mutham aljanabi2للأفكار الكبرى ومشاريعها النظرية والعملية عن البدائل حالات تشاؤم وتفاؤل، وفعل وخمول، ونفي وإيجاب، وعقل ووجدان مع ما يلازمها بالضرورة من أحوال متنوعة ومختلفة ومتضادة، لكنها تسير في نهاية المطاف أما باتجاه تقوية وتهذيب الإرادة المعنوية والفعلية للانا الفردية والقومية وأما باتجاه الاندثار والتلاشي في هباء الوجود الساري للأمم.

وقد جسدت الفكرة الإصلاحية الإسلامية هذه الأحوال جميعا، كما وقفت في نهاية المطاف أمام المنعطف الكبير في التاريخ العربي الحديث دون أن تتغلغل في بنية نظامه السياسي أو تؤثر به بطريقة يجعل منها احد الأنساق الفاعلة في تنظيم الوعي والوجود الاجتماعي. وبالتالي إرساء أسس التطور الطبيعي والتلقائي للعالم العربي. وقد كانت تلك الدراما الأوسع والأعمق والأشد فاعلية لحد الآن في العقل والضمير العربي التاريخي. مع ما ترتب عليها من مسار مأساوي يتناقض مع ما فيه من كمون ضروري عن أولوية الفكرة المنظمة في ترتيب وجوده الطبيعي والماوراطبيعي على مستوى الفرد والجماعة والأمة والدولة والثقافة. ولم تكن هذه الحالة معزولة عن انكسار التاريخ العربي الحديث بفعل انبعاث نهضته الثانية وهو بين فكي العثمانية المتهرئة والغزو الكولونيالي الأوربي. الأمر الذي كان يمزق كل المحاولات الجريئة و"المستقيمة" للفكر الحر، كما نراه على سبيل المثال في المصير التاريخي للفكرة الإصلاحية عند محمد عبده.

فقد جسّد محمد عبده في مصيره الشخصي الصيغة النموذجية لمصير الفكرة الإصلاحية. بمعنى بقاءها معلقة في سماء الإبداع النظري وتساؤلات الثقافة والتاريخ القومي. مع ما ترتب عليه من اغتراب نسبي عن الوعي الاجتماعي العربي الجديد. مما افقدها إمكانية التغلغل في بنية النظام السياسي بالشكل الذي يحدد آفاق تأثيره الديناميكي المنتظم على مستوى الفرد والمجتمع والدولة والقومية والثقافة. لاسيما وان الفكرة الإصلاحية التي بلورها محمد عبده في مجرى عمله النظري والعملي قد بلغت مستوى التأسيس الواضح لما يمكن دعوته بفلسفة الإصلاح الإسلامي.

لقد تراكمت فلسفة الإصلاح الإسلامي عند محمد عبده في مجرى انتقاله العاصف من رتابة الحياة اللاهوتية في الأزهر إلى عالم الحياة الفكرية والروحية والسياسية التي جعلت من الشخصية "رهينة" الالتزام الفعلي أمام "العلم الإلهي". وشأن كل "رهينة" من هذا النوع عادة ما تصبح حياتها تجليا أو تمظهرا لما في "العلم الإلهي" من حقائق هي عين ما وضعه محمد عبده في علمه النظري والعملي تجاه مختلف قضايا الوجود التي واجهها. ولم تكن مواجهته الأولى إلا مع النفس، شأن كل كبار العقول والنفوس والقلوب. وإذا كان الأفغاني هو مقلّبها من طور الكمون إلى طور الوجود، فلأنها الصدفة الجميلة التي يصعب حدها بمعايير المنطق، رغم تمثلها لكل ما فيه، ولكن بمعايير الإخلاص للقيم الإنسانية الكبرى. ولم تكن هذه القيم بالنسبة لمحمد عبده، كما هو الحال بالنسبة لرجال الإصلاح الإسلامي ككل، سوى الحصيلة الصافية للثقافة الإسلامية بعد وضعها على لهيب المعاناة الفردية المتربية بإرادة التصوف، أي المتحررة من العبودية الكامنة في الغريزة.

فقد مر كل من الأفغاني ومحمد عبده على لهيب التصوف الأخلاقي. لكنه تصوف الروح المتسامي. من هنا التقائهما الدائم ووحدتهما الحية التي صهرها طور الارتقاء إلى إدراك أهمية وضرورة الإصلاح الديني. وإذا كانت البداية للأفغاني فلأنه أول من تمثل وسعى لتجسيد وتحقيق الفكرة الإصلاحية. بينما كان محمد عبده مستعدا لها. وليس مصادفة أن نعثر في عبارات محمد عبده على وصف "تاريخي" اقرب إلى صورة الغرائب الجميلة التي عادة ما تنطوي في ذاكرة الطفولة لتتحول مع مرور الزمن إلى ذكرى محفورة في الوعي والعقل والضمير. حيث يروي لنا في مذكراته كيف انه عام 1869 جاء رجل غريب، بصير في الدين عارف بأحوال الأمم، جرئ القلب هو جمال الدين الأفغاني(1). رجل أيقظ كلامه المشاعر وأثار انتباه العقول، وخف حجاب الغفلة. وبأثر آراءه ظهرت مقالات عن الحرية والفكر والنقد، بحيث عملت الدول الأوربية كل ما بوسعها لإقناع السلطة الخديوية بان مصدر القلاقل هو الأفغاني. لقد استطاع الأفغاني، كما نستشفه من تقييم محمد عبده، في مجرى عشر سنوات من تغيير الحالة الفكرية في مصر. بعبارة أخرى، إن مصر قبل الأفغاني مجرد خراب. والفكر معزول عن الواقع، والسلطة عن المجتمع، والنخبة لا علاقة لها بالماضي والمستقبل، والنظام السياسي متهرئ.  وأن كل ما قام به محمد علي باشا وأحفاده بقي معزولا عن المجتمع. والسلطة مطلقة فوق كل اعتبار(2).

إننا نعثر في مواقف وشخصية محمد عبده على بعد فكري سياسي تاريخي وروحي جديد يقوم في جعله شخصية الأفغاني فاصلا بين تاريخين في حياة مصر. مع ما ترتب عليه من موقف يتضمن الفكرة المقررة على أن التغير الكبير في مصر والعالم العربي لم يجر بفعل الدولة والسلطة و"الصدمة الفرنسية" بأثر غزوة نابليون، بل بأثر رجال الإصلاح الإسلامي. وهي فكرة سليمة وعميقة بقدر واحد. وبقدر ما ينطبق ذلك على حياة مصر، فانه ينطبق أيضا على حياة وشخصية محمد عبده نفسه من جهة، وعلى حياة الفكر والفكرة الإصلاحية نفسها من جهة أخرى. وقد وضعها محمد عبده في المقاطع المكثفة لسيرته الشخصية عندما جعل من شخصية الأفغاني وأثرها في تجربته الحياتية حدا فاصلا بين مرحلتين ما قبل الأفغاني وما بعده(3). فقد كانت حياته قبل لقائه بالأفغاني سلسلة حلقاتها لهو ولعب وفوضى واستعداد للمعرفة (بأثر التصوف) لكنه منذ عام 1287 (1871) نراه يلازم الأفغاني ثمان سنوات (1879) بحيث نسمعه يقول "أن أبي وهبني حياة يشاركني فيها على ومحروس. والسيد جمال الدين الأفغاني وهبني حياة أشارك فيها محمد وإبراهيم وموسى وعيسى والأولياء والقديسين".

لقد نقله الأفغاني إلى ضرورة تمثل الوحدة الخفية والحيوية لعوالم الملك والملكوت والجبروت التاريخية والسياسية. إذ نراه "يجبره" بأثر الشخصية والمعرفة والإخلاص على تمثل حقيقة "الأنبياء والأولياء والقديسين" القائمة في استعدادهم للعمل من اجل الجميع. فإذا كانت حياة محمد عبده قبل الأفغاني انتقال بين عوالم الملك والملكوت، فان الأفغاني ربطها بحلقة الجبروت الضرورية، أي بفكرة الإرادة الواعية لمهمة الإصلاح. من هنا رده الجازم على تمّنع محمد عبده من الانخراط في العمل السياسي والاجتماعي المباشر قائلا:"لو كان الناس مهديين لما كانوا في حاجة إلى أمثالك". وإذا كان الهدف السياسي الأكبر للأفغاني كما يقول محمد عبده هو "إنشاء دولة إسلامية قوية، تكنس الانجليز من الشرق" فمن الممكن توقع حجم المواجهة الخفية التي كانت تعتمل في شخصية محمد عبده وتاريخه اللاحق.

لقد وقف محمد عبده أمام مهمة "الهداية" والكفاح من اجلها في ميدان الدولة والأمة والوعي، متأثر بشخصية الأفغاني التي وجد في ذهنها عبقرية هائلة، بحيث بلغ بها "أقصى ما يبلغه إنسان من غير الأنبياء". ولا تعني هذه العبارة في عرف اللغة التي تطبع عليها محمد عبده وتغلغلت في أعماقه الوجدانية والإدراكية، سوى بلوغ حالة الكمال الإنساني الطبيعي. بحيث نرى محمد عبده يتتبع هذا الكمال في كل شيء، من أخلاقه حتى ملامحه الظاهرية. فقد صوره بصورة بليغة ودقيقة عندما رسم لنا ملامحه الأخلاقية قائلا، كان الأفغاني سليم القلب، حليم أواب وأسد وثاب، كريم أمين قليل الحرص على الدنيا، بعيد عن الغرور، ولوع بعظائم الأمور عزوف عن صغارها. بل أن مظهره وشكله عربي حجازي كما لو انه يتمثل ويستعيد تاريخه وأصوله! كما انه كان جميلا ميال في مصر إلى إتيان المباحات مثل الجلوس في المتنزهات وما يزيل كرب المحزونين(4). إننا نقف أمام شخصية تتسم بقدر كبير من الإشكالية والتحرر، وتحتوي بالقدر نفسه على وضوح في الرؤية والوسيلة والغاية. ومن هذه الكتلة المثيرة تفجرت براكين الفكرة الإصلاحية عند محمد عبده، كما نعثر عليها في إحدى رسائله للأفغاني عندما كتب يخاطبه "ليتني كنت اعلم ما اكتب إليك وأنت تعلم ما في نفسي كما تعلم ما في نفسك. صنعتنا بيديك، وأنشأتنا في أحسن تقويم. بك عرفنا أنفسنا والعالم. كنت أظن قدرتي بقدرتك غير محدودة. إنني منك في ثلاث أرواح لو حلّت إحداها في العالم بأسره وكان جمادا لحال إنسانا كاملا. فصورتك تجلت في قوتي الخيالية، وامتد سلطانها على حسي المشترك، ومعي رسم الشهامة وشبح الحكمة وهيكل الكمال"(5).

لقد رفع محمد عبده شخصية الأفغاني إلى مبدأ ونهاية الوجود الروحي والعقلي كما لو انه صورة الكمال الأبدي. من هنا مخاطبته أيضا بعبارة "نحن على سنتك إلى انقضاء الآجال". بل واعتبره في احد مواقفه "حقيقة كلية" تتجلى للناظرين كل على قدر ما فيه. وليست هذه الذروة في الواقع سوى الوجه الآخر أو الباطني لحقيقة محمد عبده. بمعنى إننا نعثر في رسم شخصية الأفغاني وتصويره في آراء ومواقف محمد عبده على شخصية محمد عبده نفسه. وذلك لان رفع الشخصية إلى هذا المستوى يعني بالقدر ذاته إدراك ما فيها والتحلي بصفاتها. وليس عبارة "نحن على سنتك إلى انقضاء الآجال" سوى إننا على طريقتك في إعادة صنع الإنسان والمجتمع والروح. فإذا كان الأفغاني هو الذي نقل محمد عبده من أخوة الجسد إلى أخوة الروح، ومنها إلى التكامل بأحسن تقويم، فان رجوع محمد عبده إلى الأفغاني كان يعادل حقيقة الرجوع إلى النفس. من هنا لا تعني فكرة محمد عبده عن بقاءه على مكونات الأفغاني في مكوناته الجسدية والروحية والعقلية سوى السير "إلى انقضاء الآجال" بمعايير الرؤية الإصلاحية. الأمر الذي وجد انعكاسه المتميز في خصوصية الفكرة الإصلاحية لمحمد عبده التي جمعت في أعماقها المتوحدة مبادئ رفض التقليد، والتدرج في الإصلاح، وتوسيع وتعميق أبعاده الاجتماعية، وجوهرية البناء الذاتي الشامل، وأسلوب التربية والتعليم في تحقيقها.

يستند مبدأ رفض التقليد في فلسفة محمد عبده الإصلاحية إلى ما يمكن دعوته بالرؤية النقدية الشاملة. بمعنى إن رفض التقليد بالنسبة له ليس مبدأ جزئيا أو عرضيا بقدر ما يشكل الأساس المنهجي والمنطقي للفكرة الإصلاحية نفسها. من هنا تناسق وتجانس مواقفه الرافضة للتقليد تجاه كل موضوعات الفكرة الإصلاحية وقضايا وإشكالاتها. بعبارة أخرى، إننا نعثر على ملامح ومظاهر وتطبيقات مبدأ رفض التقليد في كل مواقفه بوصفها المقدمة الضرورية والملازمة للإصلاح.

وليس مصادفة أن تحتل فكرته عن رفض التقليد الأعمى للثقافة الأوربية مركز الصدارة في فكرته الإصلاحية. فاثر المآثر الأوربية الكبرى التي رفعها محمد عبده إلى مصاف الانجاز التاريخي والثقافي والعلمي الأكبر في التاريخ الحديث لم يجعل منه أسير لمعطياتها أيا كانت. على العكس! لقد وجد في ذلك خروجا على حقيقة الانجاز الأوربي. انطلاقا من أن الثقافة الأوربية هي حصيلة تطورها الذاتي. وبالتالي فان قيمتها في "رمزيتها" وانجازاتها المجردة. من هنا نراه يقول، بان خطأ العقلاء يقوم أحيانا في محاولات نقلهم ما يقرءوه وتطبيقه على واقعهم. وهو خطأ مريع. وذلك لان الأمم كالأشخاص لها تاريخها وإمكانياتها كما يقول محمد عبده. وبالتالي فان الأمم بحاجة إلى معرفة نفسها كما هي والانطلاق من هذه المقدمة لمعالجة ما فيها من أمراض(6). ووجد في تاريخ الثقافة الأوربية نفسها تجسيدا حيا لهذه الفكرة.

اعتقد محمد عبده بأن التطور الحديث لأوربا يعود لتأثرهم بحياة المسلمين بعد الغزو الصليبي. إذ علمتهم الحروب الصليبية إدراك الأسباب القائمة وراء الانحطاط والتخلف. ووجد في هذا الإدراك المقدمة الضرورية للاستفادة ووضع المشاريع الناجحة(7). من هنا استنتاجه القائل، بان التقليد لا يصنع تمدنا ولا رقيا. وتجربة مصر خير دليل. على عكس تجارب الأوربيين معنا. ووضع هذه المقدمة في استنتاجه الأكثر تدقيقا ونقدا بهذا الصدد عندما كتب يقول، بان محاولات "جلب" الحضارة الأوربية بالمظاهر دون معرفة مقدماتها وتقاليدها وكيفية إنتاجها أشبه ما يكون بسلوك الدجاجة التي شاهدت بيض الاوز فرغبت في أن يكون بيضها كبيرا(8)! فالتقدم الحقيقي من وجهة نظر محمد عبده ليس في تشييد مظاهر الرفاه، بل في إرساء أسس الحقوق ورعاية الثروة وتنميتها بالعمل والإنتاج(9). وينطبق ذلك بقدر واحد على الانجازات المادية والروحية للحضارة الأوربية. من هنا قوله، بان الحرية لا تنتشر من خلال نشر عبارات الحرية. إذ لا يتعدى ذلك كونه مجرد ترديد وتكرار لمفاهيم وعبارات لم يجر فهم حقيقتها. لهذا نراه يصف هذا النوع من الحرية "حرية بتراء"(10). بل ووجد فيها عين الرق والاستعباد.

لقد أراد محمد عبده الكشف عما في هذه الحرية البتراء من انعدام لحقيقة العقل بوصفه صانع الحرية. فالحرية لا تقليد فيها لأنها عمل حر وعقلي خالص. ذلك يعني انه وجد في نقل الأفكار وتقليدها اقرب ما تكون إلى "حرية عقلية" بلا عقل. إضافة لذلك أن الحرية هي فعل تاريخي تلقائي له نظامه وأخلاقه الخاصة النابعة من تاريخ الأمم نفسها. لهذا نراه يورد مرة مثال الاحتيال على الحرية وفكرة الحرية عندما أشار في مقال (الإصلاح والأجانب) إلى ما اسماه بدور الشبان الإسرائيليون (اليهود) الأجانب في تأسيس جمعية (مصر الفتاة). إذ نراهم يدعون للحرية لكنهم اشد قسوة على الفلاحين بالربا. والشيء نفسه ينطبق على ما عملته فرنسا سابقا وانجلترا لاحقا بهذا الصدد. بمعنى أن كلما قاموا به بهذا الصدد كان يعادل الوقوف ضد كل إصلاح(11). وتوصل إلى استنتاج دقيق بهذا الصدد يقول، بان فالتقليد لا يفيد، والبدء من الخارج أو من غير المقدمات الضرورية يؤدي إلى نتائج معاكسة. وسلوك من هذا القبيل يؤدي إلى آثار مخربة ومدمرة، ليس فقط من وجهة نظر هباء ما يقومون به، بل ولإمكانية ارتداده بالعكس تماما. ولا يعني ذلك موقفه المعارض للتعلم من التجارب الأوربية، بقدر ما يشير إلى كيفية ونوعية ومستوى التعلم.

ولم يكن هذا الموقف معزولا كما هو الحال بالنسبة لكل مشاريعه النقدية والبديلة عما يمكن دعوته بتأسيس مهمة الاعتدال العقلي والعقلاني والثقافي والعملي في الفكرة الإصلاحية. من هنا جوهرية مبدأ التدرج في الإصلاح، بوصفه الأسلوب الأمثل لترسيخ مقدماته في الوعي والضمير الاجتماعي. من هنا فكرة محمد عبده القائلة، بأن ما هو مهم ومثير للاحترام والتقدير في انتخاب وسلوك رجال الدولة في أمريكا لا يمكنه أن يكون أو يحدث في أفغانستان. لأنه يؤدي إلى نتائج معاكسة ومخربة(12). (يتبع....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

(1) محمد عبده: الأعمال الكاملة، تحقيق محمد عمارة. الطبعة الأولى، دار الشروق، بيروت – القاهرة، 1993، ج1، ص529.

(2) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص527-528.

(3) الأفغاني يمتد بنسبه إلى الترمذي والإمام الحسين بن علي. ولد 1838. تلقى مختلف العلوم كالعربية ونحوها وصرفها ومعانيها وبيانها ثم علوم الشريعة والفقه وكلام والتصوف، والعلوم العقلية من فلسفة وسياسية وتهذيب وعلوم طبيعية. ثم انتقل للدراسة في الهند. ثم رحل إلى الحجاز ثم عاد إلى بلده واشترك في حياته السياسية. ثم جرى ترحيله إلى الهند وعبرها إلى الأستانة. وهناك أخذت المؤامرات ضده من جانب فقهاء السلطة! فاضطر للمجيء إلى الشام عام 1871. جرى إبعاده بأثر عمل الانجليز إلى الخروج من مصر، ومنها إلى الهند، وبعدها إلى لندن، ثم إلى باريس حيث مكث فيها ثلاث سنوات. وفي باريس كلفته جمعية العروة الوثقى في دفاعها عن الخلافة الإسلامية بإنشاء مجلة. فصدر منها 18 عدد لم يكن لغيرها أثرا هائلا في الوعي أكثر منها. اقرب إلى الحنفية في المذهب لكنه ليس مقلدا وميالا للتصوف.

(4) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص 236-245.

(5) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص626.

(6) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص324.

(7) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص327.

(8) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص329.

(9) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص330.

(10) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص333.

 (11)محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص539.

(12) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

 

mutham aljanabi2قدم الإسلام في دعوته لإلغاء الجاهلية مستوى جديدا في التعامل مع النفس والآخرين. فقد كان الهمّ الإسلامي العام يقوم في الإخلاص للحق كما هو. وبغضّ النظر عن الصيغة الدينية للحق الإسلامي، إلا انه كان يتمثل في ذاته تقاليد الماضي وثقافة العرب الجاهلية ونفيهما بالفكرة المتسامية. مما أدى إلى نفي سلطة الانتماء للقبيلة بسلطة الانتماء للجماعة المحكومة بالشريعة. وهي المقدمة الكبرى للسلطة الجديدة الآخذة في النمو. غير أن خصوصيتها تقوم في احتكامها للوحي القرآني بوصفه مصدرها الناطق، أما الدعوة والعمل من اجل تنفيذها فقد تحولت إلى الأسلوب الواقعي لتحقيقها. مما جعل من "الوحي" سلطة من طراز جديد. لكن قوته المباشرة وغير المباشرة كانت ترتبط بالنبي محمد، وذلك لأنها لم تعان آنذاك من إشكالية الأنا والآخر، والفكر والسلطة، والمصلحة والمنطق، مع أنها كانت تحتوي على كل هذه المكونات ولكن على هيئة كيان منحلّ في الوحدة المتسامية للقول والعمل بفعل مرجعية "الاختيار الإلهي" للنبي محمد. الأمر الذي حدد بدوره طبيعة وكيفية العلاقة الواجبة بين الحقيقة والإلهام والمصالح، بوصفها وحدة لا يمكن فصم عراها، لان أولها وآخرها حق.

لقد كان الوحي حقيقة والحقيقة وحيا. مما جعله سلطة من أي وجه تراه، أو هكذا كان ينبغي النظر إليه من جانب الأتباع الجدد. فقد طالبت هذه الوحدة المرء بتأمل كل ما هو موجود بالعقل والقلب. كما طالبته بالقدر نفسه بالإيمان التام بها، باعتبارها وحدة معقولة ومقبولة بمعايير الدين ومتطلبات الانتماء للجماعة الجديدة أو أمة الصراط المستقيم والمستقبل. من هنا رفض الجدل مع الإقرار بفاعليته ضد الجاهلية. وهو تناقض يمكن فهمه ضمن أحكام التقليد، لكنه كان يتمتع بفاعلية قوية ضمن مقاييس الإيمان.

فقد كانت الجاهلية العربية محكومة بعادة التقليد للآباء والقدماء. بينما يفترض الإيمان الجديد إتباع ما يمكن دعوته بمنطق الإلهام والحقيقة الإسلامية. وهو اتجاه عقائدي خالص من حيث محتواه الفكري. مما حدد بدوره طبيعة وكيفية الانتماء الجديد للجماعة الجديدة، بما في ذلك في ميدان الفكر. من هنا أصبح حسان بن ثابت "لسان الإسلام" مع أن شعره أدنى من شعراء من كان يهجوهم، كما أن استعمال الشعر في المعركة لم يتعارض مع الفكرة الإسلامية القائلة بعدم ثبات الشعراء في القول والعمل. كما لم يعق ذلك النبي محمد من أن يرمي ببردته على من قال "بانت سعاد فقلبي اليوم متبول…" . والقضية هنا ليست فقط في الفكرة المحمدية عما في البيان والبلاغة من "سحر"، وعما بين الشعراء أحيانا "ممن عصمهم الله" من الوقوع في أوحال الرذيلة الجاهلية، بل وفيما أسميته بمنطق الإلهام والحقيقة الإسلامية، الذي يطالب المرء بالإخلاص التام، بوصفه فرضا من فروض الإيمان. لما في هذا الفرض من سمو داخلي حالما يخدم بالفعل تعميق وترسيخ منطق الحق والحقيقة. 

كما أنه منطق يتمتع "بآلية" خاصة ومسار متميز في "الوحي". لكنه حالما ينتقل من عالم الملكوت إلى عالم الملك والشهادة، فإنه يتخذ، شأن كل الأفكار "المقدسة"، رموزا وإيحاءات ومفاهيم محكومة بتجارب الأفراد والجماعات والأمم. فقد أرتبط هذا التحول بصيرورة الدولة وحدود السلطة فيها. وفي الإطار العام يمكن القول، بأن هذا التحول الهائل في تاريخ الخلافة قد سار عبر تحويل "الوحي النبوي"  إلى سلطة من طراز جديد أصبحت بفعل قدسيتها "نصا" عند البعض و"مشكاة" عند الآخر. وهو تباين كبير كان يعكس طبيعة ومستوى الخلاف الضروري والتمايز الذي لا بد منه للفكر في التعامل مع تراث الماضي وإشكاليات الحاضر، أي أنه كان يمثل مسارا لاتجاهين أعادا إنتاج تقاليد الرواية والدراية، والمعقول والمنقول عبر رفعهما إلى مصاف التفسير والتأويل، والظاهر والباطن. وقد كانت تلك نتيجة طبيعية لما ادعوه بالواحدية الثقافية الإسلامية وخصوصية تبلور مرجعياتها الكبرى في الأصول.

وفيما لو تجاوزنا هذه الجوانب وانتقلنا مباشرة إلى كيفية تأثير هذا التحول على علاقة المثقف بالسلطة، فإنها لا تخرج في الإطار العام عما هو مميز لهذه العلاقة في الحضارات التاريخية الكبرى من مسار خاص لإشكاليات الحقيقة والسلطة فيها.

فالحضارات تشترك في بناء الدولة وإنتاج الثقافة، لكنها تختلف في نماذج إبداعها للأصول والمرجعيات، بوصفها مكونات جوهرية بالنسبة لصنع خصوصية الحضارة وكيفية انتقالها وتحولها وقدرتها على الاستمرار. وفيما يخص الحضارة الإسلامية فإنها ارتبطت بعقيدة الإسلام الوحدانية ورؤيتها لواحدية الجماعة والأمة، التي وضعت أسس الحق الاجتماعي والمنظومة الأخلاقية للدولة دون أن تتكفل برسم حدودها النهائية. من هنا إمكانية التنوع فيها، مع أن مضمونها الحقيقي كان يصب فيما يمكن دعوته بنظام الواحدية الاجتماعية، الذي اتخذت خلافة الراشدين صيغته الأولية، وليس نموذجه الأرفع. إذ لا نموذج نهائي في الفكرة الإسلامية عن أي شيء باستثناء ما يمكن دعوته بنظام النسب المثلى.

وكان هذا النظام محكوما بالوحدانية الإسلامية ومساعيها الجوهرية لتحقيق فكرة العدل والاعتدال. وسوف يكشف عن نفسه لاحقا في النماذج المرجعية المتعلقة بالنظر إلى الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة. كما سيجد طريقه إلى منهجية الرؤية في مختلف ميادين العلوم والمعارف، بما في ذلك في الموقف من الدولة والسلطة.

فقد تبدو بعض الأحداث التاريخية من حيث مظهرها الخارجي صدفة، وقد تكون صدفة، لكن اندثارها السريع أو ثباتها العميق هو المؤشر والبرهان الفعلي على ما إذا كانت جزء من صدفة عابرة أو أن لها أسسها الخاصة في مقدمات الأحداث. ولا يمكن فصل هذه المقدمات عن فاعلية "الأيديولوجية المتسامية"، عندما يجري الحديث عن الدولة المحكومة بالأفكار والعقائد. وذلك لأن تغلغل الفكرة القائلة بمشيئة الله المطلقة عادة ما تقضي على فكرة الصدفة، أو على الأقل تجعل منها جزء من فكرة القضاء والقضاء. وحالما يصعب فهم هذه الحالة بمعايير المنطق والملاحظة المباشرة، عندها يجري رفعها إلى مصاف "سر الغيب" و"علم الله" المجهول بالنسبة لمخلوقاته الناجحة والفاشلة. وفي كلتا الحالتين تتحول النتائج إلى بلاء أو مكر الهي. ولم تكن مهمة هذه الرؤية تقوم في طمأنة النفس المتيقنة بصحة تأويلها فحسب، بل ولا تخلو أيضا من رياء تصنعه الفكرة نفسها. وعموما يمكننا القول، بأن هذه الرؤية لا تخلو من تجرد عن الهوى ووقوعا فيما هو أتعس منه. وهو تناقض يحكم الفكرة المتسامية حالما تصبح جزء من صراع المشارب السياسية المتمايلة بين اليقين والأهواء. وكلاهما جزء من تجارب التاريخ وقواه الاجتماعية. لكنها تجارب لها أسسها ومقدماتها. وفي حالة الإسلام لم تكن معزولة عن تأثير الفكرة الوحدانية وأثرها المباشر وغير المباشر في تحديد الرؤية والسلوك العملي. وحصيلة الأمر هو نتاج لما يمكن دعوته باجتهاد الثقافة في كيفية رؤيتها وحلها لإشكاليات وجودها التاريخي. وضمن هذا السياق يمكن فهم "تجريبية" البحث عن شكل السلطة ونموذج العلاقة المفترضة بينها وبين أتباعها، بما في ذلك تجاه أهل الرواية والدراية منهم (المثقفين).

فقد كان شكلها الأولي مصادفة لها أسسها في المخزون العام لأصول الإيمان. بمعنى أن "اختيار" الخليفة والاسم كانا فعلا عفويا مربوطا من حيث أسسه الدينية، بالفكرة الإسلامية عن جوهرية الله، وبشرية النبي محمد، ورسالته للناس بوصفه رسولا ونبيا ومبشرا ونذيرا. وقد انتزعت هذه الصفات منذ البدء إمكانية التقديس اللاهوتي والعقائدي لشخصه، واكتفت بتحويله ضمن عقائد الإسلام إلى جزء أساسي في شهادة الإيمان فقط. إذ انتزعت عبارة الشهادة باسمه، إلى جانب أن الله وحده لا شريك له، إمكانية مجاراته في الصورة والمعنى. وذلك لأن الوحدة الغريبة للرسالة والعبودية المقررة في "أن محمدا عبده ورسوله" أبقت عليه في برزخ السموّ الواقعي. وكان من الممكن تمثل مختلف صورها ومعناها في استخلافهما فقط. بمعنى محاكاة صورته الواقعية (السنّة) ومعناها في تمثل حقائق القرآن. وبما أن السياسة هي الميدان المباشر والأوسع لوحدة القول والعمل، من هنا ظهور "الخلافة" فيها قبل غيرها، باعتباره التبرير والتمثيل الموحد لهما. وقد صنعت هذه السبيكة في نفس الوقت واقع وآفاق العلاقة الممكنة بين المثقف والحقيقة.

فمن الناحية التاريخية والنظرية، لم تكن أصول الإيمان الأولية عقائد متبلورة بهيئة قواعد قادرة على أن تكون بديهيات سياسية. لهذا كان الجدل حادا ومقتضبا في الوقت نفسه. ولم يتعد في الواقع أكثر من استشهاد بآيات قليلة. وكانت كافية بحد ذاتها لأن تكون "حقيقة" مقنعة وحاسمة بالنسبة للعمل. وليس مصادفة أن تكون الأدلة مجرد "رواية" "السلطة" الجديدة. وذلك بسبب عدم انفصال وانفصام الخاصة عن العامة، والماضي عن الحاضر، والأنا عن الجماعة، والقرآن عن السنّة، والأصول عن الفروع، والرواية عن الدراية. لكنه حالما جرى انتزاع الإقرار بلقب "خليفة رسول الله"، فإن الانقلاب الحتمي أصبح أمرا ملازما لصيرورة الدولة ومؤسساتها. 

وصورت الثقافة الإسلامية هذا التحول الكبير  بتسمية "خلافة الراشدين". وهو تقييم نفسي للمرحلة التأسيسية، احتوى على تأسيس وتلازم الرشاد والخلافة كما لو أنه أراد أن يطوي الدولة بين أجنحة التغير العميق الذي لف عالم العرب المسلمين بعد موت النبي محمد. وهو تعبير له أصالته المعنوية والتاريخية والسياسية أيضا. فالدولة من التداول، والتداول من التغير والتبدل. وهما مكونان تمثلهما مفهوم الخلافة، الذي لم يتحسس معالم التجزئة الضرورية التي تجلبها الدولة لوجود الإنسان وعلاقته بالنفس والمجتمع. من هنا كان مفهوم الرشاد والإرشاد الصيغة السياسية لمفهوم الحق الإسلامي. وقد أعطى تلازمهما لهذه المرحلة التأسيسية للدولة الإسلامية قيمتها "الخالدة" في التاريخ والوعي العربي والإسلامي، كما نعثر عليها بصورة مباشرة وغير مباشرة في خطب الخلفاء وسلوكهم العملي. فنرى أبو بكر يشدد في خطبته الأولى على انه ولي عليهم مع انه ليس أفضلهم، وانه يطلب إرشادهم وتقويمهم إياه إن اخطأ.

إن المصادفة التاريخية التي رفعت فكرة الخلافة إلى مستوى الرشاد، والرشاد إلى مستوى الخلافة، تكمن في الضرورة التي استنطقها روح الإسلام الأول باعتباره إسلاما للحق. ووجدت هذه الضرورة تعبيرها النموذجي في المزج المتسامي لكليهما في تسمية "الخلفاء الراشدين". فقد تمثل هذا التوليف معنى النبوة ومنطق وجودها التاريخي. إذ لم يتعد معنى النبوة بالنسبة لأتباعها آنذاك مضمون الحق التاريخي. وكان يمكن تجسيد هذا الحق بمعايير القيم المتسامية للعرب الجاهلية ونفيها الأكثر سموا بمعايير البديل الإسلامي الجديد. أما منطق وجودها التاريخي فهو المعاناة الفعلية والفردية من اجل تمثل الحق في كل دقائق الحياة. الأمر الذي جعل منها بمعايير المعنى المتسامي والمنطق التاريخي للثقافة الإسلامية مرحلة ونموذجا للاحتذاء.(يتبع....)

***

ميثم الجنابي

 

 

mutham aljanabi2توطئة: احتل طه حسين موقعه الخاص والمتميز في صرح الثقافة العربية الحديثة بوصفه شخصية عقلانية ونقدية حرة وتنويرية تجمع بين التجديد والأصالة. كما حصلت بالقدر ذاته على مكانة الشخصية المرجعية بالنسبة للفكر العربي الحديث بشكل عام والأدبي بشكل خاص. من هنا تنوع مظاهر ومضامين التقييم المؤيد والمعارض. بحيث نقف بقدر واحد على أغلبية تؤيد التقييم القائل بشخصيته الفذة، وأقلية تجد فيه شخصا يفتقد إلى ما ينسب إليه. وفيما بين هذين التيارين تباينت أيضا المواقف المعارضة والمؤيدة، والمبجلة والمستخّفة. ولا خلاف عما في هذه الحالة من تنوع يعكس تنوع المواقف والآراء والأحكام من جهة، ويشير في الوقت نفسه إلى حيوية طه حسين وتأثيره المستمر في الوعي الثقافي العربي المعاصر. الأمر الذي يجعل منه شخصية إشكالية.

لكن غرابة القضية ككل تكمن في إشكالية شخصية وليست إشكالية فكر وفكرة. الأمر الذي جعل من كل ما قيل ويقال عنه جزء من معترك المواقف والأحكام الأيديولوجية، وليس من مسار التراكم العلمي والنقدي الضروري لوعي الذات القومي في احد مجالاته ومستوياته ونماذجه.

وتنعكس في هذه المفارقة من حيث الجوهر القضية التالية، وهي أن المشكلة ليست في إشكالية طه حسين بقدر ما تقوم في معضلة الوعي الثقافي العربي الحديث والمعاصر التي جعلت من شخصيته إشكالية، ومن أسلوبه في الكتابة والتعبير نمطا متبعا، ومن مستوى بحوثه التاريخية والأدبية نموذجا للمحاكاة والتقليد، ومن آثاره النقدية مآثر علمية، ومن معلوماته المتناثرة معرفة منظمة، مع أنها لم ترتق في أي من هذه المجالات إلى مستوى العلم والمعرفة الحقيقية، دع عنك قضية الإبداع الفكري الأصيل. الأمر الذي يجعل من إشكالية طه حسين في الحقيقة إشكالية ضعف وتدني وسطحية الوعي النظري الذي ميز وما يزال يميز الوعي الثقافي العربي الحديث والمعاصر. وإذا كانت هناك من مأثرة لطه حسين بهذا الصدد، فإنها تقوم في قدرته الفذة على تمثل هذه الحالة الأولية لتراكم الوعي المعرفي البدائي لحد ما من حيث المقدمات والأسس والمنهجية، ورفعها إلى مصاف المرجعية الثقافية، التي أعطت له تلك القيمة المؤثرة والفعالة في الوعي الاجتماعي، رغم سطحيتها في مجال العلم والمعرفة الحقيقية. وإذا كان لهذه الحالة ما يبررها من الناحية التاريخية، بوصفها الصيغة المبسطة والجزئية لكيفية وطبيعة التراكم الأولي للثقافة العربية آنذاك (والمصرية بشكل خاص)، فان ضررها المعرفي يقوم في تقديم تجارب الثقافة الأوربية العريقة والعميقة والجديدة عبر موشور الرواية والحكاية المميز لتقاليد الأزهر المختبئة في أعماق الوعي الذاتي لطه حسين نفسه. مما أدى إلى صنع سبيكة مشوهة من مظاهر الرؤية النقدية المتشبثة ببعض كسرات المناهج الأوربية (الديكارتية بشكل خاص)، وبواطن الرؤية التقليدية العاجزة عن إرساء أسس الرؤية النقدية الفعلية وتأسيس منهج الرؤية الثقافية الذاتية. وقد يكون أسلوب الرواية والحكاية الصيغة الأكثر تعبيرا عن هذه المفارقة المزعجة، أي الخاوية من إشكالية الإبداع الحقيقي، والفاعلة في الوقت نفسه على خلخلة الوعي النقدي الحقيقي. وذلك لأنها لا تصنع في نهاية المطاف غير شهية الاستماع والاستمتاع بالتقاليد الشفوية المغرية لنفسية وذهنية العوام. ومن ثم فعلها المباشر وغير المباشر على تسطيح الوعي وابتذال مستوياته النظرية.

فمجرد وضع صورة طه حسين ضمن "لوحة التكريم" الملونة للثقافة العربية، وتحوله إلى احد عناصرها المرجعية المعاصرة يعكس أولا وقبل كل شيء بقاء واستمرار فاعلية الثقافة الشفوية وتقاليد الرواية والحكاية. فقد مّثل طه حسين احد نماذجها الكبرى في القرن العشرين (العربي)، أي في زمن الصعود المشوه لما ادعوه بعقلانية الفطام التاريخي، التي تميزت أيضا بقوة الحشو والمعلومات الجزئية، وضعف مستويات التمحيص والتحقيق العلمي، وشبه انعدام للتدقيق الفكري. كل ذلك جعل من الرواية والحكاية اجتهادا. من هنا فقدانها للفكرة المنظمة مع ما يترتب عليه من آثار مخربة للوعي النظري العقلي والعقلاني. وبالتالي، فان مهمة نقد طه حسين هي أولا وقبل شيء مهمة نقد تقاليد المنهج والتسطيح المعرفي وأساليب الاستلاب الثقافي التي أدت بعد مرور قرن من الزمن الى البقاء ضمن معايير الزمن، ومن ثم انعدام التاريخ الفعلي بوصفه تراكما للمؤسسات في الوجود الفعلي للمجتمع والدولة والمعرفة والعلم والثقافة. وحتى الجدل الذي أثارته مؤلفاته فقد كان مجرد انهماك في صراع فارغ لم يؤسس للفكرة المنهجية ولا للثقافة العلمية. والسبب يكمن في أن كتب طه حسين "المثيرة للجدل" هي الوجه الآخر والأصدق والأدق عن طبيعة الوعي النقدي (المؤيد والمعارض) المثير للحيرة والاندهاش! إذ لم يكن في تلك الكتب وأغلب الردود قيمة ذاتية من حيث الأصول والأسلوب والمنهج والغاية. من هنا جوهرية الاهتمام الذي ينبغي توجيهه صوب القضايا المتعلقة بالأصول والأسلوب والمنهج والغاية، أي كل ما يستحيل بدونه إرساء أسس المنظومة العلمية والعقلانية والإنسانية للثقافة.

مفارقة"مثقف الاستلاب الثقافي"!

إن مهمة هذه السلسلة من المقالات ترمي الى إعادة النظر النقدية بالتراث الفكري العربي من اجل تنقية هوائه من فساد التقليد، الذي نعثر عليه في اضمحلال وتلاشي النخب الفكرية الاجتماعية والقومية القادرة على الارتقاء الى مصاف المرجعيات النظرية والعملية. من هنا تحول المثقف الى تابع ذليل لأزلام السلطة وقادة الأحزاب المخنثين. بينما المسئولية الكبرى في التاريخ العالمي عادة ما يتحملها في بادئ الأمر رجل الفكر والثقافة. ومقابل كل تضحية تتراكم عناصر الفكرة الهائجة في الوعي والضمير التاريخي للأمم. مع ما يترتب عليه من ترتيب وإعادة إنتاج أصيلة لمنظومة الفكر بوصفها المقدمة الضرورية لتفعيل الوعي والإرادة.

وليست هذه التضحية في الواقع سوى الصيغة الإنسانية المعذبة بعذوبة الذاكرة وبقايا الذكرى العميقة للألم الذي تواجه الشخصيات الكبرى في إرساء أسس اللحظات التاريخية الكبرى. وضمن هذا السياق يمكننا القول،بان بروميثيوس لم يسرق النار بل وهبها لبشر! بينما واجه النبي محمد أصنام الجاهلية العربية بقوة الكلمة! وكلاهما فعل من اصل وجذر واحد، ألا وهو العمل بوحي المعاناة الذاتية في مواجهة كل ما يعيق المسار الطبيعي لوجود الأشياء. وينطبق هذا في الواقع على كل ما له اثر في الوجود التاريخي الفعلي للحضارات والثقافات والأمم. فالمثقف الكبير هو روح التاريخ الحقيقي.

ومن هذه المقدمة يمكنني القول، بان الثقافة الحقيقة هي التي تبدع بمنطق وعيها القومي، ومعايير تجاربها التاريخية، وصور خيالها الذاتي. ومن ثم يمكن وضع هذه الفكرة العامة في أساس أو منهج التحليل النقدي لكل ما أنتجه الفكر النظري العربي الحديث والمعاصر. وسوف اتخذ من طه حسين أو بعض جوانب إنتاجه الفكري نموذجا من اجل نقد كل ذلك الركام الذي لا تركم فيه بالنسبة للفكرة العقلية. بمعنى الكشف عما في هذا الكم الهائل من الكتب والمؤلفات والمقالات من حشو يفتقد من الناحية الفعلية لمعنى التراكم الفكري الضروري. وبالتالي الوقوف أمام ظاهرة غريبة ألا وهي وجود "فكر" بلا تراكم! والسبب يكمن في أن هذا الفكر نفسه هو نتاج تجزئة لمصادر غريبة سواء من حيث رؤيتها المنهجية أو من حيث صورها وخيالها. إضافة الى حالة الاستلاب الهائلة في كيفية استعمال المناهج الجاهزة، أي المناهج الفكرية والفلسفية المتراكمة في تجاب الأمم الأخرى. الأمر الذي طبع اغلب ما كتب بطابع الانتقائية. ومن ثم انتشار وهيمنة التسطيح الفكري والابتذال المعرفي. وذلك لأنه استخدام لا استلهام يه، واستغلال بلا تمثل.

وقد تكون أسطورة "المعجزة اليونانية" من بين أكثرها بروزا في مواقف وآراء وتقييمات طه حسين للواقع العربي وإبداعه التاريخي. فقد تراكمت في مجرى تأمل التجربة الثقافية الأوربية الحديثة ومحاولات تأسيسها أصولها التاريخية والثقافية. وذلك لان حقيقة اليونان وتراثها الثقافي العام والخاص لا علاقة له بأوربا الجغرافية والتاريخية. إلا أن ذلك لم يحل دون صعود أسطورة المعجزة اليونانية بوصفها معجزة أوربية أولا وقبل كل شيء، وقد يكون كتاب برتراند رسل (حكمة الغرب) نموذجا لهذا الموقف والرؤية من خلال محاولاته جعل فكرة الحكمة الأوربية والفلسفة اليونانية شيئا واحدا. ولاحقا سترتقي هذه الفكرة الى مصاف خرافة الجوهر اليوناني الكلي، كما قال بها الألماني زيلر في كتابه (تاريخ الفلسفة اليونانية)، وارنست رينان في كتابه (تاريخ الأديان). وسوف يدفعها آخرون مثل غومبيرس في كتابه (مفكرو اليونان) الى أبعادها القصوى عندما ردد عبارة هنري سومر القائل: "باستثناء قوى الطبيعة العمياء، لا يوجد شيء يتحرك في هذا الكون إلا وهو إغريقي الأصل!". بينما يستكملها آخر وهو غلبرت موراي بعبارة :"لا يوجد شيئا تحت الشمس إلا وهو من اصل يوناني!".

وبالمقابل يجري التأسيس لفكرة الشرق "خرافي" و"غير عقلي" و"صوفي" وغير منطقي" و"روحاني" و"ديني" فقط وما شابه ذلك. بعبارة أخرى، يجري تصنيع ثنائية خلافية عدائية بمعايير المنطق والعقل والعلم! وهذا أسخف ما يمكن تصوره بمعايير المنطق والعقل والعلم!

