abdullah badrhskandarبذل المحققون من الفلاسفة قصارى جهدهم لأجل تبيان معنى واجب الوجود، إلا أن التفاضل المتأرجح بين نسبة الماهية إلى طبيعتها غير الظاهرة يجعلها مجانبة للفرضية المنشودة لدى قسم آخر من المحققين ولذلك اعتمد هؤلاء على توسيع المفاد الأرقى الذي يبعدهم عن وصف المفاهيم التي تؤدي بهم إلى القول إن كل ما سوى الله تعالى ممكن وكل ممكن محدث وكل محدث مخلوق، وهذه السلسلة تصل بنا إلى تعارض الأمر عند اتحاد واجب الوجود مع آخر دون إظهار امتياز لأحد منهما أو انفصال أحدهما عن الآخر مع الحفاظ على أجزاء كل واحد منهما، ومن هنا نفهم أن التقسيم قد عاد إلى مرحلة التركيب كون كل مركب يفتقر إلى غيره وكل مفتقر ممكن، وبهذا تكون النتيجة أن كل واحد من المركبين قد يكون ممكناً وهذا محال لأن المركب لا يصدق عليه الفعل إلا إذا كان تركيبه يمتد إلى أجزاء غير متناهية، وهذا أيضاً لا يصدق لاستحالة التعيين المتخذ سلفاً للكثرة الملازمة للمركب، ولو أثبتنا جدلاً صحة هذه النظرية يكون المركب المتخذ أولى حدوثاً من المركب الذي سبقه في الأجزاء الأولى كما بينا، وبهذا القدر نعلم أن كل ما عدا الله تعالى مفتقر لغيره، لأن كل ممكن يحتاج إلى مؤثر سواء في عدمه أو في حال إخراجه من العدم، وهذا الدليل يجعلنا على يقين ثابت أن كل ما سوى الحق سبحانه محدث ومسبوق بالعدم ولا يمكن أن يخرج إلى الوجود إلا بخلق الله تعالى وإيجاده.

 من هنا يظهر أن جميع المخلوقات هي ملك لله تعالى دون التعرض إلى نسبة البنوة الخارجة عن الحقيقة التي أراد بعض الناس أن يجعلها أحد أجزاء واجب الوجود سبحانه، وقياساً إلى ما قدمنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون) من آية البحث التي سنتعرض إلى تفسيرها. وسيظهر أن فرية اتخاذ الولد المنسوبة إلى الخالق جل شأنه لم تختص بأمة من الأمم أو طائفة من الناس كون الباحث في سير الأقوام يرى أن جذور هذه الفرية ضاربة في القدم، وأنت خبير بأن كثيراً من الناس لا يزال يصدق بهذا الزعم، فمن جهة نرى أن مشركي العرب قالوا الملائكة بنات الله، أما اليهود فقد قالوا عزير ابن الله، فيما ذهب النصارى إلى أن المسيح ابن الله، والباحث في تأريخ العرب يرى أن مجموعة من المشركين قد ذهب ظنهم أن الملائكة بنات الله وذلك بسبب جهلهم وحبهم للذكور والمفارقة بينهم وبين الإناث، وكانت العلة وراء هذا الزعم أن الإناث ليس لهن من الأمر شيء لا سيما في الأوقات العصيبة وما يتفرع عليها من الحروب أو النهب والسلب، ولا يخفى على المتأمل أن هذا الادعاء لا يتقارب مع الحق المبين وذلك لأن الإناث قادرات على خوض الحرب والقيام بأعمال لا تقل أهمية عن الأعمال التي يقوم بها الذكور سواء في الحرب أو ما يتصل بها من غزوات كما هي عادة العرب.

وما يؤسف له أن العقل العربي لا يستوعب هذا النهج علماً أن جميع الأمم تراعي هذا الجانب من حياة الأنثى ما يجعل لها الحق في خوض الحرب أو أداء أي عمل من الأعمال التي تناسب التركيبة التي فطرت عليها، وأكثر من هذا الاعتقاد السائد لدى العرب نرى أن بعض القبائل قد ذهبت إلى ما هو أدهى وأمر، فقد عمد هؤلاء إلى نسبة العار إلى الشخص الذي تولد له أنثى، ولا نبالغ إذا قلنا إن هذا الأمر لا يزال متبعاً لدى بعض الناس الذين لا يحكّمون شرع الله، ولذلك ترى أن كثيراً منهم قد تصيبه المعرة جراء هذا العمل حتى يتوارى عن أنظار الناس خوفاً من العار الذي لحق به، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم... يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون) النحل 58- 59.

وبناءً على ما كان سائداً لديهم من أفكار نلاحظ أن القرآن الكريم قد جارى عاداتهم وتقاليدهم في كثير من مواضعه، وذلك مراعاة لجهلهم كما هو الحال في عدم ذكر أسماء النساء باستثناء مريم وكذا الطواف بالصفا والمروة وما إلى ذلك من التقاليد، وهذا ليس حباً في معتقداتهم وإنما أنزل الحق هذا الأمر بهذه المنزلة لأجل أن يسير جنباً إلى جنب مع أفكارهم البالية لئلا يمتد تأثير ذلك إلى الأجيال اللاحقة كون أولئك لا يستفيقون من الغفلة إلا بهذه الطريقة، ومن هنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لو لا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد) فصلت 44. هذا ما كان ينسبه العرب لله تعالى، وكما تعلم فإن الموضوع كبير ومتشعب وسنتكلم عنه بإسهاب في مناسبات قادمة، أما الآن فننتقل إلى أهل الكتاب وسنرى كيف نسبوا الولد لله تعالى ظلماً وعدواناً وذلك من خلال تفسير آية البحث.

 

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون) البقرة 116. نزه تعالى نفسه عن اتخاذ الولد كون من يتخذ الولد يصدق عليه لقب الوالد وهذا لا ينسجم مع الحق سبحانه وإن كان يعتقد بعض أهل الكتاب أن النسبة تشريفية، وذلك لأن الوالد يستلزم امتلاك البدن وما يلحق به من الشريك، وهذا لا يصح نسبته إلى الحق جل شأنه بأي صورة من الصور، ومن هنا نرى أن آية البحث تنزه الله تعالى عن هذا الفعل كونه يؤول إلى النقص والحاجة، ثم بينت الآية أن كل ما في السماوات والأرض ملك له فكيف يتخذ من عباده ولداً له، أضف إلى ذلك أن نظام الكون خاضع له جلت قدرته وهو الذي أبدع كل شيء فيه، فأنى يكون له ولد كما يظن أهل الكتاب، وهذا الاعتقاد الساذج لا يثبت أمام النقاش أو البحث عن الحقائق وذلك لأن قياسهم لا يخرج عن المماثلة التي أرادوا بواسطتها مقارنة الخالق بالمخلوق، علماً أن الإنسان يحتاج إلى الولد لأجل استمرار النوع وهذا يجري في جميع المخلوقات، وكما ترى فإن هذه التعريفات تناسب العقل الساذج ولذا لم نخض في المباحث الفلسفية.

فإن قيل: لمَ عبر تعالى عن الموجودات بصيغة جمع المذكر السالم في قوله: (كل له قانتون) من آية البحث؟ أقول: الاعتقاد السائد لدى أهل اللغة أن هذا من باب تغليب العاقل إلا أن القرآن الكريم لا يراعي هذا الوجه بقدر ما يشير إلى حقيقة الأمر الذاتية، كون الآيات التي هذا شأنها تبين أن جميع الموجودات لديها القدرة على الإدراك والشعور، وما يتطرق إليه القرآن الكريم بخصوص هذا الجانب ليس من باب الشعر أو مراعاة العادات القبلية التي تكلمنا عنها في معرض حديثنا، ولهذا ذكر سبحانه أن لمخلوقاته كامل الحق في الشهادة على الإنسان، وذلك في قوله: (حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون... وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون) فصلت 20- 21.

فإن قيل: ربما يجعل الله تعالى للجوارح قدرة على النطق والشهادة في يوم القيامة دون شعور منها؟ أقول: لو كان الأمر بهذا المعنى لم تقم الحجة على الإنسان، لأن أفعال الموجودات ليست من قبيل ما نشاهده أو نسمعه من خلال المستجدات العصرية، علماً أن القرآن الكريم قد أشار إلى ما يطابق هذا المفهوم في مواضع أخرى، كما في قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا

 أتينا طائعين) فصلت 11. وكذا قوله: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً) الأحزاب 72. وسنتكلم عن هذا الموضوع بالتفصيل عند التعرض للآيات آنفة الذكر.

 

 من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

عبد الله بدر اسكندر   

 

ezzeddine  anayaأولا: ذكرى الأمس وواقع اليوم: شهدت أوضاع اليهود في البلاد العربية منذ مطلع القرن الفائت تبدلات جذرية، خلّفت آثارا عميقة على مصير تلك الشريحة الاجتماعية. ولا يخفى ما للصراع العربي الإسرائيلي من أثر مباشر على أتباع تلك الديانة؛ لكن المسألة تبدو أعمق من ذلك، فقد حصل تصدّع في بنية الاجتماع العربي، جراء تخلّف عميق ألمّ بالبلاد العربية، انعكس سلبا على تلك المجتمعات في احتضان مكوّناتها الدينية وشرائحها الاجتماعية. إذ تكشِف وقائع المجتمعات العربية، التي هجَّرت يهودها أو هجَرها يهودها، بحسب القراءتين المتناقضتين الإسرائيلية والعربية، عن عجز عميق في توفير أجواء الاحتضان الاجتماعي، وعن قصور بيّن في تنزيل مبدأ التعارف المستند إلى المنظومة الخُلقية الإسلامية في الواقع.

فبموجب الصراع العربي الإسرائيلي المستفحل طيلة القرن الفائت والممتد حتى عصرنا الراهن، بات المخيال العربي المعاصر تحت وطأة أشكال شتى من التداخل والتضارب تجاه اليهود واليهودية، ما جعل النظر إلى أوضاع تلك الجماعة يأتي مشوبا بتلك الأجواء. إذ ترافقت القطيعة التي حصلت بين الشعوب العربية وشرائحها الاجتماعية اليهودية، مع تردّ لافت في النظر إلى أتباع تلك الديانة وإلى أصول تلك الديانة، استعاض فيها الفكر بأحكام مرتبكة، غالبا ما أتت مسكونة بالهاجس السياسي[1].

وفي مستهلّ حديثنا عن هذه المسألة سنتابع العوامل التي ولّدت ذلك الاضطراب. لقد مثّل عجز الدولة العثمانية، عن تحقيق الاستيعاب السلس لمللها وطوائفها، منطلقَ اهتزاز تعايش الطوائف اليهودية مع المجتمعات الحاضنة. فكان أن هلّلت تلك الطوائف لمقدم الاستعمار الغربي إلى الحواضر العربية، على أمل أن يحصل تغير في أوضاعها الاجتماعية الرثّة، بعد أن أرهقتها طويلا مؤسسة أهل الذمة المتقادمة، التي تحوّلت من مؤسسة احتضان اجتماعي للآخر إلى مؤسسة جور وإذلال أضرّت بصورة الإسلام السمحة. كما شاعت العديد من المواقف تجاه اليهود تناقض قيم الدين الإسلامي تناقضا فاضحا، بما يفيد أن الثقافة السائدة ما عادت متأتية من قيم الدين بل من رؤى متلبسة بالدين. في تلك الأجواء، مثّلت وعود عالم الأنوار الغربي لليهودي العربي أملا كبيرا للخروج من وضعية "الذمي" التي طالما أرهقته. وسيتفاقم ذلك التناقض الاجتماعي لتلك الشرائح مع بنية الاجتماع العربي ببسط الاستعمار الغربي نفوذه على مجمل الأقطار العربية، بما سيزيد من تأزم البناء الاجتماعي ويرسّخ عجزه عن استيعاب شرائحه.

ففي مستوى أول، شكل تولي القنصليات الأجنبية مهام حماية اليهود في الدولة العثمانية، وما تبعه من منح امتيازات لفائدتهم، أملتها الدول الغربية، سببا في إحداث شرخ بين اليهود وباقي مكونات المجتمعات العربية؛ فضلا عما تبعه، في مرحلة لاحقة، من إلحاق تلك الجماعة بالدول الاستعمارية، بعد منح أفرادها جنسية الدولة المستعمِرة. فكان كلما احتدّ الصراع بين الدول الاستعمارية والشعوب الرازحة تحت نيرها، طلبا للاستقلال والحرية، إلاّ وزاد تعمّق الهوة بين الأكثرية المسلمة وجموع الذين هادوا، بسبب انخراط اليهود في تحالف مصيري جنب المستعمِر، شايعوا فيه سياساته وأقرّوا له بالدور الفاعل في تحضير الأقليات وتحريرها.

وإن حصلت بعض المشاركات المحتَشَمة، من جانب اليهود، بالانضمام إلى التنظيمات اليسارية والنقابية العربية، زمن الحقبة الاستعمارية، فإنها لم تعبر عن الثقل الأكبر داخل تلك التجمعات، بل أتت معبرة عن خيارات ظرفية ومصلحية معزولة، على غرار ما حصل في المغرب، حيث كان مؤسس الحزب الشيوعي يهوديا، إلى جانب ضم الحزب في صفوفه خلال العام 1948 خمسمائة يهودي من جملة ستة آلاف من أعضائه؛ وفي تونس بمشاركة 46 يهوديا ضمن الكوادر النقابية التونسية البالغ عددها 497 عضوا، ما بين الفترة الممتدة بين 1920 و 1956، وهو ما حصل أيضا في مصر والعراق بشكل مشابه. ولكن في العموم لم يتحمّس اليهود إلى ثورات تلك البلدان وانتفاضاتها، عندما كانت تتطلع إلى نيل حريتها واستقلالها، وهو ما جعلهم يرافقون المستعمر عند رحيله. ورغم ذلك لم تشهد البلدان نزوحا تاما ليهودها وإن تقلصت الأعداد إلى بضعة آلاف، سنأتي على أسبابها لاحقا.

لقد ناهز عدد اليهود في البلاد العربية عشية تأسيس دولة إسرائيل 850 ألف نسمة. حيث بلغ العدد نحو 210 آلاف في المغرب الأقصى الواقع تحت الاحتلال الفرنسي، و 50 ألفا في مراكش الإسبانية وطنجة، و 140 ألفا في الجزائر، و 110 آلاف في تونس، و40 ألفا في ليبيا، و 130 ألفا في العراق، و 80 ألفا في مصر، و 50 ألفا في اليمن وعدن، ونحو 20 ألفا في سورية ولبنان، بينما توزع نحو خمسة آلاف يهوديبين حضرموت والبحرين والسودان. لكن تبقى أعداد أخرى من اليهود أغفلها الإحصاء تُقدّر ما بين 15 و 25 ألفا، إلى جانب تجمع هام من اليهود استوطنوا بفلسطين بلغت أعدادهم مع انتهاء فترة الانتداب البريطاني 625 ألفا.

وإذا استثنيا أرض فلسطين المغتصبة، فإنه لم يبق في الوقت الحالي سوى 6160 نفرا من يهود تلك البلدان، يتواجد السواد الأعظم منهم في المغرب (3050) وتونس (2200)، ويتوزع الباقي بين اليمن (350)، ومصر (150)، وسوريا (250)، والإمارات العربية المتحدة (70)، والجزائر (50)، والبحرين (30)، والكويت (10)، في وقت يبلغ فيه العدد الجملي لليهود في أرجاء العالم 13.428.300[2].

 

ثانيا: أثر التحولات التشريعية والاقتصادية

ساهم انتصاب الاستعمار والانتداب في أكثر من دولة عربية في انتعاش أوضاع اليهود الاقتصادية والاجتماعية، بعد رفع العديد من الضوابط التشريعية والسياسية، التي كانت تحد من أنشطتهم. ما جعلهم يتساوون قانونيا مع نظرائهم المسلمين في الفرص الاجتماعية والاقتصادية المتاحة، وينالون حظوة المستعمر وثقته مقابل ما أسدوه له من خدمات. ففي عدن مثلا، ألغى البريطانيون إبان العام 1893م ضريبة الجزية التي كانت تثقل كاهل اليهود، وذلك على إثر انتصاب سلطة الاحتلال في هذا البلد. وعلى غرار ذلك، منحت سلطة الانتداب البريطاني في العراق امتيازات لليهود خوّلت لهم بمقتضاها التحكم بمقاليد اقتصاد البلاد. حيث تولى اليهودي ساسون يحزقيان مهام وزارة المالية أثناء قيام حكومة الانتداب، كما سيطر اليهود على ما يربو عن تسعين بالمائة من حركة الواردات وأعمال المقاولات العراقية. وشغل اليهود أيضا خمسين بالمائة من حجم الوظائف الحكومية، وعمل شقٌّ واسعٌ منهم في مجالات التدريس والطب والصيدلة والصحافة والمحاماة، ولعبوا دورا بارزا أيضا في الحياة الفنية والأدبية[3]. والجلي في هذا التحول الذي شهده اليهود، مِن وضع المستضعَف إلى وضع المتنفِّذ، أنه لم يأت نتيجة تطوّر اجتماعي داخلي، بل حصل جراء المحاباة والإملاء من قبل القوى الاستعمارية، ما أجّج النقمة عليهم في الأوساط الاجتماعية. وقد تدعّم ما عُرف بـ"تساوي الفرص" بين الفئات الاجتماعية، في سائر الدول العربية الواقعة تحت نير الاستعمار، بخطوات تشريعية أخرى، على غرار حثّهم على التجنّس، كما حصل في تونس والمغرب، أو إسداء الجنسية آليا إليهم، كما حصل في الجزائر، ما حوّلهم إلى رعايا فرنسيين. فمنذ الرابع والعشرين من أكتوبر سنة 1870 أصدر وزير العدل الفرنسي إسحاق أدولف كريميو اليهودي الديانة، حزمة من القرارات بشأن يهود الجزائر كان أبرزها إسداء الجنسية آليا إليهم.

وكان من آثار تلك التبدّلات التشريعية والاقتصادية على التجمعات اليهودية الأهلية، إلى جانب مزايا التمازج والاحتكاك بين يهود البلاد العربية وجاليات وافدة من أوروبا، متعلمة ومتحضرة، على غرار يهود ليفورنو، المسمّين بيهود "ﺍﻟﭭﺮﺍﻧﺔ" في الدارجة التونسية، أن ترقّت الأنظمة التعليمية وتكثفت الأنشطة الإعلامية والجمعياتية بينهم، التي ساهمت في خلق شخصية يهودية حديثة نقلتها من طور هامشي إلى دور فاعل. فقد ساهم يهود "ﺍﻟﭭﺮﺍﻧﺔ" الوافدون إلى تونس والجزائر مساهمة فعّالة في بثّ روح عصرية بين يهود بلاد المغرب، بعد أن صاروا نموذجا محتذى، وقد تأتى ذلك الدور جراء المقام المتقدّم الذي مُنح لليهود في تلك المدينة التوسكانية عقب إعلان الليفورنينا الصادر خلال العام 1593م، الذي خوّل بمقتضاه دوق توسكانا الأكبر فرديناند الأول (1587-1607) للأجانب، و لليهود خصوصا، حقوقا لم تكن معهودة قبله.

ولعل الدور الأهم في مسيرة التحديث تلك كان للتحالف الإسرائيلي العالمي (Alliance Israelite Universelle) في تثوير النظام التعليمي اليهودي التقليدي، الذي كان يحاكي نظام الكتاتيب المنتشر في بلاد المغرب، بإنشائه مؤسسات تدريس تعتمد أنظمة تربوية غربية وعصرية تولي اهتماما كبيرا للغات الأجنبية، في شتى أنحاء بلاد المغرب، لعبت دورا بارزا في فرْنَسة الشخصية اليهودية وإدخالها في الثقافة الغربية من الباب الواسع. فقبْل حلول الاستعمار بالمغرب الأقصى بنصف قرن (1862)، كانت مدارس الآليانس حاضرة بين الجالية اليهودية، ومع توالي السنين ازداد سحب البساط من التعليم التقليدي اليهودي.

وفي أعقاب تلك التبدلات التي طرأت على أوضاع مجمل يهود البلاد العربية، حصل تطور جديد داخل التجمعات اليهودية، لاسيما الشبابية منها. غدا الوعي السياسي معلَّقا بالحركة الصهيونية، مع احتداد الجدل في الأوساط الغربية عن سبل إيجاد وطن بديل لليهود، وما عاد الأمل مقتصرا على التطلع المسيحاني الصوفي، لما مثّلته الصهيونية من سبيل فعلي لتحقيق مطامح التحرّر والانعتاق لجموع واسعة من اليهود. ما زاد من حدة الشرخ بين اليهود العرب وبين الواقع العربي، وقد ازداد ذلك الشرخ تفاقما مع الأيام، دافعا باتجاه ردود فعل عنيفة تجاه اليهود.

في تلك الأجواء مثلت زيارة الزعيم الصهيوني النمساوي المجري تيودور هرتزل إلى ليبيا، في أول جانفي من العام 1904، حدثا بارزا زاد من تسريع وتيرة الحراك السياسي داخل التجمّعات اليهودية في شمال إفريقيا. حيث قام الرجل بجولات واسعة في مدن طرابلس والزاوية وغريان وتغرنة، داعيا اليهود إلى تبني الخيار الصهيوني، باعتباره السبيل الأوحد إلى تحقيق حلمهم الأثير القائل بـ"العام القادم في أورشليم"[4].

يفيد المؤرخ موريس روماني أن التعامل الإيطالي مع اليهود، وعلى خلاف التعاطي الألماني، كان متقلبا ومراوغا. التقى موسوليني عديد القادة الصهاينة، مثل حاييم وايزمان وزئيف جابوتنسكي وناحوم غولدمان وناحوم سوكولوف، وأُبرمت الاتفاقيات بين الطرفين لتيسير هجرة اليهود نحو فلسطين. ودائما ضمن مناورات موسوليني، فقد طمأن أثناء زيارته ليبيا بين 12 و 21 مارس 1937 اليهود، وفي خطوة مماثلة أعلن نفسه مدافعا عن الإسلام، تلقى حينها "سيف الإسلام" هدية من قادة إحدى القبائل الليبية. ويأتي قرار إسداء الجنسية لليبيين ومنعها عن اليهود، في التاسع من يناير سنة 1939، ضمن سلسلة من المناورات السياسية التي اتخذها موسوليني.

كانت سنوات ما بعد صدور "القوانين العنصرية" عصيبة على يهود ليبيا، وتبعا للمستجدات الجارية انسحبت الإجراءات الجديدة على الطائفة اليهودية، زادها حدّة تحول شمال إفريقيا إلى حلبة للصراع بين قوات المحور والحلفاء، انحاز فيها اليهود إلى قوات الطرف الأخير[5].

يورد التقرير السنوي للإدارة العسكرية الإنجليزية، بشأن الأوضاع في طرابلس، والعائد إلى العام 1945: "تتكثف الأنشطة اليهودية ويزداد الإفصاح عن تبني الخيار الصهيوني بروزا، في وقت تعج فيه الأندية والمنظمات الشبابية بالأفكار الصهيونية؛ ففي غمرة هذه الأجواء تم استجلاب أدبيات صهيونية من فلسطين، كما جرى اختيار مرشّحين للهجرة إلى فلسطين وتكوينهم في العمل الفلاحي. هذا علاوة عن حضور وحدات يهودية قدمت من فلسطين إلى التراب الليبي، كانت سبيلا آخر لحثّ الناس وتحريضهم. لقد زادت فظاظةُ اليهود، من معتنقي الأفكار القومية، من حدة تدهور علاقات الصداقة والتسامح مع العرب"[6].

والواقع أنه بحلول العام 1937 حصل تحولٌ في السياسة الإيطالية انعكست على المستعمرة ليبيا، وبدأت حملة تستعر ضد اليهود في الصحافة والإعلام. ولم تأت سنة 1938 حتى صدرت "القوانين العنصرية" التي حظرت على اليهود ارتياد المدارس العمومية في إيطاليا وليبيا والجزر الإيجية، تبعها منع الزواج على الإيطاليين من غير الجنس الآري. وعلى مستوى سياسي تم طرد المنتمين اليهود للحركة الفاشية، وفي التعليم تم عزل كافة المدرّسين اليهود شمل المرسَلين إلى المستعمرات. بلغ التوتر أوجه أواخر الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات بإقامة محتشدات لليبيين ضمّت كذلك عددا من اليهود في جادو. خلّفت تلك الأوضاع ضغوطات دولية لعبت فيها المنظمات اليهودية العالمية دورا للسماح لليهود بالهجرة خارج ليبيا. ولم تأت سنة 1941 حتى حلّ بطبرق الفيلق اليهودي التابع للجيش البريطاني، مصحوبا بمدرّبين يهود. تمثّلت أعمالهم في افتتاح مدارس لتعليم العبرية وإسداء خدمات صحية واجتماعية وإنشاء معسكرات تدريب. ولعبت منظمات دولية يهودية مثل "المؤتمر اليهودي العالمي" و"الوكالة اليهودية" و"اللجنة اليهودية الأمريكية" و"الجمعية الإنجليزية اليهودية" و"التحالف الإسرائيلي العالمي" أدوارا مهمة في تبني قضايا اليهود الليبيين دافعة إياهم للهجرة نحو إسرائيل.

في الثالث والعشرين من يناير 1943 وعلى إثر دحر الإيطاليين من ليبيا حلّ محلهم البريطانيون. فعلى مدى قرابة نصف قرن شهد يهود ليبيا تبدل ثلاث سلطات: العثمانية والإيطالية والبريطانية كل لها قوانينها وسياساتها معهم. لكن مع مقدم البريطانيين بات في صف اليهود حليف موثوق سواء في الداخل الليبي أو في طريق الهجرة نحو فلسطين. في البدء كانت الهجرة مبادرة فردية ثم تحولت بين 1949 و 1952 إلى حملات منظمة وقانونية بوصفها تجري تحت مراقبة الانتداب البريطاني، وأثناء تلك الفترة هاجر معظم يهود ليبيا تقريبا باتجاه إسرائيل وإيطاليا، لقيت أثناءها الجالية اليهودية عقب سقوط الفاشية ترحيبا. لكن الفترة البريطانية في ليبيا تخللتها أحداث بين اليهود والأهالي مثل واقعة 1945، أوقعت انخراما في العلاقة بين مكونات المجتمع الليبي،تلتها أحداث 1948 التي جاءت تحت تأثير إعلان قيام دولة إسرائيل[7].

 

ثالثا: دور الصحافة والجمعيات

لقد لعب بعث الصحف وإنشاء الجمعيات دورا بارزا في بلورة الوعي السياسي، وفي نشر الإحساس بوحدة المصير بين يهود ليبيا. حيث صدرت مجموعة من الصحف، جلّها بالدارجة الطرابلسية ومدوّنة بأحرف عبرية، بلغ عددها 12 مطبوعة بين الفترة 1908 و 1942. وكانت أهمها صحيفة "الدردنيل"، وصحيفة "دغيل صهيون" (علم صهيون)، وصحيفة "هاهيثوراروث" (اليقظة)، وصحيفة "البريد اليهودي". كما تشكّلت العديد من الجمعيات، مثل "النادي الصهيوني"، و"النادي المكابي"، و"نادي الشبيبة اليهودية الطرابلسية"، و"منتدى أليعازر بن يهوده"، و"نادي بن جويد"، و"جمعية أغودات توراه"، و"الجمعية النسائية ليهود إيطاليا"، و"الجمعية النسائية اليهودية"، و"جمعية المعمل النسائي اليهودي"[8].

وبالمثل في الجارة تونس تكاثرت المطبوعات اليهودية، حيث بُعثتمجلة "النجمة اليهودية" في مدينة سوسة سنة 1920، التي تابعت الصدور حتى العام 1961، وكانت آخر منبر صحفي يهودي يصدر في شمال إفريقيا. كما صدرت بالفرنسية أيضا صحيفة "Le Reveil Juif" -اليقظة اليهودية-، لسان التيار التصحيحي، التي لاقت قبولا واسعا بين اليهود خلال العشرينيات والثلاثينيات في بلدان الشمال الإفريقي. في حين صدرت بعد الحرب العالمية الثانية باللغة الفرنسية صحيفة "La Gazette d’Israel" –جريدة إسرائيل-، وهي صحيفة ذات منحى صهيوني تحريضي مباشر.

وبالمثل نشطت في القاهرة طيلة الثلاثينيات والأربعينيات صحيفة "الشمس" اليهودية، كما كانت "مجلة إسرائيل" التي صدرت ما بين 1919 و 1923 من بين أبرز المجلات اليهودية الناطقة بالفرنسية في مصر. وفي المغرب أيضا كانت مجلة "L’avenir illustre" -المستقبل الواعد- التي أسسها يوناثان طورشر مندوب الاتحاد الصهيوني العالمي، في منتصف العشرينيات من القرن الماضي، من أبرز المجلات ذات المنحى الصهيوني.

وبشكل عام، شهد التحمّس للحسّ القومي اليهودي وللفكر الصهيوني بين يهود تونس وليبيا تطورا فاق نظيره في الجزائر، ويعود ذلك الخفوت في الجزائر إلى ربط اليهود مصيرهم بمصير الدولة الفرنسية، ما جعل الهيئة الحاخامية في جزيرة جربة في تونس تعرب عن تعاطفها مع الأفكار الصهيونية[9].

 

رابعا: مصائر اليهود عشية الاستقلال

قبل حلول القرن التاسع عشر، كان مجمل يهود البلاد العربية ممن احتضنتهم الحضارة العربية الإسلامية، أكان مأتاهم من الأندلس، أو ممن كان مقامهم في بلاد المغرب، أو في المشرق العربي، أو في أرض اليمن. فعلى سبيل المثال، كان يهود دمشق في بداية القرن التاسع عشر ثلاث طوائف: الربّانون والقراؤون والسامرة[10]، يتحدّرون من أسر معظمها من أصول عربية، وما تبقى منها تعود في أصولها إلى مدن ومناطق عثمانية، أو نالت تسمياتها من الحِرف التي عملت بها، والقليل منها كانت من أصول سيفاردية أو أشكنازية[11]. وقد كان يهود البلاد العربية خلال العصر الحديث غالبا ما ينقسمون إلى ثلاثة أصناف: يهود أهليون من رعايا الممالك والدويلات العربية، ويهود مقيمون انتسبوا إلى جنسيات مختلفة عادة ما رعتهم القنصليات والممثليات الأجنبية، وصنف ثالث قدم في مرحلة متأخرة مع المستعمر.

هذه الأصناف المتنوعة، وجدت نفسها تواجه قدرا متشابها مع أفول عصر الاستعمار، بعد أن تقلصت التمايزات بينها وغدت تواجه مصيرا مشتركا. ففي الرواية الرائجة بين المؤرخين الصهاينة، تُصنّف دواعي خروج اليهود من البلاد العربية ضمن ثلاثة مبررات:

-  صنف البلاد التي اعتمدت الإبادة المنظمة، مما أجبر اليهود على الفرار والبحث عن موضع آمن، على غرار العراق (عقب عملية الفرهود 1941)، وسورية (عقب حوادث 1944)، وليبيا (عقب أحداث طرابلس 1945)، واليمن (عقب ما جرى في عدن 1947).

-  وصنف البلاد التي اعتمدت التجريد الناعم لليهود من ممتلكاتهم وثرواتهم، عبر الضغط والتخويف، مما أجبرهم على البحث عن فضاء آمن ومورد رزق آخر في الخارج، على غرار ما حصل في مصر والمغرب وتونس.

-  وأخيرا البلاد التي أضفت على النضال التحريري بعدا عرقيا دينيا مصبوغا بطابع ديني إسلامي، واقتصر على المكوَّن الأمازيغي العربي، ما جعل اليهود يُصنَّفون في عداد الأطراف المعادية فيلجأون إلى مغادرة البلد رفقة فرنسا، وهو ما انفردت به الجزائر[12].

وبشكل عام كان يهود البلاد العربية بعد الاستقلال متنوعي المصائر متشابهي الحصائل. ولكن ينبغي ألا نغفل أيضا، أن خروج اليهود من البلاد العربية لم يكن حادثا دائما جراء تشكّل ثقافة طاردة، أو بموجب آثار الصراع العربي الإسرائيلي، كما قد يتبادر إلى الأذهان جراء الدعاية الصهيونية، بل حصل أيضا في نطاق سعي جموع واسعة من تلك الشرائح اليهودية لتحسين أوضاعها المعيشية، خصوصا من عامة اليهود وبسطائهم. فكانت الطائفة اليهودية، التي تربطها أواصر دين وأوهام عرق جامع مع أبناء ملتها في الخارج، أكثر قدرة على الإقدام لخوض غمار تلك التجربة. في وقت صارت فيه المجتمعات العربية، وبشكل عام، لا تتيح لأبنائها بيسر فرص الحياة الكريمة، وهو ما انعكس على الأقلية العبرية أيضا. وفي نطاق معالجة مظاهر التناقض الحاصل بين اليهود والمجتمعات العربية، سنقتصر ضمن هذا العرض على ثلاث عينات (الحالة الجزائرية، والحالة التونسية، والحالة الليبية):

* عشيّة استقلال الجزائر وجّهت "جبهة التحرير الوطني" في الجزائر نداءات متكررة إلى الجالية اليهودية، كان أولها النداء الموجه إلى قادة الجالية، وذلك في الثالث عشر من أكتوبر 1956، دعتهم فيه إلى مناصرة الجبهة من أجل استقلال الجزائر، غير أن النداء لم يلق آذانا صاغية. في وقت كان فيه يهود الجزائر ويهود بلاد المغرب عامة، الذين مثلوا الثقل الأكبر بين يهود البلاد العربية، قد سايروا الواقع الغربي وانساقوا في ثناياه، ما جعل العودة على أعقابهم أمرا غير مطروح. فضلا عما دب من تخوف بينهم كون الدخول في مرحلة التخلص من آثار الاستعمار -décolonisation- ستعقبها عودة إلى وضعية الذمة مجددا[13]. ومما زاد من افتقاد لغة التفاهم بين حركة المجاهدين في الجزائر ويهود البلاد، تقلص الفوارق بين اليهود الأهليين واليهود الوافدين مع فرنسا جراء عملية التمازج الحاصلة، بعد أن غدا جميعهم مواطنين فرنسيين.

فبعد أن تعلّق يهود الجزائر وجودا ومصيرا بفرنسا، كان من الطبيعي أن يرتبط قدرهم بقدر المستعمر. ومنذ أن مُنِحوا حق المواطنة الفرنسية بمقتضى "قرار أدولف كريميو" واحتدام حرب التحرير في الجزائر زادوا من ربط مصيرهم بمشيئة فرنسا، وهو ما جعل الجزائر مع حصول الاستقلال توشك أن تخلو من يهودها الأهليين والوافدين على حد سواء. حيث انطلقت بُعيد عقد اتفاقية إيفيان -مارس 1962- هجرة يهودية مكثفة سبقت إعلان الاستقلال، ولم يبلغ شهر جوان منتهاه من العام نفسه حتى كان قرابة 142 ألف يهودي قد غادروا الجزائر باتجاه فرنسا، ففي أكتوبر من العام نفسه لم يبق في الجزائر سوى 25 ألف يهودي، ستة آلاف منهم في الجزائر العاصمة بصدد شدّ حقائبهم استعدادا للرحيل[14].

* يحاول المؤرخ موريس روماني في كتابه "يهود ليبيا.. من التعايش إلى الرحيل" تسليط الضوء على الدور الرئيس للاستعمار الإيطالي في ذلك الخروج، مشفوعا بتتبّع ما كان يعتمل في الساحة الدولية من صراعات انعكست آثارها على مختلف الشرائح الاجتماعية. ذلك أن رحيل شقّ واسع من يهود بلاد المغرب حصل تحت ضغط الفاشية والنازية لا سيما في تونس وليبيا. وضمن هذا الإطار يستحضر المؤرخ سلسلة من الوقائع لدعم فرضيته التاريخية. حيث يركز اهتمامه في الحقبة الفاشية في ليبيا، متتبعا السنوات الممتدة بين 1938، تاريخ صدور ما يُعرف بـ"القوانين العنصرية" في إيطاليا، و1967 تاريخ اندلاع الحرب العربية الإسرائيلية وما خلّفته تلك الأحداث من اضطراب في أوساط الجاليات اليهودية. مبرزا كذلك الدور الذي لعبته المنظمات اليهودية الأوروبية والأمريكية في تهجير يهود ليبيا، وحشد الحالمين للـ"عاليا" (الهجرة) نحو إسرائيل، ناهيك عن الإجراءات التنظيمية والتعليمية والصحية التي رافقت الترحيل[15].

أما في ليبيا الخارجة من ربقة المستعمر، فقد كان التلاعب بالملف اليهودي، إبان الحكم السنوسي، ورقة ضغط في وجه المعارضة الداخلية والقوى الخارجية على حدّ سواء. حيث لم تكن هناك سياسة واضحة أو تشريعات ضامنة تتعلق باليهود، وفق ما يشير إليه المؤرخ الإيطالي رنزو دي فيلتشي، ما جعلهم عرضة للمدّ والجزر[16]. فمنذ العام 1953 استشعر يهود ليبيا تضييق الخناق عليهم. كان إلغاء خدمات البريد مع إسرائيل، ثم تبعها غلق مكاتب وكالة العاليا، التي ترعى شؤون الهجرة نحو إسرائيل، وطرد ممثل الوكالة اليهودية مير شيلون. لتتصاعد التضييقات بمقاطعة إسرائيل مقاطعة شاملة بحلول العام 1957، وما تبعها من تلويح بتسليط عقوبات تمتد إلى ثماني سنوات وغرامة مالية، على كل ليبي يثبت اتصاله بإسرائيل، أو بمؤسسات إسرائيلية، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة[17].

زاد من حدة تلك الأوضاع إبان حقبة الستينيات، ما ترافق مع اكتشاف البترول في ليبيا من تراجع لدور اليهود في التجارة الخارجية، بعد أن كانوا خلال العقد السابق يمسكون بما يضاهي تسعين بالمائة من التجارة الخارجية. اُستعيض عن وساطتهم بصادرات البترول التي ترعاها الدولة، ما جعل دورهم في المجتمع يتراجع بشكل ملحوظ[18]. بات اليهودي الليبي مدفوعا دفعا نحو خيار الهجرة، بعد فقدانه مجمل الامتيازات التي تحققت إبان فترة الاستعمار الإيطالي التي تواصلت مع السنوات الأولى من استقلال ليبيا. وكما كانت هجرة يهود تونس لا تتمّ نحو إسرائيل مباشرة، بل باتجاه فرنسا أولا، كانت هجرة يهود ليبيا أيضا تتم عبر محطة إيطاليا ليليها مقصد إسرائيل.

* وعلى غرار الدول العربية الأخرى غادر تونس عشية إنشاء دولة إسرائيل أكثر من خمسة وعشرين ألف يهودي باتجاه إسرائيل. وقد كانت الهجرة في متناول العائلات المتوسطة الدخل، لا سيما وأن الوكالة اليهودية للهجرة كانت تأخذ على عاتقها تكاليف السفر والإقامة الجديدة، وتتكفل بمصاريف العاليا –الهجرة- إلى إسرائيل[19].

لم يكن قادة الحزب الدستوري ينظرون بعين الرضا إلى أنشطة الهجرة الصهيونية في تونس، لكن لم يحركوا ساكنا بقصد ثني اليهود عن مغادرة البلاد. تُورد جريدة "لابراس" الناطقة بالفرنسية، بتاريخ التاسع من سبتمبر 1954، حديثا مع الحبيب بورقيبة، زعيم الحزب الدستوري حينئذ، سئل فيه عن موقف حكومته من هجرة اليهود التونسيين، فأجاب: "من مصلحتنا أن يبقى يهودنا في تونس، لكن كافة المواطنين أحرار في مغادرة البلاد وقتما شاءوا"، وقد كانت الهجرة إلى إسرائيل لا تنطلق مباشرة من تونس بل عبر فرنسا.

ولم تشفع عمليات التحديث التشريعي المبكّرة التي خاضتها تونس في ثني اليهود عن الهجرة، وبالمثل لم تُجْد نفعا كافة الإغراءات في شدّهم إلى مواطنهم. رغم أن السياسة الجديدة في تونس بعد الاستقلال، قطعت مع التعامل معهم كطائفة على حدة وعاملتهم كمواطنين متساوين مع غيرهم من التونسيين. تواصل نزيف الهجرة، وتبين أن التحديث لم يخرج اليهود من حماية حكامهم إلى احتضان مجتمعاتهم.

في ظل تلك التحولات، قلّة من اليهود أبت أن تلتحق بإسرائيل أو بفرنسا واختارت المكوث في تونس. لكن من اختاروا البقاء لم تكن دواعيهم متماثلة، كان البعض منهم من البرجوازية، وقد كانت لهم ممتلكات ومصانع وعقارات، دفعتهم للتشبث بتونس؛ وكان آخرون ينتمون إلى الطبقة الوسطى، وكانوا على يقين أن النظام الجديد سيسمح لهم بمتابعة أعمالهم في الظروف نفسها؛ وهناك فئة ثالثة ممن ينتمون إلى الكوادر المتعلّمة خيرت البقاء في تونس، كشأن العديد من القانونيين والأطباء والصناعيين ورجال البنوك والإداريين والمدرّسين.

وما إن نالت البلاد استقلالها حتى تم انتخاب يهودي تونسي في المجلس الوطني التأسيسي سنة 1956، وآخر في المجلس التشريعي الأول سنة 1959 والثاني سنة 1964. كما سبق أن ضمت الحكومة التي تشكلت عشية الاستقلال الداخلي -جوان 1955- وزيرا يهوديا، وبالمثل الحكومة التي تشكلت عقب إعلان الاستقلال في مارس 1956. وللمرة الأولى في تاريخ تونس الحديث، ترشح يهودي تونسي بملء إرادته ولم يسقط عليه المنصب إسقاطا، إلى منصب هام، حصل ذلك بعد ثورة 14 جانفي 2011، حين تقدّم يعقوب للّوش، وإن لم يفز، إلى عضوية المجلس التأسيسي المكلف بصياغة الدستور وقيادة البلاد.

 

مكوث رغم عوادي الزمن

لم يبق من يهود البلاد العربية، في الوقت الحالي، سوى بضعة آلاف يتواجدون في المغرب وتونس وبضعة مئات متناثرين بين عدة دول.وفي الراهن الحالي يتوزع يهود تونس بين العاصمة (800 نفر) وبين الحارتين الكبيرة والصغيرة في جزيرة جربة (900 نفر)، حيث يوجد معبد الغريبة الذي يعود تاريخه إلى ما قبل الميلاد، يتولى تسيير شؤونه حاليا رئيس الطائفة اليهودية بيريز الطرابلسي؛ في حين يقطن الباقون في مناطق الساحل التونسي بين مدن جرجيس وسوسة والمنستير والحمامات.

ويسهر على الشأن الديني ليهود تونس حاييم بيتان كبير الأحبار، يعضده أربعة كهنة، يسهرون على شؤون باقي الجماعات اليهودية. كما يملك يهود تونس إحدى عشرة بيعة، البعض منها لا تفتح أبوابها لزوارها إلا في الأعياد والمناسبات، على غرار كنيس الغريبة الصغير بمدينة الكاف. ويتركز جلّ النشاط التربوي والتعليمي بين جربة وتونس العاصمة. توجد في جربة محضنة يؤمها الأطفال إضافة إلى مدرستين ابتدائيتين وثانويتين، ويشيفا –مدرسة دينية- يُلقَّن فيها الصبية مدونتي المشنا والجمارا. كما تتواجد مدرسة ابتدائية وبيعة في مدينة جرجيس الساحلية القريبة من جزيرة جربة. وتملك الجالية اليهودية دارين للمسنّين. لكن تركّز العدد الأكبر من مؤسّسات التعليم يبقى في العاصمة تونس: ثلاث مدارس ابتدائية وثانويتان ويشيفا. وأما لغة التدريس الأساسية فهي الفرنسية إلى جانب دور ضئيل للعبرية والعربية.

الحالة في المغرب اليوم شبيهة بالحالة في تونس، فمنذ فجر الاستقلال حرصت الحكومة المغربية الأولى والثانية على ضم وزير يهودي إلى صفوفها، تولى تلك المهمة حينها بن زاكين، وتتابع ذلك التقليد عبر تقريب يهود مغاربة من الدائرة الضيقة للحكم، حيث تولى سيرج برديغو مهام وزارة السياحة وانتخب سيمون ليفي، الأستاذ سابقا في كلية الرباط، عضوا في مجلس النواب. كما شغل أندري أزولاي منصب مستشار الملك محمد السادس في الشؤون الاقتصادية. اتخذ المغرب قرارا مهما سمح لليهود بحق استعادة الجنسية المغربية وتخلّى عن إسقاط الجنسية عمن يلتحقون بإسرائيل.

في الراهن الحالي يتوزع اليهود المغاربة على كبريات المدن: الدار البيضاء ومراكش والرباط بعد أن كانت مدينة الصويرة تضم أكبر تجمع يهودي في المغرب، أين كانوا يتوزعون بين الملاح القديم والملاح الجديد.غدت أحياء الملاح في المغرب والحارات في تونس معالم سياحية لا غير بعد أن كانت تعجّ بساكنيها.ولم يبق من جملة البِيَع اليهودية المنتشرة في المغرب، حوالي 33، سوى عشر منها تفتح أبوابها لروادها وتقام فيها الشعائر. كانت إقامة متحف الثقافة اليهودية المغربية في الدار البيضاء سنة 1996، على تواضعه، من المبادرات الرمزية الفارقة في العناية بالثقافة اليهودية في البلاد العربية. هذه المبادرات التي اتخذها المغرب لم تشفع إلى حد الآن في استرداد ثقة اليهودي، أو في إغرائه بالإقامة الدائمة، وإن نجحت في دغدغة رغبة التسوّح لديه.

 

* أستاذ جامعي تونسي مقيم بإيطاليا

............................

[1]. حاولنا في مؤلفنا: "الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري" (منشورات الجمل، بيروت 2006)، التعرض إلى العوائق التي حالت دون ظهور علم يهوديات في الثقافة العربية الحديثة. فبمقتضى الانخراطالقسري لهذا المبحث، ضمن ثقافة المواجهة والصّراع مع الصّهيونية والدّولة العبرية الناشئة، جاءت المقاربة العربيّة مصبوغة بالتضارب ومسكونة بالهاجس السّياسي، الذي كان وقعه كبيرا على مصداقيتها وعلميتها.

[2]. لمتابعة ضافية للتطورات الديمغرافية لليهود في العالم، يمكن الاطلاع على التقرير الإحصائي العام الصادر عن جامعة كونكتيكوت الأمريكية خلال العام 2010:

Arnold Dashefsky - Sergio Della Pergola - Ira Sheskin, World Jewish Population 2010, Berman Institute – North American Jewish Data Bank - University of Connecticut.

[3]. صموئيل أتينجر: اليهود في البلدان الإسلامية (1850-1950)، ترجمة: جمال أحمد الرفاعي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ماي 1995، ص: 31.

[4]. انظر مصطفى امحمّد الشعباني: يهود ليبيا، الطبعة الأولى، دار الكلمة، طرابلس 2006، ص: 122.

[5]. Maurice M. Roumani, Gli ebrei di Libia dalla coesistenza all’esodo, Castelvecchi, Roma 2014, p. 138.

[6]. Britsh Military Administration Tripolitania, Annual Report by the Chief Administrator on the Britsh Military Administration of Tripolitania. For the Period 1st January 1945 to 31st December 1945, p. 25.

[7]. Maurice M. Roumani, Gli ebrei di Libia dalla coesistenza all’esodo, p. 171.

[8]. مصطفى امحمّد الشعباني: يهود ليبيا، الطبعة الأولى، دار الكلمة، طرابلس 2006، ص: 102-103.

[9]. Filippo Petrucci, Gli ebrei in Algeria e in Tunisia 1940-1943, Giuntina, Firenze 2011, p. 44.

[10].د. يوسف نعيسة: يهود دمشق، دار المعرفة، دمشق 1988، ص:10.

[11].المصدر نفسه، ص: 16.

[12]. Georges Bensoussan, Juifs en pays arabes: le grand déracinement 1850-1975, Edizion Tallandier, France 2012.

[13]. ذلك التوجه العام بين يهود بلاد المغرب، ينبغي ألاّ يخفي مساهمة بعض العناصر في النضال ضد المستعمر، على غرار المناضل المغربي: أبراهام سرفاتي (1926-2010)، والمناضل التونسي جورج عدّة (1916-2008).

[14]. Aïssa Chenouf, Les juifs d’Algerie 2000 ans d’existence, Editions el-Maarifa, Alger 2004, pp. 144-146.

[15]Maurice M. Roumani, Gli ebrei di Libia dalla coesistenza all’esodo, p. 230.

[16]. Renzo De Felice, Ebrei in un paese arabo. Gli ebrei nella libia contemporanea tra colonialismo, nazionalismo arabo e sionismo (1835-1970), Il Mulino, Bologna 1978, p. 402.

[17]. Ibid., p. 407.

[18]. Ibid., p. 401.

[19]. Paul Sebag, Histoire des juifs de Tunisie, L’Harmatan, Paris 1991, p. 286.

 

abdullah badrhskandarإذا كان قياس الحقائق يؤول إلى الوجود الفعلي فمن الضروري أن يكون لتجرداتها سلوك آخر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنشأة الأولى ثم ما يلبث أن يفارقها إلى حيث المشيئة المقدرة، ونظراً لهذا التحليل تصبح جميع الموجودات آخذة بالمفهوم السلبي الطارئ على بقائها، ولتوضيح هذا البيان يمكن القول إن بطلان ما على هذه الأرض لم يكن تالياً لإيجادها وإنما هو الأصل الذي بدأت منه، وهذا ما يثبت عدميتها في نفسها وهلاكها شكلاً ومضموناً. فإن قيل: إذا اعتمدنا هذا الوجه تكون الحياة الدنيا بعيدة عن المفاهيم الصادقة أو نستطيع القول إنها ولدت عن طريق غير شرعي؟ أقول: التباين بين الموجودات ينذر بعدم شرعيتها إذا كان اتجاهها ملازماً للعدمية المطلقة وهذا لا يتقارب مع ما نحن بصدده إذا أخرجنا الاستثناء الذي لا يعتريه الهلاك، وإن شئت فقل إذا أخرجنا الأشياء التي تنتمي إلى التعدد الموجب، واستناداً لهذا الفهم يمكن أن يظهر الفرق بين النسب المقدرة لتلك الأشياء وبين واجب الوجود سبحانه، ومن هنا نعلم أن العندية الإلهية هي التي تمد الموجودات جميعها بالاتحاد الجزئي دون التكلف المنظور الذي يفضي بها إلى المباينة، وهذا ما أشار إليه سبحانه بقوله: (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) الحجر 21.

وتجسيداً لهذا المعنى نرى أن إطلاق القرآن الكريم لمصطلح الهلاك على ما في هذه النشأة قد أخذ مساحة واسعة في متفرقاته، منها قوله تعالى: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) يونس 24. وكذا قوله: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) العنكبوت 64. وقوله تعالى: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) آل عمران 185. وهنالك آيات أخرى بهذا الصدد مما يدل على بطلان جميع الأشياء في هذه النشأة وإن كانت مشاهدة لدى الناظر الذي لا يميز بين الرؤية الحقيقية وبين ما يقابلها من الفناء، وقد بين الحق سبحانه هذه النظرة التي لا تصدق بقوله: (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) الأعراف 198. وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (ولا تدع مع الله إلهاً آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون) القصص 88.

والآية آنفة الذكر صريحة في نسبة الفناء والهلاك إلى كل شيء ما عدا الذات الإلهية التي عبر عنها بالوجه وهذا يثبت أن جميع الموجودات تستمد فيضها من عطاء الله الدائم، وتأسيسا لهذا المفهوم يمكن الإشارة إلى التغيير المستمر للأشياء باعتبار ذاتها نسبة إلى حركتها التي لا تتوقف، وهذا يدل بكل وضوح على بطلان استمرارها منذ لحظة ولادتها إذا ما أخرجنا الأشياء الثابتة التي أضافها تعالى إلى العندية التي لا يعتريها الهلاك، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم) الأنعام 13. والتعبير بالليل والنهار يراد منه الاستمرار، وهذا يتقارب مع معنى الدوام المعبر عنه بالسماوات والأرض في قوله جل شأنه: (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق... خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد) هود 106- 107.

ومما تقدم نعلم أن كل شيء مصيره إلى الهلاك والبطلان إلا ما كان مستثنى من قبل الحق سبحانه كون هذه الأشياء تستمد وجودها الفعلي من العندية الإلهية كما ذكرنا آنفاً، وقد بين تعالى هذا الفرق بقوله: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) النحل 96. ويتفرع على هذا البقاء جميع ما عند الله تعالى من جنة ونار وعرش وكرسي وما إلى ذلك، ولهذا وصف الجنة بأنها أعدت للمتقين في قوله: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) آل عمران 133. وقريب منه الحديد 21. أي هي عند الله تعالى لا يعتريها الفناء، ويمكن أن يستدل على بقاء الجنة العندي بصورة أكثر وضوحاً في قوله تعالى: (لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون) الأنعام 127. ويقابل هذا المعنى ما ذكره سبحانه بحق النار في قوله: (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) البقرة 24. وقريب منه آل عمران 131. والدليل على عندية النار يظهر جلياً في قوله تعالى: (سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون) الأنعام 124.

من هنا نصل إلى أن الوجود الفعلي في هذه النشأة لا يتم له البقاء والاستمرار إلا بالتوجه الحقيقي لله تعالى من أجل أن يحصل الإنسان على التعريف الأمثل لأسباب خلقه المشار إليه في قوله سبحانه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات 56. ولا موجب لهذه العبادة إلا إذا كان الإنسان متوجهاً إلى الجهة التي أرادها الله تعالى دون النظر إلى المكان المقرر الذي يتجه إليه الناس عادة، وهذا ما بينه سبحانه في قوله: (فأينما تولوا فثم وجه الله) البقرة 115. وسيمر عليك تفصيل هذا الجزء من الآية في المساحة المخصصة للتفسير.

 

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم) البقرة 115. التعبير بالمشرق والمغرب كناية عن جميع الجهات كون ما يقصده الإنسان إنما يتعين بشروق الشمس أو غروبها ولذلك ورد هذا المعنى في آيات أخرى كقوله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) البقرة 177. وكذا قوله: (فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون) المعارج 40. وقوله: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها) الأعراف 137. وهنالك آيات كثيرة بهذا المعنى.

وقوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) من آية البحث. أي ليس هناك جهة أهم من جهة بمعنى أن التولية لا تختص بمكان دون آخر، ولهذا علل سبحانه التوجه بقوله: (إن الله واسع عليم) من آية البحث. وارتباط الآية بما قبلها فيه إشارة لا تقبل اللبس على أن منع ذكر الله تعالى في المساجد لا يكون عثرة في طريق الناس الذين يكون توجههم إليه سبحانه بغض النظر عن الجهة المعلومة لديهم، وهذا ما يظهر من مفهوم الآية أو من خلال تعلقها بما قبلها كما بينا.

فإن قيل: ما الفرق بين ثم وهناك؟ أقول: كلاهما بمعنى، أي ظرف مكان كما في آية البحث وكما في قوله تعالى: (وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً) الإنسان 20. وكذا قوله: (وأزلفنا ثم الآخرين) الشعراء 64. وقوله: (مطاع ثم أمين) التكوير 21.

فإن قيل: التولي: يعني الإدبار فكيف يصح اعتماده الملازمة في آية البحث؟ أقول: ولى من أسماء الأضداد وهو يفيد كلا المعنيين أي الإقبال والإدبار، وقد تكلمنا عن هذا الموضوع في مناسبات سابقة.

فإن قيل: ورد لفظ هنالك في القرآن دون هناك فهل يمكن أن يكون الثاني صحيحاً؟ أقول: عدم ورود اللفظ في القرآن الكريم لا يعني عدم صحته وهنالك شواهد كثيرة لتبيان ما ذهبنا إليه، منها الأرض التي لم تجمع على أرضين، ولهذا قال تعالى: (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن) الطلاق 12. علماً أن الأرضين لغة صحيحة وقد وردت في الأدعية المعتبرة... فتأمل ذلك بلطف.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

    عبد الله بدر اسكندر   

 

abdullah badrhskandarالمسجد الإصلاحي لا يعتمد على إظهار الشعائر الدينية بمقتضياتها الشكلية التي تؤول إلى عدم الالتزام بالمنهج السليم الذي يرتبط بالنواحي الفكرية، ولهذا يتعين الأخذ بما هو مخالف للمنهج السائد لدى شريحة كبيرة من الناس الذين يظهرون الدين على أنه عمل من الأعمال التي تمارس فطرياً أو وراثياً دون دراسة أو تمحيص لما يجري حولهم، ومن هنا نشأت الأفكار الهدامة التي أصبح لها أسياد في كل البقاع التي ينتمي إليها المؤمنون ما يؤدي بأمر دينهم إلى زوال وتباب، وبناءً على هذا نرى أن السعي في خراب مساجد الله لا يراد منه هدم الأحجار المكونة للبناء المادي، لأن ذلك لا يحتاج إلى جهد كبير نظراً لليسر الحاصل في إعادة تشييده على وجه مماثل أو أكثر رقياً، وقياساً إلى هذا الطرح نلاحظ أن هناك من اتخذ من هذا المنطلق ما يرضي غريزته الذاتية بغض النظر عن المراقبة الفعلية التي تجعل العمل متلازماً مع الغايات القريبة من الأفكار التي نزلت بها رسالة التوحيد.

ومما سبق نستنتج أن الأجواء القرآنية قد توحي بالذم المفرط في جميع المواضع التي تتحدث عن هذه الأفعال ما يجعلها في أسفل الدركات إذا علمنا أن عدم الالتزام لا يظهر أثره الفاعل في إعطائها الدور الريادي الذي يجب أن تنطلق منه، وقد أشار الحق سبحانه إلى هذا المفهوم بقوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون... إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين... أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين) التوبة 17- 19.

وعند تأمل الآيات آنفة الذكر نلاحظ أن هناك فرقاً كبيراً بين العمارة المادية للمساجد وبين الإيمان بالله واليوم الآخر أو الجهاد في سبيله، وإذا ما تحقق الجمع بين المعنيين فإن الدرجات تكون رفيعة بلا أدنى شك، وهذا المعنى قد يرفد النتائج الإيجابية للإيمان الذي يرتضيه الحق سبحانه، ويمهد للقائم عليه جميع الأجواء التي تجعل سبيله إلى الرشد قاب قوسين أو أدنى، وبهذه الطريقة يصبح البناء المادي سبباً لنشر الفضيلة بما يتناسب مع الدور الريادي الذي يتكفل بإيجاد المنهج القويم لدين الله تعالى، وفي مقابل هذا النهج نلاحظ دور اليد الثانية التي تسعى إلى التخريب بدلاً من الإصلاح، وهذا النوع لا يتعدى إلى أكثر من تخريب الأفكار دون المباني إذا ما علمنا أن الاعتداء على الشعائر الدينية ومحاربتها يعد من أبشع أنواع الظلم، واستناداً إلى ما تقدم يظهر سبب نسبة المساجد إلى الله تعالى وهي نسبة تشريفية، وسيمر عليك تفصيل هذا المعنى في تفسير آية البحث.

 

   تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) البقرة 114. الاستفهام بمعنى النفي أي لا أحد أظلم من أولئك الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. فإن قيل: هل أن نسبة المساجد إلى الله تعالى تبنى على الحقيقة؟ أقول: في السياق إشارة إلى نوع من التوسع الاصطلاحي وتأسيساً على ذلك تكون الإضافة تشريفية، والإضافات التشريفية كثيرة في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (أيام الله) الجاثية 14. وقوله: (تجري بأعيننا) القمر 14. وكذا قوله: (ولتصنع على عيني) طه 39. وقوله تعالى: (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) البقرة 125. وكذلك قوله: (ناقة الله) الأعراف 73. هود 64. الشمس 13.

فإن قيل: سياق آية البحث يُظهر أن أظلم الناس هو من يمنع ذكر الله تعالى في المساجد ويسعى في خرابها، إلا أن هذا اللفظ قد يطلق على مصاديق مختلفة، كما في قوله: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته) الأنعام 21. وكذا قوله: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء) الأنعام 93. وقوله: (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله) البقرة 140. وكذلك قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها) الكهف 57. وهناك آيات أخرى تفيد المعنى نفسه، فكيف الجمع؟ أقول: الآيات التي ذكرت تشير إلى كناية إلهامية لا تخرج عن المبالغة في التعريف ولا يتعين أنها تتعارض من جميع الوجوه إذا علمنا أن أظلم على وزن أفعل التفضيل، وفي هذه الحالة يكون لكل ما ذكر من الآيات وجهاً خاصاً في الظلم بمعنى أن القرينة هي التي تحدد المراد، وتأسيساً لهذا الارتباط تظهر نسبية المتعلق وعدمية إطلاقه، أي أن من يمنع ذكر الله في المساجد هو أظلم ممن يقع عليهم مصطلح المنع بما هو منع في جميع حالاته، وكذا من يفتري على الله كذباً فهذا ينطبق عليه معنى أظلم الناس قياساً إلى الذين يفترون الكذب في مواطن أخرى وهلم جراً.

وقوله تعالى: (أن يذكر فيها اسمه) من آية البحث. أي كراهية أن يذكر فيها اسمه، ومن هنا كان الاتصال مناسباً لقوله تعالى: (وسعى في خرابها) من آية البحث. أي بعد العجز عن المنع تأتي مرحلة الهدم والتخريب على الرغم من الأمر التشريعي القاضي بمنع هؤلاء من دخول المساجد، بمعنى يجب عليكم منع الذين سعوا في هذا الإفساد بشقيه من أن يدخلوا المساجد وإذا ما استجيب للمنع فإن دخولهم سيكون على خوف بلا أدنى شك، ولهذا عقب تعالى بقوله: (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها) من آية البحث. أي ليس لهم الحق في دخولها، فكيف يصل بهم الأمر إلى تخريبها، ومفهوم الآية يبين مدى التعريض المناسب للمؤمنين من جهة والوعيد للمانعين من جهة أخرى، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم) التوبة 28.

فإن قيل: ذكر غير واحد من المفسرين أن الآية تشير إلى الأرض بكاملها دون المساجد المتعارف عليها وذلك استناداً لقول النبي جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فهل لهذا التفسير من وجه؟ أقول الجهة منفكة بين قول النبي (ص) وبين الآية إذا ما علمنا أن اللفظ لا يحمل على العموم في جميع الحالات، وهناك أمثلة كثيرة في القرآن الكريم تبين ما نذهب إليه، كقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) آل عمران 110. وأنت خبير بأن اللفظ لا يدل على الاستغراق، ونظير هذا قوله في بني إسرائيل: (وأني فضلتكم على العالمين) البقرة 47. 122. ومنه قوله: (أو ينفوا من الأرض) المائدة 33. أي ينفوا من بلد إلى آخر لا أن ينفوا إلى السماء، وقوله تعالى: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) يوسف 55. وقريب منه قوله: (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين) يوسف 80. وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) آل عمران 173.

 من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن 

 

    عبدالله بدر اسكندر  

 

ibrahim abrashمقدمة: المراجعات الفقهية والفكرية التي تظهر بين الفينة والأخرى داخل جماعات الإسلام السياسي أو بعض قياداتها تستحق التوقف عندها ودراستها بتمعن، نظرا لأن القائمين بالمراجعة شخصيات قيادية لها وزنها داخل الجماعات، ولأن هذه الجماعات شغلت خلال العقود الثلاثة الاخيرة حيزا كبيرا من المشهد السياسي العربي والإسلامي سواء على مستوى التنظير ومحاولة ملء فراغ تراجع الأيديولوجيات الشمولية كالأممية والقومية، أو على مستوى الممارسة كمعارضة أو كأحزاب سلطة، وهي ممارسة اتسمت بالعنف والدموية بشكل غير مسبوق في التاريخ العربي الحديث خصوصا خلال سنوات ما يسمى بالربيع العربي، كما تركت بصماتها المدمرة اجتماعيا واقتصاديا وتنمويا على الدول والمجتمعات الوطنية وعلى القضية الفلسطينية .

في الوضع الطبيعي فإن المراجعات الحزبية أو النقد الذاتي حالة صحية وجزء من الحياة السياسية للأحزاب والجماعات السياسية وللأيديولوجيات والأفكار، من منطلق أن المعرفة الإنسانية بشكل عام معرفة نسبية، والمطلق الوحيد أو المقدس هو الله والكتب السماوية المُنزَلة، وحتى على هذا المستوى هي مقدسة ولا تخضع للمراجعة بالنسبة لمعتنقيها فقط، كما أن التطور سنة من سنن الحياة .

 لكن بالنسبة للجماعات العقائدية كجماعات الإسلام السياسي فالأمر مختلف ليس لأنها جماعات ذات مرجعية دينية بل لأنها تضفي على نفسها وأشخاصها واجتهاداتها طابع القدسية مما يجعل المراجعات أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا لأنه يعتبر مسا بالمقدس، ليس المقدس الحقيقي المرتبط بالقرآن والسنة بل اجتهادات وتأويلات وأشخاص تم إضفاء طابع القدسية عليها .

كما سنبحث في خصوصية الديني والوطني في التجربة الفلسطينية ومدى تأثير المراجعات التي تمت عند جماعات الإسلام السياسي وخصوصا عند جماعة الإخوان المسلمين على حركة حماس، وهل جرت مراجعات جادة داخل حركة حماس ؟ وهل أن خطاب خالد مشعل يوم السبت 26 سبتمبر 2016 في الدوحة يندرج في إطار المراجعات .

سنقارب الموضوع في ثلاثة محاور : يتناول الأول مقاربة لمفهوم المراجعات عند الجماعات العقائدية الأممية وأهمها في التاريخ المعاصر، ويتناول الثاني المراجعات عند جماعات الإسلام السياسي، والمحور الثالث مراجعات حركة حماس الفلسطينية وتداعيات مراجعات الجماعات الإسلامية على القضية الفلسطينية .

المحور الأول: مقاربة لمفهوم المراجعات

مراجعة المواقف والتوجهات السياسية والأيديولوجية للأحزاب والحركات العقائدية وما يُبنى عليها من ممارسات أمر محمود ومطلوب في الحياة السياسية بشكل عام، فكيف إن أدت هذه المواقف والممارسات لنتائج كارثية على الشعب والقضية أو العقيدة بما في ذلك العقيدة الدينية نفسها التي يدافع عنها الحزب أو الجماعة العقائدية . لقد أكدت التجارب التاريخية و المعاصرة أيضا أن العمر السياسي للأحزاب والنظم الدوغماتية والدينية المغلقة قصير، وكلما تأخرت عملية المراجعة والتحول عند هذه الأحزاب والأنظمة كلما كان سقوطها أكثر حتمية وأكثر دموية .

