر واحد على الاثنين. غير أن المزاج العام للعائلة الأموية التي أخذت تتركز في مرافق السيطرة في كل مكان أدت إلى سيادة فكرة السلطة. وبالتالي تحويل القيم والمفاهيم والمبادئ بما فيها "مأثرة" جمع القرآن وتوحيد قراءته التي قام بها عثمان، إلى جزء من بسط السلطة الموحدة بالعائلة والقرابة وليس بالكفاءة والحق. من هنا سياسة الوالي الجديد للكوفة المتوجهة صوب "وجهاءها" من اجل كسبهم، ومن خلالهم إخضاع البقية الباقية. فقد جمع سعيد بن العاص وجهاء الناس من أهل الأيام والقادسية وخاطبهم قائلا:"‏أنتم وجوه من وراءكم‏!‏ والوجه ينبئ عن الجسد! فأبلغونا حاجة ذي الحاجة، وخلة ذي الخلة، وأدخلوا معهم من يحتمل من اللواحق والروادف‏"‏‏[5].

إننا نقف هنا أمام آلية جديدة في تعامل السلطة مع المكونات الجديدة للإمبراطورية. بمعنى استعادة وبعث الجاهلية القبلية. لكن مفارقة الظاهرة تقوم في أن الخليفة عثمان لم يعمل في الواقع إلا على استعادة جاهلية جديدة ولكن بمعايير السلطة. وقد هزّ هذا الانتقال العاصف أعطاف الدولة وجعل من الانتفاض أمرا طبيعيا وضروريا. وكل فعل تقوم به السلطة يصب أساسا في إذكاء النار المحترقة تحت رماد المدن الجديدة المتراكمة من هؤلاء "الروادف والأعراب"، بوصفهم قوة الصعود البشري والاجتماعي والفكري الجديد للأمة الإمبراطورية. فقد جعل والي الكوفة الجديد سعيد بن العاص من القراء (أو القصاصين) جزء من سمره الليلي. وهي خطوة ملازمة لصيرورة الدولة والإمبراطورية. لكنها أدت، شأن كل عملية كبرى ومعقدة إلى أن تصبح ليس فقط وسيلة الترفية الارستقراطي، بل وأداة الانتقال الخاطف للأفكار والقيم والمفاهيم والقيل والقال. لهذا فشت المقالة في أهل الكوفة! وليس مصادفة أن يرى فيها عثمان بن عفان بداية نشوء الفتن. بعبارة أخرى، إن السلطة بدأت تتحسس في مقالات الناس وآراءهم وسمرهم الليلي حول الحكايات والنوادر والقصص مصدر الخطر الجديد. إذ لا لذة أشد وأقرب إلى قلوب الناس عامة من استهداف السلطة وترفها. مما جعل منها وقود الاستياء، التي كانت سياسة عثمان بن عفان تشحنها بقوة لا تهدأ كما لو أنها تتلذذ بمعاييرها الخاصة: الفقراء يشكواهم والأغنياء بثرواتهم! واستعملت السلطة كل الأساليب الممكنة بما في ذلك شراء الذمم، كما فعل عثمان عندما اشترى لأهل الحجاز واليمن أراضي وتوزيعها عليهم بما يقابلها في أماكنهم. ذلك يعني أنه أراد حماية سلطته الجديد بقوة المال والبشر المنتفعة بتوزيع العطايا الصغيرة عليهم على حساب المناطق النائية.

 غير أن ما ينفع الحجاز لا ينفع بالضرورة وحدة الدولة الناشئة. كما إنه لا يشكل بحد ذاته ضمانة لتعزيز السلطة واستحسان أفعالها. على العكس. لقد تحولت هذه السياسية الآخذة في الرسوخ إلى عامل إثارة عنيفة. لهذا كثرت الشكوى والاعتراض والهجاء والنقد. وقد تكون الأبيات التالية الصيغة العادية التي اختزلت معالم الاعتراض والنقد الواسع الانتشار بين أهل الكوفة، والقائلة:

بلينا من قريش كل عام أمير محــدث أو مستشار

لنا نار نخوّفهـا فنخشى وليس لهم فلا يخشـون نار

ويحتوي هذا الموقف النقدي بقدر واحد على أبعاد سياسية وأخلاقية نابعة من القلب. فأهل الكوفة يتأملون الوافدين عليهم باسم الإسلام ولا إسلام فيهم غبر الخضوع للسلطة ومزاجها. وقد كان هذا التكرار والتنوع والتعدد يصب في اتجاه واحد، ألا وهو خلوه من نار الروح الأخلاقي. فإذا كانت نار أهل الكوفة هي نار ذاتية أخلاقية، فنار أهل السلطة برودة القلب القارصة. وأدت هذه الرؤية، على خلفية تراكم الرذيلة السياسية والأخلاقية والانحطاط الروحي الذي ميز خلافة عثمان، إلى تعميق وتوسيع وتنظيم فكرة الاحتجاج السلمي والعنيف. وحدد هذا الاتجاه مسار الدولة والسلطة، التي تحولت في زمن عثمان وبأثر سياسته إلى قوى مغتربة ومتصارعة ومتضادة. فقد كانت مرحلته بداية الفساد والإفساد الشامل، يمكن العثور على صداها في التراكم السريع للاحتجاج الاجتماعي الذي تجسد مرة في شخصية عامر بن عبد الله التميمي، الذي أرسله جمهور المسلمين بعد أن تذاكروا أعمال عثمان. حيث اجتمع رأيهم على إرسال احدهم يكلّمه ويخبره بما يروه فيه. وقد جرت المحادثة بينهما كما ترويها كتب التاريخ بالشكل التالي:

- إن ناسا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما، فإتق الله عز وجل، وتب إليه، وانزع عنها‏.‏

- انظروا إلى هذا!فإن الناس يزعمون أنه قارئ؟! ثم هو يجيء فيكلمني في المحقَّرات، فوالله ما يدري أين الله‏!

- أنا لا أدري أين الله‏؟‏!

- نعم، والله ما تدري أين الله‏!‏

- بلى والله! إني لأدري أن الله بالمرصاد لك!!‏[6].‏

لقد كان جواب التميمي مباشرا عميقا بديعا دقيقا مفحما ممتلئا بالإخلاص لقيم المروءة والحق والعدالة. لكنه يبقى ثانويا مقارنة بما فيه من انفصام منظومي عميق بين قوى السلطة والدولة، وتهشم المعنى الروحي للخلافة. فالتميمي يتكلم باسم المسلمين الذي اجتمعوا ونظروا بعقولهم وأفئدتهم وتقدموا بآراء بمواقف مهمتها تعديل الأمور والتوبة والكفّ عن أعمال يعتقدون أنها منافية لمضمون الفكرة الإسلامية. وكانت هذه المواقف أقرب إلى النصيحة السياسية بوصفها التزاما وواجبا دينيا من جانب المسلمين تجاه ولاة الأمور. وعوضا عن الإجابة عليها نقف أمام تحريف للكلام ومضمونه وحرفه صوب انطباع شخصي لا معنى له ولا قيمة. فعثمان يردد ما سمعه عن مهنة الذي يواجهه كما لو أنها مهنة حقيرة. وليست مهنة القارئ سوى المثقف بالمعنى المعاصر للكلمة! لكنه انطباع يكشف عن المواجهة الأولية بين السلطة والمثقفين، بوصفهم القوة القادرة على قراءة الكتاب والواقع. وإذا كان سؤال عثمان يعني بالنسبة له أن معرفة الله تجعل المرء عفيفا من أن يواجه عثمان بالمحقرّات، فإن مضمونه الواقعي يشير إلى مستوى الاغتراب التام للسلطة عن حقيقة القيم والمفاهيم. لاسيما وأن رفع النفس إلى مصاف القيمة المطلقة تتجافى مع أبسط مقومات الواقع والحقيقة والفكرة. غير أن عثمان كان يفهم من سؤاله معناه المباشر. وعندما استغرب التميمي سؤال عثمان، فإن الأخير تشجع للدرجة التي جعلته يتمادي في سؤاله المباشر. وجاء الجواب بطريقة مباشرة وأقرب إلى الحدس في دقته وعمقه: إن الله له بالمرصاد!

وبينما كان التميمي ينقل الله من المكان إلى مستوى القيمة الروحية والأخلاقية والحقوقية المتسامية، فإن عثمان بن عفان يجهد نفسه للبقاء ضمن نفسية السلطة المغتربة عن فكرة الدولة والحق العام. بل لم تخل حتى محاولات "رجوعه للحق" من مناورة محكومة برخاوة الشخصية وضعفها. وليس مصادفة أن نراه يستغل كل الإمكانيات بما في ذلك استطلاع الأخبار والتأثير عليها بطريقة "الاتصالات العامة" الحديثة من خلال استغلال الموقع السياسي وثروات الأمة. فقد كتب، على سبيل المثال، في رسائله التي وجهها إلى مختلف الأمصار، بأنه سوف يأخذ العمال بموافاته كل موسم. وأنه سيعمل حسب قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبالتالي فإنه لا يرفع عليه شيء ولا على أحد من عماله إلا وأعطاه. وليس له ولعياله حق قبل الرعية إلا وهو متروك لهم. وإن أهل المدينة قد اخبروه بأن أقواما يشتمون ويضربون، فمن ادعى شيئا من ذلك فليوافيه الموسم يأخذ حقه سواء كان ذلك منه أو من أحد عماله. وهي مبادئ ومواقف ضمنّها اغلب رسائله العامة. مما أثارت استحسان الناس. لكنها كانت ظاهرية المظهر دهائية الباطن. إذ رافق هذه العملية الموجهة للجمهور سلوكا مبطنا أو داخليا موجها لعماله وذوي الرأي والمشورة، ممن يتمتع بتأثير مادي ومعنوي في الدولة. ومن الممكن نقل إحدى الصور المعبّرة بهذا الصدد، التي اشترك فيها من عماله كل من سعيد بن العاص (والي الكوفة السابق) ومعاوية بن أبي سفيان (والي الشام) وعمرو بن العاص (والي مصر السابق) وعبد الله بن عامر. فكانت مواقفهم ونصائحهم السياسية في بداية الأمر هي كالتالي: اعتقد سعيد بن العاص، بأن من الضروري إتباع سياسة التحضير السري للمواقف والأفكار من خلال رميها عند من لا يعرفها لكي تكون الشغل الشاغل للمعارضة في أحاديثهم. أما عبد الله بن سعد‏ فقد اقترح أن يقايض العطاء بالأخذ، بوصفها سياسة أفضل من أن يجري ترك الأمور تجري على مجاريها. في حين اقترح معاوية سلوك ما اسماه بحسن الأدب معهم. أما عمرو بن العاص، فقد اعتقد، بأن عثمان قد لان كثيرا وتراخى عنهم. من هنا مطالبته إياه بأن يسلك سلوك عمر وأبي بكر من الشدة في موضع الشدة، واللين في موضع اللين. وربط التشدد تجاه من لا يألو الناس شرا، أما اللين فتجاه من يخلف الناس بالنصح. ‏وإذا كانت هذه الآراء والمواقف معقولة ومقبولة بمعايير الرؤية السياسية، فإن حقيقتها تكشفت حالما اشتدت الأزمة وظهرت إمكانية تعرضهم لنفس خاتمة عثمان. ففي لقاء آخر يجمع عثمان مع عبد الله بن عامر ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن سعد وعمرو بن العاص نسمع مواقف أخرى أكثر تشددا وخبثا. فقد وضع عثمان السؤال بطريقة أخرى تجمع بين النصيحة والمواجهة السياسية للجميع. حيث قال: صنع الناس ما قد رأيتم وطلبوا إليَّ أن أعزل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون فاجتهدوا رأيكم وأشيروا عليَّ‏"‏‏.‏ فقال له عبد الله بن عامر:"رأيي يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمهرهم في المغازي حتى يذلّوا لك فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه، وما هو فيه من دبرة دابته وقمل فروه‏"‏‏. واقترح معاوية أن يرد عماله على الكفاية لما قبلهم وهو يضمن له نفسه. في حين أجاب عبد الله بن سعد:"إن الناس أهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف عليهم قلوبهم‏"‏‏. أما عمرو بن العاص فقال:"‏أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعدل! فإن أبيت فاعتزم أن تعتزل! فإن أبيت فاعتزم عزما وأمض قدما‏"‏‏.‏ عندها قال له عثمان:"‏ما لك! قمل فروك!‏‏ أهذا الجد منك‏؟!‏‏"‏‏.‏ فسكت عمرو حتى إذا تفرَّقوا قال‏ له:‏‏"‏لا والله يا أمير المؤمنين! لأنت أعز عليَّ من ذلك‏.‏ ولكني قد علمت أن سيبلغ الناس قول كل رجل منا، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي، فأقود إليك خيرا أو أدفع عنك شرا‏"‏‏[7].‏ (يتبع...)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] ‏‏الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص 589-590.

[2] ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 2، ص476‏‏‏.‏

[3] ‏السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 123‏‏.

[4] ‏ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص5.

[5] ‏‏ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص5.‏‏

[6] الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج 2،ص 643- 645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص 39-42‏.

[7] الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج 2،ص643-645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص39- 42‏.

 

jafar alhakeemالسريالية كلمة فرنسية الأصل وتعني (ما فوق الواقع) وهي تعبير عن مكنونات العقل الباطن بطريقة يعوزها النظام والمنطق، وهي منهج ثقافي في مجالي الأدب والفن الحديث، وتعتبر طريقة من طرق الابداع في نطاق الفن والادب

لكن هذا المنهج يتحول الى وسيلة لتسويق الوهم، حين يستخدم في نطاق شرح او تأويل نصوص لها علاقة مباشرة بالمعتقدات والتفسيرات اللاهوتية.

يستعرض العهد القديم من الكتاب المقدس، في اول اسفاره والموسوم بسفر (التكوين) قصة الخلق، ابتداءا من خلق الارض والسماء، ومن ثم خلق الحيوانات والنبات، وخلق الانسان الاول، بجنسيه الذكر والانثى، ثم يتسلسل بسرد قصة أول خطيئة للإنسان، وطرده من جنة عدن، ويستمر السفر في سرديته، التي تصف تسلسل الأحداث التي واجهها (ادم و حواء) وابنائهم على الارض لاحقا.

إن القارئ لسفر التكوين، وخصوصا اصحاحاته الثلاثة الاولى، سيتعرف بلا ادنى شك على طفولية الفكر الإنساني في تلك الفترة التاريخية المبكرة، حيث تطغى الصبغة البدائية على التصورات الساذجة لمنظومة الأفكار والمعتقدات التي حاول كاتب او كتبة هذا النص تأصيله! (البعض ينسب كتابته الى موسى والبعض ينسبه لعزرا الكاتب بلا دليل تاريخي موثوق).

وبعد مرور مئات السنين، ومع تحول هذه السردية الى نص مقدس، اصبحت امام اللاهوتيين المتصدين لشرح ونشر العقيدة المستندة الى هذا النص مشكلة كبرى! فهذه النصوص بما تحويه من تصورات بدائية في المخيال الطفولي للمدونين، اصبحت لا تتوائم مع تطور الفكر الانساني ونضوج الوعي واتساع المدارك والتصورات المستندة الى الحقائق، فكان لزاما والحال هذه، ان يلجأ اللاهوتيون الى اسلوب ومنهج جديد، من اجل ادامة زخم القداسة والفخامة الاعتبارية لتلك النصوص، وبناءا عليه، تم استحداث ما يعرف بـ(الهرمنيوطيقا)

ان منهجية تفسير النصوص، موجودة في كل الاديان التي تستند الى نصوص مقدسة، لكن ما يميز التفسيرات اللاهوتية للنصوص التي تتعاطى معها المسيحية بالذات (الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد) هو استغراقها في الخيالية السريالية، وتحميل النصوص معاني وتأويلات، لا تحتملها، مع عدم الخضوع لأي ضابط منطقي او فلسفي، وبلا اي اعتبار لظواهر تلك النصوص!

في هذا المقال، سنستعرض الإصحاح الثالث من سفر التكوين، كدليل على الكلام المتقدم، مع الاشارة الى اهمية هذا السفر، لأنه يؤسس لتأصيلات مهمة جدا في العقيدة المسيحية، مثل خطيئة الانسان الاول، والعلاقة بين الإنسان والشيطان، وهذه التأصيلات سوف تستند عليها العقائد الرئيسية للمسيحية، مثل عقيدة الفداء والتجسد.

وادعو جميع القراء، الى قراءة هذا الاصحاح، ليس فقط، من اجل اهميته المذكورة أنفا، وانما ايضا، لما يحتويه هذا النص من طرافة ممتعة، نتيجة غرابة التناقضات التي يحتويها !

بعد ذكر قصة خلق السماء والأرض، وخلق الإنسان الأول، وزوجته، واسكانهم في جنة عدن، وبعد ان طلب الله منهما ان لا يأكلا من احدى الاشجار، لان العقوبة على هذا العمل ستكون الموت.

يبدأ الاصحاح الثالث من سفر التكوين، بذكر (الحية) ويصفها بأنها (احيل) جميع الحيوانات البرية المخلوقة، ثم يتطرق الاصحاح الى قضية اغواء الحية للمرأة، وتشجيعها على الأكل من الشجرة المحظورة، بعد ان اخبرتها، بان هذه الشجرة سوف تجعلهما يميزان بين الخير والشر، وانهما لن يموتا في حال أكلا من تلك الشجرة.

اكلت المرأة من ثمر الشجرة، وأعطت رجلها، فأكل هو الآخر، فكان العصيان الاول للامر الالهي!

وفورا، انفتحت عيونهما، وادركا انهما عراة، فحاولا ان يسترا نفسيهما باوراق الاشجار، وبعد ذلك...

(وسمعا صوت الرب الاله ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبا ادم و امراته من وجه الرب الاله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الاله ادم و قال له اين انت؟!!!!

فقال سمعت صوتك في الجنة فخشيت لاني عريان فاختبأت

فقال من اعلمك انك عريان هل اكلت من الشجرة التي اوصيتك ان لا تاكل منها؟!!!) سفر التكوين 3

وبعد ان اكتشف الاله، حدوث الخطيئة، أقام ما يشبه المحاكمة الفورية السريعة، لشخصيات الحدث الثلاثة فكانت عقوبة الحية

(لانك فعلت هذا ملعونة انت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية على بطنك تسعين و ترابا تاكلين كل ايام حياتك)

وعقوبة المرأة ...( تكثيرا اكثر اتعاب حبلك بالوجع تلدين اولادا والى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك!!)

اما الرجل، فكانت عقوبته ان الارض اصبحت ملعونة بسببه، وان سوف يحيا عليها، بالتعب والكد من اجل تحصيل لقمته

ويذكر النص ايضا، ان الاله قرر ان يجعل عداوة ابدية بين نسل الحية ونسل المرأة، وهذا القرار الالهي سوف نتوقف عنده مليا في المقال القادم، لانه يمثل اولى النبوءات، المتعلقة بيسوع المسيح حسب التفسير المسيحي لهذه القصة!!

و من خلال استعراض تسلسل احداث الاصحاح الثالث، سنكتشف تناقضات طريفة وغريبة!

على سبيل المثال، نجد ان الحية كانت صادقة حين اخبرت ابوينا عن طبيعة الشجرة، وانهما لن يموتا اذا اكلا منها!

وقد تحقق بالفعل، ما قالته الحية، حيث اصبحا عارفين للخير والشر، ولم يموتا بعد ان أكلا من الشجرة

وهنا نجد المفسرين، قد وقعوا باضطراب وحيرة، فقام كل فريق بمحاولة ايجاد تفسير مغاير لمعنى الموت الوارد في النص

بعض المفسرين، حاول التبرير، بان المعنى هو ان الموت سيكون النتيجة النهائية للانسان، وانه بعصيانه الأمر قد تم حرمانه وذريته من الخلود في الجنة!

وهذا القول مردود، وغير صحيح، لان نفس النص المقدس، يخبرنا، بان الإله قرر طرد ابوينا من الجنة لانهما اصبحا يعرفان الخير والشر، وانهما قد يأكلان من شجرة الخلود فيصبحا خالدين مثل الاله!!!

 (وقال الرب الاله هوذا الانسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر والان لعله يمد يده وياخذ من شجرة الحياة ايضا و ياكل و يحيا الى الابد!!) تكوين 3/22

بعض المفسرين، اضطروا للخروج من هذه الاشكالية، الى تفسير الموت الوارد بالنص على انه موت روحي!!

وهذا تأويل متكلف، لا يحتمله ظاهر النص، وان كان فيه هروب من المأزق!

ونجد ايضا في النص، امر اخر، لافت وغريب، وذلك فيما يخص عقوبة المرأة، حيث نجد ان القرار الإلهي جعل لعنة العقوية على المرأة أبدية، وشملت أوجاع ومعاناة الحبل والولادة، وكذلك ستتسبب لعنة العقوبة بجعل المرأة في حالة اشتياق دائم الى الرجل( وليس العكس!) وان الرجل سيكون سيدا ابديا عليها !

ونلاحظ هنا، ان هذه العقوبة او اللعنة لم تقتصر فقط، على (حواء) وانما امتدت لتشمل كل النساء اللواتي من نسلها (رغم أنهن لم يقترفن الذنب) ونلاحظ ايضا، ان هذه العقوبة جاءت في صالح الرجل في بعض جوانبها !!

ومع استعراض محاكمة وعقوبة شخصيات الحدث( الحية، المرأة والرجل) يبرز هنا تساؤل مهم جدا وهو:

اين الشيطان في القصة التي تمثل الحدث الأخطر في تاريخ البشرية؟!

القارئ لنصوص الأصحاحات الاولى لسفر التكوين، لن يجد أي ذكر للشيطان، حتى في قصة خطيئة الإنسان الاولى، والتي تسببت في طرده من الجنة، ليس هناك اي ذكر او اشارة للشيطان!!

حيث يذكر النص بشكل واضح وصريح ان الحية هي السبب في غواية الانسان، وانها نتيجة لذلك نالت عقوبتها!!

ان هذا التساؤل المهم جدا، دفع اللاهوتيين الى البحث عن تأويلات سريالية لغرض تفسير هذا الخلل الواضح في القصة!

ولم يجدوا حلا، الا من خلال الادعاء بأن الحية هي مجرد رمز للشيطان!

ان هذا التفسير اللاهوتي، قد اوقع اصحابه في مأزق أكثر حراجة وضيقا من المأزق الاصلي!

فلو قبلنا ان (الحية) المذكورة في القصة، هي مجرد رمز للشيطان، وليس المقصود منها ذلك الحيوان المسكين!

ولو قبلنا ايضا، تفسير بعضهم، ان الشيطان قد تسلل للجنة متجسدا بشكل الحية، ولم يعلم الاله بهذه الخدعة!

فكيف يفسر لنا اللاهوتيون، حقيقة ان الافعى( الحية) هي التي اكلت العقوبة، ولا زالت الى يوم الناس هذا تأن تحت وطأتها!

فحيوان الافعى (الحية) لا زالت تزحف على بطنها، ولم يخبرنا الكتاب المقدس، كيف كانت الحية تسير قبل هذه الحادثة؟

هل كانت تطير مثلا؟ او كان لها أقدام تمشي عليها؟ قبل ان يعاقبها الاله بالزحف وأكل التراب !!!

وعندما يرجع القارئ الى تفسيرات اللاهوتيين المسيحيين لهذا النص (القدماء منهم والمعاصرين) سيجد تشكيلة عجيبة من التنطعات التأويلية من اجل اضفاء واقعية عليه وجعله يتسم بالمصداقية التي تتسق مع العقل والمنطق والحقائق!

فمثلا، عندما يتطرق المفسرون الى خرافة ان عقوبة الحية هي ان تأكل التراب طوال عمرها!

نجدهم يحاولون ايجاد مخرج لهذه الخرافة الغير قابلة للتصديق، فتارة يقول بعضهم ان المعنى هو ان الحية تأكل طعامها مخلوطا بالتراب!...وكأن بقية الزواحف لا تأكل طعامها الا بعد ان تغسله بالماء والصابون!!

وتارة اخرى، يقول اخرون، ان معنى التراب هنا هو اقتراف الاثم! من غير ان يوضح اي اثم يرتكبه حيوان الافعى بزمننا!

وسواء قبلنا ان المقصود ب(الحية) هو الشيطان او قبلنا ان المقصود هو الافعى (الحيوان)، تبقى الحقيقة الطريفة في هذه القصة التوراتية، ماثلة و لاتتأثر، وهذه الحقيقة تتلخص في ان الشيطان (الفعلي) نجا من العقوبة، وخرج من القصة سالما

بعد ان لبست (الحية) بدله، التهمة، وحملت العقوبة الى الابد!

وأمام حقيقة تناقض هذا النص وبدائية فكرته المستندة على تصورات ومشاهدات ساذجة، تعامل اللاهوتيون المسيحيون مع هذه الاشكالية، على طريقة الهروب للأمام، من خلال إضفاء تفسيرات سريالية باهتة، في محاولة لإضفاء نوعا من الإيحاء الرمزي بمعاني باطنية عميقة، لكي يستفيدوا منها في تركيب احجار البناء العقدي للايمان المسيحي، وتحويل هذا النص الطفولي في الفكرة والبناء، الى أساس لعقيدة مبنية على خيال مغلف بقداسة مصطنعة، قائمة على تلاعب باللفظ والمعنى!

وللحديث صلة….

 

حوارات في اللاهوت المسيحي (27)

د. جعفر الحكيم

 

 

mutham aljanabi2هو كعب بن ماتع الحميري. توفي عام 34 للهجرة. أصوله من يهود حمير اليمنيين. اعتنق الإسلام زمن عمر بن الخطاب وتحول بفعل قربه من السلطة وثقافته النسبية (التوراتية) إلى شخصية مؤثرة آنذاك. وهي "ثقافة" بسيطة وشفوية. من هنا غلوها في إدخال هذا الكم الهائل من الأساطير التوراتية في الموقف من الأحداث السياسية والدرامية التي مر بها تاريخ الإسلام بعد موت النبي محمد. وهي ظاهرة لقطها المؤرخ الذهبي ووضعه في كتابه (سير أعلام النبلاء)، عندما أشار إلى حالته الغريبة التي جعلت منه وهو "التابعي" أو الذي اسلم في خلافة عمر بن الخطاب، مصدرا لرواية الصحابة مثل أبو هريرة وغيره. أما في الواقع فانه لا غرابة في الأمر. وذلك لأنهما يشتركان ويتكاملان. فقد اسلما في أوقات متقاربة نسبيا. أبو هريرة عام 7 للهجرة، وكعب زمن عمر (ويقال زمن خلافة أبو بكر). وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أصولهم اليمنية، بمعنى التقائهم بالفطرة والمكان والنفسية، و"ذكاء" كعب و"علمه" بوصفه حبرا من أحبار اليهود، وسذاجة أبو هريرة بوصفه ناقلا مباشرا لما يسمعه، فان من السهل معرفة سر ونوعية التأثير المحتمل لكعب الحميري على أبي هريرة.

وليس مصادفة أن يكون اغلب الحديث النبوي الزائف الذي نقله أبو هريرة مشبعا بالفكرة الأسطورية. فقد كان أبو هريرة ضمن هذا السياق مجرد حامل ونقّال. بمعنى انه لا يعبأ بما ينقل. لأن الشيء الوحيد الذي كان يمتلكه هو "ذاكرة" بلا عقل. من هنا ثقوبها المليئة بإمكانية تمرير كل شيء، والإسرائيليات بشكل خاص. وقد لقط ابن كثير (في كتابه تفسير القرآن) الدس التوراتي من جانب كعب الحميري، عندما كتب يقول، بان القصص المروية عن ملكة سبأ وسليمان هي من وضع أهل التوراة مثل كعب ووهب بن منبه، أي أولئك الذين نقلوا ما اسماه ابن كثير بأخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان وما لم يكن، ومما حرّف وبدّل ونسخ.

وليس مصادفة أن يكذبه ابن عباس مرات عديدة في تفسيره للقرآن. بمعنى معارضته لفهم القرآن بمعايير ومفاهيم وصور التوراة. وهي عملية طبيعية بالنسبة لكعب الأحبار، تماما بالقدر الذي لم تكن مثار حساسية دينية. لاسيما وان القرآن يحتوي على "إسرائيليات" عديدة، بوصفها جزء من تراث المنطقة وتقاليدها الدينية والأسطورية. فالأساطير الإسرائيلية جميعا من وحي تراث المنطقة وتاريخها، بمعنى أنها لا نخرج من وادي الرافدين ومصر وفلسطين وفارس. من هنا لم يكن "حشر الإسرائيليات" في الإسلام آنذاك من جانب عبد الله بن سلام ووهب بن منبه وكعب الأحبار فعلا متعمدا بقدر ما انه كان يسري بفعل ثقافتهم الأولية الخاصة.

وفيما يخص كعب الحميري فقد كان تفسيره للقرآن والأحداث بمعايير الرؤية اليهودية يهدف إلى جعل الإسلام نهاية الفكرة الوحدانية والحق. وبالتالي فان "الدس التوراتي" كان بهذا المعنى يهدف إلى البرهنة على أفضلية الإسلام. وهي فكرة يمكن رؤيتها في كل الخطاب الديني والأخلاقي لكعب الأحبار. ومن الصعب توقع مواقف أخرى لكعب الأحبار بهذا الصدد، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار إسلامه المتأخر وهو في عمر تجاوز الثلاثين من العمر، إضافة إلى احترافه الديانة اليهودية بوصفه احد أعلامها و"أحبارها" في اليمن. لهذا لا نعثر في آرائه ومواقفه على استشهاد بالقرآن والحديث مقارنة بما تمتلئ مواقفه وآراءه من التراث الشفوي لليهودية التوراتية.

الأمر الذي حدد رؤيته للماضي والحاضر والمستقبل بوحي خزين تجاربه الدينية والمعرفية. وهو خزين يهودي. لكن مشاعره كانت تميل كليا للإسلام والدفاع عنه كما هو جلي فيما ينقله لنا أبو نعيم الأصفهاني في (حلية الأولياء). وإذا كانت اغلب تصوراته تسير صوب التجسم وإمكانية رؤية الله، فلأنها الرؤية المميزة لليهودية. وهي مكونات تخدم على الدوام جمود الرؤية والمواقف وأسطوريتها، التي عادة ما تكون أداة بيد السلطة بسبب ما في هذه الرؤية من بساطة وتسطيح للوعي. وليس مصادفة أن يصبح كعب الأحبار قريبا ومقربا من السلطة زمن عمر بن الخطاب وعثمان، رغم تباينهما الكبير. وان يحاول معاوية بن أبي سفيان تقريبه منه. وبهذا الصدد تنسب إلى كعب الأحبار فكرة يقول فيها بان مولد النبي بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام! وقد تكون تلك عبارة أطلقها معاوية ونسبها إلى كعب الأحبار. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن كعبا لم يتقرب من معاوية رغم إغواء الأخير إياه. وفضّل أن يعيش في حمص ويموت فيها، قبل مقتل عثمان بسنة واحدة (عام 34 للهجرة).

لقد حبذ كعب الحميري العيش بالقرب من السلطة والابتعاد عن مهمة "الجهاد" الكبرى آنذاك. لهذا لم نسمع عنه اشتراكه في حروب الفتح الإسلامي. لكننا نراه ينهمك في وضع الأفكار السياسية المتلفعة بالخطاب الديني الأسطوري. وهو انهماك جعله قريبا من السلطة في غضون فترة سريعة جدا. فقد اسلم زمن خلافة عمر بن الخطاب وتحول إلى احد المقربين منه. كما احتل هذا الموقع زمن خلافة عثمان بن عفان. وهو تقرب لم يخلو أحيانا من التملق. قد يكون هو السبب الذي جعل بعض كتب التاريخ تنسب إليه إمكانية المؤامرة في مقتل عمر بن الخطاب. وهو تأويل مفتعل. وذلك لان العبارة المنسوبة إليه بهذا الصدد التي كان يقولها لعمر قبل مقتله بأيام بأنه شهيد، لا تعني فيما لو جرى وضعها ضمن تقاليد الرؤية الدينية سوى الصيغة المقدسة لنهاية المرء. وهي فكرة يمكن أن تداعب قلوب المسلمين الأوائل! وإذا كان كعب الحميري يضع هذه الرؤية والمواقف حسب صور التوراة أو أنها "موجودة في التوراة"، فلأنها الصيغة التي تداعب الخيال الإسلامي آنذاك عما دعاه القرآن بعبارات عديدة مثل "موجود في الكتاب" و"مصدق لما بين يديه" وما شابه ذلك. وعدما استغراب عمر بن الخطاب أن يكون شهيدا، فإن جواب كعب الحميري هو "إن صفاتك موجودة في التوراة". وهو نفس الموقف الذي قال به عندما تعرض عثمان لإمكانية القتل. وإذا كان عمر بن الخطاب قد رفض هذا التأويل انطلاقا من انه لا شهادة في ارض العرب، فان عثمان رفضه حبا بالحياة! بينما نرى عمر يعارض فكرة كعب من بناء المسجد شمال الصخرة بحيث تصبح قبل القبلة في التوجه للصلاة. من هنا بناء عمر للمسجد في مقدمة ما يسمى بجبل الهيكل. وحتى في هذا الموقف لا ينبغي فهم رؤية كعب الحميري إلا ضمن سياق محاولة إدخال التوراة في كل موقف، بوصفها الجزء الجوهري من ذخيرته المعرفية والدينية.

إن هذا التناقض الجلي في شخصية كعب الحميري هو الذي جعل منها اشد عسرا بالنسبة لتاريخ الأفراد والأفكار. كما أن الأساطير والحكايات التي حيكت عنه وحوله جعلته اشد تعقيدا بالنسبة لتحديد موقعه الفعلي في الثقافة الإسلامية الأولى وموقع المثقفين من السلطة. أما في الواقع، فقد تمثل كعب الحميري هذا التناقض وعاش معه حتى النهاية. بمعنى دخوله الإسلام بتراثه اليهودي. وعيشه وفعله بمقاييس اليهودية من اجل الإسلام. وكذلك محاولة الجمع بين واقعية الرؤية العربية المتربية بتقاليد الجاهلية وحبكة الرؤية الأسطورية لليهودية. وهو تناقض جعله فريسة السلطة واستحالة الانفكاك عن تأييدها. الأمر الذي أثار حفيظة الوعي الإسلامي الأخلاقي النقدي، بحيث وجد في مواقفه شخصية غريبة عن الإسلام، ومن ثم رده دوما وذكّره بأصوله اليهودية. فعندما أراد عثمان اقتسام أموال عبد الرحمن بن عوف بعد موته، نراه يخاطب كعبا:

-        ما تقول فيمن جمع هذا المال، فكان يتصدق منه، ويعطي في السبيل ويفعل ويفعل؟

- إني لأرجو له خيرا!

عندها غضب أبو ذر الغفاري ورفع العصا في وجه كعب قائلا:"وما يدريك يا ابن اليهودية! ليودّن صاحب هذا المال يوم القيامة لو كانت عقارب تلسع السويداء من قلبه!". وعندما كان عثمان يأخذ من مال المسلمين (قرضا بلا عودة!) نراه يسأل كعبا بهذا الصدد عما إذا كان مسموحا للخليفة أن يأخذ من بيت مال المسلمين إذا كان بحاجة على أن يردها فيما يعد. فلم يعترض كعب. على العكس! بينما نرى أبو ذر يعارضه بشدة مخاطبا كعب الأحبار:"أتعلمنا يا ابن اليهودية"؟!

وهو نفس الرد السريع الذي قال به المسلمون الذين حاصروا عثمان قبيل مقتله، عندما سمعوا قول كعب بان مقتل عثمان سوف يؤدي إلى حروب دامية. وهو "تنبؤ" سليم، يحمل من حيث أصوله ووسيلته معنى "الإخلاص" للسلطة. بمعنى إنها فكرة ليست محكومة بالرؤية التاريخية السياسية، بقدر ما أنها كانت تعمل من اجل أمل الإبقاء على عثمان حيا يرزق في سرقته وإفساده للدولة والأمة والفكر. وهي الحالة التي لقفها معاوية وكل أولئك الذين كونوا عصابته الظاهرة والمستترة وراء عباءة الإسلام المزيف. كما كان الحال بالنسبة لعمر بن العاص. فقد كان، حسب كلماته، يؤلب حتى الرعاة على أغنامهم على قتل عثمان! بينما نراه يتحول إلى مقدمة الرافعين لشعار الثأر لمقتل عثمان عندما جرى اختيار الإمام علي خليفة للمسلمين للمرة الأولى بصورة حرة ومن جانب المجتمع وقواه الحية!

***

 

ميثم الجنابي

 

ali jabaralfatlawi2(فبعثَ اللهُ غُرابا يبحث في الأرض ليرِيهُ كيف يواري سوأة أخيه قال ياويلتي أعجزتُ أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبحَ من النادمين).

الآية 31 من المائدة، والآيات قبلها ابتداء من الآية 27، تتحدث عن ابني آدم كما جاء في تفسير الميزان، (الآيات تنبئ عن قصة ابني آدم وتبيّن أنّ الحسد ربما يبلغ بابن آدم إلى حيث يقتل أخاه ظالما فيصبح من الخاسرين ويندم ندامة لا يستتبع نفعا ... والمراد بهذا المسمى بآدم هو آدم الذي يذكر في القرآن أنه أبو البشر، وقد ذكر بعض المفسرين أنه كان رجلا من بني إسرائيل تنازع ابناه في قربان فقتل أحدهما الآخر وهو قابيل أو قايين قتل هابيل ولذلك قال تعالى بعد سرد القصة: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل)..)(1) وهي بداية الآية 32 من سورة المائدة.

 السيد الطباطبائي لا يتفق مع المفسرين القائلين أن آدم في الآيات السابقة هو رجل من بني إسرائيل، ويؤكد أن آدم هو أبو البشر الذي جاء ذكره في القرآن، وأن قابيل وهابيل هما إبنا آدم أبو البشر، والقول أنه من بني إسرائيل كلام فاسد لثلاثة أسباب ذكرها في تفسيره، منها أنّ من خصوصيات القصة قوله تعالى (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ...) كلام الآية وهو موضوع بحثنا: (إنما يلائم حال الإنسان الأولي الذي كان يعيش على سذاجة من الفكر وبساطة من الإدراك يأخذ باستعداده الجِبلي – الفطري – في ادخار المعلومات بالتجارب الحاصلة من وقوع الحوادث الجزئية حادثة بعد حادثة، فالآية ظاهرة في أن القاتل ما كان يدري أن الميت يمكن أن يستر جسده بموارته في الأرض، وهذه الخاصة إنما تناسب حال ابن آدم أبو البشر لا حال رجل من بني إسرائيل، وقد كانوا أهل حضارة ومدنية ..)(2)

منهج الطباطبائي التفسيري هو تفسير القرآن بالقرآن، مستعينا بظاهر الآيات في تفسيره، وهذا ما فسر به الآية 31، وهو منهج يتبعه بعض المفسرين مستفيدين من الحجة العقلية في توجيه تفسيرهم للآية حسب الظاهر، وكذلك يستفيدون من بعض الروايات التي يعدها المفسر موثقة، عدّ السيد الطباطبائي الآيات 27-32 من سورة المائدة، أنها تخص قابيل وهابيل أبني آدم أبو البشر، ولا تخص رجلين من بني إسرائيل كما يقول بعض المفسرين.

 يتوافق صاحب التفسير الكاشف مع العلامة محمد حسين الطباطبائي في تفسيره أن القاتل قابيل والمقتول هابيل هما ابنا آدم أبو البشر، لكن لا يتوافقان حول الروايات عنهما فصاحب التفسير الكاشف يقول: (لقد حاك القصّاص، وكثير من المفسرين الاساطير من قصة ابني آدم هذين .. ولا مصدر إلّا الاسرائيليات.)(3) يشكك صاحب التفسير الكاشف الشيخ محمد جواد مغنية، بجميع الروايات عن آدم وابنيه ويعدّها من الإسرائيليات، ويذهب في تفسير الآية والآيات التي قبلها إلى ما يستنتج من ظاهر الآيات، مستفيدا من آراء بعض المفسرين والمؤرخين، ورافضا روايات القصّاصين ويعدّها من الإسرائيليات، لكن السيد الطباطبائي يروي بعضا من هذه الروايات في تفسيره عن ابني آدم، وانتقد كلّ رواية مستقلة عن الأخرى قبولا أو رفضا كليّا أو جزئيا.

بعد أن نفّذ قابيل قتل أخيه هابيل عامدا، يقول محمد جواد مغنية مفسرا الآية حسب ظاهرها: (وبعد أن صار أخوه جثة هامدة لم يعرف كيف يواريها، فبعث الله غرابا فحفر برجليه ومنقاره حفرة فلما رآها القاتل زالت حيرته واهتدى إلى دفن أخيه من عمل الغراب .. ولكنّه عضّ يده ندامة بعد أن أدرك فداحة الخطب، كما أنه أدرك أنه دون الغراب معرفة وتصرفا.)(4)

 استوحى العلامة محمد جواد مغنية من ظاهر الآية، أن القاتل قابيل ندم ندامتين الأولى لأنه قتل أخاه هابيل، والثانية إذ لم يُوفَق لطريقة يدفن فيها أخاه إلا بعد مشاهدة الغراب، كيف يبحث ويواري؟ فشعر بالندامة لأنه دون الغراب معرفة إذ لم يهتدِ الى طريقة الغراب في الدفن. أما العلامة الطباطبائي فأنه يؤكد ندامة قابيل على عدم مواراته سوأة أخيه، ورجح ندامته على القتل، يقول: (أن قوله: (فأصبح من النادمين) إشارة إلى ندامته على عدم مواراته سوأة أخيه، وربما أمكن أن يقال: إن المراد به ندمه على أصل القتل وليس ببعيد)(5) نستوحي من تفسير العلامة الطباطيائي، أنه يؤكد ندامة قابيل بعد رؤيته للغراب يبحث ويواري، ويرجّح ندامة قابيل الثانية ولا يؤكدها إذ يقول: (وربما أمكن أن يقال ..ندمه على أصل القتل وليس ببعيد)، واستوحي من كلام الطباطبائي أنه لا يؤكد أن قابيل ندم ندامتين، إنما يؤكد ندامة واحدة.

  العلامة محمد جواد مغنية يتوافق مع السيد محمد حسين الطباطبائي بأن القاتل قابيل والمقتول هابيل، وهما ابنا آدم صلبا، كذلك يتوافقان أن دافع القتل هو القربان الذي تقبله الله تعالى من هابيل، ولم يُتقبله من قابيل، فحسد قابيل هابيل مما دفعه لقتل أخيه، فالدافع نفسي عند السيد الطباطبائي هو دافع القتل، لكن لماذا تقبل الله من هابيل ولم يتقبل من قابيل؟ يقول البعض من المفسرين لأن قربان قابيل يختلف عن قربان هابيل، وفي تقديري هذا التفسير غير صحيح لأن الله يفعل ما يريد وفق نوايا الفاعل، فهو العالم العادل الحكيم المقدّر اللطيف في التعامل مع العباد، وأذا رجعنا إلى الأية 27 من السورة التي ترتبط مع الآيات بعدها في السياق من آية (27-32) فإنها تعطي سبب عدم تقبل القربان من قابيل، إذ ذكرت أنه لم يكن من المتقين (فتُقبّل من أحدهما ولم يُتقبّل من الآخر قال لأقتلنّك قال إنما يتقبل الله من المتقين) جواب هابيل لأخيه قابيل الذي هدّده بالقتل، بسبب عدم تقبل القربان، إذ قال له: (إنما يُتقبّل من المتقين)، فعدم تقبل قربان هابيل لأنه لم يكن من المتقين، وليس بسبب نوع القربان الذي قدّمه مثل ما يذكر بعض المفسرين. ويوجد من المفسرين من يرفض الروايات عن ابني آدم جملة، مثل محمد جواد مغنية ويعدها من الاسرائيليات، ويلتزم بظاهر النص مستعينا بآراء بعض المفسرين والمؤرخين.

إذن تقبل الله تعالى قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل، وهذا ما صرّحت به الآية 27، وبسبب هذه الحالة اندفع قابيل لقتل أخيه هابيل، أما لماذا تقبل الله سبحانه من هابيل ولم يتقبل من أخيه قابيل؟ الجواب في سياق الآيات السابقة للآية 31 أنه لم يكن من المتقين، أما الحديث أن نوع القربان له علاقة بعدم تقبله، فهو غير صحيح واتفق مع الشيخ محمد جواد مغنية أنه قد يكون من الإسرائيليات، فهو قد رفض جميع القصص عن ابني آدم وعدّها من الإسرائيليات لا يمكن تصديقها.

أثار الشيخ محمد جواد مغنية مسألة خلافية عند علماء الاخلاق منذ القديم، لها علاقة بقضية القتل في الآية، وهي هل الانسان شرير أم خيّر بالطبع ام لا؟ وأجاب: (أنّ في كل انسان استعدادا للخير والشر بفطرته، حتى خير الأخيار، وشرّ الاشرار والفرق أنّ في بعض الافراد مناعة من عقل رصين، أو دين متين يكبح نزواتهم إلى الشّر، ويندفع البعض الآخر مع شهواته لضعف في دينه، أو عقله.)(6)

فسّر العلامة الطباطبائي الآية 31 في تفسيره الميزان، وننقل تفسيره بتصرف مع المحافظة على المعنى: البحث لغة طلب الشيء في التراب، والمواراة الستر، ومنه التواري للتستر، والسوأة ما يتكرهه الانسان، والويل الهلاك، وياويلتا كلمة تقال عند الهلكة والعجز مقابل الاستطاعة. ويستدل الطباطبائي من سياق الآية أن القاتل وهو قابيل بقي متحيرا من أمره لا يعرف كيف يتصرف مع الجثة؟ حتى بعث الله الغراب، ومن ظاهر الآية يستدل العلامة الطباطبائي أن بعث الغراب وبحثه لم يكن متقاربا في الوقت مع عملية القتل ويستدل على ذلك من قوله تعالى: (قال ياويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب) ويستفيد الطباطبائي من سياق الآية أن الغراب كان قد دفن شيئا في الارض بعد البحث فيكون هدف الغراب حينئذ إراءة كيفية المواراة لا كيفية البحث.(7) هذا ما استنتجه العلامة الطباطبائي من سياق الآية.

 واتفق مع العلامة الطباطبائي في استنتاجه، لأنّ الغراب كان هادفا في فعله ومسخّر ربّانيا لتوصيل رسالة هي تعليم قابيل كيفية الدفن، وهنا تحضر عملية التسخير الإلهي للغراب الذي لا يعي شيئا، إنما يقوم بفعله غرائزيا أو فطريا، وكذا جميع المخلوقات الفاقدة للعقل، بتوجيه ربّاني نجهل ماهيته ونحن نعرف أن الله يبعث الانبياء والرسل، لكن كيف يبعث الله الغراب أو غيره من المخلوقات غير الإنسية؟ فالعلم عند الله ولم أجد من العلماء من  بحث بعث الطيور والمخلوقات غير الأنسية.

