ميثم الجنابيلقد اعطى الجاحظ للبيان قيمته التاريخية الثقافية وأثره بالنسبة للإسلام والقرآن. فقد كانت العرب ذو رفعة في فن الخطابة. وبهذا المعنى مهدت السبيل إلى بيان القرآن نفسه. فقد قال النبي محمد "إن من البيان لسحرا" في معرض رده على الزبرقان بن بدر على كلام عمرو بن الاهتم. بمعنى إن للبيان جماله التام. وأضيف له تكملة  بقول ينسب للنبي محمد: "إن من الشعر لحكمة". وبغض النظر عن الملابسات وإمكانية الوضع في هذه الأحاديث، إلا أنها لا تتعارض مع ما في الفكرة الإسلامية نفسها ومواقف وسلوك النبي محمد من تعظيم للشعر عند الحاجة. فهو لم ينتقد الشعر كما هو، بل سلوك الشعراء، أي كل من يغالي ويمدح ويهجو بما يتعارض مع الحق أو ينصر الظلم والباطل ويمجد القبيلة وكثير غيرها مما لا يليق بحقيقة جمال وجلال الشعر والبيان. باختصار، إن الموقف السلبي من الشعر هو الموقف من مرتزقته. وقد التقطت الرواية العربية بهذا الصدد أحداث وشخصيات كبيرة تكشف عما فيها من رذيلة، مثل ما يروى عن يزيد بن معاوية عندما طلب من الشاعر كعب بن جعيل أن يهجو الانصار فرفض ذلك. لكنه قال له بأنه يستطيع أن يدله على شخص لسانه كلسان الثور، وكان يقصد به الأخطل . غير أن الجاحظ لم يقف عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى مستواه وحقيقته. بمعنى انه لم يقف عند حدود وظيفته المباشرة وغير المباشرة، بل سار في اتجاه الكشف عن طبيعته ومستواه، أو حد وحقيقة الشعر والشاعر. ومن ثم رفع الموقف إلى مصاف الرؤية الثقافية المجردة مع البقاء ضمن حيز التقاليد العربية في النظر إلى الشعر والشعراء.

فقد قسم الجاحظ الشعراء إلى الخنذيذ (التام)، والمغلق، والشاعر، والشعرور (من هنا القول "يا رابع الشعراء كيف هجوتني....). وهناك تقسيم آخر (شاعر وشويعر وشعرور). كما اختلف الشعراء في شعرهم وصناعته. فمنهم من تمكث القصيدة عنده حولا كاملا (سنة كاملة). وهو دليل على انه "يجعل عقله زماما على رأيه، ورأيه عيارا على شعره" . بينما حقيقة الشعر هو ما يرتقي في الحس والعقل والحدس الى مستوى الكشف المباشر. ولعل في اجابة القرآن في معرض رده على حالة مشابهة (وما أنا من المتكلفين) دليلا على ذلك. بمعنى "إن كلام محمد هو من نوع الكلام الذي قل عدد حروفه وكثر عدد معانيه، وجلّ من الصنعة، ونزّه عن الكلف" . وهي الفكرة التي وضعها الجاحظ في صلب موقفه وأحكامه عن نمط وخصوصية الخطابة العربية.

ليس ذلك فحسب، بل وجعل من الشعر الكبير أسلوب الألفة والوفاق الروحي بغض النظر عن الخلافات السياسية والعقائدية. ووجد نموذج هذه العلاقة في شخصية الكميت والطرماح. إذ يورد الجاحظ بهذا الصدد حالة ليست فريدة ولكنها نموذجية بالنسبة لثقافة العصر، أي الاختلاف في العقائد والبقاء ضمن حيز الرؤية والعلاقة الإنسانية، كما وجدها في شخصية الكميت الأسدي والطرماح الطائي، الذي كان الشعر واللغة الشعرية يوحدهم. فقد كان الكميت عدنانيا عصبيا، بينما كان الطرماح قحطانيا عصبيا. وكان الكميت شيعيا من الغالية، بينما كان الطرماح خارجيا من الصفرية. وكان الكميت يتعصب لأهل الكوفة، بينما كان الطرماح يتعصب لأهل الشام. ومع ذلك "بينهما من الخاصة والمخالطة ما لم يكن بين نفسين قط"، كما يقول الجاحظ . ذلك يعني، إن الشعر واللغة الشعرية هما صانعتا الأدب بمعناه البياني والوجودي والاجتماعي والأخلاقي.

لقد توصل الجاحظ في معرض تحليله ونقده لمختلف جوانب اللغة والأدب والخطابة وغيرها إلى حقيقة تقول، بأن الكلمة الخالصة والنابعة من الروح والصدق والإخلاص قادرة على بلوغ "المستحيل" وتغيير ما يبدو جامدا قاسيا. إنها قادرة على صنع معجزاتها الخاصة. وقدم بهذا الصدد مثالا استخلصه من شخصية الخوارج. فقد قدموا رجلا من الخوارج إلى عبد الملك بن مروان لتضرب عنقه. ودخل على عبد الملك ابن له صغير قد ضربه المعلم وهو يبكي. فهمَّ عبد الملك بالمعلّم. فقال له الخارجي:

- دعوه يبكي فإنه افتح لجرمه(حلقه)، وأصّح لبصره وأذهب لصوته.

- أما يشغلك ما انت فيه عن هذا؟

- ما ينبغي لمسلم أن يشغله عن قول الحق شيء.

عندها أمر عبد الملك بإخلاء سبيله .

كما كشف عن أثر الكلمة في تغيير سلوك المرء وهز أركانه. فقد كان معروفا عن أبي شمر وهو أحد أئمة القدرية المرجئة، انه كان لا يحرك يديه ومنكبيه ولا يقلب عينيه ولم يحرك رأسه حتى كان كلامه كأنما يخرج من صدع صخرة. لكنه ترك هذه الحالة في إحدى حالات الجدل عندما استفزّه ابراهيم النظّام. وكان ابو شمر يقول "ليس من حق المنطق أن تستعين عليه بغيره، حتى كلمّه ابراهيم بن سيار النظّام" . ودفع هذا الموقف من الكلمة الجاحظ إلى القول، بأنه "ليس في الأرض لفظ يسقط البتة. ولا معنى يبور حتى لا يصلح لمكان من الأماكن" . بمعنى، إن حقيقة الكلمة في حقيقة استعمالها ووضعها في مكانها بوصفها منطق الروح والإخلاص للحق وتذوق الجمال. وبالضد من ذلك يمكنها أن تكون أداة للإكراه والعنف والسرقة والابتزاز والتبرير وما شابه ذلك. ففي الحالة الأولى يمكن رؤية نموذجها في نوعية الصراع الفكري السياسي بغلافه الديني. وأورد الجاحظ المثال التالي: كتب معاوية بين ابي سفيان إلى قيس بن سعد وكان واليا على مصر زمن الخليفة علي بن ابي طالب، ما يلي: "أما بعد، فأنت يهودي بن يهودي.." فرد عليه قيس بن سعد "أما بعد، فإنك وثني بن وثني. دخلت في الإسلام كرها وخرجت طوعا. ونحن بحمد الله أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي دخلت فيه" . وكذلك على مثال الجبرية السياسية الأموية. فعندما دخل عبد الملك بن مروان الكوفة بعد مقتل مصعبا، قال للهيثم بن الأسود النخعي:

- كيف رأيت الله صنع؟

- صنع خيرا .

بينما كان موقفه من الخطابة هو الوجه الآخر، إلى جانب الشعر، في تأسيس النفس الثقافية العربية (الإسلامية). ونعثر عليها في مستويين ووجهين متلازمين الأول وهو النقد العقلي والعقلاني للشعوبية، والثاني هو تأسيس فكرة الترابط الصميمي بين البيان الأدبي وبين العرب بمعايير تقسيم الأمم وتمايزها. بمعنى خصوصية العرب وتميزهم عن غيرهم بجوهرية البلاغة والبيان.

وتميز النقد العقلاني عند الجاحظ للشعوبية في الرد على مختلف أنواع هجومها النفسي وغير العقلاني ضد العرب باستعمال كافة السبل والوسائل وانتقاء الحوادث وتشويهها. فهم يعيبون على العرب كل شيء، ليس في الشعر والخطابة والعيش والقيم والأخلاق وغيرها، بل بما في ذلك إتقان فنون الحرب. بينما الواقع يبرهن على أن الدولة العربية الإسلامية (الخلافة) وسحقها لكل الإمبراطوريات الكبرى آنذاك، هو بحد ذاته دليل على إتقان فنون الحرب. فقد عابت الشعوبية على العرب افتقادهم للكثير من أدوات القتال، مثل ركوبهم الخيل بدون سرج، وعدم خوض الحرب ليلا ودعموا أحكامهم هذه بالاستشهاد ببعض الشعر العربي. وقد استفاض الجاحظ في رده على هذه الأحكام للبرهنة على أن العرب تتقن القتال ليلا . وتتقن فنون القتال جميعا . دعك عن كونهم حملة ومؤسسو الثقافة الإسلامية الكونية. ومن ثم فإن تاريخهم الأسبق لم يكن هباء ولا قيمة له. بل هم بالفعل من بين أعرق الأمم في ميدان الثقافة والحضارة. والإسلام بحد ذاته ليس إلا أحد نبضات التاريخ العربي في إحدى مراحله المفصلية.

أما في نقده للشعوبية في القضية الأكثر جوهرية بالنسبة لم اسميته بتأسيس الروح الأدبي العربي من خلال الكشف عن طبيعة ونوعية الترابط بينه وبين خاصية العرب بمعايير التقسيم الثقافي للأمم، فقد انطلق من الرد على الاتهامات الكبرى للشعوبية ضد العرب وتاريخهم الثقافي. فقد كان صوت الشعوبية يقول حينذاك، بأن العرب لم تعرف فن الخطابة. وعابوا على العرب استعمال اهل الخطابة للعصا بالاتكاء عليها أو استعمالها. وقالوا بهذا الصدد، بأنه ليس "بين الكلام وبين العصا سبب، ولا بينه وبين النفوس نسب، وليس في حملها ما يشحذ الذهن، ولا في الإشارة بها ما يجلب اللفظ. وحمل العصا بأخلاق الغدادين (الجافي الصوت والكلام) أشبه، وهو بجفاء العرب وعنجهية أهل البدو ومزاولة اقامة الإبل على الطرق، أشكل وبه أشبه" . وبالضد من ذلك تميز الفرس بالخطابة وبلوغهم فيها الشأو الأعلى. حيث قالوا مع إن الخطابة موجودة عند جميع الأمم إلا أن "أخطب الناس الفرس، وأخطب الفرس أهل فارس، وأعذبهم كلاما أهل مرو، وأفصحهم بالفارسية الدرية (لغة اهل البلاط) وباللغة الفهلوية، لا أهل قصبة والاحواز" .

وقد كان رد الجاحظ عميقا من حيث توظيف الرؤية التاريخية واللغوية والمعنوية والأدبية البلاغية والروحية والأخلاقية للبرهنة على خطأ وسخافة هذا النوع من المواقف والتقييم. وفي معرض الرد عليها يبدأ الجاحظ بخطابات النبي محمد (خطبة الوداع). وما قبلها كان تراث العرب قبل الإسلام يتميز بنوع من الخطابة التي تمزج بين دقة العبارة وقصرها وبلاغتها وحكمتها. وقد اشار الجاحظ وكشف عن اسماء عديدة من خطباء العرب وخطبهم. ليس هذا فحسب، بل انه ليس عند الآخرين خطباء من النساء كما هو الحال عند العرب. وذكر اسماء كل من هند بنت الخُسّ (الورقاء)، وجمعة بنت حابس، وعنز  الزرقاء (زرقاء اليمامة) وغيرهن. بينما اشتهر الكثير من خطباء العرب قبل الإسلام. حيث تميزت خطبهم بالسجع الجميل والمعنى الأصيل والحكمة العملية، كما نراها في خطب قس بن ساعدة، الذي قال فيه النبي محمد انه رآه في سوق عكاظ يقول:"يا أيها الناس اجتمعوا واسمعوا. من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت". و"مالي أرى الناس يموتون ولا يرجعون، أَرَضوا فأقاموا أم حبسوا فناموا؟"، و"يا معشر اياد! أين ثمود وعاد وأين الآباء والأجداد؟ أين المعروف الذي لم يشكر، والظلم الذي لم ينكر. أقسم بالله، إن الله لدينا هو أرضى له من دينكم هذا" .

وللعرب كما يقول الجاحظ نوعان من الخطابة، الطوال والقصار. ويغلب عند العرب في الجاهلية الخطبة القصيرة. فهي أشد وقعا في القلب، وأرسخ في الذاكرة، وأقوى تأثيرا في صوتها وبلاغتها ومعناها. إذ ليس من الضرورة للخطبة أن تكون طويلة ومنمقة، كما يقول الجاحظ. فربّ كلمة تغني عن خطبة، وتنوب عن رسالة. ليس ذلك فحسب، بل انتقد التكلّف في الخطب. واعتبر الخطب العربية القديمة مخالفة لذلك. ولذا فهي أشد قوة وتأثيرا. وتعكس هذه الصفة طبيعتهم التاريخية وتراكمها وتبلورها الثقافي. فما يميز العرب في الخطابة، كما يقول الجاحظ، هو أنهم مطبوعون ولا يتكلفون. كما كان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر. وهم عليه أقدر. كل واحد في نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، والكلام عليهم أسهل. وليس هم كمن حفظ علم غيره واحتذى كلام من كان قبله. فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم والتحم بصدورهم واتصل بعقولهم . وهي تقاليد استمرت في كل مجرى تاريخهم، وانصهرت في كيانهم الثقافي، بحيث نرى سمتها وسمعتها وأثرها البين في ملامح الروح والجسد والعقل والضمير والوجدان. فكل ما في الإنسان الخطيب ينبغي أن يرتق إلى مصاف البلاغة من حيث تناسق الكلمة والعبارة والبلاغة والبيان بما في ذلك في تقاطيع الوجه والفم والبشرة واللسان والأسنان! وتنسب لعبد الملك بن مروان قوله:"لولا المنابر والنساء ما باليت متى سقطت" . ويقصد بذلك انه لولا الخطابة على المنبر وحب النساء لما كان يبالي متى سقطت أسنانه. فهي العلاقة التي تسقط فيها كل اعتبارات الصحة والجمال والرائحة أمام قيمة الخطابة. فهي التي تحدد قيمة ومعنى كل ما له علاقة بالكلمة والعبارة الملقاة أمام الجمهور. كما أنها الحالة التي يتهاوى معها كل ما غيرها. ويورد الجاحظ كيف أن أحد اهل عمان دخل على الرشيد راجزا. وبعد أن تزيا بزي الأعراب، فانشده ثم دنا منه وقبّل يده ثم قال "يا امير المؤمنين، قد والله انشدت مروان ورأيت وجهه وقبّلت يده وأخذت جائزته. وأنشدت يزيد بن الوليد وإبراهيم بن الوليد والسفاح والمنصور والمهدي والهادي. والله لا رأيت فيهم أبهى منظرا ولا أحسن وجها ولا أنعم كفا ولا أندى راحة منك يا أمير المؤمنين. والله لو أُلقي في روعي إني اتحدث عنك ما قلت لك ما قلت". فأعظم له الجائزة على شعره وزاده على كلامه . بمعنى تفضيله الخطابة على الشعر. وكان الخليفة المهدي معجبا بجارية له اسمها جوهر، قال عنها شعرا:

فـلا والله ما المهدي

أولى منــــك بالمـنبر

فإن شئت ففي كفـك     

خلع ابن ابي جعفر

لقد جعل الخليفة المهدي من الخطابة على المنبر وحبه لجاريته معادلة روحه الأدبي. وأيا كانت النتيجة أو التفضيل، فإن وجودهما جنبا إلى جنب يكشف عما في حب النساء والخطابة من أثر في صيرورة الرجال الكبار. وتوصل الجاحظ في خاتمة استفاضته وتعمقه في هذا المجال إلى استنتاج يقول، بأن العرب هم معدن الفصاحة. وأشرك فبها إلى جانبهم الفرس. لكنه شدد في الوقت نفسه على الخلاف بينهما في هذا المجال عندما اعتبر "إن كل كلام للفرس، وكل كلام للعجم، فإنما هو من طول فكرة وعن اجتهاد ورأي، وطول خلوة وعن مشاورة. وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا اطالة فكر ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه للكلام" . انه يسعى لإبراز أهمية وقيمة العرب ومناقبهم وقدراتهم المادية الذهنية، كما في قوله:"نحن أصحاب التفاخر والتنافر، والتنازع في الشرف، والتحاكم إلى كل حكم مقنع وكاهن سجّاع" .

وخلاصة الأمر هنا تقوم في وضع الجاحظ حصيلة نقده للشعوبية في عبارة وجيزة ودقيقة تقول: "انك لم تر قوما قط اشقى من هؤلاء الشعوبية، ولا اعدى على دينه، ولا اشد استهلاكا لعرضه، ولا اطول نصبا، ولا اقل غُنما من اهل هذه النحلة" . وبالمقابل كان النقد السياسي والثقافي والأدبي للشعوبية بالنسبة للجاحظ  شكلا من أشكال البحث عن صيغة عقلانية إنسانية لتعايش الشعوب والأمم، عبر نبذ مختلف صيغ التجريح التي لا تليق بالعقل والوجدان النقي. من هنا بحثه عن الوحدة والوئام كما نراها في الكثير من كتبه ورسائله التي تناول فيها مختلف الأقوام والدفاع عنهم كما هو الحال في كتبه عن الترك والسودان وغيرهم. ففيها حاول تأسيس ما اسماه بالسعي لجمع القلوب وليس لتفضيل أحد على آخر . بمعنى البحث عن الجمعية الإنسانية والانتماء الثقافي الإسلامي العقلاني. وأكد في موقفه هذا على انه لا يرمي بذلك إلى "الجدال والهراء واستعمال الهوى"، كما هو الحال بالنسبة للشعوبية .

إن كل الأمثلة التي قدمها الجاحظ، والجدل والنقد الذي خاضه ضد الشعوبية ونفي اتهاماتها الباطلة وغير العقلانية والمنافية للنزعة الإنسانية بصدد العرب وثقافتهم التاريخية في مختلف المجالات والأدبية منها بشكل خاص، كانت تهدف إلى تأسيس وعي الذات العربي وبلاغة روحه الأدبي.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

مجدي ابراهيمالتصوف كنظام معرفيّ هو من الدين بمكانة القلب. ولا يعوّل على غيره في نظام التصوف، ولا يكون نظام التصوف ببعيد عن حقيقة الدين من حيث كونه تجربة يمتلئ بها الكيان الوجداني، ويتجرَّد لها الشعور الإنساني في طلاقته الروحية وحساسيته الدينية.

ليس هذا غريباً على متصوف نزع بالدين إلى أصله، إلى مَنْبَعَهِ الصافي الرائق الطهور، فمسَّ منه الحقيقة تجريبَّياً إلى حيث منزعه العملي؛ لأن الدين في الحقيقة تجربة : تهذيب وتقويم وإصلاح، فوق كونه تطلعاً إلى معرفة الحقيقة الإلهية من طريق الاختبار. ونحن من ثمّ شارعون في هذه المقالة لنتناول أبرز النقاط الهامة التي تُظْهِر التصوف الحق - على الأقل من وجهة نظرنا - في : كلمته ودعوته.

فقد يَغْلب على أكثر أقطاب الصوفية الكبار هذا النزوع العملي وتلك النزعة الإصلاحية، بمقدار ما يغلب عليهم هذا الطابع الخُلقي المعروف حقيقة في التصوف، وحيث لا ينفصل الدين لديهم عن الأخلاق ما دامت الأخلاق تقويماً وتهذيباً، ومادام الدينُ في الأصل جاء ليتضمن هذا النزوع الخُلقي في أوامره ونواهيه.

وسمة التصوف بالقطع هى سمة خُلقية: تهذيبُ في الأساس من شأنه أن تتقوَّم به الحياة الإنسانية, ثم بعد ذلك تتأتى التطلعات الإشراقية فيه، فالإشراق قبل التهذيب مستحيل، إذْ يلزم الصوفي في البداية أن يتطهر من لوثة النفس وعكارة الضمير؛ ولأنَّ الإشراقَ يبدو مع وجود هاتين الصفتين من أمحل المحالات!

لم يكن الدين، ولم تكن الحياة الدينية عند المتصوفة نظرية تجريدية فقط، ولكنها كانت ولا زالت عملية سلوكية تطبيقية، هى حياة تُعَاش وتختبر في الواقع العملي، تأخذ جانب العبادات فتمضي بها إلى آخر ما يستطاعه المرء من المضاء حتى لا يمكن لنا أن نفصل متعسفين في شئون التعبُّد الصوفي بين الدين والأخلاق، فلا تكاد تخلو حقيقة التديُّن - لا في التصوف فحسب بل في شئون التعبُّد ككل- :" من عنصر عملي يكون حلقة الاتصال بين الدين والأخلاق، ويتحقق ذلك على الأقل في الجانب الإلهي من الواجبات الذي نُسَمّيه عبادة ".

صَحيحٌ أنه من الناحية التجريدية النظرية قد يتبدَّي لنا أن الدين والأخلاق في أصلهما حقيقتان مُنفصلتا النزعة والموضوع، ولكنهما عملياً يلتقيان في النهاية؛ فينظر كل منهما إلى موضوع الآخر نظرة تكاد تكون ذاتية من وجهة نظره الخاصة؛ كمثل شجرتين متجاورتين تمتد فروعهما، وتتعانق أغصانهما، حتى تظلل إحداهما الأخرى، غير أنه من الناحية الواقعية لا نرى الصلة بين الدين والأخلاق تبلغ دائماً هذا الحد من التساند والتعانق لا في مبدأ نشأتهما في نفس الفرد، ولا في دور تكونهما وتركزهما في قوانين وقواعد مقرّرة في المجتمع.

فمن الناحية الفردية؛ فإنّ هذا الاتصال يبدو واضحاً في عهد الصبا والطفولة، فالشعور الأخلاقي - في بعض الآراء - أقدم وأرسخ في نفس الطفل من الشعور الديني. ولذلك نراه يبدأ في سن مبكرة جداً باستحسان بعض الأفعال واستنكار بعضها الآخر، ولا يشعر بالحاجة إلى تعليل ظواهر الكون وتقديس سر الوجود إلا في دور ثان يكون فيه أنمى عقلاً وأهدأ بالاً وأشد يقظة وأدق ملاحظة.

ومن الناحية الاجتماعية؛ نلاحظ امتزاج القوانين الدينية والقوانين الأخلاقية في المجتمع، ولكن هذا الامتزاج لا يجري على سنن واحد في العصور والبيئات المختلفة، فكثيراً ما ظهرت في التاريخ نظم أخلاقية لا تعرض لواجب الإلهة قط، ولا تستقي تشريعها للفضائل الأخلاقية من وحي الدين، بل من قوانين العقل، أو وحي الضمير، أو سلطان المجتمع، أو على حساب المنافع والمصالح.

كما ظهرت في التاريخ -  والكلام للمرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز - مذاهبَ دينية لا تعني هذه العناية بالناحية العملية والاجتماعية بل كثيراً ما تجعل المتدين ينطوي على نفسه متخذاً مثله الأعلى في العزلة والصمت والتأملات العميقة (عبد الله دراز: الدين؛ بحوث ممهدة لتاريخ الأديان؛ الإسكندرية, 1990م؛ ص51).

وفي الحق أن معرفة الحق وتعظيمه لا يخلوان في الغالب عن مظهرٍ يتمثلان فيه، غير أن هذا المظهر نفسه قد تغمض معالمه وتتضاءل صورته، حتى يصير كلمة تعبر عن العجز والحيرة في ألتماس طريق التوجه إلى ذلك السر الهائل. وأن دين الحنفاء من العرب في الجاهلية لهو أوضح مثال لهذه الحقيقة؛ فابن هشام صَاحب السيرة النبوية يروي لنا عن أحد هؤلاء الحنفاء وهو " زيد بن عمرو بن نُفيْل" أنه كان يقول، وهو مسند ظهره إلى الكعبة:" اللهم أني لو كنتُ أعلمُ أيُّ الوجوه أحب إليك عبدتك به، ولكني لا أعلمه".

الأخلاق والدين :

فمن طبيعة الفكرة المجرَّدة النظرية أن تَفْصل بين الأخلاق والدين؛ لأن عَمَلَها هو الفصل والمُباعدة بين الأشياء، فإذا ما تناولتَ الأخلاق بعيدة عن الدين حَكمتَ عليها بالنظر فصلاً ومفارقة، وإذا تناولتها في قلب الدين لم تعد أخلاقاً بمقدار ما يتبطنها الدين ضمنياً خلال أوامره ونواهيه، فالفضيلة الخُلقية هى الخير الذي يحث الأمر الإلهي على امتثاله، والرذيلة هى الشر الذي يحث النهي الإلهي على اجتنابه؛ فالنزوع العملي في الدين يَتَضَمَّن الأخلاق ويتبطن الفضائل.

ليس مطلوباً في الدين - على مستوى العمل والسلوك - أن تقول ما لا ينبغي عليك أن تفعل، وأن تفعل ما لا ينبغي عليك أن تقول، ليس هذا مطلوباً في الدين، لكنه قد يكون مُسَوَّغاً في حكم العلم بالأخلاق، إذْ الأخلاق من حيث كونها علماً شيء، والخُلق من حيث كونه سلوكاً وتهذيباً شيء آخر.

ليست الأخلاقُ هى في الحقيقة تنظيراً فقط يقوم على قلة التوافق بين ما يقوله المرء وما يفعله، أو يقوم على التباين الظاهر بين النظر والتطبيق؛ وليست هى بالشطط البعيد البعيد عن صورة الخلق الحسن القويم؛ لأن الأخلاق إذا هى كانت علماً نَافِعاً يفيد الفرد ويقوِّم من جهود المجموع، فهى من باب أولى قيمة من القيم الفاضلة والباقية يستطيع المرء أن يتحرّاها وينتفع بها ولا ينفصل عنها بحال؛ لأنها في الأصل صورة الخلق النافع للفرد والباقي كذلك لصلاح المجموع.

إنما الأخلاق تنفصل عن الخُلق من جهة، وتتصل بالخُلق من جهة أخرى، وهى في اتصالها وانفصالها، ليست شيئاً سوى تلك القدرة الضابطة لحركة النفس من الداخل، أعني قدرة ضابطة لقوى النفس الباطنة في أعمق أعماقها. لكن شيئاً يبقى في التفرقة بين الأخلاق من حيث كونها تنفصل عن الخلق وبين الأخلاق من حيث كونها تتصل بالخلق، تماماً كالتفرقة التي نقوم بها بين المعرفة من جهة وبين نظرية المعرفة من جهة أخرى؛ فحين تصبح الأخلاق نظرية يصبح الانفصال عن الخُلُق تباعاً هو المقصود، تماماً حين تصبح المعرفة نظرية يصبح الانفصال عن المعرفة طريقاً آخر غير طريق المعرفة المُرادة هنا : المعرفة شيء، ونظرية المعرفة شيء آخر.

ففي حالة الانفصال تَعُدُّ الأخلاق علماً قائماً بذاته : يحلل، ويُرَكّب، وَيُنَظّر، ويُعْطي الرؤية الشاملة للإنسان كيما يستطيع أن يرى العلم ثم يُرْدفه بالعمل، وكيما يستطيع أن يتهذب ولا يرى إذْ ذَاكَ فَرْقَاً بين الإدراك النظري والتهذيب العملي حين يتعلق الأمر بالسلوك والتهذيب، أو فيما لو كان العلم بالفعل خَادماً للتطبيق.

أما من حيث الانعزال أو الانفصال فهاهنا قد تكون الأخلاق من حيث كونها علماً منعزلاً مجرداً أو مُنْفَصِلاً، مختلفة متباينة عن الخُلُق الذي هو هيئة النفس الباطنة تصدر عنها الأفعال؛ فكما أن المعرفة شيء ونظرية المعرفة شيء آخر، كذلك علم الأخلاق شيء والخلق شيء آخر، وهذا هو معنى الانفصال المذكور، ولكن مع وجود مثل هذا الانفصال هنالك اتصال يشي برابطة قوية بين الأخلاق بوصفها علماً، والخُلُق بوصفه حالة للنفس وهيئة ثابتة تَرَسَّخَتْ عليها القيم التي اعتقدتها ومارستها فعلاً في الواقع المشهود : حركةً في الحياة العاملة، وحياةً في عالم التجريب.

فإذا نحن نظرنا إلى العلم سنَجده في البداية قائماً على "الخُلُق" لا ينفصل العلم عن الخلق بحال، فلولا وجود الخلق الحَسَنْ ووجود الخلق الشرير لما وُجِدَ العلم الذي ينظِّر للعملية الفكرية من حيث أنها تُوَضّح الفرق الفارق بين الرذيلة والفضيلة، أو بين الخير والشر، أو بين السلوك الطيب أو السلوك الخبيث. فالعلمُ لا يقوم إلا على أصل يتكئ عليه، وبالتالي فإن هذا العلم الذي يدرس الأخلاق ويهتم بتفاصيل مفرداتها وموضوعاتها هو في أول مقام يقوم على "الخلق" كمصدر لهذا العلم أو كمادة أوليَّة يستطيع من خلالها أن ينسج هذا العلم؛ وكما أن الهيئة الباطنة مَصْدَرُ الخلق الطيب وأصل الخلق الشرير، فهى كذلك مَصْدَرُ العلم بهذا وأصل العلم بذاك.

فما العلم إلا تأمل ذهني عقلي فيما عَسَاهُ أن يكون "الخُلُق" عليه من حركة سلوكية كانت قائمة فيما تقدّم أو هى قائمة بالفعل، أعني هو تأمل في تلك السجايا التي عليها تكون النفس وعليها تصير : تأمل تنظيري للأخلاق فيما ينبغي أن تكون عليه.

يُجْمَلُ بالمرء إذن أن يتحرّى مصدر الأخلاق وجذرها الأصيل في الطبع البشري، ومصدرها المتجذر في طبع الإنسان هو تلك "الهيئة" التي تصدر الخلق كما تُصْدُر العلم حين يقوم عليها، أعني تلك الهيئة الباطنة التي تُلهم علماء الأخلاق أن يقوموا بتوجيه المعارف التي يتكلمون فيها وبوجهة أخلاقية، ولولا وجود تلك القوة الباطنة لما صار للأخلاق علمٌ، بمقدار ما نقول أيضاً لولا وجود تلك القوة الباطنة لما عرف الفرق بين فعل الخلق الحسن وفعل الخلق الشرير.

وعليه؛ فهذه الهيئة هى أكبر المنافع للعلم المجعول للنظر والبحث، وللعمل الهادف إلى التخلق والتهذيب.

إننا إذا رجعنا إلى تعريفات الجرجاني ونظرنا فيما عساه يكون مدعاة للتفرقة بين علم الأخلاق من ناحية والخلق من ناحية أخرى، وَجَدْنَاهُ يتكلم في نص عن الخلق باعتباره هيئةً نفسانيةً راسخةً تصدر عنها الأفعال، وكلمة "هيئة" تعني ما يكون عليه الإنسان فعلاً وطبعاً، هذه الهيئة هى التي يؤتمر من خلالها على الفعل، فيَنْصَاع لما عساه يؤتمر فيه، إنْ كان الفعل صادراً عن هذه الهيئة موافقاً لها عقلاً وشرعاً سُمىَ بالضرورة فعلاً حَسَناً، وإنْ كان الفعل غير موافق للعقل والشرع سُمىَ ما يصدر عن الهيئة فعلاً غير حسن.

وإذن؛ تأتي تفرقتنا بين علم الأخلاق من جهة، والخُلق الذي هو الهيئة الراسخة في النفس من جهة أخرى في إطار "تثوير القيمة" التي من خلالها يكون علم الأخلاق هذا، هو العلم الذي يدرس هذه الصفة الراسخة في النفس أو يدرس هذه الهيئة بتمامها وبكمالها؛ لأنه يدرس تلك الصفة حيث تصبح علماً قابلاً للدراسة ليقوم عليه العمل، ولا تصبح علماً غير مدروس ولا معمول به.

غير أن هذا العلم هو الذي يُبَصِّرنا بالضرورة بكيفية الوصول إلى حقائق الأخلاق، لكنه لا يَزالُ ناقصاً كأشدِّ ما يكون النقص ما لم يقترن بالعمل والتطبيق، فنحن لا نصل إلى الأخلاق بمفردنا تلقائياً بغير تَعَلُّم يدفعنا إلى التجربة والاختبار والممارسة، ولا نصل إليها ما لم نُدْرِكْ أن التعلم هو السبيل إلى إدراكها من طريق الوَعي أولاً فيما لو كان الوعي هو العملية الإدراكية لهذا العلم بالأخلاق، ثم يأتي دور الخُلُق ليَقُوم على الإدراك، وعلى الوعي، وعلى المجموع منهما؛ ليَتَرَسَّخَ في الباطن ولتتكوَّن الهيئة راسخة لا تتزحزح عن الكينونة الآدمية قيد أنملة بل تلازمها كبياض الأبيض، وسواد الأسود، وطول الطويل، وقصر القصير.

نأتي إلى نَصِّ الجرجاني فَنَستدعيه كما استدعى هو نفس النص من الغزالي لنراه يقول في تعريف الخلق:" عبارة عن هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورَوِيَّة، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلاً وشرعاً بسهولة سُميت الهيئة خلقاً حسناً؛ وإنْ كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سُميت الهيئة التي هى "المصدر" خُلقاً سيئاً..." (تعريفات الجرجاني : مكتبة مصطفي البابي الحلبي، القاهرة سنة 1357هـ -  1938م؛ ص 9).

فالهيئة إذن هى المصدر للفعل سواء كان جميلاً أو كان قبيحاً. غير أن هذا التعريف ليس للجرجاني حقيقة ولكنه للغزالي، منقولاً بلفظه ونصِّه من "الإحياء" حين شرح الغزالي الفرق بين لَفْظي : الخَلق والخُلق؛ فأورد نفس النص وزاد :" وإنما قلنا إنها هيئة راسخة؛ لأن مَنْ يصدر منه بذل المال على الندور بحالة عارضة لا يُقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ. وإنما اشترطنا أن تصدر منه الأفعال بسهولة ويسر من غير رَويَّة؛ لأن مَنْ تَكلَّف بذل المال أو السكوت عند الغضب بجهد وَرَوِيَّة لا يُقال خلقه السخاء والحلم؛ وليس الخُلُق عِبَارة عن الفعل فرُبَّ شخص خلقه السخاء ولا يبذل؛ إمَّا لفقد المال أو لمانع، وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل لباعث أو رياء.. ولكن الخُلُقَ في رأي الغزالي عبارة عن هيئة النَّفْس وصورتها الباطنة، تتشكل بالتكرار والتعود والمران وبذل الجهد في الممارسة، هذه الهيئة هى التي بها تستعد النفس لأنْ يُصْدُر منها الإمساك أو البذل "(إحياء علوم الدين : طبعة مكتبة الصفاء، القاهرة سنة 1423هـ - 2003م, جـ 3؛ ص 7 - 8).

فإذا نحن عدنا إلى ما كنا بصدده، حكمنا بأن الأخلاق إذا هى كانت في رحَاب الدين تضمنتها بالضرورة أوامره ونواهيه. وإذا هى كانت نظرية فلسفية صارت بعيدةً في الغالب عن العمل والتطبيق، وكانت مُجَرَّد رأي ودراسة ليس إلا.

وهنا يأتي دور التصوف ليَقْلِبْ هذا كله؛ فيتحدى السلطات : سلطة العقل والنظر المحدود، وسلطة المفهوم من ورائه، وسلطة الضمير الغُفْل من تنقية الباطن، وسلطة المجتمع المحكوم بِقَوانينه، وسلطة المنافع والمصالح أو ما شئت في الحقيقة أن تضيف من سلطات! يَتَحدىَ هذه السلطات جميعاً لتكون السلطة التي يعمل لها ألف حساب وحساب هى سلطة الله الأحد الذي ليس سواه في الوجود على الحقيقة موجود، فليس هناك من فاعل إلا الله، وليس هناك من موجود إلا الله، ولا حساب لديه على الإطلاق لسلطات يصنعها أو يَتَوَهَّمها الإنسان.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

محمد بنيعيشقد يقال عند عنوان المقال :ما لنا ولابن حزم وغيره ممن هم في حكم الماضي المنتهي وليس من ضمن الماضي المستمر كما هو حال النحو والصرف الفرنسي وغيره؟

هذا عند غير المسلمين وكذا لدى بعض العلمانيين ومن في صفهم ووصفهم.أما عند ثلة من المسلمين، المتحفظين لحد التزمت، فمنهم من يرى أن الموضوع لا علاقة له بالعلوم الشرعية، كما أن الحديث عن الحب والعواطف النفسية ربما هو شيء تافه لا يليق بأهل الشريعة، وخاصة أهل السنة والحديث، كما ينسبون إليه أنفسهم حصرا وقصرا.فالحديث عندهم قد لا يهم سوى الحديث رواية وتخريجا وتعديلا وتجريحا، أما ما دون ذلك فهو أمر لا يحتاج إليه البليد ولا ينتفع به الذكي كما يقول بعضهم.

لكن عند التأمل والرؤية العلمية العميقة نجد أن علم الحديث ومنهجه يعد من أعظم المناهج للتوظيف في البحث العلمي وكشف الحقائق وسد الأبواب على كل ناعق.ولكن بشرط حسن توظيفه واستغلاله في الوقت المناسب والأمر الحازب، وأيضا بشرط التزام الموضوعية وعدم الخلط بين المسائل كحشو وإطناب لا فائدة فيه.فلو طبق في حياتنا اليومية من أجل تخليصنا من الأكاذيب الإعلامية، والبلاغات السياسية والاقتصادية الموهمة وغيرها، لكان أعظم مساعد ومعاضد للمجتمع، مثقفا وغير مثقف، شعبا ودولة على حد سواء.ولكفانا عناء وسخرية الساخرين واستهتار المستهترين الذي يلعبون بأهل الدنيا والدين !.

ومن بين الميادين التي يمكن توظيف علم الحديث فيها هو ميدان علم النفس التحليلي أو السلوكي معا، وكذلك علم الاجتماع القائم على الاستمارات والبيانات الإحصائية، والبحث عن صحة المعلومة بالتعقب والاستقراء.

ومن هنا كان اختيارنا في هذا المقال المتواضع لشخصية أبي محمد علي بن حزم الأندلسي نظرا لعلاقته العلمية الوثيقة بعلم الحديث وعلم النفس والأخلاق معا.

أولا: الحب كمختبر للظواهر النفسية وليس للتسلية

1) إن الكتاب الذي أفرغ فيه أهم مقومات منهجه في البحوث النفسية على مستوى دراسة الظواهر، كما سبق وأشرنا هو كتابه"طوق الحمامة". فلقد كان بين الفينة والأخرى يبث بعض أهم أسس المنهج الذي يحدد مستوى دراسته وغايته من تأليف هذا الكتاب، وذلك إما تصريحا أو تلميحا .

و من بين أهم الفقرات المعبرة عن منهجه في "طوق الحمامة" كقانون عام يسير عليه، نجد هذا النص :"ولم أمتنع أن أورد لك في هذه الرسالة أشياء يذكرها الشعراء ويكثرون القول فيها موفيات على وجوهها، ومفردات في أبوابها ومنعمات التفسير مثل الإفراط في صفة التحول وتشبيه الدموع بالأمطار، وأنها تروي السفار وعدم النوم ألبتة وانقطاع الغذاء جملة، إلا أنها أشياء لا حقيقة لها، وإنما اقتصرت في رسالتي على الحقائق المعلومة التي لا يمكن وجود سواها أصلا، على أنني قد أوردت من هذه الوجوه المذكورة أشياء كثيرة يكتفى بها لئلا أخرج عن طريق أهل الشعر ومذهبهم"[1].

من هنا فقد امتاز هذا الكتاب بعرض أشبه ما يكون بالدراسات النفسية الحديثة القائمة على تتبع الشخصيات ودراسة نفسيتها، ابتداء من الخبرات القائمة على التجربة الذاتية والمعاناة الشخصية وانتقالا إلى ملاحظة الآخرين والإدلاء بأخبارهم على منهج أهل الحديث والرواة، وذلك بالحرص على اتصال السند واعتماد الثقاة في قبول هذه الأخبار.

فلم يكن اعتماده في هذا الكتاب على آراء نظرية خالصة ونظرات فلسفية معروفة[2]، بل إذا أورد فكرة استدل عليها بحادثة وقعت له أو رآها عمن يثق به، وذلك بتخصيص مصطلح يعبر عنه ب"خبر"[3].

إذ حينما كتب عن الحب فقد كان واعيا بضرورة التخصص والوقوف عند حدود الموضوع، لأنه يدرس عمليات نفسية وانفعالات عاطفية لها ظواهر معينة، وتشغل جانبا مهما وخاصا من حياة الإنسان النفسية واتجاهاته الباطنية.

لهذا ف"طوق الحمامة" لم يكن كتاب أخلاق من حيث القصد المبدئي في التأليف، ولم يكن رواية أو سردا يقف عند هذه الجوانب من حياة الإنسان، وإنما هو كتاب نفسي بالدرجة الأولى، يدرس مشكلة جد معقدة ومهمة من قضايا الإنسان النفسية والاجتماعية وكذا العقدية.

لهذا فهو يقف عند حد هذه المسألة ولا يتعداها إلى مواضيع أخر؛تمت إليها من صلة غير عضوية، إلا من باب الإيماء أو إبراز وجه الرابطة بين هذا الموضوع أو ذاك.

في هذه النقطة يقول: "ولولا أن رسالتنا هذه لم نقصد بها الكلام في أخلاق الإنسان وصفاته المطبوعة والتطبع بها، وما يزيد من المطبوع بالتطبع وما يضمحل من التطبع بعدم الطبع، لزدت في هذا المكان ما يجب أن يوضع في مثله، ولكنا إنما قصدنا التكلم فيما رغبته من أمر الحب فقط، وهذا أمر كان يطول إذ الكلام فيه يتفنن كثيرا"[4].

فهو إن ذكر بعض الجوانب الأخلاقية في هذا الكتاب فإنها كانت من باب علاقتها بالحب وارتباطها به ارتباط الراحتين بالأصابع، موظفا كل طاقاته لبيان أوجه جوانب الحياة الإنسانية المتعددة وانفعالاتها أمام موضوع الحب .

فكان هذا هو الطابع الغالب على دراسته وليس كما ذهب إليه زكريا إبراهيم من أن ابن حزم قد" تناول موضوع الحب من وجهة نظر الأديب والشاعر والمؤرخ أكثر من تناوله من وجهة الفيلسوف والمحلل النفساني"[5].

فكما مر بنا أن قصده الأساسي قد كان هو تبيين الحقائق وليس عرض التواريخ والأحداث للإثارة الأدبية والخيالية، وحتى إذا وجدنا بعض هذه المواضيع في الكتاب فإن هذا لا يعني إمكانية الاستغناء عنها في البحث العلمي وخاصة النفسي منه..

إذ أن الشعر ما هو إلا نموذج من نماذج الاتجاهات الإنسانية ومشاعرها النفسية، وكذلك التواريخ باعتبارها حقلا تجريبيا ووسيلة فعالة لتدعيم الحقائق وتثبيت القواعد وإبراز مصداقيتها نظرا لمطابقتها لما حدث في الواقع .

لهذا فلا نكاد نجد في كتاب "طوق الحمامة" فكرة نظرية محضة مفصولة عن حادثة شخصية أو تاريخية أو استشهاد شعري، مما يؤكد لنا أن منهجه في البحث النفسي هو منهج نظري تجريبي في آن واحد، قد اعتمد الملاحظة المباشرة وغير المباشرة، كما سلك منهج الاستبطان النفسي، بالإضافة على هذا فإن منهجه توثيقي[6]، وهو الشيء الذي يقتضي منه إيراد الأخبار[7] المتعددة لكي يحصل على اليقين وتصير الاستنتاجات قطعية ومعضدة بالوثائق الضرورية.

ثانيا: البناء النظري على مصادر نفسية صحية

2) من النصوص النموذجية التي تبين لنا قوة المنهج العلمي المتبع عنده، نذكر ما أورده حول العلة التي تكون سببا للحب:"وأما العلة التي توقع الحب أبدا في أكثر الأمر على الصورة الحسنة فالظاهر أن النفس حسنة تولع بكل شيء حسن وتميل إلى التصاوير المتقنة، فهي إذا رأت بعضها تثبتت فيه، فإن ميزت وراءها شيئا من أشكالها اتصلت وصحت المحبة الحقيقية، وإن لم تميز وراءها شيئا من أشكالها لم يتجاوز حبها الصورة وذلك هو الشهوة، وإن للصور لتوصيلا عجيبا بين أجزاء النفوس النائية"[8].

فبعدما أرسى الأسس النظرية في تحديد الحب وطرق تثبيته سيستطرد في إيراد النماذج المأثورة والأحداث المعضدة لهذا المذهب النظري، ثم يختم دراسته بأبيات شعرية مناسبة وملخصة لما كان بصدد البحث فيه.

هذه الأبيات كلها ذات معاني علمية أكثر منها خيالات وبحور وهمية، نذكر من بينها أبيات هذه القصيدة النفسية التي كان البعض - كما يذكر- يسميها "الإدراك المتوهم":

ترى كل ضد به قائما

فكيف تجد اختلاف المعاني

فيا أيها الجسم ذا جهات

ويا عرضا ثابتا غير فان

نقضت علينا وجوه الكلام

فما هو مذ لحت بالمستبان[9]

بهذا أمكن القول بأن المنهجية لديه شكلت بحثا علميا موضوعيا ذا آفاق معرفية هادفة، وليس سيرة ذاتية بالمعنى القصصي أو الإخباري؛الغاية منه إطراب الخواطر كأحاديث السمار، وإنما هي سيرة ذاتية بناءة تحكي عن نفسها وعن غيرها لكي تقيم نظرية أو تصدر كلمة تمثل الجنس البشري ونوعه، وكذا الحيوان والطيور كما يروم له عنوان "طوق الحمامة في الألفة والألاف" ...

فعندما يصب اهتمامه على دراسة شخصية معينة من أجل إقامة بناء نظري فإن اختياره لها كان يقوم على اعتبارات ضرورية حتى تكتسب نظريته قوة ومتانة ولا تكون عرضة للخلل أو الاتهام أو المراجعة النقدية.

فمن صفات الشخصيات التي اعتمدها في دراسته هم أناس:"لا يتهمون في تمييزهم ولا يخاف عليهم سقوط في معرفتهم ولا اختلال لحسن اختيارهم ولا تقصير في حدسهم، قد وصفو أحبابا لهم في بعض صفاتهم بما ليس يستحسن عند الناس ولا يرضى في المجال، فصارت هجيراهم و عرضة لأهوائهم ومنتهى استحسانهم ثم مضى أولئك إما بسلو أو بين أو هجر أو بعض عوارض الحب وما فارقهم استحسان تلك الصفات ولا بان تفضيلها على ما هو أفضل منها في الخليقة، ولا مالوا إلى سواها بل صارت تلك الصفات المستجادة عند الناس مهجورة عندهم وساقطة لديهم إلى أن فارقوا الدنيا وانقضت أعمارهم حنينا منهم إلى من فقدوه، وألفة لمن صحبوه وما أقول أن ذلك كان تصنعا لكن طبعا حقيقيا واختيارا لا دخل فيه ولا يرون سواه ولا يقولون في طي عقدهم بغيره".

"...وما أصف من منقوصي الحظوظ في العلم والأدب لكن عن أوفر الناس قسطا في الإدراك والدراية!!!"[10].

على هذا الأسلوب سار في إقامة دعائم دراسته في الكتاب، وكثيرا ما كان يذكر الشخص المستشهد بحالته النفسية أو العاطفية الخاصة مقرونا بذكر مكانته العلمية أو الاجتماعية وصحته النفسية العامة قبل حدوث تلك الأعراض لديه، وذلك كي يبرهن للقارئ بأن هذه الفكرة أو تلك ليست وليدة التخمين والرمي في عماية، وإنما هي نتاج درس تحقيقي وواقعي كأقصى ما يمكن أن تمثله الموضوعية العلمية.فهل لنا من مراجعة موضوعية لمناهجنا أم أننا نستحلي القيل والقال وسرعة الاتصال لفرض التوهم وزيف الآمال؟...