لا نقصد بالمراجعات في سياقنا هذا عملية التقييم للسلوك والمواقف التي تقوم بها الاحزاب أو أية مؤسسة وحتى الأشخاص بين فترة وأخرى لمعرفة أسباب الخلل والتقصير لتجاوزها مستقبلا، كما لا نقصد بالمراجعة هنا النقد الذاتي أو المراجعة الروتينية للمواقف والسلوكيات، فهذه كلها أمور تدخل في صلب العمل السياسي ومن طبيعة الحياة بشكل عام .

تعريفنا الإجرائي للمراجعات أنها العملية التي تقوم بمقتضاها الأحزاب والجماعات العقائدية وخصوصا الإسلامية بمراجعات كلية أو جزئية لاجتهادات أو سلوكيات، وتكون الأمور التي تم التراجع عنها من الثوابت والأساسيات في فكر ومنهج هذه الجماعات، كما أن سياق المراجعات يأتي بعد سنوات من ممارسة العنف وتكفير أو تخطيء النظام والمجتمع أحيانا ومعاداة الدولة الوطنية وتشريعاتها الوضعية وعدم الاعتراف بها، وغالبا ما تأتي المراجعات بعد أزمة عميقة تمر بها هذه الجماعات .

فالمراجعة بهذا المعنى تعني إعادة نظر جذرية فيما كان يُعتبر بالنسبة للجماعة مسلمات لا مجال للشك فيها، وإدراجها في سياق الاجتهادات التي تقبل الخطأ والصواب أو اعتبارها من الاخطاء التي يجب التخلي عنها نهائيا . والمراجعة لا تعني الرجوع عن القواعد الثابتة في العقيدة التي لا يُختلف عليها أو يُشكَك بها، بل مراجعة اجتهادات وتفسيرات كانت الجماعة تعتبرها مسلمات . فالمراجعة تنصب على الانتاج البشري من فكر وسلوك وليس على الكتاب السماوي – القرآن - أو أحاديث الرسول ونهجه، حيث كل ما هو خارج هذين المصدرين غير مقدس وغير مُلزم ويمكن الرجوع عنه .

من خلال قراءة لأهم المراجعات التي تركت صدى كبيرا نلاحظ أنها تخص الجماعات العقائدية أو الأصولية، سواء كانت أصولية دينية كالأصولية الإسلامية أو أصولية علمانية، فالأصولية ليست سمة أو مرض يصيب الحركات الدينية فقط بل يتعداها إلى الأيديولوجيات الدنيوية أو الوضعية كالايدولوجيا الماركسية وبعض الأحزاب القومية .

إن ما يجعل المراجعات تؤدي لزعزعة الجماعات العقائدية وإحداث أزمات عميقة داخلها قد تؤدي إلى انهيارها أو تفككها، هو انغلاق هذه الجماعات لعقود على نفسها، وإضفاء طابع القدسية على تنظيراتها ومنظريها بحيث لا تُفسح المجال لأن تجدد نفسها ومقولاتها من خلال التجربة والواقع وتستمر بالمكابرة والعناد وإدارة الظهر للفجوة الكبيرة بين مجريات الواقع ومتطلبات الحياة اليومية من جانب وتنظيراتها ومنظريها من جانب آخر  .

إن كان مصطلح المراجعات الفكرية ارتبط في عصرنا الراهن بالجماعات الأصولية الإسلامية –الاممية الإسلامية -  فقد سبقها في ذلك مراجعات داخل الأممية الشيوعية نتيجة عوامل متعددة، إما حزبية ذاتية مرتبطة بتطور الوعي السياسي والفكري و نتيجة تدافع الأجيال، أو نتيجة تلمس خصوصيات اجتماعية (قومية) تتطلب خصوصية في تطبيق النظرية، أو نتيجة هزائم وعجز في الممارسة، أو تمرد الفروع على المرجعية الأم في موسكو، وفي حينها لم تكن تسمى مراجعات بل كان الماركسيون المتمسكون بالأصول الماركسية اللينينية ينعتونها بالتحريفية .

 في هذا السياق نستحضر مراجعات الحزب الشيوعي الصيني بزعامة ماوتسي تونغ لأسس الماركسية اللينينية وخصوصا من حيث خصوصية المجتمع الصيني وتركيبته الطبقية بما لا يسمح بتطبيق الماركسية بحذافيرها، وقد أدت اجتهادات ماوتس تونغ لظهور الماركسية الماوية، والمراجعات التي قام بها الحزب الشيوعي المجري –هنغاريا- عام 1956 و التي أدت لثورة تم سحقها بتدخل عسكري مباشر من موسكو، نفس الأمر جرى في تشيكوسلوفاكيا عام 1968 أو ما سمي (ربيع براغ) وتم سحقها أيضا بتدخل الجيش الاحمر .

في بداية السبعينيات برزت ظاهرة الأورو شيوعية حيث تمت مراجعة جذرية عند الأحزاب الشيوعية في اسبانيا وفرنسا وايطاليا بحيث جرت عملية توطين أو قومنة هذه الأحزاب وتخلت عن أهم مرتكزات النظرية الشيوعية حول السلطة والحكم، كالوصول إلى السلطة عن طريق الثورة وديكتاتورية الطبقة العاملة، الأمر الذي مكنها من المشاركة في الحياة السياسية الديمقراطية .

في منتصف الثمانينيات ومع استمرار أزمة الشيوعية على المستوى الفكري ومستوى الممارسة والحكم، طرقت المراجعات أبواب موسكو نفسها والحزب الشيوعي السوفييتي، وكان ذلك على يد غورباتشوف عام 1985 بعد وصوله للسلطة وقيادة الحزب الشيوعي . فقد أعلن بصراحة عن حاجة الاتحاد السوفيتي لإعادة البناء أو "البيروسترويكا" على المستوى الاقتصادي والشفافية أو "الجلاسنوست" على المستوى السياسي والعام . أدى العمل بهذين المبدأين إلى مراجعات شمولية بدلا من أن تصحح الأوضاع الاقتصادية والسياسية أدت في النهاية إلى انهيار الاتحاد السوفيتي ومعه المعسكر الاشتراكي والايدولوجيا الشيوعية بشكل عام 1991.

في العالم العربي هناك تجربة حركة القوميين العرب حيث حدث التحول والانتقال من القومية المثالية إلى القومية الاشتراكية ثم مراجعة شمولية امتدت من 1964 إلى 1968 أدت لتحولها إلى قوى وأحزاب وطنية، وقد صاحب ذلك مراجعات فكرية عميقة . ومراجعات الفلسطينيين الذين كانوا منتمين لأحزاب قومية أو يسارية أو دينية قبل تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، حيث راجع هؤلاء مواقفهم من الوطنية الفلسطينية بعد هزيمة حزيران 1967، وقرروا هجر تنظيماتهم والانتماء لمنظمة التحرير فرادي أو دخول أحزابهم لمنظمة التحرير في إطار المشروع الوطني الفلسطيني .

وفي المغرب جرت مراجعات منتصف الثمانينيات عند قوى اليسار. حيث انتقلت هذه الأحزاب، كحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والحزب الشيوعي – التقدم والاشتراكية لاحقا - ومنظمتا إلى الأمام و 23 مارس، من مرحلة المعاداة المطلقة للنظام وإشهار السلاح ضده لإسقاطه وإقامة نظام سياسي بديل يتبنى المنهج الماركسي، إلى مرحلة الاندماج والمشاركة في النظام السياسي في إطار مصالحة تاريخية مع المؤسسة الملكية والنهج الديمقراطي، وقد آلت الأمور إلى أن يشكِل حزب الاتحاد الاشتراكي الحكومة وصيرورة أمينه العام عبد الرحمن اليوسفي من محكوم بالإعدام يعيش في المنفي في فرنسا إلى رئاسة الوزراء، بعد الانتخابات البرلمانية عام 1998 وتشكيل حكومة التوافق الوطني .

المحور الثاني: المراجعات عند جماعات الإسلام السياسي

تصريحات راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي في المؤتمر العام العاشر للحزب 19-21 مايو 2016 وتصريحات لاحقة له لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية قال فيها " إن حركة النهضة تطورت من حركة إسلامية شمولية إلى حزب مدني وطني متصالح مع الدولة والمجتمع "، وتأكيده على قطع الصلة التنظيمية بجماعة الإخوان المسلمين وبالإيديولوجيات الشمولية والفصل بين الدعوي والسياسي . هذه التصريحات فتحت مجددا موضوع المراجعات عند الجماعات الأصولية وتأثيرها على مستقبل الظاهرة المسماة الإسلام السياسي وعلاقتها بالدولة الوطنية والمجتمع بشكل عام .

 مع أن التجربة الشخصية لراشد الغنوشي المرتبطة بحياته في المنفى في فرنسا ولندن لعبت دورا في صقل أفكاره ومرونتها،وما ساعد على ذلك أيضا خصوصية الإسلام السياسي في تونس وهي خصوصية مستمدة من طبيعة المجتمع التونسي والثقافة التي رسخت خلال عقود ما بعد الاستقلال، إلا أن هذه المواقف لحزب النهضة وللغنوشي تحديدا تندرج في إطار ما يمكن أن نسميه فقه المراجعات عند جماعات الإسلام السياسي، وهي ظاهرة ليست جديدة، ولكن هذه المرة مختلفة حيث جاءت بعد تراجع شعبية جماعات الإسلام السياسي وفشل تجربتها في الحكم في بعض الدول، وتحميلها مسؤولية فوضى الربيع العربي وما صاحبها من مظاهر عنف، وانكشاف علاقتهم بالغرب وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية .

يمكن إرجاع أولى الاجتهادات التي يمكن إدراجها في سياق المراجعات المعاصرة عند المرجعيات الدينية وداخل جماعات الإسلام السياسي إلى أحد علماء الأزهر على عبد الرازق، الذي اعتبر أن نظام الخلافة نظام دنيوي وليس ديني ، وقد تعرض في حينه لانتقادات كثيرة وأصدر الأزهر بينانا قال فيه إن اقوال على عبد الرزاق لا تمثل الأزهر .

ما بين عامي 1997 و 1999 أقدمت بعض قيادات الجماعة الإسلامية المصرية أثناء وجودها في السجن، على مراجعات أثارت كثيرا من الجدل داخل الجماعة وخارجها، وهي مراجعة اقتصرت على التراجع عن نهج العنف والأسس الفكرية الفقهية التي يستند إليها  . ومع أن جدلا ثار لاحقا حول مصداقية وجدية مراجعات السجون إلا أننا نعتقد أن أهم قيادات الجماعة الإسلامية كانت صادقة في مراجعاتها ومنهم ناجح إبراهيم . وبعد سقوط حكم محمد مرسي وبداية محاكمة قادة الإخوان في السجون تجري مجددا مراجعات داخل جماعة الإخوان وإن كان البعض يشكك بجدواها ومصداقيتها حيث ينظرون لها كمناورة للخروج من السجن أو كممارسة باطنية تميز بها الإخوان .  

في نهاية السبعينيات أثار حسن الترابي في السودان ضجة كبيرة بمواقفه التي اعتبرت مراجعات خطيرة حتى إن بعض علماء السودان طالبوا بـ "استتابته" وبعضهم الآخر قال إنه تأثر بأفكار الخميني حيث كانت الثورة الإيرانية في بداياتها . مست مراجعات الترابي جوانب متعددة، كالموقف من المرأة وكانت له رؤية متقدمة تجاه المرأة،وعلاقة الدعوي بالسياسة، حيث قال بأولوية الدولة على المجتمع، أيضا حول الجهاد والعلاقة مع اصحاب الديانات الأخرى، ومع أن الترابي انشق عن جماعة الإخوان المسلمين مبكرا وشكل " حزب المؤتمر الشعبي السوداني " إلا أنه استمر في مراجعاته المثيرة للجدل حتى وفاته .

وبالنسبة لتنظيم القاعدة العنوان الأبرز للإسلام السياسي المتشدد، فقد مارست القاعدة نقدا عنيفا لجماعة الإخوان المسلمين وأخذت عليها نهجها البراجماتي المفرط بل وصفت الجماعة بأنها "مرجئة العصر "، إلا أن تنظيم القاعدة لم ينج بدوره من مراجعات من داخله بدءا من عام 2007 وكان اشهرها مراجعات سيد إمام الشريف المشهور بالدكتور فضل و"ومفتي المجاهدين في العالم " كما اطلق عليه تنظيم الجهاد، وقد دون مراجعاته في ثلاثة كتب، أولها "وثيقة ترشيد العمل الجهادي " وثانيها "التعرية"وآخرها " الصراع في أفغانستان "، وأهم ما جاء مراجعاته : الدعوة لترشيد العمل الجهادى فى مصر والعالم، كما استنكر ظهور صور مستحدثة من القتل والقتال باسم الجهاد انطوت على مخالفات شرعية، ويرى أن الجهاد في الإسلام فريضة مستمرة وباقية، لكن (الجهاديين) مارسوا أخطاء عديدة، وصلت إلي حد المفاسد .كما قال " إن سفك الدماء وإتلاف الأموال بغير حق، من أكثر الأشياء التي تجلب سخط الرب "  . بالإضافة إلى مراجعات الأردني أبي محمد المقدسي، في كتابه "وقفات مع ثمرات الجهاد " و رسالته " مناصرة ومناصحة " الموجهة لأبي مصعب الزرقاوي قبل وفاته سنة 2006 .

وفي ليبيا حدثت مراجعات عند الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، وقام سيف الإسلام القذافي بدور كبير من خلال حواراته مع قادة الجماعة في السجون اللبيبة استمرت لعامين 2007-2009، ووردت المراجعات في وثيقة موسومة بـعنوان " دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس ” .

وفي المغرب حدثت نقلة نوعية عند حزب العدالة والتنمية بعد فوزه بالانتخابات التشريعية لأول مرة 2011 حيث بدى واضحا توطينه للايدولوجيا الدينية لصالح الوطنية المغربية و(الإسلام المغربي)  . وسبق ذلك مراجعات داخل حركة الشبيبة الإسلامية المغربية التي كانت تميل للعنف وأدت المراجعات إلى ظهور حركة التوحيد والإصلاح عام 1996، ومن أبرز قادتها الدكتور أحمد الريسوني الذي وثَّق مراجعات حركته في أحد كتبه حيث يقول في مقدمة الكتاب إن " الفقه الإسلامي عموما هو اجتهاد بشري، فإذا كان الوحي معصوما ؛ فإن فهمه والاستنباط منه ليس عملا معصوما " .  

وفي الأردن أعلن فرع جماعة الإخوان المسلمين في يناير 2016 عن انفصاله عن جماعة الإخوان في مصر مؤكدا أن ما يربط الجماعة في الاردن ببقية فروع الإخوان مجرد تنسيق وليس علاقة تنظيمية، كما يشوب التباس علاقة حزب التجمع اليمني للإصلاح في اليمن بجماعة الإخوان المسلمين .

أن تراجع القوى السياسية مواقفها وأيديولوجياتها لا يعني التراجع والتخلي عن القيم والأهداف والمصالح الوطنية أو التخلى عن العقيدة الإسلامية، بل مراجعة مواقف وأيديولوجيات مؤسَسة على فهم خاطي للمصلحة الوطنية أو للدين أو لهما معا، فالمراجعة في هذه الحالة هي عملية تراجع عن شطط في التفكير وتقصير في الفهم والإدراك أديا لأخطاء في الممارسة، والمراجعة تعني التصالح مع الشعب ومع الوطن والوطنية .

ولكن وحتى تكون المراجعة حقيقية وليس مجرد مناورة للخروج من مأزق أو الانحناء للعاصفة حتى تمر، يجب أن تكون مراجعة جذرية للفكر والأيديولوجيا ومراجعة للسلوك والممارسة في نفس الوقت، كما يجب أن تؤسَس المراجعة على اعتراف حقيقي بالخطأ واستعداد لتصحيحه وتَحَمُّل نتائج ذلك، حيث لكل مراجعة ثمن يجب أن يُدفع، وأن يُدفع اليوم بخسائر أقل أفضل من أن يُدفع مستقبلا بخسائر أكثر فداحة حزبيا ووطنيا وقد يصل الأمر لإخراج الحزب أو الحركة السياسية من المشهد السياسي موسوما بالخيانة . لذا فمن الافضل أن يُدفع الثمن اليوم للشريك الوطني أفضل من أن يُدفع غدا لأطراف خارجية .

إن تغيير السياسات على أرض الواقع والتخلي عن حالة الاستعلاء على الوطن والقوى الوطنية والاستعداد للانخراط في الحالة الوطنية في إطار شراكة لا تعطي تميزا على أساس احتكار الحقيقة الدينية ... هو المحك للحكم على مدى مصداقية خطاب المراجعة والنقد الذاتي . كما أن المراجعة والنقد الذاتي لا يُسقطا المسؤولية ولا يمنحا شهادة حسن سير وسلوك للمراجعين تؤهلهم لأن يستمروا في السلطة إن كانوا يتولونها أو يستلموا سدة الحكم وقيادة النظام السياسي مباشرة إن كانوا في المعارضة، بل يجب أن يمروا بمرحلة من إعادة التأهيل واختبار المصداقية، حتى لا يصبح الوطن والدين حقل تجارب لكل من هب ودب .

من خلال ما سبق واستقراء كل حالات المراجعة عند جماعات الإسلام السياسي نلاحظ بأن المراجعات لا تمس المرجعية الدينية بحد ذاتها بل هي مراجعة لاجتهادات وتفسيرات في بعض القضايا الفقهية أدت لدخول الجماعة المعنية في أزمة داخلية أو بينها وبين الدولة والمجتمع . أحيانا تكون المراجعات كلية أو جزئية تقتصر على بعض الاجتهادات الفكرية أو السلوكيات بدون أن تؤثر على النهج او الخط العام للحركة . 

 

المحور الثالث: مراجعات حركة حماس حول إشكالية الوطني والديني

كتبنا منذ عقد من الزمان مطالبين بتوطين الايديولوجيات الدينية في فلسطين لتصبح جزءا من الحالة الوطنية ومتصالحة معها، وتجنب افتعال صدام كما يجري في بعض البلدان العربية ما بين الوطنية والدين كما تفهمه وتوظفه جماعات الإسلام السياسي  .

الإسلام دين كل المسلمين وهو حالة دائمة لا يرتبط وجوده بحزب أو شخص وهو منزه عن الأهواء والأغراض الشخصية والفئوية الضيقة، بينما جماعة الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي الأخرى أحزاب سياسية لها مصالح بشرية ودنيوية حتى وإن رفعت شعارات دينية أو اتكأت على الدين في تبرير سلوكياتها، وقادتها ليسوا منزهين عن الخطأ،كما أنها أحزاب معرضة للزوال في أية لحظة . لو عدنا للتاريخ السياسي الإسلامي لوجدنا آلاف الفرق والجماعات والأحزاب التي كانت تدعي بأنها تمثل الإسلام، وكلها اندثرت ولم تترك إلا الخراب ومزيدا من فُرقة المسلمين ومن تاريخ دام أسود . لكن يبدو أن البعض في زمننا هذا لا يريد استلهام الدروس والعبر من التاريخ السياسي للمسلمين ويُفضل أن يجرب المجرب ويبدأ دائما من نقطة الصفر، لأن توظيف الدين سياسيا بات صنعة من لا صنعة له وحرفة لا تحتاج لعقل أو علم بقدر ما تحتاج للديماغوجية والتلاعب بمشاعر العامة واستغلال فقرهم وجهلهم.

لو نظرنا للعالم من حولنا اليوم سنلاحظ أنه ما كان لحزب التنمية والعدالة التركي أن ينجح لو لم يوطن أيديولوجيته الدينية ويشتغل ضمن حدود الدولة القومية العلمانية وبما يخدم المصلحة الوطنية التركية دون ارتباط بأي إطار خارجي، نفس الأمر في إيران حيث الانسجام والتناغم ما بين القومية الفارسية والإسلام الشيعي، بل تعمل الأولى على توظيف الخطاب الديني الإسلامي خارج إيران لمصلحة الدولة القومية الفارسية . وفي الحالتين يجري تكييف الدين بما يخدم المصلحة الوطنية وليس العكس، والإسلام يسمح بذلك . وما هو قريب من ذلك ما يجري في ماليزيا واندونيسيا من تعايش وانسجام ما بين الدين والوطنية حيث لا يزعم مسلمو تلك البلدان بأنهم امتداد لأية جماعة سياسية دينية خارجية، والتجربة تتكرر في المغرب بشكل متميز وواعد.

أدركت فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن وتونس والمغرب خطورة المأزق الناتج عن كونها فروع لجماعة أممية ترفع شعار الخلافة وأيديولوجية سياسية شمولية عن الإسلام، متجاهلة الحالة الوطنية كثقافة وهوية وروابط يؤسسها العيش المشترك في كيان سياسي متمايز عن غيره،من جانب، والحاجة للانخراط في الحياة السياسية الوطنية المحكومة بدستور وقوانين والمؤسسة على مفهوم المواطنة من جانب آخر .

المشكلة الرئيسية بالنسبة للإسلام السياسي في فلسطين وخصوصا مع حركة حماس لا تكمن في وجود اجتهادات فقهية تستدعي من حركة حماس مراجعتها، نظرا لغياب علماء دين مجتهدين عند حركة حماس وبسبب تبعية جماعات الإسلام السياسي في فلسطين لمرجعية خارجية، إن المشكلة تكمن في اصطناع مواجهة بين المشروع الوطني و(المشروع الإسلامي) قبل قيام الدولة الوطنية المستقلة وفي خضم المواجهة مع إسرائيل التي تحتل كل فلسطين وتشكل النقيض الموضوعي للشعب والوطن .

انطلاقا من هذه الخصوصية كان على حركتي حماس والجهاد الإسلامي توطين ايديولوجيتهم الدينية لتصبحا جزءا من المشروع الوطني الفلسطيني، نظرا لأن الشعب الفلسطيني يعيش مرحلة تحرر وطني تحتاج لإعلاء راية الوطنية والتمسك بالهوية والثقافة الوطنية، ولخطورة رهن القضية الوطنية بأي أجندة خارجية حتى وإن كانت ترفع شعارات دينية .

وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى اختلاف حركة الجهاد عن حركة حماس، حيث إن حركة الجهاد وبالرغم من انتماء مؤسسيها الأوائل لحركة الإخوان المسلمين إلا أنها انفصلت منذ تأسيسها عام 1987 على يد عبد العزيز الشقاقي عن الإخوان وبالتالي عن حركة حماس، ولها مواقف سياسية مغايرة عن حركة حماس، كما انها تُشكل جماعة إسلامية وطنية حيث لا تُعلن انها امتداد لمرجعية أو جماعة خارجية، ورفضها الدخول في منظمة التحرير ليس لأن المنظمة علمانية، كما تبرر حركة حماس رفضها دخول منظمة التحرير، بل بسبب النهج السياسي للمنظمة .

توطين حركة حماس لفكرها وأيديولوجيتها مطلب ضروري إن رغبت بأن تكون جزءا من النظام السياسي الفلسطيني و تقود أو تشارك في قيادة الشعب الفلسطيني، لأن الشعب الفلسطيني لا يقبل أن تحكمه حركة سياسية تقول بأنها امتداد لجماعة الإخوان المسلمين وفرع من فروعها، لأن ذلك يعني أن الأصل هو الذي يحكم، أي يصبح الشعب الفلسطيني محكوم ومسير من طرف جماعة الإخوان المسلمين ويصبح مصير قضيتنا الوطنية رهن بما تأول إليه الأمور في هذه الجماعة ولحساباتها وتوازناتها ومصالحها الأممية .

لا يعني أن توطن حركة حماس نفسها تخليها عن بعدها الإسلامي أو قطع صلتها كليا بجامعة الإخوان،فهذا شأنها وشأن المنخرطين فيها، ويمكنها أن تستمر بهذه الوضعية ما دامت خارج السلطة والقيادة أو تمارس الجهاد المقدس، ولكن أن تقول أو تتطلع لقيادة الشعب الفلسطيني وفي نفس الوقت تقول بأنها امتداد لجماعة خارجية فهذا ما لا يقبله الشعب الفلسطيني لأنه لا يقبل أن يقوده تنظيم خارجي، ولا يقبل أن يرتبط مصيره ومصير القضية الوطنية بمصير حزب قيادته غير فلسطينية.

كثيرون تمنوا على حركة حماس عدم الانزلاق نحو مشاريع دينية أممية على حساب المشروع الوطني، وألا ينخدعوا بالأصوات الخارجية التي ضخمت من فوزهم في الانتخابات التشريعية يناير 2006 مصورين ذلك انتصارا للمشروع الإسلامي العالمي يجب الحفاظ عليه بأي ثمن، إلى غير ذلك من الخطابات التي دفعت حركة حماس للتعالي على المشروع الوطني وقواه الوطنية، وتمنىنا على حركة حماس أن تقول لحلفائها ومرجعياتها في الخارج، إن كانوا يريدون نجاح مشروع الإمارة الإسلامية فليبحثوا عن هذا النجاح في الدول الإسلامية المستقلة وذات السيادة،أما في فلسطين فهناك خصوصية تجعل المسألة الوطنية والمشروع التحرري الوطني سابق على أي مشاريع أخرى .

في المجتمعات الإسلامية الأخرى يمكنهم تغييب البعد الوطني أو إلحاق الوطني بالديني دون خوف على الهوية الوطنية والدولة الوطنية،أما في فلسطين فيجب إلحاق الديني بالوطني، أي توطين الإسلام السياسي،وعندما ننجز مشروعنا الوطني التحرري ودولتنا الوطنية،آنذاك يكون لكل حادث حديث .

بذلت منظمة التحرير كل الجهد لانضواء حركتي حماس والجهاد الإسلامي في منظمة التحرير وفي المشروع الوطني، ولا يسعنا في هذا السياق تجاهل موقف الرئيس أبو مازن في انتخابات يناير 2006 حيث شجع مشاركة حماس في الانتخابات بالرغم من علمه بما تحظى به من شعبية، كما ناشد وتمنى على حركة حماس أن تتفهم خصوصية وخطورة المرحلة وطلب من السيد إسماعيل هنية رئيس الوزراء آنذاك أن يقدم برنامج حكومي لا يمنح إسرائيل فرصة للإجهاض على الحكومة الوليدة – مع أن إسرائيل لا تحتاج لمبررات إضافية لحصار الشعب ولإضعاف السلطة الوطنية بغض النظر عمن يترأسها أو يشكل حكومتها - ولا يدفع دول العالم وخصوصا المموِلة للسلطة من أن تفرض الحصار على قطاع غزة وعلى السلطة بشكل عام.

كان أمام حركة حماس أكثر من فرصة ومناسبة للدخول بعِزة ومن مركز القوة في النظام السياسي والمشروع الوطني، إلا أنها فوتت هذه الفرص نتيجة ما كانت تتعرض له من ضغوط من طرف الاجندات والمشاريع الخارجية، وبسبب فهم خاطئ لعلاقة الديني بالوطني، وأيضا نتيجة حقد بعض قياداتها على حركة فتح ومنظمة التحرير، وكان ثمن ذلك سقوط الكثير من الضحايا بالإضافة إلى حالة الانقسام المريرة، دون تجاهل أخطاء وممارسات، بعضها مقصودة وأخرى غير مقصودة، من بعض المسئولين في حركة فتح والمعسكر الوطني .

بعد ما جرى ويجري في العالم العربي من فوضى وتراجع جماعات الإسلام السياسي وخصوصا في مصر أخذنا نسمع خطاب المراجعة والنقد الذاتي عند حركة حماس على لسان بعض قادتها من خلال ملامسة مفردات المشروع الوطني، كما خففت الحركة من ملاحقة رموز المشروع الوطني كالكوفية والعلم والأغاني الوطنية، بالإضافة إلى تخفيف حدة علاقاتها مع الشخصيات والقوى الوطنية المعارِضة لها . لكن التغير الأهم هو صدور تصريحات ملتبسة عن علاقة حركة حماس بالتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين وتأكيدها بأنها تنظيم وطني فلسطيني، وهذا ما سمعناه خلال وبعد زيارة الوفد الحمساوي المفاجئة للقاهرة منتصف مارس2016 . ومنها ما ذكره النائب في التشريعي يحيى العبادسة في مقابلة صحفية حيث قال "أنا في حركة حماس منذ 40 عام، لا أعلم أنه لهذه الحركة أي ارتباط تنظيمي إداري بحركة الإخوان المسلمين، وما يتم الحديث عنه في هذا الأمر لا أصل له من البداية"، مؤكداً أنه حماس حركة تحرر وطني أجندتها وقيادتها فلسطينية، ومجال عملها ضد الاحتلال في فلسطين"، وتعتبر مواقف وتصريحات وكتابات الدكتور احمد يوسف نموذجا لحالة وطنية متقدمة تتشكل داخل حركة حماس حتى وإن اعتبرها البعض نوعا من تقسيم الأدوار إلا أنها تترك صداها وتأثيرها في القواعد الشعبية التنظيمية للحركة ومناصريها .

وفي نفس السياق يمكن اعتبار ما قاله السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في ندوة نظمها مركز الجزيرة للدراسات في الدوحة يوم السبت 24 / 9/2016 تحت عنوان " التحولات في الحركات الإسلامية " يندرج في سياق المراجعات السياسية لحركة حماس . حيث اعترف بأن حركة حماس أخطات عندما استسهلت حكم قطاع غزة واعتقادها بأن زمن حركة فتح قد انتهى، بالإضافة إلى كيفية تعامل الإسلاميين مع ما يسمى (الربيع العربي) . وقد سبق للسيد خالد مشعل في ندوة عن "الإسلاميين والديموقراطية" عُقدت في الدوحة 8/10/2012 أن طالب حركات الإسلام السياسي بأن تؤسس لنموذج معاصر للديموقراطية، قائلا : بأن "هناك فرقاً بين موقع المعارضة والحكم، بين التخيّل والافتراض والمعايشة والمعاناة، وفرقاً بين الناقد والممارس... وأن على الإسلاميين الاعتراف بأن الحكم أعقد مما كانوا يتصورون .

دون الخوض بكثير من الجدل ما إن كانت المراجعات السياسية لحركة حماس تعبير عن تطور ونضج حقيقي في التوجهات الوطنية للحركة أم مجرد مناورة والتفاف على المأزق الذي تعيشه داخليا وخارجيا، فإن الحركة اليوم أمام مفترق طرق : إما أن تستمر في التموضع كامتداد لأصل خارجي وبالتالي قرارها خارجها مما يجعلها عرضة لمراهنات البعض من الأيديولوجيين الإسلاميين على جعل غزة الإقليم القاعدة لدولة الخلافة الموعودة وتستمر إسرائيل في ابتزازها،أو أن تنحاز لفلسطين وللهم الوطني وتعمل مع القوى السياسية الفلسطينية على استنهاض المشروع الوطني، وفي المشروع الوطني متسع للجميع و الوطنية الفلسطينية لا تناصب الدين العداء، بل إن هذا الأخير جزء أصيل منها وأحد أدواتها في مواجهة المشروع اليهودي الصهيوني الاستعماري .

إذن من الجيد أن تقوم حماس بتوطين خطابها وتوجهاتها السياسية وأن تتعلم درسا من تجربة مريرة من التبعية لأجندة ومشاريع عابرة للوطنية . مراجعة حركة حماس لا يعني أن تلتحق بمشروع أوسلو أو حتى بمنظمة التحرير بواقعها الراهن، بل بالمشروع الوطني الذي يجب أن يُعاد تأسيسه بمشاركة الجميع، وهو مشروع يحتاج لروح المقاومة والصمود .

 

خاتمة

بعد ما وصل إليه حال المسلمين من فرقة وتناحر داخلي وسيطرة الفكر المتطرف فإن الأمر يحتاج ليس فقط لمراجعات جزئية من هذا الداعية أو الحزب الإسلامي او ذاك بل لثورة دينية، ليس ثورة ضد الدين ولكن ثورة من أجل موضعة الدين في الحياة السياسية بحيث لا نجعله محل اجتهاد وحقل تجارب لكل من هب .

وعلى المستوى الفلسطيني كان على حركة حماس الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الحالة الفلسطينية واختلافها عن الحالة العربية، بمعنى في الحالة العربية الشعوب أقامت دولتها ومشروعها الوطني، وبعض فئات المجتمع تريد أن تنقل المجتمع من مربع الدولة الوطنية الى مربع أشمل وهو الدولة أو الخلافة الاسلامية، لكن الفلسطينيين لم ينجزوا الدولة الوطنية بعد وما زالوا تحت الاحتلال ومهمتهم تحرير وطنهم أولا، وسيكون من المخاطرة القفز لمشروع الخلافة أو الوحدة الإسلامية قبل إقامة الدولة الوطنية وتحرير فلسطين .

 

أستاذ العلو م السياسية في جامعة الأزهر في فلسطين، وزير الثقافة الأسبق .

....................

الهوامش

1. تتعدد المسميات التي تُطلق على الجماعات التي توظف الدين للوصول إلى السلطة - وإن كان البعض يُخرج الجماعات السلفية الدعوية التي لا تتدخل بالسياسة مباشرة من تصنيف الإسلام السياسي إلا أننا نرى أن كل حزب أو جماعة تميز نفسها بالدين لها علاقة بالسياسة بشكل أو آخر حتى وإن ادعت غير ذلك – لذا فإن كل جماعة تسعى للوصول للسلطة سواء عن طريق العنف أو غيره من الوسائل، لتطبيق برنامجها المتكئ على تصورها الخاص للسلطة والدولة والمستمد من الدين، تندرج في إطار الإسلام السياسي أو الجماعات الأصولية، وبطبيعة الحال فإنها تختلف عن بعضها من حيث درجة لجوئها للعنف أو تكفير الآخر أو الاعتراف بالديمقراطية والمشاركة السياسية الخ .

2. الليبرالية أقدم في الظهور من الماركسية، وبينما انهارت الثانية استمرت الاولى ويعود السبب أنها تجدد نفسها باستمرار ولا تضفي طابع القدسية على مقولاتها ومفكريها وتؤمن بأن المعرفة الإنسانية معرفة نسبية وأن النظرية العلمية الحقيقية هي النظرية التي تقبل المراجعة وإعادة النظر في مقولاتها .

3. حول الموضوع يمكن الرجوع إلى : سمير امين،ترجمة صلاح داغر، الماوية والتحريفية، دار الحداثة للطباعة والنشر، بيروت، 1984 .

4. لم يقتصر أمر المراجعات أو الاجتهادات داخل المنظومة الشيوعية على هذه الأحزاب بل شملت غيرها، كمراجعات أو تحريفية أنور خوجا في البانيا والذي حكم البلاد لمدة أربعين عاما حتى 1985، ومراجعات جوزيف بروز تيتو في يوغسلافيا الذي اشتق نهجا خاصا بيوغسلافيا، واستمر نهجه حتى وفاته 1980، ويمكن أن نضيف فيدل كاسترو في كوبا . مع العلم أن هذه الأحزاب اتهمت أولا الحزب الشيوعي السوفيتي بالتحريفية وممالأة الامبريالية بعد المؤتمر العشرين للحزب 1956.

5. حول الظاهرة يمكن مراجعة كتاب الأمين العام للحزب الشيوعي الإسباني : سانتياغو كاريللو، الأورو شيوعية والدولة، ترجمة سعاد محمد خضر، بغداد، 1978.

6. يمكن الرجوع إلى: إبراهيم أبراش، دراسة تحليلية لحركة القوميين العرب ومواقفها من القضية الفلسطينية، ضمن كتاب : الحركة القومية العربية في مائة عام، إعداد ناجي علوش، دار الشروق، عمان، 1998 .

7. أنظر حول الموضوع بالتفصيل : إبراهيم أبراش، الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق (مقاربة للتجربة الديمقراطية في المغرب)، منشورات الزمن، الرباط، 2001.

8. صحيفة الشرق الأوسط اللندنية 1 يونيو 2016

9. فشلت جماعة الإخوان المسلمين بقيادة محمد مرسي في الاستمرار بحكم مصر لأكثر من سنة - تم انتخابه يوم 24 يونيو 2012 وعزلته القوات المسلحة في 3 يوليو 2013 بعد ثورة شعبية - كما تراجع حزب النهضة التونسي في الانتخابات التشريعية التي جرت في اكتوبر 2014، وفي بقية البلدان تراجعت شعبيتهم بدرجة كبيرة بل تم تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كحركة إرهابية من طرف العربية السعودية ودولة الإمارات العربية وغيرها .

10. علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم، دار الهلال، القاهرة، 1925 .

 11. تم الإعلان عن هذه المراجعة في يوليو عام 1997، أثناء نظر القضية رقم " 235 " حيث ألقى أحد المتهمين، وهو محمد عبد العليم، بيانا موقعا من القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية يدعو فيه إلى وقف العمليات المسلحة كافة ووقف التحريض عليها داخل وخارج مصر حقنا للدماء.

12. يعتبر ناجح إبراهيم من القيادات الإسلامية العقلانية المؤثرة على قطاعات الشباب والمثقفين، ومن أقواله حول المراجعات : "انطلاق المراجعات في إطار السلفية الجهادية التي تعد القاعدة أبرز ممثليها، أتت بعد مسار طويل من المواجهة، وإيمان راسخ بـ (حتميتها)، وهو المسار الذي أفضى إلى الوصول إلى (حتمية) المراجعة وفقه النتائج".

13. توفي يوم الخامس من مارس 2016 . وحول افكاره ومراجعاته يمكن الرجوع إلى : حسن مكي، مراجعات الحركة الإسلامية في السودان، 2010، دار المدبولي، القاهرة . حسن الترابي : السياسة والحكم : النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع، الدار العربية للعلوم 2011 . أيضا سلسلة مقابلات متلفزة مع الترابي تحت عنوان مراجعات الترابي على الرابط التالي : https://www.youtube.com/watch?v=N34EAxbcwq0

 14.    http://al3asemanews.net/news/show/138927

15. هاني سمرة، رؤية تحليلية لمراجعات الجماعات الجهادية، الجزيرة نت، 6 فبراير 2012 .

16.    http://www.assakina.com/center/parties/9489.html#ixzz4B1D3jkjy

17. بالرغم من أن البعض يعتبر حزب العدالة والتنمية المغربي جزءا من التنظيم العالمي للإخوان إلا أن الحزب يُعرِّف نفسه بأنه" حزب سياسي وطني يسعى، انطلاقا من المرجعية الإسلامية وفي إطار الملكية الدستورية القائمة على إمارة المؤمنين، إلى الإسهام في بناء مغرب حديث وديمقراطي، ومزدهر ومتكافل، مغرب معتز بأصالته التاريخية ومسهم إيجابيا في مسيرة الحضارة الإنسانية " وقد نفى.عبد الإله بن كيران الأمين العام للحزب بعد فوز حزبه بالانتخابات أية علاقة تنظيمية مع الإخوان المسلمين .

http://www.alhurra.com/content/moroccan-prime-minister-benkiran-muslim-brotherhood-egypt-/255300.html

 18 - احمد الريسوني، فقه الثورة ... مراجعات في الفقه السياسي الإسلامي، دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2012 .

19 - تصريح لمعاذ الخوالدة الناطق الرسمي باسم جماعة الإخوان المسلمين في الأردن لصحيفة اليوم السابع المصرية 21 فبراير 2016 .

http://www.youm7.com/story/2016/2/21

 20- http://m.ahewar.org/s.asp?aid=78855&r=75&cid=0&u=&i=1517&q=

 21- http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2016/03/27/892153.html

 

 

abdullah badrhskandarالنزاع بين الناس على اختلاف مللهم ونحلهم لم يكن وليد فترة زمنية بعينها أو مرحلة عابرة وإنما هو أمر ملازم للإنسان منذ أن وجد على هذه الأرض، وما قصة أبناء آدم إلا مثالاً أولياً لما سيحدث في تأريخ البشرية عبر الأجيال، ومن هنا كان وجوباً على الباحثين أن ينظروا إلى هذه القضية العالقة من خلال أسبابها الجذرية المتأصلة، وبالتالي يمكنهم الوصول إلى النتائج المراد تبيانها قياساً إلى متعلقاتها أو الطرق الناشئة عنها والتي لا سبيل إلى حصرها أو إيجاد الحل النهائي الذي يجيز الفرض القاطع لعلاجها، وهذا الطرح يثبت وبلا أدنى جدال أن بُعد الحلول قد أعطى للنزاعات دوراً كبيراً في الانتشار وهذا ما يجعلها في أعلى السلّم المتصدر لعناوين العظام من الناس، واستناداً إلى هذه الحيثية ظن بعض المحققين أن هناك جانباً إيجابياً في كثير من الاختلافات الحاصلة بين أبناء الجنس الواحد، علماً أن الجانب الإيجابي لا يستقل في إظهار الحقائق كما هي في جميع الحالات، وذلك لبعد عامة الناس عن المعرفة الكاملة التي تجعلهم على يقين ثابت لا يتفاعل مع ما عمي عليهم من القرارات المتخذة من قبل أسيادهم، ولهذا كان من الصعب أن يركن الأتباع إلى التصنيف المباشر الذي يساعد على وضع الإرشادات التوجيهية للفرق المتنازعة، وذلك إذا ما نظرنا إلى النتائج والعبر المترتبة على جميع أبعاد النزاع، وقد يلحق بهذا المفهوم العام مجموعة من المصاديق يكون مردها إلى إظهار الحق وإخفاء الباطل دون الميل إلى التأثيرات الخارجية، وفي هذه الحالة تكون الأطراف المتنازعة قد اتخذت مرحلة أخرى تضمن لها جميع الحقوق التي تباعد بينها وبين الأفكار الدخيلة، وإن شئت فقل تباعد بينها وبين المواقف السلبية المتخذة سلفاً من قبل جميع الأطراف المتنازعة. فإن قيل: ما هي الدوافع الأساسية التي لها بالغ الأثر في إذكاء النزاعات بين أبناء الأمة؟ أقول: هنالك عدة دوافع أهمها:

أولاً: الاستبداد بالرأي: وهذا ينشأ بسبب العصبية الجاهلية الغالبة على طباع الناس الذين يتمسكون بها دون اللجوء إلى إيجاد السبل المانعة التي تباعد بينهم وبين معتقداتهم، ولذلك تراهم لا ينظرون إلى المسائل الخلافية بطريقة موزونة، وإنما ينظرون إليها من خلال امتلاكهم للحقيقة المطلقة دون غيرهم، وفي هذه الحالة تصل النزاعات إلى مرحلة يصعب معها الرجوع إلى السلم.

ثانياً: التقليد الأعمى: الجزء الأول من المصطلح  لا يصنف ضمن الأفعال المذمومة، وذلك لتقارب الاتجاهات بين المقلَد وبين من سار على نهجه إذا كان الأول لا يزال ملازماً للطرق الوسطى، أما إذا حدث العكس فإن الثاني يكون وبلا أدنى شك من الذين ينطبق عليهم المصطلح بجميع تركيباته، وبالتالي يتم تصنيفه ضمن الناس الذين ينعقون مع كل ناعق، وههنا تكمن الطامة الكبرى التي يرفض أتباعها التخلص منها وبهذا القدر تستشري الأفكار الهدامة بين الناسب بصورة أكثر توسعاً، وهذه هي البذرة الأولى التي يمكن استقلالها من قبل رؤساء الفتنة لتسيير المغرر بهم إلى طرق الهلاك، وإثارة النزاعات بين الناس.

ثالثاً: اتباع البدع: البدعة لا تخرج عن معنى إدخال غير المشروع في المشروع، أما إذا اقتصر المصطلح على الفهم الديني فههنا يكون المعنى ملازماً لإدخال ما ليس من الدين في الدين، كما في قوله تعالى: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها) الحديد 27. أي ابتدعوها من تلقاء أنفسهم دون اعتماد الأدلة الشرعية، ولهذا نرى أن لأهل البدع مجموعة من الأساليب التي بنيت على غير شرع الله، واعتماداً على هذا الاتجاه يمكن أن تكون النزاعات قد أخذت طريقها إلى ما لا يحمد عقباه دون إرجاع الأمر إلى طرقه المشروعة، وقد بين سبحانه هذا المعنى بقوله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) النساء 59. وهنالك مجموعة أخرى من الأسباب تكاد تكون مرادفة لما قدمنا منها:

أولاً: تأثير الدخلاء على الأصلاء.

ثانياً: البيئة وأثرها على أبنائها.

ثالثاً: اتباع الأهواء والميول السلبية.

رابعاً: الاختلاف في المعتقدات.

خامساً: العصبية القبلية والانتماء.

سادساً: شعور الإنسان بالنقص.

وبناءً على ما قدمنا نعلم أن للأسباب السالفة الدور الأكبر في إشعال نار الفتنة بين الطوائف والفرق على اختلاف مشاربها واتجاهاتها، ومن هنا يجب الاتجاه إلى دعوة القرآن الكريم التي بين فيها سبحانه مدى تأثير الاختلاف غير المشروع الذي يفضي إلى النزاعات التي تؤدي إلى الفرقة، كما في قوله تعالى: (ولا تكونوا من المشركين... من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون) الروم 31- 32.

فإن قيل: إذن ما هي الحلول المناسبة التي يمكن بواسطتها إصلاح حال الأمة وإبعادها عن الصراعات الطائفية؟ أقول: ليس هناك حلولاً مناسبة تجعلنا نطمئن إلى السير بالاتجاه الصحيح الذي يؤمن لنا الطريق السالك للابتعاد عن الخلافات، وذلك بسبب الجهل الذي دأبت عليه الأمة حتى أصبح اليأس يدب شيئاً فشيئاً إلى نفوس المصلحين منهم، ولذلك ترى عامة الناس لا يتقربون إلى الله تعالى إلا بعنوان الرياء، أما العلماء فليس لديهم الدافع الحقيقي للإصلاح، ويمكن إرجاع ذلك إلى حبهم للمال أو الشهرة أو تمجيد السلطان وهلم جراً، ومن هنا نفهم أن الحل لا يتناسب مع الحالة التي وصلنا إليها، ولهذا يمكن تأجيله إلى يوم القيامة وسيحكم الله تعالى بين الطوائف المتنازعة ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون، وقد بين سبحانه هذا المعنى في قوله: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) الأنعام 159. وكذا قوله: (فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) المائدة 48.

وكما ترى فإن الحل لا يمكن أن يظهر عياناً في هذه الأرض وذلك لأن كل طائفة تكفر الأخرى وتثبت أنها ليست على شيء من خلال الأدلة الوهمية التي تفاخر بها كل طائفة في قبال الأخرى، وهذا الأمر يكاد يكون متطابقاً مع أقوال أهل الكتاب أو الذين لا يعلمون وذلك بسبب التقارب الفعلي في الاتجاهات، وسوف تطلع على أقوالهم في آية البحث التي يبين تعالى من خلالها أن كل فرقة منهم تكفر الأخرى، ولذلك تم تأجيل الفصل بينهم إلى يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) البقرة 113. الآية تدل على اختلاف أهل الكتاب على الرغم من تلاوتهم لكتبهم، لأن الكتاب اسم جنس يقع على جميع الكتب التي نزلت عليهم، أي مع علمهم بما في هذه الكتب إلا أن كل فرقة تنكر على الأخرى اتجاهها الذي سارت عليه، فإذا كان هذا حالهم مع بعضهم فلا يرجى منهم أن يستقيموا على الطريقة التي نادى بها الدين الحق، ومفهوم الآية فيه دلالة لا تقبل اللبس على توجيه أتباع النبي (ص) لفهم هذا الافتراء الذي سوف ينالهم بلا أدنى ريب، ثم بين تعالى أن هذا الاعتقاد الملازم لهم لا يختلف كثيراً عن اعتقاد من لا يعلم الكتاب من مشركي العرب ممن لا كتاب لهم إذا علمنا أن إنكارهم للقرآن من المسلمات الثابتة... فتأمل ذلك.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن 

    عبدالله بدر اسكندر  

 

ماذا نعني بالنسبية هنا في بحثنا هذا؟

نعني بها: [...ذلك الشيء الذي يكون بلحاظ ما يمكن تصوره من جهة كل فرد] - وذلك المعنى يتفاوت درجة وقيمة وفاعلية بحسب الوضع والمعرفة وجهة الإستخدام -، وفي الواقع إنه من خلال مفهوم النسبية هذا يسهل علينا التعرف على معاني الألفاظ ودلالتها وبيان مصطلحاتها ومفاهيمها، فمثلاً مفهومي - الجنة والنار - يكونان كذلك من حيث درجة فهمنا وتصورنا لهما، ونعني بذلك إنهما لفظين أو قل مصطلحين وردا في نصوص الكتاب المجيد للدلالة على معنى [السعادة والشقاء]، و السعادة والشقاء معنيان مرتبطان بما يتبادر للذهن عنهما وبما يشعر بهما المرء ويحس .

- والجنة والنار: ليسا مكانيين ماديين للعيش كما يتصور البعض، بل هما مكانيين تصوريين يحس بهما ويشعر فقط في العالم الآخر، وقد وردا في الكتاب المجيد بهذا المعنى على نحو الحقيقة التصورية، ولكي نفهمهما و بحسب ما عندنا من أدوات وعناصر تركيبة إيضاحية وردا في هذه الصياغة اللفظية التي نقرئها في الكتاب المجيد [لكي تناسب أفهامنا]، - وبين الدنيا والآخرة تشابه وإختلاف من وجه - فهما عالميين متساويين في الماهية ومختلفين في الطبيعة، -، والتساوي المقصود في الماهية يعني كون مفهوم الجنة في الدنيا هو نفسه مفهوم الجنة في الآخرة، ولكن الإختلاف بينهما يكون في الطبيعة، أعني إن طبيعة الجنة في الدنيا غير طبيعة الجنة في الآخرة، - فالجنة في الآخرة – عبارة عن معنى السعادة في مفهومها التصوري، الذي يشعر به المرء ويحس فقط، هي إذن شعور وإحساس تجريدي تخيلي وليس مادي، وهذا الإعتبار يحصل للمرء في حالتي الموت والنوم العميق (الأحلام مثالاً)، 

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ﴾ [الأنعام: 60]

ونفس الشعور والإحساس يكون في معنى - النار في الآخرة – والتي هي عبارة عن العذاب الشديد أو الألم الشديد وبتعبير الفلاسفة (الشقاء)، فما يُقال عن الجنة والنار في الآخرة هو مجرد شعور وإحساس بهما .

وقد دل صريح الكتاب المجيد على ذلك، ولهذا نرفض قول بعض أهل الكلام في كون الجنة والنار - مخلوقة أو قديمة - بما يوحي التجسيم وما تعنيه المادة من التركيب، ذلك لأن لفظ – الجنة - أستخدم في الكتاب المجيد للدالة على السعادة والنعيم الذي يشعر به المرء شعوراً روحياً، كما يحصل للمرء حين النوم من أحلام ورؤى،، إذن فنحن حينما نرفض كون الجنة والنار مخلوقان أو قديمتان نرفض في الواقع إعتبارهما ماديتان، وبالعودة لتعريفنا المتقدم يتبين إن ماهية الجنة في الكتاب المجيد واحدة في الدنيا والآخرة، وهذه الوحدة أراد النص تعميمها في ذهن المتلقي والسامع، و إنما الإختلاف في طبيعتها وفي كيفية الإحساس بها، وذلك ما نفهمه من قولنا بالشعور والإحساس بها .

ولفظ - الجنة - في الكتاب المجيد جاء في صيغة تعريف بأشياء مادية ملموسة من نخيل وأعناب ورمان وغيرها، وهذه الصيغة التعريفية ليست إفتراضية وإنما جاءت بلسان حال فهم المتلقي للفظ ولمعناه، قال تعالى: - أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب - آل عمران 133، والكلام في النص يذكر لنا أشياء مادية نلمسها ونحسها ونشعر بالسعادة من خلالها، وهذه الأشياء المذكورة ليست أشياءً مخفية أو غير معلومة، وفي ذلك يتضح معنى رفضنا للترادف اللفظي الذي نقول به في الكتاب المجيد، وبنفس السياق يأتي قوله تعالى: - ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله - الكهف 39، وهو كلام عما هو مُشاهد ومرئي واللفظ ورد في سياق المعنى، كذلك قال تعالى: - كمثل جنة بربوة أصابها وابل .. - البقرة 265، إذن فالمعنى المتحدث عنه في الدنيا يكون بلحاظ ما يحس به المرء أو يشعر به شعوراً مادياً، ولكن الكلام عن الإحساس في نفس هذه الأشياء في الآخرة يكون لا مادياً بل إنه مجرد شعور وإحساس، ومن هنا يكون تعريفنا للجنة الموعودة: [بإنها ذلك الشيء الذي يدل على السعادة]، وأما النار في الآخرة فهي: [كل شيء يدل على الشقاء والعذاب والألم] ووجودهما في الآخرة تصوري - .

و لكن ماهي العناصر التي تُعرف الجنة والنار؟، في الكتاب المجيد تكون العناصر المُعبرة عن الجنة والنار - أشياء مادية - من نخيل وعنب ولبن وعسل وخمروخشب وحجارة ولهب وغيرها من التعبيرات، وهذه التعابير مأخوذة من مفردات عالم الدنيا، أي إنها مفردات تشكل للإنسان وفي تصوره الإفتراضي معنى السعادة والشقاء، وهذه المفردات في العالم الآخر وبلحاظ مفهومي - السعادة والشقاء - لا تعدو أن تكون هذه المفردات بمثابة - الفكرة المجردة - التي تحصل للإنسان من خلال الشعور والإحساس الروحي، تحصل له كنتيجة لعمله في عالم الدنيا، والعلاقة بين (الإنسان وبين الجنة والنار) هي علاقة طردية بحسب درجة الفعل والعمل في الدنيا وطبيعته، وهذا التقرير إعتباري بحسب درجة تصور دلالة المفهوم ومايؤدي إليه، و الدلالة التصورية: في المنطق العام ليست مطلقة والشعور والإحساس بها هو الدليل الدال عليها، فإن قيل: إن الشعور والإحساس متعلقه في عالم الدنيا مادي بلحاظ مفهوم المادة، ولكنه ليس كذلك في عالم الآخرة .

قلنا: إن المتعلق هنا هو الشعور بالسعادة والشقاء على نحو مجرد، و السعادة والشقاء هما مفهومان نسبيان وفهمنا لهما بحسب مالدينا من قياسات منطقية وعقلية، فمثلاً تحصيل السعادة في العلاقة الزوجية: هو مفهوم نسبي يختلف بحسب شعور كل واحد منا به هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فالمشاعر تجريدية تختلف بحسب طبيعة عالم الآخرة، - أعني طبيعة الشعور وطبيعة الإحساس -، ففي قوله تعالى: - كذلك وزوجناهم بحور عين – الدخان 54، يظهر في الخطاب ما يشكله الشعور بالزواج وطبيعته من خلال فهمنا في عالم الدنيا، لذلك ورد اللفظ - زوجناهم - إذ الزواج أعم من النكاح وإدخال مفردة - الحور العين - ليتناسب مع مقام الإستمرار والدوام، وقد وردت هذه اللفظة في الطور 20، والواقعة 22، و الرحمن 72 التي جاءت مضمرة من دون ذكر لفظ - عين - كما في قوله تعالى: - حور مقصورات في الخيام - .

و- الحور العين - هي صفة مشبهة تدل على ثبات الحال من تحقق السعادة والمتعة واللذة للإنسان، والإنسان هو مطلق عنوان الذكر والأنثى، و الكتاب المجيد حين وضع هذا اللفظ وضعه لمعناه الدال عليه من غير تكلف و زيادة أونقصان، وحيثما تكون السعادة في موضع تكون الجنة هناك، ولادليل في الكتاب دال على إخراج اللفظ من معناه كما في قوله تعالى: - ولدان مخلدون - الواقعة 17، للدلالة على دوام السعادة .

وكما في جملة - زين للناس حب الشهوات .. آل عمران 14، الدالة على ما توفره تلك الشهوات من متعة وسعادة بالنسبة للإنسان، وهذا ما يحصل للإنسان في الآخرة ولكن بطبيعة مختلفة .

والسؤال: هل - الجنة والنار – لهما وجود فعلي موضوعي ؟ أم إنهما مجرد إفتراض ذهني؟ .

والجواب: وردت صيغة لفظ - الجنة والنار - في الكتاب المجيد كتعبير لما يحصل للإنسان من سعادة وشقاء جراء عمله في الدنيا، وهو تعبير تقديري وقد أستخدم النص فيه وسائل إيضاح لتقريب الذهن للمعنى المُراد، وهذا بحسب ما يفهمه الإنسان ويحس به ويشعر من أدوات وعناصر في السعادة والشقاء، ولهذا فالجنة والنار ليست من الحقايق المادية بل هما من الشؤون الذهنية المفترضة التي يفهمها العقل من خلال الإحساس والشعور المجرد، وبما إن ماهية الدنيا تشبه ماهية الآخرة لذلك وردت صيغ التعريف والإيضاح بهذا النحو ليس إلاَّ، لكن الإختلاف في طبيعة ذلك هو الذي يجعلنا نقول بالعالم الإفتراضي الذهني التخيلي المجرد، ثم إنه ليس هناك ثمة عالم وسطي بين الدنيا والآخرة، ولهذا فبمجرد موت الإنسان تكون جنته وناره وبحسب وضعه .

وأما القول: بإمكانية رؤية الله للصالحين من عباده، فهذا قول مردود ولا يعتد به، وذلك لأن الله ليس مادة حتى يمكن تصوره الجسماني، وعالم الآخرة كذلك ليس عالماً مادياً، والرؤية الروحية لله في أية صورة ومنظر لا نقرها ولا دليل عليها، ثم إن الله حين تحدث عن أفعاله في الدنيا، تحدث بصيغة البناء للمجهول، وأعني بذلك إنه تحدث عن نتيجة الفعل وليس عن الفعل نفسه، ولا عن الكيفية التي يتم بها الفعل، وهذا ما نلاحظه حتى في زمن التجربة مع إبراهيم النبي في موضوعة: - ربي أرني كيف تحيي الموتى .. - وكذلك مع موسى النبي حين قال له: - ربي أرني أنظر إليك ...، فالله تحدث عن نتيجة ما يفعله وليس عن فعله وكيفية ذلك، ولم يتحدث عن رؤيته، ولكنه دعاه ليرى نتيجة الفعل حين جعل الجبل دكا وخر موسى صعقا، وهذا الشيء ينطبق على كل ما فعله الله، فالذي نرآه هو نتيجة الفعل وليس الفعل نفسه، هذا في الدنيا، والأمر في الآخرة مشابه له فالله يتحدث عن السعادة وعن الشقاء كنتيجة فعل يحصل للإنسان .

وأما ماذهب إليه بعض أهل الكلام في تفسير قوله تعالى: - وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة – القيامة 22، 23، فالكلام ليس عن النظر بمعنى الرؤية العيانية والمشاهدة، إنما الكلام عن النظر فيما يحصل للمرء جراء ما يفعله في الدنيا، وجراء ما يلتزم به من تعاليم الرب وما كان يريده، والنص أستخدم لفظ الرب دون الإله للدلالة على المعنى، ووهم رؤية الله منشأه وهم تصور عالم الآخرة كوجود موضوعي، وهذا ليس حقيقي بدليل ما قدمنا، إذ ليس هناك ثمة مشاهدة أو رؤية لله لا في الدنيا ولا في الآخرة، والكلام في دلالة النص 22 من القيامة لما تكون عليه السعادة التي يحصل عليها المرء جراء ما فعله إمتثالاً لتعاليم الرب ووصاياه .

 

آية الله الشيخ إياد الركابي   

 

abdullah badrhskandarاللسان الذي يطلق له العنان قد يكون عبئاً على المتكلم إن لم يقدر على إرجاع الشواهد النقلية إلى المصادر المخصصة لتبيان العلل الفقهية المستنبطة من كتاب الله تعالى، ولذلك نرى أن أصحاب التفكير السطحي لا يحصلون على المبرر الكامل الذي يمكنهم من وضع الأسس الكلامية في مكانها المناسب، وأنت خبير بأن هذا الفعل سوف يجلب الويل تلو الويل لمن اعتمد على إظهاره بالطرق الخارجة عن المراد الإلهي الذي يناشد به القرآن الكريم، وكذا ما تطرقت إليه السنة النبوية، أو ما نادى به الصلحاء، وخلافاً لهذا الاتجاه لا نجد للدعوات الباطلة ما يؤيدها، علماً أن هذه الدعوات لا تهدف إلى تنزيه دين الله بقدر ما تهدف إلى تشويه الدين وإن كان الثمن بخساً، وإذا أردنا أن نحاكي هذا الأمر الجلل فمن الضروري أن نذكر ما يتطرق إليه الدعاة من البوح الجائر الذي يهتك حرمات الدين من خلال الوسائل الحديثة، أو ما يؤلف ويكتب في جميع المراحل التي يعيشها الإنسان، وعند التعرف على خلاصة هذا الأمر نكون قد التقينا وجهاً لوجه مع أولئك العلماء الذين يبذلون ما بوسعهم من أجل إسقاط التكاليف الشرعية عن جم غفير من الناس الذين لم يصل إليهم التبليغ حسب زعمهم، ولا يخفى على أولي النهى بأن هذا الادعاء الباطل لا ينسجم مع المعطيات الحقيقية التي نزل بها القرآن الكريم، إذن كيف نجعل لهذا الأمر طريقاً وسطاً بين الإنسان الموحد الذي مات على فعل قليل من المحرمات، وبين الإنسان غير الموحد الذي لا يهتدي سبيلاً إلى الابتعاد عن الموبقات إذا علمنا أن الأول لن يغفر له، فيما تكون المغفرة من نصيب الثاني... تلك إذاً قسمة ضيزى. من هنا يجب أن نسأل هؤلاء الناس عن الدليل الذي استندوا إليه في تبرئة الملحدين لا سيما في هذا العصر الذي انتشرت فيه وسائل الإعلام وأصبح الناس كلهم ينهلون من منهل واحد، هذا إذا أردنا أن نكون في منأى عن الاعتبارات غير الصائبة.

وبناءً على هذه المقدمة يمكن أن نلجأ إلى الحلول الشاملة التي وردت في القرآن الكريم لنعلم مدى ضعف تلك الآراء المنادية بإلغاء العدالة، سواء أكانت عبثية أو مبنية على أسس خاطئة لا تحكمها إلا العواطف الهدامة، وكما ترى فإن القياسات الفعلية الناتجة عن تلك العواطف لا ترقى إلى التطلعات القريبة من الروح القرآنية، واستناداً إلى هذا المفهوم يمكن أن نربط بين ما ورد في القرآن الكريم، وبين ما يدعو إليه أولئك العلماء لنرَ الفرق بين الاتجاهين، ثم بعد ذلك نصل إلى معرفة الحقائق العلمية المشار إليها في كتاب الله تعالى والداعية إلى عدم مغفرة ذنب المشرك إذا مات عليه، كما في قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً) النساء 48. وكرر هذا اللفظ مع فارق يسير في الآية 117. من نفس السورة. وكذا قوله: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) المائدة 72. وقد يستثنى من هذا البيان بعض الناس الذين لم تقم عليهم الحجة وذلك بسبب ما ألم بهم من ضعف الحال، وقد أشار سبحانه إلى هؤلاء بقوله: (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) النساء 98. فهذه الآية وإن كانت واردة ضمن سياق أحكام الهجرة إلا أن العبرة بعموم اللفظ.

واختصاراً لهذا النهج نستطيع أن نضع حداً للنداءات الباطلة وذلك بواسطة التمييز الشامل المراد من الفحوى الناتجة عن طريق الجمع بين الآيات التي تبين أن الأعمال الحسنة المتصدرة لعناوين غير الموحدين لا يمكن أن تقبل وإن كانت سليمة في نفسها، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله: (والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) الأعراف 147. وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً) الفرقان 23.

 

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة 112. (بلى) إيجاب لما بعد النفي، وقد وردت في أكثر من عشرين موضعاً في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) البقرة 260. أي بلى آمنت ولكن ليزداد قلبي إيماناً... وقد بينا في هذا الكتاب معنى زيادة الإيمان... ومن أراد ذلك فليراجع الآية الثالثة من سورة البقرة.

وفي هذا الشأن يقول الفخر الرازي: إن: (بلى) في هذا الموضع تدل على عدة وجوه منها:

أولاً: إثبات ما نفوه من دخول غيرهم الجنة.

ثانياً: إنه تعالى لما نفى أن يكون لهم برهان أثبت أن لمن أسلم وجهه لله برهاناً.

ثالثاً: كأنه قيل لهم، أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنة، بلى إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله وأحسنتم فلكم الجنة، فيكون ذلك ترغيباً لهم في الإسلام وبياناً لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة، لكي يقلعوا عما هم عليه ويعدلوا إلى هذه الطريقة.

ويضيف الرازي: أما معنى: (من أسلم وجهه لله) فهو إسلام النفس لطاعة الله، وإنما خص الوجه بالذكر لوجوه:

أولها: لأنه أشرف الأعضاء من حيث إنه معدن الحواس والفكر والتخيل، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى.

وثانيها: أن الوجه قد يكنى به عن النفس، قال الله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) القصص 88. وقال: (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) الليل 20.

وثالثها: أن أعظم العبادات السجدة وهي إنما تحصل بالوجه فلا جرم خص الوجه بالذكر، ولهذا قال زيد بن عمرو بن نفيل:

وأسلمت وجهي لمن أسلمت... له الأرض تحمل صخراً ثقالا

وأسلمت وجهي لمن أسلمت... له المزن تحمل عذباً زلالاً

فيكون المرء واهباً نفسه لهذا الأمر بإذلالها، وذكر الوجه وأراد به نفس الشيء، وذلك لا يكون إلا بالانقياد والخضوع وإذلال النفس في طاعته وتجنب معاصيه، ومعنى: (لله) أي خالصاً لله لا يشوبه شرك، فلا يكون عابداً مع الله غيره، أو معلقاً رجاءه بغيره، وفي ذلك دلالة على أن المرء لا ينتفع بعمله إلا إذا فعله على وجه العبادة في الإخلاص والقربة.

أما قوله تعالى: (وهو محسن) أي: لا بد وأن يكون تواضعه لله بفعل حسن لا بفعل قبيح، فإن بعض الناس يتواضعون لله بأفعال قبيحة، وموضع قوله: (وهو محسن) موضع حال كقولك: جاء فلان وهو راكب، أي جاء فلان راكباً، ثم بين أن من جمع بين هذين فله أجره عند ربه، يعني به الثواب العظيم، ثم مع هذا النعيم لا يلحقه خوف ولا حزن، فأما الخوف فلا يكون إلا من المستقبل، وأما الحزن فقد يكون من الواقع والماضي كما قد يكون من المستقبل، فنبه تعالى بالأمرين على نهاية السعادة. انتهى بتصرف يسير منا. ومن أراد المزيد فليراجع التفسير الكبير المسمى مفاتيح الغيب للفخر الرازي.

