عدنان عويدفكرة الدولة من الناحية السياسية بعد وفاة الرسول:

والرسول على فراش الموت اختلفوا على الخلافة .. فلا وصية ترك ولا غدير ولا الأقربون أو الأبعدون من الرسول أحق بالخلافة بعده. وعندما طلب دواة وكتاباً "ورقة" ليكتب وصيته، قال عمر اتركوه لقد (هجر) كما تذكر كتب التاريخ.

اجتمع المهاجرون والأنصار في السقيفة، فدار بينهم حوار كاد أن يؤدي إلى قتال.... منا أمير ومنكم أمير.. لنا الأمارة ولكم الوزارة.. ثم جاء الحديث القرشي ليضع حداً في مسألة الخلافة: "الأئمة من قريش"، (أخرجه أحمد والنسائي في الكبرى من حديث أنس). وهناك الحديث المتفق على صحته (عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان). (عن الصحيحين).

على العموم، وبعيداً عن صحة هذا الحديث أو عدم صحته في هذا السياق، إلا أنه حدد لمن يكون منصب الخليفة، بغض النظر عن سماته وخصائصه التي راحت تتردى فيما بعد شيئاً فشيئاً عندما تحولت الخلافة إلى ملك عضوض مع وصول معاوية إلى الخلافة بعد أن حارب عليّ عليها، وألغى مشروع الشورى في أمرها بما كان يتناسب وخصوصيات عصره. مع تأكيدنا بأن عثمان أول من طرح فكرة التمسك بالسلطة وجعلها أمراً مقدراً، عندما ثار عليه جمهور الفقراء حيث قال لهم بعد أن طالبوه بترك السلطة : (هذا قميص البسنيه الله وأكرمني به فلن أتخلى عنه).

إذن مع معاوية تحولت السلطة أو الخلافة إلى ملك عضوض، وأصبحت أمراً مقدراً (جبري) من قبل الله، كما بينها معاوية في خطبته الاولى أمام جمهور المسلمين حيث قال: (الأرض لله.. وأنا خليفة الله، فما أخذت فلي، وما تركت للناس فبضل الله.. يا أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة، وعنكم ذادة، نحكمكم بحق الله الذي أولانا سلطانه الذي أعطانا، وأنا خليفة الله في أرضه وحارس على ماله.).(4). أو في خطبته لأهل الكوفة بقوله: (يا أهل الكوفة، أتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحجّ وقد علمت انكم تصلون وتُزكّون وتحجّون ؟، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وأليَّ رقابكم، وقد أتاني الله ذلك وأنتم كارهون ).!. (5)

لم يكتف الأمر عند هذا الحد في التأسيس لدولة الاستبداد والتفرد بالسلطة وتماهي الدولة في بنيتها الهشة آنذاك كلياً مع الحاكم باسم الدين. فهذا معاوية وهو على فراش الموت والولاة من حوله، يقف أول انتهازي سياسي في الدولة الإسلامي وهو "يزيد بن المقفع" وكان والياً على شرق الأردن ليقول للولاة بحضور معاوية: (أمير المؤمنين هذا، وأشار إلى معاوية، وإن مات هذا فهذا، وأشار إلى يزيد، وإن مات هذا فهذا، وأشار إلى السيف.). فُسر معاوية من قوله وقال له: ( تعال واجلس إلى جانبي فإنك والله خير المتكلمين ). بل لنقل خير الانتهازيين. (6).

وهذا موقف آخر في شأن التفرد بالسلطة وربطها بالحاكم بأمر الله فقط، حيث وصل به الأمر أن لا يقبل أي رأي من أحد في أمر سياسته للسلطة، كما هو الحال في موقف الخليفة "مروان بن الحكم" في رده على المعتزلة القدرية من أصحاب الرأي عندما راحوا يقولون له اتقي الله بالعباد، فخاطبهم: (إنكم تأمرونا بتقوى الله وتنسون أنفسكم،  والله لا يأمرني أحد بعد اليوم هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه.).(7).

هذا وقد ظل النهج في الوصول إلى الخلافة التي تماهت كلياً مع الفرد الحاكم، بعد أن راح فقهاء السلطان ينظرون لحكمه ولشرعية الوصول إليها حتى ولو بالقوة أو الغلبة أو مبايعة شخص واحد من الأمة له بها. بل نجد من هؤلاء الفقهاء من راح أيضاً يكفر كل من يحتج على السلطان أو الخليفة حتى لوكان ظالماً وفاجراً وسالباً لأموالهم ومعتدياً على عرضهم، وذلك تحت ذريعة الخوف من الفتنة، لأن قيام الأمة عندهم من أجل تغيير الحاكم الظالم هي فتنة، والفتنة أشد من القتل. منطلقين في موقفهم هذا من تفسيرهم وتأويلهم لقول الآية:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}. (النساء 59)

أو لحديث أم سلمة: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا: أفلا نقاتلهم قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة). رواه مسلم.

وهذا رأي ابن حنبل شيخ السلفية في ذلك حيث يقول:

«من خرج على إمام من أئمة المسلمين- وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان، بالرضا أو بالغلبة؛ فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ، فإن مات الخارج عليه؛ مات ميتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق». (8).

هذا وقد وقف الكثير من فقهاء وعلماء الدين ضد من يطالب بخلع الحاكم الظالم مثل:

الإمام البخاري، والإمام أبو جعفر الطحاوي والإمام حرب الكرماني، و الإمام أبو زرعة والإمام ابن أبي حاتم والإمام أبو بكر الأَثْرَم الإمام أبو بكر الإسماعيلي والإمام أبو عثمان الصابوني والإمام ابن بطة العكبري والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام المزني صاحب الشافعي والإمام ابن بطة والإمام ابن المنذر والإمام النووي والإمام ابن تيمية والامام ابن القيم الجوزية، 23-الامام ابن حجر العسقلاني، 24-الامام شمس الدين الرملي وغيرهم من كبار الأئمة المتقدمين المجتهدين. (9).

أما بالنسبة للشيعة الإمامية وموقفها من الدولة لما تمثله مسألة الإمامة، فقد اعتمدوا في الحقيقة على تأويلهم وتغسيرهم للنص الديني المقدس بالنسبة لإمامة علي إن كان للحديث أو الآيات القرآنية ومنها على سبيل المثال لا الحصر الآية التالية:﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾. (سورة المائدة: الآية 55). وقد اتفق المفسرون والمؤلون من الشيعة الإمامية على أنها نزلت في حق الامام علي "عليه السلام" على أثر تصدقه بخاتمه في صلاته واثناء الركوع.

أما بالنسبة لأحاديث الرسول فهناك الكثير من الاحاديث التي وردت في هذا المجال وأن هذه الاحاديث تشكل اركان الادلة النقلية، وأن من أبرز هذه الاحاديث هو حديث الغدير الذي ورد عند السنة والشيعة معاً، حيث أكد فيه الرسول على موالاة "علي ابن ابي طالب" بقوله: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله".

على العموم، بغض النظر عن الخلافات بين السنة الذين يقولون بالشورى، والشيعة الذين يقولون بالنص حول دلالات التفسير أو التأويل الواردة في الآيات والأحاديث، فلا يوجد هنا في الأصل ما يشير إلى قضية الدولة، وهذا ما يؤكد عندنا غياب مفهوم الدولة.

من خلال هذا العرض يتبين لنا أن هناك غياباً حقيقياً لمفهوم الدولة بشقيها القائم على المدنية أو الحاكمية، وإن الدول الموجودة على الساحة العربية اليوم، هي برأي دول ما قبل الدول، أي دول العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب والحزب الشمولي.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

............................

المراجع:

1- لسان العرب – والقاموس المحيط).

2- الموسوعة الحرة .

3- بسيوني، محمود شريف، الوثائق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، المجلد الثاني، دار الشروق، القاهرة، 2003. وقد نشرت هذه الوثيقة بتصريح من المعهد الدولي لحقوق الإنسان بجامعة دي بول شيكاغو.

4- عبد الجواد ياسين- السلطة في الإسلام- المركز الثقافي العربي – ص 42).

5- عبد الجواد ياسين- العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ- المركز الثقافي العربي- ط1- 1998- ص 157.

6- عن موقع إسلام ويب = الكامل في التاريخ – الجزء الثالث . ص 97.

7- (موقع أشراف الحجاز ).

8- موقع مجلة البيضاني العلمية. (جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ الدكتور صادق البيضاني.

9- المرجع نفسه.

 

بدر الدين شيخ رشيد[ت:338ھ/950ھ]:

الإمام الفارابي يعتبر من فلاسفة المسلمين، حيث يطلق عليه بالمعلم الثاني، في حين يطلق أرسطو بالمعلم الأول.

هذا وقد يرد على الباحث إشكال مفاده: هل الفرابي من الشيعة وخاصة الشيعة الإماميّة فعلا؟ نحن لا نجزم بذلك، إلا أنه ليس من المستبعد أنه تأثر بالشيعة الإسماعلية؛ لوجود مطابقات بين آرا الشيعة وبين فسلسفته بالمفهوم العقلي«وهذه المطابقة تجعلنا نلتمس ما للآراء الإسماعليّة من أثر عميق في فلسفة الفرابي وفي نظريته عن النبوة»1 .

بل أكد هنزي كوربان في تاريخ الفلسفة الإسلاميّة بأنه من الشيعة حيث قال:« وتشير كل القرائن مؤكدة الرأى الرائج في بلاد فارس، من أن هذا الفيلسوف الكبير كان من الشّيعة»2 .

لقد إعتبر الفيلسوف الفرابي الصفات اللازمة على الرئيس، والتي ينبغي أن تتوفر عليه إثنى عشر صفة:

أن يكون تمام الأعضاء، قواها متؤاتية أعضاءها على الأعمال التي شأنها أن تكون بها، ومتى همّ بعضو ما من أعضائه عملا أتى عليه بسهولة.

أن يكون بالطبع جيد الفهم والتصور لكل ما يقال له، فيلقاه بفهمه على ما يقصده القائل، وعلى حسب الأمر فى نفسه.

أن يكون جيد الحفظ لما يفهمه، ويراه، ويسمعه، و يدركه. وفي الجملة لا يكاد ينساه.

أن يكون جيد الفطنة ذكيا إذا رأى الشيء بأدنى دليل، فَطِنٌ له على الجهة التي دل عليها الدليل.

أن يكون حسن العبارة، يؤاتيه لسانه على إبانة كل ما يضمره إبانة تامة.

أن يكون محبا للتعليم والإستفادة، منقادا له، سهل القبول، لا يؤلمه تعب التعليم، ولايؤذيه الكد الذي ينال منه.

أن يكون غير شَرَهٍ على المأكول والمشروب والمنكوح، متجنبا بالطبع اللعب، مبغضا للذات الكائنة من هذه.

أن يكون محبا للصدق وأهله، مبغضا للكذب وأهله.

أن يكون كبير النفس، محبا للكرامة، تكبر نفسه بالطبع عن كل ما يشين من الأمور، وتسموا نفسه بالطبع إلى الأرفع منها.

أن يكون الدرهم والدينار، وسائر أعراض الدنيا هيّنة عنده.

أن يكون بالطبع محبا للعدل وأهله، مبغضا للجور والظلم وأهلهما، يعطى النَصَفَ من أهله ومن غيره، ويحث عليه، ويؤتى من حلّ به الجورُ مؤاتيا لكل ما يره حسنا وجميلا.

أن يكون عدلا غير صعب القياد، ولا جموحا ولا لجوجا، إذا دعى إلي العدل بل صعب القياد إذا دعي إلى الجور وإلى القبيح.

أن يكون قويّ العزيمة على الشييء الذي يرى أنه ينبغي أن يفعل، جسورا عليه، مِقْداماً غير خائف ولا ضعيف النفس 3.

فإذا نظرنا إلى تلك الصفات اللازمة للإمام،نجد أن أهمّها عند الإمامية هي صفة العصمة.

 

د. بدرالدين شيخ رشيد إبراهيم:

........................

1- هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، بالتعاون مع السيد حسين نصر وعثمان يحيي ، ترجمة، نصير حسين، حسن قبيسي، بمراجعة وتقديم، الإمام موسي الصدر، الأميرعارف، نّامر، منشورات عويدات، بيروت، لبنان، ط3/1983م، ص247.

2- المصدر السابق، ص242.

3- غالب، د/مصطفي،  الفرابي ، إنتشاررات كلستانه، (بدون رقم الطبعة والتاريخ)،ص105-107. وأنظر: عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفي في الإسلام ، دار المعارف القاهرة مصر، ط3/1989م، ص 259-260. وأنظر:عمر فروخ، تاريخ الفكر العربي إلي أيام ابن خلدون، دار العلم بيروت لبنان، ط4/1983م.ص368.

 

بدر الدين شيخ رشيدرؤية الإمام الرازي: ينبغي أن ندرك أن التقية لا تستلزم الكذب، فالتقية جائزة بنص القرآن الكريم ، كما قال تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ [آل عمران:28].

فقد ذكر الإمام الرازى بعض أحكام التقية عند شرحه في قوله تعالى:﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ [آل عمران:28]. ومنها:

أن التقية إنما تكون، إذا كان الرجل في قوم كفار، ويخاف منهم على نفسه وماله، فيداريهم باللسان وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة، ولكن بشرط أن يضمر خلافه، وأن يعرض في كل ما يقول، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب .

أنه لو أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل. وأستشهد الرازي بذلك، قصة مسيلمة الكذاب مع رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال لأحدهما : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم نعم نعم، فقال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : نعم، وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة، ومحمد رسول قريش، فتركه. ودعا الآخر فقال أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم، قال : أتشهد أني رسول الله ؟ فقال : إني أصم ثلاثا، فقدمه وقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئاً له،وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه.

التقية إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة، وقد تجوز أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين. فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل، والزنا، وغصب الأموال، والشهادة بالزور، وقذف المحصنات، واطلاع الكفار على عورات المسلمين، فذلك غير جائز ألبتة.

يدل ظاهر الآية أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين، إلا أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة على النفس.

التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز، لقوله صلى الله عليه وسلم :«حرمة مال المسلم كحرمة دمه» ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد»، ولأن الحاجة إلى المال شديدة، والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء، وجاز الإقتصار على التيمم دفعاً لذلك القدر من نقصان المال، فكيف لا يجوز ههنا.

التقية كانت ثابتة في أول الإسلام لأجل ضعف المؤمنين، فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا، وهذا ما قاله مجاهد. ورَوَىْ عَوْفُ عن الحسن البصري أنه قال: التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة. وبه رجح الرازي معللا بذلك: أن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان1.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

......................................

1- الرازي، التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط1/1421ھ/2000م، ج8/ص12.

 

مجدي ابراهيموصف المتصوفة علومهم بلغة تعجز عنها إحاطة العبارة العادية، وراحوا يستنبطون في ذلك إشارات لطيفة ومعان جليلة واختلفوا، بما استنبطوه، عن الفقهاء والمحدِّثين والمتكلمين وامتازوا عنهم؛ لأنهم تميزوا بالتجربة الروحيّة وتذوق علوم الحال، ومن ثمّ يلزم للذي يريد أن يفهم مسائل المتصوفة ألا يَرْجع فيها إلى الفقهاء أو المحدِّثين أو المتكلمين، وإنما يرجع إلى عارف ممارس لهذه الأحوال مُسْتَبْحث عن علومها ودقائقها؛ لكأنما الإشارة الصوفية قائمة في الأساس على "الحال"، ومؤسسة عليه.

والحال يُذَاق ذوقاً ولا يُكيف بلفظ ولا بحرف ولا بلغة. قد تعطي اللغة كما يعطي اللفظ والحرف العبارة العادية؛ فيجيء المفهوم من ورائها متاحاً لكل قارئ ولأي قارئ، لكن عبارة الوجدان يعطيها "الحال"؛ لأنها فيما قال الطوسي "مواجيد قلوب ومواريث أسرار"؛ فهى من ثمّ إشارة من بطن التجربة ومن ذوق المعاناة فيها.

من هنا صار ما يعطيه "الحال" إشارةً. وصارت كتابة الصوفي أو أقواله إنْ هى إلا "حالات"؛ حالات إشراقية قد لا ينتظم فيها النسق العقلي ولا تضبطها قوانينه، وهى ليست ممّا يخضع بالمرة لقوانين العقل وحسابات المنطق, ولذلك فهى تقصر وتنضغط بمقدار ما تتفلت من تلك القوانين المنطقية.

وأستطيع أن أقول؛ إنها تُخفى وتنغلق كذلك أمام العقول التي انطمست فيها بصيرة الإدراك الذوقي أو عَقَمَتْ؛ لا لشيء إلا لأنها حالات ليست بحاجة إلى النسق المنطقي الصارم الذي لا يعرف معاناة الشعور، ولا مواجيد القلوب، ولا مواريث الأسرار في عالم التجريب.

الصوفي يصدر عن تجربته فيما يقول أو يكتب، ولا يصدر عن كدِّ الأذهان أو عنت العقول.

أقول؛ إذا نحن لاحظنا إجابة ابن عطاء السالفة عن السؤال الذي طرحه ذلك المتكلم في استخفاف أو استفزاز، ووضعنا في اعتبارنا عزة الطريق ووعورة السير فيه، أمكننا أن نفهم معنى حَجْبَهُ عن الأغيار، ونقدر بعد الفهم معنى "الغيرة" عليه من أن تناله أَفْهَام القاصرين.

والقاصرون في الفهم سيان في إنكارهم، مهما اختلفت الفِرَقْ التي تواردوا عليها وانتسبوا إليها؛ فليس من منصف فيهم يحسن الظن إزاء "علم الإشارة الصوفية"؛ يقبل بواديها فيرجع إلى نفسه فيحكم بقصور فهمه عنها، أو ترجع إشارة المشير فيما عَسَاهُ يشير إلى سوء الظن بقائلها فينسبه السامع كالعادة إلى الهذيان، ومن أجل ذلك؛ صَدَقَ الكلاباذي لمَّا أن قال :" وهذا أَسْلَم له من رَدّ حق وإنكاره ".

ولو أن أحدهم فهم الإشارة وأرتد بها إلى معارف القوم وعلومهم - التي هى كما يقول السراج الطوسي ليست لها نهاية -  لأنصف الحكم من نفسه؛ فحكم بقصور فهمه عنها وبقلة خبرته أو عدمها في التعامل مع إشاراتهم ومعارفهم، ولعَفى الصوفية - من ثمَّ -  من سترها تحت غشاوة الرمز المألوف لديهم أو حُجُب الغموض المتعمد؛ وذلك لأنها في  المطلق (أي مثل هذه العلوم والمعارف الصوفية ذات الأذواق والمواجيد العالية) ليست في مقرراتهم سوى:" إشارات وبوادٍ وخواطر وعطايا وهبات يغرفها أهلها غرفاً من بحر العطاء، وسائر العلوم لها حَدِّ محدود، وجميع العلوم تؤدي إلى التصوف ".

إنما أقوالهم في أحوالهم أسرى؛ فكل إشارة تحتها حكم الحال، وإنها لتغمض لغموض الحال وخفائه، وليس لهم حيلة في تحويله من حال إلى حال؛ كما قال قائلهم وهو ينشد:

إذا أهْــــلُ العِـــــبَارة سـَـــــائلـوُنَا

أجَبْــنَــــاهم بأعْــلام الإشَـــــــارَة

نُشِــــــيُر بها فَنَـــجْعَلها غُمُـوضَاً

تُقَـــــصِّر عَنـْــــــهُ تَرْجَمَةُ العِبَارَة

وَنَشْــــــــهَدُهَا وَتَشْـــهَدُنَا سُرُوَرَاً

لهُ في كلِ جَــــــارِحَة إشَـــــــارَة

تَرى الأقْـــوَالَ في الأحـوَال أسْرَىَ

كأسْـــرٍ العَارفِينَ ذَوْي الخِسَـــارة

ومن هنا وَجَبَ أن تكون "الغيرة" لعزة الطريق لها ما يبررها في موقف الصوفية من الضَّن بعلومهم عن أن تُشَاع في غير أهلها بين مَنْ يَفهم وَمَنْ لا يَفْهم. ولعلَّ الباعث الأهم في ممارسة ذلك الموقف واتخاذه على هذا النحو تأكيداً لإجابة أبي العباس بن عطاء السالفة، هو باعث الغيرة على الكيان الآدمي من أن يكون عُرْضة للسير كما السوائم مع القطيع، عُرْضَة للعبودية لغير الله ممّا عَسَاهُ يصيبه من لوثة الأغيار.

الغيرة على كيانك كله : على وعيك وعلى إدراكك، وعلى عقلك، وعلى تفكيرك، وعلى ذوْقك، وعلى شعورك، من أن يصيبه عَطب المفسدين، لاسيما فيما لو كانت بضاعة المفسدين تلك - فضلاً عن عطبها وفسادها - هى من الكساد والفقر وضعف التهذيب بحيث تُرجِع من فورك أصحابها إلى رذائل يتَّصفُ بها الخارجون حتى عن معنى الإنسانية، الساقطون عن القيم في أبسط معطياتها .. فهؤلاء الذين يتمنَّوْنَ على الدوام أن يفسدوا وأن يشيع في الناس الفساد؛ ليفسد من ثمَّ غيرهم، وأن يفسد بالضرورة غيرهم لفسادهم، هم لا إلى الإنسانية أقرب بمقدار قربهم في الواقع إلى العدميَّة والموات!

ولمَّا كانت أهمية الوازع في اتخاذ هذا الموقف ترتدُ عندنا إلى الغيرة على الكيان الآدمي كُله من أن تلوِّثه أذواق المفسدين - هذا إنْ صح أن يكون للمفسدين أذواق! - صارت هذه الغيرة هى غيرة على "الوعي الذاتي", أو إنْ شئت قلت : "الوعي الصوفي"؛ كذلك من أسباب التلويث وعوامل التكْدير.

فإن الذي يُعطي الوعي حقَّه من الإدراك لهو هو الذي يُعطي لنفسه احترامها، والذي يتنازل عن وعيه يتنازل في الوقت عينه عن احترامه لنفسه؛ إنْ لم يكن يتنازل عن ذاته في المطلق (بعد التطهير) بكل ما فيها من أعلى المدارك وأسمى الصفات. فقد تصطدم بالوعي لديك مع مَنْ لا يعي؛ فتكون في الغالب كارثة، إذْ ليس كل وعي من المطلوب إذاعته ونشره ولا كل وعي يَصحُ تقديمه لمن لا يعرف للوعي قيمة ولا قانوناً، لكنما الوعي الذي يُذَاع ويُنشر ويصحُّ - من ثمّ - تقديمه، هو الوعي فيما يخدم المآرب الرَّبانيَّة العليا لمن يستحقها، ولمن يطلبها، ولمن هو جديرٌ- على استحقاق - بمثل هذه الخدمة الواعية، وبمثل هذا التقديم المأهول، ثم هو، من بَعْدُ، لا يُحجِّر على عقول البشر فيما يريدون من عقولهم أنْ تصيبه على ديْدَن الإدراك فيما لو كانوا هم من أهله وذويه.

جَاء في حديث سيدنا رسول الله - صلوات ربي وسلامه عليه - شاهدنا على ما نقول، ما من شأنه أن يؤكد حفظ الوعي مُصاناً بعيداً عن عَطب المفسدين ممَّن ساروا سير السوائم قطيعاً أو على الأقل فيما يُشبه القطيع حيث قال :" لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها؛ ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم". ومن أقوال السيد المسيح :" لا تعلقوا الدُّر في أعْنَاق الخنازير ". وشاعرنا العربي يصيغ المعنى ذاته على طريقته حين يقول:

ومَن مَنَحَ الجٌهَّالَ عِلماً أضاعَهُ

وَمَن مَنَعَ المُسْتوْجبينَ فقد ظَلَم

وجاء في" حلية الأولياء" لأبي نعيم الأصفهاني أن:" مخالطة ضُعفاء العقول تُضعف العقل ". وَوَرَدَ في كتاب "التراجم" لابن عربي أن :" مَنْ يَزْرع الحَبَّ في السِّباخ يندم زَمَانَ الحِصَاد". فليس كل ما يُعْرَف يُقال، ولا كل ما يُقال يُوهَب لمن لا يستحقه.

هذه شواهد تجعل الإشارة علماً فوق كونه يتأسس على شرعة الذوق وعطايا الشهود؛ فهو أيضاً ليس يناله مطلقاً لمن هو من غير أهله أو ممَّن هو دونهم، ممَّن جَمدوا على تشرب الدعوى العريضة بغير أساس مقبول، واقتدروا على مثل هذا الجمود حتى طَمَسَ الجمود لديهم البصائر وأعماهم عن البصر بما سواه. غير أن مقدرتهم الدَّعية هذه ليست جديرة بالاهتمام كما قلنا ولا هى حقيقة بالاحترام بالجملة، ففوق كونها تعبيراً مباشراً عن العجز والإفلاس تمثِّل قدرة الفارغ الواهم لا قدرة الواثق العارف:

الفارغ الواهم يخبط خبط عشواء ويتوهم فيما يخبط فيه صباح مساء قدرةً وتميزاً واستطالةً، وتفوِّقاً على الناس، وامتلاكاً للحقيقة المطلقة يحتكرها وهو في ذات الوقت مُصاب بداء العجز وداء الجهل وداء الإفلاس !

أما العارف الواثق؛ ففيه من تقدير الآخر؛ لتقدير الروح الإلهي فيه؛ ما ليس يجعله يَتَوَعَّد الآخرين أو يسترهبهم، ولا يتطاول عليهم بألفاظ نابية ولا يستفزز منهم من شاء أو يستخفَّهم، وينشغل بحاله عن أحوالهم، وبأعماله عن أعمالهم، ويعمل من أجل إصلاح ذاته وغيره مرضاة لله، ولا يعمل من أجل تتبُّع أخبار الناس؛ ليضرب في هذا ويضرب في ذاك بالفتنة والوقيعة والدَّسائس النكراء ! ثم يكتفي بما له من منازلات الحال يحفظها مع الله على شرعة الحب والبذل والعطاء.

ومن أجل ذلك؛ ضنَّ العارفون على غيرهم بمالهم من علوم ومعارف، واعتبروها "أسراراً" لا تفشى ولا تُذَاع، إلا أن تكون إشارة لمَّاحة يصدرها الذوق من مواهب الحال، وتستقي من التجربة ولا تعْطَي هباءً منثوراً لكل من هَبَّ فيها ودَبَّ؛ فكما أنها لم تُحَصَّل إلا بالجهد والمعاناة، فكذلك لم تبذل إلا لمن هو حقيق بها؛ وخليق.

ولما كان التصوف أساساً هو "علم الباطن"؛ يُرَادف "الإخلاص" ويقابله في التوجه وفي التسليك؛ كما أخبر عنه رسول الله -  صلوات الله وسلامه عليه -  عن ربِّ العزة :" هو سرٌ من سري، أجعله في قلب عبدي، لا يَقف عليه أحدٌ من خَلْقي "، ولما كان هذا هو العلم الذي هو كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله ولا ينكره إلا أهل الغرة بالله؛ فقد وَجَبَ أن يكون محفوفاً بالمخاطر والأهوال، الأمر الذي توَجَّبَ على ذويه أن يصونوه ويكتموه ويضنوا به على غير أهله؛ لأنه كما أنشد الشبلي:

عِـلْمُ التّــَصَوِّفِ عِلْـم لَا نَفَــادَ لــهُ

عِــــلْمٌ سَــــنِيُّ سَمَــاوِيٌّ رَبُــوبِـي

فيه الفَوَائِـدُ لِلأرْبـــَابِ يَعْرِفُهــــــَا

أَهْـلُ الجَزَاَلَةِ والصُّنْع الخُصُوصِي

وللإمام الجنيد لما أنْ سُئل عن التصوف قال :" التصوف عِنْوةٌ لا صُلحَ فيها"؛ أي أنه مقاساة، وصعوبة، ومشقة، ومُغالبة. ووصف الصوفية فقال :" هم أهل بيت واحد لا يدخل فيهم غَيْرهم ". ومن أجل هذا؛ وجبت تحذيرات الصوفية الصارمة فَشَدَّدوا على سرية العلاقة بين العبد والحق، وعدوا من يفشي أسرار الطريق هو بمنزلة الآبق الكافر، وليس الكفر بالطبع هنا هو الكفر الشرعي، ولكنه الكفر في قانون الطريق بمعنى الخروج عن وعي الطريق أو البعد عن ملاحظة أسراره؛ فلا يحفظ سر الربوبية غير قلب الحر، حتى إذا ما وصل أحدهم إلى مراحل الكشف والمشاهدة قال مع الغزالي :" ليس كل سر يكشف ويفشى ولا كل حقيقة تُعْرَض وتحكى، بل صدور الأحرار قبور الأسرار"؛ وصاغ ابن عربي العبارة نفسها حيث قال :

فافْهَــمْ فَدَيْتُــك سّــرُّ الله فيكَ وَلَا

تُظْهِرُهُ, فَهُوَ عَنِ الأغْيَارِ مَكْنُونُ

وَغِــرْ عَليه وَصُنْه مَا حَييـتَ بَهِ

فالسِّرِ مَيِّتٌ بقلبِ الحُــرِّ مَدْفُـونُ

ونبَّه عبد الكريم الجيلي (ت 805 هـ) على أهمية أن تُصَان الإشارات بعيداً عن لغط العوام؛ لأنها أنوار ذاتية خَاصَّة تحتها أسرار مكتومة يراها من يقتدر على فك اللغز من ورائها، وأرشد مريده :" فإذا أطلعت على هذه الأسرار، وسرت في صفاء هذه الأنوار، صنها تحت كتم العبارات، وأحفظها تحت ختم الإشارات، ولا تفشها؛ فالإفشاء خيانة، ومن فعل ذلك فقد حُرم ثواب استلزام الأمانة، ويرجع إلى "مرتبة العوالم" بعد أن كاد يبلغ عالم الملائكة الكرام"؛ ويقصد الجيلي بمرتبة العوالم أي تلك العوالم السُّفلية التي لا تَزَال محفوظة ما دامت بأرواح الملائكة ملحوظة على حد شرح الجيلي نفسه في كتابه "الإنسان الكامل"؛ والرجوع إلى مرتبة العوالم معناه : الارتدادُ إليها بعد أن حُرم البقاء في عالم الملائكة لخيانة الأمانة وإفشاء الأسرار. فضلاً عن هذا, فإنّ إفشاء السر ليس يزيد السامع إلا ضلالاً, ولا يفيده - بتعبير الجيلي - إلا تقييداً واعتلالاً.

فلئن كان الصوفية يؤسسون لعلم الإشارة على شرعة الحبّ والذوق والتحقيق، ويعتبرون هذا العلم (سرَّاً) كيما لا يناله مطلقاً ما ليس من أهله, فهم إنما يفعلوا ذلك دائماً وأبداً؛ لأن الأسرار معتقة عن رقِّ الأغيار من الآثار والأطلال كما قال القشيري. على أن لفظ السّر يُطلق على ما يكون مصوناً مكتوماً بين العبد والحق سبحانه في الأحوال, وعليه يُحْمَل قول من قال :"أسرارنا بكر لم يَفْتَّضُها وهم واهم".

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

بدر الدين شيخ رشيدمقاربات بين رؤيتي الماوردي والجويني:

ناقش فقهاء الأشاعرة العيوب المؤثرة وغير المؤثرة في العمل والرأي. فالبحث في مناقشة تلك العيوب المؤثرة وغير المؤثرة، سوف نختار رؤية الإمام الماوردي[ت:450ھ/1058م]، والإمام الجويني [ت:478ھ/1085م].

رؤية الإمام الماوردي:

الإمام الماوردى[ت:450ھ/1058م]، ناقش العيوب البدنية المؤثرة بالإمام في حالة إنعقاد الخلافة. وقسمها إلى ثلاثة أقسام: (1) النقص في الحواس. (2) والنقص في الأعضاء.(3) والنقص في التصرف.

النقص في الحواس:

قسم الإمام الماوردي النقص في الحواس إلى ثلاثة أقسام: قسم يمنع من الإمامة، وقسم لا يمنع منها، وقسم مختلف فيه.

