nadhir haronalzobaydiمنذ صدر الإسلام تمكن بعض الحكّام من توظيف الدين لأهداف سياسية، مستخدمين ومستغلين شخصيات تلبست بمظاهر إسلامية، ليقدموا لهم الأسانيد الدينية والمبررات الشرعية للتسلط والتغلب على الأمة وتدعيم حكمهم، وان ناقضت تلك الاسانيد والمبررات القرآن او ناقضت بعضها بعضا او كان ما هو منقول ومتواتر عنهم منافيا لأحكام العقل والمنطق والفطرة السليمة، فأصبحت تلك الروايات- وبتعاقب الأزمان- المرجع والفيصل لذوي العقول المنساقة ورائهم، من المهووسين بتعظيم الاشخاص وتقديس الرموز الدينية وعبادة البشر.

فكان الثمن باهظاَ دفعته الامة دماَ طاهرا زكياَ لعظمائها من الأئمة الاطهار ومن قادتها الافذاذ ومن عامة ابنائها، منذ ذلك التاريخ وحتى وقتنا الحاضر .

ان اعظم ما ابتلي به المسلمون، هو الفكر التكفيري، وعلى امتداد تاريخهم، متخذًا منحى عنفيا تصاعديا مع تطور صناعة الأسلحة ودخول ايادٍ خبيثة عملت على أيقاظ واثارة الفتن وخلق التوتر والعداء والتعصب والنزاعات بين ابناء الدين الواحد، حتى وصل الى ما هو عليه اليوم، في ممارسته لأبشع طرق القتل واستخدامه اقسى اساليب الاجرام وافظع وسائل التخريب والدمار، وبشكل لم يسبق له مثيل.

ولا شك ان اي مشكلة تمر بعدة مراحل حتى تصل الى العقدة التي يصعب حلها والهوة التي يعسر تجاوزها، وظاهرة التكفير مشكلة اساسها فكر ضال مر بعدة مراحل، ولا يمكن علاجها علاجا نافعا الا من خلال دراسة جذور هذا الفكر وتحديد اسباب نشوئه ثم نموه واستفحاله وفي جميع مراحله.

 

موقف الاسلام من تكفير المسلم:

اتفقت الامة ان اصل الاسلام واول ما يؤمر به الخلق ؛ شهادة ان لا اله الا الله وان محمد رسول الله فبذلك يصير الكافر مسلما والعدو وليا والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال، ثم ان كان ذلك من قلبه فقد دخل الايمان، وان قال بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الاسلام دون باطن الايمان (1).

وقد ثبت في الاحاديث الصحيحة التحذير الشديد من تكفير المسلم نذكر منها قول رسول الله (ص): " لا يرمي رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، الا ارتدت عليه ان لم يكن صاحبه كذلك "(2)، وقوله ايضا " من قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله " (3) وقال ايضا " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (4) وقال "المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله"(5) وقال عليه الصلاة والسلام "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" (6) وقال: " ألا إن اللَّه حرَّم علَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوالكُمْ، كَحُرْمَةِ يوْمكُمْ هذا، في بلدِكُمْ هذا، في شَهْرِكُم هذا ألاَ هل بلَّغْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قال: اللَّهُمَّ اشْهَدْ (ثَلاثاً) ويْلَكُمْ أَوْ: ويحكُمْ، انظُرُوا: لا ترْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضِ" (7)

وليس معنى اننا نثبت حكم الاسلام لشخص او نحكم له بالأيمان الظاهر اننا نحكم له بدخول الجنة، بل الرجل يعطى حكم الاسلام لمعاملات الحياة الدنيا، فيرث من ابيه المسلم ويتزوج من المسلمين، ويدفن في مقابر المسلمين، وقد يكون ممن يبطن الكفر، ولكننا لم نؤمر بأن نشق عن قلوب الناس؛ وعليه فأن جمهور العلماء لا يكفر تارك الصلاة بالرغم انها عمود الدين، ولان ذلك اجماع المسلمين فأننا لا نعلم في عصر من الاعصر احدا من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ولا منع ميراث مورّثه مع كثرة تاركي الصلاة (8).

روى البخاري وغيره عن اسامة بن زيد انه قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى الحرقة من جهينة فصبّحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله. فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته. فلما قدمنا بلغ ذلك النبي، فقال لي يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله، قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا، قال: هل لا شققت على قلبه فتعلم أنه قالها يتقي بها السيف. ماذا تعمل بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة - فما زال يكررها - ماذا تعمل بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم" (9).

وفي رواية للبخاري ايضا ذكر أن المقداد بن عمرو الكندي حليف بني زهرة وكان ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: " يا رسول الله إني لقيت كافرا فاقتتلنا فضرب يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة وقال أسلمت لله. آقتله بعد أن قالها. قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لا تقتله قلت: يا رسول الله فإنه طرح إحدى يديّ ثم قال ذلك بعد ما قطعها آقتله. قال: لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال"(10).

ان الاسلام كبح كل محاولة لتكفير من تلفظ بالتوحيد وكَبَّلَ الداعين لذلك بأدلة قطعية لا مجال لأنكارها او تأويلها - ومنها الروايتين اعلاه وغيرهما الكثير- لكن رغم كل تلك الادلة القطعية، نجد ان اتباع الفكر التكفيري يُخرجون مذهب الامامية بأكمله من ملة الاسلام- ويتهمون اتباعه بالشرك ويزعمون انهم يسجدون لقبور أئمتهم- لا لشيء الا لان اتباع هذا المذهب يوالون اهل البيت عليهم السلام ويعدَّونهم افضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ويعتبرون قبورهم من مقدساتهم، وأعز عليهم من أنفسهم.

وحتى لو افترضنا ان أفرادا من المذهب الشيعي يسجدون لقبور أئمتهم سواء كانوا جاهلين او قاصدين الامر، فهل يعد ذلك مبررا لتكفير طائفة اسلامية بأكملها واستباحة قتلها؟

يقول الكاتب احمد فريد وهو من شيوخ السلفية في مصر في كتابه العذر بالجهل والرد على بدعة التكفير: "هذه عقيدتنا لو وقع الفرد من هؤلاء الذين يصلون معنا ويصومون معنا، لو وقع في الكفر نحن لا نكفره، فهو يدخل المسجد ويكون في المسجد قبر فيأتيه ويطلب منه ما يطلب من الله تعالى .. اقول مع هذه الدلالات كلها لا نستطيع ان كفر هؤلاء المسلمين لأنه لم تقم الحجة عليهم "(11).

وقد روى عبد الله بن ابي اوفى قال:" لما قدم معاذ من الشام، سجد للنبي صلى الله عليه واله وسلم فقال ما هذا يا معاذ قال اتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي ان افعل ذلك لك. فقال رسول الله (ص) لو كنت امرا احدا ان يسجد لغير الله لأمرت المرأة ان تسجد لزوجها؛ والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها"(12). اذاً من سجد لغير الله – وفق مفهوم الرواية - جاهلا بأن السجود عبادة ينبغي ان لا تكون لغير الله عز وجل لا يكفر، هذا بالإضافة الى ان الرسول (ص) لم يتهم معاذ بالشرك لما قام به من سجود لغير الله، وانما انتقل الى موضوع اخر - قرنه بما قام به معاذ- وهو حق الزوج على الزوجة .

وقد وردت في القرآن الكريم لفظة السجود بمختلف اشكالها (92) مرة الا ان ما اتفق عليه علماء المسلمين ان انواع السجود هي:

اولا: سجود الصلاة على اختلافها من صلاة مفروضة - يومية و غيرها – الى الصلوات المندوبة الليلية والنهارية، او التي تؤدى في مناسبات شتى.

 

ثانيا: سجود السهو لمن سهى في صلاته .

ثالثا: سجود التلاوة، والذي يُعد سنة مؤكدة في الآيات التي بها سجدة.

رابعا: سجود الشكر، اذ يستحب أن يسجد المسلم سجدة الشكر إذا حدثت له نعمة أو صرف عنه أمر سيء بقدرة الله تعالى، وقد روي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم انه كان إذا أتاه أمر يسره أو بشر به، خر ساجدا لله تعالى، وقد ذكر الله تعالى هذا النوع من السجود و وردت له شواهد كثيرة في القرآن الكريم، ومنها حادثة سجود الملائكة لادم في قوله تعالى (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ اَجْمَعُونَ)(13) وقوله تعالى (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (14) و في حادثة سجود نبي الله يعقوب (ع) وبنيه لنبي الله يوسف (ع) في قوله تعالى (وَرَفَعَ اَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً)(15) فالسجود الوارد في الآيات المذكورة لا يعني عبادة المخلوق، بل هو في حقيقته سجود شكر وتعظيم لله تعالى على نعمه ومواهبه العظيمة، وتنفيذا لأمره، وهذا ما اتفقت عليه جميع المذاهب الاسلامية.

وحين ابتدع العباسيون عادة تقبيل الارض بين يدي الخليفة، لم نسمع احدا من المسلمين كفَّر بني العباس لفرضهم تلك الظاهرة، رغم انتشارها في عصرهم،حيث ذكر ابن كثير الدمشقي في كتابه البداية والنهاية نقلا عن علي بن حرب قال:" دخلت على المعتز فما رأيت خليفة أحسن وجها منه، فلما رأيته سجدت فقال: يا شيخ تسجد لغير الله ؟ فقلت: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل، حدثنا بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان إذا رأى ما يفرح به أو بشر بما يسره سجد شكرا لله عز وجل"(16).

 

قاتل النفس البريئة وموقف الاسلام منه:

إن من أخطر المسائل التي حذر منها القران الكريم وفي عدة مواضع هي قضية قتل وإهدار أنفس الأبرياء عمدا ودون ادنى ذنب، مسلمين كانوا او غيرهم، ومن هذه الآيات (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) (17) والآية الاخرى (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً) (18) وغيرها من الآيات الاخرى.

وكل الذنوب قد يُرجَى معها العفو والصفح إلاّ الشرك، ومظالم العباد . ولا رَيبَ أنَّ سَفْكَ دماء المسلمين وهَتْكَ حرماتهم لَمِنْ أعظم المظالم في حق العباد وأن الله عز وجل لم يجعلْ عقوبةً بعد عقوبةِ الشرك بالله أشدَّ من عقوبة قتل المؤمن عمداً اذ يقول: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (19)، وعن ابن عباس " أنَّ رجلاً أتاه فقال: أرأيتَ رجلاً قتل رجلاً متعمداً ؟ قال: جزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً، قال: أُنزِلتْ في آخر ما نزل، ما نسخها شيءٌ حتى قُبضَ رسولُ الله رسول الله صلى الله عليه اله وسلم، قال: أرأيتَ إنْ تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ؟ قال: وأنى له التوبة، وقد سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه اله وسلم يقول: ثكلتْهُ أُمُه رجلٌ قتلَ رجلاً متعمداً يجيء يومَ القيامة آخذاً قاتله بيمينه أو بيساره وآخذاً رأسه بيمينه أو شماله تشخبُ أوداجه دماً في قبل العرش يقول: يا رب سَلْ عبدك فيم قتلني ؟ "(20)

وفي حديث اخر، قرن النَّبيَّ صلى الله عليه واله وسلم بين قتل المؤمن والشرك بالله تعالى، وجعلهما مشتركين في استبعاد الغفران اذ يقول: "كلُّ ذنبٍ عسى اللهُ أنْ يغفره إلاّ الرجلُ يقتلُ المؤمنَ متعمداً أو الرجل يموتُ كافراً " (21). وعنه ايضا (ص) قال: " لهدم الكعبة حجراً حجراً أهون من قتل المسلم " (22) وقال: " لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم بغير حق ولو أن أهل السماء والأرض اجتمعوا على قتل مسلم لأكبهم الله جميعاً في النار"(23) وقال: " من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته" (24) وقال عليه افضل الصلاة والسلام: "مَن حمل علينا السلاح فليس منا"(25).

 

الجذور التاريخية والفكرية لظاهرة التكفير:

ان نمو ظاهرة التكفير- التي برزت واستفحلت في فترة المد الوهابي في بلاد نجد والحجاز- هي في حقيقتها امتداد للصراع السياسي الذي شهدته حُقب معيّنة من التاريخ الإسلامي ولا يمكن فصلها عن الظروف السياسية المعقدة التي سادت صدر الإسلام؛ لا بل لسنا مبالغين اذا قلنا اننا نستطيع تلمس البوادر الأولى والشرارة الباعثة لظاهرة التكفير، على عهد النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم، من خلال قراءتنا لما ورد في الروايتين اللتين نقلهما البخاري عن أبي سعيد والتي يقول في الاولى منهما: "بينما النبي (ص) يقسّم، جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويحك! ومن يعدل ان لم اعدل قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، قال: دعه، فان له اصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" (26). اما الرواية الثانية فقال فيها: "بعث عليٌّ وهو باليمن بذهيبة إلى النبي صلى الله عليه اله وسلم، فقسمها بين أربعة، فقال رجل: يا رسول الله اتقي الله قال: ويلك ألست أحق أهل الأرض ان يتقي الله، ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا،لعله أن يكون يصلي فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال صلى الله عليه واله وسلم:اني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم"(27) .

هاتان الروايتان تأشران الى قضيتين مهمتين الأولى منهما تبين لنا البواكير الاولى لنشوء ظاهرة التكفير في الاسلام، وذلك من خلال الحكم بكفر الشخصين المعترضين على قسمة الرسول - ضمناً وتلميحاً، لا تصريحاً - من قبل عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد، فطلبهما قطع رأسيي المعترضين، يعني انهما حكما عليهما بالكفر دون اذن من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، او موافقته، علما انهما – اي المعترضان- مسلمان، والا لما حضرا القسمة، وبقرينة قول خالد: "وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه"، و رد الرسول (ص) بالقول "اني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم".

اما القضية الثانية فهي ما جاء من الوصف الدقيق لأصحاب الفكر التكفيري على لسان الرسول (ص) بقوله: " فان له اصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" وهذا ما سنتناوله بشيء من التفصيل في السطور القادمة .

 

اول الاعمال الارهابية في تاريخ الاسلام:

شهد عصر صدر الإسلام حادثتين مروعتين تم ارتكابهما باسم الدين، ويمكن عدهما اول الاعمال الارهابية في التاريخ الاسلامي، نظرا لاتفاقهما مع ما يصطلح عليه اليوم بـ (العمل الارهابي)، وتتطابقان وتنسجمان تماما مع ما ورد في محتوى مفهوم الارهاب شكلا ومضمونا. فالإرهاب هو: "كل نشاط اجرامي موجه الى جهة معينة يستهدف انشاء حالة من الرعب"(28) او هو: "استخدام غير شرعي للقوة او العنف او التهديد باستخدامهما بقصد تحقيق اهداف سياسية"(29).

 

الحادثة الاولى: قتل الصحابي مالك بن نويرة:

ان حادثة مقتل الصحابي مالك بن نويرة وقومه تُعد اول جريمة تكفيرية ارتكبت باسم الاسلام، فهي كانت الاولى من نوعها في التاريخ الاسلامي لقطع الرؤوس والابادة الجماعية والتمثيل بالجثث، والحجر الاساس لتصفية الخصوم لأهداف سياسية ثم وضع المبررات والذرائع لشرعنة تلك الاعمال باسم الدين، ولو قارّنا ما فعله خالد بمالك وقومه من قتل وتمثيل بالجثث وطبخ رأس مالك والزنى بزوجته،وبين ما يفعله اليوم مجرمي داعش وقبلهم القاعدة نجد تطابقا واضحا في الفكر والمنهج .

بدأت الحادثة بتوجيه الخليفة أبي بكر خالد بن الوليد إلى قتال مانعي الزكاة، مالك بن نويرة اليربوعي، وقومه وكانت وصية أبي بكر للجيش قبل توجهه، أن يؤذَّنوا إذا نزلوا منزلًا فإن أذن القوم كفوا عنهم وإن لم يؤذنوا فقاتلوهم وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فاسألوهم عن الزكاة فإن أقروا فاقبلوا منهم وإن أبوا فقاتلوهم فسار إليهم خالد، ثم ضرب عسكره بأرض بني تميم، وبث السرايا في البلاد يمنة ويسرة، وبعد أن قال لهم جنود خالد إنا المسلمون . رد عليهم قوم مالك ونحن المسلمون، قالوا: فإن كنتم المسلمين كما تقولون فضعوا السلاح، فوضع قوم مالك السلاح ثم صلى هؤلاء وأولئك، فلما انتهت الصلاة باغتوهم وكتفوهم وأخذوهم إلى خالد بن الوليد فسارع أبو قتادة الأنصاري وعبد الله بن عمر فدافعوا عن مالك وقومه وشهدوا لهم بالإسلام وأداء الصلاة، إلا أن خالداً لم يصغ إلى شهادتهما، ولا إلى دفاع مالك عن نفسه ضد اتهامه بالكفر، حتى أن مالكا طلب من خالد أن يرسله إلى أبي بكر ليحكم بأمرهم، ولكن دون جدوى، وكان لخالد ما أراد من قتلهم، وقد أوعز بالمهمة إلى ضرار بن الأزور(30).

وقد ذكر المؤرخون ايضا ان مالكا لما التقى بخالد قال: إني مسلم، فقال خالد: يا ضرار اضرب عنقه، وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري ممن حاولا عبثا منع خالدا من قتله وثنيه عن ذلك، ولكنه كره كلامهما، ونزل على زوجته في الليلة التي قتل فيها زوجها والتي روي أنها كانت من أجمل نساء العرب، ثم أنه طبخ برأس مالك طعام تلك الليلة، وقد غضب أبو قتادة لدرجة أنه عاهد الله أن لا يشهد مع خالد حرباً بعدها (31).

وحين عاد خالد الى المدينة المنورة ودخل المسجد قام إليه عمر بن الخطاب فأنتزع الأسهم من عمامته فحطمها وقال:‏ أرياء قتلت أمرأ مسلماً، ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بالجنادل وخالد لا يكلمه ولا يظن ألا إن رأي ابي بكر فيه كرأي عمر، حتى دخل على أبي بكر فاعتذر إليه فعذره وتجاوز عما كان منه في ذلك، وودى مالك بن نويرة، فخرج من عنده وعمر جالس في المسجد، فقال خالد‏:‏ هلم إلي: يا ابن أم شملة، فلم يرد عليه وعرف أن ابا بكر قد رضي عنه‏، وغضب عمر غضباً شديداً لدرجة أنه قال لأبى بكر إنه زنى فأرجمه، فرفض أبو بكر، فقال عمر: إنه قتل مسلماً فأقتله، فرفض أبو بكر ثانية قائلاً:تأول فأخطأ (32) . فقال عمر يا ابا بكر كيف يُقاتل الناس وقد قال رسول الله اُمرت ان اُقاتل الناس حتى يقولوا: لا اله الا الله ؛ فمن قالها عصم مني ماله ونفسه (33). فرد ابو بكر: يا عمر ارفع لسانك عن خالد ما كنت لأغمد سيفا سله الله عليهم (34).

لم يقتنع عمرا (باجتهاد) خالد وتأويله، ولا بصفح أبي بكر عنه، لذا فإنه عندما تسلم الخلافة، كان من قراراته الأولى عزل خالد عن قيادة جيش المسلمين الذي كان حينها في غمرة انشغاله بقتال الروم في الشام، ودع عنك تلك التبريرات المصطنعة القائلة بأن عزل الخليفة لخالد كان يعود لخشيته افتتان المسلمين بانتصاراته الباهرة على حساب شعورهم بصنع الله سبحانه وتعالى لتلك الانتصارات ! (35) وحسبنا من هذه الاقوال جميعا ان نقف منها على الثابت الذي لا نزاع فيه: ان وجوب القتل لم يكن صريحا قاطعا في امر مالك بن نويرة، وان مالكا كان احق بأرساله الى الخليفة، وان خالد تزوج امرأة مالك وتعلق بها. (36)

 

jamil hamdaouiالمقدمة: من المؤكد أن الخطاب الديني كان سباقا إلى القول بالعوالم الممكنة قبل الخطابين: الفلسفي والعلمي. فقد أثبتت التفسيرات الدينية واللاهوتية والكتب السماوية، بما فيها التوراة، والإنجيل، والقرآن الكريم، وجود عوالم علوية، وعوالم سفلية، وعوالم وسيطة.أي: تحدثت عن عالم السماء وعالم الأرض. كما تحدثت أيضا عن عوالم تقع بين بين، كعالم القبر، وعالم الصراط، وعالم الحشر.وبعد ذلك، قدم الخطاب الفلسفي تصوره الكوسمولوجي للعوالم الممكنة منذ الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة المعاصرة، مرورا بفلسفة العصور الوسطى والحديثة. كما قدم الخطاب العلمي تصورات مهمة حول وجود العوالم الممكنة في أبعادها الفيزيائية والرياضية.

إذاً، ما أهم التصورات النظرية حول العوالم الممكنة في الفلسفة والدين والعلم؟ وما خصائص تلك العوالم بنية ودلالة ووظيفة؟ هذا ما سوف نتبينه في هذه المباحث التالية:

 

المبحث الأول: العوالم الممكنة في حقل الفلسفة

يعد الفلاسفة اليونانيون سباقين إلى الحديث عن نظرية العوالم الممكنة في الحقل الفلسفي والميتافيزيقي والطبيعي. وقد كان طاليس أول فيلسوف يتحدث عن هذه النظرية وفق المقاربة الكوسمولوجية. وهكذا، يقول طاليس: إن الماء هو أصل الكون، وهو القوة الوجودية الكبرى التي تتحكم في عوالمه الطبيعية المتفرعة عن هذا الجوهر الثابت الأوحد.وهكذا، ينطلق طاليس من رؤية ميتافيزيقية ذات خاصية طبيعية وكوسمولوجية، بعد أن فصل بين التفكير والخرافة، وأسس التفلسف على الميتافيزيقا والرياضيات. و" يعتقد طاليس أن فوق السماء عوالم لايستطيع المنطق أن يصفها، ولا يقدر العقل على إدراك حسنها وبهائها، وهو الدهر المحض، وإليه تشتاق العقول والأنفس  لأنه هو الديمومة والبقاء (الخلود). ويعتقد طاليس أيضا أن للعالم علة مبدعة لانعرف هويتها ولا اسمها، ولكننا ندرك وجودها مما نرى نحن من آثارها.[1]"

ويعني هذا أن طاليس أول من تحدث عن نظرية العوالم الممكنة، ونظرية الجهات المنطقية، مادام يتحدث عن عوالم أخرى موازية لعالمنا الواقعي المادي الحسي.

وقد قال أنكسيمندريس أيضا بتعدد العوالم والأكوان، وهذه العوالم تتسلسل من عالم إلى آخر.بل هناك من يقول بأن إنكسمندريس قال بعدد لانهائي من العوالم والأكوان التي تنفصل عن بعضها البعض بمسافة شاسعة وبعيدة، وتخضع لمبدإ الصراع والتضاد والفناء، حيث يظهر كون أو عالم، ثم يفنى ليظهر كون آخر. وهكذا، دواليك...ويعني هذا أن ميلاد عالم يعني موت عالم آخر. فلابد لأي عالم أن يكفر عن خطيئة الميلاد، بموته وفنائه ليولد عالم جديد آخر. وعلى هذا الأساس يتحقق التطور من اللاتجانس إلى الوجود المتحيز في الزمان والمكان الخاص بالكائنات الحية، أو ما يسمى بالواقع الحالي[2].

 وعلى هذا الأساس، آمن انكسمندريس بالصراع الجدلي، ونظرية التطور. وفي هذا الصدد،  قال عبارته المشهورة:" إن العوالم يعاقب بعضها بعضا على الظلم الذي يحتويه كل منها".

ويرى عمر فروخ أن أنكسمندريس " قد أدرك أن أبعاد الأجرام السماوية وأحجامها متفاوتة جدا.وأن (نظامنا الشمسي) ليس الوحيد من نوعه، بل هو واحد من عوالم كثيرة، بعضها أكبر من عالمنا وأشد تعقيدا.وبين أيضا أن هذه القبة التي تبدو فوقنا ليست سوى جزء من كرة تامة."[3]

ويرى أنكسمانس كذلك أن الكون أو الوجود، بكل كائناته الحية، يتنفس بالهواء، كما يبدو ذلك جليا في هذه الشذرة:" لأن النفس فينا هو مبدأ كياننا ووحدتنا كذلك الهواء يحوي العالم كله". ويعني هذا أن الهواء مثل النفس التي تمد الجسم البشري أو الكائن الحي بالحياة والحركة تكاثفا (في حالة البرودة)، أوتخلخلا (في حالة الحرارة) انسجاما مع النزعة الحيوية التي تمثلها الفيلسوف أنكسمانس.

وقد قال أنكسمانس بعدد لانهائي من الأكوان مثل سابقه أنكسميندريس،واعتقد أن الأرض تطفو على الهواء كدائرة مسطحة[4].ويعني هذا أن العالم يندثر ويتجدد مرة بعد مرة، فهو - إذاً- محدث غير قديم، وقابل للانعدام.أي: ليس خالدا. ويقترب هذا التصور من مفهوم الفقهاء للعالم[5].

وقد قال ديمقريطس بالذرة على أساس أنها المبدأ الأول للوجود الكوني، وأن الكون كله ملاء من الذرات الكثيرة المتحركة. كما أن النفس مادية مؤلفة من أدق الجواهر، وأسرعها حركة، من حيث إن النفس مبدأ الحركة في الأجسام الحية[6]. ويعني هذا أن الكون يتألف من الذرات (الملاء) والفراغ[7].أي: هناك الوجود واللاوجود، فالوجود هو الذرات، واللاوجود هو الفراغ. ومن هنا، فالذرات هي مكونات صلبة غير قابلة للتجزئة،  منعزلة عن بعضها البعض بفواصل من الفراغ. أما حجمها الحقيقي، فيصعب إدراكها بحواسنا. قد تبدو لينة أو صلبة، منحنية أو دائرية، ولايمكن تحويلها أو تغييرها بسبب صلابتها وحدتها[8].

وتتحرك الذرات في الكون في شكل دوامة أو زوبعة، وتكون مصدرا لكل العناصر، من الشمس حتى النفس[9]. وتتضمن جميع المواد الأولية كالماء، والهواء، والنار، والتراب. وتتحرك هذه الذرات في الفراغ اللامتناهي إلى الأبد[10]. وقد تتداخل هذه الذرات وتتآلف، دون أن تختلط أو تتشابه،  ثم تنفصل عن بعضها البعض[11]. وتطبع هذه الذرات مجموعة من المراحل، كمرحلة التجمع، ومرحلة التفسخ، ومرحلة الانفصال، ثم مرحلة التجمع من جديد. وتتحكم ثنائية الملاء والفراغ في تحريك الذرات في الكون اللامتناهي. وتخضع هذه الذرات لخاصيات ثلاث هي: الشكل، والنظام، والموقع. وقد تحدث أرسطو عن هذه الخاصيات الثلاث في كتابه(الميتافيزيقا).[12]

ويعني هذا كله أن ديمقريطس يؤمن بتعدد العوالم الكونية[13]. ويشبه هذا ما يسمى حاليا بالنظرية الكوانطية  التي تؤمن بالعوالم المتعددة المتوازية.ومن هنا، يقول ديمقريطس بعوالم لامتناهية العدد. وتوجد هذه العوالم في الفراغ اللامتناهي، وبعدد كبير. وتتميز بأحجام متنوعة، وتأخذ مواقع مختلفة في الفضاء الكوني. وقد تكون هذه العوالم متقاربة فيما بينها أو متباعدة.وفي بعض المناطق، توجد عوالم قليلة أو كثيرة. وبعض هذه العوالم متشابهة، وتنشأ هذه الأكوان نتيجة موت الأكوان الأخرى. ويعني هذا أن العوالم خاضعة لثنائية الموت والحياة على مستوى تطورها. ومن جهة أخرى، هناك عوالم مسافرة ومرتحلة من مكان إلى آخر.

وهكذا، فهناك عوالم تظهر، وعوالم تموت، وعوالم تنمو وتتجدد، وعوالم تتجمع، وعوالم تنفصل، وعوالم تختفي وتتفسخ. وهناك أيضا قوى خفية عمياء تتحكم في هذه العوالم، وليس هناك أدنى عناية إلهية. وبالتالي، فالعوالم تحيا مثل الإنسان، تنشأ، ثم تنضج، ثم تشيخ، وتموت.وهذا هو قانون العوالم. وغالبا، ما تسقط هذه العوالم على بعضها البعض. وأكثر من هذا هناك عوالم كبيرة تهيمن وتتحكم في العوالم الصغيرة.وهناك أكوان تعيش فيها الحيوانات والنباتات.وهناك أكوان أخرى تتوفر على الماء والرطوبة.وهناك أكوان بلا شمس ولاقمر. إنها فلسفة كونية متميزة سبقت نظرية العوالم الممكنة والفيزيائية المعاصرة بقرون عدة.

ولم تصل الميتافيزيقا اليونانية ذروتها في مناقشة العوالم الممكنة إلا مع أفلاطون صاحب نظرية المثل العليا، على الرغم من كونه لم يستخدم مصطلح (الميتافيزيقا)، وقد أرجع هذا العالم النسبي والمتغير إلى عالم الماهيات والمثل التي لاندركها بالحس، بل بواسطة العقل. ويعني هذا أن الماهيات لاتدرك بالاستقراء المادي الحسي، بل بالاستنباط والقياس الرياضي والمنطقي. وغالبا، ما تجمع الماهيات بين المحسوسات وصورها. ومن ثم، فالماهية هي نقطة التلاقي أو الوسط الذي يجمع بين الحس والصورة. بيد أن أفلاطون، في بعض الأحيان، لم يستطع أن ينفذ إلى تلك المناطق المشتركة للماهيات، كما يبدو ذلك جليا في كتابه (الجمهورية)، حيث تعرض لفكرة العدالة، ثم حدد موضوعها، ولكنه اعترف بصعوبة تحديد العدالة بشكل دقيق. والشيء نفسه في محاورة (فيلابوس)، حيث وجد صعوبة في تحديد ماهية الخير، على الرغم من أن هدف فلسفة أفلاطون هو الاقتراب التدريجي من فهم حقيقة ماهيات الأشياء على غرار أستاذه سقراط الذي استعمل الشك من أجل الوصول إلى معرفة الحقائق، دون معرفة حقائق الأشياء في حد ذاتها[14].

 وبناء على ما سبق، فعالم المثل والماهيات عند أفلاطون هو عالم حقيقي ومطلق، يعلوه الخير الأسمى. بمعنى أن العالم السفلي الذي نعيش فيه هو عالم وهمي وظني وزائف، يعكس ظلال العالم الحقيقي ألا وهو عالم المثل، وهو عالم حقيقي ويقيني ومطلق.ولايمكن الوصول إلى هذا العالم إلا بالتأمل الفلسفي، وتمثل الجدل الصاعد والهابط. ومن ثم، فقد كانت النفس الإنسانية مستقرة في عالم المثل، ثم هبطت إلى العالم السفلي، لتجد نفسها مسيجة بقيود الحس والجسد[15]. وما عليها سوى أن تتذكر عالمها الأول لترتبط به، وتتحرر من قيود الحس والجسم والبدن؛ لأن المعرفة تذكر، والجهل نسيان. وقد أورد أفلاطون (أسطورة الكهف) للتعبير عن ثنائية العالم السفلي والعالم العلوي، كما يتضح ذلك جليا في هذا الحوار الدرامي التشخيصي:

" سقراط: تخيل رجالا قبعوا في مسكن تحت الأرض على شكل كهف، تطل فتحته على النور، ويليها ممر يوصل إلى الكهف . هناك ظل هؤلاء الناس منذ نعومة أظفارهم، وقد قيدت أرجلهم وأعناقهم بأغلال، بحيث لا يستطيعون التحرك من أماكنهم، ولا رؤية أي شيء سوى ما يقع أمام أنظارهم، إذ تعوقهم الأغلال عن التلفت حولهم برؤوسهم . ومن ورائهم تضيء نار اشتعلت عن بعد في موضع عال، وبين النار والسجناء طريق مرتفع . ولتتخيل على طول هذا الطريق جدارا صغيرا، مشابها لتلك الحواجز التي نجدها في مسرح العرائس المتحركة التي تخفي اللاعبين، وهم يعرضون ألعابهم.

غلوكون: إني لأتخيل ذلك.

سقراط: ولتتصور الآن، على طول الجدار الصغير، رجالا يحملون شتى أنواع الأدوات الصناعية التي تعلو على الجدار. وتشمل أشكالا للناس والحيوانات وغيرها، صنعت من الحجر أو الخشب أو غيرها من المواد. وطبيعي أن يكون بين جملة هذه الأشكال من يتكلم ومن لا يقول شيئا.

غلوكون: إنها حقا لصورة عجيبة، تصف نوعا غريبا من السجناء.

سقراط: إنهم ليشبهوننا. ذلك أولا لأن السجناء في موقعهم هذا لا يرون من أنفسهم ومن جيرانهم شيئا غير الظلال التي تلقيها النار على الجدار المواجه لهم من الكهف، أليس كذلك ؟

غلوكون: وكيف يكون الأمر على خلاف ذلك ما داموا عاجزين طوال حياتهم عن تحريك رؤوسهم ؟

سقراط: كذلك فإنهم لا يرون من الأشياء التي تمر أمامهم إلا القليل .

غلوكون: بلا جدال.

سقراط: وعلى ذلك، فإذا أمكنهم أن يتخاطبوا، ألا تظنهم يعتقدون أن كلماتهم لا تشير إلا إلى ما يرونه من الظلال ؟

غلوكون: هذا ضروري.

سقراط: وإن كان هناك أيضا صدى يتردد من الجدار المواجه لهم، فهلا يظنون، كلما تكلم أحد الذين يمرون من ورائهم، أن الصوت آت من الظل البادي أمامهم ؟

غلوكون: بلا شك.

سقراط: فهؤلاء السجناء إذن لا يعرفون من الحقيقة في كل شيء إلا الأشياء المصنوعة.

غلوكون: لا مفر من ذلك.

 سقراط: فلتتأمل الآن ما الذي سيحدث بالطبيعة إذا رفعنا عنهم قيودهم وشفيناهم من جهلهم . فلنفرض أننا أطلقنا سراح واحد من هؤلاء السجناء، وأرغمناه على أن ينهض فجأة، ويدير رأسه، ويسير رافعا عينيه نحو النور.

عندئذ تكون كل حركة من هذه الحركات مؤلمة له، وسوف ينبهر إلى حد يعجز معه عن رؤية الأشياء التي كان يرى ظلا لها من قبل. فما الذي تظنه سيقول، إذا أنبأه أحد بأن ما كان يراه من قبل وهم باطل، وأن رؤيته الآن أدق، لأنه أقرب إلى الحقيقة، ومتجه صوب أشياء أكثر حقيقة ؟ ولنفرض أيضا أننا أريناه مختلف الأشياء التي تمر أمامه، ودفعناه تحت إلحاح أسئلتنا إلى أن يذكر لنا ما هي. ألا تظنه سيشعر بالحيرة، ويعتقد أن الأشياء التي كان يراها من قبل أقرب إلى الحقيقة من تلك التي نريها له الآن ؟

غلوكون: إنها ستبدو أقرب كثيرا إلى الحقيقة.

سقراط: وإذا أرغمناه على أن ينظر إلى نفس الضوء المنبعث عن النار، ألا تظن أن عينيه ستؤلمانه، وأنه سيحاول الهرب والعودة إلى الأشياء التي يمكنه رؤيتها بسهولة. والتي يظن أنها أوضح بالفعل من تلك التي نريه إياها الآن ؟

غلوكون: أعتقد ذلك.

سقراط: وإذا ما اقتدناه رغما عنه ومضينا به في الطريق الصاعد الوعر، فلا نتركه حتى يواجه ضوء الشمس، ألا تظنه سيتألم وسيثور لأنه اقتيد على هذا النحو، بحيث أنه حالما يصل إلى النور تنبهر عيناه من وهجه إلى حد لا يستطيع معه أن يرى أي شيء مما تسميه الآن أشياء حقيقية ؟

غلوكون: إنه لن يستطيع ذلك، على الأقل في بداية الأمر.

فاستطردت قائلا: إنه يحتاج، في الواقع، إلى التعود تدريجيا قبل أن يرى الأشياء في ذلك العالم الأعلى. ففي البداية، يكون أسهل الأمور أن يرى الظلال، ثم صور الناس وبقية الأشياء منعكسة على صفحة الماء، ثم الأشياء ذاتها. وبعد ذلك، يستطيع أن يرفع عينيه إلى نور النجوم والقمر، فيكون تأمل الأجرام السماوية وقبة السماء ذاتها في الليل أيسر له من تأمل الشمس ووهجها في النهار.

غلوكون: بلا شك.

سقراط: وآخر ما يستطيع أن يتطلع إليه هو الشمس، لا منعكسة على صفحة الماء، أو على جسم آخر، بل كما هي ذاتها، وفي موضعها الخاص.

غلوكون: هذا ضروري.

سقراط: وبعد ذلك، سيبدأ في استنتاج أن الشمس هي أصل الفصول والسنين، وأنها تتحكم في كل ما في العالم المنظور، وأنها، بمعنى ما، علة كل ما كان يراه هو ورفاقه في الكهف .

غلوكون: الواقع أن هذا ما سينتهي إليه بعد كل هذه التجارب.

سقراط: فإذا ما عاد بذاكرته بعد ذلك إلى مسكنه القديم، وما كان فيه من حكمة، وإلى رفاقه السجناء، ألا تظنه سيغتبط لذلك التغير الذي طرأ عليه، ويرثي لحالهم ؟

غلوكون: بكل تأكيد.

سقراط: فإذا ما كانت لديهم عادة إضفاء مظاهر الشرف والتكرم على بعضهم البعض، ومنح جوائز لصاحب أقوى عينين ترى الظلال العابرة، وأقوى ذاكرة تستعيد الترتيب الذي تتعاقب به أو تقترن في ظهورها، بحيث يكون تبعا لذلك أقدرهم على أن يستنتج أيها القادم، أتظن أن صاحبنا هذا تتملكه رغبة في هذه الجوائز، أو أنه سيحسد من اكتملت لهم ألقاب الشرف ومظاهر القوة بين أولئك السجناء ؟ ألن يشعر بما شعر به أخيل عند هوميروس، من أنه يفضل ألف مرة أن يكون على الأرض مجرد خادم أجير عند فلاج فقير، ويتحمل كل الشرور الممكنة، ولا يعود إلى أوهامه القديمة أو العيش كما كان يعيش من قبل ؟

غلوكون: إني أوافقك على رأيك هذا، فخير له أن يتحمل أي شيء من أن يعود إلى تلك الحياة.

سقراط: فلتتصور أيضا ماذا يحدث لو عاد صاحبنا، واحتل مكانه القديم في الكهف، ألن تنطفئ عيناه من الظلمة، حين يعود فجأة من الشمس .

غلوكون: بالتأكيد.

سقراط: فإذا كان عليه أن يحكم على هذه الظلال من جديد، وأن ينافس السجناء الذين لم يتحرروا من أغلالهم قط، في الوقت الذي تكون عيناه فيه مازالت معتمة زائغة، وقبل أن تعتاد الظلمة، وهو أمر يحتاج إلى بعض الوقت، ألن يسخروا منه، ويقولوا إنه لم يصعد إلى أعلى إلا لكي يفسد أبصاره، وإن الصعود أمر لا يستحق منا عناء التفكير فيه ؟ فإذا ما حاول أحد أن يحررهم من أغلالهم . ويقودهم إلى أعلى، واستطاعوا أن يضعوا أيديهم عليه، ألن يجهروا عليه بالفعل ؟

غلوكون: أجل بالتأكيد.

والآن، فعلينا، يا عزيزي غلوكون، أن نطبق جميع تفاصيل هذه الصورة على تحليلنا السابق . فالسجن يقابل العالم المنظور، وهج النار الذي كان ينير السجن يناظر ضوء الشمس، أما رحلة الصعود لرؤية الأشياء في العالم الأعلى، فتمثل صعود النفس إلى العالم المعقول . فإذا تصورت هذا فلن تخطىء فهم فكرتي، مادام هذا ما تريد أن تعرفه . ولست أدري إن كانت فكرتي هذه صحيحة أم لا، ولكن هذا ما يبدو لي على أية حال، فآخرما يدرك في العالم المعقول، بعد عناء شديد، هو مثال الخير، ولكن المرء ما أن يدركه، حتى يستنتج حتما أنه علة كل ما هو خير وجميل في الأشياء جميعا، وأنه في العالم المنظور هو خالق النور وموزعه، وفي العالم المعقول هو مصدر الحقيقة والعقل . فبدون تأمل هذا المثال لا يستطيع أحد أن يسلك بحكمة، لا في حياته الخاصة ولا في شؤون الدولة."[16]

يتبين لنا، من خلال هذا النص الفلسفي الدرامي، أن أفلاطون يقسم العالم إلى قسمين: عالم حسي متغير  ونسبي، وعالم مثالي مطلق ومفارق لماهو مادي. ويعني هذا أن الإنسان ينتقل، في مساره المعرفي، من المعرفة الظنية القائمة على الوهم والاعتقاد الزائف الذي يذكرنا بمعرفة الأشباح والظلال التي تتراقص أمام مشاهدي الكهف؛ والمعرفة الحسية الواقعية التي تقوم على إدراك الأشياء عبر الحواس الخمس؛ والمعرفة العقلية أو الميتافيزيقية التي تدرك الأشياء المعقولة من خلال البحث عن العلل والأسباب. والمهم " أن الفلسفة قد اكتسبت على يد أفلاطون صبغة ميتافيزيقية، فأصبحت تعلو على كل من علم الطبيعة وعلم الأخلاق، وإن كان أفلاطون نفسه لم يستخدم لفظ (الميتافيزيقا) للإشارة إلى مشكلات ما وراء الطبيعة".[17]

ويذهب الفيلسوف اليوناني أفلاطون إلى أن الحقيقة اليقينية لا توجد في الواقع المادي الحسي النسبي، بل توجد في عالم المثل الذي يتسم بالطابع التجريدي والمفارق للعالم المادي المتغير والمزيف. بينما عالم المثل هو عالم ثابت ويقيني وأصيل وجوهري. ومن ثم، فالوجود الحقيقي - حسب (أسطورة الكهف) لأفلاطون- ليس هو الوجود الذي نعيش فيه، فهو مجرد نسخة مزيفة من عالم حقيقي هو عالم المثل الذي لايتم إدراكه إلا بالتأمل العقلي المجرد. كما أن المعرفة الحقيقية واليقينية والمطلقة لا توجد في عالمنا المحسوس والمتغير والنسبي، بل توجد في عالم المثل الذي يحتوي بدوره على قيم متكاملة ومطلقة كالعدل، والحق، والخير، والجمال. وتتسم هذه القيم بكونها قيما خالدة وحقيقية وكلية ومطلقة. بينما قيم البشر هي قيم زائفة ونسبية ومتغيرة، مادامت ترتبط بالعالم النسبي الذي هو انعكاس مشوه للعالم الحقيقي المثالي. ومن ثم، فالقاضي العادل الحقيقي لايوجد إلا في عالم المثل، بينما في عالمنا المتغير لا يوجد سوى قاض نسبي غير كامل في قيمه وعدالته وفضائله. وهذا الحكم ينطبق على الجميل والخير، وعلى باقي القيم الأكسيولوجية والفضائل الإنسانية المعروفة لدينا. وعلى هذا الأساس طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته الفاضلة لأنهم يحاكون عالما نسبيا غير حقيقي[18].

ومن هنا، فقد انطلق أفلاطون من تصور مثالي مفارق لعالم المادة والحس والتجربة والظواهر الملموسة في تبيان مصدر الحقيقة اليقينية والصادقة.

أما الفيلسوف أبيقور، فلا يقول بعالم واحد كما عند أرسطو، بل بتعدد العوالم والأكوان التي تخضع لعملية النمو والفناء.وبالتالي، تتكون هذه الأكوان من عدد لامتناه من الذرات التي تتحرك في الفراغ اللامتناهي. ومن هنا، فالعالم ذري من حيث الأساس الأنطولوجي والكسمولوجي، ومتعدد من حيث العوالم والأكوان التي تتشابه مع عالمنا، أو قد تختلف عنه.

ومن جهة أخرى، اهتم أفلوطين بالأقانيم الأربعة على غرار فلسفة أفلاطون، وهي: الواحد الذي تصدر عنه الأقانيم الثلاثة، والعقل، والنفس،و المادة. ويبرهن عليها أفلوطين بالجدل النازل والجدل الصاعد. وقد قال أيضا بنظرية الفيض، أو فيض العقول عن الواحد المدبر، وقد تأثر الفارابي وابن سينا كثيرا بنظريته في خلق العالم.

ومن حيث فلسفته، فقد قال بوحدة الوجود على غرار فلسفة باريمندس، والانطلاق من الوحدة إلى الكثرة، والعودة من الكثرة إلى الوحدة. وينقسم العالم عند أفلوطين إلى قسمين: العالم السفلي والعالم العلوي، فالواحد هو الذي يتحكم في العالم العلوي، وهو عالم المعقولات. في حين، يعد العالم الثاني عالم الحس.ومن هنا، أفضلية العالم الواحد والمطلق على عالم الحس والكثرة. وتشبه هذه الأطروحة الفلسفية مذهب أفلاطون المثالي. ويقصد بالواحد المطلق الإله الواحد اللامتناهي، أو الخير المطلق. وقد فسر صدور الوجود عن الواحد بنظرية الفيض التي آمن بها الفلاسفة المسلمون كالفارابي وابن سينا.ويعني هذا أن الواحد قد صدرت عنه مجموعة من العقول والنفوس في شكل فيوض وجودية.وبذلك، قال أفلوطين بالواحد، والعقل، والنفس، والحس. وبالتالي، رجح كفة العلوي على السفلي.ومن ثم، لايمكن للنفس الإنسانية أن تحقق سموها إلا بالتخلص من الجسد المادي الحسي، والتحرر منه عن طريق التطهير والتأمل الفلسفي والجذب الصوفي العرفاني.

وهكذا، يؤمن أفلوطين بفكرة المطلق على غرار فكرة المطلق عند هيجل. وفي الوقت نفسه، آمن بفكرة وحدة الوجود كما لدى باريمندس.

وعليه، فقد كان للأفلاطونية تأثير كبير في فلاسفة العصور الوسطى، ولاسيما القديس أوغستان. وقد وصلت التاسوعات الثلاثة الأخيرة إلى السريانية، ثم ترجمت إلى اللغة العربية، ونسبت خطأ إلى أرسطوطاليس، وسميت هذه المقتطفات بأثولوجيا. وكذلك وصل أرسطو إلى العرب في صورة أفلاطونية جديدة. فتقبلها الفلاسفة المسلمون  كالفارابي وابن سينا، وقالوا بنظرية الفيض، وآمنوا بالعقول العشرة[19].

ويعتبر المفكر الألماني ليبنز (Leibniz) أول من استعمل مصطلح (العالم الممكن/Monde possible) في كتاباته الفلسفية منذ القرن السابع عشر الميلادي، على أساس أن ثمة عوالم ممكنة لامتناهية العدد، وأن عالمنا أفضل هذه العوالم الممكنة بناء على مبدإ السبب الكافي الذي يحيل على وجود الله الذي أوجد عالما مبنيا ومنظما ومرتبا وفق قانون السببية والفاعلية.ودائما، يريد الله الأفضل والأصلح لهذا العالم، ولهذا الإنسان المخلوق . 

وقد سخر الكاتب الفرنسي فولتير(Voltaire) من هذا المفهوم في روايته (كانديدCandide/)، على لسان شخصيته السردية بانكلوس (Pangloss) الذي كان يقر بأفضلية هذا العالم مقارنة بالعوالم الممكنة الأخرى، على الرغم من انتشار الشر والظلم والكراهية والعدوان. كما كان يقر بذلك البطل كانديد في كثير من المواقف والوضعيات السردية المأساوية. وإن كان ليبنز على صواب في دفاعه عن هذا المبدإ  الذي يقر بقدرة الله تعالى على خلق ماهو أصلح  وأفضل للإنسان، والتأكيد على خبرته الخارقة بكل ما يدور في العوالم الممكنة الأخرى، وعلمه الكلي الواسع بها في جزئياتها وكلياتها، والدفاع عن عدله المطلق[20].

خلق الله، حسب الفيلسوف الألماني ليبنز(Leibniz)، بقدرته الخارقة والعظيمة، جميع العوالم الممكنة والمقبولة وغير المتناقضة منطقيا. لكن الله اختار من بين هذه العوالم الممكنة أفضلها، ويتميز هذا العالم المختار بتقابل الخير والشر. ويعني هذا أن عالمنا الحالي هو العالم الموجود الحقيقي الذي أراده الله لنا. وبما أن الله يريد الخير والصلاح والتوفيق لهذه الأمة، فقد وضع ميزانا جزائيا عادلا، يحاسب به الإنسان حسب ما أوتي من خير وشر.لذلك، خلق الله لنا أفضل العوالم الممكنة التي تتميز بتعددها ولا محدوديتها الكونية. في حين، لا توجد العوالم الأخرى إلا من جهة المنطق ليس إلا.

وقد اهتم المناطقة المعاصرون بالعوالم الممكنة، منذ منتصف القرن العشرين،  بإصدار كثير من الأبحاث والدراسات والمؤلفات الجديرة بالتحليل والفحص والتقويم والمناقشة. واهتم بها كذلك فلاسفة مابعد الحداثة بالعوالم الممكنة، بعد اكتشاف الصورة الرقمية، وتجاوز العالم الحسي نحو العوالم الممكنة الافتراضية المتعددة. كما نجد ذلك واضحا عند الفيلسوف الفرنسي جان بودريار (Jean Baudrillard) (1929-2007م) الذي اشتهر بنقده للتكنولوجيا الحديثة والإعلام. ومن ثم، فقد أدلى جان بوديريار بمجموعة من المفاهيم، كالحقيقة العائمة، ومافوق الحقيقة، والاهتمام بالخيال العلمي، والعناية بالعوالم الافتراضية غير المتحققة. ومن هنا، فقد انتقد العلاقة بين الدال والمدلول عند فرديناند دوسوسير، حيث أنكر -  كجاك ديريدا - وجود معنى واضح، بل قال بالدلالات العائمة أو المعنى المغيب. ومن هنا، " فقد رفض التمييز بين المظاهر والحقائق الكامنة وراء هذه المظاهر. وبالنسبة له، انهارت أخيرا الفوارق بين الدال والمدلول.ولم تعد العلامات تشير إلى مدلولات بأي معنى معقول، حيث يتكون العالم الحقيقي من الدلالات العائمة . وقد شرح بوديار هذه الأفكار في عمله (التظاهرات والمحاكاة) (1981م)."[21]

هذا، وقد أنكر جان بودريار، مثل: الفيلسوف الألماني نيتشه، وجود الحقيقة مادامت ترتبط ارتباطا وثيقا باللغة والخطإ والظن والمبالغة المجازية والبلاغة التخييلية ووسائل الإعلام. ومن ثم، فقد قال بودريار بمفهوم (مافوق الحقيقة):" يتولد مفهوم مافوق الحقيقة، حيث يكون شيء ما حقيقيا فقط عندما يتحرك ضمن نطاق وسائل الإعلام. وتولد تكنولوجيات الاتصال في "مابعد الحداثة" الصور العائمة بشكل حر، حيث لايمكن لأحد أن يعيش أي تجربة إذا لم تكن بصيغة مشتقة. وقد أخذت تجربة العالم للعبث مكان أي ثقافة مميزة، وأصبح للعبث لهجة واحدة فقط: تلك التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد أصبحت كتابات بودريار "على سبيل المثال:(إستراتيجيات فادحة) و(وهم النهاية) عدمية بشكل متزايد: فقد أصبحت العلامات بلا معنى بسبب تكرارها واختلافها اللذين لاينتهيان...وقد قادت آراؤه المتطرفة إلى العبارة الشهيرة- التي اجتذبت انتقادات قاسية- أن حرب الخليج عام 1991م لم تكن حقيقية، بل كانت حدثا إعلاميا:" إنها غير حقيقية، إنها حرب دون أعراض الحرب". وهذا ماقاد العديد للشك في أن بودريار نفسه قد ابتعد إلى مافوق الحقيقة، ولم يعد يسكن جسدا دنيويا. "[22]

وعليه، فقد دفعه مفهوم مافوق الحقيقة إلى الاهتمام بالعوالم التخييلية والافتراضية. وفي هذا الصدد، يقول دافيد كارتر:"لايرى بورديار في حججه أي تفاصيل محددة عن السياقات الثقافية أو الاجتماعية . وليس في كتابة قصص الخيال العلمي والروايات الخيالية. وقد برهن بعضهم أيضا أن العديد من أفكاره قد استبقت في مثل هذه الأعمال. كتب بودريار نفسه مقالا يمدح كاتب الخيال العلمي ج. جي بالارد. وكما سبق الإشارة إليه وجدت رؤيته للعالم أصداء في السينما، وخصوصا في هذا النوع من الأفلام الذي يصبح فيه الواقع الافتراضي غير مميز عن العالم الحقيقي، وأيضا في مفهوم "السايبورغ"،وهو هجين من البشر والتكنولوجيا."[23]

ومن هنا، يتضح لنا، بكل جلاء، أن الفلسفة كانت سباقة إلى الاهتمام بالعوالم الممكنة ضمن تصورات كوسمولوجية وميتافيزيقية وافتراضية وتخييلية.

 

المبحث الثاني: العوالم الممكنة في حقل العلم

اهتمت الفيزياء المعاصرة بنظرية العوالم الممكنة مع الميكانيكا الكوانطية (Mécanique quantique) منذ 1950م مع الفيزيائي هوث إفريت (Hugh Everett)[24] الذي أثبت أن عالمنا يوجد بموازاة مجموعة من العوالم الفيزيائية المتعددة الأخرى.وهذه العوالم، بدورها، تنقسم إلى عوالم أخرى متجاورة مختلفة عن بعضها البعض، وغير متناهية العدد. ويذكرنا هذا بمختلف النظريات الفيزيائية اليونانية القديمة كما عند طاليس، وأنكسمانس، وأنكسمندريس، وديمقريطس، وأفلاطون، وأبيقور...

ومن هنا، تسمى نظرية هوث إفريت بنظرية العوالم المتعددة (Théorie des mondes multiples)، أو نظرية الحالات النسبية (Théorie des états relatifs)، وهي بمثابة مقاربة تأويلية للميكانيكا الكوانطية التي تهدف إلى حل مشكل القياس الكوانطي.

ولاينبغي الخلط بين نظرية العوالم الممكنة ونظرية العوالم المتعددة (LA THÉORIE DES MONDES MULTIPLES) في الميكانيك الكوانطي (La mécanique quantique) لماكس بلانك (Max Planck) ونيلز بور (Niels Bohr).ومن هنا، تعنى نظرية العوالم المتعددة بتأويل الحوادث غير المحددة في علاقة بمشكل القياس الكوانطي.  وترتبط هذه النظرية بنظرية هيو إيفريت (la théorie d'Everett). ومن ثم، تعترف هذه النظرية بوجود عوالم حقيقية فيزيائيا ومنطقيا. بينما تعترف نظرية العوالم الممكنة بوجود عوالم افتراضية غير فيزيائية. وهناك نظرية الأوتار لميشيو كاكو تعترف بوجود أكوان متوازية لكوننا الحالي، وهي متعدد الأبعاد (10أو 11 بعدا، بعد أن كان هناك 26 بعدا). والفرق بين النظريتين: أن نظرية الأوتار تقر بعوالم متداخلة ومترابطة ومتداخلة في بعض الأحيان. في حين، تقر نظرية العوالم المتعددة بوجود عوالم متوازية. أما نظرية العوالم الممكنة، فتؤمن باستقلالية العوالم التخييلية، مع وجود تشابهات ممكنة مع عالمنا الواقعي.وأن هناك الأرض التوأم تشبه أرضنا المادية الحسية.

 

المبحث الثالث: العوالم الممكنة في حقل الدين

آمن الخطاب الديني، من خلال الكتب الدينية السماوية كلها، بوجود عوالم وأكوان دينية ولاهوتية متعددة. فهناك الدنيا العاجلة، والآخرة الآجلة، وعالم الجحيم، وعالم الصراط، وعالم القبر، وعالم الجنة، وغيرها من العوالم التي يصعب إدراكها. ويتكون كل عالم، بدوره، من عوالم متعددة مختلفة من حيث الدرجة والعمل والجزاء. فالجحيم ينقسم إلى عوالم عقابية متعددة حسب درجة الإثم والكبيرة والذنب.وتنقسم الجنة أيضا إلى عوالم متعددة مختلفة حسب درجة العمل والكسب والإحسان والخير. كما يتضح هذا جليا في سورة الواقعة التي تتحدث عن عالم الجنة وعالم الجحيم بخصائص مختلفة:

"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [1] لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ [2] خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ [3] إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا [4] وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا [5] فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا [6] وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً [7] فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [8] وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ [9] وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [10] أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [11] فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [12] ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ [13] وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ [14] عَلَىٰ سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ [15] مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ [16] يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ [17] بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [18] لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ [19] وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ [20] وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [21] وَحُورٌ عِينٌ [22] كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [23] جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [24] لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا [25] إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا [26] وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ [27] فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ [28] وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ [29] وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [30] وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ [31] وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ [32] لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ [33] وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [34] إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً [35] فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا [36] عُرُبًا أَتْرَابًا [37] لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [38] ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ [39] وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [40] وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ [41] فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ [42] وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ [43] لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ [44] إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ [45] وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ [46] وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [47] أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ [48] قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ [49] لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [50] ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ [51] لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ [52] فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ [53] فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ [54] فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ [55] هَٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ [56] نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ [57] أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ [58] أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [59] نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ [60] عَلَىٰ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ [61] وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ [62] أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ [63] أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [64] لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [65] إِنَّا لَمُغْرَمُونَ [66] بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [67] أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ [68] أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [69] لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ [70] أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ [71] أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ [72] نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ [73] فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [74] فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [75] وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [76] إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [77] فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [78] لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [79] تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [80] أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ [81] وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [82] فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [83] وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ [84] وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُبْصِرُونَ [85] فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ [86] تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [87] فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ [88] فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ [89] وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ [90] فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ [91] وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ [92] فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ [93] وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ [94] إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ [95] فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [96]"[25]

وقد اهتم كتاب التوراة بهذه العوالم اللاهوتية المتقابلة كما في الأمثلة التالية:

"- اذكر أن الموت لا يبطئ.  ألم يبلغك عهد الجحيم؟![26] "

- "قبل وفاتك اصنع البر فانه لا سبيل إلى التماس الطعام في الجحيم"[27]

- "باركوا الرب يا حننيا وعزريا وميشائيل.  سبحوا وارفعوه إلى الدهور؛ لأنه أنقذنا من الجحيم، وخلَّصنا من يد الموت، ونجانا من وسط أتون اللهيب المضطرم ومن وسط النار".[28]

ويتحدث الإنجيل كذلك عن هذه العوالم اللاهوتية من خلال التمييز بين الجنة والنار. "تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي.  عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ.  فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟  وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيبًا فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاكَ؟  وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟  فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ.  «ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ، لأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي. عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي.  كُنْتُ غَرِيبًا فَلَمْ تَأْوُونِي. عُرْيَانًا فَلَمْ تَكْسُونِي. مَرِيضًا وَمَحْبُوسًا فَلَمْ تَزُورُونِي.  حِينَئِذٍ يُجِيبُونَهُ هُمْ أَيْضًا قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا أَوْ عَطْشَانًا أَوْ غَرِيبًا أَوْ عُرْيَانًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا وَلَمْ نَخْدِمْكَ؟  فَيُجِيبُهُمْ قِائِلًا: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا.  فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ".[29]

وقد تناولت فلسفة العصور الوسطى هذه العوالم، سواء أكان ذلك في العالم المسيحي أم في العالم الإسلامي، كما يتضح ذلك عند توما الأكويني، والقديس أوغستينيوس، والقديس أنسليم. وكذلك عند الفارابي  وابن سينا اللذين تحدثا عن العوالم الممكنة من خلال نظرية الفيض، أو نظرية العقول العشرة التي أخذت من كتاب تاسوعات أفلوطين.

ومن جهة أخرى، فقد تناول يوري لوتمان (Youri Lotman) أشكال الفضاء الثقافي، فقسمه إلى فضاء جغرافي، وفضاء ثقافي، وفضاء كوني... ومن ثم، ينبني الفضاء الجغرافي، في العصر الوسيط، على التقابل بين الأرض والسماء، أو بين حياة الأرض وحياة العالم الآخر، أو بين الحياة الأرضية والحياة السماوية، أو بين البقاع الطاهرة والبقاع الآثمة.بل هناك تقابل بين الفضاء (الأرض) واللافضاء (الآخرة). ويعني هذا أن الفضاء الجغرافي يتخذ، في العصور الوسطى، بعدا دينيا وأخلاقيا وروحانيا، ويتسم الاتجاه القيمي لهذا الفضاء بكونه عموديا، يتحرك من الأسفل نحو الأعلى. ويعني هذا التحرك أن الروحاني يسمو على ماهو دنيوي وأرضي. وبالتالي، يعتبر رجال الدين أن ما هو سماوي هو الأسمى والأعلى، على الرغم من كونه  يجري خارج الفضاء، ويتخذ طابعا مثاليا خالصا؛ لأن "التحرك داخل الفضاء الجغرافي يدل على التحرك على طول السلم العمودي للقيم الدينية والأخلاقية. تتكون قمة السلم من السماء، وتتكون قاعدته من الجحيم."[30]

ومن هنا، ترتبط الأخلاق بالأمكنة، وتتخذ الأمكنة دلالات أخلاقية. لذا، فقد "أصبحت الجغرافيا شكلا من أشكال الأخلاق."[31]

وفي العصور الوسطى،  كثرت الكتب التي تعنى بتصوير الفضاء العلوي المقابل للفضاء السفلي. ومن هنا، فقد اتخذ الفضاء بعدا جغرافيا وأخلاقيا، فكثرت الأسفار من الأرض إلى الجنة والجحيم؛ مثل: (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري، و(الكوميديا الإلهية) لدانتي. وفي هذا الصدد، يقول لوتمان: "باتفاق مع هذه الأفكار، كان رجل العصور الوسطى يعتبر السفر داخل الفضاء الجغرافي مثل انتقال المعنى الديني والأخلاقي للكلمة: البلدان كانت تصنف مثل بلدان بدع وثنية أو بلدان قداسة. المثل الاجتماعية - كما هو الأمر بالنسبة لكل الأنساق الاجتماعية التي يمكن أن يتخيلها العقل الوسيطي - كانت تعتبر كما أنها تحقق داخل فضاء جغرافي محدد. كانت الجغرافيا والأدب الجغرافي مثاليين في الجوهر، وكان السفر يتخذ مظهر حـجّ."[32]

وأكثر من هذا فقد كان السفر ذا بعد جغرافي وأخلاقي وروحي، وقد ارتبطت الهجرة، في القرآن الكريم، بالعبادة والطهارة والقداسة والاستشهاد وحب الله، مصداقا لقوله تعالى: "ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة، ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله، ثم يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله، وكان الله غفورا رحيما "[33].

وقد كانت هجرة الرسول من مكة إلى المدينة انتقالا من فضاء الكفر والوثنية والضلال إلى فضاء الإيمان والتوبة والتقوى، وتنطبق الدلالات نفسها على هجرة الصحابة إلى الحبشة في بداية الدعوة الإسلامية.

ونجد هذه الهجرة أيضا عند الفلاسفة (حي بن يقظان) لابن طفيل)، وكذلك عند المتصوفة الذين كانوا ينتقلون من مكان إلى آخر (النفري مثلا)...

ومن هنا، "فالجغرافيا، في العصور الوسطى، لم تكن تعالج مثل تخصص علمي، ولكن بصفتها فرعا للأوطوبيا الدينية. هذه الطريقة في الرؤية يوافقها موقف خاص تجاه السفر والمسافر: السفر طويل يجعل المسافر أكثر قداسة، وبشكل متزامن، الطريق المفضي إلى القداسة يتضمن ضرورة فكرة التخلي عن حياة الرفاهية والإقبال على السفر. ويعني التحرر من الآثام السفر بعيدا. أي: التحرك داخل الفضاء. هكذا، كان الذهاب إل الدير يمثل انتقالا من مكان الإثم إلى مكان القداسة؛ إنه يتشابه مع رحلة حج ومع الموت، لأن الموت نفسها كانت تعتبر مثل انتقال داخل الفضاء."[34]

وتتقابل البلدان جغرافيا وأخلاقيا، مثل: تقابل الهند الروحانية مع روسيا المادية. كما تقترن درجة المناخ بطيبوبة الناس، حيث يعبر المناخ في الجحيم عن فضاضة البشر وقسوتهم. في حين، يعبر مناخ الجنة عن طيبوبة الناس ودماثة أخلاقهم. علاوة على هذا، يتسم الفضاء الوسيطي بالانتقاء الذي يتمثل في اختيار أفضية فاضلة مقابل أفضية دنيئة، وتفضيل  الأنا الطاهرة على  الآخر المذنب.

هكذا، يتبين لنا أن الفضاءات الجغرافية، في العصور الوسطى، هي  فضاءات دينية وأخلاقية وقيمية وسلوكية. ومن ثم، لا يمكن إدراك الأرض المباركة، على مستوى السفر، إلا بعد مسافة طويلة، كما هو شأن الحج الذي يستوجب قطع مسافة طويلة بالنسبة للحاج النائي.

وعليه، إذا كان الفضاء الجغرافي، في العصر الوسيط، فضاء ثقافيا دينيا وأخلاقيا، فإن الفضاء، في الفترة المعاصرة، هو فضاء واقعي ومادي ينبني على المدينة. وهنا، يتخذ المنزل أو المسكن بعدا سيميويطقيا ثقافيا. وفي هذا النطاق، يقول لوتمان: "يوجد لدينا - هنا - مثال واضح لمبدإ مهم داخل الفكر الثقافي البشري: الفضاء الواقعي هو تمثيل أيقوني لسيمياء الكون، هو لغة يمكن أن يتم داخلها التعبير عن دلالات غير مكانية. في حين، تحول سيمياء الكون، بدورها، العالم الواقعي للفضاء الذي نعيش ضمنه إلى تمثيل يناسب صورتها."[35]

وعليه، تعد المدينة فضاء كونيا رمزيا، وتأخذ موقعا متميزا داخل ثقافة ما، كأن تكون مركزا من جهة، أو هامشا من جهة أخرى، فالعاصمة هي مركز، ودون ذلك هامش. ومن ثم، لم تعد هناك مقابلة بين السماء والأرض، بل أصبحت بين الطبيعي والاصطناعي. وفي هذا الإطار، يقول لوتمان: "تعد المدينة آلية سيميائية مركبة، مولدا للثقافة، ولكنها لاتقوم بهذه الوظيفة إلا في الحالة التي تمثل فيها بوتقة لنصوص وسنن مختلفة وغير متجانسة، منتمية لكل أنواع اللغات والمستويات. التعدد الصوتي والسيميائي الضروري لكل مدينة، ما يجعل هذه الأخيرة أكثر إنتاجية من وجهة نظر التصادمات السيميوطيقية. وتعد المدينة، باعتبارها فضاء تتواجه فيه سنن ونصوص وطنية، واجتماعية، وأسلوبية، الواحد في علاقته بالآخر، فضاء للتهجين، ولإعادة التسنين، وللترجمات السيميويطقية، كل ما يجعل منها مولدا قويا لأخبار جديدة. تحدث هذه المواجهات - مثلا - بصفة دياكرونية، كما تقع أيضا بصفة سانكرونية: المجموعات المعمارية، والطقوس والاحتفالات، وتصميم المدينة نفسه، وأسماء أزقتها، وآلاف رفات العصور المكتملة تفعل بصفتها مجموعة من البرامج المسننة التي تجدد باستمرار نصوص الماضي. إن المدينة آلية تعيد خلق ماضيها باستمرار؛ هذا الماضي  يمكن، إذاً،  أن يتجاور سانكرونيا، مع الحاضر. بهذا المعنى، فإن المدينة، كما هو الأمر بالنسبة للثقافة، تعد آلية تتحدى الزمن."[36]

ومن هنا، تكون المدينة فضاء مركزيا اقتصاديا، وفضاء تتعايش داخله لغات ثقافية متعددة. ويعني هذا أن التعدد السيميوطيقي هو القانون الذي يتحكم في هذا النوع من المدن. وبذلك، يخالف النسق السيميوطيقي الموحد. ومن هنا، تعد المدينة فضاء للتناقضات اللغوية والإثنية والثقافية والسيميوطيقية.

تأسيسا على ما سبق، يتبين لنا أن الإنسان لا يمكن أن يعيش بمعزل عن الكون، حيث لا تأخذ الذوات دلالاتها السيميائية إلا في ارتباط جدلي بالكون، وتمثل ثقافة هذا الكون. أي: لا يمتلك الإنسان الدلالة الحقيقية والسيميوزيس إلا في الفضاء الحيوي الذي ينبنى على الثقافة أو الثقافات المتعددة. ومن ثم، تعرف سيمياء الكون بكونها ذلك الفضاء الذي تتداخل فيه الثقافات واللغات والحضارات. إنه فضاء سيميوطيقي للحوار والتعارض والاختلاف والتقابل. إنه فضاء التهجين، والبوليفونية، والتواصل، والتعددية، والتناص.

 

الخاتمة:

 وخلاصة القول، لقد ظهرت نظرية العوالم الممكنة في الحقل الديني قبل انتقالها إلى الحقول الثقافية والعلمية الأخرى. ويلاحظ - فلسفيا- أن نظرية العوالم الممكنة تبلورت، بشكل واضح، في الحقل الفلسفي اليوناني، وامتد ذلك إلى الفلسفة الحديثة والمعاصرة إلى يومنا هذا، ضمن تصور كوسمولوجي وميتافيزيقي وافتراضي، قبل أن ينتقل هذا التصور إلى الأدب والفنون الجميلة.

ويحوي العلم - اليوم- تصورات مهمة حول العوالم المتعددة والممكنة، ولاسيما مع الفيزياء المعاصرة، كما هو حال الفيزياء الكوانطية التي تقول بالعوالم المتوازية، ونظرية الأوتار التي تقول بالعوالم المتداخلة والمتشابكة.

وفي الوقت نفسه، نجد الخطاب الديني، بكل تجلياته ومدوناته المقدسة واللاهوتية، يتحدث عن مجموعة من العوالم الممكنة التي يشير إليها النص الديني بشكل واضح وجلي وبين.

 

د. جميل حمداوي

........................

[1] -عمر فروخ: الفلسفة اليونانية في طريقها على العرب، منشورات مكتبة منيمنه، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1947م، ص:13-14.

[2]- أميرة حلمي مطر: الفلسفة اليونانية، تاريخها ومشكلاتها، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، طبعة 1998م، ص:54.

[3]- عمر فروخ: نفسه، ص:15.

[4] - أميرة حلمي مطر: نفسه، ص:55.

[5] - عمر فروخ: نفسه، ص:16.

[6]- يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، مطبعة لجنة التأليف والنشر والنشر، القاهرة، مصر، الطبعة الثالثة 1953م، ص:39.

[7]-Heinz Wismann Les avatars du vide, Démocrite et les fondements de l’atomisme, Paris, Hermann, 2010, p. 28.

[8] -Charles Mugler, « Les théories de la vie et de la conscience chez Démocrite », Revue de philologie, tome XXX, 1956, p. 231-241.

[9] -Pierre-Marie Morel, Démocrite et la recherche des causes, Klincksieck, 1996.

[10] -Jean Salem, Démocrite. Grains de poussière dans un rayon de soleil, Vrin, 1996.

[11]-Charles Mugler, « Démocrite et les dangers de l'irradiation cosmique », Revue d'histoire des sciences, t. XX, 1967, p. 222-223.

[12] -Aristote, Métaphysique, A 985 b 16-17.

[13]-Charles Mugler, Deux thèmes de la cosmologie grecque, Devenir cyclique et pluralité des mondes, Paris, 1953, chapitre I et IV.

[14] - مراد وهبه: دراسات في الفلسفة اليونانية، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، مصر، الطبعة الأولى سنة 2004م،ص:17.

[15]-C. Joubaud, Le Corps dans la philosophie platonicienne, Paris, Vrin, 1991.

[16]- أفلاطون: جمهورية أفلاطون، ترجمة حنا خباز، دار القلم، بيروت، لبنان، بدون تاريخ للطبعة، ص:206-209.

[17]- زكريا إبراهيم: مشكلة الفلسفة، مكتبة مصر، القاهرة، مصر، دون تأريخ للطبعة، ص:22-23.

[18]- انظر أفلاطون: جمهورية أفلاطون، المرجع المذكور سابقا.

[19]- أميرة حلمي مطر: نفسه، ص:428.

[20] - وقد سبق الغزالي أن قال بأفضلية العالم الواقع، انظر طه عبد الرحمن: اللسان والميزان، أو التكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1998م، ص:373.

[21]- ديفيد كارتر: النظرية الأدبية، ترجمة:  باسل المسالمه، دار التكوين، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:132.

[22] - ديفيد كارتر: نفسه، ص:133.

[23] - ديفيد كارتر: نفسه، ص:133.

[24]-Hugh Everett, Reviews of Modern Physics, 29, 1957, p.454.

[25]- سورة الواقعة، القرآن الكريم، برواية ورش عن نافع.

[26] - التوراة، سفر يشوع بن سيراخ 14(12).

[27]- التوراة، سفر يشوع بن سيراخ 14(17).

[28]- التوراة، سفر دانيال، 1:88.

[29]-إنجيل متى 25، من الآية 34 حتى 46.

[30]- يوري لوتمان: سيمياء الكون، ترجمة عبد المجيد النوسي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2014م، ص:132.

[31]- يوري لوتمان: نفسه، ص:133.

[32]- يوري لوتمان: نفسه،  ص:134.

[33]- سورة النساء، القرآن الكريم،  الآية 100.

[34]- يوري لوتمان: نفسه، ص:135.

[35]- يوري لوتمان: نفسه، ص:183.

[36]- يوري لوتمان: نفسه، ص:194.

 

haseeb shahadaبنو إسرائيل السامريون (בני ישראל השמרים/bāni yišrā˒el aš-ŠāmērƏm، ليسوا يهودا)، السامرة، السُّمَرة، بنو يوسف، المحافظون على التوراة أو حرّاسها وحرّاس العقيدة والحقيقة، وورد في أحد المخطوطات السامرية ”سامرة سمينا لمعني محافظين علي اصل الدين مشددين في ساير احكامه“ (Sam 80 37 في المكتبة الوطنية والجامعية في القدس، ص. ٢٧) . هنالك أسماء كثيرة أطلقها عليهم الآخرون منذ القدم وحتى اليوم، نذكر منها هنا اثنين: ’’رافضة اليهود‘‘، لدى ابن تيمية المتوفّى عام ١٣٢٨م.، وبعض العرب اليوم يسمّونهم ”يهود عرب/فلسطين“ ويُقرنون السحر وفكّه بهم، رغم أن اليهود الربانيين لا يعتبرونهم يهودًا

http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=153897.

ويوضح ابن تيمية ”... فإن السامرة لا تؤمن بنبي بعد موسى وهرون غير يوشع، وكذلك الرافضة في الإسلام لا تقرّ لأحد من الخلق والصحابة بفضل ولا إمامة إلا لعلي“.

ورد الاسم ’شومرونيم‘ مرّة واحدة فقط (hapaxlegomenon) في أسفار العهد القديم، ٢ مل ١٧: ٢٩، بمعنى سكّان منطقة السامرة، وليس أتباع العقيدة السامرية. سامريو اليوم هم بقابا شعب قديم تابع لمملكة الشمال في السامرة، في حين أن البحث في تاريخ شعب إسرائيل، يعتبر السامريين عادة فرعًا انفصل عن اليهودية في الفترة الواقعة ما بين عام ٥٣٨ ق.م. وعام ٧٠م. وتضيف مثل تلك الأبحاث أن السامريين في غضون تلك الحقبة، قرابة ستّة قرون من الزمن، اتّخذوا لهم نصًّا توراتيًا خاصًّا بهم يختلف عن توراة اليهود الربّانيين. وننوّه أنّه في الفترة البيزنطية، ٢٩٥-٦٣٤م.، انفصلت عن التيار السامري المركزي، زهاء التسع فرَق حملت اسم الدوستان، وبقي بعضها حتّى القرن العاشر للميلاد.

لا بدّ هنا من تنبيه أن الباحث عن السامريين (Samaritans) عبر محرّك غوغل، سيتفاجأ بعثوره على إحالات كثيرة جدًّا، لا تمتّ إلى طائفة السامريين بصلة، اللهمّ سوى الاسم الذي اتّخذته جمعيات خيرية، لا سيما نفسية بغية مساعدة المحتاجين المستضعفين . تلك الجمعيات المنتشرة في العالم الغربي، اتّخذت لها اسم ’السامريين‘ أسوة بمثل السامري الصالح (The Good Samaritan) في العهد الجديد، إنجيل لوقا ١٠: ٢٥-٣٧ (حول بعض الفروق بين السامريين واليهود أنظر:

http://www.karemlash4u.com/vb/showthread.php?t=270610).

السامريون هم أصغر وأقدم طائفة في العالم، كما وصفهم للمرّة الأولى، القسّ A. P. Stanley  المتوفّى عام ١٨٨١ (أنظر: http://www.sacred-texts.com/jud/sam/oldsect.htm). ويمكن القول في الوقت ذاته، أن الطائفة السامرية تعتبر من أولى الطوائف من حيث معدّل أعمار الشباب والشابات.  ربّما كان من الممكن اعتبار السامريين المعاصرين أكثر الطوائف اليهودية الحيّة تمثيلًا للعبرانيين القدماء. لم يكن السامريون يوما شعبًا حرًّا مستقلا خلال تاريخهم الطويل، منذ الأشوريين والفرس والإغريق والرومان والأتراك وحتى اليوم. ودينهم، بل توراتهم، هي التي وحّدتهم وأبقتهم.

يسكن السامريون اليوم في مدينتين: في قرية لوزا على جبل جريزيم في نابلس وهي مقدّسة بالنسبة لهم، وفي حي ناڤي فنحاس في حولون (عرعرة) وحوله مثل شارع دڤوراه النبية، جنوبي تل أبيب منذ العام ١٩٥٤. يبلغ عددهم قرابة الثمانمائة شخص (وبالتحديد ٧٨٥ في الأول من كانون الثاني ٢٠١٦)، وهم موزّعون مناصفة تقريبًا على هاتين المدينتين، ٤٧،٢٪ في نابلس و ٥٢،٨٪ في حولون. قبل قرن من الزمان وبالتحديد في عام ١٩١٩ وصل عددهم إلى ١٤١ شخصًا فقط. لا بدّ في هذا السياق، من ذكر نشوء ونمو بعض المجموعات المتسمرنة تبلغ الآلاف في خلال السنوات الأخيرة، التي أخذت في ممارسة نمط حياة سامري، على ضوء تعاليم التوراة السامرية، مثلا في جزيرة صقلية وفي عدة ولايات في البرازيل هناك ثماني مجموعات تحمل الاسم ”حارسو التوراة“. وهناك دلائل على وجود سامري في جزيرة صقلية خلال القرون العشرة الأولى  للميلاد (أ. ب.-أخبار السامرة، ع. ١٢٠١، ١٥ كانون الثاني ٢٠١٥، ص. ٤٨، ٥٠، ٥٢، ٥٤، ٥٥؛ ١٢٠٩-١٢١٠، ١٥ آذار ٢٠١٦، ص. ٣٥). لا شكّ أنّ هذه الظاهرة جاءت نتيجة لزيارات ’سفير‘ السامريين السنوية لأوروبا وأمريكا، بنياميم راضي صدقة، وبفضل الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك.

ينقسم السامريون إلى قسمين: أُسرة الكهنة الحفتاويين المتحدّرة من سلالة ليڤي/لاوي/عاطف، أحد أبناء يعقوب، والقسم الثاني، عامّة الشعب المكوّنة من الأسَر الثلاث- صدقة الصباحي من سبط منشه، الدنفي وتضمّ ألطيف والستري أو الساسوني وهي من سبط إفرايم، والمفرجي من سبط إفرايم . في تاريخهم الطويل سكن السامريون في بقاع كثيرة في الشرق الأوسط وخارجه، ووصل تعدادهم في القرنين الرابع والخامس الميلاديين حوالي المليون ونصف المليون شخص. ويقول السامريون إنّهم مكثوا في الأراضي المقدّسة، منذ خروجهم من عبودية فراعنة مصر وقدومهم إليها، أي منذ حوالي ٣٦٥٠ عاما. ويدّعي السامريون أنّهم يملكون أقدم مخطوط للتوراة في العالم، نسخه أبيشع بن إلعازر بن هارون، شقيق النبي موسى، بعد دخول بني إسرائيل الأراضي المقدسة بقيادة يهوشوع/يشوع/يوشع بن نون، بثلاث عشرة سنة. من نافل القول، إنّ هذا الادّعاء منافٍ للحقيقة والمنطق. يحتفل السامريون بأعياد التوراة السبعة ولا أعياد قومية لهم: عيد الفسح/القربان؛ عيد الفطير؛ عيد الحصاد/القصير؛ عيد رأس السنة العبرية، دخول بني إسرائيل الأراضي المقدّسة؛ عيد الغفران/الصوم/الكفارة؛ عيد العُرش/المظالّ؛ فرحة نزول التوراة/العيد الثامن، ختام الأعياد.

إنّهم يتكلّمون العربية العامّية النابلسية كلغة أمّ في نابلس، والعبرية المحكية الحديثة كلغة أمّ في حولون، ويتعلّم بعضهم اللغة الآرامية السامرية، وهي لهجة آرامية غربية مندثرة، في حين أن الجميع ومنذ الصغر يتعلّمون طريقة تلاوة التوراة الخاصّة بهم والشعر الديني/الشيران، كما تواترتا جيلًا عن جيل منذ القدم، والخطّ العبري القديم لدى معلّمين خاصّين في مراكز جماهيرية بعد الدوام المدرسي، إذ لا مدارس خاصّة بالسامريين مائة بالمائة وهنالك  اقتراح لتعليم التلاميذ السامريين دينهم في الحصة التي فيها يتعلّم الآخرون الدين الإسلامي  (أنظر: أ.ب.- ع. ١٢٠٣-١٢٠٤، ٢٩ كانون الثاني ٢٠١٦، ص. ٧١-٧٤). وثمة عدد غير قليل من السامريين اليوم، يعرف العربية والعبرية اللتين تسمعان عند لقاء السامري النابلسي بأخيه الحولوني في الأعياد والمناسبات؛ إلا أنّ ما يوحّدهما جميعًا هو دينهم وتلاوة توراتهم، وخطّهم القديم، وعاداتهم وتقاليدهم الدينية المختلفة، وتاريخهم بالرغم من اختلاف واضح في نمط الحياة المعاصرة في كل من نابلس وحولون. سامريو اليوم ذوو لغات ثلاث: العبرية القديمة، عبرية التوراة وهي مكتوبة، وتتلى وهي غير محكية؛ العربية والعبرية الحديثتين. اعترفت حكومة إسرائيل بالسامريين فرعًا من بني إسرائيل وهم يتمتعون بـ”حقّ/قانون العودة“ (זכות השיבה/חוק השבות).

من سامريي نابلس، من قال منذ العام ١٩٦٠ وحتى الآن: ”نحن فلسطينيو القومية وإسرائيليو المذهب“. يحاول السامريون جهدهم التزام جانب الحياد قدر الإمكان، على الأقلّ علنًا، إزاء القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ويطمحون أن يكونوا بمثابة جسر للسلام بين الطرفين المتنازعين، وهنالك على جبل جريزيم ’’مركز السلام العالمي‘‘ الذي أقيم بمساعدة مالية من الحبر الأعظم، البابا بولس الثاني، وفيه مكتبة ومتحف ومقرّ للقاء مجموعات سكّانية متنوعة من الأراضي المقدسة وخارجها. زد إلى ذلك وجود جمعية باسم ”الأسطورة السامرية“، أُسّست قبل بضع سنوات على الجبل وتقيم معارض وأمسيات إعلامية للعرب، فلسطينيين وأردنيين. مع هذا، هنالك رأي سائد يقول بأنّ اليهود يعاملونهم كعرب، والعرب ينظرون إليهم كيهود. بعبارة مختصرة إنّهم ”بين المطرقة والسندان“ (أ. ب. أخبار السامرة  ١٠٤٦-١٠٤٧، ٣١ تموز  ٢٠٠٩، ص. ٥٩). في هذا الإطار السامري، لا وجود لشخص لا يلتزم بما تمليه عليه التوراة من واجبات وفرائض، أي لا وجود لسامري غير متديّن. زد إلى ذلك، ينبغي على السامري الالتزام بالشروط الأربعة الآتية: العيش ضمن حدود الأراضي المقدّسة التاريخية؛ الاشتراك في قربان عيد الفسح على جبل جريزيم؛ الحفاظ على قدسية التوراة؛ الامتثال لقوانين الطهارة والنجاسة المبيّنة في التوراة.

يُصدر الشقيقان بنياميم ويفت (الأمين وحُسني ) نجلي رتصون (راضي) بن الأمين بن صالح صدقة الصباحي (١٩٢٢-١٩٩٠) دورية باسم أ. ب. أخبار السامرة منذ أواخر العام ١٩٦٩، وصدر منها حتى أواخر حزيران ٢٠١٦، ١٢١٨ عددا. هذه الدورية، التي تصدر حاليًا مرّتين شهريًا في حولون، تُعنى بالطبع بشؤون السامريين المختلفة، وتنشر موادّ بأربع لغات بأربعة خطوط: الآرامية السامرية بالخطّ السامري (العبري القديم)، العربية بالخطّ العربي، العبرية الحديثة بالخطّ (الآرامي) الأشوري/المربّع والإنجليزية بالخطّ اللاتيني. توزّع هذه الدورية مجّانًا على كل بيت سامري، وللمجلّة مشتركون دائمون من شتّى أقطار العالم. وقد أُسّس في حولون العام ١٩٨١معهد باسم حسني (יפת) بن أبراهام صدقة، سيدو (١٨٩٥-١٩٨٢) للدراسات السامرية بإدارة الشقيقين بنياميم ويفت. يبدو أن سيدو كان أول من تزوّج من امرأة يهودية الأصل، مريم حايقين في عشرينات القرن الفائت.   وبعد عقد من السنين تقريبا، وبالتحديد في ١٨ شباط ١٩٣٦ تزوّج چوئيل صدقة من چراسيا عزيزي اليهودية  الحلبية الأصل. آنذاك وبعد ذلك بعشرين عاما كان أيضًا نقص واضح بالصبايا السامريات للزواج وعليه بارك الكاهن الأكبر توفيق بن خضر (מצליח בן פינחס، كاهن أكبر ١٩٣٣-١٩٤٣) الزوجين وأمل أن يحذو الكثيرون من الشباب السامري هذا المثل. في ذلك الوقت، أوائل العام ١٩٣٦، كان عدد طالبي الزواج خمسة وعشرين شابًا وكان أمامهم خمس عشرة عزباء سامرية فقط وبعضهن قد تخطّى الثلاثين من العمر وبلغ المهر ٤٨ دولارًا أمريكيا على الأقلّ. أثيرت آونتها مشكلة النقص بالبنات للزواج، إلا أن شيوخ الطائفة لم يهتدوا إلى حلّ. وفي العام ١٩٥٦ كان عدد السامريين ٢٥٢ نسمة، معظمهم من المسنّين وعاش أكثر من ٣٤ أعزب أبديا. (أنظر تقرير الكاهن يعقوب بن عزى بالإنجليزية، أ. ب.- أخبار السامرة، ١٢٠٧-١٢٠٨، الأول من آذار ٢٠١٦، ص. ٨٠؛ نفس المصدر، ١٢١١-١٢١٢، ١ نيسان ٢٠١٦، ص. ١٠٤).

وأخيرا هنالك ميدالية سامرية من الفضّة الخالصة تمنح سنويًا لمن أبلى بلاء حسنًا في مجال السلام والوئام، أو في الأبحاث السامرية وقد أُسّس صندوق الميدالية السامرية في واشنطن سنة ٢٠٠٥.  (أنظر: ؛http://www.israelite-samaritans.com/medal/, http://www.israelite-samaritans.com//).

استخدم السامريون في غضون تاريخهم الطويل اللغات التالية وفق الترتيب الزمني من القديم إلى الأحدث: العبرية السامرية القديمة/التوراتية؛ الآرامية السامرية؛ اليونانية؛ العربية؛ العبرية السامرية الحديثة (سمّاها الأستاد زئيڤ بن حاييم باسم שׁוֹמרונית في ثلاثينات القرن الماضي، ولم تكن تلك التسمية موفّقة)، منذ القرن الثالث عشر، وهي لغة كتابة عبارة عن خليط من العربية والعبرية والآرامية؛ العربية استمرّت منذ الفتح العربي الإسلامي لفلسطين وحتى يومنا هذا؛ العبرية الحديثة إثر قيام دولة إسرائيل.

يحمل بعض السامريين ثلاثة جوازات سفر: فلسطيني، إسرائيلي وأردني. باختصار، لا يقبل السامريون أن يسمّوا بـ ”يهود سامريين“، فهذان مفهومان متناقضان، وفي معمعمة الجدال حول يهودية الدولة، يردّ السامريون بالقول إنّهم سكنوا في الأراضي المقدّسة قبل قيام إسرائيل بآلاف السنين، وهل هم بحاجة إلى اعتراف من قادمين وافدين جدد؟ سامريو حولون انخرطوا في المجتمع الإسرائيلي بشكل شبه كامل اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا وحتّى سياسيًا. انخراط الشباب في الخدمة العسكرية في جيش الدفاع الإسرائيلي أما بالنسبة للشابّات فبعضهن ينضمّ إلى الخدمة الوطنية، والفارق الوحيد هو ديانتهم. وبالمقابل، يعيش إخوتهم في نابلس (قرية لوزا، نيڤي قيدم) على جبل جريزيم بعزلة جغرافية عن العرب، ولا يمكن القول إنّهم يشعرون بهوية فلسطينية، ويميّز الفلسطينيون عادة بين السامري النابلسي والسامري الحولوني. يقول الجيل السامري الصاعد في نابلس إنّه سامري، أيّ لا فلسطيني ولا يهودي. ويبدو أن غالبية سامريي نابلس تفضّل العيش في ظلّ السيادة الإسرائيلية. وهنالك من السامريين القائلين بأنّهم موالون لشعب إسرائيل لسرمدية إسرائيل لا لدولة إسرائيل، ولا للسلطة الفلسطينية (أنظر: أ. ب. أخبار السامرة، ٨٦٦، ٢٧ آب ٢٠٠٤، ص. ٤، بنياميم راضي صدقة).