فإن قيل: ألا يدل قوله تعالى: (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) الأنعام 19. على أن بعض الناس لم يصل إليهم التبليغ؟ أقول: في الآية دليل لا يقبل الشك على أن القرآن الكريم حجة على جميع أهل الأرض، وذلك بسبب أن طرق التبليغ لم تنقطع من لدن نزوله إلى يوم القيامة، فتأمل هذا الدليل إن شئت.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن 

    عبد الله بدر اسكندر  

 

nadhir haronalzobaydiموقف الاسلام من المرتد: أوجز الله تعالى في كتابه الكريم الغرض من بعثة النبي في أكثر من موضع فقال (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً)(37) وقال أيضا: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً)(38) وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) (39) ويقول أيضا (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) (40)، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان مبشرا ونذيرا بين يدي عذاب أليم لذلك كان التفويض الالهي للنبي عليه الصلاة والسلام في قضايا الاعتقاد لا يتضمن سلطة الإكراه بل حذر الله تعالى نبيه من أن يُكره الناس فقال (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ)(41) بل ونبه الله تعالى نبيه انك يا محمد لا تملك السيطرة على الناس في قضايا الاعتقاد فقال (لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) (42) فالنبي عليه وعلى اله افضل الصلاة والسلام ما كان يملك قدرة هداية من أحب من الناس كما كان لا يملك سلطة أكراه الناس على الإيمان من عدمه فمع الآيات التي حددت سلطة النبي وتفويضه بقضية الايمان بالتبشير والإنذار فقط فهناك آيات حددت سلطته في الهداية فهي مشروطة بشرط مشيئة الله تعالى فقال (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(43)"(44)

ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قتل او عاقب احدا أرتد عن الدين، إن إرتد ولم يعلن الحرب على الإسلام، ولو كان الرسول امر بقتل المرتد لكان قتل الاعرابي الذي ارتد عن دينه امام مرأى ومسمع الرسول (ص) والصحابة ؛ فقد ذكر البخاري " أن أعرابياً بايع رسول الله على الإسلام، فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فجاء الأعرابي إلى رسول الله فقال: أقلني من بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال أقلني بيعتي، فأبى، فخرج الأعرابي فقال رسول الله إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها " (45) وقد روى البخاري هذا الحديث في اكثر من باب. واما من امر الرسول (ص) بقتلهم، إنما كان لأحد سببين: إما لأنهم قتلوا نفسًا، وإما أنهم أفسدوا في الأرض، بأن حرّضوا ضد المسلمين، أو كشفوا بعض أسرارهم. وهذا ما يؤكد أن حكم الردة هو قرار سياسيا وليس حكما شرعيا.

وقد تعددت التفسيرات التي يرويها المفسرون حول الآيات التي ورد ذكر المرتدين فيها ولم تتفق كلمتهم على رأي قاطع في هذه المسألة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (46). والآية الكريمة الاخرى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (47).

فهذا ابن كثير في تفسيره لها يقول: " (من يرتد منكم عن دينه) أي يرجع عن الحق إلى الباطل نزلت في الولاة من قريش" (48).

اما القرطبي فيقول: " وهذا من إعجاز القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم: إذ أخبر عن ارتدادهم ولم يكن ذلك في عهده وكان ذلك غيبا، فكان على ما أخبر بعد مدة، وأهل الردة كانوا بعد موته صلى الله عليه واله وسلم . قال ابن إسحاق: لما قبض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جؤاثى، وكانوا في ردتهم على قسمين: قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها، وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها ; قالوا نصوم ونصلي ولا نزكي ; فقاتل الصديق جميعهم ; وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش فقاتلهم وسباهم "(49)

اما القاضي نورالله التستري في كتابه الصوارم المهرقة في نقد الصواعق المحرقة فيقول: "ان المتسمين باهل الردة قسمان: قسم لم يؤمن قط كأصحاب مسيلمة وسجاح فهؤلاء حربيون لم يسلموا قط لا يختلف احد في انه يقبل توبتهم واسلامهم والثاني قوم اسلموا ولم يكفروا بعد اسلامهم لكن منعوا الزكاة من ان يدفعوها الى ابي بكر فعلى هذا قوتلوا ولم يختلف الحنفيون والشافعيون في ان هؤلاء ليس لهم حكم المرتد اصلا" (50).

اما محمد رضا رشيد في تفسير المنار فيقول: وغلاة الرافضة يزعمون أن الذين ارتدوا هم أبو بكر ومن شايعه من الصحابة، وهم السواد الأعظم، فقلبوا الموضوع، ولكن عليا كان مع أبي بكر لا عليه، ولم يقتله، وروى أهل التفسير المأثور حديثا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال في القوم الذين يحبهم الله ويحبونه: " إنهم قوم أبي موسى الأشعري "، وروي عن بعضهم أنهم من أهل اليمن على الإطلاق، والأشعريون من أهل اليمن، وفي رواية: هم أهل سبأ، وفي حديث آخر: "هؤلاء قوم من أهل اليمن من كندة،وقد رجح ابن جرير أن الآية نزلت في قوم أبي موسى الأشعري، من أهل اليمن، للحديث في ذلك، وإن لم يكونوا قاتلوا المرتدين مع أبي بكر . قال: الله تعالى وعد بأن يأتي بخير من المرتدين بدلا منهم، ولم يقل إنهم يقاتلون المرتدين (51).

و روي عن علي (عليه السلام) أنه قال يوم البصرة: و الله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم، و تلا هذه الآية. و روى أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بالإسناد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يرد إلي قوم من أصحابي يوم القيامة فيحلون عن الحوض فأقول: يا رب أصحابي، أصحابي فيقال: إنك لا تدري بما أحدثوا من بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري (52).

وفي الوقت الذي اكد فيه سبحانه وتعالى ان الدماء البريئة عزيزة عنده وهو وليها، وحذر اشد التحذير من سفكها وجعل ذلك أعظم المظالم في حق العباد - كما وضحنا سابقا - نجد ان الله تعالى في آيات اخرى يكشف لنا ان من يجب مقاتلتهم وقتلهم، هم: (الكفار المعتدون وائمتهم) مبينا ذلك بكل وضوح في قوله تعالى:(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا) ﴿53﴾ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴿54﴾ (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ) (55).

وعليه فان الله سبحانه وتعالى لو اراد من المسلمين قتال المرتدين وقتلهم، لكان امره واضحا صريحا في الآيات التي ذكرتهم،وسمتهم بـ(المرتدين) في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (56). والآية الكريمة الاخرى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(57) او كما كان امره سبحانه واضحا وصريحا بقتل الكفار المعتدين وائمتهم.

ان الداعين لقتل المرتد ليس لديهم نص قرآني يستندون إليه في دعواهم، ولا يمتلكون دليلا لأثبات ذلك سوى حديث احاد ضعيف مطعون فيه، وهو حديث (منْ بدَّل دينه فاقتلوه)(58) اخرجه البخاري - في باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم ‏عن عكرمة- ورفضه مسلم، لأن شبهات كانت تحوط راويه جعلت مسلم لا يدخل له حديثاً في صحيحه، فعكرمة ليس ثقة عند الجميع اذ كان يرى رأي الخوارج، وقد ضعفه واتهمه كثيرون، هذا من ناحية السند، اما من ناحية المتن فالحديث فيه من الركاكة، بحيث يُدرك وببساطة من له إلمام باللغة أنه ليس من مشكاة النبوة، كما انه يناقض القرآن الكريم و صحيح السنة، هذا بالإضافة الى ان أمرا عظيم كهذا فيه استباحة لدماء الناس لا يمكن أن ينقله إلا راوٍ واحد- فالحديث من الآحاد كما اسلفنا، لأنها جميعاً تنتهي عند ابن عباس - ولم يسمع به سواه؛ ولو صح هذا الحديث لشمل من كان على دين الحنيفية والمسيحية واليهودية ودخل الاسلام على اعتبار انهم ممن بدل دينهم!!!

 

الحادثة الثانية: قتل الصحابي عبد الله بن خباب:

اكد الاسلام على حفظ الضروريات الخمس وهي: (الدين والنفس والعقل والعرض والمال) ورتب حدودا صارمة في حق من يعتدي على هذه الضروريات سواء كانت هذه الضروريات لمسلمين او لمعاهدين، فالكافر المعاهد له ما للمسلم وعليه ما على المسلم قال رسول الله (ص): " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وان ريحها توجد من مسيرة اربعين عاما" (59) وقوله (ص): " من أمَّن رجلا على دمه، فقتله ؛ فأنا بريء من القاتل، وان كان المقتول كافرا"(60).

كما أن الذي يموت أسفاً من المسلمين لسماعه خبر الاعتداء على المرأة المعاهدة كان عند امير المؤمنين علي عليه السلام غير ملوماً، اذ يقول: " وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْأُخْرَى الْمُعَاهِدَةِ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلُبَهَا وَقَلَائِدَهَا وَرُعُثَهَا مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالِاسْتِرْجَاعِ وَالِاسْتِرْحَامِ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُمْ كَلْمٌ وَلَا أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً "(61) فإذا كان ذلك بحق غير المسلم فما بالك اذا كان المقتول مسلما مؤمنا صحابيا جليلا؟ وهو عبد الله بن خباب بن الأرت.

قصة الشهيد عبد الله بن خباب كما ذكرتها الكثير من المصادر التاريخية تتلخص في انه:" لما اقبل الخوارج من البصرة توقفوا في بستان اثناء مرورهم بالنهروان، فرأى عصابة منهم رجلا يسوق امرأة على حمار، فدعوه فانتهروه فافزعوه وقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عبدالله بن خباب صاحب رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم فقالوا له: افزعناك؟ قال: نعم، قالوا: لا روع عليك، حدّثنا عن أبيك حديثاً سمعه من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم تنفعنا به فقال: حدّثني أبي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم انه قال: تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه يمسي فيها مؤمناً ويصبح كافراً ويصبح كافراً ويمسي مؤمناً، قالوا: لهذا الحديث سألناك فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال: انه اعلم بالله منكم واشد توقياً على دينه وانفذ بصيرة، فقالوا: انك تتبع الهوى وتوالي الرجال على اسمائها لا على افعالها، والله لنقتلنك قتلةً ما قتلناها احداً. فأخذوه وكتفوه ثم اقبلوا به وبامرأته، وهي حبلى متم، حتى نزلوا تحت نخل مواقير، فسقطت منه رطبة، فأخذها احدهم فتركها في فيه فقال آخر: أخذتها بغير حلها وبغير ثمن، فالقاها ثم مر بهم خنزير لأهل الذمة فضربه أحدهم بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض فلقى صاحب الخنزير فأرضاه، فلما رأى ذلك منهم ابن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما ارى فما علي منكم من بأس، اني مسلم ما احدثت في الاسلام حدثاً، ولقد آمنتموني قلتم: لا روع عليك فأضجعوه فذبحوه، فسال دمه في الماء، وأقبلوا إلى المرأة فقالت: أنا امرأة الا تتقون الله! فبقروا بطنها، وهي حامل متم" (62).

 

الخوارج طليعة الفكر التكفيري:

الخوارج أوّل الفرق في تاريخ الإسلام، وهم جماعة كانت جزء من جيش العراق، في حربه ضد معاوية بن أبي سفيان، بـ"معركة صفّين" وكانت هذه الجماعة قد انشقَّت عن جيش العراق بعد ان رفضوا التَّحكيم، الَّذي فرضوه هم انفسهم على أمير المؤمنين علي (ع) - الخليفة الشرعي والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك- نتيجة خدعة رفع المصاحف التي ابتدعها معاوية بن أبي سفيان ومستشاره عمرو بن العاص، بحجة ظّاهرها الرّجوع إلى أمر الله تعالى، والاحتكام إلى كتاب الله، اما باطنها هو إيقاف الحرب، والإفلات من ذل الهزيمة الَّتي توشك أن تقع بجيشهم، الا ان الأمام علي (ع)، بنظره الثاقب وحنكته، رفض الأمر، لأنه كان يعلم أنها مجرد خدعة، واهدافها واضحة لديه، اما الخوارج وبغبائهم، أصروا على القبول بالتحكيم، وحين قبل الامام علي (ع) بالتحكيم، وانتهت الحرب، اعتزلوا الجيش وتمردوا على الدولة وخرجوا إلى النّهروان، فحصلت بينهم وبين الأمام علي (ع)، حرب سميت بـ "حرب النهروان.

كان يقال لهم القراء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، لكنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه، ويستبدون برأيهم، ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك (63).واطلق عليهم ايضا المارقة لأنهم يمرقون على المسلمين ويمرقون من الدين كما جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري أن رَسُول اللَّهِ (ص) قال: " تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فِرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ" (64).

اما لفظ الخوارج فهو من أشهر الألقاب التي تطلق عليهم، وقد ورد ذكره في بعض الأحاديث ومنها ما رواه البخاري بسنده عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ لِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي الْخَوَارِجِ شَيْئًا ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ - وَأَهْوَى بِيَدِهِ قِبَلَ الْعِرَاقِ - يَخْرُجُ مِنْهُ قَوْمٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ"(65). ويقرب من ذلك ما رواه البزار من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ - الْخَوَارِجَ فَقَالَ: "هُمْ شِرَارُ أُمَّتِي يَقْتُلُهُمْ خِيَارُ أُمَّتِي"(66).

ومن اسمائهم ايضا الناصبة لانهم ناصبوا الامام علي وال بيته (عليهم السلام) العداء وصرحوا ببغضهم، فالناصبي هو الذي يبغض عليا ويعتقد كفره (67).

والغالب على الخوارج التشدد في العبادة مع الجهل والسفاهة، والهوى والغرور، والخروج بالسلاح على المسلمين الذين يخالفونهم، والأحاديث النبوية التي صرحت بصفاتهم وبدعهم كثيرة، فقد ذكر البخاري انه: "بينما النبي صلى الله عليه واله وسلم يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال اعدل يا رسول الله فقال ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل قال عمر بن الخطاب دعني أضرب عنقه قال دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، آيتهم رجل إحدى يديه أو قال ثدييه مثل ثدي المرأة أو قال مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه واله وسلم وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي صلى الله عليه واله وسلم "(68).

وجاء في الروايات أن الامام عليًّ عليه السلام لما وجد المخدج مقتولا، كبر وسجد شكرا لله، (69) فكان واثقًا ومطمئنًّا في قتاله للخوارج، حتى إنه لما أمر أصحابه بالتماس ذي الثدية فلم يجدوه أولا، قال: ارجعوا فواللَّه ما كذبت ولا كُذبت مرتين أو ثلاثًا، ثم وجدوه بعد ذلك (70).

ومن صفاتهم ايضا ظهور سيماء الصالحين عليهم وكثرة العبادة والصلاة والصيام واثر السجود وتشمير الثياب مع التشدد في الدين كما وصفهم النبي (ص) تحقرون صلاتكم عند صلاتهم .. وضعف الفقه في الدين وقلة الحصيلة من العلم الشرعي كما وصفهم النبي (يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ..والغرور والتعالي على العلماء والتفوا على الاحداث الصغار والجهلة قليلي العلم يقتلون اهل الاسلام ويدعون اهل الاوثان واستدلوا بالآيات الواردة في الكفار وجعلوها في المخالفين لهم من المسلمين (71).

ويُذكر ان سائر فرقهم متفقون على أن العبد يصير كافرًا بالذنب؛ فهم يزعمون أن كل من أذنب ذنبًا من أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ - فهو كافر، ويكون في النار خالدًا مخلدًا وزعموا أن دار مخالفيهم دار كفر. وأن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون وكذا أطفالهم وأن جميعهم في النار . وقالوا: إن كل كبيرة كفر وصاحبها مخلد في النار،و أباحوا قتل أطفال المخالفين ونسائهم، وأكفروا القعدة عن القتال وإن كانوا موافقين لرأيهم، وأكفروا من لم يهاجر إليهم واستحلوا خفر الأمانة التي أمر الله سبحانه بأدائها، وقالوا: قوم مشركون لا ينبغي أن تؤدى الأمانة إليهم، وعندهم إن من نظر نظرة، أو كذب كذبة صغيرة وأصر عليها فهو مشرك ومن زنى وشرب الخمر وسرق غير مصر فهو مسلم غير مشرك (72).

والخوارج جوزوا على الرسول مالا يجوز كالجور وقد يضل في سنته ولم يوجبوا طاعته ومتابعته وانما صدَّقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرَّعه من السنة التي تخالف بزعمهم ظاهر القرآن، فهم يرون ان الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه (73).

" ومن عجائب جهلهم وسفه أحلامهم أنهم في الوقت الذي يستحلون فيه قتل من خالفهم من المسلمين نجد عندهم تلطفا مع من يظنونه من المشركين، كما ذكر المبرد في الكامل قال: " أقبل واصل بن عطاء في رفقة فأحسوا الخوارج، فقال واصل لأهل الرفقة: إن هذا ليس من شأنكم، فاعتزلوا ودعوني وإياهم، وكانوا قد أشرفوا على العطب، فقالوا له: شأنك فخرج إليهم، فقالوا: ما أنت وأصحابك ؟ قال: مشركون مستجيرون، ليسمعوا كلام الله، ويعرفوا حدوده، فقالوا: قد أجرناكم، قال: فعلمونا فجعلوا يعلمونه أحكامهم، فقال واصل: قد قبلت أنا ومن معي، قالوا: فامضوا مصاحبين، فإنكم إخواننا، قال: ليس ذلك لكم، قال الله تبارك وتعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ)(74) فأبلغونا مأمننا، فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قالوا: ذاك لكم، فساروا بأجمعهم حتى بلغوهم المأمن"(75).

وإذا كانت فرقة الخوارج هي أول الفرق في تاريخ الإسلام فإنها ممتدة وباقية إلى آخر الزمان وإن اختلفت الأسماء والألقاب في بعض العصور والبلدان. فالاختلاف الظاهري ووجود شيء من الفروق في بعض أفراد المسائل لا يغير من الحقيقة شيئًا، ما دام المنهج واحدًا ومآل الاعتقاد متطابقًا، ولا يكاد يُقضى عليهم في زمان أو مكان إِلا وينبتون مرة أخرى ويشغلون المسلمين مع اختلاف حجم قوتهم باختلاف الزمان والمكان (76) وهذا تحقيق ما جاء عن النبي (ص)من استمرار خروجهم حيث قال: "يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول الناس، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون عن الإسلام كما يمرق السهم من الرمية"(77).

فمن ينظر بعين المتابع المنصف يجد ان استعمال الوهابية للعبارات التكفيرية من رأسهم ابن تيمية الى مؤسسهم محمد عبد الوهاب الى اتباعهم من اهل هذا العصر هي عينها التي وردت في كتب التاريخ عن الخوارج ومنهجهم، وقد جاء هذا المنهج منسجما تمام الانسجام مع ما يخطط له اعداء الاسلام من الصهاينة والامريكان من بث بذور التفرقة والمكائد بين المسلمين . فأصبحت الحركات المتطرفة مرتكزا اساس للغزو الاستعماري لبلادنا الاسلامية للانقضاض على الامة الاسلامية وشرذمة بنينها وتشريدهم وتقتيلهم بأسم الاسلام .

يقول (الحكيم الامريكي) وهو أحد زعماء (فيدرالية الاخوة العالمية IFB) المنظمة سرية التي تتحكم بالعالم من خلال سيطرتها على قيادات أمريكية ودول غربية . كشف هذا (الحكيم) والذي لم يُكشف عن اسمه وانما اُشير اليه بالرمز (H.M) وهو على فراش الموت لصاحبه الصحفي الفرنسي (جان كلود موريس)، الذي كان يعمل مراسلاً حربياً لصحيفة (لو جورنال دو ديماش) لأسرار خطيرة تجهد قيادات أمريكا لإخفائها... يقول: "من يصدق بأن (ثقافة العمليات الانتحارية الإسلامية) نحن من أبدعها بواسطة لجاننا المختصة، ثم نجحنا من خلال عملائنا ببثها بين الإسلاميين الجهاديين لكي يمارسونها في عملياتهم الارهابية ضد اخوتهم المسلمين أنفسهم! . إننا تمكنّا من خلق شبكات بعيدة عن الشبهة رغم تبعيتها السرية لنا، لكي تغذي وتدعم مالياً وعسكرياً ومخابراتياً هذه الحركات الاسلامية العنفية، لأننا ندرك انها مهما صدقت بمعاداة الغرب وأمريكا ومهما نجحت بقتل بعضاً من جنودنا، إلاّ أن مهمتها الأولى والكبرى تبقى محصورة في تدمير العالم الاسلامي وإضعافه من الداخل، ومنحنا كل التبريرات لكي نبعد معارضينا ونمارس هيمنتنا على العالم بحجة مكافحة الارهاب " (78).

وتعتبر مسألة التكفير ركيزة أساسية للمذهب الوهابي، الذي يُعد المرجعية الأساسية التاريخية والمحركة لانبعاث الحراك الدموي باسم الإسلام، اذ ينفرد المذهب الوهابي بكونه صاحب أضخم تراث تكفيري، "اذ يلجأ لتبرير ممارساته اللاأخلاقية واللاإنسانية واللاحضارية إلى أكذوبة مفادها: (أن الوهابية هي الطريق الأمثل والأوحد لإرساء قواعد الإسلام والحفاظ على الدين الحنيف والسير بالمسلمين على صراط الحق والعدل والإيمان والوصول بهم إلى جنات تختال فيها الحوريات على ضفاف أنهار الخمر والعسل. اذ يدّعي الوهابيون أنَّ وحشيتهم المسماة (جهاداً) هي من أجل العودة بالناس إلى عالم الصفاء والإيمان وتخليصهم من شرور الدنيا وآثامها ضماناً لخلود أرواحهم في عالم القدس والطهارة. وللأسف وجدت الوهابية شيوخاً ومنظّرين وكتّاباً باعوا أنفسهم لها بدراهم بخسة لنشر أفكارها الشيطانية وقاموا بحملةِ ترويج لأفكارها الظلامية ومعتقداتها العفنة التي لا تتلاقى ولا بشكل من الأشكال مع المنطق والأخلاق والمبادئ العظيمة والأهداف النبيلة للإسلام "(79).

دعوات التكفير التي ابتلي بها المسلمين في هذا العصر قائمة على قدم وساق، يُغَذِّيها أعداء الإسلام، ويقوم بها أناس ينتسبون إلى هذا الدين، ويظنون أنهم بذلك يحسنون صنعا، وكما استطاع زعماء قريش واليهود من جمع شتاتهم وتوحيد مواقفهم وصفوفهم مؤسسين لجبهة (الاحزاب) - كما اسماها القران الكريم في احدى سوره- لمحاربة رسول الله محمد (ص) واتباعه، استطاع المستعمرون الجدد وصُناع وداعمو الإرهاب من تأسيس وانشاء مدارس ومعاهد وجامعات ومراكز ابحاث تعمل على دعم ونشر الفكر التكفيري وتأييد العناصر المتطرفة وتأجيج الصراعات، فتمكنوا من انتاج محور للشر يختزل كل مفاهيم الحقد والكراهية والتطرف في عالم اليوم ممثلا (بالقاعدة وداعش).

ان الاسباب التي ساهمت في تفشي ظاهرة الفكر التكفيري في المجتمعات الاسلامية – وعلى امتداد تاريخها- كثيرة ومتشعبة، ولعل أول هذه الاسباب يتمثل فيمـا عاشه بعض المسلمين من انحـراف عن المنهج الإسلامي الصحيح حيث تركـوا المنهج الواضح الذي رسمه الشارع الأعظم وحـادوا عنه،مؤسسين لفرق عقدية وفكرية شاذة ؛ نشأت هذه الفرق وتبلورت أفكارها في العصور الاسلامية المتعاقبة ، فبدأوا يضعون المبادئ الهدامة التي واكبت مسيرتهم فضلوا وأضلوا؛ اما السبب الاخر تمثل بوجود سياسة واحدة لا تقبل بالاختلاف والتنوع الفكري والسياسي- بمعناه الحديث- قوامها الاستبداد والحكم المطلق باسم الشرع ممثلا بالخليفة والدائرة الضيقة من المحيطين به او حاشيته وقواده ووزراءه،والذين يعملون على بث الفرقة بين ابناء الدين الواحد من اجل المحافظة على مصالحهم واستمرار حكمهم وذريتهم من بعدهم، كذلك فأن اغفال الكثير من المسلمين للمبادئ الحقة للدين الاسلامي وتفرقهم إلى السلبية وإعطاء الفرصة للتدخلات الأجنبية وعدم سعيهم للوحدة الإسلامية وما تستلزمه من محبة وأخوة ،والوقوف صفاً واحداً، وتفويت الفرصة على أعداء الإسلام، هذه الاسباب وغيرها ساعدت على تأصيل العقائد المنحرفة وسيادتها في بعض البلدان الاسلامية، فأصبحت لغة السيف هي الطريق الوحيد لحل النزاعات بين المسلمين على مر تاريخهم وحتى وقتنا الحاضر.

 

...................................

الهوامش:

1- ينظر:العذر بالجهل والرد على بدعة التكفير، ص 89.

2- صحيح البخاري، رقم الحديث 6045.

3- المصدر نفسه، رقم الحديث 6047 .

4- المصدر نفسه، رقم الحديث 6044.

5- صحيح مسلم، رقم الحديث 2564.

6- المصدر نفسه، رقم الحديث 2564 .

7- صحيح البخاري، رقم الحديث 4403 .

8- ينظر: العذر بالجهل والرد على بدعة التكفير، ص37 - 38 .

9- صحيح البخاري، رقم الحديث 6872.

10- المصدر نفسه، 6865 و رقم 4019 .

11- العذر بالجهل والرد على بدعة التكفير، ص 59.

12- سنن ابن ماجة، ج3 / ص 85.

13- سورة الحجر، الآية 30 ؛ سورة ص، الآية 73.

14- سورة البقرة الآية 34.

15- سورة يوسف، الآية 100 .

16- ينظر: البداية والنهاية، ج14 / ص 506 – 507 .

17- سورة الفرقان، الآية 68 – 69 .

18- سورة الاسراء، الآية 33،

19- سورة النساء الآية 93.

20- مسند الحميدي، رقم 488، ج1 / ص228 ؛ سنن النسائي،رقم الحديث3999، ص 421 .

21- سنن النسائي، رقم الحديث 3984، ص420 .

22- المقاصد الحسنة، رقم الحديث 840 .

23- سنن النسائي، رقم الحديث 3988، ص421 .

24- صحيح البخاري، رقم الحديث 391.

25- المصدر نفسه، رقم الحديث، 7070.

26- صحيح البخاري، رقم الحديث 6933، البداية والنهاية، ج7 / ص 107 – 109 .

27- المصدر نفسه، رقم الحديث4351 .

28- قراءة في كتاب الارهاب السياسي – بحث في اصول الظاهرة وابعادها الانسانية .

29- مفهوم الارهاب دراسة في القانون الدولي والداخلي .

30- ينظر:تاريخ ابي الفدا، ج1 / 158 ؛ عبقرية خالد،ص99 .

31- المصدر نفسه.

32- البداية والنهاية، ج9 / ص464 .

33- صحيح البخاري، رقم الحديث،6924 .

34- عبقرية خالد،ص100 .

35- ينظر: عبقرية عمر، ص 178 – 186 .

36- ينظر: عبقرية خالد، ص101.

37- سورة الاسراء، الآية 105 .

38- سورة الفرقان، الآية 56 .

39- سورة الاحزاب، الآية 45 .

40- سورة الفتح، الآية 8.

41- سورة يونس، الآية 99.

42- سورة الغاشية، الآية 22.

43- سورة القصص، الآية 56.

44- قتل المرتد.. الإسلام منه براء الجزء الثالث .

45- صحيح البخاري، رقم الحديث،7322 .

46- سورة المائدة، الآية 54 .

47- سورة البقرة، الآية 217 .

48- تفسير ابن كثير، ج3/ ص136 .

49- تفسير القرطبي،ج6 / ص160.

50- الصوارم المهرقة في نقد الصواعق المحرقة، ص 242 .

51- تفسير المنار، ج6 / ص360 -361 .

52- ينظر: الميزان في تفسير القرآن، ج5 / 387 -389 .

53- سورة البقرة، الآية ١٩٠ .

54- سورة البقرة،الآية 191.

55- سورة التوبة،الآية 12.

56- سورة المائدة، الآية 54.

57- سورة البقرة، الآية 217.

58- صحيح البخاري، رقم الحديث:6922 .

59- المصدر نفسه، رقم الحديث 3166 .

60- المعجم الصغير للطبراني، ص 210 – 211 .

61- نهج البلاغة، الخطبة رقم 27، ص 69.

62- ينظر: الكامل في التاريخ، ج3، ص341 .

63- ينظر: البداية والنهاية،ج10 /559 – 569 ؛ تاريخ الخلفاء ص 140 ؛ كتاب الشريعة، ص2079 – 2082 ؛ الخوارج اول الفرق في تاريخ الاسلام، ص27.

64- صحيح مسلم، رقم الحديث 1065 .

65- المصدر نفسه، رقم الحديث 1068 ؛ صحيح البخاري، رقم الحديث 6934 .

66- كتاب الشريعة، ص2083 .

67- ينظر: الخوارج اول الفرق في تاريخ الاسلام، ص23 .

68- صحيح البخاري، رقم الحديث 6933 .

69- ينظر: البداية والنهاية، ج10 / ص563 .

70- صحيح مسلم، رقم الحديث 1066 .

71- ينظر:الخوارج اول الفرق في تاريخ الاسلام، ص 31 – 32.

72- ينظر: الفرق بين الفرق، ص 83 – 89 .

73- الخوارج اول الفرق في تاريخ الاسلام، ص34 .

74- سورة التوبة، الآية 6 .

75- الكامل للمبرد، ج3 / 1077 – 1078 .

76- الخوارج – نشأتهم – مسماهم – القابهم – فرقهم .

77- صحيح البخاري، رقم الحديث 6930 .

78- ينظر: المنظمات السرية التي تحكم العالم،ص112- 114.

79- ينظر:الوهابية مرآة الصهيونية .

 

المصادر

1- البداية والنهاية، ابن كثير: إسماعيل بن عمر أبو الفداء، تحقيق: علي شيري، دار احياء التراث، لبنان، 1988م .

2- تاريخ الخلفاء، السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن،(ت 911هـ)، الطبعة الاولى،دار ابن حزم، بيروت - لبنان، 2003م .

3- تفسير القران العظيم، ابو الفدا اسماعيل بن عمرو بن كثير، تحقيق سامي بن محمد السلامة، دار طيبة، الرياض، 2002م.

4- تفسير القرطبي، محمد بن احمد الانصاري القرطبي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، (د . ت).

5- تفسير المنار، محمد رضا رشيد، الهيئة المصرية العامة، مصر، 1990م.

6- الخوارج اول الفرق في تاريخ الاسلام، ناصر بن عبد الكريم العقل، الطبعة الاولى، دار اشبيليا للنشر، السعودية، 1998م .

7- الخوارج نشأتهم مسماهم القابهم فرقهم، سليمان بن صالح، شبكة رسالة الاسلام، موقع الكتروني، 17/3/2008.

8- سنن ابن ماجة، محمد بن يزيد بن ماجة القزويني، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، الطبعة الاولى، دار الرسالة العالمية،دمشق، 2009م.

9- صحيح البخاري، ابي عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري، الطبعة الاولى، دار ابن كثير للطباعة والنشر، دمشق،2002م.

10- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار احياء التراث، بيروت،1955م.

11- الصوارم المهرقة في نقد الصواعق المحرقة، القاضي نورالله التستري،الطبعة الاولى، دار مشعر، طهران، 1427هـ .

12- عبقرية خالد، عباس محمود العقاد، المكتبة العصرية، بيروت، (د . ت).

13- عبقرية عمر، عباس محمود العقاد، المكتبة العصرية، بيروت، (د . ت).

14- العذر بالجهل والرد على بدعة التكفير، احمد فريد،الطبعة الرابعة، مكتبة التوعية الاسلامية، مصر، 2002م.

15- قتل المرتد.. الإسلام منه براء الجزء الثالث، خلدون طارق، العراق تايمز، موقع ألكتروني، 6 / 5 / 2014م.

16- قراءة في كتاب الارهاب السياسي – بحث في اصول الظاهرة وابعادها الانسانية، ادونيس الفكرة، صحيفة الرأي العام. Info @ rayaam.net.

17- الكامل في التاريخ، ابن الاثير، ابو الحسن عز الدين علي بن ابي الكرم الشيباني الجزري،تحقيق محمد يوسف الدقاق، الطبعة الاولى، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، 1987م .

18- كتاب الشريعة، ابي بكر محمد بن الحسين الاجري، تحقيق عبدالله بن عمر الدميجي،الطبعة الاولى، دار الوطن، الرياض، 1997م.

19- المجتبى من السنن، سنن النسائي، ابي عبد الرحمن احمد بن شعيب النسائي،بيت الافكار الدولية للنشر، الرياض،(د . ت).

20- المختصر في تاريخ البشر، ابي الفدا اسماعيل بن على بن محمود الأيوبى علق عليه ووضع حواشيه محمود ديوب،الطبعة الاولى، دار الكتب العلمية، بيروت،1997م.

21- مسند الحميدي،عبدالله بن الزبير أبو بكر الحميدي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، مكتبة المتنبي - بيروت، (د . ت).

22- المعجم الصغير للطبراني، سليمان بن احمد الطبراني، دار الكتب العلمية، بيروت، (د . ت).

23- مفهوم الارهاب دراسة في القانون الدولي والداخلي، كريم مزعل شبي، كلية القانون، كربلاء.

24- المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السَّخاوي، دار الكتاب العربي، بيروت، (د . ت).

25- المنظمات السرية التي تحكم العالم، سليم مطر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2011م.

26- الميزان في تفسير القران، محمد حسين الطباطبائي، الطبعة الثانية، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، بيروت،1974م.

27- نهج البلاغة مجمع خطب مولانا امير المؤمنين، الشريف الرضي ابي الحسن محمد بن الحسين بن موسى، الطبعة الاولى، مركز الابحاث العقائدية،مطبعة ستارة ايران، 1419هـ.

28- الوهابية مرآة الصهيونية، حسن يوسف، صحيفة الفداء، موقع الكتروني،10 / 10 / 2012 م.

 

nadhir haronalzobaydiمنذ صدر الإسلام تمكن بعض الحكّام من توظيف الدين لأهداف سياسية، مستخدمين ومستغلين شخصيات تلبست بمظاهر إسلامية، ليقدموا لهم الأسانيد الدينية والمبررات الشرعية للتسلط والتغلب على الأمة وتدعيم حكمهم، وان ناقضت تلك الاسانيد والمبررات القرآن او ناقضت بعضها بعضا او كان ما هو منقول ومتواتر عنهم منافيا لأحكام العقل والمنطق والفطرة السليمة، فأصبحت تلك الروايات- وبتعاقب الأزمان- المرجع والفيصل لذوي العقول المنساقة ورائهم، من المهووسين بتعظيم الاشخاص وتقديس الرموز الدينية وعبادة البشر.

فكان الثمن باهظاَ دفعته الامة دماَ طاهرا زكياَ لعظمائها من الأئمة الاطهار ومن قادتها الافذاذ ومن عامة ابنائها، منذ ذلك التاريخ وحتى وقتنا الحاضر .

ان اعظم ما ابتلي به المسلمون، هو الفكر التكفيري، وعلى امتداد تاريخهم، متخذًا منحى عنفيا تصاعديا مع تطور صناعة الأسلحة ودخول ايادٍ خبيثة عملت على أيقاظ واثارة الفتن وخلق التوتر والعداء والتعصب والنزاعات بين ابناء الدين الواحد، حتى وصل الى ما هو عليه اليوم، في ممارسته لأبشع طرق القتل واستخدامه اقسى اساليب الاجرام وافظع وسائل التخريب والدمار، وبشكل لم يسبق له مثيل.

ولا شك ان اي مشكلة تمر بعدة مراحل حتى تصل الى العقدة التي يصعب حلها والهوة التي يعسر تجاوزها، وظاهرة التكفير مشكلة اساسها فكر ضال مر بعدة مراحل، ولا يمكن علاجها علاجا نافعا الا من خلال دراسة جذور هذا الفكر وتحديد اسباب نشوئه ثم نموه واستفحاله وفي جميع مراحله.

 

موقف الاسلام من تكفير المسلم:

اتفقت الامة ان اصل الاسلام واول ما يؤمر به الخلق ؛ شهادة ان لا اله الا الله وان محمد رسول الله فبذلك يصير الكافر مسلما والعدو وليا والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال، ثم ان كان ذلك من قلبه فقد دخل الايمان، وان قال بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الاسلام دون باطن الايمان (1).

وقد ثبت في الاحاديث الصحيحة التحذير الشديد من تكفير المسلم نذكر منها قول رسول الله (ص): " لا يرمي رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، الا ارتدت عليه ان لم يكن صاحبه كذلك "(2)، وقوله ايضا " من قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله " (3) وقال ايضا " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (4) وقال "المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله"(5) وقال عليه الصلاة والسلام "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" (6) وقال: " ألا إن اللَّه حرَّم علَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوالكُمْ، كَحُرْمَةِ يوْمكُمْ هذا، في بلدِكُمْ هذا، في شَهْرِكُم هذا ألاَ هل بلَّغْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قال: اللَّهُمَّ اشْهَدْ (ثَلاثاً) ويْلَكُمْ أَوْ: ويحكُمْ، انظُرُوا: لا ترْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضِ" (7)

وليس معنى اننا نثبت حكم الاسلام لشخص او نحكم له بالأيمان الظاهر اننا نحكم له بدخول الجنة، بل الرجل يعطى حكم الاسلام لمعاملات الحياة الدنيا، فيرث من ابيه المسلم ويتزوج من المسلمين، ويدفن في مقابر المسلمين، وقد يكون ممن يبطن الكفر، ولكننا لم نؤمر بأن نشق عن قلوب الناس؛ وعليه فأن جمهور العلماء لا يكفر تارك الصلاة بالرغم انها عمود الدين، ولان ذلك اجماع المسلمين فأننا لا نعلم في عصر من الاعصر احدا من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ولا منع ميراث مورّثه مع كثرة تاركي الصلاة (8).

روى البخاري وغيره عن اسامة بن زيد انه قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى الحرقة من جهينة فصبّحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله. فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته. فلما قدمنا بلغ ذلك النبي، فقال لي يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله، قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا، قال: هل لا شققت على قلبه فتعلم أنه قالها يتقي بها السيف. ماذا تعمل بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة - فما زال يكررها - ماذا تعمل بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم" (9).

وفي رواية للبخاري ايضا ذكر أن المقداد بن عمرو الكندي حليف بني زهرة وكان ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: " يا رسول الله إني لقيت كافرا فاقتتلنا فضرب يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة وقال أسلمت لله. آقتله بعد أن قالها. قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لا تقتله قلت: يا رسول الله فإنه طرح إحدى يديّ ثم قال ذلك بعد ما قطعها آقتله. قال: لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال"(10).

ان الاسلام كبح كل محاولة لتكفير من تلفظ بالتوحيد وكَبَّلَ الداعين لذلك بأدلة قطعية لا مجال لأنكارها او تأويلها - ومنها الروايتين اعلاه وغيرهما الكثير- لكن رغم كل تلك الادلة القطعية، نجد ان اتباع الفكر التكفيري يُخرجون مذهب الامامية بأكمله من ملة الاسلام- ويتهمون اتباعه بالشرك ويزعمون انهم يسجدون لقبور أئمتهم- لا لشيء الا لان اتباع هذا المذهب يوالون اهل البيت عليهم السلام ويعدَّونهم افضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ويعتبرون قبورهم من مقدساتهم، وأعز عليهم من أنفسهم.

وحتى لو افترضنا ان أفرادا من المذهب الشيعي يسجدون لقبور أئمتهم سواء كانوا جاهلين او قاصدين الامر، فهل يعد ذلك مبررا لتكفير طائفة اسلامية بأكملها واستباحة قتلها؟

يقول الكاتب احمد فريد وهو من شيوخ السلفية في مصر في كتابه العذر بالجهل والرد على بدعة التكفير: "هذه عقيدتنا لو وقع الفرد من هؤلاء الذين يصلون معنا ويصومون معنا، لو وقع في الكفر نحن لا نكفره، فهو يدخل المسجد ويكون في المسجد قبر فيأتيه ويطلب منه ما يطلب من الله تعالى .. اقول مع هذه الدلالات كلها لا نستطيع ان كفر هؤلاء المسلمين لأنه لم تقم الحجة عليهم "(11).

وقد روى عبد الله بن ابي اوفى قال:" لما قدم معاذ من الشام، سجد للنبي صلى الله عليه واله وسلم فقال ما هذا يا معاذ قال اتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي ان افعل ذلك لك. فقال رسول الله (ص) لو كنت امرا احدا ان يسجد لغير الله لأمرت المرأة ان تسجد لزوجها؛ والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها"(12). اذاً من سجد لغير الله – وفق مفهوم الرواية - جاهلا بأن السجود عبادة ينبغي ان لا تكون لغير الله عز وجل لا يكفر، هذا بالإضافة الى ان الرسول (ص) لم يتهم معاذ بالشرك لما قام به من سجود لغير الله، وانما انتقل الى موضوع اخر - قرنه بما قام به معاذ- وهو حق الزوج على الزوجة .

وقد وردت في القرآن الكريم لفظة السجود بمختلف اشكالها (92) مرة الا ان ما اتفق عليه علماء المسلمين ان انواع السجود هي:

اولا: سجود الصلاة على اختلافها من صلاة مفروضة - يومية و غيرها – الى الصلوات المندوبة الليلية والنهارية، او التي تؤدى في مناسبات شتى.

 

ثانيا: سجود السهو لمن سهى في صلاته .

ثالثا: سجود التلاوة، والذي يُعد سنة مؤكدة في الآيات التي بها سجدة.

رابعا: سجود الشكر، اذ يستحب أن يسجد المسلم سجدة الشكر إذا حدثت له نعمة أو صرف عنه أمر سيء بقدرة الله تعالى، وقد روي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم انه كان إذا أتاه أمر يسره أو بشر به، خر ساجدا لله تعالى، وقد ذكر الله تعالى هذا النوع من السجود و وردت له شواهد كثيرة في القرآن الكريم، ومنها حادثة سجود الملائكة لادم في قوله تعالى (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ اَجْمَعُونَ)(13) وقوله تعالى (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (14) و في حادثة سجود نبي الله يعقوب (ع) وبنيه لنبي الله يوسف (ع) في قوله تعالى (وَرَفَعَ اَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً)(15) فالسجود الوارد في الآيات المذكورة لا يعني عبادة المخلوق، بل هو في حقيقته سجود شكر وتعظيم لله تعالى على نعمه ومواهبه العظيمة، وتنفيذا لأمره، وهذا ما اتفقت عليه جميع المذاهب الاسلامية.

وحين ابتدع العباسيون عادة تقبيل الارض بين يدي الخليفة، لم نسمع احدا من المسلمين كفَّر بني العباس لفرضهم تلك الظاهرة، رغم انتشارها في عصرهم،حيث ذكر ابن كثير الدمشقي في كتابه البداية والنهاية نقلا عن علي بن حرب قال:" دخلت على المعتز فما رأيت خليفة أحسن وجها منه، فلما رأيته سجدت فقال: يا شيخ تسجد لغير الله ؟ فقلت: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل، حدثنا بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان إذا رأى ما يفرح به أو بشر بما يسره سجد شكرا لله عز وجل"(16).

 

قاتل النفس البريئة وموقف الاسلام منه:

إن من أخطر المسائل التي حذر منها القران الكريم وفي عدة مواضع هي قضية قتل وإهدار أنفس الأبرياء عمدا ودون ادنى ذنب، مسلمين كانوا او غيرهم، ومن هذه الآيات (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) (17) والآية الاخرى (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً) (18) وغيرها من الآيات الاخرى.

وكل الذنوب قد يُرجَى معها العفو والصفح إلاّ الشرك، ومظالم العباد . ولا رَيبَ أنَّ سَفْكَ دماء المسلمين وهَتْكَ حرماتهم لَمِنْ أعظم المظالم في حق العباد وأن الله عز وجل لم يجعلْ عقوبةً بعد عقوبةِ الشرك بالله أشدَّ من عقوبة قتل المؤمن عمداً اذ يقول: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (19)، وعن ابن عباس " أنَّ رجلاً أتاه فقال: أرأيتَ رجلاً قتل رجلاً متعمداً ؟ قال: جزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً، قال: أُنزِلتْ في آخر ما نزل، ما نسخها شيءٌ حتى قُبضَ رسولُ الله رسول الله صلى الله عليه اله وسلم، قال: أرأيتَ إنْ تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ؟ قال: وأنى له التوبة، وقد سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه اله وسلم يقول: ثكلتْهُ أُمُه رجلٌ قتلَ رجلاً متعمداً يجيء يومَ القيامة آخذاً قاتله بيمينه أو بيساره وآخذاً رأسه بيمينه أو شماله تشخبُ أوداجه دماً في قبل العرش يقول: يا رب سَلْ عبدك فيم قتلني ؟ "(20)

وفي حديث اخر، قرن النَّبيَّ صلى الله عليه واله وسلم بين قتل المؤمن والشرك بالله تعالى، وجعلهما مشتركين في استبعاد الغفران اذ يقول: "كلُّ ذنبٍ عسى اللهُ أنْ يغفره إلاّ الرجلُ يقتلُ المؤمنَ متعمداً أو الرجل يموتُ كافراً " (21). وعنه ايضا (ص) قال: " لهدم الكعبة حجراً حجراً أهون من قتل المسلم " (22) وقال: " لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم بغير حق ولو أن أهل السماء والأرض اجتمعوا على قتل مسلم لأكبهم الله جميعاً في النار"(23) وقال: " من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته" (24) وقال عليه افضل الصلاة والسلام: "مَن حمل علينا السلاح فليس منا"(25).

 

الجذور التاريخية والفكرية لظاهرة التكفير:

ان نمو ظاهرة التكفير- التي برزت واستفحلت في فترة المد الوهابي في بلاد نجد والحجاز- هي في حقيقتها امتداد للصراع السياسي الذي شهدته حُقب معيّنة من التاريخ الإسلامي ولا يمكن فصلها عن الظروف السياسية المعقدة التي سادت صدر الإسلام؛ لا بل لسنا مبالغين اذا قلنا اننا نستطيع تلمس البوادر الأولى والشرارة الباعثة لظاهرة التكفير، على عهد النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم، من خلال قراءتنا لما ورد في الروايتين اللتين نقلهما البخاري عن أبي سعيد والتي يقول في الاولى منهما: "بينما النبي (ص) يقسّم، جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويحك! ومن يعدل ان لم اعدل قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، قال: دعه، فان له اصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" (26). اما الرواية الثانية فقال فيها: "بعث عليٌّ وهو باليمن بذهيبة إلى النبي صلى الله عليه اله وسلم، فقسمها بين أربعة، فقال رجل: يا رسول الله اتقي الله قال: ويلك ألست أحق أهل الأرض ان يتقي الله، ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا،لعله أن يكون يصلي فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال صلى الله عليه واله وسلم:اني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم"(27) .

هاتان الروايتان تأشران الى قضيتين مهمتين الأولى منهما تبين لنا البواكير الاولى لنشوء ظاهرة التكفير في الاسلام، وذلك من خلال الحكم بكفر الشخصين المعترضين على قسمة الرسول - ضمناً وتلميحاً، لا تصريحاً - من قبل عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد، فطلبهما قطع رأسيي المعترضين، يعني انهما حكما عليهما بالكفر دون اذن من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، او موافقته، علما انهما – اي المعترضان- مسلمان، والا لما حضرا القسمة، وبقرينة قول خالد: "وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه"، و رد الرسول (ص) بالقول "اني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم".

اما القضية الثانية فهي ما جاء من الوصف الدقيق لأصحاب الفكر التكفيري على لسان الرسول (ص) بقوله: " فان له اصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" وهذا ما سنتناوله بشيء من التفصيل في السطور القادمة .

 

اول الاعمال الارهابية في تاريخ الاسلام:

شهد عصر صدر الإسلام حادثتين مروعتين تم ارتكابهما باسم الدين، ويمكن عدهما اول الاعمال الارهابية في التاريخ الاسلامي، نظرا لاتفاقهما مع ما يصطلح عليه اليوم بـ (العمل الارهابي)، وتتطابقان وتنسجمان تماما مع ما ورد في محتوى مفهوم الارهاب شكلا ومضمونا. فالإرهاب هو: "كل نشاط اجرامي موجه الى جهة معينة يستهدف انشاء حالة من الرعب"(28) او هو: "استخدام غير شرعي للقوة او العنف او التهديد باستخدامهما بقصد تحقيق اهداف سياسية"(29).

 

الحادثة الاولى: قتل الصحابي مالك بن نويرة:

ان حادثة مقتل الصحابي مالك بن نويرة وقومه تُعد اول جريمة تكفيرية ارتكبت باسم الاسلام، فهي كانت الاولى من نوعها في التاريخ الاسلامي لقطع الرؤوس والابادة الجماعية والتمثيل بالجثث، والحجر الاساس لتصفية الخصوم لأهداف سياسية ثم وضع المبررات والذرائع لشرعنة تلك الاعمال باسم الدين، ولو قارّنا ما فعله خالد بمالك وقومه من قتل وتمثيل بالجثث وطبخ رأس مالك والزنى بزوجته،وبين ما يفعله اليوم مجرمي داعش وقبلهم القاعدة نجد تطابقا واضحا في الفكر والمنهج .

بدأت الحادثة بتوجيه الخليفة أبي بكر خالد بن الوليد إلى قتال مانعي الزكاة، مالك بن نويرة اليربوعي، وقومه وكانت وصية أبي بكر للجيش قبل توجهه، أن يؤذَّنوا إذا نزلوا منزلًا فإن أذن القوم كفوا عنهم وإن لم يؤذنوا فقاتلوهم وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فاسألوهم عن الزكاة فإن أقروا فاقبلوا منهم وإن أبوا فقاتلوهم فسار إليهم خالد، ثم ضرب عسكره بأرض بني تميم، وبث السرايا في البلاد يمنة ويسرة، وبعد أن قال لهم جنود خالد إنا المسلمون . رد عليهم قوم مالك ونحن المسلمون، قالوا: فإن كنتم المسلمين كما تقولون فضعوا السلاح، فوضع قوم مالك السلاح ثم صلى هؤلاء وأولئك، فلما انتهت الصلاة باغتوهم وكتفوهم وأخذوهم إلى خالد بن الوليد فسارع أبو قتادة الأنصاري وعبد الله بن عمر فدافعوا عن مالك وقومه وشهدوا لهم بالإسلام وأداء الصلاة، إلا أن خالداً لم يصغ إلى شهادتهما، ولا إلى دفاع مالك عن نفسه ضد اتهامه بالكفر، حتى أن مالكا طلب من خالد أن يرسله إلى أبي بكر ليحكم بأمرهم، ولكن دون جدوى، وكان لخالد ما أراد من قتلهم، وقد أوعز بالمهمة إلى ضرار بن الأزور(30).

وقد ذكر المؤرخون ايضا ان مالكا لما التقى بخالد قال: إني مسلم، فقال خالد: يا ضرار اضرب عنقه، وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري ممن حاولا عبثا منع خالدا من قتله وثنيه عن ذلك، ولكنه كره كلامهما، ونزل على زوجته في الليلة التي قتل فيها زوجها والتي روي أنها كانت من أجمل نساء العرب، ثم أنه طبخ برأس مالك طعام تلك الليلة، وقد غضب أبو قتادة لدرجة أنه عاهد الله أن لا يشهد مع خالد حرباً بعدها (31).

وحين عاد خالد الى المدينة المنورة ودخل المسجد قام إليه عمر بن الخطاب فأنتزع الأسهم من عمامته فحطمها وقال:‏ أرياء قتلت أمرأ مسلماً، ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بالجنادل وخالد لا يكلمه ولا يظن ألا إن رأي ابي بكر فيه كرأي عمر، حتى دخل على أبي بكر فاعتذر إليه فعذره وتجاوز عما كان منه في ذلك، وودى مالك بن نويرة، فخرج من عنده وعمر جالس في المسجد، فقال خالد‏:‏ هلم إلي: يا ابن أم شملة، فلم يرد عليه وعرف أن ابا بكر قد رضي عنه‏، وغضب عمر غضباً شديداً لدرجة أنه قال لأبى بكر إنه زنى فأرجمه، فرفض أبو بكر، فقال عمر: إنه قتل مسلماً فأقتله، فرفض أبو بكر ثانية قائلاً:تأول فأخطأ (32) . فقال عمر يا ابا بكر كيف يُقاتل الناس وقد قال رسول الله اُمرت ان اُقاتل الناس حتى يقولوا: لا اله الا الله ؛ فمن قالها عصم مني ماله ونفسه (33). فرد ابو بكر: يا عمر ارفع لسانك عن خالد ما كنت لأغمد سيفا سله الله عليهم (34).

لم يقتنع عمرا (باجتهاد) خالد وتأويله، ولا بصفح أبي بكر عنه، لذا فإنه عندما تسلم الخلافة، كان من قراراته الأولى عزل خالد عن قيادة جيش المسلمين الذي كان حينها في غمرة انشغاله بقتال الروم في الشام، ودع عنك تلك التبريرات المصطنعة القائلة بأن عزل الخليفة لخالد كان يعود لخشيته افتتان المسلمين بانتصاراته الباهرة على حساب شعورهم بصنع الله سبحانه وتعالى لتلك الانتصارات ! (35) وحسبنا من هذه الاقوال جميعا ان نقف منها على الثابت الذي لا نزاع فيه: ان وجوب القتل لم يكن صريحا قاطعا في امر مالك بن نويرة، وان مالكا كان احق بأرساله الى الخليفة، وان خالد تزوج امرأة مالك وتعلق بها. (36)

 

jamil hamdaouiالمقدمة: من المؤكد أن الخطاب الديني كان سباقا إلى القول بالعوالم الممكنة قبل الخطابين: الفلسفي والعلمي. فقد أثبتت التفسيرات الدينية واللاهوتية والكتب السماوية، بما فيها التوراة، والإنجيل، والقرآن الكريم، وجود عوالم علوية، وعوالم سفلية، وعوالم وسيطة.أي: تحدثت عن عالم السماء وعالم الأرض. كما تحدثت أيضا عن عوالم تقع بين بين، كعالم القبر، وعالم الصراط، وعالم الحشر.وبعد ذلك، قدم الخطاب الفلسفي تصوره الكوسمولوجي للعوالم الممكنة منذ الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة المعاصرة، مرورا بفلسفة العصور الوسطى والحديثة. كما قدم الخطاب العلمي تصورات مهمة حول وجود العوالم الممكنة في أبعادها الفيزيائية والرياضية.

إذاً، ما أهم التصورات النظرية حول العوالم الممكنة في الفلسفة والدين والعلم؟ وما خصائص تلك العوالم بنية ودلالة ووظيفة؟ هذا ما سوف نتبينه في هذه المباحث التالية:

 

المبحث الأول: العوالم الممكنة في حقل الفلسفة

يعد الفلاسفة اليونانيون سباقين إلى الحديث عن نظرية العوالم الممكنة في الحقل الفلسفي والميتافيزيقي والطبيعي. وقد كان طاليس أول فيلسوف يتحدث عن هذه النظرية وفق المقاربة الكوسمولوجية. وهكذا، يقول طاليس: إن الماء هو أصل الكون، وهو القوة الوجودية الكبرى التي تتحكم في عوالمه الطبيعية المتفرعة عن هذا الجوهر الثابت الأوحد.وهكذا، ينطلق طاليس من رؤية ميتافيزيقية ذات خاصية طبيعية وكوسمولوجية، بعد أن فصل بين التفكير والخرافة، وأسس التفلسف على الميتافيزيقا والرياضيات. و" يعتقد طاليس أن فوق السماء عوالم لايستطيع المنطق أن يصفها، ولا يقدر العقل على إدراك حسنها وبهائها، وهو الدهر المحض، وإليه تشتاق العقول والأنفس  لأنه هو الديمومة والبقاء (الخلود). ويعتقد طاليس أيضا أن للعالم علة مبدعة لانعرف هويتها ولا اسمها، ولكننا ندرك وجودها مما نرى نحن من آثارها.[1]"

ويعني هذا أن طاليس أول من تحدث عن نظرية العوالم الممكنة، ونظرية الجهات المنطقية، مادام يتحدث عن عوالم أخرى موازية لعالمنا الواقعي المادي الحسي.

وقد قال أنكسيمندريس أيضا بتعدد العوالم والأكوان، وهذه العوالم تتسلسل من عالم إلى آخر.بل هناك من يقول بأن إنكسمندريس قال بعدد لانهائي من العوالم والأكوان التي تنفصل عن بعضها البعض بمسافة شاسعة وبعيدة، وتخضع لمبدإ الصراع والتضاد والفناء، حيث يظهر كون أو عالم، ثم يفنى ليظهر كون آخر. وهكذا، دواليك...ويعني هذا أن ميلاد عالم يعني موت عالم آخر. فلابد لأي عالم أن يكفر عن خطيئة الميلاد، بموته وفنائه ليولد عالم جديد آخر. وعلى هذا الأساس يتحقق التطور من اللاتجانس إلى الوجود المتحيز في الزمان والمكان الخاص بالكائنات الحية، أو ما يسمى بالواقع الحالي[2].

 وعلى هذا الأساس، آمن انكسمندريس بالصراع الجدلي، ونظرية التطور. وفي هذا الصدد،  قال عبارته المشهورة:" إن العوالم يعاقب بعضها بعضا على الظلم الذي يحتويه كل منها".

ويرى عمر فروخ أن أنكسمندريس " قد أدرك أن أبعاد الأجرام السماوية وأحجامها متفاوتة جدا.وأن (نظامنا الشمسي) ليس الوحيد من نوعه، بل هو واحد من عوالم كثيرة، بعضها أكبر من عالمنا وأشد تعقيدا.وبين أيضا أن هذه القبة التي تبدو فوقنا ليست سوى جزء من كرة تامة."[3]

ويرى أنكسمانس كذلك أن الكون أو الوجود، بكل كائناته الحية، يتنفس بالهواء، كما يبدو ذلك جليا في هذه الشذرة:" لأن النفس فينا هو مبدأ كياننا ووحدتنا كذلك الهواء يحوي العالم كله". ويعني هذا أن الهواء مثل النفس التي تمد الجسم البشري أو الكائن الحي بالحياة والحركة تكاثفا (في حالة البرودة)، أوتخلخلا (في حالة الحرارة) انسجاما مع النزعة الحيوية التي تمثلها الفيلسوف أنكسمانس.

وقد قال أنكسمانس بعدد لانهائي من الأكوان مثل سابقه أنكسميندريس،واعتقد أن الأرض تطفو على الهواء كدائرة مسطحة[4].ويعني هذا أن العالم يندثر ويتجدد مرة بعد مرة، فهو - إذاً- محدث غير قديم، وقابل للانعدام.أي: ليس خالدا. ويقترب هذا التصور من مفهوم الفقهاء للعالم[5].

وقد قال ديمقريطس بالذرة على أساس أنها المبدأ الأول للوجود الكوني، وأن الكون كله ملاء من الذرات الكثيرة المتحركة. كما أن النفس مادية مؤلفة من أدق الجواهر، وأسرعها حركة، من حيث إن النفس مبدأ الحركة في الأجسام الحية[6]. ويعني هذا أن الكون يتألف من الذرات (الملاء) والفراغ[7].أي: هناك الوجود واللاوجود، فالوجود هو الذرات، واللاوجود هو الفراغ. ومن هنا، فالذرات هي مكونات صلبة غير قابلة للتجزئة،  منعزلة عن بعضها البعض بفواصل من الفراغ. أما حجمها الحقيقي، فيصعب إدراكها بحواسنا. قد تبدو لينة أو صلبة، منحنية أو دائرية، ولايمكن تحويلها أو تغييرها بسبب صلابتها وحدتها[8].

وتتحرك الذرات في الكون في شكل دوامة أو زوبعة، وتكون مصدرا لكل العناصر، من الشمس حتى النفس[9]. وتتضمن جميع المواد الأولية كالماء، والهواء، والنار، والتراب. وتتحرك هذه الذرات في الفراغ اللامتناهي إلى الأبد[10]. وقد تتداخل هذه الذرات وتتآلف، دون أن تختلط أو تتشابه،  ثم تنفصل عن بعضها البعض[11]. وتطبع هذه الذرات مجموعة من المراحل، كمرحلة التجمع، ومرحلة التفسخ، ومرحلة الانفصال، ثم مرحلة التجمع من جديد. وتتحكم ثنائية الملاء والفراغ في تحريك الذرات في الكون اللامتناهي. وتخضع هذه الذرات لخاصيات ثلاث هي: الشكل، والنظام، والموقع. وقد تحدث أرسطو عن هذه الخاصيات الثلاث في كتابه(الميتافيزيقا).[12]

ويعني هذا كله أن ديمقريطس يؤمن بتعدد العوالم الكونية[13]. ويشبه هذا ما يسمى حاليا بالنظرية الكوانطية  التي تؤمن بالعوالم المتعددة المتوازية.ومن هنا، يقول ديمقريطس بعوالم لامتناهية العدد. وتوجد هذه العوالم في الفراغ اللامتناهي، وبعدد كبير. وتتميز بأحجام متنوعة، وتأخذ مواقع مختلفة في الفضاء الكوني. وقد تكون هذه العوالم متقاربة فيما بينها أو متباعدة.وفي بعض المناطق، توجد عوالم قليلة أو كثيرة. وبعض هذه العوالم متشابهة، وتنشأ هذه الأكوان نتيجة موت الأكوان الأخرى. ويعني هذا أن العوالم خاضعة لثنائية الموت والحياة على مستوى تطورها. ومن جهة أخرى، هناك عوالم مسافرة ومرتحلة من مكان إلى آخر.

وهكذا، فهناك عوالم تظهر، وعوالم تموت، وعوالم تنمو وتتجدد، وعوالم تتجمع، وعوالم تنفصل، وعوالم تختفي وتتفسخ. وهناك أيضا قوى خفية عمياء تتحكم في هذه العوالم، وليس هناك أدنى عناية إلهية. وبالتالي، فالعوالم تحيا مثل الإنسان، تنشأ، ثم تنضج، ثم تشيخ، وتموت.وهذا هو قانون العوالم. وغالبا، ما تسقط هذه العوالم على بعضها البعض. وأكثر من هذا هناك عوالم كبيرة تهيمن وتتحكم في العوالم الصغيرة.وهناك أكوان تعيش فيها الحيوانات والنباتات.وهناك أكوان أخرى تتوفر على الماء والرطوبة.وهناك أكوان بلا شمس ولاقمر. إنها فلسفة كونية متميزة سبقت نظرية العوالم الممكنة والفيزيائية المعاصرة بقرون عدة.

ولم تصل الميتافيزيقا اليونانية ذروتها في مناقشة العوالم الممكنة إلا مع أفلاطون صاحب نظرية المثل العليا، على الرغم من كونه لم يستخدم مصطلح (الميتافيزيقا)، وقد أرجع هذا العالم النسبي والمتغير إلى عالم الماهيات والمثل التي لاندركها بالحس، بل بواسطة العقل. ويعني هذا أن الماهيات لاتدرك بالاستقراء المادي الحسي، بل بالاستنباط والقياس الرياضي والمنطقي. وغالبا، ما تجمع الماهيات بين المحسوسات وصورها. ومن ثم، فالماهية هي نقطة التلاقي أو الوسط الذي يجمع بين الحس والصورة. بيد أن أفلاطون، في بعض الأحيان، لم يستطع أن ينفذ إلى تلك المناطق المشتركة للماهيات، كما يبدو ذلك جليا في كتابه (الجمهورية)، حيث تعرض لفكرة العدالة، ثم حدد موضوعها، ولكنه اعترف بصعوبة تحديد العدالة بشكل دقيق. والشيء نفسه في محاورة (فيلابوس)، حيث وجد صعوبة في تحديد ماهية الخير، على الرغم من أن هدف فلسفة أفلاطون هو الاقتراب التدريجي من فهم حقيقة ماهيات الأشياء على غرار أستاذه سقراط الذي استعمل الشك من أجل الوصول إلى معرفة الحقائق، دون معرفة حقائق الأشياء في حد ذاتها[14].

 وبناء على ما سبق، فعالم المثل والماهيات عند أفلاطون هو عالم حقيقي ومطلق، يعلوه الخير الأسمى. بمعنى أن العالم السفلي الذي نعيش فيه هو عالم وهمي وظني وزائف، يعكس ظلال العالم الحقيقي ألا وهو عالم المثل، وهو عالم حقيقي ويقيني ومطلق.ولايمكن الوصول إلى هذا العالم إلا بالتأمل الفلسفي، وتمثل الجدل الصاعد والهابط. ومن ثم، فقد كانت النفس الإنسانية مستقرة في عالم المثل، ثم هبطت إلى العالم السفلي، لتجد نفسها مسيجة بقيود الحس والجسد[15]. وما عليها سوى أن تتذكر عالمها الأول لترتبط به، وتتحرر من قيود الحس والجسم والبدن؛ لأن المعرفة تذكر، والجهل نسيان. وقد أورد أفلاطون (أسطورة الكهف) للتعبير عن ثنائية العالم السفلي والعالم العلوي، كما يتضح ذلك جليا في هذا الحوار الدرامي التشخيصي:

" سقراط: تخيل رجالا قبعوا في مسكن تحت الأرض على شكل كهف، تطل فتحته على النور، ويليها ممر يوصل إلى الكهف . هناك ظل هؤلاء الناس منذ نعومة أظفارهم، وقد قيدت أرجلهم وأعناقهم بأغلال، بحيث لا يستطيعون التحرك من أماكنهم، ولا رؤية أي شيء سوى ما يقع أمام أنظارهم، إذ تعوقهم الأغلال عن التلفت حولهم برؤوسهم . ومن ورائهم تضيء نار اشتعلت عن بعد في موضع عال، وبين النار والسجناء طريق مرتفع . ولتتخيل على طول هذا الطريق جدارا صغيرا، مشابها لتلك الحواجز التي نجدها في مسرح العرائس المتحركة التي تخفي اللاعبين، وهم يعرضون ألعابهم.

غلوكون: إني لأتخيل ذلك.

سقراط: ولتتصور الآن، على طول الجدار الصغير، رجالا يحملون شتى أنواع الأدوات الصناعية التي تعلو على الجدار. وتشمل أشكالا للناس والحيوانات وغيرها، صنعت من الحجر أو الخشب أو غيرها من المواد. وطبيعي أن يكون بين جملة هذه الأشكال من يتكلم ومن لا يقول شيئا.