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

................

[1] ابن حزم طوق الحمامة ص195

[2] زكريا إبراهيم:مشكلة الحب، دار مصر للطباعة ط2ص324

[3] ابن حزم:طوق الحمامة ص26

[4] نفس ص109

[5] زكريا إبراهيم:مشكلة الحب ص322

[6] ابن حزم:طوق الحمامة ص40

[7] نفس ص96

[8] نفس ص24

[9] نفس ص25

[10] نفس ص47

 

 

ميثم الجنابي"الإنسان هو إرادة"

(الجاحظ)

لقد توصل ابن سينا في مجرى بحوثه النظرية والعملية إلى صيغة تتناسق فيها معطيات العلم وإمكانيات الخيال بالشكل، الذي يجعلها إحدى أعظم وأعمق الأفكار الفلسفية وأكثرها جرأة في توسيع الخيال وفسح المجال أمام مغامرات العقل الحية. وقد وضعها في بيت شعري يقول، بأن كل ما يصعب البرهنة عليه فمن الممكن رميه في حيز الإمكان. إنها إمكانية الخيال العقلي غير المتناهية، والتي يستحيل بلوغها في ميدان الرؤية وتذوق معاناتها الفردية ومعناها الفعلي دون أن تبلغ الإرادة الإنسانية وعيها الذاتي، أي كل ما يجعلها بداية ونهاية المعنى الحي للوجود الإنساني. وهي الفكرة التي أول من بلورها الجاحظ وجعلها بداية ونهاية التأمل العقلي والعملي عندما وضعها في عبارة وجيزة عميقة غير متناهية المعنى تقول، بأن الانسان هو إرادة.

لقد وضع الجاحظ وحقق مبدأ الإرادة غير المتناهية في إمكاناتها. ووراء كل منها تيارات وشخصيات كبرى بلورت في مجرى تطور الاعتزال والفلسفة الإسلامية القوة الظاهرية والطاقة الخفية وراء سمو الإرادة في مساعيها صوب الكمال. بل، أن المتنبي في احدى قصائده استغرب ألا يسعى المرء للتمام والكمال. وهذه كلها ليست الا التعبير المتنوع عن الحقيقة القائلة، بأن الارادة الحية هي تلك التي يمتزج فيها العقل والخيال والغاية. ونعثر على كل هذه الجوانب في كل ما كتبه الجاحظ بدون استثناء، من علياء الإشكاليات الكبرى للوجود حتى أدق خلجات الضمير، لكي يصنع في نهاية المطاف احد النماذج الرفيعة للنفس الثقافية.

فالإرادة الحرة هي ابتلاء دائم للعقل والضمير الأخلاقي. بينما الجسد الثقافي هو تحقيقها العملي. وقد حقق الجاحظ هذه المعادلة المثمرة في فكرته المرجعية القائلة، بأن الإنسان إرادة. ومن ثم هي حقيقة ما فيه. وقد كانت تلك وما تزال، احدى أعظم الأفكار التي بلورتها المعتزلة بشكل عام والجاحظ بشكل خاص. وما يميز الجاحظ بهذا الصدد هو انه لم يؤسس ويحقق فكرته هذه بمعايير التأمل النظري البحث، بل بمعايير الأدب والتأديب العميق للإرادة العقلية والعملية من خلال توظيف حالتها الفعلية في الواقع والتاريخ. لقد كان يبحث دوما في الواقع عن مواد فكرته وميدان تحقيقها وإمكانياتها اللاحقة. وهو امر نعثر عليه في كل ما كتبه، وبالأخص ما وضعه في كتبه عن البرصان والعرجان والعميان والحولان[1]. إذ حوّل فيها الجسد البشري العادي الى جسد إنساني ثقافي، بوصفه التعبير الرقيق والدقيق والعميق المحتوى عما له صلة بالإرادة الإنسانية بوصفها جوهر ما فيه. وما عداها عوارض. بمعنى إن الجسد البشري هو كمية مادية وعجينة هلامية لا يصنع شكلها النهائي سوى الإرداة، أو ما ادعوه بتحويل الطبيعي إلى ماوراطبيعي. وهو فعل الإرادة العقلية أولا وقبل كل شيء. ففي هذه الصيرورة التي يكشف عنها الجاحظ على مثال الكثير من الشخصيات، تبرز قيمة وجوهرية الإرادة في جعل الجسد البشري جسدا إنسانيا، أي جسدا ثقافيا يتحقق في مختلف ميادين الإبداع. عندها تنحل وتتلاشى وتضمحل كل العاهات والنواقص الجسدية وراء رؤية الهالة الثقافية المتناسقة في الإبداع. فقد كان بشار بن برد اعمى. لكن ابداعه الشعري النقدي، ايا كان الموقف مما في ارائه ومواقفه، قد جعلته "بصيرا" بما يتعامل معه. بل انه يذلل هذا النقص بوصفه فضيلة، عندما قال:

إذا ولــد المولود اعمى وجدته   وجدّك اهدى من بصير وأحولا

عميت حينا والذكاء من العمى   فجئت عجيب الظن للعلم معقلا[2]. 

بينما كان بشر بن المعتمر (ت-210) وهو معلم ابي موسى المردار (ت-226) أبرصا. وكان متكلما رصينا، وشاعرا وراوية. وكان الجاحظ يفضله على أبان بن عبد الحميد (ناقل كليلة ودمنة وكتب المنطق).

لقد سعى الجاحظ هنا لتأسيس الفكرة وليس بتمريرها ضمن سياق المسار العادي للثقافة والتقاليد، التي هي بدورها لم تكن خالية من بلاء الإرداة ومعاناتها. انه سعى هنا ايضا للبحث عن بدائل متسامية. فقد كانت العرب، على سبيل المثال، تطلق كلمة البصير على الأعمى، وعلى مختلف العاهات الظاهرية ما يناقضها في الالفاظ والعبارة وأمثالها. وهي رؤية وموقف يحتويان في اعماقهما على أجّنة الفكرة الإنسانية عن الإرادة. فالاعرابي حالما يفرّ لا يفّر بالجبن من الأعداء، بل يخرج لذلك الفرار معنى ويجعل منه مذهبا، كما يقول الجاحظ[3]. وقدم مثال علىى ذلك في شخصية مالك بن ابي كعب القائل:

اقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا     وأنجو إذا عمَّ الجبان من الكرب

أو أن يجري جعل الفرار والإقدام متكافئان في أخلاقه، كما في شعر عمرو ابن معد بكرب

ولقد أمــلأ رجليَّ بها      حذر الموت وأني لفرور

كل ذلك مني خــلقٌ        لكلٍّ أنا في الروّع جدير[4]

فقد كان عباد بن الحصين من المنهزمين يوم ابي فديك (من الخوارج). فكان يصيح في انهزامه "أنا عباد بن الحصين". وعندما سألوه عن ذلك قال: "لكي لا تركبني غمرة"، أي لا يصبح مشهورا، أي انه ترك القتال لا عن جبن بل حتى لا يقتل ضياعا.

لم تكن افكار ومواقف الجاحظ الجزئية هذه سوى بعض النماذج المعبّرة، التي تقف وراءها رؤية منهجية تستمد قوتها من مهمة وضرورة التأمل العقلي العميق والدقيق للمواقف والأحكام، أو ما يمكن دعوته بالمحاسبة الذاتية في الفكر والتفكير. فهي الفلسفة التي تقوم معالمها على الاقرار، بأن هذه المحاسبة رقيقة على الجاهل الغبي وغليظة على المعاند الذكي[5]. وليست هذه اللعبارة الأدبية سوى الصيغة المعبرة عما اسميته بمعاناة الإرادة وابتلاءها في التربية الذاتية والمواقف والأحكام. بحيث جعلته يضع الارادة ما وراء المعجزة المحبوكة بتقاليد الأديان. ففي مجرى حديثه عن الأمراض و"معجزات" الأنبياء السابقين للنبي محمد يشير إلى "أن الله لا يعطي الناس على قدر شهواتهم وامتحانهم وتمنيهم، ولا على سبيل التفكّه. فإذا لم يعطهم ذلك على سبيل التفكّه، فإعطاؤه إياهم على سبيل التعنت أبعد"[6]. لقد أراد الجاحظ القول، بأن لكل معجزة إرادتها، كما أن لكل موقف إرادة. بمعنى إن الإرادة تقف وراء كل موقف وحكم، بغض النظر عن نوعيتها وغايتها. لكنها دوما تلازم كينونة الشخصية القوية واستعدادها للمواجهة والتحدي. وقد اور الجاحظ الحكاية التي تري عن كيفية دفاع عبيد الله بن زياد بن ضبيان في مواجهة عبد الملك بن مروان قائلا:

"أنا والله اشبه بأبي من التمرة بالتمرة، والذباب بالذباب،والغراب بالغراب. ولكن إن شئت اخبرتك بالذي لا يشبه أباه.

من ذلك؟

الذي لم تنضجه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال والأعمام[7]. (وكان يقصد به عبد الملك بن مروان، لانه ولد لسبعة أشهر.

غير أن هذه المواجهة الفردية ليس إلا مثالا لحالة قد تكون جزئية وعابرة لكنها معبّرة عن حقيقة الإرادة بوصفها ابتلاء وبلاءا وموقفا. وإذا كانت حقيقة الإنسان بالنسبة للجاحظ هي إرادة، فإن تأسيسها العقلي اتخذ صيغة التأسيس العقلي لمعناها وحقيقتها بوصفها تحديا للنفس. وتحدي النفس هو خروج على معالم وحدود الجسد أيا كانت حالته. أما بالنسبة لذوي العاهات، فإن تحديها وإبراز حقيقة المكنون في قدرتها الشخصية هو المحك الفعلي للإرادة. وهي الفكرة التي حاول البرهنة عليها بحكم البيان والعيان، أي بالرؤية الأدبية الفلسفية ووقائع الحياة الفعلية. إذ أن حقيقة هذه الفكرة لا تقوم في كمية البراهين عليها، بل بما فيها من منطق للتحدي الذاتي، ومن ثم البرهنة على تجليها التام عندما يكون المرء قادرا للصراخ:ها أنا ذا! أو كما صرخ الحلاج في أسواق بغداد بعبارة "أنا الحق".

إن المهمة الـتأسيسية بالنسبة للجاحظ تقوم في إبراز القدرة والإرادة التي استطاع البعض تجاوز علتها النفسية، بينما جزع الآخر منها. إنها قضية إرادة ونفس طويل أو قصير على المطاولة، أي التحدي. من هنا قول الجاحظ في وصفه لهذه الحالة:"منهم جماعة كانوا يبلغون من العَرَج ما لا يبلغه عامة الأصّحاء، ومع العمى يدركون ما لا يدرك أكثر البصراء، وكيف تهاجوا وتمادحوا، وكيف جزع منهم من جزع، وصبر من صبر"[8].

إن مأثرة الجاحظ بهذا الصدد تقوم في كونه لم يؤسس ويحقق فكرته هذه بمعايير التأمل النظري البحث، بل بمعايير الأدب والتأديب العميق للإرادة العقلية والعملية من خلال توظيف حالتها الفعلية في الواقع والتاريخ. من هنا اولوية التربية العقلية للإرادة، أي بما يتوافق مع روح الاعتزال وفكرته عن حرية الإرادة. لكنه جعل من الإرادة فلسفة التحدي الدائم للنفس بمعايير العقل والجسد.

فقد أرسى تربية الإرادة العقلية وحققها في أسلوب التربية في التعليم. وفيها وجد ما يمكن دعوته بمقدمة وأصل كل إبداع كبير. بل هي اساس وعماد الشخصية الإنسانية. لهذا طالب بالبدء من العلم بما لا يسع جهله، قبل التطوع بما يسع جهله، أولا. وثانيا أن لا يجري التماس الفروع إلا بعد إحكام الأصول[9]. ووضع ذلك في أساس نقده للفقهاء وتسرعهم بالفتوى. وثالثا الابتعاد عن الاستهزاء من الإنسان. من هنا وقوفه بالضد من أسلوب الهيثم بن عدي (130-207) ومواقفه المنثورة في كتبه، بوصفه نموذجا لهذا النمط المخرب للتربية العقلية. وأخير الانطلاق والاعتماد على المبدأ القائل، بأن سوء الظن في الجملة ليس مذموما، تماما كما أن حسن النظر في الجملة ليس محمودا. وإنما "المحمود من ذلك الصواب على قدر الأسباب القوية والضعيفة، والذي يتجلى للعيون من الأمور المقرّبة، وعلى ما جرت عليه العادة والتجربة"، كما يقول الجاحظ[10]. ذلك يعني، إن الجاحظ يضع العادة والتجربة في قاع الرؤية الحاكمة على قضايا المحمود والمذموم التي تتجلى للحس والعقل بصورة مباشرة. وهي عين الرؤية الدقيقة لماهية العلم والمعرفة والحقيقة نفسها.

لقد ربط الجاحظ الأبعاد العقلية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية في كل واحد في فلسفته عن الإرادة. فهو بالقدر الذي يؤسس لأسسها العقلية، فإنه يعطي من كل ما له علاقة بالجسد الفردي والاجتماعي والثقافي قيمته الأخلاقية. لهذا اتخذ عنده الموقف من حرمة الجسد الحي والميت بُعدا واحدا، هو بُعْد الالتزام بحقيقة الإرادة بوصفها موقفا والتزاما عقليا وأخلاقيا. لهذا نراه يطالب الاطباء بالالتزام بما اسماه بأول الشروط التي وضعت في أعناقهم، ألا وهو "ستر ما يطلعون عليه في أبدان المرضى، وكذلك حكم من غّسل الموتى"[11]. وطبق هذا الموقف على كافة جوانب الحياة الفردية والاجتماعية، الظاهرية والباطنية، العلمية والعملية، المهنية وآثارها. ذلك يعني، إن الإرادة بالنسبة له هي دماء الحرية والالتزام والرقي الأخلاقي. ومن ثم أساس نفي الرذيلة أيا كان شكلها ومظاهرها ومستواها. فعندما انتقد، على سبيل المثال، مهنة المشعِّب، أي ذاك الذي يزاول مهنة عمي الأبصار، ويعرج أرجلهم من اجل الكدية! توصل في مجرى نقده لها النموذج من الظواهر المخزية بأنه لا يعرف من هو الأشد اجراما هنا الآباء والأمهات أم المهنة نفسها، التي بأثرها يترك المرء كل صناعة في الأرض ليتعلم هذه الصنعة[12]!

ووضع الجاحظ كل هذه الحصيلة في ما يمكن دعوته بفلسفة النقد العقلي والأخلاقي للتصورات المخذولة عن الإرادة. وانطلق بهذا الصدد من أن المهمة الجوهرية بالنسبة للإنسان هي أن يكون إنسانا أولا وقبل كل شيء، ومن ثم توجيه طاقته صوب العمل المبدع والمثمر. من هنا انتقاده لمختلف الحرف والمسالك والسلوك المخرّبة للروح الإنساني الفردي والاجتماعي مثل السرقة واللصوصية والغش والبخل وكثير غيرها مما يشابهها بالمعنى والشكل والمضمون. وبالمقابل بجعل من عمل الغواني إبداعا جماليا وروحيا يحيا به جسد الأمة الثقافي وروحها المعنوي. والسبب هو كونه عمل مبدع. وحصيلة كل ذلك تقوم في أن الإرادة إبداع دائم للروح والجسد وتناسقها في الآفاق والأنفس، أي في الظاهر والباطن، ومن ثم في الكلّ الحقيقي للوجود الإنساني.

***

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] الجاحظ: كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان، ضمن سلسلة كتب التراث، وزارة الثقافة والاعلام. تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، بغداد، 1982.

[2] الجاحظ: كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان، ص30.

[3] الجاحظ: كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان، ص17.

[4] الجاحظ: كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان، ص19

[5] الجاحظ: كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان، ص7.

[6] الجاحظ: كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان، ص55.

[7] الجاحظ: كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان، ص63.

[8] الجاحظ: كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان، ص14.

[9] الجاحظ: كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان، ص7.

[10] الجاحظ: كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان، ص12.

[11] الجاحظ: كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان، ص15.

[12] الجاحظ: كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان، ص82.

 

الأخلاق في الفكر الغربي:

قد تكون الضوابط قانونية تنظم عمل الافراد في مؤسسات الدولة إلا أن حديثنا عن القوانين ضابطة لعلاقات الإنسان مع المحيط الإنساني وهي ضوابط أخلاقية وقيمية، ولكل ساحته الفكرية نظريا ومن ثم ساحته في الضبط اجتماعيا، رغم التداخل الظاهري بين القيمة والأخلاق.

لذلك بداية نحن بحاجة حقيقية لتوضيح المصطلحات كونها مفتاحية في البحث، ولأهمية المصطلح في توجيه البحث والقارئ او المستمع نحو الوعاء المكون لهذا المصطلح أو المفهوم.

مفهوم الأخلاق:

فعل وسلوك يشكل حركة الانسان الاجتماعية والعلائقية يعمد لحفظ قيمه الذاتية والاجتماعية.

مفهوم القيمة: نتيجة للفعل الاخلاقي وجودها يشكل مرجعية للفعل الأخلاقي.

فالكرامة قيمة يترتب عليها سلوك الانسان وفعل الانسان بطريقة أخلاقية تحفظ له كرامته.

بعض النظريات الأخلاقية في الفكر الغربي:

هناك أفعال توصف بأنها أخلاقية وأخرى تعتبر أفعال عادية، والفرق بين الفعل الأخلاقي والفعل العادي هو أن الفعل الأخلاقي قابل للثناء والمدح يضفي من خلاله الناس قيمة على مثل هذا الفعل. هوي قيمة ليست مادية، وإنما قيمة معنوية تترك أثرا على البناء الروحي للفرد والمجتمع، كالجندي الذي يضحي بنفسه لأجل الآخرين، فهو فعل ذو قيمة ولكن فوق القيم المادية.

١- النظرية العاطفية في الأخلاق

النظرية العاطفة تعتبر معيار كون الفعل أخلاقي كامنا في العواطف، " فالفعل الأخلاقي هو ذلك الفعل النابع من عاطفة تفوق الميول والرغبات الفردية ... ويقول أصحاب هذه النظرية أن لكل فعل من أفعال الإنسان مبدء وهدفا، ومبدأ كل فعل في الإنسان هو إحساسه وميله وعاطفته التي تعتبر المحرك والباعث له، ولو لم تكن فإن من المستحيل أن يقوم الإنسان بفعل، ولكل فعل أيضا هدف، وللإنسان مقصود من كل فعل من أفعاله يحاول الوصول إليه. والفعل الأخلاقي هو ذلك الفعل الذي هو من حيث المبدأ ناشئ من ميل لا يتعلق بذلك الشخص نفسه، وإنما هو يتعلق بالآخرين، واسم هذا الميل هو العاطفة، ومن حيث الهدف فإنه لا يقصد منه الوصول إلى خير يتعلق بالذات وإنما هدفه هو إيصال الخير للآخرين "[28].

نقد النظرية العاطفية:

جزء كبير من هذه النظرية صحيح لأن كل الأديان تدعو للحب والمحبة، ولكن هل كل محبة هي فعل أخلاقي؟ فليس كل فعل يستحق المدح بالضرورة أخلاقيا، فالفعل الأخلاقي يتسم بمبدأ الاختيار والاكتساب وأن لا يكون غريزيا، بمعنى أن العاطفة سمة يتصف فيها كل البشر كوننا خلقنا من نفس واحدة وفطرنا على فطرة واحدة، وكل الصفات والأفعال والأسماء أودعت فينا كبشر بالقوة، أما الفعل فهو نسبي بين البشر، يختلف باختلاف اختيارهم وإراداتهم وسعيهم نحو تحقيق الأهداف المرجوة.

لذلك يرتبط الفعل الأخلاقي باختيار الإنسان واكتسابه وسعيه، على عكس بعض النظريات كنظرية اسبينوزا التي سلبت الإرادة من الإنسان وأوكلت الفعل الأخلاقي للميل والهوى والرغبات التي تخضع للتفاعل بين الإنسان والطبيعة، كونه يدخل ساحة المعركة مع النفس واختيار الانسان لهذه المعركة وإرادته في ذلك الاختيار. وهذا وفق نظرية الإرادة الحرة التي تؤمن بأن للإنسان بعد مادي ومعنوي، وأن لديه قدرة على الاختيار بحرية بين عدة خيارات، وأنه يمتلك قوة عاقلة تتحكم في النفس وميولها وغرائزها. فكون الباعث والمحرك للعمل هو مجرد العاطفة والغريزة ليس بالضرورة يكون هذا الفعل أخلاقيا.

هذا إضافة أن نطاق الأخلاق ليس محصورا بحب الغير فقط، فحفظ الإنسان لكرامته وإبائه للضيم هو عمل أخلاقي، أيضا مواجهة العدو تتضمن قتل لأفراده، وهذا القتل بذاته عمل أخلاقي كونه يدفع الإنسان للحفاظ على عرضه وماله وأرضه، وهو في ذاته هدف أخلاقي رفيع يتحقق من خلال قيمة التضحية التي يبذل فيها الإنسان حياته في مواجهة المستعمر أو السارق، رغم أنه مخالف لعاطفة المحبة وفق نظرية العاطفة.

٢- نظرية الإرادة:

يقول هذا الاتجاه أن المعيار في كون الفعل أخلاقيا ليس هو العاطفة، وإنما هو العقل والإرادة، ولا بد أن تقوم العاطفة بنشاطها في ظل أوامر العقل والإرادة، وأما إذا بقيت العاطفة مطلقة السراح فإنها تقوم بأعمال غير أخلاقية.

والموضوع الذي يؤكد عليه كثيرا العلماء والفلاسفة المسلمون هو أن الأخلاق الكاملة هي تلك القائمة على أساس قوة العقل والإرادة، بحيث تغدو الميول الفردية والنوعية كلها تحت سيطرة العقل والإرادة، فالبطل الأخلاقي الحقيقي هو من يسيطر على وجوده العقل والإرادة"[29].

الفرق بين الميل والإرادة:

الميل علاقة بين الإنسان والعالم الخارجي تحركه الرغبة والغريزة، كالميل نحو الطعام اللذيذ وإن كان ذلك الطعام مضرا، أما الإرادة فهي علاقة بين الإنسان وعالمه الباطني ترتبط بالعقل ويتحكم فيها العقل فلو مال لطعام لذيذ وهو مضر له سيحكم العقل الارادة بعدم الاقدام على الأكل، لحكم العقل المسبق بضرر هذا الطعام على الإنسان رغم ميله له.

هذه النظرية لا تعتبر العاطفة معيارا للفعل الأخلاقي، بل العقل والارادة هما المعياران في تشخيص الفعل الأخلاقي، فلو قام الانسان بعمل يغاير الرقة والعطف واللطافة فهذا لا يعني مطلقا أنه فعله لا أخلاقيا، كمعاقبة القاتل عن عمد بالقتل، فهو سلب حياة دون وجه حق، بالتالي مقابل الحياة التي سلبها فيقع عليه نفس العقاب وهو سلبه حياته، فالعين بالعين، والحياة مقابلها حياة، إلا أن الفعل أخلاقي بامتياز كونه يمثل ضابطة اجتماعية تمنع انتشار الفساد في المجتمع.

وهذه النظرية يتفق معها الفلاسفة المسلمون ولا يعني ذلك أن هذا هو موقف الاسلام، ولكن قد يكون هذا الرأي كاشف عن جانب من الحقيقة فقط.

٣- نظرية الوجدان في الأخلاق:

وهي ما يعتقده بعض الباحثين بوجود قوة وهبها الله للإنسان كامنة في الفطرة ليست من العاطفة، ولا من العقل والارادة لأنها قوة ليست اكتسابيه، وهذه القوة قادرة على أن تلهم الإنسان في كثير من المواقف وليس كلها. وقد يقال لها بقوة الضمير الوجداني.

و"كانت" الفيلسوف الألماني يعتقد، أن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يأخذه الإنسان من ضميره بعنوان كونه أحد الواجبات.

فالفعل الأخلاقي هو الفعل الذي صدر إلى الإنسان فيه أمر من ضميره، ويمتثل هذا الأمر من دون اعتراض وليس من أجل هدف أو غرض، وإنما يفعله طاعة لأمر وجدانه[30].

لكن " كانت " وبعض فلاسفة العالم، يؤمنون أن هذه النظرية مبنية على نظرية أخرى تتضمن الاعتقاد بوجود حقائق تسبق التجربة.

فمفكرين سابقين وحاليين يعتقدون بأن ذهن الإنسان كان فارغا من أي شيء بداية، ثم انطبع فيه ما جاءه من الحواس التي هي نوافذه على الخارج.

وهو ما يعني رجوعهم إلى ما يعتقدون به في نظرية المعرفة التي تتحدث عن مصادر المعارف البشرية، حيث تحصرها المدرسة الغربية في مصدرين أساسيين هما الحس والتجربة ، وتنبني وفق هذه العقيدة المعرفية كل رؤاهم ومبانيهم الفوقية الفلسفية والفكرية والعلمية.

ولا يعول " كانت " على حكم العقل والفطرة الذي يسبق أي تجربة إنسانية، كونه أمر فطري لا علاقة له بالحس والتجربة.

فمثلا العقل يحكم بالصدق إذا كان ذلك من المصلحة، وإن لم يترتب عليه مصلحة فلا ضير من الكذب، أما الوجدان فحكمه أخلاقي مطلق بعدم الكذب والصدق دوما.

نقد نظرية الوجدان الأخلاقية:

إن المعارف البشرية لا يمكن أن تكون مبنية فقط على الحس والتجربة، وفي النظرية الأخلاقية تتعدد مصادر توصيف الفعل كونه أخلاقيا من عدمه.

فالإنسان باحث عن أمور مهمة جبل وجوده عليها وهي بواعث للإرادة وأهمها: الكمال والسعادة والبقاء، وهذه لا يمكنها التحقق إلا باختيار الانسان وإرادته، ولكن هل يمكن فصل الكمال عن السعادة؟

فوفق نظرية "كانت" للوجدان الأخلاقي التي تؤسس مصادر الوجدان على الحس والتجربة، فإنه يمكن التفكيك بين الكمال والسعادة، كون طريق الكمال في نظر " كانت " لا يحقق السعادة غالبا للإنسان، لأن حسب " كانت " الإنسان الأخلاقي يتعين عليه الرضوخ لأوامر حسه الأخلاقي مع اطمئنانه أنه آخذ في الابتعاد عن سعادته، لأن السعادة التي يتحدث عنها كانت هي الالتذاذ الدنيوي والمادي، لكن  حينما يحقق الإنسان كماله المعنوي والمادي وفق نشأته ومرتبته الوجودية، فهو حتما سيكون سعيدا ويلتذ ذاتيا في ذلك، لأن البقاء والخلود في نظره ليس منحصرا في هذه النشأة.

فالسعادة لا تقتصر فقط على الحس بل السعادة حسية وغير حسية (معنوية)، و" كانت " اقتصر وفق كلامه عن السعادة على الحسية منها، لذلك فكك بين السعادة والكمال.

اكتفي بسرد هذه النظريات مع وجود نظريات أخرى مثل نظرية الجمال في الأخلاق وغيرها من النظريات التي نلتقي معها في الفكر الاسلامي بمشتركات ومساحات جزئية، ونختلف معها في مساحات كثيرة مبنائية، تأسيسية وبالتالي فوقية، خاصة في المرتكزات المعرفية التي تختلف مشاربها سعة وضيقا بين المدرسة الغربية والاسلامية.

الأخلاق في الفكر الإسلامي:

البنية التنظيمية للإسلام متكاملة ومتراصة ومتصلة بحيث لا يمكن تفكيك بنيان منها أو فصله، للتداخل الوظيفي بين بناها الرئيسية المؤسسة لها وهي حسب بعض التصنيفات تتشكل من: العقيدة والفقه والأخلاق، ووفق تصنيفات أخرى من: القانون والآداب والقيم .

هذه البنى التأسيسية تتوازى طوليا وتتداخل أفقيا بحيث يؤثر بعضها بالأخر بشكل تبادلي يعتمد على الوعاء القابل، ولو رجح أحدها على الآخر أو غيب أحدها لحساب الآخر، سيظهر الخلل الوظيفي على الإنسان وتبدأ تظهر الانحرافات في الفهم والسلوك.

وهذا التقسيم قديم ومتفق عليه كونه يعود إلى تقسيم مدركات العقل إلى نظري وعملي، فالعقل النظري يتعلق بما هو كائن (العقيدة) والعقل العملي أي بما ينبغي أن يكون (فقه وأخلاق ..) ، الفقه يتعلق بمفردات الأفعال ، والأخلاق تتعلق بكلياتها ( العادات والملكات).

وحيث أن المعرفة بوابة لكل العلوم والمعارف كما لفت إلى ذلك أمير المؤمنين علي عليه السلام حينما قال في نهج البلاغة: " أول الدين معرفته "، سنقف اطلالة على مفهوم المعرفة وفرقها عن مفهوم العلم. .

المعرفة هي كل علم ينطبع في العقل وصفحة القلب وينعكس على السلوك والقابلية والفهم بحيث يقترن هنا العقل النظري بالعقل العملي، وتصبح دائرة الإنسان واحدة وموحدة في أفق واحد وفي طول الإرادة الإلهية، والمعرفة ترقق العواطف وترتقي بالشعور الإنساني وتعمقه، وتزيده سعة فمن زادت معارفه زادت عواطفه كما يروي في الأثر.

هذه المعرفة تكون حصيلة العلم الكسبي عقائديا وفقهيا وأخلاقيا، حيث تدريجيا يتحول لعلم حضوري يندك فيه الوجود الإنساني بالله اندكاكا. ويضاف لها العلم الحضوري الذي هو نور يقذفه الله في قلب الإنسان، حيث الوجدان في الفكر الإسلامي هو مصدر من مصادر المعرفة البشرية، لكنه وفق الفلاسفة حجيته قاصرة على صاحبه فقط.

أما العلم فهو العلم الكسبي الذي لا يتعدى العقل النظري ويبقى كمعلومات لا تنعكس على سلوك الإنسان وعواطفه وإنسانيته. علم الرياضيات مثالا.

فالعقيدة هي مجموعة من الأفكار المتسقة والمتناسقة والمتداخلة تعمل على تشكيل فكر وعقل الإنسان وتبني الأسس المعرفية في العقل، التي تشكل بنى ورافد تنطلق منه الفوقيات الفكرية التي ستشكل رؤى الإنسان في كل زمان ومكان، حيث هناك بنى عقائدية ثابته وأخرى متغيرة تعطي للإسلام حركية ومرونة تمكنه من أن يكون صالحا لكل زمان ومكان.

وهي تقع في باب التصديقات التي يقع فيها الحكم ويكون هذا التصديق باعثا للإرادة نحو العمل وفق ما اعتقده الإنسان، وهذا الباعث للعمل يرفد رغبة الإنسان في البحث والمعرفة حول ماهية السلوك المنطبق للبنى العقائدية.

فالمقر بوجود ووحدانية الله تعالى إقرارا تصديقيا عقليا ونقليا ستنبعث إرادته للبحث عن إرادة الخالق ومراده للعبد في هذه الدنيا، لذلك سيتعرف على المنظومة الإسلامية كاملة كي ينطبق سلوكه الجوارحي مع اعتقاده العقلي وحركته الجوانحية ترتقي للتوافق مع سلوكه الجوارحي وعقيدته العقلية.

ليغطي أركان الإسلام الثلاثة: العقيدة والفقه والأخلاق أو القانون والقيم والآداب.

تأتي أهمية الأخلاق في هذه المنظومة كونها تشكل الضابطة في بعدين هما:

١- البعد الفردي حيث تضبط جوانحيا أعماق الإنسان وتربطها بقيم السماء وأخلاق الله تعالى، هذا الانضباط النفسي هو النواة التي تنطلق منها الضوابط في بعدها الآخر. فالبعد الفردي يقتصر على ساحة الكمال الفردي الإنساني.

فقد ورد في الأثر: " من قدر على نفسه كان على غيرها أقدر"، ويقول " من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته". فمن عرف حقيقة كرامته وقدره، ووظيفته، وأدرك الآخرة وما فيها من عقاب وثواب، وأدرك عظمة الخالق وخاصة في نفسه هانت كل شهوة عليه تخرجه عن آدميته، وهذه من المعارف الضابطة للنفس، والباعثة للإرادة لتسيطر على الذات وتحكمها بقوانين أخلاقية تتناسب وقيمتها الإنسانية.

وقال الله تعالى: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"[31]

أي إن المسار في الفكر الإسلامي هو مسار السيطرة على الذات، على عكس المسار الغربي الذي تبنى مسار السيطرة على الطبيعة.

فانضباط النفس والذات، هو انطلاق نحو الانضباط الاجتماعي الخارجي.

٢- البعد الاجتماعي: هنا هي ساحة التفاعل الإنساني في السير نحو كل من الكمال والتكامل الإنساني، ومحورية الأخلاق هنا تأتي كضابطة تمنع وقوع الفساد الاجتماعي، وتدفع باتجاه التطور والتنمية البشرية على كافة الأصعدة.

لكن السؤال الذي يمكن طرحه على ضوء تصنيف الشهيد محمد باقر الصدر لعناصر المجتمع الثلاثية والرباعية هو:

كيف يمكن أن تشكل الأخلاق ضابطة فردية واجتماعية في ظل وجود الأنا والذات والنفس؟

- الشعور الأخلاقي متصل بالشعور بمعرفة الله:

الاسلام يعني الاستسلام لقانون الله، ولله سبحانه نوعان من القوانين، الأول ما أودعه بالفطرة لكل البشر، والثاني ينطلق من الأول ويتفرع عنه، لكن لا تتم معرفته إلا عن طريق الأنبياء والمرسلين، فالأول كليات وبنى تأسيسية لكل البشر، والثاني فروع من تلك الكليات ترسم معالم السير الإنساني في الدنيا على ضوء ما أودع في فطرته.

فالقانون الأول موجود في الإنسان وهو غير واع له، والثاني يحتاج إلى إدراك ووعي والتفات كي يقع التسليم لقوانين الله.

ولكي تصبح الأخلاق ضابطة فردية واجتماعية لا يكفي الوجدان والضمير في كونهما منابع أخلاقية للإنسان، فالغاية هي أن تتحول هذه القوانين الفطرية لقوانين سلوكية مدرَكة تقع عن وعي الإنسان لها، بالتالي يكون سعيه نحوها بعد إدراكها باختيار منه وإرادة منبعثة من هذا الوعي، ويرتبط اختياره ليس فقط بإحرازه الراحة النفسية وراحة الضمير، بل بإحرازه رضا الله، والذي غاية فوق كل الغايات، فالضمير منفردا ليس ضابطة تلزم كل الناس وتضبط سلوكهم، بل لا بد من جهة عليا يرتبط فيها الإنسان بالعقاب والثواب، تقنن له قوانين ناظمة، وبالتالي يستمد منها قواعده العامة، ليقنن على ضوئها قوانين وفق كل زمان ومكان، وتكون الضابطة العميقة نفسيا وأخلاقيا وقيميا هي رضا الله والخوف من عقابه الذي يعني الألم، والسعي لثوابه الذي يحقق السعادة في الدنيا والآخرة، وليس فقط وجود قانون مخالفته قد تحقق مفسدة للإنسان.

فالتضحية في سبيل الأخرين عمل يقره الضمير والوجدان، ولكن يتجسد كأثر سلوكي يحقق غاية الكمال والتكامل الفردي والاجتماعي إذا ما ارتبط بالله ومعرفته والتسليم لقوانينه كافة.

في فطرة الإنسان زرعت معرفة الله بالقوة، فهو بالأصالة يعرف الله بصورة غير واعية، كالطفل حينما يولد ويشعر بالجوع فمن منطلق غريزته يبحث عن ثدي يغذيه، دون أن يعي تفاصيل كون هذه أمه حتى يبدأ يتكامل تدريجيا وعيه كسبيا مع الأيام.

هذا الوعي في معرفة الله يشكل باعثا للانضباط الأخلاقي فرديا واجتماعيا، وإلا وفق النظرية الغربية وخاصة نظرية المنفعة التي تنطلق من أن منفعة الإنسان ومصلحته هي الباعث والداعي للانضباط القيمي والأخلاقي، فتتهاوى أمام التجربة البشرية الماثلة، فما إن يمتلك الإنسان مصدر قوة يستطيع أن يتجاوز كل الضوابط دون رادع.

فالجار وفق هذه النظرية لا يعتدي على جاره حتى لا يعتدي عليه جاره، فمنفعته ومصلحته تدفعه لذلك، ولكن ما إن يمتلك القوة والسلطة والنفوذ يسقط اعتبار المصلحة والمنفعة، ويتجاوز كل الضوابط بما فيها الأخلاقية لأن جاره لن يتجرأ أن يرد له الاعتداء لما يملكه من نفوذ وقوة.

أما وفق معيار معرفة الله تصبح الأخلاق حاضرة وفق منطق الإسلام، ومسألة التسليم والخضوع لله، فمهما امتلك الانسان قوة ونفوذ تكون مرجعيته في الحراك الاجتماعي والنفسي هي الله تعالى جل شأنه. فلا يستخدم قوته ونفوذه في التعدي على الآخرين وانتقاص حقوقهم، لأن الضابطة التي تضبطه ليس القانون الخارجي، بل خوفه من الله وسعيه لنيل رضاه.

فالأخلاق في الفكر الإسلامي تؤكد على روح الإنسان (الجوانح) حيث هي منطلق الإنسان نحو العالم الخارجي كما أسلفنا الذكر.

النفس والرؤية الإسلامية:

للنفس بعدان أحدهما حقيقي والآخر وهمي وما نعنيه بالنفس هو الذات، فالبعد الوهمي هو البعد الذي دعا القرآن والروايات إلى محاربته، لأن ذلك البعد من النفس أمار بالسوء، هذا البعد الوهمي من النفس هو البعد الذي أمرنا الله بجهاده ومحاربته، أما البعد الحقيقي هو البعد الذي ألهمه الله التقوى: " ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ".

والدعوة لنسيان الذات والأنا هي دعوة أخلاقية بامتياز، ويمكن للإنسان تحقيقها وفق نظرية المعرفة الإلهية، فالنفس " الذات " لها نفحة سماوية ونفحة غرائزية حيوانية، الاولى متعلقة بالروح والثانية متعلقة بالجسد، ويأتي الصراع الباطني بين النفحتين، فمن يسود منهما يشكل هيئة الإنسان في الدنيا وتحكم سلوكه الخارجي الفردي والاجتماعي.

ولكن النفحة السماوية هي النفحة الأصيلة للإنسان والأخرى هي نفحة طفيلية مرحلية مساحتها فقط في الدنيا، فهي ضرورة مؤقتة لمرحلة من مراحل النمو الإنساني، لكن أهميتها تكمن في أنها تلعب دورا في تشكيل مسار الانسان تصاعديا وتسافليا، وفق ما زود به الإنسان من إرادة وحرية واختيار تمكنه من توجيه ذاته للجهة التي يريد.

وكل تفسير إسلامي يختلف في أوجه مع التفسيرات الغربية يعود لاختلاف في أصل المعارف البشرية ومصادرها، وإلى عناصر المجتمع وفق رؤية الشهيد محمد باقر الصدر.

هذا الصراع ضرورة بشرية من جهة، تتصل طوليا بموضوع الخضوع والتسليم لله وهذا الخضوع يتعمق بتعمق المعرفة المتصلة بأركان المنظومة الإسلامية (العقيدة والفقه والأخلاق) فكلما تعمقت هذه المعرفة في النفس كلما تجلت صفات الله وأسمائه وأفعاله في الإنسان جوارحيا وجوانحيا، فالتماثل يفيد الانضمام.

وروح الإنسان هي منشأ الأحاسيس الأخلاقية ونافذة للمعنويات، كلما اتصلت هذه الروح بمنبعها المتقومة به وهو الله، كلما ارتقت في الإحساس الأخلاقي في بعديه الفردي والاجتماعي.

القيم والأخلاق:

منشأ القيم هو الفعل الأخلاقي، فالكرامة قيمة تتحقق بسلوك الإنسان وفعله الأخلاقي الذي يحفظ له هذه الكرامة، فالعدالة الاجتماعية ممارسة إنسانية لمجموعة من الأفعال الأخلاقية أبرزها الانصاف والمساواة، والكرامة تتحقق أحيانا ببذل النفس في سبيل ارتقاء الناس، ورفع الظلم عنهم وهو ما جسده.

نموذج قرآني في أهمية الأخلاق في الضبط الاجتماعي:

يقول الله تعالى: " ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم "٣٤" وما يلقها إلا الذين صبروا ولا يلقها إلا ذو حظ عظيم "٣٥" وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم "٣٦" فصلت

ولكن السؤال الذي قد يتبادر إلى الأذهان، هل يكفي الارتباط بالله كضابطة أخلاقية وفردية واجتماعية، تعصم الإنسان عن الخروج عن السلوك الأخلاقي وضوابطه؟ مع معرفة أن هذا الارتباط لا يمكن تعميمه على كل الناس، لأن هناك من يؤمن بالله وهناك من يكفر بالله، ألا نحتاج إلى التقنين كوسيلة ضبط خارجية، مضافة إلى وسيلة الضبط الذاتية المرتبطة بمدى علقة الذات بالله؟

القانون والضبط الاجتماعي:

يلعب القانون دورا هاما في ضبط السلوك الفردي والاجتماعي، كونه يرتبط بمجموعة عقوبات في حالة المخالفة، هذه العقوبات لا تحقق أي مصلحة للإنسان وقد تسبب له خسارة على مستواه الذاتي والاجتماعي، خاصة إذا كانت خسارة مادية. لذلك لجأت كثير من الدول إلى سن قوانين صارمة وملزمة في التطبيق على الجميع دون تمييز، حتى تحقق الاستقرار والأمن الاجتماعي، ولكن ترد تساؤلات كثيرة حول أهمية القانون ومصدرية تشريعه، والضابطة في حال غياب القانون، أحاول الإجابة عليها.

١- الضبط الاجتماعي وصياغة الوعي:

الوعي هو الذي يعكس مدى ما يملكه الفرد من بصيرة نافذة في قراءة الذات والمجتمع، ومواءمة الظروف المحيطة بطريقة تنعكس على سعادته المعنوية والمادية في الدنيا والآخرة.

والوعي صناعة عدة جهات كما ذكرنا سابقا:

ـ الأسرة التي تشكل النواة المنتجة للأفراد إلى داخل المجتمع، ودورها المحوري في التنشئة القانونية   والشرعية، بل قدرتها على تعليم الأبناء أهمية الضوابط والقوانين الاجتماعية، ودورها في تحقيق السعادة والاستقرار.

ـ المؤسسات التعليمية من مدارس وجامعات ومعاهد، وما تتبناه كمنهج تعليمي وما تستخدمه كأدوات.

ـ الدولة وما لديها من خطط تربوية وتعليمية وإعلامية، تنهض بالوعي الفردي والاجتماعي.

ـ المؤسسة الدينية وقدرتها على فهم الدين، وتحويله لمشاريع عمل تنهض بالفرد والمجتمع، وتنخرط كجزء من هذه المشاريع تنفيذيا وليس فقط تنظيريا، بل قدرتها على ترسيخ منظومة القيم والمعايير، وتقديمها نموذجا مرجعيا نظريا وسلوكيا في ذلك، ورفد الدولة بالقوانين المستوحاة من الأحكام الفقهية القابلة للتقنين.

ـ مؤسسات المجتمع الأهلية بمختلف مجالاتها، وقدرتها على امتلاك مشاريع عمل، تدمج طبقات المجتمع المختلفة في مشاريع التوعية القانونية، وامتلاك رؤية قادرة على رفد الدولة بضوابط تعالج مشاكل المجتمع، وتدفع باتجاه المزيد من الاستقرار الاجتماعي، لتلعب دورا هاما أيضا في تحويل تجربتها البشرية الميدانية إلى قضايا يمكن تشخيص قوانين ضابطة لها، وعلى ضوء الثوابت ومن خلالها تبني جسرا يمتد بينها وبين المؤسسات الدينية.

ـ الاعلام ودوره في صناعة وعي الجمهور، وترسيخ ثقافة الضوابط والالتزام بها وبالقوانين الداعمة للنظم والاستقرار.

٢.٤ الضبط الاجتماعي والقانون:

ينظر إلى القانون عل أنه مجموعة قواعد، فيعرف القانون على أنه (مجموعة قواعد عامة مجردة ملزمة تنظم العلاقات بين الأشخاص في المجتمع)، فالقاعدة القانونية تختص بأنها عامة ومجردة (تنطبق على الجميع) وملزمة.

فموضوع القانون هو الإنسان وسلوكه الاجتماعي وأفعاله وردود أفعاله، وهدفه نظم هذا السلوك بمجموعة من القوانين الملزمة لتحقيق الأمن والاستقرار الاجتماعي.

ولا يمكن للقانون أن يحدث الأثر المرجو منه، ويحقق الهدف المرجو منه إلا في حال جرى تطبيقه على الجميع دون فرق، وإلا بات القانون لا يساوي الحبر الذي كتب به. فالقانون يرسم الحدود ويضبط السلوك الخارجي وإن جبرا، ولكنه يحتاج عوامل أخرى كي يحقق هدف الاستقرار الاجتماعي المستديم.

وجوهر هذه الاستدامة في الاستقرار الاجتماعي هو احراز القانون للعدالة الاجتماعية، والعدالة قيمة غائية لا تعتمد في تحقيقها فقط على القانون والضبط الاجتماعي، بل تحتاج بشكل كبير للانضباط القيمي والمعياري والأخلاقي على مستوى الفرد (الذات)، وهو ما قد يمكن تحقيقه من خلال بوابة التقوى، والتي تلعب دورا هاما في الحياة الدنيا، وضبطها وتحقيق العدالة، واستدامة الاستقرار الاجتماعي.

وللقانون ولتطبيقه على الجميع دون فرق، دور كبير في تحقيق الضبط الاجتماعي تشريعيا ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه : ما هي مصادر التقنين ؟ وهل للقانون دور في الضبط الأخلاقي؟

مصادر التقنين:

كي يحرز القانون هدفه في الضبط وتحقيق العدل، لابد له من مرجعية خبيرة ومحيطة بالإنسان وعلاقته بالطبيعة والإنسان الآخر، وكيفية نظم هذه العلاقات بما يدفع باتجاه التطور والتقدم والتنمية المستديمة، ويزيل كل العوائق النفسية والاجتماعية.

والمصدر في التقنين يجب أن يتصف بالإحاطة والشمولية والتجرد والموضوعية، حتى يستطيع سن قانون تحقق الهدف من التقنين، ويضبط السلوك الفردي والاجتماعي بما يحفظ النوع الإنساني ويحقق العدل.

فنحن هنا أمام مرجعيتين:

١. المرجعية الالهية المحيطة الشاملة الخبيرة غير المحدودة، وهنا نعني من حيث الضوابط والقوانين العامة دون إنكار لدور العقل الذي منحه الله للإنسان في التفصيل، وتشخيص الأصلح، لتحقيق تلك الغايات وتطبيق تلك الحدود العامة.

٢. المرجعية البشرية المحدودة، والتي يلعب فيها كل من العقل البشري المحدود والذات دورا كبيرا في تشخيص القانون.

المرجعية الالهية متمثلة في القرآن الكريم والسنة المعتبرة والحديث المُحَقَّقْ، بحيث يشكل القرآن المرجعية المعرفية المعصومة لباقي المصادر، ويلعب العقل دورا هاما ومحوريا في الوصول لحكم الله.

أما المرجعية البشرية فتتكئ على التجربة، منطلقة من نجاحها في التجارب الطبيعية، مع عدم التفاتها للاختلاف العميق والواقعي بين التجربة الطبيعية والتجربة الاجتماعية والبشرية، وأهمها مجال التطبيق ومدة ظهور النتائج والاثار المترتبة على التجربة.

المرجعية الالهية تنظم القوانين وفق أسس ثابتة وأخرى متغيرة وفق الزمان والمكان، تكون فيها الثوابت مرجعية لتلك المتغيرات، بحيث تشكل قواعد كلية صالحة لكل زمان ومكان، وتكون المتغيرات في مصاديق تحقيق تلك الكليات الثابتة. أو إن كانت كليات ثابتة مع تفاصيلها، فإن المحرك العملي هنا قواعد كلية مرنة منتزعة من الشريعة، تعمل كمفصل مرن يجعل من هذه الثوابت صالحة لكل زمان ومكان، كقاعدة " لا ضرر ولا ضرار " على سبيل المثال لا الحصر.

