مجدي ابراهيميقودنا التأمل في مدلول "الرسالة"، فنراه على الحقيقة يشمل روح الدين وجوهره، غاياته وأهدافه ومقاصده، تماماً كما أن الرسالة هى روح النبوة ومقاصدها الكريمة السامية، هى النموذج الأعلى يحتذيه كل فرد يؤمن بالله، ويريد أن يكون على منهاج النبوة من طريق البلاغ والهداية والرحمة المهداة إلى ربِّ العالمين.

ولكن قبل أن أدخل مباشرة في لبّ الموضوع أجدُ لزاماً عليّ أن أبدأ بتقرير هذه البديهة المعرفيّة منهجاً هو عندي من الأهميّة بمكان فأقول: تستطيع أن تصل بجهدك وعقلك إلى أي فيلسوف أو عالم أو أديب أو كاتب أو عبقري من عباقرة البشريّة، فتعرف فكره وتحلل إنتاجه وتسبر غور المشكلات والقضايا التي تناولها ثم تقول فيه رأيك ناقداً ومؤاخذاً وتظل معه ولا يخفى عليك شيئاً ممّا ترك من آثار. كل هذا معروفٌ ومحققٌ ومدروسٌ، لكنك لو اقتربت من مشكاة النبّوة بنفس الأدوات التي كنت تجريها كشفاً لحقيقة هذا المفكر أو العالم أو الأديب أو الفيلسوف أو العبقري الطّلعة الشغوف، ضعت من فورك وضيّعت معك من يستمع إليك أو يثق لك في قول أو في تحليل، ستظل تخبط خبط عشواء في تيه من الظلام أو على أحسن الفروض تخبط في نور تستدعيه ولا تدري شيئاً عن خوافيه؛ كمن ظل زمناً في غرفة مُظلمة ثم في لحظة خاطفة فاجأه النور المبهج الوضئ فأصابه الغبش، ثم تحكم على أشياء لا تدريها، وبأدوات لست قادراً بالمطلق على تمثلها والتحقق بها، ما لم يفتح الله عليك بأدوات أخرى من نوع آخر غير ما تعرفه أو تجريه، بطريق التحقيق.

ومهما أفاء الله به عليك من العبقرية والنبوغ حقيقة لا دعوى، فأنت إزاء مشكاة النبوة لن تصل فيها إلى شئ إلا بجمعيّة مع قبضة النور، قد تكون شذرة، أو نظرة، أو طيف خيال يواريك، أو فيض دمع جرى من مقلتيك شوقاً إليه، غير إنه يجافيك. من أجل ذلك؛ كانت علوم تلك المشكاة النبويّة لا تدوّن في كتب ولا تحصيها أقلام العلوم النظرية؛ لأنها علوم حقائق، غاية ما يستطيع زكي العقل تحصيله منها، وصلة روحيّة أو رشفة علوية تشدّ القلب شداً إلى أجواء المعيّة، وتربطه بوجوب الصحبة رفقاً وتولُّهاً مع الحقيقة المصطفويّة، في بحور تجليات الأنوار الإلهيّة: أعني وصلة قُربة، وتفرّد روح، واختصاص.

وأعودُ على ما بدأته فأقول؛ يقودنا التأمل في مفهوم الرسالة فنجده يشمل جميع الأعمال النافعة لخدمة الفرد أو خدمة النوع خدمة المجتمع الذي يعش فيه الأفراد، إذا هم اضطلعوا بالأعمال الهادفة والإصلاح الوطني لمصلحة المجموع. وربما توسع الكتاب والمفكرون المعاصرون في استخدام مدلول الرسالة ونقلها من الأجواء الدينية إلى التصورات الفكرية؛ للدلالة على أن كل إنسان مدفوع بتأثير ميوله الطبيعية للاضطلاع بالأعمال العامة التي توثر بالإيجاب في الأفراد والمتجمعات وينتفع بها الوطن كمحصّلة أخيرة، وتجيء في الأصل، إذا صحَّت النية خالصة، مرضاة لله تعالى، وهم بذلك ما خرجوا قط عن مقاصد التصور الديني لمفهوم الرسالة، يعبر تمام التعبير عن روح الدين وجوهره ما دامت الغاية هى: خدمة الله بالأعمال.

الرسالة بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت، ولا زالت، رحمة لعباد الله بل رحمة من الله إلى خلق الله:" وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين". لم يبعث رسول الله ص لفئة دون فئة ولا لطائفة دون طائفة، ولا لقبيلة دون قبيلة، ولكنه بعث للناس كافة رحمة للعالمين فكانت رسالته ص ؛ وينبغي أن تكون على الدوام نقلة بعيدة يتحوّل فيها الناس من عبادة الوثن إلى عبادة ربّ العالمين .. كان هذا "التحول" هو الغاية من الرسالة في هذه الحياة وعلى هذه الأرض، وكان هو نفسه الدلالة .. كان الطريق مظلماً فأضحى بعد الرسالة نوراً يُضاء للسالكين.

فهو إذن الطريق الذي يسلكه الفرد فتتحوّل بمثل هذا السلوك حياته كلها من وجهة في العبوديّة إلى وجهة أخرى، تناقضها وتختلف عنها كل الاختلاف: في الغاية وفي التصور وفي الوسيلة وفي الإدراك.

وليس التحوّل سلوكاً فقط بل تحوّل فكرة وعقيدة وتحوّل قيم إيمانيّة هى التي يتقوَّم بها السلوك ويتهذب العمل وتتجلى فيها أسمى آيات الفاعليّة نحو الغاية والهدف والرمز المنشود .. التحوّل المقصود هنا هو "تحوّل باطني" من طريق إلى طريق، ومن اتجاه في الحياة إلى اتجاه، ومن فكر إلى فكر، ومن عبادة إلى عبادة: من طريق الشيطان إلى طريق الله، من اتجاه في الحياة نحو الغايات الترابية إلى اتجاه في الحياة نحو الغايات الهادية والسامية والنبيلة، هو تحوّل من فكرة تخدم القيم الماديّة إلى فكرة تخدم القيم الروحيّة والخلقية، ومن عبادة كل ما سوى الله إلى عبادة الله وحده لا شريك له.

لا ريب كان هذا التحوّل هو الذي يحدّد واجب المخلوق المكلف، إذ لم يكن قط سعياً وراء كل ما هو زائل تافه حقير، ولم يكن جرياً مع أهداف الذين لا يقدرون الحياة بما فيها من فعل إلهي قدرها، وفيما هم مجبولون عليه من طاقات روحية ومعنوية، تدفعهم نحو النظر إلى أعلى ونحو التعالِ على كل غريزة وضيعة وكل هدف مبتذل.

واجب المخلوق المُكلف إذا هو تحقق من الرسالة فعليّاً أن يكون له كفاحه المتصل من أجل الله لا أجل فكرة مادية أو مذهب سياسي أو طريق حياتي أو رأي يراه صاحبه هو الحقيق بالإصلاح كله دعوى بغير دليل، إذا هو أراده وتبنّاه فيتبعه ويلزم الآخرين أن يتبعوه؛ ليس هذا من الرسالة التي حازت كل صنوف الرحمة للعالمين في شيء. وليس هذا من ميراث النبوة في شيء، وليس هذا مرة ثالثة من مدرجة محمد صلوات ربي وسلامه عليه؛ فإن الفكرة في الله هى الأصل الأصيل في كل كفاح مضمون، والطريق إلى الله هو الأولى والأحق بالإتباع إذا كان إتباع المخلوقين من العباد يعود على التابع بكل ألوان الظلم والقهر والنكاية والإجحاف. ثم الرأي الذي ننشد من وراء معرفة الله هو الأهم والأقدر من كل رأي تخرجه لنا عقول الناس بين قوى وضعيف وراجح ومرجوح، وهو في النهاية لا يقدم شيئاً ينفع في حياة الناس.

التكليف نهج موفق ومضمون على نهج الرسالة المحمدية؛ فكل مسلم مكلف بهذه الرسالة مضطلع بها فيما يأتيه إذا لم تكن له رسالته التي يخدم بها الله في هذه الحياة الدنيا فتحوز كل أشكال الرحمة للناس جميعاً؛ فما فقه من إسلامه الذي يدين له بالولاء إلا القشرة الظاهرة والسطح البَرَّاني بغير مضمون يشهد فيه إسلام الوجه لله.

فالعنف والإرهاب والدمار والخراب والقتل والسرقة والعدوان وأكل حقوق الناس بالباطل والشر والرذائل على اختلاف ألوانها وأشكالها مدعاة للخروج عن نهج الرسالة. ليست فيها رحمة تفرضها مقومات الرسالة المحمدية؛ ومن ثمّ فهى عمل ينقض دلالتها: خروجٌ عن جوهر الدين وعن نهج الرسالة مادامت الرحمة بالإنسانية هى من الأسس القويّة لرسالة سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه.

فمن نَهَجَ نَهْج الرسالة كان مرحوماً بذاته رحيماً بغيره، وإنه مادام مرحوماً في ذاته، فلن تكون رحمته في نفسه إلا مشمولة بالعموم على جميع خلق الله تعالى عملاً بقوله:" وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين".

الرسالة قيمة علوية يتمُّ فيها ذلك التحوّل الباطني، فتكون من أقوى الدوافع الوجودية على إخلاص العمل لله لا إخلاصه لأجل غاية نفعية أو مادية أو حتى منفعة شخصية .. علينا أن نعمل ونتحرى الصدق في العمل وليس علينا إدراك النتائج كلما كانت قلوبنا واعية ومُعقلة على الله في التوجه، ولتكن بواعثنا على العمل أحرى بالعناية من غاياتنا، ولننتظر المثوبة من الله لا من الناس, وليتنا نغفل تماماً عن الجزاء على الأعمال، ولنطلب وجه الله المأمول بالعمل خالصاً مُخلصاً ليكون نفعنا من رسالتنا أخروي الجزاء.

حَطم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه الأصنام والأوثان ليقول لنا بأبلغ لسان: حرروا عقولكم وضمائركم وقلوبكم عن عبادة الأصنام، وستكون لكم في مستقبل الأيام - معشر المسلمين - أصناماً وأوثاناً تخلقونها على هواكم وتتصورها أوهامكم، وليست بالضرورة أن تكون حجراً أو قطعة من طين أو عجين؛ فلربما تكون قيمة تخلقها الغفلة، أو تكون لا فتة يتصورها الوهم، أو شارة ينسجها الخيال العاطل، أو تكون رباً من الأرباب تعبدونه من دون الله أو تكون منصباً أو جاهاً أو فكرة أو عقيدة تغشى عيون قلوبكم وتظلمها فلا ترون الحق أبداً وعلى قلوبكم غشاوة وفي أبصاركم غبش !

هذا هو الرمز، وتلك هى الدلالة من الرسالة الدائمة التي يجب على مفكري الإسلام وعارفي فضله الاضطلاع بها: تحطيم الأصنام والأرباب والأوثان التي تتراءىَ لنا صباح مساء، فتصرفنا عن روح الدين وجوهر العقيدة السمحة تماماً كما تصرفنا عن نهج الرسالة المحمديّة كونها رحمة للعالمين، في كفاحها المتصل وجهادها الجميل وصبرها الدائم الموصول على سبل الكفاح والجهاد؛ وليفتش كل مسلم عما هو موقور في داخله وليبحث عن الصنم الذي يعبده دون الله: المال، الجاه، المنصب، الرئاسة، وليتحرّر من كل هذا ليشهد الله على الحقيقة، وليعلم إنما الدنيا أسباب وراء أسباب؛ وإنه بهذه الأسباب لمحجوب عن الله بالسبب، فليعتق نفسه ليشهد تجلي الفعل الإلهي من خلف حجاب الأسباب.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيينحدر محمد بن سيرين (ت- 110 للهجرة) من عائلة تمارس مهنة صنع القدور النحاسية. وكان أبوه مولى لأنس بن مالك، بأثر السبي الذي تعرضوا له من إحدى غزوات خالد بن الوليد. وهي مصادفة تحتوي في أعماقها على إمكانية تأثره بمجرى الأحداث السياسية التي عصفت في تاريخ الخلافة. وهو تأثر لا جبرية فيه، لكنه يحتوي بفعل الصعود الهائل للروح والجسد الإسلاميين على إمكانيات عديدة في التأثر بمجرياته. وقد وجد ذلك سبيله الى مخيال محمد بن سيرين بحيث جعل منه أولى الشخصيات الإسلامية الكبرى في إبداع الصيغ الواقعية لعالم الخيال، أي "احترافه" تفسير الأحلام واستعداده الكبير لتأويلها. وهي حالة لم تكن معزولة فيما يبدو من فورة النفس الثقافية التي انهمكت بتفسير كل ما يجري من أحداث. وإذا كان أغلبية الصحابة والتابعين، بوصفهم مثقفي الأمة الكبار منهمكين في أحداث "الساعة" وتحديد مواقفهم من مجرياتها إضافة الى الغوص في بواطن النفس الأخلاقية واللاهوت المتبختر في معترك القوى واحترابها العنيف، فان ابن سيرين طاف على أمواج العوام والخواص في أحلامهم.

فهو العالم الجديد الذي أبدع فيه ابن سيرين رؤية الثقافة الإسلامية الصاعدة وتمثل احد نماذجها لجميلة. وليس اعتباطا أن يجمع في ذاته لقب التابعي الجليل وإمام عصره في تفسير الأحلام. بعبارة خري، لقد جعل ابن سيرين من أحلام الناس عينة تأويله المعرفي. فهو لم يخضع الأحلام في تفسيره إياها الى قواعد ثابتة وعقيدة ثابتة، بقدر ما انه أخضعها لما يمكن دعوته لمبدأ الظن العقلي والاجتهاد النسبي والغاية الأخلاقية. بمعنى أن شاغله هنا لم يكن بناء منظومة قائمة بحد ذاتها في تفسير الأحلام، بقدر ما كان يقوم في مجارة الأمة في أحلامها اليومية من اجل بناء أحلامها الواقية من رذيلة الانسياق وراء الغريزة والابتذال المادي والمعنوي.

فقد كان تفسيره للأحلام وثيق الارتباط اجتهاده الشخصي في ميدان الفقه والتفسير والحديث. بمعنى أن الصيغ المتنوعة لتفسيره للأحلام وثيق الارتباط بما جمعته التجربة الثقافية الإسلامية. من هنا الثقل النسبي للقرآن في تفسير الأحلام. وهو ارتباط لا علاقة له باللاهوت، بقدر ما انه كان الصيغة الأولية لتمركز "الكتاب" في الوعي الثقافي. إضافة الى ما فيه من قيمة متسامية بالنسبة لوعي الصحابة والتابعين والأمة، أي للخواص والعوام.

بمعنى أن تفسيره للأحلام كان إحدى الصيغ الثقافية الأولية في الموقف من النفس وتجاربها الحياتية وآمالها ورغباتها ومعاناتها، أي مختلف تجارب الوعي الباطن. وهي تجارب سوف تضعها الثقافة الإسلامية اللاحقة، ضمن سياق فكرة الفراسة. وسوف تعطي مختلف الاتجاهات رؤى مختلفة عنها لكنها تشترك في إعلاء شأنها بوصفها إحدى خصال الإيمان. وفيما لو جرى وضع هذه العبارة ضمن سياق الرؤية العقلية والمعاصرة، فإنها كانت تشير الى قيمة الحدس والرؤية النقدية في الموقف من الأشياء والأشخاص والأفكار بوصفها "هبة إلهية"، أي قيمة عليا في الإنسان.

وضمن هذا السياق يمكن اعتبار ابن سيرين احد مؤسسي فكرة وقيمة الفراسة الثقافية عندما جعل من الأحلام، أي تيار الباطن الملهم لمختلف أصناف التأويل، موضوع وميدان إبداعه الفكري. من هنا مبدأ ابن سيرين في مواقفه من تفسير الأحلام عندما كان يشدد على أن ما يقوله بهذا الصدد هو مجرد ظنون، أي اجتهاد عقلي خاص. من هنا قوله "إنما أجيب بالظن. والظن يخطئ ويصيب".. لهذا كان يتردد في الإجابة على أسئلة الناس من اجل تفسير أحلامهم، لكنه كان يجيب المتسائل قائلا "اتق الله وأحسن في اليقظة. فانه لا يضرك ما رأيت في المنام".

غير أن إجاباته كانت تحتوي أيضا على عقيدته المتنامية في شخصيته وتجاربها الحياتية، أي الجمع بين البساطة والموقف الأخلاقي المتسامي. إذ تنقل لنا كتب التاريخ والسير ملامحه الشخصية بعبارات تقول، بأنه كان قصيرا بدينا، مصابا بالصمم، طيب المزاج والمرح، رفيع الأخلاق. وليس مصادفة أن يجري استغلال هذه الصفات بحيث جرى وضع تفاسير للأحلام على لسانه يقل بها. وهي الحالة التي لحظها الذهبي عندما قال، بان "ابن سيرين جاء في التعبير بعجائب يطول ذكرها، وكان له في ذلك تأييد الهي. غير أن ليس كل ما ينسب إليه يصح عنه". وهو تقييم دقيق. وذلك لان اغلب تفاسيره كانت تسير صوب إلزام النفس بقيم الخير. وليس مصادفة أن ترفعه الثقافة الى مصاف الشخصية الجليلة ولكن بمعايير الرؤية الحسية والواقعية، بمعنى تخليصه من عبارات اللاهوت المفرطة بطابعها التقليدي الجاف. كما نراه على سبيل المثال في العبارات التي قيلت عنه مثل "كان ابن سيرين إذا حدّث كأنه يتقي شيا أو يحذر شيئا"، وانه "ما رأيت رجلا افقه في ورعه ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين"، وانه "كان إذا سئل عن شيء في قضايا الحلال والحرام يتغير لونه ويتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان"، و"كنا إذا نتذاكر معه الموت يتغير لونه ويصفر وكأنه ليس بالذي كان" وان ابن سيرين "كان إذا ذكر الموت مات كل عضو فيه". وهي صور تكشف عما فيه من وحدة داخلية تتزاوج فيها الواقعية والسمو الأخلاقي. بحيث ارتقت وحدة المعرفة والموت الى مصاف البؤرة الشخصية في الموقف من النفس والآخرين والأحداث.

بعبارة أخرى، لقد أصبحت المعرفة والموت عنده شيئا واحدا لأنهما يضعان المرء أمام المهمة الأصعب. فالمعرفة بالنسبة له ليست لهوا، كما أن المعرفة هي المهمة الأعقد بالنسبة لفراسة الروح العاملة بمعايير الصواب والخطأ. وبالتالي، فان إقراره بفكرة أن الاجتهاد ظن، لم يغير من قيمة الالتزام الأخلاقي بنتائجه التي عادة ما تجعل من الخطأ شيئا اقرب إلى الخطيئة في ضمير المثقف الكبير. لهذا قيل عنه بأنه "لم يعرض له أمران في دينه إلا اخذ بأوثقهما"، وانه "كان إذا ذكروا عنده رجلا بسيئة فانه يذكره بأحسن ما يعلم". من هنا قوله "ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوء ما تعلم وتكتم خيره". وهو مبدأ حدد مواقفه الشخصية. إذ ينقل عنه، بأنه كان إذا دخل على أمه لم يكلمها بلسانه تخشعا لها. في حين نراه بصورة مغايرة ومكملة عندما أرسل عليه ابن هبيرة والي العراق. فنسمع يجيب على سؤال ابن هبيرة بعد أن دخل عليه:

- كيف تركت أهل مصرك؟

- تركتهم والظلم فيهم فاش!

- وماذا رأيت منذ قربت من بابنا؟

- رأيت ظلما فاشيا!

وعندما غمزه ابن أخيه، التفت إليه ابن سيرين قائلا:"إنك لست تسأل، إنما اسأل أنا"! وفي نفس الوقت كان معروفا عنه، كونه حالما يدخل الى وليمة عرس وأمثالها، فانه كان يقول:

- اسقوني شربة سويق!

- يا أبا بكر أنت تذهب الى الوليمة أو العرس تشرب سويقا؟!

- إني اكره أن احمل حد جوعي على طعام الناس.

وهي مكونات تعكس شخصيته التي يمكن تأطير حجمها بالنسبة للثقافة آنذاك في توليفه وحدة المكونات الواقعية والنقدية تجاه النفس والعالم، التي وجدت تعبيرها الجميل في تفسير الأحلام. من هنا عدم خلوها من الطرافة أيضا شأن كل نفس نبيلة. وقدم الكثير من النماذج المثيرة لتسلية النفس وانقداح شرارة وهجها المتفائل. فعندما قال له احد الأشخاص بأنه رأى وكأن لحيته بلغت سرته، أجابه "أنت رجل مؤذن تنظر في دور الجيران!". وعندما قال له رجل بأنه رأى في منامه كأنه يطير بين السماء والأرض، أجابه "أراك تكثر الأماني!". بينما نراه يفسر ما ينسب الى الحجاج الثقفي من نادرة تقول، بأنه كتب الى مالكه عبد الملك، يخبره بأنه رأى في منامه كأن حوريتان أتتاه، فاخذ إحداهما وفاتته الأخرى، فأجابه عبد الملك "هنيئا لك يا أبا محمد!". وعندما بلغ ذلك ابن سيرين، قال "اخطأ! هذه فتنتان! يدرك إحداهما وتفوته الأخرى".

***

ميثم الجنابي

 

 

مجدي ابراهيمالأصل في فهم القرآن هو "التدبر"، وليس الأصل فيه تسطيح المفهوم؛ لأن فهم القرآن أولى وأحرى بالاهتمام من أن يجيء جرس اللفظ وحسن الصوت عالياً على المعنى بغير أن يكون هناك إدراك للعوامل الداخلية التي سببت ارتفاع الصوت وحُسْنه أو جرس اللفظ وحلاوته، فما يكون في خارج اللفظ ليس هو في الحقيقة ما يكون في داخله، إذا تَسَطحتَ معنا المفاهيم وغابت دلائل التدُّبر المنشود في معناه وفحواه.

والذي يقرأ القرآن على التؤدة والتمهل يأخذ منه نصيباً من الفهم على قسطاس الحضور والتدبر؛ فتتلاشى شيئاً فشيئاً عنده أنصبة التسطيح للمفاهيم التي ينساق فيها وراء جرس اللفظ وتواجد الوقع. وليس معنى هذا أن جرس اللفظ لا معنى له وأن تواجد الوقع لا فائدة من ورائه، كلا بل في هذا وذاك كل الفائدة وكل المعنى إذا جاءت ثمراته في مراحل تالية على المرحلة التي لا بد فيها من فهم التدبر للمعنى: كيف جاء على رقي النموذج الذي يدركه القارئ، ومتى أصابت منه قواه الداخلية سبَّبت مثل هذا الوقع المتواجد حلاوةً في اللفظ وفي المعنى على حدٍ سواء؛ فموسيقى الألفاظ الناشئة إنما هى حلاوة معنى مُدْرك مَرَدَّها إلى فهم وتدبر, أو هكذا ينبغي أن تكون في ملكوت القرآن.

على أن التدبر ليس مجرد كلمة عابرة، ولكنه استعداد لفهم أكبر قضية وأشرفها من قضايا الغيب (الإيمان)، فيها فضائل العلوم والأسرار، وفيها الفتوحات الإلهيّة والتنزلات الصمدانيّة، فيها أعلى أنواع الاستعداد لتلقي المعرفة عن الله بالمباشرة، وفيها الكشف عن وجه الحق في كل موهوب لا مكسوب، وفيها أسرار الحق المبثوثة في ظوهر الموجودات وباطنها وحكمها الساري قدراً على الأشياء.

التدبر، معرفة، وإحاطة، وإطلاع، وحضور. والتدبر تأمل في آي الذكر الحكيم. والتأمل في القرآن هو الذي يُقصد لذاته وليس المقصود القراءة لمجرَّد القراءة؛ فقراءة القرآن دون تأمل وتدُّبر نقصٌ شنيعٌ يربأ عنه العارفون بالله هو ذلك النقص الذي يطلبه القلب اللاهي عن فهم معاني القرآن:" أفلا يتدبَّرون القرآن أم على قلوب أقفالها".

من أجل ذلك؛ لا تجدي نفعاً قراءة القرآن بقلب لاهٍ، وإنما جدواه الحقيقية النافعة هى أن يكون قارؤه على طريقة من الإدّكار الفطن تدبُّره، ولا يقف على معناه واقف كائناً ما كان إلا بمقدار ما يفتح الله به عليه من عرفان الأسرار التي هى من عند الله لا من عند هوى النفس البشرية؛ لأن أهواء النفس البشرية قاصرة عاجزة لا تدرك حقائق العرفان بمحض إرادتها، وإنما الإرادة الفاعلة - لا هوى الأمنية - تدرك تلك الحقائق بمحض الموهبة الإلهية المُفَاضَة فتحاً مُبيناً من عند الله.

وللتدبُّرِ في أي الذكر الحكيم جلال وجمال: الجلال منه مهيب، رهيب، مُخَوِّف، قهَّار. والجمالُ فيه: مرغوب، مُحَبَّبٌّ، مُرَجَّى، غفار وستار. والنفس الإنسانية بين حالين في تدبرها، حالة كونها خائفة، وحالة كونها راجية. وفي سورة الإنعام على سبيل المثال لا الحصر آية تدعو إلى جلال التدبر يهتزُ لها الشعور هزات نابضة بالجلال الرهيب المهيب في قوله تعالى:" قُلْ تعالوا أَتْلُ مَاَ حَرَّمَ رَبُّكُم عَلَيْكُمْ أَلَا تُشْرِكُوا بهِ شَيئاً، وبالوالدين إحْسَاَنَاً، وَلاَ تَقْتِلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقَكُم وَإيَّاهُم، وَلَا تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَاَ بَطَنَ، وَلاَ تَقْتِلُوا النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلاَّ بالحَقِ ذَلِكُم وَصَّاَكُم به لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ. وَلاَ تَقْرَبُوا مَاَلَ اليَتِيمِ إلَّا بالَّتي هىَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشَدُّه، وأوْفُوا الكيْلَ والميزانَ بالقِسْطِ لاَ نُكَلِّف نَفْسَاً إلاَّ وسْعَهَا، وإذَا قُلْتُمْ فاعْدِلوا وَلَو كانَ ذَا قُرْبَي وبعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلكم وصَّاَكُمْ به لَعَلَّكُم تَذَكَّرُون. وأنَّ هذا صِرَاطي مُسْتَقِيماً فاتَّبِعُوه, ولا تتبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بكم عَن سَبِيلهِ, ذَلكُم وَصَّاَكُم به لَعلَّكم تَتَّقُون".

فما حَرَّم ربنا علينا إنما هو قضايا خمس كلها من كبائر الموبقات والذنوب إذا اقترفها إنسان, كان كمن يرتكب الكبيرة. ولا شك أن قوة "المنع" عن ارتكاب الكبيرة من إنسان يرتكبها لا بد وأن يتوافر فيه زاجر أقوى من كل قوة هو زاجر التوفيق في الإيمان؛ فلا إيمان بغير أن يكون هنالك زاجرٌ عن المعاصي والذنوب. ومعلومٌ أن الإيمان مكانهُ القلب، والقلب الفارغ من الإيمان من شأنه أن يلهو ويعبث ثم يضيق ذرعاً بتطبيق أركان الإيمان من أوامر ونواهٍ. ولا يتأتى هذا التطبيق الرشيد إلا بجهاد شريف يُنَاقض الجهل المركب والإصرار على الغفلة؛ فإن الجاهل جهلاً مركباً ذلك الذي يدرك أن الجهل في جميع الأحوال قيمة، وأن بقاء الجاهلين على حالة الجهل المقدس أهم وأعلى من إدراك العَالمينَ !

الجاهل جهلاً مركباً هو الذي يُقدِّس جهالته؛ لأنه لا يعرف نفسه إذْ لم يجاهد فيها الآفات والرذائل ولم يجتهد في الحصول على قيمة باقية من وراء الجهاد؛ فهو الذي يتبع نفسه هواها ويتمنى على الله الأماني. والجهاد الحق جهاد نفس شرهة وكفاح أمراض مستشريّة, ولا يتحقق معنى الإيمان بغير جهاد لنوازع الجسد تحجب الفكر عن الحقائق الإيمانية، فضلاً عن الحقائق الكونيّة المُصَفَّاة؛ فلا فكر على الحقيقة بغير جهاد، ولا إيمان ولا دنيا لمن لا يحيي ديناً من حيث إنه لا إيمان ولا دنيا لمن لا تحيا فيه فريضة التفكير.

قال الإمام علي كرم الله وجهه في هذا الصدد:" خيرُ العَمَلِ مَا أكرَهْتَ نَفْسَكَ عليه". وقال أيضاً:" ميدانكم الأول أنفسكم، فإن انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإنْ خُذِلْتُم فيها كُنتم على غيرها أعجز, فجربوا معها الكفاح أولاً".

هذا المعنى يُفَسّر لك العجز العربي والإسلامي اليوم: انسياق دائم كما تُسَاق السَّوَائم وراء الأهواء، وتلبس غير معهود ولا معقول بمطالب المادة، وقلة حيلة في التعامل مع الآخرين شعوباً وأنظمة لا لشيء إلا لأن الواقع العربي اليوم مخذولٌ في نفسه، وخذلان النفس هوانٌ ما بعده هوان؛ لا يقاربه خذلان الآخر مِمَّن لم تتوافر لنا القدرة عليهم ما دامت نصرتنا على أنفسنا خذلاناً وهواناً وعجزاً؛ فمحاربة النفس بالإضافة إلى أنها تمكننا من القدرة على الغير, تعطينا طريقاً إلى معرفة الله، والانتصار عليها طريق الإيمان في كافة الأحوال.

فإذا نحن عدنا من هذه الوقفة إلى القضايا الخمس التي أشارت إليها الآية المباركة والتي حرمها الله على عباده، وجدناها كلها من الكبائر لا يرتدع عنها أحدٌ إلا برادع الإيمان؛ ففيه وحده مِكْنَة التجنّب من ارتكاب أدناها إلى التحقيق. وهذه القضايا تحيطها الوصية الإلهية بسياج محفوظ من "إرتجاء العقل"؛ فما يوصي الله به في تلاوة ما حرم على عباده إنما هو وصية محاطة برجاء أن يكون العبد المنفذ لها عاقلاً معصوماً عن الغفلة أو يكون على أقل تقدير محفوظ عن الغرق في مستنقعها الآسن, وتتضمّن القضايا الخمس الآتي:

(1) التحريم القطعي للشرك بالله في (ألا تشركوا بالله شيئاً).

(2) والإحسان للوالدين في (وبالوالدين إحساناً).

(3) والنهي عن قتل الأولاد من خشية الفقر والإملاق.

(4) وتحريم الاقتراب من الفواحش في (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن).

(5) وتحريم قتل النفس في (ولا تقتلوا النفس التي حَرَّم الله إلا بالحق).

فهذه القضايا الخمس هى مما يُوصي الله به في قوله تعالى:" ذَلِكُم وَصَّاَكُم به لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ".

ولنلحظ التعقيب على الحكم: إيمان بالعقل، وحَثُّ على استخدامه لتتحقق فوائد الإيمان، لكأنما كان رجاء الإيمان ها هنا مُعَلقاً على وصية إلهية يُرجى فيها استخدام العقول العاقلة عن ربها مطالب العزة وفقه الحكم بالعقل. ولا تنتهي تلاوة ما حَرَّم إلى هذا الحد، بل يستطرد في تلاوة غيرها من الأحكام إلى حيث تكون الوصية في هذه المرة لا لأولئك الذين يعقلون، ولكن لمن يذكَّرون؛ فانتقال الوصية من مجال "إرتجاء العقل" إلى مجال "إرتجاء التذكرة" له مدلوله في تخريج مفهوم الآية. وهذا المدلول لامناص له من أن يؤدي إلى تعميق الإيمان حسبما يشير إليه السياق الواضح والمحدد من تلاوة ما حَرَّم الله على عباده. لكن هذه الوصية التي يرتجي منها التذكرة تشمل على أربعة أركان:

الأول يقول "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هى أحسن حتى يبلغ أشده". فإذا أنتهي هذا الركن بتقرير النهي عن اقتراب مال اليتيم، يأتي الركن الثاني بتقرير الوفاء في الكيل والميزان "وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نُكلف نفساً إلا وسعها".

ثم يجيء الركن الثالث ليؤكد هذه الحقيقة:" وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى". والمعنى من هذا هو: أي لو كان المتعلق به قولكم قريباً لكم لا تجاملوا أحداً في الحق، بل العدل أقرب إلى أن تكونوا على منهاج الحق فيما تعاملون به الناس سواء بسواء من غير أن يكون هنالك اعتبار لقريب أو ما يشبه القريب.

ويأتي الركن الرابع والأخير ليقول "وبعهد الله أوفوا"، ثم تنتهي الأركان الأربعة بتعقيب على الحكم يُوصي الله به عباده:" ذلكم وصَّاكم به الله لعلكم تذكرون".

ويلاحظ في سياق الدلالة من أحكام القضايا الخمس السابقة أن الوصيّة كانت منصبة على الذين يعقلون:"ذلكم وصَّاكم به لعلكم تعقلون"، وهنا في هذه الأركان يجيء سياق الدلالة من الوصية تعقيباً على الأحكام:" ذلكم وصّاكم به لعلكم تَذَكَّرُون ".

لاحظ إرتجاء التذكرة في الأركان هنا جاء مُعَلَّقاً على إرتجاء العقل في القضايا هناك في حين كان التعقيب على الأحكام "تذكرة"؛ لماذا؟ لكأنما الإنسان إذا هو عقل وصية ربه في الحالة الأولى؛ حالة القضايا التي تتعدد فيها ذكر ما كان حرم الله على عباده, صار يسيراً عليه فعل التذكرة في الحالة الثانية.

فحينما قال المولى تبارك قوله (لعلكم تذكرون)، كأنه يريد أن يقول لعلكم تذكرون ما قد علمتموه من الوصية الأولى، فإذا كنتم عقلتم وصيتي الكبرى وأوجبتم على أنفسكم تنفيذ ما يمكن أن يكون فيها من زواجر ونواهي, ومن أوامر وتكليفات هى إنْ فعلتموها كانت لا شك في صالحكم، صار ما أقرره في هذه الأركان يسيرة عليكم تأديته في الحالة التي إذا ما أنتم قمتم فيها بواجب الوصية الأولى؛ فإذا الفعل ها هنا ليس فيه عُسر ولا مشقة.

والتذكرة هنا لا تحتاج إلى العناء الذي ربما كانت ظواهره بادية عليكم حال كونكم تنفذون الوصية الأولى؛ فموجب الوصية قطعاً ها هنا لا يحتاج فيه الفعل إلى شيء غير التذكرة وكفى. وإذا تجمّعت الحكمة من وراء إرتجاء التذكرة مع الحكمة من وراء إرتجاء العقل، كانت هنالك نتيجة مؤداها أن تخلص - بمقتضى الإيمان - سريرة الإنسان، تخلص من ماذا؟ تخلص من العوالق والقواطع والأغيار التي تنخر فيها كما السوس مفسدة لها في كل حال؛ لتتوحد السريرة خالصة مع الله؛ فإذا التوحيد شهادة حقيقية ليس فيها مجاز؛ وإذا هو واقع مُحَققٌ لا صورة هزيلة فارغة من المعنى أو من المضمون.

ليس للفكر دين. التفكير فريضة إنسانيّة، ولا يمكن أن يكون غير هذا؛ إذْ ليس للفكر دين؛ لأنه لو كان للفكر دين لأصبح في معزل عن الإنسان من حيث أنه كائن مفكر ولصار الدين هو الحاكم الأول والأخير على فريضة التفكير لديه؛ وإنما الإنسان الذي يفرز الفكر هو الذي يفرز العلم ويناقش الدين بعمل العقل والتفكير؛ ولأن العمل العقلي في كل حال هو الذي يستوجب في كل حال فريضة التفكير.

ولكن الفكر الذي على هذا النحو سرعان ما يتحوَّل إلى وثن يعبد وإلى صنم يقدس. ربما يُقال في هذه المسألة: ما قيمة الدين من أساسه إذا كان في مستطاع الإنسان أن يتخذ من فكره ديناً يتكئ عليه ويستند على مقرراته المعرفيّة فلا حاجة به إلى دين أو عقيدة؟ وبما أن التفكير فريضة إنسانية؛ فالأديان تنحصر في تفكير الإنسان المحدود وتتقزم بما لدى الإنسان من عقائد التفكير.

تدور الأسئلة التي من هذا النوع كثيراً على أذهان المتسائلين، ولكن الذي يوقفها عند حدودها هو التفكير في مسائل المصير والتأمل الدقيق في أجواء الإيمان؛ فالإنسان مهما كان وأيَّا ما كان فهو محدود التفكير ومحدود العمر، وهو بطبيعته كائن محدود العقل، محدود الزمن، إذا هو فكر كثيراً في مصيره لا يلبث إلا ويعود عليه مثل هذا التفكير بتقرير الإيمان والدخول فيه دخولاً يتغشاه من الباطن ويتعمقه بعيداً عن السطح الظاهر؛ ليصل به إلى حقيقة امتداده فيما وراء الحياة المحدودة، والزمن المحدود، والعقل المحدود، والعمر المحدود، ولا يصل إلى تلك الحقيقة إلا بما يتقرّر لديه من مقررات الإيمان .

بيد أنه لو أقتصر على فكره مجرداً عن الدين والإيمان سرعان ما يقدس هذا الفكر فيصبح تفكيره (دجمة) مقدَّساً، مُجَرَّد وثن يعبد كأنه يؤمن به إيماناً خالصاً كمَا يؤمن المؤمنون بالإله الواحد، فلا يستطيع الخروج من ذاته تفكيراً وتعبيراً إلى حيث رحابة الكون وأفق اللانهائي اللامحدود واللامتناهي. والقرآن يقوده بالإيمان والعقل معاً إلى هذا الرحاب العلوي الأكرم ويخلصه من غواشي التفكير المحدود بتحرير اللطيفة الباطنة الجُوّانيَّة عن سطوات الأغيار.    

ولا خُلاص لهاته اللطيفة الجُوَّانيَّة إلا أن يكون خلاصها الوحيد في عقل يعقل وصيّة ربه على قانون الجهاد في سبيله، وضبط النفس والانتصار عليها؛ ليلزمها شرف البقاء دوماً في رحاب المعيّة. فالعقل من ثمَّ هو أشرف معنى من معانيه، وهو هنا أكمل ما يكون كاملاً حين يتصف به الإنسان الكامل في الفهم عن الله. والإنسان الكامل في توخي العبادة وملازمة السلوك القويم بمقتضى فكرة التوحيد وفي إطارها؛ فلا هو بالعقل الذي يستقبل ثم يرفض، ولا هو بالعقل الذي يسمع ولا شأن له بالتطبيق، ولكنه العقل الذي يحيل إلى البصيرة ويقود إلى الإيمان على أكمل ما يكون الإيمان في متابعة السبيل كما يصفه ربّ العزة في قوله تعالى:" وأنَّ هذا صِرَاطي مُسْتَقيماً فاتَّبِعُوه ولا تتبعوا السُّبَل فَتَفَرَّقَ بكم عن سبيله، ذَلكم وصَّاكم به لعلكم تَتَّقونَ".

أمامنا الآن ثلاثة محاور أساسية كبرى في الإرتجاء هى بمثابة تعقيبات أحكام تتسلسل بعضها عن بعض.

(1) محور أول في إرتجاء العقل.

(2) ومحور ثاني في إرتجاء التذكرة.

(3) ومحور ثالث في إرتجاء التقوى.

والأساس الصالح والركيزة الفاعلة في هذه المحاور هو "العقل"؛ فلولا العقل ما كانت التذكرة، ولولا اجتماع التذكرة التي تستقي روافدها وأركانها من العقل لمَا كان هناك تناسق في الصفة التي يتصف بها الإنسان من نشدان الكمال المعصوم في إتباع السبيل في غير تشتت وتَفَرُّق.

هو ذاكر لأنه عاقل، ويسير عليه فعل التذكرة بعدما اتصف بالرشاد والعقلانية، لكنها عقلانيّة ممزوجة بالنور تأخذ من مشكاة القلب ليرقيها، معجونة بخميرة الإشراق الروحي، وليست هى بالمعزولة عن هذه أو تلك بحال، ولا هى كذلك بالعقلانية البعيدة عن مثل هذا النور بشطط العقل الأهوج الغافل البليد.

فإذا تمَّ الرجاء في عقله سَهَلَ أن تتمَّ التذكرة عنده لتمام الرجاء في عقله سابقاً، ثم إذا أنت قرنت العقل مع التذكرة قرانة لزوم وارتباط كاللزوم الضروري والارتباط السّببيّ بين القضايا والأركان ثم التعقيبات على أحكامها، نتجت عن ذلك نتيجة مؤداها أن رياض الإيمان هو هو الفاعل في كل هذه القضايا والأركان يرتد من فوره إلى التقوى؛ وهو المُراد بوصية أخرى ثالثة هى بمثابة اللازمة الضرورية من مقدمتين سبقت أهمهما إحداهما؛ فالأهم كانت في إرتجاء العقل، ثم إرتجاء التذكرة بعد العقل بالطبع؛ فَلَزَمَ عن هذه وتلك, ذلك "الإيمان", وهو المراد بقوله تعالى:" ذلكم وصَّاكم به لعلكم تَتَّقونَ".

والتقوى لا مَحَاَلَة هى لب لباب الإيمان.

أي نعم! لب لباب الإيمان هو التقوى، ولماذا كانت التقوى؟ لأن للتقوى أنوراً هى ثمرة الجهاد مع التذكرة، تشع في باطن السريرة الإنسانية، فتلزمها كمال البقاء على الصراط المستقيم؛ فبعد أن يؤدى العقل الغرض الشريف ممّا هو مكفول له أن يؤديه، فيكتمل الرجاء فيه كلما عقل عن الله مراده وحكمه، وبعد أن تفي التذكرة بأركانها واحداً واحداً؛ يجيء الأمر صادراً بوصية التقوى (= أعلى الوصايا) في أن هذا صراطي مستقيماً فأتبعوه؛ فإذا أتبعتموه في مجال التذكرة ومن قبلها مجال العقل، كنتم لاشك من المتقين الذين يعرفون للاستقامة معنى ودلالة؛ أي كنتم لا شك - بمتابعة السبيل - من الذين هداهم الله إلى الإيمان الحق، فكان الإيمان الحق حقيقاً بأن تكونوا، بمزاولته، من المتقين.

ولا بأس آخر الأمر من الاستئناس بما وَرَدَ في "لطائف الإشارات" للإمام أبي القاسم القشيري (ت 465هـ) في تفسير الآية حيث ذكر أن الآية المباركة تضمَّنت عشرة أشياء أولها الشرك، فإنه رأس المحرَّمات, والذي لا يُقبَل معه شيء من الطاعات, وينقسم ذلك إلى شرك جليِّ وشرك خفي؛ فالجلي عبادة الأصنام، والخفيّ ملاحظة الأنام بعين استحقاق الإعظام. والثاني من هذه الخصال: ترك العقوق، وتوقير الوالدين بحفظ ما يجب من أكيدات الحقوق. والثالث: قتل الأولاد خشية الإملاق، وإراقة دمائهم بغير استحقاق. والرابع: ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما بدا واستتر، ويدخل في ذلك جميع أقسام الآثام. والخامس: قتل النفس بغير الحق، وذلك إنما يكون لفقد شفقة الخلق. والسادس: مجانبة مال اليتيم والنظر إليه بعين التكريم. والسابع: بذل الإنصاف في المعاملات والتوقي من جميع التبعات؛ أي: الاحتراز عما فيه تبعة. والثامن: الصدق في القول والعدل في الفعل. والتاسع: الوفاء بالعهود الإلهية. والعاشر: متابعة السبيل بما تشير إليه لوائح الدليل. قال القشيري: "فمن قابل هذه الأوامر بجميل الاعتناق سعد في داريه وحظى بعظائم منزلته". فاللهم حقق .

