النص الديني وآفة التقديس: القرآن كنموذج

القرآن كنص: دراسة تفكيكية نقدية للنص القرآني بعيداً عن القدسية

مقدمة: جذور المقدس الديني

علينا توخي أقصى درجات الحذر عندما نلج المنطقة المحرمة في الإسلام والمس بالمقدس الديني الأهم ألا وهو النص القرآني. ولكن لا يمكننا الإفلات من الأساسيات المهمة والضرورية في عملية البحث في النص القرآني والتغاضي عن أسئلة جوهرية من قبيل: كيف نشأ النص القرآني ومن أين جاء وكيف تشكلت قدسيته ومتى ظهر أولاً وكيف كتب أو دون وبأية لغة كان قد كتب وأي شكل أتخذ ومن كان الجمهور الذي تلقاه وكيف انتقل من جيل إلى آخر من نظمه وصنفه وجمعه وبوبه. الإجابة على هذه الأسئلة تعد كمن يخوض في حقل ألغام فلا يوجد إجماع مع وجود صعوبات تتعلق بالنص نفسه وبمادته اللغوية وغموضه، ولا تتوفر للباحثين سوى الرؤية التراثية من وجهة نظر إسلامية بحتة التي يمكن اللجوء إليها في أية مقاربة حتى ولو كانت نقدية حيث يتطلب مثل هذا الجهد الجرأة على التحدي لكشف الرؤية التبسيطية الساذجة المستمدة من معتقدات الإسلام والعقلية الخرافية السائدة فيه . لذلك لا بد من القيام بدراسة نقدية تحليلية جريئة ومحايدة وصريحة لمصادر القرآن لكي نتوصل لنتائج تاريخية صحيحة ومحددة ولن يحصل ذلك إلا بروح علمانية ودنيوية صرفة من قبل باحثين أكفاء غير متأثرين بعلوم الدين الإيمانية. أعمال أغناس غولدزيهر Ignaz Goldziher وهنري كوربان Henri Corbin عن تأثير الزرادشتية على الإسلام وأعمال جيجر Geiger وتوري Torreyو كاتش Katsch عن تأثير اليهودية وعمل ريتشارد بيل Richard Bell الطليعي عن تأثير المسيحية وأعمال ويلهاوسن  Wellhausen ونولدكة Noldeke وهرغرونج Hurgronje وروبرتسون سمث Robertson Smith عن تأثير الصابئية وتأثير المحيط في الجزيرة العربية في العصر الجاهلي وعمل آرثر جفري Arthur Jeffery عن المفردات الأجنبية في القرآن، كلها تجتمع لتجعلنا نتفق مع استنتاج زويمر Zwemer أن الإسلام " ليس اختراعا، ولكنه خلطة، ليس هنالك من جديد فيها ما عدا عبقرية محمد في مزج مواد قديمة ليكون وصفة لعلاج كل الآلام الإنسانية وليفرضها بواسطة السيف". ولقد جمع عصارة ما تفقتق عنه ذهنه وتجاربه واتصالاته في كتاب هو " القرآن" الذي قال عنه أنه من عند الله وبالتالي فهو كلام الله لذلك فهو مقدس، ومجموعة من الأحاديث والأفعال التي دمغت حياته وتناقلتها الأسلن في كتب السيرة والحديث واشهرها " صحيح البخاري" الذي أضفت عليه المؤسسات الدينية المتتالية منذ تدوينه إلى اليوم نوع من القداسة بمعنى أن كل ما جاء فيه صحيح. ولم قيقتصر الأمر على الطائفة السنية ذات الأغلبية الساحقة في الإسلام بل حدث نفس الشيء لدى الطائفة الشيعية الأقلية في الإسلام وورد في أدبياتها ونصوصها المعتمدة كالكافي وبحار الأنوار وغيرها الكثير من الحشو والوضع استناداً، ليس فقط لتراث محمد، بل وكذلك للأئمة من أهل بيته من حفيديه الحسن والحسين وكذلك دون تمحيص أو تدقيق.

والحال، يعيش العالم الإسلامي اليوم، حركة غير مسبوقة في انتقاد التراث الديني، تناولت جميع المرويات المنسوبة لمحمد وأخضعتها للمناقشة والتمحيص، إذ أن تلك المرويات تضمنت الكثير من التناقضات، والخرافات، التي تعارض مقتضيات المنطق السليم والعقل الواعي، سيما وإن الكثير مما جاء فيها معارضاً ومخالفاً لصريح النصوص القرآنية، في الكثير من المضامين، ثم إنتقل النقاش والجدل والنقد من الوسط الفكري، الذي يضم العديد من المثقفين والباحثين، إلى الوسط الديني أيضا داخل بعض الموؤسسات ذات الطابع الديني كالأزهر والمرجعيات الدينية الشيعية، حيث تخرج من هاته الموؤسسات فقهاء ومحدثون بدأوا يناقشون هاته المرويات ويمحصونها، وينتقدونها ويأخذون منها ما يعتبرونه صحيح مثبت ويرفضون مايعتبرونه موضوع ومزور ولايتوافق مع النص القرآني، فتم التعامل مع هاته النصوص على انها نصوص تاريخية، لا قدسية لها، وشرع هؤلاء في تمحيصها بنفس الآليات العلمية والعقلانية التي يتم بها مناقشة وتمحيص النصوص التاريخية. ومما ساعد على هاته الحركة الفكرية بخصوص انتقاد التراث الديني، ما يعيشه العالم اليوم من ثورة علمية غير مسبوقة أيضا، جعلت العقل البشري يتبوأ مكانة السيادة والريادة في جميع المجالات، فاتحا مستقبل البشرية جمعاء، على آفاق ِ واسعة من التقدم المذهل في شتى ميادين الحياة، بل إن تقدم الوسائل والوسائط والتكنولوجيا العلمية مكنت البشرية من التعرف على الماضي في كلياته، وحتى السحيق منه، وكأنها تعيش داخل تلك العصور البائدة، كما ساعدت تلك الوسائل على التحقق من مصداقية الروايات التاريخية، والأعمال المنجزة في هذا الصدد قبل قرون من خلال المنهج التفكيكي. ومن الكتب التراثية التي لقيت انتقادا كبيرا منذ تأليفها كتاب «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله وسننه وأيامه» الشهير بالجامع الصحيح أو صحيح البخاري حيث أنجزت العديد من الدراسات ُ والبحوث والتحقيقات التي تناولته بالانتقاد، لإبراز الأحاديث والآثار الواردة فيه، سيما الأحاديث المناقضة للعقل والعلم والقرآن، والأحاديث المنحولة والمأخوذة من الإسرائيليات، وغيرها من البحوث التي صار معها «صحيح البخاري» من  أكثر الكتب إثارة للجدل على مر التاريخ الإسلامي ورغم الحملة القوية التي واجهها صحيح البخاري من حيث انتقاد مضامين الأحاديث الواردة فيه، ومن حيث انتقاد بعض رجاله الذين روى عنهم مؤلف الكتاب أحاديثه، ومن حيث الانتقادات التي وجهت لمحمد بن اسماعيل البخاري نفسه، إلا أن فئة الشيوخ والفقهاء والمحدثين ظلت في مجملها متمسكة بالجامع الصحيح على أساس أن كل ما فيه صحيح، وأنه أصح الكتب بعد كتاب الله، بل تم حمل سلاح التفسيق والتكفير والزندقة في وجه كل من ينكر أحاديث في هذا الكتاب أو يوجه إليها سهام انتقاداته، حتى لو عارضت متونها كتاب الله الموحى إلى نبيه، فصار لدينا كتاب فوق النقد، وفوق العلم، وفوق العقل، بل فوق القرآن نفسه لدى معظم الشيوخ السنة مع كامل الأسف. لقد تضمن الكتاب المئات من الأحاديث تحبل بكوارث خطيرة، فمنها ما يسيء إلى مقام الألوهية، ومنها ما يسيء إلى مقام النبوة، ومنها ما يسيء إلى مقام الإنسان نفسه والمرأة على وجه الخصوص.

القرآن من الداخل:

"قل الحق ولو على نفسك" ترى من يطبق هذا القول اليوم في العالم الإسلامي؟ نحن أمة لا تزال أسيرة الماضي ومقدساته التي لا تستطيع الفكاك منها، فكل النصوص والأشخاص باتوا مقدسين وخطوطاً حمراء لا يسمح بالمساس بها، ناهيك عن انتقادها أو دحضها أو مناقشتها. فالنبي والصحابة وآل بيته مقدسون، بل وبعضهم معصومون عن الخطأ، والقرآن والحديث مقدسين، لا يحق لأحد أن يتساءل بشأنهما أو يشكك بأصالتهما وصدقيتهما مثل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر وبالعقاب والثواب ويوم القيامة والحساب والجنة والنار والنعيم والجحيم، وغيرها من المسلمات، ومن يخرج عن ذلك فهو زنديق وكافر ومشرك ومرتد يطبق عليه الحد ألا وهو القتل.

من هنا، فإن من المحرمات التي لا يجب انتهاكها في زمننا الحاضر، والتي فرضتها الأورثوذكسية الإسلامية، كان موضوع قدسية النص القرآني الذي لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه ولا من فوقه ولا من تحته فهو كلام الله المنزل الكامل والشامل الخالي من أي نقص أو تناقض. والحال أن تراث الإسلام لا يقول بذلك لا من الناحية الفقهية ولا من الناحية الثيولوجية أو الكلامية أو الفلسفية أو المنطقية، بل ولا حتى من الناحية اللغوية، وهو مليء بالأمثلة التي تثبت عدم قدسية وكمالية النص القرآني خاصة فيما يتعلق بجمعه وتدوينه وتفسيره وتأويله، فبعد موت محمد أصبح أمام المسلمين ثلاث أولويات عاجلة، حسم مسألة الخلافة الدنيونية، وفيما بعد الدينية لو أمكن، وتأسيس القرآن ككتاب مقدس قانونياً ومصدراً وحيداً للتشريع، وجمع الحديث وتدوين السنة النبوية. فكان على المسلمين أن يجمعوا النصوص القرآنية المتفرقة من المصادر الشفهية والمكتوبة، وأن تؤسس هيكيلية نص من الحروف الساكنة وأن يستكمل العمل على مراحل لتثبيت نص مضبوط بعلامات للحركات والتنقيط والتشكيل لكي يكون مقبولاً كمقياس قانوني. ولقد استغرقت هذه المهمات ثلاث قرون تقريباً وفق سيناريو زمني وجغرافي معقد حيث من المفترض أن محمد لم يترك نصاً مكتوباً أو مدوناً كاملاً للقرآن كما تقول المصادر التي تشدد على أنه حفظ بصيغة شفهية في ذاكرة عدد كبير من مستمعيه وحفاظه وقرائه المباشرين من الجيل الأول من الصحابة، ومن ثم من قبل التابعين وتابعي التابعين وهلم جراً .إلى جانب نتف مما كتبه في حياة محمد من سميوا بكتاب الوحي ولقد تمت المهمة بعد موت محمد بعقدين من الزمن في زمن الخليفة الثالث عثمان لذلك صار الكتاب المجموع يعرف بالمصحف العثماني بيد أن النص النهائي للقرآن المضبوط والمشكل والمنقط أنجز في النصف الأول من القرن العاشر الميلادي بعد طرق متعددة لقراءته وتنويعات طفيفة في الضبط بالشكل حظي بالقبول والتسامح وأصبح مقبولاً كنص قانوني ملزم كما تقول الرؤية الإسلامية التقليدية، في حين إن الباحثين الغربيين في مجال الدراسات والأبحاث القرآنية، ومنهم جون وانسبورغ سنة 1977،وجون بورتو في سنة 1977 أيضاً، توصلا إلى استنتاجين متباينين. الأول حاول أن يثبت أن القرآن لم يجمع على هيئته الحالية حتى بعد مائتين او ثلاثمائة سنة بعد موت محمد، بينما الثاني حاول أن يثبت العكس وهو أن محمد حرص على تثبيت نسخة نهائية للقرآن في حياته مكتوبة بحروف ساكنة، ولكن لم يتم العثور على نص قرآني مرتب وفق التسلسل الزمني الكرونولوجي للنزول .أما المستشرق الألماني لولينغ فقد سعى للبحث عن القرآن الأصلي في كتابه المثير للجدل " تحد للإسلام" الذي نشره سنة 2003. ومن حيث توقف لولينغ بدأ لوكسينبرغ محاولاته لحل شفرة القرآن بمقاربة غريبة وجديدة في آن واحد بشأن التأثيرات السريانية والآرامية في اللغة القرآنية وهي الدراسة التي نشرها سنة 2004 وأحدث ضجة في وسائل الإعلام الشعبية والشعبوية ذات الإثارة الجماهيرية، وهي دراسة ابتعدت عن كامل التراث التفسيري الإسلامي التقليدي للقرآن وتقول بأن كل النسخ الباقية للقرآن، قديمه وحديثها، تتضمن كماً هائلاً من الأخطاء في القراءة، من وجهة نظر القراءة الفيلولوجية ذات النتائج التخمينية وليست اليقينية،لأنه لا يأخذ بالاعتبار الأبحاث المتراكمة على مدى قرنين من الزمن في سياق النقد النصي للقرآن، والنتيجة التي توصل إليها لوكسينبرغ هي أن اللغة التي استخدمها محمد في القرآن الأصلي الذي تلاه على مسامع المسلمين كانت متأثرة تأثراً عميقاً باللغة السريانية والآرامية التي أخفاها محمد بحذاقة منقطعة النظير في إعادة صياغة لغوية نثرية مسجعة خاصة به، والتي يمكن إعادة اكتشافها بتغيير التنقيط على المفردات القرآنية لكي نقترب من أصلها السرياني والآرمي، ويتوسل منهجية الاستبدال الدلالي. فالنص القرآني الذي بين يدينا الآن ما هو سوى نسخة مجزأة عن نص أصيل تقول الأسطورة الدينية أنه موجود في اللوح المحفوظ لا يمكن الوصول إليه ولا حتى من قبل الأنبياء والرسل، كما جاء في سورة البروج للآية 22 وسورة الأنعام الآية 19 وسورة القدر. قال الله في القرآن: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وقال إنا أنزلناه في ليلة القدر اختلف في كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على ثلاثة أقوال أحدها وهو الأصح الأشهر أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك منجما في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين على حسب الخلاف في مدة إقامته بمكة بعد البعثة . وأخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما من طريق منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله ينزله على رسول الله بعضه في أثر بعض .وأخرج الحاكم والبيهقي أيضا والنسائي من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال أنزل القرآن في ليلة واحدة إلى السماء الدنيا، ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك بعشرين سنة ثم قرأ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا. وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه وفي آخره فكان المشركون إذا أحدثوا شيئا أحدث الله لهم جوابا. أخرج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس قال أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى سماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل نجوما، أي على أجزاء، وعن ابن عباس أنه سأل عطية بن الأسود فقال أوقع في قلبي الشك قوله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر وهذا نزل في شوال وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة وفي المحرم وصفر وشهر ربيع فقال ابن عباس إنه أنزل في رمضان ليلة القدر جملة واحدة ثم أنزل على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام. فذلك هو القرآن الحقيقي والأصيل وليس النص الدنيوي المتداول اليوم والذي هو عرضة لكثير من الغموض والإشكاليات والاجتهادات والتأويلات والتفسيرات المتناقضة والمتباينة والذي وصفه الإمام علي بأنه" حمال أوجه". فالنص الحالي لم يملى على النبي حرفياً بل بواسطة الوحي والإيحاء لذلك نجد فيه المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ، وبالتالي فهو ليس ذلك المقصود بالآية: إنا أنزلنا الذكر وإنا له لحافظون" فالكتاب المتداول اليوم بين الناس ليس هو " الذكر" المشار إليه في الآية، وبالتالي فهو ليس خالد ومطلق وثابت. فهناك قصة وتاريخ للنص المعروف باسم القرآن اليوم وفيه نواقص وإضافات وتحريفات كما تروي لنا الروايات التاريخية المتعلقة بهذا الموضوع، وبالتالي فهو نسبي. وتكفينا الإشارة إلى موضوع الآيات الشيطانية، الواردة في القرآن الدنيوي المتداول حالياً والتي استوحى منها الروائي والكاتب البريطاني من أصل هندي روايته الشهيرة " آيات شيطانية" التي أثارت ضجة في العالم الإسلامي بعد فتوى الخميني باستباحة دم الكاتب ووجوب قتله، والحال أن هذه الحادثة حقيقية حصلت في التاريخ الإسلامي ونقلتها كتب التراث . فلقد أكد الدكتور عفيف عبد الفتاح في كتابه روح الدين الإسلامي أن الرسول كان يفرق بين الملاك والشيطان إلا في حالة واحدة عندما امتدح النبي آلهة قريش ونطق الآية على النحو التالي:" تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" وهو يقصد بالغرانيق هنا الللات والعزى ومناة. ولقد أكد السيوطي في كتابه أسباب النزول ص 184 وابن هشام في سيرته النبوية جزء 2 ص 126 وابن كثير في تاريخه جزء 3 ص 229، بأن الشيطان هو الذي وضع على لسان محمد هذه الصيغة ليمتدح آلهة قريش عندما كان يقرأ على قريش سورة النجم . يقال أن هناك كتبة للوحي لم يكونوا أمناء ومخلصين ومنهم من ارتد عن الإسلام وآخرون مثل معاوية استخف بأصالة النص بل وأنكره إبنه يزيد ابن معاوية، وهو خليفة للمسلمين، حينما ردد مقطعاُ شعرياً يقول:" لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل". فبعد وفاة النبي كان القرآن موزعاً بين الصدور في ذاكرة الحفاظ والقراء، وعلى جلود الماعز وكرب النخيل والعظام والأقمشة وغيرها من الدعائم التي دونت عليها الآيات والسور القرآنية، ولم تنضج فكرة جمع النصوص القرآنية إلا في وقت متأخر في زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وحول ذلك الحدث قصص وحوادث كثيرة تطعن بأصالة ومصداقية النص القرآني الحالي، سنتطرق إليها لاحقاً. فأقل ما يقال أن الجمع تم على نحو اعتباطي وعشوائي لأغراض سياسية وأيديولوجية مسبقة ومتعمدة وليس وفق توجيهات النبي أو وفق تسلسل نزول الآيات وحدث خلط مقصود ومتعمد بين الآيات المكية والآيات المدنية ونقل الكثير منها من سورها الأصلية إلى سور أخرى. هناك روايات غير مثبتة تقول أن أول محاولة للجمع حدثت في حياة النبي من قبل علي بن أبي طالب وبعد ذلك بقليل في زمن الخليفة الأول أبو بكر والمحاولة الثالثة تمت في زمن عثمان، وهناك محاولة أخيرة تمت بعد زمن طويل في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي. كانت هناك عدة نسخ للقرآن تبعاً لاختلاف القراءآت، وأشهرها نسخة عبد الله ابن مسعود التي أحرقت في عهد عثمان وبأمر منه. وتم إقرار نسخة زيد بن ثابت بالقوة وإحراق باقي النسخ ما عدا نسخة الإمام علي التي لم يتجرأ أحد على أخذها منه وحرقها، والمعروف أن زيد بن ثابت الأنصاري من قبيلة الخزرج كان كاتب من كتاب الوحي ومترجم للنبي من والى اللغة الفارسية والإغريقية والقبطية والإثيوبية حيث تعلم اللغات في المدينة ومن رحلاته المختلفة الى تلك البلدان، وكان سكرتيرا لأبو بكر وعمر وعثمان، وكان هو الذي يكتب الرسائل للملوك والأمراء في زمن النبي والخلفاء الثلاثة الأوائل . وتقول أسطورة دينية أخرى أن الملاك جبريل كان يلتقي النبي محمد سراً كل عام بهذا الصدد للقيام بمراجعة لما تم إنزاله على النبي خلال العام المنصرم وتدقيقه وتثبيته.

د. جواد بشارة

ميثم الجنابي"هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان"

سفيان الثوري

ليست الصيغ الدموية والمفرطة في استعمال الإرهاب والترويع والقتل المجاني سوى المظاهر الخارجية المعبرة عن مضمون العقيدة السياسية للأموية. إذ ليس الحجاج في نهاية المطاف سوى سوط السلطة وسيف جلادها. وهي الصفة المفارقة لشخصية الحجاج بوصفه ذات الأموية وصفاتها. وليس من المستغرب بهذا الصدد أن نراه مرة يجيب على استهزاء الأمير الأموي خالد بن يزيد بن معاوية في لقاء طارئ بينهما في الشام[1]. إذ تروي كتب التاريخ والنوادر كيف أن الحجاج مر أمام خالد بن يزيد وكان بصحبته بعض من أهل الشام. فاستفسر احدهم منه قائلا:

- من هذا؟

- هذا عمرو بن العاص!

- إني والله ما أنا بعمرو بن العاص! ولا ولدت عمرا، ولا ولدني. ولكني ابن الغطاريف والعقائل من قريش. ولقد ضربت بسيفي هذا مائة ألف كلهم من أهل النار. ثم لم أجد عندك أجرا ولا شكرا؟![2].

وهي صفة وجدت تعبيرها التام والقاطع في "وصيته" التي قال فيها قبيل موته، بأنه "لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك! عليها يحيا وعليها يموت وعليها يبعث"!

لقد طوع الحجاج كل عقله وخياله من اجل تثبيت أسس السلطة الغاشمة والمستبدة والعيش بمعاييرها[3]. مما أدى إلى إثارة المواجهة والتحدي بمختلف أشكالهما أو الخضوع والانهيار المعنوي. ووجد ذلك تعبيره الدقيق والرقيق في مواقف المثقفين منه، وبالأخص الشعراء آنذاك بوصفهم حاملي وجدان التقاليد، وتقاليد القبلية التي حاولت الأموية بعث دماء الغريزة فيها من اجل توظيفها السياسي. من هنا هرب أكثر الشعراء والأدباء الحقيقيين وانتعاش الشعر المرتزق، وبالأخص عند جرير والأخطل، أي شعراء الأموية[4]. بحيث نرى جرير في معرض مدحه للحجاج يرفع غيرته على نساء (العراق) الى مستوى يفوق رجالهن!! كما في قوله:

أم من يغار على النساء حفيظة إذ لا يثقن بغيرة الأزواج!![5]

وبالمقابل يحط من قدر العراقيين قائلا:

دعوا الجبن يا أهل العراق فإنما يباع ويشترى سبي من لا يقاتل

فما يستوي داعي الضلالة والهدى ولا حجة والخصمين حق وباطل[6]

إننا نقف أمام انقلاب تام في المفاهيم والقيم، شأن كل ما هو مميز للجبرية السياسية الأموية، التي وجدت في العراق وأهله مصدر القلق الدائم والخطر الدفين. وهي حالة تتسم بقدر هائل من الحدس السياسي الغريزي، الذي لم يستطع مع كل جهوده القمعية والدموية إلا الى الإسراع في تجسيده. إذ لم يكن بإمكان الجبرية السياسية الأموية أن تفعل مع كل تمادي في تقاليد الاستبداد إلا إن تجعل من حدسها السياسي الغريزي واقعا. فالعراق هو مصدر القلق والخطر الذي سيدفن لاحقا الأموية وجبريتها السياسية. وسواء كان ذلك يسير ضمن سياق ما أسست له الأموية من فكرة جبرية أو بفعل جبروت المناهضة للأموية الذي وجد انعكاسه في صعود فكرة الإرادة المعتزلية، فأنهما يلتقيان في النتيجة، ألا وهي أن أشباح السلطة الغاشمة عرضة للزوال، وان مصير ثمود هو مصيرها وليس بالعكس. لهذا كان بإمكان جرير القول وهو ويمدح طاغية العراق الأشرس:

قدمت على أهل العراق ومنهم مخالف دين المسلمين وخاذل[7]

ومطالبته إياهم بالامتثال له والاستقامة معه دون أي ميل (اعتراض)، كما في قوله:

لقد جرد الحجاج بالحق سيفه لكم فاستقيموا لا يميلن مائل

وكثير غيرها من الأبيات المنظومة السائرة ضمن نفس سياق الدعوة للخضوع والاستسلام. وهي فكرة الحجاج ونبرة صوته السلطوي وخميرة نفسه الغضبية وعقيدته الاستبدادية السياسية، أي كل ما نعثر عليه أيضا في موقفه من الشعراء.

