mutham aljanabiفلسفة الحضارة ووعي الذات القومي الثقافي

من اجل أن تظهر فلسفة الحضارة كعلم من العلوم الفلسفية، كان ينبغي للحضارة أن "تموت" لكي يجري إعادة "إحياءها" بمعايير الرؤية الفلسفية. بمعنى أن يجري تخطي الأفق التاريخي والثقافي للحضارة نفسها، اي لنماذج الحضارات التاريخية الكبرى.

فقد لازمت الحضارات التاريخية الكبرى، من حيث مقدمات ظهورها ونمط مرجعياتها الثقافية ومنظومات المبادئ المتسامية فيها، المرحلة الثقافية الدينية والمرحلة الدينية السياسية. بينما تنفي منظومة المرجعيات الثقافية الملازمة للمرحلة السياسية الاقتصادية نمط الصيرورة الحضارية المميزة للماضي. ومن ثم تنفي إمكانية ظهورها. من هنا الفكرة القلقة والهلامية أيضا عما يسمى بموت الحضارة أو الحضارات، كما لو أنها صفة أبدية تلازم الوجود التاريخي للبشر والأمم.

فالعلاقة المميزة لفعالية الثقافة في صيرورة الحضارة، والتي عادة ما تنتهي بالجمود ثم الانحطاط فالزوال هي الصفة الطبيعية الملازمة للطابع الطبيعي لحضارات المرحلة الثقافية الدينية والمرحلة الدينية السياسية، في حين لا يصيب الجمود الثقافة الملازمة للمرحلة السياسية الاقتصادية وذلك بسبب طبيعتها ومنظومة مرجعياتها الكبرى التي لا تنتج قيم ومفاهيم ومنظومة الحضارة التقليدية، وذلك لان طابعها الديناميكي ينفي بصورة دائمة ومستمرة عناصر الثبات والمقدس. أنها تتمثل قيم ومفاهيم الانتقال الأعقد في التاريخ الإنساني من الحالة الطبيعية إلى الحالة الماوراطبيعية للوجود الإنساني على النطاق العالمي، والتي تهيمن فيها فكرة الاحتمال العقلاني والبدائل العملية المستقبلية . 

كل ذلك حدد بروز ونمو فكرة الحضارة، وأهميتها الجوهرية بالنسبة لوعي الذات القومي والثقافي. فالتاريخ السياسي للفكرة القومية الحديثة وصيرورة الأمم القومية الحديثة عادة ما يمر بطرق شائكة ومعقدة ومريرة ودهاليز مضللة ومظلمة قبل أن يخرج إلى جادة الصواب، اي إلى طريق الرؤية العقلانية والاعتدال الواقعي المحكوم بفكرة المصالح القومية وتقنينها الحقوقي. وعادة ما تضغط هذه الحالة على الوعي الفلسفي لفهم وإدراك حدود التجربة الذاتية من خلال تأمل تجارب الماضي وأسباب انهيار الأمم وإبداعها التاريخي، بعبارة أخرى، إن الاهتمام بقضايا الحضارة والحضارات القديمة يحمل في طياته وعيا سياسيا يتمثل، بوعي أو دون وعي، العنصر الأساسي في ذهنية هذه المرحلة، ألا وهي تنشيط الفكرة السياسية في مواقفها من الحاضر والمستقبل عبر استلهام تجارب الماضي. وبما أن تجارب الماضي الباقية أو المتبقية عادة ما ترتبط بذكرى ومعرفة الحضارات القديمة الكبرى، من هنا ظهور الاهتمام بها من اجل عقلنة الوعي الذاتي القومي والثقافي. لهذا نراها تظهر في الحالات الحرجة لصيرورة الفكرة القومية أو انهيار الأمة أو تأمل آفاقها المستقبلية. لهذا نراها تظهر للمرة الأولى عند دانيليفسكي في مساعيه الفكرية السياسية لعقلنة الفكرة القومية الروسية بمعايير الثقافة الذاتية والانتماء السلافي بسبب كمية ونوعية الخلافات الفكرية والسياسية الكبيرة آنذاك حول الهوية الروسية، بينما تظهر عند شبنغلر بأثر الهزيمة العسكرية والسياسية لألمانيا في الحرب الإمبريالية الأولى. بينما كانت تؤسس، رغم مظهرها المحايد، لاستشراف آفاق الإمبراطورية البريطانية عند توينبي.

الأمر الذي يشير إلى الترابط العضوي بين البحث في القضية الحضارية وبين إشكاليات الوعي القومي التاريخي والثقافي بوصفها قضية سياسية كبرى وعميقة. وبالتالي فإننا نعثر فيها على مؤشر جوهري لصعود الوعي الذاتي إلى مصاف الرؤية الفلسفية. وبالتالي فان فقدان هذه الرؤية الفلسفية يشكل أيضا احد المؤشرات الجوهرية عن ضعف أو فقدان الوعي الذاتي القومي والثقافي.

إن فقدان هذا الوعي  في العالم العربي، بوصفه احد العوالم التاريخية الثقافية والحضارية الكبرى والذي تمثل تقاليد الأمم الحضارية للأسلاف مثل العراقية السورية (السومرية والبابلية والآشورية). والمصرية والفارسية واليونانية يكشف عن انه لم ينضج بعد في تحليل ونقد الحالة المتأزمة لصيرورته الحديثة، وفقدان بوصلة الرؤية المستقبلية للبدائل، اي انه  لم يصل بعد إلى الفكرة المنهجية المتعلقة بنقد أصول الثقافة الحالية وتخلفها السياسي من خلال نفي بقايا الأصول اللاهوتية المتغلغلة في مسام الوجود العربي من اجل تأسيس فكرة البدائل المستقبلية القادرة على تذليل عقبات الانتقال من المرحلة الدينية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية.

وهو السبب الجوهري وراء غياب الاهتمام الفلسفي بهذه القضية، بل شبه انعدامه التام. بينما تشكل بقايا الفكرة السلفية أو التقليدية والأصول الإسلامية القديمة المتناثرة بما في ذلك في العلوم النظرية الوجه الآخر لهذا الغياب. الأمر الذي ترتب عليه وما يزال يترتب غياب الأعمال الفلسفية المتعلقة بالحضارة العربية الإسلامية. والاستثناء الوحيد هو ما وضعه محمد عابد الجابري بهذا الصدد في كتبه عن "نقد العقل العربي" في (تكوين العقل العربي) و( بنية العقل العربي) و(العقل السياسي العربي) و(العقل الأخلاقي العربي). من هنا أثره الفكري والسياسي الكبير في الوعي العربي النظري نهاية القرن العشرين. مع انه لا يرتقي إلى مصاف فلسفة الحضارة لكنه يحقق بعض جوانبها من خلال نقد ما يمكن دعوته بأصول "العقل العربي". الأمر الذي جعل مما كتبه بهذا الصدد الأفضل بمعايير المنظومة الفلسفية. بل يمكنني القول أنها المنظومة الفلسفية الأولى والوحيدة لحد الآن في الفكر العربي الحديث والأكثر تجانسا، باستثناء ما وضعته في كتابي التأسيسي (فلسفة البدائل الثقافية) الذي سأقدم للقاري العربي قريبا صيغته الأولية المختصرة ولاحقا صيغته التامة(عشرة كنب).

فالنقص الجوهري في المنهج الفلسفي للجابري يقوم في تغليب الصيغة الشكلية لمفهوم "العقل العربي" وتطبيقها على مجمل التاريخ السياسي والفكري والأخلاقي العربي الاسلامي. وهو منهج يقترب من حيث تطبيقه العملي من محددات وغايات النزعة الأيديولوجية الحديثة. الأمر الذي حدد ضعفها المضموني من حيث التحليل والتدليل والنقد. اذ لا بدائل فيها ترتقي إلى مصاف المنظومة وذلك لانها حاصرت منهجها النظري ومنظومته الخاصة بشكلانية الثلاثية المفتعلة "للعقل العربي". ولم يكن هذا معزولا عن التربية الدينية الأولية، ثم ضعف التقاليد العلمية التي تربى عليها، ونقص أو تشوه التقاليد العقلانية والأكاديمية الصارمة في الجامعات العربية بدون استثناء، وتعايش المناهج المتناقضة، وهيمنة الذهنية الدينية والسلفية والتقليدية فيها، اي كل ما وجد انعكاسه في موقفه غير المؤسس من العقل. وقد كان جورج طرابيشي محقا في نقده المتشعب لمفهوم العقل عند الجابري في كتابه (نقد نقد العقل العربي) مع ما فيه من ثغرات نفسية ومعرفية وثقافية. فقد أعجب في بداية الأمر وانبهر بما كتبه الجابري ثم اكتشف ضعفه المعرفي فيما يتعلق بمفهوم العقل. وهو استنتاج دقيق.  وليس مصادفة أن ينحدر الجابري في مقالاته وأبحاثه أواخر العمر صوب السلفية والدفاع الخجول عن الحنبلية بشكل عام وابن تيمية بشكل خاص. ومع ذلك يبقى ما كتبه ووضعه تجاه "العقل العربي" ضمن سياق تحليل الحضارة الإسلامية وذهنيتها الثقافية، الأفضل في الفكر الفلسفي العربي الحديث. والمقصود بالأفضل هنا هو طابعه المنظومي فقط. وما عدا ذلك فإنه أدنى فيما يتعلق بالإحاطة العامة بمختلف جوانب الحضارة الإسلامية مقارنة بمؤلفات عديدة أخرى. ومن الممكن الإشارة هنا إلى كتابات احمد أمين عن (فجر الإسلام) و( ضحى الإسلام) و( نهار الإسلام) و(يوم الإسلام). لكن ضعف كتاب احمد أمين، فيما أنا بصدده، هو فقدانه للتأسيس الفلسفي.

كل ذلك يوصلنا إلى الحصيلة القائلة، باستمرار الضعف الكبير في اهتمام الوعي النظري بفلسفة الحضارة، ولم يجر تخطي وتذليل الهوة العميقة بين معرفة مختلف جوانب وحيثيات الحضارة العربية الإسلامية وبين تأسيسها الفلسفي. بمعنى استمرار وجود الهوة العميقة بين الوعي النظري بقضايا التاريخ الحضاري ووعي الذات القومي. الأمر الذي يجعل من مختلف جوانب الحضارة العربية الإسلامية وإنجازاتها الهائلة في مختلف الميادين عناصر متناثرة ومتصارعة تستعيد في أفضل الأحوال شحنات الخلاف المخربة وليس توحيد النفس الثقافية. وهذه بدورها لن يصنعها غير الرؤية الفلسفية بوصفها الوحيدة القادرة على تحويل المحتوى الثقافي العام للحضارة العربية الإسلامية إلى قوة وطاقة فاعلة في بلورة مبادئ ومرجعيات الانتقال من الطور الديني السياسي إلى الطور السياسي الاقتصادي. 

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر عراقي

 

 

mutham aljanabiإن الكتابة عن الحضارات القديمة والماضي عموما ذات ارتباط دائم بالحاضر والمستقبل، سواء جرى النظر إلى هذه القضية بمعايير المنطق المجرد أو التأويل السياسي. وبالتالي فان تأمل الماضي وانجازاته يحتويان على تحقيق المهمة المنطقية المتعلقة بإرساء أسس الرؤية العلمية الدقيقة التي تجعل من الماضي وتجاربه مصدرا من مصادر وعي الذات التاريخي والثقافي، ومن ثم أداة وأسلوبا لتعزيز الوحدة الاجتماعية والقومية السليمة لكي لا يتحول الماضي إلى مصدر خلاف وشقاق وتدمير عبثي. كما يحتوي هذا التأمل على إمكانية التأويل السياسي الفعّال بالنسبة لبلورة ما ادعوه بمنظومة المبادئ المتسامية أو منظومة المرجعيات الثقافية. وهو أمر جلي حالما ننظر إلى الواقع العربي الحالي الذي يفتقد حاليا لأبسط مقومات الوحدة. بحيث جعل من الماضي وأحداثه مصدرا للتأويل السياسي المشوه وإثارة الأحقاد والخلافات غير العقلانية والحروب الدموية.

فمن الناحية المنطقية تكشف هذه الحالة عن غياب العقل العلمي والمنطق الفلسفي في التربية ووعي الذات القومي والتاريخي والثقافي على مستوى النخب والعوام. وهذه بدورها تعكس هيمنة الرؤية اللاهوتية والتقليدية وأسسها الاجتماعية والاقتصادية في البنية السياسية للدولة العربية "الحديثة". بمعنى دول حديثة بلا حداثة، بينما يشكل التأويل السياسي المشوه تجسيدها العملي. فعلى سبيل المثال، عندما احتل الأمريكيون العراق عام 2003 كان اللهاث السياسي "العربي" منهمكا بمقارنات تاريخية مزيفة " مهمتها اتهام الشيعة بالخيانة الوطنية والقومية وتسهيل دخول القوى الأجنبية الغازية لبغداد، عبر "استلهامها" نموذج العلقمي واحتلال بغداد من جانب المغول والتتر، وليس الحديث عن الغزو الأمريكي. وكل هذا اللغط من جانب إعلام الدول التي ناصب العراق العداء المطلق والمشاركة بحصاره الشرس وتقديم أراضيها لغزوه! فمن هو العلقمي هنا؟ والقضية هنا لا تقوم فقط في طبيعة هذه المغالطة الفكرية والتاريخية والسياسية، بل ولأنها تصطدم بكل معطيات وواقع وحيثيات وحقائق الحاضر. اذ يكشف الصراع السياسي في العالم العربي الآن عن أن القوى الاجتماعية السياسية الأكثر استعدادا وفعلا للتضحية والفوز من اجل المصالح الوطنية والقومية هي التيارات الشيعية، وكل من يعاديها ويتهمها بما يتناقض مع ذلك هو نموذج فعلي للخيانة الوطنية والقومية. والأمثلة لا تحصى ومن ثم لا معنى للإشارة إليها. ويكفي النظر إلى"قضية العرب والمسلمين" الكبرى (فلسطين).أما ما يخص العلقمي التاريخي، فانه بريء مما ينسب إليه. وليس صورته التي جرى رسمها عنه فيما بعد من جانب قوى لا تختلف من حيث مزاجها الذهني والمذهبي عما هو ساند في طبائع الحنبليات جميعا. طبعا أن قضية احتلال العراق وحالة الخيانة أكثر تعقيدا بما لا يقاس مما طرح ويطرح في الإعلام الرخيص والدراسات السياسية "الرزينة" التي لا تختلف من حيث الجوهر عما هو سائد في الجرائد والتلفيزيونات المأجورة التي تمثل دول الخليج "العربية" نموذجها الفج والفاسد والفاسق والرزيل. فهو إعلام يعكس حقيقتها.

إن هذا المثال وآلاف غيره تكشف عما في تناول التاريخ الفعلي للحضارة الإسلامية وتاريخها الذاتي وتجاربها المتنوعة والمختلفة من أهمية قصوى بالنسبة للحاضر والمستقبل. اذ على كيفية تنقية الرؤية التاريخية والثقافية وتأسيسهما النقدي العلمي تتوقف تربية الذهنية العربية وتوحيد استلهامها العلمي والعملي بمعايير الحق والروية المستقبلية.

بعبارة أخرى، إن الاهتمام الجدي والعميق بإشكاليات الحضارة الإسلامية هو أولا وقبل كل شيء مهمة منهجية "للعقل العربي" المتحير في متاهات الروية اللاهوتية والبدائية للتاريخ، كما أنها مهمة عملية لتذليل الإرث الهائل للعقائد الميتة التي يجري سقيها الدائم بدماء قرابين الجهل والتخلف والانحطاط العقلي والروحي والأخلاقي. ولعل ما حدث ويحدث من اقتتال دموي شرس، وهمجية لا مثيل لها، وانحطاط مطلق للروح الاجتماعي والوطني والقومي في العراق وسوريا واليمن وليبيا من جانب الحنبليات الإسلامية بمختلف مشاربها وأسماءها المدعومة والمسيرة بالإرادة الخاوية لقوى الرذيلة المطلقة لممالك وإمارات البداوة والتصحر الثقافي، احد الأمثلة النموذجية لما أنا بصدده.

ذلك يعني أن إعادة فهم الحضارة الإسلامية على أسس علمية ومنطقية صارمة بوصفها تجربة ذاتية عابرة وباقية، بالنسبة للعالم العربي في ظروفه الحالية، تهدف بقدر واحد إلى تنقية العقل الثقافي وإعادة تأسيسه بما يتوافق مع مهمات الانتقال من المرحلة الدينية السياسية، التي مازال العالم العربي يتخبط بين ثقل أصولها اللاهوتية وواقع الحداثة والعلم المعاصرين، إلى المرحلة السياسية الاقتصادية. وكذلك إلى صنع الإجماع العلمي والعقلاني تجاه الإشكاليات المثيرة للغط العقائدي والأيديولوجي السياسي بالشكل الذي يجعلها حالة منفية في وعي الذات القومي والتاريخي والثقافي.  

وفيما لو نظرنا إلى ما كتب في العالم العربي على مدار القرن العشرين وحتى الآن حول قضايا وإشكاليات الحضارة الإسلامية، فإنها لا تتعدى أصابع اليد المبتورة! أما الكتب والدراسات والأبحاث العديدة المتعلقة بمختلف جوانب الإسلام والثقافة الإسلامية من فكر وأدب وفنون وعلوم فإنها لا تتعدى في اغلبها المطلق حدود التأريخ لها. كما أن اغلبها يتسم بالتقليد والتكرار والاستعراض المسطح وتشوه المناهج، وبجامعها تسهم في صنع خليط يصعب هضمه من هنا أثاره المخربة بالنسبة لتنمية الوعي النقدي والعقلاني تجاه الحاضر والمستقبل. وقد يكون الاستثناء النسبي الوحيد بهذا الصدد ما وضعه قسطنطين زريق في كتابه في معركة الحضارة، الذي طبع للمرة الأولى عام 1964، الأمر الذي يشير إلى أن اهتمامه بهذه القضية بدء في منتصف أو نهاية الخمسينيات، بمعنى إدراكه المبكر لما في هذه القضية من أهمية جوهرية بالنسبة للرؤية العقلانية والصراع من اجل المستقبل بالنسبة للعالم العربي، إلا أن الكتاب اقرب ما يكون إلى مؤلف تدريسي، كما انه يخلو من دراسة هذه القضية على مثال الحضارة الإسلامية، بوصفها أس ومصدر الحالة الثقافية والحضارية للعالم العربي المعاصر.

 إن اهتمام قسطنطين زريق بهذه القضية ينبع من نمط فلسفته القومية، التي ترتقي إلى مصاف الفكرة العربية العقلانية المنطقية والعلمية المجردة. بمعنى خلوها من وهج التحدي والكفاح السياسي والتوظيف العملي فيما يخص الهوية الفعلية للعرب والعالم العربي. وهي جوانب لم يعر لها الفكر القومي في شخصياته الكبرى اهتماما جديا بما في ذلك عند انطون سعادة. والسبب الجوهري وراء ذلك أنهم جميعا قليلي المعرفة بتاريخ الثقافة العربية الإسلامية، اي المكون الجوهري للوجود العربي.

وفيما يخص قسطنطين زريق، بوصفه الشخصية الوحيدة التي اشغلها مهمة الدخول في معركة الحضارة، فانه لم يعر اهتماما إلى هذه الجوانب، رغم تناوله المقتضب لأراء المفكر الروسي نيكولاي ياكوفليفتش دانيليفسكي (1822-1885) في كتابه الشهير (روسيا وأوربا). لاسيما وأنها شكلت صلب مضمون الكتاب. الأمر الذي يشير إلى انه لم يطلع عليه وانه أخذ الفكرة العامة عما كتب عنه، أو أن هذه القضايا لم تثر اهتمامه. وهذه فرضية لا تستقيم مع منطق كتابه عن معركة الحضارة.

اذ أن ما يميز كتاب دانيليفسكي هو انه وضع فلسفته عن الحضارة وبالأخص ما اسماه بالنمط التاريخي الثقافي، لكي يبرهن على قوانين نشوء الحضارة وخصوصياتها وأهميتها وقيمتها جميعا بدون استثناء. ووضع كل ذلك في أساس نقده للفكر الأوربي التاريخي والثقافي في مواقفه من النفس والآخرين. ومن ثم البرهنة على محدودية الحضارة الأوربية، وبالتالي خصوصية روسيا التي لا تنتمي ولا ينبغي لها أن تنتمي للحضارة الأوربية. وبالتالي فان لروسيا طريقها الخاص ونمط رؤيتها لنفسها والعالم، وأسلوبها الخاص في الإبداع الروحي. إضافة إلى ما يميز هويتها التاريخية الثقافية التي تستلزم صنع نظامها السياسي ونمط الدولة القومية الخاص بها.

في حين يختلف الأمر بالنسبة لشبنغلر وتوينبي، اللذين كانت أبحاثهما العميقة والأصيلة منصبة على فكرة الثقافة والحضارة وأسباب نشوءها وتطورها واندثارها. ولكل منهما منهجه الخاص واستنتاجاته الموافقة له. فقد كان الاهتمام السياسي بإشكاليات الثقافة والحضارة تتسم بنزعة تاريخية فلسفية عالمية عند شبنغلر، وتاريخية ثقافية عالمية عند توينبي. من هنا استنتاج شبنغلر النهائي عن أن الحضارة تموت لانها كائن حي، بينما تموت الحضارات (الخاصة) وتبقى الحضارة (الإنسانية العامة) عند توينبي. إن هذا الاهتمام الفلسفي والتاريخي بالحضارة يعكس المسار السياسي والثقافي الأوربي، الذي تجاوز إشكاليات التأسيس النظري للفكرة القومية. لكنها تبقى مع ذلك ذائبة في الفكرة العامة عن الثقافة والحضارة في (أفول أوربا) لشبنغلر و(معرفة التاريخ) لتوينبي. وينطبق هذا على مختلف النظريات الأخرى الأقل انتشارا وتأثيرا.

أما بالنسبة للعالم العربي، فان تعقيدات هذه القضية أصعب وأقسى بعشرات المرات عما مرت به روسيا وأوربا بهذا الصدد، وما مرت به اليابان والصين والهند. فقد كان حل الإشكاليات الجوهرية للفكرة الحضارية احد المصادر الجوهرية للإجماع الإيجابي للبحث عن الإصلاح والبدائل. ومع ذلك ظلت هذه القضية بعيدة عن تناول المفكرين العرب الكبار. وقد يكون الاستثناء الوحيد هو ما وضعه مالك بن نبي في كتابه عن الفكرة الافروآسيوية.

فقد كان هذا الكتاب أفضل ما كتب عن توظيف الفكرة الحضارية وإبداع النمط الخاص للنظام السياسي والثقافي والروحي للخروج من الأزمة الذاتية وتحرير النفس من الخضوع للهيمنة الاستعمارية. إلا أن ضعفه كما هو الحال بالنسبة لغيره هو قلة إلمامه بتاريخ الثقافة العربية الإسلامية.

أما الأبحاث والدراسات الأخرى لمختلف التيارات الماركسية والإسلامية فإنها مجرد توظيف أيديولوجي مسطحة ومشوّهة للغاية. في حين تتسم الكتابات الليبرالية بتقليدها الفج لفتات الأفكار الأوربية ومناهجها المجتزأة. وينطبق هذا على الأبحاث العلمية والأكاديمية أيضا. وقد يكون الاستثناء النسبي الوحيد بهذا الصدد ما وضعه محمد عابد الجابري وهشام جعيط. ولكل منهما قوته وضعفه. الجابري قوي في منظومته الفلسفية ضعيف بمحتواها، وعلى العكس منه ما أنتجه هشام جعيط، قوة المضمون وغياب المنظومة. وينطبق هذا الحكم وما قبل قبله على الأغلبية المطلقة من الكتب والأبحاث التي وضعت بهذا الصدد.

***

 

ا. د. ميثم الجنانبي – باحث ومفكر عراقي

 

 

mutham aljanabiالحضارة وإشكالية التقديس المزيف

عندما نتأمل تاريخ الحضارة، اي ظهورها ونموها وسقوطها، فإننا نلاحظ ارتباط ذلك بمرحلتين أساسيتين وتأسيسيتين في التطور التاريخي ألا وهما المرحلة الثقافية الدينية والمرحلة الدينية السياسية. وعندما نتأمل مسار التاريخ الثقافي للأمم أو صيرورة الحضارات الكبرى، فإننا نقف أمام حقيقة جلية تقول، بان الحضارة تلازم مرحلة الانتقال إلى الطور الثقافي الديني والطور الديني السياسي. ففي هاتين المرحلتين تتبلور إمكانية نشوء الحضارة، بوصفها احد نماذج تحقق الثقافة الكبرى في منظومات لها مرجعياتها الواضحة والدقيقة والثابتة. الأمر الذي يجعلها واضحة وجلبه في كافة مظاهرها. اذ لا يحتاج المرء إلى جهد كبير للتمييز بين الحضارة الصينية والإغريقية والهندية والإسلامية وما إلى ذلك. بمعنى أن وضوحها جلي على مستوى الحس والعقل والحدس. 

وتهيمن في الأولى (الثقافية الدينية) وحدة العقل والغريزة، بينما في الثانية (الدينية السياسية) العقل والإيمان. من هنا تباين المصادر والاختلاف في القيم، لكنهما يشتركان في الموقف من المقدّس، بوصفه نموذجا متساميا وملهما للنظر والعمل.

 ويتطابق نموذج المقدس في الأولى مع الملهم الأول الذي عادة ما يتخذ صورة أو هيئة البطل الأسطوري بقواه المافوق طبيعية، بينما يتخذ في الثانية هيئة الإله الواحد بقواه المافوق طبيعية. وفِي الأولى تتخذ سندها في الأسطورة، وفِي الثانية سندها في "الوحي الإلهي". من هنا، فان لفكرة المقدس مقدماتها الوجودية والمعرفية، التي تتوافق وتستجيب لمرجعيات الثقافة المميزة لهاتين المرحلتين. بينما نراها تضمحل وتتلاشى في مجرى استتباب المرحلة السياسية الاقتصادية ومرجعياتها الثقافية. وقد صورت الفلسفة الوضعية هذه الحالة بدقة عندما اعتبرت بان المطلق الوحيد الآن هو غياب المطلق. ويكمن سبب هذه الروية في منظومة القيم الجديدة التي تجعل من العلم والتجربة العلمية المعيار الوحيد للحقيقة، وما عداها مجرد أحكام ميتافيزيقية لا علاقة لها بالعلم، ومن ثم فهي أما لا علمية أو أسطورية. وتعاملت مع فكرة المقدس بهذه المعايير. مع أن القضية أوسع مما وضعته الوضعية بهذا الصدد، وذلك لان ديناميكية المرحلة السياسية الاقتصادية تلغي وتنفي بصورة دائمة فكرة الثابت والأبدي وما شابه ذلك. بينما تشكل هذه العناصر أساس فكرة المقدس سواء فيما يتعلق بالموقف من الحقيقة والمبادئ أو بالموقف من اصل الوجود نفسه وغاياته.

ذلك يعني أن تعايش المقدس والمزيف في ثقافات الأمم الحضارية، أو في تاريخ الحضارات الكبرى هو جزء ملازم لوجودها التاريخي بوصفها مرحلة من مراحل التطور الطبيعي، اي الملازم لبقاء وهيمنة وقوة الطبيعة في الفعل البشري، أو ما أطلقت عليه عبارة وحدة العقل والغريزة. فعندما ننظر إلى تاريخ الثقافة الإسلامية وصيرورتها الحضارية، فإننا نرى تعايش المقدس والمزيف في كل مفاصل وجودها. وهذا بدوره جزء ملازم لصيرورة الدولة بشكل عام والإمبراطورية بشكل خاص. اذ أن سعة أراضيها وقواها الفاعلة تودي بالضرورة إلى سعة مشاكلها ومشاغلها ومن ثم أساليب صراعها الفكري والسياسي. ومن الممكن رؤية ذلك على نماذج الصراع وأساليبه فيما يطلق عليه ببداية الإسلام الأول، اي ذاك الذي اختزن في الذاكرة التاريخية أبعادا ونماذج جرى تحويلها إلى كائنات متسامية. بينما تكشف أحداث التاريخ الفعلية عن أنها ليست كذلك، بل وبالضد منها. وتكفي الإشارة هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى بدايات الحرب الأهلية التي رافقت وتلت مقتل عثمان بن عفان. فقد قتل المسلمون أنفسهم عثمان بن عفان، الأمر الذي يشير إلى انه لا قداسة في شخصه ولا رشد فيه أيضا. بعبارة أخرى، إن من انتفض ضد سياساته المتعارضة مع مبادئ الإسلام عن الحق والعدالة هم ممثلو الفكرة الإسلامية الأولى ورصيدها الحقيقي.

بينما نرى أوجه وأساليب المغامرة والمؤامرة التي تلت ذلك، والتي شارك بها صحابة كبار كطلحة والزبير وقادتها عائشة بنت أبي بكر. لقد طالبوا بدم عثمان وهم أكثر من كان يؤلب عليه. وفِي سلوكهم نعثر على نفسية وذهنية المغامرة والخيانة. بينما يمكننا العثور في سلوك عائشة على أبعاد شخصية وعائلية. فهي الحالة الوحيدة والاستثنائية في تاريخ الإسلام التي تنتقل بها امرأة من الحجاز إلى العراق لقيادة القتال ضد احد أعظم وأنبل الشخصيات الإسلامية على امتداد تاريخه، وضد خليفة انتخبه المجتمع للمرة الأولى والأخيرة في تاريخ الإسلام. الأمر الذي يشير إلى التربية الداخلية والعائلية التي كانت تكن العداء لعلي بن أبي طالب بشكل خاص! بينما استكمل معاوية والأموية هذه النفسية والذهنية. فقد كشف القائد العسكري الإسلامي الكبير عمرو بن العاص عورته لتجنب القتال والقتل، ورفعوا القرآن على الرماح كوسيلة للخديعة. وتحتوي كتب التاريخ (مثل كتاب الطبري وكتاب الإمامة والسياسة وكثير غيرها) المدونة لأحداث تلك المرحلة على آلاف الشواهد الرذيلة في الحياة والسلوك والسياسة العملية لخلفاء وصحابة وتابعين. كل ذلك يشير إلى طبيعة الشخصيات وأسباب سلوكهم المحكومة بمصالح ضيقة وأخلاق رديئة. 

إن هذه الظواهر والمفارقات عادة ما تلازم اكتمال الحضارة، بمعنى "تهذيبها وتشذيبها" شبه التام للمتناقضات، أي العثور في إبداعها وقيمها وسلوكها العملي على نماذج "أصيلة" للخير والشر، للصدق والكذب، للأمانة والخيانة وما إلى ذاك. وذلك لان صيرورة الحضارة تتسم بقدر هائل من الصراع المتعدد الأوجه والأشكال والمستويات. من هنا تهذيب وتشذيب القدرات والأساليب المستعملة في المواجهة والصراع بين الخصوم والأعداء. كما أن بداية الحضارة ونهايتها يحتويان بالضرورة على كافة هذه المتناقضات وذلك لان المسار التاريخي للحضارة هو مسار طبيعي، اي انه يلازم الحالة الطبيعية لوجود البشر، مع ما فيها من عقل وغرائز. ومن وحدتهما يتولد كل شيء، الفضيلة والرذيلة، المحبة والكراهية، باختصار كل القيم التي تلازم تفتح وتطور الأبعاد الطبيعية في الإنسان.

وحالما نضع هذه الفكرة ضمن سياق القضية التي أتناولها، فإنها تشير أولا وقبل كل شيء إلى إشكالية الانفصام الهائل بين وقائع التاريخ الفعلي والعقائد الدينية التي ترتبت عليها لاحقا. وهي عقائد متنوعة، منها ما كان مبنيا على أساس الاجتهاد الفكري كما هو الحال في بعض تقاليد علم الكلام، ومنها ما كان مأجورا للسلطة، ومنها ما كان مبنيا على  مصالح عابرة، ومنها ما كان مبنيا على نفسية المذاهب، ومنها ما كان تجسيدا فجًّا للغش والخداع وانعدام القيم الأخلاقية الرفيعة.

وقد جرت كل هذه "الاجتهادات" في مجرى الصيرورة المعقدة لثقافة الخلافة، وفِي ظل بلورة الأصول الإسلامية الأولى - القرآن والسنّة. وفِي هذا كانت تكمن أولوية الأساس الديني للأصول، الذي جرى استكماله لاحقا بإدخال أصول العقل والإجماع، اي إدخال الفكرة السياسية. ومن ثم تكامل المسار التاريخي للمرحلة الدينية السياسية. فالعقل هو تفسير وتأويل، والإجماع كان على الدوام جزئيا أو محصورا بما لا يخالف الخضوع لأولياء الأمر(السلطة) فيما يتعلق بالقضايا الكبرى للدولة والمجتمع. وبالتالي فإنهما كلاهما، اي العقل والإجماع، يكملان ويتكاملان في البنية الثقافية التي أبدعها الإسلام آنذاك.

فقد أفرزت هذه البنية القرآن لحاله بوصفه صورة الوحي المقدس، وحاولت على مثاله إدخال السّنة والحديث. ولم تتورع من حشوهما بالدس والغش والكذب، بوصفه جزء من الصيرورة التاريخية للدولة والثقافة. ذلك يعني، انه جرى إدخال احد الأصول (السنّة) المليئة بالغش والكذب في منظومة المرجعيات الفكرية والروحية. أما المحاولات المستميتة للثقافة العلمية والورعة من اجل تذليل هذه الظاهرة، فإنها لم تفلح بسبب طابعه الأصولي. أما السؤال عن انه كيف يكذب على النبي محمد من يجعل من نفسه ممثلا لسنته في العلم والعمل؟ ولماذا يظهر هذا الغش المقدس؟ فالجواب عليه لا يتسم بالتعقيد. لقد كان المطلوب تقديس الفكرة من اجل المصالح والأهواء. وقد بدء ذلك زمن عثمان وتكامل زمن الخلافة الأموية. فقد كان عثمان نموذجا للاستحواذ على المال والجاه والسلطة. أما الأموية فقد دفعت بهذا الأسلوب حتى نهاياته التامة! اذ جرى الاستحواذ على ثروات الأمة، والتخلي عن الشريعة وأحكامها، وإشاعة الجبرية في العقيدة الدينية والسياسية، ومن ثم محاربة فكرة الحرية والإرادة الحرة، وفكرة العدالة والمساواة. كما أنها أول من وضع فكرة العقائد الدينية السياسية كما نعثر عليها في الدفاع عن الجبرية اللاهوتية والسياسية، وتطويع الدين لخدمة السلطة، بحيث نرى معاوية بن أبي سفيان يدخل في صلاة المسلمين سبة الإمام علي وشتيمته من على المنابر!

كل ذلك وكثير غيره يكشف عن أن الأحداث التاريخية الملازمة لصيرورة الدولة والإمبراطورية والحضارات الكبرى لا تخلو من كل تناقضات الوجود. وبالتالي لا قدسية في اي منها. بعبارة أخرى، أنها مجرد أحداث لكل منه أثره ومآثره الخاصة.

أما محاولة جعل الماضي كيانا مقدسا، ومن شخصياته وقيمه وبعض أفكاره ونظرياته مبادئ مقدسة وعقائد لا يخامرها الشك، فهو مجرد تعبير عن  مصالح خاصة أو أهواء أو جهل مرّكب. فتحويل العقائد إلى  أشياء مقدسة هو نموذج للتركيب الثقافي والسياسي للمصالح والأهواء والجهل. والمقصود بالجهل هنا ما أطلقت عليه الثقافة الإسلامية، وبالأخص عند المتصوفة مصطلح الحجاب. بحيث نراهم يتكلمون عن حجاب المعرفة والعقل والله، اي أن تحجبه المعرفة عن حقيقة المعرفة، والعقل عن حقيقة العقل، وان يحجبه الله بالله الذي هو على قدر تفصيله إياه.

 بينما كل أحداث الماضي وإبداعه في مختلف المجالات هي تجارب تاريخية لا قداسة فيها. ومع أنها ظاهرة جلية كما يقال لذوي العقول النقدية والأفئدة الحية، إلا أنها ظلت وما تزال خارج التحليل العلمي والثقافي. وقد يكون هادي العلوي الوحيد أو من بين القلة القليلة التي وجهت جهودها الفكرية ووظفتها بهذا الاتجاه، بمعنى تحرير العقل من ثقل القداسة عبر إرجاعها إلى أصولها بوصفها أحداث وشخصيات واقعية، إضافة إلى كشف الأبعاد الأخرى أو الأوجه الأخرى لمختلف مظاهر الخديعة والقتل والتعذيب وسائر صنوف الرذيلة التي رافقت صيرورة الدولة الإسلامية الأولى. بعبارة أخرى، انه سعى إلى نزع القداسة والنظر إلى الماضي كما هو بوصفه تجارب، ونزع القداسة عن شخصياته. بل ونراه يطبق ذلك على نقده للواقع المعاصر بنفس الروح والنفس الذي حلل وانتقد به تجارب الماضي. ووجد ذلك انعكاسه في نقده للأحزاب الشيعية التي عايشها في الشام، بل نراه يتعدى ذلك إلى نقد أهل العراق ككل. اذ كان يتألم مما اعتقده حقيقة وهي شكوكه بان يقيم أهل العراق الحق لأهله! وهو العراقي الأصيل! وتقدم أحداث العراق الحالية أمثلة تؤيد هذا الانطباع العقلي الوجداني المميز لرجال الحقيقة المخلصين. اذ يكفي النظر، على سبيل المثال لبطولة وتضحيات الحشد الشعبي وعراك أزلام السلطة حول فتات المزابل، لكي يؤيد هذه الفكرة والاستنتاج. وهـي حالة فيما يبدو ليست غريبة، اذ نعثر عليها في تقاليد التوبة والثأر منذ زمن المختار الثقفي وحتى الآن. إلا أنها مع ذلك تبقى فكرة وجدانية خالصة ومخلصة، لكنها لا تفسر إشكاليات هذه القضية المعقدة. وقد تناولتها في كتبي (هادي العلوي- المثقف المتمرد) و(المختار - فلسفة التوبة والثأر). وعموما أن القضاء عليها يفترض القضاء على أصولها وجذورها عبر تنقية العقل الفردي والاجتماعي والثقافي من كل أدران العقائد المقدسة المزيفة.

وذلك لان التاريخ ليس عقائد. على العكس أن العقائد جزء من تاريخ الثقافة والوعي. أما المطابقة بينهما والتي عادة ما تميز الوعي الديني السلفي والمأجور، فإنها تجعل من التجارب التاريخية عقائد وترفعها إلى مصاف المقدس. من هنا رفض الرؤية النقدية وتجريمها. وهنا أيضا يكمن سر انعدام الحرية وهيمنة التقليد المزيف والمدعوم بعنف السلطة بوصفه أسلوب إدامة القهر والسيطرة المطلقة. وقد بدء ذلك في التاريخ الاسلامي مع المرحلة الأموية، رغم أن جذور الأموية تكمن فيما يسمى بمرحلة خلافة الراشدين، وبالأخص منذ خلافة عثمان بن عفان.

الأمر الذي يضع مهمة إعادة النظر بكافة المفاهيم مثل خلافة الراشدين، والصحابة، والتابعين، والعشرة المبشرين بالجنة، التي تفوح منها رائحة صكوك الغفران! فقد كان شعار صعاليك الوهابية الأولى "هبت هبوب الجنة وينك يا باغيها"! وكذلك مفهوم  الأفضلية بين الخلفاء حسب التسلسل الزمني لتوليهم الخلافة وما ترتب عليه من فكرة الفاضل والمفضول، بمعنى اختيار الأقل فضلا مع وجود من هو أفضل منه عند الضرورة، وكذلك فكرة إمام ظلوم ولا فتنة تدوم، مع أن الفتنة هي من حيث الأساس نتاج الإمام الظالم ولا تظهر لحالها من لا شيء. اذ تكشف التجربة المعاصرة للفتنة والحروب الأهلية في العراق وليبيا واليمن ومصر وتونس وسوريا عن أنها نتاج الأنظمة الظالمة اي غير الرشيدة التي راكمت كميات هائلة من الخراب الداخلي والقيح المعنوي في كل مسام الوجود الاجتماعي. وحالما تفجرت برزت كل قبائحها. وكذلك الترحم على الخونة والمستبدين والظالمين لاعتبارات مزيفة أو بصورة أدق لارتباط ذلك بالسلطة، الذي حوّل هذا النوع من المواقف مع مرور الزمن إلى "عقائد". فقد ظل سب الإمام علي بن أبي طالب في الصلاة في المناطق النائية من مركز الخلافة، لفترة طويلة جدا بعد القضاء على الخلافة الأموية. وينطبق على الترحم والرضا "الإلهي" عن مجرمين بمعايير الفكرة الأخلاقية والسياسية، مثل عبارة "معاوية رضي الله عنه" وأمثالها. ومن غير المعروف لماذا ينبغي لله أن يرضى عنه؟ فبالعرف الاسلامي كان معاوية مغتصبا للسلطة وفاقدا للأخلاق الإسلامية ومحرفا لمبادئ الإسلام الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية. انه قطع طريق التطور الطبيعي للدولة والسلطة والنظام الاجتماعي الرشيد واستبدله بسلطة القوة والقهر والابتزاز والرشوة، وقضى على فكرة الحق والحقوق والعدالة، كما قضى على فكرة العقد الاجتماعي الاسلامي، وحوّل النظام السياسي إلى وراثة، وادخل الدولة والأمة في صراعات دموية دائمة، ودمر القوى الحية للمجتمع، ووضع أسس الاستعباد السياسي، وقضى على فكرة الحرية والإرادة الاجتماعية للإصلاح والتغيير كما في مخاطبته أهل العراق "لقد جرأكم ابن أبي طالب على السلطان! فسرعان ما ستفطمون عنه"!

لقد كان معاوية والأموية نتاجا معقدا للصيرورة الإسلامية التي شارك في خطئها وخطيئتها الأولى النبي محمد ولاحقا عمر بن الخطاب واستكملها عثمان بن عفان. فقد أعطى النبي محمد لآل سفيان شرعية أخلاقية في إعلانه عن أمان كل من دخل بيت أبي سفيان. لقد كان هذا فعلا سياسيا مؤقتا لكنه أدى إلى نتيجة تاريخية مدمرة للإسلام نفسه ومسار تطوره اللاحق. اذ كان ينبغي إلغاء وإزالة الشخصية الأموية التي كانت من حيث أصولها وسلوكها أشد المعادين للإسلام وأكثرهم تربصا به. بينما كان سلوك عمر في انتخاب الشورى فعلا سياسيا يهدف إلى إبعاد علي بن أبي طالب عن السلطة وليس لتأمين أو تأسيس فكرة الشورى. وذلك لان هذه الشورى فئوية وليست منتخبة ولا تمثل المجتمع. تماما كما أن صعود عمر إلى السلطة كان تعيينا وردّ الجميل على ما قام به تجاه أبي بكر. وبالتالي كانت تحتوي على مغامرة ومؤامرة ليس صعود الأموية اللاحق سوى احد نتائجها. أما سلوك عثمان السياسي فقد كان في كلّه يمثل انحرافا شاملا عن مبادئ الإسلام الأول واستعادة للقبلية، التي شكلت السلطة الأموية اللاحقة بشخصية معاوية نموذجها التام.

وقد امتلأت الحضارة الإسلامية من حيث بقاياها في الذاكرة ومؤلفات القدماء التي يجري إعادة إنتاجها والقبول بها، بأثر هيمنة الذهنية اللاهوتية والتقليد والعقائد، بمفاهيم وأفكار ومصطلحات وعبارات وكلمات مخربة للوعي العقلي والعقلاني والإنساني. من هنا مهمة نقدها العام والخاص عبر قراءة نقدية علمية وعقلانية لكل ما فيها، ولكل من فيها من اجل تنقية العقل والذهنية العربية المعاصرة ونقلها صوب الطور السياسي الاقتصادي في الوعي الفردي والاجتماعي والقومي.

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر عراقي

 

 

abdulreda aliتراثُ أيّة ِأمّةٍ معناه ما تقدّمهُ تلك الأمةُ في سنيّ حياتِها من جهدٍ ثقافيٍّ، وفكريٍّ، وحضاريٍّ لأبنائها على وجه الخصوص، وللإنسانيّة على وجه العموم، والتراثُ ينقسم أقساماً ثلاثة:

1- التراثُ الدينيُّ: ويُقصدُ بهِ التراث الذي يرتبطُ بقيمِ السماءِ لكلِّ شعوبِ العالمِ.

 والدراساتُ الشعبيّةُ حين تضعُ الإشارةَ تريدُ أن تنبّهَ إلى أنّ الباحثين في قسمتِهم للتراثِ لايفرّقونَ بين أُممِ الأرضِ، ودياناتِها مهما اختلفت تلك الأعراقُ أو الديانات.

2- التراثُ الرسميُّ: ويُقصدُ به التراثُ المدوّنُ الذي كتبته الأممُ، وانتقلَ مكتوباً إلى الحاضرِ عبر الأجيالِ، كما هو الحال في التراثِ العربي المدوّنِ بالفصحى، وهو غيرُ تراثِها الشعبيِّ المنقولِ شفاهاً.

3- التراثُ الشعبيُّ: ويقصد به ما كان خاصاً بأمّةٍ من الأمم، وتناقلته شفاهاً جيلاً بعد جيلٍ، ويندرجُ تحته: العاداتُ، والتقاليدُ، والحِرفُ اليدويّة، والفنُّ الفطريُّ، وفنونُ الأدبِ الشعبيّ من أساطيرَ، وملاحمَ، وسِيَرٍ شعبيّةٍ وحكاياتٍ وأمثالٍ وأغان ٍ، وشعرٍ عاميٍّ وغيرِ ذلك.

*****

 وفي هذا التراثِ المتنوّعِ لا تعدَمُ أن تجدَ الكثيرَ من المُخيّلِ المنافي للعقلِ والمنطق، وهو شأنٌ ينبغي توصيفُهُ منهجيّاً.