تقوم العقيدة السامرية على خمسة أركان:

١) إله واحد لا غير هو إله إسرائيل، ويلفظ شيما، Šēma (الاسم) وليس يهوه. לית אלה אלא אחד أي لا إله إلا واحد. وكتب أحد الناظمين السامريين:

ولا أسميه غير أني            إن غلب الوجد قلت يا هو

الله منزّه عن أيّة صفات آدمية مثل الكم والكيف والأين ومتى إلخ. وكان الكاتب السامري الشهير أبو الحسن الصوري في ’طبّاخه‘ قد ذكر إحدى عشرة صفة كهذه وهي: الكم، الكيف، الأين، القنية، الملكة، النصبة، الحركة، السكون، الاجتماع، الافتراق، المتى، وشرحها باختصار (أنظر مثلا مخطوط Sam 9 A  في  Manchester John Rylands، ص. ١٤٤أ). الله ليس رجلًا ولا امرأة، إنّه روحاني متواجد في قلب الإنسان ولسانه، يُحسن إلى السالكين في الدرب الصحيح ويكافىء صانعي الشرّ بالشرّ. إله الديانة الإسرائيلية يختلف كليًّا عن إله الأديان الأخرى (أنظر أ. ب. أخبار السامرة، ع. ١٢٠٠، ١٢ تشرين الأول ٢٠١٥، ص. ١٠٣).

٢) النبي موسى بن عمران، حبيب الله وكليمه، شمس العالم ونوره، وهو أعظم/سيّد الأنبياء قاطبة، نبي كل الأجيال. لا نظير له، لا قبله ولا بعده (משה נביה דלא קעם כותה ולא יקום לעלם = موسى نبي لم يقم مثله ولن يقوم أبدا؛ أنظر سفر التثنية ٣٤: ١٠). إنّه شفيع الدارين وسيّد الكونين (أنظر مثلا مخ. Cam III 48 ومخ.  Cam IV 37 في مكتبة روسيا الوطنية في سانت بطرسبورغ ص. ٢١ب، ص . ١أ-ب، ص. ٩) ولا يقرّ السامريون بأي نبي بعده. وفي التقليد السامري اعتراف بنبوّة ٢٦ من الآباء منذ آدم وحتى عمرام/عمران والد موسى النبي. وقد أحصى أكبر لاهوتي سامري، مرقه، ينبوع الحكمة،  في القرن الرابع للميلاد، عشرين صفة لموسى في التوراة مثل ملك. وقال عنه مرقه في ميماره ٤: ٧ ”من يؤمن بموسى يؤمن بالله“، وقارن هذا بما ورد في إنجيل يوحنا عن يسوع المسيح ١٤: ١. وقد وردت الجملة التالية في مخطوط سامري في المكتبة الوطنية الروسية في سانت بطرسبورغ، משה נביא רחותה ומרקה נביא פנותה أي: موسى نبي الرضا (بظهور السكينة) ومرقة نبي السخط/غيبة الرضوان/استتار الرضوان (Cam IV 1 ص. ١٧ ب وانظر ’’كتاب الطباخ‘‘ في مخطوط مانشستر المذكور آنفًا، ص. ١٩٥أ ). فترة الرضا، رضا الله عن بني إسرائيل المعروفة باللفظة راحوتا استمرت ٣٠٠ سنة، ٤٠ سني ما يسمّى بالتيه في صحراء سيناء و٢٦٠ عامًا في الأراضي المقدّسة حتى إخفاء الهيكل.  وقال أبو الحسن الصوري عن موسى في ’طبّاخه‘ ”ونفي المماثلة له في الماضي والمستقبل في ال اسراييل الدي هم خاصة الله تعالي والمختارين من جملة الامم والشعوب فالنفي في غيرهم احري واجدر [في الأصل: واحدر]  وهو المستفاد من قوله ולא קם עוד נבי(!) בישראל כמשה“، سفر التثنية ٣٤: ١٠ (ּأنظر مخطوط مانشستر المذكور أعلاه، ص. ٢١٥أ ).

وفي الشعر السامري العربي ثمة قصيدة تضمّ ٤١٧ بيتًا من الشعر بقلم إبراهيم العية في مدح النبي موسى،سيّد البشر (أنظر حسيب شحادة:  http://www.jamaliya.com/ShowPage.php?id=8326). ووردت هذه الأبيات لشاعر سامري مجهول الاسم في المخطوط Cam XIII 26 في مكتبة سانت بطرسبورغ المذكورة، ص. ١٢أ وهي كما هي في المخطوط:

اسالك بالخمس اسفار            وبالجبل خاص الطوار

تجرنا من عداب النار              في يوم الموقف الكبير …

موسى النبي زين البشر          مثله ما قد ظهر

سلم عليه يا من حضر             لعل من الابرار تصير …

نفسي وروحي والكبد             هامو في حب هدا الاسد

مثله ما قام في الابد               ولا يقوم الى الاخير

النبي الوحيد بعد كليم الله  في الاعتقاد السامري الشبيه به هو التاهب/العائد، المسيح المنتظر. لا نبالغ إذا ما قلنا أنّ مكانة النبي موسى لدى السامريين، على ضوء تراثهم المكتوب والمنطوق، تستحقّ كتابًا كاملا.

٣) كتاب مقدّس واحد وهو التوراة، أسفار موسى الخمسة فقط، ويختلف هذا النصّ عن توراة اليهود، في أكثرَ من ستّة آلاف حالة معظمها ليست ذات بال. يضاف إلى ذلك كتاب يوشع بن نون، وهو كتاب تاريخي. هذا معناه أنّ ّّالسامريين لا يؤمنون بالقسمين الأخيرين من العهد القديم، الأنبياء والكتابات (נביאים וכתובים)، فهى في اعتقادهم من فبركة آل داڤيد ولا يؤمنون لا بالمشناة ولا بالتلمود، التوراة الشفوية لدى اليهود. هناك في التوراة كلّ ما يحتاجه السامري في هذه الفانية، رغم تبدّل الأزمنة. هذا الكتاب المقدّس بلغته الأصلية، العبرية السامرية التوراتية ما زال غير متوفّر في طبعة علمية حديثة، في حين وجود طبعة كهذه للترجوم، أي الترجمة الآرامية السامرية للتوراة من إعداد أبراهام طال ووجود ترجمة عربية لها من إعداد حسيب شحادة.

٤) مكان مقدّس رقم واحد هو جبل جريزيم جنوبي نابلس، جبل الفرائض والبركات والقِبلة، جبل العبادة للمنقطعين إلى الله، كما قال أبو الحسن الصوري في ’’كتاب الطبّاخ‘‘. (’’المحل الشريف ذو العظمة والتشريف اشمخ الجبال واخصها بالجلال جبل المنقطعين والسايلين والمصلين والمتمسكين بالدين المتين والمتنزرين والمتورعين وعليه تقبل هدايا المهتدين واليه تدفع ندورات المتبرعين باب قبلة المبتهلين والشاكرين والمسبحين والمادحين والموحدين والساجدين وعليه تدبح القرابين بايدي المتقربين وهو اشرف الاراضين اد اطته اقدام الازكيا والاوليا الاولين ونصب فيه منسك الرحمه وحل فيه الشان المبين نسال الله تعالى بقلوب منكسرين العوده له بالعمار كما قال واختار פעלת יהוה מקדש יהוה כוננו ידך, سفر الخروج ١٥: ١٧، مخ.  Cam III 48، مكتبة روسيا الوطنية في سانت بطرسبورغ، ص. ٣١ب). وردت الإشارة إلى هذا الجبل في التوراة في ثلاثة عشر اسمًا ونعتًا مثل بيت الله، باب السماء، بيت ايل، لوزة، أخصّ الجبال، الله ينظر، جريزيم، المكان المختار. يزور السامريون أماكن مقدّسة أخرى لهم مثل مقامات الأنبياء والأزكياء والائمة الكبار ولا سيّما مقام الكاهن الأعظم العزر بن هارون، وقبر يوسف. هذا يعني أنّه لا قدسية البتّة لمدينة القدس لدى السمرة، إذ لا ذكر لها في التوراة. وفي التوراة السامرية ترد قدسية جبل جريزيم في الوصية العاشرة. يسمّى عادة هذا الجبل بالعربية باسم جبل الطور. ممّا يجدر ذكره أنّ لفظتي ”جبل جريزيم“  تردان دائمًا ككلمة واحدة في العبرية في الخطّ السامري والخطّ العبري المربّع. أذكر هنا أنّني وجدت مرّة واحدة وردت فيها ’اركريزم‘ هكذا ككلمة واحدة بالرسم العربي، في مخطوط في المكتبة الوطنية الروسية في سانت بطرسبورغ، Cam II b 164، ويعود تاريخ نسخ المخطوط إلى أواسط القرن التاسع عشر؛ ومرة واحدة ’هرجريزيم‘ في ”كتاب الطباخ“ (أنظر مثلا مخطوط Sam 9 A  في  Manchester John Rylands، ص. ١٧٤ب) . كما ووجدت مرّة واحدة הר גריזים/הר גריזים كتبتا ككلمتين في مخطوط Cam XIV 42 في المكتبة ذاتها، يضمّ ورقتين فقط ونسخ عام ١٠٧٨هـ = ١٦٦٨م. ويبدو أن كتابة هاتين اللفظتين ككلمة واحدة كانت سارية لدى بني إسرائيل قبل انشقاقهم إلى يهود وسامريين. يحجّ السامريون إلى هذا الجبل ثلاث مرّات سنويًا في الأعياد: عيد الفسح، عيد الحصاد وعيد العُرش.

٥) الإيمان بمجيء التاهب/תהב (العائد)، المسيح/المهدي، في عاقبة الأيّام للدينونة. وهو نبي إمّا من ذرية هارون أو من سلالة يوسف. وسيكون أيضًا كاهنًا وملكًا وسيحكم من على قمّة جبل جريزيم كلّ العالم. هذا الركن الخامس في العقيدة السامرية كان قد أضيف بعد بداية القرن الثالث للميلاد، إذ ورد في التلمود، في مقالة الكوتيم (מסכת כותים) ما معناه ’’متى نقبلهم؟ عندما يكفرون بجبل جريزيم ويعترفون بالقدس وبإحياء الموتى“ (أنظر: ש. קירכהיים, שבע מסכתות קטנות ירושלמיות. פראנקפורט תרי’’א. נדפס מחדש ע’’י הוצאת קדם, ירושלים, תש’’ל, עמ’ 36–37؛ سفر التثنية ١٨: ٢٢-٢٥؛ سفري على سفر العدد ١٥: ٣١؛ سنهدرين ٩٠ب؛ والاسم ’كوتيون‘ بمعنى ’السامريين‘ استخدمه اليهود لأنّهم يعتقدون أنّ أصل السامريين من ’كوته‘ في جنوب بلاد الرافدين (أنظر ٢ مل ١٧: ٢٤ وهذا أحد الأسماء المحقّرة التي يرفضها كل سامري).

هنالك مائة دلالة توراتية على يوم القيامة، وردت في مخطوط سامري، موجود في المكتبة الوطنية والجامعية في القدس، ويراجع الكتيّب المخطوط ’المَعاد‘ لأبي الحسن الصوري. والمخطوط ”كتاب الدلائل“ المذكور  فيه ٩٩ دليلا من الشرع ودليل واحد من النقل المثبوت عن أسلافنا، وهو بقلم الكاهن خضر (فنحاس) بن إسحق بن سلامة (١٨٤٠-١٨٩٨) ونسخة منه محفوظة  في القدس، كما ذكرنا، وناسخها هو يوسف آل عبد اللطيف آل إسماعيل السراوي عام ١٩٠٥. ومن أسماء يوم القيامة نذكر: يوم الحكم / الدينونة / الحياة / الانتقام / السؤال / الفخر / الشهامة / الندامة / الصيام / العتاب / الموت / النعيم / الجحيم / النجاة، يوم لا ملجأ إلا ملجأ الله سبحانه وتعالى. 

تلخّص هذه الأركان الخمسة بالجملة العبرية التالية التي يرددها السامري: אימנתי בך ה’ ובמשה בן עמרם עבדך, ובתורה הקדושה, ובהרגריזים בית אל וביום נקם ושלם (ּأومن بك يا الله وبموسى بن عمران عبدك، وبالتوراة المقدّسة وبجبل جريزيم بيت الله وبيوم الدينونة).

ظاهرة إصدار الفتاوى لدى السامريين نادرة جدّا في العصر الحديث، على الأقلّ، إذا ما قيست بما يحدث في الدين الإسلامي وفي الدين اليهودي مثلا. معدّل صدور فتوى واحدة في كل عقدين ونصف من السنين تقريبًا، وذلك لأنّ نصّ التوراة واضح ومفهوم كما يقال عادة، ولا يوجد لدى السامريين توراة شفوية كالمشناة لدى اليهود. حول استخدام فتوى بمعنى حاشية تفسيرية لآيات من التوراة ينظر في كاتالوج روبرتسون (Edward Robertson, Catalogue of the Samaritan Manuscripts in the John Rylamds Library. Manchester, Volume II. Manchester: The John Rylands Library, 1862, nos. 315-316 ). نذكر هنا الفتاوى الثلاث الأخيرة التي أصدرها الكهنة الكبار، أصحاب السلطة الوحيدون في هذا المجال الديني اليوم، على الأقلّ، وتساعدهم لجنة مؤلّفة من كهنة (أنظر: سفر التثنية ١٧: ٨-١٢؛ ١٨: ١٦؛ ٢٤: ٨)، ونعرّج على فتاوى أخرى أقدم بكثير. حاولت الحصول على نسخ من هذه الفتاوى الحديثة ولكن بدون جدوى، قد تكون تلك الفتاوى شفوية وفي الحالة جـ) الآتية يكفي، على ما يبدو، أن الكاهن الأكبر سلّوم قد وقّع على وثيقة زواج يئير/وضاح بن عبد المعين صدقة من أكرانية الأصل ألكسندرا كراشوك وأصبحت تعرف باسم شورا ألطيف (أشكر صديقي بنياميم/الأمين صدقة على هذه المعلومة التي وافاني بها إلكترونيا ردًّا على استفساري في ٢٩ حزيران ٢٠١٦، http://www.foxnews.com/world/2013/03/17/east-european-women-breathe-new-life-by-marrying-into-dwindling-middle-eastern.html). ويبدو لي أن لا وجود لملفات تنقل من كاهن أكبر لآخر!

أ) في العام ١٩٥٨ أفتى الكاهن الأكبر، ناجي (أبيشع) بن خضر (فنحاس) ١٨٨٠-١٩٦١ وكاهن أكبر بين السنتين ١٩٤٣-١٩٦١، بخصوص وجوب عدّ ثمانية أيّام ابتداءً من يوم إخراج الخِدْج من الحاضنة (incubator)، وفي صباح اليوم الثامن باكرًا تجري عملية الخِتان (التطهير)، كما فرضت التوراة، سفر التكوين ١٧: ١٤ ”واي اقلف ذكر لا يختن بشر قلفته في اليوم الثامن فلتقطع تلك النفس من قومها عهدي فسخ“ (أنظر: الترجمة العربية لتوراة السامريين، حقّقها وقدّم لها حسيب شحادة، المجلد الأوّل: سفر التكوين وسفر الخروج، القدس: الأكاديمية الوطنية الإسرائيلية للعلوم والآداب، ١٩٨٩؛ المجلد الثاني: سفر اللاويين، سفر العدد وسفر تثنية الاشتراع ...، ٢٠٠١). الجدير بالذكر أن اللفظتين، ”اليوم الثامن“، غير واردتين في التوراة اليهودية، وهذا أحد الفروق الهامّة بين نصّ التوراة السامرية من جهة ونصّ التوراة اليهودية من جهة ثانية (أنظر أيضًا: سفر التكوين ١٧: ١٢؛ سفر اللاويين ١٢: ٣).

ب) في العام ١٩٩٩ أفتى الكاهن الأكبر عاطف (ليفي) بن ناجي (أبيشع) بن  خضر (فنحاس) الحفتاوي (١٩٢٠-٢٠٠١، وكاهن أكبر من ١٣ شباط ١٩٩٨ وحتى وفاته)، بتوحيد صلاتي الصباح والظهر وقراءة نوبة الأسبوع في يوم السبت، عندما تكون درجة الحرارة عالية جدّا. وهكذا استجاب الكاهن الأكبر لشكوى المصلّين وطلبهم في تقصير وقت الصلاة. ويذكر أنّ هذا الكاهن الأكبر، كان قد قدّم طلبًا لمحكمة العدل العليا في إسرائيل، يهدف إلى مساواة مكانة الكهنة السامريين بمكانة الربّانين/الحاخامين اليهود وبخاصّة من حيث المرتّب. نشير هنا إلى أنّ تشغيل المكيّفات الكهربائية أيام السبت، لا سيّما خلال أيّام الصيف الحارّة جدّا، ما زال محظورًا، ولا بدّ من فتوى في هذا الموضوع (قارن: أ. ب. أخبار السامرة، ع. ١٢٠٠، ١٢ تشرين الأوّل ٢٠١٥، ص. ٩٠-٩١؛ ع. ١٢٠١، ١٥ كانون الثاني ٢٠١٦، ص. ٤٣؛ ع. ١٢٠٥-١٢٠٦، ١٥ شباط ٢٠١٦، ص. ٨).

جـ) في العام ٢٠٠١ أفتى الكاهن الأكبر سلوم (شالوم) بن عمران (عمرام) بن إسحق بن عمران بن  سلامة بن غزال (طابيا) بن إسحق (١٩٢٢-٢٠٠٤، وكاهن أكبر بين السنتين ٢٠٠١-٢٠٠٤)، الذي كان أيضًا عضوًا في المجلس التشريعي الفلسطيني بعد انتخابات ١٩٩٦، بجواز زواج السامري بأيّة فتاة من خارج الطائفة السامرية، بغضّ النظر لخلفيتها الدينية، شريطة قَبولها نهج حياة السامريين وعاداتهم، والامثتال بالطبع  لقوانين التوراة، يعني التسمرن قلبًا وقالبًا (أنظر: جميل ضبابات، الحب المستحيل عند بني إسرائيل، زفاف سامري على قمة جبل جرزيم. أ. ب. أخبار السامرة، عدد ١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ نيسان ٢٠١٦، ص. ١٠٢؛ ع. ١٢٠١، ١٥ كانون الثاني ٢٠١٦، ص. ١٠٢، وهناك من ينكر وجود مثل هذه الفتوى).

قبل ذلك كان زواج بعض السامريين من يهوديات بعد اعتناقهنّ الديانة السامرية.  على الباحث أن يتذكّر أن النبي موسى كان قد تزوّج من مديانية بعد انضمامها لبني إسرائيل السامريين. وفي الآونة الأخيرة، هناك أصوات سامرية تقترح الزواج من سوريات لاجئات في الأردن مثلًا، فالأمر لا يكلّف كثيرًا مقارنة بإحضار الأكرانيات (أنظر: أ. ب.- أخبار السامرة، ع. ١٢٠١، ١٥ كانون الثاني ٢٠١٦، ص. ١٠١- ١٠٣). هنالك تعاليم وفرائض صارمة تفرضها الشريعة السامرية على المرأة الحائض؛ عليها في خلال سبعة أيّام الحيض مثلًا، أن تنعزل في غرفة خاصّة بها، ألّا تلمس أحدًا من السامريين إلا الرضيع أو أيّ شيء يخصّهم، ولها آنيتها وأغراضها الخاصّة (أنظر سفر اللاويين ١٥: ١٩ فصاعدا). كما وعلى المرأة المنجبة ذكرًا، المحافظة على طمثها مدّة ٤١ يومًا، وإذا كان المولود أنثى فأيّام الطمث تكون ٨٠ يومًا (أنظر سفر اللاويين ٨: ٣٣ وبالنسبة للذكر ١٥: ١٦ وعليه في حالة الاحتلام أو سيلان المني من القضيب الاغتسال بالماء، ويعتبر نجسًا حتى المساء، ولكنّه لا يعزل عن بقية أفراد العائلة ولا يدنّس ما يلمسه؛ وإذا كان الرجل من سلالة الكهنة فيحظر عليه القيام بأيّ طقس ديني)، وفي هاتين الفترتين تعيش الزوجة بعزلة تامّة عن أفراد أُسرتها.  يذكر أن هذه الفتوى صدرت، في الأساس، لحلّ مشكلة زواج ابن عمّ الكاهن الأكبر المذكور، وضاح/يئير بن عبد المعين صدقة، الذي تزوّج من فتاة أكرانية، ورُزقا حتّى الآن بمولودين، عبد المعين/إلعزار وصدقة. بلغ عدد أولائك الفتيات الأكرانيات اللواتي تزوّجن من سامريين حتى مستهلّ العام ٢٠١٤ عشر، وكلهنّ إلا واحدة تأقلمن في المجتمع السامري. من المعروف، أن الطائفة السامرية تعاني، منذ زمن طويل، من نقص في عدد الإناث، فهنالك شابّة مقابل ثلاثة شبّان، وعليه فهناك ظاهرة يمكن تسميتها بـ”الأعزب الأبدي“ رغم أنفه من جهة، وزواج البدل، اشتراط والد العروس على والد العريس بتزويج ابنته لابنه، من الجهة الأخرى. وعليه فلا محالة من استيراد الزوجات، لا سيّما من أكرانيا حاليا، ونجحت هذه التجربة بالرغم من وجود معارضين لها مدّعين عدم أمكانية السمرنة والتسمرن بشكل تامّ وصحيح.  يحظر زواج السامرية من خارج طائفتها، وإذا حدث ذلك كما رأينا في عشر حالات في السنوات الأخيرة فهذا معناه عزلهنّ عن العقيدة السامرية. مبدئيا يحقّ للفتاة السامرية الزواج بفتى من خارج طائفتها، شرط أن يعتنق الديانة السامرية أوّلًا، ولا علم لي بمثل هذه الحالة. في المدّة الواقعة ما بين ١٩٣٨ و ٢٠١٥ وصل عدد الذين تركوا العقيدة السامرية ٣٢ شخصا، ١١ ذكرا و ٢١ أنثى.

 (قارن: أ. ب. أخبار السامرة، عدد ١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ نيسان ٢٠١٦، ص. ١٠٥، يبدو أن أمامنا ترجمة من العبرية واللغة مضطربة؛

 http://www.foxnews.com/world/2013/03/17/east-european-women-breathe-new-life-by-marrying-into-dwindling-middle-eastern.html;א. ב. – חדשות השומרונים, גליון 1201, 15 ביניואר 2016, עמ’ 3).

تبنّي السامريين لطفلات وتنشئتهن تنشئة سامرية، قد يحلّ أزمة النقص في الصبايا اللواتي يكنّ في سنّ الزواج.

الفتاوى الحديثة نسبيًا، التي سبقت هذه الفتاوى الثلاث، كانت قد صدرت في الفترة الواقعة ما بين المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. إحدى تلك الفتاوى، تتعلّق بمنع حرق الأذرع اليمنى لذبائح عيد القربان/الفسح، وذلك خشية وقوعها في أيدي غرباء متواجدين في الاحتفال. وهكذا، وعلى ضوء تلك الفتوى، أصبحت هذه الأذرع اليمنى تُشكّ في أسياخ/عصيّ خشبية غليظة وطويلة لشيّها في التنّور العميق، وهي خاصّة بأسرة الكهنة، التي يجوز لها وحدها تناولها، والحفاظ على هذه الفريضة التوراتية (أنظر سفر التثنية ١٨: ٣).

فتوى أخرى كان الكاهن الأكبر، يعقوب بن أهرون (١٨٤٠-١٩١٦، كاهن أكبر  بين العامين ١٨٧٤-١٩١٦)، قد أصدرها/نطق بها؟ في مستهلّ القرن الماضي. من المعروف أنّ لمس الميّت، وفق الشريعة السامرية، ينجّس اللامس مدّة سبعة أيّام، ولذلك كان العربي المسلم يقوم عادة بكلّ واجبات الدفن حتّى القرن العشرين. ولكن بعد أن لاحظ السامريون أنّ حاملي النعش من المسلمين، لم يحترموا الميّت كما ينبغي، أوقف إستئجارهم للقيام بهذا العمل. وعليه أصدر الكاهن المذكور، فتوى تقضي بأنّ على أقارب المتوفّى القيام بمهمّة حمل النعش إلى القبر، وقُصّرت مدّة التنجّس الناجمة عن ذلك إلى يوم واحد فقط. بعد مواراة الميّت التراب، يعود حاملو النعش فورًا إلى بيوتهم، يغسلون ملابسهم، يغتسلون بمياه جارية، ويطهّرون بعد المساء. (قارن سفر العدد ١٩: ١٣، ٢٠ وأنظر: بنياميم راضي صدقة، فرز أجزاء ذبائح الضأن والبقر للكهنة، أ. ب. أخبار السامرة، عدد ١٢٠٠، ١٢ تشرين الأوّل ٢٠١٥، ص. ٧٩-٨٦، في الأصل باللغة العبرية). أشير إلى أنّ هذه المعلومة عن الفتوى لا تتمشّى مع التقرير الذي أرسله الكاهن الأكبر يعقوب بن عزي، المعروف بأبي شفيق (١٨٩٩-١٩٨٧، كاهن أكبر من ١٩٨٤ ولغاية ١٩٨٧ ) إلى صحيفة جروزلم پوست في ٦ كانون الأول عام ١٩٣٢. في ذلك التقرير ورد أيضا أنّ الكاهن الأكبر آنذاك إسحق بن عمران (١٨٥٢-١٩٣٢، كاهن أكبر منذ ١٩١٧ وحتى وفاته) قد استدعى أفراد أسرته وزعماء الطائفة قبيل وفاته وأعرب لهم عن رغبته في أن يحمل نعشه سامريون، لا عرب كما كانت العادة (أنظر أ. ب. - أخبار السامرة، ع. ١٢٠٥-١٢٠٦، ١٥ شباط ٢٠١٦، ص. ٩١).

والمياه التي يجوز التطهّر بها وفق ما ورد في كتاب ”الكافي لمن كان بالمعرفة لكتاب الله موافي وقلبه صندوق له صافي“، تأليف مهذب الدين يوسف بن سلامة بن يوسف العُسكري، الذي عاش في القرن الحادي عشر، ستّة أنواع: ماء السماء، ماء البحر، ماء النهر، ماء الثلج، ماء البئر، ماء العين. (هذا المؤلّف الهام الذي صدرت ترجمته إلى الإيطالية بقلم سيرجيو نويا (Sergio, Noja, Il Kitāb al-Kāfī dei Samaritani. Istituto Orientale di Napoli. Pubblicazioni del Seminario di Semitistica. Ricerche, 7. Napoli, 1970.)، ما زال مخطوطًا في عدّة نسخ منها مثلا Cam IV 27  في مكتبة سانت بطرسبورغ، مختصر الكافي لإلعزر بن فنحاس، ص. ٢ب).

هنالك مؤلَّف مخطوط بعنوان ”كتاب الفتاوى“ بقلم يعقوب بن غنايم، وهو موفق الدين يعقوب بن محاسن بن عبد الله بن محاسن الكاهن الشامي، الذي عاش في أواخر القرن الثالث عشر. وقيل إنّ في حوزة السامريين اليوم نسخ منه، كما ورد في المخطوط رقم ٧٠٣٣ المحفوظ في مكتبة يد بن تسفي في القدس الغربية. وكان موفق الدين المذكور طبيبًا معروفًا، ومن آثاره أيضا، شرح الكليات من كتاب القانون لابن سينا، ويقال إنّه أهداه للخليفة العبّاسي المنصور، ثمّ انتقل هذا الكتاب إلى مكتبة الخليفة محمّد بن قولون، ونقل إلى عدّة لغات. ونعلم أيضًا أنّ ثمة مقالة للشيخ أبي سعيد ابن أبي الحسين ابن أبي سعيد، منقّح الترجمة العربية القديمة لتوراة السامريين، يردّ فيها على من أفتى في تفطير المرضى والأطفال في يوم الصوم المعظّم، يوم الغفران. وتلك الفتوى تحمل التاريخ ١٥ شعبان سنة ٦٥٩ هـ = ١٥ تموز ١٢٦١م. (أنظر مخطوط رقم ٧٠٤٩، في المصدرين:

The Samaritan Manuscripts at Yad Ben-Zvi Library in Western Jerusalem, 64 pp. Samaritan Update Vol.XV No. 4, March-April 2016, pp. 8-9: http//shomron0.tripod.com/articles/ben-zvi-sam-mss.pdf; A. B. Samaritan  News 1217-1218, 10/6/2016, pp. 56-119

وينظر أيضا في المخطوط Cam IV 5 الموجود في المكتبة الوطنية الروسية في سانت بطرسبورغ، ”الرد على اليهود وكونهم لا يكلفوا الاطفال بالصوم يوم هكفوريم وهو، على ما يبدو، الجزء الثاني من كتاب الطبّاخ لأبي الحسن الصوري. وكذلك المخطوط Cam IV 47 في مكتبة سانت بطرسبورغ المذكورة وعنوانه: صور كتاب نسخة افتا كتبها المرحوم الحكيم غزال ابن رميح رحمة الله تعالى عليه امين ويرحم جميع اموات قهل يشرال امين امين، ويحمل التاريخ  ٨ شوّال ١١٩٢ = ١٨ تشرين الأول عام ١٧٧٩م.  في المخطوط عشر ورقات بقياس ٢٢ x ١٦ سم والناسخ هو غزال بن إسحاق بن إبراهيم الكاهن اللاوي في نابلس بأمر من صدقة آل ايتمر الأخ المحترم سرور أبي العلم المرحوم الشيخ يوسف الصباحي.

هنالك فتاوى  حول مواضيع متنوّعة مثل الأحوال الشخصية، الحفاظ على السبت، الزواج من امرأتين، أحكام الميراث، أحكام الطهارة والنجاسة. من أسماء المفتين الواردة في المخطوط نذكر: الشيخ أبو سعيد، أبو سعد بن سعيد، يعقوب بن إسماعيل الربيس، الحكيم النفيس، الفرج بن إسحاق المتطبب، الحكيم يوسف، الحكيم غنايم بن يوسف بن غانم (!) المتطبب، الحكيم غزال، أبو الفرج بن إسحاق بن كثار المتطبب، يوسف الحكيم، يوسف بن غانم المتطبب.

وفي المخطوط Cam IV 31 في المكتبة الوطنية الروسية في سانت بطرسبورغ، نتف من مواد متنوعة، موزّعة  على ٥١ ورقة، مثل ترجمة عربية لتوراة السامريين؛ فصل في الميراث للشيخ شمس الحكماء ابن إبراهيم بن ماروث الطبيب؛ طباخ العلوم في شرح سورة القيامة للشيخ أبي الحسن الصوري الدنفي؛ فتاوى، مثلًا ص. ٢٤-٢٧؛ صلوات، طهارة ونجاسة؛ فصل في عقيدة ملتنا السامرة أي المحافظين؛ شعر بالعربية وأخيرًا مرقه. من الفتاوى المذكورة في الصفحات الأربع ننوّه بمسألة زواج بنت يتيمة من جهة وعدم جواز الاتصال ببنت زوجة أبي زوج الأم والمفتي فيهما هو إسمعيل الرميحي. وهناك هذا السؤال: ”ماذا تقول السادة المخاديم في رجل قصد الاتصال باخت مرت جوز اخته فهل يجوز ذلك ام لا افتونا ماجورين اتاكم الله بالخير امين. الحمد لله الوهاب الجواب يجوز دلك ولم يخالف فيه احدًا وكتبه غنايم ابن يوسف بن غنايم المتطبب وافتا عليها الحكيم غزال ابن يوسف ابن رميح المتطبب“، ص. ٢٤أ-ب. ومن أسماء محرري الفتاوى نذكر: يعقوب ابن اسماعيل الربيس، ابو الفرج بن اسحق بن كثار المتطبب، غنايم بن يعقوب المتطبب (أجاز جواز الزواج من اثنتين)، يوسف بن غنايم المتطبب، ايتمر بن ابرهم هكهن، عبدالله الحفتاوي، اسحق الدمشقي.

وفي مكتبة يد بن تسڤي في القدس الغربية مخطوط آخر رقمه ٧٠٤٩ وعنوانه: مقالة من تأليف الشيخ الفاضل السديد أبو (في الأصل ابن) سعيد ابن أبي الحسين السامري الإسرائيلي ردا على من أفتى في تفطير المرضى والأطفال في يوم الصوم المعظّم وفيه ستّ صفحات، وفي مخطوط برلين ثماني صفحات، ٢٨٦-٢٩٤، وفي كلّ ّواحدة منها ثمانية عشر سطرا. الناسخ هو أبو الحسن بن يعقوب بن هرون بن سلامة الكاهن وتاريخ النسخ ١٩٣٠، وتحمل الفتوى تاريخ ١٥ تموز عام ١٢٦١م.  ويذكر أن الفتوى قد أحضرت من يد الحكيم صدقة ابن الحكيم يوسف النابلسي... (أنظر: المصدرين السابقين). وفتوى أبي سعيد هذه، المعروفة عند السامريين اليوم، باسم فتوى ١٥ شعبان أو فتوى صوم الطفل، متوفّرة أيضًا في نهاية المخطوط Or. qu. 523 المحفوظ في برلين، وذلك المخطوط يضمّ الجزء الثاني من كتاب مسائل الخلاف لأبي الفرج منجّا ابن صدقة ابن غروب شمس الحكماء، وقد نسخ عام ١٨٦٨. صورة لهذا المخطوط موجودة في فُليم  ورقمه ס’ 33165 محفوظ في المكتبة الوطنية والجامعية في القدس منذ أيلول سنة ١٩٧٥، وترد الفتوى في. ص. ٢٨٦-٢٩٤. وأشير هنا إلى  أنّ هذه الفتوى هي البرهان المكتوب الوحيد الذي وصلنا بصدد فترة ومكان واسم، بل قُل كنية،  أبي سعيد بن أبي الحسين بن أبي سعيد. فيها ذكرت السنة وهي ١٢٦١ (١٥ شعبان ٦٥٩ = 15 تموز ١٢٦١م ) التي فيها كان أبو سعيد قد كتب فتواه بشأن وجوب صيام المرضى والأطفال يوم عيد الغفران.

(L. Wreschner, Samaritanische Traditionen, mitgeteilt und nach ihrer geschichtlichen Entwickelung untersucht. Berlin, 1888; J. Bloch, Die samaritanisch-arabische Pentateuhübersetzung, Deuteronomium I-XI, nach Handschriften in Berlin, Gotha, Kiel, Leyden und Paris mit Einleitung und Noten. Berlin 1901, p. 14; A. S. Halkin, The Relation of the Samaritans to Saadia Gaon. Saadia Anniverary Volume (American Academy , for Jewish Research, vol. II). New York, 1943, p. 276;

זאב בן חיים, עברית וארמית נוסח שומרון, כרך ראשון, תשי’’ז, עמ’ לד; חסיב שחאדה, התרגום הערבי לנוסח התורה של השומרונים, מבוא למהדורה ביקורתית, חלק א. חיבור לשם קבלת תואר דוקטור לפילוסופיה. ירושלים: האוניברסיטה העברית, דצמבר 1977, עמ’  119 ואילך. 

وممّا ورد في الفتوى ما يلي:

”من اقتدى بالحق اهتدى

لما كان بتاريخ خامس عشر شعبان سنه تسعه وخمسين وستمايه احضرت فتيا من يد الحكيم صدقه ابن الحكيم يوسف النابلسي ايده الله تعالى. صورتها: ما تقول السادة الاجلا العلما الفضلا فقها السامرة كثرهم الله في تفطير المرضى والاطفال في يوم الصوم المعروف بيوم الاستغفار هل يجوز دلك ام لا افتونا ماجورين انشا الله تعالى. … وحسب رافض الاجماع ومشايخ الامه الفضلا والاتقيا رحمهم الله اجمعين مثل الشيخ الفاضل أبو الحسن الصوري رضي الله عنه ومن يجري مجراه اعتماده على ابن الشاعر على ما زعم الذين لم يتجاسرا على فعل دلك [المقصود: السماح للمرضى وللأطفال بعدم الصيام يوم الغفران] بل كانا يقولان قولا لم يعتمد عليه  احد من الطايفه واحدهما خرج  عن المذهب جمله ولم يحفظ المذهب الدي انتقل اليه [أي: الإسلام] بل كان زنديقا مرخصا في المذهبين والاخر سامحه الله نحن نعرف مكانه من العمل وعلوم الشرع ايضا فانه لما انفرد برايه في بلاد الشرق من جمله ما سلكه في المذهب اباحة ابتياع الجور والشري بهن وجري فيهن على ما علم حقيقة ثم ابتياع المماليك وادخالهم في الدين على ما زعم وكان من امرهم مثل امر الجوار بل اردى ثم تطهيره الثلج من ايدي الاجانب المحضر في لبابيدهم المحشوه نجاسات والترخيص في هده المسلة لا سبيل اليه ومن خرج فيه عن مذهب الاجماع فعلا واعتقادا بعد هده المقالة وجب ابعاده عن المذهب ويكفي المرخص مسرة اليهود اعدا الدين بانهم لم يزالوا على الصواب وانه واهل ملته كانوا على الضلال ولما تحققوا ان الحق معهم تبعوهم وما العدو في حق عدوه الى اكثر من ذلك والله المرشد الى الصواب“.

والجدير بالذكر أن القسم الثاني من الفتوى يتطرق إلى مسألة عدم جواز تفطير المريض أو الطفل حتى في حال أقر طبيبان سامريان محترمان ومستقيمان بأنّ استمرار صومهما يؤدي إلى الوفاة ويضيف أبو سعيد ”واما الدليل العقلي فإنه لا شبهة عند العقلا ان اتباع اليقين أولى من اتباع الظن والدي استتنى في هده القضيه يعلم لزوم القتل لمن اعتمد دلك نصًا ثم يعلم ان سلامة المريض والطفل اذا افطر ليسة يقينًا بل يفيد غلبة الظن على زعمه بمقتضى صناعة الطب المبنية احكامها على الحدس والتخمين باجماع الاطباء والحكماء ايضًا ومعلوم حقيقة ما ورد في النص المحكم من قوله عز وجل מחצתי ואנכי ארפא ואין מידי מציל (سفر تثنية الاشتراع ٣٢: ٣٩)“. في بداية إجابته يقول أبو سعيد إنّ أمور الشريعة تبتّ وفق ثلاثة أصول: النصّ المكتوب أي التوراة؛ العقل والنقل. وصوم يوم الغفران واجب على الجميع دون أي استثناء (أنظر مثلًا: سفر اللاويين ٢٣: ٢٧، ٢٩؛ سفر تثنية الاشتراع ٣٢: ٧، ٣٩).

ويذكر أبو سعيد أيضًا أنّ جهلاء كثيرين مارسوا كتابة الفتاوى وأنكروا وجوب صوم يوم الغفران، لأنّ التوراة لم تذكر ذلك بصراحة. إنّه كتب قائلا ”… وبلغ من تطاول السن الجهلة في هدي الفتيا انهم انكروا وجوب الصوم لفظا من حيث انه لم يصرح به الكتاب الشريف ودلك لطمعهم في تهجم من يجري مجراهم  من العوام على الكتابه في الفتاوى“. ويضيف أبو سعيد: ”اما الدي لا يعرف الاستدلال فيكفي بالتقليد وهو اصل معول عليه … القياس الشرعي انما هو رد فرع الى اصل لعلة جامعة … والترخيص في هده المسأله لا سبيل اليه ومن خرج فيه عن مذهب الاجماع فعلا واعتقادا بعد هده المقاله وجب ابعاده عن المذهب ويكفي المرخص مسرة اليهود اعدا الدين بانهم لم يزالوا على الصواب وانه واهل ملته كانوا على الضلال “.

وهناك من ينسب لأبي سعيد المذكور فتوى حول موضوع درجات تحريم الزواج بين الأقارب بدون ذكر أي مصدر. (مثلا موسى چاستر، أنظر أطروحة الدكتوراة لحسيب شحادة المذكورة أعلاه، جزء أول، ص. ١٤٧، رقم ١١).

وفي مكتبة الكاهن الأكبر عمران بن إسحاق في نابلس مخطوط باسم ”كتاب فتوى بشأن صيام الطفل“  للشيخ صدقة الحكيم يضمّ ٢٠ صفحة، ٢٠ x ١٧سم ونسخ عام ١٣٩٧/٨م.

(أنظر: Zuhair Shunnar, Katalog Samaritanischer Handschriften I ...Berlin-West: Verlag Richard Seitz & CO, 1974, p. 137 no. 201).

 ويراجع أيضًا المخطوط SAM 80 6 الموجود في المكتبة الوطنية والجامعية في القدس، وهو بمثابة مجموعة من الفتاوى، وترد فتوى أبي سعيد المذكورة في الصفحات ١١-١٩. يشار إلى أن نصّ الفتوى في مخطوط برلين أفضل من النصّ المثبت في هذا المخطوط. هذه المجموعة من الفتاوى تحتلّ الـ ٨٧ صفحة الأولى، وناسخ المخطوط هو يعقوب بن هرون بن سلامة بن غزال (طابيا) ١٨٦٨-١٩٤٢،  سنة ١٣٢٦هـ  أي ١٩٠٨م كما ورد في الكولوفون المثبت في الصفحة ١٢١. بعد الفتاوى هنالك مقالة في عقيدة الدين للشيخ الحكيم الفاضل موفق الدين صدقة الإسرائيلي السامري الموسوي اليوسفي (أنظر أيضًا كاتالوج إدوارد روبرتسون المذكور أعلاه، مجلد ٢، المخطوطان: رقم ٢١٣ ورقم ٢٢٧). يذكر أن قسمًا لا يستهان به من الفتاوى يتمحور حول أحكام ومسائل الزواج. في صفحة المخطوط الأولى نقرأ ”هذه نسخة الفتاوى لمن ياذكرهم وبيانهم بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين“. بدايات الفتاوى تحتوي على سؤال موجّه إلى رجال الدين بمثل هذا الأسلوب:

ما تقول السادة الفقها ايمه الدين رضي الله تعالى عنهم اجمعين؛ ما تقول علما السامره وفقها ال اسراييل رضي الله تعالى عنهم اجمعين؛ ما تقول السادة الفقها رضى الله تعالى عنهم؛ ما قولكم ايها السادة الاسرايليه ايدكم الله باري البرية في…؛ ما تقول سادة الطايفة الاسرايلية وعلماهم رضي الله تعالى عنهم في…؛ ما تقول السادة علما اسراييل رضي الله عنهم اجمعين؛ ما تقول سادة الطايفه الاسرايليه وحكام الشريعه الموسويه رضى الله عنهم. وهذا هو نصّ الفتوى الأولى كما جاء في المخطوط المقدسي:

”ما تقول السادة الفقها ايمه الدين رضي الله تعالى عنهم اجمعين في الجمع بين الزوجتين هل يجوز ام لا واذا جاز هل يجوز لاحدٍ يجمع بين زوجتين قد جمع بينهما شخص آخر قبله ثم طلقهما او مات عنهما فهل يجوز له ذلك ام لا افتونا ماجورين ولكم الاجر والثواب. الجواب والله تعالى هو الهادي للصواب. نعم يجوز الجمع بين الزوجتين اذ لم يقصد بالجمع التضارر سوى كانتا الزوجتين لرجل اخر وطلقهما او مات عنهما او لم يكونا لرجل اخر والله اعلم،  افتاها الشيخ غزال الحكيم ابن رميح رضى الله عنه امين. ثم ذكر الحكيم غزال المذكور انه سال سيدنا الربيس يعقوب عن ذلك فوجدت مدهبه يقتضي الجمع بين الزوجتين بحيث لا يقصد التضارر والله تعالى اعلم“.

وارتأيت أن أقتبس هذه الفتوى أو القضية لما فيها من غرابة:

”فتوى غيرها

ما قولكم ايها السادة الفقها الاسرايليه ايدكم الله باري البرية في جماعه من المله هجم عليهم غلمان السلطنه فى بستان فى يوم السبت المقدس واخذوا لهما فرسًا وهربوا بها فخرجوا اليهم وخلصوا الفرس منهم بعد منازعه كبيره. وان واحدا من الجماعة الحاضرين ركب الفرس ورجع  بها الى البستان ماذا ترون فى امر الجماعه وفي امر الذى ركب الفرس ورجع بها افتونا ماجورين ولكم الاجر والثواب.

الجواب من اقتدى بالحق اهتدى

اما الذى خرجوا لتخليص الفرس فيجب عليهم التاديب بعد مسامحتهم لقيامهم هذه الحاله على محاربتهم العدو والذى يطلب النفس يوم السبت لان بين ذلك وبين تخليص الفرس بونًا بعيد فلا قياس ها هنا واما الذى ركب الفرس يجب عليه الحرامه بالنص المحكم والله تعالى اعلم كتبه ابو سعد ابن سعيد“ (مخطوط  Sam 80 6، ص. ٢-٣ ).

ومن مواضيع الفتاوى ننوّه بـ: حكم مبذّل يوم السبت اضطرارًا؛ الزواج من ضرّة لامرأة عم أبي امرأته؛ الزواج من مطلقة  أخي ضرّة أم امرأته؛ زواج رجل هاروني من امرأتين؛ الزواج من أخت امرأة زوج أخته؛ مسألة استعمال المساه في صنع الجبنة؛ عدم جواز زواج امرأة خال الزوجة؛ لا يجوز الطلاق إلا بوجود ערות דבר (أنظر سفر التثنية ٢٣: ١٥، ٢٤: ١)؛ مسألة شرب الخمر يوم السبت.

والجدير بالملاحظة أنّه لا ذكر لأسماء طارحي الأسئلة والاستفسارات، إذ أنّها عادة ذات صبغة عامّة، أمّا أسماء المجيبين زهاء الثلاثين فمذكورة. يشار إلى أنّ اسم الفقيه السامري المعروف، أبي الحسن (أب حَسْده) إسحق بن فرج (مرحيڤ) بن ماروث الصوري قد ذكر سبع مرّات، وينظر في ص. ١٨-٢٠، ٢٩، ٣١، ٦٢، ٦٩. ومن ضمن أسماء الفقهاء المفتين نذكر: غزال الحكيم ابن رميح (ص. ١)؛ الشيخ  السديد أبو سعيد ابن ابي الحسين ابن ابي سعيد السامري (ص. ١، ١١-١٢)؛ أبو سعد ابن سعيد (ص. ٣)؛ يعقوب بن اسماعيل الربيس (ص. ٤)؛ الحكيم النفيس (ص. ٤)؛ أبو الفرج بن اسحق المتطبب (ص. ٤)؛ الحكيم يوسف/يوسف الحكيم (ص. ٤، ٦-٨، ١٠)؛ الحكيم الشيخ غنايم ابن يوسف المتطبب (ص. ٤، ٥)؛ الحكيم غزال (ص. ٤)؛ الحكيم صدقة ابن الحكيم يوسف النابلسي (ص. ١٢)؛ الشيخ منجا (ص. ٢٠، ٢٧، ٣٢)؛ الحكيم صدقة الشاعر (ص. ٤٢)؛ يعقوب كاهن (ص. ٥، ٦)؛ أبو الفرج ابن اسحق ابن كثار المتطبب (ص. ٦-٨، ١٠)؛ يوسف بن غنايم المتطبب (ص. ٧، ٢٤)؛ الربيس يعقوب بن اسماعيل (ص. ٦، ٨)؛ الربيس هرون بن منير (قبل تأسلمه، أنظر ص. ٨)؛ يعقوب بن الجهد المتطبب (ص. ١٠)؛ أبو سعد ابن أبي الخير ابن سعد سعيد (ص. ١١، ربما كان نفس أبو سعد ابن سعيد)؛ الربيس ايتمر بن إبراهيم الكاهن (ص. ١٩-٢٠، ٣٢، ٣٥)؛ يوسف بن مشلمه (ص. ٢٠)؛ إسحق الدمشقي (ربّما كان أبو الحسن الصوري، ص. ٢٠)؛ الشيخ إسماعيل الرميحي (ص. ٢٠، ٢٣، ٢٥-٢٧، ٣٠)؛ الربيس العزر بن فينحس (ص.٢٢)؛ عبد الله الحفتاوي (ص. ٢٤)؛ الشيخ يوسف الدمشقي (ص. ٢٤)؛ الشيخ يوسف ابن عبدالله اللاوي (ص. ٢٤)؛ الشيخ يعقوب ابن أبو العز (ص.٢٤)؛ يعقوب بن هرون بن شلمه الكاهن عم خضر (ص. ٢٦، ٥٣، ٥٦، ٥٨، ٦٣، ٦٨، ٧٠، ٧٢)؛ الكاهن الأكبر فنحاس رضوان الله عليه (ص. ٣٠)؛ أبو الحسن بن غنايم بن كثار (ص.٣٠)؛ الشيخ يوسف العسكري صاحب الكافي (ص. ٣٢، ٤٨، ٦٩)؛ المولى سعد الدين بن صدقة بن كثار (ص. ٣٤)؛ الشيخ موفق الدين يعقوب ابن الجهبذ الطبيب صاحب الفرايض رحمه الله فى فريضه المظالم فى شرح ונשבע על שקר (سفر اللاويين ٥: ٢٢، ص. ٤٣)؛ أبيشع (ناجي) بن فينحس (خضر) بن أبيشع بن فينحس الكاهن الأكبر(ص. ٤٤)؛ الشيخ إفرايم بن سلامه الدنفي (ص. ٤٥-٤٦)؛ الشيخ إبراهيم ابن يعقوب ابن مرجان الدنفي (ص. ٤٧)؛ إسحق ولد سلامة الإمام (ص. ٤٨)؛ عمران ولد سلامة بن غزال الكاهن، عمّ يعقوب هرون (ص.٥١-٥٢، ٥٨)؛ سلامة بن غزال (طابيا) الكاهن (ص. ٥٣-٥٤)؛ عبد الله ابن سلامة (ص. ٨٠).

نخلص إلى القول إنّ ستّ فتاوى، كانت قد صدرت في خلال قرن ونصف، بمعدّل فتوى واحدة كل خمس وعشرين سنة. موضوع الفتاوى في الأبحاث السامرية ما زال بكرًا، وهو يستحق بحثًا شاملًا ومنفردًا، تنشر فيه كل الفتاوى المتوفّرة في المخطوطات وفي التراث السامري الشفوي في طبعة علمية وتترجم إلى لغة عالمية وتقارن بصورة عامّة بالفتاوى لدى اليهود الربّانيين والقرائين والعرب المسلمين.

أرى أن ما ورد في هذه المقالة سيكون بمثابة النواة لإعداد مثل ذلك البحث المأمول. أظنّ أن الكثير من السامريين يؤيدون الاستمرار بإصدار الكاهن الأكبر، بالتشاور مع كهنة آخرين، فتاوى مثل تلك الفتاوى الستّ، فهي تصبّ في صالح الطائفة الصغيرة. وفي المقابل هناك متشددون يعارضون أيّ تغيير أو تجديد في قضايا شرعية موغلة في القدم حسب اعتقادهم. التحدّي الأكبر هو كيفية الحفاظ على أسس العقيدة من جهة، وتحقيق الرغبة في السير مع مستجدّات الحياة المعاصرة.

 

אודות פסקי הלכה שומרוניים

On Samaritan Fatwas (Legal Opinions)

Haseeb Shehadeh

University of Helsinki

 

تقديم المترجم

"تَرَنَمْ بِلُغَةِ القُرآنْ فَروحي عَرَبِيْة" (الشاعر: مُظَفَر النَوّابْ)

سيشهد العالم أول تجربة فريدة في انقراض اللغات في عصر التقدم العلمي، أعني انقراض العربية قبل انقراض أهلها مع كثرتهم الكاثرة.

هذا البحث منشور في مجلة JSAI (2010, 37:163-188) بالانجليزية، وفيه يعرض المؤلف أسباب ضعف التحصيل العلمي في هذا المادة عند الطلبة العرب ويقدم منهجا بديلا لتدريس العربية بعد عرض سلبيات المناهج المستخدمة.

ويدافع المؤلف عن التراث النحوي العربي مفندا بذلك مزاعم بعض من يعتقد أن سبب انحطاط وتدني التحصيل اللغوي عند الطلبة العرب وكرههم لمادة النحو، راجع الى طبيعة المادة النحوية المعروضة في مؤلفات النحاة القدماء وفي مقدمتهم سيبويه الذي جرموه بتهمة باطلة. وهذا ما دفعني لترجمة البحث لتعم فائدته أكبر عدد من القراء لمن لايتمكن من الاطلاع على النص الانجليزي، آملا أنها تمكنت في توصيل ما أراد المؤلف قوله، وهذا جهد المقل .

و الهوامش جميعها من صنع المؤلف باسثناء الأرقام (1،4،10) فهي إضافة بسيطة من المترجم مقارنة بهوامش المؤلف، علماً أن هناك حاجة لهوامش أُخرى آثرتُ عدم إضافتها لانها تثقل النص. أرفقتُ المصادر إتماما للفائدة المرجوة من الاطلاع على هذه الدراسة . الأمر الآخر هو أن الإقتباسات من كتابات النحاة القدماء موجودة أصلا في البحث. وكل ما موجود بين شارحتيّن - - هو من إضافة المترجم، أما الموجود بين قوسين()، باستثناء المقابلات الانجليزية، فهي من وضع المؤلف بما فيها إحالاته على مصادر الدراسة.

وبسبب تشارك كلمة ال (phrase) وال (clause) في التعبير العربي، تركتُ الأولى دونما مقابل - بينما ذكرت مقابل الثانية ألا وهو " العبارة" والتي تعني بصورة أدق الجملة البسيطة - خاصة عندما تأتي بصيغة مفردة، على أن المؤلف استخدم تعبير " المركب" الذي استعاره من الفاسي الفهري (1993) كما ذَكَرَ في متن البحث، فقال بالمركب الإسمي ونحوه.

 

نص البحث

1 - مثلما هو معلوم لا يفتتح سيبويه كتابه بمقدمة يشرح فيها الغرض من تأليف كتابه العظيم: فانشغال كتب النحو منصبٌ عادة على وصف تركيب لغة ما وتحليلها، حيث تتباين طرق الوصف والتحليل. والشائع في شروحات النحو هو انطلاقها من تركيب مفترض، مثلا "أن جملة س تتالف من فعل وفاعل و مفعول به ." على أن من كتب النحو ما هو مخصص للأغراض التعليمية كتعليم الطالب الإستعمال الصحيح للغة ما (اللغة الام أو سواها)، أو في حالات أُخرى، عرض تركيب اللغة لأغراض نظرية –أكاديمية-، أو لأغراض عملية لتسهيل، مثلا، فهم صعوبات النصوص المعقدة، وعلى وجه الخصوص المكتوبة منها .

ونظرة عجلى لكتاب سيبويه تكفي للتدليل أنه كتاب نظري أكثر منه تربوي تعليمي. وإن تناول سيبويه للنحو يتم في إطار مجموعة أَسس وأحكام استخدمها في صياغة نظرية نحوية محكمة ومتناسقة، ألا وهي نظرية العمل التي تشغل موقعا مركزيا في الجزء المتعلق بالقواعد (syntax) من الكتاب (Peled 2009:410). علاوة على هذا، نجد أن سيبويه في مواضع كثيرة منشغلٌ بكيفية صياغة تركيب معين أكثر من انشغاله بتحليل هذا التركيب إلى مكوناته، وتبيان وظيفة كل مكوِن. فالفصل العاشر مثلاً (الكتاب، مج1، ص 10f)، حيث يناقش مستعرضاً تتمة- تكملة- المفاعيل المختلفة في الجملة الفعلية، افتتحه بالقول : "هذا باب الفاعل الذي يتعداه فعله الى مفعول." لن أشغل نفسي هنا باشكالية استعمال المصطلحات (انظر في ذلك: Levin 1979، Peled 1999). ما يهمنا هنا هو نقطة انطلاق سيبويه بأن تاثير الفعل، في مثل هذه الحالات، يتعدى فاعله. فهو يشير الى عملية التعدي، بما تتضمنه من الإعراب[1]،والتي تكون نتيجتها النهائية جملة مكونة من فعل وتتمة –تكملة-، والتتمة مكونة من إسمين، أحدهما مرفوع والآخر منصوب (ضربَ عبدُاللهِ زيداً) .

وعليه فكتاب سيبويه ليس كتاباً مدرسياً وهو مايدل عليه حجمه وطريقته النظرية في المعالجة. ومع هذا، يلحظ المرء في السنوات الراهنة، بسبب القلق المتزايد عند المشتغلين بالتعليم والمتخصصين –الاكاديميين- في العالم العربي حول مستوى التحصيل المتدني لطلاب المدارس الثانوية والجامعات (فيما بعد: الطلبة العرب) في دراستهم للعربية المكتوبة (الفصحى: فيما بعد العربية)، أن هناك اتجاها يضع اللوم على النحاة وعلى وجه الخصوص سيبويه باعتباره الشخص الذي "قَعّدَ " أُسس اللغة. ونجد أزاء هذا الفهم موقفا أكثر اعتدالا وإنصافا كالذي عند رمزي البعلبكي (2004) في ملاحظاته النقدية بخصوص العلاقة بين الدراسة المعاصرة للنحو العربي من جهة،ومن جهة اخرى، الفكر النحوي العربي في القرون الوسطى. وفيه يعرض البعلبكي، من خلال تركيزه على تدريس اللغة، بعض الحلول المستمدة من نظرته الشخصية عن تعليم اللغة، وسأعود الى هذه المسالة لاحقا.

هدفي من هذا البحث يتركز على بحث الأُمور التالية:1– تلخيص رؤية المنتقدين والذين يرْثون لحال اللغة العربية الراهن والتحصيل المتردي لمتعلمي هذه اللغة، 2- استعراض طبيعة كتب النحو العربية القديمة، 3 – اعطاء وتقديم بعض الأمثلة عن كيفية معالجة الكتب المنهجية المعاصرة لتراكيب معينة للتلاميذ العرب، وأخيرا 4- اقتراح منهج بديل يعتمد بالمثل على كتابات النحويين لكنه منهج مُعدل يلائم مهمة تعليم النحو العربي ويكون تبعا لذلك أكثر جاذبيةً وتشويقاً للطلبة في دراسة اللغة.

2- يوضح رمزي البلعبكي في بحث له (2004:85) عن تدريس العربية في الجامعات "إن مقياس تمكن طلبة الجامعات من اللغة العربية [....] أخذَ بالتدهور بصورة شديدة ومستمرة خلال العقود القليلة الماضية." وغالبا ما يشير المشتغلون بالتعليم إلى نفور الطلبة من مادة النحو، وقلة اكثراتهم به، ليصل الأمر الى عدم رغبتهم بتعلم العربية. ونشأ عن هذا الوضع في السنوات الحالية نقاش جدي لبحث مسببات هذه المشكلة وتقديم الحلول التي تركز على ترغيب مادة النحو.

يرى بعض المنتقدين أن أصل المشكلة ومصدرها يكمن في اللغة العربية نفسها. فيعتقدون أن العربية، بخلاف اللغات الاوربية المعاصرة مثل الإنجليزية والفرنسية، لغةٌ معقدةٌ جداً يصعب على المتعلمين فضلا عن الإنسان العادي استخدامها في شؤون الحياة اليومية. ومَنْ هو المسؤول المذنب عن هذا الوضع المزري ؟ جواب المنتقدين واضح صريح: النحاة العرب القدماء. واللومَ يلقونه أولاً وأخيراً على عاتق سيبويه الذي وصفه بعضهم مثل زكريا أوزون (2002) وشريف الشوباشي (2004) بأنه المسبب (!) في وضع وإيجاد هذه الضوابط النحوية المعقدة التي يعاني منها العرب قُراءاً وكُتاباً الى يومنا الراهن. [2] ويعتقدون أن هذه الضوابط من أسباب مشكلات تعلم النحو العربي، فضلا عن كراهية تعلمه ولذا يتوجب إعادة صياغتها باعتبارها جزء من اصلاح شامل للغة.[3] وسيؤدي هذا، حسب منطقهم، لاستنهاض هِمَمْ التلاميذ لتعلم اللغة مما سيحسن الاداء و سيمكنهم بالنهاية من استعمال اللغة في شؤون الحياة اليومية. وبطلبهم اجراء اصلاح في اللغة، يؤكدون أن اللغة العربية ليست مقدسة ولاتختلف عن باقي اللغات، فضلا عن أن كتاب سيبويه ليس نظير القرآن. وحقا، فإن عنوانات كتبهم تنطق بتلك الدعوات (انظر قائمة المصادر) . في الفقرة الحالية سأركز على مايقوله الشوباشي وعلى نقد رمزي البعلبكي (2004) لطريقة تدريس النحو العربي الراهنة. وسأتناول في الفقرة رقم 4 بعضاً من الأمثلة التي طرحها زكريا أوزون.

يلقي الشوباشي (ff 2004:197) باللائمة، حول وضع اللغة العربية الحالي، على العناصر الدينية المحافظة في المجتمع والتي أعاقت عبر التاريخ كل محاولة لتطوير اللغة واصلاحها، بل كل محاولة توجهت نحو تيسير اللغة كي تناسب العصر. ويؤكد الشوباشي (ص 201) بأن مثل هذا الاصلاح لايعني جوهر اللغة اطلاقا، بل يجب الحفاظ عليه باعتباره إرثاً قومياً. ويقدم الشوباشي جملة اقتراحات لتسهيل اللغة من خلال ادخال بعض التغييرات والتعديلات شبيهةً بوضع اللهجات العربية (مثلما أيضاً في بعض اللغات الهندو اوربية). نقدم هنا عرضا نقديا لبعض أمثلته (الشوباشي ص 202-217): 

1.يعتقد الشوباشي محاججا أن الفهم الصحيح للنص العربي يعتمد أساساً على علامات الإعراب. وبما أن النص العربي يخلو عادةً من الحركات (short-vowel markers)، فان علامات الإعراب غالبا ما تكون غائبة، وهو الأمر الذي يتسبب أحيانا في صعوبة تحديد الوظيفة النحوية لمكوِن معين من مكونات الجملة، وعلى وجه الخصوص التفريق بين الفاعل والمفعول به. وبالإمكان حل هذه المشكلة بادخال ضابط –قاعدة- أساسه هو أن وظيفة مُكَوِنْ ما يُحَدَدْ بموقعه في الجملة وليس بعلامة إعرابه بطريقة شبيهه لما موجود في اللهجات . وبالتأكيد فإن الشوباشي يعلم، أنه في العربية المعاصرة المكتوبة، أن الجملة الاسمية (فاعل-فعل- مفعول) هي النمط الشائع في ترتيب الكلام، وفي حالة الجمل الفعلية (فعل،فاعل، مفعول/ فعل، مفعول، فاعل) هناك وسائل اخرى يتمكن من خلالها القارئ تحديد وظيفة المكون، مثلا، معنى الكلمة وحرف الالف الذي يشير للمفعول النكرة.

2.قد تعبر كلمة واحدة عن جملة كاملة، مما يصعب على القارئ فهمها. غير أن هذه الدعوى مردودة لأنه حتى في فصحى التراث يندر وجود جمل مثل جملة "ناولنيه". في لغة الكتابة العربية المعاصرة، مثلما في اللهجات، نجد أن التركيب الشائع هو " أعطاني اياه". أما التراكيب التي تتكون من فعل و ضمير المفعول فانها تكوَن جملة كاملة في العربية المنطوقة والمكتوبة على حد سواء (رَأيتهُ، شفتو). لذلك بالكاد أن يجد المرء أن هذه الخاصية تؤثر على قراءة النص العربي.

3.صيغة المثنى في العربية فائضة وظيفيا: إذ تستطيع اللغة بسهولة التعبير بالمفرد والجمع كما هو الحال في معظم لغات العالم. وبالمثل، يرى الشوباشي عدم وجود سبب وظيفي للتفريق بين المذكر والمؤنث في الأعداد، وبالمثل ليست هناك حاجة لصيغة خاصة لجمع المؤنث. والتغيير المطلوب أن يكون على غرار الموجود في اللهجات حيث أن (إللي) يعمل بكونه ضمير الوصل الوحيد بغض النظر عن عدد وجنس الاسم الرأس(head noun). رداً على هذا، نقول أن الكتاب العرب عادة مايستعملون، في حالات كثيرة، الجمع بدلا من المثنى (يكتبونَ بدلا من يكتبانِ)، وأحيانا يستخدمون صيغة المذكر بدلاً من المؤنث. ما أود تبيينه هنا هو عدم الحاجة لأي اصلاح أو تعديل: فاللغة تتغير بصورة طبيعية بهذا الإتجاه، وبمرور الوقت سيصبح الاستعمال الذي أشرنا اليه، باعتباره خاصية نحوية للعربية، مقبولاً وسيدخل فيما بعد في كتب النحو.

4.  بينما يدعو الشوباشي الى اصلاح في اللغة العربية باعتباره حلا للوضع الراهن بين مستخدميها، نجد أن رمزي البعلبكي (2004) يركز على الأبعاد التعليمية للمشكلة موضحا أن طرائق تدريس اللغة هي التي بحاجة لتغييرات جوهرية. وهو يشير الى أربعة أوجه تسود تعليم اللغة وتدريسها في الجامعات: 1-التمسك بطرق نحاة القرون الوسطى في البحث والتعليل،2 – انعدام التركيز على المعنى في دراسة النحو،3 - الاعتماد على الرسم –الكتابة- العربي في عدد من الضوابط العربية المغلوطة،4- قلة الدراسات المقارنة بين اللغات السامية.

نعتقد أن العامليَّن الأوليَّن، مع تقديرنا للعامليَّن الاخيريَّن، هما أكثر صلة ببحثنا هذا. في الفقرة رقم 4 آمل ان أوضح أن طريقة تدريس العربية في الكتب المنهجية المعاصرة للناطقين بالعربية لا تمثل في حالات كثيرة تمثيلا مَرْضِياً ومقبولا مناهج النحاة العرب في القرون الوسطى. وحقاً ليس بوسع المرء حتى أن يأمل من المناهج المعاصرة أن تقتفي أثر تعليل النحاة، ناهيك عن تعليل سيبويه. غير أنه من المنطقي أن تجد في حلقة دراسية جامعية – سمنار- مخصصة للنظرية اللغوية العربية أن يتطرق الباحث إلى الحديث عن كتابات النحاة القدماء وكذلك الكتب المعاصرة التي تهتم بالموضوع. غير أنه ليس هناك مسوغ البتة أن يشغل طالب، يدرس النحو العربي لأغراض تطبيقية عملية، نفسه بنظرية العمل مثلاً.

ونعرف أن عدداً من النحاة ألفوا كتبا لأغراض تعليمية، لكن هذا لاينطبق على غالبية كتابات النحاة، ولا على كتاب سيبويه بالطبع. كما أشرنا فسيبويه ليس إلا لغوي مجال اهتمامه إلى حد بعيد القضايا النظرية في عملية تكوين الجملة في العربية، ولم يَسْعَ لتحليل تراكيب العربية من وجهة تعليمية، ناهيك عن تقديم وتأليف دليل إرشادي للاستعمال اللغوي الصحيح. لايمكن للمرء أن "يلوم" المعاصرين من مؤلفي الكتب المنهجية لاتباعهم كتاب سيبويه أو أي من المؤلفات النظرية في التراث اللغوي. علاوة على هذا، من الصعب القول إن المناهج المعاصرة معتمدة على المؤلفات التعليمية القديمة -القرون الوسطى- : في الفقرة رقم 3 سأوضح أن المناهج النحوية القديمة -القرون الوسطى - هي أساسا تلخيص لمبادئ النظرية الأساسية المعروضة في كتابات النحاة. لذلك فكتب النحاة القدماء التعليمية، حالها حال كتاب سيبويه، لاينفع اتخاذها مثالا لإعداد دليل يرشد الطالب في معالجة الصعوبات التي يواجهها في النصوص العربية المعقدة. في الفقرة رقم 4 سأُبين كيف أن الكتاب المعاصرين أحالوا واختزلوا فعليا الكتابات النظرية للنحاة القدماء إلى مجموعة قواعد مستخدمين مصطلحاتهم دون الاشارة إلى المبادئ النظرية لهذه المصطلحات. فلا عجب إذن مما شاع عن تصوير موضوع النحو العربية انه شكلي (formal)[4]، ويبعث على البرم وصعب وماشابهه من التوصيفات[5]. فبالنسبة لطالب لايعرف شيئا عن نظرية العمل، تبدو له مصطلحات التقدير والحذف بانها نوع من الوهم (حسب تعبير أوزون- انظر أوزون 108،30 : 2002، قارن البعلبكي 267-264 :2004) . وحقا، لايُفترض بكتاب نحوي في المرحلة الإعدادية أو الجامعية أن يتطرق الى أُسس النظرية اللغوية. بل بالأحرى، يجب إعداد الكتاب المنهجي بحيث يحتوي أدوات التحليل اللازمة لمساعدة الطالب في فهم الصعوبات التي تواجهه في قراءة مقاطع معقدة في لغة غير لغته الام.

 ويشير البعلبكي ممتعضاً (86 :2004) أن مؤلفي الكتب المنهجية يتبعون كتابات النحاة، الذين جاءوا بعد عصر سيبويه، في التركيز على الامور الشكلية للنحو، وعلى وجه الخصوص الإعراب، دون إيلاء الأهمية اللازمة للأبعاد الدلالية في دراسة اللغة. وحقا، فإن كثير من المؤلفات النحوية بعد سيبويه، بالأخص تلك المُعدة للأغراض التعليمية، تعتمد أساسا على الأبعاد الشكلية للغة. ولكن أليس هذا هو جوهر الدراسة النحوية؟ وهل ان " الشكلي" بالضرورة نظير ومرادف لغير المشوق والممل وعديم الفائدة؟ في رأيي، إن دراسة تركيب لغة ما يعود على الطالب بمردود فكري رائع شريطة أن تلبي طريقة التدريس والتعليم في الاقل أحد الأمريَّن التالييَّن:(1) ان يُوَضَحَ للطالب كيف أن تراكيباً مختلفة تتبع ضوابط محددة هي ذاتها مستمدة من مبادئ أساسية،(2) ان تُقَدَمْ دراسة النحو للطالب على أنها آلية أو أداة فعالة تنفع في فهم النصوص المعقدة في العربية. ومن الواضح أن الشرط الثاني هو المهم في اعتبار الأغراض التطبيقية لتعليم العربية. وسأعود لهذه المسألة في الفقرة5 .

يُعتبر التراث النحوي العربي أحد أهم إنجازات الثقافة العربية الإسلامية بشهادة كل من متخصصي العربية من غير أهلها (Arabists) واللغويين على حد سواء. ولكن لاتثريب أن تكون مؤلفات النحاة القدماء، حالها حال أي نص أخر، محل نقد بله يجب أن تكون محل نقد. غير أن تحميل النحاة مسؤولية الواقع الراهن لتدريس العربية للناطقين بها إنما هو بلا شك لومٌ في غير محله. أضف لذلك، أن مؤلفات النحاة تقدم الكثير لتعليم العربية. ولقد أثبت علم اللغة الحديث فائدته لتعليم اللغات في أيامنا هذه ومن بينها بلا شك تعليم العربية (كتابة ونطقا). وعلى وجه الدقة، بما أن مؤلفات النحاة القدماء هي أعمال لغوية بالمفهوم المعاصر للكلمة، فيمكن تطبيق بعضاً من طرقهم، مع تعديلات تعليمية لازمة، في مناهج تعليم النحو العربي. في الفقرة 4 أدناه سأُبين أن ما نحتاج تغييره هو ليس التراث النحوي العربي بل بالأحرى المناهج الحالية للمؤلفين المعاصرين الذين ثبت فشلهم في الإستفادة من إنجازات النحاة في انتاج وتقديم كتب منهجية عملية، وفي الوقت نفسه موجهة لغويا، لدارسي العربية من أبناءها. سيتبع هذا، في الفقرة 5 بعض الإشارات المنهجية الخاصة بالمنهج المقترح لتدريس النحو العربي. ولكن قبل تناول التعليم المعاصر، دعنا ننظر في كتابيَّن من كُتب النحاة القدماء.

3 – مثلما بيَّنا في أعلاه، في العصور الوسطى شاعت الكتب التي تتناول وتعالج قضايا النحو العربي.[6] وبعض هذه الكتب ألفها نحاة كبار مثل ابن جني (ت 1002) وابن الانباري (ت 1187) الذين اكتسبوا صيتهم من اشتغالهم بالامور النظرية للغة. في مقدمته لكتاب أسرار اللغة (ص2) يُبيّن ابن الانباري :

فقد ذكرت في هذا الكتاب [...] كثيرا من مذاهب النحويين المتقدمين والمتأخرين من البصريين والكوفيين وصححت ما ذهبت إليه منها بما يحصل به شفاء الغليل و أوضحت فساد ما عداه بواضح التعليل ورجعت في ذلك كفه إلى الدليل وأعفيته من الإسهاب والتطويل وسهلته على المتعلم غاية التسهيل.

في النص أعلاه، لانجد أي إشارة الى هدف تطبيقي يذكره ابن الانباري من مثل تزويد المتعلم بما ينفعه في النصوص العربية المعقدة. ماشرع به المؤلف هو تناول نفس المسائل النظرية التي عالجها من سبقوه، وإن كان بطريقة مختصرة ومبسطة لتيسير فهمها على المتعلم. علاوة على هذا، فجهده في تقديم شرح غير مطول ومباشر لم يمنعه، مثلما هو يشير، من أن يتخذ موقفا في الأمور الخلافية، ذاكراً الدليل الذي يسند آراءً مُعينة وينقض أُخرى.

لغرض التبيين، دعنا نتناول كيفية عرض ابن السراج (ت928) للمبتدأ في كتابه المشهور" كتاب الاصول في النحو. " ومن ثم مقارنته بما عرضه ابن الانباري (الأسرار) وابن جني (اللمعة) بخصوص نفس المفهوم، أي المبتدأ.

في الأُصول في النحو(مج 1، ص 58) يقدم ابن السراج المبتدأ على الوجه التالي:

 المبتدأ: ما جردته من عوامل الأسماء ومن الأفعال والحروف وكان القصد فيه أن تجعله أولًا لثانٍ مبتدأ به دون الفعل يكون ثانيه خبره ولا يستغنى واحد منهما عن صاحبه وهما مرفوعان أبدًا فالمبتدأ رفع بالابتداء والخبر رفع بهما نحو قولك: الله ربنا ومحمد نبينا والمبتدأ لا يكون كلامًا تامًّا إلا بخبره وهو معرض لما يعمل في الأسماء نحو: كان وأخواتها .......

وانظر التالي لتعريف ابن الانباري للمبتدأ (الاسرار، ص66):

إن قال قائل ما المبتدأ قيل كل اسم عريته من العوامل اللفظية لفظا و تقديرا.

فالطالب غير المطلع على نظرية العمل، لايفهم تماما تعريف ابن الانباري للمبتدأ. ويسهب ابن الانباري في شرحه لتبيين الفرق بين العوامل اللفظية والعوامل المعنوية. ويتبعه شرح نظري اضافي (بصيغة سؤال و جواب) عن المسائل الخلافية المتعلقة برفع المبتدأ، ومفهوم التعري من العوامل اللفظية، والتقديم والتأخير، إلخ..

يبدو لذلك، ان كتاب ابن الانباري ربما قد استخدمه الطلبة في العصور القديمة، فضلا عن العصر الحالي، لفهم المبتدأ حسبما عرضه سيبويه (مج1، ص 239) وابن السراج (المذكور في أعلاه). مثلما رأينا، كان هذا هو غرض ابن الانباري من تأليفه أسرار العربية، ولم يكن غرضه أبدا أن يكون دليل (Manual) تطبيقي يرشد الطالب لفهم صعوبات النصوص المعقدة.

لنعد الى ابن جني، فنقرأ في اللمعة (ص 12) التالي:

اعلم أن المبتدأ كل اسم ابتدأته وعريته من العوامل اللفظية، وعرضته لها، وجعلته أولا لثان يكون الثاني خبرا عن الأول ومسندا إليه. وهو مرفوع بالابتداء، تقول: زيدُ قائمٌ، ومحمد منطلقٌ ف زيد، ومحمد مرفوعان بالابتداء وما بعدهما خبر عنهما.

وهكذا نرى وجود عناصر مشتركة في الإقتباسات الثلاثة في أعلاه. قارن مثلا عرض ابن جني للبمتدأ مع عرض ابن السراج، فكلاهما يتطرقان للخواص التالية: التعري من العوامل اللفظية، ولكن التعرض لها (نقيض العوامل المعنوية)، عدم الإستغناء عن الخبر، وعامل رفع المبتدأ.[7] وجملة القول، إن مؤلفات النحاة القدماء وهي تستعرض بإيجاز لا لبس فيه الأسس النظرية للنحاة، لم يكن هدفها تقديم مرشد عملي (Manual) لمتعلمي العربية الفصحى. لان هذا الأمر يكون قد تطلب آنذاك، مثلما يتطلب اليوم، منهجٌ تعليميٌ مختلفٌ.

4- نأتي الآن إلى الكتب المعاصرة مثل كتاب الانطاكي وتلك التي أشار إليها زكريا أوزون (2002)، حيث تتناول هذه الفقرة تبيان المناهج الحالية في تعليم النحو العربي للناطقين بها واقتراح خطة بديلة. سأورد ستة أمثلة متمعنا في كل حالة مشاكل المناهج الراهنة وإيجابيات النظام المقترح لطلبة النحو العربي. سأحاول أن أُبين أن الطريقة المقترحة مفيدة للطالب فضلا عن كونها متسقة مع التراث القديم بدون فرض أية مفاهيم خلافية لاتساهم بتعليم اللغة وتعلمها. استقيتُ الأمثلة من كتاب زكريا أوزون (2002) ومن كتاب الانطاكي " المنهاج في القواعد والاعراب." ويبدو أن هذيَّن الكتابيَّن يمثلان الطريقة المتبعة حاليا في تدريس النحو العربي للطلبة العرب. وعلينا ذكر أن كتاب الانطاكي هو كتاب منهجي بينما كتاب زكريا أوزون هو نقد لذلك المنهج.

تأمل الجملة التالية:

1.خالدٌ قائد ٌ بطلٌ لا يهاب الأعداء[8] (أوزون 2002:27).

خالد: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في اخره.

قائد:خبر أول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في اخره.

بطل: خبر ثان مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في اخره.

لا يهاب الاعداء: جملة فعلية في محل رفع خبر ثالث.

وقبل التمعن في التحليل التركيبي أعلاه، نلحظ إشارة منهجية بالتعاقب ألا وهي التعبير التالي: "وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في اخره." في نص خالي من حركات التشكيل، الضمة ليست ظاهرة. ويجب تعليم الطالب كيفية تقدير وتحديد الوظيفة النحوية لمكوِن ما بغياب علامات الإعراب. من الواضح أن علامة الإعراب تحددها الوظيفة النحوية للمُكَوِنْ والذي بدوره يُحددْ بواسطة عوامل اُخرى مثل ترتيب الكلمة، التطابق النحوي وغيرها. بمعنى آخر، القراءة الصحيحة للنص هي نتيجة تحليل صحيح والذي ينتهي إلى فهم صحيح- و العكس ليس صحيحاً بالمرة.

الملفت للنظر في التحليل السابق هو غياب مفهوم ال (Noun Phrase). يشيرOwens(1988:158-159) لوجود " مايدل على إدراك النحاة لل (NP) باعتباره وحدة تركيبية". وفعلا، أن تأكيد سيبويه (مج1،ص 221، وقارن أيضا الاسترابادي، مج2، ص 307-308 ومصادر Owens) أن في التركيب التالي: " هذا الرجل منطلق"، ف الرجل صفة لهذا وهما بمنزلة اسم واحد كأنك قلت هذا منطلق.

__ وهذا التأكيد لايترك مجالا للشك أن سيبويه فهم " هذا الرجل" باعتباره وحدة تركيبية حتى لو لم يتحدث عن فئة تركيبية مثل ال (NP)، مثلما يشير Owens(1988:161). وقد يحاجج أحدهم بأن سيبويه قد يَعتبر "قائد ٌ بطلٌ لا يهاب الأعداء" وحدة تركيبية حتى لو كان قد أشار احتمالا الى قائد ٌ فقط باعتباره خبر الجملة. على أية حال، أن تحليل قائد ٌ، بطلٌ، ولا يهاب الأعداء إلى ثلاثة أخبار متتالية ليس له أساس في المشهور من كتب النحو في العصور الوسطى. علاوة على هذا، فعموم النحاة القدماء يدركون أن وظيفة الخبر هو إعطاء معلومة جديدة عن المبتدأ (أنظر شرح ابن يعيش، مج1/ ص85-86، وقارن Peled 2009:111f). وحسب هذا المبدأ، يجب تعليم الطالب أن الجملة الاسمية تنقسم الى وحدتين، مبتدأ وخبر، حيث الأخير-الخبر- يتكون، بالأساس، من كل المكونات التي تقع خارج نطاق الاول- المبتدأ (بافتراض ان المبتدأ، باعتباره مركب اسمي(NP)، يتكون بالمثل من رأس تتبعه تتمة- انظر التالي). يبدو،إذن، أن تحليل بطل بكونه صفة ل قائد، و لايهاب الاعداء جملة صفة ل قائد بطل يمثل خير تمثيل موقف النحاة العرب بخصوص جمل من النوع المذكور في (1) أعلاه.

ويبدو لذلك أن التحليل المقترح في أدناه (1a) لايفترق جوهريا عن تحليل النحاة العرب. غير أن مفهوم ال(PHRASE) يستوجب إدخال بعض المصطلحات اللغوية غير الموجودة في كتابات النحاة القدماء. إن فكرة ال (phrase) تفترض مسبقا وجود مكون رأس وتتمة- تكملة-. بهذا الخصوص أقترحُ استعمال مااصطلحه الفاسي الفهري (1993) مركب اسمي مكون من رأس وصفة. في حالة الإضافة، يمكن استعمال المضاف ليشير للرأس أما المضاف اليه فيشير للتتمة . وال (adjectival phrase)، حيث الرأس هو الصفة، فنشير اليه بالمركب الوصفي. وأخيرا، يمكن استخدام المركب الحرفي للإشارة لل (prepositional phrase)، حيثالرأس هو حرف الجر الذي يعمل على العنصر الإسمي. أما مفهوم ال (verb phrase) فلا حاجة لإدخاله في نظامنا هذا لأن ال (verb phrase) في العربية المكتوبة لها موقع الclause–العبارة-، مع إمكانية أن تعمل باعتبارها جملة مستقلة.

 يمكننا الآن من اقتراح تحليل بديل للجملة (1) السابقة: 

1055-zayd1

تكمن إيجابية التحليل في الشكل أعلاه [9] في إظهاره بوضوح علاقات التركيب (constituency) علاوة على العلاقات الأفقية (syntagmatic) بين مكونات الجملة. إن هذا النوع من التحليل، الذي يوضح تركيب الجملة، يؤدي بالطالب الى فهم محتوى أو معنى الجملة. وكلما إزداد تعقيد الجملة، تَوَضَحَ أكثر دور التحليل التخطيطي (graphic analysis) في عملية التفكيك.

دعنا الآن لتحليل مثالنا التالي:

2.المدينة شوراعها نظيفة.

تحليل أوزون هو كالاتي:

المدينة: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في اخره.

شوراعها: شوراع مبتدأ ثان مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في اخره، والهاء ضمير متصل في محل جر بالاضافة.

نظيفة: خبر شوراع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في اخره.

وجملة (شوارعها نظيفة) جملة اسمية في محل رفع خبر المبتدأ الاول (المدينة).

إن التحليل(2) أعلاه، مثل تحليل الجملة (1)، يختزل الجملة الى قائمة من الكلمات، وحقا إلى قائمة مورفيمات، تُعالَجْ بصورة منفردة. وكما لاحظنا، فبينما أخفق التحليل حسب الفهم النحوي القديم للجملة (1) في النظر ل " قائد بطل لا يهاب الاعداء" باعتباره مركب اسمي noun phrase، نجد أن التحليل للجملة (2) يعتبر "شوارعها نظيفة" كونها عبارة خبرية-جملة خبر (clausal khabar) للمدينة . إن الاشارة الى (topic)[10] عبارة الخبر باعتباره مبتدأ ثاني نجدها عند النحاة القدماء (أنظر على سبيل المثال، شرح ابن يعيش، مج 1، ص 89، حيث يشير ايضا لمبتدأ كل الجملة على انه مبتدأ أول). و التحليل التخطيطي –الصورة-، كما نراه في أدناه، يوضح مصطلحات مثل مبتدأ أول ومبتدأ ثان لأنه يُظهر بصورة جلية الفرق من الناحية النحوية بين المدينة وشوارعها، بمعنى آخر يُبين التحليل أن " نظيفة" تعمل خبر للشوارع وليس للمدينة.

1055-zayd2

 

لاحظ أن التحليل (2a) لا يشير الى الضمير (ها) في شوارعها. وسبب ذلك بوضوح هو ان كل ضمير متصل بإسم يعمل باعتباره مضاف اليه، يعني، في محل جر بالاضافة. بالمثل، أرى من غير الضروري ذكر الحالة الإعرابيةلكل مكوِن من حيث الرفع والنصب والجر، لانه من الواضح أن المبتدأ والخبر يتخذان حالة الرفع. لكن الأمر مختلف حين تبتدأ الجملة بأدوات إن أو كان وإلى آخره. وفي هذه الحالات يستخدم المرء مصطلحات اسم إن، وخبر كان، والتي توضح الحالة الإعرابية. إن القول أن " شوارعها نظيفة" في محل رفع خبر، هو ترديد لصدى افتراض النحاة أن الخبر بالاساس هو phrase (مفرد) وأن عبارة الخبر-جملة الخبر (clausal khabar) هو تركيب ثانوي (فرع)، ولذلك بالقياس هو في محل رفع. غير أن لنا حق التساؤل هل من داع لإدخال هذا التفصيل في التحليل المطلوب. جوابي بالطبع بالنفي، لان الطالب غير مطلع (ولا مطلوب منه أن يطلع) على المبدأ الذي يتضمنه التعريف جملة اسمية في محل رفع خبر المبتدأ الاول.[11]

 في مثالنا الثالث، يحتل تركيب الجار والمجرور موقع الخبر:

 (3) الطفلُ في المنزلِ (أوزون2002:29).

 تحليل المنهج القديم هو كالاتي:

الطفل:مبتدأ مرفوع وعلامة رفع الضمة الظاهرة في اخره.

في المنزل: جار ومجرور متعلقان بخبر محذوف تقديره(كائن).

إن جملاً مثل هذه (3) مثلت معضلة نظرية كبيرة لنظرية العمل عند النحاة القدماء: ماهي الوظيفة الحقيقيّة للجار والمجرور "في المنزل" وماهو العامل الذي يُعيّن حالته الإعرابية. في حالات مثل (1) سابقا، أن المبتدأ والعبارة الاسمية التي تليه يحيلان بعضهما على بعض coreferential، لذلك قائد يمكن تحليله على أنه خبر له نفس حالة الرفع مثل المبتدأ. أما في الحالات التي تشبه (3)، فيُلحظ أن الجار والمجرور لايحيل على المبتدأ: بل بالأحرى يحمل خاصية عن الطفل في تعيين مكان الطفل. بعض النحاة المتأخرين قالوا أنه لايمكن أن يعمل بكونه خبر حقيقي وبالتالي يستحق حالة النصب. ولأنه أستحق حالة النصب بتأثير فعل، فافُترض وجود عامل فعلي مقدر هو استقر/ مستقرٌ، ولكن أيضا كائنُ أو حالُ وغيره.[12] واعتبر النحاة هذا العنصر المقدر أنه الخبر " الحقيقي"(لمزيد من الشرح، أنظر Peled,2009:252-255).

 وفعلا، فهذه قضية خلافية بين النحاة، للحد الذي اعتبر بعضا منهم جملا مثل (3) أنها تمثل نوعا قائما بذاته.[13] ومما لا يمكن إنكاره، أن فكرة وضع عنصر مقدر لتعليل خبر منصوب (يعمل باعتباره حال) إنما تعود الى سيبويه (أنظر الكتاب، مج1، ص 223-222). ولكن في باب الابتداء (الكتاب، مج1، ص239)، يُبيًن سيبويه بأوضح طريقة ممكنة أن المبتدأ ربما يليه ثلاثة أنواع من المبني عليه[14] (= الخبر): شيء هو هو(يعني يحيل على المبتدأ)، [أو يكون في] مكان(ظرف مكان)،[أو] زمان (ظرف زمان).[15]

ووفقا لما شرحناه في أعلاه، لا أجدُ سبباً في عدم تبني التحليل البسيط التالي للجملة (3):

1055-zayd3

 ما إن يتعرف الطالب على مفهوم المركب الحرفي (prepositional phrase)، فلا مُسَوِغَ للإشارة إلى كل من الجار (في) والمجرور (المنزل) كل على حدة: في مثل هذا المركب، فالإسم مسبوقاً بحرف جر يدل على حالة الجر. الفائدة الرئيسية في مثل هذا التحليل، على خلاف التحليل الذي ذكره أوزون، هي عدم حاجة الطالب لمعرفة الخلاف الناشب بين النحاة القدماء حول وضعية المركب الحرفي في مثل هذه الجمل. إذ يجب تأجيل دراسة مثل هذه الأمور وطرحها في إطار حلقة دراسية – سمنار- حول كتابات النحاة القدماء. وعلى أية حال، كما رأينا للتو، فإن تحليلنا المقترح متفقٌ ومتسقٌ مع تحليل سيبويه ولا يمكن الإدعاء أنه يخالف التراث النحوي القديم.

 تأمل المثال الرابع:

(4) أخوك حسن وجهه (الانطاكي، ص 30). وتحليل الانطاكي كالاتي:

 أخوك: مبتدا مرفوع بالوا لانه من الاسماء الخمسة والكاف ضمير متصل في مجل جر مضاف اليه.

 حسنٌ: خبر مرفوع بالضمة.

 وجهُه: فاعل للصفة المشبه (حسنٌ) مرفوع بالضمة والهاء ضمير متصل في محل جر بالاضافة.