فقد كان شأن أسياده شديد الحب لأصوات المداحين المرتزقة، وشديد الكره لدعاة الإرادة الحرة. وهي الصيغة التي جسدها في مواقفه بصورة تتصف بقدر كبير من التجانس. من هنا كراهيته لعدم تجانس الشعراء في مواقفهم. وتنقل لنا كتب التاريخ والأدب نماذج متميزة بهذا الصدد. فعندما خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على السلطة الأموية ومعارضتها له في انتفاضته الشهيرة عام 82 للهجرة، فان الحجاج كتب إلى عبد الملك يعلمه بالحدث. فأجابه عبد الملك بعبارة يقول فيها "لعمري! لقد خلع طاعةَ الله بيمينه، وسلطانه بشماله. وخرجَ من الدين عريانا! وإني لأرجو أن يكون هلاكه وهلاك أهل بيته واستئصالهم في ذلك على يدي أمير المؤمنين"[8]. وهي عبارة نموذجية عن وحدة الله والسلطان في شخصية الخليفة. والخروج عليها هو خروج على الدين. ومن ثم يستحق القتل والإبادة، بما في ذلك أهله! وهي الصفة التي ميزت عقيدة الأموية الجبرية السياسية، التي تمثل الحجاج رحيقها الاستبدادي. وقد كان أعشى همدان احد شعراء الانتفاضة. وهو القائل في عبد الرحمن بن الأشعث:

خلع الملوك وسار تحت لوائه شجر العرى وعراعر الأقوام

كما سبق له وان ذم الحجاج بأبيات لاذعة في قصيدته التي تحتوي على أبيات شهيرة منها:

من مبلغ الحجاج إني قد جنيت عليه حربا

وعندما ذكرّه الحجاج بها بعد وقوعه في الأسر عنده، أجاب أعشى همدان: لا! ولكني الذي أقول:

أبى الله إلا أن يتمم نوره ويطفـئ نورَ الفقعتينِ فيخمـدا

وينزل ذلا بالعراق وأهله بما نقضوا العهد الوثيق المؤكدا

عندها قال له الحجاج: لسنا نحمدك على هذا القول! إنما قلته تأسفا على أن لا تكون ظفرت وظهرت، وتحريضا لأصحابك علينا. وليس عن هذا سألتك! عندها أمر بقتله[9]. وقتل أيضا من صمد حتى النهاية في معارضته للسلطة الأموية، وبالأخص من بين الخوارج. وهي مواقف "متجانسة" تكشف طبيعة الجبرية الأموية التي جّسد الحجاج نموذجها الاستبدادي، أي جبرية السلطة بالمعنى العقائدي والسياسي. انه أراد ألسنة تنطق بالمديح والتأييد المطلق للسلطة بوصفه إيمانها ودينها!

وقد جسّد الحجاج هذا الموقف تجاه كل أنواع وأصناف ودرجات المعارضة التي وقفت ضد الأموية مهما كان حجمها. فنراه على سبيل المثال يقول في إحدى خطبه بعد مقتل عبد الله بن الزبير: "كان ابن الزبير من خيار هذه الأمة حتى رغب في الخلافة، ونازعها أهلها، والحد في الحرم، فأذاقه الله من عذابه الأليم. وإن آدم كان أكرم على الله من ابن الزبير، وكان في الجنة وهي أشرف من مكة. فلما خالف أمر الله، وأكل من الشجرة التي نهي عنها، أخرجه الله من الجنة". وهو موقف نموذجي يعبر بصورة دقيقة عن طبيعة الذهنية الجبرية السياسية للأموية. لقد أراد الحجاج القول، بان خروج ابن الزبير ضد الأموية هو خروج من جنة الأموية! وان أي خروج عليها شبيه بخروج ادم على الله. فالأموية وسلطتها هي الإله المعبود!! والإنسان يمكنه أن يكون طيبا وخيرا فقط عندما يبقى منصاعا لها. فهو قدره المحتوم وغايته المرجوة وسعادته المنشودة. وكل ما عداها زيغ وضلال!

كل ذلك يكشف عن طبيعة الخلل التاريخي الذي رافق بنية الخلافة الملوكية للأموية، التي أنتجت عقيدتها الجبرية السياسية. وهي عقيدة اقرب إلى المسخ شأن الخلافة الملوكية، أو خلافة الوراثة. فقد كان الخلافة الأموية سرقة تاريخية كبرى للتاريخ العربي الطبيعي والإسلامي الروحي. من هنا طبيعة تناقضها الذاتي ومصدر خلافها وصراعها الدموي ضد المعارضة، أي ضد كل ما كان يعترض إدراكها لسرقتها التاريخية. وليس مصادفة أن يكون الشعر السياسي المرتزق صوتها الكبير. وهو صوت ما كان بإمكانه الجدل دون التلويح بحدة السيف وغياهب السجون. لاسيما وان الحجة لم تكن ضرورية بالنسبة للأموية في جدالها، لأن النتيجة بالنسبة لها محسومة بوصفها جزء من إرادة السلطة. والسلطة ليست عقلا ولا منطقا. من هنا رغبتها الدفينة في تمويل الشعر السياسي المبتذل. لكنها كانت مضطرة في الوقت نفسه لمتابعة هواجس وضمير وعقل المعارضة وحججها الفكرية. وليس مصادفة أن تكون المعارضة السياسية للأموية صانعة الفكر ومنظوماته الثقافية الكبرى. كما انه السبب الذي جعل الثقافة العربية الإسلامية الكبرى ثقافة المعارضة الروحية والفكرية للأموية. وفيها ومن خلالها تراكمت مقومات ومكونات وشخصيات ومبادئ ومرجعيات الفكرة الإسلامية الكونية.

لقد كان صعود الفكرة الكونية الإسلامية النتيجة المتراكمة في صعود الفكرة العقلية والروحية والنقدية تجاه النفس والوجود في مختلف مكوناته ومستوياته. إذ لم يكن إحياء الجاهلية (الأموية) في ظل عالم جديد تختبئ وتتحرك وتتفاعل في كل مفاصله وعظامه ولحمه ودماءه، سوى السير ضد تيار التاريخ الفعلي. والاعتماد على الشعر في تمويه الواقع يمكنه أن يصنع قصائد رنانة ومبهرجة لكنها لا تستطيع تغير مسار التحولات الكبرى في العقل والضمير. وذلك لأنها تتضافر مما ادعوه بالنسب المتحركة للمبادئ والقواعد الآخذة في الانتظام التدريجي بهيئة عقيدة كونية، مثل فكرة الأمة والأصول والشرع والعقل وغيرها. الأمر الذي جعل من إحياء الجاهلية وتفعيل مديحها وهجاءها المنظوم كتلة هوجاء أمام انتظام العقل النظري والعملي الإسلامي في موجهة إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة.

وقد وجد هذا الخلاف تعبيره في نوعية التناقض الحاد بين الجبرية السياسية والثقافة الآخذة في الرسوخ في كل مفاصل وعي الذات العربي الإسلامي، وبالأخص في علوم التاريخ واللغة والأدب والفقه والكلام. بحيث جعل ذلك من الأموية معاداة للثقافة الروحية والفكرية. لكنها الظاهرة التي شقت لنفسها الطريق بغض النظر عن كل جبروت الإرهاب السياسي. وهو السبب الذي سيجعل مع مرور الزمن من السلطة حليفة الشعر والشعراء، بينما جعلت من الثقافة الكبرى ميدان المتكلمين والفقهاء والفلاسفة والصوفية، بوصفهم القوى العقلية والروحية لجهاد الثقافة الإمبراطورية. وقد تحسست الأموية هذا التحول دون أن تدرك معناه وفاعليته المحتملة. من هنا استعلاء قيمة الخلافة الإمبراطورية وتحولها إلى مرجعية وحيدة بالنسبة للسلطة. لكنه استعلاء كان يحتوي في أعماقه بالضرورة على تهميش العقل لحساب الأهواء، مع ما يترتب عليه من إغراء بواحدية الأفكار والقيم. وهو إغراء عادة ما يلازم أوهام النزوع الإمبراطوري.

فعندما تتحول الأوهام إلى أهواء، والأهواء إلى أوهام، أي عندما تبلغ الأوهام والأوهام وحدتهما المتطابقة في نفسية وذهنية السلطة، عندها تبرز مختلف نماذج الصراع الفكري والروحي والسياسي، ويتعمق ويتوسع تناقض الثنائيات الحسية والعقلية والثقافية، مثل الروح والجسد، والعقل والنقل، والتفسير والتأويل ومستوياتها المتنوعة في ميادين الاجتماع والسياسة والأخلاق والوعي. ومع كل احتراب فيها تتهاوى أوهام السلطة ويشتد نزوعها صوب مختلف نماذج اللاعقلانية، أي صوب هاوية الظلال والزوال. وقبل أن يبلغ التاريخ ذروته في محو قيمة الزمن العابر، كان لابد له من المرور في دهاليز الصراع الدموي بين كل الثنائيات الثقافية المحتملة لكي يجري توليفها لاحقا في منظومات نظرية عملية تذلل نوعية ومستوى التناقض الجزئي والنسبي بينها، عبر نفيهما في بديل فكري تاريخي معقول بالنسبة لمرجعيات الروح المسامي.

لقد كان البديل الفكري الكوني الإسلامي كفاحا ثقافيا هائلا، عبرّت عنه مختلف الحركات والتيارات والفرق والمدارس بمستويات متباينة ومختلفة من التأسيس النظري والعملي. لكنها كانت جميعها تسهم فيما ادعوه بتمثل حقائق الروح المتسامي وصنع مرجعياته النظرية والعملية. وهو التمثل الذي اخذ في التراكم أول الأمر من خلال ظهور فكرة ونموذج ومرجعية "السلف الصالح". ومنذ ذاك الوقت لم يعد الماضي جزء من زمن الأسلاف، بل من تاريخ الحق والحقيقة والحكمة. وهو الانقلاب التاريخي الكبير في الوعي الثقافي الذي حالما يحدث، فانه يبدأ بتصنيع قواه الخاصة، شأن السلطة حالا تحدث، فإنها تبدأ بالحديث مع الناس بحديثها، أي تتكلم وتفعل مع المجتمع بجديدها المبتكر من لغة القهر والإذلال والحب والدلال، أي على قدر ما فيها من نزوع ونسبة نحو السلطة والثقافة. وفي كلتا الحالتين عادة ما يكون المثقف موضع غرامها وغريمها. ومن خلالهما تتكون الحالة التي تصنع مثقفيها من المغرمين بالسلطة ومعارضيها.

إن هذا التحول المنظومي في الوعي التاريخي والروحي هو الذي جعل من المنظومة الفكرية أسلوب النظر للوجود. وحالما تأخذ هذه الحالة بالظهور، بوصفها منظومة جلية أو مستترة في العقل الثقافي للأمة، حينذاك يصبح الماضي وشخوصه سطوة التاريخ الروحي أمام زمن السلطة العابر. ومع كل تعمق في تأسيسها تتعمق معالم المعارضة للسلطة الخارجة على قيم الحق والحقيقة. وهو الخروج الذي يدخل العقل والضمير معترك الأبد، أي إبداع الحرية وممتلكاتها الذاتية. وعادة ما تتراكم هذه العلمية في مجرى معاناة الأزمة الروحية وصعود العقل الأخلاقي، والتي أدت في المرحلة الأموية إلى صعود طبقة الفكر الحر، بوصفها المعاول الروحية لقبر الأموية. وساهم في هذا الصعود مختلف نماذج التحدي والمواجهة، لكنها كانت تسير في البدء من خلال تراكم وتطور وارتقاء الشخصيات الفكرية من تقاليد الورع الإسلامي الأول إلى تقاليد الرؤية النقدية والتفكر والاعتبار، ومنها جميعا إلى تقاليد الروح العقلي الأخلاقي.

ففي تقاليد الرؤية النقدية والاعتبار تراكمت شخصية المفكر النقدي. وإذا كانت ملامحها الأولى اقرب الى الرؤية النقدية للنفس، فلأنها كانت الاستمرار الشخصي لوعي الذات الإسلامي الحق. وبالتالي لم يكن نقدها الذاتي من حيث الجوهر سوى نقد الدولة والسلطة والمجتمع والقيم. ونعثر على هذه العملية في العبارة المشهورة القائلة، بان "الناس كانت تسأل عن الخير وأنا كنت اسأل عن الشر". وما وراءها من إحساس ومشاعر كان البكاء والحزن الفردي غشاءها المحجوب بدمع الإخلاص للحق والحقيقة. فهو ينهمر شأن كل مراحل الانعطاف الكبرى قطرات وسيول. ويجف في سهر الليالي ومعارك الحروب الدامية. وليس مصادفة أن يتطور الفكر الإسلامي الأول بمعايير وقيم الحماسة الأخلاقية ونفسية الاختلاف السياسي مع السلطة. وهو سر ظهور الغلاة، والتسيس، وحب المواجهة، وفكرة الشهادة، أي كل الأشياء الواقعية والمحتملة للمعارضة. وإذا كانت هذه الصفات عادة ما تعرقل إمكانية تطور الفكر في مجرى نزاعه مع السلطة إلى التكامل في رؤية اجتماعية وبدائل إنسانية وأخلاقية، إلا أنها تؤسس لها وترسي طبقاتها الخفية في قاع العقل والضمير الثقافي للأمة. (انتهى)

ميثم الجنابي

..........................

[1] خالد بن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان. ويسمى أيضا حكيم قريش وعالمها في عصره. اشتغل بالكيمياء والطبّ والنجوم، فأتقنها وألّف فيها رسائل. وشكّ البعض في علمه وبالأخص ما يتعلق منه بالكيمياء. لكن اغلب الكتب التاريخية تشير الى انهماكه بالمعرفة والترجمة (من اليونانية والقبطية) وبالأخص في ميدان النجوم والطب والكيمياء. توفي في دمشق عام 90 للهجرة. (الزركلي: الأعلام، ج2، ص300-301.

[2] ابو الفرج الاصفهاني: الأغاني، ج17، ص344-345.

[3] بحيث نراه يعارض المنطق الجلي بل ويعاكسه بصورة جلية ومتعمدة، كما هو الحال في وصيته لابنه محمد بعد أن استخلفه على اهل العراق. فقد خطب في الناس قائلا "إني أوصيته بغير وصية الرسول في الأنصار. فقد أوصيته ألا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم! واني اعلم إنكم تقولون مقالة لا يمنعكم من إظهارها إلا خوفكم لي. إنكم تقولون "لا أحسن الله لك الصحبة"، وأنا أرد عليكم "لا أحسن الله عليكم الخلافة".

[4] فقد هرب منه على سبيل المثال عمرو بن العلاء إلى الجزيرة، وكيف انه بقى مختبئا فيها حتى موت الحجاج. لكنه موت أعطى لعمرو بن العلاء لذة الفرح المكعب عندما سمع إعرابي يقول لآخر "قد مات الحجاج"! فأجابه الآخر ببيت من الشعر

ربما تجزع النفوس من الأمر   له فرجة كحل العقال

وهي حالة جعلت عمرو بن العلاء يقول "لم ادر بأي شيء كنت اشد فرحا، أبموت الحجاج أم بسماع البيت"

[5] جرير: الديوان، ج1، ص137.

[6] جرير: الديوان، ج2، ص402-403

[7] جرير: الديوان، ج2، ص403.

[8] المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، بيروت،1981، ج3، ص131 ـ 132

[9] المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج3، ص145-155.

***

 

عدنان عويدأسس التفكير الفاشي: يقول "فلا ديمير جابو تنسكي" حول طبيعة الفاشية ومواقفها من الآخر: (كل إنسان آخر على خطأ وأنت وحدك على صواب، لا تحاول أن تجد عذراً من أجل ذلك، فالأعذار غير ضرورية وغير صحيحة، بوسعك ان تعتقد أي شيء في العالم، إذا اعترفت ولو لمرة واحدة أنه ربما يكون خصومك على صواب، لا توجد في الواقع إلا حقيقة واحدة، وهي بكاملها ملكك أنت، وإذا لم تكن واثقاً فابق في بيتك، وإذا كنت واثقاً لا تتطلع إلى الوراء هي ستأتي في اتجاهك).(1)

مقدمات في العنف والعنف المضاد في الدولة الاسلامية:

لم يأخذ المسلمون بحديث الغدير الذي اختلف انصار علي ومعارضيه على دلالات مفردة الموالاة، (اللهم والي من والاه)، حيث فسرها أنصار علي بـ (الولاية – الخلافة)، بينما فسرها معارضو علي بـ (المحبة والمودة). كما لم يقتنع معارضو علي بالدليل النصي المقدس الذي قال أنصار علي بأن الله قد أمر الرسول آنذاك أن يبلغ المسلمين ممن كانوا معه رسالته بشأن علي، وهي الآية التي على أساسها تمت خطبة أو حديث الغدير : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). (المائدة – 67).

كان الرسول على فراش الموت... والأنصار والمهاجرون في السقيفة يتداولون في أمر الخلافة. بينما علي كان إلى جوار الرسول، وبقربه أبو سفيان يؤلب العصبيات القبليات، محرضاً علي على أخذ الخلافة، وطالباً منه أن يمد يده ليبايعه، فكان رد علي عليه: (إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة)... ودعوة علي لأخذ الخلافة جاءت في الوقت نفسه، وفي المكان نفسه من عمه العباس، فشعر بأن دعوة عمه ستشكل موقفاً قبلياً، فرد على عمه قائلاً: إني لا أحب هذا الأمر من وراء رتاج).

لم يُبَايَعْ علي الخلافة، لا عن طريق الشورى (وأمرهم شورى بينهم)، ولا حسب وصية الغدير. بل بُويع أبو بكر بعد سجال حاد بين المهاجرين والأنصار:

قال الأنصار: (نحن أحق بها، لأنا من أوائل الذين آمنوا بالرسول ونصره.).

فرد المهاجرون: (نحن أحق بها، لأننا أسبق في الإسلام ومن هجر أهله وماله في سبيله ، ونحن قرابته أيضاً.).

قال الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير).

رد المهاجرون: (منا الأمراء ومنكم الوزراء.).

وهنا وضُع لأول مرة حديث على لسان الرسول من قبل دعاة السلطة ومريديها من القريشين لتثبيت أمرهم وشرعنته: (الخلافة في قريش ما بقي من الناس إثنان.). عن الصحيحين. (مسلم والبخاري).

لم يبايع "سعد بن عبادة وعشيرته، وتركوا السقيفة ليشكلوا أول معارضة للسلطة في الإسلام، وليكون سعد بن عبادة بعد أن رفض بيعة أبي بكر وعمر، أول قتيل في المعارضة أيضاً، وكانت طريقة قتله أول وسيلة تمارسها السلطة وينطبق عليها المثل الشعبي القائل: (تقتل القتيل وتمشي في جنازته). حيث شُيع بين الناس بأن من قتل سعد بن عبادة هو الشيطان كونه بال واقفاً، أو بال في حفرة.

أما معارضة علي، فقد تصدرت لها "فاطمة" زوجة علي وبنت رسول الله، إذ امتطت ظهر جملها وراحت تطوف في شوارع المدينة وأسواقها تطالب الناس البيعة لعلي، وتطعن ببيعة أبي بكر، فكان رد من صادفها من المهاجرين والأنصار بقولتهم الشهيرة: (لقد بايعنا الرجل). وانتهى الأمر.

من هنا ابتدأت مأساة العنف في الخطاب الإسلامي والدولة الإسلامية معاً، ومن هذا المنطلق الغائم لمفهوم السلطة وآلية الوصول إليها، وبالتالي حتى آلية عملها وغنيمتها، اندفع المتنافسون عليها إلى العنف، وتسخير النص الديني المقدس تفسيراً وتأويلاً ووضعاً أو انتحالاً خدمة لشرعنة هذه السلطة والحفاظ عليها، وبإسم ذلك رفع السيف وانتُهكت الأعراض وحُرقت المقدسات.

استلم أبو بكر الخلافة، فكانت الردّة عن الإسلام من بعض القبائل التي دخلت الإسلام بحد السيف، حيث كانت العصبية القبلية وروح الزعامة في أوجها، ولم يستطع الإسلام حتى التخفيف من غلوائها (ولن يستطع) رغم محاربته لها، فراحت هذه القبائل بزعمائها يحسدون قريش على زعامتها الدينية، هذا اضافة للخلافات بين المهاجرين والأنصار على هذه الخلافة، ثم لموقف اليهود وتحريضهم على الخلافة الإسلامية. هذا مع ظهور عدد ممن ادعى النبوة بعد وفاة الرسول وراحوا يبشرون بدعواتهم مثل: مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي في اليمن، وطليحة بن خويلد في غطفان.

إن الملفت في أمر السلطة هنا، أن أبا بكر قد أرسل كُتباً للقبائل المرتدة يطالبهم بالعودة إلى الإسلام، وإن رفضوا العودة، سيمارس بحقهم كل أساليب (العنف) من قتل وحرق وسبي لنسائهم وذراريهم، وأنه سيجبرهم على دفع ما كانوا يؤدونه للرسول من (ضريبة)، حتى ولو كان ثمن عقال بعير. والمؤسف أن هذا الوعد نفذ، وكان من أبز ضحاياه مقتل (مالك بن نويرة) وأخذ زوجته زوجة لخالد بن الوليد (سيف الله المسلول)، بعد أن أغراه جمالها، فكان هذا الجمال بقعة سوداء في تاريخ حروب الردّة.