أما من الناحية الفعلية فقد كان لهذه الأسطورة والخرافة مذاقها الخاص في مجرى الصيرورة التاريخية الثقافية لأوربا القرن التاسع عشر والعشرين. أما تحويلها الى مبدأ وغاية الرؤية المنهجية في الموقف من التراث العربي وإشكالاته الحديثة، فليس إلا الصيغة الأكثر فجاجة للاستلاب الثقافي والمعرفي على السواء. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار تمازجها وتداخلها وتأثرها بنفسية وذهنية الإثارة المميزة للاندهاش المسطح عند طه حسين، فمن الممكن معرفة أثرها المدهش للتسطيح المعرفي! والقضية هنا ليست فقط في كون طه حسين لم يفهم خصوصية الثقافة الإغريقية ضمن محيطها الخاص، وضمن معاناة التراث العربي الإسلامي، بل وفي إفراطه المتبجح والجازم في الأحكام والتقييم. بحيث أدى ذلك في نهاية المطاف الى تخبط لا يخلو من تخريب باطني كبير في الموقف من "مستقبل الثقافة" العربية كما هو جلي في رؤيته التي وضعها في "مستقبل الثقافة في مصر". إذ لم يكن هذا "المشروع" في الواقع أكثر من لقطات ولحظات متناقضة. وفي أفضل الأحوال لا يتعدى كونه حكايات تقريرية لا غير!

فالخطوة الأولية والضرورية لأية ثقافة حية تفترض تذليل نفسية وذهنية الصنمية فيها. وللصنمية أشكال ومستويات متعددة ومتنوعة. ومن بين أكثرها غرابة أن تتحول شخصيات ثقافية مغتربة ومسطحة لحد ما الى "مرجعيات" الفكرة الثقافية. وقد يكون أكثرها إثارة بهذا الصدد، تلك الشخصيات التي تتماهى صورتها في الوعي العادي والسائد مع النماذج العليا للوعي التنويري، كما ترتقي أيضا في تاريخ الثقافة الأكاديمية الى مصاف المرجعيات النظرية الراقية للمنهج العقلاني والنقدي. ومن هذه الحصيلة عادة ما يجري إعادة تسطيح الوعي الثقافي وحقنه بجرعات التقليد الفج للأكاديمية الزائفة. وتمتلئ الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة بهذا النمط المغري للوعي التائه في دهاليز التقليد الذي زرعته بقدر واحد تيارات الراديكالية الثقافية والسياسية المغتربة والسلطات الهامشية الرخوية.

تكمن المقدمة الخفية لهذه الظاهرة أولا وقبل كل شيء في غرابة الحالة، على الأقل من الناحية الشكلية، التي تجعل من المثقف محلا للاستلاب الثقافي. عندها يبرز السؤال المنطقي الضروري القائل، وهل يمكن للثقافة أن تكون مستلبة؟ أما الجواب الواقعي والعلمي عليه فيفترض النزول من علياء الفكرة المجردة والمنطقية الخالصة الى ميدان الواقع من اجل اختبار حقيقتها. فالحقيقة ملموسة على الدوام! والواقع يشير الى إمكانية استلاب الثقافة والمثقف. لكن المنطق المجرد، وهو الأدق والأعمق، يقول، بان الثقافة المستلبة والمثقف المستلب هما وجهان للزيف والتقليد، أي لانعدام الثقافة الأصيلة. وذلك لان الزيف والتقليد صنوان! وليس مصادفة فيما يبدو أن يتكلم الفارابي قبل قرون عديدة عن فيلسوف مزيف وآخر مقلد وثالث أصيل، كما صنفت الرؤية الشعرية العربية القديمة الشعراء الى شاعر وشويعر وشعرور!

وفيما لو أجملنا بصورة منطقية مجردة الحالة العامة للمثقف العربي "الحديث"، فان أغلبيتهم المطلقة تتراوح بين المزيف والمقلد. وليس مصادفة فيما يبدو أن يتحول طه حسين وسلامة موسى وأمثالهما الى "مرجعيات" للثقافة العقلانية والتنويرية والنقدية، رغم سطحية ما فيهما. طبعا إن طه حسين أرقى وأنقى وأوسع وأعمق من سلامة موسى، لكنه مع ذلك لا يتعدى من وجهة نظر الحقيقة مستوى التقليد والاستلاب "الأكاديمي". وذلك لان إنتاجه الشخصي لا يتعدى في الواقع أكثر من جزيئات متناثرة في "ثقافة" تفتقد للحدود والمنظومة. الأمر الذي يفسر سر انتشاره الكبير وأثره الباقي في الثقافة العربية المعاصرة. وسبب ذلك يقوم في أن الفكر العربي الحديث والمعاصر يفتقد الى معنى وحقيقة المنظومة. وينطبق هذا بالقدر ذاته على مجمل الحياة العربية في مجال الدولة والمجتمع والعلم.

وضمن هذا السياق يمكن فهم طبيعة المفارقة الكبرى لشخصية طه حسين الثقافية وحصوله على لقب "عميد الأدب العربي" بينما كان يجسد من حيث المنهج والأسلوب نموذجا كلاسيكيا للاغتراب الثقافي. طبعا، أن إطلاق الألقاب والنعوت في الثقافة المصرية الحديثة ظاهرة مثيرة للتشاؤم والسخرية بقدر واحد. بمعنى أنها تتميز بقدر هائل من الاستخفاف بالكلمة والمعنى. بحيث استسهلت توظيف كل كلمات القاموس العربي فيما يتعلق بالتضخيم والتبجيل لا لشيء إلا للتمتع بنحت ما يمكنه إن يكون أكثر فخامة وضخامة! من هنا انتشار كلمات العبقري والعظيم والجليل والكبير ويتيم دهره وما شابه ذلك على كل ما هب ودب في ميدان الكتابة. وتحولت الكتابة إلى مصدر الكاتب. وكانت هذه تكفي بحد ذاتها لكي تلصق بها كل ما تجود به النفس من ألقاب وإطناب. وهذه بمجموعها كانت أيضا موضوعا للتفاخر والاعتزاز والحذلقة "الأدبية". من هنا عبارات أمير الشعراء وسيد الأدباء وعبقري العباقرة وعظيم العظماء. وبما أن عدد الكتاب في ازدياد من هنا استغلال كل ما لم يستغل بعد. وضمن هذا السياق فيما يبدو جرى نحت لقب "عميد الأدب العربي". وليس المعروف مما إذا كان هذا النحت مأخوذا من العمدة أو العمادة أو العامود. وهذه أمور في الأغلب ليست بذي أهمية مازال وقع النعوت والأوصاف كاف بحد ذاته من حيث غرابته وأصالته أو استطرافه واستظرافه للسمع والأذواق!

ليست مهمة هذا المقال كسر أصنام النحت المفتعل في الألقاب والنعوت، بقدر ما تهدف إلى كسر أصنام الفكرة المزيفة بحد ذاتها. مع إن ذلك لا ينفي القيمة التاريخية والأدبية لطه حسين وموقعه الخاص في تاريخ الفكر العربي الحديث بشكل عام والأدبي منه بشكل خاص.

إن سبب الخلل الذي يجري الحديث عنه هنا يقوم أساسا في ضعف بل انعدام تقاليد التقييم الذاتية وأحكامها المناسبة في الفكر العربي الحديث. وهذا بدوره نتاج ضعف بل انعدام مدارسه الفكرية والعلمية الخاصة. وفيما لو أردنا إجمال طبيعة وخصوصية الضعف المشار إليه أعلاه وتطبيقه على شخصية طه حسين، فان سببه يقوم في هيمنة نفسية وذهنية الاغتراب الثقافي التي لازمت صيرورة نموه المعلوماتي. فقد كان طه حسين شخصية معلوماتية وليست معرفية. من هنا سعة انتشارها في العالم العربي الحديث والمعاصر، شأن كل هذا الكم الهائل والمشوه لما يسمى بالفكر التقدمي واليساري والثوري، الذي يجمع في ذاته دعوات بلا حدود ذاتية. فالتقدم مجرد مسار لا إلى غاية، واليسار عسر، والثورية عفوية مدوية، أي كل ما لم يرتبط ويتحدد بتلقائية المواجهة العقلانية والإنسانية الحقيقية لإشكاليات الوجود الفعلي للفرد والجماعة والمجتمع والأمة، أي لإشكاليات الحاضر والمستقبل بوصفها إشكاليات التاريخ الذاتي.

وسوف اتخذ من مقاله الذي قدم به لكتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، نموذجا للتدليل على الفرضية الموضوعة في أساس هذا المقال (وما يتبعه من مقالات أخرى).

نعثر في هذه المقدمة التي وضعها تحت عنوان (في البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر) على نموذج كلاسيكي للتأثر المستلب وغير النقدي في الموقف من التراث. إذ لا تتعدى هذه الرؤية "النقدية" في الواقع أكثر من كونها استلابا معرفيا وثقافيا لمستوى الاستعراب والاستشراق الأوربي آنذاك. فقد كان هذا المستوى في اغلب مكوناته المنهجية محكوما بالتجارب الأوربية في ميدان المعرفة النظرية والعملية. ونعثر على ذلك في الحكم، وليس الفرضية، التي ينطلق منه طه حسين في موقفه من البيان العربي. فهو ينطلق مما يدعو بالأثر الهيليني الهائل في الأدب العربي ومن ثم تكوين البيان العربي من خلال المعتزلة (وتأثرهم بالفلسفة)1 . وأن هذا الأثر (في الأدب العربي) يبرز بوضوح في الأعاجم أو من ذوي أصول أعجمية(!!) (وتأثرهم باليونانية) مثل أبو تمام (كان من أصول نصرانية!) وغيّر اسمه واعتنق الإسلام وانتسب إلى قبيلة طي2 . وحاول التدليل على ذلك فيما اسماه باختلاف أبي تمام الواضح ليس في استعمال التشبيه والمجاز فحسب، بل وفي تصوره للشعر نفسه، وأهمية المعنى، ووحدة القصيدة، والاهتمام بالطبيعة، والميل للمعاني الفلسفية"3 . وحالما تناول قضية البيان العربي، فانه نظر إليه من زاوية "معرفتهم" أو "جهلهم" بالتراث اليوناني (الأرسطي) وكثرة أو قلة استعمالهم للأمثلة اليونانية (التي جمعها أرسطو)(!). بل ونراه يتعدى ذلك الى تفعيل الدونية المبطنة من خلال التوكيد على أن قلة استعمال الأدباء العرب لأمثلة كتاب الخطابة لأرسطو متأتي من كونهم لم يفهموا هذه الأمثلة(!)4 . واختتم هذه الأحكام بموقف يقول، أن علماء البيان العربي لجهلهم التام بنظم اليونان وآدابهم لم يستطيعوا فهم الأنواع الخطابية وما يتصل بها، ولا الشواهد التي استعملها أرسطو من غرر الأدب اليوناني .

إننا نقف هنا أمام صيغة نموذجية للخل المنهجي في رؤية التراث والتاريخ الثقافي القومي. فاليوناني المعاصر، بل واليوناني على امتداد آلاف السنين بعد اندثار المركزية الدولتية اليونانية، لم ينتج خطباء وأدباء كبار، مع انه يعرف تراثه اليوناني ويفهم الأنواع الخطابية اليونانية وغيرها. تماما كما أن العارف الكبير باللغة لا يمكنه أن يكون خطيبا أو شاعرا، ولا العارف بتاريخ الفلسفة فيلسوفا بالضرورة. إن قضية البيان، بما في ذلك من الناحية النظرية والفلسفية، هي أولا وقبل كل شيء مظهر وأسلوب من مظاهر وأساليب الحالة الثقافية. من هنا سخف الفكرة التي توصل إليها طه حسين في بحثه عن اثر الهيلينية في صيرورة وإبداع كل كاتب وأديب أو شاعر كبير في الثقافة العربية الإسلامية. إذ ليس هذا الموقف في الواقع سوى النتاج الملازم للرؤية المستلبة لمثقف مصر آنذاك وانبهاره "العقلي" الصغير بالتطور الأوربي المتزامن من صعود "الموجة الإغريقية" في فهم النفس والتراث والحاضر والمستقبل. وليس مصادفة على سبيل المثال ألا نرى الآن ولا نسمع من يتكلم عن ذلك بفعل اندثار الموجة اليونانية. وينطبق هذا على الشعر التمثيلي والملحمي بل والمسرح وما الى ذلك. بعبارة أخرى، ليس البحث في أبي تمام عن هيلينية (نصرانية) وفي عبد الحميد الكاتب وقبله ابن المقفع عن أصول فارسية (ومجوسية محتملة!) واحمد بن يوسف عن أصول قبطية (ونصرانية محتملة) سوى الصيغة "النقدية" المزيفة لولع الإثارة، وبالتالي الوجه الآخر لسخف أحكام الرؤية التقليدية المتشددة في بعض التيارات السلفية (الإسلامية القديمة) التي حاولت اتهام كل الشخصيات الحرة والنقدية باتهامات مثيلة، أي البحث عن أصول غير إسلامية أو غير عربية فيها! فالجامع بين هذه المواقف "النقدية" المتضادة هو وحدتها في خلل الرؤية المنهجية من حيث الجوهر، ونوعية العقائد من حيث العرض.

من هنا فان النقد الموجه هنا ضد آراء ومواقف وأحكام طه حسين سوف لن يتناول تحليل مضامينها، وذلك لأنها مجرد دعاوي جزئية ومفتعلة. وبالتالي فان تحليلها النقدي يفترض السير معها وموازاتها في الدحض والنفي على كل عبارة وتقييم وموقف وحكم من اجل الكشف أيضا عن ضعفها المعرفي. ولا طائل من وراء ذلك، لأنه في الأغلب مضيعة للوقت والجهد ولا يحتوي على أية قيمة منهجية. انه يحتوي دون شك على قيمة علمية، لكن قيمة العلم الضرورية بالنسبة لتأسيس المعرفة الحقيقة والثقافة الحية تفترض توجيه الرؤية صوب تأسيس الرؤية العلمية كما هي. والاهم من ذلك تأسيس الرؤية المنهجية السليمة.

لهذا سوف أركز هنا على البعد المنهجي فقط. لاسيما وانه جوهر القضية. وفيه تكمن أسباب الخلل في الرؤية "النقدية" لطه حسين بهذا الصد. فالأصول الشخصية والعائلية والعقائدية للمبدعين في كل مجال واختصاص عوامل مهمة، لكنها جزئية وعارضة، أو في أفضل الأحوال أنها مكون طبيعي من مكونات الوجود الطبيعي. بينما الإبداع هو ذروة الوجود "الاصطناعي" التاريخي لمنظومات الوجود الإنساني في مختلف ميادينه ومستوياته. وإذا كان أبو تمام نصراني الأصل قد اعتنق الإسلام، فانه أولا وقبل كل عربي المنشأ والثقافة. والفرق بينهما جوهري، هو الفرق بين الأصل والفرع، الجوهر والمظاهر، المكون الثقافي الفعلي وتأثير العقائد. إضافة الى أن الانتماء الطوعي (لأبي تمام الى عقيدة أخرى) يعكس أولا وقبل كل شيء إدراك أفضلية من يجري الانتماء إليه. ثم ما علاقة النصرانية باليونانية هنا. فالنصراني المتعرب (في حال كونه ليس من أصول عربية) هو عربي بفعل الطابع الثقافي للقومية العربية. فالقومية العربية ثقافية من حيث المنشأ وليست عرقية. إضافة لذلك أن النصرانية (كدين في عالم الخلافة آنذاك) لم تصنع ثقافة عقلية أو فلسفية. كما أن نصرانية تلك المرحلة (على النطاق الأوربي، أي جغرافية انتشارها آنذاك) كانت في عداء تام وغريزي للتراث اليوناني العقلي وجاهلة بما فيه وله. بعبارة أخرى، أن الحقيقة البسيطة والمباشرة والجلية واليقينية أيضا تقول، بان التأسيس الأدبي واللغوي والمعنوي (للأدباء والشعراء الذين ينتقيهم طه حسين) قد جرى بفعل العربية وتراثها وإشكالاتها وصراعها، أي أن ما جرى هو جزء من اثر الصيرورة التاريخية للثقافة العربية الإسلامية. وكل ما عداه هو مجرد أجزاء ومكونات وعناصر يمتلك كل منها قدرا من الضرورة بما في ذلك أشدها غرابة وطرافة وصدفة.

إن الحصيلة التي يمكن الوصول إليها بهذا الصدد تقوم في أن آراء ومواقف وأحكام وتقييمات طه حسين ليست في الواقع سوى الصيغة المقلوبة أو الوجه الآخر للاستلاب المعرفي والمنهجي والثقافي الذي ميز ما يسمى بنزعته النقدية. إذ لا نقدية فيها بالمعنى الدقيق للكلمة. وقد يكون من الأدق القول، بأنها ومضات ومواقف اقرب ما تكون إلى لدغات إثارة بفعل تدني المستوى المعرفي والعلمي السائد آنذاك.

فالفكرة النقدية الكبرى هي التي تتجاوز منظومات الفكر إلى أخرى أكثر رفعة ودقة وتأسيسا. بينما لم تحتو كل كتابات طه حسين النقدية على شيء يتعدى حدود التطويع والتطبيق الجزئي لأجزاء المعرفة المتناثرة في الفكر الأوربي آنذاك، مع البقاء من حيث الجوهر ضمن الدهاليز العتيقة والعمل على نفض الغبار العالق على جدرانها. كما يمكننا أن نعثر فيها على الشخصية الباطنية أو المستبطنة لطه حسين نفسه، في استعماله النهم للأشياء التي "فهمها" من التراث الأوربي الحديث و"اليوناني" بشكل خاص، مع أن إلقاء نظرة سريعة إلى كل ما كتبه تكشف عن ضعف وسطحية استلهامه للتراث اليوناني بشكل عام والفلسفي بشكل خاص (وليس اليوناني فقط).

***

 

ا. د. ميثم الجنانبي

..............

1- طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ضمن كتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، ص8-9.

في الواقع أن شعراء الجاهلية كانوا كثر فلسفية من أبي تمام.

2- طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص9.

3- طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص12.

4- طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص13.

 

 

تحل علينا في هذه الايام، ذكرى الميلاد المجيد ورأس السنة الميلادية، وبهذه المناسبة الجميلة، اتقدم الى جميع الاخوة المسيحيين باجمل التهاني القلبية، مع اطيب الاماني للجميع بدوام السعادة والسرور والسلام.

في سرديات التاريخ الانساني، تتكرر ظاهرة الولادة الاعجازية لمجموعة من الابطال في تراث الكثير من الامم، وهذه الظاهرة كانت متواجدة بشكل لافت في التاريخ القديم، فنجد هناك اشخاص كانت ولادتهم بغير الطرق التقليدية، اما عن طريق الولادة العذرية، او عن طريق الولادة بدون تدخل بشري، وهؤلاء الاشخاص تحولوا الى رموز دينية واحيانا قومية، ومنهم من تحول الى نصف اله او اله كامل!

والأمثلة على ذلك كثيرة، منها أوزوريس، وحورس، وميترا، وهيراقيلس، واتيس، وكريشنا وغيرهم

وعلى الرغم من ان القصص التاريخية التي تحكي عن هذه الشخصيات تميل في غالبيتها الى النمط الاسطوري، الا انه لازال البعض منها تعتبر لدى كثير من الناس على انها حقائق ثابتة، يقوم عليها ايمان ومعتقد راسخ، كما هو الحال مع (كريشنا) في الديانة الهندوسية.

من المهم جدا ان نميز باستمرار بين (الحقائق الايمانية) و( الحقائق التاريخية) في عملية البحث التاريخي، فالحقائق التاريخية المستندة على معطيات البحث التاريخي المنضبط، والمعتمد على وسائل علمية كثيرة، هذه الحقائق يتم التعامل معها على انها يقينية او شبه يقينية، حسب مستوى وثوقية الادلة الموصلة اليها، ويتم التعامل معها على هذا الاساس ضمن اطار انساني شامل.

أما الحقائق الإيمانية، فهي سرديات او افكار وتصورات تخص(فقط) المؤمنين بها، و تلزمهم، ومن حقهم التعامل مع معطياتها ضمن إطار ايمانهم، ولكل مجموعة من البشر (حقائقهم الايمانية) الخاصة بهم، والتي قد تعتبر لدى غيرهم مجرد اساطير لا اصل لها، وهذه الظاهرة موجودة بشكل واضح في كل الاديان والمعتقدات، وكل فريق يعتبر ايمانه هو الحقيقة بينما ايمان غيره اسطورة!

في التاريخ المسيحي، تشكل ولادة يسوع المسيح العذرية، ركنا مهما من اركان المعتقد، وعليه تترتب نتائج مهمة سوف يتشكل منها البناء الأساسي للثيولوجيا المسيحية، لذلك اعتبر حدث ولادة يسوع الناصري، هو الحدث الأهم في تاريخ البشرية، و بقرار حكومي من الامبراطورية الاكبر والاقوى (الرومانية)، تم لاحقا، تقسيم تاريخ البشرية الى ما قبل، وما بعد ميلاد المسيح.

ان قصة ميلاد يسوع الناصري، والمروية لنا ضمن سرديات النصوص الدينية (فقط) تتشابه احيانا وتتلاقى احيانا اخرى مع قصص الميلاد الاعجازي للشخصيات الاخرى التي سبقت يسوع الناصري، وخصوصا تلك القصص التي كانت رائجة ومتداولة في ارجاء الامبراطورية الرومانية، ضمن التراث الروماني والاغريقي، مثل تحول الشخص المولود الى كيان (انساني/الهي) ومثل توقيت حدوث الميلاد، والذي يكون في نهاية شهر ديسمبر، وكذلك قصة تضحية البطل المولود اعجازيا بنفسه من اجل بقية الناس!

ورغم هذه التشابهات التي تكررت بشكل لافت، الا اننا سنتعامل مع قصة ولادة يسوع الناصري العذرية على انها حقيقة ايمانية ( نحترم كل من يؤمن بها ونحترم حقه بالايمان بما يشاء)، ونتابع تسلسل سرد تلك القصة كما وردت في النصوص، وسنحاول التحقق بمنهجية البحث التاريخي( فقط) في المناطق التي تتقاطع فيها تفاصيل هذه القصة مع الاحداث التاريخية الثابتة والمشهورة.

ومن خلال السير على نفس المنهجية التي نتبعها في هذه السلسلة، من تتبع النصوص حسب اقدمية زمن كتابتها، وكذلك من خلال مقارنة الخبر الوارد في احد الاناجيل مع الاناجيل الاخرى، سنجد امرا يدعو للتوقف والتأمل!

وهو ان قصة ولادة يسوع المسيح العذرية لم ترد في اجزاء العهد الجديد الاقدم زمنيا، وليس لها ذكر الا في انجيلين فقط!

فلو تتبعنا رسائل (شاؤول/بولس) وهي الجزء الاكبر والاقدم من العهد الجديد، لا نجد أي ذكر للولادة العذرية الاعجازية، بل ان هذا الرجل الذي كان اهم داعية مسيحي، وانشط شخص في نشر الايماني الجديد في زمن المسيحية الاول، لم يتطرق لهذه الحادثة المهمة والفريدة والمعجزة الكبرى، التي لا تتكرر، وكل ما ورد في رسائله حول ولادة يسوع الناصري هو جملة مقتضبة تقول:

(وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ) غلاطية 4/4

وهذه العبارة ليس فيها ذكر لولادة عذرية، او اي حدث اعجازي.

وعندما نذهب الى الاناجيل القانونية، نجد ان الانجيل الاقدم من ناحية التسلسل الزمني في الكتابة، وهو إنجيل (مرقص) لم يتطرق الى ولادة يسوع الناصري، ولم يذكر اي شيء عنها !

اول اشارة وخبر عن ولادة يسوع الناصري، وردت في الانجيل الذي تلى انجيل (مرقص) وهو الانجيل المنسوب الى (متى)

وقد ذكر الاشخاص (المجهولين) الذين كتبوا هذا الانجيل خبر الولادة العذرية، في سياق يظهر للقارئ على انه حدث يقع ضمن إطار تحقق نبوءات العهد القديم في شخص يسوع، وهذا النهج واضح جدا لدى كتبة هذا الانجيل، حيث نجدهم يجتهدون في اجتزاء وتحوير، واحيانا فبركة مقاطع من العهد القديم، لكي تبدو كأنها نبؤات تم تحققها في شخص يسوع!

وهكذا فعلوا ايضا مع نبؤة الولادة العذرية المزعومة، والتي لا اصل لها، فقاموا وبكل تمحك وجرأة بتغيير لفظة كلمة عبرانية تعني (شابة) الى لفظة تعني (عذراء) واقتطعوا نص من العهد القديم، لاعلاقة له بقصة المسيح، يقول

(ها هى العذراء تحبل وتلد ابناً يدعى اسمه عمانويل)

والطريف اننا نجد الى اليوم بعض المدافعين عن هذا التزوير المفضوح، مستندين الى ان كلمة(العذراء) موجودة في مخطوطات الترجمة السبعينية التي قام بها اليهود، متناسين ان كل مخطوطات هذه الترجمة الموجودة حاليا هي عبارة عن نسخ متاخرة تمت بعد القرن الميلادي الاول، ولا يوجد اي نسخة اصلية للترجمة السبعينية التي كتبها اليهود انفسهم!

والاشد طرافة، ان هؤلاء المتنطعين يتجاهلون عامدين، امرا بسيطا جدا، وهو ان اليهود الذين كتب العهد القديم بلغتهم وضمن مفاهيم ثقافتهم، والذين ينتظرون (المسيح المخلص) الى يوم الناس هذا، لم يكونوا، في يوم ما، ينتظرون ان يولد المسيح المنتظر، من خلال ولادة عذرية، اذا لا وجود لمثل هذه العقيدة في نصوص كتابهم (العهد القديم)!

الانجيل الثاني الذي ذكر خبر الولادة العذرية، هو انجيل( لوقا) والذي يأتي بعد انجيل (متى) بالتسلسل الزمني، وقد اورد القصة بشكل مختلف وضمن سياقات سردية تتباين مع القصة الاولى المذكورة في (متى)

بالنسبة للانجيل الاخير زمنيا( انجيل يوحنا) لم يرد فيه اي ذكر لولادة المسيح، وانما نجد كتبة هذا الإنجيل قد انتقلوا الى مستوى اخر جديد، وهو محاولة اضفاء صفات وابعاد لاهوتية على شخص يسوع الناصري، وهذا امر يمكن تفهمه ضمن سياقات تطور القصص الاسطوري والذي يتميز بأن الأسطورة تتضخم وتزداد هالتها مع مرور الزمن!

وبالعودة الى مقارنة خبر ولادة يسوع الناصري في الانجيلين الوحيدين الذين ذكرا هذه القصة، نجد هناك بعض التباينات والاختلافات اللافتة، فكل انجيل ابتدأ بذكر سلسلة نسب ل(يوسف النجار) زوج السيدة (مريم) الذي ينحدر من سلالة الملك (داوود) وهذا الامر هو شرط من الشروط التي يجب ان تتوفر في شخص المسيح القادم، ورغم ان (يوسف النجار) ليس له اي علاقة بميلاد يسوع العذري، ولا ينحدر يسوع من صلبه، الا ان كتبة الانجيلين وضعوا سلسلتي نسب فيها بعض التباين!

في انجيل (متى) نجد ان امر حبل السيدة (مريم) بشكل تلقائي وبدون تدخل بشر، هو (سر عائلي) محدود جدا لم يطلع عليه احد سوى مريم ويوسف النجار الذي اخبره الملاك عن طريق (الحلم) بعد ان شك في زوجته العذراء التي بدأت عليها علامات الحمل!

اما في انجيل (لوقا) فنجد ان هذا السر، قد اطلع عليه ايضا زوجة النبي (زكريا) والتي تمت بصلة قرابة الى مريم!

ونجد ايضا ان كتبة هذا الانجيل قد لاذوا بالصمت حول النبوءة المفبركة في انجيل(متى) ولم يذكروها رغم اهميتها!

ونلاحظ ايضا اهتمام كتبة هذا الإنجيل بربط حدث ميلاد المسيح الاعجازي، مع حدث إعجازي آخر، وهو ميلاد (يوحنا المعمدان) ابن النبي (زكريا) والذي ولد، هو ايضا، بطريقة اعجازية من اب شيخ عجوز وام عجوز عاقر.

ولو رجع القارئ الكريم الى تفاصيل القصتين في (متى) الاصحاح 1و2 وفي (لوقا) 2، 1 سيجد ان كل الذي يرويه الانجيل الاول، لا وجود له في الثاني، وكل مايرويه انجيل لوقا لا وجود له في انجيل (متى) !

ومن هذا نستنتج ان قصة الميلاد العذري التي تروى لنا، هي قصة (ثالثة) ناتجة من دمج رواية القصتين معا!

انجيل(متى) مثلا، يحكي لنا عن الاحلام التي رآها يوسف، وينفرد بذكر قصة الرجال الحكماء المجوس، والنجم الذي يسير ويتوقف امام بيت الطفل المولود، وعن مذبحة الاطفال المزعومة التي امر بها (هيرودس)، والتي بسببها حدثت الرحلة المزعومة للعائلة المقدسة الى مصر.

وفي الوقت الذي لانجد لهذه الامور ذكر في انجيل(لوقا)، نلاحظ ان الاخير قد انفرد هو ايضا بذكر احداث غفل عنها انجيل(متى) مثل التعداد الذي امر به القيصر، والرحلة الى بيت لحم، وقصة المزود والرعاة، وزيارات الملائكة للسيدة مريم وكذلك الى قريبتها (اليصابات) زوجة النبي (زكريا)

في انجيل (لوقا) نجد ان الملاك الذي أخبر السيدة (مريم) ببشارة حملها العذري، قد اخبرها بنبوءة مستقبلية مهمة وهي

(وها انت ستحبلين و تلدين ابنا و تسمينه يسوع.هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى و يعطيه الرب الاله كرسي داود ابيه

و يملك على بيت يعقوب الى الابد ولا يكون لملكه نهاية) لوقا 31/1

 وهذه النبؤة لم تتحقق ابدا، فقد، تم صلب يسوع، ولم يجلس على كرسي (ملك) داوود، ولم يتملك على بني اسرائيل !

بعدها نجد ان الملاك قال لها عبارة مهمة، قد تعرضت لاحقا إلى التحوير والتأويل المتمحك الساذج

 (فاجاب الملاك و قال لها الروح القدس يحل عليك و قوة العلي تظللك فلذلك ايضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله)

 حيث نجد ان بعض المسيحيين يعتبرون ان حلول الروح القدس على مريم هو دليل على ان حبلها هو بالابن (الطبيعي) لله!!

وباعتبار ان حلول الروح القدس على مريم هو الحافز الذي أدى الى بدء عملية الحمل والنمو الطبيعي للجنين!!

وهذا تفسير غريب ومضحك بنفس الوقت!، لانه يجعل من الروح القدس هو البديل عن الدور الذكري في عملية الحمل!

والاشد غرابة، ان هذا الامر يستدعي ان يكون يسوع الناصري (المولود من الله) هو ابن مريم وزوجها في نفس الوقت!

لأن يسوع حسب الميثلوجيا المسيحية هو نفسه (الله) وهو نفسه (الروح) القدس، وكلهم اله واحد !!

ان حلول الروح القدس، والذي يعني بشكل واضح حلول بركة الروح القدس على مريم، لتحفظها وتباركها وتجعلها تحظى برعاية وعناية الله العلي، لم يكن امرا تفردت به السيدة مريم، فقد حلت بركة الروح القدس ايضا على (اليصابات) وكذلك زوجها (زكريا) وابنهما (يوحنا) المعمدان

فقد أخبر الملاك عن يوحنا المعمدان انه

(لانه يكون عظيما امام الرب و خمرا و مسكرا لا يشرب و من بطن امه يمتلئ من الروح القدس) لوقا 15/1

( وامتلات اليصابات من الروح القدس) لوقا 41/1

(وامتلا زكريا ابوه من الروح القدس و تنبا قائلا) لوقا 67/1

فحلول الروح القدس، بل وامتلاء الانسان بالروح القدس، لا يعدو كونه ترميز الى حلول بركة وقداسة الرب على ذلك الإنسان، وفي حالة السيدة مريم، حلت عليها بركة وقداسة الرب الذي اختارها لحمل وولادة انسان مقدس من الله (قدوس) مثلما كان بعض انبياء الله مقدسين ايضا، كما اشار الكتاب الى بعضهم، مثل هارون

 (وَهارُونَ قُدُّوسَ الرَّبِّ) مزمور 106، وبذلك استحق المولود الجديد تسمية (ابن الله) التي كانت تطلق على جميع بني اسرائيل بشكل عام، وعلى الأنبياء والصالحين البارين منهم بشكل خاص، مثل يعقوب و افرايم وداوود .

ان تعاملنا مع قصة ولادة المسيح الاعجازية من ناحية كونها قصة ايمانية، لا يعفينا من مطابقتها مع الاحداث التاريخية المثبتة، وذلك بسبب ان هذه القصة تطرقت الى بعض احداث التاريخ، مما استلزم، مقارنتها مع تلك الاحداث التي تقاطعت تفاصيل القصة معها، والتي بينت، بعد مقارنة تاريخية متأنية، ان تلك القصة تحوي بعض التناقضات وبعض الاحداث التي لا اصل تاريخي لها!

فقصة الاكتتاب (التعداد السكاني) الذي أمر به (اغسطوس قيصر) في جميع ارجاء امبراطوريته المترامية الاطراف، هذه القصة لا اصل لها ولا يوجد ما يدعمها من النصوص والوثائق الرومانية!

وكذلك قصة امر (هيرودس) بذبح كل الاطفال دون سن العامين! هي مجرد قصة مخترعة وربما مقتبسة من قصة النبي موسى !

ومن تناقضات قصة الميلاد العذرية مع الحقائق التاريخية، حسب رواية الاناجيل، اننا نجد تلك الاناجيل تشير الى ولادة يسوع المسيحي في فترة حكم (هيرودس) وان الميلاد حصل حينما كان الحاكم (كيرينيوس) واليا على سورية، بينما المصادر التاريخية القديمة، والتي ارخت للدولة الرومانية، وكذلك النقوش المكتشفة، تؤكد ان (كيرينيوس) لم يعتلي سدة الحكم في سوريا قبل عام 6 ميلادي، اي بعد وفاة (هيرودس) بحوالي عشرة اعوام !! 

وختاما، لابد من الاشارة، الى ان مما يثير الانتباه، هو ان يسوع الناصري، نفسه، لم يتطرق الى موضوع ميلاده الاعجازي ابدا، طوال حياته، وفي جميع حواراته وأحتجاجاته مع خصومه، وكذلك في أحاديثه الخاصة مع تلاميذه!

 

د. جعفر الحكيم

mutham aljanabi2إن تحول "الكتاب" إلى "حق" يعني تمثل فكرة المقدس، أي الفكرة المجردة عن الاتهام بالزور والتزوير. وبلوغها مرتبط هو الآخر بمعاناة مماثلة لما أسميته بمراحل التحدي الكبرى للبصر والبصيرة من اجل الانتقال من الحلم إلى اليقظة، ومن الخيال المربض إلى الوحي الصادق. بمعنى بلوغ مرحلة الانتقال من الأسطورة إلى الحقيقة. فقد كانت المراحل الأولى الصيغة النفسية والفردية للمعاناة الظاهرة والباطنة التي واجهها محمد في خروجه على مألوف العرب. أما الانتقال من الأسطورة إلى الحقيقة فقد كان يتمثل "علوم الأوائل"، أي تاريخ الصراع المسبوك بالرؤية التوحيدية الجديدة. فقد كانت اتهاماتهم واضحة وجلية ومألوفة يقوم فحواها في أن كل ما يأتي به محمد ويقوله مجرد {أساطير الأولين اكتتبها. فهي تملى عليه بكرة وأصيلا}[1]. وقد صور القرآن هذه الحالة بعبارة {إذا قيل لهم ماذا انزل ربكم قالوا أساطير الأولين}[2]. وإذا أراد الرد عليهم بأمثال من التاريخ السالف، فإنهم كانوا يقولون له {إن هذا إلا أساطير الأولين}[3]. بل اندفعوا صوب النهاية الملازمة لهذه المواقف عندما قالوا له {لو نشاء لقلنا مثل الذي تقوله}.

لقد اجبر النبي محمد العرب الوثنية على التفكير و"الإبداع" بالشكل الذي يخرجهم عن مألوف ما تعودوه من صيغ الكتابة والتفكير. وشأن كل إجبار "متسام" اتخذ في بادئ الأمر صيغة الإمكان أو الاحتمال المعقول. وحالما تصبح الإمكانية واقعا مقبولا في التأمل والتفكر حينذاك يصبح الخروج على المألوف جزءا من العقل والإيمان. من هنا يمكن اعتبار استعدادهم على أن "يقولوا مثل ما يقوله" إقرارا ضمنيا بإمكانية وقبول الارتقاء عن تقليد الأسلاف، أي انه أجبرهم على الخروج من قيود العادة وأوهامها. وليس مصادفة أن يتوصل الفكر الإسلامي لاحقا للقول، بأن المعجزة هي "خرق العادة"، بمعنى الخروج عن المألوف. بمعنى الإبقاء على إمكانيتها بوصفها إبداعا ممكنا. بعبارة أخرى، ليست "المعجزة" ما هو مستحيل بالطبع، بل ما هو خارق للمألوف. وقد تمتعت هذه الفكرة بقدر هائل من الاستعداد للتغير والتجسد والبرهنة والتحقيق في مختلف الميادين. لكن الميدان الأكبر والأكثر جوهرية بالنسبة لمحمد كان يقوم في استبدال "الجاهلية" بالإسلام، والبرهنة على انه أمر ممكن بما في ذلك تحقيقه في مشروع كوني جديد.

أدت فكرة الإعجاز إلى تثبيت فكرة القرآن الجامع والشامل بوصفه "معجزة". وهي "معجزة" حقيقية في سلسلة الإبداع والحق والبدائل الكبرى. وإذا كان نموذجها المصغر يقوم في فكرة إعجاز القرآن، فإن نموذجها الثقافي الأكبر يقوم في تحول القرآن إلى "كتاب" حقق منطق المعاناة الظاهرة والباطنة لمحمد وأسلوبه في التعامل مع كل المبادئ العامة للوجود المادي والروحي للإنسان. إذ أن مجرد رفع القرآن إلى مصاف المعجزة الذاتية للإسلام يعني الإقرار بالقيمة الخارقة "للكتابة" و"القراءة"، بوصفها المقدمة الضرورية لكل إبداع ثقافي. فعندما يجري رفع القراءة إلى مصاف الوحي، والوحي إلى مصاف "القرآن"، والقرآن إلى مصاف "الكتاب"، فإن ذلك يعني من الناحية الروحية حدوث انقلاب هائل في تاريخ الثقافة. وذلك لما فيه من تحويل الكتاب والقراءة إلى عناصر جوهرية لمكونات الإيمان اليومي والأبدي، وبالتالي رفع شأنهما في حياة الفرد والجماعة، واللسان والبيان، والعلم والعمل. وقد بلغت هذه الذروة أوجها في تطابق الوحي والقرآن والكتاب في "معجزة" لا تتعدى كونها "كتابا"، أي روحا ومنطقا.

فقد كانت حقيقة الإعجاز الأولى للقرآن تقوم في نقل الروح والجسد العربيين من غريزة الجاهلية إلى عقل الثقافة. ويمكن رؤية الصيغة الفردية والشخصية الأولى لهذه الحقيقة في كيفية ونوعية الانتقال التاريخي والرمزي لمحمد من حالة الجهل بالله إلى الإسلام له. حيث واجه هذا الانتقال للمرة الأولى في غار البحث عن جواب كان يقلق عقله. وقد كان الجواب بسيطا للغاية، ألا وهو تعلم القراءة لا غير. كما كان في صدمته الأولى اقرب إلى مواجهة ذاته المتسامية بهيئة تحد لقراءة ما لا يعرفه. وهو الدرس الذي نواجهه للمرة الأولى أمام من ينطق لنا الحروف ويعلمنا قراءتها، باعتباره الأسلوب الذي يثير الهلع فينا مع أن مهمته تذليل الخوف من الجهل.

وسوف ترفع الثقافة الإسلامية هذه الفكرة إلى مصاف الحكمة عندما وضعتها في عبارة "الناس أعداء ما جهلوا". وقد وضع النبي محمد أسس هذه الحكمة في مجرى مواجهته جهل العرب الوثنيين، بحيث انزل نموذج ذهنيتهم إلى مستوى "الجاهلية"، ومن خلاله حاول إجبار العرب الوثنيين على تعلم قراءة "الآفاق والأنفس" بطريقة جديدة من خلال عبور غريزة الجسد الجاهلي إلى عقل الروح الإسلامي. ولم تكن محاولته هذه أسهل من غيرها. فقد صبت في نفس تيار تكامله الذاتي، أي في نفس تيار معاناته الكبرى. ومرت شأن كل معاناة كبرى في نفس دهاليز المواجهة المتنوعة من التمني والرغبة والعمل والتحدي والتصدي والإرهاق والانزعاج والتقهقر والشعور بالهزيمة والاقتراب من اليأس والقنوط. فإذا كانت مواجهته الأولى تقوم في نموذج {أفغير الله تأمروني أن اعبد أيها الجاهلون}[4]، فإنها تعرضت في مجرى اعتراضهم المتكرر والعنيد إلى حالة جعلته أحيانا يبحث عن نفق في الأرض ينزل إلى أعماقه عسى أن يحصل بأثره على ما يمكنّه إقناعهم، أو أن ينطلق إلى السماء من اجل أن يأتيهم بحجة تنهي شكوكهم. وهو تمنيات وأفعال اقرب ما تكون إلى غريزة النفس الجاهلية التي حاربها. من هنا صدمتها إياه حالما بلغ التحدي ذروته كما في قوله {وإن كبر عليك إعراضهم، فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلمّا في السماء فتأتيهم بآية. ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين}[5]. ويشير هذا الانتقاد إلى حالة الجزع المميزة للغريزة الجاهلية من جهة، وإلى تجاوزها المادي والمعنوي من جهة أخرى. وسوف تتجسد هذه الحالة بصورة نموذجية في أكثر الأحداث درامية، كما نراها في الآية القائلة:{إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية، حمية الجاهلية، فانزل الله سكينة على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى}[6]. إننا نعثر في هذه الآية على وداع رمزي للجاهلية، يتضمن في الوقت نفسه نفيها الشامل، من خلال نفي حمية الدماء بسكينة الروح، والجاهلية بالتقوى. كما نعثر فيها أيضا على تمثل فعلي سوف يظهر لاحقا في تحويل الجاهلية إلى مرحلة ضرورية بالنسبة للوعي الديني والتاريخي والثقافي، عندما أدرجتها الثقافة الإسلامية في فلك الإيمان والعقل والمعرفة والتاريخ، أي عندما حولتها إلى معيار الإدراك اللغوي الدقيق والحقيقي لمعان القرآن، وجعلت من نتاجها الأدبي نموذجا "كلاسيكيا" للمقارنة والاقتداء، بحيث جعلت من فضائلها الكبرى فضائل الإسلام نفسه. ولم يكن بإمكان هذا التحول أن يحدث إلا بعد تذليل الجاهلية بوصفها نموذجا وأسلوبا في التربية والفكر والسلوك والنفسية والقيم.

 وقد فسح هذا التذليل المجال أمام العقل وإمكانياته غير المحدودة من تأويل وتبرير وتأسيس وتأريخ سوف تظهر ملامحه اللاحقة مع أول انتقال فعلي إلى عالم الدولة والثقافة السياسية. لكن بدايته تلازمت مع انتصار الإسلام، الذي رفع فكرة الخلاف والمعرفة والعلم إلى مستوى جديد لا علاقة له بالنماذج الضيقة المميزة لما ندعوه بالجاهلية. وهو تلازم ارتبط أساسا بتذليل مثلث الأضلاع الكبرى للجاهلية في كل من الهوى والجهل والظن. من هنا تلازم معارضة الهوى بفكرة الوحي، كما حصلت على أشكالها المتنوعة في التدليل على أن محمد لا ينطق عن الهوى، وانه وحي يوحى. وإنهم لا يستجيبون لأنهم {يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى}[7]. ومعارضة الجهل بالعلم، كما حصلت على أشكالها المتنوعة في مواقف عدة مثل القول بأن الله يرفع {الذين آمنوا منكم درجات والذين أوتوا العلم درجات}، وانه لا {يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}. بل نراه يرفع مستوى تدليل وشهادة العلماء إلى مستوى الدراية الإلهية كما في قوله {شهد الله وأولوا العلم}، انطلاقا أو استنادا إلى أن أكثر من {يخشى الله من عباده العلماء}. وأخيرا معارضة الظن بفكرة اليقين الصادق، كما حصلت على أشكالها المتنوعة في مواقف عدة مثل قوله {إن تتبعون إلا الظن وما تهوي الأنفس}، وأنه {ما لهم من علم إن يتبعون إلا الظن}، وأن أكثرهم ما يتبع إلا ظنا، بينما {الظن لا يغني عن الحق شيئا}[8]. بل أن حصيلة مواقفهم من الحياة والموت، مثل قولهم {إن هي حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} هي مجرد ظنون لا أساس لها، أو كما يقول القرآن {ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون}[9].