فالقسم الذي يمنع من عقد الإمامة، هو نوعان: زوال العقل، وذهاب البصر.

فزوال العقل ضربان: (أحدهما): ما كان عارضا مرجوّ الزوال كالإغماء، فهذا لايمنع من إنعقاد الإمامة. (الثاني): ما كان لازما لا يرجى زواله، كالجنون والخبل، وهو أ يضا قسمان: (أحدهما): أن يكون مطبقا دائما لا يتخلل إفاقة، فهذا يمنع من عقد الإمامة وإستدامتها. (الثاني): أن يتخلله إفاقة يعود بها إلى السلامة، فينظر فيه. فإن كان زمان الخبل أكثر من زمان الإفاقة، فهو كالمستديم، يمنع من عقد الإمامة وإستدامتها، ويخرج بحدوثه منها، وإن كان زمان الإفاقة أكثر من زمان الخبل، فيمنع من عقد الإمامة[1].

أما ذهاب البصر، فيمنع من عقد الإمامة واستدامتها فإذا طرأ عليه بطلت به الإمامة، قياسا على القاضي، وشهادة الأعمى. وعلى هذا، فالأولي أن يمنع من صحة الإمامة. وأما عشاء العينين- وهو أن لا يبصر عند دخول اليل- فلا يمنع من الإمامة فى عقد ولا إستدامة؛ لأنه مرض في زمان الدعة يرجى زواله. وأما ضعف البصر، فإن كان يعرف به الأشخاص إذا رآها، لم يمنع من الإمامة، وإن كان يدرك الأشخاص ولا يعرفها مٌنِع من الإمامة عقْدا وإستدامة[2].

أما القسم الذي لايؤثر فقده في عقد الإمامة هو ضربان:(أحدهما): الخشم في الأنف الذي يدرك به شم الروائح. (الثاني): فقد الذوق الذي يفرق به بين الطعوم، فهذا لا يؤثر في عقد الإمامة؛ لأنهما يؤثران في اللذة ولا يؤثران في الرأي والعمل[3].

أما القسم المختلف فيه، فهو قسمان عند الإمام الماوردي:

(الأول): الصمم والخرس. فيمنعان من إبتداء عقد الإمامة« لأن كمال الأوصاف بوجودهما مفقود»[4]. أما إذا طرأ الخرص والصمم على الإمام، فهناك ثلاثة مذاهب للعلماء:

من قال: يخرج عن الإمامة إذا طرأ عليه قياسا على ذهاب البصر بجامع التأثير في التدبير والعمل كليهما.

من قال: لا يخرج بهما من الإمامة لقيام الأشارة، مقامهما.

من قال: إن كان يحسن الكتابة، لم يخرج بهما من الإمامة. وإن كان لا يحسنها خرج من الإمامة. إلا أن الماوردي، رجح المذهب الأول، وهو: خروجه عن الإمامة إذا طرأ عليه الخرس والصمم[5].

(الثاني): حدوث التمتمة في اللسان، وثقل السمع من إدراك الصوت. فإن كان عاليا، فلا يخرج بهما من الإمامة. أما حالة إبتداء العقد فمن العلماء من قال: يمنع عقد الإمامة؛ لأنهما نقص يخرج بهما عن حال الكمال، ومنهم من جوز «لأن نبي الله موسى عليه السلام لم تمنعه عقدة لسانه عن النبوة. فالأولى أن لا يمنع من الإمامة»[6].

النقص في الأعضاء:

قسم الماوردى إشكاليّة نقص الأعضاء إلى أربعة أقسام:

ما لايمنع من صحة الإمامة في عقد ولا إستدامة. فهو ما لايؤثر فقْدُهُ في رأى ولا عمل ولا نهوض ولا يشين فى المنظر، وذلك، مثل قطع الذكر والأنثيين؛ لأن فقدهما يؤثر فى التناسل، دون الرأى والحنكة، فيجرى مجرى العنة، وقد وصف الله تعالى يحيى بن زكريا بذلك وأثنى عليه، بقوله:﴿وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين﴾[آل عمران:39] [7].

ما يمنع من عقد الإمامة ومن إستدامتها، وهو ما يمنع من العمل، كذهاب اليدين أو من النهوض كذهاب الرجلين، قلا تصح معه الإمامة في عقد ولا إستدامة لعجزه عما يلزمه من حقوق الأمة فى عمل أونهوض[8].

قسم يمنع من عقد الإمامة، إلا أنه إختلف في إستدامتها، وذلك كذهاب إحدى اليدين والرجلين، فلا تصح الإمامة في حالة العقد. أما إستدامة الإمامة فإذا طرأ عليه النقص في إثناء خلافته، فقد نقل الإمام الماوردى قولين:

(ألأول): أنه يخرج به من الإمامة؛ لأنه عجز يمنع من إبتدائها فيمنع أيضا من إستدامتها.

(الثاني): أنه لايخرج به من الإمامة، وإن منع من عقدها؛ لأن المعتبر في عقدها كمال السلامة، وفي الخروج منها كمال النقص[9].

مالايمنع من إستدامة الإمامة بل الخلاف في منعه من إبتداء عقدها، مثل ما شان وقبح، الذي لا يؤثر في عمل ولا فى نهضة، كجدع الأنف وسمل إحدى العينين. فلا يخرج به من الإمامة بعد عقدها، لعدم تأثيره فى شيء من حقوقها. أما المنع في حالة إبتداء العقد، فللفقهاء مذهبان:

(ألأول): أنه لا يمنع من عقدها، وليس ذلك من الشروط المعتبرة فيها لعدم تأثيره في حقوقها.

(الثاني): أنه يمنع من عقد الإمامة، وتكون السلامة منه شرطا معتبرا في عقدها، لِيَسْلِمَ وُلاْة الملة من شين ما يعاب، ونقص يزدرى فتقل به الهيبة، وفي قلتها نفور عن الطاعة، وما أدى إلى هذا فهو نقص في حقوق الأمة[10].

النقص في التصرف:

النقص في التصرف عند الماوردي ضربان:

الحجر: وهو أن يستولي عليه من أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصية، ولا مجاهرة بمشاقة، فلا يمنع ذلك من إمامته ولايقدح في صحة ولايته. إلا أنه يُنْظَرُ في إفعال من إستولي على أموره، فإن كانت جارية على أحكام الدين ومقتضى العدل، جاز إقراره عليها تنفيذا لها وإمضاء لأحكامها، لئلا يقف من الأمور الدينية ما يعود بفساد على الأمة. وإن كانت أفعاله خارجة عن حكم الدين ومقتضى العدل لم يجز إقراره عليها، ويلزمه أن يستنصر من يقبض يده ويزيل تغلبه[11].

القهر: وهو أن يصير مأسورا في يد عدو قاهر، سواء كان مشركا أو مسلما باغيا، حيث يتعذّر الخلاص منه، فيمْنَعُ ذلك عن عقد الإمامة. وذلك لعجزه عن النظر في أمور المسلمين. فحينئذ على الأمة أن تختار واحدا ذا قدرة.

فإذا أُسِر الإمام بعد أن تمت له عقد الإمامة، فعلى كافة الامة إستنقاذه إما بقتال أو فداء، لما أوجبته الإمامة من نصرته، وهو على إمامته ما كان مرجوّ الخلاص. فإن تعذر ووقع اليأس منه، ينظر حال من أسره، فإن كانوا مشركين، خرج من الإمامة لليأس من خلاصه، وأستأنف أهْل الإختيار بيعة غيره على الإمامة.

فإن عهده بالإمامة في أثناء أسره نظر في عهده؛ فإن كانت بعد اليأس من خلاصه كان عهده باطلا؛ لأنه عَهِدَ بعد خروجه من الإمامة، فلم يصح منه عهد.

أما إذا عَهِدَ قبل الإياس من خلاصه في وقت هو مرجوّ الخلاص صحّ عهْدُه لبقاء إمامته، وتستقر الإمامة لوي العهد. فلو خلص من الأسر بعد عهده، نظر في خلاصه، فإن كانت بعد الإياس منه لم يَعُدْ إلى إمامته لخروجه منها بالإياس وأستقرت الإمامة لولي العهد. وإن خلص قبل الإياس فهو على إمامته، ويكون ولي العهد ثابتا لولاية عهده ولا يصير إماما.

أما إذا كان مأسوراً مع بغاة المسلمين، فإن كان مرجوّ الخلاص منهم فهو على إمامته، وإن لم يُرْجَ خلاصه لم يخْلُ حال البغاة من أحد أمرين: إما أن يكونوا نصبوا لأنفسهم إماما، أو لم ينصبوا إماما.

فإن نصبوا إماما لأنفسهم وأنقادوا لطاعته، فالإمام المأسوار في أيديهم خارج من الإمامة للإياس من الخلاص منهم. وعلى أهل الإختيار في دار العدل أن يعقد الإمامة لمن إرتضوا لها، فإن خلص المأسور منهم لم يعد إلى الإمامة لخروجه منها[12].

أما إذا لم ينصبوا إماما لأنفسهم وكانوا فوضي، فالإمام المأسور في أيدهم على إمامته؛ لأن بيعته لهم لازمة، وطاعته عليهم واجبة، فصار معهم كمصيره مع أهل العدل إذا صارت تحت الحجر. وعلى أهل الإختيار أن يستنيبوا عنه ناظرا يخلفه إن لم يقدر المأسور بإقامة من ينوب عنه، فإن قدر عليها فهو أحق بإختيار من يستنيبه منهم. فإن خلع المأسور نفسه، أو مات لم يصر المستناب إماما؛ لأنها نيابة عن موجود، فزالت بفقده[13].

رؤية الإمام الجويني :

قسم الإمام الجويني [ت:478ھ/1085م]، العيوب إلى قسمين: قسم يتعلق بالحواس، وقسم يتعلق بالأعضاء.

فالعيوب المتعلقة بالحواس هو مثل فقد البصر، والسمع، وحاسة الشم والذوق.

أما ما يرتبط بنقص الأعضاء، فهو فسم إلى قسمين: ما لايؤثر عدمه في رأى ولاعمل ولا يؤدي إلى شين ظاهر في المنظر، وما يؤثر عدمه في الرأي والعمل[14].

النقص في الحواس:

قسم الجويني نقص الحواس إلى قسمين: ما يؤثر في الإمامة، وما لا يؤثر فيها.

أما ما لايؤثر في الإمامة فهو مثل فقْدِ الشم والذوق. وأما ما يؤثر الإمامة فهو مثل فقْدِ السمع والبصر، وفيه خلاف بين العلماء. إلا أن الجويني من جانبه أكدا الإشتراط بهما. بل نقل الإجماع من العلماء في الإعتبار بهما؛ لأن فقداهما يمنع النهوض فى الملمات والحقوق، ويجر ذلك إلى المعضلات عند مسيس الحاجات؛ لأن الأعمى والأصم ليس لهما إستقلال بما يحصل من الأشغال[15].

النقص في الأعضاء:

نقصان الأعضاء هو قسمان عند الجويني، ما لا يؤثر عدمه في رأى ولا عمل من أعمال الأمانة ولا يؤدى إلى شين ظاهر فى المنظر. ومايؤثر عدمه في الإنتهاض إلى المآرب والأغراض.

فالذي لا يؤثر في الرأي والعمل هو مثل المجبوب والخصي فهذا لايضر فقده، بل يُلْحَق ذلك في نظر الجويني كُلُ ما يسيء المنظر: كالعور وجدع الأنف، لأنه« لو أثّرَ الجدعُ والعورُ، لأثرت الدمامة، وتشوه الخَلْقُ ولأشترط الجمال والإعتدال في الخلق، وهذه غير مشروط بإتفاق الفرق»[16].

أما الذي يؤثر في الرأي والعمل هو مثل فقد الرجلين واليدين. فهذا القسم، قد نقل الجويني من معظم العلماء الإعتبار في ذلك حيث نزّلوا هذه الأفات والعاهات منزلة العمى والصمم والخرس.

الإمام الجويني، لم يعتبر النقص البدني الذي لا يؤثر في الرأى والعقل، وهو قادر على أن يسْتمْسَك بالأعمال والمهام، فلا يؤثر النقص الذى به مع صحة العقل والرأي، بحيث يستمسك على المراكب،إلا«إذا لم ينته إلى الزمانة والصمامة»[17]. ووافق في ذلك الإمام المتولي الشافعي[ت:478ھ/1085م] حيث جزم بأنه لا يشتراط للإمام سلامة الأعضاء كاليد والرجل والأذن[18].

إلا أن الإمام الماوردي خالفهما حيث إعتبر النقص الذي يمنع إستيفاء الحركة وسرعة النهوض كنقص الرجلين واليدين، ما يمنع من عقد الإمامة ومن إستدامتها[19]. وأيد الإمام النووي ما ذهب إليه الماوردي، بل إعتبر الأصح من أقوال العلماء[20].

ويظهر لي أن ما ذهب اليه الجوينى هو الأولى بالإعتبار، وهو مذهب ابن حزم حيث قال:«ولا يضر الإمام أن يكون في خلقه عيب، كالأعمى، والأصم، والأجدع، والأجذم، والأحدب، والذي لا يَدَاْنِ له ولا رجلان. وأيضا من بلغ الهرم ما دام يعقل، ولو أنه ابن مائة عام، ومن يعرض له الصرع، ثم يفيق، ومن بويع أثر بلوغه الحلم، وهو مسْتوف لشروط الإمامة. فكل هؤلاء إمامتهم جائزة، إذ لم يمنع منها نص قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا نظر، ولا دليل، بل قال تعالى:﴿ كونوا قوامين بالقسط ﴾[النساء:135]. فمن قام بالقسط، فقد أدى ما أمر به. ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أنه لا يجوز التوارث فيها، ولا في أنها لا تجوز لمن لم يبلغ حاشا الروافض(الإماميّة)، فإنهم أجازوا كلا الأمرين [21]ولا خلاف بين أحد في أنها لا تجوز لإمرأة»[22].

إلا أن ما نسب الامام ابن حزم إلي الروافض وهم الإمامية من أنهم يجوزون التوارث في الامامة وتجويزهم للإمامة لغير البالغ فعير صحيح وخير دليل في ذلك أن علي ابن طالب عند ما طلب منه أن يوصي للخلافة الي الحسن فإنه فوض الأمر إلي الأمة حيث قال: لا أمركم ولا أنهاكم ومن ثم إختار ت الأمة الحسين الي الخلافة  حتى تنازل الخلافة الي معاوية بشروط لم يتعهد معاوية أيفاءها.

أما تجويز الإمامية تقليد الإمامة على من لم يبلغ فلا أصل لها. فالعلامة الحلىِّ [ت:726/728ھ/1325م/1327م]، بسط صفات الإمام وشروطه، حتى أوصلها إلي  خمسة عشر شرطا، ومنها : أن يكون مكلفا؛ لأن غير المكلف مولّى عليه وليٌّه في خاصة نفسه، فلا يمكن أن يلي أمر الأمة. الأمهات[23].

كما بين الشيخ محمد رضا المظفر صفات الإمام عند الإماميّة حيث قال: «ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال من شجاعة، وكرم، وعفة، وصدق، وعدل، ومن تدبير وعقل وحكمة وخلق. والدليل في النبي هو نفس الدليل في الإمام، أما علمه فهو يتلقى المعارف والأحكام الإلهيّة وجميع المعلومات من طريق النبي أو الإمام قبله».[24].

        

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم:

..........................

[1] - الماوردى، الأحكام السلطانية، تحقيق، خالد عبد اللطيف السّبع العلميّ دار الكتاب العربي بيروت لبنان، ط1/ 1410ھ/1990م، ص55.

[2] - المصدر السابق، ص55-56.

[3] - المصدر السابق ص56.

[4] - المصدر السابق، ص56

[5] - المصدر السابق، ص 56

[6] - المصدر السابق، ص 56

[7] - المصدر السابق، ص56-57.

[8] - المصدر السابق، ص58.

[9] - المصدر السابق، ص58.

[10] - المصدر السابق، ص 58.

[11] - المصدر السابق، ص58-59.

[12] - المصدر السابق، ص59-60.

[13] - المصدر السابق.69

[14] - الجوينى، الفياثى غياث الأمم فى التياث الظلم،تحقيق د/ عبد العظيم الديب، كلية الشريعة، جامعة قطر، ط2/1401ھ/1981م، ص76-77.

[15] - المصدرالسابق، ص77.

[16] - المصدرالسابق، ص 79

[17] - المصدر السابق ص 78.

[18] - النووي، روضة الطالبين وعمدة المتقين، تحقيق، الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ على محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط3/1427ھ/2006م، ج7/ص262-263.

[19] - الماوردى، الأحكام السلطانية، والولايات الدينية، تحقيق، خالد عبد اللطيف السّبع العلميّ دار الكتاب العربي بيروت لبنان، ط1/ 1410ھ/

1990م،ص57-58.

[20] - النووي، روضة الطالبين وعمدة المتقين، تحقيق، الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ على محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط3/1427ھ/2006م، ج7/ص262-263.

[21] -

[22] - ابن حزم، الفصل فى الملل والاهواء والنحل، تحقيق، أحمد شمس الدين، دارالكتب العلمية، بيروت لبنان، ط2 1420ھ/1999م ج3/ص94.

[23] - الحلىّ، العلامة الحسن بن يوسف بن المطهر، تذكرة الفقهاء، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، إيران، 1419،،ج 9/ص393-394.

أنظر: للمزيد من صفات الإمام عند آية الله العظمي المنتظري (معاصر): الشيخ الركابى، الأسس السياسيّة والمذهب الواقعى، مكتب الإعلام الإسلامى قم، إيران، ط1/1412ھ، ص259.

[24] -الخزازى، بداية المعارف فى شرح عقائد الإمامية، مركز مديرت حوزه علمية، قم، إيران، ط1/1411ھ ج2/ص49،.

 

بدر الدين شيخ رشيد

مفهوم العدالة: العدالة من حيث اللغة مأخوذة من الإستقامة، والعدل مأخوذ من الإعتدال، وسمى العدل عدلا لإستواء أفعاله، حتى لا يكون فيها ميل عن الصواب[1]. وعرّف الجرجاني العدالة من جهة اللغة بأنها الإستقامة[2].

أما من حيث الشرع فهناك عدة تعريفات متعددة وردت من كبار متكلمي الأشاعرة وفقهائهم. هذا، وسنكتفي بتعريف الإمام الماوردى للعدالة[ت:450ھ/1058م]: حيث عرف صاحب العدالة، ب- «أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفا عن المحارم، متوقيا المآثم، بعيدا من الريب، مأمونا فى الرضا والغضب، متصفا للمروءة اللازمة فى دينه ودنياه. فإذا تكاملت فيه فهي العدالة التى تجوز بها شهادته وتصح معها ولايته. وإن إنخرم منها وصْفٌ مُنِعَ من الشهادة والولاية، فلم يسمع له ولم ينفّذ له حكم»[3].

أقسام العدالة:

العدالة عند الأشاعرة قسمان: عدالة كبرى وعدالة صغرى. أما الكبرى فهي تجنب فسق الأعمال والمعتقد. وأما الصغرى فهي تجنب فسق الأعمال [4]. وأقل درجة العدالة من حيث الرتبة عند البغدادي، هي عدالة الشاهد، من حيث التحمل والأداء[5].

فالبحث فى حقيقة إشتراطية صفة العدالة فى الإمام عند الأشاعرة يُعَدُ مشكلاً . وحقيقة هذا الإشكال يرجع إلى صفة العصمة، لِمَاْ أن العدالة والعصمة بينهما علاقة قوية وثيقة. ولما كانت صفة العصمة للإمام غير معتبرة بها أصلا عند الأشاعرة، يظهر أنها أثّرت صفة العدالة بشكل قوي إلي حد أن بعضهم لم يعتبرها صفة أساسية للإمام. وإشكال صفة العدالة يظهر عند الأشاعرة، إمامة الفاسق في حالة الإنعقاد أو إذا طرأ عليه الفسق في أثناء الخلافة.

إن مناقشة إشكالية صفة العدالة عند الأشاعرة، سنقارن أراء بعض متكلمي الأشاعرة

وفقهائهم مثل: الباقلاني [ت:403ھ/1012م] والبغدادي[ت:429ھ/1037م] والماوردي [450ھ/ 1058م]، والجوينى [ت:478ھ/1085م]، وابن خلدون [ت:808ھ/1405م].

الإمام الباقلانى [ت:403ھ/1012م]: لم يعتبر صفة العدالة كصفة أساسية لازمة للإمام، عند بحثه في شروط الإمام[6]. وقد سلك الإمام الجويني [ت:478ھ/1085م]،مسلكه في عدم إشتراطيّة العدالة للإمام[7].

فإذا نظرنا إلى صفة العدالة للإمام نجد أن الإمام الماوردي[ت 450ھ/1058م]: أعتبرها صفة أساسية للإمام[8]. كما إعتبر أيضا ابن خلدون [ت:808ھ/1405م]، وذلك لما أنّ الإمامة«منصب ديني ينظر في سائر المناصب التي هي شرط فيها، فكان أولى باشتراطها فيه. ولا خلاف في إنتفاء العدالة فيه بفسق الجوارح من إرتكاب المحظورات وأمثالها، وفي إنتفائها بالبدع الإعتقادية خلاف»[9]. أما الإمام البغدادي [ت:429ھ/1037م]: فقد إعتبرهاعلى قدر عدالة الشاهد، وهي أقل مراتب العدالة التي يمكن للقاضي أن يحكم من خلالها القضيّة [10].

إن إشكالية إشتراط صفة العدالة للإمام عند الأشاعرة، تظهر إمامة الفاسق في حالة الإنعقاد أو إذا طرأ عليه الفسق كما أشرنا لاحقا، فالإمام الماوردي، قسّم الجَرْحَ في عدالة الإمام إلى قسمين:

منها مايتعلق بأفعال الجوارح، كإرتكابه بالمحظورات وإقدامه على المنكرات تحكيما وإنقيادا للهوى، فهذا فسق يمنع من إنعقاد الإمامة ومن استدامتها. أما إذا طرأ على من أنعقدت إمامته خرج منها، فإن عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة إلا بعقد جديد.إلا أنّ بعض المتكلمين جوزوا الإمامة إليه إذا عاد إلى العدالة من غير أن يُسْتأْنَفَ له عقد ولا بيعة، لعموم ولايته ولحوق المشقة في إستئناف بيعته.

ومنها ما يتعلق بشبهة إعتقادية، تعترض عليه، حيث يتأول الحق بغير وجهه. وقد إختلف العلماء فيها. فذهب فريق من الفقهاء إلى أنها تمنع من إنعقاد الإمامة ومن إستدامتها، ويخرج منها بحدوثه ؛ لأنه لما إستوى حكم الكفر بتأويل، وجب كذلك أن يستوي حال الفسق بتأويل وغير تأويل. وقال كثير من علماء البصرة: إنه لا يمنع من إنعقاد الإمامة ولا يخرج منها كما يمنع من ولاية القضاء وجواز الشهادة[11].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

.............................

[1] - ابن الأخوة، محمد بن محمد بن أحمد، معالم القربة فى طلب الحسبة، الشهود وما يتعلق بهم ج1/274 أنظر: الموقع:

http://www.al-islam.com

[2] - الجرجانى، التعريفات، تحقيق، إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان ط1/1405ھ، ص191.

[3] - الماوردى، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، تحقيق، خالد عبد اللطيف السّبع العلميّ دار الكتاب العربي بيروت لبنان، ط1/ 1410ھ/1990م، ص131.

[4]- الطرطوسى، نجم الدين إبراهيم بن علي،تحفة الترك فيما يجب أن يعمل  في الملوك، تحقيق، الحمداني، د/عبد الكريم محمد مطيع،ط2/ ص18 ،أنظرالموقع:  http://www.alwarraq.com

[5] - البغدادى، كتاب أصول الدين، دار الكتب العلمية، بيروت بيروت، ط3/ 1981م ص277.

[6] - الباقلانى،التمهيد فى الرد على الملحدة المعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة، تحقيق،محمود الخضيرى، و محمد عبد الهادى، دار الفكر(بدون تاريخ) ص181-183.

[7] - الجوينى، الفياثى غياث الأمم فى التياث الظلم، تحقيق، عبد العظيم الديب، كلية الشريعة، جامعة قطر، ط2/1401ھ/ 1981م، ص76-88.

[8] - الماوردى، الأحكام السلطانية والوولايات الدينية،، تحقيق، خالد عبد اللطيف السّبع العلميّ دار الكتاب العربي بيروت لبنان، ط1/ 1410ھ/1990م ص31.

[9] - ابن خلدون،مقدمة ابن خلدون، دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان، ط4/(بدون التاريخ)ص193.

[10] - البغدادى، كتاب أصول الدين، دار الكتب العلمية،،بيروت، لبنان، ط3/1401ھ/ 1981م ص277.

[11] - الماوردي، الأحكام السلطانية والوولايات الدينية، تحقيق، خالد عبد اللطيف السّبع العلميّ، دارالكتاب العربي،بيروت، لبنان، ط1/ 1410ھ/ 199 0م، 53-54.

 

بدر الدين شيخ رشيدالإمام الخميني نشأ نشأة أصولية في الفكر الشيعة المبنيّ على الاجتهاد، بحيث سلك المنهج المتبع في الحوزات العلمية عند الشيعة، حتى وصل إلى مرتبة الإجتهاد ، ومن ثم استطاع عبر سنوات طويلة من الصراع الفكري والسياسي أن يدعم ويقوي إتجاهات أكثر ثورية داخل الفكر الشيعي[1]

خاض الإمام الخميني صراعا فكريا مع الليبراليين ورجال الدين سوءا أكانوا من رجال الدين الشيعة، أو من أهل السنة، وخاصة الإتجاه الوهابيّ، فكتابه « كشف الأسرار » [2] يعتبر جزءا من صراعه الفكري؛ إذ هو دفاع عن عقيدة الإمامّية، كما أنه دفاع عن شمولية الإسلام دينا وسياسة، فالكتاب هو- أصلا- رد على كتاب:« أسرار ألف عام» للكاتب الليبرالي علي أكبر حكمي زاده،  الذي يدعو إلى الإحياء والتجديد الديني مرورا بالدعوة إلى الإصلاح وإعادة النظر في العقائد والأعمال الدينية وخاصة عقائد الشيعة، كما دعا إلى العصرنة والعقلانية والانفتاح على الغرب و التحرر من قيود الشريعة والتقاليد الدينية اجمالا، إضافة إلى ذلك، إنتفد علماء الدين وأتباعهم من المتديين الذين يدعون إلى العودة إلى الإسلام وتحكيم الشريعة في المجتمع، باعتبارها الحل الناجح والصالح لكل زمان ومكان.

كما ساند الكتاب الإتجاه التغريبي الذي قاده الملك رضا شاه البهلوي، منذ بدايات حكمه في العقود الأولى من القرن العشرين، حيث قام بجملة من الإصلاحات والتغيير ترافقت بحملة عصرنة وتغريب واسعة في البلاد تأثَّر فيها بأفكار وتوجُّهات  مصطفى أتاتورك التي أعجب بها أثناء زيارته لتركيا في بدايات حكمه، لاسيما فكرة نزع الحجاب، ولبس القبعات الغربية، ونزع العمائم وخلع اللباس الديني التقليدي، كما قام بمصادرة جميع الأوقاف الإسلامية في البلاد، وسعى إلى فتح أبواب الحداثة الغربية على إيران في كل المجالات السياسية والجامعية والثقافية والإعلامية مشجِّعاً الفساد والتحرُّر من قيود الدين، وقام بإحياء أمجاد الفرس القدماء وإضعاف الإتجاه الديني الإسلامي في إيران،  وبعد عزله ونفيه، واصل ابنه الملك محمد رضا شاه البهلوي السير بنحو سياساته التغريبية ذاتها بشيء من الحذر مراعاةً لتنامي الشعور الديني في البلاد وقوّة الحركة العلمائية الإسلامية السياسية الصاعدة فيها[3].

فناقش الإمام  الخمينيّ  على  رد كتاب:« أسرار ألف عام» للكاتب الليبرالي علي أكبر حكمي زاده في خمس مقالات، من كتابه "كشف الأسرار" حيث  أجاب فيها عن  الأسئلة التي وجهها صاحب كتاب:« أسرار ألف عام»، فتضمنت جوابه حول: التوحيد، والإمامة، ودور والعالم، والحكومة، والقانون، والحديث،حيث فنّد شبهات صاحب »أسرار ألف عام»، وبالتالي بيّن جدارة الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان[4].

من جانب آخر دخل الإمام الخميني صراعا فكريا مع رجال الدين في الحوزات العلمية  عند الشيعة، وهذا الصراع يدور حول تباطئ علماء الحوزات العلمية في المشروع السياسيّ الإسلامي، مما يساند دور الاستعمار في العالم الإسلامي ويضعف دور المسلمين، يقول في رد هؤلاء «قبل كل شيئ احسموا وضع هؤلاء المتقدسين فإن وجود هؤلاء بمثابة تقييد لكم من الداخل مع هجوم العدو من الخارج»[5].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم:

..........................

[1]  أهم الكتب التي أثر في فكر الأمة في القرنين التاسع عشر والعشرين إشراف  أ. د. عبد الحميد أحمد أبو سليمان  وآخرون، ص ،202.

[2] كشف الأسرار هو كتاب محتوياته سياسية ، عقائدية واجتماعية، الّفه المرجع الشيعي روح الله الموسوي الخميني عام 1944م في اوائل الاربعينيات - أي بعد عامين من عزل رضا شاه من السلطة - باللغة الفارسية ، رداً على كتاب أسرار ألف عام تأليف علي أكبر حكمي زاده. أنطر الرابط:

https://ar.wikipedia.org/wiki/ كشف الاسرار

[3] - علي أكبر حكمي زاده، ، أسرار ألف عام، ( تاريخ النشر،  23 -7-2009م)، أنظر الراط:                                                     http://edharalhaq.com/vb/showthread.php?t=4888     [4] - آية الله الخميني،  كشف الأسرار،(PDF)، الترجمة الصحيحة غير المحرفة،) بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص11.

[5] -  آية الله الخميني، الحكومة الإسلامية،(PDF)، (بدون تاريخ الطبع والناشر)،ص120.

 

بدر الدين شيخ رشيدمرّ سيد قطب من الناحية الفكرية بمراحل مختلفة، إلا أنه يمكن إجمالها بمرحلتين:

الأولي: مرحلة يغلب عليها الطابع الأدبي، ومرحلة يغلب عليها الطابع الإسلامي، فالمرحلة الأولى كان فكره يميل إلى الليبرالية، حيث كان سيد قطب في تلك المرحلة تلميذا للعقاد، وكان يتردد على طه حسين، فحمل لواء المعارضة على الأستاذ الكبير مصطفى الرافعي وكان هجوه عليه عنيفا، حتى أن الرافعي لم ينج منه حتى بعد موته، فقد نقد الرافعي إثر موته نقدا لا ذعا، فقام علي الطنطاوي يدافع عن الرافعي فقابله سيد قطب برد عنيف[1].

كما انتقد أيضا، في كتابه: «نقد مستقبل الثقافة في مصر» طه حسين، حيث عرض فيه رأيه في كتاب «مستقبل الثقافة في مصر» لطه حسين، الذي أثار ضجة حينئذ وذلك بدعوته إلى الأخذ بحضارة الغرب حلوها ومرها وشرها، وأبرز سيد قطب في نقده لهذا الكتاب المغالطات التي أوردها طه حسين في هذا الشأن بصورة واضحة لا لبس فيها، كما قدم في مجال النقد أيضا في كتابه:«النقد الأدبي أصوله ومناهجه»[2].

الثانية: المرحلة التي يغلب فيها الطابع الإسلامي الأصولي فهي تنقسم إلى قسمين، حسب رؤية الدكتور صبري محمد خليل: قسم يغلب عليه الطابع الاجتماعي، ويتسم بالاعتدال، ومن مؤلفاته في هذه المرحلة: «العدالة الاجتماعية»، «الإسلام والسلام العالمى» ،«معركة الإسلام والرأسمالية»، وقسم يغلب عليه الطابع السياسي والحركي، ويتسم بالتشدد، ومن أهم مؤلفاته فى هذه المرحله كتاب:«معالم في الطريق»[3]، إلا أن الشيخ حسين بن محمود أضاف المرحلة الأولى ذات الطابع الأدبي إلى مرحلة التيه والضياع الفكري، وكانت من سنة الدراسة الثانوية (1925م) إلى سنة (1940م)،حيث كان هذا الضياع الفكري نتيجة لانتشار الثقافة الغربية وتمكنها من جيل تلك الحقبة، ولكن سيداً القروي الأصيل لم يسقط في الجانب السلوكي، وإنما كان هذا التيه فكرياً بحتاً[4].

