ali jabaralfatlawi(وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم ولعلهم يتفكرون) النحل: 44

  الآية الكريمة من سورة النحل تتحدث عن دور النبي (ص) في تفسير القرآن، وأن دوره هو تكليف إلهي، وقام أهل بيته (ع) من الائمة المعصومين (ع) بنفس هذا الدور، لأنهم المكلفون نصا وعقلا بحمل لواء الرسالة من بعد النبي (ص).

تنوعت مناهج واتجاهات التفسير منذ عهد الرسالة الاول حتى عصور متأخرة من حياة المسلمين، والعلماء المختصون يتعاملون مع آيات القرآن الكريم تفسيرا وتأويلا وتطبيقا كل حسب منهجه واتجاهه، ومن المناهج المهمة في التفسير هو التفسير بالمأثور، ومنه التفسير الروائي الذي يعتمد السنة وسيرة النبي (ص) وأهل بيته (ع) قرائن في التفسير.

يقول صاحب التفسير الكاشف الشيخ محمد جواد مغنية لتفسير الآية السابقة:

 الخطاب لمحمد (ص)، والمراد بالذكر هنا القرآن، ومن الواضح أن الغاية من إرسال الرسل، وإنزال الكتب هداية الناس إلى الحق والعدل وإلى حياة الأمن والرخاء، وقوله (ولعلّهم يتفكرون) معناه لعلهم يتدبرون القرآن ويدركون أسراره وأهدافه، ويعلمون أنه أنزل لخيرهم ومصلحتهم.

أما العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي يقول في تفسير آية (44) من سورة النحل: (وأنزلنا إليك الذكر) أي القرآن لتبين للناس كافة ما نزل إليهم من ذلك الذكر من أصول المعارف والاحكام والشرائع وأحوال الامم الماضية وماجرى فيهم من سنة الله تعالى، ولرجاء أن يتفكروا في الذكر فيهتدوا إلى انه حق من عند الله أو يتفكروا فيما تبينه لهم .

ويضيف العلامة: وفي الآية دلالة على حجية قول النبي (ص) في بيان الآيات القرآنية، وأما ما ذكره بعضهم أن ذلك في غير النص والظاهر من المتشابهات أو فيما يرجع إلى أسرار كلام الله وما فيه من التأويل فمما لا ينبغي أن يصغى إليه.

ويتجلى من خلال الآية السابقة من سورة النحل أن القرآن الكريم نُزّل على النبي (ص) لكي يبينه للناس، وبالتالي إذا لم يكن بيان النبي (ص) معتبرا وواجب الاتباع، فإن هذه المسألة حينئذ تصبح لغوا، وبناء على هذا، فإن كلام النبي (ص) وبيانه وتفسيره حجة بالنسبة إلى آيات القرآن الكريم، وهذا ما صرّح به كبار المفسرين عند تناولهم الآية المذكورة.

ومن جانب آخر فإن النبي (ص) قام بتفسير القرآن قولا وعملا، بل إنه أمر المسلمين باتباعه في جزئيات أحكام الصلاة والحج وسائر الاعمال العبادية، وهذا ما فعله الصحابة، فقد كانوا يرجعون إلى النبي (ص) في تفسير القرآن ويأخذون منه معانيه. وقد يكون عمل النبي (ص) تفسيرا للقرآن، روي عنه (ص) أنه قال بشأن الصلاة: (صلّوا كما رأيتموني أُصلي) وروي عنه أنه قال: (خذوا عني مناسككم) وفي هذه الصورة تكون أفعال النبي تفسيرا لجزئيات الصلاة والحج، وهذه السيرة العملية لا زالت مستمرة حتى زماننا الحاضر.

روي عن الامام الصادق (ع) أنه قال: (إنّ الله أنزل على رسوله الصلاة ولم يسمّ لهم ثلاثا ولا أربعا، حتى كان رسول الله (ص) هو الذي فسرّ لهم ذلك) .

لقد بيّن الرسول (ص) المسائل التي ذكرت بصورة كليّة في القرآن الكريم مثل الصلاة والصوم والحج، وسائر العبادات. كذلك وضّح موارد تخصيص العمومات وتقييد المطلقات، وبيّن الاصطلاحات الجديدة في القرآن، ولغة القرآن والناسخ والمنسوخ. وجميع هذه الامور كانت تفسيرا للقرآن وصلتنا بواسطة الروايات والسنة، ولا تزال موجودة كمصادر للتفسير الروائي.

وتعد السنة حجة في التفسير بشرط أن تكون موثوقة سندا ومتنا، ولا تتعارض مع ظاهر القرآن، وهذا هو منهج علماء الشيعة في التفسير، ومنهم العلامة الطباطبائي إذ قال في الميزان: وإن تعارضت مع ظاهر القرآن إما أن تأول تأويلا صحيحا يتناسب مع معنى الآية، أو يضرب بها عرض الحائط إن كانت متقاطعة مع ظاهر القرآن، وهذا هو المروي عن النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع)، لأن الكذب على النبي (ص) والأئمة المعصومين جرى في حياتهم، وقد عدّ العلامة الخوئي (رض) أن عدم استخدام القرائن النقلية في التفسير يعتبر نوعا من أنواع التفسير بالرأي الذي لا يقرّه جميع علمائنا.

بعد أن تبين حجية سنة النبي وبيانه (ص) في تفسير القرآن، والضوابط  في التعامل مع السنة، يقول العلامة الطباطبائي: ويلحق به بيان أهل بيته (ع) لحديث الثقلين المتواتر وغيره، وأما سائر الأمة من الصحابة والتابعين أو العلماء فلا حجية لبيانهم لعدم شمول الآية وعدم نص نعتمد عليه يعطي حجية بيانهم على الاطلاق، هذا هو رأي العلامة في الميزان في الموقف من سنة النبي (ص) وأهل بيته (ع).

عليه تعتبر روايات أهل البيت (ع) ضمن شروط خاصة حجة في التفسير ومصدرا له، كما هو الحال بالنسبة للروايات التفسيرية للنبي (ص)، أي أن بيانهم امتداد لبيان النبي (ص) كما أشارت الآية (44) من سورة النحل، وهناك أدلة كثيرة نشير إلى بعض منها:

أولا: حديث الثقلين الذي روي عن النبي (ص) بصورة متواترة عن طريق السنة والشيعة حيث قال: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا حتى يردا عليّ الحوض) .

ففي هذا الحديث جعل التمسك بالقرآن وأهل البيت معا شرطا لعدم ضلال المسلمين، فإذا لم يتمسكوا بهما أو تمسكوا بأحدهما وتركا الآخر فمصيرهم الضلال حينئذ.

لذا فإن أهل البيت (ع) هم حجة إلى جانب القرآن، وهذه الحجية هي حجية سنتهم (قولهم، وفعلهم، وتقريرهم) ورواياتهم التفسيرية تعتبر جزءا من سنتهم، فهي حجة ومعتبرة ولابد من التمسك بها.

ثانيا: روي في احاديث متعددة عن أهل البيت (ع) أنهم قالوا: (فإنا إذا حدثنا قلنا: قال الله عزّ وجل وقال رسول الله (ص) . ومن الواضح أن اهل البيت (ع) هم رمز العدالة والثقة ورواياتهم عن النبي (ص) معتبرة، فأحاديثهم في التفسير وغير التفسير هي أقوال النبي (ص) حيث وصلتنا عن طريقهم.

ثالثا: هناك أدلة أخرى تدلّ على ملازمة الامام علي (ع) والأئمة من بعده للقرآن، وقد رويت عن طريق الشيعة والسنة. وكان الامام علي (ع) تلميذ الرسول (ص) في التفسير، يسمع ما يقوله النبي (ص) في تبيين آيات القرآن ويقوم بنقله وروايته، وقد اتبع أهل البيت (ع) هذا المنهج أيضا، فكانوا ينقلون الاحاديث للناس عن النبي (ص) والامام علي (ع) ويستدلون بها، حتى وصل عدد الروايات المروية عنهم (ع) إلى بضعة آلاف.

وقد تصدى أهل البيت (ع) لتفسير القرآن لاطلاعهم على العلوم الإلهية، ولذا اعتبرت سنتهم – قولهم وفعلهم وتقريرهم – من مصادر التفسير وجزءا من التفسير الروائي، (جاء في حديث سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول: ما نزلت آية على رسول الله (ص) إلا أقرأنيها وأملاها عليّ فأكتبها بخطي، وعلّمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها ودعا الله لي أن يعلمني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله ولا علما أملاه عليّ فكتبته منذ دعا لي وما ترك شيئا علّمه الله من حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي، كان أو يكون من طاعة أو معصية إلّا علّمنيه وحفظته، فلم أنس حرفا واحدا، ثم وضع يده على صدري ودعا الله أن يملأ قلبي علما وفهما وحكمة ونورا لم أنس شيئا ولم يفتني شيء لم أكتبه). عن كتاب (في رحاب أهل البيت – ع -) .

وفي هذا الاطار سأل رجل الامام الرضا (ع) قائلا: إنك لتفسّر من كتاب الله ما لم يُسمع! فقال (ع): (علينا نزل قبل الناس ولنا فُسّر قبل أن يُفسّر في الناس، فنحن نعرف حلاله وناسخه ومنسوخه ..)، وقال (ع) في حديث آخر: (فإنما على الناس أن يقرؤوا القرآن كما أنزل، فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا) . وعلى هذا الاساس قام أهل البيت (ع) بتبيين مسائل متنوعة في مجال تفصيل الامور الكلية التي وردت في القرآن الكريم وآيات الاحكام، المخصّصات، المقيّدات، اللّغات، الناسخ والمنسوخ، الاصطلاحات الجديدة في القرآن، وكذلك تبيين باطن الآيات وتأويلها ومصاديقها.

تبين لنا بالأدلة الثابتة من القرآن والسنة النبوية، أن سنة النبي (ص) وأهل بيته تُعد قرائن لتفسير الآيات.

 

علي جابر الفتلاوي

 

abduljabar alobaydiنشرت جريدة الديار اللندنية الآية 33 من سورة الاحزاب في صدرصفحاتها الاولى بالخط العربي لكاتبها الفنان التشكيلي الباكستاني محمد أقبال الذي أستغل الخط التشكيلي ليدس السُم بالعسل بين المسلمين .. مقطوعة القراءة على طريقة رجال الدين المتعصبين، وشعورا منا بالألتزام بمعايير الحق والعدل في القرآن الكريم، وبعد ان كتب فيها الاخ عباس الكتبي في كتابات نقول:

يقول الحق في محكم كتابه الكريم: (يا نساء النبي لستن كأحدٍ من النساء ان أتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32)، وقرن في بيوتكن ولا تبرجنَ تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وأتين الزكاة وأطعن الله ورسوله انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33) .

لاحظ ان الآية المقدسة جاءت في سياق الكلام معهن دون تفريق، والآية الأولى غير مفصولة عن الثانية، لذا قال تعالى بعد هذا كله: (وأذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة 34) .، اي ما ُينزل على النبي في بيوتكن من الايات المحكمة التكليف .اذن لماذا تقرأ الايات منفصلة بحجة حصرها في أهل بيت الرسول- وهنا يقصد بيت فاطمة الزهراء (ع)- وهو مخالف للقراءة القرآنية وشروطها، وحتى لو كانت كذلك، ألم تكن زوجات الرسول (ص) من أهل البيت؟.

انظر تفسيرالقرطبي، الطبري، الجلا لين والشعراوي وكل التفاسير الاخرى التي تطرقت الى الآية الكريمة، فالزوجة هي عماد أهل البيت. لذا فأن قراءة الآية منفصلة كان ولا يزال مقصودا لفرقة المسلمين مصدرها فقهاء عصر البويهيين المتعصبين الذين دقوا اسفينا في صدر المسلمين لن ينزع من صدورهم على مر السنين، لموقفهم السلبي من عائشة بنت الصديق (رض)التي نزهها وبرأها القرآن الكريم من كل خطئ الصق بها تعمداً كما جاء في سورة النور آية 11-20، وبه دمروا مستقبل المسلمين فرقة وتمريقاً .

لقد ذكر مصطلح أهل البيت في القرآن بآية واحدة فقط في سورة الاحزاب(33،) .وذكرت كلمة أمام أثنا عشرَ مرة كل منها بقصد معين، لكن لم تذكر أمامتهم السيادية صراحة ولو بآية واحدة، وانما جاءت بحديث نقله لنا المؤرخون يقول فيه الرسول (ص): لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة أويكون عليكم أثنا عشرخليفة كلهم من قريش.حديث بحاجة الى أثبات - وما أكثر الأحاديث المنتحلة - ولأنه يتناقض مع حرية الرأي في آية الشورى .

ان التساؤلات الكثيرة حول الأمامة والخلافة ولمن هي بالنص تجرنا الى مثيلاتها في الصعوبة وحاجتها الى دراسة مفصلة حيادية وعميقة ومجردة ونزيهة بعيدة عن أراء الفقهاء المتزمتين.كما تصل بنا الى مشارف مقالتنا هذه، هل الخلافة او الامامة حقاً يجب ان تكون في قريش ؟ وهل ان قريش هي الوحيدة التي تملك حق قيادة الامة ؟ مسألة الاجابة عليها في غاية الاهمية اليوم وغدا، لمعرفة الحقيقة التي ماتت في الصدور، وخلفت لنا نارا لا زلنا نكتوي بها فُرقة وتدميرا. فأن صحت هذه التوجهات فهي تتناقض وقوله تعالى: (ان هذه أمتكم امة واحدة وانا ربكم فأعبدون، سورة الانبياء 92) .

كل الاحاديث التي وردتنا في هذا الموضوع جاءت الينا بصيغة خبرية وليست أمرية (طلبية) كقول الرسول (ص): (الأئمة من قريش) .وقوله: لا يزال هذا الامر في قريش ما بقي في الناس أثنان (مَروي بدون سند) . هذه الاحاديث فهي ان صحت تدل على الأفضلية وليست واجبة ألزامية كغيرها من صفات العلم والخبرة واللياقة الجسمية وأمثالها فيمن تعقد له الخلافة.

فللخلافة شروطها القانونية والدينية، وتقف الأهلية (الكفاءة) واللياقة البدنية في مقدمة هذه الشروط، فكل نص يكتب في الدستور مخالف لهذه الشروط يعتبر نصا باطلا في التطبيق، (أنظر دائرة المعارف الأسلامية). ويعتقد بعض المؤرخين ان هذه ليست بأحاديث نبوية - وعندي صحيح -، وأنما هي جُمل من المأثورات السياسية التي أضيفت الى الاحاديث كغيرها من الاضافات في عصور التناحر المذهبي والسياسي .

ولوكانت هذه احاديث نبوية صحيحة لكانت في مقدمة الاعتراضات والانتقادات التي وجهت للذين أعترضوا على الأمام علي (ع) في قبول التحكين في معركة صفين يومئذٍ بأعتبارهم خارجون على السُنة بهذه السابقة التي أرتكبوها عندما أنتخبواعبدالله بن وهب الراسبي وهو من الآزد وليس من قريش لامامة المسلمين بعد معركة النهروان.

ومهما يكم من أمر فأن نظام الخلافة او الأمامة من الموضوعات التي ترتبط بالسياسة من ناحية، وبالدين من ناحية اخرى، لذا لابد لنا من اخذ الجانب التاريخي لنحقق ما نرغب ونريد.

وليكن بعلم القارىء الكريم ان غالبية الاحاديث التي وردتنا في صحيحي مسلم والبخاري وبحار الانوار للمجلسي بحاجة الى مراجعة وتثبيت بعد ان أطلعنا على قول الرسول(ص) بعد دخوله مكة فاتحاً في سنة (11 للهجرة)، مخاطباً الناس بقوله (ص) ":ايها الناس لا تنقلوا عني غير القرآن حتى لا يختلط كلامي بكلام القرآن ، أنظر الواقدي في المغازي الطبعة الحجرية القديمة، ت 207 للهجرة)."، لان الرسول (ص) لم يكن معصوما في شخصه بل ان العصمة كانت في الرسالة الآلهية الموجهة اليه .

يقول الحق: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس، المائدة 67). وهذا واضح تماما ان العصمة في الرسالة وليس بشخصه الكريم.

أما الآيات التي ذكرت فيها كلمة الأئمة دون تحديد وبعيدة عن القصد هي:

يقول الحق: ........ قال اني جاعلك للناس أماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين البقرة 124 .والاية حوارية هل ان ابراهيم جاء لليهود فقط ام للعرب اجمعين.

ويقول الحق: (وان نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر انهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون، التوبة 12). ويقصد بعض المشركين من أمثال ابو جهل وأمية بن خلف.

و يقول الحق: (فأنتقمنا منهم بِامامٍ مُبين الحجر 79). ويقصد القرآن الكريم أصحاب الايكة قوم شعيب الناكثين .

ويقول الحق: (... أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد من ربه ومن قبله كتاب موسى أماماً ورحمة...ولكن أكثر الناس لا يؤمنون.، هود 17). هنا يطلب الله الاعتراف به رب العالمين . ومن كل امة فطر عليها عباده الصالحين.

ويقول الحق: يوم ندعو كل ُاناس بأمامهم فمن آوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرأون كتابهم ولا يظلمون فتيلا، الاسراء 71). وهنا يقصد الله تعالى:يدعو كل امة برسولهم لهدايتهم نحو الحق والعدل وما جاء به القرآن الكريم.

ويقول الحق: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا، الانبياء 73). والمقصود بهم روؤساؤهم الذين يقتدى بهم في اعمال الطاعات.

ويقول الحق: .. وأجعلنا للمتقين اماما، الفرقان 74) .أي حبا لهم وللذين يعملون بطاعة الله تعالى.

ويقول الحق:ونريد ان نمنَ على الذين أستضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين القصص 5) . ويقصد بني اسرائيل الذين ظلمهم فرعون، فأغرقه بعد ظلمه للناس في اليم .

اويقول الحق: وجعلناهم أئمة يدعون الى النار ويوم القيامة لا ينصرون، القصص 41. والقصد ظاهر للعيان وهم الذين قصدتهم الآية 174 من سورة البقرة.

ويقول الحق: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بأياتنا يوقنون، السجدة 24).ويقصد انبياء بني اسرائيل .

ويقول الحق: انا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وأثارهم وكل شيء أحصيناه في امام مبين يس 12). الآية تتحدث عن منازل الانصار والمسجد الذي بني في المدينة، وكيفية الوصول اليه .

ويقول الحق: ومن قبله كتاب موسى اماما ورحمة ...، الأحقاف 12 .ويقصد حواره مع موسى بأنه أخبر اليهود بنبوءة محمد (ص).

. على القارىء الكريم ان يعود اليها للتأكد من النص ليتأكد بنفسه قصد الآيات الكريمات. لمعرفة ما يدعيه الفقهاء جزافا بأن الامامة او الخلافة محصورة في أئمة قريش؟.لذا فأن الحديث موضوع وغير ثبت وجاء بلا سند او دليل.

بينما لم يذكر الباري جلت قدرته قريش الا في الآيلاف (سورة قريش) فقط.

 

من هنا يتبين لنا كيف ان المفسرين حرفوا الآيات لصالح السلطة والفرقة بين المسلمين فسماهم المؤرخون بوعاظ السلاطين.

ونعود لموضوعنا الاساس فنقول ان الدين الاسلامي هو دين الواقعية والاستقامة والعدل وليس دين الهرطقة والحدس والتخمين واشكاليات التعقيد وفتاوى رجال الدين الذين لا يعترف القرآن بهم ولا يخولهم حق الفتوى على الناس، وكذلك معظم الديانات السماوية جاءت بهذا التوجه الصحيح.لكن التفسير الفقهي الاحادي والترادفي الخاطىء هو الذي أفسد تأويل النص القرآني وجعلنا اشتاتا مفرقين تحت رحمة الفقهاء ورجال الدين من وعاظ السلاطين، بعد ان اخترعوا لنا الفِرق والمذاهب الاجتهادية الذي ولى زمانها وأصبحت من التاريخ، والفَرق بين الفِرق وهي كلها اجتهادات شخصية لا علاقة لها بالدين تتغير بتغير الازمان.ويبقى أسلام محمد (ص) هو الأساس. والحاكم الذي يتبعهم يجب ان يزاح من حكم المواطنين. أنظر كتاب أصول الضعف - علي كريم سعيد ص182-190 . ولو أمن الحكام فعلا لأستقاموا ولأسقاهم الله ماءً غدقاً لكن اكثرهم لايؤمنون.

أنظر اخي القارىء:عمربن الخطاب يتزوج بنت علي بن ابي طالب، وعثمان يتزوج بنت النبي، والنبي يتزوج بنت بن ابي بكر، ولو عددنا الزيجات لرأينا العجائب لكنهم يقولون انهم ماتوا اعداءً بينهم، فمن نصدق التاريخ ام أئمة الدين ...؟ كفاية تدجيل ...؟

نعود للآية الكريمة في سورة الاحزاب ومقاصدها الدينية الألزامية فنقول:

تجمع كتب التفسيران الآية الكريمة تشمل نساء النبي كلهن مع علي والحسن والحسين وفاطمة الزهراء (ع)، ويشير البعض منها ان استثناء بعض نساء النبي مستثناة من الآية لكن بلا دليل، وهو ليس استثناءً مبنيا على الحقيقة التاريخية ولا حتى التأويلية وأنما الأستثناء قصدي للتفرقة بين المسلمين. ان القراءة المتآنية للآية الكريمة توضح بجلاء انها شاملة لكل اهل بيت الرسول وزوجاته وأهل بيته دون تفريق، لأن بداية النص يفسر نهايته وبينهما ترابط لغوي واحد دون أنفصام واللغة هي نظام لربط الكلمات.هنا أدخلتنا التفسيرات في الحرج نتيجة اختلاف الأجتهادات الكثيرة والمتباينة .

وعندي:

لو كانت الآية الكريمة مقتصرة على اهل بيته من نسل فاطمة الزهراء عليها السلام فقط، لجاءت الاية مستقلة عن زوجات الرسول.

لكن قراءة متأنية للآية الكريمة توضح لنا ان المقدمة ترتبط بالمؤخرة في الثبات والتفسير. والا كيف جاز لرسول الله(ص) الزواج منهن دون عصمة المحافظة عليهن. والتشريع لا يبيح زواجهن بأخر من غير الرسول حتى في حالة الوفاة او الطلاق. يقول الحق:(...وما كان لكم ان تؤذوا رسول اللهِ ولا ان تنكحوا ازواجهُ من بعده ابدا ان ذالكم كان عند الله عظيما، الاحزاب 53). انها آية حدية لا تقبل التأويل.

اليوم تطرح وزارة التعليم العالي العراقية مشروع دراسة منهج اهل البيت في الجامعات العراقية، فكيف سيتم تحديد النص ومن تشملهم الآية الكريمة فيه.هنا يجب ان يكون النص موضحاً بحيادية التفسير، وبمن سيناط به الامر في وضع المنهج الدراسي، وهل لدى الوزارة من التدرسيين الحياديين الذين سيقومون بالتدريس دون انحيازية فيه من امر، والطائفية والعنصرية على اوجها اليوم لابل اصبحت قانونا في التطبيق، وقانون في التشتيت والتفريق، والتي ولدت لنا المحاصصة في الحكم لخدمة الحاكمين لا غير أم انها فرصة للمنتهزين لتفريق المسلمين؟. أما يكفيهم ما نحن فيه اليوم من فرقة المفرقين؟وحين قلنا ذلك في مقال سابق، ثارت ثائرة البعض وعدونا من المتجاوزين على أهل البيت وكأن أهل البيت (ع) ملكا للبويهيين ولهم دون الاخرين..

في المقدمة وقبل الدخول في مناقشات ومناكفات واعتراضات فقهية ولغوية نحن بأمس الحاجة لتجنبها خشية من ان تتطور الامور الى اثارة النعرات الطائفية بين الطلبة في وقت يحترق الوطن فيها ولا من مطفىءٍ لها ، كما اننا لسنا من المتخصصين في الدراسات الفقهية.. وانا متأكد من ان مستشاري السيد الوزير لا يهمهم المصير قدر همهم باختراع مناهج المفرقين مالم يعرفه قبلهم من السابقين ولأشعال نار الفتنة بين المواطنين .

ان مبادىء اهل البيت لا تحتاج للحِكَم والقانون والعدالة والاستقامة والمساواة والألتزام بالقسم واليمين في التطبيق فهي لهم، وليس للجهلة من الحاقدين، وعلى من يتمسك بهم وبها يجب ان يكون هو القدوة في التنفيذ لا من المنكرين لها في التطبيق. لذا وقبل كل شيىء يجب ان نحدد من هم أهل البيت، بموجب النص القرآني، ونتفق عليه دون خلاف المستقبل، ولا نهرول خلف الفقهاء المتزمتين، ساعتها يمكن التطبيق، ، ونحن لا زلنا نجهل المختلفين حتى في القراءة والقصد من بعدها نضع منهجنا للدارسين، في وقت يدعو وكلاء الرجعية الى قرب ظهور دولة المهدي فكيف سيحكمون...؟

فكفانا ما نحن فيه يا سيد الكتبي الموقر مع التقدير؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

 

 

ان السياسة الجنائية وما تتطلبه من مستجدات لأجل تحقيق ما يسمى بالمحاكمة العادلة لهو أشرف وأقدس برنامج قانوني تهتم به الحكومات والدول وليس يهم في ذلك  كثافة المواد المعتمدة أو حجمها بقدر ما يهم مبدأ العدل وارجاع الحقوق لأهلها.

وفي ذلك كتب الدكتور فتحي سرور عن المحاكمة العادلة على أنها أحد الحقوق الأساسية للإنسان وهي تقوم على توافر مجموعة من الاجراءات التي تتم بها الخصومة الجنائية في اطار حماية الحريات الشخصية وغيرها من حقوق الانسان وكرامته وشخصيته المتكاملة.

 وجدير بالإشارة أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وسائر المواثيق المتفرعة عنه تواجه اليوم عقبات كثيرة ايديولوجية وحضارية وتقنية. فكثيرة هي الدول التي تحفظت على الإعلان العالمي ولم تبد بشأنه موقفا رسميا، ودول كثيرة أيضا لم يصدر عنها الموقف الرسمي بشأن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية إلى درجة أن بعض الباحثين بدأ يثير إشكالية خصوصية الإعلان العالمي وليس عالميته .

كما أن منظمة اليونسكو ومن خلال مائدة مستديرة نظمت في أكسفورد من 11 إلى 19 نوفمبر 1965 أكدت تأثر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالتقاليد الغربية خاصة المتبعة في أوروبا والولايات المتحدة.

وإذا كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وسائر المواثيق الدولية الأخرى المتفرعة عنه قد كرست للفرد جملة من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، فقد كان لنظامنا الإسلامي السبق كل السبق في إقرار هذه الحقوق والحريات.

فحين نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت الحضارات القديمة وكذلك الحضارات الملازمة لظهور التشريع الإسلامي غارقة في التمييز بين بني البشر  فميزت بين العبيد والأسياد، والوطنيين والأجانب،وذوي النفوذ والأشخاص العاديين والرجال والنساء، وكانت هذه الحضارات كلها تبدي كراهية للفرد الذي لا ينتمي إلى الجماعة وتعتبره معزولا عنها، ولم تمكنه حتى من حقه في المطالبة القضائية .. إلى أن جاء الإسلام فقضى على كل مظاهر التمييز وساوى بين البشر جميعا.

من أجل ذلك ذهب مؤتمر القانون المقارن الذي عقد بمدينة لاهاي سنة 1937 إلى اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر التشريع العام  وأنها قابلة للتطور كشرع قائم بذاته وليس مأخوذا عن غيره .

و أيا كانت جهود البشر في وضع قواعد ومواثيق دولية تجسد ضمانات المحاكمة العادلة، فإنها تظل من حيث مصدرها قواعد بشرية يمكن أن يلحقها النقص في جانب أو آخر أو يمكن أن يقع الاختلاف بشأنها بين أعضاء المجتمع الدولي وهذا ما حدث فعلافي فرنسا وأمريكا ومصر .

واذا كانت القاعدة الدستورية تتضمن المبادئ  العامة فهي تكشف عن الأصول من حيث ضمان حق الدفاع واستقلالية القضاء من خلال علنية الجلسات ومبدأ المساواة، ولتجسيد هذه المبادئ يجب قيدها في الدستور وقانون الاجراءات الجزائية وقانون المحاماة.

ومن نوازل الاندماج الواعي للقوانين لا بد من السعي لتحقيق المحاكمة العادلة بمفهومها القانوني والواقعي وهذا ما ستناوله في بحثنا الموسوم ب: دور القانون والقضاء في تحقيق المحاكمة العادلة للمهاجرين في الغرب

 

المبحث الأول مفهوم المحاكمة العادلة

ان الاهتمام المتزايد كائنا اجتماعيا له مكانة ودور تحددهما منظومة القيم التي تسود المجتمعات المنظمة، فقد أصبح يطرح بإلحاح الكثير من المفاهيم  والتي سبق اليها الفكر الحقوقي في ظل حدة التناقضات المجتمعية المعاشة اليوم.

و يعتبر مفهوم المحاكمة العادلة احدى المفاهيم التي حازت اهتمام الناشطين الحقوقيين والمهتمين وكل من يتطلع الى تطبيق القوانين بشكل صحيح ومقنع، ولن نكون مبالغين اذا قلنا أن موضوع المحاكمة العادلة من أهم المواضيع وأكثرها حساسية خاصة بعد تفطن حكومات الدول الى أن الطريق الصحيح لضمان الاستقرار للأفراد هو حسم القضايا ومنازعات المحاكم بحسب المعادلة المتساوية التي تفصل بين الجاني والمجني عليه.

و بذلك يفهم ان المحاكمة العادلة لا تعني تساهلا او تبريرا للسلوك المناوئ للمجتمع بل هي منهجية قانونية تمكن من احتواء السلوك ووضع الحل القانوني والفاصل بشكل منطقي وليس افتراضي للقضايا المطروحة للفصل فيها.

وكما قال لوثر كينغ: "ان الظلم أينما كان يهدد العدل في كل مكان".

وعليه فالحق في المحاكمة العادلة(1) من حقوق الانسان الأساسية، وهو احد المبادئ واجبة التطبيق في شتى أرجاء العالم التي اعترف لها "الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو حجر الزاوية للنظام الدولي لحقوق الانسان الذي اعتمدته حكومات الأرض منذ عام 1948، وقد أصبح هذا الحق  المعترف به في " الاعلان العالمي لحقوق الإنسان التزاما قانونيا واقعيا على جميع الدول بوصفه جزءا من القانون  الدولي العرفي، حيث تنطبق المبادئ الأساسية للمحاكمة  العادلة في جميع الأوقات بما في ذلك حالات الطوارئ وابان المنازعات المسلحة.

 

المطلب الأول: مبادئ تحقيق المحاكمة العادلة

مع تطور الفكر الانساني أنشئت جهات تعنى بتكريس العدالة لتعزيز دولة الحق والقانون وتكريس منظومة الحقوق والحريات، ولذلك فلكل متهم الحق في محاكمة عادلة وهي حق من حقوق الانسان ولا تخص القضاء الجنائي وحده.

و تعد قواعد ومبادئ المحاكمة العادلة في القانون الدولي مشمولة بعدد من الصكوك،أهمها الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام 1948 في المواد 8،9،10، فقد نصت المادة 10 على " لكل انسان على قدم المساواة التامة مع الآخرين الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة نظرا  منصفا وعلنيا، للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أي تهمة جزائية توجه إليه، وما نص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة 14 ومبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية وغيرها من الصكوك والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها جميع الدول ومن ضمنها سورية لاعتبارها نصوصا دولية متفقا عليها تسعى لحفظ حقوق الانسان وحياته وكرامته من الانتهاكات التي تنجم عن ممارسة الدولة لنفوذها بشكل تعسفي.

ان من أهم مبادئ (2) المحاكمة العادلة:

1- مبدأ قرينة البراءة:

تعتبر قرينة البراءة من أهم المبادئ المؤسسة للمحاكمة العادلة، تم النص عليها ضمن المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية (كل متهم مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا الى أن تثبت ادانته بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به بناءا على محاكمة عادلة. تتوفر فيها كل الضمانات القانونية ويفسر الشك لصالح المتهم فهي بذلك قرينة قانونية بسيطة لإمكانية اثبات ما يخالفها،إلا انها وردت في نطاق ضيق وهو نطاق الدعوى العمومية بالدرجة الأولى في مجال الاثبات الجنائي.

 

2- مبدأ الشرعية:

اذا كان مبدأ الشرعية الجنائية يؤكد على أنه " لا جريمة ولا عقوبة الا بنص ولا ادانة إلا بمحاكمة  قضائية"، حيث يكون القانون بناءا على هذا هو المصدر الوحيد لتجريم الأفعال والعقوبة عليها، فان مبدأ الشرعية لا يستساغ في المجال الزجري إلا في اطار مفهوم الدولة التي تتوفر على مواصفات معينة يمكن تحديدها في دولة القانون، فصل القانون واحترام السلطات واحترام حقوق الانسان.