انتقل أبو بكر إلى جوار ربه، وتذكر بعض المصادر أنه مات مسموماً، وبموت أو مقتل أبي بكر استلم عمر الخلافة بأمر من الخليفة أبي بكر قبل رحيله، دون قيد أو شرط. كان رجلاً عادلاً أعز الله به الإسلام، وكان أول خليفة يستخدم العقل في فتح النص الديني على كل مقاصده ونظمه وأحكامه، فقرأه قراءة تعمل على مجاراة الواقع ومستجداته، فكان له مواقف عقلانية مشرفة في ذلك، كموقفه من السرقة في عام الرمادة، وكذلك موقفه من المؤلفة قلوبهم، وأراض سواد العراق. ونتيجة مواقفه هذه وخاصة الايجابية منها تجاه الفقراء والمحرومين، وحرمان المؤلفة قلوبهم من الزعماء وشيوخ القبائل من حصتهم في الغنائم التي كانت تعطى لهم لشراء ضمائرهم حتى لا يرتدوا عن الإسلام، ثم لعدم توزيع أراضي سواد العراق المفتوحة على المقاتلين وتجار الحروب، وغيرها من مواقف اتخذها عمر ضد حركة وتنقل أغنياء قريش، ألب عليه المؤلفة قلوبهم وتجار الحروب الذين شكلوا طبقة غنية واسعة الثراء، فكانت النتيجة قتله على يد رجل مستعبد لاحول له. وقبل موته كلف ستة من الصحابة في اختيار الخليفة بعده، وبعد أن رفض تكليف ابنه عندما أشار إليه بعض انتهازي السياسة تكليفه إذ رد عليهم قائلاً: (يكفي آل الخطاب واحد يتحمل وزر هذه الأمة).
استلم عثمان بن عفان الخلافة، فقرب من حاربهم عمر ومنع مغادرتهم المدينة.. ووزع الأطيان والأموال على أهله وأصحابه، وتصرف ببيت مال المسلمين على هواه، حتى وصُف في كتب التاريخ بأنه (وضع أسناناً من ذهب) كناية على ثرائه، (وهو ثري في الأصل)، ولتبذيره وتصرفه بأموال المسلمين، الأمر الذي أغضب الفقراء والمحرومين، ومن وجد في غضبهم من المعارضة مصلحة سياسية... فطلبوا منه التخلي عن الخلافة أو القتل.. فقال رافضاً طلبهم : (هذا قميص ألبسني الله لي فلن أتخلى عنه)، وهو بذلك أول من جعل من السلطة تفويضاً إلهياً ... حُوصر في منزله وراح يقرأ القرآن.. لم تنفعه قراءته له ولم تحميه... قتله الفقراء ومن كان يقودهم من المعارضة.

بُويع علي بن ابي طالب، فوجد في المعارضة بعض المتطرفين ممن حرضوا على عثمان وراح يقول بأحقية علي بها، بل تجاوز الأمر ذلك مع "عبد الله بن سبأ" الذي راح يبشر بمذهب الوصاية، أي أن علي وصي محمد، وأنه خاتم الأوصياء بعد محمد خاتم النبيين، واتهم أبا بكر وعمر وعثمان بالتعدي على حق علي بالخلافة، كما روج بين المسلمين يومها نظرية (الحق الإلهي) التي أخذها عن الفرس، والتي تعني في هذا الموضع أن علياً يستمد حكمه من الله. (2). وهذا ما ألب خصوم علي عليه فوجدوا في هذا القول كفراً وخروجاً عن الدين الذي بشر به محمد، بل هذا الموقف ذاته من السبئي أغضب علي نفسه وأمر بقتله.

ابتدأت المعارضة المسلحة لخلافة علي مع عائشة وحرب الجمل، حيث كان طموح الزبيرين في هذه الخلافة، وتحريض آل الحكم من البيت الأموي وراء قيامها.. انتصر علي وصحبه في هذه الحرب، وإن كان طموح الزبيرين في الخلافة قد هدأ قليلاً بعد صفين، إلا أن طموح البيت الأموي صعد مع معاوية.

كان معاوية والياً على الشام، وقد حركته شهوة البيت السفياني للسلطة التي لم تطفئها عقيدة الإسلام، فالدماء الزقاء لم تزل تتدفق بقوة في عروقه وعروق البيت السفياني.. وقف معاوية ضد خلافة علي ورفض مبايعته، متهماً إياه بدم عثمان الذي تحول قميصه الملطخ بالدماء إلى راية للمعارضة الأموية، هذه المعارضة التي وجدت في قول علي ووعيده بحق من استفاد من خلافة عثمان، تهديداً لها، حيث جاء في تهديده: (ألا أن كل قطعة اقتطها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شيء ولو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء وفُرق في البلدان، لرددته إلى حاله، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق.). (3). أمام هذا القول لعلي كان الضيق أولاً على معاوية الذي وجد في علي تهديداً مباشراً له ولكل من حاباه عثمان من الأمويين. فكانت صفين ولعبة التحكيم بين أبي موسى الأشعري في سذاجته، أو موالاته لمعاوية غير المعلنة، وبين عمر بن العاص بحنكته ودهائه، وبعورته التي لم تزل تقبح وجه التاريخ... رفعت المصاحف، فكانت الطامة الكبرى على الإسلام والمسلمين معاً، حيث شُرعنة السياسية، وراح يُؤكد من جديدي هنا توظف الدين فيها كما وظفت في السقيفة. فقال علي قولته المشهورة : (القرآن حمال أوجه.).

مع صفين انفصل قسم من المقاتلين عن علي ومعاوية، وكانوا الخوارج، الذين وجدوا في صراع علي وماوية صراع بيوت قبيلة قرشي بين بعضهم على السلطة، وبالتالي هي حرب ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل.

ومع ظهور الخوارج قُتل علي، واستلم معاوية السلطة، وأكدها ثانية بعد عثمان كحق إلهي يمنحه الله لمن يشاء ويمنعه عن من يشاء. وقبل موته وهو على فرش الموت اجتمع حوله الولاة، فوقف أول انتهازي سياسي في الدولة الإسلامي وهو "يزيد بن المقفع" وكان والياً على شرق الأردن ليقول للولاة بحضور معاوية: (أمير المؤمنين هذا،- وأشار إلى معاوية- وإن مات هذا فهذا- وأشار إلى يزيد- وإن مات هذا فهذا، - وأشار إلى السيف.). فُسر معاوية من قوله وقال له: (تعال واجلس إلى جانبي فإنك والله خير المتكلمين). ويكون يزيد بن المقفع بقوله هذا قد أسس ومعاوية معاً للحكم الوراثي، واستخدام العنف بحق كل معارض. وهذا ما كان فعلاً بعد تولي يزيد السلطة حيث سالت الدماء دون حساب في عاشوراء، حيث نكل بالحسين وآل البيت العلوي من بعده، كما سالت الدماء وانتهكت بكارات العذارى في حراء، تلك المعركة التي نال فيها أهل المدينة الذين عارضوا خلافته وخلافة أبيه قبله، مالم تنله معارضة في تاريخ الدولة الإسلامية، حيث تذكر المصادر بأن آلاف النساء العذارى قد فكت بكارتهن، وقتل آلاف الرجال وسلبت أموالهم ودمرت بيوتهم، وقد تجلت في هذه المعركة الروح القبلية الثأرية التي دعا الإسلام إلى تجاوزها، فهذا قائد يزيد بن معاوية "مسلم بن قبة" في حملة (حراء) ينشد بعد انتصاره على أهل المدينة من الأنصار قائلاً:

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع السل

ثم جاءت بعد ذلك غزوة مكة في عهد عبد الملك بن مروان، ضد معارضي حكمه وعلى رأسهم "عبد الله بن الزبير" الذي قام بصلبه وحرق الكعبة ذاتها. ثم استوى بعد قتل الزبير على عرش الخلافة وقال: (من يقل لي بعد اليوم اتق الله سأقطع رأسه بهذا السيف.).

من هنا ابتدأ العنف المسلح بين السلطة والمعارضة، ومن هنا راح الطرفان يتخذان من الدين ونصه المقدس (القرآن والحديث) ذريعة أو حجة لشرعنة ما يمارسونه من عنف بحق بعضهم البعض. ومن هنا انشق الإسلام عقيدة وتشريعا بين إسلام جبري وآخر قدري، وعادت القبلية وعصبياتها تظهر على الساحة السياسية بين الأمويين والهاشميين (العلويين والعباسيين) من البيت القرشي بكل عنفها وجبروتها. ومن هناك تَدخل الأعاجم في السلطة وكانت الفرق والطوائف والمذاهب التي تقول كل واحدة منها بأنها وحدها الفرقة الناجية وما عداها كفرة وزنادقة، وراحت تشكل محاكم التفتيش وما يرافقها من عنف لقتل الناس على الهوية السياسية أو المذهبية أو الطائفية.

التأصيل التاريخي للفاشية في الدولة الإسلامية: ظهور الخوارج:

بعد التحكيم في صفين، انشق فريق من المقاتلين الذين وجدوا في الصراع بين علي ومعاوية صراع عشيرة وقبيلة على السلطة، وهم ليسوا أكثر من أدوات فيها، واعتصموا بعد انشقاقهم في منطقة (حروراء) قرب الكوفة ونادوا بأن تكون الخلافة شورى، والبيعة لله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسموا منذ ذلك اليوم بالخوارج.(4). وبناءً على هذا الموقف السياسي والعقيدي راح الخوارج بعد أن استفحل أمرهم وتبلور موقفهم السياسي والعقيدي ينظرون إلى غيرهم من المسلمين كفاراً تُستحل دماؤهم وأموالهم معتمدين في موقفهم هذا على الكثير من الآيات المدنيات والأحاديث التي تبرر قتل الكفار. وهم هنا يتطابقون في الحقيقة مع العقلية اليهودية التي رسمتها مبادئ (التلموذ).(5). أما أهم هذه الآيات والأحاديث التي اعتمدوا عليها في موقفهم هذا فهي، كقوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا). (النساء- 89). وقوله تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27). (سورة نوح). وقوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). البقرة – 39).

أما في الحديث فقد اعتمدوا على قول الرسول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله .).رواه أبو هريرة. عن الصحيحين – مسلم والبخاري.

وقبل أن نناقش دلالات وأبعاد هذه النصوص المقدسة الداعية للقتال، دعونا نقف عند هؤلاء الخوارج كأول فرقة إسلامية مارست القتل بطريقة فاشية على المختلف معها فكراً وممارسة من خلال اعتمادهم على النص المقدس، ووفقاً لما فسروه أو أولوه لهذا النص. هذا وقد تفرق الخوارج إلى فرق وشيع كان أهمها: الأزارقة، نسبة إلى عبد الله بن الأزرق- والصفوية- نسبة إلى عبد الله بن الصفار السعدي- والإباضية – نسبة إلى عبد الله بن إباض- والبيهسية- نسبة إلى حنظلة بن بهيس- والرسيّة- نسبة إلى عبد الله بن وهب الرسي. وهناك أيضاً النجدية نسبة إلى نجت بن عامر...

أما أهم أهدافهم ومبادئهم بعد أن نصبوا من أنفسهم دعاة حق وعدل، ومدافعين عن الفقراء والمستضعفين، وحرباً على المستبدين الطاغين.

أولاً: اعتبار الخلافة حق لكل عربي حر، ثم تجاوزوا هذا الشرط وقالوا هي حق لكل مسلم ، وإذا جار استحلوا عزله أو قتله عند اقتضاء الضرورة ذلك.

ثانياً: رسموا الدور الذي يحب أن يقوم به الحاكم وهو إقامة العدل بين الناس، وتقسيم الفيء على الرعية حتى لا يستأثر به أحد، والمساواة بين الناس في الأرزاق، وتأمين حاجات العامة، وإفداء الأسير ومجاهدة العدو.

ثالثاً: أما بالنسبة لرؤيتهم في مسأة الايمان، فقد قالوا بأن العمل بأوامر الدين من صلاة وصوم وصدق وعدل تعتبر جزءاً من الإيمان، وليس الإيمان الاعتقاد بالله ورسوله ورسالته، فمن اعتقد أن لا إله إلا الله ثم لم يعمل بما فرضه الدين وارتكب الكبائر فهو كافر.

رابعاً: لقد كانوا قساة مع من يخالفهم رؤيتهم في العقيدة وأمر السياسة، ورحماء مع المشركين. لقد كانوا يأتون أفظع المنكرات وأكبر الكبائر كأنهم لا يدينون بإله ولا يعرفون شفقة. لقد قال صاحب أحد فرقهم وهو نافع: بأنه لا يحل لأصحابه المؤمنين أن يجيبوا أحدا من غيرهم إذا دعاهم للصلاة، ولا أن يأكلوا ذبائحهم، ولا يتزوجوا منهم، وهم في نظره مثل كفار العرب وعبدة الأوثان. وقال عن بلادهم هي بلاد حرب ويحل قتالهم وقتل أطفالهم ونسائهم لأنهم كانوا يعتقدون أن أطفال مخالفيهم مشركون، وأنهم مخلدون في النار.

خامساً: كما كان الأزارقة لا يجيزون التقية، وكانوا يستحلون الغدر بمن خالفهم، ويكفرون القعدة عن القتال ممن هم على رأيهم، وأوجبوا امتحان من ينضمون إليهم بتكليفهم بقتل أحد أسراهم، فإن قتله صدقوه، وإن مانع قالوا عنه منافقاً وقتلوه.

سادساً: أسقطوا الرجم عن الزاني المحصن لعدم ورود نص، وكذلك على من قذف الرجل المحصن، ولكنهم أقاموا الحد على المحصنات من النساء. (6).

تعتبر بقية تياراتهم تنوس بين قبول هذه المبادئ أو رفضها أو تعديلها أو الإضافة إليها.

إن مشكلة الخوارج وكل من آمن بهذه الدرجة من العنف سابقاً ولاحقاً، هي اعتمادهم على الآيات القرآنية والأحاديث المتعلقة بجهاد الكفار التي جئنا على بعضها في موقع سابق، حيث اعتمدوا هنا في تفسيرهم أو تأويلهم لهذه الآيات ثم العمل على تطبيقها بناء على القاعدة الفقهية التي تقول بضرورة الأخذ بعموم اللفظ بدل النظر بخصوص السبب. وهذا ما أدخلهم كما أدخل غيرهم ممن آمن بالعنف ضد المختلف/ الكافر، منطلقين من فهمهم الخاص لطبيعة الكافر وماهيته. أي منطلقين من فهمهم هم لمعنى الكفر الذي راحت تهمته تنال كل مخالف لهم أو لمصالحهم تحت ذريعة أنهم يخالفون تعاليم الدين الصحيح، بالرغم من اختلاف الأولين من الصحابة أنفسهم في تفسيره أو تأويله أو حتى الخوض فيه. لا سيما وأن هذا النص المقدس، أي النص القرآني قد جمع بعد أربعة عقود ونيف من وفاة الرسول. وإن الرسول نفسه لم يأمر بجمعه، وكان يقول في تعدد وجوه آيات القرآن : (القرآن ذلول ذو وجوه محتملة، فاحملوه على أحسن وجه).(7). وهذا الحديث يأتي مستنداً إلى الآية القرآنية التي تقول: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.). (آل عمران- 7).

ومن الآيات المتشابهات التي بررت مسألة القتل، نأخذ مثالاً على ذلك الآية التي ذكرناها اعلاه وهي : (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا .) النساء- 89. في الوقت الذي نجد فيه آيات تقول عكس ذلك تماماً، كالآية التالية التي تقول دلالاتها إن من يحاسب الكافر هو الله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.). التوبة -129. أو الآية القائلة : (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون.). النحل -101.

ربما يعلق البعض ويقول إن هناك آيات نسخت كقولهم في الآية الخامسة من صورة التوبة : (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). التوبة - 5). إذ أن هذه الآية قد نسخت برأيهم خمس مائة آية من الآيات المكيات. وهذا القول أي قول الناسخ والمنسوخ قضية إشكالية لا يحق لأي كان أن ينسخ على هواه ويقول كما يقول أبو حامد الغزالي إن الحديث ينسخ القرآن والقرآن ينسخ الحديث. علماً أن هناك مئات الآلاف من الأحاديث الموضوعة، وأبو حامد نفسه اعتمد على أكثر من ألف حديث ضعيف. إن النسخ يتم من قبل الله وحده وهو القائل: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مقتر بل أكثرهم لا يعلمون.). النحل-111. لذلك نؤكد بأن النسخ من حق الله وحده، والله أكد في القرآن ورود الآيات المتشابهات، وقال إن من في قلوبهم زيغ هم من يفسروها ويؤولوها كما يشتهون خدمة لمصالحهم الأنانية الضيقة. وبالتالي فإن كل الأحاديث اتي تقر بالقتال الواردة على لسان الرسول إن لم ينظر في خصوصية سببها، فهي موضوعة وتناقض قول الرسول ذاته وهو من قال : كما جاء عند مسلم والبخاري والترمذي : (لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني غير ذلك فاليمحه.). وهو القائل أيضاً : ("كل شيء مردود إلى كتاب الله والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف".). (من كتاب روضة الواعظين).
على العموم نود أن نقف هنا في ختام حديثنا عن هذه المسألة وخاصة فيما يتعلق بالتفسير والتأويل عند آراء بعض المشايخ وهي على درجة عالية من الأهمية.

ذكر القاضي أبو بكر العربي في كتابه (قانون التأويل): (إن علوم القرآن خمسون علماً وأربعمائة وسبعة وسبعين ألف علم، على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة ثم يتابع حديثه: لكل آية ستون ألف فهم وما بقي منها أكثر. فلكل كلمة حد وظاهر وباطن ومطلع.). (9). هذا مع تأكيدنا هنا أن هذا القول سلاح ذو حدين، ففي الوقت الذي نستطيع توظيفه ضد من يحاول أن يفسر النص أو يؤوله على هواه، هو سلاح أيضاً بيد القوى السلفية التي تريد إيقاف باب الاجتهاد، وإيقاف حركة الزمن عند القرون الهجرية الثلاثة الأولى. كما نود أن نذكر هنا قول عبيدة بن قيس الكوفي المتوفى سنة اثنان وسبعون للهجرة من أصحاب ابن مسعود عن سبب نزول بعض آيات القرآن حيث قال :

(عليك باتقاء الله والسداد، فقد ذهب الذين كانوا يعلمون فيما نزل القرآن.). (10). وقد روي عن أحمد بن حنبل قوله: (ثلاثة أشياء لا أصل لها، التفسير والملاحم والمغازي.(11). وإذا كان ابن حنبل لا يعتبر للمغازي أصلاً وهي جرت في زمن الرسول، فكيف يقول إن (الحديث الضعيف عندي أهم من الرأي.)؟. أعتقد أن هذه المسألة فيها نظر. وهذا الشعيبي يقول في الاتجاه نفسه: (ثلاثة لا أقول فيهن حتى أموت، القرآن والروح، والرأي.).(12). أما الأصمعي فكان شديد الاحتراز في تفسير القرآن والسنة، وإذا سئل قال: (قالت العرب معنى هذا كذا ولا أعلم المراد منه في الكتاب والسنة أي شيء.). (13.).

وبناءً على كل ذلك، فإن اعتماد حاكمية الخوارج ومن جاء بعدهم من القوى السلفية الجهادية المعاصرة على الآيات والأحاديث الدالة على القتل وتقطيع الأوصال للمختلف تحت ذريعة الفرقة الناجية، ومصادرة حق تفسير وتأويل القرآن كما يريدون، هو أمر يخالف قول نص الآية التي تقول: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). الأنبياء- 107). ويخالف نص الآية القائلة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.). سبأ 28. وغير ذلك من الآيات التي تقف ضد العنف وإجبار الناس على اتخاذ الدين بالقوة. كما يدخل في هذا الاتجاه قول الرسول نفسه في حديثه المشهور : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). فالرحمة والقيم الأخلاقية النبيلة لا تفرض بقوة السيف ولا بتكفير الآخر وقطع الرؤوس.

الحاكمية في الخطاب السلفي الجهادي المعاصر:

تُعتبر السلفية الجهادية المعاصرة فكراً وممارسة، امتداداً طبيعياً لتيار الخوارج، من حيث تفسيرهم للنص المقدس واتخاذهم هذا النص مرجعاً تشريعياً وحيداً في إدارة حياة الفرد والمجتمع والدولة، مع اختلاف ظرفي الزمان والمكان لوجود كل منهما. فالعقلية التي تقوم بتفسير النص المقدس وتأويله بروح وثوقيه جامدة تؤمن بتكفير المختلف ومحاربته، وبالتالي العمل على لي عنق الواقع بحد السيف كي ينسجم مع رؤيتهم الدينية التي ترفض الاجتهاد، والبحث في النص المقدس عن المخزون الدلالي ونظمه ومقاصده وأهدافه الإنسانية الداعية إلى الرحمة والمحبة وتنمية حياة الإنسان، والسعي لتحقيق مقاصد الرسالة الدينة الحقيقية التي أرادها الله وبشر بها الرسول. بل إن هذه السلفية المعاصرة أمام مفاسد الواقع المتنامية ازدادت تمسكاً في وثوقيتها وسكونتيها، الأمر الذي ساهم بدوره في زيادة التحدي لهذا الواقع من قبل هذه القوى السلفية التكفيرية وتمسكها أكثر بالنص المقدس وتفسيره وتأويله كما قدمه لنا السلف في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، أو بتعبير آخر رفضها الشديد للآخر المختلف وزندقته وتكفيره، واستخدام كل الوسائل العلمية والتكنولوجية الحديثة في محاربته وتدميره أو التنكيل به، كما نرى اليوم على يد فصائل القاعدة مثل داعش والنصرة وغيرهما. واعتبار الواقع المعيش واقعاً كافراً لابد من تدميره وإعادة بنائه من جديد وفقاً لمتطلبات فهمهم وتفسيرهم للنص المقدس وحاكميته.

يعتبر "أبو الأعلى المودودي" المؤسس الرئيس لفكرة الحاكمية بصيغتها المعاصرة التي تمثلها الحركات الإسلامية الأصولية الجهادية، والمؤسس أيضاً للممارسة العنف ضد المختلف أفراداً ومؤسسات، وخاصة بعد أن وجد دعاة هذا التيار الجهادي السلفي في الدول العربية والإسلامية أنظمة شمولية وضعية استبدادية تدعي العلمانية، في الوقت الذي تنافق فيه كثيراً للدين والمتدينين، كما تدعي هذه الأنظمة بأنها هي وحدها من يمثل الدين الصحيح، في الوقت الذي تقوم فيه بممارسة الفساد من القاعدة على القمة، وتعمل على ظلم الرعية الذين لم يصلوا بعد إلى درجة المواطنين في دولهم، تحت شعارات دستورية براقة تقول بدولة المؤسسات والمواطنة ودولة القانون والديمقراطية وحرية الرأي والصحافة وتحرير المرأة وغير ذلك. الأمر الذي وجدت فيه هذه القوى السلفية الجهادية المجال الواسع للتبشير بأفكارها واستقطاب الأعداد الكبيرة من الناس الذين لم يزل الوعي الديني الفقهي الشفهي يهيمن على حيز واسع من تفكرهم، وذلك عبر التبشير من قبل دعاة راحوا يستخدمون كل الوسائل المتاحة من تلفاز وصحافة ومواقع الكترونية وأشرطة تسجيل، بساعدهم في هذا العمل التبشيري القوى والأنظمة السياسية الشمولية، كونها وجدت في هذا العمل التبشيري خير وسيلة لتجهل الناس وإقصاء عقولهم عن مشاكلهم الأساسية ومعاناتهم، بغية إقناعهم بأن كل ما يعيشونه من قهر وظلم واستلاب وجهل وتخلف، لا دخل للأنظمة الحاكمة به، وإنما مرده إلى قدر محتوم لا مناص لهم منه إلا بالعودة إلى الدين والدعاء لله كيف يرفع الغمة عنهم. هذا في الوقت الذي راحت فيه هذه القوى السلفية الجهادية تعمل في التوازي سراً على التبشير أيضاً بدولة الخلافة وحاكميتها التي ستحقق العدل والمساواة بين الرعية.