علاوة على ذلك، فسيد قطب له جوانب متعددة طبقاً لمراحل حياته، كما قال الدكتور حسن حنفي، فهو الشاعر الرومانسي في العشرينيات (1925م-1945م)، وكاتب: «قصص الأطفال»، وهو الناقد الأدبي في الأربعينيات (1945م- 1950م)، في كتاب:«النقد الأدبي أصوله ومناهجه»، و«التصوير الفني في القرآن»، و«مشاهد القيامة في القرآن»، وهو المفكر الإسلامي في الخمسينيات (1954م-1950م)، ابتداء من «العدالة الاجتماعية في الإسلام» ( 1949م)، و«معركة الإسلام والرأسمالية» (1950م)، و«السلام العالمي والإسلام» (1951م)، و«المستقبل لهذا الدين» 1953م)، و«في ظلال القرآن» على مدى عشرين عاماً، والمرحلة السياسية (1954م- 1965م)، ومن أسوأ ما كتب فيها «معالم على الطريق» الذي كتبه وهو في السجن تحت آلام التعذيب الذي يكفّر فيه المجتمع ويقسّمه إلى إسلام وجاهلية، ونور وظلام، وإله وطاغوت، وإيمان وكفر، ولا حوار بين الحق والباطل إلا أن يقضي الحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق:( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً)[5].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

....................................

[1] - عبد الله عزام، عملاق الفكر الإسلامي، الشهيد سيد قطب، مركز شهيد عزام الإعلامي، بيشاور، باكستان، ط1/(بدون تاريخ الطبع )، ص8.

[2] - محمد عبد القادر المزي الجهاد عند سيد قطب،: تحرير مشروع أم إرهاب مذموم، بحث مقدم لنيل درجة الماجستير، جامعة الكيب الغربي، جبوب إفريقيا،(2007-2008)، ص133.

[3] - د. صبري محمد، خليل، سيد قطب،: قراءة منهجية لأفكاره، (تاريخ النشر، 16-4- 2012م)، أنظر الرابط:

http://drsabrikhalil.wordpress.com/2012/04/16/

[4] - حسين محمود، مراحل التطور الفكري في حياة سيد قطب، دار الجبهة للنشر والتوزيع، ط/1429،ص 11

[5] - د. حسن حنفي، الشاعر الرومانسي، سيد قطب، رابطة الأدباء،(بدون تاريخ النشر)، أنظر الرابط:

http://www.odabasham.net/show.php?sid=41274

 

بدر الدين شيخ رشيدالحالة السياسية في إيران ومصر: إن العصر الذي عاش فيه كل من الإمام الخميني و الشيخ سيد قطب مليئ بالأحداث السياسية العالمية والمحلية، فكلاهما عاش في عصر انحطاط الخلافة العثمانية وعصر هيمنة الغرب على العالم الإسلامي وتفككه، وما تلى ذلك من استقلال وقيام دول تابعة للغرب. فالإمام الخميني عاصر الحكم الملكي المثمثل بالأسرة القاجانية وخاصة الملك مظفر الدين شاه ما بين (1896م- 1907م)، ومحمد علي شاه ما بين (1907م-1909م)، وأحمد شاه ما بين (1909م- 1925م)، ثم ما جاء من الحكم البهلوي المتمثل ب-رضا خان(1925م-1941م)، ثم ابنه محمد رضا ما بين (1941م- 1979م) والذي  تم إطاحته  بقيام الثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني.

كما عاصر سيد قطب آخر حكم أسرة محمد علي باشا، وخاصة في حكم الخديوية (1867م-1914م)، وحكم السلطنة (1914م-1922م) وعصر حكم الملكية (1922م-1953م)، والتي أطيح به بقيام نظام  الجمهورية بيد الضباط الأحرار عام(1953م)[1].

الحالة السياسية في إيران:

يحدد تاريخ إيران السياسي في القرن الماضي الذي عاش فيه الإمام الخميني مايعرف  بالثورتين: ثورة الدستور عام (1906م)، والثورة الإسلامية التي قادها الخميني عام( 1979م)، فإيران شهدت من خلال تلك الفترة أحداثاً عالمية كبرى كالحرب العالمية الأولى سنة (1914م-1918م) والثانية سنة (1939م-1945م)، والثورة الشيوعية في روسيا سنة (1917م)، حيث تأثرت إيران بهذه الأحداث  تأثراً كبيراً، فكانت إيران من سنة (1906م)، إلى سنة (1914م)، أي من الثورة الدستورية إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى، يحكمها الدولة القاجارية التي فتحت الباب على مصراعيه للنفوذ الأجنبي والاستثمارات الأجنبية، وخاصة البريطاني والروسي، الأمر الذي أثار الطبقة الوسطى[2].

واندلعت في عهد القاجار سنة (1906م) ثورة أطلق عليها الثورة الدستورية، كانت تطالب بإصلاحات سياسية، وفي سنة  (1925م) انتهت هذه الدولة على يد رضا بهلوي الذي كان قائداً للجيش ورئيساً للوزراء، وأسس على أنقاض القاجار نظاماً ملكيّاً جديداً.

وفي عهد الدولة البهلوية (1925م-1979م) كانت إيران مسرحاً للتدخلات الخارجية والتنافس الغربي، خاصة من قبل الإتحاد السوفيتي وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة، وفي عام (1941م)، تم عزل رضا بهلوي من قبل القوات الأجنبية المتواجدة في إيران ونفيه، وتنصيب ابنه محمد رضا مكانه،  واستمر محمد رضا بهلوي في سياسة والده،حيث أهدر ثروات البلاد وقمع المعارضين واضطهد علماء الدين حتى أسقطته الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخمينيّ[3].

الحالة السياسية في مصر:

أما الحالة السياسية في مصر فقد بليت فيها منذ أواخر القرن التاسع عشر، وحتى أوائل النصف الثاني من القرن العشرين، بحكم الخديويين والملوك الذين تعاونوا مع الاستعمار الفرنسي والإنجليزي في شؤون مصر، فقامت نتيجة لذلك ثورات شعبية عديدة تطالب بالاستقلال، أولاها ثورة أحمد عرابي عام ( 1881م) في عهد الخديوي توفيق، حيث استمرت حتى نهاية عام( 1882م)،إلا أنها انتهت بالإخفاق[4]

وتوالت بعدها حركات وطنية تحررية تطالب بالاستقلا من الإنجليز، فكان الحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل عام(1907م( في عهد الخديوي عباس حلمي هو الحزب الأول، كما ظهر في نفس السنة،  ثلاثة أحزاب وطنية ذات أهداف متشابهة، هي:الحزب الوطني الحر برئاسة عبد الخالق ثروت[5]، وحزب الأمة بزعامة الشيخ حسن عبد الرازق، وحزب الإصلاح بقيادة الشيخ علي يوسف[6].

وقد مرت ساحة مصر في العصر الذي عاش فيه سيد قطب عدة محطات سياسية أهمها: وقوع الحرب العالمية الأولى عام:( 1914م)، وعزل الإنجليز الخديوي عباس الثاني لانحيازه إلى جانب تركيا وألمانيا ضد الحلفاء، وعينوا بدلا منه حسين كامل، وبذلك قضوا على التبعية المصرية إلى تركيا، وبعدها قامت ثورة سعد زغلول في عام:(1919م)، المطالبة بالاستقلال، ثم تلاها تأسيس الحزب الاشتراكي المعروف باسم «مصر الفتاة » برئاسة أحمد حسين، وحزب «اhttp://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86لإخوان المسلمين»الذي أسسه الشيخ حسن البنا.

هذا، وقد انفجرت ما بين عام( 1930م و 1935م) مظاهرات طلابية صاخبة احتجاجا على الاستعمار الإنجليزي، وقد أضطرت بريطانيا في النهاية إلى القبول بالتفاوض مع المصريين، ثم الاعتراف باستقلالهم عام ( 1936م).

وفي 4شباط ( 1942 م) حاصرت دبابات الجيش الإنجليزي قصر عابدين في القاهرة وحطمت بابه ليدخل السفير البريطاني على الملك فاروق ويفرض عليه تعيين النحاس باشا رئيسا للوزارة، فبلغت النقمة على الإنكليز ذروتها، وقامت جميع الأحزاب وخاصة حزب الإخوان المسلمين الذي منع رئيسه حسن البنا من ترشيح نفسه للانتخابات النيابية، وحزب الوفد نفسه، والأحرار الدستوريين، والهيئة السعدية الذي ظهر في عام ( 1938م)، والكتلة الوفدية الذي تأسس عام ( 1942 م)،  حيث ندّدت بشدة بهذا العمل، وساء الوضع بعد ذلك إلى درجة لم يعد معها الشعب يتحمل مظاهر تدخل الإنكليز في شؤون مصر الداخلية، فكانت مجازر القاهرة والإسكندرية عامي ( 1946م، و 1947 م) التي سقط فيها العديد من الضحايا.

علاوة على ذلك، اندلع حرب فلسطين عام( 1948 م)، والذي تكبد الجيش المصري فيه خسائر فادحة قدرت بحوالي مائة ضابط من مختلف الرتب وثمانمائة وواحد وستين جنديا، وكذلك الإخوان المسلمون الذين اشتركوا بمحض إرادتهم وبأسلحتهم الخاصة في القتال بقيادة زعيم الحزب حسن البنا، وفي 8 كانون الأول ( 1948م)، ومن ثَم، إتهم الحكم الملكي حزب الإخوان المسلمين بتدبير انقلاب مسلح ضده، بغية إقامة جمهورية إسلامية، فاعتقل زعماؤه ومن بينهم حسن البنا، وحل الحزب وصودرت ممتلكاته، فخرج البنا من السجن عام ( 1949م)، وفي 12 شباط من العام نفسه جرى اغتياله. وفي سنة ( 1954 م) أثبتت التحقيقات بعد اعتقال محمود عبد المجيد وغيره، أن العهد البائد وعلى رأسه الملك فاروق كان وراء اغتياله[7].

وبعدها نجحت ثورة 23 يوليو(1952م)، والتي تمت بتنظيم من الضباط الأحرار لتغيير الوضع السياسي في مصر [8].

 

د. بدر الدين شيخ  رشيد إبراهيم

.............................

[1] - حكام مصر من أسرة محمد علي باشا،( تاريخ النشر،  22-1-2009م ) ، أنظر الرابط: http://ar.wikipedia.org/wiki

[2] - د. آمال  السبكي، تاريخ إيران السياسي بين  ثورتين،( 1906م-1979م)،، كتاب الشهر، العدد الرابع،  شوال، 1424ھ،( مقال نشر في  موقع الراصد،  بتاريخ ، 28-8-2006م)،أنظر الرابط:

http:∕∕ alrased.net∕main∕article.aspx?selected-article-no5278

[3] -  د. آمال  السبكي، تاريخ إيران السياسي بين  ثورتين، ( 1906م-1979م)، مجلة الراصد، العدد  الأول، جمادي الآخر، 1424ھ، ج1/ص10-12.

[4] - د. مهدي  فضل الله، مع سيد قطب في فكره السياسي والديني، (  تاريخ النشر، 9- 10- 2012م)، أنظر الرابط

: http://www.ikhwanwiki.com/index.php?title

[5] - عبد الخالق ثروت باشا،(1873م-1928م)، رئيس وزراء مصر في عهد الملك فؤاد الأول، أنظر ترجمته: الزركلي، خير الدين بن محمود، الأعلام، دار العلم للملايين، ط15/ 2002 م، ص291-292.

[6] - علي بن أحمد  بن محمد بن  يوسف،(1863م -  1913م)، ولي  مشيخة السجادة الوفائية في مصر.

[7] -  د. مهدي فضل الله ، مع سيد قطب في فكره السياسي والديني،( تاريخ النشر، 9 -10-  2012م)، أنظر الرابط:

http://www.ikhwanwiki.com/index.php?title

[8] - د. جاد طه، معالم تاريخ مصر الحديث والمعاصر، دار الفكر العربي، بيروت،  لبنان،(بدون تاريخ الطبع)، ص397.

 

بدر الدين شيخ رشيدينبغي أن ندرك أن الشائع في مصطلح الإمامة عند الشيعة الإماميّة هو إستخدام كلمة «الإمامة»، بينما نجد أن المشهورعند الأشاعرة هو إستخدام كلمة «الخلافة» في تعريف الزعامة الدينيّة والدنيويّة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل مفهومهما واحد؟ أم بينهما فرق من حيث الإصطلاح عند المدرستين؟.

إذا نظرنا إلى هذه الإشكاليّة من ناحية مفهوم الخلافة والإمامة عند الأشاعرة والإماميّة، نجد أن الشيخ سعيد عبد اللطيف فودة في كتابه «بحوث في علم الكلام» يقول:« هناك إصطلاحان يستعملان في هذا المقام، (الأول): الخلافة، (والثانى): الإمامة. فأهل السنة لا يرون إختلافا بينهما، ويستعملون أحدهما محل الآخر وأما الشيعة فيفرقون بينهما».[1]

العلامة سعد الدين التفتازانى [791/792ھ/ 1388/1389م] حاول كشف حقيقة الفرق بين الإمامة والخلافة عند الأشاعرة والإماميّة، حيث يظهر أن وجه تخريجه في حلّ هذا الإشكال قائم: بأن مفهوم الإمامة أعمّ من الخلافة. إلا أن وجه تخريجه للتفرقة بين الإصطلاحين لايزيل الإشكال عند الأشاعرة.

إذ خرّج التفتازاني عموميّة الإمامة على الخلافة عند الأشاعرة  من ناحيّة الزمن، حيث أطلق مفهوم الخلافة، خلافة الراشدين، وما بعدها يمكن أن يطلق على الإمامة، لا الخلافة. وفسّر هذا التخريج  بناء على الحديث:"الخلافة بعدي ثلاثون سنة" «فما بعدها لا يكون خلافة، فالإحتمال أن يكون ما وراء الثلاثين إمامة لا خلافة بناء على أن الإمامة أعمّ»[2].

غير أن التفتازاني أبطل هذا الإحتمال، لعدم وجود من إستعمل هذا الإصطلاح عند الأشاعرة. وهكذا نجد أنه إختار في حلّ هذا الإشكال بالتفرقة بين الخلافة والإمامة عندهم، من حيث الكمال والنقص، حيث أطلق على الخلافة الراشدة بالكاملة، وما بعدها بالخلافة الناقصة (الملكيّة) ، فقال:« ولعل المراد أن الخلافة الكاملة التي لا يشوبها شيء من المخالفة وميل عن المبايعة تكون ثلاثين سنة. وما بعدها قد تكون وقد لا تكون»[3].

أما مفهوم الخلافة والإمامة عند الشيعة الإماميّة، فيبدو أن هناك فرقا بينهما، لكن هذه الفرق يصدق عند فريق من الشيعة الإماميّ كما يفهم من كلام العلامة التفتازانى الأشعرى [ت:791/792ھ/13891388/م]، حيث قال: « بل من الشيعة من يزعم أن الخلافة أعمّ؛ لأنهم  يقولون بخلافة الأئمة الثلاثة (أبوبكر، عمر، عثمان)، دون إمامتهم»[4].

إلا أن الشيخ سعيد عبد اللطيف فودة ردّ هذا الإحتمال في كتابه «بحوث فى علم الكلام» رغم أنه أشار هذا الفرق بينهما، في أخر كلامه، فقال:« ونفهم تماما، أنه لم تزعم الشيعة الفرق بين الإمامة والخلافة. فهم لا يعترفون للخلفاء الثلاثة. وهم أبو بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم، ولا يعترفون لهؤلاء بالإمامة، بل ربما ينسبون لهم بالخلافة فقط»[5].

ينبغي أن ندرك أن إشكال الفرق بين الخلافة والإمامة الذي نسبه العلامة التفتازاني الأشعريّ لبعض الشيعة، هذه الفرق يصدق في تعريف الخلافة عند الأشاعرة. وذلك، حسب رؤية بعض  الشيعة الإماميّة أن الخلافة تطلق بالإمارة الظاهرة، بخلاف الإمامةلأن مفهوم الإمامة عند الشيعة لا يقتصر بالإمارة الظاهرة التي تقول بها الأشاعرة، بل أكثر من ذلك هي رئاسة دينية تشكل الطاعة والإنقياد التام للإمام  مثل الطاعة الموجبة لله ورسوله. ومن هذا المنطلق، فرقت الشيعة بين الخلافة والإمامة. وهذا المفهوم، أعنى  التفرقة بين الخلافة والإمامة عند الإماميّة، أكد السيد محسن الخزاري شارح كتاب «عقائد الإماميّة» للمظفر، حيث وافق كلام التفتازانى الأشعري الذى نسبه إلى الشيعة في التفرقة بين الخلافة والإمامة. فقال السيد الخرازى:«ولا يذهب عليك أن جمهور العامة(أهل السنة) فسروها بما أعتقدوها في الإمامة من الخلافة الظاهرة والإمارة، وقالوا: إن الإمامة عند الأشاعرة هي خلافة الرسول فى إقامة الدين وحفظ حوزة الملة، بحيث يجب إتباعه على كافة الأمة، ومن المعلوم أن مرادهم منها هي الخلافة الظاهرة، التي هي إقامة غير النبي مكانه، في إقامة العدل وحفظ المجتمع الإسلامى، ولو لم ينصبه النبي صلى الله عليه وسلم للخلافة بإذنه تعالى»[6].

وعلى هذا، فالخلافة الحقيقية عند الإمامّية لاتصدق إطلاقها بالإمامة، إلا إذا كانت في مفهومها الإلهيّ المتعيّنة من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم  كما تقول به الإمامية «فالإمامة عندهم من جنس النبوة، لافرق بين النبي والإمام، إلا من جهة أن الإمام -غير النبي- لا يوحى إليه، أو لا تنزل إليه رسالة وشريعة جديدة ويشترك مع النبوة فيما سوى ذلك»[7]. وبناء على ذلك، فالخلافة والإمامة الحقيقية عند الشيعة الإماميّة هي:« الخلافة الكليّة الإلهيّة التى من آثارها ولايتُهم التشريعيةُ التى منها الإمارةُ والخلافةُ الظاهرةُ»[8]. ويقصد حقيقة المعنى الإلهيّ للخلافة عندهم، أن الإمامة تشمل مفهومى التّكوينىّ والتّشريعىّ، بل التشريع تابع ولازم للتكوينيّ، ويقصد بالتكوين التدبير للعالم إيجادا وإعداما، أو تصرفا تكوينيّا له لا تشريعيا فقط، لأن الولاية التشريعية تابعة للتكوينية، لأن من يملك التصرف الكونىّ يملك قطعا أن يأمر وينهى[9].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

...............................

[1] - فودة سعيد عبد اللطيف، بحوث فى علم الكلام، دارالرازى للطباعة، عمان، الأردن، ط1/2004م، ص131.

[2] - التفتازاني،  شرح العقائد النسفية، تحقيق محمد عدنان درويش، بمراجعة، فضيلة الشيخ أديب الكلاس مكتبة دار البيروني، 1411ھ ، (بدون رقم الطبعة )،ص234.

[3] - المصدر السابق، ص232.

[4] - التفتازاني، شرح العقائد النسفية، تحقيق محمد عدنان درويش، بمراجعة فضيلة الشيخ أديب الكلاس مكتبة دار البيروني ،(بدون رقم الطبعة)، 1411ھ ، ص234.

[5] - فودة سعيد عبد اللطيف، بحوث فى علم الكلام، دار الرازى للطباعة عمان، الأردن،ط1/2004م ، ص132.

[6] - الخزازي، السيد محسن، بداية المعارف في شرح العقائد الإمامية، مكتبة مديرية الجوزية العلمية، قم، إيران،ط1/1411ھ ،ص11

[7] - فودة سعيد عبد اللطيف، بحوث فى علم الكلام، دار الرازى للطباعة عمان، الأردن،ط1/2004م ،ص132.

[8] - الخزازي، بداية المعارف في شرح العقائد الإمامية، مكتبة مديرية الجوزية العلمية، قم، إيران،ط1/1411ھ ،ص12.

[9] - فودة سعيد عبد الليف، بحوث فى علم الكلام، دار الرازى للطباعة عمان، الأردن،ط1/2004م، ص134.

 

 

عامر عبدزيد الوائليما بعد الهويات القاتلة ومدخلية الدين في تشكيل الفضاء الهوياتي المنفتح (3)

لا شيء يمنح التوحش السياسي ألاستمرارية على صعيد الدول والحركات السياسي والدينية؛ إلا عبر انتهاك قيم حقوق الإنسان فهي تستمر بالحكم عبر القتل بانتهاكها قيم الإنسان؛ لكن على طول التاريخ تبقى رمزا للكراهية والانحطاط .

تحتل معايير البحث عن الخطابات المهيمنة في واقعنا العربي عامة والعراقي خاصة ضرورة ملحه في بحثي هذا؛ لأنها تمثل رهانات ضاغطة على حياتنا وتشكل اطاريح خطرة تحتاج منا الى دراستها وتفهمها بوصفها ظاهرة مأزومة، ومن اهم هذه الخطابات " إلاصولية الإسلامية " فهذا البحث يحاول مقابهتا نقديا، من خلال تفكيك تمركزاتها وكشف المسكوت عنها عبر الحفر في مسوغاتها المعاصر وجذورها التراثية، من خلال طرح إلاسئلة إلاشكالية أهي حركة معاصرة وليدة الفضاءات المعاصرة ام هي ظاهرة تراثية؟ المفهوم المطلق عليها أهو مفهوم دقيق أم مشبع بمعأني حافة وليدة معأني متعالقة مع توصيفات وتجارب اخرى؟

وهذا يقودنا إلى التساؤل عن إلاصولية أهي ظاهرة إسلامية أم عالمية؟ وبما تتميز في الإسلام عن غيرها عالميا؟ اكيد هنا كثير من الجوأنب يمكن اثارتها اثناء البحث والتحليل، إلا أن بحثنا يعبر عن اطروحة مركزية نحاول أن نجد لها ترجمة عبر تفكيكها .

فأطروحتنا تعبر عن تاريخية كل فكر والإشكالية التي يبزغ فيها وتكون سبب ظهوره ونسبية بعيدا عن الشمولية وإبعادها التصنيمية التي تدعي أنها وحدها تمتلك الحقيقة المفارغة، وبالتالي هي الفرقة الناجية وماعداها مرتد وكافر يجوز قتله واستباحة اعرضهم وأموالهم، ومن ثم فأن إلاطروحة المضادة تحوي تلك المعايير؛ إلا أنها تبقى وليدة الواقع وقد اقامت تناصات مع الحركات العالمية التي تقاسمها المنهج رغم عدم تطابقها من حيث العقيدة والغايات اذ هناك قواسم مشتركة بين إلاصولية والشموليات التوتارية مثل النازية والفاشية، وهي متشابهة فيما بينها اي الحركات إلاصولية سواء كأنت مسيحية او يهودية او إسلامية او هندوسية .

من اجل البحث في تلك الاشتباكات لابد من البحث في مواضعات: المفهوم اللغوي، والمفهومي، وإلاشكاليات التي تتمظهر فيها اومثلها.

المعنى اللغوي للأصولية:

1-1- نجد أن اللغة العربية تؤصل معنى إلاصولية من "إلاصل"، هو ما يبتني عليه غيره، وإلاصول: جمع أصل، وهو في اللغة:عبارة عما يفتقر إليه غيره، وفي الشرع: عبارة عما يبني عليه غيره، ولا يبني هو على غيره، وإلاصل: ما يثبت حكمه بنفسه، ويبنى عليه غيره .أصول الفقه: هو العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى الفقه، والمراد من إلاصول في قولهم:"هكذا في رواية إلاصول".(1) لكن ايضا معنى إلاصولية هي اسم مؤنَّث منسوب إلى أُصول، على غير قياس، مما يجعل الجماعة إلاصولية. مصدر صناعيّ من أُصول إلاصولية التمسُّك بكلّ اتِّجاه فكريّ أو دينيّ قديم كما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر.(2)

1-2- اما كلمة إلاصولية باللغة إلأنجليزية (fundamentalism) فتعني العودة إلى "إلاصول" الخاصة بتقليد سابق في الماضي والبقاء فيها إيمأنياً وفكرياً وسلوكياً.

إلاصولية اصطلاحاً:

2-1- من "إلاصول" المتعلقة بعلوم الدين، ويطلق لفظ "إلاصول" على مصطلحات مختلفة أشهرها ما يدل على ثلاثة من العلوم الإسلامية هي: أصول الدين وأصول الحديث وأصول الفقه، ويسمى علم أصول الفقه، غالباً، علمَ إلاصول، ويعرَّف بأنه العلم بقواعد الفقه الإسلامي، وبإلادلة التي تؤدي إلى تقرير إلاحكام الشرعية(3) اذ في الإسلام يرجعون في أحكامهم ومسائلهم إلاجتهادية إلى إلاصول .(4)وكما يبين محمد اركون بأن هاجس إلائمة المجتهدين منصبً على تأسيس حجية القرآن ثم السنة النبوية (وسنة إلائمة عند الشيعة) و إلاجماع و القياس .(5) وقد ظهرت مجموعة من المؤلفين تركوا وراءهم كتبا كان لها تاثير حاسم على العملية التاريخية البطيئة لتشكيل إلارثوذكسيات المتنافسة عقائديا وسياسيا .(6)

2-2- أن مفهوم " إلاصولية " الذي يتم اطلاقه اليوم على الإسلام، هو بإلاساس مصطلح مستقر في الفكر الغربي، فأنه أول ما ظهرت في المسيحية الغربية فإلاصولية هي في الواقع مصطلح من المصطلحات إلأنجلو سكسونية. وعلى وجه الخصوص لدى المسيحية (البروتستأنتية) إلاصولية تعني التركيز على المعنى الحرفي في تفسير الكتاب المقدس يقابل التفسير الرمزي الكاثوليكي .واليوم هناك حركات دينية اصولية بروتستأنتية تلتزم بحرفية النصوص وتحاول العيش على أسس تعاليم الكتاب المقدس. كمقابل للفكر العلمأني في الغرب .(7)

قد أنعكست تلك المرجعية في تعريف إلاصولية الدينية – كما تُعرّفها الموسوعة العالمية التي صدرت بأجزائها الخمسة بين عامي (1991 – 1995) وحملت عنوأن (المشروع إلاصولي) – هي كل ايديولوجيا تدعو إلى تسييس الدين وإقامة نظام سياسي مبني على تعاليم إلهية. وفي حين أن إلاصوليات الدينية غير الإسلامية تطالب بإقامة أنظمة حكم دينية في بلدأنها فقط، فأن إلاصولية الإسلامية تسعى إلى بناء نظام سياسي إسلامي في جميع أنحاء إلارض كبديل للنظام العالمي الغربي(8)

2-3- استعمال هذا المفهوم في توصيف الحركات الإسلامية يجب أن يراعي تلك المعاير في الفكر إلاصولي "إذا استخدمنا هذا المصطلح للمسلمين، وينبغي أن يكون معنى إلاصولية الدعوة إلى مراقبة صارمة من إلاساسيات والمذاهب الإسلامية التالية آيات من القرأن الكريم، وبهذا المعنى فإلاصولية او ما يعرفة بإلارثذكسية أي الفهم المتشدد للاصول، وهذا الفهم حديث ظهر في الغرب فهناك اصوليات علمأنية واخرى دينية سواءاً كأنت مسيحية أم يهودية ومن ثم اخذت تطلق هذه الكلمة على الحركات المتشابه في الرؤية والسلوك عالميا ومنها إلاصولية الإسلامية وغيرها .لكن هناك نقاط متشابهة بين إلاصوليات بشكل عام والدينية بشكل خاص منها أنها تعتمد نقاط مشتركة بمثابة روابط فكرية تقود الى سلوك محدد اتجاه من هو داخلها او من هو خارجها .(9)

2-4- إلاصولية تعتمد معايير تصنيف للآخر بوصفه مختلفا عنها ولهذا تنتهج معه سلوكاً اقصائياً، فأن هذا السلوك الحق تشوهات من خلال أنواع البتر التي الحقها هذا التراث إلارثوذكسي بنفسه من جراء حذفه وتصفيته لكل المدارس والمؤلفات والشخصيات الفكرية التي ظهرت داخل الإسلام التي عدت "زندقة " أو منحرفة (10) اما عن تلك القواسم المشتركة في تصنيفه إلاصولية الدينية اذ هناك ثلاثة ملامح تُكَون إلاصولية المتطرفة منها:

2-4-1- "هيمنة النزعة المحافظة "وعلى هذا إلاساس نجدها تعارض النزعة التحررية أو إلاجتماعية أو التنويرية والحداثة. هكذا فهي تعني الحفاظ على تقليد "إلاصول" بدون تجديد وبدون تطبيق معاصر، فإلاصولي المتشدد يمارس حياته اليومية وفقًا لنظرة تاريخية قديمة مرتبطة بالماضي، إلا أنه يستخدم بعض وسائل الحداثة، مثل الوسائل الحديثة في النقل والعلاج والبناء"، بيد أنه عندما تتحدث معه عن إلاسس الحديثة لنظريات الحياة السياسية وإلاقتصادية وإلاجتماعية والنفسية فأنه يرفضها بشدة، لأنها تتعارض مع فهمه للحياة من خلال موروث سلفي لا يصلح للأنسأن المخلوق بحسب صورة الله ومثاله، تاج الخليقة.

2-4-2- طغيأن الخطاب الديني: فالتدين يكون بمثابة العنصر المثبت للنزعة المحافظة التقليدية، والمادة المتماسكة، والقوية لأصول التقليد في الدين التي تُخضع كل ما هو علمأني (الدولة، المجتمع، إلاقتصاد)، لكل ما هو ديني، وتُخضع الخاص (الحياة الشخصية للفرد) إلى العام (القيم إلاخلاقية الدينية "الشرع المقدس"). هكذا إلاصولية الدينية المتطرفة تتخذ مواقف متشددة وغير متفهمة للسلوك البشري، وترفض المرونة إلاجتماعية في التعامل مع هذا السلوك، فهي دائمًا تتصلب في فهمها لكل مجإلات الحياة، فالفنون والموسيقى تُعد بالنسبة للأصولية مفسدات، إلا إذا كأنت تساعد على نشر رسالة الجماعة إلاصولية وكما يغلب عليها التشدد وعدم ترجيح العقل المعاصر في أحكامها.

2-4-3- بروز الخطاب العنيف بحق المختلف: فهذا السلوك العنيف يعد بالمقارنة مع الملامح المشتركة السابقة يعد العنصر إلاكثر إثارة للأصولية المتطرفة، أن استخدام العنف باسم النزعة المحافظة في خدمة كل ما هو مقدس، هو ما يلخص الحركة إلاصولية، استعمال السلاح وسفك الدماء، والقتل الجماعي، وبتر إلاعضاء كعقاب و طرد وعزل إلاقليات التمييزات القبلية، التطهير العرقي وإلارهاب، كل هذا يندرج في بنود إلاجندة اليومية للأصوليين في كل العالم وفي كل عصر.وهي مظاهر اصولية متنوعة إلاديأن اذ (على طوال عقد الثمأنينيات، قلما شهد العالم أزمة سياسية ذات شأن في أحد أرجاء العالم لا تقف وراءها يد الدين غير المتوارة تماما .ففي الشرق إلاوسط، تصادمت كل إلاديأن و الحركات إلاصولية في هذه المنطقة – يهودية كأنت أم مسيحية أم مسلمة – على خلفية صراعات قديمة حول السلطة في إطار حروب أهلية وغير أهلية)(11)

ويشهد العالم إلآن في كل أرجائه ارتدادًا، يصل إلى حد التطرف وإلارهاب، إلى إلاصولية الدينية بجميع طوائفها (الهندوسية والإسلامية واليهودية والمسيحية والبوذية). ويبشر إلاصوليون وكل مَنْ يلتزم بتعاليمهم، بالنجاة، ولا مجال في عالمهم لإثارة تساؤلات تنم عن حالة من الحيرة والقلق، أما مَنْ لا يتبع التعاليم، فيستحق العذاب.(12)

-4-4- إلأنسحاب وإلأنفصال عن الثقافة المعاصرة والعلاقات إلاجتماعيّة، والترويج لإيديولوجيا على أنها واحدة وسامية و تفسير شامل يمكن من خلاله تفسير جميع الظواهر ومعالجتها. عدم إلاقتصار في النظام الجديد على السعي نحو تحويل النظام السياسي وإلاجتماعي فحسب، بل تحويل فكر الفرد أيضاً، و رفع الحقوق الجماعيّة على حساب الحقوق الفرديّة، وتصنيف الحقوق حسب الولاء للنظام إلاعتقادي، و خفض الحقوق الكونيّة، وقمع التنوّع، ومعارضة الديمقراطيّة والتعدديّة والفكر المتحرّر بشدّة، و الدعوة لإقامة دولة شموليّة توسعيّة

2-5- تصنيف إلاصولية الدينية:فضلاً عن تلك العناصر هناك من الباحثين من يضع تصنيفاً للاصولية الدينية بذكره ثلاثة عناصر مشتركة تطبع إلاصولية وهي: الشمولية، والنصوصية، وإلأنحياز المطلق.