لقد أدت الحصيلة المتراكمة في معارضة الهوى بالوحي، والجهل بالعلم، والظن باليقين الصادق إلى تأسيس مبادئ علمية وعملية كبرى لعل أهمها هو انه ليس كل علم يؤدي إلى معرفة، وأن العلم الذي يؤدي إلى معرفة هو الذي يصنع يقينا، وأن المقصود باليقين هنا هو اليقين الصادق، أي عين اليقين. وشكلت هذه المبادئ أساس المنهج النظري والعملي لحقيقة المعرفة والإيمان، كما نعثر عليها لاحقا في مفاهيم ومبادئ كبرى مثل طلب العلم فريضة، وفكرة طلب العلم كما هو، وما ترتب عليه من مبادئ وقيم عملية عديدة كانت تتمثل الأفكار القرآنية العامة مثل الدعوة الدائمة للتأمل والتفكر والتعقل والتبصر في الأمور وعواقبها، والدعوة للحكمة والموعظة الحسنة، والجدل بأفضل الطرق وأحسنها. وحصلت هذه المبادئ والقيم على استمرارها العملي والجزئي والمتسامي أيضا في الأحاديث الصحيحة والموضوعة مثل (العلماء ورثة الأنبياء)، و(يستغفر للعالم ما في السماوات والأرض)، و(الحكمة تزيد الشريف شرفا وترفع الملوك)، و(اقرب الناس من النبوة أهل العلم والجهاد)، و(لموت قبيلة أيسر من موت عالم)، و(يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء)، و(يشفع يوم القيامة ثلاثة:الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء)، و(ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين)، و(خير دينكم أيسره، وخير العبادة الفقه)، و(فضل المؤمن العالم على المؤمن العامي بسبعين درجة) وغيرها.

أما الحصيلة الفكرية والثقافية لكل ذلك فقد كانت تصب في تأسيس مرجعية المعرفة والعلم وضرورتها بالنسبة لإيجاد النسبة المعقولة والمقبولة للثابت والعابر، والمطلق والنسبي في كل شيء، إضافة إلى ربط التفكر والتعقل والتأمل بمنظومة فكرية شاملة. أما من الناحية التاريخية فقد كان ذلك يعني تأسيس شروط تكامل المعرفة في الإنسان ورفعه إلى مصاف القوة الذاتية المفكرة، كما ستتجسد لاحقا في فكرة "علوم الدين" و"علماء الدين" و"الفقهاء"، أي العارفين وليس "رجال دين". ولم يكن مقصود الثقافة بالعارفين سوى المثقفين وليس الأجراء والمرتزقة منهم في ميدان العمل النظري والعلمي.

وقبل أن تصل الثقافة الإسلامية إلى واقع التمايز الجدي والفعال بين رجل العلم ورجل الدولة وقيمته بالنسبة للإبداع الحر والمتنوع، كان ينبغي لها أن تخوض غمار الإشكاليات الصعبة والمرهقة في ميدان بناء الدولة والسلطة والعقائد والعقل والنظم الفكرية.

***

 

ميثم الجنابي

......................

[1] القرآن: سورة الفرقان، الآية 5.

[2] القرآن: سورة النحل، الآية 24.

[3] القرآن: سورة الأنفال، الآية .31

[4] القرآن: سورة الزمر، الآية 64.

[5] القرآن: سورة الأنعام، الآية 35.

[6] القرآن: سورة الفتح، الآية 26.

[7] القرآن: سورة القصص، الآية 50.

[8] القرآن: سورة يونس، الآية 36.

[9] القرآن: سورة الجاثية، الآية 24.

 

يردد المتخصصون بالتاريخ، دائما، العبارة الرائعة (التاريخ : خبر ورؤية) والتي تعني باختصار، ان أخبار التاريخ المنقولة الينا تكون دائما مصبوغة بصبغة ناقل الخبر، التي تعكس رؤيته وميوله، وهذا الكلام الدقيق، لا ينطبق فقط على أخبار التاريخ، بل نجده أيضا، ينطبق في أيامنا هذه، على اغلب الاخبار والاحداث التي تجري في واقع حياتنا اليومية.

ويعلم كل مشتغل على مادة التاريخ الانساني، ان ما تم نقله الينا من اخبار او توصيفات للاحداث، ليست هي بالضرورة ما حدث في الحقيقة، وانما قد تكون في اغلب الاحيان، ما تصوره الناقلون للاخبار انها الحقيقة، وفي احيان اخرى، ما أرادوا أن يجعلوا الآخرين يصدقون انها الحقيقة.

الكتاب المقدس، في جزءه القديم يتضمن الكثير من الاخبار التي تعتبر سيرة تاريخية للشعب اليهودي، اما في جزءه الثاني (العهد الجديد) فهو يشتمل ضمن فقراته، على مجموعة كبيرة من الاخبار التي تشكل السيرة التاريخية لشخصية يسوع المسيح.

ومن خلال تتبع نصوص الكتاب المقدس، نلاحظ ان القاعدة السابقة تنطبق على الأشخاص الذين كتبوا تلك النصوص، وقد أورد العلماء المتخصصون في علم (النقد النصي) الكثير من الشواهد والأمثلة، وبعضهم قام بتأليف بحوث وكتب تناقش هذه الظاهرة.

الباحث في الكتاب المقدس، لن يجد صعوبة كبيرة لاكتشاف ظاهرة التلاعب بالنصوص وتغييرها، لغرض خدمة توجهات كاتب النص او ترسيخ فكرة يريد التأسيس لها وغرسها في ذهن القارئ، وهذه الظاهرة واضحة بشكل أكبر في نصوص العهد الجديد، لسبب مهم، وهو، ان الاشخاص (المجهولين) الذين كتبوا تلك النصوص كانوا حريصين جدا على إعادة صياغة الأحداث الماضية، لكي يخرجوها بشكل جديد، يتماشى مع الإيمان الناشئ حديثا، والذي كان لازال في طور التدرج والتطور في فترة كتابة تلك النصوص!

ويستطيع الباحث اكتشاف ذلك بسهولة ويسر، من خلال تتبع تلك النصوص حسب اقدمية زمن كتابتها، وكذلك من خلال ما يسميه خبراء النقد النصي، بالقراءة (الافقية) والتي تعني، مقارنة كل خبر او قصة واردة في احد الاناجيل مع نفس القصة في الاناجيل الاخرى، وتتبع التغيرات او الاضافات او حتى الحذف، التي تطرأ على الخبر في كل انجيل، وملاحظة تأثير ذلك على الغرض او الفكرة التي يريد كاتب ذلك الإنجيل، أن يسوق له من خلال مجموع النصوص المكونة لانجيله!

في هذه السلسلة، كنت قد اشرت، على عجالة، لبعض التلاعبات في النصوص، والتي تشمل مثلا، اضافة قصة جديدة لم يكن لها ذكر في النصوص المتقدمة، كما فعل (لوقا) في اختراعه لقصة (السامري الصالح) لغرض تسويق تعليمات الشاب (اليهودي) يسوع الناصري، الى المتلقين من الأمم الأخرى من غير اليهود، من خلال اخراج التعليمات من إطارها العقدي اليهودي الى اطار انساني اشمل!

كما بيناه في الحلقة الثانية من هذه السلسة . راجع ( لوقا 10) 25-37

وتشمل التلاعبات ايضا، ظاهرة فبركة نصوص لا اصل لها في العهد القديم، كما فعل كاتب انجيل (متى) مرات عديدة!

واحيانا يكون التلاعب عن طريق تغيير معاني بعض الكلمات الواردة في نصوص العهد القديم من اجل تمرير معاني اخرى تكون متطابقة مع التوجهات الإيمانية للسادة كتبة نصوص العهد الجديد، كما ذكرنا سابقا عن تغيير لفظة كلمة (الصبية او الشابة) من النص الاصلي الى كلمة (العذراء) لكي يخرج النص الجديد بشكل نبوءة سابقة تحققت في شخص يسوع !

(هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا) متى 1-23

رغم ان النص الاصلي يتحدث عن (شابة) وأحداث سابقة ليس لها اي علاقة بالمسيح !

ونفس الظاهرة نلاحظها في نقلهم للعبارة التي ينسبونها للمزمور 22 ( ثقبوا يدي ورجلي) من أجل جعل القارئ يقتنع بانها نبوءة قديمة تتحدث عن تفاصيل حادثة صلب المسيح، رغم ان نفس النص في التوراة بالعبرية ليس فيه اي ذكر لثقب اليدين والرجلين!

وقد تطور التلاعب بالنصوص الانجيلية، لاحقا، الى اضافة قصص او فقرات إيمانية مهمة ليس لها وجود في النصوص الاصلية، لغرض ترسيخ عقيدة جديدة تطورت ضمن سلسلة الايمان المتدرج، من اجل غرسها في أذهان المؤمنين وايهامهم ان تلك المواقف والعبارات، قد صدرت فعلا من قبل يسوع المسيح أو أحد تلاميذه!

ويكفي هنا، ان نذكر للقارى، ان النص الشهير الوارد رسالة يوحنا الأولى والذي يشير الى عقيدة التثليث

(فان الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الأب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد)

هذا النص، ليس له اي أصل في كل المخطوطات التي يرجع تاريخها حتى القرن العاشر، اي بعد الف سنة من ميلاد المسيح، وانما تم اضافته الى المخطوطات التي كتبت فيما بعد!

ونفس الأمر ينطبق على القصة الشهيرة لتلك الزانية التي قال يسوع الناصري قولته التي صارت مثلا (من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر) هذه القصة أيضا، لا أصل لها في كل المخطوطات القديمة التي تم كتابتها خلال الف عام بعد المسيح

في هذه الحلقة من السلسلة، سنعرض لمثال واضح ومهم للتلاعب بالنصوص في الأناجيل، لغرض ادخال مفهوم عقدي او نظرة ايمانية جديدة في الإيمان الناشئ والاخذ بالتطور، لكي يستقر هذا المفهوم، لاحقا، في الشكل النهائي للايمان الجديد !

ونتحدث بالتحديد، عن توقيت حادثة صلب المسيح، والتي تعتبر الحدث الاهم في سيرة حياة يسوع الناصري، والحجر الأساس الذي تم تشييد العقيدة المسيحية عليه.

وهذه الحادثة تزامنت -وفقا للاناجيل- مع مناسبة يهودية كبرى وأساسية في الوجدان والمعتقد اليهودي الا وهي مناسبة (عيد الفصح) الذي يعتبر من اهم الاعياد اليهودية، وفيه استذكار لحادثة تخليص الله تعالى لبني إسرائيل من قبضة فرعون

اعتاد اليهود في مناسبة عيد الفصح، على القيام ببعض الطقوس، ومنها ما يتم فيما يسمونه ب(الاستعداد) وهو اليوم الذي يسبق عيد الفصح، حيث يقوم اليهودي بشراء خروف واخذه الى الهيكل ليقوم احد كهنة الهيكل بذبحه لكي ياخذه اليهودي الى بيته ويقوم باعداد وجبة طعام تحمل مواد غذائية لها رمزية تشير الى احداث تلك المناسبة، فالخروف المذبوح يشير الى ذبح اليهود في مصر للاضحيات وطلي عضادات أبواب بيوتهم بدمائها، لكي لا يشملهم انتقام الرب من المصريين، والذي تحدد بسلب حياة كل مولود بكر !

في الاناجيل المتقدمة زمنيا وحسب الترتيب (مرقص ثم متى ثم لوقا) نجد ان يسوع الناصري وتلاميذه كانوا في أورشليم وقت الاستعداد لعيد الفصح (قبل العيد بيوم) وقد سال التلاميذ معلمهم عن وجبة طعام الفصح، التي سيعدونها في مساء عيد الفصح، وانهم اعدوا الوجبة واجتمعوا مساءا مع معلمهم، واكلوا، وكسر لهم يسوع الخبز، وقدم لهم النبيذ، وبعدها انصرفوا الى بستان (جيشيماني) حيث تطورت الاحداث في الليل الى القبض على يسوع، وتقديمه للمحاكمة ومن ثم الى بيلاطس في صباح اليوم التالي، ومن ثم صلبه في الساعة التاسعة صباحا من يوم عيد الفصح حسب ماجاء في انجيل (مرقص) اقدم الاناجيل زمنيا، الذي يؤكد ان صلب المسيح تم في يوم الفصح، وقبل حلول مساء ذلك اليوم الذي صادف ان يكون (جمعة) تم انزاله ودفنه قبل (الاستعداد) ليوم السبت. راجع مرقص 15

حينما نتفحص نفس القصة في انجيل (يوحنا) المتأخر زمنيا عن انجيل(مرقص) بحوالي خمسين عاما او اكثر، نلاحظ امرا لافتا، وهو ان الاشخاص الذين كتبوا هذا الانجيل، اهملوا تماما ذكر سؤال التلاميذ ليسوع عن اقامة وجبة الفصح، ولم يذكروا اي شئ عن طعام الفصح واظهروا ان المسيح بعد ان تناول العشاء مع تلاميذه وقام بغسل أرجلهم(اضافة جديدة!) بعدها انصرف الى البستان وتتابعت الاحداث، ليقدم يسوع للمحاكمة ويتم تقديمه للصلب في يوم (الاستعداد) للفصح قبل حلول المساء!

(وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْحِ، وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. فَقَالَ لِلْيَهُودِ:هُوَذَا مَلِكُكُمْ! .فَصَرَخُوا: خُذْهُ! خُذْهُ! اصْلِبْهُ!) يوحنا 19-14

هنا نلاحظ ان كتبة انجيل (يوحنا) تعمدوا تغيير توقيت صلب المسيح، حيث قاموا بتقديم وقت الصلب من يوم (الفصح) الى اليوم السابق وهو يوم (الاستعداد) للفصح !

ان الخطأ في توثيق وقت حادثة مفصلية في تاريخ سيرة حياة يسوع المسيح، امر مستبعد جدا، نظرا لما تمثله حادثة الصلب من رمزية ايمانية وعمق عقائدي، تأسس عليه الايمان المسيحي بكامله، فما هو الداعي الذي جعل كتبة الانجيل المتأخر زمنيا، يتلاعبون في نصوص سابقة وثقت بشكل واضح ودقيق توقيت وتفاصيل حادثة الصلب؟

نستطيع اكتشاف الجواب، من خلال تتبعنا للأفكار والرؤى التي يحاول كتبة إنجيل (يوحنا) ترسيخها وتأكيدها في ذهن القارئ لكتابهم، والتي سنكتشف ان واحدة منها، هي فكرة ان يسوع المسيح هو ( حمل الله!)

عبارة (حمل الله) ينفرد بذكرها انجيل (يوحنا) فقط، والحمل يعني (الخروف الصغير)، وقد قام كتبة هذا الإنجيل بفبركة عبارة على لسان ( يوحنا المعمدان) يوصف فيها يسوع بأنه (حمل الله) حين التقاه في حادثة التعميد

(هوذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم) يوحنا 1- 29

ثم قاموا بتكرارها بشكل مريب على لسان (يوحنا المعمدان) في العدد 36 بعد ان ادعوا انه التقى يسوع في الغد!

رغم ان الاناجيل الثلاثة السابقة زمنيا، والتي ذكرت نفس الواقعة، لم تذكر مطلقا اي شئ عن هذا التوصيف، ولم تنسب الى (يوحنا المعمدان) مثل هذا القول، بل ان انجيل (مرقص) الاقدم زمنيا، ذكر ان يسوع بعد لقاءه بالمعمدان خرج فورا الى البرية ولم يكن هناك لقاء ثاني في الغد !

(وللوقت اخرجه الروح الى البرية. و كان هناك في البرية اربعين يوما يجرب من الشيطان) مرقص 1-12

مما تقدم، يتضح ان السبب الذي جعل الاشخاص الذين كتبوا انجيل (يوحنا) يتلاعبون بالنصوص، ويغيرون توقيت صلب يسوع المسيح من يوم الفصح الى يوم الاستعداد للفصح، هو لغرض اضافة نظرة ايمانية جديدة الى شخص يسوع المسيح، واعتباره الرمز الذي يمثله (خروف) الفصح الذي يذبحه اليهود عادة قبل حلول مساء عيد الفصح!

وبهذه الطريقة يصبح يسوع المسيح هو الحمل (خروف الفصح) الذي تجلب التضحية به الخلاص من جميع الخطايا، لذلك كان من المهم تقديم موعد صلبه، من يوم الفصح الى ما قبل مساء يوم (الاستعداد) ليكون موافقا لوقت ذبح اليهود للخراف في الهيكل !!

ويبدو ان هذه الفكرة قد تلقفها كتبة انجيل (يوحنا) من عبارة منسوبة لبطرس في رسالته الأولى، يذكر فيها على سبيل التشبيه ان دم المسيح يشبه الحمل الذي بلا عيب ولا دنس (بطرس الاولى 19)، فقام هؤلاء الكتبة، لاحقا، بإعادة صياغة هذا التشبيه وبلورته ليصبح مفهوم إيماني راسخ، ومستند الى نص كتابي مقدس، من خلال التلاعب وتغيير معلومات وردت في النصوص الكتابية السابقة!

وقد نجحوا فعلا في ترسيخ هذه الصورة، بعد ان قاموا باضافة رمزية الخروف المذبوح في (رؤيا يوحنا)، وبعد ان قاموا بربط هذا التصور بعبارات وجمل مجتزأة من نصوص العهد القديم.

 

د. جعفر الحكيم

حوارات في اللاهوت المسيحي 23

 

 

mutham aljanabi2إن ارتقاء الوحي النبوي عند محمد إلى مصاف الكتاب الحق واللوح المحفوظ قد أدى إلى ظهور فكرة الإعجاز. ولم تكن هذه الفكرة معزولة عما كانت تريده الجاهلية منه. فقد كان الوعي العربي الوثني واقعيا حتى مخ العظام. مما جعله يرزح في حالات عديدة تحت ثقل التراكم المرهق في تقاليد الواقعية الوثنية، التي لا يقين عندها تجاه ما لا يمكن لمسه لمس اليدين ولثمه لثم الشفتين. وإذا كان المألوف ملموسا، فإن الإعجاز يقوم في تجاوزه أو تذليله المباشر.

فالوعي الوثني العربي لم يخل من خيال جامح، لكنه كان واقعيا وملازما للإرادة الفردية وقيم القبيلة. فقد كان له خياله عن الآلهة والملائكة والجن والشياطين، لكنها كانت كيانات وتصورات ونماذج ملازمة للفرد والقبيلة. فقد كان للقبيلة إلهها أو آلهتها، كما كان للشاعر جنه وشيطانه. وكلاهما مصدر الجنون بوصفه إبداعا. فالجنون فنون، والشعر نوعا منه. وعلى قدر جن الشاعر جنونه في الكلمة والعبارة. وليس مصادفة أن يصاب محمد بإرهاق من "جنون" العرب في مطالبتهم الدائمة إياه بدليل ملموس يتجاوز ما ألفوه عن جنون المرض وجنون الشيطان الجاهلي. وهي حالة مميزة بشكل عام لكل أصناف اليقين الوثني. بحيث نرى محمد يتمنى في إحدى المرات لو يولي هربا من مواجهة التحدي الجاهلي المبني على مطالبته إياه بآية (أعجوبة أو معجزة) تستجيب لغريزة الجسد. بينما لا غرابة في هذه الحالة! بل يمكننا القول، بأن معجزات الأنبياء والأديان على امتداد التاريخ ما هي إلا الصيغة المبتذلة لمطالب الجسد المريض والخيال المتعب. فالمعجزات من صنع الخيال اللاحق لا علاقة مباشرة لها بحياة الأنبياء، أي حياة أولئك الذين وهبوا كلّهم من اجل البرهنة على ما اعتقدوه يقينا. ومن ثم ليست المعجزات في الواقع سوى اليقين المقلوب للأنبياء أو اليقين المتحور لاحقا في أوهام العوام وخيال الخواص.

وعموما نستطيع القول، بأن المطالبة الأولية بالمعجزة تشير أما إلى الضعف المعنوي للخصم وأما إلى عبوديته للمألوف أو إليهما كليهما. وفي حالة النبي محمد، فقد كانت المطالبة تجمع في ذاتها جميع هذه الجوانب. من هنا كانت ردوده على قدر ما فيها. فعندما طالبوه بوحي نفسيتهم التجارية بيقين يرتقي إلى مصاف الثروة الكبيرة، باعتبارها عروة الحياة الكبرى، فانه أجابهم {لا أقول لكم عندي خزائن ولا علم الغيب، ولا أقول إني ملك، إن اتبع إلا ما يوحي اليّ}[1]. وعندما أرادوا منه رؤية النتائج بصورة قاطعة بفعل ذهنية المحتوم وفكرة الدهر الجاهلية، فإنه أجابهم {لو إن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم}[2]. وعندما كرروا اتهام الافتراء فيما يقوله، فإن أجابته أخذت ترتقي إلى مصاف التحدي كما في قوله{فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين}، أو أن يجري إنزال العدد المطلوب للتحدي إلى مجرد سورة واحدة كما في قوله {فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين"}. ثم يرتقي اليقين المتزايد في قبول فكرة الإعجاز من مجرد السير ضمن "منطق" الجدل والمماحكة إلى القبول بها كما هي بوصفها الرد الواقعي والممكن على الاتهام والتسخيف والتسفيه والشكوك. إذ لا تعني مطالبته إياهم "بعشر سور مفتريات" سوى اليقين المقلوب للشك الجاهلي. وذلك لأن مجرد "تأليف" سور "مفتريات" هو نسف للحق فيها. و"عشر سور مفتريات" هي زيادة لا تصنع غير يقين تكذيبها مرات عشر! غير أن المعنى الملموس لهذه الفكرة ضمن ظروفها التاريخية كان يصب في اتجاه تراكم اليقين المتزايد عن أن حقيقة الإعجاز القرآني تقوم في تذليله للمألوف الجاهلي بما في ذلك في صيغه الخيالية الكبرى. إذ لا تعني الفكرة القرآنية الجازمة بعدم استطاعة العرب الإتيان ولو بسورة واحدة "من دون الله"، سوى الخروج على المألوف في تصوراتهم من مساندة الجن والشيطان في ابتكار الجديد.

فقد كانت العرب على حق في تصوراتها الأصلية عن أن الإبداع جنون و"شيطنة" من طراز لا يشبه إبداع البشر العاديين. فالشيطان هو ملاك الإغواء والإغراء والمغامرة والمؤامرة. فهو يصنع كل جديد من اجل بلوغ المرام. كما أنه الوسيلة المتجددة في النيات والهواجس والأقوال والأفعال. وقد شاطر القرآن هذه الفكرة، إلا أن محمدا ارتقى بها صوب نفيها بفكرة الحق المتسامي. فالشيطان يبدع "البدع"، بينما حقيقة الإبداع خلق إلهي والوحي نموذجه. فالشياطين والجن قادرة على صناعة الشعر والقول دون العمل، بينما حقيقة القرآن حق لا علاقة له بمألوف الجن الجاهلي. ونعثر على هذه الفكرة في القرآن بعبارة {قل لو اجتمعت الأنس والجن على إن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}[3].

إننا نعثر في هذه المواقف على تحد متكامل في مواقف النبي محمد، مبني على يقين يقر بكمال القرآن، بمعنى خلوه من التناقض وعلوه من النقص المميز لصناعة "الأنس والجن" كما في قوله {أفلا يتدبرون القرآن. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}[4]. حينذاك أصبح القرآن كيانا قائما بحد ذاته ينطق ويحي ويميت. بحيث أصبح ممكنا أيضا القول بأنه لو أنزل {على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله}[5].

واستجابت هذه الصورة لذهنية العرب الوثنيين آنذاك. لكننا نعثر فيها أيضا على مجاهدة حية من اجل تذليلها. فقد أرادت العرب رؤية قوة واقعية وتحسسها بطريقة غير مألوفة، فأجابهم محمد بواقعية غير مألوفة أيضا، لكنها إجابة جلية واستجابة بسيطة ومتراكمة في يقينها، أي في تكامل رؤيتها للإعجاز، بوصفه تحد شامل للمألوف الوثني العربي. مما يشير بدوره إلى تغير التناسب الفعلي بين ضعف الجاهلية المتزايد وقوة الإسلام الصاعدة. وفيه أيضا يمكننا تلمس الحقيقة القائلة، بأن فكرة الإعجاز نفسها كانت نتاجا لمعاناة كبرى.

فقد مرت فكرة الإعجاز نفسها بكل مراحل المعاناة المميزة لتاريخ القرآن قبل تحوله إلى بيان. فتحول القرآن إلى "بيان لكل شيء" ليس إلا الذروة التي تمثلت معاناة الوحي الشامل، أي معاناة الروح والجسد، والعقل والضمير، والحس والحدس في معارك البلاء الظاهرة والباطنة. فقبل أن يتحول القرآن إلى إعجاز كان ينبغي له أن يواجه ما يمكن دعوته بمراحل الإعجاز المتنوعة والقائمة في مواجهة التحدي الأكبر للبصر والبصيرة من اجل الانتقال من الحلم إلى اليقظة، ومن الخيال المربض إلى الوحي الصادق، ومن الأسطورة إلى الحقيقة.

وقد تميزت هذه المراحل بمعاناة الانتقال الملازمة للتدرج من حيرة البداية إلى يقين النهاية. فقد كانت بدايتها تدور حول الإقناع الذاتي كما تجلى في مواجهة التحدي الأول للنفس، بمعنى أن ما يراه هو يقظة الروح الباحث عن يقين وليس أوهاما وخيالا عابرا، كما نعثر عليه في قوله {علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلى. وكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى}[6]. وينضح هذا القول إحساسا بالروح والجسد، لازمته سنينا طويلة بصيغ وأشكال متنوعة ومختلفة. وبمجموعها كانت تؤكد الحقيقة القائلة، بأن ترسيخ فكرة الإعجاز، بدأ مع الرؤية الأولى وانتهى بيقين الكلمة المتغلغلة في كل مسام وجوده بوصفه وحيا صادقا. لكنه لم يكن خطا بيانيا صاعدا، بل صيرورة متعرجة من معاناة اليقين. فمرة تظهر بمظهر المخاطبة المتوسلة للقوم كما في قوله {ما ظل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى}[7]، ومرة أخرى في مظهر المخاطبة المترجية كما في قوله {إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء}[8]،وثالثة في مظهر المخاطبة المكتفية بذاتها كما في قوله {إنما يوحى الي إنما إلهكم اله واحد فهل انتم مسلمون}[9]، أو أن يكرر ذلك في قول آخر مثل {إنما أنا بشر مثلكم يوحى اليّ إنما إلهكم اله واحد}[10]. كما ظهرت بمظاهر النقد والتعنيف والوعيد والدعوة للتمسك بالحق. فمرة يقوّمه بعدم العجلة في الخطاب كما في قوله {ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضي إليك وحيه}، ويعنفه تارة أخرى بعبارة {وان كادوا يفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا بغيره وإذا لاتخذوك خليلا}[11]، كما يتوعده مخاطبا إياه بعبارة {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا}، أو يدعوه للبقاء ضمن الصراط المستقيم كما في قوله {فاستمسك بالذي أوحي إليك، انك على صراط مستقيم}[12]، ويطالبه بالتمسك بالوحي كما في قوله {وأتل ما أوحى إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلمته ولن تجد من دونه ملتحدا}[13]. وقد قضمت هذه الأحوال بأسنانها الروح والجسد، شأن كل يقين آخذ في التكامل. كما كانت تحرق بلهيبها، شأن كل يقين في المواجهة والتحدي، العقل والضمير. فعندما كان يقينه يواجه اعتراض القوم عليه بان ما يقوله هو قصص الأولين، فإن الرد كان {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وان كنت قبله لمن الغافلين}[14]. وعندما كانوا يدحضون دعواه بالوحي ويطالبونه بدليل مادي وملموس على ملاكه، فإن الرد كان {وما كان لبشر ان يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا}[15]. وعندما تبلغ هذه الحالة درجة العذاب الباطني وتضع عقله وضميره على لهيب اليأس والقنوط، فإن الرد عليها كان يأتي مباشرا وشخصيا:{وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وانك لتهدى إلى صراط مستقيم}[16]، أي كل ما كان يؤدي إلى احتراق الروح والجسد والعقل والضمير في أتون المعاناة الذاتية من اجل بلوغ اليقين. وقد أتخذ هذا اليقين صورته الأولية في فكرة الكتاب الحق كما في قوله {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق}[17](يتبع...)

 ميثم الجنابي

.....................

[1] القرآن: سورة الأنعام، الآية 50.

[2] القرآن: سورة الأنعام، الآية 58.

[3] القرآن: سورة الإسراء، الآية .88

[4] القرآن: سورة النساء، الآية 82.

[5] القرآن: سورة الحشر، الآية 21.

[6] القرآن: سورة النجم، الآية 4-9.

[7] القرآن: سورة النجم، الآية 2-4.

[8] القرآن: سورة الأنبياء، الآية 45.

[9] القرآن: سورة الأنبياء، الآية 108.

[10] القرآن: سورة الكهف، الآية 110.

[11] القرآن: سورة الإسراء، الآية 73.

[12] القرآن: سورة الزخرف، الآية 43.

[13] القرآن: سورة الكهف، الآية 27.

[14] القرآن: سورة يوسف، الآية 3.

[15] القرآن: سورة الشورى، الآية 51.

[16] القرآن: سورة الشورى، الآية 52.

[17] القرآن: سورة فاطر، الآية 31.

mutham aljanabi2لقد تكاملت شخصية محمد الظاهرة والباطنة في قراءتها الجديدة لمظاهر الوجود، بمعنى انطلاقها من مبادئ ومنظومة آخذة في التكامل. ومع كل خطوة متحركة في ميدان المواجهة والتحدي والصراع أخذ محمد يكتشف أكثر فأكثر صوته من جديد وصداه المتناثر في القرآن. وأخذ هذا الاكتشاف يتمظهر أكثر فأكثر في فكرة القرآن بحد ذاته.

فالقرآن في بداية الأمر لم يتعد مطلب "القراءة". وبالنسبة لمحمد لم يكن أكثر من صوت أقلقه وأثار هلعه وتخوفه عما إذا كان حلما أو سحرا أو جنونا. ووجد رد الفعل هذا صداه اللاحق في مواقف العرب الوثنية. فقد اعتبروا ما يأتي به أما كذب أو أباطيل أو أساطير الأولين. ونعثر على هذه المواقف في أقوالهم التي تعج بالملل والضجر والتأفف مما يأتي به مثل: "لقد سمعنا ما تقول" و"كفى أساطير الأولين". بل دفعهم هذا النزاع المباشر للقول{لولا انزل هذا القرآن على رجل من أهل القريتين عظيم}. وعندما أجابهم بأنها إرادة الله وليس رغباتهم، فإنهم وجدوا فيما يقوله مجرد أقاويل يتقولها كما في قوله {أم يقولون تقوله، بل لا يؤمنون}.

وعندما قالوا له، أليس من الأفضل أن ينزله الله عليك دفعة واحدة لنرى ما فيه انطلاقا من أن الله يعلم كل شيء، ولكي نعلم بدورنا ما فيه دفعة واحدة كما في قولهم {لولا انزل عليه القرآن جملة واحدة}، فإن الإجابة كانت نقضا موازيا يقوم فحواه في أن القرآن هو قراءة متجددة مهمتها تثبيت القلوب في المواقف كما في قوله {لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا}[1]، إضافة إلى مهمته الكبرى الموجهة للناس عامة وليس لمن يجادل فيه، انطلاقا من انه {قرآن فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا}[2]. ووضع هذه الرؤية في موقف يطالب بقراءة {ما تيسر من القرآن}[3]، وذلك لأن القرآن ميسر {للذكر فهل من مذكر}[4].

وعندما اتهموه بأنه لا يقول إلا ما يلقنه البعض (من أصحاب الديانات الأخرى)، فإن الرد كان مباشرا أيضا، بأن لسان من يشيرون {إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين}[5]. وشقت هذه الفكرة لنفسها الطريق حتى نهاية الجدل من خلال التركيز غير المباشر على أصله وأصوله من اجل أن يكون مفهوما ومعقولا ومقنعا لهم مثل قوله {قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون}[6]، و{إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون}[7]، و{يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا}[8]. وعندما قالوا له بأن ما يقوله مجرد شعر كأشعارهم، فإن الإجابة كانت مباشرة أيضا كما في قوله {وما علمناه الشعر وما ينبغي له}، وإنما هو {ذكر وقرآن مبين}[9].

لقد أشعره الجدل والخلاف والمعارضة والصدود الصماء بشقاء كبير، بحيث خاطبه وحيه مرة قائلا {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشى}[10]. وفعلت هذه التذكرة فعلها في مواساة نفسه المتقلبة بين دفئ الأزل الإلهي وبرودة الدهر الجاهلي. إذ نراه مرة يواسيه بأن ما فيه هو تذكرة ليس أمامك سوى مهمة إبلاغها والتبشير بها كما في قوله {ضربنا من كل مثل لعلهم يتذكرون}[11]. ولا بأس من أن يتدبره بالفكر والعقل، إذ {لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا}[12]. من هنا مطالبته إياه بالتحصن الذاتي والاستعاذة بالله من أقوالهم وردودهم، كما في قوله {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان}[13]، أو الانعزال عنهم كما في قوله {إذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا}[14]. ولا يعني هذا الانعزال الابتعاد المادي بقدر ما يشير إلى أن انعدام الإيمان بما يقوله يصنع أغشية كثيفة وحجب تمنع المرء أيا كان من سماع حقيقة القرآن، بوصفها قراءة حية وصادقة للوجود والكون والقيم.

وقد وجدت فكرة كون القرآن قراءة حية وصادقة للوجود والكون والقيم صداها المبكر في "ليلة القدر"، بوصفها بداية القراءة المديدة والصافية. وترمز هذه الصيغة إلى أن ما فيه هو رؤية دائمة وخالصة. إذ لا تعني {إنا أنزلناه في ليلة القدر}[15] سوى ظهوره في أول رؤية لليل الجهل والجاهلية بعيون القدر والقدرة الإلهية. كما أن عبارة {خير من ألف شهر}[16]، وأنها {سلام حتى مطلع الفجر}[17] إشارة رمزية على مداها الزمني الكبير وصفائها التام. بمعنى أن ما في القرآن هو سيل من الحقائق التي لا يشوبها ضجيج النهار في مكة ولغط تجارها والمتسكعين فيها. وهي حالة جلية لمن قضى لوحده ليلة واحدة في وديان الجزيرة النائية! حينذاك يمكن أن يرى الأزل في صمت الصخور وأنين الزمن فيها. وهي مفارقة يمكنها أن ترفع الكلمة المسموعة في الحلم واليقظة إلى مصاف التحدي التام. فالكلمة تفقد رونقها وبريقها وأنينها وصداها في الضجيج، لكنها تتحول إلى متعة أبدية في خلاء الجزيرة ووديانها كما لا يصدح الصوت الجميل بدون فراغ يتلقف حروف الآلة المعزوف عليها. بحيث جعلته هذه الحالة يتحدى في وقت لاحق معارضيه بأفكار ومواقف مباشرة مثل قوله {فليأتوا بحديث مثله إذا كانوا صادقين}، وأنهم مهما يقولوا، فإن ما يقوله ويقرأ به الوجود وأحداثه {هو قرآن مجيد في لوح محفوظ}[18]، وأن القرآن هو {آيات وكتاب مبين}[19]. بل وترتفع مجموع آياته إلى قرآن عظيم وحكيم، وفرقان الحق عن الباطل. وهو تحسس وإدراك بلغ غايته في مخاطبة وحيه إياه بعبارة:{وانك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم}[20]، و{يتبارك الذي انزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا}[21]. أما خاتمة هذه الأفكار فهي الحكمة العملية القائمة فيه، التي قدمها القرآن المتكامل نفسه بمطلب:{وننزل من القرآن، ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين}[22].

إن تحول القرآن إلى شفاء ورحمة للعالمين يفترض بدوره اليقين القائل، باحتوائه على الأدوية المعقولة للأمراض الفعلية والممكنة، وكذلك على مبادئ ومفاهيم وقيم ورؤية قادرة على بعث الرحمة في الوجود. بمعنى قدرته على محاكاة نموذجها المتعالي في الله بوصفه الرحمن الرحيم. من هنا فكرة الكتاب بوصفه قرآنا، والقرآن بوصفه كتابا، أي وحدتهما التامة في المبدأ والغاية والوسيلة. إذ لا معنى للكتاب بدون قراءة كما إننا لا نقرأ إلا ما هو مكتوب. بعبارة أخرى، إن القرآن يتحول إلى كتاب الوجود والإنسان. إذ لا تعني مخاطبة وحيه إياه بكلمات {كتاب انزل عليك}[23]، وأنه {كتاب أحكمت آياته}[24]، وأنه {كتاب لا ريب فيه}[25]، سوى التدليل الدائم على ضرورة تذليل الشك الممكن من خيبة الأمل المترتبة على المناكدة العنيدة للعرب الوثنيين. وقد ثلمت هذه الخيبة أحيانا صبره وتدنيه من حالة الانكسار كما نعثر عليها في وحيه الذي خاطبه مرة {كتاب انزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين}[26]. ذلك يعني أنه كان يقف أحيانا أمام هاوية الانكسار المعنوي التي تثير في نفسه خوف السقوط في أعماقها السحيقة. بينا لا هاوية في الواقع سوى حالة الإقرار بحال الهزيمة. ونعثر على هذه الحالة في النفي الدائم للشك والقلق، وكذلك في التحذير والنقد والإيناس المبطن كما في قوله {إنا أنزلنا عليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين}[27]. فهي الذروة التي تتوحد فيها فكرة الحق والإخلاص الفردي في العمل. حينذاك يصبح الوحي نورا للنفس والآخرين. ونعثر أيضا على هذه الصيغة في العبارة القائلة {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد}[28].

إن بلوغ المعاناة الذاتية درجة إبداع الحق في الهاجس والرؤية والوسيلة والغاية عادة ما يؤدي إلى الفعل بمقاييس ومعايير الإخلاص. وحالما تصبح فكرة الإخلاص للحق مبدأ ومنتهى العلم والعمل، حينذاك تتفتح الإمكانات والاحتمالات المتعددة لمنافذ السمو المادي والمعنوي، أو على الأقل إنهما يذوبان في جميع الأفعال بما في ذلك أكثرها عادية انطلاقا من أن الحق (المطلق) هو الكلّ. وبالتالي فهو موجود في كل وجود، أي في كل صيرورة وكينونة. الأمر الذي يذلل في النفس الفاعلة شعور التناقض والتضاد من خلال رفعهما الدائم إلى مصاف الوحدة الحقيقية. حينذاك يصبح المطلق البداية والنهاية، والأول والآخر، والظاهر والباطن، والقابض والباسط، والجبار والسلام، والمحي والمميت، والغائب والحاضر، والقريب والبعيد، والموجود والمعدوم. وحينذاك أيضا يصبح الإبداع في الكلمة والفكرة، والقول والعمل فعلا واحدا من حيث كونه تجسيدا مخلصا للحق. من هنا فكرة "الكتاب الحق" و"الكتاب المبين"، حيث تصبح الأمور كلها جلية وواضحة، وأقرب إلى البديهة! إذ لا تعني فكرة "الكتاب الحق" سوى وحدة الأزل والأبد الذائبة في مبدأ الإخلاص. من هنا احتوائه على كل تجليات الوحدة المتسامية للمتناقضات. وهي وحدة وجدت تعبيرها الخاص في فكرة "اللوح المحفوظ"، بوصفها الصيغة التي تحتوي بقدر واحد على إمكانية تأويلها بمعايير الأزل والأبد، والثابت والعابر. أذ تشير هذه العبارة إلى كتاب ومكتوب، ومحفوظ بالذاكرة والوجود. بمعنى انه مخطوط بحروف شأن أي كتاب ومكتوب لنا كالقضاء والقدر، وتحفظه ذاكرتنا لأنها شكل من أشكال تجليات الحق (الله). فهو اللوح الذي يحمل الحق الإلهي مهما تكسرت أشكاله في وجدنا ووجودنا وذاكرتنا ومصيرنا، كما سيقول النفري مرة من انه رأى السفن تغرق والألواح تطفو! وهي الحالة التي أنتجت فيما يبدو حصيلتها في الفكرة القائلة انه {قرآن مجيد في لوح محفوظ}[29].

إن تحول القرآن إلى لوح محفوظ في ذاكرة الوجود، يعني قطعه الشوط الضروري لاستكمال دورة ما يمكن دعوته بتاريخ الحق المتسامي. إذ أصبح الأزل والأبد فيه شيئا واحدا، كما انه الدورة الدائمة للأول والآخر والظاهر والباطن، والحاوية المتجددة في تأمل المجددين لعلوم الأوائل والأواخر. كل ذلك أعطى له إمكانية أن يكون "كتابا حقا" و"كتاب الحق"، ومن ثم "نورا للعالمين" والناس أجمعين. فهو كالشمس يستضيء بها ويستدفئ العالم والجاهل، والجماد والحي، والصغير والكبير. وقد احتوت هذه الحالة في أعماقها على  إمكانية تجاوز الحدود الضيقة للأفراد والأمم والزمان والمكان والتقليد والظنون. مع ما يترتب عليه من تكامل في الرؤية تجاه إشكاليات الوجود. وهو تكامل يتحول إلى "معجزة" حالما يرتقي إلى مصاف التجاوز الشامل للحدود المألوفة. إذ ليست "المعجزة" في الواقع سوى تجاوز المألوف. وقد أثارت هذه الحالة مختلف الردود والصدود من تشكيك وتشفي، واستهزاء وتسخيف، وتجريم وتخوين، وشتيمة وشماتة. كما أنها الحالة التي تحفّز ما يقابل ذلك من إيمان ويقين، وصبر وتحد، وقبول للمعقول والمتخيل.

(يتبع...)

 

 ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

.............

[1] القرآن: سورة الفرقان، الآية 32.

[2] القرآن: سورة الإسراء، الآية 106.

[3] القرآن: سورة المزمل، الآية 20.

[4] القرآن: سورة القمر، الآية 17.

[5] القرآن: سورة النحل، الآية 103.

[6] القرآن: سورة الزمر، الآية 28.

[7] القرآن: سورة الزخرف، الآية .3

[8] القرآن: سورة مريم، الآية 97.

[9] القرآن: سورة يس، الآية 69.

[10] القرآن: سورة طه، الآية 2-.3

[11] القرآن: سورة الزمر، الآية 27.

[12] القرآن: سورة النساء، الآية 82.

[13] القرآن: سورة النحل، الآية 98.

[14] القرآن: سورة الإسراء، الآية 45.

[15] القرآن: سورة القدر، الآية 1.

[16] القرآن: سورة القدر، الآية 3.

[17] القرآن: سورة القدر، الآية 5.

[18] القرآن: سورة البروج، الآية 21-22.

[19] القرآن: سورة الحجر، الآية 1.

[20] القرآن: سورة النمل، الآية 6.

[21] القرآن: سورة الفرقان، الآية 1.

[22] القرآن: سورة الإسراء، الآية 82.

[23] القرآن: سورة البقرة، الآية 2.

[24] القرآن: سورة هود، الآية 1.

[25] القرآن: سورة البقرة، الآية .2

[26] القرآن: سورة الأعراف، الآية 2.

[27]القرآن: سورة الزمر، الآية 2.

[28] القرآن: سورة إبراهيم، الآية 1.

[29] القرآن: سورة البروج، الآية 21-22.

 

 

mutham aljanabi2فقد كانت معاناته الفردية تتكامل في يقين بعد كل انتصار أو هزيمة. فعندما أصبح تكذيبه جزءا من نفسية وذهنية وأساليب المواجهة الوثنية ضد ما يدعو إليه، حينذاك اخذ عذابه وامتعاضه يتحول إلى إدراك بأن ما يجري هو جزء من اختبار الهي حصل على إحدى صيغه بفكرة {إن كذبوك فقد كذبت رسل من قبلك}[1]. واستكملت في مجرى الصراع بفكرة {فما يكذبك بعد بالدين. أليس الله احكم الحاكمين}[2]. وإذا كان الاستهزاء قد أوصله في بداية الأمر إلى حدود الجزع، فإن خاتمة المواقف انعكست بفكرة {ولقد استهزأ برسل من قبلك}. بل وجرى رفعها إلى مصاف الاختبار الإلهي بوصفه استهزاء إلهيا بهم كما في قوله{الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون}[3]. وتعمقت هذه الفكرة من خلال إبراز ضيق المكر الإنساني ونفيه بالمكر الإلهي، أي المكر المبني على أساس أن الخديعة التي يقوم بها البشر ما هي في الواقع سوى خداع النفس كما في قوله {يخدعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون}[4]. وإذا كانت الفكرة الأولى قد ظهرت بعبارة "إن الله أمكر الماكرين"، باعتبارها الرد المباشر على تفاهة المكر البشري وحدوده الضيقة، فإنه يتحول في وقت لاحق، بسبب تزايد المكر الوثني المعارض، إلى فكرة متسامية هي الصيغة الملموسة لما ادعوه بتحول الشكوك حالما تحرق العقل والوجدان إلى يقين متسام. حيث يصبح مكر الناس العادي مجرد حلقة في سلسلة الرذيلة الإنسانية. بينما يقف مكر الله وراء ألاعيب الناس الصغيرة كما في قوله {ولقد مكر الذين من قبلهم، فلله المكر جميعا}. وعندما يصبح إقناع البشر أمرا عصيا خصوصا إذا تعودوا أن يجدوا وراء كل فعل مقايضة كما كان الحال بالنسبة لنفسية مكة التجارية، فإن الرد لم يعد مجرد رفض الأجر الإنساني، بل ونفيه ايضا كما في قوله {ما سألتكم من اجر فهو لكم. إن اجري إلا على الله}[5]. كما لم يعد الرد محصورا بالاتهامات المباشرة، بل نراه ينتقل إلى مصاف الإجابة المتسامية. لهذا لم يعد الرد على اتهامه بالسحر والجنون والضلال محصورا في أن "الأمر ليس كذلك"، بل وأخذ يرتقى إلى مصاف جديدة كما في رده على اتهامه بالضلال. حيث نراه يبلوره بفكرة {إن ضللت فإنما أضل نفسي، وان اهتدي فبما يوحي اليّ ربي}[6]. وأن الخلاف بينه وبينهم لا يمكن حسمه بمقاييس الزمان والمكان، بل بمقاييس الآلهة كما في قوله {قل يجمع بيننا ربنا}. كما جاء الرد على فكرة "أنت لست مرسلا" بفكرة {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم}[7].