ذكر السيد الطباطبائي في تفسيره عدة روايات تحدثت عن قتل قابيل أخاه هابيل وعندما ذكرها في التفسير لا يعني أنه قَبِل بها، فهو أيضا يشكك في بعض الروايات، لكنه حسّن الرواية التي ذكرت في تفسير العياشي مروية عن الإمام الصادق (ع)، إذ وصفها الطباطبائي: انها من أحسن الروايات الواردة في القصة والرواية هي: (لما قرّب ابنا آدم القربان فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال: (تقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل دخله من ذلك حسد شديد، وبغى على هابيل ولم يزل يرصده ويتبع خلوته حتى ظفر به متنحيا من آدم فوثب عليه وقتله..)(8) لكنه ذكر رواية أخرى عن تفسير القمي، مروية عن علي بن الحسين(ع)، من أحداثها أن قابيل لا يدري كيف يقتل اخاه هابيل؟ بعد أن صمم على قتله، حتى جاءه ابليس فعلمه كيف يقتله؟ فلما قتله لا يدري ما يصنع به، فجاء غرابان اقتتلا فقتل أحدهما الآخر، ثم حفر الغراب القاتل حفرة بمخالبه ودفن صاحبه، فتعلم منه قابيل، فصارت سنّة دفت الموتي. يقول الطباطبائي: (الرواية لا تخلو من تشويش.. وهذه روايات جلّها أو كلّها ضعيفة، وهي لا توافق الاعتبار الصحيح ولا الكتاب يوافقها فهي بين موضوعة بيّنة الوضع، وبين محرّفة أو مما غلط فيه الرواة من جهة النقل بالمعنى)(9)

يصف السيد محمد حسين الطباطبائي الآية 31 من المائدة بقوله: (آية واحدة في القرآن لا نظير لها من نوعها، وهي تمثل حال الانسان في الانتفاع بالحس، وأنه يحصّل خواص الأشياء من ناحية الحس، ثم يتوسل بالتفكر فيها إلى اغراضه ومقاصده في الحياة على نحو ما يقضي به البحث العلمي، إن علوم الانسان ومعارفه تنتهي إلى الحس خلافا للقائلين بالتذكر والعلم الفطري.)(10)

يقول السيد الطباطبائي: (وبالجملة فالله سبحانه هو الذي علّم الانسان خواص الأشياء التي تناله حواسه نوعا من النيل، علّمه إياها من طريق الحواس، ثمّ سخّر له ما في الأرض جميعا، قال تعالى: (وسخّر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا)الجاثية:13)(11)

واستوحي من مجموع ما اطلعت على تفسير الآية، أن الآية 31 من المائدة، تؤشر إلى أن أول عملية دفن للإنسان هي دفن هابيل المقتول من قبل القاتل قابيل، لهذا بقي قابيل حائرا ماذا يفعل بجثة أخيه، حتى قيّض الله تعالى الغراب ليتعلم منه قابيل سنّة الدفن، التي جرت في الخلق أجمعين من بعده، وهذه هي الحكمة والرحمة الربّانية للانسان وسننه في خلقه، التي تشمل المطيع والعاصي كي يتعلما من سننه تعالى التي تجري بمعيار العدالة الإلهية على جميع المخلوقات.

 وعن سنّة الدفن وندامة قابيل نستعرض بالمختصر أقوال بعض المفسرين، يقول الطبري في تفسيره: فاحبّ الله تعريفه – اي لقابيل – السنّة في موتى خلقه فقيّض له الغرابين، وأستوحي من الموقف أن الله تعالى لايترك عبده، بل رحمته تسع الجميع المطيع والعاصي، ويقول القرطبي في تفسيره: وظاهر الآية ان هابيل هو أول ميت من بني آدم، ولذلك جُهِلت سنّة المواراة.. فصار فعل الغراب في المواراة سنّة باقية في الخلق، فرضا على جميع الناس على الكفاية، من فعله منهم سقط فرضه عن الباقين. وأخص الناس به الأقربون الذين يلونه، ثمّ الجيرة، ثمّ سائر المسلمين.

وجدت التفاتة جميلة عند الشيخ محمد متولي الشعراوي بخصوص قوله تعالى: (ياويلتي أعجزت أن اكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فاصبح من النادمين) يقول الشعراوي في تفسير خواطر:  علينا أن نفرق بين (نَدِم) و (نَدَم) وضرب مثلا: هناك شخص يشرب الخمر بالنقود التي كان عليه أن يشتري بها طعاما لأسرته، وعندما عاد لبيته وجد أسرته في انتظار الطعام، ندم لأنه شرب الخمر، فهل ندم لأنه عصى الله بشربه الخمر؟ أم ندم لأنه صرف النقود في شرب الخمر فلم يستطع شراء الطعام، كذلك كان ندم قابيل، فهو لم يندم لأنه قتل أخاه وعصى ربّه بهذه الجريمة، بل ندم على خيبته لأنه لم يعرف ما عرفه الغراب. وفي هذا المحور اختلف الشيخ محمد متولي الشعراوي مع المفسرين القائلين أن قابيل ندم ندامتين، ندم على قتله هابيل، وندم لأن الغراب أفطن منه بعد أن استوحى من الغراب عملية مواراة الميت.

 أخيرا أرى أن كل الآراء محترمة، وفهم القرآن متجدد مع الزمن لذا تتجدد الأفهام وتتنوع بمرور الوقت، وبما يُكتشف من علوم ولا نعني آيات العبادات، بل الآيات التي تتحدث عن آيات الله في الكون والانسان، لكن هناك من العقول من ترفض التعامل مع العلم وتطوره، إذ يوجد من أدعياء الدين ذوي العقول المتحجرة من يرفض التطور العلمي الذي يكشف سنن الله تعالى للانسان، بمقدار ما يستوعب من علوم جديدة وآليات كشف متنوعة، علما أنه لا تزال توجد بعض الشخصيات التي تدعي الدين ويسمون أنفسهم علماء، يكفّرون من يقول بكروية الأرض مثلا، إذ يدعون أنها مسطحة، أو غير ذلك من الحقائق العلمية الثابتة. جعلنا الله وإياكم من السائرين على نهج القرآن، بالعقل المفتوح الذي يستوعب حقائق الله وسننه في الكون كي تزيد إيماننا به سبحانه الخالق العظيم، وتقرّبنا أكثر إلى سبيل الله القويم.

 

علي جابر الفتلاوي

................

(1): الميزان في تفسير القرآن، ج5، ص225، السيد محمد حسين الطباطبائي.

(2): م.ن، ج5، ص225- 226.

(3): التفسير الكاشف، م3، ص45، محمد جواد مغنية.

(4): م.ن، ص46.

(5): الميزان في تفسير القرآن، ج5، ص232، السيد محمد حسين الطباطبائي.

(6): التفسير الكاشف،م3، ص46، محمد جواد مغنية.

 (7): الميزان في تفسير القرآن،ج5،ص232،231،السيد محمد حسين الطباطبائي.

(8): م.ن،ص241.

(9): م.ن، ص242.

(10): م.ن،ص231و232.

(11): م.ن، ص234.

 

 

يرفض بعض الباحثين الربط بين سلالة ابراهيم وبين موسى، والفاصل بينهما سبعمئة سنة، فموسى في رأيهم مصري نشا في البلاط الفرعوني، وقاد الجيوش في حملات عسكرية على اثيوبيا، ومن هؤلاء المؤرخين القدماء (يوسيلافيوس)، الذي عاش في القرن الميلادي الاول، والفيلسوف (فيلون)، وكلاهما من يهود الاسكندرية ولكنهما خالفا الاجماع اليهودي على عبرية موسى . ومن الباحثين المعاصرين (ول ديورانت)، عالم الحضارات الشهير، الذي اشتهر بكتابه المشهور (قصة الحضارة)، اذ قال: (ان اسم موسى اختصار للفظ احموس، وان كلمة موسى تعني الطفل وكانت مسبوقة باسم احد معبودات المصريين مثل (تحوت موسى)، وينطق (تحوتمس)، ورع موسى ولكن اليهود حذفوا الشق الاول حتى ينزعوا عن بطلهم القومي اي انتساب لمصر) . (7) .

 وورد في قاموس الكتاب المقدس، ان موسى كان كاهنا مصريا، قامت ابنة فرعون بتربيته على يد معلمين من الكهنة، وعندما بلغ اربعين سنة من العمر .. كان قد اتقن كل اسرار الكهنوت . (8) . ويذكر الدكتور لويس عوض ناقلا قول المؤرخ المصري القديم مانيتون .. ان موسى في الاصل كان كاهنا مصريا في معبد اون (عين شمس) . (9) .

 ونحن لانوافق على هذه الاراء التي لاتفهم معنى النبوة، وانها اصطفاء الهي لاشأن للبشر به، فالنبي يعد اعدادا خاصا، ويصنع على عين الله، يقول الله تعالى: (ولتصنع على عيني) .

 ويورد " جوزيف سميث، المؤلف اليهودي المتوفى سنة 100 م، معلومات عن موسى لم ترد في التوراة، فهو يقرر ان موسى كان قائدا في الجيش المصري خلال الحملة المصرية على الحبشة، وقد تزوج موسى من اميرة حبشية في هذه الاثناء .(10) .

موسى من بني اسرائيل

وبعيدا عن هذه الظنون والتخرصات، فان موسى نبي من انبياء بني اسرائيل، ارسله الله تعالى لانقاذ بني اسرائيل من عسف واظطهاد الفراعنة، والى ذلك اشارت التوراة، واشار القران الكريم، وهذا مااكده الباحث المصري الدكتور نديم السيار في كتابه: (قدماء المصريين اول الموحدين) ، بان موسى من بني اسرائيل، خلافا للقائلين بمصريته . (11) .

عقيدة بني اسرائيل

كانت عقيدة بني اسرائيل اي بني يعقوب، هي عقيدة الانبياء جميعا، عقيدة سليمة صافية، عقيدة التوحيد الخالص، قال تعالى: (انا اوحينا الى نوح والنبيين من بعده واوحينا الى ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط) . (12) . وكذلك ذرية ابراهيم من الاسباط موحدون: (كلا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان) . ابراهيم وبنوه موحدون، وهناك ايات تشهد لابراهيم وبنيه انهم مؤمنون موحدون، وقد قص علينا القران قصة ابراهيم في مواجهة المشركين، يقول الله تعالى:

(ومن يرغب عن ملة ابراهيم الا من سفه نفسه، ولقد اصطفيناه في الدنيا وانه في الاخرة لمن الصالحين، اذ قال له ربه اسلم قال: اسلمت لرب العالمين، ووصى بها ابراهيم بنيه ويعقوب: يابني ان الله اصطفى لكم الدين فلاتموتن الا وانتم مسلمون، ام كنتم شهداء اذ حضر يعقوب الموت اذ قال لبنيه: ماتعبدون من بعدي: قالوا نعبد الهك واله ابائك ابراهيم واسماعيل واسحق الها واحدا ونحن له مسلمون) . (13) .

التوحيد الابراهيمي ومؤرخو الغرب

ولكن مؤرخي الغرب ومفكريه، لاتسمو عقولهم، ولاترقى مداركهم، لفهم مضامين التوحيد الابراهيمي السامية، وانما يدركون التوحيد وفق مقاساتهم وتصوراتهم المادية؛ فهم يتصورون اله ابراهيم، مثل الاله (يهوه) الها محليا قبليا لليهود، اصطنعه اليهود بعد ان انحرفوا عن نقاء التوحيد الابراهيمي وصفائه، يقول المؤرخ (Weech): (ان الفكر الديني كان بدائيا في عهد ابراهيم، وان الاله الذي دعا له ابراهيم كان من نوع الالهة التي كان يعبدها ابوه، وانه هو "يهوه" الذي اعتبر اله بني اسرائيل). (14) .

 

زعيم الخيرالله

....................

المراجع والمصادر

7- سيدنا موسى: مصري ام يهودي؟ المؤرخ الصحفي جمال بدوي، جريدة الاخبار، تاريخ: 1-2-2006 م .

8- قاموس الكتاب المقدس، ص 930 .

9- مقدمة، د. لويس عوض، ص 20 .

10- (God and Man in Early Israel,by j.Smith, p38، نقلا عن مقارنة الاديان -اليهودية- د. احمد شلبي، ص 67 .

11- انظر: (قدماء المصريين اول الموحدين)، الدكتور نديم السيار، ط2، ص 91 .

12- سورة النساء: الاية: 163.

13- البقرة: الايات: (130-133) .

14- (Civilization of the Near East , P,83)، نقلا عن (اليهودية)، احمد شلبي، ص 159 .

 

 

الذي دعاني لكتابة هذا البحث؛ هو ماقرّره (سيجموند فرويد )، عالم النفس اليهودي الشهير في كتابه: ( موسى والتوحيد )، بانّ النبي موسى ليس من بني اسرائيل، بل كان مصريا تعلّم التوحيد من اخناتون. ويذكر فرويد سببن لاستنتاجه هما:

1- ان اسم موسى اسم مصري، مركب من كلمتين هما: " مو وسي "، ويعني هذا المركب: " وليد الماء" .

2- الختان: الختان من التعاليم المهمة في توراة موسى، وفرويد يذكر انّ: الختان عادة مصرية قديمة، ومتأصلة عند المصريين . (1) . وللمناقشة في هاتين المسألتين نقول:

1- انّ كون اسم موسى اسم مصري، حسب ما افترضه فرويد، والذي يعني وليد الماء، لايعني ان النبي موسى(ع) مصريا؛ لان موسى حسب ماقصّ لنا القران حكايته، ولد في زمن اظطهاد وقمع لبني اسرائيل، وفي هذا الجو الخانق، وضعته امه في التابوت، والقته في النهر والتقطه ال فرعون، وحمته من القتل زوجة فرعون، فالذي اختار له الاسم هو عائلة فرعون المصرية . والتوراة تذكر ان المراة التي احتضنته هي بنت فرعون لا زوجته، فالتسمية جاءت من قصر فرعون لامن عائلة موسى (ع) .

2- امّا مسألة الختان، فهي معروفة عند بني اسرائيل، وهي من سنن الفطرة، ومن بقايا تعاليم ابراهيم الخليل (ع)؛ وبالتالي هي لاتصلح كسابقتها، لتكون دليلا على ان موسى (ع) مصريا .

 وامّا ما ادعاه فرويد من انّ موسى (ع) تعلم التوحيد من اخناتون؛ فقد بنى فرضيته هذه على اساس التماثل والتشابه اللغوي بين اسماء الالهة عند المصريين والعبرانيين واسم الاله السوري، يقول فرويد:

( اذا لم يكن من قبيل المصادفة ان اسم اتون المصري يذكر هنا باللفظة العبرية "ادوناي" "Adonai"، وباسم الاله السوري " ادونيس"، واذا كان التشابه نتيجة لتماثل بدائي في المعنى واللغة، فانّ في مستطاعنا ترجمة العبارة اليهودية على النحو التالي: ( اصغ يااسرائيل: انّ الهنا اتون " ادوناي" هو الاله الواحد ) . (2) .

 وذهب " زاهي حواس " الى نفس ماذهب اليه فرويد من كون موسى مصريا خالصا فيقول:

(ان اسم النبي موسى هو من دون شك مصري خالص ويعني "الوليد "، وربما يكون هو الاسم الذي اطلقته زوجة فرعون لحظة العثور عليه . وهناك من يرى ان اسم موسى يعني ابن الماء او وليد الماء، على اساس ان مو تعني ماء وسى تعني وليد او اسم) . (3) .

سلسلة نسب النبي موسى (ع)

يذكر ابو الفدا نسب النبي موسى فيقول: (هو موسى بن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب) . (4)، وفي التوراة ذكر نفس النسب (5)، ونفس النسب ذكرته المراجع المسيحية ايضا . (6) . وللحديث صلة .

 

بقلم : زعيم الخيرالله

.......................

المصادر والمراجع

1- راجع كتاب فرويد ( موسى والتوحيد )، ترجمة: جورج طرابيشي.

2- سيجموند فرويد، موسى والتوحيد، ص 34 .

3- سيدنا موسى مصري واسمه وليد، زاهي حواس، الشرق الاوسط، العدد 11272، تاريخ (8-10-2009 ) .

4- المختصر في اخبار البشر، مجلد 1، ص 18 .

5- سفر التكوين 22-23: 49 ) .

6- قاموس الكتاب المقدس، ص 930 .

 

 

mutham aljanabi2إن الصيغة التاريخية والسياسية التي جعلت من عثمان بن عفان خليفة للأمة الناشئة ودولتها الصاعدة تبقى من بين أكثر الفصول الدرامية في التاريخ العربي والإسلامي. وسوف لن ينتهي هذا الفصل بسبب دوره الفاعل في انعطاف فكرة الدولة والسلطة والحق. مع ما ترتب عليه من موت مأساوي للخلافة الراشدة، الذي دفع الإمام علي ثمنه الباهظ. أما مقتل عثمان فقد كان اقرب ما يكون إلى عثرة لا قيمة لها بمعايير التاريخ المأساوي للدولة والثقافة. لكنه استكمل الشوط الآخذ في التراكم بالنسبة لصعود السلطة، وضمور الوحي، وغياب منظومة القواعد الضرورية لإدارة الدولة وتداول سلطانها.

فإذا كان وصول الخليفة الأول إلى السلطة "فلتة"، فإن استخلاف عمر كان نتاجا لاعتبارات وعلاقات شخصية. أما تسلم عثمان للخلافة، فقد كان الصيغة الأكثر بؤسا لفلتة العلاقات الشخصية. من هنا ضحالتها بالنسبة للقيم المتسامية، وتفاهتها المريعة بالنسبة للفكر السياسي والتاريخي. لهذا لم يتعد دمجه اللاحق في سلسلة الخلفاء الراشدين أكثر من محاولة بائسة لتبرير انتقال السلطة للحكم العائلي (الأموي)، الذي وضع عثمان تقاليده الفعلية. فقد كان عثمان من حيث الواقع والرمز والأصل والفصل والنفسية والشخصية الخليفة الأموي الأول.

إذ لا يمكن لشخصية رشيدة أن تتعرض للسحق والقتل بالطريقة التي تعرض لها عثمان بن عفان. لقد سحقته الجماهير الإسلامية التي لم تفطمها السلطة عن قول الحق والتمسك العملي به، كما ستفعل الأموية لاحقا. ومن ثم لم يرتق إلى مصاف "القيمة الروحية" إلا بالنسبة لأولئك الذين أصبح قميصه، ولا شيء آخر، بيرق الصراع من اجل السلطة. إذ تعكس هذه العلامة والرمز قيمته الفعلية بالنسبة للوعي السياسي والتاريخي آنذاك. كما أنها العلامة الرمزية التي سيجري لاحقا رؤية ملامحها الأولية في تضييعه لخاتم النبي محمد، التي جعلت المسلمين يتشاءمون لفقدانه[1]‏. بحيث جعلهم يقولون "إن عثمان لما مال عن سيرة من كان قبله كان أول ما عوقب به ذهاب خاتم رسول الله من يده". ومن الممكن فهم هذه الفكرة بمعايير الرؤية الإيمانية وذوق التخمين المناسب لها في تصورات العوام عن القضاء والقدر والإشارة والرمز في الوقائع والأحداث. لكنها رؤية كانت تسعى لتوكيد نتائج الأحداث. ومن ثم تبرير ملامحها التعيسة بوصفها عقابا إلهيا جرى التبشير به بصورة أولية في ضياع خاتم السلطة "النبوية"، بوصفها سلطة الحق والعدالة. والنتيجة لا يمكنها أن تكون شيئا آخر غير ضياع الارتباط الروحي بأصل النبوة وتقاليدها مهما كان الثمن المدفوع من اجل صنع نسخة منه. فالفرق يبقى جوهريا بين النسخة والأصل. وفي الحالة المعنية لا يمكنه أن يكون شيئا غير العقوبة التي تجّسد حالة الضياع الفعلي للسلطة والأمة في أشد الفتن وأقواها وأكثرها خطورة في تاريخ الإسلام. وفيما لو حاولنا تصوير ضياعه بمعايير الرؤية التاريخية الثقافية والسياسية، فإنه يعادل انكسار السلسلة "النبوية" في إحدى حلقاتها. ومن ثم انفراط وحدتها، الذي انتج مقدمات وبواعث الاختلاف العنيف والتنوع اللاحق في المواقف والآراء. ومن ثم ظهور التمايز الحاد بين السلطة والمثقف الإسلامي الجديد.

فقد كانت شخصية الصدّيق، من حيث موقعها التاريخي في صيرورة الدولة العربية الإسلامية، التمثيل النموذجي لنهاية الوحي وبداية الدولة. لهذا كان يعي نفسه باعتباره حلقة في سلسلة الحق دون أن يفقده ذلك لمعانه الخاص فيها بوصفه خليفة النبي محمد. لكنه لم يتحسس هذه الخلافة ويدركها بمعايير الهرمية، بل بمعايير القرب من مثالها والسعي لتجسيدها وتحقيقها بالقدر الذي تبقى فيه النفس ونياتها عارية أمام البصر الإلهي، أو الضمير الحي. لهذا عاش بأعلى درجات الزهد والتقشف ممتلئا بصدق الإخلاص لفكرة الحق والدولة الشرعية. وفي هذا كان يكمن المضمون الفعلي لفكرته عن الرشاد في إدارة شئون الأمة والدولة. كما انه النموذج الأولي الذي تركه لخلفه اللاحق.

أما شخصية عمر بن الخطاب فقد تكاملت مع تكامل الفكرة الإسلامية وانتقالها من الغيب اللاهوتي إلى تاريخ الدولة. حيث تمثلت شخصيته معالم الانتقال الكبرى من الفكرة المجردة إلى الواقعية، ومن الوحي المقدس إلى التأويل السياسي. وبهذا يكون قد جّسد بداية الصيرورة الثقافية للدولة والسلطة، التي حقق مثالها بمعايير الوحدة الإسلامية للدين والدنيا. من هناك غياب المعارضة الفكرية والروحية غيابا تاما. لكنه كان أكثر من صنعها عبر تأسيسه لمرجعية الدولة والسلطة المحكومة بمعايير العدل والحق السياسي ونموذجها الروحي في وحدة الدين والدنيا.

وقد وقف عثمان أمام هذه النتيجة. ومن الممكن القول، بأنها كانت تحتوي على "مشروع" قتله اللاحق، لأنها كانت تحتوي على مكونات تصرع ما فيه من رقة ورخاوة وضعف. وهي صفات لم تكن مجهولة لمن وضعه ضمن قائمة الشورى. وبهذا المعنى يمكننا القول، بأن سلفه قد وضعه أمام مطرقة الخلافة واستحقاقاتها الدينية والدنيوية، وسندان الضعف الشخصي. وكلاهما كانا يطرقان عجينة عثمان الشخصية بطريقة لا تنتج غير أصوات شاذة لم يعد الرجل معها قادرا على الاستماع إلى أصوات المعارضة وأنغام الاحتمالات القائمة فيما يمكن أن تؤول إليه الأمور. ولم تكن هذه الحالة معزولة عن شخصيته وعن الحالة التي ميزت الدولة الناشئة ومرجعيات وجودها المادية والمعنوية.

فقد تبلورت شخصية عثمان بين يسر التجارة وعسر المرارة المتراكمة في نهمها الغريزي الشره. كما أنها حالة ملازمة للمهنة. ومن ثم فإن معاناتها هي معاناة الكمية النهمة. وتبقى ما بقيت جزء من نفسية وذهنية حاملها. بل أنها حاملة وجوده المادي والمعنوي. فإسلامه لم يكن نتيجة لمعاناة عسيرة في الروح والجسد، ولم تكن أيضا نتاجا للبحث عن مخرج من نفق "الوثنية" ولا لحاجة سياسية. إننا لا نعرف بالضبط مكنونها الدفين، لكننا نعرف مظهرها العام. إننا نعرف كيف انه أسلم وهو في عمر تجاوز الثلاثين. وكان نتيجة لدعوة أبي بكر إياه إلى الإسلام فأسلم. وكانت هذه الدعوة اقرب إلى المحادثة الشخصية والعابرة. فقد عرض أبو بكر عليه الإسلام، كما تنقل الروايات التاريخية قائلا له:

- ويحك يا عثمان! إنك لرجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل. هذه الأوثان التي يعبدها قومك، أليست حجارة صماء لا تسمع، ولا تبصر، ولا تضر، ولا تنفع‏؟‏

- بلى! إنها كذلك!

- هذا محمد بن عبد الله قد بعثه الله برسالته إلى جميع خلقه، فهل لك أن تأتيه وتسمع منه‏؟‏

- نعم‏!

وفي هذا اللحظة مر النبي محمد فقال لعثمان:"يا عثمان! أجب الله إلى جنته، فأني رسول الله إليك وإلى جميع خلقه!". عندها فال عثمان "فوالله ما ملكت حين سمعت قوله أن أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله!". وفي حال قبول هذه الصيغة "المقدسة" لإسلام عثمان، فإننا نقف بذلك أمام إسلام لا معاناة فيه وقبله. وقد تكون المعاناة الوحيدة هي ما تورده كتب التاريخ والسير عن الكيفية التي أخذه بها عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية عندما عرف بإسلامه. بحيث أوثقه برباط وقال له:

- أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث‏!‏ لا أخليك أبدا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين!

- والله لا ادعه أبدا!

وجرى تصوير هذا الرد على انه نموذجا "للصلابة في الدين"[2].‏ لكنها كانت في الواقع اقرب إلى الرخاوة. وذلك لأن مجرد فسح الرجل وهو في عمر تجاوز الثلاثين وغني الثروة أن تتعامل معه الأعمام بهذه الطريقة هو مؤشر على رخاوة قد لا تتعارض مع "الصلابة في الدين"، بمعنى التمسك بفكرة أو عقيدة أو عادة. لكنها تحتوي على ما فيه من استعداد للانقياد سوف يظهر في وقت لاحق ويصبح موضوعا لتجريمه ومعاقبته من جانب المنتفضين والرافضين لحكمه وأسلوبه في قيادة الدولة. ولم تكن هذه النتيجة معزولة عن نوعية إسلامه. بمعنى خلوها من المعاناة الشخصية العميقة. لاسيما وأن إسلامه كان أقرب ما يكون إلى نزهة تكللت، كما يقول عثمان نفسه، بزواجه من رقية بنت النبي محمد. بحيث قيل لاحقا "أحسن زوجين رآهما إنسان، رقية وعثمان". وهو سجع اقرب إلى سجع إسلامه.

 أما الصور اللاحقة التي حاولت أن تعطي لعثمان بعدا متمثلا لفراسة الفارس الروحي فهي من صنع الخيال اليتيم ليتامى الخيال! وينقل لنا ابن سعد في (كتاب الطبقات) صورة عن "رؤيته" المستبقة لإسلامه. ففيها يقول للنبي محمد:"يا رسول الله! قدمت حديثا من الشام، فلما كنا بين معان والزرقاء فنحن كالنيام إذا مناد ينادينا‏:‏ أيها النيام! هبّوا فإن أحمد قد خرج بمكة! فقدمنا فسمعنا بك!". هكذا ببساطته المعهودة. انه لم يسمع بمحمد وهو الذي يعيش بينهم لعقود طويلة، كما لو أنه بقي يتيما في صحراء الربع الخالي! ومهما يكن من أمر هذه "الرؤية"، فإنها تعكس في الواقع خلو التاريخ الشخصي لعثمان عما يمكنه أن يكون مادة للخيال الديني في صنع صوره الخلابة لذوق العوام.

وليس مصادفة أن تكون "فراسته" ما قبل الإسلام متساوية من حيث القيمة لفراسته الوحيدة التي تنقلها لنا كتب السير والتواريخ عن الحادثة التالية، التي تحكي لنا عن دخول رجل عليه فخاطبه عثمان قائلا:

- يدخل علي احدكم والزنا في عينيه!

- أوحي بعد رسول الله؟!

- لا! ولكن فراسة صادقة!

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام حالة وحيدة من الفراسة الصائبة حالما تتفحص وجود الزناة ودعارة المسلمين الخفية! وقد تكون الحادثة فعلا لا خيال فيها. لكنها تعكس أولا وقبل كل شيء فراسة عثمان الصغيرة، المحصورة بسفاح الرجال. ومن المكن العثور على هذه الفراسة عند سماسرة المومسات! ‏وليس مصادفة أن يستغرب الرجل مطالب أولئك الذي قطعوا مسافات شاسعة بين مصر والعراق والحجاز من اجل إرغامه على التخلي عن الخلافة أو القتل. وقد جرى وضع هذه الحالة في "كرامات عثمان". بمعنى تحول "كراماته" إلى جزء من نفسية التعويض عما تعرض له الرجل، كما نراها على سبيل المثال في القصة التي تروى عما أصيب به (جهجاه) من الأكلة (الحكة) في رجله، لأنه كان احد الذين اشترك في الهجوم على عثمان، وكسر عصا الخليفة على ركبتيه! كما أن هناك حكاية مروية عن "كرامة" أخرى تتحدث عن سماع أحد الرواة (أبو قلابة) كيف أنه سمع صوت رجل يقول‏ "يا ويلاه النار!". وعندما نظر إليه وجده مقطوع اليدين والرجلين، أعمى العينين، منكبا لوجهه! وعندما سأله عن حاله، أجاب الرجل "إني قد كنت ممن دخل على عثمان الدار، فلما دنوت منه صرخت زوجته فلطمتها!". عندها قال لي (عثمان) "‏ما لك؟! قطع الله يديك ورجليك وأعمى عينيك وأدخلك النار!". "فأخذتني رعدة عظيمة وخرجت هاربا فأصابني ما ترى ولم يبق من دعائه إلا النار!".

مما سبق يتضح حجم وعدد وطبيعة "الكرامات" المزيفة. والقضية هنا ليست فقط في أنها كرامات "الانتقام" ممن انتفض ضده وهاجمه، بل وفي ضعفها الجلي حالما نضعها على محك الرؤية العقلية والواقعية والأخلاقية. إذ لا كرامة في الأولى. بل على العكس. إن الكرامة في كسر العصا، وذلك لأنها أداة لا ينبغي أن يتعامل بها إنسان مع إنسان، وخليفة مع أمته! أما الثانية فإنها "شهادة زور" لا يقوم بها رجل على نفسه. لاسيما وأن سلوك المنتفضين كان محكوما بفكرة إسلامية كبرى تقوم في انه "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

ذلك يعني، أن تأريخ "الورع" اللاحق لم يفلح في إيجاد ما يمكنه أن يكون كرامة فعلية كبرى فألحقها بإيديولوجية الاتهام اللاهوتي التي ميزت مساعي وأكاذيب الأموية الأولى للاستيلاء على السلطة. وذلك لأن حقيقة الكرامات أعمال تاريخية كبرى لها أبعاد جليلة بالنسبة للدولة والأمة والعقل والأخلاق والروح الإنساني. وكلها مكونات لم تكن موجودة في الأعمال "الجليلة" التي اقترفها عثمان وكوّنت مرحلة الانتقال العاصفة من حكم الراشدين إلى ملوكية العائلة والوراثة المنوية. أما جعل الانتقام والتشفي كرامة فهي الصيغة الموازية لتحويل دمه وقميصه إلى بيرق القوى المتعطشة للدماء والسلطة. وهي نتيجة لم تكن معزولة عن شخصيته الرخوة والمفتعلة. لهذا لم ينقذه كونه "أحد العشرة المبشرين بالجنة‏"، ولا كونه "كان أعلم الصحابة بالمناسك". فكلاهما من ولع الكسب المباشر لمرحلة صدر الإسلام ومعترك تثبيته في الواقع والخيال. والشيء نفسه يمكن قوله عما يسمى باختصاصه في كتابة الوحي. وجرى رفع هذه الصورة إلى مصاف المقدس عندما كان يقول له النبي محمد:"اكتب يا عثيم!". كما جرى وضع هذه المطالبة في الفكرة القائلة، بأنها منزلة "شخص لا يمكنه أن يكون إلا كريما على الله ورسوله". لكننا نعرف وجود من كتب الوحي وهو في أدنى درجات الخسة والرذيلة. وليس اعتباطا أن يرى الجاحظ لاحقا في الكتّاب نموذجا للانسلاخ عن الورع والصدق والأمانة. وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى الأحاديث المنسوبة للنبي محمد مثل "‏اللَّهم إني رضيت عن عثمان فارض عنه"، و"‏عثمان أحيا أمتي وأكرمها‏"، و"‏عثمان في الجنة"، و"‏عثمان رفيقي معي في الجنة"، و"‏عثمان حيي تستحي منه الملائكة" على أنها أحاديث عادية يمكن رؤية بواعثها المباشرة في طبيعة ومستوى المواجهة التي تعرض لها النبي محمد في بداية الدعوة.

ففي تلك المرحلة كانت ابسط الأعمال والمواقف ترتقي إلى مصاف "الجود الإلهي" مثل حفر بئر وشراء طعام وماء. وهي أفعال كانت تجود بها نفسية عثمان الكريمة بوصفها أيضا جزء من تقاليد الكرم والجود العربية. وليس مصادفة فيما يبدو أن يعجز أبو نعيم الأصفهاني وهو المتمكن في بلورة الحد الأقصى للأبعاد الروحية في تاريخ الأولياء أن يقف معقوف اللسان في رسم صورة جذابة عن عثمان بن عفان. لهذا نراه يكتفي بالقول:"عثمان بن عفان، وهو ثالث القوم القانت ذو النورين، والخائف ذو الهجرتين، والمصلي إلى القبلتين"[3]. ولا معنى لهذه الصورة لغير حركة الجسد مرتين باتجاه نساء، ومرتين باتجاه جهات، ومرتين في الصلاة. كما انها تخلو من مثالية وتميز وأصالة يمكنه أن يجعلها قيمة بذاتها أو فضيلة.

غير أن الأمر يختلف فيما يتعلق بالأحاديث الموضوعة مثل "‏عثمان وليي في الدنيا والآخرة، و"‏غفر الله لك يا عثمان ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة"، و"‏رحمك الله يا عثمان ما أصبت من الدنيا، ولا أصابت منك"، و"‏يا عثمان إنك ستبلى بعدي فلا تقاتلن". فقد كانت مهمة هذه الأحاديث إعادة تركيب صورته بطريقة تجعله جزء من المستقبل. بينما لا مستقبل في شخصية عثمان بن عفان. وفي هذا تكمن كل دراما الموت التعيس الذي واجهه وهو في أوج ما لم يحلم به. وقد يكون هو السرّ الذي جعله يفضل الموت على التنازل عن السلطة وهو في هرم الشيخوخة.

لقد واجه عثمان بن عفان موته بلا بطولة ولا فروسية، خاليا من أي تحد أو استعداد للتضحية. فقد كان موته مجرد تجارة صغيرة لا قيمة لها. من هنا لم يكن بإمكانها ألا تكون بضاعة رخيصة بأيدي قوى ارخص منها عندما ننظر إليها بمعايير الرؤية الأخلاقية والمستقبلية. وبالتالي، فإن الأحاديث الموضوعة عن الولاية والغفران الأبدي والشهادة ليست إلا الصيغة الأيديولوجية للغنيمة الأموية. وإلا فإن مجرد كونه "من العشرة المبشرين بالجنة" تكفي بحد ذاتها لكي تكون صك الغفران الأبدي. ومن ثم لا معنى للولاية والشهادة وما شابه ذلك. وذلك لكونه تعارض كان يمكن حله بسفسطة القضاء والقدر اللاهوتية. غير أن للتاريخ منطقه الشديد والواقعي. وحالما يحدث، حينذاك يمكن رفعه بسهولة إلى مصاف الأزل. أما في حالة عثمان، فقد تحولت هذه السهولة الممتعة للعقل البليد إلى معضلة عصية. إذ كيف لمن كان من المبشرين بالجنة أن يقتل بتلك الطريقة الشنيعة على أيد مسلمين مؤمنين شعارهم الحق ورايتهم الاقتصاص لله والأمة من انحراف شخصي وسياسي جلي للحس والعقل والضمير؟

 وقد كان الجواب سهلا مثل حياته وموته: انه الحلقة الثالثة في سلسلة الخلافة الراشدة. ومن ثم فهو من ثالث القوم وثالث الخلفاء الراشدين! لكنها حلقة شكلية، إذ لا مضمون فيها يمكنه الارتقاء إلى مصاف القيمة المتلألئة ما وراء التاريخ الواقعي بالنسبة للوعي التاريخي والضمير الإنساني والعقل النقدي. وذلك لأن الصورة الجليلة تفترض نوعا من الموازاة الممكنة بين الحياة الفعلية ومآثرها التاريخية. فالصورة الجذابة للشخصية التاريخية تتلون بألوان الأشعة الكامنة في تجاربها الفردية ومستوى تمثلها في الأقوال والأعمال، أو في الإبداع الشخصي وخاتمته. وحالما نضع هذه المقدمة في أساس الموقف من شخصية عثمان، فإننا نقف أمام صورة باهتة وشاحبة باستثناء ما كان يتلون به في مظهر لحيته المخضبة بالحناء وأسنانه الذهبية وملابسه المزركشة وطلعته الجميلة وحياءه وأدبه وكرمه. ولا علاقة لهذه الصفات بمكونات الشخصية التاريخية لأنه يمكن العثور عليها بين اشد الشخصيات انحطاطا وجهالة.

وليس مصادفة أن تضع كتب التاريخ والسير "المؤدبة" و"المهذبة" كرمه وبذله الأموال في سبيل الدعوة الإسلامية باعتبارها أعلى فضائله العملية. فقد اشترى بئر رومة في عقيق المدينة من اليهود بعشرين ألف درهم وتصدق بها للمسلمين. كما قام بتجهيز جيش العسرة. إذ جهَّز ثلث الجيش بتسعمائة وخمسين بعيرا وبخمسين فرسا‏.‏ وقد كانت تلك بالفعل نفقة لم يقم بها قبله أحد من المسلمين. بل قيل انه جاء بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجر النبي محمد، عندها قال النبي:"‏ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم‏". وهو سلوك يشير إلى ثروة عثمان الكبيرة وكرمه الفعلي. وقد لازمته هذه الصفات مدى الحياة. بحيث طبعت سلوكه السياسي. بما في ذلك توزيع الأراضي والثروات والمناصب على أقرباءه وأصدقاءه. وهو سلوك لا علاقة له بفكرة الدولة بقدر ما يعّبر عن شخصيته الخاصة وفعل الثروة العميق في بلورة أخلاقه العملية، كما نعثر عليها حتى في موقفه من الأكل. فقد نقل عنه عمرو بن أمية الضُمري القصة الطريفة التالية، قال‏:‏ كنت أتعشى مع عثمان خزيرا (نوع من الطبخ) من أجود ما رأيت، فيها بطون الغنم وأدمها اللبن والسمن، فقال عثمان‏:

- كيف ترى الطعام‏؟

- هذا أطيب ما أكلت قط!

- يرحم الله ابن الخطاب! هل أكلتَ معه هذه الخزيرة‏؟‏

- نعم! فكادت اللقمة تفرث بين يدي حين أهوي بها إلى فمي وليس فيها لحم! وكان أدمها السمن ولا لبن فيها!

- صدقت! إن عمر أتعب والله من تبع أثره!!

ذلك يعني أن عثمان ظل يعيش بمقاييس حياته العادية وليس بمقاييس الخلافة الرشيدة. لهذا كانت ثروته بعد مقتله حوالي ثلاثين ونصف مليون درهم (عند خازنه)، وحوالي مائة ألف دينار (نقدا)، وألف بعير، وصدقات بحوالي عشرة ملايين دينار!! بينما مات أبو بكر وعمر بلا شيء على الإطلاق. فقد تحسس هذا التعارض، لكنه كان عاجزا عن العمل بمقتضاه. مما يعكس اختلاف طبعه وتطبعه من جهة، ونوعية التحول العميق في صيرورة الأفراد والجماعات والعلاقات، الذي استتبع تحول الخلافة إلى إمبراطورية، وارتقاء السلطة الروحية إلى دولة لها "منطقها" الخاص في التطور وإفراز قواها وتياراتها واتجاهاتها المتصارعة، من جهة اخرى. فسيرته الشخصية ما قبل الإسلام لا تتعدى التجارة والمتاجرة. وما بعده لم تحتو على أي قدر من الصفات التي تشير إلى نوعية الشخصية القادرة على مواجهة الصعاب والتحديات. وقد تكون المعاناة الوحيدة هي هجرته إلى الحبشة. فقد هاجر إلى أرض الحبشة مع زوجته رقية، فكان أول مهاجر إليها. ثم تابعه سائر المهاجرين إلى أرض الحبشة، ثم هاجر الهجرة الثانية إلى المدينة[4]‏. ولا يخلو هذا الفعل من بطولة بمعايير ذلك الزمن، لكنها أقرب إلى بطولة الاختباء والهروب. ولم يكن ذلك معزولا عن شخصيته اللينة وهدوءها الباطني وطابعها المسالم. وليس مصادفة أن يكون دوما من المتخلفين أثناء المعارك. فقد تخلف عن غزوة بدر وهرب في معركة احد. بحيث عيّره بها أبو عبيد الجراح أو على الأقل انه قال له في إحدى مشاجراته معه:

- يا عثمان تخرج عليَّ في الكلام وأنا أفضل منك بثلاث.

- وما هن‏؟‏

- الأولى إني كنت يوم البيعة حاضرا وأنت غائب، والثانية شهدت بدرا ولم تشهده، والثالثة كنت ممن ثبت يوم أحد ولم تثبت ‏أنت‏.

- صدقت! أما يوم البيعة فإن رسول الله بعثني في حاجة ومدَّ يده عني‏.‏ وأما يوم بدر فإن رسول الله استخلفني على المدينة ولم يمكنني مخالفته، وكانت ابنته رقية مريضة واشتغلت بخدمتها حتى ماتت ودفنتها‏.‏ وأما انهزامي يوم أحد فإن الله عفا عني وأضاف فعلي إلى الشيطان‏". ثم استشهد بالآية (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم).

‏ بعبارة أخرى لقد جرى تبرير غيابه في بيعة الرضوان ومعركة بدر بصورة مقبولة نسبيا وذلك لتزامنها مع ما كان ينقذه على الأقل أمام الكلمة ومظاهر الأحداث ولحد ما الضمير المتراخي في نعيم الثروة وطيبة القلب. فقد كان تخلّفه عن الاشتراك في معركة بدر مرتبطا بمرض زوجته رقية، حيث أذن له النبي محمد بذلك. وترافق موتها مع انتصار المسلمين في المعركة، فجعله من المشتركين فيها بحيث ضرب له سهمه وأجره فيها، ومن ثم حصوله على حصته من الغنيمة واعتبروه بدريا. وهو فعل يمكن رؤية الأبعاد الرجولية والإنسانية الرقيقة فيه، لكنه فعل بلا فروسية. كما أن تخلّفه عن بيعة الرضوان كانت بطلب من عمر بن الخطاب الذي اقترح إرسال عثمان عوضا عنه إلى مكة لأنه لا ظهير له فيها على عكس عثمان، الذي وجد فيه رجلا مقبولا من جانب قريش بشكل عام وآل سفيان بشكل خاص[5]. أما هروبه في معركة احد، فهي المحك الفعلي لشخصيته. بمعنى أنه سلك هنا السلوك الطبيعي المناسب لما في أعماقه وشخصيته. فالرجل لم يكن فارسا ولم يكن شجاعا ولا متمرسا في القتال. وليس من سبب يدعوه لأن يكون مقاتلا وفارسا بالضرورة. غير أن الشجاعة ليست صفة عضلية، بل شخصية ونفسية وذهنية وأخلاقية. من هنا يصبح فقدانها نقصا جوهريا في الرجال وبلأخص زمن رئاسة الدولة. فانعدامها عادة ما يجعل من ضعف الشخصية مرتعا للرذيلة والجبناء، ومن تاريخ الدولة زمن السلطة.

تعكس الصور والحالات المذكورة أعلاه طبيعة ومضمون الصورة الفعلية لعثمان بن عفان وشخصيته، أي الصورة المعبّرة عن تاريخه الواقعي وليس اللاهوتي. وفي الواقع، لا نعثر على تمايز كبير بينهما. والسبب في ذلك يقوم في أن تاريخه الواقعي عادي للغاية، بمعنى أنه تاريخ بلا مآثر بطولية و"معجزات" يمكن أن تلهب العقل والضمير، ومن ثم ضعف قدرتها على شحذ الذاكرة والخيال في إبداع ما يمكنه أن يرتقى إلى مصاف "السماء" و"سر الغيب". وليس اعتباطا أن تسجل في مآثره أيضا زيادته وتوسيعه للمسجد النبوي والمسجد الحرام وكذلك تحويل الساحل الذي اعتاد عليه أهل مكة من منطقة الشعيبة إلى منطقة جدة. وهي إجراءات عادية، لكنها تصبح مقبولة في سلة "المآثر" مازالت المآثر قليلة فعلا.

والشيء نفسه يمكن قوله عما يسمى بالأوليات، أي أول ما قام به في تاريخ الخلافة والأمة. حيث أدرج فيها مجموعة من الإجراءات والأحداث قد يكون أهمها من الناحية التاريخية والثقافية هو ما يسمى بجمع الناس على حرف واحد في القراءة. والمقصود بذلك جمع القرآن وقراءته بطريقة موحدة. غير أن هذا الانجاز الهائل لم يكن من إبداعه الشخصي بقدر ما ارتبط بزمنه. بمعنى أنه كان جزء من تاريخ القرآن وتطور الإدراك الذاتي العربي الإسلامي بضرورة جمع القرآن بوصفه "كتاب الله". إذ لم يكن هذا الجمع معزولا من حيث مقدماته وأسلوبه وغاياته عن آلية فعل الدولة المركزية وسعة انتشارها ومتطلبات توحيدها الروحي والعقائدي. أما الانجازات الفعلية التي ارتبطت بإرادته السياسية ورؤيته باعتباره أول من قام بها وادخلها في ذهنية وذوق الدولة والسلطة والأمة فهي "قطع القطائع"، و"نخل الدقيق"، و"رزق المؤذنين"، و"اتخاذ صاحب شرطة"[6]. وتعكس هذه المبادرات الأولويات عند عثمان. بمعنى التركيز على توزيع الأرض وشراء ذمم المؤذنين وتوسيع دائرة التجسس والتنظيم الشرعي للمطاردة. ومع أنها جزء من آلية الدولة، إلا أن تراكمها في أولوياته السياسية يكشف عن طبيعة التحول النوعي في الموقف من السلطة.