غلوكون: إنها حقا لصورة عجيبة، تصف نوعا غريبا من السجناء.

سقراط: إنهم ليشبهوننا. ذلك أولا لأن السجناء في موقعهم هذا لا يرون من أنفسهم ومن جيرانهم شيئا غير الظلال التي تلقيها النار على الجدار المواجه لهم من الكهف، أليس كذلك ؟

غلوكون: وكيف يكون الأمر على خلاف ذلك ما داموا عاجزين طوال حياتهم عن تحريك رؤوسهم ؟

سقراط: كذلك فإنهم لا يرون من الأشياء التي تمر أمامهم إلا القليل .

غلوكون: بلا جدال.

سقراط: وعلى ذلك، فإذا أمكنهم أن يتخاطبوا، ألا تظنهم يعتقدون أن كلماتهم لا تشير إلا إلى ما يرونه من الظلال ؟

غلوكون: هذا ضروري.

سقراط: وإن كان هناك أيضا صدى يتردد من الجدار المواجه لهم، فهلا يظنون، كلما تكلم أحد الذين يمرون من ورائهم، أن الصوت آت من الظل البادي أمامهم ؟

غلوكون: بلا شك.

سقراط: فهؤلاء السجناء إذن لا يعرفون من الحقيقة في كل شيء إلا الأشياء المصنوعة.

غلوكون: لا مفر من ذلك.

 سقراط: فلتتأمل الآن ما الذي سيحدث بالطبيعة إذا رفعنا عنهم قيودهم وشفيناهم من جهلهم . فلنفرض أننا أطلقنا سراح واحد من هؤلاء السجناء، وأرغمناه على أن ينهض فجأة، ويدير رأسه، ويسير رافعا عينيه نحو النور.

عندئذ تكون كل حركة من هذه الحركات مؤلمة له، وسوف ينبهر إلى حد يعجز معه عن رؤية الأشياء التي كان يرى ظلا لها من قبل. فما الذي تظنه سيقول، إذا أنبأه أحد بأن ما كان يراه من قبل وهم باطل، وأن رؤيته الآن أدق، لأنه أقرب إلى الحقيقة، ومتجه صوب أشياء أكثر حقيقة ؟ ولنفرض أيضا أننا أريناه مختلف الأشياء التي تمر أمامه، ودفعناه تحت إلحاح أسئلتنا إلى أن يذكر لنا ما هي. ألا تظنه سيشعر بالحيرة، ويعتقد أن الأشياء التي كان يراها من قبل أقرب إلى الحقيقة من تلك التي نريها له الآن ؟

غلوكون: إنها ستبدو أقرب كثيرا إلى الحقيقة.

سقراط: وإذا أرغمناه على أن ينظر إلى نفس الضوء المنبعث عن النار، ألا تظن أن عينيه ستؤلمانه، وأنه سيحاول الهرب والعودة إلى الأشياء التي يمكنه رؤيتها بسهولة. والتي يظن أنها أوضح بالفعل من تلك التي نريه إياها الآن ؟

غلوكون: أعتقد ذلك.

سقراط: وإذا ما اقتدناه رغما عنه ومضينا به في الطريق الصاعد الوعر، فلا نتركه حتى يواجه ضوء الشمس، ألا تظنه سيتألم وسيثور لأنه اقتيد على هذا النحو، بحيث أنه حالما يصل إلى النور تنبهر عيناه من وهجه إلى حد لا يستطيع معه أن يرى أي شيء مما تسميه الآن أشياء حقيقية ؟

غلوكون: إنه لن يستطيع ذلك، على الأقل في بداية الأمر.

فاستطردت قائلا: إنه يحتاج، في الواقع، إلى التعود تدريجيا قبل أن يرى الأشياء في ذلك العالم الأعلى. ففي البداية، يكون أسهل الأمور أن يرى الظلال، ثم صور الناس وبقية الأشياء منعكسة على صفحة الماء، ثم الأشياء ذاتها. وبعد ذلك، يستطيع أن يرفع عينيه إلى نور النجوم والقمر، فيكون تأمل الأجرام السماوية وقبة السماء ذاتها في الليل أيسر له من تأمل الشمس ووهجها في النهار.

غلوكون: بلا شك.

سقراط: وآخر ما يستطيع أن يتطلع إليه هو الشمس، لا منعكسة على صفحة الماء، أو على جسم آخر، بل كما هي ذاتها، وفي موضعها الخاص.

غلوكون: هذا ضروري.

سقراط: وبعد ذلك، سيبدأ في استنتاج أن الشمس هي أصل الفصول والسنين، وأنها تتحكم في كل ما في العالم المنظور، وأنها، بمعنى ما، علة كل ما كان يراه هو ورفاقه في الكهف .

غلوكون: الواقع أن هذا ما سينتهي إليه بعد كل هذه التجارب.

سقراط: فإذا ما عاد بذاكرته بعد ذلك إلى مسكنه القديم، وما كان فيه من حكمة، وإلى رفاقه السجناء، ألا تظنه سيغتبط لذلك التغير الذي طرأ عليه، ويرثي لحالهم ؟

غلوكون: بكل تأكيد.

سقراط: فإذا ما كانت لديهم عادة إضفاء مظاهر الشرف والتكرم على بعضهم البعض، ومنح جوائز لصاحب أقوى عينين ترى الظلال العابرة، وأقوى ذاكرة تستعيد الترتيب الذي تتعاقب به أو تقترن في ظهورها، بحيث يكون تبعا لذلك أقدرهم على أن يستنتج أيها القادم، أتظن أن صاحبنا هذا تتملكه رغبة في هذه الجوائز، أو أنه سيحسد من اكتملت لهم ألقاب الشرف ومظاهر القوة بين أولئك السجناء ؟ ألن يشعر بما شعر به أخيل عند هوميروس، من أنه يفضل ألف مرة أن يكون على الأرض مجرد خادم أجير عند فلاج فقير، ويتحمل كل الشرور الممكنة، ولا يعود إلى أوهامه القديمة أو العيش كما كان يعيش من قبل ؟

غلوكون: إني أوافقك على رأيك هذا، فخير له أن يتحمل أي شيء من أن يعود إلى تلك الحياة.

سقراط: فلتتصور أيضا ماذا يحدث لو عاد صاحبنا، واحتل مكانه القديم في الكهف، ألن تنطفئ عيناه من الظلمة، حين يعود فجأة من الشمس .

غلوكون: بالتأكيد.

سقراط: فإذا كان عليه أن يحكم على هذه الظلال من جديد، وأن ينافس السجناء الذين لم يتحرروا من أغلالهم قط، في الوقت الذي تكون عيناه فيه مازالت معتمة زائغة، وقبل أن تعتاد الظلمة، وهو أمر يحتاج إلى بعض الوقت، ألن يسخروا منه، ويقولوا إنه لم يصعد إلى أعلى إلا لكي يفسد أبصاره، وإن الصعود أمر لا يستحق منا عناء التفكير فيه ؟ فإذا ما حاول أحد أن يحررهم من أغلالهم . ويقودهم إلى أعلى، واستطاعوا أن يضعوا أيديهم عليه، ألن يجهروا عليه بالفعل ؟

غلوكون: أجل بالتأكيد.

والآن، فعلينا، يا عزيزي غلوكون، أن نطبق جميع تفاصيل هذه الصورة على تحليلنا السابق . فالسجن يقابل العالم المنظور، وهج النار الذي كان ينير السجن يناظر ضوء الشمس، أما رحلة الصعود لرؤية الأشياء في العالم الأعلى، فتمثل صعود النفس إلى العالم المعقول . فإذا تصورت هذا فلن تخطىء فهم فكرتي، مادام هذا ما تريد أن تعرفه . ولست أدري إن كانت فكرتي هذه صحيحة أم لا، ولكن هذا ما يبدو لي على أية حال، فآخرما يدرك في العالم المعقول، بعد عناء شديد، هو مثال الخير، ولكن المرء ما أن يدركه، حتى يستنتج حتما أنه علة كل ما هو خير وجميل في الأشياء جميعا، وأنه في العالم المنظور هو خالق النور وموزعه، وفي العالم المعقول هو مصدر الحقيقة والعقل . فبدون تأمل هذا المثال لا يستطيع أحد أن يسلك بحكمة، لا في حياته الخاصة ولا في شؤون الدولة."[16]

يتبين لنا، من خلال هذا النص الفلسفي الدرامي، أن أفلاطون يقسم العالم إلى قسمين: عالم حسي متغير  ونسبي، وعالم مثالي مطلق ومفارق لماهو مادي. ويعني هذا أن الإنسان ينتقل، في مساره المعرفي، من المعرفة الظنية القائمة على الوهم والاعتقاد الزائف الذي يذكرنا بمعرفة الأشباح والظلال التي تتراقص أمام مشاهدي الكهف؛ والمعرفة الحسية الواقعية التي تقوم على إدراك الأشياء عبر الحواس الخمس؛ والمعرفة العقلية أو الميتافيزيقية التي تدرك الأشياء المعقولة من خلال البحث عن العلل والأسباب. والمهم " أن الفلسفة قد اكتسبت على يد أفلاطون صبغة ميتافيزيقية، فأصبحت تعلو على كل من علم الطبيعة وعلم الأخلاق، وإن كان أفلاطون نفسه لم يستخدم لفظ (الميتافيزيقا) للإشارة إلى مشكلات ما وراء الطبيعة".[17]

ويذهب الفيلسوف اليوناني أفلاطون إلى أن الحقيقة اليقينية لا توجد في الواقع المادي الحسي النسبي، بل توجد في عالم المثل الذي يتسم بالطابع التجريدي والمفارق للعالم المادي المتغير والمزيف. بينما عالم المثل هو عالم ثابت ويقيني وأصيل وجوهري. ومن ثم، فالوجود الحقيقي - حسب (أسطورة الكهف) لأفلاطون- ليس هو الوجود الذي نعيش فيه، فهو مجرد نسخة مزيفة من عالم حقيقي هو عالم المثل الذي لايتم إدراكه إلا بالتأمل العقلي المجرد. كما أن المعرفة الحقيقية واليقينية والمطلقة لا توجد في عالمنا المحسوس والمتغير والنسبي، بل توجد في عالم المثل الذي يحتوي بدوره على قيم متكاملة ومطلقة كالعدل، والحق، والخير، والجمال. وتتسم هذه القيم بكونها قيما خالدة وحقيقية وكلية ومطلقة. بينما قيم البشر هي قيم زائفة ونسبية ومتغيرة، مادامت ترتبط بالعالم النسبي الذي هو انعكاس مشوه للعالم الحقيقي المثالي. ومن ثم، فالقاضي العادل الحقيقي لايوجد إلا في عالم المثل، بينما في عالمنا المتغير لا يوجد سوى قاض نسبي غير كامل في قيمه وعدالته وفضائله. وهذا الحكم ينطبق على الجميل والخير، وعلى باقي القيم الأكسيولوجية والفضائل الإنسانية المعروفة لدينا. وعلى هذا الأساس طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته الفاضلة لأنهم يحاكون عالما نسبيا غير حقيقي[18].

ومن هنا، فقد انطلق أفلاطون من تصور مثالي مفارق لعالم المادة والحس والتجربة والظواهر الملموسة في تبيان مصدر الحقيقة اليقينية والصادقة.

أما الفيلسوف أبيقور، فلا يقول بعالم واحد كما عند أرسطو، بل بتعدد العوالم والأكوان التي تخضع لعملية النمو والفناء.وبالتالي، تتكون هذه الأكوان من عدد لامتناه من الذرات التي تتحرك في الفراغ اللامتناهي. ومن هنا، فالعالم ذري من حيث الأساس الأنطولوجي والكسمولوجي، ومتعدد من حيث العوالم والأكوان التي تتشابه مع عالمنا، أو قد تختلف عنه.

ومن جهة أخرى، اهتم أفلوطين بالأقانيم الأربعة على غرار فلسفة أفلاطون، وهي: الواحد الذي تصدر عنه الأقانيم الثلاثة، والعقل، والنفس،و المادة. ويبرهن عليها أفلوطين بالجدل النازل والجدل الصاعد. وقد قال أيضا بنظرية الفيض، أو فيض العقول عن الواحد المدبر، وقد تأثر الفارابي وابن سينا كثيرا بنظريته في خلق العالم.

ومن حيث فلسفته، فقد قال بوحدة الوجود على غرار فلسفة باريمندس، والانطلاق من الوحدة إلى الكثرة، والعودة من الكثرة إلى الوحدة. وينقسم العالم عند أفلوطين إلى قسمين: العالم السفلي والعالم العلوي، فالواحد هو الذي يتحكم في العالم العلوي، وهو عالم المعقولات. في حين، يعد العالم الثاني عالم الحس.ومن هنا، أفضلية العالم الواحد والمطلق على عالم الحس والكثرة. وتشبه هذه الأطروحة الفلسفية مذهب أفلاطون المثالي. ويقصد بالواحد المطلق الإله الواحد اللامتناهي، أو الخير المطلق. وقد فسر صدور الوجود عن الواحد بنظرية الفيض التي آمن بها الفلاسفة المسلمون كالفارابي وابن سينا.ويعني هذا أن الواحد قد صدرت عنه مجموعة من العقول والنفوس في شكل فيوض وجودية.وبذلك، قال أفلوطين بالواحد، والعقل، والنفس، والحس. وبالتالي، رجح كفة العلوي على السفلي.ومن ثم، لايمكن للنفس الإنسانية أن تحقق سموها إلا بالتخلص من الجسد المادي الحسي، والتحرر منه عن طريق التطهير والتأمل الفلسفي والجذب الصوفي العرفاني.

وهكذا، يؤمن أفلوطين بفكرة المطلق على غرار فكرة المطلق عند هيجل. وفي الوقت نفسه، آمن بفكرة وحدة الوجود كما لدى باريمندس.

وعليه، فقد كان للأفلاطونية تأثير كبير في فلاسفة العصور الوسطى، ولاسيما القديس أوغستان. وقد وصلت التاسوعات الثلاثة الأخيرة إلى السريانية، ثم ترجمت إلى اللغة العربية، ونسبت خطأ إلى أرسطوطاليس، وسميت هذه المقتطفات بأثولوجيا. وكذلك وصل أرسطو إلى العرب في صورة أفلاطونية جديدة. فتقبلها الفلاسفة المسلمون  كالفارابي وابن سينا، وقالوا بنظرية الفيض، وآمنوا بالعقول العشرة[19].

ويعتبر المفكر الألماني ليبنز (Leibniz) أول من استعمل مصطلح (العالم الممكن/Monde possible) في كتاباته الفلسفية منذ القرن السابع عشر الميلادي، على أساس أن ثمة عوالم ممكنة لامتناهية العدد، وأن عالمنا أفضل هذه العوالم الممكنة بناء على مبدإ السبب الكافي الذي يحيل على وجود الله الذي أوجد عالما مبنيا ومنظما ومرتبا وفق قانون السببية والفاعلية.ودائما، يريد الله الأفضل والأصلح لهذا العالم، ولهذا الإنسان المخلوق . 

وقد سخر الكاتب الفرنسي فولتير(Voltaire) من هذا المفهوم في روايته (كانديدCandide/)، على لسان شخصيته السردية بانكلوس (Pangloss) الذي كان يقر بأفضلية هذا العالم مقارنة بالعوالم الممكنة الأخرى، على الرغم من انتشار الشر والظلم والكراهية والعدوان. كما كان يقر بذلك البطل كانديد في كثير من المواقف والوضعيات السردية المأساوية. وإن كان ليبنز على صواب في دفاعه عن هذا المبدإ  الذي يقر بقدرة الله تعالى على خلق ماهو أصلح  وأفضل للإنسان، والتأكيد على خبرته الخارقة بكل ما يدور في العوالم الممكنة الأخرى، وعلمه الكلي الواسع بها في جزئياتها وكلياتها، والدفاع عن عدله المطلق[20].

خلق الله، حسب الفيلسوف الألماني ليبنز(Leibniz)، بقدرته الخارقة والعظيمة، جميع العوالم الممكنة والمقبولة وغير المتناقضة منطقيا. لكن الله اختار من بين هذه العوالم الممكنة أفضلها، ويتميز هذا العالم المختار بتقابل الخير والشر. ويعني هذا أن عالمنا الحالي هو العالم الموجود الحقيقي الذي أراده الله لنا. وبما أن الله يريد الخير والصلاح والتوفيق لهذه الأمة، فقد وضع ميزانا جزائيا عادلا، يحاسب به الإنسان حسب ما أوتي من خير وشر.لذلك، خلق الله لنا أفضل العوالم الممكنة التي تتميز بتعددها ولا محدوديتها الكونية. في حين، لا توجد العوالم الأخرى إلا من جهة المنطق ليس إلا.

وقد اهتم المناطقة المعاصرون بالعوالم الممكنة، منذ منتصف القرن العشرين،  بإصدار كثير من الأبحاث والدراسات والمؤلفات الجديرة بالتحليل والفحص والتقويم والمناقشة. واهتم بها كذلك فلاسفة مابعد الحداثة بالعوالم الممكنة، بعد اكتشاف الصورة الرقمية، وتجاوز العالم الحسي نحو العوالم الممكنة الافتراضية المتعددة. كما نجد ذلك واضحا عند الفيلسوف الفرنسي جان بودريار (Jean Baudrillard) (1929-2007م) الذي اشتهر بنقده للتكنولوجيا الحديثة والإعلام. ومن ثم، فقد أدلى جان بوديريار بمجموعة من المفاهيم، كالحقيقة العائمة، ومافوق الحقيقة، والاهتمام بالخيال العلمي، والعناية بالعوالم الافتراضية غير المتحققة. ومن هنا، فقد انتقد العلاقة بين الدال والمدلول عند فرديناند دوسوسير، حيث أنكر -  كجاك ديريدا - وجود معنى واضح، بل قال بالدلالات العائمة أو المعنى المغيب. ومن هنا، " فقد رفض التمييز بين المظاهر والحقائق الكامنة وراء هذه المظاهر. وبالنسبة له، انهارت أخيرا الفوارق بين الدال والمدلول.ولم تعد العلامات تشير إلى مدلولات بأي معنى معقول، حيث يتكون العالم الحقيقي من الدلالات العائمة . وقد شرح بوديار هذه الأفكار في عمله (التظاهرات والمحاكاة) (1981م)."[21]

هذا، وقد أنكر جان بودريار، مثل: الفيلسوف الألماني نيتشه، وجود الحقيقة مادامت ترتبط ارتباطا وثيقا باللغة والخطإ والظن والمبالغة المجازية والبلاغة التخييلية ووسائل الإعلام. ومن ثم، فقد قال بودريار بمفهوم (مافوق الحقيقة):" يتولد مفهوم مافوق الحقيقة، حيث يكون شيء ما حقيقيا فقط عندما يتحرك ضمن نطاق وسائل الإعلام. وتولد تكنولوجيات الاتصال في "مابعد الحداثة" الصور العائمة بشكل حر، حيث لايمكن لأحد أن يعيش أي تجربة إذا لم تكن بصيغة مشتقة. وقد أخذت تجربة العالم للعبث مكان أي ثقافة مميزة، وأصبح للعبث لهجة واحدة فقط: تلك التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد أصبحت كتابات بودريار "على سبيل المثال:(إستراتيجيات فادحة) و(وهم النهاية) عدمية بشكل متزايد: فقد أصبحت العلامات بلا معنى بسبب تكرارها واختلافها اللذين لاينتهيان...وقد قادت آراؤه المتطرفة إلى العبارة الشهيرة- التي اجتذبت انتقادات قاسية- أن حرب الخليج عام 1991م لم تكن حقيقية، بل كانت حدثا إعلاميا:" إنها غير حقيقية، إنها حرب دون أعراض الحرب". وهذا ماقاد العديد للشك في أن بودريار نفسه قد ابتعد إلى مافوق الحقيقة، ولم يعد يسكن جسدا دنيويا. "[22]

وعليه، فقد دفعه مفهوم مافوق الحقيقة إلى الاهتمام بالعوالم التخييلية والافتراضية. وفي هذا الصدد، يقول دافيد كارتر:"لايرى بورديار في حججه أي تفاصيل محددة عن السياقات الثقافية أو الاجتماعية . وليس في كتابة قصص الخيال العلمي والروايات الخيالية. وقد برهن بعضهم أيضا أن العديد من أفكاره قد استبقت في مثل هذه الأعمال. كتب بودريار نفسه مقالا يمدح كاتب الخيال العلمي ج. جي بالارد. وكما سبق الإشارة إليه وجدت رؤيته للعالم أصداء في السينما، وخصوصا في هذا النوع من الأفلام الذي يصبح فيه الواقع الافتراضي غير مميز عن العالم الحقيقي، وأيضا في مفهوم "السايبورغ"،وهو هجين من البشر والتكنولوجيا."[23]

ومن هنا، يتضح لنا، بكل جلاء، أن الفلسفة كانت سباقة إلى الاهتمام بالعوالم الممكنة ضمن تصورات كوسمولوجية وميتافيزيقية وافتراضية وتخييلية.

 

المبحث الثاني: العوالم الممكنة في حقل العلم

اهتمت الفيزياء المعاصرة بنظرية العوالم الممكنة مع الميكانيكا الكوانطية (Mécanique quantique) منذ 1950م مع الفيزيائي هوث إفريت (Hugh Everett)[24] الذي أثبت أن عالمنا يوجد بموازاة مجموعة من العوالم الفيزيائية المتعددة الأخرى.وهذه العوالم، بدورها، تنقسم إلى عوالم أخرى متجاورة مختلفة عن بعضها البعض، وغير متناهية العدد. ويذكرنا هذا بمختلف النظريات الفيزيائية اليونانية القديمة كما عند طاليس، وأنكسمانس، وأنكسمندريس، وديمقريطس، وأفلاطون، وأبيقور...

ومن هنا، تسمى نظرية هوث إفريت بنظرية العوالم المتعددة (Théorie des mondes multiples)، أو نظرية الحالات النسبية (Théorie des états relatifs)، وهي بمثابة مقاربة تأويلية للميكانيكا الكوانطية التي تهدف إلى حل مشكل القياس الكوانطي.

ولاينبغي الخلط بين نظرية العوالم الممكنة ونظرية العوالم المتعددة (LA THÉORIE DES MONDES MULTIPLES) في الميكانيك الكوانطي (La mécanique quantique) لماكس بلانك (Max Planck) ونيلز بور (Niels Bohr).ومن هنا، تعنى نظرية العوالم المتعددة بتأويل الحوادث غير المحددة في علاقة بمشكل القياس الكوانطي.  وترتبط هذه النظرية بنظرية هيو إيفريت (la théorie d'Everett). ومن ثم، تعترف هذه النظرية بوجود عوالم حقيقية فيزيائيا ومنطقيا. بينما تعترف نظرية العوالم الممكنة بوجود عوالم افتراضية غير فيزيائية. وهناك نظرية الأوتار لميشيو كاكو تعترف بوجود أكوان متوازية لكوننا الحالي، وهي متعدد الأبعاد (10أو 11 بعدا، بعد أن كان هناك 26 بعدا). والفرق بين النظريتين: أن نظرية الأوتار تقر بعوالم متداخلة ومترابطة ومتداخلة في بعض الأحيان. في حين، تقر نظرية العوالم المتعددة بوجود عوالم متوازية. أما نظرية العوالم الممكنة، فتؤمن باستقلالية العوالم التخييلية، مع وجود تشابهات ممكنة مع عالمنا الواقعي.وأن هناك الأرض التوأم تشبه أرضنا المادية الحسية.

 

المبحث الثالث: العوالم الممكنة في حقل الدين

آمن الخطاب الديني، من خلال الكتب الدينية السماوية كلها، بوجود عوالم وأكوان دينية ولاهوتية متعددة. فهناك الدنيا العاجلة، والآخرة الآجلة، وعالم الجحيم، وعالم الصراط، وعالم القبر، وعالم الجنة، وغيرها من العوالم التي يصعب إدراكها. ويتكون كل عالم، بدوره، من عوالم متعددة مختلفة من حيث الدرجة والعمل والجزاء. فالجحيم ينقسم إلى عوالم عقابية متعددة حسب درجة الإثم والكبيرة والذنب.وتنقسم الجنة أيضا إلى عوالم متعددة مختلفة حسب درجة العمل والكسب والإحسان والخير. كما يتضح هذا جليا في سورة الواقعة التي تتحدث عن عالم الجنة وعالم الجحيم بخصائص مختلفة:

"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [1] لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ [2] خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ [3] إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا [4] وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا [5] فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا [6] وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً [7] فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [8] وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ [9] وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [10] أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [11] فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [12] ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ [13] وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ [14] عَلَىٰ سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ [15] مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ [16] يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ [17] بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [18] لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ [19] وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ [20] وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [21] وَحُورٌ عِينٌ [22] كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [23] جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [24] لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا [25] إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا [26] وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ [27] فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ [28] وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ [29] وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [30] وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ [31] وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ [32] لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ [33] وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [34] إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً [35] فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا [36] عُرُبًا أَتْرَابًا [37] لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [38] ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ [39] وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [40] وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ [41] فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ [42] وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ [43] لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ [44] إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ [45] وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ [46] وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [47] أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ [48] قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ [49] لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [50] ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ [51] لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ [52] فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ [53] فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ [54] فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ [55] هَٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ [56] نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ [57] أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ [58] أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [59] نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ [60] عَلَىٰ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ [61] وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ [62] أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ [63] أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [64] لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [65] إِنَّا لَمُغْرَمُونَ [66] بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [67] أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ [68] أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [69] لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ [70] أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ [71] أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ [72] نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ [73] فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [74] فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [75] وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [76] إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [77] فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [78] لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [79] تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [80] أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ [81] وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [82] فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [83] وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ [84] وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُبْصِرُونَ [85] فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ [86] تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [87] فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ [88] فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ [89] وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ [90] فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ [91] وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ [92] فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ [93] وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ [94] إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ [95] فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [96]"[25]

وقد اهتم كتاب التوراة بهذه العوالم اللاهوتية المتقابلة كما في الأمثلة التالية:

"- اذكر أن الموت لا يبطئ.  ألم يبلغك عهد الجحيم؟![26] "

- "قبل وفاتك اصنع البر فانه لا سبيل إلى التماس الطعام في الجحيم"[27]

- "باركوا الرب يا حننيا وعزريا وميشائيل.  سبحوا وارفعوه إلى الدهور؛ لأنه أنقذنا من الجحيم، وخلَّصنا من يد الموت، ونجانا من وسط أتون اللهيب المضطرم ومن وسط النار".[28]

ويتحدث الإنجيل كذلك عن هذه العوالم اللاهوتية من خلال التمييز بين الجنة والنار. "تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي.  عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ.  فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟  وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيبًا فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاكَ؟  وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟  فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ.  «ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ، لأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي. عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي.  كُنْتُ غَرِيبًا فَلَمْ تَأْوُونِي. عُرْيَانًا فَلَمْ تَكْسُونِي. مَرِيضًا وَمَحْبُوسًا فَلَمْ تَزُورُونِي.  حِينَئِذٍ يُجِيبُونَهُ هُمْ أَيْضًا قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا أَوْ عَطْشَانًا أَوْ غَرِيبًا أَوْ عُرْيَانًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا وَلَمْ نَخْدِمْكَ؟  فَيُجِيبُهُمْ قِائِلًا: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا.  فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ".[29]

وقد تناولت فلسفة العصور الوسطى هذه العوالم، سواء أكان ذلك في العالم المسيحي أم في العالم الإسلامي، كما يتضح ذلك عند توما الأكويني، والقديس أوغستينيوس، والقديس أنسليم. وكذلك عند الفارابي  وابن سينا اللذين تحدثا عن العوالم الممكنة من خلال نظرية الفيض، أو نظرية العقول العشرة التي أخذت من كتاب تاسوعات أفلوطين.

ومن جهة أخرى، فقد تناول يوري لوتمان (Youri Lotman) أشكال الفضاء الثقافي، فقسمه إلى فضاء جغرافي، وفضاء ثقافي، وفضاء كوني... ومن ثم، ينبني الفضاء الجغرافي، في العصر الوسيط، على التقابل بين الأرض والسماء، أو بين حياة الأرض وحياة العالم الآخر، أو بين الحياة الأرضية والحياة السماوية، أو بين البقاع الطاهرة والبقاع الآثمة.بل هناك تقابل بين الفضاء (الأرض) واللافضاء (الآخرة). ويعني هذا أن الفضاء الجغرافي يتخذ، في العصور الوسطى، بعدا دينيا وأخلاقيا وروحانيا، ويتسم الاتجاه القيمي لهذا الفضاء بكونه عموديا، يتحرك من الأسفل نحو الأعلى. ويعني هذا التحرك أن الروحاني يسمو على ماهو دنيوي وأرضي. وبالتالي، يعتبر رجال الدين أن ما هو سماوي هو الأسمى والأعلى، على الرغم من كونه  يجري خارج الفضاء، ويتخذ طابعا مثاليا خالصا؛ لأن "التحرك داخل الفضاء الجغرافي يدل على التحرك على طول السلم العمودي للقيم الدينية والأخلاقية. تتكون قمة السلم من السماء، وتتكون قاعدته من الجحيم."[30]

ومن هنا، ترتبط الأخلاق بالأمكنة، وتتخذ الأمكنة دلالات أخلاقية. لذا، فقد "أصبحت الجغرافيا شكلا من أشكال الأخلاق."[31]

وفي العصور الوسطى،  كثرت الكتب التي تعنى بتصوير الفضاء العلوي المقابل للفضاء السفلي. ومن هنا، فقد اتخذ الفضاء بعدا جغرافيا وأخلاقيا، فكثرت الأسفار من الأرض إلى الجنة والجحيم؛ مثل: (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري، و(الكوميديا الإلهية) لدانتي. وفي هذا الصدد، يقول لوتمان: "باتفاق مع هذه الأفكار، كان رجل العصور الوسطى يعتبر السفر داخل الفضاء الجغرافي مثل انتقال المعنى الديني والأخلاقي للكلمة: البلدان كانت تصنف مثل بلدان بدع وثنية أو بلدان قداسة. المثل الاجتماعية - كما هو الأمر بالنسبة لكل الأنساق الاجتماعية التي يمكن أن يتخيلها العقل الوسيطي - كانت تعتبر كما أنها تحقق داخل فضاء جغرافي محدد. كانت الجغرافيا والأدب الجغرافي مثاليين في الجوهر، وكان السفر يتخذ مظهر حـجّ."[32]

وأكثر من هذا فقد كان السفر ذا بعد جغرافي وأخلاقي وروحي، وقد ارتبطت الهجرة، في القرآن الكريم، بالعبادة والطهارة والقداسة والاستشهاد وحب الله، مصداقا لقوله تعالى: "ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة، ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله، ثم يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله، وكان الله غفورا رحيما "[33].

وقد كانت هجرة الرسول من مكة إلى المدينة انتقالا من فضاء الكفر والوثنية والضلال إلى فضاء الإيمان والتوبة والتقوى، وتنطبق الدلالات نفسها على هجرة الصحابة إلى الحبشة في بداية الدعوة الإسلامية.

ونجد هذه الهجرة أيضا عند الفلاسفة (حي بن يقظان) لابن طفيل)، وكذلك عند المتصوفة الذين كانوا ينتقلون من مكان إلى آخر (النفري مثلا)...

ومن هنا، "فالجغرافيا، في العصور الوسطى، لم تكن تعالج مثل تخصص علمي، ولكن بصفتها فرعا للأوطوبيا الدينية. هذه الطريقة في الرؤية يوافقها موقف خاص تجاه السفر والمسافر: السفر طويل يجعل المسافر أكثر قداسة، وبشكل متزامن، الطريق المفضي إلى القداسة يتضمن ضرورة فكرة التخلي عن حياة الرفاهية والإقبال على السفر. ويعني التحرر من الآثام السفر بعيدا. أي: التحرك داخل الفضاء. هكذا، كان الذهاب إل الدير يمثل انتقالا من مكان الإثم إلى مكان القداسة؛ إنه يتشابه مع رحلة حج ومع الموت، لأن الموت نفسها كانت تعتبر مثل انتقال داخل الفضاء."[34]

وتتقابل البلدان جغرافيا وأخلاقيا، مثل: تقابل الهند الروحانية مع روسيا المادية. كما تقترن درجة المناخ بطيبوبة الناس، حيث يعبر المناخ في الجحيم عن فضاضة البشر وقسوتهم. في حين، يعبر مناخ الجنة عن طيبوبة الناس ودماثة أخلاقهم. علاوة على هذا، يتسم الفضاء الوسيطي بالانتقاء الذي يتمثل في اختيار أفضية فاضلة مقابل أفضية دنيئة، وتفضيل  الأنا الطاهرة على  الآخر المذنب.

هكذا، يتبين لنا أن الفضاءات الجغرافية، في العصور الوسطى، هي  فضاءات دينية وأخلاقية وقيمية وسلوكية. ومن ثم، لا يمكن إدراك الأرض المباركة، على مستوى السفر، إلا بعد مسافة طويلة، كما هو شأن الحج الذي يستوجب قطع مسافة طويلة بالنسبة للحاج النائي.

وعليه، إذا كان الفضاء الجغرافي، في العصر الوسيط، فضاء ثقافيا دينيا وأخلاقيا، فإن الفضاء، في الفترة المعاصرة، هو فضاء واقعي ومادي ينبني على المدينة. وهنا، يتخذ المنزل أو المسكن بعدا سيميويطقيا ثقافيا. وفي هذا النطاق، يقول لوتمان: "يوجد لدينا - هنا - مثال واضح لمبدإ مهم داخل الفكر الثقافي البشري: الفضاء الواقعي هو تمثيل أيقوني لسيمياء الكون، هو لغة يمكن أن يتم داخلها التعبير عن دلالات غير مكانية. في حين، تحول سيمياء الكون، بدورها، العالم الواقعي للفضاء الذي نعيش ضمنه إلى تمثيل يناسب صورتها."[35]

وعليه، تعد المدينة فضاء كونيا رمزيا، وتأخذ موقعا متميزا داخل ثقافة ما، كأن تكون مركزا من جهة، أو هامشا من جهة أخرى، فالعاصمة هي مركز، ودون ذلك هامش. ومن ثم، لم تعد هناك مقابلة بين السماء والأرض، بل أصبحت بين الطبيعي والاصطناعي. وفي هذا الإطار، يقول لوتمان: "تعد المدينة آلية سيميائية مركبة، مولدا للثقافة، ولكنها لاتقوم بهذه الوظيفة إلا في الحالة التي تمثل فيها بوتقة لنصوص وسنن مختلفة وغير متجانسة، منتمية لكل أنواع اللغات والمستويات. التعدد الصوتي والسيميائي الضروري لكل مدينة، ما يجعل هذه الأخيرة أكثر إنتاجية من وجهة نظر التصادمات السيميوطيقية. وتعد المدينة، باعتبارها فضاء تتواجه فيه سنن ونصوص وطنية، واجتماعية، وأسلوبية، الواحد في علاقته بالآخر، فضاء للتهجين، ولإعادة التسنين، وللترجمات السيميويطقية، كل ما يجعل منها مولدا قويا لأخبار جديدة. تحدث هذه المواجهات - مثلا - بصفة دياكرونية، كما تقع أيضا بصفة سانكرونية: المجموعات المعمارية، والطقوس والاحتفالات، وتصميم المدينة نفسه، وأسماء أزقتها، وآلاف رفات العصور المكتملة تفعل بصفتها مجموعة من البرامج المسننة التي تجدد باستمرار نصوص الماضي. إن المدينة آلية تعيد خلق ماضيها باستمرار؛ هذا الماضي  يمكن، إذاً،  أن يتجاور سانكرونيا، مع الحاضر. بهذا المعنى، فإن المدينة، كما هو الأمر بالنسبة للثقافة، تعد آلية تتحدى الزمن."[36]

ومن هنا، تكون المدينة فضاء مركزيا اقتصاديا، وفضاء تتعايش داخله لغات ثقافية متعددة. ويعني هذا أن التعدد السيميوطيقي هو القانون الذي يتحكم في هذا النوع من المدن. وبذلك، يخالف النسق السيميوطيقي الموحد. ومن هنا، تعد المدينة فضاء للتناقضات اللغوية والإثنية والثقافية والسيميوطيقية.

تأسيسا على ما سبق، يتبين لنا أن الإنسان لا يمكن أن يعيش بمعزل عن الكون، حيث لا تأخذ الذوات دلالاتها السيميائية إلا في ارتباط جدلي بالكون، وتمثل ثقافة هذا الكون. أي: لا يمتلك الإنسان الدلالة الحقيقية والسيميوزيس إلا في الفضاء الحيوي الذي ينبنى على الثقافة أو الثقافات المتعددة. ومن ثم، تعرف سيمياء الكون بكونها ذلك الفضاء الذي تتداخل فيه الثقافات واللغات والحضارات. إنه فضاء سيميوطيقي للحوار والتعارض والاختلاف والتقابل. إنه فضاء التهجين، والبوليفونية، والتواصل، والتعددية، والتناص.

 

الخاتمة:

 وخلاصة القول، لقد ظهرت نظرية العوالم الممكنة في الحقل الديني قبل انتقالها إلى الحقول الثقافية والعلمية الأخرى. ويلاحظ - فلسفيا- أن نظرية العوالم الممكنة تبلورت، بشكل واضح، في الحقل الفلسفي اليوناني، وامتد ذلك إلى الفلسفة الحديثة والمعاصرة إلى يومنا هذا، ضمن تصور كوسمولوجي وميتافيزيقي وافتراضي، قبل أن ينتقل هذا التصور إلى الأدب والفنون الجميلة.

ويحوي العلم - اليوم- تصورات مهمة حول العوالم المتعددة والممكنة، ولاسيما مع الفيزياء المعاصرة، كما هو حال الفيزياء الكوانطية التي تقول بالعوالم المتوازية، ونظرية الأوتار التي تقول بالعوالم المتداخلة والمتشابكة.

وفي الوقت نفسه، نجد الخطاب الديني، بكل تجلياته ومدوناته المقدسة واللاهوتية، يتحدث عن مجموعة من العوالم الممكنة التي يشير إليها النص الديني بشكل واضح وجلي وبين.

 

د. جميل حمداوي

........................

[1] -عمر فروخ: الفلسفة اليونانية في طريقها على العرب، منشورات مكتبة منيمنه، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1947م، ص:13-14.

[2]- أميرة حلمي مطر: الفلسفة اليونانية، تاريخها ومشكلاتها، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، طبعة 1998م، ص:54.

[3]- عمر فروخ: نفسه، ص:15.

[4] - أميرة حلمي مطر: نفسه، ص:55.

[5] - عمر فروخ: نفسه، ص:16.

[6]- يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، مطبعة لجنة التأليف والنشر والنشر، القاهرة، مصر، الطبعة الثالثة 1953م، ص:39.

[7]-Heinz Wismann Les avatars du vide, Démocrite et les fondements de l’atomisme, Paris, Hermann, 2010, p. 28.

[8] -Charles Mugler, « Les théories de la vie et de la conscience chez Démocrite », Revue de philologie, tome XXX, 1956, p. 231-241.

[9] -Pierre-Marie Morel, Démocrite et la recherche des causes, Klincksieck, 1996.

[10] -Jean Salem, Démocrite. Grains de poussière dans un rayon de soleil, Vrin, 1996.

[11]-Charles Mugler, « Démocrite et les dangers de l'irradiation cosmique », Revue d'histoire des sciences, t. XX, 1967, p. 222-223.

[12] -Aristote, Métaphysique, A 985 b 16-17.

[13]-Charles Mugler, Deux thèmes de la cosmologie grecque, Devenir cyclique et pluralité des mondes, Paris, 1953, chapitre I et IV.

[14] - مراد وهبه: دراسات في الفلسفة اليونانية، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، مصر، الطبعة الأولى سنة 2004م،ص:17.

[15]-C. Joubaud, Le Corps dans la philosophie platonicienne, Paris, Vrin, 1991.

[16]- أفلاطون: جمهورية أفلاطون، ترجمة حنا خباز، دار القلم، بيروت، لبنان، بدون تاريخ للطبعة، ص:206-209.

[17]- زكريا إبراهيم: مشكلة الفلسفة، مكتبة مصر، القاهرة، مصر، دون تأريخ للطبعة، ص:22-23.

[18]- انظر أفلاطون: جمهورية أفلاطون، المرجع المذكور سابقا.

[19]- أميرة حلمي مطر: نفسه، ص:428.

[20] - وقد سبق الغزالي أن قال بأفضلية العالم الواقع، انظر طه عبد الرحمن: اللسان والميزان، أو التكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1998م، ص:373.

[21]- ديفيد كارتر: النظرية الأدبية، ترجمة:  باسل المسالمه، دار التكوين، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:132.

[22] - ديفيد كارتر: نفسه، ص:133.

[23] - ديفيد كارتر: نفسه، ص:133.

[24]-Hugh Everett, Reviews of Modern Physics, 29, 1957, p.454.

[25]- سورة الواقعة، القرآن الكريم، برواية ورش عن نافع.

[26] - التوراة، سفر يشوع بن سيراخ 14(12).

[27]- التوراة، سفر يشوع بن سيراخ 14(17).

[28]- التوراة، سفر دانيال، 1:88.

[29]-إنجيل متى 25، من الآية 34 حتى 46.

[30]- يوري لوتمان: سيمياء الكون، ترجمة عبد المجيد النوسي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2014م، ص:132.

[31]- يوري لوتمان: نفسه، ص:133.

[32]- يوري لوتمان: نفسه،  ص:134.

[33]- سورة النساء، القرآن الكريم،  الآية 100.

[34]- يوري لوتمان: نفسه، ص:135.

[35]- يوري لوتمان: نفسه، ص:183.

[36]- يوري لوتمان: نفسه، ص:194.

 

haseeb shahadaبنو إسرائيل السامريون (בני ישראל השמרים/bāni yišrā˒el aš-ŠāmērƏm، ليسوا يهودا)، السامرة، السُّمَرة، بنو يوسف، المحافظون على التوراة أو حرّاسها وحرّاس العقيدة والحقيقة، وورد في أحد المخطوطات السامرية ”سامرة سمينا لمعني محافظين علي اصل الدين مشددين في ساير احكامه“ (Sam 80 37 في المكتبة الوطنية والجامعية في القدس، ص. ٢٧) . هنالك أسماء كثيرة أطلقها عليهم الآخرون منذ القدم وحتى اليوم، نذكر منها هنا اثنين: ’’رافضة اليهود‘‘، لدى ابن تيمية المتوفّى عام ١٣٢٨م.، وبعض العرب اليوم يسمّونهم ”يهود عرب/فلسطين“ ويُقرنون السحر وفكّه بهم، رغم أن اليهود الربانيين لا يعتبرونهم يهودًا

http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=153897.

ويوضح ابن تيمية ”... فإن السامرة لا تؤمن بنبي بعد موسى وهرون غير يوشع، وكذلك الرافضة في الإسلام لا تقرّ لأحد من الخلق والصحابة بفضل ولا إمامة إلا لعلي“.

ورد الاسم ’شومرونيم‘ مرّة واحدة فقط (hapaxlegomenon) في أسفار العهد القديم، ٢ مل ١٧: ٢٩، بمعنى سكّان منطقة السامرة، وليس أتباع العقيدة السامرية. سامريو اليوم هم بقابا شعب قديم تابع لمملكة الشمال في السامرة، في حين أن البحث في تاريخ شعب إسرائيل، يعتبر السامريين عادة فرعًا انفصل عن اليهودية في الفترة الواقعة ما بين عام ٥٣٨ ق.م. وعام ٧٠م. وتضيف مثل تلك الأبحاث أن السامريين في غضون تلك الحقبة، قرابة ستّة قرون من الزمن، اتّخذوا لهم نصًّا توراتيًا خاصًّا بهم يختلف عن توراة اليهود الربّانيين. وننوّه أنّه في الفترة البيزنطية، ٢٩٥-٦٣٤م.، انفصلت عن التيار السامري المركزي، زهاء التسع فرَق حملت اسم الدوستان، وبقي بعضها حتّى القرن العاشر للميلاد.

لا بدّ هنا من تنبيه أن الباحث عن السامريين (Samaritans) عبر محرّك غوغل، سيتفاجأ بعثوره على إحالات كثيرة جدًّا، لا تمتّ إلى طائفة السامريين بصلة، اللهمّ سوى الاسم الذي اتّخذته جمعيات خيرية، لا سيما نفسية بغية مساعدة المحتاجين المستضعفين . تلك الجمعيات المنتشرة في العالم الغربي، اتّخذت لها اسم ’السامريين‘ أسوة بمثل السامري الصالح (The Good Samaritan) في العهد الجديد، إنجيل لوقا ١٠: ٢٥-٣٧ (حول بعض الفروق بين السامريين واليهود أنظر:

http://www.karemlash4u.com/vb/showthread.php?t=270610).

السامريون هم أصغر وأقدم طائفة في العالم، كما وصفهم للمرّة الأولى، القسّ A. P. Stanley  المتوفّى عام ١٨٨١ (أنظر: http://www.sacred-texts.com/jud/sam/oldsect.htm). ويمكن القول في الوقت ذاته، أن الطائفة السامرية تعتبر من أولى الطوائف من حيث معدّل أعمار الشباب والشابات.  ربّما كان من الممكن اعتبار السامريين المعاصرين أكثر الطوائف اليهودية الحيّة تمثيلًا للعبرانيين القدماء. لم يكن السامريون يوما شعبًا حرًّا مستقلا خلال تاريخهم الطويل، منذ الأشوريين والفرس والإغريق والرومان والأتراك وحتى اليوم. ودينهم، بل توراتهم، هي التي وحّدتهم وأبقتهم.

يسكن السامريون اليوم في مدينتين: في قرية لوزا على جبل جريزيم في نابلس وهي مقدّسة بالنسبة لهم، وفي حي ناڤي فنحاس في حولون (عرعرة) وحوله مثل شارع دڤوراه النبية، جنوبي تل أبيب منذ العام ١٩٥٤. يبلغ عددهم قرابة الثمانمائة شخص (وبالتحديد ٧٨٥ في الأول من كانون الثاني ٢٠١٦)، وهم موزّعون مناصفة تقريبًا على هاتين المدينتين، ٤٧،٢٪ في نابلس و ٥٢،٨٪ في حولون. قبل قرن من الزمان وبالتحديد في عام ١٩١٩ وصل عددهم إلى ١٤١ شخصًا فقط. لا بدّ في هذا السياق، من ذكر نشوء ونمو بعض المجموعات المتسمرنة تبلغ الآلاف في خلال السنوات الأخيرة، التي أخذت في ممارسة نمط حياة سامري، على ضوء تعاليم التوراة السامرية، مثلا في جزيرة صقلية وفي عدة ولايات في البرازيل هناك ثماني مجموعات تحمل الاسم ”حارسو التوراة“. وهناك دلائل على وجود سامري في جزيرة صقلية خلال القرون العشرة الأولى  للميلاد (أ. ب.-أخبار السامرة، ع. ١٢٠١، ١٥ كانون الثاني ٢٠١٥، ص. ٤٨، ٥٠، ٥٢، ٥٤، ٥٥؛ ١٢٠٩-١٢١٠، ١٥ آذار ٢٠١٦، ص. ٣٥). لا شكّ أنّ هذه الظاهرة جاءت نتيجة لزيارات ’سفير‘ السامريين السنوية لأوروبا وأمريكا، بنياميم راضي صدقة، وبفضل الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك.

ينقسم السامريون إلى قسمين: أُسرة الكهنة الحفتاويين المتحدّرة من سلالة ليڤي/لاوي/عاطف، أحد أبناء يعقوب، والقسم الثاني، عامّة الشعب المكوّنة من الأسَر الثلاث- صدقة الصباحي من سبط منشه، الدنفي وتضمّ ألطيف والستري أو الساسوني وهي من سبط إفرايم، والمفرجي من سبط إفرايم . في تاريخهم الطويل سكن السامريون في بقاع كثيرة في الشرق الأوسط وخارجه، ووصل تعدادهم في القرنين الرابع والخامس الميلاديين حوالي المليون ونصف المليون شخص. ويقول السامريون إنّهم مكثوا في الأراضي المقدّسة، منذ خروجهم من عبودية فراعنة مصر وقدومهم إليها، أي منذ حوالي ٣٦٥٠ عاما. ويدّعي السامريون أنّهم يملكون أقدم مخطوط للتوراة في العالم، نسخه أبيشع بن إلعازر بن هارون، شقيق النبي موسى، بعد دخول بني إسرائيل الأراضي المقدسة بقيادة يهوشوع/يشوع/يوشع بن نون، بثلاث عشرة سنة. من نافل القول، إنّ هذا الادّعاء منافٍ للحقيقة والمنطق. يحتفل السامريون بأعياد التوراة السبعة ولا أعياد قومية لهم: عيد الفسح/القربان؛ عيد الفطير؛ عيد الحصاد/القصير؛ عيد رأس السنة العبرية، دخول بني إسرائيل الأراضي المقدّسة؛ عيد الغفران/الصوم/الكفارة؛ عيد العُرش/المظالّ؛ فرحة نزول التوراة/العيد الثامن، ختام الأعياد.

إنّهم يتكلّمون العربية العامّية النابلسية كلغة أمّ في نابلس، والعبرية المحكية الحديثة كلغة أمّ في حولون، ويتعلّم بعضهم اللغة الآرامية السامرية، وهي لهجة آرامية غربية مندثرة، في حين أن الجميع ومنذ الصغر يتعلّمون طريقة تلاوة التوراة الخاصّة بهم والشعر الديني/الشيران، كما تواترتا جيلًا عن جيل منذ القدم، والخطّ العبري القديم لدى معلّمين خاصّين في مراكز جماهيرية بعد الدوام المدرسي، إذ لا مدارس خاصّة بالسامريين مائة بالمائة وهنالك  اقتراح لتعليم التلاميذ السامريين دينهم في الحصة التي فيها يتعلّم الآخرون الدين الإسلامي  (أنظر: أ.ب.- ع. ١٢٠٣-١٢٠٤، ٢٩ كانون الثاني ٢٠١٦، ص. ٧١-٧٤). وثمة عدد غير قليل من السامريين اليوم، يعرف العربية والعبرية اللتين تسمعان عند لقاء السامري النابلسي بأخيه الحولوني في الأعياد والمناسبات؛ إلا أنّ ما يوحّدهما جميعًا هو دينهم وتلاوة توراتهم، وخطّهم القديم، وعاداتهم وتقاليدهم الدينية المختلفة، وتاريخهم بالرغم من اختلاف واضح في نمط الحياة المعاصرة في كل من نابلس وحولون. سامريو اليوم ذوو لغات ثلاث: العبرية القديمة، عبرية التوراة وهي مكتوبة، وتتلى وهي غير محكية؛ العربية والعبرية الحديثتين. اعترفت حكومة إسرائيل بالسامريين فرعًا من بني إسرائيل وهم يتمتعون بـ”حقّ/قانون العودة“ (זכות השיבה/חוק השבות).

من سامريي نابلس، من قال منذ العام ١٩٦٠ وحتى الآن: ”نحن فلسطينيو القومية وإسرائيليو المذهب“. يحاول السامريون جهدهم التزام جانب الحياد قدر الإمكان، على الأقلّ علنًا، إزاء القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ويطمحون أن يكونوا بمثابة جسر للسلام بين الطرفين المتنازعين، وهنالك على جبل جريزيم ’’مركز السلام العالمي‘‘ الذي أقيم بمساعدة مالية من الحبر الأعظم، البابا بولس الثاني، وفيه مكتبة ومتحف ومقرّ للقاء مجموعات سكّانية متنوعة من الأراضي المقدسة وخارجها. زد إلى ذلك وجود جمعية باسم ”الأسطورة السامرية“، أُسّست قبل بضع سنوات على الجبل وتقيم معارض وأمسيات إعلامية للعرب، فلسطينيين وأردنيين. مع هذا، هنالك رأي سائد يقول بأنّ اليهود يعاملونهم كعرب، والعرب ينظرون إليهم كيهود. بعبارة مختصرة إنّهم ”بين المطرقة والسندان“ (أ. ب. أخبار السامرة  ١٠٤٦-١٠٤٧، ٣١ تموز  ٢٠٠٩، ص. ٥٩). في هذا الإطار السامري، لا وجود لشخص لا يلتزم بما تمليه عليه التوراة من واجبات وفرائض، أي لا وجود لسامري غير متديّن. زد إلى ذلك، ينبغي على السامري الالتزام بالشروط الأربعة الآتية: العيش ضمن حدود الأراضي المقدّسة التاريخية؛ الاشتراك في قربان عيد الفسح على جبل جريزيم؛ الحفاظ على قدسية التوراة؛ الامتثال لقوانين الطهارة والنجاسة المبيّنة في التوراة.

يُصدر الشقيقان بنياميم ويفت (الأمين وحُسني ) نجلي رتصون (راضي) بن الأمين بن صالح صدقة الصباحي (١٩٢٢-١٩٩٠) دورية باسم أ. ب. أخبار السامرة منذ أواخر العام ١٩٦٩، وصدر منها حتى أواخر حزيران ٢٠١٦، ١٢١٨ عددا. هذه الدورية، التي تصدر حاليًا مرّتين شهريًا في حولون، تُعنى بالطبع بشؤون السامريين المختلفة، وتنشر موادّ بأربع لغات بأربعة خطوط: الآرامية السامرية بالخطّ السامري (العبري القديم)، العربية بالخطّ العربي، العبرية الحديثة بالخطّ (الآرامي) الأشوري/المربّع والإنجليزية بالخطّ اللاتيني. توزّع هذه الدورية مجّانًا على كل بيت سامري، وللمجلّة مشتركون دائمون من شتّى أقطار العالم. وقد أُسّس في حولون العام ١٩٨١معهد باسم حسني (יפת) بن أبراهام صدقة، سيدو (١٨٩٥-١٩٨٢) للدراسات السامرية بإدارة الشقيقين بنياميم ويفت. يبدو أن سيدو كان أول من تزوّج من امرأة يهودية الأصل، مريم حايقين في عشرينات القرن الفائت.   وبعد عقد من السنين تقريبا، وبالتحديد في ١٨ شباط ١٩٣٦ تزوّج چوئيل صدقة من چراسيا عزيزي اليهودية  الحلبية الأصل. آنذاك وبعد ذلك بعشرين عاما كان أيضًا نقص واضح بالصبايا السامريات للزواج وعليه بارك الكاهن الأكبر توفيق بن خضر (מצליח בן פינחס، كاهن أكبر ١٩٣٣-١٩٤٣) الزوجين وأمل أن يحذو الكثيرون من الشباب السامري هذا المثل. في ذلك الوقت، أوائل العام ١٩٣٦، كان عدد طالبي الزواج خمسة وعشرين شابًا وكان أمامهم خمس عشرة عزباء سامرية فقط وبعضهن قد تخطّى الثلاثين من العمر وبلغ المهر ٤٨ دولارًا أمريكيا على الأقلّ. أثيرت آونتها مشكلة النقص بالبنات للزواج، إلا أن شيوخ الطائفة لم يهتدوا إلى حلّ. وفي العام ١٩٥٦ كان عدد السامريين ٢٥٢ نسمة، معظمهم من المسنّين وعاش أكثر من ٣٤ أعزب أبديا. (أنظر تقرير الكاهن يعقوب بن عزى بالإنجليزية، أ. ب.- أخبار السامرة، ١٢٠٧-١٢٠٨، الأول من آذار ٢٠١٦، ص. ٨٠؛ نفس المصدر، ١٢١١-١٢١٢، ١ نيسان ٢٠١٦، ص. ١٠٤).

وأخيرا هنالك ميدالية سامرية من الفضّة الخالصة تمنح سنويًا لمن أبلى بلاء حسنًا في مجال السلام والوئام، أو في الأبحاث السامرية وقد أُسّس صندوق الميدالية السامرية في واشنطن سنة ٢٠٠٥.  (أنظر: ؛http://www.israelite-samaritans.com/medal/, http://www.israelite-samaritans.com//).

استخدم السامريون في غضون تاريخهم الطويل اللغات التالية وفق الترتيب الزمني من القديم إلى الأحدث: العبرية السامرية القديمة/التوراتية؛ الآرامية السامرية؛ اليونانية؛ العربية؛ العبرية السامرية الحديثة (سمّاها الأستاد زئيڤ بن حاييم باسم שׁוֹמרונית في ثلاثينات القرن الماضي، ولم تكن تلك التسمية موفّقة)، منذ القرن الثالث عشر، وهي لغة كتابة عبارة عن خليط من العربية والعبرية والآرامية؛ العربية استمرّت منذ الفتح العربي الإسلامي لفلسطين وحتى يومنا هذا؛ العبرية الحديثة إثر قيام دولة إسرائيل.

يحمل بعض السامريين ثلاثة جوازات سفر: فلسطيني، إسرائيلي وأردني. باختصار، لا يقبل السامريون أن يسمّوا بـ ”يهود سامريين“، فهذان مفهومان متناقضان، وفي معمعمة الجدال حول يهودية الدولة، يردّ السامريون بالقول إنّهم سكنوا في الأراضي المقدّسة قبل قيام إسرائيل بآلاف السنين، وهل هم بحاجة إلى اعتراف من قادمين وافدين جدد؟ سامريو حولون انخرطوا في المجتمع الإسرائيلي بشكل شبه كامل اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا وحتّى سياسيًا. انخراط الشباب في الخدمة العسكرية في جيش الدفاع الإسرائيلي أما بالنسبة للشابّات فبعضهن ينضمّ إلى الخدمة الوطنية، والفارق الوحيد هو ديانتهم. وبالمقابل، يعيش إخوتهم في نابلس (قرية لوزا، نيڤي قيدم) على جبل جريزيم بعزلة جغرافية عن العرب، ولا يمكن القول إنّهم يشعرون بهوية فلسطينية، ويميّز الفلسطينيون عادة بين السامري النابلسي والسامري الحولوني. يقول الجيل السامري الصاعد في نابلس إنّه سامري، أيّ لا فلسطيني ولا يهودي. ويبدو أن غالبية سامريي نابلس تفضّل العيش في ظلّ السيادة الإسرائيلية. وهنالك من السامريين القائلين بأنّهم موالون لشعب إسرائيل لسرمدية إسرائيل لا لدولة إسرائيل، ولا للسلطة الفلسطينية (أنظر: أ. ب. أخبار السامرة، ٨٦٦، ٢٧ آب ٢٠٠٤، ص. ٤، بنياميم راضي صدقة).

تقوم العقيدة السامرية على خمسة أركان:

١) إله واحد لا غير هو إله إسرائيل، ويلفظ شيما، Šēma (الاسم) وليس يهوه. לית אלה אלא אחד أي لا إله إلا واحد. وكتب أحد الناظمين السامريين:

ولا أسميه غير أني            إن غلب الوجد قلت يا هو

الله منزّه عن أيّة صفات آدمية مثل الكم والكيف والأين ومتى إلخ. وكان الكاتب السامري الشهير أبو الحسن الصوري في ’طبّاخه‘ قد ذكر إحدى عشرة صفة كهذه وهي: الكم، الكيف، الأين، القنية، الملكة، النصبة، الحركة، السكون، الاجتماع، الافتراق، المتى، وشرحها باختصار (أنظر مثلا مخطوط Sam 9 A  في  Manchester John Rylands، ص. ١٤٤أ). الله ليس رجلًا ولا امرأة، إنّه روحاني متواجد في قلب الإنسان ولسانه، يُحسن إلى السالكين في الدرب الصحيح ويكافىء صانعي الشرّ بالشرّ. إله الديانة الإسرائيلية يختلف كليًّا عن إله الأديان الأخرى (أنظر أ. ب. أخبار السامرة، ع. ١٢٠٠، ١٢ تشرين الأول ٢٠١٥، ص. ١٠٣).

٢) النبي موسى بن عمران، حبيب الله وكليمه، شمس العالم ونوره، وهو أعظم/سيّد الأنبياء قاطبة، نبي كل الأجيال. لا نظير له، لا قبله ولا بعده (משה נביה דלא קעם כותה ולא יקום לעלם = موسى نبي لم يقم مثله ولن يقوم أبدا؛ أنظر سفر التثنية ٣٤: ١٠). إنّه شفيع الدارين وسيّد الكونين (أنظر مثلا مخ. Cam III 48 ومخ.  Cam IV 37 في مكتبة روسيا الوطنية في سانت بطرسبورغ ص. ٢١ب، ص . ١أ-ب، ص. ٩) ولا يقرّ السامريون بأي نبي بعده. وفي التقليد السامري اعتراف بنبوّة ٢٦ من الآباء منذ آدم وحتى عمرام/عمران والد موسى النبي. وقد أحصى أكبر لاهوتي سامري، مرقه، ينبوع الحكمة،  في القرن الرابع للميلاد، عشرين صفة لموسى في التوراة مثل ملك. وقال عنه مرقه في ميماره ٤: ٧ ”من يؤمن بموسى يؤمن بالله“، وقارن هذا بما ورد في إنجيل يوحنا عن يسوع المسيح ١٤: ١. وقد وردت الجملة التالية في مخطوط سامري في المكتبة الوطنية الروسية في سانت بطرسبورغ، משה נביא רחותה ומרקה נביא פנותה أي: موسى نبي الرضا (بظهور السكينة) ومرقة نبي السخط/غيبة الرضوان/استتار الرضوان (Cam IV 1 ص. ١٧ ب وانظر ’’كتاب الطباخ‘‘ في مخطوط مانشستر المذكور آنفًا، ص. ١٩٥أ ). فترة الرضا، رضا الله عن بني إسرائيل المعروفة باللفظة راحوتا استمرت ٣٠٠ سنة، ٤٠ سني ما يسمّى بالتيه في صحراء سيناء و٢٦٠ عامًا في الأراضي المقدّسة حتى إخفاء الهيكل.  وقال أبو الحسن الصوري عن موسى في ’طبّاخه‘ ”ونفي المماثلة له في الماضي والمستقبل في ال اسراييل الدي هم خاصة الله تعالي والمختارين من جملة الامم والشعوب فالنفي في غيرهم احري واجدر [في الأصل: واحدر]  وهو المستفاد من قوله ולא קם עוד נבי(!) בישראל כמשה“، سفر التثنية ٣٤: ١٠ (ּأنظر مخطوط مانشستر المذكور أعلاه، ص. ٢١٥أ ).

وفي الشعر السامري العربي ثمة قصيدة تضمّ ٤١٧ بيتًا من الشعر بقلم إبراهيم العية في مدح النبي موسى،سيّد البشر (أنظر حسيب شحادة:  http://www.jamaliya.com/ShowPage.php?id=8326). ووردت هذه الأبيات لشاعر سامري مجهول الاسم في المخطوط Cam XIII 26 في مكتبة سانت بطرسبورغ المذكورة، ص. ١٢أ وهي كما هي في المخطوط:

اسالك بالخمس اسفار            وبالجبل خاص الطوار

تجرنا من عداب النار              في يوم الموقف الكبير …

موسى النبي زين البشر          مثله ما قد ظهر

سلم عليه يا من حضر             لعل من الابرار تصير …

نفسي وروحي والكبد             هامو في حب هدا الاسد

مثله ما قام في الابد               ولا يقوم الى الاخير

النبي الوحيد بعد كليم الله  في الاعتقاد السامري الشبيه به هو التاهب/العائد، المسيح المنتظر. لا نبالغ إذا ما قلنا أنّ مكانة النبي موسى لدى السامريين، على ضوء تراثهم المكتوب والمنطوق، تستحقّ كتابًا كاملا.

٣) كتاب مقدّس واحد وهو التوراة، أسفار موسى الخمسة فقط، ويختلف هذا النصّ عن توراة اليهود، في أكثرَ من ستّة آلاف حالة معظمها ليست ذات بال. يضاف إلى ذلك كتاب يوشع بن نون، وهو كتاب تاريخي. هذا معناه أنّ ّّالسامريين لا يؤمنون بالقسمين الأخيرين من العهد القديم، الأنبياء والكتابات (נביאים וכתובים)، فهى في اعتقادهم من فبركة آل داڤيد ولا يؤمنون لا بالمشناة ولا بالتلمود، التوراة الشفوية لدى اليهود. هناك في التوراة كلّ ما يحتاجه السامري في هذه الفانية، رغم تبدّل الأزمنة. هذا الكتاب المقدّس بلغته الأصلية، العبرية السامرية التوراتية ما زال غير متوفّر في طبعة علمية حديثة، في حين وجود طبعة كهذه للترجوم، أي الترجمة الآرامية السامرية للتوراة من إعداد أبراهام طال ووجود ترجمة عربية لها من إعداد حسيب شحادة.

٤) مكان مقدّس رقم واحد هو جبل جريزيم جنوبي نابلس، جبل الفرائض والبركات والقِبلة، جبل العبادة للمنقطعين إلى الله، كما قال أبو الحسن الصوري في ’’كتاب الطبّاخ‘‘. (’’المحل الشريف ذو العظمة والتشريف اشمخ الجبال واخصها بالجلال جبل المنقطعين والسايلين والمصلين والمتمسكين بالدين المتين والمتنزرين والمتورعين وعليه تقبل هدايا المهتدين واليه تدفع ندورات المتبرعين باب قبلة المبتهلين والشاكرين والمسبحين والمادحين والموحدين والساجدين وعليه تدبح القرابين بايدي المتقربين وهو اشرف الاراضين اد اطته اقدام الازكيا والاوليا الاولين ونصب فيه منسك الرحمه وحل فيه الشان المبين نسال الله تعالى بقلوب منكسرين العوده له بالعمار كما قال واختار פעלת יהוה מקדש יהוה כוננו ידך, سفر الخروج ١٥: ١٧، مخ.  Cam III 48، مكتبة روسيا الوطنية في سانت بطرسبورغ، ص. ٣١ب). وردت الإشارة إلى هذا الجبل في التوراة في ثلاثة عشر اسمًا ونعتًا مثل بيت الله، باب السماء، بيت ايل، لوزة، أخصّ الجبال، الله ينظر، جريزيم، المكان المختار. يزور السامريون أماكن مقدّسة أخرى لهم مثل مقامات الأنبياء والأزكياء والائمة الكبار ولا سيّما مقام الكاهن الأعظم العزر بن هارون، وقبر يوسف. هذا يعني أنّه لا قدسية البتّة لمدينة القدس لدى السمرة، إذ لا ذكر لها في التوراة. وفي التوراة السامرية ترد قدسية جبل جريزيم في الوصية العاشرة. يسمّى عادة هذا الجبل بالعربية باسم جبل الطور. ممّا يجدر ذكره أنّ لفظتي ”جبل جريزيم“  تردان دائمًا ككلمة واحدة في العبرية في الخطّ السامري والخطّ العبري المربّع. أذكر هنا أنّني وجدت مرّة واحدة وردت فيها ’اركريزم‘ هكذا ككلمة واحدة بالرسم العربي، في مخطوط في المكتبة الوطنية الروسية في سانت بطرسبورغ، Cam II b 164، ويعود تاريخ نسخ المخطوط إلى أواسط القرن التاسع عشر؛ ومرة واحدة ’هرجريزيم‘ في ”كتاب الطباخ“ (أنظر مثلا مخطوط Sam 9 A  في  Manchester John Rylands، ص. ١٧٤ب) . كما ووجدت مرّة واحدة הר גריזים/הר גריזים كتبتا ككلمتين في مخطوط Cam XIV 42 في المكتبة ذاتها، يضمّ ورقتين فقط ونسخ عام ١٠٧٨هـ = ١٦٦٨م. ويبدو أن كتابة هاتين اللفظتين ككلمة واحدة كانت سارية لدى بني إسرائيل قبل انشقاقهم إلى يهود وسامريين. يحجّ السامريون إلى هذا الجبل ثلاث مرّات سنويًا في الأعياد: عيد الفسح، عيد الحصاد وعيد العُرش.