 فالخيالُ الفنّيُّ: تشكيلٌ سحريٌّ يؤديه كلامٌ يُثيرُ في المتلقّي انفعالاً هدفَ إليهِ صانعُهُ مع سبقِ الإصرارِ والترصّدِ، بعدَ أنْ تقصّى حركتَهُ النفسيّة بتصميمٍ واعٍ، وتقديرٍ ذكيٍّ، وهذا التشكيلُ السحريُّ لا يقدِرُ عليهِ غير الفنّانِ المبدعِ، وهو على وفقِ رأيِ العلامةِ المرحومِ عليّ جواد الطاهرِ: (أن تخلقَ من أشياء مألوفةٍ شيئاً غيرَ مألوفٍ في الفنِّ عموماً .)¹

 وقد أشار إلى أهمّيتهِ في الإبداعِ نقادنا القدامى، وأوضحوا قيمتهُ الفنّيَّةَ في عمليّةِ الإدهاش، والإثارةِ . ولعلَّ خيرَ من وقفَ عندهُ من القدامى ابن سينا في كتابهِ (الشفاء) حين قال: (والمُخيّلُ هو الكلامُ الذي تذعنُ لهُ النفسُ فتنبسطُ عن أمورٍ، وتنقبضُ عن أُمورٍ من غيرِ رويَّةٍ وفكرٍ واختيار.وبالجملة تنفعلُ لهُ انفعالاً نفسانيَّاً غيرَ فكريٍّ، سواء كان المقول مصدّقاً بهِ، أم غيرَ مصدّقٍ.)²

فالبردُّونيُّ حين يقولُ:

طلبتُ فطورَ اثنينِ قالوا: بأنّني   وحيدٌ فقلتُ: اثنينِ إنَّ معي صنعا

فقد خلقَ من هذهِ المفرداتِ المألوفةِ المعروفة: طلبتُ، اثنين، وحيد، فطور، صنعاء... إلخ، صورةً غيرَ مألوفةٍ في سحريّةِ الأداءِ .

وكما في قولهِ أيضاً:

     ليسَ بيني وبينَ شيءٍ قرابةْ  عالمي غربةٌ، زماني غَرابةْ

ربّما جئتُ قبلَ، أوبعدَ وقتي!   أو أتَتْ عنـهُ فترةٌ بالنـيابةْ

 وهكذا يتمُّ تكوينُ الخيالِ الساحرِ.

 لكنّنا في إشارتِنا إلى الخيالِ الشعبيِّ في الميثولوجيا العربيّةِ نتوسّعُ في قبولِ هذا السحرِ الفنّيِّ، فنُشيرُ إلى ما كانَ خارجاً عن مألوفِ الاستساغةِ والقبولِ، أي إلى ما كانَ خيالاً وهميَّاً لا مكانَ فيهِ للعقلِ، ولا يملكُ سلطاناً من المنطقِ كـ: زواجِ السعالي من الرجالِ، وزواجِ الجنِّ من بني الإنسانِ، وعبثِ الغولِ بالمسافرِ، ومشيِ النسناسِ برجلٍ واحدةٍ، وقدرةِ (الهاتفِ) على تغييرِ مواقفِ الرجالِ، ومقاتلةِ (الشِّق) للإنسان بالسيفِ إذا انفردَ به،، وما إلى ذلك من أساطيرَ، ومعتقداتٍ آمنَ بها بعضُ العربِ، وحفظتْها لنا أسفارُهم، وهي أمورٌ تؤكّدُ مقولة أدونيس من أنَّ (الأسطورةَ دفءٌ للعقلِ والجسد)³ ممّا يذكِّرُ به الشاعرُ الفرنسيُّ باتريس دولار دوبان في عبارتهِ الجميلة: (الشعبُ الذي لا أساطيرَ له يموتُ من البرد)⁽⁴⁾ خير دليلٍ على أهميّةِ هذا الدفءِ الفنّيِّ.

 ولعلّ من ضروراتِ المنهجِ أن نوضحَ الآتي:

• الخُرافة:

 لم تُعنَ معاجِمُنا العربيّةُ عنايةً تامّةً بمصطلحِ (الخرافة) بل إنَّ بعضَها لم يُشرْ إليهاِ، في حين ظلّتْ إشاراتُ بعضِهم موجزةً، ويبدو أنَّ الأصلَ اللغويَّ قد جاء من خُرافةِ التمرِ، ففي اللسان نقرأُ: (وخَرَفْتُ فلاناً أَخرفُه إذا لَقَطْتُ له الثَّمرَ. أَبو عمرو: اخْرُفْ لنا ثمَرَ النخلِ، وخَرَفْتُ الثِّمار أَخْرُفُها، بالضم، أَي اجْتَنَيْتُها، الثمر مَخْرُوفٌ وخَريف.....

وأَخْرَفَ النخلُ: حانَ خِرافُه)، كما أنّكَ لا تعدم وجودَ معنىٍ آخر لكلمة (خرافة) تنبئ عن كلامٍ كذبٍ لا طائلَ منه، فقد ورد في العُبابِ الزاخرِ أنّ (خرافة أسمُ رجلٍ من عذرة استهوتْهُ الجنُّ فكان يحدِّثُ بما رأى؛ فكذبوه، وقالوا: حديثُ خرافةٍ. وقال الليث: الخرافة: حديثٌ مستملحٌ كذب.)

 غير أنَّ حكاياتِ (لافونتين) أوضحت أنَّ الخُرافةَ في الأدبِ الشعبيِّ: هي قصّةٌ قصيرةٌ خياليّةٌ أبطالُها من الحيوانات والبشرِ، فيها الشعرُ أكثرُ من النثرِ، وقد بيّنَ الكاتبُ الفرنسي (فلوبير) أنَّ (لافونتين) قد تأثّرَ بكتاب (كَليلة ودِمنة) لابنِ المقفّعِ المترجمِ من الفارسيّةِ عن الأصلِ الهنديِّ.

 إذاً، فالخرافةُ قصّةٌ اختلطت فيها الرموزُ الحيوانيّةُ بالشخوصِ الإنسانيّةِ على نسقٍ من الأخيلةِ التي لا ترتبطُ بالواقعِ أبداً، لكنّها تؤدّي مغزى، أو تهدفُ إلى نشرِ فضيلةٍ ما.

• الأسطورةُ:

 ما زالَ تعريفُ الأسطورةِ غائماً غيرَ محدّدٍ، وما زالتِ الآراءُ والنظراتُ فيها تُشكّلُ خلافاً جوهريّاً حتى بالنسبةِ إلى المتخصّصينَ، وشهادةُ (صمويل نوح كريمر) خيرُ دليلٍ على هذا الخلاف، فقد ذهبَ إلى أنَّ المحدثينَ من دارسي الأساطيرِ يختلفونَ اختلافاً جذريّاً في نظراتِهم لطبيعةِ الأساطيرِ، وميدانِها، ومدلولها.فقد ذهبَ بعضهم إلى أنّها (نتاجٌ صبيانيٌّ ووهمٌ نزقٌ) بينما يرى آخرون أنَّ (أساطيرَ العالمِ القديمِ إنّما تمثّلُ واحدةً من أعمقِ منجزاتِ الروحِ الإنسانيّ، وهو الخلقُ الملهمُ لعقولٍ شاعريّةٍ خياليّةٍ موهوبةٍ سليمةٍ لمْ يفسدْها تيّارُ الفحصِ العلميِّ، ولا العقليّةُ التحليليّةُ)، في حين يراها ثالثٌ (أنّها لم تزدْ على أنْ تكونَ رواياتٍ خرافيّةٍ تطوّرتْ من أجلِ تفسيرِ طبيعةِ الكونِ ومصيرِ الإنسانِ، وأصولِ العاداتِ والعقائدِ، والأعمالِ الجاريةِ في أيامهم، وكذلك أسماء الأماكنِ المقدّسةِ والأفرادِ البارزينَ .)

 وقد أكَّدَ بعضُ النقّادِ العربِ أنَّ الأسطورةَ هي الجزءُ القوليُّ المصاحبُ للطقوسِ البدائيّةِ . ولكثرةِ هذهِ التفسيراتِ فقد قسّمَ بعض النقّادِ الأسطورةَ إلى أقسامٍ عديدةٍ، واختلفوا أيضاً في أنواعِها، فذهبت الدكتورة (نبيلة ابراهيم) إلى تعدادِ خمسةِ أنواعٍ منها:

1- الأسطورةُ الطقوسيّةُ

2 – أسطورةُ التكوين

3 – الأسطورةُ التعليليّةُ

4 – الأسطورةُ الرمزيّةُ

5 – أسطورةُ البطلِ الإله .

بينما يقسّمُها الدكتور أحمد كمال زكي أربعةَ أقسامٍ هي:

1 – الأسطورةُ الطقوسيّةُ

2 – الأسطورةُ التعليليّةُ

3 – الأسطورةُ الرمزيّةُ

4 – التاريخسطورة.

 نخْـلُصُ من هذا إلى أنَّ الأسطورةَ ما هي إلا الوعاءُ الأشملُ الذي فسّرَ فيهِ البدائيُّ وجودَهُ، وعلّلَ فيهِ نظرتَهُ إلى الكونِ محدِّداً علاقتهُ بالطبيعةِ من خلالِ علاقتِهِ بالآلهةِ التي عدّها القوّةَ المسيّرةَ والمنظّمةَ والمسيطرةَ على جميعِ الظواهرِ الطبيعيّةِ من تعاقبِ الفصولِ، والليلِ والنهارِ، والخصبِ والجفافِ . مازجاً فيها الجانبَ السحريَّ بالدينيِّ، وصولاً إلى تطمينِ نفسهِ، بوضعِ حدٍّ لقلقهِ، وأسئلتهِ الكثيرةِ . فهي إذاً حصيلةُ تجاربَ، ومواقفَ عبّرت عن رضاهُ الزّمني في ذلكَ الحينِ، فكانت تاريخاً لتأمّلهِ الفكريِّ (بداءةً من جهلِهِ قبلَ وعيهِ) وشرحاً لما جابههُ من مصاعبَ ومواقفَ في عالمهِ المخيفِ . إنّها أُسلوبٌ لشرحِ معنى الحياةِ والوجودِ صيغَ بمنطقٍ عاطفيٍّ كادَ يخلو من المسبّباتِ امتزجَ فيه التأمّلُ بالتأريخِ، والعلمُ بالخيالِ، والحلمُ بالواقعِ، فكانتِ الفنَّ الإنسانيَّ الأوّلَ الذي جعلهُ يعيشُ مع الجماعةِ بعلاقاتٍ حميمةٍ أملاً في تحقيقِ تكاثرهِ الإنسانيِّ، وسيادتِهِ على عالمِ الطبيعةِ العجيبِ ⁽⁵⁾.

وفيما يأتي صورٌ من هذه الأخيلةِ الشعبيّةِ التي حفظتها لنا المظانُ القديمةُ:

1. الغولُ والسعالي: عالجَ المعجمُ العربيُّ كلمةَ)(غول() فرآها لغةً (من غاله الشيءُ غَوْلاً واغْتاله: أَهلكه وأَخذه من حيث لم يَدْر.)، والعربُ آمنت بوجودِ الغول والسعالي، ولم تناقشْ في كونها حقيقةً أم خرافة، فقد دخلت إلى العقليّةَ العربيّةَ بارتياحٍ. والغُولُ، بالضم: السِّعْلاةُ، والجمعُ أَغْوال، وغِيلان.. والتَّغَوُّل: التَّلَوُّن (لسان العرب.)

إنَّ الغولَ في معظمِ المظانِ مؤنّثةٌ، وهي تتراءى للناسِ في الفلواتِ فتضلُّهم في الطريقِ، ثمَّ تهلكهُم، وأنّ معظمَهم يرى أنَّ (السعلاة) هي أنثى الغول، والعامّةُ من العربِ القدامى يُشبّهونَ المرأة َ السيئةَ الخُلقِ، والعجوزَ الخبيثةَ بالسِّعلاتِ، قال الراجز:

لقد رأيتُ عجباً مذ أمـسى

عجائزاً مثلَ السَّعالي خمسا

 

يأكلنَ ما في رحلِهنَّ همسا

لا تركَ اللهُ لهُـنَّ ضِرسـا⁽⁶⁾

وقال الأعشى ميمون:

وشيوخٍ صرعى بشطّي أريكٍ

ونساءٍ كأنّهنَّ الســـَّعالي⁽⁷⁾

وأنشدَ الفرّاءُ قول علباءِ بن أرقم في (الوَتْم) وهو قلب السين تاءً:

يا قبّحَ اللهُ بنـي السَّــعلاةِ

عمروِ بنِ يربوعَ شرارِ الناتِ

ليـــسوا أعفَّاءَ ولا أكياتِ⁽⁸⁾

إنَّ الغولَ لا تخرجُ على الناسِ إذا كانوا زرافاتٍ، إنّما تخرجُ عليهم إذا كانوا وحداناً، ويذكرونَ أنها لا تخرجُ في الأماكنِ العامّةِ، ولا في الطرقِ السالكةِ، أنّما تختارُ الفيافيَ المقفرةَ لتترصّدَ الضعيفَ الخائرَ، والمهزوزَ الرعديدَ حينَ يكونُ وحيداً منفرداً، فتوقعُهُ في حبائلها، وتعبثُ به، وترعبُهُ، لذلك لاتقتربُ من الشجعانِ، ولا من عظماءِ الناسِ، (وفي حديث النبي، صلى الله عليه وسلم: عليكم بالدُّلْجة فإِن الأَرض تطوى بالليل، وإِذا تَغَوَّلت لكم الغِيلان فبادروا بالأَذان ولا تنزلوا على جوادِّ الطريق ولا تصلّوا عليها فإِنها مأْوى الحيات والسباع أَي ادفعوا شرّها بذكر الله،) ⁽⁹⁾

2. زواجُ بني الإنسانِ من الجانِّ: أشارت بعضُ المصادرِ القديمةِ إلى أنَّ الإنسَ قد تزوّجوا من الجنِّ، مستشهدةً بحكاياتٍ خرافيّةٍ، وأساطيرَ توزّعت بين التركيزِ والإطنابِ، ونحنُ إذ نشيرُ إلى قصّتينِ ممّا أدخلهُ الخيالُ الشعبيُّ في هذا التراثِ الميثولوجيِّ، لاننسى ما كانَ من أثرِ كعبِ الأحبارِ، و وهبِ بن منبّهٍ في صناعتها، لاسيّما كتاب الأخيرِ الموسومِ بـ (كتاب التيجان في ملوكِ حمير)¹⁰⁾، فهما المسؤولانِ عن هذا الخلطِ بين الواقعِ،  واللاواقع أحياناً، وبينَ خلقِ الأساطيرِ في أحايينَ أخرى. وقبلَ أنْ نُشيرَ إلى تينكَ القصّتينِ من هذا الخيالِ الشعبيِّ نوردُ ما ذكرهُ القاضي بدرُ الدين بنِ عبد الله الشبليِّ في كتابه (غرائب وعجائب الجنِّ كما يصوّرُها القرآنُ والسنّةُ) فقد قالَ: (وأمّا وقوعُ ذلك فقالَ أبو سعيد عثمانُ بنُ سعيدٍ الدارميِّ في كتاب: (إتباعُ السنن والأخبار) حدّثنا محمّد بنُ حميد الرازي، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا الأعمش، حدّثني شيخٌ من بُجيل قالَ: علِقَ رجلٌ من الجنِّ جاريةً لنا ثمَّ خطبها إلينا وقالَ: إنّي أكرهُ أنْ أنالَ منها محرَّماً، فزوّجناها منه، قال: فظهرَ معنا يُحدِّثُنا، فقلنا: ما أنتم؟ فقال: أممٌ أمثالكم، وفينا قبائلُ كقبائلكم، قلنا: فهل فيكم هذهِ الأهواء؟ قالَ: نعم فينا من كلِّ الأهواءِ القدريّة، والشيعةُ، والمرجئةُ قلنا: من أيها أنتَ؟ قالَ: من المرجئة. وقالَ أحمدُ بنُ سليمان النجاد في أماليه: حدّثنا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ سليمان أبي الشعناء الحضرميِّ أحدِ شيوخِ مسلمِ، حدّثنا أبو معاويةَ، سمعتُ الأعمشَ يقولُ: تزوّجَ إلينا جنّيٌّ فقلتُ له: ما أحبُّ الطعامِ إليكم فقالَ: الأرز قالَ: فأتيناهُ بهِ فجعلتُ أرى اللقمَ تُرفعُ ولا أرى احداً، فقلتُ: فيكم من هذهِ الأهواءِ التي فينا؟ قالَ: نعم. قلتُ: فما الرافضةُ فيكم؟ قال: شرُّنا.)¹¹. وفيما يأتي القصّتانِ:

الأولى ـ زواج الهدهاد من فارعةِ الجنيّةِ:

وردتْ هذه القصّةُ في تعقيباتِ بعضِ الإخباريين، وهم يتحدّثون عن والدِ بلقيس ملكة اليمن، ووالدتِها، لاسيّما ما أورده القاضي بدر الدين الشبلي في (غرائب وعجائب الجنِّ) ص: 91، وما فصّله وهب بن منبّه في (كتاب التيجان في ملوك حمير) ص: 145-172.

 إنَّ بلقيسَ حقيقةٌ وتاريخ، وقد ذُكِرت في القران الكريم، وقصّةُ زواجِها من سليمانَ عليهِ السلامُ من القصصِ القرآنيِّ الذي يحملُ الموعظةَ والمغزى، والتأكيدَ على حقيقةِ الوجودِ، لكنَّ القرانَ الكريمَ لم يُشِرْ إلى والِدَي بلقيسَ، لأنَّ اللهَ سبحانهُ لم يشأْ ذلك، من هنا تلقّفَ الخيالُ الشعبيُّ هذا الأمرَ، ونسجَ قصصاً ما أنزلَ اللهُ بها من سلطان.

 ففي قولهِ تعالى: (قيلَ لها ادخُلي الصَّرْحَ فلمَّا رأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَـشَفَتْ عن ساقيها قالَ إنَّه صَرْحٌ مُمَرَّدٌ من قواريرَ قالَتْ ربِّ إنِّي ظلَمتُ نفسي وأسلمْتُ مع سليمانَ للهِ ربِّ العالمين .)¹² إشارةٌ إلى ما كان من عملٍ مدهشٍ لذلك الصَرْحِ بحيثُ حسبتْهُ ماءً رقراقاً فكشفتْ عن ساقيها لئلا تبتلَ ملابسُها الملكيّةُ، فما كان من صانعي الخيالِ إلا استثمارَ الساقينِ، فأشاروا إلى أنها (شعراء الساقين، ورجلها كحافرِ الحمارِ)¹³

وبعد أنْ (أسلمت، وعزم سليمانُ على تزويجها، فأمر الشياطينَ فاتّخذوا الحمّامَ والنورةَ، وهو أولُ من اتخذَ الحمّامَ والنورةَ، وطلوا بالنورةِ ساقيها، فصارَ كالفضّةِ، فتزوّجها... وأبقاها على ملكها. وكان يزورُها في كلِّ شهرٍ مرّةً على البساطِ والريح.)¹⁴⁾

 فهي إذاً بنتٌ من الجانِّ، وذكروا أنَّ والدَ بلقيس (وأسماؤهُ عديدةٌ وأشهرها) الهدهادَ رأى حيّتينِ، أو ثُعبانينِ (أسودَ وأبيضَ) يقتتلان، فأمالَ الإناءَ إلى الأبيضِ، فارتوى، فتمكّنَ الأبيضُ من قتلِ الأسودِ، فظهرَ الجنُّ للهدهادِ، وبيّنوا له أنَّ الثعبانَ الأبيضَ كان من أبناِء ملوكهم، (وما جزاؤك عندنا إلا أخته نزوجُها منك، وهي رواحةُ بنتُ سكنٍ. فزوجوهُ إياها وقالوا له: لها عليك شرطٌ لا تسألها عن شيء تفعله مما تستنكرُ منها، فإن سألتها فهو فراقُها. قال: نعم.)¹⁵⁾

وولدت له ولدين وأنثى، فكانت الأنثى هي بلقيس، لكنَّ رواحةَ فارقتْهُ حين خالفَ شروطَها، وسألَها عن الكلبةِ التي كانت تجيءُ وتأخذُ الطفلَ حين يبلغُ عمره سنةً، فقالت له: (فارقتك يا هدهاد.إعلمْ أنهُ لم يُجَرَّ منهم أحدٌ، بل هم محمولون، وتلكَ درّةٌ تحملُهم وتربيهم حتى يبلغوا خمسَ سنين فيأتوكَ أنقياءَ، فأمّا ابنُكَ الأوّلُ فقد مات أحسن اللهُ عزاءَكَ فيه. وأمّا الآخر فإنهُ يأتيكَ وليسَ يعيشُ  بعدَ أبيوهو يموتُ، وأمّا ابنتُكَ فإنها تأتيكَ وتعيشُ لك. ثمَّ ذهبت عنه فلم يرَها بعدها، ووجدَ في الفراشِ ابنَهُ وبنتَهُ بلقيس، فمات الصَّبي، وعاشت بلقيس.)¹⁶⁾

الثانية ـ زواجُ عمرو بن يربوع من السعلاة:

وقد أوردها أبو زيد في نوادره، و الجاحظ في الحيوان، فضلاً عن أبي العلاء المعرّي في الفصول والغايات، وملخّصها أنَّ رجلاً من الأعرابِ اسمه عمرو بن يربوع تزوّج السعلاةَ، وقد نبّهه أهلُها إلى أنّها ستكون خيرَ امرأةٍ ما لم ترَ برقاً، وحذَروه من أنّها إذا رأتِ البرقَ فستفارقُهُ عائدةً إلى أهلها، فعليهِ أن يسترها من رؤيةِ البرقِ، فمكثت عنده زماناً حتى ولدت لهُ بنين، فأبصرت ذاتَ يومٍ برقاً فقالت له:

ألزم بنيكَ عمرو إنّــي آبقُ

برقٌ على أرضِ ألسعالي آلقُ¹⁷⁾

وقد كانَ عمرو بن يربوع يخبئ السعلاةَ تحت خيمتهِ، وحين يستشعرُ قربَ حلولِ الوميضِ يغطيها كي لا تراهُ، غير أنهُ لم ينتبه للوميضِ الأخيرِ، فقرّرت ترك عمرو بعدَ أن غشيَ الوميضُ عينيها، فاستحالت طيراً، وغادرت خيمة عمروٍ وهو يردّدُ:

رأى برقاً فأوضعَ فوقَ بكرٍ

فلا بكَ ما أسالَ وما أغاما

وهو بيتٌ لا شعريّةَ فيه، يدلُّ على أنَّ واضعه لم يكن شاعراً، بقدرِ ما كان ذا خيالٍ جامحٍ، علماً أنَّنا أوردنا استشهادَ الفرّاءِ بأبياتِ علباءِ بن أرقم في (الوَتم) كما وردت في كتاب الحيوان للجاحظِ:

يا قبّحَ اللهُ بنـي السَّــعلاةِ

عمروِ بنِ يربوعَ شرارِ الناتِ

ليـــسوا أعفَّاءَ ولا أكياتِ¹⁸⁾

3. مدنٌ أسطوريّة:

 من المدنِ، والأماكنِ التي حفلت بالخيالِ الشعبيِّ عند ياقوت الحمويِّ في معجم البلدان (إرَم ذات العماد) و (عين وبار)، فقد اختلطت فيها الحقائقُ بالأخيلةِ، وإذا كانت إرمُ ذاتُ العماد قد تعرّفها المتلقّون من خلالَ القرانِ الكريمِ في قولهِ تعالى في سورة الفجرِ: (ألمْ ترَ كيفَ فعلَ ربُّكَ بعادٍ، إرَمَ ذاتِ العمادِ، التي لم يُخْلَقْ مِثْلُها في البلاد)¹⁹⁾، فإنّ الإخباريين أشاروا إلى أنّ شدّادَ بنَ عادٍ بنى جنَّةً في الأرضِ، لينافِسَ بها جنّةَ اللهِ (فلمّا قرب شدّادَ من المدينةِ جاءتْه صيحةٌ من السّماِء فماتَ هو وأصحابُهُ أجمعونَ، حتّى لمْ يبقَ منهم مخبرٌ (...) وساختِ المدينةُ في الأرضِ، فلم يدخلْها بعدَ ذلكَ أحدٌ إلا رجلٌ واحدٌ في أيّامِ معاوية َ يُقالُ لهُ عبد الله بن قلابة (...) خرجَ من صنعاءَ في بُغاءِ إبلٍ لهُ ضلّت، فأفضى بهِ السيرُ إلى مدينةٍ صفتها كما ذكرنا. وأخذَ منها شيئاً من بنادقِ المسكِ والكافور، وشيئاً من الياقوتِ، وقصدَ إلى معاوية َبالشامِ، وأخبرهُ بذلك، وأراهُ الجواهرَ والبنادقَ وكانَ قد اصفرَّ، وغيَّرتهُ الأزمنةُ، فأرسلَ معاويةُ إلى كعبِ الأحبارِ وسألهُ عن ذلك فقال: هذهِ إرَمُ ذاتُ العمادِ التي ذكرها الله عزَّ وجلَّ في كتابهِ، بناها شدّادُ بنُ عادٍ (...) وقيل شدادُ بنُ عميلق بنِ عويجِ بنِ عامرٍ بنِ إرَمَ (...) ولا سبيلَ إلى دخولِها، ولا يدخُلُها إلا رجلٌ واحدٌ صفتُهُ كذا، ووصفَ صفةَ عبدِ اللهِ بنِ قلابة.)²⁰⁾

وهم بتحديدِهم أوحديّةِ الرائي يُغلقون على الآخر سبلَ المناقشةِ، ولعلَّ ذكرَ طوفانِها عند العراقيين، وأنها لاتظهرُ إلا لشخصٍ واحدٍ كلَّ أربعينَ عاماً هو الذي جعلَ السيّابَ يراها مدينتَهُ الفاضلةَ، وإن أجرى ذلك على لسانِ جدِّ أبيه:

(ولن أراها بعدُ، إنَّ عمريَ انقضى

وليس يُرجِعُ الزمانُ ما مضى.

سوفَ أراها فيكمُ، فأنتمُ الأريجْ

بعدَ ذبولِ زهرتي. فإنْ رأى إرَمْ

واحدُكم فليطرقِ البابَ ولا ينمْ

إرَمْ ...

في خاطري من ذكرِها ألمْ

حلمُ صبايَ ضاعَ... آه ضاعَ حينَ تمْ

وعمري انقضى .)

4. أما (عينُ وبار) فإنَّ قصَّـتَها وردت عند ياقوت الحمويِّ بروايتينِ، لكنَّهما تؤكّدانِ معاً إلى ما ألمعنا إليهِ من أوحديّةِِ الراوي، وفردانيّتهِ، وبذا فلا سبيلَ غيرَ الانتقالِ من فضائها الجغرافي، إلى الفضاءِ الميثولوجي لتحقيقِ متعةِ الإدهاشِ ليس غير، وإليكم ما أورده الحموي في روايتهِ الأولى حين قال: (...إنَّ رجلاً من أهلِ اليمنِ رأى في إبلهِ ذاتَ يومٍ فحلاً كأنّه كوكبٌ بياضاً، وحُسناً، فأقرَّهُ فيها حتى ضربها. فلمّا ألقحَها ذهبَ ولم يرَهُ، حتى كان في العامِ المقبلِ فإنه جاءَ وقد نتجَ الرجلُ إبلهُ، وتحرّكتْ أولادُهُ فيها، فلم يزلْ فيها حتى ألقحَها، ثمَّ انصرفَ. وفعلَ ذلكَ ثلاثَ سنينَ، فلمّا كانَ في الثالثةِ وأرادَ الانصرافَ هَدَرَ، فاتّبعَهُ سائرُ ولدِهِ، ومضى، فتبِعهُ الرجلُ حتى وصلَ إلى وَبارِ، وصارَ إلى عينٍ عظيمةٍ، وصادفَ حولها إبلاً حوشيّةً، وحميراً، وبقراً، وظباءً، وغير ذلك من الحيواناتِ التي لا تُحصى كثرةً، وبعضُه آنسَ ببعضٍ، ورأى نخلاً كثيرةً حاملاً وغيرَ حاملٍ، والتمرُ ملقىً حولَ النخلِ قديماً وحديثاً، بعضُهُ على بعضٍ، ولم يرَ أحداً(...) فبينما هو واقفٌ يفكِّرُ إذ أتاهُ رجلٌ من الجنِّ فقالَ له: ما وقوفكَ هنا؟. فقصَّ عليهِ قصّةَ الإبلِ، فقال: لو كنتَ فعلتَ ذلك على معرفةٍ لقتلتُك، ولكن اذهبْ، وإياكَ والمعاودة، فإنَّ هذا جملٌ من إبلنا عمدَ إلى أولادهِ فجاء بها، ثمَّ أعطاهُ جملاً وقالَ له: انجُ بنفسكَ وهذا الجملُ لك(...) ثمَّ جاء الرجلُ وحدَّثَ بعضَ ملوكِ كندَةَ بذلك، فسارَ يطلبُ الموضعَ، فأقامَ مدّةً فلم يقدر عليهِ، وكانت العينُ عينَ وَبارِ.)²¹

5. استيلادُ الجنِّ:

عمد الخيالُ الشعبيُّ الخلاقُ إلى استيلادِ شخصيّاتٍ من الجنِّ تلقّفها الناسُ، ثمَّ أشاعوها بينهم، وتداولوا قصصاً عنها، فتلقّفها الإخباريّونَ، ونسبوا بعضها إلى رموزٍ من الرعيلِ الأوّل من المسلمينَ، وأوردوها على أنّها حقائقُ، ومن هذه الشخصيّات المستولدة: (الشقُّ) و(النسناسُ) و(الرِّئيُّ) و (الهاتفُ).

 وقد اختلفت هذهِ الكائناتُ الجنيّةُ الأسطوريّةُ في الأشكالِ، والأفعالِ، فـ (الشِّقُّ) و(النِسناسُ) متشابهانِ شكلاً، مختلفانِ فعلاً، إلا أنّهما بعينٍ واحدةٍ، ورجْـلٍ، ويدٍ، ويتكلّمانِ كالإنسانِ، لكنَّهما يختلفانِ في التكوينِ الانفعاليِّ، فـ الشِّقُ شرّيرٌ لا يظهرُ إلا للسائرِ الضعيفِ المنعزِلِ المنفردِ، فيعتدي عليهِ، ولا يتردّدُ في قتلهِ، بينما النِّسناسُ ضعيفٌ لا قدرةَ لهُ على الدفاعِ عن نفسِهِ حينَ يتعرّضُ لهُ الصيّادونَ، لذلك يقعُ فريسةً بين أيديهم، فيذبحونَهُ، ويشوونَهُ.

 فعنِ الشّقِّ ذكرَ أبو عثمانَ الجاحِظُ في الحيوانِ: (خرجَ في الجاهليّةِ علقمةُ بنُ صفوانٍ بنِ أميَّةَ بنِ محرثِ الكنانيِّ جدِّ مروانَ بنِ الحكمِ، وهو يريدُ مالاً له بمكّةَ، وهو على حمارٍ، وعليهِ إزارٌ ورداءٌ، ومعهُ مِقرعةٌ في ليلةٍ أضحيانةٍ، حتى انتهى إلى موضعٍ يُقالُ له حائطُ حزمان، فإذا هو بِشقٍّ لهُ يدٌ، ورجلٌ، ومعهُ سيفٌ، وهو يقولُ:

علقمُ إنّــي مقتولْ.....وإنَّ لحمـي مأكولْ

أضربهم بالهدلـولْ.....ضربَ غلامٍ شملولْ

رحبَ الذراعِ بهلولْ

فقالَ علقمةُ:

يا شِقَّها مالـي ولكْ؟.....أغمدَ عنّي منصلكْ

تقتُلُ مــن لا يقتُلُكْ!

فقالَ شِقُّ:

عبَّيتُ لكْ عبَّيتُ لكْ.....كيمــا أُتيحَ مقتلَكْ

فاصبر لما قد حُمَّ لكْ

قالَ: فضربَ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَهُ، فخرَّا ميّتينِ، فممَّن قتلتِ الجنُّ علقمَةَ بنَ صفوانٍ هذا، وحربَ بنَ أُميّةَ .) ²²

 وعنِ النِّسناسِ قالَ ياقوتُ الحمويُّ في معجمِ البلدانِ: (وقد ذكرَ بعضُ العربِ قالَ: قدِمتُ الشَّحْرَ، فنزلتُ على رجلٍ من مَهرَةَ، له رياسةٌ، وخطرٌ، فأقمتُ عندَهُ أيَّاماً، فذكرتُ عندَهَ النِّسناسَ، فقالَ: إنّا نصيدُهُ ونأكلُهُ، وهو دابّةٌ لهُ يدٌ واحدةٌ، ورجْـلٌ واحدةٌ، وكذلكَ جميعُ ما فيهِ من الأعضاءِ، فقلتُ لهُ: أنا واللهِ اُحبُّ أنْ أراهُ (...) ثمَّ غدونا بالكلابِ، فصرنا إلى غيضةٍ عظيمةٍ، وذلكَ في آخرِ الليلِ، فإذا واحدٌ يقولُ: يا أبا مجمرْ، إنَّ الصبحَ قد أسفرْ، والليلَ قد أدبرْ، والقنصَ قد حضرْ، فعليك بالوَزرْ (السلاح)، فقالَ له الآخرُ: كلي ولا تراعي، قالَ: فأرسلوا الكلابَ عليهم، فرأيتُ أبا مجمرٍ وقد اعتورَهُ كلبانِ وهو يقولُ:

الويلُ لي ممّا بهِ دهانـي.... دهري من الهمومِ والأحزانِ

قـفـا قليلاً أيهـا الكلبانِ.....وأسمعا قولـي وصدِّقانـي

إنَّكما حيـنَ تحاربانـي.....ألفيتماني خضلاً عنانـي

لو بي شبابي ما ملكتماني.....حتى تموتا أو تخلياني

 قال: فالتقيا عليهِ وأخذاهُ. فلمّا حضرَ غذاءُ الرجلِ، أتوا بأبي مجمرٍ بعد الطعامِ مشوِيّاً .)²³

أمّا (الرِّئيُّ) و (الهاتفُ) فهما جنّيانِ استولدا في بداءةِ البعثةِ النبويّةِ الشريفةِ ليقّدما المساعدةَ لأشخاصٍ محدّدينَ . وإذا كان الرِّئيُّ لا يظهرُ إلا لعليةِ القومِ وسراتِهم، وشعرائهم، ويحتجبُ عن العامّةِ، فإنَّ (الهاتفَ) لا يظهرُ لأحدٍ أبداً، إنّما يسمعونَ صوتَهُ، ولا يبصرونَ هيأتَهُ.

 فعن الرِّئيِّ (شِصار)، وهو رئيُّ خنافر قالَ أبو عليٍّ القالي في الأماليّ: (قالَ خنافرُ: وكانَ رئيِّ في الجاهليّةِ لا يكادُ يتغيَّبُ عنِّي، فلمّا شاع الإسلامُ فقدتُهُ مدّةً طويلةً وساءني ذلك. فبينما أنا ليلةً بذلك الوادي نائماً إذ هوى هويَ العُقابِ، فقال: خنافر، فقلتُ: شِصار؟ فقال: إسمعْ أقلْ، فقلتُ: قُلْ أسمعْ، فقال: (...) إنّكَ سجينٌ موصولٌ، والنصحُ لكَ مبذولٌ (...) رسولٌ من مُضَر، من أهلِ المَدَر، ابتُعِثَ فظهر، فجاءَ بقولٍ بهَر، وأوضحَ نهجاً قد دَثر*، فيهِ مواعظُ لمن اعتبر، ومعاذٌ لمن ازدجر، ألِفَ بالآيِ الكبر، فقلتُ: ومن هذا المبعوثُ من مُضَر؟ قال: أحمدُ خيرُ البشر، فإن آمنتَ أُعطيتَ الشِّبَر*، وإن خالفتَ أُصليتَ سقر. فآمنتُ يا خنافرُ، وأقبلتُ إليكَ أبادرُ، (...) فبتُّ مذعوراً أراعي الصباحَ، فرددتُ الإبِلَ على أربابِها، بحولِها، وسقابِِها، وأقبلتُ أريدُ صنعاءَ، فأصبتُ بها معاذَ بنَ جبل (...) فبايعتُه على الإسلام ...).²⁴⁾

 أما هواتفُ لقمان بن عاد، فقد تعدَّدتْ، فحينَ خرجَ مع الوفدِ للاستسقاءِ طلبَ طولَ العمرِ، وقد ذكرَ أسطورتَهُ وهب بن منبّه في (كتابِ التيجان في ملوك حمير) في الصفحاتِ: 369 ـ 380، ومما جاء فيها: (لما توجّهَ لقمانُ مع الوفدِ (...) اختار طول عُمرِهِ، فكان من دعائهِ حين سألَ طولَ العمر (...):

اللهُ يا رَبَّ البحارِ الخضرِ   والأرضِ ذاتِ النَّبْتِ بعدَ القطرِ

أسألْكَ عمراً فوقَ كلِّ عمرِ

 فنوديَ قد أعطيتَ ما سألتَ، ولا سبيلَ إلى الخلودِ، فاخترْ إنْ شئتَ سبعَ بقراتٍ من ظبياتِ عُفر {أي تعلو بياضها حمرة } فـي جبلٍ وعر، لا يمسُّها قَطر، وإنْ شئتَ بقاءَ سبعةِ أنسُرٍ سحر، كلَّما هلكَ نِسرٌ، أعقبَهُ نِسر. فكان اختيارُهُ بقاءَ النسورِ ...) .

أمّا عن العمرِ الذي بلغهُ لقمان، فإنَّ الخيال الشعبي يحلِّقُ فيه عالياً، فقد جاء في(كتاب التيجان في ملوك حمير) أنَّ عمرهُ بلغَ أكثر من ألفٍ وسبعمئةِ سنةٍ، وأربعٍ وستين، ولعلَّ من الطريفِ هنا أنَّ عبيد بن شريّة الذي يروي قصّةَ لقمانٍ لمعاوية يحاولُ أنْ يفصِّل لمعاوية أنَّ هذا العمر هو مجموعٌ لأعمارِ النسور السبعةِ، فضلاً عن إضافةِ سنواتِ عمرِ لقمان التي عاشها قبل النسور، التي جاوزت الثلاثمئةِ عام، وإليكم ما ذكره وهب بن منبّه تحديداً: (قال معاويةُ: للهِ أنتَ يا عبيد! أخبرني كم كانَ عمره؟ قال: بلغني أنَّ عُمُرَهُ كانَ ألفَ سنةٍ وسبعمئةِ سنةٍ، وأربعاً وستينَ سنةً . قال معاويةُ: فعمرُ النسورِ من ذلكَ كم؟ قال عبيد: إنّي سمعتُ ابنَ عمِّكَ يقولُ: كانَ عمرُ كلِّ نسرٍ مئةَ سنةٍ، وزيدَ لُبد عليها نيِّفاً . وذكرَ غيرُهُ أنَّ أعمارَها كانت مختلفةً (...) كان عمرُ النسورِ التي متِّعَ بِها ألفَ سنةٍ وأربعمئةٍ ونيِّفاً، وكانَ عمر لقمانَ قبلَ النسورِ ثلاثمةً ونيّفاً، وستينَ سنة .)²⁵⁾

 

ا. د. عبد الرضا عليّ

....................

 إحـــالات

 (1) في النقد الأدبي الحديث، منطلقات وتطبيقات، د. فائق مصطفى، ود. عبد الرضا عليّ، 37، جامعة الموصل، 1989م.

(2) فنُّ الشعر، عبد الرحمن بدوي، ط1، دار الثقافة، بيروت 1973.

(3) و(4) ديوان الأساطير، من الاستهلال الذي كتبه أدونيس للكتاب، تنظر الصفحات: 6-9، نقله للعربيّة قاسم الشواف، قدّم له وأشرف عليه أدونيس، ط، دار الساقي، 1996.

(5) ينظر كتابنا: الأسطورة في شعر السيّاب، 13- 19. ط1، دار الشؤون الثقافيّة، بغداد، 1978م.

(6) اللسان (ابن منظور) مادة (أمس).

(7) الأغاني، أبو الفرج الأصبهاني، 11: 104.

(8)  الحيوان، ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ 6: 161، تحقيق عبد السلام هارون، دار الكتاب بيروت، 1969.

(9) اللسان، ابن منظور، مادة غول.(جواد الأرض = البعيدة.)

(10) كتاب التيجان في ملوك حمير، 89، مركز الدراسات والبحوث اليمني، ط1، صنعاء (د.ت).

(11) غرائب وعجائب الجن كما يصوّرها القران والسنّة، القاضي بدر الدين الشبلي، 713- 769، تحقيق و تعليق: ابراهيم محمد الجمل، مكتبة القاهرة، 1983.

(12) سورة النمل، آية 44.

(13) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، وعيون الأقاويل في وجه التأويل، جار الله الزمخشري 3: 370، دار الكتاب العربي، بيروت، (د.ت).

(14) غرائب وعجائب الجنّ، 91.

(15) كتاب التيجان في ملوك حمير، 146.

(16) نفسه، 147.

(17) نوادر أبي زيد، 147، والفصول والغايات، لأبي العلاء المعرّي، 210. بدلالة: عبد المالك مرتاض، الميثولوجيا عند العرب، 118.

(18) ينظر: الهامش الثامن.

(19) سورة الفجر، الآيات: 6-8.

(20) معجم البلدان، ياقوت الحموي 1: 197- 199.، والميثولوجيا عند العرب، عبد الملك مرتاض، 116، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب / الجزائر، 1989، والدار التونسيّة للنشر.

(21) نفسه، 8: 393، والميثولوجيا عند العرب، وعبد الملك مرتاض، 120، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب / الجزائر، 1989، والدار التونسيّة للنشر.

(22) الحيوان، 6: 206- 207، بدلالة (الميثولوجيا عند العرب، عبد الملك مرتاض) 119- 120 المؤسّسة الوطنيّة للكتاب / الجزائر، 1989، والدار التونسيّة للنشر.

(23) معجمُ البلدان، ياقوت الحمويُّ، 5: 240 – 241، بدلالة (الميثولوجيا عند العرب، عبد الملك مرتاض) 126، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب / الجزائر، 1989، والدار التونسيّة للنشر.

(*) دثر= درس، و الشِّبَر = العطيّة.

(24) الأمالي لأبي عليّ القالي، 1: 132 ـ 133، و(الميثولوجيا عند العرب، عبد الملك مرتاض)، 117، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب / الجزائر، 1989، والدار التونسيّة للنشر.

(25) وهب بن منبّه، كتاب التيجان في ملوك حمير، 380.

 

mutham aljanabiأبجدية اللغة وأبجدية الروح الثقافي: إن الحياة كالتاريخ، كلاهما من جذر واحد ألا وهو الصيرورة المحكومة بالوجود والعدم. أما عدم إدراك هذه الحقيقة أو العجز عن إدراك حقيقتها فانه عادة ما يؤدي إلى البحث عن قوة خارجهما للبرهنة على إنهما مجرد أطراف في معادلة الغيب أو الإرادة الإلهية للقضاء والقدر. ومهما يكن من أمر هذه المعادلة العصية على حدود المنطق وقواعده، إلا أن جذورها عاجزة عن سقي المعرفة العلمية كما هي، من هنا رجوعها، حالما تصطدم بقضية يصعب إدراكها بمعايير التاريخ الثقافي، إلى ما قبل بداية الإدراك العلمي لوجود الأشياء والظواهر، اي إلى عالم الأسطورة والخرافة. وهو عالم عظيم من حيث أصوله وجذوره الأولية بمعايير التاريخ الثقافي، لكنه سقيم من حيث أثره حالما يجري تحويله إلى حكمة مقدسة ومصدر للبدائل المستقبلية. اذ لا قدسية في أحداث الماضي ومجرياته وأفكاره، وذلك لانها جميعا مجرد سريان للزمن ما لم يتحول إلى تاريخ.

فالتاريخ هو ليس سريان الزمن في وجود الأشياء، بل هو إبداع المنظومات العقلانية وتنشيطها الدائم في ترتيب وتنظيم وتحسين الوجود الإنساني على مستوى الدولة والمجتمع والجماعة والأفراد. وهو بهذا المعنى ملازم لوجود الأمم الكبرى، تماما كما أن الحضارات الكبرى لا تصنعها إلا أمم ثقافية كبرى.

إن هذا لا يقلل من قيمة الإبداع التاريخي للشعوب والأقوام الصغيرة، إلا أن نتاجها يبقى في نهاية المطاف محصورا وضيّقا، ولا يجد طريقا له في رسم معالم وحدود المسار العام للتطور التاريخي إلا عبر حياة ومعاناة الثقافات الكونية، اي تلك التي أنتجت حضاراتها الكبرى.

فقد ولدت وماتت حضارات قديمة، بينما بقي البعض منها. وما اندثر منها تحلل إلى عناصر منفية أو ذائبة في الثقافة المحلية أو الكونية. وما بقي منها أمسكته أما أبجدية اللغة أو أبجدية الروح والجسد الثقافي أو كليهما. وليس مصادفة أن تبقى خمس ثقافات كبرى هي الوجود الساري لخمس حضارات تاريخية كبرى هي الصينية والهندية واليونانية والرومانية (اللاتينية) والعربية (الإسلامية). كما يمكننا القول بان استمرارها هو الوجه الآخر لاستمرار وانتشار أبجديتها اللغوية والثقافية.

فهي الحضارات التي مازالت أبجديتها اللغوية والثقافية سارية المفعول، بينما اندثر الآخر أو انحصر ضمن حدود ضيقة قومية أو دينية كما هو الحال بالنسبة للأبجدية العبرية والأرمينية والجورجية وأمثالها. وهذا يدخل ضمن الفكرة القائلة بان لكل شعب وقوم ثقافته الخاصة، ويمكن أن يرتقي بعض منها إلى مصاف ما يمكن دعوته بالحضارة الصغيرة، اي تلك التي تتميز بإبداع خاص ومتميز لكنه لم يرتقي إلى مصاف الكونية من حيث الروية والأبعاد والمرجعيات الفكرية والروحية.