وحاول توظيف هذا التحول من اجل أن تكون السلطة أداة قائمة بحد ذاتها. مما أدى إلى قلب العلاقة المتراكمة في خلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب تجاه السلطة من خلال جعل السلطة كيانا قائما بذاته وفوق كل اعتبار آخر. فقد كانت خلافة الصدّيق تجسيدا لمرحلة الانتقال من دولة النبوة إلى الدولة السياسية. من هنا دراما تأويل النص القرآني والسلطة. فقد جعلت هذه العملية الاجتهادية من الوحي مصدرا متساميا وواقعيا. بينما دفعها عمر بن الخطاب إلى الأمام من خلال إعلاء شأن الدولة ومؤسساتها، أي من خلال رفع وحدة الدولة والسلطة إلى مصاف المرجعية التي توازي وحدة الدين والدنيا. وهو استمرار كان يصعب على عثمان تحقيق اليسير منه. من هنا تعاظم التشوه الفعلي في مكونات الدولة والسلطة، والدين والدنيا. بمعنى تعاظم الخلاف والتشوه في الموقف من كمية ونوعية المرجعيات الخفية والعلنية المتراكمة في الوعي السياسي والأخلاقي الإسلامي قبل صعوده إلى سدة الحكم. من هنا بروز أولوية توظيف الوحي (الدين) في كل ما يمكن أن تصل إليه الأيادي وتنطق به الألسن. لاسيما وأن الدولة لم تستطع آنذاك بعد أن تؤسس لقواعد عمل السلطة ونظامها على أسس شرعية وواضحة المعالم.

***

 

ا. د. ميثم الجنانبي

........................

[1] يورد الطبري هذه القصة بالشكل التالي:" فقد استلم الخاتم الذي جرى تصنيعه للنبي محمد عندما أراد أن يكتب إلى غير العرب كتبا يدعوهم إلى الإسلام. عند ذاك قالوا له، بان الأعاجم لا يقبلون كتابا إلا مختوما‏.‏ عندها طلب بان يعملوا له خاتم من فضة. وكان نقشه ثلاثة أسطر تحمل كلمات محمد ورسول والله. ولما استخلف أبو بكر ختم به‏.‏ ثم ولي عمر بن الخطاب فجعل يختم به. وعندما صار إلى عثمان فتختم به ست سنين. لكنه أضاعه في بئر كانت قليلة الماء عندما جاءه ذات يوم فقعد على رأسه يعبث بالخاتم، فسقط من يده في البئر. ولم تفلح محاولات البحث عنه، بحيث نراه يوعد الذي يعثر عليه بجائزة كبيرة ولكن دون جدوى. وقد اغتم عثمان لذلك غما شديدا، فلما يئس منه صنع خاتما آخر على مثاله ونقشه، فبقي في إصبعه حتى قتل. ثم ضاع هذا الخاتم ولم يعلم من أخذه" (الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص 614، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص 9.)

[2] السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 119.

[3] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص55.

[4] السيوطي: تاريخ الخلفاء ص120

[5] الذهبي: تاريخ الإسلام، ج1، ص 253. ‏

[6] السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص131.

 

 

mutham aljanabi2تقديم عام: إن الغاية من سلسلة المقالات المتعلقة بتناول قضية (شخصيات وأفكار وقيم من التراث) التي اخصصها لتناول أفراد لهم أثرهم في تاريخ الفكر والروح والدولة،وأفكار وقيم مازالت فاعلة رغم عقمها أو خطأها، ترمي إلى وضعها ضمن سياق وجودهم التاريخي من جهة، وتحليل ما فيهم ضمن ثنائية السلطة – المثقف، والخير والشر، والجميل والقبيح من جهة أخرى. لاسيما وأن هذه العلاقات هي في الوقت نفسه إحدى المعضلات الكبرى للتاريخ الفعلي ووعي الذات القومي والثقافي. كما أنها باقية ما بقيت السلطة والدولة. وبالتالي يمكن النظر إليها باعتبارها "قضايا أبدية" ما لم يرتق الروح إلى مصاف الأبد، أي ما لم يجري تذليل مراحل الوجود الطبيعي للبشر والوعي ومؤسسات وجودهم التاريخي. وهو الخلاف الجوهري بين ثقافة الأشباح والأرواح، أي كل ما يمكننا رؤيته أيضا في سعة وانتشار ثقافة الارتزاق المعاصرة، وكثرة "المفكرين" الجهلة للسلطات والأحزاب، وتحويل الخير إلى شر وبالعكس، وجعل القبيح جميلا وبالعكس. بعبارة أخرى، ان المهمة الأساسية من وراء هذه المقالات الصغيرة هو شحذ الرؤية النقدية في الموقف مخ التراث وتنقيته من زيف "القداسة" وما شابه ذلك من تخريف للعقل وحشوه بخزعبلات التدين المزيف والإرادة المخذولة. أما الغاية النهائية فتقوم في بلورة الوعي النقدي والعقلاني من الماضي والمستقبل بما يخدم صنع الإجماع العلمي المحكوم بالنزعة الواقعية والعقلانية والإنسانية.

***

عبد الرحمن بن عوف

توفي عبد الرحمن بن عوف عام32- 33 للهجرة. اسلم بعد أن بلغ الثلاثين من العمر. وعادة ما يجري إدراجه ضمن أوائل المسلمين. وليس مصادفة أن يدخل ضمن ما يسمى بالعشرة المبشرين بالجنة. وهي العبارة التي تكشف عن قيمة واثر أولئك الذين كان إسلامهم دخولا في عالم مجهول. وبالتالي لم يكن التبشير بالجنة سوى الضوء الساطع في نهاية "الغيب" الذي قدمه الإسلام آنذاك.

كان اسمه الأول عبد عمرو فغيرّه النبي محمد إلى عبد الرحمن. اسلم وهو كبير الثروة. وتعرض بأثر ذلك لمضايقات قريش وأذاهم. واضطر للهجرة مرتين (الحبشة والمدينة). تبرع بأمواله من اجل الإسلام. حيث تصدق مرة بأربعين ألف دينار وخمسمائة فرس! وعندما اضطر للهجرة إلى المدينة، فانه رفض مقاسمة الأنصار أموالهم. وكان طلبه الوحيد معرفة مكان السوق! إذ كان رجلا عمليا مولعا بالتجارة وماهرا بشروطها وأسرارها. عندها اخذ بتوسيع الثروة. وإليه تنسب العبارة القائلة:"لو رفعتن حجرا لوجدت تحته ذهبا!". وليس مصادفة أن يجمع ثروة هائلة بحيث نراه يوصي منها لأهل السبيل فقط بخمسين ألف دينار. وترك مما لم يوص به ألف بعير، وثلاثة ألف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع. بل ينقل عنه انه قال مرة عن نفسه "إني أخشى أن أكون قد هلكت! إني من أكثر قريش مالا". كما ينقل عنه بكاءه قبيل وفاته وقوله:"إن مصعب بن عمير كان خيرا مني ولم يكن له ما يكفن به. وان حمزة بن عبد المطلب كان خيرا مني لم نجد له كفنا. وإني أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته في الحياة الدنيا، وأخشى أن احتبس عن أصحابي بكثرة مالي".

وفي نفس الوقت كان متواضعا في سلوكه الحياتي، بحيث قيل عنه بأنه ما كان يعرف من بين عبيده بسبب تواضعه، كأنه مثل الرقيق يحمل كما يحملون، ويأكل كما يأكلون، ويسير كما يسيرون. وقد أثارت هذه الصفات المتضادة والمتعارضة في زمنه تعارض الآراء واختلافها حوله. لهذا قال بعض المسلمين عنه عندما تصّدق للمرة الأولى في المدينة بأربعة آلاف دينار:"إن عبد الرحمن لعظيم الرياء!". غير أن سلوكه هذا كان جزء من شخصيته الغريبة التي نعثر عليها أيضا في سلوكه الحياتي والسياسي والعقائدي.

فقد هاجر الهجرتين وشهد اغلب المعارك الأولى. ومن بين اكبر مآثره بهذا الصدد قتاله في معركة احد وإنقاذه النبي محمد وتعرضه إلى طعنات الحرب بحيث أصيب، كما يقال بأكثر من تسعين طعنة. وتعرض بأثر إحداها إلى شلل يده. بل أن كل ملامحه كانت تشير إلى اثر الحياة والمعارك من هتم وعسر وعرج! وبالقدر الذي كان يتصف باللين والنعومة، فانه كان شجاعا مقداما. وبالقدر الذي كان غنيا، فانه كان سخيا كريما. بحيث جعلت منه هذه الخصال، إضافة إلى كونه من أوائل المسلمين و"العشرة المبشرين بالجنة"، أن يدخل مجموعة الستة المكونين لهيئة الشورى.

لكن سلوكه الذي اتصف بالتخلي الشخصي عن الخلافة كان يحتوي على مؤامرة صغيرة في تسليمها لعثمان. إذ لم يخل هذا الموقف السياسي من رياء أخلاقي محكوم بالثروة وأثرها في بلورة المواقف العملية! خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما كان لهذا الفعل والموقف من اثر مباشر وغير مباشر في إثارة الحمية الأموية ونموها اللاحق، واندثار معالم الإسلام الأول. مع ما ترتب عليه من تحويل التضحيات الكبرى من اجل تحقيق المبادئ الاجتماعية والأخلاقية الكبرى للإسلام الأول إلى مجرد عبث وأنقاض لا قيمة لها.

إن حياة وممات عبد الرحمن بن عوف وأثره اللاحق، تكشف عما في الشخصية الإنسانية من تناقض يصعب حده أحيانا بمعايير المنطق، لكنها تبرهن في الوقت نفسه، بان حقيقتها لا تقوم في سماء اللاهوت أيا كان مصدره وشكله ومستواه، بل في قاع الضمير الأخلاقي والسياسي للأمم. الأمر الذي أبقى عليه واحدا من "عشرة مبشرين بالجنة" إلى جانب ملايين أو مليارات يمكنهم التعويل عليها، لكنه اضمحل وتلاشى من الذاكرة الحية لجنان الروح الإنساني ومغامرات البحث عن العدل والنظام الأمثل.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

jafar alhakeemفِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ (لوغوس) وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ (اله)

هذه هي المقدمة الاستهلالية للانجيل المنسوب إلى (يوحنا) والتي دائما ما يستشهد بها الاخوة المسيحيون لاثبات الوهية يسوع الناصري، ويكثرون من ترديدها في كل مناسبة.

وفي سياق مناقشة هذا النص، يجب اولا توضيح حقيقة مهمة جدا، وهي ان هذا النص الشهير، ليس كلام الله،ولا كلام يسوع المسيح!، وإنما هو مجرد عبارات سطرها الأشخاص المجهولون الذين قاموا بتأليف الانجيل المنسوب ليوحنا!

والقارئ للكتاب المقدس يلاحظ بشكل واضح ان يسوع المسيح لم يستخدم ابدا لفظة (الكلمة) في توصيف نفسه، رغم ورود عبارات وجمل كثيرة منسوبة ليسوع يتحدث فيها عن نفسه، مع ذلك لم يقل ابدا عن نفسه انه (الكلمة!)

الامر الاخر، الذي يلاحظه القارئ للكتاب المقدس، هو ان لفظة (الكلمة) وردت مرارا وتكرارا في نصوص العهد القديم وكذلك الجديد، لكنها ابدا لم ترد ضمن المعنى الذي وضعه المؤلفون لانجيل (يوحنا) ولا حتى ضمن معنى قريب منه!

فقد وردت لفظة الكلمة احيانا بمعنى (الشريعة) واحيانا بمعنى (الوحي) واحيانا اخرى بمعنى الاوامر الالهية، والشواهد كثيرة ولا نحتاج لإيرادها،لأنها معروفة لكل من تصفح الكتاب المقدس!

من خلال التمعن في كلمات النص الاستهلالي والافتتاحية التي هي أقرب الى الاشعار الرومانسية للانجيل المنسوب الى (يوحنا) نلاحظ ان معنى لفظة (الكلمة) والذي اقحمه المؤلفون لهذا الانجيل، هو معنى غريب وغير متسق مع دلالة نفس اللفظة في متون الكتاب المقدس، وانما تم اقحامها في هذا الإنجيل المتأخر زمنيا عن باقي الأناجيل من أجل غرض معين!

ان اقحام معنى غريب عن ادبيات الكتاب المقدس، تسبب في اخراج نصا مشوها، ينقض بعضه بعضا، ويبدو ان السادة كتبة إنجيل (يوحنا) لم يكونوا مهتمين بهذا الأمر!

بقدر اهتمامهم بتقديم تصورا لاهوتيا جديدا من اجل ترسيخه في أذهان المؤمنين!

وهذا المفهوم، يتحدد بشكل واضح في العبارة التي اثبتها هؤلاء الكتبة - بعد اللف والدوران- وهي عبارة

(وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ،مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ،مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا)يوحنا 1/14

بعد هذه العبارة، يتضح المعنى الذي يراد ترسيخه، وهو ان يسوع المسيح هو الكلمة، وهو أزلي غير مخلوق وهو نفسه (الله) المتجسد في شكل انسان، وانه اقنوم (الابن) الذي يساوي مجده نفس مجد (الاب!)

ان لجوء كتبة هذا النص الى المخاتلة اللفظية والتلاعب بدلالة الالفاظ، اوقعهم في تناقضات عجيبة، تسببت في تهافت المعنى الذي يراد إيصاله، بل وتناقضه مع بعضه البعض، وتناقضه مع سرديات بقية نصوص الكتاب المقدس!

فعندما اراد كاتب النص الإشارة الى ازلية المسيح، استخدم تعبير (في البدء كان الكلمة!)، فقام بنفسه بنسف هذا المعنى!

والسبب بسيط وواضح، فعبارة (في البدء) لا تعني ابدا (الازلية) وان كانت احيانا تعني (الاقدمية)، فعندما يقول الكتاب المقدس (في البدء خلق الله السموات والارض) لايفهم القارئ ان المقصود هو ازلية السماء والارض!

ونلاحظ ان هذا التناقض الواضح قد اوقع اللاهوتيين الذين حاولوا شرح هذا النص في اضطراب شديد، فصاروا يحاولون تاويل هذا التناقض بتفسيرات سطحية وساذجة!، حتى صار بعضهم يلجأ الى معاجم اللغة العربية ويلف ويدور، ليخرج لنا بتفسير يقول : ان (في البدء) تعني الأقدمية! ليفسر لنا الماء...بعد الجهد...بالماء !!

ومن التناقضات التي يحملها هذا النص، عبارة(والكلمة كان عند الله!) فهذه العبارة تنقضها العبارة التي تليها (وكان الكلمة الله) لأن المعنى الذي تستوجبه العبارتين يستدعي ان يكون(الله عند الله!) وهذا المفهوم لايتسق مع أي منطق!

وكما اوضحت آنفا، ان كل هذه اللفة والدوران التي قام بها كتبة هذا النص، غرضه هو الوصول للنتيجة التي يريد هؤلاء السادة تمريرها، وهي أن (الكلمة) هي (الله المتجسد) على شكل (يسوع المسيح!)

ولو سلمنا لهم بهذا المعنى، فسيحدث اضطراب كبير في مفهوم الإيمان،لأن هذا المعنى يستلزم ان يكون أقنوم

(الابن/ الكلمة) هو الخالق الذي(به كل شيء كان وبغيره لم يكن!)

فهل هذا يشمل بقية الأقانيم (الآب والروح القدس)؟!

هل هذه الاقانيم خلقها اقنوم (الكلمة الابن) ام كانت مخلوقة معه؟! والنص يقول(به كل شيء كان!!!)

ومن المفارقات الغريبة لهذا النص المتناقض، والذي تم اقحامه على نصوص الكتاب المقدس لغرض اعطاء بعدا لاهوتيا لشخص المسيح، ان هذا النص ليس فيه اي اشارة الى الاقنوم الثالث الذي يتشكل منه الله واعني به (الروح القدس!)

والسبب واضح، وهو ان هذا النص تمت كتابته في اوائل القرن الثاني الميلادي، بينما لم يتم (ترقية)  الروح القدس الى درجة الالوهية الا في اواخر القرن الرابع الميلادي !

ولا اريد الاستفاضة في نقد وتبيان تناقضات النص الاستهلالي لانجيل يوحنا، لان ذلك يتطلب مقالا او اكثر، ولان هناك الكثير من الردود والشروح الرائعة لكثير من الشباب على الشبكة العنكبوتية، توضح تهافت وتناقض النص، ويستطيع من يريد الاستزادة الرجوع اليها، لكني فقط اود الاشارة الى التلاعب وتحريف الترجمة التي عمد اليها مترجمو النص،حين وصلوا الى عبارة (وكان الكلمة الله) حيث قاموا بترجمة كلمة (اله) إلى كلمة (الله) لكي يضبطوا تحريف معنى العبارة !!

لأن النص الاصلي يذكر كلمة (اله) والتي تعني احيانا الشخص الذي يملك السلطان الالهي كما هو الحال مع (موسى) حيث نجد ان الله يخاطبه في العهد القديم قائلا:

(انا جعلتك الها لفرعون)

اما في نص إنجيل يوحنا المتقدم قام المترجمون بتحريف الكلمة(اله)  الى كلمة (الله) لكي يكون يغيروا المعنى بشكل مختلف تماما، من اجل ان يتسق مع العقيدة التي يريدون تسويقها!!

وبالرجوع الى أسباب إقحام هذا النص الهجين في الكتاب المقدس،بل وجعله مقدمة افتتاحية للانجيل المتأخر زمنيا، علينا ان نتتبع اصل الفكرة التي اقتبسها الذين كتبوا هذا النص، وهي فكرة (اللوغوس) والتي قام هؤلاء الكتبة بإعطائها معنى جديدا، وهو (الكلمة) بعد ان كانت متداولة بمعنى (العقل)

ان عقيدة الكلمة (اللوغوس) هي بالأصل فكرة مسروقة من فلسفة يونانية قديمة كان (هيراقليطوس) اول من تكلم بها في القرن السادس قبل الميلاد حيث انشأ فلسفته على اساس ان كل شيئ في الكون يديره وينظمه عقل الله(اللوغس) الازلي!

ثم جاء (فيلون السكندري) في نهايات القرن الاول الميلادي و طور هذه الفكرة واعتبر (اللوغوس) هو أقدم شيئ في العالم وبه قد تم خلق كل شيئ في هذا الكون!

هذه الأفكار كانت منتشرة و رائجة في أوساط الجاليات الناطقة باليونانية ومدنها، وخصوصا في مدينة (افسس) التي يعتقد ان كتابة انجيل (يوحنا) قد انجزت فيها، والتي هي بنفس الوقت المدينة التي عاش فيها (هيراقليطوس) صاحب فكرة (اللوغوس)

بالنسبة للانجيل المنسوب ليوحنا، وحسب اشارات الكثيرين من مؤرخي الكنيسة، فقد تم كتابة هذا الإنجيل، للرد على الهرطقات التي بدأت تنتشر في ذلك الوقت!، ونحن نتكلم هنا عن الفترة ما بين نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني

وواضح جدا، ان المقصود بالهرطقات، هي العقائد التي كان يتبناها الكثير من المسيحيين الاوائل، والتي لا تؤمن بالوهية يسوع الناصري ولا تتخذ منه إلها معبودا

ورغم ان المؤرخين المسيحيين حاولوا دائما طمس واخفاء المعالم التي تشير الى الصورة الكاملة لتنوعات الايمان المسيحي المبكر، وتصوير المشهد مقتصرا على مسيحية الكنيسة وإيمانها القويم، الا انه ورغم ذلك،تسرب لنا بعض الاخبار عن مجاميع مسيحية كان لها ايمانا لا يتطابق مع الكنيسة كالغنوصيين والأبيونيين

لقد كانت طائفة الابيونيين المسيحية تمثل مجموعة مبكرة من المسيحيين المتهودين، والذين كانوا يتبعون يسوع الناصري ويعتبرونه (نبيا مختارا) من الله، وبنفس الوقت اختلفت طائفة الأبيونيين (ابيونيم تعني: الفقراء) مع ايمان الكنيسة الارثوذكسية، في صفات يسوع الناصري، حيث كانوا يعتبرونه بشرا عاديا، ولا يؤمنون بولادته العذرية، ولا بمسيحانيته

في هذا الجو المليئ بالافكار المتضادة حول المسيح، تم تاليف الانجيل المنسوب ليوحنا، متضمنا مقدمته الاستهلالية والتي تؤكد على اعطاء يسوع الناصري بعدا لاهوتيا، لغرض الرد على أفكار المجاميع المسيحية الأخرى، كالابيونيين، و لغرض تثبيت الإيمان الذي يسوق له المؤلفون لهذا الانجيل في نفوس اليونانيين الذين بدأوا بمفارقة الوثنية واعتناق الايمان الجديد، وذلك من خلال اقتباس فكرة يونانية راسخة لدى تلك الجالية،وهي  فكرة (اللوغوس) وتطويرها لكي تصبح موائمة للوضع العقدي الجديد، وقد نجحوا فعلا، في جعل الوثنيين اليونانيين يتقبلون الفكرة القديمة/الجديدة ويعتنقونها كعقيدة!

فصار اللوغس(العقل) يعني (الكلمة) وأصبح يسوع هو التجسد لهذه الكلمة، والاله الجديد الذي حل محل الالهة القديمة!

وبهذه التوليفة العقدية الجديدة، تم ترسيخ فكرة ازلية يسوع الناصري، وجعله خالقا بعد ان كان مخلوقا!

من خلال نص هجين متهافت المعنى تم اقتباسه من فلسفة يونانية، و اقحامه في نصوص تم اعطاءها، لاحقا، صفة القداسة، رغم التناقض المخل، والاضطراب البين في المفهوم الكلي الذي حاولت معاني تلك النصوص تشكيله!! 

 

حوارات في اللاهوت المسيحي 26

د. جعفر الحكيم

 

 

mutham aljanabi2لقد ارتقى إدراك عمر بن الخطاب لمبدأ الدولة وأولويتها بالنسبة للدين والدنيا إلى مصاف المرجعية الكبرى. بحيث تحولت عنده في وقت لاحق إلى مبدأ شامل. بل تحول عمر بن الخطاب نفسه إلى قوة جامعة متحركة في تتبعها لكل شيء ومكان يمكن أن تصل إليه يداه وساقاه ونظره وعقله وفؤاده. الأمر الذي كان يعني من الناحية الفعلية تداخل الدولة والسلطة على مثال تداخل الدين والدنيا. بحيث أصبحت علاقة السلطة بالدولة الوجه العملي لعلاقة الدين بالدنيا. ولم يفتعل عمر بن الخطاب هذا التداخل، بقدر ما كان ينبع من وحدة شخصيته وتمثله للرؤية الإسلامية التي جمعت في أعمق أعماقها الحمية العربية الجاهلية (الواقعية) والإسلامية (الأخلاقية المتسامية). ومن الممكن تلمس هذا التداخل في ارتقاء وحدة الدين بالدنيا للدرجة التي كانت تجعله يتتبع أدق الصغائر ومعاملتها بطريقة جعلت منه مثالا للشخصية التي لا تأخذها في الحق لومة لائم. لهذا امتلأت كتب التاريخ والمناقب عنه بحكايات لا تخلو من الطرافة الواقعية، مثل الحكاية المروية عن إرسال قيصر الروم رسولا إليه لينظر أحواله ويشاهد أفعاله. فلما دخل المدينة سأل أهلها:

- أين ملككم؟

- ما لنا ملك، بل لنا أمير خرج إلى ظاهر المدينة.

فخرج في طلبه فرآه نائما في الشمس على الأرض فوق الرمل الحار وقد وضع درته كالوسادة والعرق يسقط من جبينه إلى أن بلّ الأرض. فلما رآه على هذه الحالة، وقع الخشوع في قلبه وقال: رجل تكون جميع الملوك لا يقر لهم قرار من هيبته وتكون هذه حالته! لكنك يا عمر قد عدلت فأمنت، وملكنا بجور فلا جرم أنه لا يزال ساهرا خائفا"[1]. وقد غذت هذه الصورة المثالية للخيال الواقعي وحدة الدين والدنيا في سلوكه العملي، بوصفها الصيغة الروحية لوحدة الدولة والسلطة السياسية.

فمن المعروف عنه كونه دائم الرقابة لنفسه، ولكل ما يترامى على ارض الخلافة. لهذا نراه يقول:"والله لو أن بغلة عثرت بشط الفرات لكنت مسئولا عنها أمام الله، لماذا لم أعّبد لها الطريق". وكيف كان يخرج في الليل يطوف مع العسس حتى يرى خللا يتداركه. وكان يقول:"لو تركت عنزا جرباء على جانب ساقية لم تدهن لخشيت أن اسأل عنها يوم القيامة"[2]. وقد جسّدت هذه الرؤية وحدة الدين والدنيا بوصفها الوجه المثالي لوحدة الدولة والسياسة التي حصلت على رونقها المتألق في فكرة الخلافة الرشيدة. كما حصلت على نموذجها الأولي الكبير في خلافته وشخصيته السياسية. وليس اعتباطا أن ترتبط من الناحية التاريخية تسمية أمير المؤمنين بخلافته، بوصفها التسمية التي تعكس الارتقاء الجديد لوحدة الدين والدنيا إلى مصاف الدولة والسلطة، أي وحدتها النموذجية المحكومة بمبادئ العدل.

وقد نسج الخيال الإسلامي اللاحق عن هذه الخلافة صورا جميلة ومثيرة للوجدان، لكنها واقعية بمزاج المرحلة وعقائدها الكبرى. وهو خيال له أصوله في أصل الشخصية العمرية، وجد تعبيره السياسي والمثالي في مظهر ومضمون فتح إيلياء (القدس) ودخولها، والعقد التاريخي معها. فقد قبل آباء الكنسية فيها. ودخلها كما دخلها قبل قرون المسيح على بغلة، كما لو أنه يعيد تاريخ الوحدة الروحية في التعامل مع أحد الرموز الحيوية في الفكرة الدينية والتاريخية. لكنها احتوت في سلوك عمر بن الخطاب على بعد سياسي خاص يقوم في تأسيس أحد الأنماط الواقعية والعقلانية الإنسانية في وحدة الدولة والسلطة، والديني والدنيوي. بمعنى أنها أرادت الجمع بين مكونات طبيعية آنذاك ولكن من خلال رفعها إلى مصاف النموذج الروحي. وإذا كانت مظاهرها توحي بأولوية الانتماء إلى تاريخ الروح والمقدس، فإن مضمونها كان يسير في اتجاه ترسيخ تاريخ الدولة والسلطة. بمعنى انه كان يتغنى باغتناء التاريخ الروحي والسياسي.

فقد كان نمط ونموذج دخوله للقدس يحتوي على ما يمكن دعوته بالدعاية السياسية لتقمص مسيح القوة الصاعدة، مسيح الدولة والسلطة الروحية العملية، كما نراها في "وثيقة العهد العمرية"، التي أعطت الأمان لسكنتها وكذلك لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها، بحيث لا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن معهم أحد من اليهود، كما أرادوا. وهي ممارسة ودعاية عملية لا افتعال فيها. بل يمكن اعتبارها الصيغة التاريخية الإسلامية لفكرة العدل المتسامية، التي كانت صورة المسيح الإسلامية أحد أشكالها الرفيعة. من هنا طابعها العملي "الخشن". وذلك لأن حقيقة المسيح هي خشونة أبدية ورّقة أزلية تربطهما فكرة البساطة المميزة لأدراك حقائق الوجود الكبرى. من هنا اتخاذها في شخصية الخليفة (عمر) أنموذج الخلافة لفكرة الحق البسيطة والمباشرة. فقد كان عمر بن الخطاب عفيفا تاما في أدق خلجات نفسه وحياته من المال العام. حتى إنه جعل نفقته ونفقة عائلته كل يوم درهمين، مقابل توزيع أموال الخراج على المسلمين، ولا يبقي لنفسه منه شيئا. ووجدت هذه الحالة انعكاسها العملي في تلك النادرة التي تصوّره وقد أتى المنبر، وكان قد اشتكى ألما في بطنه فوصف له العسل. وكان في بيت المال آنية منه، فقال يستأذن: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلا فإنها علي حرام! فأذنوا له فيها!! وحصلت هذه الممارسة على تعبيرها الفكري في عبارته القائلة:"أنزلت مال الله مني منزلة مال اليتيم، فإن استغنيت عففت عنه، وإن افتقرت أكلت بالمعروف".

لقد كانت ممارسته تتمثل فكرة الدولة من خلال السلطة، والسلطة من خلال الدولة. وأرتقى تجسيد فكرة العدل الإسلامية على المستوى الفردي والحكومي إلى مصاف النموذج الإسلامي الأمثل والأصدق. وليس مصادفة أن يكون عمر بن الخطاب ممن نقل الحديث النبوي القائل "لم يخل الله تعالى في الأرض شيئا أفضل من العدل. والعدل ميزان الله في أرضه. فمن تعلق به أوصله إلى الجنة"[3]. لهذا نراه يتمسك به بحذافيره، بحيث أقام الحد (العقوبة) على ابنه حتى الموت. وكذلك يقول:"يجب علي أن أسافر لأقضي حوائج المسلمين في أقطار الأرض، لأن بها ضعفاء لا يقدرون على قصدي في حوائجهم لبعد المكان. وينبغي أن أطوف في البلاد لأشاهد أحوال العمال وأسبر سيرتهم"[4]. ووضع هذا السلوك والمثال الفردي في موقفه من السلطة وعمالها. فقد كان يقول لمن ينفذه عاملا على مصر من الأمصار، أي يجعله مسئولا عن منطقة من مناطق الخلافة:"اشتروا دوابكم وأسلحتكم من أرزاقكم، ولا تمدوا أيديكم إلى بيت مال المسلمين، ولا تغلقوا أبوابكم دون أرباب الحوائج"[5]. كما كان إذا بعث عاملاً كتب ماله، حتى يحاسبه إذا ما استعفاه أو عزله عن ثروته وأمواله. وكان أيضا يدقق الاختيار لمن يتولون أمور الدولة والأمة، أو يتعرضون لحوائج المسلمين، ويعد نفسه شريكا لهم في أفعالهم. لهذا كان يقول بعد أن يبرك على ركبته:"اللهم أعّني عليهم، فإن كل واحد منهم يريدني على ديني!"

إننا نعثر في كل هذه الأقوال والأعمال على أحوال وأمثلة تجّسد فكرة وحدة الدولة والسلطة، بوصفها الصيغة الضرورية لمرجعية الدين والدنيا. بحيث رفعها عمر بن الخطاب إلى ما يمكن دعوته بفريضة الروح الإسلامي الحق. وفيها يكمن تأسيس إمكانية التمثل الواعي لتجارب الدول السابقة يغض النظر عن أصولها وعقائدها الدينية والفكرية، مثل تدوين الدواوين، واتخاذ بيت المال، وإنشاء المدن الجديدة، و"تمصير الأمصار"، والاستمرار في توسيع الفتوحات. حيث فتحت في عهده العراق والشام وفارس ومصر وليبيا وأذربيجان ونهاوند وجرجان. كما نراه يخرج اليهود من الجزيرة، ويجعل الهجرة بداية التأريخ الإسلامي، ويقنن الجزية على "أهل الذمة" ويعفي منها الشيوخ والأطفال والنساء. ويشير هذا السلوك إلى ما يمكن دعوته بالتوحيد المستمر لفكرة الدولة والسلطة لكي تشمل آلية عملها كل دقائق الأمور من خلال تجسيدها وتحقيقها الفردي في شخص الخليفة بوصفه أميرا للمؤمنين.

لقد كانت إمارة المؤمنين تعني من الناحية الواقعية والرمزية إمامة التحول الضروري في صيرورة الدولة والسلطة التي جعلت من أسلمة الدولة ومد سلطانها على كل شيء فعلا كليا واحدا. واستطاع عمر بن الخطاب ترسيخ أسسه هذه العملية في غضون عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام من خلافته. وهي عملية كانت تفترض في مسارها الطبيعي الانتقال من الباطن إلى الظاهر. بمعنى استكمال المقدمات التي أرساها أبو بكر. فإذا كانت خلافة أبو بكر تتمثل نهاية الوحي وبداية الخلافة، فإن إمامة عمر كانت تتمثل بداية الوحدة المتماسكة للدولة والسلطة بوصفها دراما الوحدة الصلبة للدين والدنيا، أي استكمال مهمة الدولة من خلال توسيع مدى السلطة وتأثيرها المباشر وغير المباشر على مختلف جوانب ومستويات الحياة. بحيث جعلت من التأويل السياسي نهاية الوحي المقدس. وبالتالي فسحت المجال أمام التأويل بوصفه اجتهادا. مع ما ترتب عليه من تحويل النص القرآني والنموذج النبوي إلى نص الدولة وكلمة الحق. ومن ثم إعلان وإعلاء أولوية الظاهر. وهو تحول يلازم بالضرورة توسع وترسخ منظومة عمل الدولة والسلطة. لهذا نرى عمر بن الخطاب يعلن في بعض خطبه قائلا:"أيها الناس قد كان الوحي ينزل في عهد رسول الله، فكنا نعرف به ظاهر الناس وباطنهم، جيدهم ورديئهم. والآن قد انقطع الوحي عنا. فنحن من كل أحد إلى علانيته والله اعلم بسريرته. وأنا على العهد وعمالي أن لا نأخذ شيئا بغير حق، ولا نعطي شيء بغير حق"[6].

إننا نقف هنا أمام تحول هائل في فكرة الحق من علياء الوحي المقدس إلى اجتهاد الرؤية السياسية. إذ ليس المقصود بالحق هنا سوى الحق السياسي، أي الحق المحكوم برؤية السلطة عن المصلحة العامة والخاصة. ويبدو هذا الأمر جليا في رؤية عمر وممارساته التي كانت تهدف إلى جعل الحق والحقيقة مقومات أساسية في ترسيخ وتوسيع السلطة والدولة. من هنا الاعتداد الفطري بالحق وتجسيده الفردي. بحيث نراه يقول مرة في إحدى خطبه:"اعلموا أن شدتي التي كنتم ترونها ازدادت أضعافا عن الأول على الظالم والمعتدي، والأخذ للمسلمين لضعيفهم من قويهم. وأني بعد شدتي تلك واضع خدي إلى الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف، إن كان بيني وبين من هو منكم شيء من أحكامكم أن امشي معه إلى من أحبه منكم فينظر فيما بيني وبينه. فاتقوا الله وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولأني الله من أمركم". ويتمثل هذا الموقف الأبعاد الأخلاقية المثلى لفكرة الحق السياسي من خلال جعله معيارا لظاهر وباطن السلطة في موقفها من كل شيء. وقد كانت تلك المقدمة الضرورية لإعادة إنتاج الدورة الكاملة للدولة والسلطة، باعتبارها دورة مستمرة: دولة – سلطة – دولة. ومن خلالها تجسيد القدر الممكن لنموذج الحق الأخلاقي. فنراه يقول لأبي عبيدة حالما ولاه على جند الشام:"وليتك أمور المسلمين فلا تستحي، فإن الله لا يستحي الحق. ولا تنفذ المسلمين إلى الهلاك رجاء غنيمة". وهي الفكرة الأولية التي جعلت من وحدة الدين والدنيا مدخلا لتوسيع رقعة الدولة ومنعتها الداخلية بالحفاظ على قواها الذاتية. وحالما جرى انجاز هذه المهمة، فإن توجهه أخذ يسير صوب ترسيخها. من هنا كتابته لأبي موسى الأشعري قائلا:"إذا كانت بين القبائل نائرة (عداوة) وتداعوا بآل فلان، فإنما تلك نجوى الشيطان فاضربهم بالسيف حتى يفيئوا إلى أمر الله، وتكون دعواهم إلى الله وإلى الإمام".

كانت مساعي عمر بن الخطاب لإخضاع الجميع إلى الله والإمام أو الدين والدولة، المقدمة الضرورية لتوحيد الحق السياسي والأخلاقي. ووضع هذه الرؤية في حكمة سياسية عملية تقول في إحدى ملاحظاته لأبي موسى الأشعري:"إذا زاغ العامل زاغت رعيته. وإن أشقى الناس من شقيت به رعيته". كما كتب مرة إلى معاوية (وقيل إلى أبي عبيدة) قائلا:"إياك والاحتجاب، وأذن للضعيف وأدنه حتى تبسط لسانه وتجرئ قلبه". وقد تمثلت هذه الحكمة العملية والسياسية مفهوم الحق السياسي للسلطة، بوصفها أداة الدولة الرشيدة. أما صيغها العملية فينبغي أن تحقق مضمونها المتنوع بوصفه حقا أخلاقيا أيضا. وقد تكون الخطبة التي أوردها أبو يوسف في (كتاب الخراج)، أحد النماذج الدقيقة عن هذه الرؤية والاتجاه في تحويل الحق السياسي إلى حق أخلاقي وارتقائهما سوية في وحدة الدولة والسلطة بوصفها النموذج العملي لوحدة الدين والدنيا. فقد ابتدأها بفكرة عامة تقول، بأن "المال لا يصلحه إلا ثلاث، أن يؤخذ بالحق، ويعطى في الحق، ويمنع من الباطل". واختتمها بموقف شخصي يقول:" فلا يقولن أحد منكم أن عمر تغير منذ ولي. أعقل الحق من نفسي، وأتقدم وأبين لكم أمري. فأيما رجل كانت له حاجة، أو ظلم مظلمة، أو عتب علينا في خلق، فليؤذنني (يعلمني). فإنما أنا رجل منكم، فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم، وحرماتكم وأعراضكم. وأعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إليّ. فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة"(ميل). وما بينهما حدد الملامح العامة للعلاقة بين السلطة والمجتمع بوصفها علاقة مبنية على وحدة الحق السياسي والأخلاقي. إذ ابتدأها بحقه القائم في أن لا "يدع أحدا يظلم أحدا ولا يعتدي عليه حتى يضع خده على الأرض، ويضع قدمه على الخد الآخر حتى يذعن للحق". وهو حق سياسي مهمته تحقيق المضمون الأخلاقي للحق. أما وجهه الآخر فهو حقوق الأمة عليه في "أن لا يجبي شيئا من خراجهم ولا مما أفاء الله عليم إلا من وجهه"، و"إذا وقع في يديه أن لا يخرج منه إلا في حقه"، و"أن يزيد أعطياتهم وأرزاقهم وسدّ ثغورهم"، و"أن لا يلقيهم في المهالك ولا يجمرهم (يحبسهم) في ثغورهم".

لقد تكاملت شخصية عمر مع تكامل الفكرة الإسلامية وانتقالها من الغيب اللاهوتي إلى تاريخ الدولة. وتمثل معالم الانتقال الكبرى من الفكرة المجردة إلى الواقعية، ومن الوحي المقدس إلى التأويل السياسي. وبهذا يكون قد جسّد بداية الصيرورة الثقافية للدولة والسلطة، التي حققها بمعايير الوحدة الإسلامية للدين والدنيا. وفي هذا يكمن السبب القائم وراء غياب المعارضة الفكرية والروحية غيابا تاما. لكنه كان أكثر من صنعها وأسس لها من خلال تأسيسه لمرجعية الدولة والسلطة المحكومة بفكرة العدل والحق السياسي ومثالها الروحي في وحدة الدين والدنيا.

***

 

 ا. د. ميثم الجنابي

..................

[1] الغزالي: التبر المسبوك، ص117.

[2] الغزالي: التبر المسبوك، ص115.

[3] الغزالي: التبر المسبوك، ص194.

[4] الغزالي: التبر المسبوك، ص206

[5] الغزالي: التبر المسبوك، ص 205-206.

[6] الغزالي: التبر المسبوك، ص210.

 

 

mutham aljanabi2كان بلوغ فكرة الرشاد مضمونها السياسي الأول بصدد إدارة شئون الدولة والأمة، المقدمة الضرورية لما أسميته بنهاية الوحي وبداية الدولة. فهي المرحلة التي أخذ فيها المسار الطبيعي للدولة طابع العملية التاريخية السياسية. مما جعل من مسار الدولة والسلطة خليطا من دراما التأويل والنفعية السياسية. وكلاهما كانا الأسلوب الضروري الملازم لتلازم الدولة والسلطة. كما أنها العملية التي تؤسس أكثر فأكثر لفكرة الاجتهاد السياسي، بوصفه أحد آليات وجود الدولة والسلطة والأفراد والقيم والحقائق. ومن خلالها يمكن للتأويل السياسي أن يرتقي إلى مصاف العقيدة، وهبوط العقيدة من علياء اللاهوت إلى مصاف السياسة. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار، أن وحدة الدين والدنيا هي الصيغة التي كانت تعادل من حيث قيمتها المادية والمعنوية تجانس الوجود والمثال بالنسبة لأولئك الذين شكلوا شخصيات الإسلام الأول وعماد أفكاره العملية.

وليس مصادفة أن ترتقي شخصية عمر بن الخطاب في الخطاب الديني التقليدي (السنّي) إلى مصاف ما سمي أحيانا بموافقة القرآن لرأي عمر. والمقصود بذلك ما هو مشهور من مواقفه العملية التي دعا إليها وتحولت إلى فكرة قرآنية، مثل قوله للنبي محمد "يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى"، فظهرت الآية (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)[1]، وكذلك قوله: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فظهرت آية الحجاب (وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب)[2]، وكذلك قوله لنساء النبي وقد اجتمعن عليه في الغيرة كلمات ظهرت كما هي في الآية (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن)[3]. وقد جعلت هذه الوقائع والحقائق النبي محمد يقول مرة "جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه". وفي هذا كانت تكمن إحدى مقدمات الأفكار الجليلة والمبجلة لشخصيته التي جرى وضع أحاديث لا يخلو اغلبها من أثر الصراع السياسي اللاحق. لكنها كانت تعكس بقدر واحد تمازج الخيال الديني والمنفعة السياسية الضيقة. كما هو الحال في الأحاديث الموضوعة (الكاذبة) مثل "ما من نبي إلا له وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء ‏‏فجبريل‏ ‏وميكائيل،‏ ‏وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر". وكذلك الحديث الذي توج الصورة المسرحية التي تصور كيف أن النبي محمد ‏خرج ذات يوم فدخل المسجد ‏‏وأبو بكر ‏وعمر ‏أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهو آخذ بأيديهما، ثم قال: ‏"هكذا نبعث يوم القيامة!"، أو التصوير القائل، بأن النبي محمد ‏‏كان ‏‏يخرج على أصحابه من ‏المهاجرين ‏‏والأنصار ‏‏وهم جلوس، ‏‏فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا ‏أبو بكر وعمر، ‏‏فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويتبسمان إليه ويتبسم إليهما.

إننا نقف هنا أمام صورة تحاول جعلهما ظل النبي وأجنحته الطائرة في حواره وجواره. كما تسعى لإعطائهما بعدا روحيا إضافيا، هي الصيغة الدينية والعقائدية الموازية لما أسميته بدراما التأويل والنفعية السياسية التي لازمت مسار الدولة والسلطة. ولا تخلو هذه الصيغة من دراما الانضمام لجوقة الإسلام الأولى، وبالأخص من جانب عمر بن الخطاب. فمن المعلوم عنه كونه أحد أشد المعادين والمعارضين لمحمد قبل أن يعتنق الإسلام. فقد ظل على معاداته وصراعه وعنفه ضد النبي محمد والمسلمين عموما حتى الهجرة الأولى إلى الحبشة. وأسلم في السنة السادسة من بدء الدعوة الإسلامية. حيث كان يبلغ آنذاك من العمر حوالي ست وعشرين سنة. وكان انتقاله للإسلام عنيفا كما كان الحال بالنسبة لمعارضته إياه. وتروي كتب التاريخ والسير حادثة إعلانه الإسلام نتيجة الحمية العنيفة التي أوقفته عند حدود الإقدام على قتل محمد. فقد ثارت به حمية الجاهلية مرة بحيث شهر سيفه وصرخ "أريد أن أقتل محمدًا!". وعندما قيل له لم تقتل محمد على إسلامه وهناك من بني بيتك من اسلم؟! وكانوا يقصدون بذلك كل من أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد. وعندما أسرع إليهما وجدهما في الدار وكان عندهما خّباب يقرئهما سورة (طه). فدخل وهو في ثورة عارمة ورغبة فاحشة بالانتقام. فوثب على سعيد فضربه، ولطم أخته فأدمى وجهها. لكنه حالما رأى الصحيفة وأخذ يقرأ ما فيها، فإنه لان و"شرح الله صدره للإسلام". عندها سار إلى النبي محمد. فلما دخل عليه وعلى أصحابه، خرج إليه النبي، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف وقال له:

- أما أنت منتهيا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة؟!

- يا رسول الله! جئتك لأومن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله!

إننا نقف هنا أمام رواية يقترن فيها الخيال بالواقع، لكنها تعكس وتعبر عن طبيعة التحول العاصف، الذي عادة ما يميز أولئك الذين تختمر في أعماقهم وحدة الوجدان والعقل في حمية الفعل وهمّة الروح. وقد ظل عمر بن الخطاب أمينا لهذه الصفات مدى الحياة. لهذا رفع من شأن الهمّة بحيث نسمعه يقول:"أجهد أن لا تكون دنيء الهمة. فإني ما رأيت شيئا اسقط لقدر الإنسان من تواني همته"[4]. وصنع هذا التحول شخصيته التي رسم الأصفهاني في (حلية الأولياء) معالمها الروحية وخطها البياني الواقعي في عبارات أخاذة تقول، بأنه ثاني القوم الذي "أعلن الله به دعوة الصادق المصدوق، وفرّق به بين الفصل والهزل، وأيد بما قوّاه به من لوامع الطول، ومّهد له من منائح الفضل شواهد التوحيد وبّدد به مواد التنديد، فظهرت الدعوة، ورسخت الكلمة، فجمع الله بما منحه من الصولة ما نشأت لهم من الدولة. فعلت بالتوحيد أصواتهم بعدما تخافت، وتثبّتوا في أحوالهم بعد تهافت. غلب كيد المشركين بما ألزم قلبه من حق اليقين. لا يلتفت إلى كثرتهم وتواطيهم، ولا يكترث لممانعتهم وتعاطيهم، محتملا لما احتمل الرسول، ومصطبرا على المكاره لما يؤمل من الوصول، ومفارقا لمن اختار التنعم والترفيه، ومعانقا لما كلّف من التشمر والتوجيه. السكينة تنكلّ على لسانه. والحق يجري الحكمة عن بيانه. كان للحق مائلا، وبالحق صائلا، وللأثقال حاملا، ولم يخف دون الله طائلا"[5].