إننا نرى هنا انتقال الردود المباشرة إلى ردود غير مباشرة، بمعنى الانتقال من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى المستقبل، ومن المستقبل إلى الغيب، ومن الزمن إلى التاريخ، ومن الواقع إلى المجرد، ومن الإنسان إلى الله، بوصفها حلقات ضرورية ومتراكمة فيما أسميته بانتقال الشكوك إلى يقين عملي في مجرى الصراع والتحدي بعد احتراقها في معاناة العقل والوجدان. حينذاك كان بإمكان محمد أن يتسامى في رؤيته الذاتية التي أخذت تجرّد ردوده من نفسية المواجهة وتنقلها إلى حالة الإقرار بيقين الفكرة المطلقة. بمعنى انتقال الخطاب من المواجهة المباشرة بينه وبين الوثنية إلى حوار بينه وبين وحيه الذاتي، لا يخلو من تشنج دفين. فالجدل حول ما إذا كان هو رسولا فعلا أم لا يتحول إلى يقين عملي كما في قوله {وما أرسلناك إلا كافة للناس مبشرا ونذيرا}، أو أن يتمثل الفكرة بعبارة أخرى تقول {يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا}. ولم يعد اعتراض "الناس" الوثنيين مهما كانت ثروتهم ومواقعهم وثقلهم الفعلي أو الموهوم أمرا ذا أهمية، لأنهم يبقون بمعايير المطلق فقراء كما في قوله {يا أيها الناس انتم الفقراء إلى الله}.

لقد صنع انتقال الشكوك بعد احتراقها في معاناة العقل والوجدان إلى يقين متسام ويقين عملي، ومن ثم وحدتهما اللاحقة. آنذاك أصبح من الممكن إيجاد الصلة والنسبة الممكنة بين الإرادة الإلهية والإنسانية في كل الأفعال الممكنة مثل أن يقول {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، أو {إذا أراد الله بقوم سوء فلا مردّ له وما لهم من دونه وال}[8]. ولم يعد الحديث في الخطاب محصورا بين التوبيخ والنقد اللاذع والمطالبة بعمل شيء مباشر، أو قول ما ينبغي وما يجب، بل أصبح خطابا يرتقي إلى مصاف التاريخ المتسامي. فعندما يخاطبه الوحي {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم}[9]، فإن ذلك يعني أن الذات الجوهرية هنا ليست الأمم بل "هو" بوصفه رسولا ومبشرا ومبلغا ونذيرا. وعندما يضعه أمام اختبار التبليغ والتبشير، فإن الجوهري ليس النتيجة بل تحقيق إرادة الفعل كما في قوله {أما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفيك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب}[10]. كما لم يعد جدله يدور في فلك الاختلاف، بل في تيار الحق الساري، كإن يردّ على من يخالفه بعبارة {إن ربي يقذف بالحق}[11]، أو أن يستكمله بيقين اشد قوة يقول، بأن {الذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق}[12].

إن بلوغ اليقين التام والشامل بالحق جعل من فكرة السمو العملي الصيغة الطبيعية لمواجهة جميع الإشكاليات، بما فيها تلك التي تتطلب "جرأة" في تغيير قواعد العقيدة، كما كان الحال بالنسبة لتغيير القبلة. ففيها نعثر على صدى معاناته الهائلة عندما اخذ يقلّب وجهه في السماء باحثا عن مخرج فوجده إلى جانبه! وقد صورت الآية القرآنية هذه الحالة بعبارة {قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولنك قبلة ترضاها، فولّ وجهك شطر المسجد الحرام!}[13]. وتشير هذه الحقيقة إلى أن الأبعاد المتسامية عادة ما تقع تحت الأقدام، كما أن الحلول الأشد تعقيدا بالنسبة للعقل والضمير عادة ما تقوم في تذليل الخلاف بينهما. والشيء نفسه يمكن قوله عن الحيرة المتسامية التي عادة ما تجد مخرجها في الأزقة التي اعتدنا المشي فيها، تماما كما أن قوس قزح هو حزمة الطيف التي يمدها عرق الجبين وقطر الندى ومياه الأمطار. وتمثل الوحي هذه الفكرة في قوله{لله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله}[14]. حينذاك لم يعد من الصعب أن تصبح مكة التي عذبته مدينة الروح، وأن تتحول كعبة أوثانها إلى مسجد حرام وبيت الله.

تبرهن هذه العملية على أن الشكوك الكبرى على قدر الغايات، وإنها ترتقي بعد احتراقها في تجارب العقل والوجدان إلى يقين متسام وعملي! عندئذ يمكن أن تتحول مختلف أشكال ونماذج المعاناة الذاتية إلى ما يقابلها من نفي أو بدائل عليا، مثل تحول الانتصار إلى وعد الهي أو قضاء حق، والهزيمة إلى ابتلاء الهي أو وعيد حق. وهو تحول يعكس أولا وقبل كل شيء تضافر ما أسميته باليقين المتسامي والعملي في الرؤية والمواقف.

فعندما اخذ اليقين يتراكم في إمكانية انتصار نهائي حاسم، عندها تحول النداء من دعوة للدفاع إلى دعوة للهجوم. وعوضا عن فكرة "لا اعبد ما تعبدون ولا انتم عابدون ما اعبد"، و"لكم دينكم ولي ديني" تظهر مواقف الهجوم المتنامي مثل {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تقعدوا}[15]، {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}[16]. وعندما تأخذ القوة والهيبة في التمركز يتحول محمد من داعية ومبشر ونذير إلى مركز استقطاب التأييد والطاعة. حيث تتدرج هذه العملية في انتقالها من ربط طاعة الرسول بطاعة الله مثل قوله {أطيعوا الله ورسوله}، إلى جعل طاعة الرسول مدخلا لطاعة الله كما في قوله {ومن يطع الرسول فقد أطاع الله}[17]. بل وتنتهي هذه العملية في تدرج يبلغ كفاية الطاعة بوصفها فريضة أزلية كما في قوله {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع}[18]. وأخيرا يصبح محمد نفسه الحلقة الأخيرة في سلسلة النبوة، أي الخاتمة التي بشر بها عيسى كما في قوله {إني مبشر برسول يأتي بعدي اسمه احمد}[19].

ونعثر على نفس هذا الاتجاه في تحول الله إلى قوة ذائبة في الصراع الذي يخوضه محمد. بمعنى نزوله من أعلى عليين إلى أسفل سافلين متناغما في كلمات ملاكه (جبريل) بوصفه التجسيد المعقول لوحدة المتسامي والعملي. فهو الذي يقاتل أعدائهم كما في قوله {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم}[20]، بل وهو الذي يرمى أعدائهم بالحصى كما في قوله {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}[21]. ولا يشير هذا الاتجاه إلى تضاءل دور الفرد في الصراع بقدر ما يشير إلى تحول الشكوك الكبرى القديمة إلى يقين مطلق في مجرى تعاظم الترابط العضوي بين المتسامي والعملي. وأشد ما يظهر هذا الترابط في منظومة التفاؤل الدائم، كما في قوله:{لا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون}[22]، وفي كل مأزق مثل {تلك الأيام نداولها بين الناس}[23]، أو {ويريدون إن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون}[24]. وهي علمية لابد منها بوصفها حكما أزليا، وقضاء إلهيا، وقدرا محتوما، انطلاقا من انه {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون}[25]. أما تتويجها النهائي فقد جرى التعبير عنه في الآية {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}[26].

إننا نقف هنا أمام حركة الوحي الذاتي بمعايير وقواعد منطقه الخاص. كما تشير بدورها إلى طبيعة ودرجات المعاناة الكبرى التي واجهها محمد في مجرى الانتقال من رجل عادي من قريش إلى نبي، ومنه إلى رسول للعالمين. أنها تعكس درجات الانتقال العملية والمتسامية في الفكر والإرادة والعمل، بوصفها صراعا لا هوادة فيه ضد سلطة المكان والزمان والأفراد والتقليد والمال والجاه، من اجل تثبيت سلطة الروح والإرادة المتسامية.

 وهي عملية أكثر من جسّدها الوحي بوصفه الصوت الباطني للحق والحقيقة. ففيه نعثر على كيفية تحول كلمات الظاهر إلى باطن، والباطن إلى ظاهر، والسر إلى علن، والعلن إلى سر، بحيث نقف في نهاية المطاف أمام دورة كاملة من وحدة الظاهر والباطن، والسر والعلن بوصفها دورة التاريخ والفكرة. وفيه أيضا نعثر على الكيفية التي تصبح فيها كلمات المواجهة والتحدي صوتا إلهيا، بحيث نقف في نهاية المطاف أمام دورة كاملة من وحدة الشك واليقين، واليأس والأمل، بوصفها دورة المعاناة الصادقة في مجرى تحولها إلى رؤية ومواقف. كما أنها الدورة التي ظهرت بأثرها وتكاملت إمكانية القراءة الفردانية الحية، بوصفها اكتشافا ذاتيا دائما. حيث نعثر فيها على كل نماذج التفاعل الطبيعي والتاريخي من استغراب واندهاش، وحيرة وتعجب، وقبول ورفض، وتأييد وإدانة، وشك ويقين، ورغبة وتمني، ويأس وأمل، وجزع وصبر، وهروب وهجوم تجاه كل مظاهر القوة والضعف، والجبروت والهشاشة في الأقوال والأفعال من إيمان وكفر، وجود وبخل، وشجاعة وجبن، ومواجهة وغدر، وأمانة وخيانة. وصنعت هذه الدورة بدورها تكامل القيم الأخلاقية في منظومة متسامية في تعبيرها عن النقد الشامل وتكامل البدائل.

(يتبع....)

 

.............

[1] القرآن: سورة فاطر، الآية 4 .

[2] القرآن: سورة التين، الآية 7-8.

[3] القرآن: سورة البقرة، الآية 15.

[4] القرآن: سورة البقرة، الآية 9.

[5] القرآن: سورة سبأ، الآية 47.

[6] القرآن: سورة سبأ، الآية 50.

[7] القرآن: سورة الرعد، الآية 45.

[8] القرآن: سورة الرعد، الآية 11.

[9] القرآن: سورة الرعد، الآية 30.

[10] القرآن: سورة الرعد، الآية 40.

[11] القرآن: سورة سبأ، الآية 48.

[12] القرآن: سورة فاطر، الآية 31.

[13] القرآن: سورة البقرة، الآية 144.

[14] القرآن: سورة البقرة، الآية 115.

[15] القرآن: سورة البقرة، الآية 190.

[16] القرآن: سورة البقرة، الآية 193.

[17] القرآن: سورة النساء، الآية 59.

[18] القرآن: سورة النساء، الآية 64.

[19] القرآن: سورة الصف، الآية 6.

[20] القرآن: سورة الأنفال، الآية .17

[21] القرآن: سورة الأنفال، الآية 17.

[22] القرآن: سورة آل عمران، الآية 139.

[23] القرآن: سورة آل عمران، الآية 140.

[24] القرآن: سورة براءة، الآية 32.

[25] القرآن: سورة براءة، الآية 33.

[26] القرآن: سورة المائدة، الآية 3.

 

 

mutham aljanabi2القلق ليس مصدر الحركة الدائبة للهواجس والشكوك فقط، بل ومعذّب الأنا في معاناتها بلوغ نفيهما باليقين. وعادة ما يتخذ ها النفي في مراحله الأولى صيغة "التنكيل بالنفس"، باعتباره أسلوب الوعي الذاتي المتراكم في نفي الشكوك. ونعثر على هذه الحالة في وحيه الذي خاطبه مرة وهو في أوج التذبذب بين الشك واليقين قائلا:{لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين}[1]، أي لعلك قاتل نفسك غما كونهم لا يؤمنون بما تقول. ذلك يعني أن الشك هنا هو الصيغة المقلوبة لليقين، كما أن الهواجس البالغة حد الجزع هي الصيغة المقلوبة لمعاناة الأنا المحمدية في استصراخها الرغبة الصادقة كي يستمع إليها قومه ويرون ما في "آياته" من بساطة هي عين الحقيقة. بحيث جعله يستغرب لا مبالاتهم الباردة ويستنكرها بقدر واحد. مع أنها بسيطة للغاية. ولا تحتاج إلى كبير عناء من اجل معرفة آلية فعلها. وقد أشار وحيه إلى هذه الآلية ببساطته المعهودة في مخاطبته إياه:{انك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين}. وهي حقيقة! إذ كيف يمكن للمرء إيصال صوته للموتى ولمن ولى الأدبار، أي لكل أولئك الذين لا قلوب حية بين جوانحهم، ولا سمع يسترقون به الإنصات إلى نبضات الحياة. وإذا كان الأمر كذلك، فليس هناك من معنى للجزع وتأنيب النفس، بوصفه اليقين الجديد الذي جعل وحيه يخاطبه لاحقا {وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم}[2]. وإذا كان الأمر كذلك، {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}[3]. وتشير هذه النصيحة إلى بلوغ وحيه الذاتي نقطة القطيعة مع حالة الصم والبكم والعمى التي تصيب البصر والبصيرة في تأمل ما يقول. وهي حالة قد تولد اليأس والقنوط. لكنها تبدو "طبيعية" على خلفية كون الكلام القرآني ليس جديدا في مفرداته. أما كيفية ونوعية قراءته للوجود ومشاكله وإشكالاته فقد كانت مثار السخرية والاستهزاء والتشفي والجفاء.

ويصعب علينا الآن حساب أو معرفة تكرار هذه الحالة. لكن مجرد ارتقائها إلى مصاف الوحي المجسد في "آية" قرآنية يعكس تحول كميتها إلى نوعية. ومن ثم احتوائها على قدر المعاناة الفعلية التي واجهها محمد في محاولاته الحثيثة إقناع العرب الوثنيين بضرورة الارتقاء مما اسماه لاحقا بالجاهلية إلى الإسلام. وأدت هذه المحاولات بصدودها المتكررة إلى أن يخاطبه وحيه يوما قائلا:{كتاب انزل عليك فلا يكن في صدرك حرج منه}[4]. أو أن يقول له:{قد نعلم انه يحزنك الذي يقولون، فإنهم يكذبوك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون}[5]. بل وصل به الأمر في إحدى المرات انه تمنى لو يولي هربا إلى أعماق الأرض السحيقة أو إلى أعالي السماء من اجل أن يمسك بكل ما يمكن مسكه من اجل أن يصرخ بوجوههم:"خذوا ما تريدون أيها الجهلة!". إلا أن إصراره هذا انقلب كالعادة إلى آية تقرأ معاناته الذاتية من خلال توجيه الصراخ والتهمة إليه، كما نراها في عبارة:{إن كان كبر عليك إعراضهم فان استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية… لا تكونن من الجاهلين}[6].

وقد كان هذا التوبيخ العنيف والنقد العارم موجها ضد كيانه لا كينونته، كما نراه في صعود فكرة الصبر القرآنية وجوهريتها بالنسبة للإيمان والإنسان. إذ نعثر فيها على حالة نفاذ الصبر وتوكيد ضرورته بوصفه فضيلة كبرى. فالصبر إحدى الفضائل، التي رفعتها العرب في مجال الكلمة والرؤية والأخلاق إلى مصاف المطلق. إذ لم يعن اشتقاق الجميل من الجمل (الصبر) سوى الالتقاء الروحي الأوسع لما سيدعوه الإسلام لاحقا بوحدة الجمال والجلال. إذ نعثر على هذه الفضيلة في أول تراكم فعلي ضد اشتداد التحدي والعذاب الداخلي لمحمد في مجرى مواجهته ردود العرب وصدودهم. وليس مصادفة أن نرى تحول فكرة الصبر إلى علامة الإيمان لمن ينوي النجاح وتجنب الخسارة كما في قوله {والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}[7].

فقد كانت المواجهة الفعلية ضد الوثنية العربية تتسم بالشمول من حيث آفاقها ومضمونها التاريخي والروحي. أنها لم تكن معركة عابرة في رمال متحركة، بقدر ما كانت معركة ضد صحراء الروح القاحلة. من هنا ثقلها الشديد. كما نعثر على هذا الإحساس في عبارة {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا}. وهو ثقل يفترض الثبات في المواقف. بمعنى تربية الإرادة لا كسرها. مما جعل من مواقفه المتغيرة والمتبدلة والمتنوعة والمختلفة قوة متوحدة من حيث النية والغاية. من هنا بدايتها بالصبر وانتهاءها به. فقد طالبه وحيه مرة بالصبر والهجران الجميل قائلا {واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا}[8]. واستحثه مرة أخرى بقوله {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}[9]. وألزمه في أخرى بالثبات فيه لأنه لا مضيعة مع الصبر كما في قوله {واصبر إن الله لا يضيع اجر المحسنين}. فقد أوصلته تجارب التحدي الذاتي إلى أن المرء لا يستطيع بلوغ مرام الخير الكبير دون الصبر. وهي فكرة حددها الوحي بعبارة تقول بأن، {ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون}[10]. وإذا كانت هناك صعوبة في بلوغ المرام، فإن الأرض واسعة للصابرين، وضيقة لمن لا صبر له كما في قوله {ارض الله واسعة وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}[11].

لقد أوصله وحيه الذاتي في مجرى الصراع والتحدي الشامل للوثنية إلى حقيقة بسيطة تقول، بأن الصبر هو الجوهر الروحي للأعمال الكبرى. ذلك يعني أن حجم المعاناة الدائمة لمحمد غالبا ما كانت تضعه أمام شكوك واسعة وعميقة بجدوى ما يقوم به أمام الآذان الصماء والأعين العمياء والبصيرة الميتة للعرب الجاهلية. إذ لا تعني "ارض الله الواسعة" سوى محاولة الخروج من ضيق الأرض النفسية التي كانت تخنقه بين الحين والآخر. وقد عصفت به هذه النتيجة فيما يبدو بحيث اختمرت في مطالب ثلاثة كبرى سجلها الوحي. الأول وهو إتباع ما يوحى إليه كما في قوله {اتبع ما يوحي إليك واصبر}[12]. والثاني تعلم الصبر بوصفه شوكة العزيمة كما في قوله{فاصبر كما صبر أولوا العزم من الأنبياء}[13]. والثالث تحويل الصبر إلى أسلوب بناء الإرادة الشخصية كما في قوله {يا أيها الذين آمنوا تصبروا وصابروا واتقوا الله لعلكم تفلحون}[14]. إننا نعثر في هذا التدرج التاريخي للوحي أيضا على تراكم المعاناة وحجمها في تربية الإرادة الفاعلة بمعايير الحق المتسامي. بمعنى الانتقال التدريجي والصعب من قلق العقل والوجدان إلى يقين الإرادة الفاعلة. ولا يمكن بلوغ هذا التحول حالة الصفاء والهدوء التام. مما يشير بدوره إلى أن الوحي العميق هو صراع حاد لا يهدأ في كل مسام الروح والعقل والجسد.

إذ لم تكن المطالبة الدائمة بالصبر ورفعه إلى مصاف الفضيلة المطلقة سوى الوجه الظاهر لباطن النقد الدائم في شخصية النبي محمد ومعاناته الذاتية. فالوحي ليس كلاما ساريا للعقل واللسان، بل معاناة الإبداع المكثفة للظاهر والباطن. وفيه تنعكس عوالم محمد، وكذلك الأبعاد الأكثر إثارة وحساسية في مجرى صراعه من اجل الحق. إننا نرى فيه شخصية محمد الظاهرة والباطنة، ودهاليزها الخفية المكشوفة أمام النفس العلنية والملأ. فالوحي أشبه ما يكون بأشعة ريتنغن في كشفها لكسور الروح ومعاناتها في المواقف. ففي هذه المواقف تتكشف معاناة محمد التي أفنته أحيانا أمام قلق العقل وحيرة الضمير واندهاش الوجدان. لكنها كانت تصنع في الوقت نفسه حدس اليقين المتنوع في التوبيخ والنقد والمطالبة والكف والعمل، أي عالم كينونته المتصيرة في المواقف. فتارة يدعوه بالمجاهرة والتحدي بعبارة:{اصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين}، وتارة يذكره بما ينبغي فعله بالخروج عن لهو الحصول على تأييد من لا يعتد به كما في قوله {عبس وتولى. إن جاءه الأعمى. فأنت عنه تلهى. كلا أنها تذكرة}[15]. وتارة ينهره بعدم طرد {الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه فتكون من الظالمين}[16] لا لشيء إلا لأنهم فقراء أو ألحوا على شيء يلهيه عن شيء. وتارة يوضح له حدوده الخاصة باعتباره كيانا عاجزا عن تغير طبيعة الأشياء كما في قوله {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمى ومن كان في ظلال مبين}[17]. وتارة يحدد له حدود العدالة الأبدية القائمة وراء تمنيات المرء وإرادته كما في قوله {فأما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون، أو نريك الذي وعدناهم فإنا عليه مقتدرون}. وتارة يضعه عند حدود الإدراك الواقعي لقدراته الذاتية، بمعنى مطالبته بألا يدرج المستقبل في صلب ما يريد، انطلاقا من أن المستقبل فعل لا تحدده مشيئة الفرد أيا كان، بمعنى تحرير الرؤية من اعتبار الأنا كلية القدرة في التحكم بالغيب كما في قوله {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله. واذكر ربك إذا نسيت وقل "عسى إن يهديني ربي"}[18]. وتارة يأمره بان لا يجعل أحكامه جزء من رغبات الآخرين أيا كانت منزلتهم منه، كما في قوله "حرام علي"! لتهدئة زوجته حفصة بعد أن عثرت عليه وهو يواقع مارية القبطية على فراشها كما في قوله {يا أيها النبي لم تحرّم ما احلّ الله لك فتبغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم}[19].

كما نرى انتقال وحيه إلى أعمق أعماق معاناته الذاتية التي تجعله أحيانا يشعر بالإحباط وأحيانا يتنازل عن قيمه الكبرى أو ينزلق عن مسار "الصراط المستقيم". وتكشف هذه المعاناة عن أن بلوغ اليقين لم يكن هينا أو سهلا. لقد كان بلوغ اليقين سلسلة من الاقتراب والابتعاد عن جادة الصواب، والإشراك والإيمان، وإتباع الهوى والابتعاد عن الحق، والوقوع في شراك المنافقين والكفرة. ولم يكن هذا الخروج عن "صراط" الاستقامة أمرا غريبا بسبب ما تواجهه الإرادة المعذبة في مجرى تحديها الفاشل لجدار الصمت، وانعدام المبالاة، والغرور، والانغماس في الرذيلة، والتقليد. فقد خاطبه وحيه الذاتي مرة قائلا: {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضلّ وما لهم من ناصرين}[20]. وأنّبه مرة أخرى على محاولاته أن يكون خليلا لمن تحداهم في صلب دينه الجديد كما في قوله: {لولا إن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا}[21]. بحيث جعله ركونه في إحدى المرات اقرب إلى الوقوع تحت تأثير قريش، مما جعل وحيه يوقفه عند حده مخاطبا إياه:{إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد}[22]. بحيث حذره مرة بحدّ العقوبة كما في قوله {ولقد أوحينا إليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين}[23]. من هنا تحذيره الصارم إياه بعبارة {ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم، ما لك من الله ولي ولا واق}[24]. وبالتالي مطالبته إياه بإتباع الشريعة التي هو عليها وأن لا {يتبع أهواء الذين لا يعلمون}[25]. بينما طالبه في حالة أخرى بعبارة {يا أيها النبي اتق الله! ولا تطع الكافرين والمنافقين}[26]. وأمره في حالة أخرى بعبارة {فاستمسك بالذي أوحي إليك، انك على صراط مستقيم}[27]، وأكملها بأمر إضافي يقول فيه {واتبع ما يوحى إليك من ربك}[28]. إذ تعكس هذه الأوامر طبيعة وحجم الهواجس المتنافرة والعواطف المتقلبة والالتباسات العملية التي كانت تثير في أعماقه أحيانا الشك بكل ما كان يقوله ويفعله. ووجدت هذه الشكوك انعكاسها في وحيه الذي خاطبه مرة قائلا:{فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك، فاسأل الذين يعرفون الكتاب من قبلك}[29]. بل وحاول إقناعه بأن ما يجيئه هو {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين}[30]. وأحاله إلى "أصحاب الكتاب"، انطلاقا من أنهم {يعلمون انه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين}[31]. ووصلت به الشكوك مرة بحيث خاطبه الوحي قائلا:{لا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين}[32]. ويشير هذا الخطاب إلى حد القطيعة الممكنة في أعماقه التي تراكمت في مجرى التحدي العنيد من جانب العرب الوثنية. فقد كان يشعر أحيانا وهو في خلوته وبين إتباعه بأنه وحيدا. بحيث جعلته هذه الحالة يود ويرغب ويسعى للحصول على تأييد من أي كان من اجل تلبية شعور الفوز والحق. بينما كان تأمل تجاربه ومعاناته الداخلية يوصله إلى إدراك قيمة اليقين المجرد عند حالات الهبوط والسقوط والجزع. بمعنى افتراض البقاء ضمن الإيمان، واليقين بأن المطلق هو الله وحده. من هنا مخاطبة الوحي إياه: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، فإن فعلت ذلك فانك إذا لمن الظالمين}[33].

إننا نقف أمام خط بياني متعرج يعكس تعرج محمد في معاناته التي جعلته مرة يتزحلق عن جادة الحق وينحرف عنها مرة أخرى، بل ويدغدغ الشرك مزاجه وتأمله، بما في ذلك استعداده لطاعة الكافرين وتكذيب ما جاء هو به. إذ لم تعن "نحن ثبتناك" و"الله رادك إلى معاد" و"إن أشركت لتكونن من الخاسرين" و"اتق الله" و"لا تطع الكافرين" و"لا تكونن من الممترين" و"الذين كذبوا"، سوى الصيغ المكثفة لحجم المعاناة والشكوك التي كان تعتريه. لكنها في الوقت نفسه تشير إلى أن الشكوك الكبرى على قدر الغايات. وأنها حالما تحرق العقل والوجدان، فإنها تتحول إلى يقين متسام!

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] القرآن: سورة الشعراء، الآية 3.

[2] القرآن: سورة الروم، الآية 53.

[3] القرآن: سورة فاطر، الآية 8.

[4] القرآن: سورة الأعراف، الآية 2.

[5] القرآن: سورة الأنعام، الآية 33.

[6] القرآن: سورة الأنعام، الآية 35.

[7] القرآن: سورة العصر، الآية 1-3.

[8] القرآن: سورة المزمل، الآية 10.

[9] القرآن: سورة الروم، الآية 60.

[10] القرآن: سورة القصص، الآية 80.

[11] القرآن: سورة الزمر، الآية 10.

[12] القرآن: سورة يونس، الآية .109

[13] القرآن: سورة الاحقاف، الآية 35.

[14] القرآن: سورة آل عمران، الآية 200.

[15] القرآن: سورة عبس، الآية 1-2، 6،10-11.

[16] القرآن: سورة الأنعام، الآية 52.

[17] القرآن: سورة الزخرف، الآية 40.

[18] القرآن: سورة الكهف، الآية 23-24.

[19] القرآن: سورة التحريم، الآية 1.

[20] القرآن: سورة النحل، الآية 37.

[21] القرآن: سورة الإسراء، الآية 74.

[22] القرآن: سورة القصص، الآية 85.

[23] القرآن: سورة الزمر، الآية 65.

[24] القرآن: سورة الرعد، الآية 37.

[25] القرآن: سورة الجاثية، الآية .18

[26] القرآن: سورة الأحزاب، الآية 1.

[27] القرآن: سورة الزخرف، الآية .43

[28] القرآن: سورة الأحزاب، الآية 2.

[29] القرآن: سورة يونس، الآية 94.

[30] القرآن: سورة يونس، الآية 94.

[31] القرآن: سورة الأنعام، الآية 114.

[32] القرآن: سورة يونس، الآية 95 .

[33] القرآن: سورة يونس، الآية .106

 

 

mutham aljanabi2إن شخصية محمد الآخذة بالتبلور في مجرى اختبارها على مهمات النبوة، قد جعلت من كل ما يواجهه جزيئة في فلك الربوبية المترقبة بعيونها الساهرة على كل ما فيه، بما في ذلك أدق خلجاته وهواجسه وعواطفه. من هنا محاسبتها إياه، وتوبيخه وتوجيهه، وتعقب نواياه وتعنيفه، وتهدئته ومواساته. فعندما ضاق ذرعا من سلوك قريش فانه أصيب بخيبة أمل وشكوك فيما بدا له للوهلة الأولى ملاكا يعلمه قراءة الحقيقة التي تجعل الأقربون إليه اقرب بمعاني الروح والجسد والفكر. إلا أن التعنت القرشي المتربي بنفسية التجارة ومهارة المراوغة المكية قد أغلق عليه نوافذ الأبعاد السحيقة والبعيدة لأشعة الخلاص. وقد وصل به الأمر حدا من شعور اليأس نجد انعكاسه في التوبيخ العنيف القائل {ألم نشرح لك صدرك! ووضعنا عنك وزرك! الذي انقض ظهرك!} . لقد قال له وحيه الذاتي أو قراءة التحدي الهائل بعيون الإرادة المتنورة بماضيه، بأن كل ما كان هو جزء من إمكان طفيف فيما لو نظر إليه بعيون الأمل القائم في إمكانية التغيير. لاسيما وان الحقيقة المكملة لهذا التعنيف تقول أيضا، بأن {مع العسر يسر} . وأرجعه هذا التوبيخ، شأن كل قراءة إرادية للنفس، إلى مجرى التحدي العام. لكنها لم تكن الحالة الوحيدة والنهائية، وإلا لتحولت النبوة، بوصفها المهمة الكبرى لإعادة بناء الوجود، إلى مجرد نزهة صغيرة.

فالنبوة التي أججت في أعمق أعماقه نفسية وذهنية التحدي الشامل بحيث جعلته يرفض قبول كل شيء بما في ذلك الشمس والقمر ما لم يتمم الأمر، هي الوجه الآخر للسريرة المتوهجة والوجدان المرهف اللذين ميزا شخصية محمد طوال حياته. ونعثر على هذه الحالة في أوائل السور المكية عندما كانت تعتريه مشاعر العزلة القاتلة من جحود الوثنية واستهزائها المرعب به وبما يقول. كما أنها الحالة التي كانت تقضّ مضجعه نهارا وليلا وأوقات الضحى والنهار وقبيل المغيب. باختصار في كل انعطاف الظل، كما لو أنها معاناة ظله أيضا. فنرى القرآن يقسم له {والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى} ، أي أن مواجهتك لحالك ليس إهمالا لك، بقدر ما هو مصيرك الخاص. فالله لم يودعك ولم يبغضك.

لقد تحسس محمد حاله كما لو أنه مبغض من جانب إلهه! وفيها تنعكس حالة معبرة عن حدة البغض التي جابهته بها قريش، بحيث احتجبت عنه علاقة "الروح الأمين". وبدت له القضية كما لو أنها بغضاء شاملة. إلا أنها الحالة التي أرجعته أيضا إلى مجراه الطبيعي لكي يكتشف في ماضيه مستقبل الأمل النابع من تأمل حقيقة الانقلاب الهائل في صيرورته الجديدة. فقد خاطبه وحيه قائلا لم الشك في الآخرة؟! أليس هي أفضل من الأولى؟! و{لسوف يعطيك ربك فترضى} . وقد تقاسمت مراحل حياته الكبرى هذا العطاء، كما صورها الوحي في استفساراته وإجابته إياه {ألم يجدك يتيما فآوى؟! ووجدك ضالا فهدى؟! ووجدك عائلا فأغنى؟!} .

لقد قال له وحيه الذاتي، بأنك قد مررت بكل أصناف الحياة من أدناها إلى أرقاها. كما سوف نكفيك إياها في كل شيء. لكنها كفاية لا يمكن فهم حقيقتها خارج إرادة التحدي الكبرى التي ميزت محمد حالما أبدعت ذاته شخصية الوحي في أعماقه بوصفها ذاته المتلونة في أفعال الممكنات. وحالما تبلغ الإرادة مستواها التام، بمعنى تحولها من هاجس ونية وإدراك إلى تأمل فاعل، وعقل فعال، وحدس يصرخ في الكلمة والعبارة عن قدرته على مواجهة كل شيء باسم الحق، حينذاك يصبح الرفض والتحدي شعار المواجهة الأولى لكل ما يعترض مسار قدميه وحركة يديه وتأمل عقله وتذوق مزاجه وخلجات روحه الأخلاقي. وليس غريبا أن نرى تكرار لفظ "لا" و"كلا" وشيوعهما في الآيات المكية الأولى. مثل أن يواجه حالة الأيتام بقوله {كلا بل لا تكرمون اليتيم} . وأن يحدد طبيعة الانقلاب القذر في طبع الإنسان حالما يستغني بقوله {كلا إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى} ، أو أن يواجه وهم الخلود بالثروة كما في قوله {يحسب أن ماله أخلده. كلا لينبذن في الحطمة} . وأن ينفي سخف الفكرة البدائية عند من ألهاه التكاثر البهيمي كما في قوله {كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون. كلا لو تعلمون علم اليقين} . وأن يؤكد على أن الخلاف حول ما يدعو إليه أمر زائل بسبب حقيقة ما يسعى إليه كما في قوله{النبأ الذي هم فيه مختلفون. كلا سيعلمون} . فهي "لاءات" صنعته وصنعها بوصفها الحركة الحية المعبرة عن وحدة المعارضة والتحدي.

فالاعتراض الحق عادة ما يوصل المرء إلى التحدي العملي والمواجهة الفعلية. ونعثر على هذا الانتقال من الاعتراض على الأمور الجزئية والخفية إلى مواجهة الآخرين بالرؤية الكونية في صرخاته الشديدة:{يا أيها الكافرون! لا اعبد ما تعبدون! ولا أنا عابد ما عبدتم! لكم دينكم ولي ديني} . وتوجت هذه الفكرة سلسلة الرفض والتحدي، ووضعت الحد الفاصل بين المؤمن والكافر، أو الأنا والآخر بوصفها تحديا للنفس أولا وقبل كل شيء. وشأن كل معارضة وتحد شامل لابد وان يصنعان روح المجاهدة. ونعثر في هذه الفكرة على بداية ما يمكن دعوته بالتكامل الذاتي لمحمد بوصفه نبيا عمليا، كما هو جلي في مخاطبته الذاتية:{فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا} . وهو جهاد تمثل مضامين المعارضة والتحدي.

وشأن كل تحد ومعارضة كبيرين كانا مصدر المعاناة الجديد للنبي محمد. وذلك لأن أصل المعاناة الفردية الكبرى عادة ما يتغذى ويتقوى من المعارضة والتحدي الكبيرين. وقد كان ميدانها ردود وصدود العرب الوثنيين. فقد عيرّوه بكل ما أوتوا به من إمكانية. ولم يتركوا شيئا مهما كان عاديا وطبيعيا إلا ووجدوا فيه ثغرة للتشفي والاستهزاء والسخرية. فقد عيروه بالأبتر، وكان الرد {إن شانئك هو الأبتر} . وطغوا في تكذيب كل ما يقوله، فجاء الرد:{والشمس وضحاها. والقمر إذا تلاها. كذبت ثمود بطغواها} . وجعلوا من أحاديثه موضوعا للاستغراب والضحك، فجاء الرد:{أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون} . وجاهدوا من اجل جعل القرآن مادة للاستهزاء والسخرية {وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذوها هزءا} . وعملوا على إبعاد الناس عنه، وتعمدوا عدم الاستماع كما في قولهم {لا تسمعوا لهذا القرآن} . ودعوا الناس الى هجرانه العلني كما نراها في الكلمات {إذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرا} . بل نراهم يسعون إلى جعل اللغو فيه من اجل التشويش عليه وعلى أتباعه شعارا للعمل كما في قولهم{والغوا فيه لعلكم تغلبون} .

واعتبروه رجلا مخدوعا في وحيه من خلال التوكيد على أصابته بالسحر وكونه مسحورا، بل ووصفوه بالاسم كما في الآية {إن محمدا الا رجلا مسحورا} . وعندما كان يكرر أقواله وأحاديثه، فإنهم يشعرون بالسأم منها لأنها تكرار، وأنهم قد استمعوا إليها مرارا كما في قوله{وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا}. بل وصل بهم الأمر إلى أن خاطبه وحيه مرة قائلا:{ولو أنزلنا عليك كتاب في قرطاس فلمسوا بأيديهم لقال الذين كفروا "إن هذا إلا سحر مبين"} . والنتيجة كانت على الدوام واحدة - صدود دائمة وأوصاف متنوعة تجعل من كل ما جاء به النبي محمد كذبا وخداعا وزورا وبهتانا وسحرا وجنونا. وقد سجل الوحي هذه المواقف بكلمات تقول {وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا أفك قديم} . من هنا تقريرهم الصارم: {لن نؤمن بهذا القرآن، ولا بالذي بين يديه} .

لقد واجهته العرب الوثنية بمعارضة بدائية يقوم فحواها في انه{لو كان خيرا ما سبقونا إليه}. واستكملوا ذلك باستغرابهم الطبيعي والمحكوم بمعايير الجسد كما في قولهم:{أيتنزل عليه الذكر من بيننا؟} . فقد كانوا يرونه كل يوم شأنه شأنهم، فمن أين هذا الاختصاص "الإلهي" كما في قولهم {ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل ما تأكلون ويشرب ما تشربون. إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا}. من هنا مطالبتهم إياه بإنزال ملك عليهم كما في قوله {وقالوا لولا انزل عليه ملك}. ولم يكن ذلك معزولا عما يمكن دعوته بالرد الطبيعي للرؤية الطبيعية العادية والبدائية. بمعنى وقوفها عن حدود الملموس من اجل الاقتناع بفكرة المجرد. وبغض النظر عن الطابع الواقعي لهذه الفارقة، إلا أن مضمونها الفعلي وتأثيرها الوجداني يقوم في كونها جزء من نتاج المواجهة والتحدي المتبادل الذي لا يرضخ ما فيه إلا باليقين التام. الوثنية تطالبه بيقين ارضي وملموس، وهو يطالبهم بيقين الإيمان. فقد استغربت الوثنية كيف انه {جعل الآلهة إلها واحدا؟ إن هذا لشيء عجاب! ما سمعنا هذا في الملة الآخرة. إن هذا إلا اختلاق} . ووجدوا في فكرته عن المعاد والثواب غرابة لا يمكن عقلها كما في قوله {وقال الذين كفروا "هل نحدثكم عن رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد} . و{يقولون إنا لمردودون في الحافرة. إذا كنا عظاما نخرة. قالوا إذا تلك لكرة خاسرة}. بينما كانت الردود على قدر الصدود:{إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون، فبأي حديث بعده يؤمنون} ، وأنه {ما جعلنا البشر من قبلك الخلد. أفأن مت فهم الخالدون؟} ، وأخيرا لا معنى لاستغرابهم بوجودك الحي بينهم شأنك شأنهم لأنه سبق وان {أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية. وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل اجل كتاب} .

وقد دفع محمد فكرة "الآية" التي طالبته بها العرب الوثنية إلى ميدان الروح والإيمان والإرادة واليقين. ومن خلالها حاول إظهار نبوته الفعلية. لكن كفاية النبوة الحقيقة ليست عصا سحرية، بل عصا الوجود الغليظة. بمعنى أنها كفاية الأمل لا العمل. من هنا مخاطبة الوحي إياه: {إنا كفيناك المستهزئين}. ويعكس هذا الأمل أولا وقبل كل شيء، يقين الإرادة المصممة على إنجاز مهماتها الكبرى.

فالمعاناة الكبرى على قدر الهموم، لكنها حالما تكوي الروح والجسد، فإنها تصنع إرادة عارمة مداها التحدي العنيد! وفي الوقت نفسه لا تفقد الروح من تأملاته، ولا الجسد من آلامه، ولا النفس من حسراتها. فقد خاطبه وحيه مرة {ولقد نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون}. وطمأنه في حالة أخرى قائلا {فلا يحزننك قولهم إنا نعلم بما يسّرون وما يعلنون}. وشأن كل روح مكتوية بهمومها، وجسد معرّض للاستهزاء والاستخفاف، عادة ما يؤدي مواساتهما وطمأنتهما بالمستقبل إلى استثارة القلق المتزايد.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

mutham aljanabi2قد يكون الزمن هو الوحيد القادر على أن يطوي في تياره كل ما هو عرضة للموت والزوال، لكنه يرمي لنا في نفس الوقت كل أشكال الممكنات والمفاجئات. فهو ليس فقط ما يظمئنا بل وما يروي عطشنا، ويمرض السليم بيننا ويشفي العليل منا، ويخمد الآلام ويثيرها فينا، ويسعدنا ويشقينا ويفرحنا ويبكينا ويقسو علينا ويواسينا. كما أنه سارق الذاكرة وحاميها، وصارفها وخازنها.

لكننا عادة ما ننسى ونتناسى لكي تكون ذكرياتنا وذاكرتنا اشد حدّة في تناول ما هو مستعد للحياة والبقاء والديمومة والصفاء. عندها سيكون بإمكاننا تجريد الأحداث الجسام عبر تحويلها إلى مآثر نقية. حينئذ يكون بإمكاننا النظر إليها على أنها جزء من ماضينا وتجارب أممنا. بل ونذهب ابعد من ذلك لكي نرى فيها صورة من صور التنقية الضرورية للروح. حينذاك يصبح رفع هذه المآثر إلى مصاف القدر، الصيغة الأكثر "منطقية" لرؤية مسار التاريخ وما فيه. عندها يكون بإمكاننا رؤية "حقيقة" مسارها كما لو أنها حتما وقدرا لابد منه. وحالما نرتقي إلى هذا المستوى من التجريد يصبح من "الطبيعي" أن نجعل منها لغزا محيرا أو سرا معقولا بمقدار ما فينا من قدرة على التأويل. آنذاك تصبح الفكرة والتاريخ شيئا واحدا. فالتأويل هو ملك المقدس وملكوته، كما أنه جبروت الرغبة الإنسانية في تكثيف ما تراه غاية الوجود والتاريخ. وحالما يجري تمثل هذه الحالة يتحول الزمن المفني لوجود الأشياء إلى باني الأشياء جميعها، كما يصبح المبرد الذي يسنّ حديد العمر صانع نشارة المرآة الجديدة التي نتأمل فيها حاضرنا ومستقبلنا.

وحالما تحول القرآن إلى الكتاب المقروء ليلا ونهارا في المساجد والمقاهي، والبيوت والشوارع، والمآتم والأعراس، والهجوم والفرار، والانتصار والهزيمة، فإنه يكون بذلك قد اختزل حقيقة العذاب الذي عانى منه محمد وأرهق روحه وعقله وجسده قبل أن يصبح معجزة. وهو "عذاب" التحدي المميز للشخصيات الكبرى. بحيث جعله يواجه الأبعاد الكونية له في سماع التأنيب والمؤاساة في الآية القائلة له "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"(1). فكل شيء يبرهن على أن قدر الشقاء والعذاب على قدر المواجهة وحجم ما تتحداه وتقدمه من بدائل. وقد كان التحدي الأول لمحمد يقوم في مواجهة ذاته المتسامية بهيئة تحد لقراءة ما لا يعرفه، بوصفه الدرس الذي تلقنه للمرة الأولى في مواجهة من ينطق لنا الحروف ويعلمنا قراءتها. وواجه محمد هذه الحالة للمرة الأولى في غار حراء. لكنه تهجي للحروف، وتعلم لقراءة من نوعين ومستويين آخرين.

فالمشهور والمعلوم والمسجل في القرآن أيضا عن حادثة اللقاء الأول بين محمد والملاك (جبرائيل) في غار حراء هو حالة الهلع والاندهاش، التي تحولت إلى "غيبوبة" التوجس الذاتي عما إذا كان ذلك حلما من أحلام اليقظة، أو صورة من صور الجن والجنون، أو طيفا من أطياف الخيال، أو لقاءا ربانيا سوف يرفع محمد من مجرد "رجل أمين" من رجال قريش إلى نبي مرسل للعالمين. وسوف تتهمه الأعراب والعرب جميعا بهذه الصور، وبالأخص حالما اخذوا بوصف أقواله وأفعاله بالجنون والخيال المريض والكذب والأساطير، أي بكل تلك الصفات التي عادة ما توصف بها الرجال العظام حال تحديهم للتحجر الذهني والتقاليد اليابسة لأقوامهم وأممهم.