فعندما نتأمل ظهور وزوال عشرات الحضارات القديمة، فان أسباب زوالها في الأغلب ثلاثة وهي، أما لانها أولية بمعايير الزمن التاريخي كما هو الحال بالنسبة لحضارات العراق القديم ومصر وفارس، أو لانعزالها النسبي كما هو الحال بالنسبة لحضارة المايا، أو لانها لم تستطع التفتح الكامل لسبب ما من الأسباب كما هو الحال بالنسبة لجميع الأقوام والأمم التي تشكلت ذاتيا بمعايير الدولة والإثنية المتميزة أو حتى الإمبراطوريات الكبرى كما هو الحال بالنسبة للمغول والتتر والسلطنة التركية (العثمانية) والقيصرية الروسية. فالسلطنة العثمانية لم تستطع إبداع حضارة تركية ولا توسيع وتعميق وتحقيق مرجعيات الحضارة الإسلامية. لهذا حالما أرادت بناء ذاتها القومية الحديثة، فإنها وجدت بالانسلاخ عن أبجدية الحضارة الإسلامية والانفصام التام عن تراثها الثقافي الأسلوب الأمثل لذلك. الأمر الذي يشير إلى هشاشة أبجديتها اللغوية والثقافية. وفيهما يكمن سر العجز التاريخي للتحقق الذاتي بهيئة حضارة مستقلة أو التطوير التلقائي للثقافة لإسلامية وحضارتها التاريخية. بينما لم تتفتح الثقافة الروسية عبر إبداع مرجعياتها الثقافية الخاصة بعد أن حرف بطرس الأول مسارها الذاتي صوب بوصلة التقليد الشامل للثقافة الأوربية. وكما لم ينتج الروس أبجديتهم اللغوية، لم ينتجوا أبجديتهم الثقافية التأسيسية. الأمر الذي يفسر اغلب إشكاليات الوعي الذاتي القومي والثقافي الروسي الحالي.

كل ذلك يكشف عما في علاقة الأبجدية بالثقافة من أبعاد عميقة ومؤثرة بالنسبة للحضارة وإشكالاتها، كما يمكن أن تلعب دورا غاية في الأهمية بالنسبة لبلورة الوعي الذاتي القومي بوصفه وعيا صميميا.

فالعلاقة الوجدانية العميقة بأبجدية اللغة الثقافية هي علاقة منطقية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وذلك لانها تصب في مسار منطق الروح الثقافي للأمة. فعندما أثير الجدل حول علاقة اللغة بالمنطق والتي ينقل أبو حيّان التوحيدي بعض حيثياتها في (الإمتاع والمؤانسة) فإننا نعثر فيها على جدل الحرف والعبارة، واللغة ومضمونها، والمنطق المجرد ومنطق الثقافة. وبغض النظر عن اختلاف الروية والمناهج والاستنتاجات بهذا الصدد، إلا أنها كانت تصب في توسيع المعنى الوجداني والمنطقي لعلاقة أهل العلم والمعرفة والأدب (المثقف المبدع) بأبجدية اللغة الثقافية و"رسالتها" المعنوية، اي الأبعاد الفكرية والروحية لما يمكن دعوته بميتافيزيقيا الوجود الثقافي للأمم. وليس مصادفة أن تهتم الثقافة العربية الإسلامية حتى بالحرف بحيث تجعل منه محور اهتمامها الفلسفي  والصوفي، اي المنطقي والروحي كما هو جلي على سبيل المثال عند الفارابي وابن عربي.

إن لهذه القضية مقدماتها الخاصة بالنسبة للثقافة العربية الإسلامية، كما أن لها مرجعياتها المتسامية في برزخ الوعي المنطقي للثقافة الإسلامية نفسها. فقد كانت اللغة العربية الملكية الوحيدة المشتركة بين عرب الجاهلية. وفيها ومن خلالها تراكمت أبجدية شعرهم وشعورهم ومشاعرهم  وأمثالهم وحكمتهم وشعائرهم. وبالتالي لم يكون ظهور القرآن بوصفه قراءة جديدة للوجود أمرا عرضيا أو صدفة طارئة. كما انه ليس مصادفة أن يتحول القرآن إلى  المصدر الجوهري للأبجدية الثقافية والروحية الجديدة للعرب، بحيث أصبح هو مع مرور الزمن لغة العرب المادية والمعنوية، والفكرية والروحية، والطبيعية والماوراطبيعية. فقد أسست اللغة القرآنية لمرجعيات جديدة في الوعي عبر الكلمة والعبارة. اذ جرى استمداد كل شيء منه - القانون والحق والحقيقة والبلاغة وقواعد اللغة وإعرابها وصرفها ونحوها. وما وراء كل ذلك تحول إلى الأصل الجوهري لتحديد الصيرورة التاريخية للفكرة الثقافية الإسلامية ومرجعيات الثقافة ككل. الأمر الذي أعطى لمن استسهل هذه العملية الدرامية المعقدة الاستعجال بالحكم على طابعها "الإلهي" و"الرباني" والبحث فيها عن معجزة الإسلام وإعجازه اللغوي.

أما في الواقع فقد كان هذا الحكم اللغوي لغوا لاهوتيا لا علاقة له بحقيقة العربية وأبجديتها الثقافية التي أرسى الإسلام أسسها الجديدة وبنى مرجعياتها الفكرية والروحية الكبرى. فقد كانت اللغة العربية قبل الإسلام وفِي مجرى انتصاره واستحكامه في كل مفاصل الوجود، الصفة التي أجمعت الثقافة اللاحقة على جعلها صفة العرب الخاصة، اي تميزهم بقوة اللغة والبلاغة والبيان. وضمن هذا السياق يمكن فهم القوة الساحرة في عنوان (البيان والتبيين) للجاحظ. لكن القوة الأشد سحرا لهذه الظاهرة تقوم في بلورة فكرة المعجزة والإعجاز اللغوي للقرآن، اي بلورة الفكرة التي تجمع في ذاتها أبجدية اللغة والروح الثقافي. اذ لا أعجاز حقيقي في الإبداع ولا معجزة يمكنهما العيش والتعايش خارج إطار هذه العلاقة. وبالتالي، فان الإبداع الكبير هو نفي لفكرة المعجزة بحد ذاتها وذلك لأنه يذلل العجز في مجال البحث عن الحق والحقيقة عبر تحقيقهما في الوجود التاريخي للثقافة. حينذاك تصبح "المعجزة" مجازا لحقيقة المعاناة الملازمة لكل إبداع حي.

بينما وجد البعض الآخر في العربية لغة الإنسان الأول والآخر، ولغة مقدسة، ولغة أهل الجنة (والنار؟)، إن كل هذه الصيغ هي مجرد تعبير لاهوتي عن الأبعاد الميتافيزيقية في لغة القرآن. وبما أنها عربية الأصل، من هنا محاولات الربط بينها وبين القدم والأبد كما نعثر عليها في قضايا علم الكلام (قضية قدم القرآن، أو كلام الله) التي أزهقت أرواح وأهانت رجال وسجنت وأبعدت من اعترض وخالف، وقربت من قربت إلى الخليفة المأمون وحكمة الروح العقلي. لقد كان في الموقف منها إفراط وتفريط بمعايير العقل والسياسة، وفيما لو جرى دفعها بنجاح لأربعة أجيال من الخلفاء بعد المأمون، لكان مسار الإسلام والدولة العربية (الخلافة) قد غير مسار التاريخ الفعلي للعالم، ولأصبحت أبجديته اللغوية والثقافية قاطرة كونية. لكن التاريخ لا يعرف لو! غير انه يوضح بأنه لولا هذه الهزيمة لما انهزم عالم الإسلام آنذاك والعرب الآن. فالتلاحم التاريخي بينهما هو تلازم طبيعي وماوراطبيعي سواء جرى النظر إليه بمعايير السياسة أو الثقافة، اي بمعايير الروح والمنطق. فقد كان بإمكان الثقافة أن تنتج عشرات ومئات من شخصيات الكلام كالعّلاف والنظّام والجاحظ والجبائي والقاضي عبد الجبار والكندي والفارابي وابن سينا وابن باجه وابن رشد وابن خلدون وابن عربي. بينما فرخت بأثر الهزيمة حنابلة تنابلة في ميدان العقل، ومقاتلة في ميدان التكفير والتحريم والتجريم للعقل والحريّة والنزعة الإنسانية.

الأمر الذي يكشف عما في هذه القضية من إشكاليات أرهقت الثقافة العربية الإسلامية آنذاك لكنها أزهقت باطل الغلو فيها أيضا كما نعثر عليه على سبيل المثال لا الحصر في كتاب (الخصائص) لابن جني. وهي ذات القضية من حيث الجوهر التي واجهها ويواجهها العالم العربي وثقافته الحالية، بدا من "عصر النهضة" وانتهاء بحالة الانحطاط الحالية. ولكنها لم تعد محصورة بإشكاليات العقل والنقل أو الإيمان والعقل النقدي، بل تعدتها، بأثر التخلف والانحطاط والانقطاع التاريخي للنمو التلقائي للعالم العربي، بأثر اندثار مراكزه السياسية الثقافية، إلى مجال الكينونة الثقافية ذاتها للعالم العربي. بحيث أنتجت ما يمكن دعوته برعيل النقد المقلد، أو ما أطلق عليه عنوان عقلانيات الفطام والانفصام الثقافي الذي نعثر عليها عند اغلب ممثلي "عصر النهضة" والتيارات الدنيوية المختلفة من ليبرالية ووضعية ووجودية وماركسية وكثير غيرها مما أنتجته الثقافة الأوربية الحديثة والمعاصرة.

فقد "ساهمت" هذه التيارات جميعا في سحق ما تبقى من أبجدية الروح الثقافي العربي. ولم يكن نقدها للماضي والحاضر والتراث أكثر من ترديد مسطح للفكر الأوربي النقدي، واستعمال أشد تسطيحا لمناهجه في التحليل والتقييم والمواقف. وعليه أيضا جرى بناء هالة من التقديس لفكر لا تفكير فيه، ولشخصيات لا شخوص فيها وعندها لمعاناة الإبداع الحر بمعايير التجربة الذاتية كما هو جلي على سبيل المثال لا الحصر في كتابات طه حسين وسلام موسى وأمثالهم من "كلاسيكي" الكسل العقلي والخذلان المعرفي والتبجح الساذج بأنانية لا أنا للحق فيها.

بحيث أصبحت الثقافة العربية الحديثة مقبرة تتجول فيها أشباح الثقافة الأوربية وترقص على عظام وحطام إرث هائل لم يدركوا من قيمته الثقافية شيئا، وذلك بسبب كمية ونوعية الاستلاب الثقافي الهائل والذي افرغ شخصياتهم من كل شيء باستثناء الإثارة والاستثارة المميزة لمن دعتهم الثقافة الإسلامية فيما مضى بأهل الرسوم من العلوم، اي ما يعادل الآن معنى أنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين. وهي حالة مخزية ومأساوية بقدر واحد وذلك لما فيها من غرابة تقوم في أن النقاد هم اصل البلية في التقليد!!

وهذا في كله ليس معزولا عن فقدان الارتباط الصميمي بأبجدية الروح الثقافي العربي، الذي جعل زكي الارسوزي يتلوى ويتألم من اجل البحث في حروف العربية ونغمات كلماتها عما ادعوه بأبجدية الروح الثقافي، اي كل ما وضعه في أساس فكرته عن "عبقرية اللغة العربية" بوصفها معاناة حية للفكرة القومية على خلاف شخصيات التقليد المتبجح بالولع المزيف عن "عبقريات" مصطنعة ومفتعلة كما نراها في "الشخصيات العبقرية" التي دبجها محمود عباس العقاد. والفرق بينهما هو ذات الفرق والافتراق بين نزوع فكري ومعاناة حقيقة لإدراك القيمة الحية والمستقبلية لأبجدية اللغة وروحها الثقافي وبين أبجدية اللغو الفارغ!

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر عراقي

 

 

mutham aljanabiتقاليد العقل الثقافي وبدائل الرؤية المستقبلية

لقد اكتشفت الفلسفة في مجرى تطورها عن وجود عقول عديدة وأطلقت عليها أسماء مختلفة مثل العقل الهيولاني والعقل بالقوة والعقل بالفعل والعقل المستفاد والعقل الفعّال والعقل المنفعل وغيرها، كما عممت هذه العقول تحت عنوانين أساسيين وهما العقل النظري والعقل العملي. وجرى إضافة أنواع أخرى عديدة في مجرى التطور التاريخي الثقافي العلمي والمنطقي كما هو جلي في تسميات العقل الحر والعقل النقدي والعقل الديناصوري والعقل القومي(العربي) وكثير غيرها.

إن كل هذا التنوع المتراكم من العقول يشكل محتوى ما أطلق عليه عبارة (العقل الثقافي)، بوصفه عقلا جامعا لنوعية وكمية العقول الفاعلة في حياة الأمم والملازم لطورها التاريخي. وهو ما أطلق عليه أيضا عبارة (منطق الروح الثقافي). وذلك لاختلاف معاني ومضامين ومهمات هذه العقول من حالة تاريخية ثقافية إلى أخرى. اذ لا تتشابه مضامين العقل والعقول عند أرسطو والفارابي على سبيل المثال، رغم تتلمذ الفارابي العقلي والمنطقي على مولفات أرسطو، وذلك لان إبداعه الفلسفي جرى في حالة تاريخية ثقافية أخرى لها مرجعياتها الخاصة. وينطبق هذا على مختلف جوانب الموقف والاستفادة والتوظيف للإبداع الفلسفي الإغريقي في الثقافة الإسلامية. فقد أبعدت الثقافة الإسلامية بقايا الأسطورة وشخصياتها في الفلسفة الإغريقية واستعاضت عنها بالله الواحد، كما أنها اهتمت أساسا بالأبعاد المنطقية الصرف للفلسفة الأرسطية وفلسفة الأخلاق والسياسة، في حين كان اهتمامها منصبا نحو فلسفة الدولة والنظام السياسي عند أفلاطون. وينطبق هذا على كل ما جرى جمعه من أقوال الفلاسفة والحكماء على أنها جزء من حكمة الأمم لتنوير العقل العملي الأخلاقي. والسبب يكمن في أن إبداع الفلاسفة المسلمين جرى ضمن مرحلة أكثر تطورا في المسار التاريخي، واقصد بذلك المرحلة الدينية السياسية. اذ إلى جانب الفلسفة وقبلها، كانت تتراكم الروية الثقافية الإسلامية ومنظومة مرجعياتها الفكرية والروحية، اي منطق روحها الثقافي أو عقلها الثقافي الخاص.

ذلك يعني أن لكل مرحلة تاريخية ثقافية كبرى عقلها الثقافي بحكم هيمنة مرجعياتها الفكرية والروحية الخاصة. فالعقل الثقافي الأوربي القروسطي النصراني يختلف اختلافا كبيرا عن العقل الثقافي الاسلامي رغم إنهما كلاهما نتاج المرحلة الدينية السياسية في التطور التاريخي. وينطبق هذا على كافة المراحل الأخرى وعقولها الثقافية. اذ لا يتشابه العقل الثقافي الأوربي الحديث والعقل الأمريكي والروسي والصيني والهندي، رغم إنهم يمثلون ويتمثلون المرحلة السياسية الاقتصادية في التطور التاريخي، وذلك لان كل منهم أبدع منظومة مرجعياته الفكرية والروحية الكبرى بما يتناسب ويستجيب لكيفية حل إشكاليات وجودهم التاريخي في الانتقال من المرحلة الدينية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية.

وفيما يخص العقل بحد ذاته، فان هناك عقول عديدة ومتنوعة عادة ما يجري حصرها ضمن وحدة العقل النظري والعملي. وهو وصف دقيق للعقل، لكنه محصور بصيغته المنطقية المجردة، ومن ثم هو الأكثر ضرورة للوعي العلمي والبحث في علل الأشياء والظواهر، وتأسيس المناهج. وبالتالي فهو أس وأساس العلم والمعرفة العلمية، وعمود وجودها الثقافي. لكنه لا يكفي ولا يفي بشروط التحليل الملموس والدقيق لتاريخ الأمم الثقافي، وذلك لأنه جزء جوهري من العقل الثقافي وليس بالعكس. لهذا اقّسم العقل إلى عقل منطقي علمي بشقيه النظري والعملي، وآخر ثقافي. والثقافي أوسع من الأول لأنه يحتوي عليه في حال وجوده ويفتقده حال فقدانه.

والعقل الثقافي هو الصيغة التي تستجيب لمرجعيات الثقافة الكبرى وتبدع بمعاييرها ومقاييسها الموافقة لمرحلة تطورها التاريخي. الأمر الذي يشير إلى أن العقل الثقافي هو عقل تاريخي له حدوده الخاصة، ومن ثم لا يحتوي على صيغة مطلقة أو شاملة إلا لحملته فقط، اي انه لا يحتوي على حقائق مطلقة للجميع. والبعد الوحيد الذي يحتوي على قيمة شبه مطلقة وشاملة في العقل الثقافي للأمم هو العقل المنطقي العلمي بوصفه إبداعا إنسانيا عاما، وذلك لأنه يتمثل حقائق الوجود الإنساني كما هي، على خلاف ما غيره من تأثير جلي أو مستتر للمصالح والأهواء والعادات والتقاليد.

فالعقل الثقافي المتراكم في حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للإنسان والجماعة والدولة في المرحلة الثقافية الدينية، كما نراها في تجارب العراق القديم ومصر واليونان وأمثالها، عادة ما يتصف بتعايش الأسطورة والعلم، مثل هندسة الأهرامات في مصر وقيمتها بالنسبة للوجود والخلود، التعدد والسعي للوحدة، والمنطق المجرد والعملي. من هنا اثر الأساطير في وعيها الديني والعلمي على السواء، كما نراه في تعدد الآلهة والمدن (الدولة) والسعي للدولة المركزية والإمبراطورية والإله الواحد أو مجمع الآلهة وفرز الأكثر قوة وهيبة بينها، ومحاولات توظيف إبداعها العلمي المنطقي في مختلف ميادين الوجود الاجتماعي من الدولة ونظامها السياسي حتى دقائق الأخلاق وآداب السلوك والحكمة العملية. وهذه بمجموعها تشكل الأساس والأرضية التاريخية للعقل الثقافي وصيرورة ما ادعوه بمنطق الروح الثقافي للأمم. بينما تختلف أسس ومقومات العقل الثقافي للأمم حالما ترتقي إلى المرحلة الدينية السياسية.

كل ذلك يكشف عن الأثر العميق لتقاليد الماضي الثقافية في بلورة العقل النظري والعملي بما في ذلك في كيفية مواجهة إشكاليات الوجود التاريخي للأمم والبدائل المستقبلية. وعندما ننظر الآن إلى واقع العالم العربي فإننا نقف أمام تشوش هائل في الروية والبدائل. والسبب الجوهري لكل ذلك يقوم في أن الذهنية الثقافية بشقيها النظري والعملي لم تنف تقاليد الماضي بالشكل الذي يستجيب لمتطلبات المعاصرة والمستقبل. من هنا ثقل الماضي وتقاليده الميتة وهيمنتها شبه التامة على عقول الخواص والعوام. وهذا باجمعه النتاج الملازم لكون العالم العربي والإسلامي عموما ما زالا في حالة الانتقال من المرحلة الدينية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية. من هنا الأثر الحاسم للأفكار والعقائد القديمة في النظر إلى الحاضر والمستقبل.

فالفكر العربي المعاصر لا يستمد مقوماته من النقد المنظومي والتاريخي للواقع، كما يفتقد إلى استمداد رؤيته النقدية والواقعية من المستقبل تجاه إشكاليات الحاضر والمعاصرة. انه ليس معاصرا وليس مستقبليا، من هنا ثقل الأفكار والعقائد القديمة. وينطبق هذا الحكم على الأفكار الدينية والدنيوية المنتشرة في العالم العربي الحديث على السواء. مع أن إحدى بديهيات الروية المنطقية للتاريخ الثقافي للأمم تقول، بان تجارب الماضي جزء من الماضي وأنها لا تلزمنا بشي غير شعور الانتماء والتأمل الحر، اللذين ينبغي أن يتغذيا من رحيق التيارات الأكثر عقلانية وواقعية وإنسانية لكي يجري دفع عجلة الانتماء نفسها صوب المسار التلقائي للإبداع.

فالمسار التلقائي للإبداع النظري والعملي للأمم هو العصب الأكثر حيوية في معاناتها لحل إشكاليات وجودها الطبيعي والماوراطبيعي. ذلك يعني انه مسار معاصر على الدوام، اي نفي دائم لوجودها الذاتي بوصفها تجارب واقعية وعقلية للحلول والبدائل، اي تحقيق دائم لفكرة الاحتمال العقلاني. الأمر الذي يجعل من الماضي وتجاربه، بما في ذلك أكثرها قوة وحيوية وعظمة ومنطقية وعلمية، قوة إضافية فقط في حال النظر إليها وتوظيفها ضمن سياق المرجعيات الضرورية للمرحلة التاريخية الثقافية التي تمر بها الأمم. وليس أخذها كما هي.

اذ لا تستطيع أية منظومة فكرية قديمة العمل بمعايير المعاصرة. إن قيمتها الفكرية تكمن فقط في قدرتها على شحذ وتوسيع الرؤية الثقافية للعقل النظري. بينما الإقرار بهذا النمط من التفكير يؤدي بالضرورة إلى تقديس الفكرة وعصمتها، ومن ثم تحجير التفكر وإيقافه عند حدود العتبات المقدسة لتجارب تاريخية عابرة. انه مجرد سحب مبتذل للعبارة والفكرة القائلة، على سبيل المثال، بان الإسلام صالح لكل مكان وزمان. فهناك فرق بين أصول الفكرة النظرية ومظاهرها التاريخية. اذ لا يمكن لأية نظرية إسلامية ظهرت أو تظهر على مسرح التاريخ العربي أن تكون رديفا للفكرة الإسلامية الأولى. وأفضلها يمكنه أن يتمثل روحها التاريخي أو الثقافي، ولكن ضمن مرجعيات الإسلام الخاصة. أما محاولة جعل هذا التمثل بديلا عصريا، كما نراه على سبيل المثال في كتابات حسن حنفي، فانه يبقى توليفا هجينا سرعان ما ينهار أمام الحركة الواقعية والفعلية في تاريخ الأمم. فالثياب الجميلة والمتينة لا يمكن صنعها من أقمشة مختلفة الألوان والنوعية. وبالتالي لا معنى لجمع حسنات وفضائل مختلف الفرق والتيارات الإسلامية وتوحيدها في بديل يعتقد بواقعيته كما هو الحال في أيديولوجية اليسار الاسلامي عند حسن حنفي. بحيث يتعايش المعتزلي والأشعري والحنبلي والظاهري والباطني وابن رشد وابن خلدون وابن تيمية وعبد الناصر وماركس وغيرهم في كل واحد. بعبارة أخرى، إن العبارة الفكرية القائلة بان الإسلام صالح لكل زمان ومكان تبقى سليمة ضمن المرحلة الدينية السياسية في تاريخ الأمم. بينما تتحول في حال استلهامها كما هي في مرحلة الانتقال صوب المرحلة السياسية الاقتصادية إلى عقبة عقلية أمام العقل في اكتشاف البدائل بمعايير الاحتمال العقلاني والرؤية المستقبلية.

من هنا عقم الجدل الفكري والبحث النظري الذي يميز محاولات البحث عن نماذج فضلى في الماضي وجعلها نموذجا يتماهى مع الحقيقة والمستقبل، مثل البحث في المعتزلة عن أساس ومصدر للعقلانية العربية الحديثة، أو النظر إلى ابن خلدون كمصدر لفلسفة التاريخ العربية واستنتاجاتها السياسية المختلفة، أو جعل الأشعرية عقيدة الإسلام المثلى، كما حاول الأزهر قبل فترة في حدّه لمعنى وحقيقة أهل السنة والجماعة مع إضافة تصوف الجنيد البغدادي وما إلى ذلك. أما في الواقع، فان محاولة جعل الأشعرية الممثل الحقيقي والوحيد للإسلام والسنة فهي خرافة أيديولوجية. فالاشعرية فرع مشوه للمعتزلة، أو نكوص عنها. وكلاهما جزء من تاريخ الفكر والثقافة. بينما الجنيد هو احد النماذج الرفيعة والعميقة والأصيلة للتجربة الصوفية. ومن ثم لا معنى لإدراجه ضمن مفاهيم ومعايير الفرق والمذاهب. فالتصوف الأصيل خارج هذه الاعتبارات جميعا. انه يتمثل حقائق المطلق والروح المتسامي بمعايير الذوق الاسلامي.

في حين أن فكرة أهل السنة والجماعة، من حيث أصولها التاريخية هي فكرة أموية، اي أيديولوجية سياسية، الجوهري فيها هو الامتثال للسلطان والقبول بالواقع. وليس مصادفة أن تتمسك بها السلطة العباسية رغم إبادتها الجسدية للأمويين. فقد أباد العباسيون بني أمية وابقوا على الأموية السياسية، رغم اعتمادهم على الشيعة واستغلال فكرة التشيع العراقي في مساعيهم للوصول إلى السلطة. بحيث نعثر على صدى ذلك في شعر من تمنى ظلم بني أمية ولا عدل بني العباس.

مما سبق نتوصل إلى استنتاج يقول، بان أية محاولة تسعى لاستمداد مشاريع المستقبل من الماضي محكوم عليها بالفشل. وذلك لانها تودي إلى انهماك نظري وعملي فيما لا فائدة فيه. كما انه أسلوب لا يفرق بين تحويل التراث الفكري القديم إلى عنصر من عناصر وعي الذات الثقافي، وبين جعله مصدرا للبدائل العقلانية الحديثة. فالأول هو جزء من تمثل الماضي، بينما الثاني هو تأسيس للبدائل، والذي لا يمكن بلوغه إلا عبر معاناة حية ومعاصرة في استلهام الروية المستقبلية.

وإذا كانت بعض أنماط تمثل الماضي بوصفه أسلوبا لتأسيس البدائل المستقبلية، تحتوي رغم ضعفها المنهجي، على قيمة فكرية وعقلانية وإنسانية، فان القبول بها يسمح بقبول أنماط أخرى مثل الرجوع إلى مختلف السلفيات والحنبليات الإسلامية بما في ذلك أكثرها تخريبها وتدميرا للعقل والضمير والرؤية الاجتماعية والقومية والإنسانية كما هو الحال في الرجوع إلى ابن تيمية وأمثاله بوصفه ممثل الإسلام الحق! في حين تكشف التجربة التاريخية السياسية وتبرهن على أن هذا النمط من التفكير والعمل لا ينتج غير أشكال وأنماط مختلفة من الهمجية، ومع كل سقوط لأكثرها تشددا، بوصفه أمرا حتميا، يظهر ما هو أقبح منها. ومن الممكن روية ذلك على مثال ظهور وتدهور وانحطاط هذا النمط في الرؤية العقائدية والسلوك السياسي من همجية إلى أخرى اعنف وأرذل منها كما هو جلي بانحدار القاعدة صوب طالبان ومنها إلى داعش. وهو حضيض لن ينتهي ما لم يجر تذليل هذه الذهنية البدائية للموقف من التراث والأسلاف بحد ذاتها. وهذا بدوره لن يحدث ما لم يجر تذليل مقومات المرحلة الدينية السياسية في العالم العربي عبر تذليل فكرة الأصول الدينية وأصولها المهيمنة في الوجود والوعي الاجتماعي.

 

ا. د. ميثم الجنابي - مفكر عراقي

 

 

mutham aljanabiتقديم مختصر: إنني أتناول هنا بعض الإشكاليات النموذجية لفكرة وتاريخ الحضارة بشكل عام والإسلامية بشكل خاص، لما لها من اثر هائل بالنسبة للحاضر والمستقبل العربي. لهذا وضعتها تحت عنوان تأملات لكي تتناسق مع أسلوب وشكل العرض والتناول. أما الدراسة المنظمة والعلمية والفلسفية العميقة فقد خططت لها منذ عقود لكنني لم استطع لحد الآن إنجازها. فقد كانت خطة البحث تتكون من ثلاثة أقسام، ويحتوي كل قسم على ثلاثة كتب. القسم الأول ويتناول فلسفة الحضارة الإسلامية، الذي لم أنجز لحد الآن منه سوى الكتاب الأول (الحضارة الإسلامية- روح الاعتدال واليقين)، والقسم الثاني ويتناول الروح الثقافي للحضارة الإسلامية، الذي لم أنجز منه سوى الكتاب الأول (الأشباح والأرواح- تجارب المثقفين والسلطة)، وبعض من الكتاب الثالث (الحضارة الإسلامية- إمبراطورية ثقافة)، أما القسم الثالث والأخير فيتناول تاريخ الفكر والثقافة الإسلامية، الذي لم أنجز منه سوى بعض من الكتاب الأول. وجميع هذه الكتب ترتبط بكتابي التأسيسي (فلسفة البدائل الثقافية). وهذا بدوره يتكون من ثلاثة كتب، أنجزت الصيغة الأولية المختصرة للكتاب الأول والثاني، مع خمس كتب منجزة تسلط الضوء على ما وضعته بصورة مكثفة جدا فيه، وهي (فلسفة الإصلاحية الإسلامية الحديثة)، (العقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث)، (فلسفة الفكرة القومية)، (الفكرة السياسية الإسلامية)، (محمد رسول الإرادة).

 كل ذلك ينبع من تصوري ورؤيتي الفلسفية الثقافية عن التاريخ وإشكاليات الوجود التاريخي للأمم، وفي الحالة المعنية، تاريخ الأمة العربية التي مازالت تعاني من تفكك وانحطاط وعجز على تجاوز وتذليل ضعفها الذاتي من اجل الانتقال إلى المرحلة السياسية الاقتصادية في بناء الدولة والمجتمع والثقافة والأمة.

***

موت الحضارة وبقاء الثقافة

تندثر الحضارات وتموت ولكنها تبقى "حية" في تراث الأمم، أو تظل تسري بطرق وأشكال ومستويات يصعب حصرها، لكنها تبقى تحدد على الأقل نفسية وذهنية أقوامها حتى في تلك الحالات التي يجري نفي بقاياها بمنظومة حضارية جديدة وشاملة. ومن الممكن رؤية ذلك على مثال تراث الرافدين (العراق والشام)، وتراث مصر وفارس واليونان والرومان، اي تلك الحالات التي ميزت تطورها اللاحق بانقطاع كبير عن جذورها الأولية بسبب انتقالها الخاص من المرحلة الثقافية الدينية إلى المرحلة الدينية السياسية. ومع ذلك يمكننا أن نلمح ونرى بوضوح بقايا الشخصية العراقية السورية والمصرية والفارسية واليونانية والرومانية في مختلف جوانب الحياة ونمط الذهنية والنفسية الفردية والاجتماعية. ومن ثم أثرها الخاص في تاريخ الثقافة اللاحقة، وفِي الحالة المعنية أثرها في صيرورة وتطور الثقافة الإسلامية في الخلافة، والنصرانية القروسطية في أوربا.

ففي حالة الحضارة الأوربية النصرانية القروسطية، يمكنا رؤية اثر اليونان الفلسفي في بلورة عقائد النصرانية الأولي كما هو جلي في المدرسة الإسكندرانية، ولاحقا تحول اللغة اليونانية إلى حاوية "الكتاب المقدس" للنصرانية، ثم تحول الفلاسفة إلى كهنوت، والفلسفة إلى لاهوت. في حين تحولت روما من مدينة العالم الدنيوية إلى كنيسة العالم الدينية. 

في حين كان التأثير العراقي الشامي في بلورة التقاليد الثقافية والسياسية والروحية للإسلام هائلا للدرجة التي يمكننا القول معها، بأنه لولاهما لما تحول الإسلام إلى دين عالمي، وثقافته إلى ثقافة كونية. اذ لولا العراق والشام لبقي الإسلام محصورا في الجزيرة ثم تلاشى واندثر، وفي أفضل الأحوال تحول إلى دين محلي قومي أو قبلي أو جهوي. وينطبق هذا على اثر الثقافة الإيرانية القديمة في رفد الإسلام بنفح التقاليد العقلانية والأخلاقية في مختلف ميادين الثقافة الإسلامية.

وقد توصلت الثقافة الإسلامية نفسها في مجرى تطورها إلى إدراك هذه الحقيقة، بل وتحويلها إلى فضيلة. بمعنى إدراك خصوصية الأقوام في عالم الإسلام، واعتبار تنوعها رافدا حيويا بالنسبة له، أو ما ندعوه الآن بفضيلة التنوع والتعدد الثقافي. غير أنها اتخذت في عالم الإسلام الثقافي بعدين، الأول ويصب في مسار الوحدة الثقافية الكبرى ويغني مرجعياتها الثقافية المتسامية، والثاني في إبراز الفضيلة المتراكمة في الشخصية التاريخية والثقافية للأقوام والأمم. من هنا تنوع تصنيفها الذي حصل على إجماع شبه تام في علوم التاريخ والأقوام والملل والنحل (تاريخ الأديان والفلسفات). بحيث نرى الثقافة تجمع على أن ما يميز العرب هو البلاغة والبيان، والفرس فن السياسة والأدب، واليونان والرومان الفلسفة والعلوم، والصين بالصناعة والمهارة، والهند بعجائب العقل والشعوذة، والأتراك بالفروسية والقتال. وتراكمت أوصاف الأمم والأقوام الأخرى مع مجرى التطور والاحتكاك بها وامتلاك المعارف الدقيقة عنها، بحيث نراها تتدقق في تحديد الصفات الجوهرية للأقوام والشعوب مثل قولها بتميز أهل الشام بصدق اللسان، وأهل العراق بحذاقة العقل وقوة الوجدان، وأهل مصر بالنكتة والفكاهة، والسودان بالخفة والسذاجة، والأكراد بالبلادة والغباء!

لقد كانت هذه الأوصاف جزء من مزاج وذوق الثقافة آنذاك ومستوى نموها، الذي جعلها مستعدة للقول بذلك دون أن تعني به استكبار قوم على آخر ولا استحقار احدهم أمام الآخرين. وهي تصورات وأحكام تتوافق مع تطور الوعي الثقافي في موقفه من النفس والآخرين، وبما يستجيب لنوعية المبادئ المتسامية أو منظومة المرجعيات الثقافية المهيمنة. فالثقافة الإسلامية آنذاك كانت محكومة بمرجعيات ثقافية متسامية، وبالتالي فان توصيفها هنا لا يخرج عن هذا الإطار باعتباره حكما ثقافيا قابلا للتغير والتبدل لكنه يحتوي بالقدر نفسه على تعميم للوقائع وتخصيص للحقائق. فقد تغيرت النسب الثقافية وأوصافها المعروضة أعلاه لكن بقاياها جلية أيضا لحد ما أو بعض منها في شخصيات الأمم والأقوام التي جرى تداولها في التوصيف والتعميم حتى الآن!

ومن الممكن رؤية نموذج آخر لهذه الحالة على مثال الثقافة الأوربية الحديثة. فالثقافة الأوربية الصاعدة بدء من القرن السادس عشر حتى العشرين قد أنتجت توصيفها المتنوع للأقوام والأمم بما كان يتوافق مع قيم ومبادئ المراحل المفصلية في طور وجودها السياسي الاقتصادي، اي بما يستجيب لنوعية المبادئ الكبرى أو منظومة المرجعيات الثقافية المهيمنة، التي أعطت للعقل والمصالح أولوية على كل شيء آخر، مع ما ترتب عليه من استعداد لقبول كل ما يستجيب لهذه المصالح على أنها أشياء وأمور معقولة ومقبولة. وقد كانت تلك وما تزال صيرورة معقدة ومتناقضة ولكنها طبيعية بالنسبة للمرحلة السياسية الاقتصادية في تطور الأمم. وذلك لان المهيمن فيها هو البحث والتجريب وفكرة الاحتمال. وهذه كلها دهاليز في البداية قبل أن تتبلط لاحقا بطرق لها حدودها العقلانية والإنسانية أيضا. ومن الممكن رؤيتها فيما أنا بصدده من قضية توصيف الشعوب والأقوام والأمم والثقافات والحضارات. اذ نرى دهاليزها في النظريات العرقية والقومية والعنصرية، وتقسيم الأمم حسب الألوان واللغات والأشكال والأحجام وما شابه ذلك. إضافة إلى هيمنة فكرة الاستعلاء والتحقير في المراحل المتأزمة لنفسية وذهنية المركزية الأوربية. ثم تطورها المعاصر، بعد قرون من معاناة ثقافية واجتماعية هائلة، وحروب دينية وقومية وعالمية دموية وقاسية، إلى نظريات إنسانية وحقوقية هي الأكثر رقيا، رغم كثرة المآخذ عليها. وهو مسار يعكس تحول الجواهر إلى أعراض، ثم زوالهما بنفيهما بما هو أرقى. انه مسار التاريخ الفعلي والطبيعة. 

إن هذا الاستعراض السريع والمكثف يكشف عما في قضية التأثير الثقافي للماضي والأسلاف والموقف منه من أهمية عملية قصوى بالنسبة لوعي الذات الثقافي والقومي والتاريخي وفكرة البدائل المستقبلية. اذ أن إدراك الحالة الخاصة والمتميزة للأمم والأقوام حتى في حال انتمائها إلى قومية كبرى أو أمة كبرى يحتوي على أبعاد عملية وسياسية بما في ذلك بالنسبة للمعاصرة. فعلى سبيل المثال، يستحيل توحيد العالم الاسلامي الآن على مبادئ الإسلام القديمة ونماذج الخلافة وإمبراطورياتها. فمشروع العثمانية الجديدة على سبيل المثال، لا يقل خرافة عن "دولة الخرافة" الداعشية! وينطبق هذا على اي مشروع آخر لا يخرج عن مرجعيات الماضي أيا كان نوعها وشكلها. والشيء نفسه يمكن قوله عن وحدة العالم العربي المعاصر. فالتفكيك الطويل والعميق في مناطقه الثقافية يجعل من الصعب توحيده دفعة واحدة، من هنا طوباوية وخطورة الحركات القومية الراديكالية وخطورة برامجها العملية. وليس مصادفة أن يتعرض جميعها للفشل الشنيع.

اذ يحتوي العالم العربي حسب نظري على أربع مناطق ثقافية متميزة هي منطقة المشرق العربي، ومنطقة شبه الجزيرة العربية، ومنطقة مصر والسودان، ومنطقة المغرب الكبير، إضافة إلى منطقة خامسة محتملة تحتوي على الصومال وجزر القمر وجيبوتي ومناطق أخرى قابلة للانضمام إلى العالم العربي مع مجرى الزمن. وبالتالي فان توحيده يفترض في بداية الأمر تكامل هذه المناطق على أسس ومبادئ الفكرة السياسية الاقتصادية الحديثة في بناء الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة. وتكامل هذه المناطق يفترض تكامل الدول الحالية للعالم العربي كل لحالها بما يتطابق مع مرجعيات الفكرة السياسية الاقتصادية المشار إليها أعلاه. ولعل انطون سعادة هو أول من حدس هذه الفكرة في العالم العربي الحديث دون أن يؤسس لها بصيغة منطقية متجانسة. من هنا إساءة فهم ما كان يسعى إليه وتكالب مختلف القوى على قتله، رغم فضيلته الأسمى على كل من سواه آنذاك فيما يتعلق برؤيته العقلية والوجدانية للفكرة القومية العربية. 

ميثم الجنابي

 

 

mohamadtaqi jonيبقى القرآن بلا تفسير أكثر حرية وإنصافاً، كأني أراه وهو ضمن تفسير مسجوناً بالآراء والأهواء، وحين أراه بلا تفسير أراه طليقاً يتنفس الراحة والحقيقة.

 لقد ساد القول بإباحة زواج الرجل من امرأتين وثلاث وأربع في الإسلام باعتيادية تامة، حتى صار الإسلام (دين تعدد الزوجات). وصار كل رجل تسمح له ظروفه يتزوج على زوجته، فإذا اعترض عليه أحد قال: الله يدعو إلى ذلك، ويقرأ قوله (تعالى): (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ْ(النساء: 3)). وقد سمح ذلك للطبيعة الشهوانية بالاستفحال والظهور، وكاد يصبح الزواج المتعدد هو القاعدة على الرغم من رفضه من قبل واقع الاسرة، وطبيعة المرأة.

إنَّ عدم الشرح الدقيق لآية التعدد هو وراء سيادة هذا المفهوم عن الإسلام، وتنشيط شهوانية الرجل، والقلق النسائي الدائم، وتشتت العوائل. وان قراءة الآية أو فكرتها تامة سيظهر مقدار الغبن، وسوء الفهم، والتمادي في الخطأ. وطبعاً فكرتها تتم مع الآية السابقة عليها. والآيتان هما:

(وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا* وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ (النساء: 2- 3)).

ويتضح بالقراءة العميقة الآتي:

1- الآيتان تتكلمان عن حقوق اليتامى وحفظها بالشكل الأمثل. فالأولى تحذر من أكل حقوقهم وتدعو إلى إعطائها وافية لهم مقابل الأجر لقول الرسول (ص) (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين = إصبعيه). وتأتي آية التعدد لتقترح طريقة أضمن لحفظ تلك الحقوق لليتامى، (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى) أي خفتم ألا تعدلوا في منح حقوقهم  (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء (الأرامل) لتكون صلة قوية بهم ويتحقق إشراف مباشر من الكافل لليتامى. وليس صحيحاً ما ذهب إليه بعض المفسرين بأن آية التعدد خرجت من موضوع اليتامى الخاص إلى العموم فسمحت بالزواج المتعدد، لأن الكلام متعلق باليتامى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ).

2- سمحت الآية بالزواج إلى حد أربع أرامل، ولولا ضعف الطبيعة الإنسانية عن العدالة لكان الرقم مفتوحاً، لأنَّ هذا الزواج ليس المطلوب منه المتعة بل الأجر.

3- إذا خاف الكافل ألا بعدل بين (زوجته الأصلية) وبين الأرامل إذا صرن اثنتين وثلاثاً وأربعاً، فيكتفي بواحدة تصير نظيرة لزوجته. وإذا لم يعدل بينهما لأي سبب كان فلا يتزوج حتى واحدة. وقد أوضح جل جلاله عدم قدرة الرجال على العدل حتى بين اثنتين في قوله (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ (النساء: 129)). ويذكر صاحب تفسير الجلالين أن المسلمين كانوا يتزوجون العشر أو الثمان من الأزواج (الأرامل) ولا يعدلون بينهن، فلما نزلت هذه الآية تحرّجوا من ولاية اليتامى واقتصروا على أربع.

 نخرج من ذلك بأن الزواج المثالي (القياسي) الذي يطرحه الله (تعالى) في القرآن والذي يمثل رأي الإسلام هو الزواج من امرأة واحدة فقط. وهذا الزواج هو المبني على المودة ويؤسس لمبدأ الحب والخير، وعليه يبنى كل مظاهر وظواهر الحب والخير التي تتجلى بصناعة مجتمع متماسك ومدينة فاضلة بكل التفاصيل، وهو معني قوله (تعالى): (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً (الروم: 21)).

 ويؤكد القرآن بما لا يقبل الشك الزوجة الواحدة في الآية (4) من سورة الأحزاب، فذكر أن ثلاثة أمور (لم يجعلها) أي لم يقرها هي: (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ) (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ). ومعنى الآية أن الله لم يجعل بمقدور الرجل أن يحب ويقدم زواجاً صحيحا إلا مع امرأة واحدة، وهو الزواج المثالي في الإسلام لذا يقول الله في تمام الآية (ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ).

 وواقعاً، لا يمكن للمرأة التي يتزوج عليها زوجها أن تحبه إلا ظاهراً قسرياً، أو تكون مغلوبة على أمرها، وفي دواخلها  تبغضه وتنقم عليه، وإذا امتلكت الجرأة وساعدتها الظروف في يوم ستعلن ذلك البغض المقدس. ولا يمكن لزوجها وقد اختار امرأة جديدة أن يحبها، فسيحول وده إلى الجديدة. وهذا الزواج الجديد سيشطر العائلة إلى شطرين مهما حاول الرجل حالماً أن يوحدها. والاولاد من أم واحدة وآباء مختلفين أقوى أخوَّة من الأولاد من أب واحد وأمهات مختلفات، والعرب تسميهم (أخوة علات) بمعنى ليسوا أخوة خالصين.

إذن الزواج يجب أن يكون في الظروف الطبيعية من امرأة واحدة فقط وهو (الزواج القاعدي) الذي يدعو اليه الله. أما الزواج من أكثر فهو استثنائي، إما بالزواج من الأرامل لكفالة الأيتام، أو اضطراري بسبب عدم إنجاب الزوجة أم لمرض يمنع التواصل، أو لسبب قاهر. وقد ارتضاه الله كرهاً للطلاق، فيتزوج الرجل زواجاً ثانياً ويبقي الأولى إذا أرادت البقاء.

وعليه يجب على الرجل أن يجيد اختيار الزوجة ليعيش معها العمر كله بلا أدنى رغبة في استبدالها أو إضافة أخرى عليها، وهذا الزواج يكون وعداً بالحب الدائم، وحبذا لو ذكر ذلك بصيغة عقد الزواج فما يذكرونه في عقود الزواج اشبه بعقود البيع (هل تقبلين الزواج من فلان بمهر قدره....) وليس في العقد طلب بالحب والحفاظ على الحياة الزوجية والتفاني من اجلها. بينما يوجد هذا في عقد الزواج المسيحي.

فإذا قال لك أحدهم: إن الله يقول (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ)، فقال له: إنَّ الله يقول: (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ).  

 

أ.د محمد تقي جون

 

 

بما إننا في صلب عملية النقد للعقل الإسلامي، فالواجب يقتضي التمهيد لذلك بوصف وتعريف وموقف من رواة الأخبار، وهذه القضية من الأهمية بمكان، لأنها ستدلنا على أشياء متعلقة في صناعة الخبر وفي تقديمه للناس، وهذا يعني التعرف على الطبيعة وعلى الجو الذي كُتبت فيها الأخبار كذلك نتعرف على هوية هؤلاء الرواة، وحين نتعرف على كل ذلك ونعرفه عن قرب ستتكشف لدينا حقايق وأمور وأحكام في التاريخ والفقه والأصول وغيرها لم تكن واضحة أو ملتبسة لدينا، ومن هنا سنولي هذه المسألة عناية خاصة، لما لها من علاقة خاصة في نوعية الأخبار وطبيعتها وأثرها اللاحق على مجمل الأصول والفروع التي يُستنبط منها و من أجلها، ومن هنا برزت الحاجة للتخصص في هذا الجانب لدى الأقدمين وحتى لدى المتأخرين،

ونعرفه عن قرب ستتكشف لدينا حقايق وأمور وأحكام في التاريخ والفقه والأصول وغيرها لم تكن واضحة أو ملتبسة لدينا، ومن هنا سنولي هذه المسألة عناية خاصة، لما لها من علاقة خاصة في نوعية الأخبار وطبيعتها وأثرها اللاحق على مجمل الأصول والفروع التي يُستنبط منها و من أجلها، ومن هنا برزت الحاجة للتخصص في هذا الجانب لدى الأقدمين وحتى لدى المتأخرين، وفي هذا المجال أفردت لذلك المؤلفات والكتب التي تعتني وبشكل رئيسي بهذه الناحية، ومن هنا نشأ في الفكر الإسلامي علم أطلق عليه علم الرجال وعلم الدراية، والحق أن لهذا الأمر أعني تصنيف الرجال والحكم عليهم حساس جداً ومثير جداً، ولذا ومن أجل ذلك أميل أنا للاحتياط في هذه الشأنية [أعني تصنيف الرجال والحكم عليهم]، والسبب في العادة إن كثيراً من المواقف يتحكم فيها الفاعل السياسي والبيئي والمادي، وهذا ما يجعل من صناعة الأخبار أسيرة لهذا الفاعل، مما يجعل من منتجاتهم تأتي بحسب المقاسات التي يريدها و في الموضوعات والمسائل التي ينتخبها .