و لا يجب أن يظل مفهوم الشرعية مقتصرا على التجريم والعقاب فقط وانما يجب أن يطال مرحلة التنفيذ وهو ما عبر عليه الفقه الجنائي من خلال اعادة تأطير مفهوم الشرعية ( لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءا على قانون، ولا يجوز عقاب شخص إلا على الأفعال اللاحقة للقانون الذي ينص عليها ولا بعقوبة أشد من تلك التي كانت مقررة وقت ارتكابها، ولا يجوز توقيع العقوبة أو النطق بها من هيئة غير مخولة في ذلك قانونا أو تنفيذها بأسلوب مخالف لما ينص عليه القانون، وهكذا تعتبر الشرعية عن تحقيق التوازن بين حق المحكوم عليه والمجتمع في جميع مراحل المحاكمة بما في ذلك مرحلة التنفيذ والتي تستوجب وبالضرورة وجود مراقبة قضائية،فإذا تكرس مفهوم الشرعية نقول أن الشرط الأول للمحاكمة العادلة قد تكرس.

المطلب الثاني:ضمانات المحاكمة العادلة في النظام الجنائي الاسلامي والمواثيق الدولية

ان تصور تحقيق العدل البشري ليس ينتسب الى تفكير وهذا يأخذ مفهوم المحاكمة العادلة أكثر من مفهوم، ولقد تضمن الاعلان العالمي لحقوق الانسان 1948 مجموعة ضمانات المحاكمة العادلة مع ما جاءت به منظمة العفو الدولية من خلال دليل المحاكمة العادلة لسنة 2014، ومن هذه الضمانات ما يلي:

 

1- استقلال السلطة القضائية:

يعتبر الاستقلال للسلطة القضائية ركيزة أساسية لترسيخ مفهوم المحاكمة العادلة لأن طبيعة العمل يقتضي أن تمارسه سلطة مستقلة، وأيضا استقلال قضاء الحكم عن قضاء التحقيق أي أن القاضي الذي تدخل بصورة حقيقية في مرحلة التحقيق ليس بإمكانه الانضمام الى الهيئة التي ستقوم بمحاكمة الشخص الذي سبق وأن حقق معه.

و تكريسا لمبدأ الاستقلال الفعلي والحقيقي للسلطة القضائية الذي يستدعي استقلال القضاء بشقيه الجالس والواقف، وهذا الأخير الذي يتمثل في النيابة العامة.

 

2- الحق في الحرية:

لكل انسان الحق في الحرية الشخصية، فلا يجوز القاء القبض عليه إلا طبقا لأحكام القانون على نحو بعيد عن التعسف، وعلى أن يتم ذلك على يد موظفين مختصين، ولا ينبغي في الأحوال العادية احتجاز المتهمين بارتكاب أفعال جنائية الى حين تقديمهم الى المحاكمة.

و يرتبط الحق في الحرية ارتباطا جوهريا بالحماية من التعرض للاحتجاز التعسفي أو دون سند من القانون ولحماية هذا الحق في المعايير الدولية، جاءت المادة التاسعة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان على أنه" لا يجوز اعتقال أي انسان أو حجزه تعسفا " وينطبق هذا الضمان على كل فرد.

 

3- الحق في الاستعانة بمحام قبل المحاكمة (4):

ان الحق في الاستعانة بمحام حقا محوريا في شروط المحاكمة العادلة والاشكال المطروح ليس في تعيين محام ولكن في تمكين المحامي من القيام بمهامه في اطار قانوني وواقعي مريح أو مقبول.

ان حق الدفاع حق مقدس في كافة مراحل التحقيق والمحاكمة  ويجب عدم الاخلال بحقوق المتهم والضمانات اللازمة له للدفاع عن نفسه التي ثبتت بمبادئ دستورية آمرة لا يجوز مخالفتها بأي حال من الأحوال.

ان تضييق الحق في الاستعانة بمحام   في الدعاوى الجزائية من شأنه المساس باستقلالية المحاماة بما يسود بسبب ذلك من ايمان بهيمنة قاضي التحقيق والقائمين بالتحقيق  في مواجهة المحامي وفي ذلك مساس بمكانة المحاماة وثقة الجمهور بها الى جانب حرمان المتهم من المدافع على حقه في احترام قرينة البراءة التي يحظى بها.

كما أن القوانين الدولية وكذا الوطنية تقر للمتهم حق الاتصال بمحاميه في اطار قد يكون سريا وتقر حق المحامي في عدم التعرض لأي نوع من المضايقة أو الترهيب أثناء مؤازرته للمتهم.

و نرى التوجيه بتطبيق هذا الحق لكل حرية خاصة أنه يجب  أن يمنع عن المعتقل ممارسة التخويف أو التعرض الى الارهاب والتهديد من سلطة التحقيق لاسيما أن المعتقل في الغالب يكون قد مر عليه وقتا طويلا لم يلتقي بمحاميه.

 

4- حق المحتجز في محاكمة عادلة خلال مدة زمنية معقولة أو الافراج عنه (5):

اذا كانت عدالة المحاكمة تتطلب اعمال مبدأ قرينة البراءة هو الأصل، فان سرعة الفصل في الدعوى تعد أيضا من أهم مقومات المحاكمة العادلة حيث أنها تؤكد وتعضد مبدأ قرينة البراءة، وبعد اجراء المحاكمة يتم النطق بالحكم الذي قد يؤكد براءة المتهم كما قد ينتهي الى ادانته في حال ثبوت التهمة في حقه،فالبطء في اجراء المحاكمة والنطق بالحكم قد يشكل مساسا بحقوق المتهم ونوعا من الظلم الذي يطاله في حال ثبوت براءته.

و قد نصت على ضرورة سرعة الفصل في الدعاوى العديد من الاعلانات والاتفاقيات الدولية والاقليمية،فالمادة 9 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تؤكد في فقرتها الثالثة  على أنه "يقوم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية سريعا الى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو يفرج عنه.

 

5- تحليل وتسبيب الأحكام:

لقد ورد هذا المبدأ كضمانة لتحقيق المحاكمة العادلة في نص المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بأن من حق كل متهم أن يتم اعلامه سريعا وبالتفصيل وبلغة يفهمها بطبيعة التهمة الموجهة اليه وأسبابها.

وبذلك تمكين جهة القضاء العليا من ممارسة حقها في الرقابة حيث أن الزام القضاة بتسبيب الأحكام يترتب عن تيسير وتسهيل مهمة المحاكم الأعلى.

المبحث الثاني المستجدات المطلوبة في السياسة الجنائية الحديثة لحماية حقوق المهاجرين في الغرب

المطلب الأول تفعيل المساعدة القانونية لشرح حقوق المهاجرين في الغرب

ان تفعيل نظام المساعدة القضائية يمثل أهم ضمانة لتطبيق مبادئ حماية القضاء لحقوق المواطنين ومساواتهم أمام القانون .

ان وجود أجهزة قضائية مستقلة ومحايدة ضروري أيضا لحماية حقوق الانسان والأقليات ازاء التعسف والانتهاكات المتكررة التي تشهدها المنطقة لهذه الحقوق، وان كانت معظم الدساتير تضمن شكليا مجموعة من الحقوق للمواطنين، فان الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من قبل حكومات دول المنطقة نافذة أمام المحاكم بموجب مبدأ قدسية الاتفاق (6).

ان الغرض من المساعدة الفضائية التي تقدم للمهاجرين فيما يخص اندماج (7) الجاليات المهاجرة، يمكن أن يثير عددا من التحديات ومنها الصعوبات التي تواجه المهاجرين في أنظمة التعليم والخدمات الاجتماعية وفي التغلب على القيود التي تحد من فرص الحصول على السكن والوظائف والحواجز التي تمنع المهاجر أن يصبح مواطنا يتمتع بكامل حقوقه، وتجارب التمييز العنصري، ومع ذلك فان اندماج المهاجرين المسلمين في الولايات المتحدة وأوربا يطرح تحديات معينة وخاصة منذ أحداث 2001، فهذه الأعداد من السكان التي بدأت تشعر بمزيد من التمييز في الوقت الحاضر في أوربا والولايات المتحدة أصبحت تحس بمزيد  من الخوف من انتهاكات الحريات المدنية الأساسية  ومع ذلك تعتبر التحديات التي يواجهها المهاجرين المسلمون الى الولايات المتحدة في المتوسط لديهم مستويات تعليم أعلى وهم أكثر ثراء من الأمريكيين غير المسلمين.

وفيما يخص تحقيق مبدأ العدالة في وسط المهاجرين، فان الاتفاقيات الاقليمية بما فيها الاتفاقية الأوروبية والميثاق الافريقي والاتفاقية الأمريكية تستند على مبدأ عدم التفرقة على عدم التميز في المادة الثالثة منه يتناول حقوق المرأة في أكثر من موضع.

وقد ورد ذكر المساعدة القضائية طبقا لمشروع مبادئ واسترشادات  الأمم المتحدة في أن تكون المساعدة القانونية في متناول الجميع في أنظمة العدالة الجنائية.

Draft United nations principales and guidelines on Access to légale aidin Criminal justice Systems.

فالمساعدة القانونية هي عامل أساسي في نظام العدالة الجنائية يمثل أساس ممارسة الحق في المحاكمة العادلة كما تنص عليه المادة 11 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان وطبقا للمادة 14(3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي تنص صراحة على أنه:

اذا لم يكن للشخص " مساعدة قانونية"، يجب أن يمنح هذه المساعدة القانونية ودون مقابل اذا لم يتمكن من توفير هذا المقابل.

- And to defend himself in person or throught légal assistance of his own choosing.

- To be informed , if he does not have legal assistance of This right.

- And to have légal assistance assigned to him in any case where the interests of justice So requise.

- And without payment by him in any such case if He does not have sufficient means to pay for it.

 

المطلب الثاني: الآليات القانونية الدولية لتكييف المستجدات لحماية حقوق المهاجرين في الغرب.

يتعرض العمال المهاجرون بصورة خاصة للعنصرية وكره الأجانب والتمييز، وكثيرا ما يكونون هدفا للارتياب أو العداء في المجتمعات التي يعيشون ويعملون فيها، فربط الهجرة والمهاجرين ربطا متعمدا بالإجرام هو اتجاه خطير بوجه خاص يشجع ضمنا على العداء والعنف المدفوعين بدافع كره الأجانب ويؤدي الى التعاضي عنهما.

ويجري تجريم المهاجرين أنفسهم وهو ما يحدث بأكثر الأشكال مأساوية عن طريق توصيف المهاجرين الذين ليسوا في وضع نظامي بأنهم "غير قانونيين"، مما يضعهم ضمنا خارج نطاق الحماية التي تتيحها سيادة القانون (8).

وقد قامت  أيضا بتناول مشاكل التكيف للدول المشتركة في المؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب وقد شجعت الدول في الاعلان وبرنامج العمل الذين اعتمدهما المؤتمر على مباشرة حملات اعلامية لضمان أن يتلقى الجمهور معلومات دقيقة بشأن قضايا المهاجرين والهجرة، بما في ذلك الاسهام الايجابي في المجتمع المضيف.

ومن بين الآليات القانونية لحماية حقوق المهاجرين بموجب المادة 77 من الاتفاقية " يحق لأي دولة طرف أن تعلن اعترافها باختصاص اللجنة في تلقي ودراسة الرسائل الواردة من أفراد او نيابة عن أفراد يخضعون لولايتها ويدعون أن حقوقهم بموجب أحكام الاتفاقية قد انتهكت ولا يمكن قبول مثل هذه الرسائل إلا اذا كانت تتصل بدولة طرف اعترفت باختصاص اللجنة على هذا النحو، واذا اقتنعت اللجنة بأن المسألة لم تبحث ولا يجري بحثها في اطار دولي آخر وأن جميع سبل الانتصاف المحلية قد استنفذت جاز لها ان تطلب تفسيرات وأن تعرب عن آرائها، ويتطلب الاجراء الخاص بالرسائل الفردية صدور عشرة اعلانات عن الدول الأطراف لكي يبدأ سريانه.

ومن الصكوك  التي تتصل بالموضوع على نحو خاص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز بين المرأة واتفاقية حقوق الطفل.

 

خاتمة:

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001،تكون لدى الرأي العام العالمي مفاهيم جديدة مناقضة تماما

لمفاهيم الحقوق الفردية الأساسية والحريات العامة ومعايير المحاكمة العادلة التي تكونت لدى المجتمع الإنساني  منذ مئات السنين. وهكذا أصبح من المسلمات  لدى الجميع ونتيجة لمفهوم الحرب الاستباقية تطبيق العقوبة لمجرد احتمال أن يكون المعاقب مجرما وبدون إثبات ولا محاكمة. ويكفي أن يقال بأنه مخالف للقانون أو متشدد أو إرهابي أو يحتمل أن يقوم بعمل إرهابي ليكون  الفعل مبررا أو معاقبته  وعادة ما يتبين أنه  لا علاقة له بما اتهم به  ويكتفي بإبداء الأسف  وأن هذه حوادث معزولة ويمكن أن تقع. ولا تذكر مجموعة من الرعاة بالصحراء أشاعوا الارهاب  بها فأبادتهم طائرة عن آخرهم لاحتمال أنهم إرهابيون  ولما تبين أنهم ناس  بسطاء مسالمون وتناسى الناس ذلك . والأمثلة تحدث يوميا وهي كثيرة،  فأين نحن  من المحاكمة ومن معايير المحاكمة العادلة في هذا العصر.

إن معايير المحاكمة العادلة أصبحت معروفة لدى جميع المهتمين بالعدالة  ولكن الذي يحتاج إليه هو وضع ضوابط محددة لتطبيق هذه المعايير  وفرض جزاءات دولية على من يخالفها  وهو المنتظر  حاليا والمطلوب البحث فيه وبجدية وواقعية لإنصاف المهاجرين في الغرب وايلائهم حقهم من الواجبات والالتزامات في المجتمع الذي هاجروا اليه.

 

اعداد الأستاذة: سميـــرة بيطـــــام

كلية الحقوق بن يوسف بن خدة

الجزائر - 1-  الجزائر

...........................

قائمة المراجع:

1- دليل المحاكمة العادلة، منظمة العفو الدولية، الطبعة الثانية،ص 16.

2-  التأصيل الدستوري للمحاكمة العادلة، محمد الطيبي،موقع العلوم القانونية

www.marocdroit.com- a 3546.html

3- فريجة محمد هشام،ضمانات الحق في محاكمة عادلة في المواثيق الدولية، جامعة المسيلة، الجزائر كلية الحقوق والعلوم السياسية، نشر مقاله في مجلة الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد خيضر،بسكرة،ص 434.

4- عبد القادر القيسي، حق الاستعانة بمحام حرية أم حق ؟ تصريح المحامي بديع عارف،صحيفة كتابات، عدد يوم 04 نيسان 2014، يمكن تحميل الصحيفة من:

c:/users/hadjer/downloads/kitabat- 25664.pdf

5- الأمن القضائي وجودة الأحكام وبدعم من وزارة الخارجية الألمانية، بشراكة:

www.fes.org.ma/common/pdf/publications- pdf/publication AA2013/8.pdf

6-  المبادئ الدولية المتعلقة باستقلال ومسؤولية القضاة والمحامين وممثلي النيابة العامة دليل الممارسين رقم 1 ص 13.

7- تحالف الحضارات، تقدير الفريق الرفيع المستوى، 13 تشرين الثاني نوفمبر 2006، الأمم المتحدة،

ص 27.

8- الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، منظمة العفو الدولية، المجلة الالكترونية، العدد 13

www.amnestymena.org/ar/magazine/issue 13

9- الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، المرجع السابق.

 

ali jabaralfatlawiوجدت من المناسب لبحثنا أن نقتبس نماذج أخرى لتفسير بعض الآيات التي تنوعت فيها الآراء والرؤى بناء على الحيثيات العقائدية والفكرية، من هذه الأمور المطروحة في الساحة الفكرية الاسلامية منذ عصر الطوسي وما قبله وبعده، نسبة الخوف إلى الانبياء (ع)،(والقرآن ظاهر في نسبة الخوف الى الانبياء (ع) ووقوعه في نفوسهم بما لا يضر العصمة ولا يمس مقامهم الكريم.)، قال تعالى:

 (وأن ألق عصاك فلمّا رءاها تهتزّ كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين) القصص: 31

أورد الباحث (محمد الحسيني) في كتابه (صناعة الأدلة) نقلا عن الشيخ الطوسي في (الرسائل العشر)، أن الطوسي قال عن الآية السابقة: (لم يشك موسى في أن انقلاب العصا حية أنه دال على نبوته، وأنه معجز له ولم يترقب بذلك، وإنما خاف بالبشرية من الثعبان، لأن البشر بطبعهم ينفرون عن هذا الجنس، وإن علموا أنه يصل إليهم منه خير إلى أن رجعت نفسه إليه وثبت .)، وأضاف الباحث (الحسيني): بل في بعض الروايات ما يؤكد وقوع الخوف كما في المروي عن الصادق (ع)، سأله اسماعيل بن المفضل الهاشمي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن موسى بن عمران (ع) لما رأى حبالهم كيف أوجس في نفسه خيفة، ولم يوجسها ابراهيم (ع) حين وضع في المنجنيق وقذف به في النار؟

فقال (ع): إن إبراهيم (ع) حين وضع في المنجنيق كان مستندا إلى ما في صلبه من أنوار حجج الله عز وجل، ولم يكن موسى (ع) كذلك، فلهذا أوجس في نفسه خيفة، ولم يوجسها ابراهيم (ع)، لكن إبراهيم أوجس خيفة في موقف آخر، أوجس من الملائكة كما قص علينا القرآن الكريم: (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، قالوا لا تخف إنا ارسلنا إلى قوم لوط) هود: 70

وجّه بعض المفسرين خوف موسى (ع)، بأنه خوف على الرسالة وتفرق الناس عنه قبل اتضاح حقيقة السحرة، إذا صح هذا الكلام، إذن ما تفسير خوف ابراهيم (ع) وليس ثمة ما يخافه على الرسالة من الناس، عندما رأى ضيوفه (الملائكة) لا تصل ايديهم إليه؟ لا يبقى إلا احتمال أن يكون الخوف حالة طبيعية تنسجم مع الطبيعة الخلقية للإنسان ولا يتنافى مع عصمة الانبياء، وقد أكد هذه الرؤية عدد من العلماء، يسأل الباحث الحسيني: لماذا لا يعد الخوف منافيا للعصمة ولمقام النبوة؟

الخوف هو الأخذ بمقدمات التحرز عن الشر، وهو غير الخشية التي هي تأثر القلب واضطرابه، فان الخشية رذيلة تنافي فضيلة الشجاعة، إن كانت الخشية من غير الله تعالى، والانبياء عليهم السلام يجوز عليهم الخوف دون الخشية في تعاملهم مع غير الله، كما قال الله تعالى:

(الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله) الاحزاب: 39

قال السيد نور الدين الجزائري في كتابه (فروق اللغات) ناسبا الكلام إلى الشيخ الطوسي في بعض كتبه، وهو يتحدث عن الخوف والخشية من الله تعالى:

 (إن الخشية والخوف وإن كانا في اللغة بمعنى واحد إلا إن بين خوف الله وخشيته في عرف أرباب القلوب فرقا، وهو أن (الخوف) تألم النفس من العقاب المتوقع بسبب ارتكاب المنهيات والتقصير في الطاعات وهو يحصل لأكثر الخلق وإن كانت مراتبه متفاوتة جدا، والمرتبة العلياء منه لا تحصل إلّا للقليل. و (الخشية) حالة تحصل عند الشعور بعظمة الخالق وهيبته وخوف الحجب عنه، وهذه حالة لا تحصل إلا لمن اطلع على حال الكبرياء وذاق طعم القرب، ولذا قال تعالى:(إنما يخشى الله من عباده العلماء) فاطر: 28 ، فالخشية خوف خاص وقد يطلقون عليها الخوف). ويعقب الجزائري بقوله: (ويؤيد هذا الفرق أيضا قوله تعالى يصف المؤمنين  (يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) الرعد: 21 ، حيث ذكر الخشية في جانبه سبحانه).  تكلمنا عن الخوف ووقوعه في نفوس الانبياء، وخلصنا أن الخوف هو جزء من الطبيعة الانسانية التي يتصف بها أي إنسان، وأن خوف الانبياء هو جزء من الطبيعة البشرية التي لا تتقاطع مع العصمة ومقام النبوة، لأن الخوف يكون أحيانا على الناس أو على الرسالة، أو يكون جزءا من تحوطات تتخذ من أجل النجاح في تحقيق أهداف الرسالة السماوية التي جاء بها الانبياء (ع)، (ونظير الخوف ووقوعه في نفوس الانبياء حصول الشهوة لديهم وميلهم إليها انسجاما مع الطبيعة الانسانية والجبلة البشرية .)،قوله تعالى:(ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رآى برهان ربه) يوسف: 24

بحث هذه الآية الباحث (جعفر الشاخوري البحراني) وسننقل المعلومات عنه، وهو قد نسب هذه المعلومات إلى الشيخ الطوسي في تفسيره (التبيان)، ونحن بدورنا سنأخذ من المعلومات ما له علاقة ببحثنا وبصورة مختصرة حسب طريقتنا في البحث، يقول الباحث البحراني: (وقد بحث هذه الآية شيخ الطائفة الطوسي(قدس سره) بشكل واسع وذكر أن للهمّ معان:

الأول: العزم على الفعل.

الثاني: خطور الشيء بالبال.

الثالث: الشهوة وميل الطباع.

الرابع: المقاربة.

وأوضح – يعني الشيخ الطوسي – أن المعنى الأول للهم غير جائز على الانبياء قطعا وأما غيره فلا مانع منها)، وقد اسهب الباحث البحراني في نقل رأي الشيخ الطوسي في هذه الآية، لكن سنختار ما يتناسب مع البحث ، قال الشيخ الطوسي وهو يبين معنى الهم لغويا مستعينا بأبيات من الشعر، أن الهم  بالمعنى الأول العزم على الفعل كقوله: (إذ همّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم) المائدة: 11، أي أرادوا ذلك وعزموا عليه، ويأتي بمعنى خطور الشيء بالبال، وإن لم يعزم عليه، كقوله: (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما) آل عمران: 122 ، والمعنى أن الفشل خطر ببالهم، ولو كان الهم ههنا عزما لما كان الله وليهما، لأنه سبحانه قال:

(ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله) الانفال: 16 .

 وإرادة المعصية والعزم عليها معصية بلا خلاف، وقال قوم: العزم على الكبير كبير، وعلى الكفر كفر، ولا يجوز أن يكون الله وليّ من عزم على الفرار عن نصره فيه – أي في نصرة النبي (ص)-  ثم ذكر الشيخ الطوسي أبياتا من الشعر يقوي هذا المعنى، ففرّق بين الهمّ والعزم وظاهرالتفرقة يقتضي اختلاف المعنى، ومن معاني الهم المقاربة يقولون: هم بكذا أي كاد يفعله، ومن معانيه أيضا الشهوة وميل الطباع، يقول القائل فيما يشتهيه ويميل إليه هذا من همي، وهذا أهم الاشياء إليّ، وروي هذا التأويل في الآية عن الحسن- ويقصد الحسن البصري- وقال: أما همها وكان أخبث الهم، وأما همه فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء (وإذا احتمل الهم هذه الوجوه نفينا عنه (ع) العزم على القبيح واجزنا باقي الوجوه، لأن كل واحد منها يليق بحاله.)

ونكتفي بهذا القدر من رأي الشيخ الطوسي عن الطبائع المشتركة بين بني البشر، واشتراك الانبياء في هذه الطبائع بما لا يتقاطع مع عصمة الانبياء، أو يخدش مقامهم العالي الذي هو هبة من الله تعالى عليهم.

 

علي جابر الفتلاوي

 

 

ali jabaralfatlawiذكر الشيخ الطوسي في تفسيره وهو يتحدث عن تسمية السورة: (روي عن النبي (ص) انه سماها أم القرآن، وفاتحة الكتاب والسبع المثاني فسميت فاتحة الكتاب لأنه يفتتح بكتابتها المصاحف وبقراءتها في الصلاة، فهي فاتحة لما يتلوها من سور القرآن في الكتابة والقراءة، وسميت أم القرآن لتقدمها على سائر القرآن، وتسمي العرب كل جامع أمرا، أو متقدم لأمر إذا كانت له توابع تتبعه أماً... وسميت السبع المثاني لأنها سبع آيات، وسميت مثاني لأنها تثنى بها في كل صلاة فرض ونفل.)

ويسهب الشيخ الطوسي في بيان الدلالات اللغوية بضرب الأمثلة، كذلك يستعين بأبيات من الشعر كدلالة على الاستعمال لهذه الدلالة عند العرب، ثم يذهب الشيخ الطوسي إلى أن القرّاء اتفقوا على التلفظ بأعوذ بالله من الشيطان الرجيم قبل التسمية . (ومعنى ذلك أستجير بالله دون غيره لأن الاستعاذة هي الاستجارة وقوله من الشيطان، فالشيطان في اللغة كل متمرد من الجن والانس والدواب .. لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاق جميع جنسه وبعده من الخير، وقيل: هو مشتق من قولهم شطنت داري أي بعدت، والشطون البعيد فيكون شيطانا. . وأما الرجيم فهو فعيل بمعنى مفعول .. ومعنى المرجوم المشتوم وأصل الرجم الرمي بقول كان أو بفعل ومنه قوله تعالى (لئن لم تنته لأرجمنك) مريم: 46، ويجوز أن يكون الشيطان رجيما لأن الله طرده من سمائه ورجمه بالشهب الثاقبة) .

ويضيف الشيخ الطوسي (وسورة الحمد مكية في قول قتادة ومدنية في قول مجاهد وليس فيها ناسخ ومنسوخ.)، ولم يبين الشيخ الطوسي موقفه هو مع أي من القولين، فهل يعد سورة الحمد مدنية أم مكية؟

     هل البسملة آية ؟

يقول الشيخ الطوسي: (عندنا آية من الحمد ومن كل سورة بدلالة إثباتهم لها في المصاحف بالخط الذي كتب به المصحف ..وعندنا أن من تركها في الصلاة بطلت صلاته لأن الصلاة عندنا لا تصح إلّا بفاتحة الكتاب، وهي من تمامها سواء كانت فرضا أو نافلة)، وذكر أن فيها خلاف هل هي آية أم لا؟ عدّ الخلاف فقهيا، وشرح صور الخلاف والأقوال فيه، (وقد ذكرنا الأدلة على صحة ما ذهبنا إليه في خلاف الفقهاء) يعني خلاف عدها آية أم لا، وعدّ الشيخ الطوسي الجهر فيها في الصلاة واجب، ويستحب الجهر بها في الصلاة فيما لا يجهر به.

بعد ذلك أفرد الشيخ الطوسي جانبا من تفسيره للاعراب واللغة، وابتدأ بآية: (بسم الله الرحمن الرحيم) وأثناء حديثه عن الاعراب واللغة يستعين بابيات من الشعر يستدل بها على ما يطرح من آراء الآخرين في اللغة والاعراب، في بعض المواقف لا يظهر الشيخ الطوسي رأيه مع من يميل من الآراء اللغوية أو الاعرابية، لكني آراه يثبت رأيه إذا كان الموقف فقهيا، مثل ما ذكرنا عن رأيه في عدّ البسملة آية من القرآن الكريم، بعد أن شرح الاعراب واللغة للكلمتين من البسملة (بسم الله) انتقل إلى (الرحمن الرحيم) ليشرحهما لغويا، ولم يتكلم عن معناهما مستقلتين، بل بين طيات البيان اللغوي نستشف المعنى التفسيري، أو نقول أن المعنى اللغوي هو المعنى التفسيري لهما قال: (هما اسمان مشتقان من الرحمة، وهي النعمة التي يستحق بها العبادة، وهما موضوعان للمبالغة، وفي رحمن خاصة مبالغة يختص الله بها، وقيل إن تلك المزية من حيث فعل النعمة التي يستحق بها العبادة لا يشاركه في هذا المعنى سواه ... وورد الأثر بذلك روى أبو سعيد الخدري عن النبي (ص) إن عيسى بن مريم قال: الرحمن رحمن الدنيا والرحيم رحيم الآخرة)، وتطرق إلى معان أخرى أيضا، ولم نعثر على ترجيح معنى من المعاني من قبل الشيخ الطوسي، بل استعرض جميع المعاني ضمن السياقات اللغوية.

انتقل الشيخ الطوسي بعد ذلك إلى آية (2) من الحمد وهي:

(الحمد لله ربّ العالمين) على اعتبار أن الآية الأولى هي البسملة، ولم يضع بابا خاصا باسم (المعنى أو التفسير) بل يوجد باب واحد هو (الاعراب) وقد اسهب فيه الشرح قبل أن ينتقل إلى الآية الاخرى، وقال الشيخ الطوسي ضمن باب (الاعراب) للآية الثانية:

(ومعنى الحمد لله الشكر لله خالصا دون سائر ما يعبد بما أنعم على عباده من ضروب النعم الدينية والدنيوية . . وقوله: (ربّ العالمين) أي المالك لتدبيرهم والمالك للشيء يسمى ربه، ولا يطلق هذا الاسم إلّا على الله وأما على غيره فيقيد فيقال : ربّ الدار وربّ الضيعة . . والعالمين جمع عالم وعالم لا واحد له من لفظه كالرهط والجيش .)  

الآية 3 :(الرحمن الرحيم).

(مخفوضان لأنهما نعت لله، وقد مضى معناهما.)

الآية: 4 (مالك يوم الدين).

وضع الشيخ الطوسي بابا واحدا لها هو(القراءة) ومن خلاله تحدث عن قراءة عاصم والكسائي وخلف ويعقوب، إذ قرأ هؤلاء(مالك) بالألف، والباقون بغير ألف، وذكر آراء آخرين، ثم ذكرمعنى(مالك)في الحالتين، قال الشيخ الطوسي:

(ومعنى ملك يوم الدين بإسقاط الألف أنه الملك يومئذ لا ملك غيره وأنه لا يؤتى في ذلك الوقت أحدا كما أتاه في الدنيا وقوّى ذلك بقوله تعالى: (لمن الملك اليوم للواحد القهار) غافر: 16، ومن قرأ بألف معناه أنه مالك يوم الدين والحساب لا يملكه غيره ولا يليه سواه .) بعد أن بين الطوسي معنى (مالك)، انتقل إلى قوله تعالى: (يوم الدين) وفي اللغة الدين الحساب والدين الجزاء، وذكر الطوسي بيتين من الشعر في هذا المعنى، ثم قال: (ويوم الدين عبارة عن زمان الجزاء كلّه) .

الآية5: (إياك نعبد وإياك نستعين).

وننقل تفسير الشيخ الطوسي للآية مختصرا، متجاوزين باب الاعراب والاسهاب في شرح اللغة، يقول الطوسي في تفسيره للآية (5): (العبادة ضرب من الشكر مع ضرب من الخضوع ولا تستحق إلا بأصول النعم التي هي خلق الحياة والقدرة والشهوة وما يقدر من النعم، ولا يوازيه نعمة منعم فلذلك اختص الله بأن يعبد وإن استحق بعضنا على بعض الشكر .. وقوله تعالى (إياك نعبد وإياك نستعين) تعليم لنا أن نجدد ذكره عند كل حاجة .).

الآية6: (اهدنا الصراط المستقيم)

يقول الشيخ الطوسي: (ومعنى اهدنا يحتمل امرين: أحدهما – أرشدنا، والثاني- وفقنا .. وقد تكون الهداية أن يفعل بهم اللطف الذي يدعوهم إلى فعل الطاعة، والهدى يكون أيضا بمعنى العلم لصاحبه لأنه مهتد على وجه المدح، والهدى يكون أيضا أن يهديه إلى طريق الجنة، كما قال تعالى (الحمد لله الذي هدانا لهذا) الاعراف: 43 وأصل الهداية في اللغة الدلالة على طريق الرشد .) وقال الشيخ الطوسي: والصراط المستقيم هو الدين الحق الذي أمر الله به من توحيده وعدله وولاية من أوجب طاعته .ويورد الشيخ الطوسي أربعة أقوال في معنى قوله تعالى (الصراط المستقيم) نوردها كما جاءت في التبيان:

1-      إنه كتاب الله وروي ذلك عن النبي (ص) وعن علي (ع) وابن مسعود.

2 – إنه الاسلام حكي ذلك عن جابر وابن عباس.

3 – إنه دين الله عزّوجلّ الذي لا يقبل من العباد غيره.

4 – إنه النبي (ص) والأئمة (ع) القائمون مقامه صلوات الله عليهم وهو المروي في أخبارنا.

يعقب الشيخ الطوسي (والأولى حمل الآية على عمومها لأنا إذا حملناها على العموم دخل جميع ذلك فيه فالتخصيص لا معنى له).

الآية7: (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين).

يقول الشيخ الطوسي في المعنى: بيان الصراط المستقيم إذا كان كل طريق من طرق الحق صراطا مستقيما والمعنى صراط من أنعمت عليهم بطاعتك . (والمغضوب عليهم) هم اليهود عند جميع المفسرين الخاص والعام، لأنه تعالى قد أخبر أنه غضب عليهم وجعل فيهم القردة والخنازير، (ولا الضالين) هم النصارى.. وأماالغضب من الله فهو إرادة العقاب المستحق بهم ولعنهم وبراءته منهم، وأصل الغضب الشدة، وأصل الضلال الهلاك.. والضلال في الدين الذهاب عن الحق والإضلال الدعاء إلى الضلال والحمل عليه، والإضلال الأخذ بالعاصين إلى النار.. وقيل أراد (بالمغضوب عليهم ولا الضالين) جميع الكفار وإنما ذكروا بالصفتين لاختلاف الفائدتين .