وليس مصادفة أن نراه يخاطب قريشا عندما قرر الهجرة إلى المدينة قائلا:"من أراد أن يثكل أمه، أو ييتم ولده، أو يرمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي!". وتعكس هذه الصورة شخصيته الواقعية في مواجهة الأحداث. بمعنى الانتقال المباشر والسريع دون الالتفات إلى الماضي و"قداسة" إي شيء فيه. فكما نراه يتقد بحمية الرغبة الجاهلية في قتل محمدا، نراه يعلن ولاءه للدين الجديد. بحيث يطالب النبي محمد قائلا: إذا كنا نحن (المسلمون) على الحق سواء كنا أحياء أو أموات فلماذا نخفيه؟ وعندما سمع الجواب بأنه لا معنى لإخفائه، عندها طلب بإخراج المسلمين للدخول علنا في المسجد. وهو فعل كان من الناحية الرمزية والواقعية أول ظهور علني وبصورة دعائية ومتحدية من جانب المسلمين في مكة. وعادة ما يربط اسم الفاروق بهذه الحادثة، استنادا إلى الرواية القائلة، بأن النبي محمد دعاه آنذاك بالفاروق لأنه كان يفرّق بين الحق والباطل ولا يخاف في الله لومة لائم. ومهما يكن من أمر هذه الرواية، فإن تفرقة الحق عن الباطل لا علاقة جوهرية لها بشخصية عمر بن الخطاب، لكنها تطابقت مع شخصيته في العرف الإسلامي بفعل الدور الذي مّيزه بوصفه "رجل الساعة". وليس اعتباطا أن تظهر آنذاك وبعدها عبارة "مازلنا أعزة منذ أسلم‏ ‏عمر"، و"استبشر أهل السماء بإسلام عمر". ذلك يعني أنه ربط في ذاته سمات العزة والاستبشار، بوصفها المكونات التي تعني من حيث الرمز والواقع وحدة الحاضر والمستقبل، والمادة والروح. وليس مصادفة أن يظهر الحديث النبوي القائل في مخاطبته لعمر:"والذي نفسي بيده ‏‏ما لقيك الشيطان قط سالكا ‏فجا ‏إلا سلك ‏فجا ‏غير ‏فجك".

لقد انتقل عمر في "أطوار الولاية"، وتمثل في شخصيته وذاته المسار المعقد للانتقال من الجاهلية إلى الإسلام، ومما قبل الدولة إلى الدولة. ووجد هذا التحول صداه أيضا في التعبير الذي عادة ما يلازم الحكمة المتألمة من وجع الوجود، عندما ترسم على ملامح رجالها خطوط البكاء وملامح العيون الدامعة. وعندما أرادت الثقافة التقية لاحقا إدراجه ضمن كوكبة حكماءها، فإنها اختارت له صورة رسمتها بعبارة تقول:"كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء". ومن الممكن تأويل هذا الرسم على تلازم دموع الفرح والحزن، بأنه الوحدة المتناقضة لكل ثنائيات الحياة الضرورية من حياة وموت، وجميل وقبيح، وخير وشر. وهو تأويل يمكن القبول به حالما نطبقه على حياة عمر بن الخطاب بوصفه تاريخ الانتقال من سرّ الغيب الإسلامي إلى عالم الوجود الثقافي للدولة. وقد شحذ هذا الانتقال وهذّب حقيقة ما فيه. وفي مجراه تكشفت حقيقة الأبعاد الكبرى للتحول العاصف في صيرورة الإسلام والدولة والسلطة، أي كل ما كان يلازم وحدة الدولة والسلطة، والدين والدنيا.

فقد كان سلوكه الحاد والعنيف تجاه أخته فاطمة بسبب إسلامها، هو نفس ما ميز أسلوبه في التعامل مع فاطمة زوجة الإمام علي وبنت النبي محمد. فقد أدمى وجه الأولى بسبب إسلامها، وكسر أضلاع الثانية بسبب امتناعها عن مبايعة أبو بكر بالخلافة. والشبه الوحيد في هذا السلوك يقوم في سعيه لفطم سلوك المعارضة في مواجهة ما يعتبره حقا. وهو سلوك يشير إلى شخصيته وطبيعة تفكيره وفعله. إذ نعثر فيه على ما يمكن دعوته بالحمية الحامية في إرادته الفردية. ففي الأولى حمية الجاهلية وفي الثانية حمية الدولة. وهي حمية الشخصية الفاعلة بمعايير الرؤية العملية وضرورة تجسيدها مهما كلف الثمن. وضمن هذا السياق يمكن فهم سلوكه ومواقفه بعد اختيار أبو بكر للخلافة تجاه كل من عارض أو اعترض أو توقف أو اعتزل، عندما سعى لإجبارهم على المبايعة. فنراه يطالب أبا بكر، بأن يبايعه سعد بن عبادة[6] قائلا له"لا تدعه حتى يبايعك"[7]. كما نراه يذهب إلى بني هاشم لكي يجبرهم على المبايعة لأبي بكر بحيث نراه يأخذ الزبير بن العوام بالقوة[8]. كما نراه يخاطب عليا بعبارة: "انك لست متروكا حتى تبايع". بل نراه يكرر دعوته لأبي بكر لكي يجبر عليا على المبايعة قائلا له:"لا تمهل هذا المتخلف عنك بالمبايعة"[9]. بل نراه يطالب بقتل علي إذا رفض المبايعة، كما في قوله:

- إذا لم تبايع، فوالله الذي لا اله إلا هو نضرب عنقك!

- إذا تقتلون عبد الله وأخا رسول الله؟!

- أما عبد الله فنعم! وأما اخو رسول الله فلا![10]

ولم يكن سلوك الإجبار هنا سوى المظهر المتوتر والمعبّر عن إدراكه لقيمة وأولوية الدولة ومركزيتها بالنسبة للدين والدنيا. من هنا رغبته في إجبار الجميع على المبايعة والإقرار بضرورة الاعتراف بالدولة والسلطة المركزية. لهذا اعتبر من الممكن قتل "عبد الله"، أي "مواطن" الدولة الجديدة إذا كان ذاك ضروريا بالنسبة لإعلاء شأنها وهيبتها، بينما ترك المجال مفتوحا أمام علاقة "الأخوة" والقرابة. انه شدد على أولوية "عبيد الله"، بوصفهم أعضاء الأمة والدولة، واعتبرهم أفرادا مهما كان أصلهم ومنشئهم. وهي ممارسة تعكس فهمه لقيمة الدولة. وفي هذا الموقف نلمس إدراكه لمبدأ الدولة وأولويتها بالنسبة للدين والدنيا، ورفعه إياه إلى مصاف المرجعية الكبرى.

[1] القرآن: سورة البقرة، الآية 125.

[2] القرآن: سورة الأحزاب، الآية 53

[3] القرآن: سورة التحريم، الآية 5.

[4] الغزالي: التبرك المسبوك في نصيحة الملوك، ص291.

[5] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص38.

[6] سعد بن عبادة (ت- 14 للهجرة)- اسلم مبكرا. وشهد بيعة العقبة وجميع الأحداث الكبرى في صدر الإسلام. سمي بالكامل لإتقانه السباحة والرمي. وهو أول من طرح فكرة أن يكون الأنصار خلفاء للنبي، بمعنى المشاركة الفعلية في إدارة الدولة وليس حصرها بمعايير القبيلة والمنشأ. لهذا نراه يرد في نهاية المطاف على محاولة إبعادهم عن السلطة بفكرة "منا أمير ومنكم أمير". وهي فكرة متناقضة بالنسبة لمركزية الدولة الضرورية، لكنها تعكس من حيث حوافزها وغاياتها إدراك أهمية المشاركة العامة.

يمكن اعتباره أول الشخصيات الحرة في الموقف من السلطة (الخلافة). إذ لم يؤيد البيعة لأبي بكر. وتنسب إليه العبارة التي خاطب بها أبا بكر:"والله لا أبايعكم أبدا". والتزم بها حتى النهاية. بل هو الشخص الوحيد الذي لم يبايع عمر بن الخطاب. وقد اضطر لترك المدينة والهجرة إلى الشام وتوفي في الطريق إليها(منطقة حوران) عام 14 للهجرة.

وبغض النظر عن حوافز معارضته للصيغة التي جرى بها اختيار أبو بكر ولاحقا عمر بن الخطاب لخلافة المسلمين، إلا أن ردود فعله المتجانسة في الموقف من أبي بكر وعمر بن الخطاب تشير إلى صلابة موقفه السياسي المعارض. فقد احتوت معارضته السياسية من حيث مقوماتها الداخلية على عناصر الرؤية التاريخية والحقوقية. بمعنى انه حاول تقديم أولوية أو أحقية الأنصار بالخلافة انطلاقا من دورهم السياسي والأخلاقي والاجتماعي والتاريخي في تثبيت أسس الدعوة الإسلامية وانتصارها. فانتصار الإسلام كان بمعنى ما مرتبطا وثيق الارتباط بالأنصار. وبالتالي فان تمثل فكرة أحقيته بالخلافة مبنية على رؤية ومبادئ لا علاقة لها بالقبيلة وقرابة الدم. وقد كانت تلك فكرة متطورة بحد ذاتها. لاسيما وان الأنصار كانوا من الناحية الفعلية القوة التاريخية للإسلام وقربانه البشري الأكبر. كما انه القربان الذي دفعه سعد بن عبادة في مجرى حياته الأخيرة أيضا عندما توفي وهو في طريقه إلى الشام، باعتباره احد أشكال الاحتجاج على السلطة. وليس مصادفة أن يقول عمر بن الخطاب عن موته:"قتله الله!". (ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج2، ص470). وهي عبارة لا مروءة فيها.

[7] ابن قتيبة: الإمامة والسياسية، ج1، ص16.

[8] الزبير بن العوام (ت- 36 للهجرة)- اسلم وعمره خمس عشرة سنة. من أوائل المسلمين (السبعة). هاجر للحبشة والمدينة. وشهد بدر وجميع غزوات النبي. كما ساهم في فتح مصر. ودخل مجموعة الشورى الستة. ويعكس في شخصيته كل تناقضات مجموعة الشورى التي وقفت إلى جانب خلافة عثمان بن عفان. وهو موقف أسهم من الناحية التاريخية والسياسية بتهشيم أسس الصيرورة الإسلامية السليمة وكينونتها الروحية، كما نعثر عليه بصورة جلية فيما أدت إليه خلافة عثمان من نخر أسس الدولة والأمة والفكرة الإسلامية الأولى ومبادئها الكبرى. وهو اختيار سياسي له مقدماته وغاياته. وليست حرب الجمل التي اشترك فيها الزبير بن العوام وقادها ضد خلافة علي بن أبي طالب سوى الوجه الظاهري لباطن رؤيته السياسية والأخلاقية. فقد غلبّ المصالح الضيقة على مصالح الدولة والأمة والحق. وحكم هذا التناقض حكم سلوكه السياسي المعارض لخلافة علي بن أبي طالب ثم اعتزاله الحرب ومقتله الذي كان يفتقد لكل المعاني الجليلة التي لازمت صيرورته الفردية والاجتماعية والإسلامية.

فقد قرر اعتزال القتال مع علي. وعندما قابله ابنه عبد الله بعبارة "جبنا جبنا"! فانه لم يجد فيها ما يستحق الرد. فمن المعروف عنه شجاعته وبأسه وبطولته في القتال والمعارك. إذ كان من فرسان قريش مقداما. كما كان غنيا كريما كثير الشمائل والفضائل. ويقال انه مات وهو كثير الديون لكرمه. كما كان مخلصا للدعوة الإسلامية. بحيث تنسب للنبي محمد عبارة عنه يقول فيها:"لكل نبي حواريّ. وحواريّ الزبير". والحواري بالعربية تعني ناصر الأنبياء أو الخالص، أو الخليل. وهي عبارة يمكن أخذها على علتها، لكنها تعكس موقعه الشخصي من النبي محمد. غير أن العبارة العابرة في تقييم النبي محمد لمن صحبه ليست صك الغفران الإسلامي ولا تحتمل معنى "الشفاعة" الأبدية. انطلاقا من أنها قيلت ضمن سياق الصراع وسباق الأحداث، شأن كل كلمة تقال في الأفراد أيا كان حجمهم وموقعهم في الوجود.

[9] ابن قتيبة: الإمامة والسياسية، ج1، ص18-20.

[10] ابن قتيبة: الإمامة والسياسية، ج1، ص21. وقد يكون هذا الموقف احد اشد الأشكال تطرفا وغلوا لأدراك قيمة الدولة. بمعنى إننا نستطيع تحسس الهاجس الخفي والعميق والكبير لفكرة الدولة في مواقف وشخصية عمر بن الخطاب. وهو أمر جلي في خضوعه الشخصي للخليفة الجديد. بحيث لم نسمع عن أية معارضة مهما كان نوعها، بل الاشتراك المباشر وغير المباشر في تحسين شروط فعلها وأداءها. ولم يكن هذا الاشتراك معزولا عن الرغبة المحتملة في احتلال موقع الخلافة بعد أبي بكر. لاسيما وان ترشيح أو استخلاف أبو بكر إياه قبيل موته احد الأدلة الواقعية والدقيقة بهذا الصدد. وهو أمر لا تخلو منه الحياة السياسية. فبعد موت النبي محمد لم يعد الإسلام إذعانا لله والدعوة الجديدة، بل إسلاما للدولة والأمة. فقد لازم هذا الانتقال الموضوعي تحول الإسلام إلى دين الدولة، أي أيديولوجيتها "المتسامية". أما عمر فقد طوعها بطريقة واقعية وسياسية خالصة. وقد يكون أكثر أشكالها جلاء بهذا الصدد هو الطابع الحاد المميز لشخصيته في اتخاذ القرار وتنفيذه، بوصفه احد شروط رجل الدولة الكبير. غير أن الخطأ ولحد ما الخطيئة التاريخية في سلوك عمر بهذا الصدد، يقوم في تحويل الحادثة التاريخية العابرة إلى مبدأ. إذ ارتبط هذا التحول بشخصية عمر بن الخطاب، الذي جعل من الإكراه مبدأ ضروريا لمركزية ووحدة الدولة والأمة. بحيث تحولت "المبايعة" لاحقا إلى عمل تقليدي ملزم للجميع. بمعنى جعل المعارضة أيا كان شكلها ومستواها "خروجا على الإسلام". وهو تناقض فض! إذ جعل من فكرته السياسية واجتهاده العملي جزء من العقيدة الدينية والإيمان القويم! وفي هذا يكمن التناقض القاتل لعبارة عمر المذكورة أعلاه وسلوكه العملي. إضافة إلى كمون الخطيئة والفساد الأخلاقي والسياسي فيها. وذلك لأنها أسست لما يمكن دعوته بحاجة الدولة إلى لسان كاذب وقلب خرب. وذلك لأن فكرة المبايعة بالطريقة العمرية أفرغت حرية الإنسان وفكرة الإرادة الحرة وحق الاختلاف من معناها. كما أعطت للسلطة وحدها ممارسة الإجبار بوصفه حقا، بينما جعلت من الاختلاف معها ومعارضتها خروجا على الإيمان ومروقا على الدين! مما أدى إلى جعل الإسلام والقهر السياسي للسلطة تجاه الأفراد والجماعات والأمة شيئا واحدا.

 

 

mutham aljanabi2إن المرحلة التي صنعت شخصية أبي بكر وصنعها كانت مرحلة تأسيسية كبرى في تاريخ الدولة العربية الإسلامية وإمبراطوريتها الثقافية اللاحقة. من هنا تموجه في عنفوان التاريخ السياسي والروح المعنوي للأمة. وذلك بسبب ارتباط ظهوره التاريخي المستقل ببداية الدولة. فالبداية التأسيسية هي الأعقد في تاريخ الدولة. من هنا دورها الفعال في الوعي والنماذج المثلى. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن شخصية أبي بكر هي الأولى في صيرورة الخلافة. ومن ثم هي التي أعطت لفكرة الخلافة أبعادها المتميزة من جهة، وجعلت منه أنموذجا عمليا مقبولا كليا أو مرفوضا كليا من جهة أخرى. وهي الحالة التي يمكن اختزالها فيما أسميته بنهاية الوحي وبداية الخلافة. وذلك لأنها كانت تحتمل في أعماقها مختلف البدائل. وإذا كانت خلافة الراشدين هي صيغتها الأولى، فإن تحولها اللاحق إلى ملوكية جعل منها أنموذجا خاصا ومتميزا في فكرة الدولة. غير أن ذلك لم يلغ إمكانية البدائل الأخرى، كما مثلتها تقاليد التشيع وفكرتها عن الوصاية، بوصفها إحدى الصيغ "المقدسة" لفكرة الملوكية نفسها. لكنها ظلت احتمالا نموذجيا، يمكن العثور عليه في منظومات الفكر الفلسفي واللاهوتي والسياسي اللاحق.

وحالما أصبح أبو بكر "خليفة رسول الله"، فإنه لم يعد شخصا بقدر ما أصبح فكرة. وهو تحول يتطابق من الناحية التاريخية والشخصية مع أبو بكر الصديق. كما أنها العملية التي جرى رفعها لاحقا إلى مرتبة الأولية في تاريخ الإسلام والدولة، أي الدين والدنيا. وذلك بسبب طبيعة العلاقة الداخلية بين البداية والمبدأ. فحالما تصبح البداية مقبولة ومعقولة بمعايير التاريخ والثقافة، آنذاك يصبح من السهل تحولها إلى مبدأ، كما نعثر عليه في تحول الخليفة إلى خلافة، وأبو بكر إلى أنموذج أولي للراشدين. وذلك لأن شخصيات البداية هي شخوص التاريخ في الأفراد وتأثيرهم في الروح. وليس مصادفة أن يصبح أبو بكر تشخيصا لفكرة الخلافة الرشيدة وشخصنة مثالية لها في العمل.

ورافق هذه الظاهرة وترافق معها تحول الوحي إلى مصدر للاستلهام العملي المباشر. مع ما ترتب عليه من تحوير عميق في الرؤية السياسية والممارسة العملية، التي جعلت من التأويل ضرورة علمية وعملية (نظرية وأخلاقية) في الموقف من كل شيء. وهو تحول نراه أيضا في المواقف الأولى لأبي بكر حالما اشتدت بوادر الصراع حول السلطة، كما هو جلي في تأويله للآيات القرآنية أو تطويعها السياسي من اجل التحرر من الفكرة الجزئية، والبقاء ضمن الفكرة العامة. وهي رؤية عميقة وتاريخية ودولتية وضعها في عبارته الشهيرة:"من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". وبغض النظر عن تكرر هذه الفكرة في آيات القرآن، إلا أنها تحولت بفعل المنعطف التاريخي العاصف إلى فكرة المنعطف التاريخي للدولة.

وكشف هذا الانعطاف وعبّر عن حقيقة الشخصية التاريخية والمثالية والفردية والروحية لأبي بكر. من هنا توّحد التأويل الحق وحقيقة السلطة بوصفها استخلافا لمضمون الرسالة النبوية، أي الاحتماء بالفكرة العامة الكبرى. وصنع هذا الإدراك الخلافة بوصفها فكرة الدولة وبدايتها التاريخية والروحية. وفي هذا التوّحد يكمن سرّ التأثير الواقعي والمثالي لشخصيته الفعلية. ووجد هذا التأثير تعبيره في ارتقاء الخلافة بوصفها استخلافا سياسيا، إلى فكرة ومبدأ الخلافة الراشدة، بوصفها إرشاد الروح والجسد بمعايير الحق التام. مما جعل منها نهاية الخلافة الراشدة في تاريخ الإسلام وبدايتها الروحية الحقيقية. بمعنى تكاملها الأولي في جسد الدولة، وذوبانها اللاحق في مختلف النماذج المحتملة للتأويل السياسي في الموقف من السلطة وممارساتها. وفي هذا يكمن سرّ جوهريتها بالنسبة لعلاقة المثقف بالسلطة على امتداد التاريخ العربي الإسلامي، بما في ذلك ديمومتها الحالية في ميدان الروح والمواقف الفردية.

فالصورة المثالية، المتسامية، والزاهية التي بلورتها التقاليد الإسلامية عن أبي بكر تبقى جزء من معترك المدارس والفرق والمذاهب. وفي جميعها تقليلا من شأنه، لأنها عادة ما تنظر إليه بمعايير الرؤية الملتهبة بدموع الورع والإيمان والتقية، أو بما يعارضها ويقف بالضد منها من معايير العين المتفحصة بالغضب للدين والحق المذهبي. وكلاهما لا يعملان في الواقع إلا على حشره في خيالهما المتعصب والضيق. وذلك لأن حقيقة أبي بكر ترتقي بمعايير التاريخ والدولة والسلطة إلى مصاف الشخصية الروحية المتسامية. ومن الممكن رؤية ملامح هذه النتيجة ومآثرها فيما آلت إليه أعماله بهذا الصدد من إرساء أسس الدولة وفكرة الخلافة.

ووجد هذا الإرساء انعكاسه المبجل في فكرة "أول الخلفاء الراشدين". ففي البداية لم يكن لهذه الأولية علاقة بالدين والمذهب والمناقب الشخصية. على العكس! إن مناقبه تستمد أغلب مكوناتها العملية والتاريخية والروحية من شخصيته. وهو أمر جلي حالما يجري المطابقة بوعي أو بدون وعي بين أنموذجه الروحي وعلاقته بالأمة، أي علاقة السلطة بالمجتمع، والفكر بالواقع، والسياسة بإدراك مهماتها الذاتية. وليس مصادفة أن يجري ربط صورته الشخصية بوصفه خليفة المسلمين الأول وأول الراشدين، بإبراز أولوية علاقته بالرعية. وقد جرى بلورة هذه العلاقة بصورة أخاذة في العبارات القائلة، بأن سياسته بالرعية كانت "بشدة من غير عنف، ولين من غير ضعف"، وأنه كان "بطيء العقوبة غير متعجل فيها إلا بقصاص واجب"، كما "كان يحذرهم من الدخول في غمار الفتن". وقد كانت هذه الصورة مجردة عن دراما التاريخ الفعلي وصراعاته العنيفة التي واجهها بفعل وحدة الأضداد المتناسقة فيه. فقد تمثلت هذه الوحدة خصوصية الخلافة الراشدة من جهة، وواقع تأسيسها السياسي من جهة أخرى. من هنا وحدة الشدة واللين، والبطء في القصاص وحتميته حال الضرورة. لاسيما وأنها المكونات الضرورية للدولة الشرعية. كما أن فكرة الشرعية تفترض القضاء على نفسية الفتنة أيا كان شكلها ومحتواها.

وقد تراكمت هذه المكونات في بناء شخصيته السياسية بعد أول محاولة جريئة لتأويل القرآن بمعايير الموقف السياسي، وتطويع التاريخ السياسي للهجرة بالشكل الذي يستجيب لمهمة هذا التأويل. وهو تراكم معروف ومشهور في تحديه للشكوك غير العقلانية بموت النبي محمد عندما واجهها بصرامة الواقع ومعناه الروحي في الآية القائلة، بأن محمدا شأنه شأن الآخرين إنسان يولد ويحيى ويموت، ويبقى الله بوصفه مطلق الوجود الدائم. واستكملها بمواجهة المتشككين من جانب الأنصار بمدى شرعية غيرهم بالخلافة في عبارة بليغة قال فيها:"نحن المهاجرون، فنحن الأمراء!". واستكملها من حيث المعنى بفكرة "لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش". وقد استمدت هذه الفكرة أسسها الروحية مما وضعه بعبارة يقول فيها:"نحن أهل الله، واقرب الناس بيتا من بيت الله".

ولم تسع هذه الأفكار للانتقاص من احد، ولا جعل المسافة بين الله والرئاسة معيارا محكوما بالبعد والقرب المكاني، بقدر ما كانت تتمثل تاريخ الانتماء الروحي وتمثله في تاريخ الأفراد والأشخاص. ولم يخضع هذا الاقتراب والتمثل للمصلحة الضيقة، بل لمصلحة الرؤية السياسية وآفاق وحدة الدين والدنيا، بوصفها الصيغة التاريخية لوحدة الدولة والمجتمع آنذاك. حيث جرى وضع هذه الصيغة في أول كتبه لمسلمي الجزيرة مستحثا إياهم للوحدة باسم التوحيد، ومن ثم القضاء على كل ارتداد عن الدين بوصفه ارتدادا عن الدولة. وقد بلور هذه الصيغة بثلاثة مبادئ عامة وهي، "إن الله أرسل محمدا بالحق لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين"، والثاني، "إن الله يهدي للحق من أجاب إليه"، وأخيرا "من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله بالمرصاد حي قيوم لا يموت ولا تأخذه سنّة ولا نوم". وقد كانت تلك بقدر واحد مبادئ روحية وعملية، لأنها كانت تجمع بين فكرة الإخلاص للمبدأ وفكرة الدولة. فالجوهري في النبي محمد يتطابق مع فكرة الحق، كما أن الحق هو سلوك تلقائي وشخصي. وبهذا المعنى فهو أمر دائم لا علاقة له بالأفراد أيا كانوا.

وحالما جرى إنزال هذه الفكرة من علياء "الحي القيوم" إلى واقع الحياة العادية، فإنها تأخذ بالانهماك الفعال تجاه كل ما له علاقة بالإنسان والدولة. ونعثر على إدراك مباشر لهذه الفكرة في العبارة التي حدد فيها موقفه بالشكل التالي:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط، ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، ولا يفتننكم عن دينكم. فعاجلوه بالذي تعجزونه ولا تستنظروه فيلحق بكم". بعبارة أخرى، إن الأمة الحقيقة هي التي تنظر إلى مشاكلها وإشكالاتها بمعايير الحق والعدل. فموت النبي لا يقدم ولا يؤخر شيئا من فكرة الحق. على العكس، إن الاهتمام بأمر من هذا القبيل هو عين النكوص صوب "الشيطان". وبالتالي فإن مهمة المستقبل تقوم في جعل الشيطان يلهث دوما في لحاقه بأمة الحق! وفيما لو جرى تحويل هذه الفكرة إلى لغة الحياة السياسية المعاصرة، فانها تعني بأن الأمة والدولة المتمسكة بفكرة الحق والشرعية تفترض العيش بمعايير ومقاييس العدل. والخروج عليها هو السقوط في هاوية الانحلال الحتمي والإغراء القاتل.

ذلك يعني أن الجوهري بالنسبة لأبي بكر هو البحث عن النسبة الضرورية بين الحق والعدل من خلال وحدة الدولة والأمة المحكومة بمقاييس الشريعة والشرعية. فالفكرة العامة تنطلق، شأن كل الأفكار الإسلامية الكبرى، من جوهرية الله بوصفه المبدأ المتسامي الأول والمعيار المطلق للأحكام العملية. من هنا قوله، حالما خاطب الجمهور الإسلامي، بأن "الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم". وهي مواثيق تحددها الشريعة كما وضعها القرآن. فهو المصدر الأكبر للنور والتنور والاستبصار. بعبارة أخرى، انه وجد في القرآن المصدر الضروري الأولي للتأويل المحكوم بفكرة الحق والعدالة. وجعل من هذه الفكرة مبدأ سياسيا أوليا في الموقف من النفس والأمة على السواء، كما نراه في عبارته الشهيرة:"أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم". وهو موقف استكمله بما يمكن دعوته ببرنامج السلوك السياسي الأخلاقي الأرفع لرجل الدول، كما في قوله:"أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة. والقوي فيكم ضعيف حتى اخذ منه الحق، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق". وحالما تتغلغل هذه المبادئ في أعمق أعماق الشخصية وتعيد إنتاجها بالشكل الذي يجعل القول والعمل فيها وعندها وحدة واحدة، فإنها تؤدي بالضرورة إلى أن تكون فكرة الطاعة والمطيع كلا واحدا. انطلاقا من أنهما كليهما ينبغي أن يحتكما إلى الشريعة (القانون) والتمسك بها. بسبب ترابط فكرة الطاعة بفكرة الحق.

وضمن هذا السياق يمكن فهم الفكرة التي وضعها في إحدى خطبه عندما قال:"من يطع الله ورسوله فقد رشد. ومن يعصهما فقد ضل ضلالاً مبينا. أوصيكم بتقوى الله والاعتصام بأمر الله الذي شرع وهداكم به، فإن جوامع هدى الإسلام بعد كلمة الإخلاص، السمع والطاعة لمن ولاه الله أمركم. فإن من يطع الله وأولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد افلح وأدى الذي عليه من الحق". ذلك يعني أن فكرة الطاعة محكومة بفكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه بدورها محكومة بفكرة الإخلاص، والإخلاص محكوم بطاعة القانون، وطاعة القانون مرتبطة بالتمسك بنموذج النبي، بوصفها سلسلة نهايتها الله. بعبارة أخرى، إن فكرة الطاعة تعمل أساسا من اجل ربط حلقات الوجود الفردي والاجتماعي والدولة في سلسلة التكامل بمنظومة الحق والحقوق. وقد طابق نفسه مع إحدى حلقات هذه السلسلة دون أن يفقد ذلك لمعانه الخاص فيها بوصفه خليفة رسول الله. لكنها خلافة لم يجر تحسسها أو إدراكها آنذاك بمعايير الهرمية، بل بمعايير القرب من مثالها والسعي لتجسيده وتحقيقه بالقدر الذي تبقى فيه النفس ونياتها عارية أمام البصر الإلهي، أو الضمير الحي. من هنا تعليقه مرة على إطراء الناس ومديحهم إياه بعبارة:"اللهم أنت اعلم مني بنفسي. اللهم اجعلني خيرا مما يظنون بي، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون". وحاول تطبيق هذه الطريقة في تعامله مع الأمة تجاه مختلف القضايا بما في ذلك قضية السلطة والاستخلاف.

فعندما استخلف عمر قال:إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن برّ وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه. وإن جار وبّدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت". وهي عبارة تشير إلى أن فكرة الاستخلاف عنده كانت جزء من الاجتهاد السياسي. ومن ثم جزء من معرفة فردية وشخصية وخاصة وحدس سوف يكشف عنه الزمن. لكنه حدس مرتبط بدراية شخصية محكومة بفكرة الخير للجماعة والدولة. من هنا أيضا وصيته لعمر:"إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا. وإنما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الباطل وخفّته عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا". وهي معادلة محكومة من ألفها إلى يائها بفكرة الحق. بمعنى أن الاقتراب من الحق وتحقيقه هو عين الصواب في كل شيء، كما أن الابتعاد عنه عين السقوط. بحيث جعل من حياته وموته تجسيدا وتحقيقا لهذا الاستنتاج.

فقد مات أبو بكر ولم يترك دينارا ولا درهما، وعاش زاهدا متقشفا ممتلئا بصدق الإخلاص لفكرة الحق والدولة الشرعية. وفي هذا يكمن المضمون الفعلي لفكرته عن الرشاد في إدارة شئون الأمة والدولة، والنموذج الأولي الذي تركه لمن خلفه.

***

 

ميثم الجنابي

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

mutham aljanabi2إن تحول "خلافة الراشدين" إلى فكرة روحية، وأنموذج عملي أعلى، ومثال أخلاقي تام، ومعيار سياسي مطلق، يشير إلى جوهريتها المتسامية في الذاكرة الإسلامية ومكونات وعيها النظري والعملي. بمعنى خروجها على ما هو معتاد ومألوف في تاريخ الدولة والسياسة. وهي رؤية وجدانية ومجردة عن حيثيات التاريخ الفعلي. من هنا مرجعيتها وسموها اللذين لا يخلوان من أوهام التاريخ وكسل الوعي الإيماني. لاسيما وأنه وعي لا مكان فيه لمعايير الرؤية النقدية. وحالما يجري رفع هذه الصورة والمعيار إلى مصاف المرجعية المقدسة، فإنهما يصبحان جزء من معتقدات الإيمان، وقواعد العقائد، وحجج العقل التقليدي. مع ما فيها من حالة متناقضة من حيث أسسها التاريخية ومجراها الفعلي وتأثيرها الواقعي.

فقد كانت بداية "خلافة الراشدين" فعلا تاريخيا، ارتبط بكيفية حسم الصراع الأولي لصالح المهاجرين في شخصية أبي بكر الصديق. وقد كان هذا أساسها. أما في مجراها فقد كانت عملية سياسية مرت بثلاث مراحل أو منعطفات كبرى، الأولى وهي المرحلة التأسيسية التي مثلها أبو بكر وعمر بن الخطاب، بوصفها بداية الدولة. والثانية هي المرحلة السياسية التي مثلّها عثمان بن عفان، بوصفها بداية السلطة. والثالثة هي المرحلة التاريخية التي مثلها علي بن أبي طالب، بوصفها بداية الدولة السياسية، أي بداية الحضارة الإسلامية وصيرورة مكوناتها الثقافية ومرجعياتها الكبرى. وهي تحولات كبرى حددت بدورها طبيعة العلاقة بين السلطة والمثقف.

وشأن كل بداية كبرى، فإنها عادة ما تختزل الصراع بصورة حادة وسريعة وسهلة. وليس مصادفة أن تبتدع الثقافة الإسلامية لاحقا عبارة "لقد كانت خلافة أبو بكر فلتة". وبغضّ النظر عن الإمكانيات المتنوعة في تأويلها، لكنها تصب في المجرى العام لما يمكن دعوته بالبداية الصعبة. أنها شأن كل ولادة أولى تحتوي بالضرورة على وحدة الإغراء والألم. وفي هذا يكمن سرّ بريقها الباهر في الوعي التاريخي والعقائدي على السواء.

فمن الناحية التاريخية كانت خلافة أبي بكر بداية الدولة، ومن ثم انتهاء الوحي. وهو الأمر الذي جعل من الاجتهاد السياسي بداية الاستقلال الفعلي في تاريخ الأمة بوصفها كينونة جديدة. وهو تحول أعطى للشخصية السياسية أبعادا روحية، كما جعل من الروح أداة التنسيق الدائم للأفعال من خلال رفعها إلى مصاف الصورة المتسامية والمرجعية العملية، كما نعثر عليها في الصيغة المباشرة التي جعلت من تسلسل الأشخاص في الخلافة تسلسلا في الفضائل المجردة والشخصية. وعادة ما تغري هذه الرؤية الوعي الديني والتقليدي، لكنها لا تشفي غليله. ومع كل احتجاج فكري وواقعي عليها تستثار فيه حمية التوكيد و"البرهنة" والبحث عما يمكن توظيفه في سلسلة العقائد.

وهي الصورة التي نعثر عليها فيما يسمى بالمواقف السنّية من شخصية أبي بكر. فجميعها يجمع على أمور عامة مثل كونه أول الخلفاء الراشدين، وأول من آمن بالنبي محمد من الرجال، وأنه من الصحابة الذين رافقوا محمدا منذ بداية الدعوة، وأنه أول من اسلم من أهل قريش، وأنه والد عائشة زوجة الرسول، وأم المؤمنين. وسمي بالصديق لأنه صدّق النبي في خبر الإسراء، وقيل لأنه كان يصدّق النبي في كل خبر يأتيه من السماء. كان يدعى بالعتيق، لأن النبي قال له:"يا أبا بكر أنت عتيق الله من النار". وقيل لُقّب بـكلمة عتيق لأنه كان جميلا. وقيل كانت أمه لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت، فقالت:اللهم إن هذا عتيقك من الموت، فهبه لي! كان سيدا من سادات قريش، وممن حرّموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية. شهد حروب النبي واحتمل الشدائد وبذل الأموال. وكان رفيق النبي في هجرته إلى المدينة. وثاني اثنين في الغار. وكان ممن يفتي على عهد النبي. كما أنه الذي حمل الراية يوم تبوك. وإليه عهد النبي بالناس حين اشتد به المرض. وأنه احد العشرة المبشرين بالجنة. بويع بالخلافة يوم وفاة النبي سنة 11 للهجرة. حارب المرتدين والممتنعين عن أداء الزكاة، وأقام دعائم الإسلام. افتتحت في أيامه بلاد الشام وقسم كبير من العراق. توفي ليلة الثلاثاء لثمان خلون من جمادي الآخرة، بعد أن بلغ من العمر ثلاث وستين سنة، وكانت مدة خلافته سنتان وثلاثة أشهر ونصف[1].

هذه هي الصورة الواقعية والتاريخية المتسامية، أي المجردة من كل حيثيات الحياة البشرية، والتي يمكن رؤية أنموذجها "الروحي" في تصوير أبي نعيم الأصفهاني عندما قال عنه:"أبو بكر الصديق، السابق إلى التصديق، الملقب بالعتيق، المؤيد من الله بالتوفيق، صاحب النبي في الحضر والأسفار، الشفيق في جميع الأطوار، وضجيعه بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار، المخصوص في الذكر الحكيم بمفخر فاق به كافة الأخيار وعامة الأبرار، وبقى له شرفه على كرور الاعصار، ولم يسم إلى ذروته همم أولي الأيد والأبصار"[2]. وهي صورة روحية مصاغة بمعايير الرؤية الصوفية. ومن ثم لا إلزام فيها لغير رفعة المعنى القائم في فكرة الأولياء، إي في سلسلة الروح الإسلامي الممثلة في شخصياته الكبرى. وهي صورة لا إلزام سياسي أو عقائدي فيها على عكس ما هو مميز للتقاليد السنّية المتأخرة التي حاولت أن تجعل من تصوراتها عن فضائله مناقب عقائدية. وليس مصادفة أن نعثر في نماذجها المختلفة على اشتراك دائم لبعض منها، هو "الحد الأدنى" الذي يجعل منه "أولا" في كل شيء بعد النبي محمد! بحيث توصلوا في نهاية المطاف إلى جعل ذروة مناقبه كونه أول الخلفاء الراشدين، ومن ثم فهو أفضل هذه الأمة بعد نبيها، وخلافته منصوص عليها، وقد أُمر النبي بالاقتداء به، لأنه من أحب الناس إليه بحيث اتخذه أخـا له، وذلك لأن الله زكـاه، بل أنه يدعى من أبواب الجنة كلها![3]

تعكس هذه الصورة المرّكبة تداخل التاريخ والعقائد، لأنها تحتوي على قدر واحدة من الواقعية والمزاج المذهبي. ومن ثم فهي الحصيلة المتراكمة في الوعي التاريخي الإسلامي عن دوره الهائل بالنسبة للإسلام من جهة، وعن ضرورة تحصينه من هجوم التيارات التي وجدت في سلوكه السياسي من اجل الاستحواذ على السلطة خروجا على "الوصية النبوية". وفي كلاهما إفراط وتفريط منبعه نمطية الوعي الديني العقائدي. ولكن حالما نضع صيرورته الشخصية ضمن سياقها التاريخي، فإنه يأخذ بتمثيل الوحدة المغرية بين تفاعل القيم النموذجية وتحقيقها الفعلي في شخصيته الواقعية. وهو تفاعل وجد تعبيره في حصوله الأولي على تسمية الصدّيق. وسواء ارتبط ذلك بتصديقه منذ اللقاء الأول بالدعوة الجديدة لمحمد وغايتها المعلنة، أو بيقينه الجازم بأن كل ما يقوله محمد هو صدق، وبالأخص مع فوران الشك العربي الجاهلي بإمكانية الإسراء والمعراج، فإن تفاعل هذه القيم والمواقف في اسمه وسلوكه الشخصي على امتداد الدعوة الإسلامية يكشف عن شخصية متماسكة يرتقي فكرها وتفكيرها إلى مستوى الإيمان، وإيمانها إلى مستوى الفكر والتفكير. بمعنى غياب التجزئة المحتملة في قلوب الشخصيات الكبرى حالما تنتقل من حالة لأخرى، كما هو الحال بالنسبة لعمر بن الخطاب أو معاوية بن أبي سفيان، أي تلك الشخصيات التي لعبت دورا هائلا في بناء أشكال الدولة، بحيث أصبح كل منهما مثالا فاعلا في الوعي الثقافي والصيرورة التاريخية للحضارة الإسلامية.

فقد جسّد أبو بكر في شخصيته وسلوكه العملي أنموذجا فريدا طبع من حيث الجوهر فكرة الخلافة بوصفها استخلافا لحقيقة الفكرة النبوية. وحقق عبر تفعيل القيم بذاته احد النماذج الراقية في إخلاصها الحي للعقيدة الجديدة، سواء في سلوكه الشخصي أو في مواقفه من السلطة والدولة والقيم والمبادئ العليا كما وضعها الإسلام المحمدي. وبهذا المعنى يكون قد جسّد من الناحية التاريخية ما يمكن دعوته بنهاية الوحي وبداية الخلافة. ومن هذه الوحدة الجديدة للنهاية والبداية ظهرت للمرة الأولى مقدمات الدراما التاريخية للتأويل والسلطة، أو الأيديولوجية والممارسة العملية.

فالسلطة عروة الأفراح ومأتم الأتراح. وفيها ومنها تفوح كل الروائح الممكنة للنفس والجسد. الأمر الذي نعثر عليه في حصيلة الأفراح المرافقة للأمة الناشئة والأتراح المواكبة لأعدائها من "مرتدة" وقوى خارجية، وعبير الرائحة الزكية في عرف الثقافة وتقاليد الإسلام الدينية والدنيوية. وليس مصادفة أيضا أن يصبح محور الخلاف السياسي العريق للفرق الإسلامية، وبالأخص بين تيارات السنّة والشيعة. وهو خلاف سياسي من حيث الجوهر ارتقى و"تسامي" إلى مصاف الرؤية العقائدية والدينية. مما افسد مضمونه، لكنه أبقى على أبعاد الرؤية السياسية، التي كانت منذ البدء الفاعل والحافز الجوهري في الاختلاف بوصفه اجتهادا ملازما لفكرة الدولة والسلطة. ومن الممكن رؤية هذه الحوافز ردّ فعله وسلوكه التي يصورها ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) بعبارة تقول:"أتى الخبر إلى أبي بكر ففزع أشد الفزع وقام معه عمر فخرجا مسرعين إلى السقيفة"[4]. وينمّ هذا السلوك عن رؤية سياسية تدرك أهمية السلطة، ظل يلازم شخصيته حتى مماتها. إذ نعثر عليه في أهم سؤالين من بين ثلاثة أسئلة أراد توجيهها للنبي محمد، وفي أمرين ندم عليهما قبيل موته من بين ثلاثة لهما علاقة بقضايا السلطة. فمن بين الأسئلة الثلاثة التي أسف على عدم استفساره عنها من النبي محمد قبل موته هي: "لمن هذا الأمر من بعده"، و"هل للأنصار فيها من حق". أما الأمور الثلاثة التي ندم على فعلها فاثنين منها وردت على لسانه بالشكل التالي:"ليتني تركت بيت علي، وإن كان أعلن عليّ الحرب"، و"ليتني يوم سقيفة بني ساعدة كنت ضربت على يدي احد الرجلين"، ويقصد بذلك تأييده لأبي عبيدة أو عمر بن الخطاب باستلام الخلافة[5].

غير أن للتاريخ مساره الخاص وحكمه المناسب في جعل شخصية أبي بكر نموذجا أوليا للخلافة السياسية. ومن ثم بداية الدولة. أما حكمه عليه فيقوم في مأثرته الهائلة التي استطاع أن ينجزها في غضون سنتين وثلاثة أشهر هي مدة خلافته أو رئاسته للسلطة السياسية الجديدة، بوصفها أحدى أهم المراحل العاصفة والهائلة والعصيبة والتأسيسية في فكرة الدولة وتاريخها. وقد أنجزها بنجاح باهر. إذ استطاع القضاء على الخلافات الداخلية وقطع دابر الارتداد الديني، بوصفه الأسلوب المناسب لتوحيد الدولة. ومن ثم توجيه القوى الداخلية المتراكمة وعنفوانها الصاعد صوب تحقيق الحلم المغري للإمبراطورية الإسلامية الجديدة، التي صنعت أيضا وحدة التاريخ والروح في شخصيته المثالية. مع أنها كانت تتسم من الناحية الفعلية بتعقيد كبير، كما أنها لا تخلو من طابع درامي هائل. وليست الأمور الثلاثة التي ندم عليها قبل موته سوى مؤشر على مستوى الملازمة النفسية لإشكاليات السياسة والسلطة والدولة في أخلاقه الباطنية والفردية. ومن الممكن العثور على طبيعة وقسوة هذا الصراع الخفي والعلني أيضا في العبارة والخطابة التي وجدت انعكاسها "الأدبي" فيما استجمع لاحقا تحت عنوان "بلاغات النساء". حيث ينقل لنا احمد بن طاهر البغدادي عبارة عائشة في الدفاع عن أبيها تقول فيها:"ذاك والله حصن منيف، وظل مديد، وفيء قريش ناشئا وكهفها كهلا"[6]. بينما ردت عليها فاطمة بنت النبي محمد في مواجهة سلوكه السياسي بسحب ارثها، قائلة "أأبتز ارث أبي، وفي الكتاب أن ترث أباك ولم أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا، فدونكها مخطوطة مرحولة تلقاك يوم حشرك"[7]. وهي صورة تتمثل في الواقع دور وموقع الشخصيات التاريخية الكبرى، بسبب هول المرحلة وضخامة مهماتها التي تفرز أيضا ظاهرة استصغار الكبار وتكبيرّ الصغار.

***

 

  ا. د. ميثم الجنابي

.............................

 [1] ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج3، ص205.

[2] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص28.

[3] ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج3، ص64. 

[4] ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص9

[5] ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص 28-29.

[6] احمد بن طاهر البغدادي: بلاغات النساء، ص3.

[7] احمد بن طاهر البغدادي: بلاغات النساء، ص14

 

 

William E. Barton, The Samaritan Pentateuch: The Story of a Survival among the Sects. Bibliotheca Sacra, October, 60 haseeb shahada(1903), 601-632.

ارتأيت أن أُشير إلى النقاط والأمور الهامّة في تقديري، التي وردت في هذا المقال، خدمة للمهتمّين بالشأن السامري من القرّاء العرب عامّة والسامريين خاصّة وقد أضفت ملاحظاتي وتعليقاتي باختصار بين قوسين (). نُشر هذا المقال في منابرَ أخرى وينظر في الكاتالوج :

Alan David Crown, Reinhard Pummer, A Bibliography of the Samaritans.Third Edition: Revised, Expanded and Annotated. ATLA Bibliography, No. 51. The Scarecrow Press, Inc. Kanham, Maryland. Toronto. Oxford 2005, p. 37.

كما نشر في الموقع الإلكتروني الأمريكي المعروف عن الدراسات السامرية: www.theSamaritanUpdate.com, 2011.

The Samaritan Pentateuch: The Story of a Survival Among the Sects, Oberlin Ohio: The Bibliotheca Sacra Company, 1903 

http://shomron0.tripod.com/articles/biblioupdate2014.pdf

في الصفحة الأولى يُثبت المؤلّف بارتون صورة صفحة من مخطوط قديم للتوراة السامرية بالحروف السامرية، ٢٩ سطرًا من سفر العدد ٢٧: ١٩ לפני כל העדה וצוית אתו / לעיניהם ונתתה מהודך / עליו ולמען ישמעון وحتى ٢٨: ٤ את הכבש האחד תעשה בבקר ואת הכבש השני בין הערבים (هنالك شبه بالنص اليهودي). وفي الصفحة التالية صورة فوتغرافية كُتب تحتها بالحرفين العربي والسامري: يعقوب بن هرون الكاهن الأوّل بنابلس. في أعلى الصفحة الثالثة يعرِض بارتون صورة لرسالة قصيرة بالعربية كان الكاهن المذكور قد أرسلها له في ٢٥ نيسان ١٩٠٣ (نشرتُها مشفوعة ببعض التوضيح وبترجمة إلى العبرية والإنجليزية بعنوان: رسالة يعقوب هرون الكاهن الأوّل لبارتون).