نعم، لقد صدق نظر العرفان الذوقي بمقدار ما لديه من صدق الموافقة والمتابعة, وكذبت أنظار المتعالمين من ذوي الدعوى العريضة في غير تحقيق ولا استشراف؛ فلئن خَرَّج القشيري دلالات هذه الآيات المباركات، فلقد خَرَّجها من ذوق عرفاني ودلالة معرفيّة غير أنها إشاريّة، ولم يخرجها دعوى عريضة لمجرد النظر العابر في سطح المفهوم .

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

                      

عدنان عويد(قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ. ).

إذا كان التيار السلفي الجبري المعادي للحداثة قد اعتمد على النص الديني المقدس أو من قام على تفسيره وتأويله من فقهاء العصور الوسطى، فكذلك تيار العقل وحرية الإرادة والمناصر للحداثة لم يخرج عن هذه لقاعدة أيضاً. لذلك دعونا ننظر في هذا التيار من الخطاب الإسلامي التنويري وآلية تفكيره ومرجعياته الفكرية.

(قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ . ). (1).

جاء شيخ إلى علي بن أبي طالب عند الإعداد لمعركة صفين يسأله قائلاً: (أكان المَسيرُ بقضاء الله وقدره). فكان رد علي عليه ( لعلك تظن قضاءً واجباً وقدراً حتماً، ولو كان الأمر كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد ولما كانت تأتي من الله لائمة لمذنب ولا محمدة لمسيء. وهذا رأي إخوان ألشياطين وعبدة الأوثان. وشهود الزور. وخصماء الرحمن. وأهل العماء عن الصواب في الأمور، إن الله أمر تخيراً وانهى تحذيراً، ولم يكلف جبراً، ولا بعث الأنبياء عبثاً.).(2)

هذا هو موقف أمير المؤمنين من الجبر، والعقل وحرية الإرادة. فليس هناك قضاء واجب، ولا قدر حتم، وإنما هناك إنسان حر في اختياره وإرادته، وما أوامر الله في نصه المقدس إلا من باب التخيير، وما النهي عند الله إلا نذيراً لهذا الإنسان ونهيه عن فعل الشر وظلم الناس، وما التكليف عنده إلا تخيراً وليس جبراً على الإنسان، ومن يقول أو يمارس غير ذلك فهو ليس بمسلم. فجوهر الدين كما يفهمه أصحاب العقل وحرية الإرادة هو ما جاء في النص المقدس ذاته: (يأيها الذين آمنوا إركعوا واسجدوا واعبدوا بكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم من حرج.).(3). وعلى هذا الأساس في عدم الإحراج في الدين يأتي هنا موقف "ابن الجوزي" في التقليد الذي يبطل العقل وحرية الإرادة حيث يقول: (في التقليد إبطال لمنفعة العقل، لأنه خُلق للتدبير والتأمل، وقبيح من أعطي شمعة ليستضيء بها أن يطفئها ويسير في الظلام.).

هذا هو الفرق بين أن تأخذ العقل شعلة للمعرفة بكل معطياتها وبالتالي تستطيع عبره أن تؤكد ذاتك كإنسان قادر على معرفة ورسم الطريق الدال على مصالحك في خيرها وشرها، وبين أن تطفئ هذه الشعلة وتسير في ظلمة قاتمة وتترك أمر قيادتك للآخر الذي سيأخذك إلى ما يريد هو أو ما اعتقده هو الصح، أو ما تشتهيه مصالحه. فالفرق شاسع إذن بين النور والظلة...بين المعرفة والجهل .. بين العقل والنقل. وأخيراً بين أن تكون حراً في اختياراتك أو مجبر عليها

إن السير على هدّي العقل وحرية الارادة في تاريخ الدولة العربية الإسلامية لم يأت من فراغ، بل جاء متكئاً على النص المقدس ذاته، هذا النص الذي أعطى شرعية التفكير والتدبير في أمور الحياة للإنسان وفي مقدمتها الإيمان بالله ذاته، حيث لا جبر عليه في حريته: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر.).(الكهف – 29) وأيضاً: ( قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، وإن ظل فإنما يظل عليها، وما أنا عليكم بوكيل.)، (يونس -108)، مروراً بالتأكيد على حرية الإرادة في أمور الحياة، واعتبار أن كل ما يصيب الإنسان هو من عند الإنسان ذاته: (ذلك بما قدمت أيديكم والله ليس بظلام للعبيد.). آل عمران – 182).) وصولاً إلى حرية العقل والتفكير التي لم تخلوا سورة من القرآن إلا وأكدت عليها، ومنها أول آية نزلت وهي: (إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم...).) سورة العلق). وعلى هذا الأساس انطلق القدرية عموماً والمعتزلة على وجه الخصوص منذ السنين الأولى للدعوة يؤكدون على أهمية العقل بالنسبة لمعرفة الحق والباطل. فهذا القاضي "عماد الدين عبد الجبار أحد شيوخ المعتزلة في كتابه (طبقات الاعتزال)، يقول عن أهمية العقل بالنسبة للدين والدنيا معاً: ( لأن به يُميز بين الحسن والقبيح، ولأن به يُعرف الكتاب حجة، وكذلك السنة والاجماع، وربما تَعجب بعضهم من هذا الترتيب، فيظن أن الأدلة هي الكتاب والسنة والاجماع فقط، أو يظن أن العقل إن كان يدل على أمور فهو مؤخر، وليس الأمر كذلك، لأن الله لم يخاطب إلا أهل العقل، لأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والاجماع، فهو الأصل في هذا الباب.). (4).

من هذا الفهم السامي للعقل ودوره في فهم الدين والدنيا، جاء نضال أهل العقل في تاريخ الخلافة الإسلامية، وفهمهم لضرورة تسخير العقل كي يبحث عن حلول لمستجدات الحياة التي لم يرد فيها نص مقدس، أو حديث، أو إجماع، وذلك عبر فتح باب الاجتهاد القائم على استخدام العقل. بل إن أصحاب العقل وحرية الإرادة من شيوخ المعتزلة قد أكدوا على (الفكر قبل ورود السمع)، بعد أن عرفوا كيف كان الكذب والتدليس والتزوير في وضع الحديث أو تأويل النصوص المقدسة خدمة لمصالح شخصية أوسياسية. وهذا ما أشار إليه أحد شيوخ المعتزلة وهو " ابراهيم النظام" بقوله: (وكيف نأمن كذب الصادق، وخيانة الأمين، وقد ترى أن الفقيه يكذب في الحديث، ويدلس في الإسناد، ويدعي لقاء من لم يبلغه، ولولا أن الفقهاء المحدثين والرواة الصلحاء المرضيين يكذبون في الأخبار ويغلطون في الآثار، لما تناقضت آثارهم ولا تدافعت أخبارهم.). (5).

لا شك أن العقلانيين المناصرين للحداثة من القدريين (أهل العقل والعدل)، قد اتخذوا من تجربة الخليفة "عمر بن الخطاب في فتح دلالات النص على الواقع المتغير والمتبدل درساً في التشريع لمقتضيات العصر، وهو الذي فتح باب الاجتهاد في مسائل المؤلفة قلوبهم، والسرقة في عام الرمادة، وتوزيع أراضي سواد العراق على ألمقاتلين حجة ودليلاً لما آمنوا به . فعمر كان رائداً في استخدام العقل وفتح دلالات النص على ما يخدم الإنسان ويراعي تطور حياته ومستجداتها. وهذا ما نسميه في فكرنا المعاصر (الحداثة)، أي منح الإنسان القدرة على استيعاب مستجدات المرحلة التاريخية المعيشة، والبحث عبرها عن السبل والوسائل القادرة على تجاوز عقبات تحقيق مصالح الإنسان في حريته وعدالته ومساواته، وتأكيد إنسانيته في كل مرحلة تاريخية.

إن هذا الموقف الحداثي في تاريخ الخلافة الاسلامية وخطابها الديني الذي واجهه كما بينا سابقاً الخطاب الجبري الرافض لدور عقل الإنسان وإرادته، وأراد لهذا الإنسان أن يطفئ ضوء الشمعة التي مُنحت له كي يستضيء بها، ليبقى أسير الوهم والظلام والامتثال والاستسلام الذي رسمه له فقهاء السلطان منذ بداية العصر الأموي عندما اعتمد الأمويون على الجبر وناصروا شيخه الموالي لهم " جهم بن صفوان" الذي تراجع عن مواقفه وانتقد سطة الأمويين وفسادهم وموقفهم المعادي للموالي، فقدم حياته ضحية لمواقفه هذه، علماً أن الجهمية في مواقفها الجبرية الأولى المعادية للفكر والعقل معاً والمؤيدة للسلطات الاستبدادية لازالت سائدة حتى اليوم

إن الجبر في كل مدارسه السلفية عند (الحنابلة والأشاعرة والماتريدية والوهابية.. )، يريد حملته الاجتماعيون للواقع دائما أن يكون تحت سيف النص المقدس الذي اختاروه من بين نصوص ألقرآن وفسروه وأولوه ليس (وفقاً لأسباب النزول بل وفقاً لعموم اللفظ)، بعد أن نسخوا ما يخالف النصوص الجبرية من نصوص قدرية لا تتفق ومصالح من هم تحت أمرتهم. فهذا الغزالي يقول عن مسألة النسخ: (يجوز نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقران لأن كل ذلك من عند الله.)، ناسياً أو متجاهلاً بأن الرسول لم يأمر بكتابة الحديث أصلاً، وأن هناك آلاف الأحاديث الموضوعة على لسان الرسول، متجاوزاً في ذلك الغزالي ومن مارس النسخ على هواه، حدود الله ودوره في عملية النسخ هذه وهو القائل" ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها.). (لبقرة- 106)، وذلك خدمة لمصالح أنانية محددة، متجاهلين مصالح الناس، ومتجاهلين من خلال تمسكهم بجبريتهم حالة حركة وتطور وتبدل الواقع الذي هو في حالة سيرورة وصيرورة مستمرتين، وأن مصالح الناس وحاجاتهم ليست ثابتة، بل هي مفتوحة على المطلق. وللحقيقة نقول إن الغزالي نفسه ورد عنده ألف حديث ضعيف كما تذكر بعض المصادر.

إن الفهم الديني للحداثة هو الفهم الذي يقر بأن النص الديني المقدس في حالة صدام مع الواقع دائماً في حركته وتطوره وتبدله، وهذا يتطلب من الفقهاء وعلماء الدين العقلانيين البحث دائماً عن حلول لمستجدات الواقع، كي تتحقق حالة التوازن المطلوب بين مصالح الناس وبين النص المقدس.

يظل الموقف العقلاني / الحداثي للخطاب الإسلامي في تعامله مع النص المقدس موقفاً حضارياً – حداثياً، طالما هو قادر على فتح هذا النص على دلالاته لإنسانية المطلقة، والبحث في مخزونه عن كل ما يخدم حرية الإنسان وإرادته وتحقيق مصالحه اللامحدودة، والقدرة على التطابق مع قضايا الحياة المعيشة في كل مرحلة تاريخية تمر بها الإنسانية. ففي مثل هذا التعامل العقلاني مع النص المقدس، سيشكل هذا النص بالضرورة في مجتمعنا العربي قوة تحفيز روحية وعملية للجماهير، واستلهاماً للحس الوطني، بعيداً عن الوعظ والتكرار واجترار ما قاله أو مارسه السلف حتى القرون الهجرية الثلاثة الأولى، على اعتبار أن هذه القرون الثلاثة هي من يمثل الإسلام الصحيح فكراً وممارسة.

ملاك القول : إن في مرتكزات الخطاب الديني الإسلامي الحداثي كما يراها النص الديني الدال على حرية الإنسان وإرادته، وكما يراها فقهاء الشعب وليس فقهاء السلطات ألاستبدادية، هي أن الدين في معطياته العامة عبادات ومعاملات، وإذا كانت العبادات علاقة خاصة بين الفرد وربه، وحدودها هي حدود الله وأحكامه، ولا دخل لأحد فيها، كون الله وحده هو من يعرف دواخل الإنسان وسرائره إن كان مؤمناً به أو كافر من جهة، ثم إن كل ما يؤديه الإنسان من طقوس دينية هي لله وحده وليس لعباده كما (الصيام لي وأنا أجزي به) من جهة ثانية، لذلك ليس هناك من سلطة دينية في الإسلام تجبر الناس على اتباع هذه الفرقة الناجية أو تلك، سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر، وما للخليفة أو القاضي أو المفتي أو لشيخ الإسلام من سلطة فهي سلطة مدنية كما يقول الشيخ "محمد عبده". ) إذ لم يجعل الإسلام لأحد من هؤلاء سلطة على عقائد الناس وتقرير الأحكام).(6).

أما بالنسبة للشق الثاني وهو المعاملات (التشريع)، فإنها تخص الناس أنفسهم في الدرجة ألأولى ممثلة في القوانين المدنية والجنائية والأنظمة السياسية ولاقتصادية والاجتماعية والعلمية وغيرها من علوم وضعية، فالناس هم الذين يقررونها بمحض إرادتهم، وبما يتفق ومصالحهم العامة والخاصة، وبما لا يتعارض معها، وبمقتضى العقل والعلم بكل ما تعنيه هذه العبارة من معنى، والناس وحدهم من يقررون تطبيق حدودها أو يسقطونها أو يعدلون فيها أو يضيفون إليها ويطورونها وفق المفهوم السابق وفي ضوء متغيرات الزمان والمكان، فحدود القاتل والمقتول والسارق والمسروق والظالم والمظلوم وهي حدود الناس، وهم وحدهم من يقرر تقاسمها عقوبة ومثوبة. فحدود المعاملات في النص المقدس محدودة وهي لا تتجاوز عشرات ألآيات جاءت مطابقة لزمن نزولها، في ذلك العصر، وهناك أمور كثيرة فرضها الزمن والتاريخ على الفرد والمجتمع لا بد من البحث عن حلول لها، والناس (أدرى بأمور دنياهم.).

إن ممكنات الإسلام الروحية والأخلاقية والعملية والحضارية اليوم، كما يقول الكاتب والباحث "عبد الرزاق عيد" تكمن في تجديدها.فعندما تصبح الوطنية هي أساس النشاط الديني، وليس الحاكمية والإمارة وتطبيق الشريعة كما فسرها وفهمها التيار السلفي الجبري. وكذلك عندما يصبح العداء للمستعمر (الغرب) كونه مستعمر وليس مسيحي كافر، وعندما يكون العداء للدولة ليس على علمانيتها وإنما على ظلمها للرعية وفساد حكامها وتفريطها بالأوطان وحقوق الأمة والمواطنة، وعندما تصبح كل مكونات الدولة بكل أطيافهم الدينة مواطنين لا يقيمون وفقاً للفرقة الناجية، أو وفقاً لكونه مسلم مؤمن ومسيحي كافر، وعندما تصبح المرأة نصف المجتمع ولم تخلق من ضلع ناقص، وعندما نفهم الديمقراطية على أنها آلية عمل وبناء لمشاركة كل أبناء الوطن وليست فكراً غربياً أو وضعياً تغريبياً كافرا، وعندما يفهم الدين على أنه نص مقدس جاء لمصلحة الإنسان وخيره وعدالته ومساواته، وأن الاختلاف في تفسيره وتأويله يجب أن يأتي بناءً على خدمة مصالح المجتمع، وليس لخدمة قوى اجتماعية محددة تعمل على توظيف النص الديني خدمة لمصالحها، عندها سيكون الإسلام حداثياً وسيتمكن الإسلام والإسلاميون من إيجاد مجال مشترك مع كل مكونات المجتمع أو أطراف الأمة، فالسماء كما يقول "عيد" لا تظللهم وحدهم، بل تظلل الجميع، وللسماء وحدها حق تقرير المصير يوم الحساب.

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

..........................

الهوامش

1- الأنعام- 104

2- حسن ابراهيم حسن- تاريخ الدولة الإسلامية- القاهرة – 1991 – ج1– 244-345.

3- الحج- 77و78.

4-الثقافة الجديدة – العدد 27- 1997- ص 48.

5- المصدر نفسه – ص 46.

6- محمد عبده- الأعمال الكاملة- جمع وتحقيق " محمد عمارة" بيروت- المؤسسة العربية للدراسة والنشر- 1974 – ص285-286.

 

ميثم الجنابيهو عامر بن شراحيل. توفي عام 105 للهجرة. بلغ حسب البعض الثانية والثمانين. بينما قال الواقدي بان الشعبي مات عن سبع وسبعين سنة. ذلك يعني انه إلى جانب من قال بان ولادته كانت عام 28 للهجرة. وهو الأدق. كانت أمه من سبي جلولاء. وقد ولد ضئيلا نحيفا مع أخ له توأما. من هنا قوله مازحا "إني زوحمت في الرحم"! وهي صفة ظلت تلازمه مدى الحياة. بحيث نراه مرة يرد على رجل مغفل لقاه وهو يمشي مع امرأة. فسأله الرجل:

- أيكما الشعبي؟

- هذه!

بينما نراه يرد على سؤال رجل:

- ما اسم امرأة إبليس؟

- ذاك عرس ما شهدته!

بل ينقل عنه كيف انه وهو في طريقه إلى الشام دخل مسجدا، فوجد رجلا يقص على الناس حكايات من بينها قوله بان لله صورين ينفخ فيها يوم القيامة. وعندما قال له الشعبي بان هذا لا يتفق مع ما في القرآن. فالقرآن يقول (يوم ينفخ في الصور). عند ذاك صاح القصاص: يا هذا! أقول لك لله صوران فتقول صور واحد، استكثرت ذلك على الله؟! وحالما اخذ الناس بالاستعداد لرميه بالحجر، فانه اخذ يصرخ: والله! إن لله سبعين صورا! وهي صورة ظلت منطبعة فيما يبدو في أعماقه بحيث احتل القراء والقصاص موقعا خاصا في مواقفه النقدية. لهذا نراه مرة يرد على قول أولئك الذين استغربوا كثرة مزاحه قائلا: قراء داخل وقراء خارج! نموت من الغم!". وقد واجه هذا "الغم" الهائل بسبب ظروف المرحلة القاهرة القائمة في ضغط الأموية وأصوله الكوفية. فهو الغم الأكبر الذي تقطعت بين أسنانه الحادة شخصية الشعبي، وجعلت منه متنوع المظاهر والبواطن. إذ ينقل لنا احد الأشخاص صورته المزركشة عندما قال "رأيت الشعبي ينشد الشعر في المسجد، وعليه حلة حمراء، وإزارا أصفر". وفي نفس الوقت نقف أمام شخصية هي الأوسع معرفة واطلاعا على التاريخ وأحداثه ورواياته وشعره وأدبه وفقهه، أي كل ذلك الكم الضروري للارتقاء في سلم الثقافة آنذاك. وهو الكم الذي وضع الرجال آنذاك أمام إشكالية الموقف من السلطة. وذلك لما في الأموية من انحراف عن فكرة الحق والشرعية. من هنا هلعها الداخلي من الكلمة والمثقف، تماما بالقدر الذي سعت إلى احتوائهم بالشكل الذي يجعل منهم أدوات في لهوها الفارغ وسهوها السائغ في ذوق الانحطاط.

وقد واجه الشعبي هذه الحالة ودفع ثمنها من خلال جعله متذبذبا متعلقا بين ذاكرته التاريخية وذكراها في التاريخ. وهي حالة تتصف بقدر كبير من الدرامية تعكس دراما ومأساة الكوفة التاريخية والروحية. وذلك لما فيها من تمثل وتمثيل لتقاليد العربية الخالصة والعراقية الأصيلة.

فالشعبي كوفي المنشأ والشخصية. تمثل اغلب معالم الشخصية العراقية في مرحلة القرن التأسيسي للثقافة والدولة الإمبراطورية. وهو تمثل وتمثيل نعثر عليهما في وعيه الذاتي ومصيره الفردي والتاريخي. فنراه مرة يمثل ويتمثل التقاليد العربية عندما يقول "ما مات ذو قرابة لي وعليه دين إلا وقضيت عنه، ولا ضربت مملوكا لي قط، ولا حللت حبوتي إلى شيء مما ينظر الناس". بينما نرى عراقيته المتنوعة المتسامحة عندما سألوه مرة وهو يسلم على نصراني بعبارة "السلام عليك ورحمة الله"، كيف ذلك أجابهم "أوليس في رحمة الله؟! لولا ذلك لهلك!". وهي الصيغة التي عبر عنها في موقفه من العلاقة العادية بين الناس، عندما قال: "ليس حسن الجوار أن تكف أذاك عن الجار، ولكن حسن الجوار أن تصبر على أذى الجار". وهي العلاقة "المقلوبة" التي تتمثل استعداد الروح الأخلاقي والمعرفي في مواجهة كمية ونوعية الهموم والغيوم الثقيلة للحياة بمختلف مستوياتها وأشكالها. وليس مصادفة فيما يبدو ولعه بالبيت القائل:

ليست الأحلام في حين الرضا   إنما الأحلام في وقت الغضب

وبغض النظر عن أن الشعبي لم يستطع تحقيق هذه الفكرة في مواقفه السياسية لكنه واجه اشد حالاتها مأساوية عندما سحبته دعوات الانتفاض ضد الأموية بالاشتراك في ثورة عبد الرحمن الأشعث ضد الحجاج الثقفي. ولعل جذر هذه الحالة المتناقضة للشعبي تكمن في حساسية المثقف الكبير واستبداد الأموية الأكبر. فالثقافة عشق وقلب كبير، أما الاستبداد فهو فلاة مقفرة. ومهما يكن من أمر هذه المعادلة بالنسبة لوعيه النظري وهاجسه الوجداني، فانه يبقى هو القائل:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى   فأنـت وعيـر بالفـلاة سـواء!

وهي النتيجة المترتبة على ما فيه من رغبة عنيفة في الخروج على صحراء الأموية من خلال الرجوع إلى فلاة العشق الأبدي للكلمة والمعنى. فالتقاليد العربية كلمة ومعنى واثر في الذكرى والذاكرة. وليس مصادفة أن تتماهى شخصيته مع الحفظ والقدرة على توليف ما فيه من اجل الأنس والحقيقة. لهذا نسمعه مرة يقول "إني لأدع اللحم مخافة النسيان". بينما نسمعه يقول في حالة أخرى "ما كتبت سوداء في بيضاء قط. وما سمعت من رجل حديثا قط فأردت أن يعيده عليّ". بمعنى أن تربية الإرادة عنده كانت تعمل بقدر واحد على تهذيب الجسد والروح أو الغريزة والعقل بالشكل الذي يجعلهما يتحدان في البحث عن الحقيقة والمعنى.

ومن الممكن العثور على هذا التوليف في عشرات الشواهد الكبرى التي ميزت مواقفه وإجاباته المغرية. إذ تنقل كتب التاريخ والأدب كيف أتاه رجلان يتفاخران (من بني عامر وبني أسد). والعامري آخذ بيد الاسدي، والأخير يقول "دعني". عندها قال الشعبي: يا أخا عامر دعه! ثم قال للاسدي، انه كان لكم خصال ست لم تكن لأحد من العرب". ثم أخذ يعددها، مثل زواج النبي محمد منهم (زينب بنت جحش) و"رجل من أهل الجنة يمشي على الأرض" (عكاشة بن محصن)، وأول لواء عقد في الإسلام (لعبد الله بن جحش)، وأول مغنم لهم في الإسلام، وأول من بايع مبايعة الرضوان. وهي إجابة تكشف معرفته الواسعة بالأحداث والتاريخ وقدرته على توظيفها السريع من اجل إيجاد الحلول المقنعة. والاهم من ذلك توظيفها بطريقة تقف ضد هدم الذاكرة والذكرى من خلال بناءها في صرح الاعتدال والمحبة. إذ نعثر على موقفه هذا تجاه مختلف القضايا، مثل أن يقول "البس من الثياب ما لا يزدريك فيه السفهاء ولا يعيبه عليك العلماء". غير أن ذلك لم ينقذه، شأن كل المثقفين الكبار لمرحلة القرن التأسيسي من الحزن الداخلي العميق في لباس المزاح الرقيق. لهذا نسمعه مرة يقول "ما بكيت من زمان إلا بكيت عليه". وهي عبارة تكشف عن البكاء الباطن للشعبي. وبالقدر ذاته تشير إلى الحالة التي أبكاه التاريخ فيها. وليس مصادفة أن يقول عنه الحسن البصري بعد أن وصله خبر موته: "إنا لله وإنا إليه راجعون! أن كان لقديم السن، كثير العلم، وانه لمن الإسلام بمكان". بمعنى جمعه بين عقود المعاناة الكبرى في الحياة والعلم التي جعلت منه شخصية لها وزنها وأثرها التاريخي الهائل في إرساء أسس الثقافة العقلية والدنيوية الإسلامية.

وليس مصادفة أن يجري إدراجه من قبل البعض ضمن احد الثلاثة الكبار إلى جانب ابن عباس وسفيان الثوري، أي كل في زمانه. وقال آخر بهذا الصدد، "كان عمر (بن الخطاب) في زمانه رأس الناس وهو جامع، وكان بعده ابن عباس في زمانه، وكان بعده الشعبي في زمانه". بينما قال البعض عنه "ما رأيت أفقه من الشعبي". وقال آخر "ما رأيت أحدا أعلم بحديث أهل الكوفة والبصرة والحجاز والآفاق من الشعبي". وقال آخر "ما رأيت أحداً أعلم بسنة ماضية منه". بينما قال عنه ابن سيرين "قدمت الكوفة وللشعبي حلقة عظيمة، والصحابة يومئذ كثير". أما الأخطل بعد لقاءه الأول وإياه عند عبد الملك نسمعه يقول له:"يا شعبي! أرفق بي! فانك تغرف من آنية شتى، وأنا اغرف من إناء واحد". كل ذلك جعل الجميع تعترف بان الشعبي كان علامة أهل الكوفة، إماما حافظا متعدد المعارف والفنون. بحيث جعلته هذه الذروة ينظر بازدراء إلى أنصاف المتعلمين! ومن ثم يضع مهمة التعلم السليم، بمعنى بلوغ كمال المعرفة والبقاء ضمن سباق التعلم الدائم. من هنا قوله "العلم أكثر من عدد القطر، فخذ من كل شيء أحسنه". كما نراه يوسع مدى التعلم ويضيق عليه بقدر واحد كما في قوله "لا تتمنعوا العلم أهله فتأثموا، ولا تحدثوا به غير أهله فتأثموا". وهي رؤية مبنية على معاينته ومعايشته ومعاناته مما في العلم من اثر ظاهري وباطني على الشخصية ومواقفها العملية، أي كل ما يضعها على محك الاختبار المحرج أحيانا. من هنا يمكن فهم موقفه عندما صرخ مرة قائلا بعد ان رفض التعليق والإجابة على أسئلة وجهت اليه:"يا معشر العلماء! يا معشر الفقهاء! لسنا بفقهاء ولا علماء. ولكنا قوم سمعنا حديثا فنحن نحدثكم بما سمعنا. إنما الفقيه من ورع عن محارم الله، والعالم من خاف الله". بل نراه يبتدع صورة خيالية لعذاب علماء وثواب آخرين رغم أقولهم المتشابه، انطلاقا من أن بعضهم يعمل بما يقول، بينما الآخر يقول ولا يعمل. من هنا انتقاده اللاذع وسخريته ممن اسماهم بحمقاء القراء. فنراه مرة يقول "عيادة حمقاء القراء على أهل المريض اشد من مرض صاحبهم. يجيئون في غير حينهم، ويجلسون إلى غير وقتهم". في حين نسمعه يرد على رجل قال له:

- إن فلانا عالم.

- ما رأيت عليه بهاء العلم.

- وما بهاؤه؟

- السكينة! إذا علَّم لا يعنف، وإذا عُلّم لا يتأفف.

ونعثر على هذه الرؤية في فكرته القائلة، بان "زين العلم حلم أهله". وهي صفة شاقة زمن الشقاوات أمثال الحجاج. لكنها في الوقت نفسه الحالة المتناقضة التي أجبرته على اختبار الإرادة الفردية وأوقعته في شباك المغامرة السياسية التي يفرضها بصورة خفية وجلية منطق الانتماء إلى عالم الثقافة والروح.

فقد وضعته المعرفة أمام إشكاليات العقل والضمير والإخلاص. من هنا يمكن تحسس الألم في كلماته التي قالها يوما:"وددت إني أنجو منه (العلم) كفافا لا عليّ ولا ليّ". وان يقول في موضع آخر "ليتني لم أتعلم علما قط". وهي حالة قديمة فيما يبدو. وذلك لأنه هرب وأقام في مكة (في كنف ابن الزبير) مدة ثمانية أشهر، كما تنقل بعض الروايات التاريخية من الكوفة زمن سيطرة المختار الثقفي. وبما أن من هربوا كانوا في الأغلب على صلة بالسلطة الأموية، من هنا يمكن توقع تذبذبه بهذا الصدد من بداية نبوغه الفكري وشهرته العلمية. بمعنى انه تحول منذ وقت مبكر إلى فريسة القوى السياسية ورغباتها الغريزية في الاستحواذ عليه. وهو استحواذ كان يحمل في طياته استعداد الشعبي للقبول به. فقد أشار الشعبي نفسه إلى أن الحجاج بعد أن اختبر معارفه عينه عريفا على قومه. وكان عنده "بأحسن منزلة" قبل أن ينضم إلى حركة عبد الرحمن الأشعث. وهو الانتقال الذي أثار حفيظة وغيض الحجاج بحيث استغرب سلوكه وقال بهذا الصدد "ألا تعجبون من هذا الخبيث! أما لئن أمكنني الله منه لأجعلن الدنيا عليه أضيق من مسك جمل". لكنه قبل ذلك، كن قريبا محببا للسلطة الأموية. ومع ذلك جرى العفو عنه، بحيث أصبح من ندماء عبد الملك والمقربين إليه. وتنقل كتب التاريخ كيف أن عبد الملك كتب للحجاج يقول له، بأنه أصاب من الحياة كل لذة، ولم يبق له "إلا مناقلة الإخوان الأحاديث. وقبلك عامر الشعبي، فابعث به إليّ يحدثني". عندها دعاه الحجاج وجهزه، وأطراه في كتابه وبعث به إليه. فخرج الشعبي حتى بلغ دمشق وعبد الملك. وتمتلئ كتب التاريخ باستعراض مختلف الأحاديث بينهما. وبمجملها تكشف عن اقتراب الجسد وتلاقي الثقافة واختلاف المزاج الدفين. وتنقل لنا الروايات كيف انه حالما اختلى به قال له عبد الملك:

- كيف أنت يا شعبي؟

- بخير

وعندما حاول الشعبي تقديم الأعذار عن خروجه على الحجاج وذهابه مع قوات عبد الرحمن الأشعث، فان عبد الملك قال له: مه! فإنا لا نحتاج إلى هذا! ولا تراه منا في قول ولا فعل حتى تفارقنا! ثم اقبل على الحديث معه. وتنقل لنا الروايات بهذا الصدد نماذج جميلة لما تدعوه العربية بعبارة "الحديث ذو شجون". لكنها تكشف بالقدر نفسه علم ومعارف الشعبي وتفوقه على جميع أقرانه بما في ذلك على الأخطل في مجال المعرفة بالشعر والشعراء. وفي نفس الوقت تكشف عن شخصية عبد الملك الكبيرة ومقدرته المعرفية أيضا على إفحام الشعبي في ميدان الشعر والمقارنة بين شعراءه. عندها قال عبد الملك للشعبي:

- يا شعبي! لعله شق عليك ما سمعته!

- إي والله يا أمير المؤمنين أشد المشقة! إني قد حدثتك فلم أفدك إلا أبيات النابغة في الغلام.

- يا شعبي، إنما أعلمناك هذا، لأنه بلغني أن أهل العراق يتطاولون على أهل الشام ويقولون: إن كانوا غلبونا على الدولة، فلن يغلبونا على العلم والرواية، وأهل الشام أعلم بعلم أهل العراق.

يكشف هذا الحوار عما أسميته بالخلاف الدفين. فالشعبي كوفي عراقي، وعبد الملك شامي أموي. وهو تباين آنذاك تحول إلى مشقة بالنسبة للشعبي بسبب ما فيه من ضعف نسبي أمام السلطة، على عكس أو خلاف ما في شخصية الحسن البصري، الذي ظل رغم كل عنفوان الأموية اقوي واشق عليهم من "إفحامه" بجدل الشعر والشعراء. لاسيما وانه الميدان الذي استفحلت فيه الأموية، على عكس ما تجهله في ميدان العقل النظري والعملي. غير أن للشعبي مصيره فيما صارت إليه معارفه. لهذا نراه يحلب الشعر لكي يغذي ريق العجز الفاعل في جسد عبد الملك. فعندما اشتكى من قرب اجله، نرى الشعبي يستجمع كل ما في جعبة الذاكرة من شعر وأحداث ونوادر قادرة على بعث الأمل في روح عبد الملك، الذي تقبل ما يقال له بابتسامة تداري مشاعر الشعبي وانسه إياه لا غير. ومهما كانت نواياهما بهذا الصدد، فان كل منهما أدى دوره على أفضل ما يرام. فقد كان الشعبي ينادمه حتى موته. مما جعل عبد الملك يقول له: "لقد قويت من نفسي بقولك يا عامر، وإني لأجد خفا وما بي من بأس". وأمر له بصلة. وقال له: "اجلس يا شعبي؛ فحدثني ما بينك وبين الليل. فجلس فحدثه حتى أمسى وخرج من عنده، فما أصبح، سمع الواعية في داره! وهو فراق أعاده إلى العراق من جديد متحررا من الاقتراب الخانق من السلطة. لاسيما وان كل ما كان يقوم به يحمل كمون الخطورة التي تتحسس منها الأموية. فالأموية شأن كل استبداد لا شرعية فيه، عادة ما تتحسس من كل احتمال قادر على الارتقاء إلى مستوى المنافسة. ولعل الحادثة المثيرة التي ترويها كتب التاريخ بهذا الصدد عن إرسال عبد الملك إياه إلى ملك الروم نموذجا طريفا بهذا الصدد. فهي تحكي كيف أن ملك الروم أرسل معه رسالة خاصة لعبد الملك. وعندما فضها وقرأ ما فيها قال للشعبي:

- يا شعبي! أتدري ما كتب به إلي ملك الروم؟

- وما كتب به يا أمير المؤمنين؟

- كنت "أتعجب لأهل ديانتك، كيف لم يستخلفوا عليهم رسولك".

- يا أمير المؤمنين لأنه رآني ولم يرك!

- يا شعبي! إنما أراد أن يغريني بقتلك.

وقد فلت الشعبي من هذا "الإغراء" مرات بسبب الصدفة والحنكة. وفي كلتا الحالتين كان خادمه العلم وقاتله! وذلك لأنه كان يعيش ويرتزق بالعلم. وهو خلط عادة ما يخلط الأمور ويختلط العقل فيه والضمير. وقد يكون خروجه على الحجاج وانضمامه إلى حركة ابن الأشعث من بين أكثرها درامية بهذا الصدد. فقد كان الشعبي كما قال عن نفسه، بأحسن منزلة عند الحجاج قبل أن جاءه قراء أهل الكوفة يخاطبونه، بأنه زعيم قراء الكوفة ومن ثم لابد له من الانضمام إلى حركة المعارضة من اجل القضاء على الأموية. وقد دقت هذه الكلمات على أوتار الكوفية والعراقية الدفينة فيه. بحيث أخرجته إلى صفوف المعارضة واخذ بالوقوف بين الصفين المتقاتلين يذّكر الحجاج ويعيبه بأشياء. وعندما بلغ ذلك الحجاج قال "ألا تعجبون من هذا الخبيث! أما لئن أمكنني الله منه لأجعلن الدنيا عليه أضيق من مسك جمل!". وحالما تعرض جيش الأشعث للهزيمة تحولت حياة الشعبي إلى اختباء وتخفي. وهو شيء صعب كما أن من الصعب أن يبقى ما فيه خفيا! وقد أشار الشعبي نفسه إلى انه بقي تسعة أشهر متخفيا إلى أن جرى إعلان الأمان لكل من يدخل معسكر قتيبة بن مسلم في خراسان. وفي إحدى الأيام عرض خدماته للأمير قائلا:

- أيها الأمير! عندي علم ما تريد

- ومن أنت؟

- أعيذك ألا تسأل عن ذاك

فعرف أني ممن يخفي نفسه، فدعا بكتاب فقال:

- اكتب نسخة

- لا تحتاج إلى ذلك

فجعل يملي عليه حتى فرغ من كتاب الفتح. وهي القصة الطريفة التي يكتشف الحجاج من وراء الرسالة شخصية الشعبي. وإذا برسول الحجاج بكتاب فيه "إذا نظرت في كتابي هذا، فإن صاحب كتابك عامر الشعبي، فإن فاتك، قطعت يدك على رجلك وعزلتك". عندها التفت الأمير إليه وخاطبه قائلا:

- ما عرفتك قبل الساعة! فاذهب حيث شئت من الأرض، فوالله لأحلفن له بكل يمين.

- أيها الأمير إن مثلي لا يخفى.

- أنت أعلم.

عندها بعثه إليه، بعد أن قال لمرافقيه "إذا وصلتم إلى خضراء واسط فقيدوه، ثم أَدخلوه على الحجاج". وهو ما جرى. وعندما وصل إلى باب القصر قال له يزيد بن أبي مسلم:إنا لله يا شعبي لما بين دفتيك من العلم، وليس اليوم بيوم شفاعة! بوء للأمير بالشرك والنفاق على نفسك! فبالحري أن تنجو! ثم لقاه محمد بن الحجاج فقال مثل قولة سابقه يزيد. وحالما وقع نظر الحجاج عليه قال:

- وأنت يا شعبي فيمن خرج علينا وكثر؟!

- أصلح الله الأمير! احزن بنا المنزل، واجدب الجناب، وضاق المسلك، واكتحلني السهر، واستحلسنا الخوف، ودفعنا في خربة خربة، لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء!

- صدق والله! ما بروا في خروجهم علينا، ولا قووا علينا حيث فجروا!

وفي رواية أخرى إن الحجاج استقبله قائلا:

- لا مرحبا ولا أهلا! جئتني ولست في الشرف من قومك، ولا عريفا. ففعلت وفعلت، ثم خرجت عليّ. (والشعبي ساكت، إلى أن قال له الحجاج):

- تكلم!

- أصلح الله الأمير، كل ما قلته حق. ولكنا قد اكتحلنا بعدك السهر، وتحلّسنا الخوف، ولم نكن مع ذلك بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، فهذا أوان حقَنت لي دمي، واستقبلت بي التوبة.

- قد فعلت ذلك.

والنتيجة واحدة. وهي بقاء الشعبي على قيد الحياة. وقد استكملها في الابتعاد عن الصراع السياسي مع السلطة، وتملقها الجزئي، والاحتفاظ بما فيه من طاقة الثقافة الحية التي جعلته أسير تناقضاتها العاصفة. لهذا نراه على سبيل المثال يرد على طلب ابن هبيرة باستعماله على القضاء ومطالبته إياه بمسامرته، "استفردني بواحدة". بمعنى الاستعداد للقبول بواحدة منها فقط. وهو اعتراف من جانب السلطة بكفاءة الشعبي، لكنها تحتوي من حيث وظيفتها وغايتها على محاولة تدجين المثقف الكبير وإخضاعه لها. وهو أمر جلي في طبيعة اختيار السلطة ومحاولاتها استدراج المثقفين الكبار للحصول على تأييد وتزكية أفعالها. إذ تروي لنا كتب التاريخ كيف أن ابن هبيرة، أمير البصرة الأموي، دعا فقهاء أهل البصرة والكوفة والمدينة والشام وقرائها، فجعل يسألهم. بحيث لم يبق من بينهم قادرا على الإجابة المفحمة سوى الشعبي والحسن البصري، أي ممثلي الكوفة والبصرة. وهو تطابق رمزي من حيث الأصل والمظهر والغاية. ففي المدن وشخصياتها يكمن تاريخ الثقافة الحية والمعارضة. وهو أمر جلي فيما استتبعه الإبقاء عليهما فقط من أحداث. فقد قال ابن هبيرة حالما اختلى بهما:

- يا أبا عمرو (الشعبي)، إني أمين أمير المؤمنين على العراق، وعامله عليها، ورجل مأمور على الطاعة. ابتليت بالرعية، ولزمني حقهم، فأنا أحب حفظهم، وتعهد ما يصلحهم، مع النصيحة لهم. وقد يبلغني عن أهل العصابة من أهل الديار الأمر، أجد عليهم فيه، فاقبض طائفة من عطائهم، فأضعه في بيت المال، وفي نيتي أن أرده عليهم. فيبلغ أمير المؤمنين أني قد قبضته على هذا النحو، فيكتب إلىّ أن لا ترده! فلا أستطيع رد أمره، ولا إنفاذ كتابه. وإنما أنا رجل مأمور على الطاعة، فهل علي في هذا تبعة؟ وفي أشباهه من الأمور، والنية فيها على ما ذكرت؟!

- أصلح الله الأمير، إنما السلطان والد يخطئ ويصيب!

وأعجب هذا الجواب ابن هبيرة. وحمد الله عليه! ثم توجه صوب الحسن البصري، فقال:

- ما تقول يا أبا سعيد؟

عندها اخذ الحسن البصري باسترجاع عبارات ابن هبيرة المذكورة أعلاه ثم أردف معلقا عليها بحديث ينسب للنبي يقول فيه "من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة، حرم الله عليه الجنة". ثم أضاف قائلا:"حق الله ألزم من حق أمير المؤمنين. والله أحق أن يطاع، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فاعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله، فإن وجدته موافقا لكتاب الله فخذ به، وإن وجدته مخالفاً لكتاب الله فانبذه! يا ابن هبيرة! أتق الله! فأنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين، يزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك. فدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك، وتقدم على ربك، وتنزل على عملك. يا ابن هبيرة! إن الله ليمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله! وإن أمر الله فوق كل أمر، وإنه لا طاعة في معصية الله، وإني أحذرك بأسه، الذي لا يرد عن القوم المجرمين".

- أرجع عن ظلمك أيها الشيخ! فإن أمير المؤمنين صاحب العلم، وصاحب الحكم، وصاحب الفضل، وإنما ولاه الله تعالى ما ولاه من أمر هذه الأمة، لعلمه به، وما يعلمه من فضله ونيته.

- يا ابن هبيرة! الحساب من ورائك، سوط بسوط، وغضب بغضب، والله بالمرصاد. يا ابن هبيرة! إنك إن تلق من ينصح لك في دينك، ويحملك على أمر آخرتك، خير من أن تلقى رجلاً يغرك ويمنيك.

فقام ابن هبيرة مستاء من قول الحسن البصري. وعندما خرجا منه قال الشعبي للحسن البصري:

- يا أبا سعيد! أغضبت الأمير وأوغرت صدره، وحرمتنا معروفه وصلته!

- إليك عني يا عامر! يقول الناس عامر الشعبي عالم أهل الكوفة!! أتيت شيطاناً من شياطين الأنس تكلمه بهواه، وتقاربه في رأيه. ويحك يا عامر! هلا اتقيت، إن سئلت فصدقت، أو سكت فسلمت.