ويضيف الشيخ الطوسي قوله: ولا يجوز عندنا أن يقول القارئ عند خاتمة الحمد: آمين فإن قال ذلك في صلاته متعمدا بطلت صلاته.

 

علي جابر الفتلاوي

 

abdullah badrhskandarيعرض القرآن الكريم مجموعة من الصور المشاهدة بطريقة تدعو لإزالة اللبس ودفع الإيهام، وأهم تلك الصور تتجسد في عقيدة البنوة المدعاة من قبل أهل الكتاب، إضافة إلى قولهم إن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً أو نصارى، ثم تظهر صورة أخرى تدعوهم إلى ما يثبت ذلك وأنت خبير بأن دليلهم في هذه الفرية لا يتعدى إلى أكثر من صياغة الأقوال المنتحلة التي يروجون من خلالها إلى عقيدتهم الباطلة والممتدة عبر أجيالهم ولذلك تراهم ينسبون أنفسهم إلى الله تعالى من حيث البنوة الحقيقية من جهة ومن جهة أخرى يجعلونها أقرب إلى البنوة الروحية، بمعنى أن الله لم يلدهم بصورة مباشرة بل جعلهم أقرب إليه من عامة الناس نظراً إلى حسن صنيعهم وما يترتب على ذلك من الأعمال النافعة التي يقومون بها، ولهذا كان اعتقادهم أن معاملة الله تعالى لهم لا تختلف عن معاملة الأب لأولاده، وهذا الادعاء بحد ذاته يصلح أن يحول بينهم وبين العذاب سواء في الدنيا أو الآخرة، ولذلك وجدوا أنفسهم في منأى عن جميع أنواع المعاناة التي يشعر بها الناس وكما تعلم فإن هذا الادعاء لا يقتصر على فريق واحد منهم بل يشملهما معاً، ومن هنا أشار الله تعالى إليهما في قوله: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير) المائدة 18.

وكما ترى فإن الآية تدحض حجتهم باعتبار أن تحديد المصير لا يمكن أن يستقل به الإنسان، علماً أن القياسات النظرية لا تبتعد كثيراً عن المساواة الفعلية التي يتم بموجبها تمييز الخلق وتصنيفهم إلى محسن ومسيء ولا يزكي الأنفس إلا الله تعالى وهذا ما يستشف من ختام الآية آنفة الذكر، فليس هناك ما يدعو للتفاضل بين الناس، والآية كما تلاحظ فيها نوع من التوبيخ من ناحية وإبطال لفكرتهم من ناحية أخرى وبهذا يطوي الحق سبحانه ما كانوا يدعونه أو يعتقدون به، وقد لا يخفى على ذوي البصائر بأن اليهود لم يدعوا البنوة الحقيقية في أنبيائهم أو الصلحاء منهم كما هو الحال في النصارى، وإنما كانوا يطلقونها لغرض التشريف الذي يجدون فيه تمايزاً على غيرهم من الأجناس البشرية فيما يختص بقضايا الحساب التي تخضع للقوانين والأحكام باعتبار أن النسب يحول بينهم وبين العذاب، وقد يفهم هذا الادعاء من خلال متفرقات القرآن الكريم كما في آية سورة المائدة آنفة الذكر، وكما في قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) البقرة 111.

وعند تأمل الآية نلاحظ أن كل فريق منهم نسب المعنى إلى نفسه دون أن يكون القول آخذاً في جمع الألفاظ عن طريق واحد، ويمكن معرفة ذلك البيان بصورة أكثر وضوحاً إذا رجعنا إلى قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) البقرة 113. أي على الرغم من أنهم يتلون الكتاب الذي فيه تبياناً للحق إلا أنهم لم يظهروا ذلك الحق، ومن هنا نصل إلى توبيخ الله تعالى لليهود بسبب ما كانوا يدعونه من التفوق العرقي أو أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة أي بعدد الأيام التي عبدوا فيها العجل، وقد أشار الحق سبحانه إلى ذلك بقوله: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون) البقرة 80. وسيمر عليك تفصيل هذا المعنى من خلال تفسير آيات البحث.

 

تفسير آيات البحث:

قوله تعالى: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) البقرة 94. أي قل لهم يا محمد إن كانت لكم الدار الآخرة خالصة أي خالية من جميع المنغصات التي يتعرض لها الناس ويحاسبون على كل شيء صدر منهم سواء كان صغيراً أم كبيراً، فتمنوا الموت إن كنتم صادقين في ما تدعون لأن المؤمن الذي يعتقد أنه على هدى وصراط مستقيم لا يخاف الموت وذلك نظراً للنعيم الذي يستقبله والسعادة التي لا شقاء معها، وفي الآية توبيخ لهم بمعنى إن كانت لكم هذه المنزلة الرفيعة فالموت أفضل لكم من الحياة.

قوله تعالى: (ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين) البقرة 95. الآية تدل على أن لديهم علم بجميع ما قدموا ويقدمون من جرائم بحق الإنسانية من جهة، وكذلك فيها دليل على صدق القرآن من جهة أخرى، لأن الإخبار بعدم تمنيهم الموت لا يزال قائماً، ولهذا ختم تعالى الآية بقوله: (والله عليم بالظالمين) من سياق البحث.

قوله تعالى: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون) البقرة 96. ذكر تعالى الحياة بصيغة النكرة ليدلل على حرصهم عليها لأنها بالنسبة إليهم نهاية كل شيء، ووجه آخر فيه بيان لحقارة الحياة التي يحافظون عليها، أي مهما كان نوعها، ولهذا بين تعالى أن طول المدة التي يعيشها الإنسان في الدنيا لا تشفع له عند الله تعالى، أو ترفع عنه جزءاً يسيراً من العذاب، وقوله: (ألف سنة) من سياق البحث. ورد للتكثير وليس للتحديد أي أن عقاب الله الذي ينتظرهم لا يسقط بالتقادم، ولهذا ختم سبحانه الآية بقوله: (والله بصير بما يعملون) من سياق البحث.

فإن قيل: كيف نعلم أنهم لم يتمنوا الموت بقلوبهم؟ أقول: لو تمنوه بقلوبهم لجرى ذلك على ألسنتهم لأجل أن يكذبوا القرآن في إخباره عن الغيب من جهة، ومن جهة ثانية تكون لهم الغلبة في إطفاء أمر النبي (ص).

فإن قيل: ورد في معرض حديثك أن اليهود لم يدعوا البنوة الحقيقية لأنبيائهم أو الصلحاء منهم، فكيف يمكن الجمع بين هذا القول وبين قوله تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله) في الآية 30. من سورة التوبة؟ أقول: هذه تسمية تشريفية أطلقها اليهود على عزير، وهو نفسه الذي يسمونه عزرا، تغيرت اللفظة عند التعريب كما غير لفظ يسوع فصار عيسى ولفظ يوحنا فصار يحيى.. كذا قيل والله أعلم.

وذكر الطباطبائي في الميزان: إن عزرا هو الذي جدد دين اليهود وجمع أسفار التوراة وكتبها بعد ما افتقدت في غائلة بخت نصر ملك بابل الذي فتح بلادهم وخرب هيكلهم وأحرق كتبهم، وقتل رجالهم وسبى نساءهم وذراريهم وما تبقى من ضعفائهم، وسيرهم معه إلى بابل فظلوا هناك ما يقرب من قرن ثم لما فتح (كورش) ملك إيران بابل شفع لهم عنده عزرا وكان ذا وجه عنده فأجاز له أن يعيد اليهود إلى بلادهم وأن يكتب لهم التوراة ثانياً بعد ما افتقدوا نسخها وكان ذلك في حدود سنة 457. قبل المسيح على ما ذكروا فراجت بينهم ثانياً ما جمعه عزرا من التوراة. انتهى بتصرف يسير منا. والبحث مطول من أراده فليراجع تفسير الميزان.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

   عبدالله بدر اسكندر  

 

هل من الحكمة أن نناقش هذا المصطلح؟، مع علمنا إن الكثيرين لم يستجيبوا لما قدمناه من دراسة وبحث في هذا المجال، دراسةٌ أكدنا فيها على أن لفظة - السُنة - لا تعني الأفراد من البشر، بل تعني النظام والقانون والشريعة، هي إذن النظرية أو الفكرة وليست هي التابعين لها، ولما كان ذلك معناها في الكتاب المجيد وفي لغة العرب، إذن ؟ فلماذا حُشرت السُنة لتُعبر عن مفهوم الجماعة من البشر؟، ولماذا أُضيفت لها لفظة - أهل - في الكلام؟، هذه أسئلة راودتنا حين كنا نبحث في موضوعة - السُنة والشيعة -، وهناك قلنا، إن السُنة: لم تستخدم في معناها الصحيح الذي وضعت له، بل عبروا عنها بمفهوم - الجماعة التابعة أو الجماعة الموالية - وهذا خطأٌ بيّن، ولا يظنن أحد بأننا حينما نناقش في هذا الأمر، إنما نناقش فيه لمجرد التخطئة كما قد يتوهم البعض، لكننا نناقش فيه صحته من جهة التاريخ وصحته من جهة المعنى، وهي مناقشة موضوعية تكون في العمق، أعني تكون في الكيفية التي وضعت فيها الألفاظ للمعاني التي تتضمنها أو تعنيها أو تريدها .

ثم إن تحميل اللفظ معناً ليس له هو تحميل زائد بل تحميل ما لا يحتمل، وتحميل الألفاظ معاني ليست لها شاع في لسان المتكلمين ولسان المتفقهة، بحيث إنهم جاءونا ببعض الألفاظ لتُناسب مايريدون من معاني يفترضونها - هم - مسبقاً، ومثالنا في هذا المجال هو مصطلح - أهل السنة والجماعة - الذائع الصيت، هذا المصطلح المُركب من لفظ - السُنة ومن لفظ الجماعة - مع إضافة لفظة - أهل - في التقديم، لكي تُناسب المقال، وهذا التركيب الإصطلاحي جي به من البعض لاحقاً، وقد تصنعوا فيه ليجعلوا له تأريخاً ومعناً معيناً، ولكي يعطوه هالةً من القداسة ربطوه بمرحلة النبوة وصدر الإسلام من جهة الصدور والتأسيس والإطلاق !!!، وهذا التصنع هو تلاعب في موضوعتين هما السُنة من جهة بإعتبارها أخبار نبوية ورسولية، ومن جهة أخرى تضمين الفكرة قوة الصدور والتبريك، مع العلم إن سُنة النبي لم تكتب في عهد النبي، وفي غالب الأحيان سنة النبي هي شروحات النبي للنصوص الإلهية، وهي شروحات إن صحت فلها قيمة ظرفية تحكمها وتتحكم بها، ولا يجوز إعطاها أهمية تفوق ما للكتاب المجيد، هذا مع تأكيدنا إن السُنة لم تكتب ولم يُعتنى بها في زمن نزول نصوص الكتاب وسوره، ولا يصح جعل ما للنبي من أخبار مزاحماً ما لله من نصوص، وقد نهى النبي نفسه عن ذلك، كما إن الصحابة الذين جاءوا من بعده قد نهىوا هم كذلك عن رواية أخبار النبي وكتابتها .

و مصطلح - أهل السنة والجماعة - وحسب أقرب المعاني لا يتعدى: أن يكون المُراد منه هم رواة الخبر النبوي، أو: أن يكون المُراد منه هم شُراح الخبر النبوي، ولا ثالث لهما، وسواء أكان المصطلح يعني المُراد الأول أو إنه يعني المُراد الثاني، فإن اللفظ في كليهما لا يعطينا معنى - الأفراد التابعين أو الموالين -، وهو المعنى الذي نلاحقه في الواقع وفي لغة العرب ولسان النص، مما يرجح عندنا بأن هذه التسمية هي فكرة نشئت: من فعل السياسة والسياسين لا فعل الدين والمتدينين، وذلك واضح لمن تدبر وأمعن النظر .

ومن أجل معرفة مصدرهذه المقولة وأساسها الذي قامت عليه، تبين لنا في بعض كتب الأخبار والروايات من ينسبها لعبدالله بن عباس في تفسيره لقوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106]، وهذه النسبة منهم ضعيفة الإسناد ضعيفة الدلالة، كما إن دعوى القول بأن جملة - يوم تبيض وجوه - هم خصوص معنى - أهل السنة والجماعة - !!، هي دعوى مُخالفة لظاهر النص، وفيها من الحشو والتحميل الزائد ما لا يحتمل، ذلك لأن النص لا يتحدث عن طائفة بعينها حتى نقول إنهم هم، إنما النص يطرح موضوعة مُغايرة تحكي عن صفة الإنسان الصالح يوم القيامة، أو ما يكون عليه حاله هناك، وطبعاً قضية الآخرة مرتبطة أو متعلقة بعمل الإنسان في الدنيا، وهذا ما يُفهم من دلالة ومادة لفظ - تبيض - المرتبطة والمتعلقة بمفهوم العمل الصالح، والعمل الصالح هو الملاك في تقييم ما عليه وضع الإنسان في الآخرة، والعمل الصالح كما يُعرفه الكتاب المجيد: - هو ذلك الجهد المبذول من قبل الإنسان في خدمة الحياة والناس - ولا يتعلق العمل الصالح بالشعائر والطقوس فهذه ليست منه، إذن فوصف - يوم تبيض وجوه - هو وصف للذين يعملون الصالحات وهو بيان حال، لأن هؤلاء حسب النص تكون صحائفهم بيضاء غير ملوثة وغير مُدنسة، وذلك لأنهم كانوا يعملون الصالحات، وأما الوجه في لغة النص فهو كنايه عن الشيء الذي يُقدمه الإنسان في آخرته، أعني عمله وليس الوجه بالمعنى الحرفي المتعارف عليه، والكلام في النص وصف للعمل الصالح الذي يكون من غير تقييد أو إستثناء، وهذا يشمل كل إنسان ومن أية ملة ودين، ويكون في التقابل الذين يعملون السيئات هم الذين عناهم النص بقوله - وتسود وجوه -، وهو كناية إيضاً عن الذين يفعلون السيئات فيلوثوا صحائفهم بالعمل السيء، والكلام كله عن الآخرة وهو تحفيز لأهل الدنيا وتذكير لهم، والنص في مجمله يتحدث عن نتيجة فعل الإنسان، وليس وصفاً لفئة من الناس على وجه خاص لتمييزهم !!، فليس هناك عند الله طائفة مُقربة وطائفة مُبعدة، إنما القرب والبعد من الله هو بالعمل، والذي يُقييّم العمل في أن يكون صالحاً أو لا هو الله، يعني تقييم صحة العمل من خطئه يكون من قبل الله، ولذلك قال: - لا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن أتقى -، وفي هذا الإتجاه وضع جملة من النصوص الدالة على هذا المعنى .

والقاعدة المطلقة في كتاب الله لا تستهدف طائفة معينة من الناس، وعند الله ليس هناك فرقةً ناجيةً دون سوآها، والنجاة تكون بالعمل الصالح الذي هو المعيار وهو المقياس عنده، والكلام دائماً في الكتاب المجيد عن هذه الموضوعات مطلقاً وعاماً، وأما التخصيص أو الإستثناء أو التقييد فهو نسبي ويكون بحسب كل قياس وكل فهم يشير إليه ويتبناه ويدل عليه، ولأنه كذلك لا يصح تحميل النص ما لا يحتمل، والكتاب المجيد عندما تحدث عن الإسلام وعن المسلمين إنما تحدث عن ذلك وفق شروط محددة هي - الإيمان بالله الواحد والإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح - وفي ذلك جعل الجميع متساوين، طارحاً مفهوم الفئوية من الإعتبار جانباً معتبراً كل من آمن بتلك الثلاثية فهو من المسلمين، وعرف المسلم المؤمن التابع لمحمد ودين محمد بأنه الشيعي، وهذا اللفظ واضح في الكتاب المجيد فالمؤمنون بمحمد بن عبدالله هم مسلمون من جهة العموم وهم مؤمنون شيعة من جهة المعنى في - التابعية والموآلات - أي حينما يكون المؤمن تابعاً وموالياً لما آمن به فهو شيعيٌ، ولم يجعل الكتاب التميز في التسمية من حيث هي، بل جعل التميز مرتبط بالعمل الصالح في الدنيا وجزاء هذا العمل في الآخرة، تلك هي المعادلة في كتاب الله ببساطة، أي إن الكتاب لم يخضع قضاياه ومفاهيمه لسفسطات أهل الكلام وتفسيراتهم، ذلك لأن الكتاب خاطب الإنسان من حيث هو وحسب درجة معلوماته، ومعلوم إن أهل الكلام ذهبوا في فهمهم مذاهب شتى، وحملوا النص والكتاب ما لا يحتمل، وجعلوا من فهمهم هو الصواب ودونه الخطأ، وهذا على النقيض من لغة الكتاب ومعناه، كما إن بعض المحدثين جاؤنا بأخبار في الدفع بالتشكيل الفئوي الإنعزالي فمثلاً يقولون إن - سفيان الثوري -، قال: - أستوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء - وسفيا ن الثوري مات سنة 161 هجرية، وجملة - استوصوا بأهل السنة - جملة عامة تفيد معنى الإحترام والتبجيل، والمُراد - [بأهل السُنة] هم المحدثين أو هم شُراح الأخبار ولا ثالث في البين، أعني إنه لا يقصد بقوله [أهل السُنة] هم طائفة من الناس تابعين لرواة الأخبار أو لشُراح الأخبار، لأنه إن كان يريد ذلك المعنى أي [ التابعين أو الموالين ] فهؤلاء هم الشيعة بحسب لغة الكتاب المجيد ولغة العرب، وإضافة لفظة - أهل - هو إشارة أو توكيد على فئة معينة لا تعني التابعين أو الموالين بل هم هنا بمعنى - الرواة أو الشُراح -، والفرق واضح جلي بين التابع والراوي إذ ليس كل راوي تابع والعكس صحيح، ولو أفترضنا صحة صدور هذا الخبر عن سفيان الثوري فهو لا يتعدى مفهوم الإحترام والإجلال لرواة الأخبار وعلماء الحديث، لكن المتأخرين وكدأبهم جعلوا من هذا الخبر مادة دفع وتبليغ سياسي وإعلامي يدعونا للإنظمام لهم، ويقيناً إن سفيان كان يعلم إن مفهوم - أهل السنة - بمعنى التابعين للسُنة هم الشيعة بالمعنى القرآني، والذي نفهمه إنه إنما يريد بأهل السنة المحدثين من رواة الأخبار، والأخبار تخضع لمعايير معينة ومعتمدة في تصحيحها وفي جودتها وفي سلامتها، ومن هذه المعايير مطابقتها لنصوص الكتاب ومعانيه، فإذا أختلفت أو تناقضت مع نصوص الكتاب، فالقاعدة تقول ببطلانها وعدم إعتمادها وردها بل والضرب بها نحو الجدار، وإذا كان المقصود بأهل السُنة هم علماء الحديث وشُراحه، والعالم بالحديث أو الخبر هو من يتفحصه ويقوم بعملية موافقة وتوئمة ضمن حدود الكتاب، ومعنى ان نستوصي بهم أي أن نحترمهم ونجلهم، وهذا شيء محمود في أن نحترم الباحث والعالم في كل صنف، وفرق في ان نحترم العلماء وبين ان نجعل منهم فرقة خاصة كان يعنيها النبي ويريدها كفرقة مستقلة، لأن تلك الإرادة ممتنعة بحكم التناقض مع نصوص الكتاب ودلالة لغة العرب، ومعلوم الفرق بين معنى ان تكون تابعاً للسنة وبين ان تكون عالما بها أو مُحدثاً فيها، ذلك لأن الراوي للأخبار والشارح للأخبار إنما يعش مع الفكرة المجردة شرحاً ونقلاً وتحليلاً، ومجرد ان ينتقل من هذا الحال إلى حال التابعية لهذه الأخبار فهو يكون مُشايعاً لها وليس سُنياً لها .

ولا يختلف الأمر هنا عند أبن جرير الطبري في معنى أهل السنة بقوله: - في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل يوم القيامة هو ديننا الذي ندين الله به، وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة فهو أن أهل الجنة يرونه -، وهذا الكلام ورد لا حقاً والرجل مات سنة 310 هجرية، والنقاش يدور فيما لوكان أهل السنة والجماعة هم فرقة من الناس عاشت في عهد النبي، وهذا الكلام ليس صحيحاً إذ المصطلح هذا جاء لا حقاً هذا أولاً، وثانياً ان هذا المصطلح ورد في جملة طويلة تتحدث عن رؤية الله في يوم القيامة - وهذا الكلام تحدث به أهل الكلام من المتأخرين عن زمن النبوة -، ولا نناقش هنا في صحة هذا الأمر من عدمه لأن هذا ليس موضوعنا، إنما الكلام في أن - أهل السنة والجماعة - الذين عناهم هم من فهموا دلالة معنى رؤية الله واعتقدوا وتابعوا على ذلك، فهذا دليل على أنهم الموالين أو التابعين وهذا المعنى معناه - الشيعة وليست السُنة - ومجرد قول الطبري إنهم اعتقدوا بذلك فهم التابعين أو الموالين أي هم الشيعة، ومادام الكلام في المصطلح وحقيقته فلابد من الإستئناس بقول - مصطفى الشكعة - في كتابه [إسلام بلا مذاهب] حيث قال: إن مصطلح - أهل السُنة - أطلق أول ما أطلق على جماعة الأشاعرة ومن نحا نحوهم، والأشاعرة: هي فرقة كلامية خرجت على المعتزلة، وتُنسب هذه الفرقة لموؤسسها أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وقد خالف الأشعري في قضية - خلق القرآن - التي قالت بها المعتزلة، والحق إن في هذه المسألة تفصيل يجب مراعاته، ذلك لأن القرآن ليس كل كتاب الله بل هو جزء منه، وهذا الجزء أو هذا الفصل هو القديم منه، ودليلنا على ذلك هو: إن القرآن أي هذا الفصل من الكتاب يتعلق بقوانين الكون والحياة، وقوانين الغيب ومفهوم الخلق، وهذه القوانين ليست مخلوقة ولا حادثة ولا جديدة، وليس لها سبب في نزولها على قلب محمد النبي، بل إنها في حكمها هذا سابقة لكل النبوات، بمعنى إنها لا تخضع لسبب أو لإرادة بل هي قوانين كونية عامة، لكن الكتاب المجيد فيه أجزاء وفصول غير القرآن وهذه هي المخلوقة، أي هي التي نزلت بحسب موضوعاتها المعينة والتي تحركت فيها ومن أجلها، وفي هذا يمكننا أن ننظر للعبادات بنفس المقياس ونعتبرها متعلقة بالفعل بمرحلة معينة خاصة وبرسول خاص، وهذه الفصول الأخرى ليست غيباً وليست معجزة، والإيمان بها مرتبط بالإيمان بالرسول الذي دعى لها وبشر بها، لكن القرآن والإيمان به لا يرتبط برسول أو نبي أو إنسان معين بل هو عام شامل للجميع، ونعود لنقول إن التسمية أو مصطلح - أهل السُنة والجماعة - غلب عليه الطابع السياسي أو هو نتاج لذاك الصراع التاريخي بين الحكام ومن خالفهم، وفي ذلك دخل في هذا الصراع من له مصلحة من المتكلمين ومن الفقهاء، ولذلك كان الشكعة محقاً حينما قال: أن هذه التسمية لم تعرف إلا في القرن السابع الهجري، و أن تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنة تسمية متأخرة يرجع تاريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري، وأما التعليل في عودة الأشعري ورجوعه عن مذاهب المعتزلة إلى مذاهب أهل السنة والجماعة، وإعتبار ذلك دليلاً على صحة التسمية والمعنى فهو تعليل واهي ولا يستقيم مع دلالة اللفظ، كما إنه لا يستقيم إن كان يُراد به إستقلالية معنى مذاهب أهل السنة والجماعة، وهذا التعليل أتى به البيهقي في مورد نعتقد، إنه كان يقصد به إعتماد الأشعري على الأحاديث والأخبار والتقليل من الإعتماد أو الإتكاء على العقل في مقولاته وإستقراءاته، وإذا كان ذلك كذلك فهذا أمر مُغاير تماماً لما نحن بصدده، والرجوع والعودة فيما نفهم في هذا الأمر هي قضية إجتهادية نحترمها و لا مندوحة فيها ولا ضير، لكن الضير لو كان المُراد من ذلك الرجوع ليكون الأشعري تابعاً أو موالياً لمذاهب أهل السنة والجماعة، من حيث هي مذاهب مستقلة في العنوان، فذلك هو المشكل عندنا لأنه في الحالة هذه يكون شيعياً بحسب دلالة اللفظ، ولو صار أهل الحديث فرقة مستقلة كما يقول احمد أمين، فمن تبع هذه الفرقة فهو عندنا وبحسب المعنى المتقدم يكون شيعياً وليس سُنياً، وحسب ظني إن الإصرار على تسمية البعض أنفسهم بهذا المصطلح هو من باب التناكف والخلاف الكلامي، هذا الذي أنتج في تراثنا كم هائل من المسميات والفرق والمذاهب فضاع تبعاً لضياع الفكر والتركيز، ومع إننا لا نبحث في صحة وصوابية هذه المذاهب، لكننا نبحث فيمن يُتابع هذه المذاهب، ونبحث في الإسم الذي يصح التسمية به والإطلاق، وهذا الذي نقوله مستنده كتاب الله ولغة العرب: والتي تعتبر كل من تابع فكراً أو مذهباً أو رأياً فهو قد شايعه ووآلاه، ويدخل في هذا الإعتبار وهذا التعريف كل المذاهب والأفكار بما فيها الحسن منها والقبيح، الحق منها والباطل .

وفي بحثنا هذا ومن سبقه إنما نركز على قضية واحدة ألاَّ وهي: حقيقة المصطلح ومعناه، وكيف لنا أن نسمي دون الإلتفات إلى أصل المعنى؟ فالشيعة عندنا هي الأسم الدال على معنى التابع والموالي والناصر، ويقع في هذا المعنى كل التابعين للفرق والأديان والمذاهب والأفكار، وهذا المعنى الذي نقول به أخذناه من كتاب الله ومن لغة العرب، ولا يهمنا في هذا المجال التوظيفات والتخريجات التي يتعمد البعض على التمسك بها، لأن المهم عندنا في التركيز على المعنى وعلى الدلالة ومراعاة إنطباق اللفظ على معناه الخاص به، ولا يجب الإعتناء بكثرة التسميات والأسماء فهي في الغالب وليدة مرحلة تحكمت فيها السياسة ومن يعمل لها ...

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

مقدمة: يأتي هذا المقال في سياق العناية باللفظ القرآني، الذي يعد حجر الأساس في بناء التصورات الشرعية السليمة لقضايا الكون والاجتماع والإنسان،ذلك أن" ألفاظ القرآن هي لب كلام العرب وزبدته، وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم، وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم، وما عداها وعدا الألفاظ المتفرعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة، وكالحثالة والتبن بالإضافة إلى لبوب الحنطة"1.

ولذلك كان تحصيل معاني الألفاظ القرآنية سبيلا لتجميع ما تناثر من أجزائها، وسببا لإدراك مضامينها ومفاهيمها الكلية.

وإن من أعظم المناهج المعينة على بلوغ هذه المنزلة السنية، منهج الدراسات المصطلحية التي نذر لها الشيخ العلاَّمة الدكتور الشاهد البوشيخي حياته، وأصَّل أصولها وقعد قواعدها في مجموعة من الدراسات والبحوث النظرية والتطبيقية2 .

وهذه المقالة تهتدي بمعالم هذه الدراسة، عساها تتذوق بعض أطايِبِ ثمارها، وهي بعنوان "مصطلح السعي في القرآن الكريم"؛ وهو موضوع في غاية الأهمية،لاسيما في هذا الزمان الذي أصبح حرَّاثُ الدنيا أكثر سعيا، وأشد نصبا من طلاب الآخرة.

 

المبحث الأول: دلالة السعي في اللغة ونصوص القرآن الكريم

المطلب الأول: تعريف السعي في اللغة:

سَعَى يسعى سَعْياً أي عدا، وكذا إذا عمل وكسب، وكل من ولي شيئا على قوم فهو سَاعٍ عليهم وأكثر ما يُقال ذلك في سُعَاةِ الصدقة، يقال سَعَى عليها أي عمل عليها، وهم السُّعَاةُ، و المسْعَاةُ واحدة المساعي في الكرم والجود، و سَعَى به إلى الوالي سِعَايَةً وشى به، و سَعَى المكاتَب في عتق رقبته سِعَايَةً أيضا و اسْتَسْعَيْتُ العبد في قيمته[1].

وقال الراغب الأصفهاني: " السعي المشى السريع، وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الأمر، خيرا كان أو شرا... وأكثرما يستعمل السعي في الأفعال المحمودة، قال الشاعر:

إن أجـز علقمة بن سعد سعيه * لا أجزه ببلاء يوم واحد

وقال تعالى: (فلما بلغ معه السعي) [الصافات/102] أي أدرك ما سعى في طلبه، وخص السعي فيما بين الصفا والمروة من المشى، والسعاية بالنميمة، وبأخذ الصدقة، وبكسب المكاتب لعتق رقبته، والمساعاة بالفجور، والمسعاة بطلب المكرمة، قال تعالى: (والذين سعوا في آياتنا معاجزين) [سبأ/5] أي اجتهدوا في أن يظهروا لنا عجزا فيما أنزلناه من الآيات"[2].

وقال الفيومي: "سَعَى الرجل على الصدقة (يَسْعَى) (سَعْيًا) عمل في أخذها من أربابها و (سَعَى) في مشيه هرول و (سَعَى) إلى الصلاة ذهب إليها على أي وجه كان، وأصل (السَّعْيِ) التصرف في كلّ عمل، وعليه قوله تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى) [النجم/39]، أي إلا ما عمل[3].

وقال ابن منظور: "والسَّعْيُ عدْوٌ دون الشَّدِّ، سَعَى يَسْعَى سَعْياً، وفي الحديث (إذا أَتيتم الصَّلاةَ فلا تَأْتُوها وأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ ولكن ائْتُوها وعَلَيكُمُ السَّكِينَة، فما أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وما فَاتَكُمْ فأَتِمُّوا)، فالسَّعْيُ هنا العَدْوُ، سَعَى إذا عَدَا وسَعَى إذا مَشَى وسَعَى إذا عَمِلَ وسَعَى إذا قَصَد، وإذا كان بمعنى المُضِيِّ عُدِّيَ بإلى، وإذا كان بمعنى العَمَل عُدِّي باللام، والسَّعيُ القَصْدُ ...

قال الزجاج: السَّعْيُ والذَّهابُ بمعنى واحدٍ لأَنّك تقولُ للرجل هو يَسْعَى في الأَرض، وليس هذا باشْتِدادٍ، و أَصلُ السَّعْيِ في كلام العرب التصرُّف في كل عَمَلٍ، ومنه قوله تعالى (وأَنْ ليس للإنسانِ إلاَّ ما سَعَى)، معناه: إلاَّ مَا عَمِلَ،ومعنى قوله (فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ الله) فاقْصِدُوا.

والسَّعْيُ الكَسْبُ وكلُّ عملٍ من خير أَو شرٍّ سَعْي والفعلُ كالفِعْلِ، وفي التنزيل (لِتُجْزَى كلُّ نَفْسٍ بما تَسْعَى) [طه/15]، وسَعَى لهم وعليهم عَمِلَ لهم وكَسَبَ، وأَسْعَى غيرهَ: جَعَلَه يَسْعَى، وقد روي بيتُ أَبي خِراش: أَبْلِغ عَلِيّاً أَطالَ اللهُ ذُلَّهُمُ أَنَّ البُكَيْرَ الذي أَسْعَوْا به هَمَلُ

وقوله تعالى (فلما بَلَغَ معَه السَّعْيَ) [الصافات/102] أَي: أَدْرَك مَعَه العَمَل، وقال الفراء: أَطاقَ أَنْ يُعِينَه على عَمَله، قال: وكان إسمعيلُ يومئذٍ ابن ثلاث عشْرةَ سنةً...

وفي حديث عليّ كرم الله وجهه في ذَمّ الدنيا: من ساعاها فاتَتْهُ،أَي سابَقَها،وهي مُفاعَلَة من السَّعيِ كأَنها تَسْعَى ذاهِبةً عنه، وهو يَسْعَى مُجِدّاً في طَلَبِها، فكلُّ منهما يطلُبُ الغَلَبة في السَّعْي.

والسَّعْيُ يكون في الصلاحِ ويكون في الفساد قال الله عز وجل (إنما جزاءُ الذين يُحارِبون اللهَ ورسولَه ويَسْعَوْنَ في الأَرض فَساداً) [المائدة/]نصبَ قوله فساداً لأَنه مفعولٌ له، أَراد يَسْعَوْن في الأَرضِ للفساد، وكانت العرب تُسَمِّي أَصحابَ الحَمالاتِ لِحَقْنِ الدِّماءِ وإطْفاءِ النَّائِرةِ سُعاةً لسَعْيِهِم في صَلاحِ ذاتِ البَيْنِ، ومنه قول زهير:

سَعَى ساعِيَا غَيظِ بنِ مُرَّةَ بعدما تَبَزَّلَ ما بَيْنَ العَشيرَةِ بالدَّمِ

أَي سَعَيَا في الصلحِ وجمعِ ما تَحَمَّلا من دِياتِ القَتْلى، والعرب تُسَمِّي مآثر أَهلِ الشَّرَف والفضل مَساعِيَ، واحدتُها مَسْعاةٌ لسَعْيِهِم فيها كأَنها مَكاسِبُهُم وأَعمالُهم التي أَعْنَوْا فيها أَنفسَهم ...