لذلك تبدو الحاجة إلى معرفة رواة الأخبار ضرورية لأنها ستحدد، نوعية الأخبار، ولماذا قيلت؟ وكيف أتت؟، ولأن مشروعنا هذا يستهدف نقد العقل، إذن فنحن بحاجة ماسة للتعريف بهؤلاء من جهة، والتعريف بالمادة التي يقدمونها من جهة ثانية، وهذا التعريف لازم للتمييز بين مادتي الخطأ والصواب والحق والباطل فيما نحن بصدده، والتمييز الذي نقصده هو ذلك التفريق في الأحكام على أساس المادة والعلم، وبالتالي فنحن لا ننطلق من عاطفة أو إستجابة لأمر ما أو إنسجاما مع مرحلة ما أو دورة حياة ما، بل هو نقد موضوعي أساسه ومادته الكتاب المجيد، وفي هذا المجال نحن ملتزمون بالقول المأثور: - [خذ ما وافق كتاب الله ورد كل ما خالفه]، هذه هي الضابطة أو هذا هو الميزان والمقياس الذي على أساسه نحكم على صحة الخبر أو خطئه، وإذا إلتزمنا بهذه القاعدة فسوف نتجنب ذلك الخلط والتشابك والإرباك السائد في المدرسة الإسلامية، وكلامنا هذا نُحيل له من أراد مراجعة قواعد إستنباط الأحكام الشرعية والعقيدية، التي ما أنفكت تحذو حذو ــ القذًة بالقذًة ــ مما جعل من منتجاتها لا تستجيب لما هو ضاغط وحاضر .

وبما إننا نعتمد التمييز المعرفي في محاكماتنا، لذلك ترآنا نقيس أشيائنا على العلوم الأكثر ضبطاً ومنها علم الرياضيات، طبعاً نريد هنا من لفظ - ضبط - يعني موازنة التي لا يدخل في بابها الظن ولا التوارد ولا الترادف، ولك أن تقول هي إذن عبارة عن مفاهيم ومصاديق، ذات دلالات مُحكمة وغير مُتشابهة حتى لا يحدث الزيغ المنهي عنه في كتاب الله، فإذا كان ذلك كذلك ـــ يعني النص ــ تأتي قضية السلوك والتعبير عنه كحكم ثانوي تابع للحكم الاولي

أصحاب الإجماع

هو مصطلح رجالي مُركب من لفظين [أصحابُ + إجماع]، وأصحابُ هو جمع صُحبه (وهم جماعة الرجل ورفاقه) واللفظ في أصله مصدر، حين يأتي مُنكراً يدل على الإستغراق والعموم، وأما لفظ إجماع فهو مصدر رباعي من أجمع، وله معنيان:

الأول: - يدل على العزم - .

والثاني: - يدل على الإتفاق - .

وبين المعنيين تفاوت وإختلاف من جهة في التصور، فالإجماع حين يدل على العزم يصح من الواحد، ولكنه لا يصح من الواحد في الإتفاق، وعرفه أبن بابشاذ: - هو إتفاق أهل كل علم على ما أجمعوا عليه -، وبناءا على ذلك يكون معنى - [أصحاب الإجماع] بحسب هذه التعاريف هم الجماعة الذين أتفقوا على أمر معين، وصار إتفاقهم حجة على غيرهم وعلى التابعين لهم !!، وهذا القيد جعلنا نبحث في أصل المصطلح وفصله ومن أين أتى ولماذا؟؟،

وفي الجواب نقول: - إن أصل هذا المصطلح ورد في وصف الشيخ الكشي لجماعة عاصرت الأئمة ورووا عنهم، والشيخ الكشي هو: - (محمد بن عمر بن عبد العزيز المعروف بالكشي نسبة إلى منطقة كش القريبة من سمرقند وهو صاحب كتاب الإختيار في معرفة الرجال)، وهو كتاب رجالي يبحث فيه قضايا الأخبار ورواة الأخبار، وقد قام (الشيخ الطوسي) بتَهذيب هذا الكتاب وتلخيصه وتبويبه .

وأصحاب الإجماع عند الشيخ الكشي هم ستة في كل طبقة، فهم ستة في الطبقة الرابعة، وستة في الطبقة الخامسة، وستة في الطبقة السادسة، وقال الكشي في وصفهم لقد: - [أجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح من هؤلاء وتصديقهم لما يقولون] -، وأما وصفم بالعصابة فهو توكيد منه على أنهم جماعة من الناس أجتمعوا على أمر ما، وأصبح إجتماعهم هو المقياس الذي على ضوءه تصحح الأخبار وتضبط، ..

ولكن من هم أولئك الذين أجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح منهم، قال هم أصحاب الإجماع الذين ذكرهم الكشي بحسب طبقاتهم وأسمائهم، وفي هذا الباب كان السيد البروجردي قد ألف كتابا أسماه (طبقات الرجال)، وكلمة ــ طبقة ــ هي كلمة اصطلاحية قديمة، ذكرها الواقدي في كتابه (المغازي)، و ذكرها محمد بن سعد في كتابه (الطبقات)، ذلك الكتاب المتداول في الأسواق والمكتبات العامة والمؤلف من ثمانية أجزاء

وفي طبقاته عرف السيد البروجردي الأمر على النحو الآتي:

الطبقة الأولى: وهم من عاصر النبي من أصحابه .

الطبقة الثانية: وهم التابعين، الذين رووا عن صحابة النبي .

الطبقة الثالثة: وهم تابعي التابعين، الذين رووا عن التابعين .

وعند السيد البروجردي كل طبقة لها فترة زمنية عاشتها، هذه الفترة بحدود الثلاثين سنة [وهذا على نحو تقريبي]، ومع نهاية كل فترة زمنية تبتدئ مرحلة جديدة وطبقة جديدة تليها وهكذا .

[وأما الطبقة الرابعة: فقد ابتدأت عنده مع حلول السنة 90 للهجرة، و هذا يعني إن التقدير الزمني [في ثلاثين سنة] لكل طبقة تقدير صحيح بلحاظ الإعتبار المتقدم، والذي يعني أن حوالي 80 % من الطبقة الماضية قد ذهب، وما يتبقى منها [أي من الطبقة الماضية] فيضاف للطبقة اللاحقة، وهؤلاء هم الذين يطلق عليهم ـــ بشيوخ الطبقة اللاحقة ـــ، ويجب العلم: إن الترتيب في كل طبقة إنما هو ترتيب إفتراضي إعتباري القصد منه التمييز والمعرفة لاغير] .

والطبقة الرابعة: هم أصحاب الإمام محمد بن علي الباقر، أي هم الذين عاصروه ورووا عنه، وهم ستة عند الكشي:

1 – زرارة بن أعين

2 – معروف بن خربوذ

3 – محمد بن مسلم بن رباح

4 – الفضيل بن يسار الهندي

5 – بريد بن معاوية العجلي

6 – أبو بصير الأسدي

والطبقة الخامسة: هم أصحاب الإمام جعفر بن محمد الصادق، أي هم الذين عاصروه ورووا عنه، ومنهم

1 - جميل بن دراج .

2 – عبد الله بن مسكان .

3 – عبدالله بن بكير .

الذي قال عنه الشيخ الطوسي كان: [عبدالله بن بكير فطحياً] ويعني إنه كان من أتباع عبد الله بن جعفر الصادق المعروف بالأفطح (والأفطح في اللغة هو الرجل العريض الرأس، وأصله من فطح فطحاً أي صار عريضاً) إذن فهو من الأفطحية، وما يدل على ذلك إنه روى أخباراً عن الإمام الصادق تأييداً لدعوتهم، كما في قوله: [الإمامة في أكبر أولاد الإمام، أو إن الإمام بعدي من يجلس مجلسي، وقوله ولا يغسل الإمام إلا الإمام وهذه الصفات كانت لعبد الله بن جعفر الصادق على حدً زعمه]، وقالت الفطحية في تأييد دعوآها: - أن الإمام الصادق أعطى مالاً لبعض أصحابه، وأمرهم أن يدفعوه لمن يطلبه منهم [ومن يطلب ذلك عليهم أن يتخذوه إماماً]، قال ولم يطلبه أحد سوى عبد الله بن جعفر -، (الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة ص 77 الحسني)

4 – حماد بن عثمان .

5 – حماد بن عيسى .

6 – أبان بن عثمان .

قال الكشي: كان أبان بن عثمان من الناووسية [وهم أتباع عجلان بن ناووس، الذين أدعوا أن الإمام الصادق لم يمت بل رفعه الله وسيظهر في أخر الدنيا ليملأها قسطاً و عدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً]، وقد روت الناووسية إنه: [إذا رأيتم رأسي (يدهده) عليكم من الجبل فلا تصدقوا بموتي فأنا صاحبكم صاحب السيف] - أنظر كتاب الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة ص 77

الطبقة السادسة: وهم أصحاب الإمام موسى بن جعفر الكاظم، وقد أدركوا بعضاً من حياة الإمام الرضا فاعتبروا من أصحابه أيضاً، وهم ستة كما ذكرهم الكشي

1- يونس بن عبد الرحمن .

2 – صفوان بن يحيى .

3 – عبدالله بن المغيرة .

4 – أحمد بن محمد بن أبي نصر البيزنًطي .

5 – الحسن بن محبوب السراد .

6 – محمد بن أبي عمير البغدادي .

قال الكشي: وهم من أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عنهم وأقروا لهم بالفقه والعلم، ولكن ماذا يعني هذا؟ هل يعني أن كل الذي يأتي به هؤلاء يُعدُ صحيحاً و صالحاً؟، حتى ولو كان الذي جاء عنهم عبارة عن مجاهيل و مراسيل، وهل يعني ذلك أن (أصحاب ألإجماع) هم من يجعلون من الخبر المجهول صحيحاً ومن المرسل معتمداً؟

هل هذا الذي يريده الكشي بالفعل؟

ولأن البحث حول صحة الإجماع وحجيته فقد أدلينا فيه برأينا في المقدمة فلا نعيد، ولكننا من باب التوكيد نقول: - أن غير واحد من علمائنا الأعلام قد نفوا حجية الإجماع -، وبحسب ما نعلم إن قلةً قليلة قالت بحجية الإجماع وألتزمت به، وأما عبارة - (تصحيح ما يصح عنهم) - فهي عبارة فضفاضة لا جدوى منها في البحث العلمي الذي يعتمد الدقة وليس حُسن الظن والحدس والتخمين، وعليه تكون عبارة الكشي إنما تعبر عن مرحلة تاريخية معينة و عن ظرف زماني و مكاني خاص، ولهذا لا يصح اعتبار ذلك الظرف صالحاً لكل زمان وكل مكان .

*

وأما الاجتهاد: فأصله فعل ثلاثي المصدر من مادة  - ج، ه، د -، والجُهد بضم الجيم هو الطاقة، والجَهد بفتح الجيم هو المشقة .

وأما الإجتهاد: من باب -الإفتعال - فهو صيغة لغوية تدل على المبالغة في الفعل .

والإجتهاد في اللغة: هو إستفراغ الوسع أي – بذله - فيما فيه طاقة ومشقة .

وهو في الإصطلاح: العلم بالاحكام الشرعية العملية من الدليل التفصيلي، والدليل التفصيلي هو الكتاب المجيد، وأما العقل فهو الدليل الدال على الكتاب، والحكم الشرعي: هو حكم عام في النظري والعملي من الأشياء ويدخل فيه الإعتقادي أيضاً ذلك لأن تحصيل الحكم الإعتقادي إنما يتم من خلال الإجتهاد والنظر، ولهذا يكون الإجتهاد عاماً في كل مجالات الحياة الفكرية منها والمعرفية والسلوكية، وكل حكم يقع مادة للإستنباط فهو حكم شرعي طالما يرتبط بالحياة، وقولنا هذا ناظر إلى طبيعة مقاصد الشريعة وأساسها التي أعتنت بالإنسان وبما حوله، وذلك كان الهدف من نزول الكتاب المجيد لتحقيق مصالح العباد في الحياة ودرء المفاسد والمخاطر عنهم .

والإجتهاد في أصول الفقه على نوعين هما:

الإجتهاد المطلق: الذي يُراد به الإجتهاد في كل أحكام الشريعة، والذي يدخل فيه الإجتهاد في المسائل المستحدثة أو مايُسمى بالإجتهاد الإنشائي

.

الإجتهاد التجزئي: وهو إجتهاد في بعض مسائل الفقه والأحكام، والفقيه المتجزء يكون بمقدوره الفتيا فيما إجتهد به .

والإجتهاد: واجب شرعي على نحو الكفاية وهو من

الضرورات الشرعية، وقولنا على نحو الكفاية:نعني به إن وجوبه يسقط مع قيام البعض به، وحجيته ثابتة في الكتاب المجيد كما في قوله تعالى: - [فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون] - التوبة 122 - .

ولولا حرف تحضيض، والفرقة: هي الجماعة من الناس الذين تفرقوا عن غيرهم من المواطن وتنكير - طائفة - مؤذن بأن النفر للتفقه ومايترتب عليه هو واجب كفائي، والتفقه: تكلف الفقاهة، وهي مشتقة من فقه بكسر القاف، والفقه أخص من العلم ويعني الفهم في الدين، والإنذار هو الإخبار بما يتوقع منه شر .

إن حاجة مجتمعاتنا إلى الإجتهاد هي حاجة ماسة، نابعة من الواقع ومايتطلبه من حلول لمشكلات تواجه الناس كل يوم، ولايجوز في هذه الحال الركون إلى إجتهادات من سبق، مهما كانت قوة ومتانة تلك الإجتهادات، ذلك لأن طبيعة الواقع وطبيعة المشكلات قد تغيرت، تبعاً لتغير الطبيعة الموضوعية للحياة، وهنا يكون الإجتهاد مطلباً شعبياً وإجتماعياً وهو حاجة عملية لتلبية ماهو مطلوب، وهنا يجب الإشادة بالشيعة الإمامية لأنها أبقت باب الإجتهاد مفتوحاً، حتى وإن كان في المسائل السلوكية الفقهية، فبقاء الباب مفتوحاً أمام طُلاب العلم يؤدي بالضرورة إلى تقدم العملية الفقهية، وتطور حركة الإجتهاد مما يطرح قضية الأعلمية للمجتهد في سباق علمي منهجي واضح الدلالة، وإن كنا لا نقول بالأعلمية ككونها قضية نسبية وإتصاف البعض بها أو الإشارة إليه بها وصف غير دقيق وغير موضوعي، لكنها في اللاوعي دعوة لتقديم الفكر الإجتهادي على نحو متميز يكون فيه المجتهد قد حقق نوعاً من الكفاءة والتأهيل اللازم.

ويشترط في المجتهد المطلق إن يكون بالغاً عاقلاً مريداً وعادلاً، وأما الإسلام فهو ليس شرطاً لازماً لأن كل إنسان هو مسلم بالضرورة وإن لم يتسمى، إلاّ مادل الدليل على خلافه، والإجتهاد الصحيح لازمه العلم بالكتاب ومقاصده والعلم بلغة الكتاب وفقهها، وأما العلم بالسنة فليس بلازم وقد تقدم بيان ذلك في مقدمة كتابنا - الفتاوى والأحكام -، و أما الإجماع فليس عندنا بشيء وقد مر الكلام بذلك فلا نُعيد ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

 

karima nooresawiاحتل الكنعانيون[1] منطقة بلاد الشام التي تقع بين البحر المتوسط وبلاد الرافدين، فسيطروا على معظم جزر البحر المتوسط حتى امتدت مستعمراتهم من قرطاج في شمال أفريقيا إلى كورسيكا وجنوب إسبانيا. أطلق اليونانيون عليهم اسم “الفينيقيين” نسبة إلى الصباغ الأرجواني الذي يعتبر واحدا من اكتشافاتهم. فقد اشتهروا، كما تخبرنا بذلك مصادر تاريخية عديدة، بصناعة الأقمشة ذات اللون الأحمر حيث كانوا يقومون باستخلاصه من قواقع البحر الأبيض المتوسط [2] .

وقد ضمت مستعمرات الفينيقيين بعض المدن الواقعة على الساحل السوري الممتد من أقصى شمال سوريا حتى جنوب فلسطين مثل صورو صيدون (صيدا) وبيروت وجبيل وأوغاريت والإسكندرون وعكا. كما أنها ضمت مدينة قرطاج في شمال أفريقيا.

صيدا: كانت عاصمة للفينيقيين الذي انطلقوا منها ليؤسسوا محطات تجارية في دول عديدة. وقد أثبت علماء التاريخ أن الفينيقيين وصلوا إلى أمريكا الشمالية والجنوبية. بل لا تستبعد بعض الدراسات التاريخية أنهم سبقوا كريستوفر كولومبس في اكتشاف القارة الأمريكية الشمالية بقرون عديدة. اشتهرت مدينة صيدا بتجارتها التي سيطرت على المنطقة خلال القرن الثاني عشر والثالث عشر.

جبيل (بيبلوس): اشتهرت جبيل بمكانتها الدينية والتجارية. هذا فضلا عن كونها موطن ظهور الأبجدية الرومانية المأخوذة عن الكتابة الفينيقية.

صور: انطلق منها الفينيقيون بقيادة الملكة أليسار وهي ابنة الملك ميتينوس، ليؤسسوا مدينة قرطاج في شمال أفريقيا. أحرزت صور تقدما˝ في مجال التجارة مما جعلها تتفوق على صيدا. وقد عرف البحر المتوسط لفترة من الزمان ببحر صور.

بعلبك: أسسها الفينيقيون في أوائل العام 2000 ق.م فبنوا فيها أول هيكل الذي أهدى لإله الشمس، بعل. ومن هنا حصلت المدينة على اسمها. لكن الهيكل لا يمكن رؤيته الآن بسبب الأعمدة الرومانية التي بنيت فيما بعد في بعلبك. كانت بعلبك، على عكس المدن لأخرى، معزولة عن التجارة.

قرطاج: وتُعرف في اللغة الفينيقية بـ”بقرت حدشت” أي المدينة الحديثة، وتقع في خليج “أوتيكينسيس المشهور حاليا باسم خليج تونس. أسستها الملكة أليسار. وكانت قرطاج عاصمة المجد وملكة البحار بسبب ما احتلته من مكانة عالية من الرقي والتمدن والازدهار. وجعلت أليسار من هذه المدينة مركزا دينيا للربة عشتروت، وساهمت بمعية مرافقيها في بناء مجتمع حضاري جديد يضاهي الوطن الأم صور. والحقيقة أن هذه المدينة امتازت بالحيوية والبراعة والإبداع. واستطاعت أن تسيطر على المستعمرات المغربية كما أنها لعبت دورا˝ حضاريا˝ في شمال أفريقيا وجزر البحر المتوسط وبريطانيا.

المعتقدات الدينية عند الفينيقيين:

اعتمد الدين الفينيقي السامي الأصل على الاعتقاد بظاهرة الخصوبة والإنتاج. آمن الفينيقيون ببعض قوى الطبيعة المحيطة بهم، كما أنهم عبدوا الكثير من الآلهة. كان لكل مدينة إله يُعبد. سمى الفينيقيون بعض آلهتهم نسبة إلى المدن التي استقروا بها. ومن الآلهة التي عبدها الفينيقيون، وقدسوها:

إله القوى الكامنة (الإله إيل): معناه الإله بصورة عامة. ولكنه يدل في الأصل على كبير الآلهة أو الإله-الآب. وما تمتع به من صفات ورثها عنه أبناؤه الآلهة.

آلهة الخصب (عشتار): عبدت بعض المدن إلاهات. لكن عشتروت بعلة جبيل وآلهة الخصب والحب والجمال تفوقت عليهن جميعا.

إله المطر (الإله بعل): قصد الفينيقيون به إلها معينا يُحتمل أن يكون هو الإله “أدد” السوري. وهو إله الجبال والصواعق والعواصف والمطر.

الإله (أشمون): وهو إله صيدون أي إله الصحة.

أما في قرطاج، فقد عبدوا آلهة الخصوبة والإنتاج (تانيت)، والإله (بعل آمون) بالإضافة إلى الآلهة التي عبدت في بلاد الشام. وقد استمرت عبادتهم حتى العهد الروماني.

اعتقد الفينيقيون بالحياة الثانية فبنوا مقابرهم التي وضعوا فيها الميت بالإضافة إلى أدوات خاصة به للاعتقاد بأنها ستلزمه عند قيامه في الحياة الثانية. وقد امتازت هذه الأدوات بالبساطة فضمت بعض الأدوات المنزلية التي كان يستعملها الفينيقيون كالأواني الفخارية والمصابيح الزيتية. ومن هنا أولى الفينيقيون اهتماما كبيرا بحفظ الجسد. فلم يترددوا في الاقتباس عن المصريين عادة تحنيط الأجساد[3]. وإلى جانب المقابر، شيد الفينيقيون معابد امتازت بالتأثر بالطابع اليوناني. وقد اهتم بها الكهنة المتفرغون الذين عرفوا بتوارث الكهانة في عائلتهم.

نظام الحكم عند الفينيقيين:

تألفت فينيقيا من عدة ممالك وضمت كل مملكة مدينة اعتبرت عاصمة لها. عرف نظام الحكم في فينيقيا بالملكي الوراثي حيث كان يمثل الملك الآلهة وله السلطة المطلقة في إدارة شؤون المملكة التي يحكمها. أما كبار المدينة ورجال الدين والقضاة فلعبوا دور مساعدي الملك في إدارة المملكة. أما الجيش فقد تكفل بحماية المملكة من أي اعتداء وتأمين القوافل التجارية.

المجتمع الفينيقي

ويتألف المجتمع الفينيقي من طبقة الأشراف التي يرأسها الملك والعائلة المالكة وقوامها النبلاء والكهنة والقادة وطبقة أخرى تضم البورجوازيين من غير النبلاء والعمال والفلاحين.

إنجازات الفينيقيين:

اكتشاف الأبجدية:

يُعد اكتشاف الأبجدية من أعظم ما قدمته الحضارة الفينيقية للبشرية. ابتكرت هذه الكتابة عام 1100 ق.م

وقد تألفت من اثنين وعشرين حرفا˝ يمثل كل صوت منها صوتا واحدا منفردا. استعان الفينيقيون، في البداية، لتدوين لغتهم بالكتابة المسمارية والمصرية القديمة. غير أنهم سرعان ما أفلحوا في التخلص من هذه العلامات التصويرية، واستبدالها بالنظام الأبجدي الذي يناسب طبيعة الشعب الفينيقي المعروف بنشاطه التجاري. ولا حاجة للتذكير بأن السرعة عنصر يرتبط كثيرا بالتجارة. يقول ديسو: « ويجب الاعتراف للفينيقيين بما هو من حقهم صدقا، فهم أصحاب اختراع من أكبر الاختراعات البشرية، منذ أن تركوا بإرادتهم الكتابات الكثيرة المعقدة التي كانت مستعملة في أيامهم، ومنذ أن ميزوا 22 صوتا بسيطا تتيح تسجيل المخارج المختلفة الساكنة في لغتهم، ومنذ أن خلقوا خلقا كاملا نظاما من العلامات على درجة مدهشة من البساطة يتميز فيه كل حرف لأول وهلة عن سائر الحروف الأخرى. فبلغوا منذ أول محاولة درجة الكمال»[4]. لقد كتب الفينيقيون هذه الحروف من اليمين إلى الشمال (مثل العربية) ونشروها في جميع بلاد العالم شرقا وغربا. وهي الأبجدية نفسها التي اقتبسها الأوروبيون.

صناعة السفن:

كانت السفن الفينيقية عبارة عن مراكب شراعية تتألف من سارية واحدة، شراع مربع، ومجاديف يدوية. اعتمد عليها الفينيقيون في تجارتهم وأسفارهم وتبادل صناعاتهم مع الدول الأخرى المجاورة لها والبعيدة عنها.

الحياة الاقتصادية في فينيقيا

ازدهرت الحياة الاقتصادية في فينيقيا بسبب تقدمها صناعة وتجارة وحرفة. ارتكز عمل الفينيقيين على البحر فاشتهروا بصيد السمك والإسفنج والملاحة وصناعة السفن. كما أنهم أظهرا مهارات كبرى في صناعات عديدة أهمها صناعة العاج والزجاج والأقمشة الأرجوانية اللون والزهريات الحادة القعر والفخاريات. ساهم اطلاع الفينيقيين على صناعة الحديد (في الألف الثاني ق.م). في صناعة الخزف. وكان الفينيقيون يقلدون الصناعة المصرية والكريتية والميسينية مما مكنهم من بلوغ منزلة عظيمة في الصناعة والفن.

أما بالنسبة للتجارة في فينيقيا، فقد بلغت أعلى درجاتها، وتنوعت الأغراض التي تاجروا فيها فكان منها الصباغ الأرجواني والأقمشة، الزجاج، المعادن، الفخار، النبيذ، الغار والأرز، الخشب… كل هذه الأشياء كانوا يتبادلونها مع اليونان، إيطاليا، إسبانيا، والجزر المتوسطية. كما أنهم خاطروا بالإبحار إلى أبعد من ذلك حتى وصلوا الرأس الأخضر في بريطانيا.

أصبحت فينيقيا أحد أغنى وأهم المقاطعات في الإمبراطورية الفارسية واستولى الاسكندر الأكبر على فينيقيا عام 332 ق.م

د. كريمة نور عيساوي

......................

المراجع

كونتنو، ج: الحضارة الفينيقية، ترجمة محمد عبد الهادي شعيرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997

الذبيب، سليمان بن عبد الرحمن: الأوجاريتيون والفينيقيون مدخل تاريخي، بحوث تاريخية، الجمعية التاريخية السعودية، كلية الآداب، قسم الآثار والمتاحف، الرياض، 2004

لبيب، عبد الستار: الحضارات، دار المشرق، بيروت، 1985

[1] اسم الكنعانيين مشتق من الجذر ك.ن.ع الذي يدل على الأرض المنخفضة. والجدير بالذكر أن ك.ن.ع.ت عرف أيضا كاسم علم لمكان في السريانية. هذا بالإضافة إلى أن المصريين القدماء استخدموا “بي-كنعان” للدلالة على المناطق الجنوبية لبلاد سوريا.

[2] انظر لمزيد من التفصيل سليمان بن عبد الرحمن الذييب: الأجاريتيون والفينيقيون: مدخل تاريخي، الجمعية التاريخية السعودية: بحوث تاريخية، الرياض، 2004

[3] انظر لبيب عبد الساتر: الحضارات، دار المشرق، بيروت، 1985

[4] النقوش الفينيقية في قبر أحيرام نقلا عن ج. كونتنو: الحضارة الفينيقية، ترجمة محمد عبد الهادي شعيرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997

 

 

abdullah badrhskandarيشتمل الأمر الخارق للعادة على عدة عناوين، كالمعجزة والكرامة والسحر وقد تتفرع على هذا الأمر مجموعة من الأحداث لا يمكن ان تظهر علائقها عند المشاهدة وذلك لبعدها عن الأسباب المألوفة، أو ربما ترتبط بها من وجه خفي يصعب الوصول إلى معرفة حقيقته بالطرق التقليدية على أقل تقدير. ولهذا أصبح استقرار العَلمية لا يتعدى لغير المفهوم العام، كالصلاة التي لا تعرف إلا بالحركات العبادية المتعارف عليها، علماً أن هذا اللفظ لا يراد منه إلا الدعاء كما في أصل الوضع، وقد ذكر القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية) الأنفال 35. وبهذا يتحصل أن المعجزة لا تظهر إلا على أيدي الأنبياء مصحوبة بالتحدي الذي يكون حجة لله تعالى على الأقوام المرسل إليهم بغض النظر عن إيمانهم أو عدمه، وأمثلة ذلك كثيرة في القرآن الكريم، كإبطال خاصية النار وانشقاق القمر وصولاً إلى المعجزة المعنوية المتمثلة في القرآن الكريم.

أما الكرامة فهي لا تختلف عن الفاعلية التي جعلها الله تعالى في المعجزة، إلا أنها تفترق عنها في المشتركات العرضية، على الرغم من مجيئها بقانون آخر دون التحدي، كإتيان مريم (عليها السلام) فاكهة الصيف بالشتاء أو العكس. ومن غرائب التفسير ما ذهب إليه بعض الذين أرادوا نفي حقيقة السحر بقولهم إن السحرة الذين جاء بهم فرعون قد استعملوا طلاء الزئبق مما جعل الحبال تتحرك كأنها حيّات تسعى، ولو أن الأمر كما يقولون لكان السحرة من المقربين لفرعون، إلا أن متفرقات القرآن الكريم تظهر أنهم ليسوا كذلك، كما في قوله تعالى: (قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين... يأتوك بكل ساحر عليم) الأعراف 111- 112. وبعد مجيء السحرة كانت لهم مجموعة من المطالب أهمها الأجر حين الغلبة، كما صور القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: (وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين... قال نعم وإنكم لمن المقربين) الأعراف 113- 114. وهذا يدل على عدم قربهم من فرعون لما لذلك العمل من انتشار لا يتناسب مع شريعته، ولا أريد الإطناب في هذا الموضوع لأنه يجعلنا نخرج عن البحث المخصص لهذا المقال، وعسى أن نوفق إليه في مقال آخر.

من هنا يظهر أن السحر لا يختلف عن المعجزة والكرامة من جهة إبطاله للقوانين الطبيعية، إلا أنه يجانب الأسس الشرعية، وهذا ظاهر من اعتماد أصحابه على التخيلات التي يصدقها من لا يحيط بأسرار هذا العمل، وربما يستند السحر إلى تعاليم شيطانية قد تخفى على كثير من الناس، كما ورد ذلك في قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) البقرة 102.

وبناءً على ما تقدم يظهر أن للمعجزة سمواً وبعداً لا يمكن تواجدهما في الكرامة والسحر، حتى ذهب بعض المفسرين إلى أن ما حصل من ولادة النبي عيسى (عليه السلام) لا يمكن حمله على الكرامة التي ظهرت لمريم (عليها السلام) وإنما يصنف من المعجزات التي دلت على براءة ساحتها على الرغم من أنها ليست من الأنبياء، واعتبر آخرون أن هذه الولادة العجيبة يمكن أن تكون كرامة لمريم ومعجزة لعيسى، وفي كلتا الحالتين فإن الكلمات الأولى التي نطق بها عيسى (عليه السلام) تؤكد الإعجاز بكل تفرعاته التي لا يمكن أن تظهر لمولود آخر إلا بإذن الله، وهذا ظاهر في قوله تعالى: (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً) مريم 30. وفي الآية مبحثان:

المبحث الأول: ذهب جمع من المفسرين إلى أن الكتاب الذي آتاه الله تعالى لعيسى هو الإنجيل، وقال آخرون إن الكتاب هو التوراة باعتبار أن الإنجيل لم ينزل بعد، وقال بعضهم إنه كتاب القضاء، كما سيمر عليك في المبحث الثاني المخصص لآراء المفسرين، والحقيقة: إن الكتاب الذي ذكره عيسى (عليه السلام) لا يراد منه الإنجيل أو التوراة لأن نزول الكتب التشريعية لا يتحقق إلا في فترة الرسالة التي تأتي بعد النبوة التي أشار إليها أو التي ولدت معه كما في ظاهر الآية.

وعند التأمل في متفرقات القرآن الكريم يظهر أن الكتاب يحمل العمومية التي لا تختص بها الكتب الحاملة للمنهج كالتوراة والإنجيل ولا حتى القرآن، وهذا العموم يشتمل على المعارف الإيمانية والحقائق التكاملية، إضافة إلى الأسرار والحكم الربانية التي تكون خارج الأطر التشريعية، التي تتفرع عليها الكتب المنهجية التي تحمل الهداية العامة، فتأمل الفرق.

وبالإضافة إلى ما مر فإن هذا الكتاب الذي أشرنا إليه لا يختص به نبي دون آخر بل هو من المشتركات التي يتوارثها الأنبياء، وقد يكون للصالحين والأوصياء نصيب منها، كما سيمر عليك في هذا المقال، فإن قيل: إذا كان هذا الكتاب مما يتوارثه الأنبياء فما تفضيل عيسى إذن؟ أقول: الفرق إن هذا الكتاب ولد مع عيسى دون سائر الأنبياء الذين حصلوا عليه لاحقاً كما في قوله تعالى: (أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة) الأنعام 89. ولا يمكن القول إن المراد هنا هو أحد الكتب المعهودة كالتوراة والإنجيل، لأن الكلام فيه إشارة إلى مجموع الأنبياء، فإن قيل: وماذا عن الزبور؟ أقول: الزبور لا يحتوي على الأحكام والكتاب الذي حكم به داود هو التوراة التي توارثها جمع من أنبياء بني إسرائيل.

ولأجل التوصل إلى بيان أكثر تفصيلاً علينا أن نشير إلى قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) البقرة 213. ومن هنا تظهر النكتة في خطابه تعالى للنبي (ص) بقوله: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله) المائدة 48. وقد يظهر الأمر جلياً عندما أشار تعالى إلى عيسى بقوله: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل) آل عمران 48. وبهذا يظهر أن الكتاب أعم من الكتب التي تحمل المنهج، وبعبارة أخرى فإن هذا الكتاب هو العلم اللدني الذي يخص به الله تعالى بعض من عباده المخلصين، كما في قوله: (فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً) الكهف 65. وكما هو ظاهر فإن الآية تشير إلى العلم الحضوري الذي يهبه الله تعالى لعباده المخلصين، دون العلم الذي يحصل عن طريق الاكتساب، ومن هنا يظهر معنى قوله: (من لدنا) وعند التأمل في الآيات التي تبين هذا النوع من العلم نجده لا يخضع للقوانين الطبيعية، أو الطرق المعتادة لدى عامة الناس.

ومن الأمثلة على هذا العلم ما ذكره تعالى بقوله: (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم) يوسف 76. وبالإضافة إلى هذا فإن ما بينه تعالى من أمر يعقوب يجعلنا أمام دليل آخر، كما في قوله: (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون) يوسف 68. وبهذا يظهر ما خفي على بعض الناس من قوله تعالى: (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) النمل 40. وعند التأمل في هذا الأمر يتبين أن هذا العلم هو جزء من علم الكتاب الذي أفاضه الله تعالى على وصي سليمان الذي قيل إنه آصف بن برخيا، أما علم الكتاب كاملاً فقد أشار إليه تعالى بقوله: (ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) الرعد 43.

المبحث الثاني: اختلف المفسرون في قوله: (آتاني الكتاب) حيث قال ابن الجوزي في زاد المسير: نقلاً عن ابن عباس: إنه آتاه الكتاب وهو في بطن أمه وقيل علم التوراة والإنجيل، ثم خلص إلى القول إن في الكتاب قولان: أحدهما التوراة والثاني الإنجيل، أما النسفي في مدارك التنزيل: فقد ذهب إلى أن الكتاب هو الإنجيل دون أن يضيف شيئاً آخر. وقال البغوي في معالم التنزيل: إن هذا إخبار عما كتب له في اللوح المحفوظ، ثم نقل عن أكثر المفسرين: إنه أوتي الإنجيل وهو صغير وأضاف عن طريق الحسن البصري إن الله تعالى ألهمه التوراة وهو في بطن أمه.

وللصوفية رأي آخر حيث يقول مكي بن أبي طالب في تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية: نقلاً عن عكرمة: إن الكتاب يعني القضاء، ومن أغرب الأقوال ما نقله ابن كثير عن ابن أبي حاتم: من أن عيسى قد درس التوراة وأحكمها وهو في بطن أمه، ويقول الشوكاني في فتح القدير: (آتاني الكتاب) الإنجيل: أي حكم لي بإيتائي الكتاب والنبوة في الأزل وإن لم يكن قد نزل عليه في تلك الحال ولا قد صار نبياً، وقيل إنه آتاه الكتاب وجعله نبياً في تلك الحال وهو بعيد، على حد قول الشوكاني.

وللإمامية رأي حيث يقول الطبرسي في مجمع البيان: أي حكم لي بإتيان الكتاب والنبوة، ثم نسب إلى قيل: إن معناه إني عبد الله سيؤتيني الكتاب وسيجعلني نبياً، وكان ذلك معجزة لمريم (عليها السلام) على براءة ساحتها، ويقول الجنابذي في بيان السعادة: أتى بالماضي لتحقق وقوعه أو لتحقق استعداده، والمراد بالكتاب الإنجيل أو كتاب النبوة. انتهى ماذهب إليه جمع من المفسرين. وآخر الآراء هو الأقرب لما قدمنا وهو ما ذهب إليه الجنابذي من أن الكتاب هو كتاب النبوة على الرغم من عدم تفصيله لما ذهب إليه.

فإن قيل: السؤال الذي وجّه إلى مريم يراد منه نفي التهمة عنها، كما يظهر من قوله تعالى: (يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمك بغياً) مريم 28. ولكن عيسى لم ينف تلك التهمة، بل ذهب إلى أبعد من هذا الأمر كما يظهر من قوله تعالى: (قال إني عبد الله آتاني الكتاب...... إلى قوله...... والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً) مريم 30- 33. وهذا السياق لا يظهر فيه نفي التهمة عن مريم؟ أقول: الكلام الذي صدر منه وهو في المهد يعد من الآيات التي لا يمكن عدم تصديقها من قبل القوم، فإذا ثبت هذا فمن باب أولى يثبت تصديقهم بنبوته التي أشار إليها علماً أن النبوة لا يمكن أن تأتي إلا بالطرق الشرعية، وهذا ما يعلم بالفطرة كما بين النبي ذلك بقوله: لم يزل ينقلني من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات حتى أخرجني في عالمكم هذا. وقد يؤيد هذا الحديث بقوله تعالى: (الذي يراك حين تقوم... وتقلبك في الساجدين) الشعراء 218- 219.

 

عبد الله بدر السلطان

............................

 

 https://www.youtube.com/watch?v=G55Kv2YiRXs

 

 

مقدمة: يشهد العالم برمته تطورات مذهلة على اثر انتشار ظاهرة العولمة وتطورها، ما أدى الى ظهور مجموعات عالمية تتبنى الارهاب في دول، وأخرى تسعى للاحتكار الاقتصادي عبر ادارة البوصلة العالمية لما يحقق مآرب دول عظمى، ولكن كيف كان للعولمة التأثير على السنة المحمدية أو بالأحرى على الارث القرآني بشرح واسع من السنة؟، واليوم وفي هذا العصر الذي يسوده عالم مفترض لماذا تسعى الكثير من المناهج لإعطاء صورة مغايرة تماما لما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟، ما جعل تنظيمات وحكومات عديدة تدخل في حروب طائفية تولدت بسبب الكراهية المتنامية لمعتقدات ليست تمت بصلة لمعيار الوسطية الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم .ففي كفة نجد العالم يتطور ويتغير وينافس وفي كفة أخرى نجد الاضطراب والتذبذب والانحطاط في التمسك القوي بالمرجعية الدينية، هذه المرجعية التي لا تشكل اشكالية لبعض الشعوب والحكومات لأنها تجاوزت الالتفات الى أمور من المفروض لا حديث عنها لأنها هي من تحدد الخلفية الأمامية لحضارة أي أمة.

وهذا بالضبط ما تواجهه السنة النبوية من تحديات كبيرة ومتنوعة خاصة في طريق عرضها ونشرها والتعريف بها، على الرغم من أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في عصر نشر الرسالة حرص كل الحرص على تفسير ما غمض على الصحابة وعلى الناس مما نص عليه القرآن الكريم بعد أن تلقى التنزيل عبر وحي منزه من الخطأ.

فأسلوب نشر الدعوة عند الرسول صلى الله عليه وسلم بدا من الشوارع وبالقرب من منازل الناس، من ذلك ما تنقله مصادر السيرة النبوية المطهرة وغيرها عن المغيرة بن شعبة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:" ان أول يوم عرفت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأبو جهل في بعض أزقة مكة، اذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله لأبي الحكم: يا أبا الحكم هلم الى الله والى رسوله، أدعوك الى الله، فقال أبو جهل: يا محمد: هل أنت منته عن سب آلهتنا، هل تريد الا أن نشهد أنك قد بلغت، فنحن نشهد أن قد بلغت، فوالله لو أني أعلم ما تقول حق لاتبعتك، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل علي فقال: والله اني لأعلم أن ما يقول حق".

ولأجل توسيع دائرة الدعوة الاسلامية بين القبائل فكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في التجمعات الموسمية الكبرى وكان يرتادها لأجل تبليغ الدعوة، حيث كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يتمتع بشخصية متوازنة فيها مقومات تخلق الثقة والألفة الوطيدة والمتبادلة بينه وبين مدعويه على اختلاف مواقعهم وبينه وبين أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.

كما كانت لديه القدرة على استيعاب أصحابه من عدم كبت لقدراتهم أو كبح لمواهبهم أو تحديد لطاقاتهم، أو تثبيط لفاعليتهم أو أسر لإرادتهم وتوجهاتهم الابداعية واستثمر تلك الطاقات وأحسن توظيفها فيما يفيد في تبليغ الدعوة عبر منهج سلس ووسطي مستخدما في ذلك أسلوب الاقناع بعدالة القضية الدينية وخلق الرغبة لديهم للتضحية لأجلها حفاظا عليها من أي انحراف أو تحريف أو سوء فهم .. وما ساعد في توسع التبليغ للرسالة المحمدية هو حرص الرسول صلى الله عليه وسلم ويقظته المستمرة لحماية منجزاته الدعوية في الأنفس وكذا الآفاق المتجسدة في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتجارية والمالية وغيرها من أساليب التعامل الانساني القائمة على تفعيل القيم والمبادئ الخالدة خلود الدين والمنهج.

وعليه وفي هذا السياق، بودي طرح اشكالية توافق ما طرحته سابقا، وهي عن ماهية المهارات التي يفترض استخدامها في العصر الحديث لأجل اعمال العقل الانساني وتوجيهه نحو خدمة السنة النبوية التوجيه الأمثل والصحيح مثل ما جاء به نبينا الكريم حفاظا عليها مما قد يؤثر على ديمومتها بالتخلي عن التمسك بها والعودة الى نصوصها وقيمها؟.

و هذا ما سيكون عنوانا لمداخلتي وهو:

 المهارات الفكرية والنفسية الصحيحة في اعادة احياء السنة النبوية في العالم الاسلامي.

يعني مختلف المهارات التي تليق بالعقل البشري وبالفطرة الاسلامية، وبما أني ذكرت العالم الاسلامي فليس الأمر يقتصر على جنس معين بذاته أو على اللغة وعلى التقاليد بل الفكرة مجسدة في احياء السنة كوسيلة منهجية لإعادة النهضة الاسلامية الى مصاف الطريق الصحيح بانبعاث حضاري قوي بقيمه وأخلاقياته لمعالجة الركود الذي يعانيه المسلمون بسبب الحروب والتغيير التكنولوجي الذي أحدث فروقات كبيرة وواضحة بعيدة جدا عن مبادئ العدل والسلام العالميين.

و لأجل تحرير البحث اخترت المنهج الوصفي التحليلي من أجل تسليط الضوء على أهم عناصره ومحاولة التركيز على المهارات الفكرية والنفسية التي يمكن اعتمادها لأجل اعادة احياء السنة النبوية.

المبحث الأول: السنة النبوية بين الماضي والحاضر

قال تعالى " واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال اني جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي، قال لا ينال عهدي الظالمين، واذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى وعهدنا الى ابراهيم واسماعيل ان طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود، واذا قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وأرزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره الى عذاب النار وبئس المصير، واذا يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبل منا انك أنت السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا انك أنت التواب الرحيم، ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم" سورة البقرة من 124- 129.

في هذه الآيات امتحان الله لسيدنا ابراهيم ببعض الأوامر والنواهي التي يصعب تأديتها، لأنها من الأمور الشاقة الصعبة، وذلك ليعود الله نبيه ابراهيم على الصبر وتحمل المشاق(1).

ونفسه كان نسق المسيرة لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه الى يوم الدين، وهو ما جاء في سورة الكوثر من أمر رباني " انا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر، ان شانئك هو الأبتر".

و على مر سنوات الدعوة الى الله ظل أعداء النبي يترصدون نهاية لهذه الرسالة التي خلفت من بعدها سنة متبعة على مر العصور من شرق الأرض الى غربها ومن شمالها الى جنوبها، لم يكتفوا بهذا الترصد وفقط بل حاربوا النبي بشتى الوسائل حتى يتراجع عن تبليغ هذا الدين لكنه لم يتراجع.

و أعداء الدين الاسلامي(2) على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتوهمون لجهلهم أنه اذا مات بنو الرسول صلى الله عليه وسلم، انقطع ذكره، ولم تعد لدعوته أي أثر فلا يرثه ابن ينادي باتباع ما كان يدعو اليه به أبوه. فكان العاص بن وائل اذا ذكر رسول الله يقول: دعوه فانه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره، وعندما مات بن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب أبو لهب الى المشركين، فقال: بتر محمد الليلة، فأنزل الله –تعالى-  في ذلك " ان شانئك هو الأبتر".

أما في العصر الحديث فلا تزال محاولة تشويه صورة الاسلام وصورة الرسالة المحمدية قائمة ولربما بطريقة أكثر حداثة عمن كانت عليه في الماضي وهو ما بدى في حملات اعلامية خاصة لدحض الصورة الحقيقية لسيرة خير الخلق، وهو ما يعكس العداء الشديد لهذا الذين ممثلا في شخص الرسول صلى الله وسلم .