بالكاد يتفهم المرء سبب التحليل المفصل لكلمة "أخوك" بدل الاكتفاء بتبيان وظيفتها أنها مبتدأ. يمكن الافتراض أن الطالب الذي يحلل أخوك باعتباره مبتدأ قد شخص الواو أصلا في هذه الكلمة على أنها علامة الرفع. وأي إحالة للضمير"ك" (فضلا عن الضمير المتصل هُ في وجهُه) إنما يقع في خانة الفضلة والحشو، مثلما أشرتُ سابقا (قارن مثال 2a).

وما إن نقبل تعريف الخبر على أنه مكون إسنادي يمثل المعلومة الجديدة حول المبتدأ، يتوجب علينا تحليل " حسن وجهه " على أنه خبر " أخوك". ولكن ماهي العلاقة النحوية بين وجهه و حسن ؟ هنا يختلف النحاة. إدعى بعضهم أن حسن، لكونها تقابل الصفة المُشَبَهة بإسم الفاعل (active participle)، فلها معنى الفعل وعلى هذا النحو يجب فهم علاقتها بالإسم التالي على أساس علاقة فعل بفاعل . لكن بما أن "حسن" هي عنصر إسمي يحتل موقع بداية الجملة، فقد حللها بعض النحاة المتأخرين باعتبارها مبتدأ اتبعه فاعل سد مسد الخبر(فاعل يعوض الخبر— لتفصيل اكثر، أنظر Peled 2009:137-148). ويبدو أن تحليل الانطاكي قائم على هذا النوع من التعليل، والمشكلة الحقيقيّة هنا هي أن على الطلبة حفظ هذا النوع من التحليل بدون معرفة النظرية التي تقف وراءه . فلا عجب إذن أنهم-الطلبة- لا يرون جدوى من هذا التحليل الذي يبعث على البرم وضيق الصدر.

وبالإمكان تقديم تحليل أبسط وأسلس فضلا عن اتساقه أيضاً مع التراث النحوي. يستشهد سيبويه (الكتاب، مج1، ص239) بتأكيد أُستاذه الخليل أنه يمكن النظر لحالات من مثل "قائمٌ زيدٌ" على أنها جملة إبتداء حصل فيها تقديم وتأخير، يعني تحليلها على أنها خبر متبوع بمبتدأ. وبنفس التعليل، يمكن اعتبار " حسن وجهه" في مثال (4) على أنه حالة تقديم وتأخير، تقدم فيه الخبر على المبتدأ. وبتبني هذا النوع من التحليل، نقترح البديل التالي لتحليل الانطاكي:

1055-zayd44

في رأيي، أن (a 4) هو تحليل بسيط ومع ذلك مناسب للجملة (4)، وفي الوقت نفسه لايفترق عن تحليل النحاة القدماء.

لنرى الان مثالنا الخامس:

(5) إن الله على كل شئ قدير (ذكره الانطاكي، ص 206، القران 2:20).

تحليل الانطاكي كالاتي:

ان: حرف مشبه بالفعل يدخل على المبتدأ والخبر فينصب الاول ويرفع الثاني.

الله: لفظ الجلالة اسم (إنَ) منصوب بها.

على كل: جار ومجرور متعلقان ب(قدير).

شئ: مضاف اليه مجرور.

قدير: خبر(إنَ) مرفوع بها.

مايتوجب توضيحه ابتداءً هو أن السطر الاول من التحليل حشو بالمطلق. ويتوجب أيضا تعليم الطالب كيفية تحديد "ان" باعتبارها إنَّ المكسورة الهمزة (وليس إنْ،أنْ أو أنً) من خلال موقع الكلمة في الجملة ونوع الكلمة التي تتبعها. في مثالنا هذا نعرف أنها مكسورة الهمزة (إنَ) لورودها في بداية الجملة ويتبعها إسم. وهذا يعني أن قسم الجملة الذي يبدأ بكلمة الله يتوجب تقسيمه إلى جزأين: اسم إنَ وخبر إنَ.

لكن القضية الإشكالية في تحليل الانطاكي هو تحليله ل "على كل شئ قدير" . بما أن التركيب واقع بعد اسم إنَ، يتوجب تحليله على أنه خبر لله. يبدو أن الانطاكي يعتبر أن "على كل شئ قدير" يشكل (phrase) واحد "رأسه" قدير— لكنه يخفق في توضيح هذا الامر وتبيينه. فعلى العكس، متشبثا بطريقة معاملة الجملة بكونها قائمة مفردات كل منها تتطلب بطاقة خاصة بها،[16] يعتبر كلمة "قدير" فقط هي خبر إنَ. ولأننا دعونا وروجنا لإدخال المركب الاسمي في نظام التحليل، فندخل الان المركب الوصفي (adjective phrase) الذي رأسه هو الصفة (قدير في مثالنا الحالي) وليس الإسم .واضعين نصب أعيينا هذا الأمر، لنتأمل التحليل التالي باعتباره تحليلا بديلا للجملة (5).

1055-zayd5

 لاحظ أن " قدير" تعمل، مثل بقية الصفات، بصورة مشابهة للفعل. لذلك فالمركب " كل شئ" قد يُحلل على أنه مفعول غير مباشر ل" قدير". لكن بدلاً من ادخال مصطلح غير مألوف في كتابات النحاة القدماء، قد نختار لنشير (كما في (5a) اعلاه) فقط لوظيفة " على كل شئ" بكونها متمم ل"قدير".

 لنتجه الان لمثالنا السادس:

(6) من جاء بالحسنة فله عشرُ أمثالِها (استشهد فيها الانطاكي، ص100، من القران 6:160) .

 يحللها الانطاكي على الوجه التالي:

 من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.

 جاء: فعل ماضي مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط . والفاعل مسستتر تقديره(هو).

بالحسنة: جار ومجرور متعلقان ب(جاء).

فله: الفاء رابطة لجواب الشرط، (له) جار ومجرور متعلقان بخبر مقدم محذوف.

عشر: مبتدأ مؤخر.

أمثالها: مضاف اليه مجرور و(ها) مضاف اليه.

مجموع جملتي الشرط والجواب في محل رفع خبر (من).

تناول النحاة القدماء باسهاب "ما" و"من" باعتبارهما أدوات وصل وشرط. وفي هذه السياقات نُظِرَ إليهما على أنهما من الأسماء (أكثر من اعتبارهما من الأدوات). يشير سيبويه (الكتاب، مج1، ص389) أنها " الاسماء التي يجازى بها وتكون بمنزلة الذي". ويضيف قائلا:

"إذا جعلتها بمنزلة الذي قلت ما تقول أقول فتصير صلة لما حتى تكمل اسما فكأنك قلت الذي تقول أقول."

واضح إذن أن سيبويه يعتبر ما / مَنْ اسماءً تعمل في سياقات الشرط عمل أسماء الوصل. ولذلك لايمكن اطلاقاً تحليل "مَنْ" في المثال (6) على أنها مبتدأ وبقية الجملة خبر لها مثلما فعل الانطاكي. وحقا، فمثل هذا التحليل سينتج عنه سوء فهم للجملة وتفسير خاطئ لها. على أية حال، فلا يتفق التحليل بالمجمل مع رؤية سيبويه.

أضف لهذا، لِمَ الاشارة ل"مَنْ" باسم شرط جازم وللفعل "جاء" في محل جزم؟ يوضح سيبويه (الكتاب،مج1،ص386) أن "حروف الجزاء تجزم الافعال". ولكن مثلما أشرنا سابقا في الحالات التي يكون فيها الشرط إسماً عاملاً عمل "الذي"، فهذه القاعدة لاتنطبق. علاوة على ذلك، فإشارة الانطاكي إلى الجانب الصرفي للفعل "جاء" أنه (فعل ماضي مبني على الفتح) إنما هو حشو لاطائل منه لأنه في معظم الحالات هذا أمر واضح بذاته. حقا، أن صيغة الماضي للفعل "جاء" هي التي تجعلنا نعرف "مَنْ" باعتبارها عنصر شرط في هذا المثال. وإن تحليل الجملة الى شرط وجواب يوضح طبعا تبيان عمل "مَنْ".

ضمن اطار شرحنا للجملة (4) بَيْنَا أن الجملة / العبارة المتكونة من صفة متبوعة بإسم يمكن تحليلها على أنها خبر مقدم+ مبتدأ مؤخر. وهذا ممكن التطبيق أيضا على الحالات التي يتقدم فيها مركب الجر على الإسم كما في جملة (6): "له" يمكن تحليله على أنه خبر مقدم و "عشرُ أمثالِها" مبتدأ مؤخر. ليس هناك حاجة لافتراض عنصر محذوف. وحقيقةً، اعتبر بعض النحاة حالات مثل "له عشرُ أمثالِها" أنها تمثل نوعاً من الجمل قائمٌ بذاته (جملة ظرفية— قارن شرحنا لجملة (3) في أعلاه). وهناك حقا بعض الأسباب الوجيهة لتبني التقسيم الثلاثي للجمل في العربية (بدلا من التقسيم الثنائي). لكن هذا ليس ضروريا: بامكان المرء الإلتزام بالتقسيم الثنائي الشائع للجملة وتحليل "له عشرُ أمثالِها" على أنها جملة إسمية فيها تقديم وتأخير.[17]

وما إن نعتبر الجملة أنها جملة شرط، فالخطوة القادمة هي أن نميز الشرط والجواب. في مثالنا هذا، الحرف "ف" في "فله" يعمل مفتتحا للجواب، وهي حقيقة يوضحها الشكل التخطيطي (6a) بأفضل من إشارة الانطاكي بكون الفاء رابطة لجواب الشرط. ومن ثم، تحلل كل من العبارتيَّن-clause- بصورة مستقلة، مثلما أشرنا سابقا، حيث يبدو التحليل النهائي كالاتي:

1055-zayd6

  5.مثلما رأينا في الفقرة رقم 3، أن كُتب النحو العربي المنهجية موجودة منذ العصور الوسطى، لكنها لم تكن أكثر من كونها ايجازاً وتبسيطاً للمؤلفات النحوية النظرية، وبعضها كتبه نفس النحاة. وهي مثلها مثل كتاب سيبويه لم تكن غايتها أن تكون مرشدا عمليا لتدريس المتعلم كيفية تحقيق الفهم الصحيح لجملة ما عن طريق تحليلها.

وحين ننظر للكتب المنهجية المعاصرة ككتاب الانطاكي نجد أن غايتها هي، من ناحية، عرض طريقة للتحليل النحوي معتمدة على التراث النحوي القديم. ومن ناحية اخرى، سعيها، وهو ما يأمله منها الباحثون المعاصرون (قارن الفقرة رقم 2)، لتعليم الطلبة تركيب –بنية- العربية المكتوبة عبر توفير أداة تساعدهم لقراءة الفصحى وكتابتها، القديمة منها والمعاصرة. وعلى وجه الخصوص، يتوجب إعداد طريقة التحليل بحيث تساعد على تدريب الطالب التعامل مع صعوبات لغة ما مكتوبة أساسا وليست لغته الام. ولكن مثلما أوضحنا في الفقرة رقم 4، لم يتحقق أياً من تلك الأهداف: لأن هذه الكتب المنهجية لاتتعامل بصورة صحيحة مع الأسس النظرية التي وضعها النحاة (وأحيانا تُسيء تفسيرها)، وهي لا تُبسط قطعا هذه الأُسس، خلافا للكتب القديمة مثل اللمعة لابن جني أو أسرار اللغة لابن الانباري. من الناحية الأخرى، تخفق هذه الكتب بتقديم أداة عملية و فعالة لتدريب المتعلم نحو مهمة القراءة والكتابة بالفصحى.

لغرض توضيح القضايا المتعلقة بطرق التدريس، لنضرب مثلا عن موضوع الرياضيات. في التعليم الجامعي يُعَلمْ الطالب المنطق –الأساس- المعتمدة عليه الصيغة الرياضية المطروحة أمامه. في المقابل، عند تدريس أساسيات الرياضيات، تكون الصيغة معروضة عادة دونما محاولة من طرف المُعَلِم لتسويغ أو تفسير قاعدتها. لكن التعليم الجيد يتطلب تبصير الطالب بكيفية استعمال الصيغة لحل المسائل الرياضية المرتبطة مباشرة بحياته اليومية. بمعنى آخر، يتوجب أن يرى الطالب ويلمس فائدة تعلم الرياضيات.

في رأيي، يتوجب اتباع نفس المنهج لدراسة النحو العربي. بافتراض أن النحو العربي لم يعد أساسا أكثر تعقيدا وصعوبة من أنحاء (grammars) معظم اللغات الاخرى، فلدينا مايدفعنا للإعتقاد أن تعليم وتدريس النحو العربي يتطلب منهجية مطبقة ومستخدمة في تعليم اللغات الاخرى. إن نظرية العمل، مثلا، بكل عللها (وعلل العلل) ليست ضرورية لطلبة يتعلمون تركيب اللغة. بافتراض أن الهدف هو تعليم اللغة المكتوبة، فيتوجب أن يُعرض للطلبة استعمال الظواهر والتراكيب النحوية المطلوبة في التعامل مع النصوص المعقدة. ومن ثم يتوجب تعليمهم كيفية تشخيص وتحديد،في مثل هذه النصوص المعقدة، الظواهر التركيبية التي تعلموها بحيث سيتمكنون، مسترشدين بنتائج عملية تحليل مكونات الجملة (parsing)، من الوصول لفهم كامل للنص. وهذا، بالمقابل، سيجعل الطالب يدرك فائدة ونفع تعلم النحو العربي ويزيد تحفيزه له.

إن الطريقة الشائعة في دروس تعليم العربية هي الطلب من الطلبة قراءة جمل بالتشكيل الكامل للكلمات (مع اهتمام خاص بالإعراب). لكن هنا غالبا ما يشعر الطالب أنه واقع في حلقة مفرغة :" كيف لي أن أتلفظ – مستخدما الحركات - بصورة صحيحة جملة لا أ فهمها، وكيف لي أن أفهم جملة قبل تلفظها؟" في رأيي، الوسيلة الوحيدة لكسر هذه الحلقة المفرغة هو تعليم الطلبة فن تحليل مفردات الجملة parsing))، المعتمد على نموذج المُكَوِّنات الحالي، آخذين بنظر الإعتبار كلتا العلاقات العمودية والافقية بين مكونات جملة ما (قارن الفقرة رقم 4). يتوجب توجيه الطلبة للبدء بكل العملية مع التحليل، وأن يلمسوا بأنفسهم، باتباع طريقة تحليل تركيبي معينة، كيفية التعامل مع الجمل التي تبدو بداية أنها صعبة، وصولا للمرحلة التي يستطيعون بها في النهاية قراءة الجملة بصورة صحيحة فضلا عن فهمها. وهنا يجب التأكيد على أن القراءة بإعراب وفهم صحيحيَّن هي ناتج عملية التحليل السليم، و ليس العكس. إذا تمكن الطالب من قراءة الجملة وفهمها بصورة سليمة، فما فائدة عملية تبيان مكونات التركيب parsing)) إذن؟ بالتأكيد هذه الطريقة لتعليم النحو ليست باليسيرة بسبب عدم ثقة الطلبة بقابليتهم على تحليل جملة -إلى مكوناتها- لا يفهمونها. لكن مع صبر القائم بالتدريس والإصرار على اتباع كامل العملية بالترتيب الصحيح للخطوات، وطرح الأسئلة الصحيحة عند كل مرحلة، سيعتاد الطلبة في النهاية على هذا اللون من التعلم. وسيدركون ان الطريقة " الشكلية " لاتعني بالضرورة انها "مملة" و"معقدة". وما إن يتم ذلك، ستجدهم يُقدرون هذه الطريقة كونها أداة كفء للتعامل مع الجمل المعقدة في لغتهم، وحقا، في أي لغة.

إن نظام التحليل المقترح في البحث الحالي مختلفٌ جوهريا عن الموجود عند الانطاكي والذي أستشهدَ به زكريا أوزون(2002). وفضلا عن ذلك، آمل أنني وضحته، فهو متسق مع معظم كتب التراث النحوي العربي الرئيسية. وحقيقةً، فهو يعرض ويقدم النحاة القدماء بأفضل (وأحيانا بأدق) من ذلك المعروض في كتب ككتاب الانطاكي. فضلا عن ذلك، فهو-أي النظام المقترح-أكثر كفاءة، من خلال تجربتي، وأكثر تقبلا من قبل الطلبة. بمعنى آخر، بَيَنَ امكانية الجمع بين القديم والحديث ليقدم لمتعلم النحو العربي وسيلة عملية وذات مردود فكري عالي.

 

يشاي بيليد- جامعة تل ابيب

ترجمة وإعداد: زيد العامري الرفاعي

.......................

[1] يشير الى حالات الاعراب من الرفع والنصب والجر في أواخر الكلمات (المترجم).

[2] يذكر البعلبكي (2008:267-268) ان القرون الوسطى قد شهدت ايضا الشكوى من وعورة النحو العربي.

 [3]في مسالة تجريم سيبويه ضمن سياق ايدولوجية اللغة واصلاح اللغة، انظر سليمان (2006).

[4]يعني يهتم بالصرف والتراكيب اكثر من اهتمامه بالدلالة (المترجم).

[5] غالبا ما تسمع مثل هذه الشكاوى عن دراسة النحو من طلاب يدرسون لغات اخرى. ولكن هذا في معظم الاحيان من جراء فشل توعية الطلبة بالابعاد التطبيقية لدراسة النحو(انظر الفقرة 5). وليس بالضرورة تخص تراث نحوي معين بذاته.

[6] عن المنهج التعليمي في القرون الوسطى، انظر Owens (2005) وعلى وجه التحديد ص 106-107 والمصادر المذكورة .

[7] يمكن من مقارنة هذه النصوص الثلاثة ملاحظة بعض الفروق الدقيقة واذكر التالي: لايشدد ابن الانباري على عدم استغناء الخبر، وابن جني لايثير قضية العامل الذي يرفع الخبر، في كتاب الاسرار نوقشت هذه المسألة في "باب خبر المبتدأ"(ص75).

[8] كل علامات التشكيل في الامثلة موجودة في النص الاصلي.

[9] لمزيد عن التحليل التخطيطي للجمل العربية، راجع Peled (1998)، وبالاخص الفصل الاول والثاني.

[10]مصطلح يشير للمبتدأ باعتباره مايدور عليه الحديث ويستخدم سويا مع مع مصطلح ال (comment) للتعبير عن المبتدأ والخبر في مقابل مصطلحي ال (theme) وال(rheme) (المترجم).

[11] وبالفعل أن النحاة انفسهم لم يعتبروا هذا الاساس انه مفسر بذاته. أنظر مثلا، ابن جني (الشرح، مج1،ص88) لمزيد عن اعتبار clausal khabarمختلف عن (phrasal khabr) من حيث المنزلة.

[12] يسخر أوزون (29-30 :2002) من الافتراض القائل ان الخبر المقدر في مثل هذه الحالات هو على وجه الخصوص كائن(أو موجود) وليس اسم فاعل اخر او صفة اخرى مثل مشجون، حزين أو سعيد. وحيث ساناقش لاحقا، ان تقدير خبر مقدر في مثل هذه الحالات يس بالضروري حتى من وجهة نظر (بعض) النحاة. على اية حال، ان اختيار استقر\مستقر\كائن وغيره قائم على دلالة هذه العناصر الحاملة لفكرة الوجود التي، في ذاتها، يسهل استرجاعها من السياق ولا تحتاج، لذلك، ان تكون معجمية في مثل حالة (3). إذا خص الخبر ليحمل خاصية معينة\ حالة معينة لايمكن استرجاعها من السياق، فعليه ان يتم التعبير عنها بفعل\اسم فاعل\ صفة(أنظر أيضا Peled 2009:154 n. 24 والمصادر المذكورة هناك).

[13] بالنسبة للجملة الظرفية، أنظر شرح ابن يعيش، مج1، ص f.88، وقارن تحليلنا للجملة رقم (6).

[14] لمزيد من التفصيل حول مصطلح المبني عليه، أنظر Levin 1985 .

[15] يقترح البعلبكي (89-86 : 2004) أن يعطى الطلبة عددا من الامثلة لغرض اقناعهم ان النظرية النحوية ربما " تخطئ أو يمكن استبدالها بطرق تحليل اخرى". واح الامثلة التي يوردها (ص 88) هي " اصرار[...] النحاة على استعادة خبر محذوف بدلا من الاعتراف بان حرف جر او ظرف مع مجرورهما ممكن ان يسد مسد هذه الوظيفة".ومثلما راينا، لايمثل هذا "الاصرار" موقف اتفاق او قبول بين النحاة.

[16] من الغريب حقا أن يعامل الانطاكي "على كل" باعتباره مكون واحد مفصولا عن "شئ". ونتيجة لذلك، فتحليله يقدم "شئ" على انه مضاف اليه ولكن ليس "كل شئ" باعتبارها اضافة (معمول للحرف على) وفيها يعمل " كل" باعتباره مضاف.

[17] لمزيد من المعلومات عن الجملة الظرفية،أنظر 9Peled 2009:172-17

 1055-zayd7

 

abdullah badrhskandarالتعريف الأمثل لتكريم الإنسان لا يتفق مع الصفات الأولية المترتبة على خلقه من حيث الطبيعة البدائية ولهذا ناسب أن يكون تكريمه مرادفاً للتقوى المشار إليها في قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) الحجرات 13. واستناداً إلى منطوق الآية نفهم أن التقوى هي الملاك في التكريم، أما من يذهب إلى أن التكريم من الصفات المرافقة للإنسان بما هو إنسان فهذا وإن كان رأيه ناظراً إلى بعض القرائن العقلية إلا أنه لا يتلائم مع الطبيعة المادية للخلق الأول. فإن قيل: ألا يتعارض هذا الطرح مع قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) الإسراء 70. فكيف الجمع؟ أقول: الجهة في هذه الآية منفكة عن الصفات الخلقية التي نتحدث عنها، وترد جهة الانفكاك إلى المقومات البشرية المصاحبة للقابل الراسخ في طبيعة الإنسان، وأنت خبير بأن الكائنات الأخرى ليس لديها القدرة على إيجاد هذا القابل على الرغم من التكاليف المبينة نتائجها على لسان حالها طوعاً أو كرهاً.

من هنا نعلم أن الإنسان قد جبل على الأفعال غير الحميدة خلافاً للملائكة إذا ما استثنينا بعض الأفعال المجانبة لقياس الصغرى نظراً لما ينتج عن التكلف الذي لا ينسجم مع الطبيعة البشرية، وبهذا يظهر أن أفعال الخير الصادرة من الإنسان تحتاج إلى جهد وتكلف، أما الأفعال التي تأخذ الجانب الآخر لدى الملائكة هي التي تحتاج إلى تكلف وليس فعل الخير فتأمل. فإن قيل: بناءً على ما قدمت يظهر أن المعصية جائزة على الملائكة؟ أقول: الملائكة لديهم القدرة على المعصية إلا أن المعاصي الناجمة عن طبيعتهم قد تأخذ جانب التكلف إذا ما نظرنا إلى قياس النوعية المثالية المحيطة في المهمات التي كلفوا بها، وهذا ما يفهم من قوله تعالى: (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) النحل 50. والخوف المشار إليه في الآية يدل على أن المعصية ملازمة لاختيارهم، إلا أن الإتيان بها يحتاج إلى تكلف خلافاً لما يقوم به الإنسان من فعل الخير كما ذكرنا، وقد بينا هذا المعنى في تفسير الآية 30. من سورة البقرة ومن أراد المزيد فليراجع.

وخلاصة لما قدمنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) التحريم 6. ولو كان العصيان لا يتناسب مع اختيارهم لما أثنى الله تعالى عليهم، ومن هنا نعلم أن الإنسان قد اتخذ الطبيعة المغايرة للملائكة من حيث تكوينه المجانب للتشريع مما يدل على عدم استقامته، وهذا ما أشار إليه تعالى في مجموعة من الآيات كقوله: (قتل الإنسان ما أكفره) عبس 17. وكذا قوله: (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولاً) الإسراء 11. وقوله تعالى: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً) الكهف 54. وقوله: (خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين) النحل 4. وكذلك قوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون) الأنبياء 37. فإن قيل: كيف يمكن أن يتخلص الإنسان من هذه الصفات إذا كانت راسخة في طبيعته؟ أقول: الإجابة في مقدمة البحث، أي أن التقوى هي الملاذ الآمن الذي يلجأ إليه الإنسان الذي يتعرض لهذه الموبقات، ولا يخفى على ذوي البصيرة أن ملاك التقوى يكمن في الصلاة إذا كانت عنواناً للخير المقدم للنفس، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (إن الإنسان خلق هلوعاً... إذا مسه الشر جزوعاً... وإذا مسه الخير منوعاً... إلا المصلين) المعارج 19- 22.

 وبعد أن ذكر تعالى هذه المقدمة انتقل إلى بيان مجموعة من الصفات التي تليق بهم كما في قوله: (الذين هم على صلاتهم دائمون... والذين في أموالهم حق معلوم... للسائل والمحروم... إلى قوله... والذين هم على صلاتهم يحافظون) المعارج 23- 34. ثم بعد ذلك بين سبحانه نوع العطاء المترتب على هذه الصفات الحميدة في قوله: (أولئك في جنات مكرمون) المعارج 35.  وبهذا تختلف نتائج ما يقدم للنفس من خير باختلاف الأعمال التي يقوم بها الإنسان، فإذا كانت الأعمال خالصة لله تعالى دون غيره فإن الدرجات ستكون أكثر بلا أدنى ريب، ومن هنا نلاحظ أن ما يهبه الله تعالى للإنسان بناءً على ما يقدمه لنفسه يأخذ الطابع المثالي، وهذا ما أشار إليه سبحانه بقوله: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) الضحى 5. ولو رجعنا إلى موارد العطاء سنجد أنها تتفاوت في المقدار إلا أن أصلها لا يخرج عن العطاء الكامل الذي يحصل عليه الإنسان ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: (قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) الزمر 10. وقد تتفرع على الكبرى أمثلة أخرى تحمل في مفهومها مقدار الأجر المقدم للإنسان سواء أكان محصوراً بالعدد أو آخذاً بالزيادة الخارجة عن الحد المبين في المنطوق.

ولا يخفى على المتأمل أن المجموع الكلي لهذه الحسابات لا يبتعد كثيراً عن الواقع المشار إليه في الكبرى كما بينا، ولذلك نجد أن الفروقات الظاهرة قد بينها القرآن الكريم على أتم وجه كما في قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون) الأنعام 160. وكما ترى فإن العدد المذكور في الآية لا يدل على الحصر بقدر ما يدل على التمثيل للمفهوم المشار إليه، ويمكن الوصول إلى هذا المعنى من خلال قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون) القصص 84. وبهذا نعلم أن البيان الوارد في السياق فيه دلالة لا تقبل اللبس على كمال العدل في أصحاب السيئات، وما يقابل ذلك من كمال الفضل المقدم لأصحاب الحسنات وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) البقرة 261.

 

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير) البقرة 110. الأمر الموجه للمؤمنين في الآية يربط بين الصلاة والزكاة، وهذا التلازم يعد من الضروريات إذا ما نظرنا إلى تكراره في مواضع أخرى من القرآن الكريم، علماً أن المنطوق الظاهر في الأولى قد يجعل الإنسان ملازماً للطاعة شريطة أن يأتي بمقومات التقوى على أتم وجه، أما الزكاة فهي من الشعائر الكبيرة التي تحقق التضامن والتكافل بين الناس، ثم انتقلت الآية إلى تبيان نتائج الخير المدخر عند الله تعالى استناداً إلى العندية الإلهية التي لا يعتريها الفناء، وقد بين سبحانه مفهوم ذلك في قوله: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) النحل 96.

فإن قيل: لماذا وضع الله تعالى الظاهر موضع المضمر في قوله: (إن الله بما تعملون بصير) من آية البحث؟ أقول: السبب في وضع الظاهر موضع المضمر يرجع إلى عدم اقتصار علمه سبحانه على ما ذكر في الآية من الأعمال المعهودة كالصلاة والزكاة.. فتأمل ذلك بلطف.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن 

     عبدالله بدر اسكندر   

 

abdullah badrhskandarارتباط النشأة الأولى بالسنن الطبيعية يجعلها خاضعة لقانون العلية علماً أن هذا القانون لا يستقل بنفسه وإنما يكون محكوماً بالإرادة الإلهية، ولذلك نلاحظ عدم تطابق التفرعات المستخرجة من هذا القانون مع الأحداث المشاهدة، وقد ذكر القرآن الكريم هذا المعنى في كثير من متفرقاته كما في قوله تعالى: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) الشعراء 63. وكذا قوله: (قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم) الأنبياء 69. وما ورد في الآيتين من إبطال لخاصيتي الإغراق والإحراق أمر لا يألفه الإنسان وهذا لا يعني أن النشأة الأولى بعيدة عن اجتماع الأسس القانونية المسيرة لأبعادها المتفرقة، وإذا أردنا أن نبين مجموعة من الأدلة على ما نحن فيه يجب إظهار قانون النشأة الأخرى بطريقة بعيدة عن النظرة السائدة، ومن هنا نجد عدم اتفاق القانون الآخر مع القانون الأرضي بوجه حسير دون اجتماعه مع القوانين الأخرى، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم... طلعها كأنه رؤوس الشياطين) الصافات 64- 65. وعند تأمل هذا السياق نلاحظ أن هذه النشأة ما هي إلا مثالاً مصغراً للنشأة الأخرى بدليل أن الآية آنفة الذكر يمكن أن تتفرع منها مجموعة من الآيات المتشابهة التي تحمل في تفاصيلها ما يبين الأنواع المتفرقة للنشأة الأولى وكيفية اجتماعها مع النشأة الأخرى، ومن تلك الآيات قوله تعالى: (أفرأيتم النار التي تورون... أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤون) الواقعة 71- 72. وكذا قوله: (الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار)  النور 35. وقوله: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون) يس 80.

وبناءً على ما تقدم نعلم أن القانون الأرضي ما هو إلا أحد الأجزاء المكملة للنظام العام الذي أبدعه الخالق على غير مثال ووهب من خلاله للإنسان حق التصرف والاختيار، وهذا ما يجعل عملية التغيير المقررة من قبل الأخير لا تنسجم مع النظام الإصلاحي المعتمد لديه، ولذلك اقتضت حكمة الله تعالى أن يبعث الرسل ويجعل لكل واحد منهم شرعة خاصة لا تتعدى أحكامها إلى ما يستجد في الوقت اللاحق إذا ما علمنا أن هناك محدثات قد تكون هي السبب المباشر في فرض الأحكام الاستثنائية وبالتالي يصح أن توضع الحلول المناسبة من خلال ما ينتج عن تلك الأحكام لكي يتم إصلاح جميع الملابسات الدخيلة على النظام التشريعي المسن من قبل الحق سبحانه.

 فإن قيل: إذا كان الله عالماً بكل شيء فكيف يطرأ التغيير على نظامه؟ أقول: التغيير لا يطرأ على القوانين الثابتة التي بني عليها النظام الكوني وإنما يحدث تبعاً لحق الاختيار الذي وهبه الله تعالى للإنسان، ومن هنا نرى أن المقتضيات الزمنية تسير وفق قانون ثابت دون أن تخضع للمتغيرات الطارئة، وقد أشكل هذا السبب على كثير من الناس الذين يظنون أن هناك نقصاً في تنزيل الأحكام عند خضوعها للنسخ والتبديل، علماً أن سنة الحياة تقضي أن تكون المراحل الزمنية تابعة للمتغيرات الطارئة مما يجعل الحل المثالي يأخذ الدور الكبير في الإشراف على ما يرجح من تجديد لجميع القضايا التي لم تعد تعمل بصورتها الطبيعية.

من هنا يظهر أن أتباع الديانات السابقة لعصر التنزيل قد ألزموا أنفسهم بعدم تبديل ما أنزل عليهم جهلاً وعناداً لئلا يكون ذلك سبباً في فقدان الخصائص العامة التي تكفل لهم التسلط على رقاب الآخرين في المجال التشريعي على أقل تقدير، وأنت خبير بأن الدين الجديد لا يكره الناس على الدخول فيه ولهذا كان لهم الحق في إبداء ما كانوا يعتقدون به حتى وصل بهم الأمر إلى فرض ذلك الاعتقاد على جميع الناس من غير وجه حق، ولا يخفى على ذوي البصائر أن هذا الاعتقاد لا يخرج عن كونه مصداقاً للحسد المشار إليه في آية البحث التي سنتعرض إليها لاحقاً في المساحة المخصصة للتفسير، وسنبين أن الأفعال التي كان يقوم بها أهل الكتاب لا تقتصر على إفساد الفطرة السليمة التي يتمتع بها المؤمنون وإنما تتعدى إلى صرف الناس عن التعاليم التي جاء بها القرآن الكريم، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) آل عمران 72.

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير) البقرة 109. مفهوم الآية يوحي بأن الفترة التي نزلت فيها كان المسلمون بحاجة إلى القوة سواء بالعدة أو العدد، ويمكن أن يعلل هذا الأمر نظراً للحكم المؤجل المشار إليه في السياق، وبناءً على ما قدرنا لم تكن الآية منسوخة بآية القتال لأن الحكم المؤجل لا يجتمع مع النسخ وإنما يكون تابعاً للمتغيرات الزمنية، وهذا المنطوق نظير قوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً) النساء 15.

وقال ابن الجوزي في زاد المسير: إن للآية ثلاثة أسباب للنزول:

الأول: إن حيي بن أخطب وأبا ياسر كانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس.

الثاني: إن كعب ابن الأشرف كان يهجو النبي، ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله حين قدمها، فأمر النبي بالصفح عنهم، فنزلت هذه الآية، قاله عبد الله بن كعب بن مالك.

الثالث: إن نفراً من اليهود دعوا حذيفة وعماراً إلى دينهم فأبيا، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل.

وأضاف في زاد المسير: الحسد: تمني زوال النعمة عن المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، وتفارقه الغبطة، فإنها تمني مثلها من غير حب زوالها عن المغبوط، وحد بعضهم الحسد فقال: هو أذى يلحق بسبب العلم بحسن حال الأخيار، ولا يجوز أن يكون الفاضل حسوداً، لأن الفاضل يجري على ما هو الجميل، وقال بعض الحكماء: كل أحد يمكن أن ترضيه إلا الحاسد فإنه لا يرضى إلا بزوال نعمتك، وقال الأصمعي: سمعت إعرابياً يقول: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد، حزن لازم ونفس دائم وعقل هائم وحسرة لا تنقضي.

وأضاف ابن الجوزي: أن قوله تعالى: (حتى يأتي الله بأمره) قال ابن عباس: فجاء الله بأمره في النضير بالجلاء والنفي، وفي قريظة بالقتل والسبي، وقد روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي العالية، وقتادة، رضي الله عنهم: أن العفو والصفح منسوخ بقوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) التوبة 29. وأبى هذا القول جماعة من المفسرين والفقهاء واحتجوا بأن الله لم يأمر بالصفح والعفو مطلقاً، وإنما أمر به إلى غاية وما بعد الغاية يخالف حكم ما قبلها، وما هذا سبيله لا يكون من باب المنسوخ بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته والآخر يحتاج إلى حكم آخر. انتهى بتصرف يسير منا. 

فإن قيل: الحسد لا يأتي إلا عن طريق النفس فلمَ قال الله في آية البحث: (حسداً من عند أنفسهم) أليس هذا من باب تحصيل الحاصل؟ أقول: الزيادة في هذا الموضع تدل على أن حسدهم لم يكن تابعاً لحرصهم على الدين، وإنما كان بسبب فساد أخلاقهم وإلزام أنفسهم بالباطل الذي أرادوا أن يدحضوا به الحق، وقد ظهر هذا المعنى من خلال السياق في قوله تعالى: (من بعد ما تبين لهم الحق) من آية البحث. فتأمل ذلك بلطف.

          

 من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن 

     عبد الله بدر اسكندر  

 

أن المنطلقات الفكرية والتنظيرية في تعالقهما وتفاعلهما الذي يحدث وقدة فلسفية تجعل المنطق العملي يحتوي على آصرة وصيرورة تتجاوز مرحلة كانت قد تحققت في البحث، وعلاقة تؤشر مرحلة تاريخية بعينها لتستقبل مرحلة تاريخية جديدة وهي خلاصة تركيب جدلي جديد في هذا التقييم.

هذه المنطلقات الفكرية والتنظيرية والخلاصة المتوفرة من الناحية الفلسفية، تدرس وتستنتج، بقدر ما يفصلها ويناقضها من الانساق المتبانية والقائمة على صيرورة المعرفة الجدلية، والمراجعة الدفينة لتوليد المعطيات المتطورة وبالحالة المعبرة عن ذات المنهج الواعي الذي يتشكل بقوة المعطيات والمقاومات، والتشاكيل المختلفة في أنماط من الصراعات الفكرية والفلسفية.

أن المعنى في هذه الفطرية الناضجة من المنطلقات التنظيرية والتي تنتسب الى مرحلة، ولحظة تتصف بالنضوج من خلال الاسئلة المعروفة سلفاً والتي هي استجابة رئيسية للتفكير التنظيري المتعلق بالتصور الدقيق لمعطيات الواقع الاجتماعي والسيكولوجي وتحليل كل الاشكاليات المتعلقة بالحظة العمومية وهي تفصح عن الاجندة الاجتماعية على حساب الصيرورات الفلسفية وبنسب متعددة .. هذه التفاصيل هي الموضوعات الأساسية على مستوى هذه العلائقية وتجاوراتها من التفكير والاستجابة لكل المبادئ المتعلقة بحركة الواقع الاجتماعي

أن عمليات التجاور لمنطق الايديولوجيا التنظرية بوضوح فلسفة الحرية الناقصة بالشمول والانطلاق بشكل جارف ليؤجج الصراع الفكري والفلسفي الشامل حصراً من أجل طفرة نوعية في قوانين الجدل الفلسفي في الحريات المتاحة والممكنة ’ هذا الموضوع يؤيد ويؤكد المنطلقات الفكرية والتنظيرية لصياغة فلسفة الحرية ودعواها الشاملة. علينا أن نضع خطوات ايجابية وعميقة للمراجعة المستمرة وبذل جهود من أجل أنضاج هذه الحوارات داخل بودقة التنظير الفلسفي وأشكالاتة النظرية المتنافسة والمتناقصة فيما بينها أحياناً من أجل تفصيل الوعي الفلسفي وهو الضمان لآستمرار الفاعلية التنظرية والعقل المستمر في أطار الوعي الاجرائي بدفع هذه المنطلقات التنظيرية والفلسفية بأتجاه الانساق الانتقالية في صلب مراحل الجدلية التاريخية وفضائها الاستقرائي والانتقال الى العمليات الاستنباطية لادراك عمليات الاطروحة والطباق والتركيب وهي الخلاصة التنظيرية الجدلية بالممارسة فلسفياً في ظل أجواء من الحرية التي تلقي الضوء على موضوعات المسائلة وماتطرحه من موضوعات تخص المنظور الاجتماعي ومكانيه المتغيرة من المواجهة لهذه المنطلقات، وهذا أدى بدوره الى أنفجار في شريان الحرية من الناحية الفلسفية في ادق متغير ادى الى حدوث تطور في المنطلقات التنظرية والتي شكلت حجر الزاوية بالنسبة الى عمقها الفلسفي وأعادة النظر في التشاكيل الاجرائية بأعتبارها موضوع المسائلة، من حيث التغيير والتاويل وكذلك في أنماط النظرية من حيث الرؤية لعمليات التغيير الاجتماعية.

من هذا المنطق الجدلي يتم البحث في منطق الحرية عند المعتزلة ومنطق الحرية في تشكيل هذه الفرقة: يعني مايعنيهي من سيرورة للتوحيد والعدل والعلم والمساواة، من جانب آخر فأن هذه الدلالة المهمة: تفتقر الى الوجوب كون أن هذا يبتعد قليلا عن منطق التنظير للحرية الفكرية وكونه يتناقض مع الدليل العقلي والشرعي الجامدين والذي يتناقض كذلك مع الفكرة الرئيسية التي تفصح عن كليات القوانين والأحكام المتصلة بجسور هذه الحرية.

ما برحت فرقة المعتزلة أن ناقشت الاحكام الواردة فـي أطروحات " العدل ـ والحرية " بأسبقية (العقل على النقل والشرح) تمخضت هذه المفاهيم التنظرية عن احداث تاريخية في نشوء هذه القيم وتكوينها منذ حرب الجمل في سنة (36هـ – 656م) التي وقعت بين الامام على بن ابي طالب (ع)، وطلحة بن الزبير، وعائشة بنت ابي بكر زوج النبي محمد (ص) وتمخض هذا الأمر كذلك من الجهة الثانية في (حرب صفين) بين الامام علي بن ابي طالب (ع) ومعاوية بن ابي سيان سنة (38هـ – 658م) ومنذ تلك الفترة كان الفكر الاعتزالي في التنظير الفلسفي كان قد اتخذ موقفاً منحازاً فهو لايحارب الامام علي بن ابي طالب (ع) وكذلك الامتناع عن محاربة خصوم الامام علي (ع) . فجاء منطق الحرية في الفكر الاعتزالي ليؤكد هذا الموقف لانه يتوافق ومنطق وطريقة التنظير العقلي، ويتوافق من حيث الادلة الحقيقة على تلك الحدود المرسومة لتوحيد فعل الحرية بالادلة المنطقية وطريقة الفعل العقلي والنقلي – والشرعي . والذين بايعوا الامام علي بن ابي طالب (ع) في تلك الفترة التاريخية كانوا قد افترقوا واصبحوا ثلاث (فرق) فرقة أيدت الأمام علي (ع) في ولايته . والثانية أعتزلت مع سعد بن مالك هو سعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة الأنصاري وأسامة بن زيد، أن كل هذه الاشكالات توضح وبشكل جلي حرية الاعتزال وبالهامش المرن للحرية عند المعتزلة، هذا الموقف كان قد حدث مع الأمام الحسن (ع) عند تنازله عن حقة الى معاوية وكانت الفرقة الثالثة قد أعتزلت بعد حادثة الأمام الحسن (ع) ومعاوية هذه الفرقة كانت تستند الى أواصر معرفية لمفهوم الحرية في تلك الفترة التاريخية(1) .

فالحرية في فكر المعتزلة جاءت قبل أن يتأسس المذهب الفكري والعقلي وبالمواقف الواضحة في الربع الاخير من حكم الدولة الاموية، فالخلاف والأشكال كان اساسه الفهم لمنطق الحرية وبشكله المذهبي وهو حصيلة ونتيجة لمحصلات ومنطلقات تنظيرية وعقلية كان اساسها القدرة على الاداء والصيرورة في أدق تفاصيل العلوم والمعارف الفقهية والشرعية التي أكتسبت منطوقها من خواص العقل وهذا ما ناقشه مفكري المعتزلة ومنظريها وعلى رأسهم (القاضي عبد الجبار) الذي طرح منهجاً وضح فيه عدم الفصل بين العقل والعلوم الضرورية وهو جوهر المعاني في مفهوم الحرية في أطار الاستنباط والاستدلال في الاحكام الشرعية والتساوي في المناهج العقلية، أدى هذا الى حدوث فراق حاد بين (الحسن البصري وتلميذه واصل بن عطاء) في قضية (مرتكب الكبيرة) هل هو كافر أم مؤمن وأستمر البحث للوصول الى المعرفة عن طريق الادلة الاستنباطية في أثبات الفرض وبلورة صفات من التوحيد في أثبات المعارف القبلية عبر وعي تنظيري يستند الى منطق العقل، فكان رأي (الحسن البصري) بانه منافق، ورأي واصل بن عطاء بأنه (فاسق) وأكد بأنه لم يكتمل أيمانه لانه يقول أشياء ويضمر أخرى، والادراك للاشياء يأتي عن طريق العلم والمعرفة، فأن أثبات الاشياء يعزى الى الادراك، وكان رأي واصل بن عطاء (أنه مؤمن من حيث الاعتقاد) ولكن في المقابل كان يعرقل أحكام الشرعية والعمل على أرتكاب الكبيرة، وهذا هو معنى الفسوق. فالمعرفة بجانبها الحسي، والتسامي والارتفاع بالمعاني العقلية الى الحالة المطلقة هذا الموضوع يثبت عن طريق العلم والمعرفة بالمدركات الحسية(2). والموقف الفكري للاعتزال بتطابقه مع منهج الحرية، يمثل بتيار الاشخاص لانعزالهم عن مجلس الحسن البصري وتركيزهم على حرية العقل المرتقبة، وأرتباط العّلة بالنتيجة العقلية للعلوم وهي التـي توضح عملية الادراك الحسي والعلوم حكمان حكم ظاهر للحواس وحكـم باطن للعقل (كما يقول الجاحظ) (3).

فالحرية في فكر المعتزلة بأختصار هي تعبيراً عن موقف أيدلوجي قبل الاعتزال تاريخياً .. والمعتزلة كتيار فكري:- هناك حادثة تروي عن قتادة بن دعامة عندما كان في البصرة ـ فدخل الى مسجد فوجد من الجالسين (عمر بن عبيد) ومجموعة معه وقد ظن أنها حلقة الحسن البصري.. فلما عرف أنهم غير ذلك: قال معتزلة: أي أعتزال عن الباطل حيث جاءت هذه التسمية لتؤكد منطق الحرية في فكر المعتزلة وجاءت من ألفاظ وردت في (القرآن الكريم) فالاعتزال، صيغة من صيغ الحرية، وهي منطلق تطبيعي للحقيقة وهــو الذي سمح

لمرتكبي الكبيرة لنشر وتطبيق الاجتهادات على قتله عثمان (من طلحة و الزبير) وعائشة أو علي بن أبي طالب (ع) أو معاويةبن أبي سفيان والخلفاء الامويين وهنا يكمن حجر الزاوية في هذه القضية الشائكة.

أن التطور الذي يحصل في العمليات الاستدلالية وهي تعد الوسيلة المنطقية في أثبات العلوم الضرورية التي تعلن المساواة في تفاصيل مشروع الحرية الى تحقيق المنطلقات النظرية في كل العمليات المتفاوته ولكل المراحل التاريخية التي يمر بها الواقع الاجتماعي في تفاصيل الاشكالات الاستدلالية والنظر بشكل علمي الى حالات التكيف العقلية: وهي البرهان الدقيق على صحة منطق الحرية للفكر الاعتزالي.

وجاء التفكير العقلي، بقضية الحرية (في المعبد الجهني ـ وعطاء والحسن البصري) هؤلاء أحدثوا تغيراً كبيراً وخطيراً بهذا الاتجاه العقلي، حيث أقاموا تشكيلات من التفكير من حيث أعطاء السبب الموضوعي للتجربة ونقل قضية عمل الكبيرة من الحالة الجزئية الى حالته الكلية، ونقل الموضوع وبحثه من الحالة الخاصة الى المنطق العام وكل هذه المواضيع من الشروط لمعرفة المناقشة لتكك المواضيع الحساسة والذي حصل جّراء هذه المناقشات والتأكيدات على خواص منطق الحرية: هو فسح المجال لجولات من المناقشات العقلية لتطوير المعارف وأقامة شروط جديدة للمدركات وضرورة التفكير الجدي الذي يؤدي بالضرورة الى شروط المدلول العقلي للحرية في خواص التفكير والتنظير الاعتزالي، من جانب آخر فأن الصيرورات لا تعرف طريقتها وحقيقتها عن طريق الحس (كما يقول كير كيقارد) فالصيرورة تأتي عن طريق الايمان بالحرية ـ والتطورات والتصورات ـ والانطباعات الحسية التي لا تكون رابطة وسيطة في الوعي وموضوع العقل فيحدث النفي باللاوعي الحسي والصيرورة كذلك لا تعرف حقيقتها الآ عند الخواص الحدسية كما ييقول (وايتهيد) والاتجاهات في الفكر الاعتزالي تتمحور بأتجاهات عديدة فمنهم مـــن يصف (حركة الواصلة ـ بواصل بن عطاء)(4)، (النظاّمية تعود الى إبراهيم بن سيار النظاّم) وعدهم (المسلطي) (عشرين فرقة) وقسّمهم البغدادي الى أثنتين وعشرين فرقة وقال عنهم (الشهر ستاني) أثنتي عشرة فرقة وقيهم معتزلة البصرة ـ ومعتزلة بغداد ـ ومنهجهم يتحدد بموضوع العقل: وهو الايمان بالحرية والتوحيد في المنطق الفكري والمبادئ المشتركة بين المسلمين كافة .. ومن خواص منطق المعتزلة: أن المرجع العقلي ـ والنقلي ـ والشرعي يخضــــع لمقتضيات الجانب التفسيري والجوانب الاخرى في موضعهم الرئيس.

من جانب آخر: لايمكن تحقيق أية أمكانية كلية الآ بتحقيق المنعطف الجزئي ويؤكدون: أن النظر الى الله والى ذاته ولو كان الله قد تكون من أجزاء المركبة: هذه المعادلة تكون خاطئة: لأن أقتصار الاجزاء: يعني الضعف وهذا يسري على العمليات المركبة .. فهو يعني ما يعني من التعدد والتعدد يتناقض مع الوجود الوجداني.

والاجزاء تكون متناقضة من الناحية الجدلية .. فكيف تكون الاجزاء بذاتها تعبر عن الاشياء الاخرى، وكون الخالق ذاته لا كثرة فيه مطلقاً: فكان رأي الفكر الاعتزالي: هو أن العالم محدثا قديماً في حريته والتصيد في الفكر المعتزلي يستند الى الجزء والكل والمكان ـ والزمان ـ قضية الجهات ـ والابعاد: هي مقولة في أطار عقلي جوهري وأن كل الصفات الواردة في النص القرآني مثل (قادر ـ حي ـ سميع ـ عليم ـ بصير) تقول المعتزلة: أنها صفات أزلية في الخالق ثم جاء (جهم بن صفوان ـ فشكل في هذا الموضوع ـ فالحدث التحول: في أن القول .. ينفي كل هذه الصفات في الخالق خلاف ما كان حادث عند السلفيين: فتحقيق هذه الصفات عند (جهم) والمعتزلة والأخرين: يعني التشبيه ببعض الخليفة لاسيما الانسان.

 

الصفات

الصفات الظاهرة               الصفات الباطنية

1- قديم أزلي                   1- القدرة الآلهية

2- لعدم وجود بداية له         2- العلم بالكون والحياة

3- واحد ليس له شريك         3- الإرادة والقوة

هذا الموضوع وضحة الشهر ستاني وأنتهى في نظرهم الى كونه عالماً قادراً وتلقي القدرة العقلية مع منطق الحرية للاعتزال للنظر في فكرة التجويز والاحتمالات المختلفة في هذا الموضوع يوضح الجاحظ ويؤكد في سبيل الوصل الى الحرية مستنداً في ذلك الــى مايرويه (شيخه النظّام) (نازعت من الملحدين الشاك والجاحد فوجدت الشاك أبصر جواهر الكلام) فالمعارف تتأكد من خلال منطق الحرية: سواء على مستوى أو السيكولوجي وهو أساس المنطق في الشاك (5) ويطالعنا (العلاف) في الاحكام التي وضعها:في أن القادر بقدرته والعالم

بعلمه أنطلاقاً من وعي الحياة ومن حياتة المطلقة والحقيقة التي تقول: أن الله عالم لا يعلم

وهذا الرأي هو رأي الشهر ستأتي كذلك من خلال تأكيد على الأراء التي أستلمت من أرسطو ـ والاشعرية ومن النصاري (وخط العلاف هو رأي كل المعتزلة).

 

الحرية واللّغة

يعتبر البحث في أصول علم الكلام ـ واللغة حصراً جزء من هيكلية الحرية الفكرية في فكر المعتزلة وأن عملية التجذير لهذه القضية الشائكة تأتي في مقدمة موضوعات النص القرآني وفصاحته وعلاقتة بقضية التوحيد وهو الجزء الرئيس من قضية الحرية في التكوين الاعتقادي عند المعتزلة: فالتحديد الموضوعي في هذا الباب من التنزية والتوصيل بأعتبارها باباً من أبواب التفصيل والصفات الذاتية للعمل والمعرفة والقدرة ـ والحياة ـ والقدم: وهي صفات تتخللها اللغة وتفصح عن أشكالية الكلام المنطقي ومن الصفات التي ـ تتشاكل ومحور العقل ـ كذلك المواضعة: لا تكون من أساسيات في المناهج الاختلافية للفرق: وعلى سبيل المثال بين (الاشعرية والمعتزلة) والاختلاف سيكون فـي صفة الكلام الآلهي على أنه صفة كاملة (في اللغة ـ والدلالة) فالمواصفة في فهم منطق اللغة هي عملية تأتي من مصدرها (الله) وهي تعتبر من الصفات القديمة كما في قوله تعالى (وعلم آدم الأسماء) وهي صفة أزلية في اللغة ـ والحرية التي عرفها (آدم) عن الملائكة: فكانت اللغة هي تعبير منطقي عن الحرية والمعرفة في التنظير الاعتزالي: وهي الخواص الضرورية من المعارف العلمية لتنفي الخواص المطروحة (بين الله ـ والبشري) فالنظام الذي يصفة الشهر ستاتي بأنه فيلسوف: فهو قرأ الكثير من كتب الفلسفة ولا بس بين الحرية والتنظير الاعتزالي وأفكارهم وفلسفتهم ميدانياً: فهو الذي متنى القاعدة الفلسفية لفرقة المعتزلة في مختلف المسائل المتعلقة بالقضايا الفكرية ـ والاجتماعية والنفسية: ويقول عنه (أبن المرتضى) أنه حفظ القرآن الكريم والتوراة ـ والانجيل ـ والمزامير ـ والتفاسير ـ وحفظ الكثير من الشعر وأدب السير والاخبار(6).

 

المصدر الكوني عند النظام

يشير الشهر ستأتي الى: أن النظرية الطبيعية والإلهية: كان مصدرها مصدرا فلسفياً، يستند إلى مقولات الكم والكيف وكان التأثير التفكير اليوناني والفلسفة الارسطية بشكل خاص: خلف لحظة تشاكل منطقية ولحظات زمكانية مترابطة .. والنظّام يوضح ظهور الفلاسفة الطبعيين، وتأثير بالرواقين بشكل خاص: والععل البذرية والرواقية: وأن الله خلق الأجسام أما الأمراض: فهي نتاج ما أفرزته الأجسام وكذلك الحركة في الأشياء خالفت السكون: والتفكير الاشعري يأخذ نفس السؤال: بأن الحياة لا تكون حياة الآ لمعنى .. ويأتي الخياط وهو أحد منظري المعتزلة ليقول: إّن كل شيء يتحرك ويسكن لوجود معان كثيرة فيه وبحركة منطقية للتفكير في منهج الحرية عند المعتزلة، وان الكلام عند "الله" ليس قديماً وان القرآن في رأيهم " حادث ومخلوق " وان هذه الازلية في القرآن تتنافى ومبدأ التوحيد والتشريع والعقلانية في التشريع القرآني وخلق "الله" القرآن في اللوح المحظوظ، وان الجدلية في المعرفة الفكرية وفي أسس الصياغات التنظرية وكذلك التصور الاسطوري للكون في وعي الجماعة العقلي . فالقراءة العقيدة التي تحاور نفي النفي المعرفي للتاريخ واشكالاته اطار البنية الكونية وباستناد الى التفاسير النصية التنظيرية للعقيدة واقرار الوحدة النصية بمعناها وصيغتها الفلسفية وهذا يتحقق في حالة التنظير عند (معمر بن عباد السلمي) في ان القرآن مخلوقاً وحادثاً وليس قديماً، والقرآن عرض لا جوهر والقرآن من فعل المكان الذي تشكيل من خلاله الكلام القرآني بازمنة غير محددة كما تقول او الاشعرية "، وان القرآن عرض، ومحال ان تكون الاعراض من عقل الخالق .

يقول الشهر ستاتي ان "الله":- لم يخلق الا الأجسام اما الاعراض فهي من اختراعات الاجسام . و"البغدادي" يقول:- القرآن جسم وان الله خالق الأجسام . وفي رأي (معمر):- ان الله لا يخلق أفعال هذه الأجسام . وان عملية النفي لضروريات متشابهة للبشر الى جانب الايقال بالكلام وطريقة حدوثه في اطار من الحرية والتكرار في عمليات النزول من الخطابات القرآنية والإشارة هنا الى منطق ما يطرحه النص من فكرة .

ان رأي "المعتزلة" في النص القرآني يقتضي ان نسلم بان النص جديد في ازليته وما مقدار هذه الازلية، والمعتزلة توضح ان مبدأ التوحيد يفصح عن مبدأ الحرية وهنا اشارة الى الى المواضعة فهي تسبق اللغة . فالنص والمواضعة على اللغة من خلال النص القرآني يحكمها منطق الحرية في تحديد المقادير والقياسات عبر عدة قنوات ومجسات حسيه دقيقة .

ان التأثيرات المتشاكلة لهده المواضيع والتدقيق في مضاعفاتها قبل حصولها والاحتمالات القلقة بعد حصولها والقول في النهاية يخلق النص . والنص القرآني لا بس نتائج كثيرة بتأثيرات من الملل والنحل وطوائف عديدة .

منهم من قال ان هناك تأثير واضح (بمدرسة حران) الذي تواجدوا منهم في الجزيرة العربية وشمال الشام وهم الذين ساهموا في نقل العلوم والفلسفة اليونانية الى العربية في فترة الترجمة، يؤكد هذا الموضوع (ابن النديم) صاحب كتاب " الفهرست " هؤلاء القوم كان لهم كتاب يحتوي على مقالات في التوحيد، وكان هذا قد حدث في عصر " الكندي " الفيلسوف العربي وهذا ما اكده " البيروني " حين يقول: (اننا لا نعلم من هم الحرانّي ولكن سمعنا انهم (يوحدون الله) .

جاء متبادل الابانه باعتبارها قانونا اجتماعياً يجمع البشر للتبادل المعرفي لنقل الفكرة والخبرة، وان الاستخدام لهذه الاصطلاحات وما حصل للوصول الى منحى هذا الموضوع في اطار الدين والفلسفة والتنظير في معنى الحرية وفي التأويل في النصوص الشرعية ومداخلات التصوف في صياغة المعاني .

ويأتي المعنى الاخر في هذا الموضوع في تقديم الفلسفة اليونانية وازالة العوالق التي وضعت الحواجز الكثيرة والكبيرة بين الدين والفلسفة، " والمعتزلة " كان لهم الدور الكبير في تقديم العقل على النقل والشرع وحتى قبل ورود السمع .. فالمعرفة للوصول الى الحقيقة عبر دليل التنظير للحرية، و " النظّام " يؤكد النظرة الاستدلالية و " الجفعران "جعفر الثقفي وجعفر الهمذاني " يمكن معرفة الحقيقة الإلهية من خلال بجميع الاحكام المتوفرة لها وصفاتها قبل الشرع باعتبارها العنصر الفاعل في قدرة الانسان على منحه القدرة لفعل الاشياء، هذه القدرة هي قدرة إلهية، كذلك العقل الذي اعتمده هو في مميزاته ان يكون عقلا عادلا، والعقل العدل هو في الجسم السليم وان الله لا يحب الأفعال المشينة وبالمقابل فهو غير مسؤول عن أفعال العباد . والمعتزلة قالوا:- ان الله تعالى يسعى للتمييز في هذه الحياة لأنها منطق الحكمة في مصلحة العباد .

 

د.علاء هاشم مناف

..............................

(1) ضحى الاسلام، وفجر الإسلام، الاستاذ محمد أمين، ص211، 212،214

 (2) النشار، ج 1، ص 421، 422، 425.

(3) المصدر نفسه، ص432.

 (4) النشار، ج1، ص 406.

 (5) البيان والتبين، ج3، ص 257 .

 (6) الملل والنمل للشهر ستاني، ص 273 .

 

saleh altaeiمما لا خلاف عليه أن جميع الأديان السماوية والحضارات الإنسانية، حرَّمت المثلية الجنسية أو الشذوذ، حيث ذهبت الديانة اليهودية إلى أن المثلية رجس، كما جاء في الكتاب المقدس: "وَإِذَا اضْطَجَعَ رَجُلٌ مَعَ ذَكَرٍ اضْطِجَاعَ امْرَأَةٍ، فَقَدْ فَعَلاَ كِلاَهُمَا رِجْسًا. إِنَّهُمَا يُقْتَلاَنِ. دَمُهُمَا عَلَيْهِمَا"(1) وفي السفر نفسه حددت عقوبتها بالقتل رجما(2).

ووصفتها الديانة المسيحية بالفاحشة والخطيئة، جاء ذلك في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، في قوله: "وكذلك الذكور أيضا تاركين استعمال الأنثى الطبيعي، اشتغلوا بشهواتهم بعضهم لبعض، فاعلين الفحشاء ذكورا بذكور، ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالتهم المحق.... مملوءين من كل إثم وزنا وشر وطمع  وخبث... مبغضين الله". وهي الأخرى ذهبت إلى أن عقوبة المثلي الجنس: أن يطرد من رحمة الله، جاء في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس، أن الذين يمارسون المثلية الجنسية لا يرثون ولا يدخلون ملكوت الله أي الجنة: "إن الظالمين لا يرثون ملكوت الله. لا تضلوا، لا زناة ولا عبدة أوثان، ولا فاسقون، ولا مأبونون، ولا مضاجعوا ذكور... لا يرثون ملكوت الله"(3) وإلى قرون قريبة وتحديدا منذ القرن الثالث عشر، فرضت الكنيسة الكاثوليكية على المثليين ثلاث مراحل من العقاب: الإخصاء عند ارتكاب الفعل لأول مرة. الحرمان الكنسي في المرة الثانية. الحرق في المرة الثالثة.

أما الإسلام، فتحدث أولا عن بداية ظهورها، معلنا أن ذلك حدث في قوم لوط(ع) كما في الآيات: {وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ  إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ}(4). واستهجن هذا الفعل، كما في قوله تعالى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (*) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ}(5) بمعنى أن الحديث كان عن المثلية الذكورية، وأطلق على المثلية الذكورية عدة صفات، جاءت في آيات مختلفة، منها على سبيل المثال:

اسم الخبائث، كما في قوله تعالى: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ}(6) والمعروف أن الخبائث: ضد الطيب من الرزق والولد والناس، ويطلق الخبيث على الحـرام، كالزنا، والمال الحرام، والدم الحرام، كما يطلق على الرديء المستكره طعمـه أو ريحـه،

كالثوم والبصل. والخبائث في معانيها الكبرى محرمة على المؤمن، تبعا قوله تعالى: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث}(7). قال محمد رشيد رضا: "والخبيث كل ما حرمه الله تعالى فهو خبيث ضار في البدن والدين"(8).

ومنها اسم الفاحشة: كما في قوله تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}(9) حيث سماها الفاحشة، وسمى مرتكبها: الجاهل.  وعند ربط هذه الآية بآية: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}(10) يتأكد لك تحريم الإسلام للواط قطعيا.

أما عن عقوبتها فقد حرمها الإسلام تحريما غليظا، وتشدد في عقابها، وهناك الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، منها  أنه سبحانه جعل العقوبة التي أوقعها على قوم لوط (ع) تحذيرا للمسلمين، كما في قوله تعالى:{ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (*) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ}(11).

وقوله تعالى:{ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}(12) من هنا، قال القرطبي في تفسيره: "واجمع العلماء على تحريم اللواط، وإن الله تعالى، عاقب قوم لوط، وعذبهم لأنهم كانوا على معاص وذنوب، ومنه الفعلة المشينة والعملة القبيحة، ألا وهي اللواط، فأخذهم الله بذلك، ولأنه كان منهم الفاعل والراضي بذلك، فعوقبوا الجميع لسكوت الجماهير عليه، وهي حكمة الله وسنته في خلقه، وبقي أمر العقوبة على الفاعلين مستمرا"(13). وقال النووي: "فإن اللواط وهو إتيان الذكور في أدبارهم محرم، وهو من الكبائر"(14)

ومن الغريب أن الفقهاء اختلفوا في نوع عقوبة مرتكبها مع أنهم يستندون إلى الأحاديث نفسها، ومنها أحاديث ابن عباس، منها، قوله: قال رسول الله(ص): "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به"(15) ومنها أيضا، قال : قال رسول (ص): "ملعون من عمل بعمل قوم لوط"(16) ومنها كذلك (ص): "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا، أو امرأة في دبرها"(17) وأيضا قوله: قال رسول الله(ص): "لعن الله من عَمِل عَمَلَ قوم لوط، لعن الله من عَمِل عَمَلَ قوم لوط، لعن الله من عَمِل عَمَلَ قوم لوط"(18). ومن الأغرب أن تجد للفقيه الواحد أكثر من حكم فالإمام مالك له قولان:

الأول: يرجم الفاعل والمفعول به، أحصن أو لم يحصن. إن كان محتلما.

الثاني: يرجم إن كان محصنا ، ويحبس ويؤدب إن كان غير محصن(19). لهذا السبب وأسباب أخرى، اختلف أصحاب الإمام مالك في طريقة قتله، فقال بعضهم: ينظر إلى أعلى دار فيرمى منها منكساً، كما في قول ابن عباس: "يرمى من أعلى جدار في القرية، ويتبع بالحجارة".

وقال ابن قيم: "من العلماء من قال: حده حد الزنا، وقد قيل دون ذلك، والصحيح أن يقتلا سواء كانا محصنين أو غير محصنين" لقول ابن عباس: "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ". وقال بعضهم: "يحبسان في أنتن موضع حتى يموتا". وقد ثبت عن خالد بن الوليد، أنه وجد في بعض نواحي العرب، رجلا يُنكح، كما تنكح المرأة، فكتب إلى أبي بكر فاستشار أبو بكر الصحابة فكان علي بن أبي طالب، أشدهم قولا فيه، فقال: ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة، وقد علمتم ما فعل الله بها، أرى أن يحرق بالنار. فكتب أبو بكر إلى خالد، فحرقه.

وقال ابن القصار المالكي: أجمعت الصحابة على قتله، وإنما اختلفوا في كيفية قتله، فقال أبو بكر: يرمى من شاهق، وقال علي: يهدم عليه حائط، وقال ابن عباس: يقتلان بالحجارة(20)

وحكم الشافعية بقتل الشاذ رجما، قال الشوكاني: "وأخرج البيهقي عن علي (رض) أنه رجم لوطيا. قال الشافعي: وبهذا نأخذ برجم اللوطي محصناً كان أو غير محصن"(21).

ومثل غيرهم، اتفق فقهاء الشيعة على أن حد اللواط على الفاعل والمفعول به: القتل، فيما لو دخل القضيبُ أو شيء منه في الدُبُر، وكان كل من الفاعل والمفعول به عاقلاً بالغاً مختاراً، ولا فرق بين أن يكون كلاً منهما مُحْصَناً أو غير مُحْصَن، أو مسلماً أو غير مسلم. أما عن كيفية تنفيذ الحكم فقد ذهب المشهور إلى أن الحاكم مخيَّرٌ بين أن يضربه بالسيف، أو يحرقه بالنار، أو يلقيه من شاهق مكتوف اليدين والرجلين، أو يهدم عليه جداراً، وله أيضاً أن يجمع عليه عقوبة الحرق والقتل ، أو الهدم والإلقاء من شاهق. لكن إذا تاب قبل أن تقوم عليه البينة، سقط عنه الحد فاعلاً كان أو مفعولاً، و إذا تاب بعدها لم يسقط عنه الحد. أما إذا أقرَّ باللواط ثم تاب، كان الخيار في العفو و عدمه للإمام.

نتيجة هذا التباين، نجد هناك من يعزيه إلى أن النبي(ص) لم يقضي في اللواط، لأنه لم تمر عليه حالة لواط، فضلا عن أن اللواط لم يكن معروفا في الجاهلية! ومن هؤلاء ابن قيم الجوزية الذي قال: "ولم يثبت عنه (ص) أنه قضى في اللواط بشيء، لأن هذا لم تكن تعرفه العرب، ولم يرفع إليه (ص)، ولكن ثبت أنه قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به"(22) وهذا رأي شديد الغرابة، من جهتين، الأولى: يذكرني بما نقله السيوطي عن أحد الخلفاء الأمويين؛ وهو الوليد بن عبد الملك، في قوله الذي نفى فيه أن يكون قد سمع عن اللواط أبدا، إذ نسب إليه القول: "لولا أن الله ذكر آل لوط في القرآن، ما ظننت أن أحدا يفعل هذا"(23)

والثانية: أن اللواط إن لم يكن قد وقع في عصر البعثة، فإنه لم يكن مجهولا بالمرة في المجتمع الجاهلي، بل إن الحياة العربية قبل الإسلام، عرفت أشكالا متنوعة من حياة اللذة المحرمة؛ ابتداء من نكاح الخدن، حيث كانت المرأة تتخذ خدنا(صاحبا)،وتبقى له يمارسان الرذيلة سرا. وكانوا يأتون المرأة في خبائها فينكحونها برضاها، دون عقد نكاح، فإذا حملت عينت واحدا من الذين مروا بها وألحقت المولود به.  وصولا إلى  نكاح الاستبضاع. حيث يرسل أحدهم امرأته إلى آخر مشهور بفحولته لينكحها فتحمل منه، تحسينا للنسل بزعمهم. رسوا عند تبادل الزوجات؛ الذي لم يعرفه الغرب إلا مؤخرا، وهو ما يعرف بنكاح البدل، حيث يتبادل الرجلان الزوجات فيما بينهما.

وختاما بزواج المقت، وهو أن يتزوج الابن امرأة أبيه. فضلا عن ذلك كانت ضروب اللواط والسحاق والتخنث معروفة في المجتمع الجاهلي، يمارسونها بلا حرج. وقد تحدث الدكتور جواد علي عن الشذوذ في العصر الجاهلي، فقال: "والشذوذ الجنسي معروف عند الجاهليين أيضا كما هو عند جميع الأمم منذ القدم، وليس من المعقول استثناء الجاهليين من ذلك، بدليل ورود النهي عنه، والتحذير منه في القرآن الكريم وفي الحديث. ومن الشذوذ الجنسي، الشذوذ المعروف، وهو ذهاب الرجل مع الرجل ومزاولته عمل الجنس معه، أو اتصال المرأة بالمرأة اتصالًا جنسيا، أو إتيان الرجل المرأة من دبر، كما كان الحال عند أهل مكة، فقد ذكر أن منهم من كان يأتي النساء من أدبارهن، وقد منع ذلك في الإسلام"(24).

وبذا لا يصح قول ابن قيم دليلا على عدم وجود الشذوذ في المجتمع الجاهلي، أو عدم معرفة المسلمين له في عصر البعثة. نعم قد ولا أقول من المؤكد؛ أن الشذوذ اختفى في عصر البعثة، أو لم يعثر على نص يذكره، ولكن من المؤكد أنه عاد إلى الظهور مع ما ظهر من الموروث الجاهلي بين المسلمين بعد عصر البعثة مباشرة، أما نفي وجوده من ذلك المجتمع فمحال قطعا! بل هناك في بطون كتب التاريخ نقولا كثيرة تتحدث عن اشتهار بعض قبائل العرب بشذوذ آخر يتم مع الحيوان غالبا، فهل يعقل أن يرتكب المجتمع مثل هذا الشذوذ مع الحيوان ولا يرتكبه مع الإنسان؟ وهنا لا أنكر أن بعض حديثهم عن هذا الشذوذ قد يكون وليد العداوة بينهم، ولكن لابد وأن غالبه كان صحيحا، إذ قيل والعهدة على القائل: إن (بني كليب) اتهموا بإتيان الضأن، و(بنو الأعرج) و(سُلَيم) و(أشجع) اتهموا  بإتيان الماعز. و(بنو دارم) أتهموا بإتيان الأتن أي صغار الحمير، و(بنو فزارة) اتهموا بإتيان الإبل، فالعادة أن القبائل في الجاهلية كانت إذا ما تخاصمت، رمت بعضها بعضا بالتهم التي تنتقص منهم.

فضلا عن ذلك، كان الجاحظ؛ في حديثه عن زواج الإنس بالجن قد أشار إلى وجود هذا الشذوذ بينهم، بقوله: "ونحن نجد الأعرابي والشاب الشبق، ينيكان الناقة والبقرة والعنز والنعجة، وأجناسا كثيرة، فيفرغون نطفهم في أفواه أرحامها، ولم نرَ ولا سمعنا على طول الدهر، وكثرة هذا العمل الذي يكون من السفهاء القح منها شيء من هذه الأجناس، والأجناس على حالهم من لحم ودم، ومن النطف خلقوا"(25).

بل إن تكرار الإسلام التحذير منه، يشير من طرف خفي إلى وجود هذه الممارسة، لدرجة أن رسول الله(ص) كان يخاف عليهم الوقوع في هذا الشذوذ، جاء عن جابر بن عبد الله أن رسول الله (ص) قال: "إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط"(26).  وهناك الكثير من أقوال العلماء في التحذير، مثل قول الحسن بن ذكوان: "لا تجالسوا أولاد الأغنياء، فإن لهم صوراً كصور النساء، وهم أشد فتنة من العذارى". وقول النجيب بن السري: "لا يبيت الرجل في بيت مع أمرد". وقول سعيد بن المسيب : "إذا رأيتم الرجل يلح بالنظر إلى غلام فاتهموه".

وقال عطاء: "كان سفيان الثوري لا يدع أمرداً يجالسه". وقول النجيب: "وكانوا يكرهون أن يحدق  الرجل النظر إلى الغلام الجميل الوجه". وقول أبو سهل: "سيكون في الأمة قوم، يقال لهم اللوطيون على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل".

مثل الديانات كلها، غالبا ما كان للحضارات المادية عبر التاريخ موقفا معترضا على هذا الفعل ومنكرا له، بل حتى أكثر الناس سفكا للدماء كانت لهم مثل هذه المواقف فهتلر كأنموذج للحضارة المعاصرة، بالرغم مما عرف عنه من قسوة وعنف، جمع المثليين مع الغجر واليهود والمعاقين وشهود يهوه في مخيمات، وأعدمهم، مما حدا بألمانيا المعاصرة أن تعتذر عام 2002 للمثليين عن تلك (الجريمة)!

أما أمريكا فمنذ بداية تأسيسها، حرمت كل ممارسة جنسية (غير طبيعية) حتى أنها قامت خلال الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945م) بطرد معظم المثليين من الجيش ومن أعمالهم ووظائفهم. ولكنها انقلبت على هذا التقليد بعد الحرب، فتم عام 1950 إنشاء أول منظمة حقوقية مثلية. وحصل المثليون على دعم الكنيسة حينما قام القس (تروي باري) عام 1968 بتأسيس أول كنيسة ترعى المثليين في أمريكا.

وبالرغم من اتفاق الأديان والحضارات والعلم على أن هذا العمل شاذ بمعنى الكلمة... وبالرغم من أن الغرب المتحرر لا زال إلى هذه الساعة يطلق على (المثليين) اسم (الشواذ جنسيا) ... وبالرغم من أن المثلية الجنسية كانت إلى وقت قريب جدا تعتبر علميا وطبيا من الأمراض النفسية؛ بعد أن درسها العلماء بمعزل عن الرؤية الدينية، كمرض وليست كخطيئة أو جريمة دينية. هذا في الأقل لغاية قيام المثليين بمظاهراتهم للضغط على جمعية الطب النفسي الأمريكية، حتى اضطروها أن تحذف المثلية من الأمراض النفسية. والذي تلاه قيام منظمة الصحة العالمية في عام 1992 بشطب المثلية الجنسية من لائحة الأمراض النفسية، وهو اليوم الذي عده المثليون يوم التحرير من عبودية القوانين، فأعلنوه يوما عالميا لمحاربة رهاب المثلية! مما حول المثليين إلى قوة انتخابية لا يستهان بها، مما حدا بالرئيس باراك أوباما إلى الاعتراف بالزواج المثلي عام 2012. وهو الانفتاح الذي أدى إلى أن تقر ست من الدول الأوربية شرعية زواج الشاذين جنسياً كحق مشروع، وهي: النرويج،  هولندا، بلجيكا، إسبانيا، كندا، فضلا عن ولاية ماساتشوستس الأمريكية. بالرغم من كل ذلك تغيرت الموازين، وتبدلت المصطلحات تبعا لهذا التطور الغريب، فاستعيض في تسعينيات القرن الماضي عن مصطلح (الشواذ) بمصطلح (إل جي بي تي) أو (LGBT) أو GLBT)) وهو اختصار لكلمات (Lesbian، Gay، Bisexual ،Transgender) علما أن هناك مساع كبيرة نجحت في إدخال أفراد الهجرة القسرية إلى هذا المصطلح، ليتحول إلى مصطلح (إنساني) تتقبله الناس دون امتعاض. وهذا كله كان من نتاج الثورة الجنسية التي انطلقت تحت تخطيط ممنهج في ستينيات القرن الماضي.

ونحن لا نعترض على ما تختاره الأمم من نظم وقوانين تتماشى مع طبيعة حياتهم ومع مواريثهم، فالعالم الغربي يملك تاريخا عريقا في الإباحية يمتد إلى سنين طوال، فابن فضلان سفير الخليفة العباسي في القرن الميلادي التاسع إلى أوربا، وتحديدا إلى دولة البلغار، سبق وإن استغرب من رؤية النساء والرجال يسبحون سوية في البحر عراة من غير ملابس تسترهم، دون أن يشعروا بالخجل من كشف عوراتهم(27) وهذا الموروث التاريخي هو الذي جعلهم يغيرون المصطلحات لتخدمهم فيتحول الفعل الشنيع إلى كلمة تهفو إليها النفوس، كما في قول الكاتب والناقد كريستوفر هيتشنز: "حسنا، المثلية الجنسية ليست شكلًا من أشكال الجنس، بل إنها شكل من أشكال الحب". ولكننا نرفض أن يقسرونا على قبول مواريثهم وتطبيقها في مجتمعاتنا!

إن هذا الرفض سيبدو خجلا مرتبكا مترددا أمام المغناطيسية التي يسلطها ذلك الموروث والواقع الذي تكلمنا عنه؛ على مجتمعاتنا المعاصرة، فما يحدث في بعض بلداننا العربية والإسلامية اليوم، تحت ضغط ما يعرف بمنظمات حقوق الإنسان المدعومة من الغرب، يؤكد أنها بدأت بمجموعها تتحول إلى بلدان (شاذة)، لأنها عجزت عن رد المؤامرات التي تحاك ضدها، بعد أن انشغل قادتها بترفهم ونعيمهم، ولاسيما وأن هناك اليوم دولا إسلامية تتبنى الترويج للقضية!

فتركيا مثلا تعتبر زعيمة الموقف المتساهل، فهي بالرغم من كونها تحكم من قبل الإخوان المسلمين، إلا أن سعيها المحموم لنيل عضوية الإتحاد الأوربي، دفعها إلى التنازل عن كثير من ثوابتها العقدية. نعم قد تكون القوانين التركية التي سنها كمال أتاتورك في سعيه لتطهير تركيا من موروثها الديني، وأملا بترسيخ روح العلمانية  أحد الأمور التي يسرت للمثلية سرعة الانتشار، فلطالما كانت نشاطات وحركات المثليين منذ تأسيس تركيا الحديثة في عام 1923 تعتبر فعلا قانونيا لا غبار عليه، وكان للشاذين (المضطهدين) حق طلب اللجوء إلى تركيا هربا من الاضطهاد بموجب اتفاقية جنيف منذ عام 1951، لكن حمى نيل عضوية الاتحاد الأوربي، دفع الحكام الأتراك منذ عام 1988 إلى السماح للمتحولين جنسياً بتغيير تعريف جنسهم في الوثائق القانونية الحكومية ليصبح وجودهم معا شرعيا. وتحولت تركيا بموجب هذه القوانين إلى ملاذ آمن للمثليين الجنسيين المسلمين، وهو ما شجع بعض المسلمين على ارتكاب هذا الفعل؛ الذي بدأ ينمو ويتوسع بشكل مخيف. ففي أحد بلداننا العربية المعروفة بطابعها الإسلامي ونظام حكمها شبه المستقر؛ وهي المملكة المغربية وحدها توجد اليوم عدة جمعيات للشواذ والمثليين منها في الأقل ثلاث جمعيات باتت معروفة عالميا هي: (كيف كيف) و(أصوات) و(أقليات) وأن بعض أعضاء هذه الجمعيات، ومنهم المثلية المغربية صاحبة شعار (حبوا ما شئتم أين ما شئتم) المدعوة (هاجر متوكل)، والتي تبلغ الثالثة والعشرين من العمر وتقيم برفقة شريكتها (هدى) في تركيا، بلغت بهم الجرأة ليكتبوا مذكراتهم وينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي بغية الحصول على دعم دولي أكبر للمطالبة بحقوق المثليين المغاربة والعرب! وبعضهم الآخر ومنهم (عبد الله الطايع) المقيم في فرنسا؛ لم يكتفوا بالجهر بمثليتهم فحسب بل وجعلوا الحديث عنها موضوعا ثقافيا أساسيا، حيث كانت المثلية محور مؤلفات (الطايع) مثل: (كآبة عربية)، (مغربي أنا)، (أحمر الطربوش)، بحجة أنه يدعو إلى احترام اختيارات الفرد في الحياة.

إن تفشي هذه الظاهرة في المملكة المغربية المحافظة والمتدينة يؤكد يقينا أن القوانين السارية في بلداننا الإسلامية اليوم أعجز من أن تتصدى لانتشار هذه الظاهرة الموروثة، فالمعروف أن في القانون الجنائي المغربي وتحديدا في المادة رقم 489 نص على: (أن كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات) وان هذه الجمعيات الثلاث والجمعيات الأخرى تطالب بحذف هذه المادة وقد نظمت عدة استفتاءات حصل بعضها على دعم دولي.

وأنا لا أدين المغاربة بموضوعي هذا، فأنا أجدهم أكثر جرأة وشجاعة من كثير من العرب، ولاسيما الدول العربية ذات المنهج الإسلامي المتشدد، كما هي دول الخليج؛ التي وصلت فيها أعداد المثليين والشاذين إلى أرقام خيالية، ولكنهم لا يملكون الجرأة والشجاعة ليعلنوا عن أنفسهم حفاظا على سمعة نظمهم الدينية لكي لا تهتز صورتها أمام الشعوب الإسلامية الفقيرة؛ التي اشتروا ولاءها بأموالهم! وإلا يكفيك أن تذهب إلى www.google.com/trends)) وستجد أعدادا هائلة من أبناء دول الخليج فضلا عن دول إسلامية أخرى، يستخدمون الكلمات الخاصة بالشذوذ وحده للبحث عما يرغبون بمشاهدته، حيث تبين من خلال متابعتي وبحثي أن السعودية ومصر  والإمارات والفلبين وتركيا وباكستان من أكثر دول العالم استخداما لكلمات محددة تدل على بعض أنواع الشذوذ، وهي: DONKEY SEX و GAY SEX و (ASS SEX)

ومن المؤكد أن هذا التبدل في الموقف العربي الإسلامي من الشذوذ، وتقبله، ووجود من يدافع عنه وعن مريديه ليس وليد الساعة، فهناك في تاريخنا الكثير من الشواهد على رسوخ هذه العادة في عقول كثير من الخلفاء المسلمين وقادتهم والمترفين من أتباعهم، هي التي أعطت انطباعا للآخرين من أبناء الأمة عن التسامح مع الشذوذ أو السماح به عرفا وشرعا،  بعد أن روج له الشعراء الماجنون، مثل قول ابن أبي البغل:

وإلا فالصغار ألذ طعماً    وأحلى إن أردت بهم فعالاً

وحتى قبل ابن أبي البغل كان سلوك الشذوذ قد بنى قاعدة متينة في مجتمع المسلمين منذ أن أسهمت الفتوح (الإسلامية) في إدخال ألوف الغلمان اليافعين الجذابين من أبناء البلدان ذات البشرة البيضاء، المفتوحة قسرا إلى دولة الإسلام في زمن الأمويين، الذين اشتهر بعض خلفائهم بالشذوذ، مثل الوليد بن يزيد بن عبد الملك، الذي قال عنه الذهبي: "لم يصح عن الوليد كفر ولا زندقة بل اشتهر بالخمر والتلوط"(28) وقال عنه السيوطي: "وكان فاسقا، شريبا للخمر، منتهكا حرمات الله، أراد الحج ليشرب فوق ظهر الكعبة"(29) وقد وصل الانحطاط بهذا الخليفة أنه راود أخاه سليمان عن نفسه، قال السيوطي: "ولما قتل، وقطع رأسه، وجيء به يزيد الناقص، نصبه على رمح، فنظر إليه أخوه سليمان بن يزيد، فقال: بعدا له، أشهد أنه كان شروبا للخمر، ما جنا، فاسقا، ولقد راودني عن نفسي"(30)

أما في زمن الخلفاء العباسيين، فقد وصل الشذوذ إلى مستواه الأعلى وتحول إلى ظاهرة، فالعباسيين وإن كانوا في أول دولتهم يظهرون الالتزام حيث كان السفاح يجلس للشرب وبينه وبين ندمائه مسافة عشرة أمتار(31) إلا أن المهدي سرعان ما غير، وجلس معهم، وتلا الهادي فكان يتناول الخمر في مجلس ندمائه ويلعب معهم(32) وبعدها تصاعدت حمى الشذوذ بين الخلفاء لدرجة أن الخليفة الأمين "طلب الخصيان، وابتاعهم، وغالى بهم، وصيّرهم لخلوته في ليله ونهاره... ورفض النساء الحرائر والإماء"(33) وقال السيوطي: "لما ملك الأمين ابتاع الخصيان، وغالى بهم، وصيرهم لخلوته ورفض النساء والجواري.. ووجه إلى البلدان في طلب الملهين"(34) أما المعتصم فكان له  غلام يقال له عجيب لم ير الناس مثله، وكان شغوفا به"(35) والواثق، كان يحب غلاما خادما، أهدي له من مصر"(36) والمتوكل كان منهمكا في اللذات والشراب، وكان له أربعة آلاف سرية، ووطئ الجميع، وامتلك عشيقاً اسمه شاهك(37). وهكذا كان باقي الخلفاء، ومثلهم ذوي السلطة والجاه من الأعاجم الذين تسلطوا على مقادير الأمة باسم الدين من ترك وفرس وغيرهم. وهذا يعني أن جميع هؤلاء بما فيهم (أمراء المؤمنين) العرب والأعاجم؛ الذين حكموا العالم الإسلامي، كانوا شواذا بامتياز، ولذا لا غرابة أن تتفشى ظاهرة الشذوذ في المجتمع بشكل ظاهرة عريضة. بمعنى أن الحكومات التي قادت العالم الإسلامي باسم الدين لعبت دورا كبيرا في إفساد المجتمع المسلم، وهم يتحملون الوزر الأكبر، فالناس طوع ما يتعلمون، وهذا ما أكدته نظريات التعلم الحديثة التي اعتبرت التعلم بالنمذجة أحد أهم طرائق التعليم.

 

صالح الطائي - باحث

.........................

الهوامش

(1) سفر اللاويين،20:13 .

(2) المصدر نفسه: 18.

(3) الكتاب المقدس.

(4) الأعراف: 80ـ 81.

(5) الشعراء: 65ـ66.

(6) الأنبياء:74.

(7) الأعراف:157.

(8) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج9/ص197.

(9) النمل:54ـ55.

(10) الأعراف:33.

(11) الحجر:74.

(12) الأعراف: 84.

(13) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة الأعراف.

(14) النووي، المجموع شرح المهذب.

(15) رواه الترمذي (1456) وأبو داود (4462) وابن ماجه (2561).

(16) الألباني، صحيح الجامع الصغير وزياداته،  برقم 5891.

(17) المصدر نفسه.

(18) أحمد بن حنبل، المسند، (2915).

(19) ينظر: شرح زاد المستقنع، الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي.

(20) المقدمة في الأصول، باب القول في الحدود هل تؤخذ من جهة القياس.

(21) محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، نيل الأوطار.

(22) محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد

(23) تاريخ الخلفاء، جلال الدين السيوطي.

(24) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام.

(25) عمرو بن بحر بن محبوب، الحيوان.

(26) رواه الترمذي وابن ماجة.

(27) أحمد بن العباس بن رشيد بن حماد ابن فضلان، رحلة ابن فضلان.

(28) محمد بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن عثمان الذهبي، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، وجلال الدين السيوطي، تاريخ الخلفاء للسيوطي

(29) السيوطي، المصدر نفسه.

(30) المصدر نفسه.

(31) المصدر نفسه.

(32) المصدر نفسه.

(33) الطبري، تاريخ الأمم والملوك.

(34) السيوطي، تاريخ الخلفاء.

035) المصدر نفسه

(36) المصدر نفسه.

(37) المصدر نفسه.

 

923-yousifالقسم الثاني من مقالة مجلة المورد التراثية والغزو المغولي للعراق سنة 656هـ/1258م (العدد الأول، سنة 2013م)، التي كتبها الدكتور محمد حسن سهيل والأستاذ محمود محسن داود.

سنة 1979م نشر كاتبُ هذه السطور في مجلة آفاق عربية بحثاً عن أبي حيان التوحيدي، وكنتُ لما أزل في الصف الثاني من دراستي الجامعية؛ وصادف أن الأكاديمي العراقي المعروف الدكتور عبد الأمير الأعسم قد سلَّم للمطبعة كتابه القيِّم أبو حيان التوحيدي في كتاب المقابسات الذي صدرت طبعته الأولى سنة 1980م، فوجدته قد أشار إلى بحثي المذكور بالعبارة التالية: (صادفَ أن اطَّلعتُ ـ وكتابُنا هذا في المطبعة ـ على مقالة ليوسف محمد علي تحت عنوان أبو حيان التوحيدي هل انتحر؟، نُشرت في مجلة آفاق عربية، كانون الأول، 1979، بغداد، السنة 5، العدد 4، ص 114 ـ 120)(1).

 لقد كبر الباحث الأعسم في عيني كثيراً ليس لأنه أشار إلى بحثي المذكور، لكنه أشعرني ـ وأنا الباحث المهتم بالتوحيدي ـ أنه يحترم قرَّاءه الذين كنتُ واحداً منهم، وأنه يقول لقرَّائه: من أجل فائدتكم، لقد بقيتُ أتابع بحثي هذا الذي ستقرأونه إلى اللحظات الأخيرة التي كان يوشك فيها على مغادرة المطبعة. وبذلك أثبتَ أنه كان مخلصاً لبحثه أيَّما إخلاص.