يقول أبو الأعلى المودودي في معرض تعريفه للجهاد: (الجهاد كلمة تشمل جميع أنواع السعي وبذل الجهد من أجل تغيير وجهات نظر الناس وتبديل ميولهم ونزعاتهم، وإحداث انقلاب عقلي وفكري بواسطة الكلمة وحد السيف من أجل القضاء على الحياة القائمة .. على نظام الحكم السابق الذي أسس نظام حكمه على غير قواعد الإسلام واستئصال شأفتها، وتأسيس نظام جديد على قواعد العدل، وهذه أصناف الجهاد.). (14). أما فهمه للحاكمية التي بنت عليها كل التيارات السلفية الإسلامية ومنها الجهادية مشروعها فهو: (ليس لفرد أو أسرة أو لطبقة أو حزب أو لسائر القاطنين في الدولة نصيب من الحاكمية، فالحاكم الحقيقي هو الله. وليس لأحد من دون الله حق التشريع، والمسلمون جميعاً ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً لا يستطيعون أن يشرعوا قانوناً أو تغيير شيئاً من شرع الله. إن الدولة الإسلامية لا يُؤسس بنيانها إلا على ذلك القانون الذي جاء به النبي من عند ربه، مهما تغيرت الظروف والأحوال والحكومات. لأن الدستور الإلهي سرمدي لا تغيير فيه ولا تبديل، فقد كتب له أن يبقى ثابتاً واضحاً إلى يوم القيامة.).(15). ثم يقول في موقع آخر عن الدولة غير الإسلامية: (كل دولة مؤسسة على فكرة غير فكرة الإسلام، يقاومها الإسلام ويريد القضاء عليها قضاءً مبرماً، ولا يعنيه الإسلام في شيء بهذا الصدد أمر البلاد التي قامت بها الحكومة غير المرضية أو الأمة التي ينتمي إليها القائمون بأمرها.).(16). وهذا الموقف ذاته نجده عند كل القوى الجهادية في عالمنا العربي وخاصة تنظيم (الإخوان المسلمون). ويأتي هذا الموقف المشدد تجاه الفرد والمجتمع والدولة واضحاً لدى سيد قطب في كتابه (معالم على الطريق)، الذي يعتر الكتاب المؤصل للسلفية الجهادية في عالمنا العربي بعد كتابات المودودي، كما نجده عند مؤسس حركة الإخوان حسن البنا الذي يقول : (علينا ان نقف عند هذه الحدود الربانية، حتى لا نقيد أنفسنا بغير ما يقيدنا به الله. ولا يكون عصرنا بلون لا يتفق معه.). (17).

يستوقفني هنا موقف فكري للحاخام اليهودي المقتول "مئير سهاته"، يشير فيه إلى تلك العقلية الوثوقية اليهودية تجاه مستجدات الحياة المدنية المعاصرة بما تحمله هذه الحياة من مشاريع تدعوا إلى حرية الإنسان وامتلاكه مصير نفسه، وتحديد أسس مشاركته في بناء دولته ومجتمعه على الطريقة التي تؤمن له إنسانيته، وخاصة موقفه من الديمقراطية والعلمانية ودولة المؤسسات: حيث يقول "سهاته": (لا حاجة لوجود دستور لأن التوراة هي الدستور، ولا حاجة لوجود برلمان لأن السلطة العليا هي للحاخامية، ويجب أن يهتم البرلمان بالسجون والجيش. - ثم يتابع – في دولة التوراة لاوجود لحرية الكلام ، ولا حرية للفرد في مخالفة تعاليم (الهالاخاه – الشريعة الدينية المتعلقة بالأحوال الشخصية.). إن الديمقراطية تغذي الكذب والغش وكل ما هو خاطئ ومريض في الطبيعة الإنسانية.).(18).

إن هذا الموقف السلفي الوثوقي المعادي لحرية الإنسان يتمثله أيضاً التيار الإسلامي الجهادي السلفي المعاصر، كما تمثل الخوارج قواعد التلمود. لقد جاء في المنطلقات الفكرية لحزب التحرير الإسلامي السوداني ما يؤكد هذه النظرة التي أدلى بها الحاخام "سهاته): (لا يسمح بمفهوم الديمقراطية في الدولة الإسلامية لأنه غير منبثق عنها.. ولا حمل للبشر في وضع أحكام لتنظيم علاقات الناس أو تخييرهم على اتباع قواعد أو أحكام غير ما تبناه الخليفة أو الإمام، فهو نافذ ويرفع الخلاف.). (19). أما موقف "سيد قطب" من العلمانية فقد جاء فيه:(إن العلمانية تسعى إلى حصر الدين الإسلامي في دائرة الاعتقاد الوجداني والشعائر التعبدية، وكفه عن التدخل في الحياة الواقعية، ومنعه من الهيمنة على كل نشاط واقعي للحياة البشرية كما هي طبيعته، هذه الطبيعة التي تمتاز بخصائص تغضب الصليبية العالمية والصهيونية العالمية وتدفع كل المعسكرات المتخاصمة للالتقاء على الخوف من البعث الإسلامي الوشيك الذي تحميه طبيعة الإسلام ...إن الجماهير تنظر إلى الإسلام كمخلص لها على قاعدة المنهج الرباني، عن علم بدل الجهل، وكمال بدل النقص، وقدرة بدل الضعف، وحكمة بدل الهوى.).(20). أما الشيخ القرضاوي أحد أعمدة تنظير الفكر السلفي الإخواني حيث يقول عن العلمانية: (إن الدعوة إلى العلمانية بين المسلمين معناها الالحاد والمروق على الإسلام.).(21).
هكذا إذا يفهم الدين بنصوصه المقدسة عند هذه القوى السلفية الجهادية، على أن "الواقع للدين وليس الدين للواقع" كما يقول سيد قطب في كتابه معالم في الطريق. وعلى هذا الفهم يجب أن يتهيكل الواقع دائماً بكل ما فيه من قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وفقاً لمفهوم التيارات الإسلامية الجهادية، أو الفرقة الناجية كما تفهم الدين وتفسره أو تؤوله.

ملاك القول : إن التيارات الجهادية السلفية التكفيرية المعاصرة في موقفها هذا من الدين والدنيا ، ترتكز على جملة من المعطيات الفكرية والمنهجية أهمها:

1- العودة دائما إلى الأصول كما حددها فقهاء السلف الصالح حتى القرن الثالث للهجرة، حيث تعتبر هذه الأصول هي النبع الصافي الذي علينا دائماً أن نستقي منه طريقة حياتنا وسبل نجاتنا.

2- النظر إلى البيئة الاجتماعية وفق منظور ديني عقيدي "(مؤمن كافر زنديق .. مع غياب كامل لمفهوم المواطنة.

3- النظرة الريبة دائماً لأصاحب الديانات الأخرى، ولكل الفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة معها في الفهم الديني، على أنهم كفار.

4- احتقار المرأة وعملها، واعتبارها ضلعاً قاصراً وكلها عورة، وقد خلقها الله لتربية الأولاد وتامين حاجات الرجل الغريزية والبيتية.

5- رفض كل الفكر الوضعي الذي تتبناه الدولة الحديثة وكل قوانين مؤسساتها الوضعية، واعتبارها مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه، وبالتالي فأي دولة لا تتبنى حاكمية الإسلام (تشريعه)، هي دولة كافرة يجب ان تقاتل وتدمر.

6- التمسك بسلوكيات السلف الصالح بكل تفاصيلها، من حيث اللباس للرجل والمرأة، مثل تطويل الدقن وحف الشارب، ولبس الدرع والجلباب للمرأة، وتصل مسألة التمسك بقيم السلف حتى إلى رفض استخدام التكنولوجيا الحديثة كالتلفاز وغيره.

في مواجهة هذه القوى السلفية الجهادية الوثوقية التكفيرية، تقف أنظمة شمولية أصولية بلبوس معاصر، بغض النظر عما تحمل هذه الأنظمة أو أحزابها من أيديولوجيات ليبرالية أو اشتراكية أو قومية تدعي العلمانية والديمقراطية ودولة المواطنة والمؤسسات أو القانون، وهي بعيدة من الناحية العملية عن كل هذه القيم والمبادئ التي تدعيها. وغالباً ما تزايد هذه الأنظمة أيضاً على القوى الإسلامية ذاتها في تبنيها للدين الذي تعتبر نفسها هي الوحيدة التي تمثل وجهه الدين الصحيح من جهة، مثلما تعتبر نفسها وهي وحدها من يمثل العلمانية والديمقراطية من جهة اخرى، في الوقت الذي نجدها فيه تمارس العنف والقمع والعنف تجاه المختلف معها من يمين ويسار ومعتدل، تحت ذريعة الخيانة للوطن والارتباط بالمستعمر والصهيونية والتآمر على سلامة الوطن والمواطن.

د. عدنان عويّد - كاتب وباحت من ديرالزور- سورية

.......................

المراجع:

1- حمد سعيد الموعد- الأسلمة المعاصرة – قضايا وآفاق- دمشق- دار حطين – 1994- ص153 وما بعد.

2-حسن ابراهيم حسن- تاريخ الإسلام- دار الجيل- بيروت- 1991- ج1- ص 294و295. باعتماده على الطبري ج5-ص 70و71و72.

3- الدين في المجتمع العربي – (ندوة) – مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت – 1990- ص 208

4- - حسن ابراهيم حسن- تاريخ الإسلام- دار الجيل- بيروت- 1991- ج1- ص307.

5 - حسن ابراهيم حسن- المرجع نفسه- ص- 309.

6- - للاستزادة في هذا الموضوع يراجع –حسن ابراهيم حسن –المرجع السابق –ص 317 وما بعذ. كذلك يراجع أيضاً- أحمد أمين فجر الإسلام – دار الكتاب العربي- بيروت – 1969 -ص256 وما بعد.

7- النهج – مركز الدراسات والأبحاث الاشتراكية في العالم العربي- دمشق- العدد 9- لعام – 1997- ص-177.

8- عن الزركشي- النهج – المرجع السابق- ص-177

9 - النهج – المرجع السابق- ص- 179

10- حسن ابراهيم حسن- المرجع السابق- ص41

11- حسن ابراهيم حسن- المرجع نفسه- 410.

12- ضحى الإسلام- ص144.

13- ضحى الإسلام –ص 144.

14- أحمد سعيد الموعد- الأسلمة المعاصرة قضايا وآفاق- دار حطين- دمشق- 1994- ص174.

15- الأسلمة المعاصرة – مرجع سابق. ص 189.

16- الأسلمة المعاصرة- المرجع نفسه- ص 193.

17- الأسلمة المعاصرة. ص161.

18- الأسلمة المعاصرة – مرجع سابق. ص – 188.

19- الأسلمة المعاصرة- المرجع نفسه- ص 189.

20- الأسلمة المعاصرة- المرجع نفسه- ص 299.

21- الأسلمة المعاصرة- المرجع نفسه –ص 199.

ميثم الجنابي"هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان"

(سفيان الثوري)

لقد سردت في نهاية الحلقة السابقة الى الحالة التي تصف فيها موقف الحجاج الثقفي بعد قتله لسعيد بن جبير الى ما يسمى بارتجاج عقل، او حسب وصف القدماء "إن الحجاج لم يفرغ من قتله حتى خولط في عقله"، وجعل يصيح "قيودنا، قيودنا"، ويعني بذلك القيود التي كانت في رجل سعيد بن جبير! الأمر الذي جعل ابن قتيبة يقول: "متى كان الحجاج يسأل عن القيود أو يعبأ بها!". وهي كلمة لها مذاقها الاخلاقي. اما في الواقع، فقد اخطأ ابن قتيبة بهذا الصدد، وذلك لأن الحجاج هو الأكثر من كان يسأل عن القيود ويعتني بها لكي يستعملها من جديد.

ومع ذلك استند التعليق الدقيق الذي بلوره ابن قتيبة إلى وقائع التاريخ الفعلي وشخصية الحجاج الخالية من أية مشاعر وأحاسيس وقيم ومفاهيم، باستثناء صنمية العبودية للسلطة، والتي نعثر عليها في كلمات خالد بن عبد الله القسري في استعداده لدك الكعبة حجرا حجرا مرضاة لمالكه عبد الملك بن مروان. وقد نفّذ الحجاج هذه الرغبة بحذافيرها قبل ذلك بسنوات. كما نعثر عليها في طبيعة الحوار ونتائجه التي أدت بحياة سعيد بن جبير إلى فناءه في تقاليد الروح وتاريخ الثقافة الحية، وبقاء الحجاج في شتيمة الذاكرة وإدانتها الأبدية. ونعثر على الوجه الآخر لهذه المفارقة في إحدى القصص والحوارات التي دارت بين الحجاج وبين الغضبان الشيباني (إحدى الشخصيات البهلوانية) الذي قبض عليه الحجاج بسبب قوله لابن الأشعث: "تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك"، رغم انه كان من أتباع الحجاج. وهي قصة وثيقة الارتباط بشخصية سعيد بن جبير الذي حاول في بادئ الأمر إقناع ابن الأشعث بالكف عن التمرد، لكنه مال إليه في نهاية الأمر. غير أن لكل منهما مصيره في حياة الحجاج السياسية. فإذا كان مصير سعيد بن جبير القتل، فان مصير الغضبان الشيباني الصفح والضحك! إذ تنقل لنا كتب التاريخ والسير والأدب الحوار التالي بينهما بعد أن رجع الغضبان الشيباني من كرمان (منطقة ابن الأشعث آنذاك). فقد بادره الحجاج قائلا:

- أنت شاعر؟

- لست بشاعر، ولكني خابر!

- أفعرّاف أنت؟

- بل وّصاف!

- كيف وجدت أرض كرمان؟

- ارض ماؤها وشل، وسهلها جبل، وثمرها دقل، ولصها بطل. إن كثر الجيش بها جاعوا، وان قلّ بها ضاعوا.

- صدقت! أعلمت من كان الإعرابي؟[1]

- لا!

- كان ملكا خاصمك فلم تفقه عنه لبذخك.

عندها قال الحجاج لمن في إمرته:

- اذهبوا به إلى السجن! فانه صاحب المقالة "تغّد بالحجاج قبل أن يتعشى بك!"، وأنت يا غضبان قد أنذرك خصمك على نطق لسانك. فما الذي بك دهاك؟

- جعلني الله فداك أيها الأمير! أما أنها لا تنفع من قيلت له، ولا تضر من قيلت فيه!

- اجل! ولكن أتراك تنجو مني بهذا؟ والله لأقطعن يديك ورجليك ولأضرّبن بلسانك عينيك!

- أصلح الله الأمير! قد آذاني الحديد، واهون ساقي القيود، فما يخاف من عدلك البريء، ولا يقطع من رجائك المسيء.

- انك لسمين!

- القيد والرتعة! ومن يك ضيف الأمير يسمن.

- إنا حاملوك على الأدهم

- مثلا الأمير، أصلحه الله يحمل على الأدهم والأشقر؟

- انه لحديد

- لأن يكون حديد خيرا من أن يكون بليدا

- اذهبوا به الى السجن!

- "فلا تستطيعون توصية ولا إلى اهلهم يرجعون"[2]

وقضى الغضبان الشيباني في السجن فترة طويلة إلى أن أنهى الحجاج بناء مدينة واسط. وعندما أتمها قال لندمائه:

- كيف ترون هذه القبة؟

- ما رأينا مثلها قط!

- أما أن لها عيبا، فما هو؟!

- ما نرى بها عيبا.

- سأبعث الى من يخبرني به!

وعندما بعث على الغضبان الشيباني، واقبلوا به وهو يرسف بقيوده، عند ذاك قال له الحجاج:

- يا غضبان! كيف قبتي هذه؟

- أصلح الله الأمير! نعم القبة، حسنة!

- اخبرني بعيبها

- بنيتها في غير بلدك! لا يسكنها ولدك. ومع ذلك فانه لا يبقى بناؤها ولا يدوم مرانها. وما لا يبقى ولا يدوم فكأنه لم يكن!

- صدقت! أرجعوه الى السجن!

- أصلح الله الأمير! قد أكلني الحديد، واوهن ساقي القيود، وما أطيق المشي.

- احملوه. (فلما حملوه على الأيدي قال الغضبان)

- "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كانا له مقرنين"[3].

- انزلوه! (ولما انزلوه، قال:

- "رب! أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين"[4].

- جرّوه (ولما جروه قال):

- "بسم الله مجراها ومرساها، أن ربي لغفور رحيم".

- اضربوا به الأرض (ولما ضربوه بالأرض قال):

- "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى"[5].

عندها اخذ الحجاج بالضحك بحيث استلقى على قفاه ثم قال:

- ويحكم! قد غلبني والله هذا الخبيث! أطلقوه! إلى صفحي عنه

- "فاصفح عنهم وقل سلم"[6].

وهي الحالة التي تصورها ما يرويه الأصمعي عن عمه القائل، بان الحجاج لما فرغ من ابن الزبير وقدم إلى المدينة، التقى بشيخ خارج منها، فسأله عن حال أهل المدينة، فأجاب:

- بشرّ حال! قتل ابن حواري رسول الله!

- ومن قتله؟

- الفاجر اللعين الحجاج عليه لعائن الله وتهلكته!

- أيها الشيخ! أتعرف الحجاج إذا رأيته؟

- نعم! فلا عرفه الله خيرا ولا وقاه ضرا!

وعندما كشف الحجاج عن لثامه وقال له:

- ستعلم أيها الشيخ الآن إذا سال دمك الساعة

- والله أن هذا لهو العجب يا حجاج! لو كنت تعرفني ما قلت هذه المقالة! أنا العباس بن أبي داوود، اصرع كل يوم خمس مرات!(بمعنى اصابته بالصرع).

- انطلق فلا شفى الله الأبعد من جنونه ولا عافا!

إننا نرى في هذه النماذج والأمثلة حقيقة الحجاج وشخصيته. بمعنى قسوته غير المتناهية في معارضة ومواجهة الحق والحقيقة، وليونته ولطفه أمام السخرية والتلهية العابثة بكل شيء مازال ذلك لا يمس السلطة بشيء ولا يعرقل عليها تلذذها السمج بخوائها الذاتي.

وقد كانت تلك الصفة التي ميزت عقيدته السياسية والعملية. بمعنى الخنوع المطلق أمام صنم السلطة الغاشمة، والتيمم بغرائب الاستبداد، والتلذذ برعشة الارتماء أمامها بوصفه رئيس سدنتها. ويمكن رؤية هذه الحالة على مثال محاورة الشعبي وما تبعها من نوادر وسلوك. إذ تنقل لنا كتب التاريخ كيف أن الحجاج بعد قتل ابن الأشعث أقام أياما لا يمر عليه يوم إلا ويأتون إليه بالأسرى. فلما رأى كثرتهم ازداد حنقا وغيظا. فاخذ يأمر بقتلهم. وبما أن اغلبهم كانوا من أتباع الخوارج، ورغبة منه باستئصالهم، فانه اخذ بامتحانهم بالسؤال التالي: أمؤمن أنت أم كافر؟ من اجل أن يعرف الخوارج من غيرهم. فمن قال عن نفسه بأنه كافر منافق أطلق سراحه، ومن قال انه مؤمن قتله! وذلك لمعرفته بصدق الخوارج! وهي الحالة التي جعلت من الرذيلة فضيلة وجرى رفعها الى مصاف النكتة والنوادر المضحكة المبكية بالنسبة للروح الثقافي وتاريخ العدل. فعندما وقع عامر بن سعيد الشعبي في الأسر، وقد كان مع ابن الأشعث في جميع حروبه وقريب المنزلة منه، ليس لأحد منه مثلها باستثناء حال سعيد بن جبير. وأتى الشعبي إلى الحجاج في سورة غضبه وهو يقتل الأسرى، إلا من اعترف وأقرّ على نفسه بالكفر والنفاق! فلما سار عامر بن سعيد الشعبي إلى الدخول عليه لقيه رجل من صحابة الحجاج يقال له بريد بن أبي مسلم وكان مولى الحجاج وحاجبه. فقال للشعبي: "يا شعبي لهفي بالعلم الذي بين دفتيك وليس هذا بيوم شفاعة! إذا دخلت على الأمير فأوله بالكفر والنفاق عسى أن تنجو!" فلما دخل الشعبي على الحجاج صادفه واضعا رأسه لم يشعر. فلما رفع رأسه رآه قال له:

- وأنت أيضا يا شعبي فيمن أعان علينا وألب!

- أصلح الله الأمير إني أمرت بأشياء أقولها لك أرضيك بها وأسخط الرب ولست أفعل! ولكني أقول أصلح الله الأمير وأصدقك القول فإن كان شيء ينفع لديك فهو في الصدق. إن شاء الله أحزن بنا المنزل وأجدب الجناب واكتحلنا السهر واستحلنا الخوف وضاق بنا البلد العريض فوقعنا في خزية لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء.

- كذلك!

- نعم! أصلح الله الأمير وأمتع به (فنظر الحجاج إلى أهل الشام وقال):

- صدق والله يا أهل الشام! ما كانوا بررة أتقياء فيتورعوا عن قتالنا ولا فجرة أقوياء فيقووا علينا! (ثم قال) انطلق يا شعبي فقد عفونا عنك فأنت أحق بالعفو ممن يأتينا وقد تلطخ بالدماء ثم يقول كان وكان.

وكان قد أحضر بالباب رجلان أحدهما من قبيلة بكر بن وائل والآخر من قبيلة تميم. وكانا قد سمعا ما قيل للشعبي بالباب. فلما أدخلوهما على الحجاج، فانه ابتدر البكري قائلا:

- أمنافق أنت؟

- نعم أصلح الله الأمير! لكن أخو بني تميم لا يبوء على نفسه بالنفاق!

عندها قال التميمي "أنا على دمي أخدع! بل أنا أصلح الله الأمير منافق مشرك!!". عندها ابتسم الحجاج وأمر بإخلاء سبيلهما!! تكشف هذه الحالة بصورة نموذجية لا مثيل لها في التاريخ الإسلامي قبل الحجاج عن طبيعة وحقيقة النزعة الأموية التي تمثل الحجاج رحيقها الفعلي.