وفي سؤال لقناة الجزيرة للشيخ العلامة يوسف القرضاوي عن سبب تكرار الاساءة للرسول صلى الله عليه وسلم أجاب: (3)

الإساءة إلى رسل الله جميعا سنة من سنن الله القديمة والمتجددة، كل رسل الله أوذوا والله سبحانه وتعالى يقول: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [الأنعام:34] كل رسل الله أصابهم الأذى، القرآن يعبر عن الإساءة بكلمة الأذى وقد أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه وفي أهله وفي أصحابه وصبّ عليهم ما صب من العذاب واضطروا أن يقاطعهم المشركون ثلاث سنوات في مكة لا يبيعون لهم ولا يشترون منهم ولا يزوجونهم ولا يتزوجون منهم حتى أكلوا أوراق الشجر وحتى دميت أشداقهم، ثلاث سنوات لقي الرسول عليه الصلاة والسلام ما لقي من هؤلاء المشركين والله تعالى يقول:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ}[الفرقان:31] {وكذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ }[الأنعام: 112] هذه سنة الله{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ} [التغابن:2] والكفار أكثر، المؤمنين دائما أقل من الكفار{وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}[الأنعام:116] فهذه هي طبيعة الحياة لذلك ليس عجيبا أن يساء إلى رسول الله في عصرنا هذا، الدوافع القديمة هي موجودة كما قال القرآن: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة:118] ما أشبه الليلة بالبارحة، الدوافع متجددة هي نفس الدوافع القديمة دوافع الإساءة إلى رسل الله والى أنبيائه وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، محمد لم يؤذِ أحدا لم يسئ إلى أحدا.

المطلب الأول: السيرة النبوية وما تناقله علماء الدين

الفرع الأول: فضل آل البيت

معرفة ما يجب من آل البيت لدى المقريزي(4)، من الحق على من عداهم، وهو عنوان الكتاب الثاني من مجموعة رسال المقريزي، حيث عالج المؤلف قضية هي من أدق القضايا والتي كان لها أثر واضح في تاريخ الأمة الاسلامية، من خلال شرحه للآيات الخمس من القرآن الكريم وهي قوله تعالى في سورة الأحزاب: "انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " وقوله تعالى في سورة الطور " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم " وقوله تعالى في سورة الكهف " وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا" وقوله تعالى في سورة الرعد" جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم " وقوله تعالى في سورة الشورى "قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى" .

قد جعل المقريزي من هذه الآيات الخمس حول بحثه عما يجب على المسلمين نحو آل البيت من توقيرهم ونصرتهم ومودتهم، واعتمد في تفسير هذه الآيات على عمدة المفسرين أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ثم اقتبس نصوصا أخرى من تفسير أبي محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي، وأبي العباس أحمد بن عمر القرطبي، ونجم الدين سليمان الطوفي، وغيرهم من أئمة المفسرين.

فكان المقريزي صاحب بحث مدقق فيما سبق ذكره من الآيات " قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى" والسائل هنا يسأل عن من هما أهل القربى هل هم الأنصار أم بطن قريش؟ أو ربما غيرهما، وهل المعنى من القربى التقرب الى الله أم معناها أهل قرابته صلى الله عليه وسلم؟ .

ويعلق المقريزي في ذلك قائلا: " يظهر لي أن الخطاب موجه في الآية لجميع من آمن، ذلك أن العرب بأسرها قوم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو منهم، وعلى من سواهم من العجم أن يوادوهم ويحبونهم .

وبالمناسبة فان المقريزي خالف أهل الشيعة فيما ذهبوا اليه من تخصيص آل البيت بأولاد علي وفاطمة، حيث رد على بعض الآراء في معنى قوله تعالى" انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" والذي يظهر من الأدلة أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم.

ومن حديث يونس بن أبي اسحاق(5) قال:" أخبرني أبو داود عن أبي الحمراء قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم اذا طلع الفجر جاء الى باب علي وفاطمة رضي الله عنهما فقال: الصلاة (الصلاة)، " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا".

ومن حديث الوليد بن مسلم (6) قال: حدثنا بن عمرو قال: حدثني شداد أبو عمار قال: سمعت واثلة بن الأسقع يحدث قال: (سألت) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في منزله؟ فقالت فاطمة رضي الله عنها: قد ذهب يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفراش وأجلس فاطمة عن يمينه وعليا عن يساره وحسنا وحسينا رضوان الله عليهم بين يديه، فلفع عليهم بثوبه وقال "انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا"، اللهم هؤلاء أهلي (اللهم أهلي) أحق"، قال واثلة: فقلت من ناحية البيت: وأنا يا رسول الله من أهلك؟ قال: وأنت من أهلي، قال واثلة " انها لمن أرجى ما أرتجي.

الفرع الثاني: أخلاق النبي وآدابه

ان لمن نعم الله على خلقه أن من عليهم بإرسال خير الأنبياء محمد صلوات الله عليه وسلامه، وأنزل عليه أفضل كتبه وجعل من أمته خير أمة أخرجت للناس، أي فضل وأي كرم جاد به الله على أمة نبينا، وأي تفضيل وأي تكريم تحلى به المسلم على وجه الأرض ليباهي الأمم بإسلامه وبأخلاقه وبعقيدته، فمن هو هذا النبي الذي استطاع أن يؤثر في الناس ويستهوي قلوبهم ويشد اليه عقولهم؟.

ان الأخلاق لهي المعصم الوحيد الذي يلف كيان المؤمن، والخلق (7) صفة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير تكلف، كالكرم يصدر عنه العطاء بلا عناء، والحلم يستدعي مصابرة السفيه والعفو عن المسيء والحكمة تقتضي وزن الأمور بميزان المصلحة، وقد حث النبي على حسن الخلق وهو أحسن الخلق، كما ورد في الحديث الصحيح.

لقدر اشتهر كتاب أخلاق النبي(8) لصاحبه أبي الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان بروايته عن جده أبي ذر الصالحاني عنه، وكتاب عمل اليوم والليلة لابن السني أحمد بن محمد بن اسحاق مطبوع في مجلد متوسط الحجم عدد صفحاته 282 صفحة من القطع المتوسط بتحقيق أحمد عبد القادر عطا، وكما هو معلوم فان بن السني تلميذ للنسائي، فقد أسند بن السني من طريق النسائي عدد 133 حديثا ولكن أسانيد بن السني التي من غير طريق النسائي دون أسانيد النسائي، بل وفيه أسانيد لا يرتضيها النسائي وليست على شرطه، وكتاب أخلاق النبي أشمل منه الا أنه مقارب له في أسانيده حيث يذكر الضعفاء والمتروكين بل ربما الوضاعين، وهناك فرق بين الكتابين من حيث الصناعة وهو أنه في عمل اليوم والليلة لابن السني لا يكرر حديثا مرتين ولا يعدد اسناد الحديث الواحد وهذا موجود في كتاب النسائي وفي أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم .

 وقد روى جبير بن مطعم حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" أنا أحمد، وأنا محمد، وأنا الحاشر وأنا الماحي الذي يمحو بي الله الكفر، فاذا كان يوم القيامة لواء الحمد معي، وكنت أمام المرسلين، وصحاب شفاعتهم" (9).

و قد سمى الله النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز ب:

*البشري والنذير

*الرؤوف

*الرحيم

*رحمة للعاملين

وببلوغ الاربعين من العمر ابتدأ محمد بتلقي الكرامات من الله، حيث نزل عليه الوحي أين أتاه جبريل وأقام بمكة ثلاثة عشر سنة وقيل خمس عشر وقيل عشرا.

وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في وصف النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في حديث طويل في قصة سعد بن هشام بن عامر حين قدم المدينة وأتى عائشة رضي الله عنها يسألها عن بعض المسائل، فقال:

فقلت يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، قالت: ألست تقرأ القرآن؟.

قُلتُ: بَلَى

قَالَت: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ القُرآنَ.

قَالَ: فَهَمَمْتُ أَن أَقُومَ وَلَا أَسأَلَ أَحَدًا عَن شَيْءٍ حَتَّى أَمُوتَ ...الخ) رواه مسلم (746).

وفي رواية أخرى:

(قُلتُ: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ ! حَدِّثِينِي عَن خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ

قَالَت: يَا بُنَيَّ أَمَا تَقرَأُ القُرآنَ؟ قَالَ اللَّهُ: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) خُلُقُ مُحَمَّدٍ القُرآنُ. أخرجها أبو يعلى (8/275) بإسناد صحيح

قال النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم" (3/268).

" معناه: العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه، وتدبره، وحسن تلاوته ".

المطلب الثاني: منهج اتباع السنة المحمدية لدى أهل السنة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه"، وقال" أفضل الناس القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" وقال أبو زرعة" اذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وانما أدى الينا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب السنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة".

يعني: أن من طعن على الصحابة فإنما يطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطعن على دين الله تعالى(10).

ومما صح على منهج النبي صلى الله عليه وسلم هو مخالفة الاحكام مقارنة مع الغير مسلمين. فاليهود(11) يؤخرون الصلاة الى اشتباك النجوم، وكذلك الرافضة يؤخرون المغرب الى اشتباك النجوم، والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب الى اشتباك النجوم". واليهود تزول عن القبلة شيئا وكذلك الرافضة، واليهود تنود في الصلاة وكذلك الرافضة، واليهود تسدل أثوابها في الصلاة وكذلك الرافضة، واليهود لا يرون على النساء عدة وكذلك الرافضة، واليهود حرفوا التوراة وكذلك الرافضة حرفوا القرآن، واليهود قالوا: افترض الله علينا خمسين صلاة، وكذلك الرافضة، واليهود لا يخلصون السلام على المسلمين، انما يقولون: السام عليكم، -  والسام الموت-  وكذلك الرافضة، واليهود لا يأكلون الجري * والمرماهي.

(*الجري: هو نوع من السمك، زعموا ان السمك خاطب عليا الا هذين النوعين.)

فإذا كان من يتخذ الملائكة والنبيين أربابا بهذه الحال، فكيف بمن يتخذ اماما معدوما لا وجود له؟، وقد قال تعالى" اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا الله الها واحدا لا اله إلا هو سبحانه عما يشركون" سورة التوبة، الآية 31، وقد ثبت في الترمذي وغيره من حديث عدي بن حاتم أنه قال" يا رسول الله ما عبدوه؟" فقال، انهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتهم إياهم فهؤلاء اتخدوا أناسا موجودين أربابا"

الفرع الأول: الوسطية في المنهج المحمدي

الاسلام دين يوافق الفطرة، فهو يدعو الى التوازن في السلوك والاعتدال في الاقبال بالمعاملات الاجتماعية والفردية، كما يدعو الى التسامح، قال الله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطا" ومن مظاهر الاعتدال هو دعوة الاسلام الى الاقبال على المطالب الدنيوية والواجبات الأخروية بما يحقق للفرد حقه من الحياة مثل ما أمرنا الله تعالى " وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا واحسن كما أحسن الله اليك ولا تبغ الفساد في الأرض، ان الله لا يحب المفسدين "سورة القصص الآية 77.

ومن ذلك يشير الدين الاسلامي الى أن خير الامور أوسطها مثل ما ورد في السنة النبوية فلا غلو في الدين الى درجة التطرف ولا تعصب الى درجة التعقيد في الأمور، فالدين الاسلامي صالح لكل زمان ومكان وفيه توضيح لكل ما غاب عن العقل من أحكام شرعية وما مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إلا ليتمم مكارم الأخلاق، والوسطية التي حث عليه رسولنا الكريم انما هي للابتعاد عن كل أشكال التطرف مصداقا لقوله تعالى " قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل" سورة المائدة الآية 77.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا وخط خطين عني يمينه وخط خطين عن يساره ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل الله ثم تلا هذه الآية " وأن هذه صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" رواه بن ماجة وصححه الألباني وقال صحيح.

وبقدر ابتعاد الانسان المؤمن عن الافراط والتفريط بقدر ما بلغ ذروة الاعتدال وسار على النهج السليم الذي ارتضاه لنا الله تعالى، ومنه يمكن القول من أن الوسطية هي اتباع الصراط المستقيم والثبات على هذا الطريق وأخذ الحذر والحيطة من الميل الى أحد الجوانب، وبما أن العقيدة وصفت كونها بالسمحة فالحق أن يتبع أمر الله والحق أن يثبت المرء على دينه على قدر ما أوتي من طاقة ودرجة في تحمل المحن والتجاوز الصعاب والله لا يحمل نفسا إلا وسعها ويبتلى المرء على قدر دينه وفي كل الأحوال فان ما يصيب المرء من قدر خيره وشره فهو خير له، قال الله تعالى" لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به "سورة البقرة الآية 286. ولا بد من تذكر أن دين الاسلام انما هو دين يسر ووضوح وسلم وخير وبركة وفلاح ورشاد .

الفرع الثاني: من مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك.

يعطي كل جلسائه بنصيبه لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه من جالسه أو فاوضه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول قد وسع الناس بسطه وخلقة فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس علم وحلم وحياء وأمانة وصبر لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه الحرم ولا تثنى فلتاته متعادلين بل كانوا يتفاضلون فيه بالتقوى متواضعين يوقرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير ويؤثرون ذا الحاجة.

قال الحسين: سألت أبي عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسائه؟ فقال:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مشاح، يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس منه راجيه ولا يخيب فيه.

 قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيبه ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه واذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير

فإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ حديثهم عنده حديث أولهم.

 فقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم مواقف حكيمة ومشرفة والداعية الى الله، حينما كان يقف ويتأمل المواقف التي كان يقفها الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة الى الله يزداد حكمة، ويستفيد من هذه المواقف في دعوته، فالنبي هو الأسوة الحسنة التي ينبغي على كل مسلم أن يلتزمها "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا"(12).

 وهذا يدل دلالة واضحة على أن الله أعطى نبيه الكريم الحكمة، ولهذا قام بهذه المواقف الحكيمة المشرفة لتكون نبراسا للداعية الى الله يسير بمقتضاها، وخاصة في دعوة المجتمعات الوثنية الكافرة، أما المجتمعات الاسلامية فلا دليل لمن يرى سرية الدعوة في بلاد المسلمين(13).

ومع هذا الجهد المبارك العظيم(14) لم يلجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الاغتيال السياسي، ولم يتخلص من أفراد بأعينهم، وكان بإمكانه ذلك وبكل يسر وسهولة، اذ كان يستطيع أن يكلف أحد الصحابة بقتل بعض قادة الكفر، كالوليد بن المغيرة المخزومي أو العاص بن وائل السهمي، أو أبي جهل عمرو بن هشام، أو أبي لهب: عبد العزى بن عبد المطلب أو النضر بن الحارث، أو عقبة بن أبي معيط، أو أبي بن أبي خلف، أو أمية بن خلف ...و هؤلاء هم من أشد الناس أذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يأمر أحدا من أصحابه باغتيال أحد منهم أو غيرهم من أعداء الاسلام، فان مثل هذا الفعل قد يؤدي بالجماعة الاسلامية كاملة، أو يعرقل مسيرتها مدة ليست باليسيرة، كرد فعل من أعداء الاسلام، الذين يتكالبون على حربه، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر في هذه المرحلة باغتيالهم، لأن الذي أرسله هو احكم الحاكمين.

و من هنا يستنتج أسلوب الدعوة الى الله على الأرض اقتداءا بمواقف الرسول صلى الله عليه وسلم في كيفية تعامله حتى مع العدو، لأن تمام تبليغ الدعوة انما بتمام الأخلاق والصبر على الأذى وتجاوز الزلات والأخطاء بالصفح الجميل والتسامح.

المبحث الثاني: ضرورة اعادة احياء السنة النبوية في العصر الحديث

المطلب الأول: نظرة تأملية في الواقع الاسلامي

قال الدكتور أحمد عبادي(15)، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، إن العلوم الإسلامية رغم ما هي عليه اليوم في وضعها الحالي، تبقى قادرة على إلهام المفكرين وإعطائهم مجموعة من الآليات في غاية الفاعلية لتيمم شطر قِبلات أهدى سبيلا.. إلا أن واقع العلوم الإسلامية الحالي، يضيف د. أحمد، يحتاج إلى مراجعة وتجديد.

ودعا د. عبادي في حوار معرفي مع مجلة الإحياء إلى تجاوز العوائق التي تعترض سبيل العلوم الإسلامية، من هذه العوائق: أن هذه العلوم قد دلفت نحو قُطب التقليد، وثانيها: انفكاكها من مصدرها الذي هو القرآن المجيد، وثالثها: هذه العلوم قد توزعتها نزاعاتٌ مذهبية في فترة من الفترات. ورابعا أن هذه العلوم قد تسربت إليها في فترة من الفترات مناهج دخيلة.

كما أكد د. عبادي ضرورة استئناف الحوار مع القرآن الكريم، لأنه حين يُستأنف الحوار يكون الإبداع والنظر المتجددان، وحين ينقطع الحوار تحل السلبية ويطفح الجمود مرة أخرى من جهة أخرى، دعا

د. عبادي إلى تحرير وتجريد الباراديغمات الكامنة من جهة وراء العلوم الإنسانية حتى نتعامل معها برشد وفاعلية واتزان، وتجريد من جهة ثانية الباراديغمات الكامنة وراء علومنا ومعارفنا حتى نتأكد من قرآنيتها وسلامتها، واتصالها بالمعطيات التي في الكتاب المسطور وفي الكتاب المنظور.

التاريخ يسكننا كما يسكنُ سائر الأمم والشعوب، ولكن بالنسبة إلينا فإن التاريخ متصل من حيث انطلاق هذه الدورة الحضارية الإسلامية بالرسول الأكرم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحبه الكرام، الذين أسسوا الأنموذج.

 فالنظر إلى هذه القضية حين انفك هو بدوره عن مقصديته القائمة على أن هذا الأنموذج يشكل وحدة قياسية، أي أنها معيار أو حالة سواء، وجب أن يتم ردُّ الأمور إليها بعد دراستها حتى يُصبح هذا الاستعمال لهذا الجزء المشرق من تاريخ المسلمين استعمالا وظيفيا، وتكون مقاربته مقاربةً وظيفية أيضا

حين لم يتم تجريدُ حالة السواء هذه وتجلية معالم الوحدة القياسية التي تحدثنا عنها، ولم تتم (مَنهَجَة) كيفية التعاطي معهما، والاستمداد منهما، بكل الواقعية وكل المرونة اللتين تجعلان الإنسان دائمَ الارتباط بواقعه، غيرَ غافل ولا لاهٍ عنه ولا عن ضروراته وإكراهاته؛ بحيثُ إنهُ يُطالب في إطار هذا المنهج، بأن يكون دائمَ القيام بخطوات ثلاث: الخطوة الأولى: هي تَمثُّل الوحدة القياسية وحالة السواء، بطريقة علمية بحيث تكون مبوّبةَ وممفصلةً وممنهجة، والخطوة الثانية: هي النظر إلى الواقع وتحليله، والوقوف على مقوماته ومكوناته وأدواره وسُلطه ومراكزه(16).

الفرع الأول: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أنموذجا

اقتداءً(17) بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كان صحابته رضوان الله عليهم يقومون بما كان يقوم به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن الأعمال الجليلة والخُلُق الكريم مِن التَّواضُع وخفض الجناح.

فكان أبوبكر رضي الله عنه يحلب الشَّاة لجيرانه، وكان عمر رضي الله عنه يحمل قربة الماء، وكان عثمان رضي الله عنه وهو يومئذ خليفة -  يقيل في المسجد ويقوم وأثر الحصباء في جنبه، وكان عليٌّ رضي الله عنه يحمل التَّمر في ملحفة ويرفض أن يحمله عنه غيره، وكان أبو الدَّرداء ينفخ النَّار تحت القِدْر حتى تسيل دموعه.

وصفوة(18) القول إنَّهم رضي الله عنهم ساروا على نهج الرَّسول الكريم، فلم يستكبر منهم أحدٌ، أو يستنكف عن القيام بتلك الأعمال اليسيرة النَّافعة مهما عَظُمَت مكانة الواحد منهم.

عن طارق بن شهاب، قال: (خرج عمر بن الخطَّاب إلى الشَّام ومعنا أبو عبيدة بن الجرَّاح، فأَتَوا على مخاضة، وعمر على ناقة له، فنزل عنها وخلع خفَّيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! أنت تفعل هذا، تخلع خفَّيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟! ما يسرُّني أنَّ أهل البلد استشرفوك. فقال عمر: أوَّه، لم يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم إنَّا كنَّا أذلَّ قوم، فأعزَّنا الله بالإسلام، فعن -  عن أبي محذورة قال: كنت جالسًا عند عمر رضي الله، عنه جاء صفوان بن أميَّة بجَفْنَة، يحملها نفرٌ في عباءة، فوضعوها بين يدي عمر، فدعا عمر ناسًا مساكين وأرقَّاء مِن أرقَّاء النَّاس حوله، فأكلوا معه، ثمَّ قال عند ذلك: فعل الله بقوم، أو قال: لحى الله قومًا يرغبون عن أرقَّائهم أن يأكلوا معهم!! فقال صفوان: أما والله، ما نرغب عنهم، ولكنَّا نستأثر عليهم، لا نجد والله مِن الطَّعام الطَّيِّب ما نأكل ونطعمهم.

وعن عروة بن الزُّبير رضي الله عنهما قال: (رأيت عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين! لا ينبغي لك هذا. فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دَخَلَت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها).

هذه أمثلة بسيطة لتواضع الصحابة، وهذا التواضع قياس للبقية من كانوا يصادقون الرسول في السراء والضراء فكانوا له نعم الوجاء ونعم الاخوان وقد بشروا بالجنان وهم بعد لم يرحلوا عن الدنيا.

الفرع الثاني: فضل الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلم

 الدولة الاسلامية بعد عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهدت حركة علمية واسعة أساسها جمع الحديث وروايته وتدوينه، فقامت عليه حركة علمية قامت على النقل والاسناد، فكل ما نعرفه من تأريخ السير، والمغازي والفتوح، والتراجم والطبقات، وحتى تفسير القرآن وعلوم القرآن، ما تشعبت عن جمع الحديث وروايته، فمن أبرز أوجه التأثير البالغ الذي أوقعه الحديث النبوي في العلوم العربية الاسلامية (النقلية)، الرحلة الى طلب العلم الى أقاصي الأمصار، فكان العلماء يطوفون البلدان ويتبادلون العلم تأثر وتأثيرا ، مما وحد المناهج والخطى، والروايات والنصوص، ومما أذاع بين الناس في كل مكان ألوانا من العلم، وضروبا من المعرفة ليس لهم سابق عهد (18).

ومن فضل الصحابة على الرسول الكريم هو نقل الحديث عنه، هذا الحديث الذي سيرد بيان نوعه .

أولا: الفرق بين القرآن الكريم والحديث القدسي والحديث النبوي(19)

القرآن الكريم هو كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، المتعبد بتلاوته، المتحدى بأقصر سورة منه، وقولهم المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للتمييز بينه وبين الكتب السماوية الأخرى كالتوراة والانجيل، والزبور وعلى نحو الصحف المنزلة على ابراهيم عليه وعلى نبينا السلام .

الحديث القدسي: هو ما أضيف الى الرسول صلى الله عليه وسلم وأسنده الى رب العزة مثل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال "قال رسول الله فيما يروي عن ربه"، أو قال الله تعالى فيما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير متعبد بتلاوته .

الحديث النبوي: هو ما أضيف الى الرسول صلى الله عليه وسلم قولا ومعنى، اذا الفرق بين الحديث القدسي والنبوي كلاهما نبوية، الا أن القدسي معناه من عند الله، ولفظه من رسوله الكريم.

أيضا من صور محبة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم الدفاع عنه، حينما بدأ بنشر الرسالة التي كلفه الله بها حيث اشتد عليه الكرب وزادت ضده الشائعات والمطاردات لأجل أن يتوقف عن تبليغ الدين للناس، ولكن بفضل وقوف الصحابة الى جنب الرسول صلى الله عليه وسلم، بدأت الدعوة في الانتشار، فها هو أبو بكر الصديق ينطلق صوب الكافر الذي أراد خنق رسول الله حينما رآى عقبة بن أبي عبيط متجها صوب رسول الله وهو قائم يصلي فأخذ أبو بكر يترقبه، اذ حينما خلع ثوبة ليلقيه على رسول الله ليخنقه الا ويندفع أبو بكر متجها نحوه ليدفعه دفعة شديدة، ونجا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كيده، ثم أخذ يردد الآية الكريمة " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم" سورة غافر الآية 28.

أيضا من مظاهر محبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو خوفهم من فراقه، حيث

 خرج أحمد عن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال: لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته فلما فرغ قال: «يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري، فبكى معاذ جزعاً لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم .

اضافة الى التنافس من أجل حبه، هذا التنافس هو صورة من صور محبة الصحابة لرسولهم وقائدهم الكريم، هذه المحبة نشأ منها سلوك عظيم وهو فدائهم له، ومن ذلك قصة زيد بن الدثنة، عندما ابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه، فبعثه مع مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم، وأخرجه من الحرم ليقتله، واجتمع رهطاً من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: "أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك نضرب عنقه، وإنك في أهلك؟ "، قال: "والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي"، فقال أبو سفيان: "ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً ثم قتله نسطاس".

وهذا واذ سردنا صورا عطرة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومواقفا من شخصيات الصحابة رضوان الله عليهم، الا أن العالم الاسلامي اليوم يشهد حالة من الركود في تكرار هذا النموذج المحمدي في عصرنا هذا المتكالب عليه تقنيات وتكنولوجيا بعولمة أدخلت تحديثا على نسق العيش، بالإضافة الى الواقع السياسي والذي حصدت معه الحروب أرواحا كثيرة وخلقت تشتتا وفقرا وانقسامات في اتباع المنهج الاسلامي فصارت الطائفية تفرض توجهات أحدثت نوعا من الفرقة بدل التوحد والالتفاف حول السيرة المحمدية بكل ما دعت اليه من لم للشمل والدفاع عن القضايا المصيرية وأهمها ما تعانيه الأمة الاسلامية من غربة وتغريب، فكيف العمل للعودة الأصيلة الى حضارة الرسالة المحمدية بآليات ناجحة من شأنها أن تقلب الموازين لتزيد من سد الشروخات وتضميد الجراح التي آلمت ولا تزال والسبب هو عدم اتباع كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والابتعاد عن المنهج الحقيقي والذي به تستقيم الحياة وتتحقق به نجاحات الأمة

المطلب الثاني: آليات اعادة احياء السنة النبوية في العالم الاسلامي

يقول فضيلة الشيخ اسماعيل محمد رفعت عضو هيئة العلماء والدعاة في ألمانيا حول معنى احياء السنة

حينما ذكر أنها مركب من كلمتين، فكلمة "احياء" مصدر من الفعل حيي وحي حياة، وحيوانا ذا نماء، وأحيا الله فلانا بمعنى جعله حيا وأحيا الله الموتى: أي بعثهم، والحياة تعني الخصب كما تعني النمو والبقاء، وفي علم الأحياء مجموع ما يشاهد في الحيوانات والنباتات من مميزات تفرق بينها وبين الجمادات مثل التغذية والنمو والتناسل ونحو ذلك (المعجم الوجيز: مادة "حيي" ط المجمع ص 182).

فالكلمة اذن معناها البعث والانماء.

أما كلمة " السنة " فهي الطريقة والسيرة، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم هي ما ينسب اليه من قول أو فعل والسنة في الشرع هي العمل المحمود، فالكلمة اذن معناها البعث والانماء في الدين مما ليس فرضا ولا واجبا والجمع سنن، وأهل السنة من يأخذون بالمأثور في الشريعة ومن تابعهم و" السنية" أهل السنة (المعجم الوجيز، مادة "سن" ص 325.

وقد رود في القرآن الكريم عما يشير الى اتباع السنة وهي قوله تعالى " ومن يطع الله والرسول فأولئك أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا" سورة النساء الآية 69.

هذا وقد جاء ذكر طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع من الكتاب والسنة وفي هذه المواضع تكمن ضرورة العودة الى هذين المصدرين لإحياء السنة النبوية في زمن طغى فيه التغريب والتضليل على نحو ما أثر على توحد المسلمين وتلاحمهم خاصة في قضاياهم المصيرية.

الفرع الأول: احياء السنة النبوية من منظور القرآن الكريم

 يقول الله تعالى " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ان الله شديد العقاب " سورة الحشر الآية 7 .

ولعل من مظاهر التفريط في السنة مثلما ورد على قول الشيخ (20) اسماعيل محمد رفعت هي التبعية لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعمر أن يستقيم حال المسلم حتى يعظم السنة ويحتاط بها، فالمطلوب أن يحفظ المسلم لنفسه قدرها ولا يتبع الا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنه لن تطيب نفس المسلم لو اتبع سنن الغرب وتقاليدهم ونقل أفكارهم ومعتقداتهم لأنها تناقض الفطرة التي فطرنا الله عليها وتناقض فطرة التوحيد والايمان بوحدانية الله عز وجل، حيث قال تعالى" ألمص، كتاب أنزل اليك فلا يكن في نفسك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين " سورة الأعراف الآيتين 1 و2.

كما يذكر الشيخ مظهرا آخر من مظاهر التفريط في السنة وهي العدول عن التأس به صلى الله عليه وسلم وعن مطالعة سنته وسيرته العطرة وسيرة زوجاته وصحابته وأهل البيت رضوان الله عليهم، حيث تلزم هذه المطالعة الاقتداء بها في الأمور القيادية والسياسية وفي الفكر وفي الاقتصاد وفي جميع مظاهر الحياة التي لا تحلو الا بالاقتداء بسنة الهدى نبراس الأمة محمد عيله أفضل الصلاة والتسليم، حيث اتخذ الناس اليوم طريق الرذيلة والبعد عن الفضيلة فانحنى ظهر الأمة الاسلامية وتكالبت عليها الأمم من كل صوب فكثر بذلك الهرج والمرج وكله بسبب ذنوب العباد في ابتعادهم عن المرجعية الدينية الصحيحة والتي لا يظل من اتبعها أبدا .

وعليه فان من آليات احياء السنة النبوية هي العودة الى السنة والعمل بما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم وتعليم الأجيال الناشئة هذه السنة وأهميتها في صلاح واستقامة المسلم عبر مسيرة الحياة،

 فطاعة الرسول هي طاعة لله تعالى، والاعتبار من ذكر هذه الطاعة في أكثر من ثلاثين موضعا في القرآن الكريم، حيث قال تعالى " وما ينطق عن الهوى، ان هو الا وحي يوحى "سورة النجم، الآيتين 3- 4.

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليها بلفظ كتاب الله كما في قصة العسيف (الأجير) الذي زنى بامرأة الذي استأجره فقال المستأجر للنبي صلى الله عليه وسلم " أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ ... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ الله، ففيها اشارة الى أن السنة يطلق عليها كتاب الله لأنها بوحيه وتدبيره .

الفرع الثاني: احياء السنة النبوية من منظور السنة

روى الترمذي بسنده عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ .[سنن الترمذي: كتاب المناقب: باب فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم ح رقم 3797وأحمد مسند البصرين مسند عبد الله بن مغفل 19641، ، 19669

هي اشادة على جمال السنة ومن تبعها من الصحابة حينما صلح حال المسلمين وتآخوا فيما بينهم وقد قادهم الرسول صلى الله عليه وسلم الى ما يلم شملهم ويوحد صفهم بروحانيات من السنة الشريفة.

ويذكر الشيخ اسماعيل محمد رفعت أن ما يمكن استنتاج آليات لإحياء السنة النبوية في عصر التقنية والتكنولوجيا السريعة حيث ينبه الى أن الانتفاع بالتقنيات الحديثة والاكتشافات العلمية (على الوجه المشروع) غير معارض للسنة، وقصر استعمال النبي صلى الله عليه وسلم للوسائل التقنية المتاحة في عصره لا يمنع شرعا من الانتفاع من المستحدثات الحضارية طالما كانت داخلة في باب الوسائل لا المقاصد والغايات، فمن السفه ان نمتنع عن ركوب السيارة بدعوى ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يركبها.

 تبقى أن طاعة الرسول واتباعه هي ثمرة محبة الله "قل ان كنتم تحبون الله، فاتبعوني يحببكم الله "سورة آل عمران الآية 31.

وينسب للنابغة وغيره هذين البيتين:

تعصى الإله وأنت تزعم حبه ذاك لعمري في القياس بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن أحب مطيع

كما دافع عن صاحب السنة الصحابة وسطروا في ذلك أفضل الأمثلة وأصدق الأعمال

أبو طلحة الأنصاري –رضي الله عنه-  كان يحمي الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، ويرمي بين يديه [بالسهام] ويقول: " يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُشْرِفْ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ " [البخاري: كتاب المناقب باب مناقب أبي طلحة رضي الله عنه حديث: 3527

وما أجمل ما قاله أنس بن النضر يوم أحد " فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي أَصْحَابَهُ وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ الْجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ قَالَ سَعْدٌ فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ قَالَ أَنَسٌ فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ قَالَ أَنَسٌ كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ "مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عليه".

" [صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير باب قول الله تعالى { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا } ح رقم: 2805،

4048.

 أو بعد كل هذا نقصر في حب الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نحترق شوقا لإحياء سنته وللقائه ولشفاعته يوم لا ينفع مال وبنون الا من أتى الله بقلب سليم .

خاتمة:

في الحقيقة (21)، أننا إذ نعمل على "إحياء السنة" ونشر فضائلها فإنها هي التي تحيينا وتضيف لحياتنا قيمتها الحقيقية قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ..." سورة الأنفال، الآية24 .]

والعمل بالنية مبنى العلم هو طريق النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى " قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ "، سورة يوسف، الآية 108.

فالعلم مصاحباً للعمل سبيل النجاة، قال الإمام الغزالي في رسالته القيمة "أيها الولد": "واعلم أن العلم المجرد لا يأخذ باليد" [أيها الولد ص 5 ط: دار التوزيع والنشر الإسلامية] فالعلم المجرد عن العمل لا ينجي أمام الله يوم القيامة.

والحقيقة التي لا بد وأن تكون ظاهرة أن العمل لإحياء السنة لا ينفك أبداً عن العمل للإسلام بشموله فإن السنة لحمة وسدى وهي نسيج الإسلام، ولا يستطيع أحد أن يفصلها عنه فهي أحد الوحيين وثاني مصادر التشريع.

واستغفر الله أولا وأخيرا

 

أ. سميرة بيطام

........................

الهوامش مع المراجع:

* بحث المشاركة في المؤتمر الدولي لمهارات خدمة السنة النبوية، 10-11 ماي 2017 بالجامعة الزرقاء –الأردن

1- أحمد متولي محمد، سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، الجزائر، دار المجدد للنشر والتوزيع، 2009، ص 9.

2- أحمد متولي محمد، المرجع السابق، ص 5.

3- برنامج الشريعة والحياة، الاساءة الى النبي وسياسة التعامل معها على قناة الجزيرة الاعلامية.

www.aljazeera.net/programs/regionan drift/2012/9/19/

4- تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، فضل آل البيت، من نوادر التراث، القاهرة، دار النصر للطباعة الاسلامية، 1977، ص10، 9.

5- تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، المرجع السابق، ص 22.

6- تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، المرجع السابق، ص 24، 23.

7- الحافظ أبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني، أخلاق النبي وآدابه، الرياض، الجزء الأول، 1418 هـ، 1998، الطبعة الأولى، ص 15.

8- الحافظ أبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني، المرجع السابق، ص1.

9- أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، مختصر سيرة النبي وسيرة أصحابه العشرة، الرياض، 2003، الطبعة الثانية، ص 53.

10- أبي العباس شيخ الاسلام أحمد بن تيمية، مختصر منهاج السنة النبوية، الرياض، مكتبة الملك فهد الوطنية، 1430 هـ، ص6.

11- أبي العباس شيخ الاسلام أحمد بن تيمية، المرجع السابق، ص 15.

12- د.سعيدبن علي بن وهف القحطاني، مواقف النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة الى الله، ص 4، يمكن تحميل الكتاب من شبكة الألوكة على الرابط التالي:

www.alukah.net/library/070806/

13- د.سعيد بن علي بن وهف القحطاني، المرجع السابق، ص 8.

14- د.سعيد بن علي بن وهف القحطاني، المرجع السابق، ص 5

15- العلوم الاسلامية:الاستيعاب والتجديد، في حوار مع الدكتور أحمد عبادي، المملكة المغربية، مجلة الاحياء، يمكن تحميل الحوار من رابط المجلة:

www.alihyaa.ma/Article.asp؟c=5599

16- العلوم الاسلامية، الاستيعاب والتجديد، المرجع السابق

17- نماذج من تواضع الصحابة رضوان الله عليهم، موقع الدرر السنية

www.dorar.net/enc/akhlaq/342

18- مروة ابراهيم شعبان قوتة، الأحاديث القدسية –دراسة بلاغية-  رسالة مقدمة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير في اللغة العربية (البلاغة)، غزة، الجامعة الاسلامية، عمادة الدراسات العليا، كلية الاداب، قسم اللغة العربية، 2007، ص 5.

19- مروة ابراهيم شعبان قوتة، المرجع السابق، ص 4، 3.

20- احياء السنة، لفضيلة الشيخ اسماعيل محمد رفعت، عضو هيئة العلماء والدعاة في ألمانيا.

21- احياء السنة، نفس المرجع السابق.

 

 

abdullah badrhskandarعندما يريد الإنسان دراسة الأفكار المتشعبة ويجهد نفسه في حل ألغاز كذا نوع من أنواع العلوم والإبحار في نظريات أهل العلم فإنه يواجه أمواجاً كثيرة تجرفه واتجاهات شتى تأخذ به وبناءً على هذا تبدأ لديه مرحلة التحليل والتنقيح فيكون موقفه من تلك الاتجاهات إما القناعة بها أو الخروج بما يخالفها، ولهذا فإن نشأة الفكر لا يمكن أن تعتمد على اتجاه الآحاد أو أخذ الآراء السقيمة قياساً إلى ما يجب العمل به في الأفكار الإيجابية. ومن هنا نعلم أن ما يحثنا به القرآن الكريم على اعتماد الوسطية لا يعني أن تلك الوسطية التي تلتزم الموازنة في الجانب الايجابي وليس تلك التي تحدث طرفاً مضافاً، ولذلك فإن الغالب العام من هذه الأمة حين التزموا الوسطية ووضعوها في المكان غير المناسب كان هذا هو السبب في نشأة الاختلاف بين المذاهب والاتجاهات، حتى أصبحت ميول أصحاب القرار نحو الأهواء والرغبات معتبرين أن الآخرين في واد وهم في واد آخر وهذا ما أدى إلى تطور الخلاف المذموم بين المذاهب والفرق على اختلاف مللها ونحلها.

وعندما نريد دراسة تلك الانقسامات والتحكم بها نكون قد وجدنا الحل الأمثل لجمع الأفكار التي تفرقت بسبب الاختلاف غير السليم وبهذا نحصل على فكر مخالف وجديد يتمثل في المفاهيم العامة التي يرتكز عليها المجتمع وبنفس الطريقة التي شرعها الله تعالى في هذا المبدأ المتمثل في العبادات والأحكام من خلال النهج السليم لأن الاختلاف بطبيعة الحال يفضي بالأمة إلى الواقع المحيط بها والذي بموجبه تحسن التصرف في الأعباء الملقاة على عاتقها والمطلوب التمسك بها أما بخلاف هذا فإن الواقع المتزمت والاعتقاد المتخذ دخلاً بين أبناء الأمة تكون نتائجه غير سليمة.

وهذا الاختلاف الذي يبعث اليأس في حال هذه الأمة يتفرع على الاختلاف الفكري الذي شغل العلماء طيلة القرون السابقة إلى يومنا هذا، وإن كانت بعض المراحل لا تخلو من المخلصين الذين بذلوا الجهد لأجل التقريب بين الفرق المختلفة فكرياً، ولكن هذا العدد لقلته لا يمكن أن يجاري التيارات التي همها الهدم والتفريق لأن دافع هؤلاء لا يخرج عن حب التسلط والتحكم بمصير السواد الأعظم من الناس ولو كان ذلك على حساب حقوق الآخرين. والأشد فتكاً بهذه الأمة من ذلك التيار الذي يعمل على علم وبينة تيار آخر يغلب عليه الجهل والتخلف وعدم مراعاة مصالح الآخرين وهذا التيار له اليد الطولى في القضاء على همم الطليعة التي تأمل على إصلاح ما أفسده السلف.

والاختلاف الذي يفرضه الواقع والمعتقد الحي بطبيعته يثري النهج السليم، حيث إن تعدد الآراء وفتح أكثر من باب للعلوم المختلفة يجعل المتلقي على يقين وطمأنينة عند دخوله هذا الصرح ومن أي الأبواب شاء وليس هناك أمر سالب في هذا لأن القرآن الكريم جعل من الاختلاف أمراً ايجابياً كما قال تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين... إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) هود 118- 119. ولو أخذنا هذا الاختلاف الذي أشارت إليه الآية الكريمة على عمومه لكان مفهوماً عاماً ينطوي تحته ألف عنوان من اختلاف الألوان والألسن والرغبات والقوة والضعف وما إلى ذلك، بحيث يتفرع على هذا تكامل الحياة وخدمة البعض للبعض الآخر كما قال تعالى: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخريا) الزخرف 32.

فإن قيل: إذا كان الاختلاف أمراً مشروعاً فلماذا لا يحق لنا أن نختار الدين الذي نرغب به؟ أقول: إن الاستعداد الديني خارج عن الاختلاف لأنه أمر فطري جبل عليه الإنسان كما قال تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) الروم 30. لكن الذي حدث فيما بعد من تفرق الناس واختيارهم الطرق البعيدة عن الدين ما هو إلا خروج عن الفطرة وهذا يعد من البغي على دين الله كما قال تعالى: (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم) الشورى 14. وكذلك قوله: (فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) الجاثية 17. وهذا ما أشرنا إليه من تصادم الأطماع والجهل الناتج من العلماء ومن يعمل على شاكلتهم ولهذا فإن القرآن الكريم يؤكد دائماً على أن الناس أمة واحدة وتحت ظلال فطرة واحدة لكن الاختلاف السلبي جعل الحاجة ماسة لإرسال الرسل والأنبياء لسد هذا الفراغ الذي أوجده الاختلاف لذلك قال جل شأنه: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) البقرة 213. وكذلك قوله: (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون) يونس 19.

 

عبدالله بدر السلطان

 

ibrahim telbasilkhaتوجد نظريات كثيرة اهتمت بدراسة عوامل قيام الحضارات وانهيارها منها نظرية البيئة ونظرية العرق أو الجنس ونظرية التحدى والاستجابة .. الخ:

أولا: نظرية البيئة

تؤثر الطبيعة في الانسان، وتعدل من شكل المجتمعات البشرية، اذ هناك باستمرار عملية تفاعل وتجاوب بين الإنسان وبيئته لذا فان التنظير الجغرافي الأمثل لهذه العلاقة هو العلاقات المتبادلة بين المجتمع والبيئة ويمثل استقرار الانسان وتوزيعه، عبر المراحل التاريخية، من خلال العلاقة الجدلية بين الانسان وبيئته، صورةً للتوافق او الصراع، والتي شكلت انماطا متباينة من الحضارات، تبعا للبيئات المكانية والتطور المعرفي وتراكماته.(1)

تؤكد نظرية البيئة على دور عامل البيئة فى بناء الحضارة وتطورها وترى أن هذا الدور يتف اوت بتفاوت خصائص البيئة وإمكاناتها . فالفرق واضح بين ما إذا كانت البيئة استوائية أو معتدلة أو قطبية لما بين هذه المناطق من فروق واختلافات واضحة فى درجة الحرارة والبرودة والرطوبة والجفاف والأمطار والرياح، إضافة إلى طبيعة شبكة المواصلات البرية والنهرية والبحرية الموجودة فى المنطقة . فضلا عن الثروات النباتية والحيوانية والمعدنية التى قد تكون موجودة فيها . وهذه بمجموعها تشير فى حال الاعتدال والانحراف والاتساع والضيق والكثرة والقلة إلى طبيعة الدور الذى يمكن أن تلعبه المنطقة كخاصية حضارية .(2)

ومن هنا نلاحظ أن الأقاليم المعتدلة، لطبيعة خصائصها وإمكاناتها وتفردها بهذه الخصائص والإمكانات دون أقاليم الكرة الأرضية شهدت كثافة سكانية عالية وحفلت بالفعاليات البشرية التى أبدعت حضارات العالم المعروفة ولذلك نجد أن مفكرى اليونان منذ القرن الخامس قبل الميلاد أكدوا على دور عامل البيئة فى بناء الحضارة، فأرجعوا تنوع الثقافات إلى عامل بيئى، وقالوا بأثر الجو والماء والهواء على الإنسان فى خلقه وتفكيره، وميزوا – على سبيل المثال – بين أهل الجبال الذين وصفوهم بالبنية الضخمة والشجاعة والقدرة على الاحتمال ونقاء اللون، وبين أهل الأراضى المنخفضة الحارة الرطبة الذين وصفوهم بالأجسام المترهلة والألوان القاتمة وسرعة الغضب وضعف الاحتمال .(3)

ويذكر ابن خلدون أثر البيئة على جلد الإنسان سوادا، وبياضا، على العين زرقة وغير زرقة، وعلى الشعر وعلى البدن فى لونه صفاءاً وإنكسافاً وغلطة ولطفة ورقة وعلى الشكل نقاءا وبشاعة وعلى الخلق حسنا وقبحا، وعلى التدين قوة وضعفا، وعلى العقل فطنة وذكاءا وبلادة وغباءا . وميز بين أثر الأقاليم المعتدلة فى ذلك وأثر المنحرف منها، وقال إن اعتدال مناخ الأقاليم يجعل حياة الناس فيها معتدلة، فأهلها أعدل أجساما وأخلاقا على عكس أهل الأقاليم المنحرفة، فالدين عندهم مجهول والعلم مفقود وأحوالهم قريبة من أحوال البهائم بأمزجتهم وأخلاقهم .(4)

كما يؤكد ابن خلدون على وجود رابطة قوية بين أخلاق الناس والشعوب وبيئتهم الطبيعية . ويذهب إلى أن أخلاق الناس فى المناطق المعتدلة تتسم بالاعتدال، فالبيئة تخلق خلقا وملكة وعادة تنزل فى الإنسان منزلة الطبيعة والجبلة، ومعنى ذلك أن العمران يؤثر فى أبدان البشر وأخلاقهم، كما تؤثر البداوة فيهم . وأهل الجبال فى نظرة أحسن حالا فى أجسامهم وأخلاقهم من أهل التلول المنغمسين فى العيش، فألوانهم أصفى وأبدانهم أنقى وأشكالهم أتم وأحسن، وأخلاقهم أبعد عن الانحراف، وأذهانهم أثقب فى المعارف والإدراكات وهذا أمر تشهد له التجربة فى كل جيل منهم.(5)

ويبدو أن ابن خلدون فى هذه الآراء قد تأثر بجالينوس فى تفسيره لفسيولوجيا الجسم الإنسانى لأنه يقول: "إن كثرة الأغذية ورطوبتها تولد فى الجسم فضلات رديئة، وكثرة الأخلاق الفاسدة العفنة، مما يؤدى إلى إنكساف الألوان وقبح الأشكال من كثرة اللحم، ويؤدى ذلك إلى البلادة والانحراف عن الاعتدال بالجملة . أما حياة البادية فهى تعلم الناس الصبر والاحتمال والقدرة على حمل الأثقال . وذلك لان الإقلال من الطعام والجوع يؤثر فى نقاء الأجسام من الزيادات الفاسدة والرطوبات المختلطة المخلة بالجسم والعقل ".(6)

وهكذا نلاحظ أن نظرية البيئة تتخذ من الأحوال المناخية والجغرافية المختلفة سببا لتفسير اختلافات البشر القائمة فى سلوكهم. وبالتالى تؤكد ضرورة اعتبار البيئة عاملا حاسما يبعث الحضارة إلى الوجود .. ولكن ترى إلى أى حد يمكن قبول هذه النظرية ؟

موقفنا من نظرية البيئة:

لا ريب فى أن القول بارتباط الحضارة بالبيئة ارتباط العلة بالمعلول، والسبب بالمسبب مجانب للواقع، إذ يقتضى هذا القول أن كل بيئتين متشابهتين لابد من أن تقوم عليهما حضارتان متشابهتان وهو ما لا يؤيده دليل تاريخى . فضلا عن أن دور البيئة وأثرها على الإنسان كان أكثر وضوحا فى الماضى منه فى الحاضر، فاليوم تجد الناس يعيشون عصرا تتجلى فيه زيادة قوة الإنسان وقدرته فى تسخير البيئة لأغراضه والانتفاع بها لصالحه . وهذا يدعونا إلى عدم التعلق بنظرية البيئة واعتبارها المسئولة عن نشؤ الحضارة، هذا فضلا عن دور النظم الفعالة فى حياة المجتمع وتأثيرها فيه .(7)

ويمكن أن نشير هنا إلى موقف أرنولد توينبى الذى يدلل على تداعى نظرية البيئة فهو يرى أنه قد تحدث فى بعض الظروف البيئية المتشابهة أن تقوم مجتمعات حضارية معينة فمثلا قد أتاحت الظروف الجغرافية الملائمة فى وادى النيل وحوض الرافدين قيام مجتمعات وحضارات متشابهة كحضارة النيل والرافدين، ولكن فى وديان أخرى قد لا تتاح فرصة قيام حضارات متشابهة كنهر الكلورادو، بل أكثر من ذلك قد ظهرت الحضارة الأنديانية على مرتفعات وهضاب ومع ذلك لا تبرز إلى الوجود دائما مجتمعات مشابهة للحضارة الأنديانية فمرتفعات أفريقيا لم تخلق حضارات . وهناك حضارات أخرى قد نشأت مثلا وسط الغابات والأحراش فى أفريقيا، ولكن مرة أخرى نؤكد أن مثل هذه الحضارات لم تبرز أيضا فى وسط أحراش وغابات الأمازون .(8)

لا ترتبط الحضارة إذن فى نشأتها بعوامل البيئة وحدها، فليس صحيحا أن البيئة السهلة هى التى تنبثق منها الحضارة . فإذا كان نهر النيل علة الحضارة المصرية القديمة فإنه كان يجب أن تنشأ الحضارات فى بيئات من الطراز النيلى، وإذا كانت حضارة ما بين النهرين تؤكد ذلك فإن عدم قيام حضارة فى وادى الأردن يدحضها، وإذا كانت بيئة الأمازون قد أنتجت الحضارة الأنديانية فإنه فى نفس خط العرض ونفس الظروف البيئية لم تقم حضارة . والحضارة الصينية سليلة النهر الأصفر، ولكن حوض الدانوب مع التشابه فى المناخ والتربة قد أخفق فى إنجاب الحضارة .(9)

خلاصة القول: إن الحضارات لا تقوم نتيجة العوامل الجغرافية فقط بل إن عامل البيئة لا يعد عاملا إيجابيا فى نشوء الحضارة وبعثها إلى الوجود .