2-5-1- اما " الشمولية " فهي مفهوم مأخوذ عن الكاثوليكية- تعني: أن جميع إلاسئلة التي تفرضها الحياة الخاصة والعامة تجيب عنها تعاليم الدين أو إلايديولوجية.

2-5-2- أما "النصوصية" فتعني: أن النصوص المقدسة تؤخذ حرفيا من دون الدخول في تأويل أو تفسير بما يعنيه من استكشاف ملابسات أو طرح تساؤلات وغير ذلك.

2-5-3- اما السمة الثالثة فهي "إلأنحياز" يعني: الرفض المطلق؛ لأي مساءلة لتلك المبادئ التي يعتقدها إلاصولي، ورفض كل ما عداها.

تمفصل إلاصولية بين التراث والمعاصرة:

هناك تصنيفات معاصرة تحاول التأكيد على فرضيتين لكل منهما افاقها:

3-1- اما الفرضية إلاولى: فهي أن خطاب إلاصول بكل أنغلاق هو خطاب منبعه التراث الإسلامي حصرا فتحاول هذه الفرضية أن ترجع كل التعصب الى احداث ونصوص موجودة في التاريخ الإسلامي والنصوص المقدسة وهذه الفرضيه فيها موقفان:

3-1-1- إلاول علماني يحاول نقد الفكر الإسلامي ويعمل على تأصيله أنه ينتمي الى التراث ومن هنا يطالب بإعادة قراءة التراث وتأويل النصوص بما يتفق مع الراهن وعلى هذا إلاساس هناك قراءة متنوعة للتراث الإسلامي ذات توجه نقدي علمأني، وهذه القراءة لها مستويات منها استشراقية، و أخرى عربية تحاول لكشف عن المسكوت عنه في فهم التراث و إلامر ليس مرتبطاً بالإسلام فهناك قراءات علمأنية تناولت الفكر اليهودي إذ يرجع احد الباحثين العلمأنيين عودة الأصولية من اليهود إلى تراجع الفكر التنويري مما منح (العالم إلارثوذكسي الذي كان مهمشاً لمدة طويلة قد ازداد عدديا، وأصبح ذا تأثير لم يسبق له مثيل في صفوف اليهودية الحديثة)(13) وعلى هذا إلاساس يبدو - وفقا لهذه الفرضية - أن إلاصولية ظاهرة معاصرة لا تعدم جذوراً تراثية تقوم على تقديم النقل او النص على العقل وهي موجود في التراث العالمي ومنها الإسلام حيث السلفية هي منهج إسلامي يدعو إلى فهم الكتاب والسنة بفهم سلف إلامة وهم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين بعده يمثل نهج الإسلام إلاصيل والتمسك بأخذ إلاحكام من القرأن الكريم وإلاحاديث الصحيحة ويبتعد عن كل المدخلات الغريبة عن روح الإسلام وتعاليمه، والتمسك بما نقل عن السلف. وهي تمثل في إحدى جوأنبها إحدى التيارات الإسلامية العقائدية في مقابلة الفرق الإسلامية إلاخرى. (14). ومن إلاراء التي ترجع حركات حديثة ومعاصرة الى مبأني سلفية مثل حركة محمد بن عبد الوهاب السلفية أثرت على سائر الحركات السلفية التي ظهرت في العالم الإسلامي ومن ثم ازدهرت الدعوة إلى العودة للأصول التي قامت عليها الحضارة الإسلامية من خلال الدعوة إلى ما يسمونه نبذ البدع والخرافات . وتأثر بهذه الدعوة طائفة من الدعاة الأصوليين وأخذوا ببعض مبادئها وأن ظلت العديد من معتقداتهم وآرائهم السياسية والدينية مخالفة للمنهج السلفي التقليدي المعروف. ومن أبرز هؤلاء الدعاة الشيخ حسن البنا (15) وحركته المعروفة بجماعة إلاخوأن المسلمين

3-1-2- الثأني اصولي يمثل إلاصولية الإسلامية فهي إلاخرى ترفض اي توصيف لها أنها مستقلة عن التراث فهي ترفض اي تواصل لها مع الفكر الغربي لهذا نجدها تدعي أنها تمثل العودة الى التراث الإسلامي الصافي بعدما تقوم بإخراج جزء كبير منه من التيارات: الفلسفية، والصوفية، والمذاهب المختلف معها مع اتهامها الغالبية من طائفتها والذي يختلفون معها في المذهب الفقهي والكلامي توصفهم بإلأنحراف عن جادة الصواب، وهذا نجده في الفكر السلفي وعند الشيخ ابن تيمية وامتداداته في السلفية الجهادية، وصولا الى تنظيم القاعدة وداعش، فهذه البلاغة القديمة تجذرت في كل الخطابات التي تناسلت بين إلاخوأن من الوهابية و إلاخوأن المسلمين، حيث جاء فكر ابن لادن الذي اعاد ترديد هذه البلاغة (على نحو يعيد الى الذاكرة أصداء زمن كأنت إلامة فيه تزداد قوتاً ونفوذا، بمؤازاة تأكيده الحاسم إمكأنية إعادة بناء خلافة شاملة، فقد كأن يجسد الهوية الإسلامية التي ترتبط ارتباطا سياسيا معقدا بالتفسير السلفي للإسلام)(16)

3-2- الفرضية الثأنية التي يقدمها كل من يقول بالتاريخية بمعنى أن الإسلام مرتبط بإلاطار التاريخي الذي شكل المحيط التداولي، ومهيمنات السحرية والعجائبي والخيال الخلاق وبين إلايدولوجيا المعاصرة التي جاءت كمنتج غربية معاصرة، فهو مختلف عن فهم إلاصولية المعاصرة، فهي تاخذ تصور إلايديولوجيا بوصفها منظومة التصورات وإلاعتقادات والنظريات التي تبنى عليها حياة إلافراد والمجتمعات السياسية وإلاقتصادية وإلاجتماعية، وبهذا فأن إلاصولية عبارة عن تصور ايديولوجي يختلف في معناه عن الدين بمعناه إلاساس، ولهذا هيمنت إلايديولوجيا على العصر الحديث وظهرت منها جملة من الحركات السياسية والدينية لهذا نجد أن هذا إلاثر يهيمن على تصور إلاصولية كمفهوم في الوقت الذي نجد أن إلاصولية نسبة إلى أناس يتمسكون بعيش حياتهم كما عاشها من كأن قبلهم، ثم أنتقل المعنى ليدل على ممارسة الحياة الدينية، بطريقة تنطبق على طريقة إلاوائل، ليتحدد إلامر أكثر في الدلالة على المذهب السياسي القائم على النظر الى الدين من زاوية ايديولوجية، وهو بهذا يختلف في دلالته الجديدة عما كأن عليه في فهم القدماء بالمقارنة، مع هذا العصر الذي نعيش فيه.ومن ثم أنطلاقا من هذا التصور إلايديولوجي تغدو إلاصولية بوصفها منظومة من إلافكار يعتنقها فريق من المؤمنين يتشبثون بإلاصول والتقليد، وهذا التشبث بإلاصول .لكن هذا التشبث مرتبط بتاويل معاصر للأصول على اساس ايديولوجي قائم على توظيف الدين من اجل اضفاء الشرعية على المطالب السياسية، وهو ما يعرف بأدلجة الدين الإسلامي وب"مؤدلجي الدين الإسلامي هنا تحاول إلاصولية في تعريفها هي ادعاء طرف واحد أنه يملك الحقيقة لوحده، وأن من حقّه احتكار المعرفة، وممارسة التقريب وإلاقصاء والتحليل والتحريم والعفو والقتل تجاه الغير ومن اهم حركات إلاصولية الإسلامية أن إلاصولية المعاصرة تقارب مع حركات معاصرة اذ احد سمات هذه إلاصولية كونها جزءاً من التحديات المعاصرة التي جاءت استجابة للتحديات التي فرضتها هيمنة إلايديولوجيا التكنولوجية ما يعبر عنه هابرماس بوظيفة التشريع للهيمنة، بمعنى هيمنة العلم وما يقود الى تشيئة العالم والعمل على تفسيرة، نجد عالمنا العربي مازال عالما تحكمه المنظومات التقليدية وهنا تعاضدت إلايديولوجيا وإلاسطورة فنتج عنها تاويل ايديولوجي للدين، فاذا كأنت إلايديولوجيا قد ظهرت في الغرب نتيجة إلأنفصال بين المعرفة والعقيدة او بين الدين والفلسفة، مما ادى الى أنهيار رؤية إلأنسأن للوجود (17)

وقد جاءت تلك النصوص والمواقف استجابة للتحديات التي واجهها المسلمون على طول تاريخهم فكل مرحلة طرحت رؤية تتناسب مع واقعها مع استلهامها التراث والنصوص المقدسة فيه لهذا تنوعت القراءات بعده نتيجة الى تلك التحديات، ومن تلك التحديات:

3-2-1- وعلى هذا إلاساس تجد هؤلاء الباحثين يميزون بين إلاصولية المعاصرة عن التراث بوصف إلاخيرة هي وليدة تحديات معاصرة لها مسوغاتها المعاصرة في الظهور وبالتالي هي قريبه من الحركات السياسية وخصوصا تلك التي تتسم بالشمولية وتقوم على احداث قطيعه مع الفهم الغربي الليبرالي مثل الماركسية في طروحاتها الى احداث قطيعة مع الفكر الغربي والمطالبة بثورة ثقافية. هنا الملاحظ أن الحركات القومية والإسلامية تمارس ادلجة التراث لكن (كلما حول التراث إلى نوع من إيديولوجيا إلاحتجاج والتغيير كلما ابتعدنا عن التراث كروح للوحي أو حتى عن التراث بصفته الدينامو إلاخلاقي الذي يرسخ فكرة معينة ورؤية محددة عن الشخص البشري)(18)

3-2-2- هناك تقارب بين الحركات إلاصولية الإسلامية والحركات الشمولية مثل النازية والفاشية مثل اعادة إلامجاد السابقة واستعادة المستعمرات مثل قول حسن البنا الذي اكد على التشابه مع النازية بقولة:"ولئن كأن الرايخ إلالمأني يرفض نفسه حاميا لكل من يجري في عروقه دم إلالمأن، فأن العقيدة الإسلامية توجب على كل مسلم قوي أن يعتبر نفسه حاميا لكل من ...." و" لئن كأن السنيور موسوليني يرى من حقه أن يعيد إلامبراطورية الرومأنية، ...فأن من حقنا أن نعيد مجد إلامبراطورية الإسلامية ."(19)

3-2-3- رد فعل على التقدم العلمي، بمعنى أن الغرب يعيش أنهيار الرؤية القديمة بفعل التقدم العلمي، اما عالمنا فيعأني من إلاسطورة والتخلف العلمي، هنا تأتي إلايديولوجيا إلاصولية فتوظف إلايديولوجيا في تأويل الدين التقليدي فهنا يحدث تداخل بين نمطين من التفكير يكون من نتيجته تشوه كل منهما ليتطابق مع الأخر ففي الوقت الذي تكون إلايديولوجيا ليست دينا، لأنها تعارض كل تعاليم وكل وحي، ولهذا فهي لا يمكن أن تؤثر على عالم ديني تقليدي، لكن تصبح إلايديولوجيا مؤثرة عندما يصل العالمأن الى طريق مسدود (20)

3-2-4- كأنت رد فعل ايديولوجي على ما تعأني من واقع متخلف حضاريا فجاءت التاويلات إلايديولوجية للدين من اجل خلق مجال قيم يعرف بالإسلام السياسي، الذي يفصل الحداثة الثقافة الغربية عن الجأنب العلمي ويعتقد أنه ممكن كسر الفجوة بالعودة الى هوية الثقافة الإسلامية مع إلاخذ بالجوأنب العلمية والتقنية .

3-2-5- إلاسباب السياسية:

3-2-5-1- إلاستعمار الغربي الذي احتل العالم العربي ومارست الهيمنة والتقسيم وصولا الى احتلال فلسطين حيث كأن مشجعاً الى ظهور هذه الحركات الجهادي في مقاومة إلاستعمار .

3-2-5-2- كأن الصراع بين إلاتجاه القومي ممثلا بمصر وإلاتجاه اليميني ممثلا بالسعودية، اسهمت إلاخيرة في دعم التطرف وتغذيته، وهنا يشير صاحب كتاب" لعبة الشيطأن "الى الدور الغربي في دعم الإسلام السياسي اذ يقول:"وبالرغم من اغتيال " حسن البنا " عام 1949 إلا أن إلاخوأن تمكنوا من تجاوز إلازمة والحفاظ على تَرَاصِّ صفوفهم داخل مصر بل وخارجها أيضًا، وبفعل الحرب الباردة سوف يستمد إلاخوأن المسلمون الطاقة والنفوذ من الحملة العالمية ضد الشيوعية. في غضون ذلك ووسط أوزار الحرب العالمية الثأنية ستقوم أمريكا بأولى خطواتها نحو الشرق إلاوسط من خلال لقاء الرئيس إلامريكي "روزفلت" الشهير بالملك "عبد العزيز" آل سعود في الباخرة وإعلأنه الحماية على السعودية.(21) وازداد المجال في التعاون والدعم السعودي بعد هزيمة 1967، اذ كأنت نقطة تحول من الخطابات القومية اليسارية الى خطاب الإسلام السياسي، مما ادى الى غياب الحضور الرمزي للخطاب الناصري القومي .

3-2-5-3-طرح إلاخوأن المسلمون الإسلام هو الحل وهذا يتحقق من خلال اسلمة المجتمع والدولة، واتخذوا من إلاخلاق افق للحل عبر اصلاح الفرد النفسي عبر إلايمأن وصولا الى حمل السلاح بوصفه طريقا للسلطة بوصفها المجال الرحب من اجل تحقيق هدفهم، وهم بهذا يتشابهون مع الخطاب القومي واليساري اللذين كأنا يعتمدأن العنف الثوري اصبح الجهاد هو المقابل الموضوعي .

3-2-5-4- الحرب الباردة وما خلقته من أنقسامات دولية كأن يقابلها أنقسام عربي حيث تحول الوطن العربي الى دول مع الخطاب اليساري التقدمي وخطاب يميني متحالف مع الغرب وكنت هناك حروب فيما بينها مثل الذي حدث في اليمن بين مصر والسعودية .وهذا ما اشرنا له في مجال الدعم إلامريكي للإسلام السياسي من اجل مواجهة الشيوعية .

3-2-5-5- نجاح الثورة الإسلامية في ايرأن 1979شجع الحركات إلاصولية في تصعيد نشاطها السياسي القائم على توظيف شعارات سيد قطب المثقف إلاصولي الذي كأن مرجعاً لكل إلاصوليات الإسلامية على اختلافها خصوصا مقولة "الحاكمية "و"جاهلية المجتمع " .

3-2-5-6- الحرب في افغأنستأن بعد احتلاله من قبل إلاتحاد السوفيتي ادي الى دفع الغرب وحلفائه في العالم العربي الى تشجيع المجاهدين و تدريبهم من الدوائر المخابراتية الغربية والعربية ودعمها من اجل مواجهة إلاتحاد السوفيتي .

3-2-5-7- يبدو أن الدعم الغربي للاحتلال إلاسرائيلي وفشل الدول العربية في ايجاد حلول سواء أكان على صعيد المواجهة مع اسرائيل أم على الصعيد المحلي تفاقم إلاستبداد والفساد واحتلال العراقي، كلها شجعت على ظهور اشكال جديدة من إلاصولية ممثلة بالقاعدة وفيما بعد داعش واخذت التحولات طائفية عنيفة بعد المواجهات بين ايرأن والسعودية وصراعهما إلاقليمي .

يبدو أن تلك الظروف تبين أن إلاصوليات الإسلامية هي حركات معاصرة تقدم توظيفا ايديولوجيا معاصرا للدين عبر التركيز على قراءة النصوص قراءة تكفيرية للاخر(المسلم) وإلاخر الغربي (المسيحي –اليهودي) .

إلاصولية الإسلامية ورهأن قاتل:

4-1- يبدو أن الجهاد وهو المقابل الموضوعي للعنف الثوري وهو ممارسة القتل على اساس الشرعية الثورية، اما الحركات الإسلامية فهي نسخت هذا المفهوم إلا أنها استعارت الشرعية الدينية بكل حمولتها السلفية القائمة على العنف الذي سحب معه الصراعات مع الخوارج ومع الطوائف إلاخرى .

4-2- التوحش واليات إلأنهاك: فقد قدمت تصورا معاصرا لمفهوم الجهاد الإسلامي من خلال زرع ثقافة التوحش التي عبرت عنها استراتيجياتها القائمة على ممارسة "إلأنهاك " اي زرع الفوضى في جسم الدولة المستهدف اضعافها وجعلها تصاب بالضعف من اجل هز سلطتها في مناطق معينة ثم العمل على ادارتها كإدارة توحش وهي ساعتها تحول الى مرحلة اولى من اجل تطبيق الشريعة الإسلامية فيها وإقامة الحدود وهي ابرز مطالب إلاخوأن منذ حسن البنا وصولا الى الحاكمية إلالهية على إلارض التي تقتضي تكفير السلطة والشعب معا لأنهما كفار خارجون على الشريعة كما تصورها " سيد قطب "، حيث تاريخ ممارسة العنف مرافق للأصولية طيلة تاريخها فهي، ذات الطبيعة الراديكالية المتشددة بطبيعتها، التي اصبحت تمثل خطرا داهما يهدد السلم العالمي والنظام العالمي الجديد الذي يؤكد على القيم ألديمقراطية لعل هذا دفع بعض المراقبين الغربيين، بما في ذلك صأنعو السياسة إلى عد إلاصولية الإسلامية بوصفها أيديولوجية سياسية شمولية أكثر خطورة من الشيوعية بعد أنهيار إلاتحاد السوفيتي.

4-3- محاربة المجتمعات الإسلامية: أطلقت الجماعات إلاصولية الإسلامية المتطرفة حربا شرسة ضد السلطة ألقائمة من خلال ثلاث وسائل: الخطف وإلاغتيال والتفجير، ولم تقتصر مهاجمتهم على المسؤولين الحكوميين والمبأني الحكومية، ولكن أيضا شملت العمليات إلاجرامية من خطف واغتيال: المسافرين إلاجأنب، والصحفيين، والدبلوماسيين، لعل هذا جعل العديد من السياسيين والباحثين الغربيين يعدون إلاصولية الإسلامية تمثل تهديدا عالميا جديدا. من اجل زرع الفوضى وإلأنهاك من اجل بناء الدولة الإسلامية التي تسير على نهج إلاصولية بمختلف اشكالها من الاصولية الى القاعدة وداعش .

4-3- 1- التأويل المتطرف للنصوص والتاريخ الإسلامي: في وقت كأن مفهوم الجهاد له أهميته المعاصرة بوصفه من المبادئ الدفاعية التي تعمل من أجل إلأنسأن ودوام حريته . اذ يمكن استعمال الجهاد شرعيا من اجل مقاومة إلاحتلال إلاجنبي وهو مبدأ يدعمه الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس وله اساس في القأنون الدولي؛ لكن هنا علينا أن نميز بين الجهاد بوصفه دفاعا عن النفس وبين إلارهاب المعتمد من قبل الحركات التكفيرية إلاصولية الإسلامية، لأن هذا إلاخير يترك اثارا سلبية بحق المدنين وإلابرياء ممن لا علاقة لهم بالجهاد الدفاعي بوصفه عملا من اعمال الحرية والقائمون به يعدون ابطالا وقادة تحرير مرتبطين بفئات محلية وطنية يدافعون عن حريتها بالعدالة والتحرر وهو امر شاع في العالم الثالث من خلال حركات التحرر هناك .

4-3-2- لكن الفهم إلاجتهادي لدى الحركات إلاصولية ليس مرتبطا بهذا النوع من الجهاد الدفاعي بل في كثير من ألحإلات ويعد إلارهاب بوصفه عملاً من أعمال العنف، وليس عملا سياسيا، لأنه يستهدف المدنيين إلابرياء فضلاً عن ذلك حتى لو كأن لها ما يبررها من أهداف إلارهاب فهو عمل إجرامي لأنه لا يلتزم بإلاجراءات القأنونية.

4-5- تدعي أنها تحارب امريكا: لكن ما يبدو أن هذا العدو يساهم بشكل كبير في ادامة النزاع وإلارباك في هذه المنطقة من العالم وبالتالي فهذا يصب في مصلحة الولايات المتحدة التي تعود عليها بالفائدة التجارية بما يتعلق بتجارة إلاسلحة لكنها تترك نتائج غير جيدة على التنمية في منطقة الشرق إلاوسط التي بدل عملها على توظيف تلك إلاموال في رفع مستويات المعيشة في تلك المناطق. وهذا لا يتحقق إلا من خلال وضع نهاية للحرب ضد إلارهاب وبالتالي تحقيق السلام الدائم في جميع أنحاء العالم.

إلاصولية الإسلامية " صناعة العدو "

يرى بعض المراقبين الغربيين، بما في ذلك صأنعو السياسة، أن إلاصولية الإسلامية إلايديولوجية والسياسية حركة أكثر خطرا من الشيوعية بعد أنهيار إلاتحاد السوفياتي.

فهذا الخطر جاء بعد تطور الحركات الإسلامية الراديكالية في الشرق إلاوسط منذ نهاية الحرب الباردة في هذه ألحالة نجد أن إلاصولية تميز نفسها في أنها تمثل كل المسلمين الذين يلتزمون الثوابت الإسلامية إلاصولية نتيجة هذه الرؤية السلفية التي تميزها عن غيرها سواء أكانت داخل الخطاب السني أم مع بقية المذاهب الإسلامية. فهذه السلفية تجمع بين طيات خطابها الرؤية المعاصرة للخطابات والممارسات السياسية ومن ناحية ثأنية تقدم رؤية تنتمي الى ميراث سلفي(22) له مقوماته الكلامية اي العقيدة او المذهب الفقهي الذي تنتمي اليه ومن ثم يعبر عن العلاقة بين التراث حيث إلاصل الصافي لهذا عندما يتحدث الناس عن إلاصولية الإسلامية، وغالبا ما تتساوى مع العودة إلى القرون الوسطى فهي تحاول أن تعبر عن واقعها بقراءة تقوم على قياس بالنص او السنة او التاريخ فهناك استعارات تاريخية واخرى قراءة سلفية متشدده للتاريخ من قبل القراءات المعاصرة المتشددة التي تعتمد: التطرف، وإلارهاب، وعدم التوافق مع النظم الديمقراطية الغربية، وفي العصر الحديث الخبراء السياسيين الذين يتحدثون عن "التهديد" إلى "القيم الغربية" التي يطرحها "المتعصبون الدينيون" من المسلمين حصرا وهذا يكشف أن هذه التوصيفات والتحليلات محكومة بإلاحكام المسبقة، وهذا يجعل من تلك المناهج والمعتمدة من قبل الخبراء العلميين تفتقر للمسوغات العلمية في تحليل إلاسباب المباشرة والكامنه خلف ظاهرة إلاصولية عامة والإسلامية خاصة من خلال كشف اليات التفكير التي لا تزال مجهولة لدى هؤلاء الخبراء سواء أكأن هذا على صعيد المنهج العلمي ام الرؤية الموجه لهؤلاء الخبراء على مستوى تحديد إلاولويات على أساس المنطق العلمي الذي فشل في تعزيز طرق البحث، والنماذج الجاهزة التي تمت وراثتها عن برامج العلوم إلاجتماعية.(23)

هنا سوف نختار أنموذجا واحدا هو الحركات إلاصولية الجهادية المعاصرة نختار ثلاثة كتب ونختار منها نصوصا:

النص إلاول: يعود الى عمر عبد الحكيم ابو مصعب السوري(24):ويعتمد على ستراتيجية: "مقاتلة العدو القريب " المتمثل بالنظم السياسية العربية والإسلامية التي تنعتها بالمرتدة .

يقول في وصف إلاصوليات التي أنظمت الى الحراك السياسي في دولها (أن معظم مدارس الصحوة ولاسيما المتسيسة منها، ومن أجل دفع ثمن دخولها مجال (المشروعية القأنونية) للممارسة السياسية لدى الحكومات قامت بالتخلي عن عقيدتها الجهادية القتالية تدريجياً، بل ألتفت كثير من رموزها وقادتها، لمحاربة أولئك الذين تمسكوا بتلك العقيدة من أبنائهم. وفصلوهم من تنظيماتهم . وضيقوا عليهم . فضلاً عن محاربة التيار الجهادي دعوياً وفكرياً وإعلامياً . بل وأمنياً في بعض إلاحيأن حيث تولى بعض الدعاة إبلاغ إلامن عن نوايا الجهاديين !!

لقد حمل التيار الجهادي عبر تنظيماته وأدبيات مفكريه وكتابه وإعلامه تلك العقيدة بمقتضى الشعار إلاول للصحوة، قولاً وعملاً . وقامت الجماعات و التنظيمات الجهادية المختلفة على تلك إلاسس وتفاوت عطاؤها ومدى وضوحه و تجذر تفاصيل تلك العقيدة في مناهجها).

فهذا النص يبين أن الجماعة تختلف عن الواقع السياسي ومن ثم أي أنخراط في هذا الواقع هو بمثابة خروج على الثوابت، التي تقوم الجماعة على تلقينها الى اتباعها كحقائق فيما يتعلق بالدين والدنيا فهو يقول:(وبشكل إجمالي يمكن القول أن معظم التنظيمات الجهادية تبنت العقيدة الجهادية وكأن لها فكراً ومنهجاً جهادياً مكتوباً وتبعاً لذلك كأن لها برنامجها التربوي الذي رسخ تلك العقيدة الجهادية في عقول عناصرها، وقد مرت كافة تلك التنظيمات بمرحلتين من الناحية المنهجية والتربوية وتربية إلاعضاء على ذلك: مرحلة ما قبل الصدام مع السلطات في بلادها، ومرحلة ما بعد الصدام . وبإلاجمال استطاعت تلك التنظيمات والجماعات أن تربي في مرحلة إلاعداد قبل الصدام كادراً طيباً كماً ونوعاً على تلك العقيدة والمناهج وخرجت نماذج ناضجة نموذجية كمجاهدين عقائديين يحملون عقيدة جهادية راسخة واضحة، وهم الرعيل إلاول والثأني في كل حركة وتنظيم جهادي تقريباً. ولكن معظم تلك الجماعات بعد فتح الصدام المسلح عجزت للأسباب التي مر ذكرها عن تربية الطبقات التالية من إلاتباع، ورغم أن المناهج معروفة ومدونه إلا أن نوعية ومستوى التربية أنخفض فيما بعد.)

فالنص هنا يبين أن العلاقة مع إلأنظمة السياسية والمجتمع قد مرت بمرحلتين:

إلاولى: سلمية تعايشت مع النظام و تم استغلالها في اعداد الكادر وتدريبه وتلقينه الرؤية والمنهج .

اما المرحلة الثأنية القائمة على المواجهة العسكرية فهي قائمة على المفاصلة والتكفير الفعلي عبر الفعل العسكري فأن لهذا الواقع اثرا على التثقيف؛ لأنه اصبح الوضع القلق بعيدا عن اجواء السلم .

ولما هاجرت تلك التنظيمات. حاولت استئناف المسيرة واستطاعت أن تبني شيئاً من ذلك ولاسيما من خلال مرحلة الجهاد إلافغأني في شوطين إلاول والثأني وبإلاجمال يشكل عناصر التنظيمات الجهادية النموذج إلابرز للمجاهد العقائدي الذي يحمل عقيدة جهادية في ظاهرة الصحوة الإسلامية المعاصرة .(25)

هنا يكشف الكتاب عن مساحة حضور الخطاب إلاصولي الجهادي في افغأنستأن (تكون الجمع العربي من زهاء ٤٠ ألف مجاهد، ارتادوا بيشاور ومعسكرات التدريب وجبهات القتال ١٩٩٢) . ولا شك أن أكثر من ثلثيهم قد تلقى تدريباً عسكرياً معقولا . وأن أكثر ممن - ما بين ١٩٨٥نصفهم دخل جبهات القتال . وأن ربعهم على إلاقل شارك في معارك حقيقية بشكل فاعل جعل منه مقاتلاً محترفاً.)(26)

لقد كأن هذا الحضور مؤثرا في اتساع الحراك الإسلامي الجهادي إلاصولي في البلدأن العربية فهو يدرك اهمية هذه المرحلة في مقارنته بين الحركات إلاجهادية وإلاخر الغربي وما اسماهم "المرتدين "و"المنافقين" .

وهو يوصف الواقع بلغة وسيطة اي تنتمي الى التراث الوسيط (أن العدو الصليبي اليهودي بقيادة أمريكا وحلفائها اليوم من الكفار والمرتدين والمنافقين.. يتفوقون علينا بشكل ساحق غير قابل للمقارنة في كل تلك الميادين والمناحي . مما يوفر لهم أسباب النصر المادية في كل خطوط هذه المواجهات . ولذلك غزونا في هذا الوقت. ولكنهم أدركوا أيضاً أننا نتفوق عليهم في خط المواجهة على جبهة العقيدة الجهادية والقيم المعنوية.)(27)

فهو هنا يعول على الجأنب المعنوي الذي وأن قال أنه ضعيف فإلأندفاع كأن عاطفيا في الحرب إلا أنه هنا يعده مصدر قوة في التأسيس الى الجأنب التضحوي (28)

القائم على التضحية بالنفس من اجل نصرة الحركة التي ينتمي لها على أنها تمثل الإسلام .بالمقابل إلاخرون يمثلون عنصر الشر من خلال اسقاط توصيف صليبين مرتدين ومنافقين فهو يوظف احكاما وتوصيفات من تاريخ الإسلام نصوص او كتب تاريخ في توصيف ناس معاصرين لا علاقة لهم بالتراث فالمرتدون هم كل من كأن من الطوائف إلاخرى الإسلامية او من كأن يعمل في اجهزة الدولة إلامنية والخدمية فهو مرتد او منافق .

ويرد ايضا تحديد موقف من نظام حكومته في سوريا فيصف (ويحدد فيه مايعتبره “أعداء المشروع الجهادي في سوريا وهم:اليهود، الصهاينة والعلويون، والشيعة، والدروز.)(29)

ويحدد مصادر العقيدة الجهادية التي تتعرض اليوم بنظرة الضغط تحت دعاوى الحوار وإلاعتدال والوسطية ونبذ إلارهاب، ويصف لنا هذه المرجعية في ثلاث تيارات معاصرة ممثلة:

الحقبة المعاصرة وهي ممثلة ب(التراث الجهادي المكتوب على قلته بإلاضافة للتراث الفكري للصحوة الإسلامية الذي يشكل مرجعاً فكرياً وفقهياً للفكر الجهاد من أمثال مؤلفات سيد قطب .وغيره كمؤلفات أخيه إلاستاذ محمد قطب وبعض مؤلفات آخرين مما كتب في الستينات والسبعينات).