- يا أبا سعيد، قد قلتها وأنا أعلم ما فيها!

- فذاك أعظم في الحجة عليك، وأشد في التبعة!!

وهي الحادثة التي جعلت الشعبي يقول كلمته الشهيرة عن الحسن البصري:"ما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء، إلا مثل الفرس العربي بين المقارف! وما شهدنا مشهدا إلا برز علينا". وهو تقييم اختتمه الشعبي بموقف ملتزم قال فيه:"أعاهد الله، أن لا أشهد سلطانا بعد هذا المجلس، فأحابيه". وقد عايش الشعبي هذه الحالة المتناقضة وعانى منها على امتداد حياته. فقد بقي رغم كل التذبذب العاصف أحيانا تجاه السلطة كوفيا، أي معارضا للأموية. غير أن الميدان الأكبر لمعارضته الفعلية هو مساهمته العميقة في إرساء أسس الثقافة العقلية والتاريخية والأدبية. لكنه إرساء لم يتجذر في منظومة فكرية أو حتى كتاب خاص، بقدر ما كان يقوم في تعلم وجمع الكم الهائل للمعارف المتناثرة والمتنوعة في شخصيته. وبهذا يكون قد قدم البرهان على ما في الإنسان المتعلم من قدرة تضاهي قوة السلطة وجيوشها. ومن ثم وضعه على الدوام أمام محاولات ابتزازها. وهي الحالة التي واجهها الشعبي على امتداد عقود صنعت تناقضاته ومفارقاته ومواقفه النقدية والواقعية تجاه النفس والمجتمع والقيم.

لقد أدت تجاربه المريرة بهذا الصدد إلى بلوغ الرؤية العقلانية والتشدد الأخلاقي، مثل قوله "من كذب على القرآن فقد كذب على الله"، وانه "ما من خطيب يخطب إلا عرضت عليه خطبته". وكشفت هذه التجارب له عما في صعود المثقف الكبير من خطورة كامنة هي عين الامتحان والمحنة، أي كل ما نعثر عليه في موقفه من العلم والعلماء والفقهاء. من هنا نراه مرة يقول "لو أن رجلا سافر من أقصى اليمن لحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبل من عمره ما رأيت سفره ضائعا. ولو سافر في طلب الدنيا أو الشهوات إلى خارج هذا المسجد لرأيت سفره عقوبة وضياعا".

وفي حالة أخرى نراه يحذر من خطورة ادعاء المعرفة. من هنا مطالبته المتعلمين من مغبة الاغترار بالمعرفة الزائفة. لهذا كان يقول "إذا سئلت عما لا تعلم فقل: الله أعلم"، و"لا تقولن لشيء لا تعلمه إني اعلمه". من هنا إعلاءه شأن من اسماهم بالصالحين الأوائل، الذين كان همهم "الإكثار من الحديث". لهذا نراه يقول عن نفسه "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما حدّثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث". بمعنى البقاء ضمن تقاليد القيل والقال. وهي "حصيلة" تعكس أولا وقبل كل شيء مزاجه من تجربته المريرة أكثر مما تعكس حقيقة مواقفه الفكرية والنظرية العامة والخاصة. وذلك لتحسسه وإدراكه ثقل المحنة التي يحمل العلم رغم كونه مفتاح الأمور. بحيث جعله ذلك مرة يقول "ليتني لم أكن علمت من ذا العلم شيئا". وهي أمنية محكومة بصعوبة التمسك بما في العلم من قواعد وقيم، وذلك بفعل محاصرتها الغريزة وهواجسها بلهيب المنطق والحقيقة. إذ عادة ما تضع هذه الحالة الفكر والمثقف في خلاف أو صراع أو تضاد مع السلطة. ومن الممكن رؤية ملامح هذه الحصيلة في الفكرة التي بلورها عما اسماه بخصال العلم ومتطلباته. فقد قال بهذا الصدد "إنما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان - العقل والنسك. فإن كان عاقلا ولم يكن ناسكا قال: هذا أمر لا يناله إلا النساك فلن أطلبه. وإن كان ناسكا ولم يكن عاقلا قال: هذا أمر لا يناله إلا العقلاء، فلن أطلبه. فلقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم من ليس فيه واحدة منهما، لا عقل ولا نسك". من هنا مطلبه "اتقوا الفاجر من العلماء، والجاهل من المتعبدين، فإنهما آفة كل مفتون". لهذا نراه يجيب على سؤال:

- من أين لك كل هذا العلم؟

- بنفي الاغتمام، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمام، وبكور كبكور الغراب!

وهي صفات تراكمت في شخصيته دون أن تحررها من الخطأ والخطيئة، لكنها كانت تصب في تيار الرؤية الواقعية والأخلاقية والاعتدال العقلاني. فعندما سألوه مرة عن قتال أهل العراق وأهل الشام، أجاب:"لا يزالون يظهرون علينا أهل الشام. ذلك بأنهم جهلوا الحق واجتمعوا، وتفرقتم. ولم يكن ليظهر الله أهل فرقة على أهل جماعة أبدا". وفي الوقت الذي يدين فيه فكرة وواقع الغوغاء، لكننا نراه يعثر فيها على فضيلة كبرى عندما قال "نعم الشيء الغوغاء! يسدون السيل، ويطفئون الحريق، ويشاغبون على ولاة السوء!". وهي أفكار واقعية ميزت الكثير من مواقفه، وطبعت اغلبها بمسحة أخلاقية. فعندما سأله احدهم عما ينبغي أن يفعله المرء وهو غير قادر على تقديم الأضحية، أجابه: "لان اتركها وأنا موسر، أحب إلي من أن أتكلفها وأنا معسر".

غير إن توليف الرؤية الواقعية والأخلاقية تجسدت عنده فيما يمكن دعوته بتأمل التجربة التاريخية للدولة والثقافة. ففي معرض تقييمه للتجربة الإسلامية بهذا الصدد نسمعه يقول "تعامل الناس بالدين زمانا طويلا حتى ذهب الدين. ثم تعاشروا بالمروءة حتى ذهبت المروءة. ثم تعاشروا بالحياء زمنا طويلا حتى ذهب الحياء. ثم تعاشروا بالرغبة والرهبة وأظنه سيأتي بعد ذلك ما هو أشد منه". وفي معرض تقييمه اختلاف الناس والفرق، فانه يسعى للتوصل إلى حكم يتضمن قيمة البحث عن الحق. فهو يقول هنا "ما اختلفت امة بعد نبيها إلا اظهر أهل باطلها على أهل حقها". وهي فكرة يمكننا أن نتحسس فيها أيضا تصوراته عما يمكن دعوته بخروج الدولة (الأموية) عن الحق. ووضع هذه الفكرة في موقفه الداعي للاعتدال العقلاني من التاريخ والماضي وصراعاته. من هنا يمكن فهم كلماته عن أن "حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنّة". بينما وجد في اختلاف الناس في مواقفهم من علي وعثمان مقبولة، باستثناء بغضهما. فعندما قالوا له "أصبحت الأمة على أربع فرق: محب لعلي مبغض لعثمان، ومحب لعثمان مبغض لعلي، ومحب لهما، ومبغض لهما. فمن أيها أنت؟ عندها أجابهم "مبغض لباغضهما". وهو موقف يؤسس للاعتدال وليس للخروج على موقف الدفاع الصريح والواضح عن الحق. وقد لا يكون هذا الموقف معزولا عن ضغط الأموية وولاتها في العراق آنذاك، لكنه يميل ضمن ظروف المرحلة إلى الوقوف ضد السياسة الأموية التي جعلت من بغض علي "سنّة"! وضمن هذا السياق أيضا يمكن فهم مواقفه الداعية إلى الاعتبار بسياسة عمر بن الخطاب. إذ وجد فيه نموذجا للجماعة من خلال استشارة الناس قبل العمل. إذ نسمعه يقول "إذا اختلف الناس في شيء فانظر كيف صنع عمر، فان عمر لم يكن يصنع شيئا حتى يشاور". وهو موقف لم يكن معزولا عن معارضته للقياس المتحزب، أو قياس الأهواء. من هنا وقوفه ضد الغلو في الدين والعبادة. بحيث نراه يقول مرة في مخاطبته البعض "إياك والمقايسة في الدين" لكي لا يجري أحلال الحرام وتحريم الحلال. وقد علق بهذا الصدد مرة على هذه المقايسة في حوار حي هو التالي:

- يا هؤلاء! أرأيتم لو قتل الأحنف بن قيس (هو من الشخصيات الجليلة لصدر الإسلام. نموذج للحكمة والحلم والسمو الأخلاقي) وقتل معه صبي أكانت ديتهما سواء؟ أم يفضل الأحنف لعقله وحلمه؟

- بل سواء.

- فليس القياس بشيء!

وهو السبب الذي جعله يقول "إنما هلكتم بأنكم تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس". وهو موقف لا يعارض أو ينفي القياس العقلي السليم، بل "القياس" الخاضع لغلو الأهواء، أو القياس الشكلي الفارغ. ومن نوادره بهذا الصدد، انه أجاب على أسئلة من خلال استشهاده بأقوال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب. وعندما قالوا له:

- ما ترى أنت؟

- ما تصنع برأي بعد قولهما؟ إذا أخبرتك برأي فبل عليه!

ولم يقصد هو بذلك تفاهة ما يقول، بقدر ما انه أراد القول بضرورة تمثل تجارب الأسلاف والاعتبار بها استنادا إلى ما فيها من قيمة عقلية وعملية دون أن يعني رفعها إلى مصاف المقدس. انطلاقا من أن العاقل يعتبر بالحكمة وينتجها ويسير بهداها. وهي عملية متراكمة من تجارب الأسلاف وتأمل العقل ووهج الوجدان. وقد وضع ذلك مرة في نادرة طريفة تحكي كيف أن احد الرجال صاد قنبرة. فقالت له:

- ما تريد أن تصنع بي؟

- أذبحك وآكلك!

- ما اشفي من قرم ولا اشبع من جوع! ولكن أعلمك ثلاث خصال خير لك من أكلي. إما واحدة أعلمك وأنا في يدك.والثانية على الجبل. والثالثة على الشجرة.

- هاتي الواحدة!

- لا تلهفن على ما فاتك.

فلما صارت على الجبل قالت:

- لا تصدقن بما لا يكون أن يكون.

فلما صارت على الشجرة، قالت:

- يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درتين في كل واحدة عشرون مثقالا.

فعض الرجل على شفتيه وتلهف. فقال:

- هاتي الثالثة!

- قد نسيت اثنتين! فكيف أحدثك بالثالثة؟ ألم اقل لك لا تلهفن على ما فاتك؟ ولا تصدقن بما لا يكون أن يكون؟ أنا وريشي ولحمي ودمي لا أكون عشرين مثقالا!

لقد رجعت القنبرة إلى عالمها، كما عاد الصياد إلى نفسه خالي اليدين ممتلئ بحكمة الوجود. ولم يكن هذا الوجود بالنسبة للشعبي أكثر أو اكبر من عالم صيرورته الثقافية وما أسميته بامتحان ومحنة المثقف في علاقته بالسلطة، ومن خلالها بالماضي والحاضر والمستقبل. وهو الشيء الذي يمكننا لمح بريقه الخاطف أو صداه في النادرة التي وضعها عن الأسد الذي مرض فعاده السباع ما خلا الثعلب. فقال الذئب للأسد:

- أيها الملك مرضت فعادك السباع إلا الثعلب.

- إذا حضر فأعلمني!

وعندما بلغ الخبر الثعلب جاء، فقال له الأسد:

- يا أبا الحصين! عادني السباع كلهم فلم تعدني؟

- بلغني مرض الملك فكنت في طلب الدواء.

- فأي شيء أصبت؟

- قالوا خرزة في ساق الذئب ينبغي أن تخرج.

فضرب الأسد بمخالبه على ساق الذئب. فأنسلّ الثعلب، وقعد على الطريق. فمر به الذئب والدماء تسيل عليه. فناداه الثعلب قائلا:

- يا صاحب الخف الأحمر! إذا قعدت بعد هذا عند السلطان، فانظر ماذا يخرج من رأسك!

***

ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابيهو أبو عبد الرحمن الفارسي اليمني (ت-105 للهجرة). من التابعين. كان نموذجا للإخلاص والحرية. بحيث ارتقت شخصيته إلى مصاف المرجعية الروحية والعملية. وليس مصادفة أن يتحول حتى دفنه إلى مشكلة للسلطة! إذ أدى كثرة المشيعين إلى دعوة الحرس للقيام بتنظيم الدفن. وتنقل كتب التاريخ مشاركة الشخصيات الكبيرة في دفنه وانهماكهم الشديد من اجل إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه.

توفي بمكة وهو يؤدي مراسيم الحج بعد أن بلغ من العمر أكثر من مائة عام! وترسم لنا كتب التاريخ صورة عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب واضعا السرير على كاهله، بحيث سقطت قلنسوته ومزق رداؤه من خلفه. وكان يلازم تابوته حتى بلغ القبر. وهي الحالة التي حدسها طاووس في حياته عندما قال مرة "حج الأبرار على الرحال". كما أنها الفكرة التي تغلغلت في مواقفه من كل شيء، بحيث وجدت تعبيرها في كلمته القائلة: "لا يجرد دين المرء إلا حفرته". ووجدت هذه الفكرة تعبيرها الخالص في الإخلاص للحق والحقيقة التي ميزت شخصيته على امتداد عقودها المديدة. بمعنى الإخلاص التام للفكرة والعمل بمعايير الروح الأخلاقي. وتنسب إلى ابن عباس عبارة عنه يقول فيها: "إني لأظن طاووسا من أهل الجنة". وتعكس هذه العبارة مدى التجانس الفعلي بين ظاهر وباطن الشخصية الفردية والاجتماعية والإسلامية فيه.

عاش حوالي مائة سنة متمثلا تجارب القرن التأسيسي الأول من تاريخ الإسلام. ومن الممكن رؤية الأبعاد الروحية لهذه التجارب في آراءه وأفكاره ومواقفه من السلطة، بوصفها جزء من تكامله الفردي بمعايير الحق والحقيقة والقيم المتسامية. فمما ينسب إليه قوله "ما من شيء يتكلم به ابن آدم إلا أحصي عليه، حتى أنينه في مرضه"، و"أن أكيس الكيس التقيّ، واعجز العجز الفجور"، و"حلوّ الدنيا مرّ الآخرة، ومرّ الدنيا حلوّ الآخرة"، و"لكلّ شيء غاية، وغاية المرء حسن خلقه". بل نراه يجمع كل ما تريد الأديان قوله بعبارة واحدة وهي "الخوف من الله فقط. وأن يحب للناس ما يحب لنفسه". بحيث نراه يبلور هذه الفكرة مرة بهيئة نصيحة وموقف في قوله لشخص "إياك أن ترفع حوائجك إلى من أغلق دونك بابه وجعل دونك حجابا. وعليك بطلب حوائجك إلى من بابه مفتوح إلى يوم القيامة، طلب منك أن تدعوه ووعدك الإجابة". فقد تبلورت هذه الفكرة في مجرى صيرورته الفردية بوصفه لسان الصدق والحق. وكشف عنها في موقفه من السلطة على امتداد حياته. إذ ينقل عنه كيف انه دخل مرة على محمد بن يوسف الثقفي (اخو الحجاج الثقفي) عندما أصبح واليا على اليمن. وكان طاووس برفقة وهب بن منبه. عندها اخذ طاووس يعظ محمد بن يوسف، الذي طلب بدوره من أحد غلمانه، أن يجلب طيلسانا ويضعه على كتف طاووس. لكن طاووس استمر في كلامه، متململا بحيث أدى إلى إسقاط الطيلسان ثم خرج. مما أثار حنق محمد بن يوسف الحجاج. وعندما قال له وهب بن منبه ألا كان من الممكن أخذه وبيعه والتصدق بثمنه للفقراء، أجابه: "أخشى أن يقول العلماء بعدي، نأخذ كما اخذ طاووس ثم لا يصنعون فيما أخذوه ما تقول".

وليس مصادفة أن تسعى السلطة بمختلف الوسائل لإغرائه وإغواءه، لكن دون جدوى. وهناك قصص طريفة، واقعية ومختلقة تكشف عن صلابته في المواقف وأخلاقه السامية. واحتفظت لنا كتب التاريخ والسير والنوادر ببعض الصور الممتعة والحوارات الجميلة بهذا الصدد. ومن بين أكثرها نموذجية بهذا الصدد ما جرى له مع الحجاج بن يوسف الثقفي وهشام بن عبد الملك. ففيما يتعلق بالحجاج تروي النادرة كيف أن الحجاج بن يوسف الثقفي، قد سمع مرة نبرة صوت تهز القلوب في تلبيته مناسك الحج. وعندما طلب محادثته، فان الحوار بينهما دار بالشكل التالي:

- ممن الرجل؟

- من المسلمين!

- لم أسألك عن هذا وإنما سألتك عن البلد؟

- من أهل اليمن!

- كيف تركت أميركم؟ (يعني أخاه)

- تركته عظيما جسيما لبّاسا ركّابا خرّاجا ولاّجا!

- ليس عن هذا سألتك، وإنما سألتك عن سيرته فيكم.

- تركته ظلوما غشوما مطيعا للمخلوق، عاصيا للخالق!

- ما حملك على أن تقول فيه ما قلته وأنت تعلم مكانه مني؟

- أتراه بمكانه منك اعزّ مني بمكاني من الله؟ وأنا وافد بيته ومصدق نبيه وقاضي دينه؟!

ثم قام وانصرف بدون إذن. والشيء نفسه بلغ ذروته في حواره مع هشام بن عبد الملك. إذ تروي الحكاية عن رغبة هشام بن عبد الملك اللقاء بفقيه يعضه أو اللقاء بطاووس. وعندما دخل عليه، فانه أول ما قام به هو خلع نعليه بطرف بساطه، ثم سلّم عليه بغير أن يدعوه بأمير المؤمنين، وخاطبه باسمه، وجلس قبل أن يؤذن له. فاستشاط هشام غضبا وخاطبه قائلا:

- ما حملك يا طاووس على ما صنعت؟!

- ما الذي صنعته؟!

- خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين، وسميتني باسمي ولم تكنني، ثم جلست من غير إذني!

- أما خلع نعلي بحاشية بساطك فأنا اخلعها بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات فلا يعاتبني ولا يغضب. وأما قولك إني لم اسلم عليك بإمرة المؤمنين، فلأن المؤمنين ليسوا راضين بإمرتك، وقد خشيت أن أكون كذابا إن دعوتك بأمير المؤمنين. وأما ما أخذته علي من إني ناديتك باسمك ولم أكنك فإن الله نادى أنبياءه بأسمائهم، وكنى أعدائه فقال (تبت يدا أبي لهب). وأما قولك إني جلست قبل أن تأذن لي، فاني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: "إذا أردت أن تنظر إلى رجال من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام بين يديه"، فكرهت أن تكون ذلك الرجل الذي عد من أهل النار.

وهي نادرة لها أشباهها وصداها في حكايات أخرى. مثل ما جرى، على سبيل المثال بينه وبين عبد الملك عندما أراد رؤية فقيه يتحدث معه حول المناسك. وعندما دخل عليه قال طاووس:

- إن هذا المجلس يسألني الله عنه. يا أمير المؤمنين! إن صخرة كانت على شفير جبّ في جهنم هوت فيها سبعين خريفا حتى استقرت قرارها. أتدري لمن أعدها الله؟

- لا! ويلك لمن أعدها الله؟!

- لمن أشركه الله في حكمه فجار!

إن هذه النوادر وكثير غيرها تعكس شخصية طاووس وصلابة موقفه من السلطة، بمعنى السير والسلوك حسب قواعد الروح الأخلاقي. إذ ينقل عنه كيف أن ابنه قال له في إحدى المرات بضرورة الخروج بالسيف على السلطان. وعندما خرجا إلى الحج ونزلوا في بعض القرى وفيها عامل لمحمد بن يوسف (الثقفي) هو ابن نحيح احد أخبث عمالهم. وعندما علم بوجود طاووس جاءه إلى المسجد وجلس بين يديه على أن يكلمه فأبى طاووس. عندها قام ابنه وهو يقول له بان أباه لم يعرفه. لكن أبا فحيح أجابه، بأن معرفته به هو سرّ إعراضه عنه. لكن طاووس ظل صامتا. وعندما دخلا إلى المنزل قال لابنه: يا لكع! بينما أنت زعمت أن تخرج عليهم بسيفك لم تستطع أن تحبس عنهم لسانك"! وعندما جاء ابن سليمان بن عبد الملك وجلس إلى جانبه، فان طاووس تعمد ألا يراه. وعندما قيل له:

- جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه!

- أردت أن يعلم إن لله عبادا يزهدون فيما بين يديه.

وهي الحالة جسدها في مواقف عدة. فعندما قدم مكة أراد أميرها رؤيته. وحدثوه بأفضاله وشمائله ليحببوه إليه، لكن قال:

- ما لي إليه حاجة!

- إنا نخاف عليك!

- فما هو إذا كما تقولون!

بل نراه يرد على طلب عمر بن عبد العزيز موعظة منه بعبارة واحدة:"إذا أردت أن يكون عملك خيرا كله، فاستعمل أهل الخير. والسلام!". وليس مصادفة أن يكون سلوكه متسما بالمعارضة الخفية والساخنة من السلطة. بحيث يتخذ من الانعزال والانزواء في البيت أسلوبا للاحتجاج. وعندما قيل له بذلك أجاب:"حيف الأئمة وفساد الناس".

بعبارة أخرى، لقد وضع الفرد والجماعة والسلطة أمام مسئولية الفعل الحر. لهذا نراه يقول "من قال واتقى الله خير من صمت واتقى الله". كما نراه يؤكد موقفه هذا قائلا: "لم يجهد البلاء من لم يتول اليتامى أو يكون قاضيا بين الناس في أموالهم أو أمير على رقابهم". وهي الأماكن التي يجري فيها اختبار حقيقة المواقف وكمون الشخصية الفعلية. كما أنه المحك الذي تعرض عليه غاية الوجود الإنساني، التي حصرها طاووس في فكرة السمو الأخلاقي. إذ اعتبر "أن لكل شيء غاية، وغاية المرء حسن أخلاقه". من هنا فكرته عن أولوية إلزام المرء لنفسه أمام نفسه. فعندما قيل له ادع بدعوات لنا، أجابهم:"لا أجد لذلك خشية". وعندما قال له احد أصحابه بان يدعو له، أجابه "ادع لنفسك فانه يجيب المضطر إذا دعاه". وعندما قال رجل كان يمشي معه فسمع غرابا نعب:

- خير!

- أي خير عند هذا أو شر؟ لا تصحبني أو لا تمشي معي!

لقد جعل طاووس بن كيسان من كل الأمور الصغيرة والكبيرة اختبار للإرادة وسموها الأخلاقي. وليس مصادفة أن يفوت عليه الحج وهو الغيور عليه اشد الغيرة بسبب وقوفه على رفيق له مريض. لقد أراد تحرير نفسه من كل ما يمكنه أن يعيق تحرره الذاتي بوصفه التزاما أبديا أمام الحق. من هنا فكرته المتشددة مع النفس عندما قال "اللهم احرمني كثرة المال والولد، وارزقني الإيمان والعمل". وهو تحرر يمكننا العثور فيه على نغمة الوجود الحي والتلذذ بقيمة الإنسان التي أعطت للوجود سكينة التحرر من خوف العدم، كما نراها في عبارته: "لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة، فلما خلق آدم سكنت أفئدتهم". لقد أراد القول بان الإنسان هو مصدر الدفء الأبدي وانسجام الوجود حالما يكون حقيقيا، أي مصنوعا من لبنة الوجود الحق.

***

 

 

محمد فتحي عبدالعالتعتبر قضية تحديد شخصية فرعون موسي من القضايا الشائكة التي شغلت المستشرقين والمؤرخين وعلماء الأثار علي السواء علي مدار التاريخ ..وفي بحثنا اليوم نحاول أن نسلط الضوء علي حقيقة هذه الشخصية من زوايا عدة غير التي أنفق السابقون جم وقتهم في استعراضها والبناء عليها عبر سبر أغوار المدد الزمنية المستمدة من التوراة والقران وتفاسير العلماء المسلمين ومحاولة الوصول منها الي شخصية هذا الفرعون والتي عادة ما يخلصوا منها الي التركيز علي الفراعنة الأطول حكما وعمرا حتي يمكن من خلالها استيعاب مدد زمنية تتعدي الاربعين عاما لحكم فرعون موسي علي أقل تقدير عند البعض وتصل عند أخرين الي اربعمائة سنة !!! ونظرا لتضارب هذه المدد بين التوراة والتفاسير والتاريخ الفرعوني فقد حاولنا أن نسلك مسلكا أخر الي هذا الفرعون مبتدئين في بحثنا بما خلصت اليه أغلب الدراسات من أن فرعون موسي من ملوك الأسرة الثامنة عشر (الدولة الحديثة) وأن لقب فرعون (من برعا وتعني: البيت العالي) كما تقول الموسوعة البريطانية استعمل كمرادف لملك مصر بالدولة الحديثة، منذ الأسرة الثامنة عشر.ومنها نستطيع أن نلمس دقة القران في استعمال الألقاب فعند الحديث في القرآن الكريم عن يوسف عليه السلام كان الخطاب عن ملك قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ)، بينما كان الخطاب مع موسى عليه السلام مع فرعون قال تعالي ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾ وهو ما ينفي أن فرعون كان اسما وليس لقبا كما ذهب البعض .

نتوقف في محطتنا الثانية عند لفظ الهكسوس .وكلمة الهكسوس هى تحريف للكلمتين المصريتين حقاو وخاسوت التى تعنى حكام الأراضى الأجنبية وهى أحد التسميات التى أطلقها المصريون على الآسيويين بشكل عام وقد ترجمها مانيتون فى تاريخه المفقود بمعنى ملوك الرعاة أو ملوك البدو فالمقطع الأوَّل "هك" يعني باللسان المقدَّس "مَلِكاً"، وأمَّا "سوس" فتعني "بدوياً" .

فهل الهكسوس حقا هم بني اسرائيل الوارد ذكرهم في التوراة والقران؟

نستطيع من خلال الجمع بين قوله تعالي في القران علي لسان يوسف لأبيه وإخوته لَمَّا دَخَلوا عليه مصرَ (وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ) وكذلك مع قوله تعالي في سورة المائدة (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ)(20).أن نشتق معني كلمة الهكسوس والتي تحدث عنها مانيتون كما نجد من ملوك الهكسوس (الأسرة الملكية 15، حُكْمهم: 1674-1567 ق.م) أسماء: يعقوب هر، ، وتابعيهم من (الأسرة المعاصرة 16، حكمهم 1684-1567 ق.م) :يعقوب بعل، ويعقب عم ( Yakbam )، كما وردت أسماء أمكنة من عهدهم مثل (يوسف إيل)، مما يؤيد ارتباط الهكسوس وانتمائهم لبني اسرائيل كما أن الساميون كانوا هم العنصر الاغلب بالهكسوس كما أحضروا معهم الحصان والعربة وادخلوا صناعة المعادن وأشكال تميزهم في صناعة الفخار وهو المعروف بفخار تل اليهودية والطريف أن الكلمة الفرعونية سسمت وتعني الحصان مشتقة من اسم الجمع العبري (سوسيم) ومثل هذا الاشتقاق قد يعد حجة أخري علي أن الهكسوس هم في حقيقتهم بني اسرائيل وأن الكلمة انتقلت الي الفرعونية من خلالهم .

ومن أقدم الكتابات التي تقودنا الي هذه الحقيقة ما ساقه المؤرخ اليهودي يوسيفيوس بن متى، الذي عاش في القرن الأول الميلادي عن المؤرخ المصري مانيتون السمنودي–الذي كتب تاريخ مصر القديم حوالي عام 280 ق.م(للأسف فقد مخطوطه في حريق مكتبة الإسكندرية عام 48 ق.م) من أن طرد الهكسوس من مصر بواسطة أحمس ليس الأ خروج بني إسرائيل من مصر، وبالتالي فالمنطقي أن فرعون موسى هو أحمس وهو ما سنتناوله بالتفصيل فيما يلي .

يعتبر دخول يوسف واخوته الي مصر بمثابة تمهيد لحكم الهكسوس وهو في حقيقته حكما ذاتيا لبني اسرائيل بمناطق من مصر تحقق مع فترة الأضطراب التي صاحبت نهاية الأسرة الفرعونية الثانية عشر وهو ما يتفق مع فرضية أن الهكسوس لم يدخلوا مصر بالغزو، ولكن بالتسلل وعاشوا في أرض مصر قبل الاستيلاء على العرش في شمال مصر ومما يعزز فرضيتنا هذه أن المدافعين عن نظرية الغزو الهكسوسي لمصر والمحدد بالاسرة الثالثة عشر يقفوا عاجزين أزاء تفسير كثرة انية الفخار ذات الطراز الهكسوسي بالاسرة الثانية عشر والتي نرجح أنها هي الفترة التي شهدت وجود يوسف عليه السلام وقدوم ابيه النبي يعقوب عليه السلام واخوته أضافة لذلك يمكننا أن نقرأ النقش الخاص بوصول وفد آسيوى رفيع المستوى لمصر في عهد سنوسرت الاول على أحد جدران مقابر بنى حسن بالمنيا بشكل مختلف خاصة اذا وضعنا في حسباننا أنه لم يسجل من قبل فى الآثار المصرية لزيارات آسيوية بهذا المستوى مما يعكس أهمية الزيارة وبالتالي فربما ” أبشا “ زعيم هذا الوفد هو يعقوب عليه السلام وأبشا معناها الزعيم ويعقوب هو قائد أو أب ليوسف وأخوته وزعيم لطائفته .ومما يعزز هذه الفرضية هو أن الوفد الآسيوي المكون من سبعة وثلاثين شخصاً من البدو -رجال ملتحين ونساء وأطفال -مرتدين الملابس الصوفية المزركشة، كانوا غير مقيدين أو ساجدين للفرعون بل علي العكس فالرسم يظهر القادمين مرفوعى الرأس ومعهم رماحهم وفي موكب يحمل الهدايا.وهي صورة تقترب بنا من الصورة القرانية التي تحملها لنا سورة يوسف : (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).

لابد أيضا أن نتوقف عند عبارة ذات مغزي وردت في ورقة سالييه وهي تسمية المصريين للهكسوس بالطاعون وهو المعني الذي يلقي بظلاله علي التغلغل والانتشار والذي لا يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها أو من خلال حرب وقتيه بل لابد أنه قد استغرق وقت وعلي الرغم من اختلاف مغزي حديث النبي صلي الله عليه وسلم فيما يتعلق بالطاعون عن معني ورقه سالييه الا أن الربط بين الطاعون وبني اسرائيل كان لافتا فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الطاعون رجز على من كان قبلكم أو على بني إسرائيل فإذا كان بأرض فلا تخرجوا منها فراراً منه، وإذا كان بأرض فلا تدخلوها.

كما أن ما ذكره المؤرخ المصري مانيتون السمنودي، في وصف الهكسوس زلت علينا لفحة غضب من الله، فقد تجرأ شعب وضيع الأصل من الشرق لم يتنبأ أحد بإقدامه علي غزو بلادنا فسيطروا عليها بالقوة، ودون صعوبة ولا حتي عبر معركة، وبعد أن تغلبوا علي حكامنا فإنهم أحرقوا المدن بوحشية وعاملوا السكان كلهم بمنتهي القسوة) وكذلك كتابات اللاحقون عليه من وصف الهكسوس بالبرابرة القساة الغلاظ يحتاج الي كثير من المراجعة خاصة اذا نظرنا الي الازدهار الاقتصادي في عهد الهكسوس الذي وصل الي التبادل التجاري مع قبرص حيث وجدت أواني تعود الي عصر الهكسوس بقبرص كما كان لهم نشاط في صناعة المعادن ومنها البرنز.

وحتي نختتم هذه النقطة لابد وأن نشير الي ضرورة تخلص الباحثون من الخوف من الأشارة الي أي دور سياسي لعبه بني اسرائيل في مصر فهناك هوة شاسعة بين بني اسرائيل في هذا العهد الذي نتحدث عنه وكانوا فيه اصحاب رسالة ودين وتمكين الهي لهم في الارض وبين اسرائيل المغتصبه لاراضينا في فلسطين اليوم أن صحت نسبتهم الي اجدادهم القدامي.

و في محاولتنا الاجابة عن اسم فرعون موسي سوف نتوقف عند بعض النصوص القرانية واختيارنا للقران في البداية لانه المصدر الأكثر وضوحا وتماسكا ونستهلها بقوله تعالي في سورة الأعراف ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) ( 137 ) لنبدأ رحلتنا عبر التاريخ والأية تحمل أشارة هامة أن فرعون الذي نبحث عنه دمرت أثاره هو ووقومه ولم يعد لها وجود . وهو ما يجعلنا نرجح أن الفرعون الذي نبحث عنه هو أحمس الأول - مؤسس الأسرة الثامنة عشر وطارد الهكسوس والذي حكم من 1550 ق.م حتى 1525 ق.م-

وحتي نستعرض مدي انطباق هذا علي أحمس الأول وقومه فلك أن تعلم أن مصدر المعلومات عن حرب أحمس مع الهكسوس كان مقبرة أحد قواده المدعو (أحمس إبن أبانا) حيث يروى هذا القائد على جدران مقبرته تاريخ حياته وكيف أنه تنقل فى الخدمة العسكرية كقائد لإحدى السفن ويذكر كيف تبع سيده فى حربه مع الهكسوس وكيف سقطت أواريس (عاصمة الهكسوس وهي مدينة صان الحجر حاليا بمحافظة الشرقية) بعد حصارها وكيف فر الهكسوس إلى مدينة (شاروهين) فى جنوب غزة وكيف حاصرها الجيش المصرى حتى اسقطها وكيف هربت فلول الهكسوس إلى زاهى ( كلمة مصرية قديمة كانت تشير إلى منطقة فلسطين وسوريا).وهذا ينقلنا الي سؤال أين الأثار الضخمة التي تليق بحاكم بمثل هذه القوة ومعركة بهذه الضخامة ؟! والأجابة تحملها لنا لوحة The Tempest Stele والتي تؤرخ الي عصر احمس الاول حيث حدثت عاصفة مدمره مصحوبة بفيضان او سيول مدمره دمرت المعابد والأهرامات وعثر علي أجزاء من هذه اللوحة فى معبد الكرنك وهو ما يجعل صورة الفرعون الذي وضع ملامحه القران أكثر قربا .

ولا تتعدي أثار أحمس الباقية لوحة بمعبد الكرنك تضمنت عبارات مدح تقليدية عبر ستة وعشرين سطرا وستة أسطر عن اصلاحات الملك لاعادة أثاث وأواني معبد أمون وأشار فيها إلى الدور الذي قامت به والدته الملكة أعح حتب في القضاء على الهكسوس فيما خلت اللوحة من الاشارة الي حروبه ضد الهكسوس مما يشكك في الروايات التي تتحدث أنه بقي علي قيد الحياة ومارس نشاط حربي بعد طرده للهكسوس . إناء من المرمر نقش عليه اسم أحمس الأول وآخر للزينة من الخزف الأزرق ويوجد عليها صور الأسرى فضلا عن تماثيل صغيرة له والعديد من الجعارين مبعثرة عبر متاحف العالم بالأضافة الي البلطة والخنجر المعروضين في متحف الأقصر ولم يعثر له علي مقبرة حتي الأن!!! . ولأن الأية تطرقت الي مصير جمع أثار فرعون بقومه فأن والد أحمس وهو سقنن رع كل ما وصلنا عن جهاده ضد الهكسوس هو وثيقة متأخرة من عصر الرعامسة عرفت بإسم (بردية ساليه) ترصد كيف بدأ النزاع بين ملوك طيبة وبين الهكسوس وأن الملك سقنن رع (الثانى) كان فى ذلك الوقت حاكما على طيبة وكان معاصرا لملك الهكسوس أبوفيس( أبيبى) الذى أرسل يطلب منه إسكات أفراس النهر فى مياه طيبة لإنها تزعجه وهو فى قصره فى الدلتا !!!كما أن شقيق أحمس والسابق عليه في الحكم وهو الملك كامس وصلت الينا معاركه ضد الهكسوس عن طريق لوحة لصبى فى أحد المدارس كان مدرسه قد أملاها عليه كقطعة إملاء وقد إشتهرت بإسم (لوحة كارنارفون) ولوح حجرى عثر عليه فى أساسات معبد الكرنك وعليه 38 سطرا من الكتابة!!! وهو ما يعني أننا أمام فرعون وقومه دمرت أثارهم الا من بضعة سطور بين أركان المعابد !!!وهو ما نجد له تفسيرا مقبولا من خلال هذه العاصفة التي طالت أيضا معابد الاسرة ال 17 وهي الأسرة السابقة علي أحمس والتي يمثلها أبيه وأخيه .

التوقف الثاني لنا سيكون عند قوله تعالي:(وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ) سورة القصص آية(9). وهو ما يعني أن فرعون موسي كان عقيما أو لا يعش له ابناء والفرضية الثانية نجدها منطبقة تماما مع أحمس الأول فقد تزوج أحمس من شقيقته نفرتاري والتي أنجبت له ثلاثة أبناء أحدهم هو خليفته أمنحتب الأول وقد توفى ابنائه الأول والثانى في سن صغير، وأربعة بنات هم مريت آمون وسات آمون وإعح حتب وست كامس .كما يبدو أن ابنه امنحتب الأول قد رزق به متأخرا وهو ما يظهر جليا من وفاة أحمس الأول الغامضة عن عمر ناهز الاربعين أو الخمسين تقريبا ووصاية زوجته علي ابنه امنحوتب الأول، حتي بلوغه سن الحكم.

التوقف الثالث لنا سيكون عند قول فرعون (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ) النازعات الآية 24. وقوله في نفس المعني (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) القصص الآية 38 والقول الأول لفرعون يعني عند بعض المفسرين أنه يقول: أنا سيدكم، أنا حاكمكم، الذي تجب عليكم طاعته، ولا تعني بالضرورة أنه هو خالق الكون وحتي وأن أخذنا بالمعني الحرفي للربوبية فعبادة أحمس كانت منتشرة في البلاد حتي الأسرة 19 كما نجد وصفه لنفسه في لوحته بمعبد الكرنك والسابق اشارتنا اليها بالاله الأوحد الذي أرضعته نجم الصباح (ايزيس) وكذلك بالعظيم في فنون السحر.

نأتي الي نقطة لا يتوقف عندها الكثيرون وهي زوجة فرعون المؤمنة (آسيا بنت مزاحم) والتي آمنت من آل فرعون وتربى في كنفها موسى عليه السلام، وقد صح في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ). كما ذكرها القرآن الكريم كمثال للنساء المؤمنات (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (سورة التحريم، الآية 11

من المحال بالطبع علي كاتب التاريخ المصري القديم -الذي دائما ما يكتب الرواية الرسمية التي لابد وأن تحمل الثناء علي الفرعون وترفعه الي درجة القداسة وتجعل الجميع يدين له بالطاعة- أن يدون مثل هذا الأيمان والمخالفة الصريحة لفرعون ومن داخل بيته ولكن يمكن البحث عن زوجة متدينة تعلق بها المصريون وخلدوا ارتباطها وعبوديتها لله وهو ما تنفرد به الملكة احمس نفرتارى (سميت بذلك للتمييز بينها وبين نفرتاري زوجة رمسيس الثاني وتعني كلمة نفرتاري المحبوبة التي لا مثيل لها) حيث كانت اول من حملت لقب ""زوجة الاله"" أو "عابدة الإله" وهو ما يجعلنا نطمئن الي الترجيح أن نفرتاري هي اسيا .

والحال نفسه بالنسبة لماشطة بنت فرعون والتي قال عنها النبي صلي الله عليه وسلم: (لما أسرى بي مرت بي رائحة طيبه فقلت ما هذه الرائحة فقيل لي هذه ماشطة بنت فرعون وأولادها). وقد كانت كما تذكر الرواية الاسلامية أمرأه صالحه ومربيه لبنات فرعون وحينما علم بأمر ايمانها بالله الواحد فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَوْلَادُهَا فِيهَا وكلمة ماشطة هي صفة لحرفتها وليس اسمها الحقيقي والغالب علي ظننا انها مربية الملكة أحمس نفرتارى والتي تدعي (ري) وتشير موميائها أنها كانت كانت رشيقة القوام جميلة الطلعة وتوفيت في سن مبكرة دون سبب واضح وأنها ذات شعر غزير مصفوف في ضفائر عدة وكانت صغيرة القدمين واليدين بشكل واضح والسبب في ظننا هذا أن هذه المربية كانت الاقرب لنفرتاري وبالتالي فهي الاوفر حظا لانتقال الايمان اليها من نفرتاري .

نأتي للتوراة في سفر الخروج 14يقول (فَلَمَّا أُخْبِرَ مَلِكُ مِصْرَ أَنَّ الشَّعْبَ قَدْ هَرَبَ، تَغَيَّرَ قَلْبُ فِرْعَوْنَ وَعَبِيدِهِ عَلَى الشَّعْبِ. فَقَالُوا: مَاذَا فَعَلْنَا حَتَّى أَطْلَقْنَا إِسْرَائِيلَ مِنْ خِدْمَتِنَا؟ فَشَدَّ مَرْكَبَتَهُ وَأَخَذَ قَوْمَهُ مَعَهُ وَأَخَذَ سِتَّ مِئَةِ مَرْكَبَةٍ مُنْتَخَبَةٍ وَسَائِرَ مَرْكَبَاتِ مِصْرَ وَجُنُودًا مَرْكَبِيَّةً عَلَى جَمِيعِهَا) وذكر استخدام المركبات الحربية علي هذا النحو من الوضوح يعني أننا أمام أحمس وهو أول من ادخل للجيش المصري العجلات الحربية واستخدمها في قتال الهكسوس .

بالطبع لا يوجد أي أثر لموسي عليه السلام بالتاريخ الفرعوني الا أن الأمر الذي أجده الأكثر طرافة في الأثار الفرعونية أنها علي الرغم من صمتها عن رصد مرحلة الصراع بين فرعون وموسي أبت الا وأن تضع بين أيدينا قصة طريفة تضع أحمس الأول (الفرعون) وموسي في قضية واحدة بل وفي نزاع حقوقي!!!! وبالطبع موسي هذا ليس النبي موسي عليه السلام ففي قضية نزاع علي أرض وهبها أحمس الأول لملاحظ سفن يدعي نيشي ردا لاعتباره نجد اسم موسي الكاتب ببيت مال الاله بتاح!! .