ثانيا: نظرية الجنس أو العرق

يذهب القائلون بنظرية الجنس إلى أن بعض أجناس البشر تصعد، أى تتقدم وتزداد قوة لأن جنسها – أو نفرا من قادته – مهيأ للتقدم، بينما لا تتمتع أجناس أخرى بمواهب كافية للتقدم فيبطئ تقدمها

وتميل إلى الركود فى حالة من البداوة أو البقاء على مستوى حضارى معين لا تتخطاه . وأن الجماعات البشرية المهيأة بطبعها للتقدم تتميز غالبية أفرادها بخصائص بدنية أو خلقية، أو بدنية وخلقية معا يتوارثها أفرادها بحيث تصبح هذه الخصائص مميزة لها عن غيرها. ويقول علماء الأجناس إن هذه توجد مركبة فى طبع الجنس وهيئته بالخلقة . وهذه الخصائص تمكنه من صنع الحضارة أو - إذا استعملنا تشبيه التقدم الحضارى بعملية الصعود على سفح الجبل - أن هذه الأجناس قادرة على التحرك والتسلق إلى أعلى مرحلة بعد مرحلة . وخلاصة رأيهم أن هناك أجناسا قادرة على صنع الحضارة وأخرى غير قادرة أو ذات قدرة قليلة فى هذا الميدان .(10)

والقول بامتياز الأجناس بعضها على بعض شائع عند معظم الأمم فى العصور القديمة والوسطى، ولا يزال قائما عند أهل الغرب – وخاصة غرب أوربا والولايات المتحدة الأمريكية إلى اليوم – فاليونان كانوا يرون أنفسهم أفضل الأمم وأذكاها وأشرفها وبقية الخلق همج، والرومان جعلوا الرومانى فوق غيره بحكم القانون، حتى صاروا إذا أرادوا أن يعرفوا قدر إنسان أو جنس أصدرت لهم الدولة قرارا بمنحه الجنسية الرومانية . أما أهل الصين فكانوا يؤمنون بأنهم أفضل الخلق وأنه لا وجود لأى حضارة أو فضيلة خارج جنسهم . بل كانوا يرون أنهم لا يحتاجون إلى غيرهم فى شئ وليؤكد ملوكهم هذا المعنى أقاموا سور الصين العظيم حتى لا تتدنس أرضهم بأقدام أقوام آخرين . وأما الهنود فشأنهم فى تفضيل طبقة البراهمة على غيرها معروف .(11)

إن جذور النظرية العرقية الحديثة ومنشأها يعود فى الحقيقة إلى مرحلة الصراع المستميت بين النبالة المسيطرة والبرجوازية الناهضة التى تهدد سلطانها . فقد كانت هى حجة هذه النبالة ومبررها " القانونى " فى رفض المساواة بين البشر والأجناس، وفى مواجهة شعارات الحرية والإخاء والمساواة التى كانت تغزو العقول فى كل مكان . فالفرق بين البشر وعدم المساواة فى عرف هؤلاء هو النظام الطبيعى وإلغاؤه يعنى إلغاء القيم الإنسانية السامية. ومنذ بداية القرن الثامن عشر أى عصر التنوير كتب كونت بولينفلييه (1727) كتابا يردد فيه زعم النبالة الفرنسية بأنها وريث الجنس السائد من الفرانك بينما ينحدر بقية السكان من المقهورين والمستعبدين فثمة عرقان يختلفان كيفا ولا يمكن إلغاء سيادة الفرانك دون إلغاء الحضارة ذاتها .(12)

وفى مستهل القرن التاسع عشر الميلادى وفى غمار المجادلات التى انبعثت عن الثورة الفرنسية ودارت حول التفرقة بين سكان فرنسا الأصليين وبين الفرنجة باعتبارهم برابرة مغتصبين نادى ألكونت دى جوبينو بنظرية الجنس مدعيا انتماء الفريقين إلى جنس واحد هو الجنس النوردى . ونقطة الانطلاق عند جوبينو هى الصراع ضد خطر الديمقراطية، فالمساواة بين البشر فى نظره مفهوم " غير علمى ومناهض للطبيعة " وكل شرور البشر التى تولدت خلال التاريخ نشأت عن هذا المفهوم، مفهوم المساواة. وبهذا يحاول جوبينو أن يعيد إحياء المقولة الإقطاعية القديمة عن عدم المساواة باعتبارها الحالة الطبيعية بين البشر .(13)

كان هم جوبينو هو مصير الحضارة وهو يتساءل كيف تنتهى الحضارات وتموت، وقد وجد الإجابة فى نظرية الأجناس، فالحضارات تضمحل بسبب انحلال صفاتها الموروثة وهذا التحليل ينشأ عن اختلاط الأجناس، ومع ذلك فالحضارة لا تتقدم إلا بالغلبة والغزو، غزو أمة لأخرى، غلبة جنس على آخر . ولذلك فاختلاط الأجناس هو العامل المنشئ للحضارة وهو علة موتها وانتهائها، فهو أفضل الأشياء وأسوأها فى الآن نفسه . فنظرية جوبينو عن العرق تحمل تناقضا أساسيا وهو يعى هذا التناقض فالنوع الإنسانى يخضع لقانون مزدوج من التجاذب والتنافر، وعامل التنافر والرفض الذى يبدو أساس النظرية العرقية هو على العكس فى نظر جوبينو آخر شئ . فالبدائيون والمبتربرون الذين يرفضون الغير لن تتاح لهم فرصة الحضارة أبدا . وهناك قسم من البشرية مصاب بالعجز المطلق والقصور عن تقبل الحضارة، لأنه لا يستطيع أن يتغلب على نزعة الرفض الطبيعية عند هؤلاء المتخلفين . وقانون الرفض أو النفور يمكن التغلب عليه بفضل القانون الآخر وهو قانون التجاذب، وهو وقف على الشعوب القوية شعوب الصفوة التى تملك صفة مميزة، هى القدرة على الاختلاط بدم أكثر تخلفا . وهذه العملية لا تتوقف وتنتهى بالضرورة بالتحلل والاضمحلال .(14)

وجوبينو يأخذ بالتقسيم الشائع للبشر إلى ثلاثة أجناس: السود والصفر والبيض، والسود أحطها ولا يمكن أن يرتفعوا أبدا عن قاع الدرج والخروج من دائرة الحطة العقلية . أما الصفر فيحرهم نزوع إلى حب المفيد، واحترام القواعد، وبعبارة أخرى العقل العملى . أما سمات الجنس الأبيض فأقل تحديدا، وذلك بلا جدال يرجع إلى أن " الحسن والجيد يصعب إجماله فى كلمات " ومحرك هذا الجنس للعمل هو نزوع العزة والشرف وهو يقدم الدليل على ذكائه اليقظ، وهو يسود الأجناس الأخرى، لا بحكم السيطرة بل بسبب استعداده الحضارى المتفوق، وقدرته على تمدين الآخرين، الذين يفتقدون هذه الصفة .(15)

والأوربيون من وجهة نظر جوبينو هم من البيض، فمن حيث البنية الجسدية هم أجمل الأجناس، هيئتهم تبعث البهجة فى الأرض، أجسادهم ألهمت المثالين صانعى تماثيل أبولو وجوبيتر، وروحهم من أسمى الأرواح " تطلق حيوية وطاقة بلا نهاية " وهذه العائلة الإنسانية الفريدة هى أكثر نبلا . وصادفت آراء جوبينو حدوث كشف لغوى مفاده أن جميع اللغات الأوربية إضافة إلى اللغات اليونانية واللاتينية ولغات فارس وشمال الهند تنتسب بعضها إلى بعض وهى أعضاء فى عائلة لغوية واحدة واسعة .(16)

واكتشف جوبينو من هذا الكشف اللغوى أن المتكلمين بهذه اللغات ينتسب بعضهم إلى بعض أسوة بالنسب القائم بين اللغات التى يتكلمون بها، وأنهم ينحدرون من جنس واحد أصلى آرى أو هندى أوربى . وأن هذا الجنس هو الذى أنتج عبقرية زرادشت الدينية وعبقرية اليونان الفنية وعبقرية الرومان السياسية، ويرجع الفضل إليه فى جميع ما حققته الحضارة البشرية من أعمال وتقدم عبر تاريخ البشرية الطويل .(17)

كما يؤكد جوبينو أن اختلاط الأجناس هو قدرها جميعا فلا يوجد شعب لا يحمل فى عروقه قليلا من كل عنصر من هذه العناصر . والحضارة تنتج عن تدفق الدم الأبيض ولكن هذا الاختلاط بعينه هو علتها إلى التحلل والاضمحلال، فلا التعصب ولا الرفاهية، ولا سوء الأخلاق ولا حتى عدم التدين يؤدى بالضرورة إلى سقوط المجتمعات . فالأجناس المتخلفة والمنحطة غير مستعدة بطبيعتها لتقبل الحضارة، ولا تصلح إلا للعبودية والرق، وللعمل كآلات حية، وحيوانات مستأنسة لدى الأجناس الراقية .(18)

كما صاغ تشامبرلين كاتب ألمانى من أصل إنجليزى (1855-1972) – نظريته العرقية فى كتابه " أسس القرن العشرين " عام 1899، وقد استبعد فيها التجاء جوبينو ونزوعه إلى الماضى واستبدل بها توجهها نحو المستقبل، ووضع كل ثقته فيه ورأى أن كل شئ يمكن إنقاذه . وكان محور فكره هو ضرورة المحافظة على نقاوة الدم الجرمانى بالتصدى والصراع ضد العناصر الأجنبية الغربية على هذا الجنس .(19)

وقد استبعد تشامبرلين فى نظريته عن الجنس السمات الظاهرة " لون الشعر الأشقر والشكل العام للوجه " كما رفض أيضا القياسات الأنثروبولوجية واعتبر معيار العرق الحاسم هو فى طبيعته السيكولوجية الخالصة، وطريقة اكتشافه ذاتية، فكل منا ينبغى أن يتعرف على الفروق بين الأجناس بلمحة عين " أليس كذلك بالنسبة لمربى الغنم الذى يملك الحدس والمذاق وعبقرية المهنة "، تكفى لمحة لتتضح الحقيقة مثل ضوء الشمس . ويستشهد بطفلة صغيرة رآها فى حدائق باريس رفضت أن تلعب مع طفل آخر فى سنها، فقد أدركت بفطرتها أنه يهودى .(20)

إن الطريق المباشر والأقصر إقناعا بحقيقة الجنس هو أن يحمل الإنسان " العرق " فى وعيه الخاص . ومن ينتمى لعرق نقى ومحدد يحس بذلك فى دخيلة نفسه فى كل لحظة فالعرق يرقى بالإنسان فوق ذاته ويمده بذخيرة غير عادية، بل وبقدرات فوق الطبيعة تميزه عن الفرد الذى يأتى نتاج خليط وفوضى من الأعراق والشعوب .(21)

لكن هل يمكن إعادة نقاء الجنس وبعثه فى مجموعة بشرية معينة؟، هل السقوط يعنى أن لا خلاص ؟ هل الانحطاط يستبعد العلاج ؟ يرى تشامبرلين فى دراسته لهذه المسألة أن الأعراق يمكن أن تعيد نفسها من جديد بشرط أن تتخذ الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك. وهذا يتطلب خمسة قوانين طبيعية، هى شروط إعادة تشكيل الأعراق النبيلة:

1- الحصول على مادة أولية من نوعية ممتازة .

2- حدوث تزاوج داخلى من داخل العرق على مدى طويل وممتد.

3- القيام باختيار بعض الأفراد من داخل هذا النظام طبقا لقوانين معينة لإعادة إنتاج بعض العناصر واستبعاد البعض الآخر .

4- ضرورة الخليط أو القيام بعمليات التهجين بين أنواع من الأفراد الممتازة كما يحدث فى عالم الكلاب .

5- على أن يكون هذا الخليط تحت الضبط المحدد، فبعض التهجين يزيد من نبالة الجنس وبعضه يدمر العرق . وكذلك ينبغى أن تتم عملية التهجين فى فترة زمنية محدودة بمعنى أن يتم نقل الدم الجديد فى أقصر مدة وبسرعة ثم يقف، أما إذا استمر الخليط فقد يؤدى إلى دمار أقوى الأجناس .(22)

ومهما يكن الأمر فإن بعض علماء الأجناس يدافعون عن نظرية الجنس ويلتقون فى ذلك حول نقطة أساسية وهى أن التفوق البشرى الذى يساهم أساسا فى بناء الحضارة يرتبط بلون البشرة . وبذلك يضعون السلالة النوردية على منصة الشرف وهى السلالة ذات البشرة البيضاء والشعر الأصفر والعيون الشهباء والرأس الطويل . كما يذهبون إلى أننا يمكن أن نفهم أن التفوق الخلقى والمعنوى مرتبط بصورة ما بلون البشرة .(23)

ويبدو أنه فى ظروف التقدم الصناعى الذى حققه الأوربيون وما أتاحه هذا التقدم للأوربيين من التفوق على الشعوب الأخرى، والتغلب عليها، وقيام حركة الاستعمار الأوربى للشعوب واستبداد الأوربيين بها أن لاقت نظرية الجنس مناخا طيبا للانتشار والقبول من الأوربيين فأخذ الألمان بها وقالوا بالجنس الهند جرمانى بدلا من الهند أوربى كجنس متفوق على غيره . كذلك أخذ الأمريكيين بنظرية الجنس فى مطلع القرن العشرين وطالبوا بتقييد الهجرة إلى أمريكا للمحافظة على نقاء الفرع الأمريكى الذى يعد شجرة الجنس النوردى.(24)

وفى الوقت الذى يتخذ دعاة العنصرية فى الحضارة الغربية البشرة البيضاء دليلا على التفوق واعتبار ذلك علامة تفوق الجنس النوردى على غيره من الأجناس، فإن اليابانيين يستخدمون علامة بدنية مختلفة للدلالة على التفوق تقوم على اعتبار خلو الجسم من الشعر الذى يميز الإنسان عن القرد خلافا للإنسان المشعر الذى يعد أقرب منزلة من القرد .(25)

موقفنا من نظرية الجنس:

من الواضح أن الأفكار الأساسية لهذه النظرية وهى التى تميز بين جنس وآخر باستخدام علامات بدنية مختلفة، هى أفكار غير منطقية ولا يمكن قبولها . فمقولات التاريخ تشهد على زيف هذه النظرية وبطلانها إذ تؤكد ان الحضارة لم تكن وقفًا على جنس دون جنس فلقد ظهرت الحضارة عند كثير من الشعوب التى تنتمى إلى جنسيات مختلفة كالمصريين والهنود والسومريين وغيرهم . كما ظهرت بين الشعوب البيضاء والحمراء مثلما ظهرت عند الشعوب الصفراء . وعلى هذا فليس من حق أى جنس أن يدعى أنه وحده صانع الحضارة على مر التاريخ .(26)

ولذلك نجد أرنولد توينبى يهدم هذه النظرية من أساسها من خلال عرضه لإسهامات النورديين وغيرهم فى الحضارات . فلقد تبين له أن إسهام الألبيين كان فى سبع حضارات: السومرية والحيثية والهلينية والإيرانية والمسيحية والأرثوذكسية والصينية، وأن الجنس اليابانى والكوردى أسهم فى حضارة الشرق الأقصى وأن النورديون قد أسهموا فى الحضارة الهندية والحيثية والهلينية . هذا بالإضافة إلى أن الشعوب السوداء مازالت تنتظر للإسهام بطريقة إيجابية فى الحضارات المقبلة . وينتهى توينبى إلى القول بأن ذلك يعنى أن نظرية الجنس ما هى إلا هراء ويؤكد ذلك التصنيف الحضارى السالف .(27)

ومن ناحية أخرى يمكن القول إن الأفكار العنصرية التى تقوم عليها نظرية الجنس قد ارتدت على صانعيها فالذى يقهر الغير يقهر شعبه فى نفس الوقت، والذى يمارس التمييز العنصرى سواء بسبب اللون أو العرق أو الدين بالنسبة للغرباء فإنه يرتد على داره ويمزق مجتمعه . فاليونان فى إيمانهم بأنهم أزكى الشعوب على الأرض وأقربها إلى الكمال واختصاص أنفسهم بهذا الموقف لأنهم بعد أن انتصروا على الفرس فى حروبهم الطويلة المعروفة ركبهم غرور فتعففوا عن العمل واستكثروا من العبيد لخدمتهم وقامت الحروب بين بعضهم وبعض وانقسموا إلى أحلاف يسفك بعضها دماء بعضها الآخر . فوهن أمرهم وبطلوا عن العمل، وأنصرف قادتهم إلى العبث والاستمتاع بالحياة، وأوغل علماؤهم فى التفلسف فابتعدوا عن الحياة وانقضى عليهم المقدونيون وكان الإغريق يحتقرونهم وأزالوا دولهم بقيادة الإسكندر .(28)

وأما الرومان فإن اعتزازهم بأنفسهم وغرورهم بشعبهم ومآثره دفهم إلى مغامرات عسكرية بعيدة المدى عادت بشر كبير وخير قليل للرومان أنفسهم، وبلغ من اعتدادهم بأنفسهم أنهم كانوا إذا أرادوا تكريم شخص أو شعب منحوه حقوق الرومان أى رفعوه إلى مقام جنسهم، واستمر غرور الجنس هذا يعشش فى رؤوس الأمم حتى فى عصرنا كما ظهر عند طلائع الفاشية فى عدد من دول أوربا وكذلك عند اليهود .(29)

فالصهيونية كأيديولوجية عنصرية عرقية فاشية تقدم لنا نموذجا عن هذه الحقيقة . ذلك أن العنصرية الصهيونية الموجهة فى المحل الأول ضد العرب الفلسطينيين تعود وترتد على نفسها لتمارس ذات الشىء داخل صفوف مجتمعها بين اليهود الشرقيين والغربيين أو السيفاراديم والاشكيناز . وهذه الحقيقة معروفة تماما حتى اشتق منها تعبير "إسرائيل الثانية". ويكفى التجوال فى حيفا وتل أبيب، أو فى الأحياء التى تشمل التجمعات الشرقية لنتبين ما يربط هؤلاء بالثقافة العربية . فالمطاعم لا تقدم سوى الأطعمة العربية، والباعة ينادون على بضاعتهم من الخضر والفاكهة بلهجة عربية عبرية . والموسيقى التى تخرج من المقاهى هى موسيقى أم كلثوم وسليمان المغربى وعبد الحليم حافظ، والأنغام الشعبية بينهم أنغام عربية الخ . وقد اتسعت الهوة بين الشرقيين والغربيين كما ازداد التباعد والجفوة الاجتماعية بروزا . ولهذا فإن القول بتفاضل الأجناس واختصاص بعضها دون بعض بالذكاء والكفاءة والقدرة على بناء الحضارات أدى إلى مشاكل ومآس طويلة أغرقت البشرية فى تصرفات حمقاء غير معقولة وحروب طويلة . فالحضارة ظاهرة إنسانية عامة، والإنسان هو المخلوق الوحيد الذى يرتقى ويعمل على تحسين أحوال نفسه بفضل ما أهداه الله من عقل يمكنه من التفكير واختزان المعلومات والربط بينها والإفادة منها، فكل أجناس البشر متحضرة، وما من شعب إلا وله مستواه الحضارى والفرق فى المستويات، فلا يوجد إنسان غير متحضر أصلا ولا جماعة لا نصيب لها من الحضارة . والحضارة هى ثمرة أى مجهود يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته على وجه الأرض ماديا أو معنويا .(30)

الحضارة الحقيقية هى التى تحقق للإنسان الكفاية، والكفاية هى شعور الإنسان بأن لديه ما يكفيه مما يحتاج إليه أو يطمح إليه . وهى قسمان: كفاية مادية وكفاية معنوية .

الكفاية المادية: الإنسان فى المدينة قد يكفيه نصف مكعب من الماء والإنسان فى الصحراء قد يكفيه ربه هذه الكمية . الكفاية للإنسان الغربى تعنى مثلا أن يكون عاملا ماهرا أو مخترعا أو فلكيا والكفاية للإنسان العربى قد تعنى حصوله على درجة جامعية تؤمن له مركزا اجتماعيا مرموقا وقدرا معقولا من المال .

الكفاية المعنوية: كالأمان والاطمئنان والتفاهم والتعاون والمحبة ... الخ

ثالثا: نظرية التحدى والاستجابة

لماذا تصل بعض المجتمعات إلى مستوى الحضارة، وتخفق مجتمعات أخرى عن بلوغ الحضارة؟

تعد نظرية " التحدى والاستجابة " عند توينبى من أهم النظريات التى قدمت إجابة عن هذا السؤال فى ضوء دراستها لعوامل نشوء الحضارة . فلقد ناقش توينبى معظم النظريات التى حاولت تفسير عوامل بناء الحضارة، وقدم لها العديد من الانتقادات، كما هو الحال بالنسبة لنظرية البيئة ونظرية الجنس كما أوضحنا من قبل .(31)

فقد أنكر توينبي وجود حضارة واحدة قديمة -، مثلا القول ان مصر هي اصل جميع الحضارات، فعند توينبي خمس عشرة حضارة تصل بصلة البنوة بحضارات سابقة، وستة مجتمعات فقط قد انبعثت من الحياة البدائية مباشرة . تلك هي: {المصرية – السومرية – الصينية – المايانية – الانديانية} والاخيرتان نشأتا بأمريكا الجنوبية . - وقال: " أنه لا يمكن ان يُعزى قيام الحضارات الى صفات معينة في جنس من الاجناس، إذ لا يمكن ان يرتبط التفوق الروحي والذهني بلون البشرة فالواقع ان جميع الأجناس قد ساهمت في انبعاث الحضارة ".(32)

كما رأى توينبي أن الصراع والصدام بين الحضارات ناتج من مخيلة الانسان على مدى تطوره الاجتماعي والحضاري، فهناك اللقاء المتناقض بين الخير المطلق وهو الله وبين الشر المطلق وهو الشيطان، هذا اللقاء التراجيدي الرهيب الذي توارثته مخيلة الانسان على مدى التاريخ نجده يتكرر في معظم الحضارات الغربية والشرقية، ونجدها في مصر وبلاد ما بين النهرين، والهند، والاغريق ... فالألم والعذاب وصور النضال ضد الطبيعة والكون هي قصة ماساة الانسان، كما انها هي نفسها قصة الانسان وقصة فدائه، وما لقاء آدم وحواء الا صورة من صور الابداع الاجتماعي الذي انتهى بمولد حضارتين متباينتين، حضارة الخصب عن طريق رعي الغنم التي يمثلها هابيل وحضارة الارض التي يمثلها قابيل . هكذا باختصار بدات الاسطورة المعبرة عن اعمق حقائق صراع الانسان مع الطبيعة والكون من اجل ايجاد مجتمعه وحضارته .(33)

ورأى توينبى أن العامل الإيجابى فى نشوء الحضارة ليس مفردا ولكنه متعدد، وهو علامة مشتركة تكون عند تعرض الإنسان للتحدى وقيامه بالاستجابة لهذا التحدى . فعامل التحدى والاستجابة عنده هو العامل الهام الفعال الأقرب إلى ظهور الحضارة وإلى تقليل عطاء الإنسان فى حالة والعقم فى حالة أخرى، إذ قد توجد البيئة وتنشأ حضارة، وتوجد بيئة مماثلة ولا تنشأ حضارة وسبب ذلك وجود التحدى والاستجابة فى الحالة الأولى، وعدم وجودها فى الحالة الثانية .(34)

وقد يكون التحدى ماديا أو فكريا، والناس ليسوا سواء فى مواجهة التحدى حتى ولو كان هذا التحدى واحدا ذلك أن رد فعل الناس يتصل فى بعضه بالقوى السيكولوجية الدفاعة التى يستحيل وزنها وقياسها أو بالأجدى تقديرها مقدما . فالإنسان هو الذى يلعب الدور الأساسى فى التغيير وليست طبيعة التحدى نفسها الإنسان هو الذى يعين مسار الانتقال والتغيير حسب الحال الذى يكون عليها وهى حالة لا يصنعها التحدى ولكنه قد يستثيرها . غير أن الاستثارة وحدها ليست كافية لعملية التغيير، فالتحدى وحده غير جدير بتمكين الإنسان من الانتقال من مرحلة حضارية إلى مرحلة حضارية أخرى، إذ لابد للإنسان حتى يحقق إنجازا ما أن يحوز الكفاية اللازمة للقيام بذلك وإلا ظل حبيس الوهم والتخيل .(35)

إن مبدأ التحدى واستجابة هو المبدأ الأساسى لخلق الحضارة عند توينبى، فنمو الحضارة لا يرجع إلى التوسع الجغرافى للمجتمع، فهذا التوسع يصحبه تخلف وتفكك بدلا من التقدم والنهوض . ولا يرجع نمو الحضارة أيضا إلى التقدم التكنولوجى أو زيادة سيطرة المجتمع على البيئة الطبيعية فلا وجود لأى ارتباط بين التقدم فى التقنية والتقدم فى الحضارة التى تنجح فى الإفصاح عن ذاتها وإرادتها عندما تتخلل قيمتها فى نفوس أبنائها وتبسط معداتها وتقنيتها .(36)

وكل حضارة لها صفة غالبة تختلف باختلاف الحضارة، فقد كانت الصفة الاستاطيقية أو الجمالية أو الفنية هى الغالبة على الحضارة الهيلينية . والدين هو الغالب على الحضارة الهندية والحضارة الأندية " كانت توجد بالقرب من جواتيمالا بأمريكا الجنوبية " والحضارة الغربية خاضعة للآلات والمعدات العلمية وهكذا .(37)

وللحضارة وحدة على رأسها أقلية ذات روح خلاقة، تقلدها الأغلبية وتتبعها بحرية كاملة . فلا وجود فى المجتمع المتحضر لأى صراع دموى، فهو جسم متسق ومتوافق . ومن أهم المشكلات التى تواجه الحضارة أسباب تصدعها وهذه ظاهرة ملحوظة فلم يبقى من الحضارات الكثيرة أكثر من أربع حضارات والأخرى ماتت واقتربت من الاحتضار . والاختلاف بين نهوض الحضارة وتحللها أنه فى حالة النهوض تنجح الحضارة، أو بمعنى أصح تنجح أقليتها الخلاقة فى الاستجابة إلى التحديات المتتالية والمتنوعة التى تواجهها، ولكنها عندما تتدهور تفشل فى مواجهة التحديات .(38)

ولقد لاحظ توينبى فى دراسته للحضارة البشرية أن هناك بعض المجتمعات لم تستطيع الصعود أمام التحديات الطبيعية والبشرية وذلك لشدة هذه التحديات ويسمى توينبى هذه الحضارات باسم " الحضارات المتعطلة " أى التى أخفقت فى استمرارها، ومن أمثلة هذه الحضارات، حضارة الإسكيمو، ومن أمثلة المجتمعات التى استجابت للتحديات " الأسبرطيون" فلقد واجه الاسبرطيون دواعى التحدى الطبيعى والبشرى .(39)

وعامة ترتكز نظرية توينبى فى انهيار الحضارات أصلا على نظريته فى التحدى والاستجابة، فاستمرار التحدى وتكراره فى حضارة من الحضارات إما أن ينتهى باستجابة على التحدى وتصعد الحضارة فى طريق التقدم، وإما أن تخفق هذه الحضارة فى الرد على ذلك التحدى وفى خلق استجابة إزاء تلك التحديات، وهذه السلسة المتكررة من الاستجابة المخففة إزاء هذه التحديات هى فى الحقيقة المصدر الأساسى لتدهور الحضارات .(40)

ولذلك يقول توينبى عن نظريته في التحدي والاستجابة:" اعتقد انه في كل لحظة من حياة كل فرد فينا، وفي كل لحظة من حياة مدنية من المدنيات، يتحدانا على الدوام موقف جديد، موقف علينا ان نواجهه، فاما نجحنا او فشلنا . وقد نفشل في أي لحظة ونبدأ في الانحدار، وقد ننجح ونستمر في العيش ".(41)

ويعني التحدي وجود ظروف صعبة تواجه الإنسان في بناء حضارته وتكون استجابته إما ناجحة إذا تغلب الإنسان على هذه المصاعب، أو استجابة فاشلة إذا عجز الإنسان على مواجهة هذه المصاعب، فالتغلب على هذه المصاعب هو واقعة نمو حضاري، والرضوخ تحت وطأتها عند الانطلاق علامة على الانحلال والسقوط، والتحدي إما يكون ناتجا عن الظروف الطبيعية الصعبة والقاسية أو يكون تحديا بشريا في شكل عدوان خارجي من طرف دولة أو جماعة بشرية أخري معادية.(42)

إن الحضارة في رأي توينبي تواجه أنماطاً مختلفة من التحديات، فاذا ما استطاعت ان تجيب على هذا التحدي، استطاعت ان تعيش وتنمو وتزدهر وإلا فإن مآلها الى الزوال والاندثار فالحضارة تقوم مدفوعة بقانون {التحدي والاستجابة} القائل ان الظروف الصعبة هي التي تستثير الامم على اقامة الحضارات . في سياق توافقي مادي – معنوي ".(43)

وبالرغم من ضرورة تعرض الحضارات للتحديات كشرط أساسى للارتقاء إلا أن هذه التحديات لابد أن تكون متوسطة العنف كى تكون حافزا على مضيها فى الطريق الصاعد . هذا التحدى الوسط بين طرفين: طرف الإفراط وطرف التفريط يطلق عليه توينبى اسم " الوسط الذهبى " الذى يضمن تقدم الحضارات فى طريق الارتقاء لأنه إذا كان التحدى عنيفا فعندئذ سوف تخفق الحضارة فى تحقيق استجابة ملائمة له، وإذا كان ضعيفا سوف تخفق أيضا لأنه حينذاك لن يشكل هذا التحدى دافعا بأى صورة للحضارة وارتقائها.(44)

ومن هنا نلاحظ أن الأحوال الصعبة هى فقط التى تهيئ للبيئات الطبيعة والبشرية فرصة قيام الحضارات . ولذلك يرى توينبى أن هناك خمس دوافع رئيسية تتصل بطبيعة البيئة وهى فى الحقيقة مبدعة الحضارات:-

أولا: دافع الأرض الصعبة:

الدوافع الصعبة التى تواجه الإنسان هى التى تولد لديه قدرة التحدى التى تساهم فى بناء الحضارة فالنهر الأصفر فى الصين – على سبيل المثال – طرح تحديات هائلة للإنسان، فهو لم يكن صالحا فى أى موسم بالإضافة إلى تجمده فى الشتاء، ومع ذلك فقد واجه الإنسان تحديات هذا النهر وحاول أن يغير اتجاهه طوال أربعة آلاف عام إلى أن تمكن من ذلك بالفعل .(45)

ثانيا: دافع الأرض الجديدة:

يرى توينبى أن تاريخ معظم الحضارات يبين أن ذروة ازدهارها كان فى تلك المناطق الجديدة، التى لم تكن من قبل موطنا للأسلاف . فهناك العديد من الهجرات التى حدثت فى التاريخ مثل هجرة التيوكويين والأيوبيين والفلسطينيين والإنجليز ... الخ . وكلها تؤكد حقيقة واحدة وهى انتقال الأنظمة الاجتماعية لهؤلاء المهاجرين إبان حدوث الهجرات، وهكذا تأخذ هذه الهجرات عند توينبى شكل الحافز الحضارى .(46)

ثالثا: دافع النكبات والضربات:

يترتب دائما على دافع النكبات ردود أفعال عديدة تلاحظ بصفة خاصة فى تلك التى تنجم عن الكوارث الحربية وهناك ردود أفعال أخرى يتمثل أهمها فى الردود الدينية من خلال أعمال الرسل.(47)

رابعا: دافع الضغوط:

والمقصود بالضغوط هنا الضغوط الخارجية، أو تلك التحديات الخارجية التى تأتى من الخارج . وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح فى تاريخ الحضارة المصرية حيث كان الجزء الجنوبى معرض دائما لضغط قبائل النوبة واعتدائها، ولأن هذا الجزء هو الأكثر تعرضا للتهديد فقد تميز منذ ذلك الحين بنفوذ قوى واستطاع من خلاله مجابهة التحدى الخارجى .(48)

خامسا: دافع العقوبات:

ويرتبط بالتحديات الداخلية التى تصيب جزءا فقط من الكيان الاجتماعى بفقدان القدرة على مواجهة ذلك التحدى .

وإذا كانت هذه الدوافع تساهم فى بناء الحضارات، فإن التحديات لابد أن تكون متوسطة العنف . ومن ثم كان تأكيد توينبى على قانون الوسط الذهبى بدلا من القانون القائل: " كلما زاد التحدى زاد الدافع " .(49)

انهيار الحضارات:

والحضارة تنتهى بالانتحار لا بالقتل، ويلخص توينبى عوامل انهيار الحضارات فى ثلاثة عوامل: إخفاق الأقلية المبدعة أو فشل قوتها الخلاقة وفتور الإيمان عند الأغلبية أى انسحاب الأغلبية عن الأقلية الحاكمة وضياع الوحدة الاجتماعية للمجتمع . فعندما تتدهو الأقلية الخلاقة وتتحول إلى أقلية محبة للسيطرة وتحاول الاحتفاظ بسلطانها على المكانة التى لم تعد جديرة بها يتسبب هذا التغير القاتل فى طابع الحاكم فى استفزاز الأغلبية الموالية له التى تفقد إعجابها به، وتتوقف عن مساندتها له، بل وتثور عليه . والموالون للحاكم ينقسمون عادة إلى موالين فى الداخل وموالين فى الخارج، وسرعان ما يؤدى فقدانهم لروح الأقلية الحاكمة إلى تشاحنهم وظهور حرب طبقية تنتهى أحيانا بانتقال السلطة إلى نظام كنائسى يمثل الروح الدينية وتنحية الأقلية الفاشلة والاستعاضة عنها بحكام جدد .(50)

وهكذا يرجع توينبي سبب انحطاط الحضارات إلى عوامل داخلية، فهو يرفض الآراء التي ترد السقوط إلى أسباب حتمية خارجة عن قدرة الإنسان، فالسقوط والانهيار سببه داخلي وليس ناتجاً عن غزو خارجي، والعامل الرئيس في انهيار الحضارات يكمن في فقدان الأقلية الحاكمة للطاقة المبدعة، إذ تفشل في الاستجابة المناسبة للتحدي القائم.(51)

ومعنى ذلك أن الحضارة تنهار داخليا قبل أن تطأها أقدام الغزاة، والعامل الرئيسى فى انهيار الحضارة هو فقدان الأقلية الحاكمة للطاقة المبدعة فيها . والمجتمع فى حالة الانهيار يتشكل على النحو التالى:-

1- أقلية مسيطرة فقدت قدرتها على الإبداع وأصبحت تحكم بالقهر .

2- بروليتاريا داخلية ذليلة، ولكنها عنيدة تتحين الفرصة للثورة .

3- بروليتاريا خارجية انشقت عن المجتمع وتقاوم الاندماج فيه وتتحين الفرصة للغزو .(52)

وهكذا يفسر توينبي انهيار الحضارات بتحلل المجتمعات من الداخل قبل أن يأتيه غزو من الخارج ليجهز عليه، ذلك أن الغزو الخارجي في مثل هذه الحالة يمثل الضربة القاضية في مجتمع يلفظ أنفاسه الأخيرة، لذا يمكن القول: إن أية حضارة لا يمكن أن تنهار من الخارج من دون أن تكون قد تآكلت من الداخل، إذ لا يمكن بحال من الأحوال قهر أية إمبراطورية من الخارج إذا لم تكن قد انتحرت من الداخل .(53)

وتمر مرحلة التدهور فى ثلاثة أطوار: أولها التصدع ثم التحلل والتفتت: وعلى سبيل المثال حدث تصدع للحضارة المصرية القديمة فى القرن السادس عشر قبل الميلاد ولكنها تحللت فى القرن الخامس الميلادى . فى خلال هذه المدة أى زهاء ألفى سنة بقيت فى حالة متحجرة شبيهة بالموت . وفى الصين بالمثل تصدعت حضارتها فى القرن التاسع الميلادى وبقيت ألف سنة حتى انتهى تحللها .

إن ما نود التأكيد عليه هو أن انهيار الحضارة يرجع إلى عدم وجود استجابة ناجحة للظروف المختلفة، فالحضارات تولد أساسا وقتما تستحث الظروف الصعبة الإنسان على التحضر، وتتمثل هذه الظروف فى بيئات طبيعية أو ظروف بشرية، ومن ثم فإن الظروف السهلة لا تؤسس حضارة . كما أن الذين يتمسكون بالاستجابة هم الذين يتمكنون من البقاء فى مواطنهم ويبنون حضاراتهم .(54)

ولم يتوقف توينبى عند هذا الحد، بل تحدث عن مصير الحضارة الإسلامية " فأكد أنه برغم النكبات التي حلت بالحضارة الإسلامية لوقوع معظم دولها فريسة للإستعمار، إلا أنه لن يأتي اليوم الذي تجمد فيه الحضارة الإسلامية وتتحجر كبعض الحضارات المتحجرة في عالمنا اليوم، بل يرى أن الحضارة الإسلامية حضارة قد تٌنافس الحضارة الهندوكية أو البوذية من أجل السيطرة في المستقبل بوسائل تتعدى تصوراتنا، حيث أن طابع الحضارة الإسلامية هو الاتساق بين الفكر والعمل و المساواة، إذ ارتفعت في أزهى عصورها إلى أن وصل الرقيق أو العبيد إلى أرقى مراكز السلطة، فمثلا تولى المماليك - الذين كانوا عبيد - الحكم في مصر . وكذلك تحريم الخمر، فقد لا يدرك الكثيرون قيمة هذا التحريم بالنسبة للحضارة، حيث أن الإمتناع عن شرب الخمر لا يتم إلا بوازع ديني، وهو في نفس الوقت عامل مهم لإزدهار الحضارة".(55)

وتحدث توينبى عن واقع الحضارة الغربية المعاصرة مبينًا أهم التحديات التى تواجهها. ورأى أن الحضارة الغربية تواجه اليوم كثيرا من المشكلات منها احتمال قيام حرب عالمية ثالثة، وتأليه هذه الحضارة للدولة، "والفراغ الروحى " الذى يمثل الخطر الحقيقى الذى يواجه الغرب ووجود عقائد بديلة كالقومية والفاشية. (56)

وبالرغم من تأكيد توينبى على وجود أعراض تصدع فى هذه الحضارة فإنه قد آثر الحياد ولم يصدر حكما قاطعا بشأنها، وكأنه يتوقع حدوث معجزة . وقد عبر عن ذلك فى ابتهال إلى الله بأن يرجئ نهاية عالمنا، أعلن عن إيمانه بأن الله سوف يستجيب إلى هذا الدعاء مادمنا نشعر بالندم وقلوبنا محطمة . كما رأى توينبى أن السبيل الوحيد أمام الغرب هو العودة إلى الطريق الصحيح، طريق الإله الخالق . فخلاص الغرب لا يمكن أن يتحقق إلا بمعجزة الدين، ويبدو أن الدين عند توينبى عظيم الأهمية، وهو الملاذ الذى يجب أن يلجأ إليه الغرب . فالرجوع إلى الله هو نهاية المطاف فى التطور من حالة إنسان ما قبل الحضارة إلى حالة الإنسان المتحضر إلى السوبرمان أو الإنسان الأعلى الذى يتجاوز الحضارة .(57)

وخلاصة القول: إن الحضارة إذا تغلبت على التحدى يمكنها أن تمضى فى الطريق من جديد، وأن تنسحب وتعود مرة ثانية، أو يمكن أن تتجمد إلى أن يشاء لها الله بالحياة أو السكون أو الموت. ولكن الموت هنا ليس حتميا، أى ليس حتمية عضوية، فالإنسان له دور كبير فهو القادر على الرد على التحدى ومن ثم فإن " الحضارات لا تولد تماما ولا تموت تماما" . ولقد استطاعت تحليلات توينبى المتفائلة هذه أن تخلق جيلا من المفكرين والقادة يؤمن بأن القارة العجوز " أوربا " تملك القوة الخلاقة التى تكفى لارتقاء الحضارة .. ويرى هؤلاء أن القوى الخلاقة متوفرة فى السياسة الأوربية، وفى الاقتصاد الأوربى، وفى الفنون كالمسرح والسينما والموسيقى والتقدم، وفى التوجهات الديمقراطية والتطلع إلى السلام.(58)

 

ا. د. ابراهيم طلبه سلكها

.......................