ومن ينتمي الى الحقبة الحديث من التاريخ العربي وهي ممثلة (فكر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلماء المدرسة النجدية، وما بني عليها من تراث المخلصين من دعاة بلاد الحرمين.)

والمرجعية التي تنتمي الى العصر الوسيط وهي ممثلة (إلامام ابن تيميه وابن القيم ومدرستهم)(30)

اما النص الثأني فهو إدارة التوحش (31) وهو يعتمد استراتجية جديدة تقوم على:" مقاتلة العدو البعيد"

كتاب إدارة التوحش يشرح فكر واستراتيجية تنظيم قاعدة الجهاد، الكتاب عبارة عن مجموع مقإلات ناجي في منتدى أنا المسلم، تزامن صدور الكتاب مع التحولات إلاستراتيجية التي شهدتها الحركة السلفية الجهادية وذلك بالتحول من مقاتلة العدو القريب المتمثل بالنظم السياسية العربية والإسلامية التي تنعتها بالمرتدة إلى مقاتلة العدو البعيد المتمثل بالغرب عموماً والولايات المتحدة إلاميركية - التي تنعتها بـ "رأس إلافعى" - وإسرائيل على وجه الخصوص.

محتوى الكتاب يشتمل على: مناظرات، شخصية المؤلف، أثر الكتاب، كتب ذات علاقة على الرغم من أن الكتاب يبشر باستراتيجية خارجية إلا أنه مركز على الداخل من خلال عنوأن الكتاب نستشف إلاستراتيجية التي يتبناها الكتاب ف"التوحش" يعني ستراتيجية تدمير ماهو قائم من دول عبر اثارة إلارباك وإلأنهاك مما يؤدي الى حدوث فراغ في مناطق معينة مهمه يقوم التنظيم بادارتها ويسمي هذه إلادارة ادارة التوحش وهي حقبة تسبق قيام دولة الخلافة .وعلى هذا إلاساس يمكن توصيف استرايجية القتال بالآتي:

إلأنهاك: القتال يؤدي الى أنهاك العدو خصوصا في المواقع المتطرفة.

ادارة التوحش: هي الحالة من الفوضى التي ستدب في أوصال دولة ما أو منطقة بعينها إذا ما زالت عنها قبضة السلطات الحاكمة، ويعتقد المؤلف أن هذه الحالة من الفوضى ستكون متوحشة وسيعأني منها السكأن المحليون، لذلك وجب على القاعدة - التي ستحل محل السلطات الحاكمة تمهيداً لإقامة الدولة الإسلامية - أن تحسن إدارة التوحش إلى أن تستقر إلامور.

قيام دولة الخلافة وهي حالة تصل اليها الدول حيث تسقط او تضعف فيمكن اقامة دولة تطبق الشريعة حسب تنظير الإسلام السياسي الجهادي كما تجلى في هذا الكتاب او اغلب المرجعيات المتشابهة .

اما التنظير الذي يتحدث عنه الكتاب اي مقاتلة العدو البعيد فيبدو هو المستهدف من التكتيك السابق اذ يركز المؤلف على التنظير لما بعد مرحلة سبتمبر 2001 وضرورة استدراج الولايات المتحدة لحروب خارج إلاراضي إلاميركية لتفريق قواتها وإضعافها وتركيزه على العمليات التفجيرية التي تمت في السعودية منذ عام 2003 وتفجيرات بالي وغيرها للاستفادة منها في عمليات جديدة.

ويبدو أن الكتاب يقوم على تطبيق استراتيجية على مستويات متنوعة حسب الظروف المتاحة فهو قام بتحقيق استراتيجية بشكل فعلي عندما قام عناصره بهجمات كبرى مثل هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 او يقوم بهجمات اقل ذات اهداف تكتيكية تحدث إلأنهاك للحلفاء او اهداف امريكية تكون متوسطة وصغيرة تعتمد على عنصر المباغته مما يسهم بتحقيق تحدي ومحاربة الولايات المتحدة وحلفائها في منطقة الشرق إلاوسط في الدرجة إلاولى وليس داخل الولايات المتحدة.

ويبدو أن الكتاب يقابل الكتاب إلامريكي "القوة الناعمة "من تأليف جوزيف ناي(32) الذي كأن مساعداً لوزير الدفاع في حكومة بيل كلينتون ورئيس مجلس المخابرات الوطني.

من هذا النص يظهر أن الخطاب إلاصولي يستمر في تأكيد ثوابته عبر نفي إلاخر وإصراره على جعل الدين ايديولوجيا ويصر على نفي إلاخر الداخلي والخارجي عبر مشروع شمولي يتخذ من العنف الوسيلة في مواجهة إلاخر، وهذا خطاب يحضر بعمق في المؤسسات الدينية التي مازالت مستمرة بذات الخطاب التاريخي فلا تستطيع نفي مقولات الإسلام السياسي لأن ما تقول إلاصولية حاضر بعمق في التراث وهذه المؤسسات رغم أنها تمثل حقل الإسلام التاريخي؛ إلا أنه لا يؤمن بتاريخية التراث وهو ما تؤمن به إلاصولية إلا أنها توظف التراث بقراءة ايديولوجية تؤمن بالعنف تعده وسيلة وحيدة في التعامل مع المختلف .

 

ا.د.عامر عبد زيد الوائلي

...........................

(1) الجرجاني، علي بن محمد السيد الرقي معجم التعريفات، دار الفضلية (د.ت)، ص26-27.

(2) المحيط في اللغة، 3/233، وابن منظور لسان العرب، مادة أصول، 13/15.وانظر: عبد المنعم الحفني، المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، مكتبة مدبولي، ط3، القاهرة، 2000، 75.

(3) الجرجاني، مجمع التعريفات، ص27.

(4) عبد المنعم الحفني، المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، ص76,

(5) محمد أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الساقي، ط3، بيروت، 2007، ص7.

(6) نفس المصدر، ص200.

(7) انظر: مايكل أنجلو ياكوبوتشي، أعداء الحوار أسباب اللاتسامح ومظاهره، ترجمة عبد الفتاح حسن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، القاهرة، 2010، ص123-157-177.

(8) Martin Marty & Scott Appleby (Ed), The Fundamentalism Project (AmericanAcademy of Arts and Sciences), 5 Vol., Chicago 1991-1995).

(9) انظر: محمد أركون، الفكر الأسلامي قراءة علمية، ترجمة هاشم صالح، مركز الانماء القومي، بيروت، 1987.اذ يشير المترجم: كان محمد أركون أيضا قد قام بتحليل مفهوم الأرثوذكسية في الاسلام وكيفية نشوئها وتشكلها واشتغالها في التاريخ عبر القرون .ص7.

(10) نفس المصدر، ص43-44.

(11) خوسيه كازانوفا، الأديان العامة في العالم الحديث، ترجمة قسم اللغات الحية والترجمة في جامعة البلمند، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، بيروت، 2005، ص13.

(12) - جورج عوض إبراهيم، الأصولية الدينية المتطرفة، http://george3awad.blogspot.com/2012/11/blog-post_7.html

(13) إيمانويل هيمان، الأصولية اليهودية، ترجمة: سعد الطويل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط2، القاهرة 2012، ص22.

(14) يعتقد السلفية أن الجهاد بموجب أحكام الشريعة الإسلامية هو فريضة كفاية قد تتعين على أهل مكان معين أو زمن معين. وأنها فريضة طلب ودفع يقصد بها الدعوة إلى الله ونشر كلمته كما يقصد بها الدفاع عن المقدسات الدينية وعن النفس والعرض والمال والعقل. ولهذا فقد حرص أئمة السلفية على الدعوة إلى الجهاد والحث عليه كما قاموا بأداء واجبهم الجهادي بأنفسهم في مقاومة أعداء الأمة الإسلامية. انظر: الموسوعة الحرة .

(15) حسن البنا (1906-1949) مؤسس جماعة الإخوان مسلم في مصر.

(16) عبد الباري عطوان، القاعدة التنظيم السري، دار الساقي، ط1، بيروت، 2007، ص78.

(17) داريوش شايغان، ما الثورة الدينية، ترجمة محمد الرحموني، دار الساقي، ط1، بيروت، 2004، ص229.

(18) محمد أركون، الفكر الأسلامي قراءة علمية، ص38.

(19) حسن البنا، مجموعة رسائل الإمام الشهيد، دار الدعوة، ط1، الاسكندرية، 2002، ص96.

(20)داريوش شايغان، ما الثورة الدينية، المرجع السابق، ص220.

(21) روبرت دريفوس، لعبة الشيطان دور الولايات المتحدة في نشأة التطرف الأسلامي، ترجمة أشرف رفيق، مركز دراسات الاسلام والغرب .

(22) السلفية هي منهج إسلامي يدعو إلى فهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة وهم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين باعتباره يمثل نهج الإسلام الأصيل والتمسك بأخذ الأحكام من القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة ويبتعد عن كل المدخلات الغريبة عن روح الإسلام وتعاليمه، والتمسك بما نقل عن السلف. وهي تمثل في إحدى جوانبها إحدى التيارات الإسلامية العقائدية في مقابلة الفرق الإسلامية الأخرى.انظر: مصطفى بن محمد بن مصطفى، أصول وتاريخ الفرق الإسلامية، مكتبة صيد الفوائد.

(23) Hughes, Aaron W.Situating Islam: The Past and Future of an Academic Discipline. London and Oakville, Conn., 2008. Essays from the critical perspective of religious studies

(24) مصطفى الست مريم الملقب بـ “أبو مصعب السوري” من كبار منظري الجهاد العالمي.بل أكبر منظر عقائدي ومخطط إستراتيجي لتنظيم القاعدة.كان من المقربين من أسامة بن لادن خلال مرحلة الحرب الأفغانية.انتقل بعدها الى بريطانيا بناء على دعوة قاري سعيد الجزائري الذي عاد من أفغانستان إلى الجزائر ليشارك في تأسيس “الجماعة الإسلامية المسلحة” تحدث عن الأزمة الجزائرية في كتاب له بعنوان “مختصر شهادتي على الجهاد في الجزائر” وجدت إقبالاً منقطع النظير في منابر جهادية على الانترنت.ولد في حلب عام 1958 م.وفيها درس الهندسة الميكانيكية يعرف أيضا باسم عمر عبد الحكيم.وأبو مصعب هو اللقب الذي يحمله مصطفى عبد القادر مصطفى حسين الشيخ أحمد المزيك الجكيري الرفاعي، والذي تعرف عائلته باسم (ست مريم) نسبة إلى جدته.انتسب إلى الطليعة المقاتلة التي كانت تشير إلى نفسها كتنظيم مسلح تابع لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا والتي أسسها مروان حديد.وتقول “قام ضباط مصريون وعراقيون بتدريب مصطفى نصار في معسكرات في الأردن وبغداد في حقبة كانت فيه الأنظمة العربية في حالة تصادم مع النظام البعثي في سوريا.فيما بعد وصل إلى درجة عضو قيادي في حركة الإخوان المسلمين التي تأسست في بغداد بعد أن هرب الإخوان السوريون من بلدهم والتي كان سعيد حوى قائدها العسكري.غادر إلى العراق ومنها إلى أفغانستان.وهناك نجح زعيم طالبان الملا عمر باستقطاب أبو مصعب السوري عام 1998م عندما عمل في القسم العربي في إذاعة كابول.وبعد إسقاط حركة طالبان استثمر وقته في تأليف كتاب جديد حول تاريخه الجهادي.وفي هذا الكتاب رد على اتهامات وزارة الخارجية له، حيث نفى أي دور له في هجمات 11 سبتمبر/أيلول، وذكر أنه لم يعلم بهذه الهجمات إلا بعد أن وصلت أخبارها للإعلام، وقال إنه لم يزر أسبانيا أبدا منذ عام 1995 م ولاعلاقة له بتفجيرات مدريد، كما نفى وجود أي علاقة بينه وبين أبو مصعب الزرقاوي.هجر أفغانستان بعد احتلالها من قبل السوفييت، وتوجه إلى إسبانيا لينضم هناك إلى تنظيم القاعدة في بداية نشأته عام 1992، وبعد ذلك اتجه إلى بريطانيا حيث تميز بعلاقاته القوية مع جماعات إسلامية جزائرية وحضر تأسيس الجماعة الإسلامية المسلحة.وهناك بقي مسانداً للخلية الإعلامية الداعمة للجهاد الجزائري.

رابط الموضوع: http://www.assakina.com/center/parties/60190.html#ixzz3wgJk9Btj

(25) عمر عبد الحكيم ابو مصعب السوري، المقاومة الإسلامية العالمية، ص891http://www.goodreads.com/book/show/17375756

(26) نفس المصدر والصفحة .891

(27) نفس المصدر، ص 897-898

(28) هذا الخطاب عميق الحضور في الواقع السياسي العربي والإسلامية استمرار له وقد كانت هناك دراسة توصيفيه جيدة ممكن العودة اليها:

(29) http://www.assakina.com/center/parties/60190.html#ixzz3wgeb65O7

(30) نفس المصدر، ص 902.

(31) وهو كتاب: أبو بكر ليس هو الاسم الحقيقي لمؤلف تلك المقالات ويقول مراقبون إنها شخصية لضابط مصري هو سيف العدل - منسق الشؤون الأمنية والاستخباراتية في تنظيم القاعدة - وربما هو محمد خليل الحكايمة نفسه بسبب تشابه الأسلوب .

وقد منع الكتاب من التداول في كثير من الدول العربية لكنه أصبح متاحاً لاحقاً في أكثر من 15 ألف رابط في الشبكة العنكبوتية، وحسب بيان رسمي لوزارة الداخلية السعودية فقد تم الإعلان عنه في 21/6/1429 كأحد الأعمدة الفكرية لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، كما ترجمته وزارة الدفاع الأميركية للغة الإنجليزية بعد أن عثرت المخابرات الأميركية على وثائق ورسائل موجهة من وإلى بن بادن تشمل فصولاً من هذا الكتاب، فاهتم به المختصون الأميركيون وقام مركز مكافحة الإرهاب في كلية ويست بوينت العسكرية بترجمته إلى الإنجليزية بعنوان إدارة الوحشية وتم توزيعه على المسؤولين في الدوائر السياسية للحكومة الأميركية والمسؤولين في وزارة الدفاع.

(32) جوزيف ناي، القوة الناعمة الوسيلة الناجحة في السياسة الدولية، ترجمة وتقديم محمد توفيق البجيري، دار العبيكان، ط1، بلا مكان، 2007.

 

بدر الدين شيخ رشيد«الإمامة أصل من أصول الدين وأحد أركانه الرئيسية. فالإنسان حيوان سياسي بقدر ما هو حيوان عاقل». د. حسن حنفي.

الحلقة السابقة عرضنا جانبا من التعليلات حول فرعيّة الإمامة من عبارات بعض متكلمي الأشاعرة كالإمام الغزالي والجويني والشهرستاني والآمدي والإيجي والشريف الجرجاني. إلا أننا إذا نظرنا إلى تعليلاتهم حول نفي أصوليّة الإمامة، نجد أنها لا تعتمد على برهان وجحة ثابتة، يمكن أن يعوّل عليه ويطمأن به. فغاية ما عوّلوا عليه أن الإمامة أصبحت موضع التعصب والهوى، ومثار الجدل والفن. فهل هذه حجة كافية؟ أم أن الدليل يؤخذ من الأحداث والوقائع في تاريخ الخلافة عند المسلمين؟

فالجواب عن هذا السؤال من جهة الأشاعرة لا بد أن نفرق بين الواقع التاريخيّ، في سياق الإمامة وبين مفهوم النظريّ الذى طوره متكلموا الأشاعرة وفقهائهم. فمن ناحية النظرية نجد، أن الإمامة عند الأشاعرة، تتم عن طريق إختيار أهل الحل والعقد. وحددوا مفهوم أهل الحل والعقد «على أهل الإجماع». وذلك، فيما قرروا في مبحث «الإجماع»، المعتبر عند أهل السنة الأصل الثالث من الأدلة الشرع، من أن أهل الإجماع هم«مجتهدوا علماء الأمة»، ومن هذا المنطلق، يتم إختيار الإماَمِ مِنْ قِبَلِ أهلِ الإجماع المتصفين بصفة الإجتهاد وغيرها من الصفات اللازمة للإمام عند الأشاعرة.

إن إعتبار الإمامة من الفروع لشبهة كونها مثار جدل وتعصب كما أشار الإمام الغزالي، يظهر ضعفه حين تقيّم مركزية الإمامة وموضها القياديّ في الأمة. وقد إنتقد نظريّة فرعيّة الإمامة، الدكتور حسن حنفي، فقال:«إن معظم الحجج التي تقدم لإعتبارالإمامة فرعا القصد منها إيهام الناس بأنها أمر صعب لا يمكن أن يعرف، كله تعصب وهوى، عليه خلاف، لا يهمّ في الدين كما تهم الأركان الخمسة.! وهل الخلاف عليها يمنع من كونها أصلا من أصول الدين؟ وأي شيء لم يحدث عليه خلاف حتى التوحيد، والعدل، والوعيد، والنبوة،والأسماء والأحكام، وهي أصول الدين، وقد وقع فيها الخلاف، ولم يمنعها ذلك من أن تكون أصولا للدين؟ وهل الخلاف عليها يقلل من شأنها ولا يجعلها أصلا؟. والخلاف في الراوية وارد في كل العقائد... وكيف لاتكون معلومة بالدين ضرورة، والقرآن كله حديث حول الإمام، والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكثير من الموضوعات السياسية؟. وكيف تكون الإمامة غير معلومة في الدين؟ وهي الموضوع الأول الذي إختلفت عليه الأمة وكان سبب نشأة علم أصول الدين؟. ولما ذا تكون أقل من الأركان الخمسة؟ وما قيمة الشهادتين في العبادات دون إمامة أوجهاد في المعاملات؟. إن إستبعاد الإمامة مثل إسبعاد الجهاد كأحد أركان الدين إنما كان محاولة مقصودة لعدم تسييس الدين وإعتبار السياسة حكرا على السلطة وإبعاد الجماهير عنها حتي يستأثر بها الحكام. ولما ذا لا يكفر منكرها، كما يكفر منكر السمعيات. وهي موضوعات نظرية خالصة، لاتعم بها البلوى؟ وأيهما أولي بالكفر: من ينكر الملكين، أوعذاب القبر، أو الصراط، أو من يقهر المسلمين ويستذلهم ويسلط عليهم ويستغلهم ويصالح الأعداء؟. وبطبيعة الحال يشوب الموضوع حماس وإنفعال. فالسياسة ليست فقط علما نظريا فحسب بل هي ممارسة عملية، وتحزب ومواقف وتعارض مصالح وتصادم قوى. فمن الطبيعيّ أن يسود الهوى في الممارسة وأن يتدخل في صياغة النظرية. ومع ذلك فإن نظرية العلم قادر على الفصل بين العلم والهوي، وبين اليقين والظن. فالإمامة إذن أصل من أصول الدين وأحد أركانه الرئيسية فالإنسان حيوان سياسي بقر ما هو حيوان عاقل»1 .

البحث في الإمامة عن الواقع التاريخي المبنيّ بالغلبة والقهر، هو أمر خارج عن الإطار الشرعي في الحكم الإسلامى الصحيح؛ لأن العلماء فرّقوا بين الأشخاص الممثلين للخلافة وبين ماهية الخلافة. بحيث إن الخلافة كانت رمزا وشعارا للدين. أما الأشخاص فلم يكونوا«موضع إحترام»2 .

ومن هذا المنظور أكد الشيخ الغزالى رحمه الله أن ضابط الحكم الصحيح في الإسلام يقوم على قاعدتين:

الإختيار الصحيح؛ لأن الإختيار من حقوق المسلمين، فعليهم أن يختاروا من يمثلهم، ويترجّم عن نياتهم وأمانيهم، ومن يدفع عن حقوقهم وحدودهم، ومن يشارك أحزانهم وأفراحهم.

أن يكون الحكم إسلاميا؛ لأن« كل حكم يبعد الإسلامَ عن دستوره، أو يذكر الإسلام ذراّ للرماد فى العيون، ثم يمضي شاردا عن صراطه، بعيدا عن هٌداه، فهو حكم فقد شرعيته؛ لأنه فاقد لرضوان الله وتأييد الناس»3 .

وإذا نظرنا إلى ضوابط الإمامة من حيث كونها خلافة النبوة في الحكم عند كلاسيكي الأشاعرة، يظهر أنه يصدق بهذا المفهوم عند تحديد أهل الإختيار على « أهل الإجماع»،لكونهم قائمين مقام الأنبياء في أداء الرسالة الإلهيّة، وذلك لإتصافهم بالعلم والحكمة. فهم الحبل الواسط بين الرب والأمة؛ لأنهم ورثة الأنبياء من جهة العلم. فبهذا الإعتبار يمكن توظيف مفهوم الإمامة عند الأشاعرة من حيث النيابة عن الله ورسوله.

ويؤيد ما قررنا، نظريةُ الإمام الماوري[ت:450ھ/1058]، في الإمامة، حيث عاش في عصر نفوذ دولة البويهية الشيعيّة في العراق وما يتصل بها من بلاد فارس من فترة [ت:321ھ-447ھ/933م-1055م]. فرغم هذا كله تجد أنه قرر سيادة الخلافة في أراضى المسلمين، بإعتبار كونها رمزا للوحدة بين المسلمين. إضافة إلى ذلك، فأنه إشترط شروطا على الإمارات المستولى من قبل بعض الأمراء التابعة للخليفة. وذلك للخروج من الفساد إلى الصحة، ومن الحظر إلى الإباحة. وعلَّله في تصحيح إمارة المستولى- بعد تنفيذ أحكام الله- بأنها حالة إضطرار؛ لأنه «إن خرج عن عرف التقليد المطلق في شروطه وأحكامه، ففيه من حفظ القوانبن الشرعية وحراسة الأحكام الدينية ما لا يجوز أن يترك مختلا مذخولا، ولا فاسدا معلولا. فجاز فيه مع الإستيلاء والإضطرار ما امتنع في تقليد الإستكفاء والإختيار، لوقوع الفرق بين شروط الممكنة والعجز»4 .

وهذه القوانين من حيث الإلتزام، يشترك فيها الخليفةُ والمستوْلِيْ، إلا أن المستوْلِي فى حفظها أغلظ، وهي تعتبر عند الماوردي سبع قوانين:

حفظ منصب الإمامة في خلافة النبوّة وتدبير أمورالملة، ليكون ما أوجبه الشرع من إقامتها محفوظا، وما تفرع عنها من الحقوق محروسا.

ظهور الطاعة الدينية التى يزول معها حكم العناد فيه، وينتفى بها إثم المباينة له

إجتماع الكلمة على الألفة والتناصر، ليكون للمسلمين يد على من سواهم.

أن تكون عقود الولايات الدينية جائزة، والأحكام والأقضية فيها نافذة، لا تبطل بفساد عقودها، ولا تسقط بخلل عهودها.

أن يكون إستيفاء الأموال الشرعية بحق تبرأ به ذمة مؤديها، ويستبيحه آخذها

أن تكون الحدود مستوفاة بحق، وقائمة على مستحق؛ فإن جنبى المؤمن حمى، إلا من حقوق الله وحدوده.

أن يكون الأمير في حفظ الدين ورعا، عن محارم الله، يأمر بحقه إن أطيع، ويدعوا إلى طاعته إن عصي5 .

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم:

.........................

1- حنفي، حسن، من العقيدة إلى الثورة، مكتبة مدبولي القاهرة مصر، 1988م، ج5/ص167-169.

2- الغزالى، محمد، جهاد الدعوة ببن عجز الداخل وكيد الخارج، دارالقلم، دمشق، سوريا، ط1/1411ھ/ 1991 م ص 82.

3- المصدر السابق، ص118.

4- الماوردى، الأحكام السلطانية والولايات لدينية، تحقيق، خالد عبد اللطيف السّبع العلميّ دار الكتاب العربي بيروت، لبنان، ط1/ 1410ھ/1990م، ص77.

5- المصدرالسابق، ص39-40.

 

بدر الدين شيخ رشيد«ما سلَّ سيف فى الإسلام على قاعدة دينيَّة، مثل ما سُلَّ على الإمامة فى كل زمان» الشهرستاني.

إذا درسنا هذه الإشكاليّة من خلال تعريف الخلافة والإمامة عند الأشاعرة، نجد أن هناك مفارقات بين تعريف الإمامة ومبدأ الإختيار عندهم . أما من حيث التعريف، فأكثر من عرّف الخلافة والإمامة من متكلمي الأشاعرة وفقهائهم، نجد أنهم عرّفوا بها أنها«موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا» [1].

وإذا أخذنا مثلا هذا التعريف، لا شك أن الإمامة تتحد بالمعنى التي تقول به الشيعة الإمامية، وهي أن الإمامة منصب إلهي يشاكل مع النبوة في الدرجة إلا الوحي لأن القاعدة المتفقة عند العقلاء، أن البدل يأخذ حكم المبدل منه، فلا يمكن النيابة عن مقام الرسول إلا من يتصف بصفاته وهو الإنسان الكامل.

وبناء على هذا، فقد طرحت الشّيعة الإماميّة إشكاليّة النّيابة عن الله ورسوله، فيمن يُخْتار من قبل الأمة، حيث قالت: «إن الإمامة خلافة الله ورسوله، فيتوقف على إستخلافهما بوسط(الأمة) أو بلاوسط. والثابت باختيار الأمة لا يكون خلافة منهما، بل من الأمة» [2].

فالعلامة التفتازاني الأشعري  [ت:971 /972ھ/1388/1389م] ، تصدى الإجابة عن هذا الإشكال، فقال رحمه الله:«وَرُد(الإماميّة)، بأنه لما قام الدليل من قبل الشارع وهو الإجماع على أن من إختاره الأمة خليفةً لله ورسوله كان خليفةً فسقط ما ذكرتم (أي الإمامية). ألا ترى أن الوجوب بشهادة الشاهد وقضاء القاضي وفتوى المفتي حكم الله لا حكمهم، على أن الإمام وإن كان نائبا عن الله فهو نائب عن الأمة أيضا» [3].

ونظرية التفتازاتي القائمة على أن الإمام نائب عن الله وعن الأمة معا، يعدّ مشكلا؛ لأنه كيف يكون الإمام نائبا عن جهتين؟ علْماً بأن الإمام يختار-عند الأشاعرة- من قبل الأمة، لا من قبل الله ورسوله؟

غير أن القول بأن الإمام نائب عن الله وعن الأمة معا إذا أخذنا من وجهة  العلامة التفتازاني، يمكن تخريخها إذا خصصنا أهل الإختيار بأهل الإجماع. ويكون هذا التخريج صائغا، إذا وظّفنا نظرية النيابة عن الله ورسوله  بإعتبار مَنْ يَخْتار الإمام. بحيث أن الإمام يختار عند الأشاعرة، من قبل أهل الأفاضل من الأمة،  إضافة إلى إشتراطية الإمام بالإجتهاد. وقلنا ذلك، لأننا لم نجد من صرح من علماء الأشاعرة القول: بأن الأمة هي التي تختار الإمام. بل كل من تكلم في حالة إنعقاد الإمامة قال: تنعقد الإمامة من قبل «أهل الحل والعقد من مجتهدى الأمة». فالخلاف بينهم إنما يدور فقط حول تحديد عدد أهل الحل والعقد في جميع الأمصار، يقول الباقلاني:« إنه إذا صح أن فضلاء الامة هم ولاة عقد الإمامة، ولم يقم دليل على أنه يجب أن يعقدها سائرهم ولا عدد مخصوص لا تجوز الزيادة عليه ولا النقصان منه،  ثبت بفقد الدليل على تعيين العدد» [4].

هذا وإن دلّ على شيء، فإنما يدل تخصيص أهل الإختيار لأهل الأفاضل، على أن الإمامة من  أصول الدين. أضافة إلى ذلك فإننا قد وجدنا عند الأشاعرة من صرح أصوليّة الإمامة، وذلك للخروج من هذا التناقض الملحوظ بين التعريف من حيث النيابة عن الرسول، و بين الإختيار من قبل الأمة.

وممن صرح أصوليّة الإمامة، الإمام الماوردي [ت:450ھ/1058م]، والإمام الشهرستاني [ت:548ھ/1153م] والقاضي البيضاوي المتكلم المفسر الأصوليّ الشافعي [ت:685ھ/1286م].

الإمام الماوردي [ت:450ھ/1058م] في كتابه الأحكام السلطانية صرّح أصولية الإمامة حيث قال:« إن الله سبحانه وتعالى جلت قدرته ندب للأمة زعيما خلف به النبوة، وحاط به الملة، وفوّض إليه السياسة، ليصدر التدبير عن دين مشروع وتجتمع الكلمة على رأى متبوع، فكانت الإمامة أصلا إستقرت عليه قواعدُ الملة وانتظمت به مصالح الأمة حتى إستتبت بها الأمور العامة وصدرت عنها الولايات الخاصة فلزم تقديم حكمها على كل حكم سلطاني» [5].

كما أكّد أصوليّة الإمامة، الإمام الشهرستاني  [ت:548ھ/1153م] ، حيث إعتبر إختلاف الأمة في الإمامة أعظم خلاف وقع بينها:« إذ ما سُلّ سيف فى الإسلام على قاعدة دينية، مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان» [6].

كذلك، يقول الإمام البيضاوي  [685ھ/1286م] في شأن أصولية الإمامة:« وقالت الشيعة- ما تدعيه من النص الدال على إمامة علي رضي الله عنه- : لم يتواتر كما لم تتواتر كلمات الإقامة من أنها مثنى، أو فرادى، والتسمية في الصلاة، ومعجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لم تتوافر، كحنين الجذع إليه، وتسليم الحجر عليه، ووقوف الشجر بين يديه، وتسبيح الحصى في يمينه مع توافر الدواعي على نقلها. فدل ذلك على أن عدم تواتر ما توافر الدواعي على نقله ليس دليلا على عدم صحته. وأجاب عن الأولين أعني الإقامة والتسمية بأنهما من مسائل الفروع ولا كفر ولا بدعة في مخالفتهما، فلم تتوافر الدواعي على نقلها لذلك، بخلاف الإمامة فإنها من الأصول ومخالفتها بدعة ومؤثرة في الفتن، فتتوافر الدواعي على نقلها، فلما لم تتوافر دل على عدم صحته» [7]

من جانب آخر، إذا نظرنا إلى كل من إعتبر الإمامة بالفروع من متكلمى الأشاعرة، نجد أنه علّل بذلك، إما لكونها موضع تعصب ومثار فتن وجدل، أو أن البحث عن حقيقتها وإدراكها من جهة الدليل يمثّل فى غاية الصعوبة. فخذ مثلا تعليل الإمام الغزالي  [ت:505ھ/1111م] حينما إعتبر الإمامة من الفروع علل على ذلك«بأنها مثار للتعصبات والمعرض عن الخوض فيها أسلم من الخائض فيها، بل وإن أصاب، فكيف إذا أخطأ» [8].

وكذلك تعليل الجويني [ت:478ھ/1085م]، بأن« الخطر من يزل فيه يربى على الخطر على من يجهل أصله ويعتوره نوعان محظوران عند ذوي الحجاج أحدهما: ميل كل فئة إلى التعصب  وتعدي حد الحق، والثاني، من المجتهدات المحتملات التي لا مجال للقطعيات فيها» [9].

وهكذا ينسق تعليل الشهرستاني [ت:548ھ/1153م]  كنسق من سبقه من الأشاعرة حيث يقول:«الإمامة ليست من أصول الإعتقاد بحيث يفضي النظر فيها إلى قطع ويقين بالتعين، ولكن الخطرعلى من يخطي فيها يزيد على الخطر على من يجهل أصلها والتعسف الصادر عن الأهواء المضلة مانع من الإنصاف فيها» [10]

الأمدي [ت:631ھ/1233م] أيضا، حذا حذو من سبقه من الأشاعرة في تحقيق ماهية الإمامة  حيث قال:« واعلم أن الكلام في الإمامة ليس من أصول الديانات ولا من الأمور الأبدايات بحيث لا يسع المكلف الإعراض عنها، والجهل بها، بل لعمري إن المعرض عنها لأرجى حالا من الواغل فيها، فإنها قلما تنفك عن التعصب والأهواء وإثارة الفتن والشحناء، والرجم بالغيب في حق الأئمة والسلف بالإزدراء وهذا مع كون الخائض فيها سالكا سبيل التحقيق، فكيف إذا كان خارجا عن سواء الطريق»  [11]

الأيجى [ت: 756ھ/1355م] ، أيضا أوضح في مباحث الإمامة في كتابه المواقف بأن الإمامة من الفروع« «وإنما ذكرناها في علم الكلام تأسيا بمن قبلنا» [12].