وبعد أن انتهينا من مناقشة أدلتنا السابقة والتي حرصنا علي تنوعها نتوقف عند اسم فرعون في كتب المفسرين المسلمين واللافت فيها هو شبه أجماع حول اسم فرعون موسي وإسمه الحقيقي (الوليــد بن مُصعَــب )!!! وهو ما يجعلنا نبحث عن أصل يربط هذا الأسم بالفرعون أحمس الذي نرجحه وقد غلب علي الكتابات العربية في مثل هذه الحقب القديمة فيما يتعلق بالاسماء الأعجمية أن يكون تعريبهم لها تعريبا معنويا وليس لفظيا والتعريب المعنوي طريقة تعطي معنى للاسم العربي لا تعطيه له طريقة كتابة النطق الاجنبي بحروف عربية وذلك برجوع الاسم الاجنبي الى جذوره اللغوية، ثم ترجمة الجذر او اخذ مرادفه في اللغة العربية واشتقاق الاسم منه فيكون للاسم العربي نفس معنى الاسم الاجنبي تماما وحتي نطبق هذا علي حالة فرعوننا أحمس فكلمة أحمس تعني المولود من القمر أو القمر ولده (القمر معبود لدي الاشمونيين) والوليد تعني المولودُ حين يُولَدُ. أما اسم ابيه مصعب فنرجح أنها صفة لسقنن رع والذي لقب بالشجاع كما أن الشكل الذي وجد عليه مومياه يوحي بما كان عليه حال الرجل من المنعة والصعوبة حيث وجدت ثقوب في الجمجمة نتيجة الضرب بالحرب والبلاطى على رأسه ووجدت أسنانه تضغط على لسانه من شدة الألم !!وبتطبيق الأشعة السينية على جسده وجد في رأسه خمسة جروح، جرحان كانا على الجبين إثر ضربتي فأس، وجرح بآلة حادة أعلى الأنف، وآخر على الجانب الأيمن من العين اليمنى، والأخير أسفل العين اليسرى.

نأتي الي صفات فرعون موسي كما ذكرها المفسرون وهي أنه أحمر قصير كأنه ثور وانه كان أصلع وأخينس والخنس (ذو أنف مرتفع ومتأخر عن الوجه قليلا" وهناك رواية لأبي بكر أنه قال : أخبرت أن فرعون كان أثرم "الثَّرَمُ، :انْكسارُ السِّنِّ من أصْلِها، أو سِنٍّ من الثَّنايا والرَّباعِياتِ" . وبمقارنة ذلك بمومياء أحمس والتي تم التعرف عليها عام 1886 بواسطة جاستون ماسبيرو، نجد طول المومياء1.63 سم (أي قصير) ولها وجه صغير نسبيا بالقياس مع حجم للصدر وأنف بارز وأنه كان قوي الجسم عظيم المنكبين عريضهما وسنه وقت الوفاه بين الاربعين والخمسين .

ولان قضية تحديد شخصية فرعون موسي قد طالت اسماء فرعونية كثيرة كان الابرز فيها ملوك الاسرة الثامنة عشر فكان لزاما أن نطوف في هذه الرحلة مع أهم ملكين طالهما الاتهام.

ونبدأ بأشهر المتهمين وهو رمسيس الثاني وهي نظرية يوسيبيوس القيصاري والتي سار عليها اللاحقون من بعده ونبدأ بتفنيد أشهر الادلة التي تساق في توجيه الاتهام الي رمسيس الثاني وهي مدينة "بر رعمسيس" التي ورد ذكرها في التوراة سفر الخروج حيث سخر الفرعون بني اسرائيل لبناء مدينتي "بي رعمسيس وفيثوم"والحقيقة أن بر ر عمسيس والتي اتخذها رمسيس الثاني بالفعل عاصمه لملكه ما كانت الا اعادة تسميه لمدينة اواريس القديمة والتي كانت قائمة بالفعل وقد اتخذت ايضا اسم تانيس والمسميات الثلاثة هي لمدينة واحدة بعينها وليس أدل علي ذلك من أن تماثيل منبتاح ابن رمسيس الثاني بالمدينة والتي اغتصبها لنفسها كانت تحمل نقوشها القديمه اسم الاله ست صاحب اواريس ..وما نود أن نخلص اليه أن التوراة استخدمت الاسم الأحدث في الاشارة لهذه المدينة القديمة والمجهول بانيها الا أن الصراع التاريخي دائما ما يربطها بالصراع مع الهكسوس (بني اسرائيل).

السبب الثاني الذي يجعلنا نستبعد رمسيس الثاني من دائرة الاتهام أن رمسيس الثاني دخل في معارك مع الحيثيين في قادش بالشام ما يربو علي الخمسة عشر عاما لم ينتصر فيها أي من الطرفين وانتهت بالتوصل الي عقد أول معاهدة في التاريخ، وبالتالي فسيطرته كانت قائمة على الشام خصوصا في جنوبها .فهل يعقل أن تكون مدين بالشام ملاذا امنا لموسي بعد حروب دامية بين الطرفين ومن المنطقي أن يحاول كلا الطرفين المحافظة علي المعاهدة وايواء طريدا لفرعون سببا كافيا للاجهاز علي المعاهدة؟!! لذا فالاجابة المنطقية : بالطبع لا.. وبافتراض أن فراره اليها كان في وقت الحرب بين رمسيس والحيثيين فهل من المنطقي أن يظهر طريد الفرعون علي هذا النحو من الوضوح ويعمل ساقيا للفتاتين بل وينزل علي ارادة الشيخ والد الفتاتين ويبقي ما بين ثمان وعشر حجج دون أن يحقق الحيثيين معه أو يحاولون الوقوف علي أسباب تواجده وهو ابن فرعون أو الاستفادة منه بشكل أو اخر؟!!!.

السبب الثالث للاستبعاد هو أن رمسيس الثاني تزوج بأحد عشر زوجة وثلاثة من بناته وعشرات الجواري وانجب وفق اكثر التقديرات تواضعا تسعين ابنا وابنة وبالتالي فهو ليس بالملك العقيم الذي تتحدث عنه الايه الكريمه.

السبب الرابع أن رمسيس الثاني سجل افتخاره بأنه وُلِدَ من الإله آمون نفسه الذي تقمص جسد (سيتي الأول) فأنجبه من الملكة (تويا) والدته .وفي خطابه الي الاله اوزوريس نجد نبرة توقير وخشوع لا تصدر الا من شخص متواضع ومؤمن في قوله :

(إني أتضرع لوجهك كما كان يفعل ابنك (حورس) وغني أفعل لك آثاراً في المكان المقدس (الجبانة) وأضاعف الأوقاف لروحك، وإني تحت تصرفك وتحت سلطانك، حتى تجعل الأرض ملكاً لي، وحتى تهبني الخلود بوصفك ملكاً والأبدية بوصفك راعياً للأرضيين وإني على استعداد لتنفيذ ما يحبه قلبك كل يوم بلا انقطاع) وبالتالي فهو ليس الفرعون المتغطرس المدعي للالوهية في التوراة والقران.

السبب الخامس أن اشارة القران الي تدمير اثار فرعون وقومه لا يمكن أن تنطبق علي رمسيس الثاني بأي حال من الاحوال واثاره تملأ الدنيا وتشهد بعظمة عصره.

السبب السادس وجود وثائق من عهد رمسيس الثاني تشير الى المعاملة الحسنة لمن اطلق علهم العابيرو او الخابيرو مثل نص المدعو كاوسر رئيس العمال بالمحاجر, الذي أرسل إلي سيده يطمئنه أن “العابيرو” يحصلون علي مستحقاتهم بعدما سحبوا الأحجار إلى معبد رمسيس حيث يذكر النص " لقد أرسلت الطعام (للعابيرو) الذين يسحبون الأحجار للصرح العظيم لمعبد رمسيس محبوب آمون"وبالتالي فهو لم يمارس اضطهادا ضد اليهود.

فضلا عن أن الفحص لمومياؤه هو الاخر سببا وجيها لتبرئة رمسيس حيث كشف عن وجه رجل عجوز وسط فى الطول (173 سم ) بلغ الثانية والتسعين من العمر فهل يستطيع رجل فى هذه السن المتقدم ويعاني من روماتيزم حاد يمنعه حتي من المشىء متنزن دون عصا يتكأ عليها أن يقود عجلته الحربية ويتتبع موسى عليه السلام وقومه من العاصمة حتى مكان الغرق فى البحر؟ كما تم التأكد من خلال البحوث الطبية علي المومياء من عدم وجود أثار للغرق وأن الراحل كان يعاني من خراريج فى أسنان مقدمة الفم تكفي أن تكون سببا في وفاته .

كما أن نظرية موريس بوكاي من وجود فرعونين أحدهما للاضطهاد وهو رمسيس الثاني والثاني للخروج وهو منبتاح فيكفينا فيها أن نوضح أن دليل الادانة لمنبتاح هو ذاته صك براءته وذلك بما نقشه على مسلته الشهيرة فيما يعرف بأنشودة النصر والتي تباها فيها بإنتصاراته على كل ما يحيط به من ممالك ومنهم شعب اليهود وذلك في حياته كما أن الابحاث التي أجريت علي موميائه تشير الي أن وفاته طبيعية وأنه كان يعاني من التهاب المفاصل والشرايين .

كما شمل الاتهام أيضا الملك سيتي الاول وتحتمس الاول والثاني والثالث والذين لا يتسع المجال لتفيند ما يتعلق بهم الا أن المثير حقا أن هؤلاء الملوك الذين جمعهم القدر في قائمة الاتهام عبر العصور بأن منهم فرعون موسي أبي القدر الا أن يجمعهم مع الفرعون الحقيقي في أتون مصير قاس شملهم جميعا وأوقعهم في قبضة لصوص الاثار من عائلة عبد الرسول فيما عرف بخبيئة الدير البحرى وهى مقبرة ضمت أحمس الاول ووالده الفرعون سقنن رع تاعا والفراعنة تحتمس الأول والثانى وتحتمس الثالث ورمسيس الأول ورمسيس الثانى ووالده سيتي الاول أشهر فراعنة مصر وحينما اختلف اللصوص أبلغ أحدهم السلطات فتسلمت مصلحة الأثار المومياوات وعندما وصلت هذه المومياوات إلى ميناء روض الفرج أصر موظف الجمارك علي دفع الرسوم المقررة ونظرا لعدم وجود بند مومياوات عنده فقد أخرجها الموظف بعد دفع الرسوم المقررة عليها بوصفها أسماك مجففة!!!!!!..... وفي النهاية نضع بين يدي القاريء دراسة حاولنا أن نكون فيها محايدين محاولين أن نصل فيها الي بعض الحقيقة وما أصعب الوصول لها في أزمنة غابرة غاب صناعها وانطوت صفحات تاريخهم بشكل يستحيل معه اكتمال الصورة الحقيقية .

 

د. محمد فتحي عبد العال - باحث

 

جعفر الحكيمتصور نصوص الكتاب المقدس العلاقة بين الإله الخالق وبين المؤمنين به على شكل علاقة الأب مع أبنائه، فالرب هو بمثابة الاب الحاني العطوف المحب لأبنائه، والذي يريد لهم دائما السعادة والخير، وهذا التصوير المجازي للعلاقة موجود في ثنايا نصوص العهد القديم وكذلك العهد الجديد، مع بعض الاختلاف في تحديد من هم أبناء الله ؟!

فحسب نصوص العهد القديم، يعتبر الشعب اليهودي (حصرا) هم أبناء الله، بينما حصرت بعض نصوص العهد الجديد، وخصوصا الرسائل، البنوة لله في جماعة الإيمان المسيحي الناشئ والذين اختبروا الولادة الثانية و قبلوا الإيمان الجديد

ومع ان نصوص العهد القديم، اعتبرت جميع اليهود أبناء الله وشعبه المختار، إلا أنه كانت هناك ايضا بعض الامتيازات لبعض أبناء الله من بين أفراد هذا الشعب، مثل داوود وسليمان الذين تردد وصفهم بالبنوة لله مع الوعد بثبات ملكهم، وكذلك تم وصف اسرائيل وافرايم بصفة الابن (البكر) لله، وهنا يقصد ايضا بالتوصيف الشعب اليهودي كله، وقد تم أيضا، توصيف (آدم) في الكتاب المقدس بأنه ابن الله.

مما تقدم، نستطيع ان نفهم توظيف الشاب اليهودي المصلح (يسوع الناصري) لتوصيفات تعكس علاقة البنوة لله في خطاباته وتعاليمه التي كانت يخاطب بها المجتمع اليهودي الذي كان يعيش معه ويخاطبه ضمن أدبيات ثقافته ومفاهيمه الايمانية من خلال مفردات اللغة التي كان ذلك المجتمع يفهمها ويتعامل بها.

ومن هنا، نفهم لماذا كان يسوع الناصري يردد كثيرا توصيفه للرب بانه (الاب) او (ابيه) وكذلك يصف نفسه بانه (ابن الله)، وبنفس الوقت كان يصف الاخرين بانهم ايضا ابناء الله، مثل صانعي السلام او التلاميذ

(طوبى لصانعي السلام لانهم ابناء الله يدعون)

(اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبى وأبيكم وإلهي وإلهكم) يوحنا 17/20

بعد رحيل يسوع الناصري، وبعد الشروع في تأسيس العقيدة الايمانية الجديدة والتي اتخذت من شخصيته المحور الرئيسي الذي تقوم حولها جميع اركان العقيدة الجديدة، قام الاباء المؤسسون لهذه الديانة الجديدة، باستخدام اسلوب المخاتلة اللفظية من اجل الالتفاف حول المعنى الاولي لدلالة لفظ (ابن الله) واستبداله بمعنى جديد يخدم فكرة وتوجه الديانة المستحدثة !

فأصبح (يسوع الناصري) هو اقنوم (الابن) والذي هو أحد أضلاع المثلث الأقنومي المكون لله (بالاضافة الى الآب والروح القدس) وصار لفظ (الابن) يصرف حصرا الى يسوع الناصري بوصفه (الابن الوحيد) لله !

ويستند اللاهوتيون في تمرير هذا المعنى الجديد الى عدة امور منها ما هو نصي ومنها ما هو استنتاج و تأويل للنصوص

بالنسبة للشواهد من النصوص، نلاحظ ان اغلبها ورد في انجيل (يوحنا) او الرسائل المنسوبة اليه، وعند الاخذ بالاعتبار ان هذا الانجيل هو اخر الاناجيل كتابة من ناحية الترتيب الزمني(كتب بعد 70 الى 100 عام من رحيل يسوع) ولو اخذنا بالاعتبار التدرج في اضافة مفاهيم ايمانية جديدة مع مرور الزمن، لغرض اضفاء المزيد من هالة التقديس والاسطرة على الشخصية المحورية للديانة الجديدة، يتضح وقتها، السبب الذي جعل النصوص التي تشير الى بنوة يسوع الخاصة لله !.... ومن اشهر تلك النصوص

(لانه هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به ..) يوحنا 3

(اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ)

وهناك نصوص اخرى، تشير الى ان يسوع هو (ابن الوحيد لله)، مع ملاحظة ان اغلب هذه النصوص تعود الى السادة كتبة انجيل يوحنا او الرسائل المنسوبة له، وهذا مما يرفع درجة الشك في نسبة النص الوارد في يوحنا (3) ليسوع الناصري، والغالب انه اضافة من الاشخاص الذين كتبوا بقية تلك النصوص، لكنهم وضعوها على لسان يسوع والذي لم يستخدم توصيف (الابن الوحيد) في اي من النصوص الاخرى المنسوبة له في العهد الجديد!

ومع افتراض، نسبة تلك النصوص ليسوع او الوحي المقدس، فان ذلك لا يعني ابدا ان المراد منها حرفية اللفظ، وانما المعنى المجازي الذي تريد الالفاظ الاشارة اليه، لانه في حال الاصرار على حرفية معنى اللفظ، فإننا سنواجه مشكلة عويصة في فهم او تصور الكيفية التي من المفترض ان يكون الشاب يسوع الناصري(الابن) في (حضن) الآب !!!

ولو تجاوزنا وقبلنا بحرفية لفظة (الوحيد) في نص يوحنا (3) مع ذلك فإن هذه اللفظة الواردة في الكتاب المقدس لاتعطي معنى الوحيد (الذي لا احد معه!) وإنما تعني (المتفرد الذي يمتاز عن غيره) لان كلمة (الوحيد) هي ترجمة عن الكلمة اليونانية (منوجينوس) والتي تعني (المتفرد اوالمتميز) وقد استخدمها الكتاب المقدس في توصيف اسحق ابن ابراهيم، واعتباره الابن الوحيد لإبراهيم، رغم ان لابراهيم ابن آخر وهو إسماعيل والذي كان أكبر من إسحاق بسنوات كثيرة

(فقال خذ ابنك وحيدك الذي تحبه اسحق) تكوين 22/2

ان طريقة ارجاع اللفظ الى أصله اليوناني (لغة النص الأصلية) هي اسلوب يتبعه اللاهوتيون المسيحيون في تفسير عبارات وجمل الكتاب المقدس، للوصول الى فهم هو أقرب ما يكون للحقيقة، لذلك نجدهم، مثلا، يلجأون الى هذه الطريقة عندما واجهتهم مشكلة توصيف يسوع بانه (بكر كل خليقة)

لان هذا التوصيف يستدعي ان يكون يسوع مخلوقا، وهذا الامر، ينقض العقيدة المسيحية، التي تعتبره خالقا لا مخلوقا !

لذلك وجدنا اللاهوتيين، يذهبون الى أصل كلمة (بكر) في اليونانية(بروتو توكس) ليستنتجوا ان (البكر) لا تعني الاول من حيث الترتيب الزمني، وإنما تعني الأول من حيث ترتيب المقام، لكنهم لم يتبعوا نفس المنهجية مع لفظ (الابن الوحيد) جريا على اسلوب الانتقائية والتناقض المعهودة لديهم، في عملية انتاجهم للمفاهيم، بطريقة المراوغة اللفظية !

ولو تجاوزنا طريقة المراوغة والتلاعب في معاني كلمات النصوص، وتتبعنا التفسيرات التاويلية التي يستنتج منها اللاهوتيون ان يسوع الناصري هو (وحده) الابن الطبيعي لله، سنجدهم ايضا يتبعون أسلوب متنطع في تفسيرات متمحكة، تحاول بشكل فج مطمطة معاني النص وجرجرته الى معاني بعيدة تسند المفاهيم الايمانية التي ابتدعها اللاهوتيون، مثل

(من رآني فقد رأى الآب) وكذلك قول يسوع (انا والاب واحد) وغيرها من النصوص المشابهة

و وجه التنطع في تفسيرات اللاهوتيين واضح جدا، فمثلا بالنسبة للنص الاول، فكل عاقل يفهم ان يسوع لم يكن يقصد ان الذي يراه ويبصر شكله وهيئته هو بالضرورة سيرى شكل الله الذي في السموات !

علما ان لفظة (راى) يستخدمها اليهود احيانا بمعنى (عرف او علم) كما ورد في نصوص الكتاب المقدس

(وراى الله الارض فاذا هي قد فسدت، اذ كان كل بشر قد افسد طريقه على الارض) تكوين 12/6

(ولما رأى أنه لا يقدر عليه، ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه) تكوين 25/32

ومن هنا، يكون المعنى الذي اشار اليه يسوع واضح ومفهوم (من عرفني ..يعرف الاب)

أما بالنسبة للنص المهم (انا والاب واحد) فإن تفسير اللاهوتيين المسيحيين يثير العجب والاستغراب، لانهم يصرون وبشكل مريب على تأويل وفهم هذه العبارة بنفس الطريقة التي اراد اليهود المتربصين بيسوع ان يفهمونها، لكي يجعلوا هذه العبارة سببا لادانة يسوع الناصري بالتجديف، فيكون وقتها مستحقا لعقوبة الرجم بالحجارة

وهنا نترك الاصحاح العاشر من انجيل يوحنا يخبرنا بالقصة….فعندما قال يسوع (انا والاب واحد)

(فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضًا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ.أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي. بِسَبَبِ أَيِّ عَمَل مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟

أَجَابَهُ الْيَهُودُ قَائِلِينَ:لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا»

أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟

إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ،

فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟

إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فَلاَ تُؤْمِنُوا بِي.

وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ، فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ».

فَطَلَبُوا أَيْضًا أَنْ يُمْسِكُوهُ فَخَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ)

وهنا نلاحظ ان يسوع يريد تذكيرهم بما هو مكتوب في العهد القديم، في المزمور (82)

((أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ) والمخاطب هنا هم القضاة من بني اسرائيل

مما تقدم يتضح ان يسوع الناصري، قام بتوضيح وتصحيح الفهم المغلوط لليهود لعبارة (انا والاب واحد) حيث اكد لهم انه لايقصد بها انه اله او مساوي للرب، وانما يقصد ان لديه سلطان اعطاه اياه الرب، كما اعطى قضاة بني اسرائيل، وهو ابن الله، كما كان القضاة ابنائه !.....لان الرب قد قدسه بصفته رسول الرب الى العالم.

ورغم هذا البيان والتوضيح من يسوع الناصري، لكننا نجد اصرار من اللاهوتيين المسيحيين، على تغافل واهمال توضيح يسوع المسيح، والتمسك بالفهم اليهودي الخاطئ والمتربص والذي كان غرضه الايقاع بخصمهم يسوع!

إن تعبير يسوع الناصري و توصيفه، على أنه واحد مع الآب، هو نفس التوصيف الذي استخدمه مع التلاميذ، حيث اعتبر أن إيمانهم سيجعلهم، متحدين في الهدف معه ومع الاب، ليكونوا فيه وهو فيهم، لان الجميع يسعون لتحقيق غايات الله الاب

(ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط، بل أيضا من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم ليكون الجميع واحدا، كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك، ليكونوا هم أيضا واحدا فينا، ليؤمن العالم أنك أرسلتني وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني، ليكونوا واحدا كما أننا نحن واحد

أنا فيهم وأنت في ليكونوا مكملين إلى واحد، وليعلم العالم أنك أرسلتني، وأحببتهم كما أحببتني) يوحنا 17

ورغم هذا الكلام الواضح ليسوع الناصري والذي يوصف فيه علاقته مع الله (الآب) ضمن إطار مفاهيم وثقافة مجتمعه والمفردات اللغوية التي كانت مستخدمة في ذلك الوقت، إلا أننا نجد الآباء المؤسسين للديانة المسيحية، يجتهدون في ابتداع تفسيرات وتأويلات تقوم على منهجية ملتوية تعتمد المخاتلة اللفظية من خلال الاجتزاء تارة او الاقتطاع من النص تارة اخرى، لكي يتم الالتفاف على المعاني الاصيلة لمفردات النص، والخروج بمعاني مغايرة تؤيد فكرهم وعقيدتهم الجديدة، والتي كان الجزء الأعظم منها، مقتبس من العقائد والأساطير اليونانية والاغريقية، التي كانت رائجة في ذلك الوقت

فصار يسوع هو الأقنوم (الابن) وهو الابن (الوحيد) الذي في حضن الله (الاب) لأنه متحد معه في الطبيعة اللاهوتية!

وبذلك انتجوا ايمان جديد يقوم على مفاهيم جديدة مثل، اللاهوت والناسوت، والطبيعة والجوهر والاقانيم!!

علما ان كل هذه المصطلحات، لم يذكرها او يتحدث عنها يسوع الناصري ابدا !!

وربما لم تكن تخطر على باله اصلا !!

 

حوارات في اللاهوت المسيحي 30

 

د. جعفر الحكيم

 

 

عدنان عويدالقرآن جاء منجماً.. نزل على مدة اثنين وعشرين عاماً... فرضت حالة تنجيمه أو تفريقه هذه، مسيرة الدعوة الدينية التي كُلف الرسول محمد (ص) بالدعوة إليها... وأحداث السيرة النبوي وعلاقاتها مع الواقع آنذاك شائكة ومعقدة، فرضت نفسها على النص المقدس (القرآن) في حالات نزوله ونسخه وعموم نصه وخصوصيته، ومحكماته ومتشابهاته، بل وحتى في حالة (غرانيقه). وهذا ما جعل من النص الديني نفسه إشكالية في في تفسيره وتأويله، وبالتالي اعتماده مرجعاً وحيداً لأمور حياة المسلمين في سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين بعد وفاة الرسول. فهذا على ابن أبي طالب يرفض اعتماد النص القرآن مرجعاً لحل خلافه السياسي مع معاوية عندما رفع القرآن على أسنة الرماح في معركة صفين، قائلاً لصحبه لا تحتكموا بالقرآن فهو حمال أوجه. وهذا الرسول محمد (ص) يقول لمن سأله عن تأبير النخل وهو أمر حياتي : (أمور دنياكم أنتم أدرى بها)، وهو ذاته القائل عن إشكالية النص القرآني: (القرآن ذلول حمال أوجه فخذوه على وجهه الحسن). لذلك نقول: من هذا المنطلق الإشكالي. نجد أصحاب الموقف العقلاني /الحداثي من المفكرين الإسلاميين الذين يؤمنون بالعقل وحرية الإرادة ألإنسانية وتغير الأحكام بتغير الأحوال، قد اعتمدوا في رؤاهم العقلانية هذه على النص الديني المقدس ذاته، مثلما اعتمد أصحاب التيار الجبري /التقليدي، على النص الديني ذاته أيضاً، وهو النص الجبري الذي لا يؤمن بدور العقل وحرية الإرادة ألإنسانية، ويدعوا إلى التمسك بسنن الله والفطرة التي فطر الناس أو خلقهم عليها، وهي سنة ثابتة عندهم وغير متناقضة أو متحولة. (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا(. (1) (فهل ينظرون إلى سنة الأولين، فلن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً.). (2). (فأقم وجهك لله حنيفاً، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم.). ( 3).

من هذا المنطلق الوثوقي التسليمي بظاهر النص الذي يأخذ به أصحاب التيار الجبري التقليدي، دون البحث عن دلالات ومغزاه ورموزه، أي دون البحث عن القيم والمقاصد الإنسانية التي جاء الدين من أجلها خدمة للإنسان في حالات تطوره وتبدل شروط حياته وظروفها الاقتصادية وبالاجتماعية، والتي على أساسها جاء النص الديني ذاته منجماً، وعلى أساسها جاء الناسخ والمنسوخ مراعاة لحالات التطور والتبدل هذه، يأتي الموقف الجبري في الخطاب الإسلامي السلفي، الذي يرى أن الإنسان إذا أصغى إلى النفس والشيطان فسيسقط إلى أسفل السافلين، وإذا أصغى إلى الحق والقرآن فسوف يرتقي إلى أعلى عليين، ويصبح بين الكائنات في أحسن تقويم. فالإيمان كما يقول الكاتب السلفي ألإخواني " مصطفى حلمي" : (يفضي إلى التوحيد، والتوحيد يقود إلى التسليم، والتسليم يحقق التوكل، والتوكل يسهل الطريق إلى سعادة الدارين).(4). ثم يتابع في المرجع نفسه: (والعلم الحق هو علم السلف، والسلف هم الصحابة والتابعون من أهل القرون الهجرية الثلاث الأولى، فأصبح مذهب السلف علماً على ما كان عيه هؤلاء، ومن تبعهم من الأئمة، والأئمة هم : سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد، وعبد الله بن مبارك، والبخاري ومسلم، وسائر أصحاب السنة دون من وصُف بالبدعة، كالخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية والمعتزلة وغيرهم.).(5). وعلى هذا الأساس تم تقعيد الفكر السلفي وقوننته، كفكر صالح لكل زمان ومكان، وكل خروج عنه هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أما أهم معطيات هذا الفكر الجبري المنافي للحداثة والتقدم فيمكن إجمالها في التالي:

أولاً: الشرع قبل العقل: فالسلفيون الجبريون يعتبرون أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين حتى القرن الثالث للهجرة، هم الأكثر قدرة على تفسير النص الديني وفهمه، وبالتالي هم الأكثر عقلانيةً في هذا الفهم والتزاماً به، لذلك يجب على الخلف الاقتداء بهم والأخذ برأيهم، وعدم تشغيل العقل بما اشتغل عليه السلف وقرروه في أمر الدين والدنيا، فهم أصحاب الرسول وهم المؤمنون. متكئين في موقفهم هذا على الآية التي تقول: ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى نصله جهنم وساءت مصيرا.). (6)، والمؤمنون هم السلف الصالح الذين حُددت هويتهم أعلاه.

من هنا نجد أن هذا التيار السلفي يبدأ بالشرع أولاً، ثم يخضع العقل له. أي هم يكتفون بالرواية دون العقل والدراية، وأن العقل يجب أن يوافق الشرع. والشرع هنا هو الأصل، والعقل يأتي الفرع. وإذا كان التيار العقلي / الحداثي قد اعتمد على القرآن والمتواتر من الحديث والعقل في العقيدة والتشريع كما سنبين لا حقاً،، فإن التيار الجبري / التقليدي يخالفهم في ذلك، فهم يحتكمون في مراجع عقيدتهم وتشريعهم إلى القرآن والحديث النبوي والقياس والإجماع الذي قال به السلف الصالح، وطوعوا المفاهيم العقلية لها، أما القياس عندهم فهوليس أكثر من البحث عقلياً عن دليل في هذه المراجع لتأكيد شرعية كل مستجد في هذه الحياة. فالعقل عند ابن حنبل ومدرسته، وعند الشافعي والمالكي وأبي حسن الأشعري وابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب، والشيخ البوطي وكل السلفيين المعاصرين، يعجز عن الإحاطة بالحقائق التي أوردها الدين لأن الدين صادر عن خالق الخلق، وقد تناول جميع الفطرة الإنسانية ماضيها وحاضرها ومستقبلها، والعقل لا يمكن أن يحيط بكل هذه الفطرة والسنة الإلهية. (7). فهذا ابن تيمية يقول في هذا الاتجاه مقرراً حقائق لا يأتيها الباطل من تحتها أو بين أيديها: ( وكان من أعظم ما أنعم الله به على أهل السلف، اعتصامهم بالكتاب والسنة، فكانت الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده، فإنه ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق وأن القرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم.). (8).

إن الجبرية يريدون من هذا، القول بأن الله أمر أن يُنظر ويُفكر في خلق السموات والأرض، وعندها سيجد الإنسان ما يثبت وجود الله وقدرته، وأن كل ما أوجده أو خلقه الله في الطبيعة وحياة الإنسان نفسه، يعجز الإنسان عن الإتيان به. ويؤكدون قناعتهم المطلقة هذه بالآية القائلة : ( ويأتونك بمثلٍ إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً.). (الفرقان – 33). وهم يدخلون في هذا الفهم أيضاً أن القرآن قد أشار إلى الكثير من الحقائق العلمية قبل أن يكتشفها عقل الإنسان أو يعلم بها. (9). وعلى هذا الفهم القاصر والسطحي والوثوقي لدلالات النص القرآني، جاءت دعوة بعض السلفيين المعاصرين من تيار (جماعة التكفير والهجرة ) أمثال مؤسس هذه الجماعة " شكري مصطفى"، في تحريم التعامل مع العلوم الوضعية كلها حيث يقول: (لا نتعلم إلا بقدر الحاجة، تماماً كما كانت أمة رسول الله، فقد كانت جماعة رسول الله لا تتعلم لمجرد العلم، ولا تتعلم للدنيا ولكن تتعلم للعبادة.). (10). وهذا الموقف القاصر من العلم وتبخيس دور العقل الإنساني نجده عند شيخ الوهابية في مملكة آل سعود وهو " عبد العزيز بن باز" رئيس هيئة الإفتاء في السعودية، حيث يفتي في مسألة الفكر ودوران الأرض قائلاً: (الفكر والكفر واحد، بدليل أن حروفهما واحدة.)، هذا في الوقت الذي تجيز فتواه قتل من يقول بدوران الأرض وكرويتها، ومصادرة أمواله وأملاكه بعد استتابته. ومثل هذه المواقف المقاومة للحداثة نجدها عند سلفي الكويت المعاصرين، وخاصة في فتوى الشيخ " صالح بن العثيمين " في التحذير من اقتناء صحن استقبال البث الإعلامي والاحتفاظ به، وذلك عندما خاطب المصلين في الخطبة الثانية من يوم الجمعة 25/3/ 1417هـ للهجرة قائلاً: (من مات وخلف في بيته الدش، فقد غش رعيته فَحَرَم عليه الجنة.). والطريف في الأمر أن دولة الكويت الدستورية منذ عام 1963، تتبنى هذه الفتوى في 28/ 1/ و10/2 لعام 1998. (11).

إن كل هذه المواقف المعادية للعقل والعلم الوضعي، ليست جديدة على تاريخ السلفية في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية. فكيف ننسى أيضاً في هذا السياق على سبيل المثال للحصر موقف مشايخ مصر السلفيين الجبريين من العلم أيام "محمد علي باشا" عندما كانوا يحرضون الشعب على عدم إدخال أولادهم المدارس التي افتتحها "محمد علي" بجهود "الطهطاوي"، للتعليم الحديث، فكانت الأم تقوم بفقع عين ولدها كي لا يذهب إلى المدرسة، لأن مشايخهم قالوا لهم إن هذه المدارس الحديثة تعلم أولا دهم الكفر والإلحاد.

عموماً إن كل هذه المواقف المعادية للعقل والحداثة في عصرنا الحاضر هي تعتمد على مواقف سابقة لمنظري التيار السلفي تعود إلى القرون الوسطى، كمقولة ابن حنبل (أصحاب العقل كلهم زناديق)، أو مقولة ابن صلاح السيئة الصيت ( من تمنطق تزندق). أو موقف أبي حامد لغزلي من الفلسفة في كتابه المشهور (التهافت وكتابه (الجام العوام عن علم الكلام). والسيوطي في كتابه ( صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام).. وغيرها الكثير.

أمام هذه المعطيات التجهيلية المحاربة للعقل والمعرفة، جاء موقف هؤلاء السلفيين التكفيريين تجاه الحداثة بكل مضامينها: فالمرأة ظلت عندهم ضلعاً قاصراً، وناقصة عقل ودين، وعورة كلها، وإذا كانت ظروف المجتمع في الجاهلية عند انتشار الدعوة الإسلامية هي ظروف مجتمع الذكورة، وهو المجتمع الذي يعتبر الرجال قوامين دائماً على النساء عقلاً وجسداً ومكانة اجتماعية وأسرية، وهذا يرأيهم ما برر للنص الديني اعتبار شهادة المرأة الواحدة غير مقبولة، مثلما برر في بعض النصوص أيضاً تعدد الزوجات، وما ملكت أيمانكم وغير ذلك من نصوص تشير إلى دونية المرأة، إلا أن هناك نصوصاً أخرى كرمت المرآة وساوتها بالذكر كالآية: (وخلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها). (الأعراف 188). والآية: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات). /35/ - الأحزاب

إن ظروف عصرنا قد أثبت أن للمرأة إمكانات كبيرة في مجال استخدام العقل وتوظيفه في تربية أفراد أسرتها وتعلمها، فكانت كالرجل مدرسة وطبيبة ومهندسة، بل شاركت الرجل في كل نشاطات حياته، وكثير من النساء يبزن الرجال في رجاحة عقولهم ومعارفهن في مجال عملهن، فالأم مدرسة إذا أعددتها. كما نجد الموقف السلفي المتخلف هذا في فهمه لدور الدولة، فالدولة في فهمهم ظلت محكومة بخطاب ديني شمولي ومركزي مقدس، يقر بأن المشرع الوحيد هنا هو الله، وأن الشرع الذي يجب أن يطبق على العالم كله هو الشرع الإسلامي كما فهمه السلف الصالح في القرون الهجرية الثلاث الأولى، وإن هذه الشريعة المقدسة والمطلقة في صحتها نزلت مرة واحدة وإلى الأبد ممثلة بالقرآن والحديث والإجماع والقياس الذي لا يسمح للعقل أن يتجاوز حدود المشابهة والمقايسة بين المحدثات من الأمور وما ورد في النصوص المقدسة، أي قياس الحاضر على الماضي دائماً، لذلك ليس باستطاعة أحد أن يتجاوز النص الديني المقدس، وإنما باستطاعتهم تفسيره وتأويله، وهذا التفسير والتأويل قد تم وأنجز منذ القرون الهجرية الثلاث الأولى وأقفل بعدها باب الاجتهاد. وفي سياق الدولة والحاكمية، يقررون بأن الدولة لا بد لها من حاكم يخلف رسول الله، الذي فوض بالسلطة من صاحب السلطة وهو الله، وهو ما يسمى بالخليفة أو الأمير أو الإمام، وهذا يترتب عليه عالمية الإسلام وعقيدة التوحيد، وبالتالي فلا يمكن أن توجد إلا دولة واحدة، ولا يمكن أن يوجد في زمن محدد إلا خليفة واحد، ولا يمكن تصور وجود سلطات شرعية أخرى إلا إذا استمدت سلطتها من الخليفة التي استمدها بدوره من سلطة الله. والحاكم هذا في أجندتهم التشريعية هو فوق الشبهات والنقد وعلى الرعية الخضوع له والاستكانة حتى لو ظلم، فهم يطالبون من الرعية أن: (لا تسبوا الولاة فإنهم إن أحسنوا كان لهم الأجر وعليكم الشكر، وإن أساؤوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر، وإنما هم نقمته ينتقم الله بها ممن يشاء. فلا تستقبلوا نقمة الله بالحميّة والغضب، واستقبلوها بالاستكانة والتضرع.).(12).

أما بالنسبة لآلية عمل ولاة أو حكام هذه الدولة كما يفهما أصحاب التيار السلفي المعاصر، فقد حددها الشيخ " عبد الرحمن ساعاتي" والد "حسن البنا" في أول عدد من مجلة (الإخوان المسلمون) بقوله للجماعة: (استعدوا يا جنود ليأخذ كل منكم أهبته ويعد سلاحه وامضوا إلى حقكم، إلى حيث تؤمرون خذوا هذه الأمة برفق، فما أحوجها إلى الرفق والعناية والتدليل، وضعوا لها الدواء، فكم على ضفاف النيل من قلب يعاني وجسم عليل، واعكفوا على إعداد الدواء في صيدليتكم، ولتقم على إعطائه فرقة الإنقاذ منكم، فإذا الأمة أبت فأوثقوا يديها بالقيود وأثقلوا ظهرها بالحديد وجرعوها الدواء بالقوة، وإن وجدتم في جسدها عضواً خبيثاً فاقطعوه أو سرطاناً خطيراً فأزيلوه، استعدوا يا جنوداً، فكثير من أبناء هذا الشعب في آذانهم وقر وفي عيونهم عمى). (13)

إن الدولة التي تعتبر هي المؤسسة الأكثر فاعلية في بناء المجتمع ومؤسساته وفق المفهوم السلفي كما تبين معنا، هي دولة عقيدة بامتياز لكونها تمثل القيم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي جاءت في فترة ماضية، وباسم قدسية هذه القيم المستندة على النص المقدس، يسعى دعاتها إلى إعادة إنتاجها بحد السيف لمن يرفض أو لا يرغب في تشريعها وآلية عملها، أي حاكمتيها . وهذا ما يعطي الدولة في صيغتها المعاصرة كما يفهمها السلفيون المعاصرون سمات وخصائص ثابتة تاريخيا. أما أهم هذه سماتها، فهي نزعتها الشمولية، كونها تعتبر القيم الدينية (التشريعات)، كما وردت في النصوص المقدسة هي قيم صالحة لكل زمان ومكان، وهي قادرة على استيعاب حياة الإنسان في أدق تفاصيل حياته، حتى حالة (دخوله المرحاض والخروج منه). وهي أيضاً دولة مركزية كونها تعتبر الخليفة هو المسؤول الأول عن تنفيذ هذه القيم الدينية على كافة مساحة الدولة الجغرافية، وما الأمراء والولاة إلا لتنفيذ ما يأمر به الخليفة الحاكم بأمر الله. فمثل هذه الدولة في طبيعة حكمها لا تختلف في الحقيقة عن أي نظام استبدادي يقر بسلطة الفرد ويعتبر سلطته هي بأمر الله وإردته، وهي سلطة ستلغي بالضرورة العقل والإرادة والحرية لدى أفراد المجتمع، وتجذير السلطات الاستبدادية باسم الدين.

إذن إن الخطاب الإسلامي الجبري / السلفي التكفيري، هو في المحصلة خطاب ضد الإنسان وحريته، وتسخير عقله خدمة لمستجدات حياته. فهو على المستوى الأيديولوجي يدعو إلى العودة للماضي، أو النبع الصافي، ورفض كل جديد وتبديعه. وإن كل ما يقوم الإنسان بإبداعه عبر حياته هو ليس أكثر من تفسير أو تطبيق لما أورده القرآن في هذا المجال الحياتي أو ذاك، فكل الكشوفات العلمية هي ليست أكثر من تجلي لما هو موجود أصلاً في النص المقدس. كما أن هذا التيار ينظر إلى البنية الاجتماعية نظرة عقيدية أيضاً فالناس يقيمون من موقف معياري ثابت فرضه فهمهم هم للعقيدة وتشريعاتها. فالفرد إما (كافر أو مؤمن أو زنديق أو ملحد). ،وبالتالي يرافق ذلك، تلك النظرة الريبية لأصحاب الديانات الأخرى في دولتهم وحاكمتيهم، على أنهم كفار أو أهل ذمة وليسوا مواطنين. كما تنظر إلى أن العمل في هذه الحياة هو لكسب الآخرة وليس لتنمية المجتمع. كما يرفض هذا التيار كل الأيديولوجيات الوضعية واعتبارها فكراً تكفيرياً كونها لم تفتح باسم الله ولم يوقع عليها الرسول، لذلك فهي مردودة على أصحابها لا لكونها باطلة فحسب، بل لوجود الاستغناء عنها بكتاب الله وسنة رسوله. أما على مستوى الشكل، فهذا التيار يتمسك بسلوكيات السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، من حيث اللباس والمسواك وحف الشارب وتطويل الدقن والضحك والعطاس، كما أقرت الوهابية في ذلك على سبيل المثال.

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

................................

الهوامش:

1- فاطر - 62

2- الروم- 43.

3- الروم – 10..

4- د. مصطفى حلمي- الإسلام وفلاسفة الغرب- -دار الدعوة- الإسكندرية- دون تاريخ نشر –ص 99

5- المرجع نفسه- ص-ص 101.

6- النساء – 115.

7. د. مصطفى حلمي- الإسلام وفلاسفة الغرب- -دارالدعوة- الإسكندرية- دون تاريخ نشر –ص104

8- المرجع نفسه . ص 104.

9- د. مصطفى حلمي- الإسلام وفلاسفة الغرب- -دارالدعوة- الإسكندرية- دون تاريخ نشر –ص 109.

10- النهج – مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي – دمشق- العدد /20/- خريف 1999. ص 193.

11- النهج – مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي- دمشق العدد- /29/ - 2002. ص 19.

12- يراجع في ذلك- أبو يوسف – كتاب الخراج- - القاهرة – ص11. وكذلك يراجع - الفخري في الآداب السلطانية- بيروت – 1960- ص 33.

13- النهج – مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في لعالم العربي – دمشق- العدد /20/- خريف 1999. ص 131.

 

ميثم الجنابيهو كيسان بن أبي تميمة العنزي (68-131 للهجرة). ولد ومات بين طاعونين! وما بينهما ترامت حياته التي جعلت منه إماما للمتقين والزاهدين، ومرجعا لليقين الروحي والأخلاقي في مرحلة أتسمت بالحراك والصراع الشديدين. بحيث نرى انعكاسهما المتناقض في صقل شخصيته العصية على الوضع في قالب واحد، شأن شيخ القوم آنذاك الحسن البصري. بمعنى إننا نعثر فيه على ملامح ما يمكن دعوته بالثبات الحرّ زمن المتغيرات الجارفة. فالأخيرة عادة ما تجرف في سيولها كل ما هو عرضة للحمل السريع، أي كل ما يتدحرج بسهوله في تيارها. وفي هذا يكمن معنى إتباع السنّة في فكره وسلوكه، أي إتباع الروح النبوي بوصفها سنّة الحقيقة وليست سنّة السلطان والفرق (الأحزاب) والمذاهب. وضمن هذا السياق يمكن فهم حقيقة ومعنى جحوده "للبدعة" ومعارضته للاعتزال والخوارج. فقد كان يرى في المعتزلة وجدلها العقلي السافر قوة لا تقيم وزنا "لما في السماء"، أي لله وأصنامه الصغيرة المتراكمة في أزقة الخلافة وشطارها الأمويون! بينما لم يكن يرى في الخوارج سوى القوة التي تختلف في كل شيء لكنها تجتمع على السيف! ولم تكن هذه الرؤية والمواقف معزولة عن جملة من الوقائع والحقائق التي جرى تحسها وذوقها بمعايير الاجتهاد الشخصي والسلوك الفردي في مجتمع (عراقي) اتسم من حيث تقاليد وشخصيته (وما يزال، رغم فساده الهائل والعابر أيضا) بعقل الخلاف ونفسيه الاختلاف في كل شيء، بحيث جعلت من الممكن تصنيفهم ضمن "أهل الأهواء والبدع". مع أن الحقيقة وبلوغها غير معقولة دون الخلاف والاختلاف. فهو طريق الحريق التي تتهذب فيه وتتشذب كل عوالق الزمن العابر لتبقى نصاعة التاريخ فيه بوصفها إخلاصا للحق والحقيقة او تعبيرها عنها بوصفها تجربة ثقافية تاريخية.