ويقال لِعامِل الصَّدَقاتِ ساعٍ وجَمْعُه سُعاةٌ وسَعى المصَدِّقُ يَسْعَى سِعايةً إذا عَمِلَ على الصَّدقاتِ وأَخذها من أَغْنِيائِها وردّها في فُقَرائِها ..."[4]

يتبين من أقوال أهل اللغة السابق سردها أن الجذر اللغوي (س ع ي) يأتي بمعنيين أساسيين، وإليهما تؤول جميع المعاني الأخرى، وهما:

الأول: المشي السريع،دون بلوغ مرتبة العدو الذي يفيد الجري والإسراع،ولذلك قال الكفوي: " والمشي جنس الحركة المخصوصة، وإذا اشتد فهو سعي، وإذا زاد فهو عدْوٌ"[5].

والسعي والذهاب بمعنى واحد كما قرره الزجاج، وهو بمعنى المضي أيضا، ولذلك ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقرأ قوله تعالى (فاسعوا إلى ذكر الله) فامضوا[6] .

والثاني: التصرف في الأمر بجد واهتمام،وهو المعنى الذي ذكره الراغب والفيومي وحكاه ابن منظور عن الزجاج3.

فالسعي- إذن – تصرف يقصده صاحبه ويعتني به ويهتم به، ويجتهد فيه بحسب الامكان، فيدخل فيه جميع المعاني التي ذكرت عند اللغويين والمفسرين، كالقصد، والعمل، والكسب، والمبادرة...

 

المطلب الثاني: دلالة السعي في نصوص القرآن الكريم:

إن تأمل نصوص القرآن الكريم التي وردت فيها لفظة السعي ومشتقاتها يفيد أن هذه المادة وردت بكلا المعنيين اللغويين السابقين:

أ- المواضع التي وردت فيها مادة السعي بمعنى المشي السريع:

وردت لفظة السعي بمعنى المشي السريع في عدة مواضع منها:

قوله تعالى: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، قال يا قوم اتبعوا المرسلين) [يس/19]، وقوله تعالى (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى، قال يا موسى إن الملأ ياتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين) [القصص/19].

فالسعي في الآيتين بمعنى التعجل والمشي السريع، قال ابن جريج: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) قال: يعجل،ليس بالشدِّ1.

وهذا الرجل هو مومن آل فرعون، لما أحس بتآمر الملإ على موسى عليه السلام،أسرع إليه مشفقا عليه، ومحذرا له من كيدهم ومكرهم.

أما الرجل في آية يس فهو حبيب النجار الذي آمن برسل عيسى عليه السلام إلى مدينة أنطاكية، واتبعهم بعدما أيقن صدقهم؛ فلما بلغه همُّ قومه بقتل الرسل، جاء يسرع في مشيه لينصرهم على قومه،ويدعوهم إلى الإيمان؛فكان من شأنه ما ذكره الله في سياق سورة يس.

وقوله تعالى في شأن عصا موسى عليه السلام: (فإذا هي حية تسعى) [طه/20]،وقوله عن سحر السحرة (فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) [طه/ 65] قال القرطبي: " السعي: المشي بسرعة وخفة"2.

ومنها أيضا ما حكاه الله تعالى عن معجزة الطير التي ضربها لإبراهيم دليلا على قدرة الله على الإحياء والإماتة والبعث، وطريقا لليقين والطمأنينة؛ فبعد أن قطَّع الطيور وفرق أجزاءها على رؤوس الجبال،أمره الله أن يناديها، فإذا بها تجتمع وتلتئم ذواتها، وتأتي إلى إبراهيم عليه السلام سعيا، أي: مشيا سريعا على أرجلهن، قال تعالى: (فخذ أربعة منالطير فصرهن إليك،ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا، ثم ادعهن يأتينك سعيا) [البقرة/259].

وقيل إنها جاءت طيرانا، وليس يصح، لأنه لا يقال للطير إذا طار سعى، إلا إذا حُمل على معنى الاشتداد في تلك الحركة1.

والحكمة في المشي دون الطيران، كونه أبلغ في الحجة وأبعد من الشبهة، لأنها لو طارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطير، أو أن أرجلها غير سليمة2 .

ومنها قوله تعالى: (يوم ترى المومنين والمومنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم) [الحديد/12]، فقد فسر السعي بمعنى المشي والمضي،قال الطبري: "يوم ترون المؤمنين والمؤمنات يسعى ثواب إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم تتطاير، ويعني بقوله: (يَسْعَى): يمضي"3.

وقال القرطبي: "أي يمضي على الصراط في قول الحسن، وهو الضياء الذي يمرون فيه"4.

اختلف المفسرون في معنى السعي الوارد في قوله تعالى: (فاسعوا إلى ذكر الله) 5[الجمعة/ ]، فذكروا في ذلك أقوالا ثلاثة:

الأول: إن معنى السعي هنا: العمل، وممن قال بذلك: عكرمة، والضحاك1، وهو قول جمهور العلماء2، ويدخل في هذا العمل: الاغتسال، وتغيير الثياب، ومس الطيب، والتبكير إليها3.

الثاني: السعي بالقلب والنية والخشوع، قال الحسن: "أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، وقد نُهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنيات والخشوع"4، وقال إسماعيل حقي: " وفى عبارة السعي إشارة إلى النهى عن التثاقل، وحث على الذهاب بصفاء قلبٍ وهمةٍ، لا بكسل نفسٍ وغمةٍ"5 .

الثالث: المشي على الأقدام، وممن قال بذلك: ابن عباس -رضي الله عنهما6.

وبالتأمل في هذه الأقوال الثلاثة نجدها متلازمة لأن العمل أعم من السعي، والسعي أخص، فلا تعارض بين أعم وأخص، والنية شرط في العمل، وقد قال قتادة – جمعا بين هذه الأقوال-: "والسعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك، وعملك، وهو المضي إليها"7، وأما الجري والاشتداد، فهو الذي أنكره الصحابة الأعلمون، والفقهاء الأقدمون8.

ب- المواضع التي وردت فيها مادة السعي بمعنى التصرف في الأمر بجد واهتمام:

وردت أغلب نصوص وسياقات مادة السعي على أصل التصرف في كل عمل والجد فيه، فبين بعضها أن سعي الإنسان متعدد ومختلف، وبه سيجازى وفق سنة الله تعالى في استخلاف العباد وابتلائهم في الحياة (الذي خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) [الملك/2].

وفصَّل بعضها هذا السعي، فجعل منه سعيا مشكورا مهديا مرضيا، وآخرَ مكفورا ضالا مردودا.

فهذه مقامات ثلاث نبينها في المبحث الآتي:

 

المبحث الثاني: سعي العبد بين الشكران والكفران:

المطلب الأول: السعي مادة التكليف وأساس الجزاء:

سمى الله عز وجل عمل الناس في الدنيا سعيا، وقرر أنهم في هذا الكسب مختلفون ومتباينون، وفق ما يختاره و يجترحه كل واحد منهم، قال تعالى: (إن سعيكم لشتى) [اليل/4].

قال الإمام الطبري في شرح الآية: " إن عَمَلَكُمْ لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر بربه، والعاصي له في أمره ونهيه، والمؤمن به، والمطيع له في أمره ونهيه...وعن قتادة، قوله: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) يقول: لمختلف"1.

وقال الامام الرازي: "هذاجواب القسم، فأقسم تعالى بهذه الأشياء، أن أعمال عباده لشتى أي مختلفة في الجزاء، وشتى جمع شتيت مثل مرضى ومريض، وإنما قيل للمختلف: شتى، لتباعد ما بين بعضه وبعضه، والشتات هو التباعد والافتراق، فكأنه قيل: إن عملكم لمتباعد بعضه من بعض، لأن بعضه ضلال وبعضه هدى، وبعضه يوجب الجِنان، وبعضه يوجب النيران، فشتان ما بينهما"2.

ثم إنه سبحانه وتعالى بيَّن هذا الاختلاف الوارد في الأعمال وجزائها، فقال عقب جواب القسم: (فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى،وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى) [ اليل/5-10].

والآية بيان للمراد من قول تعالى (لتجزى كل نفس بما تسعى) [طه/14]،ولقوله تعالى (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) [النجم/38]، أي: ما عمل من خير أو شر يراه يوم القيامة حاضرا ومدونا في صحائف الأعمال، فيتذكره بعدما نسيه، قال تعالى: (يوم يتذكر الانسان ماسعى) [النازعات /35 ]،

قال الامام الرازي: " يعني إذا رأى أعماله مدونة في كتابه تذكرها، وكان قد نسيها، كقوله: (أَحْصَـاهُ اللَّهُ وَنَسُوه) [المجادلة /6]"1.

 

المطلب الثاني: السعي المشكور: حقيقته وشروطه:

أولا: حقيقة السعي المشكور:

دلت نصوص كثيرة من مادة السعي أن ما يكسبه الساعي إما أن يكون مشكورا، وإما أن يكون مكفورا، فما حقيقة المقامين؟

قال الله تعالى: (إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا) [الانسان/22]، وقال سبحانه (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها، وهو مومن، فأوليك كان سعيهم مشكورا) [الاسراء/19]، قال الامام الطبري: " من أراد الآخرة وإياها طلب، ولها عمل عملها... و هو مؤمن مصدِّق بثواب الله، وعِظم جزائه على سعيه لها، غير مكذّب به تكذيب من أراد العاجلة، (فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ) يعني عملهم بطاعة الله (مَشْكُورًا)،وشكرُ الله إياهم على سعيهم ذلك حسنُ جزائه لهم على أعمالهم الصالحة، وتجاوزُه لهم عن سيِّئها برحمته.

...وعن قتادة، قوله (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) شكر الله لهم حسناتهم، وتجاوز عن سيئاتهم"2.

قال الراغب: " وإذا وُصِف الله بالشكر فإنما يعنى به إنعامه على عباده، وجزاؤه بما أقاموه من العبادة"3.

وقد جاء السعي في آية الإسراء مطلقا وغير محدد، فبينته آية الأنبياء، وعينت مدلوله، وأنه من

جنس الصالحات، فقال تعالى: (فمن يعمل من الصالحات وهو مومن فلا كفران لسعيه، وإنا له

كاتبون) [الأنبياء/93].

ويدخل في هذا السعي طاعة الله في أمره ونهيه،والإقرار بوحدانيته، والتصديق بوعده ووعيده، والبراءة من كل الأنداد والآلهة الأخرى .

وقوله تعالى: (من الصالحات) من للتبعيض لا للجنس، إذ لاقدرة للمكلف أن يأتي بجميع الطاعات فرضها ونفلها1، فمن اجتهد في الإتيان بما يستطيع من جنس هذه الطاعات، فلا كفران لسعيه، أي " لاجحود لعمله، ولايضيع جزاؤه، ولايغطى"2، لأن أصل الكفر في اللغة الستر والتغطية3.

والكفران مثل في حرمان الثواب، والشكر مثل في إعطائه4 .

وقد وعد الله الساعي إلى الخيرات بكتابة سعيه صغيره وكبيره، قليله وكثيره، وإثابته عليه (وإنا له كاتبون)، أي: "لعمله حافظون، نظيره (أَني لا أُضيع عمل عامل منكم) [ آل عمران/195]" 5؛ وفي ذلك مزيد اعتناء واهتمام بالسعي المشكور، وتحفيز على تحصيل أسبابه.

إن المقابلة بين الأسيقة التي تبين حال مريد العاجلة، وشأن مريد الآجلة، توضح بجلاء أن السعي المشكور هو الجنة، أو يشكر بالجنة، لأن مريد العاجلة يجازى بجهنم يصلاها مذموما مدحورا، فالمناسِب أن يكافَأ مريدُ الآجلة أو الساعي للآخرة بالجنة، وهذا بيّن من قوله تعالى: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها مانشاء لمن نريد، ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مومن فأولئك كان سعيهم مشكورا) [ الإسراء/ 18-19]، ومثله قول الله عز وجل: (إن هذا كان لكم جزاء، وكان سعيكم مشكورا) [الانسان/22]، وذلك بعد سياق الحديث عن الجنة وما أعده الله فيها للمومنين من النعيم المقيم ؛ فالسعي يشكر ويجزى بالجنة.

 

ثانيا: شروط السعي المشكور:

بالنظر في الآيات السابقة الواردة في معرض الحديث عن السعي، يتبين أن له شرائط ثلاثة يلزم توفرها مجتمعة ليصير مشكورا وهي:

vالشرط الأول: أن يريد بعمله الآخرة أي ثواب الآخرة، فإنه إن لم تحصل هذه الإرادة، وهذه النية لم ينتفع بذلك العمل لقوله تعالى: (وَأَن لَّيْسَ لِلانسَـانِ إِلا مَا سَعَى) [النجم / 39]، ولقوله عليه الصلاة والسلام: "إنما الأعمال بالنيات" ولأن المقصود من الأعمال استنارة القلب بمعرفة الله تعالى ومحبته، وهذا لا يحصل إلا إن نوى بعمله عبودية الله تعالى وطلب طاعته.

والشرط الثاني: قوله: (وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا)، وذلك هو أن يكون العمل الذي يُتوصل به إلى الفوز بثواب الآخرة من الأعمال التي بها يُنال ثواب الآخرة، ولا يكون كذلك إلا إذا كان من باب القُرَب والطاعات.

والشرط الثالث: قوله تعالى: (وَهُوَ مُؤْمِنٌ)، وهذا الشرط معتبر، لأن الشرط في كون أعمال البر موجبة للثواب تقدُّم الإيمان، فإذا لم يوجد الشرط لم يحصل المشروط، ثم إنه تعالى أخبر أن عند حصول هذه الشرائط يصير السعي مشكوراً والعمل مبروراً 1.

والله سبحانه وتعالى إذا قبل العمل شكره، فإذا شكره أثاب عليه بالجزيل، إذ هو سبحانه ذو الفضل العظيم2.

 

المطلب الثالث: السعي المكفو: صوره وأسابه:

يلزم في السعي ليُشكر ويُحمد، أن تجتمع فيه شروط ثلاث هي: الإخلاص لله وابتغاء الآخرة، وتحري العمل الصالح الذي شرعه الله لعباده،وبينه لهم رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون هذا العمل صادرا من مومن يخشى الله ويرجو ثوابه.

فإذا اختل شرط منها عُدَّ السعي مكفورا، وحشر صاحبه مع الأخسرين أعمالا (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) [الكهف/99].

وإذا كان فعل سعى يتعدى بحرف (إلى) للدلالة على الخير والأمر المحمود، فإنه إذا عُدي بحرف (في) كان المسعى إليه مذموما وعملا من أعمال الشر والفساد، وهذا ماسنتتبعه في نصوص السعي المكفور الواردة في القرآن الكريم:

 

المسألة الأولى: صور السعي المكفور في القرآن الكريم:

أولا: السعي بالمعاجزة في آيات الله:

قال الله تعالى في سياق الحديث عن الساعة، وبيان جزاء العاملين فيها: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أولئك لهم مغفرة ورزق كريم، والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم) [سبأ/4-5]، وقال أيضا: (والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون) [سبأ/ 38].

قال الامام الرازي: " لما بيَّن حال المؤمنين يوم القيامة، بيَّن حال الكافرين، وقوله (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِى ءايَاتِنَا)، أي بالإبطال، ويكون معناه الذين كذَّبوا بآياتنا، وحينئذٍ يكون هذا في مقابلة ما تقدم، لأن قوله تعالى (ءامَنُواْ) معناه صدقوا، وهذا معناه كذبوا، فإن قيل من أين عُلم كون سعيهم في الإبطال مع أن المذكور مطلق السعي؟ فنقول: فُهِم من قوله تعالى مُعَاجِزِينَ، وذلك لأنه حالٌ، معناه سعوا فيها وهم يريدون التعجيز، وبالسعي في التقرير والتبليغ لا يكون الساعي معاجزاً،لأن القرآن وآيات الله معجزةٌ في نفسها لا حاجة لها إلى أحد، وأما المكذِّب فهو آتٍ بإخفاء آيات بينات، فيحتاج إلى السعي العظيم والجد البليغ ليروِّج كذبه لعله يُعجِز المتمسكَ به، وقيل بأن المراد من قوله مُعَاجِزِينَ أي ظانين أنهم يفوتون الله، وعلى هذا يكون كون الساعي ساعياً بالباطل فيغاية الظهور، ولهم عذاب في مقابلة لهم رزق"1.

واختلف المفسرون في مفهوم السعي بالتعجيز في آيات الله:

- فقال الطبري: "معناه: عملوا في حججنا فصدوا عن اتباع رسولنا والإقرار بكتابنا الذي

أنزلناه"2. ونقل عن ابن عباس أنه قرأها معاجزين بالألف، وقال: مشاقين3، وعن قتادة قال: كذبوا بآيات الله فظنوا أنهم يُعجزون الله، وعن مجاهد أنه قرأ الآية (مُعجِّزين) بتشديد الجيم بغير ألف وقال: مُبَطِّئين، يبطئون الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم4.

وبعد عرض هذه الأقوال، قال الطبري – جمعا بينها -: "والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى; وذلك أن من عجز عن آيات الله، فقد عاجز الله، ومن معاجزة الله التعجيز عن آيات الله، والعمل بمعاصيه وخلاف أمره، وكان من صفة القوم الذين أنزل الله هذه الآيات فيهم، أنهم كانوا يبطِّئون الناس عن الإيمان بالله، واتباع رسوله، ويغالبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحسبون أنهم يعجزونه ويغلبونه، وقد ضمِن الله له نصره عليهم، فكان ذلك معاجزتهم الله. فإذ كان ذلك كذلك، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك"1.

- وشرح القرطبي معنى السعي بالمعاجزة في آيات الله بعبارات تنحو منحى الامام الطبري،فقال: " سعوا في إبطال آياتنا، مغالبين مشاقين"2، ونقل عن عبد الله بن الزبير أنه قال: "مثبطين عن الإسلام" 3.

وهذه الأقوال تتكامل فيما بينها، وتندرج ضمن اختلاف التنوع الذي يعبر فيه كل مفسر عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى4 .

والظاهر أن الامام الطبري حينما اختار في شرح السعي بالمعاجزة في آيات الله معنى الصد عن اتباع الرسول والإقرار بالكتاب المنزل، قد انتزعه من سياق سورة سبأ، في قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ماهذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم، وقالوا إن هذا إلا إفك مفترى،وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين) [سبأ/43]، ولذلك قال الامام الرازي: " اجتهدوا في ردها والتكذيب بها حيث سموها سحراوشعراً وأساطير الأولين، ويقال لمن بذل جهده في أمر إنه سعى فيه توسعاً من حيث بلغ في بذل الجهد النهاية،كما إذا بلغ الماشي نهاية طاقته فيقال له سعى، وذكر الآيات وأراد التكذيب بها مجازاً "1.

ومن النماذج التي ترد في سياق التعجيز في آيات الله، قصة فرعون الذي قابل آيات الله البينة ومعجزات موسى الظاهرة، بالصدود والإعراض والاستقواء بجمعه وملئه وسحرته، فقال تعالى يحكي حاله: (هل أتاك حديث موسى، إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى، إذهب إلى فرعون إنه طغى، فقل هل لك إلى أن تزكى،وأهديك إلى ربك فتخشى، فأراه الآية الكبرى، فكذب وعصى، ثم أدبر يسعى، فحشر فنادى، فقال أنا ربكم الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، إن في ذلك لعبرة لمن يخشى) [النازعات/15- 26].

قال الطبري: " وقوله: (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى) يقول: ثم ولَّى مُعرضا عما دعاه إليه موسى من طاعته ربَّه، وخشيته وتوحيده. (يَسْعَى) يقول: يعمل في معصية الله، وفيما يُسخطه عليه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل... فعن مجاهد، قوله: (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى) قال: يعمل بالفساد"2.

أما القرطبي فقد حكى ثلاثة أقوال في شرح معنى السعي في هذه الآية،فقال: "يسعى، أي يعمل بالفساد في الأرض. وقيل: يعمل في نكاية موسى. وقيل: أدبر يسعى هاربا من الحية"3 .

أما الرازي فذكر فيه وجوها ثلاثة تقارب ماذكره القرطبي فقال: " وفيه وجوه أحدها: أنه لما رأى الثعبان أدبر مرعوباً يسعى يسرع في مشيه، قال الحسن: كان رجلاً طياشاً خفيفاً، وثانيها: تولى عن موسى يسعى ويجتهد في مكايدته، وثالثها: أن يكون المعنى ثم أقبل يسعى،كما يقال فلان أقبل يفعل كذا بمعنى أنشأ يفعل، فوضع أدبر موضع أقبل لئلا يوصف بالإقبال"4 .

ولا يخفى أن جميع المعاني التي ذكرها أئمة التفسير واردة وتتسع لهاعبارة السعي، وهي تندرج ضمن ماسلف ذكره من أن المفسرين رحمهم الله ينوعون عباراتهم، والمسمى واحد، وقد يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه1.

وبمقارنة موارد قصة فرعون وموسى عليه الصلاة والسلام في القرآن الكريم، يتضح بجلاء أن سعي فرعون كان عملا في معصية الله، وكان نكاية بموسى ومكايدة له،وكان هروبا ورعبا من العصا الثعبان: قال الله تعالى: (فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى) [طه/59]،وحكى عنه قولَه لسحرته (فأجمعوا كيدكم ثم آتوا صفا، وقد أفلح اليوم من استعلى) [طه/63]، وقال الله تعالى يحكي قوله للملإ: (قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تامرون؟ قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين، ياتوك بكل سحار عليم) [الشعراء/33-36 ]،

وقال تعالى أيضا: (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري، فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى، وإني لأظنه من الكاذبين، واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون) [القصص/38-39]، وقال كذلك: (فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم، وما كيد الكافرين إلا في ضلال، وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه، إني أخاف أن يبدل دينكم و أن يظهر في الارض الفساد) [غافر/25- 26].

أما الارتعاب و الهروب من العصا بعدما صارت ثعبانا، فهو مما تقبله العقول، لأن الإنسان جبل في العادة على الخوف من خوارق الأمور، لاسيما وفرعون رجل طياش كما حكى الحسن ذلك2 .

 

ثانيا: السعي بالفساد في الأرض وتخريب المساجد:

من الأسيقة الواردة في بيان السعي المكفور قول الله سبحانه وتعالى (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد) [البقرة/202-203]، وقوله تعالى: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين، لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) [البقرة/ 113].

وإذا أردنا أن نُجمِل معاني السعي في السياقين، أمكن القول بأن السعي في الآية الأولى يرجع إلى العمل في إفساد ما به قوام حياة الناس وعيشهم، وذلك هو إهلاك الحرث والنسل، و أنه في الآية الثانية يحمل على إفساد مابه يقوم دين الناس وتعبدهم، وذلك هو تخريب المساجد ومنع ذكر الله فيها.

وقد اختلف المفسرون في تحديد المعنيِّ بالآية الأولى، كما اختلفوا في تعيين المسجد المقصود بالتخريب في الآية الثانية، وتفاصيل أقوالهم مبثوثة في مظانها، وليس المقام يسنح بالتفصيل1.

لكن من المفيد أن نستحضر في التعليق على الآيتين الملاحظات الآتية:

قال الامام الرازي: " قوله سعى في الأرض، أي اجتهد في إيقاع القتال،وأصل السعي هو المشي بسرعة، ولكنه مستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس"2 .

السعي بالفساد في الأرض يشمل العمل بالمعاصي وقطع الطريق وإفسادها3، ويتسع لمعاني التحيل وإرادة الدوائر بالإسلام4،وإتلاف الأموال وقطع الأرحام، وإلقاء الشبه في قلوب المسلمين5. وقد وصف الله بعضا من بني إسرائيل أنهم (يسعون في الأرض فسادا) [المائدة/ ]، أي أنهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت، وهو من جنس الفساد المذكور.

قوله تعالى: (ويهلك الحرث والنسل)،في سياق الحديث عن السعي بالفساد في الأرض، يمكن اعتباره تفصيلا بعد إجمال، وعطفا للبيان: فقد ذكر الله تعالى الموصوف بصفة السعي بالفساد في الأرض، ولم يخصِّصه ببعض المعاني دون بعض، ثم بعد ذلك ذكر أنه يهلك الحرث والنسل،أي يحرق الزرع ويقتل الحمُر،كما كان يصنع الأخنس بن شريق الذي ترجح بعض الروايات أن فيه نزلت الآية السابقة6.

قال الامام الرازي: " قوله (ويهلك الحرث والنسل) من الألفاظ الفصيحة جدا الدالة مع اختصارها على المبالغة الكثيرة" 1.

ومما يشاكل هذا المعنى ما وصف به الله تعالى المحاربين إذ قال (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أويصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض) [المائدة/]. ومعلوم أن االمحارب قد يقتل، وقد يأخذ المال، وقد يخيف ويروِّع الآمنين... وهذا كله من جنس الفساد الممقوت عند الله .

رغم أن الآية نزلت لسبب أو أسباب خاصة، إلا أنها صارت عامة لجميع الناس، فمن عمل مثل عمل هذا الذي وصفته الآية، استوجب تلك اللعنة والعقوبة.

من الأعمال الممقوتة التي تستوجب الخزي والعذاب العظيم،السعي في تخريب المساجد، وقد قال تعالى (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) .

وتخريب المسجد قد يكون حقيقيا بهدمها وتنجيسها وسفك دماء من يردها، كما فعل بختننصَّر ببيت المقدس على ماحكاه القرطبي، وقد يكون مجازا بتعطيلها عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها، قال الرازي: "السعي في تخريب المسجد قد يكون لوجهين،أحدهما: منع المصلين والمتعبدين والمتعهدينله من دخوله، فيكون ذلك تخريبا، والثاني: بالهدم والتخريب"2

اختلفت أقوال العلماء في تعيين المسجد الذي طاله التخريب، ومُنِع ذكرُ اسم الله فيه، أهو بيت المقدس؟ أم بيت الله الحرام؟

وأيا كان ترجيح المفسرين، إلا أن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع (مساجد الله)، فتخصيصها ببعض المساجد دون بعض تحكُّم، وقد قال الطبري: " إن كل مانعٍ مصليا في مسجدٍ لله - فرضا كانت صلاته فيه أو تطوعا-، وكل ساعٍ في إخرابه فهو من المعتدين الظالمين" 3.

تخريب المساجد مثال يقاس عليه كل اعتداء على شعائر الله،وانتهاك لحرماته، فيدخل في

ذلك: محاولات المس بقدسية القرآن الكريم، والإساءة إلى شخصية النبي عليه الصلاة والسلام، والتهجم على الحجاب الشرعي، وانتقاص الأحكام الشرعية المنصوصة...

قال الإمام الرازي: "إذا كان الساعي في تخريب المساجد في أعظم درجات الفسق، وجب أن يكون الساعي في عمارته في أعظم درجات الإيمان"1.

وفي هذا دعوة إلى تعظيم قدر المساجد، وتخويلها المنزلة المنيفة التي تستحقها بيوت الله، سواء بالإنفاق على بنائها وعمارتها،وتأهيل القيِّمين عليها، أو في تيسير سبيل من يقصدها للصلاة والذكر وطلب العلم النافع، بدل من إغلاقها مباشرة عقب إنهاء الفرائض، كما هو حال كثير من مساجد العالم الإسلامي.

 

المسألة الثانية: أسباب خسران السعي وضلاله:

أخبر الحق سبحانه وتعالى أن صنفا من العاملين سيحبط عمله، ويضل سعيه في الحياة الدنيا، ويبوء بجهنم خالدا فيها وبيس المصير: قال تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) [الكهف/ 99- 100]. والآيات مسوقة مساق التوبيخ لقوم " أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحا وفضلا فنالوا به عَطَبا وهلاكا ولم يدركوا طلبا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلا وربحا، فخاب رجاؤه، وخسر بيعه، ووكس في الذي رجا فضله"2.

وإنما وبخت الآيات هذا الصنف من البشر لأنهم: "لم يكن عملهم الذي عملوه في حياتهم الدنيا على هدى واستقامة، بل كان على جور وضلالة، وذلك أنهم عملوا بغير ما أمرهم الله به، بل على كفر منهم به، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا: يقول: وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك لله مطيعون، وفيما ندب عباده إليه مجتهدون"3.

قال الكيا الهراسي: " والذي يوجب إحباط السعي إما فساد الاعتقاد أو المراءاة، والمراد هنا الكفر"4.

والمعنى أن سعي هؤلاء قد ضل وحبط وكُفِر، لأنه اختلت فيه شروط السعي المشكور التي سبق ذكرها في مبحث سابق، ولذلك قال تعالى: (ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزؤا) [ الكهف/ 101].

 

خلاصات واسنتاجات عامة:

بعد هذا التتبع لمادة السعي في معاجم اللغة ونصوص القرآن الكريم، نخلص إلى النتائج الآتية:

أولا: يستعمل السعي بمعنيين هما: المشي السريع، والعمل الذي يهتم به صاحبه ويجتهد فيه.

فالسعي ليس مرادفا للعمل، بل هو عمل مخصوص يقصده صاحبه ويعتني به ليترتب عليه ثواب أو عقاب1.

ثانيا: إذا كان السعي بمعنى المضِيِّ عُدِّيَ بحرف (إلى)، وإن كان المسعى خيرا وأمرا محمودا – وهو أكثر استعمالاته - عُدِّي (باللام) وإن كان مذموما وعملا من أعمال الشر والفساد عُدي بحرف (في) .وقد قال أبو هلال العسكري: " إن مما تدرك به الفروق بين المعاني وأشباهها جهة الحروف التي تعدى بها الأفعال"2 .

ثالثا: يجازى الإنسان يوم القيامة بسعيه، خيره وشره، ويلحق بذلك ما نتج من آثار لسعيه و ما كان سببا فيه بكسبه.

رابعا: يُشكر السعي إذا استجمع ثلاث شروط: الإخلاص لله وابتغاء الآخرة، وتحري العمل الصالح الذي شرعه الله لعباده، وبينه لهم رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون هذا العمل صادرا من مومن يخشى الله ويرجو ثوابه.

خامسا: من محبطات السعي: فساد الاعتقاد، والمراءاة.

سادسا: مقت الله تعالى كل سعي في الفساد، سواء عاد ضرره على ما به قوام تديُّن الناس، أوعلى ما هو أصل معاشهم وحياتهم.

سابعا: للسعي سن معتبر، مفهوم من قوله تعالى: (فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك، فانظر ماذا ترى) [الصافات/102]، وهو سن التصرف والعمل والكسب، وفيه يبدأ الأب بتكليف الولد بعزائم الأمور كما فعل إبراهيم عليه السلام مع الذبيح.

ثامنا: إن مما يحز في القلوب أن غير المسلمين أكثر سعيا، والأصل أن يكون المسلم الذي يرجو لقاء ربه، ويتمنى دخول الجنان، أعظم سعيا، وأوسع حيلة، وقد قال تعالى: (إن تكونوا تالمون فإنهم يالمون كما تالمون، وترجون من الله ما لايرجون) [النساء/ 103]، وقال تعالى مبينا نشاط وفعالية المؤمن في حدها الأدنى (فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) [الأنفال/67]، وإن كان هذا في سياق الحديث عن الجهاد والقتال، إلا أن الجدية والفعالية في السعي لأداء الأمانة، وعمارة الكون تكون مطلوبة من باب أولى.

وفي الختم نتذرع إلى المولى الشكور أن يجعل سعينا وسعي كل مومن مشكورا، والحمد لله رب العالمين.

 

...........................

لائحة المصادر والمراجع:

القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.

1 – أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي،،دار الكتب العلمية،بيروت لبنان، الطبعة الثالثة 1424هـ -2003م، راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلق عليه محمد عبد القادر عطا.

2 - أحكام القرآن، لأبي الحسن على بن محمد المعروف بالكيا هراسي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405 هـ،تحقيق: موسى محمد على ـ عزت عبده عطية .

3 – أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع،إشراف بكر بن عبد الله أبو زيد، وقف مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية.

-4 التبيان في أقسام القرآن، لمحمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله المعروف بابن قيم الجوزية، دار الفكر.

5– تفسير البحر المحيط، لمحمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي، دار الكتب العلمية - لبنان/ بيروت الطبعة الأولى 1422 هـ - 2001 م،تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود - الشيخ علي محمد معوض.

6-تفسير روح البيان،إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي، دار إحياء التراث العربى.

7- تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن،لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري،دارهجر- القاهرة، الطبعة الأولى 1422هـ -2001 م، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي،بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر.

8- تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتح الغيب،للإمام محمد الرازي فخر الدين، دار الفكر لبنان بيروت، الطبعة الأولى 1401 هـ - 1981م.

9 - تفسير القرآن العظيم مسندا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين،للإمام الحافظ أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة - الرياض، تحقيق: أسعد محمد الطيب، إعداد مركز الدراسات والبحوث بمكتبة نزار الباز.

10- تفسير الكشف والبيان، لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان – الطبعة: الأولى 1422 هـ - 2002 م، تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق الأستاذ نظير الساعدي.

11–الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي،مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1427هـ - 2006 م، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي.