يحاول القسّ الدكتور وليم إدوارد بارتون (١٨٦٨- ١٩٥٥) في هذا المقال عرض وضع السامريين ومساهمة توراتهم في معرفة العهد القديم. كان بارتون قد اهتمّ بدَرْج التوراة السامرية المقدّسة بنابلس عدّة سنين قبل زيارته لفلسطين عام ١٩٠٢. يُعتقد أنّ هذا الدَّرْج المخطوط هو الأقدم في العالم. الكهنة لا يعرضونه حتّى لأبناء الطائفة إلا مرّة واحدة في السنة في عيد الغفران. صديق بارتون الثري الأمريكي  E. K. Warren (١٨٤٧-١٩١٩)، رئيس مدرسة الأحد العالمية، كان قد زار فلسطين عام ١٩٠١ وشاهد الدَّرْج القديم. وقد زوّد وارين صديقه بارتون بتوصية موجّهة للكاهن الأكبر. وهكذا دخل بارتون عالم السامريين وحياتهم. شهدت تلك الفترة نهضة بخصوص الاهتمام بنصّ التوراة السامرية في أعقاب اكتشاف توراة سامرية قديمة في دمشق نسخت ، كما ٱعتقد، عام ٧٣٥ للهجرة (١٣٣٤م.) ويقال إنّ هذا المخطوط موجود الآن في القاهرة. ويذكر بارتون أنّه سمع بأنّ الكاهن الأكبر قد سجَن أحد الكهنة الشباب بتهمة اختلاس وبيع مخطوط قديم من الكنيس. ويعتقد بعض الناس في سوريا بأنّ التوراة التي اكتشفت حديثا هي الكتاب المفقود. إذا كان هذا المخطوط أصيلًا من حيث تاريخه فإنّه سيكون عدّة قرون أقدم من أقدم مخطوط للعهد القديم في المُتحف البريطاني؛ إلا أنّه يُعتبر حديثًا إذا ما قورن بالدَّرْج المقدّس في نابلس الذي يعود وَفْق اعتقاد السامريين لحفيد هارون، أمّا الباحثون راهنًا فيذهبون إلى أنّه يعود إلى بداية المسيحية تقريبا.

إنّ الطائفة السامرية لم تكن قطّ مبعثرة على نحو واسع؛ قبل قرنين من الزمان، أي في القرن الثامن عشر، كانت هناك جاليات سامرية في دمشق والقاهرة وغزة، إلا أنّها انقرضت وبقيت لحسن الحظ الجالية الأقدم في نابلس. الاسم ”نابلس“ محرَّف من ”نيابوليس“، تقع في شكيم القديمة وهي المدينة الرئيسة في فلسطين؛ تقع في واد جميل غني بالمياه وبين الجبلين عيبال وجريزيم، بئر يعقوب؛ من أخصب أراضي فلسطين. على هذه الأرض بقيت الطائفة التي أسّسها سانبلت وصهره منشه، والتي بنت كنيسها على الجبل بعد عام ٤٣٢ ق.م. يبلغ عدد السامريين الآن  (١٩٠٣) حوالي ١٦٥ نسمة وهو ثابت. إنّهم بحاجة إلى فتيات في سنّ الزواج وهم لا يتزوّجون من خارج طائفتهم؛ هم فقراء جدّا وبالكاد يستطيعون العيش بدون ما يدفعه السيّاح.

وصل بارتون ومن معه من مرافقين نابلس، راكبين على الخيل في شهر آذار وترجّلوا سائرين في أزقّة نابلس الضيّقة إلى أن وصلوا إلى مبتغاهم، كنيس السامريين البسيط، حيث الدَّرْج المقدّس ذو القيمة النفيسة الوحيد تقريبا. عُرض عليهم هذا الدرج وبديله بشكل فاق ما كان مؤخّرا. وقف الكاهن الأكبر يعقوب بجانب الدرج، مُظهرًا إيّاه بفخر واعتزاز مهيب، وهذا الكاهن يُطلق على نفسه بخط يده بالخط السامري والعربي: يعقوب بن هرون، كاهن نابلس. إنّه رجل اجتاز قليلا منتصف العمر، أسمر، جليل، طويل القامة. قدّم بارتون ورقة التوصية التي خطّها وارين ولكن تعذّر على الموجودين التفاهم، فهؤلاء لا يعرفون العربية وأولائك لا يعرفون الإنجليزية، ولكن كتابة اسم الكاهن الأكبر بالخط السامري  فعلت فعلتها الإيجابية.

بارتون ورفاقه ملأوا الكنيس، ولم يتسنّ له فحص النسختين القديمتين بدقّة وتفصيل، ومع هذا تكوّن لديه انطباع يؤكّد وصف كوندر (Tent Life in Palestine, p. 26)  بخصوص صندوق/علبة المخطوط الأحدث المصنوع من النحاس وفيه أرابيسك فضّي رفيع؛ في حين أنّ صندوق المخطوط الأقدم مصنوع، على ما يبدو، من الفضّة الصلبة، المخطوط قديم جدّا، أصفر اللون، ممزّق، مرقّع مرمّم ورُبطت الأطراف بحرير أخضر. الحبر باهت جدّا يميل إلى اللون الأرجواني في حين أنّ لون الحبر في جميع المخطوطات الأخرى أسود (Deutsch Remains, p. 407)  الخطّ صغير وغير عادي، السطور متباعدة.

يعتقد السامريون بأنّ أقدم مخطوطاتهم التي كانت مصدرًا لمخطوطات أخرى، نسخها أبيشع بن إلعزار بن أهرون، ١٢ سنة (عادة يذكر السامريون ١٣ سنة) بعد عبور الأردن الأوّل، ويصرّحون أنّ فيها تشقيلا ذُكر فيه اسم الكاتب وتاريخ الكتابة. ومع هذا، يُعتبر هذا المخطوط أقدم بقرون  كثيرة من أيّ  مخطوط لأيّ قسم من الكتاب المقدّس. يعتبر هذا المخطوط  الأهمّ والأعزّ عند السامريين، ويظن بارتون أن المخطوط قد يعود إلى القرن الثامن للميلاد. المخطوط مكتوب على جلد الخِراف الخارجي، الخراف التي قُدّمت في عيد الفسح وعددها في تقدير كوندر وآخرين حوالي عشرين خروفًا، وهذا تخمين لا غير. عرض الرقّ حوالي  ١٦ إنشًا (الإنش يساوي ٢،٥٤سم) وطولها مائة قدم (القدم يساوي ٤٨، ٣٠ سم) على الأقلّ.

مجموعة بارتون ابتاعت الكثير من المخطوطات، منها نُسخ عن المخطوط القديم. أمّا بارتون فقد استطاع بعد مفاوضات طويلة مع ابن الكاهن الأكبر يعقوب بن هارون (المقصود أبو الحسن، أب حِسده، ١٨٧٩-١٩٥٥) الذي عرف بعض الكلمات بالإنجليزية، أن يشتري دَرْج السفر الأول بعد أن خبّأه ابن الكاهن في مِعطفه وسلّمه بعد ذلك للمشتري بعد أن ابتعدا عن منطقة الكنيس، وفي اليوم التالي اشترى بارتون من كاهن آخر دَرْجًا بسعر أقلّ ممّا طلب منه في اليوم السابق. كما اشترى بارتون مجلّدًا صغيرًا يضمّ قصّة يوسف وورقة من مخطوط قديم تحتوي على سفر العدد ٢٦: ١٩-٢٧: ١٥ (هكذا وليس ٢٧: ١٩-٢٨: ٤ كما جاء أعلاه في البداية) بخطّ جميل جدًّا وقُصاصة رَقّ كُتب عليها آيات التكوين ٢٦: ٢٠-٢٢، بخطّ قديم من جهة، وعلى الجهة الأخرى كتابة حديثة. ويظنّ بارتون أن هذه القُصاصة قد تكون مقتطعة من الدَّرْج المقدّس نفسه لقدمها، وللونها، عدم انتظام أسطرها وحبرها الأرجواني. يقول بارتون إنّ الادّعاء بأنّ السامريين لا يبيعون مخطوطاتِهم هو أمر مزعوم كلية تقريبا. كانت هناك أوقات تعذّر فيها ابتياع نسخة من توراتهم مهما كان المبلغ المعروض، مثال على ذلك محاولات الدكتور روبنسون (في منتصف القرن التاسع عشر، أنظر : ٍResearches/أبحاث، مج. ٢، ص. ٢٨١-٢٨٢، ١٨٣٨م؛ مج. ٣ ص. ١٣٠، ١٨٥٢م) لشراء نسخة وقد باءت بالفشل. في زمن بارتون اختلفت الحالة وأصبح السامريون مستعدّين لبيع مخطوطاتهم الحديثة أو تحضيرها عند الطلب. ويذكر بارتون بأن الدرج الذي اشتراه كامل صحّح ونقِّح وعرضه كعرض الدَّرْج القديم ونسخه كهنة في كنيس نابلس، وقارنوه بمخطوطاتهم القديمة واستعمل في الكنيس، بعكس ما في المكتبات الأوروبية من مخطوطات كهذه غير كاملة في كثير من الحالات (قارن قائمة Kennicott حول المخطوطات السامرية في أوروبا).

بعد عودة بارتون إلى بلاده، أمريكا، وبمساعدة صديقه القسّ الدكتور فرانك هـ. فوستر (Frank H. Foster) الذي قضى معه في زيارته لفلسطين بضعة أسابيع، اتّضح له أن دَرْج سفر التكوين الذي اقتناه في نابلس غير كامل وأتمّ الأصحاحات الناقصة الكاهن الأكبر بعد مراسلات أجراها بارتون مع الكاهن عن طريق الدكتور رايت في مستشفى الجمعية الإرسالية الكنسية في نابلس. ويذكر بارتون بأنّه قد تحصّل على سفر الخروج في أربعة مجلدات صغيرة ويسعى لشراء مخطوطات أخرى من خلال أصدقاء آخرين لأن الدكتور رايت قد أُستدعي للعودة إلى إنجلترا.

يعبّر بارتون عن سعادته في إيصال تحيّات الرئيس الراهن لهذه الطائفة القديمة لقرّاء مقاله هذا، تلك الطائفة التي حافظت على الاحتفال بعيد الفسح وشعائر أخرى من أسفار العهد القديم بدون انقطاع تقريبًا على مدى ثلاثة وعشرين قرنًا من الزمان. يحجّ السامريون إلى جبلهم المقدّس، جريزيم جنوبي نابلس ثلاث مرّات في السنة، في الأعياد: الخبز غير الخامر (عيد الفسح)، الأسابيع والعُرش. السامريون موحِّدون بحزم وينتظرون المسيح الذي سيأتي بعد قرن بقليل، عندما يكون عمر العاَلم بحسب حسابهم ستّة آلاف سنة (حساب السامريين المدعر بحساب الحق يبدأ بدخول بني إسرائيل الأرض المقدسة، عام ٢٠١٧ هو عام ٣٦٥٥ لدى السامريين)؛ وفي اعتقادهم سيكون المسيح (لاحظ عدم ذكر الاسم تاهب وهو اسم المسيح لدى السامريين ويعني العائد ويلفظ تائب) مثل موسى إلا أنّه لن يكون أعظم منه.

الديانة السامرية ذات نظام عبادة مستقل منذ العام ٤٣٢ ق.م. ويعود أصلها إلى معارضة محاولة نحميا لفصل الكهنة الذين تزوّجوا من نساء أجنبيات. ومن أولئك الكهنة منشه صهر سنبلّت حاكم نابلس، أُسّس الإيمان هناك وما زال حتّى الآن. عندهم عبادة الله، يهوه (من المعروف أنّ السامريين يسمّونه شيما أي الاسم ولا يلفظون هذه الكلمة أبدًا كما يقول اليهود أدوناي أي سيّدي) على أساس أسفار التوراة الخمسة فقط (ومن المعروف أن هناك قرابة الستّة آلاف فرق بين هذه التوراة والتوراة اليهودية) ويدّعون أنّ جبل جريزيم سبق القدس وهو مكان العبادة الشرعي (يذكر أنّ السامريين في دفاعهم عن مكانهم المقدّس، جبل جريزيم وهو أحد أركان ديانتهم الخمسة قد جاء ذكره مراتٍ عديدة في التوراة ولا ذكر فيها للقدس). القدس قد احتلّت واحتلّت وتبدّلت ديانتها من اليهودية إلى المسيحية إلى المحمدية، إلا أنّ إيمان مؤسّسي الديانة السامرية مستمرّ بدون تغيير المكان أو تغيير جوهري في الشكل.

للسامريين مدرسة في كنيسهم في المدينة نابلس؛ ويسرّون عند حصولهم على فرانك واحد عادة من كل سائح، مقابل رؤية مفترضة لمخطوطهم القديم. علاقة السامريين بالمبشّرين ودّية، ولا يرى بارتون أيّ سبب في الشكّ في إخلاص نواياهم حيال المسيحيين. وكان الكاهن الأكبر يعقوب بن هرون قد أعدّ لبارتون قائمة بأسماء الكتب التي بحوزة السامريين، وهي هامّة في مساهمتها في إعداد ببليوغرافيا حول الديانة السامرية. هذه القائمة كان البروفيسور ج. ر. جيويت (J. R. Jewett) من جامعة شيكاغو،  قد ترجمها لبارتون إلى الإنجليزية. قارن بارتون قائمته هذه بقائمة بروفيسور پيك (Pick) الموجودة في McClintock and Strong ومقالاته هناك وفي المجلة Bibliotheca Sacra تعتبر أكثر الأعمال قيمة بالإنجليزية عن هذه المواضيع. أضاف بارتون على ترجمة جيويت ملاحظات قليلة  بناء على المقارنة. تحتوي كلّ قائمة على عناوين غير موجودة في الأخرى، البروفيسور ميلتون س. تيري (Milton S. Terry) قد أبدى ملاحظاته. (موضوع القوائم بالكتب التي بحوزة السامريين، لا سيّما الكهنة منهم، بحاجة لبحث منفرد للتعرف على ما استجدّ أو طرأ على هذه المكتبة للتراث السامري لا سيما باللغة العربية. لديّ قائمة كهذه بخط صديقي المرحوم عبد المعين صدقة الكاهن الأكبر، ١٩٢٧-٢٠١٠، يعود تاريخها إلى سبعينات القرن الماضي وتضمّ أسماء ٥٨ كتابا وهي مقسمة إلى أربعة أعمدة: الرقم، اسم الكتاب، المؤلف وملاحظة).

١) دَرْج التوراة، أسفار موسى الخمسة.

٢) كتاب الميمار، المعروف بميمار مرقه، يضمّ علومًا روحية تتطرّق لشؤون قيّمة في التوراة المقدّسة. هذا المؤلّف قديم، يعود إلى أكثرَ من قرنين من الزمان بعد المسيح كما ورد في شرح التوليدة؛ مرقه كان أكثر علماء السامريين علما؛ الكتاب كامل ويضمّ  ٦٦٣ صفحة؛ ترجم للعربية مع النص ّ  بالآرامية السامرية ومفسّر بالعربية. ملحوظة: بروفيسور پيك يذكر التاريخ ٥٠ ق.م.، تفاسير على أقسام من التوراة (بروفيسور زئيڤ بن حاييم، ١٩٠٧-٢٠١٣، أصدر هذا الميمار بطبعة علمية وترجمه للعبرية وأضاف شروحا في الهوامش، תיבת מרקה והיא אסופת מדרשים שומרוניים יוצאת לאור, מקור, תרגום ופירוש. ירושלים: האקדמיה הלאומית הישראלית למדעים, תשמ’’ח, 411 עמ’).

٣) كتاب الطباخ، ٣٠٠ صفحة، أي كتاب التضحية بقلم الشيخ أبي الحسن الصوري؛ عربية قديمة وأمثلة بالعبرية؛ فيه تعليمات قيّمة بخصوص شؤون دينية سامرية وحلّ الشُّبُهات والتفريق بين المسموح والممنوع (أنظر المخطوط التالي).

٤) كتاب الكافي، ٢٧٠ صفحة بالعربية والأمثلة بالعبرية بالخط السامري،  بقلم الشيخ يوسف العَسكري، قديم، حول تعليمات واستفسارات دينية. ملحوظة: پيك يقدّر تاريخ الكتاب بـ ٧٠٠م (مهذَّب الدين يوسف بن سلامة بن يوسف العسكري، كتاب الكافي لمن كان بالمعرفة لكتاب الله موافي وقلبه صندوق له صافي، كتب عام ١٠٤١م؛ د. درية محمد عبد العال درست هذا الكتاب مقارنة إيّاه بكتاب الطبّاخ لأبي الحسن إسحق فرج بن ماروث الصوري والد الطبيب والنحوي المعروف إبراهيم شمس الحكماء في أطروحة دكتوراتها التي قدّمتها لجامعة ليدس البريطانية عام ١٩٥٧؛ لم يصدر كتاب الكافي بعد ولكن ترجمته للإيطالية بقلم سيرجيو نويا نوسيدا ١٩٣١-٢٠٠٨ الإيطالي قد صدرت عام ١٩٧٠؛ أمّا بخصوص كتاب الطبّاخ فقد صدر نصفه الأوّل تقريبًا بطبعة علمية مشفوعًا بترجمة للألمانية في إطار أطروحة دكتوراة لچيرهارد ڤيدل، عام ١٩٨٧ بإرشاد الباحث الفذّ المرحوم رودلف ماتسوخ، ١٩١٩-١٩٩٣).

٥) شرح الفاتحة، ٢٠٠ صفحة بقلم الشيخ إبراهيم القباصي، عمره ٣٥١ سنة؛ ملحوظة: إنّه شرح البركات واللعنات في التوراة (كي أفْشِم شيما إقرا, كتب عام ١٥٤٠، هنالك عدّة تسخ لهذا المخطوط في حوزة أبناء الطائفة السامرية ولا سيّما عند الكهنة وفي مكتبة إسحاق بن تسڤي رقم ٧٠٠٨ وفي مكتبات في أوروبا مثل مجموعة جاستر في لندن، BL Or. 10864 وفي مانشسترJRUL 146 وفي المكتبة الوطنية بباريس BN Samaritains 58 إلخ. إلخ. ).

٦) كتاب رحلة القلب لمعرفة الربّ سبحانه وتعالى، ٢٠٠ صفحة. (وقع خطأ هنا في الاسم فالصحيح ”سِيَر…/הלכות הלב“ للشيخ المشهور إبراهيم بن يوسف القبّاصي الدمشقي ألّفه عام ١٥٣٢. ولدى عائلة المرحوم يعقوب بن عزّي الكاهن الأكبر في نابلس، ١٨٩٩-١٩٨٧،  نسخة من هذا المخطوط كان يعقوب بن هرون بن سلامة بن غزال الكاهن اللاوي صديق بارتون قد نسخها برسم ابنه أبي الحسن وبرسم يعقوب ابن ابنه شفيق/عزّي الذي توفي شابًّا وتمّ النسخ في ١٨ ذي القعدة من عام ١٣٢٥هـ أي ٢٣ كانون الأول من عام ١٩٠٧؛ أشكر صديقي الكاهن عزيز بن يعقوب الذي زوّدني إلكترونيا بصورة لثلاث صفحات من المخطوط المذكور في الثامن من تشرين ثان ٢٠١٧).

٧) كتاب شرح السفر الأوّل ، سفر التكوين، ٨٦٠ صفحة بقلم الشيخ مُسَلِم آل مَرْجان الدنفي (في الأصل: id-Deuafi). ملحوظة: تاريخ الشرح القرن الثامن عشر بحسب پيك الذي يقول بأن هناك شرحًا أقدم لسفر التكوين ١: ٢٧ يعود إلى القرن الثاني للميلاد (هكذا!، مسلم بن مرجان بن إسماعيل بن إبراهيم الدنفي عاش في القرن السابع عشر وهو عمّ إبراهيم العية الشهير الذي أكمل هذا التفسير).

٨) كتاب شرح السفر الثاني، سفر الخروج، ٨٠٥ صفحة، بقلم الشيخ غزال الدويك (القرن الرابع عشر، له شرح سور البركات لبلعام وبالاق وكتاب المقالة الشافية في ثبوت الدولة الثانية وقد تُرجم إلى الإنكليزية وترجمه الكاهن أبو الحسن بن يعقوب هرون ت. ١٩٥٩ إلى العبرية؛ له شرح على سفر الخروج وكتاب مفقود حول رماد البقرة، أسرته تأسلمت).

٩) تاريخ طائفتنا منذ يوم دخول السامريين الأرض المقدّسة وإلى هذا اليوم، ٨٠٧ صفحة، جمع يعقوب الكاهن الأكبر الحالي (يعقوب بن سلامة بن غزال الكاهن اللاوي ١٨٤٠-١٩١٦ وكاهن أكبر، أو كما كتب هو: الكاهن الأول.بين السنتين ١٨٧٤-١٩١٦).

١٠) كتاب التوليدة بالعبرية ١٢٠ صفحة، حوادث هامّة وتواريخها.

١١)  كتاب ذو ٣٧٠ صفحة،  فيه عشرة فصول حول طقوس الديانة السامرية، نهجهم في الصلوات في كل عيد وموعد، الزواج، الطلاق، الصوم، الطاهر والنجس، قراءات يوم الغفران، بقلم الكاهن الأكبر الحالي، أي يعقوب بن هرون بناء على طلب أحد الباحثين الأوروبيين الذي توفي قبل انتهاء الكتاب.

١٢) كتاب صلوات قديم تأليف، كما قيل، مرقه وعمران والكاهن فنحاس وبعض الصلوات مستمدّة من يهوشوع بن نون، ٣٦٠ صفحة.

١٣) شرح التوراة، أي ترجمة عربية، قسمان، بالعربية والعبرية، ٦٢٠ صفحة.

١٤) كتاب ترتيب صلوات سبت عيد الفسح (في الأصل: الخبز غير الخامر) وليلة البداية ويوم البداية أي بداية السنة وصلوات ليلة أوّل الشهر الواقعة يوم السبت، تأليف عدد من الكتّاب المعروفين، ٢٥٠ صفحة.

١٥) كتاب ترتيب الصلاة لأربعة عشر يوم موعد الفسح (في الأصل: Moed Aphsah) صباحًا ومساءً وصلوات يومي السبت فيها، ١٧٥ صفحة. ملحوظة: هذا هو عيد الخبز غير الخامر الذي يحتفل به السامريون مدّة أسبوعين والتمييز بين هذا العيد وعيد الفسح لدى السامريين أوضح مما هو عند اليهود.

١٦) كتاب ترتيب صلوات عيد الفسح بلياليه وأيّامه وترتيب صلاة سبعة أيّام الخبز غير الخامر والسبوت وكل ما يمتّ بالأضحية بصلة. غفران عيد الفسح بعامّة وبخاصّة؛ ٢٤٠ صفحة.

١٧)  كتاب ترتيب صلوات الخمسين يومًا، أي الأسابيع، وكلّ تلك الأسابيع بترتيباتها المختلفة؛ ٢٢٠ صفحة.

١٨) كتاب ترتيب صلوات يوم الأربعاء المعروف بأربعاء يوم العنصرة (الخمسين) ويوم السبت، ٣٤٠ صحة.

١٩) كتاب ترتيب صلوات الاحتفال بالصوم،  أي لقاء موسى وهارون، وصلوات ليلة ويوم رأس السنة وعشرة أيّام طلب الغفران (هسليحوت، وفي الأصل: Hassalihu) مساء وصباحًا، ٣٠٠ صفحة.

٢٠) ترتيب صلوات ليلة ويوم العيد العظيم وطقسه (حرفيا: أقوال)، ٦٥٠ صفحة.

٢١) ترتيب صلوات سبعة أيّام عيد العُرش/المظال واليوم الثامن منه وترتيب يوم السبت الواقع فيه، ٢٤٠ صفحة.

٢٢) كتاب شرح الوصايا العشر، مؤلَّف قديم بقلم أبي الحسن الصوري، ٨٠ صفحة (أنظر مثلا , 143 ,JRUL 142 في مكتبة جون رايلندس الجامعية في مانشستر).

٢٣) كتاب المسائل والخلاف بقلم الشيخ مُنجّا (في الأصل: Menja) لغة عربية فصيحة حول الديانة السامرية وجواب لليهود والجدال بين الشيخ منجّا والشيخ الفيّومي الرابّي اليهودي؛ ٢٤٠ صفحة. ملحوظة: منجا نفيس الدين (في الأصل:  Menaji Naphes el-Din) مؤلف هذا العمل المثير للجدل عاش في القرن الثاني عشر (أبو الفرج منجّا بن صدقة بن غروب شمس الحكماء، أواخر القرن الحادي عشر وبدايات الثاني عشر، اشتهر بكتابه مسايل الخلاف أو كتاب الأبحاث المختلف عليها بين السمرة واليهود، جزءان، سلك فيه طريقة السؤال والجواب، ترجمه إلى العبرية الكاهن الأكبر أبو الحسن بن يعقوب في مستهلّ القرن العشرين؛ لا يمكن وصف لغة هذا الكتاب بالفصيحة).

٢٤) كتاب عبري حديث حول ميلاد موسى وماذا حصل على يده وما ساعده مع المصريين ومديح له بقلم المرحوم الكاهن كزار (Kazar) ١٢٠صفحة (لا علم لنا بهذا الكاهن، المقصود على ما يبدو سفر מולד משה وهو بقلم إسماعيل بن بدر الرميحي، القرن السادس عشر).

٢٥) كتاب عربي حديث بقلم الشيخ إسماعيل إسراشي؟ (في الأصل: Ismial is-Rashi، غير معروف!، هل المقصود الرمحي؟) رحمه الله، ١٢٠ صفحة.

٢٦) كتاب يهوشوع وشرح عليه وكذلك قصّة بلعام وقصّة الدولة الثانية، مؤلَّف قديم، ١٥٠ صفحة. ملحوظة: عرف الباحثون هذا الكتاب منذ العام ١٥٨٤ حين الحصول على نسخة منه في القاهرة، يأتي بعد التوراة من حيث الأهمية والقيمة. (مقتطفات من هذا السفر موجودة في عدّة مخطوطات في المكتبة الروسية الوطنية في سانت بطرسبورغ، vi: 11-16, 25, 32).

٢٧) كتاب عيد طائفة إسرائيل بقلم مجموعة من الكتّاب والشيوخ، ١٥٠ صفحة.

٢٨) كتاب الفرح (في الأصل: علامة استفهام بعد الاسم) لمؤلف مجهول؛ مجموعة من موادّ متنوعة، ٢٠٠ صفحة. ملحوظة: من الممكن أن يكون هذا الكتاب سفر الزواج المذكور في بعض الببليوغرافيات التي كتبت في القرن الثاني عشر بقلم أبو البركات. (مقتطفات كثيرة من مؤلَّف بهذا الاسم محفوظة في المكتبة الروسية الوطنية في سانت بطرسبورغ مثل ix: 66, 78, 103, 10, 155, 160؛ يشار إلى أن زئيڤ ين حاييم قد نشر بعض أشعار الفرح، זאב בן חיים, פיוטים שומרוניים לשמחות. תרביץ י: ב–ד, ירושלים תרצ’’ט עמ’ 190–200, 333–374).

٢٩) كتاب قديم لمؤلف مجهول فيه مواد كثيرة، ٣٠٠ صفحة. ملحوظة: هذا الكتاب ذو عنوان غير واضح  قد يكون عرضًا تاريخيًا يبيّن كيف احترم القدماء الناموس/الشريعة بقلم الحبر (في الأصل: Elhhabr) يعقوب في القرن الثاني عشر.

٣٠) كتاب توصيات ووصايا، ٢٠٠ صفحة. ملحوظة: مؤلِّف هذا الكتاب أبو البركات من القرن الثاني عشر والذي كتب كتابا عن الزواج أيضًا، ربّما كان رقم ٢٨.

هذه المخطوطات تضاف، ينوّه بارتون إلى الستّة عشر مخطوطًا غير الكاملة الموجودة في أوروبا كما يذكر أن محاولات الحصول على مخطوطات كهذه قبله، كانت قليلة، أمّا في أمريكا فعدد المخطوطات قليل جدا. في سيمينار اللاهوت في درو (Drew Theological Seminary) كودكس قيّم حصل عليه القسّ و. سكوت واتسون ( W. Scott Watson) عام ١٨٩٢ والآن في مكتبة نيويورك العامّة (Presbyterian and Reformed Review, 1893; American Journal of Semitic Languages and Literature, Vol. xviii. p. 188-191; Hebraica 1892-1893, pp. 216-225, 1893-1894, pp. 122-156)؛ وكان واتسون قد اقتنى مخطوطًا آخر واعتقد أنّه قديم جدا (.Journal of the American Oriental Society, Vol. xx. pp. 173 et seq). وقد تمتلك كل مكتبة عامّة كبيرة وكل مكتبة لاهوتية مخطوطًا واحدا (منذ إرسال هذا المقال للطباعة علم بارتون بأنّ المُتحف البريطاني قد اشترى مؤخرًا عددًا ضخمًا من المخطوطات المرغوب بها من السامريين).

الجدير بالذكر أن السامريين يقبلون أسفار موسى فقط وعند انفصالهم عن اليهود أخذوا معهم أكثر الأسفار احترامًا وتبجيلًا في فلسطين. لم يأخذوا أيًّا من الأنبياء بالرغم من أنّ بعضهم كان من سبطهم، ولم يأخذوا سفر يهوشوع التوراتي فلهم روايتهم. التوراة بأسفارها الخمسة أو الستّة كانت كاملة أيّام نحميا ٤٤٤ ق.م. وانشقاق السامريين حصل عام ٤٣٢ ق.م. ويسأل بارتون الآخرين لماذا لم يكن للسامريين ستّة أسفار؟

إنّ لتوراة السامريين قيمة  كبيرة لدقّتها؛ وفي خلال قرون الفراق والانشقاق حافظت كل من الطائفتين اليهودية والسامرية على استقلالية توراتها بدون المقارنة بينهما، ولا توجد الآن أية نزعة للقيام بذلك. كل جانب نسخ عن نسخه، ومن الجدير جدّا بالملاحظة بأنّ الفروق بينهما طفيفة لحدّ   كبير  وغير ذات بال بصورة عامّة. تعتبر الترجمة السبعينية (Septuagint) مرجعًا نصيًّا عاليًا وبحقّ ويعود تاريخها إلى قرن أو أكثر بعد التوراة السامرية. هذه التوراة بالكاد أكثر من نقحرة لأبجدية قديمة معدّلة. الترجمة السبعينية كانت قد قورنت مرارًا بالتوراة العبرية  أما السامرية فمستقلّة وهي بالتأكيد ليست أقلّ قيمة من السبعينية.

أوريجن (Origen، لاهوتي مسيحي من آباء الكنيسة، ١٨٥-٢٥٣م، مؤلفاته كثيرة باليونانية حول مواضيع لاهوتية متشعبة، شروح، وعظ ونقد النصّ) كان يقتبس من التوراة السامرية باحترام وكان هناك آباء كنيسة آخرون فضّلوا هذه التوراة على تلك اليهودية. ولكن نقد النصّ كان قد توقّف في كنيسة القرون الوسطى عند تبنّي الترجمة اللاتينية، الڤولچاتا (Vulgate، الترجمة اللاتينية للكتاب المقدس، أواخر القرن الرابع، أصبحت المرجع الرسمي في الكنيسة الكاثوليكية خلال القرن السادس عشر، قام بمعظم الترجمة القديس جيروم). طيلة قرون من الزمان لم ير الباحثون نسخة من التوراة السامرية وبدأ التشكيك في وجود مثل هذه التوراة. في عصر الإصلاح حيت ازدهرت الترجمات فظهرت ترجمة الملك جيمس الشهيرة المعتمدة على النص الماسوريتي اليهودي فقط.

في ذلك الوقت تقريبًا ذهل الباحثون عند وصول نسخة من التوراة السامرية لباريس واحتدم الجدال في أوساط بحث الكتاب المقدّس في العصر الحديث. يُقال إنّ يوليوس كيسر سكاليچر(Julius Caesar Scaliger, 1484-1558) كان أوّل من نبّه إلى أهمية إيجاد نسخة من التوراة السامرية، في ما إذا كانت ما زالت موجودة. ثم حاول ابنه جوزيف سكاليچر(Joseph Scaliger 1540-1609) أعظم الباحثين آنذاك، والذي فاق أباه باهتمامه بنقد النصّ، الحصول على مخطوط للتوراة عن طريق مراسلة السامريين أنفسهم في القاهرة ونابلس الذين أجابوا عن أسئلة سكاليچر، وتأخّر وصول الجواب ومات قبل تسلّم الإجابات على استفساراته وأسئلته وكان ذلك قبل إتمام نصّ الملك جيمس بسنتين.

اقتراح السكاليچريْن، الأب والابن، أثمر عام ١٦١٦ بواسطة النبيل الإيطالي، پيترو دِلّا ڤَلّي (Pietro della Valle, 1586-1652)؛ أصيب بخيبة أمل في حبّه، فكّر أولا مليًا بالانتحار ولكن بدل ذلك قام برحلة إلى الأرض المقدّسة؛ مكث سنة في القسطنطينية/إسطنبول حيث حصل من السفير الفرنسي دي سانسي على تفويض/وكالة لشراء مخطوطات سامرية. واسى نفسه بتزوّج امرأة سورية مسيحية أثبتت بأنّها رفيقة جريئة ومساعدة وسافر بعيدا. حاول عبثًا اقتناء مخطوطات في القاهرة وغزة ونابلس. ولكن في دمشق تمكّن من شراء نسختين من التوراة السامرية، الأولى مدوّنة عى الرَقّ والثانية على الورق. أرسل الأولى لدي سانسي الذي بدوره أرسلها لمكتبة الأُراتْوار (Oratoire) في باريس واحتفظ بالثانية. استُخدم المخطوطان في إعداد توراة باريس متعدّدة الألسن (١٦٢٩-١٦٤٥)، الپوليچلوتا التي طُبعت بعد ذلك في پوليچلوتة لندن (١٦٥٧).

اهتمّ رئيس الأساقفة أُشير (James Ussher, 1581-2656، اشترى سبعة مخطوطات للتوراة السامرية واحدة منها بالعربية والبقية بالعبرية في عشرينات القرن السابع عشر) بالمخطوطين وبدأ بجهوده للحصول على المزيد. أحد تلك المخطوطات التي أرسلت بحرًا قد وقعت في يد قراصنة ولكن تمّ الحصول على آخر  بثمن باهظ. وفي العام ١٦٧١ زار روبرت هنتنچتون (Robert Huntington، ١٦٣٧-١٧٠١، مطران ومستشرق بريطاني، هو الذي أبلغ السامريين بوجود إخوة لهم في إنجلترا، أي خدعهم بالعربي الفصيح؛ ما جمع من مخطوطات موجود في أكسفورد وينظر في كاتالوج Alexander Nicoll, Oxford 1835) المطران لاحقًا سامريي نابلس. يبدو أن السامريين فهموا أنّه يمثّل السامريين في أوروبا فزوّدوه بنسخة من التوراة، وكتبوا رسالة لإخوتهم المزعومين في إنجلترا. توماس مارشال (Thomas Marshall، ١٦٢١-١٦٨٥ ) عميد كليّة لنكولن في أكسفورد ردّ على هذه الرسالة وخمس رسائل لاحقة وقد نشرت هذه الرسائل عام ١٦٩٩.

في العام ١٧٣٣ نشر بنيامين كنيكوت (Benjamin Kennicot, 1718-1783) أطروحة دكتوراته ”وضع/حالة النصّ العبري المطبوع للكتاب المقدّس“ وفي العام ١٧٥٩ أصدر عملًا آخر حول الموضوع ذاته وأرفق كاتالوجًا بالمخطوطات العبرية الموجودة في لندن وأكسفورد وكمبردج، وقد دافع عن النصّ السامري. وقد أثار عمله هذا خصومة وعداوة شديدة ولكنه تمخّض عن الحصول على عشرة آلاف جنيه استرليني لشراء مخطوطات عبرية، وهكذا جمع وقورن ٦١٥ مخطوطًا وطبع النصّان العبري والسامري بأعمدة متوازية في ٣٠ مجلدا. في هذا العمل الضخم استخدم ١٦ مخطوطًا سامريا غير كامل. عادة عارض البروتستانت التوراة السامرية والكاثوليك أيّدوها ولكن هذا الخلاف خمد تدريجيا. ونصّ الملك جيمس غدا شعبيا. وغدت الإحالات للتوراة السامرية نادرة أكثر.

كرّس الباحث چيزينيوس (Wilhelm Gesenius، ١٧٨٦-١٨٤٢، مستشرق وباحث ألماني لوثري، أطروحته للدكتوراة باللاتينية كانت حول أصل التوراة السامرية ) في العام ١٨١٥ عملًا مستفيضًا حول الموضوع وأظهر رجحانا عامًّا للنص الماسورتي، ومنذ ذلك الوقت كانت هناك نزعة عامّة لدى الباحثين المحافظين لرفض ذلك كلية. وكان كوپنچر (Copinger) قد أشارإلى العدد الكبير من التوافق بين النص السامري للتوراة والترجمة السبعينية والقيمة الكبيرة التي نسبها آباء الكنيسة لنصّ السامريين. ويضيف كوپنچر بأنّ في النص السامري بالتأكيد، قراءات مغايرة لما في النصّ العبري الحالي وبعضها لا شكّ ناتجة عن كونها منسوخة عن نصّ اختلف عن ذلك الذي اعتمده الماسورتيون.

هنالك تخمينات كثيرة حول أصل التوراة السامرية وتوافقها المتكرّر مع الترجمة السبعينية، ويبدو أن نظرية چيزينيوس التي أيّدها موسى ستيورت (, Biblical Repository, 1832, p. 714 Moses Stuart) هي الأكثر منطقية وقَبولا وهي القائلة بأنّ النصّين السامري والسبعيني مستمدّان من مصدر مشترك أقدم من كليهما ومختلف عن النص الماسورتي. لا يمكن ألّا يكون للنص السامري قيمة ما بالرغم من أنّه بصورة عامّة يعرِض نصًّا دونيًا واضحًا مقارنة بالنص الماسورتي، اليهودي. عندما يختلف النص السامري عن النصين اليهودي/المقبول والسبعيني فهو ربّما ذو قيمة ضئيلة. هنالك على الأقلّ ألف قراءة، معظمها عديم الأهمية، فيها تختلف الترجمة السبعينية عن النص العبري اليهودي وتتوافق مع النصّ السامري. وقد قام البروفيسور بيرنهارد پيك (Bernhard Pick، ١٨٤٢-١٩١٧، باحث وقسّيس ألماني/أمريكي لوثري، كتب عن تاريخ اليهود والقبالاه والتلمود) بتدوين الاختلافات الأساسية بين التوراتين اليهودية والسامرية في مقالات نشرت تِباعًا في  الدورية Bibliotheca Sacra (مج. ٣٣، ١٨٧٦، ص. ٢٦٤-٢٨٧، ٥٣٣-٥٥٧؛ مج. ٣٤، ١٨٧٧، ص. ٧٩-٨٧؛ مج. ٣٥، ١٨٧٨، ص، ٧٦-٩٨، ٣٠٩-٣٢٥) ، وهذا العمل حقًّا في تقدير بارتون ذو قيمة أكبر من عمل چيزينيوس. وينظر كذلك في مقاله الشامل والدقيق في McClintock and Strong.

باستثناء مواضع قليلة في الخلافات المذهبية بين التوراتين اليهودية والسامرية فإنّ النصّ السامري  مرجع جيّد تمامًا مثل الترجمة السبعينية وربّما أفضل منها بقليل إذا أُخد قِدمه بالحسبان. إذا زُعم بأنّ الكهنة السامريين كانوا أقلّ علمًا من كهنة أورشليم ولذلك كان الاهتمام بنسخ المخطوطات أقلّ فمن الممكن الردّ على ذلك بالقول من ناحية أخرى، بأنّ المخطوطات السامرية مع ذلك تمتاز بتناغم مدهش لانحصارها في مجموعات أو جاليات قليلة، وأخيرًا لواحدة فقط حيث تواتر النسخ كان أقلّ وكثرت المقارنة بنصوص لا شكّ في قِدمها. أضف إلى ذلك أنّ اهتمام اليهود الفريد بمخطوطاتهم يرجع بشكل خاصّ إلى الكتبة الماسورتيين وللسامريين على الأقلّ مخطوط واحد أقدم من الماسورتيين. وبشأن الخلافات المذهبية بين اليهود والسامريين فإنّ القيمة الراجحة تسقط ولكن في مثل تلك الحالات السؤال حولة صوابية أيّ نصّ تبقى بدون حلّ أو إثبات.

هنالك اختلافات ثانوية قليلة ما بين التوراة اليهودية والتوراة السامرية، وفيها النصّ السامري مطابق للترجمة السبعينية فهنا الصواب بالتأكيد تقريبًا إلى جانب النصّ السامري. على سبيل المثال في سفر التكوين ٤: ٨ الذي ترجم للإنجليزية ”وقاين قال لأخيه“، ولكن ماذا قال له؟ في التوراة السامرية وكذلك في الترجمة اليونانية، السبعينية قال قاين ”نمضي الى الصحراء/للبرية“ (أُنظر حسيب شحادة، الترجمة العربية لتوراة السامريين، المجلّد الأوّل: سفر التكوين وسفر الخروج، القدس: الأكاديمية الوطنية الإسرائيلية للعلوم والآداب، ١٩٨٩، ص. ١٦-١٧). والظروف تثبت على الأرجح صحّة تلك الرواية.  ولكن بدلًا من أن يخبر قاين شقيقه هابيل ما قاله له الله فإنّه يُخفي ذلك، ودعا هابيل إلى البرية حيث قتله غدرًا ومع سبق إصرار. وكذلك في سفر التكوين ٤٧: ٢١، روي بأن المصريين أتوا إلى يوسف وعرضوا عليه بيع أراضيهم وأنفسهم، وتقول الترجمات الإنجليزية عن العبرية ”وهو نقلهم إلى المدن“ ولكن النصّ السامري وكذلك الترجمة السبعينية يقولان ”والقوم استعبدهم/استخدم معه عبيدًا/فلاحين“  وهذا على الأرجح هو الصواب (أُنظر شحادة المذكور، ص. ٢٤٠-٢٤١).

ثمّة ثلاثة اختلافات ذات بعض الأهمية ما بين التوراة السامرية والتوراة اليهودية، وأحد النصّين كان قد غُيّر عمدا. الاختلاف الأوّل في سفر التكوين ٢٢: ٢ حيث أُمر إبراهيم بتقديم ولده إسحاق أضحية في أرض مورية (Moriah) ولا نعلم شيئًا عنها، ولكنّنا نعرف عن جبل موريّة حيث أقيم في ما بعد الهيكل في أورشليم ونحن نعلم عن أرض موريه (Moreh) في منطقة شكيم. إمّا أن يكون اليهود قد بدّلوا نصّهم لموريّة ليظهر أن أضحية إسحاق حدثت حيث أقيم لاحقًا الهيكل، وإمّا أنّ السامريين قد غيّروها إلى موريه لنفس السبب، أي إضفاء قدسية لمنطقتهم الخاصّة. يحيل السيّد بارتون إلى دين ستانلي (Arthur Penrhyn Stanley, 1815-1881، معروف بدين ستانلي، أكاديمي ورجل كنيسة بريطاني) الذي عالج هذه الجزئية باقتدار، وأظهر في نظر بارتون بشكل لا يقبل إعادة نظر أنّ جريزيم وليس أورشليم كان على الأرجح، المكان الذي قدّم فيه إسحاق ومكان لقائه بملكيصادق [Stanley’s Sinai and Palestine, pp. 316-319]. 

اختلاف آخر ممتع يتمثّل في إقحام فقرة تأمر بإقامة العبادة على جبل جريزيم بعد الوصايا العشر في التوراة السامرية. وقد أُكّد مرارًا بأنّه من أجل إقحام هذه الوصيّة جعل السامريون الوصايا العشر تسعًا وووضعوا هذه العاشرة. ولكن المخطوط، الكودكس، لدى بارتون لا يؤيّد هذه الرأي. الوصايا العشر موجودة في ثلاث مجموعات ، سفر الخروج ٢٠: ١-٧، ٨-١١، ١٢-١٧، بالضبط كما هو الوضع لدى المسيحيين ولكن طبعًا بدون التقسيم إلى آيات/أعداد. بعد هذا رأسًا وفي درس اليوم ذاته، جمعت من ثلاثة مواضع من سفر التثنية ٩: ٢٩؛ ٢٧: ٢ إلخ.؛ ١١: ٣٢، تظهر وصية العبادة على جبل جريزيم. ويثبت بارتون القسم التالي للوصايا ١٣ سطرًا بالرسم السامري من سفر الخروج ٢٠: ١٤أ-١٤هـ أي من והיה כי יביאך (الياء الثانية والألف أضيفا فوق الباء والكاف)  יהוה אל ארץ הכנעני … אצל אלון מורא מול שכם. (في أول السطر السادس ورد בהרגיזים/بهرچيزيم (الراء الثانية ساقطة) بهذا الشكل؛ والكلمات: והעלית עליו עלות ליהוה אהיך، ناقصة في فقرة بارتون). بعد هذه الفقرة بالرسم السامري يثبت بارتون

نقحرتها إلى الحرف العبري المربّع بالتشكيل الكامل وبترجة للإنجليزية أعدّهما لبارتون د. فوستر/ Foster.

لا ضرورة في إطالة النقاش هنا حول أيّ النصّين أصحّ. من الموثوق به اتّباع القراءة الأقصر واعتبار هذه الفقرة في التوراة السامرية بأنّها إضافة أو إقحام جيء بها من فقرات متماثلة في سفر التثنية. التساؤل يتكرّر عند التطرّق لأهمّ الاختلافات، ألا وهو مكان بناء الحجارة التذكارية التي أُمر بوضعها يهوشوع؛ أهو على جبل عيبال أم جبل جريزيم؛ أنظر سفر التثنية ٢٧: ٤. لا يمكن البتّ في هذا السؤال لصالح تفوّق النصّ اليهودي، مجموعة كاملة من المخطوطات بالعبرية تقول إنّ الحجارة أُقيمت على جبل عيبال ؛ ومن جهة أُخرى هنالك مجموعة كاملة من المخطوطات تقول على جبل جريزيم. كلا الفريقين من النسّاخ توخّيا الدقّة بصورة عامّة؛ هنا لا وجود لإمكانية خطأ أو تبديل متعمّد لإثبات نقطة ما. مثال معروف يقدّمه سفر القضاة ١٨: ٣٠ حيث بدّل النسّاخ اليهود الاسم ”موسى“ إلى ”منشه“ بإضافة حرف النون بعد الحرف الأوّل (משה > מנשה) لرغبتهم في تخليص حفيد موسى من السلوك المخزي المشين، أي أن يكون الوثني الأوّل وكذلك في الوقت ذاته إلحاق قذف مبرّر حِيال السامريين. إذا لم يحسن اليهود في إجراء مثل هذا التغيير لمنفعة تافهة فإنهه بالكاد يكونون قد أحسنوا في تغيير الفقرة في سفر التثنية  المتعلّقة بأولوية مكان العبادة.