السيد الشريف الجرجانى [ت:816ھ/ 1413م] شارح كتاب «المواقف فى علم الكلام»للإيجى أيضا،إتّبع نسق الأشاعرة فى تحليل مفهوم الإمامة، فقال رحمه الله:«الإمامة ليست من أصول الديانات والعقائد خلافا للشيعة، بل هي عندنا من الفروع المتعلقة بأفعال المكلفين إذ نصب  الإمامة عندنا واجب على الأمة سمعا، وإنما ذكرناها في علم الكلام تأسيا بمن قبلنا، إذ قد جرت العادة من المتكلمين بذكرها في أواخر كتبهم». [13]

إعتبر ابن خلدون الإمامة من المصالح الإجتماعية، وإنما ألحق الإمامة في علم الكلام «لما ظهر حينئذ من بدعة الاماميّة من قولهم: إنها من عقائد الايمان وإنه يجب على النبي تعيينها والخروج عن العهدة في ذلك لمن هي له وكذلك على الأمة. وقصارى أمر الإمامة أنها قضية مصلحية إجماعية، ولا تلحق بالعقائد، فلذلك ألحقوها بمسائل هذا الفن، وسموا مجموعة علم الكلام، إما لما فيه من المناظرة على البدع، وهي كلام صرف وليست براجعة إلى عمل، وإما لأن سبب وضعه والخوص فيه هو تنازعهم في إثبات الكلام النفسي» [14].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

 ..............................

 [1] - الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، تحقيق، خالد عبد اللطيف السّبع العلميّ  دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط1/ 1410ھ/1990م ، ص29

 [2] -التفتازاني، شرح المقاصد في علم الكلام، دار المعارف، ط1/1401ھ/1981م دار النعمانية ، باكستان، ج2/ص282. وانظر: الخزازى، بداية المعارف الإلهية فى شرح عقائد الإمامية، مركز مديريت حوزة علمية، قم، إيران، ط1/1411ھ ، ج2 ص11.

 [3] -التفتازاني، شرح المقاصد في علم الكلام، دار المعارف، ط1/1401ھ/1981م دار النعمانية ، باكستان، ج2/ص282. وانظر: الخزازى، بداية المعارف الإلهية فى شرح عقائد الإمامية، مركز مديريت حوزة علمية، قم، إيران، ط1/1411ھ ، ج2 ص11.

 [4] - الباقلانى ، التمهيد، تحقيق، محمود محمد الخضيري، و محمد عبد الهادي دار الفكر العربي (بدون رقم الطبعة والتاريخ) ص178.

 [5] - الماوردى، الحكام السلطانية والولايات الدينية ، تحقيق، خالد عبد اللطيف السّبع العلميّ  دار الكتاب العربي بيروت لبنان، ط1/ 1410ھ/1990م ،ص27.

 [6] - الشهرستانى ، الملل والنحل،  تحقيق، محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ( بدون رقم الطبعة والتاريخ )، ج1/ص24.

 [7] - السبكي، علي بن عبد الكافي، الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي، تحقيق، جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية،بيروت،لبنان، ط1/ 1404ھ ، ج2/ص296.

 [8] -  الغزالى، الإقتصاد فى الإعتقاد،  تحقيق، الشيخ علاء الدين، الحموي، دار أفنان دمشق سوريا،  ط1/1419ھ/1999م، ص185.

 [9] - الجوينى، كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة فى أصول الإعتقاد، تحقيق‘ أسعد تميم مؤسسة الكتب الثقافية ط1/1405ھ/ 1985 م ص345.

 [10] - الشهرستانى، نهاية الإقدام  فى علم الكلام،تحقيق الفرجيوم، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، مصر،(بدون رقم الطبعة والتاريخ) ، ص478 .

 [11] - الآمدى، غاية المرام فى علم الكلام، تحقيق، حسن محمود عبد اللطيف، المجلس الأعلى للشئون  الإسلامية القاهرة، مصر، (بدون رقم الطبعة والتاريخ)، ص363.

 [12] -  الإيجى، المواقف فى علم الكلام، عالم الكتب بيروت، لبنان،(بدون رقم الطبعة والتاريخ)،ص395.

 [13] -  الجرجانى،  شرح المواقف، تحقيق، عبد الرحمن عميرة،دار الجيل لبنان، بيروت، لبنان، ط1/ 1417ھ/1997م.ج3/578.

 [14] - ابن خلدون ، مقدمة ابن خلدون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان ط4/،(بدون تاريخ الطبعة)، ص465.

 

بدر الدين شيخ رشيدإن أصول الدين حسب مفهوم المتكلمين يأخذ على شكل أوسع من مفهوم أصول الإعتقاد الثلاثة الذي سبق الإشارة إليه- أي الإيمان بالله واليوم الآخر وبعثة الأنبياء- في مبحث رؤية المتكلمين والفلاسفة في تحديد مفهوم أصول الدين، حيث إن مفهومه يطلق على ما يتعلق بعلم العقائد حسب مفهوم المتكلمين. وذلك، لما التقت حضارة الإسلام بالأمم السابقة، ودخلت الأمم السابقة في الإسلام وجٌد فرق إعتقادية في دائرة الإسلام، وأخري غير إسلامية. فحاول المتكلمون إستعمال آلات جديدة للدفاع عن العقائد الإسلامية. ومن هنا نشأ ما يعُرفُ بعلم الكلام، لتحديد ما يجب الإعتقاد به من أصول الدين..

 في بيان سبب نشأة علم الكلام وتطوره، يقول الدكتور علي الشابي، في كتابه: «مباحث في علم الكلام والفلسفة»:«وحين تطور علم الكلام في ظل الأحداث السياسية، والترجمة من اليونانية، والفهلوية، وانفتاح حضارة الإسلام للحضارات الوافدة، إتسع علم الكلام للفلسفة وبالتالي، لمحاور فلسفة أصبحت جزءا منه، كالبحث في الجوهر، والعرض، والذرة، والخلاء، والحركة، والسكون، والزمان، والمكان. وتناول كذلك مبحث الإمامة، لأن الشيعة إعتبروها أصلا من أصول الدين. فأقتضي هذا من أهل السنة ومن الخوارج تنالها وإقحامها في مباحثهم الكلامية للرد على الشيعة» 1.

 الإمام الشهرستاني [ت:548ھ/1153م]حاول تأسيس أصولٍ ثابتةٍ يمكن إرجاعُ المسائل الكلامية إليها، والتي إختلفت فيها الفرقُ الإسلاميةُ. حيث حدد الشهرستاني هذه الفرق الإسلامية في أربعة فرق إسلاميّة، ثم بناها على قواعد أربعة. وهذه الفرق هي: القدرية، والصفاتية، والخوارج والشيعة، ثم يتركب بعضها مع بعض، ويتشعب عن كل فرقة أصناف، فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة 2 .

 بنى الإمام الشهرستانى الفرق الإسلاميّة على قواعد وضوابط، حسب إختلافهم في أصول المسائل الإعتقادية. وقد إختار هذا المنهج ليسهل تعديد الفرق؛ لأن من قبله من المتكلمين لم يتفقوا على منهاج واحد في تعديدها فقال:« إعلم أن لأصحاب المقالات طرقا في تعديد الفرق الإسلامية، لا على قانون مستند إلى أصل ونص، و لا على قاعدة مخبرة عن الوجود. فما وجدتٌ مصنِفِيْن منهم متفقين على منهاج واحد في تعديد الفرق. ومن المعلوم الذى لا مراء فيه، أنه ليس كل من تميزه عن غيره بمقالة ما، في مسألة ما، عُدَ صاحب مقالة، وإلا فتكاد تخرج المقالات عن حد الحصر والعد، ويكون من إنفرد بمسألة فى أحكام الجواهر مثلا معدودا في عداد أصحاب المقالات. فلابد إذن من ضابط فى مسائل هي أصول وقواعد، يكون الإختلاف فيها إختلافا يعتبر مقالة، ويعد صاحبه صاحب مقالة. وما وجدتُ لأحد من أرباب المقالات عناية بتقرير هذا الضابط، إلا أنهم إسترسلوا في إيراد مذاهب الأمة كيفما إتفق. وعلى الوجه الذي وجد، لا على قانون مستقرٍ وأصل مستمر، لذا إجتهدتٌ على تيسير من التقدير... حتى حصرتها في أربع قواعد، هي الأصول الكبار»3 .

القاعدة الأولى: الصفات والتوحيد. وتشتمل هذه القاعدة مسائل مثل: الصفات الأزلية، إثباتا عند جماعة ونفيا عند جماعة. وبيان صفات الذات، وصفات الفعل وما يجب لله تعالى، وما يجوز عليه، وما يستحيل. وقد إختلف مسائل هذه القاعدة: الأشعرية، والكراميّة، والمجسمة، والمعتزلة.

القاعدة الثانية: القدر والعدل. وتشتمل على مسائل منها: القضاء، والقدر، والجبر والكسب، وإرادة الخير والشر، والمقدور، والمعلوم، إثباتا عند جماعة، ونفيا عند جماعة. وأختلف فيها: القدرية، والنجارية، والجبرية، والأشعرية، والكرامية.

القاعدة الثالثة: الوعد والوعيد، والأسماء والأحكام. وتشتمل على مسائل منها: الإيمان، والتوبة، والوعيد والإرجاء، والتكفير والتضليل، إثباتا على وجه عند جماعة ونفيا عند جماعة.. وأختلف فيها:المرجئة والوعيدية، والمعتزلة، والأشعرية، والكرّاميّة.

القاعدة الرابعة: السمع والعقل، والرسالة والإمامة. وتشتمل على مسائل مثل: التحسين، والتقيبح، والإصلاح والأصلح، واللطف، والعصمة في النبوة. وشرائط الإمامة، نصا عند جماعة (كالإمامية)، وإجماعا عند جماعة(كالأشاعرة). وكيفية إثباتها على مذهب من قال: بالإجماع. والخلاف فيها بين الشيعة، والخوارج، والمعتزلة، والكرامية، والأشعرية 4.

 فإذا نظرنا إلى جدليّة الإمامة عند الشيعة الإمامية والأشعرية، نجد أنها تكمن في القاعدة الربعة، حيث إن أول الخلاف بينهما ينشأ من جهة وجوب الإمامة؛ وذلك هل تجب الإمامة عن طريق العقل؟ أم أنها تجب عن طريق السمع، (أى النقل)؟. ثم ما يترتب على من علة الوجوب، وذلك هل هى من باب التكليف، فيجب نصب الإمام على الأمة؟ أم من باب اللطف فيجب على الله التعيين منه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؟ وذلك لصعوبة معرفة الأفضل من الأمة. ثم إشكاليّة عصمة النبوة، وما يترتب عليها من عصمة الإمام عند من يشترطها كالإماميّة.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

 ..................

1 -الشابي، د/علي الشابي، مباحث قي علم الكلام والفلسفة، داربوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، ط2/1984م، ص10.

2 - الشهرستانى، الملل والنحل، تحقيق، محمد سيد كيلاني، دارالمعرفة، بيروت، لبنان، (بدون رقم الطبعة والتاريخ) ج1/ص15

3 - المصدر السابق، ج1/ص15.

4 - المصدر السابق، ج1/15. 

 

بدر الدين شيخ رشيدالشيخ بكر أبو زيد، أحمد الكاتب والدكتور علي أوزك نموذجا:

الشيخ بكر أبو زيد:

الشييخ بكر أبو زيد وهو من كبار هيئة علماء السعودية، حاول تقرير هذه الأصول الثلاثة، وذلك «كالتوحيد، والنبوات، والمعاد»، وما يتفرع منها من مسائل العقيدة، كالإيمان الجامع بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وما تقتضيه النبوة والرسالة من واجب الدعوة، والبلاغ، والتبشير، والإنذار، وإقامة الحجة، وإيضاح المحجة، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، بإصلاح النفوس، وتزكيتها، وعمارتها بالتوحيد، والطاعة، وتطهيرها من الإنحراف، والحكم بين الناس بما أنزل الله . واعتقاد تعدد الشرائع وتنوعها في الأحكام، والأوامر والنواهي . وهذا الأصل هو  جوهر الرسالات كلها..

أما توحيد الملة والدين في دعوة جميع الأنبياء والمرسلين : فنعتقد أن أصل الدين واحد، بعث الله به جميع الأنبياء والمرسلين، واتفقت دعوتهم إليه، وتوحدت سبيلهم عليه، وإنما التعدد في شرائعهم المتفرعة عنه، وجعلهم الله - سبحانه - وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم بذلك، ودلالتهم عليه ؛ لمعرفة ما ينفعهم، وما يضرهم، وتكميل ما يصلحهم في معاشهم، ومعادهم : بُعثوا جميعا بالدين الجامع الذي هو عبادة لله وحده لا شريك له، بالدعوة إلى توحيد الله، والإستمساك بحبله المتين . وبعثوا بالتعريف في الطريق الموصل إليه . وبعثوا ببيان حالهم بعد الوصول إليه. فاتحدت دعوتهم إلى هذه الأصول الثلاثة:

الدعوة إلى الله - تعالى - في إثبات التوحيد، وتقريره، وعبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، فالتوحيد هو دين العالم بأسره من آدم إلى آخر نفس منفوسة من هذه الأمة.

والتعريف بالطريق الموصل إليه سبحانه، في إثبات النبوات وما يتفرع عنها من الشرائع، من صلاة، وزكاة، وصيام، وجهاد، وغيرها: أمرا، ونهيا في دائرة أحكام التكليف الخمسة : الأمر وجوبا، أو استحبابا، والنهي : تحريما، أو كراهة، والإباحة، وإقامة العدل، والفضائل، والترغيب، والترهيب.

والتعريف بحال الخليقة بعد الوصول إلى الله: في إثبات الميعاد، والإيمان باليوم الآخر، والموت، وما بعده من القبر، ونعيمه، وعذابه، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، والثواب والعقاب.

وعلى هذه الأصول الثلاثة، مدار الخلق والأمر، وإن السعادة والفلاح لموقوفة عليها لا غير. وهذا مما اتفقت عليه جميع الكتب المنزلة، وبعث به جميع الأنبياء والرسل، وتلك هي الوحدة الكبرى بين الرسل، والرسالات، والأمم .وهذا هو المقصود من قول النبي صلى الله عليه وسلم : « إنا معشر الأنبياء أخوة لِعَلاّت أمهاتهم شتى ودينهم واحد». وهو المقصود في قوله تعالى  : ﴿ شرع لكم من الدين ماوصى به نوحا  والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب﴾»[الشورى:73]»[1].

أحمد الكاتب:

أكد أحمد الكاتب على أن هذه الأصول الثلاثة يتفق عليها المسلمون قاطبة سنيّهم وشيعيّهم، وغيرهم من الطوائف الإسلامية. وقد بين الله سبحانه وتعالى هذه الأصول في أول سورة البقرة عند قوله :﴿ ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الدين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يومنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك و بالأخرة هم يوقنون، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾[البقرة: 1-5] فهذه الآيات تضمنت على«أسس  العقيدة الإسلامية : الإيمان بالله تعالى، والنبوة والميعاد، والتى لا توجد خلاف حولها بين أحد من المسلمين من أية طائفة»[2].

الدكتور على أوزك:

تناول الدكتور علي أوزك، في الندوة العلمية الدولية حول الشيعة، والتى عقد بها فى إسطنبول 1993م الخصائص المشتركة بين أهل السنة والإمامية.  فذكر أن تلك الخصائص المشتركة بينهما تتحد فيما يلي:

التوحيد: حيث لافرق بين عقيدة الشيعة وأهل السنة فى التوحيد.لأن الشيعة تؤمن بوجود الله تعالى ووحدانيته، إلا أنها أقرب إلى المعتزلة فى المسائل الإعتقادية والكلامية.

النبوة : إن الشيعة تؤمن أيضا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

الميعاد: أى الإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت‘ والحساب والجنة والنار وأمثالها، فإن هذه المسألة غير مختلف فيها بالكثير[3].

إن أصول الدين له مفهوم أوسع من تلك الأصول الثلاثة. و هوما يتصل بالإيمان بالله تعالى وتوحيده والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر، كما بسط القرآن في عدة آيات. منها: قوله تعالى:﴿ ﴿ليس  البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من أمن بالله واليوم الأخر والملائكة  والكتاب والنبيين﴾[ البقرة:177] وقوله تعالى: ﴿أمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا  وأطعناغفرانك ربنا وإليك المصير﴾[البقرة:285] وقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا﴾ [النساء:136][4].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

.......................................

[1] - أبو زيد، الشيخ  بكر، الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان، ط1/1421 .

[2] - الكاتب، أحمد، السنة والشيعة وحدة الدين خلاف السياسة والتاريخ، الدارالعربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، ط1/2007..ص19 .

[3] - أوزك، الدكتورعلى ،الندوة العلمية الدوليّة حول التشريع عبر التاريخ وفى الوقت الحاصر، إسطنبول ،عام 1993م ص 242  نقلا عن:  أحمد الكاتب، السنة والشيعة وحدة الدين خلاف السياسة والتاريخ، الدار العربية للعلوم ناشرون بيروت، لبنان، ط1/2007م، ص 21-22 .

[4] - القرضاوى، يوسف،  فى فقه الأولويات دراسة جديدة فى ضوء القرآن والسنة،  مكتبة وهبه القاهره، مصر، ط6 /2004 ص 111.

 

 

بدر الدين شيخ رشيد تتقارب ولادة الإمام الخميني وسيد قطب، حيث ولد الخميني عام (1902م)، بينما ولد سيد قطب عام ( 1906م). فهما ولدا في العقد الأول من القرن الماضي، فقد ولد الخميني بمدينة "خمين" من توابع المحافظة المركزية في إيران، وتقع جنوب غرب طهران حيث تبعد عنها(349 كم)، أما سيد قطب فقد ولد في قرية "موشة" الزراعية لمحافظة أسيوط في صعيد مصر في عام ( 1906م).

وينتمي كل منهما إلى عائلة تتسم بالشرف والمكانة، فالخميني ولد من أبوين كريمين هما آية الله السيد مصطفى الموسوي، وهاجر ابنة آية الله الميرزا أحمد، أحد علماء كربلاء والنجف، أما والد سيد قطب وهو الحاج قطب إبراهيم، فكان عميد الأسرة، كما كانت والدته تنتمي إلى أسرة مماثلة أو أعرق منها [1]، وكانت امرأة مؤمنة متدينة متصفة بصفات المؤمنات[2].

 وتشير بعض الدراسات إلى أن أصل كل من الخميني وسيد قطب هاجرا من الهند، فالجد السابع للخميني هاجر من مدينة نيسابور من أواخر القرن الثامن إلى مدينة لكنو شمال الهند، حيث سكنوا قرية صغيرة تسمى كنتر( kintur)، وكان السيد مير حامد حسين(ت:1880م) صاحب كتاب «عبقات الأنوار في إمامة أئمة الأثر»، الرائد لأسرتهم من حيث العلم والفضل، وكان جد الخميني سيد أحمد، المعاصر لسيد مير حامد حسين غادر من لكنو في القرن التاسع عشر إلى مكة لأداء الحج، ثم منها إلى النجف الأشرف ثم إلى خمين مولد الخميني[3]، أما سيد قطب، فتشير بعض الدراسات إلى أن جده السادس، وهو الفقيه عبد الله قد هاجر من الهند إلى مكة لأداء مناسك الحج ، ثم توجه إلى مصر[4]، إلا أن أخاه محمد قطب نفى ذلك، حيث اعتبر مجرد ظن مبعثه أن تقاطيع وجوه العائلة قريبة الشبه بتقاطيع وجوه أهل الهند، لكن يبدو أن ما قاله سيد هو الأقرب إلى الحقيقة، وبه مال إليه الأستاذ صالح عبد الفتاح الخالدي؛لأن سيد قطب حدد اسم الجد القادم من الهند، وهو الجد السادس [5].

ومن المفارقات بين الخميني وسيد قطب من حيث النشأة، أن والدى الخميني قد توفيا في عهد مبكر من نشأته، حيث أغتيل والده من قبل بعض قطاع الطرق في قضية مدبرة من قبل الحكومة آنذاك، وهو لم يتجاوز عمره خمسة أشهر، وكفلته عمته صاحبة خانم، وفي السنة الخامسة عشرة توفيت أمه[6]، لكن سيد قطب، عاش مع والديه منذ النشأة إلى أن كبر، حيث توفيت والدته في عام(1940م)، وهو في القاهرة، وكان عمره آنذاك 34عام[7]، أما والده فقد توفي قبل وفاة والدته بقليل، فقد ذكر عبد الرحمن السمان، أن أسرة سيد قطب انتقلوا إلى القاهرة بعد أن اشترى منزلاً في حلوان، وكــان ذلك بعد وفــاة والــده، ثم توفيت والدته بعد انتقالهم إلى القاهرة بقليل[8].

أما من جهة الأسرة، فيبدو أن والد الخميني تزوج بزوجة واحدة فولدت له ثلاثة أبناء، وهم: السيد مرتضى، والسيد نور الدين، والخميني وهو أصغرهم[9]، أما والد سيد قطب، فقد تزرج بزوجتين، حيث أنجبت الأولى ولدا، أما أم سيد قطب، فقد أنجبت له خمسة أولاد: ولدين وثلاث بنات، وهم: نفيسة قطب، وسيد قطب، وأمينه قطب، ومحمد قطب، وحميده قطب[10].

 التعليم عند كل من الخميني وسيد قطب:

يكاد يتقاطع الدور التعليمي عند كل من الخميني وسيد قطب ما عدا حفظ القرآن الكريم؛ إذ كل منهما حفظ القرآن في وقت مبكر، كعادة أبناء المسلمين حيث يبدءون حفظ القرآن في عهد مبكر تبركا بالقرآن الكريم، فالخميني حفظ القرآن وهو في العام السابع من العمر[11]، أما سيد قطب فقد بدأ بحفظ القرآن المجيد في السنة الثانية الابتدائية، وعمره حوالي ثماني سنوات، وبعد ثلاث سنوات، أتم حفظ القرآن كاملا[12].

أما ما عدا حفظ القرآن الكريم، فمختلف تماما، حيث سلك الخميني نهج علماء الشيعة التقليدين بالحوزات العلمية، بينما سلك سيد قطب منهج الدراسة النظاميّة في العصر الحديث، وهذا فعلا يخلق الاختلاف بينهما في الفكر والمنهج.

فالخميني أتقن القراءة والكتابة في وقت قصير، وبعد ذلك واصل تعلّم الأدب الفارسي، وقبل إكماله السنة الخامسة عشر من عمره أكمل تعلّم اللغة الفارسية، وسار على درب أبيه في طلب العلوم الإسلاميّة، وفي سنة ( 1338ﮪ)، أنهى دراسة المنطق، والنحو، والصرف، عند أخيه الأكبر السيّد مرتضى الموسوي المعروف بسنديه[13].

أما من جهة سيد قطب، فقد دخل المدرسة الابتدائية في القرية عام( 1912م)، حيث تخرج فيها عام( 1918م)، ثم انقطع عن الدراسة لمدة عامين بسبب ثورة سعد زغلول في عام (1919م)[14].

الرحلة العلمية عند كل الخميني وسيد قطب:

 ولما أنهى كل من الخميني وسيد قطب الدراسة الأولية، سافرا إلى خارج مكان مولديهما، لتحصيل زيادة العلم، وهو دأب أهل العلم قديما وحديثا، فالخميني سافر إلى مدينة أصفهان لغرض مواصلة دراسته، ثمّ ذهب إلى مدينة أراك لاشتهارها بالدراسة الحوزية فيها، بزعامة الشيخ عبد الكريم الحائري ، وبعد هجرة الشيخ الحائري إلى مدينة قم المقدّسة بأربعة أشهر، رحل إليها الإمام الخميني، وسكن في مدرسة دار الشفاء، وواصل دراسته فيها، وبعد فترة وجيزة نال درجة الاجتهاد، وأصبح من العلماء البارزين، ومن مدرِّسي الحوزة العلمية المعروفين، وبعد وفاة الشيخ الحائري قَدم السيّد حسين البروجردي لإلقاء الدروس في مدينة قم المقدّسة، فأخذ الإمام يحضر تلك الدروس، واستفاد منها كثيرا[15]. وفضلاً عن مواصلة دراسته علي يد فقهاء ومجتهدي عصره، اهتم بدراسة علم الرياضيات والهيئة والفلسفة[16]، وفي الوقت الذي كان يهتم فيه الخميني بكسب العلوم، حرص علي المشاركة في دروس الأخلاق والعرفان النظري والعملي في أعلي مستوياته لدي المرحوم آية الله الميرزا محمد علي شاه آبادي، علي مدى ست سنوات .[17]

 أما سيد قطب فقد سافر إلى القاهرة، في سنة 1920)م)، والتحق بمدرسة المعلمين الأوّلية ونال منها شهادة الكفاءة للتعليم الأوّلي، ثم التحق بتجهيزية دار العلوم، حيث حصل على شهادة البكالوريوس في الآداب من كلية دار العلوم، في سنة (193http://ar.wikipedia.org/wiki/1932"3م)، ثم حصل على بعثة للولايات المتحدة لدراسة التربية وأصول المناهج في عام(1948 م- 195http://ar.wikipedia.org/wiki/1951"0م)، وبقي فيها حوالي سنتين درس في معهد ولسون للمدرسين، على الساحل الشرقي، قبل أن ينتقل غربا ليحصل على درجة الماجستير في التربية من جامعة كولورادو الشمالي[18].

الحالة الاجتماعية للخميني:

تزوج الإمام الخميني، عام( 1929م)، بكريمة بنت المرحوم آية الله الحاج الميرزا محمد الثقفي الطهراني، وكانت ثمرة هذا الزواج ثمانية أبناء هم: الشهيد آية الله السيد مصطفي الخميني، وابن اسمه علي الخميني توفي في السنة الرابعة، والسيدة صديقة الخميني تزوجها المرحوم آية الله إشراقي، والسيدة فريدة الخميني تزوجها السيد الأعرابي، والسيدة فهيمة(زهراء)، تزوجها الدكتور السيد البروجردي، وبنت اسمها سعيدة الخميني توفيت ولها من العمر سبعة شهور، والمرحوم حجة الإسلام والمسلمين السيد أحمد الخميني، وبنت اسمها لطيفة الخميني توفيت وهي طفلة[19].

الحالة الاجتماعية لسيد قطب:

أما سيد قطب فلم يتم له زواج، حيث غادر من الدنيا وهو يقارب الستين من عمره بدون زواج، بيد أنه حاول الزواج في عدة مرات، بل أحب حبا شديدا صادقا شريفا، فكانت محاولته الأولى في الزواج قبل أن يغادر من القرية إلى القاهرة، ببنت تربط معه صلة مصاهرة بعيدة- كانت ابنة عم زوجة عمه- وقد أعجبت تلك الفتاة برجولته وشجاعته ونخوته، كما أن من جانبه وقعت محبتها في قلبه وأحس أنها تبادله نفس الشعور، إلا أنه سافر إلى القاهرة لمواصلة الدراسة، وبعد ما عاد إلى القرية بعد ثلاثة أعوام«علم أنها تزوجت في جهة نائية من القرية»[20].

أما محاولته الثانية للزواج، فكانت بعد ما تخرج في الكلية وعمل في الوزارة، وكان هذا في أواخر الثلاثينيات أثناء الحرب العالمية الثانية، وكانت فتاته الثانية بنتا قاهرية ملامحها تكاد تشبه البنت الأولى في القرية، وبعد ما أحبها تقدم لخطبتها من أهلها وكانت تكبره بعشرة أعوام، وفي ليلة الخطبة وهو يتناول ليلبس خاتم الخطوبة «أحس بيدها ترتعش ملتصقة في يده ونظر فإذا دمعة تند من عينها»[21]، فعلم ساعتها بأن أحلامه قد تلاشت وأنه قد طلع عليها نهار الواقع المر المؤلم، فسألها، وبعد الحاحه عليها في معرفة سر دمدعتها اعترفت له بأنها قبل أن تتعرف عليه كانت تعيش قصة حب مع ابن جيرانها الضابط في الجيش، وبعد معرفته هذه الحقيقة القاسية تعذب معها وتعذبت معه وعاشا فترة حياة العذاب والحيرة والحرمان[22]، كما اتخذ سيد قطب من عذابه وحرمانه ومعاناته مادة لتناج أدبي أهمها القصة الرومانسية الرفيعة «أشواك» التي طبعها في مايو( 1947م)، والتي أهدى إليها، قائلا «إلى التي خاضت معي في الأشواق فدُمِيَتْ ودُمَيْتُ وشَقِيَتْ وشَقِيْتُ ثم سارت في طريق وسرت في طريق جريحين بعد المعركة لا نفسها إلى قرار ولا نفسي إلى استقرار»[23]، وبعد معاناة مريرة استمرت عدة سنوات، قرر سيد فسخ الخطبة وفراق تلك الخطبة [24].

أما المحاولة الثالثة فكانت قبيل اعتقاله عام( 1954م)، حيث أوشك أن يخطب إحدى الفتيات الصالحات، وبدأ الخطوات الأولى، لكن الأحداث الجديدة فاجأته وقطعت عليه محاولاته، واستقر به المكان في السجن مظلوما، ليقضي فيه سنوات من عمره، ثم أفرج عنه بعفو صحي عام (1964م) وكان عمره قد قارب التاسعة والخمسين، وكان أول ما فكر به بعد مغادرة السجن الشروع في الزواج، لكن الطغاة لم يمهلوه؛ إذ سرعان ما زجوا به في السجن عام ( 1965م)، ليلقي وجه لله شهيدا عام( 1966م)[25].

 الوظيفة والتدريس عند كل من الخميني وسيد قطب:

طبقا لاختلاف المنهجين في التعليم يختلف التدريس والوظيفة عند كل من الخميني وسيد قطب، فالخميني لم يمارس الوظيفة بالمفهوم المعاصر المتصل بالوظيفة الحكومية، بل بدأ يلقي الدروس في الحوزات العلميّة، حيث بدأ الإمام الخميني بمزاولة التدريس، في عام (1347 هـ- 1929م)، أي منذ أن بلغ السنة السابعة والعشرين من عمره، فدرّس بحوث الفلسفة الإسلامية، والعرفان النظري والعملي، وأصول الفقه، والأخلاق الإسلامية[26].

أما سيد قطب، فقد عيّن بعد تخرجه مدرسا في وزرارة المعارف ست سنوات، وفي عام( 1940م) نقل إلى وزارة المعارف ثم مفتشا في التعليم الابتدائي، ثم عاد إلى الإدارة العامة للثقافة بالوزارة عام( 1945م)[27]، وعند ما عاد إلى مصر في عام ( 20-8-1950م،) قادما من رحلته إلى أمريكيا عين في مكتب وزير المعارف بوظيفة مراقب مساعد للبحوث الفنية بمكتب وزير المعارف آنذاك إسماعيل القباني واستمر إلى( 18- 10- 1952م) حيث قدم استقالته، وذلك بسبب خلافات مع رجال الوزارة، على خلفية عدم تبنيهم لاقتراحاته ذات الميول الإسلاميّ[28].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

..................................

[1] - سيد قطب، طفل من القرية، منشورات الجمل كولونيا، ألمانيا، ط1/ 1428، ص9.

[2] - صلاح عبد الفتاح الخالدي، سيد قطب من القرية إلى الاستشهاد، دار القلم، دمشق، سوريا، ط2/1994م، ص37.

[3] -Al gar, A Breif Biography of Imam Khomeini (PDF) the virtual vendee. A centrer for traditionalist and integrist studies P, 40.

[4] - أبو الحسن الندوي، مذكرات سائح في الشرق العربي، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط2/1975م،ص153.