لقد كانت هذه النماذج المتنوعة في الامتحان، والمتنوعة في كشفها عن طبيعة العقيدة السياسية للحجاج، أحد الأمثلة الواقعية عن طبيعة الأموية ومضمونها الفعلي، بوصفها همجية الزمن السلطوي. وليس مصادفة أن يقشعر جلد الحجاج حالما دل وسواسه يوما على إمكانية البحث عن "عفو" عند السلطة لبعض ممن اعتقد انهم لم يكونوا خطرين عليها. وعندما رد عليه عبد الملك بن مروان قائلا: "لم أبعثك مشفعا وإنما بعثتك منفذا مناجزا لأهل الخلاف والمعصية". وهو اليقين الجديد الذي حفز مكنونات الشخصية الأموية في نفسية الحجاج وذهنيته بحيث نرى ارتعاشها المتلذذ بقسم الإيمان الدموي حالما وقف أمامه ممن أراد الشفاعة بهم من وجوه قريش مثل عمرو بن موسى التميمي ومحمد بن سعد بن وقاص. حينذاك أخرجهم الحجاج (وكانوا اثني عشرا) وقال لعمرو بن موسى وكان شابا جميلا:

- يا عاتق قريش! مالك أنت وللخروج؟ إنما أنت عاتق صاحب ثياب ولعب!

- أيها الرجل امض لما تريد! فإنما نزلت بعهد الله وميثاقه فإن شئت فأرسل يدي وبرئت مني الذمة

- كلا! حتى أقدمك إلى النار!

فضربت رقبته ثم جيء بمحمد بن سعد وكان رجلا طويلا، فقال له:

- يا ظل الشيطان! ألست بصاحب كل موطن؟ أنت صاحب الحرة، وصاحب يوم الزاوية، وصاحب الجماجم!

- إنما نزلت بعهد الله وميثاقه! فإن شئت فأرسل يدي وبرئت مني الذمة.

- لا! حتى أقدمك إلى النار!

ثم قال لرجل من أهل الشام اضرب لي مفرق رأسه! فضرب ضربة فلقته فلقتين. ثم أخذ بقتل الباقين.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] المقصود به جاسوس الحجاج، الذي أرسله لتتبع أخبار الغضبان الشيباني وحالة ابن الأشعث.

[2] هنا، كما في الأجوبة الأخرى هو "استلهام" القرآن بمعايير الملهاة. (سورة يس، الآية 50).

[3] القرآن: سورة الزخرف، الآية 13.

[4] القرآن: سورة المؤمنون، الآية 29.

[5] القرآن: سورة، الآية 55.

[6] القرآن: سورة الزخرف، الآية 89.

 

 

ميثم الجنابي"هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان"

سفيان الثوري

لقد أمضى الحجاج في الحجاز عامين من الزمن، بعد القضاء على حركة ابن الزبير. وهي الفترة التي تمرس فيها بالقدر الذي جعل من الممكن ترشيحه إلى العراق بوصفه جوهرة الإمبراطورية الأموية ومعقل قلقها الرهيب. من هنا إرهاب السلطة المنظم ضده على امتداد تاريخ الأموية حتى زوالها. كما انه السبب الذي يفسر تحوله الى مركز الخلافة العباسية اللاحقة. فهي المنطقة التي أثارت قلق التاريخ العربي الإسلامي ووحدّت مكوناته على مستوى الوعي واللاوعي. وفيما بينهما ترعرعت ونمت وتصلّبت مختلف الحركات الفكرية والسياسية التي شكلت مصدر القلق الأعمق للأموية. فالأموية جسد بلا روح ولسان بلا قلب. وهو النقص الجوهري الذي ميز الأموية وجعلها في الوقت نفسه رهينة القوة والعنف والإرهاب. كما أنها المفارقة التي صنعت الحجاج وجعلته رهينة السلطة وزمن الرذيلة العابثة. من هنا غرابة الدخول الأول للحجاج الى العراق وتفاهة موته فيه واحتقار ذاكراه! فمنذ توليه حكم العراق عام 75 للهجرة حتى وفاته في واسط عام 95 للهجرة، أي لمدة عشرين سنة متتالية، لم تكن حياة الحجاج غير سلسلة من القلق العابث بقيمة الحياة والمعنى. بحيث يمكننا رسم ملامح شخصية بقت من حيث الجوهر خارج التاريخ والواقع رغم انهماكها العنيف بكل حيثياتهما! وليست القصص المروية عن كيفية دخوله إلى الكوفة سوى أكثرها إثارة وغرابة. وقد يكون أكثرها قربا الى الواقع وأكثرها تعبيرا عن نفسيته وذهنيته ودهاءه السياسي هي تلك التي تصور دخوله مسجد الكوفة وخطبته وقتل الناس مجانا.

وهي الرواية التي تؤكد على أن خطبته التي اختتمها بمجزرة علنية كانت مهمتها الرئيسية ترويع أهل العراق، بوصفه موطن المناهضة العلنية والمستترة للأموية. وهي رواية تقول، بأن الحجاج حالما جرى تعيينه واليا على العراق اخذ معه قوات قوامها ستة آلاف رجل، ألفان من أهل الشام وأربعة مختلطة. وتقدم بألفين منهم إلى البصرة أوان الصلاة. ولما دنا من البصرة أمرهم بالتفرق على أبواب المسجد، بحيث وضع على كل باب من أبوابه الثمانية عشر، مائة رجل بسيوفهم. وقال لهم، بأنهم حالما يسمعون جلجلة في المسجد فان مهمتهم ألا يخرج احد من المسجد حيا. وهي المهمة التي قامت بها قواته كما أمرهم بها. بمعنى توزعهم على الأبواب وانتظارهم إشارة الحجاج. وهي إشارة يمكن معرفتها حالما يضع عمامته بعد أن يحصبه القوم. بمعنى استدراجه للقوم من خلال استفزازهم. وحالما دخل مسجد البصرة (وليس الكوفة) وحان وقت الصلاة، فانه صعد المنبر وألقى خطبته التي قال فيها "أيها الناس! إن أمير المؤمنين عبد الملك، أمير استخلفه الله عز وجل في بلاده وارتضاه إماما على عباده، وقد ولاّني مصركم وقسمة فيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم وإمضاء الحكم على ظالمكم، وصرف الثواب إلى المحسن البريء، والعقاب إلى العاصي المسيء. وأنا متبع فيكم آمره ومنفذ عليكم عهده. وأرجو بذلك من الله عز وجل المجازاة ومن خليفته المكافأة. وأخبركم انه قلدني بسيفين حي توليته إياي عليكم، سيف رحمة وسيق عذاب ونقمة. فأما سيف الرحمة فسقط مني في الطريق، وإما سيف النقمة فهو هذا!". عندها حصبه الناس. فلما أكثروا خلع عمامته فوضعها على ركبته. حينذاك اخذ قواته بقطع الرقاب! وحالما أخذت الناس بالهرب من المسجد تلقاهم أولئك الذين أوكلت إليهم مهمة ألا يخرج من الأبواب غير الرؤوس المقطوعة! وقد بلغ عدد القتلى، كما تنقل بعض الروايات سبعين ألفا بحيث سالت الدماء إلى أبواب المسجد والسكك! وهو رقم يعكس هول الواقعة وطبيعتها أكثر ما يعكس عددها الفعلي1 .

وتعكس هذه الحالة النموذجية شخصية الحجاج ونموذج سلوكه السياسي في العراق على امتداد عشرين سنة. وهما عقدان قد يكونا الأكثر دموية وشراسة فيما يمكن دعوته بمساعي الأموية الدائبة لصنع الوحدة الميتة في العقل والضمير والوجدان، والظاهر والباطن، والتفكر والتوجس، أي في الروح والجسد الخاص والعام للأفراد والجماعات والأمة. وهو السلوك الذي تماهى مع شخصية الحجاج، بحيث أصبح مكافئ لمعنى الإبادة والقتل والجريمة والاضطهاد والعنف المفرط والخروج على ابسط مقومات العقل والذوق السليم والحس الإنساني والقيم الأخلاقية المتعارف عليها والعرف التاريخي والثقافي. من هنا تسجيل كتب التاريخ سيرته بإسهاب وإطناب وتدقيق لمختلف أساليب القتل والتعذيب بما في ذلك تجاه الشخصيات الإسلامية الكبرى التي شملها سلوك الحجاج. فقد قتل الحجاج محمد بن سعد ابن أبي وقاص، وأبو القاسم الزهري، وعبد الله بن زيد الأنصاري (قاتل مسيلمة الكذاب) وماهان الحنفي الذي قطع الحجاج رجليه ويديه وصلبه! كما قتل مصدع الأنصاري المعروف بالمعرقب، وذلك بسبب قطع عرقوبه، لأنه رفض سب الإمام علي بن أبي طالب2 . كما عذب وأهان عشرات الشخصيات الكبيرة بسبب رفضهم سبّ الإمام علي. فقد طلب من محمد بن القاسم أن يعرض عطية العوفي (الذي خرج مع ابن الأشعث) على سبّ الإمام علي، لكنه لم يفعل. لهذا أمر بحلق لحيته وضربه مائة سوط! ونفس الشيء عمله مع الكثيرين3 . وتفنن في ترويع الشخصيات الروحية والورعة لأهل العراق. مثل سجنه احد عباد وزهاد الكوفة المدعو عبد الرحمن بن أبي نعم. حيث حبسه في غرفة مظلمة لمدة خمسة عشر يوما على أمل قتله بالتجويع. وعندما فتحوا الباب وجدوه حيا! عندها قال له الحجاج: سر حيث شئت4 ! وعندما أرسل الى عبد الله بن عكيم (ممن أدرك الجاهلية)، فانه تحظر للموت قائلا "اللهم انك تعلم إني لم ازن قط، ولم اسرق قط، ولم آكل مال يتيم قط، واني كنت صادقا"! بينما أجاب نافع بن جبير بن مطعم على قول الحجاج له:

- قتلت ابن الزبير وعبد الله بن صفوان وابن مطيع، ووددت إني كنت قتلت ابن عمر!

- ما أراد الله بك خير مما أردت لنفسك

- صدقت!

وعندما خرج منه، قيل له "لا خير لك في المقام عند هذا"، عندها أجابهم، بأنه جاء للغزو!

إن كل هذه الصور مجرد نماذج وأمثلة لشخصية الحجاج وموقفه من شخصيات الأمة الكبرى. بمعنى قدرته واستعداده وتنفيذه للقتل والاستهانة والتخريب وكسر كل الحدود العقلية والأخلاقية والشرعية الضرورية لوجود الفرد والجماعة والأمة والدولة. بمعنى الخروج على الفكر والفكرة والقواعد والتاريخ، والإبقاء على الأنا المحكومة بغريزتها ونوازعها الشخصية وطبيعة الاستبداد. وهي المكونات التي عبر عنها الحجاج مرة بصورة دقيقة عندما خاطب أهل العراق في مجرى مواجهته لتمرد ابن الأشعث: "إني انذر ثم لا انظر! واحذر ثم لا اعذر! وأتوعد ثم لا أعفو!"، بمعنى انه لا يعرف غير حدود الإنذار والتحذير والتوعد. وما عداها هو مجرد انعدام النظر والعذر والعفو فيما يراه ويريده. وبما أن ما يراه ويريده هو العبودية للسلطة والعيش بمعاييرها، من هنا يمكن تحسس وفهم "منظومة" القهر الشامل للحجاج، التي وجد احد أقسى وأدق تعبير لها في موقفه من سعيد بن جبير.

وهو موقف له تاريخه الخاص في علاقة سعيد بن جبير بالسلطة الأموية، لكنه يعكس أولا وقبل كل شيء موقف الأموية في شخصية الحجاج من المعارضة المتمثلة في شخصيات الروح الإسلامي المتسامي. فقد كان البحث عن سعيد بن جبير إحدى المهمات الكبرى التي وضعها الحجاج أمام أتباعه وخدمه. وتصور كتب التاريخ، كيفية العثور عليه وتقديمه إلى الحجاج ونوعية الحوار الذي بينهما الذي انتهى بقتل الحجاج لسعيد بن جبير، مع ما ترتب عليه من إثارة لاحقة في العقل والخيال المناهض للأموية بشكل عام والحجاج بشكل خاص. إذ تروي كتب التاريخ كيفية قدوم خالد بن عبد الله القسري الى مكة واليا عليها ليحل محل مسلمة بن عبد الملك. وقد كان وقت خطبة مسلمة على المنبر، التي استكملها خالد بن عبد الله القسري بعد دخوله المسجد. وحالما انتهى مسلمة بن عبد الملك من خطبته صعد خالد المنبر. فلما ارتقى في الدرجة الثالثة تحت مسلمة أخرج كتابا مختوما ففضه ثم قرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم! من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى أهل مكة! أما بعد فإني وليت عليكم خالد بن عبد الله القسري فاسمعوا له وأطيعوا ولا يجعلن امرؤ على نفسه سبيلا فإنما هو القتل لا غير! وقد برئت الذمة من رجل آوى سعيد بن جبير والسلام". ثم التفت إليهم خالد وقال "والذي نحلف به ونحج إليه لا أجده في دار أحد إلا قتلته وهدمت داره ودار كل من جاوره واستبحت حرمته. وقد أجلت لكم فيه ثلاثة أيام!". ثم نزل ودعا مسلمة برواحله ولحق بالشام. فأتى رجل إلى خالد فقال له إن سعيد بن جبير بواد من أودية مكة مختفيا بمكان كذا. فأرسل خالد في طلبه فأتاه الرسول فلما نظر إليه الرسول قال:

- إنما أمرت بأخذك وأتيت لأذهب بك إليه وأعوذ بالله من ذلك! فالحق بأي بلد شئت وأنا معك!

- ألك هاهنا أهل وولد؟

- نعم!

- إنهم يؤخذون وينالهم من المكروه مثل الذي كان ينالني.

- فإني أكلهم إلى الله!

- لا يكون هذا!

فأتى به إلى خالد، فشده وثاقا وبعث به إلى الحجاج. وعندما قال له رجل من أهل الشام:

- إن الحجاج قد أنذر بك وأشعر قبلك، فما عرض له. فلو جعلته فيما بينك وبين الله لكان أزكى من كل عمل يتقرب به إلى الله. (فأجابه خالد بن عبد الله القسري، وقد كان ظهره إلى الكعبة قد استند إليها)

- والله! لو علمت أن عبد الملك لا يرضى عني إلا بنقض هذا البيت حجرا حجرا لنقضته في مرضاته!

وهي الصورة النموذجية التي تعكس طبيعة السلطة الأموية وولاتها. وقد كان الحجاج ذروتها. وهي الذروة التي تعادل هوة الانحطاط المعنوي والأخلاقي والروحي، الذي يمكن العثور عليه فيما احتفظت به كتب التاريخ عن الحوار الذي دار بينهما بعد أن اقتيد سعيد بن جبير إلى الحجاج. فقد ابتدره الحجاج قائلا:

- ما اسمك

- سعيد

- ابن من

- ابن جبير

- بل أنت شقي بن كسير

- أمي أعلم باسمي واسم أبي

- شقيت وشقيت أمك

- الغيب يعلمه غيرك

- لأوردنك حياض الموت

- أصابت إذا أمي اسمي

- لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى

- لو أني أعلم أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها

- فما قولك في محمد

- نبي الرحمة ورسول رب العالمين إلى الناس كافة بالموعظة الحسنة

- فما قولك في الخلفاء

- لست عليهم بوكيل كل أمرئ بما كسب رهين

- اشتمهم أم أمدحهم

- لا أقول مالا أعلم إنما استحفظت أمر نفسي

- أيهم أعجب إليك

- حالاتهم يفضل بعضهم على بعض

- صف لي قولك في علي أفي الجنة هو أم في النار

- لو دخلت الجنة فرأيت أهلها علمت ولو رأيت من في النار علمت فما سؤالك عن غيب قد حفظ بالحجاب

- فأي رجل أنا يوم القيامة

- أنا أهون على الله من أن يطلعني على الغيب

- أبيت أن تصدقني

- بل لم أرد أن أكذبك

- فدع عنك هذا كله. خبرني مالك لم تضحك قط

- لم أر شيئا يضحكني وكيف يضحك مخلوق من طين والطين تأكله النار ومنقلبه إلى الجزاء واليوم يصبح ويمسي في الإبتلاء

- فأنا أضحك

- كذلك خلقنا الله أطوارا

- هل رأيت شيئا من اللهو

- لا أعلمه (فدعا الحجاج بالعود والناي وقال بعدما ضرب بالعود ونفخ في الناي بكى سعيد. عندها قال الحجاج

- ما يبكيك

- يا حجاج ذكرتني أمرا عظيما والله لا شبعت ولا رويت ولا اكتسيت ولا زلت حزينا لما رأيت

- وما كنت رأيت هذا اللهو

- بل هذا والله الحزن يا حجاج أما هذه النفخة فذكرتني يوم النفخ في الصور وأما هذا المصران فمن نفس ستحشر معك إلى الحساب وأما هذا العود فنبت بحق وقطع لغير حق

- أنا قاتلك

- قد فرغ من تسبب في موتي

- أنا أحب إلى الله منك

- لا يقدم أحد على ربه حتى يعرف منزلته منه والله بالغيب أعلم

- كيف لا أقدم على ربي في مقامي هذا وأنا مع إمام الجماعة وأنت مع إمام الفرقة والفتنة

- ما أنا بخارج عن الجماعة ولا أنا براض عن الفتنة ولكن قضاء الرب نافذ لا مرد له

- كيف ترى ما نجمع لأمير المؤمنين

- لم أر (فدعا الحجاج بالذهب والفضة والكسوة والجوهر فوضع بين يديه. عندها قال سعيد

- هذا حسن إن قمت بشرطه

- وما شرطه

- أن تشتري له بما تجمع الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة وإلا فإن كل مرضعة تذهل عما أرضعت ويضع كل ذي حمل حمله ولا ينفعه إلا ما طاب منه

- فترى طيبا

- برأيك جمعته وأنت أعلم بطيبه

- أتحب أن لك شيئا منه

- لا أحب ما لا يحب الله

- ويلك

- الويل لمن زحزح عن الجنة فأدخل النار

- اذهبوا به فاقتلوه

- إني أشهدك يا حجاج أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أستحفظكهن يا حجاج حتى ألقاك (فلما أدبر ضحك. عندها قال الحجاج:

- ما يضحكك يا سعيد

- عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عليك

- إنما أقتل من شق عصا الجماعة ومال إلى الفرقة التي نهى الله عنها. اضربوا عنقه

- حتى أصلي ركعتين. (فاستقبل القبلة وهو يقول وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين). عندها قال الحجاج

- اصرفوه عن القبلة إلى قبلة النصارى الذين تفرقوا واختلفوا بغيا بينهم فإنه من حزبهم. (فصرف عن القبلة. فقال سعيد

- فأينما تولوا فثم وجه الله الكافي بالسرائر. (عندها قال الحجاج)

- لم نوكل بالسرائر وإنما وكلنا بالظواهر

- اللهم لا تترك له ظلمي واطلبه بدمي واجعلني آخر قتيل يقتل من أمة محمد!

فضربت عنقه! ثم قال الحجاج "هاتوا من بقي من الخوارج" فقرب إليه جماعة فأمر بضرب أعناقهم وقال ما أخاف إلا دعاء من هو في ذمة الجماعة من المظلومين فأما أمثال هؤلاء فإنهم ظالمون حين خرجوا عن جمهور المسلمين وقائد سبيل المتوسمين!

وقال قائل إن الحجاج لم يفرغ من قتله حتى خولط في عقله وجعل يصيح "قيودنا، قيودنا"، ويعني بذلك القيود التي كانت في رجل سعيد بن جبير! الأمر الذي جعل ابن قتيبة يقول: "متى كان الحجاج يسأل عن القيود أو يعبأ بها!". وهي كلمة لها مذاقها الاخلاقي. اما في الواقع، فقد اخطأ ابن قتيبه بهذا الصدد، وذلك لان الحجاج الاكثر من يسأل عن القيود ويعتني بها لكي يستعملها من جديد

***

ا. د. ميثم الجنابي

.............................

1- وعليها جرى فيما يبدو ابتداع مختلف الصيغ عن خطبته الشهيرة وسلوكه الدموي حالما دخل الكوفة للمرة الأولى بعد توليه إمارة العراق. ومن بين أكثر هذه الصيغة انتشارا تلك التي تحكي عن دخوله مسجد الكوفة متلثما ومعتمرا عمامته الحمراء. وعندما اعتلى المنبر، فانه ظل واقفا محملقا في أعين الجمهور الى أن ضجوا، عندها قطع سكوته بسوط كلماته اللاذعة التي خاطب بها أهل العراق مبتدأ بشعر ثمامة القائل: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني. أما والله فاني لأحمل الشر بثقله، واحذوا بنعله، واجزيه بمثله! والله إني لأرى رؤوسا أبنعت وحان قطافها! واني لأرى الدماء ترقرق بين اللحى والعمائم! والله يا أهل العراق أن أمير المؤمنين نثر كنانته بين يديه فعجم عيدانها فوجدني امرّها عودا واصلبها منكسرا، فرماكم بي لأنكم طالما أثرتم الفتنة واضطجعتم في مراق الضلال! والله لانكلّن بكم في البلاد ولاجعلّنكم مثلا في كل واد، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل! واني يا أهل العراق لا اعد إلا وفيت، ولا اعزم إلا أمضيت! فاستوثقوا واستقيموا، واعملوا ولا تميلوا، وتابعوا وبايعوا، واجتمعوا واستمعوا، فليس مني الإهدار والإكثار، وإنما هو هذا السيف!". وهناك صيغة أخرى تنسب للحجاج هذا الكلام في البصرة. فبعد أن صعد المنبر وهو معتمر بعمامته متلق سيفه وقوسه، أخذه النعاس لأنه كان قد أحيا الليل. وحالما اخذ بالكلام فان الناس حصبوه، عندها قال خطبته الشهيرة وبالأخص عباراتها القائلة "يا أهل العراق إني أرى رؤوسا أينعت حان قطافها".

2- ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب، ج4، ص83.

3- الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج4، ص267، تهذيب التهذيب، ج2، ص549.

4 - ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب، ج2، ص560

 

مهدي الصافيان الفكر الحديث المتطور هو الذي يقدم الافكار والاراء والاطروحات المختلفة بطريقة علمية مختصرة تماشيا مع روح العصر الالكتروني، لهذا نحن لسنا معنيين بتقديم شرح مطول عن اسس وبدايات نشوء عقيدة الامامة او الاجتهاد، انما بما تمخض عن نتائج مانطلق عليه انحراف العقائد عند الحركات الاسلامية والطقوسيين الشيعة (وكذلك السنة والجماعة) .