وقد واجه محمد هذه الاتهامات المرة والمريرة بادئ الأمر بذاته ولذاته قبل أن يواجهها من جانب الآخرين. وحالما جرى تذليل عقدة الخوف والشك من صدمة اللقاء الأول بملاك "الغيب" تحول الخوف إلى شجاعة، والشك إلى يقين، واللقاء الأول إلى بداية أزلية، والكلام إلى وحي، والتساؤل إلى إجابة. لقد انقلبت الأمور كلها رأسا على عقب، بمعنى أنها أخذت تسير، شأن كل تيار جارف من الهيجان والعنفوان والتعرج، إلى حالة الهدوء والسكينة والاستقامة. وقد تكون هذه العملية الأكثر تعقيدا بالنسبة للبصر والبصيرة والعقل والفؤاد في مسعاهم الدائم للبحث عن توافق في الرؤية يرتقي إلى مستوى التوفيق في العمل.

فالإجابة البريئة في عبارته القائلة، بأنه "ليس بقارئ" والممتلئة بتساؤل اغرب مما في طلب الوحي إياه (بأن "يقرأ") كانت في جوهرها تعبيرا عن حالة الاندهاش والحيرة المعرفية التي ترفع عظماء الرجال إلى مصاف الإحساس العميق بحدّة الهلع المتسامي. من هنا وقعها الشديد في أذنه وروحه للدرجة التي تحولت كلمة واحدة إلى عنوان الوحي كله. وكان بالإمكان أن تكون كلمات أخرى تحل محلها وتبقى الحقيقة هي ذاتها. إلا أن مصيرها التاريخي سوف يكون شيئا آخر. لقد شاءت الصدفة أن تصير حقيقة، وأن تصير الحقيقة صدفة. وهو لقاء نادر التكرار، لكنه يشكل على الدوام سرّ الإبداع التاريخي العظيم، أي الإبداع الأكثر خفاء بسبب جلاءه التام. من هنا استعداده للتأويل غير المتناهي.

فقد كان الصدى الأول للوحي الذاتي يقوم في مطالبته إياه بان يقرأ. وهي العبارة التي ابتدأ بها قرآن محمد التاريخي ليتحول لاحقا إلى قرآن الكلمة الأزلية وعنوان الفكرة الأبدية. إلا أن هذه الدورة المرفوعة إلى مصاف المطلق لم تكن في بدايتها أكثر من معاناة الإرادة المتسامية في مسعاها لإدراك حقيقة المجهول. ونعثر على هذه المعاناة في العبارة المقتضبة للآيات التي تطالبه بكلمات:{اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. أقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم. كلا إن الإنسان ليطغى. إن رآه استغنى… كلا لا تطعه واسجد واقترب}(2).

إننا نقف أمام مطالبة بالقراءة أرهقت كيانه الجسدي، لكنها صنعت في الوقت نفسه كينونته الروحية. وذلك لأنها لم تكن من حيث حقيقتها التاريخية والماورائية سوى سر القراءة الأبدية للحقائق الخالدة. وشأن كل قراءة أولية تفترض تعلم تهجي حروفها. من هنا ينبغي فهم إجابته بأنه ليس بقارئ، على أنه لم يتعلم قبل ذلك تهجي حروف الوجود بالشكل الذي يمكنّه من تجاوز حدود وجوده الطبيعي الذي صنعته تقاليد العرب الوثنية. فقد طالبه ملاكه الروحي بأن يقرأ حقائق الوجود الأولى، التي تقول بأن هناك غاية سامية في الوجود ينبغي أن تكون للمرء ربا، وأنه ككل كيان مخلوق عرضة للزوال، وأن الإنسان لا يختلف عن كل موجود، وأنه{خلق من علق}(3)، بينما حقيقته صيرورة تفترض تعلمه هذه الحقائق، التي تعادل بدورها ما يكتسبه الإنسان في مجرى كشفه للمجهول. ومن ثم يفترض تعلم هذه الحقيقة محاربة الطغيان أيا كان نوعه، واستكمالها بتعلم نطق اللسان والجنان المعارض، بوصفه اقترابا من الله (الحق).

لقد واجه هنا محمد للمرة الأولى الصوت الروحي في أعماقه، الذي كشف له وهو في ظلمة حراء، أسرار الوجود والحياة. فأسرار الوجود الكبرى هي عناصر أولية بسيطة، وإن سر الطغيان في المال والغنى، وإن الموقف الحياتي الحق يفترض الاعتراض والانتفاض، كما أن استمراره هو سجود دائم أمام الحق واقتراب دائم منه. ولم تكن هذه الحقائق مجهولة على العرب، لكنها كانت مجرد أمور معلومة وليست مبادئ معقولة وعملية. وهو واقع يعادل الجهل بها. وهي فكرة تضمنتها الآية المذكورة أعلاه عندما أشارت إلى أن الله علم الإنسان ما لم يعلم. لكنه حالما يستغني فانه يستغني عن حقيقة العلم. وهو إدراك صدح في أعماق محمد عند أول مواجهة له بملاك المطلق الأخلاقي، الذي طالبه بالاعتراض والانتفاض على حالة الخروج الجاهل عن صراط الإدراك الضروري لحقائق الوجود. لقد طالبه بقراءة الحقيقة بنفس القدر الذي طالبه بحقيقة القراءة. وهي وحدة تستفز العقل والقلب والضمير وتوحدهم في إرادة فاعلة بعد أن تهدأ في يقين ذاتي. لهذا لم يجب محمد حالما سمع النداء للمرة الأولى بكلمة "علمني!"، شأن كل رجل بلغ الأربعين عاما من أعوام العرب العصيبة من حروب وتجارة وتنقل. على العكس لقد جاءت ردود فعله مغايرة للطلب! بحيث كانت اقرب ما تكون إلى رد فعل تلميذ مبتدئ، حصل على تعبيره النموذجي في (سورة المدثر). فقد ارتعد محمد وانهارت فرائصه شأن كل كيان مرهف الإحساس، حال وقوع الكلمات على أوتار روحه المتوترة في بحثها عن سكينة مثلى. لقد هلع محمد من صدى ظلمات حراء الحائرة في أعماقه. وعندما لاذ بالفرار من سماع النداء، فإنه وجد ملاذه في البحث عن غطاء جديد يقيه وقع نور الاكتشاف المحير للبصر والبصيرة. لهذا طالب خديجة بأن تغطيه بكلمات "دثريني! دثريني!". وسوف تصدح هذه الكلمة في سماعه بالآية {يا أيها المدثر!}(4). وهنا للمرة الأولى تحولت المعاناة المنطوقة في الكلمة إلى وحي. وهو تحول اقرب ما يكون إلى رجع الصدى الروحي في العقل والوجدان، كما نراه جليا في الدعوة {يا أيها المدثر! قم فأنذر! وربك فكبر}(5)..

إننا نقف هنا للمرة الأولى أمام انعطاف تاريخي هائل في عقل محمد ووجدانه. وهو انعطاف صنع منهما سبيكة حية يمكن وضعها بعبارة "القراءة المعقولة بمنطق الوجود، والروح المهموم بإرادة العمل". ذلك يعني انه اخذ يتعامل مع كل ما يواجه إرادته المهمومة بمبادئ الدعوة الجديدة ومنطق قراءتها الخاص. فعندما قال أبو لهب عنه "تبت يدا محمد" فإن الآية ردت عليه بعبارة {تبت يدا أبي لهب. وتبّ ما أغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى نارا ذات لهب}(6). وعندما عيرّه العاص بن وائل بالأبتر، رد القرآن {إنا أعطيناك الكوثر. فصلّ لربك وأنحر. إن شانئك هو الأبتر}(7). وعندما همزه ولمزه من كان مستقويا بما لديه من المال والجاه جاء الرد {ويل لكل همزة ولمزة. الذي جمع مالا وعدده. يحسب أن ماله أخلده. كلا لينبذن في الحطمة}(8). وعندما وجد انعدام البال تجاه اليتيم، نسمعه يقول {أرأيت من يكذب بالدين. فذلك الذي يدع اليتيم}(9). وعندما وجد قومه لا يهتمون إلا بالتكاثر (الحيواني والثروة) رد قائلا {ألهتكم التكاثر. حتى زرتم المقابر. كلا سوف تعلمون}(10). مما جعل من الأحداث والشخصيات والمواقف والمجريات والهواجس والنوايا والكلمة المعلنة والمستترة، جزء من قراءة ذاتية أشبه ما تكون بقراءة النفس.(يتبع...).

 

 ميثم الجنابي

 .......................

(1) القرآن: سورة طه، الآية2.

(2) القرآن: سورة العلق، الآية 1- 9.

(3) القرآن: سورة العلق، الآية 2.

(4) القرآن: سورة المدثر، الآية 1.

(5) القرآن: سورة المدثر، الآية1-3.

(6) القرآن: سورة المسد، الآية 1-3.

(7) القرآن: سورة الكوثر، الآية1-3.

(8) القرآن: سورة الهمزة، الآية 3-4.

(9) القرآن: سورة الماعون، الآية1-2.

(10) القرآن: سورة التكاثر، الآية1-4.

 

 

mutham aljanabi2إن علاقة السلطة والمثقف عادة ما تلازم الوجود التاريخي والسياسي للأمم، بوصفها إحدى معضلاته الكبرى. وبالتالي، فإن مقدماتها في المدنية ومظاهرها المتنوعة في حضارات الأمم. ونعثر فيها أيضا على إحدى صيغ ومستويات الرقي المعرفي والأخلاقي، بمعنى انها تحتوي بقدر واحد على مصادر الفخر والإعجاب والإدانة والشماتة. وبالتالي، فإنها تؤدي رغم كل تعرجات التاريخ إلى السير ضمن قواعد الحقيقة ومنطق الرقي الأخلاقي، مع ما يترتب عليه من تأسيس ثقافي لوحدتهما المتناسقة. وبغض النظر عن الطابع المتناقض لهذه الوحدة، فإنها تسهم في إرساء أسس الصيرورة التاريخية للأنا الثقافية للأمة. وبالقدر الذي نعثر في مختلف النماذج الواقعية لعلاقة السلطة والمثقف على تاريخ وجودهما الفعلي، فإننا نكتشف فيها أيضا على إشكالية وجودها الطبيعي. فإذا كان التاريخ بالنسبة للمثقف هو بمعنى ما إشكالية السلطة، فإنه بالنسبة للسلطة إشكالية الثقافة. وفي هذه العلاقة المتناقضة ووحدتها الدائمة تتبرعم معالم الإبداع والتقليد، والنقد والتأييد، والبحث والتبرير في الثقافات الكبرى. ومنها تتكون كيانات الأمم وهوياتها الثقافية ومصائرها التاريخية.

إن إلقاء نظرة سريعة على تاريخ العلاقة بين المثقف والسلطة يكشف عن إشكالاتها الكبرى وامتدادها العريق. فهي جلية المظهر معقدة المضمون، وفيها تتكشف مختلف ألوان الخطوط المتعرجة لدهاليز الثقافة، ونوعية إبداعها، وقيمتها بالنسبة للماضي والحاضر، وأثرها بالنسبة لوعي الذات الفردي والاجتماعي، وأهميتها بالنسبة للإبداع الحر. كما أنها العلاقة الأكثر مأساوية وإثارة، بوصفها المحك الفعلي لمستوى تهذيب الإخلاص للحقيقة. وما لم يجر إدراك حدود السلطة وعدم تناهي الحقيقة، فإن العلاقة تبقى إشكالية للطرفين ومصدرا لمآس لا تنتهي.

فالثقافة سلطة أيضا. لكنها من طراز خاص. كما أنها متنوعة المستويات والـتأثير والمآثر. وإذا كانت الصيغة العامة لنماذجها "السيئة" تقوم في سيادة التقليد والجبن المقيد بالخضوع "الواعي" للقوة، فإن نقيضها المباشر يقوم في مختلف الصيغ الداعية للحق والحقيقة والعمل بموجبها.

وبغضّ النظر عن الصعوبة الملازمة لتثبيت دعائم هذه "السلطة"، إلا أن إدراك قيمتها الشاملة كان وما يزال يشكل "المثال" المؤثر والغاية المحركة لخيال وعقل المثقفين وضمائرهم. كما كانت وما تزال حافز المبدعين الذين عادة ما يواجهوا مصيرهم الفردي والتاريخي في أحضان الملوك أو سجونها، في تقريبهم من السلطة أو إبعادهم عنها. وفيها ومن خلالها تتكشف طبيعة وتعقيد العلاقة الواقعية والمثالية بين المثقف والسلطة، وكذلك في طبيعة المواقف المتبادلة بين الحقيقة والسلطة.

فإذا كانت الجاهلية العربية تجهل صراع الفكر والسلطة (السياسية)، فإنها لم تجهل سلطان الكلمة وأهميتها بالنسبة للصراع. على العكس! فقد كانت هذه القضية من الأهمية والحساسية بحيث رفعت ثقافة العرب القديمة من شأن الكلمة إلى مصاف المقدس، كما نراه على سبيل المثال في أهمية الشعر وفاعليته في العقل والوجدان ومصير الأفراد والقبائل، وكذلك في عمق وقوة الكلمات المأثورة والحكم. ثم استمرارها في سحرية الكلمة والعبارة التي جعل منها القرآن في وقت لاحق آية كبرى (إلهية ومقدسة)، بعد أن ادخلها في أفلاك الأزل والأبد بحيث جعل منها مصدر الاشتقاق الدائم للتفسير والتأويل والتفقه.

إننا نقف هنا أمام وجهين مختلفين من حيث الوظيفة الفعلية للكلمة والعبارة. لكنهما يتمثلان أولا وقبل كل شيء تقاليد الذهنية العربية بهذا الصدد. فقد كانت العرب الوثنية "تعبد" الكلمة بطريقتها الخاصة بحيث نراها تجعل الكلمة الجميلة والعبارة الأخاذة سحرا. ووضعت هذا الموقف المباشر في منظومة الإبداع الفاعل في سرّ السحر المجهول لمصدر الكلمة وكيفية تناسقها الجميل في العبارة. من هنا فكرة شيطان الشعر. تماما كما جعلت من وادي عبقر (للجن والشياطين) مصدر العبقرية. وهي فكرة لها جذورها في قوة الاندهاش التي تثيرها الكلمة الساحرة في العقل والضمير. فالعبقرية جنون أيضا. والجنون فنون (أي متنوع الصور والأشكال والمستويات). إذ لم تعن كلمة شيطان الشعر هنا سوى قوته غير العادية، أي المافوق طبيعية. ومن ثم ليس الشيطان هنا سوى تيار الوجدان العارم، شأن سيول الأمطار في جزيرة العرب ووديانها. وهي سيول تجري أيضا في دماء الصراع الحامي وشدة الأفراح المحطمة لرتابة العادة. ومن خلالهما تراكمت فكرة الخروج على المألوف. فالخروج على المألوف مقدمة المعجزة، كما ستتوصل إليه تقاليد الكلام الإسلامي في وقت لاحق. وسوف يجري وضع هذه الفكرة في تقييم عبارة القرآن بوصفها "آية" وليس شعرا. ولم يكن مقصود المعارضة بين الشعر والآية هنا سوى معارضة الهوى بالوحي، والظن باليقين. فقد ادخل هذا الفارق الجوهري على سحرية العبارة، من خلال إرجاعها الى الله باعتباره العقل الكليّ والحكمة المطلقة، على عكس قوة العبارة القديمة باعتبارها هوى عارما وجنونا شيطانيا. وحالما جرى تذليل هذه الخلاف بعد سيادة واستتباب الفكرة الإسلامية في الموقف من مختلف مظاهر الوجود، حينذاك أصبح من الممكن قبول تراث القدماء "الجاهلي" بمعايير جديدة قادرة على دمجه في منظومة القيم الإسلامية ومفاهيمها الكلية. من هنا القبول بعبارة الحديث (النبوي) القائلة (إن من البيان لسحرا). بمعنى بلوغ حالة التوليف الثقافي لتقاليد البلاغة العربية وقيمتها بالنسبة للذهنية المجردة وذوقها الجمالي المسحور بقوة الكلمة الجميلة وبلاغتها الآسرة.

ولم يكن ذلك معزولا في العصر الجاهلي عن تأثير سلطة الانتماء للقبيلة. فقد كانت الجاهلية تتطابق مع سلطة القيم القبلية والإخلاص لها. ومنهما كانت تتراكم في الأقوال والأعمال والصور والرموز معاني الانتماء، الذي كان يحدد بدوره السلطة الخفية التي تمحورت حولها ثقافة الجاهلية. لكنها لم تكن سلطة القهر والإجبار، بقدر ما كانت سلطة التجبر والانجرار وراء قوة الانتماء القبلي وشروط تأثيره في القول والعمل. فالجاهلية لم تعرف ثقافة السلطة السياسية (الدولتية)، ومن  ثم لم يعرف الشاعر (مبدعها وصاحب أفكارها) من تناقض المواقف وانفصام الرؤية. لقد كان قوله فعله، وفعله قوله. من هنا كانت سلطة الحقيقة وحقيقة السلطة في تطابق تام مع شعور الانتماء للذات. والذات هي القبيلة. من هنا الإخلاص لها في كل شيء. ومن هنا أيضا قيمة إبداعهم العظيم في الشعر والقول المأثور. لكنه إخلاص لا يخلص للحق المجرد، بل للحق الجزئي القبلي الضيق. من هنا قوة اللسان والبيان. وذلك لأن منطق لسانه وسحر بيانه يقوم في مدح النفس وهجاء الأعداء. وقد كان هذا المنطق يتطابق أحيانا مع الحقيقة ويخالفها في أحيان أخرى. من هنا جاهليته، بمعنى جهله الحقيقة المجردة والحق والمجرد. وهي نتيجة حددها انتصار الإسلام وانبساط سيطرته شبه التامة على كينونة العرب التاريخية وصيرورتهم الثقافية الجديدة. بمعنى نقلهم من لغة البيان في التعامل مع النفس والآخرين إلى لغة الإيمان بالمقدس، أي المتسامي في الصورة والمعنى.

وتجدر الإشارة هنا إلى إنني استعمل هذا المصطلح بمعنى بسط وانتشار السيادة الإسلامية (الظاهرية) وانبساطها، أي ارتياحها الروحي وانتعاشها الباطني. بعبارة أخرى، انه يحتوي على وحدة الظاهر والباطن التاريخية الثقافية. فقد تمثلت هذه الوحدة مرجعية التوحيد الإسلامي. ووجدت تعبيرها وانعكاسها التاريخي المتراكم في تجارب الأمة الجديدة من خلال صيرورة الثقافة وكينونتها الكونية (العالمية)، بوصفها ثقافة شاملة لها مرجعياتها الخاصة والأصيلة.

وهو انتقال نقل علاقة أشياخهم وشعرائهم وأبطالهم (مثقفيهم) تجاه سلطة القبيلة والعرف والتقليد والحق الجاهلي إلى مصاف ساهمت في تأسيس رؤية وأسلوب جديدين في علاقة المثقف والسلطة. أما الأسس الجديدة لهذه العلاقة فقد وضعها الوحي النبوي لمحمد عبر تكوين ما يمكن دعوته بمرجعية القرآن ومبدأ الثقافة والبيان. (يتبع....)

***

 

 

mutham aljanabi2 (الى فارس، الذي لم أر في حياتي أكثر فروسية منه)

لقد مر قرن من الزمن على احداث الثورة البلشفية في روسيا، وما ترتب عليها من آثار ومآثر وانجازات وهزائم، الا انها مازالت تشتعل وتخفت في الضمير والعقل اليساري بشكل عام والشيوعي بكل خاص. فقد كان الانقلاب البلشفي هائلا من حيث اثره وصداه ومجريات القرن العشرين ككل، الا انها اخذت في الزوال والتلاشي. والعودة اليها، بما في ذلك في مجال الفكر النظري والسياسي، من وجهة نظري،لا يتعدى العبرة التاريخية فقط لما فيها وما آلت اليه. فهي غير قابلة للاصلاح والتجديد والانبعاث، شأن كل ما يموت. والشيئ الوحيد المتبقي هو وهج الروح الثوري واليساري. وهذا لا يكفي لتأمل المستقبل.

ان المصطلحات الكبرى تعكس كبر الظاهرة وأثرها ولحد ما طابعها الدرامي. وفيما يخص ثورة أكتوبر، فأنها بدأت بعنوان الانقلاب البلشفي لارتباطه بدور البلاشفة فيها، ثم ثورة أكتوبر لتمييزها عن ثورة شباط من نفس العام، ثم ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى بعد ان تحول الاتحاد السوفيتي إلى قوة عظمى في مواجهة النظام الرأسمالي والامبريالية الأوربية والأمريكية.

فقد كانت بدايتها ونهايتها مثيرة للدهشة السياسية والفكرية والفلسفية، لكن وهجها الأيديولوجي ما زال مستمرا رغم خفوته الكبير. فمن حيث أثرها التاريخي تشبه الثورة الفرنسية الكبرى وتضاهيها من حيث وهجها السياسي. ولكل منهما مساره وخاتمته، ومن ثم أثره التاريخي. وفي كل منهما إشكاليات لا تحصى. وقد تكون ثورة أكتوبر ونهايتها إحدى اشد الإشكاليات تعقيدا للقرن العشرين، حيث ما زلنا نلمس أثرها السلبي والايجابي على النطاق العالمي لحد الآن. أما بالنسبة لروسيا فهي جزء من تجربتها التاريخية التي لم تحسم فيها لحد الآن لا قضية الانتماء القومي الثقافي ولا طبيعة النظام السياسي. وهذه قضية عانى ويعاني منها الفكر الفلسفي والسياسي الروسي منذ زمن ظهور كتاب (روسيا وأوربا) لدانيليفسكي عام 1871 ومرورا بصعود التيار السلافي والفلسفة الدينية الروسية والفكرة الاوروآسيوية ولحد الآن.

وسوف اكتفي هنا بتحليل فكرة الثورة والإصلاح في روسيا، باعتبارها القضية الجوهرية في المسار التاريخي لثورة أكتوبر والعقدة التي لم تحلها روسيا على امتداد تاريخها الحديث.

اشكالية الثورة والاصلاح

عندما تبلغ الثقافة قناعتها الخاصة عن المثال، فان ذلك يفترض معاناتها إياه في العلم والعمل. وهي معاناة تبدع  تصوراتها عن الواجب أو عما ينبغي القيام به، ويستحيل بلوغه دون النزعة الانتقادية للفكر ودون فرضياته الكبرى.

إذا كان الفكر الروسي المتمثل لقيم المثال الأسمى قد بلغ قناعته الخاصة عن ضرورة الثورة بالنسبة للإصلاح، فان نزعته الانتقادية اللاذعة تجاه الواقع وفرضياته الكبرى عن الواجب بقت في الأغلب أسيرة المواجهات الفردية والجزئية مع النظام القائم. فالفكر الروسي لم يرتفع في نقده وفرضياته إلى مستوى الرؤية المنظومية، ولم يستطع بلورة وصياغة فلسفته السياسية. وهو السر القائم وراء الاندفاعة المتحمسة للفكر الديمقراطي الثوري صوب الهيغلية اليسارية أولا والماركسية لاحقا. بحيث جعل لينين يتكلم في وقت لاحق عن المعاناة الروسية في  انتظارها للماركسية. لم يقصد العثور المفاجئ عليها كما لو أنها الهبة المرسلة من سماء التاريخ الأوربي إلى أراضي روسيا الشاسعة، بقدر ما كان يعني استجابة الماركسية للعناصر النقدية والفرضيات المتراكمة في التاريخ الروسي بشكل عام والثوري الديمقراطي منه بشكل خاص. وليس مصادفة أن يتكلم لينين أحيانا عن "المصير التاريخي" للماركسية في روسيا.

لم تعن مطابقته بين معاناة الوعي الثوري الروسي في بحثه عن "مرشد عمل" وبين العثور عليه في الماركسية سوى إدراك قيمة الماركسية بالنسبة للحرية  الاجتماعية الحقيقية. فقد كانت الحرية معضلة روسيا القيصرية ومعضلة الماركسية أيضا، بمعنى انعدامها في الأولى و"غائيتها" في الثانية. وهي فكرة أكد عليها لينين منذ بواكير أعماله النظرية ونشاطه السياسي. فهو يشير في إحدى مقالاته إلى أن روسيا المتحررة من الاضطهاد الطبقي والقومي هي مقدمة تحرير أوربا نفسها من رجعيتها وحروبها الدائمة.

ومن الممكن القول بان الوعي الروسي الثوري قد تمرس في قبوله نتاجات الفلسفة "الكلاسيكية الألمانية" ابتدأ من كانط وانتهاء بفيورباخ  مرورا بهيغل. وبما أن المنطق الهيغلي يفترض بلوغ ملكوت الحرية في مجرى تعمق وعي الذات،  فقد اصبح  من الممكن إنزال هذا الملكوت إلى أرض الصراع الطبقي المباشر وإعلانه أسلوبا لبلوغ الحرية الحقيقية. وهذه الفكرة التي شكلت عصب الصيرورة الماركسية وروحها الفعال ابتداء من إشكاليات الاغتراب والفعل حتى حتمية الانتقال إلى الشيوعية وضمور السلطة القهرية (أو الدولة بالمعنى التقليدي للكلمة). بهذا المعنى كان "اكتشاف" الماركسية في مجرى المعاناة الثورية الروسية النتاج "الطبيعي" لالتقاء الجهود العلمية (النظرية) والعملية الروسية في البحث عن النموذج الواقعي والمثالي للحرية.

إن "اكتشاف" الماركسية في روسيا كان يعني بناء صيغتها الروسية. فالماركسية الروسية لم تكن تقليدا أجوف ولا معاناة مغامرة، بل نموا تلقائيا للوعي الثوري الروسي في سعيه للتحرر من القهر والاضطهاد القيصري. من هنا فان تحسس وإدراك الالتقاء التاريخي والروحي بين الماركسية والديمقراطية الثورية يخدم  مزاج الرؤية الثورية في بحثها عن "عقيدة الخلاص" وتأسيسها النظري السياسي لتفعيل هذه العقيدة في "الروح الجماعي" الروسي.

لهذا لم  يجد لينين في الماركسية "عقيدة خلاص"، بل "مرشد عمل". وهو تباين يتجاوز حد العبارة إلى أسلوب الرؤية والفعل. من هنا تشديده في بواكير أعماله النظرية، على انه لا يوجد ماركسي في روسيا يشترط إلزامية الرأسمالية فيها لأنها موجودة  في الغرب، او  يرى  في آراء ماركس مخططا فلسفيا - تاريخيا ملزما للجميع، او اكثر من نظرية تخدم مواقف الاشتراكية الديمقراطية ورؤيتها للواقع التاريخي الروسي. لان الجوهري هو كيفية تطبيق آراء ماركس في الواقع الروسي. وذلك ما جعل لينين يشدد على أن شروط الإبداع الفكري والسياسي للمثقفين الروس يكمن في بحثهم الجاد والمتعمق في روسيا الواقعية لا روسيا المرغوب فيها، روسيا الواقعية لا المثالية.  ذلك  يعني أن الجوهري في الماركسية ليس خطتها المجردة ولا حتى أحكامها الملموسة، بل منطقها وماهيتها (العلم والديالكتيك). ولا تعني هذه الأفكار في مضمونها التاريخي سوى المساهمة النظرية في تعميق الرؤية الثورية  للتراث الديمقراطي الروسي من خلال تفعيل نقدية الماركسية وفرضياتها المنظومية.  فقد استجابت الماركسية كنظرية وحّدت في ذاتها النزعة النقدية والفرضية المنظومية، لنزوع الديمقراطية الثورية الروسية في بحثها التاريخي عن الحلقة المكملة لسلسلة فلسفتها السياسية.  لهذا جعل لينين من شرط الإبداع النظري الثوري الروسي سبيله إلى دراسة الأشكال الواقعية الاجتماعية الاقتصادية كاشفا حتمية الاستغلال ومآسيه في ظل سيادة الرأسمالية، وكذلك تفعيل الرؤية العملية الكفاحية.

إن انتظار الماركسية كان يعني أيضا استعداد روسيا المادي والروحي لتأسيس رؤيتها التاريخية والسياسية عن ضرورة البديل الاجتماعي الشامل. لهذا كان ارتقاء الديمقراطية الثورية صوب الاشتراكية الديمقراطية نتيجة لازمة لنضوج الوعي التاريخي الثوري، لا نتيجة للأهواء العابرة.  بمعنى تصّير الديمقراطي الثوري  ديمقراطيا اشتراكيا، وأن تكون ثوريا يعني أن تكون اشتراكيا. وهو ادراك استعاد تقاليد الثورية الروسية بالشكل الذي جعل من تفعيلها السياسي في نهاية القرن التاسع عشر- بداية القرن العشرين، المهمة الأولى للاشتراكية الديمقراطية.  من هنا توكيد لينين على أن الماركسيين الروس بالاختلاف عن اشتراكيي الماضي لم يكتفوا بالإشارة إلى واقع الاستغلال، بل وحاولوا تفسيره، ولم يقفوا عند هذا الحد بل واكتشفوا الطبقة التي يمكن أن يوجهوا اهتمامهم إليها من اجل تثوير وعيها الذاتي لقيادة التحولات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية الشاملة. وهي المهمة التي استلزمت في ظروف روسيا، كما يقول لينين، تحويل الطبقة العاملة إلى ممثل للفئات المستضعفة عبر رفع  نضالها من حضيض الفتن وردود الأفعال الجزئية إلى مستوى النشاط السياسي المنظم، باعتبارها المهمة الأساسية للاشتراكية الديمقراطية الروسية.  وأن بلوغ الحركة الاشتراكية الديمقراطية في رؤيتها النظرية والسياسية درجة تمثيلها للمصالح الجذرية للطبقة العاملة والكادحين هو الذي يمنحها إمكانية السير صوب الثورة الاشتراكية، كما هو جلي في كتابه (ما العمل؟).

مّثل كتاب لينين (ما العمل؟) من الناحية الرمزية انتقالا صريحا من تاريخ الفتن وردود الأفعال الديمقراطية المتحمسة إلى نظام الرؤية السياسية. أي الانتقال  من تذبذب "النفس الروسية"  بين "من المذنب" و"ما العمل؟" إلى وحدتهما الفعالة بالنسبة لتفسير الواقع وتغييره.  فقد كان (ما العمل؟) اللينيني الاستكمال السياسي للروح الأدبي (الديمقراطي الثوري) المتجمع في غضون قرن كامل من المعاناة الحقيقية في مختلف ميادين الصراع والإبداع. وأشار لينين في (ما العمل؟) إلى روسيا الظلامية،القمعية، الرجعية، المتخلفة نهاية القرن التاسع عشر. وهي المرحلة التي استنفدت فيها الديمقراطية الثورية رصيدها الخطابي. مما جعل من تغلغل الماركسية في الأدب الثوري والنظري العلمي، الظاهرة الأكثر  شيوعا وانتشارا. وأشار أيضا إلى أن الكتاب الماركسي أصبح الأكثر نفوقا في روسيا، والنظرية الماركسية أصبحت الأكثر انتشارا بين الخواص والعوام (النخبة والجماهير).

واصبح من الممكن الحديث عن ماركسية علنية وماركسية اقتصادية وماركسية مبتذلة وماركسية انتهازية وماركسية تحريفية وغيرها. إذ أنها أصبحت الكيان الجامع لتجليات السياسة المتنوعة في مراحل الصراع الحادة. وكشفت بذلك عن أن رواجها لم يكن صدفة بقدر ما كان استجابة للكل الثوري المتبلور في تنوع المدارس والفرق والمذاهب والعقائد والأحزاب والجمعيات في روسيا ما قبل الثورة.

أما الوحدة المتناقضة لرواج الماركسية وتنوعها، ضرورتها في مساعي الحرية و"انحرافاتها" العديدة، فأنها تعكس إشكالية البحث عن النماذج الواقعية للبديل الإصلاحي الشامل. وقد أصاب لينين عندما أكد على أن المبادئ التحررية للماركسية وبراهينها العلمية على ضرورة تصفية الاستغلال، كخطوة لبلوغ الحرية الإنسانية هي التي جعلت من خطواتها في كل مجال ميدانا للمعارك. ولم يكن ذلك ناتجا عن ضغط الرؤية المتبلورة في مجرى قرن من المعاناة الروسية في البحث عن المثال والواجب فحسب، بل وبفعل الانتقال التاريخي للديمقراطية الثورية نفسها إلى مصاف الاشتراكية الديمقراطية.  لقد قادت هذه العملية إلى تكون التيار الثوري الاشتراكي بوصفه توليفا روسيا لتقاليد الديمقراطية الثورية والاشتراكية الديمقراطية، ومن ثم تحول الاشتراكية الديمقراطية (الروسية) إلى الممثل الأكثر تجانسا للحركة الديمقراطية الروسية ككل.

إن مطابقة الثوري مع الاشتراكي، والاشتراكي مع الثوري جعلت من تيارات "الإصلاحية" الأخرى، بنظر الاشتراكية الديمقراطية الروسية (البلشفية منها بالأخص)، مجرد حركات ليبرالية برجوازية نشأت على أطراف التيار الأصيل للحركة التقدمية الروسية.  مما حدد حتمية الصراع معها، وميز التاريخ السياسي الروسي حتى الثورة، عبر صراع الاشتراكية الديمقراطية مع التيار الليبرالي.

وإذا كان هذا الصراع السياسي قد اتخذ في بداية الأمر صيغة الصراع النظري مع "الماركسية العلنية" ثم الشعبية ثم "الاقتصادية" و"التحريفية" و"الانتهازية" وغيرها، فانه أدى في ميدان الفعل السياسي إلى تركزه في مجال التعارض التام بين الرؤية الثورية والرؤية الليبرالية البرجوازية في المواقف من إصلاح روسيا. وهو صراع اتخذ في بداية الأمر صيغة "تنقية" الرؤية الماركسية نفسها والحفاظ على ثوريتها. وافلح هذا الصراع في غضون ثلاثة عقود (قبل الثورة) على تذليل مختلف الماركسيات العلنية والتحريفية والانتهازية، التي كانت تهدف إلى البقاء في حيز الجزئية (كالماركسية العلنية) وتمييع فكرة الصراع الطبقي (كالتحريفية الكاوتسكية) وإلغاء جوهرية الهدف النهائي (كالانتهازية البرنشتينية). وهو صراع أدى إلى  بلورت البلشفية، باعتبارها التيار الأكثر تجانسا مع السياسة الثورية في رؤية الوسائل والغايات.

فالصراع مع الماركسية العلنية والكاوتسكية أدى إلى دمج الفكرة القائلة بجوهرية الصراع الطبقي وشمولها العقائدي في المواقف السياسية والآراء النظرية لكل جوانب الوجود الاجتماعي.  في حين أدى الصراع مع البرنشتينية وأفكارها عن جوهرية الحركة لا الهدف النهائي، إلى توكيد وحدة الحركة والغاية. إذ لا يعني إهمال الهدف سوى الإرجاء الدائم للاشتراكية. بينما لا طريق (أو وسيلة) إلى الاشتراكية إلا بالصراع الطبقي، الذي يفترض  ضرورة الثورة. وهي الحصيلة التي حالما جرى تثبيتها في المبادئ الكبرى للبلشفية ( باعتبارها التيار الديمقراطي الاشتراكي الروسي الأكثر فاعلية قبل الثورة) ، فأنها أدت إلى تركيز مواجهاتها السياسية الفكرية ضد التيارات البرجوازية بشكل عام والليبرالية منها بالأخص.

وليس مصادفة أن يرى لينين في التيارات التحريفية والانتهازية في الحركة الاشتراكية الديمقراطية (الأوربية والروسية) تعبيرا عن "أثر ومآثر" الليبرالية البرجوازية. وهذا ما جعله يشدد على أن تاريخ الماركسية بشكل عام (وفي روسيا بشكل خاص) هو تاريخ الصراع ضد الليبرالية البرجوازية في طروحاتها المتنوعة الهادفة إلى تمييع الصراع الطبقي وإلغاء ضرورة الثورة. لان ما تجتمع عليه الاتجاهات الليبرالية هو تنظيرها وعملها الهادف إلى عزل مفاهيم وممارسات الديمقراطية والاقتراع العام وإرادة الأغلبية والدولة عن مفهوم الطبقات والطبقية.

بينما كان مثال الديمقراطية الثورية الروسية والاشتراكية الديمقراطية هو التغيير الشامل للنظام القائم (القيصري). وهي الفكرة التي وضعها لينين في أبحاثه وبراهينه العديدة، حتى في فكرته القائلة بان المرء لا يمكنه أن يكون ثوريا ديمقراطيا في القرن العشرين، في حالة خوفه من السير صوب الاشتراكية. وقد حددت هذه النتيجة الموقف النهائي من تاريخ الإصلاحيات السابقة ككل.

وضعت الماركسية البلشفية فكرة الإصلاح ضمن مفاهيم الثورة، وجعلت من الثورة القابلة الضرورية للتاريخ، والقوة التي ينبغي أن تتخطى عقبات التاريخ الواقعي بنقله إلى أسلوب جديد في الملكية يحدد بدوره مضمون التحولات الاجتماعية - الاقتصادية والسياسية والثقافية ككل. ذلك يعني، أن الإصلاح الحق حسب نظر البلشفية هو الإصلاح الشامل، الذي يفترض مشروعية الثورة باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على أنسنة العلاقات الاجتماعية بالقضاء على الاستغلال الطبقي، وبلوغ ملكوت الحرية.

غير أن بلوغ الحرية الحقيقية والبقاء في إمكاناتها ليس تقنينا شبيها بما في الطوباويات القديمة وتخطيطاتها الشكلانية، بل هو الذروة التي يفترضها "منطق" التاريخ وتناقضات قواه المنتجة وعلاقاته الإنتاجية. بهذا المعنى فان الثورة إصلاح، كما أن الإصلاح ثورة. أما توليفهما العملي فيمكن أن يتخذ أشكالا يصعب حصرها مسبقا، مما فسح المجال أمام اللينينية لان تصوغ نظريا إمكانية الثورة السلمية والعنفية،  باعتبار أن ذلك لا يمس من حيث الجوهر إلا الأسلوب فقط. وإذا كان للأسلوب أثر في كيفية تفتح القوى الكامنة في الثورة، فان ذلك مرهون "بصدف" التاريخ وكيفية تجمع عقده المتناقضة لا بالرغبة الجامحة في كسر طوق التاريخ بالعبور إلى ما وراءه. إذ لم تعن الفكرة الماركسية عن تذليل التاريخ سوى القضاء على مقدمات صراعاته المقيدة بالملكية الخاصة. ومن ثم ليس "التاريخ الحقيقي" سوى الإمكانية اللامحدودة في الحرية.

الماركسية الينينة - الثورة والاصلاح

لقد شكلت فكرة التاريخ الحقيقي والحرية المتراكمة في الرؤية الماركسية منذ إرهاصاتها الفلسفية الأولى مرورا بالبيان الشيوعي وانتهاء بالرأسمال، المقدمة النظرية الكامنة للثورة الشاملة باعتبارها إصلاحا، وللإصلاح باعتباره ثورة دائمة. وإذا كانت الثورة الشاملة قد اتخذت في بادئ الأمر صيغة الثورة العالمية، بينما اتخذت الثورة الدائمة صيغة الفعل المتوجه صوب "التاريخ الحقيقي"، فان التجسيد العملي لهذه الأفكار في البلشفية لم يكن تحجيما لها بقدر ما كان استجابة واقعية لما في التقاليد الثورية للاشتراكية الديمقراطية (الأوربية) بشكل عام والروسية منها بالأخص. فالجوهري بالنسبة للينينية ليس الصيغة النظرية الدقيقة للماركسية، بل فرضياتها الكبرى واحتمالاتها المتجددة.  مما أعطى للينينية مرونة عملية هائلة وأبقاها في نفس الوقت ضمن حيز الاستيعاب الثوري للتقاليد الروسية. لهذا واجهت اللينينية إمكانية الانتقال إلى الاشتراكية عن طريق السلم والعنف. فالسلم والعنف بالنسبة لها مجرد أشكال ومظاهر للثورة بوصفها تحولا شاملا للوجود الاجتماعي السياسي والاقتصادي للامة.  فقد نظرت اللينينية إلى الثورة نظرتها إلى أسلوب ضروري للتسريع في بناء المجتمع الإنساني دون انتظار "حتميته" المتراكمة في الحاضر والمستقبل. ولم يكن ذلك تقديما للإرادية أو سقوطا في أحضانها أو انهماكا بالمستقبلية واستعجال آفاقها. على العكس! لقد كان ذلك إدراكا خاصا للعلاقة الواقعية والواجبة بين الحرية والضرورة، الواقع والمثال، وتحديد النسبة "المتذبذبة" لهذه العلاقة في الفعل السياسي. وهو الأمر الذي جعل اللينينية "ماركسية القرن العشرين". بمعنى تحويلها الروح الثوري للماركسية إلى روح الثورة الروسية. بصيغة أخرى، أنها وضعت الروح الثوري للماركسية في ثورية الفعل، وتركت للعقائديين مهمة الجدل حول ما إذا كان ذلك انحرافا أو ابتعادا أو تمثلا لحقائق الماركسية ومبادئها. كما مارست ذلك تجاه من بدا لها منحرفا أو مبتعدا أو مبتذلا لحقائق الماركسية ومبادئها. وقد كان ذلك جدلا له صداه وأثره التاريخي والمعنوي حتى في الموقف من ماهية الثورة والإصلاح في روسيا القرن العشرين.

إذا كانت الحصيلة الفكرية لتجارب الحركات الثورية في روسيا قد أدت إلى مطابقة الثوري الديمقراطي مع الاشتراكي الثوري، فان تجسيدها السياسي اتخذ صيغة المطابقة بين الثورة والإصلاح، وإعلان "الإصلاح الثوري" أسلوبا للإصلاح. لهذا كان بإمكان لينين في جدله مع التيارات المختلفة حول ضرورة الثورة ألا ينطلق من معايير وقيم الإدراك المتسامي للإصلاح الشامل والثورة فحسب، بل ومن تحليله لطبيعة التحولات الاجتماعية - اقتصادية على النطاق العالمي والروسي. فالإمبريالية لم تعد مجرد "درجة عليا" في التطور الرأسمالي العالمي، بل ومقدمة "لكسرها في اضعف حلقاتها".  وهي الرؤية التي لم تتحدد بالتخطيط المنطقي المجرد لفلسفة التاريخ الماركسية عن التشكيلات الاجتماعية - الاقتصادية، بل حددها روح الثورة واصلاحيته الشاملة.  لهذا وجد لينين في الفكرة القائلة بعدم استعداد روسيا للانتقال إلى الاشتراكية نتيجة ضعف مستوى تطورها الثقافي مجرد حذلقة مثقفين لا قيمة عملية لها في إطار الرؤية التاريخية ومهمات الانتقال الثوري إلى الاشتراكية.  فالجوهري بالنسبة للينين هنا ليس "مستوى التطور الثقافي"(الذي يصعب تحديد حده وحقيقته)، بل أداة التحول. لهذا وجد في السلطة السوفيتية ضمانة "المستوى الثقافي"، أو القوة (والوسيلة) القادرة على التعويض عن نقص المستوى الثقافي في بناء النظام الاشتراكي.

لم يعن ذلك، بالنسبة لقضية الثورة والإصلاح، سوى أن أولوية السياسة هي أولوية الإدراك العملي لحل إشكالية النظام والحرية،  باعتبارها الإشكالية "الخالدة" للوجود الاجتماعي - السياسي للأمم.  أما الصيغة الثورية لهذا الحل فهي النتيجة الملازمة لنشوء علاقة الحرية والنظام.  ومن ثم  فان الضمانة المفترضة في السلطة السوفيتية هي ضمانة النظام (السلطة) والحرية (السوفيتات).  وهي الرؤية التي حددت قيمة الثورة الاشتراكية وجعلت منها في نفس الوقت المقدمة اللازمة للإصلاح الشامل في الاقتصاد والاجتماع والثقافة.

لقد تضمن الإقرار بأولوية السياسة بالنسبة للإصلاح الشامل دمج تقاليد الثورية الديمقراطية والاشتراكية الروسية في رؤيتهما لمسألة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية.  من هنا قيمة "العنف الثوري" و"الإرهاب الأحمر" و"شيوعية الحرب"،  وكل ما كان بخدم بناء وحدة الحرية والنظام بمعايير الثورية الاشتراكية. ولا يغير من ذلك مساوماتها العديدة (كالسياسة الاقتصادية الجديدة وصلح بريست وغيرها). على العكس، أن ذلك يكشف عن المرونة العملية في استيعاب الأولويات السياسية في نظام الرؤية الثورية نفسها. إذ لم يجر وضع أولوية السياسة في متطلبات الاقتصاد والاجتماع، بقدر ما جرى تحويرها بالشكل الذي يخدم الأهداف القريبة والبعيدة للدولة. وتكشّف ذلك للمرة الأولى بعد الحرب الأهلية (1922) عن الإمكانيات الواقعية والأساليب العملية للبناء الاشتراكي. فالفرضيات التجريبية للبناء الاشتراكي تكشف عن أن أولوية السياسة لم تعد جزءا من استمرارية الثورة فقط، بل ومن كيفية الإصلاح الثوري الشامل أيضا. وهو الأمر الذي حدد مجرى  الصراع الفكري والسياسي منذ بدء تجارب البناء السوفيتي، وبالأخص الصراع بين التروتسكية وتصوراتها عن "الثورة الدائمة" والستالينية وتصوراتها عن "بناء الاشتراكية في بلد واحد".