روبرتسون سميث (Robertson Smith) والنقّاد في الوقت الراهن بصورة عامّة يتّفقون مع المحافظين في زمن كنّيكوت (١٧١٨-١٧٨٣ ،Benjamin Kennicott) لصالح الرواية اليهودية. يعتقد روبرتسون سميث في الموسوعة بريتانيكا Britannica بأن القراءة السامرية ”غير تاريخية بشكل ساطع“. والمكان المقدّس غير المسمّى في سفر التثنية لا يمكن أن يكون جبل جريزيم ويجب أن يكون أورشليم برأيه طبعًا، لأنّ سفر التثنية قد نُشر عام ٦٢١ وأورشليم كانت حقيقة واقعة. ولكن في تلك الحالة لماذا لم يكتب اليهود سفر التثنية وفق الحقائق كما كانت لدرء أي احتمال للنزاع والخصومة. وحينما اختار السامريون واحدًا من الجبلين لهيكلهم، لماذا اختاروا ذلك الذي يتطلّب تبديل نصّ التوراة الذي كان بأيديهم؟ على كل حال يرى بارتون أنّ لا أحد تمكّن من الردّ على دراسة كنّيكوت التي خلصت بالأساس إلى أنّ الحجارة التذكارية أُقيمت على جبل جريزيم كما يدّعي السامريون لأسباب منها، أنّ جبل جريزيم كان جبل البركات، ولا يعقل أن يقام المذبح على جبل اللعنة، عيبال والجبل الأوّل جميل ومثمر، أما الثاني فقاحل؛ ويوتام اختار جريزيم ليكون منبرًا لوعظه أمثاله الرمزية لأنّه كان بقعة مقدّسة من قبل؛ وجريزيم كان على الأرجح  المكان التقليدي لتقدمة إسحق؛ وسبط يهوشوع هو إفرايم والعاصمة كانت شكيم عند تكريس الحجارة التذكارية . لو وضعت الحجارة في عيبال للمذبح فمن هناك كان سيقوم بالتقدمة؟ رئوبين، جاد، آشر، زبولون، دان، نفتالي الذين كانوا على عيبال؟ الأسباط الكبيرة كانت على جبل جريزيم وهناك اللاويون المخوّلون الوحيدون لتقديم الأضاحي. من غير المعقول الافتراض بأنّ المذبح أُقيم على الجبل حيث لا أحد يستطيع استخدامه (أنظر أطروحة كنّيكوت الثانية حول النصّ العبري المطبوع، أكسفورد ١٧٥٩، ص. ٧٥-٧٦). يعتقد بارتون بأنّ الأمر بإقامة مكان مقدّس المتكرّر في كثير من الأحيان في سفر التثنية مثل ١٢: ٥-٢١؛ ١٤: ٢٣؛ ١٥: ١٩-٢٠؛ ١٦: ١١؛ ٢٦: ٢ إلخ.  أقدم بكثير من العام ٦٢١ ق.م. ولكن إذا كان لدى اليهود هذا الأمر بإقامة مكان مقدس مركزي هل قاموا بذلك؟ بالتأكيد ليس في أورشليم ولا في شيلو حيث تابوت العهد، إذا كانوا أقاموا أيّ مكان مقدّس مركزي فكان في نابلس في جريزيم والذي غيّروه بعد ذلك بمدة طويلة إلى عيبال من أجل الشرف المفترض لهيكلهم المقام بعد ذلك في أورشليم . يعتقد بارتون أنّه من المحتمل أن تكون شكيم العاصمة المنطقية في وقت الاستيطان في فلسطين، واعتبر المكان مقدّسًا لكل الأمّة. شكيم الواقعة في وسط الطريق بين دان وبئر السبع؛ بين النهر والبحر، نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسّط؛ المكان الذي توجّه إليه إبراهيم؛ المشهد التقليدي للقاء إبراهيم بملكيصادق ومكان تقديم إسحق قربانا؛ بيت يعقوب؛ قبر يوسف بعد أربعين سنة؛ كانت شكيم ملائمة بشكل رائع  لتتبوّأ منزلة العاصمة الوطنية والمكان المقدّس. وهناك بنى يهوشوع بيته؛ وهناك في البداية أدّى إلى إقرار التوراة؛ وهناك أقام التذكار والمذبح؛ وهناك دعا الأسباط لاجتماع احتفالي.

ينهي بارتون مقالته بالقول إنّ أورشليم ويهودا قد أقيمتا على حساب شكيم وإفرايم وعبء الضرائب في عهد سليمان كان ثقيلًا على الأسباط الأُخرى باستثناء يهودا، أنظر سفر الملوك الأوّل ٤: ٧-١٩. اتّسعت مملكة سليمان وازدهرت وتفكير الملك كان مقتصرًا على مملكة يهودا وفي آخر المطاف حدث الانفصال المحتوم بين يهودا وإسرائيل. وهكذا وقفت يهودا بعاصمتها الريفية إزاء مملكة إسرائيل الحقيقية والأعظم.

إذا كانت شكيم العاصمة الوطنية بما لها من تداعيات معان مقدسة وكونها عزيزة على كلّ الأسباط ومركزية لها؛ إذا كان تابوت العهد في جريزيم بدلًا من في المدينة التي احتلّها داڤيد من اليبوسيين (أورشليم) والتي بدون ماضٍ مقدّس بقدر معرفتنا؛ وإذا كان يهودا أقلّ تكبّرًا وغرورًا وتجبرًا والملوك تحيّزوا إليه أقلّ على حساب الأسباط الأخرى، كما كان ينبغي لكانت العاصمة في منطقة إفرايم؛ وإذا كان الشعب قد تركّز حول مدينة لم تبن على جبل بدون ماء بل في أخصب وادٍ في البلاد ومحاطة بجبلين فوقها للدفاع عنها، أكان سيكون هناك الاضطراب والمنافسة ومؤهلات سيّئة لرجل الدولة والسقوط  الواردة في الكتاب المقدّس؟

ماذا كان سيحصل لو ساروا وفق التوراة السامرية؟

وأخيرا وبخطّ الكاهن يعقوب بن هرون بن سلامة بن غزال الكاهن الأول، الكاهن الأوّل وبالرسم السامري في الأصل. هذا الخطّ المائل/ يشير إلى نهاية سطر وبداية آخر:

קצין. ר.ונ: / א.ב.ג.ד.ה.ו.ז.ח.ט.י / כ.ל.מ.נ.ס.ע.פ.צ.ק /.ר.ש.ת.

..............

 

حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

 

mutham aljanabi2ليس مصادفة أن تكون فكرة الحق هي الفكرة الأكثر ترددا وجوهرية في هواجس الخلفاء الراشدين وعقولهم ومواقفهم، باستثناء عثمان بن عفان. بل إن مقتله هو الوجه الآخر لفكرة الحق التي تغلغلت في وعي وضمير الأمة الناشئة، التي وجدت في سلوكه خروجا على الحق. ووجدت هذه الفكرة تعبيرها في الشعار الشهير: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق! ولم تعن هنا كلمة الخالق سوى العادل والمحق. وليس اعتباطا أن تتبلور الفكرة في صيغة مرجعية شاملة عند الإمام علي بن أبي طالب عندما قال "الرجال بالحق وليس الحق بالرجال". واختزلت هذه الصيغة مضمون الفكرة الإسلامية وتجاربها العملية الأولية في صورة هي الأعمق والأصدق والأعم في تأسيس فكرة الحق. بحيث أصبح من الممكن تحولها إلى مرجعية علمية (منهجية) وعملية. ونعثر على تراكم هذه النتيجة الأولي في مجرى الصراع العلني والمستتر الذي اخذ يظهر إلى السطح بعد موت النبي محمد.

فقد كان محور الصراع حول "من يخلف النبي" يدور حول من له "الحق" الأكبر. ويشر هذا الجدل بحد ذاته إلى أنه كان مرتبطا بتنوع الاحتمالات والتأسيس المعقول والمقبول للإقرار به. بمعنى انه لم يكن مرتبطا بفكرة العائلة والقبيلة والجهة، بل بفكرة الاقتراب من النبي وتمثل ما في الإسلام والمعاناة الشخصية والتاريخية من اجله، أي كل ما يعطي للمرء "حق" المطالبة بها. وقد كان ذلك الوجه الآخر لفكرة الحق من حيث كونه عدلا. وتغلغلت هذه الموازاة في عمق الكلمة والعبارة والفكرة والممارسة العملية، التي ميزت النماذج العليا لخلافة الراشدين. ففي وصية أبي بكر لعمر بن الخطاب يمكننا ملاحظة الترابط الداخلي العميق بين فكرة الله والنبي والخلافة وبين الحق. فهو يخاطبه قائلا:"إن لله عليك حقا في الليل لا يقبله في النهار، وحقا في النهار لا يقبله في الليل. وأنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى فريضة"[1]. ويضع في مضمون استخلافه له إتباع مضمون السلوك النبوي في الحياة الشخصية، كما في قوله:"إني إنما استخلفتك نظرا لما خلفته ورائي. وقد صحبت رسول الله فرأيت من أثرته أنفسنا على نفسه وأهلنا على أهله حتى إنا كنا لنظل نهدي إلى أهله من فضول ما يأتينا عنه. وقد صحبتني فرأيتني إنما اتبعت سبيل من كان قبلي"[2]. ويختتمها بفكرة الحذر الدائم من الانحراف، بوصفها فكرة سياسية، كما في قوله له بضرورة الابتعاد عمن دعاهم بهؤلاء "النفر من أصحاب رسول الله، الذين قد انتفخت أجوافهم، وطمعت أبصارهم، وأحب كل امرئ منهم نفسه، وإن لهم لحيرة عند كل زلة واحد منهم. فإياك أن تكونه"[3]. واختتم هذا التحذير بفكرته العملية القائلة:"لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله، ولك مستقيمين ما استقامت طريقتك"[4].

مما سبق نستطيع رؤية الاتجاه العام لتطور فكرة الحق في المثال الشخصي، باعتبارها الهاجس العميق والباعث الجوهري في فكرة الدولة. وكذلك فكرة الدولة، بوصفها إرشادا للناس صوب تحقيق الحق. إننا نعثر في آراء أبي بكر في وصيته لعمر بن الخطاب على توحيد لفكرة الحق في سلسلة تبدأ بالله وتنتهي بتطبيق الحق السياسي مرورا بنموذج النبي. إذ نعثر في عبارات أبي بكر التي خاطب بها عمرا على إدراك واضح للأولويات في الحق. بمعنى إننا نعثر فيها على إن لكل زمن حقوقه، وإن الحقوق مفهوم ومطلب لا يتغير ولا يتبدل من حيث كونها حقوقا، وإن الأولوية والمطلوب في الحق هو أصوله لا توابعه (الفريضة وليس النافلة). وهي مقدمة كبرى مصدرها فكرة الحق المطلق (الله)، كما وجدت نموذجها الرفيع في مثال النبي محمد. لهذا كان ينظر إليه ومن خلاله يمكن رؤية "الأنا"، بوصفها نموذجا سياسيا مقبولا لمن يخلفه، كما نراها في كلماته القائلة "وقد صحبتني فرأيتني إنما اتبعت سبيل من كان قبلي".

إننا نقف هنا أمام ربط بين المطلق والعابر في الثبات على الحق، بوصفه سلوكا متجانسا لنموذجية الفرد وحق الجماعة (الأمة). ولعل عبارة "لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله، ولك مستقيمين ما استقامت طريقتك" هي الصيغة المعّبرة عن هذا الربط الدقيق. بمعنى إن الحق هو سلسلة الارتباط الدائم بين رجل الدولة ومبدأ الحق المطلق (الله). مع ما يترتب عليه من ربط مرجعية الحق بالمبادئ العامة وليس بالسلطة والأفراد. انطلاقا من إن الحق هو ضابط السلوك الفردي للسلطة، وإن حقيقة السلطة بوصفها أداة تجسيد العدالة تفترض الاستقامة الشخصية، أي السلوك الثابت مع الحق بأي شكل ومظهر ومنحى جرى. وقد تمثل عمر بن الخطاب هذه الفكرة للدرجة التي تحول في وعي الثقافة الإسلامية وتاريخها السياسي إلى "فاروق" الحق والعدالة. وتصور أحدى النوادر هذه الحصيلة، عندما قال رجل له: "اتق الله يا عمر!" وعندما رده احد المرافقين لعمر قائلا: "أكثرت على أمير المؤمنين!"، نراه يردعه قائلا: "دعه! لا خير فيهم إن لم يقولوها لنا!" ولا خير فينا إن لم نقبل![5] وحدد نوعية هذا السلوك نوعية استيعابه لفكرة الحق ونموذجها المناسب في حلم "أمير المؤمنين"، أي في عقل رجل الدولة. وقد قال مرة بهذا الصدد، بأنه "ليس من حلم أحب إلى الله ولا اعمّ نفعا من حلم إمام ورفقه. وليس من جهل ابغض إلى الله واعمّ ضررا من جهل إمام وخرقه"[6]. وهي حقيقة اقرب إلى البديهة السياسية في فكرة الدولة ورجالها. لهذا قال في معرض الجدل الذي دار حول قضية توزيع أراضي العراق والشام: "إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم. فإني واحد كأحدكم. وانتم اليوم تقرون بالحق. خالفني من خالفني ووافقني من وافقني. ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي. فلكم من الله كتاب ينطق بالحق. فو الله لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلا الحق"[7]. لقد وجد في تقسيم الأرض واعتراض البعض من أهل الأوس والخزرج على ذلك، بأنه لم يفعل ذلك إلا لأنه أراد الإبقاء على من يحافظ على الأمن والنظام في المدن الكبرى. وإنه بحاجة للمال من اجل مد الجيوش. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام صورة نموذجية حول أولوية وجوهرية الحق على الهوى والرغبات الشخصية في إدارة شئون الدولة والموقف من المعارضين. وبالتالي فإن آراءه التي يمكن مخالفتها أو الاعتراض عليها لا تهدف من حيث مبدئها وغايتها غير الحق الضروري للدولة والأمة. لاسيما وأنها حقوق سياسية أيضا، لأن مواقفه تعادل الاجتهاد السياسي المحكوم بفكرة الحق، كما إن فكرة الحق محكومة بفكرة الدولة. وكان ذلك مضمون العقيدة العملية والروحية لعمر بن الخطاب في الموقف من السلطة والدولة. بمعنى إنه احد النماذج الرفيعة لفكرة الراشدين، الذي أناط مهمة الحق والحقيقة بتوسيع وترسيخ الوحدة والدولة. وهي عقيدة يمكن العثور على تعبيرها الواضح في إحدى أفكاره القائلة، بأن "أحق ما تعهد الراعي من رعيته تعهدهم بالذي لله عليهم في وظائف دينهم الذي هداهم الله له. وإنما علينا أن نأمركم بما أمركم الله به من طاعته، وأن ننهاكم عما نهاكم الله من معصيته. وأن نقيم أمر الله في قريب الناس وبعيدهم ولا نبالي على من كان الحق"[8].

ولم تكن هذه الآراء والمواقف معزولة عن واقع الصيرورة الأولية للخلافة (الدولة) وفكرة الدولة. بمعنى أنها كانت تعبر في صيغتها المذكورة أعلاه عن الحالة التاريخية والمرحلة التي لم تتعرض فيها الدولة إلى التجزئة. بمعنى عدم ظهور قواها المتصارعة وتناقضاتها الذاتية الملازمة للتطور الحضاري والإبداع الثقافي. الأمر الذي ادمج فكرة الحق في الشخصية وجعلها كلا واحدا. بحيث تحول الخليفة وفكرة الحق والحقوق إلى كلّ واحد. وفي هذا كان يكمن سر الإغراء التاريخي لخلافة الراشدين. وليس مصادفة أن نعثر حتى عند عثمان بن عفان على عبارة تقول "إن الله خلق الخلق بالحق، فلا يقبل إلا الحق. خذوا الحق وأعطوا الحق". وقد يكون هذا التطابق الخفي بين فكرة الحق وفكرة الخلافة هي السرّ المستتر وراء مقتله. فعندما وجدت الأمة في سلوكه أخذا للحق بغير حق أعطوه الإجابة الحقيقة، ألا وهي أخذهم للحق منه بالقوة. وقد تكون هي الحصيلة التاريخية لتجربة الخلافة الأولى التي حدس الإمام علي بن أبي طالب معناها وجوهرها من خلال إبداع إحدى أجمل وأعمق المرجعيات الفكرية بهذا الصدد، عندما قال، بان الرجال تعرف بالحق وليس الحق بالرجال. وتوجت هذه الفكرة مرحلة خلافة الراشدين وجعلت منها معيارا في الوقت نفسه لفكرة الحق والدولة والشخصية.

وليس مصادفة أن تصبح "خلافة الراشدين" فكرة أكثر مما هي مرحلة تاريخية. من هنا سرّ تأثيرها الدائم، ومن ثم فهم سبب إدراج الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ضمنها أحيانا[9]، أو أن تبقى تثير شهية الخلفاء في أوقات متأخرة للاقتراب منها أو الانضمام إلى كوكبتها. وضمن هذا السياق يمكن فهم الأساطير المحاكة عن شخصية هارون الرشيد في تتبعه لحياة الناس العاديين والعيش أحيانا بمعايير سلوك الخلفاء العظام مثل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، تماما بالقدر الذي يمكن فهم لقب الرشيد على انه الصيغة غير المباشرة والمبطنة لتمثيل خلافة الراشدين. وهي صورة يمكننا العثور على نماذجها المتنوعة في كتب التاريخ والنوادر، كما هو الحال بالنسبة لنادرة دخول الصوفي شقيق البلخي على هارون الرشيد، ومبادرة الأخير بسؤاله:

- أنت شقيق الزاهد؟

- أنا شقيق ولست بزاهد!

- أوصني!

- إن الله أجلسك مكان الصدّيق وانه يطلب منك صدقه، وأعطاك موضع عمر الفاروق وانه يطلب منك الفرق بين الحق والباطل مثله، وانه أقعدك مكان ذي النورين وانه يطلب منك الحياء والكرم كما يطلب مثل حيائه وكرمه، وأقعدك موضع علي بن أبي طالب وانه يطلب منك العلم والعدل.

وفي نادرة أخرى تروي لقاءه بالشبلي. فعندما استفسر منه الرشيد قائلا:

- كم في خمس الإبل؟

- شاة في الواجب. فأما عندنا فكلها لله.

- فما أصلك في ذلك؟

- أبو بكر حين خرج عن ماله كله لله.

ثم أضاف قائلا:"من خرج عن ماله كله فإمامه أبو بكر، ومن خرج عن بعضه فإمامه عمر. ومن اخذ لله وأعطى لله وجمع لله ومنع لله فإمامه عثمان، ومن ترك الدنيا لأهلها فإمامه علي. وكل علم لا يؤدي إلى ترك الدنيا فليس بعلم"[10].

إننا نعثر في هذه النوادر على نموذجية فكرة الخلافة والحق. والقضية هنا ليست فقط في أن التصوف هو التعبير الروحي عن فكرة المطلق، بما في ذلك في ميدان الحقوق، بل ولأنها الصيغة التي أبقت على نموذجية الخلافة الواقعية من خلال تقديمها بصورة مجردة عن صراع القوى ونزوات المصالح. بمعنى انه حاول تجريد التاريخ ليرفعه إلى مصاف الحق المجرد. ففي كلمات شقيق البلخي نعثر على وحدة الصدق والحق والحياء والعلم والعدل. وقد أعاد الشبلي هذه الصورة في موقفه من الحق المتسامي عندما اقر بتنوع الصيغ المعقولة والمقبولة، بدأ من الكلّ مرورا بالجزء والتنوع بينهما وانتهاء بالتجرد التام والكامل. وربطها بشخصية الإمام علي بن أبي طالب، انطلاقا مما اسماه بترك ترك الدنيا لأهلها. وبما أن "كل علم لا يؤدي إلى ترك الدنيا فليس بعلم"، لهذا تكون الشخصية العلوية أنموذجا كاملا للشخصية التي تتمثل حقيقة الخلافة الراشدة، بوصفها إرشاد الروح والجسد بمعايير الحق التام. مما جعل منها نهاية الخلافة الراشدة في تاريخ الإسلام وبدايتها الروحية الحقيقية. وفي هذا يكمن سرّ قيمتها "الأبدية" بالنسبة لعلاقة المثقف والسلطة على امتداد تاريخ الخلافة واستمرارها المعاصر في ميدان الروح والمواقف الفردية.

***

 ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص13.

[2] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص 13.

[3] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص 14.

[4] تكشف هذه الرؤية والموقف النقدي من "أصحاب رسول الله"، أو ما ستطلق عليه التقاليد الإسلامية اللاحقة عبارة "الصحابة" عن أنهم جزء من الجماعة الإسلامية والأمة الناشئة، بمعنى أنهم لا يتميزون بصفة القدسية ولا العلو سواء بالمعنى المادي أو الروحي أو الأخلاقي. فأبو بكر يشير بوضوح إلى ما أسماءه بأولئك النفر من "الصحابة الذين انتفخت أجوافهم، وطمعت أبصارهم، وأحب كلا امرؤ منهم نفسه".

[5] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص14.

[6] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص14.

[7] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص27-28.

[8] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص 16.

[9] إن إدراج شخصية عمر بن عبد العزيز ضمن سلسلة الخلفاء الراشدين هو دليل على إنها فكرة وليس مرحلة تاريخية.

[10] إننا نعثر في آراء ومواقف شقيق البلخي والشبلي على إحدى الصيغ الجوهرية المميزة للفكر الصوفي في موقفه من الأفراد والفكرة، بمعنى محاولة الربط بينهما بالشكل الذي يستجيب لحقائق التصوف. فالجوهري في التصوف يقوم في إيجاد النسبة المثلى بين العلم والعمل وتجليها في التاريخ والمثال. ومن الممكن رؤية هذه الصورة في تقييم البلخي والشبلي لشخصيات الخلافة الأولى، بمعنى البحث عن مراتب فيها تؤسس للعلاقة بين التاريخ الواقعي والفكرة المتسامية ضمن فكرة التصوف عن الواقع الواجب. وهي فكرة متحررة من ضيق المذاهب والفرق، تعطي لتراكم المواقف قيمة بالنسبة للرقي الروحي والأخلاقي، بوصفها القيمة الجوهرية بالنسبة لتاريخ الأفراد والأمة والدولة أيضا. بعبارة أخرى، إن الجوهري فيها ليس هوى السياسة والمصالح، بل سياسة الروح بالشكل الذي يبقى للمثقف الكبير موقعه المتسامي ضمن المسار الواقعي لصراع المصالح والأهواء.

 

 

mutham aljanabi2ينطلق محمد عبده في تأسيس الفكرة السياسية الإسلامية من تحديده لفكرة القانون وأهميته بالنسبة للبناء الذاتي. من هنا فكرته عن أن المهمة لا تقوم بمجرد الإصلاحات بالنسبة لما اسماه بالكيان السياسي الإسلامي، بل في تأسيس ضرورة فكرة الإصلاح الديني الصحيح. والإصلاح الديني الصحيح بالنسبة لمحمد عبده هو منظومة الإصلاح الشامل بمعايير التجربة الذاتية والتراث الثقافي. وهي فكرة لا تتعارض مع مضمون الانفتاح الإنساني وفكرة الحق المجرد والمتسامي، على العكس، أنها تسندها وتدعمها بمعايير الارتقاء الذاتي الفعلي، أي الاتقاء المتراكم في مجر معاناة التقدم الذاتي. فعندما يتناول على سبيل المثال قضية فكرة الجمعية الإنسانية، فإننا نراه يربطها بفكرة فلسفية وجودية تقوم على أساس أن الحركة العمومية تسير دوما صوب المركز. وكلما اقتربت من المركز كلما زادت سرعتها، شأن كل حركة طبيعية. من هنا تأثير هذه الحركة على العقلاء من البشر (دوما) فمالوا إلى خدمة الإنسانية دون التعصب إلى عقيدة أو جنس أو دين ومذهب. ووضع هذه المقدمة الفكرية العامة في صلب دعوته إلى السير صوب ما اسماه بالقانون الطبيعي المودع في فطرة الإنسان، بوصفه سبيل السعادة للجميع[1]. ففيها ومن خلالها يمكن رؤية الحدس العميق في فكرة محمد عبده عن أهمية وجوهرية القانون بالنسبة لنيل السعادة العامة، أي النظام المعقول بمعايير التجربة الإنسانية الحرة. وأسس لهذا الاستنتاج الكامن في رؤيته من منطلق عام يقول، بان في الإنسان قوة نظرية وعملية. يتوقف كل منهما على الآخر. وان علوم الإنسان إدراك الحدود والاستفادة منها. والقوانين مهمتها ضبط السلوك والمصالح. كما أنها تتوقف على درجة المعرفة (العقل النظري). من هنا اختلاف الأمم في نظرتها إلى القوانين. لكنه اختلاف محكوم بتجاربها ونظراتها العامة. من هنا نراه يركز في الكثير من مقالاته وأبحاثه على أهمية إبراز أولوية وجوهرية القانون. ففي احد مقالاته المتعلقة بهذا الجانب (احترام قوانين الحكومة وأوامرها من سعادة الأمة) يتوصل إلى أن البلاد "تسعد ويستقيم حالها، إذا ارتفع فيها شأن القانون"[2].

إن جوهرية القانون بالنسبة لمحمد عبده تستند إلى فلسفة إصلاحية تناسبها. كما أنها تنبع من فكرة الإصلاحية نفسها بوصفها فلسفة البناء الذاتي للدولة والأمة والعلاقة المعقولة والضرورية بينهما. في مجرى تناوله قضية علاقة القوة بالقانون، نراه ينطلق من أن استعمال القوة هو مصدر الاستبداد والانحراف الأخلاقي. ووضع هذه المقدمة في أساس نقده الذاتي والثقافي الإنساني. بمعنى نقده العميق أيضا للتجربة العربية والإسلامية والأوربية الحديثة. واعتبر استعمال أو هيمنة القوة على الحق مصدر الخلل في الوجود الإنساني. واعتبرها حالة شبه عامة في تاريخ الأمم. من هنا تشابه النتائج القائمة فيما اسماه محمد عبده "بإحداث القبائح"، بوصفها النتيجة المترتبة على استعمال القوة وإهمال القانون. بعبارة أخرى، لقد وجد محمد عبده في إهمال القانون مصدر تخريب القوى السلمية والسليمة في الإنسان السلمية. من هنا أهمية القانون. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه لولا كسر القانون لسورة النفس وتذليل صعوبتها "لما أشرق نور الحق على صفحات الوجود، ولا تمتع الإنسان في الأزمان الأخيرة بلذة الراحة والسعادة. فالحق للقانون لا للقوة"[3]. بل نراه يتوصل إلى أن الالتزام بالقانون هو مصدر التقدم والارتقاء، بما في ذلك العلمي. والعكس هو الصحيح. أما الاستبداد فهو مصدر الانحطاط، "الذي ضرب عن القانون صفحا، وطوى عنه كشحا فهو على مرذلة أخلاقه، وبساطة أفكاره يصبح مضغة تحت أضراس الظلم ويمسي كرة لصولجان البغي"[4].

إن بلوغ الفكرة القانونية في إصلاحية محمد عبده ذروتها السياسية في نقد الاستبداد لم يكن جزء من تقاليد العقائد السياسية والأيديولوجية، بقدر ما انه كان يتراكم في فلسفة التأمل العميق للتاريخ وتجارب الأمم والفكرة القانونية وفلسفة الحق. ومن الممكن العثور على هذا التراكم في الفكرة المكثفة التي وضعها بهذا الصدد عندما كتب يقول، بان "تأمل الكون الأعلى وما فيه من الكواكب والشموس والأقمار، ثم إذا نظرنا إلى العالم الأسفل وما احتوى عليه من نبات وحيوان يشهد في الجميع لكل نوع منها قانونا خاصا في سير وجوده، تقوم البراهين على انه لو انحرف عنه لحكم عليه سلطان القهر الإلهي بالعدم والانقلاب"[5]. بعبارة أخرى، إننا نعثر في هذه الرؤية على فكرة تأسيس ضرورة القانون (الإنساني) بالاستناد إلى رؤية وجودية طبيعية. وهو السبب الذي دعا الحكماء والأنبياء على مرور الزمن كما يقول محمد عبده إلى التشديد على أهمية القانون من اجل حفظ الوجود. وذلك لأنه "من تخطى حدود هذه الحقائق رماه القهر الإلهي بسهام لا يخطى رماها"[6]. والحصيلة هي أن "القانون سر الحياة وعماد سعادة الأمم. فإذا أرادت امة إعادة مجدها فلا بد لها من إعادة شأن القانون، فتشيد ما هدمته يد الغرور وبددته سطوة الفجور"[7].

إن بلوغ الفكرة السياسية الإسلامية ذروتها من خلال تأسيس وتحقيق فكرة القانون والحق هو الوجه الآخر لإدراك أهميتها بالنسبة للبناء الذاتي. من هنا الربط العضوي بين فكرة القانون والحق والتاريخ الواقعي للأمم. بمعنى ربط محمد عبده لفكرة القانون والحق الإصلاحية بضرورة تحقيقها المتدرج والعقلاني والواقعي بتراث الأمة وواقع العالم العربي (ومصر خصوصا). وانطلق بهذا الصدد من فكرة فلسفية عامة تقول، بان "أحوال الأمم هي المشرع الحقيقي"[8]. واستند في فكرته هذه إلى تجارب الأمم بشكل عام والفرنسي بشكل خاص. إذ وجد في تجربة فرنسا ما يعد الثورة نموذجا لتحقيق هذه الفكرة عندما اعتبر كل تطورها لم يكن بأيدي أهل الحل والعقد، بل بأيدي الناس. بل ونسمعه يقول، بان "القانون الحقيقي هو القانون المسنون حسب الرأي العام"[9]. وأن "أفضل القوانين هي ناشئة عن الرأي العام للأمة"، أي "المؤسسة على مبادئ الشورى. وأن الشورى لن تنجح إلا بين من كان لهم رأي عام يجمعهم في دائرة واحدة"[10]. وبالمقابل نراه يشد على أن "من عجل بشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه". بمعنى إدراكه لرفض التقليد واستنساخه المباشر بما في ذلك في ميدان القانون والحق، مع انه الصيغة الأكثر كمالا للحرية المجردة من ضيق الرؤية والمصالح. لكته يعكس في نهاية المطاف ليس فقط تجارب الأمم بل ومستوى إدراكها الفعلي لماهية القانون ومتطلباتها الحيوية المباشرة. لهذا نرى محمد عيده يشدد على ضرورة البدء بالقانون وتوسيع مداه ونطاقه وتربيته في النفوس والعقول والتجارب الخاصة[11]. وأسس لذلك فكرته القائلة بالوحدة العميقة والدفينة بين الأخلاق والقانون، بوصفهما وجهان للتربية والتجربة الذاتية في تطور الأمم. لهذا نراه يشدد على وحدة القوانين والأخلاق من اجل نقل المرء من حالة التكليف إلى حالة العادة. وبالتالي تحويل الأخلاق الفاضلة إلى أسلوب حياة الناس والدولة[12]. ومن هنا ضرورة القضاء على تشتت القوانين لما فيه من مضرة على المصلحة العامة. بل ودعوته إلى تجميعها وتوحيدها ونشرها والعمل بها وذلك لما له من اثر وقيمة وفاعلية في توحيد المجتمع والدولة والأمة والفكرة القانونية وقيم الحق والعدالة. غير أن ذلك ليس إلا المقدمة الأولية. وما بعدها تنفيذ ما يجري سنه من قوانين. فالجوهري ليس إصدار القوانين الجيدة بل تنفيذها وتجديدها، كما يقول محمد عبده. ووضع هذه النتيجة في نقده اللاذع لحالة مصر المزرية آنذاك بهذا الصدد. كما انه ليس مصادفة على سبيل المثال أن نراه يعتبر الأخذ عند سن القوانين وتنفيذها بمراعاة الحالة الاجتماعية المعرفية. وعندما طبق ذلك على سبيل المثال على حالة الزراعة والمزارعين في مصر آنذاك، فإننا نراه يقول أيضا بضرورة استعمال الأساليب العقابية الشديدة من اجل توطين النفوس على العمل (الزراعة).

لقد أدت الحصيلة المتراكمة لفلسفة محمد عبده الإصلاحية إلى بلورة ما يمكن دعوته بفكرة الروح الليبرالي، أو على الأقل ملامحها الأولية. وقد يكون جمعه وترتيبه لمحاضراته في كتاب (رسالة التوحيد) آخر حياته احد مؤشرات هذا التحول الخفي. ففيه نرى أول ملامح تطويع فكرة التوحيد ضمن سياق رؤيته الإصلاحية، أي تحريرها من الاختمار بمعايير الرؤية السياسية. ومن الصعب القول فيما إذا كان سعيه هذا يتسم بقدر كبير من الوضوح بالنسبة له شخصيا، إلا أن منطق الإصلاحية والنسبة المتكافئة للاعتدال في تفكيره وشخصيته تجعل من هذه الفرضية أمرا ممكنا. كما نراه أيضا في "منظومة" العمل التربوي والإصلاحي المعرفي والثقافي والهدوء السياسي. غير أن صعود الحكمة لا يعني نفي أو انعدام الوجدان السياسي وبرود الروح السياسي، بقدر ما يعني تحول الفكرة الإصلاحية صوب تأسيس المرجعيات الكبرى القادرة على تأسيس صرح الإصلاح الحقيقي. وذلك لأننا نعثر على قوة الروح السياسي عند محمد عبده ومساعيه النقدية الحادة حتى آخر لحظات حياته، كما هو جلي في (رسالة من السجن) و(رسالة إلى تولستوي) التي كتبها عام 1904، أي قبيل موته بقليل.

ففي (رسالته من السجن) نقف أمام شخصية حرة قوية أخلاقية تواجه رذيلة عصره بقلب ممتلئ بمتناقضات الوجود. لكنه يعطف عليه كما لو انه يعطف على ما فيه. وفيها أيضا تبرز بوضوح ماهية القلق الدفين فيه. بحيث نراه يضع في بدايتها احد الأبيات الشعرية العميقة والمرهفة:

تقلدتني الليالي وهي مدبرة   كأنني صارم في كفّ منهزم

وهي حالة تتصف بقدر هائل من التناقض المقلق للعقل والضمير. وفيها يمكننا رؤية صراعه النفسي والعقلي ووجدانه العارم في مواجهة النفس والآخرين، والمجتمع وقيمه، والدولة ونظامها السياسي، والحاضر والمستقبل. فعندما يصور حالته فانه يشير إلى انه يقبع في واقع اشتد فيه "ظلام الفتن حتى تجسّم، بل تحجر! فأخذت صخوره من مركز الأرض إلى المحيط الأعلى. واعترضت ما بين المشرق والمغرب، وامتدت إلى القطبين فاستحجرت في طبقاتها طباع الناس"[13]. وهي حالة جعلت من الممكن أن تتدحرج أمام عينيه رؤية الملامح الخشنة لما يمكن دعوته باليأس الجميل. ففيها نقرأ كيف انه وجد نفسه في موقع "لا يأتي البصر على أطرافه، في ليلية داجية غطي فيها وجه السماء بغمام سوء، فتكاثف ركاما ركاما. لا أرى إنسانا، ولا اسمع ناطقا، ولا أتوهم مجيبا. اسمع ذئابا تعوي، وسباعا تزأر، وكلابا تنبح، كلها يطلب فريسة واحدة هي ذات الكاتب. والتفّ، على رجلي تنينان عظيمان، وقد خويت بطون الكل، وتحكم فيها سلطان الجوع. ومن كانت هذه حاله فهو لا ريب من الهالكين"[14].

لقد واجه محمد عبده عصره ومعاصريه بروح التحدي، وكشف عما في أعماقهم من خواء كان يسعى لانتزاع ما فيه من جرأة وإرادة حية حرة. لقد أدرك بالحس والعقل والحدس، بان المطلوب هو وذاته. لهذا لم يجد في هذه المساعي الخربة غير سقوط الهمم وخراب الذمم، وغيض ماء الوفاء، وطمس معالم الحق، وتحريف الشرائع، وتبديل القوانين. بحيث لم "يبق إلا هوى يتحكم، وشهوات تقضي، وغيض يحتدم، وخشونة تنفذ. تلك سنة الغدر"[15]. وليس مصادفة أن يجدوا في حبسه، أي عندما يصبح اغتيال العقل الحر والضمير الحي غاية كبرى وفضيلة عظمى! من هنا استغرابه وإدانته بقدر واحد لهذا السلوك كما وضعه في عباراته القائلة:"لا يطلبون ذلك لغامض يبينونه، أو لمستور يكتشفونه، أو لحقّ خفي فيظهرونه! كلا! بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوه غير مخطئين. وقد وجدوا لذلك أعوانا من حلفاء الدناءة، وأعداء المروءة، وفاسدي الأخلاق، وخبثاء الأعراق"[16]. ومقابل ذلك تقف نفسه الأبية وشخصيته الاجتماعية والوطنية والقومية الإنسانية كما لو أنها شمعة تحترق في ظلام الأطلال الخربة للفرد والجماعة والدولة والأمة. وكتب بهذا الصدد يقول، بان معظم قلبه قد "ذاب من الأسف على ما يلمّ بالهيئة العمومية من مصائب هذه التقلبات، وما ينشأ عنها من فساد الطباع الذي يجعل العموم في قلق مستديم"[17].

وأمام هذه الكارثة التي تواجه الفكرة الإصلاحية الكبرى وشخصياتها عادة ما تنتفض النفس حتى النهاية كما لو انه "القربان" الذي لابد منه من اجل وضع أسس الهيكل الروحي - الأخلاقي والعقلي للبدائل. ونعثر على كل هذه الحالة في الحوار العميق الهائج مع النفس. فنسمعه يقول "هل أتأسف إن كنت سباقا إلى الخيرات؟ هل أتأسف إن كنت مقداما في المكرمات؟ هل أتأسف إن كنت شجاعا ي الدفاع عن ذوي مودتي؟ هل أتأسف إن كنت أبيا أغار أن ينسب مكروه أو ذل لأولي صلتي؟ هل استحق العقاب على حبي لبلادي والناس لها كارهون؟. والله لن يكون ذلك. ولم ازدد في سبيل الفضيلة إلا بصيرة، ولم ازدد في المحافظة عليها إلا ثباتا. ولئن عشت لأصنعن المعروف، ولأغيثن الملهوف، ولأنقذن الهاوي في حفرة الغدر"[18].

وإذا كانت حالته تبدو في مظهرها، أي في أحوالها المادية كما قال عنها "اعجز من المقعد عن طلوع النخل، ومن المفلس عن حرية التصرف"، لكنه واجه كل ما ينبغي مواجهته بعبارة صريحة وموقف واضح وضعه في عبارات مقتضبة يقول فيها: "أقول لكم! إن الحوادث المريعة سوف تنسى، وأن هذا الشرف سوف يردّ. ولئن أبت طبيعة هذه الأرض بخسّتها أن يكون لها من عوده نصيب، فليعودن في بلاد خير منها، ولأجذبن إلى المجد أحبتي، ومن إلى المجد ينجذبون"[19].

بينما نراه في رسالته إلى ليف تولستوي التي كتبها عام 1904، أي قبل موته بقليل يعيد من حيث الجوهر مضمون فكرة التحدي الإصلاحية بوصفها فكرة إنسانية وضرورية. فالمضمون العميق لهذه الرسالة ليس فقط في محتواها الذي يتقاسمه محمد عبده نفسه، بل في كونها موجهة من إمام مسلم لأديب نصراني، وجد في سلوكه وفكره ومواجهته للتقليد ودفاعه عن الفكرة الإنسانية قدوة للاعتبار. فنراه يشير فيها إلى انه بالرغم من عدم معرفة شخصه بشكل مباشر، لكنه يحرم التعارف بروحه. ويقيم عاليا موقف تولستوي من محاربة التقليد في العقائد والأديان بإرجاع مضمونها إلى الأصل، أي إلى ما اسماه بحقيقة التوحيد. بل ويطالبه قائل "فكما كنت بقولك هاديا للعقول، كنت بعملك حاثا للعزائم والهمم". وانه "أعظم جزاء نلته على متاعبك في النصح والإرشاد هو هذا الذي سموه "بالحرمان" و"الإبعاد". فليس ما كان إليك من رؤساء الدين سوى اعتراف منهم أعلنوه للناس بأنك لست من القوم الضالين. فاحمد الله على أن فارقوك بأقوالهم، كما كنت فارقتهم في عقائدهم وأعمالهم"[20].

لقد كانت مواقفه الأخيرة هذه تعكس مسار التجربة الشخصية وفرادنيتها العميقة، أي كل ما مميز إبداعه النظري والعملي. ومن الممكن العثور على ذلك في الأصداء غير المكتملة لسيرته الذاتية، التي تحتوي في ذاتها على صورة رمزية أو إيماء تأويلي على انقطاع الفكرة الإصلاحية وروحها الليبرالي. ومن ثم إمكانية تأسيس الدنيوية الإسلامية، أي كل ما يشكل القاعدة الضرورية لتراكم الحكمة التاريخية في الموقف من النفس والبدائل بطريقة تتمثل رحيق التجربة القومية. وإذا كانت هذه الفكرة تحتوي على قدر من الاحتمال والظن، فإنهما يبقيان كما يقال ضمن سياق الرؤية الواقعية. لاسيما وان المسار التاريخي للفكرة الإصلاحية ونهايتها المتكسرة في ضعف تأثيرها وتطورها التقائي اللاحق، وانهزام تراثها الذاتي، واغترابها الفعلي في تيارات الفكر الجديدة يكشف عما في هذه الفرضية من أصول واقعية. والسؤال الذي يظهر هنا من اجل فهم الأبعاد المقطوعة في أنغام المقطوعة الإصلاحية هو لماذا تظهر فكرة السيرة الشخصية عند محمد عبده؟ وما هي طبيعة التحول التي جعلته يكتب عن نفسه؟ ومن الممكن العثور على الإجابة الحقيقية على هذه الأسئلة من خلال تحليل الأبعاد الدفينة في السيرة نفسها. فإذا كانت شخصية محمد عبده تتسم بقدر كبير من الهدوء الظاهري والعنفوان الباطني، أي عدم تناسب الظاهر والباطن، فلأنها الصيغة النموذجية لعوالم الشخصيات الكبرى، بمعنى أنها النتاج الملازم لقوة الإرادة في ضبطها هياج الروح النظري والعملي. لهذا نراه ينظر إلى فكرة الكتابة عن النفس في بداية الأمر بمعايير النقد الذاتي. بمعنى النظر إلى هذه المهمة برؤية عقلانية أخلاقية. لكنه سرعان ما يذلل طابعها "الخجول" و"المتواضع". فهو لم يفكر في بادئ الأمر بكتابة سيرة ذاتية. بل استهجنها. ويعكس هذا الموقف بدوره بقايا الاستهجان الأخلاقي والنفسي للانا الشخصية. وليس مصادفة أن يشدد محمد عبده بما في ذلك في جدله الكلامي والفلسفي على أولية الوجود ومظاهره. بمعنى أن هذا الاعتراض والتمنع والرفض الأولي لم يكن أكثر من بقايا التأثير الشديد للورع الذي ينتزع حقيقة الشخصية بوصفها فردا، أي فردانية المرء. من هنا فكرته عن "أن وقت اصرفه في حكمة استفيدها خير من زمن أنفقه في قصة أستعيدها". لكنه سرعان ما يعيد النظر في فكرته هذه بعد لقائه بأحد "الغربيين" الذي يشرح له قيمة هذا النوع من الكتابة. عندها يستذكر قول النبي محمد "لا تحقرن من المعروف شيئا". واستكمل هذه الملاحظة بفكرة نقدية ايجابية لتجارب الأوربيين بهذا الصدد التي وجد فيها تقييما وتقديرا للفرد بوصفه جزء من رؤية عقلانية وأخلاقية وإنسانية محكومة بمعايير الحق، كما نعثر عليها في قوله "أولئك قوم يعرفون الأقدار، ويقدرون الآثار، ولا يبخسون شيئا حقه، ولا ينكرون عليه ما استحقه ويطلبون المنفعة في كل شيء".

لقد استطاع محمد عبده الخروج السريع من تناقضات النفس وهو في عمر الشيخوخة. بمعنى قدرته على تذليل الفارق التاريخي في تجارب الأمم من خلال إرجاعه إلى صيغة نموذجية ورفيعة للفكر والمنطق. فالسيرة لم تعد بالنسبة له قضية شخصية بقدر ما هي قضية فكرية وتاريخية وثقافية وإصلاحية بقدر واحد. وحقق، وإن بصورة لم تكتمل، المهمة الأولى بهذا الصدد والقائلة بان كل صعود متسام للفردية هو تمثل متنوع وخاص للتجربة التاريخية. وبالتالي فان السيرة الذاتية الكبرى فردية بمعالم العبارة، تاريخية بمعالم الفكرة. وعلى قدر تلاقيهما في تأسيس مرجعيات وعي الذات القومي والثقافي والإنساني، ترتقي قيمتها الفعلية.

فقد اخذ محمد عبده بكتابة سيرته الذاتية من منطلق إدراكه لقيمتها الحقيقية باعتبارها تجربة تاريخية وليست جزء من تقاليد المراقبة النفسية الأخلاقية. لقد وجد فيها معيارا ومرآة للعقل النقدي والعبرة التاريخية. من هنا قوله "فما أنا ممن تكتب سيرته، ولا ممن تترك لأجيال طريقته. فاني لم آت لأمتي عملا يذكر، ولم يكن لي فيها إلى اليوم اثر يؤثر، حتى أكون لأحد منها قدوة، أو يكون لأحد فيّ أسوة". وبهذا يكون محمد عبده قد أسس لضرورة إدراك قيمة النفس على خلفية ما هو موجود. من هنا معاناة وإصراره بقدر واحد في مواجهة الآذان الصماء، كما هو جلي في عباراته القائلة بأنه يسعى يوميا لقول ما ينبغي قوله بينما هم "يسمعون ما بين عابث بلحيته، ولاه بكبريائه وعنجهيته، ومغرور بمقامه ورنينه، ومعجب بسنه وشيخوخته". وليس مصادفة أن تصبح مهمة نقد النفس وإجبارها على جلد المصابرة أمام تحيات الزمن العابر من اجل صنع التاريخ الفعلي المهمة الملهمة لمحمد عبده. فقد أوصله وعي الذات النقدي إلى إدراك قضيتين كبيرتين وهما سئمه الاستمرار على ما يألفه الناس، وارتفاع صوته صوب "أمرين عظيمين" أولهما وأكثرهما أهمية يقوم في "تحرير الفكر من قيد التقليد". وادخل في هذا الأمر ست مبادئ كبرى وهي: فهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في فهم كسب المعارف إلى ينابيعها الأولى، والمعرفة ضمن موازين العقل البشري، ومهمة الدين حفظ نظام العالم والإنساني، والدين صديق للعلم، وبالتالي ضرورة البحث عن أسرار الكون، واحترام الحقائق الثابتة والتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل. ووضع كل ما راد قوله وما لم يستطع إتمامه بهذا الصدد في عبارة وجيزة تعكس حالة الانتظار القلق في مسار الفكرة الإصلاحية عندما كتب في "سيرته" قائلا:"إنني في كل مواقفي من المجتمع والدولة لم أكن الإمام المتبع، ولا الرئيس المطاع. غير إنني اكتب بروح الدعوة"[21]. ووجدت هذه الروح ملاذها الأخير وتعبيرها الخاص في (رسالة التوحيد).(انتهى)

***

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص70-71.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص303.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص307

[4]  محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص307.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص308.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص309.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص312.