٥) الإيمان بمجيء التاهب/תהב (العائد)، المسيح/المهدي، في عاقبة الأيّام للدينونة. وهو نبي إمّا من ذرية هارون أو من سلالة يوسف. وسيكون أيضًا كاهنًا وملكًا وسيحكم من على قمّة جبل جريزيم كلّ العالم. هذا الركن الخامس في العقيدة السامرية كان قد أضيف بعد بداية القرن الثالث للميلاد، إذ ورد في التلمود، في مقالة الكوتيم (מסכת כותים) ما معناه ’’متى نقبلهم؟ عندما يكفرون بجبل جريزيم ويعترفون بالقدس وبإحياء الموتى“ (أنظر: ש. קירכהיים, שבע מסכתות קטנות ירושלמיות. פראנקפורט תרי’’א. נדפס מחדש ע’’י הוצאת קדם, ירושלים, תש’’ל, עמ’ 36–37؛ سفر التثنية ١٨: ٢٢-٢٥؛ سفري على سفر العدد ١٥: ٣١؛ سنهدرين ٩٠ب؛ والاسم ’كوتيون‘ بمعنى ’السامريين‘ استخدمه اليهود لأنّهم يعتقدون أنّ أصل السامريين من ’كوته‘ في جنوب بلاد الرافدين (أنظر ٢ مل ١٧: ٢٤ وهذا أحد الأسماء المحقّرة التي يرفضها كل سامري).

هنالك مائة دلالة توراتية على يوم القيامة، وردت في مخطوط سامري، موجود في المكتبة الوطنية والجامعية في القدس، ويراجع الكتيّب المخطوط ’المَعاد‘ لأبي الحسن الصوري. والمخطوط ”كتاب الدلائل“ المذكور  فيه ٩٩ دليلا من الشرع ودليل واحد من النقل المثبوت عن أسلافنا، وهو بقلم الكاهن خضر (فنحاس) بن إسحق بن سلامة (١٨٤٠-١٨٩٨) ونسخة منه محفوظة  في القدس، كما ذكرنا، وناسخها هو يوسف آل عبد اللطيف آل إسماعيل السراوي عام ١٩٠٥. ومن أسماء يوم القيامة نذكر: يوم الحكم / الدينونة / الحياة / الانتقام / السؤال / الفخر / الشهامة / الندامة / الصيام / العتاب / الموت / النعيم / الجحيم / النجاة، يوم لا ملجأ إلا ملجأ الله سبحانه وتعالى. 

تلخّص هذه الأركان الخمسة بالجملة العبرية التالية التي يرددها السامري: אימנתי בך ה’ ובמשה בן עמרם עבדך, ובתורה הקדושה, ובהרגריזים בית אל וביום נקם ושלם (ּأومن بك يا الله وبموسى بن عمران عبدك، وبالتوراة المقدّسة وبجبل جريزيم بيت الله وبيوم الدينونة).

ظاهرة إصدار الفتاوى لدى السامريين نادرة جدّا في العصر الحديث، على الأقلّ، إذا ما قيست بما يحدث في الدين الإسلامي وفي الدين اليهودي مثلا. معدّل صدور فتوى واحدة في كل عقدين ونصف من السنين تقريبًا، وذلك لأنّ نصّ التوراة واضح ومفهوم كما يقال عادة، ولا يوجد لدى السامريين توراة شفوية كالمشناة لدى اليهود. حول استخدام فتوى بمعنى حاشية تفسيرية لآيات من التوراة ينظر في كاتالوج روبرتسون (Edward Robertson, Catalogue of the Samaritan Manuscripts in the John Rylamds Library. Manchester, Volume II. Manchester: The John Rylands Library, 1862, nos. 315-316 ). نذكر هنا الفتاوى الثلاث الأخيرة التي أصدرها الكهنة الكبار، أصحاب السلطة الوحيدون في هذا المجال الديني اليوم، على الأقلّ، وتساعدهم لجنة مؤلّفة من كهنة (أنظر: سفر التثنية ١٧: ٨-١٢؛ ١٨: ١٦؛ ٢٤: ٨)، ونعرّج على فتاوى أخرى أقدم بكثير. حاولت الحصول على نسخ من هذه الفتاوى الحديثة ولكن بدون جدوى، قد تكون تلك الفتاوى شفوية وفي الحالة جـ) الآتية يكفي، على ما يبدو، أن الكاهن الأكبر سلّوم قد وقّع على وثيقة زواج يئير/وضاح بن عبد المعين صدقة من أكرانية الأصل ألكسندرا كراشوك وأصبحت تعرف باسم شورا ألطيف (أشكر صديقي بنياميم/الأمين صدقة على هذه المعلومة التي وافاني بها إلكترونيا ردًّا على استفساري في ٢٩ حزيران ٢٠١٦، http://www.foxnews.com/world/2013/03/17/east-european-women-breathe-new-life-by-marrying-into-dwindling-middle-eastern.html). ويبدو لي أن لا وجود لملفات تنقل من كاهن أكبر لآخر!

أ) في العام ١٩٥٨ أفتى الكاهن الأكبر، ناجي (أبيشع) بن خضر (فنحاس) ١٨٨٠-١٩٦١ وكاهن أكبر بين السنتين ١٩٤٣-١٩٦١، بخصوص وجوب عدّ ثمانية أيّام ابتداءً من يوم إخراج الخِدْج من الحاضنة (incubator)، وفي صباح اليوم الثامن باكرًا تجري عملية الخِتان (التطهير)، كما فرضت التوراة، سفر التكوين ١٧: ١٤ ”واي اقلف ذكر لا يختن بشر قلفته في اليوم الثامن فلتقطع تلك النفس من قومها عهدي فسخ“ (أنظر: الترجمة العربية لتوراة السامريين، حقّقها وقدّم لها حسيب شحادة، المجلد الأوّل: سفر التكوين وسفر الخروج، القدس: الأكاديمية الوطنية الإسرائيلية للعلوم والآداب، ١٩٨٩؛ المجلد الثاني: سفر اللاويين، سفر العدد وسفر تثنية الاشتراع ...، ٢٠٠١). الجدير بالذكر أن اللفظتين، ”اليوم الثامن“، غير واردتين في التوراة اليهودية، وهذا أحد الفروق الهامّة بين نصّ التوراة السامرية من جهة ونصّ التوراة اليهودية من جهة ثانية (أنظر أيضًا: سفر التكوين ١٧: ١٢؛ سفر اللاويين ١٢: ٣).

ب) في العام ١٩٩٩ أفتى الكاهن الأكبر عاطف (ليفي) بن ناجي (أبيشع) بن  خضر (فنحاس) الحفتاوي (١٩٢٠-٢٠٠١، وكاهن أكبر من ١٣ شباط ١٩٩٨ وحتى وفاته)، بتوحيد صلاتي الصباح والظهر وقراءة نوبة الأسبوع في يوم السبت، عندما تكون درجة الحرارة عالية جدّا. وهكذا استجاب الكاهن الأكبر لشكوى المصلّين وطلبهم في تقصير وقت الصلاة. ويذكر أنّ هذا الكاهن الأكبر، كان قد قدّم طلبًا لمحكمة العدل العليا في إسرائيل، يهدف إلى مساواة مكانة الكهنة السامريين بمكانة الربّانين/الحاخامين اليهود وبخاصّة من حيث المرتّب. نشير هنا إلى أنّ تشغيل المكيّفات الكهربائية أيام السبت، لا سيّما خلال أيّام الصيف الحارّة جدّا، ما زال محظورًا، ولا بدّ من فتوى في هذا الموضوع (قارن: أ. ب. أخبار السامرة، ع. ١٢٠٠، ١٢ تشرين الأوّل ٢٠١٥، ص. ٩٠-٩١؛ ع. ١٢٠١، ١٥ كانون الثاني ٢٠١٦، ص. ٤٣؛ ع. ١٢٠٥-١٢٠٦، ١٥ شباط ٢٠١٦، ص. ٨).

جـ) في العام ٢٠٠١ أفتى الكاهن الأكبر سلوم (شالوم) بن عمران (عمرام) بن إسحق بن عمران بن  سلامة بن غزال (طابيا) بن إسحق (١٩٢٢-٢٠٠٤، وكاهن أكبر بين السنتين ٢٠٠١-٢٠٠٤)، الذي كان أيضًا عضوًا في المجلس التشريعي الفلسطيني بعد انتخابات ١٩٩٦، بجواز زواج السامري بأيّة فتاة من خارج الطائفة السامرية، بغضّ النظر لخلفيتها الدينية، شريطة قَبولها نهج حياة السامريين وعاداتهم، والامثتال بالطبع  لقوانين التوراة، يعني التسمرن قلبًا وقالبًا (أنظر: جميل ضبابات، الحب المستحيل عند بني إسرائيل، زفاف سامري على قمة جبل جرزيم. أ. ب. أخبار السامرة، عدد ١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ نيسان ٢٠١٦، ص. ١٠٢؛ ع. ١٢٠١، ١٥ كانون الثاني ٢٠١٦، ص. ١٠٢، وهناك من ينكر وجود مثل هذه الفتوى).

قبل ذلك كان زواج بعض السامريين من يهوديات بعد اعتناقهنّ الديانة السامرية.  على الباحث أن يتذكّر أن النبي موسى كان قد تزوّج من مديانية بعد انضمامها لبني إسرائيل السامريين. وفي الآونة الأخيرة، هناك أصوات سامرية تقترح الزواج من سوريات لاجئات في الأردن مثلًا، فالأمر لا يكلّف كثيرًا مقارنة بإحضار الأكرانيات (أنظر: أ. ب.- أخبار السامرة، ع. ١٢٠١، ١٥ كانون الثاني ٢٠١٦، ص. ١٠١- ١٠٣). هنالك تعاليم وفرائض صارمة تفرضها الشريعة السامرية على المرأة الحائض؛ عليها في خلال سبعة أيّام الحيض مثلًا، أن تنعزل في غرفة خاصّة بها، ألّا تلمس أحدًا من السامريين إلا الرضيع أو أيّ شيء يخصّهم، ولها آنيتها وأغراضها الخاصّة (أنظر سفر اللاويين ١٥: ١٩ فصاعدا). كما وعلى المرأة المنجبة ذكرًا، المحافظة على طمثها مدّة ٤١ يومًا، وإذا كان المولود أنثى فأيّام الطمث تكون ٨٠ يومًا (أنظر سفر اللاويين ٨: ٣٣ وبالنسبة للذكر ١٥: ١٦ وعليه في حالة الاحتلام أو سيلان المني من القضيب الاغتسال بالماء، ويعتبر نجسًا حتى المساء، ولكنّه لا يعزل عن بقية أفراد العائلة ولا يدنّس ما يلمسه؛ وإذا كان الرجل من سلالة الكهنة فيحظر عليه القيام بأيّ طقس ديني)، وفي هاتين الفترتين تعيش الزوجة بعزلة تامّة عن أفراد أُسرتها.  يذكر أن هذه الفتوى صدرت، في الأساس، لحلّ مشكلة زواج ابن عمّ الكاهن الأكبر المذكور، وضاح/يئير بن عبد المعين صدقة، الذي تزوّج من فتاة أكرانية، ورُزقا حتّى الآن بمولودين، عبد المعين/إلعزار وصدقة. بلغ عدد أولائك الفتيات الأكرانيات اللواتي تزوّجن من سامريين حتى مستهلّ العام ٢٠١٤ عشر، وكلهنّ إلا واحدة تأقلمن في المجتمع السامري. من المعروف، أن الطائفة السامرية تعاني، منذ زمن طويل، من نقص في عدد الإناث، فهنالك شابّة مقابل ثلاثة شبّان، وعليه فهناك ظاهرة يمكن تسميتها بـ”الأعزب الأبدي“ رغم أنفه من جهة، وزواج البدل، اشتراط والد العروس على والد العريس بتزويج ابنته لابنه، من الجهة الأخرى. وعليه فلا محالة من استيراد الزوجات، لا سيّما من أكرانيا حاليا، ونجحت هذه التجربة بالرغم من وجود معارضين لها مدّعين عدم أمكانية السمرنة والتسمرن بشكل تامّ وصحيح.  يحظر زواج السامرية من خارج طائفتها، وإذا حدث ذلك كما رأينا في عشر حالات في السنوات الأخيرة فهذا معناه عزلهنّ عن العقيدة السامرية. مبدئيا يحقّ للفتاة السامرية الزواج بفتى من خارج طائفتها، شرط أن يعتنق الديانة السامرية أوّلًا، ولا علم لي بمثل هذه الحالة. في المدّة الواقعة ما بين ١٩٣٨ و ٢٠١٥ وصل عدد الذين تركوا العقيدة السامرية ٣٢ شخصا، ١١ ذكرا و ٢١ أنثى.

 (قارن: أ. ب. أخبار السامرة، عدد ١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ نيسان ٢٠١٦، ص. ١٠٥، يبدو أن أمامنا ترجمة من العبرية واللغة مضطربة؛

 http://www.foxnews.com/world/2013/03/17/east-european-women-breathe-new-life-by-marrying-into-dwindling-middle-eastern.html;א. ב. – חדשות השומרונים, גליון 1201, 15 ביניואר 2016, עמ’ 3).

تبنّي السامريين لطفلات وتنشئتهن تنشئة سامرية، قد يحلّ أزمة النقص في الصبايا اللواتي يكنّ في سنّ الزواج.

الفتاوى الحديثة نسبيًا، التي سبقت هذه الفتاوى الثلاث، كانت قد صدرت في الفترة الواقعة ما بين المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. إحدى تلك الفتاوى، تتعلّق بمنع حرق الأذرع اليمنى لذبائح عيد القربان/الفسح، وذلك خشية وقوعها في أيدي غرباء متواجدين في الاحتفال. وهكذا، وعلى ضوء تلك الفتوى، أصبحت هذه الأذرع اليمنى تُشكّ في أسياخ/عصيّ خشبية غليظة وطويلة لشيّها في التنّور العميق، وهي خاصّة بأسرة الكهنة، التي يجوز لها وحدها تناولها، والحفاظ على هذه الفريضة التوراتية (أنظر سفر التثنية ١٨: ٣).

فتوى أخرى كان الكاهن الأكبر، يعقوب بن أهرون (١٨٤٠-١٩١٦، كاهن أكبر  بين العامين ١٨٧٤-١٩١٦)، قد أصدرها/نطق بها؟ في مستهلّ القرن الماضي. من المعروف أنّ لمس الميّت، وفق الشريعة السامرية، ينجّس اللامس مدّة سبعة أيّام، ولذلك كان العربي المسلم يقوم عادة بكلّ واجبات الدفن حتّى القرن العشرين. ولكن بعد أن لاحظ السامريون أنّ حاملي النعش من المسلمين، لم يحترموا الميّت كما ينبغي، أوقف إستئجارهم للقيام بهذا العمل. وعليه أصدر الكاهن المذكور، فتوى تقضي بأنّ على أقارب المتوفّى القيام بمهمّة حمل النعش إلى القبر، وقُصّرت مدّة التنجّس الناجمة عن ذلك إلى يوم واحد فقط. بعد مواراة الميّت التراب، يعود حاملو النعش فورًا إلى بيوتهم، يغسلون ملابسهم، يغتسلون بمياه جارية، ويطهّرون بعد المساء. (قارن سفر العدد ١٩: ١٣، ٢٠ وأنظر: بنياميم راضي صدقة، فرز أجزاء ذبائح الضأن والبقر للكهنة، أ. ب. أخبار السامرة، عدد ١٢٠٠، ١٢ تشرين الأوّل ٢٠١٥، ص. ٧٩-٨٦، في الأصل باللغة العبرية). أشير إلى أنّ هذه المعلومة عن الفتوى لا تتمشّى مع التقرير الذي أرسله الكاهن الأكبر يعقوب بن عزي، المعروف بأبي شفيق (١٨٩٩-١٩٨٧، كاهن أكبر من ١٩٨٤ ولغاية ١٩٨٧ ) إلى صحيفة جروزلم پوست في ٦ كانون الأول عام ١٩٣٢. في ذلك التقرير ورد أيضا أنّ الكاهن الأكبر آنذاك إسحق بن عمران (١٨٥٢-١٩٣٢، كاهن أكبر منذ ١٩١٧ وحتى وفاته) قد استدعى أفراد أسرته وزعماء الطائفة قبيل وفاته وأعرب لهم عن رغبته في أن يحمل نعشه سامريون، لا عرب كما كانت العادة (أنظر أ. ب. - أخبار السامرة، ع. ١٢٠٥-١٢٠٦، ١٥ شباط ٢٠١٦، ص. ٩١).

والمياه التي يجوز التطهّر بها وفق ما ورد في كتاب ”الكافي لمن كان بالمعرفة لكتاب الله موافي وقلبه صندوق له صافي“، تأليف مهذب الدين يوسف بن سلامة بن يوسف العُسكري، الذي عاش في القرن الحادي عشر، ستّة أنواع: ماء السماء، ماء البحر، ماء النهر، ماء الثلج، ماء البئر، ماء العين. (هذا المؤلّف الهام الذي صدرت ترجمته إلى الإيطالية بقلم سيرجيو نويا (Sergio, Noja, Il Kitāb al-Kāfī dei Samaritani. Istituto Orientale di Napoli. Pubblicazioni del Seminario di Semitistica. Ricerche, 7. Napoli, 1970.)، ما زال مخطوطًا في عدّة نسخ منها مثلا Cam IV 27  في مكتبة سانت بطرسبورغ، مختصر الكافي لإلعزر بن فنحاس، ص. ٢ب).

هنالك مؤلَّف مخطوط بعنوان ”كتاب الفتاوى“ بقلم يعقوب بن غنايم، وهو موفق الدين يعقوب بن محاسن بن عبد الله بن محاسن الكاهن الشامي، الذي عاش في أواخر القرن الثالث عشر. وقيل إنّ في حوزة السامريين اليوم نسخ منه، كما ورد في المخطوط رقم ٧٠٣٣ المحفوظ في مكتبة يد بن تسفي في القدس الغربية. وكان موفق الدين المذكور طبيبًا معروفًا، ومن آثاره أيضا، شرح الكليات من كتاب القانون لابن سينا، ويقال إنّه أهداه للخليفة العبّاسي المنصور، ثمّ انتقل هذا الكتاب إلى مكتبة الخليفة محمّد بن قولون، ونقل إلى عدّة لغات. ونعلم أيضًا أنّ ثمة مقالة للشيخ أبي سعيد ابن أبي الحسين ابن أبي سعيد، منقّح الترجمة العربية القديمة لتوراة السامريين، يردّ فيها على من أفتى في تفطير المرضى والأطفال في يوم الصوم المعظّم، يوم الغفران. وتلك الفتوى تحمل التاريخ ١٥ شعبان سنة ٦٥٩ هـ = ١٥ تموز ١٢٦١م. (أنظر مخطوط رقم ٧٠٤٩، في المصدرين:

The Samaritan Manuscripts at Yad Ben-Zvi Library in Western Jerusalem, 64 pp. Samaritan Update Vol.XV No. 4, March-April 2016, pp. 8-9: http//shomron0.tripod.com/articles/ben-zvi-sam-mss.pdf; A. B. Samaritan  News 1217-1218, 10/6/2016, pp. 56-119

وينظر أيضا في المخطوط Cam IV 5 الموجود في المكتبة الوطنية الروسية في سانت بطرسبورغ، ”الرد على اليهود وكونهم لا يكلفوا الاطفال بالصوم يوم هكفوريم وهو، على ما يبدو، الجزء الثاني من كتاب الطبّاخ لأبي الحسن الصوري. وكذلك المخطوط Cam IV 47 في مكتبة سانت بطرسبورغ المذكورة وعنوانه: صور كتاب نسخة افتا كتبها المرحوم الحكيم غزال ابن رميح رحمة الله تعالى عليه امين ويرحم جميع اموات قهل يشرال امين امين، ويحمل التاريخ  ٨ شوّال ١١٩٢ = ١٨ تشرين الأول عام ١٧٧٩م.  في المخطوط عشر ورقات بقياس ٢٢ x ١٦ سم والناسخ هو غزال بن إسحاق بن إبراهيم الكاهن اللاوي في نابلس بأمر من صدقة آل ايتمر الأخ المحترم سرور أبي العلم المرحوم الشيخ يوسف الصباحي.

هنالك فتاوى  حول مواضيع متنوّعة مثل الأحوال الشخصية، الحفاظ على السبت، الزواج من امرأتين، أحكام الميراث، أحكام الطهارة والنجاسة. من أسماء المفتين الواردة في المخطوط نذكر: الشيخ أبو سعيد، أبو سعد بن سعيد، يعقوب بن إسماعيل الربيس، الحكيم النفيس، الفرج بن إسحاق المتطبب، الحكيم يوسف، الحكيم غنايم بن يوسف بن غانم (!) المتطبب، الحكيم غزال، أبو الفرج بن إسحاق بن كثار المتطبب، يوسف الحكيم، يوسف بن غانم المتطبب.

وفي المخطوط Cam IV 31 في المكتبة الوطنية الروسية في سانت بطرسبورغ، نتف من مواد متنوعة، موزّعة  على ٥١ ورقة، مثل ترجمة عربية لتوراة السامريين؛ فصل في الميراث للشيخ شمس الحكماء ابن إبراهيم بن ماروث الطبيب؛ طباخ العلوم في شرح سورة القيامة للشيخ أبي الحسن الصوري الدنفي؛ فتاوى، مثلًا ص. ٢٤-٢٧؛ صلوات، طهارة ونجاسة؛ فصل في عقيدة ملتنا السامرة أي المحافظين؛ شعر بالعربية وأخيرًا مرقه. من الفتاوى المذكورة في الصفحات الأربع ننوّه بمسألة زواج بنت يتيمة من جهة وعدم جواز الاتصال ببنت زوجة أبي زوج الأم والمفتي فيهما هو إسمعيل الرميحي. وهناك هذا السؤال: ”ماذا تقول السادة المخاديم في رجل قصد الاتصال باخت مرت جوز اخته فهل يجوز ذلك ام لا افتونا ماجورين اتاكم الله بالخير امين. الحمد لله الوهاب الجواب يجوز دلك ولم يخالف فيه احدًا وكتبه غنايم ابن يوسف بن غنايم المتطبب وافتا عليها الحكيم غزال ابن يوسف ابن رميح المتطبب“، ص. ٢٤أ-ب. ومن أسماء محرري الفتاوى نذكر: يعقوب ابن اسماعيل الربيس، ابو الفرج بن اسحق بن كثار المتطبب، غنايم بن يعقوب المتطبب (أجاز جواز الزواج من اثنتين)، يوسف بن غنايم المتطبب، ايتمر بن ابرهم هكهن، عبدالله الحفتاوي، اسحق الدمشقي.

وفي مكتبة يد بن تسڤي في القدس الغربية مخطوط آخر رقمه ٧٠٤٩ وعنوانه: مقالة من تأليف الشيخ الفاضل السديد أبو (في الأصل ابن) سعيد ابن أبي الحسين السامري الإسرائيلي ردا على من أفتى في تفطير المرضى والأطفال في يوم الصوم المعظّم وفيه ستّ صفحات، وفي مخطوط برلين ثماني صفحات، ٢٨٦-٢٩٤، وفي كلّ ّواحدة منها ثمانية عشر سطرا. الناسخ هو أبو الحسن بن يعقوب بن هرون بن سلامة الكاهن وتاريخ النسخ ١٩٣٠، وتحمل الفتوى تاريخ ١٥ تموز عام ١٢٦١م.  ويذكر أن الفتوى قد أحضرت من يد الحكيم صدقة ابن الحكيم يوسف النابلسي... (أنظر: المصدرين السابقين). وفتوى أبي سعيد هذه، المعروفة عند السامريين اليوم، باسم فتوى ١٥ شعبان أو فتوى صوم الطفل، متوفّرة أيضًا في نهاية المخطوط Or. qu. 523 المحفوظ في برلين، وذلك المخطوط يضمّ الجزء الثاني من كتاب مسائل الخلاف لأبي الفرج منجّا ابن صدقة ابن غروب شمس الحكماء، وقد نسخ عام ١٨٦٨. صورة لهذا المخطوط موجودة في فُليم  ورقمه ס’ 33165 محفوظ في المكتبة الوطنية والجامعية في القدس منذ أيلول سنة ١٩٧٥، وترد الفتوى في. ص. ٢٨٦-٢٩٤. وأشير هنا إلى  أنّ هذه الفتوى هي البرهان المكتوب الوحيد الذي وصلنا بصدد فترة ومكان واسم، بل قُل كنية،  أبي سعيد بن أبي الحسين بن أبي سعيد. فيها ذكرت السنة وهي ١٢٦١ (١٥ شعبان ٦٥٩ = 15 تموز ١٢٦١م ) التي فيها كان أبو سعيد قد كتب فتواه بشأن وجوب صيام المرضى والأطفال يوم عيد الغفران.

(L. Wreschner, Samaritanische Traditionen, mitgeteilt und nach ihrer geschichtlichen Entwickelung untersucht. Berlin, 1888; J. Bloch, Die samaritanisch-arabische Pentateuhübersetzung, Deuteronomium I-XI, nach Handschriften in Berlin, Gotha, Kiel, Leyden und Paris mit Einleitung und Noten. Berlin 1901, p. 14; A. S. Halkin, The Relation of the Samaritans to Saadia Gaon. Saadia Anniverary Volume (American Academy , for Jewish Research, vol. II). New York, 1943, p. 276;

זאב בן חיים, עברית וארמית נוסח שומרון, כרך ראשון, תשי’’ז, עמ’ לד; חסיב שחאדה, התרגום הערבי לנוסח התורה של השומרונים, מבוא למהדורה ביקורתית, חלק א. חיבור לשם קבלת תואר דוקטור לפילוסופיה. ירושלים: האוניברסיטה העברית, דצמבר 1977, עמ’  119 ואילך. 

وممّا ورد في الفتوى ما يلي:

”من اقتدى بالحق اهتدى

لما كان بتاريخ خامس عشر شعبان سنه تسعه وخمسين وستمايه احضرت فتيا من يد الحكيم صدقه ابن الحكيم يوسف النابلسي ايده الله تعالى. صورتها: ما تقول السادة الاجلا العلما الفضلا فقها السامرة كثرهم الله في تفطير المرضى والاطفال في يوم الصوم المعروف بيوم الاستغفار هل يجوز دلك ام لا افتونا ماجورين انشا الله تعالى. … وحسب رافض الاجماع ومشايخ الامه الفضلا والاتقيا رحمهم الله اجمعين مثل الشيخ الفاضل أبو الحسن الصوري رضي الله عنه ومن يجري مجراه اعتماده على ابن الشاعر على ما زعم الذين لم يتجاسرا على فعل دلك [المقصود: السماح للمرضى وللأطفال بعدم الصيام يوم الغفران] بل كانا يقولان قولا لم يعتمد عليه  احد من الطايفه واحدهما خرج  عن المذهب جمله ولم يحفظ المذهب الدي انتقل اليه [أي: الإسلام] بل كان زنديقا مرخصا في المذهبين والاخر سامحه الله نحن نعرف مكانه من العمل وعلوم الشرع ايضا فانه لما انفرد برايه في بلاد الشرق من جمله ما سلكه في المذهب اباحة ابتياع الجور والشري بهن وجري فيهن على ما علم حقيقة ثم ابتياع المماليك وادخالهم في الدين على ما زعم وكان من امرهم مثل امر الجوار بل اردى ثم تطهيره الثلج من ايدي الاجانب المحضر في لبابيدهم المحشوه نجاسات والترخيص في هده المسلة لا سبيل اليه ومن خرج فيه عن مذهب الاجماع فعلا واعتقادا بعد هده المقالة وجب ابعاده عن المذهب ويكفي المرخص مسرة اليهود اعدا الدين بانهم لم يزالوا على الصواب وانه واهل ملته كانوا على الضلال ولما تحققوا ان الحق معهم تبعوهم وما العدو في حق عدوه الى اكثر من ذلك والله المرشد الى الصواب“.

والجدير بالذكر أن القسم الثاني من الفتوى يتطرق إلى مسألة عدم جواز تفطير المريض أو الطفل حتى في حال أقر طبيبان سامريان محترمان ومستقيمان بأنّ استمرار صومهما يؤدي إلى الوفاة ويضيف أبو سعيد ”واما الدليل العقلي فإنه لا شبهة عند العقلا ان اتباع اليقين أولى من اتباع الظن والدي استتنى في هده القضيه يعلم لزوم القتل لمن اعتمد دلك نصًا ثم يعلم ان سلامة المريض والطفل اذا افطر ليسة يقينًا بل يفيد غلبة الظن على زعمه بمقتضى صناعة الطب المبنية احكامها على الحدس والتخمين باجماع الاطباء والحكماء ايضًا ومعلوم حقيقة ما ورد في النص المحكم من قوله عز وجل מחצתי ואנכי ארפא ואין מידי מציל (سفر تثنية الاشتراع ٣٢: ٣٩)“. في بداية إجابته يقول أبو سعيد إنّ أمور الشريعة تبتّ وفق ثلاثة أصول: النصّ المكتوب أي التوراة؛ العقل والنقل. وصوم يوم الغفران واجب على الجميع دون أي استثناء (أنظر مثلًا: سفر اللاويين ٢٣: ٢٧، ٢٩؛ سفر تثنية الاشتراع ٣٢: ٧، ٣٩).

ويذكر أبو سعيد أيضًا أنّ جهلاء كثيرين مارسوا كتابة الفتاوى وأنكروا وجوب صوم يوم الغفران، لأنّ التوراة لم تذكر ذلك بصراحة. إنّه كتب قائلا ”… وبلغ من تطاول السن الجهلة في هدي الفتيا انهم انكروا وجوب الصوم لفظا من حيث انه لم يصرح به الكتاب الشريف ودلك لطمعهم في تهجم من يجري مجراهم  من العوام على الكتابه في الفتاوى“. ويضيف أبو سعيد: ”اما الدي لا يعرف الاستدلال فيكفي بالتقليد وهو اصل معول عليه … القياس الشرعي انما هو رد فرع الى اصل لعلة جامعة … والترخيص في هده المسأله لا سبيل اليه ومن خرج فيه عن مذهب الاجماع فعلا واعتقادا بعد هده المقاله وجب ابعاده عن المذهب ويكفي المرخص مسرة اليهود اعدا الدين بانهم لم يزالوا على الصواب وانه واهل ملته كانوا على الضلال “.

وهناك من ينسب لأبي سعيد المذكور فتوى حول موضوع درجات تحريم الزواج بين الأقارب بدون ذكر أي مصدر. (مثلا موسى چاستر، أنظر أطروحة الدكتوراة لحسيب شحادة المذكورة أعلاه، جزء أول، ص. ١٤٧، رقم ١١).

وفي مكتبة الكاهن الأكبر عمران بن إسحاق في نابلس مخطوط باسم ”كتاب فتوى بشأن صيام الطفل“  للشيخ صدقة الحكيم يضمّ ٢٠ صفحة، ٢٠ x ١٧سم ونسخ عام ١٣٩٧/٨م.

(أنظر: Zuhair Shunnar, Katalog Samaritanischer Handschriften I ...Berlin-West: Verlag Richard Seitz & CO, 1974, p. 137 no. 201).

 ويراجع أيضًا المخطوط SAM 80 6 الموجود في المكتبة الوطنية والجامعية في القدس، وهو بمثابة مجموعة من الفتاوى، وترد فتوى أبي سعيد المذكورة في الصفحات ١١-١٩. يشار إلى أن نصّ الفتوى في مخطوط برلين أفضل من النصّ المثبت في هذا المخطوط. هذه المجموعة من الفتاوى تحتلّ الـ ٨٧ صفحة الأولى، وناسخ المخطوط هو يعقوب بن هرون بن سلامة بن غزال (طابيا) ١٨٦٨-١٩٤٢،  سنة ١٣٢٦هـ  أي ١٩٠٨م كما ورد في الكولوفون المثبت في الصفحة ١٢١. بعد الفتاوى هنالك مقالة في عقيدة الدين للشيخ الحكيم الفاضل موفق الدين صدقة الإسرائيلي السامري الموسوي اليوسفي (أنظر أيضًا كاتالوج إدوارد روبرتسون المذكور أعلاه، مجلد ٢، المخطوطان: رقم ٢١٣ ورقم ٢٢٧). يذكر أن قسمًا لا يستهان به من الفتاوى يتمحور حول أحكام ومسائل الزواج. في صفحة المخطوط الأولى نقرأ ”هذه نسخة الفتاوى لمن ياذكرهم وبيانهم بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين“. بدايات الفتاوى تحتوي على سؤال موجّه إلى رجال الدين بمثل هذا الأسلوب:

ما تقول السادة الفقها ايمه الدين رضي الله تعالى عنهم اجمعين؛ ما تقول علما السامره وفقها ال اسراييل رضي الله تعالى عنهم اجمعين؛ ما تقول السادة الفقها رضى الله تعالى عنهم؛ ما قولكم ايها السادة الاسرايليه ايدكم الله باري البرية في…؛ ما تقول سادة الطايفة الاسرايلية وعلماهم رضي الله تعالى عنهم في…؛ ما تقول السادة علما اسراييل رضي الله عنهم اجمعين؛ ما تقول سادة الطايفه الاسرايليه وحكام الشريعه الموسويه رضى الله عنهم. وهذا هو نصّ الفتوى الأولى كما جاء في المخطوط المقدسي:

”ما تقول السادة الفقها ايمه الدين رضي الله تعالى عنهم اجمعين في الجمع بين الزوجتين هل يجوز ام لا واذا جاز هل يجوز لاحدٍ يجمع بين زوجتين قد جمع بينهما شخص آخر قبله ثم طلقهما او مات عنهما فهل يجوز له ذلك ام لا افتونا ماجورين ولكم الاجر والثواب. الجواب والله تعالى هو الهادي للصواب. نعم يجوز الجمع بين الزوجتين اذ لم يقصد بالجمع التضارر سوى كانتا الزوجتين لرجل اخر وطلقهما او مات عنهما او لم يكونا لرجل اخر والله اعلم،  افتاها الشيخ غزال الحكيم ابن رميح رضى الله عنه امين. ثم ذكر الحكيم غزال المذكور انه سال سيدنا الربيس يعقوب عن ذلك فوجدت مدهبه يقتضي الجمع بين الزوجتين بحيث لا يقصد التضارر والله تعالى اعلم“.

وارتأيت أن أقتبس هذه الفتوى أو القضية لما فيها من غرابة:

”فتوى غيرها

ما قولكم ايها السادة الفقها الاسرايليه ايدكم الله باري البرية في جماعه من المله هجم عليهم غلمان السلطنه فى بستان فى يوم السبت المقدس واخذوا لهما فرسًا وهربوا بها فخرجوا اليهم وخلصوا الفرس منهم بعد منازعه كبيره. وان واحدا من الجماعة الحاضرين ركب الفرس ورجع  بها الى البستان ماذا ترون فى امر الجماعه وفي امر الذى ركب الفرس ورجع بها افتونا ماجورين ولكم الاجر والثواب.

الجواب من اقتدى بالحق اهتدى

اما الذى خرجوا لتخليص الفرس فيجب عليهم التاديب بعد مسامحتهم لقيامهم هذه الحاله على محاربتهم العدو والذى يطلب النفس يوم السبت لان بين ذلك وبين تخليص الفرس بونًا بعيد فلا قياس ها هنا واما الذى ركب الفرس يجب عليه الحرامه بالنص المحكم والله تعالى اعلم كتبه ابو سعد ابن سعيد“ (مخطوط  Sam 80 6، ص. ٢-٣ ).

ومن مواضيع الفتاوى ننوّه بـ: حكم مبذّل يوم السبت اضطرارًا؛ الزواج من ضرّة لامرأة عم أبي امرأته؛ الزواج من مطلقة  أخي ضرّة أم امرأته؛ زواج رجل هاروني من امرأتين؛ الزواج من أخت امرأة زوج أخته؛ مسألة استعمال المساه في صنع الجبنة؛ عدم جواز زواج امرأة خال الزوجة؛ لا يجوز الطلاق إلا بوجود ערות דבר (أنظر سفر التثنية ٢٣: ١٥، ٢٤: ١)؛ مسألة شرب الخمر يوم السبت.

والجدير بالملاحظة أنّه لا ذكر لأسماء طارحي الأسئلة والاستفسارات، إذ أنّها عادة ذات صبغة عامّة، أمّا أسماء المجيبين زهاء الثلاثين فمذكورة. يشار إلى أنّ اسم الفقيه السامري المعروف، أبي الحسن (أب حَسْده) إسحق بن فرج (مرحيڤ) بن ماروث الصوري قد ذكر سبع مرّات، وينظر في ص. ١٨-٢٠، ٢٩، ٣١، ٦٢، ٦٩. ومن ضمن أسماء الفقهاء المفتين نذكر: غزال الحكيم ابن رميح (ص. ١)؛ الشيخ  السديد أبو سعيد ابن ابي الحسين ابن ابي سعيد السامري (ص. ١، ١١-١٢)؛ أبو سعد ابن سعيد (ص. ٣)؛ يعقوب بن اسماعيل الربيس (ص. ٤)؛ الحكيم النفيس (ص. ٤)؛ أبو الفرج بن اسحق المتطبب (ص. ٤)؛ الحكيم يوسف/يوسف الحكيم (ص. ٤، ٦-٨، ١٠)؛ الحكيم الشيخ غنايم ابن يوسف المتطبب (ص. ٤، ٥)؛ الحكيم غزال (ص. ٤)؛ الحكيم صدقة ابن الحكيم يوسف النابلسي (ص. ١٢)؛ الشيخ منجا (ص. ٢٠، ٢٧، ٣٢)؛ الحكيم صدقة الشاعر (ص. ٤٢)؛ يعقوب كاهن (ص. ٥، ٦)؛ أبو الفرج ابن اسحق ابن كثار المتطبب (ص. ٦-٨، ١٠)؛ يوسف بن غنايم المتطبب (ص. ٧، ٢٤)؛ الربيس يعقوب بن اسماعيل (ص. ٦، ٨)؛ الربيس هرون بن منير (قبل تأسلمه، أنظر ص. ٨)؛ يعقوب بن الجهد المتطبب (ص. ١٠)؛ أبو سعد ابن أبي الخير ابن سعد سعيد (ص. ١١، ربما كان نفس أبو سعد ابن سعيد)؛ الربيس ايتمر بن إبراهيم الكاهن (ص. ١٩-٢٠، ٣٢، ٣٥)؛ يوسف بن مشلمه (ص. ٢٠)؛ إسحق الدمشقي (ربّما كان أبو الحسن الصوري، ص. ٢٠)؛ الشيخ إسماعيل الرميحي (ص. ٢٠، ٢٣، ٢٥-٢٧، ٣٠)؛ الربيس العزر بن فينحس (ص.٢٢)؛ عبد الله الحفتاوي (ص. ٢٤)؛ الشيخ يوسف الدمشقي (ص. ٢٤)؛ الشيخ يوسف ابن عبدالله اللاوي (ص. ٢٤)؛ الشيخ يعقوب ابن أبو العز (ص.٢٤)؛ يعقوب بن هرون بن شلمه الكاهن عم خضر (ص. ٢٦، ٥٣، ٥٦، ٥٨، ٦٣، ٦٨، ٧٠، ٧٢)؛ الكاهن الأكبر فنحاس رضوان الله عليه (ص. ٣٠)؛ أبو الحسن بن غنايم بن كثار (ص.٣٠)؛ الشيخ يوسف العسكري صاحب الكافي (ص. ٣٢، ٤٨، ٦٩)؛ المولى سعد الدين بن صدقة بن كثار (ص. ٣٤)؛ الشيخ موفق الدين يعقوب ابن الجهبذ الطبيب صاحب الفرايض رحمه الله فى فريضه المظالم فى شرح ונשבע על שקר (سفر اللاويين ٥: ٢٢، ص. ٤٣)؛ أبيشع (ناجي) بن فينحس (خضر) بن أبيشع بن فينحس الكاهن الأكبر(ص. ٤٤)؛ الشيخ إفرايم بن سلامه الدنفي (ص. ٤٥-٤٦)؛ الشيخ إبراهيم ابن يعقوب ابن مرجان الدنفي (ص. ٤٧)؛ إسحق ولد سلامة الإمام (ص. ٤٨)؛ عمران ولد سلامة بن غزال الكاهن، عمّ يعقوب هرون (ص.٥١-٥٢، ٥٨)؛ سلامة بن غزال (طابيا) الكاهن (ص. ٥٣-٥٤)؛ عبد الله ابن سلامة (ص. ٨٠).

نخلص إلى القول إنّ ستّ فتاوى، كانت قد صدرت في خلال قرن ونصف، بمعدّل فتوى واحدة كل خمس وعشرين سنة. موضوع الفتاوى في الأبحاث السامرية ما زال بكرًا، وهو يستحق بحثًا شاملًا ومنفردًا، تنشر فيه كل الفتاوى المتوفّرة في المخطوطات وفي التراث السامري الشفوي في طبعة علمية وتترجم إلى لغة عالمية وتقارن بصورة عامّة بالفتاوى لدى اليهود الربّانيين والقرائين والعرب المسلمين.

أرى أن ما ورد في هذه المقالة سيكون بمثابة النواة لإعداد مثل ذلك البحث المأمول. أظنّ أن الكثير من السامريين يؤيدون الاستمرار بإصدار الكاهن الأكبر، بالتشاور مع كهنة آخرين، فتاوى مثل تلك الفتاوى الستّ، فهي تصبّ في صالح الطائفة الصغيرة. وفي المقابل هناك متشددون يعارضون أيّ تغيير أو تجديد في قضايا شرعية موغلة في القدم حسب اعتقادهم. التحدّي الأكبر هو كيفية الحفاظ على أسس العقيدة من جهة، وتحقيق الرغبة في السير مع مستجدّات الحياة المعاصرة.

 

אודות פסקי הלכה שומרוניים

On Samaritan Fatwas (Legal Opinions)

Haseeb Shehadeh

University of Helsinki

 

تقديم المترجم

"تَرَنَمْ بِلُغَةِ القُرآنْ فَروحي عَرَبِيْة" (الشاعر: مُظَفَر النَوّابْ)

سيشهد العالم أول تجربة فريدة في انقراض اللغات في عصر التقدم العلمي، أعني انقراض العربية قبل انقراض أهلها مع كثرتهم الكاثرة.

هذا البحث منشور في مجلة JSAI (2010, 37:163-188) بالانجليزية، وفيه يعرض المؤلف أسباب ضعف التحصيل العلمي في هذا المادة عند الطلبة العرب ويقدم منهجا بديلا لتدريس العربية بعد عرض سلبيات المناهج المستخدمة.

ويدافع المؤلف عن التراث النحوي العربي مفندا بذلك مزاعم بعض من يعتقد أن سبب انحطاط وتدني التحصيل اللغوي عند الطلبة العرب وكرههم لمادة النحو، راجع الى طبيعة المادة النحوية المعروضة في مؤلفات النحاة القدماء وفي مقدمتهم سيبويه الذي جرموه بتهمة باطلة. وهذا ما دفعني لترجمة البحث لتعم فائدته أكبر عدد من القراء لمن لايتمكن من الاطلاع على النص الانجليزي، آملا أنها تمكنت في توصيل ما أراد المؤلف قوله، وهذا جهد المقل .

و الهوامش جميعها من صنع المؤلف باسثناء الأرقام (1،4،10) فهي إضافة بسيطة من المترجم مقارنة بهوامش المؤلف، علماً أن هناك حاجة لهوامش أُخرى آثرتُ عدم إضافتها لانها تثقل النص. أرفقتُ المصادر إتماما للفائدة المرجوة من الاطلاع على هذه الدراسة . الأمر الآخر هو أن الإقتباسات من كتابات النحاة القدماء موجودة أصلا في البحث. وكل ما موجود بين شارحتيّن - - هو من إضافة المترجم، أما الموجود بين قوسين()، باستثناء المقابلات الانجليزية، فهي من وضع المؤلف بما فيها إحالاته على مصادر الدراسة.

وبسبب تشارك كلمة ال (phrase) وال (clause) في التعبير العربي، تركتُ الأولى دونما مقابل - بينما ذكرت مقابل الثانية ألا وهو " العبارة" والتي تعني بصورة أدق الجملة البسيطة - خاصة عندما تأتي بصيغة مفردة، على أن المؤلف استخدم تعبير " المركب" الذي استعاره من الفاسي الفهري (1993) كما ذَكَرَ في متن البحث، فقال بالمركب الإسمي ونحوه.

 

نص البحث

1 - مثلما هو معلوم لا يفتتح سيبويه كتابه بمقدمة يشرح فيها الغرض من تأليف كتابه العظيم: فانشغال كتب النحو منصبٌ عادة على وصف تركيب لغة ما وتحليلها، حيث تتباين طرق الوصف والتحليل. والشائع في شروحات النحو هو انطلاقها من تركيب مفترض، مثلا "أن جملة س تتالف من فعل وفاعل و مفعول به ." على أن من كتب النحو ما هو مخصص للأغراض التعليمية كتعليم الطالب الإستعمال الصحيح للغة ما (اللغة الام أو سواها)، أو في حالات أُخرى، عرض تركيب اللغة لأغراض نظرية –أكاديمية-، أو لأغراض عملية لتسهيل، مثلا، فهم صعوبات النصوص المعقدة، وعلى وجه الخصوص المكتوبة منها .

ونظرة عجلى لكتاب سيبويه تكفي للتدليل أنه كتاب نظري أكثر منه تربوي تعليمي. وإن تناول سيبويه للنحو يتم في إطار مجموعة أَسس وأحكام استخدمها في صياغة نظرية نحوية محكمة ومتناسقة، ألا وهي نظرية العمل التي تشغل موقعا مركزيا في الجزء المتعلق بالقواعد (syntax) من الكتاب (Peled 2009:410). علاوة على هذا، نجد أن سيبويه في مواضع كثيرة منشغلٌ بكيفية صياغة تركيب معين أكثر من انشغاله بتحليل هذا التركيب إلى مكوناته، وتبيان وظيفة كل مكوِن. فالفصل العاشر مثلاً (الكتاب، مج1، ص 10f)، حيث يناقش مستعرضاً تتمة- تكملة- المفاعيل المختلفة في الجملة الفعلية، افتتحه بالقول : "هذا باب الفاعل الذي يتعداه فعله الى مفعول." لن أشغل نفسي هنا باشكالية استعمال المصطلحات (انظر في ذلك: Levin 1979، Peled 1999). ما يهمنا هنا هو نقطة انطلاق سيبويه بأن تاثير الفعل، في مثل هذه الحالات، يتعدى فاعله. فهو يشير الى عملية التعدي، بما تتضمنه من الإعراب[1]،والتي تكون نتيجتها النهائية جملة مكونة من فعل وتتمة –تكملة-، والتتمة مكونة من إسمين، أحدهما مرفوع والآخر منصوب (ضربَ عبدُاللهِ زيداً) .

وعليه فكتاب سيبويه ليس كتاباً مدرسياً وهو مايدل عليه حجمه وطريقته النظرية في المعالجة. ومع هذا، يلحظ المرء في السنوات الراهنة، بسبب القلق المتزايد عند المشتغلين بالتعليم والمتخصصين –الاكاديميين- في العالم العربي حول مستوى التحصيل المتدني لطلاب المدارس الثانوية والجامعات (فيما بعد: الطلبة العرب) في دراستهم للعربية المكتوبة (الفصحى: فيما بعد العربية)، أن هناك اتجاها يضع اللوم على النحاة وعلى وجه الخصوص سيبويه باعتباره الشخص الذي "قَعّدَ " أُسس اللغة. ونجد أزاء هذا الفهم موقفا أكثر اعتدالا وإنصافا كالذي عند رمزي البعلبكي (2004) في ملاحظاته النقدية بخصوص العلاقة بين الدراسة المعاصرة للنحو العربي من جهة،ومن جهة اخرى، الفكر النحوي العربي في القرون الوسطى. وفيه يعرض البعلبكي، من خلال تركيزه على تدريس اللغة، بعض الحلول المستمدة من نظرته الشخصية عن تعليم اللغة، وسأعود الى هذه المسالة لاحقا.

هدفي من هذا البحث يتركز على بحث الأُمور التالية:1– تلخيص رؤية المنتقدين والذين يرْثون لحال اللغة العربية الراهن والتحصيل المتردي لمتعلمي هذه اللغة، 2- استعراض طبيعة كتب النحو العربية القديمة، 3 – اعطاء وتقديم بعض الأمثلة عن كيفية معالجة الكتب المنهجية المعاصرة لتراكيب معينة للتلاميذ العرب، وأخيرا 4- اقتراح منهج بديل يعتمد بالمثل على كتابات النحويين لكنه منهج مُعدل يلائم مهمة تعليم النحو العربي ويكون تبعا لذلك أكثر جاذبيةً وتشويقاً للطلبة في دراسة اللغة.

2- يوضح رمزي البلعبكي في بحث له (2004:85) عن تدريس العربية في الجامعات "إن مقياس تمكن طلبة الجامعات من اللغة العربية [....] أخذَ بالتدهور بصورة شديدة ومستمرة خلال العقود القليلة الماضية." وغالبا ما يشير المشتغلون بالتعليم إلى نفور الطلبة من مادة النحو، وقلة اكثراتهم به، ليصل الأمر الى عدم رغبتهم بتعلم العربية. ونشأ عن هذا الوضع في السنوات الحالية نقاش جدي لبحث مسببات هذه المشكلة وتقديم الحلول التي تركز على ترغيب مادة النحو.

يرى بعض المنتقدين أن أصل المشكلة ومصدرها يكمن في اللغة العربية نفسها. فيعتقدون أن العربية، بخلاف اللغات الاوربية المعاصرة مثل الإنجليزية والفرنسية، لغةٌ معقدةٌ جداً يصعب على المتعلمين فضلا عن الإنسان العادي استخدامها في شؤون الحياة اليومية. ومَنْ هو المسؤول المذنب عن هذا الوضع المزري ؟ جواب المنتقدين واضح صريح: النحاة العرب القدماء. واللومَ يلقونه أولاً وأخيراً على عاتق سيبويه الذي وصفه بعضهم مثل زكريا أوزون (2002) وشريف الشوباشي (2004) بأنه المسبب (!) في وضع وإيجاد هذه الضوابط النحوية المعقدة التي يعاني منها العرب قُراءاً وكُتاباً الى يومنا الراهن. [2] ويعتقدون أن هذه الضوابط من أسباب مشكلات تعلم النحو العربي، فضلا عن كراهية تعلمه ولذا يتوجب إعادة صياغتها باعتبارها جزء من اصلاح شامل للغة.[3] وسيؤدي هذا، حسب منطقهم، لاستنهاض هِمَمْ التلاميذ لتعلم اللغة مما سيحسن الاداء و سيمكنهم بالنهاية من استعمال اللغة في شؤون الحياة اليومية. وبطلبهم اجراء اصلاح في اللغة، يؤكدون أن اللغة العربية ليست مقدسة ولاتختلف عن باقي اللغات، فضلا عن أن كتاب سيبويه ليس نظير القرآن. وحقا، فإن عنوانات كتبهم تنطق بتلك الدعوات (انظر قائمة المصادر) . في الفقرة الحالية سأركز على مايقوله الشوباشي وعلى نقد رمزي البعلبكي (2004) لطريقة تدريس النحو العربي الراهنة. وسأتناول في الفقرة رقم 4 بعضاً من الأمثلة التي طرحها زكريا أوزون.

يلقي الشوباشي (ff 2004:197) باللائمة، حول وضع اللغة العربية الحالي، على العناصر الدينية المحافظة في المجتمع والتي أعاقت عبر التاريخ كل محاولة لتطوير اللغة واصلاحها، بل كل محاولة توجهت نحو تيسير اللغة كي تناسب العصر. ويؤكد الشوباشي (ص 201) بأن مثل هذا الاصلاح لايعني جوهر اللغة اطلاقا، بل يجب الحفاظ عليه باعتباره إرثاً قومياً. ويقدم الشوباشي جملة اقتراحات لتسهيل اللغة من خلال ادخال بعض التغييرات والتعديلات شبيهةً بوضع اللهجات العربية (مثلما أيضاً في بعض اللغات الهندو اوربية). نقدم هنا عرضا نقديا لبعض أمثلته (الشوباشي ص 202-217): 

1.يعتقد الشوباشي محاججا أن الفهم الصحيح للنص العربي يعتمد أساساً على علامات الإعراب. وبما أن النص العربي يخلو عادةً من الحركات (short-vowel markers)، فان علامات الإعراب غالبا ما تكون غائبة، وهو الأمر الذي يتسبب أحيانا في صعوبة تحديد الوظيفة النحوية لمكوِن معين من مكونات الجملة، وعلى وجه الخصوص التفريق بين الفاعل والمفعول به. وبالإمكان حل هذه المشكلة بادخال ضابط –قاعدة- أساسه هو أن وظيفة مُكَوِنْ ما يُحَدَدْ بموقعه في الجملة وليس بعلامة إعرابه بطريقة شبيهه لما موجود في اللهجات . وبالتأكيد فإن الشوباشي يعلم، أنه في العربية المعاصرة المكتوبة، أن الجملة الاسمية (فاعل-فعل- مفعول) هي النمط الشائع في ترتيب الكلام، وفي حالة الجمل الفعلية (فعل،فاعل، مفعول/ فعل، مفعول، فاعل) هناك وسائل اخرى يتمكن من خلالها القارئ تحديد وظيفة المكون، مثلا، معنى الكلمة وحرف الالف الذي يشير للمفعول النكرة.

2.قد تعبر كلمة واحدة عن جملة كاملة، مما يصعب على القارئ فهمها. غير أن هذه الدعوى مردودة لأنه حتى في فصحى التراث يندر وجود جمل مثل جملة "ناولنيه". في لغة الكتابة العربية المعاصرة، مثلما في اللهجات، نجد أن التركيب الشائع هو " أعطاني اياه". أما التراكيب التي تتكون من فعل و ضمير المفعول فانها تكوَن جملة كاملة في العربية المنطوقة والمكتوبة على حد سواء (رَأيتهُ، شفتو). لذلك بالكاد أن يجد المرء أن هذه الخاصية تؤثر على قراءة النص العربي.

3.صيغة المثنى في العربية فائضة وظيفيا: إذ تستطيع اللغة بسهولة التعبير بالمفرد والجمع كما هو الحال في معظم لغات العالم. وبالمثل، يرى الشوباشي عدم وجود سبب وظيفي للتفريق بين المذكر والمؤنث في الأعداد، وبالمثل ليست هناك حاجة لصيغة خاصة لجمع المؤنث. والتغيير المطلوب أن يكون على غرار الموجود في اللهجات حيث أن (إللي) يعمل بكونه ضمير الوصل الوحيد بغض النظر عن عدد وجنس الاسم الرأس(head noun). رداً على هذا، نقول أن الكتاب العرب عادة مايستعملون، في حالات كثيرة، الجمع بدلا من المثنى (يكتبونَ بدلا من يكتبانِ)، وأحيانا يستخدمون صيغة المذكر بدلاً من المؤنث. ما أود تبيينه هنا هو عدم الحاجة لأي اصلاح أو تعديل: فاللغة تتغير بصورة طبيعية بهذا الإتجاه، وبمرور الوقت سيصبح الاستعمال الذي أشرنا اليه، باعتباره خاصية نحوية للعربية، مقبولاً وسيدخل فيما بعد في كتب النحو.

4.  بينما يدعو الشوباشي الى اصلاح في اللغة العربية باعتباره حلا للوضع الراهن بين مستخدميها، نجد أن رمزي البعلبكي (2004) يركز على الأبعاد التعليمية للمشكلة موضحا أن طرائق تدريس اللغة هي التي بحاجة لتغييرات جوهرية. وهو يشير الى أربعة أوجه تسود تعليم اللغة وتدريسها في الجامعات: 1-التمسك بطرق نحاة القرون الوسطى في البحث والتعليل،2 – انعدام التركيز على المعنى في دراسة النحو،3 - الاعتماد على الرسم –الكتابة- العربي في عدد من الضوابط العربية المغلوطة،4- قلة الدراسات المقارنة بين اللغات السامية.

نعتقد أن العامليَّن الأوليَّن، مع تقديرنا للعامليَّن الاخيريَّن، هما أكثر صلة ببحثنا هذا. في الفقرة رقم 4 آمل ان أوضح أن طريقة تدريس العربية في الكتب المنهجية المعاصرة للناطقين بالعربية لا تمثل في حالات كثيرة تمثيلا مَرْضِياً ومقبولا مناهج النحاة العرب في القرون الوسطى. وحقاً ليس بوسع المرء حتى أن يأمل من المناهج المعاصرة أن تقتفي أثر تعليل النحاة، ناهيك عن تعليل سيبويه. غير أنه من المنطقي أن تجد في حلقة دراسية جامعية – سمنار- مخصصة للنظرية اللغوية العربية أن يتطرق الباحث إلى الحديث عن كتابات النحاة القدماء وكذلك الكتب المعاصرة التي تهتم بالموضوع. غير أنه ليس هناك مسوغ البتة أن يشغل طالب، يدرس النحو العربي لأغراض تطبيقية عملية، نفسه بنظرية العمل مثلاً.

ونعرف أن عدداً من النحاة ألفوا كتبا لأغراض تعليمية، لكن هذا لاينطبق على غالبية كتابات النحاة، ولا على كتاب سيبويه بالطبع. كما أشرنا فسيبويه ليس إلا لغوي مجال اهتمامه إلى حد بعيد القضايا النظرية في عملية تكوين الجملة في العربية، ولم يَسْعَ لتحليل تراكيب العربية من وجهة تعليمية، ناهيك عن تقديم وتأليف دليل إرشادي للاستعمال اللغوي الصحيح. لايمكن للمرء أن "يلوم" المعاصرين من مؤلفي الكتب المنهجية لاتباعهم كتاب سيبويه أو أي من المؤلفات النظرية في التراث اللغوي. علاوة على هذا، من الصعب القول إن المناهج المعاصرة معتمدة على المؤلفات التعليمية القديمة -القرون الوسطى- : في الفقرة رقم 3 سأوضح أن المناهج النحوية القديمة -القرون الوسطى - هي أساسا تلخيص لمبادئ النظرية الأساسية المعروضة في كتابات النحاة. لذلك فكتب النحاة القدماء التعليمية، حالها حال كتاب سيبويه، لاينفع اتخاذها مثالا لإعداد دليل يرشد الطالب في معالجة الصعوبات التي يواجهها في النصوص العربية المعقدة. في الفقرة رقم 4 سأُبين كيف أن الكتاب المعاصرين أحالوا واختزلوا فعليا الكتابات النظرية للنحاة القدماء إلى مجموعة قواعد مستخدمين مصطلحاتهم دون الاشارة إلى المبادئ النظرية لهذه المصطلحات. فلا عجب إذن مما شاع عن تصوير موضوع النحو العربية انه شكلي (formal)[4]، ويبعث على البرم وصعب وماشابهه من التوصيفات[5]. فبالنسبة لطالب لايعرف شيئا عن نظرية العمل، تبدو له مصطلحات التقدير والحذف بانها نوع من الوهم (حسب تعبير أوزون- انظر أوزون 108،30 : 2002، قارن البعلبكي 267-264 :2004) . وحقا، لايُفترض بكتاب نحوي في المرحلة الإعدادية أو الجامعية أن يتطرق الى أُسس النظرية اللغوية. بل بالأحرى، يجب إعداد الكتاب المنهجي بحيث يحتوي أدوات التحليل اللازمة لمساعدة الطالب في فهم الصعوبات التي تواجهه في قراءة مقاطع معقدة في لغة غير لغته الام.

 ويشير البعلبكي ممتعضاً (86 :2004) أن مؤلفي الكتب المنهجية يتبعون كتابات النحاة، الذين جاءوا بعد عصر سيبويه، في التركيز على الامور الشكلية للنحو، وعلى وجه الخصوص الإعراب، دون إيلاء الأهمية اللازمة للأبعاد الدلالية في دراسة اللغة. وحقا، فإن كثير من المؤلفات النحوية بعد سيبويه، بالأخص تلك المُعدة للأغراض التعليمية، تعتمد أساسا على الأبعاد الشكلية للغة. ولكن أليس هذا هو جوهر الدراسة النحوية؟ وهل ان " الشكلي" بالضرورة نظير ومرادف لغير المشوق والممل وعديم الفائدة؟ في رأيي، إن دراسة تركيب لغة ما يعود على الطالب بمردود فكري رائع شريطة أن تلبي طريقة التدريس والتعليم في الاقل أحد الأمريَّن التالييَّن:(1) ان يُوَضَحَ للطالب كيف أن تراكيباً مختلفة تتبع ضوابط محددة هي ذاتها مستمدة من مبادئ أساسية،(2) ان تُقَدَمْ دراسة النحو للطالب على أنها آلية أو أداة فعالة تنفع في فهم النصوص المعقدة في العربية. ومن الواضح أن الشرط الثاني هو المهم في اعتبار الأغراض التطبيقية لتعليم العربية. وسأعود لهذه المسألة في الفقرة5 .

يُعتبر التراث النحوي العربي أحد أهم إنجازات الثقافة العربية الإسلامية بشهادة كل من متخصصي العربية من غير أهلها (Arabists) واللغويين على حد سواء. ولكن لاتثريب أن تكون مؤلفات النحاة القدماء، حالها حال أي نص أخر، محل نقد بله يجب أن تكون محل نقد. غير أن تحميل النحاة مسؤولية الواقع الراهن لتدريس العربية للناطقين بها إنما هو بلا شك لومٌ في غير محله. أضف لذلك، أن مؤلفات النحاة تقدم الكثير لتعليم العربية. ولقد أثبت علم اللغة الحديث فائدته لتعليم اللغات في أيامنا هذه ومن بينها بلا شك تعليم العربية (كتابة ونطقا). وعلى وجه الدقة، بما أن مؤلفات النحاة القدماء هي أعمال لغوية بالمفهوم المعاصر للكلمة، فيمكن تطبيق بعضاً من طرقهم، مع تعديلات تعليمية لازمة، في مناهج تعليم النحو العربي. في الفقرة 4 أدناه سأُبين أن ما نحتاج تغييره هو ليس التراث النحوي العربي بل بالأحرى المناهج الحالية للمؤلفين المعاصرين الذين ثبت فشلهم في الإستفادة من إنجازات النحاة في انتاج وتقديم كتب منهجية عملية، وفي الوقت نفسه موجهة لغويا، لدارسي العربية من أبناءها. سيتبع هذا، في الفقرة 5 بعض الإشارات المنهجية الخاصة بالمنهج المقترح لتدريس النحو العربي. ولكن قبل تناول التعليم المعاصر، دعنا ننظر في كتابيَّن من كُتب النحاة القدماء.

3 – مثلما بيَّنا في أعلاه، في العصور الوسطى شاعت الكتب التي تتناول وتعالج قضايا النحو العربي.[6] وبعض هذه الكتب ألفها نحاة كبار مثل ابن جني (ت 1002) وابن الانباري (ت 1187) الذين اكتسبوا صيتهم من اشتغالهم بالامور النظرية للغة. في مقدمته لكتاب أسرار اللغة (ص2) يُبيّن ابن الانباري :

فقد ذكرت في هذا الكتاب [...] كثيرا من مذاهب النحويين المتقدمين والمتأخرين من البصريين والكوفيين وصححت ما ذهبت إليه منها بما يحصل به شفاء الغليل و أوضحت فساد ما عداه بواضح التعليل ورجعت في ذلك كفه إلى الدليل وأعفيته من الإسهاب والتطويل وسهلته على المتعلم غاية التسهيل.

في النص أعلاه، لانجد أي إشارة الى هدف تطبيقي يذكره ابن الانباري من مثل تزويد المتعلم بما ينفعه في النصوص العربية المعقدة. ماشرع به المؤلف هو تناول نفس المسائل النظرية التي عالجها من سبقوه، وإن كان بطريقة مختصرة ومبسطة لتيسير فهمها على المتعلم. علاوة على هذا، فجهده في تقديم شرح غير مطول ومباشر لم يمنعه، مثلما هو يشير، من أن يتخذ موقفا في الأمور الخلافية، ذاكراً الدليل الذي يسند آراءً مُعينة وينقض أُخرى.

لغرض التبيين، دعنا نتناول كيفية عرض ابن السراج (ت928) للمبتدأ في كتابه المشهور" كتاب الاصول في النحو. " ومن ثم مقارنته بما عرضه ابن الانباري (الأسرار) وابن جني (اللمعة) بخصوص نفس المفهوم، أي المبتدأ.

في الأُصول في النحو(مج 1، ص 58) يقدم ابن السراج المبتدأ على الوجه التالي:

 المبتدأ: ما جردته من عوامل الأسماء ومن الأفعال والحروف وكان القصد فيه أن تجعله أولًا لثانٍ مبتدأ به دون الفعل يكون ثانيه خبره ولا يستغنى واحد منهما عن صاحبه وهما مرفوعان أبدًا فالمبتدأ رفع بالابتداء والخبر رفع بهما نحو قولك: الله ربنا ومحمد نبينا والمبتدأ لا يكون كلامًا تامًّا إلا بخبره وهو معرض لما يعمل في الأسماء نحو: كان وأخواتها .......

وانظر التالي لتعريف ابن الانباري للمبتدأ (الاسرار، ص66):

إن قال قائل ما المبتدأ قيل كل اسم عريته من العوامل اللفظية لفظا و تقديرا.

فالطالب غير المطلع على نظرية العمل، لايفهم تماما تعريف ابن الانباري للمبتدأ. ويسهب ابن الانباري في شرحه لتبيين الفرق بين العوامل اللفظية والعوامل المعنوية. ويتبعه شرح نظري اضافي (بصيغة سؤال و جواب) عن المسائل الخلافية المتعلقة برفع المبتدأ، ومفهوم التعري من العوامل اللفظية، والتقديم والتأخير، إلخ..