وهذا لا يعني إلغاء دور العقل ومنع الاستفادة من التجارب البشرية الاجتماعية، فالنبي ص أمضى حلف الفضول الذي تأسس قبل الاسلام، كونه يلتقي في مقاصده الاجتماعية وحراكه مع قيم الاسلام الرفيعة، فالإنسان مفطور على حب الخير.

إذا معيار الاستفادة من تجارب الأخرين البشرية الاجتماعية وما يتعلق بالتقنين، هو عدم تعارضها مع القواعد الكلية للشريعة ومع مقاصد الاسلام العليا، وتحقيقها لجوهرة القيم " العدالة "، وعدم امتهانها لكرامة الإنسان ودوره الخلافي على الأرض.

فالعقل أحد مصادر التشريع من جهة، وأحد مصادر المعرفة من جهة أخرى، وهو قادر على كشف الواقع، والانتزاع من جزئيات مستقرئة، قوانين كلية قادرة على نظم الواقع الإنساني اجتماعيا، ويكون الوحي (النص) حارسا يمنع خروج العقل عن جادة التفكير المنطقي، ويمده بالمواد الخام، في حال عجز عن الحصول عليها مستقلا لمعرفة واقع الأمر.

العلاقة والنسبة بين القانون والحق والتكليف:

الحق ينشأ بوجود الشخص العاقل المدرك المريد المختار، فيصبح له حقوق وعليه واجبات أو تكليف، واجبات اتجاه ذاته كفرد ومحيطه العلائقي، الذي يبدأ من الأسرة إلى المجتمع ومن ثم إلى الأمة، وكلها في امتداد بعضها البعض، يكون فيها ترتيب الأولويات في امتداد (في طول) إرادة المشرع الأصل والمنبع، أي الله سبحانه وتعالى. فيكون منشأ الحق هو الله تعالى، وهو ليس حقا على الله، وإنما حقا من الله فرضه للإنسان، من باب نظم الحياة، التي هي ساحة وميدان ابتلاء الإنسان، وحراكه التكاملي نحو الله تعالى والسعادة الأبدية.

وهنا يصبح الحق مرجعية للتقنين، هذا التقنين هو لنظم العلاقات الاجتماعية، وإرساء الأمن والاستقرار المجتمعي، ولكن هنا تطرح مسألة في الحق والقانون والأصل الذي يقدمه "كانط "على مسألة الحق، وهو لمن الأصالة في الحق والتقنين: للفرد أم للمجتمع أو لكليهما؟

كون منشأ الحق هو الله تعالى، لا يعني ذلك تحييد دور العقل البشري في تشخيص قوانين وحقوق تنتزع من الثوابت الشرعية، وتكون خاضعة لمتغيرات الزمان والمكان هذا من وجه، ومن وجه آخر حينما يكون منشأ الحق هو الله تعالى، فإن ذلك يعني الأخذ في الحسبان كل من الفرد والمجتمع، كون السيرة الالهية التشريعية آخذة في حسبانها الطرفين، لكنها متكأه على أساس قواعد مهمة مثل لا ضرر ولا ضرار مثلا، وهي قواعد أصولية تعطي للفقيه مساحة للتشخيص مهمة، لتحديد متى نقدم حق الفرد على حق المجتمع، ومتى نقدم الأخير على الأول.

وهذا يفرض سؤالا مهما في كيفية ارتباط الحق بالقانون في ظل هذه القواعد، التي تجعل من الحق مسألة خاضعة لها في التشخيص، وفي تقديم الأولويات ليس مطلقا للمجتمع وإنما غالبا له، ومن الذي يملك حق التشخيص في ذلك مع بعدنا عن عصر التشريع؟ هل الفقهاء فقط، أو مجلس يضم الفقيه مع القانوني والمفكر والمختص، أو الدولة مستقلة، مع علمنا بطبيعة الأنظمة السياسية الحاكمة في العالم العربي والإسلامي، بل في العالم كله؟

سؤال يحتاج بحث مستقل وهو ما قد يخرجنا عن هدف هذه الأوراق.

فحينما يتم إعطاء كل ذي حق حقه، وتهيأ الظروف وتُعبَّد الطرق أمام الإنسان بما يمكنه من أداء تكليفه، فلا وجود لحق بدون واجب في قباله وتكليف، فإن ذلك يكون مدعاة لإنفاذ الإرادة الإلهية في تحقيق العدل، ونظم الأمر، و فتح الأفق نحو الابداع والتطوير والتنمية في الإنسان وله.

ضابطة الالزام في تطبيق القانون:

سن القانون وفق قاعدة الحق الالهية المنشأ، ووفق قاعدة المرجعية الالهية مع الاستفادة من التجارب البشرية والعقل البشري، التي لا تتعارض مع هذه المرجعية لا يكفي في تحقيق الهدف، حتى مع الالزام الخارجي في تطبيقه، كون الهدف من القانون احراز الاستدامة في الاستقرار الاجتماعي، وتحقيق العدالة الاجتماعية. وهذا لا يتحقق إلا من خلال بناء الفرد بناء معنويا روحيا وفق مبدأ الرقابة الالهية واتصال الدنيا بالآخرة، وليس مبدأ فقط رقابة الدولة عليه لتطبيق القانون، فمع تمكن الفرد من تجاوز القانون دون وقوع عقوبة عليه ودون تطبيق القانون عليه، فإن ذلك يعني عدم قدرة القانون منفردا على تحقيق مبدأ الإلزام الدافع للفرد إلى التطبيق، كون التطبيق يتطلب رقابة من قبل المشرع، ومع غياب الرقابة أو امتلاك الفرد سلطة ونفوذ، فإن ذلك يمكنه من مخالفة القانون. لذلك فإن القانون منفردا لا يمتلك كامل الصلاحيات الإلزامية، التي تدفع الفرد لتطبيق القانون، إلا ضمن شروط محددة زوالها يؤدي إلى المخالفة.

فالقانون لا يلعب دورا في الضبط الأخلاقي وارتفاع منسوب التقوى، وما يقوم به القانون هو ضبط سلوك الفرد الظاهري، ضمن شروط تحقق الضبط، بينما التقوى والانضباط الأخلاقي، هما الأساس في تطبيق القانون وتحقيق أهدافه. ومع كون التقوى مصطلح إسلامي خاص، إلا أنني هنا لا أعني به المعنى الإسلامي الحرفي فقط، والذي يخلق لدى المسلم حالة نفسية باستشعار رقابة الله الدائمة، مما يمنع النفس من مخالفة القوانين الشرعية والمدنية التي تنظم حياة الفرد والمجتمع، وتمنع الفوضى وإشاعة الفساد. أما بالنسبة للتقوى ببعدها الإنساني الخارج عن حدود الدين والعقيدة، فأعني بها الضمير[32] الأخلاقي الذي يمتلكه كل فرد، هذا الضمير يعتمد على قدرة العقل مستقلا في تمييز الحسن من القبيح، وهو ما يحتاج إلى تحفيز حقيقي، كون الضمير مرتبط بتحقيق اللذة ومتعلق بفعل الفرد، لقدرته على تمييز الحسن من القبيح، بالتالي يسعى دوما للشعور بالسعادة واللذة، واللتان لا تقتصران على الأمور المادية، بل أيضا الأمور المعنوية المرتبطة بإنسانية الإنسان بغض النظر عن أي انتماء.

" فالضمير مركب من الخبرات العاطفية القائمة على أساس فهم الإنسان للمسؤولية الأخلاقية لسلوكه في المجتمع، وتقدير الفرد الخاص لأفعاله وسلوكه. وليس الضمير صفة ولادية، إنما يحدده وضع الإنسان في المجتمع، وظروف حياته، وتربيته، وهكذا. ويرتبط الضمير ارتباطا وثيقا بالواجب، ويشعر المرء– بوعيه بأنه انجز واجبه تماما –بأنه صافي الضمير، أما انتهاك الواجب فيكون مصحوبا بوخزات التأنيب. والضمير، في استجابته الايجابية لمتطلبات المجتمع، قوة دافعة قوية للتهذيب الأخلاقي للفرد[33]

والإلزام كضابطة لتطبيق القانون وكقاعدة تعتمد في تطبيقها على الفرد وعلى تربيته وفق مبدأ الرقابة الإلهية، وهو ما يتطلب وجود برنامج شامل يبني قواعده العقدية على أساس التوحيد، وينطلق به ليكمل بناءاته وفق إرادة الخالق المنظمة لجوارحه سلوكيا، وفق مجموعة من القوانين والتشريعات المرسلة عن طريق الأنبياء بالأصالة، ومن يكمل مسيرتهم من الأوصياء والعلماء والنخب الملتزمة لتلك المبادئ قولا وعملا، ووفق مجموعة من القيم والضوابط الأخلاقية التي تعني بضبط بعده الجوانحي المعنوي، وفق نفس الطريق في التبليغ بها.

فما نعيشه اليوم من تجربة للمرجعيات البشرية في سن القوانين الناظمة والضابطة للحياة الاجتماعية، والأوبئة مثال صارخ على تجاوز القيم الأخلاقية في حال تضررت المنفعة العامة وتضرر رأس المال، أي في حل وقع ضررا اقتصاديا كما حدث في وباء كورونا، حيث اعتبر كبار السن غير ذات نفع ولا يعود وجودهم بأي إنتاج يصب في رأس المال،

بل يشكلون عبئا على الدولة، فتركوا غالبا دون مساعدة، بل حتى دور الإعاقة في أمريكا قررت بعض الولايات عدم تقديم أي مساعدة لهم، وتركوا لمصيرهم في مواجهة الوباء. وهذا أكبر دليل على عدم قدرتها منفردة في تشخيص الواقع ومعالجته، للقصور الذي يظهر في تلك القوانين بعد مرور زمن طويل على تطبيقها، وظهور جوانب القصور فيها، لعدم تحقيقها للانضباط والاستقرار المستديم، وعدم إرسائها للعدالة الاجتماعية، لخلل ما في التطبيق على الجميع أو لخلل في تشخيص الواقع الذي على ضوئه سن القانون.

فحينما تتحكم النظريات البراغماتية والنفعية كمرجعية أخلاقية في تحديد المسؤوليات الاجتماعية اتجاه الأفراد والمجتمعات، فإن ذلك سيضع قيمة العدالة والكرامة على محك، وسيؤدي إلى ظهور ثغرات أخلاقية حقيقية، تظهر الخلل في فهم العدالة والكرامة، أي خلل مفاهيمي ناشئ عن بنية الغرب المعرفية، ومصادرها التي تستبعد البعد المعنوي والغيبي، وبالتالي تنظر للإنسان كجسد مادي، قيمته تكمن في مدى فائدته لرأس المال العام.

فقد يلتزم الأغلب بالقانون بدافع حماية النفس من العقاب أو التعدي عليها لانتهاك القانون، أو دفعا لاستقرار المجتمع، لكن قد يمتلك بعض الأشخاص من النفوذ المالي والسلطوي ما يمكنهم من تجاوز القوانين الناظمة دون رقيب أو حسيب، فيكون القانون بذلك لا يملك بذاته صفة الالزام، ولم يتم تطبيقه على الجميع لموانع خارجية، غالبها تأتي من تلك الجهة، إما الواضعة للقانون أو المنفذة له، كون الأساس الأخلاقي الحاكم على مسار التطبيق هو الأساس النفعي.

فطالما المنفعة تتطلب تجاوز القانون وعدم تطبيقه، فلن يطبق لتحقيق هذه المنفعة، خاصة عند اجتماع السلطة والنفوذ مع المنفعة والمصلحة الشخصية، المنطلقة من حب الذات، فإن ذلك مع توفره، فلن يلزم صاحبه بتطبيق القانون.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرا وفي ظل وباء كورونا انتشرت التقارير الإخبارية المصورة، والتي نقلت حالة التسليح الكبيرة التي انتشرت في الولايات الأمريكية حيث أظهرت التقارير المتلفزة خلو محلات السلاح من الأسلحة، وكانت اللقاءات مع الناس تعكس حجم الخوف من الفوضى بسبب الوباء، حيث صرح البعض أن اقتناء السلاح هو للحماية الشخصية من انتشار محاولات السرقة ونهب البيوت، بسبب تفشي وباء كورونا، رغم استمرار وجود الدولة والقانون والشرطة التي يفترض أنها تحافظ على الأمن وتطبيق القانون، وهو ما يدلل على أن القانون مستقلا لا يمكنه إحراز الأمن والاستقرار، ولا يمثل رادع حقيقي وواقعي في ظل حدوث أي خلل خارجي، فإن الانضباط الذاتي قد يغيب.

وما يكسب القانون إلزاميته هو الإنسان ذاته، وما يملكه من أبعاد قيمية ومعايير ضابطة، ترتبط إما بتماهيه مع فطرته وما جبل عليه من الخير، أو ما يملكه من ضمير أخلاقي، أو لارتباط هذا العنصر البشري بالسماء وإحرازه لمقومات التقوى المعززة للانضباط الذاتي. والضمير الأخلاقي حينما يتحول إلى ثقافة اجتماعية، بحيث يصبح ارتكاب القبيح أو المخالفة القانونية أمرا مستنكرا اجتماعيا، فإن هذا الاستنكار الجماعي للقبيح وللمخالفة يشكل بذاته ضابطة للفرد وللمجتمع، تمنعه حتى مع عدم وجود رقيب، من ارتكاب القبيح أو مخالفة القانون، تحسبا لاستنكار المجتمع ولعزله اجتماعيا، ولحوق العار الاجتماعي به، نتيجة هذا الانتهاك المخالف للضمير الأخلاقي الاجتماعي.

ولتطبيق القانون هناك عدة مراحل للضبط:

١- ضبط فردي ذاتي

ضبط حقيقي وواقعي مستمد من التشريعات الالهية، لمدخليه الدين ودوره في ضبط الفرد، لطبيعة العلاقة بين الإنسان والدين، وكيفية المواءمة بحيث يخدم كل منهما الآخر، ولا يسجن أحدهما الآخر، وهنا للتقوى دور مهم في الضبط، نستطيع التأسيس له على ضوء تقسيم الشهيد الصدر لعناصر المجتمع

(ثلاثي ورباعي) وما يترتب على هذا التقسيم في عملية الضبط الاجتماعي، كون التقوى الفردية، تلعب دورا هاما ومحوريا في موضوع الضبط، المتعلق غالبا بتطبيق القانون وانفاذ التشريعات وخلافه.

ففي الغرب الذي يؤمن بالتركيبة الثلاثية للمجتمع، مرجعية الضبط فيه فقط للإنسان وتوافق العقلاء، واما النظرية الاخلاقية قائمة على أساس المنفعة، هذه النظرية متهافتة قيميا وأخلاقيا ولا تلعب دورا أبدا في الضبط إلا على الأضعف والأفقر. فالنفع منتفي مع امتلاك القوة، لغياب الضابط الأخلاقي المتصل بالسماء. وهذا لا يعني غياب الضبط تماما، كون وجود الضمير الأخلاقي، يحقق نوعا من الانضباط، ولكنه مقارنة مع القانون ودوره في الضبط، يمكن القول أن القانون الناظم الأساسي الذي يمارس عملية الضبط بشكل أكبر بكثير من الضمير الأخلاقي.

٢- ضبط اجتماعي وله بعدين:

الأول: وضعي اعتباري: وفق توافق العقلاء، الآخذ بالحسبان الجو العام الاجتماعي، وأدوات الضبط الأنجع. .

الثاني: حقيقي واقعي: وفق كليات ومقاصد الشريعة، قادر على تقنين الأحكام الفقهية، خاصة تلك المتعلقة بالضبط الاجتماعي، وفق آلة القانون.

ووفق ذلك يكون الضبط الاجتماعي العنوان الكلي المتعدد المصاديق:

- ضوابط اجتماعية قيمية

- ضوابط اجتماعية أخلاقية

- ضوابط اجتماعية معيارية

- ضوابط اجتماعية إعلامية

- ضوابط اجتماعية اقتصادية

- ضوابط اجتماعية ثقافية وفكرية

الضبط الاجتماعي هو العملية التي يستطيع المجتمع بواسطتها السيطرة على أفراده، وتنظيم سلوكهم من خلال مجموعة من الوسائل، بالشكل الذي يؤدي إلى اتساق هذا السلوك مع التوقعات الاجتماعية، والتي تعمل للمحافظة على استمرارية المجتمع ونموه في الأوضاع الاعتيادية، وتلافي التخلف الذي يحدث في بعض مؤسساته خلال عمليات التطور التدريجي أو التغير المفاجئ، لا سيما أثناء الأزمات الاقتصادية والانقلابات السياسية والحروب والثورات والكوارث الطبيعية والأوبئة.. الخ

وحيث أن القانون مجموعة قواعد تنظم علاقة الأفراد، والضوابط هي وسائل لضبط السلوك، فتكون الضابطة سابقة للقانون من حيث السبق المنطقي، حيث ضبط السلوك مطلب حقيقي لتطبيق القانون، وخلق حالة الالزام النفسي للفرد والمجتمع اتجاهه.

وعندما يكون منطلق الضوابط الاجتماعية منطلق إلهي، فإن نسبة الالزام النفسي لتطبيق القانون تكون أكبر بكثير من تلك النسبة في المرجعية البشرية للضوابط الاجتماعية.

الضوابط الاجتماعية الوازنة الجامعة للبعدين الإلهي والبشري في التنظير الآخذ للحراك الزمكاني المستمر، تحدث حالة التوازن الاجتماعي، وتعيد بناء مؤسسات الدولة وفق هذا التوازن، بما يخلق قابليات ومساحات كبيرة تمكن القانون من المضي قدما في التطبيق، وإشاعة النظام، والاقتراب من العدالة التي تفجر كل الطاقات البشرية، وتحدث تقدما كبيرا في التنمية على كافة الأصعدة.

فالضبط الاجتماعي يُؤَمِّن بيئة اجتماعية مستقرة، ومحققة تقريبا للعدالة الاجتماعية، ويجب أن نلفت إلى نقطة مهمة جدا، وهي الفرق بين الضبط الاجتماعي والاستبداد، فالضبط لبسط العدالة الاجتماعية، والعدالة لا يقبل الاستبداد.

فلا يمكن للضوابط أن تتحول لأداة في يد السلطة، تستبد بها على المجتمع، فالضوابط إنما وضعت لأحداث التوازن الاجتماعي، وتهياه أرضيته لتطبيق القانون واحراز العدالة.

فأي إفراط أو تفريط في الضبط والقوننة، سيحدث خللا تراكميا منهجيا في تطبيق القانون، ستكون ثمرته الفوضى والفتنة، وتدريجيا ينتشر الفساد من الفرد لرأس الدولة أو بالعكس، وتدخل الدولة والمجتمع في الفتنة الشاملة التي تغيب فيها الضوابط والقيم والمعايير. وهذا يعيدنا لما ابتدأنا منه، وهو الأفكار ومنهجيتها وبنيتها والمؤثرات التي تؤثر في تشكيلها، والذات وخلقها للدافع، ودور المثل الأعلى في تشكيل الأفكار وتوجيه حب الذات، وضبط الذات داخليا، وخلق الالزام في اتباع القانون وتطبيقه، وكل ما سبق وذكرناه يلعب دورا هاما جدا في عملية التغيير الاجتماعي.

إن الهوية الأخلاقية تتطلب انضباط ذاتي، وانضباط خارجي، الأول يتعلق بالسيطرة على الذات والشهوات، والارتباط بجهة عليا ذات قوة خارج حدود الطبيعة، هذه القوة محيطة وقادرة، الارتباط بالله يجعل الانضباط الأخلاقي والقيمي ذو قيمة لدى الفرد، قيمة معنوية دائمة يضعها في بنك الآخرة، كي يبني رصيده الذي يريد استلامه فيها، والانضباط الخارجي يكمن في القانون، ولكن القانون هنا له بعد إلهي وبعد وبشري، والبعد البشري ناظر للضوابط الإلهية في التقنين، حتى يحق التقنين العدالة، ويحدث صيغة إلزامية ذاتية واجتماعية.

وغياب الله عن هذا النظم، سيؤدي خاصة في الكوارث، إلى تسلط القوي على الأضعف، وتحكم الأقوى بالأضعف، بل قد يصل الأمر لتحكم القوي بحياة الأضعف، وتحديد حتى موته، كما حدث في الدول الغربية في وباء كورونا، حيث كان الأطباء يقدمون الأصغر سنا على الأكبر سنا في تقديم العلاج، ويتركون كبار السن يواجهون الموت دون أدني مساعدة.

هذا فضلا عن تقديم الهاجس الاقتصادي ورأس المال، على الهواجس الإنسانية التي تعرض حياة الإنسان للخطر في زيادة انتشار الوباء، دون أدني اعتبار لقيمته الإنسانية وحقه في حفظ حياته وأمنه النفسي، بل كل الاعتبار للمال وأصحاب رؤوس الأموال الكبرى.

ولكن هناك مراكز دراسات غربية حاولت في ظل هذه الفوضى القيمية والأخلاقية، وشياع الخوف والهلع في المجتمع، اللجوء لمعالجات فلسفية للبعد الأخلاقي، حيث طرحت دراسة بعنوان " كيف تساعدنا المدرسة الرواقية في أوقات الأزمات"[34] وشرحت خلالها شجرة القلق في المذهب الرواقي، وهي محاولة علاجية تساعد الإنسان في الغرب لمواجهة أزمة كورونا.

يركز الرسم وفق المدرسة الرواقية على التالي:

ملاحظة قلقك وكثرة التفكير -----> اسأل نفسك:" هل هناك جوانب من الأشياء التي أفكر فيها هي تحت سيطرتي؟ تذكر وفقا للمذهب الرواقي، الأشياء الرئيسية التي تخضع لسيطرتي هي سلوكي وأفعالي.

ثم يقسم ذلك إلى:

١- الأمور التي تخضع لسيطرتي "الأفعال والسلوك" ----> ما هي المنقبة أو المناقب التي يجب علي استعمالها؟ "الحكمة، السيطرة على الذات، التشجيع أو العدالة"؟  ما الذي أستطيع استخدامه الآن؟

وهنا قسمين:

نعم الآن، وهنا ما عليك فعله تجاهل القلق

جدولته، أوقف القلق

وفي كلا الحالتين عليك استخدام منقبتين هما: السيطرة على الذات والحكمة.

٢- الأمور التي لا تخضع لسيطرتي (الماضي، النتائج، الناس الآخرين).

وهنا عليه تجاهل القلق، مستخدما منقبتين هما: السيطرة على الذات، والحكمة.

ثم يشرح في الدراسة عدة أنواع من القلق، ويضع لكل نوع قلق أي مناقب يمكن استخدامها، وكيف يسيطر على كل قلق.

الرواقية (stoicism) مدرسة فلسفية تعتمد على تعاليم زينون الرواقي (٣٣٣ ق.م – ٢٦٤ ق.م)، حيث تزعم الرواقية أن التحكم الذاتي، الثبات وعدم الالتهاء بالعواطف، التي يفسرها البعض بعدم المبالاة بالألم والمعاناة، تجعل الإنسان مفكرا سليما، متزن التفكير، وموضوعي. وأحد جوانبها هي تحسين رفاهة الفرد الروحية أو النفسية. وتعليماتها الأساسية هي الفضيلة والمنطق والقوانين الطبيعية.

اعتقد الرواقيون أن لكل الناس إدراكا داخل أنفسهم، يربط كل واحد بكل الناس الآخرين وبالحق – الإله. أدى هذا الاعتقاد إلى قاعدة نظرية للكون، وهي فكرة أن الناس هم مواطنو العالم، وليسوا مواطنوا بلد واحد، أو منطقة معينة. وقادت هذه النظرية إلى الإيمان بقانون طبيعي يعلو على القانون المدني ويعطي معيارا تُقَوِّم به قوانين الإنسان، وهم يرون أن الناس يحققون أعظم خير لأنفسهم، ويبلغون السعادة باتباع الحق، وبتحرير أنفسهم من الانفعالات، وبالتركيز فقط على أشياء بوسعهم السيطرة عليها.

وقد نشأت هذه المدرسة في ظل تساؤلات حول علم الأخلاق تجيب عن: ما هي الحياة الطيبة؟ ودفعتهم للبحث حثيثا عن مبدأ خلقي فطري. ويعني الرواقيون بالعناية الإلهية وتعريفهم لها بأنها "الضرورة العاقلة التي تتناول الكلات والجزئيات"، مع تبرئتها من الشر. أما الشر الذي نراه في العالم فهو ضروري له كضد الخير.

أن الله يريد الخير طبعا، وقد يقتضي تحقيقه وسائل ليست خيرا من كافة الوجوه " أما الشر الخلقي أو الخطيئة فيعزونها إلى حرية الإنسان"[35] فهي مذهب فلسفي وكذلك "قبل كل شيء أخلاق ودين"[36].

تتضح الصبغة الأخلاقية للفلسفة الرواقية التي تحتل فيا الأخلاق المكان الأول: " فالفلسفة عندهم أيضا هي ممارسة الفضيلة بحيث يمكن القول بأنها في صميمها مذهب أخلاقي"[37].

ولسنا هنا بصدد شرح المدرسة الرواقية والنقد الذي وجه إليها، لكننا بصدد تسليط الضوء على لجوء بعض المدارس الفلسفية الغربية للمدرسة الرواقية لمواجهة القلق والاضرابات الفكرية التي تنتج عن وباء كورونا. وكيف استفادت من بعض جوانبها وأبعادها في إعادة الفضيلة والحكمة لتهيمن على سلوك الناس، وتحقق قدر معقول من القيم، وهو ما يؤكد على محورية الهوية الأخلاقية كاستراتيجية عملية ناظمة وضابطة للواقع الخارجي ولسلوك الناس وأفعالهم.

لكن الخلاف يكمن دوما في المبتدأ أي القاعدة، وفي الأهداف والغايات، وفي الأطر والمعايير التي تتحكم في هذه الهوية. فالاستخدام هنا استخدام نفعي لمواجهة أزمة وكارثة تدخل الإنسان في اضطرابات سلوكية، تحتاج لضبط ومعالجة ومواجهة، أي هي هوية قلقة نسبية ليست ثابتة في بعدها النظري، ومتحركة نسبية في بعدها العلمي.

وما أعنيه أن القانون عندما يغيب ويصبح هناك اضطراب أمني وخلل سلوكي أخلاقي يدفع الناس لعدم التقيد بالقانون، ويدفعهم إلى الفوضى، فإن لجوء هؤلاء لبعض المدارس الأخلاقية قد نسميه أخلاق الأزمات، أي أن القانون منفردا غير قادر على تقويم سلوك الإنسان وأفعاله وانفعالاته في حالة الأزمات، بل يحتاج لمنظومة أخلاقية تضبط سلوكه، والضبط هنا والإلزام أيضا يحتاج لإيمان هؤلاء الأفراد بوجود أثر مترتب على التزامهم بهذه الضوابط ووجود جهة عليا تراقب وتحاسب وتثيب وتعاقب، جهة خارجة عن الطبيعة والكون، وقادرة قدرة لا متناهية.

وكان لصحيفة لوموند الفرنسية لقاء مع الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس[38] حول جائحة كورونا Covid-19  وحول سؤال الصحيفة له عن التحديات الأخلاقية التي تواجه أوروبا خلال هذه الأزمة الصحية رد قائلا:

قبل كل شيء، هناك وضعين قد يكون لهما تداعياتهما في علاقة بعدم المساس بالكرامة الإنسانية الذي يضمنه القانون الأساسي الألماني في مادته الأولى على مستوى الفقرة 2: “لكل شخص الحق في الحياة والسلامة الجسدية”. يتعلق الوضع الأول بما يسمى “الفرز”؛ والثاني باختيار الوقت المناسب لرفع الحجر. إن الخطر الذي يشكله عدم قدرة وحدات العناية المركزة على استقبال الأعداد الهائلة للمرضى في مستشفياتنا – وهو خطر تخشى دولنا، وقد غدا واقعا ملموسا في إيطاليا – يفترض سيناريوهات طب الكوارث التي لا نلجأ إليها إلا أثناء الحروب. عندما يتم استقبال أعدادا هائلة من المرضى بحيث تعجز الوحدات الاستشفائية عن توفير العلاج الضروري لهم، يضطر الطبيب حتمًا إلى اتخاذ قرار مأساوي، لأنه في جميع الحالات لا أخلاقي. هذه هي الطريقة التي ينشأ عنها إغراء انتهاك مبدأ المساواة الصارمة في المعاملة بقطع النظر عن الوضع الاجتماعي أو الأصل أو السن، وما إلى ذلك، كأن نضحي بكبار السن من أجل إنقاذ حياة الشباب. وحتى لو وافق المسنون على ذلك يحدوهم في ذلك حس أخلاقي قوامه نكران للذات يثير الإعجاب، فمن هو الطبيب الذي يسمح لنفسه بأن “يقارن” بين “قيمة” حياة شخص و “قيمة” حياة شخص آخر وأن يقرر من يجب أن يحيا ومن يجب أن يموت؟ إن خطاب “القيمة”، المستعار من مجال الاقتصاد، يشجع على القياس الكمي الذي يتم من وجهة نظر الملاحظ. ولكن لا يمكن التعامل مع استقلالية الشخص على هذا النحو: لا يمكن أخذها في الاعتبار إلا انطلاقا من منظور آخر، حين نكون وجها لوجها مع هذا الشخص. ومن ناحية أخرى، تُبين الأخلاقيات الطبية عن توافقها مع الدستور وتلبي مبدأ ليس ثمة ما يبرر “اختيار” حياة إنسان بدل حياة إنسان آخر. وفي الواقع، يملي الدستور على الطبيب، في الحالات التي تسمح فقط باتخاذ قرارات مأساوية، أن يستند حصريًا إلى المؤشرات الطبية التي تؤيد فرص نجاح العلاج السريري المعني بنسبة كبيرة.

وهل من وضع آخر؟

هابرماس: في انتظار اتخاذ القرار بشأن الوقت المناسب لإنهاء الحجر، فإن حماية الحياة، وتلك مسألة ضرورية لا فقط على المستوى الأخلاقي ولكن أيضًا على المستوى القانوني، قد تجد نفسها في مواجهة منطق الحساب النفعي. عندما يتعلق الأمر بالتحكيم بين الضرر الاقتصادي أو الاجتماعي من جهة والحد من الوفيات من جهة أخرى، يجب على السياسيين مقاومة “الإغراء النفعي”: هل يجب أن نكون مستعدين للمخاطرة بـ”عدم قدرة “ النظام الصحي على توفير الرعاية للأعداد الهائلة للمرضى، وبالتالي تزايد معدلات الوفيات، من أجل إنعاش الاقتصاد وبالتالي التخفيف من الكارثة الاجتماعية لأزمة اقتصادية؟ تمنع الحقوق الأساسية مؤسسات الدولة من اتخاذ أي قرارا لا يكترث لوفاة الأشخاص الطبيعيين[39].

يوضح هابرماس هنا مسألتين:

مسألة المساواة في حق الحياة، وعدم جواز استخدام المقياس الكمي في تشخيص هذا الحق.

مسألة الإغراء النفعي الذي يقم قيمة السوق على قيمة حياة الإنسان.

وهما مسألتين تأتيان في سياق فلسفة الغرب الأخلاقية التي تعتمد على نظريتين رئيسيتين في المنهج السلوكي والأفعال وهما:  النظرية النفعية والنظرية البراغماتية.

والنفعية (utilitarianism) وتسمى أيضا مذهب المنفعة، وهي نظرية أخلاقية تنص على أن أفضل سلوك يمكن أن يقوم به الإنسان هو ذلك الذي يحقق له أقصى منفعة ممكنة، وتأسست هذه النظرية على يد الفيلسوف الإنجليزي جيرمي بنثام وتأثيرها الأكبر كان على يد جون ستيورات ميل. واعتبر بنثام أن السعادة والألم هي أشياء يمكن أن تقاس حسب عدة عوامل كالشدة والوقت، واعتبر أن أفضل الأعمال التي يمكن أن يقوم بها الفرد تلك التي تحقق أكبر قدر من السعادة والمنفعة والفائدة للمجتمع.

ولكن حينما نعود لمفهوم السعادة والألم في الفكري الغربي فإنهما مفهومان خاضعان لقيمة الرأسمال، أي بقيمة السوق، ومرتبطان بالقياس الاقتصادي، والبعد المادي، الذي يعتبر الإنسان جسد وغرائز وميول ورغبات. فتكون السعادة والألم والنفع والفائدة كلها قيم سوقية خاضعة للإغراء النفعي الذي أشار له هابرماس. ويتم قياس النفع والألم والسعادة والرفاه بمقاييس اقتصادية رأسمالية.

أما البراغماتية (Pragmatism) فلسفة الذرائع فهي تقليد فلسفي بدأ في الولايات المتحدة الأمريكية وقد عرفها ديوي بأنها: فلسفة معاكسة للفلسفة القديمة التي تبدأ بالتصورات وبقدر صدق هذه التصورات تكون النتائج، أما البراغماتية فهي تدع الواقع يفرض على البشر معنى الحقيقة، ونشأت على يد شارلز بيرس وتم تطويرها على يد وليام جيمس، فهي تدعو لعدم التسليم بالحقائق المطلقة، إلا عن طريق التجربة العلمية، فالحقيقة هي مجرد منهج تفكير، والخير هو العمل  الذي يصب في خدمة الإنسان والسلوك الذي بينت التجربة آثاره الإيجابية على الحياة فنجاح العمل هو المعيار الوحيد لأهمية المعرفة وصدق الحقيقة، وأهمية الدين.

فالبراغماتية تجعل من الواقع والتجربة مصدران يشخصان معيارية الخير والحق، وطبعا تؤمن بالتجربة كوسيلة لإقرار الحقيقة من عدمها. وهي بذلك تخضع الحقيقة للواقع الخارجي، ولمدى النفع الذي يحققه للإنسان، ووفق النظام الرأسمالي يكون النفع مرتبط بالقيمة السوقية أيضا، بالتالي يكون الخير والسعادة والألم خاضعان لمعايير نسبية خارجية يحدد معاييرها الإنسان ذو البعد الواحد وهو الجسد.

وقد شاهدنا وتابعنا الجدل الذي حصل بين دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وفريقه الاقتصادي والصحي، حول موضوع الأولويات، فهل الأولوية في مواجهة الجائحة "كورونا" للاقتصاد أو لحياة البشر. ومازال الجدل دائر في هذا الصدد، رغم أن الصوت الأعلى مازال للاقتصاد.

إن أزمات الطبيعة كالجوائح تدفعنا دوما لقراءة تداعياتها على البشر، ليس فقط التداعيات الاقتصادية مع أهميتها، لكن الأهم التداعيات الأخلاقية والقيمية ،التي تهتم بضبط الفرد والمجتمع، ضبطا ذاتيا تحتاجه المجتمعات كثيرا حينما تقل نسبة تطبيق القانون نتيجة الفوضى المؤقتة التي تحدث نتيجة هلع الناس وخوفهم من الوباء. هذا القراءة النقدية والمراجعة وهو ما قام به بعض فلاسفة الغرب، تكشف الثغرات الأخلاقية وطريقة تعامل المجتمعات والنخب والحكومات مع الوباء، وما هي موقعية الإنسان وقيمته في ظل الجوائح والأوبئة، التي تعكس فساد أو صلاح القاعدة الفلسفية التي بني عليها الفكر، وتكشف عن فاعلية مصادر المعرفة ومدى قدرتها على الإجابة عن الإشكاليات الملحة المعرفية التي أنتجها الوباء.

وقد نحتاج لوقت من الزمن حتى تتجلى تداعيات السلوك الغربي أثناء الوباء مع الشعوب الغربية، وتداعيات الفلسفة الأخلاقية التي تم تشييدها على مصادر معرفة محدودة، كان معيارها السيطرة على الطبيعة، وأهملت موضوع السيطرة على الذات.

 

إيمان شمس الدين

..............................

[1] اتفاقية أو معاهدة ماستريخت وهي الاتفاقية المؤسسة للاتحاد الأوروبي وتم الاتفاق عليها من قبل المجلس الأوروبي في مدينة ماستريخت الهولندية في ديسمبر ١٩٩١.

[2]  اللقاء كامل تم الاطلاع عليه في ٢٢/مارس/٢٠٢٠  : https://www.alquds.co.uk/%D9%81%D9%8A%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%81-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A-%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D8%A3%D8%B6%D8%AD%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84/

[3] اللقاء كامل تم الاطلاع عليه في ٢٠/مارس/٢٠٢٠

http://maarifcenter.ma/?p=687

[4] اللقاء كاملا تم الاطلاع لعيه في ٢٠/مارس/٢٠٢٠

http://maarifcenter.ma/?p=674

[5] مقال تم الاطلاع عليه في ٢٦/مارس/٢٠٢٠

https://warontherocks.com/2020/03/covid-19s-painful-lesson-about-strategy-and-power/

[6] فلسفة الأخلاق/ الشيخ آية الله مرتضى مطهري/ دار البعثة/ ص٥٣/ ط ١/١٩٩٥

[7] اسبينوزا الفلسفة الأخلاقية، د.زيد عباس كريم، التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، ط ٢، ص  ٢٠٩،٢٠٨

[8] المصدر السابق

[9] حامد عبد السلام زهران، التوجيه والإرشاد النفسي، عالم الكتب، ط ١ ١٩٨٢، ص ٨٣

[10] محمود عبد الله صالح، أساسيات في الإرشاد التربوي، دار المريخ للنشر، الرياض، السعويدية، ط ١ ١٩٨٥، ص ١٨٣

[11] حامد عبد السلام زهران، التوجيه والإرشاد النفسي، عالم الكتب، ط ١ ١٩٨٢،ص ٨٢

[12] المصدر السابق ص ٨٣

[13] المصدر السابق  ص ٨٤

[14] فلسفتنا، محمد باقر الصدر، دار التعارف للمطبوعات، ط ٢ـ ١٩٩٨، ص ٣٢،٣٣

[15] حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني، محمد الصدر، مؤسسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر، مطبعة وفا، ط١ـ ٢٠١٣، ص ،٥٩،٤٨،٤٩.

[16] المصدر السابق ص ٦٠

[17] حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني ـ السيد محمد الصدرـ مصدر سابق ص ٩٤،٩٣،٩٢،٩١

[18] هي العلوم التي تهتم بوضع المعايير والمقاييس التي تحدد ما يجب أن يكون عليه التفكير كعلم المنطق، أو السلوك كعلم الأخلاق، أو الذوق الجمالي كعلم الجمال.

وموضوع هذه العلوم هو دراسة القيم ووضع المقاييس والقواعد التي تفهم على ضوئها، ففي علم المنطق ومعياره الحق ويبحث في القواعد التي ينبغي أن يكون عليها التفكير الصحيح، وفي علم الأخلاق ومعياره الخير يبحث في النموذج المثالي الذي يجب أن يكون عليه السلوك الإنساني، وعلم الجمال ومعياره الجمال ويبحث في وضع الأسس والمقاييس التي يمكن التمييز والحكم بها عن الجمال والقبح.

من هنا يمكن القول أن العلوم الإنسانية والعلوم المعيارية يلتقيان في أن جوهر موضوعهما واحد هو الإنسان، لكنهما يختلفان كليا من حيث تناول الموضوع وطريقة دراسته والتعامل المنهجي معه، فالعلوم الإنسانية تدرس ما هو كائن وموجود كواقع يمكن ملاحظته والتثبت منه بالفعل. أما العلوم المعيارية فتدرس ما يجب أن يكون وتحديد المعايير المثالية للحكم.

المصدر: http://hichamst.blogspot.com/2014/10/blog-post_94.html

[19] المنظومة هى مجموعة من المركبات والأجزاء تتفاعل مع بعضها و تعتمد فى عملها على بعضها طبقاً لتخطيط محدد يساعدها (المنظومة) للوصول إلى أهداف محددة بعينها".معني المنظومة : المنظومة أو النسق system هي مجموعة من العلاقات المتداخلة التي تربط بين أجزاء متفاعلة يتكون منها و يؤدي وظيفة معينة

المصدر: بحث واجب مشكلات وقضايا اجتماعيه

(تعريف المشكله , القضيه, المنظومه /  (مقارنه بين التعلم والتعليم/عائشه  الفقيه/ ص ٢

[20] محمد باقر الصدر هو مرجع ديني عراقي  ومفكر وفيلسوف إسلامي، ولد بمدينة الكاظمية يوم 25 ذو القعدة عام 1353 هـ. هو أخو بنت الهدى الصدر ووالد زوجة مقتدى الصدر وابن عمه محمد صادق الصدر والإمام موسى الصدر. كان والده حيدر الصدر رجل دين شيعي رفيع المستوى.

أُعدم محمد باقر الصدر في عام 1980 من قبل نظام صدام حسين بتهمة العمالة والتخابر مع إيران.له مؤلفات كثيرة ومقالات حول الفكر والفلسفة والأصول والفقه والمنطق، وحول الغرب ونظرياته، والاصلاح والتغيير.

[21] الشهيد محمد باقر الصدر، رسالتنا، دار الكتاب الإسلامي، ط ١، ٢٠٠٤، ص ٣٦

[22] المصدر السابق ص ٣٧

[23] المصدر السابق ص ٣٧

[24] المدرسة القرآنية، الشهيد محمد باقر الصدر، دار الكتاب الإسلامي، ط ١ـ ٢٠٠٤، ص ٩٤،٩٥،٩٦،٩٧،٩٨،٩٩

[25] مصدر سابق ١١١،١١٢

[26] الفلسفة أو المذهب الإنساني مصطلح يستخدم في معان كثيرة: أولا: علي تلك الحركة الفكرية التي سادت في عصر النهضة الأوروبية، وكانت تدعو إلى الاعتداد بالفكر الإنساني ومقاومة الجمود والتقليد، ويرمي بوجه خاص إلى التخلص من سلطة الكنسية وقيود القرون الوسطى، ومن أشهر دعاتها بترارك وإرزم. ثانيا: ضرب من البراغماتية قال به شيلر وأساسه أن كل معرفة مرتبطة بظروف التجربة الإنسانية، وفي هذا ما يتصل بمبدأ بروتاغوراس القائل: إن الإنسان مقياس كل شيء. المصدر/ جملية علم الهدى مصدر سابق ص ٢٧٦

[27] جميلة علم الهدى/ مصدر سابق ص ٢٧٦،٢٧٧

[28] فلسفة الأخلاق في الفكر البشري - الشهيد مرتضى مطهري - ص ٢٢ - مؤسسة البعثة

[29] المصدر السابق

[30] المصدر سابق

[31] الرعد، ١١

[32] فسّر علماء الأعصاب في العصر الحديث الضمير بأنّه أحد الوظائف الدماغيّة التي طوّرها الإنسان خلال التاريخ، لتسهيل السلوكيات الموجهة لمساعدة الآخرين، في سد احتاجياتهم والقيام بوظائفهم، دون توقع مكافآت خاصة في المجتمع، وهو بتلك الصيغة مجرّد توصيف لمجموعة من المبادئ والمشاعر وسياق متكامل من القيم التي تحكم الإنسان، فيكون سلوكه جيداً تجاه الآخرين، ويعمل عمل الميزان بالنسبة للحس والوعي، لتمييز الصواب من الخطأ مع توجيه النفس ناحية الصواب.

[33] الموسوعة الفلسفية، وضع لجنة من العلماء السوفياتيين، ترجمة سمير كرم، طبعة دار الطليعة، بيروت، ص 282

[34] https://blog.timlebon.com/2020/03/how-stoicism-can-help-at-time-of-crisis.html

[35] تاريخ الفلسفة اليونانية: يوسف كرم ص ٢٢٩

[36] الرواقية: د.عثمان أمين ص ٦

[37] تاريخ الفلسفة اليونانية: يوسف كرم ص ٢٢٤

[38] يعتبر يورغن هابرماس (١٩٢٩) أحد أهم الفلاسفة في عصرنا، يمثل الجيل الثاتي من مدرسة فرانكفورت، وقد نشر مؤخرا في ألمانيا مصنفا ضخما في تاريخ الفلسفة في مجلدين(المصدر موقع الحكمة).

[39] تم الاطلاع عليه في ٣٠ إبريل ٢٠٢٠https://hekmah.org/هابرماس-حوار/

 

محمد بنيعيشأولا: الشعور والقياس النفسي الاستبطاني للفضيلة

1) من القضايا التي تناولها علم النفس الحديث وتمثل إشكالا مستمرا في حد ذاته قد توجد مسألة الربط بين الجانب الخلقي والنفسي، كما قد يصعب تحديد وجه العلاقة بين الجانبين وإلى أي حد يمكن أن يكون الخلق معبرا عن حالة نفسية إما مرضية أو صحية.فما أحوجنا إلى هذه الوقفة في زمن الخوف والتوهم والتلغيم والتعتيم حينما يختلط علينا الحسن بالسيئ وتتمازج الفضيلة مع الرذيلة، والنوايا الصالحة مع الطالحة، وكذلك عندما يتداخل مرض وهمي مع وباء حقيقي، ويستغل خوف عابر و آني ليوظف مستقبلا بعيدا على حساب مصالح الآخر الضعيف أو المستضعف، فلا تجد من يخلصها حتى تعرف النفس داءها من دوائها !

وحينما نراجع الكتاب الأخلاقي عند ابن حزم الأندلسي: "الأخلاق والسير في مداواة النفوس" فسيثير انتباهنا بشدة حضور هذا المبدأ عند التحليل والاستكشاف، باعتباره استبطانا قارا وملاحظة مباشرة للذات والمحتويات.

ولنعرض هنا كنموذج وصورة معتمدة تحدد لنا مقياس الفضيلة أو الرذيلة بالمقاييس النفسية حيث يقول:

"ليس بين الفضائل والرذائل ولا بين الطاعات والمعاصي إلا نفار النفس وأنسها فقط، فالسعيد من أنست نفسه بالفضائل والطاعات ونفرت من الرذائل والمعاصي، والشقي من أنست نفسه بالرذائل والمعاصي ونفرت من الفضائل والطاعات وليس هاهنا إلا صنع الله تعالى وحفظه "[1] .

فالاستشعار النفسي أو الذوق هو المميز بين الفضيلة والرذيلة، وهو يختلف بحسب الأصل الذي بني عليه، فهو إما الإيمان بالله تعالى وهذا الأساس للسعادة والمتحكم في سلوك الفرد من حيث ميله إلى الفضائل واجتنابه للرذائل، وإما انحراف عما يتطلبه من أعمال وهذا أصل الشقاء لدى الإنسان مما قد يحول ذوقه الباطني من السلوك السليم إلى ضده.

إذ من الممكن الجمع بين الحالتين في قوله تعالى: "فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فنيسره للعسرى"[2].

فالتيسير لليسرى أو للعسرى لا يأتي إلا بعد ممارسة عملية قد تطول أو تقصر، إذ بقدر تطبع الإنسان بالأعمال التي تكون وراء هذا التيسير نحو كلا الاتجاهين تتحقق فيه اليسرى أو العسرى التي نص عليها القرآن الكريم، سنة جعلها الله تعالى تتحكم في النفوس وتصبغها.

من هنا يفسر هذه الآيات القرآنية وذلك في القول بنفار النفس وأنسها، مبينا أن الاستئناس لا يأتي إلا بعد الاندماج الكلي بالشيء المستأنس به، وهذا يحتاج إلى زمان[3].

2)  لهذا فليس مجرد النفور الابتدائي من الفضائل أو الرذائل قد يحدد لنا شقاء الإنسان أو سعادته، وإنما هناك عوامل كثيرة تكون وراء هذه الاستقامة أو الانحراف في الشعور الأخلاقي، وأصل هذه العوامل ومصدرها الميسر لها لكي تتشكل بألوانها هو الله تعالى .

فقد وجب إذن؛ على العبد أن يتلمس الفضيلة من الله سبحانه وتعالى، ولولا توفيقه سبحانه لما تحلى بها الإنسان ولا عرف معنى الخير والشر أبدا، وذلك لعجزه كما يقول ابن حزم هنا:

"واعلم بأنك إن تعلمت كيفية تركيب الطبائع وتولد الأخلاق من امتزاج عناصرها المحمولة في النفس فستقف من ذلك وقوف يقين على أن فضائلك لا خصلة لك فيها وأنها منح من الله تعالى لو منحها غيرك لكان مثلك، وأنك لو وكلت إلى نفسك لعجزت وهلكت، فاجعل بدل عجبك بها حمدا لواهبك إياها وإشفاقا من زوالها.