الأمر الثاني حدث عندما التقيت في أحد صباحات الجمعة في مقهى الزهاوي بشارع الرشيد العَلَمَ العراقي النابه في الترجمة والأدب أستاذنا المرحوم الدكتور أكرم فاضل (1918 ـ 1987م)، وكنت ألتقيه مستفيداً منه ومن جمع من رجالات الأدب والصحافة هناك، فذكر لي أنه اشترى نسخة إضافية من مجلة آفاق عربية التي تضمنَّت بحثي عن التوحيدي، وأرسلها إلى الباحث الفرنسي مارك بيرجيه الذي كان قد تقدم إلى السوربون بأطروحته بحث في الشخصية الأخلاقية والعقلانية لأبي حيان التوحيدي، ونوقشت سنة 1974م(2)، وعندما سألته رحمه الله عن السبب في ذلك، قال لي إن بيرجيه كان قد كلَّفه أن يتكرَّم عليه فيبعث إليه بما يتيسَّر له مما يُنشر بالعربية عن أبي حيان التوحيدي. وهنا أيضاً شعرت باحترام لهذا الباحث الذي أتمنى لو يتصدى أحد مترجمينا لترجمة كتابه بغيةَ إثراء دراساتنا عن التوحيدي(3)، فالرجل لم يقنع بما حققه عندما نال شهادة الدكتوراه، بل بقي يتابع بحثه هذا بقراءة ما يستجد بشأنه بعد ذلك.

وإنما عرَّجت على هذين الأمرين لأنني وجدت الأستاذين الفاضلين الدكتور محمد حسن سهيل والأستاذ محمود محسن داود قد حصرا استفادتهما في مقالهما المنشور في مجلة المورد من المصادر والمراجع بما طُبع منها بين السنين الواقعة بين 1907م، السنة التي طبع فيها كتاب تاريخ دول الإسلام لرزق الله منقريوس الصدفي (وليس منقريوش ولا الصوفي كما كتبه هذان الفاضلان ثلاث مرات)  وسنة 1988م التي طَبَعَ فيها سلمان التكريتي (1931 ـ  ) كتابه بغداد مدينة السلام؛ أي أن هذين الأستاذين لم يطِّلعا على أي كتاب أو بحث صدر بعد سنة 1988م، وهذا يعني أن بحث الأستاذين أُصيب بالشلل فانقطع عن متابعة ما نُشر من كتب وبحوث مدةً استمرت طوال 28 عاماً. وما أكثر ما صدر في موضوع بحثهما بعد هذا التاريخ من بحوث وكتب نفيسة يقف في مقدمتها كتاب مختصر تاريخ بغداد في القديم والحديث للباحث العراقي علي ظريف الأعظمي الذي صدرت طبعته الثانية سنة 2005م (كانت طبعته الأولى قد صدرت سنة 1926م)؛ وكتاب الباحث السعودي الدكتور سعد بن محمد حذيفة الغامدي سقوط الدولة العباسية ودَور الشيعة بين الحقيقة والاتهام الصادر سنة 2004م، وكلاهما متوفر في السوق والمكتبات. ولو اطَّلعا على هذين الكتابين فقط لكانا كافيين لأن ينقلا لهما صورة شاملة تجعلهما محيطين بزوايا الموضوع الذي كتبا فيه. كما لم يستندا إلى الكتاب الخطير الذي لا يمكن لأي باحث في التاريخ المغولي أن يهمله، وهو كتاب تلخيص مجمع الآداب لمواطن البغدادي ابن الفوطي الشيباني الحنبلي (642 ـ 723هـ)، الذي كان في بغداد حين اجتاحها المغول ووقع هو وأخوه في أسرهم ومكث أسيراً لديهم ثلاث سنوات.

فأين هذا القصور والتقصير الذي وجدناه في مقالة الأستاذين الفاضلين سهيل وداود، مما شاهدناه من متابعة دقيقة لدى الأكاديميينِ الأعسم وبيرجيه؟

 

أين هو الجديد في مقال الأستاذين الفاضلين؟

923-yousifبصفتي تلميذاً خاض غمار موضوع الغزو المغولي للعراق وغيره وبقيت متابعاً ما ينشر بهذا الشأن من بحوث وكتب، توقعتُ أن أجد شيئاً جديداً أنتفع به فيما كتبه الأستاذان الكريمان سهيل وداود من اقتباس من مخطوطة جديدة أو رأي جديد لأحد الباحثين بهذا الشأن، لكنني  لم أجد إلا نقولاً رُصفت إلى جانب بعضها بغية تكوين موضوع ينتهي منه الكاتبان وكأنهما قد دُفعا إلى ذلك كُرهاً. بل إنَّ بعض نقولِهما اقتُبست من كتب كانت عاراً على مؤلِّفيها سَجيسَ الليالي والأيام مثل كتاب زوال الخلافة العباسية من بغداد على أيدي المغول(4) لمصطفى طه بدر، وكتاب بغداد مدينة السلام وغزو المغول لسلمان التكريتي الذي ألمعنا إلى ما فيه من بؤس في القسم الأول من بحثنا هذا.     

وإنَّ كتاب الدكتور المصري مصطفى طه بدر رسالة نال بها درجة الماجستير من كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول سنة 1939م، وقد أشرف عليها الباحث المعروف الدكتور حسن إبراهيم حسن. وهو كتاب لم يُحْسِن فيه كاتبه حتى فهم النصوص المكتوبة بالعربية، بل إنه لم يُشِر حتى إلى رأي المشرف على رسالته الدكتور حسن إبراهيم حسن في أسباب الغزو المغولي الذي ردَّ فيه على روايات المؤرخين المتأخرين التي أصرَّت على دَوْرٍ خِيانيّ مزعوم لابن العَلْقَميّ في احتلال بغداد، بالقول: (على أن هذه الآراء لا تتفق مع هذه الحقيقة التأريخية وهي أنَّ فتح المغول بغداد كان جزءاً من مشروع سياسي يهدف إلى اتِّساع رقعة إمبراطورية المغول بعد أن تمَّ لهم فتح إمبراطورية الصين الشمالية وأواسط آسيا وإيران وجورجيا والقوقاز والروسيا وبولندا وغيرها. أضف على ذلك أنَّ قَتْلَ المغولِ أهلَ بغداد قد شملَ السُّنِّيين كما شمل الشيعيين الذين نُهبت دُورُهم في الكرخ وهي محلة الشيعة ببغداد...)(5). وقد ناقشنا الدكتور مصطفى طه بدر في كتابنا إعادة كتابة التاريخ (الطبعة الثانية)، 261 ـ 288، وناقشنا أيضاً كتاب السيد سلمان التكريتي (ص 365 ـ 374).

لا يفوتنا أن نشير إلى ما في بحث الأستاذين الفاضلين من أمور أحسنا فيها القول لدى ذكرهما حقائق واضحة مثل قولهما: (إن موقف الخلافة من المغول كان منطوياً على الضعف والتخاذل...)، وقولهما: (بلغت الخلافة ذروة ضعفها في عهد المستعصم بالله الذي وصفه المؤرخون بالغفلة وضعف الرأي وقلة العزم، وكان أخطر ما أقدم عليه الخليفة الجديد هو إهماله الجيش وإمساكه عن الإنفاق على الجند...)، وقولهما: (إن الخلفاء لم يهتموا بالأخطار التي كانت تهدد البلاد سواء من الشرق أم الغرب، على الرغم من أصوات الاستغاثة...).

لكن الطامة الكبرى أنهما ردَّدا ما دأب بعض كتَّاب الدرجة العاشرة ممن لا دراية لهم بالتاريخ على ذكره، مستندين إلى الرواية الشامية/ المصرية الكاذبة التي دُوِّنت بإشراف الشيخ ابن تيمية ومَن أحاط به من مريديه أمثال الذهبي وابن كثير وغيرهما ممن قال السبكي في تأثيره السلبي فيهم: (واعلمْ أن هذه الرفقة ـ أعني المزي والذهبي والبرزالي وكثيراً مِن أتباعهم ـ أضرَّ بهم أبو العباس ابنُ تيمية إضراراً بيِّناً، وحَمَّلَهم على عظائم الأمور أمراً ليس هيِّناً)(6). وإنَّ هذه الرواية لا قيمة لها كما سنرى.

 فلنقرأ قول الأستاذين الفاضلين محمد حسن سهيل ومحمود محسن داود عن عهد المستعصم بالله آخر الخلفاء العباسيين: (فازدادت الفتن في زمانه وازداد التذمر وازداد تدهور الحياة الاقتصادية، وانتشر الغلاء، وسيطر اللصوص والشطَّار والعيَّارون يسرقون أمام الشرطة وصاحبها بالتواطؤ معه؛ والخليفة لا يحاسب صاحب الشرطة ولا الوزير الذي سيطر على جميع أمور البلاد وولاياتها التي انفصلت أو استقلت، والوزير ابن العلقمي يمهِّد للانقلاب، لهذا التدهور والتذمر والافتتان، حتى يسهِّل تمرير المؤامرة لإزالة السيادة العربية وإسقاط الخلافة العباسية) (ص54 من مقالهما). وقد ذكرا أنهما نقلا هذا الكلام من الكاتب المعاصر سلمان التكريتي الذي قلنا إن كتابه يمثِّل أقصى درجات الضعف والبؤس في الكتابة التاريخية، وكان على الأستاذين الفاضلين ـ إنْ كان لهما اطِّلاع ولو إجمالي بالموضوع الذي اختارا الكتابة فيه ـ أنْ يعلما أنَّ ما كتبه السيد التكريتي لا علاقة له إطلاقاً بالبحث العلمي، وأن ما كتبه هو نصوص دعائية لسدِّ الحاجة الإعلامية للحرب العراقية/ الإيرانية التي كان أوارها مشتعلاً، وقودُه أرواح البشر وما تكتبه الأقلام التي آثرت العيش والتنعم على حساب عذابات الآخرين، وكان ينبغي للأستاذين الفاضلين أن يختارا بعناية مصادرهما ومراجعهما بدلَ أن يتناولا أقرب كتاب تقع عليه أنظارهما حتى لو كان كتاباً دعائياً عديم القيمة ككتاب السيد سلمان التكريتي الذي أضرَّ كثيراً ـ فضلاً عن أمور أخرى ـ بمصداقية بحثهما.

وقد ذكرنا في القسم الأول أن الوزير ابن العلقمي هو الذي نبَّه الخليفة على وجود دسيسة لعزله سيقوم بها قائد الجيش الدويدار الصغير، مما أهاج الدويدار وجعل العلاقة بينه وبين ابن العلقمي تزداد توتراً، وهي أمور وردت في كتاب الحوادث، وفصَّلها أيضاً المؤرخ رشيد الدين الهمذاني.

نقلنا في القسم الأول فرية الخيانة التي أُلصقت بالوزير ابن العلقمي التي انطلق قلما الأستاذين سهيل وداود ليعبِّرا عنها بقولهما: (كان الوزير مؤيد الدين بن العلقمي يتصل بالمغول ويدعوهم للقضاء على الخلافة، ويمهِّد الطريق لهم بتسريح الجيوش وكَتْم أنبائهم عن الخليفة والتقليل من شأنهم) (ص 55). وحان الآن وقت الكشف عن الرواية التي تتحدث عن ذلك الاتصال المزعوم بين الوزير وبين المغول:

تقول هذه الرواية إن الوزير ابن العلقمي اتصل بالمغول بعد سنة 654هـ وهي السنة التي أغار فيها جيش الخليفة المستعصم بقيادة الدويدار الصغير وأحد أنجال الخليفة على محلة الكرخ الشيعية بعد أن اتُّهم أهلها بقتل شاب سُنِّيّ بغدادي من أهل محلة قطفتا، حيث ارتكب الجيش العباسي ومعه أفواج من الأوباش والأراذل الفظائع من قتل ونهب واغتصاب وإحراق وتدمير للمتلكات مما ذكره المؤرخون الذين ننقل فيما يلي أقوال بعضهم بهذا الشأن:

يقول مؤلف كتاب الحوادث وهو كتاب موثوق لاستناده إلى المؤرخين البغاددة الذين كانوا ببغداد عند حدوث تلك الوقائع: (ركب الجند إليهم وتبعهم العوام ونهبوا محلة الكَرْخ وأحرقوا عدة مواضع وسبوا كثيراً من النساء والعلويات الخَفِرات وسفكوا الدماء وعملوا كلَّ منكر. وكان الجندُ والعواميتغلَّبون على مَن قد نَهَبَ شيئاً فيأخذونه منه.

 وعظمت الحالُ في ذلك، فخوطب الخليفة في أمرهم، فأمرَ بالكفِّ عنهم ونوديَ بالأمان.

 فدخل جماعة من أهل الكَرْخ إلى منازلهم وقد تخلَّف بها قومٌ من العوام وغيرهم، فقتلوهم. ثم تقدَّمَ الخليفةُ إلى الجند وغيرهم بإحضار ما نهبوه إلى باب النوبي، فأحضروا شيئاً كثيراً، فَرَدَّ على كلِّ مَن قد عُرِفَ مالُه ما وجده، وكان شيئاً لا يُحصى كثرةً. ونُودِيَ بحمل النساء والأسرى إلى دار الرقيق، فحُمِلوا وأُعيدوا إلى أربابهم. ثم حُصِّلَ الذي كانت الفتنةُ بسببه وقُتِلَ، وصُلِبَ قاتلُ القَطُفْتي بباب الكَرْخ)(7).

وقال الأشرف الغساني: (فَتَقَدَّمَ بزجرهم وردعهم، فَهَجَمَ عليهم العامة ونهبوا عدة مواضع من محلَّتهم، وسبوا نساءً، فعظم الأمر)(8).

 وقال المكين جرجس: (إن الخليفة المستعصم بالله أمر بنهب الكَرْخ وجميعه من شيعة علي بن أبي طالب، فنهبهم العوام وأخذوا أموالهم وجميع نعمتهم ونسوانهم وأولادهم، وأباعوا بناتهم)(9).

وقال ابن واصل الشافعي إن فتنة حدثت بين أهل باب البصرة وأهل الكَرْخ: (فشكا أهل باب البصرة ذلك إلى ركن الدين الدواة دار والأمير أبي بكر بن الخليفة، فتقدَّما إلى الجُنْد بنهب الكَرْخ فهجَموا الكَرْخ وقَتَلوا ونهبوا وهجموا على النساء وارتكبوا فيهنَّ العظائم)(10).

 وكرَّر اليونيني الحنبلي كلامه(11)، لكنه أبقى عبارة (ارتكاب العظائم)، وحذف (في النساء).

وقال وَصَّاف الحَضْرة إن (الأمير أبا بكر نجل الخليفة لتعصُّبه وحمايته لأهل السنة والجماعة الذين تجاوزوا حدَّ الاعتدال، أرسل مجموعة من الجنود وأمرهم بنهب محلة الكَرْخ التي يسكنها الشيعة، فأسروا بعض سادات بني هاشم، وأخرجوا من البيوت البنين والبنات في حال فاضح، حفاة عراة حاسرات)(12).

وقال أبو الفداء الشافعي: (فأمرَ أبو بكر ابن الخليفة وركنُ الدين الدوادار العسكرَ فنهبوا الكَرْخ وهتكوا النساءَ وركبوا منهن الفواحش)(13).

ويربط النويري الشافعي بين هذه الاستباحة وما قيل من أن ابن العلقمي غضب لذلك فدعا المغول لغزو العراق ــ وهو أمر نجده لدى غيره من بعض من حاولوا أن يجدوا تفسيراً للغزو المغولي ــ فيقول: (وكان الذي بعث هولاكو على قصد بغداد أن الوزير مؤيد الدين محمد ابن العلقمي كان شيعياً والشيعة يسكنون بالكرخ وهي محلة مشهورة بالجانب الغربي من بغداد، فأحدث أهلها حدَثاً فأمر الخليفة ينهبِهم فنهبهم العَوام، فوجد الوزير لذلك وكاتب هولاكو، وأخذ في التدبير على الخليفة وقطع أرزاق الجند، وأضعفَهم حتى تمكّن التتار من أخذ البلاد)(14).

وقال الذهبي الشافعي: ( قتل أهل الكَرْخ رجلاً من قطفتا، فحمله أهلُه إلى باب النوبي ودخل جماعة إلى الخليفة وعظموا ذلك ونسبوا أهل الكَرْخ إلى كل فساد فأمر بردعهم.

1041-yosef فركب الجند إليهم وتبعهم الغوغاء فنهب الكَرْخ وأحرقت عدة مواضع وسبوا العلويات وقتلوا عِدَّةً، واشتد الخطب ثم أخمدت الفتنة بعد بلاء كبير وصُلِب قاتل الأول)(15).

وأورد ابن شاكر الشافعي(16) خبر الذهبي، وحَذَفَ منه سبيَ النساء.

وأحسَّ ابن كثير الشافعي بفداحة ما ارتكبه الخليفة ونجله وقائد الجيش الدُّوَيْدار الصغير الذين عاقبوا أهالي محلة بأسرهم وقتلوهم وانتهكوا أعراض نسائهم واغتصبوا بناتهم وخطفوهن وباعوهن، على جريمة ارتكبها واحد من سكانها، لذا لم يذكر السبب الحقيقي لبداية الواقعة ثم جعلَها سبباً لاتصال ابن العَلْقَمِيّ بالمغول، فقال:

 (كانت فتنة عظيمة ببغداد بين الرافضة وأهل السنة فنهب الكَرْخ ودور الرافضة حتى دور قرابات الوزير ابن العَلْقَمِيّ وكان ذلك من أقوى الاسباب في ممالأته للتتار)(17).

 وكذلك فعل القلقشندي الشافعي حين قال: (فجرى بينهم وبين أهل السنة فتنة ببغداد فأمر أبو بكر بن الخليفة المستعصم ركن الدين دوادار العسكر ونهبوا الكَرْخ وهتكوا النساء وزادوا فركبوا منهنَّ الفواحش)(18).

 أما السُّبْكيّ الشافعي فلم يذكر مقتل الشاب القطفتي، وقال: (وكان ابن العَلْقَمِيّ معادياً للأمير أبي بكر بن الخليفة وللدويدار لأنهما كانا من أهل السُّنة، ونهبا الكَرْخ ببغداد حين سمعا عن الروافض أنهم تعرَّضوا لأهل السنة، وفَعَلاَ بالروافض أموراً عظيمة)(19).

وقال بدر الدين العيني الحنفي: (وفي تاريخ النويري: وكان سبب ذلك أو وزير الخليفة مؤيد الدين بن العلقمي كان رافضياً، وكان أهل الكرخ روافض فجرت فتنة بين السنة والشيعة ببغداد على جاري عادتهم في السنة الماضية، فأمر أبو بكر ابن الخليفة وركن الدين الدوادار العساكر، فنهبوا الكرخ، وهتكوا النساء وركبوا فيهن الفواحش، فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمى، وكاتب التتار وأطمعهم في ملك بغداد)(20).

وكذلك فعل الديار بكري المالكي الذي قال: (في سنة 655 حدثت فتنة مهولة ببغداد بين السنية والرافضة أدَّت إلى نهب عظيم وخراب وقتل عدة من الرافضة، فتنمَّر ابن العَلْقَمِيّ الوزير وجسَّرَ التتار على العراق ليشتفي من السُّنية)(21). وكلامه هذا موجود بنصه لدى الذهبي(22).

 

فِرية اتصال ابن العلقمي بالمغول

وإنما وصفناها بالفرية للسبب التالي:  إنَّ كل مؤرخ حاول الربط بين واقعة استباحة الجيش العباسي للجانب الغربي من بغداد (الكرخ) وبين اتصال الوزير ابن العلقمي المزعوم بالمغول كان كاذباً متعمِّداً ويعلم أنه قد اختلق هذه الرواية اختلاقاً، ذلك أن المغول بقيادة هولاكو كانوا قد تحركوا منذ سنة 650هـ لغزو قلاع الإسماعيلية في إيران ولغزو العراق وبلاد الشام، أي قبل أربع سنوات من حدوث استباحة الجيش العباسي لمحلة الكرخ. ترى مَن الذي كان اتصل بهلاكو آنذاك ودعاه للتحرك بجيشه؟ فهذا مؤلف كتاب الحوادث مثلاً يقول في وقائع سنة 651هـ: (فيها سيَّر منكو خان إلى ما وراء النهر وما والاها، هولاكو قان وأصحبه عدة من أهل بيته وسيَّر معه جيشاً كثيفاً، فسار من قراقرم إليها وأقام بنواحيها إلى أن مَلَكَ العراق والشام)(23).

 بل إن قوات مغولية كانت موجودة في البلدان المجاورة للعراق وفي داخل الأراضي العراقية في هذه السنة (سنة 650هـ) وهي تغير وتقتل وتسبي، يقول ابن كثير: (فيها وصلت التتار إلى الجزيرة وسروج ورأس العين وما والى هذه البلاد ، فقتلوا وسبوا ونهبوا وخربوا فإنا لله وإنا إليه راجعون . ووقعوا بسنجار يسيرون بين حران ورأس العين ، فأخذوا منهم ست مئة حمل سكر ومعمول من الديار المصرية ، وست مئة ألف دينار ، وكان عدة من قتلوا في هذه السنة من أهل الجزيرة نحواً من عشرة آلاف قتيل ، وأسروا من الولدان والنساء ما يقارب ذلك)(24). وفي تلك السنة (650هـ)  (وصلت عساكر المغول إلى أهل الجبال وأوقعوا بالأكراد وغيرهم وقتلوا وأسروا ونهبوا وسبوا)(25) ؛ فهذه غزوات مغولية وقعت في سنتي 650 و 651هـ، ونتساءل بدَورنا: أي خائن اتصل بهم في تلكما السنتين التي سبقت واقعة استباحة الكرخ بأربع سنين وثلاث سنين ودعاهم لمهاجمة تلك المناطق؟

لقد بحثنا هذا بالتفصيل في كتابنا إعادة كتابة التاريخ وذكرنا أن الغزو المغولي كان بأمر من الملك المغولي منكو قاآن شقيق هولاكو الذي أمره بفتح ما لم يُفتح حتى ذلك الحين من بلاد الغرب، كما وجَّه شقيقه الآخر قوبيلاي خان إلى الشرق لفتح باقي بلاد الصين.

أما الكيفية التي يُزعم أن الوزير ابن العلقمي اتصل بها بالمغول فهي طريفة حقاً؛ حيث يقول أهل هذه القصة إن الوزير ابن العلقمي لما كان رافضياً ( أي شيعياً إمامياً اثني عشرياً)، ورأي ما بسكان محلة الكرخ الشيعة من ظلم وانتهاكات، دفعه (حقده) على أهل السَّنَّة إلى طلب الانتقام فـ (كاتَبَ التتارَ وأطمَعهم في البلاد وأرسل إليهم غلامَه وأخاه)(26). وبغية أن لا تُكتشف رسائله التي سيبعث بها إلى المغول قام بحفر رسالتين على جمجمتي أخيه وأحد غلمانهحتى (صار المكتوبُ فيه كلّ حرف كالحفرة في الرأس، ثم تركه عنده حتى طلع شعرُه وأرسله إليهم. وكان مما كتبه على رأسه: إذا قرأتم الكتابَ فاقطعوه. فوصل إليهم فحلقوا رأسَه وقرأوا ما كَتَبَه ثم قطعوا رأسَ الرسول)(27)، أي أن المغول نفَّذوا ما أمرهم به فقتلوا غلامَه وأخاه. وإن هذا يعني أن القلم المستعمل في الحفر على الجمجمتين لم يكن تقليدياً كالريشة أو القصبة التي تُغمس في الحبر ليكتب بها، بل كان آلة معدنية حادة كإزميلِ حديدٍ مثلاً، مما يمكنه الحفر على الجمجمتين حَفْراً، وأن جمجمتي غلام الوزير وأخيه كانتا من نحاس.

ونعتقد أن الأستاذين محمد حسن سهيل ومحمود محسن داود لم يطّلعا على هذه الرواية ـ التي لا يمكن لعاقل أن يركن إليها ـ وأنهما اكتفيا بما قاله السيد سلمان التكريتي فشايعاه على ذلك.

 

المغول يغزون قريباً من بغداد سنة 618هـ

منذ سنة 618هـ، أي عندما كان عمر ابن العلقمي 15 عاماً فقط؛ دأب المغول على مهاجمة المدن والقرى العراقية ومنها القريبة جداً من بغداد، وتواصلت هجماتهم  حتى 655هـ (قبل احتلالهم بغداد بعام واحد)، ففي سنة 618هـ، وصلوا قريباً من بغداد وهم يطاردون السلطان الخوارزمي جلال الدين منكبرني، حيث (وصلت الأخبار بوصول التتر إلى قريب بغداد، وانزعج الخليفة، وأمرَ الناسَ بالقنوت في الصلاة، وحصَّنَ بغداد واستخدمَ العساكر)(28). وقد أغاروا على الري سنة 621هـ، فوضعوا السيف في أهلها، وأغاروا على ساوة ثم على مدن قم وقاشان (وقتلوا أهلهما وخربوهما وألحقوهما بغيرهما من البلاد في الخراب)، كما أغاروا على همذان(29).

وتواصلت غزواتهم على المدن القريبة من العراق وفي داخل حدوده مدة ثمانية وثلاثين عاماً  (618 ــ 656هـ/1221 ــ 1258م)، خلال عهود أربعة خلفاء عباسيين هم الناصر لدين الله والظاهر بأمر الله والمستنصر بالله ثم المستعصم بالله، فغزوا مدناً مثل الموصل وكركوك وداقوق وأربيل والقرى القريبة من بغداد، فضلاً عن غزوهم مدناً في داخل إيران وبلاد الجزيرة، حيث كانوا يفتكون بأهلها ويأسِرون ويَنهَبون، والخلفاء العباسيون عاجزون عن فعل شيء لصدِّهم(30).

ترى أي وزير اتصل بهم آنذاك ودعاهم إلى غزو العراق وما جاوره طوال تلك السنوات؟

إن هذه القصة المختلقة التي ألَّفها شمس الدين الذهبي وتلميذه ابن كثير الشافعي(31)، وهما من مريدي ابن تيمية ومن شايعهما كالسبكي وابن شاكر الكتبي(32) زاد فيها جمع من مؤرخي الشام ومصر على مر القرون؛ وجميعهم قد وُلدوا بعد حدوث الغزو المغولي للعراق بسنين وربما بقرون طويلة، فضلاً عن موقفهم المتشنج بل المعادي لأتباع أهل بيت رسول (ص)، أصبحت هي الرواية الرسمية التي تمسك بها أتباع هذه المدرسة، بحيث لا يكتفى بنقلها بل وبصب اللعنات على هذا الوزير البريء، وربما خشيَ مَن لا يلعنه أن تفوته هذه المكرمة وأن تصيبه من أتباع هذا المدرسة معرَّة؛ مع أن أسطورة اتصال هذا الوزير ـ كما قلنا ـ يكذِّبها الفرق الزمني بين سنة 650هـ التي انطلقت فيها جيوش المغول للغزو وبين سنة 654هـ التي حدثت فيها استباحة محلة الشيعة في الكرخ وقيل إن ابن العلقمي اتصل بعدها بالمغول لينتقم من أهل السُّنة (!!). بل أن اللعن طال حتى المذهب الذي ينتمي إليه ابن العلقمي:

لنأخذ مثلاً الجزء الثالث والعشرين من كتاب سير أعلام النبلاء الذي حققه الفاضلان الدكتور بشار عواد معروف والدكتور محيي هلال السرحان، حيث نقرأ في حاشية ص 184 تعقيباً على ما ذكره الذهبي من أن الوزير ابن العلقمي هو الذي طلب إلى المغول أن يقتلوا الخليفة المستعصم: (أعمى الحقدُ والتعصب هذا الخائن وقُتِلَ الناس ودُمِّرت بلاد الإسلام بسبب حقده وتعصبه واعتقاده الفاسد). وإن القول بأن اعتقاد ابن العلقمي فاسد قد نال من  المذهب الذي ينتمي إليه هذا الوزير الذي كان على المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري، المذهب الذي يتابعُ في عقائده وفقهه القرآنَ والسُّنةَ وما نَقَلَه أئمة آل بيت رسول الله عن جدهم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

وإن هذا الهامش الذي كُتب باسم الفاضلين معروف وسرحان محيِّر، ذلك أننا نعلم أن الدكتور بشار عواد معروف كان قد ردَّ في بحث رصين له على إشاعة اتِّصال ابن العلقمي المزعوم بالمغول بقوله: (مهما يكن من أمر، فإن الذي يبدو لي أن الإشاعة كانت موجودة وهي محتملة الحدوث في تلك الظروف التي كان الناس فيها يبحثون عن سبب مباشر يبررون فيه سقوط المدينة؛ ذلك الأمر الذي ظهر بشكل عنيف على مرِّ العصور متَّخذاً من الوزير مؤيد الدين ابن العَلْقَمِيّ وزير الخليفة المستعصم بالله سبباً في سقوط بغداد وذهاب الخلافة العباسية منها، تلك التهمة التي بقيت عالقة به لمدة طويلة حتى أبان البحث العلمي المستند على الأدلة خَطَلَ تلك التهم وتبرئة ابن العَلْقَمِيّ)(33).

وعليه فنحن لا نعلم بالتحديد مَن هو كاتب ذلك الهامش الذي وُضعَ أسفل الصفحة المذكورة من سير أعلام النبلاء.

للبحث صلة

 

يوسف الهادي – باحث وكاتب

.........................

(1) أشار إليه ضمن المقطع الذي أراد فيه استكمال ما لم يطَّلع عليه الباحث بيرجيه الذي سنشير إلى كتابه لاحقاً وما صدرَ عقب انتهائه من أطروحته (انظر: الأعسم، أبو حيان التوحيدي في كتاب المقابسات، 315، الطبعة الثانية).

(2) عرَّف الدكتور الأعسم بأطروحة بيرجيه هذه في الصفحات 297 ـ 316 من كتابه الذي ذكرناه آنفاً.

(3) كان الباحث والمترجم السوري الدكتور محمود المقداد قد أعلن سنة 2006م أنه سينجز ترجمة  كتاب بيرجيه: أبو حيان التوحيدي، نحو إنسانياتية معيشة.

(4) صدرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب في القاهرة سنة 1946م، وأُعيد طبعه سنة 1999م، ولم يُغَيَّر فيه ولا سطر واحد، ضمن (سلسلة الألف كتاب (الثاني)، الأعمال المختارة، نافذة على الثقافة العالمية)، تحت عنوان: محنة الإسلام الكبرى، أو زوال الخلافة العباسية من بغداد على أيدي المغول.

(5) حسن، تأريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، 4/162.

(6) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 10/400.

(7) مجهول، كتاب الحوادث، 331؛ الذهبي، تأريخ الإسلام، 48/23. وردت استباحة الكَرْخ أيضاً في: طبقات ناصري لمنهاج سراج (2/191، الطبعة الفارسية)، (2/206، الترجمة العربية) بلا تفاصيل؛ مختصر أخبار الخلفاء المنسوب لابن الساعي وهو ليس له جزماً (ص 126)؛ تجزية الأمصار لوصاف الحضرة، الورقتان 36 ــ 37؛ عقد الجمان للعيني ، 170 (حوادث 648 ــ 664هـ).

(8) الأشرف الغساني، العسجد المسبوك، 621.

(9) المكين جرجس، أخبار الأيوبيين، 167. وفي تاج العروس للزبيدي: (أبعْتُهُ إباعةً: عَرَضْتُهُ للبيع).

(10) ابن واصل، مفرج الكروب، 6/214. هجموا: دمَّروه بتمامه. وفي لسان العرب: (انهجمَ: انهدمَ؛ انهجمَ الخباءُ: سَقَطَ). وهو مستعمل في العامية العراقية اليوم، إذا دعوا بالشرِّ على أحدهم قالوا له: اِنْهِجَمْ بيتك.

(11) اليونيني، ذيل مرآة الزمان، 1/86.

(12) وصاف الحضرة، تجزية الأمصار، الورقتان 36، 37؛ مير خواند، روضة الصفا، 5/ الورقة282.

(13) أبو الفداء، المختصر في أخبار البشر، 3/193.

(14) النويري، نهاية الأرب، 23/190.

(15) الذهبي، تأريخ الإسلام، 48/23.

(16) ابن شاكر، عيون التواريخ، 20/131.

(17) ابن كثير، البداية والنهاية، 13/228 ــ 229، انظر أيضاً: 13/234.

(18) القلقشندي، مآثر الإنافة، 2/90.

(19) السبكي، طبقات الشافعية، 8/263. كان الدُّوَيْدار الصغير حنبلياً، والراجح أن نجل الخليفة حنبلي.

(20) العيني، عقد الجمان، 170.

(21) الديار بكري، الخميس، 2/420؛ أصبح مألوفاً لاحقاً القول حدثت فتنة بين السنة والشيعة من غير ذكر مقتل الشاب (مثلاً: حاجي خليفة، تقويم التواريخ، 57أ). وغلط الاثنان في تأريخ الواقعة فالصواب إنه 654هـ.

(22) الذهبي، دول الإسلام، 2/172.

(23) مجهول، كتاب الحوادث، 311.

(24) ابن كثير، البداية والنهاية، 31/213؛ انظر أيضاً: الذهبي، تاريخ الإسلام، 47/67.

(25) مجهول، كتاب الحوادث، 304.

(26) هذا ما ذكره مؤرخو الرواية الشامية/ المصرية ومنهم: ابن واصل، مفرج الكروب، 6/215؛ اليونيني، ذيل مرآة الزمان، 1/87؛ الذهبي، تأريخ الإسلام، 48/34، العبر في خبر من غبر، 5/225، وفيه: (أرسل أخاه ومملوكه)؛  ابن شاكر، عيون التواريخ، 20/132.

(27) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 8/ 262 ــ 263، ويفترض السُّبْكيُّ أن الرسول واحد، ورأينا آنفاً أنهما اثنان: غلامه وأخوه.

(28) سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، 15/610 من الطبعة التي حققها الدكتور كامل سلمان الجبوري وصدرة عن دار الكتب العلمية ببيروت سنة 2013م.

(29) ابن واصل، مفرج الكروب، 4/134 ــ 135، حوادث سنة 621هـ؛ سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، 8/619، حوادث سنة 618هـ.

(30) فصلنا القول في هجماتهم داخل الحدود العراقية في كتابنا إعادة كتابة التاريخ (ص 10ـ 14).

(31) قال عنه (شيخنا أبو عبد الله الذهبي) (انظر: ابن كثير، البداية والنهاية، 13/237، ط علي شيري، وفي 15/317 من الطبعة التي أشرف على تحقيقها الشيخ الأرناؤوط والدكتور بشار عواد معروف الصادرة عن وزارة الأوقاف القطرية سنة 2015م).

(32) كان ابن شاكر معاصراً لابن كثير وكانت بينهما صداقة متينة، وامتدحه ابن كثير في البداية والنهاية (14/345)، وأثنى على تاريخه، كما كان ابن شاكر ينقل من كتاب العبر لشمس الدين الذهبي (انظر: الدكتور فيصل السامر والدكتورة نبيلة عبد المنعم داود، مقدمة عيون التواريخ لابن شاكر، ص (ب، ي، ك)،  حوادث السنوات 505 ـ 555هـ).

(33) معروف، مقالة (الغزو المغولي كما صوَّره ياقوت الحموي)، منشورة في مجلة الأقلام العراقية، السنة الأولى، الجزء 12، ربيع الثاني 1385. الخطل: الكلام الكثير الفاسد.

 

 

 

abdullah badrhskandarذهب جمع من العلماء المتأخرين إلى أن النسخ الوارد في كتاب الله تعالى لا يجب الأخذ به إلا في حالات خاصة باعتبار أن هذا الاتجاه يقلل من شأن القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إضافة إلى عدم وجود الاختلاف في آياته، فإذا شاء صنف آخر من العلماء أن يجعلوا فيه وجهاً للنسخ فهذا لا يتناسب مع الرأي السائد لدى الصنف الأول القاضي بتعارض الآيات مع بعضها في حالة النسخ، وأنت خبير بأن هذا الكلام الدخيل على العلم لا يتناسب مع العلل الكونية التي أوجدها الله تعالى وجعل القرآن الكريم مكملاً للحديث المشاهد فيما بينها، سواء أكان ذلك الحديث مفهوماً كما هو الحال لدى العقلاء أو أن هناك طرقاً أخرى تكفل للفهم الساذج أسراراً جديدة يمكن الوصول إلى معرفتها وبالتالي تكون الدلائل قريبة على رسم الصور البيانية لجميع ما في الكون من تلازم يشير بلسان حاله على أنه آية من آيات الله تعالى، وأنى للإنسان أن يجد ذلك الوضوح إذا كان بعيداً عن تدبر آيات الكون التي يمر بها في كل موقف من مواقف حياته، وهذا التلازم الفعلي يضعنا وجهاً لوجه أمام قوله تعالى: (وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) يوسف 105. ولا يخفى على ذوي البصائر ما في الآية من تكليف مبطن بأسلوب تقريعي لكل من يعرض عن التفكر في خلق الله تعالى وإن كان هذا البيان لا يخرج عن مفهوم العلم الذي هو أعظم أنواع العبادات المفروضة على الإنسان بما هو إنسان دون النظر إلى ما يطرأ عليه من وصف لاحق، ولذلك أظهر الحق سبحانه نتيجة هذا الفعل في قوله: (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون) الأنبياء 30.

وعند التأمل أكثر في آيات الكون يمكن أن نصل إلى ثوابت علمية لا يحسب الإنسان حسابها إلا من خلال ما يحصل عليه من نظائر لتلك الثوابت، وهذا السبق العلمي لا يتحقق إلا عن طريق العناية الإلهية التي بين الله تعالى مقتضياتها في متفرقات كتابه المجيد، ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في قوله تعالى: (فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين) المائدة 31. وهذا يدل على أن العناية التي تقدم ذكرها لا تفارق الإنسان وإن كان بعيداً عن العناوين الإيمانية العريضة التي يخصصها بعض أهل العلم لفئة معينة من الناس دون غيرهم ظناً منهم أن تلك العناية لا تتناسب مع من كان بعيداً عن النهج المستقيم الذي يتردد بين أوساطهم بطريقة مجانبة للحق الذي نستشف تفاصيل معطياته من خلال البيان الشامل المقرر في كتاب الله تعالى وما ذكر في الآية ما هو إلا أمر مكرر وظاهرة تعيد نفسها في كل مرحلة من مراحل الحياة الدنيا التي تعبّد الطريق لمن أراد أن يكتشف بعضاً من الآيات التي أودعها الله سبحانه في هذا الكون، وهذا ما أشرنا إليه في آية سورة يوسف التي أحكمت التشابه الوارد في آية سورة المائدة، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) يونس 24.

من هنا نعلم أن الآيات الكونية ينسخ بعضها بعضاً دون أن يحدث ذلك النسخ إلغاءً تاماً لما أفل منها، وهذا ما يشاهده الإنسان أمامه في جميع فترات حياته أو ما ينقل إليه من أخبار سالفة، ولو سلمنا جدلاً بخلاف ذلك لظل الإنسان معتمداً على كل ما يستجد لديه من محدثات وهذا لا يتقارب مع الواقع المعاش، ويمكن معرفة هذا المعنى من خلال الانتقال الجزئي المحافظ على المفهوم الأول الذي تتفرع عليه جميع المصاديق المستحدثة، وسيمر عليك تفصيل ذلك بصورة أكثر جلاءً في المساحة المخصصة لتفسير آيات البحث:

تفسير آيات البحث:

قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير... ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير... أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل) البقرة 106- 108. للسياق القرآني أثر كبير في فهم المعنى حيث إن البيان المراد من آيات البحث في هذا الموضع لا يقرر النسخ الذي هو على بابه أي نسخ الأحكام بأحكام أخرى أو إزالتها والإتيان بغيرها، وذلك لأن تذييل الآية 106. من موضوع البحث بقوله تعالى: (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) لا يتناسب مع نسخ الأحكام إضافة إلى استمرار السياق بتبيان معنى الملك الذي صدره بالاستفهام التقريري، كل هذا فيه دلالة واضحة على أن المراد ههنا هو نسخ الآيات الكونية وما يتفرع عليها من مصاديق الآيات التي جاء بها الأنبياء وهذا هو الأصل في تقرير الهداية الملزمة التي هي أهم أهداف القرآن الكريم، أما نسخ الآيات القرآنية بآيات أخرى أو تبديلها وإنسائها فهذا يطلب من موضع آخر، كما في قوله تعالى: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون) النحل 101. وكما ترى فإن الاستدلال في آية سورة النحل على ما ذكرنا ليس فيه أدنى ريب وذلك لختامها بلفظ التنزيل دون القدرة كما في أول آيات البحث فتأمل.

وقد ذهب محمد رشيد رضا إلى تقرير هذا المعنى في تفسير المنار وأضاف نقلاً عن شيخه محمد عبده: وأما ذكر القدرة والتقرير بها في الآية الأولى فلا يناسب موضوع الأحكام ونسخها، وإنما يناسب هذا ذكر العلم والحكمة، فلو قال.. ألم تعلم أن الله عليم حكيم.. لكان لنا أن نقول إنه أراد نسخ آيات الأحكام لما اقتضته الحكمة من انتهاء الزمن أو الحال التي كانت فيها تلك الأحكام موافقة للمصلحة، وقد تحيّر العلماء في فهم الإنساء على الوجه الذي ذكروه حتى قال بعضهم إن معنى (ننسها) نتركها على ما هي عليه من غير نسخ وأنت ترى إن هذا وإن صح لغة لا يلتئم مع تفسيرهم إذ لا معنى للإتيان بخير منها مع تركها على حالها غير منسوخة.

وأضاف نقلاً عن أستاذه: والمعنى الصحيح الذي يلتئم مع السياق إلى آخره إن الآية هنا هي ما يؤيد الله تعالى به الأنبياء من الدلائل على نبوتهم أي (ما ننسخ من آية) نقيمها دليلاً على نبوة نبي من الأنبياء أي نزيلها ونترك تأييد نبي آخر بها، أو ننسها الناس لطول العهد بمن جاء بها، فإننا بما لنا من القدرة الكاملة والتصرف في الملك نأتي بخير منها في قوة الإقناع وإثبات النبوة ومثلها في ذلك، ومن كان هذا شأنه في قدرته وسعة ملكه فلا يتقيد بأية خصوصية يمنحها جميع أنبيائه.

والآية في أصل اللغة هي الدليل والحجة والعلامة على صحة الشيء، وسميت جمل القرآن آيات لإنها بإعجازها حجج على صدق النبي ودلائل على أنه مؤيد فيها بالوحي من الله عز وجل من قبيل تسمية الخاص باسم العام. انتهى.. ومن أراد المزيد فليراجع تفسير المنار.

الآية الأخيرة من آيات البحث فيها إشارة ضمنية لمعنى الآيات الكونية ولهذا صدرها الحق سبحانه بالإضراب أي هل تريدون أن تسألوا رسولكم بأن يبدل لكم الآيات، والحقيقة أن هذا الفعل لا يستقيم مع الإيمان وهو خارج عن إرادة النبي نفسه، ولذلك بين أن الأمم السابقة كانت لهم اقتراحات تكاد تكون متقاربة مع طلبات هذه الأمة، ومن هنا جعل اقتراحات قوم موسى بمنزلة المثال لتلك الطلبات التي أرادوها حتى وصل بهم الأمر إلى طلب رؤية الله تعالى التي أشار إليها في قوله: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون) البقرة 55. ثم بين تعالى أن هذا الاقتراح سوف يؤدي بهم إلى تبديل الكفر بالإيمان لأن الباء تدخل على ما يراد تركه، وقد مر عليك تفصيل هذا المعنى في تفسير الآية 61. من السورة نفسها ومن أراد المزيد فليراجع. 

 

 من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن 

     عبدالله بدر اسكندر  

 

abdulhusan shaaban4- المواطنة تاريخياً!: يعود جذر كلمة المواطنة إلى الوطن، وهذا الأخير يكاد يكون ملتبساً أو متماهياً مع مفهوم الدولة، فالدولة هي الإطار التنفيذي والمؤسساتي للوطن، وبالطبع فهي تختلف عن نظام الحكم أو الحكومة بمعنى السلطة.

الوطن هو " المتّحد" الجغرافي الذي تعيش فيه مجموعات بشرية، قومية ودينية وسلالية ولغوية متنوعة أحياناً ومختلفة، أي (شعباً) يسكن في أرض (الإقليم) ولديه سلطة أي (حكومة) ويتمتع بالسيادة أي بحقه في تقرير مصيره دون تسلّط، وهذا المفهوم أقرب إلى فكرة الدولة العصرية. والوطن ليس علاقة عابرة أو ظرفية أو مؤقتة، بل هو مجموعة العلاقات الإنسانية والعاطفية والثقافية والمادية المتحددة في إطار هوّية معينة عمودياً وأفقياً وكل إنسان يوجد في وطن أو يكون منتمياً إلى وطن، ولكن لا يولد المرء مواطناً، بل يكتسب هذه الصفة داخل مجتمعه، لاسيّما من خلال مشاركته واعتماداً على مبادئ الحرية والمساواة والعدالة، والمواطنة في نهاية المطاف هي مجموع المعايير الحقوقية والقانونية المدنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، التي تمكّن الفرد من الانخراط في مجتمع والتفاعل معه إيجاباً والمشاركة في إدارة شؤونه، وهو ما نطلق عليه مصطلح المواطنة العضويّة!

لم يظهر مفهوم الجنسية بوصفها رابطة قانونية وسياسية وأداة للتمييز بين الوطني والأجنبي إلا في وقت متأخر ويرجعه البعض إلى بداية القرن التاسع عشر[32] وقد تعاظم الاهتمام بذلك بتوفير الحماية الفعالة للأفراد.

وإذا كانت الرابطة بين الفرد والجماعة سابقاً تقوم على اعتبارات دينية أو تاريخية "انحدار من أصول معينة" أو الإقامة في رقعة جغرافية بصورة استقرار دائم، فإن العلاقة اتخذت شكلاً آخر في الدولة الحديثة، لاسيّما في إطار فكرة المواطنة.

ففي العهود القديمة كانت الأسرة هي التي تمثل الخلية أو الوحدة التي يجتمع في نطاقها الأفراد، وعن طريق تجمع الأسر تنشأ العشيرة أو القبيلة التي تجمع الأصول العائلية والديانة والاستقرار.

أما مفهوم الأجنبي سابقاً فهو يختلف عن مفهوم الأجنبي حالياً، ففي تلك العهود كان مفهوم الاجنبي هو كل من لا يرتبط مع أفراد القبيلة أو العشيرة بالعوامل المذكورة، مما كان يمكن اعتباره عدواً يستحق القتل أو خصماً يستوجب ابعاده، وظلّت العوامل والأسس العرقية سائدة حتى بعد اجتماع العشائر أو القبائل في مدينة واحدة يحكمها شخص او مجموعة أشخاص كما هو شأن أثينا وسبارطة.

في كتاب " القوانين" يخضع أفلاطون القانون لصالح المجتمع أكثر مما يخضع للأخلاق السامية المجردة. أما أرسطو ففي كتابه " السياسة" يؤكد على ضرورة أن تكون القوانين رشيدة وتلائم "مجتمع الدولة" [33] .

كان المواطنون في بعض المدن اليونانية يتمتعون بحقوق المساواة أمام القانون Isnomia واحترام متعادل للجميع Isotimia وحقوق متساوية في التغيير Isogoria، وتلكم هي الحقوق الاساسية التي أصبحت معروفة في عالمنا المعاصر [34] .

لكن ذلك لم يمنع التمييز بين السادة (النبلاء) وهم المواطنون والعبيد وفئة ثالثة هي المحاربون أو الجند. إعتقد اليونانيون بتفوقهم على سائر الشعوب لذلك كانت الحروب والفتوحات هي أساس العلاقة مع الغير، الآخر، الاجنبي.

حاول الرواقيون الذين اهتموا بالكون والأخوة العالمية أن يربطوا هذه "الحقوق" بالعقل للكائن البشري، في محاولة لتحجيم التمييز.

أما في العهد الروماني فقد كان التمييز بين ثلاثة طوائف:

1-المواطنون، وهم الرومان من سكان عاصمة الامبراطورية.

2-الرومان خارج مدينة روما، ويطلق عليهم اللاتينيون، وإن كان لهم حق التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، الآّ أن الأمر يتوقف على تجنيسهم.

3- البرابرة أو طائفة الأجانب، وهم سكان المناطق المحتلة الذين يخضعون للامبراطورية الرومانية، فهؤلاء يتبعون لقانون خاص بهم يسمى قانون الشعوب Jus Gentium وهو يعتبر استمراراً لفكرة القانون الطبيعي اليونانية التي اقتبسها شيشرون من الفلسفة الرواقية، بالتأكيد على مبدأ العدالة وإعطاء كل ذي حق حقه[35]وفي الواقع فلم يكن رعايا الشعوب يتمتعون بأية حماية قانونية.

أما في القرون الوسطى وتفتّت المجتمع اليوناني- الروماني فقد لعبت الكنيسة بامكانياتها وتنظيمها دوراً كبيراً في تنظيم المجتمع، فقد قال القديس أوغسطين الذي عاش في القرن الخامس، وأنتج أعمالاً متميزة أن "العدالة الحقة" لا توجد في دولة ملحدة، مميزاً بين Concordia و Justicia أي بين " العدالة والحق".

خلال فترة هيمنة الاقطاع ازداد ارتباط الفرد بالارض بحيث أصبح الشخص تابعاً للاقطاعية التي يحكمها أمير أو سيد اقطاعي يملك الارض ومن عليها. ففي هذه الحالة اختفى التمييز الذي كان سائداً بين المواطن أو الوطني والاجنبي، حيث كانت سلطة الاقطاعي تنسحب على سكان المقاطعة بكاملها، وكان حكم كل أجنبي أن يغادرها خلال فترة محددة بموجب أمر من الاقطاعي، لكن الأمر اتخذ منحىً آخر بصعود الأنظمة الملكية التي ألغت النظام الاقطاعي وأصبح الأشخاص يرتبطون بالملك الذي يعتبر حاميهم والمدافع عنهم، في حين كانوا يدفعون له الضرائب ويؤدون الفروض العامة، مرتبطين بشخصه على نحو دائم وأبدي لا انفصام فيه. وقد اتسم عصر النهضة وبخاصة القرنين السادس عشر والسابع عشر باتساع ساحة الفكر السياسي والقانوني لمفكرين كبار مثل جان بودان في فرنسا وهوغو غروشيوس في هولندا وهوبز ولوك في انكلترا وغيرهم.

فقد اهتم بودان بفكرة السيادة في حين أعار غروشيوس اهتمامه للقانون الدولي ولفكرة الدولة والقانون، مؤكداً أن القانون الوضعي يخضع للقانون الطبيعي، أما هوبز فقد أكد على تلازم الحرية والضرورة وعلى الحاكم أن يسد احتياجات الرعية.

أما جان جاك روسو الذي هيأت أفكاره للثورة الفرنسية وبخاصة كتابه " العقد الاجتماعي" ومونتسكيو وكتابه " روح القوانين" فقد اتخذ اتجاهاً آخر، فحسب روسو في نظرية العقد الاجتماعي، أن للأفراد حقوق قبل أن يكونوا في مجتمع منظم، وأن بعض هذه الحقوق غير قابلة للتصرف وعلى الدولة مراعاتها ليس بسبب شروط العقد حسب، بل بسبب طبيعة الإنسان.

أما مونتيسكيو فقد دعا إلى فصل السلطات باعتباره حجر الزاوية في توفير الحرية مؤكداً على الرقابة على السلطات، في حين أكد روسو على مفهوم سيادة الشعب، وإذا كان الناس يولدون غير متساوين، فإنه بموجب العقد الاجتماعي يصبحون متساوين. وقد ذهب الفيلسوف الألماني كانت إلى تأكيد مفهوم الحرية الأخلاقية للإنسان ودور العقل مشيراً إلى إلزام الفرد ببعض التقييدات على حريته تامينا لحرية الغير[36] .

 

5- المواطنة في الإسلام

إذا كانت هذه المقدّمات ضرورية للتفريق بين حقوق المواطن وحقوق الأجنبي في موضوع الجنسية والمواطنة، فلا بدّ من وقفة سريعة عند تطور مفهوم المواطنة في الإسلام، خصوصاً في إطار الدولة العربية - الإسلامية، فالدولة في عهد النبي محمد (ص) بلورت وبخاصة عبر القرآن الكريم قواعد جنينية سياسية ودينية وقضائية لتنظيم المجتمع في عهد وساهمت السنّة أي أحاديث الرسول (ص) في الإجابة على الكثير من الأسئلة التي كان يطرحها المجتمع الإسلامي.

وتطوّر الأمر في عهد الخلافة الراشدية وبخاصة في عهد الخليفة أبو بكر(رض) التي دامت نحو سنتين. وترسّخت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رض)، سواءً ما يتعلق بقضية العطاء في الغنائم وامتيازات المواطنة، وبخاصة المحاربين حيث اعتمد الخليفة الاول مبدأ المساواة دون اعتبار للقدم إلى الدخول في الإسلام أو القرابة من النبي (ص) أو البلاء في الحرب من أجل الإسلام، الأمر الذي خلق إحساساً اسمياً بالمساواة، شجع العديد من العرب على الالتحاق بالجيش الإسلامي [37].

أما أمور القضاء فقد جرى تقاسمها مع الخليفة عمر بن الخطاب (رض) واستحدث منصب مسؤول بيت المال، وسن عمر (رض) في عهده عدة قرارات منها مراتبية إعطيات وإيجاد ديوان للجند مشدّداً على مبدأ القدم في الإسلام والبلاء في خدمته والإنتماء العربي كمعيار للمواطنة أو لمفهوم الجنسية المعاصر.

واتّخذ الخليفة الثالث عثمان بن عفان (رض) التصنيف الذي اتبعه عمر بن الخطاب (رض) دليلاً للانتماء والمواطنة، بل زاد في تضييقه خصوصاً بشأن دور قريش التي نالت حصة الأسد في إعادة التعيينات السياسية والعسكرية، وهو النهج الذي حاول الإمام علي (رض) التوقف عنده، إلاّ أن اندلاع الحرب الأهلية بينه وبين معاوية قد أثر في عناصر الاستقطاب والولاء، وقد شعر بعض الموالين بالغبن الشديد بالرغم مما قدّموه للإسلام فقد جرى " التمييز" في حقهم، في حين دعا الإسلام ويدعو إلى المساواة وفقاً لقول الرسول (ص) " لا فرق بين عربي وأعجمي إلاّ بالتقوى" و" الناس سواسيه كأسنان المشط"، فرغم " إسلامهم وإسهامهم في دفع الديات والمشاركة في القتال وفي الأمور العامة فقد أغلقت دونهم في القرن الأول للإسلام على الأقل الوظائف، التي تعني الولاية على الغير كالامارة والقيادة والقضاء، وأن تولّى بعضهم القضاء، فقد ندر من تولّى مناصب إدارية وعسكرية هامة" [38].

وإذا كان الإسلام ديناً عالمياً يسعى لبسط نفوذه على العالم أجمع، الآّ أنه رغم نزعته الإنسانية فقد كان ينظر إلى العالم في علاقاته الدولية إنه منقسم إلى قسمين، الأول دار الإسلام والثاني دار الحرب، فالدار الأولى تعني الأقاليم التي يبسط المسلمون عليها ولايتهم، وتضم إلى جانب المسلمين أشخاصاً من غير المسلمين، وهم الذميون والمستأمنون. الذميون هم أهل الكتاب، فضلوا الاحتفاظ بديانتهم الأصلية مقابل دفع الجزية، ولذلك فهم مواطنون يتمتعون بالحماية والعيش بأمان، ولكن بشروط في كنف الدولة الإسلامية.

أما المستأمنون، فهم القادمون من دار الحرب إلى دار الإسلام أي انهم "أجانب" دخلوا إلى دار الإسلام بإذن من الدولة الإسلامية سواءً كان لغرض التجارة أو غيرها [39]. أي ان هناك فرقاً بين الذمي والمستأمن، فالذمي من رعايا الدولة الإسلامية، احتفظ بدينه مقابل الجزية والأمان، أما المستأمن فهو الذي جاء من دار الحرب لظرف خاص أو طارئ او مؤقت، والمستأمنون ليسوا مواطنين أو من رعايا الدولة الإسلامية.

أما دار الحرب فهي التي لا تمتد إليها الولاية الإسلامية، ولا تُطبق فيها الشريعة الإسلامية، بل لها نظامها الخاص وقد انعقدت بين دار الإسلام ودار الحرب معاهدات سلام أو هدنات وأطلق عليها (متعاهدة) أو تكون في حالة حرب مع الدولة الإسلامية.

وإذا كانت هذه المقاربة لمفهوم وتطور الجنسية كوجهة نظر معاصرة لفكرة المواطنة أو الرعوية أو غيرها، فإن المفهوم الحديث للجنسية في العالم العربي، لم يظهر الاّ في سنوات متأخرة بفعل الاحتكاك مع اوروبا وبقصد التمييز بين مواطني الدولة الإسلامية وغيرهم من الاجانب. وإذا كان مصطلح " المواطنة" و" المواطن" citizen ( أي الفرد المشارك في الشؤون المدنية والسياسية بحرية) غريباً تماماً في الإسلام على حد تعبير برنارد لويس فلم تعرفه اللغات العربية والفارسية والتركية، حيث يرجع ذلك إلى غياب فكرة المشاركة للمواطنة، وفكرة المشارك للمواطن، فإن الباحث السوداني عبد الوهاب الأفندي يعتبر وجود المسلم رديفاً لكلمة المواطن الحديث، وهو المصطلح الإسلامي الذي يعني انتماء الفرد في بدايات المجتمع الإسلامي والتمتّع بعضوية كاملة وفورية في المجتمع السياسي بالمعنى الايجابي للمواطنة النشطة على كونه مسلماً [40]. وكان الإسلام الأول وبخاصة في عهد النبي (ص) يولي اهتماماً كبيراً لرأي المسلمين، الذين كانوا يعبّرون في لقاءاتهم اليومية لخمس مرّات (أوقات الصلاة) في مقر الحكومة أو البرلمان في الجامع (بمشاركة نسوية ملحوظة) عن تبادل الرأي والاستماع إلى رأي المسلمين والرد على تساؤلاتهم.

وكان بمقدور أي فرد إثارة أية قضية يرغب فيها، لكن توسع وانتشار الدولة الإسلامية وامتداد سلطانها إلى أقاليم بعيدة وبخاصة العراق ومصر، اضطر هؤلاء إلى تصريف أمورهم بأيديهم بعيداً عن الرأي اليومي والحوار المستمر بين مركز الدولة وقيادتها العليا وبين المواطن، وتدريجياً بدأت البيروقراطية والمؤامرات السياسية تبعد المواطن (المسلم) عن المشاركة في تصريف أمور الدولة [41].

وظلت فكرة التمييز بين حقوق " المسلم" و" الغريب" أو " المقيم" من غير المسلمين مستمرة حتى العصر الحديث حيث تداخلت ايجابيا لصالح الاخير بفعل ضغوط غربية للحصول على ما يسمى بنظام الامتيازات Capitulation من الدولة العثمانية للاجانب وبخاصة للمسيحيين، الذين كان الغرب يعلن الرغبة في توفير حماية خاصة لهم ورعاية مصالحهم الدينية والسياسية، وهو ما أعطى انطباعاً أحياناً بأن غير المسلمين الذين حظوا بدعم الغرب تجاوزوا خط الدفاع عن مبدأ المواطنة الكاملة أو المتساوية مع غير المسلمين، إلى الحصول على امتيازات تحت حماية القوى الأجنبية.

ربما يعود جزء من ذلك إلى أن بعض المواقف الإسلامية لم تكن " توافق" أو تؤيد فكرة إقرار مبدأ المواطنة الكاملة صراحة لغير المسلمين، وهو الموقف الذي انعكس لدى البعض من موضوع القوميات و"الأقليات" الدينية والإثنية واللغوية والمذهبية أحياناً، ولعلّ موقف بعض القوى التقليدية المتشدّدة كان الأقرب إلى هذه المواقف، ونعني بها الموقف الملتبس والذي لا يقر مبدأ المساواة التامة والاعتراف بحقوق الغير وحقهم في المواطنة الكاملة ضمن القواعد المعترف بها في القانون الدولي ولوائح ومواثيق حقوق الإنسان[42].

حدث تطور بطيء باتجاه إقرار حق المواطنة الكاملة لدى بعض المفكرين الإسلاميين، رغم أن المسألة لا ترتقي إلى الحق الدولي المنصوص عليه في لوائح حقوق الإنسان، يمكن على هذا لصعيد الإشارة إلى المفكرين الإسلاميين مثل فهمي هويدي وطارق البشري وسليم العوّا وأحمد كمال أبو المجد وراشد الغنوشيومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله [43] وغيرهم.

ورغم محاولات التجديد فإن الاتجاه الإسلامي السائد ما زال ينتقص من مبدأ المواطنة الكاملة،التي يقصرها على الانتساب الديني والإقامة، فالمسلمون غير المقيمين في الدولة الإسلامية وغير المسلمين المقيمين فيها لا يحق لهم التمتع بحقوق المواطنة الكاملة، وربما يصبحون مواطنين في حالة قبولهم بشرعية الدولة الإسلامية، لكنهم لا يصبحون مواطنين بالكامل ولا يحق لهم تسلم مناصب رئيسية في الدولة مثل رئاسة الدولة ورئاسة القضاء ورئاسة البرلمان وقيادة الجيش وغيرها [44].

أما التجربة الإسلامية، فقد حققت الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 انعطافاً جديداً في الفكر الإسلامي، وأنشأت مؤسسات تساوقاً مع الموجة "الديمقراطية": برلمان وانتخابات رئاسة ومنذ انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية خرجت من مرحلة الثورة، لتدخل مرحلة الدولة، ولم يكن ذلك بمعزل عن صراع سياسي وفكري حاد داخل أوساط التيار الديني، وقوفاً ضد التيار الإصلاحي الذي قاده السيد محمد خاتمي، في ظل تصاعد موجة شديدة للتيار المحافظ الذي يحاول إحباط خطط التغيير والإصلاح...الخ، لكن شرط الدستور على التحدّر الفارسي واجه انتقاداً شديداً لاستثنائه المسلمين غير الفرس في الترشّح لرئاسة الجمهورية، ناهيكم عن الشروط الخاصة بولاية الفقيه أو حكم العلماء، وهو ما ينتقص من مبدأ المواطنة والمساواة.

أما التجربة الثانية فهي التجربة السودانية التي جاءت إلى الحكم عام 1989 وقد سارت نحو تقليص التعدّدية السياسية والفكرية والدينية واللغوية عملياً، لكن الدستور الجديد نظر للمشاركة من زاوية أخرى، منذ العام 1998 في محاولة انفتاحية باتجاه اقرار مبدأ المواطنة، بغض النظر عن الدين، لكنه ظل محافظاً من حيث الجوهر على الخصائص العامة لتوجهات الحكم الإسلامي، وهو على غرار دستور إيران يحتوي على بعض الشروط الإسلامية التي تقر بصيغة للمساواة النظرية دون أن ترتقي إليها فعلياً أو تقاربها [45](18).

ويمكن القول: إن المحاولات الإسلامية في إعادة تعريف المواطنة ما زالت لم تبلغ حتى الآن المدى المقبول، فهي في بداية الطريق ويلزم مبدأ المشاركة منح المواطنين غير المسلمين الحقوق نفسها التي يتوقع منحها من قبل المواطنين في الجانب الآخر، وهذا يعني عدم أخذ الانتساب الديني كلياً عند التفكير بهذه القضية.

 

1- المواطنة والتربية

يعتبر موضوع التربية على المواطنة موضوعاً جديداً في الفكر العربي المعاصر، خصوصاً بضعف أو شحّ وجود حركة مواطنة في العالم العربي وإنْ وجدت فما تزال جنينية أو هي أقرب إلى الارهاص منه إلى تأسيس " كيانية حقوقية" ذات أهداف محددة وواضحة في إطار آليات معلومة، بحيث تتحوّل المفاهيم إلى حقوق، وهذه الأخيرة إلى تشريعات وقوانين في إطار مؤسسات وبرلمانات، مثلما يتطلّب الأمر وجود قضاء عادل ومستقل يحميها من التجاوز والانتهاك، في ظل تطبيقات وممارسات بحاجة إلى نقد وتطوير مستمرين، لاسيّما في ظل دور متميز للمجتمع المدني!!

إن فكرة التربية على المواطنة، هي جزء من فلسفة تربوية سسيو ثقافية حقوقية عقلانية مدنية عابرة للأديان والطوائف والتكوينات القومية والإثنية واللغوية والسلالية وغيرها، وهي مسألة حديثة في عالمنا العربي، حداثة فكرة المواطنة، وحداثة فكرة الدولة.

ولذلك فإن التربية على المواطنة له دلالات كثيرة:

فالدلالة الاولى أن عالمنا العربي ما زال في أول السلّم على الصعيد العالمي إزاء المفهوم السليم للمواطنة وحقوقها، حيث تزداد الحاجة لإثارة حوار وجدل حول الفكرة وأبعادها وغاياتها وسياقاتها، وحشد قوى وطاقات حكومية وغير حكومية، سياسية وفكرية وثقافية ودينية واجتماعية، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني لمقاربة للمفهوم الذي ارتبط بفكرة الدول العصرية الحديثة، وبالتقدّم الذي حصل في هذا الميدان، لاسيّما في الدول الغربية المتقدمة، حيث هناك تصالحاً بين الدولة والمواطن، سواءً في نظرة الدولة إلى المواطن أو في نظرة الأخير إلى الدولة، فمسؤولية الدولة لم تعد الحماية حسب، بل أصبحت الدولة "دولة رعاية" واجبها ووظيفتها الأساسية خدمة المواطن وتحسين ظروف عيشه وتوفير مستلزمات حريته ورفاهه، وبالمقابل فإن نظرة المواطن للدولة أصبحت إيجابية هي الأخرى، من حيث احترامه للقوانين والأنظمة وعلاقته بالمرافق العامة وحفاظه على البيئة وواجبه في دفع الضرائب وغير ذلك.

أما في البلدان العربية فإن نظرة السلطات إلى المواطن ظلّت نظرة تشكيكية ارتيابية في الغالب، إنْ لم تكن عدائية، وبالمقابل فإن نظرة الفرد للدولة استمرت نظرة سلبية، متربصة، تعارضية، بما فيها إزاء الخدمات والمرافق العامة، خصوصاً في ظل ضعف الحرية والتمييز وعدم المساواة وعدم تكافؤ الفرص وعدم احترام الحق في المشاركة.

الدلالة الثانية تكمن بانشغال بعض المهتمين على صعيد الفكر وحقوقيين وناشطين بفكرة حركة للمواطنة، باعتبارها فكرة راهنية ومطروحة على صعيد البحث من جهة، وعلى صعيد الواقع العملي من جهة أخرى، خصوصاً الأسئلة الشائكة التي تواجهها والتطبيقات المختلفة التي تقف أمامها في مفترق طرق عديدة وخيارات بين مرحلتين:

المرحلة الاولى ونموذجها الأنظمة الشمولية التي تكاد تكون انتهت أو تلاشت على الصعيد العالمي، خصوصاً التشبث باحتكار الحقيقة والدين والسلطة والمال والاعلام، لكنها ما تزال قوية ومؤثرة في مجتمعاتنا العربية بأنظمته المختلفة.

أما المرحلة الثانية، فنحن ما زلنا عند بواباتها وكثيراً ما تحدثنا عنها وبصوت عال أحياناً، لكننا ما زلنا متردّدين من الدخول في صومعتها، خصوصاً إن حركة الإصلاح والدمقرطة في العالم العربي ما تزال تتقدم خطوة وتتأخر خطوتين، ناهيك عمّا تركته حركة الاحتجاج والتغيير التي ابتدأت في العالم العربي منذ العام 2011، من بعض المخاوف إزاء انفلات العنف واستشراء الفوضى وزعزعة أركان الدولة الوطنية لتيار الإسلام السياسي، لاسيّما وأن الكثير من الكوابح تعترض طريقها، سواءً كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية، فضلاً عن ذلك تواجه تحديات مختلفة خارجية وداخلية، مثل الاحتلال والحصار والعدوان، إضافة الموروث الاجتماعي والاستخدام والتوظيف السلبي للتعاليم الدينية على نحو متعصّب ومتزمّت ومغالي، ناهيكم عن الفقر والجهل والمرض والتوزيع غير العادل للثروة.

وما تزال فكرة المواطنة في عالمنا العربي تتعرض إلى تجاذبات داخلية وخارجية، خصوصاً ارتباطها على نحو وثيق بمسألة الهوّية ومستقبلها، لذلك فإن الحوار والجدل بقدر إجلائهما بعض التشوش والغموض إزاء مستقبل بلداننا، فهما يساعدان في الوقت نفسه في نشر ثقافة المواطنة ويعمقان الوعي الحقوقي بأهميتها وضرورتها وفداحة نكرانها أو الانتقاص منها أو تعطيلها أو تعليقها تحت أية حجة أو ذريعة، وهو بالقدر نفسه يطرح أسئلة ساخنة حول سبل التربية على المواطنة، بما يثير من اختلاف وصراع.

الدلالة الثالثة تتعلق بالالتباس النظري والعملي بشأن فكرة المواطنة، ولاسيّما في مواقف الجماعات والتيارات الفكرية والسياسية والقومية المختلفة، الأمر الذي يضع تكوين تصوّرِ مشترك حولها من جهة وحول الطريق التربوية القويمة والأساليب التعليمية الصحيحة لتعميق فكرة المواطنة، في إطار المبادئ الدستورية للدولة العصرية التي تستند على سيادة القانون ومبدأ المساواة، مسألة ملّحة وضرورة حيوية، لا يمكن اليوم احراز التقدم والتنمية المنشودتان بدونها، وهو الأمر الذي يغتني بمساحة الحرية والمشاركة والعدالة، باعتبارها متلازمات ضرورية للمواطنة.

الدلالة الرابعة ترتبط باشكالات المواطنة والهوّية، والتحدّيات التي تواجههما، فقد بدأت تحفر في أساسات الدولة والهوّية، بحيث يجعل من الواجب إدارة حوار فكري ومعرفي حولها، طالما أنها تدخل في صلب المشكلات التي تواجه المصير العربي، ومعها يصبح جدل الهوّيات أساساً للتعايش والتكامل والتطور السلمي للمكوّنات المختلفة، بدلاً من أن يكون مادة للتناحر والانغلاق والتعصب، وهذه المسألة تتطلّب الإقرار بالتنوّع والتعددية والمشترك الإنساني كشرط لا غنى عنه للهوّية الجامعة، مع تأكيد الحق في الاحتفاظ بالهوّيات الفرعية الجزئية، الدينية أو القومية أو الثقافية أو غيرها!

الدلالة الخامسة تتعلق بالعلاقة الجدلية بين فكرة المواطنة وحقوق الإنسان، خصوصاً بمبدأ المساواة في الحقوق، وبالأخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة وحق تقلّد الوظائف العليا دون تمييز لأي سبب كان سواءً التمييز الديني أو القومي أو المذهبي أو الاجتماعي أو اللغوي أو الجنسي أو بسبب اللون أو غير ذلك. ويأتي حق المشاركة، في إطار الحقوق الأساسية ونعني بها حق التعبير وحق الاعتقاد وحق التنظيم، ولعلّ هذه الإشكالية هي التي تشكل جوهر فكرة المواطنة، خصوصاً إذا ما اقترنت بالعدل، إذ أن غيابه سيؤول إلى الانتقاص من حقوق المواطنة، ولا تستقيم مواطنة كاملة مع الفقر ومع الأمية والتخلف وعدم التمتع بمنجزات الثقافة والعلم والتكنولوجيا وغيرها.

ليس تجنّياً إذا قلنا أن الفكر العربي ما يزال يعاني من نقص فادح فيما يتعلق بثقافة المواطنة، وتستمر النظرة الخاطئة أو القاصرة إلى مبدأ المساواة قائمة، إضافة إلى الموقف السلبي من حقوق "الأقليات" على الرغم من أنني أفضل استخدام مصطلح التنوّع الثقافي والتعددية الدينية والقومية والسلالية واللغوية والفكرية والاجتماعية وغيرها كما تمت الإشارة إليه، فهي عندي أكثر تعبيراً عن حقوق ما قصدته الأمم المتحدة في اعلانها العام 1992 الخاص بحقوق "الاقليات"، وأجد في تعبير " الأقليات "إحراجاً" أو "انتقاصاً " من حقوق أديان أو قوميات، يفترض أن يكون لها القدر نفسه من الحقوق استناداً إلى مبادئ المساواة، وكذا الحال يشمل حقوق المرأة التي ما تزال الثقافة السائدة، إضافة إلى منظومة القوانين النافذة بما فيها قوانين الأحوال الشخصية في الغالبية الساحقة من البلدان العربية، تنتقص منها.

وما يزال الكثير من التيارات والاتجاهات السائدة في السلطة والمجتمع تتمسك بالنظرة التسلّطية لعلاقة الدولة بالمواطن، الفرد، الإنسان، الذي هو شخص وكيان له أهلية قانونية، ففي الكثير من الأحيان يُنظر إلى حقوق المواطنة، أما باعتبارها هبة أو منّة أو مكرمة من الحاكم، يكون الأفراد عنده هم رعايا لا مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات. ومثل هذه المسألة ترتبط بأفكار ماضوية لعلاقة الحاكم بالمحكوم، تلك التي تم تبريرها تارة على أساس نظرية التفويض الإلهي وأخرى على أساس وراثي كما هي الأنظمة الملكية لاسيّما المطلقة وثالثة باسم الشرعية الثورية المستندة إلى الدين أو الطبقة أو القومية والدفاع عن مصالح الثورة والأمة بوجه أعدائهما، على حساب الشرعية الدستورية وسيادة القانون ومبدأ المساواة.

الدلالة السادسة إرتباط فكرة المواطنة ارتباطاً عضوياً بالمفهوم الحديث للتنمية، ولعل أحد الأركان الأساسية للتنمية يقوم على نشر التعليم وثقافة المساواة وعدم التمييز والقضاء على الفقر وغيرها من الحقوق، ولذلك تصبح التربية جزءًا لا غنى للمواطنة من جهة مثلما هي عنصر حيوي للتنمية من جهة أخرى، الأمر الذي يحتاج إلى مفاهيم تربوية جديدة وأساليب حديثة، لاسيّما في ظل قيم المواطنة.

إن الحوار والجدل حول فكرة التربية على المواطنة لا ينبغي أن يقتصر على محافل فكرية محدودة، ولهذا ينبغي أن ينتقل إلى منابر متنوعة لاسيّما الجامعات ومراكز الأبحاث وإقامة منتديات فكرية وثقافية وإشراك أوساط من النخب والمختصين، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني والبرلمانات والحكومات في الآن ذاته، ناهيكم عن قطاعات شعبية وخصوصاً من النساء ومن التكوينات الثقافية، وبمساهمة حيوية من جانب الإعلام، لاسيّما الفضائيات في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات وبفضل الانترنت والكومبيوتر، يمكن أن يلعب دوراً كبيراً في زيادة الاهتمام بفكرة المواطنة أولاً، ومن ثم كيف يمكن تنمية قدرات الأفراد والمجتمع عبر التربية وقيمها الجديدة وتعزيز أركانها وصولاً إلى ما نطلق عليه مفهوم المواطنة العضوية الذي يقوم على أربعة أركان أساسية هي: الحرية والمساواة والعدالة والمشاركة كما تمت الإشارة إليه، في إطار تفاعل ديناميكي لا انفكاك بين عناصره ومكوناته أو انتقاص من أحدها لهوّيات متعدّدة ومتعايشة فرعية وعامة.

______________

(*) بحث قدّمه د. شعبان في مؤتمر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) والمركز الدولي لعلوم الإنسان – بيبلوس، جبيل – 3-5/9/2015، وهو المؤتمر العلمي الذي انعقد تحت عنوان: "المجتمعات المتعدّدة اللّغة والديمقراطية من خلال تاريخ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". وقد نُشر هذا البحث في كتاب أصدرته منظمة اليونيسكو بالتعاون مع المركز الدولي لعلوم الإنسان تحت عنوان: "حضارات في طور الانتقال"، بيروت، 2016.

(**) أكاديمي ومفكّر عراقي، له أكثر من 50 كتاباً في قضايا الفكر والقانون والاجتماع السياسي والأديان والعلاقات الدولية، إضافة إلى مساهمات متميّزة في الثقافة الحقوقية، ولا سيّما في تطوير الفهم المتجدد لثقافة حقوق الإنسان والمجتمع المدني والحداثة، واللاّعنف والتسامح .

عضو المكتب الدائم لاتحاد الحقوقيين العرب.

المدير العام للمركز الوثائقي للقانون الدولي الإنساني (عمان – بيروت).

مستشار في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية (بغداد).

عضو المجلس العلمي الاستشاري لدار الخبرة (بغداد).

عضو مجلس أمناء المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة (بيروت).

نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان "أونور" (بيروت).

رئيس المعهد العربي للديمقراطية (تونس).

 ................

 هوامش 

[1]- بخصوص الهوّية والثقافة والعولمة، راجع نصوصاً ومقارنةً: بلقزيز، عبدالإله- عولمة الثقافة أم ثقافة العولمة؟ الجابري، محمد عابد- عشر اطروحات (بشأن الثقافة والعولمة) . انظر كتاب: العرب والعولمة، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998 (وقائع ندوة وأوراق عمل). كذلك انظر: سليم، جيهان- عولمة الثقافة واستراتيجيات التعامل معها في ظل العولمة، مجلة المستقبل العربي، العدد 293، (7) تموز (يوليو) 2003، حنفي، حسن- الثقافات : صراع أم حوار؟ نموذجان بديلان: صراع الحضارات أو حوار الثقافات؟ القاهرة، منشورات التضامن، 1997.العالم، محمود أمين- حضارة واحدة أم حضارات متعددة (مقاربة نظرية عامة) كتاب: صراع الحضارات أم حوار الثقافات، المصدر السابق. العالم ، محمود أمين – المشهد الفكري والثقافي العربي، القاهرة، 2000. العالم، محمود أمين – مفهوم الهوية، مجلة العربي، العدد 437، نيسان (ابريل) 1995. البيطار، نديم- حدود الهوّية القومية، دار الوحدة، بيروت، 1982. حرب، علي- حديث النهايات، فتوحات العولمة ومأزق الهوية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2000. الحمد، تركي- هوّية بلا هوّية- نحن والعولمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1998. ادونيس- موسيقى الحوت الأزرق (الهوّية، الكتابة، العنف) دار الاداب، ط1، بيروت، 2002. ياسين ، السيد- العولمة: رؤية استمولوجية، القاهرة، جامعة القاهرة، قسم العلوم السياسية،2000. غليون، برهان وأمين ، سمير- ثقافة العولمة وعولمة الثقافة ، دمشق، دار الفكر، 1999. طرابيشي، جورج- عولمة الثقافة، مجلة أبواب، العدد 25، صيف 2000. سعيد، ادوارد- الثقافة الامبريالية، دار الاداب، بيروت، 1997. بركات، حليم- المجتمع العربي في القرن العشرين، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت، 2000. البرغثي، محمد حسن – الثقافة العربية والعولمة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 2007. 

[2]- انظر : شعبان، عبد الحسين- من هو العراقي: اشكاليات الجنسية واللاجنسية في القانونين العراقي والدولي، دار الكنوز الادبية، بيروت، 2002، وشعبان، عبد الحسين- جدل الهوّيات في العراق: الهوّية والمواطنة، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2009. وبحثنا الموسوم " الفكر العربي وكيانية حركة المواطنة" المقدّم إلى مركز الكواكبي والمؤسسة العربية للديمقراطية والمعهد العربي لحقوق الإنسان، الرباط (المغرب) 24-25 شباط (فبراير)، 2009. وبحثنا المعنون "أية علاقة جدلية بين التربية والمواطنة" المقدّم إلى منتدى الفكر العربي ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي (الجزائر) وجامعة البترا (عمان) والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الرباط في الجزائر، 25-28 تشرين الأول/اكتوبر 2010). وبحثنا الموسوم " الطائفية السياسية كأداة للتدخّلات الإقليمية: تخوم الطائفية وأدلجة الهوية – انعكاسات الجيوبوليتيك، المقدم إلى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة ، 10-11 نيسان/إبريل 2013. 

[3]- انظر: شعبان، عبد الحسين- جدل الهوّيات في العراق، مصدر سابق.

[4]- يتوصّل صموئيل هنتنغتون إلى استنتاج مثير يشكل جوهر نظريته" صدام الحضارات وصراع الثقافات" حيث يطرح الإشكالية الأساسية باعتبارها ثقافية- حضارية لأنه يدرك أن الثقافة هي سياج الهوّية، وبالتالي تشكل احدى الاسس المهمة " للمقاومة"، أي لمواجهة محاولات الاقتلاع أو التذويب، وبما أن الإسلام يعتبر وعاءً ثقافياً للعرب والمسلمين بشكل عام وأساس حضارتهم، فإنه يشكل تهديداً للغرب، ويقف حجر عثرة بوجه انتصار الليبرالية على المستوى السياسي والاقتصادي، مثله مثل البوذية والكونفوشيوسية، وهذه كلّها تواجه الحضارة المسيحية – اليهودية الغربية.

 Huntington- Samuel- Aclash Of Civilization, Foreign Affaires, Summer 1993

Huntington, Samuel- The Clash Of Civilization And Remarking of world order, London

Simon and Schuster,1997

 قارن: شعبان، عبد الحسين- جذور التيار الديمقراطي في العراق، هل انقطع نسل الليبرالية العراقية (قراءة في أفكار حسين جميل) دار بيسان، بيروت، 2007، ، ص 29-30.

قارن كذلك: شعبان، عبد الحسين – " الإسلام والإرهاب الدولي" دار الحكمة، ط1، لندن، 2002. 

[5]- قارن: حنفي، حسن – الثقافات : صراع أم حوار؟ نموذجان بديلان، دراسة منشورة في كتاب " صراع الحضارات أم حوار الثقافات؟ "، القاهرة،مطبوعات التضامن، 1997، ص 54 وما بعدها.

[6]- انظر: بركات، حليم- المجتمع العربي في القرن العشرين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2000، ص 109.

[7]- انظر: شعبان، عبد الحسين- جذور التيار الديمقراطي في العراق، مصدر سابق، ص 33- 34 وما بعدهما.

[8]- الجابري، محمد عابد- العولمة و الهوّية الثقافية، دراسة ضمن كتاب" العرب والعولمة"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998، ص 297 .

[9]- أنظر: بركات، حليم- المجتمع العربي في القرن العشرين، مصدر سابق، ص 62.

[10]- قارن: الجابري، محمد عابد- العولمة و الهوّية الثقافية، مصدر سابق، ص 298.

[11]- انظر: أدونيس- موسيقى الحوت الأزرق، مصدر سابق ، ص 8.

[12]- انظر: البرغثي، محمد حسن- الثقافة العربية والعولمة، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2007، ص 121.

[13]- ستيوارت، هول- هوّيات قديمة وجديدة، إثنيات قديمة وجديدة ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة، 2001، ص 79.

[14]- انظر: ادونيس- موسيقى الحوت الأزرق، مصدر سابق، ص 202.

[15]- انظر: ادونيس- المصدر السابق، ص277.

[16]- انظر: شعبان، عبد الحسين- هذه النجف التي توشوشني، جريدة النهار (اللبنانية) العدد 23789 في 19 آب (أغسطس) 2009.

[17]- تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية، منشورات اليونسكو، بعنوان " تعدّدنا الخلاّق، باريس، 1996. وردت الإشارة إليه في كتاب أدونيس- موسيقى الحوت الأزرق، ص 291.

[18]- انظر: ادونيس- موسيقى الحوت الأزرق، المصدر السابق، ص294-295. 

[19]- أنظر: شعبان، عبد الحسين – الصوت والصدى، حوارات ومقابلات في السياسة والثقافة، اعداد الدكتور كاظم الموسوي، 2009 (كتاب قيد الطبع).

[20]- إن القسم الأساسي في هذه الفقرة والفقرة التي تليها مستلٌ من كتاب " جدل الهوّيات في العراق" مع بعض التعديلات والتنقيحات. لذلك اقتضى التنويه.

[21]- انظر: أدونيس – موسيقى الحوت الأزرق (الهوية، الكتابة، العنف)، مصدر سابق، ص 5-8 (الاستهلال).

[22]- قارن: تقارير التنمية الإنسانية العربية، منذ صدور التقرير الأول، العام 2002 وحتى تقرير العام 2009 وهو بعنوان : تحديات الأمن الإنساني في البلدان العربية، البرنامج الانمائي للأمم المتحدة (المكتب الاقليمي للدول العربية)، بيروت، 2009، وقد شارك الباحث بأوراق خلفية في عدد من التقارير السنوية، إضافة إلى مساهمات مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي لغرب آسيا والباسفيك (الأسكوا).

[23]- انظر: شعبان، عبد الحسين – استحقاقات المواطنة العضوية الحق والمشاركة والهوّية،(ورقة عمل قدّمها إلى) منتدى الفكر العربي، الرباط ، 21-23 نيسان (ابريل) 2008. لقد تعرّض المسيحيون في السنوات القليلة لماضية إلى حملة شرسة لدفعهم إلى الهجرة، سواء في فلسطين أو في العراق أو لبنان أو سوريا أو مصر ، مثلما تعرّضت مكوّنات أخرى مثل الإيزيديين والصابئة والدروز وغيرهم، كما عانى الكرد والتركمان والأمازيغيين وغيرهم في البلدان العربية من التمييز وعدم الاعتراف بخصوصيتهم وهوّياتهم.

[24]- راجع مشروع قانون تحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق، نص مقترح في كتابنا جدل الهوّيات في العراق- الدولة والمواطنة، مصدر سابق.( قسم الملاحق)

انظر كذلك بحثنا الموسوم : الطائفية السياسية كأداة للتدخّلات الإقليمية / تخوم الطائفية وأدلجة الهوّية – انعكاسات الجيوبوليتيك، مصدر سابق.

[25]- انظر: ادونيس- موسيقى الحوت الازرق، مصدر سابق، ص 212.

[26]- يعتبر الباحث أن مصطلح "الأقليات" هو مصطلح ملتبس، حتى وإن استخدم من جانب الأمم المتحدة في "إعلان حقوق الأقليات" الصادر عن الجمعية العامة في العام 1992 أو في " إعلان حقوق الشعوب الأصلية" الصادر في العام 2007، وهو يميل إلى مصطلح " التنوّع الثقافي" أو المجاميع أو المجموعات الثقافية، عند حديثه على ما جرت العادة على تسميته بالأقليات، ويقصد بذلك التنوّع الديني والقومي والمذهبي والإثني واللغوي والسلالي وغير ذلك، لأنه يرى أن الأمر يتعلق بمبادئ المساواة والتكافؤ بغض النظر عن كون هذه المجموعة " أقلية" أو أكثرية" لأن مفهوم الأكثرية والأقلية، يحمل في ثناياه معنى التسيّد من جهة والخضوع أو الاستتباع من جهة أخرى، وهو لا ينبغي أن يشمل القوميات أو الأديان، التي ينبغي أن تكون على قدر واحد من المساواة، لأن الأمر يتعلق بالحقوق التي تشمل البشر جميعاً على نحوٍ متساوٍ بغض النظر عن عددهم أقلية أم أكثرية، لأن الحقوق شاملة وعامة وتخصّ الإنسان بغض النظر عن عرقه ودينه وقوميته ولغته ولونه وأصله الاجتماعي، وهي حقوق لا يمكن تجزئتها أو الانتقاص منها أو المفاضلة بينها لأي سبب كان.

انظر: شعبان، عبد الحسين- المسيحيون والربيع العربي، دار آراس، اربيل، 2012، ص 14-15.

قارنا: شعبان ، عبد الحسين – أغصان الكرمة، المسيحيون العرب، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، بيروت، بغداد، 2015. 

[27]- انظر: شعبان، عبد الحسين- استحقاقات المواطنة العضوية، صحيفة العرب القطرية، العدد 7239، 7 نيسان(ابريل) 2008.

[28]- انظر: السيد حسين، عدنان – المواطنة في الوطن العربي، منتدى الفكر العربي،الرباط، 21-23 نيسان (ابريل) 2008 . (ورقة عمل – محاضرة مقدمة إلى منتدى الفكر العربي). 

[29]- انظر: شعبان، عبد الحسين ، الدولة والمواطنة المنقوصة، صحيفة العرب القطرية، العدد 7246، 14 نيسان (ابريل) 2008.

[30]- قارن: شعبان، عبد الحسين- من هو العراقي؟ مصدر سابق، ص 37 وما بعدها. 

[31]- انظر: شعبان، عبد الحسين – المواطنة الافتراضية، جريدة اليوم (السعودية) 28 شباط (فبراير) 2014.[32] - زوكاغي، أحمد،(الدكتور) الجنسية، دار توبقال للنشر،ط2، الرباط، 1996، حيث يعتبر بداية تحديد المفهوم الحديث للجنسية هو العام 1804، حين تم تنظيم ذلك بموجب نص تشريعي في القانون المدني الفرنسي. 

[33]- 111.112 Morris C- Western Political Thought, Vol(1), Place to Augestine, Newyork 1967 (Basic Books) PP29.

[34]- دايس، ايركا- إيرين. أ- حقوق الإنسان، سلسلة رقم (3)، جنيف 1996 الامم المتحدة ، ص 235. 

[35]- دايس، ايركا- إيرين. أ- حقوق الإنسان، مصدر سابق ص 236.

 انظر: كذلك روكاغي، أحمد- الجنسية، مصدر سابق، ص 31. 

[36]- انظر: شعبان، عبد الحسين- من هو العراقي، ص 39 وما بعدها. 

[37]- انظر مناع، هيثم (الدكتور) المواطنة في التاريخ العربي - الإسلامي، سلسلة مبادرات فكرية (10)، مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، 1997، ص 30. 

[38]- ظل كتّاب الدواوين وكتّاب الخراج من الموالي حتى تم تعريبها، الأمر الذي يشير إلى انصراف هؤلاء إلى المهن والتخصص بدلاً من أمور الادارة والقيادة وهو ما يشابه انصراف بعض النخب من التبعية (غير العثمانية) وهو الاصطلاح الذي أخذ به قانون الجنسية العراقية لعام 1924 إلى التجارة والاعمال الحرة بعد أن سُدّت بوجههم الدوائر الرسمية، وبخاصة الوظائف العليا لعدم منحهم شهادة الجنسية العراقية. وهم المجموعة الاولى الذين شملتهم حملات التهجير في الثمانينات.