فقد كان زمن أيوب السختياني زمن اللهيب الهائل لصيرورة الخلافة العربية الإسلامية التي لازمتها كمية غير متناهية من الاحتراب العنيف. الأمر الذي جعل من الجحود والمروق والخروج على المألوف وما شابه ذلك أمرا عاديا، بل وضروريا للوجود نفسه. تماما كما جعل من ظهور شخصياته الثابتة والراسخة القوة القادرة على مسك تربة الوجود التاريخي لكي تنمو فيها ما سيدعوه بعد قرون الفيلسوف الأندلسي ابن باجه، بالنوابت، أي الثوابت في شجرة الحياة الحية! وقد كانت شخصية السختياني ضمن هذا السياق تمثيلا للاستقامة زمن الصراعات الحادة.

بعبارة أخرى، مهما يكن من أمر مواقف السختياني هذه، فأنها تبقى جزئية وعابرة على ضفاف مجراه العارم صوب الهدوء في بحر الحقيقة والإخلاص لها بمعايير السلوك العملي. وفي هذا يكمن سرّ تحوله إلى إحدى الشخصيات التأسيسية الأولى للزهد الإسلامي والتصوف العملي. بمعنى من أولئك الذين ارسوا أسس التصوف الإسلامي من خلال تمرين الروح والجسد بمعايير الخروج على ما هو مألوف وعادي في فهم إشكاليات الوجود الاجتماعي والسياسي والأخلاقي. فقد شارك إلى جانب المئات ممن يمكن دعوتهم بالرعيل الأول الذائب في نحت الأفكار الجزئية والقيم العملية التي تناسبها. وهي النسبة التي يمكن رؤيتها في المقارنة والعبارات التي استعملها الحسن البصري عنه، وما قاله أيوب السختياني عن الحسن البصري. فقد قال الحسن البصري عنه مرة: "أيوب سيد شباب أهل البصرة"، كما لو انه يوازي بالمعنى التقليدي العبارات الوجدانية المتنوعة عن الحسن والحسين باعتبارهما سيدا شباب أهل الجنة، أو أبو بكر وعمر باعتبارهما سيدا كهول أهل الجنة أو مختلف الصيغ المشابهة. فالمضمون جلي. ومضمونه يقوم في محاولة البحث عن نماذج مثلى للتاريخ الفعلي من خلال رفعها إلى مصاف "السعادة التامة". وإذا كانت هذه "الأحاديث" النبوية، بما فيها الموضوعة (أي التي جرى صنعها لاحقا ووضعها على لسان محمد كما هو الحال بالنسبة للحديث المذكور أعلاه عن أبي بكر وعمر)، فان "حديث" الحسن البصري هو أولا وقبل كل شيء موقف فكري روحي لا نزاع فيه لمعترك العقائد والتحزب. بل ينبع من إخلاص الروح ومنطق التاريخ الفعلي للحياة نفسها.

بعبارة أخرى انه لا يتكلم عن "سيادة" وهمية متعالية ومقدسة، بل عن نموذج واقعي - مثالي لأهل البصرة. وهو موقف كوني أيضا. والقضية ليست فقط في أن البصرة آنذاك (وما زالت في أعماقها وإمكاناتها) هي قاعدة الروح الثقافي العربي الإسلامي، بل ولحدسها العميق القائل، بان المتعالي والمقدس تاريخي بالضرورة وفرداني بالمصير. وليس مصادفة أن نسمع السختياني مرة يقول عن الحسن البصري:" هذا سيد الفتيان!". إذ تنعكس في هذه العبارات رؤية الفرق بين الأبعاد المحلية والكونية.

فقد كان أيوب السختياني محليا وجزئيا بمعايير الرؤية الكونية التي بلورها الحسن البصري. لكنه المكوّن الضروري الذي جعل منه عنصرا فعالا في بناء صرح المرجعيات الروحية المتسامية للثقافة العربية الإسلامية.

فقد كان أيوب السختياني بنظر الكثيرين "جهبذ العلماء"، و"افقه أهل البصرة في دينه" وأصدقهم. فقد كان ابن سيرين يقول عنه "حدثني الصدوق". بل تحول إلى قبلة الاستلهام العملي لأولياء الثقافة الروحية المتراكمة في مجرى تصادم المثقف والسلطة المميز للمرحلة الأموية. فعندما قيل لأحدهم:

- نراك تتحرى لقاء العراقيين في الموسم؟

- والله ما افرح في سنتي إلا أيام الموسم! القي أقواما قد نوّر الله قلوبهم بالإيمان. فإذا رأيتهم ارتاح قلبي! منهم أيوب (السختياني)!

وهو لقاء ينبغي فهمه ضمن سياق المكانة التي احتلها أيوب السختياني في سلسلة الزهاد المصنوعة من معاناة التأمل العميقة لإشكاليات الوجود الفعلية والحياة العامة والخاصة. وليس مصادفة أن يقول بعضهم عنه "ما وعدت أيوب موعدا إلا وجدته قد سبقني إليه". بينما يقول عنه شخص آخر "ما رأيت رجلا قط اشد تبسما في وجوه الرجال من أيوب". وهي البسمة التي تعكس بكاءه الروحي. كما أنها المفارقة التي يمكن تحسسها في وعيه الذاتي ونقده للنفس، أي مراقبتها بالشكل الذي يجعل منها كيانا مخفيا من ملاحقة العيون المتطفلة. من هنا قوله "ذكرت وما أحب أن اذكر"، وانه "إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل". بل نراه يقول عن يزيد بن الوليد بعد توليه الخلافة، وقد كانوا أصدقاء قبل ذلك "اللهم انسه ذكري". وهو موقف مبني على فكرته القائلة بأنه "لا يستوي العبد (الإنسان) حتى يكون فيه خصلتان، اليأس مما في أيدي الناس، والتغافل عما يكن منهم". وهو موقف لا يأس فيه ولا انزواء بقدر ما يعكس تراكم المبدأ النظري والعملي في تنقيه النفس وجعلها روحا. من هنا بناءه هيكل الفضيلة الروحية والعملية بصمت. ووضع هذا المبدأ في عبارة تقول "ليتقي الله رجل وإن زهد، فلا يجعلن زهده عذابا على الناس، فلأن يخفي الرجل زهده خير من أن يعلنه". ووجدت هذه المعادلة تعبيرها فيما يمكن دعوته بالنفي الدائم للسمو الروحي بوصفه طريق السير الأبدي صوب الحق، كما نراها في فكرته عن الزهد. فقد قال بهذا الصدد "الزهد في الدنيا ثلاثة أشياء: أحبها وأعلاها وأعظمها ثوابا عند الله، الزهد في عبادة من عبد دون الله من ملك وصنم وحجر ووثن. ثم الزهد فيما حرم الله من الأخذ والعطاء. ثم يقبل علينا فيقول: زهدكم هذا يا معشر القراء فهو والله أخسّه عند الله! الزهد (الحقيقي) في حلال الله!". ويحتوي هذا الموقف في أعماقه على احتمال بلورة الفكرة القائلة، بأن حقيقة الزهد هي الزهد في الزهد.

غير أن تجربة السختياني كانت تدور آنذاك في تنقية اللسان والتفكّر بمعايير الروح الأخلاقي. من هنا إجابته على طلب احدهم أن يوصيه بشيء، قائلا:أقلّ الكلام! بينما أجاب في حالة أخرى على سؤال عن عدم مشاركته في جدل الآراء الدائر آنذاك في البصرة بعبارة: قيل مرة للحمار: ألا تجتر؟ فقال: اكره مضغ الباطل". وهو السبب الذي جعله يرد مرة على رجل من أهل الأهواء:

- أكلمك كلمة؟

- ولا نصف كلمة!

من هنا أفكاره المناهضة لجدل اللاهوت الفارغ والانهماك المتعصب في شحذ كل ما يمكنه العمل على إفراغ العقل والروح من مهمة العمل. فنراه مرة يقول "ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا". وليس مصادفة أن يربط هذا "الابتداع" المزيف بكلمة الاجتهاد، أي الانهماك في مهنة التحريف والتخريف التي ميزت ما كان القدماء يدعونه بفن أو صنعة القصص والقصاصين. لهذا نراه يقول، بأنه "ما افسد على الناس حديثهم إلا القصّاص"، وانه "لا خبيث أخبث من قارئ فاجر". بحيث جعله ذلك مرة يتهرب حتى من حديث أبي حنيفة. إذ ينقل عنه حادثة كيف أن أبا حنيفة دخل عليه مرة وهو بين أصحابه، فقال لهم:"قوموا بنا! لا يعدينا بجربه!". وهو سلوك لا تهرّب فيه، بقدر ما انه كان يضع الحرف والكلمة على ميزان المعاملة الروحية، أي عي ميزان المعاملة التي تختزن المعرفة وتضعها دوما على محك التجربة الذاتية وتختبرها بامتحان الإرادة. لهذا نراه ينصح احد مريده قائلا: "انك لا تبصر خطأ معلمك حتى تجالس غيره. جالس الناس!". بينما نسمعه يقول عن نفسه بهذا الصدد "لقد جالست الحسن البصري أربع سنين فما سألته هيبة له". وهي المفارقة التي كثفها في عبارة تمثلت تجاربه بهذا الصدد عندما قال "إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون". وترك لنا هذه المفارقة في سلسلة روح المثقفين الأحرار وغيب التصوف.

***

 

ميثم الجنابي

 

 

(الروح النقيّة الطاهرة لا المظاهر الخدّاعة، الامتلاء بحب الله شكلاً ومضموناً يعكس الجمال الحقيقي لهذا الحب والذي تظهر حقائقه على الانسان لااحتكار الحديث بأسمهِ)

ولد جلال الدين الرومي في مدينة بلخ احدى مدن خراسان في 30 ايلول 1217 م ). ويقال ان والده اول من ناداه بهذا اللقب ..والده هو العالم الجليل بهاء الدين، الذي كان يلقب بسلطان العارفين لما له من سعة في العلم والمعرفه فقد تتلمذ على يد الصوفي الكبير نجم الدين كبري موءسس الطريقه الكبرويّة، وقد تنبأ الاخير بقرب غزو المغول لمدينة بلخ فنصح تلامذته ومريديه بالمغادره، كان عمر جلال الدين وقتهااربع سنوات فانطلقت القافله التي قوامها ثلاثمئة بعير محملة بالاثاث والموءن والمكتبه العظيمه التي كان يقتنيها بهاء الدين ولد هكذا كانوا ينادونه..

اخذت الاسره بالانتقال من بلده الى اخرى فمرت بنيسابور ثم بغداد حيث درس في المدرسة المستنصرية، ثم مكه ثم لاندا ودمشق ثم استقر به الامر في مدينة قونيه التركيه حيث تلقى الاب بهاء الدين الترحيب من السلطان السلجوقي..اثناء مرورهم في مدينة نيسابورعروس المدن، التقى بفريد الدين العطّار العارف والشاعر الكبير في سوق العطّارين حيث كان يملك زاويه بالسوق فيما يسمّى اليوم (صيدليّة) يعالج فيها المرضى وينظم الشعر العرفاني..ويذكر ان شيخ العطّارين كان مندهشاً من فطنة الشاب وسرعة بديهيته وانه اهداه كتاب (اسرار نامة) وقال لوالده انه سيضرم النار في هشيم العالم..

استقر جلال الدين في مدينة قونيه وبعد وفاة والده ذهب الى الشام مع معلم والده برهان الدين لزيادة مجصوله العلمي وقد تجلّى ذلك بتأليفه كتاب المثنوي.. ثم عاد الى مدينة قونيه وكان يدير حلقات العلم ويلقي الخطب الدينيه وسط تلامذته ومريديه والناس التوّاقين للاغتراف من علمه، فقد كان أشهر من نار على علم..

كان يقول.. (إن كل شئ في الصوفيّه يقوم على الحب ويُبنى، الحب هو ذلك اللهب الذي عندما يتأرجح يحرق كل شئ ولا يبقى الا الله)..

في ذات الوقت كان هناك من سمع بهذاالعالم الجليل وذاع صيته، ذلك هو شمس التبريزي..

ولد شمس الدين التبريزي في مدينة تبريز احد مدن ايران (1228)

وهوابن الامام علاء الدين، عارف ومتصوّف وشاعر فارسي مسلم..ترك بيته وهو في سن العاشره اثر حلم راوده، واتجه للتصوّف يكسب قوت يومه من تفسير الاحلام وقراءة الكف..قال

"عندما كنت صغيرا رأيت الله رأيت ملائكة رأيت أسرار العالمين العلوي والسفلي. ظننت ان جميع الرجال رأوا مارأيت. لكني سرعان ماادركت انهم لم يروا..

اكتسب علمه الصوفي في رحلاته وخصوصا بغداد حيث بقي فيها حتى اتقن هذا العلم ثم انتقل بعدها الى قونية وافتعل مناسبة ليلتقي بمولانا جلال الدين الرومي الذي كان يراقبه عن بعد بعدما ذاع صيته في البلاد كالنار والهشيم..

كان درويشا وعالما ومتصوفا وفيلسوفا محبا لله والحياة يبلغ الاربعين من العمر، اعترض طريقه و قال له: هل انت مولانا جلال الدين الرومي، اجابه الرومي هكذا يُقال فقال له:"ان علماً لايصلك بالله الجهلُ خيراً منه"عندما سمع مولانا هذا الكلام انبهر ويقال اغمي عليه، بعدها قرر ان يلازم التبريزي، اعتكف مع مولانا مدة اربعين في مدينة قونيه وفي بيت مولانا، هذا اللقاء الذي غيّر حياة كل منهما.. وبعد لقاء الرومي به تحوّل من رجل دين الى شاعر يفيض بالمشاعر الجيّاشة والعاطفه وصوفي ملتزم وداعية الى الحب فابتدع رقصة الدراويش وتحرر من جميع القيود التقليديه في عصر سادت به روح التعصب والصراعات والنزاعات الدينيّة، دعا شمس الى روحانيه عامه شامله مشرعا ابوابه امام جميع البشر وبدلا من ان يدعوالى الجهاد الخارجي (الحرب على الكفار) الذي دعا اليه الكثيرون دعا الى الجهاد الداخلي جهاد النفس وهذا اعلى واسمى انواع الجهاد (جهاد الانا)..ويقال ان شمسا نزل مثل الصاعقه على وقار مولانا، وكان مولانا يريد ان تخربه تلك الصاعقه، فبعد ان كان محاطا بالحرس وبعد كل التبجيل والاحترام الذي كان يتلقاه مولانا من الخاصه والعامة جعله التبريزي يدخل الى حانة ليسمع هموم الناس فحوله الى رجل اعتيادي مجرد من كل قيود التبجيل، تاركا كرسي التدريس وامامة الناس، راقصا على قدميه يتامل حب الله، وقد اثار ذلك حفيظة الكثيرين ومنهم تلامذته ومريديه..فقال بذلك مولانا:

وماالذي يزعجني من ان يحل الخراب؟

إنّ تحت الخراب كنزاً سلطانياً

باشارة منه الى الوصول الى الصفاء الذهني والروحي..

ارسى قواعد العشق الاربعون في الحب المطلق للذات الالهيّه بعيدا عن اي تاثير كالخوف من النار اوالطمع في الجنة اي انّك تحب الله لانه الله..ترك ديوان التبريزي في مجال العشق الالهي، قُتل على يد تلامذة الرومي لغيرتهم الشديدة منه وقد حزن عليه مولانا حزنا شديدا واعتكف وكان نتيجة الاعتكاف ديوانه شمس التبريزي..

تتمحور فلسفة التبريزي من فكرة المحبه المطلقه للذات الالهية والعشق الابدي، ومحبة الله تعني محبة جميع مخلوقاته ونبذ كل مامن شأنه ان يمس كرامة الانسان بغض النظر عن لونه وعرقه وجنسه فلا ضغينه ولاحقد ولانبذ لاي انسان..تكريس قيم المحبه كأساس للتعامل مع الناس القلب لا اللسان..وهذا مادعا اليه الرومي ايضا فقد دعا الى العوده للون الابيض النقي فقال..قد يولد المرء ويحيا ولم ينل شيئا من المحبة ولاعرف عنها شيئا وانه متوهم انه من سادة المحبين لايعرف ان المحبه لاتكتمل ولاتاتي أ’كلها الا اذا أ’قتلعت الكراهيه والتعصب من الجذور ورفض الروح اي ظلال لونيّة الا الابيض رمز النقاء والشفافيه..هذه الافكار المتطابقه لحد ما جعلت الارواح تتجاذب وتتفرد وكان نتاج هذا التميز رقصة الدراويش بمراحلها الثلاث وصولا الى الصفاء الروحي عن طريق تأمل الخالق.. وقواعد العشق الالهي الاربعون ..

لقد اوجزت هذه القواعد بنقاط موجزه بعد قرائتي المستفيضه لرواية قواعد العشق الاربعون للكاتبة التركيه المبدعه اليف شافاق وقراءتك لهذه الرواية ستجعلك تبحث بتاريخ الصوفيه ورموزها لتصل الى الحقيقه، وهذا مادعاني الى البحث والاستقصاء في كتب الصوفيّة لكي اصل الى هذه النتيجه وبالحقيقة الموضوع كبير وشائك وفيه من الرموز الكثير الكثير ولكني اكتفيت بهذه المقدمه الموجزة جدا لاصل الى قواعد العشق الاربعون، وهذه هي القواعد..

1- الطريقه التي نرى فيها الله هي نفسها التي نرى انفسنا فيها خيرا كانت ام شراً..

2- الطريقة الى الحقيقة تمر من القلب لامن الرأس (فاجعل قلبك دليلك)

3- كل قارئ للقرآن يفهمه حسب مستوى فهمه فهناك اربع مستويات الاولى المعنى الخارجي والثانية المستوى الباطني والثالثة باطن الباطن والرابعة العمق..

4- يمكنك ان تعرف الله من خلال كل شئ فلايمكنك تحديد مكانه الافي قلب عاشق حقيقي لذات الله.

5- يتكوّن الحب والفكر من مواد مختلفة الفكر يربط البشر في عقد والحب الخالص هو من يذيب هذه العقد.

6- الشئ الذي لاتدركه الكلمات لايمكن ادراكه الا بالصمت.

7- الوحده والخلوة شيئان مختلفان، فالوحده ان تكون وحيدا مرغما على ذلك، اما الخلوة فهي ان تختلي بنفسك بارادتك لتصل لهدف ما..

8- مهما حدث في حياتك ومهما بدت الاشياء مزعجه لاتدع اليأس يسيطر عليك.

9- لايعني الصبر ان تتحمل المشاق بل ان تكون بعيد النظر اي عندما تنظر الى الليل فانك تنتظر الفجر وعندما تنظر الى الشوكه سترى الورده.

10- لايوجد فرق بين الشرق والغرب والشمال والجنوب فمهما كانت وجهتك تجعل الرحلة التي تقوم بها بداخلك انت.

11- لكي تولد نفس جديدة لابد ان يصاحب ذلك الم.

12- ماان تبدأ رحلة البحث عن الحب المطلق حتى تتغير من الداخل والخارج.

13- ان المعلمون الحقيقيون شفافون كالبلور يمر نور الله من خلالهم لذا لاتحاول ان تقاوم التغييرات التي تعتريك بل دع الحياة تعيش فيك.

14- ان الله يتعامل مع كل منا على حده لان البشرية لوحة جميلة رسمها فنان ماهر تتساوى فيها جميع النقاط، لذا فمن السهل ان تحب الله لكن الاصعب ان تحب جميع البشر بنقائضهم فان اردنا ان نحب الله علينا ان نحب جميع خلق الله.

15- ان القذاره الحقيقيه تقبع في الداخل، أما القذارة الاخرى فيمكن غسلها وتوجد قذارة لايمكن غسلها وهي لوثة الكراهية..

16- ان كل انسان عبارة عن كتاب مفتوح وكل واحد منا قرآن متنقل والبحث عن الله متأصل في قلوب الجميع..

17- إذا أراد المرء ان يغير الطريقة التي يعامله فيها الناس، فيجب ان يغيرالطريقة التي يعامل فيها نفسه واذا لم يحب نفسه حبا كاملاً فلا توجد طريقة يمكنه ان يحب فيها.

18- ان الماضي دوامة، فاذا تركته يتحكم بك فهو كفيل ان يقضي عليك..لذا عليك ان تعيش الحاضر لانه بين يديك..

19- الخطوة الاولى تعتبر اصعب خطوة وما ان تتخذها حتى تجري الامور بشكل طبيعي ولا تكن مع التيار بل كن انت التيار.

20- عدم احترام الاختلافات وفرض افكارك على الاخرين يعني عدم احترام النظام المقدس الذي أرساه الله.

21- لايصبح المرء موءمنا بين ليلة وضحاها، فكل خطوة بحث جديدة تقربنا من الله.

22- في كل شئ نفعله قلوبنا هي الملهمة، لامظاهرنا الخارجية.

23- ماالحياة الا دَين موءقت وما هذا العالم الا تقليد هزيل للحقيقة والاطفال فقط هم من يخلطون بين اللعب والحقيقة.

24- يتبوّء الانسان مكافأة فريدة بين خلق الله إذيقول في كتابه العزيز"ونفخت فيه من روحي"سورة الحجر (29)وهذا يعني ان الله خلقنا سواسيه بدون استثناء لنكون خلائف في الارض لنعمرها.

25- ان الجنة والنار تقبعان في داخلك الان فكلما احببت صعدت الى الجنة، وكلما بغصت نزلت الى جهنم، لايوجد جحيماً أسوء من العذاب الذي يعانيه الانسان إذاأحسّ إنه اقترف خطأً جسيماًولاتوجد جنة أفضل من تلك اللحظات التي يشعر الانسان فيها إنه يتحدمع الله.

26- ان معاناة انسان واحد قد توءذينا وبهجة انسان تجعلنا نبتسم، فكن رحيماً بما تطلقه من كلمات لانها لاتتلاشى بل تبقى معلقة في الفضاء اللانهائي ثم تعود اليك، ليس الكلمات فقط بل اي عمل تقوم به خيرا اوشرا ستجني ثماره، عملا بقول الرسول الكريم"من يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره"

27- ان كل شئ سيصبح مختلفا في النهاية لانك ستصبح مختلفا بداخلك

28- ان الماضي تفسير والمستقبل وهم والسرمدية لاتعني الزمن المطلق بل تعني الخلود.

29- لايعني القدر ان حياتك محدده بقدر محتوم، لذا فإن ترك كل شئ للقدر وعدم المشاركة في عزف موسيقى الكون دليل على جهل مطلق

30- ان الصوفي الحق هو الذي يتحمل بصبر حتى لواتُهم باطلاً

31- ان اردت ان تقوّي إيمانك فيجب ان تكون ليّناً بداخلك

32- يجب الاّيحول بينك وبين الله ائمة او قساوسة، ليكن الله وحده دليلك.

33- على الرغم من ان المرء يجاهد ليحقق شيئا فانه سيخلف كل شئ وراءه بعد الموت.

34- القوة الحقيقية تكمن في الاستسلام للقوة المنبعثه من داخلك على ان تكون تلك القوة ايجابية.

35- المتناقضات الصارخة هي مايجعلنا نقوم بخطوة الى الامام ففي كل منا يوجد موءمن وكافر ولذا على الشخص الكافر ان يتعرف على الشخص الموءمن في داخله.

36- لقد خلق هذا العالم على مبدأ التبادل.

37- ان الله ميقاتي دقيق اي ان كل شئ يسير بحساب دقيق، (الشمس والقمر بحسبان..)الرحمن/5

38- لاتوجد وسيلة واحدة تجعل المرء يولد من جديد في حياة جديده الابالموت قبل الموت.

39- ان ديننا هو دين العشق وجميع البشر مرتبطون بسلسلة من القلوب فإذا انفصلت حلقة ستحل محلها اخرى في مكان ما.

40- ليس للعشق تسميات ولا علامات انه نقي وبسيط فالعشق المطلق لله هو ماء الحياة..

تلك هي قواعد العشق الاربعون في الحب المطلق للذات الالهيه..ترك مولانا عدة موءلفات منها ديوان شمس التبريزي، المثنوي والرباعيّات ورقصة الدراويش المعروفة بالمولوية بفتح الميم واللي تتخذ من الدوران حول النفس منهجا للتامل للوصول الى درجة الكمال كما تعمل الكواكب بدورانها حول نفسها..توفي مولانا في مدينة قونيه سنة1273

ومن هذا نستشف ان الحب المطلق للذات الالهية هو الذي يطهر النفس من الاثام ويرتقي بها الى اسمى الدرجات وصولا الى الصفاء الذهني والروحي الذي هو قمة السعادة للانسان..

لقد خلق الله الانسان باحسن تقويم قال تعالى" (لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم) التين/4

ولاتمييز بين انسان وآخر الا بالتقوى، بذلك النور الداخلي الذي ينبع من داخلنا بمايسمى (الجوهر)

قال رسول الله (ص) "لافرق بين عربي ولااعجمي ولاابيض ولااسود الابالتقوى)..

وتلك كانت الرسالة التي وصلتنا من قواعد العشق الاربعون، الحب للحب..

 

مريم لطفي

..........................

المصادر

1- تذكرة الاولياء/شيخ فريد الدين العطار- مصحح آدم آرام

2- كتاب فيه مافيه/احاديث مولانا- ترجمة علي العاكوب

3- رواية قواعد العشق الاربعون/اليف شافاق- ترجمة خالد الجبيلي

عدنان عويديكتب المفكر والفيلسوف الإسلامي (ابن رشد) عن الخطاب الإسلامي لحركة الأشاعرة، قائلاً" :

(لقد أوقعوا الناس بسبب تأويلاتهم وظنونهم الكلامية في شنآن وتباغض وحروب، وفرقوا الشرع وفرقوا الناس كل التفريق، وزائداً إلى هذا كله أن طرقهم في سلوكها لإثبات تأويلاتهم ، ليسوا فيها مع الجمهور ولا مع الخواص، لكونها إذا تؤملت وجدت ناقصة عن شرائط البرهان. بل كثيراً من الأصول التي بنت عليها الأشعرية معارفها هي سفسطائية، فإنها تجحد كثيراً من الضروريات، مثل ثبوت الأعراض، وتأثير الأشياء بعضها في بعض، ووجود الأسباب الضرورية للمسببات والصور الجوهرية والوسائط. ولقد بلغ تعدي نطارهم في هذا المعنى على المسلمين. إن فرقة الأشعرية كفرت من ليس يعرف وجوه الباري بالطرق التي وضعوها لمعرفته في كتبهم، وهم الكافرون والظالمون.) (1).

وقبل أن نقوم بتحليل موقف ابن رشد من خطاب الأشاعرة، دعونا نقف قليلاً عند الظروف التاريخية التي أنتجت هذه الفرقة ومؤسسها، وما هي الرؤى الفكرية التي قامت عليها الأشعريّة، وما هي دوافعها.

تنتسب فرقة الأشاعرة كفرقة من فرق المتكلمين، إلى مؤسس هذه الفرقة، "أبو حسن الأشعري"، المتوفى عام 324هـ. وهو الذي عاصر جزءاً من تاريخ انتشار الفكر ألمعتزلي الذي بشر به سياسياً المأمون وتابع التبشير به الخليفة المعتصم والواثق، مع بداية القرن الثالث الهجري، وهو فكر دعا إلى تبني العقل وحرية الإرادة الإنسانية عند التعامل مع النص الديني وحوادث الزمان. ولكن مع وصول الخليفة المتوكل، الذي بدا الأتراك السلاجقة يتحكمون بناصية الخلافة في عهده، وهم الذين أجبروا الخليفة المتوكل نفسه أن يضع التاج على رأس القائد العسكري التركي (إشناس)، حيث تحول بعدها الخليفة العباسي عندهم إلى ببغاء في قفص، يقول ما يقال له كما يقول أحد الشعراء العباسيين المعاصرين لمرحلة ضعف الخلافة العباسية، راح الخلفاء العباسيون وأولهم المتوكل، يحاربون فرقة المعتزلة ومعتنقيها، أو حتى الميالين إليها فكراً، حيث اصدر الخليفة المتوكل بتوجه من القادة الترك فرماناً طالب به المشايخ بترك الفكر القدري والعودة إلى الفكر السلفي الجبري الذي أسندوا له أحاديث تقر بأن أهل السنة والجماعة من القرون الهجرية الثلاثة هم الفرقة الناجية، وعلى هذا الأساس فُتحت محاكم للتفتيش وأخذت تحقق مع المشايخ آنذاك وتمتحن أفكارهم في مسألة خلق القرآن، ومشاهدة الله عز وجل يوم القيامة وغير ذلك من مقولات المعتزلة. وكل من يثبت أنه لم يزل يؤمن بأفكارهم ومقولاتهم وبخاصة مسألة خلق القرآن وحرية الإرادة ودور العقل ومكانته في حياة الفرد والمجتمع، كان يسجن ويعذب، بل وحتى يقتل إذا اقتضى الأمر. وهكذا أوقف ألعمل بقرار الخليفة المأمون الصادر في بداية خلافته - 211هـ، والقاضي باعتماد الفكر المعتزلي القدري ومحاربة الفكر السلفي الجبري المعتمد على النقل بدل العقل، هذا القرار الذي كان وراءه محنة ابن حنبل في قضية خلق القرآن، التي سجن وعذب من أجلها بسبب عدم إقراره بخلق القرآن، والقول بالرأي كما هو معروف تاريخياً.

بعد أن ثُبتت الخلافة أو من يتحكم بها بالفكر السلفي الجبري الذي وجدوا فيه المبرر القانوني والشرعي لوجودهم بالسلطة، وبالتالي إجبار الرعيّة على قبول هذه السلطة كونها أمرا أقره الله وقدره ولا شأن للرعيّة فيه، وهذا ما راح يشتغل عليه المشايخ والأئمة السلفيون الجبريون الموالون للسلطة الحاكمة، وفي مقدمتهم الفقيه "ابن حنبل" وتياره ومن تأثر به. ففي مثل هذه الظروف التاريخية غير الموضوعية، جاء أيضاً الشيخ "أبو حسن الأشعري" كي يطرح نفسه شيخاً سلفيا مدافعاً عن هذا التيار السلفي الجبري بعد أن ظل ما يقارب أربعين عاماً يتبنى الفكر القدري المعتزلي القائل بالعقل وحرية الإرادة، وربما كان السبب في تحوله هذا، هي محاكم التفتيش التي وضعت لمحاكمة ومعاقبة من يقول بالفكر المعتزل أو تثبت ميوله للمعتزلة منذ صدور قرار المتوكل الذي اشرنا إليه.

مع بداية القرن الرابع للهجرة، بدأ نشاط الشيعة يزاد تحت مظلة الخلافة الإسلامية، بسبب سيطرة الأتراك السلاجقة على الخلافة والتلاعب بالخلفاء العباسيين قتلاً وعزلاً وسبلاً للعيون، فوجد دعاة البيت الشيعي الكثير من الرعيّة وخاصة في العراق وبلاد فارس ومصر بعد وصول الفاطميين إلى السلطة، من يساندهم في دعواهم للخلافة والوقوف بوجه الأتراك السلاجقة مغتصبي السلطة.

لقد خرج الموقف السياسي للأشاعرة تحت وطأة هذه الظروف التاريخية المليئة بالصراع والفتن، متأثراً هو نفسه بالصراع الدائر حول مسائل (الإمامة والوصيّة والشورى) بين الشيعة كـ (معارضة) الذين طرحوا الإمامة والوصيّة في مسألة الخلافة، على اعتبار أن علياً أحق بالخلافة من غيره وفقاً لما جاء في النص المقدس الذي كانوا يستشهدون به كحديث الغدير مثلاً، أو تفسيرهم وتأويلهم لبعص النصوص القرآنية في هذا الاتجاه، وبين السنة الذين طرحوا مسألة الخلافة كقضية تأتي عن طريق الشورى، والتي تبرر أيضاً أحقية أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية وكل البيت الأموي والعباسي فيما بعد بالخلافة من البيت العلوي. وبالتالي يجد المتابع للمواقف الأشعريّة السياسية من الخلافة، مواقف معادية في فحواها وبدرجة أكبر في صياغتها للبيت العلوي. بل تبدوا وكأنها مجموعة من الردود الطاعنة بمقولات الشيعة بشان الإمامة والوصيّة والعصمة، والتأكيد على أحقية أبي بكر وعمر وعثمان بها أي الخلافة. (2).

من هنا نجد أن طعون أبي حسن الأشعري كانت منصبة على طعون الشيعة والدفاع عن أحقيقة أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ومن جاء بعدهم، والعمل فكرياً على تأصيل خلافتهم على أسس مستمدة من القرآن والحديث والاجماع والقياس، بمنهج من لا يكتفي بإثبات الجواز كما يقول الفقهاء، بل يحاول فرض الإلزام. وهذا الموقف جعل في الحقيقة النظرية الأشعرية أسيرة للحزام التاريخي الذي وجدت فيه من جهة، وللجدل الدائر بحدته وقسوته الذي فرضه جدل الخصوم من جهة ثانية.

أمام هذه المعطيات التي جئنا عليها يمكننا العودة إلى "ابن رشد" وموقفه المتشنج والمعادي للنظرية الأشعريّة وما تركته من تعميق للخلافات والصراعات بين السنة والشيعة منذ ظهورها حتى عصره، بل لنقل ما تلعبه حتى بالنسبة لنا في عصرنا الراهن من دور تفتيتي لهذه الأمة، تحت مقولات الفرقة الناجية وغيرها من رؤى سنبينها الآن عند دراستنا لموقف ابن رشد عن نظرية الأشاعرة.

قبل أن نبين مواقف ابن رشد من النظرية الأشعرية، نحب أن نشير إلى مسألة على درجة عالية من الأهمية وهي: إن "ابن رشد" الفيلسوف العقلاني الذي آمن بدور العقل واعتبره هبة من الله كي نعرف به طريقنا إلى الحق، وهو القال : (ليس من المفروض علي لكي أكون حكيماً أن أكون نبياً، فطالما أنا امتلك العقل فأنا حكيم). هذا الفيلسوف العقلاني الذي حورب على أفكاره العقلانية من قبل أصحاب التيار السلفي التكفيري الحنبلي والأشعري معاً، هو ذاته الذي عندما مات لم يخرج في جنازته إلا عبده وحماره في وطنه، بينما نجد الغرب يحتفي بفكره وعقلانيته، ويتخذ منها مدرسة أسست فيما بعد للمدرسة العقلانية في الفكر الأوربي الغربي، وسميت هذه المدرسة العقلانية بـ (المدرسة الرشدية).

على العموم:

لقد اعتبر ابن رشد النظرية الأشعرية الكلامية مدرسة أدخلت الناس بعد أن قامت بتأويل وتفسير النص الديني بناءً على ظنون كلامية قائمة على رؤى ذاتية ليس لها مساس بالواقع المعيوش، ولا بدلالات النص الديني المقدس، وهي بتعبير آخر سفسطائية – أي غير منطقية، فالأشاعرة ترفض الضرورة في الواقع، أي وجود قوانين موضوعية مستقلة عن أية قوى أخرى تتحكم بحركة الواقع الطبيعي والاجتماعي وعلى الإنسان السعي لاكتشافها. على اعتبار أن الإنسان عاجز عن معرفتها بعقله، كونها مقدرة من الله وما على الإنسان إلا الرضوخ والامتثال لها لأنها أوامر الله. وبالتالي هم يرفضون ثبوت الأعراض (الأشياء) وفقاً لخصائصها أو طبائعها المرتبطة بها، كما يرفضون تأثير هذه الأشياء بعضها ببعض ووجود الأسباب الضرورية للمسببات والأشياء والصور الجوهرية والوسائط. أي أن كل ظواهر الطبيعة أو المجتمع وفقاً لمبدئهم الذري التجزيئي، هي ظواهر أو أشياء معزولة عن بعضها وقائمة بذاتها لا تؤثر بغيرها ولا يؤثر غيرها بها، فهي مخلوقة لله، وبالتالي هم يرفضون هنا حركة الزمان والمكان. بل إن الأمور وصلت عند حجة الإسلام الأشعري "أبو حامد الغزالي" للقول بأن الأشياء تجري في شكلها ومضمونها وحركتها بناءً على ملك وظفه الله لهذا الشيء، وليس بإرادة الإنسان. وهو ذاته الذي انتقد الفكر الفلسفي العقلاني في كتابه ( التهافت). ورد عليه ابن رشد بكتابه (تهافت التهافت). فبهذا الموقف الفكري من الحياة ومكوناتها أدخل الأشاعرة كما يقول ابن رشد الناس في صراعات وحروب وتباغض، وفرقوا الشرع، وفرقوا الناس كل تفريق. بل إن كثيراً من الأصول التي بنت عليها الأشعرية طرقها وسلوكيات اتباعها في إثبات تأويلاتهم لا تمس حياة الجمهور ولا الخواص، كونها لا تنتمي إلى العقل بصلة، كموقفهم من مرتكب الكبيرة كافر هو أم زنديق، أو موقفهم من الصفات الإلهية هل هي بذاتها كالصفات العقلية أو المعنوية كالخلق والبصر والسمع والرؤية والقدرة.. الخ، وغيرها غير موجود؟. أو قولهم في خلق القرآن هل هو كلام الله، أم يوحى به، أي هل كلام الله هو مواضعة أي وضعه الناس عبر علاقاتهم، أم هو توقيف أو إلهام، أي يوحى به من عند الله. أو قولهم بالجبريّة ونظرية "الكسب" التي أقروا بها يأن الله منح الإنسان العقل والإرادة لا لكي يتصرف بها من عنده، وإنما وفقاً لمشيئة الله، وهذا ما جعل ابن تيمية يقول عن أبي حسن الشعري في نظرية الكسب هذه، بأنه أراد أن يخرج من الجبر فوقع فيه.

من هذا المنطلق بقول ابن رشد عن الأشاعرة بأنهم دخلوا في تفسير وتأويل قضايا لا يعلم بها إلا الله، كبحثهم في صفات الله العقلية، ومن هو الكافر، وكيف توجد حياة الإنسان وغير ذلك من قضايا لم يثبتها العلم حتى الآن برأينا، وعليها كفروا وزندقوا من لا يؤمن بها. وهكذا كانوا مصدراً لفتنة المسلمين التي لم تزل قائمة حتى اليوم.

رحم الله ابن رشد، ورحم كل المفكرين الإسلاميين العقلانيين كغيلان الدمشقي، وجعد بن درهم، وجهم بن صفوان بسبب تبنيهم العقل والتنوير وحرية الإرادة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

....................

1- محمد عابد الجابري - تكوين العقل العربي – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – ط1 – 1984 - ص 320.

2- عبد الجواد ياسين – السلطة في الإسلام – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – 1998 – ص28.

 

 

ميثم الجنابيكان فرقد السبخي (ت-131 للهجرة) من المقربين للحسن البصري، بمعنى الدوران في فلك تصوراته وشخصيته. غير أن ذلك لم يفقده بريقه الخاص ولمعانه الفردي في حلقات الزهد والزهاد. كما انه من بين أوائل الزهاد الذين رفعوا فكرة الجوع إلى مصاف المبدأ. بمعنى بحثه عن مقومات الغريزة وأساليب قهرها. ولم يقف عند ذلك بل وجعل من هذه الأساليب أدوات في تهذيب الإرادة الظاهرة والباطنة. من هنا تركيزه على فكرة الخطورة الكاملة في الشبع. فنراه مرة يقول "الشبع أبو الكفر"، و"ويل لذي البطن من بطنه. إن أضاعه ضعف، وإن أشبعه ثقل".

وحقق هذا الموقف بنفسه على نفسه بحيث نرى الحسن البصري يقول له مرة بعد أن دعاه إلى الطعام فنظر إلى فرقد وعليه جبة صوف، فقال "يا فرقد! لو شهدت الموقف لخرقت ثيابك مما ترى من عفو الله". بينما نراه مرة يطيل الحديث مع من زاره. وعندما قالوا له:

- حان وقت الغداء!

- إنما طولت حديثي لكي تجوعوا فتأكلوا ما عندي.

ثم اخرج لهم فقط كسر خبز شعير اسود. وعندما قالوا له:

- ملح يا أبا يعقوب!

- قد طرحنا في العجين ملحا مرة. لم تعنّوني أن اطلب لكم!

إذ يرفع هذا المبدأ فكرة وممارسة الزهد إلى إحدى درجاته العليا من خلال التشديد على معارضة الدنيا بالآخرة. ومهمة هذا التعارض تقوم في نقد الانفصام الجلي بين الظاهر والباطن، والروح والجسد. من هنا مطالبته القوم بعبارة "اتخذوا الدنيا ظئرا والآخرة أما". ورفع هذه الفكرة إلى مصاف المطلب السياسي الروحي عندما قال مرة "إن ملوككم إنما يقتلونكم على الدنيا، فدعوهم والدنيا".

وقد أرجعه هذا المبدأ إلى أعماق النفس من خلال إبراز جوهرية العلم والعمل. فنسمعه مرة يقول "إني رأيت الليلة في المنام كأن مناديا ينادي من السماء: يا أصحاب القصور، يا أصحاب القصور! يا أشباه اليهود، إن أعطيتم لم تشكروا، وإن ابتليتم لم تصبروا، ليس فيكم خير بعد العذاب!". وفي حالة أخرى نراه يشدد على ضرورة ترتيب علاقة الإنسان بذاته من خلال إبراز أولوية العمل لكي تستقيم الإرادة مع ذاتها. إذ نسمعه يخاطب الناس قائلا "إنكم لبستم ثياب الفراغ قبل العمل! الم تروا إلى الفاعل إذا عمل كيف يلبس أدنى ثيابه، فإذا فرغ اغتسل ولبس ثوبين نقيين. وانتم تلبسون ثياب الفراغ قبل العمل". وجعلته هذه الحالة شديد اليقظة تجاه النفس بحيث قال مرة "ما انتبهت من نوم لي قط، إلا ظننت مخافة أن أكون قد مسخت!".

إذ تحتوي هذه اليقظة في أعماقها على ما يمكن دعوته بمعاناة الهموم الكبرى من اجل تنسيق الإرادة وغاياتها، وانسجام الظاهر والباطن، وتناسق الفرد والأمة، كما نراها على سبيل المثال في الأحاديث التي اشترك في إسنادها مثل الحديث القائل "قل لعبادي الصالحين لا يغتروا بي، وقل لعبادي المذنبين لا ييأسوا من رحمتي"، و"من أصبح وهمّه غير الله فليس من الله. ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم"، وأن "أول من يقرع باب الجنة عبد أدى حق الله وحق مواليه"، و"ملعون من ضارّ مسلما أو ماكره".