كانت الستالينية بهذا الصدد استمرارا للرؤية اللينينية، حاولت تطبيق استنتاجاتها النظرية في ميدان البناء الاشتراكي. فإذا كانت الفكرة اللينينية عن إمكانية انتصار الثورة الاشتراكية في بلد واحد تتضمن كسر فكرة الحتمية والعالمية(أي اقترابها من  واقعية الرؤية الثورية الكامنة في الماركسية، أو بصورة أدق تذليل عاطفية الرؤية الحالمة لا منطق التحليل النظري المجرد)، فان تطبيقها الستاليني في ظروف الاتحاد السوفيتي ما بعد الحرب الأهلية هو الاستمرار الأكثر حدة  في استيعابه لقيم الإرادة والعزم، أو  ضمانة السلطة السوفيتية في إنهاض البلاد وإصلاحها الثوري الشامل.

وقد حسم هذا الصراع لصالح الستالينية بفعل ضمانة أو  ثبات المقدمات التي رافقت انتصار الثورة ونتائج الحرب الأهلية. عندها اصبح من الضروري دفع "تصفية" بقايا الحرب الأهلية إلى نتيجتها النهائية في الاقتصاد (من خلال مصادرة الملكيات الخاصة ونظام الجمعيات الزراعية)، وفي السياسة (من خلال بناء مركزية الدولة وآليتها الشاملة)، وفي الثقافة (من خلال فرض أيديولوجية الحزب والدولة). وهي المهمات التي كان يصعب تنفيذها دون بناء الأسس المادية والتكنيكية، مما حدد بدوره أولوية التصنيع الثقيل والزراعة الموسعة، أو كل ما كان يخدم مركزة الدولة الواحدة والسلطة الواحدة والأيديولوجية الواحدة والثقافة الواحدة والاقتصاد الواحد واللغة الواحدة والحزب الواحد والوطن الواحد والشعب الواحد.

وأدى هذا الاستعجال التوحيدي إلى إعلان البعض ظهور الكيان القومي السوفيتي أو "القومية السوفيتية". وبغض النظر عن البواعث الإنسانية العميقة وراء هذه الصياغة فأنها كانت التعبير المباشر عن استيعاب وترميم الصيغة النظرية المجردة لثنوية الشكل والمضمون (قومية الشكل اشتراكية المضمون). إن مد المضمون الاشتراكي على كافة نواحي الحياة جعل من الممكن احتواء القومية أيضا. وهي صيغة ايديولوجية استجابت في "تنظيرها" للروح البيروقراطي في تنظيمه للوجود الاجتماعي. فكان ذلك أحد الأسباب الأساسية وراء "اغتراب" القوميات في الاتحاد السوفيتي واستغلال فكرة القومية لاحقا بما في ذلك من  قبل "قادتها الامميين". هذا "الارتداد" لم تحدده  في حالات عديدة سوء التجربة السوفيتية في ميدان المسألة القومية، بل ارتجالية "الإصلاح الغورباتشوفي"، وتنامي عناصر الرذيلة السياسية والأخلاقية التي شكلت في كلها "منظومة الخيانة" وإفرازاتها الدائمة في تبرير المجرمين وتجريم الأبرياء،  وتجميل القبيح وتقبيح الجميل.

لم تكن هذه الواحدية نتاجا لازما للماركسية، ولا للنموذج اللينيني (البلشفي) للماركسية. وإنما نشأت في مجرى الصراعات السياسية ما قبل ثورة شباط (1917) وبعدها، وفي مجرى أحداث ثورة أكتوبر (1917) وفعل نتائج الحرب الأهلية. وترتب على هذه الأحداث عنفوان "الرؤية الطبقية" التي حاولت تأسيس كل الأشكال المعقولة واللامعقولة في ما يخص تنظيم الوجود الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للدولة بقومياتها وشعوبها المتنوعة. وهو تأسيس خدم في برامجه العملية وغاياته المعلنة أسلوب "التحدي التاريخي" و"السباق التاريخي" مع الرأسمالية العالمية وقواها الداخلية والخارجية. وذلك ما أغرى الرؤية السوفيتية بتصفية وتنقيه وجودها الذاتي في كافة نواحي الحياة و"توحيد" الاتحاد السوفيتي بالشكل الذي يمكنه من تحدي الحصار الخارجي وتمتين بنيته الداخلية. واستثار ذلك حمية الجماهير وقدرة الشيوعيين التنظيمية لدرجة أفلحت في بناء صرح الوحدة الصلبة للدولة ومؤسساتها، والمجتمع وفئاته (وقومياته أيضا)، والحزب في تنظيماته، بحيث تنامت فيه وترّسخت آلية مستقلة، تحولت شأن كل آلية مستقلة بذاتها إلى "الاستكبار والتجبر" على شروط وجودها الأولى. وهذه الآلية خلقت الستالينية وساهمت في بناء صرحها البيروقراطي، مما أدى تاريخيا (في الاقتصاد والسياسة والثقافة) إلى فقدان حدود الاعتدال، وافرغ الثورية اللينينية من مضمونها الأخلاقي والإصلاحي فتراكمت عناصر المركزية والإدارية البيروقراطية (الحزبية وغير الحزبية) في الدولة.

وأدت الحصيلة النهائية لهذه العملية التاريخية إلى تحول "التطرف" (الفردي والإرادي) إلى أسلوب امثل للممارسة، وبالأخص بعد إن جرى شحن هذا الأسلوب بقيم العقائدية، وبعد تحول هذه العقيدة نفسها إلى قيود عملية مباشرة (لا إلى مبادئ  مجردة كبرى أو مرجعيات روحية). إذ تجذّرت هذه القيود في العقل والوجدان كما لو أنها فرائض دينية. وجعلت سواء عند الناس التأييد او المعارضة. وهذا ما أدى إلى تجذير آلية الفعل لا آلية الاحتكام إلى نظام الرؤية العقلانية والأخلاقية الكامنة  في فلسفات الإصلاحية الثورية. لهذا أدت أول محاولة لتقييم الستالينية وإصلاحها على يد خروشوف إلا إلى إعادة  ترميم آليتها. لقد تمثلت الخروشوفية أسوء نماذج الستالينية،  لأنها جعلت من المغامرة الفردية النموذج الأمثل في تهشيم  مغامرات الستالينية (ادارتها البيروقراطية وعبادة الفرد). فالخروشوفية لم تستطع توظيف التقاليد الثورية الاشتراكية بالشكل الذي يمكنها من ترميم بناء التجربة الاشتراكية، باعتبارها تجربة التحرير الإنساني، فأخفقت. ووجد ذلك انعكاسه أيضا في البريجنيفية بوصفها الصيغة "التقليدية" لآلية رد الفعل لا الاحتكام إلى نظم الرؤية العقلانية. وهي الآلية التي حددت نماذج الرجوع التقليدي إلى "الستالينية المتنورة" عند اندروبوف وإلى "البريجنيفية المتكلسة" عند تشيرنينكو. وعندما ظهرت للمرة الثانية إشكالية الإصلاح، لم تتخذ سياسيا صيغة "إعادة البناء" (البيروسترويكا) إلا بعد أن مرت بموضوعات "التسريع" و"العلنية" (غلاسنوست). وليس مصادفة أن تطالب كل من الخروشوفية والغورباتشوفية في بداية أمرهما بالرجوع إلى اللينينية، بعد الهجوم المباشر وغير المباشر على الستالينية.  إذ لم يستوعب أي منهما أبجدية الإصلاح القائلة، بان الرجوع إلى الماضي وهم. فالستالينية هي خطوة هائلة بمعناها التاريخي، وشطب البريجنيفية مجرد مغامرة. إن الستالينية والبريجنيفية تقدمان حتى في سلبياتهما النموذج الضروري لبلورة عناصر النقدية الإصلاحية. ومن ثم فان الإمكانية العقلانية الوحيدة لتعمير الصرح الاشتراكي ليست في سياسة رد الفعل والإصلاح الجزئي ودمج الهزيمة في بنية الفكر السياسي، بل في تحديد الأولويات الموضوعية في نظام إصلاحي يعقل إمكانياته وغاياته المباشرة والبعيدة المدى. وهو ما كانت تفتقده الخروشوفية والغورباتشوفية نتيجة طابعهما الفردي والمغامر. وإذا كانت التجربة الخروشوفية قد واجهت في نهاية المطاف "معارضة" رسمية من جانب السلطة والحزب، فان الثانية (الغورباتشوفية) حصلت على "تأييد" من جانب الحزب والشارع على السواء.  وهما "معارضة" و"تأييد" حددتهما في نهاية المطاف آلية رد الفعل لا الاحتكام إلى منظومة الرؤية العقلانية وكوامنها الأخلاقية التي عادة ما تميز الإصلاح الكبير عن غيره من الإصلاحات.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

mutham aljanabi2إن التاريخ لا يعرف سلطة بدون ثقافة خاصة بها، كما انه لا وجود لسلطة خارج ثقافتها. وكلاهما يظهران سوية ويتطوران أو يندثران في صراع مرير أو سأم مميت، أو وئام معقول أو تعايش مقبول. غير أن الشيء الوحيد الذي يبقى بمعزل عن هذه الصفات هو مستوى المعرفة واكتشافاتها وحقائقها. فقد اندثرت ثقافة السلطة في مصر القديمة مع اندثار سدنتها واضمحلال دولتها، بينما بقت اكتشافاتها وحقائقها في الأهرامات والرسوم و"المخطوطات". والشيء نفسه يمكن قوله عن ثقافة وادي الرافدين. فقد ظلت ملحمة جلجامش ترفد عقائد الأديان وأساطير الأمم وخيالها لما فيها من مساع لإدراك حقيقة الوجود ومعنى الثواب والعقاب وسر الحياة والخلود. وإذا كانت هذه الصيغة تبقى بيانية المظهر وخطابية الصيغة، فلأنها تعبرّ عن شاعرية الحقيقة، القائمة في تجلياتها غير المتناهية عن تمثل وتمثيل التجانس التام والأجمل والأعمق في الإنسان والطبيعة وفيما بينهما أيضا.

غير أن هذه القضايا تظهر بوصفها جزء من عملية معرفية معقدة هي بدورها حلقة في سلسلة الوجود التاريخي للدولة ومؤسساتها. ومن خلالها تتبلور وتمر مختلف أشكال ومستويات الصراع الاجتماعي والسياسي والفكري. ففي الوقت الذي تشكل الدولة، من الناحية التاريخية، القوة القادرة على إزالة حجب العتمة الكثيفة القائمة أمام حرية المعتقدات والأفكار، فإنها يمكن أن تكون أيضا هراوة القمع السافر. ومع ذلك تبقى الحرية التي توفر الدولة شروطها الأولية مقدمة ذاتية بالنسبة لإبداع الفكر الحر. وهي ظاهرة يمكن ملاحظتها في تواريخ كل الثقافات الكبرى.

فمن المعلوم أن لكل مرحلة تاريخية كبرى ثقافتها الخاصة، كما أن لكل منهما مثله النموذجية والمطلقة. والتاريخ اللاحق هو الذي يحقق مدى واقعية ومصداقية هذه المثل، بمعنى البرهان على مدى اقتراب أو ابتعاد "المطلق التاريخي" عن "المطلق المجرد". ومن خلال ذلك تتبين الأصالة من الزيف. وليس هذا التحقيق والبرهان والإبانة سوى النتاج المباشر وغير المباشر عن العملية الدائمة والمعقدة للوعي التاريخي الذي لا يمكن بدونه ترسخ وعي الذات الاجتماعي والسياسي. فهي العملية التي تتحكم بالإبداع التاريخي للأفراد والأمم بشكل عام وبإبداع المثقفين بشكل خاص. ومن ثم ليست حرية الإبداع الفعلية سوى قدرته على المشاركة الفعالة في تنظيم الرؤية الثقافية بالطريقة التي تخدم استمرار وحدة الحق والحقيقة. لهذا عادة ما تشق ثقافة الإبداع الحر طريقها بين تعرجات الوجود التاريخي للأمم بهيئة قوة ممثلة للصراط المستقيم وحاملة لواء الحق فيه. وليست الاستقامة هنا سوى تمثل الحقيقة كما هي، بمعنى استقامة مستعدة للالتواء مع تعرجات يصعب رسمها، لكنها تسير في نفس مسار البحث عن وحدة الحق والحقيقة. فهو المخزون الذي تتلألأ فيه مجوهرات الماضي والمستقبل. مع ما فيه من قدرة على تقديم مختلف صيغ ونماذج التأويل، بوصفها الرصيد الذي لا ينفذ لما يمكن دعوته بتراث الحق. كما أنه المصدر الذي يرفد المعاصرة الذهنية وذهنية "المعاصرة" بالصور والرموز الضرورية لاستمرار الوعي الثقافي الأصيل. إلا انه في نفس الوقت مخزون تتلألأ فيه أيضا أصداف الماضي وحراشف المستقبل. بمعنى قدرته على تقديم مختلف صيغ ونماذج التأويل التي عادة ما تشكل الرصيد الذي لا ينفذ لما يمكن دعوته بتراث التحزب الضيق. كما أنه المصدر الذي يرفد المعاصرة الذهنية وذهنية "المعاصرة" بالصور والرموز الضرورية لاستمرار الوعي الثقافي المزيف.

وفي كلتا الحالتين، ليست هذه الظاهرة حالة ثقافية محضة بل ووجودية تاريخية أيضا. وهو السبب الذي يفسر سرّ الانبعاث "المؤقت" لبعض تيارات ومدارس الماضي في ظل استمرار "التراث" ككل. وليس هذا الانبعاث "المفاجئ" و"الغريب" بين فترة وأخرى لهذا الجزء أو ذاك من تراث الماضي سوى الظل غير المرئي للرؤية العقائدية والحس الأيديولوجي، اللذين عادة ما يبحثان في الماضي عن نماذج مثلى وحلول واقعية عوضا عن النظر إليها باعتبارها تجارب لها قيمتها الجوهرية بالنسبة لشحذ وعي الذات النقدي. وعادة ما يؤدي هذا إلى تسطيح الوعي الاجتماعي والسياسي وإعدام أبعاده التاريخية النقدية. كما انه أحد الأسباب القوية الكامنة وراء ضعف وتشوه الوعي النظري العقلاني، أي كل ما يشكل مصدر ما أسميته باستمرار الوعي الثقافي المزيف.

في حين أن حقيقة التراث، بوصفه المخزون الذي تتلألأ فيه خزائن الماضي والمستقبل، تقوم في كونه الكيان الوحيد المتبقي من حطام الماضي، ومن ثم الكيان القادر على استثارة الذاكرة التاريخية وتوجيهها صوب إدراك الإشكاليات الفعلية الكبرى للمعاصرة. وفيما لو تجاوزنا المظهر البلاغي لهذه العبارة، فان مضمونها الفعلي يقوم في إبراز الحقيقة القائلة، بأن لكل تراث أصيل أسس استمراره الثقافي في تاريخ الأمم، ومن ثم استحالة استئصاله، بسبب أثره الجوهري والتلقائي في بناء مكونات وعي الذات الاجتماعي والقومي العام.

وهنا يجدر القول، بأن هذا الوعي الذاتي لا ينشأ فقط من خلال انحلاله في مجرى الفكر الحر الساعي لإعادة إنتاج ذاته بوصفه قوة حية، بل وفي بناء كينونة وجوده الأول. وفي هذه العملية المتفاعلة للوجود الثقافي وإدراك حقيقة النسبة وروحها الفعال في تعميق وترسيخ وعي الذات الثقافي تكمن القيمة "الخالدة" للتراث. ومن الممكن هنا الاستشهاد بالفكرة العميقة التي وضعها الشيخ البرنسي((846-899 للهجرة).) في معرض مقارنته للصوفي بالقطب، عندما كتب يقول، بأن "النسبة عند تحققها تقتضي ظهور أثر الانتساب. فلذلك بقى ذكر الصالح أكثر من الفقيه. لأن الفقيه منسوب إلى صفة من صفات نفسه هي فهمه وفقهه المنقضي بانقضاء حسه، بينما الصالح منسوب إلى ربه. وكيف يموت من صحت نسبته للحي الذي لا يموت بلا علة من نفسه"؟! وفيما لو جرى انتزاع الصيغة اللاهوتية من هذه العبارة، فإن الفكرة جلية للغاية وعميقة إلى أبعد الحدود. لقد أراد القول، بأن الإبداع الحقيقي يفترض ظهور أثر الانتساب فيه، أي التحقق بحقيقة الإبداع. والإبداع الحق ليس فهما حسيا عابرا لحدود التجارب الشخصية أيا كانت، بقدر ما هو تمثل وتمثيل الحق كما هو. والحق هو النسبة الدائمة الوجود في كل موجود. كما أنها النسبة التي لا تموت لأنها حقيقة وجود الأشياء كلها. لهذا لا تموت الحقيقة كما لا يموت من ينتسب إليها. وبالتالي فإن الصالح في الثقافة يقوم في الانتساب لحقائقها التاريخية الكبرى وإعادة تمثلها من جديد على نموذج الحي الذي لا يموت، أي على نموذج الحياة الحقيقية.

وقد وضع ذلك بالضرورة مهمة امتحان هذه الأفكار على محك التاريخ الثقافي العربي والإسلامي انطلاقا من أهميته النظرية والعملية. فالمعيار الأكثر واقعية وعقلانية لامتحان الأفكار أيا كانت تقوم في عرضها على تاريخ الثقافة الخاص، فهو الأسلوب الوحيد الفعلي لتحقيق وعي الذات في مختلف مستوياته. إضافة لما في هذا الامتحان من أهمية كبرى بالنسبة لتوظيفه الفعلي في العالم العربي المعاصر. بمعنى أن المهمة الأساسية من وراء ذلك تقوم في ضرورة استلهام الرؤية الذاتية للثقافة بالشكل الذي يجعلها قادرة على المساهمة في تعمير وعي الذات النقدي، وبالتالي العمل على ترسيخ أسس الرؤية الثقافية للإقرار بفكرة الاحتمال والبدائل العاملة ضمن معايير ومقاييس الإخلاص للحق والحقيقة.

لهذا سوف لن أتطرق بإسهاب إلى هذه الجوانب في ماضي وحاضر الثقافة العربية والإسلامية، بل اكتفي بتتبع نماذجها الكبرى من اجل وضعها أمام "امتحان" الواقع المعاصر وإشكالاته الفعلية عن علاقة السلطة بالمثقف وعن علاقة الحقيقة بالقوة، والفكر بالواقع وإشكالاته الكبرى.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن ما أسعى إلى تأسيسه هنا هو مجرد رؤية ثقافية المحتوى من حيث عناصرها الأساسية، مهمتها التعبير عن الفكرة القائلة بأن لكل ثقافة تاريخية مقدماتها وآفاقها، ومثلها النسبية والمطلقة، وحقائقها الجزئية والكلية فيما يتعلق بمواقفها من النفس والآخرين والحاضر والمستقبل. ومن هذه الجوانب تتكون معايير حكم الثقافة ومقاييس فعلها ووعيها الذاتي. الأمر الذي يساعدنا أيضا على بلورة الأساليب القادرة على تحرير الوعي الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي من خطر السقوط في أوحال التعصب والحزبية الضيقة ليرفعها إلى مصاف الرؤية السياسية والثقافية العقلانية. فتجارب الماضي تجاربنا، وفيها يمكن تتبع "مصير" الثقافة والمثقف والسلطة.

***  

 

 

mohamad husanaldaghstaniالمقدمة: عقب عمليات التهجير القسرية التي تعرضت لها شعوب بلاد شمال القفقاس وبضمنها الهجرة الكبرى التي امتدت للمدة من 1859 م ولغاية 1864 م الى تركيا ومن ثم الى البلاد الواسعة التي كانت تحت سيطرة العثمانيين، كانت حصة العراق كبيرة من اعداد الاسر الشيشانية والداغستانية والشركسية (الأديغا) التي استوطنت بصورة رئيسية في مدن وريف كركوك و ديالى وبغداد والموصل والأنبار(الفلوجة) الى جانب العوائل التي قدمت طوعاً من شمال وجنوب داغستان الى العراق عبر أذربيجان وإيران قبل التهجيرالقسري وبعده بفترات غير قصيرة وإستقرت في دهوك وأربيل والسليمانية ... وكانت الغالبية العظمى من المهاجرين القادمين قسرا الى العراق تتكون من عوائل القادة العسكريين أو المقاتلين الذين إنضموا الى الجيش العثماني بدواعي دينية ومن ثم فضّلوا البقاء في العراق ولم يغادروه حتى بعد سقوط الدولة العثمانية.

وعلى إمتداد سنوات القرن الماضي ونتيجة الإفتقار الى مرجعية عشائرية مركزية تتولى رعاية شؤون الشيشان والداغستان والشركس في العراق تعذر القيام بتنظيم العمليات الإحصائية الدقيقة الخاصة بتحديد ومسح الأعداد الفعلية للشيشان والداغستان والشركس (الأديغا) في العراق ومواقع سكناهم لأسباب عديدة لامجال الآن للخوض فيها، لذا فقد كان من المستحيل تنظيم عملية إحصائية دقيقة عن واقع حال هذه العوائل، إلاّ أن رغبة نخبة من رجالها وإيمانهم بضرورة إيجاد وسيلة تنظيمية تتولى لّم الشمل ومعرفة التفاصيل الخاصة بها حياتياً وعلمياً وإجتماعياً والعمل على النهوض بها دفعتهم عام 2004 نحو تأسيس (جمعية التضامن الخيرية لعشائر الشيشان والداغستان والشركس في العراق) وأختيرمركزها العام في محافظة كركوك بالنظر للكثافة السكانية العالية لأبناء هذه العشائر فيها ولكونها تتوسط المدن والمناطق التي تسكنها الأكثرية المتحدرة عن شمال القفقاس .

ورغم غياب تلك الجهة الراعية قبل تشكيل الجمعية إلأّ أنه من باب الأمانة الإشارة الى الجهود الفردية التي بذلت من قبل رجال ورموز إجتماعية بارزة في تعزيز الصلات بين أبناء هذه العشائر ورص صفوفهم وتوحيد كلمتهم وإشعارهم بضرورة تعميق معارفهم عن مواطن الأجداد وفي مقدمة هؤلاء المرحومين مصطفى نجيب تيمور بك (1907 ــ 1989) الذي جعل قريته (جارشلو) في ناحية العباسي بقضاء الحويجة بكركوك نقطة إستقطاب حقيقية لعدد كبير من العوائل الشيشانية والشخصيات المتحدرة من شمال القفقاس منذ خمسينيات القرن الماضي، والمرحوم شمس الدين خالص (1906 ــ 1989) الذي كانت أبواب ديوانيته في قرية الشيشان (الحميدية) بقضاء المقدادية في محافظة ديالى مفتوحة أمام الزوار والضيوف القادمين إليها من داخل وخارج العراق، لقد كان المرحومان يتصفان بالكرم وسعة الصدر والحرص على المشاركة بكافة مناسبات العوائل القفقاسية في السراء والضراء، كما وكانا يعلنان بوضوح عن رغبتهما في إيجاد صيغة مــا للم شمل هذه العوائل وتوفير فرص التعارف والتماسك فيما بينها، لولا الضوابط المركزية القسرية التي كانت تحول دون التطلعات القومية المشروعة للأقليات القومية، لهذا فإنه يمكن القول بأن هاتان القريتان هما الوحيدتان المعروفتان بأنهما تضمان عوائــــل شيشانية في العراق قبل أي مكان آخر، ثم أضيفت إليهما قرية (ينكجة بابلان) الشيشانية في قضاء طوزخورماتو التابعة الى محافظة صلاح الدين وقضاء الفلوجة في محافظة الأنبار الذي كان لجمعية التضامن الفضل في التعريف بأبناء القفقاس فيهما على نطاق واسع وضمهم الى عضويتها منذ تأسيسها .

الفصل الأول: الحجم الســـكاني والتوزيع الجغــرافي

يستفاد من المعلومات التأريخية المتاحة من أن منطقة فيشخابور كانت معبرا للشيشان (يشكلون 75% من القفقاس المهاجرين) الى العراق مرورا بالموصل ثم نزولا الى وسط العراق، فسكن قسم منهم أول الأمر في الكلك الواقعة على الضفة اليسرى من نهر دجلة مقابل مدينة تكريت ثم إنتقلوا منها الى بقية المناطق، وكانت لبغداد حصة حيث تجمعوا في محلة أطلق عليها إسم محلة الججان (1)

تتباين التقديرات المنشورة حول أعداد المتحدرين من شعوب شمال القفقاس في العراق تباينا كبيراً، ومثلما أسلفنا فإنه نذكر للتأريخ بأنه لا تتوفر أية معلومات إحصائية دقيقة عن الحجم الحقيقي لهم في الوقت الحاضر، ولكن على ضوء المعلومات المتاحة بين أيدينا فإن عددهم قد يبلغ عشرة الآف نسمة، مثلما يحصر المستشار لشؤون العشائر في جمعية التضامن الخيرية في العراق السيد عبدالحميد مصطفى نجيب الججان أيضاً عددهم بـ 1890 عائلة متوزعة على كافة محافظات العراق (2)، فيما يقول الفريق الأول المتقاعد محمد عبدالقادر الداغستاني في محاضرة ألقاها في جمعية أصدقاء جمهورية الشيشان في عمان في الأردن في شباط 2006 أن العدد التقريبي للشيشان والداغستان والشركس في العراق لا يتجاوز الألفين نسمة (3) إلاّ أن الدكتور أحمد حسين كتاو نائب رئيس الهيئة الإدارية للجمعية وهو شركسي يطرح عددا طموحا فيؤكد بأنه يتجاوز الثلاثين ألف نسمة (4) بينما يشير عبدالله محمدوف الى أن المعطيات الرسمية تؤكد على أن عددهم في العراق يبلغ خمسة عشر ألفا حيث يعيشون الى الشرق من مدينة زاخو بمحافظة دهوك وجنوب محافظة أربيل (5)، إلا أننا بلا شك سنعول على خطة الجمعية المستقبلية الهادفة الى إجراء مسح دقيق لعدد العوائل في كافة المحافظات بعد أن يستتب الأمن وتتوفر الإمكانات الضرورية لأنجاز هذا المشروع الحيوي، وإنه لمن الضروري ذكر الروحية الجديدة التي بدأت تسري في عروق أبناء هذه العشائر ورغبتهم العارمة في تأمين سقف وجداني تستظل به مئات العوائل المبعثرة في محافظات العراق وخاصة في العاصمة بغداد التي تضم حوالي خمسمئة عائلة شيشانية وداغستانية وشركسية، وأغلب رجالها من القادة العسكريين والموظفين العاملين في مؤسسات الدولة المختلفة، وفيهم من المهندسين والأطباء والصحفيين والإداريين العدد الكبير، ويعيشون في مناطق سكنية متعددة ومتباعدة، وربما لا يعرف أحدهم الآخر . وقد افلح أغلب الشيشان والشركس في إنشاء قرى خاصة بهم منذ بداية القرن الماضي في عدد من مناطق البلاد وكالآتي :

1. قرية زندان (الحميدية) في محافظة ديالى :

قرية زندان ويطلق عليها أيضا الحميدية نسبة الى السلطان العثماني عبدالحميد، وقد شيدت من قبل الشيشان عام 1880 وكانت مساحتها عند بداية التكوين تبلغ حوالي عشرين دونما ثم إتسعت لتصل الى أكثر من خمسين دونما، وفيها من الخدمات الرئيسية الكهرباء ومصادرالمياه والطرق الحديثة والمدارس، وقد شيد أول مدرسة إبتدائية فيها عام 1947م والمركز الصحي عام 1963 وكليهما على نفقة المرحوم شمس الدين خالص، وتنحدر العوائل الشيشانية القاطنة فيها من عشائر معروفة في شمال القفقاس كالأرشتغوي والغلغاي والنشغوي ..وكانت تضم أكثر من خمسين عائلة تناقصت تدريجيا لأنتقال بعضها الى مركز المحافظة بعقوبة أو الى العاصمة بغداد والتي لا تبعد سوى (110) كيلومترا .

ولشيشان القرية صلات حميمة وقوية ودائمة مع أقربائهم من الشيشان والداغستان في البلدان المجاورة وخاصة في الأردن وسوريا، ومن أبرز شخصياتها التي كانت معروفة في القرية مراد آغا وسليمان آغا ومحمد عارف آغا وغوبا وصالح متي وتوبوت وبطل وقنديت وصالح بيبرت وعزيز آغا وأصلان وتويتا وعبدالقادر أغا ..

وفي خضم الفوضى العارمة التي سادت العراق فقد تعرضت القرية منتصف شهر أيلول من عام 2007 الى هجومين مسلحين غادرين من قبل مسلحين مجهولين وميليشيات طائفية قامت بحرق وتدمير جميع دوروجامع وبساتين القرية عن بكرة أبيها، وإستطاعت العوائل أن تنقذ بنفسها بالملابس التي على أفرادها بعد أن قاوم أبنائها الشباب القليلين وبأسلحتهم البسيطة جموع الغزاة المسلحين المدججين بكافة أنواع الأسلحة لحين وصول النجدة إليهم وبعدها تشتت العوائل على المحافظات بحثا عن الملجأ والأمان .

2. ناحية المنصورية (دلي عباس)

وتعتبر من أقدم نواحي محافظة ديالى سكنتها العديد من العوائل الشيشانية المهاجرة حتى يقال ان حوالي نصف سكانها كانوا من الشيشان ومنها انتقل قسما منهم الى الحميدية مثل عائلة خالص بك وأبنائه شمس الدين ونور الدين وعائلة احمد دولت وزارخمت وغيرها وبقيت هناك عدة عوائل منهم عائلة خالص بك وإبراهيم آغا وكان وابنه عبد الرحمن من ضباط الجيش التركي كان برتبة عقيد واشغل منصب مدير شرطة الديوانية والبصرة كما توكل قائمقامية ديالى ومن أحفاده الفريق الأول المتقاعد الدكتور محمد عبدالقادر عبدالرحمن الداغستاني، وهناك ضابط اسمه ابراهيم آغا ايضا وكان ضابط في الجيش القيصري ثم انضم للثوار كان من اكبر المعمرين عاش 125 عاما .

3. قرية الشيشان (جارشلو) في محافظة كركوك

تأسست هذه القرية التابعة لناحية العباسي في قضاء الحويجة عام 1936 م على يد المرحوم إبراهيم بك دولت، وتقع جنوب نهر الزاب الصغير وشرق نهر دجلة بمسافة عشرة كيلومترات عن نقطة إلتقاء الزاب بدجلة، وقد قدمت اليها العوائل الشيشانية من قرية (اللقلق) الشيشانية التي أسسها المرحوم تيمور بك بن علي المعروف بـ (تمربيك) سنة 1284 هـ بعد قدومه الى العراق من تركيا قبل عام من تلك السنة وشيدها على ضفة نهر دجلة الشرقية مقابل قضاء بيجي في محافظة صلاح الدين جنوب فتحة جبل حمرين، وكانت جارشلو قرية حديثة ومنظمة وجميلة مقارنة بالقرى المتخلفة المحيطة بها، وكانت ذات بيوت قليلة مكعبة الشكل تقع على جانبي شارع ترابي واسع فيه قليل من الأشجارويعيش سكانها عيشة مدنية منظمة وفق تقاليدهم وعاداتهم وأخلاقهم الجميلة وإكرامهم العالي للضيف (6)

وكانت ديوانية مصطفى نجيب بك في القرية مفتوحة على الدوام تستقبل الضيوف والأقرباء من كل حدب وصوب، وهي لا تزال في عهد خلفه الصالح الشيخ عبدالعزيز مصطفى نجيب بك الجاجان مقصد العديد من الزوار والعوائل والأسر القفقاسية سواء من العراق أو خارجه فضلا عن كون القرية نفسها ملجأ للمعتصمين بها في الظروف العصيبة .

ومن أبرز الشخصيات التي ساهمت في إنشاء القرية وعاشت فيها كل من الذوات حسين محمد علي ويونس محمد علي ومصطفى نجيب تيمور ومحمد عسكر وبشير أحمد وهم من سكان قرية اللقلق فيما كانت هناك شخصيات من عوائل شيشانية قدمت من الأردن بهدف الإستقرار في القرية وهم كل من محمد أسندر وإبراهيم أسندر وخليل إبراهيم وعثمان أبو بكر وشقيه طيب وموسى عثمان وخضر أرسلان .. وقد عاد هؤلاء وغيرهم الى الأردن بعد إنتشار الملاريا في المنطقة وإرتفاع مستوى الملوحة في الأراضي الزراعية عدا عائلة بدرخان برك خان التي لا يزال خلفه يعيشون مع بقية الشيشان في القرية .

4. قرية ينكجة بابلان في قضاء طوزخورماتو

يقول الباحث والمؤرخ صلاح الدين ناجي أوغلو(1945 م) بأن الشيشان القاطنين مركز قضاء طوزخورماتو قد إنفصلوا أصلاً عن العوائل الشيشانية المستوطنة في منطقة قره داغ في محافظة السليمانية وقد إستقروا فيه حوالي العام 1890 م، وأول من وصل القضاء منهم الأخ الأكبر لهذه الأسر وكان يدعى (ججان) ثم أعقبه إخوته بيرام وحلو ومحمد وفتاح وكانوا قد قدموا العراق عن طريق أذربيجان و إيران ليكون القضاء آخر مطاف لهم، وبلغ عددهم 27 عائلة . فيما إستقرت 40 عائلة شيشانية تنتمي الى عائلة البسلي في قرية ينكجه بابلان التي تبعد عن القضاء حوالي خمسة كيلومترات وقد جاءت تسمية البسلي نتيجة إختفاء جدهم أثناء حروب القفقاس ويقال أن الأتراك أطلقوا عليه هذه الصفة عندما وجدوه مختبأ مريضا في ركن غرفة منعزلة قذرة بعيدا عن أعين الروس الذين كانوا يقتلون كل من يصادفونهم من القفقاس (7)

يبلغ عدد العوائل القاطنة في القرية حاليا 72 عائلة تضم 112 شابا تمتهن غالبيتهم الزراعة وتربية المواشي الى جانب عدد منهم يعملون في دوائر الدولة وهم يتصفون بصفات الأجداد من الكرم وحسن وفادة الضيف والشجاعة والنبل .

5. قضاء الفلوجة

يعتبر قضاء الفلوجة أكبر أقضية محافظة الأنبار (مركزها الرمادي) ويبعد عن بغداد غربا حوالي 60 كيلومترا ً وعن مركز الرمادي حوالي 55 كيلومتراً، وتؤكد المعلومات التأريخية الدقيقة الى أن أول من إستوطن الفلوجة كان الشركسي مصطفى إسماعيل الذي قدم من تركيا العثمانية فأقطعه السلطان العثماني أراضي زراعية له ولعائلته الشركسية (الأوبيخ / أديغة) في أراضي تسمى بأراضي الخراب والبساتين المطلة على نهر الفرات (أصبحت هذه الأراضي الآن من ضواحي القضاء الحديثة) وكان ضابطا في الجندرمة وعالماً متضلعاً في شؤون الدين والتقوى،وهو والد الوجيه الفلوجي الثري صاحب الإقطاعيات المعروفة بإسمه حسن بك و وأخويه هما حسين وعلي، وقد خلف حسن بك كل من المهندس والمقاول الفلوجي الشركسي حقي حسن بك وخالد ومنذر و الحقوقي والكاتب الشركسي مؤيد ومصطفى . وبذلك فإن هذه الأسرة الشركسية هي المؤسسة الفعلية لقضاء الفلوجة الذي إتسع فيما بعد وتكونت بيوتاته من سكان الصقلاوية التي كانت مركزا للناحية وكانت الفلوجة تابعة له عام 1872 م . وأول ما بني فيها من الأبنية والمسقفات جامع (كاظم باشا) وهو الجامع الكبير حاليا والذي يطل على النهر ثم القلعة القريبة منه وكاظم باشا هو صهر السلطان عبدالحميد الثاني وقد بنى كذلك دارا مقابل الجامع وإسطبلا للخيول (8)، وعلى أثر إحتلال القوات الأمريكية لدور الأسرة وبساتينها وحرق وتدمير ممتلكاتها عام 2003 م إضطرت الى البحث عن سكن مؤقت لها في بغداد العاصمة بإنتظار ما يوؤول إليه المستقبل .

6. محافظة السليمانية

يعود تأريخ التواجد القفقاسي في مناطق كردستان العراق الى زمن الحروب والويلات القفقاسية والقيصرية الروسية ؛ حيث هاجر جمع من العوائل الشيشانية مع مواشيهم عبر إيران وأذربيجان وإستقروا في البداية في قرية (بيوكة) الواقعة في منطقة برزنجة في محافظة السليمانية ثم إنتشروا الى بقية القرى والمناطق بحثا عن الأمان والإستقرار والكلأ ومصادر المياه .

وتتوزع في قرى محافظة السليمانية ومركزها 630 عائلة جيجانية (شيشانية) وخاصة في قرى سيان زار وكل وسويره وجناره وجوزه كوره وشيره وبرده رشه وسليمانا وسه بوره وكاني ميران، وحصة المركز تتجاوز 200 عائلة منها (9) ويبدو واضحاً ذوبان هذه الأسر في بودقة المنطقة ففارقت على مر السنين سماتها القومية والثقافية وإكتسبت القيم والتقاليد واللغة السائدة، وبالتالي فإن قلة منهم فقط لا تتذكرمن الماضي سوى إنتمائها الأصلي الذي فقدته أيضا الى الأبد !

إحصائية رقمية تقريبية

وفيما يلي الإحصائية المتاحة (حالياً) لحجم العوائل القفقاسية في محافظات العراق مؤكدين عدم ثبات هذه الأرقام لحين إنتهاء عملية المسح :

المحافظة          العدد التقريبي للعوائل          الملاحظات            

بغداد                     500

ديالى                    250                         أغلبية شيشانية

كركوك                 190                         أغلبية داغستانية وشياشانية

أربيل                    10                          عوائل داغستانية

السليمانية               630                         أغلبية شيشانية

الموصل                150                         أغلبية داغستانية

النجف                   50                          أغلبية داغستانية

الكوت                   20                          أغلبية داغستانية

البصرة                 20

الناصرية               10

العمارة                  5

دهوك                   3

الحلة                    20

الديوانية                12

الأنبار                   20                                       أغلبية شركسية (أوبيخ)

المجموع                 1890 عائلة

وإذا ما تم إعتماد مقياس 5 أفراد لكل عائلة أو أكثر قليلا ً فإن العدد الكلي لنفوس هذه العوائل يبلغ حوالي عشرة الآف نسمة .

ملاحظات حول الحجم السكاني:

1. نشرت جريدة (الإتجاه الآخر) في عددها 183 الصادر في يوم السبت الموافق 21/ 8/2004 تحقيقاً صحفياً بقلم السيد حسان شروخ تحت عنوان (صقيع الأديغة يغلي في جحيم بغداد) وأشارت فيه الى وجود أكثر من (30) ألف عائلة شركسية فـــــي بغداد لوحدها، ولم يتسن التأكد من دقة هذه الإحصائية رغم محاولاتنا الدؤوبة للإتصال بكاتب التحقيق الصحفي عن طريق الجريدة ذاتها أو بواسطة البريد الألكتروني لمعرفة مصادره مع قناعتنا بأن الرقم مبالغ فيه .

2. أكد عدد من الرجال والوجوه الإجتماعية للشيشان القاطنين في قرية (كاني ميران) ـ وتعني باللغة الكردية ينبوع الأمراء ـ الواقعة في منطقة قره داغ الكردية في محافظة السليمانية وذلك خلال زيارتنا اليها صيف عام 2004 بأن لهم أقربــــاء يتوزعون على خمس قرى شيشانية تضم أكثر من ألف عائلة في منطقة (برزنجة) في السليمانية

الفصل الثاني: العادات والتقاليد واللغة

لا تزال العوائل المتحدرة من شمال القفقاس في العراق تمارس جانباً من تقاليدها العريقة سواءً في المناسبات الإجتماعية أو الدينية وخاصة تلك التي تتوافق مع القيم السائدة في المناطق التي يتواجدون فيها أو مع الأقوام القاطنة في الأراضي التي يعيشون عليها والذين تأثروا بها كثيراً بحكم المعاشرة والتقادم الزمني الطويل، لذا فالشيشاني أو الداغستاني أو الشركسي (الأديغة) عربي الهيئة والهواجس والقناعات واللغة حيثما ولد وترعرع في أحضان المنطقة العربية وهكذا الحال مع الذين يقطنون في المناطق الكردية أو التركمانية الأخرى في العراق فهم أكراد في هيئاتهم ولغتهم و أزيائهم وممارساتهم الإجتماعية في المدن والقرى الكردية وكذلك فهم تركمان في مناطق التركمان، فضلا عن إكتسابهم القناعات والعقائد الطائفية لسكنة هذه المناطق .

إلاّ أن كل تلك السنين الطويلة التي صهرت تلك العوائل في بودقة البيئة وأكسبتهم السمات الحضارية والإجتماعية السائدة لم تفلح في مسح وإلغاء روح الإنتماء الى عشائرها الأصلية أو ممارسة بعض التقاليد أو التحلي بالقيم والمثل ذات الدلالات التربوية ذاتها الموجودة في المجتمع القفقاسي كالحرص على تطبيق مفردات أعراف ومبادئ ما يطلق عليه (قانون أديغا خابزة) التي توجب بصرامة التحلي بقيم الآباء والآجداد وكأن التقاليد القفقاسية قد إمتزجت مع جينات الإنسان القفقاسي أينما وجد، ففي طقوس الزواج والولادة والمناسبات الإجتماعية الأخرى فإن بعضاً من التقاليد القفقاسية يفرض نفسه، كما ولا يزال مطبخ العائلة الشيشانية أو الداغستانية أو الشركسية عامراً بالكثير من الأكلات والمقبلاّت القفقاسية التي تتولى المرأة إعدادها بمهارة مثل (الحلطمش) و(الكلمش) و (الكرزنش) و (المهلبية) و(الشبس باصتا) و(الحلفة) وغيرها .

أما على صعيد اللغة فإن عدداً محدوداً من المسنين والمسنات في بعض العوائل القفقاسية يجد متعة بالغة في التحدث باللغات أو اللهجات القفقاسية القومية التي لا تزال حية في الذاكرة خاصة عندما يفد بعض الضيوف الى الديار ويتحدثون معهم بلغات الأجداد، ومما لا ريب فيه فإن هذا العدد يتناقص يوماً بعد يوم بسبب الوفاة وعدم حرص الجيل اللاحق على تعلم اللغة مما سيؤدي حتماً الى نسيانها لولا أن تتدارك جمعية التضامن ذلك وتضع عملية تعليم اللغة نصب عينيها مستقبلاً رغم صعوبة إقرار منهج مشترك لتعليم اللغات المتعددة المنتشرة حتى في بلدان الأسلاف نفسها .

إن الإكثار من فتح الدورات التعليمية وإيجاد فرص الإيفادات والزمالات الدراسية لأبناء هذه العوائل وخاصة الطلبة وتشجيع وتبادل الزيارات الى شمال القفقاس بالتنسيق مع السلطات الحكومية والجامعات الأكاديمية والمنظمات والجمعيات الشقيقة سيسهم فعليا ً في توسيع قاعدة المتحدثين بلغات الأجداد والتي تشكل عاملاً حاسماً في تعزيز الروح القومية في نفوس الأجيال الناهضة، كما أن الجمعيات الشقيقة في البلاد العربية وفي شمال القفقاس قادرة فعلاً على مد يد العون الى القائمين على جمعية التضامن في هذا المجال الحيوي نتيجة الخبرة العالية التي تتمتع بها خلال عملها طيلة السنوات الماضية التي سبقت تأسيس (التضامن) بعشرات السنين لإنقاذ هذه العوائل من الضياع والتشتت والذوبان في الكيانات القومية الأخرى ..

الفصل الثالث: دور القفقاس في الحياة السياسية والإجتماعية في العراق

هناك حقيقة تأريخية لاجدال عليها تؤكد على أن رجال وقادة عظام من الداغستانيين والشيشان والشركس كان لهم أبرز الأدوار في مختلف الفترات التأريخية المتعاقبة على العراق، بل وساهموا بشرف ورجولة في بناء اللبنات الأساسية للمؤسسات الحضارية والسياسية والعسكرية العراقية وفي المقدمة منها الجيش العراقي العريق منذ بدايات القرن العشرين منطلقين من مشاعرهم الصادقة في إنتمائهم الى تربة وادي الرافدين أرواحا وأجساد .

إن عشرات الفرقاء ومئات الألوية وأصحاب الرتب العسكرية من وطن الإمام شامل الشهير قد خدموا برجولة وبتفان في تشكيلات الجيش العراقي وإكتسبوا نتيجة لذلك شهرة فاقت حدود وطنهم العراق (10)، كما وأن هناك العديد من الأسماء المعروفة في الحياة الثقافية والإعلامية ورجال الأعمال لا يزالون يكرسون جهدهم في سبيل رفعة وتقدم العراق، وقد كان هؤلاء جميعهم موضع عناية وإهتمام حيثما وجُدوا لِما كانوا يتصفون به من إخلاص كبير وتفان متناه وإدراكهم بأن الجهد الذي يبذلونه مكرس لرفعة وطنهم العراق وليس للإشخاص أو المسؤولين الذين عملوا بمعيتهم، وهذا جعل العديد منهم يتبوأ مناصب قيادية عليا في الجيش وفي كافة العهود، وعلى الرغم من قلة عددهم فهم معروفون في كافة المناطق التي تواجدوا فيها نتيجة سمعتهم الطيبة (11) .