الهوامش

1- يسري الجوهري: اسس الجغرافية البشرية، منشاة المعارف بالاسكندرية، 1982، ص 115

2- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ترجمة، الجزء الأول، ص 93

3- الموضع نفسه

4- ابن خلدون: المقدمة، نشر وتحقيق على عبدالواحد وافى، لجنة البيان العربى عام 1957، ط1، ص 90

5- الموضع نفسه

6- المرجع نفسه، ص 95

7- د. محمد ضيف الله بطاينة: فى تاريخ الحضارة العربية الاسلامية، عمان، الاردن، دار الفرقان، 1985ج1، ص 42

8- نيفين جمعة: فلسفة التاريخ عند أرنولد توينبى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991، ص115

9- د. حسين مؤنس:الحضارة، دراسة فى أصول وعوامل قيامها وتطورها، سلسلة الم المرفة، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط2، 1998، ص 42

10- المرجع نفسه، ص 45

11- المرجع نفسه، ص ص 45-46

12- اديب ديمترى: نفى العقل، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر، ط1، 1993، ص 278

13- د. محمد ضيف الله بطاينة، مرجع سابق، ص 13

14- اديب ديمترى، مرجع سابق، ص 279

15- الموضع نفسه

16- الموضع نفسه

17- د. محمد ضيف الله بطاينة، مرجع سابق، ص 13

18- آدريين كوخ: آراء فلسفية فى أزمة العصر،

19- اديب ديمترى، مرجع سابق، ص 282

20- الموضع نفسه

21- الموضع نفسه

22- المرجع نفسه، ص ص 282-283

23- د. محمد ضيف الله بطاينة، مرجع سابق، ص 12

24- المرجع نفسه، ص 13

25- المرجع نفسه، ص ص 13-14

26- الموضع نفسه

27- د. حسين مؤنس، مرجع سابق، ص ص 48-49

28- المرجع نفسه، ص 50

29- المرجع نفسه، ص 51

30- راجع فى ذلك:

- اديب ديمترى، مرجع سابق، 173

- د. حسين مؤنس، مرجع سابق، ص ص 56-57

31-Tymbee، A،J: Civilization and the Historical progress،p-52

32- لوسيان فيفر: الارض والتطور البشري، ترجمة محمد السيد غلاب، ط2، دار المطبوعات الجديدة، القاهرة، 1973، ص 33

33- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ج1، ص 73

34- د. محمد ضيف الله بطاينة، مرجع سابق، 15

35- د.أحمد محمود صبحى: مرجع سابق، ص ص 265-266

36- المرجع نفسه، ص 169

37- المرجع نفسه: ص ص 269-270

38- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ترجمة د.فؤاد شبل، لجنة التأليف والترجمة، 1966 ص 33

39- نيفين جمعة: مرجع سابق، ص 122

40- د. محمد ضيف الله: فى تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، ص 18

41- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ص 44

42- المرجع نفسه، ص 17

43- الموضع نفسه

44- المرجع نفسه، ص ص 459-460

45- نيفين جمعة: مرجع سابق، ص 119

46- المرجع نفسه، ص ص 119-120

47- المرجع نفسه، ص 120

48- المرجع نفسه، ص 121

49- الموضع نفسه

50- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ص ص 45-46

51- نيفين جمعة: مرجع سابق، ص 15

52- د.أحمد محمود صبحى: مرجع سابق، ص 273

53- المرجع نفسه، ص 270

54- د. حسن الكحلانى: فلسفة التقدم، دراسة فى اتجاهات التقدم والقوى الفعالة فى التاريخ، مكتبة مدبولى، القاهر، ص 67

55- المرجع نفسه، ص 287

56- الموضع نفسه

57- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ص ص 93

58- أرنولد توينبى: الفكر التاريخى عند الأغريق، ترجمة لمعى المطيعى، مراجعة د. محمد صقر خفاجة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ص ص 14-15، مقدمة المترجم

abdullah badrhskandarتبقى الخطابة المؤثر الأهم في نفوس الجماهير بمختلف اتجاهاتها وكذلك بمختلف اللغات التي يتكلمها الناس، ويبقى لها التأثير الكبير في أي قضية يراد طرحها ووضع الحلول المناسبة لها. وقد قال ابن قتيبة في مشكلات القرآن: والخطيب من العرب إذا ارتجل كلاماً في نكاح أو حمالة أو تحضيض أو صلح أو ما أشبه ذلك لم يأت به من واد واحد بل يتفنن فيختصر تارة إرادة التخفيف ويطيل تارة إرادة الإفهام ويكرر إرادة التوكيد ويخفي بعض معانيه حتى تغمض على أكثر السامعين ويكشف بعضها حتى يفهمه بعض الأعجمين ويشير إلى الشيء ويكني عن الشيء وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال وقدر الحفل وكثرة الحشد وجلالة المقام، ثم لا يأتي بالكلام كله مهذباً كل التهذيب ولا مصفى كل التصفية بل تجده يمزج ويشوب ليدل بالناقص على الوافر وبالغث على السمين ولو جعله كله من بحر واحد لبخسه بهاه وسلبه ماءه ومثل ذلك الشهاب من القبس يبرزه الشعاع والكوكبان يقترنان فينقص التوازن والسحاب ينتظم بالياقوت والمرجان والعقيق والعقيان ولا يجعله كله جنساً واحداً من الرفيع ولا النفيس المصون. انتهى كلام ابن قتيبة.

وكان العرب قديماً يمتازون بنقل الخطابة إلى مختلف البقاع التي يستوطنونها على لسان حفاظ الكلام من غير الخطباء أي إنه عندما يفرغ الخطيب من خطبته تكون الخطبة قد حفظت من قبل بعض الناس ثم نقلت إلى أماكن أخرى كما لو أنها نقلت مكتوبة على صفحات الإنترنيت في وقتنا الحاضر، لأن سمة الحفظ كانت ضمن البديهيات التي يمتازون بها وهذا لا يعني أن الحافظة تضعف وتتلاشى بمرور الزمن أو أن إنسان ذلك العصر أفضل من إنسان اليوم ولكن الذي جعلهم في هذه الدرجة من الحفظ هو الحاجة فعند الحاجة للحفظ فإن الإنسان يستعين بالقابل الذي يساعده على ذلك لعدم توفر الورق أو الجهاز الحافظ.

إذن للخطابة الدور المؤثر في جميع المراحل في حال توفرت شروطها في الخطيب لأن مهمته أكبر من الأجر الذي يعطى له مقابل ما يقدم من فنون الخطابة والخطيب الناجح عليه أن يلتزم الشروط الواجب توفرها فيه لأن الذين يرتقون المنبر دون وعي وهدفهم الاستهانة بعقول الناس كثر ولا يمكن أن نحصيهم، إذن لا بد أن نوجه كلامنا إلى الخطيب الذي يجعل أحداث الساعة والمصلحة العامة فوق حقوقه الشخصية ولنبدأ بهذه الشروط قبيل ارتقاءه المنبر واستعداده لذلك ولا يمكن أن يكون هذا الاستعداد قد أخذ لوازمه إلا إذا كان هذا الخطيب يمتاز بالعلم وجوامع الحديث بحيث يستطيع أن ينقل المتلقي إلى أجواء متعددة ومتشعبة وقبل البدء وتعيينه العنوان المناسب للمحاضرة عليه جدولة ما يريد طرحه دون الاعتماد على الورق أو التلخيص أثناء الإلقاء لأن هذا من الأمور المعيبة التي تحصل للخطيب وتكون ثقيلة على سمع المتلقي وعليه أن يأتي بالكلام سلسا وبسيطاً ويكون على اعتقاد تام بأن الجالسين تحت منبره منهم من هو أعلم منه ومنهم من هو دون ذلك فعليه أن يلتزم الأسلوب الذي يرضي الجميع وكذلك عليه الإحاطة وتوجيه النظر بالتتابع إلى من هم جلوساً عنده لأجل أن يوصل أكبر قدر من العلوم في أقصر وقت دون أن يأتي بأشياء لا تفيد الجليس والهدف منها ضياع الوقت كما يفعل ذلك الأجير الذي يرتقي المنبر، وعلى الخطيب أن يترك الإيماء وتحريك اليد كثيراً لأنها تخل بالخطبة وتعتبر مكملة للغة الخطيب بدلاً عن لسانه ومن أهم الشروط الواجب توفرها في الخطيب هي الأمانة في النقل ونسبة الآراء إلى أصحابها، وتنبيه المتلقي عند نهاية القول المنقول حتى يعلم أن القول المستأنف هو للخطيب وهذا ينطبق على الكاتب أيضاً حرصاً على حقوق الآخرين، والمحاضرة أو الخطبة لا يمكن أن تكون مادة دراسية بحتة بحيث تثقل على الجليس وإنما مادة محببة ممزوجة بمختلف المواصفات الطريفة والأدبية والعلمية وعنصر المفاجأة الذي يعتمده الخطيب لجعل الجالسين على حضور تام طيلة الوقت.

أيضاً على الخطيب الابتعاد عن التكرار الممل وكذلك الابتعاد عن توضيح الواضحات لأن هذا من أشكل المشكلات وعليه أن يراعي عامل العصر والعقد والمتاعب والأزمات والهموم المعاشية وغيرها من المتاعب الكبيرة قياساً إلى العصور السابقة وإن كان لكل عصر همومه الخاصة، ففي السابق ممكن تذكير الناس ببعض رؤوس الأقلام لتفهم المادة أما اليوم فلا بد من استيفاء كل شيء، لأن جاهل الأمس هو عالم اليوم، فلا يكفي الحديث الجزئي دون التوسعة والإحاطة وهذا لا ينافي البلاغة التي هي الحصول على المعنى بأقرب الطرق والتكلم بمقتضى الحال.

وتبقى هناك بعض الأمور الخاصة لكل خطيب في طريقة تحضيره للمحاضرة فمنهم لا يحتاج لهذا التحضير إطلاقاً فهو حين يضع العنوان يتبادر إلى ذهنه ما يريد وبعضهم يعتمد التلخيص ودراسة المادة ثم ينهي كل هذا حين صعوده المنبر والخطبة الناجحة أو المحاضرة كما يعبر عنها اليوم يجب أن تتضمن ثلاثة عناصر وهي المقدمة وموضوع المحاضرة والنهاية. وعلى المحاضر أن يمد جسراً بين هذه العناصر ويكون الهدف من ذلك الجسر هو ربط ذهن المتلقي والانتقال به من مرحلة إلى أخرى حسب نوع المحاضرة فإذا كانت في التفسير أو الأدب يكون الربط فيها متمثلاً بمقاطع من الشعر والحكم والمواعظ وطرح ما يتوقعه من أسئلة لدى الجمهور إلى نفسه والإجابة عليها لأجل أن يغنيهم عن سؤاله بها، وإذا كانت المحاضرة علمية فعلى الخطيب التركيز على وسائل الإيضاح وغيرها من الأمور التي تطلب من أصحابها.

ولو أجرينا دراسة معمقة للخطابة نجد أنها تتمثل بعدة مصاديق بغض النظر عن المكان والزمان والحشد، فممكن أن يوجه الخطاب إلى صديق ويأخذ أحد مصاديق الخطابة كما حدثنا القرآن الكريم عن صاحب الجنتين كيف تلقى خطبة الوعظ من صاحبه كما قال تعالى: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) الكهف 37. واستمر في توجيهه بما يناسب مكانة المتلقي في الفهم وإن شئت فقل المتكلم لأنه لم يذكر مراحل خلق الإنسان الأخرى كوجود تلك النطفة في القرار المكين ومراحل العلقة والمضغة والعظام وكسوها باللحم فهو تجاوز كل هذا وذكر ثلاث مراحل فقط وهي التراب والنطفة وتسويته رجلاً لأن مقتضى الحال يتطلب ذلك، ويمكن أن توجه الخطابة إلى الابن كما هو الحال مع لقمان وكيف كان يوجه ابنه إلى طاعة الله تعالى كما قال عز من قائل: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) لقمان 13. وممكن أن توجه إلى الأهل بصورة عامة كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارا ًوقودها الناس والحجارة) التحريم 6.

وهناك نوع آخر من الخطابة يوجه إلى الجمع الكبير من الناس كما قال تعالى على لسان موسى: (واحلل عقدة من لساني... يفقهوا قولي) طه 27- 28. وقد جمع تعالى كل هذا إضافة إلى خطاب أصحاب الشرائع الأخرى في قوله: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) النحل 125. ولو تتبعنا تأريخ الأحداث بعد نزول الكتب وإرسال الرسل أي بعد المرحلة التي يطلق عليها الفترة نجد الخطابة أخذت طابعها الجديد المتمثل بالحث على أمور الدين والدنيا للوصول بالبشرية إلى بر الأمان المستمد غايته من تلك الكتب وكان لأصحابنا بعد نزول القرآن الكريم الدور الكبير في تغيير الخطابة التي كانت تدعو إلى الهمجية والحروب العبثية إلى رسم مرحلة جديدة من صنع الإنسان، وبالتالي تكون الأمة هي التي تحمل الرسالة إلى كافة أرجاء الأرض وبالفعل حدث ماحدث وكان ما كان ودخل الكثير من الناس في دين الله أفواجاً لما أثرته تلك الخطابة في نفوس الناس.

أما اليوم فإن الخطابة لا تدعو الناس إلى الدين وإنما تجعل أصحاب هذا الدين يطوفون في الأرض بحثاً عن دين آخر بسبب جهل الخطباء وعدم ورعهم وانهماكهم في طمع الدنيا وتمجيد السلطان وإذا جاء وقت خطبة الجمعة تأتي معها المأساة الكبرى التي تجعل أصحاب الشرائع الأخرى في الدرك الأسفل من ألسنة هؤلاء الخطباء الذين بدل أن يتمسكوا بقوله تعالى: "وجادلهم بالتي هي أحسن". نراهم يدعون إلى الشقاق والتفرقة وكأن الآخرين يعيشون في كوكب آخر، وصدق تعالى حين قال ما ذكره الشيطان بحق هؤلاء: (ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً) النساء 119.

 

عبدالله بدر السلطان

 

 

abdullah badrhskandarاقتصر الرعيل الأول من المفسرين على مجموعة من الشبهات تعتمد جلها على اثبات الغث من الروايات التي شفعت بالإسرائيليات، وذلك إرضاءً لمجموعة من الناس على حساب كتاب الله تعالى، حتى بانت أضرار هذا النهج وتبعاته عبر الأجيال، ومن هنا أخذ المحدثون هذا الاتجاه بين منقح لما أفسده أسلافه وبين متقبل للأمر على استحياء، علماً أن الصنف الثاني قد يقع في المحدثات من الشبهات إذا ما أراد قول الحقيقة التي بدونها يكون قد وضع نفسه بين أحد أمرين، إما التسليم والانقطاع لمن سبقه، وإما التجديد، ولا يخفى على أصحاب الشأن مدى الصعوبات التي يتعرض لها الباحثون عند انتقالهم إلى الحداثة في التفسير، بسبب أن اثبات المستجدات لا يحاكي العقول التي ألفت المأثور حتى أصبح ملازماً لها في جميع ما تؤول إليه استنتاجاتها الروائية.

من بعد هذه المقدمة نريد أن نبين بعض الأضرار التي وصلت إلينا من لدن أصحاب الاتجاه الروائي الذين امتدت علومهم لتكون أشبه بالقاعدة للمتأخرين إلا ما رحم ربي، ولهذا نسبت للأنبياء بعض الأخطاء البريئة التي لا أصل لها في مسيرتهم العامة أو الخاصة، وهذا ما يظهر عن طريق الدلائل العقلية والنقلية، باستثناء ما صرح به القرآن الكريم من ترك الأولى، أو مخالفة الأمر الإرشادي دون المولوي، الذي لا يحسب على النوعية الكلية للأخطاء المتعارف عليها لدى عامة الناس، وعند المقارنة بين ما ذكره المفسرون الذين اعتمدوا الروايات الدخيلة في تفسيرهم وبين كتاب العهد القديم، لا نجد كثيراً من الفروقات، ومثالاً على ذلك ما صرح به جمع من المفسرين بشأن ما نسب إلى داود (عليه السلام) من خطيئة لا أصل لها إلا في خيالهم وتفكيرهم الساذج، إضافة لفهمهم القاصر لقوله تعالى: (قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب) ص 24.

وكذلك ما نسب إلى سليمان (عليه السلام) في قصة الجسد الذي ألقي على كرسيه والتي ورد ذكرها في قوله تعالى: (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب) ص 34. وما يبطل ادعاء أصحاب النسب الخاطئة أن الآيات التي تلت هذه الآية تشير جميعها إلى الفترة التي وهب الله تعالى فيها لسليمان الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، فكيف يمكن الجمع بين الخطيئة وبين ما سخر الله تعالى له من ريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، وكذلك تسخير الشياطين وتقسيم الأعمال بينهم، إضافة إلى تعليمه منطق الطير، كما في قوله تعالى: (وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين) النمل 16. وهذه الحقائق التي أصبحت موضع بلاء وفتنة لكثير من الناس، جعلت ما حدث آنذاك أشبه بالقضية المبهمة، بسبب عدم تكرارها أو حصولها لنبي آخر، أو إنسان مقرب.

وعند التسليم بهذه الشبهات نجد أن ما ذكر صريحاً في القرآن الكريم من تعليم آل داود منطق الطير، قد حرف إلى غير حقيقته العلمية الناتجة عن القضايا الصادقة، سواء عرضت على التجربة أم لم تعرض، كما هو الحال في تفقد سليمان للهدهد وحواره معه، إضافة إلى تفهمه لمقاصد النملة، وغير ذلك مما ورد في سياق الآيات ذات الشأن. وبناءً على ما مر يمكننا الإشارة إلى السؤال الذي يراود أناس كثر، وهو هل أن الهدهد الذي وجد ملكة سبأ وقومها وما جرى من قصتها، ممكن أن يطابق تفهم الطير لهذه الأحداث، أم أن ذلك الهدهد له شأن خاص لا يمكن أن يهبه الله تعالى لغيره؟.. وعند التسليم بالفرضية الثانية فإن الأمر لا يتوقف على الطير، وإنما يجري في النملة، وفي تسخير الجن، والريح التي غدوها شهر ورواحها شهر، وصولاً إلى إسالة عين القطر، أما إذا اعتمدنا الفرضية الأولى، فسوف نظل نبحث عن أسباب لا حصر لها ولا يمكن التحقق من صحتها أو اثباتها بالتجربة.

ولهذا فإن الطريق الأمثل لإثبات حقيقة ما حصل هو اعتماد الفرضية الثانية، باعتبار أن المسلمات القرآنية كفيلة في اثبات ما نبحث عنه، ومن هنا نعلم أن تسخير الجن والإنس والطير لسليمان، إضافة إلى المصاديق الأخرى التي تتفرع على ملكه الذي لا ينبغي لأحد من بعده، كل هذه المسلمات لا يمكن أن تكون في متناول إنسان آخر سواء كان من الأنبياء أو من الملوك، وبناءً على هذا نفهم أن النملة التي نصحت قومها في أن يدخلوا مساكنهم، كما في قوله تعالى: (حتى إذا أتوا على وادِ النمل قالت نملة يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) النمل 18. لا يمكن أن تكون ظاهرة متكررة عبر الزمان، بل هي حالة خاصة أراها الله تعالى لسليمان دون غيره، وما يثبت ذلك ممكن الرجوع به إلى المفاجأة التي حصلت لسليمان جراء حديثها مع قومها، مما جعله ينتقل من التبسم إلى الضحك إلى شكر الله تعالى، كما في قوله: (فتبسم ضاحكاً من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) النمل 19.

ولو كان النمل يتفهم ما يحدث أمامه في كل زمان ومكان ويعلم لطائف ما حوله بما في ذلك الأسماء، فقد يتلاشى نوع الغرابة التي حصلت لسليمان.

 وبهذا نصل إلى أن الهدهد الذي كلف بمهمة البحث عن الماء كما قيل، لا يمكن أن نجري ما قام به على فصيلته الخاصة دون أن نغفل الوجوه المجتمعة بين نظائره التي لا يمكن أن تصل إلى نوع المهمة التي ألقيت على عاتقه، باعتبار أن أمر ذلك الهدهد من الأمور التي لا يمكن تكرارها، فهو أشبه بإسالة عين القطر، وتسخير الجن وغير ذلك من مصاديق حكم سليمان التي ذكرناها آنفاً، أي أن هذا الهدهد قد مكنه الله تعالى من تفهم القيام ببعض المهمات التي كلف بها دون غيره، وهذا ظاهر من السياق الذي قال تعالى فيه: (وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين... لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين... فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين... إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم... وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون... ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون... الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) النمل 20- 26. 

 

عبدالله بدر السلطان

 

abdullah badrhskandarالمفاهيم الكبرى المبيِنة للأحكام المنزلة على أهل الكتاب لا تخرج عن أخذ الميثاق وما يتفرع عليه من المصاديق العملية المتعلقة في تنظيم ما تنص عليه الأوامر التشريعية، باعتبار أن الكتب السماوية كفيلة بتبيان المنهج الإلهي مضافاً إليه ما يستجد من الجوانب التي تحتاج إلى ترسيخ أعمق لأجل أن تحيط بجميع الأبعاد المصاحبة للتشريعات، وكذا ما يرجع إليها من المصاديق الثانوية المتصلة بالتقسيمات المعدة سلفاً والتي يمكن التوصل إليها بواسطة التفاصيل المشار إليها في جل الكتب المنزلة على الأنبياء ومن هنا كان الأمر الموجه إلى بني إسرائيل بأن يأخذوا ما في التوراة بقوة، والقوة كما هو ظاهر في سياق البحث الذي سيمر عليك بيانه فيها نوع من العموم، فهي لا تقتصر على القوة البدنية أو المعنوية وإنما هي جامعة للأمرين معاً لكي يتم استيعاب المفاهيم العامة التي ينادي بها الأنبياء، والتي نزلت على ضوئها الكتب حاملة للتشريع.

وبناءً على ما تقدم يظهر أن الأوامر الموجهة إلى بني إسرائيل لا تبتعد كثيراً عن المعنى الحرفي عند إرادة تطبيقها ومدى تعلق ذلك التطبيق بإطاعة الأوامر واجتناب النواهي، وتعليلاً لكثرة الأخطاء الواردة في مسيرتهم العملية نلاحظ أن نتائج العقاب الذي حل بهم كان بسبب اعتمادهم على الخداع والالتفاف على الأحكام الشرعية دون وجه حق، ولذا تراهم قد ابتدعوا ما يسمى بالحيل الشرعية في مسألة اصطياد الحيتان وسيمر عليك ذلك من خلال تفسير الآيات التي نحن بصددها، وعند تأمل هذا الأمر نلاحظ أنه يكاد يتقارب مع ما يذهب إليه ضعاف الإيمان في هذه الأمة الذين لا يزالون يتمسكون بحرفية التشريع دون النظر إلى الغايات، ولهذا فهم يعمدون إلى الحيل الشرعية ظناً منهم أنها من المباحات أو الرخص التي أقرها الشرع، ولهذا السبب نرى أن هناك مجموعة من الطاعات أو الالتزامات العملية قد أخذت جانباً آخر لدى بعض الناس الذين يعتقدون أن عملهم هذا مطابقاً للتشريع الإلهي، وهذا ما يجعل أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً.

من هنا نعلم أن الحق سبحانه قد أشار إلى هذا السنخ من الناس بقوله: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً... الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) الكهف 103- 104. وكذا قوله تعالى: (وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) الزخرف 37. ومن الأمثلة على ذلك:

أولاً: ما يرفع من أعلام كتب عليها واعتصموا بحبل أهل البيت جميعاً ولا تفرقوا ونحن نعلم أن الاعتصام بحبل أهل البيت من الأشياء العظيمة، إلا أن وضعه في سياق كهذا يعد تحريفاً لكتاب الله تعالى وما أقبحها من حسن نية.

ثانياً: ما يرفع من أعلام كتب عليها انتخبوا القوي الأمين... ولا تعليق.

ثالثاً: ما يتصدر بعض المقالات من عناوين تبدأ بقوله تعالى: (ويسألونك) ولكن تكملة هذا اللفظ تنسب إلى أغراض متدنية لا يراد منها إلا الجهل الذي مني به أصحاب تلك المقالات.

وقفة مع آيات البحث:

قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) البقرة 63. الطور هو الجبل، ويظهر بيان ذلك بصورة أكثر تجلياً إذا أضفنا إلى هذه الآية قوله تعالى: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) الأعراف 171.

 وفي الميثاق ثلاثة أقوال:

الأول: أمرهم الله تعالى بأن يعملوا بالأحكام الواردة في التوراة فكرهوا ذلك فرفع فوقهم الطور.

الثاني: الميثاق المأخوذ على بني آدم وهم من أكبر مصاديقه وذلك لكثرة ما أرسل إليهم من أنبياء.

الثالث: ما أخذه الله تعالى على الرسل وأتباعهم من الإيمان بالنبي الخاتم (ص) ولهذا السبب كان امتناعهم. وعندي أن الرأي الأول هو الأرجح.

أما تسمية الجبل بالطور فقد ذكر المفسرون لها عدة أسباب أهمها:

أولاً: معنى الطور الجبل بالسريانية.

ثانياً: ما أنبت من الجبال فهو طور، وما لم ينبت فليس بطور.

أما المراد بالقوة فقد ذكروا لها مجموعة من الأقوال:

أولها: الجد والاجتهاد.

ثانيها: الطاعة.

ثالثها: العمل بالأحكام الواردة بالتوراة. والأخير هو الأقرب.

أما الذكر ففيه قولان:

الأول: ذكر الثواب والعقاب.

الثاني: دراسة ما فيه.

وقوله تعالى: (لعلكم تتقون) أي تتقون العقوبة عند تخلفكم عن اتباع الأحكام التي ذكرت فيها الأوامر والنواهي.

قوله تعالى: (ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين) البقرة 64. أي أعرضتم عن العمل بما في التوراة وكذا عن الميثاق والوفاء به، ومن مصاديق ذلك:

أولاً: تحريفهم للتوراة وترك العمل بها.

ثانياً: قتل الأنبياء والكفر بتعاليمهم.

قوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) البقرة 65. الآية تشير إلى قوم كانوا في زمن داود كما قيل وكانوا يسكنون على ساحل البحر، وهم الذين ذكرهم تعالى بقوله: (وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون) الأعراف 163. وكما هو ظاهر من السياق فقد نهاهم الله تعالى عن صيد الحيتان في اليوم المذكور ابتلاءً لهم واختباراً لإيمانهم وإثبات الحجة عليهم، وهذه السنة جارية في جميع خلقه سبحانه، كما ذكر ذلك في قوله: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون... ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) العنكبوت 2- 3. وبالرجوع إلى بني إسرائيل نجد أنهم لم يجتازوا الاختبار، وبدأ الضعف يدب فيهم عند رؤيتهم للحيتان أي الأسماك وهي تملأ البحر بطريقة لم يألفوها من قبل، ولهذا أخذوا بالاحتيال على الأمر الإلهي فشرعوا في حفر الأحواض الكبيرة التي تدخلها الحيتان دون أن تخرج منها وذلك بعد فصلها عن البحر، فإذا جاء يوم الأحد استخرجوها من الأحواض بكل يسر، وهذا هو الاعتداء الذي أشار إليه تعالى في موضوع البحث وكذا في آية الأعراف.

فإن قيل: ما الغرض من ذكر هذه الواقعة في القرآن الكريم؟ أقول: ذكرت هذه الواقعة في القرآن الكريم لأجل إظهار معجزة النبي محمد (ص) لأن الخطاب كان موجهاً لليهود الذين عاصروه، وهذا يدل على أن إخباره لهم بما علموا خير دليل على صدق رسالته، ولذلك صدر تعالى الآية بقوله: (ولقد علمتم) هذا من جهة، ومن جهة أخرى يظهر أن في الآية تحذير من إنزال العذاب عليهم كما أنزله على أسلافهم وذلك بسبب تمردهم في هذه الحادثة، إضافة إلى أن في الواقعة عبرة لمن يحاول الالتفاف على نهج الله تعالى وتشريعه كما قدمنا في معرض حديثنا، ولهذا كانت العقوبة التي عاجلهم الله تعالى بها فيها نوع من المسخ والخسوء في آن واحد.

فإن قيل: هل كان المسخ مادياً أم معنوياً؟ أقول: ذكرنا في كتابنا هذا أن كلا الأمرين جائز في المسخ، وقد ذكر مكارم في تفسير الأمثل: أن المسخ هو تغيير الشكل الإنساني إلى الصورة الحيوانية، ومن المسلم أنه حدث على خلاف العادة والطبيعة، على أنه قد شوهدت حالات جزئية من (موتاسيون) والقفزة وتغيير الشكل في الحيوانات إلى أشكال أخرى، وقد شكلت فرضية التكامل في العلوم الطبيعية الحاضرة. ولكن الموارد التي شوهدت فيها الموتاسيون والقفزة إنما هي صفات الحيوانات الجزئية، لا الصفات الكلية يعني أنه لم يشاهد إلى الآن نوعاً من أنواع الحيوان تغير على أثر الموتاسيون إلى نوع آخر، بل يمكن أن تتغير خصوصيات معينة من الحيوانات، إضافة إلى أن هذه التغييرات إنما تظهر في الأجيال التي توجد في المستقبل، لا أن يحصل هذا التغيير في تولد الحيوان من أمه.

ويضيف مكارم: وعلى هذا الأساس يكون تغيير صورة إنسان أو حيوان إلى صورة نوع آخر أمراً خارقاً للعادة، ولكن يذكر أن هناك أموراً تحدث على خلاف العادة والطبيعة، وهذه الأمور ربما تقع في صورة المعاجز التي يأتي بها الأنبياء، وأحياناً تكون في صورة الأعمال الخارقة للعادة التي تصدر عن بعض الأشخاص، وإن لم يكونوا أنبياء وهي تختلف عن معاجز الأنبياء طبعاً. وبناءً على هذا وبعد القبول بإمكان وقوع المعاجز وخوارق العادات، لا مانع من مسخ صورة إنسان إلى إنسان آخر، ولا يكون ذلك مستحيلاً تأباه العقول، ووجود مثل هذه الخوارق للعادة لا هو استثناء وخرق لقانون العلية، ولا هو خلاف العقل، بل هو مجرد كسر قضية عادية طبيعية. وبناءً على هذا لا مانع من قبول المسخ على ما هو عليه في معناه الظاهري الوارد في الآية.

وأضاف في الأمثل: من أن بعض المفسرين وهم الأقلية قالوا إن المسخ هو المسخ الروحاني والانقلاب في الصفات الأخلاقية، بمعنى ظهور صفات مثل صفات القرود أو الخنازير في الطغاة والمتعنتين، مثل الإقبال على التقليد الأعمى والتوجه الشديد إلى البطنة والشهوة، التي هي صفات بارزة لهذين الحيوانين. انتهى بتصرف يسير منا.

قوله تعالى: (فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين) البقرة 66. اختلف المفسرون في إرجاع الضمير إلى عدة وجوه:

الأول: إلى حالة المسخ، أي جعلنا مسخهم قردة نكالاً لمن عاصرهم وكذا من جاء بعدهم.

الثاني: إلى القرية أي جعلنا قرية أصحاب السبت نكالاً لما بين يديها وما خلفها.

الثالث: إلى هذه الأمة، أي جعلنا هذه الأمة نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين. والنكال هو العقوبة الشديدة أو العبرة.

والذي أميل إليه هو الرأي الأول وذلك للمذكور المتقدم فتأمل.

 

    عبدالله بدر السلطان

 

 

هناك ثمة سؤال مشروع يُطرح علينا: - ما ذا تريدون بالعقل؟ وما هو العقل في الإسلام؟ وهل هو عقل في الإسلام أم عقل إسلامي؟، وماذا نعني به؟ وهل نعني به الأفكار الإسلامية؟ أم نعني به الأداة المنتجة لهذه الأفكار؟ .

لقد عُرف العقل في اللغة بأنه: - (من مصدر عقل يعقل فهو عاقل، ودلالته على المنع) -، وهو بهذا المعنى يدل على التمييز والإدراك في الأشياء بين الصواب والخطأ وبين الحق والباطل وبين الأمر والنهي،

ويمكننا تعريف العقل الإسلامي: - (بأنه الأداة التي من خلالها يتم إنتاج الأفكار والحكم عليها)، ولا يبتعد هذا التعريف عن المعنى اللغوي له، من حيث دلالة المعنى المستفاد وبحسب الوظيفية التي يؤديها العقل،

له، من حيث دلالة المعنى المستفاد وبحسب الوظيفية التي يؤديها العقل، فهو حين يكون أداة لإنتاج الأفكار فهو يتضمن التمييز والإدراك في آن معاً، ولكن حين تكون مهمته إنتاج الأفكار الإسلامية، (فهنا يكون العقل ليس واحداً بل هو مجموعة عقول مختلفة ومتناقضة ومتباعدة)، وهذا يوضح لنا ذلك التناقض والتعدد والتضاد في الأفكار الإسلامية، وبما إن مهمتنا في هذا الكتاب هو نقد العقل وليس نقد الفكر، يعني نقد لمُنتج الفكر وليس الفكر نفسه، ولهذا السبب أسمينا بحثنا هذا أو كتابنا هذا - (نقد العقل الإسلامي) .

والنقد في اللغة: يدل على إبراز شيء وبروزه قال أبن فارس (النون والقاف والدال) أصل صحيح، والنقد عند أبي الدرداء بمعنى كشف العيوب

وهو في الإصطلاح بمعنى ومفهوم قريب و يعني: إظهار عيوب الشيء ومحاسنه، أو قل: التمييز بين الحسن والقبيح أو بين الجيد والرديء، إذن مهمة البحث هو ليس فقط بالنظر إلى المنتج بل نقد المُنتج، يعني العقل، نقد المسلمات والمبادئ التي يتخذها العقل قواعداً في إنتاجه للأفكار، هذه المبادئ وهذه المسلمات، هي في الحقيقة ليست مبادئ ومسلمات لا يأتيها الباطل، بل هي في الأساس إذا نحينا كتاب الله جانباً وطبعاً هذه التنحية تتعلق بمصدر الكتاب لا بما يتضمنه الكتاب، و نحن لا نشك بأنه كتاب من الله العزيز القدير هذا من جهة المصدر، لكن ما يتضمنه هذا الكتاب من نصوص وآيات يحتاج إلى تأويل وإلى تفسير، ونعني بذلك البحث عن مآلات النصوص والآيات وليس الإغراق في المعاني المعجمية للفظ وإن كان ذلك ضرورياً، وهذا الشيء يحتاج إلى تحليل النصوص والآيات من وحي الواقع وليس من خلال الأراء المسبقة، بمعنى أدق: إننا نحتاج إلى قراءة جديدة للكتاب المجيد، ومن لوازم القراءة الجديدة رفع القداسة المُدعاة لأهل التراث، ومن لوازم ذلك تسمية الأشياء بأسمائها و تنحية مناهج البحث القديمة والتي تؤثر في فهم نصوص كتاب الله المجيد، تلك المناهج والأسماء التي هيمنة على الساحة الإسلامية وأثقلتها، وكان لذلك أثره ودوره في إلغاء - الإجتهاد - أو توقفه، وتم تحويل العقل إلى مجرد أداة للإعادة والتكرار، ونقصد من رفع حالة التقديس عن رجال الماضي إضفاء الواقعية والبشرية على منتجاتهم وأفكارهم، مما يعني رفع القول بالعصمة والعلم بالغيب من دون معرفة بهذه المصطلحات ودلالاتها، ومن مقتضيات ذلك محاربة الغلو في الدين وفي رجال الدين، والغلو (

في اللغة: (هو مجاوزة الحد أو الزيادة)، قال الطبرسي في مجمع البيان، يُقال غلا في الدين غلواً - تفسير سورة النساء النص رقم 171 - .

وقيل: هو من غلا غلاء فهو غال، وغلا في الأمر غلواً بمعنى جاوز الحد، قال أبن فارس في المقاييس: - الغين واللام والحرف المعتل - أصل صحيح يدل على إرتفاع ومجاوزة القدر .

قال أبن منظور في اللسان: غلا في الدين غلوا، أي تشدد وتصلب حتى جاوز الحد .

وقال الفيومي في المصباح المنير: وغلا في الدين غلواً من باب قعد تصلب وتشدد حتى جاوز الحد، وغالى في أمره مُغالاةً أي بالغ .

والغلو في الإصطلاح معناه كما:

قال الشيخ المفيد رحمه الله: الغلو هو التجاوز عن الحد والخروج عن القصد، وفي تفسيره لقوله تعالى: - ولا تغلوا في دينكم - قال: أي لا تتجاوزوا على الحد في المسيح، وهو تحذير من الخروج عن القصد، (فجعل ما أدعته النصارى في المسيح غلواً لتعديه الحد) - أوائل المقالات ص 238 - .

ويقول الشيخ المفيد يكون المرء مُغالياً فيما لو:

1 - إدعاء الإلوهية في النبي أو الإمام أو إدعاء النبوة في الإمام .

2 - وصف النبي أو الإمام ببعض الصفات الإلهية .

أ - كاضفاء صفة الخلق أو الرزق لهم، وهذا ماكانت تقوله المفوضة (وهم فرقة قالت: بان الله فوض أمر هذا الكون إلى النبي أو أهل بيت النبي) .

ب - أو إدعاء علمهم بالغيب مطلقاً .

ج - أو وصفهم للأئمة بصفات تخرجهم عن البشرية .

د - أو القول بان ذات النبي - ص - وذوات الائمة كانت موجودة قبل خلق آدم ..

ه - أو القول بان خلق آدم كان من أجل خلقهم) .

وهو خلل أو زيادة ومبالغة تحصل للإنسان بسبب ما يعتمد عليه عقله من أدوات في إنتاج أفكاره .

إن نقطة البداية هي في تحديد قواعد الإنتاج المعرفي لدى المسلمين، التي هي بالإضافة إلى الكتاب المجيد، هناك ما يسمى بالسُنة النبوية: (التي هي كل أثر جاء عن النبي من قول وفعل وتقرير)، وهذا الوصف الفضفاض للسُنة يجعل منها موازية في الدرجة والحجية والرتبة لكتاب الله المجيد في إنتاج المعرفة، وهذا عندنا مرفوض لأنه يُساوي بين الكتاب المجيد و السُنة، ذلك لأن السُنة في أحسن الأحوال هي كلام وأثر منسوب لرسول الله، وهذه النسبة يجب وضعها في إطارها الصحيح هذا إن إعتبرناها صحيحةً (أعني السُنة)، ولكنها في الواقع مجرد ظنون لا تتعدى في كونها تفسيراً لنصوص الكتاب، أو إذا عتبرناها إجابات لمحمد الرسول وليس لمحمد النبي عن أسئلة من الناس يومية، وذلك التفسير أو تلك الإجابات كانت ولا تزال محفوفةً بالكثير من المخاطر والأخطاء والوهم والعقبات .

ولذلك نقول إن مايُسمى بالسُنة النبوية ليست سوى: (ظنون صنعتها قوى سياسية سادت في تلك المراحل التاريخية القديمة)، أي إنها خدمت إتجاه ما وعززت من نفوذه، وليس في هذه السُنة التي نقرئها في كتب الأخبار، ولا خبر واحد يمكننا القول عنه و فيه وعلى نحو أكيد، (إنه لرسول الله باللفظ والمعنى) أو كأن نقول: (هكذا تحدث محمد بن عبدالله)، ولهذا نعتقد: - (إن ما أقدم عليه عمر بن الخطاب في شأن تدوين أخبار النبي والرسول ورفضه لذلك، كان ذلك إجراءً متقدماً وصحيحاً) -، بل يمكننا إعتباره الخطوة الجرئية والعلمية والسابقة التي يجب الإشادة بها، وكان رأيه ينصب في هذه الإتجاه، أعني عدم الخلط في أذهان الناس بين ما لله وما لمحمد ..

ولهذا يمكننا القول، (إن كل الذي بين أيدينا من، كلام منسبوب لرسول الله، هو صناعة لاحقة، لا يجوز بحال الإعتماد عليها في تشكيل وعينا التشريعي ولا العقدي) !، أي لايجوز إعتبار هذا المنسوب قاعدة نؤوسس عليها وننتج من خلالها أفكارنا، والمسألة لا تتعلق بالنبي ولا بالرسول لا ولكن القضية تتعلق بهذه الأخبار التي جُمعت لا حقاً، وأراد لها الأراخنة موازاتها بالكتاب المجيد، أي جعلها بثقل الكتاب من حيث القيمة ومن حيث الحجية، مع إن السُنة هي بالفرض تُنسب للنبي، و نحن من يصحح هذه النسبة ويصحح محتوياتها، أي إننا نحن الحاكمين عليها في مدى الصواب وفي مدى الخطأ، وهذه كما ترون إشكالية معرفية كبيرة يجب ان تعيق الإندفاع العاطفي لدى البعض في تصويب القول المُتبع الذي أسسه الشافعي وسار على خطاه الكثير ممن يدَّعون الأصولية .

ثم إن هناك إشكالية تمس الطبيعة التاريخية للسُنة، أعني في زمن التدوين وفي رجال التدوين وهذه الطبيعة تؤثر في وعينا التاريخي لماهيتها، وقد قلنا: - إن التأخير في كتابة وتدوين السُنة النبوية، أخل بعنصرين أساسيين:

الأول: في بنائها اللغوي أي المفردة من قائلها؟ ولماذا قالها؟ ولا يهمنا التعليق اللاحق لأنه صُنع في زمن آخر .

والثاني: هو المحتوى والمضمون وهذا يتعلق بطبيعة منتج هذه الأخبار، ولا ننسى رواج صناعة الأخبار مع نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية .

وكان لهذا الرواج دوافعا متعددة منها سياسي ومنها مادي وكثير منها خيالات ومحض إفتراء، وقد سخر رجال الحكم هذه الصناعة في تضخيم شخص الخليفة والحاكم ليجعوا منه ظلاً لله، فبرروا ظلم الحاكم وقسوته وعدم كفائته وجهله، ومن هذه الأخبار تولدت المقولة التاريخية للإسلام السياسي القائلة: - الخلفاء من قريش - أو الخلفاء من بعدي أثنى عشر - ثم وظفها العقل الوافد بحسب مقاساتها، ثم أضفى عليهم صفات من الجلال والجمال الباطلة ...

ولقد كان لما يُسمى بالسُنة النبوية دوراً مباشراً في صُنع الخلاف الدائر بين جماعة المسلمين اليوم، فمنها ومن خلالها تركبت أخبارا نُسبت للنبي أو للرسول لكي تُمجد هذا الطرف أو ذاك، والجميع يجتر مفهوم الحق من خلال ما يظن إنه المعني بذلك، حتى نشأ ذلك الخبر الموضوع كما يقول أبن حزم: - (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلاَّ واحدة) - تفسير الشوكاني ج2 ص 68، إذن هذه الأخبار سببت إنشقاقا تاريخيا وعقديا بين الجماعة المسلمة، فصيرت المسلمين طوائفا ومذاهب متناحرة، وكل منهم يدعي إنه الفرقة الناجية في تمثل لهذا الخبر الكذوب، ولو تفحصنا طبيعة الخبر اللفظية والدلالية فإننا لا نجد فيه غير الكيد والتخوين والتسفيه في خلاف واضح مع كتاب الله، الذي قال: - (إن أكرمكم عند الله أتقآكم) -، وقال إيضاً: - (لا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن أتقى) -، ساداً الطريق أمام هذه المزايدة الرخيصة التي شكلت وعي المسلمين عبر التاريخ، و من خلال هذه الأخبار المزيفة التي تُنسب عمداً لرسول الله، لكي تشوه في وعينا صورته الجميلة من جانب، كما وتؤهله من جانب أخر ليكون طرفاً في الصراع السياسي الذي أنتجناه والذي نعيش تدافعاته السلبية ..

لقد قلنا في غيرمناسبة: ليس لمحمد بن عبد الله لا بصفته الرسولية ولا بصفته النبوية التشريع والحكم على الأشياء، وقلنا: - إنه ليس سوى ناقل للوحي بأمانة، ومعلوم إن صفة الرسول لها دور الإشراف على تنفيذ القوانين، ولكن ليس بصيغة المُشرع بل بصيغة المُنفذ، وهذا ما عبر عنه الكتاب المجيد بقوله: - (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فأنتهوا) -، أي إن ماجاء به الرسول إليكم فهو من عند الله يجب إتباعه، وما نهى عنه الله بواسطة الرسول فأنتهوا، وجعل الله الرسول الوساطة المنفذه للأوامر والنواهي بإعتباره المتصل المباشر مع الناس ولهذا كلفه الله أن يقوم مقامه في هذا الشأن، ولهذا عالج الكتاب المجيد حالات الإختلال التي قد تنشأ بفعل ذلك، قال: - (وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى) -، وهو يعني ذلك الوحي النازل على محمد النبي، وبأن الذي يأتكم به فهو من عند الله، ولقد إلتزم هذا النص لكي يقيد الكلام الصادر عن النبي وعن الرسول محمد، فيجعل ماورد عنه بطريق الوحي، هو الذي (لا ينطق فيه عن الهوى) بل هو وحي يوحى، ومن هنا يجدر التنبه إلى إن محمد بن عبد الله خارج إطار الوحي يعني محمد الإنسان الذي لا ينطق عن الوحي، وإنما يكون كلامه صادراً عنه بإعتباره إنساناً .

ولا بد من الإعتراف هنا: إن صفة الرسول وصفة النبي هما صفتان إضافيتان زائدتان عن الأصل الذي هو محمد الإنسان، وهذه الصفات مقيدة بما يوحى إليه من عند الله، و يعني هذا إن: - (محمداً خارج الوحي ليس رسولاً ولا نبياً بل هو إنساناً طبيعيا) -، وفي الكتاب المجيد نجد التأكيد على هذا التمايز وهذا التفريق

ففي سورة الأحزاب يقول الله: - (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) - الأحزاب 40 .

وفي سورة الفرقان يقول: - (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ..) - الفرقان 7 .

وفي نص قريب يقول: - (... أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم ..) - آل عمران 144 .

وفي هذه النصوص الثلاثة التي ذكرناها، تبدو صفة النبي وصفة الرسول هي المضاف للأصل الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويموت أو يقتل، وهذه الصفات هي للإنسان وليس للنبوة ولا للرسالة، فهو يأكل لا بصفته كنبي ويموت لا بصفته كرسول، وهذا الذي نقوله هو فقط للتمييز والدرس والبحث، فحين ننظر إلى سُنة النبي يجب أن لا يتخطى نظرنا إلى ما أنزل على محمد من وحي في كتاب الله، ثم إن محمد النبي هو غيره محمد الرسول طبعاً هذه الغيرية في الصفة وفي الفعل، فمحمد الرسول هو شأن خاص يتعلق برسالة محمد وبالمؤمنيين بها، وهي بمثابة القانون الذي يسري بحسب الوضع، وبما إنها قوانين فهي لا تعني أولئك الذين لا يؤمنون برسالته، وبالتالي فهي غير ملزمة لهم إلاَّ بحدود تطبيق القانون داخل الدولة التي أكثرية الناس فيها من أتباع محمد والمؤمنين به، ولكن هذا الكلام لا ينطبق على محمد النبي فصفة النبوة صفة عامة يشترك فيها جميع الناس، ولكن ما سر هذا الإشتراك؟ نقول في الجواب: النبوة ليس فيها أمرا ولا نهيا، أعني هي ليست صفة قانون في المعاملات والسلوك، بل هي مجموعة قوانين ونظرة نحو الخلق و الكون، وفي الكلام عن هذه الصفة يقع الإشتراك إذ ليس من المعقول نكران قوانين الحياة وقوانين الكون ونظام الليل والنهار والموت والمنظومة الشمسية وهكذا، فهي إطار في مجال العقل المجرد صحيح إنها ليست ملزمة لكنها تخص الجميع، ولا أظن عاقلاً في الكون ينكر على النبوة دعوتها أو الإيمان بها في هذه الصيغة المجردة، والنبي ليس حاكماً ولا منفذاً للتشريع فهذه ليست من لوازمه، لأن النبوة ترتبط بالوعي العلمي للناس، وزيادة في الإيضاح تعتبر رسالة محمد شانية خاصة وأما نبوته فشأنية عامة ولا يمكن لمن لا يؤمن برسوليته أن لا يؤمن بنبوته، نعم إن هذا التفريق يرتبط بطبيعة المهمة والدور الذي أضطلع به محمداً في حياته، وهذا يعني إننا الآن بحاجة للتمييز بين هاتين الصفتين في شخص محمد، كي يسهل لنا فهم مهمته ككل،

ولسأل أن يقول: في قضية النبوة نجد النداء موجها للنبي وعلى هذا النحو: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ..) - الأنفا ل 65، ونفس الشيء ورد في مسالة الزواج والطلاق وهناك زهاء الأربعين نداء في صيغة (يا أيها النبي)،

فكيف يمكننا فصل النبوة عن الرسالة؟ والجواب: الفصل إقتضائي يتعلق بمفهوم الحاكمية ومفهوم تنفيذ القانون، وهذه من متعلقات الرسالة أو من مهام الرسول بإعتباره حاكماً زمنياً، ولا شأنية للنبي أو للنبوة في مجال تنفيذ الأحكام والقوانين .