إننا نعثر في هذه المواقف والآراء على هموم فرقد السبخي الكبرى والصغرى، أي تلك الهموم التي تتكامل في الشخصية وتصنع وحدة الغربة والغرابة من اجل ألا يكون غريبا عن الكلّ. من هنا قوله "الغريب من ليس له حبيب!". وهذه بدورها ليست إلا الصيغة الفردية التي تتمثل فكرة المحبة والاندماج في وحدة الكل (الكوني والاجتماعي).

***

ميثم الجنابي

 

ali jabaralfatlawi2قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلّا لنعلم من يتبّع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلّا على الذين هدى الله وما كان الله ليُضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم) البقرة: 143.

الوسط لغة: مكان النصف بين الطرفين، ووسط القوم: توسطهم أي صار بينهم في الوسط، والوسط: المعتدل يقال شيء وسط أي بين الجيد والرديء.(1)    

وقال الجوهري التوسيط: قطع الشيء نصفين، والتوسط بين الناس من الوساطة.. وواسطة القلادة: الجوهر الذي في وسَطِها وهو أجودها. ويقال: جلست وسْط القوم بالتسكين لأنه ظرف، وجلست في وسَط الدار بالتحريك لأنه اسم، وكل موضع صَلَحَ فيه (بين) فهو وَسْط بالتسكين، وإن لم يصلح فيه (بين) فهو وَسَط بالتحريك. (2)

وقد جاءت مع الآية 143 من البقرة، عدة آيات في القرآن الكريم فيها مفردة (وسط)، مثل الأية الكريمة: (فوسطن به جمعا) العاديات: 5، والأية:

(حافظوا على الصلاة والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) البقرة: 238، والآية: (قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون) القلم: 28. وبعض المعاني اللغوية التي مرّت تتجسد في مفردات هذه الآيات وآيات غيرها، لكن الآية التي تتحدث عن الاعتدال والوسطية في منهج الفكر الاسلامي هي الآية 143 من البقرة، وسنتناول تفسير الآية والبحث فيها لنصل إلى رؤية عن منهج القرآن الوسطي الاجتماعي والفكري، ومسؤولية المسلمين في تبني هذا المنهج، جاء في تفسير الطبرسي في بيان المعنى اللغوي: الوسط: العدل، وقيل: الخيار ومعناهما واحد، لأن العدل خير والخير العدل، قال الشاعر زهير بن أبي سلمة:

همُ وسَط يرضى الأنام بحكمهم     إذا طرقتْ إحدى الليالي بمعظم

قال صاحب العين: الوسط من كل شيء أعدله وأفضله، وقيل في صفة النبي (ص): كان من أوسط قومه أي من خيارهم. وأضاف الطبرسي شارحا معنى الآية: بيّن سبحانه فضل هذه الأمة على سائر الأمم فقال سبحانه: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) أنه جعل أمة نبيه محمد (ص) عدلا وواسطة بين الرسول والناس. وقوله: (لتكونوا شهداء على الناس) فيه ثلاثة أقوال: الأول: لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا فيها الحق في الدنيا وفي الآخرة، والثاني: لتكونوا حجة على الناس لتبينوا لهم الحق والدين، ويكون الرسول عليكم شهيدا مؤديا للدين إليكم، وسمي الشاهد شاهدا لأنه يبيّن، ولذلك يقال للشهادة بيّنة. والثالث: إنهم يشهدون للانبياء على أممهم المكذّبين لهم بأنهم قد بُلّغوا،وجاز ذلك لإعلام النبي (ص) إياهم بذلك.(3)

وذهب ابن كثير في تفسير الآية بالطريق الواسع، معتمدا على الروايات أيضا مفسرا الوسطية في القرآن، ونختصر بما يتناسب والبحث، دون الاخلال بالمعنى الوسط: الخيار والأجود، كما يقال قريش أوسط العرب نسبا ودارا، أي: خيرها. وكان رسول الله (ص) وسطا في قومه، أي أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب. والوسطية عند ابن كثير أيضا، لنجعلكم خيار الأمم أي تكونوا يوم القيامة شهداء على الامم، لأن الجميع معترفون لكم بالفضل.(4)

كذلك نقل ابن كثير عدة روايات في تفسير الآية، نذكر منها، رواية عن الإمام أحمد وقد ذكر سلسة الرواة عن رسول الله (ص) قال : يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلّغت؟ فيقول: نعم: فيُدعى قومه فيقال لهم: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، قال: فذلك قوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)، قال: الوسط: العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم.(5) وذكر روايات أخرى تدور وفق هذا المعنى.

تحدثت الآية عن الوسطية وعن القبلة، وعدّ بعض المفسرين الحديث عن القبلة هو جزء من الحديث عن الوسطية، وموضوع القبلة هو تغييرها من بيت المقدس إلى الكعبة، يقول صاحب الميزان: (الظاهر ان المراد كما سنحول القبلة لكم لنهديكم إلى صراط مستقيم كذلك جعلناكم أمة وسطا، وقيل إن المعنى ومثل هذا الجعل العجيب جعلناكم أمة وسطا.)(6)

يقول الطبري في تأويل قوله تعالى(وما جعلنا القبلة التي كنت عليها): ولم نجعل صرفك عن القبلة التي كنت على التوجه إليها يا محمد فصرفناك عنها إلا لنعلم من يتبعك ممن لا يتبعك ممن ينقلب على عقبيه. وروى عن السّدي أن القبلة التي كنت تتوجه إليها قبل أن يصرفك إلى الكعبة ..يعني بيت المقدس(7)

الآية بمجملها وآيات أخرى في القرآن نستوحي منها مفهوم وسطية القرآن الكريم ودعوتها الى المسلمين أن يكونوا وسطا بين الناس حتى في قبلتهم، والوسط في كل شيء يكون موضع اهتمام ونظر جميع الاتجهات الاخرى، (الآية تشير إلى جانب من أسباب تغيير القبلة، تقول أولا: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) أي كما جعلنا القبلة وسطا، كذلك جعلناكم أمة في حالة اعتدال، لا يشوبها إفراط ولا تفريط في كل جوانب حياتها.)(8)

أما سبب كون قبلة المسلمين قبلة وسطا، فذلك لأن النصارى الذين يعيش أغلبهم في الغرب يولون وجوههم نحو الشرق، حين يتجهون نحو بيت المقدس مسقط رأس المسيح (ع)، واليهود الذين يتواجدون غالبا في الشرق يتجهون نحو الغرب حين يقفون تجاه بيت المقدس، أما الكعبة بالنسبة للمسلمين المتواجدين في المدينة تجاه

الجنوب، بين المشرق والمغرب، أي خط الوسط. وهذا ما يفهم من عبارة (وكذلك) .. فالقرآن يؤكد أن المنهج الإسلامي في كل أبعاده لا في القبلة فحسب يقوم على أساس التوازن والاعتدال.(9)

الآية صريحة الحديث وواضحة المقصد أنها تتحدث عن الوسطية، وليس المقصود من الوسطية في جانب معين بل في كل شيء، حبّبها الله تعالى إلينا ودعانا إلى التمسك بها على مستوى السلوك الفردي والجمعي، وعلى مستوى الفكر والعقيدة. والوسطية هي أحدى مصاديق العدل في الإسلام، والعدالة والوسطية مطلوبتان في جميع الاتجاهات، يعاني المسلمون اليوم من بعضهم البعض أكثر من معاناتهم من أعدائهم التقليديين كالصهاينة مثلا، بل أصطف الخارجون عن الوسطية، وهم المتطرفون مع أعداء المسلمين من أجل أذى المسلمين، لو كان المسلمون متمسكين بمبادئ دينهم وقرآنهم لما بيعت فلسطين وتشرّد شعبها، ولو كان المسلمون اليوم سائرين على مبادئ القرآن، ومنها الوسطية في الفكر والعقيدة والسلوك لما تجرّأ أعداء المسلمين على سلب حقوقهم وخيراتهم، لكن البعض انحرفوا عن الوسطية في الفكر والعقيدة فانحرف السلوك، وزُرعت الاحقاد وتحّول العدو إلى صديق والصديق إلى عدو فأهينت المقدسات، وكان آخرها إعطاء القدس الى الصهاينة هبة من أعداء الاسلام إلى اليهود الصهاينة، والقدس مثل ما صرّحت الآية التي هي موضوع بحثنا قبلة المسلمين الأولى، كل هذه السلبيات سببها الابتعاد عن الوسطية التي دعى إليها القرآن، المنحرفون عن الوسطية من المسلمين هم الأشدّ خطرا على المسلمين والاسلام والمقدسات، المبتعدون عن الوسطية هم من يزرع الفرقة وينشر الكراهية والاحقاد، وهم من وهب ثروات المسلمين لأعدائهم، وهم من يمارس القتل والتشريد بحق الشعوب المسلمة نيابة عن أعداء الاسلام والمسلمين، وقد لقي هؤلاء المتطرفون التشجيع والترحيب والاحتضان من الصهاينة وحلفائهم أعداء الشعوب المسلمة، ولن نتخلص من هذا الوباء إلا بالرجوع الى وسطية القرآن.

من العلماء الذين تكلموا عن الوسطية الشيخ محمد جواد مغنية تحت عنوان: (التكامل والتعادل في الإسلام) ننقل كلامه مختصرا وبتصرف من دون الاخلال بالمعنى: لما كان الانسان مكونا من جسم ترابي يفنى، ومن سرّ إلهي خالد هو الروح، قال تعالى في كتابه العزيز: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) الاسراء:85 . ولكل من الروح والجسد مطالب وحاجات فجاءت تشريعات الاسلام وتوجيهاته على أساس الأمرين، ولتنظيمهما معا دون أن يطغى أحدهما على الآخر، يقول الشيخ محمد جواد مغنية: للانسان جزءان إهمال أحدهما إهمال له بالذات. يقصد اهمال الروح اهمال للجسد وبالعكس.

لقد حرّم الاسلام الرهبانية، لأن في الرهبنة قضاء على بعض الصفات الانسانية والغرائز التي أجاز الله تعالى اشباعها بالطرق التي أباحها وشرّعها، فالرهبنة مخالفة للطبائع الانسانية، كذلك حرّم الله الاسراف في الشهوات واشباعها بالطرق

غير المشروعة، كما حرّم سبحانه الترف على حساب الغير .. وكل هذه المظاهر المحرّمة هي خلاف الوسطية، أحلّ الله زينة الحياة والتمتع بطيباتها وفق معيار الوسطية، أحلّ اللبس الطيب، والأكل الطيب وجميع الطيبات فلا تقاطع مع ميزان الوسطية القرآنية، من يستعرض آيات القرآن يجد أن الدنيا كلّها خلقت من أجل حياة راضية مرضية عند الجميع، وأن العزوف عن الحياة هو انزواء عن الدين الذي يدعو للوسطية، كما أن التكالب على الحياة بخيراتها التي هي للجميع وفق معيار العدالة، واحتكار الخيرات من قبل البعض وحرمان الآخرين منها، هو فساد في الأرض، وخطر على المجتمع، وخروج عن الوسطية القرآنية، وأفضل الارزاق في الاسلام ما كان بكد اليمين، وعرق الجبين. وهنا تسقط جميع الوسائل غير الشرعية وغير الطبيعية، من حيازة المال والخيرات بالطرق غير الطبيعية من غش في التعامل، أو سرقة ...الخ.

قال أنس: كنا مع رسول الله (ص) في سفر، ومنا الصائم ومنا المفطر، فنزلنا منزلا في يوم حار، فسقط الصائمون، وقام المفطرون بخدمتهم، فقال رسول الله (ص): ذهب المفطرون اليوم بالأجر كلّه.

هذا هو الوسط والعدل الذي يرتكز عليه الاسلام ويدعو إليه، لا عبادة تقعد بك عن السعي والعمل، ولا شراسة في التكالب تصرفك عن الله وعبادته.

قوله تعالى: (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا). معاني الكلمات المفردة واضحة، وكذا المعنى العام للآية .. لكن الاشكال والغموض في تعيين ما نشهد به نحن المسلمين على غيرنا .. أي شيء هو؟ هذا السؤال يسأله الشيخ محمد جواد مغنية ويجيب عليه: إن الرسول يشهد غدا على من خالف منا بأنه لم يعمل بالاسلام وأحكامه، فهل نشهد نحن على غير المسلمين بأنهم خالفوا الكتاب والسنة؟ يقول الشيخ محمد جواد مغنية، وقد تعددت أقوال المفسرين في ذلك وتضاربت، لكن الشيخ مغنية لا تطمئن نفسه إلى أقوال هؤلاء المفسرين.

الرأي الذي يميل إليه المفسر محمد جواد مغنية هو: أن علماء المسلمين خاصة مكلفون دينيا أن يبلغوا رسالة نبيهم محمد (ص) على وجهها للناس، سواء منهم المسلم الجاهل وغير المسلم .. فمن قام بهذا الواجب المقدس من العلماء يصبح شاهدا على من بلّغه الرسالة ولم يعمل بها، ومن أهمل من العلماء ولم يبلّغ فإن محمدا (ص) يشهد عليه غدا أمام الله أنه قد خان الرسالة بعد أن عرفها وحملها..

هنا الشيخ مغنية يحمّل علماء الدين مسؤولية توعية الأمة، وأنهم شهداء على أمتهم يوم القيامة والرسول شاهد عليهم عند الله تعالى يوم الحساب الأعظم، فقوله تعالى: (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) تخص العلماء لا عموم الناس على تفسير الشيخ مغنية، ولتقريب الفكرة ضرب لذلك مثلا: رجل عنده مال وله ولد لم يبلغ الرشد، وحين شعر الرجل بدنو اجله، أوصى جاره الذي يثق به أن ينفق من المال على تربية ولده وتعليمه، فإن فعل ونجح الولد كما أراد الوالد فهو المطلوب، وإن اهتمّ الوصي بشان الولد ولكنه تمرد ورفض التعليم، كان الوصي شاهدا على الولد، وإن أهمل الوصي وقصّر في الوصية كان الوالد شاهدا على الوصي، والوصي مسؤول أمام الله والوالد. يقول المفسّر محمد جواد مغنية: وهكذا نحن العلماء مسؤولون أمام الله ورسوله عن بث الدعوة الاسلامية بين أهل الأديان بالحكمة والموعظة الحسنة، وعن تعليم الاحكام لمن يجهلها من المسلمين .. ومن قصّر في هذا الواجب شهد عليه غدا سيد الكونين شهادة صريحة واضحة بين يدي العزيز الجبار. والويل لمن يشهد عليه الرسول (ص)، هذا إذا أهمل ولم يبشر فكيف إذا أساء وكان هو السبب الباعث على التشكيك في الدين واهله.(10)

أرى تفسير الشيخ محمد جواد مغنية هو الأقرب للواقع، في جزء الآية المتعلق بالشهادة، كما أراه واقعيا وهو يحمّل علماء الدين مسؤولية الشهادة أمام الله يوم الحساب، هذا إذا كان العلماء صالحين مستوعبين لرسالة الاسلام الصحيحة في الحياة، العالم يكون خادما للمجتمع إذا فهم الاسلام فهما صحيحا، ويكون وباء على المجتمع إذا كان شاذا في الفهم، أي إذا خرج في فهمه عن الوسطية القرآنية التي تبني الانسان الوسط في جميع الاتجاهات، كي يكون متوازنا في حياته يعمل للدنيا من غير أن ينسى الله، ويعمل لله من دون أن ينسى الدنيا، والحديث المروي عن نبينا (ص) يقول: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا) هذه هي وسطية القرآن، لا تضحي بالآخرة من أجل الدنيا، ولا تسترخص بالدنيا بحجة الآخرة، بل التوازن والوسطية هي المطلوبة.

والطبقة العامة من الناس الذين يشكلَون الأغلبية يسيرون في خط الوسطية، أو التطرف إلى هذا الجانب أو الجانب الآخر اقتداء بعلماء الأمة، فهم القدوة الى الآخرين، إذا انحرف العالم انحرفت الأمة، لأن القدوة الحسنة في التربية أشدّ تأثيرا من النصح والارشاد، ما فائدة أن ينصح المدرّس الطالب أن لا يدخّن وهو داخل الصف، وعندما يخرج من الصف يرى السيكارة في فم استاذه، هنا لا أثر للنصيحة كذلك العلماء أن لم يكونوا قدوة للآخرين لا فائدة في نصائحهم أو محاضراتهم، والله تعالى يقول: (إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد:11

مصائب المسلمين اليوم نتيجة للخروج عن خطّ الوسطية التي أمر بها الله تعالى وأول الخارجين عن خط الوسطية الذين سيتحملون الوزر الأكبر أمام الله تعالى، هم المحسوبون على خط العلماء الذين يفتون بما يشتهي السلطان، فأوجدوا الاتجاهات العقائدية المنحرفة البعيدة عن خطّ الإسلام، دين الوسطية، البعض ممن يُحسبون على العلماء أفتوا بالتكفير، تكفير المسلم الآخر، وأخذوا يشيعون ثقافة الكراهية وانحرفوا بعقول الناس عن طريق الوسطية التي أرادها الله تعالى لنا ورسوله الكريم، فشاع التطرف والتكفير والارهاب، فذُبح المئات من المسلمين وشرّد الآلاف، وهدمت البيوت والجوامع والمدارس باسم الجهاد المزيف، هؤلاء من يشهد على بطلانهم يوم الجزاء، تشهد الأمة والضحايا والعلماء السائرون في خط الوسطية القرآنية، ويشهد عليهم رسول الانسانية محمد (ص). الوسطية هي نقيض التطرف والغلو، وخير الأمور أوسطها، التكفير الذي تبنته المنظمات الارهابية خروج عن الوسطية، وتشويه لصورة الإسلام الانسانية وتمزيق لوحدة المسلمين وخدمة لأعداء الإسلام وأعداء الشعوب من صهاينة وأمريكان، لقد نهى الاسلام عن الغلو والتطرف لأنهما يتقاطعان مع الوسطية القرآنية، قال تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) النساء: 171 وقد فسّر الطبري الغلوّ أي لا تجاوزوا الحقّ في دينكم فتفرطوا فيه.(11) وروي عن ابن عباس: (يا أيها الناس، إياكم والغلو ّ في الدين، فإنه أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين.) (12)

الوسطية القرآنية التي يريدها الله تعالى أن تكون معتدلا في جميع أمورك، معتدلا في عقيدتك بعيدا عن التطرف والغلو، وبعيدا عن التقصير والشرك، ومعتدلا (في القيم المادية والمعنوية، لا تغطّ في عالم المادة فتنسى المعنويات، ولا تغرق في المعنويات وتتناسى الماديات. ليست كمعظم اليهود لا يفهمون سوى المادة، وليست كرهبان النصارى يتركون الدنيا تماما)(13)

الاعتدال والوسطية يجب أن يكون في العقيدة والسلوك والتعامل، في الروابط الاجتماعية والأخلاقية، وفي جميع الاتجاهات الحياتية الأخرى، حينئذ يعيش الانسان مستقرا متقدما نحو مستقبل أفضل.

مشكلة المسلمين اليوم هي الخروج عن جادة الوسطية، خاصة من بعض القيادات الحاكمة باسم الدين التي تحتضن التطرف والتكفير وتدعم العاملين في هذا الاتجاه. التكفير اليوم أصبح شعار المتطرفين، ووسيلة لقتل المسلم الآخر غير السائر في نفس طريق التطرف، والقتل عام شامل للمسلم السني بحجة أنه مرتد، وللشيعي بحجة أنه كافر، والمستفيد من هوس المتطرف هم أعداء العرب والمسلمين وأعداء الاسلام، وردت أحاديث كثيرة تنهى عن تكفير المسلم الناطق والمقرّ بالشهادتين فكيف إذا كان يمارس ويؤدي الواجبات الدينية، قال الرسول (ص) (14):

(بُني الاسلام على خصال: شهادة أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله والإقرار بما جاء من عند الله، والجهاد ماضٍ منذ بعث رسله إلى آخر عصابة تكون من المسلمين... فلا تكفّروهم بذنب ولا تشهدوا عليهم بشرك.)

وحيث آخر:(لا تكفّروا أهل ملتكم وإن عملوا الكبائر)

وحديث آخر: (لا تكفّروا أحدا من أهل القبلة بذنب وإن عملوا الكبائر.)

أخيرا نتمنى أن نكون قد وفقنا في بحثنا، طلبا لمرضاة الله أولا، ولفائدة القراء الكرام ثانيا، وندعو ربّنا أن يوفق ويحفظ جميع المسلمين، ويبعد عنهم كل سوء.

علي جابر الفتلاوي

...............................

المصادر والمراجع

(1): قاموس الألفاظ والأعلام القرآنية، ص412، محمد اسماعيل إبراهيم.

(2):معجم الصحاح،ص1216، اسماعيل بن حماد الجوهري.

(3): مجمع البيان في تفسير القرآن،ج1، ص217-218، الفضل الطبرسي.

(4): تفسير القرآن العظيم، ج2، ص454، ابوالفداء اسماعيل بن عمر بن كثير.

(5):م.ن.

(6): الميزان في تفسير القرآن،ج1،ص237، محمد حسين الطباطبائي.

(7): جامع البيان في تأويل القرآن، ج1، ص412، محمد بن جرير الطبري.

(8): الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل،ج1،ص289، ناصر مكارم الشيرازي.

(9):م.ن.

(10): التفسير الكاشف، م1، ص225، محمد جواد مغنية.

(11): المصدر السابق، محمد بن جرير الطبري، ج7، ص700.

(12): صحيح ابن ماجة، محمد الالباني، حديث: 2455 .

(13): المصدر السابق، ج1،ص291، ناصر مكارم الشيرازي.

(14): كنز العمال، ج1، المتقي الهندي.

 

ميثم الجنابييمثل ثابت البناني (ت-123 للهجرة) إحدى الشخصيات الأولى التي ساهمت في تهذيب أسلوب تنقية الإرادة وهيكلة الروح الأخلاقي والمعرفي من خلال الوسيلة. فهو أول من جعل الصلاة أسلوبا لبلوغ الحق من خلال جعلها وسيلة الأنا الباحثة عن الارتباط بالمطلق والانسجام معه في الأقوال والأفعال. وليس مصادفة ألا نعرف عنه أكثر من كونه مصليا عابدا. لهذا قيل عنه "من أراد أن ينظر إلى اعبد أهل زمانه فلينظر إلى ثابت البناني". بحيث جعلته هذه الصفة كما يقول انس بن مالك "مفتاحا للخير" كما في قوله "إن للخير مفاتيح! وإن ثابتا مفتاح من مفاتيح الخير".

وهو مفتاح فتح أولا وقبل كل شيء ذاته أمام ذاته من خلال حصر مكونات الروح والجسد وتذويبهما في فعل الصلاة الدائمة، أي الخشوع أمام المطلق. من هنا قوله "لا يسمّ عابد أبدا عابدا، وإن كان فيه كل خصلة خير حتى تكون فيه هاتان الخصلتان – الصوم والصلاة، لأنهما من لحمه ودمه".

بعبارة أخرى، إن العبودية الحقيقية لله تفترض التحرر مما غيره من خلال جعل العلاقة بينهما تسري في اللحم والدم، أي في كل وجدان الروح والجسد وكل حركة يقوما بها. وليس مصادفة أن يقول البناني إن "الصلاة خدمة الله في الأرض". من هنا كثرة الحالات الغريبة المنقولة عنه، مثل أن يقال عنه، بان ثابت البناني ربما يمشي فلا يمر بمسجد إلا دخل فصلى فيه. ربما مشى معه امرؤ فإذا عاد مريضا بدأ بالمسجد الذي في بيت المريض. فركع ثم يأتي المريض. من هنا قوله "كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة".

لقد كانت الصلاة بالنسبة له سريان الروح في الروح. من هنا وحدة وتناغم المكابدة والسعادة فيها. وصنعت هذه المعادلة صيرورته وكينونته. بحيث نراه يحصر رغبته الأبدية والغاية النهائية من وجوده في ديمومة الصلاة. من هنا دعاءه "اللهم إن كنت أعطيت احد من خلقك أن يصلي لك في قبره فأعطني ذلك".

وقد جرى وضع أساطير على ذلك مثل سماع الناس صلاته في القبر، وسماعهم لتلاوته القرآن وما شابه ذلك. لقد أراد ثابت البناني أن يجعل من حياته وموته وحدة متجانسة لديمومة العلاقة الوجدانية التامة بالمطلق. وفيها يمكننا العثور على المقدمة الخفية والضرورية التي تجعل من موقف المثقف تجاه كل شيء لوحة مرئية من وراء دموع الوجدان الدافئة.

ومن الممكن رؤية بعض الملامح الظاهرية لهذه الحالة في التصوير الذي قدمه البعض عنه عندما رسم لنا شخصية البناني الباكية بعبارة:"رأيت ثابتا البناني يبكي حتى أرى أضلاعه تختلف". وقد لا تكون هذه الحالة معزولة عن الأثر السحري الذي تركته عبارة أنس بن مالك الذي قال له مرة:"ما أشبه عينيك بعيني رسول الله!"، فما زال يبكي حتى عمشت عيناه. لكنه عمش العيون المعذبة بعذوبة الرؤية الوجدانية التي ترغم المثقف الكبير على مواجهة سيلان الحياة وصلادة البشر! بحيث تجعل من هذه المفارقة التي يواجهها المثقف الكبير امتحانا دائم. وليس مصادفة أن تؤدي به هذه الحالة إلى إمكانية تلف العين. وعندما جاءوا بطبيب يعالجها، فانه قال له:

- أعالجها على أن تطيعني!

- وأي شيء؟

- على أن لا تبكي!

- فما خيرهما أن لم تبكيا؟!

وأبى أن يتعالج! وليس لهذا الموقف أدنى ارتباط بإدراك معنى الطب والتطبب ووظيفته العملية، بقدر ما له صلة بموقف المثقف المبني مما أسميته بالعلاقة التي تجعل من موقفه تجاهه كل شيء لوحة مرئية من وراء دموع الوجدان الدافئة. إذ تجعله هذه العلاقة يتعامل مع كل ما هو موجود وممكن ومحتمل بمعايير الوحدة السارية للروح في كل مكونات ومسام الجسد. لهذا نراه يقول مرة لأصحابه:

- إني لأعلم حين يذكرني ربي.

- تعلم حين يذكرك ربك؟!

- نعم!

- متى؟

- إذا ذكرته ذكرني! واني لأعلم حين يستجيب لي ربي.

- تعلم حين يستجيب لك ربك؟!

- نعم!

- وكيف تعلم ذلك؟

- إذا وجل قلبي واقشعر جلدي وفاضت عيناي وفتح لي في الدعاء!

تعكس صيغ الإجابات المتنوعة الوحدة الظاهرة والمستترة فيما يمكن دعوته بسريان الإبداع من خلال تكامل الحق في الرؤية والمواقف، أي المتحررين من النصوص "المقدسة" أيا كان شكلها ومحتواها. ومن بين طرائف حياته أن يتجلى هذا التحرر في يوم زفافه. فقد حمله رجل على عنقه إلى امرأته ليلة دخل بها! ومن الممكن تخيل صورة البناني العراقية، أي السريالية المتوجة بوحدة الخروج على المألوف والبقاء بها بوصفها الوحدة الظاهرية لما تدعوه المتصوفة بوحدة الفناء والبقاء. بل يمكننا تخيل كمية ونوعية العبارات المحتملة هنا في وصفها لحالة البناني من الابتسامة الخفية والفرح المجنون حتى الشتيمة والشماتة. ووراء كل ذلك تختبئ شخصية ثابت البناني وذوبانها في الخيال الجميل بوصفها دبيب الروح، أو في الخيال المريض بوصفها دبيب الدود! لكن الشيء الأهم والأكثر ديمومة ومعنى هو قدرته وأثره على صنع خيال بلا حدود! أما بمعايير الحقيقة فانه تجسيد للثبات أي على اسمه!

 

ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابيتقديم: هذه هي الحلقة الأولى مما وضعته تحت عنوان (تصوف ومتصوفة)،

الحسن البصري ليس صوفيا، بل هو جامع متفرد لحصيلة الثقافة الإسلامية في مجرى القرن الأول للهجرة. فقد جمع بين الفقه والتأسيس العقلي والنقلي للمفاهيم والقيم، وكان ممثلا كبيرا للاعتدال العلمي والعملي، ونموذجا أوليا كبيرا لسلوك الزهد الإسلامي. من هنا ظهرت بأثره شخصيات لعبت دورا كبيرا في تأسيس التيارات العقلية والعقلانية من قدرية ومعتزلة، وشخصيات روحية وضعت اللبنات الأولى لسلوك الزهد ومن ثم بروز فكرة الزهد العملية، ولاحقا الفكرية. وليس مصادفة ان تتبلور لاحقا في الثقافة الإسلامية العبارة القيميية القائلة "كوفيّ الفقه، بصريّ العبادة".

***

هناك شخصيات يرتقي اسمها ومعناها وصورتها إلى مصاف الحدس. بمعنى أن الجميع تقبلها كما هي حتى دون التمعن بما فيها او إدراكها بمعايير العقل النقدي. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن حياة الحسن البصري قد امتدت على مسار احدى المراحل الديناميكية الهائلة في صيرورة الخلافة العربية، من هنا يمكن تحسس وإدراك القيمة الروحية الهائلة الكامنة في شخصه وشخصيته التي جعلت منه، رغم اختلاف الفرق وصراعها الدامي آنذاك، مرجعية معقولة ومقبولة للجميع.

لقد تمثل الحسن البصري (ت- عام 110 للهجرة) تقاليد البصرة العقلانية والإنسانية، وجسّد في شخصه وشخصيته ما يمكن دعوته بالروح الثقافي المميز للتقاليد العراقية القديمة، أي كل ما سيجد تحقيقه في إبداع "الإمبراطورية الثقافية" التي وجدت تعبيرها الأكبر في المرحلة العباسية. فقد كانت المرحلة العباسية هي التجسيد الأمثل للروح الثقافي العربي. ولم يكن بالإمكان توقع هذا التحول العاصف لولا التحول الباطني العميق والمتراكم الذي صنعه أهل العراق في مجرى الصراع ضد الأموية، بوصفها انحرافا عن قيم الإسلام الأولى السياسية والاجتماعية والروحية والأخلاقية.

وليس مصادفة أن يتحول الحسن البصري إلى شخصية ملهمة في المرحلة الأموية والعباسية على السواء، وان يبقى حيا ما وراء هذا التصنيف الظاهري لتاريخ الثقافة العربية. فقد جسّد الحسن البصري احد نماذج الحقيقة القائلة، بان الإبداع الكبير هو إبداع روحي، بمعنى أن يتجاوز ويذلل عقد الزمن السياسي لينقله إلى مصاف التاريخ الفعلي للأمم. وليس هناك من تاريخ فعلي للأمم غير إبداعها الثقافي. وإذا كانت الأموية هي احد النماذج الخربة لتخريب الروح الثقافي، من هنا تراكم الفكرة النقدية وروح الاحتجاج والرفض الذي امتاز به أهل العراق في مواجهتها. بحيث تحولت قواه الحية إلى "خوارج" و"روافض" و"أهل أهواء" وما شابه ذلك من أوصاف تشير من حيث مضمونها التاريخي الثقافي الفعلي إلى روح الخروج والرفض والمواجهة العقلية الحية لنفسية وغريزة التسلط والاستبداد. بحيث طبع ذلك مضمون ومسار الثقافة العربية (الإسلامية) بوصفها ثقافة تحد جسدي وروحي، وثقافة تمرد عقلي ونقد متنوع لكل ما تعتقده انحرافا عن الحق والحقيقة. ولم يكن كل ذلك معزولا عن الشخصية العراقية. فقد طبعت الأخيرة وحددت مسار الثقافة العربية الإسلامية الراقية، التي كان الحس البصري من بين شخصياتها الأولية الكبرى. فقد جسّد في ذاته وبذاته معنى التحدي والالتزام الشخصي بنتائجه. وفي الوقت نفسه حقق في أقواله وأعماله فكرة الكل والعام والأمة وحقائق الروح الأبدي.

ولد الحسن البصري عام 20 للهجرة، قبل يومين من بقية خلافة عمر بن الخطاب. وبهذا تكون ولادته قد رافقت الاستكمال والاستتباب الأول لفكرة الخلافة الإمبراطورية بوصفها جزء من صيرورة الإمبراطورية الثقافية. إذ لم تكن الوحدانية الإسلامية المتغلغلة في فكرة الغزو، سوى الباعث الروحي الكامن في صيرورة الخلافة الإمبراطورية، أي الخلافة المحكومة في أبعادها السياسية بفكرة الرشد والإرشاد، وفي أبعادها الدينية بفكرة الأمة الواحدة المتحررة من مختلف مكونات "الجاهلية". ومن ثم، فإنها كانت تحتوي في أعماقها على مرجعيات الروح الثقافي. وبالتالي كانت ولادته مرادفة لإرساء بداية القرن التأسيسي للدولة الكبرى. وهو تأسيس كامن في صيرورته الفردية وكينونته الفردانية. ومنهما تراكمت شخصيته الروحية والاجتماعية والسياسية، التي جعلت منه احد ممثلي الاحتجاج الأخلاقي والروحي المنظم على خروج الأموية عن صراط الرشاد في إدارة شئون الدولة ومنطق مرجعياتها الأولى القائمة في أولوية وجوهرية الشريعة والنظام وفكرة الأمة الجامعة.

إن الأرواح الكبيرة للمثقفين هي صيرورة متراكمة في مجرى إدراك القيم السائدة في مظاهر البشر وبواطنهم. وهو إدراك يؤدي بالضرورة إلى نقد الواقع من خلال انتفاضة الجسد واحتجاج العقل. وحالما ترتقي وحدة الانتفاض الحسي والاحتجاج العقلي إلى مصاف الإدراك الأخلاقي، حينذاك يبدأ الروح في احتجاجه الخاص. لكنه احتجاج خلافا للعقل والجسد، عادة ما يحفر قنواته العميقة صوب بحار الحكمة، أي نحو عوالم بلا أوهام وأهواء. وهي المقدمة الضرورية لصنع إرادة فاعلة في عوالم الخيال المبدع.

وعادة ما يتوقف حجم ونوع وعمق ومدى هذه العوالم على قدر ما في تاريخ الدولة والأمة من مساع إمبراطورية. فالشخصيات الكبرى هي الوجه الآخر للمساعي الإمبراطورية والنزعة الكونية. فإذا كانت الإمبراطورية الأموية هي نتاج معارك القوى الاجتماعية والسياسية والروحية للخلافة في مجرى القرن التأسيسي الأول، فإن الحسن البصري كان وجهها الآخر.

إننا نعثر فيه على الصفة الفردية والفردانية لإمبراطورية الروح المناهضة لسلطان السلطة المستبدة. وذلك لأنه جسّد بذاته خزين معارك القرن الأول وصراعاته وبحثه عن البدائل، أي كل ما كان يحتدم في أعمق أعماق النفس واشد مظاهرها بروزا في حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة. الأمر الذي جعل منه في العرف الإسلامي العام احد المصادر الكبرى للفكرة الإسلامية المتسامية رغم تباين المواقف السياسية منه. وهو أمر طبيعي. فالشخصية الكبرى، التي تنذر نفسها من اجل صنع "الإجماع" عادة ما تصبح احد مصادر الخلاف الأكبر. وهو القربان الروحي الضروري لكي تتكامل الدولة بمعايير الحق والمثقف بمعايير الحقيقة.

لقد جسّد الحسن البصري في ذاته نموذج المثقف المتسامي عن صراع القوى الحزبية ونزوعها الضيق وأوهامها وأهوائها وظنونها الجازمة! مما جعل منه نغما متموجا في دبيب النفس الاجتماعية والعقل الحر والروح الأخلاقي. بحيث جعله ذلك على الدوام محل الاحتكاك والحراك، كما جعله قريبا من الجميع وبعيدا عنهم. أما في الواقع فان القرب والبعد ليسا إلا الصيغة الظاهرية عن حقيقة بعده عن الباطل والخطيئة والرذيلة، وقربه من الحق والصواب والفضيلة. وهو اقتراب وابتعاد فرداني، أي متحرر من أوهام وأهواء العامة والخاصة. ومن الممكن العثور عليه في احد أجوبته عندما قيل له مرة:

- يا أبا سعيد! صليت؟

- نعم!

- لكن أهل السوق لم يصلوا بعد؟!

- ومن يأخذ دينه من أهل السوق؟!

بمعنى تمثيله لمسار الرؤية الفردية المسبوكة بمعايير المعاناة الفعلية للحق، أي تمثله للحقيقة القائلة، بان المعاناة هي التي تجعل الحياة سهلة بسيطة كالماء والهواء والنار والتراب. وذلك لأن الحياة الخالية من معاناة كبرى هي ركود وملل. ومن ثم فهي كآبة قادرة على سحب بريق الرأفة والحنان والرقة والجمال من كل مشاعر الجسد وقلق الوجدان وتأمل العقل، أي من المكونات الضرورية التي تبعث في الوجود حرارة المعنى وقيمته بالنسبة للمصير والتاريخ على السواء.

وليس مصادفة أن نعثر في أكثر من تقرير مقارن له عن إشارة إلى ما "أدركه"، أي رآه وتحسسه وعاينه وعايشه وتأمله وتفكر به. من هنا كلماته العديدة التي يشير فيها إلى الأسلاف، ولكن بمعايير التجربة الفردية والتأمل الحسي والعقلي الحر. من هنا ارتقائه في سماء الثقافة العربية الإسلامية بوصفه احد مصادرها وأعلامها الكبرى. كما لو انه تجسيد للحقيقة القائلة، بان الأنبياء حالما تموت تحيى في ذاكرة الأجيال والأمم بما يتناسب وذوقها التاريخي. من هنا شيوع الصيغ العديدة والمتنوعة في مظاهرها، والمتوحدة في مضمونها عنه بوصفه صوت التاريخ والحقيقة والروح الأخلاقي للأمة. لهذا قيل عنه، بأنه في الليلة التي مات فيها الحسن البصري شاهد البعض كما لو أن أبواب السماء مفتوحة، وكأن مناديا ينادي "ألا أن الحسن البصري قدم على الله وهو عنه راض". وهي الصيغة الرمزية المعبرة عما فيه من مفاتيح قادرة على فك مزلاج الوجود بفكرة الرضا الجوهرية للرؤية الإسلامية. إذ ليس الرضا سوى الوحدة المتجانسة للحرية والإرادة في المواقف. ومن ثم لا يعني رضا الله عنه سوى الصيغة اللاهوتية عن قبول التاريخ والروح له بمعايير وحدتهما التي جسدها الحسن البصري نفسه في صيرورته الفردية وكينونته الذاتية. وبالتالي لا تعني انفتاح أبواب السماء سوى الإطلالة الجميلة لاسترقاق السمع إلى صوت الحقيقة والتاريخ والروح الأخلاقي والأمة المتمثل في شخصية الحسن البصري.

ذلك يعني انه بلغ الحالة التي جعلته عروة اليقين والسعادة المحتملة بالنسبة لأرباب الإرادة الحرة والأخلاق المتسامية، بحيث قال عنه الشعبي:"ما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء إلا مثل الفرس العربي بين المقارف! وما شهدنا مشهدا إلا برز علينا". وهي عبارة تشير إلى تميز الأصيل عن المزيف. ولا معنى لهذا التمايز هنا سوى ما يتعلق بصيرورة الشخصية وأثرها الفعلي بالنسبة للروح الثقافي، التي جعلت الحسن البصري ممثلا لدراما الانتقال العاصف في تاريخ الدولة والأمة والثقافة.

فقد تمثل الحسن البصري تقاليد الرؤية التوحيدية في مرحلة الانتقال الدموية من فكرة الرشد إلى فكرة السلطان، أي الانتقال من براعم الفكرة العامة للدولة والأمة القائمة على جوهرية الاجتهاد العقلي والعملي المحكوم بمعايير وقيم الشريعة الإسلامية إلى أولوية التسلط المتحرر من فكرة القانون العام. من هنا إلغاء فكرة الدولة والأمة بالمعنى الدقيق للكلمة. بحيث حوّل زمن الأموية إلى دموية حروب خارجية وداخلية. وهي الحالة التي جرى تحسسها من جانب المثقفين المسلمين الكبار على أنها خروجا عن منطق الحق وروح الإسلام. وقد يكون الحسن البصري هو احد اكبر ممثلي هذا التيار الذي تذوق طعم المرارة القاسية في هذا التحول الدرامي وواجهها بأسلوب متميز في المواقف النظرية والعملية. الأمر الذي جعل منه نموذجا متميزا وأصيلا في تمثل دراما المرحلة ومواجهة رذائلها الهائلة. مما وجد انعكاسه في شخصيته باعتبارها نموذجا فرديا معبرا عن تأمل الثقافة الورعة لنفسها في مراحل صعودها المتشنج وصراعها الدموي. من هنا تحوله إلى احد المصادر الكبرى للفكرة الصوفية. ومن هنا أيضا قول الثقافة الصوفية اللاحقة عنه بان الحسن البصري هو احد الثمانية الذين انتهى إليهم الزهد من التابعين. غير أن مأثرته تقوم في رفعه ممارسة الزهد إلى مستوى الرؤية الفلسفية والعملية. من هنا يمكن فهم قول أبو طالب المكي، بأن بداية الزهد كانت مجالس الحسن البصري، حيث "يخلو فيها للذكر مع إخوانه وأتباعه من النساك والعباد في بيته مثل مالك بن دينار وثابت البناني وأيوب السختياني ومحمد بن واسع وفرقد السبخي وعبد الواحد بن زيد. فيقول :هاتوا انشروا النور! فيتكلم عليهم في هذا العلم من علم اليقين والقدرة وفي خواطر القلوب وفساد الأعمال ووسواس النفوس". وهو كلام كان يبدو "غريبا" آنذاك. وقد كتب المكي بهذا الصدد يقول "إن الحسن البصري أول من انتهج سبيل هذا العلم (التصوف) وفتق الألسنة به ونطق بمعانيه واظهر أنواره وكشف به قناعه. وكان يتكلم بكلام لم يسمعوه من احد من إخوانه. فقيل له:

- يا أبا سعيد! انك تتكلم في هذا العلم بالكلام لم نسمعه من احد غيرك! فمن أين أخذت هذا؟

- من حذيفة بن اليمان!"

وهي إجابة تعكس ارتقاء الروح التلقائي في مجرى تأمله للتاريخ والحقيقة. كما أنه ارتقاء ارتقى بالحسن البصري إلى مصاف المعلم الأول للروح الإسلامي الإنساني. من هنا كان صمت الحسن البصري ونطقه نقدا كليا متكافئا للجميع. بحيث جعل منه ممثل الاحتجاج الأكبر في مرحلة الانتقال العاصفة من الخلافة إلى الملك. وهو احتجاج كان يسعى أولا وقبل كل شيء إلى محق الغربة البليدة عن معاناة الأسلاف والتاريخ ومصالح الأمة وتراث الحقيقة. كما لو انه أراد القول، بأنه لا غابرين في التاريخ غير غبار الجهل وخواء العزيمة والخروج على منطق الأخلاق المتسامية. وهي مظاهر لا قيمة لها أمام ما تتوصل إليه الحكمة بوصفها استنطاق النفس الحرة. من هنا كان في احتجاجه أشبه ما يكون بالرمال المتراكمة للكينونة الإسلامية في قدرتها على امتصاص غبار الفتنة وحطامها التي كانت ترمي بها أفعال الأموية الهوجاء على سواحل الحياة الفعلية للروح. كما كان هذا الاحتجاج يكشف في كل مظاهره وخفاياه ولوامعه وملامحه ضحالة شواطئها وأمواجها. كما لو انه أراد القول، بان الأموية لا يمكنها أن تكون بحر الأرض ولا قمر السماء. لهذا كانت أمواج المد والجز العارمة تجري في أوهامها. وهو السبب القائم وراء عدم قدرتها على تحسس دور هذه الأمواج وما فيها من حياة وحيوية في صقل قاع الوجود وسماءه.