يبدو لذلك، ان كتاب ابن الانباري ربما قد استخدمه الطلبة في العصور القديمة، فضلا عن العصر الحالي، لفهم المبتدأ حسبما عرضه سيبويه (مج1، ص 239) وابن السراج (المذكور في أعلاه). مثلما رأينا، كان هذا هو غرض ابن الانباري من تأليفه أسرار العربية، ولم يكن غرضه أبدا أن يكون دليل (Manual) تطبيقي يرشد الطالب لفهم صعوبات النصوص المعقدة.

لنعد الى ابن جني، فنقرأ في اللمعة (ص 12) التالي:

اعلم أن المبتدأ كل اسم ابتدأته وعريته من العوامل اللفظية، وعرضته لها، وجعلته أولا لثان يكون الثاني خبرا عن الأول ومسندا إليه. وهو مرفوع بالابتداء، تقول: زيدُ قائمٌ، ومحمد منطلقٌ ف زيد، ومحمد مرفوعان بالابتداء وما بعدهما خبر عنهما.

وهكذا نرى وجود عناصر مشتركة في الإقتباسات الثلاثة في أعلاه. قارن مثلا عرض ابن جني للبمتدأ مع عرض ابن السراج، فكلاهما يتطرقان للخواص التالية: التعري من العوامل اللفظية، ولكن التعرض لها (نقيض العوامل المعنوية)، عدم الإستغناء عن الخبر، وعامل رفع المبتدأ.[7] وجملة القول، إن مؤلفات النحاة القدماء وهي تستعرض بإيجاز لا لبس فيه الأسس النظرية للنحاة، لم يكن هدفها تقديم مرشد عملي (Manual) لمتعلمي العربية الفصحى. لان هذا الأمر يكون قد تطلب آنذاك، مثلما يتطلب اليوم، منهجٌ تعليميٌ مختلفٌ.

4- نأتي الآن إلى الكتب المعاصرة مثل كتاب الانطاكي وتلك التي أشار إليها زكريا أوزون (2002)، حيث تتناول هذه الفقرة تبيان المناهج الحالية في تعليم النحو العربي للناطقين بها واقتراح خطة بديلة. سأورد ستة أمثلة متمعنا في كل حالة مشاكل المناهج الراهنة وإيجابيات النظام المقترح لطلبة النحو العربي. سأحاول أن أُبين أن الطريقة المقترحة مفيدة للطالب فضلا عن كونها متسقة مع التراث القديم بدون فرض أية مفاهيم خلافية لاتساهم بتعليم اللغة وتعلمها. استقيتُ الأمثلة من كتاب زكريا أوزون (2002) ومن كتاب الانطاكي " المنهاج في القواعد والاعراب." ويبدو أن هذيَّن الكتابيَّن يمثلان الطريقة المتبعة حاليا في تدريس النحو العربي للطلبة العرب. وعلينا ذكر أن كتاب الانطاكي هو كتاب منهجي بينما كتاب زكريا أوزون هو نقد لذلك المنهج.

تأمل الجملة التالية:

1.خالدٌ قائد ٌ بطلٌ لا يهاب الأعداء[8] (أوزون 2002:27).

خالد: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في اخره.

قائد:خبر أول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في اخره.

بطل: خبر ثان مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في اخره.

لا يهاب الاعداء: جملة فعلية في محل رفع خبر ثالث.

وقبل التمعن في التحليل التركيبي أعلاه، نلحظ إشارة منهجية بالتعاقب ألا وهي التعبير التالي: "وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في اخره." في نص خالي من حركات التشكيل، الضمة ليست ظاهرة. ويجب تعليم الطالب كيفية تقدير وتحديد الوظيفة النحوية لمكوِن ما بغياب علامات الإعراب. من الواضح أن علامة الإعراب تحددها الوظيفة النحوية للمُكَوِنْ والذي بدوره يُحددْ بواسطة عوامل اُخرى مثل ترتيب الكلمة، التطابق النحوي وغيرها. بمعنى آخر، القراءة الصحيحة للنص هي نتيجة تحليل صحيح والذي ينتهي إلى فهم صحيح- و العكس ليس صحيحاً بالمرة.

الملفت للنظر في التحليل السابق هو غياب مفهوم ال (Noun Phrase). يشيرOwens(1988:158-159) لوجود " مايدل على إدراك النحاة لل (NP) باعتباره وحدة تركيبية". وفعلا، أن تأكيد سيبويه (مج1،ص 221، وقارن أيضا الاسترابادي، مج2، ص 307-308 ومصادر Owens) أن في التركيب التالي: " هذا الرجل منطلق"، ف الرجل صفة لهذا وهما بمنزلة اسم واحد كأنك قلت هذا منطلق.

__ وهذا التأكيد لايترك مجالا للشك أن سيبويه فهم " هذا الرجل" باعتباره وحدة تركيبية حتى لو لم يتحدث عن فئة تركيبية مثل ال (NP)، مثلما يشير Owens(1988:161). وقد يحاجج أحدهم بأن سيبويه قد يَعتبر "قائد ٌ بطلٌ لا يهاب الأعداء" وحدة تركيبية حتى لو كان قد أشار احتمالا الى قائد ٌ فقط باعتباره خبر الجملة. على أية حال، أن تحليل قائد ٌ، بطلٌ، ولا يهاب الأعداء إلى ثلاثة أخبار متتالية ليس له أساس في المشهور من كتب النحو في العصور الوسطى. علاوة على هذا، فعموم النحاة القدماء يدركون أن وظيفة الخبر هو إعطاء معلومة جديدة عن المبتدأ (أنظر شرح ابن يعيش، مج1/ ص85-86، وقارن Peled 2009:111f). وحسب هذا المبدأ، يجب تعليم الطالب أن الجملة الاسمية تنقسم الى وحدتين، مبتدأ وخبر، حيث الأخير-الخبر- يتكون، بالأساس، من كل المكونات التي تقع خارج نطاق الاول- المبتدأ (بافتراض ان المبتدأ، باعتباره مركب اسمي(NP)، يتكون بالمثل من رأس تتبعه تتمة- انظر التالي). يبدو،إذن، أن تحليل بطل بكونه صفة ل قائد، و لايهاب الاعداء جملة صفة ل قائد بطل يمثل خير تمثيل موقف النحاة العرب بخصوص جمل من النوع المذكور في (1) أعلاه.

ويبدو لذلك أن التحليل المقترح في أدناه (1a) لايفترق جوهريا عن تحليل النحاة العرب. غير أن مفهوم ال(PHRASE) يستوجب إدخال بعض المصطلحات اللغوية غير الموجودة في كتابات النحاة القدماء. إن فكرة ال (phrase) تفترض مسبقا وجود مكون رأس وتتمة- تكملة-. بهذا الخصوص أقترحُ استعمال مااصطلحه الفاسي الفهري (1993) مركب اسمي مكون من رأس وصفة. في حالة الإضافة، يمكن استعمال المضاف ليشير للرأس أما المضاف اليه فيشير للتتمة . وال (adjectival phrase)، حيث الرأس هو الصفة، فنشير اليه بالمركب الوصفي. وأخيرا، يمكن استخدام المركب الحرفي للإشارة لل (prepositional phrase)، حيثالرأس هو حرف الجر الذي يعمل على العنصر الإسمي. أما مفهوم ال (verb phrase) فلا حاجة لإدخاله في نظامنا هذا لأن ال (verb phrase) في العربية المكتوبة لها موقع الclause–العبارة-، مع إمكانية أن تعمل باعتبارها جملة مستقلة.

 يمكننا الآن من اقتراح تحليل بديل للجملة (1) السابقة: 

1055-zayd1

تكمن إيجابية التحليل في الشكل أعلاه [9] في إظهاره بوضوح علاقات التركيب (constituency) علاوة على العلاقات الأفقية (syntagmatic) بين مكونات الجملة. إن هذا النوع من التحليل، الذي يوضح تركيب الجملة، يؤدي بالطالب الى فهم محتوى أو معنى الجملة. وكلما إزداد تعقيد الجملة، تَوَضَحَ أكثر دور التحليل التخطيطي (graphic analysis) في عملية التفكيك.

دعنا الآن لتحليل مثالنا التالي:

2.المدينة شوراعها نظيفة.

تحليل أوزون هو كالاتي:

المدينة: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في اخره.

شوراعها: شوراع مبتدأ ثان مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في اخره، والهاء ضمير متصل في محل جر بالاضافة.

نظيفة: خبر شوراع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في اخره.

وجملة (شوارعها نظيفة) جملة اسمية في محل رفع خبر المبتدأ الاول (المدينة).

إن التحليل(2) أعلاه، مثل تحليل الجملة (1)، يختزل الجملة الى قائمة من الكلمات، وحقا إلى قائمة مورفيمات، تُعالَجْ بصورة منفردة. وكما لاحظنا، فبينما أخفق التحليل حسب الفهم النحوي القديم للجملة (1) في النظر ل " قائد بطل لا يهاب الاعداء" باعتباره مركب اسمي noun phrase، نجد أن التحليل للجملة (2) يعتبر "شوارعها نظيفة" كونها عبارة خبرية-جملة خبر (clausal khabar) للمدينة . إن الاشارة الى (topic)[10] عبارة الخبر باعتباره مبتدأ ثاني نجدها عند النحاة القدماء (أنظر على سبيل المثال، شرح ابن يعيش، مج 1، ص 89، حيث يشير ايضا لمبتدأ كل الجملة على انه مبتدأ أول). و التحليل التخطيطي –الصورة-، كما نراه في أدناه، يوضح مصطلحات مثل مبتدأ أول ومبتدأ ثان لأنه يُظهر بصورة جلية الفرق من الناحية النحوية بين المدينة وشوارعها، بمعنى آخر يُبين التحليل أن " نظيفة" تعمل خبر للشوارع وليس للمدينة.

1055-zayd2

 

لاحظ أن التحليل (2a) لا يشير الى الضمير (ها) في شوارعها. وسبب ذلك بوضوح هو ان كل ضمير متصل بإسم يعمل باعتباره مضاف اليه، يعني، في محل جر بالاضافة. بالمثل، أرى من غير الضروري ذكر الحالة الإعرابيةلكل مكوِن من حيث الرفع والنصب والجر، لانه من الواضح أن المبتدأ والخبر يتخذان حالة الرفع. لكن الأمر مختلف حين تبتدأ الجملة بأدوات إن أو كان وإلى آخره. وفي هذه الحالات يستخدم المرء مصطلحات اسم إن، وخبر كان، والتي توضح الحالة الإعرابية. إن القول أن " شوارعها نظيفة" في محل رفع خبر، هو ترديد لصدى افتراض النحاة أن الخبر بالاساس هو phrase (مفرد) وأن عبارة الخبر-جملة الخبر (clausal khabar) هو تركيب ثانوي (فرع)، ولذلك بالقياس هو في محل رفع. غير أن لنا حق التساؤل هل من داع لإدخال هذا التفصيل في التحليل المطلوب. جوابي بالطبع بالنفي، لان الطالب غير مطلع (ولا مطلوب منه أن يطلع) على المبدأ الذي يتضمنه التعريف جملة اسمية في محل رفع خبر المبتدأ الاول.[11]

 في مثالنا الثالث، يحتل تركيب الجار والمجرور موقع الخبر:

 (3) الطفلُ في المنزلِ (أوزون2002:29).

 تحليل المنهج القديم هو كالاتي:

الطفل:مبتدأ مرفوع وعلامة رفع الضمة الظاهرة في اخره.

في المنزل: جار ومجرور متعلقان بخبر محذوف تقديره(كائن).

إن جملاً مثل هذه (3) مثلت معضلة نظرية كبيرة لنظرية العمل عند النحاة القدماء: ماهي الوظيفة الحقيقيّة للجار والمجرور "في المنزل" وماهو العامل الذي يُعيّن حالته الإعرابية. في حالات مثل (1) سابقا، أن المبتدأ والعبارة الاسمية التي تليه يحيلان بعضهما على بعض coreferential، لذلك قائد يمكن تحليله على أنه خبر له نفس حالة الرفع مثل المبتدأ. أما في الحالات التي تشبه (3)، فيُلحظ أن الجار والمجرور لايحيل على المبتدأ: بل بالأحرى يحمل خاصية عن الطفل في تعيين مكان الطفل. بعض النحاة المتأخرين قالوا أنه لايمكن أن يعمل بكونه خبر حقيقي وبالتالي يستحق حالة النصب. ولأنه أستحق حالة النصب بتأثير فعل، فافُترض وجود عامل فعلي مقدر هو استقر/ مستقرٌ، ولكن أيضا كائنُ أو حالُ وغيره.[12] واعتبر النحاة هذا العنصر المقدر أنه الخبر " الحقيقي"(لمزيد من الشرح، أنظر Peled,2009:252-255).

 وفعلا، فهذه قضية خلافية بين النحاة، للحد الذي اعتبر بعضا منهم جملا مثل (3) أنها تمثل نوعا قائما بذاته.[13] ومما لا يمكن إنكاره، أن فكرة وضع عنصر مقدر لتعليل خبر منصوب (يعمل باعتباره حال) إنما تعود الى سيبويه (أنظر الكتاب، مج1، ص 223-222). ولكن في باب الابتداء (الكتاب، مج1، ص239)، يُبيًن سيبويه بأوضح طريقة ممكنة أن المبتدأ ربما يليه ثلاثة أنواع من المبني عليه[14] (= الخبر): شيء هو هو(يعني يحيل على المبتدأ)، [أو يكون في] مكان(ظرف مكان)،[أو] زمان (ظرف زمان).[15]

ووفقا لما شرحناه في أعلاه، لا أجدُ سبباً في عدم تبني التحليل البسيط التالي للجملة (3):

1055-zayd3

 ما إن يتعرف الطالب على مفهوم المركب الحرفي (prepositional phrase)، فلا مُسَوِغَ للإشارة إلى كل من الجار (في) والمجرور (المنزل) كل على حدة: في مثل هذا المركب، فالإسم مسبوقاً بحرف جر يدل على حالة الجر. الفائدة الرئيسية في مثل هذا التحليل، على خلاف التحليل الذي ذكره أوزون، هي عدم حاجة الطالب لمعرفة الخلاف الناشب بين النحاة القدماء حول وضعية المركب الحرفي في مثل هذه الجمل. إذ يجب تأجيل دراسة مثل هذه الأمور وطرحها في إطار حلقة دراسية – سمنار- حول كتابات النحاة القدماء. وعلى أية حال، كما رأينا للتو، فإن تحليلنا المقترح متفقٌ ومتسقٌ مع تحليل سيبويه ولا يمكن الإدعاء أنه يخالف التراث النحوي القديم.

 تأمل المثال الرابع:

(4) أخوك حسن وجهه (الانطاكي، ص 30). وتحليل الانطاكي كالاتي:

 أخوك: مبتدا مرفوع بالوا لانه من الاسماء الخمسة والكاف ضمير متصل في مجل جر مضاف اليه.

 حسنٌ: خبر مرفوع بالضمة.

 وجهُه: فاعل للصفة المشبه (حسنٌ) مرفوع بالضمة والهاء ضمير متصل في محل جر بالاضافة.

بالكاد يتفهم المرء سبب التحليل المفصل لكلمة "أخوك" بدل الاكتفاء بتبيان وظيفتها أنها مبتدأ. يمكن الافتراض أن الطالب الذي يحلل أخوك باعتباره مبتدأ قد شخص الواو أصلا في هذه الكلمة على أنها علامة الرفع. وأي إحالة للضمير"ك" (فضلا عن الضمير المتصل هُ في وجهُه) إنما يقع في خانة الفضلة والحشو، مثلما أشرتُ سابقا (قارن مثال 2a).

وما إن نقبل تعريف الخبر على أنه مكون إسنادي يمثل المعلومة الجديدة حول المبتدأ، يتوجب علينا تحليل " حسن وجهه " على أنه خبر " أخوك". ولكن ماهي العلاقة النحوية بين وجهه و حسن ؟ هنا يختلف النحاة. إدعى بعضهم أن حسن، لكونها تقابل الصفة المُشَبَهة بإسم الفاعل (active participle)، فلها معنى الفعل وعلى هذا النحو يجب فهم علاقتها بالإسم التالي على أساس علاقة فعل بفاعل . لكن بما أن "حسن" هي عنصر إسمي يحتل موقع بداية الجملة، فقد حللها بعض النحاة المتأخرين باعتبارها مبتدأ اتبعه فاعل سد مسد الخبر(فاعل يعوض الخبر— لتفصيل اكثر، أنظر Peled 2009:137-148). ويبدو أن تحليل الانطاكي قائم على هذا النوع من التعليل، والمشكلة الحقيقيّة هنا هي أن على الطلبة حفظ هذا النوع من التحليل بدون معرفة النظرية التي تقف وراءه . فلا عجب إذن أنهم-الطلبة- لا يرون جدوى من هذا التحليل الذي يبعث على البرم وضيق الصدر.

وبالإمكان تقديم تحليل أبسط وأسلس فضلا عن اتساقه أيضاً مع التراث النحوي. يستشهد سيبويه (الكتاب، مج1، ص239) بتأكيد أُستاذه الخليل أنه يمكن النظر لحالات من مثل "قائمٌ زيدٌ" على أنها جملة إبتداء حصل فيها تقديم وتأخير، يعني تحليلها على أنها خبر متبوع بمبتدأ. وبنفس التعليل، يمكن اعتبار " حسن وجهه" في مثال (4) على أنه حالة تقديم وتأخير، تقدم فيه الخبر على المبتدأ. وبتبني هذا النوع من التحليل، نقترح البديل التالي لتحليل الانطاكي:

1055-zayd44

في رأيي، أن (a 4) هو تحليل بسيط ومع ذلك مناسب للجملة (4)، وفي الوقت نفسه لايفترق عن تحليل النحاة القدماء.

لنرى الان مثالنا الخامس:

(5) إن الله على كل شئ قدير (ذكره الانطاكي، ص 206، القران 2:20).

تحليل الانطاكي كالاتي:

ان: حرف مشبه بالفعل يدخل على المبتدأ والخبر فينصب الاول ويرفع الثاني.

الله: لفظ الجلالة اسم (إنَ) منصوب بها.

على كل: جار ومجرور متعلقان ب(قدير).

شئ: مضاف اليه مجرور.

قدير: خبر(إنَ) مرفوع بها.

مايتوجب توضيحه ابتداءً هو أن السطر الاول من التحليل حشو بالمطلق. ويتوجب أيضا تعليم الطالب كيفية تحديد "ان" باعتبارها إنَّ المكسورة الهمزة (وليس إنْ،أنْ أو أنً) من خلال موقع الكلمة في الجملة ونوع الكلمة التي تتبعها. في مثالنا هذا نعرف أنها مكسورة الهمزة (إنَ) لورودها في بداية الجملة ويتبعها إسم. وهذا يعني أن قسم الجملة الذي يبدأ بكلمة الله يتوجب تقسيمه إلى جزأين: اسم إنَ وخبر إنَ.

لكن القضية الإشكالية في تحليل الانطاكي هو تحليله ل "على كل شئ قدير" . بما أن التركيب واقع بعد اسم إنَ، يتوجب تحليله على أنه خبر لله. يبدو أن الانطاكي يعتبر أن "على كل شئ قدير" يشكل (phrase) واحد "رأسه" قدير— لكنه يخفق في توضيح هذا الامر وتبيينه. فعلى العكس، متشبثا بطريقة معاملة الجملة بكونها قائمة مفردات كل منها تتطلب بطاقة خاصة بها،[16] يعتبر كلمة "قدير" فقط هي خبر إنَ. ولأننا دعونا وروجنا لإدخال المركب الاسمي في نظام التحليل، فندخل الان المركب الوصفي (adjective phrase) الذي رأسه هو الصفة (قدير في مثالنا الحالي) وليس الإسم .واضعين نصب أعيينا هذا الأمر، لنتأمل التحليل التالي باعتباره تحليلا بديلا للجملة (5).

1055-zayd5

 لاحظ أن " قدير" تعمل، مثل بقية الصفات، بصورة مشابهة للفعل. لذلك فالمركب " كل شئ" قد يُحلل على أنه مفعول غير مباشر ل" قدير". لكن بدلاً من ادخال مصطلح غير مألوف في كتابات النحاة القدماء، قد نختار لنشير (كما في (5a) اعلاه) فقط لوظيفة " على كل شئ" بكونها متمم ل"قدير".

 لنتجه الان لمثالنا السادس:

(6) من جاء بالحسنة فله عشرُ أمثالِها (استشهد فيها الانطاكي، ص100، من القران 6:160) .

 يحللها الانطاكي على الوجه التالي:

 من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.

 جاء: فعل ماضي مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط . والفاعل مسستتر تقديره(هو).

بالحسنة: جار ومجرور متعلقان ب(جاء).

فله: الفاء رابطة لجواب الشرط، (له) جار ومجرور متعلقان بخبر مقدم محذوف.

عشر: مبتدأ مؤخر.

أمثالها: مضاف اليه مجرور و(ها) مضاف اليه.

مجموع جملتي الشرط والجواب في محل رفع خبر (من).

تناول النحاة القدماء باسهاب "ما" و"من" باعتبارهما أدوات وصل وشرط. وفي هذه السياقات نُظِرَ إليهما على أنهما من الأسماء (أكثر من اعتبارهما من الأدوات). يشير سيبويه (الكتاب، مج1، ص389) أنها " الاسماء التي يجازى بها وتكون بمنزلة الذي". ويضيف قائلا:

"إذا جعلتها بمنزلة الذي قلت ما تقول أقول فتصير صلة لما حتى تكمل اسما فكأنك قلت الذي تقول أقول."

واضح إذن أن سيبويه يعتبر ما / مَنْ اسماءً تعمل في سياقات الشرط عمل أسماء الوصل. ولذلك لايمكن اطلاقاً تحليل "مَنْ" في المثال (6) على أنها مبتدأ وبقية الجملة خبر لها مثلما فعل الانطاكي. وحقا، فمثل هذا التحليل سينتج عنه سوء فهم للجملة وتفسير خاطئ لها. على أية حال، فلا يتفق التحليل بالمجمل مع رؤية سيبويه.

أضف لهذا، لِمَ الاشارة ل"مَنْ" باسم شرط جازم وللفعل "جاء" في محل جزم؟ يوضح سيبويه (الكتاب،مج1،ص386) أن "حروف الجزاء تجزم الافعال". ولكن مثلما أشرنا سابقا في الحالات التي يكون فيها الشرط إسماً عاملاً عمل "الذي"، فهذه القاعدة لاتنطبق. علاوة على ذلك، فإشارة الانطاكي إلى الجانب الصرفي للفعل "جاء" أنه (فعل ماضي مبني على الفتح) إنما هو حشو لاطائل منه لأنه في معظم الحالات هذا أمر واضح بذاته. حقا، أن صيغة الماضي للفعل "جاء" هي التي تجعلنا نعرف "مَنْ" باعتبارها عنصر شرط في هذا المثال. وإن تحليل الجملة الى شرط وجواب يوضح طبعا تبيان عمل "مَنْ".

ضمن اطار شرحنا للجملة (4) بَيْنَا أن الجملة / العبارة المتكونة من صفة متبوعة بإسم يمكن تحليلها على أنها خبر مقدم+ مبتدأ مؤخر. وهذا ممكن التطبيق أيضا على الحالات التي يتقدم فيها مركب الجر على الإسم كما في جملة (6): "له" يمكن تحليله على أنه خبر مقدم و "عشرُ أمثالِها" مبتدأ مؤخر. ليس هناك حاجة لافتراض عنصر محذوف. وحقيقةً، اعتبر بعض النحاة حالات مثل "له عشرُ أمثالِها" أنها تمثل نوعاً من الجمل قائمٌ بذاته (جملة ظرفية— قارن شرحنا لجملة (3) في أعلاه). وهناك حقا بعض الأسباب الوجيهة لتبني التقسيم الثلاثي للجمل في العربية (بدلا من التقسيم الثنائي). لكن هذا ليس ضروريا: بامكان المرء الإلتزام بالتقسيم الثنائي الشائع للجملة وتحليل "له عشرُ أمثالِها" على أنها جملة إسمية فيها تقديم وتأخير.[17]

وما إن نعتبر الجملة أنها جملة شرط، فالخطوة القادمة هي أن نميز الشرط والجواب. في مثالنا هذا، الحرف "ف" في "فله" يعمل مفتتحا للجواب، وهي حقيقة يوضحها الشكل التخطيطي (6a) بأفضل من إشارة الانطاكي بكون الفاء رابطة لجواب الشرط. ومن ثم، تحلل كل من العبارتيَّن-clause- بصورة مستقلة، مثلما أشرنا سابقا، حيث يبدو التحليل النهائي كالاتي:

1055-zayd6

  5.مثلما رأينا في الفقرة رقم 3، أن كُتب النحو العربي المنهجية موجودة منذ العصور الوسطى، لكنها لم تكن أكثر من كونها ايجازاً وتبسيطاً للمؤلفات النحوية النظرية، وبعضها كتبه نفس النحاة. وهي مثلها مثل كتاب سيبويه لم تكن غايتها أن تكون مرشدا عمليا لتدريس المتعلم كيفية تحقيق الفهم الصحيح لجملة ما عن طريق تحليلها.

وحين ننظر للكتب المنهجية المعاصرة ككتاب الانطاكي نجد أن غايتها هي، من ناحية، عرض طريقة للتحليل النحوي معتمدة على التراث النحوي القديم. ومن ناحية اخرى، سعيها، وهو ما يأمله منها الباحثون المعاصرون (قارن الفقرة رقم 2)، لتعليم الطلبة تركيب –بنية- العربية المكتوبة عبر توفير أداة تساعدهم لقراءة الفصحى وكتابتها، القديمة منها والمعاصرة. وعلى وجه الخصوص، يتوجب إعداد طريقة التحليل بحيث تساعد على تدريب الطالب التعامل مع صعوبات لغة ما مكتوبة أساسا وليست لغته الام. ولكن مثلما أوضحنا في الفقرة رقم 4، لم يتحقق أياً من تلك الأهداف: لأن هذه الكتب المنهجية لاتتعامل بصورة صحيحة مع الأسس النظرية التي وضعها النحاة (وأحيانا تُسيء تفسيرها)، وهي لا تُبسط قطعا هذه الأُسس، خلافا للكتب القديمة مثل اللمعة لابن جني أو أسرار اللغة لابن الانباري. من الناحية الأخرى، تخفق هذه الكتب بتقديم أداة عملية و فعالة لتدريب المتعلم نحو مهمة القراءة والكتابة بالفصحى.

لغرض توضيح القضايا المتعلقة بطرق التدريس، لنضرب مثلا عن موضوع الرياضيات. في التعليم الجامعي يُعَلمْ الطالب المنطق –الأساس- المعتمدة عليه الصيغة الرياضية المطروحة أمامه. في المقابل، عند تدريس أساسيات الرياضيات، تكون الصيغة معروضة عادة دونما محاولة من طرف المُعَلِم لتسويغ أو تفسير قاعدتها. لكن التعليم الجيد يتطلب تبصير الطالب بكيفية استعمال الصيغة لحل المسائل الرياضية المرتبطة مباشرة بحياته اليومية. بمعنى آخر، يتوجب أن يرى الطالب ويلمس فائدة تعلم الرياضيات.

في رأيي، يتوجب اتباع نفس المنهج لدراسة النحو العربي. بافتراض أن النحو العربي لم يعد أساسا أكثر تعقيدا وصعوبة من أنحاء (grammars) معظم اللغات الاخرى، فلدينا مايدفعنا للإعتقاد أن تعليم وتدريس النحو العربي يتطلب منهجية مطبقة ومستخدمة في تعليم اللغات الاخرى. إن نظرية العمل، مثلا، بكل عللها (وعلل العلل) ليست ضرورية لطلبة يتعلمون تركيب اللغة. بافتراض أن الهدف هو تعليم اللغة المكتوبة، فيتوجب أن يُعرض للطلبة استعمال الظواهر والتراكيب النحوية المطلوبة في التعامل مع النصوص المعقدة. ومن ثم يتوجب تعليمهم كيفية تشخيص وتحديد،في مثل هذه النصوص المعقدة، الظواهر التركيبية التي تعلموها بحيث سيتمكنون، مسترشدين بنتائج عملية تحليل مكونات الجملة (parsing)، من الوصول لفهم كامل للنص. وهذا، بالمقابل، سيجعل الطالب يدرك فائدة ونفع تعلم النحو العربي ويزيد تحفيزه له.

إن الطريقة الشائعة في دروس تعليم العربية هي الطلب من الطلبة قراءة جمل بالتشكيل الكامل للكلمات (مع اهتمام خاص بالإعراب). لكن هنا غالبا ما يشعر الطالب أنه واقع في حلقة مفرغة :" كيف لي أن أتلفظ – مستخدما الحركات - بصورة صحيحة جملة لا أ فهمها، وكيف لي أن أفهم جملة قبل تلفظها؟" في رأيي، الوسيلة الوحيدة لكسر هذه الحلقة المفرغة هو تعليم الطلبة فن تحليل مفردات الجملة parsing))، المعتمد على نموذج المُكَوِّنات الحالي، آخذين بنظر الإعتبار كلتا العلاقات العمودية والافقية بين مكونات جملة ما (قارن الفقرة رقم 4). يتوجب توجيه الطلبة للبدء بكل العملية مع التحليل، وأن يلمسوا بأنفسهم، باتباع طريقة تحليل تركيبي معينة، كيفية التعامل مع الجمل التي تبدو بداية أنها صعبة، وصولا للمرحلة التي يستطيعون بها في النهاية قراءة الجملة بصورة صحيحة فضلا عن فهمها. وهنا يجب التأكيد على أن القراءة بإعراب وفهم صحيحيَّن هي ناتج عملية التحليل السليم، و ليس العكس. إذا تمكن الطالب من قراءة الجملة وفهمها بصورة سليمة، فما فائدة عملية تبيان مكونات التركيب parsing)) إذن؟ بالتأكيد هذه الطريقة لتعليم النحو ليست باليسيرة بسبب عدم ثقة الطلبة بقابليتهم على تحليل جملة -إلى مكوناتها- لا يفهمونها. لكن مع صبر القائم بالتدريس والإصرار على اتباع كامل العملية بالترتيب الصحيح للخطوات، وطرح الأسئلة الصحيحة عند كل مرحلة، سيعتاد الطلبة في النهاية على هذا اللون من التعلم. وسيدركون ان الطريقة " الشكلية " لاتعني بالضرورة انها "مملة" و"معقدة". وما إن يتم ذلك، ستجدهم يُقدرون هذه الطريقة كونها أداة كفء للتعامل مع الجمل المعقدة في لغتهم، وحقا، في أي لغة.

إن نظام التحليل المقترح في البحث الحالي مختلفٌ جوهريا عن الموجود عند الانطاكي والذي أستشهدَ به زكريا أوزون(2002). وفضلا عن ذلك، آمل أنني وضحته، فهو متسق مع معظم كتب التراث النحوي العربي الرئيسية. وحقيقةً، فهو يعرض ويقدم النحاة القدماء بأفضل (وأحيانا بأدق) من ذلك المعروض في كتب ككتاب الانطاكي. فضلا عن ذلك، فهو-أي النظام المقترح-أكثر كفاءة، من خلال تجربتي، وأكثر تقبلا من قبل الطلبة. بمعنى آخر، بَيَنَ امكانية الجمع بين القديم والحديث ليقدم لمتعلم النحو العربي وسيلة عملية وذات مردود فكري عالي.

 

يشاي بيليد- جامعة تل ابيب

ترجمة وإعداد: زيد العامري الرفاعي

.......................

[1] يشير الى حالات الاعراب من الرفع والنصب والجر في أواخر الكلمات (المترجم).

[2] يذكر البعلبكي (2008:267-268) ان القرون الوسطى قد شهدت ايضا الشكوى من وعورة النحو العربي.

 [3]في مسالة تجريم سيبويه ضمن سياق ايدولوجية اللغة واصلاح اللغة، انظر سليمان (2006).

[4]يعني يهتم بالصرف والتراكيب اكثر من اهتمامه بالدلالة (المترجم).

[5] غالبا ما تسمع مثل هذه الشكاوى عن دراسة النحو من طلاب يدرسون لغات اخرى. ولكن هذا في معظم الاحيان من جراء فشل توعية الطلبة بالابعاد التطبيقية لدراسة النحو(انظر الفقرة 5). وليس بالضرورة تخص تراث نحوي معين بذاته.

[6] عن المنهج التعليمي في القرون الوسطى، انظر Owens (2005) وعلى وجه التحديد ص 106-107 والمصادر المذكورة .

[7] يمكن من مقارنة هذه النصوص الثلاثة ملاحظة بعض الفروق الدقيقة واذكر التالي: لايشدد ابن الانباري على عدم استغناء الخبر، وابن جني لايثير قضية العامل الذي يرفع الخبر، في كتاب الاسرار نوقشت هذه المسألة في "باب خبر المبتدأ"(ص75).

[8] كل علامات التشكيل في الامثلة موجودة في النص الاصلي.

[9] لمزيد عن التحليل التخطيطي للجمل العربية، راجع Peled (1998)، وبالاخص الفصل الاول والثاني.

[10]مصطلح يشير للمبتدأ باعتباره مايدور عليه الحديث ويستخدم سويا مع مع مصطلح ال (comment) للتعبير عن المبتدأ والخبر في مقابل مصطلحي ال (theme) وال(rheme) (المترجم).

[11] وبالفعل أن النحاة انفسهم لم يعتبروا هذا الاساس انه مفسر بذاته. أنظر مثلا، ابن جني (الشرح، مج1،ص88) لمزيد عن اعتبار clausal khabarمختلف عن (phrasal khabr) من حيث المنزلة.

[12] يسخر أوزون (29-30 :2002) من الافتراض القائل ان الخبر المقدر في مثل هذه الحالات هو على وجه الخصوص كائن(أو موجود) وليس اسم فاعل اخر او صفة اخرى مثل مشجون، حزين أو سعيد. وحيث ساناقش لاحقا، ان تقدير خبر مقدر في مثل هذه الحالات يس بالضروري حتى من وجهة نظر (بعض) النحاة. على اية حال، ان اختيار استقر\مستقر\كائن وغيره قائم على دلالة هذه العناصر الحاملة لفكرة الوجود التي، في ذاتها، يسهل استرجاعها من السياق ولا تحتاج، لذلك، ان تكون معجمية في مثل حالة (3). إذا خص الخبر ليحمل خاصية معينة\ حالة معينة لايمكن استرجاعها من السياق، فعليه ان يتم التعبير عنها بفعل\اسم فاعل\ صفة(أنظر أيضا Peled 2009:154 n. 24 والمصادر المذكورة هناك).

[13] بالنسبة للجملة الظرفية، أنظر شرح ابن يعيش، مج1، ص f.88، وقارن تحليلنا للجملة رقم (6).

[14] لمزيد من التفصيل حول مصطلح المبني عليه، أنظر Levin 1985 .

[15] يقترح البعلبكي (89-86 : 2004) أن يعطى الطلبة عددا من الامثلة لغرض اقناعهم ان النظرية النحوية ربما " تخطئ أو يمكن استبدالها بطرق تحليل اخرى". واح الامثلة التي يوردها (ص 88) هي " اصرار[...] النحاة على استعادة خبر محذوف بدلا من الاعتراف بان حرف جر او ظرف مع مجرورهما ممكن ان يسد مسد هذه الوظيفة".ومثلما راينا، لايمثل هذا "الاصرار" موقف اتفاق او قبول بين النحاة.

[16] من الغريب حقا أن يعامل الانطاكي "على كل" باعتباره مكون واحد مفصولا عن "شئ". ونتيجة لذلك، فتحليله يقدم "شئ" على انه مضاف اليه ولكن ليس "كل شئ" باعتبارها اضافة (معمول للحرف على) وفيها يعمل " كل" باعتباره مضاف.

[17] لمزيد من المعلومات عن الجملة الظرفية،أنظر 9Peled 2009:172-17

 1055-zayd7

 

abdullah badrhskandarالتعريف الأمثل لتكريم الإنسان لا يتفق مع الصفات الأولية المترتبة على خلقه من حيث الطبيعة البدائية ولهذا ناسب أن يكون تكريمه مرادفاً للتقوى المشار إليها في قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) الحجرات 13. واستناداً إلى منطوق الآية نفهم أن التقوى هي الملاك في التكريم، أما من يذهب إلى أن التكريم من الصفات المرافقة للإنسان بما هو إنسان فهذا وإن كان رأيه ناظراً إلى بعض القرائن العقلية إلا أنه لا يتلائم مع الطبيعة المادية للخلق الأول. فإن قيل: ألا يتعارض هذا الطرح مع قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) الإسراء 70. فكيف الجمع؟ أقول: الجهة في هذه الآية منفكة عن الصفات الخلقية التي نتحدث عنها، وترد جهة الانفكاك إلى المقومات البشرية المصاحبة للقابل الراسخ في طبيعة الإنسان، وأنت خبير بأن الكائنات الأخرى ليس لديها القدرة على إيجاد هذا القابل على الرغم من التكاليف المبينة نتائجها على لسان حالها طوعاً أو كرهاً.

من هنا نعلم أن الإنسان قد جبل على الأفعال غير الحميدة خلافاً للملائكة إذا ما استثنينا بعض الأفعال المجانبة لقياس الصغرى نظراً لما ينتج عن التكلف الذي لا ينسجم مع الطبيعة البشرية، وبهذا يظهر أن أفعال الخير الصادرة من الإنسان تحتاج إلى جهد وتكلف، أما الأفعال التي تأخذ الجانب الآخر لدى الملائكة هي التي تحتاج إلى تكلف وليس فعل الخير فتأمل. فإن قيل: بناءً على ما قدمت يظهر أن المعصية جائزة على الملائكة؟ أقول: الملائكة لديهم القدرة على المعصية إلا أن المعاصي الناجمة عن طبيعتهم قد تأخذ جانب التكلف إذا ما نظرنا إلى قياس النوعية المثالية المحيطة في المهمات التي كلفوا بها، وهذا ما يفهم من قوله تعالى: (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) النحل 50. والخوف المشار إليه في الآية يدل على أن المعصية ملازمة لاختيارهم، إلا أن الإتيان بها يحتاج إلى تكلف خلافاً لما يقوم به الإنسان من فعل الخير كما ذكرنا، وقد بينا هذا المعنى في تفسير الآية 30. من سورة البقرة ومن أراد المزيد فليراجع.

وخلاصة لما قدمنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) التحريم 6. ولو كان العصيان لا يتناسب مع اختيارهم لما أثنى الله تعالى عليهم، ومن هنا نعلم أن الإنسان قد اتخذ الطبيعة المغايرة للملائكة من حيث تكوينه المجانب للتشريع مما يدل على عدم استقامته، وهذا ما أشار إليه تعالى في مجموعة من الآيات كقوله: (قتل الإنسان ما أكفره) عبس 17. وكذا قوله: (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولاً) الإسراء 11. وقوله تعالى: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً) الكهف 54. وقوله: (خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين) النحل 4. وكذلك قوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون) الأنبياء 37. فإن قيل: كيف يمكن أن يتخلص الإنسان من هذه الصفات إذا كانت راسخة في طبيعته؟ أقول: الإجابة في مقدمة البحث، أي أن التقوى هي الملاذ الآمن الذي يلجأ إليه الإنسان الذي يتعرض لهذه الموبقات، ولا يخفى على ذوي البصيرة أن ملاك التقوى يكمن في الصلاة إذا كانت عنواناً للخير المقدم للنفس، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (إن الإنسان خلق هلوعاً... إذا مسه الشر جزوعاً... وإذا مسه الخير منوعاً... إلا المصلين) المعارج 19- 22.

 وبعد أن ذكر تعالى هذه المقدمة انتقل إلى بيان مجموعة من الصفات التي تليق بهم كما في قوله: (الذين هم على صلاتهم دائمون... والذين في أموالهم حق معلوم... للسائل والمحروم... إلى قوله... والذين هم على صلاتهم يحافظون) المعارج 23- 34. ثم بعد ذلك بين سبحانه نوع العطاء المترتب على هذه الصفات الحميدة في قوله: (أولئك في جنات مكرمون) المعارج 35.  وبهذا تختلف نتائج ما يقدم للنفس من خير باختلاف الأعمال التي يقوم بها الإنسان، فإذا كانت الأعمال خالصة لله تعالى دون غيره فإن الدرجات ستكون أكثر بلا أدنى ريب، ومن هنا نلاحظ أن ما يهبه الله تعالى للإنسان بناءً على ما يقدمه لنفسه يأخذ الطابع المثالي، وهذا ما أشار إليه سبحانه بقوله: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) الضحى 5. ولو رجعنا إلى موارد العطاء سنجد أنها تتفاوت في المقدار إلا أن أصلها لا يخرج عن العطاء الكامل الذي يحصل عليه الإنسان ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: (قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) الزمر 10. وقد تتفرع على الكبرى أمثلة أخرى تحمل في مفهومها مقدار الأجر المقدم للإنسان سواء أكان محصوراً بالعدد أو آخذاً بالزيادة الخارجة عن الحد المبين في المنطوق.

ولا يخفى على المتأمل أن المجموع الكلي لهذه الحسابات لا يبتعد كثيراً عن الواقع المشار إليه في الكبرى كما بينا، ولذلك نجد أن الفروقات الظاهرة قد بينها القرآن الكريم على أتم وجه كما في قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون) الأنعام 160. وكما ترى فإن العدد المذكور في الآية لا يدل على الحصر بقدر ما يدل على التمثيل للمفهوم المشار إليه، ويمكن الوصول إلى هذا المعنى من خلال قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون) القصص 84. وبهذا نعلم أن البيان الوارد في السياق فيه دلالة لا تقبل اللبس على كمال العدل في أصحاب السيئات، وما يقابل ذلك من كمال الفضل المقدم لأصحاب الحسنات وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) البقرة 261.

 

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير) البقرة 110. الأمر الموجه للمؤمنين في الآية يربط بين الصلاة والزكاة، وهذا التلازم يعد من الضروريات إذا ما نظرنا إلى تكراره في مواضع أخرى من القرآن الكريم، علماً أن المنطوق الظاهر في الأولى قد يجعل الإنسان ملازماً للطاعة شريطة أن يأتي بمقومات التقوى على أتم وجه، أما الزكاة فهي من الشعائر الكبيرة التي تحقق التضامن والتكافل بين الناس، ثم انتقلت الآية إلى تبيان نتائج الخير المدخر عند الله تعالى استناداً إلى العندية الإلهية التي لا يعتريها الفناء، وقد بين سبحانه مفهوم ذلك في قوله: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) النحل 96.

فإن قيل: لماذا وضع الله تعالى الظاهر موضع المضمر في قوله: (إن الله بما تعملون بصير) من آية البحث؟ أقول: السبب في وضع الظاهر موضع المضمر يرجع إلى عدم اقتصار علمه سبحانه على ما ذكر في الآية من الأعمال المعهودة كالصلاة والزكاة.. فتأمل ذلك بلطف.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن 

     عبدالله بدر اسكندر   

 

abdullah badrhskandarارتباط النشأة الأولى بالسنن الطبيعية يجعلها خاضعة لقانون العلية علماً أن هذا القانون لا يستقل بنفسه وإنما يكون محكوماً بالإرادة الإلهية، ولذلك نلاحظ عدم تطابق التفرعات المستخرجة من هذا القانون مع الأحداث المشاهدة، وقد ذكر القرآن الكريم هذا المعنى في كثير من متفرقاته كما في قوله تعالى: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) الشعراء 63. وكذا قوله: (قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم) الأنبياء 69. وما ورد في الآيتين من إبطال لخاصيتي الإغراق والإحراق أمر لا يألفه الإنسان وهذا لا يعني أن النشأة الأولى بعيدة عن اجتماع الأسس القانونية المسيرة لأبعادها المتفرقة، وإذا أردنا أن نبين مجموعة من الأدلة على ما نحن فيه يجب إظهار قانون النشأة الأخرى بطريقة بعيدة عن النظرة السائدة، ومن هنا نجد عدم اتفاق القانون الآخر مع القانون الأرضي بوجه حسير دون اجتماعه مع القوانين الأخرى، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم... طلعها كأنه رؤوس الشياطين) الصافات 64- 65. وعند تأمل هذا السياق نلاحظ أن هذه النشأة ما هي إلا مثالاً مصغراً للنشأة الأخرى بدليل أن الآية آنفة الذكر يمكن أن تتفرع منها مجموعة من الآيات المتشابهة التي تحمل في تفاصيلها ما يبين الأنواع المتفرقة للنشأة الأولى وكيفية اجتماعها مع النشأة الأخرى، ومن تلك الآيات قوله تعالى: (أفرأيتم النار التي تورون... أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤون) الواقعة 71- 72. وكذا قوله: (الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار)  النور 35. وقوله: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون) يس 80.

وبناءً على ما تقدم نعلم أن القانون الأرضي ما هو إلا أحد الأجزاء المكملة للنظام العام الذي أبدعه الخالق على غير مثال ووهب من خلاله للإنسان حق التصرف والاختيار، وهذا ما يجعل عملية التغيير المقررة من قبل الأخير لا تنسجم مع النظام الإصلاحي المعتمد لديه، ولذلك اقتضت حكمة الله تعالى أن يبعث الرسل ويجعل لكل واحد منهم شرعة خاصة لا تتعدى أحكامها إلى ما يستجد في الوقت اللاحق إذا ما علمنا أن هناك محدثات قد تكون هي السبب المباشر في فرض الأحكام الاستثنائية وبالتالي يصح أن توضع الحلول المناسبة من خلال ما ينتج عن تلك الأحكام لكي يتم إصلاح جميع الملابسات الدخيلة على النظام التشريعي المسن من قبل الحق سبحانه.

 فإن قيل: إذا كان الله عالماً بكل شيء فكيف يطرأ التغيير على نظامه؟ أقول: التغيير لا يطرأ على القوانين الثابتة التي بني عليها النظام الكوني وإنما يحدث تبعاً لحق الاختيار الذي وهبه الله تعالى للإنسان، ومن هنا نرى أن المقتضيات الزمنية تسير وفق قانون ثابت دون أن تخضع للمتغيرات الطارئة، وقد أشكل هذا السبب على كثير من الناس الذين يظنون أن هناك نقصاً في تنزيل الأحكام عند خضوعها للنسخ والتبديل، علماً أن سنة الحياة تقضي أن تكون المراحل الزمنية تابعة للمتغيرات الطارئة مما يجعل الحل المثالي يأخذ الدور الكبير في الإشراف على ما يرجح من تجديد لجميع القضايا التي لم تعد تعمل بصورتها الطبيعية.

من هنا يظهر أن أتباع الديانات السابقة لعصر التنزيل قد ألزموا أنفسهم بعدم تبديل ما أنزل عليهم جهلاً وعناداً لئلا يكون ذلك سبباً في فقدان الخصائص العامة التي تكفل لهم التسلط على رقاب الآخرين في المجال التشريعي على أقل تقدير، وأنت خبير بأن الدين الجديد لا يكره الناس على الدخول فيه ولهذا كان لهم الحق في إبداء ما كانوا يعتقدون به حتى وصل بهم الأمر إلى فرض ذلك الاعتقاد على جميع الناس من غير وجه حق، ولا يخفى على ذوي البصائر أن هذا الاعتقاد لا يخرج عن كونه مصداقاً للحسد المشار إليه في آية البحث التي سنتعرض إليها لاحقاً في المساحة المخصصة للتفسير، وسنبين أن الأفعال التي كان يقوم بها أهل الكتاب لا تقتصر على إفساد الفطرة السليمة التي يتمتع بها المؤمنون وإنما تتعدى إلى صرف الناس عن التعاليم التي جاء بها القرآن الكريم، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) آل عمران 72.

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير) البقرة 109. مفهوم الآية يوحي بأن الفترة التي نزلت فيها كان المسلمون بحاجة إلى القوة سواء بالعدة أو العدد، ويمكن أن يعلل هذا الأمر نظراً للحكم المؤجل المشار إليه في السياق، وبناءً على ما قدرنا لم تكن الآية منسوخة بآية القتال لأن الحكم المؤجل لا يجتمع مع النسخ وإنما يكون تابعاً للمتغيرات الزمنية، وهذا المنطوق نظير قوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً) النساء 15.

وقال ابن الجوزي في زاد المسير: إن للآية ثلاثة أسباب للنزول:

الأول: إن حيي بن أخطب وأبا ياسر كانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس.

الثاني: إن كعب ابن الأشرف كان يهجو النبي، ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله حين قدمها، فأمر النبي بالصفح عنهم، فنزلت هذه الآية، قاله عبد الله بن كعب بن مالك.

الثالث: إن نفراً من اليهود دعوا حذيفة وعماراً إلى دينهم فأبيا، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل.

وأضاف في زاد المسير: الحسد: تمني زوال النعمة عن المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، وتفارقه الغبطة، فإنها تمني مثلها من غير حب زوالها عن المغبوط، وحد بعضهم الحسد فقال: هو أذى يلحق بسبب العلم بحسن حال الأخيار، ولا يجوز أن يكون الفاضل حسوداً، لأن الفاضل يجري على ما هو الجميل، وقال بعض الحكماء: كل أحد يمكن أن ترضيه إلا الحاسد فإنه لا يرضى إلا بزوال نعمتك، وقال الأصمعي: سمعت إعرابياً يقول: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد، حزن لازم ونفس دائم وعقل هائم وحسرة لا تنقضي.

وأضاف ابن الجوزي: أن قوله تعالى: (حتى يأتي الله بأمره) قال ابن عباس: فجاء الله بأمره في النضير بالجلاء والنفي، وفي قريظة بالقتل والسبي، وقد روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي العالية، وقتادة، رضي الله عنهم: أن العفو والصفح منسوخ بقوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) التوبة 29. وأبى هذا القول جماعة من المفسرين والفقهاء واحتجوا بأن الله لم يأمر بالصفح والعفو مطلقاً، وإنما أمر به إلى غاية وما بعد الغاية يخالف حكم ما قبلها، وما هذا سبيله لا يكون من باب المنسوخ بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته والآخر يحتاج إلى حكم آخر. انتهى بتصرف يسير منا. 

فإن قيل: الحسد لا يأتي إلا عن طريق النفس فلمَ قال الله في آية البحث: (حسداً من عند أنفسهم) أليس هذا من باب تحصيل الحاصل؟ أقول: الزيادة في هذا الموضع تدل على أن حسدهم لم يكن تابعاً لحرصهم على الدين، وإنما كان بسبب فساد أخلاقهم وإلزام أنفسهم بالباطل الذي أرادوا أن يدحضوا به الحق، وقد ظهر هذا المعنى من خلال السياق في قوله تعالى: (من بعد ما تبين لهم الحق) من آية البحث. فتأمل ذلك بلطف.

          

 من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن 

     عبد الله بدر اسكندر  

 

أن المنطلقات الفكرية والتنظيرية في تعالقهما وتفاعلهما الذي يحدث وقدة فلسفية تجعل المنطق العملي يحتوي على آصرة وصيرورة تتجاوز مرحلة كانت قد تحققت في البحث، وعلاقة تؤشر مرحلة تاريخية بعينها لتستقبل مرحلة تاريخية جديدة وهي خلاصة تركيب جدلي جديد في هذا التقييم.

هذه المنطلقات الفكرية والتنظيرية والخلاصة المتوفرة من الناحية الفلسفية، تدرس وتستنتج، بقدر ما يفصلها ويناقضها من الانساق المتبانية والقائمة على صيرورة المعرفة الجدلية، والمراجعة الدفينة لتوليد المعطيات المتطورة وبالحالة المعبرة عن ذات المنهج الواعي الذي يتشكل بقوة المعطيات والمقاومات، والتشاكيل المختلفة في أنماط من الصراعات الفكرية والفلسفية.

أن المعنى في هذه الفطرية الناضجة من المنطلقات التنظيرية والتي تنتسب الى مرحلة، ولحظة تتصف بالنضوج من خلال الاسئلة المعروفة سلفاً والتي هي استجابة رئيسية للتفكير التنظيري المتعلق بالتصور الدقيق لمعطيات الواقع الاجتماعي والسيكولوجي وتحليل كل الاشكاليات المتعلقة بالحظة العمومية وهي تفصح عن الاجندة الاجتماعية على حساب الصيرورات الفلسفية وبنسب متعددة .. هذه التفاصيل هي الموضوعات الأساسية على مستوى هذه العلائقية وتجاوراتها من التفكير والاستجابة لكل المبادئ المتعلقة بحركة الواقع الاجتماعي

أن عمليات التجاور لمنطق الايديولوجيا التنظرية بوضوح فلسفة الحرية الناقصة بالشمول والانطلاق بشكل جارف ليؤجج الصراع الفكري والفلسفي الشامل حصراً من أجل طفرة نوعية في قوانين الجدل الفلسفي في الحريات المتاحة والممكنة ’ هذا الموضوع يؤيد ويؤكد المنطلقات الفكرية والتنظيرية لصياغة فلسفة الحرية ودعواها الشاملة. علينا أن نضع خطوات ايجابية وعميقة للمراجعة المستمرة وبذل جهود من أجل أنضاج هذه الحوارات داخل بودقة التنظير الفلسفي وأشكالاتة النظرية المتنافسة والمتناقصة فيما بينها أحياناً من أجل تفصيل الوعي الفلسفي وهو الضمان لآستمرار الفاعلية التنظرية والعقل المستمر في أطار الوعي الاجرائي بدفع هذه المنطلقات التنظيرية والفلسفية بأتجاه الانساق الانتقالية في صلب مراحل الجدلية التاريخية وفضائها الاستقرائي والانتقال الى العمليات الاستنباطية لادراك عمليات الاطروحة والطباق والتركيب وهي الخلاصة التنظيرية الجدلية بالممارسة فلسفياً في ظل أجواء من الحرية التي تلقي الضوء على موضوعات المسائلة وماتطرحه من موضوعات تخص المنظور الاجتماعي ومكانيه المتغيرة من المواجهة لهذه المنطلقات، وهذا أدى بدوره الى أنفجار في شريان الحرية من الناحية الفلسفية في ادق متغير ادى الى حدوث تطور في المنطلقات التنظرية والتي شكلت حجر الزاوية بالنسبة الى عمقها الفلسفي وأعادة النظر في التشاكيل الاجرائية بأعتبارها موضوع المسائلة، من حيث التغيير والتاويل وكذلك في أنماط النظرية من حيث الرؤية لعمليات التغيير الاجتماعية.

من هذا المنطق الجدلي يتم البحث في منطق الحرية عند المعتزلة ومنطق الحرية في تشكيل هذه الفرقة: يعني مايعنيهي من سيرورة للتوحيد والعدل والعلم والمساواة، من جانب آخر فأن هذه الدلالة المهمة: تفتقر الى الوجوب كون أن هذا يبتعد قليلا عن منطق التنظير للحرية الفكرية وكونه يتناقض مع الدليل العقلي والشرعي الجامدين والذي يتناقض كذلك مع الفكرة الرئيسية التي تفصح عن كليات القوانين والأحكام المتصلة بجسور هذه الحرية.

ما برحت فرقة المعتزلة أن ناقشت الاحكام الواردة فـي أطروحات " العدل ـ والحرية " بأسبقية (العقل على النقل والشرح) تمخضت هذه المفاهيم التنظرية عن احداث تاريخية في نشوء هذه القيم وتكوينها منذ حرب الجمل في سنة (36هـ – 656م) التي وقعت بين الامام على بن ابي طالب (ع)، وطلحة بن الزبير، وعائشة بنت ابي بكر زوج النبي محمد (ص) وتمخض هذا الأمر كذلك من الجهة الثانية في (حرب صفين) بين الامام علي بن ابي طالب (ع) ومعاوية بن ابي سيان سنة (38هـ – 658م) ومنذ تلك الفترة كان الفكر الاعتزالي في التنظير الفلسفي كان قد اتخذ موقفاً منحازاً فهو لايحارب الامام علي بن ابي طالب (ع) وكذلك الامتناع عن محاربة خصوم الامام علي (ع) . فجاء منطق الحرية في الفكر الاعتزالي ليؤكد هذا الموقف لانه يتوافق ومنطق وطريقة التنظير العقلي، ويتوافق من حيث الادلة الحقيقة على تلك الحدود المرسومة لتوحيد فعل الحرية بالادلة المنطقية وطريقة الفعل العقلي والنقلي – والشرعي . والذين بايعوا الامام علي بن ابي طالب (ع) في تلك الفترة التاريخية كانوا قد افترقوا واصبحوا ثلاث (فرق) فرقة أيدت الأمام علي (ع) في ولايته . والثانية أعتزلت مع سعد بن مالك هو سعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة الأنصاري وأسامة بن زيد، أن كل هذه الاشكالات توضح وبشكل جلي حرية الاعتزال وبالهامش المرن للحرية عند المعتزلة، هذا الموقف كان قد حدث مع الأمام الحسن (ع) عند تنازله عن حقة الى معاوية وكانت الفرقة الثالثة قد أعتزلت بعد حادثة الأمام الحسن (ع) ومعاوية هذه الفرقة كانت تستند الى أواصر معرفية لمفهوم الحرية في تلك الفترة التاريخية(1) .

فالحرية في فكر المعتزلة جاءت قبل أن يتأسس المذهب الفكري والعقلي وبالمواقف الواضحة في الربع الاخير من حكم الدولة الاموية، فالخلاف والأشكال كان اساسه الفهم لمنطق الحرية وبشكله المذهبي وهو حصيلة ونتيجة لمحصلات ومنطلقات تنظيرية وعقلية كان اساسها القدرة على الاداء والصيرورة في أدق تفاصيل العلوم والمعارف الفقهية والشرعية التي أكتسبت منطوقها من خواص العقل وهذا ما ناقشه مفكري المعتزلة ومنظريها وعلى رأسهم (القاضي عبد الجبار) الذي طرح منهجاً وضح فيه عدم الفصل بين العقل والعلوم الضرورية وهو جوهر المعاني في مفهوم الحرية في أطار الاستنباط والاستدلال في الاحكام الشرعية والتساوي في المناهج العقلية، أدى هذا الى حدوث فراق حاد بين (الحسن البصري وتلميذه واصل بن عطاء) في قضية (مرتكب الكبيرة) هل هو كافر أم مؤمن وأستمر البحث للوصول الى المعرفة عن طريق الادلة الاستنباطية في أثبات الفرض وبلورة صفات من التوحيد في أثبات المعارف القبلية عبر وعي تنظيري يستند الى منطق العقل، فكان رأي (الحسن البصري) بانه منافق، ورأي واصل بن عطاء بأنه (فاسق) وأكد بأنه لم يكتمل أيمانه لانه يقول أشياء ويضمر أخرى، والادراك للاشياء يأتي عن طريق العلم والمعرفة، فأن أثبات الاشياء يعزى الى الادراك، وكان رأي واصل بن عطاء (أنه مؤمن من حيث الاعتقاد) ولكن في المقابل كان يعرقل أحكام الشرعية والعمل على أرتكاب الكبيرة، وهذا هو معنى الفسوق. فالمعرفة بجانبها الحسي، والتسامي والارتفاع بالمعاني العقلية الى الحالة المطلقة هذا الموضوع يثبت عن طريق العلم والمعرفة بالمدركات الحسية(2). والموقف الفكري للاعتزال بتطابقه مع منهج الحرية، يمثل بتيار الاشخاص لانعزالهم عن مجلس الحسن البصري وتركيزهم على حرية العقل المرتقبة، وأرتباط العّلة بالنتيجة العقلية للعلوم وهي التـي توضح عملية الادراك الحسي والعلوم حكمان حكم ظاهر للحواس وحكـم باطن للعقل (كما يقول الجاحظ) (3).

فالحرية في فكر المعتزلة بأختصار هي تعبيراً عن موقف أيدلوجي قبل الاعتزال تاريخياً .. والمعتزلة كتيار فكري:- هناك حادثة تروي عن قتادة بن دعامة عندما كان في البصرة ـ فدخل الى مسجد فوجد من الجالسين (عمر بن عبيد) ومجموعة معه وقد ظن أنها حلقة الحسن البصري.. فلما عرف أنهم غير ذلك: قال معتزلة: أي أعتزال عن الباطل حيث جاءت هذه التسمية لتؤكد منطق الحرية في فكر المعتزلة وجاءت من ألفاظ وردت في (القرآن الكريم) فالاعتزال، صيغة من صيغ الحرية، وهي منطلق تطبيعي للحقيقة وهــو الذي سمح

لمرتكبي الكبيرة لنشر وتطبيق الاجتهادات على قتله عثمان (من طلحة و الزبير) وعائشة أو علي بن أبي طالب (ع) أو معاويةبن أبي سفيان والخلفاء الامويين وهنا يكمن حجر الزاوية في هذه القضية الشائكة.

أن التطور الذي يحصل في العمليات الاستدلالية وهي تعد الوسيلة المنطقية في أثبات العلوم الضرورية التي تعلن المساواة في تفاصيل مشروع الحرية الى تحقيق المنطلقات النظرية في كل العمليات المتفاوته ولكل المراحل التاريخية التي يمر بها الواقع الاجتماعي في تفاصيل الاشكالات الاستدلالية والنظر بشكل علمي الى حالات التكيف العقلية: وهي البرهان الدقيق على صحة منطق الحرية للفكر الاعتزالي.

وجاء التفكير العقلي، بقضية الحرية (في المعبد الجهني ـ وعطاء والحسن البصري) هؤلاء أحدثوا تغيراً كبيراً وخطيراً بهذا الاتجاه العقلي، حيث أقاموا تشكيلات من التفكير من حيث أعطاء السبب الموضوعي للتجربة ونقل قضية عمل الكبيرة من الحالة الجزئية الى حالته الكلية، ونقل الموضوع وبحثه من الحالة الخاصة الى المنطق العام وكل هذه المواضيع من الشروط لمعرفة المناقشة لتكك المواضيع الحساسة والذي حصل جّراء هذه المناقشات والتأكيدات على خواص منطق الحرية: هو فسح المجال لجولات من المناقشات العقلية لتطوير المعارف وأقامة شروط جديدة للمدركات وضرورة التفكير الجدي الذي يؤدي بالضرورة الى شروط المدلول العقلي للحرية في خواص التفكير والتنظير الاعتزالي، من جانب آخر فأن الصيرورات لا تعرف طريقتها وحقيقتها عن طريق الحس (كما يقول كير كيقارد) فالصيرورة تأتي عن طريق الايمان بالحرية ـ والتطورات والتصورات ـ والانطباعات الحسية التي لا تكون رابطة وسيطة في الوعي وموضوع العقل فيحدث النفي باللاوعي الحسي والصيرورة كذلك لا تعرف حقيقتها الآ عند الخواص الحدسية كما ييقول (وايتهيد) والاتجاهات في الفكر الاعتزالي تتمحور بأتجاهات عديدة فمنهم مـــن يصف (حركة الواصلة ـ بواصل بن عطاء)(4)، (النظاّمية تعود الى إبراهيم بن سيار النظاّم) وعدهم (المسلطي) (عشرين فرقة) وقسّمهم البغدادي الى أثنتين وعشرين فرقة وقال عنهم (الشهر ستاني) أثنتي عشرة فرقة وقيهم معتزلة البصرة ـ ومعتزلة بغداد ـ ومنهجهم يتحدد بموضوع العقل: وهو الايمان بالحرية والتوحيد في المنطق الفكري والمبادئ المشتركة بين المسلمين كافة .. ومن خواص منطق المعتزلة: أن المرجع العقلي ـ والنقلي ـ والشرعي يخضــــع لمقتضيات الجانب التفسيري والجوانب الاخرى في موضعهم الرئيس.

من جانب آخر: لايمكن تحقيق أية أمكانية كلية الآ بتحقيق المنعطف الجزئي ويؤكدون: أن النظر الى الله والى ذاته ولو كان الله قد تكون من أجزاء المركبة: هذه المعادلة تكون خاطئة: لأن أقتصار الاجزاء: يعني الضعف وهذا يسري على العمليات المركبة .. فهو يعني ما يعني من التعدد والتعدد يتناقض مع الوجود الوجداني.

والاجزاء تكون متناقضة من الناحية الجدلية .. فكيف تكون الاجزاء بذاتها تعبر عن الاشياء الاخرى، وكون الخالق ذاته لا كثرة فيه مطلقاً: فكان رأي الفكر الاعتزالي: هو أن العالم محدثا قديماً في حريته والتصيد في الفكر المعتزلي يستند الى الجزء والكل والمكان ـ والزمان ـ قضية الجهات ـ والابعاد: هي مقولة في أطار عقلي جوهري وأن كل الصفات الواردة في النص القرآني مثل (قادر ـ حي ـ سميع ـ عليم ـ بصير) تقول المعتزلة: أنها صفات أزلية في الخالق ثم جاء (جهم بن صفوان ـ فشكل في هذا الموضوع ـ فالحدث التحول: في أن القول .. ينفي كل هذه الصفات في الخالق خلاف ما كان حادث عند السلفيين: فتحقيق هذه الصفات عند (جهم) والمعتزلة والأخرين: يعني التشبيه ببعض الخليفة لاسيما الانسان.

 

الصفات

الصفات الظاهرة               الصفات الباطنية

1- قديم أزلي                   1- القدرة الآلهية

2- لعدم وجود بداية له         2- العلم بالكون والحياة

3- واحد ليس له شريك         3- الإرادة والقوة

هذا الموضوع وضحة الشهر ستاني وأنتهى في نظرهم الى كونه عالماً قادراً وتلقي القدرة العقلية مع منطق الحرية للاعتزال للنظر في فكرة التجويز والاحتمالات المختلفة في هذا الموضوع يوضح الجاحظ ويؤكد في سبيل الوصل الى الحرية مستنداً في ذلك الــى مايرويه (شيخه النظّام) (نازعت من الملحدين الشاك والجاحد فوجدت الشاك أبصر جواهر الكلام) فالمعارف تتأكد من خلال منطق الحرية: سواء على مستوى أو السيكولوجي وهو أساس المنطق في الشاك (5) ويطالعنا (العلاف) في الاحكام التي وضعها:في أن القادر بقدرته والعالم

بعلمه أنطلاقاً من وعي الحياة ومن حياتة المطلقة والحقيقة التي تقول: أن الله عالم لا يعلم

وهذا الرأي هو رأي الشهر ستأتي كذلك من خلال تأكيد على الأراء التي أستلمت من أرسطو ـ والاشعرية ومن النصاري (وخط العلاف هو رأي كل المعتزلة).