[5] - صلاح عبد الفتاح الخالدي، سيد قطب من القرية إلى الاستشهاد، دار القلم، دمشق، سوريا، ط2/ 1994م، ص30.

[6] - صادق عزيز الحسناوي، بمناسبة الذكرى العشرين: نبذة عن حياة وسيرة الإمام الخميني،( تاريخ النشر، 5-4- 2009م)،أنظر الرابط: http∕∕www.burathanews.com∕news article 67247.htm

[7] - صلاح عبد الفتاح الخالدي، سيد قطب من القرية إلى الاستشهاد، دار القلم، دمشق، سوريا، ط2/ 1994م، ص39.

[8] - عبد الرحمن السمان، قصة حياة الأستاذ المجدد سيد قطب ،( تاريخ النشر، 26-3 - 2007م)، أنظر الرابط: http://syash.maktoobblog.com/259227/

[9] - جواد أمين، نبذة عن حياة الإمام الخميني رحمه الله، ومؤلفاته،( تاريخ النشر، 2-9-2009م) أنظر الرابط:

 http://alfoua.montadarabi.com/t1003-topic

[10] - وجيه صبح محمود القيق، معالم التغيير التربوي لدي سيد قطب من خلال كتاباته، رسالة علمية قدم لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير،( 2008م)، اشراف، د. محمود خليل أبو دف، كلية التربية قسم الدراسات العليا، الجامعة الإسلامية غزة، ص36.

[11]- Al gar, A Breif Biography of Imam Khomeini (PDF) the virtual vendee. A centrer for traditionalist and integrist studies. P,40 .

[12] - صلاح عبد الفتاح الخالدي، سيد قطب من القرية إلى الاستشهاد، دار القلم، دمشق، سوريا، ط2/ 1994م، ص59-60.

[13] - الشيخ عقيل الحلواجي، ترجمة السيد روح الله الموسوي الخميني،( تاريخ النشر، 31-10-2008م،)أنظر الرابط: http∕∕www.karbabad.in∕vb∕showthread.php?t=30757.

[14] - محمد عبد القادر المزي، الجهاد عند سيد قطب... تحرير مشروع أم ارهاب مذموم، بحث مقدم لنيل درجة الماجستير، جامعة الكيب الغربي، جنوب إفريقيا،(2007-2008)، ص132.

[15] - السيخ عقيل الحلواني، ترجمة السيد روح الله الموسوي الخميني،( تاريخ النشر، 31-10-2008م،)أنظر الرابط: http∕∕:www.karbabad.in∕vb∕showthread.php?t=30757

[16] - صادق عزيز الحسناوي، بمناسبة الذكرى العشرين: نبذة عن حياة وسيرة الإمام الخميني،( تاريخ النشر، 3-6-2010)، أنظر الرابط : http∕∕www.burathanews.com∕news article 67247.html

[17]- محمد الناصري، محطات من تاريخ الإمام الخميني،( تاريخ النشر، 6-6-2010)، أنظر الرابط:

http: www.almubarakeb-aliraqi.com∕pdf∕82∕p5.pdf

[18] -Lobada, L. 2004. The thought of Sayyid Qutb, Shbrook statesmanship thesis recipeunt of the 2004, E Parton Award.أنظر الرابط: http://www.ashbrook.org/wp-content/uploads/2012/06/2004-Loboda-The-Thought-of-Sayyid-Qutb-PDF

[19] - جعفر باقر، نبذة عن حياة وسيرة الإمام الخميني، ( تاريخ النشر 4-6-2010)،أنظر الرابط:

 http://www.burathanews.com/news_article_95992.htm1

[20] - سيد قطب، طفل من القرية، منشورات الجمل، كولونيا، المانيا، ط1/1428ھ-1429ھ، ص27.

[21] - سيد قطب، أشواك ، دار سعد، القاهرة، مصر، ط1947م، ص3.

[22] - صلاح عبد الفتاح الخالدي ، سيد قطب من القرية إلى الاستشهاد، دار القلم، دمشق، سوريا، ط2/1994م، ص249.

[23] - سيد قطب، أشواك ، دار سعد، القاهرة ، مصر، ط1947م، ص3.

[24] - المصدر السابق، ص37.

[25] - صلاح عبد الفتاح الخالدي، سيد قطب من القرية إلى الاستشهاد، دار القلم، دمشق، سوريا، ط2/ 1994م، ص249.

[26] - جعفر باقر، نبذة عن حياة وسيرة الإمام الخميني،(4-6-2010)، أنظر الرابط:

 http://www.burathanews.com/news_article_95992.html

[27] - محمد عبد القادر المزي، الجهاد عند سيد قطب... تحرير مشروع أم ارهاب مذموم، بحث مقدم لنيل درجة الماجستير، جامعة الكيب الغربي، جنوب إفريقيا،(2007-2008)، ص132-133.

[28] - المصدر السابق،ص133.

 

بدر الدين شيخ رشيدإن وصية الأنبياء في الأمم السابقة  بشكل عام  تعنى التعهد بأمر الدين إلى واحد من خاصةّ أتباعه ليسدّ في مقامه الإرشادى والقيادي في الأمة. وقد حكى القرآن وصية الأنبياء بشيء من الإطناب من عهد إبراهيم إلى عيسي عليهم السلام. إلا أن تفصيل وصيّهم من أدم إلى عيسى عليه السلام بشكل عام، قد وردت في كتب التاريخ والسير.

إن مفهوم الوصيّة تنطبق على حميع الرسل بحيث تتصل بإستمرارية الدين وخاصة التوحيد. وقد أخبر الله جانبا من ذلك بقوله تعالى: ﴿ رع لكم من الدين ما وصّى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم، وموسى، وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا﴾ [الشورى:13].

فكما أن حكمة الله سبحانه وتعالى إقتضت أن يوصي إلى أنبياءه لحفظ الدين والشريعة، أيضا تعتبر وصيّة الأنبياء إلى واحد من خاصة أتباعه أمراً ضرورياً، لإستمرارية وظيفة الأنبياء في إقامة الدين وعدم التفرق.

ويؤيد عموميّة وصية الأنبياء ما ذكر المسعودي [ت:437ھ/1045م] من أن الوصية كانت أمرا عاما للأنبياء عليهم السلام، من بدء أدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم. فذكر أنّ وصيّ آدم كان هبة الله وهو سيث بالعبرانية. ووصيّ  إبراهيم كان إسماعيل، ووصى يعقوب كان يوسف، ووصيّ موسى هو يوشع بن نون بن أفرائم بن يوسف، ووصيّ عيسى كان شمعون. وأن وصيّ خاتم الأنبياء  محمد صلى الله عليه وسلم كان علي بن أبي طالب. ثم أحد عشر من ولده[1].

ويظهر لي أنّ وصيّة الإمامة، كمفهوم قيادي سياسي، أنه قد ظهر منذ عهد أبراهيم عليه السلام، وذلك لتطور الحياة بحيث إحتاجت البشرية إلى قيادة دينية راشدة، كما قال تعالى:﴿إني جاعلك للناس إماما قال: ومن ذريتي قال: لا ينال عهدي الظالمين﴾[البقرة:124].

وصيّة أدم عليه السلام  إلى شيث:

ذكرت المصادر التاريخية أن آدم عليه السلام وصي إلى شيث وهو من أولاده، ليستمر تعاليم نبي الله آدم. فذكر اليعقوبي[ت:292ھ/904م] خبر وصية آدم إلى شيث حيث بيّن أن آدم لما حضرت الوفاة جاءه شيث ابنه، وولده، وولد ولده، فصلّى عليهم ودعا لهم بالبركة، وجعل وصيته إلى شيث، وأمره أن يحفظ جسده، ويجعله إذا مات في مغارة الكنز، وأن يوصي بنيه، وبني بنيه، ويوصي بعضهم بعضا عند وفاتهم[2].

أما الإمام الطبري[ت:310ھ/922م] فذكر أن لفظ شيث تعنى في العبرانية هبة الله، وأنه وصي آدم حيث  صارت الرئاسة إليه من بعد وفاة أبيه آدم عليه السلام، ثم أنزل الله عليه فيما روي عن رسول الله خمسين صحيفة[3]. كما أضاف في ذلك بأن الوصية كانت قبل موته أحد عشر يوما... ثم دفع كتاب وصيته إلى شيث، وأمره أن يخفيه من قابيل وولده؛ لأن قابيل قد كان قتل هابيل حسدا منه حين خصه آدم بالعلم، فاستخفى شيث وولده بما عندهم من العلم، ولم يكن عند قابيل وولده علم ينتفعون به[4].

وقد روي عن ابن عباس أنه قال:«كان معه(شيث) توأم، ولما حضرت آدم الوفاة عهد الى شيث وعلّمه ساعات الليل والنهار وعبادة الخلوة في كل ساعة منها، وأعلمه بالطوفان، وصارت الرئاسة بعد آدم إليه، وأنزل الله عليه خمسين صحيفة، وإليه أنساب بني آدم كلّهم اليوم»[5].

وكانت وفاة آدم عليه السلام حسب ما ذكر المسعودي[ت346ھ/957م] يوم الجمعة لست خَلَوْن من نيسان، في الساعة التي كان فيها خلْقُهُ، وكان عمره عليه السلام تسعمائة سنة وثلاثين سنة،[6]

وصية إبرهيم ويعقوب عليهما السلام:

إن وصية إبراهيم عليه السلام، قد حكى الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، فقال:﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابنى إن الله إصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾[البقرة:132].  وقال تعالى: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله إصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾[البقرة:132].

وذكر الرازي في تفسير هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام وصى بنيه، مما يدل على شدة الإهتمام بهم، غير أنه أشار في تفسير هذه الآية إلى أن إبراهيم عليه السلام ،عمَّمَ تلك الوصية على جميع بنيه ولم يخص أحداً منهم[7]. غير أن العلامة العسكري ذكر أن وصيّ إبراهيم عليه السلام كان إسماعيل عليه السلام، وأن وصيّ يعقوب عليه السلام  كان يوسف عليه السلام[8].

وصية موسى  ليوشع بن نون عليهما السلام:

إن وصية موسى ليوشع بن نون بن إفرائيم هي أمر متفق لدي المسلمين وأهل الكتاب.

فقد ورد في مادة يوشع من قاموس الكتاب المقدس نقلا عن التوراة: «أن يوشع بن نون كان مع موسى فى جبل سينا ولم يتلوث بعبادة العجل على عهد هارون» [9].

وفى الأصحاح السابع والعشرين من سفر العدد، خبر تعيينه من قبل الله لموسى عليه السلام، ونصه:«فكلم موسى الربّ قائلا: ليٌوَكِلَ الربُ إلهُ أرواح جميع البشر رَجُلاً على الجماعة، يخرج أَمَاْمَهٌمْ ويدخلُ أماْمَهُمْ ويخْرِجُهُمْ  ويدخلهم لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التى لاراعى لها . فقال الربُ لموسى خُذْ يَشُوعَ بن نون رجلا فيه روحٌ وضَعْ يدك عليه، وأوقفه قُدّامَ أَلِعَاْزاَرَ الكاهنِ وقُدّامَ كُلِّ الجماعة، وَأَوْصِهِ أمامَ أعْيُنِهِمْ.... ففعل موسى كما أمره الرب، أخذ يشوع وأوقفه قُدّام ألِعَازاَرَ الكاْهِنِ وقدّامَ كلِ الجماعةِ ووضع يَدَيْهِ عليه، وأوصاه كما تكلم الرب عن يد موسى»[10].

وذكر اليعقوبي أن يوشع بن نون  كان من شعب يوسف بن يعقوب عليه السلام، فلما حضرت وفاته، أمر الله عز وجل أن يدخل يوشع بن نون إلى قبة الزمان،  فيقدّس عليه، ويضع يده على جسده لتتحول فيه بركته، ويوصيه أن يقوم بعده في بنى إسرائيل، ففعل موسى ذلك،  فلما مات موسى قام يوشع بعده في بني إسرائيل،  ثم خرج من التيه بعد وفاة موسى بيوم، وقال بعض أهل الكتاب ثلاثين يوما، وصار إلى الشام، وفيها الجبابرة »[11].

وقد أفاد العلامة السيد مرتضى العسكري، أن اليسع هو معرب يوشع. وهو المشار إليه بقوله تعالى:﴿وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين﴾[الأنعام:86 ]، و قوله تعالى: ﴿وأذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار﴾[ص: 48][12]. ونقل الألوسي قولا يؤيد ذلك، بأن اليسع هو معرب يوشع، أو أنه عربي منقول من يسع مضارعُ وَسَعَ[13].

إلا أن الرازي أشار ما يخالف ذلك ، حيث فرق بين يوشع واليسع، فقد ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾[البقرة:87]،  أن الرسل التي جاءت من بعد موسي كانوا : يوشع، وشمويل،  وشمعون،  وداود، وسليمان، وشعياء،  وأرمياء،  وعزير، وحزقيل، وإلياس، واليسع، ويونس، وزكريا، ويحيى، وغيرهم، وأنهم لم يأتوا بشريعة جديدة، بل كانوا متبعين شريعة موسى عليه السلام بخلاف عيسى فإنه أتى بشريعة نسخت أكثر شريعة موسي[14].

وسواء كان يوشع هو السيع المشار إليه في القرآن إو غيره، فإن وصية موسي له تعتبر موضع إتفاق لدي المسلمين واليهود والنصارى. بخلاف وصية عيسى لشمعون(Simon/Peter)، حيث إن المسيحين إختلفوا وصية عيسى لشمعون(Simon/Peter). وهو أشبه بالخلاف الحاصل بين الشيعة وأهل السنة حول إشكالية وصية الرسول لعلى بن أبي طالب.

إلا أن هناك وجه شبه بين وصية النبي لعلي بن أبي طالب، ووصية موسى ليوشع بن نون، كما ذكر العلامة العسكري،  وذلك أن يوشع بن نون كان مع موسى في جبل سينا حيث لم يعبد العجل. وأمر الله نبيه موسى أن يعينه وصيا من بعده .. كما أن الإمام على بن أبى طالب كان مع النبى في غار حيراء حيث لم يعبد صنما وأمر الله نبيه في رجوعه من حجة الوداع أن يعينه أمام الحجيج قائدا للأمة من بعده، ولا يترك أمته هملا. وقد  صدع  في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيّنه وليّا للعهد من بعده[15].

وصية عيسى بن مريم لشمعون(بطرس) فى مصادر الدراسات الإسلامية:

ذكر اليعقوبي خبر شمعون حيث سماه شمعان الصفا[16].إلا أن المسعودي بيّن أن العرب تسسميه سمعان، واليونان تسميه شمعون والرومانيين يطلقون عليه بطرس، وأنه قتل برومية في أيام ملك قلوُديس[17].

ويؤيد تسمية العرب بسمعان، بما ورد في معجم البلدان للحمويّ[626ھ/1228م]: من أن دير سمعان:هي نواحى دمشق. وسمعان هو الذى ينسب إليه هذا الدير، وكان أحد أكابر النصارى، ويطلقون عليه شمعون الصفا [18].

فإذا تناولنا إشكاليّة وصية عيسى لشمعون عند المسعودي في كتابه «مروج الذهب» فإننا لا نجد ما يثبت تلك الوصية على سبيل القطع.

فقد ذكر المسعودي خبر حبيب النجار، حيث كان يسكن نواحي أنطاكية من أرض الشام. وكان بها ملك متجبر يعبد التماثيل والصُّوَر، فسار إليه إثنان من تلامذة المسيح، فدعوه إلى اللّه عز وجل، فحبسهما وضربهما، فعززهما اللّه بثالث. وقد إختلف الناس المعزز الثالث، فذهب كثير من الناس إلى أنه بطرس (Simon/Peter). حيث تسميه الرومية بطرس، أما بالعربية  فيطلق عليه بسمعان، وبالسريانية يطلق عليه بشمعون الصفاء.

وذكر كثير من الناس وإليه ذهب سائر فرق النصرانية أن الثالث المعزَّزَ به هو بولس، وأن الأثنين المتقَدمين اللذين أودعا الحبس هما توما وبطرس. فكان لهم مع ذلك الملك خطب عظيم طويل فيما أظهروا، من الإعجاز والأعاجيب والبراهين: من إبراء الأكمة والأبرص، وإحياء الميت، وحيلة بولس عليه بمداخلته إياه وتلطفه له، واستنفاذ صاحبيه من الحبس.

فجاء حبيب النجار فصدقهم، لما رأى من آيات الله عزوجل، وقد أخبر اللّه عزوجل بذلك في كتابه بقوله: ﴿واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم إثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون﴾[يسن13- 14] إلى قوله تعالى: ﴿وجاء من أقصى المدينة رجل يَسْعَى﴾[يسن:20] وقُتِلَ بولس وبطرس بمدينة رومية، وصُلِبا منكسين، وكان لهما فيها خبر طويل مع الملك، ومع سيما الساحر[19].

إما إذا تناولنا إشكالية وصيّة عيسى لشمعون عند الإمام ابن حزم، فنجد أنه أشار عموميّة وصيّة عيسى إلى الحواريين جميعا ،حيث لم يذكر الوصية الخاصة إلى  شمعون دون غيره من الحواريين«ومن ذلك الموضع ابتدأ يسوع بالوصية وقال: توبوا فقد تدانى ملكوت السماء، وبينما هو يمشي على ريف البحر بحر جلجال إذ بصر أخوين أحدهما يدعى شمعون المسمى باطرة والآخر أندرياس وهما يدخلان شباكهما في البحر وكانا صيادين فقال لهما اتبعاني أجعلكما صيادي الأدميين.. هذا نص كلام متى في انجيله حرفا حرفا... أما نص  إنجيل لوقا: وبينما الجماعات يوما تزدحم عليه، رغبة في إستماع كلام الله، وكان في ذلك الوقت واقفا على ريف بحيرة بشيرات، إذ بصر مركبين في البحيرة قد نزل عنهما أصحابهما لغسل شباكهم، فدخل يسوع أحدهما الذي كان لشمعون، وسأله أن يتنحى به عن الريف قليلا فقعد في المركب، وجعل يوصي الجماعات منه. فلما أمسك عن الوصية، قال لشمعون: تنح عن العمق والقواجر أفاتكم للصيد، فقال له شمعون: يا معلم قد عنينا طول الليل، ولم نصب شيئا، ولكنا سنلقي الجرافة بأمرك وقولك. فلما ألقاها، قبضت على حيتان كثيرة جليلة، فكادت تقطع الجرافة من كثرتها فاستعانوا بأصحاب المركب الثاني»[20].

أما إذا نظرنا إلى إشكالية وصية عيسى عند ابن الأثير فنجد أنه يثبت وصية عيسى لشمعون حيث عيّنه المسيح عليه السلام، ليكون رأس الحواريين. فبعثه المسيح عيسى بن مريم عليه السلام  إلى نصرة من سبقه  من الإثنين الذين سبقهما إلى أنطاكيه،  حيث حبسهما ملك أنطيخس بعدما كُذِّب وضُرِبَ.

وهو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث﴾[يسن:14]. فدخل البلد متنكرا وعاشر حاشية الملك، فرفعوا خبره إلى الملك فأحضره ورضي عشرته وأنس به وأكرمه، فقال له يوما: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى دينهما، فهل كلمتهما وسمعت قولهما... فحينئذ دعا شمعون الملك إلى دينه فآمن قومه وكان الملك فيمن آمن، وكفر آخرون. وقيل: بل كفر الملك، وأجمع هو وقومه على قتل الرسل. ..فبلغ ذلك حبيب  النجار، وهو على باب المدينة، فجاء يسعى إليهم فيذكرهم ويدعوهم إلى طاعة الله وطاعة المرسلين فذلك قوله تعالى: ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث﴾[يسن:14]، وهو شمعون فأضاف الله تعالى الإرسال إلى نفسه، وإنما أرسلهم المسيح؛ لأنه أرسلهم بإذن الله تعالى. [21]

أما الإمام الشهرستاني فقد ذكر وصية عيسى إلى شمعون، ضمن إشكالية نزول عيسى إلى الأرض عند النصارى، حيث إن بعضا من النصارى يرون نزوله قبل يوم القيامة مثل إعتقاد المسلمين. بينما يرى بعضهم أنه، لا ينزل قبل يوم الحساب فهو«بعد أن قتل وصلب نزل ورأى شخصه شمعون الصفا وكلمه، وأوصى اليه. ثم فارق الدنيا وصعد الى السماء. فكان وصية شمعون الصفا. وهو أفضل الحواريين علما، وزهدا، وأدبا. غير أن فولوس شوش أمره وصير نفسه شريكا له وغير أوضاع كلامه، وخلطه بكلام الفلاسفة ووساوس خاطره»[22].

وصية عيسى لشمعون فى  المصادر المسيحية:

إن إشكالية وصية عيسى لأحد من أتباعه قد وقع الخلاف فيها بين المسيحيين، كالحاصل بين الأشاعرة والإمامية في وصيّة الرسول لعليّ ،حيث إعتبرت كنيسة رومان الكاثوليكيّة أن شمعون (بطرس) هو وصي عيسى. بينما إعتبرت الكنيسة البروتستانية، أن عيسى لم يوصي أحدا بعينه، بل شملت وصيته على جميع الحواريين في نشر تعاليمه. وهذا الخلاف يرجع إلى إشكالية التأويل في العبارات الموجودة في العهد الجديد.

وقد ورد خبر وصية عيسى في إنجيل متى الأصحاح العاشر مانصه:«ثم دعا- يعنى عيسى – تلاميذه الإثنى عشر وأعطاهم سلطانا على أرواح نجسة حتى يخرجوها، ويشفوا كل مرض وكل ضعيف. وأسماؤهم كالآتي: سمعان(Simon) الذى يقال له بطرس، وأخوه أندرياش((Andrew، ويعقوب بن شيذاي( James)، وأخوه يوحنا(John)، وفيلبس (Philip) وبرثلوما (Bartholomew)، وطوما (Thomas)، ومتى الجابيMathew) tax collector )، ويعقوب (James) ويهوذا(/Judas  Thaddaeus)  وشمعون الكنعاني(Simon Patriot) ويهوذا الأسخربوطي(Judas Iscariot)[23].

إعتمدت كنيسة البروتستانية، الرواية المتقدمة، بحيث تعتقد بأن عيسى لم يوص أحدا بعينه، بل ألقى المسؤولية على عاتق جميع الحواريين، وذلك لهداية الضّالّيين من بني إسرائيل، وأيضا، ليشفوا المرضي ويحيوا الموتي ويبرؤوا الأكمه[24].

إلا أن  ابن حزم  إنتقد  تلك الرواية بحجّة أنها تشير إلى أن عيسى عليه السلام منحهم كلهم سلطانا على الأرواح النجسة، وأيضا أن يبرئوا من كل مرض، حيث سمّى أسماءهم كلهم مع ما فيهم يهوذا الأسخربوطي الذى دلّ اليهود المسيح، وسلّمه، وعلى هذا«فكيف يجوز أن يقرب الله تعالى، ويعطي السلطان على الجن، والإبراء من كل مرض، من يدري أنه هو الذي يدل عليه ويكفر بعد ذلك»[25].

أما كنيسة رومان الكاثوليكية المعروفة بفاتكان، فهي تؤكد وصية عيسى لشمعون( بطرس)، وقد إعتمدوا على ما ورد في إنجيل يوحنا، من أن عسى أوصي  إلى شمعون(بطرس) وقال له «إرع غنمى» كناية عن رعاية من أمن به، حيث كررها ثلاثة  مرات [26].

كما إستدلوا أيضا على ما جاء في قاموس الكتاب المقدس أنه« عينه المسيح، لهداية الكنيسة»[27].

الخلاصة أننا لا نجد ما يؤكد وصية عيسى لشمعون على سبيل القطع، من خلال المصادر الإسلامية والمسيحية،  مثل وصية موسي ليوشع بن نون ،بغض النظر عن كونه رجلا فعّالا في نشر تعاليم المسيح من بين الحواريين في أوساط المجتمع، في وقت المسيح، وبعد رفعه عليه السلام[28].

من جانب آخر، فإذا قلنا بإطراد العادات والقياس في أمر الوصيّة عند الأنبياء، يقتضي ذلك وصيّة النبي صلى الله عليه وسلم لعلى بن أبي طالب، بحيث إن هذا الإطراد هو نفس الحجة التي إعتمد عليها الإمام الجوينيُّ رحمه الله في إثبات الإمامة بالإختيار عن طريق الإجماع على العرف وإطراده بالدول، والأديان والملل حيث إثبت أن«مدار الكلام في إثبات الإجماع على العرف وإطراده، وبيان إستحالة جريانه حائدا عن مألوفه ومعتاده، فكل ما يتعلق بالدول،  والأديان والملل، فالعرف مستمر على إتباع  شوف ومطمع يجمع شتات الآراء، ويؤلف إفتراق الأهواء»[29].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

..................................

[1] - المسعودي، أبو الحسن، علي بن الحسين، المسعودي، إثبات الوصية، المطبة الحيدرية، الجف الأشرف، ص5-70. نقلا عن:العسكرى  السيد المرتضى  معالم المدرستتين،  قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة المطبعة الإتحاد، طهران إيران، ط3/1409ھ/1989م، ص269.

[2] - اليعقوبى، تاريخ اليعقوبي، تعليق، خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1/1419ھ/1999م، ج1/ص8-9.

[3] -  الطبرى، أبي جعفر محمد بن جرير، تاريخ الطبري تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2/1411ھ/1991م، ج1/ص96.

[4] - المصدر السابق، ج1/100.

[5] - ابن الاثير، علي بن أبي الكرم ،الكامل في التاريخ، تحقيق، عبد الله القاضي، دارالكتب العلمية بيروت، لبنان، ط2/ 1415هـ ج1/ص 43.

[6] - المسعودى، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تقديم، د/مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1/1984 ،ج1/ص33

[7] - الرازي، التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ،دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط1/1421ھ/2000م،ج4/ص66.

[8] -  العسكرى، العلامة السيد مرتضى، معالم المدرستين، قسم الدراسات الإسلامية- مؤسسة البعثة المطبعة الإتحاد طهران، إيران، ط3/1409ھ/1989م،ج1/ ص270

- [9] التوراة من الكتاب المقدس، بيروت المطبعة الأمريكية سنة 1907م نقلا عن: العسكرى، السيد مرتضى ،معالم المدرستين، قسم الدراسات الإسلامية- مؤسسة البعثة المطبعة الإتحاد، طهران، إيران، ط3/1409ھ/1989م، ج1/ص271.

- [10] المصدر السابق،ج1/ص271.

[11] - اليعقوبى،  تاريخ اليعقوبي، باب أنبياء بني إسرائيل وملوكهم بعد موسى، تعليق، خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1/ 1419ھ/1999م، ج1/ص42.

[12] - العسكرى، العلامة السيد مرتضى،  معالم المدرستين، قسم الدراسات الإسلامية- مؤسسة البعثة المطبعة الإتحاد، طهران، إيران، ط3/1409ھ/1989م،  ج1/ص272.

[13] -  الألوسي،روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني،إدارة الطباعة المنيرة،  دار التراث العربي، بيروت لبنان، ط4/11405ھ/1985م، ج7/ص214.

[14] - الرازي، التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1/1421ھ/2000م، ج3/ص161.

[15] - المصدر السابق، ج1/ص272.

[16] - اليعقوبى،  تاريخ اليعقوبي، باب  المسيح بن مريم، تعليق، خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط1/1419ھ/1999م، ج1 ص 69.

[17] - المسعودى، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تقديم، د/مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1/ (بدون تاريخ) ،ج1/323.

[18] - الحموي ، ياقوت بن عبد الله أبو عبد الله، الروميّ البغداديّ،  ،معجم البلدان، دارإحياء التراث العربي، بيروت لبنان، ط1/1417ھ/1997م، ج4/ص348.

[19] - المسعودى،  مروج الذهب ومعادن الجوهر، تقديم، د/مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1/(بدون تاريخ)، ج1/323.

[20] -ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق، أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2/1420ھ/199م،ج1/ص267-268.

[21] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق، أبي الفداء، عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،ط1/1407ھ/1987م، ج1/ص282-283.

[22] - الشهرستاني ، الملل والنحل، تحيقق، محمد سيد كيلاني الناشر، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ج1/ص211.

[23] - THE HOLY GOSPEL, THE NEW TESTAMEN, 2001,The gospel Mathew(9-10),  the tweleve Apostle( mark 3.13-19; Luke 6.12-16, United Bible Societies Asia Pacfic Region Brisbane, Austrlia, p.32

[24] Ibid,p.33.

[25] -ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق، أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية،بيروت لبنان، ط2/1420ھ/، 1999 م،ج1/ص 275.

[26]-THE HOLY GOSPEL, THE NEW TESTAMEN, 2001,The gospel Mathew (9-10), the tweleve Apostle (mark 3.13-19; Luke 6.12-16, United Bible Societies Asia Pacfic Region Brisbane, Austrlia, p.394.

[27] - الأصحاح21، العدد:15-18، نقلا عن : العسكرى، السيد  مرتضى، معالم المدرستين، ، قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة المطبعة الإتحاد طهران، إيران، ط3/1409ھ/1989م، ج1/ص273.

[28] - THE HOLY GOSPEL, THE NEW TESTAMEN, the gospel of john 21, Jesus and Peter, United Bible Societies Asia Pacfic Region Brisbane, Austrlia, 2001, p.394.

[29] - الجوينى، الفياثى غياث الأمم فى التياث الظلم. تحقيق،  د/عبد العظيم الديب، كلية الشريعة، جامعة قطر،  ط1401ھ ، ص50.

 

بدر الدين شيخ رشيدإن الوصية تعتبر مصطلحا خاصا تستعملها الإمامية في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب في الإمامة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذه الوصية - بغض النظر عن النصوص التى تعتمد الإمامية- أصبحت مفهوما شائعا في أوساط المسلمين من عهد عثمان بن عفان ثالث خلفاء الراشدين. فإذا نظرنا إلى سياق الأحداث التاريخى، نجد أن مفهوم الوصية كان أمرا مشكلا.

ويدل على إشكالية الوصية في صدر الإسلام أن أباذر الغفاري، كان ممن يقول بالوصيّة في عهد عثمان رضى الله عنه، حيث كان يجلس في المسجد فيجتمع إليه الناس  فيحدث الوصية بما كان فيه الطعن على أمر عثمان فكان يقول:«أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري. أنا جندب بن جنادة الربذي. إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. محمد الصفوة من نوح، فالأول من إبراهيم، والسلالة من اسماعيل، والعترة الهادية من محمد. إنه شرف شريفهم واستحقوا الفضل في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة، وكالكعبة المستورة، أو كالقبلة المنصوبة، أو كالشمس الضاحية، أو كالقمر الساري، أو كالنجوم الهادية، أو كالشجر الزيتونية، أضاء زيتها وبورك زبدها، ومحمد وارث علم آدم، وما فضل به النبيون، وعلي بن أبي طالب وصي محمد ووارث علمه، أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها، أما لو قدمتم من قدم الله، وأخرتم من أخر الله، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم، لأكلتم من فوق رؤوسكم، ومن تحت أقدامكم، ولما عال ولي الله، ولا طاش سهم من فرائض الله، ولا اختلف إثنان في حكم الله إلا وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب الله وسنة نبيه. فأما إذ فعلتم ما فعلتم، فذوقوا وبال أمركم، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون»[1].

هذا ومما يدعم إشكاليّة الوصية في صدر الإسلام ما ذكر اليعقوبي في خطبة مالك بن أشتر والتي قالها أثناء إدلاء بيعته إلى علي بن أبي طالب، نيابة عن أهل الكوفة قوله:« أيها الناس، هذا وصي الأوصياء، ووارث علم الأنبياء، العظيم البلاء، الحسن الغناء، الذي شهد له كتاب الله بالإيمان، ورسوله بجنّة الرضوان. من كملت فيه الفضائل، ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الأواخر ولا الأوائل »[2].

علاوة على ذلك، فقد أصبحت قضية الوصية، موضع تساؤل لدى بعض كبار التابعين الذين لقوا الصحابة رضوان الله عليهم،  فهذا التساؤل إن دل على شيء، فإنما يدل على أن أمر الوصية قد أخذت بعدا سياسيا، ذا أهمية بمكان في صدر الإسلام، وخاصة  بعد ما انتشر الخلاف في عهد عثمان.