قدم الحسن البصري في تعريته للنفس وفضحها، أسلوب ما يمكن دعوته ببكاء الوجود والعدم. وهو أسلوب يستمد أصوله من بلوغ الحكمة بوصفها خروجا على العقل بمعاييره. بمعنى بلوغ حدس الذات الخالصة من شوائب العابر والغابر. إذ ما هو السرّ الذي يجعل، على سبيل المثال، آيات القرآن أكثر قربا إلى قلوب المريدين؟ وعبارات المسيح أكثر إثارة للروح والذاكرة؟ وإيماءات بوذا العملية اشد توهجا بالنسبة للخيال؟ إنها الوحدة الحية للكلمة والمعنى، أي حدس الذات الخالص من شوائب العابر! فكلما يرتقي المرء في مدارج المطلق، كلما يصبح الوجود حدثا عابرا أو وقفة في وجود الكون، أي لحظة زائلة في الأبد! وهي المفارقة التي يلتاع فيها الروح، ويسجد العقل أمام إشكالاتها. كما انه السبب الذي يجعل الصراخ والصمت مظاهرا من مظاهر بكاء الوجود والعدم. بمعنى إدراكه إنهما شيء واحد من حيث المبدأ والمعاد، وأن القوة الوحيدة القادرة على ربطهما بصورة متجانسة هي الإرادة الحرة بوصفها إخلاصا للحق والحقيقة

حقق الحسن البصري في مواقفه وآرائه وأحكامه وحياته ومماته الحقيقة البسيطة القائلة، بأنه كلما يسير الإنسان في دروب الحرية والإخلاص للفكرة المتسامية كلما يقترب من الطبيعة بما في ذلك في المظاهر. مع ما يترتب عليه من محاولات حثيثة لتهذيب وتشذيب الروح عبر معاناة الجسد في فعل ما يراه العقل ضرورة وحقا. وهي العملية التي تنتج ما يمكن دعوته بروح الإخلاص للمبادئ الكبرى. آنذاك يمكن رؤية بريق القمر في عينيه، وأشعة الشمس في جبينه، والمعاناة على وجنتيه وأخدود التاريخ على خديه.

***

ميثم الجنابي

 

مجدي ابراهيم"إذا كان للوجه عينان؛ فللقلب عيون"

عيون القلب نورانية، ليس يشكُ في ذلك مؤمنٌ ببصيرة قلب مفتوح، وإنما يأتي الشك دوماً من حُجُب الظلمة المتراكمة على القلوب، وهى التي سمَّاها القرآن في المطفّفين، آية (14)، "رَيْن"؛ فقال تعالى : "بل رَانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون". والرَّيْنُ صدأ قلبي وانطماس باطني، حجاب مظلم غليظ يغطي القلب حتى يمنعه أن ينظر بنور الله، فلا يبصر ولا يستنير، لا يبصر من الداخل ولا يستنير بنور الله لا في الظاهر ولا في الباطن : عيون الوجه محجوبة بما تراه، وعيون القلب مفتوحة على الجهة العلوية، ترى ما لا يراه الناظرون. عيون القلب تدرك الروح بلا عناء، وعيون الوجه خدّاعة مثلها كأي حاسة لا تدرك إلا الحواس.

عيون القلب مدركة للنور مجذوبة بصفائها نحوه، وعيون الوجه مدركة للظلمة مسدودة بكثافة الحُجُب. عيون القلب صافية شفافة، وعيون الوجه مطموسة أو محجوبة لا تدرك الصفاء ولا يدركها الصفاء. عيون القلب نورانيًّة؛ وعيون الوجه ظلمانية لا ترى إلا الظاهر من المظاهر : في المائدة الآيتين (15- 16) وَجَّه القرآن الكريم خطابه إلى أهل الكتاب في رقة وعذوبة وإقناع :" يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيِّن لكم كثيراً مما كنتم تُخفُون من الكتاب ويعفوا عن كثير. قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين. يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبُلَ السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم". وإذا كان الخطاب موجهاً إلى أهل الكتاب؛ فمن المؤكد أنه هنا مطلق التوُّجه، مطلق الدعوة، مطلق الدلالة، ليس بخاص ولا بالمقيد ولا هو بالمقصور على أهل الكتاب وكفى بل هو خطاب لكل الناس ولجميع الناس؛ خطاب للإنسان في كل زمان ومكان :

"قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين"

إنه لنور يصل إلى حسِّ المؤمن الصادق ويفعل في شعوره الأفاعيل. فلا يملك إلا أن يدعو الله مخلصاً أن يكون ممَّن يتبعون هذا النور رضواناً لله ولا يتردَّدُون، حتى إذا كان من أهل التمكين دعى الله بخير ما يدعو به المرء ربُّه أن يجعله من الذين يتبعون النور رضواناً لله ولا يتردَّدُون : لا يترددون في إتباعه قيد أنملة، إذْ التردد في إتباع هذا النور غلٌ يقيد المرء بأوهاق المادة الكثيفة أو يقيده بأوهاق الهوى ويُصْرفه صرفاً عن التوجه الحرِّ الطليق. إن عنايتنا بالإتباع هى هى عنايتنا بالاجتهاد، الاجتهاد في الإتباع، ولا يُكتفى فقط بقلة الحيلة في التقليد والمحاكاة، وتقليد الشارع إتباع خطاه، وهو في نفس الوقت اجتهاد ييسِّر سبل الإتباع ولا يُعَسِّره، بل يجعل التابع أهلاً لميراث المتبوع بمقدار ما هو أهلُ لمناشط الخير كله في كل فعل وفي كل قول، وفي كل عمل.

إن إتباعنا له - صلوات ربي وسلامه عليه - ضربُ من الاجتهاد وفضيلة كبيرة مطلوبة في ذاتها يتحرَّر بمقتضاها المرء من تقليد سواه :" قل إنْ كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله". وليس لأحد أن يدَّعي معرفة الله أو يدَّعي محبته - سبحانه - بغير جهد في إتباعه - صلى الله عليه وسلم - أو بغير هاته الفضيلة الكبيرة المطلوبة في ذاتها يتوخَّاها المجتهد في إتباعه والسير في طريقه، وهو من غير شك؛ طريق العصمة الواقية من الآفات والمزالق والدسائس والكروب.

إنه لطريق " الكتاب المبين"؛ فإتباع النور معناه في الأصل إتباع الكتاب المبين : انقيادُ على التصميم لهذا النور المودوع في هذا الكتاب : انقيادُ، وتسليم، وفهم، وتحقيق، وإدراك جوَّانيِّ، داخلي، يرتفع في الشعور إلى معنى كبير متى أرتفع إدراك النور في الكتاب المبين. وليس يدرك هذا "النور" فضلاً عن ارتفاعه وتَرقِّيه، ما لم يكن ها هنا في البداية اجتهاد يهديه، يهدي العبد إلى الإتباع، وإلى إحسان الوسيلة به وفيه، وبالكيفية التي يتمُّ الإتباع بها على شرعة الحب والحضور والإرادة والتكليف؛ وكلها مطالب - كما ترى- لا تكون ولا تتحقق بغير جهاد. وكيف يدرك في الدنيا حقيقته قومٌ نيامٌ تسلوا عنه بالحُلُم، كما قال البوصيري صادقاً، طيَّب الله ثراه؟

"قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين"

إنّ ما يصل إلى شعورنا من هذا المعنى؛ لهو معنى موصول بإتباع هذا النور عندما يتوجَّه قلب المؤمن في التماسه من مصادره القريبة. وأقربُ مصادره هو ذلك المصدر الأعلى الذي لا مصدر سواه، يلتمس منه النور ولا يلتمس من سواه؛ إذْ هو ممد الهمم بمشكاة من النور، وهى التي يُستقى منها كل نور سواه. فالله سبحانه، جاء بنورين، هما المصدر والأساس لذلك النور : نور محمد صلوات ربي وسلامه عليه، ونور الكتاب المبين. النور كما في التفاسير هو سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، والكتاب المبين، هو القرآن، حتى إذا ما أتبعنا النور كان لزاماً علينا في حقيقة الأمر أن نتبِّع الكتاب المبين، وصار لزاماً على إثر إتباعنا للنور أن يؤدي بنا إلى إتباع الكتاب المبين.

وأي نور، وأي كتاب؟ إنه نور الحقيقة التي تهدي لهذا الكتاب، هو نور الوجود ينكشف لكل متِّبع مع التوفيق على ديدن الصدق وحضور التلقي، وعلى عادة الإخلاص الدائب في الإتباع .. أي نور هو؟ هو نور "الحقيقة المحمدية" : هو أشرف مخلوقات الله، بحر أنوار الله (معدن أسراره، ولسان حجته، وإمام حضرته، وعروس مملكته، وطراز ملكه، وخزائن رحمته، وطريق شريعته، وسراج جنته، وعين حقيقته، المتلذذ بمشاهدته، عين أعيان خلقه، المقتبس من نور ضيائه .. صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن عجيب ما يروي (والراوي هو ابن إسحاق، وابن هشام في السيرة النبويَّة)، وابن إسحاق ولد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بمائة عام، يروى في سيرة "عبد الله"؛ والد النبي أنه قبل زواجه بالسيدة آمنة - والدة النبي عليه السلام - نظرت إليه امرأة، وهو يسير في الطريق، وطلبت إليه أن يتزوجها نظير مائة من الإبل تدفعها إليه، لكنه لم يفعل. فلمَّا أن دخل بالسيدة آمنة وخرج من عندها لقىَ المرأة التي أعترضه من قبل، غير أنها لم تبالِ به، ولم تكترث له فقال لها : مالك لا تعرضين عليَّ اليوم ما كنت عرضته عليَّ بالأمس؟ قالت له : فَارَقَكَ النور الذي كان معك بالأمس؛ فليس لي بك اليوم حاجة". ويقول ابن إسحاق إنّ هذا النور غرَّة بيضاء كانت بين عيني عبد الله، وقد تلاشت عنه بعدما دخل بآمنة وحملت بالنبي صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية أخرى تختلف قليلاً عن رواية ابن إسحاق هذه، أن المرأة التي اعترضت عبد الله هى أخت ورقة بن نوفل، أحد نصارى مكة، والذي أكَّد للنبي، صلى الله عليه وسلم، حين ظهر له جبريل أول مرة أن هذا الذي يأتيه هو الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسي، وأنه نبي هذه الأمة. وكانت أخت ورقة تعلم من أخيها أن نبياً يوشك أن يظهر في مكة. وعليه؛ فالنور الذي شاهدته هذه المرأة إنما هو "نور النبوة" كان يحمله والده عبد الله، ويظهر على جَبِيِنِه( يراجع سيرة ابن هشام ؛ طبعة القاهرة سنة 1955م؛ ج1 ص 155).

هذا النور إذن حقيقةً لا ينظر إليه على الإطلاق أنه مجاز . واقع مُحَقَقٌ ملموس في شخصه صلوات ربي وسلامه عليه، وليس هو من صنع خيال الروائيين.    

لكن مجيء النور هنا لم ينفصل عن مجيء الكتاب المبين، فهما نوران، أصلان لا ينفصلان، وبإتباعهما يتحقق "النور" من المتبوع إلى التابع في وصلة روحية عامرة وغامرة، ويزداد في التابع على قدر جهد الإتباع : نور الهدي النبوي لا ينفصل عن نور الكتاب المبين، ولا ينفصل نور الكتاب المبين عن نور الهدي النبوي : هما نوران كاملان مكمِّلان، إتباع أحدهما يهدي إلى الآخر، وإتباعهما معاً نور على نور. وعليه؛ فتجزؤ الإتباع عند التابع أمر يقدح في الإيمان؛ لأن الأصل هو إتباع "المجيء". والمجيء هو "النور" و"الكتاب المبين" معاً في غير انفصال، فلا ينقدح نور الكتاب المبين في قلب التابع ما لم يكن قد أنقدح من قبل نور المتبوع (الهَدْي النَّبَوي) وبإنقداحهما معاً يتولد نور الهداية ويتزكي ويشعُ في شغاف القلب ليعمَّ الروح والسِّرَ بنوره، وإذْ ذاك يُفهم كتاب الله المبين فهم تلقي، وحكمة، وإلقاء، وأخْذُ عن الله بالمباشرة وبغير واسطة. لا ريب أن تصديق "المجيء" تصديق في الوقت نفسه للإتباع وبذل المجهود فيه فوق قدْر الطاقة.

إن توجُّه القلب إلى الله لهو وحده الذي يدرك بمقتضى بصيرته الشفافة تلك الحقيقة بعيداً عن زيف الزائفين وتوهم المتوهمين. إذا تصفَّى قلب المؤمن وتصافى أدرك الحقيقة الكبيرة من طريق إتباعه لهذا النور (إتباع الرضوان) فيقوده النور المتبوع إلى فهم الكتاب المُبين. إنما القلب الذي يخفق شعوره لإدراك "المجيء" - نوراً وكتاباً - لهو هو القلب الذي يعرف لهذا النور قيمته وقانونه؛ لأنه كان عَرَفَ ابتداءً معنى الإتباع على فضيلة المنهج الواضح ومقاصد الغاية البيّنة.

أما القلب المطموس؛ فهو القلب اللاهي، لا يعرف لهذا النور قيمة ولا يدرك له قانوناً (قيمته في هديه ودوامه. وقانونه في سننه ونواميسه) ولا يتذوق - من ثمَّ - له مصدراً : إحساسه قد نضب من الغفلة، وشعوره قد جف من الأعراض، وتوجهاته قد انتكست من الظلمات، فلم يعد يرْ النور، ولم يتبع رضوانه، ولم يأخذ حظه في مشاهدته، ولم يقترب من مصدره، وهو منه جدٌ قريب!

القلوبُ المطموسة وحدها هى التي تعترض طريق النور. والعقولُ المحجوبة وحدها هى التي لا يُداخلها الإيمان فلم تعدْ تدرك لذلك النور قيمته، وقيَمه : أعني قيمه الروحيّة في الهداية إلى سُبُل السلام؛ ودرء المخاوف البادية في الدنيا والآخرة. فإذا اعترضت فعلى الغفلة، وإذا نأت بجانبها بعيداً عنه؛ فلأنها محجوبة بحجاب الظلمة الحالكة والعائق الكثيف. أنها حقاً كما قال القرآن :"لا تَعْمى الإبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور".

"قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين"

عيونُ القلب المفتوحة على الجهة العلوية أقرب لتلقى "المجيء" من الله - نوراً وكتاباً- من عنت العقول المحجوبة بحجاب الغفلة والإعراض. إن للقلب البصير عيوناً واعية تدرك نور الله بالمباشرة يوم أن تتبع النور وتتبع الكتاب المبين، وتجتهد في هذا الإتباع إلى غاية ما تستطيعه الطاقة العاملة، ليكون هذا النور طريقها وهذا الكتاب حياتها، ولا حياة لها ولا طريق في الحقيقة أو في الواقع في سواهما. فإذا كان نور الله مجسَّداً في كتابه، وكان هديه نوراً مشخَّصاً في نبيه، صلوات ربي وسلامه عليه؛ فلمَ الإعراض من قلوب لم تجاهد كيما تشاهد؟ وَلِمَ العزوف من عقول ارتضت طريق الظلمة حجاباً؟ في حين كان بمقتضى إتباع تلقى النور مُفاضاً من جهته العلوية أن يكون أفْعَل في نفس المتلقي وأقدر... أفعلُ : من حيث التوجُّه القلبي المباشر، التوجَّه إلى المقصد الأسمى والغاية النفيسة. وأقدر : من حيث التوجُّه به إلى داخل النفس عند تزكيتها وتحليتها وإدراك الصائب فيها، ومنها، بغير عزوف عن هذا النور بل بانجذاب نحوه إلى درجة الجنون !

نعم ..! لقد كان الذين انجذبوا إليه في عرف الناس مجانين! كانوا "بهاليل" مغيبين عن واقعاتهم الحسية، لم يأبَهْ لهم أصحاب العقول المضبوطة العاقلة عن نفسها - لا عن ربًّها! - قانونها، ومع ذلك تشرَّفوا بشرف البقاء دوماً في شهوده، وسعدوا؛ لأنهم أدركوه أو كادوا بغير حجاب، ولأنهم كانوا صدقوا الهمَّة بغير تراجع أو نكوص عن تلك القوة الباهرة التي أدركت بمقتضاها ذلك "النور"، فأدركت تباعاً وجه الحق فاعتمدت جهدها عليه فانجذبت إليه، بعد أن تركت للناس دنياهم ودينهم، شغلاً بلذائذ ما هى فيه.

هنالك وَجَدَتْ القوة القوية البالغة الممدودة من أعلى، في العبد، الفرد، الفذ، المتفرد، أسمى وأنبل وأقدر على المضاء والتحقيق من كل فكرة أرضية يعيش عليها واهماً بغير يقين، ويعيش بها في كل حال وبأية حال في متاهات السّراب المظلم الخادع البهيم تماماً كما تعيش العجماوات بلا انجذاب إلا إلى ما يقع تحت حوافرها.

"قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين"

مَا عَلى الذين يؤمنون بهذا النُّور إلا أن يسيروا في طريقه منقادين إليه على التسليم، وأن يتبعوا صادقين بإخلاص خطاه، وأن يمضوا مخلصين على البداهة في سبيله كيما يدركونه ليتحققوا منه. ولن يتمَّ لهم مثل ذلك "التـَّحَقـُّق" واقعاً، وفعلاً، وممارسة، وسلوكاً بغير "إرادة الإتباع" في كل حال شريفة من أحوال أنفاسهم عادةً اعتادوا أن تلهج بذكرها قلوبهم قبل ألسنتهم؛ حُرقة فيها وشغفاً للوصول إليها. إن "إرادة الإتباع" هنا إدراك على الفور لسُبُل السلام. إدراك من أول الطريق ابتداءً. وصول إلى الله لا وسيط فيه إلا "النور المتبوع"، ولا وسيلة إلى هذا الوصول إلا التزكية للنفس والترقية لها، ليجيء النور من معدن الفضل الإلهي مبثوثاً في طوايا النفس المهذبة الراقية، والمدركة لكل ما في النفس من جميل الخصال، ومن عزيز الصفات كذلك.

إن ترقية النفس مِعْوَانٌ للقلب على إدراك "النور" حقيقة لا مجازاً، ومَدَدٌ له على التهيئة للتلقي والإمداد. ترقية النفس تخليةٌ عن جميع الصفات المذمومة التي تورث التسفُّل والانحطاط. وترقية النفس كذلك تحْليةٌ بجميع الأوصاف المحمودة التي تعينُ عيون القلب أن ترى الحقيقة المطلقة رؤية روحانية أو أشبه بالروحانية، بعد أن تكون قد تحرَّرت سلفاً من كل علائق وعوائق وحجب وأوصاف. وأن تتذوق أسماءها وصفاتها، وأن تشهد أفعالها شهود بصيرة نورانية لا تعرف الحجاب بمثل تلك العوائق والعلائق والأوصاف، وأن تدرك بالذوق - لا بغيره من ألوان الإدراكات - حضرتها العليا وسموها الشريف.

"قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين"

نورُ النبُّوَّة، ونُورُ البيان في الكتاب المبين؛ ما إنْ يتحقق العبد من "نور" الله الذي جاء به، تحقق معرفة ومعاناة وتجريب حتى يُصبح هو نفسه مدْركاً من فوره إدراكاً ذوقياً لهذا النور، مدركاً للرضوان. وعلامة إدراكه : الإحساس والشعور، يَحسَّه في أحواله وأفعاله وأقواله، ويستشعره في جوارحه وظواهره وبواطنه، ويستنبط معانيه في أفكاره وأعماله وخوافيه. إنّ كيانه كله لينقلب، وحياته كلها لتتحول، فما في مقدوره مطلقاً أن يجيد فنون التعبير عن مثل هذه الحالة الروحيّة التي أدركها هداية، وذاق فيها بمدارك الذوق سبُل السلام مما لا يستطيع وصفه بالعبارة العادية أو نطقه باللفظ المعتاد؛ وذلك لأن العبارة العادية واللفظ المعتاد يحصران الحقيقة فيهما حصراً لا يمتاز بالتفتح الباطني ولا بالإشراق القلبي، ويحدانها حدوداً موقوفة على الظاهر من الإدراك لا على الخفي الباطن منه، وبحدود الرؤية الظاهرة تنحصر الحقيقة في العادة وتتوقف عندها.

هذا الحصرُ لا يعطي بغير شك مثل هذا الإدراك العلوي حقه من التعبير الوافي المقصود؛ إذْ يستحيل على تلك الحقيقة العظيمة أن تقبل الحصر والتقييد بقيود العقل المقيد بما يحصر وبما يحدِّ، فكل ما هو في منطوق العبارة العادية واللفظ المعتاد قابل لتحديد العقل وحصره وتقييده، فلا يلزم - من ثمَّ - أن يكون تعبيراً عن الحقيقة الكبيرة التي هى فوق طور العقل، ولا أن يجيء مخاطباً كل فتوحاتها الروحيّة ومنافذ معارفها اللّدنيَّة.

فمن المؤكد عندنا أن العبارة قد ترشد، وقد تُوحي، ولكنها لا تحدد ولا تحصر، فثمة حقائق أكبر من أن تنحصر في منطوق العبارة وأعظم من أن يقيدها الحرْف المعتاد. إن هذا الإدراك الفوري ينتج حتماً عن فضيلة الإتباع المنظم "إتباع الرضوان"، وعن قناعة مستيقنة بأن الإتباع في ذاته عين الوصول، وأن التّحقق من الإتباع هو هو الوصول إلى الله، إلى رضوانه، فنور يؤدي بالضرورة إلى نور، ونور يُسْلم لمعرفة النور.

أي نعم! لأنك حين تتبع نور الله الذي جاء به، فأنت قد وصلت من فورك إلى الله، وقد كفاك! كفاك الله كل ما سواه.

كفاك الله بنوره الذي أرسله مشرقاً وضَّاءاً.

كفاك الله شطط العقول وفتنة الأفكار ولجاجة الإنكار العقيم؛ فلست بحاجة من بَعْد الكفاية إلى أن تبتدع، وتدَّعي، من ثمَّ على البلادة إنك أقدر القدراء على الإبداع في غير مثال مسبوق. إنها لطفولة فكرية محققة، تلك التي يطلب أصحابها الوصول إلى الله والتحقق من هذا الوصول عن طريق العقل والنظر، والعقل في الغالب لا يرى سوى نفسه، ولا يستحسن سوى هواه! فهو على الدوام يبتدع، ويظن أن ابتداعه إتباع !

إن الله الذي يكفيك بمنهجه، وبنوره، وبطريقه، ليس في حاجة إلى سواه، لا لشيء إلا لأنه هو "الله". الله سبحانه : خالقك وخالق هذا الكون معك بما فيه ومن فيه. وهل تحتاج إلى شيء وأنت في مَعِيَّتِهِ، وفي صحبته، وفي نوره، وفي رضوانه، وفي الطريق الذي رسمه لك في بيان كتابه المبين؟ والذين عاشوا في رحاب الله ممَّن عرفوا النور وأدركوا المنهج ومضوا بقوة في الطريق كانت كلماتهم قد جرت، وهم الأسلاف البَرَرَة، مجرى الغذاء الروحي لأخلاف كانوا مثلهم، من طبيعتهم، على ديدن الصدق وتوهُّج التلقي فتربوا بالكلمة النوريَّة : الكلمة الطيبة، الكلمة القرآنية، الكلمة المحمدية، تربوا بالكلمة لما انفتحت عيون قلوبهم لتلقيها، وكفى التربية بالكلمة لمَنْ رَهَفَ عنده الإحساس وَدَقَّ.

كفى التربية بالكلمة أصلاً لمن تذوقوا فيوضات القـُرْبَةِ من الله، واقتربت قلوبهم من منبع الفيض ومصدر التلقي، وفاض منها النور هى الأخرى حتى عمَّ الجوانح كلها.

أقل كلمة كان لها التأثير العجيب في شعورهم، وكانت لها الفاعلية الناهضة في إحساسهم، كانت الكلمة بالنسبة لهم حركة، وفعل، وتوجُّه، وحياة .. وَمَا مِنْ عجب ..! فحياة الروح تغذيها الكلمات، والأرواح تحيا بالكلمات. كانت الكلمة بالنسبة لهم سلوكاً له لا شك دلالة على إدراك النور بعد التجربة المباشرة بتحويل الكلمة إلى فعل، والقول إلى حياة، وكانت معنى ضخماً كبيراً يرجع صداه إلى عيون القلب المبصرة بنور المعرفة الإلهية.

لم يكن "ابن مسعود"، رضى الله عنه، ببعيد عن هذا كله وذلك حين لخَّص لنا "منهج الإتباع" في كلمة مُعجزة حيث قال :" اتَّبعوا ولا تبتَدِعُوا فقد كفيتم"! (يُراجع في شأن هذه العبارة كتاب : لا ندريه كريسون : المشكلة الأخلاقية والفلسفة، ترجمة د. عبد الحليم محمود، والأستاذ أبو بكر ذكري، طبعة دار الشعب، القاهرة سنة 1399هـ - 1989م، والعبارة واردة في مقدمة الدكتور عبد الحليم محمود لهذا الكتاب).

وهى كلمة حق، صادقة، يرتسم فيها وعي البطولة الروحية في الإسلام، ووعي الأمة التي ينبغي عليها أن تدين بقوله تعالى :"قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين".

وبقوله تعالى :"قل إنْ كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله".

فمن دان بالنور الذي جاء من عند الله، ومن توخَّى على الدوام إتباع رضوانه، ومن أراد أن يؤثره الله بمحبته، فلا مناص له من أن يتحقق بالكلية من منهج الإتباع. وقد كفاه الله. كفاه الله بمنهجه عن منهج سواه، وبنوره عن نور سواه، وبرضوانه عن رضوان سواه، وبطريقه عن طريق سواه؛ فعبارة "ابن مسعود" تدور هنا على محورين أساسيين :

المحور الأول : إدراك الكفاية الواعية من حيث كونها من الله، ومن حيث أن الدلالة فيها تدل بالمباشرة على الله؛ ففي قوله :" اتبعوا فقد كفيتم"، نرى الكافي هنا هو الله، سبحانه، الله الذي أوحى الكفاية منهجاً من عنده لمن يريد سلوك الطريق ويدعو إليه على بصيرة، أوْحَي المبادئ والأصول والقواعد، وطبق رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، كل ذلك وبيَّنه، فكان تطبيقه مقياساً وبياناً ومرجعاً يرجع إليه المختلفون.

أما المحور الثاني : ففيه نرى افتقار الكفاية يقود إلى الابتداع لا محالة، أي :" لا تبتدعوا فقد كفيتم". فلا ريب أن الذي يبتدع في مجال الدين لهو الذي يفتقرُ إلى الكفاية، يستغني بما سوى الله فيفتقر في ذاته، وإنْ أغناه هذا السّوَى : مَنْ لا كفاية له في مجال الدين هو المبتدع، ولكن الله سبحانه، بعد أن أكمل الدين وأتمَّ النعمة، لم يعد هناك من مجال ولا من حاجة إلى الابتداع. لقد كفانا الله ورسوله؛ صلى الله عليه وسلم، كل ما يُصْلحنا من أمر العقيدة والدين. ليس هذا بالطبع قدحاً في تجديد الخطاب الديني بحال من الأحوال؛ فإتباع المنهج هو في الوقت نفسه تجديد؛ لأنك ما لم تطبق هذا المنهج في نفسك لا يمكنك فهمه على الإطلاق، وبالتالي لا تستطيع أن تمتلك أدواته وتجدد فيه. شرط التجديد الكفاية في الإتباع أولاً ثم إضافة البعد الذاتي الذي هو ثمرة "التجربة"، أعني؛ الفهم الذي استبصرته من التطبيق والممارسة، والفتح الذي هو من عند الله.

وانظر هنا حين تتبع وأسال نفسك : مَنْ عَسَاكَ تتبع؟ فأنت لا تتبع بشراً ولا تقلد مخلوقاً، ولكنك تتبع منهجاً يوصلك إلى الله من طريق الوحي، فهذا الإتباع هو الصالح في أمر العقيدة والدين، وهو عينه الحاجب عن التقليد في أمر الإبداع الفكري والمعرفة النظرية؛ لأن الذي يتبع منهجاً مُوحى به من عند الله، يتحرر فكره تباعاً عن أدناس البشر مِمَّن يفكرون فيخضعون تفكيرهم لمطالب الهوى أو لحظوظ النفس، فيبدع على صفاء من غير تقليد لأحد، ومن غير تأثر بلوثة فكرية أو عقدية مخلوطة بأوْشَابِ الريب والشكوك، ولعله المطلوب الصالح يثمره الإتباع في أمر العقيدة والدين.

لقد كفينا في أمر العقيدة والدين وعلينا إذن الإتباع؛ ولا منهج لنا ولا طريق إلا الإتباع، يُصلحنا، وينفعنا، ويهدينا إلى نور الله في الدنيا وفي الآخرة. يهدينا إلى "سبل السلام". وهل بعد الهداية إلى سُبل السلام من سبيل أو من غاية؟!

وإذا لم يكن هاهنا إتباع لما كانت تلك القدرة التي توفرت سلفاً لأولئك المدركين لمثل هذا النور، السائرين في طريقه بلا انقطاع ولا فتور؛ فلئن كانت قدرتهم على الإدراك "توفيقية"، تأتي من عين الجود، فهى كذلك"جهادية"؛ تتطلب المجاهدة ليتبيَّن فيها منذ البداية بذل المجهود؛ لأن فضائل الإتباع إذ ْ ذاك مجتمعة تكمن في تلك القدرة القادرة على نهضة النفس وإرادتها، كيما تكون مدركة لكل فضيلة مصروفة عن كل نقيصة، آخذة على عاتقها أنْ تُعلي من جميع الفضائل التي أدركتها وتلازم فيها الإدراك مع التطبيق.

إنها ولا شك لتزكية، وتحلية، وفهم، وإدراك، وتحقق مباشر هو من ثمرات التطبيق الذي كانت توخته قبلاً في منهج الإتباع. وإنها لصورةُ وضَّاءة من صور الترقي الدائم في النفس البشرية تعطي الاستقامة حقها تماماً كما تعطي الصورة الأخَّاذة دوماً مع الفضائل التهذيبية النافعة في كل طريقة هادية إلى النور المتبع من طريق الإقتداء بسيد الخلق؛ صلوات ربي وسلامه عليه.

شرطُ هذا كله ولو فيما نراه نحن : شرطُ إدراك "النور" وإتباعه والمضيِّ فيه، والارتقاء في مراقيه، شرطُ كل تقدَّم فيه. شرط الهداية إلى الصراط المستقيم هو أن تكون عيون القلب بصيرة مفتوحة على إدراك الحق بالمباشرة : طاقتها أن يباشر الإيمان القلب وشغافه. وهمتها أن تتوجه إلى الله على الدوام بغير انقطاع؛ تستحضر عظمته، وتردد في الباطن أسماءه وصفاته، وتستشعر علوه وتفرده في ملكه وملكوته، وتستدعي هيمنته وقهره وجبروته، وتتأمل قيوميَّته؛ لتراه تلك العين القلبية رؤية غيبية شُهُوديَّة مستنيرة بنور الإدراك العلوي المباشر، فهو الله؛ الحيّ الدائم، يحيي ويميت، وهو حي دائم لا يموت بيده الخير، وبيده الهداية إلى سُبل السلام، قيوم على كل شيء، على كل شيء بغير استثناء، لأنه خالق كل شيء بغير استثناء، فاعلُ لكل شيء بغير استثناء، ليس فوقه شيء، وليس بعده شيء و:"ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

mutham aljanabi2توطئة: ان المقدمة النظرية التي تلي هذه التوطئة، هي تقديم لسلسلة من المقالات التي اخطط لكتابتها ونشرها. وهذه بدورها استمرار واستكمال لما انقطعت عنه في غضون السنوات العشر الأخير لأسباب تتعلق بإحساسي وإدراكي للأولوية والضرورة في كتابة أو إتمام ما كنت منهمكا به أو مخططا له.

ان هذه المقالات التي اخطط لانجازها (بحدود عشرين – ثلاثين) هي الجزء "التطبيقي" على مثال بعض الشخصيات الصوفية، أما الجزء الأول والتأسيسي فسوف أتناول فيه القضايا الفلسفية الكبرى للتصوف "العملي". بعبارة أخرى ان هذين الجزأين هما كتاب واحد كنت قد خططت له قبل فترة طويلة بوصفه الجزء الثالث من كتابي (حكمة الروح الصوفي). وقد طبع هذا الكتاب مرتان. ويحتوي على قسمين أو كتابين، الأول ووضعته للمناطقة، اي ذوي التفكير المنطقي (تحت عنون "بذل الروح")، والثاني لذوي التفكير الوجداني من أدباء وشعراء وفنانين (تحت عنوان "فلسفة الإبداع")، والثالث، الذي سأنشر ما يمكنني الآن كتابته، موجه لأهل السياسة (وسوف انشره تحت عنوان "سياسة الروح وروح السياسة"). ولم يكن كتاب (حكمة الروح الصوفي) سوى الصيغة المكثفة جدا لفلسفتي الخاصة عن الفكرة الصوفية.

فقد كنت اخطط قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمن لوضع موسوعة الفلسفة الصوفية وليس تاريخ الفكر الصوفي وشخصياته. وقد وضعت لخطتي هذه عنوان (مائة كتاب عن مائة صوفي). وهي كتب متباينة من حيث عدد صفحاتها حسب حجم ومؤلفات هذه الشخصية الصوفية أو وتلك. ووراء كل هذه المهمة كانت تقف أمامي شخصية ابن عربي. فقد كان هو بداية ونهاية اهتمامي بالتصوف آنذاك (ولحد ما حتى الآن). حيث صرفت عليه عقود وما أزال من الزمن. لكنني لم اكتب عنه لحد الآن اي شيء! مع انه بحوزتي آلاف الصفحات"المتناثرة" عنه، والتي لم تتسن لي بعد فرصة التفرغ الكامل لكتابة ما كنت قد خططت له. وقد كانت تلك من الغاز الحياة العلمية وليست الشخصية أو الفلسفية.

ففي البداية كنت منهمكا بكتابة الرسالة العلمية عن ابن عربي لنيل درجة دكتوراه علوم (D.Sc.) في العلوم الفلسفية، وهي الدرجة الأرقى بعد الدكتوراه، والتي كان الحصول عليها في الاتحاد السوفيتي غاية في الصعوبة. بحيث لم يكن يسمح لحامل الدكتوراه العادية (Ph.D.) التقدم للبحث فيها إلا بعد عقدين أو ثلاثة عقود من الاحتراف العلمي. وفي مجرى بحثي وتأملاتي الفلسفية عن ابن عربي ظهرت فكرة مقارنته بشخصية صوفية أخرى لكي يكون للبحث مذاقه العلمي الأكاديمي وليس الفلسفي الحر. وشاءت الصدفة ان أضعه مقابل الغزالي، بحيث أصبحت الخطة هي كتابة رسالة تحت عنوان (الفلسفة الصوفية عن الغزالي وابن عربي- دراسة مقارنة). عندها أهملت أو تركت جانبا ابن عربي وأخذت بدراسة الغزالي. وقد كلفني الكثير من الوقت والجهد، وبالاخص ما له علاقة بتحقيق الصحيح من المنحول في كتبه. وقد أتممت هذا العمل على أفضل وجه. وقد كان ذلك أفضل ما كتب بهذا الصدد في كل تاريخ البحث العلمي على امتداد أكثر من ألف سنة. فقد جمعت ودرست كل ما ينسب إليه وهي بالمئات، وكل ما كتب عن هذه القضية بصورة محترفة أو عرضية منذ وفات الغزالي وحتى ثمانينيات القرن العشرين. وأفرزت بأثر الدراسة العلمية النقدية الصارمة (الجانب اللغوي والمصطلحات والأسلوب والمفاهيم والمضامين) تصنيف جديد، شكل الأساس "النقي" لدراسة الغزالي "الحقيقي". لكنني لا اعرف الآن أين ومتى ضاعت هذه المخطوطة وهي بحدود ألف صفحة من القطع الكبير (وهي ليست الوحيدة. فقد ضاعت مني مخطوطة جاهزة بثلاث مجلدات عن حياة النبي محمد، وأخرى أيضا بثلاث مجلدات عن تاريخ القرآن. لكنني عثرت قبل فترة على ثلاثة دفاتر كبيرة هي الصيغة الأولية المبعثرة عن تاريخ القرآن). أما ما يخص مخطوطة البحث في الصحيح والمنحول في مؤلفات الغزالي فقد عثرت قبل فترة قريبة على الصيغة المكثفة لهذا الكتاب. وقد أعدت تنقيحها لنشرها باللغة الروسية وهي بحدود مائة وعشرين صفحة. وسوف أعرّبها حالما يسنح لي الوقت. أما البقية الباقية من كتابي عن الغزالي فقد أنجزت خمس مجلدات كبيرة عنه أدمجت المجلد الخامس في الرابع وطبع تحت عنوان (التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي عند الغزالي). أما الجزء السادس فقد خصصته لفلسفة الحق والحقوق أو فلسفة الفقه وعلم الأصول. لكنني لم أنجزه لحد الآن. ولا اعتقد إنني الآن مستعد لانجازه، لان اهتمامي الرئيسي الآن موجه صوب إتمام عملي التأسيسي الفلسفي (فلسفة المستقبل). غير أني سأضع صيغة مكثفة عنه بحدود مائة صفحة أو اقل بقليل حالما يسمح الوقت. كل ذلك أدى إلى ان اترك مشروع (مائة كتاب عن مائة صوفي). وان استعيض عنه بكتاب (حكمة الروح الصوفي). أما أبن عربي فيبقى اللغز المحير بالنسبة لي سواء بمعايير الالتزام الروحي والعلمي أو بمعايير الأنا. وسوف أبقى إنا وإياه أمام وميض الأبد الروحي. لأنني على يقين بان كل ما كتب (إلا القلة القليلة جدا) عنه منذ موته ولحد الآن يمكن الإبقاء عليه على رفوف الماضي أو رميها في مزابل المكتبات الخربة. اذ ان اي منها لم يستطع الوصول حتى إلى أقدامه. وما وراء ذلك عوالم غير متناهية.

***

للثقافة أرواح مختلفة ومتنوعة، لكنها تنسج في مجرى مكابداتها المعرفية والأخلاقية ما ادعوه بالعقل الثقافي للأمة، اي العقل الفاعل بقواعد ومعايير المرجعيات المتسامية الكبرى للثقافة نفسها. وإحدى أهم مرجعيات العقل الثقافي الاسلامي هي الحكمة. وهذه بدورها تتخلل، من حيث مقدماتها ووظيفتها وماهيتها، جميع مظاهر العقل النظري العملي الإسلامي. ففي الفقه هي فقه حقيقة الشرع، وفي الكلام هي حكمة الدفاع عن عقائد المسلمين العامة، وفي الفلسفة هي الفلسفة ذاتها بوصفها حب الحكمة، وفي التصوف هي كله. اذ تبدأ الحكمة فيه من إدراك حقيقة الطريق إلى الحق، لتنتهي بتحقيقه في البحث عن الحقيقة، والتحقق بها بوصفه طريق الحق. الأمر الذي جعل التصوف مسعى لولاية النفس بمعايير الحق عبر الفناء به والبقاء بمعاييره. وبما أن الحق هو عين الحكمة، والحكمة هي مظهر الحق، من هنا تنوعها غير المتناهي في الشخصية الصوفية. وليس مصادفة أن تكون فكرة الولاية والأولياء من نصيب الفكرة الصوفية وطرق تحقيقها في الطريق الفردي. من هنا اثر التصوف في بلورة المرجعيات الروحية الكبرى للثقافة الإسلامية وعقولها النظرية والعملية. بحيث يمكننا القول، بأن الثقافة الروحية الإسلامية لا تعقل خارج التصوف، فهو الذي صاغ وبلور مرجعياتها المتسامية. وقد وافقه ورافقه التشيع في بعض جوانب هذه الصفات، عندما رفع فكرة الولاية إلى مصاف الولاية الأبدية. بل اعتبر الولاية الحقة له ومنه كما في الشعار القائل "لا ولي إلا علي".

غير إن الفرق بين التشيع والتصوف يرتقي إلى مستوى التباين النوعي في المنظومة وعقائدها وغاياتها. ففي التشيع تعود أصول فكرة الولاية إلى تاريخ الصراع السياسي وتأسيسه العقائدي والديني، بينما تعود في التصوف إلى تاريخ الوعي الذاتي لقيمة الروح المتسامي. وبالتالي ليست فكرة الولاية الصوفية سوى نموذج الإفناء الشامل للرذيلة والبقاء بقيم الفضيلة المتسامية، اي كل ما يرافق الإرادة المتفانية للروح والجسد في تحقيق المثال الأخلاقي في طريق الحق والحقيقة. وفي مجرى هذه العملية تتراكم الإرادة الصوفية بوصفها تهذيبا وتنقية دائمة لكل ما يمكنه تحقيق النزوع الإنساني الفعلي في مواجهة إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للمتصوف. بمعنى إدراك الحقائق الكبرى والعميقة التي يجري اكتشافها في مسار التجربة الذاتية. وهي تجربة فردية وفردانية بالضرورة. لكنها في الوقت نفسه تعكس اثر المرجعيات الثقافية الكبرى في الثقافة العامة والخاصة.

فالتصوف الاسلامي هو إسلامي بالضرورة. وبالتالي، فإن صيرورته وكينونته محكومة بأثر وتأثير المرجعيات الفكرية والروحية والثقافية الكبرى للدين الإسلامي والثقافة الإسلامية. وشأن كل ظاهرة كبرى ومؤثرة وجوهرية في صيرورة وكينونة الروح الثقافي عادة ما تبدأ بشخصية وتنتهي بانتهاء قدرتها على الإبداع الحي. وليست هذه البداية "الشخصية" سوى نهاية ما ادعوه باللحظة التأسيسية للفكرة والتيار والمدرسة. وفيما يخص التصوف، على الأقل بمعايير التصنيف التاريخي الصوفي، أو بصورة أدق بمعايير تصنيف السلسلة الصوفية، فانه عادة ما يربطه بشخصية إبراهيم بن ادهم. أما في الواقع فإن "بدايته" الصوفية هي نتاج تراكم تاريخي هائل في صيرورة الروح الأخلاقي الإسلامي المتسامي الذي وجد تعبيره في الأتقياء والورعين والزهاد وفدائي الروح السياسي المتسامي. وقد أشار إبراهيم بن ادهم نفسه على من قبله في هذا المسار إلى كل من ثابت البناني، وأيوب السختياني وغيرهم.