قارن: مناع، هيثم (الدكتور)- المواطنة، مصدر سابق، ص 36، قارن كذلك: الدوري، عبد العزيز ( الدكتور)- مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1978، ص 41 و42 نقلا عن المصدر السابق. قارن كذلك: شعبان، عبد الحسين- عاصفة على بلاد الشمس، مصدر سابق، ص 223-235. أنظر كذلك- الحاج، عزيز- بغداد ذلك الزمان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،ط1، بيروت، 1999، ص 111 وما بعدها. 

[39]- قارن : شكري، محمد عزيز (الدكتور) المدخل إلى القانون الدولي العام وقت السلم، دار الفكر، ط4، دمشق 1973، ص 22-23 . انظر: كذلك، شعبان، عبد الحسين- محاضرات في القانون الدولي الانساني وحقوق الانسان، إربيل، جامعة صلاح الدين، 2000.

انظر كذلك: السيد حسين، عدنان- العلاقات الدولية في الاسلام، دار مجد، بيروت، 2006، ص 133. 

[40]- Lewis, Bernard, Islam and liberal, Democracy: A Historical Overview, Journal of Democracy, Vol. 7, No:2, 1996.

ويذهب البروفسور سمير أمين إلى القول " أن المساواة القانونية لم تكن سمة من سمات الانظمة التقليدية العربية أو الشرقية". قارن: أمين، سمير- ملاحظات حول منهج تحليل أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، ورقة عمل مقدمة إلى ندوة " أزمة الديمقراطية في الوطن العربي" مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1984، ص 310-311. قارن – إضافة إلى ما تقدم المناقشات القيّمة التي نقلها الدكتور عبد الوهاب الافندي في بحثه القيم الموسوم " إعادة النظر في المفهوم التقليدي للجماعة السياسية في الاسلام: مسلم أم مواطن" مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت العدد 264-2/2001 

[41]- قارن: هويدي ، فهمي- مواطنون لا ذميّون، موقع غير المسلمين في مجتمع المسلمين، دار الشروق، القاهرة، 1990. 

[42]- يقول د. خالد الحروب في دراسته القيّمة الموسومة بـ " مبدأ المواطنة في الفكر القومي العربي" من " الفرد القومي" إلى " الفرد المواطن": إن مبدأ المواطنة لم يحظ بمعناه الحديث القانوني والديمقراطي بتأصيل عميق في الفكر القومي العربي التقليدي في القرن العشرين. ويذهب إلى مناقشة بعض المؤسسين الاوائل في الفكر القومي ليؤكد أنه لم يجد معالجة مباشرة لمبدأ لمواطنة تعريفاً وتأصيلاً واقراراً، ويعود ذلك إلى انصراف المفكرين الاوائل ببعث يقظة عربية مشتركة دفاعاً عن الهوّية وصياغة العلاقة بين العروبة والإسلام وفصلها عن العلاقة بين العرب والعثمانيين، ويعرض أفكار ساطع الحصري " حول القومية العربية" وتركيزه على الهوّية: من أنا ومن أنت؟ ومن نحن؟ تلك التي ركّزت على الهوية، للتمايز عن غيرها. ولم تنشغل أفكار ميشيل عفلق انشغالاً جدياً بفكرة المواطنة أو الديمقراطية أو أهمية حقوق الفرد.

 قارن : الكواري، علي خليفة (الدكتور)- الحركات الاسلامية والديمقراطية، المواقف والمخاوف المتبادلة، مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، دار قرطاس للنشر، الكويت، 2000.

كذلك: الحصري، ساطع- حول القومية العربية- سلسلة التراث القومي 14، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، بيروت، 1987. أنظر: الحروب، خالد- ملف المواطنة والديمقراطية في الوطن العربي، مجلة المستقبل العربي، مصدر سابق. 

[43]- أنظر: الأفندي، عبد الوهاب- ملف المواطنة والديمقراطية في الوطن العربي، المصدر السابق.

[44]- أنظر: الغنوشي، راشد- الحرّيات العامة في الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1993، ص 290-291. كذلك- حقوق المواطنة، حقوق غير المسلم في المجتمع الإسلامي، قضايا الفكر الإسلامي 9، ط2، هيرندن، فيرجينيا، 1993 ص 77-88، نقلاً عن عبد الوهاب الأفندي،المصدر السابق.

[45]- أنظر: الأفندي، عبد الوهاب، المصدر السابق.

 

abdulhusan shaaban3- الهوّية: بعيداً عن التبشير!:  في كتابه " موسيقى الحوت الأزرق" [21] يناقش أدونيس فكرة الهوّية ويستهل حديثه بالعبارة القرآنية التي تضيء بقِدَمِها نفسه، حداثتنا نفسها على حد تعبيره، وأعني بها "التعارف"، أي الحركة بين الإنفصال والإتصال في آن، من خلال " روية الذات، خارج الأهواء" وبخاصة الآيديولوجية، ويمكن أن نضيف الدينية والقومية وغيرها، بمعايشة الآخر داخل حركته العقلية ذاتها، في لغته وإبداعاته وحياته اليومية.

وبعد أن يستعرض أدونيس آركيولوجية الغياب المعرفي العربي على خارطة المعرفة الإنسانية، وهو ما أشارت إليه على نحو صارخ تقارير التنمية البشرية في العقد الماضي، لاسيّما شحّ المعارف ونقص الحرّيات واستمرار الموقف السلبي من حقوق الإنسان وبخاصة حقوق المرأة والمجاميع الثقافي، الدينية واللغوية والسلالية والإثنية وغيرها، يطرح سؤالاً حول سبل الخروج من هذا الغياب، ويسأل أيضاً ولِمَ هذا الغياب؟ لاسيّما بتمثّل ذلك نقدياً ومعرفياً، من خلال معرفة الآخر بمعرفة ذاتنا معرفة حقيقية، ولعلّ الخطوة الأولى التي ظل يركّز عليها في كتابه الممتع والعميق، هو كيف يمكن أن يصغي بعضنا إلى بعض!؟[22]

هذه الرؤية تستند إلى إحلال الفكر النقدي التساؤلي، محل الفكر التبشيري- الدعائي، حيث يصبح الوصول إلى الحقيقة التي هي على طول الخط تاريخية ونسبية، وصولاً يشارك فيها الجميع رغم تبايناتهم إلى درجة التناقض أحياناً، وهذا يعمّق الخروج إلى فضاء الإنسان بوصفه أولاً، إنساناً، ويدفع الذات إلى ابتكار أشكال جديدة لفهم الآخر ثانياً، وثالثاً يكشف لنا إنّ الهوّية ليست معطى جاهزاً ونهائياً، وإنما هي تحمل عناصر بعضها متحرّكة ومتحوّلة على الصعيد الفردي والعام، وهو ما يجب إكماله واستكماله دائماً في إطار منفتح بقبول التفاعل مع الآخر.

هل الهوّية جوهر قائم بذاته، لا يتغيّر أو يتحوّل؟ أم هي علاقة تجمعها مواصفات بحيث تكوّن معناها وشكلها؟ وبالتالي لا بدّ من تنميتها وتعزيزها وتفعيلها في إطار المشترك الإنساني، الأمر الذي يتخطّى بعض المفاهيم السائدة، ذات المسلّمات السرمدية السكونية لدرجة التقوقع، وينطلق إلى خارج الأنساق والاصطفافات الحتمية، من خلال قراءات مفتوحة تأخذ التطور بنظر الاعتبار عناصر تفعيل وتعزيز وتحوّل في الهوّيات الخاصة والعامة.

بهذا المعنى لا يكون اختلاف الهوّيات أمر مفتعل حتى داخل الوطن الواحد، إذا كان ثمة تكوينات مختلفة دينية أو إثنية أو لغوية أو سلالية، ناهيكم اختلاف الهوّيات الخاصة للفرد عن غيره وعن الجماعة البشرية.

ولعلّ هناك علاقة بين الشكل والمعنى التي تتكوّن منها الهوّيات الفرعية – الجزئية الخاصة وبين الهوّيات الجماعية العامة ذات المشتركات التي تتلاقى عندها الهوّيات الفرعية للجماعات والأفراد، حيث تكون الهوّية العامة أشبه بإطار قابل للتنوّع والتعددية، جامعاً لخصوصيات في نسق عام موحد، ولكنه متعدّد وليس آحادي، فمن جهة يمثل هوّية جامعة ومن جهة أخرى يؤلف هوّيات متعدّدة ذات طبيعة خاصة بتكوينات متميّزة، أما دينياً أو لغوياً أو إثنياً أو غير ذلك، فالشكل ليس مسألة تقنية، حسب أدونيس، وإنّما هو مسألة رؤية.

 إن الحديث عن هوّيات فرعية، أو خصوصيات قومية أو دينية، لأقليات أو تكوينات، يستفز أحياناً بعض الاتجاهات المتعصبة دينياً أو قومياً، فهي لا ترى في مجتمعاتنا سوى هوّية واحدة إسلامية أو إسلاموية حسب تفسيراتها وقومية أو قوموية حسب أصولها العرقية ونمط تفكيرها واصطفافات طبقية كادحيّة حسب آيديولوجياتها الماركسية أو الماركسيوية، أما الحديث عن حقوق وواجبات ومواطنة كاملة ومساواة تامة وحق الجميع في المشاركة وتولّي المناصب العليا دون تمييز بما فيها حقوق المرأة وحقوق متساوية للأديان والقوميات، فهي تصبح في الواقع العملي "مؤامرة" ضد الأمة والدين، تقف خلفها جهات إمبريالية- استكبارية تضمر الشرور للمجتمعات العربية – الإسلامية، وبهذا المعنى لم تسلم حتى حقوق بعض المبدعين في التميّز والاستقلالية والتفكير الحر، واعتبرت بمثابة "انشقاق" وخروج على الجماعة، أما في معارضة تفكيرها، فالأمر قد يستحق العقاب والتحريم والتجريم.

ولعلّ مثل هذه الممارسات، لاسيّما بحق الجماعات القومية أو الدينية دفعها للانغلاق وضيق الأفق القومي، وبخاصة إذا تعرّضت للاضطهاد الطويل الأمد وشعرت بالتهديد لهوّيتها، وهو الأمر الذي كان أحد نقاط ضعف الدولة القطرية العربية تاريخياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد الاستقلالات.

وقد تجد هناك من يدعو لعدم نشر الكلام الذي ينتقد أوضاعنا العربية، لأنه يتحدّث عن المساوئ لكي لا يستفاد منها العدو، تحت مبرّر عدم نشر الغسيل الوسخ، ولكي لا نسيء إلى صورتنا أمام الآخرين، وينسى هؤلاء المبشّرون أن إخفاء المرض لا يشعر المرء بالطمأنينة على صحته ولا يعيد له العافية، كما أن التغلّب على العدو يحتاج إلى تشخيص لنقاط ضعفنا والتخلص من بعض النزعات العنصرية إزاء الآخر في داخلنا بل إزاء بعضنا البعض كما يتطلّب قراءة واقعنا موضوعياً بروح النقد والنقد الذاتي والاعتراف بحقوق المجموعات الثقافية وبالهوّيات المتعدّدة في مجتمعاتنا المتنوّعة، وعدم تجميل صورتنا أمام أنفسنا، خصوصاً إذا كانت صورة البعض كالحة.

وما زال الموقف من المجموعات القومية والدينية قاصراً في الكثير من الأحيان، وحتى الاعتراف ببعض الحقوق يأتي كمنّة أو مكرمة أو هبة أو حسنة، حيث تسود تصوّرات مخطوءة عنها، بل إن الكثير من السائد الثقافي يعتبرها، خصماً أو "عدواً " محتملاً أو أن ولاءها هشاً وقلقاً وسرعان ما يتحوّل إلى الخارج، دون أن نعي أن هضم حقوقها، تارة باسم مصلحة الإسلام وأخرى مصلحة العروبة والوحدة وأحياناً بزعم الدفاع عن مصلحة الكادحين، والقوى العلمانية والمدنية وقيم النضال المشترك وغير ذلك، هو السبب الأساسي في مشكلة المجموعات الثقافية وليس نقصاً في ولائها أو خروجها على الهوّية الوطنية العامة التي تصبح لا معنى لها بسبب معاناتها، وبسبب نقص المواطنة الفادح والنظر إلى أفرادها كرعايا لا مواطنين من الدرجة الأدنى، وإنْ كان المواطنون ككل مهضومي الحقوق، فإن العبء الذي سيقع على كاهل المجموعات الثقافية سيكون مركباً ومزدوجاً ومعاناتها كذلك.[23]

إن الموقف من المجموعات الثقافية ودلالاتها لا يقوّم الإنسان بوصفه إنساناً، له حقوق وواجبات معروفة في الدولة العصرية، بحقوق المواطنة، وإنما يقيّمه بوصفه "انتماءً "، أي هو يحوّل الإنسان إلى سياسي برأس إثني أو قومي أو ديني أو مذهبي، وهكذا يتحوّل الإنساني إلى سياسي، وهذا الأخير إلى حقل من الحروب تبعاً للمصالح السياسية والمادية، فتهيمن الأهواء والنزعات على العقول وتظهر الوحشية عند الممارسة، ويغيب كل ما هو إنساني، وأحياناً كثيرة تستخدم القوى الخارجية هذه الثغرات والعيوب والنظرة الاستعلائية القاصرة للنفاذ منها لتشتيت الهوّية الجامعة، والعزف على الهوّيات الخاصة لدرجة التعارض والتصارع مع المشترك الإنساني.

ولنتأمل الحرب الأهلية اللبنانية، فبعد دماء غزيرة وخراب استمر 15 عاماً، غسل الجميع أيديهم وتعانقوا وكأن شيئاً لم يكن، وظلّت الهوّيات الصغرى طاغية، والهوّية الجامعة هشّة، قلقة، مقصاة وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق، اندلع العنف والإرهاب على نحو لم يسبق له مثيل ليحصد أرواح عشرات ومئات الآلاف من العراقيين من جميع الطوائف والقوميات والاتجاهات، تحت شعارات التفوق الطائفي والإثني أحياناً، وهو ما كانت له بعض الأسباب في التاريخ، لاسيّما المعاصر وبخاصة الاتجاهات التمييزية السائدة، رغم إن المحاصصة والتقاسم المذهبي والإثني كانتا تشكلان أساساً قام عليه مجلس الحكم الانتقالي وما بعده، ولكن ظل جميع الفرقاء والفاعلين السياسيين من جميع الاتجاهات، يعلنون أن لا علاقة لهم بالطائفية والمذهبية، بل هم يستنكرونها ويعلنون البراءة منها، لكنهم عند اقتسام المقاعد والوظائف يتشبّثون بها، ويحاولون الظهور بمظهر المعبّر وربما الوحيد عنها، دون تخويل من أحد.

 إن مثل هذه الاعتبارات هي التي دفعت الباحث لاقتراح مشروع لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق[24] وهو إذّ يعرضه على جميع الفرقاء، يأمل أن يثير نقاشاً وحواراً واسعاً لدى الجميع، آملاً أن تتبنّاه القوى السياسية الوطنية وفاعليات المجتمع المدني، التي لا تؤمن بالطائفية وتدعو إلى تحريمها ومحاسبة كل من يمارسها أو يدعو ويروّج لها أو يتستر عليها، واعتماد مبادئ المساواة التامة والمواطنة الكاملة، فذلك هو السبيل لتعزيز الهوّية الوطنية العراقية وتأمين حقوق الهوّيات الفرعية القومية والدينية وغيرها. وبقدر ما يصلح القانون عراقياً، فإنه يتضمن خطوطاً عريضة لمبادئ تحريم الطائفية عربياً.

ولا بدّ من إقرار ذلك دستورياً، خصوصاً إذا تمكّن البرلمان، لاسيّما في ظروف سلمية وطبيعية من اعتماد مشروع القانون، الذي لن يكون بالإمكان التخلص من المحاصصات والتقسيمات الطائفية، دون إقرار ذلك قانونياً وعملياً. وبدلاً من التبصّر والتعامل مع المشكلة بالتحليل والبحث والتساؤل، يتم إلقاء الخطابات الرنانة والكلمات الحماسية والعناقات الفارغة والحديث عن مصالحات سميّت "وطنية" وهي مصالحات سياسية محدودة جداً في ظل نزعات الهيمنة وادعاء الأفضليات وإقصاء الآخر أو الانتقاص من دوره، دون نسيان توزيع الاتهامات وتحميل الآخر المسؤولية كلّها، سواءً الآخر الخصم والعدو أو الآخر التكفيري، الإجرامي.

إن الفكر اليقيني المطلق، هو فكر إمحائي لا يؤمن بالآخر، ويريد إلغاء الفروق داخل المجتمع بكياناته ومكوّناته وأفراده وسجن التعددية وإقصاء الخصوصيات وتطويق ومحاصرة التنوّع، والأكثر من ذلك يريد إلغاء تاريخ مكوّنات بحيث يلعب فيها مثل كرة عمياء تتدحرج في طريق أعمى وبأيد عمياء. [25]

إن التعصّب والعصبية هما اتجاهان إلغائيان لمن لا يتعصّب لهما، ولعلّ جدل الهوّيات يكشف إن اختيار الصراع بدل التعايش، والصدام بدل الحلول الإنسانية، سيكون ضاراً وخطيراً على الهوّيات الكبرى مثل الهوّيات الصغرى، وهذه الأخيرة إنْ لم يتم احترامها وتأمين حقوقها المتساوية ستكون عنصر ضعف كبير ويتّسع باستمرار على مستوى الهوّية والدولة العراقية، إذ لا بدّ من اتباع طريق المعرفة وشراكة الناس في المسؤولية والبحث عن الحقيقة وعن المعنى، سواءً عبر الهوّيات الفرعية- الجزئية أو من خلال الهوّيات الأوسع والأكبر، ولكن بانسجام مع الهوّية العامة التي لا تستقيم كينونتها وحقوقها الاّ باحترام الهوّيات الفرعية وخصوصيتها على مستوى الجماعات أو الأفراد [26] .

 

 

القسم الثاني- في المواطنة

 1- المواطنة العضوية[27]

لم تترسّخ، فكرة المواطنة في الدولة العربية الحديثة بعد، سواءً على الصعيدين النظري والعملي، فهي تحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ على صعيد الدولة والحكم (السلطة والمعارضة)، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني على حدٍ سواء، نظراً لغياب ثقافة المواطنة وضعف الهياكل والتراكيب والمؤسسات الناظمة للاجتماع السياسي الحكومي وغير الحكومي، بما فيه فكرة الدولة المدنية وسياقاتها!

وإذا كان بالإمكان اعتبار فكرة الدولة كأعظم منجز بشري، لاسيّما في إطار المنتظم الاجتماعي لحماية أرواح وممتلكات المواطنين وحفظ النظام والأمن العام، فإن فكرة المواطنة ارتبطت بالدولة الحديثة أو أخذت أبعادها الفكرية والحقوقية منها، ناهيك عن أساسها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الراهن.

اعتمدت فكرة المواطنة في القرن الثامن عشر بالدرجة الأساس على بناء الدولة، لاسيّما بأفقها الليبرالي الذي بشّر بإعلاء قيمة الفرد والحرية والسوق في إطار سيادة القانون، وشهد القرن التاسع عشر تطوراً في فكرة المواطنة بتعزيز الحقوق السياسية بعد إقرار الحد الأدنى من الحقوق المدنية، وبشكل خاص عند تطوّر مفهوم الديمقراطية الناشئ وقبول مبدأ الاقتراع العام.

 أما في القرن العشرين فقد توسّعت فكرة المواطنة لتشمل مبادئ حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بعد التطور الذي حصل بإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، لاسيّما الحقوق المدنية والسياسية، ولهذا حظيت فكرة المواطنة باهتمام أكبر خصوصاً بانتقالها من فكرة تأسيس دولة الحماية إلى تعزيز دولة الرعاية.

وقد خطت بعض البلدان خطواتٍ مهمةٍ في طريق تأمين الحقوق والحرّيات المدنية والسياسية وسارت شوطاً بعيداً في تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتأكيد حيوية وديناميكية فكرة المواطنة بمزاوجة الحقوق والحرّيات بالعدالة، وهو الأمر الذي نطلق عليه " المواطنة العضويّة "، أي المواطنة التي تقوم على قاعدة المساواة أولاً في الحقوق والواجبات، وأمام القانون ودون تمييز بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الجنس أو العرق أو المنشأ الاجتماعي أو لأي سبب آخر.

وثانياً ، قاعدة الحرّية كقيمة عليا لا يمكن تحقيق الحقوق الإنسانية الأخرى بدونها، فهي المدخل والبوّابة الضرورية للحقوق الديمقراطية السياسية، بما فيها حق التعبير وحق تأسيس الجمعيات والأحزاب وحق الاعتقاد وحق المشاركة السياسية في إدارة الشؤون العامة وتولّي المناصب العليا، وإجراء انتخابات دورية، إلى حق التملك والتنقل وعدم التعرّض إلى التعذيب ... الخ .

أما القاعدة الثالثة فهي تستند إلى فكرة العدالة بجميع صنوفها وأشكالها، وفي جوانبها القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فمع الفقر لا تستقيم العدالة، ومع هضم حقوق المرأة ستبقى ناقصة ومبتورة، ومع التجاوز على حقوق المجاميع الثقافية الإثنية والدينية وغيرها، ستكون العدالة مشوّهة، ولعلّ مقاربة فكرة العدالة يمكن أن تتحقق من خلال التنمية، وهو ما أُطلق عليه التنمية المستدامة: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المستندة إلى قاعدة الحريات والحقوق المدنية والسياسية، التي تغتني بالمعرفة وتنمية القدرات، لاسيّما التعليمية وتأمين حقوق المرأة والمجموعات الثقافية وتقليص الفوارق الطبقية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

وتقوم القاعدة الرابعة على الحق في المشاركة دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو اللغة أو اللون أو المنشأ الاجتماعي، إذ لا مواطنة حقيقية دون الحق في المشاركة والحق في تولّي المناصب العليا دون تمييز لأي اعتبار كان.

وتتشكّل الهوّية الوطنية العامة من خلال القواعد الأربعة المشار إليها، وعلى أساسها يمكن أن تتعايش هوّيات مصغرة (فرعية) في إطار من المساواة والحرية واحترام حقوق "الأغلبية" من جهة، وتأمين حقوق "الأقلية" من جهة أخرى على أساس التكامل والتكافؤ والتكافل والمساواة، أي التنوّع في إطار الوحدة، وليس التنافر والاحتراب، فقد ظلّ الإتجاه السائد في الثقافة المهيمنة يميل إلى عدم احترام الخصوصيات أو التقليل من شأنها ومن حقوق المجموعات الثقافية، سواءً كانت قومية أو دينية أو لغوية أو غير ذلك .

تعتبر الحرية قاعدة أساسية للجيل الاول لحقوق الانسان، لاسيّما اقترانها بفكرة المساواة في الكرامة والحقوق، وبخاصة الحق في الحياة وعدم التعرّض للتعذيب وحق اللجوء وحق التمتع بجنسية ما وعدم نزعها تعسفاً، وحق الملكية إضافة إلى الحقوق والحريات الأساسية.

وارتبط الجيل الثاني لحقوق الإنسان بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لاسيّما المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص عام 1966 التي شملت حقوق العمل والضمان الاجتماعي والتعليم وحقوق المرأة والطفل والمشاركة في الحياة الثقافية والاستفادة من منجزاتها وغيرها .

أما الجيل الثالث لحقوق الإنسان فهو يستند إلى الحق في التنمية والحق في السلام والحق في بيئة نظيفة والحق في الاستفادة من الثورة العلمية – التقنية .

ويمكن اعتبار الجيل الرابع ممثلاً بالحق في الديمقراطية، والحق في التعددية والتنوّع الثقافي، لاسيّما بعد انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي من شكل إلى شكل آخر بانهيار الكتلة الاشتراكية وتفكيك دولها وبخاصة الاتحاد السوفيتي. وكان مؤتمر باريس المنعقد في تشرين الثاني (نوفمبر) 1990، قد وضع أساساً جديداً لشكل العلاقات الدولية ورسّخ هذا الاتجاه مؤتمر برلين (حزيران – يونيو) 1991 بعد حرب الخليج الثانية، بتأكيد: التعدّدية والتداولية وتشكيل مركز دائم لمراقبة الانتخابات وحرّية السوق، رغم أن القوى المتنفذة حاولت توظيف هذا التوجه العالمي الايجابي لمصالحها الأنانية الضيقة.

ولعلّ انكسار رياح التغيير التي هبّت على أوروبا في أواخر الثمانينيات عند شواطئ البحر المتوسط، كان بسبب سعي القوى الدولية المتسيّدة في توجيه الأحداث طبقاً لمآربها السياسية ومصالحها الاقتصادية دون مراعاة لحقوق شعوب ودول المنطقة، الأمر الذي عطّل عملية التغيير، تلك التي جرت محاولات لفرضها من الخارج، ولكن على نحو مشوّه، خصوصاً بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية، ونجم عنها احتلال أفغانستان والعراق والحرب على لبنان بحجة مكافحة الإرهاب الدولي العام 2006 وكذلك الحرب على غزة بعد حصارها منذ العام 2007.

مثل هذا الأمر يطرح فكرة العلاقة الجدلية بين المواطنة وحقوق الإنسان، وبقدر تحقيق هذه المقاربة، تكون فكرة المواطنة ببعدها الكوني وأساسها الحقوقي الإنساني قد اقتربت من المشترك الإنساني، مع مراعاة الخصوصيات الدينية والإثنية واللغوية، أي بتفاعل وتداخل الحضارات والثقافات، لاسيّما باحتفاظها بكينونتها الخاصة في إطار علاقتها العضوية بالأبعاد الكونية الانسانية .

المواطنة تقوم وتستند إلى قاعدة المواطن – الفرد الذي ينبغي مراعاة فردانيته من جهة، ومن جهة أخرى حرّيته الأساس في مساواته مع الآخر تساوقاً في البحث عن العدالة، وتتعزز مبادئ المساواة والحرّية في إطار المنتظم الاجتماعي الوطني والائتلاف والانسجام من جهة، وتغتنيان بالتنوّع والتعددية من جهة أخرى ، وذلك من خلال الوحدة والاشتراك الإنساني والحقوق والواجبات وليس الانقسام أو التشظي أو التمييز.

وإذا كانت فكرة المواطنة تتعزز من خلال الدولة ، فإنها تغتني وتتعمق بوجود مجتمع مدني حيوي وناشط، بحيث يكون قوة رصد من جهة للإنتهاكات المتعلقة بالحرّية والمساواة والحقوق، ومن جهة أخرى قوة اقتراح وليس احتجاج حسب، بحيث يصبح شريكاً فعالاً للدولة في توسيع وتعزيز دائرة المواطنة العضوية وتأمين شروط استمرارها، لاسيّما إذا تحولّت الدولة من حامية إلى راعية[28] ، مرتقية لتعزيز السلم المجتمعي والأمن الإنساني، لاسيّما بوجود مؤسسات ترعى المواطنة كإطار والمواطن كإنسان في ظل الحق والعدل.

 

2- الدولة العربية والمواطنة!

مثلما هي فكرة الدولة حديثة جداً في المنطقة العربية، فإن فكرة المواطنة تعتبر أكثر حداثة منها وجاءت انبثاقاً عنها. ورغم وجود تجارب " دولتية " أو ما يشابهها في العهد الراشدي الأول وما بعده أو عند تأسيس الدولة الأموية بدواوينها ومراتبيتها التي توسعت وتطورت في ظل الدولة العباسية، وفيما بعد الدولة العثمانية، خصوصاً في الفترة الأخيرة من تاريخها، حيث تأثرت بمفهوم الدولة المعاصرة في أوروبا وبالأفكار الدستورية والقانونية الحديثة، لاسيّما فكرة المواطنة التي اغتنت في القرن العشرين، باعتبارها "حقاً" من الحقوق الأساسية للإنسان.

وإذا كان مفهوم المواطنة جنينياً في الدولة العربية -الإسلامية، لاسيّما فيما يتعلق بتحديد مسألة الهوّية، ناهيك عن الحقوق الإنسانية، فإن هذا الحق، تساوقاً مع التطور الفقهي على المستوى الدولي، اكتسب بعداً جديداً في الدولة العصرية ومنها الدولة العربية، رغم النواقص والثغرات التي ما تزال تعاني منها قياساً للتطور الدولي. وقد تكرّس مبدأ الحق في المواطنة في أواسط القرن العشرين خصوصاً بصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية العام 1966 والعديد من الوثائق الدولية ، التي أكدت : أن لكل فرد في أي مكان من العالم الحق في أن تكون له صلة قانونية بدولة من الدول .

ويستخدم في القانون الدولي، مصطلح المواطنة الذي يوازيه مصطلح الجنسية بالتبادل فيما بينهما، حين يتم الحديث عن منح الأشخاص الحق في حماية دولةٍ ما إلى جانب حقوقٍ سياسيةٍ ومدنية ، تلك التي تشكل ركناً أساسياً في هوّية الفرد – الإنسان، ويمكن تعريف المواطنة الحيوية أو العضوية بأنها " الحق في الحصول والتمتع بالحقوق بصورةٍ عادلة ".

وإذا كان الحق في المواطنة قد ضمنه القانون الدولي ، الذي حظر حرمان أي شخصٍ من مواطنته أو جنسيته التي أكّدتها المادة 15من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي نصت على أن: لكل إنسان الحق في الحصول على جنسية ولا يجوز حرمان إنسان بصورةٍ تعسفيةٍ من جنسيته ولا من حقه في تغييرها، إلاّ أن ذلك لم يمنع من بقاء ملايين البشر في جميع أنحاء العالم بدون جنسية، الأمر الذي ينتقص من مبدأ الحق في المواطنة ، بغض النظر عن أن حالات إنعدام الجنسية قد تنشأ من التعارض في القوانين ونقل تبعية الإقليم أو حالات الزواج أو وجود تمييز أو عدم تسجيل المواليد أو إسقاط الجنسية [29].

ولعلّ المثل الأكثر سفوراً في العالم العربي، هو تهجير الفلسطينيين منذ العام 1948 وإسقاط حقهم في وطنهم وبالتالي جعلهم عرضةً لحالات إنعدام الجنسية. ولا شكّ أن اتساع وانتشار حالات اللاجئين وأوضاعهم هي التي دفعت الأمم المتحدة إلى إنشاء مكتب للمفوضية السامية للاجئين كإحدى وكالات الأمم المتحدة المسؤولة عنهم وللحد من ظاهرة إنعدام الجنسية.

وقد عرف الوطن العربي حالات كثيرة من المواطنة المنقوصة، سواءً من أفراد أو مجموعات بشرية وبهضم حقوقها أو انتزاع أو عدم حصولها على الحق في الجنسية، كما حصل للمهجرين العراقيين، لاسيّما عشية وخلال الحرب العراقية - الإيرانية ومعظمهم من الأكراد الفيليين، إذْ انتزعت منهم جنسيتهم وصودرت أملاكهم في العراق بحجة التبعية الإيرانية، ولم يعترف بهم في إيران أيضاً، فعاشوا بدون جنسية وبدون وطن ومواطنة، وكذلك حالات ما سمّي بالمكتومين من الأكراد السوريين الذين لم يحصلوا على الجنسية وبالتالي على حقوق المواطنة، وحالات البدون في الكويت وبعض دول الخليج التي حرمت عشرات الآلاف من حقوق المواطنة، إضافةً إلى الكثير من الحالات والإشكالات بسبب الزواج من فلسطينيين أو أشخاص بلا جنسية أو من جنسيات أخرى وحصول حالات طلاق، الأمر الذي جعل الأبناء بلا جنسية، إذْ أن الغالبية الساحقة من قوانين البلدان العربية لا تسمح بالحصول على الجنسية عن طريق الأم، الأمر الذي خلق مشاكل لا تتعلّق بالحقوق المدنية والسياسية حسب، بل بالحق في التعليم والتطبيب والعمل وغير ذلك.

وقد أدركت العديد من الحكومات أنه لم يعد بإمكانها اليوم التملّص من حالات المساءلة بموجب القانون الدولي بإلغاء أو سحب أو حجب حق المواطنة عن الأفراد والجماعات الذين يمكنهم إثبات وجود علاقة حقيقية وفعالة بينهم وبين بلدهم، سواءً عن طريق رابطة الدم "البنوّة " للآباء رغم ان العديد من البلدان العربية ما زالت تحجب هذا الحق عن الانتساب إلى جنسية الأم، في حين إن القانون الدولي لحقوق الإنسان يعطي مثل هذا الحق، أو " طريق الأرض "، أي الولادة في الإقليم أو الحصول على جنسيته ومواطنته أو اكتساب الجنسية نظراً للإقامة الطويلة والمستمرة والتقدم بطلب إلى السلطات المسؤولة عن ذلك. [30]

 

3- النخب العربية وفكرة المواطنة

وإذا كان انشغال النخب العربية بفكرة "الأمة الإسلامية" أو "الجامعة الإسلامية" في القرن التاسع عشر وربما في بدايات القرن العشرين، فإن الانبعاث القومي العربي بدأ يتعزز لاحقاً، حيث بدأت النخبة الثقافية والتنويرية الاسلامية والعلمانية، الاهتمام بالفكرة الحديثة عن الدولة التي تعتبر المواطنة أحد مظاهرها الأساسية، فالشعب والحكومة والارض والسيادة أركان الدولة وعناصر وجودها، التي تستقيم وتتعزز في ظل احترام الحقوق والحريات وتكريس مبدأ المساواة الكاملة والمواطنة التامة في إطار سيادة القانون.

وبالإمكان القول إن الموقف الذي حكم الدولة العربية الحديثة ومجتمعها الأبوي التقليدي كان قاصراً واستعلائياً في نظرته إلى المواطنة والأقلية، وهذه النظرة أعاقت ترسيخ سلطة الدولة، فالأقلية قومية أو دينية حسب وجهة النظر هذه، قد تكون "متآمرة" أو "انفصالية" أو تاريخها غير "مشرّف" أو " مسؤولة عن كوارث الأمة" أو غير ذلك من الأفكار السائدة التي تأخذ الامور بالجملة وعلى نحو سطحي، دون الحديث عن جوهرها لاسيّما : الحقوق والمساواة والحرية وتكافؤ الفرص والمواطنة العضوية القائمة على قاعدة العدل. وقد أضعفت هذه النظرة من التوجّه نحو المجتمع المدني ابتداءً بالانتقاص من مفهوم المواطنة إلى الضغوط الاجتماعية المسنودة بالمؤسسة التقليدية العشائرية والدينية في الكثير من الأحيان.

واستندت الدولة العربية الحديثة على بعض النخب "الأقلوية" على حساب الأغلبية الساحقة من الشعب، ولذلك أصبحت دولاً "سلطوية" أو " تسلطية"، لاسيّما بغياب مبادئ المساواة وتهميش "المجموعات الثقافية الأخرى" وحجبها عن حق المشاركة، والهيمنة على "الأغلبية" وإبعادها عن الحكم، والإستعاضة عن ذلك بأقلوية ضئيلة، على حساب مبدأ المواطنة!

وظلّ المجتمع العربي يعاني من الموروث السلبي بما فيه الديني الذي جرت محاولات لتوظيفه سياسياً بالضد من تطوّر فكرة المساواة والحرية والعدالة، وصولاً للمواطنة الكاملة والتامة باتجاه المواطنة العضوية أو الديناميكية، خصوصاً في النظرة الدونية إلى المرأة، وعدم الإقرار بالتعددية السياسية والفكرية والاجتماعية والقومية والدينية، الأمر الذي ينتقص من مبدأ المواطنة !!

في الثقافة والأدب، مثلما في علوم السياسة والاجتماع ثمت دلالات، وهذه لا تأتي الاّ بعد دراسة وتأمّل لتجارب وممارسات، وصولاً إلى نتائج، ولهذه الأخيرة معاني إيجابية وسلبية، لأنها تعتمد على مدى التحقّق، وهذا الأخير يكون مقاربة من الهدف ذاته، الذي يعني القدرة على الامتلاء، أي مدى التوازي بين الهدف والوسيلة، من خلال معيار، لا يأخذ بالتطابق بقدر سير التطبيق بموازاة النظرية، وكلّما اقتربت من ذلك، كلّما يمكن القول أن الدلالة تعني النجاح أو الفشل.

منذ العام 2011 كان الربيع العربي وتفرعاته هو الشغل الشاغل للحوار: الدولة المدنية وعلاقة الإسلام بالدولة، ودور الحركات الإسلامية والإسلام السياسي في مشروع الثورات وبرامجها ونتائجها الانتخابية، والإسلامفوبيا (الرهاب من الإسلام)، والإسلاملوجيا (استخدام الإسلام بالضد من تعاليمه السمحاء)، والأمن القومي العربي والسياسة الدولية والعامل الاقليمي، لاسيّما الصراع العربي- الإسرائيلي ودول الجوار الإيراني والتركي ومشروعيهما الإقليميين في ظل غياب أو ضعف المشروع العربي، وأمن الخليج وما يهدّده والمخاوف من الملف النووي الإيراني، والثقافة واللغة ودور التكنولوجيا والعلوم ووسائل التنمية والهوّية ومستجداتها والمواطنة وإشكالاتها.

ما دفعني لاستعراض ذلك هو النقاش الذي دار في إحدى حلقات البحث في مهرجان الجنادرية [31] (الثقافي)، التي ضمّت المفكرين أبو يعرب المرزوقي ويوسف مكي وجمال سلطان وآخرين، وشارك في التعقيب والحوار عدد من الباحثين، لاسيّما وأن فكرة المواطنة حديثة في الأدب السياسي والقانوني، مثلما حداثة فكرة الدولة ذاتها، وإنْ كان للمسألتين علاقة بتاريخنا، لكن الفكرة المعاصرة وتجلّياتها تختلف عن إدارة اجتماع سياسي لمجموعة من البشر، ضمن المفاهيم التي جاءت بها الثورة الفرنسية وما تعمّق بعد الثورة الصناعية، وصعود الطبقة الوسطى، من تداولية السلطة سلمياً وإجراء انتخابات دورية وفصل السلطات وسيادة القانون وإطلاق الحريات واحترام حقوق الإنسان.

وإذا كان ثمت واقعية في موضوع المواطنة، باعتبارها ركناً أساسياُ للدولة العصرية، لا غنى عنه لتقدّمها ورفاه شعبها، فإن هناك من يدعو لنموذج آخر " لمواطنة افتراضية"، أساسها آيديولوجي يقوم على الهوّية الدينية أو الطائفية أو القومية أو الأممية بحسب مصدر التوجه، فالإسلاميون بمختلف تياراتهم سواءً جزؤهم الحركي أو الساكن، قدّموا نموذجاً لمواطنة إفتراضية حين دعوا إلى "دار الإسلام" و"دار الشرك"، وهم وفقاً لهذا التقسيم افترضوا مواطنة عابرة للحدود والجنسيات والقوميات والطوائف، وذلك بتجاوز مشروع "الدولة الوطنية"، لاسيّما عندما يتم الحديث عن مواطنة إسلامية.

ومثله التيار القومي العربي، فإنه لا يعترف بالحدود والكيانات التجزيئية، التي فرضها المستعمِر، ويتحدّث عن فكرة مواطنة عربية، وقد نجد هذه الفكرة الجنينية قد أخذت طريقها إلى التطبيق التمهيدي، مثل الحديث عن المواطنة المغاربية والمواطنة الخليجية، على الرغم مما حقق مجلس التعاون الخليجي من بعض النجاحات في التقارب والتنسيق، لكن ثمت عوائق أمام فكرة مواطنة خليجية أو كونفدرالية على هذا الصعيد، سواء تم توحيد العملة أو الاحتفاظ بها لحين، على طريقة الاتحاد الأوروبي. والماركسيون أيضاً يتجاوزون على فكرة "الدولة الوطنية"، وكان كارل ماركس هو الذي قال "ليس للعمال من وطن"، بمعنى تجاوز الطبقة العاملة لما هو قائم باتجاه مواطنة أممية لشغيلة العالم.

وسواءً كانت المواطنة الإسلامية أو المواطنة العروبية وربما الكردية غداً أو غيرها، أو المواطنة الأممية بنموذجها السوفييتي أو الكوبي الأمريكي اللاتيني، فإنها جميعها صيغ لمواطنة افتراضية، تقوم على الموقف السلبي من فكرة الدولة الوطنية، فهو الجامع بينها، علماً بأن الكثير من المشكلات القانونية والسياسية، تواجه مثل هذه الأفكار في ظل غياب صيغة قانونية مثل صيغة الاتحاد الأوروبي مثلاً، لكن هذه الصيغ ذات الطبعة الآيديولوجية الملوّنة، التي تأخذ اسماً دينياً (المواطنة الإسلامية) وإسما قومياً (المواطنة العروبية أو العربية) واسماً أممياً (المواطنة الأممية)، فإنها ترضع من ثدي واحد، فالأولى تسعى لقيام نظام إسلامي، والثانية تستهدف قيام نظام وحدوي قومي، والثالثة تريد بناء الاشتراكية، وفقاً لوحدة الطبقة العاملة على أساس مركز أممي وفروع مرتبطة به.

لعلّ الفكرة النظرية التي تروّج لها التيارات المختلفة تصطدم بعدد من الجوانب العملية، فيما يخص الدولة الوطنية وهويّتها، ناهيك عن عدد من الأسئلة الشائكة التي تواجهها مثل: تنازع القوانين، كيف السبيل للانتقال من دائرة المواطنة الوطنية إلى دائرة المواطنة الأوسع الإسلامية والعروبية والأممية؟ هل بإسقاط الرغبات على الواقع؟ علماً بأن ما طرحته موجة ما يسمى "الربيع العربي" وعموم موجات التغيير التي حصلت في أوروبا الشرقية وبعض دول أمريكا اللاتينية، أدّت إلى انبعاث الهوّيات الفرعية، وقادت إلى حروب وانقسامات وتشكيل دول أو حتى دويلات.

أفكار من هذا النوع كانت محطّ نقاش وجدل لتيارات فكرية وسياسية خلال العقود الماضية، خصوصاً علاقة الدين كعقيدة، بالسياسة كممارسة ومساومة ومصالح، ومن جهة أخرى كانت فكرة الدولة المدنية حاضرة، لاسيّما باعتبارها "الكفيل بوضع حدّ لنزاعات القوة والهيمنة وتنظيم حياة الناس" بعيداً عن دينهم ولغتهم وعرقهم ولونهم وجنسهم ومعتقدهم وأصلهم الاجتماعي، وذلك بوجود مؤسسات ضامنة لحقوقهم في إطار سيادة القانون، وربّما هذا ما كانت تسعى إليه بعض حركات التغيير، حتى وإن هناك من حاول وضع العقبات في طريقها أو واجهها بتحدّيات، ناهيك عن المنعرجات التي صادفتها والخيبات التي اعترضتها، لكن ذلك هو الواقع بكل تعقيداته، وهو واقع وليس افتراضاً بكل الأحوال!!.

 

د. عبد الحسين شعبان

 

abdulhusan shaabanالمقدّمة: يشغل موضوع الهوّية والمواطنة حيّزاً غير قليل في الثقافة والفكر وفي دراسات علوم السياسة والقانون والاجتماع، خصوصاً في ظل الجدل الذي ارتفعت وتيرته منذ ما يزيد على ربع قرن من الزمان، سواءً على المستوى الداخلي أو الدولي، في إطار مجتمعات متعدّدة التكوينات والهوّيات أو في إطار احتدامات لمصالح دولية وإقليمية.

وكان لانهيار الأنظمة الشمولية، وبخاصة في أوروبا الشرقية أثره الكبير في احتدام الصراع بين "هوّيات كبرى وصغرى"، وهوّيات "تابعة ومتبوعة" وهوّيات "عليا ودنيا"، وهوّيات "قوية وضعيفة"، رغم ميلي إلى تسميتها "هوّيات فرعية" أي خاصة، وهوّيات "كلية" بمعنى عامة أو شاملة، الأمر الذي عرّض بعض الكيانات الكبرى (الدول المتعدّدة التكوينات) إلى التصدّع والتآكل، خصوصاً بتبلور بعض خصوصيات الهوّيات الفرعية، التي وجدت الفرصة مناسبة للتعبير عن كيانياتها بعد طول انتظار وكبت وشعور بالغبن والحرمان، ناهيك عن ضعف المواطنة بسبب سياسات الإقصاء والتمييز والتهميش.

وأدّى هذا المتغيَّر إلى انقسام دول وانفصال كيانات ظلّت " متّحدة" لسنوات طويلة أو هكذا بدت الصورة، ولعبت العولمة دوراً مهماً في تشجيع ذلك، وبخاصة إذا كانت الكيانات الكبرى عامل تحدٍّ للقوى المتنفذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية، وهو ما وفّر ظروفاً موضوعية، وإنْ كانت لأغراض خاصة، لبروز الهوّيات الفرعية، وخصوصاً في ظل ارتفاع رصيد فكرة حقوق الإنسان ومبادئ المواطنة والمساواة، وهو ما كان غائباً في ظل الأنظمة الشمولية والاستبدادية.

وأصبح الإقرار بالتعددية والتنوّع الثقافي والقومي والديني واحترام حقوق الهوّيات الفرعية وخصوصياتها مسألة كونية، شجّعت "الأقليات" ونقصد بذلك المجموعات الثقافية في مجتمعات متعددة التكوينات الدينية والإثنية، على المطالبة بحقوقها وكيانياتها الخاصة، من خلال بيئة دولية داعمة وظروف مناسبة موضوعياً وذاتياً، ولذلك فإن جدل الهوّيات وصراعها أحياناً، ارتقى إلى مصاف نزاعات كبرى وحروب أهلية، وترك ندوباً وجراحات وحواجز تاريخية ونفسية، ازدادت حدّة وتنافراً في السنوات الأخيرة، على الرغم من وجودها في السابق، إلاّ أنها كانت غير منظورة في ظل الدولة المركزية "الصارمة" والنظام الشمولي، العمودي، ذو الصلاحيات التي تكاد تكون مطلقة، فالاتحاد السوفييتي السابق وحده إنقسم إلى 15 جمهورية لا تزال تداعياتها وآثارها تبرز بين الحين والآخر، ولعل الأزمة الأوكرانية حالياً ومشكلة جزيرة القرم ذات الكثافة السكانية من أصول روسية، ليست بعيدة عنها، إضافة إلى حروب جورجيا وجمهوريات آسيا السوفيتية السابقة.

أما يوغسلافيا السابقة فقد تمزّقت إلى 6 كيانات وجرت بينها حروب وصراعات وعمليات إبادة بعضها لم يندمل على صعيد العلاقات التاريخية بين مكوّناتها الدينية والإثنية والاجتماعية، أو تداخلاتها الدولية،ناهيك عن هدر حقوق الإنسان كما حصل في كوسوفو، إضافة إلى البوسنة والهرسك. وانقسمت تشيكوسلوفاكيا إلى كيانين بطريقة مخملية، هما جمهورية التشيك (تشيخيا) وجمهورية سلوفاكيا)، والسودان انفصل جنوبه باستفتاء شعبي العام 2010 بعد احترابات طويلة استنزفت موارد البلد وطاقاته منذ العام 1956 حين نال السودان استقلاله، وتشكّل إقليم تيمور الشرقية بقرار دولي بانفصاله عن أندونيسيا لاعتبارات تتعلق بالهوّية أيضاً وارتباطها بالمواطنة وهكذا .

ولعلّ الحديث عن أكثر من "عراق" أصبح مبحثاً يكاد يكون دائماً على طاولة التشريح الدولي منذ عقود من الزمان، سواءً بحكم الأمر الواقع في إطار مشاريع جديدة، كان قد جرى تسويقها تحت عناوين مختلفة، أو امتداداً لمشاريع قديمة، وهذه وتلك اتخذت مبرّرات جديدة باسم " الواقعية السياسية" أو لإنهاء العنف، أو مبرّرات سياسية قومية أو طائفية.

وتستهدف جميع تلك المشاريع إلى تقريب فكرة التقسيم حتى من خلال رسم صورة متخيّلة عن الوضع العراقي أمنياً، سواءً للتخلص من النظام السابق أو ما بعد الإطاحة به، مثل مشروع جوزيف بايدن، (نائب الرئيس الأمريكي باراك أوباما) أو قبله تساؤل غراهام فولر (من مؤسسة راند Rand الأمريكية المقرّبة من الـCIA) حول: هل يبقى العراق موحداً حتى العام 2002؟ أو قبلها ما تم ترويجه خلال الحرب العراقية- الإيرانية، لاسيّما في سنواتها الأخيرة حول تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات شيعية وسنية وكردية، وهو ما راود بعض السياسيين الطموحين، ولكن القصيري النظر لاحقاً، والذي جاء دور الحديث عنها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003 ويتجدد الأمر على نحو كثيف منذ احتلال تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" للموصل في 10 حزيران (يونيو) 2014 وتمدّدها لعدد من المحافظات، بحيث سيطرت على نحو ثلث الأراضي العراقية، إضافة إلى ما يزيد عن ثلث الأراضي السورية.

إن ما طرحه فولر من تساؤل بعد غزو الكويت وفرض الحصار الدولي على العراق منذ العام 1992 له أكثر من دلالة، لاسيّما بعد احتلال العراق، ومن ثم انفجار العنف والتطهير الطائفي والمذهبي والإثني، الأمر الذي انعكس على الهوّية والمواطنة في العراق، خصوصاً بعد احتدام المشهد السياسي عقب تفجيرات مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء العام 2006.

والأمر مطروح اليوم بحدّة في سوريا من جانب الأوساط الدولية المتنفّذة بغض النظر عن أهداف حركة الاحتجاج والمطالب الشعبية العادلة والمشروعة التي ابتدأت سلمية في 15 آذار (مارس) العام 2011، والتي دخلت عليها عناصر مختلفة، بما فيها قوى إرهابية مثل "تنظيم القاعدة" وأخواتها، سواءً تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بحيث تحوّل الصراع عنفياً ودموياً، وبدت الحرب التي تستمر منذ ذلك التاريخ وحتى كتابة هذا البحث وكأنها مصارعة على الطريقة الرومانية، لا تنتهي الاّ بمقتل أحد الفريقين المتصارعين، ووصل الآخر درجة من الإعياء تقترب من الموت.

يستهدف الباحث من مناقشة هذه الإشكاليات الفكرية والسياسية تقريبها إلى الواقع، بعيداً عن الأدلجة والنظرة المسبقة، وسيقسّم البحث إلى قسمين الأول يبحث في الهوّية والثاني سيبحث في المواطنة.

 

القسم الأول – في الهوّية

1- الهوّية والثقافة

تعتبر الهوّية موضوع جدل في الأدب السياسي، خصوصاً بجانبه الفكري والاجتماعي والثقافي [1]، وقد احتدم هذا الجدل إلى حدود كبيرة بعد انهيار النظام الاشتراكي العالمي وتحلّل المنظومة السوفيتية، الأمر الذي دفع شعوباً وأمما وجماعات لتخوض صراعاً حاداً باسم الدين أحياناً وباسم القومية أو اللغة في أحيان أخرى، وفي كل الأحوال كانت الخصوصية أمراً ملازماً لكل حديث عن الهوّية، إذْ سرعان ما طفحت كيانات وكتل على السطح بعد طول كبت وشعور بالتمييز، في مجتمعات كانت الصورة الواحدية تطغى عليها.

لعلّ واحداً من أسباب "انتعاش" مسألة الهوّية إذا جاز التعبير هو تفكّك الأنظمة الشمولية، وشعور بعض الكيانات الخاصة "بالانعتاق" وتطلّعها ليكون لها شكلاً من أشكال الاستقلالية والخصوصية التي تجمعها وتعطيها كيانها الخاص، لاسيّما بعد تهميش وإلغاء ومحاولات صهر بمزاعم شتى، الأمر الذي قد يكون وراء اندفاع الكيانات والهوّيات الفرعية، الجزئية، في البحث عن طريق جديدة لتحقيق ذاتها والتشبّث بخصوصياتها بعد طول "عداء" أو شعور "بالاستصغار" أو "فوقية" و"استعلاء" عانت منه، وقد تسبّب الفعل ومن ثم ردّ الفعل، في خلق فتن ونشوب حروب أهلية وتهجير قسري وإبادات، تارة بحجة الحفاظ على الهوّية التي يُراد اختراقها، لاسيّما الهوّيات الكبرى، وتارة بزعم تحقيق الهوّية والتمسّك بها، لاسيّما للهوّيات الفرعية، التي يراد تذويبها أو إخضاعها![2]

وإذا كانت تحدّيات الهوّية داخلياً أساساً مستمراً لاحتدام الجدال والسجال والصراع، فإن التحدّيات الخارجية لم تكن بعيدة عن ذلك، خصوصاً تداخلاتها وتأثيراتها المختلفة، حيث ظلّ الموقف من الحقوق والحريات، وبخاصة من مبدأ المساواة التامة والمواطنة الكاملة، وهما ركنان أساسيان من أركان الدولة العصرية، هو العامل الحاسم في الاحتدام والصراع والتناحر أحياناً، وذلك ما استثمره العنصر الخارجي في إثارة النعرات وتأليب البعض على البعض الآخر، والتدخّل بحجة حماية هذا الفريق أو ذاك، لاسيّما للكيانات الفرعية، خصوصاً إذا شكّلت الكيانات الأساسية ذات الصفات العامة، عنصر تحدٍّ للقوى المتنفّذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية، التي بإمكانها التأثير عليها، وذلك بالعزف على هذا الوتر الحسّاس للهوّيات الفرعية، التي ستضعف الكيانات الكبرى، وهو ما يمكن أن نطلق عليه " كلام حق يراد به باطل"!، لاسيّما إذا تعرّضت وحدة الدولة للتمزّق والمجتمع للتشظي!.[3]

ولكن هل يمكن الحديث عن هوية ثابتة أو متكاملة أو دون تغيير، باعتبارها معطىً ساكناً وسرمدياً، حتى وإن كانت بعض عناصر الهوّية قابلة للثبات مثل الدين أو اللغة؟ أم أن الهوّية بشكل عام تخضع لنوع من التغيير في الفهم أولاً وفي التفسير ثانياً، وحتى لو بقيت الأصول قائمة، فان بعض عناصر الهوّية مثل العادات والفنون، فإنها تتطوّر وتكون أكثر عرضة للتغيير حذفاً أو إضافة، لاسيّما علاقتها مع الثقافات والهوّيات الأخرى، تأصيلاً أو استعارة، وهذه لا تأتي دفعة واحدة بالطبع، بل تتم عملية التحوّل بصورة تدرّجية، تراكمية، طويلة الأمد، والأمر ينطبق على تفاعل وتداخل الهوّيات، خصوصاً من خلال عناصر التأثير القوية سياسياً وثقافياً واقتصادياً.

لقد ازداد جدل وصراع الهوّيات، في زمن العولمة، لاسيّما بعد انتهاء الحرب الباردة وهيمنة لاعب أساسي في العلاقات الدولية، ولعلّ الشعور بالاستهداف كان فادحاً، من جانب الهوّيات الفرعية أو الصغرى، في حين شعرت بعض الهوّيات الكبرى، العامة، وكأن هيبتها بدأت تتصدع بحكم الثقافة الاستعلائية السائدة، أو من حاول توظيفها لخدمة أغراضه السياسية الفوقية، سواءً كانت دينية أو اثنية أو طائفية أو غير ذلك، الأمر الذي ساعد على الانكفاء من جهة والتشرنق أو التعصب والانغلاق وضيق الأفق من جهة أخرى، إزاء الآخر، خصوصاً بتفكك الدولة أو هشاشة وحدتها الوطنية في ظل المعادلات الجديدة، وبخاصة للتكوينات المختلفة.

وبدلاً من طلب الاستكانة أو الخضوع أو محاولة التسيّد من جانب الهوّيات الكبرى أو من يدعي تمثيلها من الفئات المهيمنة على الهوّيات الفرعية، الذي كان ناجماً عن الشعور بالتفوق أو الأغلبية أو ادعاء الأفضليات، فإن نزعات رفض التعايش وعدم الرغبة في التواصل كانت قد تمت بالمقابل، جرّاء سياسة عدم الإقرار بالتنوّع والتعددية والحق في الاختلاف، وتتجه مثل هذه السياسة وردود أفعالها صوب العزلة والقطيعة، بدلاً من التعايش والمشترك الإنساني.

الثقافة هي الوعاء الذي يستوعب ويجسّد الهوّية، وهي التي تعبّر عن الشعور بالانتماء، فالثقافة هي توالف بين القيم المتراكبة والمتفاعلة مع الآخر أيضاً، لاسيّما إنسانياً، ومع التقاليد والعادات، التي تعكس سلوك وحياة الناس،[4]

كما أنها مثل الكائن الحي الذي يخضع لقوانين التطوّر الحياتية ذاتها، وهي تمثّل رؤية شاملة للعالم تتجلى أو تتجسّد فردياً أو مجتمعياً في المفاهيم والقيم وظواهر السلوك والممارسات المعنوية والعملية والحياتية، توحّدها اللغة، وإن تنوّعت تنوّع فئات المجتمع من حيث مواقفها الاجتماعية والفكرية، بما يشكل الخصوصية الثقافية والقومية العامة في المجتمع[5].

 بهذا المعنى فالثقافة هي مجمل أساليب المعيشة في حياة الشعب اليومية، التي تشمل عناصرها المترابطة في نسيج متكامل، الرؤية العامة، والقيم والمبادئ، والمفاهيم، والتقاليد، والعادات، والمعتقدات، والمقاييس والمعايير، والممارسات ، والأعراف، والقوانين، والأمثال، والمروّيات، والمناقب الأخلاقية، والقواعد السلوكية اليومية[6].

 قد يكون الاهتمام بالهوّية في ربع القرن الماضي ناجماً من تراجع دور الآيديولوجيات، لاسيّما بعد انخفاض منسوب الصراع الآيديولوجي منذ نهاية عهد الحرب الباردة في أواخر الثمانينيات، أو تحوّله من شكل إلى شكل آخر، خصوصاً بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، وصعود الإسلام كعدو تقليدي للغرب بعد سيادة عهد "الليبرالية" الجديدة سياسياً واقتصادياً، التي ارتبطت موجتها الجديدة بظاهرة العولمة، لاسيّما في ظل الثورة العلمية- التقنية، خصوصاً في مجال تقنيات الاتصال والمعلومات، وسعت للهيمنة على السوق الدولية على مستوى الكرة الأرضية.

ولعلّ هذا التوّجه ارتبط بفكرة النظام العالمي الجديد، الذي اتّسم بمنطق السوق وتسليع مظاهر الحياة الثقافية والاجتماعية ، وإزالة الحواجز أمام انتقال رؤوس الأموال والسلع وخصخصة المؤسسات الاقتصادية وإلغاء ملكية الدولة لها، وتحكّم الشركات " فوق القومية" في السياسة الاقتصادية الدولية، وسعي المحافظون الجدد في الولايات المتحدة إلى جعل سلطة السوق مقدسة، وتحطيم كل العوائق التي تعترض طريقها، سواء كانت دولاً أم حكومات، مجتمعاً مدنياً ومنظمات غير حكومية، أو غيرها [7] .

 وهكذا أخذ دور الثقافة يتعاظم سواءً على الفرد أو الشعب أو الأمة أو الدولة، ويزداد تأثيرها على السياسة والاقتصاد على حد سواء، خصوصاً بعد أن سعت العولمة لتسليع الثقافة بهدف تحطيم منظومة القيم الخاصة ب الهوّيات الأصغر الفرعية، بعد سيادة الهوّيات الكبرى أو الهوّية الأكبر من خلال تعميم نمط الاستهلاك والفردانية، خصوصاً العلاقة بين القوى المتسيّدة والنافذة في العلاقات الدولية وبين الأمم والشعوب والدول الصغيرة.

 

2- الهوّية والعولمة!

 ربّ سائل يسأل، كيف تتشكّل الهوّية؟ هل هي ثابتة وكاملة وبالتالي مقفلة غير قابلة للتطور أم متغيّرة ومتحوّلة ومفتوحة وقابلة للإضافة والحذف!؟ واستكمالاً لهذا السؤال يلوح دور الارادة للفعل أو للمعطى التاريخي الذي يقبل التطور والتراكم والتفاعل مع غيره، حيث تتمثل الهوّية في عناصر معرفية ونسق معتقدات وقيم ومعايير، وعلى الرغم من محاولات العولمة تحويل الثقافة إلى سلعة يتم تداولها على نطاق واسع، وخاضعة لسوق العرض والطلب والاحتكار، فإنه يمكن القول أن هناك ثلاث مستويات لتشكيل الهوّية، فهناك المستوى الأول- الفردي، فلكل فرد هوّيته وخصوصيته، وهناك المستوى الثاني- الجماعي أو المجتمعي أو الجمعي "الجمعوي" كما تسمى مغاربياً، وهي تمثّل المشترك للجماعة الإنسانية، أما على المستوى الثالث فهو المستوى الوطني والقومي، وفي كل الأحوال فان هذه المستويات الثلاث تتحدّد بنوع المواجهة، اتفاقا أو اختلافاً مع الآخر، لاسيّما الذي تواجهه قرباً أو بعداً، وهو ما يذهب إليه محمد عابد الجابري [8] .

نجم صراع الهوّيات عن نزاعات اجتماعية- اقتصادية، لاسيّما في إطار العلاقات الدولية، خصوصاً علاقة البلدان المتقدمة صناعياً بالدول النامية، حيث تحاول الأولى ترويضها وتطويعها ونهب مواردها، وأحياناً يتخذ احتدام الهوّيات شكل صراع متنوّع، فيما يتعلق بنمط الحياة والسلوك ومنظومة القيم، حتى وإنْ اتّخذ شكلاً دينياً أو لغوياً أو قومياً، لكنه يُمثّل من حيث الجوهر محاولات لفرض الاستتباع وإملاء الإرادة من جانب القوى الكبرى، ومقاومة وممانعة من القوى الصغرى.

 وهناك نوع آخر من الاحتدام في الهوّيات، ينجم عن نزاعات إثنية أو دينية، وأحياناً تتداخل هذه النزاعات التي تكاد تكون سائدة حالياً في المجتمعات المتخلفة أو البلدان النامية أو ما يمكن أن يطلق عليه مجتمعات الأطراف أو بلدان الجنوب الفقير، بسبب ضعف الدولة المركزية من جهة وشحّ الحقوق والحريات وعدم تحقيق المساواة التامة والمواطنة الكاملة من جهة أخرى، لاسيّما في دول متعددة الأعراق والقوميات والإثنيات والأديان والطوائف، فسرعان ما تندلع الصراعات بين من يدعي تمثيل القومية الكبرى أو الدين السائد أو النافذ أو الطائفة الأكبر من موقع السلطة ومن خارجها أحياناً، وبين أقليات أو فئات مُستبعدة أو مهمّشة، فيستعين كل طرف بثقافته السائدة، عندها يندلع العنف ويحتدم الصراع وتتباعد الكيانات وتكبر الهوّيات.

 يمكن القول بأن الصراع بين الهوّيات يكاد يختفي في المجتمعات المتقدمة، وخصوصاً الذي اتّخذ بُعداً (استئصالياً واقصائياً) عنفياً وعسكرياً ومسلحاً، حتى لو بقيت بعض ظلاله أو استحضر تاريخه، فإنما يتم ذلك على صعيد الفكرة والسياسة والتاريخ والمصالح الاقتصادية، لاسيّما بعد إسدال الستار على جوانبه المأسوية، حيث شهدت أوروبا، اتحاداً متميزاً ونافذاً أساسه المصالح الاقتصادية والمنافع المتبادلة وثقافة التسامح والتعايش والتعاون، بعد اعتماد مبادئ المواطنة واحترام حقوق الإنسان، لكن هذا الصراع ما زال مستمراً ومتصاعداً في البلدان النامية، وبعض بلدان الكتلة الاشتراكية سابقاً، دون أن يعني إلغاء أشكال جديدة له في الدول الرأسمالية المتقدّمة.

إن المجتمعات اللاّديمقراطية وبخاصة في البلدان النامية شهدت احتدامات حادة ومعارك كبرى تحت راية الهوّية وهو ما حدث في أمريكا اللاتينية ويحدث في آسيا وأفريقيا، واستمر على نحو حاد في العراق والسودان والصومال وأفغانستان ولبنان حيث تتقدم الهوّيات الفرعية على الهوّية الجامعة، وقد استشرى الأمر في العراق بعد الاحتلال، رغم الدثار السميك من القوة والقمع الذي تغلّف به في السابق، لكنه سرعان ما انفجر، وبخاصة عند إقرار القسمة الطائفية- الإثنية التي كرّسها بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق بعد أيار (مايو) 2003.

وباستثناء ما حصل من معارك البوسنة والهرسك والصراع بين الصرب والكروات والمسلمين والمسيحيين، وما حصل بين روسيا والشيشان وفي جورجيا وألبانيا وهي كلها خرجت من عباءة الأنظمة الشمولية، فإن تعايش الهوّيات أمرٌ معترف به ومصان قانوناً وممارسة، وأخذ يشكل جزءًا من الثقافة المشتركة ذات الأبعاد الإنسانية، وبخاصة فيما بينها، حتى أن انفصالاً مخملياً كان قد حصل بين التشيك والسلوفاك، بعد وحدة أو اتحاد دام عقوداً من الزمان، وذلك باتفاق الطرفين في 1 كانون الثاني (يناير) العام 1993 بعد أكثر من 3 سنوات من انهيار النظام الشمولي الاشتراكي السابق.

 الهوّية إذاً وعي الإنسان وإحساسه بذاته وانتمائه إلى جماعة بشرية قومية أو دينية، مجتمعاً أو أمة أو طائفة أو جماعة في إطار الانتماء الإنساني العام، وحسب حليم بركات "إنها معرفتنا.. بما ، وأين، ونحن، ومن أين أتينا، وإلى أين نمضي، وبما نريد لأنفسنا وللآخرين، وبموقفنا في خريطة العلاقات والتناقضات والصراعات القائمة"!؟ [9].

 الهوّية بهذا المعنى هي مجموعة السمات الثقافية التي تمثّل الحد الأدنى المشترك بين جميع الذين ينتمون إليها، والتي تجعلهم يُعرفون ويتميّزون بصفاتهم تلك عما سواهم من أفراد الأمم والجماعات الأخرى. وقد تتطور الهوّية بالانفتاح على الغير، وقد تنكمش، تتحدد أو تتقلص، تنحصر أو تنتشر، لكنها دون أدنى شك تغتني بتجارب الناس ومعاناتهم وانتصاراتهم وآمالهم، وهذه المسألة تتأثر سلباً وإيجاباً بالعلاقة مع الآخر [10].

 الهوّية بهذا المعنى ليست معطىً جاهزاً ونهائياً، وإنما هي عمل يجب إكماله دائماً[11]، والتغيير هو الذي يطبع الهوّية وليس الثبات، والتفاعل بحكم علاقة الإنسان بالآخر، وليس الانعزال، ولا يتعلّق الأمر بالقضايا السياسية حسب، بما فيها المواطنة وحقوقها، بل إن المسألة تمسّ بالصميم الجانب الثقافي، وهذا الأخير بقدر كونه معطىً مرتبطاً بالماضي والمستقبل، فإن الجانب السياسي له علاقة بالحاضر، الراهن، القائم، أما جوانب الهوّية الخصوصية الثلاث فلها علاقة بالأرض والتاريخ والجغرافيا (الزمان والمكان) مثل علاقتها بالثقافة المشتركة السائدة في الأمة، وأخيراً علاقتها بالكيان القانوني لوحدة الوطن والأمة (اتحادهما في دولة مثلاً).

 وفي كتابه" الثقافة العربية والعولمة" يعرض الدكتور محمد البرغثي تعريفات وتفصيلات عن الهوّية والعولمة والثقافة، فيتوصل إلى أن الهوّية لا تعدّ منجزاً مكتملاً، أي أنه ينزع عنها صفة التقديس، لاسيّما حين يضعها في حالة من التطوّر والتغيير، خصوصاً بالتفاعل مع الآخر، معتبراً مثل تلك العلاقة التفاعلية – التبادلية مع الغير إثراءً للهوية، وليس إلغاءً لها. [12] وهو ما يذهب إليه هول ستيوارت الذي يعتبر الهوّية في حالة تحوّل دائم، فهي ليست معطىً منجزاً متكاملاً لا ينتهي [13].

إن جدل الهوّيات لا يعني بالضرورة الصراع بينها، بقدر ما هو حالة صراع واتحاد، احتدام واحتواء، وعلاقة تمثل وتعلّم، رغم المغايرة وعدم التجانس والاختلاف، إنها حالة نفور وتكامل أحياناً، ومثل هذا التنوّع في العلاقة، لاسيّما الاختلاف، يؤكد التلازم بين الثقافة من جهة، والتعددية والتنوّع من جهة أخرى. فهوّية طالبان مثلاً وفقاً لمنطقه حسب أدونيس: ليس إمكاناً وإنّما هي المتحقق، وهي جاهزة مسبقاً، مكتملة، ومغلقة، كأنها شيء بين الأشياء: حجر، أو فأس أو سيف ... هكذا تريد القوى المتعصّبة أن تضع هوّية الإنسان وراءه وليس أمامه، هوّية مغلقة وليست مفتوحة، متكوّنة وكاملة، وليست قابلة للإضافة والحذف، أي أنها أقرب إلى الثبات وعدم التغيير، فلا وجود للتراكم والتطور ووفقاً لهذا المنطق، فإن الآخر لا وجود له، غائب، عدو[14].

 لعلّ السؤال الذي يواجه البشر منذ الخليقة فردياً وجماعياً: من أنا أو من نحن؟ ثم يستكمل هذا السؤال من خلال أسئلة أخرى تتعلق بالعمل والمشروع، الذي يمثله الإنسان، نشأة وانتماءً كمعطى أول، وفيما بعد عملاً وصيرورة، كمعطىً ثاني الأول سيكون معطىً دون خيار، أما الثاني فهو خيار أي أنه تفضيل بين خيارات، وبالتالي سيكون خياراً واعياً ومكتسباً، من خلال وعي وعملية خلق. وإذا كان الأول طبيعياً، فإن الثاني يعبّر عن الإرادة البشرية والتدخّل الإنساني لإكساب الهوّية شكلاً جديداً مفتوحاً قابلاً للتطور[15].

وبهذا المعنى فالهوّية لا تتكون بمجرد النشأة والانتماء، وهما موروثان طبيعيان، بل تتكون من خلال عملية الخلق والعمل والصيرورة، وهي عملية إبداعية مستمرة ومفتوحة.

وكلّما كانت هوّية " الأنا" غير ملتبسة، كلما استطاع الدخول في حوار متكافئ مع الآخر على المستوى الثقافي، أما إذا كانت الهوّية محطّ إشكاليات، فإنها ستكون معلّقة أو مرجأة أو متأرجحة حسب تعبير أدونيس الذي يقول: إنه لا يستطيع أن يعطيها وصفاً: الولادة، المواطنة، الجنسية، اللغة، الإبداع والتميّز، فردياً أو جماعياً.

 الهوّية الفردانية حتى وان كان يُنظر إليها بارتياب في عالمنا العربي باعتبارها مصدر شك، حيث يتقدم عليها ويلغيها أحياناً الهوّية الأساس، كما تسمّى ونعني بها "هوّية الأمة" كما يقال، وعلى هذا المعيار الكلاّني الشمولي، يُنظر إلى "الأقليات" في دولة متعدّدة القوميات أو الأديان، بتخطّي وتجاوز أي حديث عن الخصوصية، التي ستعني حسب هذا المنطق، المساس بهوّية الأمة، الجماعة البشرية السائدة.

وقد تختلف أولويات هذه الجماعة باختلاف الآيديولوجيات والأفضليات، فتارة باسم القومية وأخرى باسم الدين وثالثة باسم المذهب ورابعة باسم الآيديولوجيا، وهكذا، فالمختلف لا يستحق سوى الإبعاد والإقصاء والنبذ، وما عليه الاّ الرضوخ والاستكانة وقبول حكم الأغلبية أو الجهة المهيمنة، وحسب أدونيس، فالأمر ليس نفياً للآخر بقدر ما هو نفي للذات في الآن، وبقدر انفتاح الذات على الآخر، فإن الهوّية تزداد غنىً، وبقدر ما تنكمش الذات وتتقلص في انتمائيتها، نشأة ومواطنة، تزداد فقراً، ولا يمكن طمس التغاير والتنوّع والتعدّد جزئياً أو كلياً.

 يمكن القول إن لا ذات بلا آخر، فلا ذات دون تأثير وتأثّر، وحين تكون الهوّية من القوة والفاعلية تكون أكثر ثقة بالنفس، وأكثر استعداداً للانفتاح على الآخر وأكثر حيوية في التعاطي والتلاقح معه [16].

الثقافة تشمل طريقة حياتنا كلّها، وأخلاقنا، ومؤسساتنا، وأساليب عيشنا، وتقاليدنا، حيث لا حدود لتفسير العالم، وإنما سعي لإعطائه شكلاً خاصاً به[17] .

العالم، لاسيّما في ظل العولمة أرخبيل مفتوح تتلاقى فيه الشعوب وتتمازج، فمثلاً رغم السمة الغالبة للمجتمع العربي لغوياً وإثنياً ودينياً (العربية- الإسلامية) لكنه كان ملتقى القوميات والإثنيات والثقافات مثل: البابلية، والأشورية، والفينيقية، والفارسية، والهندية، والتركية، والكردية والزنجية، وإضافة إلى الإسلام هناك المسيحية واليهودية، وتمازجت هذه الثقافات والأديان المتنوّعة في كلِّ إنساني وثقافي واحد، لكنه متعدّد، وتآخت اللغة العربية مع اللغات الأخرى وتفاعلت واقتبست منها، فناً وأدباً وفكراً، إذ كان " العقل اليوناني" أحد مرتكزات الفكر الفلسفي العربي زائداً "النقل الإسلامي"، ولعبت الترجمة دوراً مهماً في توسيع دائرة الثقافة العربية، المتعدّدة، محل الواحدية، وكانت الأندلس امتداداً خلاّقاً لبغداد[18].

لقد تغيّرت خصائص الثقافة اليوم بفعل المؤثرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، خصوصاً في ظل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فالتلفزيون والكومبيوتر والإنترنيت ساهمت مساهمة كبيرة في هذا التغيير، ولعلّه بقدر التقارب الذي أحدثه، فقد جعلت التمايز والخصوصيات، سمة مميزة للهوّيات والثقافات المختلفة، حيث تسعى الشعوب لاكتشاف أساطيرها ورموزها وترسيخ ذاكرتها وتعزيز لغتها الخاصة، وبالخصوص عندما تخشى من التذويب أو الإقصاء، وقد حفّزت العولمة مثل هذا التهديد، خصوصاً عندما جعلت العالم كله "قرية واحدة" هي أقرب إلى "سوق" واحدة، فالهوّيات الطرفية (العالمثالثية) وقفت ضد هوّيات الهيمنة، والهوّيات الفرعية في الدولة الواحدة، سعت للتشبّث بخصوصياتها إزاء محاولات الإقصاء والتهميش.

يتعذّر الحفاظ على الهوّية بأساليب القمع والطغيان والانعزال، فهذه الممارسات تؤدي إلى تصحير الهوّيات، وبدلاً من الانفتاح والتواصل والتعدّد، تؤدي إلى الانغلاق والانكفاء والتقوقع، ومثلما لكل إنسان لغته، فله هوّيته التي تتعزّز بالانفتاح مع الآخر، فرداً أو جماعة، وقد يكون الإنسان يحمل أكثر من هوّية، بمعنى أنه عربي أو كردي أو تركماني ، مسلم أو مسيحي أو غير ذلك، لكن هوّيته العامة عراقية، وكذا الحال لمن عاش في المنفى، فرغم احتفاظه بهوّيته، فقد يكون قد أضاف إليها هوّية مكتسبة.

وكنت قد أجبت على سؤال بخصوص الهوّية الذي كان محاوري قد وجّهه إليّ عندما قال: إن سؤال الهوّية يلحّ عليك دائماً.. أين أنت؟ فأجبت: هل يكفي رفع شعار الحفاظ على الهوّية في المنفى لكي نتمسك بالهوّية؟ أليس ثمة همّ إنساني يتشكّل بمعزل عن الإرادة وبخاصة للجيل الثاني؟؟ ونقلتُ حواراً أداره المنتدى الأورومتوسطي حول الشمال والجنوب في الرباط، في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2000 وحضرته نخبة متميزة من المثقفين، حين قال أسامة الشربيني في معرض معالجته لظاهرة الازدواجية في الهوّية: حين أكون في المغرب أشعر بأنني مغربي عربي ومسلم، وحين أكون في بلجيكا أشعر بأنني بلجيكي وجزء من المجتمع الأوروبي، وهنا يُثار تساؤل مشروع: وهل المكان هو الذي يحدد الهوّية؟ أم أن الهوّية التي تكوّنت وترسّخت واكتسبت كيانية مستقرة تظهر على نحو جلي في بيئتها الحقيقية، حيث المكان والاستمرار والتفاعل حيث اللغة والدين وغيرها من العناصر التي هي أقرب إلى الثبات، في حين أن العناصر الأخرى تتعزز وتغتني باستمرار بالإضافة والحذف والتواصل بين الحضارات والتلاقح بين الثقافات فردياً أو مجتمعياً!

وإذا كان مثل هذا الأمر يواجه النخبة، خصوصاً من تكوّن وترعرع ثم انتقل ليواصل ويندمج في مجتمع جديد، فالأمر مختلف باختلاف درجة الوعي والنضج والمعرفة والاستعداد للتكيّف والاندماج وبالتالي حمل الثقافتين ومواصلة الاستفادة من النبع الأول، بالقدر الذي تتم فيه الاستفادة من المصادر الجديدة، المضافة.

وإذا أردت أن أتحدث عن تجربتي الشخصية، فأنني كنت أواجه بشكل شبه يومي ومنذ ما يزيد عن ربع قرن حالات تعدّ بالآلآف بخصوص المهاجرين والمنفيين واللاجئين العراقيين والعرب، ناهيكم عن ذلك فقد عشت تجربة النفي لعقدين كاملين من الزمان وإنْ كنتُ على اتصال مستمر بالوطن وضمن الفسح والمساحات المتاحة سواءً في الماضي أو الحاضر، فإنني أدرك إشكاليات الهوّية، وبخاصة في أوضاع المنفى واضطرابها فيما يتعلّق بالأسباب السياسية أو الآيديولوجية أو الإثنية أو الدينية أو المذهبية أو الاجتماعية أو غيرها، التي تكاد تطغى أحياناً، مسببة نوعاً من الالتباس.[19]

الثقافة العليا التي تمحو الثقافات الأدنى أو تهّمشها هي ثقافات غير إنسانية، ولا هوّية خارج الإنسان، حيث يتحدّد أفق الهوّية بالانفتاح والتقدّم بلا حدود أو نهايات، وهو أفقٌ مفتوح للتحرّر من قيود الواقع، وهو أفقٌ رمزي، يوحّد بين البشر، على أساس المشترك الإنساني.

وإذا كان الإلحاح على الهوّية العمودية في ظروف تاريخية معيّنة أمراً مشروعاً، وضمن حدود التحرّر من الإستعمار والهمينة الخارجية، إلاّ أن الاستمرار في هذا الإلحاح خارج تلك الظروف، يصبح خطراً على الهوّية ذاتها، حيث يؤدي إلى الانكماش والانكفاء والانزواء، فالتعدّدية والتآلف من سمات الهوّيات المفتوحة التي ترفض الصهر والاستتباع مثلما ترفض الهيمنة والتسيّد، وتتشبث بالمعرفة وليس الهيمنة، بالموضوعية والعقلانية ، وليس الانعزالية والانغلاقية، هي التي ينبغي أن تطبع سجال الهوّيات وهو ما استهدفه الباحث عندما شرع بكتابة كتابه " جدل الهوّيات في العراق"[20]، حيث وضع الواقع أمامه وحاول نقدياً ومن خلال قراءة جدلية للمكوّنات والكيانات الموحدة، المتعددة، العامة والفرعية، صياغة علاقة أساسها المشترك الإنساني، باقتراح حلول حقوقية- إنسانية، من خلال فكرة المواطنة ونبذ الطائفية .

 

د. عبد الحسين شعبان

 

abdullah badrhskandarالتدافع المستمد من إلحاق المعاني المثالية بغاياتها المحمولة قد لا يظهر النتائج المطلوبة كما هي ومن هنا فقد عمد المحققون إلى البحث في الجزئيات ظناً منهم أن هذا الفعل قد يجدد لديهم القدرة على فهم المشتركات الواردة في كتاب الله تعالى، وبالتالي فإن وصولهم إلى معرفة الحقائق سوف يكون أقرب إلى فهم التفاصيل المتباينة في السياقات القرآنية، وأنت خبير بأن هذا الفعل لا يخرج عن كونه تحصيل للحاصل ومن الأمثلة على ذلك تفسير الإمامة وإرجاعها إلى علة استثنائية في اختيار الأنبياء قياساً إلى قوله تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) السجدة 24. وكذا قوله: (إني جاعلك للناس إماماً) البقرة 124. علما أن الإمامة المشار إليها في الآيتين لم تكن سابقة للنبوة وإنما مكملة لها وهذا الأمر قد يصل بالباحث إلى حقيقة لا مراء فيها وهي أن النبوة لا تأتي على ضوء الخصائص الأثرية التي نشأ فيها الإنسان أو المؤهلات السابقة وذلك بسبب توفر تلك الخصائص لدى جم غفير من الناس.

 وعند دراسة هذا الأمر دراسة فعلية نرى أن لهذه الخصائص أنماطاً أخرى ورتباً رفيعة قد تجتمع في أشخاص هم أجدر للقيام بالمهمات من غيرهم إذا ما حصل لديهم الاستعداد المناسب لذلك، وكما ترى فإن هذا الفعل قد يكون مهيئاً لأناس كان لديهم السبق في الوصول إلى أرفع الدرجات على الوجه الظاهر دون الدخول إلى الاختصاص الأسمى الذي لا يستطيع أصحاب الخبرة أن يصلوا إلى تمييز مشتركاته الظنية أو اتخاذ النسب المتفاوتة في التعرف على مكوناته الأساسية من جهة أو جعلها تحت تصرف من هو أهلاً لها من جهة أخرى وذلك لترادف الصفات أو تناقض بعضها مع بعض، ومن هنا وجب على المكلف أن يلجأ إلى التسليم المطلق للاختيار الإلهي، وهذا ما نستشفه من خلال الاطلاع على السمات المعروضة سلفاً في تأريخ الرسالات التي جاء بها الأنبياء على الرغم من تفضيل بعضهم على بعض.

فإن قيل: هل أن هذا التفضيل يلحق بالاختيار المشار إليه أم أن له مسوغات أخرى؟ أقول: التفضيل هو أحد أجزاء الاختيار إذا ما جمعنا معاني الاستئثار التي ليس لها منشأ عقلي أو نقلي يمكن الاعتماد عليه، ولهذا كان من الضروري إرجاع علة ذلك إلى الشواهد القرآنية الكفيلة بمعرفة أسباب الاختيار، كما في قوله تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) الأنعام 124. وكذا قوله: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون) القصص 68. وقوله جل شأنه: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً) الأحزاب 36. وقوله سبحانه: (وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم... أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون) الزخرف 31- 32.

من هنا يظهر أن الاختيار لا يقتصر على شخص النبي أو البيئة التي ينتمي إليها وإنما يمتد ليشمل أجزاء أخرى ترتبط جميعها بالمستحقات الإنسانية التي يمكن بواسطتها فهم المبادئ الأولية لجهة الاختيار كما هو الحال في اختيار الوقت والمكان أو ما يلحق بهما من أسباب التفاعل الخاص بالأقوام المرسل إليهم علماً أن الإنسان ليس لديه القدرة على فهم الخصائص المتعلقة بهذا الأمر وذلك لعدم اطلاعه المسبق على ما تقتضيه المصالح المرتبطة به، ومن هنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) البقرة 105. وسيمر عليك تفصيل هذا المعنى في المساحة المخصصة للتفسير.

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) البقرة 105. الخطاب موجه للمؤمنين أي أن الله تعالى يحذرهم من حسد أهل الكتاب ومن يلحق بهم من المشركين، بمعنى أن لهؤلاء صفات ذميمة لا يمكن أن تصلوا لمعرفتها إلا من خلال القرآن الذي فيه تبيان لما يبدر منهم، ولذا فهم لا يودون أن ينزل عليكم أدنى خير من ربكم، ومن مصاديق الخير القرآن والنبوة حيث يجتمع في الأول الهدى التام والآيات البينة التي تثبت صدق رسالتكم، وفي الثاني ما يفسر لكم شأن تلك الرسالة والتخلص من العادات الجاهلية والنزعات المتأصلة في نفوسكم، وكما تعلم فإن هذه المعاني كفيلة بأن تجعل أهل الكتاب في الطرف المقابل الذي يريد إبطال هذه القيم والإبقاء على الأعراف المتأصلة التي كانت مرافقة للعرب قبل الإسلام.

ويقول محمد حسين فضل الله في تفسير آية البحث: المسألة لم تنطلق لديهم من حسابات فكرية دقيقة ولا من شبهات معقدة، ولا من موقع يوحي بالرفض، بل كانت منطلقة من عقدة مرضية مستعصية لأنهم اتخذوا منكم موقف العداء، الأمر الذي جعلهم يحسدونكم على ما أنعم الله به عليكم من رسالته التي أنزلها على رسوله ليبلغها لكم (والله يختص برحمته من يشاء) فهو يملك العطاء والمنع وهو يعلم مصالح عباده في ما يعطيهم أو يمنعهم ويطلع على خصائص أوضاعهم الداخلية والخارجية فيصطفي من رسله من يشاء وينزل رسالته على من يشاء تفضلاً منه وكرماً في خط الحكمة الإلهية التي يختص بها عباده.  

ومن وحي الآية في حركة الحاضر والمستقبل يقول فضل الله: إذا كان لنا استيحاء شيء من هذه الآية يتصل بحياتنا العملية في الحاضر والمستقبل، فقد نجد أن بإمكاننا الانطلاق إلى الواقع الذي يواجهه المسلمون في كل زمان ومكان في صراعهم مع الفئات الأخرى ممن ينتمون إلى الأديان الأخرى أو إلى المبادئ الكافرة الملحدة، فنلاحظ أن علينا النفاذ إلى الأعماق في دراستنا للحالة النفسية التي يعيشونها تجاهنا، ومدى ما تمثله من مواقف عملية في السر والعلن مما يدخل في عداد المخططات التي تعد ضد تقدم المسلمين وتطورهم وامتدادهم في الآفاق الواسعة الصاعدة في الحياة، وبذلك نستطيع الوصول إلى النتائج الملموسة التي توضح لنا كيف يشعر الآخرون بالخطورة من قوة الإسلام والمسلمين لما في ذلك من انعكاسات خطيرة على موقعهم الفكري والسياسي وعلى النطاق الحضاري بشكل عام، تماماً كما هي الحال في الكفار القدامى من المشركين وأهل الكتاب الذين كانوا يخافون من قوة النبي محمد (ص) وتعاظم الإسلام على امتيازاتهم الذاتية والطبقية ومواقعهم الفكرية. انتهى.. ومن أراد المزيد فليراجع تفسير من وحي القرآن.

فإن قيل: الآية صريحة في جعل أهل الكتاب أحد مصاديق الذين كفروا  كما هو الحال في المشركين فكيف تصح هذه النسبة؟ أقول: يرجع السبب في ذلك إلى عدم تصديقهم بالنبي (ص) وهذا يؤول بهم إلى تكذيب كتاب الله تعالى ما يؤدي إلى حسد المؤمنين كما بينا.

فإن قيل: كيف يمكن الجمع بين ما تشير إليه آية البحث وبين قوله تعالى: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة) البينة 1. أقول: ليس في الآيتين تناقض بل فيهما تطابق من جميع الوجوه يبين أصل الاتجاه الذي هم عليه، فكأن الحق سبحانه قد نقل الأقوال التي كان أهل الكتاب يستفتحون بها على المشركين وما قابل ذلك من رد عليهم، ومن هنا كان الجمع ظاهراً في سياق الآيتين أقصد آية البحث وآية سورة البينة، وبهذا تظهر النتيجة في قوله تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة) البينة 4. فتأمل ذلك بلطف.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن 

     عبدالله بدر اسكندر  

 

abdulhusan shaabanرابعاً - من الدولة الفاشلة إلى الدولة الرخوة: إذا كانت مظاهر الدولة الفاشلة قد تجسّدت في عدم قدرتها على تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي وعجزها عن تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، وخصوصاً في ظلّ شحّ المشاركة السياسية الحقيقية باستمرار الظاهرة الطائفية، وكذلك عدم التمكّن من إنجاز المصالحة الوطنية الحقيقية فإن هذه الدولة أخذت تنحدر تدريجياً من الدولة الفاشلة إلى الدولة الرخوة والكيان الهش المعرّض للتفتت.

نقول إن العراق دولة رخوة وكيان هش وبدأ يتحلّل بشكل خاص منذ الحرب العراقية- الإيرانية 1980-1988، حين بدأت بعض الإرهاصات الطائفية تأخذ طريقها إلى الممارسة السياسية بتهجير عشرات الآلاف من العوائل العراقية إلى إيران بحجة التبعية الإيرانية وضعف الولاء للدولة العراقية، وزاد تدهور الدولة بعد غزو القوات العراقية للكويت في 2 آب (أغسطس) 1990 وحرب قوات التحالف ضد العراق العام 1991، وقاد الأمر إلى ضعف الشعور بالمواطنة وارتفعت موجات التمييز، وتدريجياً بدأت الدولة بالتراجع، حتى أن إقليم كردستان أصبح خارج سيطرتها منذ أواخر العام 1991، ثم وقع العراق تحت الاحتلال في العام 2003 في حرب محسومة النتائج سلفاً، وبعد حصار دولي دمّر النسيج العراقي دام نحو 13 عاماً، خصوصاً وأن دخول العراق في حروب لا معنى لها قد أضعف من مكانة الدولة العراقية، ولاسيما بعد غزو الكويت في 2 آب (أغسطس) العام 1990.

ولا يقلّ العجز السياسي عن العجز الاقتصادي، بل إن كليهما يثبت هشاشة ورخاوة وعجز الدولة، ذلك أن عدم التمكّن من تحقيق الاستقلال الوطني، قاد إلى عدم التمكّن من تحقيق الاستقلال الاقتصادي في ظلّ تخبّطات عرفتها الدولة وسياساتها المالية والاقتصادية وغياب الحوكمة، وقد ارتبط العجز في مجال التنمية وتدهور مستوى الخدمات إلى عجز مماثل في ميدان العدالة، اجتماعياً وقانونياً، مدنياً ودينياً، وبسبب ذلك أيضاً تعرّض مسيحيون وإيزيديون وصابئة وأبناء طوائف أخرى إلى سلسلة من عمليات القمع والإرهاب والتنكيل وغير ذلك.