12- زاد المسير في علم التفسير، للإمام أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي،المكتب الإسلامي لصاحبه زهير الشاويش، بيروت، الطبعة الثالثة1404هـ -1984م .

13- الفروق في اللغة، لأبي هلال العسكري، منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت،الطبعة الخامسة 1403هـ - 1983 م، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة.

14- الكليات، لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، مؤسسة الرسالة - بيروت - 1419هـ - 1998م.تحقيق: عدنان درويش - محمد المصري.

15- لسان العرب،محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري،الناشر: دار صادر - بيروت

الطبعة الأولى.

16- مجموعة الفتاوى، لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني،دار الوفاء للطباعة والنشر،المنصورة- مصر،الطبعة الأولى 1417هـ - 1997م، اعتنى بها وخرج أحاديثها: عامر الجزار و أنور الباز.

17- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي،دار الكتب العلمية - لبنان -الطبعة الأولى 1413هـ - 1993م، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد.

18- مختار الصحاح،للشيخ محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، المكتبة العصرية،صيدا

بيروت، الطبعة الأولى1416 هـ - 1996 م.

19- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، للعلامة أحمد بن محمد بن علي المقرئ الفيومي، الطبعة الخامسة بالمطبعة الأميرية بالقاهرة 1922 .

20- مفردات ألفاظ القرآن،للعلامة الراغب الأصفهاني،دار القلم دمشق،الطبعة الرابعة 1420هـ - 2009 م،تحقيق صفوان عدنان داوودي.

1مفردات ألفاظ القرآن، ص 55

2منها: "نظرات في المصطلح والمنهج " و "نحو معجم تاريخي للمصطلحات القرآنية المعرفة" و "مصطلحات نقدية وبلاغية في كتاب البيان والتبيين للجاحظ" و"مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين: قضايا ونماذج".

[1]مختار الصحاح ص148

[2]مفردات ألفاظ القرآن ص411

[3]المصباح المنير 1/ 377

[4]لسان العرب 14/384 ومابعدها

[5]"الكليات: معجم في المصطلحات والفروق اللغوية" لأبي البقاء الكفوي،ص 377 .

[6]وقرأ كبراء من الصحابة والتابعين: فامضوا بدل (فَاسْعَوْاْ)، وينبغي أن يحمل على التفسير من حيث أنه لا يراد بالسعي هنا الإسراع في المشي، ففسروه بالمضي، ولا يكون قرآناً لمخالفته سواد ما أجمع عليه المسلمون، (البحر المحيط: 8/265)

3يفهم من صنيع الراغب الأصفهاني أنه جعل المشي السريع معنا حقيقيا للسعي، والجد في الأمر معنا مجازيا له، لأن منهجه في المفردات البدء بالمعاني الحقيقية،ثم إردافها بالمعاني المجازية.

1 جامع البيان،للطبري ج18/200 (تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي)

2 الجامع لأحكام القرآن ج 14/49، و ص100 (تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي)

 

1 أنظر الجامع لأحكام القرآن 4/314

2تفسير الكشف والبيان للثعلبي 2/257

3جامع البيان 22/ 399

4الجامع لأحكام القرآن 20/245،وللعلماء أقوال في تحديد مقدار هذا النور الذي يسعى بين أيدي المومنين وبأيمانهم، منها قول ابن مسعود: "يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورًا على إبهامه يطفأ مرة ويقدُ مرة"، وقول قتادة: " ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "مِنَ المُؤْمِنِينَ مَنْ يُضِيءُ نُورُهُ مِنَ المَدينَةِ إلى عَدَنَ أبْينَ فَصَنْعاءَ، فَدُونَ ذلكَ، حتى إنَّ مِنَ المُؤْمِنينَ مَنْ لا يُضِيء نُورُهُ إلا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ". أنظر جامع البيان22/397- 398.

5وروي عن ابن مسعود أنه قرأ "فامضوا إلى ذكر الله" وقال: لو كانت " فَاسعَوْا " لسعيت حتى يسقط ردائي،ولم يصح عنه، لأن السند غير متصل ؛ و إبراهيم النخعي لم يسمع من عبدالله بن مسعود شيئا"،الجامع لأحكام القرآن20/467.

1 أنظر جامع البيان22/641 .

2أنظر أحكام القرآن لابن العربي4/248 .

3أنظر الجامع لأحكام القرآن 20/465 .

4 أنظر تفسير ابن أبي حاتم10/3356.

5 تفسير روح البيان، لإسماعيل حقي: ج 9/512 .

6 زاد المسير8/264.

7أنظر جامع البيان 22/ 637، وانظر أضواء البيان للشنقيطي: ج 8/280.

8أحكام القرآن لابن العربي4/248 .

1جامع البيان 24/460

2مفاتيح الغيب،للرازي31/199 (الطبعة الأولى 1401ه /1981م، دار الفكر،بيروت لبنان)

1مفاتيح الغيب 31/51 .

2جامع البيان 14/537

3المفردات،ص 462

1الجامع لأحكام القرآن 14/284

2المصدر نفسه 14/284

3 أنظر المفردات للراغب، ص714.

4أنظر مفاتيح الغيب 22/ 220 .

5 الجامع لأحكام القرآن 14/285

1مفاتيح الغيب 20/180-181 .

2الجامع لأحكام القرآن21/485 .

1 مفاتيح الغيب 25/243 .

2 جامع البيان 16/600.

3المصدر نفسه16/ 601.

4 المصدر نفسه16/601.

1جامع البيان 16/602.

2 الجامع لأحكام القرآن14/422.

3 المصدر نفسه14/422 .

4 راجع الفتاوى الكبرى، لابن تيمية ج13/178 .

1 مفاتيح الغيب 23/48 .

2 جامع البيان 24/83

3 الجامع لأحكام القرآن 22/55

4 مفاتيح الغيب 31/43 .

1 أنظر الفتاوى الكبرى، لابن تيمية،ج13/180

2راجعه في الصفحة 15

1يراجع: (جامع البيان3/571 ومابعدها)، (الجامع لأحكام القرآن3/381 ومابعدها، وج2/320ومابعدها) .

2 مفاتيح الغيب 5/217 .

3جامع البيان3/581، الجامع لأحكام القرآن3/384

4المحرر الوجيز، لابن عطية،ج1/280 .

5 مفاتيح الغيب 5/217

6 أنظرجامع البيان للطبري: 3/584

1 مفاتيح الغيب 5/218 .

2 المصدر نفسه 4/11 .

3 جامع البيان2/446

1 مفاتيح الغيب 4/13 .

2 جامع البيان 15/423.

3 المصدر نفسه 15/428 .

4أحكام القرآن للكيا الهراسي،ج 4/268، وانظرالجامع لأحكام القرآن 13/392 .

1 أنظر التبيان في أقسام القرآنابن قيم الجوزية، ص7

2راجع " الفروق في اللغة" لأبي هلال العسكري،ص 17 .

ali jabaralfatlawiيرى الشيخ الطوسي أن معاني القرآن تتوزع على أربعة أقسام:

1 - ما اختص الله تعالى بالعلم به، فلا يجوز لأحد تكلف القول فيه، ولا تعاطي معرفته، مثل قوله تعالى:

(يسألونك عن الساعة أيّان مرساها قل إنما علمها عند ربّي لا يجلّيها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلّا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون) الاعراف: 187 ، وقوله تعالى:

(ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلّا قليلا) الاسراء: 85

2 – ما كان ظاهره مطابقا لمعناه، فكل من عرف اللغة التي خوطب بها، عرف معناها، مثل قوله تعالى:

(ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلّا بالحق) الانعام: 151 وقوله تعالى: (قل هو الله أحد) سورة التوحيد: 1

3 – ما هو مجمل لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصلا. مثل قوله تعالى:

(ولله على الناس حِج البيت من استطاع إليه سبيلا) آل عمران: 97

وقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة واتوا الزكاة) البقرة: 43 و83 و110

تفصيل اعداد الصلاة وعدد ركعاتها، وتفصيل مناسك الحج وشروطه، لا يمكن استخراجه إلا ببيان النبي (ص)، ووحي من الله، فتكلف القول في ذلك ممنوع منه.

4 – ما كان اللفظ مشتركا بين معنيين فما زاد عنهما، ويمكن أن يكون كل واحد منهما مرادا . فإنه لا ينبغي أن يقدم أحد به فيقول:

إن مراد الله فيه بعض ما يحتمل – إلّا بقول نبي أو إمام معصوم – بل ينبغي أن يقول: إن الظاهر يحتمل لأمر، وكل واحد يجوز أن يكون مرادا على التفصيل. والله أعلم بما أراد ،(ومتى كان اللفظ مشتركا بين شيئين، أو ما زاد عليهما، ودل الدليل على أنه لا يجوز إن يريد إلا وجها واحدا، جاز أن يقال: إنه هو المراد .)

نرى الشيخ الطوسي في منهجه التفسيري، حريص كل الحرص ليكون مستوفيا لضوابط التفسير الصحيحة، واستوحي من كلام الشيخ الطوسي، أنه مطلع على مناهج واتجاهات المفسرين المعاصرين له، والذين سبقوه بدليل أنه قسمهم إلى مفسرين (من حمدت طرائقه، ومدحت مذاهبه)، وذكر ابن عباس، وقتادة، والحسن – وأظن يقصد الحسن البصري – ومفسرين (من ذمت مذاهبه) وذكر أبا صالح والسدي والكلبي، (أما المتأخرون – المفسرون – فكل واحد منهم نصر مذهبه، وتأول على ما يطابق أصله) .

انتقد مناهج هؤلاء ودعا لعدم تقليدهم، (بل ينبغي أن يرجع – المفسر – إلى الأدلة الصحيحة: إما عقلية، أو الشرعية، من إجماع عليه، أو نقل متواتر به عمن يجب اتباع قوله، ولا يقبل خبر واحد، خاصة إذا كان مما طريقه العلم.)

هذه ضوابط ذكرها الطوسي ليلتزم بها من يريد السير في الطريق الصحيح للتفسير، نراه أنتقد معاصريه المفسرين لأنهم ساروا في الطريق الضيق للتفسير، إذ حمّلوه آراء مذاهبهم، ودعا إلى عدم الأخذ بآراء هؤلاء، لأن تفاسيرهم لم تكن لجميع المسلمين، بل هي خاصة بمذاهبهم، ونستوحي من كلام الشيخ الطوسي، أنه قد تجاوز هذه السلبية، فقد جاء تفسيره عاما للجميع، يتقبله السني المعتدل وكذلك الشيعي، كذلك نلاحظ الشيخ الطوسي يرفض أي رواية تخص تفسير كلام الله تعالى، لا يكون مصدرها النبي أو الأئمة المعصومون، فقوله (عمن يجب اتباع قوله) يشير إلى ذلك، كذلك رفض الشيخ الطوسي الاعتماد على خبر الواحد في تفسير القرآن، (خاصة إذا كان مما طريقه العلم) وأفهم من العبارة لم يكن شاهدا عيانيا للنبي (ص) أو الإمام المعصوم (ع) ، هذه الضوابط التي أشار إليها الطوسي تدلل على أنه ملتزم بهذه الضوابط في تفسيره (التبيان)، فهو إضافة إلى كونه جامعا، متجاوزا لهذه السلبيات، ومثبتا للإيجابيات، لهذا جاء تفسيره مقبولا من جميع الأطراف، وفي حالة أن يلجأ المفسر إلى التأويل يرى الطوسي أن المفسر يحتاج إلى شاهد لغوي معلوم وشائع، ويُرفض الشاهد إن كان من الألفاظ النادرة، ومثل هذا الشاهد اللغوي لا يمكن أن يكون شاهدا على كلام الله تعالى، إضافة للضوابط السابقة، تطرق الشيخ الطوسي إلى القراءات، وقال):أن العرف من مذهب أصحابنا والشائع من أخبارهم ورواياتهم أن القرآن نزل بحرف واحد، غير أنهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القراء وأن الانسان مخير بأي قراءة شاء قرأ .)

ويفند الطوسي رأي من يدعي أن القرآن نزل على سبعة أحرف، معتمدين على رواية منسوبة للنبي (ص) أنه قال: (نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف.)

يقول الشيخ الطوسي: (لا معنى للتشاغل بإيرادها واختلفوا في تأويل الخبر، فاختار قوم أن معناه على سبعة معان: أمر، ونهي، ووعد، وجدل، وقصص، وأمثال).

وذكر روايات أخرى تفسر (سبعة أحرف) على سبعة معان، وذكر روايات أخرى تفسر (سبعة أحرف)، بمعنى سبع لغات وقال الطوسي أن الطبري أخذ بهذا المعنى، وذكر رأي آخرين يقولون أن القرآن نزل على سبعة أحرف بمعنى سبع قراءات، وذكر هذه القرءات السبعة، مثل اختلافهم في إعراب الكلمة أو حركة بنائها فلا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغيّر معناها نحو قوله:

(هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) هود: 78 ، بالرفع والنصب، واستمر الشيخ الطوسي في عرض القراءات السبعة .

ثم عرج الشيخ الطوسي إلى رواية للنبي (ص) إنه قال:

(ما نزل من القرآن من آية إلّا ولها ظهر وبطن) يقول الشيخ الطوسي لقد روى هذا الحديث أصحابنا عن الأئمة (ع)، وقد شرح الطوسي الوجوه التي يمكن حمل معنى الحديث عليها، نذكر هذه الوجوه بصورة مختصرة:

1 – ما روي عن الأئمة (ع) أن المراد بذلك القصص بأخبار هلاك الأولين وباطنها عظة للآخرين.

2 – ما حكي عن ابن مسعود أنه قال: (ما من آية إلا وقد عمل بها قوم ولها قوم يعملون بها) .

3 – معناها أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها ذكره الطبري واختاره البلخي .

4 – قال الحسن البصري: (إنك إذا فتشت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها).

ثم يذهب الشيخ الطوسي إلى القول: (وجميع أقسام القرآن لا يخلو من ستة: محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخاص وعام)

وسنتطرق لها لتتضح صورة منهج الشيخ الطوسي في التفسير كونه جامعا، وأخيرا ذكر أسماء القرآن، وتسمية السور والآيات، وسنتكلم عن رؤية الطوسي هذه ، بعدها نختار نماذج من تفسيره، ونذكر نماذج لتفسيره من مراجع أخرى، وكلامنا في هذه المطالب سيكون مختصرا لكنه يفي بالغرض.

يقول الشيخ الطوسي عن المحكم: (ما أنبأ لفظه عن معناه من غير اعتبار أمر ينضم إليه سواء كان اللفظ لغويا أو عرفيا ولا يحتاج إلى ضروب من التأويل).

وذلك نحو قوله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) البقرة: 286

والمتشابه (ما كان المراد به لا يعرف بظاهره بل يحتاج إلى دليل وذلك ما كان محتملا لأمور كثيرة أو أمرين ولا يجوز أن يكون الجميع مرادا فإنه من باب المتشابه، وإنما سمي متشابها لاشتباه المراد منه بما ليس بمراد .)

مثل قوله تعالى: (والسموات مطويات بيمينه) الزمر: 67

وتكلم عن الناسخ والمنسوخ، وعد النسخ ثلاثة أنواع ، نسخ الحكم دون اللفظ وهو المقبول عند علمائنا، ونسخ اللفظ دون الحكم وهو ما يسمى نسخ التلاوة، ونسخ الحكم والتلاوة وهو ما يسمى الإنساء، وهما غير مقبولين عند علمائنا والبعض من علماء السنة، ولم أجد في التبيان ردّا على النوعين الأخيرين، لكن الشيخ الطوسي قال إن الكلام في شرائط النسخ، مما لا يليق الكلام فيه في التفسير، وأحال الكلام عن النسخ وشرائطه إلى كتابه (العدة) في أصول الفقه .

ومما تطرق إاليه الطوسي في تفسيره ذكره لتكرار القصة بعد القصة في القرآن، ويعلل ذلك بقوله:

(أن رسول الله كان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة فلو لم تكن الأنباء والقصص مكررة، لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم، وقصة نوح إلى قوم آخرين، فأراد الله بلطفه ورحمته أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها في كل سمع، ويثبتها في كل قلب، ويزيد الحاضرين في الأفهام .)

وننهي كلامنا في هذا الفصل عن أسماء القرآن الكريم والسور والآيات حسب ما جاء في تفسير (التبيان) وبصورة مختصرة أيضا.

ذكر الشيخ الطوسي أن الله تعالى سمّى كتابه العزيز بأربعة أسماء، سماه قرآنا في قوله تعالى: (إنا جعلناه قرآنا عربيا) الزخرف: 3 وفي قوله تعالى:

(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) البقرة: 185 .

وسماه فرقانا في قوله تعالى:

(تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) الفرقان: 1

وسماه الكتاب في قوله تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) الكهف:1

وسماه الذكر في قوله تعالى: (إنّا نحن نزلّنا الذكر وإنا له لحافظون) الحجر:9

وسميت السورة بهذا الاسم من الارتفاع ومنه ارتفاع السور أي الحائط، وسميت الآية بذلك من العلامة، والجوهري في معجم الصحاح يقول: الآية العلامة، سورة هي كل منزلة من البناء، ومنه سورة القرآن، لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى، والجمع سُوَر بفتح الواو

 

علي جابر الفتلاوي

 

ali jabaralfatlawiلماذا اسم (التبيان) ودوافع التأليف؟

التبيان في اللغة من التبيين يقول الجوهري: (الإيضاح أو الوضوح، والتبيان مصدر وهو شاذ لأن المصادر إنما تجيء على التَفعال بفتح التاء مثل التذكار والتكرار، ولم يجئ بالكسر إلّا حرفان، وهما التبيان والتلقاء).

وإذا أخذنا المعنى اللغوي للتبيان يتضح لنا سبب تسمية تفسير الشيخ الطوسي بهذا الإسم، فمن الواضح أن الشيخ الطوسي يعني أن تفسيره سيهتم بمعاني الآيات القرآنية بصورة جامعة بحيث يصل إلى المعنى المطلوب بصورة واضحة وكاملة، يؤدي الغرض من التفسير وهو بيان معاني ومقاصد الآيات القرآنية، وقد أشار الشيخ الطوسي في مقدمة تفسيره إلى الدافع الذي دفعه لتفسير القرآن (فإن الذي حملني على الشروع في عمل هذا الكتاب إني لم أجد أحدا من أصحابنا – قديما وحديثا – من عمل كتابا يحتوي على تفسير جميع القرآن، ويشتمل على فنون معانيه).

ونستوحي من كلام الشيخ الطوسي أنه لا يوجد تفسير للقرآن جامع يفي بالغرض لغاية عصر الشيخ الطوسي، وهو قد ألّف تفسيره ليتجاوز الثغرات في التفاسير الموجودة وليسد النقص في هذا الباب، فألف تفسيره (التبيان) ليكون جامعا متجاوزا لثغرات من سبقه، وعدد اسماء السابقين له في هذا الباب، فشخص عيوب مؤلفاتهم، ذكرالطبري وعدّه من المطيلين في شرح المعاني، وذكر آخرين عدّهم مقصرّين في شرح المعاني إذ اهتموا بالغريب من الالفاظ، وقال في مقدمة تفسيره (التبيان):

(وسلك الباقون المتوسطون في ذلك مسلك ما قويت فيه مُنتهم – قوتهم – وتركوا ما لا معرفة لهم به).

وذكر الطوسي أمثلة لبعض الاسماء التي سلكت هذا المسلك الوسط، لكنهم أخلوا جميعا في الجوانب المهة الأخرى، ذكر الزجّاج والفراء من النحويين إذ اهتما بالاعراب والتصريف على حساب الجوانب الأخرى، وذكر مفضل بن سلمة إذ إستكثر من علم اللغة، واشتقاق الالفاظ، وذكر من المتكلمين كأبي علي الجبائي الذي اهتم بالمعاني الكلامية، وذكر البلخي الذي أضاف من علومه الخاصة، وعدّ ذلك مما يعاب على من سلك هذا المسلك، لأنه يخل بالجوانب التي يفترض أن يهتم بها المفسر، لا أن تدخل علوما وفنونا لا علاقة لها بالتفسير، لكنه لم يغمط حقّ من سلك مسلكا سليما في التفسير، وذكر مثالاعلى ذلك أبا مسلم الاصفهاني، وعلي بن موسى الرماني،(فإن كتابيهما أصلح ما صنف في هذا المعنى، غير أنهما أطالا الخطب فيه، وأوردا فيه كثيرا مما لا يحتاج).

ذكر الشيخ الطوسي في مقدمة تفسيره (التبيان في تفسير القرآن) كل هذه النماذج والأمثلة، كي يمهد لرؤيته عن التفسيرالجامع للشرائط الصحيحة، ومتجاوزا للسلبيات التي وقع فيها من سبقه من المفسرين، وقد تجسدت رؤيته التفسيرية الجامعة هذه في تفسيره (التبيان)، إذ اهتم الشيخ الطوسي بجميع الجوانب التي يفترض أن يهتم بها كل مفسر مع مراعاة الجوانب الفنية والعلمية حتى يؤدي التفسيرالغرض المطلوب ويحقق الهدف، يقول الشيخ الطوسي وهو يتكلم عن الدافع الذي دفعه لتفسير القرآن: (سمعت جماعة من أصحابنا قديما وحديثا، يرغبون في كتاب مقتصد يجتمع على جميع فنون علم القرآن، من القراءة، والمعاني والإعراب، والكلام على المتشابه، والجواب عن مطاعن الملحدين فيه، وأنواع المبطلين، كالمجبرة، والمشبّهة والمجسّمة وغيرهم، وذكر ما يختص أصحابنا به من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة مذاهبهم في أصول الديانات وفروعها).

وتعهد الشيخ الطوسي بأن يفي تفسيره بكل هذه المطالب، وهذا عهد من الشيخ الطوسي أن يكون تفسير التبيان تفسيرا جامعا، وسنذكر أمثلة على هذه المطالب في الصفحات القادمة، وتفسير التبيان من خلال استعراضنا لصفحاته، نرى أنه تفسير جامع إضافة لتوفر عنصر الاجتهاد فيه من خلال السير بالمنهج العقلي في التفسير، وقد أفرد الشيخ الطوسي فصلا تحدث فيه عن المبادئ التي يُفترض بالمفسر أن يلتزم بها، سنعرض نماذج منها في محور آخر.

وصف صاحب (الموسوعة الحرة) تفسير التبيان وصفا منصفا أرى من المناسب أن نقتطف فقرات من هذا الوصف:

(هو تفسير حافل جامع، شيعي معتدل، أقرب لأهل السنة، وشامل لمختلف ابعاد الكلام حول القرآن، لغة وأدبا قراءة ونحوا، تفسيرا وتأويلا، فقها وكلاما بحيث لم يترك جانبا من جوانب هذا الكلام الإلهي الخالد، إلا وبحث عنه بحثا وافيا).

ويستدل صاحب الموسوعة على أن تفسير (التبيان) قد ألفه الشيخ الطوسي في السنوات الأخيرة من عمره، بدليل أن الطوسي يحيل بعض المسائل في التفسير إلى كتبه المؤلفة سابقا، في الفقه والأصول والكلام، وهذا يدلل:

(أنه كتب التفسير متأخرا عن سائر كتبه في سائر العلوم، ومن ثمّ فإن هذا الكتاب يحظى بقوة ومتانة وقدرة علمية فائقة، شأن أي كتاب جاء تأليفه في سنين عالية من حياة المؤلف ... هذا التفسير حاز قصب السبق من بين سائر التفاسير التي كانت دارجة لحد ذلك الوقت، والتي كانت أكثر مختصرات تعالج جانبا من التفسير دون جميع جوانبه، مما أوجب أن يكون هذا التفسير جامعا لكل ما ذكره المفسرون من قبل، وحاويا لجميع ما بحثه السابقون عليه).

إنّ تفسير (التبيان) للشيخ الطوسي يعد من التفاسير الجامعة، بمعنى أنه استخدم جميع إتجهات التفسير التي تحقق الهدف من التفسير وهو بيان وتوضيح معاني ومقاصد الآيات القرآنية، بطريقة الاستفادة من اتجاه أو أكثر حسب سياق وحاجة فهم الآية أوالآيات، وليس بالضرورة استخدام جميع الإتجاهات، وقد راعي الشيخ الطوسي أن يكون تفسيره جامعا من خلال التزامه بجملة من المبادئ العامة التي ذكرها هو في كتابه (التبيان)، وهي في الواقع مبادئ يحتاج إليها كل مفسر يطمح أن يكون تفسره جامعا واضحا يؤدي الغرض ويحقق الغاية، الشيخ الطوسي استبعد البحث في بعض الابواب كونها محسوبة على علوم أخرى، فهو لم يتركها نهائيا، كما أنه لم يسهب فيها حتى لا يخرج عن الهدف من التفسير، مثلا الكلام عن الاعجاز في القرآن، يرى الشيخ الطوسي أنه لا يدخل ضمن موضوعات التفسير (الكلام في إعجازه، وجهة إعجازه، واختلاف الناس فيه، لا يليق بهذا الكتاب، لأنه يتعلق بالكلام في الأصول).

كذلك من منهج الشيخ الطوسي استبعاد البحث في النقصان أو الزيادة في القرآن الكريم، وعد الكلام في هذا الباب مما لا يليق بكتاب الله العزيز، وكل كلام في النقيصة أو الزيادة لا يؤخذ به، فإن القرآن هو الموجود بين الدفتين المنقول نقلا متواترا، والمسلمون مجمعون على ذلك، أما الشواذ منهم فلا يؤخذ بكلامهم، لأنهم يعتمدون على أخبار آحاد، يقول الشيخ الطوسي عن أقوال هؤلاء: (طريقها الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، والأولى الإعراض عنها، وترك التشاغل بها).

ويورد الشيخ الطوسي حديث الثقلين كرد على القائلين بالنقص أو الزيادة: (إني مخلف فيكم الثقلين، ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)، يقول الشيخ الطوسي مدللا بالحديث السابق على سلامة القرآن الكريم من زيادة أو نقصان، (وهذا يدلّ على أنه موجود في كل عصر لأنه لا يجوز أن يأمر بالتمسك بما لا نقدر على التمسك به. كما أن أهل البيت، ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت. وإذا كان الموجود بيننا مجمعا على صحته، فينبغي أن نتشاغل بتفسيره، وبيان معانيه ونترك ما سواه).

تحدث الشيخ الطوسي عن آرائه التي التزم بها في تفسيره، وهي مبادئ عامة يفترض بكل مفسر أن يأخذ بها، مع مراعاة التطوارات في الفهم حسب الزمان والمكان، لأننا لا يمكن أن نثبت على فهم واحد مع التطور في مختلف العلوم، ولكن كمبادئ للمنهج العام في التفسير لا يمكن أن يتجاهل المفسر آراء الشيخ الطوسي في هذا الباب،   طرح الشيخ الطوسي، تأكيده على تفسير القرآن بالأثر الصحيح المنقول عن النبي (ص) والأئمة الأطهار(ع)، وفند القول بالرأي في القرآن ولا يجيزه، والتفسير بالأثر قسّمه سماحة العلامة (معرفة) إلى تفسيرالقرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة، وتفسير القرآن بأقوال الصحابة، وتفسير القرآن بأقوال التابعين .

أرى أن الشيخ الطوسي لا يجيز الأخذ بالأثر إلا بشرط رجوع هذا الأثر إلى النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع)، وبشرط آخرعلى أن لا يتقاطع الأثر مع ظاهر القرآن، ويوجب الشيخ الطوسي الأخذ بظاهر القرآن ويتساءل (كيف يجوز أن يصفه – (الله تعالى) – بأنه عربي مبين، وأنه بلسان قومه، وأنه بيان للناس، ولا يفهم بظاهره شيء؟)

ويضيف الشيخ الطوسي أن الأثر إذا تقاطع مع ظاهر القرآن لا يؤخذ به، والدليل قول الرسول (ص):(إذا جاءكم عني حديث، فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فاقبلوه، وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط)، وروي مثل ذلك عن الأئمة(ع)، وهنا يؤكد الشيخ الطوسي أنه لا يمكن العرض على كتاب الله ما لم يكن ظاهر القرآن مفهوما، ويتساءل (كيف يمكن العرض على كتاب الله، وهو لا يفهم به شيء؟ وكل ذلك يدل على أن ظاهر هذه الأخبار متروك).

نعم يترك الأثر مع التعارض مع ظاهر القرآن، هذا هو رأي الشيخ الطوسي وأعلام الشيعة قديما وحديثا، مع العلم في الإمكان تأويل الخبر إن كان صحيحا، وإن كان متقاطعا فلابد من وجود خلل في متن الخبر أو سلسلة الرواة، وهذا أمر وارد، لأن دعوة النبي (ص) إلى عرض الحديث على القرآن، نستوحي منها أن النبي (ص) عارف أن هناك أناس سيحرّفون ويزورون أحاديثه، وكذلك الأئمة الأطهار (ع) .

 

علي جابر الفتلاوي

 

abdullah badrhskandarيرى بعض الناس أن تكرار القصص في القرآن الكريم لا ينطلق من أسلوب الترادف المؤدي إلى وحدة المعاني في سياق الألفاظ، ولذلك عمد هؤلاء إلى التفريق بين الكلام النازل من الله تعالى وبين ما هو دون ذلك من النثر أو الشعر، لأجل التخلص من اشكالية المقاربة بين الكلامين، وهذا ما جعل بعض الباحثين يتجه إلى خلق الأعذار التي لا ترقى أن تكون بمنزلة المناصر لكتاب الله تعالى، ظناً منهم أن اختلاف السياق القرآني يجب أن يسير بطرق متوازنة في نهج مستقيم بعيداً عن الطبيعة النثرية التي نجدها في الأدب القصصي أو الأسلوب السردي الظاهر في الخيالات البشرية وما ينطوي تحتها من قيم مماثلة وصولاً إلى الشعر وقوانينه وما يترتب على ذلك من توفيق بين الحادثة التي يريد الشاعر الكشف عنها وبين الواقع الذي يعيشه، وهذا الاتجاه قد يكون مستحسناً لدى كثير من المحققين الذين كان همهم إخراج القرآن الكريم عن هذه القياسات، ولذلك ذهب جمع منهم إلى ربط الأحداث التي مرت بها الأمة بأحداث أخرى عاشها بنو إسرائيل في مواجهة فرعون من جهة وما جرى لهم بعد ذلك في التيه من جهة أخرى، ولهذا قيل إن التكرار يعالج الأحداث بطرق متباينة نظراً لما تمر به الأمة في مراحلها المختلفة وما يتفرع عنها من تبعات تدعو للإصلاح الذي يتناسب مع المواقف الآنية التي يعيشها المسلمون، وكما تعلم فإن هذا الواقع وإن كان يحمل شيئاً من الصحة إلا أن تحجيم القرآن بهذه الأسباب والموارد لا يمكن أن يحقق الغرض المرجو منه، ولأجل الوصول إلى هذا المعنى فمن الضروري أن تُستنطق المفاهيم القرآنية العامة حتى يتم الخروج بمصاديقها على الوجه الأمثل الذي يستوجب التكرار.

وبناءً على ما تقدم نفهم أن مصدر الكمال القرآني يتطلب ملاحقة الأحداث وإخراجها بصيغ متشابهة من أجل عدم تشتت الأفكار أو الذهاب بالمتلقي إلى ما لا يتناسب مع الطبيعة البشرية، أضف إلى ذلك أن القرآن الكريم وإن كان فوق المستوى البشري في البيان إلا أن فيه مراعاة لمقتضى الحال، ومن هنا كان التكرار حقاً ملازماً للنهج القرآني، وذلك لأن التوجيه المباشر لا يمكن أن يستقر في نفس المخاطب إلا بتصريف الكلام والكشف عن مدلوله اللفظي من خلال السياق القرآني، وقد بين الحق سبحانه هذه الحقيقة في قوله: (ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفوراً) الإسراء 41. أي لقد كررنا في هذا القرآن من كل الشواهد المؤدية إلى تبيان العقيدة الإيمانية من أجل تذكير الإنسان، وهذا التذكير لا يستقر في النفس إلا بتصوير المراحل الزمنية بأشكال مترابطة، وليس من السهل إحضار تلك المراحل إلا بذكر الأحداث مرة بعد أخرى وإظهارها بأساليب متشابهة ولذلك نلاحظ تفرق الوقائع في السياق تارة واجتماعها تارة أخرى باعتبار أن الغرض من إيصال المنهج الإيماني لا يمكن أن يتم إلا باللجوء إلى التكرار، ولهذا وبخ الحق سبحانه بعض الناس الذين يعرضون عن النهج السليم لدعوة الحق على الرغم من إظهار المعاني وتصريفها بطرق متشابهة، وذلك في قوله: (انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون) الأنعام 46. أي انظر كيف نكرر الآيات ونبينها بأساليب متقاربة لأجل أن تصل إلى أفهامهم إلا أنهم يصدفون عنها أي يعرضون، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفوراً) الإسراء 89.

من بعد هذه المقدمة نستطيع القول إن القرآن الكريم قد صرف الأحداث التي مر بها بنو إسرائيل وبينها بطرق مختلفة تكاد تكون متقاربة لكي تلامس الواقع الذي يعيشه المسلمون في عصر التنزيل، وسيمر عليك هذا المعنى في تفسير آيتي البحث، أما من يذهب إلى نفي الترادف أو أن يأتي بمبررات واهية للتكرار فهذا وإن كان قوله صادراً عن نية حسنة واعتقاد صحيح، إلا أن مثله كمثل الذين أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه عن سلطانه فتأمل.