بادئ الامر لابد ان نشرح لماذا اعتبرنا ان الاجتهاد عقيدة، او بالاحرى هي اخطر العقائد في الاسلام بعد وفاة الرسول محمد ص، اذ تحول رجل الدين الفقيه او المرجع او الدجال احيانا الى وكيل مطلق لله عزوجل على جماعته او اتباعه او طائفته، او عموم عباد الله المسلمين، يحلل ويحرم ويفتي وفقا لرؤيته وقناعاته الشخصية التي يربطها بما يسمى الاحكام المستنبطة، هذا الامر لايقتصرعلى المذاهب والفرق الشيعية، انما على جميع المذاهب الاسلامية (التي تنكر باب الاجتهاد او المؤيدة له)، فهي تعمل بالاجتهاد ضمنا، وان انكرت ذلك (حيث تعد اخطر تلك المذاهب على الاطلاق هي الحركات الارهابية السلفية من الوهابية، والدواعش، وجماعة اخوان المسلمين، فهي نتاج ظاهرة الخوارج والاجتهاد في الاسلام)،

فالاجتهاد يعد بمثابة العقيدة الرئيسية المتناقضة احيانا، اي يمكن ان تجد فيها فيها الاراء الباطنية الشخصية، وكذلك الرؤية والمعتقدات والاسس الظاهرة للمجتمع، مع انها مشتقة او نابعة من بقية العقائد، وهنا تكمن اغلب ان لم تكن جميع مشاكل المسلمين، وهي عقيدة الاجتهاد الفردي الشخصي ( اي خارج اطار العمل المؤسساتي او الاستشاري العلمي، او حتى التفسبر القراني العقلي والمنطقي) .

مرة اخرى نؤكد ان الغاية والهدف من هذا الرأي لايتعلق ولايستهدف اثبات او نفي او نقد تلك العقائد، انما هي فقط عبارة عن تحليل علمي منطقي كما نعتقد لتوضيح اسباب توارث ظاهرة الانحراف العقائدي الكبير عند الاسلاميين، وبعض رجال الدين (او عند الفرق المغالية)، وشرح اسباب تراجع اهم المذاهب الاسلامية عقلانية واعتدالا، والذي كان يقارن بأراء المعتزلة وفلاسفة العقيدة والمنطق،

ولماذا تعرضت تلك العقائد المهمة عند الشيعة للتحريف المتزايد، المتجهة او المنحدرة بقوة نحو التقديس المفرط لكل الروايات المنقولة عن ال البيت ع، وجعلها بموازاة القران الكريم او السنة النبوية كما فعل السلفيين السنة، على يد مجموعة من المجتهدين او المدارس الطقوسية العبثية، فالاولى هي مدرسة القبول والتشجيع والاستحسان والتشريع لممارسة الشعائر والطقوس الدخيلة على الاسلام والمذهب (التي لاترد الاحاديث الخرافية والاساطير الطقوسية)، والثانية مدرسة الفكر الاسلامي السياسي الحركي الحاكم،

استغلت هاتين المدرستين الكم الهائل من الروايات والاجتهادات القديمة الغير موثقة، اوالتي لم تنال نصيبا جيدا من البحث والتدقيق والتحقيق التاريخي العلمي، حيث جاءت كنتيجة طبيعية لحالة الاضطهاد الذي تعرض له التشيع العلوي، فقد كان ممنوعا وملاحقا ومحاربا من قبل السلطات العباسية، ولم يسمح العمل به اوالافصاح عنه رسميا، لهذا انعدمت شروط واسباب التوثيق التاريخي المطلوبة لتصحيح هذا العدد الكبيرمن الروايات القابلة للزيادة دوما، بقيت مسالة تصديق او رد تلك الاحاديث المروية عن ال البيت ع راجعة الى عقلية المرجع او رجل الدين او المسلم الشيعي عموما، تماما كما حصل مع السنة النبوية، التي هي ايضا تعرضت للتحريف الكبير في عهد مايسمى الخلفاء الراشدين، وعلى طول تاريخ الدولتين الاموية والعباسية، ومن ثم تصاعدت وتيرة الاجتهادات الشخصية او المؤسساتية التقليدية المنبثقة منها او تلك التي جاءت بعدهم، (الحركات الصوفية، ورسائل اخوان الصفا، وعلماء الفقه والفلسفة والفلك، وبقية الاراء والفرق الاسلامية المتعددة)، حيث أدخل عليها مايطلق عليه بالاسرائيليات، وسنة السلف الصالح من الصحابة، مما سمح للنفوس الضعيفة من اتخاذها كوسيلة مريحة لفتح بيوتات او جماعات دينية تتوارث تلك البضاعة او التجارة المربحة (والفاسدة اخلاقيا وشرعيا)، وبالتالي انعكست سلبا على الاجيال المتعاقبة، حتى وصلت الامة الى طريق مسدود لامنفذ فيه، ولامنه الا بصعود ركب الحضارة الانسانية العالمية، او البقاء في نقطة اللاعودة حتى الانهيار والتحلل والاندثار،

ولكن نعتقد ان ارادة الله عزوجل اقوى من هؤلاء الفاسدين، بان يجعل في هذه الامة عقولا مستنيرة تنهض دائما بها عبرالفكر والعلم والاطروحات العقلانية السليمة...

عقيدة الامامة عقيدة طارئة على الاسلام، حصل الاجتهاد فيها بعد وفاة الامام الحسين ع او بطرح المدرسة الفقهية الجعفرية (الامام جعفر الصادق ع)، مع ان الالتباس حول احقية وضرورة خلافة ال البيت ع للرسول محمد ص، من انها تشريع الهي ملزم وفقا للاية الكريمة قال تعالى في سورة المائدة

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)

وكذلك ماورد في الحديث الصحيح عن اعلان الولاية للامام علي ع في غدير خم، او رواية الخلافة في قريش (الخ.)، هذه القضايا الخلافية تحولت بمرور الزمن الى عقائد متجذرة ومتصلبة، فالمذاهب السنية التي ترفض عقيدة الامامة، هي ذاتها مذاهب امامية متزمتة، تابعة لمؤسسي المذاهب، ولجميع الصحابة والخلفاء الراشدين، فقد اصبح ابو حنيفة، واحمد بن حنبل، والمالكية والشافعية ائمة في عرف اهل السنة، بل ذهبت الوهابية والحركات الاصولية السلفية الرافضة لفكرة الامامة عند الشيعة الى اعتبار كل ماورد عن الصحابة سنة، بمافيهم الطالح او الظالم والمنحرف من الخلفاء الامويين والعباسيين (وكذلك شارب الخمر، والدموي او السفاح) واعتبرت افعالهم وجرائم قطع رقاب المؤمنين والمعارضين والمخالفين والرافضين لظلمهم وانحرافاتهم سنة مارسها الدواعش وغيرهم من الحركات الارهابية الدموية المتوحشة، وهي حالة متطرفة واكثر تقديسا مما يعتقده الشيعة في ائمة ال البيت ع، الذين اتفق واجمع على تقواهم وورعهم وايمانهم وزهدهم المسلمين جميعا، لكننا نركز على حالة شاذة متوارثة في المذاهب الاسلامية، وصلت الى ذروة الانحراف عندما نجحت الثورة الاسلامية الايرانية في اسقاط نظام الشاه، واقامة ثالث اقوى نظام شيعي في التاريخ بعد الدولة البويهية والصفوية، ومن ثم تصاعدت حدة الخلاف بين المراجع الشيعة انفسهم، حول مفهوم وقواعد واسس اقامة النظام الاسلامي (في غياب الامام المعصوم، اي وفقا لعقيدة الغيبة للامام المهدي ع) الشيعي، وكذلك الاجتهاد الخاص بعقيدة ولاية الفقيه، وقد واجه قائد الثورة الايرانية السيد الخميني رحمه الله العديد من الخلافات بقوة مع بقية المراجع الايرانيين وغيرهم (ابرزها خلافات المرجع الشريعتمداري، والشيخ المنتظري، والسيد الخوئي، الخ.)،

الا ان سقوط نظام البعث في بغداد بعد٢٠٠٣، واستلام الحكم من قبل الحركات الاسلامية الشيعية والسنية، ودخول تلك الحركات والاحزاب الى معترك المحاصصة والتوافق والفساد السياسي مع بقية المكونات الاجتماعية، من الطوائف والاعراق الاثنيات الاخرى، واستلام حركة اخوان المسلمين الحكم في مصر بعد ثورات الربيع العربي، وبروز ظاهرة التجارة الدينية عبر الاستيلاء على الحكم بأستغلال العواطف والفطرة الشعبية السليمة، المندفعة والراغبة بالعيش في الدولة الاسلامية العادلة (وليست المتوحشة على شاكلة داعش او الفاسدة على غرارنموذج العراق)، وتصاعدة حدة الصراع الطائفي في سوريا، اتضح من خلال كل تلك الممارسات السلبية المفرطة والموغلة في الانحراف والفساد، ان الامرليس له علاقة باخلاق وتدين الافراد او رجال الدين، انما بالمنظومة الاخلاقية الاسلامية العامة، وبعقيدة الامامة او الاجتهاد،

ولعل الحالة اوالصورة الضبابية السابقة عن روابط علاقة التقوى والورع والتدين الظاهري مع افعال رجال الدين اثناء الاختبارات الحقيقية، اصبحت اكثر وضوحا بعد استلام السلطة، وزوال اغلب الاقنعة السوداء عن تلك الوجوه الشيطانية، ليرى الناس كم هي رخيصة حياتهم في عيون هؤلاء المنافقين، وكم هي عميقة الهوة بين الايمان الحقيقي وبين المنافع المادية لهذه الطبقة المتعالية او المتصنعة البعيدة عن قضايا وحاجات المجتمع الاساسية، كونهم جزء من القيادة الروحية المطلوب حظورها دائما في الشارع، لانقاذهم من اية حالات خارجة عن الاسلام كالظلم الحكومي اوالاجتماعي، ومن هنا يمكن فهم لماذا على سبيل المثال لاالحصرالغى حزب الدعوة الاسلامية فكرة او عقيدة فقيه الدعوة، فقد اعتبر مايسمى بقيادات الدعوة انهم ليس بحاجة لهذا الفقيه المجتهد المتسلط، بل هم على دراية ومعرفة كافية بالفقه والتشربع، اي لم تعد الدعوة بحاجة الى فقيه يحلل ويحرم او يجيز العمل او يرفضه،

نعتقد ان الامر ليس بهذه البساطة، انما هي احدى صور او حالات التمرد والفوضى الداخلية للحزب الاسلامي، وكذلك عدم قناعتهم بمفهوم او عقيدة الامامة والاجتهاد، المبنية كما قلنا على روايات غير محققة بشكل علمي رصين، مما ادى الى بروز ظاهرة الاجتهاد الشخصي للقيادات الاسلامية الحركية، والتي تؤكدها الافعال والتصرفات العملية لهذه الشرائح المنحرفة، فهي لم تتمرد لانها استخدمت الحجج والادلة العقلية والنقلية والعلمية لنقض فكرة او عقيدة او مفهوم

الامامة والاجتهاد، بل تمردت من اجل المنافع والمصالح المادية والطبقية (فرجل الدين يعد اكثر الناس وقارا واحتراما في العالم) الشخصية او العائلية والفئوية،

اذن مالعلاقة بين انحراف الحركات الاسلامية الشيعية، وعقيدة الامامة والاجتهاد، سنحاول بأختصار شديد توضيح انشقاقات المفاهيم والمعتقدات المتذبذبة،

فقد كانت على سبيل المثال لا الحصر اراء السيد محمد حسين فضل الله (فقيه الدعوة الروحي، الذي يقول انا بالطبع اكثر وعيا من شيوخ الطائفة بحكم المرحلة العصرية المتطورة حاليا) في مايخص عصمة الائمة مختلفة وخارجة عن التقليد السائد لدى مراجع او المدرسة الحوزوية الشيعية، ولكنه بقي الى حد ما داخل دائرة الحذر الشديد في الافصاح عن رأيه بهذا الموضوع المعقد والشائك، وكأنها عبارة عن تلميحات وتسريبات فقهية خفيفة، يراد منها فتح بصيص ضوء خافت في هذا النفق المظلم الذي دخلته الامة منذ قرون، وهكذا استمرت حالة الانعتاق التاريخي من الروابط او القيود المذهبية المتوارثة عند جميع المذاهب الاسلامية، ظهرت مدرسة اخرى اكثر جراة في التنظيراو التحديث الاسلامي الفقهي، كانت ولاتزال اكثر وضوحا وتنظيما وتحليلا وعقلانية من كل ماطرح سابقا، بفكر وابحاث السيد كمال الحيدري، الذي تعرض جراء اراءه وافكاره وتفاسيره المنطقية الى نفس الهجمة المتخلفة الشرسة التي واجهها ولايزال وهو في قبره السيد فضل الله،

هذه المنافذ والفضاءات او الفسحات المحدودة التي يراد لها ان تفتح طريقا للتنوير من بين هذا الكم الهائل المتراكم من التعمية المذهبية المتعمدة، الموجهة بقوة مفرطة من قبل تجار الدين ضد كل من يحاول ان يرجع الامور والقضايا والاجتهادات والتأويلات الدينية او المذهبية الى لغة العقل والمنطق السليم، مع ان الاصوات المتحررة من تلك القيود بدأت بالتزايد والتفاعل مع لغة العلم والمعرفة والحداثة الكونية...

وبالتالي يمكننا القول ان هذه العقائد المتأرجحة تسمح وفي جميع الاديان والطوائف بمرونة كبيرة لرجال التحريف والتزييف والتدليس من استغلالها لتمرير اجنداتهم الخاصة، وعادة ماتكون مصالح شخصية واجتماعية وعائلية، ولهذا توارثت بعض البيوتات الدينية تلك المهنة المربحة، فدليل عدم ايمان الاسلاميين بتلك العقائد هو الفساد واعتماد الرأي الشخصي كأحد وسائل الافتاء والتشريع، كظاهرة الحيل الشرعية، او قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، فالاجتهاد بحد ذاته يعد احد اهم الوسائل الثقافية الاسلامية المتغيرة، وبالتالي ادى بالتدريج ومع التطور العلمي والتكنولوجي الى فتح افاق التفكير الاسلامي العام، حتى بات بأمكان كل شخص ان يدعي الاجتهاد، وتقديم نفسه على انه عالم او مفكر او باحث او مرجع اومفتي (الخ.)، يمكن بسهولة ان يعرض نفسه على من يشتري تلك البضاعة، ليكون له موقع في القنوات الفضائية او الجامعات والمراكز والمؤسسات التكفيرية او الطائفية،

اي ان الامر ليس له علاقة بعقيدة راسخة لها مبادئها وشروطها واخلاقياتها وحججها وادلتها الشرعية، انما عقيدة مركبة ومتناقضة تسمح لهم بالتوسع طولا وعرضا فيها، وقد احرجهم كثيرا راي الدكتور الشحرور الذي يقول لايحق لاحد ان يحرم او يحلل، فالحرام لايأتي الا من عند الله وحده سبحانه وتعالى، بينما نحن نجد ان الحرام اصبح كالسلسلة المترابطة، او كالغزل الكثيف الذي صنع سجادة التحريم الارضي، فقد الحقت المذاهب الاسلامية العديد من المحرمات، وفقا لعقيدة الاجتهاد بالحرام االمذكور في القران (وكذلك عبر الاستنتاج من القصص والاحداث القرانية)، فصار الاجتهاد اشبه بالسيف المسلط على رقاب المسلمين (ذاك يكفر، وهذا يقول بموت المسلم ميتة جاهلية)، ان هذه العقائد الغير مثبتة قرأنيا بشكل واضح وصريح، تعطي اثارا عكسية لمن يتمسك بها ظاهريا،

وقد اثبت التاريخ ان اغلب الانحرافات والتجاوزات مصدرها رجال الدين والطوائف والحركات السياسية الاسلامية،

حيث يمكن ان تتغير القناعة والفتاوى تبعا للهوى الشخصي او نسبة للاوضاع السياسية والاجتماعية والمادية (الامثلة كثيرة اخرها الاصطفاف الارهابي السني التكفيري ضد الشيعة بعد٢٠٠٣)، وذلك هو اطار الانحراف المقدس (كما حصل عبر التاريخ في الاديان السماوية الاخرى اليهودية والمسيحية)، اي يصبح الانحراف بمرور الزمن جزء من العقيدة المقدسة...

التحليل العلمي لتلك الظاهرة يثبت ان الانسان بطبيعته يعمل على ايجاد المخارج وكسر القيود من اجل التحرر او الانعتاق من العبودية او لمنفعته ومصالحه الذاتية او حتى العامة، فعندما يجد ان الامامة والاجتهاد (عند الشيعة وكذلك بعض الفرق السنية المتطرفة) عقائد قابلة للزيادة والنقصان، سلبا وايجابا، كفتوى استغلال (سرقة) المال العام على انه مجهول المالك، وفق مبدأ ايجاد المخرج الشرعي، اي الحجة والدليل الشرعي المبررة لتلك الافعال المنحرفة عن جادة الحق والصواب او عن اصول الدين وعدالة الخالق عزوجل، قسم كبير من الاسلاميين الذين حكموا العراق بعد٢٠٠٣لم يكتفوا بالفساد المذهبي او العقائدي الشخصي، انما عمدوا الى تشجيع المكونات والكتل والطوائف الاخرى على المشاركة في عملية نهب الثروات وتدمير دواىر القضاء والرقابة والنزاهة والمتابعة والتدقيق، والى زعزعة عقائد المجتمع الدينية، الذين لاينتهون ولايغفلون ان يضعوا دائما فيما بينهم عمامة (غالبا سوداء) رجل الدين كدليل ظاهري يساق للعامة وللمراجع الكبار في الطائفة على ان بينهم فقيه ولايعملون بالاجتهاد الشخصي، فصار هؤلاء هم بمثابة الائمة والمجتهدين الذين يحق لهم الاجتهاد والافتاء بأمور ومصالح المسلمين، لا لشيء الا لترسيخ الحكم العائلي او الاسري، واستغلال الفرصة القارونية التاريخية، التي يعتقدون جازمين انها لن تتكرر ابدا، بغية كسب الاموال وتكديس الثروات الطائلة على حساب الدين والعقائد والمجتمع، فهم يعتبرون في الاصل ان الحقوق الشرعية القادمة من الخمس تذهب بعد وفاة المرجع لاولاده واصهاره احيانا، وهي بحاجة الى ثورة كما كانوا يقولون ذلك من على منابرهم الحزبية في دول المنفى قبل العودة للعراق، وهي دليل على عدم وجوظ قناعة راسخة بعقيدة الامامة او الاجتهاد..

عقيدة الخلافة عند اهل السنة، والامامة عند الفرق والمذاهب الشيعية، جعلت النظر والافتاء والتشريع عبر تلك العقائد من الامور التقليدية اليسيرة، اي ان ظهور او وجود تلك المذاهب تعد بحد ذاتها دليل على وجود انبثاق عقيدة متوارثة هي الاجتهاد، حيث ساق اهل السنة حسنات متفاوتة للمفتي في جميع الاحوال، سواء كانت فتواه صحيحة او خاطئة، وهكذا فعل الطقوسيين والمتطرفين الشيعة مع من لايؤمن اولايقلد مرجعا معينا، او يعترض على عقيدة الامامة التي تجدها عند بعض الفرق الشيعية مجرد قشرة مذهبية سميكة ليس لها علاقة بافعالهم وطقوسهم وتأويلاتهم، فهؤلاء ياخذون الروايات ثم يعاملونها على انها اية قرانية مقدسة، تبدأ

عقولهم المريضة بتفسير وتأويل وتوسيع دائرة الحديث ليصبح كأنه اية من كالكتاب الاسلامي المقدس، تحت قاعدة السنة النبوية الشريفة وسنة ال البيت ع المعصومين، او اراء الصحابة ااي السلف الصالح لواجبة الاتباع، مما ادى الى مايطلق عليه في عرف الحوزات الدينية بتزاحم المراجع فيما بينهم، واسموه بتحاسد العلماء، وهو ايضا دليل اخر على انهم لايتمسكون بعقيدة الامامة انما بالاجتهاد، ومن ثم ظهرت مرحلة اخرى من الاجتهادات والالقاب كلقب شيخ الطائفة او المرجع الاعلى او اية الله او روح الله ) الخ.)، هذه المؤسسات العريقة الممولة ذاتيا بشكل جيد واحيانا خاريجا، فالحقوق الشرعية، واموال الخمس ليست اموالا عادية، بل وصلت في عهد المرجع الخوئي رحمه الله الى ملايين الدولارات مع عدة مشاريع وابنية واستثمارات، حتى قيل ان له اموال لايعلمها في بعض دول الخليج (وقد تم مصادرة البعض منها لعدم وجود متولي شرعي او وكيل قانوني عنها)،

هذه الاموال تجمع مايسمى بحاشية ووكلاء المراجع، وهذه الفئة تعد من اخطر الفئات في تاريخ الاسلام والمجتمعات الانسانية،، اي فئة حاشية الخليفة او الملك او رئيس الجمهورية او المسؤول الحكومي او رجل الدين، وقد استولت على الحكم في اكثر من مرة في تاريخ الدولة العباسية (كما في عهد السلاجقة والمماليك، الخ.)، المغالطات الفقهية كثيرة ومتشعبة، ولكنها وصلت الى مرحلة لايمكن السكوت عنها، اذ بات تمويل الحزب او الحركة الاسلامية من اللجان الاقتصادية (مافيات الفساد وعصابات سرقة المال العام)، فلا يشترط رجل الدين الفاسد ان يعرف مصدر الحقوق الشرعية والتبرعات والهدايا، معتبرا وفقا لقناعاته الفقهية ان تلك اموال ستصرف في سبيل الله، بعد ان تمر بمراحل متعددة من الاستقطاعات والتقسيمات الشخصية والاسرية (تحت قواعد فقهية متعددة، سهم الامام، والعاملون عليها، والاقربون اولى بالمعروف)، عمليات تلاعب وخداع وكذب على النفس وعلى الاخرين، تصل تصرفات وافعال وحالات البعض منهم حد الانحراف عن الاسلام تماما...