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، 1، ص341.

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج، ص 395.

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص398.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص334.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص342-347.

[13] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص 493.

[14] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص 493

[15] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص 493

[16] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص494.

[17] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص496.

[18] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص497-498.

[19] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، 498.

[20] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص359-360.

[21] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص307-329.

 

 

mutham aljanabi2إن بلوغ الفكرة النقدية ذروتها في تأسيس العقل الثقافي الذاتي كانت بدورها المقدمة التي أرسى عليها محمد عبده مهمة تأسيس الروح الثقافي الذاتي. فالروح الثقافي الذاتي هو ربط عضوي متجانس للعقل الثقافي الذاتي بالتاريخ القومي مع البقاء ضمن فلسفة الرؤية الثقافية الإنسانية. وليس مصادفة أن تتلازم في مجرى تطور الرؤية الإصلاحية عند محمد عبده الفكرة المصرية والعربية الإسلامية، بما في ذلك في مواقفه المتطورة من العثمانية والتركية بوصفها قوى سياسية غريبة ومغتربة عن حقائق التاريخ المصري والعربي الإسلامي. بمعنى أن اشد الأشكال نقدية وشدة في مظهرها القومي ليست إلا الصيغة الوجدانية العارمة للروح الثقافي الذاتي، أي أنها تخلو من حيث بواعثها وغايتها عن الأبعاد القومية العنصرية.

بعبارة أخرى، إن النزعة "القومية" الجلية أحيانا في عبارات محمد عبده في نقده للتركية والعثمانية ومختلف الأقليات "الغريبة" على مصر، لم تكن إلا الصيغة السياسية الحادة عن فكرته الإصلاحية. وبالتالي لا علاقة لها بصراع القوميات الضيق والأديان والمذاهب. على العكس أنها كانت تحتوي في أعماقها على محاولة إعادة بناء العلاقة العربية التركية، والعربية – الإسلامية، والمذاهب الإسلامية، والإسلامية – النصرانية بمعايير الفكرة الإصلاحية، أي رفعها من حضيض القومية والعرقية والعنصرية والدينية والطائفية والذهبية إلى مصاف الفكرة الإصلاحية (الإسلامية) الكونية وإقرارها الفعلي بالتنوع القومي والديني والمذهبي. لهذا نراه على سبيل المثال يشكو في إحدى رسائله للأفغاني في معرض حديثه عما اسماه بمعرفته بمسيحي الشوام قائل: "وجميعهم مع بعض المصريين من اصطبل واحد"[1]. وأدرج ضمنهم أديب اسحق وسليم النقاش وسعيد البستاني. وفي معرض حديثه عن موقف "الأقليات" الدينية والمذهبية والقومية بالمصالح الكبرى للعرب والدولة العثمانية (الإسلامية) نراه يصور النصارى عموما على أن ولائهم للغرب الأوربي (الفرنسي والبريطاني). بل ويضيف إليهم أيضا السنّة، وبصفهم اقرب إلى هذا السلوك فيما يتعلق بإرسال أبنائهم إلى المدارس الأوربية والأمريكية النصرانية (التبشيرية). وكذلك حال الدروز رغم بعض الاختلاف. لكنه يفرز الشيعة عموما والنصيرية (العلوية) خصوصا من بينهم ممن يرفض إرسال أبنائهم لغير المكاتب الإسلامية[2].

غير أن هذا النقد وأمثاله هو مجرد مظاهر خارجية للفكرة الجوهرية في فلسفة الإصلاح، أي فكرة تأسيس العقل الثقافي الذاتي (العربي الإسلامي). وليس مصادفة أن يكون نقده الفعلي موجها ضد سلوك الدولة في تعميم الجهل ولكن من خلال نقد سلوك المذاهب والأديان أيضا. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه مما اسماه بفضائل السنّة بالنسبة للدولة، انطلاقا من فكرة "الأكثرية" الفاعلة آنذاك بمعايير التاريخ الفعلي والثقافة القائمة. وإذا كانت تحتوي في بعض جوانبها على ضيق مذهبي فانه يتبخر تحت حرارة الفكرة الإصلاحية الداعية إلى ضرورة تأسيس ما أسميته بالعقل الثقافي الذاتي، أي الدرجة الأرقى لتأسيس العقل الثقافي. من هنا نرى أيضا تخوفه مما اسماه بعاقبة انحراف السنة في ظل استمرار ابتعاد الدولة عن الاعتناء بهم[3]. وينطبق هذا على نقده للأقليات القومية. بمعنى نقده إياها بمعايير التاريخ السياسي وليس القومي. من هنا يمكن فهم مواقفه على سبيل المثال من سلوك صلاح الدين الأيوبي في جلبه للمماليك، وما آلت إليه البلاد لاحقا. بحيث يعتبر الشراكسة (المماليك) في آخر مراحلهم أتعس من كل ما سواهم. بحيث نرى احدهم يجرّب حدة السيف في أماكن بيع السلاح من خلال رؤية آثاره على المارة بقطع رؤوسهم أو أجسادهم[4]! وضمن هذا السياق ينبغي أيضا فهم موقفه من الأتراك، كما هو جلي على سبيل المثال في عباراته القائلة "إن جميع المصريين السياسيين منهم والعاديين يكرهون الأتراك. ولا يشعر المصري بشيء تجاههم غير القرف والكراهية والاستعداد للقتال"[5]. وإن "الأتراك ظلمة. وتركوا في البلاد من أثار السوء ما يضرب القلب ضربان الجرح. فلسنا نريد رجعتهم ولسنا نريد معرفتهم"[6]. بل نراه يجزم مرة قائلا:"ما أحب أن يكون الحاكم في بلادي تركيا أو شركسيا، لان استعداد أهل بلادي للحكم أقوى من استعداد هذين الجبليين. مظالمهم كبيرة كثيرة، موجودون حراس على أبواب السجون"[7]. وبالمقابل جرى مرة تصوير محمد عبده بعبارة "هذا المصري الأصيل من أهل الفول وليس المصريين المزيفين من أتراك وشراكسة وأرمن وشوام ويهود، كل منهم يدعي انه ابن النيل لا نيل فيه ولا نبل"[8].

إننا نقف هنا أمام رؤية متراكمة لتأسيس الروح الثقافي الذاتي بأبعادها الإصلاحية السياسية. من هنا تداخل وتراكم وانتظام الأبعاد الوطنية (المصرية) والقومية (العربية) والثقافية (الإسلامية). فعندما يتكلم عن الأبعاد الوطنية، فان مضمونها يبقى على الدوام راسخا ووثيق الارتباط بفكرة العمل من اجل الخير العام والقانون[9]. لهذا نراه على سبيل المثال، يعتبر تسوية الأمور المالية من دون الإخلال بمصلحة البلاد من بين أهم وأنبل عمل الحكومة والدولة[10]. وليس مصادفة أن نرى مختلف مظاهر هذه الرؤية بما في ذلك في لباسه ومأكله وتوجهه الحياتي وأسفاره وغيرها. فقد غيّر وجهته في السفر عبر صقلية عندما قالوا له بأنك سوف ترى آثار العرب هناك باقية. بل ونراه يقارن بين اهتمام الأوربيين بجمع آثار الماضي من التماثيل والرسوم ومعاناتهم في ذلك بما كان العرب المسلمين الأوائل يعانون من اجله بالنسبة لجمع الشعر وحفظه. ووجد في كلتا الحالتين أشكال مختلفة للاحتفاظ "بديوان" يسجل الماضي وأحداثه[11]. لكنه من جهة أخرى ينتقد العرب انتقادا شديدا على انعدام أثرهم في العصر الحديث. ويتساءل "أين هم"؟ وضمن هذا السياق نراه يؤيد ويدعم ما قام به لويس الصابونجي في نشره لتاريخ العرب والدفاع عن فضيلتهم التاريخية والثقافية. ويطالبه في الوقت نفسه بالاعتماد على مصادر التاريخ العربي الأصلية من اجل التوسع بهذا الصدد[12]. كما نراه يمدح حافظ إبراهيم في ترجمته لكتاب فيكتور هيجو (البؤساء). بل ويجد فيما قام به إبراهيم حافظ "تناسخا" لروح ابن المقفع، وإخراجا للعربية من العجمة[13]. ونفس الشيء يقوله في رسالته لسليم البستاني بعد ترجمته لكتاب (الإلياذة).

إن تحول اللغة إلى ميدان وأسلوب وغاية الإصلاح العقلي والروحي والثقافي للأمة يعكس تلقائية التطور الطبيعي والمنطقي للفكرة الإصلاحية عند محمد عبده. بمعنى مسارها الطبيعي والمنطقي صوب تكاملها الخاص بمعايير الرؤية الثقافية الإسلامية، أي الرؤية الثقافية التاريخية الخالصة. مع ما فيها من طاقة كبرى كامنة في تحرير العقل والوجدان من الاغتراب الثقافي والتقليد الفج. وليس مصادفة أن يجد محمد عبده "أول جناية" للجمود التاريخي والثقافي للعرب فيما دعاه بجمود أساليب وآداب اللغة العربية وضياع أمهات الكتب، أي المصادر الضروري بالنسبة لكل نهضة وإحياء ثقافي حر وأصيل. لهذا نراه يتكلم في معرض انتقاده لحالة اللغة العربية في وقته عن "الناطقين بالعربية من العراق إلى مراكش" بان "مثلهم مثل قوم من الأعاجم مخالطين للعرب". بحيث وجد في كلامهم بسبب المخالطة مفردات كثيرة من العربية! وهو ضياع تاريخي وثقافي هائل جعل محمد عبده يقر بان الاشتغال بلغة الأمة وآدابها فضيلة في نفسه ومادة من مواد حياتها. ولا حياة لأمة ماتت لغتها". ولهذا السبب أيضا نراه يصل إلى الفكرة القائلة، بان إصلاح الأمة يفترض إصلاح اللغة العربية. من هنا نقده لتقاليد الغربنة في اللغة بحيث نراه يعتبر أسلوب المعلم بطرس البستاني في جرائد (الجنة) و(الجنان) وعلى أثرها (الأهرام) مجرد تقليد فج لا قيمة له بحد ذاته. بل نراه يعتبر اندثار هذا النوع من الكتابة فضيلة. وهو نقد جارح ومتطرف لحد ما، لكنه يعكس غلو الفكرة الإصلاحية في موجهة حالة الانحطاط العميقة ومستوى الاغتراب المحتمل في تقليد لغة الغرب عوضا عن الرجوع إلى أصول اللغة ومنطق تراثها القومي والثقافي. من هنا ربطه بين فكرة إصلاح اللغة العربية وفكرة التمدن. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه عندما كان العرب في أوج كمالهم وتطورهم، بل وأرقى الأمم بمعايير ذلك الزمان، فان ذلك وجد انعكاسه أيضا في اللغة التي استطاعت أن تعبر عن انجازاتها ومعاركها الفكرية والروحية في مصطلحها وكلماتها وعباراتها وبيانها[14].

 إننا نقف هنا أمام تكامل التأسيس النظري للفكرة الإصلاحية من خلال بروز منظومة الوعي الإصلاحي الفاعل بالنسبة لإرساء مختلف المفاهيم والأفكار والمواقف والقيم. وليس مصادفة أن تحتل فكرة النظام والعدل والقانون أضلاع المثلث الكبير للفكرة السياسية الإصلاحية الإسلامية عند محمد عبده. فهو الثالوث الذي يعبر بصور نموذجية رفيعة المستوى عن ثالوث فكرة العقل الثقافي الذاتي والروح الثقافي الذاتي والروح السياسي الذاتي. (يتبع...)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 .....................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص627.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص101.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص103

[4] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص858.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص428.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص428.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص645.

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص.721

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1ص318-319.

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة ج1، ص300.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص198.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص437.

[13] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص372-373.

[14] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص23-24.

mutham aljanabi2كانت المبادئ الكبرى المتوحدة في الفكرة الإصلاحية لمحمد عبده كانت نتاجا منطقيا لفلسفته الإصلاحية. بمعنى أنها كانت تحتوي في أعماقها على وحدة التأسيس الأولي لما يمكن دعوته بالعقل الثقافي الذاتي، والروح الثقافي القومي، والفكرة السياسية الإسلامية. بمعنى أنها كانت تحتوي من حيث توجهها العام على تأسيس أبعاد ثلاثة كبرى تعمل من اجل توحيد وعي الذات الثقافي المتحرر من نير التقليد، والوعي الثقافي الذاتي (القومي) والوعي السياسي المبني على فكرة العدالة والحق.

غير أن هذا التوحيد الفكري لم يرتق إلى مصاف الرؤية المنهجية النظرية. بل كان اقرب إلى كمية متراكمة من المواقف والأفكار في مجرى تفتح ملامح المبادئ الكبرى للفكرة الإصلاحية الإسلامية عند محمد عبده.

لقد كان التوجه العميق والتلقائي في تأسيس العقل الثقافي الذاتي النتيجة الملازمة لصعود الرؤية النقدية. فالإصلاحية نقدية بالضرورة. والإصلاحية الإسلامية ليست نقدية فحسب، بل وتلقائية من حيث اختمار أفكارها وقيمها ولحد ما منهجية رؤيتها الوثيقة الارتباط بتجارب الأسلاف وقيم الثقافة الغابرة. لكنها ليست تقليدية. وليس مصادفة أن يتحول نقد التقليد إلى إحدى أهم المقدمات المنهجية والنظرية في الفكرة الإصلاحية. غير أن ما يميز الفكرة الإصلاحية الإسلامية لمحمد عبده هو أنها كانت ترتكز دوما على رؤية ثقافية إسلامية عقلانية وواقعية وإنسانية، أي أنها كانت تعتمد أولا وقبل كل شيء على أولية وجوهرية الموقف الثقافي.

فقد رفع محمد عبده فكرة النقد إلى مصاف الفكرة المتسامية. بحيث نراه يقول "الانتقاد نفثة من الروح الإلهي في صدور البشر"[1]. بل واعتبرها مصدر التطور وشحذ المعرفة وتدقيقها. كما أكد على انه بدون النقد لا تتوسع المعارف ولا تتجلى الحقائق ولا يعرف الحق من الباطل[2]. وان عدم الاستماع إلى النقد أو رفضه ومحاربته هو دليل على موت الروح والعقل. وليس مصادفة ألا يترك أية ظاهرة تخل بإمكانية الإصلاح أو عرقلته أو إعاقته دون أن يتطرق إليها بالنقد العميق واللاذع. إلا أن موقفه المنهجي ظل متماسكا حتى النهاية فيما يتعلق بوضعه التقليد والجمود الفكري والعقلي في أساس التخلف والانحطاط.

انطلق محمد عبده بنقده أولا للجمود الديني واستكمله بنقد مختلف مظاهر الجمود بوصفه الوجه الآخر للتقليد. إذ أن كل منهما يحدد ويمد الآخر بقوته المخربة للعقل والضمير. من هنا اعتباره الجمود جناية. فنراه تكلم عما اسماه بجناية الجمود على النظام والاجتماع، وجناية الجمود على الشريعة وأهلها، وجناية الجمود على العقيدة وغير ذلك. ووضع في الجناية الأولى "جناية التفريق وتمزيق نظام الأمة وإيقاعها فيما وقع فيه من سبقها من الاختلاف وتفرق المذاهب والشيع في الدين"[3]. أما في جناية الجمود على الشريعة وأهلها فوجدها في انقلاب المضمون والوظيفة العملية للشرعية. انطلاقا من أنها كانت في الأصل يسيرة وأصبحت الآن عسيرة. بينما ارجع مضمون جناية الجمود على العقيدة في نسيان أو تجاهل ثلاث مبادئ مترابطة ومركبة وهي أن الإيمان يعتمد اليقين ولا يجوز الأخذ فيه بالظن، وان العقل ينبوع اليقين في الإيمان، والإيمان فيما بعد ذلك من علم الغيب. بعبارة أخرى، أن الجمود الديني أدى إلى نفي حقيقة الدين بالمعنى الإصلاحي. فقد اعتبر محمد عبد العقل هو الحلقة الرابطة والقوة الجوهرية بالنسبة للإيمان الحق وليس قواعد العقائد الميتة. فالإيمان بالنسبة له يقين، والعقل هو مصدر هذا اليقين. وما يقع خارج ذلك فهو من علم الغيب، أي من عوالم لا يحق الحكم بها بصورة جازمة وتحويلها إلى مصدر للأحكام العملية. وعدم الأخذ بذلك يعني المراوحة في مستنقع التخلف والانحطاط المادي والمعنوي وخروجا على حقيقة الإسلام. من هنا فكرة محمد عبده عن أن الدين هو الذي كان "يطلق العقل في سعة. فلما وقف الدين وقعد طلاب اليقين وقف العلم وسكنت ريحه. ولم يكن ذلك دفعة واحدة ولكنه سار سير التدرج".

ووضع هذه الفكرة العامة في أساس نقده "للبدع" والحالة الدينية السائدة والأحكام العلمية والتصوف وغيرها مما يرتبط بهذا القدر أو ذاك بظاهرة الجمود والانحطاط الديني. فهو لم يقصد بالبدع سوى جملة الممارسات والمفاهيم المشوهة التي تتنافى مع تقاليد الإسلام العقلية والعقلانية والنزعة الإنسانية. من هنا نقده لممارسات الشعوذة "الصوفية" بوصفها "كرامات" بينما هي في حقيقتها شعوذة وامتهان للجسد والروح الإنساني[4]. وفي الوقت نفسه نراه يدافع عن روح التصوف، ويبعده عما هو سائد ومنتشر من تخلف وانحطاط الطرق والشعوذة. وفي كلتا الحالتين نقف أمام تبجيل خفي للتصوف يكمن من حيث الجوهر في أعمق أعماق الروح الإصلاحي لمحمده عبده. فقد وقف محمد عبده بالضد من الفكرة الواسعة الانتشار آنذاك والقائلة، بان التصوف هو احد الأسباب الكبرى القائمة وراء انحطاط الإسلام والمسلمين. ورد على ذلك بفكرة يمكن إرجاع مضمونها إلى ابتلاء التصوف في أول الأمر بالفقهاء الجامدين على ظواهر الأحكام، ولاحقا بالجهل به سواء ممن يتبع "ترهاته" ومن يجعل منها حقيقة التصوف. وذلك لان "الصوفية الحقيقيون في طرف، والفقهاء في طرف آخر" كمال يقول محمد عبده. لكن فساد كل منهما أدى أيضا إلى تشابكهما في تصنيع التخلف.

لقد وجد محمد عبده في مختلف مظاهر الانحطاط الديني تعبيرا عن الجمود والتقليد للمذاهب والانغلاق. وليس مصادفة على سبيل المثال أن يدعو إلى فكرة الرجوع إلى القرآن والسنة الصحيحة، أي المصادر الكبرى ولكن من خلال فهمها العقلي والعقلاني والواقعي بمعايير المعاصرة أيضا. فعندما يتناول على سبيل المثال قضية العقائد وأهميتها بالنسبة للأحكام العملية، فإننا نراه يشدد على ما اسماه بفكرة الحكم لله وحده بحيث لا يؤخذ الدين عن غيره. غير أن هذه "الحاكمية الإلهية" لا تعني عنده سوى الاجتهاد العلمي والعملي من اجل "تقوية الإيمان وإصلاح النفس". وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الإيمان بالنسبة لمحمد عبده وثيق الارتباط بالاجتهاد العقلي، وان إصلاح النفس هي منظومة السلوك الأخلاقي والإرادة العملية الخيرة، من هنا يمكن فهم حقيقة المضمون الفعلي للأحكام العملية. بمعنى أنها تخرج من إطار التقاليد الميتة لأحكام القواعد العقائدية والذهبية والفقهية المتعلقة بمتطلبات الجسد والعبادات الباهتة. من هنا نراه يقول، بان بأننا حالما نقر ونعتقد بان لا فعل لغير الله، فان ذلك يعني ألا نطلب شيئا إلا منه. وفي الوقت نفسه أن نفهم بان "طلبنا منه يكون بالأخذ بالأسباب التي وضعها وهدانا إليها"، و"في حالة جهلنا أو عجزنا، عندها نلجأ إلى قدرته ونستمد عنايته وحده". مما سبق يتضح بان مقصود الفكرة هنا يعود إلى الرؤية العقلية الصارمة المتعلقة بضرورة الأخذ بالأسباب الطبيعية والسير بها حتى النهاية بوصفها "سنة الله في الوجود". أما العجز عن بلوغ الأسباب أحيانا، فانه مجرد وقفة في مواقف العلم النظري والعملي التي تكشف عن لانهائية المعرفة. وبقدر ما ينطبق ذلك على العلم ينطبق أيضا على العمل. من هنا فكرة استنتاج محمد عبده القائل، بان الأحكام العملية إنما تشرع لتقوية الإيمان وإصلاح النفس.

وطبق محمد عبده هذا الأسلوب النقدي تجاه مختلف المظاهر المخربة للعقل الثقافي الذاتي. بحيث نراه يتتبع أيضا مختلف الإصدارات والأنماط الكتابية. وليس مصادفة على سبيل المثال أن نراه ينتقد ظاهرة انتشار كتب النوادر والخيال والحب "الفاسد" والروايات الشعبية التي يتلذذ بها العوام بينما يديرون آذانهم عن الاستماع وقراءة كتب الأخلاق وعدم الاهتمام به[5]. وهو موقف ينبع من فكرته الإصلاحية القائمة على ضرورة بناء منظومة القيم والمفاهيم والمبادئ الأخلاقية الضرورية لتكامل المجتمع والدولة وتقدمهما وتمدنهما السليم. ولهذا نراه ينتقد ظاهرة ما يسمى بالأدب الوهمي، من تعظيم مزيف وما شابه ذلك[6]. بل نراه ينتقد بحدة مجلة (أبو نظارة) الواسعة الانتشار آنذاك في مصر بسبب دورها السلبي حسب اعتقاده بالنسبة لتأسيس العقل الاجتماعي والأخلاقي، وذلك لاهتمامها المفرط أو بنائها على منهج إثارة النكات والنوادر السخيفة والولع بالسب والشتيمة[7]. وطبق هذا المنهج في نقده للنقد السائد في الجرائد المصرية. وليس مصادفة أن نراه أحيانا يصور بعضهم بعبارات قاسية مثل قوله "يصورون أنفسهم بأنهم دعاة الحق بينما على حقيقتهم هو رسل الفوضى وجرذان النظام"[8].

وبقدر ما ينطبق ذلك على مواقفه من مختلف مظاهر الحياة الروحي والأدبية والفكرية، ينطبق أيضا على موقفه من التحليل السياسي والتاريخ السياسي لمصر نفسه. لهذا نراه أحيانا ينتقد التسطيح الفكري في النظر إلى سلوك الدول وسياستها تجاه مصر وبالأخص ما يتعلق منه بالموقف من فرنسا وانكلترا حيث يعتقد بان البحث في سياستهما تجاه مصر عن الدسيسة والوقيعة فقط هو جهل بحقيقة هاتين الدولتين![9]. لكنه في الوقت نفسه نراه يجد فيهما احد الأسباب الكبرى في إعاقة التمدن الحقيقي. والشيء نفسه يمكن قوله عن احد مواقفه من شخصية ودور محمد علي باشا بالنسبة لتاريخ التمدن الحقيقي في مصر الحديثة. إذ نعثر في موقفه هذا عن رؤية نقدية تستند إلى تاريخ مصر ما قبل الغزو الفرنسي، الذي جعل من صعود محمد علي جزء من حالة القدر. أما محمد علي باشا بالنسبة لمصر فهو "لم يستطع أن يحيي، ولكن استطاع أن يميت". إذ استعمل أسلوب الاستعانة بقوة على أخرى من اجل تصفية كل معارضة. وقضى على الشجاعة والفردية. بحيث لم يبق في البلاد رأسا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه[10]. يرفع الاسافل ويعليهم في البلاد (على عقدة ما فيه). قتل كل نفس قوية. وقضى على الأمراء وجعل من عائلته اميرة واحدة. بل وجعل البلاد المصرية إقطاعا واحده له ولأهله. ثم ادخل النموذج الغربي وسيادة الغربي ودونية المصري. أما الإصلاحات التي قام بها فمن اجل إحكام السيطرة. فهو لم يصلح اللغة ولا التربية ولا القانون ولا أعار اهتماما لأهل البلد ودورهم في الحياة. حاشيته من الارنائوط والشراكسة والأرمن. همهم خدمة السلطة. بلا ضمير ولا شريعة. كما انه لم يهتم بالمدرسة. من هنا انعدام أثرها. كما انه لا قيمة للترجمات التي قام بها. إضافة لذلك انه لم ينشأ صناعة لأنه لا اثر لها. وكذلك الحال بالنسبة للعلوم. والاقتصاد كان مجرد سخرة. قوة الجيش، لم تكن مصرية. من هنا اندثارها. فعندما دخل الفرنسيون كانت هناك مواجهة وقتال، وعندما دخل الانجليز فإنها كانت نهبا سريعا. أما "الدفاع عن الدين" فقد كان صراعا ضد الوهابية. بمعنى انه كان هجوما على الدين لا للدين. وذلك لأنها كانت مهمة سياسية لخدمة السلطان التركي العثماني. بحيث جعله كل ذلك يختتم فكرته عن آثار ودور وشخصية محمد علي باشا بالنسبة لتاريخ مصر الحديث بعبارة تقول "كان محمد علي لمصر قاهرا ولحياتها معدما"[11]. ولم تخل هذه النظرة من حماسة محمد عبده السياسية في مجرى معارضته آنذاك للخديوي عباس حلمي. غير أنها كانت تحتوي ضمن سياق رؤيته النقدية على ملامح قوية فيما يتعلق بتأسيس العقل الثقافي الذاتي. فمن الناحية السياسية المجردة قد تختلف اختلافا كبيرا عما في تقييم أستاذه الأفغاني الذي وجد في شخصية محمد علي باشا حالة نادرة بالنسبة للتاريخ الإسلامي الحديث، إلا أن التقييم الثقافي لها في مواقف محمد عبده ينطوي على أبعاد رزينة وعميقة، أو على الأقل أنها تحتوي على رؤية نقدية عقلية وعقلانية يمكن ملاحظة آثارها في حياة وتاريخ مصر بعد مرور أكثر من قرنين من الزمن.

غير أن الصيغة المثلى والمستوى الأرقى لتأسيس العقل الثقافي الذاتي في إصلاحية محمد عبده تبرز في جدله الفكري والنقدي في الدفاع عن تاريخ الثقافة الإسلامية والإسلام، كما نراها على سبيل المثال في سلسلة المقالات التي كتبها في الرد على هانوتو وفرح انطون. فقد ترك محمد عبده جانبا الهذيان السياسي لهانوتو القائل بضرورة "تلقيح" المسلمين بحب السلطة الفرنسية والخضوع والولاء التام لها، وفي حالة الجمع بين الاثنين طاب الجوار، وإلا فإن فرنسا لها الحق في القضاء عليهم وإزالتهم من وجه البسيطة! واعتبر ما يقوله هانوتو بهذا الصدد جزء من رؤية سياسية تاريخية لو لم يتعرض للإسلام وعقائده. إذ وجد في حصيلة آراء ومواقف هانوتو تعبيرا نموذجيا عن الرؤية التقليدية الفجة للاستعمار الفرنسي آنذاك، مهمتها إثارة العداء بين البشر. إضافة إلى ما فيها من أحكام وآراء تتنافى مع الادعاء بالمدنية والتسامح.

فقد كانت الفكرة الجوهرية للرؤية الثقافية عند هانوتو تقوم على معارضة الآرية بالسامية، وان الآرية هي مصدر التقدم على عكس السامية. وأن المسيحية تتمثل تقاليد الآرية عبر إنزالها الإله إلى التجسيد ومن ثم إلى الله الأب وعبره إلى الابن عبر روح القدس. مع ما في ذلك من تقريب للإله من الإنسان والسمو به. أما السامية فإنها تفصل بين الله والإنسان. وكذلك إذا كانت الجبرية من صفات الديانة السامية، فان من صفات الآرية على العكس، أي إقرارها بالنزعة القدرية.

وعندما وضع محمد عبده هذه الآراء على محك المواقف النقدية، فانه حاول أن يكشف عما فيها من فجاجة وتسطيح تصطدم بحقائق التاريخ. منها إن كانت الهند هي مصدر الآرية فان تراثها وتقاليدها تتعارض مع العقل والنزعة الإنسانية. ولعل شيوع وهيمنة نظام الطبقات هو احد الأدلة على ذلك. أما بالنسبة للتاريخ الواقعي، فان أوربا كانت إلى فترة قريبة موطن الهمجية والتخلف. إضافة لذلك أن ربط المدنية الأوربية بالنصرانية والآرية يتعارض مع ما في الإنجيل. والقضية هنا ليست فقط في أن الأناجيل نفسها صناعة "سامية" بل ولان ما في الإنجيل ودعوته إلى الزهد في الدنيا ومحبة الأعداء قبل الأصدقاء وما شابه ذلك يتعارض مع المدنية الأوربية الحديثة. إذ لا علاقة للمدنية الأوربية الحديثة بالإنجيل والآرية. وذلك لأن ما فيها هو تجسيد لسطوة المال، وسلطان القوة، ومدنية الذهب والفضة، والفخفخة والبهرجة، والاختيال والنفاق. أما من الناحية الفعلية المتعلقة بتطور المدنية والحضارة، فإن الإسلام هو الذي زحف على أوربا من خلال تنظيف وتنقية وتطوير علوم القدماء. ذلك يعني أن الإسلام هو الذي كان يحمل رسالة المدنية الإنسانية عبر تمثل وتوسيع ونشر الحصيلة الثقافة للقدماء (ما صنعته فارس ومصر واليونان والرومان). والشيء نفسه يمكن قوله عن قضية الجبر والاختيار.

لقد وجد محمد عبده في آراء هانوتو تسطيحا وجهلا بالفكر الفلسفي والديني. إضافة إلى تعارضها مع الوقائع والحقائق. فالجبر والقدر جزء من صراع الأفكار. وأنها كانت وما تزال بين النصرانيين كما بين فرق الأديان وغير الأديان جميعا. ثم هل رأيت يهوديا متكئا على قفاه لا يعمل؟ بل سمعنا ونعرف سلوك النصارى في الأديرة والرهبنة. والفكر اليوناني أيضا مليء بالإشارة إلى أثر القدر والبخت والاتفاق، أي مملوء بفكرة الجبرية. في حين يوجد في القرآن نحو أربع وستين آية تحث على الكسب. وفيه محاربة للجبر بكل أشكاله. إضافة إلى أن الإسلام يفرق بين اختيار الإنسان في أفعاله واثر القدرة (الإلهية). وان سلوك محمد وحياته كلها نضال وكفاح وتحد وتعبير عن الإرادة العارمة. وتوّج محمد عبده هذه الرؤية النقدية باستنتاج فكري سياسي وثقافي يقول، بأن مبادئ الصناعة والعمل عند جميع الأقوام المرتقية في سلّم الإنسانية واحدة. أنها تختلف بأسباب المعيشة وظروف الحياة والطبيعة والمناخ والتاريخ، وجميعها يأخذ من الآخر ولا فرق هنا بين سامي وآري. ويعكس هذا الاستنتاج رؤيته النقدية العقلانية والإنسانية الفاعلة باتجاه بلورة وتدقيق ما أسميته بالعقل الثقافي الذاتي، كما هو جلي على سبيل المثال، في مجرى نقده الفلسفي للآراء التي وضعها فرح انطون في مقارناته بين الإسلام والنصرانية، أي كل ما حصل على صيغته النهائية في كتابه (الاضطهاد في النصرانية والإسلام) أو (العلم بين النصرانية والإسلام)[12].(يتبع...)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

..................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص162.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص165.

[3] طبعا أن محمد عبده لا ينتقد الظاهرة من حيث مقدماتها التاريخية السياسية والثقافية والذهنية القائمة في الدين نفسه. وخطورته تكمن أولا في مستوى التطور ونظام الحرية وما يميز الفكرة الدينية نفسها من انغلاق نسبي ومطلق. تجعل من التكفير والتحريم والتجريم فعلا "مقدسا".

[4]  محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص50-52.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص60.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص64.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص297.

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص627.

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص359.

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص854.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص851-858.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة،   ج3، ص257-368

mutham aljanabi2احتوت الرؤية الإصلاحية عند محمد عبده على مبدأ دفين يحدد اتجاهها الفعلي ألا وهو أولوية إصلاح التربية بالنسبة للإصلاح الحق،على ان يستند هذا الإصلاح على التقاليد الخاصة[1]. بمعنى إن معاناة الاجتهاد العقلي في مواجهة إشكاليات الوجود التاريخي للفرد والجماعة والمجتمع والدولة والأمة ينبغي أن تقوم عبر تبني الرؤية التربوية الجديدة، التي اعتبرها ضرورية للوجود الإنساني أولا وقبل كل شيء. من هنا فكرته عن "إن الإنسان لا يكون إنسانا إلا بالتربية[2]. ووضع فيها تربية الأصول أو الرجوع إليها ويقصد بذلك سلوك الأنبياء والمرسلين والحكماء. من هنا فكرته عن انه ليس القوانين الرادعة هي التي تربي الأمم، بل ما اسماه "بنواميس التربية الملية لكل امة"[3]، أي التربية المبنية على أساس التقاليد الخاصة، وبصفها الوسيلة الضرورية للتحرر من التقليد. وهذا بدوره الشرط الضروري للاجتهاد الحر والسير في طريق معاناة أو مكابدة نتائجه العملية. وإلا فإن كل ما يجري القيام به سوف لن يؤدي إلى إلا نتائج وآثار مخربة ومدمرة. والقضية ليست فقط في أن هذا النوع من الجهود (التي لا اجتهاد حر فيها) سوف تتحول إلى هباء، بل وكذلك لإمكانية ارتداده بالعكس تماما. من هنا مرجعية الفكرة التي بلورها والقائلة، بأن الأولوية بالنسبة للإصلاح هو إصلاح حال التربية استنادا إلى التقاليد الخاصة[4]. ولم يعن ذلك الانغلاق أمام الآخرين، على العكس. لهذا نراه يقف أيضا إلى جانب نشر المدارس بما في ذلك الأجنبية. بل ولا يمانع من إرسال الأطفال إلى المدارس الدينية للطوائف الأخرى (غير الإسلامية)، ولكن فقط في "حال عدم مبالاتهم بالدين". وهو موقف يعكس بقدر واحد الانفتاح الداخلي والتسامح الخارجي الذي يتفوق على نظيره الأوربي آنذاك أيضا. ولم يكن الحافز وراء هذا الموقف دينيا بقدر ما كان اجتماعيا وثقافيا بحتا. من هنا ربطه إمكانية إرسال الأطفال المسلمين إلى المدارس التبشيرية النصرانية في حال ألا يؤدي ذلك إلى ما اسماه بإثارة خلل وصراع داخل العائلة والمجتمع. غير إن موقفه العام والجوهري هو موقفه الإصلاحي الشامل في ميدان التربية والقائل بضرورة فتح وتوسيع شبكة المدارس الوطنية، لما لها من اثر وفاعلية في تكامل الشخصية الفردية بمعايير انتمائها الديني والقومي الثقافي[5]. وأسس لهذا الموقف على رؤيته المتعلقة بأهمية وجوهرية التربية في بناء الإنسان والمجتمع والدولة والأمة. وكتب بهذا الصدد، بأنه بدون التربية لا بمكن بلوغ الوحدة والقوة والتقدم وثبات العلوم واستثمارها. على العكس بدونها لا تؤدي حتى العلوم إلا إلى إثارة اللغو والهذيان. وقدّم نماذج عديدة بما في ذلك على مستوى اللغة العادية مثل إيراده كلام الأم لابنها "خذ هذا وأخفه عن الأعين حتى لا يراك أخوك" نموذجا عل سوء التربية لما في هذه العبارة من غرس لثلاث خصال مهلكات وهي الأثرة والدناءة والسرقة. ومن هنا أيضا فكرته عن انه لا يمكن بناء جمعية ولا جماعة ولا أمة من الجهلة والجاهلات. وقدم أمثلة من حياته في القضاء حيث وجد ما يقارب 75% من المشاكل التي قضى فيها بأحكام عادة ما تقع بين الأهل والأقارب! وتساءل عما إذا كان يمكن بناء مجتمع على هذا الأساس؟

لقد وجد محمد عبده في انعدام أو ضعف التربية السليمة سرّ الخراب والانحطاط. من هنا تشديده عل أهميتها العلمية والعملية. بل اعتبرها أسلوب بلوغ السعادة. فهو يسير ضمن تقاليد الفلسفة الإسلامية العقلانية التي وجدت في العلم والمعرفة سبب ومقدمات بلوغ السعادة ولكن من خلال نقلها إلى ميدان التنظيم الضروري الذي ينبغي أن تقوم به الدولة والمجتمع والأفراد. وليس مصادفة أن نراه يبحث عن كل صغيرة وكبيرة في مختلف تجارب الأمم، التي تكشف عن دور الفرد والمجتمع المدني والنخبة العاملة من اجل الخير العام والدولة والأمة[6].

بعبارة أخرى، انه جعل من التربية مهمة الدولة والمجتمع. وبهذا يكون قد أدرك قيمتها العلمية والعملية الهائلة بالنسبة للإصلاح الشامل. لهذا نراه يعتبر التعليم العام ضروريا. ويشير إلى مسئولية الدولة. فمصر تنفق على التعليم مائتي ألف جنيه بينما ميزانيتها تبلغ 12 مليون[7]. بل ونراه يربط فكرة غنى الأفراد والمجتمع والدولة بمدى انتشار التربية والمدارس فيها. وكتب بهذا الصدد يقول، إن أرض مصر غنية لكنها فقيرة. والسبب يكمن في الإنسان وتربيته. فقر البلاد بقلة الراشدين وغناها بكثرة المهتدين[8]. من هنا دعوته الأغنياء آنذاك من اجل المساهمة في بناء المدارس والتعليم. فهو ثروة لهم أيضا، مستشهدا بالتجربة الأوربية[9]. والغاية النهائية من وراء كل ذلك تقوم فيما للتربية والتعليم من اثر جوهري في سعادة الأمم. وكتب بهذا الصدد يقول، إنما الغرض من التعليم وإنشاء المدارس هو تربية العقول والنفوس من اجل نيل كمال السعادة. والمقصود بتربية العقول إخراجها من فساد الرؤية والمعتقدات من اجل بلوغ الحالة التي يمكن للمرء التمييز بها بين الخير والشر والصحيح والخطأ، أي بلوغ الحالة التي يصبح فيها العقل نافذا في الحكم على الأشياء، وتحول ذلك إلى سجية[10].

وإذا نراه أحيانا يشدد على أهمية التربية الدينية، فإن المقصود بذلك تربية الرؤية الإصلاحية. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه عن وضع ما اسماه بتربية المعتقدات الدينية الصحيحة في أولويات هذه التربية. بمعنى وضعه في أولوياتها ما هو مرتبط بمرحلة الإصلاح الديني والفكرة الإصلاحية، أي "تربية القلوب بما يرضي الخالق، وذلك بشرط عدم خروجها على مكارم الأخلاق"، كما يقول محمد عبده[11]. من هنا تأييده لإجراء وزارة المعارف (نظارة المعارف العمومية) بتعليم العقائد الدينية (التربية الدينية) ولكن بعد ربطها بشروط أساسية وهي أن تكون هذه التربية معنوية حقيقة وليس كعبادة الجاهليين، وملاحظة تعاليم هذه التربية من اجل "ألا تكون محشوة بالتخريف المضادة لحقيقة الدين"[12]. ودفع هذه الفكرة صوب أبعادها النظرية العقائدية عندما تناول قضية إصلاح مناهج التربية. إذ نراه يضع في فكرة تجديد المناهج (حالما تكون جزء من الإصلاح الديني) ضرورة القضاء على الأفكار السيئة مثل الجبرية والمرجئة. ومن ثم المطالبة بالعمل. ولكن من خلال نموذج للتربية دقيق يبدأ بالفقه الباطن، أي تربية الروح الأخلاقي. ثم البقية الباقية على أساس اليسير والسليم، أي المرتبط بالرؤية العقلية الصحيحة[13].

ومن اجل تنفيذ هذه المهمة وضع رؤية عملية تتعلق بتدريس العقائد والحلال والحرام والتاريخ مهمتها جمع الكلمة ونبذ الخلاف. على أن يجري تدريس ذلك كل قوم بلغته، بالعربية للعرب وبالتركية للأتراك وهكذا دواليك[14]. كما وضع هذه النماذج المختلفة للدارس الابتدائية ثم المتوسطة وما فوقه، مهمتها في نهاية المطاف الأخذ بمنطق الإصلاح والرؤية العقلانية والإنسانية مع البقاء التام والدقيق ضمن معايير التقاليد الإسلامية بوصفها تقاليد ثقافية[15]. وتعدى ذلك إلى مسألة الاهتمام بنوعية الكتب لما لها من اثر بالنسبة لتربية العقول والضمائر. فعندما تناول على سبيل المثال حالة الكتاب آنذاك في مصر نراه يشير إلى وجود أنواع من الكتب: دينية تقليدية واسعة الانتشار، وكتب حكمية عقلية فلسفية يصعب الحصول عليها، وكتب الأدب القديمة والحديثة وهي آخذت في الانتشار، وكتب خرافية أو ما يدعوه محمد عبده  بكتب الأكاذيب الصرف مثل عنتر وعبس والظاهر بيبرس وأبو زيد وغيرها، وكتب الخرافات، أي مختلف نماذج الكتب المتعارضة مع العقل من العفاريت وتأثير الأجواء على المصير. ووضع محمد عبده هذه الكتب الأخيرة في مقدمات بقاء وانتعاش التخلف الفكري والروحي والأخلاقي. على عكس ما سعت إليه الدولة من منع الكتب "المضرة بالدين والسياسة"[16]. أي على عكس إدراك الحقيقة التي تكشف عنها وتبرهن تجارب الأمم الراقية في سلم المدنية عما في العلم والتربية من قوة مادية وروحية. لهذا نراه يربط مهمة وإمكانية الدفاع عن الدولة والدين والإنسان بالعلم والتربية، بوصفهما القوى الوحيدة القادرة على مساعدة الأمم في مواجهة التدخل الأجنبي والاحتلال وغيره، انطلاقا من إن "العلم نافع لنا، والجهل مهلك لأرواحنا"[17]. ليس هذا فحسبن بل ونراه يربط بين التمدن الحقيقي ونتائج التربية القائمة على العلم. وليس مصادفة أن يعتبر المعيار الفعلي لحقيقة التمدن هو نمو الثروة العامة. وليس مظاهر البهرجة الزائفة[18]. ولا يكن بلوغ ذلك دون التربية والعلوم وذلك لما لها من اثر جوهري بالنسبة لتنظيم القيم الإنسانية الضرورية بالنسبة لبلوغ السعادة الحقيقية. فعندما يتكلم على سبيل المثال عن فكرة العدالة، فإننا نراه يربطها بالتربية والعلم. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن العلم والعدالة بالنسبة لدولة والأمة "متلازمان في الوجود". والرابط الفعلي بينهما هو العلم. وذلك لأن انتشاره يضيء العقول ويوصل المرء والجماعة إلى أن العدالة والمساواة هما العلة الأولى لسعادة البشر[19]. (يتبع....)

***

 

.......................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص168.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص168

[4] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص60-61.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، 315.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص183

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص45

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص51

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص29.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص30.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة،ج3، ص31.

[13] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص80.

[14] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص82.

[15] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص83-91

[16] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص54- 56.

[17] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص20-21

[18] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، 38-41.

[19] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص24-25.

mutham aljanabi2إن حقيقة الاستلاب الأكبر في تفكير وحصيلة آراء طه حسين تقوم أساسا في استلاب الرؤية المنهجية الذي يقترب في بعض جوانبه من حدود الانعدام الذاتي. وقد يكون موقفه من "مستقبل الثقافة" في مصر نموذجا حيا على ذلك، رغم كل الفضائل الكبرى لهذا الكتاب من حيث نياته وغاياته العلنية والمستترة ونمط رؤيته العملية للتربية والتعليم[1]. وذلك لان القضية الجوهرية التي أراد طه حسين التأسيس لها هنا تتعلق بمستقبل الثقافة في مصر، أي أنها الصيغة الوحيدة التي تحتوي على رؤية مستقبلية[2]. وانطلق من مقدمة سليمة تقول، بأننا "نعيش في عصر من اخص ما يوصف به أن الحرية والاستقلال فيه ليسا غاية تقصد إليها الشعوب، وإنما هما وسيلة إلى أغراض أرقى منها وأبقى"[3]. وان الشيء الأهم هو "الحضارة التي تقوم على الثقافة والعلم، والقوة التي تنشأ عن الثقافة والعلم، والثروة التي تنتجها الثقافة والعلم. ولولا إن مصر قصرت طائعة أو كارهة في ذات الثقافة والعلم لما فقدت حريتها، ولما أضاعت استقلالها، ولما احتاجت إلى هذا الجهاد العنيف الشريف لتسترد الحرية وتستعيد الاستقلال"[4]. ومن هذه المقدمة العامة أراد إيجاد الصيغة المثلى لتحقيق ذلك. فوجدها فيما اسماه بضرورة أن "تكون حياتنا الحديثة ملائمة لمجدنا القديم"[5]. واختتم ذلك بفكرة سليمة ودقيقة في الوقت نفسه تؤكد على أن الأسلوب الوحيد لبلوغ كل ذلك هو "بناء التعليم على أساس متين"[6]. وذلك لان تجربة مصر الحديثة تكشف عن أن أهم شخصياتها الفكرية والأدبية قد نشأت وترعرعت وتربت وأنتجت خارج إطار مدارس التربية والتعليم، أو بصورة أدق خارج "دار العلوم" مثل لطفي السيد وهيكل ومصطفى عبد الرازق والعقاد والمازني وكثير غيرهم، أي كل أولئك الذين ساهموا في بلورة "العقل المصري" الحديث[7]. من هنا مهمة البحث عن علاقة تعاون أو صلة جديدة بين الدولة والشعب والمثقف من اجل تمكين المثقفين من أن ينتجوا فيضيفوا إلى الثقافة ويجددوها ويشاركوا في تنمية الثروة الإنسانية. ويهدف هذا التعاون إلى أن تتجاوز الثقافة الوطنية حدود الوطن بحيث يمكن تقديمها للأمم الأخرى التي "قد تحتاج إلى هذا الغذاء المصري". ويتطلب هذا بدوره تحقيق الصلة المنظمة الخصبة المنتجة بين مصر وبين الثقافات الأجنبية على اختلافها وتباين لغاتها ومناهجها. فموقع "مصر وثقلها واقتصادها يجعلها دولة مهمة على صعيد المتوسط والعالم"، إلا أننا حالما ننظر إلى مشاركتها الثقافية فإنها تكاد لا تذكر[8]. وتوصل بأثر ذلك إلى استنتاج مستقبلي دقيق يقول، بان "التقصير في ذات الثقافة خطر على المكانة السياسية والاقتصادية، لان الفوز في السياسة والاقتصاد لا يتأتى للأمم الجاهلة ولا للشعوب الغافلة ولا للدول التي لا تمنح الثقافة من عنايتها إلا حظا يسيرا"[9].