تفسير آيتي البحث:

قوله تعالى: (ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون) البقرة 92. كرر الله تعالى في هذه الآية ما ذكره في قوله: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون) البقرة 51. وكما بينا في بحثنا أن سبب التكرار يأتي للتذكير وفي الآية إزالة لأعذارهم، أي لا عذر لكم في دعواكم الإيمان بما أنزل عليكم وأن قلوبكم غلف، وقد مر عليك هذا الادعاء من خلال تفسيرنا للآيات التي سبقت هذا البحث، وفي هذا السياق ذكرهم سبحانه بمجيء موسى بالبينات أي أن الحجة قائمة عليكم من بعد هذا المجيء، والقصد من ذلك إبطال دعواهم بالحجج التي تنفي إيمانهم نفياً قاطعاً لأنهم كانوا يزعمون أن إيمانهم لا يتعدى إلى أكثر مما جاء به موسى، ومن هنا ذكر الحق سبحانه هذه التوطئة لأجل أن يبين لهم أن مجيء موسى بالبينات لم يغير شيئاً في إيمانهم.

فإن قيل: لا يذم الإنسان لمجرد اتخاذ العجل فلمَ وبخهم الله على ذلك؟ أقول: اتخاذ العجل للأغراض الشرعية من الأفعال الجائزة إلا أن الذي يذم عليه الإنسان هو اتخاذ العجل معبوداً من دون الله تعالى، وفي الآية حذف تقديره.. ثم اتخذتم العجل معبوداً.. ولم يأت الحق سبحانه بالمعنى كاملاً باعتبار أن الفعل الصادر عنهم لا يحتاج إلى شاهد، لأنه أصبح معلوماً لدى جميع الناس وعلى مر التأريخ فهو أكبر من أن يعرّف.

فإن قيل: ما هي البينات التي جاء بها موسى؟ أقول: البينات هي المعجزات الدالة على صدق نبوته، كالعصا وضم اليد إلى الجناح وفلق البحر وانفجار العيون وما إلى ذلك.

قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين) البقرة 93. ورد السياق ههنا مكرراً، كما في قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) البقرة 63. أي خذوا ما آتيناكم باهتمام، أما معنى قوله: (واشربوا في قلوبهم العجل) من سياق البحث. أي أشربوا في قلوبهم حب العجل، وعبر تعالى عن حب العجل بالشرب دون الأكل لأن الشرب يصل إلى جميع أعضاء البدن ويتغلغل فيها، ولهذا كان التشبيه.

فإن قيل: ما المراد من قوله تعالى: (قالوا سمعنا وعصينا) من سياق البحث؟ أقول: يتضمن السمع معنى الامتثال، أي قالوا امتثلنا للأمر الموجه إلينا، أما العصيان فلم يصدر منهم قولاً وإنما أفعالهم دلت عليه ولهذا المعنى نظائر كثيرة في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر) التوبة 17. أي أن أعمالهم تشهد على كفرهم. وكذا قوله: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين) فصلت 11. وقوله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) يس 82. وههنا أطلق تعالى القول وأراد منه القصد فتأمل.

أما قوله تعالى: (قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين) من سياق البحث. فالمراد منه اسناد الأمر للإيمان وإضافته إليهم تهكماً، كما في قوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) الدخان 49. وكذا قوله: (أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا) هود 87. وقوله: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) الزخرف 81. وكما ترى فإن المعنى وارد على سبيل التمثيل لغرض المبالغة في نفي الولد عن الحق جل شأنه، وهذا نظير قوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) الأنبياء 22.

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

 

   عبدالله بدر اسكندر  

في بحثنا السابق كنا قد تحدثنا عن - إشكالية المفهوم والدلالة - بين السُنة والشيعة، وبيّنا الفوارق اللفظية والمعنوية بينهما، وماهو الصحيح من جهة الإستخدام والمطابقة، وقلنا هناك: إن السُنة هي الطريقة وهي القانون، ولا يجوز إعتبار السُنة مجموعة الرجال من الناس، وأما الشيعة: فهم الناس وهم التابعين أو الأتباع، وقلنا هناك إيضاً: إنه لا يصح أبداً أن تتسمى جماعة ما بأنهم - أهل السُنة -، معتبرين إن الصواب من جهة اللفظ والمعنى يكون أكثر إنطباقاً على - الشيعة -، كتعبير عن الجماعة التابعة أو الجماعة الموالية .

وفي بحثنا هذا سنحاول تسليط الضوء على مفهوم جدل اللفظ والمعنى بين - الإسلام أو الشيعة - أو قل في بيان العلاقة بين - الإسلام والتشيع - كما دلت على ذلك لغة العرب وإستخدامات الكتاب المجيد لهذه اللفظة على الصعيد التداولي، أو قل على الصعيد الإجرائي في دلالة معنى - المسلمين على إنهم الشيعة حصراً -، وذلك بلحاظ الإستخدام، وفي النتيجة يكون لدينا: إن كل مسلم فهو شيعي، وكذا يكون كل شيعي فهو مسلم وهذه النتيجة يمكن فهمها بالمنظور الإبراهيمي لمعنى الشيعي، كما ويمكن إعتبار هذه النتيجة بيان للعلاقة الحيوية التي تربط بين لفظ الإسلام ومعناه ولفظ الشيعة ومعناه، وهذه العلاقة هي التي يتأسس عليها كل شيء في حياة المسلمين .

ومن أجل إثبات المطلوب هذا، سنستهل بحثنا هنا في الوقوف مع ما تعنيه كلمة - الشيعة - كما وردت في النص التالي بقوله تعالى: - وإن من شيعته لإبراهيم - الصافات 83، ونتسائل: - لماذا أستخدم النص لفظ - شيعته - في بيان تابعية إبراهيم وموالاته لنوح النبي؟، ونعلم إن هذه التابعية وهذه الموالاة تجري في سياق العلاقة مع الله، أي التابعية لنوح من حيث إنه مرتبط بالله وبتعاليمه، والتابعية في كيفية الإيمان بالله كذلك، فالنص قد صب هذه العلاقة في معنى هذا الوصف وهذه الدلالة، ولذلك جاء باللفظ الدال عليه، وفي ذلك إيضاً تتأكد مقولتنا عن الألفاظ وبأنها في الكتاب المجيد إنما وضعت لمعاني محددة ومطلوبة دون سوآها، ولو تأملنا سياق النص هذا نعلم إنه إنما كان يتحدث عن إبراهيم لا بصفته الشخصية الإعتبارية، بل بصفته الإيمانية العملية والسلوكية، وإعلان ذلك في النص هو بمثابة التوثيق لصحة علاقته بالله وصحة دعوتة إلى الله، فهو إذن، أي النص هو توصيف للحال أو بيان للحال، وفي كليهما يكون بمثابة الإجراء والممارسة التي تؤثر في السامع أو المُتلقي أو هي نوع من ذلك، وبما إن إبراهيم النبي يتحدث عن الله وعن الوحي وعلاقته به لذلك تطلب الأمر منه ليقول لنا: بأن ما أدعوا له وما أعيشه إنما يجري في نفس السياق الذي سار عليه ودعا له ومارسه نوح، - والفضل لإبراهيم في ذلك إنه أعلنه وأظهره ككيان وكتيار مستقل و ذي ملامح محددة خاصة، وهذا الكيان هو الذي سماه - الإسلام - كما يظهر ذلك في قوله (هو سماكم المسلمين من قبل) -، وجملة هو سماكم لا تعني هو أبداً معنى المبتدئ لهذه التسمية أو هو أول من أطلقها، بل تعني إنه هو أول من أعلنها بصورتها المحددة ذات السمات الخاصة، وهو في ذلك المعنى تابع لنوح أوإنه معه، وهذا ما تدل عليه لفظة - من شيعته -، والأمر في تلك التابعية يدور في الكيفية والطريقية التي أتبعها أو وظفها إبراهيم النبي في خطابه للتخفيف من حدة الصدمة نظراً للرافضين لفكرة نبوته، هذا من الناحية الموضوعية، خاصةً إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار مفهوم و شرط المتابعة أو المشايعة، ككونه الإلتزام بالقيم نفسها والتي كان عليها من شايعه .

وقد عرفنا الكتاب المجيد على أن نوحاً كان من المسلمين بدليل قوله تعالى: - فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين - 72 يونس، ودلالة اللفظ في جملة - وأمرت أن أكون من المسلمين - تعني إن نوحاً كان مأموراً من قبل الله، ليكون مع تلك الجماعة أو مع ذلك الكيان الذي كان يتشكل ويتبلور تحت منظومة قيم محددة في - الإيمان بالله والإيمان باليوم الأخر والعمل الصالح -، فهو إذن مامور ليكون مع هذه الجماعة مع قيمها ومع إيمانها، وهي موضوعياً تشير إلى كيفية تبلور هذا التيار وتكونه، وما هي العلامات الفارقة التي تجمعه ؟، وتربط ذلك بالتطور الذهني والمعرفي لدى نوح، ولدى الجماعة التي آمنت بتلك القيم، ومن هنا يمكننا أن نعرف: إن إبراهيم في إعلانه - هو سماكم المسلمين من قبل -، أي هو الذي اعلن عن شكل الدين في صورته النهائية بعدما تبلورت وتطورت معالمه عبر الزمن، وهو في هذه المنظومة - أول المسلمين -، أي الذين أسلموا أو الذين أعلنوا إسلامهم في هذه المرحلة، وصيغة - أول المسلمين - المسبوقة بلفظ - أنا - هي صيغة تعريفية عن الإعلان المباشر في الإنظمام لهذه الحركة وليس بمعنى الأول الرقمي أو العددي - وهذا اللفظ جار في لغة العرب وقد عبر عنه حمزة عم النبي حين قال وأنا على دين محمد - هي صيغة من صيغ الإعلان الرسمي والإنتماء، وقد وردت هذه الصيغة في التعريف في أكثر من موضع من الكتاب المجيد، وهي توكيد لنوع الإنتماء والولاء، وهي صيغة تعريفية أو إعلانية عامة يلتقي عليها الجميع دون النظر إلى الجوانب المرحلية ولا تعني الدقة الحصرية في معنى - أول - بل هي تدخل في معنى أول من جهة الزمان هي ظرف لا يلغي السابق ولا اللاحق .

وأما عبارة - أن أكون من المسلمين - التي قالها نوح فهي إشارة لما كان بالفعل أو عن التشكيل الحركي الذي كانت تتوضح معالمه وترسم، ضمن أو من خلال الإشتقاق المتعلق بلفظ الإسلام والذي هو:

1 - الإيمان بالله الواحد الأحد .

2 - الإيمان باليوم الأخر .

3 - والعمل الصالح .

فإن تكون مسلماً يعني أن مؤمناً بهذه القيم الثلاثة وتعمل بها، وهذه القيم هي الإسلام الذي عليه نوحا وجميع الأنبياء وعامتهم، وهذا يعني إن كل من آمن بهذه الثلاثية وأعتقد بها فهو مسلماً أو هو من المسلمين، وقد دل على ذلك كتاب الله المجيد في قوله تعالى: -

(إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 62 البقرة ) .

وفي سورة المائدة يأتي اللفظ عينه، كما يأتي في سورة هود مضافاً إليه المجوس، وفي كل تلك النصوص يكون المسلم بحسب ما تُعرفه لنا: - هو من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً - هذا هو المحدد لمعنى الإسلام، ولم ينظر النص إلى من ينتمي وإلى من يتبع من الأنبياء والرسل، ذلك لأن النص إنما يتحرك ضمن مفهوم - إن الدين عند الله الإسلام -، أي إن كل نبي وكل رسول يدعوا لهذه القيم ويؤمن بها فهو من المسلمين، وهذا الذي نقوله هو الإسلام، وأما الأفعال والممارسات والطقوس العبادية وغيرها، فتخضع للإيمان الخاص بالرسالة والنبوة المرحلية الزمنية ونتيجة لطبيعة الإيمان هذا فهي ليست سواء لدى الجميع، ولتوضيح الفكرة نقول: - إن ما يفعله أتباع كل نبي من ممارسات وعبادات وأعمال ووظايف، وحسب تعاليم ذلك النبي والرسول فهي صحيحة ومبرئة للذمة، ومعلوم إن مقياس الصحة في البراءة الشرعية ليس مطلقاً بل هو نسبي، ولنسبيته تلك فلا يجوز تحديد صحة البراءة الشرعية بناءاً على ما نفهمه نحن من عنوان الصحة، ولهذا لا يجوز إعتبار أعمال العباد باطلة بحسب ما نفعله نحن من الأعمال، كذلك لا يصح قياس ذلك بناءاً على مايفعله غيرنا المُغاير لهم .

ذلك لأن الإيمان بالنبوات والرسالات بحسب مفهوم الكتاب لازمه ومقتضاه عدم الخروج عن تلك الثلاثية التي أشرنا إليها، وما عدآها من الإعتبارات فيحكمه الواقع الموضوعي، أعني بذلك كلاً حسب فهمه وإدراكه وما توصل إليه ولا ضير في ذلك، وهذا ما أشار إليه البيان التالي: - قل كل يعمل على شاكلته -، ومادآم الأمر كذلك وهو كذلك يكون لدينا في إثبات المطلب: - إن كل ما يقوم به أتباع موسى من أفعال وممارسات سلوكية وعبادية صحيح إن إلتزموا بشروط ثلاثية القيم تلك، وهذا هو الشرط الموضوعي اللازم لصحة الفعل وما يؤسس بناءاً على الواقع، والحال عينه يصح كذلك بالنسبة لأتباع عيسى حين يتحقق لديهم الشرط الموضوعي في هذه القيم الثلاث المتقدمة، ونفس الشيء نقوله بالنسبة لأتباع محمد، إذ إن شرط صحة العمل وشرط صحة السلوك مرتبط بصحة الإلتزام بالقيم الثلاث تلك من جهة التابعين، وشرط الصحة في كل ذلك: هو الإيمان والعمل بهذه المنظومة القيمية - والتي أشرنا إليها في معنى الإسلام أو التي تعني الإسلام، وأما نفس العمل فليس شرطاً في صحة العمل، بدليل قوله - لا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن أتقى -، و بناءاً عليه يكون شرط الصحة في العمل مرتبط بشرط الصحة في الإيمان، ذلك لأن كل فعل تحكمه شروطه الخاصة به، وهي تتعلق بتلك الثلاثية من جهة المصدر، ومن جهة الإيمان بها الداعي لتنزيه العمل مع الإستطاعة، والعمل هو أمر ونهي وهذا تحدده ضوابط المصلحة والقصد، ونعلم جيداً إن المصلحة والقصد هي مفاهيم نسبية بحسب كل ظرف ووعي وإدراك، وإرتباط الأمر والنهي بمفهوم النسبية يجعل منه بحسب الرتبة ثانوي وذلك بحسب المتعلق به .

وإذا كان نوحاً قد طرح مفهوم كونه - من المسلمين - للتداول، فإنه قد طرح ذلك في التعبير عن نفسه وعن الجماعة التي أنتمى إليها والتي بدأت تتشكل تبعاً لمفهوم تطور الفكرة ذاتها في عهده وما قبل عهده، هذه الجماعة بدأت تتبلور عندها قضية الإيمان بالله واليوم الآخر في الصورة هذه، وهذا هو السقف الذي حدد مفهوم الإسلام والذي سيجري عليه ويتبعه كل الموحدين، إذن فهو قد بين لمن حوله معنى كونه من المسلمين .

ونعود لنقول: إذا كان إبراهيم المُشايع والتابع لنوح في كونه من المسلمين، يكون إبراهيم النبي صاحب مشروع الإعلان الرسمي لهذا التيار ولهذا الدين، ضمن هذه المحددات وهذه الأوصاف وقد عبر النص عن ذلك بقوله: - كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ - آل عمران 3،

وكأن النص في هذا الوصف يريد القول: - إن نوحاً الذي كان من المسلمين قد تابعه وشايعه إبراهيم ضمن هذه المبادئ وتلك القيم، وإبراهيم كان حنيفاً مسلماً، أي كان مستقيماً في علاقته مع تلك القيم، وهذه الكينونة الحنيفية مفهومة بالتضمن والخطاب توكيد على الإستقامة وعدم الإنحراف، لأن الشرك كمفهوم هو إنحراف عن الحنيفية .

والإسلام في قيمه ومبادئه هو كذلك، ولما كان إبراهيم الحنيف المسلم من شيعة نوح، فهذا دليل مضاف على أن التشيع الذي تبناه وطرحه هو الإسلام الحنيف من جهة المضمون ومن جهة الدلالة .

ويعني ذلك إن الإسلام هو التشيع في صيغته الإبراهيمية والتي لازمها الإستقامة وعدم الشرك وعدم الخلط في العبادة وفي الإلوهية، والشيعي في التعريف القرآني: هو هذا الكائن الإنساني من جهة الطبع والطباع، ولذا فقد تتحكم به السلطات المحلية والبيئية التي ينتمي إليها يتأثر بها وتؤثر فيه، كما وتتحكم فيه درجة الوعي والجو الثقافي والفكري المحيط والعوامل الإجتماعية والسياسية والإقتصادية، وهذه عوامل بطبيعتها ضاغطة في تكوين شخصية الإنسان وما يؤمن به، و بما إن الشيعي هو هذا الفرد أو هو هذا الكائن الإنساني فهو يخضع بالضرورة لذلك الواقع وبدرجات متفاوتة صعوداً ونزولاً .

ولكي نُبين درجة ونوعية هذا التأثير، سنستعرض بعضاً من نصوص الكتاب المجيد، وذلك من أجل تعميم الفائدة، وهذه النصوص على هذا النحو، قال تعالى في سورة مريم 69: - ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا -، وواضح إن لفظ - شيعة - في النص تؤكد على المعنى الذي ذهبنا له، في أن الشيعة هم الناس التابعين أو الموالين لفكر ما أو لمجموعة ما أو لزعيم ما، ولا يهم هنا في نوع الموالات سواء أكانت في الدين أو في السياسة أو حتى القبيلة والعشيرة، وفي سورة الأنعام 65: - أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض - يحدثنا النص على أن الشيعية هنا هي الإذلال في صيغة النزاع والتقاتل، كما يحدث اليوم بين فئات المسلمين وتحت نفس الشعار ونفس الخطاب، وفي نفس سورة الأنعام 159، وصف الشيعية كسلوك سيء، حينما لا تتبع الكلمة السواء كما في قوله: - إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء -، والتفريق في الدين من جهة الجماعة هو تفكيك للدين ولوحدة القيم فيه، وطبيعي إن هذه الصيغة السلبية للمعنى هي صيغة أو صفة مشتقة من طبيعة العمل وليس من اللفظ، إنما دلالة اللفظ لا تتعدى المعنى في كونهم جماعة من البشر، ومقتضى الوصف في النص للجماعة البشرية التابعة والتي تعمل الفساد وليس لمعنى التسمية فقط، ويحدثنا الله عن فرعون كيف أستطاع من خلال إستغلال سلطته ليفرق بين الناس، ويزرع بينهم العداوة والبغضاء من خلال تفريقهم وتقسيمهم لكي يسهل عليه حكمهم وهذه سياسة قديمة جديدة، نقرأ هذا المعنى في سورة القصص 4 قوله تعالى: - إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً ....- ولفظ المضاف والمضاف إليه يدلنا على المعنى الذي ذهبنا إليه، وللتأكيد على إن الشيعة لفظة دالة على عموم معنى المتابع والموالي، نقرأ ذلك في سورة القصص 15 قوله تعالى: - فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه -، والنص يبين لنا بأن الشيعة هم التابعين أوالموالين من جهة الفكر أو القومية أو الطائفة وهكذا كان صاحب موسى، المهم إنها لفظة دالة على معنى الكائن البشري ثم يأتي القيد في نوع التابعية وطبيعتها، وتبقى مسألة الصحة في المتابعة والولاء رهن بالعمل فهو الدليل الدال عليها سلباً أو إيجاباً، كما نفهم الشيعي الصالح من مطابقة عمله على منظومة القيم التي أسسها الله، وعن مفهومه لمعنى الإسلام الذي يدعوا له ويبشر به، والذي على ضوئه أعتبر كل نبي وكل رسول هو مسلم وهو من المسلمين، ما دامه يدعوا إلى الله والحق، وعلى هذا الإعتبار فالشيعة أو التشيع حين يكون أو تكون وفقاً للصيغة الإبراهيمية فهو يعني أو تعني عندنا الإسلام ونفس الشيء قرره الكتاب المجيد على تفصيل، وفي نفس السياق يكون من باب المخالفة: كل ما عدى ذلك المفهوم الإبراهيمي يكون ليس مسلماً وليس شيعياً، أو كما عبر النص في موضع هو الشرك بلحاط مفهوم المخالفة .

وخلاصة البحث وما يمكننا إستقراءه من كل مما مضى: يكون معنى الشيعة هي الجماعة التي توالي فكراً ما أو ديناً ما أو رجلاً ما، وهي لفظ صحيح دال على معنىاه هذا في الموالات والمتابعة، وأما السُنة: فهي لفظ له وظيفة محددة تعني القوانين والأنظمة والتشريعات، ولا يصح وصف الناس بها كما لا يصح القول - أهل السُنة والجماعة - من هذا الإعتبار، ودليلنا إن السُنة في الكتاب المجيد وفي لغة العرب هي القوانين والشرايع وليس الناس والتابعين، وأما الشيعة فهي اللفظ الصحيح الدال على هذا المعنى في هذا المجال، وللمقاربة والأستئناس نذكركم بقول الإمام الحسين يوم عاشوراء وهو قول مشهور، حينما خاطب الجماعة الأخرى التي كانت تقاتله، بقوله: - يا شيعة آل أبي سفيان - ولم يقل لهم يا سُنة آل أبي سفيان، ذلك لأنه أستخدم اللفظ في معناه الصحيح الذي وضع له، وأما ما يتسالم عليه الناس من تسميات ومصطلحات في هذا المجال فهي خارج البحث لأنها لا تستقيم والمعنى الذي أسسه الكتاب المجيد وسارت عليه لغة العرب ....

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

abdullah badrhskandarالأصول العقائدية وما يندرج تحتها من أحكام عملية لا يمكن تغييرها أو التفريق بين مصاديقها إلا من جهة التشريع الجزئي الذي تراعى بموجبه خصوصيات الأقوام الذين أرسل الله تعالى إليهم الأنبياء وجعل لكل قوم منهم شريعة مستقلة ومنهاجاً يشتمل على تفصيل الأحكام المتفرعة من تلك الشريعة، وهذا ما يفهم من قوله سبحانه: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) المائدة 48. والآية صريحة في تبيان الاختلاف بين الشرائع من حيث التطبيقات العملية دون العقيدة الثابتة التي لا يطرأ عليها النسخ أو التبديل، وبناءً على هذا نعلم أن ليس هناك ما يدعو إلى اختلاف الناس في جوهر العقيدة وما يرتبط بها من أصول إيمانية أو ما تتضمنه من مفاهيم عامة، وأنت خبير بأن السبيل القويم المتبع لدى جميع الأقوام المرسل إليهم لا يخرج عن تلك المفاهيم، أما إذا اتخذ الإنسان ما يخالف هذا النهج فمن الطبيعي أن يحدث لديه تباعداً في طرق الكمال التي ينتهجها ومن هنا نراه يميل إلى تعدد السبل التي يسلكها، ولهذا نهى الله تعالى عن اتباع السبل التي تكون سبباً في تفرق الناس عن سبيله جل شأنه، وقد أشار إلى هذا المعنى بقوله: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) الأنعام 153.

فإن قيل: إذا كان سبيل الله واحداً فلماذا ذكر أن له أكثر من سبيل في قوله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) العنكبوت 69. ألا يوحي هذا المعنى بالتعارض بين الآيتين؟ أقول: اختلاف طرق الجهاد التي أمر الله تعالى بها متعددة ابتداءً من جهاد النفس وانتهاءً بالجهاد الذي هو على بابه، فهذه الطرق جميعها تدعو الإنسان إلى التخلص من الموبقات التي تلاحقه، ولذلك نرى أن تعدد السبل اختلف من حيث المصاديق المؤدية إلى السلام دون المفهوم العام للسبيل الذي يكدح إليه الإنسان، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين... يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) المائدة 15- 16.

وبناءً على ما تقدم يظهر أن السبيل المدعو إليه من قبل الحق سبحانه لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق إرسال الرسل وإنزال الكتب لأجل تبيانه للناس كافة، وإرشادهم إلى المعارف المتعلقة بالتشريع، وما يؤول إليه السلوك البشري وصولاً إلى تعريف المجريات الحقيقية المتفرعة على المعاد، ولذلك اقتضت حكمته سبحانه أن تكون جميع المعارف مرتبطة بأصل واحد بحيث لا ينفك أحد أجزائها عن الآخر، ومن هنا وجب الإيمان بجميع ما أنزل الله تعالى من غير استثناء، أما في حال الإيمان ببعض ما أنزل ونبذ بعض فهذا لا يعد إلا كفراً بجميع ما أنزل الله سبحانه، وقد بين تعالى ذلك بقوله: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً) النساء 136.

وعند تأمل منطوق الآية آنفة الذكر وكذا ما يؤول إليه مفهومها يظهر أنها توصي بضرورة الإيمان والإقرار بجميع الأنبياء وبما أنزل عليهم من كتب تدعو إلى نهج واحد لا يجانب الحق، وذلك لأن رسالتهم واحدة مع ملاحظة أن لكل نبي منهم شرعة خاصة، وإن اجتمعوا في النهج المؤدي إلى تكامل الدين الذي ينادون به باعتبار أن كل نبي لا حق هو امتداد لنبي سابق، ولهذا فلا معنى للتفريق بينهم أو قبول رسالة بعض منهم دون بعض لأن حقيقتهم واحدة لا تقبل التجزئة، أما إذا حدث العكس واتخذ قوم من الأقوام المرسل إليهم ما يخالف هذا النهج فلا جرم أن سبب ذلك يرجع إلى العصبيات القومية البعيدة عن شرع الله تعالى، ومن هنا كانت دعوة القرآن الكريم إلى المؤمنين بأن يعتقدوا بجميع الأنبياء وما أنزل عليهم من كتب مبينة لنهج الله تعالى، وكذا الاعتقاد بالملائكة واليوم الآخر وكل ما يرتبط بدعوة الحق جل شأنه، ولهذا فقد سجل الله تعالى على بني إسرائيل تخلفهم عن هذا النهج الذي ألزم به الناس كافة دون تمييز باللون أو العرق أو ما إلى ذلك، وسيمر عليك هذا المعنى من خلال تفسير آية البحث.

وقفة مع آية البحث:

قوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) البقرة 91. تشير الآية إلى أن الإيمان بالتوراة يستلزم الإيمان بالقرآن لأنه يصدق ما ورد فيها من تعاليم، فكأن الله تعالى قد بين في هذا الخطاب زيف أقوالهم التي لا تستند إلى دليل، ولهذا احتج عليهم بمجموعة من الحجج أهمها ما ذكر في ذيل آية البحث، أي إن كنتم تؤمنون بالتوراة حقاً فلم تقتلون أنبياء الله من قبل باعتبار أنها تنهاكم عن هذا الفعل إلا أنكم خالفتم ما جاء فيها من تعاليم، ولهذا سلكتم الطريق الذي أدى بكم إلى الكفر بما وراء التوراة، لأن تكذيب الإنجيل أو القرآن هو تكذيب للتوراة النازلة عليكم من باب أولى، ومن هنا نفهم أنهم لم يؤمنوا بالإنجيل ولا بالقرآن بسبب القومية التي تجعلهم في المرتبة العليا المخالفة لأصل الرسالة التي تدعوهم إلى توحيد الله تعالى، ولا يخفى على المتلقي بأن هدف التوحيد هو القضاء على جميع الدعوات الذاتية والقومية والتوجه إلى عبادة الله تعالى عبادة خالصة بعيدة عن الانتماءات العرقية، وهذا ما نلمسه من خلال السياق الذي لا يشير إلى شخص بعينه وإنما جعل الدعوة مجردة عن اسم النبي ولهذا لم يقل في هذا الموضع آمنوا بما أنزل الله على محمد وإنما قال آمنوا بما أنزل الله، ولذلك نجد أن هناك فرقاً بين الحديث الوارد في آية البحث وبين حديثه جل شأنه عن المؤمنين عند الإشارة إلى شخص النبي (ص) في قوله: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم) القتال 2. علماً أن التعبير قد اختلف عن المعنى المقابل الذي بينه في قوله: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم) القتال 1. ولم يقل كفروا بمحمد أو صدوا عن سبيله فتأمل.

فإن قيل: لمَ أسند الله تعالى فعل السلف للخلف في الخطاب؟ أقول: يرجع السبب في ذلك إلى ما ارتضاه الأخلاف من الأفعال التي قام بها أسلافهم من تكذيب الأنبياء وقتلهم، وما يتفرع على ذلك من الأعمال السيئة التي ساروا على نهجها دون التخلف عنها.

فإن قيل: لمَ قال تعالى: (ويكفرون بما وراءه) من سياق البحث. علماً أن الكفر واقع منهم قبل نزول الآية؟ أقول: أراد تعالى من الوراء في هذا الموضع معنى (السوى) أي يكفرون بما سواه، وذهب بعض المفسرين إلى أن الوراء من الألفاظ المتضادة فهو يطلق على الأمام كما يطلق على الخلف، ودليلهم في ذلك قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً) الكهف 79. أي كان أمامهم ملك، واستدلوا كذلك بقول لبيد:

أليس ورائي إن تراخت منيتي... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

 

   عبدالله بدر اسكندر  

abdullah badrhskandarالأصول التي تقوم عليها العقيدة الإيمانية لا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بشخص النبي أو نسبه أو ما يلحق تلك التعريفات من مميزات خارجة عن المقتضيات المصاحبة للمعارف اليقينية التي يتوجب على الناس الأخذ بها، وأنت خبير بأن هذه القياسات لا تعدو كونها اجتهادات تقليدية لا يمكن الركون إليها أو الاطمئنان بها وهذا ما جعل الصفات السلبية لدى أهل الكتاب وكفار قريش تنحو بنفس الاتجاه، والدليل على ذلك هو اعتقادهم المشترك في إظهار أهمية وعظمة الشخص المرسَل إليه بغض النظر عن الاختيار الإلهي وما يترتب عليه من حكمة لا يعلمها إلا هو جل شأنه ولذلك نرى أن المشركين كانوا أقرب إلى هذا الاعتقاد، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى حكاية عنهم بقوله: (وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) الزخرف 31. ولا يخفى على ذوي البصائر أن قولهم هذا يدل على إخلادهم إلى الأرض ومغرياتها وما يلحق ذلك من اهتمام بشخص النبي وما يتمتع به من مزايا دنيوية كالمال والجاه وما إلى ذلك من المقامات الرفيعة التي يظنون أنها الطريق الأسلم لإيجاد الكمال سواء في الدنيا أو الآخرة، أما إذا كان النبي لا يملك المقومات المشار إليها فإنه لا يستحق القيام بمهمة الوحي، ولهذا عقب الله تعالى على ما كانوا يعتقدون بقوله: (أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون) الزخرف 32. أي إن كانوا لا يستطيعون تقسيم المعيشة بينهم فكيف يريدون أن يقسموا ما هو أعلى منزلة منها وهو اختيار النبي الذي يعد من آثار رحمته سبحانه.

فإن قيل: كيف ينسب الله تعالى تقسيم المعيشة إليه ونحن نعلم أن ذلك يرجع إلى جهد الإنسان وسعيه؟ أقول: يظهر من اختلاف الأرزاق أن الأصل في التقسيم عائد إلى حكمة الله تعالى، وما سعي الإنسان وجهده إلا أحد الأسباب المؤدية إلى الحصول على الرزق دون العلة الكاملة التي يريد تعالى من خلالها جلب المنفعة للناس وهذا ما يفهم من الآية آنفة الذكر التي بينت أن هناك فروقات معيشية ترفع بعض الناس فوق بعض لأجل أن يكون بعضهم مسخراً لبعض، وإلا لم تستقم الحياة على الصورة المرادة منها، ومن هنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير) الشورى 27. وختام الآية فيه إشارة إلى أمر مطلق يدلل على وضع الشيء في موضعه، وكما تعلم فإن الرسالة هي إحدى مصاديق هذا المفهوم العظيم ويعضد هذا المعنى بقوله: (وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى) طه 13. وكذا قوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون) القصص 68. ويظهر من آية سورة القصص أن تدخل الإنسان في الاختيار الإلهي يعد من الشرك ولذلك نزه تعالى نفسه عن اختيارهم باعتبار أن هذا الاختيار التكويني ترجع أسبابه إليه سبحانه إلا أن الإنسان يجهل كثيراً من متعلقاته، وهذا المعنى ينطبق تمام الانطباق على بني إسرائيل الذين أرادوا أن يكون اختيار شخص النبي موافقاً لرغباتهم الزائلة ما جعل حسدهم يكبر ويأخذ بعداً واسعاً وذلك بسبب تفكيرهم الذي لا يتناسب مع القيم الإنسانية أو الأحكام الموحى بها من السماء.