وجعل العجز في الحقول الثلاثة، الدولة العراقية قابلة للاختراق من الخارج، مثلما عرّض المجتمع العراقي والمواطن العراقي إلى امتحانات شديدة القسوة بسبب ذلك، خصوصاً بضعف الحصانة وشعور فئات واسعة من السكان بالتمييز والتهميش ، والأمر له علاقة بغياب المشاركة السياسية الضرورية وتسلّط نخب تجهل آليات عمل الدولة وأجهزتها، فضلاً عن انخراطها في عمليات الفساد المالي والإداري.

لا يمكننا فقط التركيز على الوضع الذي وصلت إليه البلاد على العامل الدولي ونقصد بذلك الاحتلال، وإنْ كان أساسياً، لكن العامل الإقليمي مهم جداً بوضع مثل العراق، فلإيران مشروعها السياسي القومي المذهبي الآيديولوجي، ولتركيا مشروعها السياسي القومي المذهبي الآيديولوجي، أما العراق فقد انقسم إلى طوائف وإثنيات وكتل وجماعات متناحرة متضاربة لا يجمعها جامع يمثّل الحد الآن من الانتماء إلى الوطن وإلى حمل صفة المواطنة، وقد يكون مناسباً في هذا المقام استعادة مذكّرة الملك فيصل الأول العام 1933، بخصوص غياب المواطنة العراقية، وذلك بعد أكثر من 12 عاماً على حكم البلاد، التي وجدها مقسّمة طائفياً وإثنياً  بين مللٍ ونحلٍ وطوائف وعشائر لا يجمعها جامع.

إن عدم وجود مشروع عراقي موحّد أو مشروع عربي جامع للعب دور توازن مع المشروعين الإيراني والتركي، إضافة إلى المشروع الصهيوني الذي له يد طويلة في الامتداد والاختراق، ولعب دور التنفير والتوتير بين دول المنطقة وشعوبها ولدى كل دولة في الوقت نفسه، أقول أن غياب هذا المشروع يعني أن العراق الذي نعرفه قد يتعرّض كيانه للتفتيت أو للتجزئة، وذلك سيناريو محتمل بسبب استفحال الأزمة وإمكانية  تفاقمها في المستقبل لأسباب داخلية أو خارجية. وإذا ما تحقق مثل هذا السيناريو فسيكون أول المسلسل للدول العربية، فقد تلحقه سوريا واليمن وليبيا، وهناك إشارات إلى بعض دول الخليج، خصوصاً في ظل التداخل الإقليمي.

 

خامساً - من الدولة العميقة إلى الدولة الغنائمية

ما كادت البلدان العربية التي شهدت حراكاً شعبياً تتنفّس الصعداء بعد تبلور مطالب شعوبها باتجاه التغيير، حتى بدأت معاناة  أخرى ومن نوع جديد تواجهها، والأمر لا يتعلّق بصميم ما سعت إليه ورفعته من شعارات ذات طبيعة قيمية، مثل المطالبة بالحرّيات والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية وغيرها، بل بصراعات واحتدامات جديدة سرعان ما أخذت طريقها إلى المسرح السياسي، خصوصاً ما رافقها من عنف وفوضى وتفتت مؤسسات الدولة وانحلال بعضها.

والأمر لا يتعلق بالشرعيات القديمة التي انهارت أو تآكلت أو ضعف دورها، بقدر ما له علاقة بطبيعة التغييرات الحاصلة والحواضين الاجتماعية لها، والمرحلة الانتقالية التي تمرّ بها ودور الدولة العميقة في مواجهتها والتحديات التي اعترضت طريقها، والقوى التي حاولت تجيير عملية التغيير لصالحها، والتطورات الجديدة وغير المتوقعة التي أعقبتها.

وإذا كانت الشرعيات القديمة قد أصبحت ماضياً ولا يمكن إعادته أو العودة إليه، إلى أن المسألة في وجهها الآخر ترتبط بعدم ولادة شرعية جديدة وتوافقات تستجيب لمطامح التغيير وتطلّعاته، وخصوصاً باللحظة الثورية التي اتحدت فيها العوامل الموضوعية مع العوامل الذاتية، بالنسبة للشباب.

وإذا كان القديم قد انهار أو تفكّك أو تذرّر، لكن الجديد لم يولد بعد وحتى ولادته كانت قيصرية أحياناً، وسرعان ما تعرّض المولود الجديد إلى التهابات حادة وأعيد إلى حاضنته، فضلاً عن كوابح وعراقيل بدأت مع أولى محاولات البناء، سواء من جانب القوى المخلوعة أو من جانب قوى وجدت مصلحتها في الماضي، أو أرادت أن تكون هي بديلاً عنه، وهكذا تبدّدت فرص التغيير، وأصيب البعض بالخذلان والخيبة، بل وُجد هناك من اعتبر التغيير كارثة، والربيع أصبح بعرفه خريفاً، لأن البديل كان ملتبساً، حيث استشرت الفوضى وعمّ العنف وتفشي الإرهاب على نحو مريع، بل إن الدولة الوطنية أصبحت عرضة للتمزّق والتآكل والتفتت وتم العبث بوحدتها وهيبتها ومرجعيتها.

وإذا كانت حركة الاحتجاج استهدفت استعادة الحقوق المفقودة والمستلبة، فإن العواصف والتقلّبات والانقسامات التي شهدتها البلدان التي عرفت التغيير، دفعت أوساطاً غير قليلة إلى القنوط لدرجة اليأس، خصوصاً بصعود نجم الجماعات الإرهابية، سواء تنظيم القاعدة أو ربيباته: تنظيم داعش وجبهة النصرة وغيرها، إضافة إلى قوى محافظة أحياناً قد تكون أبعد عن الحداثة من القوى الاستبدادية التي حكمت البلاد.

ولأن البلدان التي واجهت حركة الاحتجاج والتمرّد انزلقت إلى حروب أهلية أو هدّدتها العمليات الإرهابية وتزايد أعداد المتطرفين والانتحاريين، كانت تعيش في أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية، فإن أزماتها وهي تعيش مرحلة انتقالية، ازدادت حدة وعنفاً، كانت حادة وعنيفة على إن الاستثناء هو تونس في المحيط العربي لأنها لم تنزلق في حروب دموية، مع ارتفاع منسوب الاغتيالات السياسية، ومصر التي استعادت الدولة مكانتها بعد استبعاد الأخوان المسيلمين من الحكم، لكن حركة التمدين السياسي والمشروع الديمقراطي المدني لا يزال متعثراً أو إنه يسير الهوينا، ناهيك عن حجم العنف الذي ضرب ليبيا واليمن وسوريا، حيث عانت هذه البلدان من تدخلات خارجية دولية وتداخلات إقليمية، واندلاع حروب دموية وضعت مسار الدولة ومؤسساتها جميعها في حالة لا تُحسد عليها.

ولأن الحقوق الأساسية ظلّت مستلبة، لاسيّما الحق في الحرية، فقد وجدت عقبات جديدة أمام حرية التعبير والضمير بفعل صعود تيار إسلاموي متطرّف، فضلاً عن بعض نزعات طائفية ومذهبية طغت على السياسة، تلك التي اعتمدت ثقافة الحشود مذكرة بعصر المداخن الذي تلى الثورة الصناعية، وأريد بها بديلاً عن المعرفة والاحتكام إلى المعايير الديمقراطية والحقوق الأساسية التي اندلعت الثورات والانتفاضات من أجلها.

للأسف الشديد فإن الطبقة السياسية التي تصدّرت المشهد عقب أنظمة الاستبداد التي أطيح بها والتي زعمت أنها كانت السبب وراء معوّقات التطور الديمقراطي، وقفت هي الأخرى بسبب صراعها على السلطة ومراكز النفوذ وبفعل الفساد المالي والإداري والتذرّر الطائفي والمذهبي بوجه علميات التحوّل الديمقراطي، لاسيّما في ظل استشراء العنف والإرهاب، ولذلك ضاعت الحقوق التي ناضلت من أجلها الشعوب وحركات الاصلاح والتمدين ومن أهمها "الحق في الحق" وأساسه الحق في التمثيل السياسي والحق في الأمن والحق في السلام والحق في التنمية والحق في الحرية والحق في الكرامة والحق في السكن والعمل والضمان الاجتماعي والحق في العلاج وغيرها من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتلك من مستلزمات دولة الحق والقانون، خصوصاً باعتماد حكم القانون واستقلال القضاء وفصل السلطات والإقرار بالتنوّع والتعددية وحق الشعب في اختيار من يمثله وحقه في عزله، على أساس التداولية السلمية للسلطات.

واستبدلت الطبقة السياسية بعد الإطاحة بالأنظمة السابقة، مفهوم الدولة الاستبدادية ليحلّ محله مفهوم الدولة الغنائمية والمحاصصة الطائفية والحزبية، وولدت وتكاثرت بسرعة خارقة لوبيات فاسدة وفئوية ولصوصية، فضلاً عن غياب رجال دولة حقيقيين، فالطاقم السياسي بشكل عام جاء في غالبيته من المعارضات، التي ليس لها خبرة أو معرفة بالدولة ودواوينتها وآليات عملها، وبسبب ضعف الرقابة وتفكك أجهزة الدولة ومحاولة الكسب غير المشروع والسريع استشرى الفساد المالي والإداري على نحو لم يسبق له مثيل، بل إنه شكّل ظاهرة صارخة في أوضاع ما بعد الربيع العربي.

لو راجعنا تقارير البنك الدولي والمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية المعتمدة مثل منظمة الشفافية العالمية، لاكتشفنا إن بلدان ما بعد الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية، سواء التي وصلت فيها النخب الحاكمة بعد الاحتلال مثل أفغانستان والعراق، أو بالتدخل الخارجي كما هو في ليبيا واليمن، هي الأكثر فساداً، بل إن بلداً مثل العراق وصلت وارداته النفطية خلال السنوات العشر الماضية أكثر من 700 مليار دولار، لكنه لا يزال يعيش على الحافة، وترتفع نسبة من هم دون خط الفقر لتصل إلى أكثر من 8 مليون إنسان في بلد عدد سكانه نحو 30 مليون، وتزداد نسبة البطالة وتتفشى الأمية فيه، ولاسيّما بين النساء، ناهيك عن الإرهاب والعنف والطائفية والمحاصصة والفساد، وهو من أغنى بلدان العالم.وهكذا كانت المعادلة أغنى بلد لأفقر شعب.

وإذا كانت أنواع الفساد الكبير معروفة، فإن أنواع الفساد الصغير الذي قوامه الغش والرشا والمحسوبية والوظائف والعقود الوهمية والتهرّب من الضرائب وتجنب الغرامات المالية والشراكة مع رجال الأعمال وهروب العديد من الفاسدين أصبحت سائدة، وأصبح الفساد بحد ذاته مؤسسة من المؤسسات التي يصعب اختراقها بحكم نظام المحاصصة الوظيفي وبحكم المصالح التي ترتبت للطبقة السياسية وأعوانها.

ومن النتائج الكارثية الجانبية لحركات التغيير صعود ظاهرة الإسلام الجهادي، في تونس وليبيا وسوريا ومصر والعراق، خصوصاً بين أوساط المهمشين والمنحرفين والمجرمين والفئات الأقل تعلماً تلك التي تبنّت آيديولوجية داعش، التي تمدّدت ليشمل نشاطها قارات وبلدان بعيدة مجندة آلاف الشباب بما فيه الأوروبي والغربي للالتحاق بها.

إذا كانت الدولة العميقة قد انهارت سريعاً، لكن تأثيراتها لم تنتهِ ولا تزال قائمة وقوية، وقد استعادت بعض مواقعها، ولكن تحت عناوين اقتسام الغنائم والحصص وتوزيع الفوائد على القوى المتنفذة، مهما اتخذت من أسماء وصفات.

والأمر لا يتعلق بنفوذها الداخلي فحسب، بل إنها عقدت شراكات مع الخارج بما فيها الدول والشركات العابرة للقارات والحدود التي زعمت إنها تقف مع التغيير.

 

تحدّيات داخلية وخارجية

إن التحدّيات التي تواجه استمرار العراق كدولة قائمة هي:

1- تحدّيات سياسية خارجية، إضافة إلى تحدّيات اقتصادية دولية بسبب شروط التبادل التجاري واستيراد الغذاء وانخفاض أسعار النفط واستيراد السلاح والمديونية، الأمر الذي يجعل البلاد أكثر خضوعاً للهيمنة الخارجية، وخصوصاً في ظل وجود النفط، وذلك يطرح تحدّيات جيوسياسية من خلال روابط التبعية، ولا تأتي هذه فقط من الغرب الإمبريالي، بل من إيران وتركيا و"إسرائيل"، سواء باستخدام القوة العسكرية أو لاقتطاع الأراضي، أو لإجبار العراق على توقيع اتفاقيات "سلام" استسلامية مع "إسرائيل" وإنهاء كل علاقة بقضية العرب المركزية " فلسطين" وفتح أسواقها للصناعات والتكنولوجيا "الإسرائيلية"، وكذلك لإحداث المزيد من التصدّع داخل المجتمع العراقي.

2- تحدّيات داخلية، وأولها وأهمها وأخطرها هو الاحتراب الطائفي المعلن والمستتر، وهيمنة الطائفية السياسية على مقاليد الدولة وأجهزتها وممارستها للتقاسم الوظيفي الطائفي والإثني. يضاف ذلك عدم الإقرار بالتنوّع الثقافي، ولاسيّما وإن مشاكل الإثنيات والأديان والطوائف أخذت بالظهور على نحو شديد بعد الاحتلال، أما بسبب كبت طويل الأمد واضطهاد وعدم مساواة، أو بسبب رغبة في التعبير عن هوّية فرعية وخصوصية جرى طمسها أو تغييبها خلال مسار الدولة العراقية. والمسألة تتعلّق بالكرد والتركمان والآشوريين والكلدان والسريان كتعبيرات قومية وإثنية، وبالأديان مثل المسيحية والإيزيدية والصابئة وغيرهم، وفي إطار الأديان بما فيه الإسلام والمسيحية وطوائفهما، وبالطبع فإن نهج الاستعلاء والإقصاء والتهميش الذي عانت منه هذه المجموعات  الثقافية على مرور تاريخ الدولة العراقية دفعها للتعبير عن نفسها وهوّيتها الفرعية وفي بعض الأحيان بانغلاقها وضيق أفقها بسبب ما عانت منه.

وتبقى المسألة الأساسية هي التحدّي الطائفي المحتدم والمصحوب بالكثير من عناصر الكراهية والحقد والبغضاء، لاسيّما التي يقوم أمراء الطوائف والمستفيدون من الانشطار الطائفي بتغذيتها، ولاسيّما علاقة الشيعة بالسنّة، حيث أدى هذا الإنقسام إلى احترابات وتكفير خصوصاً، وإن دعاة الطائفية هم في الغالب الأعم " طائفيون بلا دين" على حد تعبير عالم الاجتماع علي الوردي واستخدموا الطوائف بما يسيء إلى الدين، بتقديم ذلك على مبادئ الوطنية والمواطنة، وليس ذلك بعيداً عن التداخل الخارجي الإقليمي والدولي.

إن التحدّي الديني وفروعه الطائفية قاد إلى موجات مختلفة من التعصّب والتطرّف والإرهاب والعنف، وانتشار ما سمي بالحركات الأصولية " الإرهابية" سواء اتخذت اسم جماعات القاعدة أو جبهة النصرة أو داعش أو جماعات مسلحة خارج دائرة القانون سنّية أو شيعية، ولاحظنا كيف اهترأت دولة مثل العراق واقتطع جزء عزيز منها هو الموصل، بكل تلك الخفّة واللاّمسؤولية، والأمر ذاته في سوريا، حيث لا تزال الرقة ونحو ثلث الأراضي السورية تحت هيمنة داعش. وللإرهاب أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية مثل الفقر والأمية والتخلف وعملية غسل الأدمغة التي تقوم بها الجماعات الإرهابية والتفسيرات الخاطئة للدين وغير ذلك.

 

الأزمة العراقية والسيناريوهات المحتملة

وضعت الأزمة العراقية الأخيرة، الدولة ومستقبلها على بساط البحث، فهل سيتعرّض العراق إلى التفتيت؟ ثم ما هي السيناريوهات؟ وإذا كان هذا السيناريو محتملاً بفعل استفحال الأزمة العراقية وعدم وجود حلول جذرية لإعادة لحمة الدولة باستمرار الطائفية السياسية التي تمثّل جوهر الأزمة ، فالدراسات المستقبلية تضع سيناريوهين آخرين لأزمة الدولة، أولهما سيناريو استمرار الحال على ما هو عليه أو تفاقمه، الأمر الذي يمكن أن يقود إلى احتمالات أخرى، وثانيهما سيناريو التوحيد وخصوصاً إذا ما توفرت إرادة سياسية موحدة وظرف موضوعي وذاتي مناسب. ما الذي يمكن أن يحصل؟ وأي السيناريوهات المستقبلية سيكون أقرب إلى الواقع؟

 

أولاً- سيناريو التفتّت

1- التفتّت الواقعي Defacto fragmentation، وذلك بتحوّل الدولة إلى كانتونات أو فيدراليات أو دوقيات أو مناطقيات لا يربطها رابط وثيق فيما بينها سواءً كانت معلنة أو غير معلنة، معترف بها أو غير معترف بها رسمياً، داخلياً أو إقليمياً أو دولياً، لكنها قائمة بالفعل ويمثّل إقليم كردستان نموذجاً لها، من حيث السلطة والإدارة والموارد والخدمات، وهكذا تضمحل وتتقهقر  الدولة تدريجياً.

2- التفتّت الرسمي (الفعلي) Dejure Fragmentation وهو الشكل الفعلي للانقسام أو الانشطار وقد يتحقق بالقوة وبعد احترابات ونزاعات مسلحة، أو بالاتفاق سلمياً، وقد يحصل على اعتراف دولي وإقليمي، وقد تأخذ الأقاليم المنقسمة أسماء أخرى غير الدولة القائمة أو تضيف شيئاً إلى اسمها السابق، وسيكون لهذه الدولة نشيدها الخاص وعلمها ورموزها، إضافة إلى مؤسساتها وتمثيلها الخارجي، ومن المحتمل أن يكون هذا التفتت الفعلي هو نتيجة أو مرحلة أخيرة للأمر الواقع، خصوصاً إذا ما استمرّت سلطات محلية بصلاحيات موسّعة ونفوذ سياسي وعسكري واقتصادي، ناهيك عن امتيازات، حينها سيكون من الصعب تخلّي النخب الحاكمة الإقليمية عنها.

3- الانضمام والإلحاق،   Joining and Annexوهو وسيلة أخرى للتفتت، يضاف إلى التفتت الواقعي والتفتت الرسمي (الفعلي)، إذْ من المحتمل أن تسعى بعض دول الجوار إلى ضمّ ما تبقى من الدولة أو شطرها عند الانقسام، سواء باستخدام القوة لفرض واقع جديد أو بدعوة من أطراف سياسية أو جماعات مسلحة وتحت عناوين التحالف والمصالح  المشتركة "القومية" أو "المذهبية" أو غير ذلك،  وأعتقد إن الجارين الكبيرين والمحتربين تاريخياً على الأرض العراقية (بلاد ما بين النهرين) وهما تركيا وإيران يمكن أن يكونا جاهزين لاحتواء التفتت العراقي، خصوصاً بالتمدّد الجيوبوليتيكي.

ومن العوامل التي تساهم في تزايد التحدّي وعدم الاستجابة الفعّالة لحلول ممكنة هو الإخفاق في مواجهة الأزمات والمشكلات الحادة وعدم التمكّن من تلبية المطالب الشعبية، بالقضاء على الفساد ومحاسبة المفسدين، وكذلك عدم التمكّن من تحسين الخدمات واستمرار الارهاب وأعمال التفجير والمفخخات وتدهور الوضع الأمني، إضافة إلى استمرار التفاوت الشاسع بين الفئات الاجتماعية في الدخول والموارد،  وعدم تحقيق المشاركة السياسية الحقيقية بما فيها المصالحة والتخلّي عن مساعي الانتقام والثأر ومحاولة كسر شوكة الآخر، ناهيك عن شحّ موارد الدولة ووصول نموذجها التنموي إلى طريق مسدود، واقتراضها من البنوك الدولية وغير ذلك.

 

ثانياً- سيناريو استمرار الحال

وهذا يعني بقاء الوضع على ما هو عليه دون إحراز تقدّم يُذكر، وذلك سيعني فشل الخطط المعلنة للاصلاح، بسبب عوامل الكبح والمعارضة من جانب الجماعات المتضرّرة من الإصلاح، خصوصاً وأن هناك تحالفاً سرّياً بين مختلف الكتل والجماعات على عدم فتح ملفّات الفساد، وحين تجرّأ العبادي  (وإنْ كان تحت الضغط الشعبي) على إعلان ذلك  استنفر جميع الفرقاء (من الفاسدين) لوقف هذا المسلسل. وإذا توقّف ولم يستطع الاستمرار فعلاً، فإن ذلك  سيكون سبباً في الخيبات والمرارات التي سيعيشها العراقيون، وإن استمرار مثل هذا الأمر لفترة غير قصيرة سيؤدي إلى تعميق فشل الدولة الفاشلة والرخوة، ويساهم في تفتيتها وتشظيها.

ومن احتمالاته عدم بقاء رئيس الوزراء في موقعه، وانفتاح الأزمة على مصراعيها، فالأمر لا يتعلّق بالعبادي، بل بمستقبل الدولة العراقية ومسألة مكافحة الفساد وملاحقة الفاسدين: فهل يمكن استمرار الدولة وهي غارقة حتى رأسها بالأزمات والمشاكل، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، خصوصاً بفشل إدارتها وفشل إدارة حلّ الأزمة؟

هل سنذهب إلى انتخابات مبكرة؟ أم إن العبادي سيستخدم "صلاحياته" أو يتجاوزها بفعل الخطر الذي يتهدد الدولة العراقية بإعلان حالة الطوارئ وتعليق الدستور وحلّ البرلمان وتشكيل حكومة إنقاذ وطني جديدة انتقالية من كفاءات عراقية تحدّد بعد سنتين مثلاً الذهاب إلى انتخابات؟

إن استمرار الحال لم يعدْ ممكناً، وفي أحسن تقدير : أما الإطاحة بالعبادي، لاسيّما إذا بقيت الاصلاحات فوقية، وهو ما يذكّر برغبة الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف في العام  1956 بإجراء إصلاحات لمعالجة آثار الحقبة الستالينية، لكن طاقم ستالين وجهازه ظلّ هو الحاكم والمتنفذ. وتدريجياً عادت الأمور كما كانت إلى حدود غير قليلة، وفي نهاية المطاف أزيح خروتشوف عن موقعه وحلّ ليونيد بريجينف محلّه وحكم بالبيروقراطية الاستبدادية ذاتها لعشرين عاماً.

ثم جاء ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة في العام 1985 فأعلن عن رغبته في إجراء إصلاحات جذرية، أطلق عليها " البريسترويكا والغلاسنوست" أي "إعادة البناء والشفافية"، لكنه واجه مشكلات جمّة، فلم يكن لديه أدوات للاصلاح والتغيير، وكان جهاز الدولة منخوراً والحزب مترهّلاً، ناهيك عن إنه لم يلتجئ إلى خطوات متدرّجة وتراكمية وطويلة الأمد، ولهذه الأسباب لم يكن بإمكانه الاحتفاظ بالسلطة، ولكن هذه المرّة لم يزاح هو فحسب، بل أطيح بالاتحاد السوفييتي في العام 1991، بعد إسقاط الأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية بانهيار جدار برلين في 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 1989 .

صحيح أن العبادي ليس خروتشوف ولا غورباتشوف ولا يمكن مقارنته بأي منهما، كما أن العراق ليس الاتحاد السوفييتي، لكن هذا الاستطراد مع الفارق في التشبيه والحالة والزمان والمكان، يستهدف إلفات النظر إلى أن أمام العبادي طريق واحد للاستمرار أو أنه إمّا أن ينحر أو ينتحر وقد يطاح بالعراق، إنْ لم يتّخذ خطوات عاجلة وسريعة لتدارك ذلك، ببناء تحالفات جديدة خارج الطاقم الحاكم، لأن أعداءه يمثّلون حيتان كبيرة من داخل حزبه ومن خارجه ، وليس معه أحد، لا السنّية السياسية ولا الكرد، وحتى الحشد الشعبي فإن ولاءه الأساسي ليس له. وإنْ لم يستطع العبادي الإطاحة سريعاً برؤوس الفساد، فسيطاح برأسه وقد تنهار الدولة العراقية.

 

ثالثا- سيناريو التوحيد

إذا كان هناك سيناريو التفتيت وسيناريو بقاء الحال دون تغيير، فالدراسات المستقبلية  لا تهمل سيناريوهات أخرى أيضاً،  فهل هناك سيناريو توحيد؟ هذا السؤال هو مقدمة لحوار حول دور النخب بشأن مستقبل البلاد، فحتى موجة الاحتجاج هذه، هناك من يحاول ركوبها والاستفادة منها وتوظيفها بما فيها قوى تعاونت مع الاحتلال ومخرجاته، وكانت جزء من أسباب الخراب التي تعاني منها البلاد.

إن النخب الفكرية والثقافية والأكاديمية في مجتمعنا لا تزال ضعيفة ومستلبة وملحقة لحساب النخب السياسية التي بيدها القدح المعلاّ ولها سطوة عليها، بل إن لها القابلية على الاستتباع حسب توصيف المفكر الجزائري مالك بن نبي " القابلية على الاستعمار"، لاسيّما وأن النخب السياسية تملك المال والسلطة أو جزء منها والنفوذ وأحياناً معها ميليشيات وبعض دول الجوار أو القوى الدولية،  ولذلك فإن أي استعادة لدورها، يتطلّب استعادة الوعي أولاً واستعادة الإرادة. ويحتاج مثل هذا إلى التحدّي والاستجابة الخلاقة لمتطلبات التغيير ونتائجه.

كما إن إجراء إصلاحات واستجابة لمطالب المتظاهرين قد يفتح آفاقاً جديدة لنشوء كتل وجماعات سياسية تسهم في عملية التغيير. ويمكن القول إن القوى الدافعة للتوحيد والتغيير  تمثل طيفاً واسعاً من القوى، ولكنها قد لا تكون منسجمة أو موحّدة مع الكثير من أن المشتركات تجمعها، ولا تزال القوى المهيمنة، ولاسيّما الدينية والطائفية والإثنية، تمنع وتعرقل أي لقاء بينها، بل وتضع العصا في دولاب أي تحرّك باتجاه الحوار.

وهذه القوى هي: جماعات المصالح الاقتصادية والأحزاب والقوى السياسية المهمّشة من داخل العملية السياسية أو من خارجها، إضافة إلى المجموعات الثقافية المتنوّعة والتي تشعر بالغبن بسبب الإقصاء أو العزل أو التهميش أو حتى احتساب بعضها على النظام السابق، فجرى اجتثاثها، وبعضها  من أصحاب الكفاءات والخبرات التي لا يستهان بها. يضاف إلى ذلك مؤسسات المجتمع المدني من داخل وخارج العملية السياسية، ومراكز الأبحاث والدراسات والجامعات، فضلاً عن أن البيئة الدولية والإقليمية قد تكون مشجّعة للتوحيد لأسباب تتعلق بالخوف من انتقال عدوى التفتيت إليها، ناهيك عن فايروس الإرهاب.

وسيكون على عاتق الطبقة الوسطى، وخصوصاً المثقفين والأكاديميين والمفكرين دوراً مهماً على صعيد التوحيد والتغيير، ويحتاج الأمر إلى جهود فكرية وثقافية وسياسية لتشكيل قوة ضغط لإعادة النظر بالدستور واعتماد قواعد اللامركزية الإدارية على صعيد الأقاليم الفيدرالية أو المحافظات على نحو صحيح ودون صفقات سياسية  باعتبارها  نظاماً لتوزيع الثروة والسلطة، كما  لا بدّ من اعتماد آليات توحيد ديمقراطية الأسلوب واجتماعية المضمون.

يبقى هناك أسس للتوحيد ولقيام دولة عصرية دستورية لا يمكن التجاوز عليها، وأولها الحرية وثانيها المساواة وثالثها العدالة، ولاسيما الاجتماعية ورابعها المشاركة، وكل هذه تصبّ في مبادئ المواطنة، التي تشكل جوهر الهوّية الجامعة ، مع احترام الهوّيات الخصوصية.

 

 خاتمة

بين الطائفية والمواطنة فرق كبير وشاسع، والمواطنة ليست طائفية حتى وإن انتمى المواطن إلى طائفة، إلاّ أن الأساس الذي يربطه بالمواطن الآخر هو الوطن والمواطنة والحقوق المتساوية، المتكافئة، والمشترك الإنساني في إطار سيادة القانون، وإذا ما أقرّ الجميع ذلك وفق دستور ينظّم علاقة المواطن بالدولة، فالأمر يقتضي أن تكون هي المرجعية وليس غيرها، وهو ما يتطلب التصدّي لمرتكبي الطائفية، طبقاً لقانون يحظرها ويعاقب من يدعو أو يروّج أو يتستر عليها، أو يتهاون في مكافحتها أو يخفي معلومات عنها، وذلك بهدف تعزيز المواطنة وتعميق أواصر اللحمة الوطنية والوحدة الكيانية للمجتمع والدولة.

وإذا ما اقترنت الطائفية والتمذهب بأفعال وأنشطة من شأنها أن تؤدي إلى انقسام في المجتمع ونشر الفوضى والاضطراب، واستخدام العنف والقوة والتمرّد، وقد تقود إلى حرب أهلية، فإن ذلك يرتقي إلى مصاف جرائم أمن الدولة الكبرى، بما فيها جرائم الإرهاب، وقد تصل إلى جرائم الخيانة العظمى إذا ما ترافقت مع تحريضات لجهات خارجية وفقاً لأجندات أجنبية، خصوصاً في ظل استفزاز المشاعر الخاصة، ودفعها باتجاه عدواني ضد الآخر، الأمر الذي قد يصل إلى ما لا يُحمد عقباه!!

ولتعزيز قيم المساواة والمواطنة وتطويق الطائفية سياسياً واجتماعياً بعد تحريمها قانونياً، ينبغي حظر العمل والنشاط السياسي، وتحت أية واجهات حزبية أو اجتماعية أو مهنية أو نقابية أو ما شابه ذلك، إذا كانت تسعى لنشر الطائفية أو المذهبية (التمييز الطائفي أو المذهبي)، بصورة علنية أو مستترة، خصوصاً بحصر الانتساب إلى ذلك المجتمع أو المنظمة أو الجمعية أو تلك، بفئة معينة، بادعاء تمثيلها أو النطق باسمها أو التعبير عنها.

كما لا بدّ من منع استغلال المناسبات الدينية للترويج للطائفية أو المذهبية، بغية إثارة النعرات والعنعنات بين الطوائف وإضعاف مبادئ الوحدة الوطنية والهوّية الجامعة المانعة، التي أساسها الوطن والإنسان، ويقتضي ذلك أيضاً منع استخدام الطقوس والشعائر والرموز الدينية بما يسيء إلى الطوائف الأخرى، خصوصاً من خلال الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي والألكتروني، الأمر الذي يتطلّب على نحو مُلح إبعاد الجيش والمؤسسات الأمنية ومرافق الدولة العامة عن أية إنحيازات أو تخندقات طائفية بشكل خاص وسياسية بشكل عام، وقد يحتاج الأمر إلى إعادة التجنيد الإلزامي لجميع العراقيين.

وإذا أردنا وضع اليد على الجرح فلا بدّ من حظر استخدام الفتاوى الدينية لأغراض سياسية، لاسيّما انخراط رجال الدين فيها، خصوصاً إذا كانت تتعلق بالشأن العام السياسي، وهذا الأمر ينطبق أيضاً على الجامعات والمراكز المهنية والاجتماعية والدينية والأندية الرياضية والأدبية والثقافية، التي ينبغي أن تكون بعيدة عن أية اصطفافات طائفية أو مذهبية.

إن بناء دولة دستورية عصرية واحترام حقوق المواطنة كاملة، يقتضي وضع حد للطائفية السياسية تمهيداً لتحريمها ومعاقبة القائمين عليها أو الداعين لها أو المتسترين عليها، وهي الطريق الأمثل للوحدة الوطنية والهوية الجامعة- المانعة.

ومثلما بدأنا في المقدمة بالحديث عن الطائفية ودورها في الأزمة الراهنة، فإننا نختتم هذا الموضوع بإعادة نشر اقتراحنا لمشروع قانون تحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق الذي سبق وأن عرضناه على العديد من الجهات في العام 2008 . وندرج هنا نص المشروع كملحق لهذه الدراسة.

 

د. عبد الحسين شعبان

أكاديمي ومفكر – نائب رئيس جامعة اللاّعنف

وحقوق الإنسان "أونور"- بيروت

..........................

ملحق: مشروع قانـون تحريم الطائفيــة وتعزيز المواطنة في العراق

د. عبد الحسين شعبان

 

مشروع قانون أعدّهُ الباحث واقترحه على الفاعليات والأنشطة السياسية والحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني للمناقشة وابداء الرأي، وقد تجاوب معه عدد من الحقوقيين والمحامين والأكاديميين والباحثين ونخبة من المثقفين وأبدوا ملاحظات حول المشروع، بهدف تكييفه ليصبح أمر تشريعه يسيراً لاحقاً، علماً بأن الصيغة الاولى للمشروع نشرت ضمن كتاب للباحث بعنوان "جدل الهوّيات في العراق – الدولة والمواطنة" الصادر عن الدار العربية للعلوم، بيروت، 2009. وقد تم إعداد المشروع لاحقاً وفقاً للقوانين العراقية النافذة، وقد ورد فيه ما يفضي إلى عقوبة الإعدام التي يعارضها الباحث، بل ويدعو إلى إلغائها! الأمر الذي رغب في تثبيته كملاحظة مرافقة لمشروع القانون، الذي يدعو إلى تحريم وتجريم الطائفية وفي الوقت نفسه تعزيز وتوثيق المواطنة.

 

المادة الاولى: تعريف الجرائم الطائفية

الفقرة (1) - كل فعل أو سلوك إجرامي يهدف إلى إثارة حرب أهلية أو اقتتال طائفي، وذلك بتسليح المواطنين أو حملهم على التسلّح أو حثّهم على القتال أو تأجيج الفتنة الطائفية أو استخدام العنف أو زعزعة الأمن الداخلي والوطني أو المساس بالوحدة الوطنية أو تدمير الثروات البشرية والمادية والمشاريع والممتلكات العامة والخاصة.

الفقرة (2)- تعتبر الطائفية جريمة بحق الشعب والوطن، ويعاقب بأشد العقوبات من يرتكبها بالدعوة إليها أو ترويجها أو التستّر عليها أو التهاون في مكافحتها أو إخفاء معلومات عنها، لاسيما اذا ما اقترنت بأفعال وأنشطة من شأنها أن تؤدي إلى اضطراب وفوضى في المجتمع، خصوصاً إذا استخدمت العنف والقوة والتمرّد على السلطات العامة أو أدّت الى حرب أهلية.

 

المادة الثانية: تجريم الطائفية

تعتبر الأعمال الآتية جرائم طائفية:

الفقرة (1)- العمل والنشاط السياسي تحت أية واجهة سياسية أو حزبية أو اجتماعية أو مهنية أو ما شابه ذلك، لغرض نشر الطائفية أو ممارسة التمييز الطائفي، بصورة علنية أو مستترة، لاسيما إذا حصرت انتساب أعضائها بفئة طائفية محدّدة أو ادّعت تمثيلها أو تأييدها ويحظر ذلك حظراً كاملاً.

الفقرة (2) - استغلال المناسبات الدينية في الترويج للطائفية أو المذهبية بغية إثارة النعرات والكراهية بين الطوائف وإضعاف مبادئ الوحدة الوطنية و الهوّية الوطنية العراقية. ويمنع استخدام الطقوس والشعائر والرموز الدينية لأهداف طائفية أو مذهبية منعاً باتاً.

الفقرة (3) - استخدام وسائل الاعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية والألكترونية في الترويج لأي غرض طائفي أو مذهبي، بغض النظر عن الأسباب والمبررات.

الفقرة (4) - التصنيفات والتقسيمات الطائفية والمذهبية في الجيش والقوات المسلحة والشرطة  وقوى الامن الداخلي والمخابرات وجميع دوائر الدولة ومرافقها.

الفقرة (5) - فتاوى رجال الدين التي تتعلق بالشأن العام، لاسيما ذات الطابع السياسي الطائفي، وكذلك خطابات أئمة الجوامع ، ذات الصلة بالحضّ على الطائفية والمذهبية، ويمنع منعاً باتاً اعتلاء المنابر وإلقاء الخطب للترويج والدعاية للتوجهات الطائفية والمذهبية المؤدية إلى إثارة الاضطراب والفوضى في المجتمع  وتهييج المشاعر والعواطف.

الفقرة (6)- استخدام الشعارات الدينية الطائفية والمذهبية في الجامعات والمعاهد العليا وفي المدارس الثانوية والابتدائية، وفي مراحل التعليم كافة. ويحظر تقسيم المناصب التعليمية والتربوية وفقاً لاعتبارات مذهبية وطائفية. ويُعاد النظر بصياغة المناهج التعليمية والتربوية بهدف إبعادها عن أية تصينفات أو توجهّات طائفية أو مذهبية أو عشائرية أو مناطقية تضرُّ بالوحدة الوطنية وبمعايير العلم والتقدم. ولا يعترف بشهادات المدارس الدينية الاّ إذا كانت برامجها مقبولة ومعتمدة لرقابة حكومية وتوافقت مع البرامج والمناهج التعليمية المعتمدة في الدولة. ويُحظر على المدارس الدينية حصر القبول على أساس طائفي أو مذهبي، وعليها أن تقدّم كشف حساب سنوي من مدقق حسابات معترف به رسمياً وفقاً للأنظمة المالية والمحاسبية المعتمدة في الدولة وتتعرض للمساءلة والملاحقة القضائية إذا أخفت أية معلومات ضرورية.

الفقرة (7)- نشر أو عرض أو تداول أو ترويج أو تشجيع أو التستر على أي عمل فني أو ثقافي أو فكري أو سياسي يهدف الدعاية الطائفية والمذهبية بما يضعف روح المواطنة والتعايش السلمي بين تكوينات المجتمع العراقي بما في ذلك الصحافة والاعلام والكتب والعروض المسرحية والسينمائية والغناء والموسيقى والأناشيد  والفنون التشكيلية وانواع الفنون والآداب الأخرى. ويُمنع ذلك منعاً باتاً.

الفقرة (8)- طبع أو نشر أو استيراد أو بيع أو تداول أية كتب أو مطبوعات أو أفلام أو ألعاب أو وسائل إيضاح للأطفال والناشئة من شأنها تكريس روح الطائفية والمذهبية وكره الآخر وازدراء المذاهب الأخرى. ويُمنع ذلك منعاً باتاً.

 

المادة الثالثة: تعتبر بوجه خاص الافعال الاتية من جرائم امن الدولة

الفقرة (1)-  توزيع أو اقتسام المناصب الحكومية أو غير الحكومية على أساس الانتماء الطائفي والمذهبي.

الفقرة (2)- الترشّح في أية انتخابات برلمانية أو مجالس المحافظات أو الادارة المحلية أو البلدية، استناداً إلى أي معيار طائفي أو مذهبي.

الفقرة (3)-  تقسيم الوظائف القضائية بكل درجاتها وأصنافها وفق لأي اعتبارات طائفية او مذهبية.

الفقرة (4)- ادارة العتبات المقدسة والأوقاف ووفقاً القسمة الطائفية والمذهبية، وبما يضرّ بالوحدة الوطنية.

الفقرة (5) - برامج المدارس الدينية على أساس طائفي، وكذلك القبول على أساس طائفي أو مذهبي في كافة المراحل الدراسية .

الفقرة (6) - برامج الانتساب إلى الأندية الرياضية والمنتديات الشبابية والجمعيات الاجتماعية والتعاونية والأدبية والخيرية ومنظمات المجتمع المدني كافة، إذا اعتمدت على أية اعتبارات دينية أو طائفية أو مذهبية.

الفقرة (7) - ادارة المستشفيات أو المستوصفات أو الرعاية الصحية أو دور العجزة أو الصيدليات أو المختبرات وجميع الطواقم الطبية والصحية وفقاً لأي اعتبار ديني أو طائفي أو مذهبي .

 

المادة الرابعة: العقوبات

الفقرة (1)-  يعاقب بالاعدام كل من ارتكب – بصفته فاعلاً أصلياً أو شريكاً أياً من الأفعال الجرمية والطائفية الواردة بالمادتين الثانية والثالثة من هذا القانون، ويعاقب المحرّض والمخطّط والمموّل، وكل من مكّن المرتكبين من القيام بالجرائم الواردة في هذا القانون بعقوبة الفاعل الأصلي .

الفقرة (2)- يعاقب بالسجن المؤبد من أخفى عن عمد أي ارتكاب جرمي أو تستر على المرتكبين أو قام بتضليل العدالة .

 

المادة الخامسة: الظروف القضائية المخففة

الفقرة (1) - يعفى من العقوبات الواردة في هذا القانون كلّ من قام بإخبار

السلطات المختصة قبل اكتشاف الجريمة أو عند التخطيط لها ، أو ساهم اخباره في القبض على الجناة أو حال دون تنفيذ الفعل .

الفقرة (2)-  يعدّ عذراً مخففاً من العقوبة في الجرائم المنصوص عليها، في المادتين الثانية والثالثة من هذا القانون لكل من قدّم معلومات بصورة طوعية للسلطات المختصة بعد وقوع أو اكتشاف الجريمة من قبل السلطات وقبل القبض عليه، وأدّت معلوماته إلى التمكّن من القبض على المرتكبين الاخرين وتكون العقوبة السجن، وفقاً لقانون العقوبات البغدادي.

 

المادة السادسة: الاحكام الختامية

الفقرة (1) - تعدّ الجرائم في هذا القانون من الجرائم العادية المخلّة بالشرف .

الفقرة (2)-  تصادر جميع الاموال والمواد المضبوطة والمبرزات الجرمية او المهيئة لتنفيذ العمل الاجرامي .

الفقرة (3) - تطبّق أحكام قانون العقوبات النافذ بكل ما يرد به نص في هذا القانون .

الفقرة (4) - ينفّذ هذا القانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية .

الفقرة (5) - للسلطات ذات الصلاحية حق إصدار قرارات وأنظمة وتعليمات لتسهيل تنفيذ أحكام هذا القانون، وتُلغى جميع القرارات، والقوانين واللوائح التي تتعارض مع نصوصه.

 

الأسباب الموجبة

لمّا كانت المحاصصات والتقسيمات الطائفية قد أسهمت في تفتيت المجتمع العراقي وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية باعتمادها قاعدة المحاصصة، ونظراً لجسامة الأضرار وفداحة الخسائر الناجمة عن الجرائم الطائفية التي أصبحت تهدّد الوحدة الوطنية واستقرار النظام والأمن العام، وبهدف تعزيز الوحدة الوطنية وتعميق  الهوّية العراقية الجامعة على أساس مبادئ الدولة الديمقراطية العصرية القائمة على المساواة واحترام حقوق الإنسان وحقوق المواطنة وواجباتها الكاملة،  لذا بات من الضروري إصدار تشريع من شأنه الحدّ من هذه الظاهرة تمهيداً للقضاء عليها وذلك بتحريمها وتعزيز المواطنة.

ولهذه الأسباب شرّع هذا القانون.

 

د. عبد الحسين شعبان

* مفكّر وأكاديمي عراقي- له العديد من المؤلفات في الفكر والقانون والسياسة والأديان، إضافة إلى المجتمع المدني وحقوق الإنسان والثقافة والأدب. مستشار في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية. نائب رئيس جامعة اللّاعنف وحقوق الانسان/ بيروت.

نشرت في International journal of Contemporary Iraqi Studies, Vol. 10, No. 1 & 2, 2016 .

 

abdulhusan shaabanمقدمة: أعادت الأزمة الراهنة الإشكاليات الأساسية التي عانت منها الدولة العراقية منذ الاحتلال الأمريكي- البريطاني للعراق العام 2003، وخصوصاً موضوع الطائفية السياسية التي أصبحت ظاهرة متفشّية في مفاصل الدولة العراقية وأروقتها، بل إن التقاسم الوظيفي الطائفي والإثني أصبح السمة الأبرز للحكم ما بعد الاحتلال.

ولم تستطع الدولة على الرغم من مرور 13 عاماً على الاحتلال من حلّ المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتربوية والصحية والبيئية، وما يتعلق بالبطالة والضمان الاجتماعي والمتقاعدين، بل إن هذه المعضلات تفاقمت على نحو شديد، وازدادت تعقيداً ممّا عمّق  الأزمة السياسية، وأضفى عليها بُعداً شعبياً أخذ بالاتّساع، خصوصاً وقد ترافق ذلك باستمرار انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة وعدم حلّ مشكلة المياه التي أخذت بالتفاقم، مما سبّب أمراضاً وأوبئة عديدة، ومنها انتشار مرض الكوليرا.

لقد قامت العملية السياسية على صيغة المحاصصة الطائفية- الإثنية، التي وجدت ضالّتها في تأسيس مجلس الحكم الانتقالي في تموز (يوليو) العام 2003، خصوصاً بتخصيص 13 عضواً منه لما سمّي بالشيعة و5 أعضاء لما سمّي بالسنّة و5 أعضاء لممثلي الكرد وعضو واحد لمن اختير ممثلاً عن التركمان وعضو واحد باسم الكلدو آشوريين. وعرفت الدولة الجديدة التي تأسست على أنقاض الدولة القديمة التي قامت في عشرينيات القرن الماضي، باسم "دولة المكوّنات"، التي ورد ذكرها ثمان مرّات في الدستور. أما "دولة المواطنة" التي كان العراقيون يتطلّعون إليها  بعد انقضاء حقبة الحكم الشمولي، فقد اختفت مدلولاتها وتضبّبت معانيها، لاسيّما بعد تأسيس نظام المحاصصة.

إن ذلك يمثّل جوهر الأزمة بجميع فروعها وأجنحتها. وإذا كان الاحتلال صائراً إلى زوال مثلما كان متوقّعاً، فإن خطر الطائفية ظلّ ينخر في جسم الدولة العراقية، ويحفر في كيانها بمعول مسموم، وإذا ما استمرّ على هذا المنوال فإن عملية الهدم والتآكل ستصل إلى أساساتها، وبالتالي ستؤدي إلى انهيارها.

كان الدستور المؤقت (قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية) الذي صدر في عهد الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر (13 أيار/مايو 2003 - 28 حزيران (يونيو) 2004) في 8 آذار (مارس) العام 2004، تكريساً وانعكاساً للصيغة الجديدة لتوازن القوى وقد قام نوح فيلدمان القانوني الأمريكي المناصر لإسرائيل بإعداد صيغته الأولى، مثلما عمل الخبير الأمريكي بيتر غالبرايت في وقت لاحق على صياغة بعض المواد ذات الطبيعة الإشكالية، والتي اعتبرت ألغاماً قابلة للانفجار في أية لحظة، لأنها تشكّل مصدر خلاف واختلاف وليس مصدر اتفاق وتوافق.

وبدلاً من أن يكون الدستور القاسم المشترك الأعظم الذي تلتقي عنده الإرادات المختلفة للقوى والأحزاب والمنظمات السياسية والجماعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ذات المصالح المتنوّعة، فإذا به يصبح هو بالذات تعبيراً عن الإشكاليات والصراعات التي عانت منها الدولة العراقية ما بعد الاحتلال، وهذه كلّها تنطلق وتصبّ في صيغة المحاصصة التي اعتمدتها، وفي النزاع حول تمثيل هذه الجماعة أو تلك لتتحدث نيابة عن هذه الطائفة أو تلك أو تمثل جزءًا منها، وذلك عبر الإستقواء بالمحتل والحصول على الامتيازات، خصوصاً من جانب أمراء الطوائف، وليس بوسائل إقناع أو بنفوذ حقيقي سياسي أو فكري أو اجتماعي.

ولم يتورّع هؤلاء من استخدام العنف والحشود الجماهيرية الهائلة التي تذكّر بعصر المداخن في فترة الثورة الصناعية في أوروبا، بهدف كسر إرادة الآخر وفرض نمط ديني أو مذهبي على الحياة العامة وعلى المجتمع ككل. وبالطبع فإن مثل هذا الأمر لم ينشأ في فراغ، فقد كان له ردود فعل أقسى وأشدّ أحياناً، وهكذا أخذت دائرة العنف تتّسع لتشمل الجميع، وخصوصاً بانتعاش بؤر للإرهاب، التي تغذّت بتفاعلها مع جهات خارجية إقليمية ودولية ولأهداف مختلفة.

ولكي يتم تمويل عمليات الإرهاب والعنف، لجأت الكثير من القوى إلى استخدام موارد الدولة لمصالحها الخاصة، الشخصية والحزبية، سواء عبر سرقات منظمة أو هدر المال العام أو توظيفه في غير مواقع التنمية، ناهيك عن أصحاب الحظوة من الأبناء والأصهار والشركاء في إطار عمل غير مشروع.

وهكذا أصبح الفساد مؤسسة قائمة بذاتها وتستطيع تحريك الوضع السياسي سلباً أو إيجاباً طالما هي تتحكّم بالملايين من البشر الذين يعانون من البطالة وشظف العيش والأميّة والتخلّف مع ضخّ الكثير من الأوهام الطائفية ضد الآخر، الغريب المُريب، الخصم والعدو الذي يستحق الاستئصال. وبالطبع فالفساد لا يقتصر على شأن معين، بل يشمل الإدارة السياسية والاقتصاد والاجتماع والثقافة والمجتمع المدني وتزوير الشهادات والاحتيال والرشا وغير ذلك، لدرجة زكّمت الأنوف.

ولم يستثنِ الفساد أحداً، بل حاول لفّ الجميع بشرنقته، خصوصاً وأن المال السائب يغري بالسرقة كما يُقال، لاسيّما في ظل اخترام مؤسسات الدولة وحلّ الجيش والأجهزة الأمنية وعدم وجود مساءلة أو محاسبة إزاء هدر المال العام أو التلاعب فيه.

ويعتبر الفساد الوجه الآخر للإرهاب، كما أنه ليس بعيداً عن مخرجات الطائفية والتقاسم المذهبي- الإثني، وقد أغرى الفساد جميع الكتل والأحزاب والقوى على الانخراط فيه، والتستّر على منتسبيها وأتباعها، ولهذا فإن خطره امتدّ إلى أجهزة الدولة بكاملها والعديد من المنظمات والهيئات الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني، التي هي الأخرى ضعفت يقظتها إزاء غول الفساد ومخالبه.

ومن المظاهر الأخرى للأزمة العراقية وخلفياتها، هو ضعف الشعور العام بالمواطنة والعودة في الكثير من الأحيان إلى صيغ ما قبل الدولة، سواءً الطائفة، أو الجماعة الإثنية، أو الدين أو العشيرة أو الجهة أو المنطقة، وذلك للاحتماء بها والاختباء خلفها، طالما لا تستطيع الدولة حمايتها وتأمين الحدّ الأدنى من وظيفتها في ضبط الأمن والنظام العام وحماية أرواح وممتلكات المواطنين، وتلك هي الوظائف الأولى والأساسية للدولة، وأية دولة لا تستطيع القيام بذلك، فلماذا إذاً هي دولة!؟.

لقد ساهمت الطائفية السياسية في انهيار هيبة الدولة ومعنوياتها، لاسيّما وأن بعض الأطروحات والتوجّهات السياسية وضعت "المرجعية" الدينية المذهبية، فوق الولاء للدولة، بما فيها تداخلاتها الخارجية، والأمر لم يقتصر على المؤيدين لهذه "المرجعية" وهي تمثّل مجموعة من رجال الدين المتنفذين في النجف وأتباعهم الذين يسائلون ولا يُسألون، بل شمل خصومهم أيضاً، الذين يتسابقون معهم أحياناً في الحصول على صكوك المباركة لوظائفهم أو مواقعهم أو امتيازاتهم.

إن ذلك يعني إخضاع مرجعية الدولة لمرجعية غير دستورية، في حين إن جميع المرجعيات سواءً كانت دينية أو سياسية أو حزبية أو اجتماعية أو عشائرية ينبغي أن تخضع إلى الدولة التي لها صفة العلوية والسمو على غيرها من المرجعيات، بما فيها حق احتكار واستخدام السلاح والفصل في الحكم بين الأفراد وبينهم وبين الدولة، وبدون إخضاع المرجعيات الأخرى إليها فلا تصبح والحالة هذه دولة.

وإذا كان الدستور ملغوماً وفيه الكثير من العيوب والمثالب التي تستوجب تعديل نصوصه أو إلغائه  لسنّ دستور أفضل، لكن ذلك لا يلغي وجوده القانوني وعلويته والاحتكام إليه وفقاً للنظام السائد، حتى تتوفر فرصة مناسبة، يتمكّن فيها الشعب العراقي من اختيار ممثليه في أوضاع سلمية وطبيعية وآمنة، وخصوصاً بوضع حدٍّ لظاهرة الإرهاب والعنف والفساد.

 

الأزمة وسياقاتها

ثلاث دوائر تتحرك في إطارها الأزمة العراقية الراهنة، فالدائرة الأولى تتمثّل  في حركة الاحتجاج الأخيرة ومطالبها، سواءً الآنية العاجلة أو المستقبلية الآجلة والتي تتجسّد بمآلات حركة الاحتجاج وسقفها ومدى تحقق أهدافها ، لاسيّما البعيدة .

وإذا كانت حركة الاحتجاج مدعاة لتفاؤل الإرادة حسب المفكر الماركسي غرامشي، فإن الواقع لا زال يشي بالتشاؤم، على الرغم من إن التململ أخذ يكبر وهاجس التغيير ازداد عمقاً، خصوصاً وإن كتلاً بشرية ضخمة أخذت تنضم إلى المتظاهرين من شتى الفئات والتوجّهات اليسارية واليمينية، الدينية والعلمانية، من داخل العملية السياسية ومن خارجها، ومن جميع التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية، والذين تجمعهم أهداف ومطالب مشتركة، لاسيّما حياة الناس وحاجتهم الماسّة والضرورية إلى الخدمات ومكافحة الفساد والمفسدين، فلم يعد السكوت عنها ممكناً.

نقول ذلك، مع أن الواقع لا زال يشي بالتشاؤم بفعل عقبات كبرى وكوابح كثيرة قد تؤدي إلى احتواء حركة الاحتجاج أو إجهاضها أو شقّها وبالتالي تشتّتها، خصوصاً وإن بعض الأطراف تريد الانفراد في قيادتها كما حصل في مرّات سابقة، بغض النظر عن استجابة رئيس الوزراء لمطالب الإصلاح، لكنها ظلّت حتى الآن فوقية ولم تمس جوهر المشكلة، لاسيّما إعادة الخدمات على جناح السرعة ومحاسبة الفاسدين والمفسدين وردّ الاعتبار للدولة ومؤسساتها ووضع حدّ للطائفية والتقاسم الوظيفي، علماً بأن حيدر العبادي بلا حلفاء أو أصدقاء، حتى وإن كان جمهوراً واسعاً يؤيد عملية الإصلاح، لكن أعداء الإصلاح والفاسدين يشكلون جبهة قويّة، حتى وإنْ اختلفت مصالحهم.

 

أولاً - حركة الاحتجاج ومآلاتها

إذا راجعنا شعارات التظاهرات العارمة والمندلعة في مختلف أنحاء العراق، سنلاحظ أنها تلتقي حول أهداف مشتركة، وهذه تتلخص بـ :

1- تحسين الخدمات ومكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين، ولاسيّما الكهرباء والماء والتعليم والصحة وإيجاد فرص عمل متكافئة وتلك أمور آنية ومستعجلة. وقد عانى العراقيون من تفاقمها، وشبعوا من الوعود بتحسينها، الأمر الذي دفعهم إلى النزول إلى الشوارع التي لم يبارحوها مطالبين بتحسين الخدمات وبالإصلاح حتى بعد إعلان رئيس الوزراء حيدر العبادي عن تبنيه خطة للاصلاح.

والوجه الآخر لحركة الاحتجاج الواسعة هو الدعوة إلى مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين والمفسدين، وتقديم هؤلاء إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل، بما فيهم المقصّرين وعديمي الشعور بالمسؤولية والمستهترين بالمال العام، وقد تفشّت ظاهرة الفساد ما بعد الاحتلال، خصوصاً بعد أن أصبح الولاء والمصالح الحزبية والانتماء الطائفي هو الأساس في الحصول على المناصب العليا في ظل التقاسم الوظيفي الطائفي والإثني، بعيداً عن الكفاءة والخبرة والنزاهة، وقد أثّر ذلك على نحو شديد في فاعلية وأداء أجهزة الدولة وكفاءتها ودورها، حتى إن إحدى الجماعات السياسية وأعني بها " جماعة السيد مقتدى الصدر" احتجزت أحد أعضائها خلافاً للقانون، والمقصود به هو بهاء الأعرجي نائب رئيس الوزراء السابق، لمدة ثلاثة أشهر كما أعلنت. ودعت المواطنين، الذين يتهمونه بالفساد، التقدّم إلى جماعته السياسية للتحقيق فيها، ولعلّ ذلك أحد مظاهر تدهور مقوّمات الدولة وانحلال مؤسساتها، خصوصاً القضائية.

2-  مواجهة مظاهر تفكّك الدولة، خصوصاً تحديد المسؤوليات لسقوط الموصل بيد داعش في 10 حزيران (يونيو) 2014 واستمرار الأمر حتى الوقت الحاضر، بل وتمدّدها إلى مناطق أخرى من العراق بلغت نحو ثلث الأراضي العراقية وتهديدها العاصمة بغداد.

صحيح أن نفوذها تقلّص إلى حدود معيّنة ونسبياً، لكن استمرارها يمثل فضيحة للدولة العراقية أو لما تبقّى منها، وهي مهدّدة بالتقسيم الفعلي بفعل غياب إرادة سياسية للوحدة الوطنية وانعدام الثقة بين القوى والجماعات السياسية المختلفة – المؤتلفة، الأعداء- الأصدقاء " الأعدقاء"، إضافة إلى فهم مغلوط وناقص لفكرة الفيدرالية التي جاء بها الدستور، خصوصاً محاولات تفسيره وتأويله، ناهيك عن الألغام التي احتواها والتي يمكن أن تنفجر عند كل منعطف، في ظل انعدام الثقة بين الأطراف السياسية وتربّصها الواحد بالآخر، بما فيها الكتل المؤتلفة.

3- نبذ الطائفية وردّ الاعتبار لمرجعية الدولة وهيبتها ومكانتها، واعتماد مبادئ المواطنة التامة والمساواة الكاملة أساساً للحصول على الوظائف العليا وإلغاء التمييز الطائفي والإثني والديني والعشائري ومناطقي وغير ذلك. وبسبب فشل محاولات تديين الدولة أو تطييفها أو مذهبتها، انطلقت بعض الدعوات لقيام الدولة المدنية.

قد تكون الدعوة إلى قيام دولة مدنية (الآن)، من باب التعبئة السياسية، إذْ يعتقد الباحث من موقعه كمراقب ومحلل للأحداث، أنها غير ممكنة التحقيق في الوقت الحاضر بسبب اختلال موازين القوى، أي أنه ليس مطلباً راهنياً، أي قابلاً للتطبيق، بل هو طموح بعيد المنال، حتى وإن كان هدفاً منشوداً، لكن مفرداته تبقى مهمة، لاسيّما بفكّ الارتباط بين الدين والدولة وبين السياسة والدين، وعدم إخضاع الأخيرة لرجال الدين وتفسيراتهم وتأويلاتهم، ولاسيّما الطائفية والمذهبية التي هي عامل تفريق وتنافر وحساسية.

وقد ألقى مثل هذا الاشتباك والاندغام بين الدين والسياسة بثقله على المجتمع لدرجة أصبحت الحياة الشخصية مهدّدة ويتم انتهاكها كل يوم تحت حجج ومزاعم شتى، ناهيكم عن تجييش الكثير من أبناء الطوائف وشحنهم بالكراهية والانتقام من الآخر. ولذلك ارتفعت بعض الشعارات التي تعبّر عن أمنيتها لقيام دولة مدنية، ولاسيّما الشعار الذي ظلّ الصوت فيه مرفوعاً وعالياً "سلمية .. سلمية.. دولة دولة مدنية".

إن أهمية تلك الشعارات والدعوات تكمن في نزع القدسية عن رجال الدين، والتعامل معهم كبشر يخطأون ويصيبون، وإذا ما أرادوا تقديم أنفسهم "كمرجعية" لطائفة أو مجموعة منها، فعليهم أن يكفّوا عن التعاطي بالسياسة ويتصرفوا خارج نطاق اللعبة السياسية، باعتبارهم وعاظ أو مرشدين جامعين وغير مفرّقين، لاسيّما بعدم الانحياز لهذا الفريق أو ذاك وتحت عناوين مصلحة المذهب أو الطائفة، فالمصلحة الوطنية والولاء للوطن هي التي ينبغي أن تتقدّم على جميع الولاءات الدينية والإثنية والمذهبية والسلالية واللغوية والعشائرية والمناطقية، مثلما يكون الاحتكام إلى القانون والخضوع لسيادته هو الأساس، باعتباره المرجعية التي تفصل علاقات الناس ببعضهم ومع الدولة، وليس لأي قواعد أو أنظمة أخرى دينية أو طائفية أو إثنية أو عشائرية أو غيرها.

لا يمنع الدستور أو قانون الانتخابات من انخراط رجل الدين في السياسة، ولكن السياسة كما نعلم تحتمل الكثير من المراوغة والتدليس والتجاوز على الحقيقة وتقديم المصالح الأنانية الضيقة  على حساب القضايا الوطنية والإنسانية  العامة، ومثل ذلك لا يليق برجال الدين، الذين عليهم أن ينأوا بأنفسهم عن ذلك لأن وظيفتهم تفترض العكس، أو أن عليهم أن يكفّوا عن كونهم رجال دين، وبالتالي لا اعتراض على حقهم في مزاولة العمل السياسي.

المهم أيضاً التقدّم بخطوات على طريق بناء الدولة العصرية الدستورية، بغضّ النظر عن تسميتها، وهذه الخطوات مهما كانت بسيطة لكنها تراكمية وتدرّجية وطويلة الأمد ، خصوصاً بإعلاء شأن المواطنة والمساواة وعدم التمييز وتحريم الطائفية وإعلاء سيادة القانون واستقلال القضاء وتأكيد حق المشاركة والتداولية والانتخابات الدورية وحرّية التعبير وحق الاعتقاد وحق المشاركة وحق تأسيس الجمعيات والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، وتلك كلها تؤدي إلى فضاء يستطيع فيه المواطن الفرد والجماعة التعبير عن ذاتهما بشكل حر ومستقل، بما فيها الدعوة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

إن دولة الحماية التي نفتقر إليها لم تعد كافية على النطاق العالمي، خصوصاً وإن دولة الرعاية، بل والرفاهية، أخذت تشمل الميادين المختلفة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والصحية وكل ما يتعلّق بالقضايا التنموية، فما بالك حين نعجز عن الوصول إلى دولة الحماية، لتأمين الحد الأدنى للمواطن في أمنه وحياته وممتلكاته، فضلاً عن ضبط النظام والأمن العام.

 

ثانياً- الفيدرالية والأقاليم: معنًى ومبنًى

الفيدرالية حسب الدستور العراقي، جاءت موسّعة وصلاحياتها كبيرة ومفتوحة، على عكس صلاحيات السلطة الاتحادية التي جاءت مقتصرة على أبواب محدّدة، وفيما لو حصل خلاف بين الدستور الاتحادي والدستور الإقليمي، فإن الأول يخضع للثاني وليس العكس، كما هي الغالبية الساحقة من  فيدراليات العالم، وليس بمستطاع قيادة الجيش بما فيه القائد العام للقوات المسلحة نقل أو تحريك قطعات عسكرية من وإلى الأقاليم، إلاّ بموافقتها. وحسب الدستور يحقّ للأقاليم فتح ممثليات لها في السفارات العراقية في الخارج لمتابعة القضايا الإنمائية والثقافية والاجتماعية.

وبالقراءة القانونية فإن مثل هذا الوضع سيكون نواة لدويلة داخل دويلة بغض النظر عن النوايا، طالما ستكون هناك امتيازات وصلاحيات فلا يمكن والحال هذه إلاّ التمسك بها لأنها ستكون " حقوقاً " مكتسبة، خصوصاً وقد تضمنها الدستور، وليس بعيداً عن ذلك "العلاقات الخارجية" و"الاقتصادية" وإشكالات النفط وتوابعه، من الإنتاج إلى التصدير، ومن التعاقد إلى التوزيع، وعلاقة السلطة الاتحادية بالسلطة الإقليمية، سواء بالتنسيق أو بالإشراف أو الموافقة. وقد انفجرت هذه الأزمة منذ سنوات بين الحكومة الاتحادية وبين إقليم كردستان، ولم تجد طريقها إلى الحل لحد الآن، على الرغم من محاولات نزع فتيل الأزمة. وأعتقد أن سبب هذه الإشكالية في الدستور هي في المادتين  111 و112، اللتان تنصّان على:

مادة 111- النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كلّ الأقاليم والمحافظات .

مادة 112- أولاً : - تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المُستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المُنتجة، على أن توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد، مع تحديد حصّة لمدّة محدّدة للأقاليم المتضرّرة، والتي حرمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق، والتي تضرّرت بعد ذلك، بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد، وينظم ذلك بقانون.

ثانياً : - تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة معاً برسم السياسات الاستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز، بما يحقق أعلى منفعةٍ للشعب العراقي، معتمدةً أحدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار .

وإذا كانت الحكومة الاتحادية تدير النفط والغاز من الحقول الحالية، فإن النفط والغاز غير المستخرج تتم إدارته من جانب الأقاليم بالتنسيق والتعاون مع الحكومة الاتحادية، ومثل هذه النصوص كانت وراء تفسيرات وتأويلات مختلفة ومتنوّعة، بل ومتناقضة ولإقليم كردستان تفسيراته، مثلما للحكومة الاتحادية تفسيراتها.

إن تلك الإشكاليات جعلت من مبدأ الفيدرالية  أو " الأقاليم" إمّا وسيلة للتحلّل من الهيمنة المركزية للدولة  وذكرياتها المؤلمة، وخصوصاً للكرد، لاسيّما في فترة النظام الاستبدادي السابق، ولكنها قد تؤدي بالواقع العملي إلى إضعاف الدولة وسلطتها الاتحادية لحساب الأقاليم، أو اعتبار الفيدرالية بعبعاً مخيفاً، باعتباره طريقاً للانفصال والإنقسام، الأمر الذي سيبقي على المركزية الشديدة الصارمة، وهو ما سارت عليه الدولة منذ تأسيسها، ولاسيّما خلال فترة النظام السابق، بل إن هذا الاتجاه يعتبر أي حديث عن الفيدرالية إنما يصبّ في تقسيم العراق وقد يكون موحى به أو مدفوع الثمن من جهات خارجية مشبوهة. وهكذا يتعامل الفرقاء مع الفيدرالية حسب أهوائهم التي تتراوح بين المقدّس والمدنّس.

وكلا الشعورين ينمّان عن عدم ثقة وعدم وجود فهم مشترك وقناعات موحّدة حول الفكرة الفيدرالية معنًى (أي مضموناً) ومبنًى (أي صياغة)، وترتفع درجة الشكوك في ظلّ وجود هيمنة طائفية وتمييز وتهميش، ناهيك عن الرغبة في الحصول على المزيد من المكاسب على حساب الآخر وتحت تبريرات مختلفة.

الفيدرالية التي رفعت شعارها الحركة الكردية منذ أوائل التسعينيات وأيّدتها قوى يسارية وليبرالية ووطنية بشكل عام، كانت تطويراً لشعار الحركة الوطنية القديم منذ أوائل الستينيات " الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان" ، وذلك في إطار دعوة صريحة إلى تمثيل الشعب الكردي وتمكينه من تقرير مصيره  في إطار الوحدة الوطنية العراقية كما اختارها، لكن الأمر لم يقتصر على ذلك، وظهرت مشكلات قديمة وجديدة، بعضها عويص، خصوصاً ما يتعلق بكركوك أو بما سمّي المناطق المتنازع عليها، والتي ورد ذكرها في المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية أو المادة 140 من الدستور الدائم الذي تم الاستفتاء عليه في 15 تشرين الأول (اكتوبر) 2005، وأجريت الانتخابات على أساسه في 15 كانون الأول (ديسمبر) من العام ذاته.

وكان الدستور الدائم امتداداً لقانون إدارة الدولة التي صدر في عهد بريمر، وقد نُقلت الكثير من مواد الأخير وأحكامه إلى الدستور الدائم، الذي جاء مليئاً بالألغام، بحيث لم يشعر أي طرف بالارتياح، في حين إن الدستور هو تعبير عن الواقع السياسي والاقتصادي ودرجة التطور الاجتماعي ويعكس المصالح والأهداف المشتركة للفئات الاجتماعية المختلفة، لكن الأمر في الدستور العراقي اتخذ منحًى مختلفاً. ولذلك وفي أكثر الأحيان يوضع الدستور على الرف ويتم الحديث عن التوافق والديمقراطية التوافقية خارج اللعبة الانتخابية (كقدر دائم لا مردّ له)، ولكن ما أن تدبّ الخلافات فيتذكّر كل طرف الدستور حتى وإن كان يتعارض تماماً مع ما يقول، لكنه يحاول الاستناد إليه من باب الزعم بتمسّكه باعتباره  "أبو القوانين"، حتى وإن كان الأمر شكلياً، ثم يُصار بعد ذلك للعودة لما يسمى بالتوافق دون أي اعتبار لصندوق الانتخاب وإرادة الناخبين.

إذا كانت الفيدرالية الكردية  تعبيراً عن حقوق قومية مشروعة ولها ما يبرّرها، وإن النظام الفيدرالي هو صيغة متطورة أخذت بها نحو 40% من سكان الكرة الأرضية، وشملت أكثر من 30 دولة، وأصبحت جزءًا من تطور النظام السياسي العالمي، فإن تطبيقاته في العراق وبصيغته الملتبسة أوجدت تعارضات شديدة بين الفرقاء السياسيين من المشاركين بالعملية السياسية ومن خارجها وعزّزت الشكوك بينهم، خصوصاً وإن العراق عانى من مركزية صارمة وشديدة المراس، وبحاجة اليوم إلى لا مركزية وتوزيع الصلاحيات، لكن تفسيرات وتطبيقات وتأويلات هذه الفيدرالية جاءت متناقضة وملتبسة من جانب العديد من الجماعات السياسية.

فالقوى التي رفضت التصويت على الدستور لأنه يتضمّن مبدأ الفيدرالية، عادت واندفعت لقيامها تحت حجة عدم استفراد القوى الشيعية بالحكم وعزل وتهميش السنّة، وتلك واحدة من مفارقات الحياة السياسية العراقية ما بعد الاحتلال، وفكرة الأقاليم بما فيها " الإقليم السنّي" التي عارضتها وتحفّظت عليها الكثير من القوى، بدت وكأنها " مقبولة" ، حيث أعيد طرحها بعد احتلال داعش الموصل وخصوصاً بعد تشكيل الحشد الشعبي ودخوله المناطق ذات الأغلبية السنّية وما ترك ذلك من اتهامات له بانتهاكات وردود أفعال ومخاوف بشأن مستقبل هذه المناطق.

والقوى الشيعية التي كانت متحمّسة للفيدرالية بعد الاحتلال، بدأت تتحفّظ عليها لا في المبدأ فحسب، بل في التطبيق أيضاً، ولذلك وجدنا كيف تعامل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بقسوة مع المناطق الغربية والشمالية ذات الأغلبية العربية السنية المطالبة بالفيدرالية، وكيف كانت النتائج: هيمنة داعش وجزع فئات واسعة من السكان دفعها لعدم اتخاذ موقف من استيلاء داعش على الموصل وكأن الأمر لا يعنيها، ولكن بعد حين شعرت هذه الفئات بخذلانها، إثر هيمنة داعش وفرضها نظاماً سياسياً واجتماعياً ودينياً متشدداً ومتعصباً خاصاً بها وخارج سياق التطور التاريخي.

أما الكرد فإنهم ينتظرون الفرصة السانحة للتعبير عن كيانيتهم المستقلة، ويريدون قبل ذلك تحقيق أكبر المكاسب تمهيداً لإعلانهم، خصوصاً إذا ما توفّرت اللحظة المناسبة، وحصلوا على تأييد دولي وموافقة إقليمية ضمنية بعدم معارضة ذلك، علماً بأن مبدأ حق تقرير المصير يشكّل المنطلق القانوني والدولي لمشروعهم التاريخي.

وإذا كانت دولة ما قبل الاحتلال تتّسم بالشمولية والواحدية والإطلاقية واحتكار الحقيقة وتمجيد الفردية ونهج التسلّط، فإن دولة ما بعد الاحتلال انتقلت من التعثر في وحدتها إلى استفحال الأزمة  بخصوص حاضرها ومستقبلها، لاسيّما في ظل الارتفاع السريع في وتيرة عوامل التفكيك والتشظي والتفتّت.

وشهدت البلاد احترابات داخلية وإرهاب وعنف منفلت من عقاله، ناهيك عن استمرار النفوذ الخارجي، سواء على شكل اتفاقية للتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 2008، مع إن محاولات إبرام اتفاقية أمنية جديدة بعد نفاذ الاتفاقية الأولى في نهاية العام 2011 باءت بالفشل، الاّ أن النفوذ الأمريكي لا يزال واسعاً ومتحكّماً ويظهر دوره في الأزمات والمنعطفات التي تمرّ بها البلاد، خصوصاً في ظل وجود اتفاقية مجحفة وغير متكافئة بين بغداد وواشنطن حسب اتفاقية فيينا حول " قانون المعاهدات " لعام 1969، حيث تم تغيير صفة الاحتلال، من الاحتلال العسكري إلى احتلال تعاقدي.

يضاف إلى ذلك النفوذ الإيراني القوي والمؤثّر، سواء على صعيد الحكم رسمياً أو على صعيد العلاقة مع قوى أساسية في الحكم، وهذا النفوذ لم يعدّ خافياً أو مستتراً لا من جانب بعض القوى العراقية، ولا من جانب إيران،، فخط دفاع طهران كانت بغداد منذ احتلال العراق العام 2003، وإيران كانت ولا تزال تلعب دوراً إقليمياً كبيراً في العراق ولدى بعض دول المنطقة، وقد يتعاظم هذا الدور بعد التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي الإيراني بعد مفاوضات دامت 12 عاماً وعرفت باسم (5+1)، على الرغم  من محاولة تطويقه عربياً ودولياً من جانب بعض دول الخليج العربي والولايات المتحدة والغرب عموماً.

 

ثالثاً- الدولة الفاشلة: ماذا تعني؟

من مظاهر أزمة الدولة العراقية ما بعد الاحتلال، هو عجزها عن حماية الاستقلال الوطني للبلاد، أو استعادته كاملاً وغير منقوص، وذلك بالاضطرار إلى التوقيع على اتفاقيات مجحفة ومذلّة بين طرفين أحدهما قوي ومحتل والآخر ضعيف ومحتلة أراضيه، وذلك بالضد من اتفاقية فيينا حول " قانون المعاهدات" لعام 1969 التي تفترض التكافؤ والمساواة وعدم الإكراه أو الإرغام عند عقد أية اتفاقية، وإلاّ ستكون مثل هذه الاتفاقية مخالفة لقواعد القانون الدولي، وذلك لأنها ستكون مشوبة بأحد عيوب الرضا التي تُبطلها قانونياً وشرعياً.

وبسبب ضعف العراق، اضطرّ للسكوت عن تدخّلات وتجاوزات لحدوده وأراضيه واختراق سيادته في أكثر من موضع ومجال، وهو الأمر الذي يحصل مع إيران الذي لها اليد الطولى ،ومع تركيا يومياً بزعم ملاحقة حزب العمال الكردستاني التركي، وذلك إحدى مظاهر أزمته.

كذلك عجزها عن تحقيق التنمية المستدامة المستقلة بجميع جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتربوية والصحية والبيئية وغيرها، ولعلّ التظاهرات المندلعة منذ أسابيع وتطالب بمساءلة الفاسدين وتحسين الخدمات وغيرها من المطالب، خير دليل على فشل الدولة، فضلاً عن هدر أكثر من 700 مليار دولار هي واردات النفط خلال الفترة المنصرمة منذ الاحتلال ولحدّ الآن دون أية منجزات تُذكر، بل ذهبت جميعها تقريباً هباءً منثوراً، بسبب سوء الإدارة وهدر المال العام وعدم الشعور بالمسؤولية واستشراء الفساد المالي والإداري، المتمثّل بالسرقات وعمليات التزوير والامتيازات غير المشروعة وغير ذلك. ولا يزال العراق منذ 13 عاماً يصنّف من جانب منظمة الشفافية العالمية، باعتباره في أسفل سلّم الهرم بالنسبة للفساد المالي والإداري.

من مظاهر الأزمة أيضاً عدم إحراز أي تقدّم في ميدان العدالة الاجتماعية، حيث ازداد التفاوت الطبقي والاجتماعي على نحو شديد وارتفعت نسبة الفئات الفقيرة التي زادت فقراً، ويوجد نحو 8 مليون إنسان دون خط الفقر في بلد من أغنى بلدان العالم، ولكن شعبه يعيش بحالة مدقعة من الفقر، بل إن هناك بلدان فقيرة يعيش سكانها بطريقة أفضل من العراق بسبب نسبة قليلة من الإدارة الرشيدة والوحدة الوطنية.

ومن مظاهر الأزمة الأخرى هو تقليص دائرة المشاركة السياسية والشعبية وعدم تحقيق المصالحة الوطنية، على الرغم من المشاريع الكثيرة الفاشلة، والسبب يعود إلى عدم توفّر إرادة سياسية، فالكل يعلن عن رغبته في التوافق، لكن التوافق الذي يفهمه لا يعني سوى الامتثال إلى رأيه لدى أي خلاف، ومثل هذا الأمر زعزع الثقة الهشّة والتفاهم المهلهل أصلاً وقاد إلى المزيد من التباعد والتمترس، خصوصاً في ظل ارتفاع نزعات الهيمنة والثأر والكيدية والانتقام، ليس ضد النظام السابق وكبار موظفيه فحسب، بل ضد القوى المشاركة بالعملية السياسية بعضها ضد البعض الآخر، حيث يتم اقتناص الفرص لإيقاع كل فريق بالآخر.

أما المظهر الأخطر للأزمة، فهو حالة التفتيت والانشطار العمودي التي تعيشها الدولة منذ الاحتلال وحتى الآن،والتي تنذر بعواقب وخيمة ليس بعيداً عنها مشروع جو بايدن لعام 2007 لتقسيم العراق إلى 3 دويلات (تحت عناوين فيدراليات) ووضع نقاط تفتيش Check point بينها وتخصيص 300 ألف جندي لمراقبة حدودها وإصدار هوّيات Identity أقرب إلى جوازات سفر للتمييز بين أبناء المناطق المختلفة حسب سكنهم والأماكن التي يقطنونها.

وسيكون ذلك جزءًا من تطهير طائفي وإثني جديد، خصوصاً وأن هناك مناطق يستعصي تجييرها لطائفة أو مجموعة طائفية كبغداد العاصمة على سبيل المثال، على الرغم من التطهير الطائفي الذي تعرّضت له منذ الاحتلال ولحد الآن، وباختصار فإن الزعم بأن التقسيم سيكون حلاًّ أو حتى آخر الحلول السيئة ليس سوى محاولة لفرض الأمر الواقع على العراقيين ليصبح ذلك واقعاً في المستقبل.

التقسيم سيكون كارثة جديدة على العراق الذي سيختفي من الخارطة السياسية، خصوصاً إذا ما استمر الاحتراب والصراع، بل إن صراعه سيكون مصارعة على الطريقة الرومانية، حيث سينهك الجميع ويصلون إلى حافة الموت.

ويذكّرنا مشروع جو بايدن بسؤال طرحه غراهام فولر الدبلوماسي والسياسي في مؤسسة راند Rand الأمريكية (المقرّبة من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA)هل سيبقى العراق موحداً العام 2002 ؟ وعاد وكتب دراسة في العام 2002 عنوانها "العام الأخير لصدام حسين"! ، وكان ذلك تمهيداً لاحتلال العراق، وجزء من نظرية التفتيت التي اشتغلت عليها مؤسسات الأبحاث والدراسات الاستراتيجية الأمريكية بشكل خاص والغربية بشكل عام، وتروست الأدمغة ومجمّع العقول لصالح المجمّع العسكري والصناعي، منذ اندلاع الحرب العراقية –الإيرانية، باعتبار الصراع في المنطقة هو بين سنّة وشيعة، وبين فرس وعرب وبين دولتين نفطيتين، وليس القضية الفلسطينية هي المسألة المركزية  وإن الصراع العربي – الإسرائيلي هو الصراع الأساسي في المنطقة، وهو ما أريد الترويج له والعمل على أساسه لتفتيت دول المنطقة ، والعراق كان بروفتها الأولى.

لعلّ غراهام أي فولر لم يكن خيالياً عندما كتب " هل سيبقى العراق لغاية العام 2002" خصوصاً باستمر الحصار والنظام حينها!؟ ننقل هذه الفقرة الجوهرية التي يريد الوصول اليها: دولة على درجة عالية من الاستبداد للحيلولة دون التفسخ، ولكن من شأن هذه الدولة الاستبدادية، أن تحرم البلاد من الاستقرار السياسي والمرونة اللازمة، الأمر الذي يغرق البلاد بالمقاومة الداخلية وعمليات التمرد والتدخلات الخارجية، وربما يغريها للسعي للمقاومة الخارجية للتعويض عن ضغطها الداخلي.

وضمن هذا السيناريو يمضي فولر: لقد شهدنا بالفعل تلك التجربة عندما شنّ العراق حربين ضد جيرانه خلال عقد واحد من الزمن. ثم يواصل فولر حبكته الدرامية بالاستنتاج التالي" ومما يدعو للمفارقة ان التدخل الخارجي ربما يكون السبيل الوحيد لانقاذ وحدة العراق، لأن استمرار نظام الحكم البعثي، سيؤدي بالتأكيد الى تعميق الخلافات الطائفية والدينية القائمة والتي يصعب التوفيق بينها داخل العراق."

ويفصح اكثر وعلى نحو لا لبس فيه ولا غموض عن ستراتيجيته الولايات المتحدة إزاء العراق، التي عبّر عنها أكثر من مرّة الرئيس كلينتون وآل غور نائبه وكريستوفر وليك وإضرابهم بالقول " فالسياسة الامريكية تجاه العراق تنطوي على مسائل تتجاوز كثيراً مصير دولة معتدية لحقت بها الهزيمة، بل إنها تشمل على العديد من القضايا ذات الاهتمام الدولي. ويعددها على النحو التالي:

1- يعتبر العراق واحداً من أخطر منتهكي الحظر على انتشار الأسلحة التدميرية وهو " مصدر قلق"!

2- العراق هو الدولة الأولى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، التي تم دحرها وترويضها عسكرياً بموجب النظام العالمي الجديد(الدور الجديد للأمم المتحدة)

3- ستظل "الوحدة الاقليمية " للعراق ليس موضع شك حسب، بل ربما يتقرر استمرار وحدتها جزئيا بسياسات المجتمع الدولي. (انظر غراهام. أي فولر- العراق  في العقد القادم: هل سيبقى العراق لغاية العام 2002؟ مؤسسة Rand، منشورات الملف العراقي، لندن، 1993، ص 7 و15 و 64).

وإذا كان كريستوفر قد صرّح بما يلي" إني قلق بشأن الذين سيخلفون (الرئيس) صدام حسين بقدر قلقي منه... فإن العامل الخارجي الذي يبرر التآكل التدريجي للدولة العراقية، يلتقي مع العوامل الداخلية، التي تؤدي الى ذبولها إذا جاز التعبير وبالتالي انهيارها.

(انظر كتابنا، عاصفة على بلاد الشمس، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1994، ص 178)

ولكي نتعرف على طبيعة الدولة العراقية وقيام مؤسسات المجتمع المدني لا بدّ من العودة ولو بصورة سريعة الى قراءة بعض عناوين ومحطات قيام هذه الدولة وما وصلت اليه البلاد في الوقت الراهن.

لقد عانت الدولة العراقية منذ تأسيسها في 23 آب (أغسطس) 1921 من أزمة حادة، استفحلت مع مرور الايام بوجود " حكم أقلي" وابتعاد القاعدة الاجتماعية الواسعة عن المشاركة في إدارة الشؤون العامة وبالتالي تقليص دائرة الحكم، ليستقر في دولة يعبّر رئيسها الحالي عن استهزائه بالقانون والتشريع بالقول أن بضعة أسطر نحن نسنّها، فما بالك بالتطبيق. (انظر كتابنا: المحاكمة – المشهد المحذوف من دراما الخليج، دار زيد ، لندن ، 1992).

لقد أقيم العراق الحديث بلبنته الاولى في اتفاقية سايكس –بيكو السرّية عام 1916 بين بريطانيا وفرنسا. وضم هذا البلد خليطاً من قوميات وعناصر متنوعة. وإذا كان العنصر العربي الأساس في المجتمع العراقي، خصوصاً في الوسط والجنوب وغرب البلاد وجزء من شمالها وبمحيطه العربي الأوسع، فإن العنصر الكردي تفوّق في كردستان (شمال العراق)، إضافة إلى وجود تركمان وآشوريين ويزيديين وأرمن وصابئة وغيرهم.

وضمّ العراق المتنوع قومياً، تنوّعاً دينياً، فإضافة الى المسلمين بطائفتيهم الرئيسيتين الشيعة والسنّة، هناك أقليات دينية متعايشة، خصوصاً المسيحيين بطوائفهم وصابئة وإيزيديين وغيرهم. والجميع يؤلفون نسيج الوحدة الوطنية العراقية بفسيفسائها وتمايز ألوانها.

وإذا كان التنوّع من خلال التعايش والوحدة الوطنية دليل قوة، إلاّ أنه لم يكن كذلك في منظور بيرسي كوكس – مس بيل بعد قيام ثورة العشرين (1920). فلم يكن من وجهة نظرهم ومصالحهم، سوى نوعاً من التناقض والصراع، الذي ينبغي أن يُحل لمصلحة بريطانيا بإحداث التعارض بين القاعدة العريضة وقمة الهرم التي كانت تضيق باستمرار.

ومع أن الملك فيصل الأول حاول تشخيص هذا الوضع قبل ما يزيد على بضعة عقود من الزمان وبعد خبرة في الحكم دامت نحو 12 عاماً حين دعا في مذكرته الشهيرة، التي وجهها قبل وفاته بفترة قصيرة (1932) إلى تقديم أولوية الانتماء إلى الوطن بدلاً من الطائفة والعرق، بسبب نهح لم يعتمد المساواة بين المواطنين أساساً للحكم، وخصوصاً فيما يتعلق بقانون الجنسية رقم 42 العام 1924، الذي قسّم العراقيين إلى فئة أ و فئة ب فيما يتعلق بشهادة الجنسية العراقية، وعلى أساسه والقوانين اللاحقة جرى تهجير عشرات الآلاف من المواطنين العراقيين بحجة التبعية الإيرانية وإنسابهم إلى الفئة ب، في حين أن الفئة أ نسبت إلى التبعية العثمانية وبالتالي إلى التبعية العراقية (بالتأسيس).

وإذا كان هذا موقف رأس الدولة في العام 1932 الذي صاغه على نحو جريء وصريح محللاً حقيقة أزمة الدولة العراقية، فما بالك بما يجري في الواقع الفعلي، وهو ما أثار تداعيات وتساؤلات كثيرة بصدد تجليات الأزمة، وذلك من خلال معرفة الخلفيات وإجراء مقارنات ضرورية، كلما تطلب الأمر. (انظر عبد الكريم الأزري، مشكلة الحكم في العراق، طبعة خاصة، لندن، 1991) . انظر كذلك : عبد الكريم الأزري ، تاريخ في ذكريات العراق 1930-1958، طبعة خاصة، 1982).

الدولة حسب ابن خلدون تبدأ من " الرأس فما تحت" وهي بحاجة الى سلطة رادعة (وازع) وقائد عصبية أو تضامن من شعب يتحد معه لتنظيم أمور المجتمع. ويرى الدكتور علي الوردي الباحث والمفكر الاجتماعي: إن فكرة الدولة هي الاساس في نظرية ابن خلدون الاجتماعية وهو ما ذهب اليه الدكتور طه حسين، حين ركّز على موضوع القيم الحضرية.

أما ساطع الحصري فقد ركّز على موضوع العصبية، أي أنه أعار اهتماماً كبيراً لموضوع " القيم البدوية" في المنهج الخلدوني، كما يحلّل الاستاذ وليد نويهض. (انظر: صحيفة الحياة، 19 أيلول (سبتمبر) 1996، العدد 12260)

وحسب هوبز ولوك وسبينوزا وروسو تنشأ الدولة بموجب " عقد اجتماعي" بين الحكام والمحكومين (وإن اختلفت شروطه). أما عند كارل ماركس ولينين فالدولة أداة قمع للسيادة الطبقية، فهي والحالة هذه أداة لتنظيم سيادة طبقة على أخرى.

وإذا كان الاجبار سمة من سمات الدولة حسب ابن خلدون، لتأتي بعدها المظالم، فالدولة أيضاً نتاج تحريضي لما يحدث بين الناس من إكراه على التعاون في سبيل الانتاج الحضاري.