الخلاصة ان عقيدة الخلافة او الامامة عند السنة والشيعية ادت الى اشاعة ظاهرة الاجتهاد حتى في مقابل القران والسنة النبوية (هناك الكثير من الحدود المبتدعة كقتل شارب الخمر او الملحد والمرتد او المراة الغير محجبة او المتبرجة او الرجم عند الحركات الاسلامية المتطرفة السنية والشيعية غير موجودة في القران الكريم ولم تمارس في عهد الرسول محمد ص)، وصل الحال ان يمارس العديد من المفكرين والمثقفين الاسلاميين دور الفقيه والمفتي او المجتهد، ولا نسجل اعتراضنا على تلك الحالة اذ لايشترط وكما نعتقد بمن يستطيع ان يفهم اسس التفسير والتأويل القراني ان يجتهد في بعض المساءل الدينية الغير معقدة، ليس من اجل ممارسة دور الفقيه في المجتمع، انما في سبيل فهم الدين وقواعد واصول الاسلام الصحيح، والتمييز بين الفكر الاسلامي الصالح وبين الارهابي الفكري المتطرف او الاستبداد الديني، وهي حالة طبيعية كونية لما وصلت اليه الحضارة الانسانية الالكترونية، من مستوى عال من التقدم العلمي والمعرفي، فأصبح فهم الانسان لاموره الدينية اكثر نضوجا من العقود او القرون السابقة، وبات التوثيق الالكتروني واسلوب التحليل الرياضي العلمي لحركة الارض والنجوم والكواكب والبحار والمحيطات والرصد المناخي والبيئي الخ.، متاحا للجميع، ومن خلال عالم الالكترون يمكنك تجميع الاحداث والوقائع والقصص والروايات والعهود والازمنة والعصور لمعرفة صحة هذا الراي او ذلك الحديث، مع ان العقل صار احد اهم معايير التصديق والتصحيح والتوثيق الديني العلمي للسنة النبوية، او الاحاديث المروية عن الصحابة او ال البيت ع، فوصية الرسول محمد ص بعرض احاديثه على القران للتأكد من صحتها من عدمه هو تصريح ضمني بأن السنة النبوية هي القران الكريم وليس كما يفعل الدواعش او الطقوسيين المغالين في عصمة وقدسية روايات ال البيت ع، اي بمعنى لاتوجد سنة للنبي الاكرم غير القران الكريم والفرائض التي وضحها في عهده (الصلاة والصوم والحج والزكاة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والاعنال الانسانية الصالحة)، اما ان يجد المجتمع الاسلامي نفسه غارقا في الفتن الطائفية، والاجتهادات الشخصية، التي ادت به الى ان يبقى في اطراف الكرة الارضية ثقافيا وعلميا وحضاريا، او ينهض بكل قوة لبناء دول متقدمة في جميع المجالات تفصل الدين عن القرار والادارة والتنمية والثقافة والابداع وحرية الانسان وخصوصا المراة عن البرنامج الحكومي او السياسي العام للبلد...

لقد طحنت فتوى الجهاد الكفائي ابناء الطبقات المحرومة من مجتمع العشوائيات، والطبقات الملتزمة بعقيدة الامامة او الاجتهاد، بينما تلاعب ومارس النفاق والخداع والانحراف عنها السياسيين الاسلاميين وبعض رجال الدين، تحت باب انهم لايقلدون او لايتبعون لهذا المرجع او ذاك، بقي اغلب هؤلاء المرائين المتلونين هم واولادهم ينهبون ثروات الشعب دون رادع قانوني او وازع اخلاقي او ديني، يستمدون شرعية افعالهم من فساد عقيدة الامامة والاجتهاد عندهم، فهم يعتقدون انفسهم بمثابة ائمة او مجتهدين قادرين على استنباط الحيل الشرعية، ليس بحاجة الى اراء او فتاوى او اوامر مراجع الدين، مع انهم يتعمدون ان يظهروا امام المجتمع بجلباب التقوى والتعظيم لرجال الدين او المراجع، ولسانهم لايتوقف عن ذكر الروايات والاحاديث الواردة عن ال البيت ع، بينما افعالهم وتصرفاتهم وسرقاتهم التي اوصلت الناس الى حالة اليأس، مرددة عبارات او هتاف بأسم الدين سرقونا الحرامية، وهذا اكبر دليل على انتشار قصص فسادهم بين المجتمع..بل حتى في اعتراض ونقد بعض رجال الدين الشرفاء على تصرفات هؤلاء المنحرفين، تجد انهم يذكرون دائما ان هذه الزمرة منحرفة عن طريق ال البيت ع، اي معنى انها لاتؤمن بتلك العقيدة

..هذه العقائد بحاجة الى اعادة فهم وبحث وتحليل قرأني، كي تصبح ملزمة شرعا للجميع دون استثناء بما فيهم مراجع الافتاء، او ان تتغير عقائدهم بالعتماد على القران الكريم والعقل والعلم لاستنباط الاحكام والاخلاقيات الانسانية العصرية..

 

مهدي الصافي

 

ميثم الجنابي"هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان"

(سفيان الثوري)

وهو انتقام ليس إلا الوجه الآخر لحقيقته ومآثره الفعلية. إذ لم تكن مآثره الفعلية سوى "حسنات مغمورة في بحر ذنوبه"، كما قال الذهبي. فقد اشترك الحجاج بصورة فاعلة وقوية في توسيع جغرافية الإمبراطورية الأموية. حيث أرسل قتيبة بن مسلم الى خراسان عام 85 للهجرة ومنها استمر في فتح مدن بلخ وبيكند وبخارى وشومان وكش والطالقان وخوارزم وكاشان وفرغانه والشاس وكاشغر، بحيث بلغ حدود الصين. وهي المهمة التي استكملها من خلال إرساله الفتى المقدام والقائد الشجاع محمد بن قاسم الثقفي (في العشرين من العمر) لفتح بلاد السند (الهند) واستطاع خلال أربع سنوات (89-95) من فتح مدن وادي السند. وهي فتوحات جعلها الحجاج أسلوبا لتأجيج المنافسة بين قتيبة بن مسلم ومحمد بن القاسم، عندما وعد كل منهما بالإمارة على ما يحتله، وبالأخص إمارة الصين.

وفي مجال العمران المدني، فقد حفر الأنهار مثل نهر النيل (من الفرات) عند مدينة بابل، ونهر الصين (من دجلة). كما بنا المدن مثل مدينة النيل، ومدينة واسط، التي جعلها بين البصرة والكوفة. كما بنا الجسور والصهاريج لحفظ مياه الشرب، وكذلك حفر الآبار لوفير المياه للمسافرين. كما قام بإنشاء مختلف مشاريع الري والزراعة من اجل مواجهة القحط وآثار الجفاف، بطريقة تربط المدن بالأرياف. كما يعود إليه تنظيم منظومة الإشارات الضوئية والخبرية على الحدود. فقد كان يستعمل النار ليلا والدخان نهارا بين مختلف المناطق الممتدة من بحر قزوين إلى عاصمته واسط. كما ضرب بقوة على أيدي اللصوص وقطاع الطرق وتشدد في متابعة من يعينهم في مناصب السلطة. كما قام بجملة من الأعمال المهمة في ميدان تنظيم الحياة العادية والمدنية مثل نظافة المدن حيث منع التغوط والتبول والتمخط في شوارع عاصمته، وقام بتطهيرها من الحيوانات السائبة ومنع بيع الخمور. بل وتدخل في تنظيم بعض العادات والأعراف، مثل منعه النوح على الموتى في البيوت. والشيء نفسه يمكن قوله عن محاولاته توحيد قراءة القرآن. حيث تنسب إليه تنفيذ مهمة تنقيط حروف القرآن بوضع علامات الإعراب على الكلمات[1].

إننا نعثر في كل هذه الأعمال على هاجس الوحدة والإخضاع من خلال تنظيم الحياة والتحكم بها. بمعنى أنها ليست أسلوب تنظيم الحرية بل قمعها. وإذا كان مظهرها يسير باتجاه "قمع الفتن"، فان حقيقتها تقوم في توسيع مداها من خلال جعل الخضوع للسلطة المستبدة قيمة عليا. وهو عين التخريب والخراب الذاتي للروح والجسد، والفرد والجماعة، والأمة والثقافة، والدولة والحكومة. وذلك لأن حقيقة الفتنة ومصدرها لم تكن في موجات التمرد والانتفاض التي قامت بها مختلف حركات المعارضة للأموية، بقدر ما كانت تكمن في الأموية نفسها. فقد كانت الأموية هي مصدر الفتن وقامعها، أي "محييها ومميتها". وهي دورة لا تنتج غير العبث والخراب. ونعثر فيها على الحالة الرمزية التي يمكن رؤية ملامحها في بنائه لمدينة واسط. فقد بناها متوسطة بين البصرة والكوفة، أي بين بؤر المعارضة الأبدية للأموية. والشيء نفسه ينطبق على كل "مآثره" الأخرى.

فقد كانت جميع "مآثر" الحجاج تهدف الى تنظيم قبضة السلطة واستحكامها في كل شيء. وفيها كانت تكمن مفارقة "مآثر" الحجاج. وهي مفارقة تكمن في عيش الحجاج وفعله بمعايير زمن السلطة وليس تاريخ الحق والعدالة. وهو السبب الذي أعطى لكل ما أراد قوله وفعله معنى مشوها ومخربا لحقائق الروح ومرجعيات تراكمها في العقل والوجدان والخيال والحس السليم[2]. الأمر الذي جعل من أول مآثره الفعلية وآخرها أسلوبا لتهشيم وحدة التاريخ الثقافي والروحي وفكرة الدولة. وينطبق هذا الحكم بالقدر نفسه على "بلاغته" الخطابية. فقد كانت الخطابة والبلاغة جزء من تقاليد العرب الجاهلية. وتميزت الطائف بقدر كبير منها[3]. فقد نشأ الحجاج في الطائف المعروفة بصلتها الوثيقة بقبيلة هذيل، التي كان شائعا عنها بأنها من أفصح قبائل العرب. وضمن هذا السياق يمكن فهم تقييم الحسن البصري لبلاغته عندما قال مرة "ما سمعت الحجاج يخطب إلا وظننت أن أهل العراق يظلمونه". وهو حكم الظن لا غير. والشيء نفسه يمكن قوله عن العبارة التي نطق بها مرة أبو عمر بن العلاء: "ما رأيت أفصح من الحسن البصري ومن الحجاج". أما في الواقع فليس في بلاغة وفصاحة الحجاج شيئا غير فصاحة اللسان. وهو لسان بلا قلب، من هنا أثرها المدمر، لأنها لا تثير في الوجدان غير حمية الغريزة والاستخفاف بالقيم الإنسانية الكبرى. أنها بلاغة العبارة القاتلة، ومن ثم فإنها تقترب من معنى "الفصاحة" اللغوية الخالية من سمو الروح والعقل. وبالتالي عجزها عن إبداع بلاغة العقل والوجدان ووحدتهما الضرورية بوصفها مقدمة الحد البليغ، أي مصدر البلاغة الفعلية القادرة على إنعاش الروح والجسد، والمنطق والخيال. ولم تكن هذه الحالة معزولة عن شخصية الحجاج السياسية وطبيعة الانتقال العاصف من إمبراطورية الخلافة الثقافية (الإسلامية) إلى إمبراطورية الدولة القبلية (الجاهلية). فقد كان كلاهما من "مآثر" الزمن الأموي، أي زمن الانتقال من فكرة الحق والمنظومة إلى فكرة القهر المشؤمة. وهي رذيلة الزمن الأموي وثمرته المرة. مما جعل من ميراث الحجاج السياسي أحد النماذج المروعة للقمع السافر وأكثرها ترديا ودناءة وانعدام للمروءة والقيم المتسامية[4]. الأمر الذي جعل من الحجاج نموذجا لا يقارن في مجال انسلاخ الكينونة الإنسانية وتناسخها في غريزة الجسد. من هنا تحوّله إلى أحد الأشباح المريعة للذاكرة والقيم والأخلاق والحق. مما جرّد وسلخ قيمة "المآثر" المادية والمعنوية المحتملة في ظهوره الأول للوجود. فقد كان الحجاج نموذجا للعدم الثقافي والأخلاقي. ومن ثم لم تكن "مآثره" العديدة أكثر من أداة في ترسيخ وتثبيت قيم العنف والاستبداد.

فقد كانت شخصية الحجاج محكومة من ألفها الى يائها بأخلاق السلطة المستبدة وليس بالقانون ولا حتى بالأعراف. ومن ثم لا علاقة لها بحقيقة الإسلام الأول. لقد كان قانونها الوحيد الثابت هو ثبات السلطة وحقوقها التامة في الاستبداد. وهو تحول حالما استحكم في رؤية الدولة والسلطة وأشخاصها، فانه أدى إلى احتقار كل ما من شأنه أن يقترب من المساس بها. وهي حالة صنعت خدمها وعبيدها وسدنتها ومداحيها وجلاديها، التي وجدت في الحجاج أحد نماذجها الصارخة. ويكفي المرء استعراض مواقفه من المعارضة لكي تتضح هذه الصورة المنفرة للحس والعقل والذوق. وقد تكون حربه التي خاضها ضد عبد الله بن الزبير ونتائجها أحد الأمثلة النموذجية بهذا الصدد. إذ تعكس هذه الحرب البؤرة المعقدة لنفسية وذهنية الاستبداد التي أخذت تتفتح عن كمونها الداخلي. لاسيما وأنها كانت الاختبار التاريخي الأكبر لشخصية الحجاج ومفتاح دخوله بوابة الأموية الكبرى. وإذا خذنا بنظر الاعتبار توليه لهذه المهمة وهو في عمر لا يزيد على اثنتين وثلاثين سنة، فمن الممكن توقع عنفوان وهياج الجسد على نار النفس الغضبية لغريزة السلطة والعبودية لها. فقد كان احتلاله لمكة والعبث فيها وقتل كل ما وصلت إليه يداه تعبيرا عن سيادة أخلاق السلطة المستبدة والمحررة من قواعد القانون وقيم الأعراف. من هنا استعماله لكل الوسائل المتاحة. ولم يقف الحجاج أمام وساوس الضمير وهواجس الوجدان وشكوك العقل وتأمل البصيرة فيما كان يسعى إليه. وهو الشيء الجلي على مثال تمثيله بعد الله بن الزبير. فقد علّقه على جذع محاط بالقمامة. وعندما تناهت إلى أسماعه ما قاله عبد الله بن عمر في اعتراضه على ما قام به الزبير ودعوته إياه لترك معارضة السلطة، ورفعه من شأنه بوصفه صواما قواما ورعا، نرى الحجاج يأمر بإنزاله من الجذع ورميه في مقبرة اليهود! وهو انتهاك لأبسط الأعراف، لكنه يستكمله بدعوة أمه أسماء بنت أبي بكر. وعندما رفضت الحضور بين يديه نراه يخاطبها عبر رسوله بعبارة "لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك". وعندما رفضت القدوم عليه قائلة "والله لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقرون رأسي"، نراه يسرع إليها ويخاطبها في أول لقاء بها بعبارة:

- كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟!

- رأيتك أفسدت عليه دنياه وافسد عليك آخرتك. بلغني انك تقول له يا ابن ذات النطاقين. أنا والله ذات النطاقين. أما احدهما فكنت ارفع به طعام رسول الله وطعام أبي بكر من الدواب، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه[5]!

وليس مصادفة فيما يبدو أن تشتهر القصة التي تروي عن عبد الله بن الزبير خوفه من أن يجري التمثيل له بعد قتله، وإجابة أمه إياه، بان الشاة الميتة لا يؤلمها السلخ! فقد كانت هذه الحادثة وأمثالها العديدة أحد مظاهر الاحتقار التام لفكرة الحقوق وأحد الأمثلة النموذجية على انتهاك أبسط الأعراف. أما بعد القضاء على ابن الزبير، فان سبيكة الاحتقار الفعلي لفكرة الحق والحقوق والانتهاك السافر للأعراف قد أدت إلى بروز وتكامل شخصيته القمعية بوصفها الصورة التامة لباطن الأموية وظاهرها السياسي والأخلاقي. ووجدت هذه الصورة تجسيدها الخالص في الرفض التام والقاطع لأية معارضة للسلطة، أيا كان شكلها وحجمها ومستواها، أو الاختلاف معها حتى بالهواجس والوساوس. من هنا يمكن فهم سر تحوّل قتل المعارضة والقضاء المبرم علي أي مظهر من مظاهرها إلى شعار الدولة وأولويتها.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] وهي مهمة أوكل بها لنصر بن عاصم. حيث تنسب إليه تجزئة القرآن ووضع إشارات تدل على نصف القرآن وثلثه وربعه وخمسه. وعمل على أن يقرأ الناس القرآن قراءة واحدة (مصحف عثمان وترك البقية الباقية).

[2] ينطبق ذلك حتى على انجازاته المدنية. فمن المعلوم عنه أن أمر بقتل الحيوانات السائبة، وبالأخص الكلاب. مما جعل احد الهاربين من الحجاج يتمنى أن يكون كلبا، بعد أن وجد كلبا نائما في ظل بارد، أي متحررا من مطاردة الحجاج. وعندما وجد بعد فترة الكلب مقتولا وسأل عن حاله قيل له "جاء أمر الحجاج بقتل الكلاب".

[3] وهي الحالة التي يمكن العثور عليها في القرآن وبالأخص ما يتعلق منها بالتساؤل عن سر نزول القرآن والوحي على محمد في مكة وليس على رجل آخر من مكة أو الطائف، التي كانت تنتمي إليها وتقطنها قبيلة ثقيف. وهي الفكرة التي يصورها القرآن في إحدى آياته القائلة "وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم". (سورة الزخرف، الآية 31).

[4] وهنا تجدر الإشارة الى النكتة التي أوردها الجاحظ في (البيان والتبيين) عن الكلب الذي كان يعيش في احد أبهى وأجمل قصور الجنة. وعندما جرى الاستفسار عن سبب ترقيته الى هذه الحالة الجليلة مقارنة بالأنبياء والرسل والقديسين (حسب التصورات الدينية) فان الإجابة كانت بسيطة للغاية وهي انه سبق له وان عض شرطيا في حياته! وإذا أخذنا ينظر الاعتبار أن الحاج بدأ شرطيا وانتهى من حيث الجوهر به، فمن الممكن توقع اثر مآثره في الواقع والذاكرة.

[5] وفي رواية اخر نعثر على الصيغة التالية :

- كيف رأيت ما فعل الله تعالى بابنك عدو الله الشاق لعصا المسلمين المفني لعباده والمشتت لكلمة أمة نبيه؟

رأيته اختار قتالك فاختار الله له ما عنده، إذ كان إكرامه خيرا من إكرامك! ولكن يا حجاج بلغني أنك تنتقضني بنطاقي هذين، أو تدري ما نطاقاي؟! أما النطاق هذا فشددت به سفرة رسول الله يوم غزوة بدر، وأما النطاق الآخر فأوثقت به خطام بعيره. فقال لي رسول الله أما إن لك به نطاقين في الجنة، فانتقصت علي بعد هذا؟ ولكن لا أخالك يا حجاج! أبشر! فإني سمعت رسول الله يقول "منافق ثقيف يملأ الله به زاوية من زوايا جهنم يبيد الخلق ويقذف الكعبة بأحجارها ألا لعنة الله عليه".

***

ميثم الجنابي"هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان"

سفيان الثوري

إن إمكانية الحجاج بالنسبة للسلطة الأموية المتمركزة من جديد، والعاتية في انتصاراتها الكبرى، أخذت بالبروز مع صعود قوة الاستبداد فيها. فقد تلمست فيه ملاكها السياسي و"جبرائيل" وحيها الاستبدادي[1]! فقد كشف الحجاج عن أن النار الابليسية المحترقة فيه لا تحرق غير معارضة السلطة أيا كان معدنها وحجمها، وأنها النار الدافئة التي تعوضها عن برود التعاطف الروحي من جانب الأمة! وهي المعادلة التي جسدها الحجاج حتى موته في العراق، بوصفه مركز المعارضة التاريخية والسياسية والروحية والأدبية للأموية، ومنطلق السيطرة العامة والتامة على ممتلكات الإمبراطورية في آسيا. بمعنى إننا نعثر في هذين الجانبين على وجهين لشخصية الحجاج، بوصفه النموذج الأكثر تعبيرا عن حقيقة الأموية. وليس مصادفة أن يبقيان مترابطين في سلسلة العبودية الذهبية. من هنا الإبقاء عليه مع بقاء الأموية، وانتفاء الحاجة إليه مع زوالها. بحيث لم يبق منها شيئا غير ترسبات الأملاح المتكلسة على حواشي التاريخ والذهنية الخربة والضمير المتهالك وراء جشع الغريزة. من هنا يمكن فهم سر الاعتزاز به من جانب الوليد بن عبد الملك بعد توليه خلافة أبيه عام 86 للهجرة. فقد أبقاه واقره على كل ما كان فيه زمن والده. وليس مصادفة أيضا أن يفجع بموته بحيث نراه يصرخ، بان الحجاج ليس فقط جلدة عينيه، كما كان يقول أبوه عبد الملك بن مروان، بل وجلدة وجهه كله! الأمر الذي جعل الحجاج يستهزأ في حياته بتهديد ولي العهد سليمان بن عبد الملك في حال استلامه الحكم! وهو استهزاء متراكم في مجرى اليقين الفكري والسياسي الذي لازم حياة الحجاج وشخصيته الموالية للسلطة. بحيث وجدت هذه المولاة انعكاسها النموذجي في وصيته التي قال فيها، بأنه لا يعرف غير "طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيا وعليها يموت وعليها يبعث!"[2]. كما لو انه يعيد يقين الأنبياء والقديسين عن دنس الأشياء العابرة والنزوات الصغيرة وملهاة الحياة وما فيها. وهو وصف لا يخلو من دقة فيما يتعلق بالحجاج، الذي تجرّد عن كل شيء باستثناء حب السلطة والاستعداد الدائم لخدمتها بكلّه، بحيث لم يبق فيه شيئا لغيرها! من هنا يمكن فهم سرّ ردوده الجريئة والمتيقنة تجاه "الرحمة الأبدية" له ولأعماله. وهو يقين ينبع من طبيعة التماهي بين السلطة والله. فالعبودية لله هي عين العبودية للسلطة. لها نراه يجيب على سؤال وجه إليه قبيل موته:

- ألا تتوب؟

- إن كنت مسيئا فليست هذه ساعة التوبة، وان كنت محسنا فليست هذه ساعة الفزع!

وأكمل أجوبته هذه بعبارة قال فيها "اللهم اغفر لي! فان الناس يزعمون انك لا تفعل!"[3]. بل وينسب إليه تمثله ببيتين من الشعر:

يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا

إيمانهم إني من ساكني النار

أيحلفون علي عمياء؟! ويحهم!!

ما ظنهم بعظيم العفو غفار!!

وهي صيغة نموذجية معبرة عن شخصية الحجاج، أي الإيمان الجازم بصحة وسلامة ما فعل. والبقاء حتى الرمق الأخير وفيا لنفسية وذهنية الاستعداد للاستعباد والاستبداد.

فقد توفي الحجاج عام 95 للهجرة[4]. وما بعدها لم يكن "تاريخه" غير حالات الانتقام والهجران في الوعي النقدي والضمير الأخلاقي والوجدان الصادق. وليس مصادفة أن يتلاشى قبره في واسط العراق وتبقى ذكراه باعتباره النموذج التام للرذيلة السياسية والأخلاقية. وهي الحالة التي شاركتها أيضا بعض مراحل الدولة الأموية عندما كانت تخرج بصورة نسبية على نفسية وذهنية الأموية، كما هو الحال في زمن سليمان بن عبد الملك وخلافة عمر بن عبد العزيز. إذ تنسب لسليمان بن عبد الملك (96-99 هجرية) انه سال مرة كاتبه يزيد بن أبي مسلم:

- أتظن أن الحجاج استقرّ في قعر جهنم أم انه يهوى فيها؟!