فقد تتغير الأخلاق الحميدة بالمرض والفقر وبالخوف وبالغضب وبالهرم، وارحم من منع ما منحت، ولا تتعرض لزوال ما بك من النعم بالتعالي على واهبك تعالى وبأن جعل لنفسك فيما وهبك خصلة أو حقا فتقدر أنك استغنيت عن عصمته فتهلك عاجلا أو آجلا"[4].

هنا قد يبدو التدقيق العلمي عنده بخصوص الأخلاق المبنية على علم النفس، إذ فصل بين الموضوع والمحمول، فالنفس ليست هي الطبائع وتركيبها وإنما هذه الأخيرة مجرد ظواهر نفسية؛ وهي المولدة للأخلاق بأنواعها.

فالنفس هي الموضوع والطبائع هي المحمول، والأخلاق تابعة للتوازن الحاصل في علاقة هذه الطبائع بالنفس وانتظامها[5]، وحيثما وقع تغير فيها إلا ويحدث تغير آخر مناسب في السلوك والأخلاق.

فهو حينما يذكر الطبائع قد لا يعني بها فقط ظواهر نفسية تجريدية وإنما يذهب إلى أبعد من هذا، إذ يربط بين الجانب النفسي والجانب الجسدي ربطا قويا وذلك تمشيا مع مذهبه حول جسمية النفس التي يقول بها كما رأينا، ومن هنا سهل عليه إبراز العلاقات النفسية والجسمية بالمحصلات أو الظواهر الأخلاقية على وجه تشارطي و ثلاثي الروابط.

ثانيا: الظواهر النفسية الجسدية وتأثيرها الخلقي

1)  فإذا كانت الأخلاق تابعة للتراكيب والطبائع النفسية وأن النفس لها صلة تلاحم مع فارق في مستوى التسامي العنصري فقط، فإن هذا الجسد سيكون له تأثير على النفس وعلى الأخلاق سواء من حيث السلامة والثبات أو المرض والانحراف.

عن هذا المنحى في الدراسة الأخلاقية المبنية على علم النفس لم يكن ابن حزم السباق إليها، فقد عرفها قبله المفكرون غيره من بينهم فيلسوف الأخلاق ابن مسكويه الذي ذهب أبعد من هذا، لأنه ربط بين الجانب النفسي والبيئي والأنتروبولوجي (الأناسي) بعد ذلك سيأتي دور الجانب الأخلاقي في دراسة جد متقدمة علميا حيث يرى:

"أن أول المراتب من الأفق الإنساني المتصل بآخر ذلك الأفق الحيواني، مراتب الناس الذين يسكنون في أقاصي المعمورة من الشمال والجنوب كأواخر الترك من بلاد ياجوج وماجوج وأواخر الزنج وأشباههم من الأمم التي لا تميز عن القرود إلا بمرتبة يسيرة، ثم تتزايد فيهم قوى التمييز والفهم إلى أن يصيروا إلى وسط الأقاليم فيحدث فيهم الذكاء وسرعة الفهم والقبول للفضائل، وإلى هذا الموضع ينتهي فعل الطبيعة التي وكلها الله عز وجل بالمحسوسات.

ثم يستعد بهذا القبول لاكتساب الفضائل واقتنائها بالإرادة والسعي والاجتهاد الذي ذكرناه فيما تقدم حتى يصل إلى أفقه، فإذ صار إلى آخر أفقه اتصل بأول أفق الملائكة، وهذا أعلى مرتبة الإنسان وعندها تتأحد الموجودات ويتصل أولها بآخرها"[6].

2)  كما نجد أيضا عند معاصر لابن حزم، وهو أبو الحسن الماوردي، رأيا صريحا في هذا الجانب قد يذهب به أبعد مما ذهب إليه ابن مسكويه في إبرازه للتفاعل بين الأخلاق والنفس والعوامل الجغرافية فيرى أن:

"النفس مجبولة على صفات مهملة وأخلاق مرسلة لا يستغني محمودها عن التأديب ولا يكتفي بالمرضي منها عن التهذيب لأن محمودها أضداد مقابلة يسعدها هوى مطاع وشهوة غالبة.

فإن أغفل تأديبها تفويضا إلى العقل أو توكيلا على أن تنقاد إلى الأحسن بالطبع أعدمه التفويض درك المجتهدين وأعقبه التوكل نوم الخائبين، فصار من الأدب عاطلا وفي صورة الجهل داخلا.

لأن الأدب مكتسب بالتجربة أو مستحسن بالعادة ولكل قوم مواضعة وذلك لا ينال بتوفيق العقل ولا بالانقياد للطبع حتى يكتسب بالتجربة والمعاناة ويستفاد بالتجربة والمعاناة ثم يكون العقل عليه قيما وزكي الطبع إليه مسلما"[7].

وبما أن النفس لها استعداد للتأدب والتكيف بأخلاقيات توجهها إرادة الإنسان نحوها فإنها قابلة للتغير أيضا من هذه المرحلة إلى ما هو أدنى، أي: سوء الخلق.

و قد قسم الماوردي الأسباب ذات العلاقة بتغيير السلوك إلى سبعة أقسام نوعية وعارضة، وهي: الولاية والعزل منها، والغنى والفقر والهموم، والأمراض الجسدية وعلو السن.

بالإضافة إلى هذا، هناك سبب خاص يحدث سوء خلق متميز وهو البغض الذي تنفر منه النفس فتحدث نفورا على المبغض فيؤول إلى سوء خلق يخصه دون غيره"[8]

هذه الرؤى المتقاربة بين المفكرين النفسيين والأخلاقيين المسلمين، وخاصة في القرن الخامس الهجري، لا تخلو من بعض الخصائص التي توجد لدى البعض دون الآخر وذلك على سبيل الإجمال أو التفصيل، إذ الكل يحيل الظواهر الخلقية إلى الظواهر لنفسية أو الجسدية والاجتماعية والبيئية، لكن تحديد الواقعي منها هو ما يفتقد عند الكثيرين الذين أدلوا بأحكام عامة ونظريات مقننة من الكتب العلمية الإنشائية أو الإخبارية.

لكن عند مطالعة منهج ابن حزم في هذه القضايا سنجده يحدد الفكرة ثم يدعمها بالحادثة، فهو على سبيل المثال حينما يقول بوجود تفاعل بين المستوى الأخلاقي والطبائع النفسية لا يترك هذا القول مجملا أو مجرد نظر، وإنما يستشهد على ذلك بأحداث واقعية وتجارب شخصية، كما يقول هنا:

"ولقد أصابتني علة شديدة ولدت علي ربوا في الطحال شديدا فولد علي ذلك من الضجر ضيق الخلق وقلة الصبر والنزق أمرا حاسبت نفسي فيه، إذ أنكرت تبدل خلقي فاشتد عجبي من مفارقتي لطبعي وصح عندي أن الطحال موضع الفرح فإذا فسد تولد ضده"[9].

بهذا يكون قد وضع لبنات مهمة لما سيعرف حديثا بعلم النفس الفسيولوجي، بغض النظر عن صحة فرضيته حول وظيفة الطحال النفسية، فالتفاعل هنا ثلاثي بين النفس والجسد والأخلاق، وهذا التفاعل المتأصل من الجسد محدد بدقة، فهو نابع من الطحال بالنسبة إلى الفرح، كما ذهب إليه.فهل من مراجعة وتصحيح علمي، نفسي وأخلاقي، لوضع الأمور في نصابها السليم حتى لا يختل التوازن الخاص فينهار العام." ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ".

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

..........................

[1] ابن حزم:الأخلاق والسير ص18

[2] سورة الليل آية 5-10

[3] ابن حزم :الأخلاق والسير ص28

[4] نفس ص 71

[5]نفس ص38

[6] ابن مسكويه:تهذيب الأخلاق  ص72

[7] الماوردي :أدب الدنيا والدين  ص153

[8] نفس  ص165

[9] ابن حزم:الأخلاق والسير  ص71

 

 

هو العلامة، الفقيه، الأصولي، الحنفي، زين الدين أو زين العابدين[1] بن ابراهيم بن محمد بن محمد بن بكر، ابن نُجَيم، المصري، من كبار فقهاء المدرسة الحنفية  في القرن العاشر للهجرة، ولد في القاهرة سنة 926هـ/1519م[2]، وانصرف منذ شبيبته الى طلب العلوم، لا سيما الفقه، تُعينه على درسه نباهة ظاهرة، وذكاء حاد، وقدرة فائقة على الحفظ. وبلغ من إحاطته بالمصادر الفقهية أنه لم يُبقِ كتاباً منها في القاهرة، وهي في قمة ازدهارها العلمي آنذاك، إلا أحاط به وهَيمَن على مادته العلمية وأفاد منه في تآليفه[3]. فقال " إن الفقه أول فنوني، طالما أسهرتُ فيه عيوني، وأعملت بدني إعمال الجد ما بين بصري وبدني وظنوني، ولما أزل منذ زمن الطلب أعتني بكتبه قديماً وحديثاً، وأسعى في تحصيل ما هُجَر فيها سعيا حثيثاً، إلى أن وقفت منها على الجم الغفير، وأحطت بغالب الموجود في بلدتنا القاهرة، مطالعةً وتأملاً بحيث لم يفُتني منها إلا النزر اليسير.. مع ضم الإشتغال والمطالعة بكتب الأصول من ابتداء أمري"[4].

وتلقى الفقه على كبار العلماء المصريين في عهده، ذكر مترجموه منهم: شرف الدين البلقيني،  وشيخ الإسلام شهاب الدين أحمد بن يونس المصري الحنفي الشهير بابن الشلبي (ت: 947 هـ)، وأمين الدين بن عبد العال الحنفي (ت: 968 هـ)، و أبو الفيض السلمي، وعلي بن سليمان نور الدين الديلمي المالكي، (ت: سنة 947هـ) ، وقد أخذ عنه في العلوم العقلية وعلوم العربية، وقاسم بن قطلوبغا[5]، وبرهان الدين الكَرَكي[6] ، وأبو الفيض السلمي، وغيرهم. فأجازوه بالإفتاء والتدريس، فأفتى ودرَّس في حياة أشياخه، "وانتفع به خلائق كثيرة". كما أخذ الطريقة على يد الشيخ الصالح سليمان الخضيري المصري الشافعي، المتوفى سنة 961.

وأشاد بعلمه ولدُه الشيخ أحمد، فقال "كان عمدة العلماء المسلمين، ونتيجة الفضلاء الماهرين، وختام المحققين والمفتين"[7], وأثنى على خُلقه الرفيع العلامة عبد الوهاب الشعراوي (الشعراني)، المتوفى سنة 973هـ وكان من أقرب الناس اليه، وهو الأدري به، فقال "صَحِبتُه عشر سنين، فما رأيت عليه شيئاً يشينه، وحججت معه في سنة 953 فرأيته على خلق عظيم مع جيرانه وغلمانه ذهاباً وإياباً، مع أن السفر يُسفر عن أخلاق الرجال". وقال جامع رسائله الخطيب محمد بن عبدالله التمرباشي المتوفى سنة 1004هـ "أستاذنا شيخ الإسلام، بركة الأنام، قدوة المشايخ العظام". وقال نجم الدين محمد بن بدر الدين الغزي المتوفى سنة 984هـ أنه "الشيخ العلامة المحقق المدقق الفهامة".

ومما دلَّ على رقة طبعه، وحُسن خلقه، أنه بعد أن أوفي في تعريفه حد الفقه، قال "هذا كله معنى الفقه عند الأصوليين، وأما معناه الحقيقي له عند أهل الحقيقة فما ذكره الحسن البصري، كما نقله أصحاب الفتاوى في باب الطلاق، ومنهم الولوالجي[8] بقوله "هل رأيت فقيها قط؟ إنما الفقيه المُعرض عن الدنيا، الزاهد، البصير بعيوب نفسه"[9].

ذكره ابن العماد الحنبلي في وفيات 970  وقال أنه توفي  في صبيحة يوم الأربعاء من رجب (3 آذار 1563م). وقال الغزّي أنه توفي سنة 969 "كما أخبرني بذلك تلميذه الشيخ محمد العلي"، وقال اللكنهوي "والذي رأيته في ديباجة الرسائل الزينية التي جمعها أبنه أحمد أنه أرخ وفاة والده سنة 970، وكما ذكره السيد أحمد الحموي في حواشي الأشباه نقلا عن بعض الفضلاء انه توفي في ثمان مَضَين من رجب سنة 970".

ودُفن – رحمه الله- في جوار القبر المنسوب إلى السيدة سُكينة بنت الحسين رضي الله عنهما، قريباً من دار الخلافة في القاهرة[10].

مؤلفاته

1- البحر الرائق شرح كنز الدقائق: شرح فيه كتاب كنز الدقائق في فروع الحنفية، للإمام حافظ الدين عبدالله بن أحمد النسفي المتوفى سنة 710هـ  ووصل في شرحه إلى آخر كتاب  الإجارة ثم توفي قبل أن يتمه، فأتمه الشيخ عبد القادر بن عثمان القاهري الشهير بالطوري المتوفى سنة 1030هـ  مفتي الحنفية بمصر، وقد اعتنى العلماء بشرحه عناية كبيرة، ومنهم الشيخ محمد أمين الشهير بابن عابدين المتوفى 1252هـ  فكتب حواش أسماها (منحة الخالق على البحر الرائق)، وطبع الكتاب مع حواشيه هذه بالمطبعة العلمية بالقاهرة سنة 1311هـ في ثماني مجلدات، ثم طبع بعدها بالمطبعة الميمنية سنة 1323هـ في ثمان مجلدات أيضا. وحققه الشيخ زكريا عميرات، وصدر عن دار الكتب العلمية في بيروت سنة 1418هـ/1997م.

2- الفوائد الزينية. وهو كتاب مختصر في الضوابط والاستثناءات [11].

3-  الأشباه والنظائر في فروع الحنفية. سلك فيها مسلك الشيخ تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي الشافعي في كتابه الأشباه والنظائر، وصار كتابه عمدة  الحنفية ومرجعهم، وكتبوا عليه الشروح واشتغلوا به ترتيباً وتبويباً ونظماً، وقد طبع الكتاب بكلكته بالهند سنة 1241  ثم طبع بمطبعة وادي النيل بمصر سنة 1298، وبهامشه تقييدات للشيخ محمد علي الرافعي،.وفي بيروت، دار الكتب العلمية 1999بتحقيق زكريا عميرات.

3-   لُب الأصول مختصر تحرير الأصول للامام محمد بن عبد الواحد كمال الدين ابن الهمام (المتوفى ٍسنة 861هـ).

4-  شرح المنار. وهو منار الأنوار في أصول الفقه الحنفي، لحافظ الدين النسفي قال" وشرحت المنار شرحاً جاء – بحول الله وقوته- فائقاً على نوعه"[12]

5-   تعليقة على الهداية في شرح بداية المبتدي، لعلي بن أبي بكر الفرغاني المرغيناني (المتوفى 593هـ).

6-   حاشية على جامع الفصولين لمحمود بن لمحمود بن اسماعيل المعروف بابن قاضي سماونة الحنفي المتوفى سنة 823هـ)

7-  الفتاوى الزينية, وهي واحدة وأربعون رسالة مستقلة في الفقه، لكل منها عنوانها وموضوعها،  وصفها الغزي بأنها "كلها حسنة جداً". جمعها ورتبها على ابواب الفقه الخطيب التمرتاشي محمد بن عبدالله، نسخة منها في مكتبة جامعة الملك سعود برقم 1293

اثنى عليها احد الفضلاء بقوله[13]:

هذا الكتابُ عديم المِثل في الكُتُبِ     لكونه حاوياً للنفع في الزمن

لعالم الوقت والأزمان سيدنا          تاج المعالي وبيت الفخر والفِطَن

8-   تعليقات وحواش ومباحث عديدة.

قال الشعراني" وأما تعاليقه على هوامش الكتب وحواشيها، وكتابته على أسئلة المستفتين، والأوراق التي سوَّدها بالمباحث الرائعة، فشتى لا يمكن حصره. ولولا معاجلة الأجل قبل بلوغ الأمل لكان في الفقه وأصوله، وفي سائر الفنون، أعجوبة الدهر"[14].

مشاركته في الحياة العامة

وعدا ما ذكره مترجموه من الإشارة الى عنوانات مؤلفاته، وبعض أسماء شيوخه وتلامذته، فإننا لا نعلم عن مشاركته في الحياة العامة شيئاً، مع أنه عاش منعطفاً سياسياً خطيراً كان له تأثيره على مجمل تاريخ بلاده في العصور التالية، وترك آثاره على غيرها من البلاد الاسلامية أيضا، ففي سنة 923 هـ، تعرضت بلاده مصر الى فتح عسكري على يد السلطان العثماني سليم الأول، وكان من نتائج هذا الفتح، أن فقدت مصر استقلالها وغدت منذ ذلك الحين مجرد ولاية عثمانية تابعة.

ولا نشك في أن ابن نُجيم، وهو القاهري الصميم، قد سمع من أسرته، ومن شيوخه، أطراف ذكرياتهم عن ذلك الحدث الجسيم، يوم انهارت القوات العسكرية  المصرية  أمام قوات الينكجرية (الانكشارية) العثمانية في معركة الرَّيدانية الحاسمة في ضواحي القاهرة الشرقية، لتبدأ بعدها حرب شوارع مريرة استغرقت نحو ستة اشهر[15]، حقق فيها سكان القاهرة، ملتحمين بقيادة فرسان المماليك، انتصارات مهمة، وألحقوا الهزائم بالقوات المهاجمة، قبل أن ينقلب ميزان المعارك الى صالح السلطان سليم فتنكسر قوات المماليك، ويُؤسَر السلطان المملوكي طومان باي ويُعدم، فتسقط بذلك الدولة المملوكية بيد أعدائها على نحو كامل. وقد عاش ابن نجيم بعد هذا الحدث حياته حتى وفاته– رحمه الله تعالى- في القاهرة في سنة 969هـ أو 970هـ، وشهد في خلال هذه المدة حكم اربعة عشر والياُ عثمانياً، آخرهم مصطفى باشا الشهير بشاهين.

ولم يكن ما حدث أمراً عادياً بـأية حال.

فقد فقدت مصر منذ ذلك الحين مركزها الدولي بوصفها دولة ذات سيادة، لها ممتلكاتها الكثيرة في قارتي آسيا وافريقيا، وتشمل في الأولى بلاد الشام كلها وبلاد الجزيرة وشطراً من جنوبي الأناضول، حيث تقع إمارة ذولقادر الحليفة لها، كما تشمل جنوباً بلاد الحجاز كلها وصولاً الى اليمن حيث توجد قواعد أسطولها هناك، وفي أفريقيا كانت سيادتها تمتد لتشمل منطقة بَرقة، اي النصف الشرقي من ليبيا اليوم، مع امتداد جنوبي يشمل بلاد النُوبة، أي معظم شمالي السودان الحالي. أما في البحر، فكانت تسيطر على شرقي البحر المتوسط، وعلى البحر الأحمر كله. ومن الناحية التاريخية فقدت مصر دورها الشرعي القائم على ركنين مهمين، أولهما انها تعد - منذ انتقال الخلافة العباسية من بغداد الى القاهرة- الحاضنة والحامية لهذه الخلافة والممثلة لها، وثانيهما أنها كانت الحامية الوحيدة للحرمين الشريفين، أهم مقدسات العالم الاسلامي، وهو ما جعل سلاطينهم يتلقبون عن جدارة بلقب (حامي الحرمين الشريفين).  وكانت للدولة المصرية علاقاتها السياسية والدبلوماسية مع كثير من الدول والقوى السياسية في العالم الاسلامي او في اوربا.

أما في الداخل، فقد فقدت مصر حكم طبقتها الحاكمة من المماليك، بل فقدت لقب السلطنة ذي المهابة في العالم الاسلامي منذ أن أطلقه السلاجقة على أمرائهم في القرن الخامس للهجرة، وصحيح أن السلطان سليم لم يستطع القضاء على المماليك بوصفهم طبقة قوية عسكرية، إلا أنهم فقدوا أهميتهم الخارجية بوصفهم حكام مصر وتوابعها الوحيدون، وصاروا خاضعين من الناحية الرسمية لسيادة السلطان العثماني في القسطنطينية. وهكذا كان على المجتمع المصري التعامل مع نوعين من الحكام، المماليك من جهة وممثلي الدولة العثمانية من جهة أخرى. وهو ما يفرض وضعاً معقداً يشمل شؤون الإقطاع والوقف والملكية الفردية، ففي ظل النظام الاقطاعي العسكري الذي كان مطبقا في مصر منذ نهاية حكم الايوبيين، كان أمراء المماليك الكبار  يحوزون على اقطاعاتهم مقابل تجهيزهم القوات العسكرية التابعة لهم للحرب كلما اقتضى الامر، وهو نظام يشبه في بعض الجوانب نظام الاقطاع العسكري العثماني المعرف باسم التيمار، فالامراء التيماريون يقطعون أراضيهم مقابل تجهيز تلك القوات، لكنهم يخضعون لمركزية الدولة وحدها وليس لزعمائهم. وهكذا فإن ارتباط ملكية الارض بالحياة العسكرية كان يفرض على الإقطاعي واجب حماية البلاد، ومن ثمة كان وجه هذا التعقيد.

أما من الجانب العثماني المقابل، فكان فتح مصر ثم ضمها الى الدولة العثمانية، يمثل حدثاً جديداً ومعقداً من كل النواحي، ذلك أن العثمانيين كانوا قد توسعوا ، في عهدهم الأول، في الاناضول، بوصفهم يمثلون الطليعة لإمارات الاناضول التركية الإسلامية التي سبق لها ان صنعت أوطانها من ممتلكات الدولة البيزنطية، وحينما توسعت دولتهم بسرعة في اوربا الشرقية فقد كان ممكنا تبربر ذلك بأنهم يحملون راية الايمان في مواجهة دار الحرب، وحتى حينما انطلقوا فاتحين العراق وايران كان التبرير الشرعي لذلك التوسع هو ضرب القوى التي مرقت من الاسلام ودفعها عما سيطرت عليه من العالم الاسلامي السني، إلا إنها حينما دخلت بلاد الشام وأسقطت مصر، نشأ وضع معقد للغاية من الناحية الشرعية، إذ لم تعد المبررات السابقة للتوسع كافية لتبرير ضمهم هذه البلاد الجديدة، فمصر لم تكن دار كُفر، لتفرض عليها أحكام دار الحرب، وهي لم تكن أيضاً بلاد بَغي، وفيها الخليفة العباسي رمز الشرعية التي تجعل من الخروج عليه بغياً، ثم أنها بلاد أهل السُّنة تتمثل فيها مذاهبهم جميعاً، ومنها المذهب الحنفي الذي يتبعه العثمانيون أنفسهم، وعلى الرغم من غرابة الفتوى الذي برر بها شيخ الاسلام في الدولة العثمانية العمل العسكري الذي اتخذه السلطان سليم لفتح مصر، وهي أن المماليك يضربون اسم الله تعالى على السكة، وهو أمر مكروه، فإن الوضع القانوني للأراضي المصرية،  ظل يحتاج الى فتاوى أكثر جدية.

وهنا جاء دور ابن نجيم الحنفي ليناقش هذا الامر.

مناقشات حول وراثة الدولة المصرية

ناقش الفقيه الكبير المبرر الشرعي لغزو السلطان سليم الأول مصر، ورَدَّ على فتوى شيخ الإسلام بجوازه، بتقريره أن "كتابة اسم الله تعالى على الدراهم، إن كان يقصد العلامة، لا يُكره"[16]، وفي هذا الرد إسقاط كامل للحجة العثمانية في تبرير غزو مصر، فإذا كانت هذه الحجة باطلة صار كل ما ترتب عليها باطلاً وإن لم يصرح بذلك تصريحاً. ومما يلفت النظر أنه اشترط في الإمام أن يكون قرشياً[17]، مع أنه يعلم بالطبع بعدم توفر هذا الشرط في السلطان المذكور، ومن الناحية الشكلية فهو متوفر في الخليفة العباسي الذي كان السلاطين المماليك يحكمون بإسمه.

ثم أنه تناول التداعيات الشرعية لضم مصر للدولة العثمانية في عدد من فتاواه، أبرزها رسالته التي عنونها (التحفة المرضية في الأراضي المصرية)[18]، ذكر في أولها "لما كثر الكلام في سنة ثمان وخمسين وتسعمائة في حكم المبايعة من بيت المال واستمر مدة طويلة في صحة الوقف وحكم المبايعة من بيت المال والخراج من بيت المال سألني جماعة أن أكتب رسالة مختصرة ونبذة محررة مشتملة على بيان هذه الأحكام لعل أن يعمل بها الحكام".. وواضح أن هذه القضية كانت من الأهمية ما جعلها تشبه أن تكون قضية (رأي عام) استغرق نقاشها مدة طويلة. ولم نجد في كتب تاريخ مصر إبان هذه الحقبة ما يدل على سبب قيام هذه القضية، إلا  أن القاعدة التي قررها بعد هذا، وهي التي تنص على "أن الإمام نُصِب ناظراً لمصالح المسلمين" توحي بأن القائم بالمبايعة هو الإمام نفسه، أي من يتولى مهام السلطة العليا في الدولة، ومن المفهوم أن الذي كان يتولى هذه المهام، في العهد الجديد، هو السلطان العثماني أو من ينيبه عنه. كما أن من المفهوم أنه ليس من حق الناظر أن يبيع اموال المسلمين وإنما أن يشرف على استثمارها فحسب، فهو هنا كالوصي على اليتيم، يرعاه وبرعى مصالحه لكنه لا يتصرف فيها لنفسه، فالسلطان العثماني هو بمثابة الوصي أما اليتيم فهو الشعب الذي فقد سلطانه، او سلطته الوطنية،ولا ينصرف هذا الوصف هنا الا على الشعب المصري بوصفه هو الذي فقد سلطانه بعد زوال استقلاله على أيدي العثمانيين. وهو يناقش قول الفقهاء المتقدمين بجواز أن يبيع مطلقاً، فيرى أن المتأخرين رأوا "الا ان يبيع له بشرط ان يكون على الميت دَين واوصى بدراهم ... وليس له غير العقار او يكون له فيه مصلحة ظاهرة كبيعه بضعف قيمته، او يكون موقفاً منها قريب من غلاتها او الحاجة كعدم وجود ما ينفقه على اليتيم". ومعنى ذلك أن بيعه للعقار لا يكون الا في حالين:

أولها تسديد مستحقات الآخرين أياً كانوا، إذ كان من المعروف أن تستدين الدولة ممثلة بولاتها الأموال من التجار وأرباب الأصناف للانفاق على مشاريع كبيرة ذات نفع عام غالباً، وهي في هذا الحال تصدر لهم صكوكاً واجبة الدفع بعد حين، مثلما حدث حينما اضطر التجار الى دفع مبلغ 1060 كيساً من الفضة الى السلطان على شكل (بلوص) أي صكوك يدفعها التجار المصريون في القسطنطينية [19]، وهذا ما عبَّر عنه ابن نجيم بالحاجة.

وثانيها ما عبَّر عنه بالمصلحة، وهي تنمية أموال بيت المال عن طريق الإستثمار ، فالمصلحة هي الإنفاق على اليتيم نفسه، وإذا كان اليتيم هنا هو الشعب الذي فقد سلطانه وسلطته، فصلاحية السلطان هو في تنمية مصالح من يحكمه من الشعوب لا اكثر ولا اقل من ذلك.

وحينما أقرَّ برأي بعض الفقهاء المتقدمين في أن يؤجر الأرض الخراجية ويأخذ الخراج من أجرتها، عاد فقيَّد هذا الحكم بشرط نوه به فقهاء متأخرون، وهو أن لا يكون لمالكها وارث، "ولو أخلف مالكها وارثاً لكان المتصرف هو الوارث"، ومعنى هذا أنه إذا كانت بعض الأراضي، او الإقطاعات، التي يملكها الأمراء وأغلبهم من القادة العسكريين قد عادت الى بيت المال بحكم موت اولئك الأمراء، (وفي الغالب فإنهم قتلوا في اثناء الحرب)، ومن ثم أصبح جائزاً تأجيرها إلى غيرهم  لدفع خراجها، فإن ذلك يجب أن يبقى محصوراً بتلك الأراضي المُقطعة فحسب، أي أن لا تشمل الأراضي التي انتقلت الى مالكين جدد بحكم قانون الوراثة، وحتى حينما تنتقل الارض الى الوارثين، بحكم موت مالكيها، فلا يجوز أن يشتريها السلطان بأن يأمر غيره ببيعها ثم يشتريها لنفسه، والظاهر أنه أراد تقييد السلطان في التجاوز على ملكيات الوارثين مستغلا نفوذه وسلطاته.

وينتقل ابن نجيم الى الوقف، ذلك أن أراضٍ واسعة كان المماليك قد وقفوها على أعمال بِر متنوعة، لا سيما المساجد الكبيرة، كما فعل السلطان جقمق والسلطان برقوق، والظاهر أن هناك من كان يسعى لايجاد ثغرة في صحة تلك الأوقاف، على أساس أن السلطان وقفها من بيت المال شراءً، أو من غير شراء، فأفتى هو بأن كلا الوقفين صحيح، كما أن الأرض التي تكون قد وصلت إلى يد الواقف ملكاً أو مواتاً أو ملكاً للسلطان فإن وقفها صحيح أيضاً، وبذلك صان الوقف من تصرف ذوي السلطان التالين.

والتفت ابن نجيم الى الاقطاعات التي يقطعها السلطان لخاصته، وفي الغالب فإنهم من الأمراء والقادة الذين شاركوا في فتح البلاد، وخشي أن تتحول هذه الاقطاعات الى ملكيات مطلقة، فقرر أن من أقطعه السلطان أرضاً من بيت المال ملكه المنفعة لقاء استبداده بها، وهي تبطل بموته او إخراجه من الإقطاع، لأن للسلطان الحق في أن يخرجه منها. وهذا النوع من الأقطاع قريب مما كان يعرف باقطاع التيمار العثماني ، حين يقوم السلطان بإقطاع خواصه وقادته وضباطه قطعاً من الأراضي تسمى خواصا وزعامات وتيمارات، والى الأخيرة نسب النظام كله، وذلك مقابل ما يتوجب عليهم من واجبات عسكرية، فإذا لم يقم بهذه الواجبات عزل عنها، فلا يتحول الاقطاع الى ملك مطلق وانما يبقى قاصراً على حدود المنفعة منه فحسب.

ويظهر أن بعض من كان يقطعهم السلطان كانوا يقفونها من أجل الحيلولة دون اعادتها الى بيت المال، ومن ثم تحويلها الى نوع من الملكية المطلقة، وهذا ما انتبه اليه الامام الخصاف حينما سأله بعضهم: ما تقول في هذه الإقطاع التي يقطعها السلطان؟ إن وقف انسان ما قد أقطعه السلطان شيئا منها؟ قال: إن اقطع السلطان أرضا مواتاً جاز لمن أقطع ذلك أن يوقفها، وكذلك الأرض إذا ملكها السلطان فأقطعها إنساناً أو ملكه إياها فوقفها الذي أقطعها فالوقف جائز فيها. فغاية الاقطاع هنا هو استصلاح الارض لا محض تملكها، وإذا أقطع السلطان إنساناً شيئاً من حق بيت المال لم يجز وقفه لذلك. ووافق ابن نجيم هذا، فقال :وكيف يقطع شيئاً من حق بيت المال؟ قال هذه أرض الإنسان وهي أرض خراج وهي ملك لأربابها والسلطان يأخذ منهم النصف مما يخرجه الله تعالى من الأرض والزرع فأقطع السلطان من هذا النصف[20]. وهكذا صار السلطان مقيدا بان لا يقطع الا نصف الحاصل، لا الارض نفسها، فهو اقطاع انتفاع لا اقطاع تملك[21].

ولاحظ ابن نجيم أنه  على الرغم من كثرة علماء مصر ومستواهم العلمي الرفيع، وعراقة الأزهر في تخريج أولئك العلماء، فان الدولة العثمانية  كانت تختار القضاة من خارج هذه المؤسسة، بل من خارج مصر كلها[22]، وأن القضاة كانوا يتعاقبون على شغل منصبهم فلا يقضي احدهم في منصبه الا سنة او سنتين، ومنهم من كان يقبل الرشوة من طالبي التعيين في الوظائف[23]، هذا فضلا عن أن بعض الولاة كان يتدخل في شؤون القضاء، فيبرئ او يعاقب وفقا لفهمه لا إتباعاً لرأي قاض[24]. وكان بعض الفقهاء "ممن لا خبرة له ولا دُربة" قد أفتى بجواز تدخل القضاة في شرون الوقف، وشروط الواقفين ، فما كان منه إلا أن ألف رسالة سماها "القول السَّري في الرد على المفتري" رد فيها على من ادعى بإمكان القاضي أن يتصرف في شؤون الوظائف التي أثبتها الواقفون، وأن يعزل المتولين بغير جُنحة. وقد استند في هذا الحكم على كلام لأبي يوسف في رسالته للرشيد مفاده "ليس للإمام أن يخرج شيئاً من يد أحد إلا عن ثابت معروف"، فقال" إذا كان هذا في الإمام، فما بالك بالقاضي الذي ولاه السلطان ليحكم الصحيح في مذهبه؟". ولاحظ أن كثيراً من الفقهاء في زمانه استباحوا تناول (معاليم) أي رواتب الوظائف بغير مباشرة أو مع مخالفة الشروط"[25]. وهكذا قيد سلطة القاضي، مستنداً إلى تقييد سلطة السلطان نفسه، بل بلغ حد أن عَدَّ قيام السلطان بقطع وظيفة طالب علم في مدرسة، أي مخصصاته الدراسية كما نقول اليوم، وإخراجه من حُجرته، أي من قسمه الداخلي، أمر غير شرعي، فيه هلاك الشريعة على حد تعبيره. وأن القاضي إذا نصب قيِّماً آخر على الوقف غير الذي نصبه الواقف لا ينعزل الأول، وأنه إن خالف شرط الواقف فإنه لا يصح إلا لضرورة[26].   واختار من فتاوى قاضي خان أن السلطان لو أذن لقوم أن يجعلوا أرضاً من أراضي البلد حوانيت موقوفة على المسجد، وأمرهم أن يزيدوا في مسجدهم، قالوا: إن كانت البلاد فتحت صلحاً لا ينفذ أمر السلطان، لأن البلد إذا فتحت عنوة للغارمين فيجوز أمر السلطان فيها، وإذا فتحت صلحاً تبقى على ملك مُلاكها، فلا ينفذ أمر السلطان فيها"[27].

وإذ أقر ابن نجيم في رسالته (التحفة المرضية) بأن مصر فتحت صلحاً، يكون واضحا معنى قوله (تبقى على ملك مُلاكها).

الخلاصة

اتخذ ابن نجيم من مصادر الفقه الحنفي مجالا للاجابة على سؤال فرض نفسه بقوه على بلاده نتيجة السيطرة العثمانية الكاملة. لقد أدرك أنه أمام واقع جديد، فالدولة المملوكية التي حكمت مصر وتوابعها سقطت كلياً ولم يبق أمل في استعادتها او حتى استعادة بعض اقاليمها التابعة، ومن ثم لم يبق إلا التوجيه القانوني لهذا الواقع الجديد، والإجابة على كثير من المسائل الناجمة عنه، فيما يخص حقوق الدولة الزائلة وحقوق أفرادها. وهو ما عرف فيما بعد بنظرية الاستخلاف (او التوارث) الدولي، فحاول أن يَلجِم الدولة الجديدة (الوارثة) عن انتهاك حقوق مواطني الدولة السابقة (الموروثة) على أساس أن لا حق للسلطان العثماني في اعتبار مصر إقليماً مفتوحاً حتى يجيز أن يطبق فيه حق الفتح[28]، بما يترتب عليه من الإستحواذ على ثرواته البشرية والطبيعية، كما حدث في الأقاليم التي فتحها العثمانيون من قبل. وبالمقابل فقد صاغ فكرة جديدة، مأخوذة من احكام الوصاية على اليتيم، وهي أن على السلطان العثماني حماية الاقليم الموروث بوصفه وصياً عليه، ومن ثم جعله مسؤولاً عن حماية مصر وممتلكاتها السابقة من الاخطار الحقيقية التي كانت تحدق بها في البحر الاحمر والبحر المتوسط في ذلك العصر. ولا شك في أن الدولة العثمانية اضطلعت بتلك المهمة الموروثة فور سيطرتها على مصر، فسيطرت على المياه العربية الداخلية في البحر الاحمر وبحر العرب وتولت حماية الحرمين الشريفين من أخطار الأساطيل البرتغالية. على أن اضطلاعها بهذه المهمة لم يكن يعني الإستحواذ على الحقوق التاريخية للشعب المصري في اقليمه، وانما تقتصر على تنمية ثرواته عن طريق استثمارها، والمحافظة على الملكيات الخاصة كاملة على أساس أن مصر فتحت في الإسلام صلحاً لا عنوة ومن ثم تطبق فيها أحكام هذا النوع من الفتح، الذي يقيد يد الفاتح الى أدنى الحدود، ولا يَسمح له بمصادرة الممتلكات تحت أي ذريعة من الذرائع، كما لا يَسمح له باقطاع الأراضي إلا إذا مات أصحابها وانقرضت ورثتهم، كما لا يأذن باقطاع أراضي بيت المال، وهي الأراضي الأميرية، إلا لغرض استصلاحها فحسب. ثم أن من شأن هذا الفتح أصلا أن لا يغير من القوانين المطبقة في البلاد المفتوحة، لسبب بسيط وهو أن كلا الدولتين، الفاتحة والمفتوحة، تخضعان لقانون واحد، وهو الشريعة الإسلامية، وفقه واحد هو الفقه الحنفي، وهكذا بَلوَر ابن نجيم الحنفي فكرة التوارث الدولي قاطعاً شوطا في سبيل تطويرها الى نظرية متكاملة من نظريات القانون الدولي العام المعاصر[29].

 

الدكتور عماد عبد السلام رؤوف

...........................

[1] اكتفي هو بذكر اسمه ، في مؤلفاته، على النحو الاتي (زين) فحسب. ونقل علي مبارك عن حاشية ابن عابدين على الدر المختار أن زين هو اسمه العلمي. الخطط التوفيقية ج5 ص17.

[2] قاله هبة الله افندي البقلي التاجي في شرحه الأشباه والنظائر ناقلاً من تلميده العلمي. تنظر ترجمته في مقدمة كتابه (البحر الرائق) بتحقيق زكريا عميرات، بيروت 1418هـ/1997م ص8.

[3] ذكر في مقدمة كتابه الاشباه والنظائر قائمة  تضم 73 كتابا في فقه الحنفية هي مصادره في تأليف هذا الكتاب.

[4] الأشباه والنظائر ص16.

[5] هكذا في مصادر ترجمته، وبالطبع فإنه ليس أبو الفداء زين الدين قاسم بن قُطْلُوْبَغَا السُّوْدُوْنِي الجمالي الحنفي، فانه توفي سنة 879

[6] هكذا في مصادر ترجمته، وهو ليس ابراهيم بن عبد الرحمن الكركي، من قضاة الحنفية، فانه توفي سنة 922

[7] تنظر ترجمته في ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب فس أخبار من ذهب، ج1 ض523 و ومحمد بن محمد الغزي: الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، تحقيق خليل منصور، دار الكتب المنصورة القاهرة 1418هـ  ج3 ص 137  و محمد عبد الحق اللكنوي: الفوائد البهية في تراجم الحنفية، تحقيق محمد بدر الدين ابو فراس الغساني، دار الكتاب العربي، القاهرة ص134- 135.  علي مبارك الخطط التوفيقية الجديدة، المطبعة الاميرية في بولاق 1305 ج5 ص17-18 والزركلي: الاعلام ج3 ص 104  ويوسف اليان سركيس: معجم المطبوعات ج1 ص265- 266

[8] ظهير الدين ابو المكارم عبد الرشيد الولوالجي، المتوفى سنة 710هـ

[9] البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ص16.

[10]الخطط التوفيقية ج5 ص18

[11] مقدمة الاشباه والنظائر ص 14

[12] الاشباه والنظائر ص16

[13] كتب هذان البيتان على طرة المخطوط المحفوظ في مكتبة الملك سعود.

[14] الطبقات الكبرى، نقلا عن ترجمته في مقدمة كتابه (البحر الرائق) بتحقيق زكريا عميرات، ص8.

[15] ابن اياس الحنفي: بدائع الزهور في وقائع الدهور، ج5 ص207

[16] الأشباه والتظائر ص24

[17] الاشباه والننظائر ص325

[18] مخطوطة المكتبة الأزهرية برقم 33784

[19] مرتضى بك الكردي الدمشقي: ذيل على كتاب (تحفة الاحباب بمن ملك مصر من الملوك والنواب) بتحقيق محمد الششتاوي، وصدر عن دار الافاق العربية في القاهرة سنة 1419هـ/ 1999م، ص 262، وأحمد شلبي : أوضح الإشارات فيمن تولى مصر القاهرة من الوزراء والباشات، تحقيق عبدالرحيم عبدالرحمن عبد الرحيم، القاهرة 1987،  ص322

[20] رسالة في بيان الإقطاعات ، مخطوطة في المكتية الازهرية برقم 339499

[21] المصدر نفسه ، والأشباه والنظائر ص167 و305

[22]    تطرق المؤرخ المعاصر مرتضى بك الكردي الدمشقي إلى شؤون القضاة الذين كانت الدولة ترسلهم إلى مصر، ولاحظ أن بقاء القاضي في منصبه رهين- عملياً-  بإرادة قادة فرق الانكشارية، فقال " وأرادوا عزل القاضي فلم ترض طائفة الينكجرية، وقالوا: يكون ذلك علامة العصيان". ويظهر أن الصناجق، وهم قادة المماليك، كانوا لا يَرَون في القاضي إلا ممثلاً للسلطة العثمانية، حتى أنهم اجتمعوا "في بيت أمير الحاج على تنزيل الباشا هو والقاضي" , وأظهر ضيقه من احد القضاة المعينين لانه انتقد على نحو حاد أهل بلاده فقال " وكذلك القاضي محمد كتخدا زاده بقول: أنا ما جئت إلى مصر إلا لأجدد لأهلها دينهم، فإنهم كفروا وارتدوا، ونعوذ بالله من قوله وما قال!"  ذيل (تحفة الاحباب) للملوي بتحقيق محمد الششتاوي، ص246. وانتقد المؤرخ المعاصر الأسحاقي المنوفي حالة القضاة فقال (اخبار الإول في من تصرف في مصر من ارباب الدول ص111)

قضاة زماننا صاروا لصوصا        عموماً في البرية لا خصوصا

يرون الغنم أموال اليتامى             كأنهم تلوا فيها نصوصا

فنخشى منهموا اذ صافحونا          يسلوا من أصابعنا الفصوصا

ونجد مثل هذا الانتقاد في أرجوزة نظمها مؤرخ معاصر آخر هو احمد الغمري، إذ أشار إلى تفشي الرشوة في تعيين القضاة في مصر،  فقال

للآن قاضي القضاة العسكرِ          من قاضي استنبول مصر يشتري

بالمال يأتي مسرعاً لمصره          قضاتها الجميع تحت أمره

ذخيرة الأعلام بتواريخ امراء مصر في الاسلام، مخطوطة في المكتبة الأزهرية برقم  6125

[23] قال في رسالته (رسالة في الرشوة واقسامها للقاضي وغيره) مخطوطة في المكتبة الازهرية برقم 338176

[24] أحمد شلبي : أوضح الإشارات ، ص110.

[25] الأشباه والنظائر  ص167

[26] البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج5 ص245 والأشباه والنظائر ص134.

[27] الرد السري غي الرد على المفتري، والأشباه والنظائر  ص106

[28] يقصد بالفتح فرض الدول سيادتها على اقليم دولة أخرى بتصرف صادر عن أرادتها المنفردة يدعمه انتصارها العسكري الشامل على هذه الدولة الأخيرة، ونجاحها في تحطيمها كدولة نزع ركن السيادة عنها، ويختلف الفتح كليا عن الاحتلال العسكري لإقليم الدولة خلال العمليات العسكرية أو بعد احتلالها، إذ يشترط لاكتمال عناصر الفتح كسَبب لاكتساب الاقليم أن تختفي السلطة السياسية للدولة المهزومة تماماً. ومن المتفق عليه فقهاً أن مجرد احتلال اقليم الدولة كله أو بعضه في أثناء العمليات العسكرية لا يحدث تلقائيا أي أثر في انتقال الإقليم المحتل من سلطة الدولة الأصلية إلى سلطة الدولة المحتلة. ويمكن اعتبار إعدام السلطان المملوكي طومان باي وإنشاء الإدارة العثمانية الجديدة استكمالا لعناصر الفتح العثماني لمصر.  ينظرد. محمد سامي عبد الحميد وآخرون: التنظيم الدولي، دار المعارف بالإسكندرية 2004، ص143.

[29] هذا بينما يؤثر التوارث تأثيراً مباشراً على وضع الأفراد المقيمين في هذا اٌلإقليم، وعلى القانون العام الداخلي. ينظر بيار- ماري دوبوي: القانون الدولي العام، ترجمة د. محمد عرب صاصيلا ود. سليم حداد، بيروت 2008، ص84 وشارل روسو: القانون الدولي العام، ترجمة شكرالله خليفة وعبد المحسن سعد، بيروت 1982، ص190-214

 

 

محمد بنيعيشصقل المعادن بين زمن المحن والمحاسن

في الفترات العصيبة تصقل المعادن، فهي إما معادن ذهب وفضة وجواهر ولآلئ، وإما قصدير وفحم حجري وكبريت كريه الرائحة والصوت والمنظر. والناس كما قال النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم :"معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام".

وبالرغم مما تقوم به الدولة والمؤسسات، وخاصة المغربية وعلى رأسها الملك محمد السادس، رجل الحكمة والخطوة الثابتة والمحسوبة بدقة وحنكة،  من مبادرات وإجراءات حضارية وراقية في صالح المواطن، أخلاقيا وإداريا وماديا لمواجهة وباء كورونا المستجد،  وبالرغم من أن المبادرات المغربية فاقت بأسلوبها كثيرا من الدول المتقدمة، رغم وجود خصاص ونواقص في بعض المواد وعمليات الاحتواء والإجراء، ولكن ليس في الإمكان أبدع مما كان، كما أن نقصان الكون عين كماله،  فقد نجد بعض الأصوات الشاذة التي لا تعيش ولا تعشش إلا في المستنقعات الرديئة قد تسعى إلى استنقاص المجهودات والنيل من قيمة الأطباء والممرضين المتفانين والساهرين،  وأطر الدولة والعاملين على كل مستوياتهم، بنشر الإشاعات والأراجيف لتخذيل المسار، كل له أسلوبه.والهدف دائما هو التنقيص وتتبع العيوب والعورات من غير إعطاء أو تقديم بديل، بينما الآخرون يسعون في إنقاذ حياته والحفاظ على استقراره وأمنه.

وكمعالجة علمية وأخلاقية للمشكلة هاته، مع التسليم بحق النقد الموضوعي لما يجري وضرورة مراجعة الأخطاء بعد انحسار الوباء قريبا إن شاء الله تعالى،  فقد ارتأيت أن أورد بعض روائع الفكر العربي الإسلامي في باب التحليل النفسي والطب الأخلاقي كمواكبة ومراهنة ثقافية لعلها تجد من يستفيد منها ولو بفكرة واحدة.فكان المرشح لدي هنا هو العلامة والمفكر الجهبذ أبو محمد علي بن حزم الأندلسي الشهير.

فلقد عقد فصلا خاصا في كتابه "الأخلاق والسير"سماه أدواء الأخلاق الفاسدة ومداواتها"ابتدأه بالإشارة إلى العلاج الجملي لأمراض النفس قبل تفصيل أنواع العجب كمرض نفسي خطير يجر نحو نقد الآخر بتوهم العظمة في الذات من غير دليل ولا مقياس ثابت،  ومن ثم فلا بد من طرق لعلاجه بحسب تلك الأنواع، مستندا أساسا على عملية الاستبطان  والملاحظة الداخلية المباشرة عن قصد ونية بحث.