(انظر: علي الوردي، منطق ابن خلدون، طبعة جديدة، ص 251)

 

الدولة سواء ابتدأت من "رأس " أو كانت بموجب " عقد" أو "تخويل"  أو "سيادة لطبقة" فلا بدّ من قوانين تنظيم شؤون البلاد والعباد وفقاً لدرجة التطور الاجتماعي. وإذا كان العراق بعد احراز استقلاله السياسي، يمرّ بمرحلة انتقالية، فإن انتماءه الى المجتمع الدولي، كدولة ذات سيادة " عصبة الامم عام 1932" ودخوله الامم المتحدة، كعضو مؤسس وموّقع على الميثاق عام 1945، قد جعلت مكانت الاقليمية والدولية تكبر، خصوصاً ما يمثله من موقع ستراتيجي وموارد هائلة وخيرات ومعادن وتاريخه الحضاري العريق.

وشهدت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، استقراراً نسبياً وعمراناً تجسّد بمشاريع تنموية كبرى وسعياً لتحديث الادارة وبناء مؤسسات ومرافق اقتصادية، ورغم ربط العراق بمشاريع دولية للهيمنة وفي إطار الصراع السياسي والآيديولوجي، فترة " الحرب الباردة" كحلف بغداد عام 1955 وغيرها، الاّ أن القاعدة ظلّت بعيدة عن المشاركة في اتخاذ القرار، بل بينها وبين مركز القرار هوّة سحيقة، كانت تتسع باستمرار لدرجة لم يعد بالامكان ردمها الاّ بعملية قيصيرة بإعادة بناء الدولة العراقية على أسس جديدة وفي إطار المساواة وعدم التمييز، بما يعالج الفجوة الكبيرة والهائلة بين قاعدة الدولة وقمة الهرم.

لقد استهدفت ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 معالجة موضوع اختلال التوازن في الدولة العراقية، خصوصاً نهج العزل والتمييز واللّامساواة، بالسعي لتوسيع قاعدة الحكم وتحرير الارادة الشعبية والتخلص من النفوذ الاجنبي الاستعماري ومن مظاهر تزييف الحياة البرلمانية وقيود العشائرية والمحسوبية والمنسوبية والاضطهاد الشوفيني، لكن الأمور سارت باتجاه آخر، أكثر ضيقاً وتدريجياً بدأت ملامح الحكم العسكري تحكم قبضتها على البلاد وتفرض نوعاً جديداً أشد قسوة من الهيمنة ومصادرة حق الآخر والتدخل بشؤون المجتمع المدني والاستحواذ على مؤسساته، لدرجة أن البلاد دخلت دوامة الانقلابات العسكرية المتكررة ودارت في حلقة الانظمة الشمولية التوتاليتارية المتعاقبة، حيث تمت السيطرة على الحياة العامة وأُخضعت الأنشطة والفاعليات السياسية والنقابية والمهنية والاجتماعية للدولة، التي ألحق بهها كل شيء، فانقطع خط التطور التدريجي وازدادت قمة الهرم ضيقاً وتباعدت عن قاعدته الاجتماعية.

أما الدولة بعد الاحتلال الأمريكي وبموجب صيغة بول بريمر- زلماي خليل زاده،  فإنها توزّعت على ثلاث كيانيات سمّيت مكوّنات، هي الشيعة والسنّة والكرد، وفقاً لهذا النظام تمت المحاصصات الطائفية والإثنية وسارت على هذا الطريق من الناحية العملية منذ العام 2003 ولحدّ الآن، ويبدو إنها أصبحت مرتهنة إليه وأسيرة له، بل إن شرنقة تكاد تلف هذه الصيغة على نحو شديد لا يستطيع أحد الفكاك منها.

ومن مظاهر الأزمة الراهنة هو: غياب الحد الأدنى من التوافق الوطني حول الوحدة الوطنية قاد إلى رؤية متناقضة للجماعات السياسية والطائفية، وهذه الرؤية تزداد تعقيداً بفعل اشتباك المصالح وتضاربها وبحكم التداخلات الإقليمية والدولية، يضاف إلى ذلك سعي أمراء الطوائف في الحصول على المزيد من الامتيازات لشحن أبناء طوائفهم ضد الآخر بزعم الخطر القادم.

فالشيعية السياسية، وخصوصاً الجماعات المسلّحة، سواء في السابق أو في الوقت الحاضر وتحت تسميات "الحشد الشعبي" الذي هو جيش موازي للجيش النظامي من الناحية العملية وإن كان خاضعاً رسمياً لرئاسة الوزراء ومرتبطاً برئيس الوزراء، نقول إن الشيعية السياسية ولاسيّما المسلحة تطمح إلى دور أكبر بعد انتهاء العمليات العسكرية والقضاء على داعش.

ويضم الحشد الشعبي  الذي يرأسه هادي العامري، لواء بدر الذي كان تحت إمرته، وعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي وجيش المهدي المرتبط بمقتدى الصدر وكتائب حزب الله وهي من التنظيمات التي قاومت الاحتلال، وجماعة المجلس الإسلامي  الأعلى بقيادة عمار الحكيم ومجموعة من حزب الدعوة بقيادة نوري المالكي.

إن نشاط هذه المجموعات الشيعية، السياسي والعسكري، يستند إلى ركيزتين أساسيتين: الأولى هي التحالف مع إيران والترجيب بالدور الإيراني الذي تقوم به في العراق، سواء في مواجهة داعش أو في دعم العمليات السياسية، أما الركيزة الثانية فهي وقوفها بقوة ضد عودة القديم إلى قدمه، أي الحيلولة دون محاولات عودة أتباع النظام السابق، وهو الأمر الذي يجعل من موضوع المصالحة الوطنية مجرد شعار ترويجي ليس للتطبيق بحكم المخاوف المزروعة والمستمرة بين الأطراف المختلفة، خصوصاً باستمرار قانون المساءلة والعدالة الذي هو امتداد لقانون اجتثاث البعث الذي أصدره بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق، العام 2003، وهاتان الركيزتان الاستراتيجيتان تعمل عليهما القوى الشيعية وكذلك إيران على نحو تكاملي ومتداخل، وقد تكون ضمن برنامج تدرّجي وبعيد المدى.

أما السنّية السياسية المشاركة في العملية السياسية أو غير المشاركة فهي تخيف أبناء المناطق الغربية من الخطر الشيعي ومن تدخّلات إيران والتمدّد الصفوي بهدف التعبئة ضد خصومها من الشيعية السياسية، ولذلك وتحت ضغط الواقع والشعور بالتمييز والتهميش تضطر أحياناً إلى قبول فكرة الإقليم السنّي للحدّ من نفوذ الشيعية السياسية، كما إنها تسعى للحصول على دعم إقليمي ولاسيّما من دول الخليج العربي، وتركيا بهدف التوازن مع الدعم الإيراني للشيعية السياسية كما تبرّر، وهكذا فإن مثل هذا التجاذب يستمر، بل يتصاعد، وما لقاءات الدوحة (أيلول/سبتمبر/2015)  إلاّ تعبيراً عن المخاوف إزاء تطور الأوضاع الراهنة في العراق، وخصوصاً في المناطق الغربية من العراق.

ويعبّر الكرد عن مشروعهم الموسوم بقيام كيان خاص بهم " دولة" بمناسبة أو غير مناسبة، وهم أكثر وضوحاً وشفافية، استناداً إلى تمسّكهم بمبدأ حق تقرير المصير الذي أقرته المعارضة العراقية منذ العام 1992 في مؤتمر فيينا وصلاح الدين. ومع إن مشكلات تعترضهم على هذا الصعيد، بسبب الخلافات الداخلية والمنافسات السياسية والحزبية الحادة، فإن هناك تحفظات إقليمية ودولية بهذا الخصوص وهو ما لوحظ بشكل خاص بعد زيارة رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني لواشنطن الأخيرة 3/5/2015.

وعلى أي حال فالمشروع الكردي بإقامة كيان خاص " دولة" في طريقه للتحقّق إن آجلاً أو عاجلاً، ولكنه يحتاج إلى وقت وقد يتم بالتدريج وعلى مراحل، خصوصاً وأن غالبية الشعب الكردي حسبما بيّنت الاستفتاءات تؤيد ذلك وتبقى مسألة التوقيت تحتاج إلى ظرف مناسب، وإلاّ فإن إجهاضها سيوجه ضربة جديدة لآمال الحركة الكردية. أما التركمان فهم يشعرون بالغبن لعدم تمكّنهم من إقامة كيان خاص بهم، ناهيك عن وقوعهم في منطقة حساسة لتضارب المصالح، ولا زال المسيحيون ( الكلدان والآشوريون والسريان) في حال شديد البأس والخطورة، بسبب إجلائهم  من مناطقهم في الموصل وبعض قرى وقصبات سهل نينوى وترتفع نسبة الهجرة في أوساطهم.

وهكذا فإن الدولة تسير بخطوات حثيثة نحو المزيد من الاصطفاف الاصطفائي والتباعد العملي الذي سيزيد من عوامل الانشطار والتمزّق.

 

2: 3 الطاعة: نسف الثقافة الجاهليّة: "يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"  يحقّ للقارئ أن يسأل في ضرورةِ إيراد هذه الآية في سياق الكلام على "غزوة أحد"، إلا أنّ السياق الحافل بالعتاب واللوم يبرر هذه الآية ضمناً، بخاصةٍ إذا عرفنا أنّ السبب الأوّلَ للهزيمة في "أحُد" كامن في العقليّة الجاهليّة التي جاء الإسلام بمواجهتها، وقد كان بعض المسلمين لمّا يتخلّصوا منها ومن منعكساتها في سلوكهم، وهي الجشع والطمع، فقد روي أنّ الرماة كان قد مَوضعَهم الرسول(ص) في موضعٍ ما من أرض المعركة، على أن لا يدَعوا هذا الموضع مهما حصل؛ وما إن رأى هؤلاء الرماة المسلمين قد مالت دفة المعركة لصالحهم، تركوا مواضعهم طمعاً بالغنائم "أخطأ رماة المسلمين خطأ لا يغتفر في مخالفتهم لأوامر الرسول صلى االله عليه وسلم الصريحة الجازمة، وانسحابهم من مواضعهم الأصلية لجمع الغنائم، ولولا انسحابهم هذا، لما استطاع خالد بن الوليد ضـرب مـؤخرة المسلمين، ولما استطاعت قريش تطويق المسلمين وتكبيدهم سبعين من الشهداء" . إذن، معصية الرسول(ص) كانت سببا في الهزيمة، وما كانت معصية الرسول لتكون لولا تمكّن العقليّةِ الربويّة الجاهليّة منهم، فهي التي غلبت إيمانهم، وثقتهم بالله، وهي التي أعمتهم وأنستهم واجباتهم القتالية." كان أعظم المقتضيات للخذلان تضييعهم للثغر الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بحفظه بسبب إقبالهم قبل إتمام هزيمة العدو على الغنائم للزيادة في الأعراض الدنيوية التي هي معنى الربا في اللغة إذ هو مطلق الزيادة"  فقد أنزلتهم هذه العقليّة الربوية، وهم المؤمنون، منزلةَ الكافرين الذين يتنادون إلى القتال في سبيل المغانم والمكاسب، وفي سبيل الحفاظ على مصالحهم في الربا وغيره من أكل حقوق الناس في الباطل، لذلك دعاهم النصّ إلى التقوى "وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" والتقوى هي الحذر والحرص والحماية، فأن يتقوا الله يعني أن يمتثلوا لأوامره ونواهيه، خَشيةً وإجلالاً، وبهذا يمكنكم توقع الفلاح.

"وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ"  ويأتي في مستهل هذه الآية عطف الفعل "اتقوا" الواقع على النار، على الفعل "اتقوا" الواقع على "الله"  جلّ وعلا، ففي الآية الأولى أخذت التقوى دلالتها من حاجة المؤمنين إلى الفلاح، فكانت تنبيها وإلفاتاً إلى خشية الله وإجلاله، وذلك من خلال التوافق بين ما تؤمنون به وما تسلكونه في الحياة الدنيا. أما الآية التالية فالتقوى تعدّت إلى النار، كما لو أنها تحيل على مؤجّل العذاب الذي أعدَّ للكافرين، وأنتم لستم كافرين، فلن يستقيم إيمانكم بالله، وتقواكم في الوقت الذي ما زالت عقلية الكافرين، الذين يصرون على جاهليّتهم، تدفعكم مثلهم في سلوك قائم على الطمع بالمغانم والمكاسب.

"وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"  وعطفاً على التقوى يأتي الفعل "أطيعوا"، ليأخذَ أبعادَه الدلاليّة من معاني الفعل "اتقوا" في سياق التوجيه إلى رصد مكامن الهزيمة في السلوك الشخصيّ مع الذات ومع القائد في سوح القتال. وإذا كانت تقوى الله تتغيا الفلاح؛ فإنّ طاعة الله والرسول تتغيا الرحمة، وكلا الأمرين يحيل على الْتماس ما يقتضيهما في سياق الواقع "الأُحُديّ" .

لم تكن الهزيمة التي مني بها المسلمون في "أحد" هينةً على الرسول ومن تبعه، فقد خسرت الدعوة سبعين رجلاً من النخبة العزيزة، وقد كان لهم في قلب رسول الله مرتبةٌ رفيعة، أودعهم ذلك " الجبل الداكن الجاثم حول "يثرب"، أودع "محمد" صلى االله عليه وسلم أعزّ الناس عليه وأقربهم إلى قلبه. فالصفوة النقية التي حملت أعباء الدعوة، وعادت في سبيل االله الأقربين والأبعدين، واغتربت بعقائدها قبل الهجرة وبعدها، وأنفقـت وقاتلت، وصبرت وصابرت، هذه الصفوة اختط لها القدر مثواها الأخير في هـذا الجبـل الأشم، فتوسدت ثراه راضية مرضية"  . كما أن تداعيات هذه الهزيمة على المدينة كانت خطيرة جدّاً" فقد جرّأت عليهم أعراب البادية، وفتحت لهم أبواب الأمل في الإغارة على المدينة وانتهاب خيرها"  وكان لهذا الأمر أثر كبيرٌ في الغزو والخسائر الملحقة بخسائر "أحد"؛ غير أنّ الرسولَ(ص) أصرّ على رفع معنويات المسلمين، فراح يجهز الدعاة والغزاة، وبدأت الأزمات تتراكم، والإصرار على النصر يتنامى، والمسلمون مستويات مختلفة، منهم من يضعف، ومنهم من يستشهد في سبيل الله وهو يقول: "فزت وربّ الكعبة"، ومنهم من يتقاعس عن طاعة الرسول، ومنهم من يُقْدم بلا وجل، وهكذا حتى بات الظفر مرجوّاً بتقوى الله، وكذلك الرقة والرأفة والرحمة مرجوّةً بطاعة الله ورسوله .

إذن، تقوى الله في هذا السياق، تعني طاعة الله ورسوله، ولا يمكن الفصل بين طاعة الله وطاعة الرسول؛ فإذا كانت طاعةُ الله هنا تعني الثبات على الإيمان، فالرسول (ص) يترجم ذلك بالأمر والنهي والإيفاد وتجهيز الغزاة والدعاة والقرّاء، وعلى القوم الامتثال لأوامره ونواهيه بوصفه قائداً للجمع المؤمن في الدفاع عن المدينة، وفي الدعوة إلى الله.

 

2: 4 الطاعة: أمرٌ بالاستقامة

تتماسك سورة المائدة في سياقٍ يتوخى تعديلَ سلوك "الذين آمنوا " باتجاه الوفاء بالعقود، وقد استهلت هذه السورةُ بالنداء يا أيها الذين آمنوا، مايعني أنها حمولةُ خطابٍ موجّهٍ إلى المختصين بالإيمان، وأنهم الذين آمنوا فذاك يعني أنهم لم يكونوا مؤمنين، وقد حصل إيمانٌ منهم بالله والكتاب والنبيّ، وهذا يتطلب أن ينعكس سلوكاً في العلاقة مع الآخر، ومع الذات. وقد تكّرَر خطاب الذين آمنوا وفق أسلوب النداء 16مرّة في سورة المائدة وحدها، ما يعني أنّ تنبيه الذين آمنوا هدف هذه السورة؛ فلا يكون نداء إلا لطلبٍ يقع على المنادى سواء كان أمراً أو نهياً، والذين آمنوا أقل رتبةً من المؤمنين، فهم لا يزال الإيمانُ عندهم فعلاً ربما يتوقف، أما المؤمنون، فالإيمان عندهم اسمٌ ثابتٌ لهم كالطول للطويل، والقصر للقصير. وهي آخر ما نزل على رسول الله (ص) في المدينة بعد حجة الوداع. وقد انطوت على العديد من الأحكام: أحكام العقود، الذبائح، الصيد، الإحرام، نكاح الكتابيات، الردة، الطهارة، السرقة، والبغي،، والإفساد في ألأرض، الخمر والميسر، وكفارة اليمين، الصيد في الإحرام، الوصية، .... وقد سيق في غضون هذه الأحكام آيةٌ تنطوي على طلب الطاعة "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا "  وقد سُبقت بآياتٍ من شأنها أن تشحن طلب الطاعةِ بمدلولات يقتضيها واقعها ﴿ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلٰوةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ* وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾  بعد أسلوب النداء هذا، نلحظُ إسنادَ مفردة "رجس" إلى الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، فالخمر مربكٌ للعقل يلبس الأمور والفهوم، لما لأثره في الدماغ من خدَرٍ ممتع، يطلبه المرء ولا يأبه لآثاره السلبيّة، والمؤمن حقاً يعرف ما يقتضيه الإيمان بالله من حرصٍ على الوعيِ والفهم، ويعرف حقاً أنه مكلّفٌ لا يجوز له أنْ يغفل عن واجبه الدنيوي، أما الذي آمن فقد يتهاون في هذه المسألة ويتراخى في واجباته الدنيوية. والميسر أيضاً فيه من متعة الأمل بحلّ المشاكل الماديّةِ ما يغري الذي آمن بتعاطيه، ويغفل عن سلبياته التي أقلُّها أن الربح لا يكون إلا بخسارة الآخر، وهذا ما لا يقبله المؤمن، فهو مؤمن بأنه يجب أن يسعى في مناكبها طلباً للعيش الكريم والسعة في الرزق، وليس عن طريق خسارة الآخرين. أما الأنصاب فهي الحجارة التي دأب الجاهليون أن يذبحوا ذبائحهم عندها أو لها، وجعلوها شريكة لله في ملكه وتدبيره لمعايش الخلق، ولا يمكن لمؤمنٍ أنْ يقبل هذا، ولكن الذي آمن قد يكون لهذا النصب أو ذاك شأنٌ كبيرٌ عالقٌ في نفسه ووجدانه؛ فيعمد إليه جرياً على ما كان عليه قبل حصول فعل الإيمان عنده. وكذلك الأزلام وهي قداح ثلاثة أحدها "نعم" والثاني "لا" والثالث "غفل"، يلقيها حتى تكون "لا" أو "نعم"   فيتوهّم بها الفلاح، وهذا ما لا يقبله المؤمن؛ إذ يعرف أن ليس للإنسان إلا ماسعى. أمّا الذي آمن قد يتوهم أنّ الفلاح يكون له بسبب هذا أو ذاك.

وكما بدا لنا، فهذه الأمور الأربعة أُسند إليها الرجس ليكون حُكماً عليها، والرجس في مقاييس اللغة" الراء والجيم والسين أصلٌ يدلُّ على اختلاطٍ. يقال هُمْ في مَرْجُوسَةٍ مِن أمرِهم، أي اختِلاط، والرَّجْس صوت الرَّعد، وذلك أنه يتردَّد. وكذلك هَدِيرُ البعيرِ رَجْسٌ. وسَحابٌ رَجّاسٌ، وبعيرٌ رَجّاس. ومن الباب الرِّجْس: القَذَر؛ لأنّه لَطْخٌ وخَلْط"  . فعرفنا الخمر كيف يكون رجساً وكذلك الميسر والأنصاب والأزلام. ولكن النصّ اشتمل عليها بهذا الإسناد في أسلوب القصر بالأداة "إنما" ليكون هذا الحكم هو الملائم لها دون سواه، والقصر بـ"إنما" أثبتُ دلالةً من القصر بـ" ما ..إلاّ" وذلك لإفادة التأكيد بـ"إنّ". ويكون النص بهذا الأسلوب قد قدّمَ الحكمَ على الطلب، من باب تقديم بيان أسباب الطلب على الطلب " فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"؛ كما أنّ الطلب اجتنبوه سيق إذْ يُرجى الفلاح. والاجتناب مسنداً إلى واوا الجماعة كنايةً عن "الذين آمنوا"، يأخذُ دلالته ومداه الظرفيّ من ظروف هؤلاء التي تحُول دون الرقيّ، إذْ يتسبب الاختلاط الذهني المتأتي من الخمر والميسر بالعداوة والبغضاء فتستيقظ فيهم الشحناء والكراهية، وهذا ما ينحّي إمكانيةَ الفلاح، لأن الشيطانَ ينشطُ أكثر ما ينشط في طريق الله، وقد فهمنا أنّ الإيمان هو أن يكون الله في ذات الإنسان فيرقى في الحياة بمقدار ذكر الله لأنه بالذِّكر يرقى، بهذا النشاط الذهنيّ يموضع نفسه في الوجود، وهذه رياضةٌ يمارسها يومياً في سعيه لفهم الكون ومعرفته، وكلما ازداد ذكراً لله ازداد اندفاعاً في سبيل الله، وهل من سبيلٍ أمام العاقل سوى المعرفة، وفي هذا السبيل يأخذ الشيطان كمائنه فيترصّد الهمّة الإنسانية المشحوذة، ليزيّن لها الانزلاق إلى الشهوات فيطيش العمل. ولا يكتفي الشيطان من جرّاء الخمر والميسر بالصدّ عن ذكر الله   بل يتعدى إلى الصلاة. والصلاة هي الاستقامة في كلّ عمل هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، هي أن يكون المرء موصول الشعور والوجدان بالله، في كل حركة أو سكنة من حركاته أو سكناته. وإذا انصرف الإنسان إلى الملاهي بعيداً من الاستقامة بسبب اختلاط ذهنه، فأيّ صلةٍ بينه وبين الله! ويأتي الطلب بالانتهاء عن معاقرة الرجس بصيغة الاستفهام ترفقاً وتلطفاً، فلو أنه قال ولم يقل: "الخمر والميسر مرتع الشيطان في عقولكم، يفعلان بكم كذا وكذا فانتهوا عنهما"؛ لكان الأمر دفعاً لهم باتجاه الانتهاء بوصفه إرادة الله لهم بمواجهة إرادة الشيطان؛ وهذا ما لا تريده الآيةُ الكريمة؛ بل يريد الله لهم الانتهاء بإرادتهم، فلذلك حرك أذهانهم باتجاه الإجابة عن السؤال بـ"هل" وبعد أنْ بيّن لهم مقاصد الشيطان العظيمة في ضلالهم وغيهم وانزلاقاتهم الشهوانيّة مع الخمر والميسر.

وفي هذا السياق يأتي أمر الله إلى الذين آمنوا ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾ فما هو المعنى الذي منحته الآيات السابقات للفعل أطيعوا واقعاً على لفظ الجلالة مرةً ومرّةً على الرسول؟

تبيّنَ لنا أنّ النداء بـ" يا أيها الذين آمنوا" هو نداء مباشر من الله إلى هذه الفئة، وبما توافر لديّ من إمكاناتٍ؛ تبينتُ أنّ الآياتِ بأوامرها ونواهيها تتوخى تعديل سلوك الذين آمنوا بما يتلاءم مع فعل الإيمان الذي هم عليه، حتى يصبح ذلك السلوكُ الملائم سجيّةً تحققت لهم بكفاحهم ضدّ النفس الأمارة بالسوء، وضدّ عمل الشيطان بالإغواء والتضليل. وفهمت من هذه الآيات أيضاً أن سبيل الفلاح في الدنيا يكون بمقدار ما يتحقق من الاستقامة المعبَّر عنها بذكر الله والصلاة. إذن الطاعة هي الامتثال لأوامر الله ونواهيه، ويكون ذلك بتعديل السلوك ليتحول الذي آمن إلى مؤمن، وطاعة الرسول كذلك امتثال لأوامره ونواهيه، فهو رسول الله يأمر بما أمر الله وينهى عمّا نهى، وهو مكلَّف بتبليغ الرسالة، أوامر الله ونواهيه تتجاوز الظرف الزمني؛ فالاستقامة ليست مقيدة بظرف. بينما أوامر الرسول ونواهيه مقيدة بالظرف وناسه لكونهم المتلقي الذي له سلوكٌ ينافي الاستقامة وينبغي تعديلُه كما بدا للرسول الكريم في ذلك الواقع، وأنّ الواقع يتغيّر والناس مختلفون من زمن إلى زمن، ومن مكانٍ إلى مكان، فمدلول الاستقامة والرقي الإنساني سيختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. وعليه لا يمكننا أن نفهمَ أمرَ الله بطاعةِ الرسول (ص) يشمل كل الخلق في كل مكانٍ وزمان، بل هو خاص بالمعنيين في ذلك الزمان. وتكرير فعل الطاعة هنا يأتي ليجعل طاعة الرسول طاعة أوامره ونواهيه وقد كانت تختلف من رجل لآخر، وهي طاعة مختلفة عن طاعة الله العابرة للأزمنة والأمكنة. فهل نفهم من ذلك أي إشارة إلى السنّة؟!!!!

 

2: 5 الطاعة: تنقية النفس في العلاقة مع الآخرين

عندما نعرف أن الكلمة تأخذ أبعادها الدلالية من ورودها في سياق، فإنّ السياق الذي وردت فيه له ما يقتضيه حتماً، وبالتالي يكون المعنى الذي تأخذه الكلمة الموضوع  مقيّداً بما اقتضى السياق، وهذا يلزمنا بتوضيح وجهة نظرنا في هذه المسألة، فنقول: إنّ قدسيّة النص لا علاقة لها بالقيد التاريخي، ولا بعدمه، بل لها علاقةٌ بكونه نصاً إلهيّاً، وليس شرطاً ليكون النص إلهياً أن يكون فوق التاريخ، ولا يعني ذلك أننا لا يمكننا رصد مقاصده واستثمارها في أيّ زمانٍ ومكان.

وإذْ نقول :" إنّ السياق الذي وردت فيه له ما يقتضيه حتماً" لا يعني أننا سنذهب باتجاه سرد أسباب النزول، بل نعني أن الأسلوبَ سيكون مرآةً تظهر فيها صورة ما يقتضيه على هذا النحو دون سواه. فإذا توقفنا عند أسباب توالي التأكيد بـ"إنّ" ثلاث مرّات في آية سبقت آيةَ الطاعة؛ فهذا سيدفعنا إلى تقدير الأسباب في واقع المخاطبين سواء كانت في سلوكهم أو في أفكارهم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾

 يستوقفنا في هذا الأسلوب الاستهلالُ بالتوكيد، ما يُلزم بالسؤال عن الضرورة التي أوجبت ذلك، وبتقديرنا ما كان النص يلجأ إلى التوكيد لولا أنّ سلوكهم اقتضى ذلك؛ فالموضوع هو أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل بين الناس، واستعمال "إنّ" يشير إلى أنّ المخاطبينَ لا يقومون بذلك أو أنّ نفوسهم تحدثهم بالتحفظ على الأمانات، وبالجور في الحكم بين الناس. ولو أنّ العبارة كانت" يأمركم الله أن...." لكان الاعتناء بالفعل مسنداً إلى الله واقعاً عليهم، مجرّدَ إخبارٍ يفترضُ أنّهم خلاة الذهن منه. ولا يعني ذلك أنَّ اضطراباً ما يعتري علاقتهم بالأمانة. وكذلك لو أنّ الآية كانت " الله يأمركم" لأوحى ذلك بأنهم يتلكأون في أداء الأمانة؛ ما اقتضى تقديم لفظ الجلالة لتحريض مكمن المهابة والإجلال عندهم دون استبطاء. أمّا وقد استخدم "إنّ" وتقديمَ لفظ الجلالة، فهو يرمي إلى دفعهم نحو تعديل مواجدهم بما يتناسب مع علاقتهم بالآمر، ولهذا أثر بالغٌ في رفع مكانتهم في الحياة لكونهم يمتثلون للأمر بوصفه أمراً إلهياً، ولكون المأمور به هو علاقتهم بالناس مؤتمنين على أشيائهم، وحاكمين بينهم فيما هم فيه يختلفون.

  مرّةً أخرى يستخدم النصُّ "إنّ" لتؤكّد نسبة الوعظ إلى الله عزّ وجلّ، في الآية نفسها "إنّ اللهَ نعمّا يعظكم به" .فما الضرورة التي اقتضت أنْ يؤكّد بـ"إنّ" مرّة أخرى؟

ورد في المعاجم أنّ الوعظَ هو النصح والتذكير بالعواقب، وقال الخليل إنّ الوعظ هو التذكير بالخير. ولكن لم يردْ أنّ الوعظَ هو الأمر، فالتأكيد الوارد سابقاً، أكّد نسبةَ الأمر برد الأمانات إلى أهلها وبالحكم بالعدل إلى الله، وفهمنا وفق أسلوبيّةِ التعبير أن ذلك في صالح الاجتماع الإنساني، وإنْ كان المخاطبون هم الذين آمنوا بالله رباً، وبمحمّدٍ رسولاً ونبيا، وبالقرآن الكريم كتابا، وذلك أنهم - كما ينبغي -  يعرفون الحق ولا يحقُّ لهم الانحراف أو الذهول عنه. وعليه يكون الأمر بصيغة المضارع فيه وصف لعلاقة الله بهم، وليس أمراً مباشراً لهم، وذلك ليكون علّةَ اندفاعهم باتجاه الخير. وقد أسلفنا أنّ تقديم  لفظِ الجلالة من شأنه أن يؤدي هذه الدلالة.

وهنا أيضاً يقدّم لفظ الجلالة، مسنداً إليه فعل الوعظ واقعاً على المخاطبين، ما ينزل الأمر "يأمركم" منزلة الوعظ، لتحريض الهمم باتجاه الخير، فالتقديم هذا، من شأنه أن يرقى بأذهانهم في تقدير الواعظ الأعظم، فلا يتراخون في أوامر الله ونواهيه. وبخاصةٍ أن النص يخص ما يعظهم به بالمدح "نعمّا".

ونلاحظُ أيضاً أن رد الأمانات ليس مظروفاً فيما الحكم بالعدل مظروف بظرف لما يستقبل من الزمان يتضمّن معنى الشرط "إذا"؛ فهل لذلك من دلالة؟

أنْ لا يكون ردّ الأمانةِ إلى أهلها مظروفاً؛ فذلك لأنّ الأمانة في المبدأ ينبغي أن تكون سجيّةً في النفس سواء كان هناك ما تؤتمنُ عليه النفس أو لم يكن، ومهما تكن الظروف. أمّا الحكم بين الناس فهو يقتضي وجود خصومة، لذا؛ كان ردّ الأمانة أمراً يتغيّا تأسيسَ مبدأ في الذين آمنوا، وأمر الحكم بالعدل يتغيّا تأسيس سلوكٍ في ظرف التنازع والخصومة.

وتختتم الآيةُ بالتأكيد ثالثةً، "إنّ اللهَ كانَ سميعاً بصيرا".

فالتأكيد هنا ليس لمجرد نسبة السمع والبصر إلى الله، ولو أنّ الأمر كذلك؛ لكان يكفي أن يقولَ :"إنّ الله سميعٌ بصير" ولكنّ استخدام كان في هذا السياق من شأنه أنّ يجعلَ السمع والبصر في حال الدوام والاستمرار، والذي يقتضي إظهار ذلك، كونُ المرءِ كثيراً ما تحدثه نفسه ألا يردّ الأمانة إلى أهلها، وأن لا يعدل في فض الخصومات والمنازعات، فالأمانة تحت سمع الله وبصره، وكذلك العدل؛ فهما يحدثان في وجدان المرء أولا، فالوجدانُ يشهدُ صراعاً حاداً بين النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوّامة، فإذا درى المرء أنّ الله سميع يغلب النفس اللوّامة، فيكون مظهره في السلوك مشهداً مستقيماً يحرص المرء على استقامته أكثر إذا كان يعلم أن الله بصير. والذي يؤكّد ما ذهبنا إليه، أن المسندَين إلى لفظ الجلالة سيقا على وزن فعيل الذي للمبالغة، ما يعني أن الله ليس فقط سامعاً ومبصرا؛ يحصل عنده السمع والبصر بالتزامن مع الأحداث، بل هو سميع بصير، ما يعني أنّ السمع والبصر شأنان من شؤونه الملازمة له سواء كان مسموعٌ أو لم يكن، وسواء كان مشهودٌ أو لم يكن. ومن شأن التأكيد هنا، أن يبيّن مدى الحاجة لأن يكون المرء أميناً بينه وبين نفسه، وبينه وبين الآخرين، ولأن يكون عادلاً في ظرف الحكومة بين الناس.

ويردف النصّ بعد هذه الآية بنداء الذين آمنوا، ليأمرهم بالطاعة، طاعة الله، وطاعة الرسول وأولي الأمر منكم؛ فأيّ معنى للطاعةِ يمكن أن تكونَ الآيةُ السابقةُ قد شحنتها به؟

إذا صحّ فهمنا للآية السابقة، فهذا يعني أنّ أمر الله يستهدف طويّة المخاطبين، فليعملوا على تنقيتها من سوء النيّة وإنْ عبرت في الخاطر. سواء كان ذلك في ردّ الأمانة إلى أهلها، أو في العدل أثناء الحكومة في الخصومات. إذن؛ تأخذ الطاعة أبعادها الدلاليّةَ هنا من هذه الأوامر، فهي باختصار تعني تنقية النفس، وهذا يتأتى من الالتزام بما عرفوا من أوامر الله، ومن الالتزام بالكيفية التي يطبق الرسولُ الكريمُ تلك الأوامر، وكذلك أولو الأمر. فطاعة الله مطلوبة، لكونها توفر المعرفةَ للذين آمنوا، وطاعة الرسولِ كذلك، لكونها تبيّن مظهر تلك الأوامر الإلهية في علاقته مع نفسه ومع الآخرين. لذلك كرّرَ النصّ لفظ الطاعة بصيغة الأمر ليجعل مسؤولية الذين آمنوا مسؤوليةً معرفيّةً إذْ يعرفون ماذا يأمر الله، ويجعل مسؤوليتهم سلوكيةK إذْ يعرفون كيف يريدهم الرسولُ (ص). وأن يقع فعل الطاعة على الرسولِ وأولي الأمر مسنداً إلى المخاطبين بأمر من الله، فذلك يجعلُ قادة الرأي في منزلة الرسولِ لجهة العلاقة مع الذين آمنوا. فهل يُفهمُ من ذلك أنّ الأمر بالطاعة تعني اتِّباع سنَّة الرسول وأولي الأمر على مدى الأزمان، أم أنه مقيّدٌ بزمن الرسول؟ بل يعني هذا أنّ طاعة أولياء الأمور واجبة في كل قطاع، وفي كلّ زمان ومكان. وهم ملزمون في تنقية طويتهم بما يرضي الله ورسوله، ولا يمكن أن تكون مرضاة الرسول إلا بتوخي ردّ الأمانة إلى أهلها وبالعدل . وحيث العدلُ فثَمَّ شرع الله.

ثمّ يعقب النصّ في هذه الآيةِ الكريمة بواسطة الفاء التي للتعقيب والترتيب" فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً" ليبيّن لهم مسالك الطاعة في التنازع ما بين الذين آمنوا، أو بين الذين آمنوا وولاة الأمور في تطبيق أداء الأمانات أو الحكم بين الناس، فيأتي الأمر "ردّوه" في جواب الشرط "إن تنازعتم في شيء".

الاشتراط بـ"إنْ" يحيل على احتمالات النزاع بين الحصول وعدمه، ما يعني أنّهم في واقع يتماسكون فيه حول ولاة أمورهم، لأنّهم كانوا سبباً في حصول فعل الإيمان لديهم، والخطاب لهم من باب التحرّز مما يفسد إيمانهم، واحتمال التنازع بينهم قائم. فيأتي الجواب "ردّوه إلى الله والرسول" وما غياب العلامة أولي الأمر هنا؛ إلا علامة على احتمال التنازع معهم. وعندها عليهم وولاة الأمر أن يُرجعوا ما اختلفوا فيه إلى الله والرسول، أيضاً بشرط استمرار إيمانكم بالله واليوم الآخر.  كيف يمكن إرجاع المختَلَفِ فيه إلى الله والرسول؟ ولماذا لم يقل:"إنْ كنتم تؤمنون بالله والرسول"؟

بما أنّ الإيمان عندهم فعل حاصل، وليس اسماً ملازماً لهم، فاحتمال التنازع قائم في كلّ حين، وهم بحاجةٍ ماسّة إلى مرجعيّةٍ يرجعون إليها، وبما أنّ العقيدة الإيمانية قد وصلت إليهم عن طريق الدعاة أو عن طريق الرسولِ نفسه، فإنّ معرفتهم بالله تتأتّى لهم عن طريق الرسول  أو عن طريق الدعاة، وبما أنّ ذلك يقتضي سلوكاً بتأثيرٍ من تلك المعرفةِ الأوّليّة، فإنّ سلوكهم بحاجةٍ إلى رعايةٍ مستمرّةٍ من ولاة أمرهم ومن أنفسهم، وبخاصّةٍ أنهم يواجهون في حياتهم، وبكثافة ما يعترض سلوكهم؛ فقد تسوء علاقتهم بأصدقائهم، أوبالغرباء عنهم، وقد يحصل من جرّاء ذلك ما يوقعهم في التردد والحيرة والاعتراض أو في الخطأ بعامّة. ولكونهم عرفوا الله؛ فأثر هذه المعرفة سيكون إجلال الله وخشيته، وتحسباً ليوم الحساب. إذن رُدّوا المتنازع فيه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فلو قال بالله والرسول، لكان قرَّ في ذهن المخاطبِ أنّ الرسولَ مجرّدَ قائدٍ ينبغي الرجوع إليه في تصويب السلوك، ولكنه قال:" واليوم الآخر" علامةً على أنّ الرسول(ص) رسول الله إليكم، ليستقيم أمركم، ويثبّت إيمانكم، وليكون سلوككم في هذه الحياة، بتأثيرٍ من الإيمان بأنّ الله خالق كل شيء، وبأنّكم وأعمالَكم ستُعرضون عليه أخيراً، ويفصل بينكم فيما كنتم فيه تختلفون. 

 

3: الخلاصة:  

أضع الآن القلم، بعد أن عشت في رحاب القرآن الكريم، قارئاً باحثاً عن أمر محدود، هو معنى الطاعة، وذلك بهدف إعادة النظر باتباعيتنا، وإعادة صياغة حياتنا وفق حاجاتنا إلى العيش بكرامة بين الأمم، وحرصاً على هويّتنا وانتشالها مما يعيق إبداعها، فكانت النتيجة أن الطاعة تفترض وجود طرفين أحدهما يطلب(أمراً أو نهياً) والآخر يطيع ويمتثل، ولكون الأمر والنهي يرتبطان بالوقائع، فإن الامتثال والطاعة ينبغي أن يكونا بالتزامن مع تلك الوقائع؛ لذا، كان الأمر بطاعة الرسول أمراً إلهيا للجماعة التي زامنت الرسول في واقعهما المشترك وفي التأسيس لأمة مبدعة خلاقة. وقد تبيّنَ لي من خلال معاينة تلك الآيات الكريمات أنّ مفردة الطاعة كانت تختلف دلالاتها من آية لأخرى فهي تعني:

- قبول القسمة بعد معركة "بدر"، طاعة الله والرسول أخذت كلّ أبعادها الدلالية من كونها عنصراً من أربعة عناصر تشكل إجابةً عن سؤالهم عن الأنفال، وهي:الأنفال لله والرسول./اتقوا الله./أصلحوا ذات بينكم./أطيعوا الله ورسوله.

- موافقة السلوك للمعتقد، فقد ورد الفعل "أطيعوا" في سورة آل عمران، "قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ"  ضمن سلسلة من الآيات متعانقة بإحكام لتوجيه الرسول (ص) في مخاطبة الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، باعتبارهم مؤمنين بالله جلَّ وعلا، ويعرفون نمط الخطاب الإلهي ومع ذلك يتولى فريق منهم وهم معرضون، ويسلكون في حياتهم بخلاف ما يؤمنون به.

- نسف الثقافة الجاهليّة، فقد كانت معصيته في "أحد" سبباً لهزيمة كارثية، إذْ إنّ الجشع والطمع اللذين أنزلا الرماة للمشاركة في الغنائم، كانا امتداداً للعقلية الربوية الجاهلية، فالأمر بالطاعة هنا يتغيّا نسف الثقافة الجاهلية، كما يتغيا الالتزام بالأمر العسكري.

- الطاعة: أمرٌ بالاستقامة. تبيّنَ لنا أنّ الآياتِ بأوامرها ونواهيها تتوخى تعديل سلوك الذين آمنوا بما يتلاءم مع فعل الإيمان الذي هم عليه، فالاستقامة ليست مقيدة بظرف. بينما أوامر الرسول ونواهيه مقيدة بالظرف وناسه لكونهم المتلقي الذي له سلوكٌ ينافي الاستقامة وينبغي تعديلُه كما بدا للرسول الكريم في ذلك الواقع، وأنّ الواقع يتغيّر والناس مختلفون من زمن إلى زمن، ومن مكانٍ إلى مكان، فمدلول الاستقامة والرقي الإنساني سيختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. وعليه لا يمكننا أن نفهمَ أمرَ الله بطاعةِ الرسول (ص) يشمل كل الخلق في كل مكانٍ وزمان، بل هو خاص بالمعنيين في ذلك الزمان. وتكرير فعل الطاعة هنا يأتي ليجعل طاعة الرسول طاعة أوامره ونواهيه وقد كانت تختلف من رجل لآخر، وهي طاعة مختلفة عن طاعة الله العابرة للأزمنة والأمكنة. فهل نفهم من ذلك أي إشارة إلى السنّة؟!!!!

- الطاعة: تنقية النفس في العلاقة مع الآخرين، وأن يقع فعل الطاعة على الرسولِ وأولي الأمر مسنداً إلى المخاطبين بأمر من الله، فذلك يجعلُ قادة الأمر في منزلة الرسولِ لجهة العلاقة مع الذين آمنوا. فهل يُفهمُ من ذلك أنّ الأمر بالطاعة تعني اتِّباع سنَّة الرسول وأولي الأمر على مدى الأزمان، أم أنه مقيّدٌ بزمن الرسول؟ بل يعني هذا أنّ طاعة أولياء الأمور واجبة في كل قطاع، وفي كلّ زمان ومكان. وهم ملزمون في تنقية طويتهم بما يرضي الله ورسوله، ولا يمكن أن تكون مرضاة الرسول إلا بتوخي ردّ الأمانة إلى أهلها وبالعدل . و"حيث العدلُ فثَمَّ شرع الله".

تأسيساً على هذه الخلاصة، وتحت رعاية المجلس الأعلى للثقافة، أقترح ما يأتي :

1. انبثاق لجنة من هذا المؤتمر تأخذ على عاتقها تحديد المواضيع التي ينبغي إعادة النظر فيها بناء على رصدها في القرآن الكريم وفق قراءات ذكيّةٍ وعلمية جديدة.

2. عقد مؤتمرات تتلاقح فيها القراءات الجديدة المختلفة. وتتولى هذه اللجنة بالاتفاق مع المجلس الأعلى للثقافة تعيين الموضوعات، وتوجيه الدعوات.

3. اتخاذ موقع على الشبكة العنكبوتية يتولى نشر الأبحاث والمقالات والإعلام، بإشراف المجلس الأعلى للثقافة.

4. وأخيراً إنّ ما توصلت إليه في معاينتي للآيات التي تناولت مفهوم الطاعة، لا تمثل قراءة نهائية بل تتحمل النقد وربما النقض، والتصويب وغير ذلك.

ولكم جزيل الشكر

 

الدكتور سعد كموني

الجامعة اللبنانية/كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الفرع الرابع.

 

 

كانت مفردة ثقافة في العصر الجاهليّ تدل على إعداد الآلة الحربية إعداداً كافياً لتؤدي وظيفتها في توفير الأمن الشخصيّ أو الجمعي. وكان يعاوَدُ إعداد الآلة الحربيّة كلما صامت عن وظيفتها بتأثير من التقادم، أو بتأثيرٍ استهلاكها. غير أنّ أولئك العرب، قد تغيّرت حياتهم كلياً مع دخول القرآن الكريم في حياتهم، وقد منح الحياة معنى مغايرا لما كانت عليه، كما منح المفردات اللغويّةَ معاني جديدة لم تكن لها. تغيرت معاني الأمن، والشخص والمجتمع. وصارت العلاقات بين الأفراد والجماعات على نحو جديد، تحدده مرجعيّة عقديّة أسس لها القرآن الكريم. وهكذا بات الأمن يتوافر تأسيساً على مدى البعد أو القرب من القرآن الكريم، وبالتالي صار مفهوم الثقافة يعني إعداد الآلة اللازمة في تمكين الفرد من إنجاز علاقاته بنفسه وبالطبيعة وبالزمان، وهذا النشاط المستمر في إعداد عقله يأتي على تغيّر في عاداته وتقاليده وأعرافه وقيمه ورموزه وتعبيراته.... فباتت له هوية جعلته فوق مستوى الكائنات كلها، ومكنته من المضيّ في الحياة مؤثراً ومتأثراً. أنتج حضارياً وبات التجديد في حياته متوسلاً تجديد فهمه للكون، ولنفسه والآخرين. وكما كل شيء له بداية له نهاية؛ كذلك هذا النشاط، لفظ أنفاسه بالتدريج هبوطا إلى هاوية العطالة الحضارية شبه الكليّة. ولكنّ الحقيقةَ أيضاً تشير إلى أنّ الأمم لا تنسحب من حقول الإنتاج الثقافيّ نهائياً؛ إلا إذا تقادمت واستعصت على الضرورة التي تملي تجديدَ الوسائل والآلات التي استخدمتها في الانتقال من حالٍ إلى حال. فكما كان المحارب يثقّف سيفه كلما مرّ عليه الزمن أو الاستهلاك، وكما بات في العصور الإسلامية يثقف ذهنه بمستجدات الفهم والتكيّف مع تغيّر الواقع وطبيعةِ الوقائع. بات لزاماً عليه أن يعيد النظر بآلية عمل ذهنه بعدما تقادمت واستهلكت.

ظلت هذه الأمّة إلى يومنا هذا، تمارس حياتها كما كانت تمارسها زمن التأسيس، فهي لا تشعر بحاجتها للآخرين، وكذلك لا يشعر الآخرون بحاجتهم إليها. ستُترك تعيد إنتاج عيوبها إلى أمدٍ بعيد، وكلما تقادمت الأفكار والأحداث، اكتسبت صفة القداسة ؛ الأمر الذي يحول دون نقدها بموضوعية، ودون تجاوزها بما يؤهلها للعودة إلى المساهمة في صناعة التاريخ من موقع سياديّ وحر. وبلا شك،يمكنها أن تعود وبقوّة إذا جددت وسائلها الإنتاجية، وأولى هذه الوسائل هي النقد بوصفه عملا تحليليا وتعليليا وتأويليا. وهذا لا يكون مجدياً ما لم يكن مقتضى الحاجة الملحّة، والشعور بهذه الحاجة هو العتبة الطبيعية لمغالبة الانسداد الحضاري.

رمت هذه الورقة إلى المساهمة في مؤتمر تجديد الخطاب الثقافي العربيّ من خلال رصد المكوّنات الأساسيّة للثقافة العربية، فقد شكل الإسلام ممَثّلاً بالقرآن وبالحديث والسنّة مرجعاً مقدّساً للسلوك الذهني والحركيّ،غير أنّ الغلبة للحديث والسيرة والسنة، ما جعل الحياة  في زمن من الأزمنة هي النموذج المثالي الذي يجب أن يستمر، وباتت الثقافةُ العربيّة مصادرةً لذلك الزمن، وتعاند المتغيرات في حركة التاريخ الطبيعية، فيتجلى ذلك في المأكل والمشرب والمسكن وفي التعبيرات والإبداعات والرموز وكل شيء. والحجّة في ذلك أنّ القرآن الكريم يقول أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.

تأسيساً على ذلك رصدت الآيات التي طالبت الذين آمنوا بطاعة الله وطاعة الرسول وأولي الأمر منكم، وعاينت مفردة الطاعة في سياقاتها، وتوصلت إلى الدلالات التي منحتها إياها هذه السياقات. 

 

كيف يمكن للقرآن الكريم، أن يأخذَ على العرب اتّباعَهم ما ألفَوا عليه آباءهم دون تبصرٍ منهم فيما لو كان هؤلاء الآباء يعقلون أو لا يعقلون، يهتدون أو لا يهتدون! وفي الوقت نفسه، يؤسَّس لاتباعيّةٍ يكون فيها الآباءُ الرسولَ وصحبَه وآلَ بيته والتابعين وتابعي التابعين؟

تشكّل الآيات القرآنية التي تحضّ على اعتماد العقل في التعامل مع الآباء، نقطة ارتكازٍ أساسيّة في الدعوة إلى الله، لا لأنّ هذه الدعوة تُناقض ما كان عليه الآباء، بل لأنّ الدعوةَ إلى الجديد يقتضي تقبّلها موقفاً من القديم، وإلاّ، لماذا الجديد! " وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ"  و"اتَّبَعَ القرآنَ: ائْتَمَّ به وعَمِلَ بما فيه".  السياق هنا سياق المتلقي الاتباعيّ المطمئن لآلية التفكير الموروثةِ باعتبارها مأمونة وبدهية غير قابلة للشك، فاتّباع الآباء فيه برّ ووفاء، تطمئنّ له النفس الإنسانية وتسكن بإزاء هذا التصرّف؛ غير أن السياق القرآنيّ هو سياق دعوة إلى الهدى باعتباره آليّةَ التفكير السائدةَ آليةً فاسدة؛ لكونها مطمئنةً وهادئةً في ميراثها الرؤيوي والعقديّ، الأمر المعطِّلُ أو المعرقلُ للتطوّر والتقدّم، فيدعوهم للائتمام بالقرآن الكريم، والتجرؤ على آبائهم؛ فاتباع الآباء فيه فاعليّة آليةٌ تلقائيّة بلا مراجعة، والشاهد على فساده قائمٌ في واقع الحال، من جهلٍ، وركود حضاريّ، وعزلة إلى حدّ الانتحار الجماعي، بينما الاتّباع المطلوب، هو اتباع القرآن والائتمام به، وهذا يحتاج إلى إرادة وفاعلية جديدة، تقتضي المغامرة الفكرية، والتمرّد على الركود والطمأنينة. إذن؛ اتباع الآباء تخلّف حضاري هانئ، بينما اتباع القرآن الكريم عمل نهضويّ شاق ذهنياً وسلوكيّاً.

"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ" 

" وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ"  وهنا في هذه الآية الكريمة، نجدنا أمام فئةٍ من فئات المجتمع، لها مصلحة في التمسّك بالآباء والأجداد، لكونهما يمنحانها القدرةَ على التسلط، وهي فئة "المُتْرَفين" وقد ورد في اللسان" المتْرَف: الذي أبطرتْه النعمةُ وسعةُ العيش..... وقوله تعالى: إلا قال مُتْرَفُوها؛ أَي أُولو التُّرفةِ وأَراد رؤساءَها وقادةَ الشرّ منها"  . وفي الصحاح: أترفته النعمة: أطغته"  تجدر الإشارة هنا إلى فاعليّة الطغيان في تأبيد الماضي لكونه يمكّنهم من القدرة على رقاب الناس الذين لا يملكون ما يملك المترفون من أسباب التسلط.

..........

فهمت من القرآن الكريم في هذه الآيات البيّنات، أنّ شروط التقدّم البشري تتوافر تأسيساً على النقد والتبصّرِ في ما سبق، وفي ما هو سائدٌ، كلما حزَب الأمر واشتدت الشدائد، وكلما تفاقمت التناقضات في الواقع. وهذا لا يتفق مع الحديث المنسوب إلى رسول الله (ص) "اتَّقوا اللَّهَ، وعليكم بالسَّمعِ والطَّاعةِ وإنْ عبدًا حبشيًّا، وإنَّهُ مَن يعِش منكُم بعدي فسيَرى اختلافًا كثيرًا، فعليكُم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ من بَعدي الرَّاشدينَ المَهْديِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجذِ، وإيَّاكم ومحدَثاتِ الأمورِ فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ" .  وقد شيدت الثقافةُ في المجتمعاتِ الإسلاميّةِ كما نلحظ على هذا الحديث وأشباهه، لا على الآيات القرآنية التي تحرِّض دائما على إعمال الذهن في ما يدّخر "أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ"  " وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ "  كما تحرّض على إعمال الذهن في ما هو خارجه"أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ "  " يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ " . "كذلك يبين الله لكم الايات لعلكم تتفكرون" .

مع أن سياق الحديث يتعلّق بالسياسة لجهة العلاقةِ بين المحكوم والحاكم، لا بالدين ناظماً للعلاقةِ بين الإنسان والخالق، أو بين الإنسان والوجود، فيما الآيات الكريمات تتغيّا التأسيس بهذا الدين لمناهج النظر والعمل في سبيل البناء الحضاري الإنسانيّ الذي يوفر السعادةَ في الدارين. إذْ إنّ التعثر الحضاري لا يكون إلا من جهل القوانين والنواميس الناظمة لعلاقة الإنسان بالإنسان، وبالزمان والمكان.

أرى أن الحديث الذي ذكرنا وأشباهه تُساق بهدفٍ يختلف عن مقاصد القرآن الكريم. ولا أقصد بقولي هذا، التصدّي للحديث والسنة؛ فأنا لست متخصصا بالحديث والسنة، ولا ينبغي لي أن أصحّحَ أو أحسِّن أو أضعف أو أردّ، ولا علم لي بالرجال الثقات منهم وغير الثقات؛ إنما أقصد الفهم الذي يصح السكوت عليه في ما يتعلّق بمعنى الدين ومدى الحاجة إليه، من خلال التعامل مع القرآن والحديث.

 

1. الدين، والدين والإسلام

عندما يخاطب القرآن الكريم الإنسان، يرمي إلى رفعه فوق مستوى المخلوقات وذلك ابتداء بإقناعه عن طريق التوجيه النظري باتجاه الكون ﴿إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وباتجاه النفس ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾  أو الجسد ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾، وباتجاه الموجودات بعامة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، وليستدل من خلال التعمق بالنظر إليها، والتأمل فيها فيعرف أنّ ما في الوجود وكما يبدو للإنسان، ينبغي التعامل معه على أنّه آيات تدلّ على خالق عظيم، لا يجوز من أي باب كان، أن يدين الإنسان لهذه الموجودات، بل ينبغي أن يكون الإنسان أرقى منها رتبة، لكونه يعقلها، وإذْ يعقلها يعني هو أعظم منها، فالإنسان يدين لما هو أعظم منه قوة وقدرة وشأنا، فلن يدين لحجارة نحتها بيديه، أو لنجوم وكواكب يستطيع رصد حركتها ومواقيتها، أو لبشر ليس لهم من القوة والقدرة والشأن إلا ما تتيح لهم الإمكانات الممنوحة لهم، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾  فلا يجوز أن يدين الإنسان إلا للقوة المطلقة التي لا يمكنه أن يدرك كنهها. عليه أن يقرّ بها إيماناً واحتساباً لأن العقل من دونها؛ فلن يحيط العقل إلا بما هو ضمن الكون. وهذا ينبغي أن ينعكس سلوكا نظرياً وعملياً في الحياة، يتغير هذا السلوك من زمن إلى زمن، ومن مكان إلى مكان، لكون النظر يتغير والمنظور ما عاد يبدو كما كان يبدو. لذا؛ فالقرآن الكريم "هدىً للناس، وبينات من الهدى، والفرقان"  هو لأجل الهدى، فالهدى علة نزوله وتنزّله، لكون الضلال قائما بالدين/الخضوع للموجودات والغرائز والشهوات، والضلال قد يكون ضياعاً بين طريقين ما يقتضي بينات/ علامات، أو التباسا يحول دون التعيين لتشابهٍ أو لتبرّج المزاعم؛ ما يقتضي فرقانا، أوعلامات تكون فرقانا. فلا ضير في أن أعتمد اليوم طريقاً، أو شعبةً من طريقٍ كنت أحسبُني البارحةَ على ضلال لو كنت اعتمدتها، والعكس صحيح؛ فالمعلومات التي كانت تبدو لي البارحة؛ كانت قاصرة، وقد ظننتها نهائيّة، قد بدت لي اليوم على نحوٍ آخر.

بينما الحديث المذكور أعلاه يطلب من مخاطبيه أنْ يدينوا لغير الله في السمع والطاعة، ويعدّ ذلك التزاماً بسنَّة الرسول عليه السلام. علماً أن القرآن الكريم لم يذكر سنّةً للرسول على أنها واجبة السمع والطاعة، فالسنّة الواردة في القرآن ليست سوى سنّة الله "سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً" .

 

2. الطاعة وطاعة الرسول في القرآن الكريم

2: 1 الطاعة قبول القسمة

وقد يحتج الذين يلتزمون السنّةَ النبويّة أنَّ القرآن الكريم يطالب الناس ويأمرهم بطاعة الرسول وأولي الأمر، إذ يقول جل وعلا :"أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ" .

ولو أننا قرأنا "الطاعة" داخل هذه الآية الكريمةِ، بوصفها بيئةً لفظيةً لتخلُّق المعاني من التضامّ بين كلماتها وجُملها التي لم يكن منها التضامّ إلا لأداء معنى دون سواه؛ لوجدنا تلك البيئة تمنح الفعل "أطيعوا" معنى تقتضيه الضرورةُ في ظرفٍ معيّن " يوم بدر" . فالفعل "أطيعوا" مطلوبا إنجازه؛ يحيلُ على النقيض منجزاً في الواقع، وبخاصّة أنّ هذا النقيض يتجلّى في السياق أكثر؛ إذْ يُعطف على الطاعة المطلوبة، منجَزٌ يُطلب تعطيله بواسطة "لا" الناهية، "ولا تَوَلُّوا"، ما يعني أنّ الطاعة معطلةٌ في الوقت الذي يجب أن تكون فيه محقَّقة، والتولّي محقّقٌ في الوقت الذي يجب أن يكون فيه معطّلاً. فما هو هذا الوقت الذي انقلبت فيه تصرفات المسند إليه المكنى عنه بـ"واو الجماعة" في "أطيعوا" و"لا تولّوا"؟.

لو تابعنا القراءَة، سنجد أنّ الآيةَ تختتم بـبيان الهيئة التي هم عليها في الوقت الذي شهد انقلاب التصرفات"وأنتم تسمعون"، فالجملةُ الحاليةُ هذه، يأتي المسند فيها حكماً على المخاطبين جملةً مضارعيّة يحاصرها الزمن الحاضر ليكون إطاراً زمانيا حاليا يُطلب فيه إنجاز فعل الطاعة المسند إلى الجماعة، كما يطلب فيه تعطيل فعل التولّي، ناهيك بالسماع الذي لا يمكن أن يكون إلا بالتزامن مع الحدث الصوتي. فأي حجّة بعد هذا تَنقلُ الطاعة من كونها آنيّةً في زمن السماع، إلى أجيال متعاقبة لا ينبغي لها أن تسمع الرسول الكريم!!!

أضف إلى ذلك، إنّ الآيةَ الكريمة هذه، اكتنفتها سورة الأنفال، وقد استُهلَّت بقوله تعالى"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" إذن؛ طاعة الله والرسول هنا تأخذ كلّ أبعادها من كونها عنصراً من أربعة عناصر تشكل إجابةً عن سؤالهم عن الأنفال، وهي:

 

1. الأنفال لله والرسول

2. اتقوا الله.

3. أصلحوا ذات بينكم.

4. أطيعوا الله ورسوله.

وكلها مقول فعل القول بصيغة الطلب "قل".

بعد هذا، لا يمكنني أن أفهمَ الفعل أطيعوا إلا طلباً تعدّى إلى المؤمنين الذين يسألون محمّداً (ص) عن الأنفال، إذْ خلا ذهنُهم من صوابيّة تعيين مستَحِقِّها، وقد خالفوا تقوى الله، أو ضلّوا سبيلها، وأفسدوا ذات بينهم، حتى بات سلوكهم ملتبسا بين الإيمان والكفر، فالطاعة واقعة في محل جواب الشرط المقدّم " إنْ كنتم مؤمنين" ويؤتى بـ"إن" أداة للشرط إيحاء بالاحتمالية، فالطاعة تكون من المؤمنين بلا أدنى شك، ومن غير المؤمنين بتردد أو لا تكون. إذن الطاعة هنا تعني القبول بالقسمة التي قسمها الرسول(ص). وهذه بلا شك قسمة خاصة بمعركة بدر، ولكل ظرفٍ طريقتُه في القسمة لاختلاف المظروف. فهل يمكن أن تكون طاعة الرسول الواجبة في "الأنفال"، والمتلازمة مع طاعة الله حجّةً لأي حاكم، سواء كان من الراشدين المهديين أو من الجبريين، وله علينا واجب الطاعة؟!!!! 

 

2: 2،الطاعة موافقة السلوك للمعتقد 

أما الأمر "أطيعوا" في سورة آل عمران، "قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ"  فقد جاء في سلسلة من الآيات متعانقة بإحكام لتوجيه الرسول (ص) في مخاطبة الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، باعتبارهم مؤمنين بالله جلَّ وعلا، ويعرفون نمط الخطاب الإلهي ومع ذلك يتولى فريق منهم وهم معرضون" أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ"  ويتذرعون بذرائع شتى لتبرير سلوكهم المناقض لما يجب أن يكونوا عليه بموجب إيمانهم، إلا أنهم يفترون على الله الكذب، ويأخذهم الغرور بذلك، مع علمهم أنه افتراء؛ فيأتي النص القرآني ليضع أمام الرسول جملة من الحقائق الإيمانية. وما الصيغة الاستفهاميّة الإنكارية "ألم ترَ إلى"، إلا من باب التنبيه إلى أهميّة عدم الاستخفاف بذلك السلوك الإعراضيّ، فالنص القرآنيّ يؤدّب الرسولَ(ص) بمناهجَ مبنية على الرؤية الثاقبة، حتى تكون أحكامُه مبنيةً على أسس سليمة.

من الحقائق الإيمانية التي ينبغي أن تحضر في خاطر الرسول إذْ يتوجه إليهم بالدعوة القرآنية، أنهم مجموعون ليوم لا ريب فيه. هو يوم القسط والعدل، وعندها يأخذ كل ذي حق حقّه، فلا يُظلمون. وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك بأسلوب الاستفهام، متوسلاً الأداة "كيف" ليفتح آفاق التخيل على الهيئة التي سيكونون فيها ذلك اليوم بالتناسب مع قولهم "لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات "ذَ‌ ٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَ‌ ٰتٍۢ ۖ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ "  فالاستفهام بـ" كيف" لا ينتظر جواباً بل يطلق المِخيال في مدى عميق بعيد؛ كي تُنسج الكيفية التي يكون عليها الذي يفتري كذبا، ويأخذه الغرور بما افترى، لا بالدين." فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ "  يحدث في ذلك اليوم حدثان، الأول "وُفِّيت" وصيغ للمفعول كي تنصرف الأذهانُ إلى تقدير التوفية، لا إلى معرفة الموفّي؛ والفعل هنا يتعدى إلى مفعولين، الأول "كلُّ نفسٍ" وقد ناب عن الفاعل في الدلالة على حصول الفعل، والثاني " ما كسبت" وقع عليه الفعل، وقد دلَّ ذلك على أمرٍ له شأنٌ كبيرٌ في هذا السياق، إذْ إنه سياقٌ دلاليٌ يُتَوَقَّع منه أن يبيِّن عقوبة المفتري على الله كذباً، غير أننا نرى في توصيل أثر فعل"التوفية" إلى "كلّ نفس" وإلى " ما كسبت" يشمل كل الخلق من بني الإنسان، من افترى ومن لم يفترِ، من آمن ومن كفر، من عملَ صالحاً ومن لم يعمل، ومن عمل سوءاً و من لم يعمل؛ وهذا يبين ميزة ذلك اليوم، أما الذي يبيّنُ عقوبة المفترين فهو لا يتجاوز تقديره ما يبديه ميزان العرض على العدل، فتكون الهيئة التي تناسبهم هي الهيئة نفسها التي تناسب كلّ الخلق، ويدل على ذلك المركّبُ الإسناديّ "وهم لا يظْلَمون" وهذا ما يرجوه كل المؤمنين. نفي الظلم مسنداً إلى ضمير الغائبين، لا ينفي قسوة العقوبة، بل ينفي أن تكون مستهجنة، أو أن لا تكون متناسبة مع حجم الذنب، فكما أن الصالح المصلحَ لا يمكن أن يُظلم في ذلك اليوم، كذلك المفتري على الله لا يُظلم. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنّ الفعل "وفّيَت" معطوفاً على الفعل "جمعناهم" يمنح الظرف "إذا" بعداً إنذارياً، فالظرف "إذا" أصلاً، لكونه اسماً لما يستقبل من الزمان، ويتضمن معنى الشرط ؛ يدلّ على يقينية الحدوث. وكون المضاف إليه "جمعناهم" والمعطوف عليه" وفِّيت" بصيغة الماضي فذلك لتأكيد تلك اليقينية؛ إذْ ينزل المضارع منزلة الماضي؛ يحيل على تصور ما سيحدث بصيغة ما حصل. واستخدام حرف الجرّ "اللام" كي يوصل أثر "الجمع" إلى "يوم لا ريب فيه" نفهمه من خلال قِصَر الزمن الصوتي لـ"اللام" بالمقايسة مع الزمن الصوتي لـ"إلى" فندرك أنه يقرّب ذلك اليوم، ويكون لذلك وقع رهيب في النفس، بينما لو قال ـ ولم يقل ـ :" فكيف إذا جمعناهم إلى يوم لا ريب فيه"؛ لتذرّعت النفس ببعد ذلك اليوم، وتساهلَت مع إلحاح النفس اللوامة، فاندفعت في غيّها مراهنة على إمكان التراجع مع تراخي الزمن؛ فـ"اللام" منعت ذلك. إذن، نحن أمام سياق له دلالة إنذارية.

ومن التوجيهات التي تضمنتها هذه السلسلة المتماسكة من الخطط الدعويّة، والحجاجية التي ينبغي للرسول الكريم(ص) أن يتزوّد بها، في حضرة المؤمنين، المدّعين والمفترين، ولا يوفّون إيمانهم حقَّه، آيتان انطوتا على بيان يقدّم سنّةَ الله في خلقه وقد سيق في أسلوب إنشائيّ من شأنه الترفع عن مجادلة هؤلاء بشكلٍ مباشر حول حقيقة السنن الإلهية كما يقرّها القرآن، وكما أقرها التوراة والإنجيل من قبل." قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿26﴾تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ﴿27﴾ "  قل ـ يا محمّد في حضرتهم ـ اللهم مالكَ الملك.... هم يفترون على الله ويعطون لأنفسهم رخصةً بمخالفةِ ما يعرفونه حقاً، والنصّ القرآنيّ يطلب من محمّد أن يبيّن ما يؤمن به وما يدعو إليه، فالنداء هنا يحيل على تجاوز مزاعمهم إلى حقيقة المسألة، فهو لم يقل يا محمد قل لهم لا تزعموا ما تزعمون، ولا تفتروا على الله كذبا، لم يقل له جادلهم فيما يزعمون ويفترون، بل قال له توجه إلى الله، وتقرّب إليه بواسطة النداء، وبذكْرِ اسمٍ من أسمائه الحسنى "مالك الملك" ليكون ذلك صدمة لهم، فالله خالق كل شيء وفوق كل شيء، وإذْ ينادي مالكَ الملك، فيه إشارة بالغةُ الأهميّة إلى أنّ لازم هذا النداء يكمنُ في ما تخبئه أنفسُهم من شهوة التسلّط على الناس بمزاعمهم، وقد أدمنوا ذلك فظنوا أنهم بما كسبوا من ولاء الناس لهم؛ قد تغيرت الحقيقة، وصار الملْك بيدهم، وهم مالكو الملك؛ فيكون النداء هنا أسلوباً صادماً لكونه يفضح خبايا نفوسهم أمام نفوسهم، ثم بعد هذه الصدمة أسندْ ـ يا محمد ـ إلى الله أفعالاً مضارعة تدلُّ على المداومة والتكرار، حتى لا يخطر في بالهم أن فعل الملْك الإلهي، كان ذات يوم ولن يكون في يومٍ آخر، هم يعرفون أن مالك الملك ليس اسماً راهناً بل هو شأن ملازم له سبحانه، فما كان منه من قدرة هي منه وبيده أنّى يشاء " تُؤْتِى، تشاء(4 مرات)، تنزع، تعزّ، تذلّ". هذه الأفعال هي من مظاهر مالكية الله الملْكَ إلى ما شاء الله، وكانوا يعتقدون أنّ فعلَي الإيتاء والإعزاز واقعان عليهم على الدوام، ويعتقدون أيضاً أنّ هذه الأفعالَ مسندةٌ إليهم فقد نسوا الله. ولكن إسناد فعل إيتاء الملك إلى الله جعلهم في واقع يعرفون حقيقته؛ إلا أنهم زهوا بما هم فيه فباؤوا بفشلٍ عظيم.

(تؤتي/ تنزع/ تعزّ / تذلّ) تلك شبكة من الأفعال ينبغي أن يؤسس المؤمن بالله سلوكه على معرفتها، فهي مسندة إلى الله، وتقع في دائرة مشيئة الله. "بيدك الخير" تعني الإسلام. فالإقرار بأنّ الله وحده يملك الخِيار في الإيتاء والنزع، وفي الإعزاز والإذلال، هو الإسلام، وهذا لا يجوز أن يبقى في إطار الإقرار اللفظي على أهميته؛ بل ينبغي أن يتعداه إلى الإسلام الفعلي، إلى التقوى، إلى الصدق، إلى الاتجاه بالكلية صوب الحق، فليس للمؤمن ما يبيح له معرفةَ الحق والسلوكَ في ما يناقضه. تزعمون أنكم أحباب الله ولا تعرفون أن محمّداً رسول الله!!! ولا تقرون بأنه وحده يملك الخيرَ! ويأتي تقديم الخبر "بيدك" على المبتدأ " الخير" دلالةً على الوحدانية. لذا؛ لا يجوز لهم الظنّ بأنّ الخير بيدهم لكونهم أبناء دين يؤمن بالتوحيد، وأبناء قوم كثر فيهم الأنبياء والأحبار، وقد كبر عندهم أنّ الرسول من سواهم.

تلك مأساة من مآسي النخبة الثقافية في المجتمعات الآيلةِ إلى السقوط الحضاريّ، فهؤلاء ورثوا رسالة إلهيةً عن آبائهم، وكان لآبائهم سلطان على الناس بما علموا من الحقائق التي بيّنها الله لهم، وكان ذلك السلطان بمقتضى ضرورات التأسيس، حيث تبدو السلطة المعرفية بمسيس الحاجةِ إلى السلطةِ الأبوية/ الحَبريّة، بهدف ترسيخ ثقافة جديدة وفاق التعاليم الجديدة. أما الورَثة فقد غرّتهم الرتبة الموروثة في المجتمع، وانصرفوا بغرورهم يمارسون تسلطهم على الناس حراسا لتخلفهم وتقديسا لولائهم باعتبار ذلك مسوّغاً لتسلطهم. فانتفى لازم السلطان وبقي السلطان معانداً لحركة التاريخ.

ثم يختتم الآية بـ " إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ" تأكيداً للتفرّد بالقدرة، والمفردة الدالة على القدرة هنا جاءت بصيغة "فعيل" التي هي للمبالغة وذلك لإشهار الإقرار بمعرفة الله بهذا الشأن الملازم له جلّ وعلا. وأن يتقدّم معمول الاسم المشتق"كلّ شيء" على الاسم المشتق "قدير"؛ فذاك لتخصيص كل شيء تحت هذه القدرة، ولحرف الجر"على" دلالة سلطوية إلهية فوقية تتناسب مع "بيدك الخير" التي قلنا إنها تعني من جملة ما تعني القدرة، إذ تحيل مفردة اليد على القدرة الاستعلائيّة أيضا" يد الله فوق أيديهم" قدرة الله فوق قدرتهم. فلا يحق لهم وهم يسمعون الرسول ممتثلا لأمر الله ويقول دعاءه اللهم مالك الملك...... ويختتم بالتأكيد" " إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ" لا يحقّ لهم أن يصمّوا آذانهم بعد، ويعرضون عن هذه الدعوة إلى الحق. ولكن ؛ هيهات.

إلى هذه الأفعال الأربعة التي جعلها الله من ملفوظات التقرّب إليه، في سياق نداء يأتي مقول قولٍ مطلوب، في حضرة مؤمنين معرضين عن الإقرار بالإسلام إلى الله، تندرج في الآية التالية أفعال أخرى يمكن أن تكون ملحوظةً لكل ذي عينين، "تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ "  فالليل والنهار، من علامات الزمن، والحي والميّت والرزق من مظاهر مرور الزمن وفاعليته في الإنسان والكائنات الحيّة.

اليهود والنصارى وسائر العرب، رهائن الليل والنهار وكـرّهما بالوعد والوعيد الغامضَين المثيرَين لشتى التخيلات وشتى التصورات، كما تبدو بحسب طبيعةِ الخوف أو القبول الإنساني لهذا المشهد أوذاك. وأن يستدعى الإنسان لملاحظة ولوج الليل في النهار وولوج النهار في الليل، فذاك استدعاء للارتقاء بالإنسان فوق الزمن تأسيساً على معرفة علاماته أو بعضها، وأن يتم التعبير عن ذلك بأسلوب النداء الذي رأينا فيه التقرّب إلى الله باسم من أسمائه، إذْ يردُ الفعل "تولج" في سياق الإقرار بالإسلام للمنادى "مالك الملك"، سيد الأمكنة والأزمنة، وأن يردَ بصيغة المضارع؛ فيه وصف لشأنٍ من شؤون مالك الملك مع الزمن وعلاماته، كما يدل على دوام الحدوث واستمراره.

وأن يستدعى الإنسان ليلحظ مشهداً آخر من مشاهد مالكية الملك" وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ" فذاك يحيل على تحريض الذهن للتأمل في الثنائيّة الضدّيّة "الحياة/ الموت" وكيف يتعاضد عنصراها في إنتاج الوجود باستمرار. فخروج الحياة من الموت، يعني خروج الإيجابيّة من السلبيّة، أمر عظيم، وكذلك خروج الموت من الحياة، أي خروج السلبيّة من الإيجابية. ويمكن أن يلحظ هذا في أبسط المحسوسات، ويمكن أن نتعمق أكثر فنلحظه في أعمق الأسئلة، أليس الكون مجازا رؤيويا ليس له معنى سوى ما يتجاوب مع أسئلتنا؟ فالكون ميت، والكون حيّ.

الكون ميت لا يقول أي شيء، إلا ما نريده أن يقوله، وهذا يتحوّل مع مرور الوقت. فالصحارى ميتة، وظلت تواصل موتها إلى أن تم استخراج النفط من جوفها، فقالت حياة مختلفة. وكذلك البحار والسماء والأشياء. كيف تقول الجبال عظمتها؟ وكيف تقول البحار والصحاري والسحب أبعادها المتصلة بحياة الإنسان وموته؟ نحن من نقول بحسب درجة الحاجة.

الكون موجود لأنه موجود، أما الحياة والموت فهي تسمياتنا لبعض مظاهر وجوده.ماذا يعني أن يموت إنسان/ حيوان/ شجرة؟ أليس يعني تحولا في أسلوب الوجود، نحن نقول مات، أما الشيء فموجود. إذن يسند النص إلى الله، فعل الإخراج واقعاً على الحي مرّة وعلى الميّت مرّة أخرى، ليقول لنا إنّ مظهرَيْ الوجود هما بيد مالك الملك الذي بيده الخير. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف تفترون على الله وتجعلون الخيار بأيديكم.

أمّا الرزق، فهو ـ أيضاً ـ بيد الله مالك الملك، وهو العطاء الجاري. وإذْ يطلب الله جلّ وعلا من محمّد(ص) أن يتقرب بإسناد فعل الرزق إليه " وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ" فذاك ليُظهر أمام المؤمنين الضالين قدرة الله التي تشمل كل شيء، كأنما يذكّرهم بذلك؛ حيث إنهم في غيهم وبغيهم ابتعدوا عن معرفة الناموس الذي خلق الله الكون وفقه، وسيّر كل شيءٍ وفقه. وفعل الرزق بصيغة المضارع، إلى كونها تدل على فعل مستمرّ، تدلّ إيضاً على وصف لشأنٍ من شؤون الله مع عباده. ويقع هذا الفعل على "من تشاء" إشارة إلى جانب أساسيٍّ من القدرة المطلقة، وهو أنّ كلّ شيء في الحياة وفق مشيئته، وإلا سيكون هناك خلل كبير في الإسلام لمالك الملك، إذْ كيف يكون المؤمن مؤمناً بقدرة الله المطلقة، وفي الوقت نفسه يعتقد أنّ رزقه وفق مشيئته هو، فهذا لا يستقيم.

وهنا يلحّ سؤال مفاده، طالما أن الله يرزق من يشاء بغير حساب، لماذا نعمل إذن؟

أرى أنّ ذلك الإظهار لقدرة الله الباهرة، وبعطف الرزق بغير حسابٍ على مظاهر القدرة، لهو أمرٌ عظيم الشأن في تأسيس موقف مختلف من الزمان، ومن الحياة والموت، ومن أسباب البقاء. فالبناء الحضاريّ، وإعمار الأرض يتطلب عملاً مؤسسا على معرفة؛ فهل نعزف عن النظر في الليل والنهار، والتفكّر فيهما، واستثمارهما؛ إذا عرفنا أنّ الله عزّ وجلّ يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل! وإذا عرفنا أن الله عزّ وجل يخرج الحيّ من الميّت ويخرج الميّت من الحيّ نعزف عن النظر في الحياة والموت واستثمارهما! وإذا عرفنا أن الله يرزق من يشاء بغير حساب هل نعزف عن النظر والفهم؟!!! صحيح أن النص أورد ذلك في سياق مقول القول ليبيّن حقيقةَ الإسلام لله، ولكن الصحيح أيضاً أنه في سياق الدعوة بهذا الأسلوب البياني الراقي؛ لا يدعوهم ليعطّل فاعليتهم الحضارية، بل ليصوّبها بتسديد خطاها على قاعدة معرفيّة يجب ألا تغيب عن الأذهان، وهي المعنى الحقيقيّ للصلاة، وإلاّ فتصبح معرفةُ الزمان، والحياة، والموت، والأرزاق، وسيلةً للقهر والاستبداد. فهذا يحدد مواقيت النوم والنهوض والحضور والغياب والعطل والدوام تبعاً لمصالحه، فيتوهّم أنه هو من يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، فيقهر ويستبد ويرتّب المرتبات. وذاك يزعم أنّ الحياة والموت بيده، فيقتل ويغتال ويعتقل ويطلق يد زبانيته والعسس؛ فيتوهم أنه يحيي ويميت. وذاك يستتبع الخلق لأنّه عرف كيف يذلّهم بلقمة عيشهم، وتأمين فرص عمل بعضهم، وحرمان آخرين. فالنصّ هنا يدعو الإنسان إلى التأمل والتبصّر والتدبّر، ليقول له إنك قادر على كل شيء أيها المخلوق العظيم، ولكن يجب أن لا تبعد منك حقيقة الأمور وهي أنّ الله مالك الملك. قد يسقي الصحارى، ويصحّر المروج، و قد وقد، تلك مشيئته، ولكنه أمر الخلق بالسعي في مناكبها،" هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ"، "وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ" .

سيقت هذه العلامات اللغوية الدالّةُ على قدرة الله الباهرة، لتنبيه المؤمنين الضالين، وقد وفِّقَ الزمخشري في قوله : "ذكر قدرته الباهرة، فذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما، وحال الحي والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه بغير حساب دلالة على أن من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام، ثم قدر أن يرزق بغير حساب من يشاء من عباده، فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم، ويؤتيه العرب ويعزهم " .     

وقد ظهرت الحقائق وحججها؛ فيواصل النص القرآني الكريم إحراجَ المفترين بما يعرفون فيكون الخطاب إلى محمدّ(ص) ليشهر تلك الحقائقَ والبدائهَ أمامهم، فيقول جلّ وعلا:"لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَ‌لِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةًۭ ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ "  ..أرى أنه بعدما أظهر مستلزمات الإسلام لمالك الملك، عمدَ إلى إظهار منعكسات ذلك في السلوك. لقد ظهرت الحقائق التي يبني عليها المسلم إسلامه، وتزعمون أنكم مسلمون، ولا تنكرون مالكية الله الملك ولا قدراته التي ذكر بعضها في ما سبق، ولا ينبغي لكم أن تنكروها، فقد جاء بها إبراهيمُ، وموسى، وعيسى وسائر النبيين، إلا أنّ سلوككم المكنون والظاهرَ يتنافى مع هذه الحقائق. لقد أخرجت قريشٌ محمّداً (ص) من مكةَ بسبب هذه الدعوة، وها أنتم تنتصرون لقريشٍ ضدّ محمّد(ص)، فجاء النهي القرآنيّ لعموم المؤمنين أنْ لا يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فالخطاب للمعنيين بهذا الأمر مباشرة، ولكنه جاء بصيغةٍ تعني العموم ليكون هذا الخطاب قاعدة مُلزمة لكلّ صاحب قناعة متيقنٍ من ثبوتها؛ أن لا يسلك في الحياة مسلكاً يخالف فيه قناعاته. فالنهي عن هذا السلوك لكونه يتعارض مع العقيدة المؤسَّسة على معرفة الناموس الإلهي في تدبير مظاهر الزمان، والحياة والموت، والرزق بغير حساب.

قد تناول المفسرون هذه الآية بوصفها قاعدة للمعاملات من بيع وشراء وتزاوج وما شاكل ذلك، مع أنّ السياق ينطوي على بيان قدرات الله والإيمان بها، وما يستلزم ذلك من سلوكٍ في واقع الدعوة إلى الله، والمواجهة مع الطغاة، وتصويب سلوك المؤمنين الضالين.

ما زالت الآيات تتماسك لإنتاج مرجعيّة منهجيّة للموقف القولي اللازم، في مواجهةِ النخبة المؤمنة التي أعرضت عن محمّد(ص) ودعوته، وقد أضمروا في نفوسهم ما أضمروا مما يوحي بأنهم قد ضلوا سبيل الله، فاعتقدوا ما يتنافى مع ما يعلمون من الحق، فتأتي الآيةُ القرآنية هنا بالطلب إلى محمّد(ص) أنْ يقول لهم وبشكلٍ مباشر ما يذكّرهم بما يجب "قُلْ إِن تُخْفُوا۟ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَ‌ ٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ" .

 لازم هذا الإشهار قائمٌ في سلوك مَن كان يتوقّع الرسولُ أنهم سيرغبون إليه، لكونه يعزّز ويؤكّد ما في التوراة والإنجيل من الهدى، والدعوة إلى الهدى، ولكن تبيّن أنهم باتوا في غرورٍ كبير؛ فالمرتبة الاجتماعيّة التي لهم بسبب علمهم المزعوم بالكتاب، أعمَتهم عن حقيقة ما في الكتاب، فهم يكتفون بادّعائهم القربَ من الله، ويسلكون في الحياة وبين الناس بما ينافي ذلك. فيعلنون عكس ما يسرّون، تماما كالذي لا يعتقد بأن الله يعلم السرّ وأخفى، بل ويعلم ما في السماوات وما في الأرض. هذا سياق الآيات التي جاءت مقول القول، إظهارٌ للقدرة المطلقة، لتكون في أذهان المؤمنين بها مرجعيّة السلوك القويم ذهنياً وحركيّاً. ولم يقف القول هنا، بل تواصلُ الآياتُ إظهارَ هذه القدرة على كلّ شيء "يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ " يقدّر أهل العربيّة  أنّ "يومَ" منصوبٌ بفعل محذوف هو "اذكر"، وتأتي قيمة الذِّكر هنا من كونها تحيل على متلقيين، إذا كانت العلامة اللغويّةُ "قل" تُسْندُ طلباً إلى محمّد (ص) بوصفه رسول الله جلّ وعلا إلى الناس، فمقول القول معنيٌّ به من تستهدفه الرسالةُ بحمولتها الدعويّة، وهم من يعرفون الله مالك الملك ويعرضون عمّا تقتضيه معرفتهم ذلك. أمّا العلامة المحذوفة هنا والمقدّرة "اذكر"، فإنها تستهدف الرسول إلى الذين استهدفتهم الآياتُ المستهَلَّةُ بـ"قلْ". فما الذي ينبغي أنْ يذكره الرسول(ص) مع إلفاته الآخرين إلى الصراط المستقيم.؟

اذكر أيها الرسول يوم تجد كلّ نفسٍ ما عملت، لأنّه إذْ يسلكُ الإنسان في الحياة سلوكاً في رحاب ذكره المصير والمآل الحتمي في يوم يجد فيه عمله محضراً، فإنّه حتماً سيحرص كلّ الحرص على الصواب؛ والدعوة لاستحضار هذا اليوم بوصفه سياقاً مرجعياً لأيّ سلوك أو قول أو فعل، لا يعني فقط الذين يخالفون معتقداتهم في العلاقة مع الرسول ودعوته، بل يعني ـ أيضاًـ الرسول نفسه، وفي هذا نمذجةٌ سيكون لها أثرها في نفس كل داعية إلى الخير والحق والسلام، فالله يؤدّب رسوله في الوقت الذي يوجهه لتأديب الآخرين.

يقدّمُ النص هذا اليوم بأسلوب كنائيّ يتوخّى التأثير في نفس المتلقّي، فهو ذو وقعٍ في النفس مهوّل. كنايةً عن الموقف الإنساني، يسوق واقعةً لغويّةً تقتضيها أعمال النفس الإنسانيّة من جرّاء ذكر هذا اليوم" تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً " فالنفس عند ذكر هول ذلك اليوم، وهو هولٌ فضائحي، إذْ تُستعرض فيه ما كانت النفس قد عملته من خيرٍ أو شرٍ قلَّ أو كثرَ، فأفضل ما يمكن أن يتمناه المرء، أن يكون بينه وبين هذا الظرف مسافةٌ بعيدة في الزمان أو المكان أو في كليهما، وقد أوقع الفعل "تودّ" على هذه الأمنية "لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً". فالفعل "تودّ" مسنداً إلى "كلّ نفس" يحيل على موقفٍ وجداني تشكّلُه تلك الأمنية في ذلك الظرف العصيب. والحب هو شعورٌ أو انفعال نفسي بإزاء أمرٍ ما، أمّا الودّ فهو مظهرُ هذا الشعور فلو أنك أحببت أحداً؛ فإنّ ذاك الحبّ يكمن، يضمحلّ أو يزدهرُ في النفس، بينما لو تبسمتَ له من جرّاء ذاك الحب؛ فذاك منك الودّ. فالودّ سلوك المحب تجاه محبوبه. فأيّ محبوبٍ سيعلو تلك الأمنية في ذلك اليوم الموعود؟ لذا سيظهر هذا الحبّ في قسمات الوجه، وأثر الفرَق. ويظهر الودّ في سلوك وجدانيّ وحرَكيٍّ يكون البعد من ذلك اليوم أشهى ما تصبو إليه النفس البشريّة.

وإذْ يحذر الله المؤمنين المخاطبين، فذلك منه رأفةً بهم.

نحن بهذا الأسلوب أمام مشهدٍ يكون فيه المرء معلقاً بالفرار، بينما الأصل أن يكون مستبشراً مقبلاً على الله. فكم سيكون فظيعاً أن تجعل أعمالُك يوم لقاء الله يوماً مردودا، وتودّ بعده! فالله يرأف بكم إذْ يحذركم نفسه، فالتحذير هو رأفة بالعباد. 

"قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"  ما زالت لائحة التوجيه الرسوليّ تقوم على تحديدِ سلوك الرسول مع أولئك الذين افتروا على الله، ويزعمون أن الله يحبهم ويحبونه، ولن تمسهم النار إلا أياماً معدودات، فيأتي مقول القول هنا: "إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه" لتحدد العلاقة المباشرة بين الرسول(ص) وبينهم.

إنّ العناصر المكوّنةَ لهذه الآية تستدعينا لإمعان النظرِ والتدقيق فيها. فأسلوبُ الشرط بذاته، لا يشكّلُ ظاهرةً أسلوبيةً ينبغي الوقوفُ عندها؛ غير أنّ الذي يستوقفنا هنا كونُ، فعل الشرطِ وجوابه قد حلّ محلّهما جملتان تنهضان بالمعنى المُراد،في سياق من شأنه تسفيه زعمهم بأنهم يحبون الله ويحبهم، فالشرطُ يقوم، إلى الأداة، بفعلين يتعطل أحدهما بتعطل الآخر ويتحقق بتحققه، فالأداة هنا "إنْ" تثير الشك، فهي لا توفّر المناخ الملائم لليقين في العلاقة بين المسند والمسند إليه في الجملتين اللتين تشكلان أسلوب الشرط هنا. فإسناد الحب إلى هذه الجماعة غير يقيني. وقد دخلت "كنتم " بعد "إنْ" لتشير إلى أن الحبّ المزعوم ليس حادثاً عندهم بل هو عريق. فلو قال إنْ تحبوا الله، لفهمنا أن فعل الحب حادث، وعندها سيتغيّر المعنى كلياً. فهم يزعمون أنهم يحبون الله قبل أن يأتي الرسولُ برسالته، إذن ينبغي أن يكونوا قد عرفوا الله، وأحبوه، واهتدوا بهديه، وامتثلوا لأوامره ونواهيه، وأسلموا له بإقرارهم أنه مالك الملك، وبأنه يؤتي الملك من يشاء، وينزع، ويولج، وبيده الخير، وكان ينبغي أن يتموضعوا مع المؤمنين الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق.....فهم لا يسلكون مع الرسول(ص) بما يستوجبه الإسلام لله. لذلك؛ حلّ محلّ الجزاء فعل الطلب "اتبعوني"، فالرسول يدعو إلى الإسلام، فكيف تكونون مسلمين، ومحبين لله ولا تتبعون الرسول، وتناهضونه وتناهضون دعوته؟!!!! فالأصل المنطقي يقتضي إنْ تحبوا الله يحببكم، ولكن هذا المنطق لا يتناسب مع واقعهم، فالدليل على حبكم لله الذي يبادله الله بحبه؛ هو اتباع الرسول. واتباع الرسول هنا تعني قبول القرآن الكريم كتاباً من عند الله، وتعني الالتزام بأوامره ونواهيه. حبكم لله يقتضي اتباع الرسول، وحب الله لكم، يتجلّى أولاً في إرشادكم إلى السبيل الذي يؤدي إلى حبه، وثانيا يغفر لكم "وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ" والغفران هو السّتر، وهذا فعل المحبين ولله المثل الأعلى، فأنْ يسترَ ذنوبكم معطوفاً على يحببكم فتلك رحمة من الله، وكيف لا؟ " وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " فغفور على وزن فعول من صيغ المبالغة، فهي تعني أن الله ليس غافراً للذنب فحسب، بل هو أصل المغفرة ومادتها الأولى، وكل ما يكون للمبالغة على وزن فعول، يكون بهذه الدلالة. فهو بهذا الاسم من أسماء الله الحسنى مع محبيه فذاك أنّه رحيم.

"قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ" .وهكذا، تختتمُ هذه السلسلة المتماسكة من الآيات الدالات على السلوك الدعويّ مع الذين يؤمنون بالله، ولا يقوّم الإيمان سلوكهم في العلاقة مع المؤمنين والذين يتربصون بالمؤمنين كلّ شر، ويزعمون مع هذا أنهم يحبون الله والله يحبهم؛ فيأتي الطلب "قل" وقد حذف ما يوصل أثر القول إليهم "لهم" ليدخل مقول القولِ في العموم، فلو أنه قال:" قل لهم" لكان القول خاصاً بهم دون سواهم، أمّا وقد حذف "لهم" فهذا يعني لهم ولسواهم. فما هو مقول القول؟

"أطيعوا الله والرسول" لكونهم يزعمون أن علاقتهم بالله خاصة، أكد القرآنُ الكريم الفعل "فاتبعوني" بالفعل "أطيعوا". يطلبُ الرسولُ إسناد الفعل " اتبعوني" أمراً إلى المعنيين بالخطاب المباشر، واقعاً عليه، وجواب الطلبِ "يحببكم الله". أما "أطيعوا" فيطلب الرسولُ إسناده إلى الجماعة نفسها، إلا أنه يعدي إلى الله والرسول، وفي ذلك تأكيدٌ لبطلان زعمهم بأن علاقتهم بالله لا تقتضي اتباع الرسول. علماً أن الرسول لم يأت سوى بالإسلام الذي جاء به النبيون من قبل، الإسلامُ لمالك الملك. فالإسلام لله لا يستقيم مع الإعراض عمّا جاء به الرسول، فلو أنه قال في هذا السياق أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، لكنّا سنسألُ ما الذي نطيع به الرسول(ص) غير مقول الفعل"قل" السابق ذكره في هذه السلسلة، ولم يرد سوى ما يبيّن قدرة القادر على كلّ شيء، والرسول الكريم مظهرٌ من مظاهر هذه القدرة الباهرة." فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ" . وتقدير الكلام هنا:" فإنْ تولَّوا فلا يحبّهم" وعلة التولّي عندهم ليس جهلهم بالله وكتابه ورسوله، بل إنهم كفروا  علمهم بالافتراء والعلو والغرور. والنتيجة إنّ الله لا يحبّ الكافرين.

تأسيساً على قراءتنا لهذه الآيات؛ نفهم أنّ مدلول الطاعة هنا قائمٌ في الموافقة بين المعتقد والسلوك.وهذا لا يختصّ بمن يخاطبهم النبيّ في ذلك الظرف التأسيسي، بل يشمل كل مؤمنٍ بالله ويسلك في حياته بما يتنافى مع هذا الإيمان، وقد نقيس عليه فنقول من يعتقد بصحة معلومة أو قانونٍ أو قاعدة، فلا يحقّ له أن يدير ظهره ويتولى عمّن ينهض بها وينافح عنها، ويدعو لها بموجب صدقها وصوابها. 

 

ezzeddine  anayaأمْلت التحولات التي شهدها العالم في التاريخ الحديث دورا مغايرا للمرأة في الساحة الاجتماعية. وكانت المرأة سواء المسلمة أو المسيحية أو اليهودية الأبرز من حيث التأثر بهذا المناخ الجديد. فقد شهد الواقع الذي تسود فيه الأديان الثلاثة تبدلات عميقة تجلّت في تشكّلِ ثقافة مغايرة، طرحت رؤى جديدة انعكست على دور المرأة وعلى حضورها في المجتمع، وبالمثل على مساهمتها الحضارية بشكل عام. فما عادت المرأة المتأتية من الثقافة الإسلامية أو الثقافة اليهودية-المسيحية تلك المرأة المنزوية والسلبية، المنفعِلة بالأحداث والتغيرات دون مساهمة فيها أو صنعها، بل باتت شريكا فاعلا في التحولات الكبرى. وصحيح أن المرأة في التقليد الإبراهيمي عامة تتماثل من حيث بعض السّمات والرؤى والمعتقدات، ولكنها تتغاير من واقع إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى. فالواقع الغربي المسيحي قد شهد تحولا فاق ما عليه الحال في الواقع الإسلامي، وهو ما انعكس على دور المرأة وكيانها. حيث اكتسبت المرأة الغربية جملة من الحقوق رفعتها إلى مصاف الرجل، بما خلّف تبدلات عميقة داخل الأسرة وداخل المجتمع، انعكست سلبا وإيجابا على الوئام الاجتماعي، لعل أبرز السلبيات الحاصلة في ذلك التحول ما تشهده الأسرة في الغرب من هشاشة ومن تحلّل باتا يهددان تلك المؤسسة العريقة بالانخرام؛ وأبرز تلك الإيجابيات الحاصلة تتمثّل في تعويل المرأة على ذاتها في تدبير شؤون حياتها وفي تخلّيها عن تلك السلبية التي لازمتها، باعتبار الرجل راعيا وحاميا لها. وبما يوازي ذلك التحول خطت المرأة في الواقع الإسلامي خطوات جبارة في العقود الأخيرة، من حيث التحرر من سلطة المجتمع البطرياركي، ومن حيث الانطلاق في تحقيق كيانها كعنصر فاعل وإيجابي في المجتمع بعد أن كانت عبئا على الرجل، أو بالأحرى أُريد لها أن تكون غائبة ومحصورة في الشأن المنزلي دون مساهمة تُذكَر خارجه على المستويين المعرفي والفاعلي. ولعل الخطوة الكبرى التي خطتها المرأة المسلمة وهي خروجها لطلب العلم والمعرفة ومن ثمة الانخراط في سوق العمل، وإن لا يزال حضورها المباشر في الفعل الاجتماعي وفي التعويل على ذاتها منقوصا أو دون ما هو مطلوب1

 

المرأة المؤمنة في زمن التحولات

ذلك بشكل عام، ولكن لو دققنا النظر في التحديات التي تواجه المرأة المؤمنة، أو بالأحرى المرأة المتديّنة والملتزمة بتعاليم دينها، أي التي لها مرجعية إيمانية في نشاطها وفي حضورها. نجد أن هذه المرأة علاوة على ما تجابهه من تحدّ من المجتمع الحاضن، من حيث تحديد دورها أو الضغط على حرية نشاطها، تواجه تحديا آخر متأتيا من رفيقتها المرأة التي باتت لا تشاركها تلك المرجعية الإيمانية التي تنطلق منها. فالمرأة في الغرب على سبيل المثال تشهد خصومة مع المرجعية الدينية لا سيما المرجعية المؤسساتية الكَنَسية. يتجلى ذلك في محاولة التخلص من سلطان الكنيسة الذي لا زال يحضر بقوة في التشريعات المتعلقة بالزواج والطلاق والإجهاض ويتحكم في بنية الأسرة عامة. فقد تركّز الخصام بين المرأة والكنيسة في الغرب حول العديد من المسائل، ويتجلى ذلك في الدول التي لا تزال فيها هيمنة الرؤى الكنسيّة الكاثوليكية حاضرة في التعليم وفي الشأن الأسري، لا سيما في جنوب القارة في إيطاليا وفي إسبانيا، فعلى سبيل المثال لم تنل المرأة الإيطالية حق الطلاق سوى مع قانون "فورتونا باسليني" 1970، وهو حق طبيعي لم تفتكه سوى أخيرا. فالتقليد الكاثوليكي يَعدّ الطلاق عامة ولا يزال إثما وخطيئة بناء على ما يرد في الكتاب المقدس، "فأجاب وقال لهم: أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكراً وأنثى وقال: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسداً واحداً؟ إذاً ليسا بعد اثنان، بل جسد واحد. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان. وجاء في إنجيل متى (9: 19) "فسألوه: لماذا أوصى موسى بأن تُعطى الزوجة كتاب طلاق فتطلّق؟ أجاب: بسبب قساوة قلوبكم سمح لكم موسى بتطليق زوجاتكم. ولكن الأمر لم يكن هكذا منذ البدء. ولكني أقول لكم: إن الذي يطلق امرأته لغير علة الزنى ويتزوج بغيرها فإنه يرتكب الزنى، والذي يتزوج بمطلقة يرتكب الزنى". بناء على أن ما جُمِع في الأرض لا يفرق إلا في السماء. ما انجر عن إلغاء هذا الحق الطبيعي أو تعطيله إفساد من نوع آخر للحياة الأسرية وللعائلة. إذ صحيح أن الطلاق هو مضرة ولكن منع الطلاق أحيانا يغدو مفسدة أشد وأقوى.

ضمن تلك التحولات في الغرب ظهر اللاّهوت النّسوي خلال العقود الأخيرة، بوصفه تأملا لنساء مسيحيات في سياق الدين والحياة على ضوء الإنجيل2 ، وكان من أبرز المداخل المعرفية الناشطة لاختراق الضّيق الذي حُصرت فيه المرأة. فبعد حضور دوني للمرأة في الكنيسة امتدّ قرونا، لم تسنح الفرصة للتنديد بحياة القهر التي ترزح تحت وطأتها المرأة، سوى إبان حقبة الستّينيات. حيث شكّل كتاب فاليريا غولدستاين 1960، "أنا مرأة وأدرُس اللاّهوت"، قطعا مع اللاّهوت الرّجالي وتدشينا لمرحلة جديدة عُرِفت باسم اللاّهوت النّسوي. رَوَت الكاتبة في مؤلفها ملحمة دونية المرأة داخل بنية الكنيسة وتعرّضت لوضعها كامرأة مؤمنة تعيش قهرا مسلَّطا عليها من قِبل مؤمنين، حينا بوعي وآخر بلا وعي. والحقيقة أن الحركة النّقدية للكتاب المقدّس قد لفتت النّظر نحو المسألة النّسوية وقضاياها، منذ ما يزيد عن القرن، ولكن ما كانت بذلك الإصرار والتركيز والوضوح، فقد نُشِر سنة 1895 مؤلَّف نسويّ جماعي برعاية إليزابيث ستانتون بعنوان: "الكتاب المقدّس النّسوي" وهو عبارة عن شروحات لنصوص متفرقة من الأسفار المقدّسة متعلّقة بالمرأة. لكن مع توالي السنين بات اللاهوت النسوي حائزا على اعتراف في أوساط الدراسات الدينية، بوصفه خطا متميز على غرار "اللاهوت الأسود" و"لاهوت التحرر".

ولئن كان اللاّهوت الأسود -Black theology – مع جايمس كوين قد دفع قُدما، على ضوء رسالة العدالة والتحرّر الإنجيلية، بالوعي بكرامة الشعوب الملونّة وقضاياها، التي لا تزال عرضة لأشكال شتى من التمييز، بما يتلخّص بالأساس في روايات أزمنة العبودية الوافرة، المعبَّر عنها في لغة الأسلاف الأفارقة3 ؛ فإن اللاّهوت النّسوي لم يطالب فحسب بالتساوي التام والشامل بين الرجل والمرأة، بل نادى بإلغاء الأحكام الجنسانية في الحياة الاجتماعية المدنية وفي الحياة الكنسية أيضا. يرْشَح هذا الوعي دائما من تطلّع إلى تحوير جذري للأسس اللاّهوتية للوجود المسيحي، بدءا من صورة الله، التي لا تزال رهينة الثقافة الذكورية4 ، مع أن الآية التوراتية جلية "لأنه هكذا قال الرب. ها أنذا أدير عليها سلاما كنهر ومجد الأمم كسيل جارف فترضعون وعلى الأيدي تُحمَلون وعلى الركبتين تُدلَّلون. كإنسان تعزيه أمه هكذا أعزيكم أنا" (إشعياء 66: 13).

ذلك أن مطلب العودة إلى لغة استيعابية، تُوظَّف في الكتاب المقدّس وفي اللّيتورجيا، يهدف أساسا إلى الإسهام في إلغاء ذلك التمييز الجنساني، ويتطلع إلى الإيحاء بأصالة تلك المطالب وثرائها. وهو ما ينبغي ألاّ يطمس جدّية المطالب وأشكال العنف الحاصل، وبالمثل الدوافعَ الإيجابيةَ للإلهام الدّيني والرّوحي في جوانب كبرى من تلك المقاربات. فكل تلك القضايا حاضرة، حين يغوص الفكر في قراءة مستجدّة للذّاكرة داخل التاريخ الرّسمي، المدوَّن من قِبل المنتصرين، الرّجال. حيث يلوح سعيٌ إلى كشف الواقع المطموس والمقموع للطّرف الأنثوي. ذلك أن الأنساق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، التي تطوّرت عبر الزمن، قد رهنت المرأة داخل حالة من الخضوع والاستغلال، سُخِّرت فيها لحاجات الذَّكَر ورغباته. لذلك يظهر اللاّهوت النسوي بمثابة نظرية نقدية تحرّرية للجموع البشرية وليس للشقّ الأنثوي فحسب. يسعى وبشكل جاد إلى إصلاح صورة الألوهية الذّكورية، ويتطلع أيضا إلى مقصد إعانة الذّكر، على هدى المسيح، للإقرار بالمكوّنات الأنثوية في كيانه، حتى تعبّر المرأة عن ذاتها كشخص، لأن كلاهما إنسان بحسب صورة الله المتجلّية فيهما، وهو ما يجد دعمًا في سفر التكوين. والواقع أن ثورة المرأة على الكنيسة في الغرب قد تأتّت ضمن ثورة اجتماعية أشمل، بلغت مداها في ما عُرف بانتفاضة 1968 في فرنسا، التي للأسف انحرفت نحو المناداة بثورة جنسية مستهترة تسقط بموجبها كافة الحصون الأخلاقية من أجل حرية متهتكة.

من جانب آخر وعلى مستوى تشريعي تبقى المرأة المسلمة في عيش حياتها الطبيعية والتزامها بدينها الأقرب للاعتدال والانتظام وفق ما هو طبيعي، فهي قادرة على أن تبني أسرة وفي الآن قادرة على أن تعيش حياتها الدينية وخياراتها الروحية، في خلو تام من التناقض بين ما هو طبيعي وما هو اجتماعي وما هو ديني، فالخيار الاجتماعي الأسري الذي تسلكه المرأة المسلمة لا يمنعها ولا يحدّ من خياراتها الدينية والروحية، وبالعكس أيضا، لا تحول خياراتها الدينية دون تحقيق كيانها الاجتماعي الطبيعي. بخلاف ذلك نجد المرأة في بعض التقاليد المسيحية، على غرار الكاثوليكية، تعجز عن الجمع بين حياة اجتماعية أسرية طبيعية وحياة روحية رهبانية، فهي أمام خيارين وأمام سبيلين، إما أن تكون مرأة علمانية أو مرأة دينية، مرأة مجتمع أو مرأة كنيسة. وهو في الحقيقة مأزق ليس هينا وليس أصيلا في المسيحية بل طارئا، عرفه هذا الدين مع القرون الوسطى. منذ أن بدت العزوبة شرطا لازما للاندماج في سلك الرهبنة، لكن هذا التقليد الإلزامي للمرأة لاختيار أحد النهجين، العزوبي أو الأسري، لاقى معارضة قوية منذ ظهور الإصلاح البروتستانتي مع مارتن لوثر (1483-1546م) الذي أبى إلاّ أن يثور على التقليد السائد وقرّر الزواج بعد تكريسه من الراهبة كاثرين دي بورا التي أنجبت له ستة أبناء، وذلك بعد أنكر الطابع السائد لخيار الرهبنة، وعدَّ نموذج الحياة المسيحية الأمثل مجسَّدا في العائلة لا في العزوبة القسرية. لقد كانت الثورة البروتستانتية في الحقيقة، في جانب منها، ثورة على مفهوم الرهبنة الذي أملته كنيسة روما. حيث سمح ذلك التحول للمرأة وبالمثل للرجل أن يقوم كلاهما بالدورين الكنسي والاجتماعي، سعيا من وراء ذلك إلى خلق توازن في المكوَّن الأسري، أي في النواة الأساسية في المجتمع.

هذا المطلب لإعادة الدور للمرأة والحضور في مجتمع الكنيسة لا تزال المرأة الكاثوليكية الراهبة دون بلوغه، مع أن هناك إلحاحا من جانب العديد من اللاهوتيين واللاهوتيات في هذا المسار. ولا يزال مفهوم النسوية مصطلحا محرِجا في الأوساط الدينية لما يستبطنه من مراجعات ودلالات عميقة توحي بالرفض والنقد والتصحيح والثورة أحيانا، ثورة من جانب المرأة في مقابل الرجل، وثورة للمرأة على المفاهيم الدينية التي سادت وباتت واقعا مترسخا. لكن النسوية المؤمنة هي بالحقيقة وعي ذاتي جديد يشمل كل ما يتعلق بالمرأة، وقد ولّدت تلك الحاجة تطورات حصلت في الاجتماع الحديث هدفت إلى مراجعة أنظمة السلطة التقليدية، لا سيما منها السلطة الدينية التي تبقى مقاليدها بحوزة إكليروس ذكوري متمثل في الكنيسة، وسائرة وفق رؤى ذكورية متمثلة في اللاهوت، بات كلاهما يزعج المرأة كشريك في الدين وفي الوجود.

 

سعيا لتأصيل النسوية المؤمنة

لم تنشأ النسوية المؤمنة في جانبها المسيحي من عدم، بل وجدت في التراث الديني سندا ودعما وبالمثل أيضا خذلانا وعائقا، لذلك وجبت قراءة أنثروبولوجية متأنّية تقطع مع القراءة الأيديولوجية بغرض بناء رؤية نقدية ما بعد أيديولوجية5 . إذ بالتمعن في التجربة المسيحية المبكرة للمسيح (ع) مع المرأة، نلحظ تطويرا وتجديدا متمثلا في رد اعتبار للمرأة والتعاطي معها ككيان حر ومكرَّم بعد أن كانت مبعَدة عن المعبد أو في عداد الكائنات النجسة، وهو ما استلهمه المسيح من روح الناموس القديم الذي يضع المرأة جنب الرجل في تلقي رسالة الروح القدس وفي تولي مهمّة البشارة والدعوة والرسالة، إلى حدّ الحديث عن المرأة الحَوارية على غرار الرجل الحَواري، أو بتعبير مسيحي "رسولة" على غرار (يونياس) الوارد ذكرها في الرسالة إلى مؤمني روما (16: 7). لكن ذلك الموسم الإيجابي في تاريخ المرأة المسيحية كان خاطفا، سرعان ما عادت إثره المرأة إلى رهن المجتمع بغياب المسيح. إذ يبدو ذلك التحول قد وقع الانثناء عليه والتنكر له بمجرد رحيل المعلم الأول للمسيحية. ففي الرسالة الأولى إلى مؤمني كورنثوس (14: 34) إعلان فجّ بشأن حضور المرأة، يأتي بشكل صارم ليحدّد حضورها، يأمر بمقتضاه النساء أن يخرسن في الكنائس، فليس مسموحا لهن أن يتكلمن، بل عليهن أن يكنّ خاضعات. والأمر ذاته يتكرر في الرسالة إلى مؤمني أفسس (5: 22-23) "أيتها الزوجات اخضعن لأزواجكن كما للرب، فإن الزوج هو رأس الزوجة كما أن المسيح هو رأس الكنيسة".

والجلي ضمن قراءة مقارنة للتراثين المسيحي والإسلامي أن ليست الرؤية الفقهية الإسلامية  التقليدية فحسب في أزمة، بل اللاهوت التقليدي المسيحي أيضا في أزمة تجاه المرأة وتجاه تناول قضاياها. إذ تتوجه انتقادات سواء من النسوية الإسلامية أو من النسوية المسيحية إلى كون الفقه واللاهوت كلاهما قد كُتِب من وجهة نظر ذكورية حازت فيهما المرأة موضعا ثانيا، رغم أن المرأة تماثل الرجل وتضاهيه في النصوص المقدسة المرجعية. وصحيح ضمن هذه الأوضاع أن الأمر قد يبدو متماثلا، لكنه في واقع الأمر متغاير من حيث الإجحاف. فالدونية التي لحقت المرأة المسلمة عبر التاريخ غالبا ما كانت مأتية جراء الواقع الاجتماعي الذي أملى على المرأة أوضاعا دونية ولفّها بتصورات حالت دون انطلاقتها الحرة، ولربما ما كان الفقه الإسلامي في مدارسه الكبرى بتلك السمة المجحفة التي ميزت اللاهوت المسيحي، وذلك لكون الفقيه المسلم هو بشر يجتهد، وليس وصيا على قوله تعالى أو ناطقا باسمه، على خلاف الدور الذي يحوزه البابا والإكليروس في المسيحية بوصفهم يمثلون ظل الله في الأرض وما يحيط بقولهم من قداسة وشرعية.

وفي عصرنا الراهن تبدو المطالبات من المرأة -والرجل أيضا- سواء داخل التراث الإسلامي أو داخل التراث اليهودي المسيحي بإعادة النظر في الرؤى الفقهية واللاهوتية القديمة مدعاة لجدل واسع6 . وأحيانا يُفسَّر هذا الجدل خطأ كونه تنكرا للدين وابتعادا عن التعاليم الصحيحة، والواقع أن هذا الجدل يندرج ضمن التصحيح للتصورات الذكورية والتصويب للدور الرجالي، ولذلك ليست النسوية الكتابية داخل الأديان الإبراهيمية نسوية خصيمة للربوبية أو الدين، بل هي نسوية إصلاحية للذكورية الدينية التي احتكرت الدين وانحرفت بتأويلاته. من هنا ينبغي تحديد جوهر قضايا النسوية الكتابية بوصفها نسوية مؤمنة لا كما يجري نعتها أحيانا بوصفها نسوية متمردة أو خصيمة للمقدّس. ومن هذا المأتى يتوجب على المؤمن عامة داخل التراث الإبراهيمي أن يعي قضايا المرأة اليوم بوصفها قضايا تصحيح، لا بوصفها قضايا إهانة أو تسلّط مقلوب تمارسه المرأة، مدفوعة بذاكرة جريحة وتراث مشحون بالتجاوزات.

والجلي أنه عادة ما يُختزل دور المرأة في البيت ويُترك باقي المجتمع إلى الرجل، لكن التحولات الحديثة فرضت إعادة تقسيم للأدوار والفضاءات مع مراعاة طبيعة كل منهما. ولم يعد الفاصل بينهما ما يُسمّى بطبيعة الأشياء، بعد أن تسربت لتلك الطبيعة العديد من الانتقادات، بل بات الصواب في تقاسم الأدوار وِفق الوِفاق والوئام والشراكة. فالمرأة شريك فاعل في البيت والمجتمع بعيدا عن التقسيمات الكلاسيكية، وهو ما دفع إلى ندية وتماثل مع الرجل ويقود في الآن إلى مساواة كانت مطموسة في ما سبق. وهذه المساواة هي مساواة حضَّ عليها الدين وآزرها وألحّ عليها، لكنها بقيت غير مفعَّلة أو مؤوَّلة بطريقة مغلوطة، ولذلك تقود النسوية الإيمانية تحولا من داخل الحضن الإيماني لتصحيح المفاهيم الخاطئة.

وإن يكن ثمة مراجعات قوية، وأحيانا غير معهودة، مطروحة داخل النسوية المؤمنة تصل إلى أعلى درجات الجرأة، يتوجب الإصغاء إليها اليوم كونها نسوية مسؤولة وتنطلق من أرضية إيمانية. ففي الجانب المسيحي كانت المرأة ولا تزال خارج نطاق التحكم بتسيير الكنيسة لاهوتيا. فهي مكمِّلة لدور الرجل وأحيانا مجبَرة على الصمت والانزواء. ولذلك ضمن مسار التحولات التي شهدها الغرب،لم يكن خروج المرأة في تلك المجتمعات بقيادة الفكر الديني، بل بقيادة الفكر العلماني اللاديني الذي تنبّه إلى الحصر التاريخي للمرأة. ومن هذا الباب نشأت خصومة كبيرة في الغرب بين المرأة والدين. فكان لتحقيق المرأة كيانها متوجَّب عليها الخروج والثورة على الدين وعلى ممثلي الدين حتى باتت المرأة عنوان التحرر من الكنيسة، نجد ذلك في شعار الثورة الفرنسية وفي تحرر الفن من طابع الحشمة والحياء، وهي عملية رد فعل رمزية شهدها الغرب الثائر على ممثلي الدين. بخلاف ذلك جاءت النداءات الأولى لتحرير المرأة في الثقافة الإسلامية من أوساط مؤمنة ومشبَعة بالتراث الديني وهو ما مثّله قاسم أمين في مصر والطاهر الحداد في تونس.

 

رؤية نقدية في قراءة التراث

صحيح أن الفقه الإسلامي الحديث قد شهد تطورات كبيرة في الموقف من المرأة، لكن يبدو الأمر في الغرب ولا سيما في الكنيسة الكاثوليكية حتى اليوم حاضرا ضمن باراديغمات القرون الوسطى من حيث التنكر والتعاطي مع موضوع المرأة. فقد شنّ المفكر اللاهوتي السويسري هانس كونغ حملة شرسة على خيارات الكنيسة القروسطية تجاه المرأة السائدة حتى اليوم، واعتبر أزمة المسيحية في خضوعها إلى باراديغم مسيحية القرون الوسطى، سواء في الممارسة الكهنوتية المتجلّية في الموقف الدوني من المرأة، أو في الإصرار على الإلزام العزوبي، الذي يمثّل شرطا لازما لرجال الدين وللراهبات، إضافة إلى الإقرار بعصمة رأس الكنيسة. فهذه العناصر الثلاثة: دونية المرأة وعزوبة الإكليروس وعصمة البابا، هي المفاتيح الرئيسية التي تميز مسيحية القرون الوسطى7 . ولعل التناقض الصارخ لكنيسة روما مع المرأة متجل اليوم في الموقف من المرأة داخل الكنيسة، حيث يتواصل حرمانها من الرواتب ومن منحة التقاعد التي يتمتّع بها الكهنة ورجال الدين الذكور فحسب ومن الترقي الكهنوتي على غرار الرجال8 . وكذلك في الموقف من المرأة خارج الكنيسة حيث لا يزال الإصرار على مصادَرة حريتها في تقرير مصيرها من حيث خيارات الطلاق والإجهاض واستعمال موانع الحمل وتنفيرها منها، فضلا عن كبح حريتها في تشكيل عائلتها على هواها. وهي عناصر لم تسوَّ بعدُ ولا تزال تخيّمُ على علاقة الكنيسة بالمرأة في الغرب. لذلك نجد المرأة الغربية وإن تقترب روحيا من المسيحية، فهي تبتعد لاهوتيا من الكنيسة، والأمر ناتج عن خلاف بين الطرفين يمتدّ إلى المسائل التشريعية والثقافية.

في ما يتعلق بالجانب اليهودي، بعد انطلاق حركة الاستنارة الإصلاحية (الأفكلارونغ) التي تُعرف بالهسكلاه أيضا، والتي نادت صريحا على لسان مؤسّسها موسى مندلسون (1729-1786م) بضرورة تبني الثّقافة العلمانية كسبيل للاندماج، إلى جانب الدعوة إلى تحطيم المنبذ العقلي -الغيتو- الذي ضربه اليهود حول أنفسهم، إضافة إلى المنبذ السياسي الذي فُرض عليهم، شهدت أوضاع اليهودية تحولات من حيث النظر إلى الذات وإلى العالم. فقد حصلت جرأة في التعاطي مع التراث، وهو بالواقع موقف شبيه بما حصل في الجانب الإسلامي، إذ يشكّلُ ثقل تراث الأحبار وطأة وعائقا. حيث جاءت الاستنارة اليهودية في شكلها النسوي خروجا من الغيتو الأكبر ألا وهو الغيتو التراثي المفروض على المرأة من الرؤى المحافظة والتقليدية، وقد مثّلت المصلِحة راكيل فرناغن (1771-1833م) هذا الوجه التحرري للمرأة اليهودية بالمناداة بتحرّر اجتماعي من الغيتو الداخلي المضروب على المرأة9 . كما شهد الواقع اليهودي تحولا ثانيا كبيرا، لحقت آثاره المرأة انطلق مع مؤسسة "التحالف الإسرائيلي العالمي" (Alliance Israelite Universelle) بما قامت به من تثوير للنظام التعليمي اليهودي التقليدي، الذي كان يحاكي نظام الكتاتيب المنتشر في بلاد المغرب، بإنشاء المؤسسة معاهد تدريس مختلطة تعتمد أنظمة تربوية غربية وعصرية أولت اهتماما كبيرا للغات الأجنبية. وازداد سحب البساط من التعليم التقليدي اليهودي بإغراء الخريجين والخريجات بالاندماج في سوق الشغل، ناهيك عن تكثف دمج المرأة ضمن دائرة الثقافة الغربية حتى بلغ تغريب الشخصية اليهودية مستويات تضاهي ما عليه المرأة الغربية. وفي أعقاب التحولين البارزين اللذين طرآ على أوضاع المرأة اليهودية، نرصد تحولا ثالثا شهدته المرأة اليهودية مع فترة الستينيات من القرن الماضي، حيث بدأنا نشهد إعادة قراءة نسوية للكتاب المقدس اليهودي لا سيما في الولايات المتحدة، حصل ذلك تحت تأثير النسوية المسيحية، نجد فيها قراءات معاصرة تقطع مع القراءات التقليدية للنص المقدس في شكلها المحابي للرجل10 . استعادت بواسطتها النسوية اليهودية نماذج عالية من التحرر في التراث اليهودي، عُدّت مثالا للمرأة اليهودية المضاهية للرجل في المجالين الديني والدنيوي. ومن هذه الرموز ما تعلق بمجال النبوة التي تخلصت من بعدها الذكوري وشملت النساء أيضا كما يورد ذلك العهد القديم مع النبية دبورة والنبية خَلْدة الوارد ذكرها في سفر الملوك الثاني (22: 14)، وكذلك مع السياسية إستير التي خلّصت شعبها من مخاطر الإبادة (سفر أستير: 4-7).

لعل الأمر الغائب اليوم بين مختلف أشكال النسوية المؤمنة وهو التنسيق بين مختلف هذه المداخل. فلا شك أن المجتمع الحديث اليوم يفرض على المرأة في سائر التقاليد الدينية الإبراهيمية تحديات متنوعة باتت تهدد كيانها كمرأة مؤمنة ومتدينة، ما يتوجب معالجة الأمور معا وبروح منفتحة على قضايا العصر. وصحيح أن المرأة داخل التراث الإبراهيمي قد قطعت شوطا في مراجعة تراثها، وفي الحصول على حقوقها، ولكن يبقى عليها اليوم العمل جاهدة على المحافظة على خصوصيتها كمرأة مؤمنة برغم ما يشهده العالم من مظاهر زحف أشكال اللاإيمان واللادين.

 

عزالدّين عناية - أستاذ تونسي بجامعة روما

.......................

هوامش

   1-Nibras Breigheche, La donna nel corano e nella tradizione islamica. Al di  là dei pregiudizi, in Donne e religioni. Il valore della differenza, a cura di stefano Allievi, EMI, Bologna 2002, pp. 59-68.

  2- Marga Bührig, Donne invisibili e dio patriarcale. Introduzione alla teologia femminista, Claudiana, torino 1989, p. 36.

  3- Cummings, G.C., Hopkins, D.N, Cut loose your stammering. Black theology in the slave narratives, Maryknoll, N. Y., 1991.

  4- Johnson, E., She who is: the mystery of God in feminist theology discourse, New York 1992.

  5- Adriana Valerio, Le ribelli di Dio. Donne bibbia tra mito e storia, Feltrinelli, Milano 2014.

 6 - أُبعد اللاّهوتي الهولاندي جون وينغارد (John Wijngaards) عن الكنيسة، لما يراه من تنكّر لتراث المسيحية البدئية التي بلغت فيها المرأة رتبة الشماسة، مع أن الرجل يُعدّ من أبرز المختصّين في الكهانة النّسويّة.

  7- Hans Küng, Conservare la speranza, Rizzoli, Milano 1990, p. 205.

. 8- Curzio Maltese, La questua. Quanto costa la chiesa agli italiani, La Feltrinelli, Roma 2008, p. 53.

9- Laura Voghera Luzzatto, La donna nella storia e nella tradizione ebraica , in Donne e religioni. Il valore della differenza, a cura di Stefano Allievi, EMI, Bologna 2002, pp. 87.

  10- Ibid, pp. 69-97

 

ibrahim telbasilkha(عالم اللغة الانجليزى فيرث): قدم فيرث رؤية فلسفية رائعة لتلك الجهود القيمة التي بذلها كثير من الفلاسفة والعلماء في دراستهم للغة منذ مرحلة الحضارات الشرقية القديمة مرورًا بالمرحلة الوسطى وحتى عصرنا.. وأعلن في البداية أن أصحاب النظريات اللغوية استمدوا آرائهم بخصوص اللغة من مجتمعهم وإرثهم الثقافي، ومن دينهم على وجه الخصوص، فكل واحد منهم له تصوره المتميز. لهذا فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون دراسة ما الذي فكر فيه هؤلاء الناس العظام الذين بنوا الحضارة الأوربية، بخصوص المنطوق utterance والكتابة، الكلام واللغة. ولا يمكن ذلك ورؤية الفروع العديدة لعلم اللغة بدقة وبمنظور ملائمين بدون نوع ما أساسي من فلسفة اللغة philosophy of language([i]).

فالنا، كما يرى فيرث، مخلوقات متميزة، غير عادية، وهم يعلمون ذلك، ويدركون المسافة الكبيرة التي تفصلهم عما يسمونه الحيوانات العجماوات، وبناء على قوة الكلام عندهم رفعوا أنفسهم إلى السماء. ووصل هذا العمل الخاص بالكلام الخاص إلى رؤسهم، فآمنوا بقوة الكلمات. واعتقدوا أن الإله خلقهم على صورته ومنحهم بنفسه الصوت في العالم، والصوت، والكلمة، وفاك vak هي مصدر الحكمة wisdom والقوة والإبداع([ii]).

ويرى فيرث أننا إذا رجعنا إلى المعتقدات والتأملات الأقدم بخصوص الكلام والكتابة، فإننا سنجد تعبيرات expressions أخاذة للاعتقاد في القوة الإبداعية وسحر الكلمات، ما هو فوق طاقة البشر، ما هو خاص بالسوبر بشر، القوة الماورائية، القوة الربانية، قوة الإله([iii]).

وقدم فيرث تصوره لهذه المعتقدات ولدراسة اللغة بين القديم والحديث كما يلي:

 

1- المصريون القدماء: The Ancient Egyptians

أشار فيرث إلى الأساطير القديمة التي تنسب اللغة إلى إله من آلهتها، أو قوة عليا خارقة، فبدأ بتقديم احترامه الشديد لأنبل الآلهة القديمة الإله توت Thoth إله المصريين. ورأى أن هذا الإله كان يمثل قلب ولسان رع Ra والوسيلة التي كانت تعلن بها مشيئة الإله وبإعلانها تصبح فعالة في عملية الخلق. كان توت هو قوة الاسم، ولم يكن من الممكن التحدث عن أي مخلوق سواء أكان حيًا أم ميتًا إلا حينما يتم المناداة باسمه. إنه نطق بالكلمات التي أوجدت عالمنا. وكان هو إله القمر و"راوي قصة" الشهور بالحفاظ على تسجيل الوقت، فهو المسجل، والمحاسب، والحاكم، والمانح للكلمات والمخطوطات. وهو إله الكلام الساحر، إله الكتابة المقدسة، إله ورق البردي، صانع لوحة ألوان الرسم وآنية الحبر، وإله الكتب، الإله الحافظ للكتب، للمؤلفين. وكثيرًا ما كانت معه سيشت seshet إلهة الكتابة، وربما كانت هي سكرتيرته المثالية فهي التي تساعد الملك على رؤية وضع الأسس بشكل جيد وفعلي. ولم يكن توت مجرد متكلم، أو معلن، بل كان متحكمًا في عملية "التسجيل" و"الرواية" و"التهجئة"([iv]).

وكان عند البابلتيين Bablonians أسطورة تقول إن أول ساكن في بابليونيا كان Oannes، وهو وحش نصف رجل، ونصف سمكة، وهو الذي قام بالسباحة في الخليج الفارسي وعلمهم استخدام الكتابة والفنون الأخرى([v]). ولدينا نماذج من نصوص قواعدية قديمة من بلاد بابل ترجع لحوالي عام 1600 ق. م. وما بعده، ومكتوبة على ألواح بالخط المسماري الذي نظم بطريقة تظهر تصريفات الضمائر والأفعال، والأنواع الأخرى للكلمات السومرية مع مقابلاتها في اللغة الأكاديمية (البابلية). وكان الغرض من هذا العمل هو الاحتفاظ بمعرفة اللغة السومرية التي كانت في طريقها للزوال، ولكنها كانت اللغة التي كتب بها كثير من بواكير الأدب البابلي([vi]).

 

2- الصينيون: The chinese

يوجد عند الصينيين قصص عن "فرس – النهر" المرسل من السماء، أو السلحفاة، الذي خرج من النهر قبل الامبراطورية الأسطورية. ولم تتحدث تلك السلحفاة اللغة الصينية. فهي لم تكن تحمل موهبة الكتابة في فمها، كانت تملكها في صورة تصميم، أو مجموعة من الضربات على ظهرها. وحينئذ تم كتابة القوانين. وكان الناس يزداد احترامهم لعظمتها السماوية حينما يرونها تستمع للطيور، وتقوم في صمت، حينما تطير تلك الطيور بعيدًا، بطباعة العلامات التي تركتها آثار أقدامها الرقيق في الرمل الخفيف. وأنتج الصينيون منذ ألف عام قواميس dictionaries ممتازة، ورتبوا الكلمات أيديولوجيًا ideologically وفي بعض الأحيان تبعًا لأصواتها لتوضيح الرنين (الصوت) والقافية. واخترعوا كذلك فن طباعة الحروف بواسطة قوالب متحركة"([vii]).

 

3- الهندوس: The Hindus

ربما كان من أكثر المعتقدات القديمة أهمية وأيضًا أكثر التأملات خطورة بخصوص الكلام واللغة هي الخاصة بالهندوس، حيث يرجع تاريخهم لستمائة أو سبعمائة عام قبل الميلاد. فقلد أوضحت الدراسات الأوربية الحالية بشكل مثير للدهشة القليل من التقدم بعد ألفي عام([viii]).

ففي الكتابات الهندية القديمة تم تشخيص الكلام بوصفه إلهة goddess فاك Vak أو vegdevi وتم اعتباره كمثال لفراهما Frahma أو للإله. وفاك المقدسة ليس لها بداية ولا نهاية، لكنها مماثلة للإله والإنسان. تلك هي القوة الإبداعية لبراهما Brahma ويعتقد السيد games geans أكثر علماء الطبيعة رومانسية في وقتنا الحالي أن الإله عالم رياض متميز أو سوبر رياض. وبالنسبة للهندوس القدماء خلق العالم بمعنى "الوجود الفعلي" بواسطة قوة فاك لبناء العالم... كانت الكلمات الإلهية تصنع المعجزات بمجرد نطقها. فالإله خلق الأرض بقوله Bhu. ومن خلال طريقة فاك، خلق الإله الأعظم كل شيء. وهكذا فإنه على الرغم من أن فاك تابعة للإله فهي الأولى في ترتيب الخلق([ix]).

و"توت" و"فاك"يذكروننا بكتاب "النشأة"حيث قال الإله: دع هناك ضوءًا فأصبح هناك ضوء. والآيات القليلة الأولى من الإنجيل تبعًا للسيدجون gohn تقول: "في البداية كانت الكلمة والكلمة كانت مع الإله، والكلمة كانت الأله"([x]).

ولاحظ الهندوس العديد من أنواع فاك، فالآلهة خلقت الأنواع العديدة من الكلام الذي تتحدث به الحيوانات. وكلام الإنسان أعطاه قوة خاصة في القيام بالتضحيات وفي قراءة mantras أو أشكال ثابتة وموضوعة للغة أو تعويذات يصاحبها تأملات. mantras فإن معنى كل الكلام وأيضًا mantras هو "قوته" السحرية. إن العلاقة بين الفعل الكلامي التام ومعناه مثل العلاقة بين mantra والألوهية أو القوة الخاصة التي تنقله. Mantra رمز حي للألوهية، ومعناها هي قوتها. بطريقة أخرى، فإن معنى الإله هو قوة اسمه. وهناك بعض الإصرار على أن مثل تلك الكلمات يجب أداؤها، كشفها واستخدامها مع وجود أولوية حاسمة وتصحيح. وهكذا أثبت الآلهة أنها أقوياء للغاية ويستطيعون تحقيق الرغبات الأرضية والسماوية([xi]).

 

4- اليونانيون والرومانيون: The Greeks and Romans

يشيد فيرث بإسهامات اليونانيين في حقل الدراسات اللغوية فيرى أن عبقرية اليونانيين وشغفهم ترك شكلاً ثابتًا للاتجاهات اللغوية والمنطقية التي يطبقها معظم الغربيين في مدارسهم اليوم. فما زالت آراء الغرب اليوم حول علم القواعد وآليات العلم اللغوي الصوري يونانية بشكل كبير، حيث اقتبسه اللاتينيون وتم الحفاظ عليه وإبقاؤه في أوربا الوسطى ومدارس علم القواعد في العصور الحديثة([xii]).

وكان من أوائل التأملات اليونانية حول اللغة محاورة أفلاطون المعروفة باسم "كراتيليوس cratylus"، التي سخر فيها من علماء القواعد والاشتقاق في عصره. وعلماء الاشتقاق يستحقون دائمًا ما ينالون. الملاحظات التي بدأها أفلاطون في محاورته ذات أهمية كبرى في رؤية المطالبين بالرجوع إلى علم اللغة العملي والموضوعي في عالمنا المتغير. فلقد ناقش مسألة ما إذا كان الكلام عبارة عن فعل أم لا؟ وهل هو نوع من الفعل يتعلق بالأشياء؟ ورأى أن العديد من الناس الذين يقومون بعمل ضوضاء Noise يقومون بعمل حركات بدون هدف كما لو كانوا يضربون قدرًا نحاسيًا. ولكن على وجه العموم فإن الكلام يعد أداة مفيدة وعملية لتلبية الاحتياجات البشرية. لقد ذكر فقط المانح الرسم للأشياء، مانح اللغة، لكن فقط ليثير التساؤل ثم يتركه. وقام باستخدام تلقائي ممتاز للآلهة هيرميس Hermes, وبان Pan، وكل منهما عنده الكثير ليقوم به مع الكلام. وهيرميس هو الرسول والمترجم الذهبي للصوت، مراوغ، مقنع، خادع. وكان زئبقيًا يطير عبر الهواء بأطراف أجنحة، لكنه يمتلك مواهب عظيمة. ويتمتع ببصيرة وحكمة عملية جعلته يخترع القيثارة والموسيقى، الأعداد وحروف الهجاء، وكان مناصرًا لكل التدريبات الجسمانية. وكسفير/ رسول للآلهة فإنه لم يكن فقط إله البلاغية لكن أيضًا للعناية والمهارة في الكلمة والوثيقة وحتى للخداع والحنث والسرقة. إنه لم يكن فقط صوت منذر، لكنه شيء ما عملي جدًا، يقوم بأشياء بين الناس، أشياء جيدة وأشياء بارعة على مدى الحياة. وبان Pan ذو الأطراف المليئة بالشعر هو مخترع المزامير، والجميع يعرفون ألحانه، وحينما يدب برجله في غابة، فإنهم يسمعونه ويرتجفون([xiii]).

ولا مغالاة أبدًا في تقدير إسهامات أرسطو لدراسة اللغة فكل قاعدة نحوية موجودة الآن تدين له بالفضل. ففي كتابه "الشعر" poetics عرض لأقسام الكلام مثل الاسم Noun والفعل Verb، ويظهر فهمه للاتصال الوثيق بين اللغة والطبيعة البشرية واضحًا في كتابه "فن الخطابة" Art of Rhetoric ويجب على كل دارس للغة الطبيعة البشرية أن يقرأه. لقد وضع الأساس لما يجب أن يكون الأوضح بدلاً من أن يكون الأكثر غموضًا في العلوم. واستمر عمله بواسطة الرواقيين والمدارس المتأخرة في الإسكندرية([xiv]).

كان رواد علم اللغة، سواء أكانوا محليين أم أجانب، الذين حددوا لأنفسهم مهمة الفهم التام للغة، دائمًا من النخب elite الثقافية الناجحة ذات الوضع الاجتماعي الكبير، أو من اللغويين العظام الذين رجعوا للغتهم الخاصة على اعتبار أنهم وحدهم يملكون معرفة دقيقة مفصلة، بناءً على المعلومات الداخلية والخارجية([xv]).

وكان أول علم قواعده مقروء لليونانيين هو عمل ديونيسيوس Dionysiusالثراكسي الذي ولد في الإسكندرية عام 100 ق. م. ثم عمل بعد ذلك في ردويس Rhodes وروما. وكان له تأثير كبير على الأعمال التالية، واتخذه علماء القواعد اليونانيين نموذجًا لهم. وولد بريسكيان Priscian في القرن السادس ق. م. في caesarea في موريتانيا (شمال أفريقيا)، وكتب علم القواعد اللاتيني الشهير، وكانت توجد منه نسخة باقية، وكانت شائعة جدًا في بريطانيا في القرن الثامن([xvi]).

والمدرس الروماني للغة الأكثر تأثيرًا والذي يجب ذكره هنا هو كونتليان Quintilian. كان اهتمام كونتليان باللغة عمليًا ووظيفيًا أيضًا، ليس في تعلم كيفية الكلام بالطبع، لكن في كيفية القيام بصور الكلام الجيدة. ومازال له الكثير من التابعيين في مدارس الكلام الأمريكية. لقد تطرق للعديد من الموضوعات الدائمة والمهمة، ون باستخدامConsuetudo كمتحكم مضمون في الكلام. فاللغة تعد عملة يتم صكها بوجه عام، ويمثل استخدامها طريقة للحياة way of life . وفصل أيضًا الكلام في الكتابة وانتقد التمحك الزائد جدًا في علم الأصوات، وعلم النحو، وعلم الاشتقاق etymology. فهو يقول: "إن تلك الدراسات تشوه العقل"([xvii]). ويؤكد كونتليان على وجود مستويات لغوية للكلام فيقول: "إن القدرة على التحدث باللغة شيء والقدرة على التحدث بها مع مراعاة الأصول شيء آخر"([xviii]).

كما كان البراهمانيون Brahmins واليونانيين القدماء من النخب الثقافية المتغيرة. وكانوا أقل اهتمامًا بلغات الآخرين من لغاتهم الخاصة. وكما قال، بعد ذلك آلان جاردنر Dr. Alan Gardiner في كتابه الأخير عن نظرية الكلام واللغة "أن كل شخص بالغ كان ينظر إليه على أنه المخزن الحي للمعرفة اللغوية العميقة. ولذلك كان هناك كنز هائل من الدليل المتاح لبناء نسيج متماسك للنظرية اللغوية". والبراهمانيون كانوا يقصرون أنفسهم بشكل شديد على المخزن الحي للمعرفة العميقة. وتعمقوا بشكل أكثر في لغتهم. اللغة السنسكريتية، في كل من الآلية والنظرية، أكثر من أي شعب قديم آخر. وغالبية العلماء يعترفون بالتأثير الباقي لعلم اللغة اليوناني على معظم الأعمال اللغوية للأوربيين اليوم. وإذا كان هناك أمثلة حديثة مطلوبة أكثر، فإن هرمانبول Hermannpaul ودارمستير Farmester اعتمدا بشكل أكثر وأكثر على لغتهما الأصلية كأساس لنظريتهما اللغوية([xix]).

ويرى فيرث أنه إذا كانت النخب اليونانية والبراهمانية قد اكتفت بدراسة لغتها الأصلية وتمييزها عن غيرها، فإن الدارسين المسيحيين في العصور الوسطى حاولوا أن يجمعوا لغات العالم كلها([xx]).

 

5- اليهود والكنيسة المسيحية:

The jews and Crristian church

اتخذت الدراسات اللغوية في أوربا المسيحية، خاصة الأزمنة الحديثة، شكل فقه اللغة المقارن Comparative philology، ومهمته دراسة العلاقات اللغوية دراسة تاريخية مقارنة([xxi]).

والعديد من الناس لديهم انطباع بأن فقه اللغة أصبح علمًا مقارنًا تحت تأثير مثل تلك العلوم الحديثة كعلم التشريح المقارن، وأن تركيزه على التطوير يعد نتيجة للنظريات الحديثة للتقدم البيولوجي. وبدون شك، فإن للعلوم الحديثة تأثيرًا على فقه اللغة، لكن خواصها الرئيسية، مثل تلك الموجودة بكثرة في الثقافة الغربية، تم تحديدها بواسطة تقارب القوى شديدة التنوع، ومعظمها قديم جدًا. والأيديولوجيا الأساسية لفقه اللغة المقارن هي التحويل اليهودي- المسيحي للإرث الخاص باليونان والرومان الذي تم توضيحه بواسطة تأثير السنسكريتية عند نهاية القرن الثامن عشر، في مجال رد الفعل الرومانسي، والنزعة التطورية لكنه أكثر سامية من أي شيء آخر([xxii]).

ويوضح فيرث ذلك على النحو التالي:

1- فكرة اللغة الأصلية أو اللغة الأم:

يرى كثير من الباحثين في الغرب أن اللغة العبرية هي اللغة الأولى التي تحدثها الناس على الأرض، وهي اللغة التي تحدث بها آدم بوصفها منحة من الرب. وقد آمن كثير من الناس بهذا الرأي في أثناء القرون الأولى للمسيحية، واستمر هذا مقبولاً لعدة قرون... ويرى فيرث أن فكرة اللغة الأم مهمة جدًا بالنسبة لعلم اللغة التقليدي. فوفقًا لقصص الكتاب المقدس فإن آباءنا الأوائل تحدثوا باللغة العبرية وهي لغة اليهود والقواعديون اليهود الأوائل – الحاخامات- كانوا يستخدمون المنهج المقارن والكتب المقدسة لإثبات ذلك، وتمسك أغلب الدارسين والمسيحيين بهذا الاعتقاد حتى القرن الثامن عشر. وكان اكتشاف لغات أخرى وخاصة اللغة السنسكريتية – يعني السقوط المفاجئ لفكرة اللغة العبرية الأم"([xxiii]).

ولذلك وبالرجوع لعلماء القواعد اليهود الأوائل في العصور الوسطى فإننا نجد طابورًا طويلاً من الحاخامات المثقفين أمثال ابن قريش Ibn Kuraish، ياهودا حيوج Judah Hayyug، ابن عزرا Ibn Ezra، عاش بعضهم في شمال أفريقيا والبعض الآخر في أسبانيا تحت حكم المسلمين المتحدثين باللغة العربية، كل هؤلاء كانوا في موقع جيد مكنهم من المقارنة بين العبرية والآرامية والعربية لمعرفة العلاقات الوثيقة بينها. ويمكن تحديد مثل تلك العلاقة بناء على الأشكال الأرثوذكسية بافتراض أن اللغة العبرية هي اللغة الأم. ويقول Ibn Kuraish "إن لغاته الثلاث قد تم صياغتها بشكل طبيعي في صورة واحدة". ويقول ابن عزرا إن العبرية "شكلت لغة واحدة مع الآرامية والعربية"، حيث تتفق بشكل كبير مع تعبيرات فقه اللغة الفرنسي المعاصر([xxiv]).

وبتأثرهم بالفكرة اللاهوتية عن الوحدة الرئيسية في اللغة الأم، قارن هؤلاء اليهود الأوائل لغاتهم بثلاث طرق لتصبح عائلية بوجه عام في العصور التالية وما زالت تستخدم عمومًا، ولعل من أهم إسهاماتهم هنا:

1- أنهم لاحظوا وجود تطابقات (تشابهات) معتادة بين الأصوات في العديد من الكلمات المترابطة في العبرية والعربية. وهذا ما يسمى الآن بقوانين الصوت.

2- أنهم وسعوا مقارناتهم لتشمل الخصائص والعمليات النحوية، وأيضًا المفردات.

3- استخدموا معرفتهم بالأدب العربي والكتابات الآرامية اليهودية كوسيلة مساعدة لتوضيح الكلمات الصعبة في النصوص العبرية. ويمكن تسمية هؤلاء الحاخامات بـ"آباء فقه اللغة السامي المقارن" وفي الحقيقة لكل فقه اللغة المقارنة([xxv]).

ويجب ألا ننسى أبدًا ما للكتاب المقدس واليهود من تأثيرات مهمة على الحضارة الأوربية، وأن معرفة اللغات السامية كانت هي الامتداد الأول للتجربة اللغوية خارج اللاتينية واليونانية. وبعكس البراهمانيين القدماء واليونانيين، عاش اليهود في عبودية وأسر وتحدثوا عن تاريخ المعاناة تحت سيطرة الإمبراطوريات الأجنبية وزيارات الإله المنتقم والغاضب([xxvi]).

والإنسان، الصورة التي خلفها الإله، أخذ من الجنة الأرضية، وعقب مرة أخرى بالفيضان. لكنه ما زال "ذا لغة واحدة وحديث واحد". وقد عملت الملائكة التي هبطت على الأرض بنجاح حيث قامت ببناء مدن وأبراج تصل للسماء ولم يبق أي شيء منها سوى في الخيال. ودمرت روعة البابلتيين. لهذا "فإن اسمها كان بابل، ونشر الإله اللغة على الأرض كلها"([xxvii]).

 

2- الأخوة الإنسانية:

ويزعم فيرث أن الإله أرسل فيما بعد ابنه المخلص أو المفتدي، وكان الناس أخوة، ذوي عقيدة واحدة، وكلمة واحدة. ومن أسماء المسيح Jesus اسم الإله الكلمة. واتخذت أوربا خطوة عظيمة تجاه الكون، حيث قامت بنوع من الأخوة brothershood حينما سمي الأوربيون أنفسهم بالرومان، وبخطوة أكبر بكثير حينما سموا أنفسهم بالكاثوليك. ولم يفقد الإيمان بالعالمية، بالإخوة وكمال الطبيعة البشرية في أوربا. فلقد حاول اللغويون اختراق بابل بإنشاء وحدات فيلولوجي وباختراع لغات عالمية، وكان الأساس فيها وأكثرها نجاحًا، عمل اليهودي الحزين، والذي سمي (اسبرانتو Esperanto أو لغة عالمية) لكن فوق كل ذلك بترجمة الكتاب المقدس. إن اللغات وحروف الهجاء متعددة ولكن "الكلمة واحدة"([xxviii]).

علاوة على ذلك فإن القوة الأكبر في بناء أوربا في العصور الوسطى وفي بداية العصر الحديث كانت دخول الإسلام Islam. وبذلك فإننا نرجع مرة أخرى لمدة سلطان الخبرة كنتيجة للاتصال المتجدد باللغة العربية والعبرية العالم السلامي semitic world([xxix]).

وكان هناك دائمًا عدد قليل من المفكرين أمثالVossious و Scaligers قد سخروا من الاعتقاد بأن اللغة العبرية هي اللغة الأم وقللوا من أهمية قصص الكتاب المقدس وتدريس الكنيسة، لكن الغالبية من الدارسين الأوربيين الغربيين صدقوا تلك الاعتقادات، ومن أشهرهم في تاريخ الدراسات السامية: على سبيل المثال John Buxtorf (1564- 1629) و Job ludlf (1624- 1704) الذي وهب نفسه للأثيوبية Ethiopic ووجد أنها ابنة اللغة العربية وابنة اللغة العبرية بدورها. ومن أحد العلامات في تاريخ علم اللغة العام في إنجلترا كان مجلة Johnchamberlayne للآيات لمجمعة لـ (Iord's prayer) مشتملاً إسهامات ليبنتز Lebiniz و Lacroze ومقالة William wootoon عن "فوضى اللغات(1715) وحيث وافق على اعتقادBuxtorf بأن العبرية هي اللغة الأم. وأكدت كتابات جون ولكنز John Williams، قبل ذلك في عام 1668، أن اللغة العبرية تعد الوحيدة من اللغات الأم، على الرغم من أنه اتفق مع الرأي الخاص، في حالة الكتابة، بأن للأبجدية العبرية الأولوية على أي لغة أخرى معروفة([xxx]).

وعمل الكنيسة المسيحية في العالم الموروث من الرومان لم ينشأ فقط اللغة اللاتينية للعصور الوسطى، لكنه أبقى أيضًا على بعض الاهتمام باللغة اليونانية وأكد على الارتباط باللغة العربية والعبرية. وحيث إن أهمية هذا الدين في تاريخ علم اللغة الغربي، خاصة خلال آخر ثلاثة أو أربع آلاف عام، لا يمكن المبالغة في تقييمها، فدعونا ندرس ثلاثة اقتباسات (تعليقات): الأول من عمل شهير (1668) بواسطة الانجليكاني العظيم جون ولكنز John wilkins أسقف chester والثاني هو واحد من علامات القرن الثامن عشر بواسطة Augustinian Friar و Antonio Georgi خطاب (His Holiness رئيس (بابا المؤتمر العلمي الثالث لعلم اللغة المقام في روما في سبتمبر 1933([xxxi]).

قال ولكنز Wilkins في عام 1668، "بأنه نادراً ما يكون هناك أي موضوع يتم دراسته ومناقشته تمامًا بين المتعلمين، أكثر من أصل اللغات والحروف". ويعد هذا دليلاً كافيًا بأنه ليس هناك أي لغة تعتبر طبيعية للجنس البشري، ولأنه من المثير للعجب بشكل كبير، أن الوثني القديم، الذي لا يعلم أي شيء عن ظهور الكتاب المقدس، يجب جذبه ليصدق أن اللغة والناس كانوا خالدين، أو أنه إذا كان هناك أي وقت محدد حينما ظهر الناس على الأرض، وبعد أن سكنوا بمفردهم وفي الأشجار والأوراق متفرقين، ولم يكن عندهم في البداية أي صوت، لكن فقط مثل تلك الأصوات الفظة مثل أصوات الوحوش، حتى فيما بعد حينما زادت عائلات معينة، أو ارتبطت عائلات متعددة من أجل الأمان والدفاع المتبادل فيما بينها، تحت مجتمعات الحكومة، لقد بدءوا بالتدريج التدريب الطويل للاتفاق على أصوات نطق معينة، يستطيعون بواسطتها توصيل أفكارهم، التي تشكل لغات متعددة في دول مختلفة وتبعًا لتلك الموجودة في الشعر([xxxii]).

لكن بالنسبة لنا، حيث لدينا تفسير للكتاب المقدس، فإن هذه الأنواع من التبسيطات والتخمينات قد تم ذكرها بشكل كاف. وهذا يعتبر دليلاً كافيًا على أن اللغة الأولى ظهرت مع ظهور آبائنا الأوائل، لقد فهموا بسرعة صوت الإله الذي كان يتحدث إليهم في الجنة. وكيفية تضاعف اللغات تعتبر طريقة مماثلة لتوضيحها في قصة "فوضى بابل"([xxxiii]).

وكان التخمين/ الاستنتاج الأكثر تقبلاً هو أن لغات الفوضى كانت تبعًا للأسر العديدة من نوح Noah، التي كانت عبارة عن سبعين أو اثنتين وسبعين أسرة، وإن كان من المحتمل أيضًا إنها لم تقسم بهذا الشكل([xxxiv]).

 

3- عن التبشير بالإيمان:

ويرى فيرث أنه بعد ذلك قام الراهب الأوغسطيني Antonio Georgi بمساعدة درجته الكهنوتية والبابا بالإشادة في منشور رسمي عن التبشير بالإيمان Propaganda fide (1762) بمطالبة الأحبار الرومان بتحسين اللغات الغربية: "منذ زمن طويل مضي حينما كان الإله شديد الغضب، كان الاختلاف المحير للغات هو المصدر الرئيسي لتلك الفوضى وللانسجام الذي نشر البشر من برج بابل إلى جميع أنحاء العالم. والآن مـن خلال المسيـح يجب تجميع هذه التقسيمات. لقد أرسل الأب الرحيم ابنه للعالم ليتم توحيد الجنس البشري الذي تم تقسيمه إلى كتل، وأن العديد من اللغات التي كانت سببًا للألم وعقابًا للمجد الزائف والإثم أصبحت الآن هي أم للسلام والتوافق المباركين، ووسيلة للأوامر السماوية، الرابط التوحيدي وهدية الروح المقدسة Holy spirit"([xxxv]).

والبابا في حديثه في المؤتمر العالمي الثالث لعلم اللغة في سبتمبر 1933، ذكر الطلبة المجتمعين من المركز الكاثوليكي بذلك، حيث بدأ بالآية الرابعة من الفصل الثاني عن أعمال الحواريين: "وقد كانوا ممتلئين جميعًا بالروح المقدسة، وبدءوا في الحديث بلغات أخرى، حيث منحتهم الروح القدرة على النطق". ثم استمر قائلاً: "إن الإصلاح الكلي كان بواسطة" الكلمة" وأكد الارتباط الوثيق بين الرسل وعلم اللغة منذ أيام القديس francis Xavierإلى pater Schmidtومثل Georgi الذي كان قبله، فإنه كان يصلي من أجل تحقيق الإصلاح لكل الأعراق والشعوب الذين كانوا لا يزالون غير مؤمنين، وبارك العلماء اللغويين في أوربا، لأن عملهم كان لإنقاذ الجنس البشري سواء أتم ذلك بشكل مباشر أم غير مباشر عن طريق المخلصين"([xxxvi]).

وبالفعل فإنه من الصعب تخيل الشكل الذي يمكن أن تبدو عليه معرفتنا الحالية باللغات الغربية دون وجود الكتب الناتجة عن أعمال أجيال من المبشرين، كاثوليك وبروتوستانت([xxxvii]).

 

6- المودستيون في العصور الوسطى:

تحدث فيرث عن المودستين modistae (أصحاب القواعد التأملية الذين يمثلون المرحلة العليا من الفلسفة السكولاستية scholasticism) أو الذين يمثلون العصر الذهبي للسكولاستية بما قدموه من نظريات ورؤى تحليلية أو لغة شارحة – meta language للغة وما تتضمنه من- الوصف اللغوي وعناصره وتعقيداته في العصور الوسطى([xxxviii]).

ولتوضيح ذلك يمكننا الإشارة إلى عدة أفكار مهمة كما يلي:

1- إنه من الخطر والخطأ لحد ما تصنيف كل النظرية النحوية grammatical theory من خلال خصائص معينة مستخدمة في وصف بعض الفصائل. وحقيقي أن المودستيين وضعوا الأجزاء التصريفية على أساس المفاهيم المستعارة من فلسفة الحقيقة، لكنهم لم يهتموا بوصف كل مصطلحاتهم وخواصها النحوية ومن المهم تذكر أن علم المصطلحات أصبح ضروريًا بواسطة نظام التفكير وأنه بدأ من مقدمتهم المعرفية، حيث توجد هناك درجة واضحة من ضرورة علم المصطلحات المودستي Modisticterminology. إذا كنا سنستبعد النظريات النحوية للمودستين، حيث إننا يجب أن نقوم بذلك فعلاً، لأننا يجب أن نرفض النظام الكلي للتفكير خلف نظرياتهم. وللقيام بذلك، فإننا نستجيب لقول فيرث إن أنظمة التفكير اللغوي مع مصطلحاتهم تقوم كلها بعمل إسهامات لسيمانطقيا العلم اللغوي"([xxxix]).

ومن المهم بشكل مكافئ، كما أشار فيرث مرة أخرى، تطبيق آليات السيمانطيقا على دراسة اللغة الفنية للعلم اللغوي أو العلم النحوي. ومن إحدى مشاكل دراسة شكل المذهب اللغوي، بغض النظر عن مدى كون متماسكًا حينما يتم استخدامه بفعالية، وغالبًا ما يكون من الصعب تمامًا إدراك الاستخدام الدقيق للمصطلحات الفنية لمثل اللغة الشارحة. لقد أصبحت أكثر صعوبة حينما تم استخدام المصطلحات الرئيسية بشكل مكثف ومن المحتمل بأكثر من طريقة. وازدادت الصعوبة بشكل أبكر حينما تم اتخاذ المصطلحات المدروسة من نظام واحد وتطبيقها بدون تفسير واضح، على الرغم من أنها غير مميزة بأي صورة عن نظام آخر. لقد أشار هاليدايHalliday للعلاقات المختلفة للمشاركين بكتابة نص في موقف لغوي. لقد واجهتنا هنا مجموعتان من العلاقات مثل دارس علم القواعد في العصور الوسطى ودارس علم اللغة الحديث([xl]).

وما زال هناك تعقيدًا آخر من خلال تفسير نية المؤلف في عمل تأكيدات معينة واستخدام مصطلحات فنية معينة. أشار هاليداي إلى أنه حينما يتم توضيح النص على ورقة فإن التأثير الإبداعي للكاتب ينتج من العلاقات المبينة بين "النص" و"القارئ" لكن ذلك هو ما يجب تجنبه في الدراسة النقدية للنظرية النحوية، خاصة تلك التي نتجت منذ عدة قرون مضت، ويجب ألا يكون هناك أي تساؤل عن المشاركة، ولكننا يجب علينا بدلاً من ذلك السعي لمعرفة نية المؤلف في استخدام المصطلحات الفنية([xli]).

لقد رجعنا مرة أخرى لرأي فيرث، وهو أن علم المصطلحات أصبح ضروريًا بواسطة نظام التفكير. وكيف يستطيع الدارس وضع نية المؤلف حينما يكون مسموحًا له بالوصول إلى الهيكل المجرد للنص وحينما يكون بحكم الظروف غير مدرك لأي من مقومات سياق الحال؟ كيف يقوم الدارس بتحليل معاني هذه المفردات الفنية حينما يواجه ارتباكًا واضحًا وزيادة الاستخدام؟ ومن أحد طرق تحليل المشكلة هو تطبيق ما يمكن أن يسمى "اختبار المصاحبة" collocation test. لقد أشار روبنز Robinsبشكل صحيح إلى المصاحبة ليست مستوى عملي للتحليل بكل الكلمات، لكن الذي اتضح من خلال دراسة أي نص مودستي هو أن مصاحبة هذه المصطلحات الفنية يمثل سلاسل منظمة من الكلمات. وفيرث يشير إلى المصاحبة في سلاسل مرتبة تمثل إجراءً مهمًا جدًا في التحليل اللغوي والحجة هنا هي أن تلك المقومات تعد جزءًا مهمًا متساويًا في دراسة لغة الوصف اللغوي. ومن مشاكل ابتكار لغة فنية للوصف اللغوي هو تجنب ربط المصطلح بمعناه في لغة يومية. ويمكن أن يتحول هذا إلى فائدة للمحلل حينما يدرس لغة فنية لعالم قواعد آخر. والمعنى بواسطة المصاحبة يفرض من خلال التعريف أنه لن يكون هناك أي ملجأ للمصطلحات المتحولة. إن استخدام المودستين لمفرداتهم الفنية يمكن شرحه وفهمه بواسطة دراسة التنظيمات الضيقة والواسعة لهذه المصطلحات([xlii]).

كان المودستيون أكثر من كونهم متأثرين سطحيًا بالاتجاهات الفكرية المعاصرة، فهم لم يطبقوا فقط على نظرياتهم النحوية اللغة الفنية الخاصة بميتافيزيقا ومنطقmetaphysics and logic العصور الوسطى لكن أيضًا مكونات ومفاهيم هذه الفلسفة. على الرغم من حقيقة أن المودستيين أصروا على الفصل الضروري للنحو والمنطق، فكان ضروريًا من حقيقة كونهم مناطقة وعلماء قواعد، أن يكون هناك درجة ملحوظة لتدعيم هذه الأنظمة"([xliii]).

أكدت ميتافيزيقا العصور الوسطى الارتباط الوثيق بين حقيقة الأشياء وإدراكها بالعقل. وهكذا فإن علم القواعد أصبح دراسة لتكوين هذه المفاهيم. لقد احتفظ المودستيون بنظام فئات الكلمةword-classesمثل ذلك الذي تم تطويره بواسطة بريسكيان Priscian ودوناتوس donatus وسعوا لإعادة وضع إطار لتعريفاتهم لهذه الفئات من الكلمة في ضوء اتجاهات ميتافيزيقا العصور الوسطى. وتم وضع عنصرين رئيسيين خلال عالم الأشياء وهما الاستمرار والملاءمة، واستخدم النحوي هذين العنصرين كوسائل لبناء nomen (وهو قسم دال على الكلام بواسطة شكل الكائن بدون خصائص مميزة) و verbum وهو قسم دال من الكلام بواسطة شكل العملية الزمنية، ومنفصل عن المادة التي يستند إليها) وparticipium (وهو قسم دال من الكلام بواسطة شكل العملية الزمنية، وغير منفصل عن المادة التي يعزي إليها). وبهذه الوسائل، فإنه تم تقسيم نظام فئات- الكلمة في اللغة اللاتينية، من خلال استخدام معايير ميتافيزيقية في هذه الفئات الخاصة بالكلمة التي مثلت المادة([xliv]).

ومع هذا، لجأ المودستيون إلى مصطلحات نظرية الفلسفة المادية للعصور الوسطى لوضع منهج ومصطلحات فنية ملائمة لتمييز الاسمNoun والضمير pronoun والفعل verb واسم المفعول (الفاعل). وليس هناك حاجة للإسهاب في الكتابة عن استخدام الفرق بين المادة matter والصورة from، الفعل والأداء بواسطة فلاسفة العصور الوسطى في تأكيداتهم بخصوص الجواهر substances، بين الاسم والضمير وأيضًا بين الفعل والضمير. لا يجب أن نتخيل أن المودستيين كانوا أغبياء أو على درجة عالية من السذاجة في أن يساووا المادة كأداة اصطلاحية بالمادة الأولى كمفهوم ميتافيزيقي. فاللغوي، كما أشار فيرث، دائمًا ما يوجه مشكلة استخدام أداة غير ملائمة مثل اللغة لتتكلم عن نفسها. ومن غير المعقول توقع أن الموستيين بنوا أفكارهم على أساس أن منطق الفصائل النحوية الصورية لبريسكيان لكي تكون ثابتة، أن تكون متضمنة لاستخدام المصطلحات الفنية للمنطق([xlv]).

2- المودستيون استخدموا آليات الوصف اللغوي وفسروها في مواضع عدة عبر مؤلفاتهم. ونذكر هنا أن نظريتهم النحوية اعتمدت على دراسة الكلمات وخصائصها كعلامات (رموز) للأشياء القادرة على الإشارة العملية. وتم ذكر هذه الإشارة نحويًا بواسطة أقسام الكلام التي تتضمن فهم الشيء والتعبير عنه، والإشارة إليه، لكن الأداة النحوية الفعلية كانت تحليل أقسام الكلام إلى أشكال إشارية رئيسية عرضية([xlvi])

وكان هناك اعتماد كامل في هذه النظرية بين بنية الواقع وعمليات العقل، ولهذا فإن أقسام الكلام أصبحت الصيغة اللغوية لهذه المفاهيم. إن وضع أشكال للإشارة كان مرحلة مهمة في الإجراء النحوي المودستي. وعلى الرغم من أن المودستيين كانوا مقتصدين في استخدامهم الفعلي للجوهر والعرض كمصطلحات فنية، فإنهم تأثروا بوضوح بالتقسيم الذي تم التعبير عنه في مقولات أرسطو، وقسموا أشكال الإشارة إلى حقيقية وعرضية. ويجب أن نذكر هنا أن أحد المودستيين وهو سيجردي كوراترايSiger de courtriaاستخدم هذا الفرق بطريقة مماثلة لتمييز الاسم والصفة، والاسم والفعل([xlvii]).

والتمييز بين الجوهر والعرض يستلزم التمييز بين act و potentiality الذي يحمل معه تمييز المادة والصورة. ولن ندرس التضمينات الفلسفية لهذه المصطلحات هنا، ويكفي القول أن تل المصطلحات استخدمها المودستيون كجزء من خطتهم الوصفية، رغم أن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم يحملون دائمًا معهم مفاهيمهم الميتافيزيقية([xlviii]).

3- هناك مشكلة موجودة دائمًا في تكوين النظرية اللغوية، مثل تلك الخاصة بعلم المصطلحات الفني، حيث إن كلمات معينة تكتسب قيمة فنية معينة حينما يتم استخدامها في سياق معين، وحتى على الرغم من أنها يمكن أن تمتلك طائفة من المعاني المختلفة في لغة الحياة اليومية. وبالتعامل مع موضوعات المصطلحات الفنية الحديثة لعلم اللغة، فإن المشكلة ليست واضحة مثلما يحدث حينما ندرس اللغة الفنية في الاتجاهات النظرية اللغوية لمدة طويلة في الماضي. إن كل أنواع الصعوبات نشأت بواسطة المودستين ومازالت موجودة حتى اليوم. والمثال الممتاز هو ذلك الخاص بـ"التوضيح" الذي استخدمه المدستيون بطريقة مختلفة تمامًا عن تلك المستخدمة حاليًا. ونشأت صعوبات أخرى من حقيقة أن المودستين كانوا نحويين تمامًا لكنهم في الوقت نفسه كانوا منطقيين وفلاسفة([xlix]).

وتنشأ صعوبة أخرى من الحقيقة الخاصة بالزمن؛ فالمودستيون استخدموا مصطلحات معينة بشكل كبير وأخرى بشكل غير متكرر أو في سياقات معرفة بسهولة. والأولى تمثل الصعوبات بالنسبة لدارسي النظرية النحوية المودستية. والدارس الحديث مشارك بشكل كبير في سياق الحال مثل الدارسين المودستين. ولكن لأن ظروف الحال مختلفة، وبسبب العديد من الأشكال الغامضة خلال السياق، فإن هذه المصطلحات غالبًا ما تكون صعبة جدًا وفي معظم الأحيان من المستحيل تفسيرها. ولفهم تلك المصطلحات، فإن الدارس الحديث عليه أن يلجأ للأداة اللغوية للمعنى بواسطة التنظيم. والفائدة العظيمة لهذه الطريقة هي بالطبع أن المناهج اللغوية والأدوات المستخدمة تحدد معنى هذه المصطلحات اللغوية([l]).

يمكن رؤية قيمة اختبار المصاحبة بشكل أفضل بواسطة دراسة مختصرة للمعنى. وهي وظيفة ثلاثة مصطلحات فنية؛ ratio و consignificatio. المصطلحان الأوليان يحدثان بشكل أكثر تكرارًا ويمثلان مشكلة للدارس المطمئن حينما يستخدم نصه الأول مرة (النص الخاص به). والمصطلح الأخير يعد الأكثر أهمية، حيث إن وظيفة التخصيص كانت كرابط ضروري بين صنف الكلمة ودورها السياقي([li]).

المصطلح ratio يحدث بشكل أكثر تكرارًا في نوعين رئيسيين من المصاحبة يمكن استخدامه في مكان آخر بدون أي استخدام فني محدد. لقد استخدم المودستيون ratio كمصطلح فني من خلال اللغة الشارحة وعلى المستوى السياقي للحديث اللغوي. واستخدام المصطلح من خلال اللغة الشارحة يتضمن أيضًا استخدامه في وصف فئات الكلمة، لذلك فهناك درجة فعلية للتماثل في استخدامها في مراحل فئة الكلمة والسياق([lii]). ومعالجة توماس الإرفرتي Thomas of Erfurtللنحو يمكن إيجازها إيجازًا شديدًا بوصفها مثالاً للنظرية المودستية: الجملة المقبولة تقوم على ثلاثة أسس تشبه العلل الأرسطية الأربع:

الأساس المادي: وهو الكلمات بوصفها أعضاء للأقسام القواعدية.

الأساس الشكلي: وهو اتحادها في تراكيب مختلفة.

أساس الكفاية: وهو العلاقة القواعدية بين أقسام الكلام المختلفة الظاهرة في الصيغ التصريفية التي يستخدمها التركيب، ويفرضها عقل المتكلم.

الأساس الأخير: هو التعبير عن فكرة تامة([liii]).

 

7- عصر الآلة:The Machine age

يرى فيرث أنه يوجد ميل متزايد في عصر الآلة لاعتبار الإنسان مع الحيوانات الأخرى كآلة حساسة، ولشرح الجوانب المتعددة لسلوكه اللغوي على أنه آلية، آلية المنطوق، آليات علم القواعد والتأليف Composition. إننا ندرس عمل الأنواع المتعددة لطريقة السلوك الكلامي على أنها آليات فردية واجتماعية في المواقف المتكررة([liv]).

وعلى الرغم من أننا اعتبرنا أنفسنا أدنى بشكل ضئيل من الملائكة، فإننا لا زلنا نعاني من محاولات إثبات علاقة أصلنا بالقرود، ودائمًا ما نهتم بطبيعتنا الحيوانية. إن علم الاستجابات الانعكاسية reflexology الحديث يشرح آليات هذه الطبيعة الحيوانية. ونتذكر بافلوف Pavlov وكلابه... إلخ. وهكذا فهناك كم كبير من هذه الأشياء في آليات اللغة([lv]).

ومع ذلك يقول فيرث: "يجب ألا نعتقد أن كل الأفكار القديمة عن اللغة قد تغيرت الآن، بل على العكس، فإن بعض الأفكار الموجودة الآن بنفس قدم توت بالنسبة للمصريين"([lvi]). واستعرض فيرث مجموعة من الأفكار القديمة التي لا تزال موجودة في عصرنا.

 

8- الأفكار القديمة ما زالت مفيدة:

أ- السحر: Magic

يتعلم كل الأطفال من أجل الكلام في جو من السحر. فحينما تصل الاضطرابات الجسمانية لطفل إلى أذن المحيطين به، تتجه كل أنواع المشاعر نحوه وتكون في خدمته؛ قلق الأم، كبرياء الأب وتعهدات الخدم والجيران. وحينما يتكلم الطفل يحدث سحر في الهواء. وبهذا السحر الصوتي يتحرك الناس وتحدث أمور عدة، يتعلم أن له صوتًا في العالم وأنه يصنع به العجائب. وليس من المدهش أن يدرب نفسه على تلك الحرفة، على عملية البكاء ليحرك الآخرين ليعملوا في دائرته السحرية. ولا مجال للاندهاش من الإيمان بأن صرخات الإنسان تبتكر، وقد "ابتكرت" ولا عجب أنه يبتهج بما ينجز. ولا شك أن تلك القوة الخاصة بالكلام تنقل مشاعر قوية، وأضرارًا عامة، ورغبات عامة، ومخاوف عامة، وكل قوى الرأي العام. يمكن للكلام أن يطلق جيشًا من الشرور، وأن يخلق فوضى. إنه يتحكم أيضًا في القوى الكبرى، والاتحادات الكبرى، وفي الكتابة من خلال ما يحققه من فتوحات تخلق عالمًا جديدًا للإنسان. "فالكلام" أداة اجتماعية سواء أكان له معنى أم لا، وفي مجال اللعب أو العمل فهو عمل، ومنتج، وخلاق([lvii]).

 

ب- الكلام واللغة واللباقة:

كان لتمييز دي سوسير بين "اللغة" و"الكلام" أثر على معظم من جاء بعده من اللغويين الذين اتخذوا في تحليلهم للغة هذه الثنائية حتى ولو بمصطلحات أخرى ولكن لها نفس الدلالة التي تضمنها تقسيم سوسير، ومن ذلك تقسيم هلمسيلف للغة إلى "النظام" System و"النص" Text "وتقسيم تشومسكي للغة إلى "الكفاءة" Competence و"الأداء Performance، وتقسيم ياكبسون للغة إلى "النمط" Code و"الرسالة" Masaege وتقسيم سايبر للغة إلى "الأنموذج" pattern والواقع الكلامي Reality.... ولذلك يقول فيرث: "إن الفرق بين "اللغة" و"الكلام" يعد شيئًا مألوفًا في الكتب الحديثة عن علم اللغة، وقد أثبت ملاءمته عمليًا بأشكال مختلفة"([lviii]).

واستخدم الهنود القدماء أيضًا فكرة متشابهة، حيث قالوا: إن الإنسان إذا كان يحتاج لشيء واحد لكي يتكلم فإنه يحتاج لأشياء كثيرة لمعرفة ما يقوله وكذلك القدرة على كتابته. وعلق أحد الكتاب من الهنود القدماء قائلاً: "إذا كانت الحروف ليس لها أجزاء، فهكذا لا يكون هناك حروف في الكلمة ولا يصبح للكلمة وجود وتكون منعزلة عن العبارة.. والكلام الجاد، أن المنهج النحوي لتحليل العبارة إلى أجزاء لا يعد شيئًا لكنه إجراء غريب. إنه يعد المصدر الفعلي لكل المعرفة، حيث إنه أدى لاختراع الكتابة". لقد أكد الهندوس الاختلاف الكبير بين "الكلام" و"معرفة الكلام" أو "اللغة المحللة"، بإرجاع التحليل الأول للكلام ومن ثم أساس الكتابة للإله إندرا Indra. "حاول إندرا استجابة لمطالبة الآلهة القيام بتقسيم الكلام ولأول مرة إلى عناصره التكوينية". وأمكن اعتبار ذلك فيما بعد كصورة للغة. وبشكل مماثل لحد ما، فإن أفلاطون ربط الكلام بعطارد، الدائم الحركة، ولدراسة شيء لم يتم إدراكه أو التقاطه أبدًا وإمساكه ما زال مستحيلاً. فكان هناك فلاسفة تعلموا أن كل شيء كان متغيرًا ومتقلبًا، وغير ثابت وظل الأمر كذلك لفترة طويلة. وقد تساءل أفلاطون على لسان سقراط: "كيف حينئذ يمكن أن يكون ذلك الذي لن يكون في نفس الحالة أبدًا، أن يكون أي شيء؟ من المؤكد أن ليس هناك معرفة تدرك ما ليس في تلك الحالة... ومن المؤكد أنه لايوجد شخص عنده إدراك يستطيع أن يؤمن بأن كل الأشياء تتدفق مثل القدور الناضجة الإيمان بأن كل الأشياء مثل الناس بالضبط المصابين بالزكام ويسرعون طيلة الوقت"([lix]).

وكحالة من الضرورة العملية نجد سقراط نوى القيا بما قام به إندرا مع الهندوس "أدرك كل تلك الحالات بواسطة المهارة العملية، قسمها لأجزاء (مثل الكلام) ولاحظ ما إذا كانت الكلمات قد تم توضيحها بشكل منظم حيث إنه إذا تم ترتيبها بشكل متناسق مع بعضها، فإن ذلك يكون أداء غير منهي". فكل منا يعلم أن الكلام ليس مجرد إثارة للضوضاء عشوائية. إننا نعتبر جميعًا كمتلقين لما نسميه اللغة، ونحن نعتبر بشكل مانحين للغة لهؤلاء الذين يتابعوننا([lx]).

والأسئلة الخاصة"بالتقلب" و"الثبات" ظهر دوريًا لألفى عام. وفي عام 1619 ظهرت المحاضرات الشهيرة لدي سوسير التي أبرزت الاختلاف بين "الكلام" و"اللغة". فلقد رأى أن الكلام يتلاشى في الهواء إذا تم تجاهل العلامات الواضحة في شكل صور بارزة. وأكد أن المادة الوحيدة الباقية لدراسة اللغة يجب أن تكون في الكتابة([lxi]).

 

ج- الكتابة واللغة الثابتة:

يرى فيرث أنه يستحيل دراسة الكلام بدون تحليل وتسجيل. ولذلك فإن أهمية التمييز بين أي جزء من الكلام الفعلي، لثانية واحدة في الهواء والتسجيل المحلل له بشكل دائم على الورق، متكونًا من حروف وكلمات، بتفكيكهم وتجميعهم معًا، يمكن تسميتها لغة يد وعين. وكما قال الهندوس، لقد كان الناس لديهم دائمًا موهبة الكلام، لكن هذا جعل الإله يحلله ويمنحه لهم في صورة لغة مكتوبة، حيث يمكنهم دراستها وحفظها. ولم تكن اللغة ثابتة فقط فترات زمنية معينة، حيث تصبح "قانونية". فليس الكلام هو المقدس، لكن الكتب هي المقدسة والكتاب المقدس هو الموحى به"([lxii]).

ويلخص فيرث ذلك فيقول: إن أي شيء تقوله أو تكتبه كفرد في موقف معين عن حالة خاصة هو الكلام. والكلام هو نشاط شخصيPersonal activity يتفاعل مع قوى أخرى في موقف معين. إنه ديناميكي dynamic. واللغة هل كل الخلفية النموذجية لعلم القواعد والمعاجم والاستخدام. وحينما تتعلم الكتابة فإنك يجب أن تتعلم ما يتعلق بالكلمات والجمل و"البناء". واللغة هي علم رموز العناصر العامة في كلامك، وكلامي، الأمس، واليوم، والغد. فهي: على نحو ما، ثابتة (سكونية) لفترات محددة من الزمن"([lxiii]).

ويضيف فيرث "اللباقة" لهذين المجالين. ويعني "باللباقة" تعقيد الأساليب التي تحدد استخدام صور ملائمة من اللغة كعناصر وظيفية للموقف الاجتماعي. ومثل اللغة، فإنه يمكن ملاحظة اللباقة في العمل المثالي الطبيعي للكلام من خلال علاقته بالعوامل الأخرى في الموقف. وتم الإشارة على أحد جوانبها في بعض الأحيان على أنها "عبقرية اللغة"Genius of language. وبعض الناس يفضلون التفكير في اللغة واللباقة على أنها خلفية الذاكرة بالنسبة للكلام، حيث تجد المميزات الداخلية للعقل نفسها تشترك في الكلام الفعال. وفكرة "التنسيق" تساعد أيضًا على فهم تلك الطريقة الخاصة بدراسة أنماط اللغة واللباقة. وعلى الجانب الآخر فإن فعل الكلام يعد دائمًا مكونًا ديناميكيًا dynamic component في سياق معين([lxiv]).

 

د- الكلام المعياري "الفصيح":

إن ما قيل عن الموهبة القديمة والمقدسات للكتابة أو اللغة "القانونية"، يمكن تطبيقه جزئيًا على تلك الصور الخاصة بالكلام المرتبط بالقيم الاجتماعية social values. وقد تم حمل مثل تلك الصور الخاصة بالكلام بواسطة مجموعة أو نخبة elite وتم إعطاؤها الناس. وتعتبر إذاعة B. B. C. من خلال وجهة النظر هذه "مانحة للغة"([lxv]).

ففي اللغة كما في الأشياء الأخرى يجب أن يكون للناس آلهة، وأن يعتمدوا على السلطات. لقد نما علم الأصوات نفسه لخدمة لغتين مقدستين كلاسيكيتين، السنسكريتية والعربية. حتى في انجلترا فإنه صحح الطريقة القديمة في التهجئة من خلال مخطوطاته، وقدم صورة من الكلام تم استخدامها بفخر في أنحاء العالم([lxvi]).

إن اللغات المعيارية كانت توجد لدى النخب وتمنح لعامة الناس من خلالهم. لهذا، فليس من المدهش أن يسميها الأستاذ دانييل جونزDaniel Jones "النطق المتلقي"([lxvii]).

 

..........................

الهوامش

 

([i]) Firth, J. R, the Tongues of ,en and speech, London, Oxford university

press, 1964, P. 3.

([ii]) loc- cit.

([iii]) loc- cit.

([iv]) Ibid, PP-3-4.

([v]) loc- cit.

([vi]) Robins, R. H: A short History of linguistics, P- 12.

([vii]) Firth, J. E, The Tongues of men and speech, PP- 4-5.

([viii]) loc- cit.

([ix]) loc- cit.

([x]) loc- cit.

([xi]) Ibid, PP- 5-6.

([xii]) loc- cit.

([xiii]) Ibid, PP- 6-7.

([xiv]) loc- cit.

([xv]) loc- cit.

([xvi]) loc- cit.

([xvii]) loc- cit.

([xviii]) Sausseurr, F. F, course in general linguistics, Translated by wade Buskin, London, 1966, P. 12.

([xix]) Firth, J. E, The Tongues of men and speech, P-8.

([xx]) loc- cit.

([xxi]) loc- cit.

([xxii]) Ibid, P-g.

([xxiii]) loc- cit.

([xxiv]) loc- cit.

([xxv]) Ibid, P- 10.

([xxvi]) loc- cit.

([xxvii]) loc- cit.

([xxviii]) Ibid, PP- 10-11.

([xxix]) loc- cit.

([xxx]) loc- cit.

([xxxi]) Ibid, PP- 11-12.

([xxxii]) loc- cit.

([xxxiii]) loc- cit.

([xxxiv]) loc- cit.

([xxxv]) Ibid, PP- 12-13.

([xxxvi]) loc- cit.

([xxxvii]) loc- cit.

([xxxviii]) BURsill- Hall, G. L, "Nots on the semantics of linguistic Description" in "memory of J. R. Frith" ed by C. E. Bazell and othirs, Longmans, 1966 PP- 40- 41.

([xxxix]) loc- cit.

([xl]) loc- cit.

([xli]) Ibid, PP- 41-42.

([xlii]) loc- cit.

([xliii]) loc- cit.

([xliv]) Ibid, P- 43.

([xlv]) loc- cit.

([xlvi]) loc- cit.

([xlvii]) Ibid, PP- 43-44.

([xlviii]) Ibid, PP- 44-45.

([xlix]) Ibid, P- 46.

([l]) Ibid, PP- 46-47.

([li]) loc- cit.

([lii]) loc- cit.

([liii]) Robins, R. H: A short History of linguistics, PP-43- 44.

([liv]) Firth, J. E, The Tongues of men and speech, PP – 13-14.

([lv]) loc- cit.

([lvi]) loc- cit.

([lvii]) loc- cit.

([lviii]) Ibid, P- 15.

([lix]) loc- cit.

([lx]) Ibid, PP- 15-16.

([lxi]) loc- cit.

([lxii]) loc- cit.

([lxiii]) loc- cit.

([lxiv]) loc- cit.

([lxv]) Ibid, P- 17.

([lxvi]) loc- cit.

([lxvii]) Ibid, P- 18.