من هنا يظهر أن الله تعالى قد سجل عليهم هذه النزعات وبين لهم الطريق الموصل للإيمان والذي لا يرتبط بشخص النبي أو قوميته وإنما يرجع الأمر في ذلك إليه سبحانه، وهذا ما يفهم من قوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا) البقرة 91. وكما ترى فإن الغرض المراد من الآية يتعلق بالوحي دون الموحى إليه، وبناءً على ما تقدم نعلم أن تقييد الوحي وخضوعه للانتماء الشخصي لا يعد إلا تحكماً بأمر الله تعالى، وهذا يجعلنا على يقين بأن مقام النبي يسمو بالوحي دون شخصه، مع ملاحظة أن الاختيار الإلهي لم يكن عبثياً "وقد أشرنا إلى ذلك أكثر من مرة في كتابنا هذا" وكما أسلفنا فإن قياسات أهل الكتاب لا تثبت أمام الحقائق التي بينها تعالى لهم وألزمهم بها، وسيمر عليك هذا المعنى في تفسير آية البحث.

وقفة مع آية البحث:

قوله تعالى: (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين) البقرة 90. (بئس) من الأفعال الجامدة كأختها (نعم) والأولى تدل على الذم والثانية على المدح والأصل فيهما المبالغة، وبناءً على هذا يكون المعنى بئس الشيء الذي باعوا به أنفسهم لأن الشراء والاشتراء بمعنى البيع، وإن فرق بعضهم في دلالة كل لفظ منهما إلا أن المعنى لا يخرج عن العوض سواء بالمال أو بغيره، ثم فسر تعالى ذلك الشيء الذي باعوا به أنفسهم بالكفر بما أنزل سبحانه أي القرآن الكريم. وقوله تعالى: (بغياً) معناه طلباً وفسر بالحسد أي حسداً لما أنزل الله تعالى على نبي ليس من قومهم، ولذلك ختم تعالى الآية بقوله: (فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين) وهذه الخاتمة كالنتيجة لما صدر عنهم من فعل أدى بهم إلى بيع أنفسهم ليأخذوا عوضاً يؤول بهم إلى الهلاك.

وللمفسرين في معنى قوله تعالى: (غضب على غضب) آراء كثيرة تكاد تكون متقاربة أذكر منها:

أولاً: الغضب الأول: حين قالوا: (يد الله مغلولة) المائدة 64. والثاني: تكذيبهم النبي والقرآن.

ثانياً: الغضب الأول: لاتخاذهم العجل، والثاني: لكفرهم بالنبي (ص) وما جاء به من عند الله تعالى.

ثالثاً: الغضب الأول: تكذيبهم رسول الله، والثاني: عداوتهم لجبريل.

رابعاً: الغضب الأول: تكذيبهم عيسى والإنجيل، والثاني: تكذيبهم محمد والقرآن.

خامساً: الغضب الأول: بسبب الكفر والحسد، والثاني: كفرهم بمحمد وعيسى.

سادساً: الغضب الأول: تبديلهم التوراة وتحريفها، والثاني: تكذيبهم الأنبياء وقتلهم.

وعندي: أن معنى قوله تعالى: (فباؤوا بغضب على غضب) من آية البحث. لا يراد منه ما ذكر في الآراء الآنفة وإنما يراد منه المبالغة في الغضب، كما في قوله تعالى: (وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) البقرة 61. وكما ترى فإن الآية جامعة لكثير من صفاتهم، من الكفر بآيات الله وقتل النبيين بغير الحق إضافة إلى العصيان الصادر منهم وما لحق به من اعتداء بغير تقييد، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم... صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فاتحة الكتاب 6- 7. وذهب الجمهور إلى أن المغضوب عليهم هم اليهود.

ودليلنا على المبالغة في الغضب يرجع إلى ما يقابله من المبالغة التي ذكرها سبحانه في إشارته للنور، وذلك في قوله: (نور على نور) النور 35. أي مبالغة في عظمة النور، وكذا قوله تعالى: (ظلمات بعضها فوق بعض) النور 40. أي مبالغة في الظلمات.

ومنه قول أبي الطيب المتنبي:

أرق على أرق ومثلي يأرق... وجوًى يزيد وعبرة تترقرق

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

   عبدالله بدر اسكندر  

abdullah badrhskandarالرسالة التي نزل بها القرآن الكريم لم تأت للقضاء على الرسالات السابقة أو نسخها بالكامل وإنما جاءت لتكون مكملة لها وهذه سنة متوارثة لدى الأنبياء لا سيما أصحاب الرسالات المؤيدة بالكتب كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (عليهم السلام) وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) الشورى 13. وهذا يدل على أن شريعة النبي محمد (ص) هي مجموع وصايا الله تعالى للأنبياء الذين ورد ذكرهم في الآية، وهذه السنة لا يمكن أن يتم لها البقاء والاستمرار إلا بتصديق اللاحق للسابق وبشارة السابق باللاحق، وهذا الأمر لا يقتصر على أولي العزم بل يتعدى إلى جميع الأنبياء وإن تدارس بسبب طول الأمد، ولذلك اقتضت حكمة الله تعالى أن يرسل الأنبياء إلى جميع أنحاء الأرض وبكثرة عددية حتى وصفهم بعض المحققين بأنهم جم غفير لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

ومما تقدم يظهر أن الهدف من مجيء الرسل يتمثل في البشارة والإنذار لكي يتم نشر دين التوحيد في الأرض، فإذا طال الأمد بعد فترة إرسال النبي فمن الطبيعي أن يسلك الناس سلوكاً آخر لا يتفق مع الأهداف التي بعث من أجلها الأنبياء، مما يجعل الفساد يعم الأرض مرة أخرى والعبادة تأخذ منحى آخر وتتشعب إلى طرق مختلفة، وبهذا يتلاشى الإنذار ويذهب أثر الوعظ والإرشاد وتحرف الكتب إلى تأويلات باطلة لا تمت لدين الله بصلة.

فإن قيل: هل تسقط الحجة عن الناس في هذه الفترة؟ أقول: هذه المرحلة لا تكون خالية من النذير ولكن ينتابها الضعف باعتبار أن النذير لا يحمل نفس التعاليم المراد نشرها بين الأمم كما هو الحال في بعثة الأنبياء مع ملاحظة إتمام الحجة على الناس، وهذا يدل على أن الأمم التي يرسل الله تعالى إليهم أنبياء أكثر من غيرهم لا بد أن يكون القابل عندهم ضعيفاً ما يباعد بينهم وبين التسليم لأمر الله تعالى، وهذا ما حدث بالفعل لبني إسرائيل الذين كانوا يزعمون أن تفضيلهم ناتج عن كثرة ما أرسل إليهم من أنبياء وأنت خبير بأن العكس هو الصحيح.

فإن قيل: ما سبب إطناب القرآن الكريم في ذكر الوقائع والأحداث التي مر بها بنو إسرائيل؟ أقول: الوقائع المختلفة التي مرت على بني إسرائيل لم تذكر في القرآن الكريم جزافاً وكذا لا يمكن تصنيفها ضمن الأحداث التأريخية التي لا طائل من وراء سرد مجرياتها، وإنما ذكرت لغاية أسمى باعتبارها من المناهج التي لا تمحى آثارها ولا تخلق على مر الدهر مهما اختلفت المراحل التي تمر بها البشرية أو اتخذت ما تشاء من الأهواء والفتن، ومن هنا كان التطرق إلى ذكر تفاصيل حياتهم قد أخذ مساحة واسعة في القرآن الكريم، ولا يخفى على المتأمل بأن هذا النهج قد مهد للمسلمين الأخذ بأسباب التمسك بشريعتهم والرجوع إلى الحق الثابت الذي يكفل لهم تصحيح مسيرتهم بعيداً عن الخط المنحرف الذي انتهجه أهل الكتاب في تعاملهم مع الأنبياء من خلال رحلتهم الشاقة التي أثرت فيهم الأثر السلبي حتى وصل بهم الأمر إلى الاعتراف بعدم تلبية نداء الحق وذلك في قولهم قلوبنا غلف كما سيمر في تفسير آيات البحث، ولذلك حذرنا القرآن الكريم عن عدم المساس بالمصلحين والهداة كما كان يفعل بنو إسرائيل في تكذيب الأنبياء أو قتلهم، ولهذه الأسباب نرى أن الحق سبحانه قد أرسل رسله تترا يقفو بعضهم إثر بعض نتيجة لانحراف اليهود عن المنهج الذي كلفوا به من جهة وبسبب الأمراض الخلقية التي لا تكاد تفارقهم من جهة أخرى، وسيمر عليك هذا المعنى من خلال البحث.

وقفة مع آيات البحث:

قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون) البقرة 87. الكتاب المشار إليه هو التوراة الذي توارثه جمع من الأنبياء، وقفينا أي أتبعنا ونظير هذه الآية قوله تعالى: (ثم أرسلنا رسلنا تترا كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضاً وجعلناهم أحاديث فبعداً لقوم لا يؤمنون) المؤمنون 44. وفي هذا دليل على تواتر الرسل ومجيء بعضهم في إثر بعض على نهج واحد مأخوذ من التوراة، حتى وصل الأمر إلى بعثة عيسى الذي اختصه الله تعالى وأيده بروح القدس، وقيل في معنى روح القدس مجموعة من الأقوال أهمها:

أولاً: هو القوة الغيبية التي أيدت عيسى فكان بواسطتها يحيي الموتى ويشفي الأكمه والأبرص.

ثانياً: هو جبرائيل وإضافة الروح إليه فيها إشارة إلى طهارته وقداسته.

ثالثاً: قال بعضهم هو الإنجيل، والأول أقرب لاختصاص عيسى بما ذكرنا.

فإن قيل: لمَ خص الله تعالى عيسى بالذكر دون سائر الأنبياء؟ أقول: السبب في ذلك يرجع إلى توبيخ اليهود وتقريعهم لأنهم كانوا يكذبونه ويكفرون به لذا ناسب ذكره في هذا المقام علماً أنه لم يأت بشرع جديد أو رسالة مخالفة لما في التوراة، والمراد من التأييد إشارة إلى تقويته وهذا اللفظ مشتق من اليد لأن فيها معنى القوة، كما في قوله تعالى: (واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب) ص 17. أي صاحب القوة والمراد من القوة هنا قوة معنوية وهي قوة الرسالة، أما البينات فهي المعجزات التي أيد الله تعالى بها عيسى ومعنى بما لا تهوى أنفسكم أي بما لا يتفق مع اتجاهاتكم، ولهذا فرع على هوى أنفسهم ذكر استكبارهم أي استكبرتم عن الإجابة احتقاراً للرسل، وههنا إشارة للأنبياء الذين كذبوهم ومنهم عيسى ومحمد (ص) وفي الوقت نفسه تطرق سبحانه إلى الأنبياء الذين قتلوهم ومنهم زكريا ويحيى.

قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون) البقرة 88. ههنا صدر ادعاء منهم بأن قلوبهم مغلفة أي لا يدخلها شيء من الإنذار أو الهداية، ونظير هذا المعنى قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون) فصلت 5. والدليل على أن هذا ادعاء منهم هو رده تعالى عليهم بقوله: (بل لعنهم الله بكفرهم) من سياق البحث. أي ليس الأمر كذلك وإنما هذا الادعاء كان سبباً في لعنهم وطردهم من رحمته سبحانه وذلك بسبب جحودهم بالله تعالى وبرسله.

قوله تعالى: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) البقرة 89. الآية تشير إلى أن اليهود كانوا يستفتحون على كفار العرب أي يطلبون الفتح عليهم ببعثة النبي، إلا أن الأمر اختلف اختلافاً كلياً عند بعثة النبي (ص) وذلك بسبب استكبارهم الذي نتج عنه كفرهم، وذكر في أسباب النزول أنهم هاجروا إلى يثرب من أجل انتظار النبي الذي بشرت به التوراة كما كانوا ينتظرون الفتح والنصر على الذين كفروا إلا أنهم سرعان ما أعرضوا عن تأييد الرسالة علماً أن تعاليمها تتطابق مع نهجهم وتصدق ما في كتابهم، ولهذا ذيل تعالى السياق بلعنهم المتفرع على كفرهم بما عرفوا من الحق.

فإن قيل: ما المقصود من قوله تعالى: (فقليلاً ما يؤمنون) الذي ورد في سياق البحث؟ أقول: في هذا التعبير إشارة إلى أن إيمانهم كان في الجملة لا بالجملة فتأمل.

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

 

     عبدالله بدر اسكندر  

abdullah badrhskandarلا تتأثر الأسس التشريعية بالمتغيرات الطارئة التي هي من صنع الإنسان وذلك لعدم اختلاف الأحكام التي نزلت بها الكتب السماوية، أما ما نشاهده من ملابسات عرضية فهذه وإن كانت توحي بأنها أحد أجزاء الدين إلا أن أسباب نشوئها ترجع إلى النزوات والرغبات التي يحدثها الإنسان الذي يريد أن يباعد بين المنهج الحقيقي وبين الأحكام الدخيلة التي لا تنسجم مع المنطق الإنساني الموحد الذي جاء به الرسل، ومن هنا نلاحظ أن الالتزام بشرع الله تعالى لا يكتب له البقاء إلا إذا ابتعد الإنسان عن التذبذب في المواقف، أما بخلاف ذلك فسوف تكون الأبواب مفتحة على مصارعها والأجواء مهيأة لانتشار الفساد في المجتمعات الدينية وبصورة أكبر من تلك التي نشاهدها في المجتمعات الأخرى، ولو تأملنا الأسباب المؤدية إلى هذا السلوك لوجدنا أن أهمها يكمن في التعامل الذي يخضع للأهواء الشخصية ولا يستند إلى المطالب التي ينادي بها الشرع، وهذا يعد من أهم الأسباب السلبية التي جعلت للتذبذب رواجاً لا مثيل له لدى المجتمعات الدينية ولهذا ترى أن ما يطبقه الحكام وأتباعهم من الدين لا يعتمد على التشريع الحقيقي الذي أنزله الحق سبحانه بل يتعدى إلى ما تمليه عليهم المصالح الآنية الخاصة التي لها اليد الطولى في ممارسة السلوك المتأرجح بين الحق والباطل، وأنت خبير بأن هذه الصورة السيئة لا يتحكم بها الجهل كما يظن كثير من الناس، وإنما يكون الدافع لإثارتها قد حصل نتيجة لسوء التقدير والميل عن الأخذ بالمقررات الشرعية ولذلك أصبح لأصحاب الشأن أحكام نافذة في تسيير الأمور على الشكل الذي يرتضونه، كما هو الحال في ممارسة العقوبات بعيداً عن التشريع، وإن شئت فقل إن تطبيقهم لنهج الله تعالى لا يعتمد على المفاهيم الدينية بل يتعدى إلى رغباتهم وميولهم كما أسلفنا.

فإن قيل: ما هي الأسباب التي تدعوهم إلى هذا الفعل؟ أقول: هناك أسباب كثيرة تدعوهم إلى هذا الفعل ولكن أهمها يقيد في المصالح الخاصة بهم والتي تجعل العالم مسيراً بأمر الحاكم مما يؤمن للأخير البقاء الوهمي في السلطة التي لا يرى طريقاً آخر للحفاظ عليها إلا باتباع هذا النهج، ولذلك ترى أن الاختلافات السافرة بين الرعية قد أخذت تشق طريقها إلى تفريق المناهج العلمية الموثقة التي يمكن أن تجانب تلك الأفعال مما يمهد الطريق لأولئك الناس في نشر الجهل وإبعاد الإنسان الذي يخالفهم الرأي عن أصل الإيمان، مع حفاظهم على التمسك بالدين على طريقتهم الشكلية التي لا تغني ولا تسمن من جوع، ومن هنا فقد وضع القرآن الكريم قاعدة عامة لجلب انتباه الناس لهذه الأفعال، وقد ورد ذلك في قوله تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) البقرة 85. وفي الآية توبيخ شامل لجميع الفئات الدينية التي تعمل على إيجاد المفارقات في التشريع، ولا يختص بمجموعة دون أخرى، إلا أن آيات البحث الذي نحن بصدده فيها نص قاطع وإشارة لا تقبل اللبس إلى ما كان يفعله بنو إسرائيل في تقويم هذا النهج المخالف لشرع الله تعالى، كما سيمر عليك من خلال تفسير آيات البحث.

وقفة مع آيات البحث:

قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون) البقرة 84. الآية تخاطب الأخلاف وتبين لهم ما كان يفعله الأسلاف، ولهذا أنزل سبحانه الكلام منزلة الخبر وليس الأمر، ولو كان في الآية ما يوحي بالأمر لقال لا تسفكوا بدلاً من لا تسفكون على النهي، والمعنى أنا قد بينا الأحكام لأسلافكم وأقروا بها، فإن كنتم تسيرون على نهجهم في نقض الميثاق فسوف تلاقون نفس النتيجة، وكما ترى فإن الكلام موجهاً إليهم بصورة تقريعية جامعة لأفعالهم وأفعال أسلافهم في آن واحد والمقصود من سفك الدماء، أي لا يسفك بعضكم دم بعض ويلحق بنفس المعنى إخراج أنفسهم من ديارهم حيث جعلهم كالجسد الواحد وذلك قياساً إلى الروابط النسبية التي تجمعهم، كما في قوله تعالى: (فاقتلوا أنفسكم) البقرة 54. وقد مر عليك معنى النفس الواحدة في تفسير الآية مثبتاً بالشواهد، وهناك وجه آخر ذكره المفسرون يقضي بعدم التعرض لقتال من يريد قتلهم والوجه ما قدمنا. والمقصود من إخراج أنفسهم أي لا يخرج بعضكم بعضاً من ديارهم وهو خبر بمعنى الأمر كما في لا تعبدون ولا تسفكون، ولهذا ذكر إقرارهم بهذا الشأن فقال عز من قائل: (ثم أقررتم وأنتم تشهدون) من سياق البحث. أي أقررتم بالميثاق وشهدتم على أنفسكم بذلك، وفيه إشارة إلى إقرار أسلافهم بالميثاق، ولهذا أنزل الأخلاف منزلة الشهداء على ما كان يفعل أسلافهم.

قوله تعالى: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) البقرة 85. الآية فيها نقلة نوعية من بيان فعل الأسلاف إلى فعل أخلافهم، أي بعد إقرار أولئك بالميثاق ونقضهم له، لم نجد منكم اعتذاراً لفعل أسلافكم ولكن وجدناكم تسيرون بنفس الاتجاه من قتل بعضكم بعضاً وإخراج فريقاً منكم من ديارهم، وهذا مخالف للميثاق المتخذ عليهم إلا أن المفارقة في ذلك أنهم يفادون من يقع في أيديهم من الأسرى سواء كان ذلك عن طريق تبادل الأسرى أو أخذ الفدية.

وروي أنهم كانوا فريقين فريق يقاتل مع الخزرج وآخر يقاتل مع الأوس، ولهذا حصل بينهم سفك الدماء وهو محرم عليهم في التوراة، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم تصديقاً لما أنزل عليهم في التوراة، ولهذا وبخهم الحق سبحانه بقوله: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) من سياق البحث. أي يفادي بعضكم بعضاً بحكم التوراة التي تحرم القتال فيما بينكم والإخراج من الديار، فكيف يحق لكم التفريق في الحكم، وهذا الفعل يقضي إلى الإيمان بالكتاب والكفر به في آن واحد.

قوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) البقرة 86. أي أولئك الذين آثروا حب الحياة الدنيا وأعرضوا عن نعيم الآخرة، فلا يخفف عنهم العذاب في الآخرة أو مطلق العذاب في الدنيا والآخرة ولذا توعدهم سبحانه بعدم النصر فتأمل.

 

خلاصة البحث:

البحث يشير إلى تناقض بني إسرائيل في مواقفهم حيث إذا استضعف قوم قوماً سفكوا دماءهم وأخرجوهم من ديارهم دون مراعاة للميثاق المأخوذ عليهم، إلا أنهم كانوا يؤمنون بالفداء نظراً إلى ما تقتضيه مصالحهم الخاصة، وهذا لا يعني أنهم يريدون تطبيق بند من بنود الميثاق أو فقرة من فقراته، وروي في أسباب النزول أن قريضة والنضير كانا أخوين فافترقوا فذهبت قريضة للقتال بجانب الأوس أما النضير فكانوا مع الخزرج علماً أن الأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان دون الاعتراف بالجنة أو النار، ولهذا خاطب الله تعالى اليهود بهذا الخطاب المتضمن للتوبيخ، فكأن الحق سبحانه يقول لهم كيف تقاتلون مع هؤلاء الكفار وتفترقون من أجلهم وأنتم أهل كتاب، ألا يوحي هذا الفعل بنوع من التذبذب.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

     عبدالله بدر اسكندر  

هذا البحث حيادي بإمتياز، ولا دخل له بما هو سائد من تدافع في سوق السياسة من مفاهيم ومصطلحات، والتي يقف عندها جماعة المسلمين يتنازعون ويتقاتلون، بل هو بحث موضوعي في مادة - اللفظ والمعنى -، آملين أن يتناول هذا البحث بالدرس والتحليل المفهوم اللساني والدلالي للفظي - السُنة والشيعة -، وهنا لا بد من القول: بأننا سنسير في بحثنا هذا حسب نصوص الكتاب المجيد، محاولين قدر المُستطاع التعرف على البنية المعرفية للنص من جهة اللفظ ومن جهة المعنى، وسنحاول في هذا الشأن توخي الحيطة والحذر لكي لا نحيد عن الحقيقة المعرفية في هذا الشأن وكذلك لكي لا نستعجل في الحكم، ودالتنا في ذلك كما هو معلوم كتاب الله المجيد ولغة العرب، وما يحكم به العقل الصريح وما يستنبطه من معاني ودلالات من الكتاب ومن الأدلة الفرعية، ولأن عنوان البحث يُراد منه تفكيك للجدلية الشائكة في - اللفظ والمعنى -، كان لا بد لنا من مراعاة للسياقات اللفظية والدلالية كما وردت في الكتاب المجيد، وكما تستخدم في لغة العرب ولسانهم، وللتذكير بموقفنا الدائم من قضيتي اللفظ والمعنى .

نقول: إننا نرفض فكرة - الترادف - ومقولتها الرائجة في الشعر والأدب، وترويج ذلك عنوة في المباحث الأصولية والفقهية من عهد الإمام الشافعي ومن تبعه في ذلك، ورفضنا لفكرة - الترادف - هو رفض للكيفية التي وضعت فيها المعاني وتبعثرت، والشعراء يقولون: الألفاظ هي معاني مركونة في - قلب الشاعر - وذلك حين يجيبون عن المعنى المُراد، لكن هذا القول: ممنوع في كتاب الله، لأن كتاب الله لا تتبعثر فيه المعاني وتضيع، بل تكون واضحة ومنسجمة مع طبيعة اللفظ وشكله ورسمه وما يُشار إليه بشكل جلي، وهذا هو إعتقادنا بكلمات الله ففيها الحقيقة واحدة غير مجزئة أو مضمرة أو مُبهمة أو قلقة، ولذلك جاء فيها قوله تعالى: - أفلا يتدبرون القرآن -، وصيغة التدبر هذه مقصودة ومُعينة و ليست رجراجة أو سائبة أو متروكة للأفهام، ولذلك لا يصح فيها - أن تقول ويقولون - كما لا يصح فيها - إن القرآن حمال أوجه -، هذا القول الباهت الغير مفهوم، ونسبته لعلي بن أبي طالب نسبة غير صحيحة تماماً، وذلك لأن القرآن له وجه واحد وليس وجوهاً عدة، ولهذا دعانا لتدبره والتمسك به، ومن هنا نحن نرفض دعوى الشافعي وقوله بالترادف، ونرفض جميع المقولات التي تحاول ليَّ المعاني تبعاً لتلك المقولة - .

ومن يقرأ كتاب الله المجيد و يتدبر آياته يجد البون شاسعاً، بين ما قال به أولئك البعض وبين ما أستخدمه الله في كتابه المجيد من إلفاظ ومعاني، ومن هذه الألفاظ والمعاني التي اَضطرب توظيفها وأستخدامها ودلالتها بين العامة، هو مصطلح لفظ - السُنة والشيعة -، والذي تقاتل بسببه الناس وأُريقت من أجله الدماء وأُنتهكت الأعراض، ولكي نوضح هذا الإلتباس سنحاول تقريب المعنى إلى ذهن القارئ العزيز .

ونقول إن: السُنة في لغة العرب تعني اللفظ الدال على الطريق وعلى المنهاج وعلى القانون، وهي في الإصطلاح الديني تدل على - الشريعة -، ويعني ذلك إنها ليست لفظاً دالاً على الأفراد أو الجماعات على النحو الخاص مطلقاً، ويعني هذا إنها: كمفهوم وكدلالة تعني الطريقة التي يتبعها أو يسير عليها جماعة من الناس، و سواء أكانت هذه الطريقة صحيحة أو خاطئة، وبحسب هذا المعنى لا يصح إطلاق لفظ السُنة على الأفراد والجماعات و الأتباع لا وصفاً ولا توصيفاً - فلا تكون هي جماعة أو مجموعة أفراد - ويكون معنى - أهل السُنة والجماعة - من هذه الجنبة لا معنى له مطلقاً بل ولا يصح، وقد أعتبرها الأصولي دالة على:

- قول المعصوم وفعله وتقريره -، وهذ ا الإعتبار بالضبط هو إضافة فيها الكثير من الوهن بلحاظ الصحة والتوثيق والدقة وجهة الصدور، ولهذا فهي عندنا محل نظر، وقد ناقشناها هناك وبتفصيل ما في مباحثنا الأصولية، ولمن أراد مزيد بيان نُحيله إلى هناك إلى موقعنا .

وأما السُنة في كتاب الله المجيد: - فقد وردت بمعنا واحد ألاَّ وهو - القانون أو النظام -: نقرأ ذلك في سورة الأحزاب: - سُنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسُنة الله تبديلا -، ونقرأه كذلك في سورة الإسراء: - سُنة من قد أرسلنا قبلك من رُسلنا ولا تجد لسُنتنا تحويلا - 77، فقد ورد اللفظ دالاً على القانون الإلهي الثابت الممتنع على التغيير والتبديل، ومن هذا اللفظ ومعناه نفهم: إن سُنة الله ليست أشخاصاً تابعين، بل هي نظاماً من القوانين يجب مراعاته والعمل بموجبه، هذا النظام يعمل به الأفراد بعد الإيمان به، والوصف هنا في شأنية العمل وصف بالتبعية للقانون، ولا يكون الأشخاص جزءاً منه مهما بلغوا .

وسُنة الله: - هي ليست سُنة النبي أو المعصوم، ولذلك لا يجوز أن يشترك في صناعتها و تكوينها، بدليل إن المطلوب من الجميع بما فيهم الأنبياء إتباع هذه السُنة والسير وفق متطلباتها، ويعني هذا: إن سُنة الله: دالة على قانونه وشريعته وعلى طريقته ونهجه في الحياة، وقد دلت النصوص على ثبوت هذه السُنة وعدم التبديل فيها أو التحويل من قبل الإنسان، وبما إنها أرتبطت بالله لذلك أستحال تبدلها وتغيرها، والكلام عن - الثابت والمتغير - كلاماً يصح فقط فيما يُنسب إلى الإنسان من قوانين وأنظمة يصوغها، وهذه الجدلية ترتبط بموضوعة الإيمان نفسه، والذي هو يقين يستقر في القلب والعقل، ولا يصح الإيمان من غير وعي ودراية وفهم، وذلك لأن الإيمان المرتبط به الثواب والعقاب لا يكون إلآَّ بالعمل .

وفي جانب أخر نقرأ في الكتاب المجيد قوله تعالى: - للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهُم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سُنة الأولين - الأنفال 38، و

النص كما هو واضح يركز هنا على القانون، ولا شأنية للأفراد فيه، بدليل إن معنى اللفظ في - سُنة الأولين - في السياق حكاية عن قانون الأولين أو نهجهم أو طريقهم، ولم يركز النص على الأولين من حيث بشريتهم، بل ركز على طريقتهم وعلى نهجهم، وذلك واضح في التركيز والإشارة على سنتهم وفعلهم دون شخوصهم، ولا يخفى ما بين ذلك من تفاوت بين لفظ - سُنة الأولين - و- الأولين -، فالأول مقصود والثاني متروك بحسب سياق النص والدلالة .

وللتدليل على ذلك أستخدم النص لفظ - سُنة الأولين - في مجال الإيمان كما في قوله تعالى: - لا يؤمنون به وقد خلت سُنة الأولين - الحج 13، كما أستخدمها هناك في ساحة الكفر، وفي كليهما دلالة اللفظ واحدة أو قل معناهما واحد، ولكنه في سورة الكهف يُبين إن المعرفة في صيغة الإيمان والمعرفة في صيغة الإستغفار مرتبطة بما تقدمه المعرفة المسبقة من خلال قانون الأولين أو - سُنة الأولين -، قال تعالى: - وما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ قُبُلًا - الكهف: 55، ولم نرى فيما مضى من اللفظ ودلالته على أن - سُنة الأولين - هم الرجال الأولين أو الناس الأولين بل إن اللفظ دال على القانون الذي سار عليه الأولين أو جرى عليهم، و

في سورة الأحزاب وفي سورة غافر تحدث النص عن القانون في صيغة - سُنة الله -، التي سادت وجرت على الناس من قبل كما في قوله تعالى: - ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سُنة الله في الذين خلوا من قبل -، ولو تأملنا النص فلا يخرج الكلام فيه عن القانون وعن النظام الذي جرى على النبي مثله في ذلك مثل بقية الخلق هي سُنة الله في الذين خلوا من قبل

، - فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ - غافر: 85

ا، وأكاد

أجزم أن ليس في الكتاب المجيد ولا نص واحد يدل أو يشير إلى إن المُراد أو المعني من كلمة - سُنة - هم فئة من الناس أو جماعة من الناس، بل الكلام في الكتاب المجيد في هذا اللفظ وبمختلف السياقات التي جاء بها، يتكلم عن القانون سواء في صيغته الإلهية أو القانون الذي ساد بين البشر، ومعلوم بالضرورة إن القانون شيء والناس شيء أخر، وفي ذلك يتبين عدم صحة إطلاق وصف القانون أو السُنة على جماعة من الناس، ومن تسموا بذلك من باب التسامح فهي تسمية مغلوطة لا تنسجم مع طبيعة اللفظ ودلالته وأنساقه .

وهنا نقول: أن تصف جماعة من الناس بأنها هي: - السُنة -، على نحو من الإستخدام والتوظيف والتسمية والإطلاق، فهو شيء خاطئ ومجافي للمُراد من المعنى والتركيب في الكتاب المجيد، وكما قلنا فالتسامح اللفظي هنا يمنعه المعنى المُراد منه، إذ لا ينسجم ذلك مع مُراد النص في الكتاب ولا ينسجم مع ما جاء من معنا صحيح في لغة العرب التي تمنع ذلك، ولا تجعل من القانون تابعاً ومتبوعاً في نفس الوقت، فنقول هذه الجماعة هي السُنة - أي هي القانون - وبنفس الدرجة هي تتبع السُنة بمعنى تتبع ا

لقانون - هي القانون وهي تتبع القانون - وكما ترون طبيعة هذا التركيب وضحالته، وتعالوا نتلوا بعض ما ورد في كتاب الله وكيف استخدم هذا اللفظ ووظفه، قال تعالى: - قد خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ - آل عمران: 137، وقال تعالى: - إستكباراً

 

فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّت الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّت اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّت اللهِ تَحْوِيلًا - فاطر: 43

2 6قال تعالى: -

يًريدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - النسا ء

 

والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان ألاَّ وهو: إن لم يصح إطلاق - السُنة - على الأفراد والتابعين، فمن أين جاء القول بمصطلح - أهل السُنة والجماعة - ؟ .

والجواب: إن إطلاق لفظ السنة على الأفراد غير صحيح لغةً وهو غير صحيح بحسب ما ورد من نصوص في الكتاب المجيد، وهذا الذي بيناه ولكن إضافة لفظ - أهل .... والجماعة - إلى السُنة، ليست ذات معنا مفيد، ثم إنها إضافة تاريخية تحكي عن ذلك الصراع الذي كان بين أهل العقل وبين أهل الحديث، فتسموا أهل الحديث بأنهم أهل السُنة، والمُراد بهذه التسمية في حينها أي التابعين للسُنة وليس هم السُنة، ثم تفنن اللاحقين لأولئك بجعل هذه التسمية في مقابل الرافضين لهم من أهل الفرق الأخرى، فهي عندهم ضد الشيعة وضد الأباضية وضد المعتزلة والماتريدية والظاهرية، وجعلوا من هذا التشكيل كفرقة معينة على خلاف باقي الفرق، بل تطرف البعض منهم ليدعي إنه الفرقة الناجية وصيغة في هذا الإتجاه جملة من الأخبار المنسوبة كذباً إلى رسول الله - ص -، وهذا التطرف هو من أسس لاحقاً هذا التطرف الذي يعيشه العالم، وهو من أنتج لنا هذه المنظمات التي تخرب نظام الحياة وتكتم على المسلمين أنفاسهم تحت بند قولهم: - إنهم أهل السنة والجماعة، ذلك المصطلح الذي وظفته السياسة في عصر المتوكل العباسي ليكون أسماً لمسمى فرقةً من المسلمين، وعنها وفي سبيلها قالوا: إنها الفرقة الناجية أو الفرقة المنصورة، وقد حاول المُنتجين لهذا المصطلح أو اللاحقين بهم قد جعلوا هذا المصطلح في مقابل مصطلح الشيعة أو التشيع، وهذه مُغالطة إصطلاحية ولغوية ومبنائية، وقد حمل البعض هذا المنتج من الأقوال ما لا يحتمل، وقد زاد البعض في الإمعان من خلال نسبة ذلك القول منهم لعبدالله بن عباس، مع ظننا القوي إن هذه النسبة غير صحيحة، كما إن دفع الألفاظ لتصب في غير محلها أو تحميلها ما لا تحتمل دفع غير محمود، وهذا التحميل الزائد قال به أبن كثير في تفسيره لقوله تعالى: - يوم تبيض وجوه وتسود وجوه - آل عمران 106، مع إن دلالة النص تتحدث عن خواتيم عمل الناس في المطلق وعن مطلق الفعل، وذلك في إشارة لمن يفعل الخير ومن يفعل الشر، وهذا هو ظاهر الكلام وأما معناه فمعلوم، وهو يندك في مضمون قوله - فمن يعمل مثقال ذرة شر يره ومن يعمل مثقال ذرة خير يره -، ولو طبقنا مقياس الألباني في ذلك وغيره من شيوخ الحديث، لأصبح عندنا معنى جماعة أهل الحديث أو التابعين لهم مطلقاً ليسوا هم أهل - السثنة - لا صفة ولا موصوفاً، بدليل إن السُنة شيء والتابع لها شيء أخر، والتابعين أو الأتباع من جهة التركيب هو لفظ دال على معنى الشيعة أو التشيع، ودليلنا إلى ذلك كتاب الله المجيد وأستعمالاته ولغة العرب وأستخدامات ألفاظها، ثم إن تلبيس لفظ ما معناً أخر مغاير له هو من البدع المنهي عنها حسب ماورد في صحيح الخبر .