2 ) البواعث الموضوعية للعجب البسيط وعلاجاته

يرى ابن حزم أن "من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه فمن أعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنيئة، فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه فليعلم أن مصيبته إلى الأبد وأنه أتم الناس نقصا وأعظمهم عيوبا وأضعفهم تمييزا، وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهل ولا عيب أشد من هذين، لأن العاقل هو من ميز عيوب نفسه فغالبها وسعى في قمعها، والأحمق هو الذي يجهل عيوب نفسه إما لقلة علمه وتميزه وضعف فكرته وإما لأنه يقدر أن عيوبه خصال وهذا أشد عيب في الأرض"[1].

إذ من النظر في عيوب النفس يمكن علاج العجب ككل عيب حسب ما يستدعيه من أنواع العلاج، فيقال للمعجب :"ارجع إلى نفسك فإذا ميزت عيوبها فقد داويت عجبك، ولا تمثل بين نفسك وبين من هو أكثر عيوبا منها فتستسهل الرذائل وتكون مقلدا لأهل الشر، وقد ذم تقليد أهل الخير فكيف تقليد أهل الشر، لكن مثل بين نفسك وبين من هو أفضل منك، فحينئذ يتلف عجبك وتفيق من هذا الداء القبيح الذي  يولد عليك الاستخفاف بالناس وفيهم بلا شك من هو خير منك"[2].

فالعجب قد يكون بالآراء والعلم[3] والمال والجمال، وتلقي المدح[4] والنسب[5]...وهي كلها دواعي إليه  لها علاجاتها الخاصة بها كمقابلتها بمضاداتها وتذكر النفس بقيمتها و عيوبها واتصافها بنقائص شتى.

وليعلم:"أن من قدر في نفسه عجبا أو ظن لها على سائر الناس فضلا فلينظر إلى صبره عندما يدهمه من هم أو نكبة أو وجع أو دمل أو مصيبة فإن رأى نفسه قليلة الصبر فليعلم أن جميع أهل البلاد من المجذومين وغيرهم الصابرين أفضل منه على تأخر طبقتهم، وإن رأى نفسه صابرة فليعلم أنه لم يأت بشيء  يسبق فيه على ما ذكرنا بل هو متأخر عنهم في ذلك أو مساو لهم ولا مزيد"[6].

فالعجب أصل يتفرع عنه التيه والزهو والكبر والنخوة والتعالي، وهذه أسماء واقعة على معان متقاربة ولذلك صعب الفرق بينها على أكثر الناس.

فقد يكون العجب لفضيلة في المعجب ظاهرة[7] وتكون إحدى دواعي هذا العجب ومبررا له، وهو مما يشترك في الوقوع فيه غالبية الناس ممن لا يلاحظون بدقة عيوب أنفسهم وانزاحوا نحو أهوائهم وما سولت لهم، وقد يكون العجب لغير معنى ولغير فضيلة في المعجب، وهذا من عجيب ما يقع في هذا الباب.

3) "العجب بلا سبب" وخلفية الشعور بالنقص

فلقد كان يسمى عند العامة في الأندلس على عهد ابن حزم بالتمترك، بحيث يرى أنه كثيرا ما يوجد عند بعض النساء وعند من عقله قريب من عقولهن من الرجال -حسب تعبيره-"وهو عجب من ليس فيه خصلة أصلا، لا علم ولا شجاعة ولا علو حال ولا نسب رفيع ولا مال يطغيه وهو يعلم أنه صفر من ذلك كله"[8].

إن وجود هذا النوع من العجب الذي اكتشفه  قد دعاه إلى القيام ببعض التحريات والبحوث الميدانية لسبر حقيقته وتحديد دواعيه، فذهب يسأل كثيرين ممن هذا حالهم وذلك في رفق ولين وشعور بمسؤولية الباحث النفسي والأخلاقي.

فكان الجواب من بعضهم لا يزيد على أن يقول" أنا حر لست عبد أحد"، بعد ذلك شرع في مواصلة بحوثه النفسية الدقيقة والوقوف عند الموضوع والأشخاص الحاملين له، حتى خرج باكتشاف نفسي جد متقدم ومهم في ميدان النفس والأخلاق، واضعا بذلك يده على قواعد العقد النفسية وخاصة :عقدة الشعور بالنقص.

فقد بين لنا الطريقة التي تم له الحصول بها على هذه النتيجة بقوله:

"فلم أزل أختبر ما تنطوي عليه نفوسهم بما يبدو من أحوالهم ومن مراميهم في كلامهم، فاستقر أمرهم على أنهم يقدرون أن عندهم فضل عقل وتميز رأي أصيل لو أمكنتهم الأيام تصريفه لوجدوا فيه متسعا ولأداروا المماليك الرفيعة ولبان فضلهم على سائر الناس ولو ملكوا مالا لأحسنوا تصريفه.!

فمن هاهنا تسرب التيه إليهم وسرى العجب فيهم، وهذا مكان فيه للكلام شعب عجيب ومعارضة معترضة،  وهو أنه ليس شيء من الفضائل كلما كان المرء منه أعرى قوي  ظنه في أنه قد استولى عليه واستمر يقينه في أنه قد كمل فيه إلا العقل والتمييز.

حتى إنك قد تجد المجنون والمطبق والسكران الطافح يسخران بالصحيح، والجاهل الناقص يهزأ بالحكيم وأفاضل العلماء، والصبيان الصغار يتهكمون بالكهول، والسفهاء العيارون يستخفون بالعقلاء المتصاونين وضعفة النساء يستنقصن عقول أكابر الرجال وآرائهم.

وبالجملة فكلما نقص العقل توهم صاحبه أنه أوفر الناس عقلا وأكمل تمييزا"[9].

كما يرى أن الشعور بالنقص قد يكون عند المشاركة في نوع من الفضائل متداولة في مجتمع معين، فيكون الشخص المريض بالعجب يعاني من نقص في فضيلة ما، قد يجعله يسعى حينها إلى التعويض عنه بالردود السيئة التي سبق الحديث عنها.

هكذا نجد أنه قد سبق أصحاب المدرسة التحليلية في اعتبار الشعور بالنقص مصدر العقد والأمراض النفسية عند الإنسان كما يذهب إلى ذلك ألفرد أدلر، لكن ابن حزم يحدد لنا الشروط الممهدة لوجود مثل هذه  العقد وهي تنحصر في نقص العقل والتمييز وليس في العصاب كما ذهب إليه ألفرد أدلر الذي يرى :"أن الطفل   يشعر عادة بضعفه وعجزه ونقصه بالنسبة إلى أشقائه الكبار ووالديه والأشخاص البالغين بصفة عامة، ويمهد هذا الشعور بالنقص إلى قيام الفرد بكثير من المحاولات للتغلب على هذا الشعور، ويتغلب الإنسان السوي على شعوره بالنقص أو بالقلق بتقوية الروابط التي تربطه بالناس المحيطين به وبالإنسانية على وجه عام عن طريق العمل الاجتماعي للنفع ومحبة الناس وصداقتهم، ويستطيع الإنسان أن يعيش بدون أن يشعر بالقلق إذا حقق هذا الانتماء إلى الإنسانية"[10].

هذا في الحالة العادية عند سليمي البنية النفسية أما:"الشخصيات العصابية فتقوم بمحاولات تعويضية عصابية لغرض التخلص من الشعور بالنقص، وتهدف هذه المحاولات التعويضية إلى تحقيق الأمن عن طريق التفوق والسيطرة على الآخرين"[11].

فهذا  نفسه تقريبا ما رأيناه في تحليلات ابن حزم للعجب من غير سبب مع تحديد أسبابه النفسية الداخلية وذلك بالقول بالمحاولة التعويضية للنقص عن طريق الردود المرضية التي تعبر  عن حقد وكراهية وتعييب وانتقاص للآخر،  كما نجد في ملاحظاته لهم أنهم:

" لا تجدهم إلا عيابين للناس وقاعين في الأعراض مستهزئين بالجميع مجانبين للحقائق مكبين على الفضول وربما كانوا مع ذلك متعرضين للمشاتمة والمهارشة،  وربما قصدوا الملاطمة والمضاربة عند أدنى سبب يعرض له".

فهذا هو أقصى حد ومظهر للعجب بلا سبب  والذي قد يتطور إلى مرض عصابي يصعب علاجه بالوسائل العادية، حيث يرى أن الدواء الأكثر نجاعة بالنسبة لهذه الفئة من المرضى هو علاج"الفقر والخمول، فلا دواء لهم أنجع منه وإلا فداؤهم وضررهم على الناس عظيم جدا"[12].

هذا هو تراثنا وهذه طريقة تحليلاته وعلاجه، فهل نحن على مستوى هذه الدقة عند مواجهة كل مستجدة واحتواء كل ظاهرة معقدة مُهِدَّة؟." إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ".

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

........................

[1] ابن حزم :الأخلاق والسير   ص66

[2] نفس   ص67

[3] نفس  ص68

[4] نفس  ص71

[5] نفس  ص72

[6] نفس   ص73-74

[7] نفس ص75

[8] نفس ص76

[9] ابن حزم:الأخلاق والسير   ص76

[10] سيجمند فرويد:الكف والعرض والقلق ص36

[11] نفس     ص37

[12] ابن حزم:الأخلاق والسير ص78

 

 

ميثم الجنابيإن للإبداع الكبير أثره ومآثره وتحدياته وتعرجاته بين الخصوم الأدعياء والمحبين الأدباء. ولا يعرف حقيقة الأديب الكبير غير  الأديب الحق. وإذا كانت الثقافة العربية قد ربطت فكرة الأديب والفيلسوف بشخصية التوحيدي، وهو يستحقها بالفعل، عندما قيل فيه بأنه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، فإنها تنطبق على الجاحظ أيضا. بل عليه بالمعنى الدقيق للكلمة. فهو الأديب الأول في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، وأحد أكبر نماذجها الموسوعية الكبرى، وأول من رسم معالم بيانها ورتب أصوله، وأدرجه في مساراته الفهم الفلسفي، والجدل الكلامي، والروح المعتزلي، والشعر العربي، وحكمة الشعوب والأمم، ونوادر إبداعها الجميل. ولم يكن ذلك مجرد تجميع وترتيب، بقدر ما كان يندرج ضمن سياق رؤيته الفلسفية والنقدية والأدبية. وحتى لو كان الأمر كذلك، كما يقول الجاحظ، فإن المروءة والسؤدد والمعرفة العميقة تفترض كحد أدنى إنصاف الكاتب على جهوده، ومؤونة جمعه وخزنه، وطلبه وتتبعه، وطول التفكير، واستنفاد العمر في طلب الحقيقة وتبيانها وتقديمها للجميع، بوصفه القدر الضروري من التزام رجل العلم الحقيقي بماهية الحقيقة وشروطها وغايتها[1].

وليس مصادفة أن نراه ينظر إلى كتاب (الحيوان) بوصفه الكتاب الذي "تستوي فيه رغبة الأمم، وتتشابه فيه العرب والأعاجم، لأنه وإن كان عربيا أعرابيا، وإسلاميا جماعيّا، فقد اخذ من طرف الفلسفة، وجمع بين معرفة السماع وعلم التجربة، وأشرَكَ بين علم الكتاب والسنّة، وبين وجدان الحاسة وإحساس الغريزة، ويشتهيه الجميع الفتيان والشيوخ، والاغبياء والفطناء.."[2]. بعبارة اخرى، إننا نقف أمام منهج دقيق في ما يخص رؤية الغاية وراء البحث عن الحقيقة وتأسيسها وغرسها في الوعي الاجتماعي العام، ووسائل بلوغها والبقاء في الوقت نفسه ضمن سياق الانتماء الثقافي الذاتي.

لقد كان هذا المدخل العام والنتيجة النهائية في الوقت نفسه حصيلة تقييمه النقدي لما واجهه هو ومؤلفاته من هجوم مرير لا يخلو من الرعونة من جانب كل أولئك الذين لم يكن بمقدورهم الارتقاء إلى مصاف الرؤية الثقافية بشكل عام والإسلامية بشكل خاص. لقد أراد الجاحظ القول، بأن للحقيقة مسارها وطرقها وتعرجاتها ومظاهرها. لكنها تبقى في نهاية المطاف وراء كل ما يتخذ هيئة الحجاب أيا كان شكله ولونه. لقد أراد رفع الوعي إلى مصاف الرؤية المنطقية وتقديمها بصور البلاغة الرفيعة. وقد كان ذلك مدخله العامة في كل ما كتبه. فعندما استهل كتاب (الحيوان)، على سبيل المثال، فانه لن ينغمس ويتباهى بالإفراط الفارغ والممل للتعظيم والتبجيل لله وملائكته وأنبيائه، وملئها بالصيغة النمطية التي نادرا ما تختلف من كاتب لآخر، أو مرحلة عن أخرى. على العكس إننا نرى فيها نموذج الرؤية الفلسفية الباحثة والمؤسسة لمعنى الحقيقة، وأهميتها بالنسبة للنفس العارفة وأثرها من ثم بالنسبة لكينونته الأخلاقية والعقلية والروحية. فهو يوجه خطابه للقارئ والناقد والحاقد لكي يجنّبه الشبهة، ويعصمه عن الحيرة، وأن يجعل بينه وبين المعرفة نسبا، وبين الصدق سبب، وأن يحبب إليه التثيّت، وأن يزين في عينه الإنصاف، وأن يذوقه حلاوة التقوى، وأن يودع صدره برد اليقين، وأن يعرفّه ما في الباطل من الذلة، وما في الجهل من القِلّة[3].

إننا نقف هنا أمام موقف علمي أخلاقي عميق، مهمته تنوير العقل وتهذيب الأخلاق، ومن ثم تحرير العقل من الانهيار أمام الجهل والباطل. ووضع هذه في استطراده الواسع عن الحبكة الداخلية للجهل والباطل في كمية ونوعية الهمجية الجاهلة في تقييم مؤلفاته وكتبه. وهي الصيغة التي لم تكن في مواقف عبد القادر البغدادي سوى مقاطع مأخوذة مما استعرضه الجاحظ نفسه في مقدمة كتاب (الحيوان). بمعنى إن البغدادي كان حتى في هجومه ضد الجاحظ مقلدا وسارقا لما وضعه الجاحظ نفسه في مقدمته.

فهو يشير في المقدمة على اعابة كتبه مثل (حيل اللصوص) و(غش الصناعات) و(المُلَح والطُّرَف) و(احتجاجات البخلاء) و(الصُّرحاء والهُجناء) و(مفاخرة السودان والحمران) و(الزرع والنخل) و(فضل ما بين الرجال والنساء) و(القحطانية) و(العرب والموالي) و(الأصنام) و(المعادن) و(الفرق ما بين هاشم وعبد شمس) و(الفرق ما بين الجن والأنس) و(الهاشميات) و(خَلْق القرآن) و(في الرد على المشبِّهة) و(أصول الفتيا والاحكام) و(الاحتجاج لنظم القرآن) و(الوعد والوعيد)، و(النصارى واليهود) و(الجوابات) و(المسائل) و(أصحاب الإلهام) و(الحجة في تثبيت النبوة)، و(الرد على الجهمية في الادراك) و(الفرق بين النبي والمتنبئ) و(الحيوان) و(العباسية) وكثير غيرها.

وفي مجرى استعراضه لمن هاجمه حاول الكشف عما في هذه الهجمات من شناعات لعل اولها هو افتقاد الرؤية النقدية للمنطق والعلم. لهذا لم يستفض الجاحظ في ردوده على ما في هذه الهجمات، انطلاقا من سخافتها العقلية ومن طابعها المأجور. واكتفي في نهاية المطاف بعبارة "هل يضر السحاب نبح الكلاب؟". تماما كما لا يتغير البحر حالما يرمي فيه غلام بالحجر.

إن المهمة الاكثر جوهرية بالنسبة للجاحظ كانت تقوم في مصادر سوء الفهم هذا، وانه آت من أنصاف المتعلمين والمرتزقة والمحجوبين بهراء العقائد الميتة، والفاقدين للعقل النقدي الحر. وليس مصادفة أن يضع احد رسائله النقدية عما امساه بأخلاق الكتّاب، الذي حاول من خلاله الاجابة على كافة هذه الأسئلة.

ولعل أهمها هو جهل هذا النمط من التفكير على استيعاب ما يريد قوله. وقد تكون عبارة ابن قتيبة في كتابه (تأويل مختلف الحديث) عن أن الجاحظ كان آخر المتكلمين وأحسنهم حجة. كما انه كان أشدهم تعبيرا في كتاباته فيما يتعلق بتعظيم الصغير حتى يعظّم، وتصغير العظيم حتى يصّغر. بل وبلغ به الاقتدار على أن يعمل الشيء ونقيضه، كما يقول ابن قتيبة. لهذا نراه يحتج بفضل السودان على البيضان، ويحتج مرة للعثمانية على الرافضة، ومرة للزيدية على العثمانية وأهل السنّة، ومرة يفضل عليا ومرة يؤخره. كما كان يقول قال رسول الله ويتبعه قال الجماز وقال اسماعيل ابن غزوان كذا وكذا من الفواحش[4].

إن هذه الصيغة التي وضعها ابن قتيبة تكشف عن عدم فهمه للمعنى الفلسفي النقدي والعقلاني الكبير في مواقف ومنهج الجاحظ، الذي قدم امثلة على أن إشكالية التعظيم والتصغير قد تكون مفتعلة. وإن تأسيس الحق والحقيقة العقلية هو الذي يجعل من الإنسان حيا قادرا فعالا عارفا. وليس مصادفة أن تسحب أو تنفي المعتزلة هذه الصفات عن الله عبر إرجاعها إلى كينونة الإنسان الفعلية التاريخية والثقافية. والإبقاء على الذات الإلهية بوصفها ذات بذاتها.

أما القدرة على أن يعمل الشيء ونقيضه، فإنها لم تكن من أثر التقاليد الجدلية المميزة لعلم الكلام بشكل عام والمعتزلة بشكل خاص، الذين "علّموا وسهلّوا الجدل للناس". بمعنى عملهم الفعال في تنظيم العقل النقدي والمساهمة في إثارة الشكوك بوصفها طريق الوصول إلى الحق. كما لم يكن عمل الشيء وضده لعبة اللهو الجدلي واللغو المهني، بقدر ما كانت تعبيرا عن تناقضات الحياة الفعلية التي لا يمكن وضع مكوناتها في سلال مختلفة ووزن إحداها بالأخرى. فالحياة أوسع وأعقد من هذه الرؤية الشكلية الجامدة والمسطحة. ومن ثم تحتوي على كافة المتناقضات، التي ستجعل احد المتصوفة يقول، بأنه عرف الله بجمعه بين الضدين. بعبارة أخرى، إن معرفة الاضداد هو نتاج العقل النقدي الحي والوجدان العامل بمعايير الحق الحقيقة، الذي يذلل الصيغة النمطية الجامدة في الموقف من الوجود بمختلف مظاهره. ومن ثم لم يعن تفضيل أحدهم على آخر بالنسبة للجاحظ تعظيم جانب وتصغير آخر، بقدر ما تعني إن التعظيم أو التصغير المفرط لاعتبارات ظاهرية لا علاقة لها بحقيقة الأشياء لا يعمل في نهاية المطاف إلا على سحق مكونات العقل والأخلاق. وبالتالي، فإن دفاعه عمن كان "ضحية" هذه التصورات تعكس بقدر واحد روح العقل النقدي ووجدان النزعة الإنسانية الرفيعة، التي تسعى لإرجاع حقائق الأشياء إلى أصولها، أو معرفتها كما هي. وينطبق ذلك على موقفه من الاستشهاد بأقوال النبي محمد وغيره بما في ذلك ممن نطق "بالفواحش" ضمن مسار رؤيته وتحليله أو نقده للظواهر والقضايا. لقد أراد القول، بأن الأولوية للعقل الإنساني، بوصفه كائنا واحد عند الجميع ولكنه يتمايز بقدرته على أن يكون فعالا أو خاملا، قويا أو واهنا. ولا يقلل ذلك من أن يجري وضع أقوال العقلاء إلى جانب أقوال النبي محمد. لاسيما وأن الفكرة المعتزلية التي كانت احد المكونات الجوهرية للرؤية العقلية والعقلانية تقوم في أن النبوة بالنسبة لها ليست كيانا غريبا وسحريا، بل نتاج الفضيلة الشخصية للإفادة والاستفادة. بمعنى إنهم نزعوا منها صفة الافراط اللاهوتي المميز لتقاليد الرؤية السلفية المكتفية بذاتها شأن حراشف الماضي الميتة! وبهذا يكون المعتزلة قد فسحوا أمام العقل إمكانية الانطلاق صوب عوالم الوجود بكل مظاهره وخفاياه. وقد كان الجاحظ احد النماذج الحية لهذا النمط من التفكير المعبر عن صيرورة وكينونة الروح العقلي والثقافي والنقدي في الحضارة الإسلامية.

لقد كان نقف "الكاتب المزيف" او المرتزق جزءا من مهمة التنوير العقلي وتأسيس المعرفة العلمية. رغم إن لهذا النمط مقدماته ليس فقط في شروط الجود الاجتماعي والاقتصادي بل وتقاليده الخاصة. فقد كانت ظاهرة الارتزاق بما في ذلك "الثقافي" صفة ملازمة للسلطة الخالية من قيم الروح الاجتماعي. وقد اتخذت في تاريخ الاسلام اشكالا وصورا عديدة مثل ظاهرة القصاصين والحكواتي و(اصحاب القلم) وليس العلم. او ما يمكن أن نطلق عليه بالمثقف الموظف أو الأجير أو المرتزق. وهم في العادة شيء واحد من حيث الجوهر، لكنه مختلف حسب الصدفة.

لقد كان نقد الجاحظ للكتّاب، هو الصيغة الفكرية والثقافية لنقد هذا النمط، الذي تجرأ على مختلف سفاهات وسخافات الهجوم الجريء المميز للأغبياء والمرتزقة على ممر التاريخ. والمقدمة المنهجية التي وضعها وانطلق منها في نقد الكاتب المزيف والمرتزق تقوم في أن "ضعف العلة ما التمس بعد المعلول، ونصبت له علما على الموجود بعد الوجود. وإذا تقدم المعلول عنه، والمخبر عن خبره استغنى عن الحاكم وظهر عور الشاهد[5]" بمعنى انه لا معنى للمعرفة وشخصية الكاتب عندما يكون دوما في ذيل المعرفة. فالمفكر الحقيقي هو من يتسابق ويسبق وجود الأشياء المعروفة، أي المعارف الجلية والتي يرتقي بعض منها إلى مصاف اليديهة. إن حقيقة المعرفة معاناة دائمة على مستوى الحس العقل والحدس. والأهم من ذلك محكومة بمعايير الثقافة الذاتية وهمومها الواقعية. من هنا قول الجاحظ عن نفسه:"إنما لم اقل إلا بعد الحجة. ولم احتج إلا مع ظهور العلة. ثم استشهد مع ذلك الاضداد بيانا، وما اجمع عليه الأعداء إنصافا"[6]. بعبارة أخرى، انه يضع نفسه واكتشاف الحقيقة في تيار الوجود المتضارب والمتناقض، مع البقاء في حيز الإنصاف للحقيقة كما هي. وهذه هي ذروة ما ينبغي أن يصل إليه المفكر الحقيقي،. تماما كما أنها ذروة وجوده الذاتي وحقيقة سريانه في كينونة الأمة ومشاريعها. وما عدا ذلك أو بدونها فهو لا شيء بمقياس العدم وليس بمعايير الوجود.

إن هوية هذا النوع من الكتّاب، كما يحققها الجاحظ تقوم في أنه لا يتقلد هذه الكتابة إلا تابع، ولا يتولاها إلا من في معنى الخادم. إذ لم نر عظيما تولاها بنفسه، لأنه محكوم عليه بالوفاء والصبر. في حين تتطابق ماهية هذا النوع من الكتّاب في "أحكامهم أحكام الأرقاء، ومحلهم من الخدمة محل الاغبياء. وهو مع ذلك في الذروة القصوى من الصلف والسنام الأعلى من البذخ، وفي البحر الطامي من التيه والسرف"[7]. وقد استعرض بعض نماذج هذه الشخصيات، حيث كان أول مرتد في الإسلام كاتب. والذي حرّف في القرآن، فنهاه الوحي هو عبد الله بن سعد بن ابي السرح[8]. ثم بعده معاوية بن ابي سفيان وكان أول من "غدر في الإسلام بإمامه وحاول نقض عُرى الاسلام بآثامه"[9]. ثم عثمان بن عفان (كتب لأبي بكر) فلم يمت حتى "أدّاه عِرقُ الكتابة إلى ذمِّ من ذَّمه من أوليائه"[10]. وبعده زياد بن ابيه (كتب لعمر بن الخطاب)، فانعكس شر ناشي في الإسلام، نقضت بدعوته السنّة (النبوية)، وظهرت في أيام ولايته بالعراق الجبرية"[11]. ثم مروان بن الحكم (كتب لعثمان) فخانه في خاتمه واستعمل الرعايا حربا عليه في حكمه. ثم انقضى الأمر إلى علي بن ابي طالب "فتبين من البصيرة في الكتّاب ما لم ير التنويه بذكر كاتب حتى مات"[12].

وفي الوقت نفسه لم يخل انتقاد الجاحظ بهذا الصدد من نقد التيار القومي المتشنج والمعادي للعرب والإسلام من جانب "الشعوبية".  من هنا وضعه "العربية" بالضد منها. فالكاتب الذي يجلس وراء الطاولة وأمامه الدواة يأخذ في لفظ الكلام. من هنا روايتهم لبرزجهر وأمثاله، ولأردشير وعهده، ولعبد الحميد رسائله، ولابن المنقفع أدبه، وجعل كتاب مزدك معدن علمه، ودفتر كليلة ودمنة كنز حكمته[13].  وبالضد من هذا النمط (المثقف المحدود المعرفة والمحكوم بإرثه الخاص فقط)، أي ذاك الذي لا يحتكم إلى روح المعاناة الفعلية في الإبداع والبحث عن الحقيقة وضع الشخصيات العربية التأسيسية في مختلف الميادين مثل ابن عباس في العلم والتأويل، ومعاذ بن جبل في العلم بالحلال والحرام، وعلي بن ابي طالب في الجرأة على القضاء والأحكام، وأبو الهذيل العلاّف في الجزء والطفرة (أي نظرية الجزء الذي لا يتجزأ)، وإبراهيم بن سيار النظَّام في الكامنات والمجانسات (أي نظرية الكمون وجنس الحيوان كله واحد وأفعالها من جنس واحد)، وحسين النجار في العبادات والقول بالإثبات، والأصمعي وأبو عبيدة في معرفة اللغات والعلم بالأنساب[14].

لقد سعى الجاحظ إلى إبراز العلاقة المتوترة والضرورة بين المعرفة والأخلاق، والسرّ الكامن وراء ما يمكن أن تؤدي إليه من مختلف أصناف الخيانة حالما يجري كسرها وإهمالها في نفسية وذهنية وشخصية الكاتب. وذلك لأنها تؤدي إلى السقوط في أوحال الهراء "العلمي" والانحطاط بمختلف أشكاله، والاستعداد لقبول الرذيلة والسباح في سواقيها النتنة. ووضع الجاحظ هذه الشخصية على مثال جامع من تراث الأمة وشخصياتها الكبرى. بحيث إذا جرى ذكر شريح جرّحه؛ وإذا نعت له الحسن استثقله؛ وإذا وصف له الشعبي استحمقه؛ وإذا قيل له ابن جبير استجهله. وبالمقابل نراه يقطع ذلك في مجلسه بسياسة اردشير بابكان، وتدبير انو شروان، واستقامة البلاد لآل ساسان. ذلك يعني، إن نقد الجاحظ لهذا النمط من الكتّاب لم يقف عند حدود "المعرفة" و"العلم" بل ويتعداه إلى ما يمس الشخصية العربية الإسلامية زمن صعود وتهور "الشعوبية". من هنا قوله، بأنه حالما يجري إحراج هذا النمط من الكتّاب من وجهة النظر الإسلامية والعقلية، فإنه حينذاك يرجع من ذكر السنن إلى المعقول، ومن محكم القرآن إلى المنسوخ، ولا يرتضي من الكتب إلا المنطق. بينما هم في الواقع، كما نستشف من نقد الجاحظ لهم، بأنهم ليسوا أصحاب عقول، ولا معرفة بتراث الأمة، ولا يتمسكون بالمنطق. لقد وجد في كل ما يسطروه ويسعون للتعبير عنه مجرد تقليد اجوف وضعف دراية بحقيقة المعرفة وأصولها. وسوف يأخذ بهذه الفكرة النقدية لاحقا كل من الغزالي وابن رشد.

إذ نعثر عليها في نقد الغزالي للفلاسفة ونقد المنطق والتقليد الفلسفي. ومن خلاله أراد تأسيس فكرة الحكمة الثقافية استنادا وانطلاقا من التجربة الذاتية للأمة والعمل بمعاييرها، وليس أخذ ما هو جاهز من تقاليد الإغريق وغيرهم. وفي الوقت نفسه دعى إلى الأخذ بما عند الآخرين لكل ما يمكنه تهذيب المنطق الصادق واليقين الفعلي. وقد استكملها ابن رشد لاحقا بفكرته القائلة، بأن من صفات الفيلسوف الحق أن يكون صحيح الاعتقاد لآراء الملة (الدين) التي نشأ فيها، متمسكا بالأفعال الفاضلة التي في ملته، كأن يكون متمسكا بالفضائل المشهورة. ذلك يعني، إن الفيلسوف الحق هو ذاك الذي يمثل في إبداعه وقناعته ونفسه، ثقافة أمته وفضائلها المتسامية أولا وقبل كل شيئ. ووضع هذه الفكرة في أساس تصنيفه وانتقاده في نفس الوقت لأنواع الفلاسفة الخارجين عن فلاسفة الحق، وهم "الفيلسوف الباطل، والفيلسوف المبهرج، والفيلسوف الزور".

وقد يكون موقفه من علاقة الكتّاب بالقرآن والحديث أنموذجا أو مادة جلية بهذا الصدد. فقد سار موقفه بصدد هذه القضية ضمن السياق المذكور اعلاه. فالجاحظ، وبأثر نظرته العقلية العميقة والمتجانسة ابتعد، شأن كل كبار المعتزلة، عن إشكاليات علم الكلام التقليدية وقضاياه الدينية والعقائدية. غير أن ذلك لا يعني ابتعاد أو تجاهل أصول الثقافة العربية الإسلامية وموقع القرآن فيها. وضمن هذا السياق ينبغي فهم انتقاد الكتّاب الذين تجاهلوا هذا الجانب وحاولوا التخلي ليس عنه فقط بل وعن أصول الثقافة الذاتية نفسها.

إننا نعثر عنده على ما يمكن دعوته بالحكمة الثقافية. والحكمة الثقافية على خلاف الحكمة المنطقية والمجردة والمأخوذة من بطون الكتب وليس من تجارب الأمة، تبقى في أفضل الأحوال مجرد الفاظ جميلة ولكن لا في محلها. إنها لا تصنع وعيا متجانسا. فالأخير لا تصنعه سوى إمكانية الربط والتوليف والنفي المنظومي عبر تمثّل تجارب الأسلاف، ومعايشة المواقع، واستشراف المستقبل.

وقد اورد الجاحظ هنا عدد من الشخصيات التي حاول من خلالها البرهنة على ما اسميته بالحكمة الثقافية الذاتية مثل ابو بكر الأصم وبشر بن المعتمر، أي عدد من النماذج الكبرى للمعتزلة. فقد وضع الأصم موقفه النقدي، على سبيل المثال في تقييم شخصية وإبداع ابن المقفع، بالعبارات التالية:"ما رأيت شيئا إلا وقليله أخّف من كثيره إلا العلم. فإنه كلما كثر خف حمله. ولقد رأيت عبد الله المقفع هذا في غزارة علمه وكثرة روايته قد اوهنه علمه، واذهله حلمه، وأعمت حكمته، وحيرّته بصيرته كمثل الحمار يحمل اسفارا"[15]. وهي فكرة نقدية تحتوي بقدر واحد على نقد هذا النمط من الكتّاب ولكن من خلال إشكالية العقل والعلم (المعارف) المميزة لبعض مراحل الصراع الفكري والعقائدي العنيف في مجرى تاريخ الخلافة، عندما وضعت بمعادلة علمه اكثر من عقله، وعقله أصغر من علمه. وترتب عليها جدال فكري وسياسي ومذابح فردية، كما جرى الحال بالنسبة للسهروردي المقتول. بينما ركز بشر بن المعتمر على إشكالية العامة والخاصة في المعرفة، أي التفريق بين التقليد والإبداع الحر. فقد روى أحدهم كيف أنهم كانوا في مجلس بشر بن المعتمر في جماعة من المعتزلة وأصحاب الكلام، فتذاكروا العوام واستحواذ الفتنة عليهم فكان موقفه يقوم في نقد التقليد الملازم للعوام، وإنهم لا يدينون بالحقيقة ولا يجيدون إلا ظاهر الحلية. وقابل هؤلاء بشخصيات العلم (المعارف أو المعلومات) أمثال عمر ابن خرج في السفه والمباهات، وإبراهيم بن العباس في الشره والرقاعة، ونجاح ابن سلمة في الطيش والسخافة، ويحيى بن خاقان في الذل والفاقة[16].

والحصيلة التي أراد الجاحظ قولها هنا تقوم في "أن محض العمى التقليد في الزندقة، لأنها إذا رسخت في قلب امرئ تقليدا، اطالت جرأته، واستغلق على اهل الجدل إفهامه". وهو يقصد بذلك أولئك المتشبعون بتقليد العقائد أو ما ندعوه اليوم بالتعصب والانغلاق الأيديولوجي. فهذا النوع لا يفكّ انسداد عقله وانغلاقه سوى يأس الهزيمة الساحقة والزوال من ميدان الوجود. ولعل تجربة المعتزلة، رغم كل طابعها الماساوي دليلا على ذلك. فقد جرى محاربتها وملاحقتها وتدميرها بقوة السقهر والارهاب والتجريم والتحريم. ومع ذلك اندثر كل ن سعى لاندثارها، وبقيت المعتزلة قوة كامننة في العقل والقلب والروح، كما لو انها الشعلة الابدية للاجتهاد الحر، على عكس مرتزقة الثقافة ايا كان "مجدهم" في الحياة! والسبب يكمن في أن المعتزلة هي التي تتمثل منطق الحقيقة والإخلاص لها بمعايير التجارب الذاتية.

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1]  الجاحظ: كتاب الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، مصر، القاهرة، ط، 2، ج1، ص11.

[2]  الجاحظ: كتاب الحيوان، ط، 2، ج1، ص11.

[3] الجاحظ: كتاب الحيوان، ط، 2، ج1، ص3.

[4]  ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، ص71-72.

[5]  ثلاث رسائل للجاحظ،، القاهرة، المطبعة السلفية، 1344 للهجرة، تحقيق ونشر يوشع فنكل، ص40.

[6]  ثلاث رسائل للجاحظ،، ص40

[7] ثلاث رسائل للجاحظ،، ص42.

[8]  أبو يحيى عبد الله بن سعد بن أبي السرح القرشي (ولد سنة 23 قبل الهجرة) في مكة وتوفي عام ستة وثلاثين للهجرة. اعتنق الإسلام قبل صلح الحديبية. ثم هاجر للمدينة. واتخذه النبي محمد كاتبا للوحي مع عدد من الصحابة. اقترف خطيئة التشويه المتعمد لكتابة القرآن عندما استبدل عبارة  (السميع العليم) (بالعليم الحكيم). ولم يعترض النبي محمد على ذلك انطلاقا من أن الله هو السميع العليم كما انه أيضا العليم الحكيم. الأمر الذي جعله كما تقول التقاليد الإسلامية أن يصاب بالافتنان. وأضاف إلى ذلك قوله عن النبي محمد، بأنه لا يدري ما يقول، وانه كان بإمكانه كتابة ما يشاء مما يوحى له شأن ما يوحى لمحمد. عندها ترك المدينة وقفل راجعا إلى مكة. بمن ثم ارتد عن الإسلام صوب الوثنية. ومن اجل تخفيف هذه الطعنة التي يمكن أن تنسب إلى النبي محمد جرى تفسير فعلته على أنها زلة شيطان! بينما في الواقع لا شيطان غير وساوس النفس المبتذلة! ومع ذلك يجري تصويره على انه صحابي وقائد عسكري. وقد كان عبد الله بن ابي السرح اخا لعثمان بن عفان في الرضاعة. وعملا عثمان، شأنه تجاه اهله وأقاربه، من اجل إرجاعه إلى موقعه المقبول في الجماعة والأمة الجديدة. ولاحقا يصبح والي مصر زمن خلافة عثمان. واشترك في الكثير من المعارك. وكان له مآثر كبيرة فيها. وبعد مقتل عثمان اعتزل الحياة الإدراية والسياسية. ولم يبايع علياً ولا معاوية. ومات بعسقلان. ويقال في ليبيا. إننا نقف هنا امام نموذج تمثل كل تقاليد القرشية الوثنية والقبلية. من هنا تناقضاتها الحادة بمعايير الأخلاق والسياسة والفكر. غير أن هذه قضية اخرى. لكنها تكشف عما في نقد الجاحظ لهذا النمط من الكتّاب.

[9]  الجاحظ: ذم أخلاق الكتّاب، ضمن مجموعة الرسائل، القاهرة، 1964، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ج2، ص189.

[10]  الجاحظ: ذم أخلاق الكتّاب، ج2، ص189.

[11] الجاحظ: ذم أخلاق الكتّاب، ج2، ص189.

[12]  ثلاث رسائل للجاحظ،، ص41؛ الجاحظ: ذم أخلاق الكتّاب، ج2، ص189. وتجدر الإشارة هنا إلى أن موقف الإمام علي بن ابي طالب مبني على التجربة الحياتية والسياسية. بمعنى انه لم يقف ضد الكتّاب أيا كان نوعهم وشخصياتهم، بل ضد النوع الذي جسدته تقاليد الخيانة الأموية، بدأ من معاوية بن ابي سفيان، وانتهاء بمروان بن الحكم. وذلك لأننا نعثر على تقييم وإشادة بالكتّاب كما في موقفه من مالك بن الاشتر. وهي حادثة اشار اليها الجاحظ نفسه في كتاب (المعاش والمعاد).

[13] ثلاث رسائل للجاحظ،، ص43.

[14]   ثلاث رسائل للجاحظ، ص43.

[15]  ثلاث رسائل للجاحظ،، ص43

[16] ثلاث رسائل للجاحظ،، ص44-45.

 

 

ميثم الجنابيفي شخصية الجاحظ يمكننا رؤية وحدة الظاهر "القبيح" والباطن "الجميل"، على الأقل بمعايير الحس المباشر. غير أن حقيقة الشخصية الكبرى تتراكم وراء الظاهر والباطن، بوصفها كينونة عقلية وروحية فاعلة. وهي الصفة التي جسدها الجاحظ في مفارقات ظاهره وباطنه وحياته وموته، كما لو انه الصدى الجميل لأنغام الثقافة العربية الإسلامية في أحلى وأحلك وجودها الفعلي وتاريخها الذاتي. فالثقافة حياة، ومن ثم تحتوي على كل مفارقات وتذبذب وجودها الواقعي في حياة الأفراد والجماعات والأمة.

إن اختلاف الآراء في تقييم شخصيته كانت وما تزال تتحدد بحدود القيم والآراء والقواعد المتحزبة، المذهبية منها والعقائدية. وقد كانت تلك سمة العصر. كما تعبّر في الوقت نفسه عن حالة الثقافة في مراحل ازدهارها وانفتاحها أو مراحل انحطاطها وانغلاقها. وأيا كانت المحددات، فإن شخصية الجاحظ المعتزلية الكبرى، وفلسفته النقدية، وروح الإبداع الحر، ونزعته الإنسانية العميقة، قد جعلته هدفا للتجريم والتجريح، التي يمكن رؤية احد امثلتها النموذجية في ما كتبه عبد القاهر البغدادي عنه. فقد انطلق البغدادي في تقييمه إياه من "أن الناس مجرد اغتروا بحسن بيانه". بينما كل ما كتبه هي أشياء بلا معنى. وفيما لو عرف الناس "جهالاته وضلالاته لاستغفروا الله من تسميتهم إياه إنسانا، فضلا عن أن ينسبوا إليه إحسانا"1 . بل جرى الطعن حتى في شخصه وأصله وهويته. فعندما افتخر الكعبي بالجاحظ، بوصفه كناني الأصل، رد عليه البغدادي بأنه لو كان الأمر كذلك فَلِمَ يا ترى نراه يصنف كتابا في مفاخر القحطانية على الكنانية وسائر العدنانية؟ وإن كان عربيا فلماذا صنّف كتاب (فضائل الموالي على العرب)؟2 .

بل واندفع لاحقا صوب تصوير مؤلفات الجاحظ بأوصاف اقل ما قال فيها هو جهلها المعرفي وسخافتها العقلية. من هنا هجومه العنيف على عناوين كتبه مثل (كتاب اللصوص) "الذي علّم فيه الفَسَقة وجوه السرقة"، وكتاب (غش الصناعات) الذي "افسد على التجار سلعهم". و(كتاب النواميس) الذي جعل منه "ذريعة للمحتالين يجلبون بها ودائع الناس وأموالهم"، و(كتاب الفتيا) "المشحون بطعن استاذه النظّام على الصحابة"، وكتب (الكلاب والقحاب) و(حيل المكدين)، التي وجد فيها البغدادي عناوين "لائقة به وبصفته وبأسرته". و(كتاب طبائع الحيوان) الذي "سلخه من كتاب ارسطو والمدائني" (من حكم العرب).. كما ملئ كتبه، كما يقول البغدادي، بالغث مثل مناظرة (الكلب والديك)3. واختتم كل هذه المواقف بما اسماه بقول أهل السنّة فيه شعرا:

لو يُمْسَخُ الخنزير مسخا ثانيا   ما كان إلا دون قبح الجاحظ

رجل ينوب عن الجحيم بنفسه  وهو القذى في كل طرف لاحظ

لم تكن أحكام البغدادي هذه وغيرها سوى احد النماذج الكلاسيكية للمذهبية المتشددة والسلفية الحنبلية والجمود العقلي والحشوية التقليدية في تاريخ الأفكار والثقافة الإسلامية. من هنا حشوه بالتجريح والاتهام. بل انه لم يفهم حتى مضمون عناوين مؤلفاته اضافة الى تشويه البعض منها كما في كتابه لعناوين كتبه (القيان) و(الحيوان) تحت عنوان (الكلاب والقحاب)! وأقل ما يمكن قوله في هذا النمط من الاستعراض هو دناءة النفس وخفة العقل وانعدام الضمير العلمي. وينطبق هذا أيضا على عرض مضمونها الذي يخالف بصورة مطلقة مع ما أراد منه الجاحظ. فهو لم يقصد من وراء (كتاب اللصوص) تعليم اللصوصية، ولا من كتاب (غش الصناعات) تعليم الناس على الغش، ولا من كتاب (النواميس) عقلنة السرقة الدقيقة، بل على العكس تماما. انه أراد الكشف عن إرادة الإنسان القابلة لمختلف أصناف الفضيلة والرذيلة. ومن ثم تنوير عقول العوام مما في أساليب اللصوصية والغش لكي يجري الاحتياط منها. كما إن (كتاب النواميس) هو احد النماذج التي تتعامل مع ضرورة الحذر وتحذير الناس مما ندعوه اليوم بالبنوك الهرمية والوهمية. اما كتب (الكلاب والقحاب) حسب عبارة البغدادي فهي احد أعظم النماذج الحية للفكرة العقلية الفلسفية وحرية الروح الإنساني، التي سأتناولها في مقالات لاحقة. الأمر الذي يعكس عن سماع البغدادي عن هذه الكتب وعدم قراءتها.

لم يفهم البغدادي وأمثاله معنى وحقيقة الجاحظ. فالبيان الجاحظي هو بيان الثقافة العربية الإسلامية. وإن كل ما كتبه يمتلك معاني متعددة ومتنوعة محكومة بفكرة الإرادة الحرة والنزعة الإنسانية والعقلية. وبالتالي، فإن كل ما اسماه البغدادي بالجهالات والضلالات ليست هي في الواقع سوى أحدى ذرى الحكمة التاريخية والحقيقة المعنوية والرد النقدي على جمود وتحلل الرؤية العقلية والإنسانية في شخصية البغدادي وما يمثله من تيار سائد في مجرى انحطاط الخلافة، والذي تحنَّط بهيئة قواعد عقائدية جازمة امتصت كل نماذج ومستويات الاستبداد والفكرة العبودية. والشيء نفسه ينطبق على مواقفه من أصله وموقفه من تفضيل الموالي على العرب. بمعنى إن البغدادي وكثير أمثاله مما يسمى بأهل السنّة والجماعة، ينبع من عدم استطاعتهم إدراك المعنى الحقيقي الكامن في ما كتبه الجاحظ ومضمونه الفلسفي، ومن ثم غايته النظرية والعملية.

أما موقف الجاحظ من تمايز وتفاخر العرب بينهم فهو تعبير عن موقفه المتسامي عن ترهات الانتماء العرقي والقبلي. فتفضيل آخرين على قومه هو التعبير النموذجي عن هذا الموقف. أما تفضيل الموالي على العرب، فهي مجرد لحظة في فكره الاجتماعي والسياسي الأخلاقي والفلسفي أيضا. فهو لا يعطي لها طابعا مطلقا، لذلك نراه يفضل السودان والأتراك وكثير غيرهم ليس بأثر فضائلهم المطلقة، بقدر ما انه أراد رد الاهانة المتنوعة تجاه الأقوام والأمم، أيا كان مصدرها ومبعثها، انطلاقا من رؤيته الإنسانية المتسامية. وبالتالي الدفاع عن الجميع بمعايير الرؤية العقلانية والنزعة الإنسانية. وهي فكرة تستجيب لحقيقة الرؤية الثقافية الإسلامية. وكذلك النظر إلى العرب بوصفهم أمة ثقافية كبرى. فالموالي بالنسبة له ليست أقواما غريبة بل هي الجزء الثقافي للكينونة العربية التي تراكمت في مجرى الخلافة وتطورها التاريخي. وقد أصاب ابو محمد الزبيدي الأندلسي (ت- 379) اللغوي الكبير، عندما قال "رضيت في الجنة بكتب الجاحظ عوضا عن نعيمها"4. وهو وصف يكفي لحاله دون الاتيان بعشرات أو مئات من العبارات، التي ترفع شخصية وحقيقة الجاحظ إلى مصاف الذروة الكبرى في تاريخ الثقافة العربية الاسلامية بشكل عام والاعتزال بشكل خاص.

وهي ذروة وجدت تعبيرها في تعمير الروح العقلي والإنساني في فلسفة الجاحظ. فهو لم يترك مظهرا من مظاهر الإنسان، وتجليا من تجليات الروح الإنساني دون أن يتناوله بما يتناسب ويستجيب لموقفه منهما. من هنا تنوع المواقف ما بين التأسيس والشرح والتبيان والتحقيق والنقد. وفي هذا التنوع تنعكس فلسفة الوحدة الداخلية للجاحظ بوصفها فلسفة الإنسان والحياة. وليس مصادفة أن تحتل اللغة وبيانها اهتمامه الجوهري. فمن خلالها حاول اكتشاف طبيعة الأشياء وطبائع الوجود، والتغلغل في أعمق أعماقها من اجل إبراز حقيقتها بوصفها حالة أو امرا يستحق الاهتمام والدفاع عنه. من هنا الاجماع الفكري والثقافي على كونه احد أعمدة البلاغة والبيان العربي. الأمر الذي اعطى لها عنده بعدا عربيا ثقافيا نعثر عليه في موقفه من العربية التي اعتبرها من بين اشرف اللغات، ومن الشعوبية بردّها الى حدودها، والدفاع عن الاقوام جميعا بمعايير العربية الثقافية. ومن خلال هذه العلاقة وفي مجراها المعقدة والمتذبذب تراكمت العلاقة الصميمية بين العرب والبيان. بحيث أصبحت البلاغة وتهذيب اللغة الصفة الجوهرية للعرب بالمعنى الثقافي.