إن هناك قصص ووقائع تتحدث عن شيشان و داغستانيين و شراكسة وقفوا بصلابة لا تتزعزع أمام المغريات أو الضغوط التي كانوا يتعرضون لها من قبل قادة أو مسؤولين كانوا يفرضون عليهم ما يتنافى مع قناعاتهم ومبدئيتهم ووطنيتهم لكنهم كانوا لا ينحازون في النهاية سوى لعراقهم ودينهم مهما كانت الأسباب .

أعلام وشخصيات

كأي من الشعوب أو القبائل الحية التي رفدت مجتمعاتها بشخصيات بارزة لها خدمات متميزة أسهمت بفاعلية في تعزيز موقعها ودورها في الحياة، فإن لعشرات بل والمئات من أبناء ورجال القفقاس في العراق دورأً بارزاً فــي سبيل رفعة بلدهم المفدى العراق ومواصلة عطائهم الجليل وتأكيد دورهم الإنساني وبذلهم النقي والبعيد عن التعصب أو التطرف أو الإنحياز .

ويبدو واضحاً من خلال إستعراض أسماء الأعلام والشخصيات الداغستانية والشيشانية والشركسية أن للقادة والضباط العسكريين حصة كبيرة منها، وهذا نابع من الحقيقة التي أوردناها والمتمثلة بأن الغالبية العظمى منهم قد إختاروا المؤسسة العسكرية ليخدموا وطنهم وشعبهم، وكانوا بحق قادة ورجال عظام سيحفظ لهم التأريخ الوطني هذا الإرث النفيس من الذكر الحسن .

1. محمد فاضل باشا الداغستاني :

من أبرز الشخصيات في التأريخ العراقي الحديث، تقلد العديد من المناصب المهمة عمله مستشاراً ومرافقاً عسكرياً للسلطان العثماني، كما وساهم في عشرات المعارك فنال العديد من الأوسمة والنياشين، ولخبرته العسكرية فقد تدرج في الرتب حتى أصبح فريق أول ركن .

عين مفتشا عاماً للجيش العثماني في البلاد العربية ومقره بغداد كما وعهد إليه بولاية بغداد وكالة عام 1907م ثم عين واليا على ولاية الموصل وقائدا لقواتها ثم مفتشا لفيلق العراق في 1913، وعند بدء الإحتلال البريطاني للعراق عام 1915م قاتل ضد الغزاة قائدا للعشائر العراقية في عدد من الصولات المظفرة ثم إستشهد في إحدى تلك المعارك يوم 11/ أذار/ 1916 ودفن جثمانه الطاهر في مقبرة الأمام الأعظم ببغداد .

2. غازي محمد فاضل الداغستاني

ولد في بغداد عام 1912 م، تخرج من الكلية العسكرية في وولج (المملكة المتحدة) عام 1930 ثم دخل كلية الأركان عام 1938، تقلد عددا من المناصب القيادية في الجيش العراقي لينتهي قائدا للفرقة الثالثة، وكان واحدا من المرشحين ليكون رئيسا لوزراء العراق، ثم حكمت عليه محكمة الشعب المشكلة أعقاب ثورة عام 1958 بالإعدام بسبب تفانيه في واجبه وإخلاصه للملكية في العراق، إلا أن الحكم لم ينفذ فيه وأطلق سراحه من سجن أبو غريب في 28/ اذار/ 1961فسافر مع عائلته الى لندن، توفي هناك عام 1966إلا أنه دفن جوار والده في مقبرة الإمام الأعظم ببغداد في مسيرة وإستعراض عسكري مهيب شاركت فيه كل الصنوف العسكرية في الجيش العراقي .

3. تيمور علي بك

ولد في ارشت في الشيشن، هاجر مع والده الى تركيا ثم سكن مع صديقه الحميم وزوج أبنته محمد فاضل باشا الداغستاني ببغداد، إستقر في قرية اللقلق بتكريت شارك مع الفريق محمد فاضل باشا الداغستاني في العمليات العسكرية ضد الإحتلال البريطاني للعراق، وافته المنية في 24/8 /1921 ودفن في مقبرة الإمام الأعظم، من أبنائه محمد كامل ومصطفى نجيب الذي إستقر في قرية الشيشان التي ساهم بإنشائها في ناحية العباسي بقضاء الحويجة في محافظة كركوك .

شارك مع القائد الكبير محمد فاضل باشا الداغستاني في المعارك الضارية ضد الاحتلال الانكليزي في العراق ثم وافته المنية في 24 /8/ 1921 ميلادية ودفن في مقبرة تكريت .

ومن أبنائه محمد كامل ومصطفى نجيب الذي إستقر في قرية الشيشان و ساهم بإنشائها في ناحية العباسي بقضاء الحويجة في محافظة كركوك .

4. القاضي نورالدين خالص إسماعيل الجاجاني

ولد في قرية زندان / الحميدية المعروفة بقرية الججان في ديالى عام 1914 م وأنهى دراسته الابتدائية في بعقوبة والمتوسطة والإعدادية في بغداد وتخرج من كلية الحقوق 1936 م ونال شهادة الليسانس في الحقوق بدرجة إمتياز ومرتبة الشرف الأولى عين معاوناً لرئيس تسوية الموصل ثم حاكماً لمحكمة بداءة العمادية في العام 1955 وبعده رئيسا لتسوية أربيلا وكركوك ثم رئيساً للمحكمة الكبرى في ديالى في العام 1961 ثم رئيساً لمحكمة الإستئناف الوسطى ومقرها الحلة عام 1965 م ورئيساً لمحكمة بغداد عفي العام 1968 وأخيرا عضواً في محكمة تمييز العراق في العام 1973 لحين إحالته على التقاعد في العام 1977 م . كان واحداً من أعمدة عشائر الشيشان وكان معروفاً عنه بالجدية والصرامة والعدل ومحباً لقومه وله حضور وقور في حياة الناس من حوله . إنتقل الى جوار ربه في 1/8/2010 في بغداد .

5. الباحث التأريخي محمد علي مصطفى (شيخ الآثاريين في العراق)

ولد في 28/ 11/1910 بغداد وعائلته تنتمي الى عشيرة (الأوبيخ) الشركسية العريقة .

و درس الابتدائية والثانوية ثم تخرج من الكلية الأمريكية في بغداد ودرس الهندسة المدنية في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1935 م . حاز على المرتبة الأولى في العراق عام 1933 في سباق القفز بالزانة . وكذلك في سباق الجري مسافة 400 متر في نفس العام . تعين في مديرية الآثار العامة واصبح ممثلا لها لدى جامعى بنسلفانيا الأمريكية في موقع تبه كورا جنوب الموصل عام 1936. ثم عمل في عدد من مواقع الحفر والتنقيب في أنحاء العراق .

أحيل على التقاعد في العام 1973 إلا أنه إستمر في العمل كمستشار آثاري في بناية المتحف الوطني العراقي .

توفي يوم 10/10/1997 ودفن في مقبرة الكرخ في (أبو غريب) . وقد نظم له حفل تأبيني كبير يوم 19/11/1997 شارك بالحضور والكلمات كبار علماء الآثار في العراق، وكتب عنه في عدد من الصحف والمؤلفات كل من العالم الدكتور عبدالقادر حسن التكريتي والدكتور بشير فرنسيس والدكتور قحطان رشيد صالح وغيرهم وعلقت إدارة متحف الآثار البريطاني في لندن لوحة تعريفية عنه عام 1998كتبها كل من العالمين ديفيد وجوان لويس

6. الفريق الطيار الشهيد المرحوم صفاء شمس الدين خالص الشيشاني

ولد بمحافظة ديالى في العام 1942 م، وأكمل الإبتدائية فيها في العام 1956 م، وأكمل المتوسطة والثانوية في ثانوية المقدادية للبنين في العام م1961 م ثم دخل كلية القوة الجوية العراقية في العام 1962 وأوفد الى المملكة المتحـــدة حيث أكمل دورة الطيران عام 1963 ليتخرج منها برتبة ملازم طيار في العام 1965 .

أوفد الى المملكة المتحدة ثانية للمشاركة في دورة معلمي الطيران في العام 1970 ثم الى دورات تخصصية في كل من فرنسا وألمانيا الغربية .

تقلد خلال حياته الوظيفية عدة مناصب هامة فتعين آمر سرب في العام 1976، ثم آمر تشكيل طيران عام 1986، ثم قائداً لطيران الجيش العراقي للأعوام 1993 الى 1998 م.

إستشهد المرحوم إثر مواجهة مفتعلة بين فريقين من المسلحين المجهولين في منطقة نفق الشرطة في العاصمة ببغداد، حيث كان ينتظر مع نجله دوره في إستلام حصة سيارته من الوقود، وذلك في الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم الإثنين الموافق 30/ تموز/ 2007، بعد أن أصابته طلقة في رقبته، في سياق العنف الأعمى الذي كان يعصف بالبلاد، أدت الى نزف شديد، مما إضطر نجله الى الإنتقال به بين عدد من مستشفيات بغداد بحثاً عن الإسعاف وتوفير العناية الطبية الطارئة له فأبدت هذه المستشفيات عجزها !، فأدى النزيف المتواصل الى إستشهاده وهو يوصي إبنه بأهله وأقربائه وعشيرته ومحبيه خيراً، قائلاً : (ياولدي إنه قضاء الله وقدره وعلينا أن نرضح لمشيئة الخالق).

كان المرحوم مثالاً للتواضع والمروءة، نبيلاً، يتصف بطيبة القلب وبشاشة الوجه ورجاحة العقل والقدرة على ولوج قلوب الآخرين دون إستئذان، وكان يعشق الإنكليزية فبادر الى ترجمة عدد من القصص الروسية التي تناول كتابها الحياة القفقاسية ولأول مرة الى اللغة العربية كقصة الغارة للكاتب الكبير تولستوي .

7. المصور الفوتوغرافي العالمي مراد الداغستاني

ولد في مدينة الموصل الحدباء في العام 1917 وإبتدأ رحلته مع التصوير الفوتوغرافية في عام 1935 وفي زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال بين الشعوب كما هي عليه اليوم، حيث استطاع الفنان الفوتوغرافي العالمي الموصلي مراد الداغستاني بجهوده الشخصية ان يشارك في اكثر من تسعين معرضاً للتصوير الفوتوغرافي داخل العراق وخارجه . فاز بعدة مداليات من دول عالمية مختلفة وحصل على شهادات تفوق من المانيا والبرازيل وفرنسا والصين ويوغسلافيا، كما حصل على شهادة الابداع من البرازيل وكان طليعة ثمانية فنانين فوتوغرافيين في العالم منحوا هذه الجائزة وذلك عن تصويره صور لحالات وحركات الناس التي قد لا تتكرر مرة اخرى، مثل صورة صياد الاسماك وهو يرمي بشبكته في نهر دجلة العظيم وصورة أرجل الخيول وهي تجر عربة الخيل وصورة احد صيادي الاسماك وهو يدفع بزورقه عكس اتجاه مجرى النهر وسواها الكثير من الصور الفوتوغرافية التي اثارت دهشة واعجاب المتلقي لها

أنتخب رئيساً للجمعية العراقية للتصوير فرع نينوى لعدة سنوات و كان من المولعين بالتدخين ما جعله يرقد في المستشفى لاستئصال احدى رئتيه عام 1973 وخرج من المستشفى برئة واحدة لحين وفاته . توفي في يوم 27 /7/ 1982 .

8. الفريق الركن الدكتور محمد عبدالقادر عبدالرحمن الداغستاني

ولد في العام 1942 م وهو من خريجي الكلية العسكرية العراقية عام 1961م (بكالوريوس علوم عسكرية ,و من خريجي كلية الأركان العراقية (ماجستير علوم عسكرية) و حاصل ايضاً على شهادة (دكتوراه بالعلوم العسكرية) حصل ايضاً على شهادات عليا ليضيف لمهنتة الإختصاصية علوماً أخرى ذات العلاقة .

عمل قائداً لعمليات شرق دجلة وقائدا لقيادة قوات شط العرب ثم قائداً للفيلق الرابع ثم الفيلق السابع ثم محافظا لديالى ومحافظا لنينوى ورئيسا لهيئة السياحة في العراق . من أعمدة عشائر الشيشان في العراق ومن القادة العسكريين العراقيين البارزين في مجالات التخطيط والحرب والأركان . وهوكاتب وباحث عسكري، وشارك في مؤتمرات متعددة داخل وخارج العرا ق .

9. الحقوقي والباحث الشركسي مؤيد حسن مصطفى بيك

ولد في 2/2/ 1934 في مدينة الفلوجة . و ينتمي الى عشيرة الآوبيخ الشركسية العريقة

درس الابتدائية والمتوسطة والثانوية في مدينة الفلوجة وتخرج من كلية الحقوق في بغداد في العام 1958 م . ثم إلتحق بكلية الاحتياط بتاريخ 1/11/1960م ثم تسرح من الجيش بتأريخ 1/8/ 1962تعين في وزارة الداخلية وكان أول منصب أنيط به مديرا لناحية الرحبة في النجف الأشرف في 11/11/ 1962 وعدد من النواحي فيما بعد .إرتقى الى منصب قائمقام حيث باشر بوظيفته الجديدة قائم مقاماً لقضاء الرطبة بتاريخ 30/3/1976م. إرتأى ترك الوظيفة الإدارية وقدم طلبا بذلك الى وزارة الداخلية وحصلت الموافقة ونقل موظفا على ملاك مديرية الدفاع المدني في بغداد ثم خرج من الوظيفة لأسباب صحية . وهو متفرغ حالياً لكتابة مذكراته الشخصية والدروس والخبر المستنبطة من سنوات عمله في أرجاء البلاد المختلفة .

 

محمد حسين الداغستاني (*)

..................

الهوامش

(*) أديب وشاعر وإعلامي عراقي (1948 ـ) / رئيس تحرير مجلة التضامن الشهرية / أمين سر جمعية التضامن الخيرية للشيشان والداغستان والشركس في العراق / والده المرحوم حسين داغستاني (1928 ـ 1984 م) عميد الداغستان في كل من محافظتي أربيل وكركوك .

(1) الفريق أول الركن المتقاعد الدكتور محمد عبدالقادر عبدالرحمن الداغستاني / الشيشان في العراق / مجلة التضامن الشهرية / العدد 7و8 الصادر في حزيران 2006 / ص 20 .

(2) مقابلة خاصة .

(3) مصدر سابق، ويمكن الإطلاع على أصل و نص المحاضرة أيضا على الموقع الألكتروني http://www.sukhneh.com

(4) من مقابلة له مع وكالة أنباء القفقاس التركية / أيار 2005 / موقع (وقف القفقاس) الألكتروني .

(5) داغستان والداغستانيون في العالم / تأليف عبدالله محمدوف / إعداد بدرالدين أواري / ترجمة زياد الملا / ط 1 / دمشق 1998 ص 83

(6) المحامي محمود نديم إسماعيل ونخبة من الباحثين / مشروع إصلاح القرى في العراق / بغداد 1954 م

(7) الأسر الشيشانية في طوزخورماتو وضواحيها / مجلة التضامن العدد 5و6 كانون الأول 2005

(8) المحامي صادق الجميلي / دور الشراكسة في إنشاء الفلوجة / مجلة التضامن العدد 9و10 أذار 2007

(9) الجيجان في السليمانية / مقابلة صحفية مع الحاج سعيد رحيم خالي الجيجاني / مجلة التضامن العدد 5و6 كانون الأول 2005 ص 22

(10) داغستان والداغستانيون في العالم / مصدر سابق ص 84

(11) الفريق أول الركن المتقاعد الدكتور محمد عبدالقادر عبدالرحمن الداغستاني / مصدر سابق .

 

 

mutham aljanabi2إن تلازم الثقافة الحقيقية والمثقف الحقيقي بقدر المعاناة الدائمة والدائبة هو الوجه الآخر لمساعيهما الجوهرية من اجل تحرير العقل والضمير من سلطة الأشباح بشكل عام والسلطة بشكل خاص. كما أنه التلازم الذي يصب من حيث المبدأ والغاية في اتجاه تأسيس مرجعية العقل الثقافي الحر، أي العقل الذي يحتوي بقدر واحد على قواعد المنطق المجرد وتمثل تجارب الأمة في كيفية حل إشكاليات وجودها التاريخي في مستوياته الطبيعية (الدولة والأمة) والماوراطبيعية (العقائد الكبرى والقيم). حيث تجد هذه المستويات انعكاسها بهذا الصدد فيما أسميته بأنماط البحث عن النسب المثلى لعلاقة الثقافة والمثقف بالسلطة في كل من النماذج الذهنية – الثقافية العامة، وتمظهرها التاريخي، وتحقيقها الفردي.

إذ تبرهن تجارب الأمم والثقافات الحية تبرهن على أن طريق العقل الفلسفي هو الوحيد القادر على رصف "الصراط المستقيم" بمكونات القوة والمتانة، كما انه الطريق القادر على جعل التراكم الثقافي منظومة حية في وعي الذات التاريخي. كما تبرهن التجارب التاريخية للأمم أيضا على أن السير في طريق العقل الفلسفي هو الفعل الأكثر درامية في فصل الانتقال التاريخي صوب منظومة العقل الثقافي. وبالتالي الأكثر تعقيدا من حيث تأسيسه النظري والعملي، وذلك لأنه يفترض انجاز النفي المنظومي لأنماط التفكير والذهنية السائدة والمفاهيم والقيم والأحكام والعادات والتقاليد. وفي مجرى هذا الانتقال تبرز بصورة حادة وجلية مختلف مظاهر ومستويات العلاقة الفعلية وإشكالاتها المتنوعة بين المثقف والسلطة.

إن المقدمة التي تجعل من طريق العقل الفلسفي طريق "الاستقامة" الفعلية في ميدان الثقافة، تقوم في قدرته على تمثل تجارب الأمم وإعادة إنتاجها من خلال رصفها في منظومة الرؤية النقدية والواقعية تجاه الإشكاليات التي تواجهها الدولة والأمة. بمعنى إعادة تكثيف تجارب التاريخ بمعايير المنطق. ومن ثم اختصار زمن التعلم الضروري وتمديد القدرة البشرية على الغوص في أعماق الماضي. إذ تقرّب هذه العملية المستقبل وتجعله في متناول الممارسة العملية مع كل خطوة كبرى في مجال توسيع وتدقيق منظومية الرؤية الثقافية. وفي هذا تكمن ضمانة توسع وترسخ الرؤية النقدية ومن ثم إضعاف وتذليل نفسية الرؤية الأسطورية واللاهوتية والتقليدية. وهي عملية تاريخية مديدة لكنها متواصلة تصنع بصورة موضوعية مقدمات وآلية إضعاف السلطة وتقوية الثقافة. وذلك لأنها تعمل من حيث المبدأ بآلية التراكم الثقافي. ومن خلاله تؤسس لقيمة المنظومة في وعي الذات التاريخي.

وشأن كل تأسيس لقيمة المنظومة لا يمكن صنعه بين ليلة وضحاها، وذلك لأنها عملية معقدة بفعل ارتباطها بالمنحى التاريخي لتطور الدولة والثقافة والأمة. وبما أن هذا المنحى عادة ما يتصف بالتعرج والالتواء في دروب الصعود والهبوط، والارتقاء والسقوط، والانتصار والهزائم، من هنا طابعه المركب في كيفية تأسيس منظومة وعي الذات. لكنه يبقى مع ذلك الطريق الوحيد والواقعي لصنع ما أسميته بالعقل الثقافي. كما انه الوحيد القادر على رسم معالم وحدود "الصراط المستقيم" في الوعي التاريخي القومي. إذ لا يعني "الصراط المستقيم" هنا سوى الصيغة الأكثر تجريدا ونموذجية للمفاهيم والقيم الجوهرية المتراكمة في مجرى التعرج التاريخي المذكور أعلاه. ومن ثم فهو احد النماذج المثالية للعقل الثقافي في رؤيته للماضي والمستقبل. كما أنه عقل تتجدد مهمته التاريخية مع كل تجدد للمرجعيات الثقافية الكبرى في العلم والعمل.

إن العقل الثقافي للأمة هو عملية تراكم يحدد قيمتها وفاعليتها وأثرها التاريخي، بما في ذلك بالنسبة لوعي الذات، كمية ونوعية منظوماتها المرجعية، أي كمية ونوعية المنظومات الفكرية ومستوى تمثلها للمرجعيات الثقافية للأمة. والمقصود بنوعية هذه المنظومات، ما إذا كانت يسير أغلبها من حيث التأسيس والكفاءة صوب تأسيس العقل النقدي الفلسفي أو اللاهوتي. والتجارب التاريخية للأمم، بما في ذلك تجاربنا (الأمة العربية) تبرهن على درامية هذه العملية. لكن تجاربنا القومية استطاعت إنجاز الانتقال التاريخي الأعقد من بنية ما قبل الدولة إلى الدولة، ومن المعشر إلى الأمة، ومن الثقافة الشفوية والحكمة العملية إلى حكمة المنظومات الفكرية، عبر إرساء أسس الفكرة الوحدانية وواحدية الثقافة المتسامية. كما نعثر عليه في تلك العملية التي رافقت انجاز المهمة الأولية الكبرى للانتقال بفكرة الدولة من السلطوية إلى الراشدية، وفكرة المعشر من القوم والعرق إلى الأمة الثقافية.

وفي مجرى هذه العملية التاريخية النموذجية والفريدة أيضا من نوعها في التاريخ العالمي استطاعت الأمة العربية الإسلامية في غضون قرون عديدة من معاناة حلها لإشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة أن تنجز انتقالها التاريخي صوب منظومة العقل الثقافي. بمعنى انجاز الصيغة الأولية والضرورية لتأسيس العقل النقدي الفلسفي. وهو تغير وتجديد نوعي ارتبط بفكرة الإسلام الوحدانية، التي استطاعت تأسيس منظومة أصيلة في تعاملها مع إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة. وبالتالي أرست أسس جديدة لأنماط من التفكير، وصناعة ذهنية تناسبها لها مدارسها في مختلف ميادين الحياة والمعرفة، وبلورة مفاهيم وقيم توافقها، ومن ثم هذبت وشذبت الماضي وتقاليده من خلال رفعه إلى مصاف العلاقة الروحية بين السلف (الصالح) والخلف. وضمن هذا السياق استطاعت الثقافة العربية الإسلامية أن تبدع منظوماتها ونماذجها الخاصة على مستوى العلم والعمل والأشخاص في تحديد طبيعة العلاقة الممكنة والواجبة بين المثقف والسلطة.

لقد أبدعت الثقافة العربية الإسلامية صيغا جديدة ومتنوعة للعلاقة المتبادلة بين المثقف والسلطة. وهي علاقة لا تخلو، كما هو الحال بالنسبة للثقافات الكونية، من تأثير نوعية الحضارة. من هنا ترابط التمايز الثقافي والانتماء الموحد لمرجعيات الحضارة الإسلامية. وضمن هذه العلاقة تبلورت مختلف نماذج المثقف الإسلامي. بمعنى إمكانية العثور فيها على نموذج المثقف الأديب، والمتكلم، والفقيه، والمتفلسف، والمتصوف، وغيرهم. وأرتبط هذا التمايز بنوعية وكمية المدارس المتخصصة. وفي نفس الوقت تجمعهم مرجعيات الانتماء الحضاري. وفي هذه الثنائية المبدعة تراكمت منظومات الفكر وفردانية الإبداع. بمعنى إننا نقف أمام تجربة فريدة في التنوع المتجانس في وحدته. من هنا الاحتراف العميق والموسوعية، والتمايز الغريب والجمعية، بوصفه الانجاز الأكبر الذي كان يحدد أيضا علاقة المثقف بالسلطة والسلطة بالمثقف، بوصفها الصيغة العملية والحياتية لكيفية تحقيق وتجسيد القيم والمفاهيم التي أبدعتها الثقافة الإسلامية في مختلف ميادينها.

وبغض النظر عن وجود كل الصيغ المميزة للعلاقة المتبادلة بين السلطة والمثقف، إلا أنها كانت تتراكم أيضا في ميدان ما أسميته بالعقل الثقافي وإعادة إنتاجه. فهو الميدان الذي كانت تتجسد فيه مستويات النماذج الذهنية – الثقافية العامة، وتمظهرها التاريخي، وتحقيقها الفردي. وقد اختمرت هذه المستويات في إبداع المبدعين ونوعية اختصاصهم نماذج متنوعة لعلاقة المثقف بالسلطة. بمعنى إننا لا نستطيع العثور على نموذج موحد، لكنها كانت تسير في اتجاه تأسيس قيمة العلم والمعرفة المستقلة عن السلطة. وقد حكمت هذه النتيجة طبيعة العلاقة بينهما عبر إدراك العلاقة الواجبة بين السلطة والحقيقة! وعادة ما يؤدي هذا الإدراك بالمثقف الحقيقي إلى شفا الخلاف مع السلطة دون أن يعني ذلك ضرورة الخلاف معها، كما يوصله إلى ضرورة الهروب منها من اجل تقوية الإرادة والبقاء ضمن حيز اليقين الصادق. ومن هاتين الظاهرتين كانت تتراكم عظمة الإبداع الكوني للثقافة العربية الإسلامية ومثقفيها ومأساتهم الجميلة أيضا.

مما لا شك فيه، أن المأساة لا ضرورة لها بحد ذاتها، لكنها تبقى جزء من مصادر الإبداع الكبير. ولكي يبلغ الإبداع معناه العملي في نقل انجازات العقل الثقافي إلى عالم الدولة والسلطة، فانه يواجه بالضرورة مهمة إيقاف الصراع الدموي بين السلطة والمثقفين مع الاحتفاظ الدائم باختلافهما.

فالخلاف والاختلاف بين السلطة والمثقف يستمدان مقدماتهما من طبيعة التباين والاختلاف الملازمين لوجود السلطة والحقيقة. من هنا استحالة اندماجهما وتكاملهما المطلق. وسبب ذلك لا يقوم فقط في طبيعة التطور التاريخي والسياسي للمجتمعات والدول فقط، بل وفي خصوصية السلطة والحقيقة. فقوة السلطة نسبية بينما قوة الحقيقة مطلقة، وجبروت السلطة عرضة للزوال، بينما جبروت الحقيقة في تزايد، والسلطة عرضة للشيخوخة بينما الحقيقة حية ناظرة، والسلطة لا تعيش بدون قيود فيها ولها ومنها وبها، بينما الحقيقة لا تتقيد بغير منطقها الذاتي، والسلطة تعتاش على الجمود وتنمو فيه بينما الحقيقة تموت فيه وتخبو، والسلطة عادة ما تنهمك في صنع أوهام السيطرة بينما الحقيقة تحطم الأوهام وتصنع اليقين، وغاية السلطة السيطرة والقهر بينما غاية الحقيقة الحرية والإخلاص. وهو واقع عادة ما يثير "غيرة" السلطة في محاولاتها بلوغ قهر الحقيقة من اجل بلوغ التحكم التام والكامل في كل شيء! لكنها ممارسة تؤدي في الأغلب إلى التدمير الذاتي. فإذا كان المنطق في حالات عديدة هو "سبب المشاكل"، فإن فقدانه هو سبب الدمار والخراب.

غير أن ذلك لا يتلازم مع حتمية التناقض بين الحقيقة والسلطة. فالسلطة هي أيضا المقدمة التاريخية للحقيقة. وذلك لأنها أحد الشروط الضرورية للمدنية والحضارة. ففيها وحولها ومعها وبالضد منها تتجمع أساليب التأييد والمعارضة والرفض والتحدي والمواجهة والصراع الدامي، ومن ثم تساهم في بناء صرح الثقافة واتجاهاتها المتنوعة. أنها تساهم في تهذيب العقل والضمير، وبالتالي تفسح المجال لاحتكامهما الدائم أمام النفس والتاريخ. وفي مجرى هذه العملية تتبلور معالم الصراع الاجتماعي في مختلف أشكاله مستوياته، باعتباره أيضا صراع من اجل الحقيقة. بل أن السلطة نفسها كانت وما تزال تبحث في "براهين الحقائق وأدلتها" عن سند فكري دائم، وذلك لإدراكها بغريزة الجاه أهمية القوة القائمة في الحقيقة. وبالتالي، فإنها تسعى لكي تكون بقوتها، وأن تكون هي "الحقيقة" المعترف بها. وليس مصادفة ألا تبخل السلطة جهدها على مر الأزمان من صرف الأموال وزهق الأنفس لأجله. وفي هذا كان وما يزال يكمن سرّ الخلاف العميق بينهما.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ryad alsindiتحّل في الخامس عشر من حزيران من كل عام ذكرى صدور اول صحيفة عراقية وهي (الزوراء) عام 1869 في بغداد على يد الوالي العثماني المصلح مدحت باشا والذي أعتبر فيما بعد عيداً وطنيا للصحافة العراقية. كما تحل في الأول من تشرين الثاني من كل عام ذكرى صدور أول صحيفة باللغة السريانية وهي صحيفة (ܙܗܪܝܪܐ ܕܒܗܪܐ) زهريرا دبهرا (شعاع النور) التي صدر عددها الاول في 1 تشرين الثاني 1849، والذي عُدّ عيد للصحافة السريانية.

ويرجع الكثير من الباحثين في تاريخ الصحافة العراقية بداية الصحافة النسوية في العراق الى 15 تشرين الثاني من عام 1923 ، وهو تاريخ صدور مجلة (ليلى) التي اصدرتها ورأست تحريرها بولينا حسون، الا ان تحديد بدايات الصحافة النسوية في العراق ليس بالأمر الهين، وقد اثيرت هذه المسألة في خمسينات القرن الماضي بعد ان تناول الباحثون تاريخ الصحافة في العراق، وكان المرحوم روفائيل بطي رئيس تحرير جريدة البلاد سباقاً الى ذلك، فقد القى عدة محاضرات في تاريخ الصحافة العراقية على طلبة معهد الدراسات العربية العالية عام 1955، جمعت فيما بعد في كتاب مستقل بعنوان (الصحافة في العراق). وكان قد سبقه شيخ المؤرخين العراقيين المرحوم عبد الرزاق الحسني فجرد كل الصحف والمجلات العراقية في كتاب بعنوان (تاريخ الصحافة العراقية) صدر جزأه الاول عام 1935، ولم تصدر بقية اجزاءه. كما ان انشاء نقابة الصحفيين العراقيين عام 1959 قد حفّز على اثارة هذا الموضوع مجددا.       

- مفهوم الصحافة النسوية

ظهرت الصحافة النسوية بصورة مستقلة وأصبح لها كيان خاص بها مع تأسيس في بداية القرن التاسع عشر في أوربا (Curtis) مجلة بيت السيدات كرتس التي نشرها وحررها ادوار بورك أكبر المحررين في تاريخ المجلات النسوية.

وتشير المصادر الى ان الصحافة النسوية العربية ظهرت في مصر عام ١٨٩٢ ولم تكن قد عرفتها دولة عربية أخرى، لان مصر شهدت نهضة صحفية لم تعرفها البلاد العربية من قبل وهي حديثة عهد بالصحافة وبصناعة الأقلام ولما كان اغلب أصحاب الصحافة وحملة الأقلام بها من الشاميين كان من الطبيعي ان تسعى نسائهم لإنشاء صحف تعالج قضايا المرأة تشبها بذويهن من الرجال، فقد انشات (هند نوفل) وهي فتاة لبنانية أول دورية نسائية في الإسكندرية في مصر تدعى مجلة (الفتاة). وتعد مجلة ليلى التي أصدرتها السيدة (بولينا حسون) ١٩٢٣ أول مجلة نسوية في العراق.

وتعرف الصحافة النسوية (صحافة المرأة) بأنها نوع من الصحافة المتخصصة التي تعالج شؤون المرأة ومشكلاتها وقضاياها حتى لو عمل بها وأصدرها رجال وهي ليست الصحافة التي تملكها او تعمل بها النساء وتعالج الأمور العامة.

وفيما يخص العراق فقد ظهرت الصحافة المتخصصة بمفهومها الحالي بعد الانقلاب الدستوري العثماني ١٩٠٨ وبعد إطلاق الحريات وانشاء الصحف الخاصة باللغة العربية وبذلك تكون الصحافة المتخصصة في العراق قديماً قياسياً الى بداية صدور الصحف في العراق.

يتسع مفهوم الصحافة النسوية ليشمل مجالين رئيسين:

المجال الأول: صفحات المرأة في الجرائد اليومية والمجلات العامة الأسبوعية والشهرية .

المجال الثاني: ويشمل المجلات المتخصصة بالشؤون النسوية سواء أكانت أسبوعية، شهرية ، فصلية.

وقد عرف المجال الأول في الصحافة النسوية في مدة مبكرة من تاريخ الصحافة، الا ان المجال الثاني ظهر بشكل واضح بعد نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في قارتي أوربا وأمريكا.

ووفق هذا التعريف تقسم الصحافة النسوية الى:

١- الصحافة النسوية العامة:

ونعني بها النشاط الصحفي الذي يقوم على أساس إصدار الجرائد والمجلات التي توجه الى جمهور عام يشمل قطاع النساء إلى جانب قطاعات أخرى والتي تجمع ما بين المضمون النسوي المتخصص المعالج لقضايا المرأة المختلفة العامة والخاصة والقضايا العامة.

٢- الصحافة النسوية المتخصصة:

وتعني النشاط الصحفي الذي يقوم على أساس إصدار الجرائد والمجلات التي توجه الى جمهور يتسم بالتجانس هو قطاع النساء وتحمل مضموناً نسوياً متجانساً متخصصاً بقضايا المرأة.

تعد الصحافة السريانية في العراق جزء لا يتجزأ من صحافة العراق، ولا نغالي إذا قلنا ان مسيحيي العراق على اختلاف طوائفهم ومسمياتهم كانوا من أوائل من ادخلوا الطباعة الى العراق أواخر القرن التاسع عشر. واشتهروا بالتأليف والطباعة، وبرزت لهم اسماء لامعة في هذا المجال، وقد رأينا ان رائدات الصحافة النسوية في العراق كنّ من هذه الطائفة، مثل بولينا حسون ومريم نرمه. ولا غرو في ذلك فلا يستطيع أيُّ منصِف أن يتحدث عن تاريخ الحضارات دون أن يذكر دور السريان ولغتهم التي لُقِّبَتْ ﺑ «أميرة الثقافة وأم الحضارة»، فكانوا بمثابة القنطرة التي عبرت عليها العلوم والمعارف لتصل إلى العرب وأوروبا؛ فترجموا من اليونانية إلى السريانية، ومنها إلى العربية، ثم إلى اللاتينية، وأخيرًا للغات الأوروبية الحديثة. ولم يكن السريان مجرَّد نَقَلة، بل كانوا مبدعين أيضًا؛ فقد أضافوا خبرتَهم ومعارفهم، فطوَّروا وجدَّدوا. وكتب السريانُ في عدة موضوعات منها: الفلسفة، والمنطق، والموسيقى، والأدب، والهندسة، والزراعة، والتجارة، والطبيعة، والرياضيَّات، والفلك، والفيزياء، والطب. وباختصار فان فضل السريان على العرب كبير ولا يمكن تجاهله ونكرانه.

 الا ان مساهمة السريانيات في صحافة العراق كانت ضعيفة نظرا للصعوبات التي واجهت الصحافة السريانية عموماً وصحافة المرأة السريانية خصوصاً، واهمها: -

• انها من صحافة الاقليات في العراق.

• انها مازالت في الغالب صحافة دينية أو حزبية، لصدورها عنها أو لاعتمادها عليها في التمويل.

• يستخدم معظم أفرادها اللغة العربية في الغالب، وتقتصر ممارسة اللغة السريانية داخل العائلة فقط.

• إن اللغة السريانية تعد في الوقت الحاضر من اللغات غير الحية لندرة استعمالها، ولعدم استخدامها في الكتابة والقراءة بين ابناءها، بل غدت لغة محكية فقط. ويشهد العراق الان محاولات جادة لإحيائها من خلال استحداث المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية منذ عام 1998.

• عدم توفر المطابع بالسريانية، مما دفع الكتاب والمطابع الى اعتماد صيغة رسم الحروف السريانية. وهذا ما ادى الى قلة استخدامها، في حين لم تعاني الصحافة الكردية من هذه المشكلة لاستخدامها الحروف العربية ولاحقا الحروف اللاتينية.

• تعدد المطبوعات الصحفية من مجلات وصحف الى جانب قلة القراء وضعف انتشار المطبوع، لابل ان بعض المطبوعات لا تلقى اي رواج وتكاد لا تذكر عند جردها.

• عدم وجود كادر صحفي متخصص بالصحافة والاعلام، وانما يعمل في هذه الصحف والمجلات مجموعة من الشباب الهواة. وهذا يسري على عموم الصحافة في العراق.

• لقد عانى مؤرخو هذه الصحافة من اشكالية التسمية نتيجة لاستخدام تسميات متعددة كالأثورية والاشورية والكلدانية اضافة للسريانية التي كنّا اول من استخدمها مجاراة للقانون في دراستنا الموسومة عن تاريخ الصحافة السريانية في العراق والمنشور في مجلة أثرا(الوطن) في دهوك، العدد 16 لعام 1997، الا ان ضعف المجلة وعدم انتشارها وضعف حماية حقوق الملكية الفكرية قد أضاع قيمة تلك الدراسة. ويبدو ان المرحوم فائق بطي قد استحسن هذه التسمية، فعنون كتابه الرائع موسوعة الصحافة السريانية في العراق عام 2014. وقد استقر هذا المصطلح مؤخرا فأخذت تستخدمه جميع الطوائف والاحزاب المسيحية في العراق.

• اعتماد اسلوب الاستبعاد لكل مطبوع أو كاتب أو صحفي أو مؤسسة تمارس العمل الصحفي بلغات أخرى حتى لو كانت تدافع عن السريان. وهذه نظرة قبلية تقوم على التخوين والنبذ والتجاهل.

• تجاوز إطار الدولة في الاعتماد على مطبوعات تصدر خارج العراق، لابل حتى في كتابة تاريخ هذه الصحافة. وكانت معظم الكتابات تشير الى مطبوعات صدرت خارج حدود العراق، كما هو الحال في الصحافة الكوردية والتركمانية.

وبشكل عام، فقد عانت الثقافة السريانية من اهمال كبير طيلة عشرة عقود متتالية، مما ادى الى ضعفها بعد ان كانت لغة العلم والثقافة طيلة عشرة عقود مماثلة سبقتها. وفي تقديرنا فان هذه الثقافة قد شهدت اضطهادا متواصلا على يد الحكام المسلمين عقب انتهاء الحروب الصليبية كما اضطهد ابناؤها، ولم يعد اعتبارها الا بعد زوال حكم العثمانيين وبداية الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917، باستثناء فترة قصيرة جدا بداية العهد المغولي للعراق. وكما قال أحد رواد الصحافة السريانية وهو الملفان نعوم فائق بأن:"الأمة التي ليس لها جرائد هي أمة خرساء وصماء وخاملة".

أما الصحافة السريانية فهي لم تحتل ما احتله الأدب من شهرة وديمومة، نتيجة للتنقلات المستمرة بين المناطق التي يعيش فيها السريان. وترجع بداية الصحافة السريانية عموما الى عام 1849 بظهور صحيفة (ܙܗܪܝܪܐ ܕܒܗܪܐ) زهريرا دبهرا (شعاع النور) التي صدر عددها الاول في 1 تشرين الثاني 1849 في مدينة أورميا بايران واستمرت بالصدور حتى عام 1918، والذي اعتبر لاحقا عيدا للصحافة السريانية. لذا تعد هذه الصحافة واحدة من أقدمها في المنطقة.

أما باكورة الصحافة السريانية في العراق فكانت مجلة (ܟܠܝܠܐ ܕܘܪܕܐ) أكليل الورد التي أصدرها الاباء الدومنيكان في الموصل اواخر عام 1902 واستمرت بالصدور حتى عام 1907. ومجموع ما صدر منها بالسريانية 330 عدداً. تلتها مجلة (ܐܬܘܪܝܐ) أثورايا (الاثوري) التي اصدرها نادي أثورية عام 1927، وفي السنة التالية أصدرت البطريركية الكلدانية مجلة (ܟܘܟܒܐ) النجم للقس سليمان الصائغ في الموصل، فصدر عددها الاول في 25 كانون الاول 1928 واستمرت تصدر بانتظام - سوى توقفها اثناء الحرب العالمية الثانية – لمدة ستة عشرة سنة، وآخر عدد صدر منها في 1 حزيران 1956. وكانت تكتب باللغة الكلدانية الا ما ندر في عناوين صغيرة للتوضيح وباستثناء اسمها الذي طرزت به غلافها. ثم تلتها مجلة (ܢܘܗܪܐ) النور في بغداد، التي رآس تحريرها القس (المطران لاحقاً) يوسف بابانا، وهي كسابقتها صدرت باللغة العربية ولم تكتب بالكلدانية باستثناء اسمها الذي طرزت به غلافها، وقد صدر عددها الاول في 25 كانون الاول 1949، وكان آخر عدد صدر منها في آذار 1956. ثم مجلة (ܩܠܐ ܡܢ ܡܕܢܚܐ) قالا من مدنحا (صوت من المشرق) والتي أصدرها السيد كاكو لازار في الموصل عقب الحرب العالمية الثانية، ثم مجلة (ܠܙܘܐ) لزوا (العصبة) للقس إيشو دمرزعيا في النصف الاول من القرن الماضي، واخيرا مجلة (ܦܢܩܝܬܐ) بنقيثا (المجلد) التي أصدرها القس يوخنا دانيال البازي عام 1951. واخير مجلة الفكر المسيحي التي أصدرها كهنة يسوع الملك في الموصل عام 1964 ومازالت مستمرة بالصدور.

- فترات الصحافة السريانية

ويمكن تقسيم تاريخ الصحافة السريانية في العراق الى عدة فترات، وهي: -

1. فترة الولادة (1901- 1968)، أي منذ بداية القرن العشرين الى حكم حزب البعث في العراق.

2. فترة الاقرار (1972- 1991)، أي منذ صدور قرار منح الحقوق الثقافية ولغاية انشاء الملاذ الآمن شمال العراق.

3. فترة الملاذ الآمن (1992- 2003)، أي منذ انشاء المنطقة الآمنة وحتى سقوط نظام حزب البعث.

4. فترة الانتعاش (2003- حتى يومنا هذا)، أي منذ دخول القوات الامريكية لبغداد حتى الان.

ولقد ظلت الحقوق الثقافية للسريان مهدورة ولم يلتفت اليها احد منذ تأسيس الحكم الملكي في العراق عام 1921 حتى عام 1972 حيث صدور قانون منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية بموجب قرار مجلس قيادة الثورة المرقم 251 لعام 1972، والذي نص على منح الحقوق الثقافية للمواطنين الناطقين بالسريانية من الأثوريين والكلدان والسريان، فبدأت الحركة تدب من جديد في اوصال الصحافة السريانية ، حيث نصت الفقرة (ه) من القرار المذكور على اصدار مجلة شهرية باللغة السريانية من قبل وزارة الاعلام، وقد صدرت تبعا لذلك عدة مجلات منها:-

- مجلة (ܡܘܪܕܢܐ ܐܬܘܪܝܐ) موردنا أتورايا (المثقف الاثوري) من 1974-1991.

- مجلة (ܣܦܪܐ ܐܣܘܪܝܝܐ) سبرا سوريايا (الكاتب السرياني).

- مجلة (ܚܘܝܕܐ) خويادا (الاتحاد) من 1985- 1990.

- مجلة (ܒܝܬ ܢܗܪܝܢ) بيث نهرين (بين النهرين) من 1973- حتى الان.

- مجلة (ܩܠܐ ܣܘܪܝܝܐ) قالا سوريايا (الصوت السرياني) 1973- 1984.

- مجلة (ܐܬܪܐ) التي اصدرها نادي نوهدرا في دهوك عام 1975- 1990، وظلت متعثرة في صدورها. وقد توليت شخصيا مهمة اعادتها بعد توقف طويل، فأصدرت بالتعاون مع الزميل أفرام فضيل البهرو عددا جديدا في صيف 1997، الا انها عادت متعثرة في صدورها ثانية.

- مجلة مجمع اللغة السريانية عام 1975- 2005 ورآس تحريرها الاب يوسف حبي.

أما صحافة الملاذ الآمن شمال العراق للفترة من 1991-2003 فقد تميزت بفترة انتعاش نسبي غير مسبوق في العراق، فصدرت عدد من الصحف والمجلات وظهرت عدد من القنوات التلفزيونية الفضائية، الا انها عانت من نفس ظروف شقيقتها الكردية في انها كانت أسيرة الاحزاب السياسية التي تمولها وتصدرها. ومن تلك الصحف: -

1. صحيفة (ܒܗܪܐ) بهرا (الضياء)، التي اصدرتها الحركة الديمقراطية الاشورية منذ 1982- ومازالت مستمرة.

2. صحيفة (ܟܓܒܐ ܕܒܝܬ ܢܗܪܝܢ) كخوا دبيث نهرين (نجم بين النهرين)، أصدرها المركز الثقافي الاشوري في دهوك عام 1992- حتى الان.