 

الحرية واللّغة

يعتبر البحث في أصول علم الكلام ـ واللغة حصراً جزء من هيكلية الحرية الفكرية في فكر المعتزلة وأن عملية التجذير لهذه القضية الشائكة تأتي في مقدمة موضوعات النص القرآني وفصاحته وعلاقتة بقضية التوحيد وهو الجزء الرئيس من قضية الحرية في التكوين الاعتقادي عند المعتزلة: فالتحديد الموضوعي في هذا الباب من التنزية والتوصيل بأعتبارها باباً من أبواب التفصيل والصفات الذاتية للعمل والمعرفة والقدرة ـ والحياة ـ والقدم: وهي صفات تتخللها اللغة وتفصح عن أشكالية الكلام المنطقي ومن الصفات التي ـ تتشاكل ومحور العقل ـ كذلك المواضعة: لا تكون من أساسيات في المناهج الاختلافية للفرق: وعلى سبيل المثال بين (الاشعرية والمعتزلة) والاختلاف سيكون فـي صفة الكلام الآلهي على أنه صفة كاملة (في اللغة ـ والدلالة) فالمواصفة في فهم منطق اللغة هي عملية تأتي من مصدرها (الله) وهي تعتبر من الصفات القديمة كما في قوله تعالى (وعلم آدم الأسماء) وهي صفة أزلية في اللغة ـ والحرية التي عرفها (آدم) عن الملائكة: فكانت اللغة هي تعبير منطقي عن الحرية والمعرفة في التنظير الاعتزالي: وهي الخواص الضرورية من المعارف العلمية لتنفي الخواص المطروحة (بين الله ـ والبشري) فالنظام الذي يصفة الشهر ستاتي بأنه فيلسوف: فهو قرأ الكثير من كتب الفلسفة ولا بس بين الحرية والتنظير الاعتزالي وأفكارهم وفلسفتهم ميدانياً: فهو الذي متنى القاعدة الفلسفية لفرقة المعتزلة في مختلف المسائل المتعلقة بالقضايا الفكرية ـ والاجتماعية والنفسية: ويقول عنه (أبن المرتضى) أنه حفظ القرآن الكريم والتوراة ـ والانجيل ـ والمزامير ـ والتفاسير ـ وحفظ الكثير من الشعر وأدب السير والاخبار(6).

 

المصدر الكوني عند النظام

يشير الشهر ستأتي الى: أن النظرية الطبيعية والإلهية: كان مصدرها مصدرا فلسفياً، يستند إلى مقولات الكم والكيف وكان التأثير التفكير اليوناني والفلسفة الارسطية بشكل خاص: خلف لحظة تشاكل منطقية ولحظات زمكانية مترابطة .. والنظّام يوضح ظهور الفلاسفة الطبعيين، وتأثير بالرواقين بشكل خاص: والععل البذرية والرواقية: وأن الله خلق الأجسام أما الأمراض: فهي نتاج ما أفرزته الأجسام وكذلك الحركة في الأشياء خالفت السكون: والتفكير الاشعري يأخذ نفس السؤال: بأن الحياة لا تكون حياة الآ لمعنى .. ويأتي الخياط وهو أحد منظري المعتزلة ليقول: إّن كل شيء يتحرك ويسكن لوجود معان كثيرة فيه وبحركة منطقية للتفكير في منهج الحرية عند المعتزلة، وان الكلام عند "الله" ليس قديماً وان القرآن في رأيهم " حادث ومخلوق " وان هذه الازلية في القرآن تتنافى ومبدأ التوحيد والتشريع والعقلانية في التشريع القرآني وخلق "الله" القرآن في اللوح المحظوظ، وان الجدلية في المعرفة الفكرية وفي أسس الصياغات التنظرية وكذلك التصور الاسطوري للكون في وعي الجماعة العقلي . فالقراءة العقيدة التي تحاور نفي النفي المعرفي للتاريخ واشكالاته اطار البنية الكونية وباستناد الى التفاسير النصية التنظيرية للعقيدة واقرار الوحدة النصية بمعناها وصيغتها الفلسفية وهذا يتحقق في حالة التنظير عند (معمر بن عباد السلمي) في ان القرآن مخلوقاً وحادثاً وليس قديماً، والقرآن عرض لا جوهر والقرآن من فعل المكان الذي تشكيل من خلاله الكلام القرآني بازمنة غير محددة كما تقول او الاشعرية "، وان القرآن عرض، ومحال ان تكون الاعراض من عقل الخالق .

يقول الشهر ستاتي ان "الله":- لم يخلق الا الأجسام اما الاعراض فهي من اختراعات الاجسام . و"البغدادي" يقول:- القرآن جسم وان الله خالق الأجسام . وفي رأي (معمر):- ان الله لا يخلق أفعال هذه الأجسام . وان عملية النفي لضروريات متشابهة للبشر الى جانب الايقال بالكلام وطريقة حدوثه في اطار من الحرية والتكرار في عمليات النزول من الخطابات القرآنية والإشارة هنا الى منطق ما يطرحه النص من فكرة .

ان رأي "المعتزلة" في النص القرآني يقتضي ان نسلم بان النص جديد في ازليته وما مقدار هذه الازلية، والمعتزلة توضح ان مبدأ التوحيد يفصح عن مبدأ الحرية وهنا اشارة الى الى المواضعة فهي تسبق اللغة . فالنص والمواضعة على اللغة من خلال النص القرآني يحكمها منطق الحرية في تحديد المقادير والقياسات عبر عدة قنوات ومجسات حسيه دقيقة .

ان التأثيرات المتشاكلة لهده المواضيع والتدقيق في مضاعفاتها قبل حصولها والاحتمالات القلقة بعد حصولها والقول في النهاية يخلق النص . والنص القرآني لا بس نتائج كثيرة بتأثيرات من الملل والنحل وطوائف عديدة .

منهم من قال ان هناك تأثير واضح (بمدرسة حران) الذي تواجدوا منهم في الجزيرة العربية وشمال الشام وهم الذين ساهموا في نقل العلوم والفلسفة اليونانية الى العربية في فترة الترجمة، يؤكد هذا الموضوع (ابن النديم) صاحب كتاب " الفهرست " هؤلاء القوم كان لهم كتاب يحتوي على مقالات في التوحيد، وكان هذا قد حدث في عصر " الكندي " الفيلسوف العربي وهذا ما اكده " البيروني " حين يقول: (اننا لا نعلم من هم الحرانّي ولكن سمعنا انهم (يوحدون الله) .

جاء متبادل الابانه باعتبارها قانونا اجتماعياً يجمع البشر للتبادل المعرفي لنقل الفكرة والخبرة، وان الاستخدام لهذه الاصطلاحات وما حصل للوصول الى منحى هذا الموضوع في اطار الدين والفلسفة والتنظير في معنى الحرية وفي التأويل في النصوص الشرعية ومداخلات التصوف في صياغة المعاني .

ويأتي المعنى الاخر في هذا الموضوع في تقديم الفلسفة اليونانية وازالة العوالق التي وضعت الحواجز الكثيرة والكبيرة بين الدين والفلسفة، " والمعتزلة " كان لهم الدور الكبير في تقديم العقل على النقل والشرع وحتى قبل ورود السمع .. فالمعرفة للوصول الى الحقيقة عبر دليل التنظير للحرية، و " النظّام " يؤكد النظرة الاستدلالية و " الجفعران "جعفر الثقفي وجعفر الهمذاني " يمكن معرفة الحقيقة الإلهية من خلال بجميع الاحكام المتوفرة لها وصفاتها قبل الشرع باعتبارها العنصر الفاعل في قدرة الانسان على منحه القدرة لفعل الاشياء، هذه القدرة هي قدرة إلهية، كذلك العقل الذي اعتمده هو في مميزاته ان يكون عقلا عادلا، والعقل العدل هو في الجسم السليم وان الله لا يحب الأفعال المشينة وبالمقابل فهو غير مسؤول عن أفعال العباد . والمعتزلة قالوا:- ان الله تعالى يسعى للتمييز في هذه الحياة لأنها منطق الحكمة في مصلحة العباد .

 

د.علاء هاشم مناف

..............................

(1) ضحى الاسلام، وفجر الإسلام، الاستاذ محمد أمين، ص211، 212،214

 (2) النشار، ج 1، ص 421، 422، 425.

(3) المصدر نفسه، ص432.

 (4) النشار، ج1، ص 406.

 (5) البيان والتبين، ج3، ص 257 .

 (6) الملل والنمل للشهر ستاني، ص 273 .

 

saleh altaeiمما لا خلاف عليه أن جميع الأديان السماوية والحضارات الإنسانية، حرَّمت المثلية الجنسية أو الشذوذ، حيث ذهبت الديانة اليهودية إلى أن المثلية رجس، كما جاء في الكتاب المقدس: "وَإِذَا اضْطَجَعَ رَجُلٌ مَعَ ذَكَرٍ اضْطِجَاعَ امْرَأَةٍ، فَقَدْ فَعَلاَ كِلاَهُمَا رِجْسًا. إِنَّهُمَا يُقْتَلاَنِ. دَمُهُمَا عَلَيْهِمَا"(1) وفي السفر نفسه حددت عقوبتها بالقتل رجما(2).

ووصفتها الديانة المسيحية بالفاحشة والخطيئة، جاء ذلك في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، في قوله: "وكذلك الذكور أيضا تاركين استعمال الأنثى الطبيعي، اشتغلوا بشهواتهم بعضهم لبعض، فاعلين الفحشاء ذكورا بذكور، ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالتهم المحق.... مملوءين من كل إثم وزنا وشر وطمع  وخبث... مبغضين الله". وهي الأخرى ذهبت إلى أن عقوبة المثلي الجنس: أن يطرد من رحمة الله، جاء في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس، أن الذين يمارسون المثلية الجنسية لا يرثون ولا يدخلون ملكوت الله أي الجنة: "إن الظالمين لا يرثون ملكوت الله. لا تضلوا، لا زناة ولا عبدة أوثان، ولا فاسقون، ولا مأبونون، ولا مضاجعوا ذكور... لا يرثون ملكوت الله"(3) وإلى قرون قريبة وتحديدا منذ القرن الثالث عشر، فرضت الكنيسة الكاثوليكية على المثليين ثلاث مراحل من العقاب: الإخصاء عند ارتكاب الفعل لأول مرة. الحرمان الكنسي في المرة الثانية. الحرق في المرة الثالثة.

أما الإسلام، فتحدث أولا عن بداية ظهورها، معلنا أن ذلك حدث في قوم لوط(ع) كما في الآيات: {وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ  إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ}(4). واستهجن هذا الفعل، كما في قوله تعالى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (*) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ}(5) بمعنى أن الحديث كان عن المثلية الذكورية، وأطلق على المثلية الذكورية عدة صفات، جاءت في آيات مختلفة، منها على سبيل المثال:

اسم الخبائث، كما في قوله تعالى: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ}(6) والمعروف أن الخبائث: ضد الطيب من الرزق والولد والناس، ويطلق الخبيث على الحـرام، كالزنا، والمال الحرام، والدم الحرام، كما يطلق على الرديء المستكره طعمـه أو ريحـه،

كالثوم والبصل. والخبائث في معانيها الكبرى محرمة على المؤمن، تبعا قوله تعالى: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث}(7). قال محمد رشيد رضا: "والخبيث كل ما حرمه الله تعالى فهو خبيث ضار في البدن والدين"(8).

ومنها اسم الفاحشة: كما في قوله تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}(9) حيث سماها الفاحشة، وسمى مرتكبها: الجاهل.  وعند ربط هذه الآية بآية: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}(10) يتأكد لك تحريم الإسلام للواط قطعيا.

أما عن عقوبتها فقد حرمها الإسلام تحريما غليظا، وتشدد في عقابها، وهناك الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، منها  أنه سبحانه جعل العقوبة التي أوقعها على قوم لوط (ع) تحذيرا للمسلمين، كما في قوله تعالى:{ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (*) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ}(11).

وقوله تعالى:{ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}(12) من هنا، قال القرطبي في تفسيره: "واجمع العلماء على تحريم اللواط، وإن الله تعالى، عاقب قوم لوط، وعذبهم لأنهم كانوا على معاص وذنوب، ومنه الفعلة المشينة والعملة القبيحة، ألا وهي اللواط، فأخذهم الله بذلك، ولأنه كان منهم الفاعل والراضي بذلك، فعوقبوا الجميع لسكوت الجماهير عليه، وهي حكمة الله وسنته في خلقه، وبقي أمر العقوبة على الفاعلين مستمرا"(13). وقال النووي: "فإن اللواط وهو إتيان الذكور في أدبارهم محرم، وهو من الكبائر"(14)

ومن الغريب أن الفقهاء اختلفوا في نوع عقوبة مرتكبها مع أنهم يستندون إلى الأحاديث نفسها، ومنها أحاديث ابن عباس، منها، قوله: قال رسول الله(ص): "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به"(15) ومنها أيضا، قال : قال رسول (ص): "ملعون من عمل بعمل قوم لوط"(16) ومنها كذلك (ص): "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا، أو امرأة في دبرها"(17) وأيضا قوله: قال رسول الله(ص): "لعن الله من عَمِل عَمَلَ قوم لوط، لعن الله من عَمِل عَمَلَ قوم لوط، لعن الله من عَمِل عَمَلَ قوم لوط"(18). ومن الأغرب أن تجد للفقيه الواحد أكثر من حكم فالإمام مالك له قولان:

الأول: يرجم الفاعل والمفعول به، أحصن أو لم يحصن. إن كان محتلما.

الثاني: يرجم إن كان محصنا ، ويحبس ويؤدب إن كان غير محصن(19). لهذا السبب وأسباب أخرى، اختلف أصحاب الإمام مالك في طريقة قتله، فقال بعضهم: ينظر إلى أعلى دار فيرمى منها منكساً، كما في قول ابن عباس: "يرمى من أعلى جدار في القرية، ويتبع بالحجارة".

وقال ابن قيم: "من العلماء من قال: حده حد الزنا، وقد قيل دون ذلك، والصحيح أن يقتلا سواء كانا محصنين أو غير محصنين" لقول ابن عباس: "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ". وقال بعضهم: "يحبسان في أنتن موضع حتى يموتا". وقد ثبت عن خالد بن الوليد، أنه وجد في بعض نواحي العرب، رجلا يُنكح، كما تنكح المرأة، فكتب إلى أبي بكر فاستشار أبو بكر الصحابة فكان علي بن أبي طالب، أشدهم قولا فيه، فقال: ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة، وقد علمتم ما فعل الله بها، أرى أن يحرق بالنار. فكتب أبو بكر إلى خالد، فحرقه.

وقال ابن القصار المالكي: أجمعت الصحابة على قتله، وإنما اختلفوا في كيفية قتله، فقال أبو بكر: يرمى من شاهق، وقال علي: يهدم عليه حائط، وقال ابن عباس: يقتلان بالحجارة(20)

وحكم الشافعية بقتل الشاذ رجما، قال الشوكاني: "وأخرج البيهقي عن علي (رض) أنه رجم لوطيا. قال الشافعي: وبهذا نأخذ برجم اللوطي محصناً كان أو غير محصن"(21).

ومثل غيرهم، اتفق فقهاء الشيعة على أن حد اللواط على الفاعل والمفعول به: القتل، فيما لو دخل القضيبُ أو شيء منه في الدُبُر، وكان كل من الفاعل والمفعول به عاقلاً بالغاً مختاراً، ولا فرق بين أن يكون كلاً منهما مُحْصَناً أو غير مُحْصَن، أو مسلماً أو غير مسلم. أما عن كيفية تنفيذ الحكم فقد ذهب المشهور إلى أن الحاكم مخيَّرٌ بين أن يضربه بالسيف، أو يحرقه بالنار، أو يلقيه من شاهق مكتوف اليدين والرجلين، أو يهدم عليه جداراً، وله أيضاً أن يجمع عليه عقوبة الحرق والقتل ، أو الهدم والإلقاء من شاهق. لكن إذا تاب قبل أن تقوم عليه البينة، سقط عنه الحد فاعلاً كان أو مفعولاً، و إذا تاب بعدها لم يسقط عنه الحد. أما إذا أقرَّ باللواط ثم تاب، كان الخيار في العفو و عدمه للإمام.

نتيجة هذا التباين، نجد هناك من يعزيه إلى أن النبي(ص) لم يقضي في اللواط، لأنه لم تمر عليه حالة لواط، فضلا عن أن اللواط لم يكن معروفا في الجاهلية! ومن هؤلاء ابن قيم الجوزية الذي قال: "ولم يثبت عنه (ص) أنه قضى في اللواط بشيء، لأن هذا لم تكن تعرفه العرب، ولم يرفع إليه (ص)، ولكن ثبت أنه قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به"(22) وهذا رأي شديد الغرابة، من جهتين، الأولى: يذكرني بما نقله السيوطي عن أحد الخلفاء الأمويين؛ وهو الوليد بن عبد الملك، في قوله الذي نفى فيه أن يكون قد سمع عن اللواط أبدا، إذ نسب إليه القول: "لولا أن الله ذكر آل لوط في القرآن، ما ظننت أن أحدا يفعل هذا"(23)

والثانية: أن اللواط إن لم يكن قد وقع في عصر البعثة، فإنه لم يكن مجهولا بالمرة في المجتمع الجاهلي، بل إن الحياة العربية قبل الإسلام، عرفت أشكالا متنوعة من حياة اللذة المحرمة؛ ابتداء من نكاح الخدن، حيث كانت المرأة تتخذ خدنا(صاحبا)،وتبقى له يمارسان الرذيلة سرا. وكانوا يأتون المرأة في خبائها فينكحونها برضاها، دون عقد نكاح، فإذا حملت عينت واحدا من الذين مروا بها وألحقت المولود به.  وصولا إلى  نكاح الاستبضاع. حيث يرسل أحدهم امرأته إلى آخر مشهور بفحولته لينكحها فتحمل منه، تحسينا للنسل بزعمهم. رسوا عند تبادل الزوجات؛ الذي لم يعرفه الغرب إلا مؤخرا، وهو ما يعرف بنكاح البدل، حيث يتبادل الرجلان الزوجات فيما بينهما.

وختاما بزواج المقت، وهو أن يتزوج الابن امرأة أبيه. فضلا عن ذلك كانت ضروب اللواط والسحاق والتخنث معروفة في المجتمع الجاهلي، يمارسونها بلا حرج. وقد تحدث الدكتور جواد علي عن الشذوذ في العصر الجاهلي، فقال: "والشذوذ الجنسي معروف عند الجاهليين أيضا كما هو عند جميع الأمم منذ القدم، وليس من المعقول استثناء الجاهليين من ذلك، بدليل ورود النهي عنه، والتحذير منه في القرآن الكريم وفي الحديث. ومن الشذوذ الجنسي، الشذوذ المعروف، وهو ذهاب الرجل مع الرجل ومزاولته عمل الجنس معه، أو اتصال المرأة بالمرأة اتصالًا جنسيا، أو إتيان الرجل المرأة من دبر، كما كان الحال عند أهل مكة، فقد ذكر أن منهم من كان يأتي النساء من أدبارهن، وقد منع ذلك في الإسلام"(24).

وبذا لا يصح قول ابن قيم دليلا على عدم وجود الشذوذ في المجتمع الجاهلي، أو عدم معرفة المسلمين له في عصر البعثة. نعم قد ولا أقول من المؤكد؛ أن الشذوذ اختفى في عصر البعثة، أو لم يعثر على نص يذكره، ولكن من المؤكد أنه عاد إلى الظهور مع ما ظهر من الموروث الجاهلي بين المسلمين بعد عصر البعثة مباشرة، أما نفي وجوده من ذلك المجتمع فمحال قطعا! بل هناك في بطون كتب التاريخ نقولا كثيرة تتحدث عن اشتهار بعض قبائل العرب بشذوذ آخر يتم مع الحيوان غالبا، فهل يعقل أن يرتكب المجتمع مثل هذا الشذوذ مع الحيوان ولا يرتكبه مع الإنسان؟ وهنا لا أنكر أن بعض حديثهم عن هذا الشذوذ قد يكون وليد العداوة بينهم، ولكن لابد وأن غالبه كان صحيحا، إذ قيل والعهدة على القائل: إن (بني كليب) اتهموا بإتيان الضأن، و(بنو الأعرج) و(سُلَيم) و(أشجع) اتهموا  بإتيان الماعز. و(بنو دارم) أتهموا بإتيان الأتن أي صغار الحمير، و(بنو فزارة) اتهموا بإتيان الإبل، فالعادة أن القبائل في الجاهلية كانت إذا ما تخاصمت، رمت بعضها بعضا بالتهم التي تنتقص منهم.

فضلا عن ذلك، كان الجاحظ؛ في حديثه عن زواج الإنس بالجن قد أشار إلى وجود هذا الشذوذ بينهم، بقوله: "ونحن نجد الأعرابي والشاب الشبق، ينيكان الناقة والبقرة والعنز والنعجة، وأجناسا كثيرة، فيفرغون نطفهم في أفواه أرحامها، ولم نرَ ولا سمعنا على طول الدهر، وكثرة هذا العمل الذي يكون من السفهاء القح منها شيء من هذه الأجناس، والأجناس على حالهم من لحم ودم، ومن النطف خلقوا"(25).

بل إن تكرار الإسلام التحذير منه، يشير من طرف خفي إلى وجود هذه الممارسة، لدرجة أن رسول الله(ص) كان يخاف عليهم الوقوع في هذا الشذوذ، جاء عن جابر بن عبد الله أن رسول الله (ص) قال: "إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط"(26).  وهناك الكثير من أقوال العلماء في التحذير، مثل قول الحسن بن ذكوان: "لا تجالسوا أولاد الأغنياء، فإن لهم صوراً كصور النساء، وهم أشد فتنة من العذارى". وقول النجيب بن السري: "لا يبيت الرجل في بيت مع أمرد". وقول سعيد بن المسيب : "إذا رأيتم الرجل يلح بالنظر إلى غلام فاتهموه".

وقال عطاء: "كان سفيان الثوري لا يدع أمرداً يجالسه". وقول النجيب: "وكانوا يكرهون أن يحدق  الرجل النظر إلى الغلام الجميل الوجه". وقول أبو سهل: "سيكون في الأمة قوم، يقال لهم اللوطيون على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل".

مثل الديانات كلها، غالبا ما كان للحضارات المادية عبر التاريخ موقفا معترضا على هذا الفعل ومنكرا له، بل حتى أكثر الناس سفكا للدماء كانت لهم مثل هذه المواقف فهتلر كأنموذج للحضارة المعاصرة، بالرغم مما عرف عنه من قسوة وعنف، جمع المثليين مع الغجر واليهود والمعاقين وشهود يهوه في مخيمات، وأعدمهم، مما حدا بألمانيا المعاصرة أن تعتذر عام 2002 للمثليين عن تلك (الجريمة)!

أما أمريكا فمنذ بداية تأسيسها، حرمت كل ممارسة جنسية (غير طبيعية) حتى أنها قامت خلال الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945م) بطرد معظم المثليين من الجيش ومن أعمالهم ووظائفهم. ولكنها انقلبت على هذا التقليد بعد الحرب، فتم عام 1950 إنشاء أول منظمة حقوقية مثلية. وحصل المثليون على دعم الكنيسة حينما قام القس (تروي باري) عام 1968 بتأسيس أول كنيسة ترعى المثليين في أمريكا.

وبالرغم من اتفاق الأديان والحضارات والعلم على أن هذا العمل شاذ بمعنى الكلمة... وبالرغم من أن الغرب المتحرر لا زال إلى هذه الساعة يطلق على (المثليين) اسم (الشواذ جنسيا) ... وبالرغم من أن المثلية الجنسية كانت إلى وقت قريب جدا تعتبر علميا وطبيا من الأمراض النفسية؛ بعد أن درسها العلماء بمعزل عن الرؤية الدينية، كمرض وليست كخطيئة أو جريمة دينية. هذا في الأقل لغاية قيام المثليين بمظاهراتهم للضغط على جمعية الطب النفسي الأمريكية، حتى اضطروها أن تحذف المثلية من الأمراض النفسية. والذي تلاه قيام منظمة الصحة العالمية في عام 1992 بشطب المثلية الجنسية من لائحة الأمراض النفسية، وهو اليوم الذي عده المثليون يوم التحرير من عبودية القوانين، فأعلنوه يوما عالميا لمحاربة رهاب المثلية! مما حول المثليين إلى قوة انتخابية لا يستهان بها، مما حدا بالرئيس باراك أوباما إلى الاعتراف بالزواج المثلي عام 2012. وهو الانفتاح الذي أدى إلى أن تقر ست من الدول الأوربية شرعية زواج الشاذين جنسياً كحق مشروع، وهي: النرويج،  هولندا، بلجيكا، إسبانيا، كندا، فضلا عن ولاية ماساتشوستس الأمريكية. بالرغم من كل ذلك تغيرت الموازين، وتبدلت المصطلحات تبعا لهذا التطور الغريب، فاستعيض في تسعينيات القرن الماضي عن مصطلح (الشواذ) بمصطلح (إل جي بي تي) أو (LGBT) أو GLBT)) وهو اختصار لكلمات (Lesbian، Gay، Bisexual ،Transgender) علما أن هناك مساع كبيرة نجحت في إدخال أفراد الهجرة القسرية إلى هذا المصطلح، ليتحول إلى مصطلح (إنساني) تتقبله الناس دون امتعاض. وهذا كله كان من نتاج الثورة الجنسية التي انطلقت تحت تخطيط ممنهج في ستينيات القرن الماضي.

ونحن لا نعترض على ما تختاره الأمم من نظم وقوانين تتماشى مع طبيعة حياتهم ومع مواريثهم، فالعالم الغربي يملك تاريخا عريقا في الإباحية يمتد إلى سنين طوال، فابن فضلان سفير الخليفة العباسي في القرن الميلادي التاسع إلى أوربا، وتحديدا إلى دولة البلغار، سبق وإن استغرب من رؤية النساء والرجال يسبحون سوية في البحر عراة من غير ملابس تسترهم، دون أن يشعروا بالخجل من كشف عوراتهم(27) وهذا الموروث التاريخي هو الذي جعلهم يغيرون المصطلحات لتخدمهم فيتحول الفعل الشنيع إلى كلمة تهفو إليها النفوس، كما في قول الكاتب والناقد كريستوفر هيتشنز: "حسنا، المثلية الجنسية ليست شكلًا من أشكال الجنس، بل إنها شكل من أشكال الحب". ولكننا نرفض أن يقسرونا على قبول مواريثهم وتطبيقها في مجتمعاتنا!

إن هذا الرفض سيبدو خجلا مرتبكا مترددا أمام المغناطيسية التي يسلطها ذلك الموروث والواقع الذي تكلمنا عنه؛ على مجتمعاتنا المعاصرة، فما يحدث في بعض بلداننا العربية والإسلامية اليوم، تحت ضغط ما يعرف بمنظمات حقوق الإنسان المدعومة من الغرب، يؤكد أنها بدأت بمجموعها تتحول إلى بلدان (شاذة)، لأنها عجزت عن رد المؤامرات التي تحاك ضدها، بعد أن انشغل قادتها بترفهم ونعيمهم، ولاسيما وأن هناك اليوم دولا إسلامية تتبنى الترويج للقضية!

فتركيا مثلا تعتبر زعيمة الموقف المتساهل، فهي بالرغم من كونها تحكم من قبل الإخوان المسلمين، إلا أن سعيها المحموم لنيل عضوية الإتحاد الأوربي، دفعها إلى التنازل عن كثير من ثوابتها العقدية. نعم قد تكون القوانين التركية التي سنها كمال أتاتورك في سعيه لتطهير تركيا من موروثها الديني، وأملا بترسيخ روح العلمانية  أحد الأمور التي يسرت للمثلية سرعة الانتشار، فلطالما كانت نشاطات وحركات المثليين منذ تأسيس تركيا الحديثة في عام 1923 تعتبر فعلا قانونيا لا غبار عليه، وكان للشاذين (المضطهدين) حق طلب اللجوء إلى تركيا هربا من الاضطهاد بموجب اتفاقية جنيف منذ عام 1951، لكن حمى نيل عضوية الاتحاد الأوربي، دفع الحكام الأتراك منذ عام 1988 إلى السماح للمتحولين جنسياً بتغيير تعريف جنسهم في الوثائق القانونية الحكومية ليصبح وجودهم معا شرعيا. وتحولت تركيا بموجب هذه القوانين إلى ملاذ آمن للمثليين الجنسيين المسلمين، وهو ما شجع بعض المسلمين على ارتكاب هذا الفعل؛ الذي بدأ ينمو ويتوسع بشكل مخيف. ففي أحد بلداننا العربية المعروفة بطابعها الإسلامي ونظام حكمها شبه المستقر؛ وهي المملكة المغربية وحدها توجد اليوم عدة جمعيات للشواذ والمثليين منها في الأقل ثلاث جمعيات باتت معروفة عالميا هي: (كيف كيف) و(أصوات) و(أقليات) وأن بعض أعضاء هذه الجمعيات، ومنهم المثلية المغربية صاحبة شعار (حبوا ما شئتم أين ما شئتم) المدعوة (هاجر متوكل)، والتي تبلغ الثالثة والعشرين من العمر وتقيم برفقة شريكتها (هدى) في تركيا، بلغت بهم الجرأة ليكتبوا مذكراتهم وينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي بغية الحصول على دعم دولي أكبر للمطالبة بحقوق المثليين المغاربة والعرب! وبعضهم الآخر ومنهم (عبد الله الطايع) المقيم في فرنسا؛ لم يكتفوا بالجهر بمثليتهم فحسب بل وجعلوا الحديث عنها موضوعا ثقافيا أساسيا، حيث كانت المثلية محور مؤلفات (الطايع) مثل: (كآبة عربية)، (مغربي أنا)، (أحمر الطربوش)، بحجة أنه يدعو إلى احترام اختيارات الفرد في الحياة.

إن تفشي هذه الظاهرة في المملكة المغربية المحافظة والمتدينة يؤكد يقينا أن القوانين السارية في بلداننا الإسلامية اليوم أعجز من أن تتصدى لانتشار هذه الظاهرة الموروثة، فالمعروف أن في القانون الجنائي المغربي وتحديدا في المادة رقم 489 نص على: (أن كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات) وان هذه الجمعيات الثلاث والجمعيات الأخرى تطالب بحذف هذه المادة وقد نظمت عدة استفتاءات حصل بعضها على دعم دولي.

وأنا لا أدين المغاربة بموضوعي هذا، فأنا أجدهم أكثر جرأة وشجاعة من كثير من العرب، ولاسيما الدول العربية ذات المنهج الإسلامي المتشدد، كما هي دول الخليج؛ التي وصلت فيها أعداد المثليين والشاذين إلى أرقام خيالية، ولكنهم لا يملكون الجرأة والشجاعة ليعلنوا عن أنفسهم حفاظا على سمعة نظمهم الدينية لكي لا تهتز صورتها أمام الشعوب الإسلامية الفقيرة؛ التي اشتروا ولاءها بأموالهم! وإلا يكفيك أن تذهب إلى www.google.com/trends)) وستجد أعدادا هائلة من أبناء دول الخليج فضلا عن دول إسلامية أخرى، يستخدمون الكلمات الخاصة بالشذوذ وحده للبحث عما يرغبون بمشاهدته، حيث تبين من خلال متابعتي وبحثي أن السعودية ومصر  والإمارات والفلبين وتركيا وباكستان من أكثر دول العالم استخداما لكلمات محددة تدل على بعض أنواع الشذوذ، وهي: DONKEY SEX و GAY SEX و (ASS SEX)

ومن المؤكد أن هذا التبدل في الموقف العربي الإسلامي من الشذوذ، وتقبله، ووجود من يدافع عنه وعن مريديه ليس وليد الساعة، فهناك في تاريخنا الكثير من الشواهد على رسوخ هذه العادة في عقول كثير من الخلفاء المسلمين وقادتهم والمترفين من أتباعهم، هي التي أعطت انطباعا للآخرين من أبناء الأمة عن التسامح مع الشذوذ أو السماح به عرفا وشرعا،  بعد أن روج له الشعراء الماجنون، مثل قول ابن أبي البغل:

وإلا فالصغار ألذ طعماً    وأحلى إن أردت بهم فعالاً

وحتى قبل ابن أبي البغل كان سلوك الشذوذ قد بنى قاعدة متينة في مجتمع المسلمين منذ أن أسهمت الفتوح (الإسلامية) في إدخال ألوف الغلمان اليافعين الجذابين من أبناء البلدان ذات البشرة البيضاء، المفتوحة قسرا إلى دولة الإسلام في زمن الأمويين، الذين اشتهر بعض خلفائهم بالشذوذ، مثل الوليد بن يزيد بن عبد الملك، الذي قال عنه الذهبي: "لم يصح عن الوليد كفر ولا زندقة بل اشتهر بالخمر والتلوط"(28) وقال عنه السيوطي: "وكان فاسقا، شريبا للخمر، منتهكا حرمات الله، أراد الحج ليشرب فوق ظهر الكعبة"(29) وقد وصل الانحطاط بهذا الخليفة أنه راود أخاه سليمان عن نفسه، قال السيوطي: "ولما قتل، وقطع رأسه، وجيء به يزيد الناقص، نصبه على رمح، فنظر إليه أخوه سليمان بن يزيد، فقال: بعدا له، أشهد أنه كان شروبا للخمر، ما جنا، فاسقا، ولقد راودني عن نفسي"(30)

أما في زمن الخلفاء العباسيين، فقد وصل الشذوذ إلى مستواه الأعلى وتحول إلى ظاهرة، فالعباسيين وإن كانوا في أول دولتهم يظهرون الالتزام حيث كان السفاح يجلس للشرب وبينه وبين ندمائه مسافة عشرة أمتار(31) إلا أن المهدي سرعان ما غير، وجلس معهم، وتلا الهادي فكان يتناول الخمر في مجلس ندمائه ويلعب معهم(32) وبعدها تصاعدت حمى الشذوذ بين الخلفاء لدرجة أن الخليفة الأمين "طلب الخصيان، وابتاعهم، وغالى بهم، وصيّرهم لخلوته في ليله ونهاره... ورفض النساء الحرائر والإماء"(33) وقال السيوطي: "لما ملك الأمين ابتاع الخصيان، وغالى بهم، وصيرهم لخلوته ورفض النساء والجواري.. ووجه إلى البلدان في طلب الملهين"(34) أما المعتصم فكان له  غلام يقال له عجيب لم ير الناس مثله، وكان شغوفا به"(35) والواثق، كان يحب غلاما خادما، أهدي له من مصر"(36) والمتوكل كان منهمكا في اللذات والشراب، وكان له أربعة آلاف سرية، ووطئ الجميع، وامتلك عشيقاً اسمه شاهك(37). وهكذا كان باقي الخلفاء، ومثلهم ذوي السلطة والجاه من الأعاجم الذين تسلطوا على مقادير الأمة باسم الدين من ترك وفرس وغيرهم. وهذا يعني أن جميع هؤلاء بما فيهم (أمراء المؤمنين) العرب والأعاجم؛ الذين حكموا العالم الإسلامي، كانوا شواذا بامتياز، ولذا لا غرابة أن تتفشى ظاهرة الشذوذ في المجتمع بشكل ظاهرة عريضة. بمعنى أن الحكومات التي قادت العالم الإسلامي باسم الدين لعبت دورا كبيرا في إفساد المجتمع المسلم، وهم يتحملون الوزر الأكبر، فالناس طوع ما يتعلمون، وهذا ما أكدته نظريات التعلم الحديثة التي اعتبرت التعلم بالنمذجة أحد أهم طرائق التعليم.

 

صالح الطائي - باحث

.........................

الهوامش

(1) سفر اللاويين،20:13 .

(2) المصدر نفسه: 18.

(3) الكتاب المقدس.

(4) الأعراف: 80ـ 81.

(5) الشعراء: 65ـ66.

(6) الأنبياء:74.

(7) الأعراف:157.

(8) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج9/ص197.

(9) النمل:54ـ55.

(10) الأعراف:33.

(11) الحجر:74.

(12) الأعراف: 84.

(13) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة الأعراف.

(14) النووي، المجموع شرح المهذب.

(15) رواه الترمذي (1456) وأبو داود (4462) وابن ماجه (2561).

(16) الألباني، صحيح الجامع الصغير وزياداته،  برقم 5891.

(17) المصدر نفسه.

(18) أحمد بن حنبل، المسند، (2915).

(19) ينظر: شرح زاد المستقنع، الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي.

(20) المقدمة في الأصول، باب القول في الحدود هل تؤخذ من جهة القياس.

(21) محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، نيل الأوطار.

(22) محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد

(23) تاريخ الخلفاء، جلال الدين السيوطي.

(24) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام.

(25) عمرو بن بحر بن محبوب، الحيوان.

(26) رواه الترمذي وابن ماجة.

(27) أحمد بن العباس بن رشيد بن حماد ابن فضلان، رحلة ابن فضلان.

(28) محمد بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن عثمان الذهبي، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، وجلال الدين السيوطي، تاريخ الخلفاء للسيوطي

(29) السيوطي، المصدر نفسه.

(30) المصدر نفسه.

(31) المصدر نفسه.

(32) المصدر نفسه.

(33) الطبري، تاريخ الأمم والملوك.

(34) السيوطي، تاريخ الخلفاء.

035) المصدر نفسه

(36) المصدر نفسه.

(37) المصدر نفسه.

 

923-yousifالقسم الثاني من مقالة مجلة المورد التراثية والغزو المغولي للعراق سنة 656هـ/1258م (العدد الأول، سنة 2013م)، التي كتبها الدكتور محمد حسن سهيل والأستاذ محمود محسن داود.

سنة 1979م نشر كاتبُ هذه السطور في مجلة آفاق عربية بحثاً عن أبي حيان التوحيدي، وكنتُ لما أزل في الصف الثاني من دراستي الجامعية؛ وصادف أن الأكاديمي العراقي المعروف الدكتور عبد الأمير الأعسم قد سلَّم للمطبعة كتابه القيِّم أبو حيان التوحيدي في كتاب المقابسات الذي صدرت طبعته الأولى سنة 1980م، فوجدته قد أشار إلى بحثي المذكور بالعبارة التالية: (صادفَ أن اطَّلعتُ ـ وكتابُنا هذا في المطبعة ـ على مقالة ليوسف محمد علي تحت عنوان أبو حيان التوحيدي هل انتحر؟، نُشرت في مجلة آفاق عربية، كانون الأول، 1979، بغداد، السنة 5، العدد 4، ص 114 ـ 120)(1).

 لقد كبر الباحث الأعسم في عيني كثيراً ليس لأنه أشار إلى بحثي المذكور، لكنه أشعرني ـ وأنا الباحث المهتم بالتوحيدي ـ أنه يحترم قرَّاءه الذين كنتُ واحداً منهم، وأنه يقول لقرَّائه: من أجل فائدتكم، لقد بقيتُ أتابع بحثي هذا الذي ستقرأونه إلى اللحظات الأخيرة التي كان يوشك فيها على مغادرة المطبعة. وبذلك أثبتَ أنه كان مخلصاً لبحثه أيَّما إخلاص.

الأمر الثاني حدث عندما التقيت في أحد صباحات الجمعة في مقهى الزهاوي بشارع الرشيد العَلَمَ العراقي النابه في الترجمة والأدب أستاذنا المرحوم الدكتور أكرم فاضل (1918 ـ 1987م)، وكنت ألتقيه مستفيداً منه ومن جمع من رجالات الأدب والصحافة هناك، فذكر لي أنه اشترى نسخة إضافية من مجلة آفاق عربية التي تضمنَّت بحثي عن التوحيدي، وأرسلها إلى الباحث الفرنسي مارك بيرجيه الذي كان قد تقدم إلى السوربون بأطروحته بحث في الشخصية الأخلاقية والعقلانية لأبي حيان التوحيدي، ونوقشت سنة 1974م(2)، وعندما سألته رحمه الله عن السبب في ذلك، قال لي إن بيرجيه كان قد كلَّفه أن يتكرَّم عليه فيبعث إليه بما يتيسَّر له مما يُنشر بالعربية عن أبي حيان التوحيدي. وهنا أيضاً شعرت باحترام لهذا الباحث الذي أتمنى لو يتصدى أحد مترجمينا لترجمة كتابه بغيةَ إثراء دراساتنا عن التوحيدي(3)، فالرجل لم يقنع بما حققه عندما نال شهادة الدكتوراه، بل بقي يتابع بحثه هذا بقراءة ما يستجد بشأنه بعد ذلك.

وإنما عرَّجت على هذين الأمرين لأنني وجدت الأستاذين الفاضلين الدكتور محمد حسن سهيل والأستاذ محمود محسن داود قد حصرا استفادتهما في مقالهما المنشور في مجلة المورد من المصادر والمراجع بما طُبع منها بين السنين الواقعة بين 1907م، السنة التي طبع فيها كتاب تاريخ دول الإسلام لرزق الله منقريوس الصدفي (وليس منقريوش ولا الصوفي كما كتبه هذان الفاضلان ثلاث مرات)  وسنة 1988م التي طَبَعَ فيها سلمان التكريتي (1931 ـ  ) كتابه بغداد مدينة السلام؛ أي أن هذين الأستاذين لم يطِّلعا على أي كتاب أو بحث صدر بعد سنة 1988م، وهذا يعني أن بحث الأستاذين أُصيب بالشلل فانقطع عن متابعة ما نُشر من كتب وبحوث مدةً استمرت طوال 28 عاماً. وما أكثر ما صدر في موضوع بحثهما بعد هذا التاريخ من بحوث وكتب نفيسة يقف في مقدمتها كتاب مختصر تاريخ بغداد في القديم والحديث للباحث العراقي علي ظريف الأعظمي الذي صدرت طبعته الثانية سنة 2005م (كانت طبعته الأولى قد صدرت سنة 1926م)؛ وكتاب الباحث السعودي الدكتور سعد بن محمد حذيفة الغامدي سقوط الدولة العباسية ودَور الشيعة بين الحقيقة والاتهام الصادر سنة 2004م، وكلاهما متوفر في السوق والمكتبات. ولو اطَّلعا على هذين الكتابين فقط لكانا كافيين لأن ينقلا لهما صورة شاملة تجعلهما محيطين بزوايا الموضوع الذي كتبا فيه. كما لم يستندا إلى الكتاب الخطير الذي لا يمكن لأي باحث في التاريخ المغولي أن يهمله، وهو كتاب تلخيص مجمع الآداب لمواطن البغدادي ابن الفوطي الشيباني الحنبلي (642 ـ 723هـ)، الذي كان في بغداد حين اجتاحها المغول ووقع هو وأخوه في أسرهم ومكث أسيراً لديهم ثلاث سنوات.

فأين هذا القصور والتقصير الذي وجدناه في مقالة الأستاذين الفاضلين سهيل وداود، مما شاهدناه من متابعة دقيقة لدى الأكاديميينِ الأعسم وبيرجيه؟

 

أين هو الجديد في مقال الأستاذين الفاضلين؟

923-yousifبصفتي تلميذاً خاض غمار موضوع الغزو المغولي للعراق وغيره وبقيت متابعاً ما ينشر بهذا الشأن من بحوث وكتب، توقعتُ أن أجد شيئاً جديداً أنتفع به فيما كتبه الأستاذان الكريمان سهيل وداود من اقتباس من مخطوطة جديدة أو رأي جديد لأحد الباحثين بهذا الشأن، لكنني  لم أجد إلا نقولاً رُصفت إلى جانب بعضها بغية تكوين موضوع ينتهي منه الكاتبان وكأنهما قد دُفعا إلى ذلك كُرهاً. بل إنَّ بعض نقولِهما اقتُبست من كتب كانت عاراً على مؤلِّفيها سَجيسَ الليالي والأيام مثل كتاب زوال الخلافة العباسية من بغداد على أيدي المغول(4) لمصطفى طه بدر، وكتاب بغداد مدينة السلام وغزو المغول لسلمان التكريتي الذي ألمعنا إلى ما فيه من بؤس في القسم الأول من بحثنا هذا.     

وإنَّ كتاب الدكتور المصري مصطفى طه بدر رسالة نال بها درجة الماجستير من كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول سنة 1939م، وقد أشرف عليها الباحث المعروف الدكتور حسن إبراهيم حسن. وهو كتاب لم يُحْسِن فيه كاتبه حتى فهم النصوص المكتوبة بالعربية، بل إنه لم يُشِر حتى إلى رأي المشرف على رسالته الدكتور حسن إبراهيم حسن في أسباب الغزو المغولي الذي ردَّ فيه على روايات المؤرخين المتأخرين التي أصرَّت على دَوْرٍ خِيانيّ مزعوم لابن العَلْقَميّ في احتلال بغداد، بالقول: (على أن هذه الآراء لا تتفق مع هذه الحقيقة التأريخية وهي أنَّ فتح المغول بغداد كان جزءاً من مشروع سياسي يهدف إلى اتِّساع رقعة إمبراطورية المغول بعد أن تمَّ لهم فتح إمبراطورية الصين الشمالية وأواسط آسيا وإيران وجورجيا والقوقاز والروسيا وبولندا وغيرها. أضف على ذلك أنَّ قَتْلَ المغولِ أهلَ بغداد قد شملَ السُّنِّيين كما شمل الشيعيين الذين نُهبت دُورُهم في الكرخ وهي محلة الشيعة ببغداد...)(5). وقد ناقشنا الدكتور مصطفى طه بدر في كتابنا إعادة كتابة التاريخ (الطبعة الثانية)، 261 ـ 288، وناقشنا أيضاً كتاب السيد سلمان التكريتي (ص 365 ـ 374).

لا يفوتنا أن نشير إلى ما في بحث الأستاذين الفاضلين من أمور أحسنا فيها القول لدى ذكرهما حقائق واضحة مثل قولهما: (إن موقف الخلافة من المغول كان منطوياً على الضعف والتخاذل...)، وقولهما: (بلغت الخلافة ذروة ضعفها في عهد المستعصم بالله الذي وصفه المؤرخون بالغفلة وضعف الرأي وقلة العزم، وكان أخطر ما أقدم عليه الخليفة الجديد هو إهماله الجيش وإمساكه عن الإنفاق على الجند...)، وقولهما: (إن الخلفاء لم يهتموا بالأخطار التي كانت تهدد البلاد سواء من الشرق أم الغرب، على الرغم من أصوات الاستغاثة...).

لكن الطامة الكبرى أنهما ردَّدا ما دأب بعض كتَّاب الدرجة العاشرة ممن لا دراية لهم بالتاريخ على ذكره، مستندين إلى الرواية الشامية/ المصرية الكاذبة التي دُوِّنت بإشراف الشيخ ابن تيمية ومَن أحاط به من مريديه أمثال الذهبي وابن كثير وغيرهما ممن قال السبكي في تأثيره السلبي فيهم: (واعلمْ أن هذه الرفقة ـ أعني المزي والذهبي والبرزالي وكثيراً مِن أتباعهم ـ أضرَّ بهم أبو العباس ابنُ تيمية إضراراً بيِّناً، وحَمَّلَهم على عظائم الأمور أمراً ليس هيِّناً)(6). وإنَّ هذه الرواية لا قيمة لها كما سنرى.

 فلنقرأ قول الأستاذين الفاضلين محمد حسن سهيل ومحمود محسن داود عن عهد المستعصم بالله آخر الخلفاء العباسيين: (فازدادت الفتن في زمانه وازداد التذمر وازداد تدهور الحياة الاقتصادية، وانتشر الغلاء، وسيطر اللصوص والشطَّار والعيَّارون يسرقون أمام الشرطة وصاحبها بالتواطؤ معه؛ والخليفة لا يحاسب صاحب الشرطة ولا الوزير الذي سيطر على جميع أمور البلاد وولاياتها التي انفصلت أو استقلت، والوزير ابن العلقمي يمهِّد للانقلاب، لهذا التدهور والتذمر والافتتان، حتى يسهِّل تمرير المؤامرة لإزالة السيادة العربية وإسقاط الخلافة العباسية) (ص54 من مقالهما). وقد ذكرا أنهما نقلا هذا الكلام من الكاتب المعاصر سلمان التكريتي الذي قلنا إن كتابه يمثِّل أقصى درجات الضعف والبؤس في الكتابة التاريخية، وكان على الأستاذين الفاضلين ـ إنْ كان لهما اطِّلاع ولو إجمالي بالموضوع الذي اختارا الكتابة فيه ـ أنْ يعلما أنَّ ما كتبه السيد التكريتي لا علاقة له إطلاقاً بالبحث العلمي، وأن ما كتبه هو نصوص دعائية لسدِّ الحاجة الإعلامية للحرب العراقية/ الإيرانية التي كان أوارها مشتعلاً، وقودُه أرواح البشر وما تكتبه الأقلام التي آثرت العيش والتنعم على حساب عذابات الآخرين، وكان ينبغي للأستاذين الفاضلين أن يختارا بعناية مصادرهما ومراجعهما بدلَ أن يتناولا أقرب كتاب تقع عليه أنظارهما حتى لو كان كتاباً دعائياً عديم القيمة ككتاب السيد سلمان التكريتي الذي أضرَّ كثيراً ـ فضلاً عن أمور أخرى ـ بمصداقية بحثهما.

وقد ذكرنا في القسم الأول أن الوزير ابن العلقمي هو الذي نبَّه الخليفة على وجود دسيسة لعزله سيقوم بها قائد الجيش الدويدار الصغير، مما أهاج الدويدار وجعل العلاقة بينه وبين ابن العلقمي تزداد توتراً، وهي أمور وردت في كتاب الحوادث، وفصَّلها أيضاً المؤرخ رشيد الدين الهمذاني.

نقلنا في القسم الأول فرية الخيانة التي أُلصقت بالوزير ابن العلقمي التي انطلق قلما الأستاذين سهيل وداود ليعبِّرا عنها بقولهما: (كان الوزير مؤيد الدين بن العلقمي يتصل بالمغول ويدعوهم للقضاء على الخلافة، ويمهِّد الطريق لهم بتسريح الجيوش وكَتْم أنبائهم عن الخليفة والتقليل من شأنهم) (ص 55). وحان الآن وقت الكشف عن الرواية التي تتحدث عن ذلك الاتصال المزعوم بين الوزير وبين المغول:

تقول هذه الرواية إن الوزير ابن العلقمي اتصل بالمغول بعد سنة 654هـ وهي السنة التي أغار فيها جيش الخليفة المستعصم بقيادة الدويدار الصغير وأحد أنجال الخليفة على محلة الكرخ الشيعية بعد أن اتُّهم أهلها بقتل شاب سُنِّيّ بغدادي من أهل محلة قطفتا، حيث ارتكب الجيش العباسي ومعه أفواج من الأوباش والأراذل الفظائع من قتل ونهب واغتصاب وإحراق وتدمير للمتلكات مما ذكره المؤرخون الذين ننقل فيما يلي أقوال بعضهم بهذا الشأن:

يقول مؤلف كتاب الحوادث وهو كتاب موثوق لاستناده إلى المؤرخين البغاددة الذين كانوا ببغداد عند حدوث تلك الوقائع: (ركب الجند إليهم وتبعهم العوام ونهبوا محلة الكَرْخ وأحرقوا عدة مواضع وسبوا كثيراً من النساء والعلويات الخَفِرات وسفكوا الدماء وعملوا كلَّ منكر. وكان الجندُ والعواميتغلَّبون على مَن قد نَهَبَ شيئاً فيأخذونه منه.

 وعظمت الحالُ في ذلك، فخوطب الخليفة في أمرهم، فأمرَ بالكفِّ عنهم ونوديَ بالأمان.

 فدخل جماعة من أهل الكَرْخ إلى منازلهم وقد تخلَّف بها قومٌ من العوام وغيرهم، فقتلوهم. ثم تقدَّمَ الخليفةُ إلى الجند وغيرهم بإحضار ما نهبوه إلى باب النوبي، فأحضروا شيئاً كثيراً، فَرَدَّ على كلِّ مَن قد عُرِفَ مالُه ما وجده، وكان شيئاً لا يُحصى كثرةً. ونُودِيَ بحمل النساء والأسرى إلى دار الرقيق، فحُمِلوا وأُعيدوا إلى أربابهم. ثم حُصِّلَ الذي كانت الفتنةُ بسببه وقُتِلَ، وصُلِبَ قاتلُ القَطُفْتي بباب الكَرْخ)(7).

وقال الأشرف الغساني: (فَتَقَدَّمَ بزجرهم وردعهم، فَهَجَمَ عليهم العامة ونهبوا عدة مواضع من محلَّتهم، وسبوا نساءً، فعظم الأمر)(8).

 وقال المكين جرجس: (إن الخليفة المستعصم بالله أمر بنهب الكَرْخ وجميعه من شيعة علي بن أبي طالب، فنهبهم العوام وأخذوا أموالهم وجميع نعمتهم ونسوانهم وأولادهم، وأباعوا بناتهم)(9).

وقال ابن واصل الشافعي إن فتنة حدثت بين أهل باب البصرة وأهل الكَرْخ: (فشكا أهل باب البصرة ذلك إلى ركن الدين الدواة دار والأمير أبي بكر بن الخليفة، فتقدَّما إلى الجُنْد بنهب الكَرْخ فهجَموا الكَرْخ وقَتَلوا ونهبوا وهجموا على النساء وارتكبوا فيهنَّ العظائم)(10).

 وكرَّر اليونيني الحنبلي كلامه(11)، لكنه أبقى عبارة (ارتكاب العظائم)، وحذف (في النساء).

وقال وَصَّاف الحَضْرة إن (الأمير أبا بكر نجل الخليفة لتعصُّبه وحمايته لأهل السنة والجماعة الذين تجاوزوا حدَّ الاعتدال، أرسل مجموعة من الجنود وأمرهم بنهب محلة الكَرْخ التي يسكنها الشيعة، فأسروا بعض سادات بني هاشم، وأخرجوا من البيوت البنين والبنات في حال فاضح، حفاة عراة حاسرات)(12).

وقال أبو الفداء الشافعي: (فأمرَ أبو بكر ابن الخليفة وركنُ الدين الدوادار العسكرَ فنهبوا الكَرْخ وهتكوا النساءَ وركبوا منهن الفواحش)(13).

ويربط النويري الشافعي بين هذه الاستباحة وما قيل من أن ابن العلقمي غضب لذلك فدعا المغول لغزو العراق ــ وهو أمر نجده لدى غيره من بعض من حاولوا أن يجدوا تفسيراً للغزو المغولي ــ فيقول: (وكان الذي بعث هولاكو على قصد بغداد أن الوزير مؤيد الدين محمد ابن العلقمي كان شيعياً والشيعة يسكنون بالكرخ وهي محلة مشهورة بالجانب الغربي من بغداد، فأحدث أهلها حدَثاً فأمر الخليفة ينهبِهم فنهبهم العَوام، فوجد الوزير لذلك وكاتب هولاكو، وأخذ في التدبير على الخليفة وقطع أرزاق الجند، وأضعفَهم حتى تمكّن التتار من أخذ البلاد)(14).

وقال الذهبي الشافعي: ( قتل أهل الكَرْخ رجلاً من قطفتا، فحمله أهلُه إلى باب النوبي ودخل جماعة إلى الخليفة وعظموا ذلك ونسبوا أهل الكَرْخ إلى كل فساد فأمر بردعهم.

1041-yosef فركب الجند إليهم وتبعهم الغوغاء فنهب الكَرْخ وأحرقت عدة مواضع وسبوا العلويات وقتلوا عِدَّةً، واشتد الخطب ثم أخمدت الفتنة بعد بلاء كبير وصُلِب قاتل الأول)(15).

وأورد ابن شاكر الشافعي(16) خبر الذهبي، وحَذَفَ منه سبيَ النساء.

وأحسَّ ابن كثير الشافعي بفداحة ما ارتكبه الخليفة ونجله وقائد الجيش الدُّوَيْدار الصغير الذين عاقبوا أهالي محلة بأسرهم وقتلوهم وانتهكوا أعراض نسائهم واغتصبوا بناتهم وخطفوهن وباعوهن، على جريمة ارتكبها واحد من سكانها، لذا لم يذكر السبب الحقيقي لبداية الواقعة ثم جعلَها سبباً لاتصال ابن العَلْقَمِيّ بالمغول، فقال:

 (كانت فتنة عظيمة ببغداد بين الرافضة وأهل السنة فنهب الكَرْخ ودور الرافضة حتى دور قرابات الوزير ابن العَلْقَمِيّ وكان ذلك من أقوى الاسباب في ممالأته للتتار)(17).

 وكذلك فعل القلقشندي الشافعي حين قال: (فجرى بينهم وبين أهل السنة فتنة ببغداد فأمر أبو بكر بن الخليفة المستعصم ركن الدين دوادار العسكر ونهبوا الكَرْخ وهتكوا النساء وزادوا فركبوا منهنَّ الفواحش)(18).

 أما السُّبْكيّ الشافعي فلم يذكر مقتل الشاب القطفتي، وقال: (وكان ابن العَلْقَمِيّ معادياً للأمير أبي بكر بن الخليفة وللدويدار لأنهما كانا من أهل السُّنة، ونهبا الكَرْخ ببغداد حين سمعا عن الروافض أنهم تعرَّضوا لأهل السنة، وفَعَلاَ بالروافض أموراً عظيمة)(19).

وقال بدر الدين العيني الحنفي: (وفي تاريخ النويري: وكان سبب ذلك أو وزير الخليفة مؤيد الدين بن العلقمي كان رافضياً، وكان أهل الكرخ روافض فجرت فتنة بين السنة والشيعة ببغداد على جاري عادتهم في السنة الماضية، فأمر أبو بكر ابن الخليفة وركن الدين الدوادار العساكر، فنهبوا الكرخ، وهتكوا النساء وركبوا فيهن الفواحش، فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمى، وكاتب التتار وأطمعهم في ملك بغداد)(20).

وكذلك فعل الديار بكري المالكي الذي قال: (في سنة 655 حدثت فتنة مهولة ببغداد بين السنية والرافضة أدَّت إلى نهب عظيم وخراب وقتل عدة من الرافضة، فتنمَّر ابن العَلْقَمِيّ الوزير وجسَّرَ التتار على العراق ليشتفي من السُّنية)(21). وكلامه هذا موجود بنصه لدى الذهبي(22).

 

فِرية اتصال ابن العلقمي بالمغول

وإنما وصفناها بالفرية للسبب التالي:  إنَّ كل مؤرخ حاول الربط بين واقعة استباحة الجيش العباسي للجانب الغربي من بغداد (الكرخ) وبين اتصال الوزير ابن العلقمي المزعوم بالمغول كان كاذباً متعمِّداً ويعلم أنه قد اختلق هذه الرواية اختلاقاً، ذلك أن المغول بقيادة هولاكو كانوا قد تحركوا منذ سنة 650هـ لغزو قلاع الإسماعيلية في إيران ولغزو العراق وبلاد الشام، أي قبل أربع سنوات من حدوث استباحة الجيش العباسي لمحلة الكرخ. ترى مَن الذي كان اتصل بهلاكو آنذاك ودعاه للتحرك بجيشه؟ فهذا مؤلف كتاب الحوادث مثلاً يقول في وقائع سنة 651هـ: (فيها سيَّر منكو خان إلى ما وراء النهر وما والاها، هولاكو قان وأصحبه عدة من أهل بيته وسيَّر معه جيشاً كثيفاً، فسار من قراقرم إليها وأقام بنواحيها إلى أن مَلَكَ العراق والشام)(23).

 بل إن قوات مغولية كانت موجودة في البلدان المجاورة للعراق وفي داخل الأراضي العراقية في هذه السنة (سنة 650هـ) وهي تغير وتقتل وتسبي، يقول ابن كثير: (فيها وصلت التتار إلى الجزيرة وسروج ورأس العين وما والى هذه البلاد ، فقتلوا وسبوا ونهبوا وخربوا فإنا لله وإنا إليه راجعون . ووقعوا بسنجار يسيرون بين حران ورأس العين ، فأخذوا منهم ست مئة حمل سكر ومعمول من الديار المصرية ، وست مئة ألف دينار ، وكان عدة من قتلوا في هذه السنة من أهل الجزيرة نحواً من عشرة آلاف قتيل ، وأسروا من الولدان والنساء ما يقارب ذلك)(24). وفي تلك السنة (650هـ)  (وصلت عساكر المغول إلى أهل الجبال وأوقعوا بالأكراد وغيرهم وقتلوا وأسروا ونهبوا وسبوا)(25) ؛ فهذه غزوات مغولية وقعت في سنتي 650 و 651هـ، ونتساءل بدَورنا: أي خائن اتصل بهم في تلكما السنتين التي سبقت واقعة استباحة الكرخ بأربع سنين وثلاث سنين ودعاهم لمهاجمة تلك المناطق؟

لقد بحثنا هذا بالتفصيل في كتابنا إعادة كتابة التاريخ وذكرنا أن الغزو المغولي كان بأمر من الملك المغولي منكو قاآن شقيق هولاكو الذي أمره بفتح ما لم يُفتح حتى ذلك الحين من بلاد الغرب، كما وجَّه شقيقه الآخر قوبيلاي خان إلى الشرق لفتح باقي بلاد الصين.

أما الكيفية التي يُزعم أن الوزير ابن العلقمي اتصل بها بالمغول فهي طريفة حقاً؛ حيث يقول أهل هذه القصة إن الوزير ابن العلقمي لما كان رافضياً ( أي شيعياً إمامياً اثني عشرياً)، ورأي ما بسكان محلة الكرخ الشيعة من ظلم وانتهاكات، دفعه (حقده) على أهل السَّنَّة إلى طلب الانتقام فـ (كاتَبَ التتارَ وأطمَعهم في البلاد وأرسل إليهم غلامَه وأخاه)(26). وبغية أن لا تُكتشف رسائله التي سيبعث بها إلى المغول قام بحفر رسالتين على جمجمتي أخيه وأحد غلمانهحتى (صار المكتوبُ فيه كلّ حرف كالحفرة في الرأس، ثم تركه عنده حتى طلع شعرُه وأرسله إليهم. وكان مما كتبه على رأسه: إذا قرأتم الكتابَ فاقطعوه. فوصل إليهم فحلقوا رأسَه وقرأوا ما كَتَبَه ثم قطعوا رأسَ الرسول)(27)، أي أن المغول نفَّذوا ما أمرهم به فقتلوا غلامَه وأخاه. وإن هذا يعني أن القلم المستعمل في الحفر على الجمجمتين لم يكن تقليدياً كالريشة أو القصبة التي تُغمس في الحبر ليكتب بها، بل كان آلة معدنية حادة كإزميلِ حديدٍ مثلاً، مما يمكنه الحفر على الجمجمتين حَفْراً، وأن جمجمتي غلام الوزير وأخيه كانتا من نحاس.

ونعتقد أن الأستاذين محمد حسن سهيل ومحمود محسن داود لم يطّلعا على هذه الرواية ـ التي لا يمكن لعاقل أن يركن إليها ـ وأنهما اكتفيا بما قاله السيد سلمان التكريتي فشايعاه على ذلك.

 

المغول يغزون قريباً من بغداد سنة 618هـ

منذ سنة 618هـ، أي عندما كان عمر ابن العلقمي 15 عاماً فقط؛ دأب المغول على مهاجمة المدن والقرى العراقية ومنها القريبة جداً من بغداد، وتواصلت هجماتهم  حتى 655هـ (قبل احتلالهم بغداد بعام واحد)، ففي سنة 618هـ، وصلوا قريباً من بغداد وهم يطاردون السلطان الخوارزمي جلال الدين منكبرني، حيث (وصلت الأخبار بوصول التتر إلى قريب بغداد، وانزعج الخليفة، وأمرَ الناسَ بالقنوت في الصلاة، وحصَّنَ بغداد واستخدمَ العساكر)(28). وقد أغاروا على الري سنة 621هـ، فوضعوا السيف في أهلها، وأغاروا على ساوة ثم على مدن قم وقاشان (وقتلوا أهلهما وخربوهما وألحقوهما بغيرهما من البلاد في الخراب)، كما أغاروا على همذان(29).

وتواصلت غزواتهم على المدن القريبة من العراق وفي داخل حدوده مدة ثمانية وثلاثين عاماً  (618 ــ 656هـ/1221 ــ 1258م)، خلال عهود أربعة خلفاء عباسيين هم الناصر لدين الله والظاهر بأمر الله والمستنصر بالله ثم المستعصم بالله، فغزوا مدناً مثل الموصل وكركوك وداقوق وأربيل والقرى القريبة من بغداد، فضلاً عن غزوهم مدناً في داخل إيران وبلاد الجزيرة، حيث كانوا يفتكون بأهلها ويأسِرون ويَنهَبون، والخلفاء العباسيون عاجزون عن فعل شيء لصدِّهم(30).

ترى أي وزير اتصل بهم آنذاك ودعاهم إلى غزو العراق وما جاوره طوال تلك السنوات؟

إن هذه القصة المختلقة التي ألَّفها شمس الدين الذهبي وتلميذه ابن كثير الشافعي(31)، وهما من مريدي ابن تيمية ومن شايعهما كالسبكي وابن شاكر الكتبي(32) زاد فيها جمع من مؤرخي الشام ومصر على مر القرون؛ وجميعهم قد وُلدوا بعد حدوث الغزو المغولي للعراق بسنين وربما بقرون طويلة، فضلاً عن موقفهم المتشنج بل المعادي لأتباع أهل بيت رسول (ص)، أصبحت هي الرواية الرسمية التي تمسك بها أتباع هذه المدرسة، بحيث لا يكتفى بنقلها بل وبصب اللعنات على هذا الوزير البريء، وربما خشيَ مَن لا يلعنه أن تفوته هذه المكرمة وأن تصيبه من أتباع هذا المدرسة معرَّة؛ مع أن أسطورة اتصال هذا الوزير ـ كما قلنا ـ يكذِّبها الفرق الزمني بين سنة 650هـ التي انطلقت فيها جيوش المغول للغزو وبين سنة 654هـ التي حدثت فيها استباحة محلة الشيعة في الكرخ وقيل إن ابن العلقمي اتصل بعدها بالمغول لينتقم من أهل السُّنة (!!). بل أن اللعن طال حتى المذهب الذي ينتمي إليه ابن العلقمي:

لنأخذ مثلاً الجزء الثالث والعشرين من كتاب سير أعلام النبلاء الذي حققه الفاضلان الدكتور بشار عواد معروف والدكتور محيي هلال السرحان، حيث نقرأ في حاشية ص 184 تعقيباً على ما ذكره الذهبي من أن الوزير ابن العلقمي هو الذي طلب إلى المغول أن يقتلوا الخليفة المستعصم: (أعمى الحقدُ والتعصب هذا الخائن وقُتِلَ الناس ودُمِّرت بلاد الإسلام بسبب حقده وتعصبه واعتقاده الفاسد). وإن القول بأن اعتقاد ابن العلقمي فاسد قد نال من  المذهب الذي ينتمي إليه هذا الوزير الذي كان على المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري، المذهب الذي يتابعُ في عقائده وفقهه القرآنَ والسُّنةَ وما نَقَلَه أئمة آل بيت رسول الله عن جدهم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

وإن هذا الهامش الذي كُتب باسم الفاضلين معروف وسرحان محيِّر، ذلك أننا نعلم أن الدكتور بشار عواد معروف كان قد ردَّ في بحث رصين له على إشاعة اتِّصال ابن العلقمي المزعوم بالمغول بقوله: (مهما يكن من أمر، فإن الذي يبدو لي أن الإشاعة كانت موجودة وهي محتملة الحدوث في تلك الظروف التي كان الناس فيها يبحثون عن سبب مباشر يبررون فيه سقوط المدينة؛ ذلك الأمر الذي ظهر بشكل عنيف على مرِّ العصور متَّخذاً من الوزير مؤيد الدين ابن العَلْقَمِيّ وزير الخليفة المستعصم بالله سبباً في سقوط بغداد وذهاب الخلافة العباسية منها، تلك التهمة التي بقيت عالقة به لمدة طويلة حتى أبان البحث العلمي المستند على الأدلة خَطَلَ تلك التهم وتبرئة ابن العَلْقَمِيّ)(33).