فقد أخرجه البخاري في قصة طلحة بن مصرف اليمامي الكوفي التابعى[3] وعبد الله بن أوفى الصحابي الجليل الذى شهد صلح الحديبية[4]. وهزيل ابن شرحبيل الأودى الكوفى[5] حول إشكالية الوصية، والتعهد بالخلافة من الرسول صلى الله عليه وسلم.

هذا وقد سأل طلحة بن مصرف اليامي عبد الله بن أوفى أمر الوصية فقال:« هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: لا، قلت: فكيف أمر المسلمين بالوصية ؟ قال: أوصى بكتاب الله، قال هزيل:أبو بكر كان يتأمر على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لود أبو بكر أنه وجد عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخزم  أنفه بخزام» [6].

فإذا نظرنا إلى إشكالية الوصية التي استشكل بها طلحةُ فى الحديث، والتي ينفي بها عبد الله بن أوفى هى: الوصية بالخلافة لا مطلق الوصية. وجه الإشكال من طلحة بن مصرف، يأتي حيث إن الله أمر المسلمين بالوصية في الكتاب عند وفاتهم،  فكيف لم يوص النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاته؟ ويؤيد ذلك قول هزيل: أبو بكر كان يتأمر على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لودّ أبو بكر أنه وجد عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخزم  أنفه بخزام[7].

أشار ابن حجر إلى أن إشكالية طلحة في أمر الوصية في الحديث كانت في الخلافة، وذلك لوجود«قرينة تشعر بتخصيص السؤال بالوصية بالخلافة ونحو ذلك لا مطلق الوصية» [8]. إلا أنه اختار وجها أخر في حَلَّ هذا الإشكال. وهو ما أخرجه إبن حبان من طريق ابن عيينة ابن مالك بن مغول أنه قال: سئل ابن أبي أوفى: هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما ترك شيئا يوصى فيه. قيل: فكيف أمر الناس ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله»[9].

أما القرطبي فيرى أن  إستبعاد طلحة واضح؛ لأنه أطلق، فلو أراد شيئا بعينه لخصه به، فاعْتَرَضَهُ بأن الله كتب على المسلمين الوصيّة وأمروا بها فكيف لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأجابه عن ما يدل على أنه أطلق في موضع التقييد، وهذه تشعر بأن ابن أبي أوفى وطلحة بن مصرف كانا يشعران أن الوصية واجبة[10].

وإشكال طلحة وارد في عموميّة الوصية عند الوفاة، وعدم وصيّة الرسول صلى الله عليه وسلم، عند وفاته. وهو يظهر أنه يقصد بالخلافة، لا مطلق الوصية كما أشار ابن حجر [11].

لكن إذا نظرنا إلى  وجه تخريج أهل السنة في حَلِّ هذه الإشكالية، نجد أنها غير وافية. وذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب الوصة للصحابة عند وفاته.

فقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم، الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده،  فقال عمر: إن النبى قد غلب عليه الوجع،  وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فأختصموا،  منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول: ما قال عمر،  فلما أكثروا اللغو والإختلاف عن النبي قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوما عني فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية، ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من إختلافهم ولغطهم»[12].

فهذه الرواية تشير إلى أن الرسول صلى اله عليه وسلم أراد أن يوصي-وكانت عزيمته- إلا أنه حيل بينه وبين تلك الوصية، بسبب الإختلاف الذى حدث بين الصحابة، وخاصة قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله. وإذا كانت حالة الوصية من الرسول صلى الله عليه وسلم، إنتهت بهذا الشكل،  فكيف جاءت جواب عبد الله بن أوفى،  في كشف إشكاليّة الوصيّة من الخلافة: بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بكتاب الله؟.

و يظهر لي أن جواب عبد الله بن أوفى رضي الله عنه، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بالكتاب، تحتمل أمرين:

(الأول): إما أنه أخذ دلالة الحديث بناء على إجتهاد عمر بن الخطاب رضى الله عنه القائم« عندكم القرآن حسبنا كتاب الله»، فحينئذ يعتبر جوابه إجتهادا في مقابل النص، وهو لا يجوز؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: إئتونى بكتاب هو: أمر وجوب، كان من حقه الإمتثال.

وقد أكد العلامة الشيخ بشر بن سليم المالكي في المراجعات بأن هذا الأمر للوجوب- رداً على من فسره أمر إختبار ومشورة، أو أمر عطفة ورأفة للأمة- فقال:« لكن الإنصاف أن قوله عليه السلام: "لاتضلوا بعده يأبى ذلك" لإنه جواب ثانى للأمر، ومعناه: أنكم إن أتيتم بالدواة والبياض وكتبتُ لكم ذلك الكتاب لا تضلوا بعده. ولا يخفى أن الإخبار بمثل هذا الخبر لمجرد الإختبار إنما هو من الكذب الواضح الذى يجب تنزيه كلام الأنبياء عنه،  ولا سيما في موضع يكون ترك إحضاره الدواة والبياض أولى من إحضارهما... لأن قوله عليه السلام: لا تضلوا، يفيد أن الأمر أمر عزيمة وإيجاب، لأن السعى فيما يوجب الأمن من الضلال واجب مع القدرة عليه بلا ارتياب، وإستياؤه منهم، وقوله لهم: قوموا حين لم يتمثلوا أمره دليل أخر، على أن الأمر إنما كان للإيجاب لا للمشورة ... إلى أن قال: ومن أمعن النظر فيه جزم ببعده عن الصواب؛ لأن قوله عليه السلام: لا تضلوا يفيد أمر إيجاب كما ذكرنا، وإستياؤه منهم، دليل على أنهم تركوا أمرا من الواجب عليهم. وعلى هذا،  فالأولى أن يقال فى الجواب: أن هذه قضية في واقعة كانت منهم خلاف سيرتهم كفرطة سبقت، وفلتة ندرت، ولا نعرف وجه الصحة فيها على التفصيل»[13].

(الثاني): أو أن يقال: إنه إكتفي في أمر الوصيّة من الرسول صلى الله عليه وسلم، العمل بالكتاب، فهذا الجواب أيضا، ناقص؛لأن الرسول صلى الله عليه وسلم، أوصى التمسك بالكتاب والعترة معا، حيث يدلان على أن التمسك بمجموعهما يفيدان العصمة من الضلال كما ورد في حديث الثقلين،وذلك لتلازم الكتاب والعترة[14]

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

.......................................

[1] - اليعقوبى،تاريخ اليعقوبى، تعليق ووضع حواشيه، خليل منصور، دار الكتب العلمية، بيرةت، لبنان، ط1/1419ھ/1999 م، ج2/ص171.

[2] - اليعقوبى، تاريخ اليعقوبى، تعليق ووضع حواشيه، خليل منصور، دار الكتب العلمية، بيرةت لبنان، ط1/1419ھ/1999م، ج2/ص124.

[3] - قال الحافظ ابن حجر: ثقة  قارئ فاضل مات  إثنتى عشرة أو بعدها، أنظر:  تقريب التهذيب تحقيق: أبو الأشيال صغير أحمد شاغف الباكستانى، تقديم: بكر أبو زيد، دار العاصمة، الرياض‘ط1/1423 ھ ، ص، 465.

[4] - قال الحافظ ابن حجر: صحابى شهد الحديبية وعمّر بعد النبى صلى الله عليه وسلم مات سنة سبع وثمانين، وهو أخر من مات بالكوفة، أنظر: المصدر السابق، ص492.

[5] - قال الحافظ ابن حجر: ثقة مخضرم من الثالثة. أنظر المصدر السابق، ص1020.

[6] -ابن حجر، أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد  العسقلاني،  فتح البارى شرح جامع صحيح البخاري كتاب الوصايا، باب الوصايا وقول النبي صلى الله عليه وسلم وصية الرجل مكتوبة عنده. كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين إلى،  دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان ، ط4/1408ھ/1988م، ج11 ص 392

[7] -  المصدر السابق، ج5/ص277.

[8] - المصدر السابق، ج5/ص277.

[9] - المصدر السابق، ج5/ص277.

[10] - المصدر السابق،ج5/ص277.

[11] - المصدر السابق،ج5/ص277.

[12] - المصدر السابق،ج10/ص103

[13] - الموسوى شرف الدين، المراجعات، تحقيق وتعليق، حسين الراضى ط2/1402ھ/1982م، ص358-360.

[14] - السبحاني، الإلهيات على هدي الكتاب والسن والعقل، بقلم، الشيخ حسن محمد العاملي، مؤسسة الإمام الصادق، قم، إيران، ط4/ج4ص105-106.

 

بدر الدين شيخ رشيدالعصمة موهبة ربانية يتفضل الله بها سبحانه على من يشاء من عباده[1]. إلا أن هذا التفضل يجعل الله على من علم أنه يتمسك بعصمته[2].

وقد إستدل الشيخ الطباطبائى تحقُّق العصمة بقوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنهم وما يضرونك من شيء، وأنزل الله عليك الكتاب، والحكمة، وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾[النساء:113].

قال رحمه الله تعالى: « وطاهر الآية أن الأمر الذى تتحقق به العصمة نوع من العلم، يمنع صاحبه عن التلبس بالمعصية والخطأ،  وبعبارة أخرى علم مانع عن الضلال، كما أن سائر الأخلاق: كالشجاعة والعفة، والسخاء، كل منها صورة علمية راسخة موجبة لتحقق أثارها، مانعة عن التلبس بأضدادها من أثار الجبن، والتهور، والخمود، والشره، والبخل، والتبذير. والعلم النافع والحكمة البالغة، وإن كانا يوجبين تنزه صاحبهما عن الوقوع في مهالك الرذائل والتلوث بأقذار المعاصي، كما نشاهده في رجال العلم، والحكمة، والفضلاء من أهل لتقوى والدين،  غير أن ذلك سبب غالبى كسائر الأسباب الموجودة في هذا العلم المادى الطيبيعى. فلا تكاد تجد متلبسا بكمال يحجزه كَمَاْلَه من النقائص، ويصونه عن الخطا صونا دائميا من غير تخلف، سُنّة جارية في جميع الأسباب التى نراها ونشاهدها.

والوجه في ذلك، أن القوى الشعورية المختلفة في الإنسان يوجب بعضها ذهولة عن حكم البعض الآخر، أو ضعف إلتفاته إليه كما أن صاحب ملكة التقوى ما دام شاعرا بفضيلة تقواه لا يميل إلى إتباع الشهوة غير المرضيّة، ويجري على مقتضى تقواه غير أن إشتعال نار الشهوة وإنجذاب نفسه إلى هذا النحو من الشعور ربما حجبه عن تذكر فضيلة التقوى، أو ضعف شعور التقوى، فلا يلبث دون أن يرتكب ما لا يرتضيه التقوى، ويختار سفاسف الشره، وعلى هذا السبيل سائر الأسباب الشعورية في الإنسان،  وإلا فالإنسان لا يحيد عن حكم سبب من هذا الاسباب ما دام السبب قائما على ساق،  ولا مانع يمنع من تأثيره، فجميع هذه التخلفات تستند إلى مغالبة التقوى والأسباب، وتغلب بعضها على بعض.

ومن هنا يظهر أن القوة المسماة بقوة العصمة هي سبب شعوري علمي غير مغلوب البتة،  ولو كانت من قبيل ما نتعارفه من أقسام الشعور والإدراد لتسرب إليها التخلف وخبطت في أثارها أحيانا فهذا العلم من غير سنخ سائر العلوم والإدراكات المتعارفة التي تقبل الإكتساب والتعلم»[3].

فالعصمة إذن، هي: قوة شعورية علمية غير مغلوبة البتة تساندها التقوى، كما عرفت من خلال تحليل الشيخ الطباطبائى.

وقد ذكر الشيخ السبحانى ثلاثة أوجه يمكن تحقق العصمة في العبد من خلال الممارسة في تلك الأوجه، وهي:

(أ)- العصمة ثمرة التقوى:

إن التقوى تؤثر حياة العاديين من الناس، لكونها تعصم صاحبها من إقتراف القبائح والمعاصى. فهي تفرق بين حياة المجرمين المليئة بحياتهم بالجرائم والقبائح من الأعمال، وبين المتقين الذين نزهوا حياتهم من دنس القبائح من الأعمال.

فإذا كانت التقوى تميز حياة العاديين من الناس، فما ظنك إذا ترقت في مدارجها، وعلت في مراتبها. ولا شك أن تلك التقوى توصل صاحبها إلى درجة العصمة الكاملة، والإمتناع المطلق عن إرتكاب قبائح الأعمال، بل تمنع حتى التفكير في خلافٍ أو معصيةٍ. وعلى هذا« فالعصمة ملكة نفسانية راسخة في النفس، لها آثار خاصة كسائر الملكات النفسانية، مثل: الشجاعة، والعفة، والسخاء. فإن الإنسان إذا كان شجاعا، وصبورا،  وسخيا باذلا، وعفيفا نزيها، تراه يتطلب في حياته معالي الأمور ويتجنب سفاسفها،  فيطرد عن نفسه الخوف والجبن والبخل والإمساك، والقبائح والمساوي، ولا ترى لها أثرا في حياته»[4].

والحاصل أن العصمة هي حصيلة ثمرة التقوى؛ لأن الإنسان إذا بلغ درجة من التقوى، لا شك أنه يصل بها إلى الطهارة النفسانية، التي لا يرى معها في حياته أثرٌ من آثار المعصية والتمرد على أوامر الله سبحانه وتعالى[5].

(ب)- العصمة ثمرة للعلم اليقينيّ بعواقب المعاصي:

لا شك أن العلم اليقيني القطعي بعواقب الأمور الخطيرة، يولّد في نفس الإنسان وازعا قويا يصده عن إرتكاب المعاصي والآثام؛ لأننا نجد في حياة الإنسان على سبيل الميثال، أنه لو علم أحدا من الناس أن الأسلاك الكهربائة، طاقة فعّالة تقتل من يمسها عارية من دون عائق، فإنه يحجم من تلقاء نفسه عن مسّ تلك الأسلاك. وكذلك الطبيب العارف بعواقب الأمراض وأثار الجرائم، فإنه إذا علم  أنه إذا إغتسل بماء مصاب به بالجذام أو البرص، أو إذا شرب بإناء مصاب به بالسّلّ،  فلا شك أنه لا يقْدِمُ على الإغتسال فيه أوالشُرْبِ مهما، إشتدت الحاجة إليه، وذلك لعلمه بما يجر ويسبب عليه الإغتسال والشرب بذلك الماء من المرض[6].

فإذا كان العلم اليقيني القطعي بالعواقب الدنيوية لبعض الأفعال، يولد تلك الوقاية الشديدة في نفس العالم، فكيف بالعلم القطعيّ بالعواقب الأخروية لإرتكاب المعاصي والرذائل. فلا شك أن صاحبه لا يدخل فيه ريب ولا يعتريه شك، حيث يرى رأى العين، ويلمس لمس الحسّ تبعات تلك المعاصي ولوازمها في النشأة الآخرة. ذلك العلم الذي أخبر الله سبحانه وتعالى في قوله﴿ كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم﴾[التكاثر:5-6].

ولا شك أن هذا العلم يخلق من صاحبه إنسانا ميثاليا، لا يخالف قول ربه ولا يتعدى الحدود  التى رسمه الله سبحانه وتعالى في حياته، ولن تنتفي المعصية من حياته فحسب، بل إن مجرد التفكر لن يجد إليه سبيلا.

وعلى هذا، فالعلم الحقيقي القطعي يفيد على أن للعلم مرحلة قوية راسخة تغلب الإنسان على الشهوات وتصده عن فعل المعاصى والأثام[7].

أكد الشيخ جمال الدين الفاضل مقداد بن عبد الله السٌيوري الحليّ تحقق العصمة،  لكونها« ملكة نفسانية تمنع المتصف بها من الفجور مع قدرته عليه. وتتوقف هذه الملكة على العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات؛لأن العفة متى حصلت في جوهر النفس وانضاف إليها العلم التام بما في المعصية من الشقاء وفي الطاعة من السعادة، صار ذلك العلم موجبا لرسوخها في النفس فتصير ملكة»[8].

(ج)- الإستشعار بعظمة الرب وكماله وجماله:

لاشك أن إستشعار عظمة الخالق والتفاني في معرفتهِ وحبهِ وعشقهِ صادٌّ عن الإقتراف ما يخالف رضي الله سبحانه وتعالى. وذلك أن تلك الدرجة من الحب والعشق  تعتبر أحد عوامل  حصول المرتبة من التقوى. وهي لا تحصل إلا للكاملين في المعرفة الإلهية؛ لأن الإنسان إذا عرف خالقه كمال المعرفة الحقيقية واستغرق في شهود كماله، وجماله، وجلاله، وجد في نفسه إنجذابا وتعلقا خاصا به على نحو لا يستبدل برضاه شيئا. ويدفعه شوق المحبة إلى أن لايبتغي سواه، ويصبح كل ما يخالف أمره ورضاه منفورا لديه، مقبوحا فى مظهره أشد القبح. وتلك هي درجة العصمة الكاملة، ولا ينالها إلا ألأوحديّ من الناس[9].

أقسام العصمة:

فالعصمة بنسبة إلى الناس  تنقسم إلى قسمين: العصمة مطلقة،  والعصمة النسبيّة. فالعصمة المطلقة تختص بطبقة من الناس. أما النسبية فهي: تعم كثيرا من الناس.  فتجد كثيرا من الناس يتورعون عن السرقة والقتل، حتى وإن عرضت عليهم المكفآت المادية، ولا يمنع من ذلك، إلا لإنتفاء تلك الحفاوز في قرارة نفوسهم، وذلك بسبب نتيجة للتقوى أو من غيرها من العوامل. وهذه العصمة النسبية يقرب تصور العصمة المطلقة التى بسببها يكون الإنسان في مرتبة شديدة من التقوى، بحيث تمنعه عن الإقتراف بجميع أنواع القبائح[10].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم:

.....................................

[1] - السبحانى، الإلهيات على الكتاب والسنّة والعقل‘ بقلم، حسن محمد مكى العاملى، مؤسسة الإمام الصادق، قم، إيران، ط4/1417ھ،ج3/ص174.

[2] - المصدر السابق، ص177.

[3] -الطباطبائى، الميزان فى تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمى للمطبوعات بيروت، لبنان، ط5/1403ھ/ 1983م‘ ج5/ص78 .

[4] - السبحانى، الإلهيات على الكتاب والسنّة والعقل‘ بقلم، حسن محمد مكى العاملى،مؤسسة الإمام الصادق، قم، إيران، ط4/1417ھ،ج3/ص158/ 159.

[5] - المصدر السابق، ج3/ص159.

[6] -  المصدر السابق،ج3/ ص159.

[7] -  المصدر السابق، ج3/ ص160

[8] -  السنوري الحليّ، الفاضل مقداد بن عبد الله، اللوامع الإلهية‘ص170. نقلا عن: السبحانى‘ الإلهيات على الكتاب والسنة والعقل،  بقلم   حسن محمد مكى  العاملى، مؤسسة الإمام الصادق قم، إيران، ط4/1417ھ ج3/ص161.

[9] - السبحانى، الإلهيات على الكتاب والسنّة والعقل‘ بقلم، حسن محمد مكى العاملى‘مؤسسة الإمام الصادق، قم، إيران، ط4/1417ھ، ج3/ص162.

[10] - المصدر السابق‘ ج3/ص159.

 

 

بدر الدين شيخ رشيدإذا درسنا إشكالية مفهوم أهل الحل والعقد، والذين تنعقد بهم الإمامة عند الإمام الباقلانى [ت:403ھ/1012م] ، نجد أنه يعتبر أنّ ولاة عقد الإمامة هم فضلاء الأمة، إلا أن نظريتة في مفهوم أهل الحل والعقد، تتضاءل وتضمحل في مجال الممارسة العملية، بحيث يصدق مفهوم أهل الحل والعقد عنده ولو برجل واحدٍ في حالة الإنعقاد رغم إعتباره بأن فضلاء الأمة هم ولاة عقد الإمامة[1].

وعلى هذا، فالإمامة - حسب رؤية الباقلاني- تنعقد ولو«برجل واحد من أهل الحل والعقد إذا عقدها لرجل على صفة ما يجب عليه الائمة»[2]. هذا و قد ردّ الباقلاني الرأي المعتبر بأن أهل الحل والعقد هم كلُ فضلاء الأمة في كل عصر من أعصار المسلمين. بل أكّد بطلان هذا الرأى، بناء على عدة أمور، منها:

(أ)- إجماع أهل الإختيار على بطلان هذا الرأى.

(ب)- فرضيّة إطاعة الإمام إذا تمت له العقد.

(ج)- تعذر إجتماع أهل الحل والعقد في سائر أمصار المسلمين، وأن الله لا يكلف على عباده فعل المحال الممتنع.

(د)- أن السلف لم يراعوا في عقد إمامة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي حضور جميع أهل الحل والعقد في أمصار المسلمين ولا حتى في المدينة.

(ھ)- أن عمر بن الخطاب رد الأمر إلى ستة نفر فقط ، رغم وجود من يصلح للعقد فى غيرهم.

(و)- أن أبا بكر عقدها لعمر فتمت إمامته وسلم عهده بعقده له [3].

 

من تأمل رؤية الباقلانى حول تحديد مفهوم أهل الحل والعقد، وعدم إعتبار جميع فضلاء ألأمة يجد أنه متأثر بنظرية الشوكة والغلبة والقوة، وذلك يظهر من خلال رؤيته في تحديد مفهوم أهل الإختيار، حيث لم يعط مفهوم الشورى إيّ إعتبار حقيقيّ، ويؤيد ما قلنا بالإعتبارات التالية:

(أ)- أن أصل نظرية الباقلاني في مفهوم أهل الحل والعقد في إنعقاد الإمامة مبنية على مراعاة المصلحة،حيث إعتبر إ طاعة الإمام أنها فرض على الأمة إذا تمت له العقد ،وهذا يعنى، أن إطاعته تجب كيفما حصلت له العقد.

(ب)- أن نظرية الباقلاني في مفهوم أهل الحل والعقد في إنعقاد الإمامة يرجع أصلها، إلى كيفية إختيار أبى بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. والمتتبع لكيفية إختيار الخلفاء الراشدين، يجد أنها تمت بأشكال مختلفة. فنجد مثلا أن بيعة أبى بكر تمت على شكل وُصِفَ بها أنها كانت «فلتة» (أى فجأة) بحيث لم تأخذ الشورى الكامل بين المهاجرين والأنصار، المتواجدين في المدينة فضلا عن خارجها،ويؤيد ذلك مقولةُ عمر بن الخطاب- والتي قالها فى أخر عمره- :«إن خلافة أبى بكر كانت فلتة وقى الله شرها»[4].

إضافة إلى ذلك فأن بيعة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، تمت له عن طريق تعين أبي بكر، وأن عثمان تمت له عن طريق تعين عمر الستة، أعنى على بن أبى طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن عوان رضى الله عنهم. وأن عليا تمت له البيعة بمبايعة أهل المدينة، رغم وجود من إمتنع عن بيعتة[5].

(ج)- إن إحتجاجه على صعوبة إجتماع سائر فضلاء الأمة فيه نظر؛لأن هذا القيد يضعف نظرية الإختيار، أعنى إختيار أهل الحل والعقد للإمام عند الأشاعرة. وذلك، إذا كان مبدأ إختيار أهل الحل والعقد للإمام مسلّماً عندهم، فكيف يكون متعذرا ومحالا.غير أنه يظهر لي أن الباقلاني، متأثر بمفهوم الشوكة والعصبية والقوة والغلبة.

الإمام الماوردي [ت:450ھ/1058م]، سلك نهج الإمام أبى الحسن الأشعري[ت:324ھ935م] والباقلاني[ت:403ھ/1012م]، في تحديد مفهوم العدد الذى تنعقد به الإمامة، حيث ردّ المذهب المشترط بجمهور أهل الحل والعقد من سائر بلاد المسلمين. فقال:«إختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتى:

فقالت طائفة: لا تنعقد إلا لجمهور أهل الحل والعقد من كل بلد، ليكون الرضا به عام، والتسليم لإمامته إجماعا. وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة بإختيار من حضرها، ولم يُنْتَظَرْ ببيعة قدوم غائب عنها.

وقالت طائفة أخرى: أقل من تنعقد به الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة وإستدلوا على أمرين:

(أحدهما) أن بيعة أبي بكر إنعقدت بخمسة إجتمعوا عليها، ثم تابعهم الناس فيها، وهم: عمر بن الخطاب، وأبوا عبيدة عامر بن الجراح، وأسيد بن حضير، وبشير بن سعد، وسالم مولى أبى حديفة.(الثاني): أن عمر جعل الشورى في ستة، ليعقد أحدهم برضا الخمسة، وهكذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة.

و قال أخرون من علماء الكوفة: تنعقد لثلاثة، تولاها أحدهم برضا الإثنين، ليكونوا حاكما وشاهدين، كما يصحّ عقد النكاح بولى وشاهدين.

وقالت طائفة أخرى: تنعقد بواحد؛ لأن العباس قال لعلي رضي الله عنهما: أُمْدُدْ يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بايع ابن عمه، فلا يختلف عليك إثنان؛ ولأنه حكم واحد نافذ»[6].

يصدق مذهب الجويني في مفهوم أهل الحل والعقد ولو على رجل واحد. وهذا المذهب منقول عن الإمام أبي الحسن الأشعري، وبه إرتصاه الإمام الباقلاني. ومفاده أن«الإمامة تثبت بمبايعة رجل واحد من أهل الحل والعقد»[7]. هذا وقد وردّ الجوينى- تبعا للباقلاني- الإعتبارات القائلة بعدد معين من أهل الحل والعقد، كالقول: بإثنين من أهل الحل والعقد، والقول: بأربعة أشخاص قياسا على أكمل عدد البيانات(الشهادات) في الشرع، والقول: بأربعين مثل عدد الجمعة. بل أكّد الجويني أنّ«تلك المذاهب لا أصل لها من مأخذ الإمامة»[8].

وقد بنى الجويني مذهبه قياسا على العقود المدنية«والعقود في الشرع مولاها عاقد واحد، وإذا تعدى المتعدي الواحد فليس أولى من عدد»[9]. والغريب كيف رد الجويني إشتراط أهل الحل والعقد بعدد معين؟ و كيف إكتفى برجل واحد من أهل الحل والعقد؟ وكيف قاس عقد الإمامة الكبرى على العقود مثل البيع والنكاح وغيرهما من العقود المدنية؟

غير أن الناظر إلى نظرية الجويني لمفهوم أهل الحل والعقد يجد، أنه متأثر بالإمام الباقلاني في إعتبار الشوكة والقوة، في إنعقاد الإمامة، بقدر ما يحصل النصرة والإتباع للأمام[10].

تطور نظرية الإمام الغزالي والنووي في مفهوم أهل الحل والقعد:

إعتبر الغزالي[ت:505ھ/1111] مفهوم أهل الحل والعقد جمهور الأمة. ويبدو أن الغزالى قد طوّر مفهوم أهل الحل والعقد بإعتبار من تقدمه من الأشاعرة، كالأشعري، والباقلاني والماوردي، والجويني، الذين إعتبروا مفهوم أهل الحل والعقد، بأنه يصدق ولو برجل واحد من أهل الحل والعقد.

وعلى هذا، فالغزالي يرى أن الشوكة تحصل بالأكثرية، حيث قال:« إن شرط ابتداء الإنعقاد، قيام الشوكة وانصراف القلوب الى المشايعة، ومطابقة البواطن والظواهر على المبايعة. فإن المقصود الذي طلبنا له الإمام، جمْعُ شتات الأراء في مصطدم تعارض الأهواء، ولا تتفق الإرادات المتناقضة والشهوات المتباينة المتنافرة، على متابعة رأى واحد، إلا إذا ظهرت شوكته، وعظمت نجدته، وترسّخت في النفوس رهبته ومهابته، ومدار جميع ذلك على الشوكة، ولا تقوم الشوكة الا بموافقة الأكثرين من معتبري كل زمان »[11].

يعتبر الإمام النووي[ت:676ھ/1277م] مفهوم أهل الحل والعقد من حيث النظرية مفهوما يشمل جميع وحدات المجتمع وشرائحه من العلماء، ورؤساء القبائل والعشائر، وسائر وجوه الناس الذين يتيسر حضورهم. إلا أنه لم يعتبر الإتفاق شرطا لصحة إنعقاد الإمامة، بل تصح الإمامة ولو من بيعة رجل واحد مطاع من أهل الحل والعقد، وتلزم على الباقين الموافقة والمتابعة كما أنه لم يشترط أن يكون الذين يبايعون بصفة الشهود»[12].

إعتبار العصبية والشوكة في مفهوم أهل الحل والعقد عند ابن خلدون:

إن رؤية متكلمى الأشاعرة في مفهوم أهل الحل والعقد والتي طورها إبن خلدون [ت:808ھ/1405م] قد تمخضت أخيرا إلى نظرية «العصبيّة»، ومفادها أن أهل الحل والعقد -حسب نظريّة ابن خلدون- تعتبر الشوكة المبنية بالعصبية من كل زمان ومكان. حيث إن العصبية هي أصل الملك والحكم؛ لأنه«صار الحكم للعادة كما كان. فاعتبر أمر العصبية ومجاري العوائد، فيما ينشأ عنها من المصالح والمفاسد. وأصبح الملك والخلافة والعهد بهما مُهِمًا من المهمات الأكيدة، كما زعموا ولم يكن ذلك من قبل. فانظر كيف كانت الخلافة لعهد النبي صلى الله عليه وسلم غير مهمة، فلم يَعْهِدْ فيها، ثم تدرجت الأهميّة زمان الخلافة بعض الشيء، بما دعت الضرورة إليه، في الحماية والجهاد، وشأن الردة والفتوحات، فكانوا بالخيار في الفعل والترك، كما ذكرناه عن عمر رضي الله عنه، ثم صارت اليوم من أهم الأمور للإلفة على الحماية والقيام بالمصالح. فاعتبرت فيها العصبية، التي هي سر الوازع عن الفرقة والتخاذل ومنشأ الإجتماع، والتوافق الكفيل بمقاصد الشريعة وأحكامها» [13].

من هنا نستنتج أن الاستبداد والدكتاورية في حكم العالم الإسلامي قديما وحديثا هو من صناعة فقهاء ومتكلمي الأشاعرة من خلال صياغة مفهوم أهل الحل والعقد و الذي تنعقد به الإمامة مستدلين بذلك الوقائع التاريخية في نظام الحكم سواء من خلال تجرية عصر الخلفاء الراشدين أو عصر الملوك الأسرية كالدولة الأموية والعباسية والعثمانية.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

..............................

[1] - الباقلانى، التمهيد، تحقيق محمدود محمد الخضيرى، و محمد عبد الهادى، دار الفكر العربى، بيروت لبنان،(بدون رقم الطبعة والتاريخ) ص178

[2] - المصدر السابق، ص 178

[3]- المصدر السابق، ص 178-179 .

[4] - ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، دارإحياء التراث العربي، بيروت، لبنان،ط4/1408ھ/1998م، ج12/ص124-125.

[5] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق، أب الفداء عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان ،ط1/1407ھ /1987 م ، ج3/ص81-82.

[6] - الماوردى، الإحكام السلطانية والولايات الدينية‘تحقيق، خالد عبد اللطيف السّبع العلميّ دار الكتاب العربي بيروت لبنان، ط1/ 1410ھ/1990م، ص33-34.

[7] - الجوينى ،الفياثى غياث الأمم فى التياث الظلم ،تحقيق د/ عبد العظيم الديب، كلية الشريعة، جامعة قطر، ط2/ 1401ھ/1981م، ص 69

[8] - المصدر السابق، ص 68.

[9] - المصدر السابق، ص 69.

[10] - المصدر السابق، ص 70

[11] - الغزالى، فضائح الباطنية ، تحقييق، عبد الرحمن بدوي، مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت، ص177.

[12] - المصدر السابق ، ج10/43.

[13] - ابن خلدون، مقد مة ابن خلدون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط4/(بدون التاريخ) ص213.