 

 

وأما الشيعة: فهي لفظ عام ودلالته تكون على جماعة المسلمين وعامتهم، فهم التابعين أو الأتباع بالفعل لدين الله وسُنة نبيه، والإتباع المقصود: هنا هو ذلك الذي يكون على النحو العام بالإعتبار والتبعية، و على هذا تكون - الشيعة - ليست فرقة من الناس بالمفهوم المتعارف في مقابل الفرق الأخرى، و هذا ما يدُل عليه اللسان العربي حين يُعرفها بقوله إنها: أسم جامع يصح أطلاقه على الواحد و على الاثنين وعلى الجمع و المذكر و المؤنث وبلفظ واحد و معنى واحد، و هي في الإصطلاح: ذلك الأسم الذي غلب أستعماله على جماعة من الناس، توالي علياً وتتبع وتعتقد بآراءه وأفكاره !!، وتغليب هذا الأستعمال على الأصل إنما جاء بفعل تأثير العامل السياسي، ولكن الأصل في اللفظ وفي معناه تكون دلالته دالة على العموم وعلى كل من أتبع النبي ورسالته، وقد دل الكتاب المجيد على ذلك، بقوله تعالى: - وإن من شيعته لإبراهيم - الصافات 83، أي إن من التابعين والموالين له - إبراهيم -، أي إن النص يتحدث عن تابعيته لنوح فيما دعا له وفيما سار عليه، وإبراهيم هنا هو الفرد الواحد التابع لسنة وطريقة نوح في عبادته وفي سلوكه في الحياة، والواحد من الأتباع يصح إطلاق لفظ الشيعة عليه إعتباراً، والشيعة في الأصل تعني الوحدة في الولاء للدين والوحدة في الإعتقاد، وأما التعدد فيها فهو تعدد في الولاء وفي التابعية وقد أعتبره الله تفريقاً وعَّده ممنوعاً، كما يظهر بقوله تعالى: - إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم .. - الأنعام 159، والخطاب في النص واضح في تضمنه لمفهوم الوحدة، ولكن وبما الأتباع هم بشر يجري عليه القانون العام في معنى قوله - وكذلك جعلهم -، أي جعل فيهم قابلية الإختلاف وهذه القابلية في المطلق ممكنة بل هي ظاهرة وجودية تتعلق بالطباع والأمزجة والعقول وحتى في التكوين، وكذلك تكون في الدين نفسه حينما يحوله الأتباع إلى مذاهب كما هو ظاهر النص في سورة الأنعام، ويكون من جهة الملة والقومية كما نقرأ ذلك في قصة موسى قال تعالى: - فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه ... - القصص 15 .

وخلاصة القول: فكل من تابع أحد أو وآلاه فهو من شيعته، وعلى هذا الإعتبار فكل من تابع أو أخذ من سيرة الشيخين فهو شيعي وتابع لهم وهكذا، وأما من يدعي بإن الشيعة هي بدعة !!، فهذا قول مردود والشيعة ليست رفضاً، كما لا يصح إعتبار الرافضين لخلافة أبي بكر هم الشيعة، لأن ذلك التصنيف سياسي بإمتياز وهو قول ركيك ولا يستند إلى منطق علمي غير التنابز والتنازع الممنوعين، وفي المطلق لا يجوز إخراج لفظ الشيعة مما وضع له في الأساس، وبأنهم الأتباع مطلق الأتباع، ولهذا تكون دلالته على من تبع النبي محمد - ص - وسار على نهجه فهو الشيعي - دلالة ومفهوم - .

إن تفكيك الإشكالية المُصطنعة لمفهوم - السُنة والشيعة - يكون من الأولويات خاصة في ظل هذا التهريج والإدعاء والتقاتل، أعني إنه ليس ترفاً أدبياً إنما هو حرص عقلي وأمانة علمية تهدف لترتيب الأوراق و تسمية الأشياء بمسمياته، وتلك غاية بحد ذاتها، وكلامنا هذا نمارسه هنا لنتعلم كيف يجب ان نبدأ ؟، وكما قلنا في المقدمة إن هذا البحث حيادي وموضوعي، ونسعى فيه لتوجيه أنظار الشُعب المسلمة لتدارك أخطائها وخطاباتها في الأسماء والمسميات، كما نطلب من القراء الأعزاء: أن ينظروا لهذا البحث بعيداً عن المطبات السياسية والمنعرجات التاريخية والتراثية، ويجعلوه في محله الذي كُتب من أجله، وأُهيب بالمشتغلين الإبتعاد ما أمكن عن السائد من خطابات التنابز والتكفير والتفسيق التي يكون الفاعل فيها والمُريد سياسي دائماً وبإمتياز .

وخاتمة الكلام: إن الشيعة هم الأتباع وهم الناس، وأما السُنة فهي الطريق وهي النظام وهي القانون، وبين التابع والطريق جدُ فارق لا يخفى على المُتتبع في كتاب الله ولغة العرب، وعليه يكون كل المسلمين شيعة وإن لم يتسموا، وأما إطلاق لفظ - السُنة - على جماعة من البشر فهذه من البدع المنهي عنها، والعكس صحيح ...

abdullah badrhskandarيخضع الإنسان لمجموعة من العوامل المؤثرة في سلوكه سلباً أو إيجاباً ولذلك فهو يتأرجح بين الصبر والجزع، فإن صبر على ضر مسه وأظهر خلاف ما يبطن كان من الذين يجزون على هذا الفعل لأن الله تعالى لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا في حالات خاصة، كالظلم الواقع على النفس عند نفاد صبرها، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بقوله: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعاً عليماً) النساء 148. وكما هو ظاهر فإن الآية مسوقة لتعليم الإنسان مدى صبره على كتمان الأقوال السيئة التي يواجه الآخرين بها، إلا أن الاستثناء الوارد في قوله تعالى: (إلا من ظلم) النساء 148. هو استثناء منقطع أي أن هناك رخصة للإنسان بأن يجهر بالسوء من القول بحق من ظلمه دون الاعتداء السافر، وفي الآية ما يبيح حق إظهار الظلم وإن كان العفو هو الملاك، ولذلك عقب سبحانه بعد هذه الآية بقوله: (إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفواً قديراً) النساء 149. وفي منطوق الآيتين تأكيد على سمو الصفات الحميدة والتي من أهمها العفو عند المقدرة، ولهذا وضع تعالى السبب موضع المسبب في قوله: (فإن الله كان عفواً قديراً) النساء 149.

وبناءً على ما تقدم يظهر أن حق الإنسان في الكلام لا يمكن أن يلازمه في جميع أحواله وتصرفاته، أو أن يتلفظ بما يشاء من القول لأن ذلك يفسد الروابط الاجتماعية بين الناس وبالتالي تحل الصفات الذميمة محل الصفات الحميدة، ومن هنا نستطيع معرفة السبب الذي من أجله أشار القرآن الكريم إلى اجتناب الظن أو التجسس والاغتياب، ووصف هذه الأفعال بأجزل بيان وذلك في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) الحجرات 12. ولهذا نرى أن القرآن الكريم يجمع بين الإحسان الفعلي وبين ما يرادفه من الإحسان القولي، فإن كان الأول يشق على الإنسان وجب عليه التستر في القول وإظهار ما يسر الآخرين، لأن التعامل بين الناس يعتمد على الظاهر في أغلب الحالات، وقد ورد عن النبي ما يبين هذا المعنى وذلك في قوله (ص) "لو تكاشفتم ما تدافنتم" وهذا يؤكد أن هناك مواقفاً كثيرة قد تسوء الإنسان في علاقاته مع الآخرين إلا أن اتخاذه الأسلوب الحسن في التعامل يجعله في المنزلة الرفيعة، أو بعبارة أخرى يمكن القول إذا تعذر عليه الفعل فمن المناسب أن يظهر الإحسان بالقول، وقد ورد هذا المعنى عن أبي الطيب المتنبي في قوله:

لا خيل عندك تهديها ولا مال... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال

وروي إن لم تسعد الحال لأن الحال يذكر ويؤنث، ويشهد لتأنيثه قول عمر بن أبي ربيعة:

فبتنا بتلك الحال إذ صاح ناطق... وبين معروف الصباح فصدقا

من هنا نعلم أن الميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل كان متضمناً للإرشادات الفعلية والقولية في آن واحد كما سيمر عليك في تفسير آية البحث.

وقفة مع آية البحث:

قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسناً وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون) البقرة 83. فصل القرآن الكريم الميثاق مع بني إسرائيل وبينه بطريقة أشمل بعد أن تطرق إليه في الآيات السابقة بصورة مختصرة، وقد علمت من خلال كتابنا هذا أن الميثاق يتضمن القواعد الثابتة للدين وهي نفس القواعد التي نزل بها القرآن الكريم إلا أنهم تنكروا لها وتركوها وراء ظهورهم، ولو تأملت تلك القواعد ستجد أنها لا تخرج عن النداء الإيماني الذي يدعو إلى توحيد الله تعالى وما يترتب على ذلك التوحيد من استقرار المبادئ الإنسانية المشتملة على العلاقات والمعاملات بين أبناء البشر على اختلاف مللهم ونحلهم وهذا ما أقره الدين وبنى عليه الروابط الاجتماعية، ومن هنا نرى أن الحق سبحانه قد فرع هذه الروابط على عبادته، ولذلك وجه الأمر الإرشادي إلى بني إسرائيل بطريقة أكثر تفصيلا كما هو ظاهر في التعاليم التي ذكرت في الميثاق والمتضمنة للإحسان بالوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين وصولاً إلى خطاب الناس بالقول الحسن المترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بعد ذلك أشار إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة باعتبارهما المقوم الأهم في الجمع بين الخضوع والتسليم لله تعالى.

من هنا يظهر أن بني إسرائيل لم يراعوا هذا الميثاق حق رعايته ولهذا وجه الحق سبحانه الخطاب إلى المؤمنين وذلك بسبب الإعراض الصادر عنهم ولم يلتفت إليهم إلا في الحالات التي تحتاج إلى التوبيخ والتقريع، كما في قوله: (ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون) من آية البحث.

فإن قيل: إذا كان إيجاد الولد لا يعتمد على علة فعلية وإنما يحصل ذلك بسبب مجموعة من الدوافع التي تنشأ من الوالدين وأغلب تلك الدوافع لا تخضع لإرادتهما كالشهوة الجنسية، إضافة إلى أن هناك من لا يرغب بالإنجاب إلا أنه يحدث لديه دون إرادته فكيف يأمر الله تعالى الأولاد بالإحسان للوالدين؟ أقول: السبب الرئيس الذي يقضي بوجوب الطاعة للوالدين يعتمد على إبقاء الرابطة الأسرية على تمامها دون الميل إلى ما يعكر صفوها، ولما كان الوالدان هما السبب المباشر في تربية الأولاد بعد إيجادهم وفي حالة ضعفهم وكذا المراحل الأخرى التي لا يملكون فيها القدرة على رعاية أنفسهم فمن الطبيعي أن يوجه الأمر بالإحسان إليهم، ولا يخفى عليك بأن هذه الأسباب كفيلة برد الجميل إلى أهله بغض النظر عن الرابطة الدموية فتأمل.

فإن قيل: وماذا عن الحنان الفطري المتبادل بين الآباء والأبناء وما يلحق بهما؟ أقول: ما نشاهده من الحنان المتبادل بين الآباء والأبناء أو بين الإخوة نزولاً أو صعوداً يخضع للتسخير الطبيعي الذي أودعه الله تعالى في الفطرة التي أنشأها وذلك لأجل استمرار الحياة دون إفراط أو تفريط، علماً أن هذا الحنان لا يقتصر على الإنسان بل يمتد ليشمل جميع الكائنات الأخرى، ولما كان هذا الحب الفطري طاغياً أكثر لدى الآباء نجد أن الأمر الإلهي بالإحسان لم يوجه إليهم لأنه تحصيل للحاصل وإنما وجه للأبناء، وهذا ظاهر من ارتقاء النص مباشرة من الوالدين إلى ذي القربى واليتامى والمساكين دون الإشارة إلى الأولاد.

فإن قيل: لمَ جمع الله تعالى بين توليهم وإعراضهم ألا يوحي هذا السياق بالتكرار باعتبار أن من يتولى عن أمر معين يكون معرضاً عنه؟ أقول: قد يتولى الإنسان عن شيء ما مع الأخذ بالاحتياط في حالات خاصة إلا أن المشار إليهم في سياق البحث لم يكونوا بهذا المستوى الذي يؤهلهم للرجوع عن الإعراض بعد توليهم ولذلك جمعوا بين الأمرين دون التمكن من الرجعة الاختيارية، ولهذا السبب كان توبيخهم فتأمل ذلك بلطف.

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

 

     عبدالله بدر اسكندر  

 

abdullah badrhskandarالأسباب الداعية إلى إنزال الكلام منزلة المقدس ترجع إلى الحجج التي تثار من قبل أصحاب الشأن الذين وجدوا أنفسهم في المكانة الرفيعة دون وجه شرعي أو استحقاق فعلي لما هم فيه من خصوصيات بعيدة عن الأحكام المشرعة من الحق سبحانه أو القانون الوضعي، ولذلك فقد تظهر النتائج أو العوامل المساعدة لاستمرار هؤلاء في نهجهم على غير المألوف، ومن هنا فقد تصاب المجتمعات بالغفلة تلو الأخرى إذا ما قيست تلك النتائج إلى ما يملى على ضعاف الناس من قوانين حافظة لحقوقهم، وأنت خبير بأن فقرات هذه القوانين لا تخرج عن كونها بيانات عرضية لا يطالها التطبيق وذلك نظراً لوجود الأرضية المناسبة التي كان يطمح إليها أولئك العلماء أو الطغاة الذين أصبح لديهم نفوذاً لا مثيل له وقدرة لا حدود لها في تجريد الناس من جميع مستحقاتهم مع نسبة ذلك إلى الله تعالى دون مراعاة لحرماته، ولهذا تجد لأفعالهم الحظ الوافر في التصديق عند بثها في نفوس العامة من الناس الذين لا يسعهم التحقق من صحة ما عرض عليهم جراء البيان اللفظي الذي لا يستند إلى دليل من الواقع المعاش أو الكلام الذي يجدونه مكتوباً بطريقة لا تقبل اللبس الذي اعتاد عليه المتسلطون على رقاب الناس.

فإن قيل: ما هو الدافع المساعد لاستمرار هذا الفعل؟ أقول: الدافع الأقوى لهذا الفعل لا يتعدى إلى أكثر من إحدى الحالات التي يرى الطغاة أو العلماء من خلالها أن لهم حقاً تأريخياً أو دينياً يجعلهم في المكانة الرفيعة التي تهيئ لهم أسباب التحكم بمصير الناس أو الحصول على عرض زائل أو مطمع من مطامع الحياة الدنيا كالسيادة أو الجاه، ومن هنا كانت لديهم بعض الحجج التي تنسب إلى ما يتوافق مع نهجهم أو إلقاء عبء أفعالهم على عاتق التشريع الذي لا يكون للضعاف نصيب في فهم مقرراته، ولذلك كان اتخاذهم لفن التحريف هو المنقذ الأكبر لما هم فيه من التسلط حتى وصل بهم الأمر إلى قولهم إن هذا الفعل هو من عند الله، وهذه الكتابة الحافظة لحقوق الآخرين لا يمكن أن يكون مصدرها إلا من السماء، وهذه هي الطريقة المثلى التي اتبعوها في خداع عامة الناس، ولا يخفى على المتأمل بأن هذا الاتجاه سوف يضفي على أفعالهم صفة الشرعية التي ليس لها ما يبررها إلا التسليم الأعمى من قبل المغفلين من الناس، وهذه المنزلة تعد من المنازل التي لا تفوقها منزلة في الكذب على الله سبحانه، ولهذا كان الوعيد من سنخ أعمالهم التي قدموها للآخرين وذلك بسبب ما كتبت أيديهم وبسبب ما كسبوا من تلك الكتابة التي نسبوها للحق جل شأنه.

وهذا المثال لا ينطبق على أمة بعينها ولا على فئة خاصة بل يتعدى إلى جميع المكونات البشرية في كل وقت ومكان، وما تطرق إليه القرآن الكريم من وصفٍ لظاهرة من ظواهر أهل الكتاب ما هو إلا مصداقاً لهذا الفعل الذي تطرقنا إلى بيان تفاصيله، علماً أن لهذا المصداق خصوصية تجعله في قمة الأفعال البغيضة التي تجنى أصحابها على أحكام الله تعالى، وذلك بسبب إخفاء صفات النبي الخاتم (ص) وإيهام الناس بإظهار صفات أخرى بعيدة عن صفاته الحقيقية، وهذا ما يفهم من الوعيد الذي توعدهم به الحق سبحانه وتعالى كما سيمر عليك من خلال تفسير آيات البحث.

وقفة مع آيات البحث:

قوله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) البقرة 79. الآية الكريمة فيها إشارة إلى قسم آخر من بني إسرائيل فبعد أن كان الحديث عن الأميين الذين كان همهم نشر الفتن والأكاذيب بين الناس دون دراية أو فهم لما يتلقونه من علمائهم، انتقل السياق إلى هؤلاء الذين يقومون بنفس الفعل الذي كان يفعله الأمييون إلا أن أفعالهم لم تأت عن عدم فهم لما ينشرونه، ولذا فهم يكتبون ما يحرفون من الحق إلى الباطل بأيديهم ثم ينسبون ذلك إلى الله تعالى، ولذا توعدهم سبحانه بتكرار الويل، وكما ترى فإن سبب هذا الفعل يرجع إلى حصولهم على الثمن الذي وصفه القرآن الكريم بأنه ثمن قليل وذلك لتحقير شأنه قياساً إلى ما عند الله تعالى من الثمن الذي وعد به عباده المؤمنين.

فإن قيل: الكتابة لا تكون إلا باليد فلمَ هذا التكرار؟ أقول: أنزل الكلام منزلة التأكيد، وهذا كثير في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: (يقولون بأفواههم) آل عمران 167. وكذا قوله: (ولا طائر يطير بجناحيه) الأنعام 38.

قوله تعالى: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون) البقرة 80. جمع الله تعالى في هذه الآية غرورهم الذي هو سبب انحرافهم ثم رد عليهم بما يناسب أقوالهم التي يرجع سببها إلى ما كانوا يدعونه من التفوق على جميع الأجناس البشرية ولهذا السبب كان اعتقادهم بأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة لأنهم شعب الله المختار، ولذلك أمر الله تعالى نبيه (ص) بأن يخاطبهم كما في سياق الآية أي هل كان بينكم وبين الله عهد ينقذكم من النار، أم تقولون على الله أقوالاً لا تستند إلى علم، فالآية تريد أن تبين لهم عدم صدق أقوال أسلافهم، ولذا عقب سبحانه بنتيجة هذا الفعل وذلك في قوله: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) البقرة 81. وكما ترى فإن منطوق الآية يدل على إبطال قولهم السابق بأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة، والسيئة المشار إليها في الآية فيها تخصيص يناسب أقوالهم ولذلك عطف عليها إحاطة الخطيئة، وكأن الخطيئة قد أحاطت بأفعالهم فلن تترك لهم مجالاً في الرجوع إلى قول الحق، والآية نظير قوله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) الجاثية 23.

قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) البقرة 82. هذا التذييل يفيد تعقيب الإنذار بالبشارة، وهو ما دأب عليه القرآن الكريم في ذكر التحلية بعد التخلية.

فإن قيل: ما معنى الويل الذي ذكر في سياق البحث؟ أقول: ذكر المفسرون أن للويل عدة معاني منها:

أولاً: إنه جبل من نار.

ثانياً: إن الويل واد يجري بفناء جهنم ويتكون من صديد أهل النار.

ثالثاً: الويل باب من أبواب جهنم.

رابعاً: يقصد من الويل شدة الشر.

خامساً: المشقة بسبب العذاب.

سادساً: الويل يعني الحزن.

سابعاً: دعاء يقال عند الإشراف على الهلاك.

وعندي أن الويل إذا كان من الله تعالى فهو تهديد ووعيد، وإذا كان من الإنسان فهو أقرب إلى الدعاء الذي يقال عند الشدة والكرب.

ويشهد للأول قوله تعالى: (ويل لكل أفاك أثيم) الجاثية 7. وكذا قوله: (ويل يومئذ للمكذبين) المرسلات 15. سورة المطففين 10. وقوله تعالى: (ويل للمطففين) سورة المطففين 1. وكذلك قوله: (ويل لكل همزة لمزة) الهمزة 1. وقوله: (فويل للمصلين) الماعون 4.

ويشهد للثاني قوله تعالى: (ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) الكهف 49. وكذا قوله: (قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين) الأنبياء 14. وقريب منه الأنبياء 46. القلم 31. وقوله تعالى: (فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا) الأنبياء 97. وقوله: (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) يس 52. وكذلك قوله تعالى: (وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين) الصافات 20. وكذا قوله: (قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب) المائدة 31. وقوله تعالى: (قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً) هود 72.

ومنه قول امرئ القيس:

ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة... فقالت لك الويلات إنك مرجلي

وله أيضاً:

له الويل إن أمسى ولا أم هاشم... قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا  

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

     عبدالله بدر اسكندر  

abdullah badrhskandarالمقدمات الإجمالية لمعرفة الدلالات العلمية تعتمد على شقين أحدهما يرجع في تكوينه وبيان نتائج أعماله الملموسة إلى الفطرة التي ليس بوسعها التخلف عن الاستقلال الذاتي المصاحب للإنسان، وثانيهما يتمثل في التقليد والرجوع إلى أصحاب الخبرة في الأعمال الخارجة عن فهم الإنسان سواء كانت مادية أو معنوية وهذا من الأسرار الكامنة في العقل البدائي، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال الأسئلة الكثيرة التي يوجهها الطفل إلى الآخرين وهو على يقين من حصول الإجابة منهم وغالباً ما يتحقق له ذلك نظراً إلى بداهة الأسئلة التي يعرضها والتي لا تحتاج إلى تجربة أو دراسة عملية وإن شئت فقل هي أقرب إلى العلم الحضوري لدى من يوجه إليه السؤال، وهذا المثال يقودنا إلى ما هو أكثر بعداً عن تفاصيل الحالات المتقاربة مع المعاني التي أشرنا إليها، وذلك يدلل ومن غير لبس على أن الإنسان قد جبل على أخذ العلم الحصولي من أصحاب الخبرة في كل شأن من شؤون حياته وفي جميع القضايا الخارجة عن مداركه العلمية أو فهمه القاصر، ولا يجحد هذا الأمر إلا أصحاب التفكير السطحي الساذج مع ملاحظة الفرق بين المسلمات الخارجة عن بحثنا وبين ما نحن فيه، علماً أن التقليد أو اتباع الآباء لا يستقيم الركون إليه في جميع الحالات فتأمل.

من هنا نعلم أن الاعتماد على العقل لا يمكن أن يكون دليلاً على معرفة الأحكام التشريعية الموحى بها من الله تعالى، وربما تكون العلل مخالفة للحكمة في كثير من الأوامر الإلهية ولذلك يجب ملاحظة مدى تفرع تلك الأوامر على إيجاد السبيل الأقوم لكي يصل الإنسان إلى النتائج المرادة من الأحكام، ولا يخفى على المتلقي أن معرفة عدد ركعات الصلاة وتعيين أوقاتها وكذا الأحكام الأخرى ليس في معرفة أسبابها كثير فائدة، ومن الجهل الذي لا مثيل له نرى أن بعض الدخلاء على العلم يريد أن يجعل للصيام مجموعة من الفوائد فنجده بين فترة وأخرى يوجه الدعوة للناس لأجل أن يبين لهم الحكمة من هذا الفرض ومدى تعلق تلك الفوائد بصحة الإنسان، علما أن الله تعالى لم يبين إلا علة واحدة وهي التقوى المرادة من جميع الأعمال التي يقوم بها المكلف بغض النظر عن علمه بالحكمة من عمله أو خلافه، ولو كان الأمر كما يدعي الدخلاء الذين أشرنا إليهم لقسّم الناس إلى مجموعات لا حصر لها وفي هذه الحالة يكون نصيب كل قسم منهم مخالف لنصيب القسم الآخر في التشريعات، وهذا الفعل يكاد يتقارب مع من يحدد علة النكاح بالإنجاب، ولو سلمنا بصحة ذلك لحرم زواج العقيم فتأمل.

من بعد هذه المقدمة نصل إلى أن بني إسرائيل أرادوا معرفة العلة الكامنة في نوع البقرة التي أمروا بذبحها، ولذلك شددوا في طلب صفاتها ولونها فشدد الله تعالى عليهم، ولو سلموا بقبول الأمر الموجه إليهم من الوهلة الأولى لقضي الأمر في مدة قصيرة ودون جهد، وللمفسرين مسالك متعددة في أسباب اختيار البقرة المعهودة من أرادها فليراجع المطولات، وكما هو ظاهر فإن هذه هي القصة البارزة في هذه السورة ولذلك سميت سورة البقرة بهذا الاسم.

فإن قيل: هل أسماء السور توقيفية أم أنها مما تواضع عليه الصحابة عند الجمع؟ أقول: أسماء السور غير توقيفية على الرغم من أن هناك روايات تنسب تسميتها للنبي (ص) كما ورد عنه من أمر كتّاب الوحي أن يضعوا كذا آية في السورة التي ذكرت فيها البقرة أو التي ذكر فيها الرعد وهكذا، إلا أن هذا لا يثبت أن الأسماء توقيفية، ولو كانت كذلك لما ورد لبعض السور أكثر من اسم، كما هو الحال في التوبة التي تذكر في بعض المصاحف باسم براءة، أو غافر التي من أسمائها المؤمن، وكذا يطلق على سورة محمد سورة القتال، وهذا يبعد الشك من أن هذه الأسماء توقيف من الله تعالى لأن ما ينزل به الوحي لا يحتمل أكثر من وجه فتأمل.

ملخص القصة:

هذا هو الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي ذكرت فيه هذه القصة، ويظهر فيها وبلا مراء مدى العناد المتلبس في بني إسرائيل وكيفية تعاملهم مع الأنبياء وتكذيبهم لما يصدر منهم، وفي القصة دليل على الإحياء بعد الإماتة وهذا أهم ما في الحادثة، وملخصها أن هناك حالة قتل حصلت لرجل من بني إسرائيل دون أن يعرف القاتل مما أدى إلى نزاع بين القبائل أي إن كل قبيلة تتهم الأخرى بالقتل، ولهذا كان توجههم إلى موسى من أجل أن يقضي بينهم وذلك لعدم توفر الأدلة الموصلة إلى معرفة القاتل، وكما لا يخفى على أحد من عدم علم الأنبياء بالغيب فقد لجأ موسى إلى الله تعالى لكي يبين له من هو القاتل، وهذا يعد السبب المباشر في أمرهم بذبح البقرة دون الحكمة الخافية عليهم والتي أشرنا إليها وهي إمكانية إحياء الموتى، ولو استجاب هؤلاء وذبحوا بقرة من سائر البقر دون تعيين لما مكثوا فترة من الزمن دون الوصول إلى معرفة القاتل، ولكنهم شددوا فشدد الله تعالى عليهم كما سيتضح من السياق.

وقفة مع آيات البحث:

قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) البقرة 67. كان الخطاب في الآيات السابقة مع بني إسرائيل إلا أن الحق سبحانه لمّا شرع في قصة البقرة انتقل إلى خطاب النبي (ص) ثم انتقل إليهم في آخر القصة أي في الفصل الذي ختمت فيه، وكأن التوبيخ ظاهر في نتيجة الفعل الذي صدر عن أسلافهم، وهذا النوع من الانتقال يسمى بالالتفات سواء كان من الخطاب إلى الغيبة أو العكس، كما في قوله تعالى: (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) يونس 22. ولم يقل وجرين بكم وذلك بسبب الالتفات إلى النبي (ص) في إكمال الكلام لعدم فهمهم لمجرياته وكذا عدم استحقاقهم للخطاب، ويقابل هذا المعنى قوله تعالى: (عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهوراً) الإنسان 21. ثم انتقل إلى خطابهم بقوله: (إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً) الإنسان 22. وأنت خبير بأن الالتفات إليهم يبين مدى علو شأنهم ومنزلتهم فتأمل.

وبالرجوع إلى موضوع البحث نرى أن موسى (عليه السلام) يعوذ بالله أن يكون من الجاهلين، لأن ما يأمرهم به ليس من باب الاستهزاء وإنما هو أمر الله تعالى، ولذلك قال تعالى حكاية عنهم: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) البقرة 68. فأجابهم موسى كما في قوله: (قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون) البقرة 68. ولا يزالون في ريب من أمرهم ولذا قالوا (ربك) ولم يقولوا ربنا، ومن هنا بين لهم موسى صفات أخرى للبقرة فقال إنها بقرة لا كبيرة ولا صغيرة وإنما عوان أي متوسطة بين الصفتين، والعوان هي التي تأتي بالمرحلة الثانية، ولذلك يطلق العرب على الحرب الثانية حرب عوان، ولم يكتف هؤلاء بالصفات المذكورة فأرادوا معرفة لونها، كما في قوله تعالى: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها) البقرة 69. فأجابهم موسى نقلاً عن قول الحق سبحانه: (قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين) البقرة 69. أي إنها حسنة الصفرة لا يشوبها لون آخر، وليس في الآية دليل على أن اللون الأصفر يسر الناظرين في كل وقت وعلى أي شيء وجد كما يدعي بعضهم وإنما الإشارة إلى هذه البقرة التي أصبحت معهودة بعد أن شددوا في أمرها، ثم بعد ذلك أرادوا البحث عن صفات أخرى للبقرة فقالوا كما في قوله تعالى: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون) البقرة 70. فأجابهم موسى نقلاً عنه سبحانه: (قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها) البقرة 71. وأخيراً قال تعالى نقلاً عنهم: (قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون) البقرة 71. والمقصود أنها بقرة غير مذللة لحرث الأرض أو سقيها وخالية من العيوب. وكما هو ظاهر فإن قولهم الآن جئت بالحق يدلل على مدى عجزهم عن مجاراة القصة ولذا شرعوا في قبول ما عرض عليهم، علماً أن ذلك لم يكن في رغبتهم بدليل قوله تعالى: (فذبحوها وما كادوا يفعلون) البقرة 71.

وبعد أن عثر بنو إسرائيل على البقرة لخص الله تعالى الحادثة في آيتين، وذلك في قوله: (وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون... فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون) البقرة 72- 73. ثم بين تعالى صفاتهم وقسوة قلوبهم من بعد هذه الحادثة في قوله: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون) البقرة 74. وكما هو مبيّن فإن الله تعالى قد جمع في هذه الحادثة أمر إظهار القاتل، وكذلك بيّن لهم القدرة على إحياء الموتى الذي لا يتناسب موضوعه مع أفكارهم بل مع أفكار كل من يجحد هذا الأمر، ولهذا وصفهم سبحانه بقساوة الحجارة ثم ترقى في الوصف إلى ما هو أشد من ذلك مبيناً إن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله، ولكن قلوبهم لا يمكن أن تمر بهذه المراحل فتأمل.

فإن قيل: لمَ أشار تعالى بـ (ذلك) إلى المتعدد في قوله: (عوان بين ذلك) البقرة 68. علماً أن ذلك يستعمل للمفرد؟ أقول: استعمال الإشارة والضمير للمفرد بمعنى الجمع أمر شائع في لسان العرب، كما في قوله تعالى: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سؤاتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير... ثم قال... ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون) الأعراف 26. وقريب منه الكهف 17.

ومنه قول الشاعر:

فيها خطوط من سواد وبلق... كأنه في الجلد توليع البهق

ولم يقل كأنها فتأمل.

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

 

   عبدالله بدر اسكندر