فإن قلتم إذا كان ذلك كذلك: إذن فلماذا جاء النداء والتحريض والأمر بصيغة - يا أيها النبي -؟ .

قلنا: إن النداء في المسائل الحيوية يشير فيها النص على نحو المخاطب المباشر الذي هو النبي ولكن لا بصفته منفذا بل بصفته مبلغاً، أو حاكياً عن المُراد الذي يجب فعله من قبل الناس، فجملة حرض المؤمنين، أي أدفع بالمؤمنيين إلى القتال، أو حبب للمؤمنيين القتال وهذه الصيغة الإنشائية تماثل قوله (قل يا أيها الكافرون) يعني هي صيغة تحفيز لا صيغة تنفيذ وإجراء، و كذلك حينما يقول: - (يا أيها النبي قل لأزواجك ..) -، هي ذات الصيغة أي أدفع على نحو يجعل من الحياة مستقرة، والصيغة إنشائية كذلك وليس فيها إجراء وتنفيذ، لأن ذلك من مهام الرسول، حتى الصيغ االتي يأتي فيها النداء موجهاً للنبي يكون الفاعل في التنفيذ والإجراء هو الرسول وليس النبي، وفي النتيجة ليس هناك ثمة شيء أسمه - السُنة النبوية - بالمعنى الذي قدمناه، ولكن هناك (سُنة رسولية) وهذه محط أنظارنا وهي التي وقع الكلام عليها في التصحيح والتخطئة ..

في كلامنا عن المنتجات الفكرية يبرز - الإجماع - واحداً من هذه المُنتجات، وطبعاً الكلام ليس في فكرة الإجماع ولكن في حجيته، وبما إننا قد فصلنا الكلام فيما يُسمى بالسنة النبوية فإننا كنا قاصدين، نقض حجيتها المُدعاة في باب التشريع أو العقيدة، وإذا كان هذا موقفنا من - السُنة النبوية - فمن باب أولى أن يكون موقفنا مُشابها له في مجال - الإجماع - وحجيته المزعومة، ولكن ما هو الإجماع وكيف يمكننا تعريفه؟، الإجماع: في اللغة يعني العزم، وفي الإصطلاح يعني إتفاق المجتهدين من هذه الأمة - كما يرى الحاجبي، وهو عند الإمامية - الكاشف عن رأي المعصوم - أو الكاشف عن شهرة الحكم الشرعي في العصر الأول، والإجماع عند الملتزمين به من المفاهيم العرفيه، وأساسه عندهم خبر ينسبونه إلى الرسول، قال فيه: - لاتجتمع أمتي على خطأ - !! وهذا القول كما ترى قولاً مطلقاً، والضمير فيه يعود فيه على إعتبار الإيمان والثقة، وليس على حجية الإجماع، إذ إن هذه المسألة اعني مسألة - لا تجتمع أمتي على خطأ - من المسائل الخلافية التي لا يمكن الإعتماد عليها في توكيد عدم الإجتماع على الخطأ من جميع الأمة، فهذه المسألة تجعلنا أمام أمة وكأنها معصومة، وهذا ما لا يجوز عقلاً ولا شرعاً .

ولكن ماذا لو أعتبرنا حجية الإجماع تنطلق من مقبولة عمر بن حنظلة المروية عن الإمام الصادق قوله: - خذ بما أشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر –؟، نقول: إن الكلام في معنى - خذ - إنما يتموضع في هذه المنطقة، أي خذ على أساس ما أشتهر بين أصحابك، ولنلاحظ بدقة هنا: وكأن الملاك هو الشهرة وليس الملاك هي القواعد التي تحكم الخبر وتدل على صحته، فالشهرة من حيث هي ليست ملاكاً مستقلاً يمكن الإعتماد عليه والعمل بموجبه، ومقبولة عمر بن حنظلة لا تفيد سوى الظن الذي لا يغني من الحق شيئا، ولكي لا ندخل في متآهة البحث الأصولي المجرد عن - حجية الإجماع -، يلزمنا التركيز على - الإجماع المنقول - والذي يحاجج به البعض، فهذه المحاججة ليست على ما ينبغي بدليل: إن ذلك الإجماع المنقول يفتقد في مضمونه للدقة والعلمية، من جهة تباعد المسافات وإنقطاع الدليل، أقول: لم يكن في تلك الأعصار السعة والإنتشار للكُتب الخبرية كما هو حاصل اليوم، فكانت كتب الأخبار لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، وهذا ما يجعل من إجتماع الفقهاء على خبر ما في كتاب ما يكون في بلد ما، من الصعب الوصول إليه أو الإلتقاء بهؤلاء المجمعين عليه أمراً غير معقول و يدعوا للحيرة .

فإن قيل: يمكن تحصيل الإجماع المنقول بالملازمة العقلية .

قلنا: هذا القول هو مجرد وهم لا غير .

إذ كيف يمكن تحصيل إجماع من المتقدمين على مسالة ما؟ ويكون نفس ذلك الإجماع وعلى نفس المسألة لدى المتأخرين أو المتوسطين؟ ثم يبنى على ذلك الإجماع ويعتبر حجة، يتضح لنا مع كل ما مر من هفوات وضعف التخريجات التي نجد فيها التكلف الزائد، كقولهم هناك حدس بحصول الإجماع ومعلوم إن دليل الحدس هو في ظن دخول المعصوم في هذا الإجماع وإمضاءه عليه، وهذا النوع من الإستدلال ساقط من الإعتبار لأن التعليل بدخول المعصوم تعليل ليس في محله، والقول: - إن الإتفاق من المجتهدين على أمر ما هو إجماع - هذا القول: مجرد تخيل ووهم ولا حقيقة عليه شرعية أو علمية .

ومن أدعى: إن الإجماع حجة بدليل - قاعدة اللطف - .

قلنا: إن هذه الدعوى باطلة، ذلك لأن قاعدة اللطف ليست تامة لا في باب النبوة ولا في باب الإمامة .

من هنا فالقول بأن للإجماع حجية تساوي في قدرتها على الإستنباط وعلى الإلزام كما لكتاب الله المجيد، هذا القول ليس على ما ينبغي، بدليل: إن الإجماع المُدعى له مهمة وله ركيزة يقوم عليها، أو مستند يعتمد عليه وهذا المستند هو الأخبار كما قلنا، وما من شك إن فهم الأخبار من جماعة ما من المجتهدين، أبداً لا يُلغي فهم تلك الأخبار من مجتهدين أخرين، و يكون ذلك الفهم مُغايراً لفهم المتقدمين، وبالتالي فليس هناك من دليل مقنع يلزم التابعين بإتباع المتقدمين، وقد رفض الكتاب المجيد هذا السلوك في قوله تعالى: - (بل نتبع ما ألفينا عليه أبائنا ..) - البقرة 170، و قال أيضاً: - (بل نتبع ما وجدنا عليه أباءنا ..) - لقمان 21، إذن فالكتاب المجيد أسس لقاعدة تقول: - يجب فتح المجال أمام العقل لكي يتدبر ويتعقل ومن دون إلزام بإتباع من سبق -، وببساطة أكثر: يشبه الإجماع في صيغته النهائية يشبه ذلك الإتباع والإقتداء من غير دليل ولا هدى، ولو تأملنا جيداً تلك المقولة السائدة في الوسط الإسلامي - شرع ما قبلنا - لوجدناها ممتصة من ذلك المعنى للإجماع، بقي أن نقول: - ليس الخلاف في أصل الإتفاق إنما الخلاف في حجية هذا الإتفاق -، وعلى أي أساس يكون وما هو مستنده؟، فإذا كان المستند والأساس معلوم ففي هذه الحالة لا يكون إتفاق المتقدمين حجة علينا، أعني طالما لنا الحق نحن إيضاً في فهم هذا المستند وإستنباط الحكم منه، ومادام الإستنباط مسموحا فالواجب أن تكون حجية الإجماع ممنوعة، ومن هنا يسقط ذلك الزعم القائل: - إن إجماع طائفة من الناس على فهم معنى معين من تلك الأخبار كفيل بجعل هذا الفهم مُلزم للآخرين -، لأن ذلك الإلزام إلغاء لدور العقل اللاحق في تفحص تلك الأخبار وإستنباط الأحكام منها، أي إن من إعتبر الإجماع حجة ألغى عن قصد الإجتهاد اللاحق، وأفترض منطق تقليد الجماعة التي إجتمعت على رأي معين في مسألة ما معلومة المستند ..

وأما الكلام في - حجية العقل - فهو عندنا ليس بإعتباره مقابلاً في الحجية للكتاب المجيد، ولكن بإعتبار ما يصدر عنه ناتجاً عن الكتاب المجيد، والكلام هنا في مجال الشريعة والعقيدة، و المسألة في عنوانها العام إشكالية، من حيث إعتبار العقل هو الحاكم على النص، أو من حيث إعتبار العقل محللاً للنص، وبما إن المسالة إشكالية فالواجب إستحضار الشروط الموضوعية التي تحدد ما إذا كان حاكماً أم محللاً، وقيد الشرط الموضوعي قيدا إحترازيا نريد به الطبيعة التي تتغير عملياً و دورياً، والشرط الموضوعي مرتبط بالواقع و بطبيعة الأرضية المعرفية لذلك الواقع، وفي هذه الحالة فقط يمكننا قبول نظرية صلاحية الكتاب لكل زمان ولكل مكان ضمن هذا اللحاظ وهذا المعنى .

وسنبسط الفكرة أكثر ونقول: يكون الكتاب صالحاً للإستخدام في كل ظرف، وذلك في حال أعتبرنا إن محمداً قد مات تواً أو الآن وترك بين أيدينا هذا الكتاب، فكيف يجب أن نقرئه؟ وكيف يجب أن نتعامل معه؟، وهذه الصيغة الإفتراضية هي صيغة واقعية تتعلق بمادتي القراءة من قرب والتعامل بعد الفهم وبعد القراءة، في هذه الصيغة نحن دائماً في مواجهة دائمة و مباشرة مع الكتاب، ومن لوازم هذه المواجهة: (رفع حالة التقديس لأهل التراث وأهل التاريخ، كما يلزم رفع كل الزوائد التاريخية الكلامية والسياسية، التي أثقلت قدرتنا في فهم الكتاب والتعاطي مع موضوعاته)، ونحن نعلم كم كانت تلك الزوائد فاعلة في تشكيل وعي المجتمع الخلافي أو المتناقض أحياناً، إذن فلكي نعطي للعقل دوراً فاعلاً ونعطي لأحكامه حجية معتبرة لا بد من أن تكون السيادة للعلم، وحين نقول العلم: فهذا يعني وجوباً البعد عن الأوهام والأفكار المزيفة والأحقيات المزعومة، التي دُست بكتب التراث في الفقة والتاريخ والأخبار والعقايد، لتُخرب هذه العلاقة الطبيعية بين الإنسان والكتاب، وحين نستخدم لفظ - تخرب - نستخدمه على سبيل الوصف متساهلين جداً مع أحداثيات وأثر ذلك الدس، و لكن لو تأملنا ما نتج عن ذلك الدس فسنجد إن مصطلح - قصد - أدل وأوضح، يعني هناك كيدية معينة القصد منها تخريب العقل وإلغاء دوره في معادلة البحث والإستنباط، وهنا جوهر المشكلة حالما نعتقد أو نتصور إن حجية النقل هي أولى من حجية العقل، مع إن المشكلة التي أسست لهذه الفوضى هي تلك الروايات التي نشك في صحتها ودرجة وثاقتها ودلالتها وأسانيدها، وإذا كان التمسك بحجية النقل هو الأصل فهذا يعني إننا إزاء تصورات موهومة وحلول موهومة لأننا عطلنا حجية العقل، التي دُعينا للتمسك بها عبر ذلك الخطاب التلقائي الذي يقول - ما خلقت خلقاً أحب إلي من العقل - والتعليل المتصل يقول في حسن الإتباع ووعي الطاعة، وهذه مسلمات مطلوبة في صحت العبادة، ويعني ذلك إحتياج الصغريات بنفس درجة ورتبة إحتياج الكبريات للعقل .

ونعود لنقول إن مفهومنا عن - نقد العقل الإسلامي - يعني نقد الأداة المنتجة للفكر في الإسلام، بمعنى نقد عناصر إنتاج الفكر في الإسلام، والنقد كما في أصله اللغوي هو تمييز بين الصواب والخطأ أو بين الحق والباطل، ولكي يكون التمييز دقيقاً لا بد من التعرف على مولدات الفكر في الإسلام، وحتى تكون العملية - النقدية - نافعة ومجدية لا بد من تحرير مصادر إنتاج المعرفة من هيمنة التقديس المزعوم، وفي هذه المسألة بالذات ليس هناك ثمة أنصاف حلول إنما هو حل واحد، والقصد منه ليس تسفيه وتخطئة التراث والتاريخ والأخبار والنصوص، بل هو رفع لمستوى الوعي بحيث يتجرد من الأحكام المسبقة، وفي هذا المجال كم سمعنا من دعوات مخلصة لإعادة كتابة التاريخ، مع إنني لست مع من يدعوا إلى إعادة كتابة التاريخ بل إلى نقد التاريخ وتصحيح محتوياته، وإظهار الحشو والتغليف والتزييف والكلام الذي لا أساس له منه، وكما إن موضوعة - نقد التاريخ - لا تخرج أبداً من العملية الكلية لنقد العقل، إذ ليس من الجائز ولا من المتصور أن يكون نقدنا للتاريخ مفيداً ونافعاً، إن لم نكن ننقد العقل الذي أسس ذلك التاريخ، ومهما علا ذلك العقل ومهما كان له شأن في موروثاتنا، ولابد من الإعتراف بأن تلك عملية شاقة وخطيرة وتستدعي المزيد من الحرص والمراعات لضوابط الحياد وعدم الوقوع في أسر الأحكام القبلية أو الأطر الضيقة ذات الاتجاهات المعروفة ..

وأقول: - إن الإسلام السائد اليوم لا يمثل القيم والمبادئ الأخلاقية التي أنطلق الإسلام من أجل سيادتها في الحياة -، فلقد حورت الكثير من قوانينه وتشريعاته وشوهت عقيدته، وقولنا هذا ليس مجرد كلام عن شيء مفترض بل هو الحقيقة التي يلمسها جميع الناس، وكلامنا نعني به هذا السلوك السياسي والإجتماعي الذي يتحدث بأسم الإسلام، كتلك الجرائم التي ترتكب بإسم الإسلام اليوم، حدثت هذه الجرائم حينما غلبت جماعة المسلمين التراثيات على العقل والخرافات على المنطق، وهذه الممارسات على حدود ما أنزل الله، وحين يختفي دور العقل ويخبو تنتشر في أوساط الناس الخرافة والوهم، ولا نبالغ إذا ما قلنا: إن للعامل السياسي الدور الحاسم في هذا التغييب المقصود، و قد شجع هذا العامل ونمى كل العناصر السيئة التي تحاول إغراق الناس في الجهل والخرافة وتعظم لهم أشياء ما كانت في الكتاب ولم تكن، إنما هي مجرد خيالات ووهم وتضخيم عاطفي، وهو بالتأكيد شيء غريب عن أدبيات ونصوص الكتاب المجيد، إن شيئاً من الواقعية لا يتحقق إذا ما بقيت موجة التزييف والطعن بالحقيقة، فالتراكيب التي تنتجهما هاتان الظاهرتان تجعلان من الحركة الجمعية أسيرة للسلطات المرجعية بكل رتابتها ووضعها النفسي المتأزم والذي يرى الأشياء بمنظور سكوني منقبض يعيش الزوايا الحرجة ويتعامل بأنصاف حلول

وإذا كنا نؤمن بأن الإسلام هو حركة من أجل الحياة، فلا بد أن لا يعرف الانغلاق ويجب أن يستوعب التطور العام، وأن لا يجد حرجاً في أن يتعامل مع الأشياء بروح منفتحة، الروح التي تساهم في دعم مشروع العدل والحق والحرية، مشروع التقدم والنهوض الشعبي المجتمعي الذي من أهدافه حماية الإنسان والدفاع عن حقوقه الطبيعية والتاريخية وحرياته العامة .

والفرق بين الإسلام والإسلاموية إنه لا يؤمن بالطائفية ولا المذهبية الضيقة ولا الاثنية العنصرية، بل يؤمن بالإنسان الواحد المجرد عن الأسماء والصفات والحيثيات والصبغيات، والفرق بين الإسلام والإسلاموية إنه يؤمن بسيادة القانون الذي يجعل منه واحة أمان لكل الناس، والفرق بين الإسلام والإسلاموية إنه جاء ليكون في صف الناس ينهض بهم يقدمهم ولا يتقدم عليهم، ويهدف من خلال ذلك تقويم سير الإنسان ليكون في خدمة الجماعة البشرية .

وللتأكيد على هذه المواصفات يلزمنا مواصلة النقد وإعادة البناء لكل لبنات التركيب فيه، وإعادة النظر في مباحث الشريعة والفقه وإزالة الهيمنة الإسلاموية عليه، تلك الهيمنة التي تغلف عمله في مجال التشريع وفي مجال العقيدة، كما نجد من اللازم اعتبار الفقهاء مفسرين بدرجة معينة للنصوص ليس أكثر، دون إغراءات أو إطناب سواء في الكنى أو الألقاب، وحتى تتم عملية التفريق بين الإسلام والإسلاموية نحتاج لتجديد النظر في مصادر إنتاج العقيدة وأصولها، فهناك ثمة حاجة تدعو لذلك سيما ونحن نلاحظ الخَبط والعشوائية وعدم التركيز والخوف من الدخول في هذا المجال، وعلى سبيل المثال في هذا المجال: تبدو قضية الإمامة بحاجة إلى تأسيس من جديد ينسجم وطبيعة النص .

فالقضية معرفياً تثير إشكاليات متعددة ومتقاطعة تاريخياً وفكرياً، وهناك موضوعات جدُ حاسمة تحتاج إلى مراجعة كمسألة (الرجعة والبداء والمهدي)، ولأن هذه المسالة من مخلفات ما يُسمى بالسُنة، فهناك حاجة أذن للتحقيق والتنقيب بكل ما ترشح لنا من هذه السُنة المزعومة، ولكي يكون الأمر هيناً نقول بوجوب إعادة فهم السُنة ومستوى أخبارها وما ترشح منها، كما يجب إعادة النظر والموقف من أراخنة الدين الذين غيروا وبدلوا قواعد التعاطي مع كتاب الله، فجعلوه رهناً لما يقولون ولذلك نشأ هذا الزيف والتطويب والمبالغة في أذهان الناس، وبما إننا في صلب هذا العمل فالواجب أن يكون النقد حراً لكي يصحح قواعد الإعتقاد، وإن تمكنا من هذا فإننا حتماً سننتج وعياً تاريخياً كاشفاً للحقيقة ونابذاً للتقديس والتطرف الذي الزمتنا به مناهج رجال الدين وسلطاتهم، تلك السلطات التي سعت جاهدة لكي تتربع على الكرسي مستغلة مشاعر الناس وعفويتهم وإيمانهم الساذج، معممين مع الخرافة ذلك الجدل الفئوي الضيق المهزوز، الذي من مهامه إشغال الناس فيما لا شأن لهم به، وليس خافياً على أحد إن رجال الدين يقيمون سلطتهم ويسيروها على جدل الأفكار المنقبضة والصراع المذهبي الهزيل، تلك التي تحرف التاريخ وتطعن بالخطاب والنص القائم على موافقة الصحيح والصريح، وتعتمد في أحكامها على الصفة التجزئية التي تختزل الذهن والفكر معاً، تختزل الإبداع خدمة للخرافة وقواها .

التجديد وضرورات الحاضر والمستقبل

مفهوم التجديد: - (في اللغة العربية من أصل الفعل "تجدد" أي صار جديدًا، والجديد ما لا عهد لك به، و سُمِّي كل شيء لم تأت عليه الأيام جديدًا) -، وفي الكتاب المجيد وضفت كلمة جديدا لا تجديدا في النصوص كما في قوله: (أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أإنا لمبعوثون خلقاً جديدا) - الإسراء 49، ولكن اللفظة وردت فيما يُنسب إلى الرسول قوله: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد دينها)، والمشار إليه في هذا النص هو تجديد الفكر بعدما يكون قد أستفذ وسائل حجيته وإقناعه، ويُفهم منه تطوير مادة الإجتهاد كما قال بها السيوطي الذي ربط بين هذا الخبر ومعنى الإجتهاد، وتطوير مادة الإجتهاد معناه تغيير في مفاهيم الإستنباط بحسب الواقع وهذا يستلزم جدلاً نبذ التقليد وتبني الأفكار الجديدة التي يعمل بها العقل في وقته، وهذا لا يعني أبداً طرح الماضي كل الماضي بروحه وعقلانيته بل إستلهام تلك الروح وتلك العقلانية، ولكن في صيغة المجتهد وليس في صيغة المُقلد، ولو توصلنا إلى تلك الصيغة فإننا حتماً سننمي فكرة التغيير والتجديد، ليس في وسائل الإنتاج بل المادة المُنتجة، ولا نشك إن في تاريخنا جيل من دعاة التجديد كان منهم الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والشيخ صالحي نجف آبادي، كما كانت هناك تيارات احدثت موجة من الجدل يمكننا حسابها على فئة المجددين كالمعتزلة و القرامطة والبهائية وغيرهم، وهؤلاء عملوا في طريق التجديد مهتدين بالعقل وما صح من التراث، هؤلاء قرئوا التراث قراءة من وحي الواقع، وطبقوا ذلك على مفردات تاريخية بعينها فكانت النتائج مبهرة، وإني أستمد هذه الروح الخلاقة منهم وأحاول تطبيقها كمذهب فكري على عامة النصوص التراثية وحتى على نصوص الكتاب المجيد، فكانت النتيجة إيجابية توضحت في بحثنا عن - وقعة كربلاء -، وجعلتنا أكثر حيادية وإبتعاداً عن التطرف والغلو والتفريط، وإلزامتنا بالمنهج البحثي العلمي ولكن ذلك لم يشفع لنا عند ذوي النيات السيئة، مما أثاروا موجات من الجدل والردود من حولنا تبدت في افعال تحكم في القسط الأوفر منها العواطف والأوهام والغيظ، أوهام الذهنية النرجسية و أوهام السلفية الضبابية المتخلفة، المعادية لحركة الإصلاح والتجديد، حدث هذا من خلال الاستبدال والتغيير في بعض كتاباتي أو محاولة نسبتها إلى الغير، وحدث هذا حينما أتهمنا ــ بالسنوية ــ يوماً ما وذلك بعدما أصدرنا فتوانا المعروفة بجواز التعبد بمذهب أهل السنة، وحدث هذا في قولهم: إننا نحاول تخريب العقيدة وإفساد عقول الشباب وتشكيكهم في عقيدتهم .

ولكن في مقابل هذا الزيف ازدادت قناعة الجيل الجديد والمثقفين بالطرح الذي نتبناه على الصعيد التاريخي والفقهي والعقدي، وقد استجاب لذلك جمهور من الناس وابدوا شعوراً ينم عن قناعة وتصميم من أجل متابعة هذا الطرح، ومن جانب تصدى البعض من المخلصين لتعرية و إدانة ذلك السلوك الذي أتبعه المخالفين في كيديتهم وحقدهم، ومع إيمان أولئك الشباب الطامحين نحو التجديد والتغيير أزددت يقيناً وإيماناً بأننا إنشاء الله إلى صواب، ومن جانب أخر أزدادت قناعتي بأن مطالب الشباب في تغيير مباني العقيدة وإعادة النظر في مباني الشريعة حقيقية و ليست وهمية، أو مجرد هزات وعواطف إنما هي قناعات وإيمان وتوجه لمتابعة طريق التحرر .

إن أحداً لا يستطيع التنبؤ بمستقبل الدين إذا ظل الحال كما هو، وإذا ارتبطنا بالماضي ارتباط الظل بذي الظل، وإن الكلام الذي ندعوا به لفتح باب الاجتهاد في العقيدة والشريعة ليس ترفاً أو مماحكةً، بل يدخل في صلب عملية التجديد ولهذا كانت دعوتنا لإعادة تركيب وتبويب أدلة الاستنباط من جديد، أعني لا يجب الخلط فيها أو إعتمادها كما أتت من الماضي، بل يلزم التدقيق فيها كلاً على حدة وبواقعية ونظرة موضوعية لما هو ضروري ومنطقي ومعقول فيها، وهذا إن فعلناه فإننا سنكون قد بدأنا الخطوة الأولى في مجال التحرير الذهني والعقلي، وسنخرج من هيمنة العقل المثالي، وسنخرج أيضاً من ظلم الطبقية . والإستبداد وظلم التجهيل المتعمد

وفي هذا المجال نقول: - إن التمسك بالقراءة الماضوية لأدوات الإستنباط سيضر في فهمنا للواقع وكيف يجب أن نعيش فيه؟ -، فالقراءة الماضوية للدين وللتراث هي قراءة من وحي زمن الماضي، وهذا الزمن بمنطق وحساب الكتاب المجيد قد ولى - تلك أمة قد خلت -، ويكون إعتماد هذا الماضي في محاكمة الحاضر والتحكم فيه تجاسر وطوباوية وتخيل غير محمود، ذلك لأن للماضي أدوات فعله التي لا تصح للإستخدام في الحاضر، مهما حاولنا تطويع ذلك الماضي أو محاولة إدخاله كجزء من منظومة حياتنا الحاضرة، كما يجب التنويه لتلك النقلة التي حصلت في مجال العلم وفي الحاضر وقد غابت تماماً عن الماضي، هذه النقلة هي صناعة عقل الحاضر المختلف عن عقل الماضي، ولا يصح أبداً جعل العقل الماضي حاكماً كما لا يصح السماح له بذلك، فالقضية لا تدخل في الإيثار لأنها ليست قضية أخلاقية إنما هي قضية علم، وواقع يتحول ويتحرك بسرعة و في المجالات كافة، وفي هذا يجب أن نعترف بإن مشروعنا النقدي ينطلق ليواكب هذا التحول وهذا التحرك السريع، لأننا نريد تحديث وتجديد عقل الفرد وعقل المجتمع عقل الإنسان الذي هو غاية الحياة ومنطلق الحياة، وقد بينا ذلك في كتبنا التي نشرناها في مجال التاريخ والطبيعة والإنسان والدين، معتبرين العقل هو الدليل الدال على مشروعنا في التجديد والإصلاح .

*

وما دمنا نتكلم عن تجديد الخطاب والعقل معاً، فلابد أن نشير إلى تلك الجهود التي تبذل من مفكرين لقراءة الدين والتاريخ قراءة جديدة وقريبة إلى عقل الواقع، بحيث يتم من خلالها التخفيف من غلواء الماضي وهيمنته عبر سدنته التراثيين، وفي هذا المجال أدعو ومن منطلق الحرص لتظافر الجهود ونبذ الأشكال الصامتة والحالات السَكونية، والمساهمة في دفع عجلة تطوير المجتمع حتى يحقق ذاته موضوعياً وينتصر على أخطاءه جدلياً، وتلك غاية مشروعنا فيما نُسميه تجديدا أو إجتهادا أو إنتاجا معرفيا جديدا، إنها دعوى نأمل أن يُلتزم بها بالقدر الذي يجعل منها قاعدة تؤوسس لبناء غدا جديد ...

قرائتي هذه

هي قراءة في العقل الإسلامي في الأدوات والوسائل والمادة المنتجة للفكر، وفي هذا الطريق نحن نبحث عن الحقيقة التي هي ضآلتنا، ولا يهم أن كنا واضحين وصريحين في نقدنا للموضوعات التي أنتخبناها، وللعقل محل التجربة والمثال فكان نقداً للعقل الإسلامي (في حالة العقل الشيعي مثالاً)، أعني كتب الأخبار الشيعية ورجال الأخبار الشيعية ومنتجات العقل الشيعي، لإيماننا (بان الشيعة هم الإسلام في اللفظ والمعنى وفي التعبير عن التابعية للإسلام، إن نقد العقل الشيعي أو الإسلامي مهمته التمييز بين الحق والباطل في متبنياته وقواعده، وهدفنا كما هو معلوم إخراجه من دهاليز الانغلاق والأحكام القبلية، ومما يسهل من المهمة أن العقل الإسلامي يعتمد بدرجة كبيرة في إنتاجه للفكر على الأخبار وليس على الكتاب المجيد، لذلك كان لزاماً معرفة نوعية ودرجة ووثاقة هذه الأخبار، التي هي عنده أهم من الكتاب ومن نصوصه، وهذه ليست مبالغة بل هي الحقيقة أو الترجمة الحرفية لما هو مدون بالفعل في كتب التراث، إن تقييم الأخبار من جديد على ضوء كتاب الله وتطبيق العمل عليها وفقاً وبموجب قانون الموافقة والمخالفة لكتاب الله، كما يلزم رصد ومعرفة حال رواة الأخبار وطبقاتهم ووثاقتِهم وعلاقتهم بالحدث وصياغة الخبر شيء على غاية من الأهمية .

ولو أغفلنا ذلك فلا يكون - لنقد العقل الإسلامي – معناً يذكر، ولهذا وجدنا من الضرورة بمكان متابعة التمييز والفحص الدقيق لمصادر ومنابع هذا العقل، ونقدها بجرئة وبدليل منطقي مقبول .

ومن أجل التذكير بما تقدم نقول: لقد حاولنا في قرائتنا هذه التعريف بسُنة الرسول، وكذا التعريف بالكيفية التي تشكل فيها ما يسمى بعلم - أصول الفقه -، وقد نبهنا على معنى الاجتهاد المباح ومعنى الاجتهاد الممنوع من خلال التمثيل بفكرة التمتع بالرضيعة، كما ناقشنا فكرة البداء والرجعة والمهدي والمرجعية والتقليد، وبحثنا صحة أو عدم صحة أحاديث في أصول الكافي، وإنني لعلى يقين بأن هذه القراءة ستجد لها من الأرضية ما يجعلها مركز إلانطلاق نحو آفاق كشف المجهول والتصدي له وعلى المستويات كافة .

ولما كنا ننزعج من نسبة أشياء لأهل البيت وهي ليست لهم، فكان من الواجب تطهير ساحتهم من هذه الأشياء ومن نسبتها إليهم، و الإعلان عن عدم شرعيتها وصحتها، إن البقاء والإبقاء على الزيف المخادع ونسبته إليهم تحريف مرفوض للحقيقة، لهذا كان النقد مشروعاً إنسانياً أولاً وإسلامياً ثانياً، وهو في مجالي العقيدة والشريعة يُعد الحاجة الأهم والأغلى لأن من خلالها تتشكل القناعة ويتم البناء وتصحح المسيرة .

وأقول: إن هذا المؤلف هو واحد من مجموعة حلقات نأمل أن يساعدنا الرب على إتمامها وإنجازها، وهو بعد محاولة نستهدف من خلالها إزالة هذا التراكم الكمي للعقيدة والشريعة، وأنا واثق أنه سيأخذ مكانه الطبيعي المأمول في المكتبة العربية الإسلامية، لكي يساهم في حملة التوعية والتثقيف ضد مخاطر الجهل والتعليمية الملفقة ونظام التربية السكوني، وسيجعل من العقل الإسلامي في ساحة المواجهة والتساؤل والنقد، لأن ذلك باعتقادنا يكون المظهر الأكمل للقول المأثور بإثارَة دفائن العقول وتفعيلها وتحريكها .

وارجوا من القارئ العزيز أن يطالع هذا الكتاب بهدوء، ويتفاعل معه ويحكم عليه أو له ولكن ضمن معايير القراءة الموضوعية لقواعد الجرح والتعديل وبناءً وحصراً على ما جاء فيه، دون انفعال أو مقاربات ظنية كما يحلو للبعض القيام به، الكتاب ليس ترفاً أدبياً أو قصصاً رومانسياً بل هو في الصميم من مشاكلنا فلنسًتفق من رقدتنا فقد آن الآوان ...

(وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)

 

الشيخ إياد الركابي

 

 

abdullah badrhskandarتخضع وحدات قياس الأوزان لقانون يتميز من خلاله نوع المعايير المستخدمة في هذا النظام، كما هو الحال في وزن الأجسام المادية، بحيث لا تتأرجح كفة على حساب أخرى إلا بما يظهر ثقل أو أفضلية أحدهما ضمن عملية مقدرة دون زيادة أو نقصان، أما في حالة حصول ما يخالف هذا النظام فإن الأنظار ستوجه إلى التدخلات الخارجية التي يقوم الإنسان بصنعها بما لا يتناسب مع الضوابط المتفق عليها ضمن ترتيب يعلمه المختصون بهذا القانون.

وهذا النظام المصغر يعتمد في تشريعه على القانون الكوني الكبير باستثناء العبثية التي أشرنا إليها، باعتبار أن ما تحمله السماء من مكونات لا يمكن أن تستقيم إلا بخضوعها للقوانين الحسابية الدقيقة، وأنت خبير بأن حدوث الاختلاف في المعادلات الكونية سيؤدي إلى انتفاء أجزاء الكون مما يفضي إلى زوال الحياة في جميع الكواكب (إن وجدت) ولهذا يقول الحق تبارك وتعالى: (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون) الحجر 19.

والموزون: يعني المقدر من ناحية الطول والحجم، أو ما تحتاجه تلك الأشياء من مياه ونور ودرجات حرارة، وغير ذلك من المكونات التي تجعل النبات والجماد يؤدي وظيفته المخلوق من أجلها على أتم وجه، ومن هنا يظهر سبب قوله تعالى: (من كل شيء) بدلاً من أن يقول من كل نبات، ليشمل جميع المحتويات التي تتكون منها الأرض. وعند تأملنا لهذا النظام الدقيق نجده خاضعاً لعملية حسابية غاية في الدقة والتنظيم، كما بين ذلك تعالى في مطلع سورة الرحمن التي صدرها بتعليم القرآن عاطفاً عليه مجموعة من الآلاء التي أنعم بها على خلقه، ابتداءً من خلق الإنسان وتعليمه البيان، مروراً بالآلاء الحسية التي ذكر منها الشمس والقمر والنبات الذي لاساق له والشجر المعطوف عليه، وصولاً إلى رفع السماء ووضع الميزان.

من هنا يظهر أن العدل الإلهي هو الذي رمز له تعالى بالميزان ثم عطفه على تعليم القرآن وأنزل من أجله الكتب تفريعاً على بعث الرسل، ومن هنا ظهرت النكتة في قوله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) الحديد 25. وكذا قوله: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب) الشورى 17. فإن قيل: ما وجه تناسب ذكر الساعة مع الميزان؟ أقول: لا تقوم الساعة إلا إذا اختلفت موازين الأرض وانتشر فيها الظلم والجور، بحيث يصبح الخائن مؤتمن والفاسق مستشرف مما يؤدي إلى ظهور الفواحش ونقض العهود والمواثيق، حتى تلد الأمة ربتها، كما في الروايات المتفق عليها، عند ذلك يظن الإنسان أنه قادر على احتواء الأرض، كما أشار إلى ذلك تعالى بقوله: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) يونس 24.

وبهذا يتحصل أن الميزان الذي وضعه الله تعالى هو المقياس المعنوي للعدل الذي أمر سبحانه الناس أن يأخذوا به، بما يضمن سلامة الأرض التي وضعها للأنام، ولهذا فإنه (جل شأنه) يوجه الإنسان في حالات استعماله للعدل التشريعي إلى الوفاء بالكيل والميزان سواء كان ذلك مادياً أو معنوياً، كما في قوله تعالى: (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها) الأنعام 152. وقوله: (فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين) الأعراف 85.

وبالإضافة إلى ما مر فقد حذر تعالى الإنسان من أن يميل سلباً في حالات الحكم وعند الشهادة، كما في قوله: (ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) المائدة 8. وقد قابل تعالى هذه الآية بالتزام العدل في الميول الايجابية، وذلك في قوله: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً) النساء 135.

وبناءً على ما سلف يظهر أن التناسب الدقيق الذي أشارت إليه سورة الرحمن يدلل على أن الموضع الذي ذكر فيه الميزان، يحمل العديد من اللطائف القرآنية، فقد بدأت السورة بالوزن المحكم الذي لا مثيل له سواء في الشعر أو النثر، وكما هو ظاهر في تقديمها تعليم القرآن على خلق الإنسان، وبعد ذلك أخذت بتعداد النعم والآلاء التي امتن بها تعالى على الإنسان، في أروع تقابل وألطف بيان، ثم أشارت إلى المتقابلات الحسية، بين الإنسان والجان والشمس والقمر، والنجم والشجر، وهذا النظام القويم الذي يربط الدنيا بالآخرة، نجده قد تمثل بالآلة التي تجعله لا يحيد عن الاستقامة وهذه الآلة (على تعبيرنا) هي الميزان الذي يرسم العدل الإلهي في أروع صوره المشابهة للخروج من القوة إلى الفعل، كما في قوله تعالى: (والسماء رفعها ووضع الميزان) الرحمن 7.

فإن قيل: لمَ وضع تعالى الظاهر موضع المضمر في الآيتين التاليتين لآية البحث؟ بتعبير آخر لماذا قال: (ألا تطغوا في الميزان) الرحمن 8. بدلاً من أن يقول: ألا تطغوا فيه، وقال: (وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) الرحمن 9. بدلاً من أن يقول: ولا تخسروه؟ أقول: أراد تعالى في آية البحث مفهوم الميزان الذي تتفرع عليه المصاديق، كما قدمنا، أما في الآية الثامنة فأراد تعالى بالميزان النوعية المعرفية للتعامل بين الناس، وذلك ظاهر من تصدر الآية للنهي بعدم الطغيان في الميزان، أما الآية التاسعة فتشير إلى خصوصية المواد الموضوعة في الميزان، لذا اقتضى التكرار في اللفظ والاختلاف في المعنى، وبهذا يكون السياق المفصل نظير قوله تعالى: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً... وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً) الإسراء 105- 106. أي إن الله تعالى قد أنزل القرآن بالحق ونزل حاملاً لمنهج الحق.

 

عبدالله بدر السلطان

 

abdullah badrhskandar يذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الله تعالى أخفى حقيقة الروح وجعلها مبهمة ولا يمكن لأحد الوصول إلى تفاصيلها وفهم مصاديقها ودليلهم في ذلك قوله تعالى: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) الإسراء 85. وهذا الدليل لا يمكن نعته بالضعف فقط بل هو باطل وحجته غير ناهضة، وقبل الخوض في الحديث عن الروح أود أن أشير إلى أن في القرآن الكريم مبهمات كثيرة لا يمكن الوصول إلى معرفتها بخلاف الروح الواضحة لأن المسيرة البشرية مليئة بالحجب والإنسان يسير في غفلة غير متناهية ولا يمكن أن يكتشف تلك الغفلة إلا بالرجوع إلى الله تعالى والابتعاد عن الموبقات وفي هذه الحالة لا يستدل على وجود الخالق بالمخلوقات أو على قاعدة الأثر يدل على المسير بل يستدل بالخالق على وجود المخلوقات نفسها، من هنا نعلم أن الحجب التي ليس بإمكاننا كشفها كثيرة ومتعددة والسبب في ذلك يتعلق في الغفلة التي تلازم الإنسان كما أسلفت ولا يمكن أن تنتهي هذه الغفلة إلا بالموت الذي يكشف الحجب التي تستر الإنسان بسبب بعده عن المهمة التي خلق من أجلها لذلك يشير تعالى إلى هذا الموقف بقوله: (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) ق 22. وهذه الغفلة التي قرع الإنسان على أثرها قد أشار إليها تعالى  بقوله: (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) الروم 7. وهذا أشد خفاءً من الروح فضلاً عن المغيبات التي إستأثر الله تعالى بعلمها كما أشار إلى بعض منها في قوله: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت) لقمان 34.

 وهذه المغيبات التي ذكرت في سورة لقمان لا يعني أن الاستئثار يتوقف عندها فقط كما يعتقد البعض وأنت خبير من أن إثبات الشيء لا ينفي ما عداه وإنما هذه المغيبات كانت رداً على سؤال وجه للنبي  (ص) ومن أراد الاطلاع عليه فليراجع أسباب النزول لأن الفترة التي نزل فيها القرآن لا يمكن للباحث أن يغفلها وإلا فإن فهمه للقرآن يترتب عليه ألف دليل ودليل فلا بد إذن من دراسة تلك الفترة بعمق لمن أراد الخوض في تفسير القرآن الكريم. ولطالما تطرقنا إلى هذه المغيبات لا أريد أن أناقشها لأن هذا يجعلنا نحيد عن موضوع البحث ولكن أريد أن أشير فقط إلى الأمر الذي يشكل على البعض والذي يثير لديهم التساؤل المتمثل بالعلوم الحديثة التي استطاع الإنسان من خلالها أن يتوصل إلى معرفة نوع الجنين وبالتالي فإن آية من آيات القرآن الكريم قد ألغي مفعولها ولا يمكن العمل بها حسب اعتقادهم.

 وفي هذه المناسبة لا يسعنا إلا أن نقول لهؤلاء إن الذي توصل لمعرفة نوع الجنين هو العلم الذي سخره الله تعالى لخدمة الإنسان وعندما يشاء الله رفعه فلا راد لحكمه كما يؤكد ذلك في قوله: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس) يونس 24. وقوله تعالى: (ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام... إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) الشورى 32- 33. من هنا يظهر أن ما حصل عليه الإنسان كان بتخويل منه تعالى فمرة يكون التخويل بالعلم التدريجي والاكتشافات البشرية ومرة يكون بنقل القدرة إلى الإنسان ليفعل ما يشاء ولكن ذلك الفعل يتوقف على الإذن منه تعالى كما حصل مع عيسى وأشار إليه تعالى بقوله: (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرأً بإذني وتبريء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني) المائدة 110.

 وأيضاً حصل لإبراهيم ما يشابه ذلك. من هنا يتحصل أن كل هذا الذي تقدم أشد خفاءً من الروح التي نالت نصيباً من البيان أكثر من أي شيء آخر وقد سلط القرآن الضوء عليها وبمختلف الطرق والإتجاهات ولكن جهل بعض أهل العلم للغة القرآن الكريم يجعلهم يظنون أن قوله تعالى: "قل الروح من أمر ربي" هو الجواب الشافي دون تحليل وتمحيص لما يجب أن يستخلص من المعنى المتمم لمسألة الروح فقوله تعالى: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) الإسراء 85. لو تأملناه بدقة وعرضناه على متفرقات القرآن الكريم لكانت النتيجة أن الأمر في منتهى الوضوح وعند استعراضنا لمراحل الروح نجد أن لها مصاديقاً كثيرة فمنها ما يرافق الملائكة كما في قوله تعالى:  (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) القدر 4.

 وكذلك قوله: (ينزل الملائكة بالروح من أمره) النحل 2. وأيضاً قوله: (يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً) النبأ 38. ولذلك وصف به جبريل توسعاً في قوله: (نزل به الروح الأمين) الشعراء 193. وهناك الروح الذي نزل لمريم (عليها السلام) كما في قوله : (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً) مريم 17. وقوله: (فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين) الأنبياء 91. وقوله: (ومريم إبنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا) التحريم 12. وهناك الروح الذي أيد به عيسى (عليه السلام) كما في قوله: (وأيدناه بروح القدس) البقرة 87. وقريب منه البقرة 253. والمائدة 110.

 وهناك الروح الذي يرافق المؤمنين كما في قوله: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) المجادلة 22. وأيضاً الروح الذي أوحي به إلى النبي في قوله: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) الشورى 52. ولو تأملت المراحل التي ذكرت الروح تجد الغالب فيها أن الروح من سنخ الأمر الذي مر عليك بيانه وعند استمرارنا في البحث نحصل على معنىً آخر للأمر يظهر من خلال الآيات التي أشارت إلى تعريفه كما في قوله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) يس 82. وهذا الأمر الذي تجسد بكلمة (كن) يبين أنها هي الكلمة التي أفاضها الله تعالى على الوجود ليتم من خلالها حصول الإرادة الإلهية دفعة واحدة دون توسط الأسباب الطبيعية ويؤكد هذا قوله: (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) القمر 50. وهذا الأمر بطبيعته لا يحتاج إلى العد أو لمح البصر وإنما يخاطبنا تعالى باللغة التي أنشأنا كلامنا فيها، وهذا يدل على نفي التدريج والحصول على مايشاء تعالى بكلمة كن على ما في تعبيرنا.

 أما الخلق الذي تتوسط به الأسباب الطبيعية يمكن أن يكون حصوله في زمان ومكان معينين ومن هنا لا بد من التفريق بين الخلق الذي توسطت به الأسباب الطبيعية والأمر الذي هو خلق أيضاً لكن دون توسط تلك الأسباب وقد جمعهما الله تعالى بقوله: (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) الأعراف 54.

من هنا يظهر أن الأمر لا يحتاج إلى الوسائط فهو بمنزلة المشرف على كلمة كن كما قال تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) آل عمران 59. فالمرحلة التالية لخلقه من تراب هي كلمة كن أي دخول الروح المجردة عن التدريج وقد أشرف عليها الأمر وقد مر عليك قوله: "إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون" وهذا الإشراف هو الذي أوجد لنا الخلق السريع أي بالدفعة التي انتصب بفعلها الكائن الحي وقد أخذ بالدخول الفعلي إلى الحياة فظهر بكل ما تقدم أن الروح هي من الأمر الذي أشرف على إيجاد الخلق كما قال تعالى: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي) الحجر 29- ص 72. وهذا يدل على أن النبي (ص) لما سئل عن الروح كان الجواب الذي نزلت به الآية  قل "الروح من أمر ربي" أي إنه الإيجاد بالدفعة لا بتدخل الوسائط كما مر عليك في المراحل التي أشرنا إليها والتي بينت معنى الروح.

 

عبدالله بدر السلطان