إن هذه المقدمة العامة والسليمة من حيث الشكل والمحتوى ولحد ما المنطق، سرعان ما تتهاوى في دهاليز التأسيس الفكري لماهية مصر الثقافية، و"العقل المصري"، و"الثقافة المصرية" ونوعيتهما الثقافية.

لقد ربط طه حسين ماهية مصر الثقافية بقضية موقع مصر بين "الشرق والغرب". بمعنى انه انطلق من قضية تاريخية ملموسة وعابرة لحد ما، بوصفها الجوهر المحدد لماهية مصر الثقافية. ومنها حاول إرساء أسس ما اسماه بالمستقبل الثقافي لمصر. بمعنى انه أراد أن يجعل من ماهية مصر الثقافية قضية فكرية قائمة بحد ذاتها رغم كونها قضية سياسية آنذاك بالدرجة الأولى. وعوضا عن أن يجعلها جزء من معترك الوعي المصري والعربي من اجل استكمال مهمة النهضة الثقافية القومية، فانه أرجعها أو ادخلها في دهاليز الاستلاب الفكري والثقافي عبر إثارة قضية ما إذا كانت مصر من الشرق أم من الغرب؟ بل اعتبره السؤال الأكبر. وأشار إلى ذلك بوضوح، إلى أن المقصود بالشرق والغرب ليس البعد الجغرافي، بل الثقافي[10]. مما حدد بدوره المنطلق الخاطئ في موقفه القائل، بان "هناك نوعان من الثقافة يختلفان اشد الاختلاف- الثقافة الشرقية والثقافة الغربية" (الأوربية)[11]. بمعنى سيره ضمن سياق الفكرة الاورومركزية المغلقة آنذاك القائلة باختلاف وليس تنوع الثقافات. بل ورفع ذلك، متتبعا اثر ومسار الاورومركزية المتعصبة، إلى مصاف التناقض أو التضاد أو الصراع الأبدي! وليس مصادفة أن نراه يزدري الفكرة القائلة "بشرقية" مصر ويستغرب ظهور التيارات أو الجمعيات الداعية للوحدة الشرقية أو مختلف أشكال التعاون بينها. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه يستغرب ولا يستطيع فهم واستساغة ما يدعوه بالخطأ الشنيع والوهم الغريب عن المصريين المعاصرين الذين يعتبرون أنفسهم شرقيين (أي أنهم اقرب إلى الهندي والصيني والياباني) منهم إلى الأوربي (اليوناني والفرنسي والايطالي). بحيث نرى ظهور جمعية "الرابطة الشرقية"[12]. واستكمل ذلك بتقرير يقيني عن أن ما قاله كبلنج عن أن الشرق شرق والغرب غرب لا ينطبق على مصر. كما لا ينبغي أن "يفهم المصري الكلمة التي قالها الخديوي إسماعيل من أن مصر جزء من أوربا للمديح أو المفاخرة، بل هي كذلك، بمعنى أن مصر "كانت دائما جزء من أوربا في كل ما يتصل بالحياة العقلية والثقافية، على اختلاف فروعها وألوانها"[13].

وحاول تأسيس هذا التقرير المتيقن بمعطيات مثل إن علاقة مصر لم تتجاوز بهذا "الشرق" غير ما ندعوه الآن بفلسطين والشام والعراق، أي الشرق الواقع في حوض البحر الأبيض المتوسط[14]. وأن الأساطير المصرية تحدثنا عن أن آلهتهم تجاوزت الحدود المصرية، وإن مصر كانت في تلك العصور قوة أساسية من قوى التوازن السياسي والاقتصادي[15]. وانه لا معنى للفصل بين مصر و"الحضارة الإيجية القديمة. ومصر والحضارة اليونانية في عصور ازدهارها حتى عصر الاسكندر المقدوني[16]. وإن اليونانيون القدماء كانوا يتشرفون بتأثير مصر. وكانوا يعتبرون أنفسهم تلاميذ للمصرين القدماء. ولم تكن مصر هي الوحيدة التي أثرت في اليونان، بل وشاركها "الشرق القريب"[17]، إذ يعترف اليونانيون بالفضل للكلدانيين وغيرهم من الشعوب الآسيوية التي تأثرت بالبحر الأبيض المتوسط.

وبغض النظر عن سطحية هذه التقارير العامة وتشوش المصطلحات والعبارات إلا أنها تعكس منطق الرؤية الثقافية المقلوبة لطه حسين، أي في طبيعة ونوعية استلابه المنهجي والتاريخي والفكري وهيمنة الدونية القومية والثقافية أمام أوربا والاحتقار المبطن "للشرق" و"آسيا". مع ان "عميد الأدب العربي" ينبغي ان يكون عربي الانتماء والتأسيس للفكرة، إضافة إلى أن المتعلم الصغير والعارف القليل بتاريخ "الشرق" وثقافاته وحضاراته يعرف بان ما أنتجه هذا الشرق في تاريخه الثقافي والحضاري يعادل أضعاف ما أنتجته أوربا على مدار تاريخها الثقافي.

الأمر الذي جعل من اجتهاده بهذا الصدد شيئا اقرب إلى الرغبة المجردة من تاريخ علاقة "الشرق بالغرب" ومصر بأوربا بالمعنى التاريخي القديم والمرحلة العربية الإسلامية والمرحلة الحديثة والمعاصرة. فالخطاب الفكري هنا خاضع بصورة غير مباشرة للرؤية السياسية والرغبة الشخصية. ومن ثم فهو خطاب أيديولوجي صرف. ونعثر على صدى هذه الرؤية بصورة وأشكال وأنغام متنوعة ليست في كلها سوى شكل من أشكال الاستلاب أو التقليد أو المزج بينهما مع قلة قليلة من الانتباه النقدي لمزالقها الخطرة.

ينطلق طه حسين من تأييده لفكرة الخديوي إسماعيل من إن مصر جزء من أوربا. ويعلل ذلك في انتشار البخار والكهرباء والبرق والوزارة والنواب والمدارس والمسارح والأندية وما شابه ذلك. وبما أنها كلها "جزء مادي من أوربا أو جزء ظاهر من أوربا الظاهرة"، فإن ذلك يعني إن مصر جزء من أوربا. ليس ذلك فحسب، بل إن حياتنا والراقية منها هي أوربية، كما يقول طه حسين. و"إن المثل الأعلى للمصري في حياته المادية إنما هو المثل الأعلى للأوربي في حياته المادية. وليس هناك قوة في الأرض تستطيع أن تردنا عن أن نستمتع بالحياة على النحو الذي يستمتع بها عليه الأوربيون"[18]. وضع هذه المقدمة فيما اسماه بمقياس الرقي في حياة الأفراد والأمم. بحيث جعله ذلك يقول، بان مقياس رقي الأفراد والجماعات في الحياة المادية إنما هو حظنا من الأخذ بأسباب الحياة المادية الأوربية. وكل ما هو موجود عندنا أوربي الأصل بما في ذلك نظام الحكم السياسي[19]. مما يدل بدوره على "إننا في هذا العصر الحديث نريد أن نتصل بأوربا اتصالا يزداد قوة يوما بعد يوم حتى نصبح جزءا منها لفظا ومعنى وحقيقة وشكلا"[20].

إن هذه الدعوة للتماهي التام بين المصري والأوربي في ظل انعدام مقوماتها ومقدماتها وأسسها وتقاليدها، لا تصنع في نهاية المطاف غير أوهام التقليد الأجوف رغم الدعوة المتناثرة هناك وهناك عن الأصالة والخصوصية، كما هو جلي في بعض استدراكاته مثل القول، بان الدعوة للاوربة لا تعني "أن نكون صورة طبق الأصل" فهذا أمر لا يدعو إليه عاقل. كما انه لا سبيل إليه[21]. أو استدركه بان مصر ليست جزء من أوربا المتحضرة والمتقدمة والمثقفة[22]. وان هذا "المثل" ما زال بعيدا كل البعد عن التحقق"[23]. وذلك لان هذه المواقف والاستدراكات تبقى في نهاية المطاف موقف واستدراكات جزئية ولا معنى لها بالنسبة "للفكرة المرجعية" التي وضعها في عبارة "نريد أن نتصل بأوربا اتصالا يزداد قوة يوما بعد يوم حتى نصبح جزءا منها لفظا ومعنى وحقيقة وشكلا". ومع ذلك فإنها تنسف من حيث الجوهر كل مقدمات هذا التفسير والتأويل والتأسيس. وذلك لان جذر ونسق التفسير والتأويل والتأسيس بقت كما هي، بمعنى العمل من اجل إرساء التقليد على أسس "نقدية"، أي المزواجة والتعايش التعس للرؤية النقدية والاستلاب والثقافي في أسخف وأخف وأرذل نماذجه!

 ولا يغير من هذه النتيجة الإضافات التي يقدمها بين حين وآخر مثل أن السعي من اجل تقليد الأوربيين في كل شيء يهدف إلى بلوغ العزة القومية والاستقلال الفعلي. فمن يريد جيشا قويا فعليه التمسك بتقاليد الأوربيين. ومن أراد اقتصادا قويا وعلما وما شابه ذلك فعليه بتقليد الأوربيين، كما يقول طه حسين[24]. ومع انه يشدد على أن ما يريد بلوغه هناك أن يكون مقارنة بما بلغته أوربا وأمريكا، إلا أن هذه المقدمة السليمة من الناحية الشكلية تحتوي على تخريب مادي ومعنوي هائل من حيث المضمون. وذلك لان الثقافة كل واحد أو منظومة حية متكاملة تفترض من حيث تطورها وارتقاءها وجود منظومة مرجعيات فعالة وفعالة في رؤيتها المعاصرة والمستقبلية.

بعبارة أخرى، أن الثقافة تتراكم من خلال حل إشكاليات الوجود التاريخي. والتقليد لا يصنع غير هشاشة. أما الهواجس والهموم، بما في ذلك النبيلة، فإنها تتحول إلى وساوس وغيوم تخيم على العقل والوجدان وتسحبهما إلى هوة التقليد والاستلاب. ولعل في تأسيس طه حسين لهذه الهواجس والهموم نموذجا "كلاسيكيا" بهذا الصدد. إذ نراه يؤكد على أن إننا "نريد ألا نلقي الأوربي فنشعر بأن بيننا وبينه من الفروق ما يبيح له الاستعلاء علينا والاستخفاف بنا، وما يضطرنا إلى أن نزدري أنفسنا"[25]. إذ لا فرق جوهري بينا وبين الأوربيين في ميدان العقل. لقد بدؤوا حياتهم الحديثة في القرن الخامس عشر، وأخرنا الترك العثمانيون حتى القرن التاسع عشر[26]. وبالتالي، فان المهمة تقوم في العمل من اجل أن يشعر المصري بأنه قد خلق للعز لا للذلة. وان يمحو من ذهنه ونفسيته بأنه خلق من طينة غير طينة الأوربي. وينطبق ذلك على مزاجهم وعقولهم[27]. ولا خلاف على هذا الخطاب من حيث هواجسه. إلا أن الصيغة النظرية لتأسيسه لا تصنع في الواقع غير نفسية وذهنية الاستلاب، ومن ثم هوة الخلل والعوائق التي لا يمكن تذليها مع مرور الزمن، بل على العكس. تتسع وتزداد كما لو أنها حفرة الموت الأبدية! فالتشّبه من اجل بلوغ الندية لا يصنع في الواقع غير نفسية وذهنية التبعية والانقياد الكسيحة. وضمن هذا السياق يمكن فهم المضمون الفعلي الذي يمكن أن تؤدي إليه فكرة طه حسين القائلة، بضرورة "أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب"[28]. واستكمل ذلك بفكرة الدعوة لبلوغ حالة "أن نتحدث إلى الأوربي فيفهم عنا، وان نشعره بأننا نرى الأشياء كما يراها، ونقوّم الأشياء كمال يقوّمها، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها، نطلب منها كما يطلب ونرفض كما يرفض، وان نكون شركاءه[29]. أما في الواقع، فان هذه الدعوة للندية ليست إلا الوجه الآخر لعقدة النموذج الأمثل والذهنية المستلبة تحت حجاب "الشرق – غرب" المفتعل!

وليس مصادفة أن تبقى الفكرة التي دافع عنها طه حسين وأراد التأسيس لها عن "مستقبل الثقافة في مصر" من حيث الجوهر كما هي بمعايير التاريخ والنوعية الثقافية، أي بلا ثقافة مستقبلية. والسبب يكمن في أن فكرة "مصر جزء من أوربا" ليست فكرة تاريخية تلقائية، بل عبارة مسطحة وظاهرية للخديوي إسماعيل وثقل تأثير الاورومركزية[30]، أي لقوى خارجية لا علاقة لها بمستقبل الثقافة في مصر، ولا جذور لها في تلقائية التطور الذاتي. وبغض النظر عن النيات القائمة وراءها والجهد المبذول بهذا الصدد فإنها أبقت على مصر مجرد "جزء" مجزأ يتضاءل مع مرور الزمن. فهي ليست فقط لم تصبح جزء من أوربا بعد مرور قرنين من الزمن، بل وتعمق وتوسع مدى تخلفها بهذا الصدد. ولم يكن ذلك بعدم أخذها بالطريق الأوربي بقدر ما كان يقوم في تعثرها الداخلي الذي لعبت فيه نفسية وذهنية الاستلاب دورها الفاعل.

فقد استمدت نفسية وذهنية الاستلاب مقوماتها "العقلية" من التأسيس النظري الذي حاول طه حسين تقديمه "للعقل المصري". وذلك لان التأسيس لم يجر لماهية "العقل المصري" وعما إذا كان من الممكن الحديث عن عقل وطني (مصري). لكنه يصبح معقولا ضمن سياق ثنائية الشرق – غرب بالصيغة التي بلورتها مرحلة الهيمنة الاورومركزية والاستعداد النهم الأولي في مصر، الآخذ بفتات التنوير المسطح. من هنا أولوية السؤال الذي وضعه طه حسين عما إذا كان العقل المصري شرقي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء، أم هو غربي التصور والإدراك والحكم على الأشياء؟ أيهما أيسر على العقل المصري: أن يفهم الرجل الصيني أو الياباني أو أن يفهم الرجل الفرنسي أو الانجليزي؟"[31]. وهو سؤال يتصف بقدر كبير من السذاجة المعرفية، وذلك لأنه يستبدل إشكالية الرقي والانحطاط بإشكالية العقل المفتعلة. وذلك لو أن الصيني والياباني كان آنذاك أكثر تطورا من أوربا ومن ثم أكثر استعمارا وتدخلا لكان يمكن فهمه بصورة سهلة لا تعقيد فيها. وينطبق هذا في الواقع على أية موازنة تتصف بالخلل في الرقي وقوة في التدخل. فقد كان الأوربي يعرف عقلية ونفسية العربي المسلم في حال ارتقائه، تماما كما لم يأخذ العرب المسلمين من أوربا المتخلفة آنذاك شيئا ولم يجدوا ضرورة في أن يكون الفرنسي والانجليزي مفهوما لهما. والسبب أيضا يقوم في كونهما لم يكنا موجودين بوصفهما هويات ثقافية قومية مستقلة أو أوربية أو غربية!

غير أن للاستلاب الثقافي فاعليته الخاصة في إثارة الأسئلة والإجابة عليها. فقد أجاب طه حسين على هذا السؤال عبر الرجوع إلى ما اسماه "بتاريخ العقل المصري منذ أقدم عصوره"[32]، الذي كان اكبر العقول التي نشأت في هذه الرقعة (بحر الروم) من الأرض سنا، وابلغها أثرا"[33]. وبغض النظر عن هذه المغالطة، بمعنى انه إذا كانت مصر هي الأقدم، فما معنى الرجوع إلى الغرب الأوربي؟

إلا أن الإجابة التالية كان تهدف إلى تأسيس المقدمة اليقينية الأولى والقائلة، بان تاريخ مصر منذ القدم لا يعرف علاقات أو صلات بينها وبين الشرق. وان أقصى ما كان يميز المصريين زمن الفراعنة بهذا الصدد هو هي محاولاتهم لاستكشاف سواحل البحر الأحمر[34]. وأن العقل المصري كان منذ أيام المقدوني متأثرا ومؤثرا في العقل اليوناني. مشاركا له في اغلب إن لم يكن جميع خصاله... بحيث أصبحت مصر يونانية أو كاليونانية... وان مصر تحولت إلى ملجأ الثقافة اليونانية على اختلاف فروعها وألوانها... والإسكندرية كانت مدينة يونانية وليست شرقية.. والفلسفة الإسكندرية نشأت من تلاقح العقل المصري واليوناني..."[35]. ولم يغير ذلك من هذا الواقع بما في ذلك في المرحلة العربية الإسلامية. فقد "تقبلت مصر الإسلام والعرب ولكن ذلك لم يخرجها عن عقليتها الأولى ولم يجعلها امة شرقية، كما يقول طه حسين[36]. تماما كما أن المسيحية التي ظهرت في الشرق وغمرت أوربا لم تجعل من أوربا شرقية(!!) ولم تغير طبيعة العقل الأوربي[37].

وبغض النظر عن كل هذه المغالطات في التاريخ وأحداثه وخلل الدقة في اختيار المصطلح والعبارة وخلط المفاهيم (شرقية ومتوسطية وغربية وأوربية ويونانية إضافة إلى خلل البنية الفكرية فيما تتعلق بفكرة التاريخ المصري الخاص والتاريخ الثقافي – المصري – العربي – الإسلامي)، إلا أنها كانت تسير ضمن المغالطة الأكبر عن ثنائية الشرق – غرب الأيديولوجية. ونعثر على ذلك في فكرة طه حسين عن أن "العقل المصري لم يتصل بعقل الشرق الأقصى اتصالا ذا خطر. ولم يعش عيشة سلم وتعاون مع العقل الفارسي، وإنما عاش معه عيشة حرب وخصام"[38].(!!) وعلى العكس من علاقته بالغرب، فان علاقة "العقل المصري" بالعقل اليوناني (الغربي!) منذ عصره الأول على أساس التعاون والاتفاق، وتبادل مستمر منظم للمنافع في الفن والسياسة والاقتصاد"[39]. وبالتالي، فان "العقل المصري من نشأته لم يتأثر إلا بعقل البحر الأبيض المتوسط"[40]. وفي نهاية المطاف نراه يرجع ذلك إلى عامل الجغرافيا والبيئة. وإذا كان هذا التقرير يرتقي إلى مصاف البديهية والجلاء التام، فان تطويعه في الثنائية الأيديولوجية للشرق – غرب قد جعلت منها معضلة عصية في فهم التاريخ الماضي ومفتاح لغلق المستقبل عبر رهنه بأوهام "عقلية" لا عقل فيها بالمعنى الدقيق للكلمة. إذ ليس استنتاج طه حسين بهذا الصدد عن انه لا مكان للشرق في مصر، بل حوض المتوسط فقط[41]، سوى الصيغة المسطحة للخلط بين أصول الثقافة الأولى وبين الثقافة بالمعنى الدقيق. والثانية لا علاقة لها بالبيئة لأنها تعمل بقواعد ارتقائها الذاتي وفعل مرجعياتها الخاصة.

إلا أن غياب فكرة المرجعية الذاتية "للعقل المصري" في آراء طه حسين قد أدى إلى استبدالها بهوية عائمة هي "العقل المتوسطي". لكنه "عقل" لا علاقة له بالعقل في آراء طه حسين، أي بالذهنية الثقافية، بقدر ما انه تلاعب بالألفاظ. إذ نعثر في آن واحد على "عقل متوسطي" و"عقل يوناني" و"عقل مصري" و"عقل شرقي" أيضا بوصفه شيئا واحدا. مما أدى ويؤدي بالضرورة إلى تشويش لا طائل تحته بالنسبة لتحديد المفاهيم ونحت العبارة. وذلك لان كل كلمة ومصطلح وعبارة وفكرة تقترب من حالة الزلق المعنوي. من هنا تداخل المفاهيم والأحكام في كل واحد لا يجمعه غير الاضطراب في التقييم والمواقف، مثل القول، بأنه "ليس بين الشعوب التي نشأت حول بحر الروم (المتوسط؟) وتأثرت به فرق عقلي أو ثقافي، وإنما هي ظروف السياسة والاقتصاد تديل من أهل هذا الساحل لأهل ذلك الساحل". وفي مكان لاحق نقرأ ما يلي:"إذا صح أن المسيحية لم تمسخ العقل الأوربي(!)، ولم تخرجه عن يونانيته الموروثة، ولم تجرده عن خصائصه التي جاءته من إقليم البحر المتوسط. فيجب أن يصح إن الإسلام لم يغير (ولماذا لا يمسخ؟) العقل المصري، أو لم يغير عقل الشعوب التي اعتنقته والتي كانت متأثرة بهذا البحر الأبيض المتوسط"[42]. أو العبارة التالية: "إن انتشار الإسلام في الشرق البعيد والشرق الأقصى قد مد سلطان العقل اليوناني وبسطه على بلاد لم يكن قد زارها إلا لماما"[43]. وفي حالة أخرى نقرأ تقييمه القائل، بان الشبه بين الإسلام والنصرانية في ميدان العلاقة بالتراث اليوناني يقوم في أثرها عليهما. فقد "تنصرت الفلسفة وتفلسفت النصرانية"، والشيء نفسه ينطبق على الإسلام حيث "أسلمت الفلسفة اليونانية وتفلسف الإسلام". و"تاريخ الديانتين واحد بالقياس إلى هذه الظاهرة"[44]. والشيء نفسه يمكن قوله عن مصيرهما. فالسيطرة التركية لعبت من الناحية الثقافية نفس الدور الذي لعبه البرابرة في قتل الثقافة اليونانية والرومانية كما يقول طه حسين. إلا أن قيمة مصر ودورها الثقافي يقوم في أنها استطاعت الثبات أمام غارة الترك. أنها "آوت الإسلام وعلومه وحضارته وتراثه المجيد. فما بال قوم ينكرون على مصر حقها في أن تفاخر بأنها حمت العقل الإنساني مرتين، حين آوت فلسفة اليونان وحضارته أكثر من عشرة قرون، وحين آوت الحضارة الإسلامية وحمتها إلى هذا العصر الحديث"[45].

وبغض النظر عن كل الالتباسات والمغالطات الكبيرة في هذه الأحكام وتعميمها السريع والمسطح وانعدام الدقة فيها وتبدلها وعدم ثباتها المنهجي وتقلبها المريع، أي البعيد عن الدراسة العميقة والدقيقة لكل ما تتناوله من أحداث ووقائع وقضايا كما لو أنها مسلمات وبديهيات، إلا أنها تبقى في نهاية المطاف طرفة على خلفية التعميم الأوسع لفكرة العقل المتوسطي ودور "العقل المصري" فيه. مع أن هذه العبارة مثيرة للالتباس والغموض والخلل أكثر من غيرها. فإذا لم يكن هناك فرقا "عقليا وثقافيا" بين شعوب البحر المتوسط فلماذا إذن الحديث عن عقل مصري وآخر متوسطي وآخر يوناني وآخر أوربي. وكيف يمكن للعقل الجزئي أن يكون كليا والثقافات المتنوعة واحدة؟ مع أن إلقاء نظر سريعة على كافة مكونات الثقافة "الأوربية" فيما بينها وفي كلها ومقارنتها بالعربية الإسلامية ومكوناتها لندرك الاختلاف الواسع والهائل فيها وبينها. إلا أن الجامع المانع في هذا التشويش يعود لنفسية وذهنية الاستلاب الثقافي التي تجعل من الاختلاف رذيلة. بينما الاختلاف هو ضرورة ملازمة لتنوع التجارب التاريخية الثقافية للأمم. ومن ثم يصبح البحث عن أوهام الوحدة فضيلة مع انه لا فضيلة فيها. إن الفضيلة الوحيدة الكبرى في التاريخ العالمي يقوم في تنوع تجاربه القومية والثقافية، أي تجارب الأمم التاريخية. ولكل منها مقدماته ومصيره وأثره في التاريخ ووعي الذات. أما بالنسبة لطه حسين، فان غياب فكرة وعي الذات القومي والتاريخي والثقافي، قد أدت به إلى الغرام في أوهام العوام المتسرعة حول تعميمات عابرة وتحويلها إلى مسلمات منهجية كبرى، كما نراه في استنتاجه القائل، بأنه لا يوجد عقل أوربي يمتاز عن العقل الشرقي(!) (ويقصد به المصري!). الجوهر واحد ولكنه يختلف باختلاف الظروف. لكنه لا يحدد لنا ماهية هذا العقل. واستمد هذا الاستنتاج المتسرع من مقارنته المتسرعة أو أخذها العجول من فكرة بول فاليري الذي ارجع "العقل الأوربي" إلى ثلاثة مكونات وهي حضارة اليونان وما فيها من فلسفة وأدب وفن، وحضارة الرومان وما فيها من فقه وسياسة، والمسيحية وما فيها من دعوة إلى الخير وحض على الإحسان". وقد نسى هنا طه حسين كالعادة ثبات "العقل الأوربي" من دورها المدمر (الماسخ) ومن ثم انعدام أثرها على هذا العقل. وضع هذا الموقف بالسهولة المعتادة في أساس تقييمه "للعقل الإسلامي" (هناك يجري الحديث عن عقل أوربي، أي قومي وجغرافي وثقافي وليس ديني نصراني، وبالتالي فهي عقول مختلفة). وكتب بهذا الصدد، بأنه فيما لو أخذنا نتائج العقل الإسلامي كلها، فإنها تنحل إلى هذه الآثار الأدبية والفلسفية والفنية (التجربة اليونانية) والى هذه السياسة والفقه (الروماني) والى أن الدين الإسلامي يدعو إلى الخير الإحسان وانه متمم ومصدق للتوراة والإنجيل. ومن هذه المقارنة الفجة وغير المنطقية والبعيدة عن الدراسة الفعلية والجدية والعلمية "للعقل الإسلامي" والثقافة الإسلامية ومكوناتها وصيرورة مرجعياتها الذاتية، استنتج، بأنه "لا يوجد فرقا جوهريا بين العقل الأوربي والمصري"[46]. وبالتالي من غير المعروف ما إذا كان العقل المصري هنا هو العقل العربي الإسلامي أم العقل الأوربي أم المتوسطي أم المصري الخالص. وإذا كانوا كلا واحد متشابها من حيث الجوهر فما معنى الحديث عن كل هذا التنوع والاختلاف. أما في الواقع فان هذه الاستطرادات والتعميميات لم تكن أكثر من اخذ أمور جاهزة مبنية على أساس مناهج مختلفة في تتبع أسس الثقافة الذاتية (الأوربية) بوصفها جزء من عملية وعي الذات الثقافي (الأوربي) واعتبارها قوالب جاهزة يمكن سكب كل التاريخ الذاتي المعقد والهائل للتاريخ العربي الإسلامي وثقافته فيها. وليس هذا بدوره سوى الصيغة الظاهرية لانعدام وعي الذات الثقافي ومناهجه الخاصة.

وقد وجد هذا الخلل الجوهري منفذه في النهاية تجاه ماهية الثقافة المصرية. وقد وضعه طه حسين بهيئة سؤال حول ما إذا كانت هناك ثقافة مصرية. وقد أجاب عليه بالإيجاب واعتبر وأول "الصفات المميزة لها أنها تقوم على الوحدة الوطنية وتتصل اتصالا قويا عميقا بنفوسنا المصرية الحديثة كما تصل اتصالا قويا عميقا بنفوسنا المصرية القديمة أيضا"[47]. بعبارة أخرى، إن وجود وماهية وخصوصية الثقافة المصرية تقوم في كونها مصرية، أي تتمتع بخصوصية الوطنية الخالصة. وبغض النظر عن هذه الإجابة هي مجرد تحصيل حاصل، وذلك لأنها تنطبق من حيث الجوهر على كل ثقافة وطنية، إلا أن خصوصيتها تكمن في أولية المصري على العربي، أو الوطني على القومي، أو المحلي على العام، أو الجزئي على الكلي. لهذا نراه يقول، بأنه حتى اللغة العربية ستتخذ في مصر هيئة الأداة المرنة الأنيقة الرشيقة التي لا تنبو عن الذوق ولا تتجافى عن الطبع ولا تكلف قارئها مشقة وجهدا(!!). ولهذا وقف بالضد من أولئك الذين يقولون باشتراك اللغة العربية بين مصر وغيرها من البلاد العربية. فالاشتراك حق "ولكن لمصر مذهبها الخاص في التعبير كما أن لها مذهبها الخاص في التفكير" كما يقول طه حسين. ووجد هذه الخصوصية في تضافر ثلاث عناصر أولية كونت الثقافة المصرية وهي كل من التراث القديم، والتراث العربي الإسلامي، واكتسابها من الحياة الأوربية الحديثة"[48].

إننا نقف أيضا أمام تحصيل حاصل مبني على أساس إرجاع "الثقافة الخاصة" للمكونات عامة يمكن تطبيقها حذو النعل بالنعل على المغرب وتونس وسوريا والعراق والسودان ولبنان والجزيرة وغيرها. ذلك يعني إننا لا نعثر هنا على تشخيص دقيق لماهية الثقافة المصرية بقدر ما نعثر على تقرير أمور عامة لا علاقة لها بماهية الثقافة كما هي. وقد يكون الشيء الوحيد الذي يمكن تلمسه هنا هو أن المصرية تعطي للعربية هيئة الرشاقة والمرونة والأناقة وما شابه ذلك من كلمات هي مجرد مفردات في العربية نفسها لا علاقة لها بالمصرية والعراقية والشامية وغيرها بقدر ما أنها جزء من تطور الثقافة والإبداع ومستوى المعاناة والهموم والتعبير عنها. والشيء نفسه ينطبق على المخرج النهائي لفكرة طه حسين من أن "الثقافة ليست وطنية خالصة ولا إنسانية خالصة (يقصد عالمية). ولكنها وطنية إنسانية معا، وهي في أكثر الأحيان فردية أيضا"[49]. وهي أيضا عبارة فضفاضة ولا تستقيم مع ما قبلها. ومنها وعليها استنتج الحكم العام القائل، بان "في مصر ثقافة مصرية إنسانية فيها شخصية مصر القديمة الهادئة، وفيها شخصية مصر الباقية الخالدة. وهي في الوقت نفسه إنسانية قادرة على أن تغزو قلوب الناس وعقولهم وتخرجهم من الظلمة إلى النور"[50].

إننا نقف هنا أمام صيغة خطابية عامة لا إشكالية فيها مع أنها وضعت إحدى أهم الإشكاليات، وإجابة لا تحتوي على إجابة تستقيم مع المنطق والعقل التحليلي والرؤية الواقعية والمستقبلية. والقضية هنا ليست فقط في ضبابية فكرة "الشخصية القديمة الهادئة" و"الشخصية الباقية الخالدة"، بل وبدعوى قدرتها على غزو القلوب والعقول بإخراجهم من الظلمة إلى النور! أي إننا نقف أمام خطاب لاهوتي متعال ومتناقض من حيث مقدماته وأساليبه وغاياته. والسبب يكمن أساسا في خلل الرؤية المنهجية واستلاب الإبعاد الثقافية، إضافة إلى ضعف وعي الذات الثقافي العربي. ومع أن طه حسين لم يضع الوطني المصري الجزئي من القومي العربي العام، إلا أن أولوية الوطني والجزئي ظلت سارية المفعول في رؤيته وتقييمه وخطابه الثقافي نفسه. أما القوة الوحيدة التي كانت تدفعه بطاقتها الذاتية صوب توسيع مدى الرؤية القومية الثقافية العامة فهو الاهتمام الرئيسي بالتراث الأدبي العربي. لهذا لم تتخذ الأبعاد الثقافة القومية العامة موقعها في فكره وتفكيره بصورة منهجية، بقدر ما كانت تبرز بين الحين والآخر ضمن سياق الاهتمام الجزئي، أي أنها لم تكن في أفضل الأحوال أما نتاج رؤية نفعية أو وظيفية عملية أو جزء من رؤية مصرية خاصة، كما نراه على سبيل المثال فيما يمكن دعوته بدور مصر الثقافي العربي. فقد انطلق من تقييم عام سليم يقول، بأنه تهيأت لمصر في العصر الحديث ما لو يتوفر لغيرها بهذا الصدد. ولا بأس من أن تتحول إلى ممثل أعلى بهذا الصدد. وان تبذل ما بوسعها وما يتوافق مع كرمها. لكنه وجد في الوقت نفسه بان ما تقوم به بهذا الصدد زهيدا جدا، بل أنها "لم تفعل في سبيل ذلك شيئا"[51]. بل ونراه يرفع تقريرا إلى الوزير من اجل المساهمة في إنشاء مدارس مصرية (عربية) في الشام ولبنان وفلسطين عوضا عما تقوم به الدولة الأجنبية مثل فرنسا وأمريكا[52]. وهنا يتوصل طه حسين إلى فكرة دقيقة تقول بان إهمال التعاون الثقافي بين الدول العربية سوف يؤدي إلى مصاعب سياسية لاحقا[53]. لهذا نراه يدعو إلى تعاون ثقافي "بين الأقطار العربية التي تجمعها وحدة اللغة والدين والمثل الأعلى"[54]. وينطلق في تأسيسه لإمكانية تنفيذ هذه المهمة من انه لا احد في الدول العربية يكره أن تنشأ فيها مدارس مصرية "تحمل إلى أبنائها ثقافة عربية شرقية" و"يحملها إليهم معلمون شرقيون مثلهم يتحدثون بلغتهم ويشاركوهم في الذوق والميل والشعور"[55]. من هنا نراه يتكلم عن "حق مصر" في أن تقوم بإنشاء مدارسا "مصرية في البلاد العربية". ووجد في ذلك احد أسس ومصادر التعاون الثقافي بين الأقطار العربية. على أن يكون العاملون فيها ليس من مصر فقط، وان تبنى مناهج هذه المدارس على أساس تربية التاريخ الوطني والجغرافيا الوطنية لهذه الدول بحيث تربي أجيالا وطنيون لأوطانهم لا لمصر. أنها المهمة المرتبطة بما اسماه طه حسين بما على مصر من حق لجيرانها وشركائها في اللغة والدين والاقتصاد. وحسبها أن تظفر منهم بالحب والمودة والإخاء"[56]. بل ودعا إلى أن تساهم مصر في بناء مدارس في الجزيرة العربية التي لا يستطيع الأجانب الدخول إليها. ولا يكفي أن تبني مدرسة واحدة في مكة وأخرى في المدينة[57]. والغاية من وراء ذلك هو بلوغ ما يدعو طه حسين "بالتعاون على تنظيم الثقافة وتوحيد برامجها بالقياس إلى الأقطار العربية كافة. وبل ونراه يربط ذلك بفكرة عميقة ودقيقة عما يدعوه بحاجة هذه البلاد إلى "توحيد الجهود ما دام مثلها الثقافي الأعلى واحدا". رغم انعدام صياغة دقيقة لهذا "المثل الثقافي الأعلى". والشيء نفسه يمكن نلحظه في موقفه من المهمة التي ينبغي أن تناط بالجامعة المصرية. فقد اعتقد بان مهمتها بهذا الصدد تقوم في تحويلها إلى ميدان "التقاء الثقافات وامتزاجها وصهرها في العقل المصري الذي يسبغها ويتمثلها ويطبعها بعد ذلك شيئا ما بطابعه المصري الخاص. وهو قادر بعد ذلك على أن يذيعها في بلاد الشرق شرقية غربية عربية أوربية بريئة مما يفد الثقافة عادة من التعصب والهوى"[58].

إننا نقف هنا أمام تنوع واضطراب في المواقف نابع أساسا من ضعف الرؤية المنهجية وتناسقها الداخلي. مما جعل من أفكاره قوى متضاربة ومتداخلة وعاجزة عن تأسيس فكرة مستقبلية بما في ذلك بالنسب للثقافة في مصر نفسها. والشيء الوحيدة الذي بلغته فكرة طه حسين هي الحلم بحالة لم يتحقق منها شيئا. فقد كتب في خاتمة كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) عن أمله ورغبته وحلمه عن مستقبل الثقافة المصرية بالشكل التالي:"أنا فرح إلى أقصى غايات الفرح، مبتهج إلى أبعد حدود الابتهاج، سعيد إلى أقصى درجات السعادة، لأني أرى شجرة الثقافة المصرية باسقة، قد ثبتت أصولها في ارض مصر، وارتفعت فروعها في سماء مصر، وامتدت أغصانها في كل وجه، فأظلت ما حول مصر من البلاد وحملت إلى أهلها ثمرات حلوة، فيها ذكاء للقلوب وغذاء للعقول وقوة للأرواح. وهم يسعون في هدوء واطمئنان وثقة إلى هذه الغصون النضرة الوارفة، فيستمتعون بمنظرها، ويأوون إلى ظلها ويستمتعون بثمراتها المتشابهة لأنها تصدر عن شجرة واحدة هي ثقافة مصر المختلفة... نعم! أرسل نفسي على سجيتها في هذا الحلم الرائع الجميل فأرى مصر وقد بذلت ما دعوتها إلى بذله من جهد في عد ثقافتها بالعناية الخالصة والرعاية الصادقة، وأرى مصر وقد ظفرت بما وعدتها بالظفر إنجاب عنها الجهل وأظلّها العلم والمعرفة وشملت الثقافة أهلها جميعا، فاخذ بحظه الغني والفقير والقوي والضعيف والنابه والخامل والناشئ ومن تقدمت به السن، وتغلغلت لذتها حتى بلغت أعماق النفوس، وانتشر نورها حتى أضاء القصور والدور والأكواخ، وشاعت في مصر كلها حياة جديدة وانبعثت في مصر كلها نشاط جديد، وأصبحت مصر جنة الله في أرضه حقا يسكنها قوم سعداء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالسعادة وإنما يشركون غيرهم فيها. وأصبحت مصر كنانة الله في أرضه حقا يعتز بها قوم أعزاء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالعزة وإنما يفيضون على غيرهم منها"[59].

ففي هذا الحلم نعثر على خاتمة متناقضة هي عين التعبير النموذجي عن انعدام المنظومة الواقعية والعقلانية فيما يتعلق بالرؤية المستقبلية. والقضية هنا ليست فقط في انه لم يحصل شيئا من هذا الحلم، بل على العكس. إننا نقف أمام رجوع قهقري إلى الوراء بمقاييس المعاصرة والمستقبل. وفي كلها تعكس ملامح التناقض الحاد بين النزعة الوطنية والقومية والإنسانية الرفيعة لطه حسين وطوباوبة الحلم. والسبب يكمن أيضا في النزعة الخطابية وتبلبل الرؤية الناتج عن انعدام الرؤية أو المنهج الفلسفي في تفكيره، مما جعل من مواقفه وأحكامه متبدلة غير ثابتة. فيها شيء من كل شيء. وفي هذا تكمن خطورة هذا النوع من الفكر لأنه يجعله مبلبلا[60]. وقد أدى ذلك من حيث الجوهر إلى تفتح "مرجعية" لا تخلو من بلادة مستقبلية يمكن وضعها بعبارة: "بذروا بذور الشك في أرض كانت تحتاج إلى يقين، ودقوا مسمار اليقين في نعش الفكر والتفكر" مع ما كان يلازمه بالضرورة من إخماد وحدة الشك واليقين الضروريين لصنع البدائل. الأمر الذي أدى إلى عجز الرؤية النقدية لطه حسين عن بناء ذهنية علمية وعصرية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. كما أنها كانت عاجزة عن تأسيس وتربية مرجعيات العقل النقدي، بما في ذلك في الموقف من التراث الذي جعلت منه في الأغلب محور اهتمامها. والسبب الجوهري كان يكمن في خلل رؤيتها التاريخية ووعيها الذاتي، وبالتالي خللها تجاه حقيقة الرؤية القومية والرؤية المستقبلية. كل ذلك يكشف عن أن مهمة تأسيس الذات الثقافية تفترض الارتقاء من مكوناتها الذاتية والبقاء فيها وضمنها ما لم ترتق بجذورها إلى مصاف السماء، عندها يمكن توزيع الأظلة والثمار. وما عدا ذلك مجرد خطاب لا يختلف اليقين فيه عن الشك، فكلاهما مجرد ذرات طائرة في عماء محبب لسباحة الثقافة المستلبة والمحبة للتقليد، أي كل ما بإمكانه صناعة لسان عربي مبين وعقل إفرنجي عنين!(انتهى)

***

 

..................

[1] إن "مستقبل الثقافة" في مصر يشكل الإطار النظري للكتاب، بينما محتواه الفعلي والعملي فيتركز حول مستقبل التربية والتعليم. أما التأسيس الثقافي لمستقبل الثقافة فهو كمية من المغالطات والتمنيات. وقد سبق للفكر الإصلاحي الإسلامي إن وضع هذه الفكرة ضمن سياقها التاريخي والفكري والذاتي السليم.

[2] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص9.

[3] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص9.

[4] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص9.

[5] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص11.

[6] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص45.

[7] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص273.

[8] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص348-349.

[9] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص350.

[10] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص13

[11] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص13.

[12] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص18.

[13] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص26

[14] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص14.

[15] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص14.

[16] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص14-15.

[17] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص15-16.

[18] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص30.

[19] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص31.

[20] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص33.

[21] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص47.

[22] طه حسين: حديث المساء، دار العرب، القاهرة، ط1، 1983، ص150

[23] طه حسين: حديث المساء، ص151.

[24] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص40-43.

[25] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص11.

[26] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص 36.

[27] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص38.

[28] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص40.

[29] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص44.

[30] اذ لم يكن الخديوي إسماعيل مصريا بالمعنى الدقيق للكلمة وليس عربيا بالمعنى الثقافي، بل من بقايا المماليك وتقاليدها.

[31] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص13.

[32] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص13

[33] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص17.

[34] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص13.

[35] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص21.

[36] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص 23.

[37] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص23.

[38] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص15.

[39] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص15.

[40] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص15.

[41] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص17.

[42] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص23-24.

[43] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص24.

[44] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص24.

[45] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص27-28.

[46] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص28-29.

[47] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص377.

[48] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص378

[49] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص379.

[50] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص379.

[51] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص370.

[52] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص372.

[53] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص372

[54] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص372. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا الإدراك الجزئي يتعارض مع منطلقه المنهجي الناكر لهذه المكونات بالنسبة للدولة والقومية والثقافة الحديثة! كما تجدر الإشارة هنا أيضا إلى أن هذه المكونات لا تفعل بحد ذاتها على توسيع الوعي الثقافي العربي ما لم تمتلك تاريخها الموحد وانتمائها وكينونتها وكيانها القومي في الوعي النظري والعملي.

[55] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص372. وهنا أيضا خلط في استعمال الكلمات والمصطلحات التي صب جام غضبه عليها في الصفحات الأولى للكتاب، واقصد بذلك عبارة "العربي الشرقي" و"المعلم الشرقي" ويقصد به المصري. وهي صفة تميز في الواقع اغلب ما سطره طه حسين، بمعنى نسيان ما يكتبه قبل ذلك. ومن الممكن رؤية هذا الخلل أيضا فيما انتقده عليه ساطع الحصري من مآخذ على العبارات والكلمات والمواقف تجاه الفكرة القومية العربية. إلا أن الأسباب الكبرى تعود أساسا إلى الخلل المنهجي وضعف التأهيل النظري الفلسفي، وصعوبة تأمل النصوص المكتوبة بصورة دائمة بسبب عدم قدرته على القراءة الشخصية ومقارنة الصفحات. وعموما يمكنني القول، بان نموذج طه حسين بهذا الصدد لم يكن معزولا عن ضعف القراءة المتأملة (بفعل ثقافة الاستماع والإنصات للرواية والحكاية) واثر الماضي (الدراسة الأزهرية) وأمية الحاضر، في استلهام أدب الغرب المعاصر من اجل السير فيما كان يعتبره ضروريا بالنسبة لتنوير عقول العوام ومداركهم. وهي فضيلة كبرى لكنها جزئية، بمعنى أنها لم ترتق ولم يكن بإمكانها الارتقاء إلى مصاف الفكرة العامة والرؤية المنظمة بما في ذلك في ميدان الأدب والدراسات الأدبية.

[56] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص373.

[57] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص374.

[58] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص376.

[59] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص380-381.

[60] تعكس كتابات طه حسين في اغلبها هذا النمط من التفكير. ففي اغلبها هي تجميع متفرق لمواقف متفرقة تفتقد للتنظيم والتخطيط. وقد أشار هو إلى ذلك في اغلب مقدماته لهذه الكتب. واكتفي هنا بالأجزاء المشهورة في (حديث الأربعاء). وقد يكون عنوان "حديث" الأربعاء أو الخميس أو يما يوم آخر مجرد إضافة عرضية لا قيمة لها بحد ذاتها. لهذا نجده يشير في المقدمة إلى أنها ليست "مقدمة" بالمعنى الدقيق أو المتعارف عليه في حال التقديم لكتاب. وكتب بهذا الصدد يقول: "أنا لم أتصور فصوله، ولم أضع له خطة معينة ولا برنامجا واضحا، إنما هي مباحث متفرقة، فلست تجد فيها هذه الفكرة القوية الواضحة المتحدة..." طه حسين: حديث الأربعاء، ج1، ص5.