***

ان حقيقة التصوف أو ما ادعوه بحكمة الروح الصوفي هي البقية الوحيدة الباقية من حصيلة الثقافة الإسلامية. فكلا ما عداه أما ميت، أو "حي" في بعث الأموات، أو متهالك في دفع الأحياء صوب الجحيم. والسبب يمكن ان التصوف روح متسام من الناحية المجردة، وفعال في تربية الارادة المتسامية، وخلاق في تهذيب الإدراك الوجداني، ولابد منه في ترقية الجميل بشكل عام والأدب بشكل خاص. وقد حدس السلمي في عبارته القائلة، بان المتصوفة هم "أولئك الذين يثبتون ظواهر الشريعة وبواطن الحقيقة ويحملون الأمة على آدابها"، وبالتالي "إنهم خلفاء الأنبياء"1 . وفيما لو أنزلنا هذه العبارة من علياء البلاغة القديمة إلى ميدان الحكمة العملية، فأنها تعني بان لكل زمن دعاته وأولياءه، اي لكل زمن نخبه المتسامية بوصفه أسلوب وجود الحكمة الحية في حياة الأمم. أما انعدامهم أو ضعفهم التاريخي والفعلي فانه مؤشر على "موت" الأمم أو سباتها العلمي والعملي. والعالم العربي المعاصر ليس بحاجة إلى "خلفاء الأنبياء" بالمعنى الديني واللاهوتي، بل إلى خلفاء الوحي التلقائي والمبدع في مواجهة إشكاليات وجودنا التاريخي الواقعي عبر تحديه الفعلي وإرساء أسس البدائل المستقبلية بمعايير المستقبل نفسه.

***

لقد كان الروح وما يزال يثير بقدر واحد إشكاليات لا تحصى أمام منطق الفلاسفة، ويستثير وجدان الشعراء في بحثهم عن صيغة متجانسة (هرمونيا) للشكل والمعنى. بينما لا تفعل في الوعي اللاهوتي إلا على كسر إرادته بالانحناء أمام "سر الإسرار" والقبول به بوصفه قيمة ومعنى لهما تاريخهما الخاص في الإرادة الأزلية للآلهة.

أما بمعايير المنطق التاريخي، فان إشكالية الروح والروحانية ليست إلا الصيغة العقلية والأخلاقية الملازمة لتاريخ الفكر والوجود الإنساني. وليس مصادفة أن يتطابقا في الشكل والمعنى. وذلك لأنهما يحتويان على أصل وجذر واحد، بمعنى أنهما كلاهما يمتصان رحيق وجودهما من أرضية المعاناة الإنسانية في البحث عن المعنى وبلوغ الكمال. وهي عملية يمكن رؤية ملامحها المنطقية المجردة في تاريخ انتقال الفكر والفكرة من الروح العادي إلى الروح المعرفي ومنه إلى الروح المطلق. عندها جرى قفل "تاريخ الروحانية" بالمعنى القديم. أما المحاولات التي سعت لتجاوز هذه التقاليد، فانه جرى خزنها ضمن مصطلح "الروحانية". من هنا بقاء الأولى من حيث كونها تاريخ وتقاليد وفكرة وإشكالية معرفية نظرية وعملية، واندثار الثانية بوصفها ولعا عابرا أو مرحلة قلقة في بحث الروح عن روحانية راديكالية!

أن بقاء الروحانية وإثارتها للجدل الفكري والبحث الفلسفي مرتبط أساسا بطبيعة الترابط التاريخي بين مصادرها الأولى وحالتها في العالم الحديث، بوصفها فكرة متسامية. إذ ليست الروحانية في الواقع سوى الصيغة المعبرة عن محاولات تجاوز الأرضي والتاريخي صوب السماوي وما وراء التاريخي.

إن هذا التوجه لم يكن معزولا عن تناقض العقل والوجدان حالما أخذا بالصراع باعتبارهما أساليب منهجية في الرؤية والمواقف العملية. وهو تناقض مازال يشغل حيز التأمل الفكري والاجتهاد الفلسفي. وقد تكون قضية الأخلاق من بين أكثرها إثارة وجلاء بهذا الصدد. أي ما هي الطريقة المثلى لبلوغ حالة الكمال الأخلاقي، وما هي الأساليب النظرية والعملية الكفيلة بتجسيد أو تحقيق مهمة الكمال. وهي فكرة حالما يجري التأسيس لها بمعايير الفكر الفلسفي، فإنها تضع الفكر بالضرورة أمام "المهمات العملية".

ولكل عصر مهماته العملية التي تدفع بها هذا الشكل أو ذاك من أشكال الوعي إلى المقدمة بوصفه الصيغة الأكثر تعبيرا عن تحقيق الكمال الأخلاقي، أي عن كمال الروح. بعبارة أخرى، إن الروح الذي شغل الوعي الأسطوري والمنطقي، الفلسفي العقلي واللاهوتي، الديني والدنيوي، وما يزال يشغله بمختلف أشكاله ومستوياته، لم يفقد قيمته بمعايير العقل والوجدان الحديثة أيضا. الأمر الذي يشير إلى جوهرية فكرة الروح والروحانية العالمية والتاريخية. إذ ليست الروح والروحانية سوى الاشتقاق الأكثر سموا للتعبير عن الإشكالية النظرية والعملية للمعنى التي لا تعقل الفلسفة بدونها.

فالتفكير الفلسفي منذ البدء هو بحث واجتهاد خاص عن المعنى. من هنا تداخل الحس والعقل والحدس في مغامراته المغرية. وأبدعت مختلف المراحل التاريخية والثقافات تصوراتها وأحكامها ومدارسها الرامية إلى إيجاد الصيغة المثلى للكمال الروحي. ومن بين هذه الاتجاهات أو المدارس الكبرى في الثقافة الإسلامية تجد الإشارة إلى التصوف.

فقد أبدع التصوف منظوماته الخاصة بهذا الصدد. من هنا إثارته للاهتمام العلمي الفلسفي بما في ذلك في ظروفنا المعاصرة التي جعلت من قوة التكنيك والاستهلاك والسرعة عناصر جوهرية في طاقة الوجود الإنساني ولحد معناه. غير أن التأمل العميق لهذه الظاهرة يكشف عن أن غبار الزمن لا يمكنه تغطية معنى القيمة التاريخية الكبرى في رؤية الأسلاف وتجاربهم في البحث عن الكمال. والسبب يكمن في أن توجههم صوب المطلق كان يحمل في ذاته توجها صوب النفس والبحث فيها عن تناقضات الوجود، أي عن المعنى. وهو توجه لا مكان فيه للسرعة، لأنها تصبح مجرد عجالة. وبالتالي لا قيمة لها (السرعة) ضمن سياق هذه المنظومة الخاصة للقيم والبحث عن المعنى. على العكس إنها لا تنتج غير عرقلة وتخريب التراكم الضروري لخميرة الإرادة في البحث عن المعنى، والكمال بمعاييره.

ولعل شخصية ابن عربي من بين أكثر الشخصيات الكبرى في التصوف، التي تركت أثرها في هذا الميدان. من هنا الاهتمام العالمي المتزايد به مع كل إجلاء متجدد لتراثه الذي ظل مغمورا تحت ثقل طين السيول المدمرة لمراحل الانحطاط وهيمنة اللاهوت التقليدي. وليس اعتباطا أو مصادفة أن يأخذ باحتلال المكانة الكبرى وسط الباحثين والعلماء الكبار في ميدان الفلسفة والتراث الإسلامي.

أما محاولات ربط التصوف وأصوله وبعض شخصياته بأثر وتأثير الأديان الأخرى من بوذية وهندوسية ونصرانية وغيرها فلا تعدو كونها مقارنات مفتعلة ولا قيمة عليمة فيها. وذلك لان هذه التصورات والأحكام تتسم بقدر كبير من الجهل والتسطيح. فالتصوف أصيل بكل ما فيه. والسبب يكمن في جذوره وأصوله الذاتية (الإسلامية). وكل ما عد ذلك مجرد مظاهر تستهوي التطفل والعابر وليس المعرفة الحقيقية.

وفيما لو تناولنا هذه القضية بمعايير الرؤية العلمية الدقيقة، فمن الضروري الانطلاق من واقع اختلاف الآراء والمواقف من حقيقة التصوف وماهيته ومن ثم أصوله وجذوره. وهذا بدوره مرتبط أما بالرؤية المنهجية أو بمستوى المعارف والمدارك. إلا ان هذا المدخل العام لا يحل كما يقال هذه الإشكالية، وذلك لان الحكم على التصوف يفترض الإلمام والدراية به من حيث كون علما وعملا، وتقاليد ومنظومات وفلسفات. وهذه بدوها وثيقة الارتباط بكافة مكونات ومراحل الثقافة الإسلامية. ان الجهل بهذه الجوانب أو عدم درايتها ومعرفتها كما هي، عادة ما يقف وراء الأحكام السريعة والسطحية عن التصوف، بما في ذلك فيما يسمى بالدراسات "العلمية" و"الموضوعية" التي تحاول البرهنة على ان التصوف هو "نتاج" مدارس أو أديان ما أخرى غير الاسلام وتاريخه الثقافي.

ان التصوف هو المدرسة الأوسع والأعمق والأكثر أصالة للثقافة الإسلامية. انه مدرسة المطلق الاسلامي الثقافي والتاريخي.

ففيما لو أجملنا حصيلة المدارس أو الاتجاهات النظرية والعملية الكبرى التي لازمت تطور العقل النظري والعملي في الثقافة الإسلامية، فان من الممكن حصرها بأربع وهي الفقه وعلم الكلام والفلسفة والتصوف. والفقه والتصوف هما المدرستان الإسلاميتان الأكثر أصالة وصميمية. وشأن كل مدرسة أو تيار أصيل وصميمي، فانه ذاتي بالضرورة، اي انه نتاج تلقائية التطور الذاتي للثقافة المعنية.

فكل ما في التصوف أصيل بذاته، وإسلامي، بمعنى انه نتاج تطور الثقافة الإسلامية كما هي. واقصد بذلك الثقافة العامة وليست الدينية. فالثقافة الإسلامية أوسع بما لا يقاس من ان تربط بالدين لحاله وحده. وذلك لان الدين لا يشكل من حيث الجوهر فيها إلا نسبة ضئيلة جدا للغاية. وما عدا ذلك، بوصفه مضمونها التاريخي، هو نتاج الاجتهاد العقلي والروحي في مختلف ميادين الحياة والوعي.

والتصوف هو احد نماذج ومستويات وميادين التجربة الحسية والعقلية والحدسية للثقافة الإسلامية في محاولاتها تأسيس فكرة المطلق، أو ما أطلق عليه التصوف عبارة الحق والحقيقة. فهي الوحدة الخاصة التي ميزت وجوده التاريخي والفكري والروحي، التي نعثر عليها في مجرى المعاناة الهائلة والمتنوعة لشخصياته على امتداد قرون في مجال تدقيق وتحقيق وتشذيب وتهذيب مختلف علومه وطرقه وأساليبه ومفاهيمه واصطلاحاته وقواعده ومبادئه، اي كل ما يميز فرادته الأصيلة. بحيث يمكنني القول، بان كل ما في التصوف أصيل بصورة تامة. وإذا كان أسلوبه الشكلي يتمظهر في وحدة الطريقة والشريعة والحقيقة، فلأنها الصيغة التي تعكس أولا وقبل كل شيء صيرورته الذاتية. انه طريق بلوغ الحقيقة عبر التمرس في شريعة الأمة التاريخية، اي منطق إدراكها للحق في مختلف ميادين الحياة. وهي الصفة الجوهرية للتصوف الاسلامي، التي لا نعثر على شبيه لها في كل نماذج التصوف الأخرى على الإطلاق. من هنا عمق تجارب التصوف الاسلامي النظرية والعملية وتنوعها الهائل.

طبعا اذ ذلك لا ينفي إمكانية تأثيره بمختلف المدارس والاتجاهات والشخصيات الدينية والدنيوية، الفقهية والكلامية، الفلسفية والعلمية الطبيعية، والشعر والشعراء والأدب والأدباء، المؤرخون وأهل السياسية، باختصار في كل ميادين ومجالات ومستويات المعرفة الإنسانية. فالتصوف كان يصهر كل نتاج التجارب الإنسانية من خلال تذويبها في تجاربه الخاصة. وهذه صفة المدارس الحية الكبرى. ان التصوف تجربة أو تجارب حية وليست عقائد ميتة. كما انه تميز على الدوام بانفتاح فكري وروحي هائل، من هنا عظمة كل ما فيه من الكلمة والعبارة حتى نظام الروح المتسامي.

أما الصيغة الشائعة "الشعبية" والغبية عن ربط التصوف بدروشة الأسواق الخربة والمحلات القديمة إضافة إلى الخرقة والمسبحة واللباس الرث وكثير غيرها، فأنها أما سوء فهم أو جهل أو تسلية جلساء المقاهي العتيقة المغرمة بدخان التبغ اللذيذ وعفونة النارجيلة! اذ لا علاقة جوهرية للتصوف والمتصوفة بهذه الترهات! ومن ثم فان هذه التصورات ليست إلا "خواطر" لتسلية الإنسان "العادي"، اي غير المحترف في هذا المجال، أو غير العارف بحقائق التصوف العامة، أو غير المتعلم بمعايير المعرفة العلمية أو غير المثقف بمنجزات العلم والرؤية العلمية المعاصرة. وبالتالي فهي جزء من الأوهام والخرافات التي لازمت مراحل الانحطاط التاريخي للثقافة الإسلامية، الذي أصاب التصوف أيضا.

ان حقيقة التصوف هي تجربة المطلق. ومن ثم فهي متنوعة وعلى قدر شخصياته. وبالتالي، فان كل ما لازمه من مظاهر عالقة لا علاقة صميمية لها بحقيقته. وقد أطلق الصوفية على هذه الأشياء عبارة "ترهات الصوفية". من هنا قولهم، إذا أردت حقيقة التصوف فابذل روحك، وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية! والخرقة والمسبحة وما شابه ذلك هي مظاهر لهذه "الترهات"، حالما تصبح ذات قيمة بحد ذاتها، ومعزولة عن جذورها وحقيقة حاملها. فالفنان العظيم والموسيقي الكبير والشاعر الفحل والفيلسوف الأصيل قد يصاب كل منهم بأثر حالة الإبداع بذهول واندهاش من الهام الإبداع يجعله غريبا في السلوك والأطوار والأذواق. اي كل كما يبدو في أعين الآخرين "جنونا". بينما الجنون كما يقال فنون، اي متنوع الصور والأشكال والمستويات. وما يبدو جنونا بمعايير الرؤية العادية هو عين العقل بمعايير الإبداع الكبير. بمعنى انه يتجانس مع حقيقة الإبداع التي تنفي وتنتهك الأعراف والتقاليد والمظاهر وتعيش بفعل ما فيها من وحي ذاتي. أنها تعيش وتعمل وتفعل بمعايير الروح والقلب. لكن الأمر يختلف حالما يقلد الجاهل والعادي والبليد هذه المظاهر. فخرقة الصوفي الأصيل شأن ملابس الفنان العظيم الرثة. ليس لأنه يحب الرثة، بل لأنه مشغول بما هو اكبر وأوسع وأعمق. انه يتجاهل المظاهر المزيفة والعرف المقيد للروح لأنه يعمل بمعايير أخرى، ويزن الأشياء بموازين أخرى. ومن تعود على وزن الحجر أو البطيخ فقط، قد يستهزئ بميزان الذهب والدر. بعبارة أخرى ان لكل شيء ميزانه الخاص. والخرقة والمسبحة أيضا، مع إنهما ليستا جوهريتان في التصوف، إلا ان لهما ميزانهما الخاص في تاريخ التصوف. واقصد بذلك رمزيتهما الخاصة، وبالاخص ما يمس الخرقة. ذلك يعني ان لكل منهما تاريخه الخاص. ولا ضرورة هنا للاستفاضة بكيفية نشوء هذه الأشياء ووظيفتها ضمن الطريق الصوفي وتربية المريد وسلوك الشيوخ. لكنني اكتفي بالإشارة إلى أنها، شأن كل ما في التصوف، ليس إلا حالة عابرة أمام مهمة وجدان المطلق، اي الذوبان في فعل الحقيقة من اجل إدراك النفس وتهذيبها الدائم. فهو طريق لا ينتهي ولا يتناهى، شأن الحق والحقيقة: جلي عصي ابد الآبدين! بعبارة أخرى، ان حقيقة التصوف فيما أشرت إليه في العبارة الأخيرة ولا شيء آخر!

***   ***   ***

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر عراقي

........................

1- السلمي: بقات الصوفية، ص4-5.

 

 

jafar alhakeemحوارات في اللاهوت المسيحي (29)

يقوم الإيمان المسيحي على مجموعة متداخلة ومترابطة من الاعتقادات التي تكوّن في مجموعها التصور العام الذي يقدمه هذا الإيمان لطبيعة الحياة والخلق ومسيرة الانسانية وعلاقة الانسان بالخالق.

ومن أهم هذه الاعتقادات هي عقيدة الفداء والصلب وتجسّد الإله بشكل الانسان، وما يرتبط بها من افكار اخرى مثل الخطيئة الاولى الموروثة والخلاص.

وتقدم لنا الميثالوجيا المسيحية، تعديل واضافة على قصة الخلق التي وردت في نصوص سفر (التكوين) من كتاب اليهود المقدس، حيث تلخص الاضافة المسيحية لهذه القصة، التصور الاجمالي لهذه العقيدة حول الخلق ومصير الانسانية !

وحسب قصة سفر(التكوين) ...قام ( آدم وحواء) بكسر تعليمات الرب، واقترفا الخطيئة الأولى حين اكلا من الشجرة المحرمة ، وهنا تبدأ الاضافة المسيحية لتأويل القصة، حيث تمّ اعتبار هذه الخطيئة هي بمثابة (خطيئة غير محدودة!) لانها وقعت بحق اله (غير محدود!)

وتمّ اعتبار أثر هذا الفعل الخاطئ بمثابة موروث جيني سينتقل الى جميع أفراد الذرية التي تنحدر من نسل آدم وحواء !!

وهذا طبعا، ينسف كل قوانين الوراثة وعلم الجينات !.... فالافعال هي بالنتيجة قرار شخصي ولا تستلزم انتقالها وراثيا من الأبوين للابن، فمثلا، الأب الذي يرتكب جريمة السرقة او التزوير، سوف لن يورث فعل هذه الجريمة الى ابنائه ، ولن يكون الابناء مزورين بالوراثة!

وحسب الميثالوجيا المسيحية، وبعد ارتكاب ابوينا لفعل الخطيئة الاولى( الغير محدودة) اصبح الرب الخالق في ورطة!!

لان الرب بطبيعته، يحب البشر ويريد ان يرحمهم ويسعدهم، لكن، بنفس الوقت، تقتضي عدالته المطلقة، معاقبة البشر على الفعل الخاطئ الذي ارتكبه الأبوان في الجنة، والذي انتقل اثمه ومسؤوليته الى جميع افراد الإنسانية في كل زمان ومكان !

وأمام هذا الموقف الحرج، حيث تصادمت محبة الرب مع عدالته، لم يكن أمام الرب الا وضع خطة للخروج من المأزق!

فكان، لابد من ان يقرر الرب بأن يقوم هو بافتداء خطايا البشر بنفسه، ولذلك وجب عليه ان يتجسد على شكل انسان، ويأتي بملئ الزمان، ليقوم بتقديم دمه المقدس الطاهر، على مذبح الفداء والكفارة لخطيئة الانسان، فيحصل بذلك، البشر على الخلاص والغفران !!

ان تنفيذ هذه الخطة الالهية المحكمة، تتطلب وجود أدوات ووسائل تضمن نجاح تطبيقها على أرض الواقع في عالم البشر، ومن بين الأدوات التي يستلزمها سيناريو الخطة، هم البشر الذين سيقومون بتنفيذ تفاصيل ذلك السيناريو، ومن أهم الوسائل لتنفيذه ، هو أن يكون أولئك البشر، غير مدركين بحقيقة الخطة، ولا يعرفون ان ما يقومون به هو تقديم الرب خالقهم وخالق الاكوان الى مذبح الموت، لانهم لو عرفوا تلك الحقيقة الصادمة، لما تجرأوا وأقدموا على فعل هكذا جريمة مزلزلة، الا اذا كانوا مجانين وبلا عقول، وفي هذه الحالة لن يكون عليهم اي حساب ولا مسؤولية!!.....

لأنه ليس على المجنون من حرج!!

النصوص الدينية المسيحية، تؤكد دائما ان شخص يسوع المسيح، قد تم التبشير به ضمن نبوءات كثيرة وردت في متون العهد القديم، ويقينا، ان الغرض من هذه النبؤات المتكررة، هو لكي يعرفه قومه اليهود ويؤمنون به ، حين يأتي إليهم….

ومن أهم تلك النبؤات والعلامات (حسب الرواية المسيحية) التي سينفرد بها يسوع الناصري، وتكون دليلا دامغا على انه هو المسيح المنتظر، هي علامة ولادته العذرية، حيث سيكون الإنسان الوحيد الذي يولد من دون تدخل بشري، والنصوص التي يدعي المسيحيون انها تشير لهذه العلامة الفريدة شهيرة ، وقد ناقشناها في مقالات سابقة.

وهنا يجب ان نتوقف عند نقطة مهمة ومثيرة للتساؤل إلى درجة التعجب ، نظرا لتناقضها وعدم اتساقها مع المنطق !

فالقصة الإنجيلية التي قدمت لنا سيرة حياة يسوع الناصري، أكدت ان قوم يسوع لم يكونوا يعلمون بموضوع ولادته العذرية!

لان خطة الرب اقتضت ان تضع (يوسف النجار) في طريق (مريم) ليكون خطيبها أثناء فترة حملها بيسوع، وبذلك كان الجميع يعتقد ان يسوع الناصري هو الابن الطبيعي ليوسف النجار من زوجته مريم

(وَكَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ، وَيَقُولُونَ:أَلَيْسَ هذَا ابْنَ يُوسُفَ؟) لوقا4

وبنفس الوقت، لم نجد يسوع الناصري يصحح لهم هذه المعلومة، ويخبرهم انه مولود بطريقة عذرية اعجازية، بل تركهم على اعتقادهم الخاطئ، وبذلك فات عليهم ادراك تحقق اعظم نبؤة ، واهم علامة من علامات مسيحهم المنتظر!!

وبقي (سر) الولادة العذرية محصورا في نطاق الاسرة فقط، ولم يعرفه احد الا بعد مرور عشرات السنين على صلب يسوع حين أخبر عن ذلك السر الأشخاص الذين كتبوا إنجيل لوقا وإنجيل متى(فقط) ولكن بعد ان ( وقعت الفأس بالرأس!!!)

ومن جهة أخرى، وبالوقت الذي نجد ان يسوع الناصري، لم يصرح ابدا بشكل مباشر و واضح للناس، انه هو الإله الذي تجسد وجاء الى هذه الدنيا ، ولم يطلب من الناس بشكل صريح ان يعترفوا له بالألوهية او ان يعبدوه، ولم يدع ذلك ابدا

في الوقت ذاته، نجد يسوع الناصري، احيانا، يصر ويحرص بشكل غريب، على اضلال السامعين له من غير تلاميذه،

و تتويههم، لكي لا يعرفوا حقيقته، فيؤمنوا به، وبذلك يكونوا مستوجبين للغفران !!!

( وأما الذين هم من خارج ، فبالأمثال يكون لهم كل شيء.لكي يبصروا مبصرين ولا ينظروا، ويسمعوا سامعين ولا يفهموا، لئلا يرجعوا فتغفر لهم خطاياهم) مرقص 4

من هذا كله، نستنتج ان القوم الذين عاصروا يسوع الناصري، ولم يؤمنوا به ، وقاموا بمحاكمته وتقديمه الى الصلب، لم يكونوا عارفين بتفاصيل الخطة الالهية الرصينة، وانما كانوا مجرد أدوات قد استخدمها الرب من اجل تنفيذ السيناريو الذي وضعه على مسرح الواقع، وقد قاموا بالفعل بأداء تلك الادوار التي اوكلت اليهم، بعد ان تم خداعهم واستدراجهم من قبل الرب ، ليكونوا مشاركين ( من غير علم ولا اختيار) في تطبيق خطته التي حسمها وقرر تنفيذها بشكل متقن !!

(بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا،

الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ!!!) كورنثوس الأولى 2

ان نجاح خطة الرب، و اتمام مهمته الفدائية، بعد اكمال عملية صلب يسوع الناصري، قد ضمن الخلاص والنجاة لمليارات البشر من الذين آمنوا بهذه القصة ( العقيدة حسب الايمان المسيحي)

والسؤال الذي يطرح نفسه الان، حول الناس الذين تسببوا بشكل مباشر او غير مباشر في صلب يسوع الناصري، ونجاح خطته الإلهية، وخلاص مليارات البشر، الا يستحق هؤلاء المكافأة على مشاركتهم في نجاح الخطة وإنقاذ البشرية؟!

وقد يأتي الجواب على الشكل التالي، وهو ان هؤلاء القوم، قد ارتكبوا جريمة بشعة، وهي تقديم انسان بريئ الى الموت، و يستحقون العقوبة على هذه الفعلة حتى وان كانوا جاهلين بحقيقة الوهية يسوع الناصري

وهذا الجواب مهم، وجدير بالاعتبار، ولكنه بنفس الوقت، يتعارض مع نصوص الكتاب المقدس!

حيث اننا نجد في العهد الجديد، ان انجيل لوقا ينفرد بذكر معلومة مهمة جدا في اطار سرد تفاصيل قصة الصلب ، رغم ان السيد (لوقا) لم يكن من ضمن شهود العيان الذين حضروا أحداث تلك القصة !

فقد ذكر انجيل لوقا في الإصحاح 23 ان يسوع الناصري في طريقه الى الصلب، قال وهو يخاطب الرب:

(يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ)

وهنا يجب ان يستوقفنا هذا الدعاء الصادر من الرب المتجسد الى النسخة السماوية من الإله ( الآب) والذي يتضمن طلب الغفران للذين ساهموا بتقديم يسوع الناصري الى مذبح الموت ، مع الاخذ بالاعتبار ان يسوع الناصري حينما تقدم بهذا الطلب ، كان بالتأكيد جادا وحريصا على شمولهم بالمغفرة، ولم يقل كلمات دعائه لغرض المجاملة او الدعاية!

لان يسوع الناصري كان على يقين بأنه حين يدعو ويطلب من الرب، فإن طلبه سوف يتم قبوله وتحقيقه

(وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي) يوحنا 11

وبناءا على ما ذكره إنجيل (لوقا) فإن القوم الذين قاموا بضرب وتعذيب واهانة يسوع الناصري ومن ثم صلبه، قد غفر لهم حسب طلب الإله المتأنسن (يسوع) من الإله السماوي ( الاب) ، مع ملاحظة ان طلب المغفرة قد جاء حتى من دون ان يؤمن هؤلاء القوم بيسوع و لا بألوهيته ، بل أثناء تماديهم وإصرارهم على فعلتهم !

وقد يجيب البعض، ان هذا امر طبيعي ، لان يسوع هو الرب الذي يحب البشر ، ويغفر حتى للمسيئين إليه

وهذا كلام رائع وجميل ويدعو للتفائل ، لكنه مع الاسف يصطدم مع حقائق اخرى ذكرها العهد الجديد، تجعل المغفرة والخلاص احتكار (حصري) للمؤمنين الذين تتطابق عقيدتهم مع المسيحيين فقط !

فالعقيدة المسيحية تضع الإيمان بيسوع المسيح، وقبول عمله الكفاري على الصليب شرطا لنيل الخلاص وبه يتبرر الإنسان

(آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ) اعمال الرسل 16

وبدون الايمان ، لن يحصل الانسان على الخلاص والمغفرة، وسيكون مصيره الابدي هو العذاب في بحيرة النار والكبريت مع المجرمين والزناة والقتلة، حتى لو قضى حياته كلها بفعل الخير والمحبة والأعمال الصالحة ...فلن تنفعه !!!!

(وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ، فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي) سفر الرؤيا 21

من كل ما تقدم، لابد ان يقف المرء حائرا أمام هذا التناقض والاضطراب، بين النصوص والعقائد المشتقة منها، فالرب حسب الميثالوجيا المسيحية، حبوب وحنون وغفور للذين عاصروه، ولم يؤمنوا به ، بل كذبوه واهانوه وصلبوه، لكنه بنفس الوقت صارم و حاسم تجاه مليارات البشر (من غير المسيحيين) الذين لم يؤمنوا بقصته، وربما لم يسمعوا بها اصلا، او وصلتهم بعد مئات والاف السنين ، ولم يصدقوها او تعاملوا معها على اساس انها ليست سوى خبر تاريخي، لا يمكن التحقق من مصداقية جميع تفاصيله !

ان هكذا ميزان للعدالة الإلهية، لا بد وان يكون مصابا بالعطل او الاعوجاج المتحيز، وليس أمام العقل السليم سوى رفضه

وعدم القبول به….او السير خلف قاعدة...اغلق عقلك.... لتؤمن….فتنجو !!!

 

د. جعفر الحكيم

 

عدنان عويد﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً (106)﴾ الكهف.

كثيراً ما نسمع أو نقرأ معاً مقولة : (الإسلام صالح لكل زمان ومكان) من قبل بعض مشايخ الدين، أو من قبل بعض التنظيمات السياسية الإسلامية التي على أساس هذه المقولة طرحت مشروعها السياسي القائم على فكرة (الحاكمية) في تاريخنا الحديث والمعاصر، وخاصة بعد سقوط الخلافة العثمانية وانفصال المشرق العربي ومصر عن هذه الخلافة، ثم مجيئ الاستعمار الفرنسي والانكليزي، بمشروعي سايكس بيكو ووعد بالفور التقسيميين التفتيتيين للمشرق العربي في منطقة سورية الكبرى، وتشكل اللوحة الجغرافية والسياسية المعروفة اليوم في عالمنا العربي.

مع انتهاء الخلافة العثمانية وتشكل هذه الدول القطرية، راح بعض من كتابها ومفكريها وسياسيها النهضويين، يطالبون بمشروع الدولة القومية للمشرق العربي بشكل خاص، أولمشروع الدولة العربية الواحدة في مشرق العالم العربي ومغربه بشكل عام، ولكن في الوقت ذاته وجد من بين هؤلاء الكتاب والمفكرين والسياسيين من ظل يحمل مشروع الدولة الإسلامية ويطالب بإعادة إنتاجها بعد أن أنهى وجودها السياسي "كمال اتاتورك بعلمانيته. هذا مع تأكيدنا هنا بأن بعض الدول العربية التي قامت بالمشرق العربي بعد سايكس بيكو، اتخذ حكامها طريقاً لنظام حكم يقوم على الفكر الوضعي في بناء الدولة ومؤسساتها. وتأتي العلمانية كقاسم مشترك بين سياسة حكومات هذه الدول باتجاهاتها الليبرالي أو القومي أو الاشتراكي، بغض النظر هنا عن عمق ودرجة هذه العلمانية المطروحة من قبلهم.

أما السبب الرئيس في طرح المشروع العودة إلى دولة الخلافة، فهو لمواقف سياسية في الدرجة الأولى، حيث كان وراءه مسألتان هما: ظهور "كمال أتاتورك" الذي قضى على الخلافة العثمانية وسار على طريق بناء الدولة التركية العلمانية بعد تحييده للدين أولاً. وهذا ما آثار القوى الدينية السلفية عليه وتكفيره، ومحاولة تفنيد مشروعه من خلال العودة إلى النص الديني (القرآن والحديث) والبحث عن أدلة تبين أن الإسلام دين ودنيا، والموقف الدنيوي في الإسلام، هو الموقف الذي يمنح الدين بعده السياسي، وأن (الحاكمية) هنا، هي حاكمية سياسية. وثانياً: الموقف السياسي أيضاً الذي حمل مشروعه العديد من المشايخ السلفيين الذين وجههم "الملك فاروق" أو غيره من الحكام العرب الطامحين بالخلافة الإسلامي بعد انهيار الخلافة الثمانية آنذاك. ويأتي حزب (الإخوان المسلمون) الذي تشكل عام (1928) ، أي بعد أربع سنوات من انهيار الخلافة العثمانية على يد أتاتورك، في مقدمة المطالبين بعودة هذه الخلافة الإسلامية، وضرورة تنصيب الملك فاروق خليفة للمسلمين. هذا وقد لاقى تيار الخلافة أو الحاكمية ردود أفعال مناوئة لدعاته ليس من قبل العلمانيين فحسب، بل ومن قبل من بعض رجال الدين المتنورين الذين رفضوا اعتبار الدين مشروعاً سياسيا، ويأتي في مقدمة المناوئين لهذا الموقف القاضي والشيخ "علي عبد الرزق" - على سبيل المثال لا الحصر- في كتابه (الإسلام وأصول الحكم). مع تأكيدنا هنا على أن كلا الطرفين المؤيدين لمسألة الخلافة قد اعتمدا على إعادة تفسير وتأويل النص القرآني بما يخدم رؤيتهم، بعد أن قطعوا الكثير من النصوص المقدسة من سياقها النظري والتاريخي معاً، كاعتمادهم مثلاً على نص بعض الآيات مثل قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (المائدة -).44 و (فأولئك هم الظالمون) [المائدة : 45] و(فأولئك هم الفاسقون) [المائدة : 47]. آخذين بعموم اللفظ في تفسيرهم لهذه الآيات، ومقصين خصوصية السبب في نزولها من جهة. حيث أن كتب التفسير تشير إلى أن هذه الآيات نزلت باليهود وهي تتعلق بأمر قضائي وليس سياسياً، ودليلهم على ذلك النص القرآني ذاته. كما جاء في سورة المائدة قوله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45). سورة المائدة.

ومن جهة ثانية، فإن مضمون ودلالات الآيات يتعلق بمسائل قضائية تتعلق بالأحوال الشخصية وليس السياسية. وإن وجد هناك بعض الآيات التي تشير بهذا الشكل أو ذاك إلى بعد سياسي كما يريد أن يفهمها بعض دعاة الخلافة، فهو عام وغير محدد. أي هو لم يحدد شكل الدولة وطبيعة الحكم وترك إدارة هذه الأمور للناس أنفسهم كما تقول آيتي الشورى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.. [آل عمران : 159]. و قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [سورة الشورى: آية 38). فدلالات هاتين الآيتين تقوم على دعوة عامة للرسول بأن يتشاور مع المسلمين، ووفقاً لطبيعة خصوصيات عصرهم في آلية تداول أمر المشاورة حول قضايا يشعر الرسول بأن الحاجة تستدعي ذلك ولم ينزل بها نص قرآني واضح للبت فيها، بل من حقه أيضاً أن يعزم أمره كما يراه هو ويتوكل على الله في اتخاذ القرار إذا أراد، حتى ولو تمت المشاورة.

ومن جهة ثالثة: اعتمد أصحاب هذا الموقف السياسي الداعي إلى الخلافة أو الحاكمية أيضاَ على آيات أخرى أكثر عمومية كقوله تعالى : ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾. [النحل: 89] وقوله تعالى: «ما فرطنا في الكتاب من شيء». وهم هنا يجانبون الصواب أيضاً في دلالات هذه الآيات، ويضعونها في غير موضعها، بتأكيدهم على أن القرآن تناول جميع الامور، ولم يهمل لا كبيرة ولا صغيرة .. ومن يتابع السياق النظري وخصوصية نزول آية : («ما فرطنا في الكتاب من شيء»).، يجدهم قد تعاملوا معها بمعزل عن هذا السياق، وقاموا باجتثاثها من موضعها السليم، والجزم بأن الكتاب المقدس وهو القرآن، هو كتاب سياسة أيضاً. أما لو نظرنا في السياق النظري والتاريخي لهذه الآية، وهو : (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ). (الأنعام- (38). فكتب التفسير ومنها تفسير الجلالين للسيوطي على سبيل المثال لا الحصر، تبين أن دلالات هذه الأية لا يمت للسياسة بصلة، فدلالاتها تقول : إن الله خلق كل شيئ في هذا الكون، وما من دابة تمشي على هذه الأرض إلا هي أمم تتدبر أمرها. وإن الله هو من يرعاها وشؤونها ولم يفرط بشيء من هذا التدبير، فكل شيء مكتوب في لوح محفوظ.

كما يعتمدون على نص الآية التالية: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة/3). وما ينطبق على فهمهم المبتسر والمجزوء للآية السابقة ينطبق على نص هذه الآية في سياقها العام أيضاً وهو : (حُرِّ‌مَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ‌ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ‌ اللَّـهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَ‌دِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُ‌وا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَ‌ضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ‌ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ‌ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ‌ رَّ‌حِيمٌ.) المائدة[3]. فمضمون هذه الآية يتعلق كما نرى بموضوع آخر تماماً ليس له صلة بالسياسة، وهو موضوع يتعلق بما حلل الله وما حرم عليهم اكله.

على العموم، يستوقفني هنا موقف فقهي للشافعي أكثر عقلانية ومعقولية وفهماً للنص الديني ومدى ارتبط هذا الفهم في قضية مقولة (الإسلام صالح لكل زمان ومكان)، حيث يضع الأمور في نصابها الحقيقي بالنسبة لمفهموم الآيات التي قطعوها من سياقها النصي ووظفوها توظيفاً مصلحياً لخدمة السياسية ومنها: (وما فرطنا في الكتاب من شيئ). فالشافعي يفسر دلالة هذه الآية وما ينطبق عليها من نصوص قرآنية واحاديث من موقف عقلاني حيث يقول في كتابه الرسالة: (ليست تنزل بأحد من دين الله نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدي فيها). فالشافعي في موقفه الفكري هذا يؤكد بأن ما من شيئ يحل بالإنسان أو يقوم به إلا وفيه دليل في كتاب الله، ولكن هذا الدليل يأتي على سبيل الهدي بالرؤية العامة لمفهوم النص المقدس، وليس على سبيل القطع في تقرير الحادثة ذاتها أو العمل ذاته الذي يقوم به الإنسان عبر تاريخه. والمقصود بقوله : (على سبيل الهدي)، هو أن الدين يحمل مقاصد إنسانية كبيرة في خطوطه العريضة (الاستراتيجية)، أي في المضمون العام للآيات وليس الخاص، هذا المضمون الذي تتحدد مقاصده في الهداية والإرشاد والتزكية والعمران وحفظ الوجود البشري واستدامته. وإخراج البشرية من الظلمات إلى النور. وهذا ما اعتمد عليه ابن حزم وابن رشد في تناولهما للمسائل الفقهية، حيث فتحوا هذا النص على كل دلالاته ومقاصده الإنسانية التي يبشر بها الدين الإسلامي حتى يتفق وخصوصيات العصر. فعلينا إذاً أن نبحث في هذه المواقف الاستراتيجية للدين كي نعمل على تسيير مصالح الناس وفقاً لخصوصيات المرحلة المعيوشة. وهذا برأي عين العقل والمنطق، لأن النص القرآني ذاته يؤكد أن أمور الحياة كثيرة ومستجدة دائماً، وبالتالي علينا في حال لم نجد حتى في النص من دليل أن نعود إلى أهل الذكر (العلم) كما أمرنا الله بذلك كقوله تعالى: (فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). (النحل 43.). بل إن أول آية نزلت تقول: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، وهي مكية بإجماع ، وهي أول ما نزل من القرآن في قول أبي موسى وعائشة رضي الله عنهما . ... (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). (5)). (سورة العلق). فمضمون هذه الآية يقول: إن الله يقول لنا بأن المعرفة والعلم لا يأتيان من النص الديني وحده، بل هما مكتسبان أيضاً عن طريق التعلم القلم)، وهنا يأتي دور ومكانة الفكر الوضعي وتأثيره على حياة الإنسان في كافة مجالات الحياة. وهذه الآية المفتوحة في دلالاتها على كل انواع المعرفة تكذب من يقول بأن المعرفة التي يريدها الله هي معرفة العلوم الدينة فقط وكل علم غير هذه العلوم هو من باب الخروج عن الدين الصحيح وإدخال فكر آخر عليه لم يقره الله. كما يفتي مفتي السعودية الوهابي "عبد العزيز بن باز" بقوله: (الفكر والكفر واحد، بدليل أن حروفهما واحدة.). ولم يتوان في تحليل دم من يقول بدوران الأرض وكرويتها، أو مصادرة أملاكه إذا استتاب.

أما الشيخ "شكري مصطفى" (من جماعة التكفير والهجرة). فله موقف واضح من العلوم الوضعية كافة حيث يقول: (لا نتعلم إلا بقدر الحاجة، تماماً كما كانت أمة رسول الله، فقد كانت جماعة رسول الله لا تتعلم لمجرد العلم، ولا تتعلم للدنيا، ولكن تتعلم للعبادة.).(1). وهؤلاء كلهم متمسكون بفتوى ابن صلاح من العلوم الدنيوية وهو القائل : (من تمنطق تزندق).

إن الدين وفقاً لهذه المعطيات هو صالح لكل زمان ومكان من حيث (الهدايا) كما بقول الشافعي،هذه الهداية الكامن مضمونها في جوهر مقاصد النص الديني الإنسانية القائمة على المحبة والعدالة والمساواة وتعمير الحياة بما فيه خير الإنسان. ولم يأت الدين لتقرير حوادث علمية أو اجتماعية أو حتى أخلاقية أعطيت مرة واحدة منذ قيام الدعوة الإسلامية إلى أبد الآبدين. إن الداعين إلى مثل هذا الموقف الجبري الامتثالي الوثوقي، إنما يعملون على لي عنق النص الديني كي ينسجم مع قيم معيارية سار عليها سلفنا في القرون الهجرية الثلاثة الأولى وهي خير القرون كما يقولون، وكل من صاحب الرسول فيها أو كان تابعاً وتابع التابع منهم فيها فهو نجم ساطع علينا الاقتداء به. كما يرى مشايخ وفقهاء تلك القرون الثلاثة أو من أخذ عنهم من مشايخ عصرنا.

إن مسألة التفسير ذاتها، فهناك موقف منها عند الكثير من فقهاء العصور الوسطى ذاتهم.

فهذا "عبيدة بن قيس الكوفي" المتوفى سنة 72 هـ ، وهو من أصحاب ابن مسعود له رأي في سبب نزول بعض الآيات حيث يقول: (عليك باتقاء الله والسداد، فقد ذهب الذين كانوا يعلمون فيما نزل القرآن).(2). كما روي عن "أحمد بن حنبل" في هذا الاتجاه، أي حول تفسير القرآن والحديث فقال: (ثلاثة أشياء لا أصل لها التفسير والملاحم والمغازي). المرجع نفسه ص 410

وهذا الشعيبي يقول في هذا الاتجاه ايضا : (ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت : القرآن والروح والرأي).(3).

وهذا الأصمعي يقول أيضاً: (تقول العرب معنى هذا كذا ولا أعلم المراد منه في الكتاب والسنة أي شيء هو.). (4)

ملاك القول الدين كما تقول أيات الله المحكمات : (وما جعل عليكم في الدين من حرج). الحج 78. و (وما يريد الله ليجعل عليكم حرج.). المائة -6. (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). البقرة 185. يظل هو الدين الصحيح الذي يطمح إليه العقلاء من المسلمين ومشايخهم. لقد علمنا الرسول الكريم: أن (لا مشادة في الدين). (ولقد هلك المتنطعون). و في الختام نقول كما قال العقلاء من فقهائنا: (الأصل في الأشياء الإباحة). والحياة كمياه النهر الجاري لا تقف ولن تقف.

 

كاتب من ديرالزور – سورية

.......................

الهوامش:

1- عن مجلة النهج- العدد-20/ خريف 1999/ ص 193.

2- حسن ابراهيم حسن. كتاب تاريخ الإسلام . دار الجيل . بيروت 1991. ج1 ص 410

3- المرجع نفسه ص144.3-

4- المرجع نفسه ص144.