3. صحيفة (ܒܝܬ ܢܗܪܝܢ) بيث نهرين (بين النهرين)، أصدرها حزب بين النهرين في أربيل عام 1992- حتى الان.

4. صحيفة (ܟܟܒܐ ܕܡܕܢܚܐ) كوخوا دمدنخا (نجم المشرق)، اصدرتها بطريركية بابل الكلدانية في بغداد عام 1995- حتى الان.

5. صحيفة (ܐܘܦܩܐ) أوفقا (الافق)، أصدرتها الكنيسة الشرقية القديمة في بغداد عام 1997- وحتى الان.

6. صحيفة (ܟܢܪܐ ܕܪܘܚܐ) كنارا دروخا (قيثارة الروح)، اصدرها مطرانية كنيسة المشرق في بغداد عام 1998- وحتى الان.

7. صحيفة (ܩܠܐ ܟܠܕܝܝܐ) قالا كلدايا (الصوت الكلداني)، اصدرها المركز الثقافي الكلداني في دهوك عام 1998- وحتى الان.

8. صحيفة (ܦܢܝܦܐܠ) بانيبال، اصدرتها المديرية العامة للثقافة السريانية في أربيل عام 1998- حتى الان.

- بواكير الصحافة النسوية السريانية

وقد عانت الصحافة السريانية من ضعف مشاركة المرأة فيها اسوة بنظيرتيها العربية والكردية الا انها كانت سباقة عليهما – كما رأينا- فأقدم مساهمة نسوية تعود الى مريم نرمه لعام 1921، كما انها اول من اصدرت مطبعا نسويا متخصصا عام 1923. وقد حاولنا جاهدين تعقب أدنى مساهمة نسوية سريانية فأحصينا عدد من المساهمات الادبية وباللغة السريانية وإن بدت صغيرة وضعيفة الا انها تبقى محاولات جريئة، وهي: -

1- لوديا مرقوس، من أكلات الصوم في القرية الأثورية، مجلة المثقف الأثوري، العدد 15 لعام 1978.

2- يوليا ريحانة، دعوة للفتاة الأثورية، مجلة الصوت السرياني، العدد 26 لعام 1980.

3- يوليا ريحانة، من الاعياد الأثورية، مجلة الصوت السرياني، العدد 29 لعام 1981.

4- يوليا ريحانة، من الاكلات الشعبية، مجلة الصوت السرياني، المجلد السنوي لعام 1982.

5- ماركنيتا بدريشا، ترنيمة في الطريق الى المعركة - شعر، مجلة المثقف الأثوري، العدد 31 لعام 1984.

6- ماركنيتا بدريشو، حب كل شيء (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العدد 32 لعام 1985.

7- ماركنيتا بدريشو، قصة قصيرة، مجلة المثقف الأثوري، العدد 32 لعام 1985.

والى جانب هؤلاء، فقد جرى نشر مساهمات نسوية أخرى في الصحافة السريانية، ولكنها كانت جميعها باللغة العربية، وقد أحصينا اهمها، وهي: -

8- مارلين يترون، اليك ايها الغريب، مجلة المثقف الأثوري، العدد 1 لعام 1973.

9- جوليت زكريا، اليه، مجلة المثقف الأثوري، العدد 1 لعام 1973.

10- مارلين يترون، من الاعماق، مجلة المثقف الأثوري، العددين 3-4 لعام 1974.

11- مي اسطيفان بيداويد، الفكر السرياني المخضرم، مجلة الصوت السرياني، العدد 5 لعام 1975.

12- أكنس يوخنا جورج، اراء في الاغنية الاثورية، مجلة المثقف الأثوري، العدد 6 لعام 1975.

13- أستر دانيال، اراء في الاغنية الأثورية، مجلة المثقف الأثوري، العدد 6 لعام 1975.

14- نعيمة نجيب، نعم للرجل، للمرأة لا، مجلة الصوت السرياني، العدد 8 لعام 1975.

15- نوال خضر اسطيفان، حكم في الصباح الندي، مجلة الصوت السرياني، العدد 8 لعام 1975.

16- فلورنس جون ايشو سابر، بكاء لقديسة الوعد (شعر)، مجلة الصوت السرياني، العدد 8 لعام 1975.

17- ايف يوسف، أنا من فقدت ظلي (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العددين 9-10 لعام 1976.

18- زابيت رول، وعدتك (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العددين 9-10 لعام 1976.

19- برناديت سامبيو، نداء (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العددين 9-10 لعام 1976.

20- أكنس يوخنا جورج، بكاء الشمس، مجلة المثقف الأثوري، العدد 11 لعام 1977.

21- كبرييلا يونان، عرض لتاريخ الادب الأثوري الحديث، مجلة الصوت السرياني، العدد 23 لعام 1979.

22- جاكلين يوخنا زيا، الزمان (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العدد 31 لعام 1984.

23- جاكلين يوخنا زيا، أراك (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العدد 31 لعام 1984.

وبطبيعة الحال، فإلى جانب هؤلاء كان هناك صحفيات مسيحيات مارسن الصحافة والأدب في الصحف والمجلات الرسمية وكتبن باللغة العربية، وحققن شهرة واسعة تفوق اللاتي كتبن بالسريانية أو العربية في الصحافة السريانية، أمثال: -

- انعام كجه جي.

- مريم السناطي.

- فرقد ملكو.

وبحسب اطلاعنا وبحثنا المستمر يمكن القول بأن لوديا مرقس هي أول أمرأه تلج ميدان الصحافة السريانية في العراق وان كانت مساهمة وحيدة في هذا المجال. كما ان اول امرأة تتولى وظيفة صحفية في الصحافة السريانية العراقية هي الانسة جاكلين يوخنا زيا التي كانت عضوة هيئة تحرير مجلة المثقف الأثوري ابتداءً من العدد 31 لعام 1985. وتلا ذلك جريدة نهرانيثا التي كانت تصدر عن اتحاد النساء الآشوري في أربيل بالبداية، وهي متخصصة بشؤون المرأة ثم انتقلت الى بغداد وتوقفت لاحقاً. ويمكن ببساطة ملاحظة ضآلة الانتاج النسوي السرياني في العراق وتأخر المشاركة النسوية لفترة طويلة نسبيا عن مثيلاتها، وربما كانت اللغة سببا في ذلك. واليوم تشهد الساحة الاعلامية ظهور عدد كبير من الاعلاميات والصحفيات بما يبشر بجيل جديد واعد وطاقات شبابية مبدعة.

وقد تم استحداث قسم اللغة السريانية في كلية اللغات – جامعة بغداد، حيث قد حصلت الموافقة على فتح القسم المذكور بموجب كتاب مجلس الحكم المرقم 1228 في 31 آذار 2004، وبدأ التدريس في القسم في تشرين الثاني 2004. تخرجت الدفعة الاولى (دفعة نعوم فائق) عام 2008. عسى ان يساهم ذلك في تقدم وتطوير الصحافة السريانية عموما والنسوية خصوصا.

د. رياض السندي - سويسرا

....................

المصادر

أولا. الكتب

1. عبد الرزاق الحسني، تاريخ الصحافة العراقية، الجزء الاول عام 1935.

2. روفائيل بطي، الصحافة في العراق، طلبة معهد الدراسات العربية العالية، القاهرة 1955.

3. صبيحة الشيخ داود، أول الطريق الى النهضة النسوية في العراق، بغداد 1958.

4. فائق بطي، الموسوعة الصحفية العراقية، بغداد 1976.

5. د. فائق بطي، موسوعة الصحافة السريانية في العراق - تاريخ وشخصيات، بغداد 2014.

6. د. خالد حبيب الراوي، تاريخ الصحافة والاعلام في العراق منذ العهد العثماني وحتى حرب الخليج الثانية، (1810-1990)، ط1، دمشق 2010.

7. المس بيل، العراق في رسائل المس بيل 1917- 1926، ترجمة وتعليق جعفر الخياط، ط 1 بيروت

8. فيليب دي طرازي، عصر السريان الذهبي، القاهرة 2013.

9. يعقوب يوسف كوريا، حكايات عن الصحافة في العراق، ج 1، بغداد 1969.

ثانيا. المقالات والبحوث

10. المحامي رياض السندي، تاريخ الصحافة السريانية في العراق، مجلة أثرا (الوطن) دهوك، العدد 16 لعام 1997.

11. رياض السندي، الوصية الاخيرة لأول صحفية عراقية، صحيفة الاتحاد، اتحاد الصناعات العراقي (بغداد)، العدد 92، 2 تشرين الاول 1988.

12. د. شكرية كوكز خضر السراج، التغطية الصحفية لموضوعات المرأة في الصحافة العراقية بعد أحداث 2003، دراسة تحليلية في عينة من صحف بغداد، مجلة كلية الآداب-بغداد، العدد 93،2010.

13. د. شكرية كوكز خضر السراج، الصحافة المتخصصة في العراق بعد احداث ٩/٤/ ٢٠٠٣- تقويم الصحفيين العراقيين لأدائها، مجلة الباحث الاعلامي، العدد 4، آذار 2008.

14. شاكر مجيد سيفو، قراءة عامة في الصحافة السريانية، صحيفة صوت الاخر، العدد 408 في 24/10/2012.

15. حنان أويشا، (165) عامـا عـلى ميـلاد الصحافـة السريانيـة، صحيفة الصباح(بغداد)، 9/11/2014.

ثالثا. المجلات والصحف

16. مجلة دار السلام، العدد 11 من المجلد الرابع – السنة الرابعة والصادر في 29 آيار 1921.

17. مجلة نشرة الاحد، السنة الاولى، العدد 12 في 19 آذار 1922.

18. مجلة ليلى (بغداد) العدد الاول الخامس عشر من تشرين الأول-أكتوبر سنة 1923.، والعدد الخامس السنة الاولى 15 شباط 1924، والعدد 20 الصادر في 15 آب 1925.

19. مجلة النجم (الموصل)، العدد 11 السنة الثانية 25 تشرين الاول 1930.

20. مجلة المجمع العلمي العراقي (بغداد)، اعداد متفرقة للسنوات 1973- 2005.

21. مجلة فتاة الرافدين (البصرة)، العدد 9 آذار 1944.

22. مجلة مجمع اللغة السريانية (بغداد)، اعداد متفرقة للأعوام 1975-2005.

23. جريدة الجمهورية - الملحق الاسبوعي للعدد 470 في 41/6/1969.

24. مجلة المثقف الأثوري (بغداد)، اعداد متفرقة للأعوام 1978-1985.

رابعا. المواقع الالكترونية

25. ابراهيم خليل العلاف، بولينا حسون ومجلة ليلى وبدايات الصحافة النسائية في العراق، موقع الحوار المتمدن، 4/11/2009.

26. منى هلال، الآداب غير العربية في سورية، الجزء الأول، موقع معابر الالكتروني.

nabil alrobaei2أما واقع حال يهود بغداد، فقد كان حالهم حال بقية أبناء أهل الذمة لكن أثريائهم تمكنوا من الوصول إلى المراكز المهمة في الدولة العباسية، وقد تمكن سهل بن نظير في منتصف القرن الثالث من الاحتفاظ بوظيفة جهبذ الوزير طوال حياته وكان جده سهل جهبذاً في النصف الثاني من القرن الرابع، واستعان الوزير علي بن الفرات بالجهبذيين يوسف بن فنخاس وهارون بن عمران، وأجبرهما علي بن عيسى على ضمان جهبذة الأهواز على أن يقرضا الدولة مبلغ 150 ألف درهم في مطلع كل شهر، ولم يزل هذا الرسم جارياً عليهما وعلى من قام مقامهما مدة ستة عشر عاماً (21).

وتبين لنا من هذا أن يهود بغداد عاشوا وانسجموا مع المجتمع البغدادي والدولة، لكن لم نعرف أعدادهم في تلك الفترة لضآلة المعلومات حولهم، مع العلم أن الرئاسة فيهم إذ كانت لرأس الجالوت الذي يقيم في بغداد ويمثل اليهود لدى القصر. ويقول مؤرخو اليهود أن رأس الجالوت عانى أياماً شديدة في القرن الرابع الهجري (22).

كما كانت لمدارس اليهود الدور في الوعي الديني لأبناء الطائفة ومنها مدرسة سورا الدينية، إذ مارس أساتذة المدرسة صلاحياتهم حتى قيام الدولة الفاطمية، إذ أصيبت الوحدة الدينية اليهودية بانقسام زعامتها، فكانت سلطة رأس الجالوت تسري على اليهود في شرقي الفرات فقط، في حين أوجد الفاطميون منصباً آخر في مصر والشام فتراخت العلاقات بين اليهود وفقدت مدارس بغداد التلمودية سندها المالي مما أدى إلى ضعف دورها الديني (23).

كان رئيس الطائفة اليهودية (رأس الجالوت) يأخذ جزية مخفضة بمعدل دينار واحد في العام، فيخصص لرأس الجالوت مبلغ 700 دينار سنوياً، ويعطى لرئيس مدرسة سورا الدينية مبلغ 1500 دينار مساعدة سنوية للمؤسسة، وقدر آدم متز عدد دافعي الجزية من اليهود في بغداد بألف شخص إلا أن مبلغ المساعدة التي كانت تعطى لرجال الدين اليهود والبالغة 2200 دينار سنوياً، ولم يبين ما إذا كانت هذه المبالغ هي مجموع ما يدفعه يهود العراق أم هي ضريبة سكان بغداد من اليهود فقط (24).

ويذكر الطبري في تاريخ الرسل والملوك إن الخليفة المتوكل قد فرض على يهود بغداد الغيار وكذلك (أهل الذمة الذي يذكر أنه كان عسلي اللون إلا أن عمرو بن متي قال بأن الغيار كان أزرق اللون بالنسبة للنصارى، وفرض على اليهود اللون الأسود) (25). كما أعيد فرض الغيار على أهل الذمة جميعاً في سنة (429ه)، ويبدو أن اليهود عادوا إلى ترك الغيار في القرن الخامس، فأصدر الخليفة المقتدي أمراً سنة (478ه) ألزمهم فيه بالعودة إلى لباس أهل الذمة (26).

والغيار كما هو معروف، هو نوعية اللباس والسلوك التي فرضها المسلمون على غير المسلمين من أجل تمييزهم عن المسلمين حيثما كانوا، وأينما حلّوا، والغيار كان جزءاً لا يتجزأ من عقيدة تمجيد الإسلام التي روج لها الخليفة الثاني عمر ابن الخطاب والخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز على نطاق واسع. والغيار قديماً طبق في الامبراطورية البيزنطية كقيود ناشئة تعود أساساً إلى القانون البيزنطي المتعلّق باليهود في الامبراطورية، وهو نقل واضح ومباشر لمدونة تشريعية تتعلق بأعضاء ديانة مهيمن عليها. ومع ذلك ترجع القواعد الناشئة في العالم الساساني، خصوصاً المتعلقة بالغيار، إلى أمثولة المنظومة الطبقية الساسانية، التي روّج لها في إيران عن طريق الطبقة الأرستقراطية الساسانية، تطلّب وجود مجموعة من العلامات بما في ذلك اللباس والأدوات والعادات العامة لتميّز بين الطبقات الراقية من عموم الناس. وهذه الأمثولة الساسانية حول مجتمع هرمي غير متحرك، كلّ طبقة مميزة بلباسها وأدواتها، تبناها المسلمون بل في الواقع استولوا عليها من أجل التمييز بين المسلمين وغير المسلمين، بوصفها طريقة لإثبات تفوق المسلمين الخاص (27). والغيار كما نفهمه، ربما يكون أول وثيقة فصل عنصري مفصّلة ومعتمدة رسمياً تعرفها البشرية، وثيقة ما تزال آثارها ماثلة للعيان حتى اليوم في الدول العربية، التي فشلت على ما يبدو في إخراج رأسها من عنق الزجاجة، بفضلّ أحلام القرن الثالث والرابع الهجريين الوردية، على واقع القرن الحادي والعشرين الكارثي في العراق اليوم.

أما واقع يهود بغداد الاجتماعي فكانوا جماعة محافظة، يؤمنون بالعلوم والطب والتنجيم، وكان الرؤساء الدينيون يقومون بالدفاع عن التقاليد الدينية اليهودية كلما احتاجوا إلى ذلك، معتمدين على تفسيرات متشددة لتعاليم التلمود، كانوا ينشرونها بين حين وآخر ويلقنونها لتلاميذهم. كما عمل اليهود في بغداد في مجال الخياطة والصباغة والخرازة وبيع بعض أنواع الطعام ومنها الهريسة في الشتاء. كما كان يعاملون في البيمارستان معاملة المسلمين.

عملَّ اليهود في دباغة الجلود وربما كانوا أول من تمكن من الحصول على الأصباغ، وكان يفضل استعمال القرض اليماني في الدباغة، وفرضت أصول للدباغة فيما يخص الجلد نفسه، أو مادة دباغته أو طريقة الدباغة (28).

قال الجاحظ في رسالته: (ولا تجد اليهودي إلا صباغاً أو دباغاً أو حجّاماً أو قصّاباً أو شعّاباً، فلما رأت العوام اليهود على ذلك، توهمت أن دين اليهود من الأديان كصناعتهم في الصناعات، وأن كفرهم أقذر كفر، إذ كانوا هم أقذر الأمم) (29)، وهذا غير حقيقة حياتهم ومكانتهم الاجتماعية والاقتصادية كما نعرف، لأن أغلب يهود بغداد كانوا من الصيارفة والتجار والأطباء، ولم تكن أغلبيتهم من الوضاعة في مهنهم التي كانوا يزاولونها.

وقد عهد الخليفة عبد الملك بن مروان إيجاد نظام تعاملي يضبط النقود والموازين، وقد جاء ذلك على شكل اقتراح تقدم به سمير اليهودي إلى الحجاج، وبين فيه الحاجة إلى نقد سليم، وإلى ضرورة ضبط الأوزان، وبينَّ أهمية ذلك في عدم وقوع التغابن بين الناس ولتسهيل أعمالهم (30). ويبدو أن اقتراح سمير اليهودي في وضع نظام نقدي راسخ كانت لها دلالتها الواضحة في التعبير عن نمو العلاقات التبادلية، التي عادت لتفرض نفسها من جديد في الربع الأخير من القرن الثالث، فإنَّ إقبال المعتضد على اقتناء الذهب يشير إلى سيطرته كمعدن نقدي متين (31).

لكن يهود بغداد إذ اجبروا على الغيار ولبس الزنار وتحريم استعمال السروج، وكانت هذه الشروط قديماً حيث يطلق عليها الشروط العمرية (أي شروط عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز)، والمصادر التي أوردت مرسوم عمر بن عبد العزيز، بما في ذلك ابن عبد الحكم (32)، وأبو يوسف (33)، وأبو عبيدة (34)، وابن عساكر (35)، منسجمة تماماً فيما يخص القواعد المتضمنة في هذا المرسوم، وتظهر الواقع تشابهاً لغوياً قوياً في بعض الأجزاء.

المرسوم مكوّن من جزأين : الأول يحظر على غير المسلمين، رجالاً ونساء، استعمال السرج، والثاني ينظم اللباس والمظهر، بما في ذلك جزّ الناصية، وارتداء زنار (جلدي)، وعدم ارتداء أحذية بأشرطة، وطيلسان (لباس رأس، عادة ما تكون قلنسوة تلبس فوق العمامة)، وقباء (ثوب فاخر)، أو عمامة (عمامة أو عصب). في الأمور الإضافية ثمة فروقات بين نسخ ابن عبد الحكم، وابن عساكر من ناحية، وأبي يوسف من ناحية أخرى، الذي يبدو أنه يقدّم هنا مرسوماً مختلفاً قليلاً، لكن هذه الفروقات ضئيلة، ولا يمكن بأية حال أن تصل إلى مستوى التناقص. كما لم يسمح لغير المسلمين إلا باستعمال الإكاف (برذعة). وبحسب المرسوم الذي يورده ابن عبد الحكم، فقد منعوا عن ركوب الحيوانات بساقين منفرجين، ولم يكن باستطاعتهم ركوبها إلا وكلا الساقين في جانب واحد، كما كانت النساء تفعل (36).

وفي عهد المتوكل (حكم 847/861م) قد أصدر مجموعة قيود رسمية على أهل الذمة معروفة للباحثين في مجال التاريخ، هي تلك التي وضعها، فللمرة الأولى يصدر الخليفة مجموعة منظمة من القيود التي وجب تطبيقها على الذّميين.

تضمّن هذا القانون مطلب ارتداء الأصفر كلون مميز، ارتداء الزنار، والركوب على سروج بركابين خشبيين ملحقين بالقربوسين في المؤخرة، وربط زرين بالقلنسوة، وربط خرقتين بلون أصفر، من الأمام ومن الخلف، مثل إلى ثياب العبيد وذميي الطبقة الدنيا، وتدمير البيع الجديد (بيعهم المحدثة)، الاستيلاء على عُشر مساكنهم، ودق صور شياطين بالمسامير على أبوابهم، وتحريم استخدام غير المسلمين في الحكومة، وحظر دراسة أولادهم في مدارس المسلمين أو أن يعلّمهم مسلمون، وحظر المواكب العلنية بما في ذلك في أحد الشعانين، وتسوية القبور التي تشبه قبور المسلمين (37).

من الجانب الإسلامي يقول الطبري إنه في (محرّم 239ه/ 12-حزيران -13 تموز 853م)، أمر المتوكّل بأن يربط الذّميون كمّين (ذراعين) أصفرين إلى عباءاتهم الخارجية. وهذا لا يعقب على نحو دقيق المرسوم الذي أورده الطبري نفسه سابقاً، الذي يتضمن أنَّ على أعداد إضافية كثيرة من غير المسلمين، بمن فيهم التجّار والحجّاب، أن يرتدوا الطيالس الصفراء، والعمائم الصفراء، وأن ترتدي نساؤهم إزاراً أصفراً، في حين أن أولئك من تابعيهم الأذلاء الذين هم أدنى مرتبة من هؤلاء، والذين تمنعهم ظروفهم من ارتداء البرنس، فيجب أن يربطوا خرقتين صفراوين إلى عباءاتهم من الأمام ومن الخلف (38)، ثمة ما هو أكثر من ذلك، ففي الوصف تستخدم الخرق الصفراء كعلامة مميزة للعبيد (المماليك) (39)، بينما لا يقال شيء عن الأكمام. وفي صفر 239ه/ 12 تموز 9 آب، من العام نفسه، أمر المتوكل أن تقتصر حيوانات ركوبهم على الحمير والبغال، وأن يتجنبوا امتطاء صهوة الخيول (40).

بالتوافق مع الطبري يقول إنه في محرّم 239ه/853م، فرض الأمر الذي يقتضي أن يلبس الرجال غير المسلمين خرقاً بلون عسلي إلى أثوابهم ومعاطفهم، وأن ترتدي النساء حجابات بلون عسلي، وفي صفر من ذلك العام حُظر على الذّميين ركوب الخيول وفرض عليهم أن يقتصروا على استخدام الحمير والبغال (41)، وفي عام 240ه/ 854-855م، أعلن على الملأ أنه على أبناء الذّميين تعلّم السريانية أو العبرية، وأن يحظر عليهم تعلّم العربية (42)، والحظر على رفع الصوت في الصلاة، وعلى الجلوس على مقاعد محترمة (علينا النهوض من مقاعدنا إذا ما كانوا يرغبون بالجلوس)، والطلب أنه حين التحدث إلى المسلمين يجب أن تنظر العينان إلى الأسفل، أي يجب أن نبدي الاحترام للمسلم(43).

تذكر المصادر، عدة خلفاء من الذين استنَّوا مراسيم مشابهة. فيقال إن المقتدر (حكم 908/932م) استنَّ مجموعة قوانين تتعلق باستخدام الذّميين في الخدمة العامة، واللباس الفارق بلون العسل، وغير ذلك من الغيار (44)، ويقول المقريزي إن جوهر وزير المعز (حكم935/975م) في الخلافة الفاطمية، فرض قوانين الغيار على الذّميين (45)، لكن أشهر هؤلاء جميعاً، بلا شك هو الحاكم المسلم، الذي علينا أن نعترف، أنه سار إلى أبعاد أكبر بكثير، ليس فقط بإنزال القيود على الذّميين بلا شفقة ولا كلل، بل أيضاً بتدمير كل الكنس والكنائس، ومصادرة الأملاك. يبقى السؤال بالطبع، ماذا كانت هذه الإجراءات قد فرضت بالفعل، أم أنها كانت مجرد رسالة ميتة؟

أما حال أبناء الديانة من الصابئة والمجوس، فقد حصل الصابئة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري على عهد من الخليفة أمر فيه إلى جانب صيانتهم وحراستهم، والذود عن حريتهم ورفع الظلم عنهم، كما حصل المجوس في بغداد في القرن الرابع الهجري على اعتراف من السلطة بأنهم من أهل الذمة إلى جانب اليهود والنصارى وصار لهم رئيس مثلهم لدى قصر الخلافة، كالطوائف الدينية الأخرى (46).

وهكذا يمكن القول إنَّ التعامل مع اليهود والنصارى والمجوس والصابئة المندائيين وغيرهم من أهل الذمة كان على أساس أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وكان وضعهم مماثلاً في العديد من الجوانب لوضع الأجانب المقيمين، مع ذلك حافظ حكام الدولة الإسلامية بالتزام واضح لحماية أهل الذمة، والعيش وفق القوانين والعادات القديمة الخاصة بهم، مع العلم أن المؤسسات اليهودية والنصرانية واصلت العمل، فاليهود والمعابد اليهودية، التي كانوا يرزحون تحتها بضغط تهديد متزايد، كانوا محميين بالقانون من أي أذى أو ضرر، فلم يكن اليهود يضطرون للحضور في المحكمة يوم السبت بسبب العادات القديمة والأعراف.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

..................

المصادر /

1-

2- ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، المجلد الحادي عشر. لندن وبيروت 1992. ص222/223.

3- هلال بن المحسن الصابي. تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء. مصدر سابق. ص9.

4- آدم متز. الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري. مصدر سابق. ج1. ص64/65.

5- المصدر السابق. ج1. ص63.

6- المصدر السابق. ج1. ص164.

7- أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. تاريخ الرسل والملوك. بيروت. 1405ه. دار المعارف. ج9. ص171/172.

8- ابو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي. المنتظم. المصدر السابق. ج8. ص96/97.

9- ملكة ليفي روبين. أهل الذمة في صدر الإسلام من الاستسلام إلى التعايش. ترجمة د. نبيل فياض. بيروت. ط1. 2016. المركز الأكاديمي للأبحاث. ص33/34.

10- صالح أحمد العلي. ألوان الملابس العربية في العهود الإسلامية الأولى. مجلة المجمع العلمي العراقي. م26. بغداد. 1975. ص107.

11- الجاحظ. الرد على النصارى. المصدر السابق. ص17.

12- أبو هلال العسكري. الأوائل. دمشق. 1975. ج1. ص369/370.

13- ابن الجوزي. المنتظم. مصدر سابق. ج6. ص67.

14- أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم، سيرة عمر بن عبد العزيز. القاهرة، 1994، ص160.

15- يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف. كتاب الخراج. بيروت. 1989. ص127/128.

16- أبو عبيدة القاسم بن سلاّم. كتاب الأموال. تحقيق محمد عمارة. بيروت. 1989. ص130. مقطع 137.

17- أبو القاسم علي بن الحسن ابن عساكر. تاريخ مدينة دمشق. بيروت. 1995. المجلد الثاني. ص179.

18- ملكة ليفي روبين. أهل الذمة في صدر الإسلام. مصدر سابق. ص190/191.

19- أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. تاريخ الرسل والملوك. المجلد الثالث. ص1389.

20- الطبري. تاريخ الرسل والملوك. مصدر سابق. المجلد الثالث. ص1389.

21- المصدر السابق. ص1392.

22- المصدر السابق. ص1419.

23- ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، المجلد الحادي عشر. ص265.

24- المصدر السابق. ص270.

25- ابن عساكر. تاريخ. المجلد الثاني. مصدر سابق. ص175؛ ابن قيم الجوزي. أحكام أهل الذّمة. دمشق. 1966. المجلد الثاني . ص659.

26- عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. المجلد الثالث عشر. لندن وبيروت. 1992. ص82.

27- أحمد بن علي المقريزي. انماط الحنفاء بأخبار الأمور الفاطميين الخلفاء. القاهرة. 1967. المجلد الأول. ص132.

28- آدم متز. المصدر السابق. ج1. ص59/60.

 

 

nabil alrobaei2المكانة الاجتماعية لغير المسلمين الشرعية في المجتمع الإسلامي نتاجاً لمعاملتهم معاملة حسنة بأنهم أهل الذمة أو أهل الكتاب التي نجدها في القرآن، وكذلك وفق اتفاقيات بدأت منذ صدر الإسلام عام 634م وما بعدها، حين فتحت المدن والبلدان على أيدي جيوش المسلمين، بدأوا بتبني سياسة أكثر انسجاماً تقوم على مبدأ الصلح المعتمد على الأمان أساساً له، أو الوعد بالأمان الذي يعطى مقابل أن يدفع أهل الذّمة أو أهل الكتاب الجزية. هذه المنظومة الأساسية كانت تطبّق على وفق الروايات التاريخية الإسلامية، مع بعض الشروط والالتزامات الإضافية التي كانت تطبّق أحياناً وتختلف من مكان إلى آخر. والمصادر الإسلامية التي تعود إلى القرن الثالث والرابع الهجري وما بعده تقّدم لنا غالباً تقارير تتعلّق باتفاقيات الحماية لأهل الذمة تحت نظام الدولة الإسلامية.

عند تتبع حال أهل الذمة في بغداد السلام يتبين لنا أن المسلمين قد تتبعوا ظهور التشريعات بغير المسلمين منذ ظهور الإسلام، وتطبيق هذه التشريعات عليهم في ظل الحكم الإسلامي، بدءاً بالاتفاقات الموقعة زمن ظهور الرسالة الإسلامية فصاعداً أو ما تسمى بالشروط العمرية، وهي حقبة وضعت فيها أسس العلاقة بين الحكام المسلمين وأهل الذمة.

يبدو أن بناء بغداد في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور مرحلة هامة على طريق تعزيز الدولة العباسية، كما لوجود علاقة وثيقة بين قيام الدولة العباسية وبناء بغداد ونمو العامة فيها وتعدد وجود أبناء الديانات والمذاهب والقوميات الدور الكبير في تطوير المدينة وخلق جو من التعايش السلمي بين أبنائها، في حين كان المجتمع الإسلامي يخرج من التنظيم القبلي إلى التنظيم السكني أو الحضري، باتجاه قيام مجتمع تتوفر فيه شروط الاستقرار السياسي والاجتماعي مما أصبحت مدينة بغداد كبرى المدن وعامرة بالناس والأسواق.

لذلك من يرغب أن يقدم دراسة عن حال أبناء الذمة في مدينة بغداد يمكن أن يشكل نقطة البداية لتطور حالة المجتمع البغدادي ويبين التعايش السلمي بين أبناء بغداد من جميع الطوائف ودور أهل الذمة في المجتمعات الإسلامية، وبخاصة أن بغداد كانت أول عاصمة عربية ضمت كثافة عالية من السكان المتعددي الأصول العرقية والدينية والمذهبية، واللذين خاضوا تجربة العيش ضمن ظروف جديدة في عاصمة عالمية تختلط فيها الثقافات القديمة، لكن بغداد استقبلت العديد من أبناء أهل الذمة مستفيدين من توسع مجالات الإنتاج وازدهار الحركة النقدية واحترام حكام بغداد وسلاطينها لأبناء أهل الذمة ورجالات الدين.

أهل الذمة يندرجون ضمن مفهوم الموقف الشرعي، وقد عبرَّ عنه الأوزاعي بقوله: (إنهم ليسوا بعبيد ولكنهم أحرار أهل الذمة). ورأى الليث بن سعد في فداء أهل الذمة إذا وقعوا في الأسر (أن يفدوهم من بيت المال ويقروا بذمتهم)(1). وقد عاش أهل الذمة مع المسلمين بموجب عهود كانت ترعى مصالحهم، مقابل ضريبة يؤدونها عن رؤوسهم(2)، وأهل الذمة هم من النصارى واليهود والصابئة والمجوس والسامرة.

نصارى بغداد:

ويذكر الشابشتي في كتابه الديارات حول مكانة النصارى في عهد الخليفة المنصور إذ قال: (أقام النصارى في منطقة بغداد قبل تمصيرها، وأدخل المنصور في مدينته الكثير من قراهم وأديرتهم، منها القرية التي بها دير مارفثيوس الذي عرف في العهد العباسي بالعتيق، ومنها قريتا درتا وقطفتا ومنها دير كيليشوع عند باب الحديد، وفي هذا الدير دفن البطريك طماثاوس (205هـ) الذي جعل إقامته فيه حتى عرف باسم دير الجاثليق)(3).

كانت إقامة النصارى داخل بغداد متجاورين مع المسلمين، وعرفت مناطقهم في بغداد بـ(قطيعة النصارى) التي أقطعها لهم المنصور وكانت تقع بين نهر الدجاج ونهر طابق، كما نزلوا في درب القراطيس(4).

قدر المؤرخ أدم متز في كتابه الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري عدد النصارى في بغداد خلال القرن الرابع الهجري ما بين 40 وخمسين ألف شخص (5)، وقد كانت واردات الجزية كما يذكرها آدم متز في كتابه أعلاه في القرن الرابع الهجري، التي كان يدفعها أهل الذمة في بغداد، والتي بلغت في القرن الثالث الهجري 130 ألف درهم، وبلغت في قائمة قدامة بن جعفر المائتي ألف درهم، كما بلغت في أوائل القرن الرابع الهجري 160 ألف درهم، ويعني هذا أن عدد دافعي الضريبة من أهل الذمة يبلغ خمسة عشر ألفاً مع العلم أن هذه الضريبة لم يكن يدفعها الجميع، إذا استثنى منهم الصبيان والنساء والمساكين والمقعدون والعميان والخدم والمجانين ومعظم أهل الصوامع (6).

خضع نصارى العراق لرؤساء دينيين، وكان الجاثليق ينتخب بين عدة مرشحين، وكان الجاثليق النسطوري رئيساً شرعياً للنصارى الشرقيين في خلافة المقتدر. ولعل الأهمية الخاصة التي كانت لمنصب الجاثليق كانت وراء التنافس الشديد الذي كان يجري بين المرشحين أحياناً، مما حملَّ البعض على دفع الرشا إلى الناخبين، أو الاستعانة بالسلطة السياسية للوصول إلى كرسي البطركية، فقد لجأ طاماثوس إلى إغراء تلامذة المدرسة الدينية في المدائن ووعدهم بتوزيع الأموال عليهم في حال انتخابه، واستعان أحد المطارنة بمال أودعه لديه أحد البدو والإعراب دفع منه مبلغ 200 دينار لأحد معارضيه (7).

كانت الكثير من المشاكل تجابه المرشحين لكرسي البطركية، وتعهد الكثير منهم أن لا يتعرض لجمع المال وأن يؤخذ الرشا وألا يمنح رتبة الكهنوت إلا لمستحقيها (8)، كما للبطاركة والمطارنة في بغداد نشاطاً طيباً فلهم الدور في تجديد أديرتهم وترميم بناء دير مارفثيون في العتيقة في القرن الثالث الهجري، وهو الذي أقيم في عهد الفرس، وأخرج المنصور من فيه من المسلمين عند بناء بغداد، وبعد تجديده، ألحقت بهذا الدير مدرسة مجهزة بالمعلمين، كما أصبح مقر البطركية. وفي سنة 349ه، بنيت البيعة الكبيرة بدار الروم وجددت بيعة العتيقة (9).

وفي العهد العباسي تولى النصارى الكتابة والجهبذة، وتولى نصرانياً كتابة ديوان الجيش لكل من الموفق والمعتضد، وفي القرن الرابع الهجري وجه اللوم إلى علي بن فرات الوزير في تقليده ديوان الجيش رجلاً نصرانياً، لأنه جعل أنصار الدين وحماة البيضة يقبلّون يده ويمتثلون أمره، كما كان النصارى داخل قصر الخلافة، فقد كانت إحدى جواري المهدي تعلق صليباً في صدرها، وكانت فرج النصرانية تعمل كاتبة لدى أم موسى القهرمانة (10).

مع كل الامتيازات التي حصلوا عليها النصارى في ظل الدولة العباسية إلا أنهم تعرضوا لنقمة بعض الخلفاء، فقد أمر الرشيد وهو في مواجهة البيزنطيين (191هـ)، بأخذ أهل الذمة في بغداد بمخالفة هيئتهم هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم، وأعاد المتوكل سنة (235هـ) أخذ النصارى وأهل الذمة بلباس الطيالسة العسلية والزنانير والركوب بالسروج، ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان، وأن يتعلّم أولادهم في كتاتيب المسلمين ولا يعلمهم مسلم، وفي سنة (296هـ) أمر المقتدر أن لا يستعان بأحد من اليهود والنصارى، فألزموا بيوتهم وأخذا بلبس العسلي والرقاع من خلف وقدام وأن تكون لهم ركبهم خشباً (11).

وفي القرن الثالث الهجري كان النصارى أرباب مهنة الطب ورجال المال، وقد اشتهر الطبيب أسد بن جاني كساد في مهنة الطب، وكان النصارى يمارسون حياة عادية لا تختلف عن غيرهم، وكانوا يتقدمون من القاضي المسلك لينظر في دعاواهم، كما دخلوا حمامات المسلمين، وأفادوا أحياناً من الصدقات التي تعطى للمحتاجين (12).

أما أعياد النصارى في بغداد فكانت مظهراً من مظاهر البهجة يشارك فيها المسلمون، فذكر الشابشتي في كتابه الديارات : (أن أعياد النصارى ببغداد مقسومة على ديارات معروفة، منها أعياد الصوم الكبير تقام على أربعة أيام آحاد متتالية. فالأحد الأول منه عيد دير العاصية، الأحد الثاني دير الزرافية، الأحد الثالث دير الزند ورد، والأحد الرابع دير رمالس الذي يجتمع إليه نصارى بغداد، كذلك نصارى بغداد يخرجون في أحد الشعانين (13).

لكن النصارى وأهل الذمة لم يسلموا من بعض المتعصبين والمتشددين من المسلمين أيام الاضطرابات السياسية، ففي سنة (271هـ) وثب العامة على النصارى وخربوا الدير العتيق ونهبوا كل ما فيه من متاع وقلعوا الأبواب والخشب وسار إليهم صاحب الشرطة فمنعهم من هدم الباقي وكان يتردد على حمايته أياماً. وتعرض هذا الدير في العام التالي لهجمات العامة وبسبب هذا الشغب أنهم أنكروا على النصارى ركوب الدواب. وعلى أثر ضائقة اقتصادية افتتحت الجوالي سنة (331هـ) في ربيع الأول فلحق أهل الذمة خبط عظيم وظلم قبيح، وفي سنة (392هـ) ثار العامة على النصارى فنهبوا البيعة بقطيعة الدقيق وأحرقوها فسقطت على جماعة من المسلمين فهلكوا. وفي سنة (403هـ) توفيت بنت أبي نوح بن أبي نصر بن إسرائيل أحد كتاب النصارى، فأخرجت جنازتها نهاراً ومعها النوائح والطبول والزمور والصلبان والشموع، فقام رجل من الهاشميين فأنكر ذلك، فضربه أحد غلمان الكاتب مما تسبب في فتنة أدت إلى تدخل العامة وانتهت بإلزام أهل الذمة الغيار(نوعية اللباس) (14).

تعتبر هذه الاضطهادات أحداثاً استثنائية قد تعرض لها أبناء النصارى في بغداد بسبب إقامتهم بين باب البصرة ذي الأكثرية السنية وبين الكرخ ذي الأغلبية الشيعية، فكانت الصدامات بين هاتين الفئتين تجري في قطيعة النصارى. لكن مع هذا فإن النصارى تمتعوا في ظل العهد العباسي بمركز أفضل بكثير من الذي كان عليه بعض الجماعات الإسلامية، لأن المحاورات لم تكن لتتم بين أعداء يريد بعضهم تدمير البعض، لكن الجاحظ يؤكد قائلاً : (وبالفعل فقد ترك كثير منهم عقد الزنانير وامتنع كثير من كبرائهم من أداء الجزية، مع اقتدراهم من دفعها، وسبّوا من سبَّهم وضربّوا من ضربّهم (15).

كما أجبروا النصارى على ركوب الحيوان دون سرج لكن يجب أن يركب على برذعة، وأي امرأة من نسائهم يجب أن لا تركب على سرج، بل يجب أن تركب على برذعة، ويجب أن لا يبخسوا على حيوانات الركوب بساقين منفرجتين، ويجب أن يضعوا سيقانهم في جهة واحدة. ويورد ابن عبد الحكم في كتابه سيرة عمر بن عبد العزيز قائلاً : اكتبوا لهم رسالة حازمة بشأن هذا وأرضوني فيما يتعلق بهذا(16).

أما في عهد الخليفة العباسي المنصور فقد أزال الصلبان من على قمم الكنائس، وأمر بوجوب إضافة علامات على أشجار نخيل الذّميين، وفرض الجزية على الرهبان، الذين كانوا معفيين منها حتى ذلك الوقت. لكن وجدَ أمر إزالة الصلبان من قبل عمر بن عبد العزيز، فهو يرجع إلى القرن الثاني الهجري، في حين أن أول محاولة منظمة لإقصاء غير المسلمين عن المناصب العامة قام بها عبد الملك بن مروان، في حين قام بالثانية عمر بن عبد العزيز (17).

أمر هارون الرشيد أن تسوي الكنائس في المناطق الحدودية بالأرض، أمر كان له علاقة من دون شك بالوضع الأمني على طول الحدود. أما أن يغير أهل الذمة مظهرهم فقد تمت صياغتها على يد المستشار الشرعي لهارون الرشيد، أبو يوسف (ت789م). ويذكر الطبري أن الرشيد أمر أن يغيّر الذّميون في بغداد مظهرهم كي يختلفوا عن المسلمين (18).

لكن مرسوم أبي يوسف مرسوم عام ينطبق على غير المسلمين جميعاً، والأسباب حيثما يكون هناك حضور إسلامي معتبر، وبين زمن هارون الرشيد وزمن المتوكل ثمة خبر يتعلّق بالخليفة الواثق (حكم 842/847م)، الذي حظر استخدام النواقيس في الكنائس (19).

ويخبرنا ابن الجوزي أنه في العام 236هـ/ 850-851م، في أعقاب المرسوم العام الذي صدر في شوال 235هـ/ 850م (20)، طُرِد المسيحيون من الوظائف العامة، كذلك فقد أعفوا من الولايات ولم يعودوا يستخدمون عموماً في أي شيء له علاقة بأمور المسلمين، والحظر على القيام بمواكب جنائزية عامّة، كما أجبروا أهل الذمة على اعتناق الإسلام.

نبيل عبد الأمير الربيعي

....................

المصادر

1- فاروق عمر. العباسيين الأوائل. ج2. ص167. دمشق. 1973. دار الفكر.

2- يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف. كتاب الخراج. بيروت. 1989. ص131.

3- أبو الحسن علي بن محمد الشابشتي. الديارات. تحقيق كوركيس عواد. بغداد. ط2. 1966. مكتبة المتنبي. ص3/4.

4- فهمي عبد الرزاق سعد. العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع الهجريين. ط1. 2013. اتحاد الناشرين العراقيين. ص74.

5- آدم متز. الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري. ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة. ط3. القاهرة. 1957. ج1. ص66.

6- المصدر السابق. ج1. ص66.

7- أحمد بن علي القلقشندي. صبح الأعشى في صناعة الأنشا. القاهرة. 1964. ج10. ص295/297.

8- عمرو بن متي. أخبار بطاركة كرسي المشرق. من كتاب المجدل. بعناية جسمو ندي. بيروت. ص81/82.

9- أحمد بن القاسم ابن أبي أصيبعة. عيون الأنباء في طبقات الأطباء. تحقيق نزار رضا، بيروت. 1952. ص69/70.

10- هلال بن المحسن الصابي. تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء. تحقيق عبد الستار فرج. بغداد. 1964. دار إحياء الكتب العربية. ص109.

11- ابو جعفر محمد بن جرير الطبري. تاريخ الرسل والملوك. القاهرة. 1960/1969. دار المعارف. 1985. ج8. ص324.

12- أحمد بن محمد مسكوية. تجارب الأمم. القاهرة 1992. مطبعة التمدن. جزءان وملحقان. ج2. ص408.

13- الشابشتي. الديارات. مصدر سابق. ص3/4.

14- أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. حيدر آباد الدكن. 1992م. مطبعة دائرة المعارف. بيروت. ج5. ص82/84.

15- ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (255هـ). الرد على النصارى. ضمن ثلاث رسائل. القاهرة. 1382ه. المطبعة السلفية. ص18.

16- أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم، سيرة عمر بن عبد العزيز. القاهرة، 1994. ص140.

17- ملكة ليفي روبين. أهل الذمة في صدر الإسلام. ص215.

18- الطبري. تاريخ الرسل والملوك. مصدر سابق. المجلد الثامن. ص985.

19- ملكة ليفي روبين. أهل الذمة في صدر الإسلام. ص216.

20- ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، المجلد الحادي عشر. لندن وبيروت 1992. ص222/223.