لكن بلاغة الجاحظ هي ليست بلاغة اللسان، بل وبلاغة الإنسان. ولا خلاف بينهما. فبلاغة الإنسان هي الإنسان نفسه. من هنا تأسيسه للفكرة الجوهرية المتعلقة باللسان بوصفه أداة الوجود الإنساني وحقيقته. ونعثر على ذلك في موقفه من اللسان كما صاغه في عبارات دقيقة وعميقة وأخاذة من حيث التأسيس والتدقيق والمعنى تقول، بأن اللسان "هو أداة يظهر بها البيان، وشاهد يعبر عن الضمير، وحاكم يفصل الخطاب، وشافع تدرك به الحاجة، وواعظ ينهي عن القبيح، ومعزِّ يرد الأحزان، ومعتذر يرفع الضغينة، وزارع يحرث المودة ويستأصل العداوة، وشاكر يستوجب المزيد، ومادح يستحق الألفة، ومؤنس يذهب الوحشة". وهو تحديد يكفي بحد ذاته لأن تكون كتابات الجاحظ هي عين النعيم بالنسبة للثقافة الحية!

*** 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

1- عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق، ص129.

2- عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق، ص130-131.

3- عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق، ص131.

4- السيوطي: طبقات النحاة، ص283.

 

محمد بنيعيشحينما كدنا نفقد التعمق استحلينا السطوح ! فكان ما كان من ميل مفرط نحو الرذيلة وسهو عن سمو الغايات بالسكر الحسي والمعنوي والتعتيم الإعلامي والتغرير وسوء التدبير مع التبذير، مع تعميم وتعويم الكذب والأراجيف على كل المستويات من غير رقيب ولا حسيب.كل ذلك لأننا ضربنا بعرض الحائط مركز القيم وجرينا وراء السراب وأوهام الحداثة والحرية العابثة والخبيثة في استهلاك القول والفعل والطاقة والبيئة، فأصبح حالنا طبقا لما نهانا الله تعالى عنه:" وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ".حتى أصبح الحديث عن الفضيلة والسلوك المنضبط اللائق بالإنسان المكرم يعد ضربا من التخلف والرجعية والماضي المتخلف والمنتهي.

وفي زمن الهلع والجزع والشرود والخوف من جزيء اسمه "كورونا المستجد"، غائب عن الأنظار قد فرض مبادئه بالقوة، نأبى ويأبى تكويننا إلا نستجد بدورنا ونذكر بهذا الموروث الخالد لعلمائنا الأفذاذ، بناة الحضارات ومنظري الطب بكل شقيه المادي والمعنوي الروحي من بينهم أبو محمد علي بن حزم الأندلسي المفكر والفيلسوف والفقيه والمؤرخ، الغني عن التعريف عند أهل المعرفة!!!.

أ) الطمع كمحرك عام وطاقة بديلة

فمن خلال وقفة سريعة مع كتاب :"الأخلاق والسير في مداواة النفوس"نجد أن موضوع الحب عند ابن حزم ليس موضوعا عاطفيا ضيقا كما قد يتوهم بعض الدارسين من خلال اطلاعهم على كتاب "طوق الحمامة" فقط، وذلك لغلبة تعرضه فيه إلى دراسة هذا الموضوع من الناحية الجنسية، أي الحب الذي يكون بين رجل وامرأة أكثر من جوانبه الأخرى.

بل إن الدراسة لديه هنا قد كانت أوسع مجالا وأدق عمقا، إذ الحب في تصوره ليس محصورا في صورة ضيقة وإنما هو جنس شامل لكل أنواع المحبة، وما الحب الجنسي أو إلا فرع بسيط من ذلك الحب الشامل الكلي.

هذا الحب قد يحركه مبدأ ثابت في النفس الإنسانية هو الطمع، الدافع للإنسان نحو الاكتساب و التحاب.

فبحسب قوة أو ضعف هذا الطمع يتشكل بصورته هذا الحب ويتسامي بسمو غرضه وأهدافه أو ينحط ويخس.

"وإنما اختلفت الأغراض من أجل اختلاف الأطماع وتزيدها وضعفها أو انحسامها فتكون المحبة لله عز وجل وفيه، وللاتفاق على بعض المطالب وللأب والابن والقربة والصديق والسلطان ولذات الفراش وللمحسن وللمأمول والمعشوق، فهذا كله جنس واحد اختلفت أنواعه على قدر الطمع في ما ينال من المحبوب، فلذلك اختلفت وجوه المحبة، وقد رأينا من مات أسفا على ولده كما يموت العاشق أسفا على معشوقه، وبلغنا من شهق من خوف الله تعالى ومحبته فمات"1 .

فالطمع هو مصدر الحركة لدى الإنسان وبحسبه يتحدد هذا السلوك أو ذاك، بحيث قد يمكن تفسيره بالرغبة المحركة نحو الشيء لتحقيق متطلبات الحاجة، والتي إذا لم يعمل على سدها فستولد كبتا وصراعا داخليا يتمثل في التضارب بين الإقدام والإحجام، ومن ثم يتكون لدى الإنسان الهم الذي هو عبارة عن كآبة وحزن وقلق كأمراض دفينة ومحطمة للشعور بالسعادة .

فقد يزداد هذا الهم ومشتقاته على قدر حصول الإنسان على متطلباته، وهي متشابكة بل متعارضة إذا جاوزت حدودها المرسومة لها، وفي وجود هذا الطمع وملازمته للهم إذا لم يتحقق دليل نقص هو: افتقاره إلى الكمال، لهذا فهو في كل حالاته ونشاطه النفسي والمادي يسعى إلى طرد الهم.

ب) طرد الهم أو القلق النفسي الغريزي

إن ابن حزم قد توصل إلى نتائج بخصوص الغاية من النشاط الإنساني كما حدد سابقا الدافع له والوسيلة لتحقيقها.

فإذا كان الحب وسيلة لتحقيق الطمع فهناك غاية وراءه، ألا وهي: طرد الهم كمطلب ضروري وقانون يحتاج إليه كل البشر.

هذه الغاية ليست وليدة الفكرة الخاطفة أو النظر العابرة وإنما هي دراسة تحليلية متأنية للنفس الإنسانية وملاحظة ميدانية لتصرف المجتمع على اختلاف طبقاته ومذاهبه، ومن ثم خرج بنتيجة محددة في هذه القاعدة التي يقول فيها:

"طلبت غرضا يستوي الناس كلهم في استحسانه وفي طلبه فلم أجده إلا واحدا وهو طرد الهم، فلما تدبرته علمت أن الناس كلهم لم يستووا في استحسانه فقط ولكن رأيتهم على اختلاف أهوائهم ومطالبهم وتباين هممهم و إراداتهم لا يتحركون حركة أصلا إلا فيما يرجون به طرد الهم، ولا ينطقون بكلمة أصلا إلا فيما يعانون من إزاحته عن أنفسهم، فمن مخطئ وجه سبيله ومن مقارب للخطأ ومن مصيب وهو الأقل في الأقل من أموره".

بعد هذا الاكتشاف الذي توصل إليه من حيث تحديد القانون النفسي العام سيشرع في تحديد أنواع الهموم والحلول الجزئية التي قد يلجأ إليها أكثر الناس.

لكن الحل الجزئي غير كفيل باستيعاب المشكلة الكلية لأنه تناقض وقصور، ومن ثم فلا بد من الحل الأصلي لهذا القلق النفسي الذي يتحكم في كل أصناف البشر على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم الاجتماعية.

يقول عن هذا الحل والعلاج الناجع:

"بحثت عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم الذي هو المطلوب للنفس، الذي اتفق جميع أنواع الإنسان الجاهل منهم والعالم والصالح والطالح على السعي له، فلم أجدها إلا التوجه إلى الله عز جل بالعمل للآخرة، وإلا فإنما طلب المال طلابه ليطردوا به هم الفقر عن أنفسهم وإنما طلب الصوت من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الاستعلاء عليها، وإنما طلب اللذات من طلبها ليطرد بها عن نفسه هم فوتها وإنما طلب العلم من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الجهل، وإنما هش إلى سماع الأخبار ومحادثة الناس من يطلب ذلك ليطرد عن نفسه هم التوحد ومغيب أحوال العالم عنه، وإنما أكل من أكل، وشرب من شرب ونكح من نكح ولبس من لبس ولعب من لعب واكتن من اكتن وركب من ركب ...ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الفعال وسائر الهموم"2 .

بهذا فقد كثرت الهموم بكثرة المطامع، إذ هي "أصل لكل ذل ولكل هم"و"الهم أصل للطمع في حالة واحدة وهي طرد الهم".

فأهم علاج طارد للهم هو: محبة الله تعالى والعمل للآخرة، وهي كفيلة بأن تحقق للإنسان كل ما يصبو إليه من طرد للهم وتحقيق للسعادة والهناء، ومحبة الله هي أعلى الغايات وأشرفها على الإطلاق، الشيء الذي يجعل منها المحرك الأساسي لبذل الجهود من أجل الحصول على الاستقرار والتخلص من الهموم المهددة لكيان الإنسان.

ولهذا فلا ينبغي للإنسان أن يذل نفسه إلا فيما هو أعلى منها، وليس ذلك إلا في ذات الله عز وجل، في دعاء إلى الحق وفي حماية للحريم وفي دفع هوان لم يوجبه عليك خالقك تعالى وفي نصر للمظلوم، وباذل نفسه في عرض الدنيا كبائع الياقوت بالحصى!"3 .

فمحبة الله تعالى تتمثل في الحظوظ منه والرفعة لديه والزلفة عنده4 وهي تقف عند هذه الحدود ولا تتجاوزها، لأنها محبة الروح وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، ولهذا فهي محبة من نوع خاص لا تشبه تلك التي بين المخلوقات، بعضهم لبعض، في شيء سوى في دافع الطمع الذي هو المحرك الأساسي للإنسان نحو أهدافه المزيلة للهم العالق بالنفس.فهل نحن مستعدون للرقي بهذا الحب وترسيخه وتعميمه حتى يستقيم حال البشرية استقامة حقيقية وليست إعلامية زائفة أو سياسية مستنكفة أو اقتصادية مستهترة!!!؟كل له خياره و" إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ".

 

الدكتور محمد بنبعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.................

1- ابن حزم: الأخلاق والسير ص51

2- نفس ص15

3- نفس ص  53

4- نفس ص51

 

محمد بنيعيشونحن نتخبط في مستنقع "كورونا" الرهيب،ولا نرى منها إلا كائنا مجهريا ومسماريا يهدد الصحيح قبل السقيم، نجد أنفسنا محتارين ومستائين من أحوالنا النفسية والاجتماعية والروحية والمعرفية،التي قد تكون أسوأ ضررا من هذا الفيروس الطارئ بسبب تهور البشر بالقصد أو بالتبذير وسوء التدبير.فكان لابد من مواكبة هذا البلاء الوباء بشيء من الجدية والعمق في الرؤية المعرفية، وبتوسيع قطر المجهر لاستكشاف الحقيقة الغالية والحكمة العالية وراء كل ما يحصل،ولكن بنسبة نورانية هائلة الإشعاع تتجاوز حدود النيترون والإلكترون وترتقي نحو الآفاق وآفاق الآفاق: "وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى" .

أولا: التخصص العلمي الدقيق شرط أساسي للكشف المرضي

وحينما نستعرض أقوال كل من الغزالي وابن تيمية فليس كخصمين ذاتيين أو رجعية فكرية وانكفاء نحو الماضي المنتهي صلاحيته والخارج عن مقتضيات الواقع،ولكن كنموذجين مستعارين باعتبار انقسام الفكر الإنساني عموما إلى شطرين لا غير وهما:إما متناقضين أو متعاكسين أو متقاطعين و متداخلين، كصحيح مع فاسد وصادق مع كاذب وعميق مع سطحي وحق ضد باطل وعلمي مع وهمي، أو كمشترك في حكم الاحتمال والظن الراجح وغير الراجح.

وحينما نستضيفهما في حقل المدرسة الصوفية الاستشفائية، باعتبارها ميدانا معرفيا وسلوكيا وروحيا إنسانيا بامتياز،نجدهما يركزان دائما من حيث المبدأ على العلم والعمل، ولكن مع ذلك فقد يبدو الفرق واضحا منذ الوهلة الأولى في إبراز امتيازات المنهج الصوفي وتخصيصه في العيادة الغزالية المخبرية،كنموذج العيادات الصوفية دقيقة التخصص، وعلى العكس من ذلك في الحكم عليها ومساواتها وتعميم تناولها ومقارنتها بغيرها في العيادة التيمية التقليدية والمقلدة للمصطلحات الصوفية والموظفة لها بوجه أو بآخر.

لكنهما ومع هذا التفاوت فقد يلتقيان في الإقرار بمشروعية منهج الصوفية عامة، رغم ما لابن تيمية من انتقادات فردية ضد بعض رجال الصوفية المرموقين، والتي لم يعممها وإنما قد تعتبر استثنائية لأسباب لا يتسع المجال للخوض فيها الآن .

فالغزالي يقول تعريفا: "التصوف أوله علم وأوسطه عمل وآخره موهبة فالعلم يكشف عن المراد والعمل يعين على الطلب والموهبة تبلغ غاية الأمل"[1].

وهذا العلم قد يتدرج في باب الاستكشاف إلى ثلاثة مستويات وهيكعلم اليقين وعين اليقين وحق اليقين،وهو بهذا يكاد يتوافق مع تطور العلوم المادية للكشف الدقيق من النظر المجرد إلى المجهر العادي ثم المجهر الإلكتروني الموظف للأشعة الدقيقة والمافوق بنفسجية وغيرها.أي معاينة الجزيء بشكل شامل ومكبر إلى درجات لا تقبل الشك أو التردد في الحكم.

2) ويقول ابن تيمية في نفس السياق ولكن بفارقك"فالسالك طريق الفقر والتصوف والزهد والعبادة إن لم يسلك بعلم يوافق الشريعة وإلا كان ضالا عن الطريق وكان ما يفسده أكثر مما يصلحه "[2]."ثم إنه -أي التصوف- بعد ذلك تشعب وتنوع وصارت الصوفية ثلاثة أصناف: صوفية الحقائق وصوفية الأرزاق وصوفية الرسم "[3]وأعلاهم مرتبة هم صوفية الحقائق،وإن كان صوفية الأرزاق والرسم يدخلون ضمن أهل الحق في نظره.

فهذان التعريفان قد يطرحان علينا سؤالا ملحا وهو:هل سلك الرجلان المنهج الصوفي عمليا ومخبريا كما أقراه نظريا أم أنهما اكتفيا بالنظر دون العمل،وهل أن أحدهما كان سلوكه له نظريا وعمليا والآخر نظريا فقط حتى تكون سلفيتهما موضوعية أم أنها مجرد دعاوى ذاتية وأحكام بغير علم؟.

ثانيا: العيادة الصوفية بين التحليل المخبري والإخباري

1) بالنسبة إلى الغزالي فالمشهور عن موقفه من التصوف أنه امتاز بحركية علمية وعملية تميزت بالتطبيق الحرفي لبنود المنهج الصوفي،إذ أنه قام بتجربة شخصية وخلوة أو حجر صحي صارم دام مدة طويلة،يذكر أنه قد شاهد فيها مالا يحصى من الكرامات والواردات المعرفية وأنه قد حصل له من اليقين والارتقاء الروحي مالا يستطيع وصفه،كما أنه راجع وشاور طبيبا نائبا عن مختص عبر عنه بالمتبوع المقدم ذكره في "ميزان العمل".

ومن هنا فقد كان موقفه من التصوف شعوريا مخبريا ومدرسيا قريبا من النازلة عبر عن أداته المعرفية بالذوق القلبي الكشفي،بحيث سيعتبره كأسمى أدوات المعرفة عند الإنسان وأنه متخطي للمدارك العادية،وليس للعقل فيه رأي إلا من باب التوقف أو الوصف الشكلي لأحواله[4]،كما لا يمكن أن يستغل إلا بشروط ينبغي للسالك أن يلتزم بها، وهي:

"التجرد من علائق الدنيا والإكباب بجملة همته على التفكر في الأمور الإلهية حتى ينكشف له بالإلهام الإلهي جليها،وذلك عند تصفية نفسه عن هذه الكدورات،والوصول إلى ذلك هو السعادة والعمل هو المعين على الوصول إليه "[5].

ويقول عن خصوصية المجهر والمسبار المعرفي للكشف عند الصوفية:" "اعلم أن من انكشف له شيء ولو الشيء اليسير بطريق الإلهام والوقوع في القلب من حيث لا يدري فقد صار عارفا بصحة الطريق،ومن لم يدرك ذلك من نفسه قط فينبغي أن يؤمن به،فإن درجة المعرفة فيه عزيزة جدا ويشهد لذلك شواهد الشرع والتجارب والحكايات"[6].

ويدعم رأيه ومعتقده في صحة طريقة أهل التصوف وخصوصية الآلة المعرفية المجهرية لديهم:

"أما الشواهد فقوله تعالى: " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا "،فكل حكمة تظهر من القلب بالمواظبة على العبادة من غير تعلم فهو بطريق الكشف والإلهام وقال صلى الله عليه وسلمك "من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ووفقه فيما يعمل حتى يستوجب الجنة،ومن لم يعمل بما يعلم تاه فيما يعلم ولم يوفق فيما يعمل حتى يستوجب النار". وقال الله تعالى: " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا " من الإشكالات والشبه " وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ "،يعلمه علما من غير تعلم ويفطنه من غير تجربة،وقال الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا "،قيل نورا يفرق به بين الحق والباطل ويخرج من الشبهات "[7].

وهذه الآلة تقوم بدور الكشف المبكر للفيروسات والرعونات أو الأمراض الخفية القاتلة والمدمرة للقلوب ومسالكها الدموية والروحية،كالعجب والكبر والغرور والرياء،والكذب والقذف والظلم والعنصرية والسخرية والغيبة والنميمة...،وأيضا قد تعمل على سد مسالك ومنافذ الشيطان بتقوية المناعة ضده بالذكر والصحبة وملازمة الصمت والمحاسبة والمراقبة والرياضة والمجاهدة...

2) أما عن موقف ابن تيمية العلمي وكذا العملي من التصوف فيبدو أنه قدر يقر بالمعرفة الذوقية بوجه ما كما يقول: "وأما حجة أهل الذوق والوجد والمكاشفة والمخاطبة فإن أهل الحق من هؤلاء لهم إلهامات صحيحة مطابقة كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قالك "قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر"وكان عمر يقولك "اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم فإنها تجلى لهم أمور صادقة"،وفي الترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قالك "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" ثم قرأ قوله:"إن في ذلك لآيات للمتوسمين"..."[8].

فيكون السؤالك هل فعلا عاش ابن تيمية مخبريا هذا المقام أم أنه كان مقلدا فيه ؟ ونفس السؤال يطرح حول علاقته بالتصوف وهو: هل كان صوفيا بالفعل والتزم حجرا صحيا صارما وباختيار واستشارة شيخ طبيب،أم أنه كان مجرد متلق وسارد للمعومات حول هذا الميدان ولم يكن له منه نصيب إلا التصديق فقط بما يقال عن بعض الصوفية!؟.

ثالثا: العيادة الصوفية والتوافق المبدئي على ضرورة الطبيب

1) ظاهريا لم يكن ابن تيمية صوفيا بالمعنى الذي يتميز به الصوفية وذلك أنه لم يرد في ترجمته أن قد بايع شيخا كأستاذ وطبيب مختص في علاج أمراض القلب والنفس،رغم ما يشاع من أنه كان يلتزم طريقة الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي يكن له احتراما خاصا و يعترف به صراحة،ورغم أيضا أنه كان يقر بضرورة الشيخ كما يقولك

"وأما انتساب الطائفة إلى شيخ معين فلا ريب أن الناس يحتاجون من يتلقون عنه الإيمان والقرآن كما تلقى الصحابة ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وتلقاه عنهم التابعون،وبذلك يحصل اتباع السابقين الأولين بإحسان. فكما أن المرء له من يعلمه القرآن ونحوه فكذلك له من يعلمه الدين الباطن والظاهر"[9].

وكذلك لم يرد عنه أنه كانت له أوراد خاصة علاجية وتدريجية إلا ما هو وارد في الأحاديث النبوية الشريفة صيغة عامة وبدعوى اتباع منهج السلف فيها،والتي قد يسبقه في تطبيقها الصوفية أنفسهم،بالإضافة إلى هذا لم يؤثر عنه أنه سلك منهج الخلوة وشروطها كما هو عليه حال المنهج الصوفي العملي في بعض إجراءاته اللهم إلا ما تعرض له من سجن انفرادي مات فيه،وذلك بسبب مخالفته لأوامر السلطان وتهييجه للعامة نحو الخروج والمجابهة حيث تم اصطياده من خلال كتابه "العقيدة الواسطية" فأقاموا عليه الحجة.وإن كان يقر بالذوق الصوفي إلا أنه لا يعتبره أداة صادقة في حد ذاتها وذات أسس موضوعية تربطه بالسلفية المعرفية، وإنما هو مجرد ميل نفسي أو انجذاب عاطفي لا أساس له من الصحة إلا بقدر موافقته ظاهر النصوص الشرعية.

بحيث سيجعل الحاسة الذوقية مشتركة وشائعة بين أهل الهدى والضلال، شبيها بما يفعل بعض مقلدي الطب بغير تجربة فيصفون للناس وصفات ليس لها بالخبرة أية علاقة،كما يقول:"فالذوق والوجد هو يرجع إلى حب الإنسان ووجده بحلاوته وذوقه وطعمه،وكل صاحب محبة فله في محبوبه ذوق ووجد، فإن لم يكن ذلك بسلطان من الله وهو ما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم كان صاحبه متبعا لهواه بغير هدى"[10].

لكننا في مواطن أخرى نرى أن مفهوم الذوق وقصره على هذا الحد من المعرفة قد لا يستقر لديه على هذا الشكل "وذلك أن العبد له قوة الشعور والإحساس والإدراك وقوة الإرادة والحركة وإحداهما أصل الثانية مستلزمة لها والثانية مستلزمة للأولى ومكملة لها فهو بالأولى يصدق بالحق ويكذب بالباطل وبالثانية يحب النافع الملائم له ويبغض الضار المنافي له.والله سبحانه خلق عباده على الفطرة التي فيها معرفة الحق والتصديق به ومعرفة الباطل والتكذيب به ومعرفة النافع الملائم والمحبة له،و معرفة الضار المنافي والبغض له بالفطرة "[11].

فهذا القول قد يبدو فيه بعض الغموض بالنسبة إلى النص السابق،إذ أنه إذا كان الذوق يعتبر شعورا وإحساسا،وهذا مسلم به، فإنه طبعا سيكون إدراكا و به سيميز بين الحق والباطل،لأنه بقدر ما قويت حاسة الذوق الذي مر بنا بقدر ما كان الإدراك سليما. وهذه الفوارق عند اعتبار مدى مصداقية حكم الذوق عند الرجلين ناتجة بالأساس عن التزام المنهج الصوفي موضوعيا وعمليا وعدم التزامه. لهذا فقد كانت أحكام ابن تيمية حول الذوق الصوفي يشوبها بعض الغموض نوعا ما،ليس المجال الآن للتوسع في دراستها.

2) وعلى الجملة فإنه قد يعترف بالتصوف كمنهج سليم في المعرفة وطب القلوب وذلك من باب النظر فقط،إذ لم يسلك تجربة في هذا الميدان تذكر أو تدون كسيرة ذاتية، ومن ثم نظر إليه من باب الظواهر دون أن يلامس مراحل الصوفية التي يقطعونها في طريقهم إلى الله سبحانه وتعالى،فكان حكمه على أذواقهم التي يتحدثون عنها من باب القياس العقلي والتهيؤات الذاتية حول ميدان لم يكن يمدانه بالتخصيص.

فهذا الحكم على ذوق الصوفية قد يبتعد نسبيا عن منهج السلف الموضوعي الذي يقتضي التثبت والسند المعرفي بوحدة الشهود والشعور كما في قول حنظلة الربيعي فيما خرجه مسلم:"نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين"!كما أنه لم يكن متكافئا والأداة التي يعبرون عنها.

لهذا فحكم العقل واللغة العامة على الذوق أو الشعور ومدى مصداقيته في المعرفة هو من باب المفارقات الجوهرية بين البنية العقلية والبنية الروحية الذوقية ذات الآفاق الواسعة بغير حدود.تماما كمن يحكم على حقيقة الفيروسات والكائنات المجهرية بمجرد رؤى ظنية وتوهمات وإسقاطات، قد تزيد الأمر تعقيدا وتورط العباد والبلاد في مخاطر لا تحمد عقباها إن هي وظفت أو تدوولت بغير رقابة !.

ومن هنا فيكون التساؤل حول: أي العيادتين أولى بالزيارة لكشف فيروسات القلوب وتحديد العلل وأسابابها الخفية والجلية ؟ومن له الحق في الحكم عليها وتقديم الوصفة العلاجية الفعالة، هل أهل العيادة الغزالية أم التيمية؟وللناظر حرية الاختيار والتمييز،" وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا".

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.............................

[1] الغزالي:روضة الطالبين وعمدة السالكين،دار النهضة لحديثة بيروت ص31

[2] ابن تيمية:مجموع فتاوى،كتاب التصوف  ص27

[3] نفس  ص19

[4] الغزالي:المنقذ من الضلال ص51

[5] الغزالي:ميزان العمل ص179

[6] الغزالي:إحياء علوم الدين ج3ص23

[7] نفس ج3ص23-24

[8] ابن تيمية:الرسائل الكبرى ج1ص51

[9] ابن تيمية:مجموع فتاوى،كتاب التصوف ص511

[10] ابن تيمية:مجموعة الرسائل الكبرى ج1ص55

[11] ابن تيمية:مجموع فتاوى،كتاب مفصل الاعتقاد ص32

 

بليغ حمدي اسماعيلأمَر الله تعالى عباده بالإحسان وشدد على أهميته وضرورته للفرد والجماعة على السواء بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (سورة النحل: 90). ويخبرنا الله تعالى في هذه الآية الكريمة بالأمر بالعدل وهو القسط، ويندب إلى الإحسان كقوله تعالى: }وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله{وقال ابن عباس:} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ {قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وقال سفيان بن عيينة: العدل في هذا الموضع هو استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملاً، والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته .

وفي الحديث النبوي: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء". والإحسَان قيمة دينية بالغة الأهمية في حياتنا، لأن تحري العبد المؤمن الإحسان في عقيدته وفي عباداته اليومية كالصلاة والصدقة وصيام التطوع،وعباداته الموسمية كصوم رمضان والزكاة والحج إلى بيت الله الحرام وأيضاً في أخلاقه ومعاملاته، كفيل بإذن الله أن ينال العبد رضا ربه وإحسانه أيضاً، يقول الله تعالى:}هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ{.(سورة الرحمن:60) .

والقرآن الكريم دستور المسلمين في شتى بقاع الأرض يولي موضوع الإحسان اهتماماً نوعياً خاصاً، هذا الاهتمام جعلنا أن نبحث بروية واعتناء في معنى الإحسان الذي نجم عن تعدد في المعنى بتعدد الاستخدام القرآني، مما يدفعنا أن نتدبر ونتأمل معنى الإحسان في القرآن الكريم .

والذي يدفعنا بجدية أن نتعرف معنى الإحسان في القرآن الكريم ما جاء في حديث رسول الله r من معنى الإحسان، روى أبو عامر الأشعري، عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: " بينما نحن جلوس عند النبي r إذا طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولم يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبى r وقال: يا محمد أخبرني عن الاسلام:قال: " أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله،وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا " .قال:صدقت .فعجبنا له يسأله ويصدقه .قال: فأخبرنى عن الإيمان: قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان: قال الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فأنه يراك "..

والإحسان كما نفهم من الحديث أنه لُب الإيمان، وروحه وكماله، وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل مثل منزلة العلم، والتذكر، والتبتل، والخشوع، والإشفاق، والتهذيب وغيرها من المنازل الأخلاقية، فجميعها كما يؤكد الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه (مدارج السالكين) منطوية فيها، وقد روي عن النبي r أنه قرأ:} هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ{ .، ثم قال: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال يقول: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة ؟ " . أما الحديث، فإشارة إلى كمال الحضور مع الله عز وجل، ومراقبته الجامعة لخشيته، ومحبته، ومعرفته، والإنابة إليه، والإخلاص له .

ويذكر الشيخ محمد الغزالي في كتابه " الجانب العاطفي من الإسلام " أن عند صدق الإيمان وتمام الإسلام يجئ الإحسان نتيجة لازمة لهما، يقول تعالى: } إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً{ (سورة الكهف: 30)، فالإيمان حسن معرفة لله وثقة نامية فيه، وأنَّ الإسْلام استجابةٌ مطلقةٌ لتعاليمه، وتحر دقيق لرضَاه، فإذا تجمعت هذه العناصر، وجرت فيها مشاعر اليقين، واينَعت فيها صَوالح الأعمال، فإن المرء يكون لا محالة محسناً.

وقبل الولوج في تعرف معاني الإحسان في القرآن الكريم نشير على عجلٍ إلى معنى كلمة الإحسان، فكلمة (حسن) بتصريفاتها وردت في القرآن الكريم سبعاً وثلاثين مرة، معظمها جاءت تحمل معاني خير الجزاء على فعل الإحسان الذي يعني المعروف أو أي سلوك يرضاه العرف . أما المعجم الوجيز فيشير إلى الكلمة بإنها الشئ الذي أجيد صنعه، و (أَحْسَنَ) أي فَعَلَ ما هو حسن، ومنه قوله تعالى، و (حاسنه) أي عامله بالحسنى .

ويشير الدكتور تمام حسان إلى أن لفظة الإحسان من الألفاظ التي تتعدد معانيها حالب إفرادها، فلا يتعين أحد هذه المعاني المتعددة والمحتملة إلا عندما ترد كلمة الإحسان ومشتقاتها في سياق النص. أضف إلى ذلك أنه حين تتعدد المعاني للفظ الواحد تحيط به هالة من الظلال والأطياف لا يدرى معها إلا مع إمعان النظر أي هي المعاني حقيقي وأيها مجازي .

والمتدبر في آيات الإحسان التي جاءت ذكرها في القرآن الكريم يدرك أن ألفاظ الإحسان بطريقة استعمالها ووجه تركيبها صارت وكأنها فوق اللغة، وهذا من وجوه إعجاز القرآن الكريم نفسه وبلاغته وبيانه، و يدعم هذا المغزى البلاغي الإعجازي ما ذكره مصطفى صادق الرافعي في كتابه (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية) بقوله: " فإن أحداً من البلغاء لا تمتنع عليه فصح هذه العربية متى أرادها، وهي بعد في الدواوين والكتب، ولكن لا تقع له مثل ألفاظ القرآن في كلامه، وإن اتفقت له نفس هذه الألفاظ بحروفها ومعانيها، لأنها في القرآن تظهر في تركيب ممتنع، ولهذا ترتفع إلى أنواع أسمى من الدلالة اللغوية أو البيانية التي هي طبيعية فيها، فتخرج من لغة الاستعمال إلى لغة الفهم، وتكون بتركيبها المعجز طبقة عقلية في اللغة " .

ومن هذه الألفاظ التي تتجاوز الحدود اللغوية والبيانية إلى حدود الفهم والإفهام لفظ الإحسان في القرآن الكريم، والذي خرج عن دلالته التقليدية إلى معان ودلالات متباينة ذات أفق أعلى وأسمى من دلالته اللفظية المعجمية الضيقة . ولنا أن نؤكد قبل سرد المعاني المختلفة لكلمة الإحسان في القرآن الكريم، أن نشير إلى أن للفظ القرآني معنىً وظيفياً بخلاف المعنى المعجمي الضيق.

الإحسان في القرآن الكريم:

جاءت كلمة الإحسان في القرآن الكريم لتخرج عن دلالة الكلمة إلى معان جديدة، فمن معانيها الإيمان مثل قوله تعالى:) فَأَثَابَهُمْ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (سورة المائدة:85) .أي أنهم أحسنوا بإعلان إيمانهم فأثابهم الله تعالى، وكذلك قوله تعالى:)سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (سورة الصافات: 79 ـ 81) .

وخرجت لفظة الإحسان عن معناها التقليدي إلى معان أخرى في القرآن الكريم مثل الصبر، يقول الله تعالى:) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (سورة هود:115)، وقوله تعالى في سورة العنكبوت::)وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (سورة العنكبوت / 69)، وهذه المعية هي معية خاصة ؛ تتضمن حفظهم ونصرهم، وتأييدهم، ولعل هذه المرتبة هي الثالثة من مراتب الصبر والتي تعني الصبر مع الله، وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه، ومع أحكامه الدينية، صابراً نفسه معها، سائراً بسيرها، مقيماً بإقامتها، وهو صبر الصادقين .

ومن معاني الإحسان في القرآن الكريم أيضاً معنى الطاعة، مثل قوله تعالى:) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (سورة الصافات: 104 ـ 105)، وقوله تعالى:) وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (سورة التوبة: 100) . والدليل على أن الإحسان يعني الطاعة حيناً والمعروف حيناً آخر أن الله (تبارك وتعالى) عندما أوصى الإنسان بوالديه إحساناً قال:) وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (سورة العنكبوت: 8)، وقال جل شأنه:) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(سورة لقمان: 15) . فنفى الطاعة مع طلب الشرك وأثبت المعروف الذي يجب لهما حتى مع دعوتهما له إلى الشرك فكان الإحسان لهما ثابتاً في الحالتين .

ومن معاني الإحسان في القرآن الكريم معنى الصدق، الذي هو فضيلة تعصم الإنسان من الذلل، وكما قال الصالحون الأقدمون إن الصّدقَ هو الطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبالصدق تميز أهل النِّفاق من أهل الإيمان، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شئ إلا قطعه، ولا واجه باطلاً إلا أرداه وصرعه . والإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب، فلا يجتمع كذب وإيمان وأحدهما محارب للآخر، ولقد أخبرنا الله (سبحانه وتعالى) أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه، قال تعالى:) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (سورة المائدة: 119).

ومن الآيات التي جاء فيها الإحسان بمعنى الصدق قوله تعالى:) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (سورة النساء:125)، وقوله تعالى:) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (سورة المائدة:50) .

ومن أبرز معاني الإحسان في القرآن الكريم العمل الصالح، والآيات الدالة على هذا المعنى في القرآن الكريم كثيرة ومتعددة، منها قوله تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً . (سورة الكهف:30)، وقوله:) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (سورة المائدة:93) .

وقد يأتي الإحسان في القرآن الكريم بمعنى السعادة، وماهية السعادة لذة في القلب بإدراك المحبوب، ونيل المشتهى، فيتولد من إدراكه حالة تسمى السعادة والسرور، يقول الله تعالى:) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(سورة يونس: 26)،ويخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح له الحسنى في الدار الآخرة، أما قوله تعالى:)وَزِيَادَةٌ (هي تضعيف ثواب الأعمال ويشمل ما يعطيهم الله في الجنة من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه، النظر إلى وجهه الكريم، فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه لا يستحقونها بعلمهم بل بفضله ورحمته .

ويأتي الإحسان أيضاً بمعنى التفضيل، كقوله تعالى:) قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (سورة التوبه: 52)، وقوله عز وجل:) مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (سورة النحل:96) وهو قسم من الله تعالى مؤكد باللام أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم أي ويتجاوز عن سيئها.

ونؤكد في خاتمة القول إلى ما أشار إليه الشيخ محمد الغزالي في تسعينيات القرن الماضي، وهو أننا هذه الأيام في أمس الحاجة إلى إحياء قيم ومعاني الإحسان، لما يصدر من بعض المسلمين من إساءة إلى دينهم وأنفسهم بالغة الشدة، ولقد اتسع نطاق هذه الإساءة، فإذا ما أحسنت الأمة الإسلامية العمل بحقائق دينها ولا أحسنت العمل بشئون دنياها فلم يكن بد من مواجهة عقبى الهوان والتراجع، والقرآن الكريم الذي يضمن علاج الأمة الإسلامية من أمراضها تضمنت آياته مقاصد الإحسان بدرجة من الشمول الذي يمكن من خلال اتباعه التمكين في الأرض، وملئها باليمن والبركة.

ولابد لنا أن ندرك حقيقة تجعلنا نتلمس الإحسان في كل أعمالنا ومقاصدنا، فالإحسان في صورته العليا صفة رب العالمين، لأن الإساءة تنتج عن الجهل والعجز والقصور وما إلى ذلك من أوصاف مستحيلة أن يتصف الله بها، يقول تعالى) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (سورة النمل:88) .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

مجدي ابراهيمفي إطار اصلاح العقل الدَّعوي ينبغي أن يؤخذ مُمَحَصاً في الاعتبار إصلاح القلب مناط التوجُّه. صحيح أنه ليس من شك أن للنفس الإنسانية إشعاعات نورانية يلمسها حسن التوجُّه إلى الله، ولكنها مع ذلك سُرعان ما تنطفئ مع حالات القبض التي يعتروها. ونقصان الوعي الباطني ينسحبُ منها ويتسرَّب. وقطرات الإيمان تتقطر رويداً رويداً حتى لكأنها تنقطع وتتلاشى بالمرة فلا تكاد تفيض!

إنما الإيمان يُعْطي ولا يتعاطى. يصدر عن القلب في كافة الأحوال مُجرَّداً عن اللواحق والعوائق والصور التجريدية والواقعية في كل ما تلمسه واقعات الحياة، ويظل مع الاعتبار والتفكر واليقظة مفتوحاً بمقدار انفتاح القلب على الجهة العلويّة ولا يقبل الأوشاب والأخلاط ممّا قد تصوِّره الشهوات العقلية وأهواء التفكير فيما يصنع الإنسان أو لا يصنع.

فالكدورة التي تصل إلى القلوب هى من تصورات العقول وشهوات الأذهان، وهى كذلك من أسباب الصراع الغبي على حطام الدنيا والتنافس فيها على الزائل الدُّوُن، والرخيص. والصفاء الذي تنصقل فيه القلوب لهو في محاربة أوهام العقول المحدودة بتصوراتها، المُكبلة بمقولاتها الفكرية والمنهجيّة، المرهونة بمحدودية إدراكها، المُقيدة بمحددات أحكامها وفروضها؛ فلا يصفو قلبُ مطلقاً ممْجوج بتصوِّر مغلق غير مفتوح.

وقد أشارت الدراسات الحديثة إلى أهمية الوقوف على الظواهر الروحية العالمية في تراثنا الروحي وثقافتنا الإسلامية، ومنها ما أشاد به باحث أمريكي بارز هو الدكتور "جيمس موريس" أستاذ اللاهوت الإسلامي بجامعة بوسطن؛ إذ أشار إلى أهمية دراسة تعاليم الصوفي الأندلسي ابن عربي (560 - 638هـ / 1165-1240م) كونه يمثل ظاهرة روحيّة كونية على اعتبار أنه ردّ التعاليم الدينية المنزلة إلى تجربتنا الروحية الضمنية التي نتشاركها كبشر في كل الأزمنة والمواقف. قدَّم ابن عربي ما يمكن تسميته لدى "موريس" بالظاهرة الروحيّة العالمية في إحالةٍ إلى الأشكال الروحيّة للوعي وللخبرة الروحية التي يستطيع البشر الوصول إليها مهما كانت ثقافتهم ولغتهم.

وعلى هذه الظواهر الروحيّة كما وُجِدَت في تراثنا الروحي المهجور ترتفع قوى الإنسان الروحية والخُلقية، فيرتفع معها التسامح في مقابل الهبوط الشنيع لهؤلاء الذين يملكون وجهات نظر ضيقة فقيرة ومُعدمة ومتحجرة عن الدين؛ ليسقط أصحابها - ويسقطون غيرهم من الناس - في مستنقع آسن من العنف والإرهاب. فليس في هذه الوجهة من النظر تلك الواجبات التي يشاطرها البشر أجمعين (روحياً وفكرياً وخلقياً)، ولكن فيها التقليد الأعمى غير الفاحص والنظر الضعيف المشوّه الذي يصدّر العنف ويقدّم التعصب بمقدار ما يُفَرق الأسرة الإنسانية ويمزق وحدتها؛ نعم! يفرق البشر ولا يجمعهم باتجاه النظر إلى تلك الواجبات العامة فيما يتمثل في الفكر والروح والخُلق الرفيع.

ولم يكن التسامح بين الأديان والتناغم فيما بينها بالذي يخرج عن ذلك التنوع الروحي يستمد من التركيز على أبعاد التجربة الروحية الفريدة لكل فرد من أفراد النوع الإنساني؛ كالتركيز مثلاً على الواجبات والمسئوليات التي تتشاطر مع البشر أجمعين، وتدور حول الإخلاص لكل القيم الدينية والروحيّة على وجه العموم، وهى ولا شك قيم أمرت بها تعاليم الإسلام. هذه القيم تجمع الأمم ولا تفرِّقها في حين تفرقها وتنازعها فيما بينها القيم المادية، والاقتصادية منها على وجه الخصوص.

ولو تأملنا جيداً فيما هو يُشعل فتيل الحروب بين الشعوب، فلن تجد عاملاً أدعى ولا أقوى من العامل الاقتصادي، أساس الصراع بين الناس والطمع الذي يطغيهم ولا يرقيهم إلى حيث التعاون العميق المستند إلى فهم روحي حقيقي. ولم تكن حضارة الإسلام في المجمل سوى تلك الحضارة الروحية تجمع الطاقات الفكرية والخلقية تحت قيمها العلوية؛ ولم يكن أساس هذه الحضارة إلا القرآن الكريم، وهو أكبر مصدر روحي تتأسس عليه على الإطلاق. فإذا نحن تحدّثنا عن القلب وعن الروح وعن الإيمان، لم نخرج عن أساس هذه الحضارة كونها روحيّة مؤسسة على القرآن. أما الاقتصاد وما يشاكله من عوامل مادية؛ فثانوية عارضة لا وَزنَ لها بالقياس إلى العوامل التي تبني الإنسان.

وما من شك في قبول القلوب للترقي الإيماني، وما من شك في عزوفها في أكثر حالاتها عن النور والكمال. وليس للمرء في كل الحالات مثل هذه الفيوضات ولا تلك الإشراقات، لكنه على القبض تارة، وعلى البسط تارة أخرى على الإيمان والإيقان تارة وعلى الكفر والضلالة تارة أخرى، على المنهج تارة وعلى خلافه تارة أخرى، وعلى اليقين الصادق تارة، وعلى الزعزعة والارتياب تارة أخرى.

والقول "الثابت" في كل الأحوال منالُ عظيم لا يعرفه إلا المؤمنون حقاً بتوفيق الله وهدايته؛ أولئك الذين سلَّموا له أمرهم ولم يعارضونه؛ إذْ اسقطوا معه التدبير وتأدبوا بآداب العبودية، ولم يشركوا به أحداً من خلقه. القلوب لا ريب تتقلب؛ وثباتها ليس في مستطاع أحدُ من الخلائق. والطريق لسان صدق؛ لم يعرفه أحدُ بعقله المحدود ولا باتجاهه النظري، ولا بمجرد الرؤية الفكرية التي يتولاها عقله المحدود. وفهمنا عن الله لو كان صادقاً وصحيحاً لشاءت إرادة الله تطبيقه فعلاً وحركة في هذه الحياة الدنيا الصاخبة بغريب الأقوال بُله الأفعال !

أي نعم! حتى في هذه العبارة عسف وتخريج بليد ! مَنْ نحن حتى نفهم عن الله ما يريد أو نكون أهلاً لكي نفهم عن الله إرادته فنطبقها فعلاً بحذافيرها على حياتنا اليومية؟! ما نحن سوى آلات لأنفسنا؛ مجرَّد آلات مصنوعة تترجم عن أنفسنا وتصور ما تراه أنفسنا وتتوَّهم - على الجهالة أو ظنون اليقين ! - ما من شأنه أن تدركه ولو زعمت مريضة أنها تفهم عن الله، فيقينها في هذه الحالة يقين وهم تعَشْعَش فيها.

إنها لتبدو فعلاً على يقين، غير أنه يقين جهالة عمياء، وليس هو باليقين السالم من الجهالة والعماية .. "عقل القلب" وحده هو الذي يُخلص الإنسان من الجهل ومن العمى: عقل القلب وليس "عقل العقل".. "والقلب العاقل" وحده هو الذي يسمع خطاب الحق فينظر بنظر الله .. وعقل القلب والقلب العاقل هما في الحقيقة عين البصيرة الإنسانية التي ترى بنور الله ما لا يراه المبصرون المحجوبون في نفس الحال: المبصرون بحاسَّة البصر كجارحة، والمحجوبون بحجاب النفس الظلمانية عن نور البصيرة؛ إذ ليس افتقاد البصر قياساً إلى افتقاد البصيرة حجاباً ولا عَمَى:" أَفَلَمْ يَسِيروُا فِي الأرْضِ فَتَكُوُن لهُمْ قلوبُ يَعْقِلُوُنَ بِهَا أوْ آذانُ يَسْمَعُونَ بِهَا، فإنَّهَا لا تعْمَي الأبْصَارُ وَلكنْ تَعْمي القلوُبُ التي فِي الصِّدُورِ" (الحج: آية 46).

من ذا الذي يسيطر على نفسه ويقبض عليها العنان بالكلية؛ ليلزمها الطاعة الدائمة في غير عوج والتطبيق السليم من غبش الانحراف .. مَنْ ..؟! ثم من ذا الذي لو أحسن الفروض وأحكامها أن يتحرَّر منها مع التطبيق؛ ليتجرد كل التجرد - بعضه أو كله - وما هو بمستطيع؟! أو بعبارة أخرى: من هذا الذي يقتدر على التحرُّر من عمله، ومن عبادته، ومن فهمه؛ ليتجرَّد لله مطلق التجرُّد؛ ليكون بتجرده عبداً خالصاً كيما يجيء إخلاصه علامة على تجرده؛ وما هو في الواقع بمستطيع؟!

إنّ استطاعتنا على أنفسنا ضعيفةً. ودرجة وعينا بأنفسنا ضئيلة جداً. وتلقينا لمنهج الله بمقتضى تلك النفوس وحدها، شيء أدنى إلى مرض الخيال العاطل؛ ذلك الخيال الذي لا يقول به إلا ضعفاء التحقيق.

الطريق إلى الله مفتوح وليس بمغلق؛ لكن الغريب الداعي إلى الدهشة أنه مفتوح من قِبَل الله سبحانه، في حين يغلقه البشر بتصوراتهم المحدودة ترتد في أول ما ترتد إلى حظوظ النفوس لديهم، وإلى شهوات العقول فيهم، وإلى تخريجات الأذهان فيما خرَّجته على قدر تصوراتها، وفيما سمحت به استعداداتها وفيما عساه تسمح؛ ثم إنهم لا يكتفون بغلقه على أنفسهم من جانب هذه التصورات، ولكنهم يُلزمون غيرهم بتصوراتهم، وبحدود تفكيرهم، كما لو كانت مثل هذه التصورات هى هى عين الطريق إلى الله بل هى في نظرهم عين الحقيقة التي يجسدها هذا الطريق، وكما لو كانت مثل هذه المحدودية الفكرية هى هى الحقيقة ولا شيء سواها، وكما لو كان الطريق في الوصول إليها هو هو الطريق الأوحد ولا طريق سواه، غير أنه من جهة أخرى الطريق المغلق المحدود وكفى ..!

هذا الطريق المغلق المحدود قائم على التقليد. وكل تقليدٍ في مسيرة الطريق إلى الله لا ينمي الإدراك، ولا يرقي ملكات الوعي، ولا يعطي خبرة الروح والخلق والفكر. وأكثر رُوَّاد التقليد هم الذين ملكوا زمام الخطاب الديني؛ فتحجّر وأعوج وانحرف، فجاء بالإرهاب والتخلف وادعاء الدعوة إلى الله في غير بصيرة.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

عامر عبدزيد الوائلييبدو أن الامر لا يتعلق بالفكر القديم ومدى أصوليته؛ لأنّه يبقى ارث مختلف عن الحديث والمعاصر لان الحديث والمعاصر هو بمثابة ايديولوجيا تنتمي إلى الواقع الحديث وهو مختلف عن المتن الاسطوري او التيولوجي، وهنا تكمن اختلاف الأصوليّة المعاصرة بكل الأرثوذكسيّة، التي هي تحويل الدين من المتن التيولوجي الى الايدولوجيا تحمل اهداف سياسيّة واجتماعيّة وهذا جاء مع الحداثة على الرغم من نفي تلك القراءات للحداثة وبخاصة الأرثوذكسيّة الدينيّة .وهنا نرصد بعدين الأول غربي فاعل، والثاني يهودي منفعل.