وعليه فنحن لا نعلم بالتحديد مَن هو كاتب ذلك الهامش الذي وُضعَ أسفل الصفحة المذكورة من سير أعلام النبلاء.

للبحث صلة

 

يوسف الهادي – باحث وكاتب

.........................

(1) أشار إليه ضمن المقطع الذي أراد فيه استكمال ما لم يطَّلع عليه الباحث بيرجيه الذي سنشير إلى كتابه لاحقاً وما صدرَ عقب انتهائه من أطروحته (انظر: الأعسم، أبو حيان التوحيدي في كتاب المقابسات، 315، الطبعة الثانية).

(2) عرَّف الدكتور الأعسم بأطروحة بيرجيه هذه في الصفحات 297 ـ 316 من كتابه الذي ذكرناه آنفاً.

(3) كان الباحث والمترجم السوري الدكتور محمود المقداد قد أعلن سنة 2006م أنه سينجز ترجمة  كتاب بيرجيه: أبو حيان التوحيدي، نحو إنسانياتية معيشة.

(4) صدرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب في القاهرة سنة 1946م، وأُعيد طبعه سنة 1999م، ولم يُغَيَّر فيه ولا سطر واحد، ضمن (سلسلة الألف كتاب (الثاني)، الأعمال المختارة، نافذة على الثقافة العالمية)، تحت عنوان: محنة الإسلام الكبرى، أو زوال الخلافة العباسية من بغداد على أيدي المغول.

(5) حسن، تأريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، 4/162.

(6) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 10/400.

(7) مجهول، كتاب الحوادث، 331؛ الذهبي، تأريخ الإسلام، 48/23. وردت استباحة الكَرْخ أيضاً في: طبقات ناصري لمنهاج سراج (2/191، الطبعة الفارسية)، (2/206، الترجمة العربية) بلا تفاصيل؛ مختصر أخبار الخلفاء المنسوب لابن الساعي وهو ليس له جزماً (ص 126)؛ تجزية الأمصار لوصاف الحضرة، الورقتان 36 ــ 37؛ عقد الجمان للعيني ، 170 (حوادث 648 ــ 664هـ).

(8) الأشرف الغساني، العسجد المسبوك، 621.

(9) المكين جرجس، أخبار الأيوبيين، 167. وفي تاج العروس للزبيدي: (أبعْتُهُ إباعةً: عَرَضْتُهُ للبيع).

(10) ابن واصل، مفرج الكروب، 6/214. هجموا: دمَّروه بتمامه. وفي لسان العرب: (انهجمَ: انهدمَ؛ انهجمَ الخباءُ: سَقَطَ). وهو مستعمل في العامية العراقية اليوم، إذا دعوا بالشرِّ على أحدهم قالوا له: اِنْهِجَمْ بيتك.

(11) اليونيني، ذيل مرآة الزمان، 1/86.

(12) وصاف الحضرة، تجزية الأمصار، الورقتان 36، 37؛ مير خواند، روضة الصفا، 5/ الورقة282.

(13) أبو الفداء، المختصر في أخبار البشر، 3/193.

(14) النويري، نهاية الأرب، 23/190.

(15) الذهبي، تأريخ الإسلام، 48/23.

(16) ابن شاكر، عيون التواريخ، 20/131.

(17) ابن كثير، البداية والنهاية، 13/228 ــ 229، انظر أيضاً: 13/234.

(18) القلقشندي، مآثر الإنافة، 2/90.

(19) السبكي، طبقات الشافعية، 8/263. كان الدُّوَيْدار الصغير حنبلياً، والراجح أن نجل الخليفة حنبلي.

(20) العيني، عقد الجمان، 170.

(21) الديار بكري، الخميس، 2/420؛ أصبح مألوفاً لاحقاً القول حدثت فتنة بين السنة والشيعة من غير ذكر مقتل الشاب (مثلاً: حاجي خليفة، تقويم التواريخ، 57أ). وغلط الاثنان في تأريخ الواقعة فالصواب إنه 654هـ.

(22) الذهبي، دول الإسلام، 2/172.

(23) مجهول، كتاب الحوادث، 311.

(24) ابن كثير، البداية والنهاية، 31/213؛ انظر أيضاً: الذهبي، تاريخ الإسلام، 47/67.

(25) مجهول، كتاب الحوادث، 304.

(26) هذا ما ذكره مؤرخو الرواية الشامية/ المصرية ومنهم: ابن واصل، مفرج الكروب، 6/215؛ اليونيني، ذيل مرآة الزمان، 1/87؛ الذهبي، تأريخ الإسلام، 48/34، العبر في خبر من غبر، 5/225، وفيه: (أرسل أخاه ومملوكه)؛  ابن شاكر، عيون التواريخ، 20/132.

(27) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 8/ 262 ــ 263، ويفترض السُّبْكيُّ أن الرسول واحد، ورأينا آنفاً أنهما اثنان: غلامه وأخوه.

(28) سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، 15/610 من الطبعة التي حققها الدكتور كامل سلمان الجبوري وصدرة عن دار الكتب العلمية ببيروت سنة 2013م.

(29) ابن واصل، مفرج الكروب، 4/134 ــ 135، حوادث سنة 621هـ؛ سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، 8/619، حوادث سنة 618هـ.

(30) فصلنا القول في هجماتهم داخل الحدود العراقية في كتابنا إعادة كتابة التاريخ (ص 10ـ 14).

(31) قال عنه (شيخنا أبو عبد الله الذهبي) (انظر: ابن كثير، البداية والنهاية، 13/237، ط علي شيري، وفي 15/317 من الطبعة التي أشرف على تحقيقها الشيخ الأرناؤوط والدكتور بشار عواد معروف الصادرة عن وزارة الأوقاف القطرية سنة 2015م).

(32) كان ابن شاكر معاصراً لابن كثير وكانت بينهما صداقة متينة، وامتدحه ابن كثير في البداية والنهاية (14/345)، وأثنى على تاريخه، كما كان ابن شاكر ينقل من كتاب العبر لشمس الدين الذهبي (انظر: الدكتور فيصل السامر والدكتورة نبيلة عبد المنعم داود، مقدمة عيون التواريخ لابن شاكر، ص (ب، ي، ك)،  حوادث السنوات 505 ـ 555هـ).

(33) معروف، مقالة (الغزو المغولي كما صوَّره ياقوت الحموي)، منشورة في مجلة الأقلام العراقية، السنة الأولى، الجزء 12، ربيع الثاني 1385. الخطل: الكلام الكثير الفاسد.

 

 

 

abdullah badrhskandarذهب جمع من العلماء المتأخرين إلى أن النسخ الوارد في كتاب الله تعالى لا يجب الأخذ به إلا في حالات خاصة باعتبار أن هذا الاتجاه يقلل من شأن القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إضافة إلى عدم وجود الاختلاف في آياته، فإذا شاء صنف آخر من العلماء أن يجعلوا فيه وجهاً للنسخ فهذا لا يتناسب مع الرأي السائد لدى الصنف الأول القاضي بتعارض الآيات مع بعضها في حالة النسخ، وأنت خبير بأن هذا الكلام الدخيل على العلم لا يتناسب مع العلل الكونية التي أوجدها الله تعالى وجعل القرآن الكريم مكملاً للحديث المشاهد فيما بينها، سواء أكان ذلك الحديث مفهوماً كما هو الحال لدى العقلاء أو أن هناك طرقاً أخرى تكفل للفهم الساذج أسراراً جديدة يمكن الوصول إلى معرفتها وبالتالي تكون الدلائل قريبة على رسم الصور البيانية لجميع ما في الكون من تلازم يشير بلسان حاله على أنه آية من آيات الله تعالى، وأنى للإنسان أن يجد ذلك الوضوح إذا كان بعيداً عن تدبر آيات الكون التي يمر بها في كل موقف من مواقف حياته، وهذا التلازم الفعلي يضعنا وجهاً لوجه أمام قوله تعالى: (وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) يوسف 105. ولا يخفى على ذوي البصائر ما في الآية من تكليف مبطن بأسلوب تقريعي لكل من يعرض عن التفكر في خلق الله تعالى وإن كان هذا البيان لا يخرج عن مفهوم العلم الذي هو أعظم أنواع العبادات المفروضة على الإنسان بما هو إنسان دون النظر إلى ما يطرأ عليه من وصف لاحق، ولذلك أظهر الحق سبحانه نتيجة هذا الفعل في قوله: (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون) الأنبياء 30.

وعند التأمل أكثر في آيات الكون يمكن أن نصل إلى ثوابت علمية لا يحسب الإنسان حسابها إلا من خلال ما يحصل عليه من نظائر لتلك الثوابت، وهذا السبق العلمي لا يتحقق إلا عن طريق العناية الإلهية التي بين الله تعالى مقتضياتها في متفرقات كتابه المجيد، ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في قوله تعالى: (فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين) المائدة 31. وهذا يدل على أن العناية التي تقدم ذكرها لا تفارق الإنسان وإن كان بعيداً عن العناوين الإيمانية العريضة التي يخصصها بعض أهل العلم لفئة معينة من الناس دون غيرهم ظناً منهم أن تلك العناية لا تتناسب مع من كان بعيداً عن النهج المستقيم الذي يتردد بين أوساطهم بطريقة مجانبة للحق الذي نستشف تفاصيل معطياته من خلال البيان الشامل المقرر في كتاب الله تعالى وما ذكر في الآية ما هو إلا أمر مكرر وظاهرة تعيد نفسها في كل مرحلة من مراحل الحياة الدنيا التي تعبّد الطريق لمن أراد أن يكتشف بعضاً من الآيات التي أودعها الله سبحانه في هذا الكون، وهذا ما أشرنا إليه في آية سورة يوسف التي أحكمت التشابه الوارد في آية سورة المائدة، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) يونس 24.

من هنا نعلم أن الآيات الكونية ينسخ بعضها بعضاً دون أن يحدث ذلك النسخ إلغاءً تاماً لما أفل منها، وهذا ما يشاهده الإنسان أمامه في جميع فترات حياته أو ما ينقل إليه من أخبار سالفة، ولو سلمنا جدلاً بخلاف ذلك لظل الإنسان معتمداً على كل ما يستجد لديه من محدثات وهذا لا يتقارب مع الواقع المعاش، ويمكن معرفة هذا المعنى من خلال الانتقال الجزئي المحافظ على المفهوم الأول الذي تتفرع عليه جميع المصاديق المستحدثة، وسيمر عليك تفصيل ذلك بصورة أكثر جلاءً في المساحة المخصصة لتفسير آيات البحث:

تفسير آيات البحث:

قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير... ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير... أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل) البقرة 106- 108. للسياق القرآني أثر كبير في فهم المعنى حيث إن البيان المراد من آيات البحث في هذا الموضع لا يقرر النسخ الذي هو على بابه أي نسخ الأحكام بأحكام أخرى أو إزالتها والإتيان بغيرها، وذلك لأن تذييل الآية 106. من موضوع البحث بقوله تعالى: (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) لا يتناسب مع نسخ الأحكام إضافة إلى استمرار السياق بتبيان معنى الملك الذي صدره بالاستفهام التقريري، كل هذا فيه دلالة واضحة على أن المراد ههنا هو نسخ الآيات الكونية وما يتفرع عليها من مصاديق الآيات التي جاء بها الأنبياء وهذا هو الأصل في تقرير الهداية الملزمة التي هي أهم أهداف القرآن الكريم، أما نسخ الآيات القرآنية بآيات أخرى أو تبديلها وإنسائها فهذا يطلب من موضع آخر، كما في قوله تعالى: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون) النحل 101. وكما ترى فإن الاستدلال في آية سورة النحل على ما ذكرنا ليس فيه أدنى ريب وذلك لختامها بلفظ التنزيل دون القدرة كما في أول آيات البحث فتأمل.

وقد ذهب محمد رشيد رضا إلى تقرير هذا المعنى في تفسير المنار وأضاف نقلاً عن شيخه محمد عبده: وأما ذكر القدرة والتقرير بها في الآية الأولى فلا يناسب موضوع الأحكام ونسخها، وإنما يناسب هذا ذكر العلم والحكمة، فلو قال.. ألم تعلم أن الله عليم حكيم.. لكان لنا أن نقول إنه أراد نسخ آيات الأحكام لما اقتضته الحكمة من انتهاء الزمن أو الحال التي كانت فيها تلك الأحكام موافقة للمصلحة، وقد تحيّر العلماء في فهم الإنساء على الوجه الذي ذكروه حتى قال بعضهم إن معنى (ننسها) نتركها على ما هي عليه من غير نسخ وأنت ترى إن هذا وإن صح لغة لا يلتئم مع تفسيرهم إذ لا معنى للإتيان بخير منها مع تركها على حالها غير منسوخة.

وأضاف نقلاً عن أستاذه: والمعنى الصحيح الذي يلتئم مع السياق إلى آخره إن الآية هنا هي ما يؤيد الله تعالى به الأنبياء من الدلائل على نبوتهم أي (ما ننسخ من آية) نقيمها دليلاً على نبوة نبي من الأنبياء أي نزيلها ونترك تأييد نبي آخر بها، أو ننسها الناس لطول العهد بمن جاء بها، فإننا بما لنا من القدرة الكاملة والتصرف في الملك نأتي بخير منها في قوة الإقناع وإثبات النبوة ومثلها في ذلك، ومن كان هذا شأنه في قدرته وسعة ملكه فلا يتقيد بأية خصوصية يمنحها جميع أنبيائه.

والآية في أصل اللغة هي الدليل والحجة والعلامة على صحة الشيء، وسميت جمل القرآن آيات لإنها بإعجازها حجج على صدق النبي ودلائل على أنه مؤيد فيها بالوحي من الله عز وجل من قبيل تسمية الخاص باسم العام. انتهى.. ومن أراد المزيد فليراجع تفسير المنار.

الآية الأخيرة من آيات البحث فيها إشارة ضمنية لمعنى الآيات الكونية ولهذا صدرها الحق سبحانه بالإضراب أي هل تريدون أن تسألوا رسولكم بأن يبدل لكم الآيات، والحقيقة أن هذا الفعل لا يستقيم مع الإيمان وهو خارج عن إرادة النبي نفسه، ولذلك بين أن الأمم السابقة كانت لهم اقتراحات تكاد تكون متقاربة مع طلبات هذه الأمة، ومن هنا جعل اقتراحات قوم موسى بمنزلة المثال لتلك الطلبات التي أرادوها حتى وصل بهم الأمر إلى طلب رؤية الله تعالى التي أشار إليها في قوله: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون) البقرة 55. ثم بين تعالى أن هذا الاقتراح سوف يؤدي بهم إلى تبديل الكفر بالإيمان لأن الباء تدخل على ما يراد تركه، وقد مر عليك تفصيل هذا المعنى في تفسير الآية 61. من السورة نفسها ومن أراد المزيد فليراجع. 

 

 من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن 

     عبدالله بدر اسكندر  

 

abdulhusan shaaban4- المواطنة تاريخياً!: يعود جذر كلمة المواطنة إلى الوطن، وهذا الأخير يكاد يكون ملتبساً أو متماهياً مع مفهوم الدولة، فالدولة هي الإطار التنفيذي والمؤسساتي للوطن، وبالطبع فهي تختلف عن نظام الحكم أو الحكومة بمعنى السلطة.

الوطن هو " المتّحد" الجغرافي الذي تعيش فيه مجموعات بشرية، قومية ودينية وسلالية ولغوية متنوعة أحياناً ومختلفة، أي (شعباً) يسكن في أرض (الإقليم) ولديه سلطة أي (حكومة) ويتمتع بالسيادة أي بحقه في تقرير مصيره دون تسلّط، وهذا المفهوم أقرب إلى فكرة الدولة العصرية. والوطن ليس علاقة عابرة أو ظرفية أو مؤقتة، بل هو مجموعة العلاقات الإنسانية والعاطفية والثقافية والمادية المتحددة في إطار هوّية معينة عمودياً وأفقياً وكل إنسان يوجد في وطن أو يكون منتمياً إلى وطن، ولكن لا يولد المرء مواطناً، بل يكتسب هذه الصفة داخل مجتمعه، لاسيّما من خلال مشاركته واعتماداً على مبادئ الحرية والمساواة والعدالة، والمواطنة في نهاية المطاف هي مجموع المعايير الحقوقية والقانونية المدنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، التي تمكّن الفرد من الانخراط في مجتمع والتفاعل معه إيجاباً والمشاركة في إدارة شؤونه، وهو ما نطلق عليه مصطلح المواطنة العضويّة!

لم يظهر مفهوم الجنسية بوصفها رابطة قانونية وسياسية وأداة للتمييز بين الوطني والأجنبي إلا في وقت متأخر ويرجعه البعض إلى بداية القرن التاسع عشر[32] وقد تعاظم الاهتمام بذلك بتوفير الحماية الفعالة للأفراد.

وإذا كانت الرابطة بين الفرد والجماعة سابقاً تقوم على اعتبارات دينية أو تاريخية "انحدار من أصول معينة" أو الإقامة في رقعة جغرافية بصورة استقرار دائم، فإن العلاقة اتخذت شكلاً آخر في الدولة الحديثة، لاسيّما في إطار فكرة المواطنة.

ففي العهود القديمة كانت الأسرة هي التي تمثل الخلية أو الوحدة التي يجتمع في نطاقها الأفراد، وعن طريق تجمع الأسر تنشأ العشيرة أو القبيلة التي تجمع الأصول العائلية والديانة والاستقرار.

أما مفهوم الأجنبي سابقاً فهو يختلف عن مفهوم الأجنبي حالياً، ففي تلك العهود كان مفهوم الاجنبي هو كل من لا يرتبط مع أفراد القبيلة أو العشيرة بالعوامل المذكورة، مما كان يمكن اعتباره عدواً يستحق القتل أو خصماً يستوجب ابعاده، وظلّت العوامل والأسس العرقية سائدة حتى بعد اجتماع العشائر أو القبائل في مدينة واحدة يحكمها شخص او مجموعة أشخاص كما هو شأن أثينا وسبارطة.

في كتاب " القوانين" يخضع أفلاطون القانون لصالح المجتمع أكثر مما يخضع للأخلاق السامية المجردة. أما أرسطو ففي كتابه " السياسة" يؤكد على ضرورة أن تكون القوانين رشيدة وتلائم "مجتمع الدولة" [33] .

كان المواطنون في بعض المدن اليونانية يتمتعون بحقوق المساواة أمام القانون Isnomia واحترام متعادل للجميع Isotimia وحقوق متساوية في التغيير Isogoria، وتلكم هي الحقوق الاساسية التي أصبحت معروفة في عالمنا المعاصر [34] .

لكن ذلك لم يمنع التمييز بين السادة (النبلاء) وهم المواطنون والعبيد وفئة ثالثة هي المحاربون أو الجند. إعتقد اليونانيون بتفوقهم على سائر الشعوب لذلك كانت الحروب والفتوحات هي أساس العلاقة مع الغير، الآخر، الاجنبي.

حاول الرواقيون الذين اهتموا بالكون والأخوة العالمية أن يربطوا هذه "الحقوق" بالعقل للكائن البشري، في محاولة لتحجيم التمييز.

أما في العهد الروماني فقد كان التمييز بين ثلاثة طوائف:

1-المواطنون، وهم الرومان من سكان عاصمة الامبراطورية.

2-الرومان خارج مدينة روما، ويطلق عليهم اللاتينيون، وإن كان لهم حق التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، الآّ أن الأمر يتوقف على تجنيسهم.

3- البرابرة أو طائفة الأجانب، وهم سكان المناطق المحتلة الذين يخضعون للامبراطورية الرومانية، فهؤلاء يتبعون لقانون خاص بهم يسمى قانون الشعوب Jus Gentium وهو يعتبر استمراراً لفكرة القانون الطبيعي اليونانية التي اقتبسها شيشرون من الفلسفة الرواقية، بالتأكيد على مبدأ العدالة وإعطاء كل ذي حق حقه[35]وفي الواقع فلم يكن رعايا الشعوب يتمتعون بأية حماية قانونية.

أما في القرون الوسطى وتفتّت المجتمع اليوناني- الروماني فقد لعبت الكنيسة بامكانياتها وتنظيمها دوراً كبيراً في تنظيم المجتمع، فقد قال القديس أوغسطين الذي عاش في القرن الخامس، وأنتج أعمالاً متميزة أن "العدالة الحقة" لا توجد في دولة ملحدة، مميزاً بين Concordia و Justicia أي بين " العدالة والحق".

خلال فترة هيمنة الاقطاع ازداد ارتباط الفرد بالارض بحيث أصبح الشخص تابعاً للاقطاعية التي يحكمها أمير أو سيد اقطاعي يملك الارض ومن عليها. ففي هذه الحالة اختفى التمييز الذي كان سائداً بين المواطن أو الوطني والاجنبي، حيث كانت سلطة الاقطاعي تنسحب على سكان المقاطعة بكاملها، وكان حكم كل أجنبي أن يغادرها خلال فترة محددة بموجب أمر من الاقطاعي، لكن الأمر اتخذ منحىً آخر بصعود الأنظمة الملكية التي ألغت النظام الاقطاعي وأصبح الأشخاص يرتبطون بالملك الذي يعتبر حاميهم والمدافع عنهم، في حين كانوا يدفعون له الضرائب ويؤدون الفروض العامة، مرتبطين بشخصه على نحو دائم وأبدي لا انفصام فيه. وقد اتسم عصر النهضة وبخاصة القرنين السادس عشر والسابع عشر باتساع ساحة الفكر السياسي والقانوني لمفكرين كبار مثل جان بودان في فرنسا وهوغو غروشيوس في هولندا وهوبز ولوك في انكلترا وغيرهم.

فقد اهتم بودان بفكرة السيادة في حين أعار غروشيوس اهتمامه للقانون الدولي ولفكرة الدولة والقانون، مؤكداً أن القانون الوضعي يخضع للقانون الطبيعي، أما هوبز فقد أكد على تلازم الحرية والضرورة وعلى الحاكم أن يسد احتياجات الرعية.

أما جان جاك روسو الذي هيأت أفكاره للثورة الفرنسية وبخاصة كتابه " العقد الاجتماعي" ومونتسكيو وكتابه " روح القوانين" فقد اتخذ اتجاهاً آخر، فحسب روسو في نظرية العقد الاجتماعي، أن للأفراد حقوق قبل أن يكونوا في مجتمع منظم، وأن بعض هذه الحقوق غير قابلة للتصرف وعلى الدولة مراعاتها ليس بسبب شروط العقد حسب، بل بسبب طبيعة الإنسان.

أما مونتيسكيو فقد دعا إلى فصل السلطات باعتباره حجر الزاوية في توفير الحرية مؤكداً على الرقابة على السلطات، في حين أكد روسو على مفهوم سيادة الشعب، وإذا كان الناس يولدون غير متساوين، فإنه بموجب العقد الاجتماعي يصبحون متساوين. وقد ذهب الفيلسوف الألماني كانت إلى تأكيد مفهوم الحرية الأخلاقية للإنسان ودور العقل مشيراً إلى إلزام الفرد ببعض التقييدات على حريته تامينا لحرية الغير[36] .

 

5- المواطنة في الإسلام

إذا كانت هذه المقدّمات ضرورية للتفريق بين حقوق المواطن وحقوق الأجنبي في موضوع الجنسية والمواطنة، فلا بدّ من وقفة سريعة عند تطور مفهوم المواطنة في الإسلام، خصوصاً في إطار الدولة العربية - الإسلامية، فالدولة في عهد النبي محمد (ص) بلورت وبخاصة عبر القرآن الكريم قواعد جنينية سياسية ودينية وقضائية لتنظيم المجتمع في عهد وساهمت السنّة أي أحاديث الرسول (ص) في الإجابة على الكثير من الأسئلة التي كان يطرحها المجتمع الإسلامي.

وتطوّر الأمر في عهد الخلافة الراشدية وبخاصة في عهد الخليفة أبو بكر(رض) التي دامت نحو سنتين. وترسّخت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رض)، سواءً ما يتعلق بقضية العطاء في الغنائم وامتيازات المواطنة، وبخاصة المحاربين حيث اعتمد الخليفة الاول مبدأ المساواة دون اعتبار للقدم إلى الدخول في الإسلام أو القرابة من النبي (ص) أو البلاء في الحرب من أجل الإسلام، الأمر الذي خلق إحساساً اسمياً بالمساواة، شجع العديد من العرب على الالتحاق بالجيش الإسلامي [37].

أما أمور القضاء فقد جرى تقاسمها مع الخليفة عمر بن الخطاب (رض) واستحدث منصب مسؤول بيت المال، وسن عمر (رض) في عهده عدة قرارات منها مراتبية إعطيات وإيجاد ديوان للجند مشدّداً على مبدأ القدم في الإسلام والبلاء في خدمته والإنتماء العربي كمعيار للمواطنة أو لمفهوم الجنسية المعاصر.

واتّخذ الخليفة الثالث عثمان بن عفان (رض) التصنيف الذي اتبعه عمر بن الخطاب (رض) دليلاً للانتماء والمواطنة، بل زاد في تضييقه خصوصاً بشأن دور قريش التي نالت حصة الأسد في إعادة التعيينات السياسية والعسكرية، وهو النهج الذي حاول الإمام علي (رض) التوقف عنده، إلاّ أن اندلاع الحرب الأهلية بينه وبين معاوية قد أثر في عناصر الاستقطاب والولاء، وقد شعر بعض الموالين بالغبن الشديد بالرغم مما قدّموه للإسلام فقد جرى " التمييز" في حقهم، في حين دعا الإسلام ويدعو إلى المساواة وفقاً لقول الرسول (ص) " لا فرق بين عربي وأعجمي إلاّ بالتقوى" و" الناس سواسيه كأسنان المشط"، فرغم " إسلامهم وإسهامهم في دفع الديات والمشاركة في القتال وفي الأمور العامة فقد أغلقت دونهم في القرن الأول للإسلام على الأقل الوظائف، التي تعني الولاية على الغير كالامارة والقيادة والقضاء، وأن تولّى بعضهم القضاء، فقد ندر من تولّى مناصب إدارية وعسكرية هامة" [38].

وإذا كان الإسلام ديناً عالمياً يسعى لبسط نفوذه على العالم أجمع، الآّ أنه رغم نزعته الإنسانية فقد كان ينظر إلى العالم في علاقاته الدولية إنه منقسم إلى قسمين، الأول دار الإسلام والثاني دار الحرب، فالدار الأولى تعني الأقاليم التي يبسط المسلمون عليها ولايتهم، وتضم إلى جانب المسلمين أشخاصاً من غير المسلمين، وهم الذميون والمستأمنون. الذميون هم أهل الكتاب، فضلوا الاحتفاظ بديانتهم الأصلية مقابل دفع الجزية، ولذلك فهم مواطنون يتمتعون بالحماية والعيش بأمان، ولكن بشروط في كنف الدولة الإسلامية.

أما المستأمنون، فهم القادمون من دار الحرب إلى دار الإسلام أي انهم "أجانب" دخلوا إلى دار الإسلام بإذن من الدولة الإسلامية سواءً كان لغرض التجارة أو غيرها [39]. أي ان هناك فرقاً بين الذمي والمستأمن، فالذمي من رعايا الدولة الإسلامية، احتفظ بدينه مقابل الجزية والأمان، أما المستأمن فهو الذي جاء من دار الحرب لظرف خاص أو طارئ او مؤقت، والمستأمنون ليسوا مواطنين أو من رعايا الدولة الإسلامية.

أما دار الحرب فهي التي لا تمتد إليها الولاية الإسلامية، ولا تُطبق فيها الشريعة الإسلامية، بل لها نظامها الخاص وقد انعقدت بين دار الإسلام ودار الحرب معاهدات سلام أو هدنات وأطلق عليها (متعاهدة) أو تكون في حالة حرب مع الدولة الإسلامية.

وإذا كانت هذه المقاربة لمفهوم وتطور الجنسية كوجهة نظر معاصرة لفكرة المواطنة أو الرعوية أو غيرها، فإن المفهوم الحديث للجنسية في العالم العربي، لم يظهر الاّ في سنوات متأخرة بفعل الاحتكاك مع اوروبا وبقصد التمييز بين مواطني الدولة الإسلامية وغيرهم من الاجانب. وإذا كان مصطلح " المواطنة" و" المواطن" citizen ( أي الفرد المشارك في الشؤون المدنية والسياسية بحرية) غريباً تماماً في الإسلام على حد تعبير برنارد لويس فلم تعرفه اللغات العربية والفارسية والتركية، حيث يرجع ذلك إلى غياب فكرة المشاركة للمواطنة، وفكرة المشارك للمواطن، فإن الباحث السوداني عبد الوهاب الأفندي يعتبر وجود المسلم رديفاً لكلمة المواطن الحديث، وهو المصطلح الإسلامي الذي يعني انتماء الفرد في بدايات المجتمع الإسلامي والتمتّع بعضوية كاملة وفورية في المجتمع السياسي بالمعنى الايجابي للمواطنة النشطة على كونه مسلماً [40]. وكان الإسلام الأول وبخاصة في عهد النبي (ص) يولي اهتماماً كبيراً لرأي المسلمين، الذين كانوا يعبّرون في لقاءاتهم اليومية لخمس مرّات (أوقات الصلاة) في مقر الحكومة أو البرلمان في الجامع (بمشاركة نسوية ملحوظة) عن تبادل الرأي والاستماع إلى رأي المسلمين والرد على تساؤلاتهم.

وكان بمقدور أي فرد إثارة أية قضية يرغب فيها، لكن توسع وانتشار الدولة الإسلامية وامتداد سلطانها إلى أقاليم بعيدة وبخاصة العراق ومصر، اضطر هؤلاء إلى تصريف أمورهم بأيديهم بعيداً عن الرأي اليومي والحوار المستمر بين مركز الدولة وقيادتها العليا وبين المواطن، وتدريجياً بدأت البيروقراطية والمؤامرات السياسية تبعد المواطن (المسلم) عن المشاركة في تصريف أمور الدولة [41].

وظلت فكرة التمييز بين حقوق " المسلم" و" الغريب" أو " المقيم" من غير المسلمين مستمرة حتى العصر الحديث حيث تداخلت ايجابيا لصالح الاخير بفعل ضغوط غربية للحصول على ما يسمى بنظام الامتيازات Capitulation من الدولة العثمانية للاجانب وبخاصة للمسيحيين، الذين كان الغرب يعلن الرغبة في توفير حماية خاصة لهم ورعاية مصالحهم الدينية والسياسية، وهو ما أعطى انطباعاً أحياناً بأن غير المسلمين الذين حظوا بدعم الغرب تجاوزوا خط الدفاع عن مبدأ المواطنة الكاملة أو المتساوية مع غير المسلمين، إلى الحصول على امتيازات تحت حماية القوى الأجنبية.

ربما يعود جزء من ذلك إلى أن بعض المواقف الإسلامية لم تكن " توافق" أو تؤيد فكرة إقرار مبدأ المواطنة الكاملة صراحة لغير المسلمين، وهو الموقف الذي انعكس لدى البعض من موضوع القوميات و"الأقليات" الدينية والإثنية واللغوية والمذهبية أحياناً، ولعلّ موقف بعض القوى التقليدية المتشدّدة كان الأقرب إلى هذه المواقف، ونعني بها الموقف الملتبس والذي لا يقر مبدأ المساواة التامة والاعتراف بحقوق الغير وحقهم في المواطنة الكاملة ضمن القواعد المعترف بها في القانون الدولي ولوائح ومواثيق حقوق الإنسان[42].

حدث تطور بطيء باتجاه إقرار حق المواطنة الكاملة لدى بعض المفكرين الإسلاميين، رغم أن المسألة لا ترتقي إلى الحق الدولي المنصوص عليه في لوائح حقوق الإنسان، يمكن على هذا لصعيد الإشارة إلى المفكرين الإسلاميين مثل فهمي هويدي وطارق البشري وسليم العوّا وأحمد كمال أبو المجد وراشد الغنوشيومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله [43] وغيرهم.

ورغم محاولات التجديد فإن الاتجاه الإسلامي السائد ما زال ينتقص من مبدأ المواطنة الكاملة،التي يقصرها على الانتساب الديني والإقامة، فالمسلمون غير المقيمين في الدولة الإسلامية وغير المسلمين المقيمين فيها لا يحق لهم التمتع بحقوق المواطنة الكاملة، وربما يصبحون مواطنين في حالة قبولهم بشرعية الدولة الإسلامية، لكنهم لا يصبحون مواطنين بالكامل ولا يحق لهم تسلم مناصب رئيسية في الدولة مثل رئاسة الدولة ورئاسة القضاء ورئاسة البرلمان وقيادة الجيش وغيرها [44].

أما التجربة الإسلامية، فقد حققت الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 انعطافاً جديداً في الفكر الإسلامي، وأنشأت مؤسسات تساوقاً مع الموجة "الديمقراطية": برلمان وانتخابات رئاسة ومنذ انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية خرجت من مرحلة الثورة، لتدخل مرحلة الدولة، ولم يكن ذلك بمعزل عن صراع سياسي وفكري حاد داخل أوساط التيار الديني، وقوفاً ضد التيار الإصلاحي الذي قاده السيد محمد خاتمي، في ظل تصاعد موجة شديدة للتيار المحافظ الذي يحاول إحباط خطط التغيير والإصلاح...الخ، لكن شرط الدستور على التحدّر الفارسي واجه انتقاداً شديداً لاستثنائه المسلمين غير الفرس في الترشّح لرئاسة الجمهورية، ناهيكم عن الشروط الخاصة بولاية الفقيه أو حكم العلماء، وهو ما ينتقص من مبدأ المواطنة والمساواة.

أما التجربة الثانية فهي التجربة السودانية التي جاءت إلى الحكم عام 1989 وقد سارت نحو تقليص التعدّدية السياسية والفكرية والدينية واللغوية عملياً، لكن الدستور الجديد نظر للمشاركة من زاوية أخرى، منذ العام 1998 في محاولة انفتاحية باتجاه اقرار مبدأ المواطنة، بغض النظر عن الدين، لكنه ظل محافظاً من حيث الجوهر على الخصائص العامة لتوجهات الحكم الإسلامي، وهو على غرار دستور إيران يحتوي على بعض الشروط الإسلامية التي تقر بصيغة للمساواة النظرية دون أن ترتقي إليها فعلياً أو تقاربها [45](18).

ويمكن القول: إن المحاولات الإسلامية في إعادة تعريف المواطنة ما زالت لم تبلغ حتى الآن المدى المقبول، فهي في بداية الطريق ويلزم مبدأ المشاركة منح المواطنين غير المسلمين الحقوق نفسها التي يتوقع منحها من قبل المواطنين في الجانب الآخر، وهذا يعني عدم أخذ الانتساب الديني كلياً عند التفكير بهذه القضية.

 

1- المواطنة والتربية

يعتبر موضوع التربية على المواطنة موضوعاً جديداً في الفكر العربي المعاصر، خصوصاً بضعف أو شحّ وجود حركة مواطنة في العالم العربي وإنْ وجدت فما تزال جنينية أو هي أقرب إلى الارهاص منه إلى تأسيس " كيانية حقوقية" ذات أهداف محددة وواضحة في إطار آليات معلومة، بحيث تتحوّل المفاهيم إلى حقوق، وهذه الأخيرة إلى تشريعات وقوانين في إطار مؤسسات وبرلمانات، مثلما يتطلّب الأمر وجود قضاء عادل ومستقل يحميها من التجاوز والانتهاك، في ظل تطبيقات وممارسات بحاجة إلى نقد وتطوير مستمرين، لاسيّما في ظل دور متميز للمجتمع المدني!!

إن فكرة التربية على المواطنة، هي جزء من فلسفة تربوية سسيو ثقافية حقوقية عقلانية مدنية عابرة للأديان والطوائف والتكوينات القومية والإثنية واللغوية والسلالية وغيرها، وهي مسألة حديثة في عالمنا العربي، حداثة فكرة المواطنة، وحداثة فكرة الدولة.

ولذلك فإن التربية على المواطنة له دلالات كثيرة:

فالدلالة الاولى أن عالمنا العربي ما زال في أول السلّم على الصعيد العالمي إزاء المفهوم السليم للمواطنة وحقوقها، حيث تزداد الحاجة لإثارة حوار وجدل حول الفكرة وأبعادها وغاياتها وسياقاتها، وحشد قوى وطاقات حكومية وغير حكومية، سياسية وفكرية وثقافية ودينية واجتماعية، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني لمقاربة للمفهوم الذي ارتبط بفكرة الدول العصرية الحديثة، وبالتقدّم الذي حصل في هذا الميدان، لاسيّما في الدول الغربية المتقدمة، حيث هناك تصالحاً بين الدولة والمواطن، سواءً في نظرة الدولة إلى المواطن أو في نظرة الأخير إلى الدولة، فمسؤولية الدولة لم تعد الحماية حسب، بل أصبحت الدولة "دولة رعاية" واجبها ووظيفتها الأساسية خدمة المواطن وتحسين ظروف عيشه وتوفير مستلزمات حريته ورفاهه، وبالمقابل فإن نظرة المواطن للدولة أصبحت إيجابية هي الأخرى، من حيث احترامه للقوانين والأنظمة وعلاقته بالمرافق العامة وحفاظه على البيئة وواجبه في دفع الضرائب وغير ذلك.

أما في البلدان العربية فإن نظرة السلطات إلى المواطن ظلّت نظرة تشكيكية ارتيابية في الغالب، إنْ لم تكن عدائية، وبالمقابل فإن نظرة الفرد للدولة استمرت نظرة سلبية، متربصة، تعارضية، بما فيها إزاء الخدمات والمرافق العامة، خصوصاً في ظل ضعف الحرية والتمييز وعدم المساواة وعدم تكافؤ الفرص وعدم احترام الحق في المشاركة.

الدلالة الثانية تكمن بانشغال بعض المهتمين على صعيد الفكر وحقوقيين وناشطين بفكرة حركة للمواطنة، باعتبارها فكرة راهنية ومطروحة على صعيد البحث من جهة، وعلى صعيد الواقع العملي من جهة أخرى، خصوصاً الأسئلة الشائكة التي تواجهها والتطبيقات المختلفة التي تقف أمامها في مفترق طرق عديدة وخيارات بين مرحلتين:

المرحلة الاولى ونموذجها الأنظمة الشمولية التي تكاد تكون انتهت أو تلاشت على الصعيد العالمي، خصوصاً التشبث باحتكار الحقيقة والدين والسلطة والمال والاعلام، لكنها ما تزال قوية ومؤثرة في مجتمعاتنا العربية بأنظمته المختلفة.

أما المرحلة الثانية، فنحن ما زلنا عند بواباتها وكثيراً ما تحدثنا عنها وبصوت عال أحياناً، لكننا ما زلنا متردّدين من الدخول في صومعتها، خصوصاً إن حركة الإصلاح والدمقرطة في العالم العربي ما تزال تتقدم خطوة وتتأخر خطوتين، ناهيك عمّا تركته حركة الاحتجاج والتغيير التي ابتدأت في العالم العربي منذ العام 2011، من بعض المخاوف إزاء انفلات العنف واستشراء الفوضى وزعزعة أركان الدولة الوطنية لتيار الإسلام السياسي، لاسيّما وأن الكثير من الكوابح تعترض طريقها، سواءً كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية، فضلاً عن ذلك تواجه تحديات مختلفة خارجية وداخلية، مثل الاحتلال والحصار والعدوان، إضافة الموروث الاجتماعي والاستخدام والتوظيف السلبي للتعاليم الدينية على نحو متعصّب ومتزمّت ومغالي، ناهيكم عن الفقر والجهل والمرض والتوزيع غير العادل للثروة.

وما تزال فكرة المواطنة في عالمنا العربي تتعرض إلى تجاذبات داخلية وخارجية، خصوصاً ارتباطها على نحو وثيق بمسألة الهوّية ومستقبلها، لذلك فإن الحوار والجدل بقدر إجلائهما بعض التشوش والغموض إزاء مستقبل بلداننا، فهما يساعدان في الوقت نفسه في نشر ثقافة المواطنة ويعمقان الوعي الحقوقي بأهميتها وضرورتها وفداحة نكرانها أو الانتقاص منها أو تعطيلها أو تعليقها تحت أية حجة أو ذريعة، وهو بالقدر نفسه يطرح أسئلة ساخنة حول سبل التربية على المواطنة، بما يثير من اختلاف وصراع.

الدلالة الثالثة تتعلق بالالتباس النظري والعملي بشأن فكرة المواطنة، ولاسيّما في مواقف الجماعات والتيارات الفكرية والسياسية والقومية المختلفة، الأمر الذي يضع تكوين تصوّرِ مشترك حولها من جهة وحول الطريق التربوية القويمة والأساليب التعليمية الصحيحة لتعميق فكرة المواطنة، في إطار المبادئ الدستورية للدولة العصرية التي تستند على سيادة القانون ومبدأ المساواة، مسألة ملّحة وضرورة حيوية، لا يمكن اليوم احراز التقدم والتنمية المنشودتان بدونها، وهو الأمر الذي يغتني بمساحة الحرية والمشاركة والعدالة، باعتبارها متلازمات ضرورية للمواطنة.

الدلالة الرابعة ترتبط باشكالات المواطنة والهوّية، والتحدّيات التي تواجههما، فقد بدأت تحفر في أساسات الدولة والهوّية، بحيث يجعل من الواجب إدارة حوار فكري ومعرفي حولها، طالما أنها تدخل في صلب المشكلات التي تواجه المصير العربي، ومعها يصبح جدل الهوّيات أساساً للتعايش والتكامل والتطور السلمي للمكوّنات المختلفة، بدلاً من أن يكون مادة للتناحر والانغلاق والتعصب، وهذه المسألة تتطلّب الإقرار بالتنوّع والتعددية والمشترك الإنساني كشرط لا غنى عنه للهوّية الجامعة، مع تأكيد الحق في الاحتفاظ بالهوّيات الفرعية الجزئية، الدينية أو القومية أو الثقافية أو غيرها!

الدلالة الخامسة تتعلق بالعلاقة الجدلية بين فكرة المواطنة وحقوق الإنسان، خصوصاً بمبدأ المساواة في الحقوق، وبالأخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة وحق تقلّد الوظائف العليا دون تمييز لأي سبب كان سواءً التمييز الديني أو القومي أو المذهبي أو الاجتماعي أو اللغوي أو الجنسي أو بسبب اللون أو غير ذلك. ويأتي حق المشاركة، في إطار الحقوق الأساسية ونعني بها حق التعبير وحق الاعتقاد وحق التنظيم، ولعلّ هذه الإشكالية هي التي تشكل جوهر فكرة المواطنة، خصوصاً إذا ما اقترنت بالعدل، إذ أن غيابه سيؤول إلى الانتقاص من حقوق المواطنة، ولا تستقيم مواطنة كاملة مع الفقر ومع الأمية والتخلف وعدم التمتع بمنجزات الثقافة والعلم والتكنولوجيا وغيرها.

ليس تجنّياً إذا قلنا أن الفكر العربي ما يزال يعاني من نقص فادح فيما يتعلق بثقافة المواطنة، وتستمر النظرة الخاطئة أو القاصرة إلى مبدأ المساواة قائمة، إضافة إلى الموقف السلبي من حقوق "الأقليات" على الرغم من أنني أفضل استخدام مصطلح التنوّع الثقافي والتعددية الدينية والقومية والسلالية واللغوية والفكرية والاجتماعية وغيرها كما تمت الإشارة إليه، فهي عندي أكثر تعبيراً عن حقوق ما قصدته الأمم المتحدة في اعلانها العام 1992 الخاص بحقوق "الاقليات"، وأجد في تعبير " الأقليات "إحراجاً" أو "انتقاصاً " من حقوق أديان أو قوميات، يفترض أن يكون لها القدر نفسه من الحقوق استناداً إلى مبادئ المساواة، وكذا الحال يشمل حقوق المرأة التي ما تزال الثقافة السائدة، إضافة إلى منظومة القوانين النافذة بما فيها قوانين الأحوال الشخصية في الغالبية الساحقة من البلدان العربية، تنتقص منها.

وما يزال الكثير من التيارات والاتجاهات السائدة في السلطة والمجتمع تتمسك بالنظرة التسلّطية لعلاقة الدولة بالمواطن، الفرد، الإنسان، الذي هو شخص وكيان له أهلية قانونية، ففي الكثير من الأحيان يُنظر إلى حقوق المواطنة، أما باعتبارها هبة أو منّة أو مكرمة من الحاكم، يكون الأفراد عنده هم رعايا لا مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات. ومثل هذه المسألة ترتبط بأفكار ماضوية لعلاقة الحاكم بالمحكوم، تلك التي تم تبريرها تارة على أساس نظرية التفويض الإلهي وأخرى على أساس وراثي كما هي الأنظمة الملكية لاسيّما المطلقة وثالثة باسم الشرعية الثورية المستندة إلى الدين أو الطبقة أو القومية والدفاع عن مصالح الثورة والأمة بوجه أعدائهما، على حساب الشرعية الدستورية وسيادة القانون ومبدأ المساواة.

الدلالة السادسة إرتباط فكرة المواطنة ارتباطاً عضوياً بالمفهوم الحديث للتنمية، ولعل أحد الأركان الأساسية للتنمية يقوم على نشر التعليم وثقافة المساواة وعدم التمييز والقضاء على الفقر وغيرها من الحقوق، ولذلك تصبح التربية جزءًا لا غنى للمواطنة من جهة مثلما هي عنصر حيوي للتنمية من جهة أخرى، الأمر الذي يحتاج إلى مفاهيم تربوية جديدة وأساليب حديثة، لاسيّما في ظل قيم المواطنة.

إن الحوار والجدل حول فكرة التربية على المواطنة لا ينبغي أن يقتصر على محافل فكرية محدودة، ولهذا ينبغي أن ينتقل إلى منابر متنوعة لاسيّما الجامعات ومراكز الأبحاث وإقامة منتديات فكرية وثقافية وإشراك أوساط من النخب والمختصين، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني والبرلمانات والحكومات في الآن ذاته، ناهيكم عن قطاعات شعبية وخصوصاً من النساء ومن التكوينات الثقافية، وبمساهمة حيوية من جانب الإعلام، لاسيّما الفضائيات في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات وبفضل الانترنت والكومبيوتر، يمكن أن يلعب دوراً كبيراً في زيادة الاهتمام بفكرة المواطنة أولاً، ومن ثم كيف يمكن تنمية قدرات الأفراد والمجتمع عبر التربية وقيمها الجديدة وتعزيز أركانها وصولاً إلى ما نطلق عليه مفهوم المواطنة العضوية الذي يقوم على أربعة أركان أساسية هي: الحرية والمساواة والعدالة والمشاركة كما تمت الإشارة إليه، في إطار تفاعل ديناميكي لا انفكاك بين عناصره ومكوناته أو انتقاص من أحدها لهوّيات متعدّدة ومتعايشة فرعية وعامة.

______________

(*) بحث قدّمه د. شعبان في مؤتمر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) والمركز الدولي لعلوم الإنسان – بيبلوس، جبيل – 3-5/9/2015، وهو المؤتمر العلمي الذي انعقد تحت عنوان: "المجتمعات المتعدّدة اللّغة والديمقراطية من خلال تاريخ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". وقد نُشر هذا البحث في كتاب أصدرته منظمة اليونيسكو بالتعاون مع المركز الدولي لعلوم الإنسان تحت عنوان: "حضارات في طور الانتقال"، بيروت، 2016.

(**) أكاديمي ومفكّر عراقي، له أكثر من 50 كتاباً في قضايا الفكر والقانون والاجتماع السياسي والأديان والعلاقات الدولية، إضافة إلى مساهمات متميّزة في الثقافة الحقوقية، ولا سيّما في تطوير الفهم المتجدد لثقافة حقوق الإنسان والمجتمع المدني والحداثة، واللاّعنف والتسامح .

عضو المكتب الدائم لاتحاد الحقوقيين العرب.

المدير العام للمركز الوثائقي للقانون الدولي الإنساني (عمان – بيروت).

مستشار في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية (بغداد).

عضو المجلس العلمي الاستشاري لدار الخبرة (بغداد).

عضو مجلس أمناء المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة (بيروت).

نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان "أونور" (بيروت).

رئيس المعهد العربي للديمقراطية (تونس).

 ................

 هوامش 

[1]- بخصوص الهوّية والثقافة والعولمة، راجع نصوصاً ومقارنةً: بلقزيز، عبدالإله- عولمة الثقافة أم ثقافة العولمة؟ الجابري، محمد عابد- عشر اطروحات (بشأن الثقافة والعولمة) . انظر كتاب: العرب والعولمة، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998 (وقائع ندوة وأوراق عمل). كذلك انظر: سليم، جيهان- عولمة الثقافة واستراتيجيات التعامل معها في ظل العولمة، مجلة المستقبل العربي، العدد 293، (7) تموز (يوليو) 2003، حنفي، حسن- الثقافات : صراع أم حوار؟ نموذجان بديلان: صراع الحضارات أو حوار الثقافات؟ القاهرة، منشورات التضامن، 1997.العالم، محمود أمين- حضارة واحدة أم حضارات متعددة (مقاربة نظرية عامة) كتاب: صراع الحضارات أم حوار الثقافات، المصدر السابق. العالم ، محمود أمين – المشهد الفكري والثقافي العربي، القاهرة، 2000. العالم، محمود أمين – مفهوم الهوية، مجلة العربي، العدد 437، نيسان (ابريل) 1995. البيطار، نديم- حدود الهوّية القومية، دار الوحدة، بيروت، 1982. حرب، علي- حديث النهايات، فتوحات العولمة ومأزق الهوية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2000. الحمد، تركي- هوّية بلا هوّية- نحن والعولمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1998. ادونيس- موسيقى الحوت الأزرق (الهوّية، الكتابة، العنف) دار الاداب، ط1، بيروت، 2002. ياسين ، السيد- العولمة: رؤية استمولوجية، القاهرة، جامعة القاهرة، قسم العلوم السياسية،2000. غليون، برهان وأمين ، سمير- ثقافة العولمة وعولمة الثقافة ، دمشق، دار الفكر، 1999. طرابيشي، جورج- عولمة الثقافة، مجلة أبواب، العدد 25، صيف 2000. سعيد، ادوارد- الثقافة الامبريالية، دار الاداب، بيروت، 1997. بركات، حليم- المجتمع العربي في القرن العشرين، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت، 2000. البرغثي، محمد حسن – الثقافة العربية والعولمة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 2007. 

[2]- انظر : شعبان، عبد الحسين- من هو العراقي: اشكاليات الجنسية واللاجنسية في القانونين العراقي والدولي، دار الكنوز الادبية، بيروت، 2002، وشعبان، عبد الحسين- جدل الهوّيات في العراق: الهوّية والمواطنة، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2009. وبحثنا الموسوم " الفكر العربي وكيانية حركة المواطنة" المقدّم إلى مركز الكواكبي والمؤسسة العربية للديمقراطية والمعهد العربي لحقوق الإنسان، الرباط (المغرب) 24-25 شباط (فبراير)، 2009. وبحثنا المعنون "أية علاقة جدلية بين التربية والمواطنة" المقدّم إلى منتدى الفكر العربي ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي (الجزائر) وجامعة البترا (عمان) والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الرباط في الجزائر، 25-28 تشرين الأول/اكتوبر 2010). وبحثنا الموسوم " الطائفية السياسية كأداة للتدخّلات الإقليمية: تخوم الطائفية وأدلجة الهوية – انعكاسات الجيوبوليتيك، المقدم إلى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة ، 10-11 نيسان/إبريل 2013. 

[3]- انظر: شعبان، عبد الحسين- جدل الهوّيات في العراق، مصدر سابق.

[4]- يتوصّل صموئيل هنتنغتون إلى استنتاج مثير يشكل جوهر نظريته" صدام الحضارات وصراع الثقافات" حيث يطرح الإشكالية الأساسية باعتبارها ثقافية- حضارية لأنه يدرك أن الثقافة هي سياج الهوّية، وبالتالي تشكل احدى الاسس المهمة " للمقاومة"، أي لمواجهة محاولات الاقتلاع أو التذويب، وبما أن الإسلام يعتبر وعاءً ثقافياً للعرب والمسلمين بشكل عام وأساس حضارتهم، فإنه يشكل تهديداً للغرب، ويقف حجر عثرة بوجه انتصار الليبرالية على المستوى السياسي والاقتصادي، مثله مثل البوذية والكونفوشيوسية، وهذه كلّها تواجه الحضارة المسيحية – اليهودية الغربية.

 Huntington- Samuel- Aclash Of Civilization, Foreign Affaires, Summer 1993

Huntington, Samuel- The Clash Of Civilization And Remarking of world order, London

Simon and Schuster,1997

 قارن: شعبان، عبد الحسين- جذور التيار الديمقراطي في العراق، هل انقطع نسل الليبرالية العراقية (قراءة في أفكار حسين جميل) دار بيسان، بيروت، 2007، ، ص 29-30.

قارن كذلك: شعبان، عبد الحسين – " الإسلام والإرهاب الدولي" دار الحكمة، ط1، لندن، 2002. 

[5]- قارن: حنفي، حسن – الثقافات : صراع أم حوار؟ نموذجان بديلان، دراسة منشورة في كتاب " صراع الحضارات أم حوار الثقافات؟ "، القاهرة،مطبوعات التضامن، 1997، ص 54 وما بعدها.

[6]- انظر: بركات، حليم- المجتمع العربي في القرن العشرين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2000، ص 109.

[7]- انظر: شعبان، عبد الحسين- جذور التيار الديمقراطي في العراق، مصدر سابق، ص 33- 34 وما بعدهما.

[8]- الجابري، محمد عابد- العولمة و الهوّية الثقافية، دراسة ضمن كتاب" العرب والعولمة"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998، ص 297 .

[9]- أنظر: بركات، حليم- المجتمع العربي في القرن العشرين، مصدر سابق، ص 62.

[10]- قارن: الجابري، محمد عابد- العولمة و الهوّية الثقافية، مصدر سابق، ص 298.

[11]- انظر: أدونيس- موسيقى الحوت الأزرق، مصدر سابق ، ص 8.

[12]- انظر: البرغثي، محمد حسن- الثقافة العربية والعولمة، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2007، ص 121.

[13]- ستيوارت، هول- هوّيات قديمة وجديدة، إثنيات قديمة وجديدة ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة، 2001، ص 79.

[14]- انظر: ادونيس- موسيقى الحوت الأزرق، مصدر سابق، ص 202.

[15]- انظر: ادونيس- المصدر السابق، ص277.

[16]- انظر: شعبان، عبد الحسين- هذه النجف التي توشوشني، جريدة النهار (اللبنانية) العدد 23789 في 19 آب (أغسطس) 2009.

[17]- تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية، منشورات اليونسكو، بعنوان " تعدّدنا الخلاّق، باريس، 1996. وردت الإشارة إليه في كتاب أدونيس- موسيقى الحوت الأزرق، ص 291.

[18]- انظر: ادونيس- موسيقى الحوت الأزرق، المصدر السابق، ص294-295. 

[19]- أنظر: شعبان، عبد الحسين – الصوت والصدى، حوارات ومقابلات في السياسة والثقافة، اعداد الدكتور كاظم الموسوي، 2009 (كتاب قيد الطبع).

[20]- إن القسم الأساسي في هذه الفقرة والفقرة التي تليها مستلٌ من كتاب " جدل الهوّيات في العراق" مع بعض التعديلات والتنقيحات. لذلك اقتضى التنويه.

[21]- انظر: أدونيس – موسيقى الحوت الأزرق (الهوية، الكتابة، العنف)، مصدر سابق، ص 5-8 (الاستهلال).

[22]- قارن: تقارير التنمية الإنسانية العربية، منذ صدور التقرير الأول، العام 2002 وحتى تقرير العام 2009 وهو بعنوان : تحديات الأمن الإنساني في البلدان العربية، البرنامج الانمائي للأمم المتحدة (المكتب الاقليمي للدول العربية)، بيروت، 2009، وقد شارك الباحث بأوراق خلفية في عدد من التقارير السنوية، إضافة إلى مساهمات مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي لغرب آسيا والباسفيك (الأسكوا).

[23]- انظر: شعبان، عبد الحسين – استحقاقات المواطنة العضوية الحق والمشاركة والهوّية،(ورقة عمل قدّمها إلى) منتدى الفكر العربي، الرباط ، 21-23 نيسان (ابريل) 2008. لقد تعرّض المسيحيون في السنوات القليلة لماضية إلى حملة شرسة لدفعهم إلى الهجرة، سواء في فلسطين أو في العراق أو لبنان أو سوريا أو مصر ، مثلما تعرّضت مكوّنات أخرى مثل الإيزيديين والصابئة والدروز وغيرهم، كما عانى الكرد والتركمان والأمازيغيين وغيرهم في البلدان العربية من التمييز وعدم الاعتراف بخصوصيتهم وهوّياتهم.

[24]- راجع مشروع قانون تحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق، نص مقترح في كتابنا جدل الهوّيات في العراق- الدولة والمواطنة، مصدر سابق.( قسم الملاحق)

انظر كذلك بحثنا الموسوم : الطائفية السياسية كأداة للتدخّلات الإقليمية / تخوم الطائفية وأدلجة الهوّية – انعكاسات الجيوبوليتيك، مصدر سابق.

[25]- انظر: ادونيس- موسيقى الحوت الازرق، مصدر سابق، ص 212.

[26]- يعتبر الباحث أن مصطلح "الأقليات" هو مصطلح ملتبس، حتى وإن استخدم من جانب الأمم المتحدة في "إعلان حقوق الأقليات" الصادر عن الجمعية العامة في العام 1992 أو في " إعلان حقوق الشعوب الأصلية" الصادر في العام 2007، وهو يميل إلى مصطلح " التنوّع الثقافي" أو المجاميع أو المجموعات الثقافية، عند حديثه على ما جرت العادة على تسميته بالأقليات، ويقصد بذلك التنوّع الديني والقومي والمذهبي والإثني واللغوي والسلالي وغير ذلك، لأنه يرى أن الأمر يتعلق بمبادئ المساواة والتكافؤ بغض النظر عن كون هذه المجموعة " أقلية" أو أكثرية" لأن مفهوم الأكثرية والأقلية، يحمل في ثناياه معنى التسيّد من جهة والخضوع أو الاستتباع من جهة أخرى، وهو لا ينبغي أن يشمل القوميات أو الأديان، التي ينبغي أن تكون على قدر واحد من المساواة، لأن الأمر يتعلق بالحقوق التي تشمل البشر جميعاً على نحوٍ متساوٍ بغض النظر عن عددهم أقلية أم أكثرية، لأن الحقوق شاملة وعامة وتخصّ الإنسان بغض النظر عن عرقه ودينه وقوميته ولغته ولونه وأصله الاجتماعي، وهي حقوق لا يمكن تجزئتها أو الانتقاص منها أو المفاضلة بينها لأي سبب كان.

انظر: شعبان، عبد الحسين- المسيحيون والربيع العربي، دار آراس، اربيل، 2012، ص 14-15.

قارنا: شعبان ، عبد الحسين – أغصان الكرمة، المسيحيون العرب، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، بيروت، بغداد، 2015. 

[27]- انظر: شعبان، عبد الحسين- استحقاقات المواطنة العضوية، صحيفة العرب القطرية، العدد 7239، 7 نيسان(ابريل) 2008.

[28]- انظر: السيد حسين، عدنان – المواطنة في الوطن العربي، منتدى الفكر العربي،الرباط، 21-23 نيسان (ابريل) 2008 . (ورقة عمل – محاضرة مقدمة إلى منتدى الفكر العربي). 

[29]- انظر: شعبان، عبد الحسين ، الدولة والمواطنة المنقوصة، صحيفة العرب القطرية، العدد 7246، 14 نيسان (ابريل) 2008.

[30]- قارن: شعبان، عبد الحسين- من هو العراقي؟ مصدر سابق، ص 37 وما بعدها. 

[31]- انظر: شعبان، عبد الحسين – المواطنة الافتراضية، جريدة اليوم (السعودية) 28 شباط (فبراير) 2014.[32] - زوكاغي، أحمد،(الدكتور) الجنسية، دار توبقال للنشر،ط2، الرباط، 1996، حيث يعتبر بداية تحديد المفهوم الحديث للجنسية هو العام 1804، حين تم تنظيم ذلك بموجب نص تشريعي في القانون المدني الفرنسي. 

[33]- 111.112 Morris C- Western Political Thought, Vol(1), Place to Augestine, Newyork 1967 (Basic Books) PP29.

[34]- دايس، ايركا- إيرين. أ- حقوق الإنسان، سلسلة رقم (3)، جنيف 1996 الامم المتحدة ، ص 235. 

[35]- دايس، ايركا- إيرين. أ- حقوق الإنسان، مصدر سابق ص 236.

 انظر: كذلك روكاغي، أحمد- الجنسية، مصدر سابق، ص 31. 

[36]- انظر: شعبان، عبد الحسين- من هو العراقي، ص 39 وما بعدها. 

[37]- انظر مناع، هيثم (الدكتور) المواطنة في التاريخ العربي - الإسلامي، سلسلة مبادرات فكرية (10)، مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، 1997، ص 30. 

[38]- ظل كتّاب الدواوين وكتّاب الخراج من الموالي حتى تم تعريبها، الأمر الذي يشير إلى انصراف هؤلاء إلى المهن والتخصص بدلاً من أمور الادارة والقيادة وهو ما يشابه انصراف بعض النخب من التبعية (غير العثمانية) وهو الاصطلاح الذي أخذ به قانون الجنسية العراقية لعام 1924 إلى التجارة والاعمال الحرة بعد أن سُدّت بوجههم الدوائر الرسمية، وبخاصة الوظائف العليا لعدم منحهم شهادة الجنسية العراقية. وهم المجموعة الاولى الذين شملتهم حملات التهجير في الثمانينات.

قارن: مناع، هيثم (الدكتور)- المواطنة، مصدر سابق، ص 36، قارن كذلك: الدوري، عبد العزيز ( الدكتور)- مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1978، ص 41 و42 نقلا عن المصدر السابق. قارن كذلك: شعبان، عبد الحسين- عاصفة على بلاد الشمس، مصدر سابق، ص 223-235. أنظر كذلك- الحاج، عزيز- بغداد ذلك الزمان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،ط1، بيروت، 1999، ص 111 وما بعدها. 

[39]- قارن : شكري، محمد عزيز (الدكتور) المدخل إلى القانون الدولي العام وقت السلم، دار الفكر، ط4، دمشق 1973، ص 22-23 . انظر: كذلك، شعبان، عبد الحسين- محاضرات في القانون الدولي الانساني وحقوق الانسان، إربيل، جامعة صلاح الدين، 2000.

انظر كذلك: السيد حسين، عدنان- العلاقات الدولية في الاسلام، دار مجد، بيروت، 2006، ص 133. 

[40]- Lewis, Bernard, Islam and liberal, Democracy: A Historical Overview, Journal of Democracy, Vol. 7, No:2, 1996.

ويذهب البروفسور سمير أمين إلى القول " أن المساواة القانونية لم تكن سمة من سمات الانظمة التقليدية العربية أو الشرقية". قارن: أمين، سمير- ملاحظات حول منهج تحليل أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، ورقة عمل مقدمة إلى ندوة " أزمة الديمقراطية في الوطن العربي" مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1984، ص 310-311. قارن – إضافة إلى ما تقدم المناقشات القيّمة التي نقلها الدكتور عبد الوهاب الافندي في بحثه القيم الموسوم " إعادة النظر في المفهوم التقليدي للجماعة السياسية في الاسلام: مسلم أم مواطن" مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت العدد 264-2/2001 

[41]- قارن: هويدي ، فهمي- مواطنون لا ذميّون، موقع غير المسلمين في مجتمع المسلمين، دار الشروق، القاهرة، 1990. 

[42]- يقول د. خالد الحروب في دراسته القيّمة الموسومة بـ " مبدأ المواطنة في الفكر القومي العربي" من " الفرد القومي" إلى " الفرد المواطن": إن مبدأ المواطنة لم يحظ بمعناه الحديث القانوني والديمقراطي بتأصيل عميق في الفكر القومي العربي التقليدي في القرن العشرين. ويذهب إلى مناقشة بعض المؤسسين الاوائل في الفكر القومي ليؤكد أنه لم يجد معالجة مباشرة لمبدأ لمواطنة تعريفاً وتأصيلاً واقراراً، ويعود ذلك إلى انصراف المفكرين الاوائل ببعث يقظة عربية مشتركة دفاعاً عن الهوّية وصياغة العلاقة بين العروبة والإسلام وفصلها عن العلاقة بين العرب والعثمانيين، ويعرض أفكار ساطع الحصري " حول القومية العربية" وتركيزه على الهوّية: من أنا ومن أنت؟ ومن نحن؟ تلك التي ركّزت على الهوية، للتمايز عن غيرها. ولم تنشغل أفكار ميشيل عفلق انشغالاً جدياً بفكرة المواطنة أو الديمقراطية أو أهمية حقوق الفرد.

 قارن : الكواري، علي خليفة (الدكتور)- الحركات الاسلامية والديمقراطية، المواقف والمخاوف المتبادلة، مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، دار قرطاس للنشر، الكويت، 2000.

كذلك: الحصري، ساطع- حول القومية العربية- سلسلة التراث القومي 14، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، بيروت، 1987. أنظر: الحروب، خالد- ملف المواطنة والديمقراطية في الوطن العربي، مجلة المستقبل العربي، مصدر سابق. 

[43]- أنظر: الأفندي، عبد الوهاب- ملف المواطنة والديمقراطية في الوطن العربي، المصدر السابق.

[44]- أنظر: الغنوشي، راشد- الحرّيات العامة في الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1993، ص 290-291. كذلك- حقوق المواطنة، حقوق غير المسلم في المجتمع الإسلامي، قضايا الفكر الإسلامي 9، ط2، هيرندن، فيرجينيا، 1993 ص 77-88، نقلاً عن عبد الوهاب الأفندي،المصدر السابق.

[45]- أنظر: الأفندي، عبد الوهاب، المصدر السابق.