أمّا البعد الأول الغربي: يبدو أن الأصوليّة المعاصرة جاءت من الفكر الغربي وقد كانت منطلقها الأول من داخل الفكر المسيحي اذ في أواخر القرن السادس عشر الميلادي أطلق لفظ "الصهيونيّة " على النظرة التي ظهرت في أوروبا تجاه اليهود خصوصاً في الأوساط البروتستانتيّة في انجلترا، باعتبارهم لا يمثلون جزءاً عضوياً من التشكيل الحضاري الغربي، بل باعتبارهم شعباً عضوياً مختاراً وطنه المقدّس في فلسطين، ولذا يجب أن يُهجّر إليه و اطلق على هذه النزعة اسم "الصهيونيّة المسيحيّة " (1) ويبدو أن الصهيونيّة حركة غربيّة بامتياز ارتبطت به وبخطابه المتمركز حول الغرب " فالصهيونيّة هي افرازات تشكيل حضارة محددة وجغرافية محدّدة، ولا يمكن دراستها خارج هذا التشكيل "(2) وبالآتي لا يمكن فهم هذه الظاهرة الأصوليّة خارج هذا المحيط وحاجاته و فضاءه السياسي والفكري وانطلاقا من تلك الحاجات التي تم اختلاقها من قبل الكولونياليّة الغربيّة ؛ من اجل أهدافها وغاياتها في الهيمنة الغربيّة إذ تعاضدت القوة والمعرفيّة واستثمرت الاستعداد النفسي العدائي لدى اليهود، فتمّ اختلاق تاريخ وثقافة، من أجل مشروع استيطاني غربي قال به نابليون في صراعه مع بريطانيا ثم استثمرته بريطانيا كأداة للهيمنة الكولونياليّة، وهذا ما يمكن ان نفهمه من قول العقيد جورج غاولر :" ان العناية الإلهيّة هي التي وضعت سورية ومصر على طريق إنكلترا إلى أكثر مناطق تجارتها الخارجيّة الكولونياليّة أهميّة وينبغي

أن تجدد بريطانيا سورية بوساطة الشعب الوحيد الملائم للقيام بهذه الرسالة والذي يمكن لهذه الأرض، أبناء اسرائيل "(3) ويبين مسؤول بريطاني آخر طبيعة هدفه الغاية بوضوح اكثر هو السير ايموي:"نحن نرى من وجهة النظر البريطانيّة الخالصة، أن إقامة شعب يهودي ناجح في فلسطين يدين بوجوده وفرصته في التطور إلى السياسة البريطانيّة هو كسب ثمين لضمان الدفاع عن قناة السويس من الشمال دور محطة الطرق الجويّة مع الشرق " .(4)، وقد بلور لورد شافسبري (1801-1885م) لورانس أولينانت (1829-1888م)، وقد لخّص شافسبري التعريف الغربي لمفهوم الصهيونيّة في عبارة "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض (5) ؛ فهذه اللغة الكونياليّة هي التي غيبت الشعب الفلسطيني وكأنه غير موجود .

أما على الصعيد اليهودي الغربي المنفعل:

نجده في الأصوليّة اليهوديّة المعاصرة اذ استغلت الصهيونيّة خوف اليهود الأرثوذكس من الذوبان في مجتمعاتهم ؛لتشجيع الهجرة إلى فلسطين التي باتت تضم أكبر تجمع يهودي أرثوذكسي في العالم إذ تقدر نسبة هؤلاء بنحو 40% من المستوطنين في فلسطين المحتلة. وتحمل هذه المدرسة عداوة عميقة للمسلمين بوجه عام، وللعرب من (مسيحيين ومسلمين) بوجه خاص. وقد كتب بن غوريون في يوم ما: "على اليهودي، من الآن فصاعداً، ألا ينتظر التدخل الإلهي لتحديد مصيره، بل عليه أن يلجأ إلى الوسائل الطبيعيّة العاديّة مثل الفانتوم والنابالم.. فالجيش الإسرائيلي هو خير مفسِّر للتوراة"، وهنا تنتقل الأصوليّة من بعدها الأسطوري وسردياتها الكبرى الى أيديولوجيا سياسيّة توظف أساطير اليهود ؛من أجل خلق أيديولوجيا تدفع الناس الى استهلاكها كحقائق وهي بهذا تحاول تغيير العالم بدلاً من انتظار البطل الأسطوري الذي يحقق العدل الإلهي، ويقتل أعداء اليهود على اليهود أن يقوموا بهذا كما جاء في قول بن غوريون، ولكن كيف تحقق هذا ؟ في بحثنا عن إجابة تبدأ رحلتنا مع ملامح هذه القراءة الأصوليّة اليهوديّة المعاصرة التي يمكن تلخيصها بأنها إيديولوجيا صهيونيّة وظفّت الدين بكل تأويلاته وأخرجتها من انحيازه التاريخي من أجل توظيفها في بناء وطن استيطاني حتى تهجِر أهل وتوطّن يهود الشتات ؛فهذه القراءة الايديولوجيّة تبدأ من أفكار الحاخام يهودا القلعي (1798-1878م) (6) وهي تمثل اليوم، على اختلاف منظماتها، ضرباً من أصوليّة يهوديّة متطرِفة قضت بأنّ الاستيطان في فلسطين واجب ديني. وقد تجلت القراءة الأصوليّة لديه بدعوته :

1-الدعوة الى الهجرة كما جاءت في كتابه " اسمعي يا إسرائيل" اذ دعا فيه إلى الهجرة إلى فلسطين التي أسماها أرض الميعاد من دون انتظار المسيح المخلص، بحسب ما تقوله المعتقدات الدينيّة لليهود .

2- أنشأ القلعي عام ألف وثمان مئة وواحد وسبعين جمعيّة للاستعمار في القدس داعيا أغنياء اليهود إلى دعمها.

3- دعا الى إحياء اللغة العبريّة، اذ نشر في سنة 1839م كتاباً في تعليم قواعد اللغة العبريّة .

4- ودعا إلى إقامة المستعمرات اليهوديّة في فلسطين، ومن أجل هذا كتب كتابه الثاني سنة 1840م، سماه "شلوم يروشالايم" "سلاما يا أورشليم حثّ فيه اليهود على دفع عشر مدخولهم ؛ لمساعدة يهود القدس، ونشر منذ سنة 1843م سلسلة من الكتيبات والمقالات ركّز فيها على أهميّة الطلب من شعوب العالم ؛كي تسمح لليهود بالعودة إلى وطنهم، كما طالب اليهود بدفع العشر من أجل العودة.

5- كان برنامجه هو "الخلاص الذاتي" ؛لتحقيق العودة الجماعيّة إلي فلسطين وإن النشاط الاستعماري علـى مستـوى البشـر سـوف يمهـد السبيـل إلـى مجيء المسيح المنتظر. وقد تبنّى هرتزل أفكارها في كتابه الصادر عام 1896م، تحت عنوان "الدولة اليهوديّة العلامة الأبرز في تبلور مفهوم الوطن القومي لليهود (7).

الحاخام أبراهام إسحاق كوك (1865-1935م)(8) وهو حاخام يهودي أورثوذوكسي، " فهو كان قد عرف بتشدده الأخلاقي والديني ؛فهو أصولي بامتياز وربما هذا ما جعل هنا الكثير من النقود قد وجهت له نتيجة لتشدده الديني ولعل هذه جلب ضده نقد الكثير من التيارات الشابّة التي تجد في رؤيته أصوليّة". (9) ؛ لكن على الرغم من هذا ؛فقد تحولت لديه أفكار الحاخام يهودا القلعي، إلى نوع من فلسفة شاملة اذ أسس أول مدرسة صهيونيّة دينيّة في إسرائيل تخرج فيها آلاف من دعاة الصهيونيّة الدينيّة كان كوك يعتقد أن جيل المستوطنين الصهاينة في فلسطين هو الجيل الذي تتحدث النبوءات في التوراة عنه وأنه هو الذي ينتمي إلى عصر الماشيَّح، وأن الرواد على الرغم من كونهم علمانيين إلا أنهم ينفذّون تعاليم الدين باستيطانهم الأراضي في فلسطين.

فهو القائل "إنّ الأتقياء الصالحين من أصحاب بصيرة، بالتأكيد لا يعاني من الشعور بالنقص، بل ستزيده عدالة وإنصافه ؛ ومن لا يشكو من بدعة، سوف يغنيه الإيمان، ومن لا يعاني من الجهل تزداد حكمته." (10)

وهناك مجموعة من المفكرين العلمانيين تحولوا الى مناصرين الى الخطاب الأصولي الصهيوني من أمثال :

أولاً: الفيلسوف (موسى هس: 1812 ـ 1875 م)

الذي تتلمذ روحياً على فلسفة وتراث الفيلسوف (باروخ سبينوزا) (1632 ـ 1677م) ونهل من فلسفته العقلانيّة والعلميّة ما وضعه على عتبة الرؤيا الموضوعيّة في المحاكمة واقترب كثيراً من تقويم "التوراة" واعتبارها "هرطقة"، مما فتح له الآفاق الرحبة للولوج إلى "الهيجليّة" بعد التعديل في الموقف "التكيفي"، والدليل على ذلك كتابه الأول الذي صدر وهو موشّح بتوقيع "شاب من أتباع الفيلسوف سبينوزا" وحمل عنوان "تاريخ الإنسانيّة المقدّسة"، إعلان للحريّة باسم الروح القدس". الذي تضمن مواقف وسطيّة بين العقل المجرد والمثاليّة المطلقة وبذلك مهّدت السبل لـه للولوج إلى صومعة "هيجل" برفقة (ماركس وإنجلز ولسل).

انفصل (هس) بعد صدور البيان الشيوعي عن مجموعته، الاشتراكيّة اليساريّة بانعطافة إرتكاسيّة شديدة الانفعال نحو أقصى اليمين، وأعاد "تقييم" مسيرته ليجد نفسه منساقاً بقوى لا شعوريّة نحو اليهوديّة التوراتيّة توجهاً في كتابه "روما والقدس". والذي وصفه (تيودور هيرتزل) إنه يتضمن كل الأفكار التي طرحتها الحركة الصهيونيّة لاحقاً.

"المثاليّة" الوصوليّة عند معظم الكتاب والأدباء والفلاسفة اليهود كانت المنهج، وليس (هس) سوى الأنموذج المتقدم في الفهم يُسار على هديه ويعطي الانطباع بالصيغة واجبة الإتباع، فكان (يوسف حاييم برنر) (1881 ـ 1921م) في روايته ـ القصيرة ـ "سنة واحدة" الأقرب إلى تقمص صورة هس في تلونها الأيديولوجي والسلوكي، أو ربما هو التطبيق العملي لأطروحات هس النظريّة في الحياة؛ فكانت الرواية انطباعاً لتجربة خاضها الكاتب في الجيش الروسي وقت المعايير الاستعلائيّة الموروثة من التوراة "شعب الله المختار" والوهم إن اليهوديّة قائدة التقدم، وليس من أفكار تقدميّة ـ تلك الفترة ـ إلا اليسار!!

ثانيا: (نحمان سيركين)

بدأ إفراغ الشحنات العاطفيّة على المسرح (اليديشي) في لندن بعد تركه روسيا متخذاً هذا النمط من الفن وسيلة للإيحاء بأفكاره "اليساريّة" التي بدأت تنمو مشكِّلة لونه العقائدي، إذ خلّف هذا العمل نوعاً من التواصل ساعده في بلورة منهجه التنظيمي. واستكمالاً لطموحاته غادر لندن إلى برلين لمتابعة دراسته في حقل الاقتصاد والفكر الاشتراكي. ولما اكتملت "نظريته" بدأ بالتحرك لنشرها بين الطلاب اليهود والعمال اليهود.

كتب (سيركين) كثيراً حول الموضوعات الصهيونيّة. الاشتراكيّة ؛فصار من روادها النظريين ثم نشر إطروحته للدكتوراه عام 1898م في كراس بعنوان "المسألة اليهوديّة والدولة اليهوديّة الاشتراكيّة"، وفيها يعمد إلى تسخير المفاهيم الاشتراكيّة لخدمة الأهداف الصهيونيّة.

الثالث: القطب الاشتراكي الآخر (دوف بر برخوف)

 الأكثر نشاطاً والأبعد أثراً في صهينة الفكر الاشتراكي والماركسي تحديداً إذ أدّى دوراً فعالاً بين العمال اليهود لإشاعة الفكر الاشتراكي ـ الماركسي ـ بينهم. وفي عام 1906م نجح في تشكيل "حركة عمال صهيون" بالاشتراك مع (اسحق بن تسفي) رئيس الكيان الصهيوني الأسبق. وبذلك يكون الأب الروحي للتيارات الاشتراكيّة في الكيان الصهيوني وعلى وجه الخصوص حزب العمل والحزب الشيوعي. (11)

الطائفة الحريديّة:

بالمقابل هناك من رفض تلك القراءة الأيديولوجيّة الأصوليّة والتأويلات الدينيّة والعلمانيّة للصهيونيّة، وتوظيفها للدين في خدمة الأيدولوجيا واحتفظت بأصولها الموروثة

ويطلق هذا المصطلح على اليهود المتدينين المغالين الذين يعادون الصهيونيّة ويكفّرون الدولة ويعيشون في عزلة. والحريديم تعني الورع والتقى. "والحريديم" ليسوا كالمتدينين العاديين الذين يضعون على رؤوسهم الطاقيّة اليهوديّة "هاكيبا" أو المتدينين التابعين "للمفدال" أو حتى الأحزاب الأكثر تطرفاً الرافضة للصهيونيّة مثل "اجودات إسرائيل". إن الحريديم، خلافاً لكل هؤلاء يلبسون ملابس ذات لون أسود، ويرتدون غطاءً أسود للرأس أسفل قبعة سوداء ويرسلون ذقونهم ويتحدثون اليديش. وهم يعتقدون إنهم يعرفون الحقيقة ؛لإطِلاعهم على الكتب اليهوديّة المقدّسة ـ وبخاصة التلمود ـ وهم يستعملون وسائل الإكراه الديني والتدخل في حياة الآخرين، وكل الوسائل بالنسبة لهم مشروعة حتى استعمال السلاح والمتفجرات ضد اليهود الآخرين الضالين.

لم تكن "ناطوري كارتا" الحركة الوحيدة التي تعارض الصهيونيّة بل قد سبقتها مجموعات صغيرة أخرى، وقد برز دور هذه المجموعات عند تأسيس "الحاخاميّة الرئيسيّة" عام 1921م كإطار رسمي مسؤول عن شؤون اليهود في فلسطين ؛فقد رفضت هذه المجموعات الاعتراف بالحاخاميّة ؛لأنها مؤسسة صهيونيّة، وأقامت هذه المجموعات "لجنة المدينة للطوائف الاشكنازيه" في مدينة القدس. وفي عام 1945م انشقت هذه اللجنة بعد فشل المعتدلين الذين كانوا ينادون بحد أدنى من التعاون مع الحركة الصهيونيّة في الانتخابات الداخليّة للجنة. وكان معظم هؤلاء المعتدلين من "أجودات إسرائيل".

وتتكون الطائفة الحريديّة من تآلف عدة جماعات أهمها طائفة "ذريّة أهارون" وطائفة "ساطمر" والمدرسة الدينيّة "اليشيفا" التابعة لتلاميذ دوشنسكي وقسم من سكان القدس. ويُقدّر عدد اتباعها بحسب مصادرها 30 ألف نسمة، فيما تقدرهم مصادر "أجودات إسرائيل" بثمانيّة آلاف نسمة يعيش معظمهم في حي "ماته شعاريم".

والحريديم لا يشتركون في انتخابات الكنيست ولا يتلقون الأموال من الصهيونيّة. ولعل أهم انشقاقين شهدتهما هذه الطائفة كان انفصال "ناطوري كارتا" فرع الحاخام (عمير بلوي) عام 1965م؛ بسبب رفض محكمة الطائفة عقد زواج الحاخام المذكور على مطلّقة فرنسيّة متهوِدة. والانشقاق الثاني انفصال طائفة "بعلاز" عام 1980م بعد أن أصدر الحاخام الأكبر للطائفة (يتسحاق فايس) أمراً يمنع فيه تعليم الأولاد في مؤسسات تتلقى الأموال من الدولة. ويقارن الحريديم بين الشيوعيّة كعقيدة ملحدة وبين الصهيونيّة كعقيدة علمانيّة كافرة نادى بها ملحد هو (هيرتسل).

إنّ النظرة الاجتماعيّة الى هذا المزيج بين (اليوتوبيّة والأيديولوجيّة) للصهيونيّة كخطاب أصولي يريد أن يتحول الى واقعه الاجتماعي نجد أنّ "السلطة قبل 1948م - أي قبل قيام الدولة –كانت بمجرد وسيلة؛ فالسعي نحو السلطة آنذاك كان يتم بغيّة تحقيق الأهداف والغايات الاستعماريّة والاستيطان و إنجاز المثل العليا لرواد الصهيونيّة "(12) أي إنّ ذلك قبل قيام الدولة ما كان يحرك تلك المنظّمات الأصوليّة سواء كانت دينيّة أم علمانيّة هو البعد اليوتوبي في بناء الفكرة المتخيّلة ؛ ولكن بعد قيام الدولة اليهوديّة إتّسعت الهوة بين النخبة والقياديّة من جهة و عامة الشعب من جهة أخرى لقد تحوّل مجتمع "اليشوف" اللاطبقي إلى مجتمع تعددي وأكثر تسيطر عليه التناقضات المصلِحة بكل تعقيداتها وتنوعاتها، وقد كان التمايز قائماً على أساس المكانة الاجتماعيّة والسلطة السياسيّة و الاقامة في فلسطين .(13)، وقد شهد هذا المجتمع سوء توافق طبقي وأيديولوجي بين الأصوليين سواء كانوا دينيين أم علمانيين وإذا" تمّ التكامل بين المتدينين والعلمانيين وسط مشقّة عسيرة، وسلسلة من التسويات والتنازلات وغالباً ما نعثر بها انفجارات من التعصب وضيق الصدر "(14)

 

د- عامر عبد زيد الوائلي

........................

(1) عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهودية والصهيونية، مجلد 2، ص197.

(2) السيد ولد اباه، منير شفيق، مستقبل إسرائيل، دار الفكر، ط1، دمشق، 2001م، ص 228-229.

(3) احمد سوسة، ابحاث في اليهودية و الصهيونية، دار الأمل للنشر والتوزيع اربد –الاردن، 2002م، ص 145، وانظر بواسطته : N.Scolow;"History of Zionism"Vol.ll,p.230

(4) المرجع السابق، ص135.

(5) عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهودية والصهيونية، مجلد 2، ص 197-198.

(6) كان يهودا الكلعي في ساراجيفو- البوسنة سنة 1798م، حاخام شاب في الطائفة اليهودية في يوغسلافيا. ينشر في سنة 1839م كتاباً في تعليم قواعد اللغة العبرية، ثم أتبعه بكتاب ثان سنة 1840م، سماه "شلوم يروشالايم" "سلاما يا أورشليم حث فيه اليهود على دفع عشر مدخولهم لمساعدة وتجهيز يهود القدس لاستقبال يهود العالم المضطهدين على يد الغرب !انظر موسوعة النكبة، http://www.nakba.ps/criminal-details.php?id=33

(7) تحرير: فراس السواح، موسوعة تاريخ الأديان، المرجع السابق، ص206.

(8) أبراهام كوك حاخام يهودي أورثوذوكسي ولد في لاتفيا من أهم مفكري الصهيونية وأول حاخام أكبر لليهود الأشكناز في فلسطين، هاجر إلى فلسطين عام 1904م واستقر فيها، وتتلخص سيرة حياته ونشاطاته القومية الدينية في محاولة تقريب الصهيونية إلى المتدينين. ( ١٨٦٥- ١٩٣٥م).

(9) http://yoel-ab.com/katava.asp?id=83مقال مترجم عن العبرية

(10) Yehudah Mirsky, "An Intellectual and Spiritual Biography of Rabbi Avraham Yitzchak Hacohen Kook from 1865 to 1904," Ph.D. Dissertation, Harvard University, 2007.

(11) جودت السعيد، اليهودية الأرثوذكسية، مجلة العلوم السياسية العدد ، ص272.

(12) أسعد رزوق، في المجتمع الاسرائيلي، معهد الدراسات العربية، بيروت، 1971م، ص17. وانظر : A.M.Rose Ced the lnstutions of Advanced societies (Minneapolis 1958)p.p:344-443.

(13) أسعد رزوق، في المجتمع الاسرائيلي، ص38.

(14) نفس المرجع، ص 38

 

مجدي ابراهيمللمعرفة وسائل لا بدّ من تحقيقها، وأهم وسائلها وسلتين هما الأساس الذي تستند عليه معرفة الله: الذكر والفكر. فالذكر رياض الإيمان، تفرضه في الذاكر جلالة المذكور: قوة عليا تتوجَّه بها لطيفة الذاكر (قلبه) إلى خالقها لتدرك بفضيلة الذكر ما لا يدركه سوى هؤلاء الذين يعلمون ما نعلمه نحن، ويدركون ما لا ندركه نحن؛ لأنهم على الدوام في رحاب المذكور. يستحضر العبد الذاكر "الذات الإلهية" بدوام التسبيح في كل عمل يعمله رقابة داخلية عليه، فلا يفرط في عمل يراه موصولاً بالله مُوصِّلاً إيّاه إلى خالقه.

ومن هنا؛ كانت الصورة الكاملة هى هى صورة التسبيح الذاكر يتجرَّد فيها عن ملابسة الأهواء، فيغادر كلما أستطاع ذلك العالم المحسوس إلى غيره من عوالم روحيّة، يرى فيها الحقيقة كاملة؛ ليجيء كماله على مقدار ما يرى. فلولا أن وفّقه الله لأن يكون ذاكراً لله ما كان بمستطيع أن يتحقق بالفناء في المذكور. والعبد الذاكر هو الله المذكور إذا كان الفناء. والفناء غيبة وقتية عن العوالم، خلاصة تجربة الروح في تساميها، وهو كذلك حضور وبقاء مع الله: أساسه العمل الدائب المتواصل على شرط الحضور الذي يؤكده الإيمان، فلا إيمان إلا بعمل، ولا عمل هاهنا إلا في خدمة قضية الإيمان.

ومن إيمان الذاكرين أن يدرك الذاكر وجه الحق في كل ما عساه يعمل وفي كل ما عساه يقول، فهو بالحق ومع الحق فناءً في جلال المذكور. والمعنى: هو ألا يشغله عن الله شاغل ولا يعوقه عن سواه عائق من حواجب النفس أو حواجب المجموع: يشهد الإيمان باليقين بعد أن يُحَقِقَ القول بالعمل. جاء في الخبر: إنّ العبد ليقرأ قوله:"إيَّاكَ نعبد وإيَّاكَ نستعين"، فيقول الله تعالى: كذبت، لو كنت إياي تعبد لم تخف غيري ولم ترج سواي. ولو كنت بي تستعين، لم تسكن إلى مالك وأهلك. وكذلك بلغنا أن العبد ليقرأ السورة من القرآن فتصلى عليه حتى يفرغ منها إذا هو عمل بها. وهذا بلا شك حال الصديق؛ لأنه صَدَّق عمله قوله، واستعان بالله على الحقيقة. وأن العبد ليقرأ السورة من القرآن فتلعنه إلى أن يختمها إذا لم يعمل بما يقرأ وبما يقول؛ فهذا حال الكذاب الذي يقول القول ولا يعمل به؛ لأنه ضيع حقوق الإيمان وانتقص منه ولم يزيد فيه؛ إذْ العمل يزيد من الإيمان وينقص بنقصانه. وعليه؛ فلا إيمان لمن لا عمل له ولا حياة لمن لا تصديق في قوله. وكيف يكون التصديق في القول وصاحبه يخلو من طيِّب الأعمال؟

ولكن ليس معنى ذلك، أن لا توجد فوارق بين حقيقة الإيمان وحقيقة العمل بمثل ما تصوّر الخوارج في القديم والحديث، هؤلاء الذين يجعلون الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان، ويقرُّون أن من أرتكب كبيرة فقد زال إيمانه وأصبح كافراً خارجاً عن الملة، الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه لسفك الدماء وسلب الأموال. أو بمثل ما تصوَّر المعتزلة الذين قالوا إنّ مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً وليس كافراً، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين، يسمونه الفاسق، في كلام طويل رفضه علماء السُّنّة.

كلا ليس هذا هو المقصود، بل المقصود أن العمل يعطي الإيمان زيادة ويوفر له اليقين الدائم ولكن لا يبطله على الإطلاق. فما من عمل يعمله العامل على حقيقة الإيمان الذي هو التصديق القلبي الجازم إلا ويزيده ويرقيه. ونقصان الأعمال والتقصير فيها لا تزيل الإيمان ولا تنقضه من أصله.

ومن إيمان الذاكرين أن لذكرهم صوراً عظيمة، وأنهم في كل حال يظلون على الذكر لا يفترون عنه ولا ينئون، ومن صور الذكر التسبيح المطلق لله؛ مطلقٌ عن التعلق بالحُجب والأغيار؛ مُفْرَدٌ في ذاته لذاته.

ففي الصلاة ذكر وتسبيح، وفي اللفظ ذكر وتسبيح، وفي الحركة ذكر وتسبيح، وفي الآلة ذكر وتسبيح، وفي الفأس ذكر وتسبيح، وفي القلم ذكر وتسبيح؛ فأنت حين تكتب أو تعمل أو تزرع أو تقوم أو تقعد أو تلفظ، تذكر الله على الحقيقة فيما لو كنت على إيمان هو بالضبط إيمان الذاكرين، فلا يكون لك كيانٌ آدميٌ بغير الذكر الذي هو الوصلة الروحية توصلك مع الفكر بالله أتمّ اتصال وأدوم اتصال في كافة الأحوال.

بغير الذكر صورتك الوجودية العصماء مفقودة وإنْ بدت لك أنها موجودة؛ لأن الصلة الأمينة بينك وبين المذكور صارت صلة مقطوعة؛ ولأنها كذلك فلا شيء أدعى لفقدها من كونك محروماً من ذلك النور المبثوث في قلوب الذاكرين: نور الذكر ونور الفكر.

الذكر طمأنينة ويقين؛ لأن الذكر إيمان، ولا شرط للطمأنينة الصادقة ولا لليقين الصادق إلا الإيمان الدائم تحسّه على الدوام في قلوب توكلت على الله، ورضت بما قسم الله، فتألهت إليه، فذكرت الله ذكر الصادقين لكنها لم تكتف بالذكر بل قرنته بالفكر.

صور القرآن الذكر والفكر مقترنين متلازمين ينتج أحدهما عن الآخر ضرورة، تأمل قوله تعالى:"إنَّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك؛ فقنا عذاب النار" (آل عمران: آية 9).

لاحظ وصف أولي الألباب الذين يذكرون الله ويتفكرون في خلق السموات والأرض، غير أنهم لا يذكرون الله وكفى بل يذكرونه قياماً وقعوداً، وهو دليل من جهة على انشغالهم الدائم بالذكر إنْ في القيام وإنْ في القعود. ومن جهة أخرى يدل كذلك على أن أولي الألباب قد جعلوا الله هدفاً لهم، ومن شدّة تعلقه بهم يذكرونه قياماً وقعوداً؛ لأنهم يحبونه. ومقتضى المحبة دوام ذكر المحبوب. ليس هذا فقط بل أيضاً كما في إشارة الشِّبْلي: "أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك". ونحن حين نحب شخصاً ما نظل نذكره، وحين نكره شخصاً يحدث العكس. ولهذا؛ فمن المؤكد أن الذكر يحمل في طياته روح المحبّة، ويدل عليها من أول وهلة. وعليه؛ تكون الطاعة ثمرة المحبة، وهى نتاج الذكر الدائم والاشتغال بالهدف الأجلّ الأسمى: طاعة الله، وطاعة رسول الله الحبيب، صلوات الله وسلامه عليه، الذي علَّم البشرية محبّة الله تعالى، وهى بغير شك، أعنى المحبة: ميراث النبَّوة على التحقيق.

حين يفهم المسلم هذه الآيات ويعمل بها يفهم في الوقت نفسه ركنين رئيسين من أركان الحياة الروحيّة في الإسلام: الذكر والفكر. وهو حين يجعل الله هدفاً له في حياته، يحبه ويطيعه ويطلب مرضاته ويتخلق بأخلاقه ينعكس ذلك كله على رؤيته للوجود فيرى الحقيقة ويشهد بالفعل ميراث النبوة نِعَماً لا تعد ولا تحصى، ويقوده الذكر إلى الفكر.

والأساس في الفكر هو التفكّر في خلق السموات والأرض، فالذين يذكرون الله قياماً وقعوداً لا يكتفون بالذكر وكفى بل يتفكرون في خلق السموات والأرض. ومعنى الفكر هو استحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما "معرفة ثالثة"؛ أي القيام بترتيب حقيقتين في الذهن لاستنتاج حقيقة ثالثة لم تكن موجودة من قبل.

فمثلاً لو عرفنا أن العالم يتغير كل لحظة، كانت هذه هى الحقيقة الأولى. وأن كل متغير حادث، فتكون هذه هى الحقيقة الثانية. وحين نضع هاتين المعرفتين معاً سنعرف أن العالم حادث. ويرتكز المنطق جميعه على هذا الفكر وتنكشف للإنسان حقائق كثيرة نتيجة لقوة الفكر هذه، ونتيجة الممارسة الدائمة لها، وتتركز الحياة كلها على الفكر المقرون بالذكر. فالذكر لدى المؤمن محبة، والفكر لدى المؤمن نتاج للتفكر في خلق السموات والأرض وكشف هذه الحقائق، واكتشاف أنها لا يمكن أن تكون باطلة، وأن التقصير في كشفها والوصول إليها تقصير في الإيمان نفسه: فهمه وتخريجه وصياغته العملية.

هنالك يضع المؤمن جميع الكائنات تحت قدميه فيما لو تمت له ممارسة عميلة التذكير والتفكير؛ لأنه سيكون قد توصّل إلى حقيقتها فيستغني بمعرفة الله عنها، ولا يتكالب عليها تكالب المسعور.

في الحقيقة لم نجد أصْرَح ولا أوضح من "الغزالي" فيما ذكره عن الفوارق بين الذكر والفكر لما أنْ قال في الإحياء عن "حقيقة التَّفكر": معنى الفكر هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منها معرفة ثالثة، ومثاله الذي ضربه على ذلك هو: أن من مال إلى العاجلة وآثر الدنيا وأراد أن يعرف أن الآخرة أولى بالإيثار من العاجلة فله طريقان:

الأول: أن يسمع من غيره أن الآخرة أولى بالإيثار من الدنيا؛ فيقلده ويصدقه من غير بصيرة بحقيقة الأمر، فيميل بعمله إلى إيثار الآخرة اعتماداً على مجرّد قوله. وهذا يسمى تقليداً ولا يسمى معرفة، فأولاً يظهر الفرق هنا بين المعرفة والتقليد، فكل ما لا تنتجه المعرفة الثالثة فهو تقليد لا شك فيه. أو قُل هو تذكير لمعارف سابقة فقط ليس فيها معرفة جديدة، فمادامت لم تثمر معرفة ثالثة فليس هناك من جديد.

والطريق الثاني: أن يعرف أن الأبقى أولى بالإيثار، ثم يعرف أن الآخرة أبقى، فيحصل له من هاتين المعرفتين معرفة ثالثة، وهى أن الآخرة أولى بالإيثار، ولا يمكن تحقق المعرفة بأن الآخرة أولى بالإيثار إلا بالمعرفتين السابقتين".

هذا هو معنى الفكر كما يحققه الغزالي، فاستحضار المعرفتين السابقتين في القلب للتوصّل إلى المعرفة الثالثة هو عند الغزالي يسمى تفكراً واعتباراً وتذكراً ونظراً وتأملاً وتدبراً. فأمّا التدُّبر والتأمل والتفكر: فكلها تجري على عبارات مترادفة ليس تحتها معاني مختلفة، والمقصود منها معنى واحد. وأما اسم التذكر والاعتبار والنظر: فهى مختلفة المعاني أيضاً، وإنْ يكن أصل المسمى واحداً. ومثاله: اسم الصارم، والمهند، والسيف، يتوارد على شيء واحد، ولكن باعتبارات مختلفة. فالصارمُ يدل على السيف من حيث هو قاطع، والمهند يدل عليه من حيث نسبته إلى موضعه، والسيف يدل دلالة مطلقة من غير إشعار بهذه الزوائد. إذا نحن عرفنا هذا، عرفنا في الوقت نفسه أن الاعتبار: يطلق على إحضار المعرفتين من حيث إنه يَعْبُر منهما على معرفة ثالثة، وإنْ لم يقع العبور ولم يمكن إلا الوقوف على المعرفتين، فلا يُقال في حقه اعتباراً ولا فكراً ولكن يُقال في حقه تذكراً.

أما النظر والتفكر: فيقع عليه من حيث إن فيه طلب معرفة ثالثة، فمن ليس يطلب المعرفة الثالثة لا يسمى ناظراً، فكل متفكر فهو متذكر، وليس كل متذكر متفكراً.

وفائدة التذكار كما وضحها الغزالي: تكرارُ المعارف على القلب لترسخ ولا تنمحي عنه أبداً. وفائدة التفكر: تكثير العلم واستجلاب معرفة ليست حاصلة. والمعارف إذا هى اجتمعت في القلب وازدوجت فيه على ترتيب مخصوص؛ أثمرت معرفة أخرى، فالمعرفة نتاج معرفة. فإذا حصلت معرفة أخرى وازدوجت مع معرفة أخرى حصل نتاج آخر. فهذا هو الفرق بين التذكر والتفكر عند الغزالي؛ وهو تقسيم منهجي اعتباري كما ترى يحيل المعارف كلها إلى منطق المعرفة الثالثة.

وعن هذه المعرفة الثالثة التي يثمرها الفكر يصدر كل جديد، وهى من الأهمية بمكان بحيث لا يمكن معه أن ينفصل الفكر عن الذكر إلا من الناحية الاعتبارية لا الناحية الحقيقية، فالفكر ذكر ولا يزيد، والذكر فكر مع التحقيق.

إنّ إثمار المعرفة الثالثة المتولدة من طريق التذكار والتفكير إذا هى كانت خاضعة للوهلة الأولى للتفكير أثمرت، وزادت، وتكثرت بالمفاضلات والمقارنات والمقاربات والقياسات النظرية، وتلك علامة جدتها وتخلقها في الذهن المستعد لها، أو قُل هى علامة امتيازها بين المعارف المتكررة. لكن هذا التفكير نفسه خاضع كذلك للتذكار إذا كان التذكار يفيد رسوخ الملكات المستعدة للإثمار واستجلاب المعاني المستجدة.

وقد يترتب الفكر على الذكر ضرورة في هذا الميدان الحيوي؛ أعني الميدان المعرفي ليس فقط في حقول العرفان، ولكن أيضاً على مستوى النظر العقلي الصرف، ألم يقل ابن رشد:"إنّ قطع الشهوات شرطٌ في صحة النظر"؟

وقطع الشهوات، كل الشهوات! رغم استحالتها، وعلى جميع مستوياتها الجسديّة البدنية والمعنوية النفسيّة، يحتاج إلى مكابدة ومجاهدة وتَعَوُّد ومران بمقدار ما يحتاج إلى الوسائل المساعدة في التغلب عليها، وأهم هذه الوسائل هى الذكر. وإذن؛ فالفروع التي نحسبها عملية تابعة، هى في الأساس أصول للنظرية، ليس ينبغي أن نفصل فيها متعسفين بين النظرية ولواحقها العملية. فإذا كان الذكر يمثل تلك الناحية العملية من التصوف، وكان الصوفية أهل فكرة عليا؛ فهو ليس بالمفصول ولا المعزول عن الفكر الذي يمثل الناحية النظرية، بمقدار ما يجيء الفكر أيضاً غير مفصول ولا هو بالمعزول عن الذكر.

على أن أهل التذكية إذا كانوا يُجلُّون الذكر ويرفعونه درجات على الفكر؛ فمن اعتبارات أدبية فقط: من اعتبار ثمرته كونه تكراراً للمعاني في القلب لترسخ ولا تنمحي عنه أبداً، وليس للغَضّ من أقدار الفكر مع أن الفكر يثمر معرفة جديدة لم تكن بحاصلة. وأقولُ اعتبارات أدبية مع الله؛ لأنه سبحانه المحرك الأوحد لموحياتهم النظرية والشعورية، وقد جرت مناقشات فيما بينهم تدور حول: هل الذكر أتمُّ أم الفكر؟ وكانت المناقشة قد تمَّت بين أبي عليّ الدقاق لما أن سأله أحدهم، وهو الشيخ أبو عبد الرحمن، فأراد الدقاق أن يعرف ما يقع للشيخ السائل من رأي فيما سأل عنه، فإذا الإجابة تجيء: عندي أن الذكر أتمُّ من الفكر؛ لأن الحق سبحانه يوصف بالذكر ولا يوصف بالفكر، وما وصف به الحق سبحانه أتم ممَّا اختص به الخلق، الذي هو الفكر، فاستحسنه أبو علي الدقاق.

إنما الأدب مع الله وحده هو الذي يحرك هذه الطائفة نحو "المقول" كما حركهم نحو العمل، ومعنى الأدب هنا هو الأخلاق على أدق ما توصف به الأخلاق، وهو الذي يدفعهم إلى أن تجيء حركتهم موصولة بالله وصلة قُربة وتحقيق؛ فمن أراد أن يعتبر هذا الأدب دروشة ساذجة لا خير فيها ولا غاية منها، فاعتباره مغلوط ومردود عليه وحده دوناً عن سواه، ولكن ما أعظم هذه الثلاثة للذات العارفة: الذكر، الفكر، التسبيح.

*    *     *

ومع فقدان هذه الثلاثة يصبح إنفاق المداد في لا شيء شيئاً عصيباً عجيباً بالفعل! فقد يأخذنا العجب دهشاً أحياناً كثيرة بسياج من الحسرة والألم على إنفاق المداد ذلك الإنفاق الذي يحتاج منّا إلى إشفاق، ففيمَ يكتب الكاتبون، وفيما يدّونون من قضايا ومذاهب وأخلاق؟ لماذا لا تتغير النفوس وترتحل عن تمسكها بطينة الأرض إلى حيث رحابة الضمير ورحابة الإيمان؟ لماذا لا نتصوّر أن وجودنا الأرضي مرهون بخيرورة التعامل ورفعة المقاصد التي نحضر فيها مع الله؟ إنّ أعمالنا جميعاً ما لم نكن على وعي فيها بما نحن نكون فيه حاضرين مع الله قصداً، فلن نجد لها ثمرة باقية، فلماذا كل هذا الوهم الذي يلفنا لفاً غير مبارك فيه من أخمص القدم إلى أدق الشعرات؟

الضمير فينا مفقود أو يكاد، والخير الذي نزعمه محققاً مجرد سَراب، فلا هو كائن ولا يكاد، وكلنا يكيد لأخيه ألوان المكائد؛ ليظفر في النهاية بما يظفر به كل معتد أثيم.

ومداد بعض الكتاب لا كلهم، ويا حسرتاه على مداد بعض الكتاب، يجرى ولكأنه ما جرى ولا سال: يتسألون: فيمَ هذا العناء؟ والناس هى هى الناس، والأخلاق هى هى الأخلاق، والشرور والمكائد والتحاسد والتباغض والظلم والقهر والعدوان وأكل الحقوق بالباطل هى نفسها منذ هبط آدم عليه السلام على هذه البسيطة إلى يوم الناس هذا؟ والثمرة المرجاة جنيها وتحصيلها لم يحن موعد قطفها لا تتحقق في هذه الدنيا؛ لأن حينها لم يحن بعد، لكنما تحققها في يوم لا ريب فيه: لا ريب في ذلك اليوم عندنا. يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. يا ألطاف الله على هذا القلب السليم.

من أين لنا بحفظ السلامة له على الدوام ومعناه مشتق من لفظه: من التقلب وعدم الثبات؟ فإذا لم يكن وراء القلب توفيقٌ من الله فقلَّ أن يكون قلباً سليماً. ونحن نعلم أن سلامة القلوب في تعلقها بخالقها، وفي تحققها بهذا التعلق، ولا يحفظ القلب حافظ ما لم يكن حافظاً ذكر الله في لبِّه قبل غلافه وفي جوفه قبل قشرته ناهيك عن التفكر في طلبه.

الحقيقة ليس هناك أحفظ للقلوب من ذكر الله والفكرة فيه على الدوام؛ فلئن تيسر هذا المطلب فهو الخلاص من شرور الحياة. لكن الذكر له تبعات يتصورها بعض الذين ينظرون إلى تراثنا الروحي نظرة سطحية خاطئة عوجاء: إمِّا أن تهمل هذا العالم الذي تعيش فيه إهمالاً تاماً، لا عودة لك إليه، وتبقى على الدوام في غيبة دائمة فيما يشبه الفناء في المذكور. وإمَّا أن تكون مع المخلوقين تعيش دنياهم وتحاول أن تصلح ما فسد منها فلا هم بمنصلحين، وتشارك رغماً عنك أهواءهم، وتتلقى ما يتلقونه من أمراض وآفات وآلام وحسرات، ولا وسط. هكذا يتصور الذين ينظرون من عوج وتسطيح إلى تراثنا الروحي نظرة أقرب إلى تسطيح المفهوم ثم يخرجونه عن أخص خصائصه: الوسطية والاعتدال.

في ذكر الله تبعات التغيير كلها من أوّل اللفظ باللسان إلى هاته الحلاوة التي ينشئها في القلب الفناء في المذكور تماماً كما أن الفكرة فيه على شرط المعرفة الثالثة تبعة إصلاح الفكر الديني والمعرفي وأولاها وأهمّها: نبذ التقليد ودحر عادة الإتباع للآخرين. فالإسلام الذي حفظ قلوب المسلمين بذكر الله وسط أخلاقه بين إفراط وتفريط.

ولا شيء يحفظ للعبد حياته من سائر الأمراض والآفات والآلام غير الطمأنينة الناشئة من مواهب المذكور وألطافه وعطاياه. في هذه الطمأنينة المحبَّبة إلى قلوب الذاكرين تبعات التغيير تتحول بها النفس من نمط في الحياة إلى نمط آخر صالح لفك العلاقة المحجوبة بين الدنيا والآخرة؛ فإن لم يكن لك في هذه الدنيا حظ ولا نصيب، فجزاؤك هناك في عالم الآخرة محفوظ القيمة متوّج بحسن المثوبة بغير بخس ولا رهق ، ويكفيك من موفور الجزاء في هذه الدنيا أنك إذا ذكرت الله متحققاً بجلالة المذكور توهّجت فيك أنوار الألطاف وأطمئن من ثمَّ قلبك. ألا فلنذكر الله على الدوام فبذكر الله وحده مُفْرَدَاً تطمئن القلوب.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

مجدي ابراهيملا تنفصل خطابات التأنيس عن صفة العارف من حيث أصالة جوهرها ومنبت شعورها في الوعي العالي، ولا تثبت العلاقة بين الأنس والعرفان إلا كما تثبت العلاقة المتبادلة بين المصدر وفروعه أو بين الأصل وما يتجزّأ تحته؛ فكل خطاب من الأنس مردّه إلى صفة العارف، وكل صفة للعارف ترتد إلى نوع من خطابات التأنيس. والخطاب الذي يصدر من منطقة الأنس هو ولا شك من الصفة التي تكون للعارف قيمة من القيم الكبرى؛ فالقيم العلويّة الباقية لها بالعرفان صلة مباشرة وبالخطاب معنى ودلالة، ومن يفهم رمزية الخطاب يردُّها على الفور إلى صفة العارف بمقدار ما يرجعها إلى العلاقة المتبادلة بين الأنس والعرفان.

وحين نريد تحديد صفة العارف في حديث الولاية؛ نحدِّدها خلال ما تعترك به الدنيا وتضج فيه من ناحية، ومن ناحية أخرى خلال ما يبرز لنا واضحاً من قواعد تأسيسية في الطريق نفسها، ليس يمكن الاستغناء عنها في مراحله المتطورة وارتقاءاته الصاعدة في معارج الروح والأخلاق : لسنا بمعنيين هنا بتحديد "صفة العارف" كما أرادها القوم أو كما حَوتها كتبهم ومقالاتهم، فهذا ممّا شك فيه إنْ كان من الأهميّة بمكان فهو موجودٌ متوافر في مصنفاتهم لمن شاء أن يطلع عليه. ولكننا عنينا بصفة العارف تحديداً تلك القيمة الباقية من الإنسان فيما لو نهج طريق العرفان، واستطاع بمثل هذا المنهاج أن تقوم فيه صفة العارف محدَّدة لا من خلال أقوال الصوفية فيها فحسب، ولكن أيضاً من خلال ظلالها وآثارها في الحياة الحيّة الواقعة، تُعَاش أو ينبغي أن تعاش، وفق خَصَال العرفان : أحوالاً كانت أو أخلاقاً، ماذا عَسَاهَا تكون صِفَةُ العَارِفْ هذه؟

الإمام أبو القاسم  الجنيد (ت 297 هـ) قال وهو يصف العارف : (مَنْ إذا نَطَقَ عَنْكَ وَأنْتَ سَاكت!). وهو وصف مُوغلٌ في تجسيد الولاية كونها سرّاً ينطق عن السّر، وإنْ كان موغلاً في الوقت نفسه في البعد عن العقلانية التي يُشكَلُ معها النطق بالأسرار لأنها تأخذ بالعموم ولا تأخذ بالخصوص، وتتوجّه إلى العقول ولا تتوجه إلى الأسرار، ولكن منذ متى تُقاس الولاية بمقياس العقول المحدودة بحدود ما تفكر فيه؟

الولاية بعيدة، بعيدة، عن حدود العقول المحدودة بحدود ما تفكر فيه، فما يطابقها أو ينطبق عليها في عملية البحث من حيث كونها منهجاً، ليس هو العقل بل البصيرة، أعلى من العقل وأرفع في ملكات الإدراك. وإذن؛ فلابد من معرفة الجهة التي نتحدَّث فيها أو المنطقة التي ينطلق القول منها، ومعرفة ما يناسبها من عمليات الإدراك لكيلا نخلط بين حابل ونابل أو بين منهج ومنهج حين نحاكم أحدهما بالآخر في البحث والفحص والتنقيب. وعليه؛ فلا يُفهم من قول الجنيد هذا ما يفهمه صاحب العقل المحدود حين يرى إشارته تتوغّل بعيداً عن العقلانية فيحكم بالعقل عن أشياء صدرت من منطقة الذوق، فلا يكون حكمه صواباً بالقياس إلى من يريد أن يقيس الشيء وهو في الوقت نفسه يجهل كيف يقاس.

وفي إطار قيم المعرفة - منهجاً وتحققاً - تجئُ صفة العارف متصلة بالإنسان حيث كان، ولكنها لا تتصل به حين تتصل إلا بالإنسان الأعلى من حيث مراقيه المعرفيّة لا من حيث هبوطه ونكوصه وترديّه. فالمحبة والمجاهدة والمعرفة والأخلاق والتّحرُّر من عبادة السّوى قيمٌ باقية من خصال العارف تنطلق منها وتعود إليها، وتسمو الحياة بسموها في ضمائر أصحابها، وهى من الأصالة بمكان بحيث لا يمكن التغاضي عنها؛ فالعارف مجاهد، والعارف مُحِب، والعارف ذو خُلق مُتحرّر من عبادة السّوى. فهذا الفهم يضعنا في مواجهة العرفان كصفة خاصَّة بالأولياء والعارفين، صفة يتحتم بروزها ليس فقط لدى هؤلاء الأولياء والعارفين بل من وجهة نظرنا كذلك في وقائع الأحياء على التعميم.

إنّ حُبَّ الله ولا شك لهو أعظم آيات الامتنان الإلهي، لكنه لن يتحقق بإرادة الإنسان، بل يتحقق بهبة التوفيق. ليس الحب الإلهي الخالص المُخَلَّص من شوائب الزيف آية من آيات الفضل المسبوغ وكفى، بل هو كذلك في الأصل هبة إلهية يمنحها الله عطيّة وتوفيقاً من عنده لخاصّة عباده، أختارهم واصطفاهم خاصّة لأفضاله وخالص عطاياه. فما من حيلة وما من دعوى، وما كان عطاء ربّك محظوراً قط، وما كانت هباته موقوفة ولا ممنوعة، فهو (أي الحبّ الإلهي) اصطفاء فوق كونه فضلاً مسبوغاً.

على أن الفرق بين الاصطفاء والفضل المسبوغ هو أن الأول تخليص خالص، وانتقاء إلهي كان في عالم الذَّر كما في قوله تعالى:" إنِّا أخْلَصْنَاهم بخالصة ذكرى الدار. إنّهم عندنا لمن المُصْطَفين الأخْيَار " (سورة ص : آية 46 - 47)؛ بمعنى أن الله تعالى قد نقّاهم من النقائص، وخَصَّهُم بخلة خاصّة، هى خلة المحبة، أو مقام الخلة، وجعلهم من المخلصين المختارين لطاعته حين خصَّهم بخصائص القُربة وخصال التقريب. أمّا الفضل المسبوغ فهو لا يحرم منه أحد، ولا يختص بمخلوق دون مخلوق، ولكن نعمة الإيجاد تتطلب فيه نعمة الإمداد.

ثم هو قد ينال جميع خلق الله بمقتضى الرحمة الإلهية، ومن قبَلها، وبغير استثناء مخلوق من إمداد الخالق.

فضلُ الله المسبوغ على عباده عام لا خاص، شامل لا محدود، واسع لا ضيق فيه. والمحبّة الإلهية فوق كونها من فضلٌ الله المسبوغ، فهى كذلك هبةٌ تندرج في أعلى صفاتها تحت الاصطفاء الإلهي وتخصيص التقريب كما جاء في قوله تعالى :"والله يَخْتَصُّ برَحْمَته مَنْ يَشَاء، واللهُ ذو الفَضْل العَظيم" (سورة البقرة : آية 105).

وفي تلك الخاصَّة الإلهيّة لن تتدخل إرادة مخلوق في إرادة الخالق؛ إذْ الأمر كله على التحقيق إرادة ربّ لا إرادة عبد. وهذا الفهم هو المهم في كل توفيق ممنوح.

فأوّل خاصَّة عرفانية تقابلنا هى هنا خاصة المحبّة تتجلى فيها وحدة الخالق؛ لأنها فيما يقول الإمام أبي الحسن الشاذلي :"أخذت من الله لقلب عبده عن كل شيء سواه، فترى النفس مائلة لطاعته، والعقل مُتَحَصّناً بمعرفته، والروح مأخوذة بحضرته، والسّرَّ مغموراً في مشاهدته، والعبد يستزيد فيُزَاد، ويٌفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيُكسىَ حُلل التّقريب على بساط القربة، ويمسّ أبكار الحقائق وثيّبات العلوم".

لاحظ : المفاتحة لما هو أعذب من خطابات التأنيس، لا يمكن أن تكون إلا في رياض المحبّة بمقاماتها العلويّة وأحوالها الروحية العالية.

يظهر أولاً للوهلة الأولى في هذا التقسيم، غلبة التصوف السّني على الإمام أبي الحسن وخاصّة استعمال مصطلحات القشيري. ثم ثانياً ظاهر في كلامه على التحقيق : وَحْدَة المحبوب والمعبود، إذْ تتمثل هذه الوَحْدَة في تجليات المحبّة والعبادة على القصد المُقرر في التوجه؛ فليس يُعْبَد حق العبادة إلا من يُحَب حق المحبة؛ فلئن كانت المحبّة أخذت من الله لقلب عبده عن كل شيء؛ فلأنها من أجلى تجليات المعبود، ولا شيء يدل قصداً على الإخلاص في العبادة أسمى من تنزلات المحبّة وأرقى ممّا يبذله المرء على الإخلاص سواء في المحبّة أو في العبادة، وكلاهما تجليات وحدة المحبوب والمعبود؛ فالنفس الماثلة للطاعة قوامها المحبة. والعقل المتحصن بالمعرفة أساسه المحبّة. والروح المأخوذة بالحضرة مشدودة بالمحبّة. والسرُّ المغمور في المشاهدة موصولٌ بالمحبّة. وهكذا يصبح المحبوب والمعبود واحداً، وتصبح قوى العبد كلها (النفس، العقل، الروح، والسّر) موقوفة على تجليات الوحدة متصلة بها في أرفع قيمها العليا.

ومن أجل ذلك قالوا : أولياء الله عرائس، ولا يرى العرائس المحرومون، وهم مُخدَّرون محجوبون عنده في حجاب الأنس لا يراهم أحدُ في الدنيا ولا في الآخرة ". أو يقول، رضوان الله عليه، :"المحبة سّرُ في القلب من المحبوب، إذا ثبتَ قطعك عن كل مصحوب". وينبّه محذراً السالك لهذا الطريق؛ فيقول :"حرامٌ عليكَ أن تتّصل بالمحبوب، ويبقى لك في العالمين مصحوب "، غير أنه سبحانه إذا مَنَعَكَ ممَّا تحب، وَرَدَّك إلى ما يُحب، فهى علامة صحبته لك".

إنّا لنلحظ في كلام الإمام ملاحظتين. الملاحظة الأولى : أنّ الخطاب مُوجَّهٌ إلى هؤلاء الذين يريدون الصحبة لا إلى سواهم، ومن هنا كان خطاباً تأنيسياً، فهو ليس خطاباً لكل أحد ولا لأي أحد، ولكنه لمن يسير في طريق الأنس من طريق التحقيق طالباً له ومريداً، وإلى هذا الصنف من النّاس يتوَجَّه الخطاب ويمتنع بموجبه التوجُّه إلى غيره.

والمُلاحظة الثانية : أنّ إشارات الإمام الهمام الشاذلي في المحبّة لم تكن إلا تعزيز القول بأهمية معرفة هذا المصحوب؛ فصحبة الحق حجاب عن صحبة غيره ما في ذلك شك. إنّها لبديهة تتقرّر في كلام الإمام كما تتقرّر في كلام غيره من الأولياء. وهو سبحانه أغير الغيورين على صحبته من أن تتولاها رعاية سواه؛ فتحريمُ الاتصال بالمحبوب تفريغُ السّر له؛ لخصوصية هذا السّر بالبقاء دوماً مع الله. ولصحبة الحق شروط، وأقلُ شروطها هو الشرط الذي يمنعك من الاسترسال مع ما تحب من الأغيار؛ فهو إذا منَعكَ ممّا تحب وأعطاك ما يُحب، فقد صحت صحبتك له، وكنت من ثمّ أهلاً لموالاته. وبما أنّ الصحبة جزءٌ لا يتجزأ من الولاية؛ فصحتها بالشرط المُقرر فيها علامة على صحّة الولاية.

وعليه؛ فالولي يأنس بالخطاب الإلهي، فيكون خطابه أنساً لغيره وموالاة لمن يأنس به على من سواه.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

ملاحظة: هذا البحث قابل للنقاش

هذه من المسائل التي تبنى فيها حزب التحرير، حيث اعتبر أنّ مدة حكم الخليفة مطلقة مدى الحياة ما دام مطبقا لكتاب الله وسنة نبيه، واعتبر تحديد مدة حكمه لا يوجد عليها دليل أو شبهة دليل، وهو رأي يحتمل الصواب ويحتمل الخطأ، مثله مثل أي مسألة اجتهادية تستند لأدلة ظنية، ومع التزامنا بهذا التبني إلا أنني أرى أن المسألة مرجوحة لما يلي:

  من استعراض الأدلة والنصوص التي استند إليها الحزب في عدم جواز تحديد مدة حكم الخليفة، فإنني لم أجد دليلا واحدا يمنع تحديد مدة حكمه، ولا يفهم من نصوص البيعة تحديد أو عدم تحديد للمدة، وإنما يفهم منها وجوب البيعة على الحكم بما أنزل الله، وطاعته ما لم يأمر بمعصية، وعدم تحديد المدة للنبي صلى الله عليه وسلم أو للخلفاء من بعده، ليس دليلا على عدم جواز تحديدها، لأنّ هذا الأمر ليس من باب البدعة، بل من باب الشـروط، وأيضا فإننا مأمورون بالتأسي بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم ولسنا مأمورون بالتأسي بعدم فعله أو عدم فعل الصحابة، فالولاة والمعاونون لم تحدد لهم مدة، ومع ذلك أجاز الحزب أن تحدد مدة المعاون والوالي دون نص على جواز ذلك، واقتصـر على الاستدلال على جواز تحديد مدة توليتهم بما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من جواز عزلهم للولاة، وجواز عزلهم لا يعني تحديد مدة لهم أو عدم تحديد، كما أنه يجوز أو يجب عزل الخليفة في حالات معينة، وقد مكث عثمان ابن أبي العاص الثقفي واليا على الطائف حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، ومكث معاوية واليا على الشام في خلافة عمر وخلافة عثمان، ومكث الولاة والمعاونون في عصور ما بعد الخلافة الراشدة في مناصبهم حتى وفاتهم وورثوها لأبنائهم، فوجدت فتن كثيرة على الأمة وضرر واضح على كيانها، وكذلك جعل الولاة يستقلون بولاياتهم عن الدولة، جراء عدم تنظيم هذا الأمر، كل هذه أسباب اعتبرها الحزب موجبة لتحديد مددهم، والأدلة التي أوردها الحزب على عدم جواز تحديد مدة الخليفة هي أدلة متعلقة بالبيعة على الكتاب والسنة أي البيعة على الحكم بالإسلام، ومفهوم المخالفة لها أنه لا يجوز البيعة على الحكم بغير ما أنزل الله كالحكم بالهوى أو الرأي أو حكم الأكثرية أو حكم الجاهلية، وليس لها علاقة بالمدة، وكذلك أدلة الطاعة التي استدل بها الحزب، فإنها تدل على وجوب طاعة الحاكم وأن لا ننازعه الأمر ما دام يحكم بالإسلام، ومفهوم المخالفة لها أنه لا يجوز معصيته ما لم يأمر بمعصية، ولا يقال إن تحديد المدة هو تقييد للمطلق بدون دليل، لأن المطلق هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه، والمقيد ما دل على مدلول معين مثل زيد وعمرو، وليس للمدة علاقة باللفظ المطلق في هذه النصوص، وكذلك يطلق المقيد على اللفظ الدال على وصف مدلوله المطلق بصفة زائدة مثل دينار عراقي وجنيه مصـري، ولكنه بالنسبة للدينار مطلقا، فهو مطلق من وجه ومقيد من وجه، ومثل رقبة مؤمنة، فهو مطلق في الرقبات المؤمنة ومقيد بالنسبة للرقبة، وهذا كله ليس له علاقة بتحديد المدة، وكذلك اللفظ العام، فإنه يدل على معنيين فصاعدا  ويستغرق جميع ما يصلح له بلفظ واحد مثل القوم والرجال، وليس له علاقة بالمدة.

فالحديث الذي رواه البخاري عن جنادة بن أبي أمية قال دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، قلنا: أصلحك الله، حدث بحديث ينفعك الله به، سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسـرنا ويسـرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم من الله فيه برهان"، فالبيعة كانت على السمع والطاعة وعدم منازعة الأمر أهله، طوال مدة حكمه، فلا يجوز منازعته الأمر مدة حكمه طالت المدة أم قصـرت وتحرم معصيته، واشتراط المدة أو عدم اشتراطها في العقد لا يجيز الخروج عليه خلال حكمه، والحديث لا يدل لا منطوقا ولا مفهوما على تحديد المدة أو عدم تحديدها، بل يدل على وجوب الطاعة وعدم المنازعة خلال حكمه، ومفهوم المخالفة هو أنه لا يجوز معصيته ما دام مطبقا لحكم الله، ووجوب منازعته إذا أظهر الكفر البواح،  ولم يبين الحديث ما يجوز اشتراطه وما لا يجوز، وعدم تحديد المدة ليست شرطا من شروط انعقاد البيعة كما أن تحديدها ليست شرطا من شروط انعقادها.

 والعقود في الإسلام سواء أكانت عقود لازمة كعقود البيع والإجارة، أو كانت عقود جائزة كالوكالة والشـراكة تلزم الالتزام بالمدة إن كانت مقيدة بمدة، وبحث جواز فسخ العقد أو عدم جوازه متعلق بذات العقد وطبيعته، وليس متعلقا بالمجال الزمني أو بتحديد المدة، فهناك عقود يجوز تحديد المدة فيها وهناك عقود لا يجوز تحديد المدة لها، وهذا راجع لطبيعة وواقع ومناط العقد، فعقد البيع لا يجوز تحديد المدة فيه لأن واقعه هو انتقال ملكية المبيع من البائع إلى المشتري، مع جواز تحديد مدة الخيار في إعادة المبيع خلال مدة معينة إن تبين فيه عيب أو كان مخالفا للصفات التي وردت في العقد، وكذلك عقد الزواج فلا يجوز أن يحدد بمدة معينه كما كان عليه الحال في زواج المتعة قبل تحريمه، فتحريم زواج المتعة هو نهي عن تحديد مدة الزواج، أما عقد الإجارة فإنه يختلف عن عقد البيع والزواج، فإنه يبقى على إطلاقه إن لم يحدد بمدة معينة، ويلتزم الطرفان بالمدة إن قيدت بمدة معينة، مع جواز الفسخ بالتراضي في كلا الحالتين، وأيضا عقد الوكالة فإنه يختلف عن عقد البيع وعقد الزواج، إذ أن العقد بين الوكيل والموكل إن كان مطلقا دون تحديد مدة يبقى على إطلاقه، أما إن حددت مدته فيجب الالتزام بمدته، وفي كلا الحالتين يجوز فسخ العقد من أحد الطرفين، إلا إذا كان الوكيل مقرضا للموكل، وحصل على وكالة منه لاسترداد دين له بدل القرض، فاشتراط المدة أو عدم اشتراطها في عقود الإجارة والوكالة ليس شرطا في صحتها، بل شرطا زائدا عن شروط صحتها، فيجوز اشتراطها ويجوز عدم اشتراطها، وعقد البيعة هي أقرب إلى عقد الوكالة منها إلى عقد الزواج والبيع، بل هي مثل عقد الوكالة، بل هي عقد وكالة، إلا أنه لا يجوز فسخها من طرف الأمة دون الإخلال بشـروطها لوجود نص يمنع منازعة الأمر أهله، وبما أنه يجوز تحديد مدة عقد الوكالة وعقد الإجارة فإنه لا يوجد ما يمنع من تحديد مدة عقد البيعة، ويجوز للخليفة تقديم استقالته، ولا يجبر على الاستمرار بمنصبه، جاء في جواب سؤال للحزب تاريخ 1968/10/20 "لا يجبر المسلم على قبول الخلافة لأنها عقد مراضاة ولا يجبر على الاستمرار بها إذا قبلها لأنها من العقود الجائزة شرعا وليست من العقود اللازمة، فالإجارة والبيع مثلا من العقود اللازمة، ولكن الوكالة والشراكة من العقود الجائزة والخلافة من هذا القبيل فهي من العقود الجائزة، فيجوز للخليفة أن يترك الخلافة ويرجع الأمر للمسلمين يبايعون غيره". انتهى الاقتباس من جواب السؤال.

فأمر تحديد المدة أو عدم تحديدها له علاقة بذات العقد وواقعه، وهو شرط زائد في العقود التي تقبل تحديد المدة كالوكالة والإجارة، فمثل هذه العقود يجوز تحديد المدة فيها ويجوز عدم تحديدها، وتحديد المدة هو شرط زائد، وهذا ينطبق أيضا على عقد البيعة، فيجوز اشتراط تحديد المدة كشـرط زائد على العقد.

أما العقود التي واقعها يمنع تحديد المدة كالزواج والبيع، فإنه يكون نافذا على التأبيد، إلا إذا كان عقد البيع فيه شرط الخيار إذا تبين فيه عيب خلال مدة معينة، وهو ما يسمى في أيامنا كفالة المبيع، وعقد الزواج يكون دون تحديد مدة، ويمنع الزواج الذي تحدد فيه المدة وهو زواج المتعة لوجود النهي عن ذلك.

ولا يقال إنّ هذا الشرط هو بدعة لأنه مستحدث وليس مما عليه أمرنا، ولم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولا صحابته، فيكون حراما، لا يقال ذلك لأن البدعة لا تكون إلا في العبادات المخصوصة كالصلاة والصيام والحج، فالزيادة في الصلاة أو النقصان أو إضافة حركة أو كلمة أو ما شاكل ذلك يعتبر بدعة، وزيادة شرط تحديد المدة في عقد البيعة ليست من هذا القبيل، لأن عقد البيعة ليست عبادة بالمفهوم الخاص، بل هو من الأحكام الشرعية المتعلقة بالتصرفات، وتحديد المدة فيه من قبيل الشـروط الجائزة التي تنعقد البيعة بدونها، والشروط الجائزة هي شروط زائدة عن شروط صحة العقد والتي يصح العقد بدونها.

وقد بايع المسلمون عثمان بالخلافة على شرط عبد الرحمن بن عوف له وهو: أن يحكمهم بسنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فقد جاء في فتح الباري شرح صحيح البخاري عندما خطب عبد الرحمن بمن حضر من الصحابة من المهاجرين والأنصار وأمراء الأجناد في بيعة عثمان فقال لعثمان: "  أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون" وحدث هذا أمام سمع ومرأى من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فيكون إجماعا، وهذا الإجماع يدل على جواز اشتراط الأمة على الخليفة شرط إلتزامه بالدستور والقوانين المسطرة والتي تم تبنيها سابقا، ومثله اشتراط تحديد المدة، بل يفهم منه فوق ذلك تحديد صلاحيات الخليفة والزامه بالشروط الجائزة التي ترد في عقد البيعة والتي تبايعه الأمة  على اساسها.

فجواز فسخ عقد البيعة من طرف الخليفة جائز وهو ما يسمى بالاستقالة، وعدم حصولها من قبل الخلفاء الراشدين لا يعني عدم جواز الفسخ أو الاستقالة، ولا يقال أنّ موضوع الاستقالة هو بدعة، فعدم حدوث فعل أيام نزول الوحي لا يعني عدم جوازه.

 والوالي والمعاون، لم تحدد مدد لهم ومع ذلك يجوز تحديد مدة كل واحد منهم، كي لا يتمكن ويستقل بذاته، كما حصل مع معاوية، ومع الولاة أيام الحكم العباسي والعثماني، وجواز عزلهم من قبل الخليفة لا يعني تحديد مدتهم أو عدم تحديدها، ولا يقال إنّ أمر تحديد مدتهم هو بدعة، لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده لم يحددوها، فعثمان ابن أبي العاص الثقفي عين واليا على الطائف من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم ومكث مدة حياته صلى الله عليه وسلم وطول خلافة أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، وحدث هذا مع معاوية كذلك، ومع أبي بكر وعمر عندما كانا معاونين للرسول صلى الله عليه وسلم، فلم تحدد مدتهم ولكن كان أمر عزلهم بيد الرسول صلى الله عليه وسلم كحاكم، وجواز عزلهم لا يعني عدم جواز تحديد مدة لهم، وكذلك الخليفة، فمع عدم وجود نص يجيز تحديد المدة، فإنه كذلك لا يوجد نص يمنع تحديد المدة، لأن تحديد المدة هو شرط زائد عن شروط انعقاد البيعة، وكما أن من الأسباب الموجبة لتحديد مدة الوالي وتقليص صلاحياته هو عدم التمكن والاستقلال، فإن من الأسباب الموجبة لتحديد مدة الخليفة، هو منعه من التمكن والاستبداد من خلال تقريب أصحاب النفوس المريضة منه، ومحاولة التعديل في مواد الدستور بما يمكنه من إبقاء الحكم في ذريته، فتعود كما كانت قيصـرية وكسروية لأكثر من ألف ومائتي عام.

وقد كان لطول مدة بعض الخلفاء في الحكم ضرر واضح على الأمة والدولة، وهي نفس الأسباب الموجبة لتحديد مدة المعاون والوالي، مما يستدعي أن نأخذ بجواز تحديد مدة الخليفة كي لا يستبد.

فتحدد مدة الخليفة بخمس سنوات مثلا، كي لا يستبد، كما حصل مع كثير من الخلفاء، الذين مكثوا عقودا طويلة، خاصة إذا تولى الخلافة شابا، فبقاؤه حتى وفاته يجعل موضوع الاستبداد واردا جدا، فربما امتدت حياته إلى ما بعد الثمانين من عمره، وهي مسألة قابلة للاجتهاد والتبني، وليست مسألة قطعية، ولو تبنينا فيها تحديد المدة فإني أظن أنها ستكون أفضل.

 

أحمد أبو قدوم/عمان

 

 

مجدي ابراهيمذُقْ مَذَاقَ الآية .. ثم انظر .. ماذا عَسَاَكَ بالذوق ترى؟

للذوق صلة بالعاطفة التي ينشئها القرآن في قلب القارئ الحاضر دوماً مع الله، وله أوصاله الباقية في منبع الشعور وأنسابه الدائمة في منبت الوجدان. الأذواق مواجيد صارخة في الشعور الإنساني كافية وراقية. والخطاب الإلهي يُذاق أولاً فيتحرّك بمذاقه الشعور، فيتولّد عن الشعور الفكر والعقل والفهم والتّدبُّر. والأصل في ذلك: قوةٌ في الشعور وحساسية في الوجدان ومذاقٌ في أعمق طويا الضمير.

ليت شعري .. ماذا عَسَانَا كنّا فاعلين فيما لو حرمتنا الأقدار نعمة التذوق في آي القرآن؟

من آراء الإمام محمد عبده - عليه رحمة الله - المأثورة في الدلالة على عمق الشعور باعتباره الأصل الأصيل لتفريعات الفكر والعاطفة؛ أن العاطفة هى المصدر الذي ينبثق عنه قوة الوجدان، وعن قوة الوجدان يصدُر التعقل والتأثر والفهم والتدبُّر كأصول أصيلة لفهم القرآن. وهذا الرأي كان تحدّث عنه الدكتور محمد إقبال أيضاً، فجعل من منبت الشعور قوة خلاقة مبدعة متميزة خالصة يقوم عليها الفكر ويعتمد اعتماداً كلياً على أسسها ومقوماتها، وليست هى بالقوة السطحيّة السلبيّة العارضة.

ليست العاطفة بالشيء الهيّن اليسير، ولكنها وقود الحركة لكل جميل في الإنسان. وإذا كان الفكر يستند عليها ويعتمد؛ فليس ثمّة شيء أعلى منها ولا أرفع في الشعور بقيم الجلال والجمال.

وفي ردود الأستاذ "العقاد" على شاعر العراق "جميل صدقي الزهاوي"، وكان هذا الأخير علمانيّاً يأخذ بالعقل والعلم ويقصّي العاطفة جانباً، مالَ "العقاد"، رحمه الله، ميلاً جارفاً إلى هذا الرأي الذي يحتكم فيه صاحبه إلى قوة الشعور، فيؤمن بالعاطفة والوجدان قبل إيمانه بالبحث والتفكير، أو يجعل من الشعور مصدراً لكل بحث ولكل تفكير، لكأنما كانت غزارة العاطفة وقوة الوجدان أشياءً علويّة مُلهمة لكل تفكير صائب ولكل بحث أمين. ولم يكن هذا الرأي غريباً ولا هو بالرأي الذي يقصر عن الإحاطة بمصدر الإحساس الحيوي في الإنسان على التعميم، لأنه يستهدف التوسعة من نصيب الإنسان منه، وليس هو بالنصيب القليل.

ومن رأيه: أنّ الشاعر صاحب خيال وعاطفة. والفيلسوف صاحب بديهة وبصيرة وحسابٌ مع المجهول. والعالم صاحب منطق وتحليل وحساب مع هذه الأشياء التي يحسُّها ويدركها أو يمكن أن تحسّ وتدرك بالعيان أو ما يُشبه العيان؛ وذلك في معرض التفرقة الفارقة بين الملكة العلميّة والملكة الشعريّة، وبين بديهة الفيلسوف وبديهة العالم.

وعنده: أن "الزهاوي" صاحب ملكة منطقية لا حجاب عليها، وآراؤه في مواطن التحليل والتعليل ملموسة، ولكنك تضل فيها الخيال كثيراً والعاطفة أحياناً، وتلتفت إلى البديهة، فإذا هى محدودة في أعماقها وأعاليها بسدود الحسّ والمنطق لا تخلي لها مطالع الأفق ولا مسارب الأغوار. من ذلك ترى؛ أن رأي العقاد وإن كان منصفاً للعاطفة لم يكن يجنح إلى الصرامة المنطقيّة التي يراها تقف حجرة عثرة أمام العاطفة والخيال والبديهة وهي بلا شك ملكات عليا ليست بالدنيا، ولن تكون.

وفي ردود "العقاد" على "الزهاوي"، تغليبٌ - كما قلنا - للعاطفة على العقل والمنطق العقلي. لقد كانت أحلام العواطف دوماً ممّا يؤجج الرغبة ويُلهب الخيال، فجاء العقل كالخادم الأجير يُحقق ما تعلقت به الأخيلة واتجهت إليه الرغبات. ولا ريب في أن الحواس تتفاضل بقدر ما فيها من الشعور والاستمداد من باطن النفس لا من ظواهر الأشياء، وأن الحواس بلا ريب كذلك تستمد شعورها من القوة الحيّة التي خلقتها ونوّعتها وهى قادرة على تغيير الخلق والتنويع.

في هذه الردود توكيدٌ قوى على منبت الشعور كونه أساس العواطف ومصدر الأفكار وهو معتمد العقول الكبيرة بغير جدال.

ومناسبة العاطفة للمنطق أنها هى شيء موجود لا يصحُّ للمنطق إلا إذا حسب له حسابه، فأي منطق يحق له أن يقول عن عمل من أعمال الناس ينبغي أن يكون هكذا أو لا ينبغي أن يكون كذلك إنْ لم يكن يحسُّ العاطفة الإنسانية ويستنكه مضامينها ويقيم لها وزنها؟

إنّ السعادة التي ينشدها الإنسان إنْ لم تكن "عاطفة"، فهى لا شيء، وإنْ لم يكن العلمُ علم إنسان "عاطف" فلا حاجة به لإنسان.

نودُ أن يتأكد هذا في العقول؛ لأننا على مرحلة يجهل فيها الشرقيون ما يعوزهم؛ فيجب أن يعلموا أن الذي يعوزهم هو "الإحساس القويم"، وأن سبيل خلاصهم هو سبيل العاطفة الحيّة والشعور الصادق الجميل.

وحيث يغيبُ الإحساس القويم من عاطفة الإنسان تغيب معه إنسانيته فلا يتسامى إليها، ولا يظفر بوسائل التسامي إليها من حيث هجر العواطف أو هجرته العواطف فأقفرت شعوره وحجّرت مواجيده فنضبت حياته الحيّة على التعميم. من هنا تكون للعاطفة دورها الحيوي وغايتها المعرفية كذلك، ولا تخلو مطلقاً ممّا يؤجج الرغبة ويُلهب حماسة الخيال.

ولننظر الآن إلى أقوال الإمام محمد عبده، وهو يتكلم في تفسير المفسّرين .. ما هو الشرط الذي يشترطونه ويراعون حضوره؛ ليكون تفسيرهم مقبولاً على منهج التذوق قبل قبوله على أي منهج كان كيفما أتفق؟ قال الإمام محمد عبده "... وليت أهل العناية بالاطلاع على كتب التفسير يطلبون لأنفسهم "معنى" تستقر عليه أفهامهم في العلم بمعاني الكتاب ثم يبثونه في الناس ويحملونهم عليه. وأعني "بالفهم" ما يكون عن "ذوق" سليم تصيبه أساليب القرآن بعجائبها، وتملكه مواعظه فتشغله عمّا بين يديه ممّا سواه. لا أريد الفهم المأخوذ بالتسليم الأعمى من الكتب أخذاً جافاً لم يصحبه ذلك "الذوق" وما يتبعه من رقة الشعور ولطف الوجدان اللذين هما مدار "التعقل" والتأثر والفهم والتدبر...".

فهذه الكلمات النابهة هى أعلى ما قرأت من قرائح العقول التي تناولت فهم القرآن. وواضح أن الإمام محمد عبده يتحدّث هنا عن "الفهم" بالطريقة التي حدّد أصولها فيما ينبغي أن تكون صادرة عن ذوق سليم. فالفهم في رأي محمد عبده، وفي رأي كل من يصيب بتوفيق الله من الفهم نصيباً، هو أن يكون صاحبه ذَوّاقة، لا يعتمد على النقل أو التقليد بالتسليم الأعمى لما قيل من قبل في الكتب، لأن الكتب دالة مرشدة وكفى، وليست بالتي تصدر الإبداع الذاتي كما يُصدره الذوق الأصيل.

وشرط التذوق أن يجيء سليماً مُعَافاً من الكزازة والمُعاظلة. وشرط السلامة أن يكون تعامله مع أساليب القرآن فهماً راقياً مَرَدَّهُ إلى إدراك المعنى المستقر من طريق التذوق ..

التذوق لماذا؟ التذوق للقيمة، وللمعنى، وللأسلوب يفرضه التأمل الداخلي لأجواء الآية، ولكشف حكمتها بما عساه يفتح الله به عليه. وإنّ تأملاً يصاحب المتأمل في أجواء الآي الكريم لهو التأمل الذي يقود صاحبه - فيما لو صدق - إلى السّبح الهائل في ملكوت القرآن؛ سبحاً يملك عليه أقطار نفسه، فلا يدع له نظراً في سواه. ولا شرط لمثل هذا التأمل غير شرط الإخلاص، ولا شرط لورود الإخلاص غير مراقبة الله الدائمة في السّر والإعلان.

ويوم أن يشعر الطالب لهذا المعنى شعور التفهيم والتذوق إلى حيث يستقر على فهمه "معنى"، وإلى حيث يكون العلم بمعاني الكتاب علماً قويّاً قائماً على الإحساس بسلامة المطلب، وبسلامة الطبيعة الداخلية، وسلامة الضمير الجوَّانيِّ من أمراض العلل والآفات التي تعترض الفاهم أو الباحث حين يريد أن يعتني بالاطلاع على كتب التفسير.

يوم أن يشعر الطالب لهذا المعنى ذلك الشعور الذي يصاحبه في الطالب مواهب التذوق وقدراته، وهى مواهب وقدرات تنبع من رقة الشعور ولطف الوجدان، ولا جَرَمَ أن رقة الشعور ولطف الوجدان هما مدار التعقل ومدار التدبُّر ومدار الفهم ومدار التأثر. يوم أن يشعر الطالب بكل هذا شعور التذوق والتفهيم؛ لهو هو اليوم الذي أصاب من ثمَّ فيه الفهم، وحقق منه نصيباً عالياً، بفضل الله، من أنصبَة اليقين الذي لا يقارنه شك إلا أن يكون الشك الذي يجيء مصاحباً مع الفقدان.

 

د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيشكلت آراء القدرية الأوائل، الصيغة الفكرية الجديدة لمعارضة أيديولوجية التكفير السياسي والعقائدي. حيث مثلت من الناحية التاريخية نفيا لها من خلال وضعها المقدمة العقلانية الأولى لظهور المعتزلة، وبالأخص لمبدئها عن المنزلة بين المنزلتين. فقد سلكت في تقييمها للقوى المتصارعة سلوكا مستقلا، وقدمت نموذج "التعالي" عن الانصياع إلى الاتهام المتبادل والأحكام الجازمة في تقييم النفس والخصم، وجسدت إمكانية التباين والخلاف في الأحكام العقلية ورفض الإجماع كمقياس للحقيقة. إلا أن ضعف هذا المبدأ كان مرتبطا بتدخل الدولة في شؤون المفكرين وثقل المصالح الأيديولوجية للسلطات والفرق. حقيقة أن تدخل الدولة لم يؤد إلى صياغة منظومة فكرية. وذلك لأن المنظومات الفكرية هي على الدوام حصيلة تطور عناصرها الخاصة، التي يشكل الموقف من السلطة أحد عناصرها لا كلها. ذلك يعني أن الدولة تتدخل على الدوام في شئون الفكر، لكن المقصود هنا هو  تدخلها "السافر". وهو تدخل لا يتطابق من حيث محتواه مع خرق الحقيقة أو تشويهها. إذ يجوز أن تلتقي آراء المفكر مع مصلحة السلطة ونظامها السياسي، أو حتى مع رموزها وشخصياتها الكبرى. إضافة لذلك إن لهذه العلاقة جوانب عديدة مرتبطة بتنوع مستويات ونماذج التقييم منها مثل التقييم التاريخي والعلمي والسياسي والفكري. وهو واقع لا يفترض بالضرورة تطابق هذه المستويات والنماذج، كما لا يستدعي إهمال أحدها لحساب الآخر. إذ لا ينبغي النظر، على سبيل المثال، لواقع خرق المعتزلة لحقيقة مبادئهم عندما أيدوا المأمون في أساليبه تجاه المعارضة الفكرية، وبالأخص أسلوب "المحنة"، من زاوية الأحكام السياسية أو الأيديولوجية وغيرها من الجوانب، وذلك بسبب تداخل الفكر والسياسة وتشعبات لا تحصى فيها.

وبغض النظر عن كل المآسي والحالات الدموية لتي رافقت صيرورة الدولة والحضارة، إلا أنها استطاعت وضع حجر الأساس، الذي بني عليه صرح التأويل، التي شكل الباطني فيها إحدى صيغه المتطرفة. وذلك لأنه فسح المجال أمام اختلاف الأفكار والمقالات بصورة غير متناهية، وبالتالي هدم إمكانية ونفسية احتكار الحقيقة. وهي نتيجة دفعتها المتصوفة لاحقا إلى أقصى درجاتها، عبر إزالة التكفير من مقالاتها، وكذلك بصياغتها "شرعية" الإلهام والوحي في التجربة الصوفية. وفي نفس الوقت أدى تطور الدولة والحضارة إلى ظهور وتبلور واستتباب ظاهرة و"منظومة" "أهل السنّة والجماعة"، التي صنعت بدورها أدواتها وتقييماتها الخاصة بنفسها وتجاه من يخالفها.

 كل ذلك يكشف عن تنوع هائل في المواقف والتقييمات يتوزعها الاتهام والمديح، والعقلانية السياسية والنزعات الأيديولوجية والعلمية ونفسية الجدل وغيرها. ولم يكن ذلك نتاجا لميدان معين دون آخر، بقدر ما أنه كان نتاجا لتطور العلوم الناشئة آنذاك وصراع القوى السياسية والفكرية. ولم يكن ذلك محصورا بأهل السنّة والجماعة، بل والفرق الأخرى التي دفعها للوجود تطور الثقافة الإسلامية في مجرى القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الخلافة.

وأفرزت البدايات الأولية للشعر والنحو والأدب والبيان المرتبطة بالقرآن من تفسير وقراءات، وبالحديث من جمع وإسناد، وبالفقه وأصوله وفروعه، وبالجدل والخلاف فيه، تدريجيا أساليب متنوعة في التقييم، كانت تسري بصورة خفية بين ثنايا المعارضة الخفية ضد الاتهام الحسي المباشر. إذ نرى بروز القيم الفنية الجمالية يترافق مع الاهتمام الأولي بالشعر واللغة والنحو والأخبار. ومع أن ظهورها ارتبط تاريخيا بالتطور الحضاري نفسه والصراع الاجتماعي السياسي والديني والأيديولوجي المرتبط به، فإن الاهتمام بالجوانب الفنية والجمالية فيه أدى إلى صياغة أسلوب جديد للتعامل مع المادة المدروسة على أساس تقييمها الفني الجمالي. مما أدى بدوره إلى تطبيقه اللاحق على مختلف جوانب الإبداع والفكر، بما في ذلك دراسة البيان والبلاغة والبديع وغيرها من القيم الفنية الجمالية - اللغوية في القرآن. ومع أن ذلك لم يكن معزولا عن الصراع العقائدي والسياسي المباشر، إلا انه ساهم في جعله جزءا من صيرورة الحضارة وتكامل روحها الثقافي. وفسح بالتالي المجال أمام حرية الفكر وتمنطقه.

فمن الصعب توقع ألا تؤدي، على سبيل المثال، الكتب الأدبية والتاريخية للجاحظ (ت – 255) وأبي فرج الأصفهاني (ت – 356) إلى استثارة وتشوق الوعي السياسي والجمالي والفني الأدبي، وترسيخ قيم محاربة العقائد الجافة والتقليد وروح العداوة والاتهام، بفعل تسامي الجميل والبديع فيها واحتواءها المنظم على ذخيرة هائلة من القيم الدنيوية الرفيعة.

وأدى تطور الأدب وقواعد اللغة وفروعها إلى تطوير الأحكام المنطقية ودخول المنطق معترك الحياة والثقافة. وعلى الرغم من أن الدراسات اللغوية والشعرية الأولى لم تتجرد عن الدين وإشكالاته، كما هو واضح في كتابات أئمة اللغة والأدب مثل أبو عمرو بن العلاء (ت - 145) والخليل بن أحمد الفراهيدي (ت - 170) وسيبويه (ت - 180) ويحيى بن زياد الفراء (ت - 207) وسعيد بن مسعدة الأخفش (ت - 215) وعبد الملك ابن قريب الأصمعي (ت - 216) وعثمان بن محمد المازني (ت - 236) وغيرهم. بل لم يكن بإمكانها التجرد عنه بسبب الوحدة التاريخية والعضوية بين القرآن واللغة العربية آنذاك، والمهمات الجديدة في استيعاب المصدر الروحي للثقافة الإسلامية نفسها.

لقد اشترك الشعر وعلم التاريخ والنوادر والأخبار والآثار في استيعاب النص القرآني، مما جعل منه نصا لغويا في ميادين اللغة والنحو. ومن ثم تمنطقه. وأدرك الدارسون منذ وقت مبكر العلاقة الوثيقة بين اللغة والمنطق. من هنا ظهور العبارة الدقيقة عن أن النحو هو منطق العرب، وأن المنطق يعادل الكلام. ذلك يعني، إن المنطق لم يعد أسير ميدان معين دون آخر بعد أن اخذ يتغلغل في الوعي المجرد والدراسات اللغوية. حينذاك أصبح أحد العناصر الجوهرية التي أخذت تبلور ذهنية الباحثين وأسلوب تحليلهم. ومن ثم التأثير على تقييمهم للأحداث والأشخاص والظواهر. بحيث اصبح من الصعب مزاولة ذلك وتجاهل المنطق في الأحكام في نفس الوقت.

ولم يعن ذلك أن المنطق قد طرد بصورة تامة كل ما لا يتلاءم معه. كل ما في الأمر أن تغلغل المنطق في مختلف الميادين والعلوم والحياة الشخصية لرجال الفكر والإبداع ضيق من إمكانيات التقليد والإيمان الأعمى. كما يشير إلى المقدمات غير المرئية الفاعلة في تثوير المواقف النقدية والتقييم العلمي، الذي سار جنبا إلى جنب مع التقليدية الصارمة واستبداد النص. لكنها كانت تحمل في ذاتها، شأن كل ظاهرة من هذا القبيل، على بذور تحللها. إذ كان لا بد لها من الظهور والتصير بصورة تدريجية مع مجرى تطور الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية. فالاهتمام الأولي والمفرط أحيانا بل والضروري تاريخيا بالقراءات والتفسير، بوصفهما أجزاء من علوم القرآن، دفع إلى أساليب التواتر والإسناد إلى مقدمة التعامل مع المادة المدروسة. فقد استندت القراءات السبع وعلوم الحديث من حيث الجوهر إلى التواتر. وبغض النظر عن التعقيدات التي آثارها في وقت لاحق، إلا انه لعب دورا علميا كبيرا بالنسبة لتطوير الدراسات اللغوية والنحوية من جهة، ولترسيخ أسس الرؤية المنطقية والعلمية بالنسبة لأدوات الصراع الفكري في مختلف الميادين. مما أدى لاحقا إلى استبداد ما يمكن دعوته بالتقييم الإسنادي.

ولم يكن ذلك فعلا سيئا على الدوام. بل يمكن تقرير العكس! فقد جمّع الإسناد وتقاليده السيئة أيضا عناصر التدقيق العلمي في التعامل مع الآثار التاريخية. إذ استثارت معرفة الناسخ والمنسوخ، على سبيل المثال، حفيظة الذاكرة التاريخية للدرجة التي أرهقت الفقهاء في وقت لاحق، بحيث اضطر الزهري للقول: "أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله من منسوخه". ومهما يكن من أمر هذه القضية، فإن الإعياء ساهم في عبور الشوط الأساسي بالنسبة للجري في ميدان قواعد التدقيق في الإسناد. وبدونه كان من الصعب بناء صرح الأحكام المنطقية والتقييم السليم. إذ كان ينبغي تنظيف الساحة أولا من أجل وضع الأساس.

وبغض النظر عن استحالة تحقيق هذه المهمة بصورة تامة، إلا أنها صاغت من خلال وضعها قواعد التشدد والتمحيص الدقيق تجاه شخصيات الإسناد، مفاهيم الموقف التاريخي ـ العلمي ـ الأخلاقي، الذي حصل على نماذجه المرجعية الرفيعة في مقولات ومعايير الصحيح والحسن والضعيف والمرسل والمنقطع والمعضل والشاذ والغريب. بعبارة أخرى، إن استبداد الإسناد، الذي ولعت به في بداية الأمر المدرسة الحجازية عند كل من مالك بن أنس (ت – 179) وعبد الله بن إدريس الشافعي (ت – 204) ولاحقا عند احمد بن حنبل (ت – 241)، لم يتعارض في بعض جوانبه مع المدرسة العراقية، مع انه تحول إلى جزء لا يتجزأ من ذهنية التقليد. إلا أن ما يبدو مشتركا في ظاهره، أدى إلى نتائج مختلفة وأحيانا متعارضة، على الأقل في مجال التأثير الفكري اللاحق بالنسبة لعلم الحديث والفقه والجدل والخلاف وعلم الكلام. حيث نرى، على سبيل المثال، أبو حنيفة (ت – 150) بوصفه الممثل البارز للمدرسة العراقية، اكثر تشددا في الظاهر تجاه رواة الحديث، وأشد "جمودا" من ممثلي المدرسة الحجازية بهذا الصدد. إذ تورد لنا الروايات التاريخية عنه تشدده المفرط، الذي جعله لا يستعمل في استنباطاته واستدلاله الشخصي في الفقه سوى بضعة عشرات من الأحاديث. بل يقال عنه، إنه حفظ سبعة عشر حديثا فقط، على خلاف الممثل البارز للمدرسة الحجازية أحمد بن حنبل، الذي حفظ كما يقال خمسين ألف حديث. وفي الوقت الذي تبرز في المدرسة العراقية أولوية الحقيقة والدقة التاريخية والحكم العملي ـ الحقوقي، تبرز في المدرسة الحجازية أولوية الأبعاد الدينية والأخلاقية الموثقة إسنادا. وبما أن كل شيء عرضة للتغير، وإن السعي نحو الوحدة والتجزئة هو العملية المطلقة لكل موجود، لهذا لم يستطع علم الحديث تجنب مواجهة مصيره في هذه الحركة المتغيرة. بمعنى مواجهة الوحدة المتجزئة والتجزئة المتوحدة، كما هو جلي في مفاهيم النقل والعقل، والمعقول والمنقول، التي أدت الى مواقف مختلفة تجاه جوانب ومستويات الثقافة الإسلامية.

أما من الناحية التاريخية، فقد ارتبط التقييم المختلف في مراحله الأولى بصيرورة المفاهيم والأحكام الفقهية، وذلك لعلاقتهم المباشرة وغير المباشرة بتقاليد التقييم، التي أفرزتها مواجهات القوى الاجتماعية والسياسية في بداية نشوء الخلافة. إلا أن الاختلاف النوعي الجديد عنها يقوم في إدخال العقل كحاكم معترف به من قبل القوى المتصارعة، مما أعطى "للثورة والثورة المضادة" أسلحة متكافئة في المواجهة والصراع.

والشيء نفسه يمكن قوله عن ظاهرة التكفير. إذ بغض النظر عن استمرارها، إلا أن نوعيتها الجديدة تقوم في استنادها إلى أحكام الحقوق العقلانية وليس إلى أحكام العقائد ـ النفسية والحزبية. اذ لم تعد أحكام الحقوق قواعد لها أسسها التاريخية وتقاليدها الخاصة فحسب، بل ولدورها الفعال في الفقه وأثره بالنسبة لصيرورة الدولة ومكوناتها الأساسية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والحقوق والأخلاق والفكر، أي في تدويله للأخلاق وأخلقة الدولة.

فالفقه المستند إلى تقليد الإسناد (النقل) الصارم في الحديث وذهنية النص المطلق في القرآن، أديا في آن واحد إلى بلورة الأحكام الواقعية في التقييم، وكذلك إلى شرعنة التكفير وإباحة الدماء. وهي مفارقة سوف ترهق أئمة الفكر في الخلافة، كما هي مرهقة بالنسبة لكل منظومة سياسية ـ اجتماعية ما زالت الدولة قائمة. ومن الناحية التاريخية لا يتحمل الفقهاء لحالهم مسؤولية حمل خاتم القهر والاستبداد، بقدر ما كان ذلك مرتبطا بتقنين ما سمي "بأعمال المكلفين" من حضر وندب وكراهة وإباحة وغيرها من الأحكام المتعلقة بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية للأمة. وهي أحكام لها علاقة بحرية الفرد وتحديدها. الأمر الذي يفسر لنا سر الصراع القاسي بين فقه الفقهاء وتصوف المتصوفة، باعتباره صراعا بين "الحقيقة" و"الشريعة"، الذي دفع بالمتصوفة للخروج من إطار العادات والعبادات التقليدية المقننة، إلى ميدان التجربة الخاصة.

وليس هناك من معنى لإدانة الماضي في جانب واحد فقط من جوانبه. وذلك لأن الضيق المميز للفقه هو ضيق يميز الحقوق جميعا. وذلك لأنها تسعى لتأسيس الحرية من خلال تقنينها. ولم يتعد الفقه تاريخيا حدود ما هو مميز له. من هنا مساهمته الهائلة في صياغة مفاهيم وأساليب التحديد الدقيق والترجيح المستندة إلى أدلة الدراسات اللغوية للنصوص ومعطيات العلوم التاريخية، والمنطق وأدلة العقل في بحثه عن الأسباب والحقيقة الملموسة. ولا يمكن توقع كل ذلك خارج مساعي القوى المتصارعة لأجل إكساب تصوراتها وأفكارها وأحكامها قوة القانون.

وفي الحصيلة أدى ذلك إلى ظهور علم مستقل بالاختلاف والبرهنة على صحة التصورات والأحكام الشخصية هو علم الجدل والخلافيات. فقد كان النظر في الأدلة الشرعية، الذي استند في البداية إلى القرآن والسنّة وفي وقت لاحق إلى القياس والإجماع، يجري شأن الاتجاهات العامة في العلوم الأخرى، بين تيارات متباينة ومتعارضة وذات توجهات وقواعد خاصة بها. فتظهر أمامنا في النحو واللغة كل من المدرسة البصرية والكوفية، وفي الحديث المدرسة الحجازية والعراقية، وفي الفقه طريقة أهل الحديث وأصحاب الرأي والقياس. وضمنها تتصارع وتختلف مدارس الشيعة والخوارج والظاهرية. إلا انه اختلاف وتباين جرى في الإطار العام ضمن هذين التيارين الكبيرين.

ولم يقف التطور اللاحق عند حدود الاعتراف بالمدارس المختلفة وصراعاتها، الذي ساهم مساهمة فعالة في تطوير الروح والعقل وترسيخ حرية الفكر وآدابها في الحضارة الإسلامية، بل وبإنتاجه العلم، الذي أخذ على عاتقه مهمة تقنين الجدل وآدابه ومعرفة قواعد الحدود وآداب الاستدلال، أي تعليم كيفية الدفاع والهجوم الفكري، وتعليم الجدل الحر المستند إلى قواعد المنطق. مع أن ذلك لم يقض بصورة نهائية على السفسطة والأغاليط.

وأدى هذا الاختلاف والتنوع والوحدة إلى بناء جهاز تقييمي مناسب نشأت على أركانه منظومة من المعايير والقيم الضرورية للرؤية العلمية. وهو بناء لم ينف نوازع العقائدية والأيديولوجية وتبرير المصالح الضيقة، بوصفها إضافات ضرورية لا يمكن للصراع الفكري أن يتخطاها أو يتخلص منها بصورة نهائية، لأنها تؤدي إلى إضعاف طاقته الذاتية، شأن الغريزة بالنسبة للأخلاق والإبداع.

***

ا. د. ميثم الجنابي