- يا أمير المؤمنين! إن الحجاج يأتي يوم القيامة بين أخيك وأبيك، فضعه من النار حيث شأت!

وهي إجابة لا يرتقي إليها من حيث الصيغة والمعنى والرمز والباطنية الجميلة غير مواقف وتقييم الخليفة عمر بن عبد العزيز إياه. فقد استكمل عمر بن عبد العزيز ما بدأ سليمان بن عبد الملك. ولكل منهما أسبابه الخاص. فقد كان سلوك سليمان لا يخلو من نزعة انتقام شخصية. لهذا نراه يأمر بسبه على المنابر. وعندما امتنع خالد بن عبد الله القسري، أحد ولاة العراق الحجاجيين، عن سبّه وذّمه أرسل عليه سليمان يأمره بذلك، فتكلم على المنبر قائلا: "إن إبليس كان من الملائكة ففسق! وكذلك الحجاج!". وهي الأخرى صورة بليغة، والوجه الآخر لتقاليد النزعة الاستبدادية وانحطاط الروح الأخلاقي المميز للنخبة العائمة في زبد الأموية، والسائبة في سديم الخوف المرعب من معنى الحرية وفكرة الحق، التي وجدت في شخصية الحجاج نموذجا لحقيقة الإسلام! كما قال مرة احدهم: "من خالف الحجاج فقد خالف الإسلام"[5]. وهو إسلام عبودي، أي لا يأخذ منه سوى غلاف العبارة الميت. مع ما يترتب عليه من تحويل الإسلام الى إذعان بلا عقل، وخضوع بلا قلب، واستسلام بلا ضمير. لكنه، شأن كل ما هو عابر بمعايير الحق والحقيقة، سرعان ما يندثر بوصفه ذرة في غبار الزمن، وسراب في خيال الأشباح. وهو سراب بدد كثافته المتبقية بعد موت الحجاج سلوك رجال الدولة الأموية.

إذ لم يكتف سليمان بن عبد الملك بسب الحجاج وشتمه على المنابر بل وأمر عامله على الطائف بقتل آل أبي عقيل، لا لشيء إلا لأنهم من أقرب الناس إلى الحجاج. وهي مواقف تممها الخليفة عمر بن عبد العزيز بطريقته الخاصة. فقد كان عمر بن العزيز يعارض ويندد بسلوك الحجاج أثناء حياته.

غير أن موقعه ومكانته ووظيفته في السلطة آنذاك لم تسمح له بتغيير شيئا ما يذكر بهذا الصدد. لكن الروح الأخلاقية تبقى أيضا وفية للقصاص بالقدر الذي لا يتعارض مع ثوابت الفكرة المتسامية ورؤيتها الشخصية. الأمر الذي ميز مواقف وتقييم وسلوك عمر بن عبد العزيز تجاه "بقايا" الحجاج في الذاكرة والواقع من خلال اقتلاع بقاياه بالقدر الممكن. فقد نفى أسرة الحجاج الى اليمن وكتب إلى واليها يقول "أما بعد، فأنني بعثت في عملك قدر هوانهم على الله"[6]. بينما نراه يعزل أحد عماله بعد أن علم بأنه قد سبق وأن عمل مع الحجاج. وعندما قال له الرجل:

- إنما عملت له على شيء يسير.

- حسبك بصحبته يوما أو بعض يوم شؤما وشرا![7]ً.

في حين وضعته تقاليد الذاكرة الشعبية في إحدى أرذل الشخصيات المتخيلة في قصة (نعم ونعمة) من قصص ألف ليلة وليلة. وما بينهما ترامت مختلف الآراء والتقييمات والأحكام والمواقف منه. فقد وضعته تقاليد الحديث تحت أسم المبير، أي الظالم والمستبد[8]. بينما كفّره جمهرة من رجال الورع والزهد الإسلامي مثل مجاهد وعاصم والشعبي وسعيد بن جبير. وهي أحكام ليست معزولة عن مواقفهم السياسية، أي عن حقيقة الرؤية الإسلامية التي لا تعزل فكرة الإيمان عن قيم العدالة والحق والحقوق. وهي قيم لم يجرؤ أحدا على انتهاكها بالقدر والحجم والكمية والنوعية في تاريخ الإسلام أكثر من الحجاج. وليس مصادفة أن يقول الحسن البصري بعد سماعه بموته: "اللهم عقيرتك! أنت قتلته! فاقطع سنّته! وأرحنا من أعماله الخبيثة"، بل ودعا عليه[9]. بينما نرى موقفه من الحجاج أشد وضوحا في معرض إجابته على إحدى الحالات النموذجية التي استتبعت موته في العراق. فقد حلف رجل بالطلاق قائلا: "إن الحجاج في النار". فلما جاء إلى امرأته، فإنها امتنعت عن العيش معه. وعندما ذهب للحسن البصري يستفتيه في أمره، فأجابه الحسن البصري: "إذا لم يكن الحجاج من أهل النار، فما يضيرك أن تكون مع امرأتك على زنى!". وهي المرة الوحيدة التي ينطق بها الحسن البصري بهذه الطريقة الجازمة التي جعل من نفسه فيصلا نهائيا وناطقا بالحكم "الإلهي". لقد وجد في الحجاج تجسيدا تاما ومطلقا للرذيلة، بحيث جعله يستغرب التشكيك بالحكم المتعلق بضرورة العقاب الأبدي للحجاج في الجحيم. وبغير ذلك تصبح جميع الرذائل مباحة! وقيل أيضا، بأنه حالما بشروا حماد بن أبي سليمان بموت الحجاج، فانه سجد وبكى من الفرح. الأمر الذي جعل حماد يقول: "ما كنت أرى أحد يبكي من الفرح"[10].

من هنا يمكن فهم أحد البواعث التي جعلت ابن عبد ربه يفرد في كتابه (العقد الفريد) فصلا بعنوان (من قال إن الحجاج كان كافرا) استعرض فيه أقوال مختلف الشخصيات الإسلامية الفكرية والفقهية. بينما أجاب الشعبي على سؤال وجه إليه مرة[11]:

- أكان الحجاج مؤمنا؟

- نعم! بالطاغوت!

وقال عنه أيضا "لو جاءت كل أمة بخبيثها وفاسقها، وجئنا بالحجاج وحده لزدناه عليهم"[12]. وأطلق عليه الدميري عبارة "اللعين الحجاج! أخزاه الله وقبّحه"[13]. بينما قال عنه ابن عبد البر: "لا يؤثر حديثه، ولا يذكر بخير لسوء سره وإفراطه في الظلم"[14]. وقد يكون التقييم الذي رسم الذهبي ملامحه الأكثر دقة بهذا الصدد. فقد كتب بهذا الصدد يقول: "أهلكه الله كهلا! وكان ظلوما جبارا ناصبيا سفاكا للدماء. وكان ذا شجاعة وإقدام وكر ودهاء"[15]. وتكلم الذهبي عما اسماه بسوء سيرته في حصاره لابن الزبير بالكعبة ورميه إياه بالمنجنيق وإذلاله لأهل الحرمين ثم ولايته على العراق والمشرق عقدين من الزمن وحروبه مع ابن الأشعث وتأخيره للصلوات الى "أن استأصله الله! فنسّبه ولا نحبه! بل نبغضه في الله، فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان. وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه"[16].

وقد تحول هذا الكم الهائل من التقييم النظري الرفيع إلى مسند الخيال الشعبي والأدبي الذي وجد أحد نماذجه الرفيعة في قصة (نعم ونعمة) ودخولها مسرح الذاكرة الفعالة في (ألف ليلة وليلة). بحيث أصبحت سمير الأسمار واللعنة التي ترافق ضحك الأطفال وشماتة الرجال وحقد النساء وغضبهن! فهي القصة التي تصوره رجلا غشوما ظلوما سارقا قاسيا عبدا للسلطة وفاقدا للضمير والوجدان أمام رغبة السلطان وغرائزه. لقد حولت قصة (نعم ونعمة) الحجاج الى نقمة وصبت عليها جام غضبها من خلال تطويع كل إمكانيات الخيال الشعبي. فبالقدر الذي استعمل كل الأساليب الدنيئة لاختطاف نعم من زوجها نعمة وتسليمها إلى عبد الملك بن مروان، فإنها استطاعت أن تبعثه في حبكة القصة بالاقتصاص منه من خلال جعله مرافقا طائعا وعبدا ذليلا للرهينة التي احتال من اجل اقتناصها والتقرب بها إلى مالكه عبد الملك بن مروان! فقد اشترطت المرأة من عبد الملك أن يكون الحجاج مرافقا وقائدا لبعيرها. وهي القصة التي تروي مختلف أصناف الاحتقار والتهكم به، التي يتقبلها الحجاج بوصفها جزء من مظاهر العبودية للسلطة. وهي مظاهر يجري تتويجها بالحادثة الطريفة التي تروي كيف أن المرأة (نعم) حالما وصلت من بلدتها الى قصر الخليفة رمت دينار على الأرض وقال للجمّال (الحجاج):

- يا جمّال! سقط مني درهم!

- هذا دينار!

- بل هو درهم!

- بل هو دينار!

- الحمد لله الذي عوّضنا بالدرهم دينارا! ناولني إياه!

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام حبكة قصصية تسرد بطريقتها الخاصة رغبة الانتقام الأبدية من الحجاج. ومن ثم لم يكن دخولها (ألف ليلة وليلة) سوى الصيغة الأدبية للرغبة الجامحة في الإبقاء على صورته الخبيثة حية في الخيال والضمير والوجدان المعذب من ذكراه المريرة. لقد ادخله الوعي العراقي في قرآنه القصصي وجعله في متناول الشماتة النقدية والسخرية الجليلة والاستهزاء الذي لا يخلو من حقد النساء الجميل، أي جمعه لكل المكونات الضرورية لتفعيل ذاكرة الانتقام التاريخي الحي.

***

ا. د. ميثم الجنابي

.................

[1] ينقل لنا ابن عساكر في كتابة (تاريخ دمشق) على سبيل المثال "نصيحة" الحجاج لعبد الملك بن مروان بمنع القصاصين من الحديث عن سيرة الخلفاء الراشدين، وبالأخص أبي بكر وعمر بن الخطاب. إذ وجد فيما يقوله القصاصون مصدرا للثورة والانتفاض على السلطة". بحيث نراه يتكلم عما في هذه القصص من "إفساد للناس على أمير المؤمنين". بحيث يستصدر عبد الملك بن مروان أمرا يمنع فيه الحديث عن سيرة أبي بكر وعمر بن الخطاب. وهو أمر ظل ساريا حتى خلافة عمر بن عبد العزيز، الذي أعاد ترتيب هذه العلاقة بطريقة سليمة من خلال اختياره الشخصي للقصاصين.

[2] ابن عساكر: تهذيب تاريخ دمشق، ج4، ص68.

[3] ابن عساكر: تهذيب تاريخ دمشق، ج4، ص82. ابن كثير: البداية والنهاية، ج9، ص138.

[4] المسعودي: مروج الذّهب ومعادن الجوهر،ج3، ص187.

[5]أبن حبان: الثقات، ج5، ص421. وهي كلمات تنسب الى احد أتباع الحجاج وهو أبو حسان المنذر. وهي عبارة يشم منها رائحة العبودية التامة. وذلك لأن أولها كره المخالفة، أي عدم الخضوع، وآخرها رفض المخالفة، أي أولها الحجاج وآخرها الحجاج! لأن حقيقة الإسلام هنا هو الاستسلام للحجاج فقط!

[6] ابن عساكر: تهذيب تاريخ دمشق، ج4، ص 84.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص132.

[8] وفي وقت لاحق يجري ابتداع حديث "نبوي" مزيف عن ان المقصود بالمبير هو المختار الثقفي!

[9] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، 159.

[10] ابن سعد: الطبقات، ج6، ص280.

[11] عامر بن شراحيل الشعبي الحميري، 19-103هـ/640-721م): راوية، يُضرب المثل بحفظه. وُلِد ونشأ ومات بالكوفة. اتّصل بعبد الملك بن مروان، وأصبح احد ندمائه. كما عمل رسولا عنده إلى ملك الروم. وسُئِل عمّا بلغ إليه حفظه، فقال: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدّثني رجل بحديث إلاّ حفظته. وهو من رجال الحديث الثقات، استقضاه عمر بن عبد العزيز، وكان فقيهاً شاعراً. (الزركلي: الأعلام، ج3، ص251.)

[12] الأبشيهي: المستطرف في كل فن مستظرف،ج1، ص83

[13] الدّميري، كمال الدين محمد بن موسى: حياة الحيوان الكبرى، دار الألباب، بيروت/دمشق (ب-ت)ج1، ص81.

[14] ابن عبد البر: التمهيد، ج1، ص10.

[15] الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج4، ص343.

[16] نفس المصدر السابق، ج4، ص343.

 

ميثم الجنابي"هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان"

سفيان الثوري

إن ظهور الحجاج من عدم الوجود السياسي الى هرم السلطة الأموية هو التعبير النموذجي عن حالة الانتقال الحرجة والسيئة التي رافقت تحول الدولة ونظامها السياسي من إمبراطورية الروح الإسلامي وفكرة الحقوق الأخلاقية الى سلطة الملوكية القبلية ووثنيتها الجديدة. وهي الحالة التي جعلت من العابرين والطارئين "أبطال" الزمن السلطوي. وفيها ينبغي البحث عن سر صعود الحجاج العنيف واندثاره الأشد عنفا.

ولد الحجاج في أربعينيات القرن الهجري الأول، أي في مرحلة "النبوة" المقلوبة. فقد كان صعود الأموية في العام الأربعين من سيادة الإسلام الروحية والسياسية والدولتية يعكس طبيعة الانحطاط والشرخ الهائل بين التاريخ والدولة. وهو الشرخ الذي جعل من كليب (الاسم الأصلي) بن يوسف الثقفي حجاجا. فالحالة الطبيعية لتاريخه الشخصي لم يكن بإمكانها أن تتعدى المسير الهادئ في الطائف لتعليم الصبيان قراءة القرآن. بمعنى الاستمرار بمهنة أبيه. مع ما يترتب عليه في العرف الديني التقليدي من أجرة وثواب! وقد مارسها الحجاج، على خلاف أبيه، بوصفها مهنة مجبور عليها. لهذا لم تثر فيه شهية الحماسة التي نعثر عليها في ولعه المفرط بالسياسة والحرب والقمع والإرهاب. وهي صفات لا علاقة لها بثقيف. فقد احتوت هذه القبيلة، شأن كل بنية قبلية على إمكانيات متنوعة. لكنها أنجبت ثلاث شخصيات دموية كبرى هي المغيرة بن شعبة الثقفي وكليب بن يوسف الثقفي (الحجاج) ويوسف بن عمر الثقفي وقادة عسكريون قساة مثل محمد بن قاسم الثقفي. وبالمقابل أو بالضد منهم شخصية المختار بن عبيدة الثقفي. وجميعها تتسم بقدر كبير من القسوة المحكومة بقيم مختلفة ومتضادة. وهي قيم لا علاقة لها بثقيف بقدر ما أنها كانت النتيجة المترتبة على حدة وعنف الصراع السياسي الذي شوهه دهاء الأموية وعنفها الغريزي من اجل الاستحواذ على المال والجاه. وهي الصفة المغروسة والمغمورة في مسام الأموية وتقاليدها المروانية والسفيانية القديمة، أي تقاليد الجاه والمال التي كسر النبي محمد شوكتها الأولية دون أن يقتلعها من جذورها. مما جعل من "ثأرها" اللاحق منظومة تقترب من توحيد الإسلام بإفراده لخدمتها!

وهو إفراد استمد مقوماته من الأصول القبلية والعرقية وتقاليد المال والجاه المميزة للأموية. ومنها تراكمت نفسية وذهنية الدهاء السياسي الخالص. وبالتالي إمكانية تطويع واستغلال مختلف القيم، بما في ذلك النبيلة أحيانا لخدمة الغرض الأساسي – إعادة تنظيم الأصول المذكورة أعلاه بالشكل الذي يخدم تفعيلها الدائم وفاعليتها الحاسمة. وهي أصول تطابقت فيها الوسيلة والغاية، بحيث أصبحا في آن واحد آلة وآلهة. مما أدى بالضرورة الى أن يكون تفعيلها وفاعليتها قرضا للجسد واقتراضا للروح من جانب الجميع. وبالتالي فان الانهماك فيها يستلزم في آن واحد الاندماج الفعال في آلتها، والعبودية التامة لآلهتها. أما النتيجة فإنها كانت محسومة شأن الفكرة الجبرية للأموية – العمل من اجل ترميم وديمومة العبودية التامة لأصنام الوثنية الجديدة. وهي المقدمة الفعلية التي تفسر طبيعة "الاختيار" السياسي للشخصيات القادرة على لعب دور السدنة المخلصين للإلهة الجديدة وأصنامها. إذ لم يكن الحجاج استثناءا بقدر ما انه كان الفرد الأكثر فردانية في إفراد كل ما فيه لخدمة الأموية، ومن ثم الشخصية الأكثر "إخلاصا" ونموذجية في تعبيرها عن هذه الحالة الجديدة في صيرورة الدولة.

فالمعلومات التاريخية تشير الى أن أباه كان من إتباع بني أمية. واشترك معهم في الحرب على خصومهم، وبالأخص مع مروان بن الحكم. بينما كانت حياة الحجاج السياسية متوافقة وملازمة لخلافة عبد الملك بن مروان. وهي ملازمة لم تكن معزولة عن انتقال الحجاج الى الشام والالتحاق المباشر بالسلطة الأموية. وهو انتقال لم يكن معزولا عن الصراع السياسي الحاد آنذاك بين الأموية المنحصرة والمحاصرة في دمشق الشام، وبين الحركة الزبيرية التي توسع نطاق الاعتراف بها بوصفها خلافة شرعية على اغلب أمصار الدولة آنذاك.

فقد كانت الطائف في أواخر خلافة مروان بن الحكم وبداية حكم أبنه عبد الملك بن مروان خاضعة لحكم عبد الله بن الزبير. وهو حكم اتسم، رغم طابعه المعارض للأموية، بنفس أمراضها وأخطائها وخطيئتها. وهو السبب الذي يفسر هروب ومعارضة ومصارعة أتباعه الأوائل، الذين انظموا الى الحركة في بادئ الأمر وواجهوها بالعداء العنيف في وقت لاحق. وهي ظاهرة يمكن رؤية ملامحها الدقيقة والواضحة على كافة ممثلي الحركات السياسية والاجتماعية والفكرية الكبرى كما هو الحال بالنسبة للخوارج (وبالأخص الازارقة) والشيعة (وبالأخص المختارية). ومن حصيلة هذه المكونات التي استجابت لشخصية الحجاج النفسية والفكرية والسياسية، يمكن فهم سر انتقاله التام والشامل للأموية. بمعنى التلاقي التام والشامل في إعلاء شأن السلطة واستعمال كل الوسائل من اجلها. وهو الشيء الذي يمكن التحقق منه ببقاء العلاقة المتينة والراسخة بينه وبين المركز الأموي، للدرجة التي يمكن الحديث عن تطابق مطلق بينهما. وهو تحقق يمكن رؤية احد أشكاله النموذجية في وصيته التي كتبها قبل موته عندما جعل من السلطة الأموية بداية الأزل ونهاية الأبد الوجودي بالنسبة له، أما الله ومحمد فمجرد حلقات متممة. فقد كتب في وصيته قائلا بأنه يشهد أن لا اله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، و"أنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيا وعليها يموت وعليها يبعث"!! وهو موقف يعكس شخصية الحجاج الفعلية، التي وجدت فيها الأموية نموذجها العملي التام. وليس مصادفة أن "يفجع" الوليد بن عبد الملك بموته بحيث نسمعه يقول لمن جاءه يعزيه بفقدان الحجاج :"كان أبي يقول أن الحجاج جلدة ما بين عينيه! أما أنا فأقول أنه جلدة وجهي كله!". وهي الجلدة التي شدت أزر الأموية في أكثر الأوقات حرجا، وظلت حتى النهاية "أمينة" لها بصورة مطلقة. وقابلته بالطريقة ذاتها. فقد كان عبد الملك بن مروان يجلّ الحجاج ويثق به رغم معرفته بسلوكه العنيف والدموي. وتروي كتب التاريخ كيف أن إبراهيم بن محمد بن طلحة (احد المقربين جدا من الحجاج) سعى كل جهده لكي يستمع عبد الملك بن مروان لرأيه بالحجاج. وحالما وافق عبد الملك، عندها قال إبراهيم بن طلحة:

- تالله يا أمير المؤمنين! لقد عمدت الى الحجاج في تغطرسه وتعجرفه وبعده عن الحق وقربه من الباطل! فوليته الحرمين، وهما ما هما، وبهما ما بهما من المهاجرين والأنصار والموالي الأخيار، يطؤهم بطغام أهل الشام ورعاع لا روية لهم في إقامة حق ولا إزاحة باطل، ويسومهم الخسف، ويحكم فيهم بغير السنّة، بعد الذي كان من سفك دمائهم وما انتهك من حرمهم!

- كذبت! وظنّ بك الحجاج ما لم يجده فيك! وقد يظنّ الخير بغير أهله! قم فأنت الكاذب!

وهو موقف لا علاقة له بالكذب والصدق، لأنه ليس نتاجا لأحكام المنطق، بقدر ما انه محكوم بغريزة السلطة. وهي الغريزة الوحيدة الحية والفعالة والفاعلة في شخصية الأموية والحجاج. ومن ثم، فان شخصية الحجاج هي شخصية الأموية الحقيقية. وكلاهما شيء واحد. بمعنى التقاءهما في الوسيلة والغاية. وهو التقاء محكوم بالنفسية والذهنية التي تجعل من استعمال كل الوسائل أمرا ممكنا ومرغوبا بل وضروريا من اجل المصلحة الخاصة. ولم تكن هناك مصلحة خاصة بالنسبة للأموية غير الجاه والمال. وهي صفة لها تقاليدها الخاصة في العائلة السفيانية – المروانية، وجدت تعبيرها العنيف في مرحلة الخلل التاريخي الذي أحدثته العفانية التي جعلت من الممكن استعادة البنية القبلية وجوهريتها بالمنسبة للتحكم والتسلط. من هنا إعادة تثوير ما دعاه الإسلام بالجاهلية. بمعنى التحرر من فكرة القانون الاجتماعي والحق المجرد والقيم الأخلاقية الكونية. وهو السر القائم وراء قوة التجاذب المتبادل بين الأموية والحجاج. بمعنى الاستعداد للاستبداد و"الإخلاص" له في الحياة والموت والبعث، كما جسدها الحجاج في وصيته المذكورة أعلاه. وهي "وصية" اكتشفت الأموية في شخص عبد الملك بن مروان "ناريها الأبدية" المشتعلة في غريزة الحجاج الفائرة عندما قدمه إليه رئيس شرطته ابن زنباع1 !

إن انتقال الحجاج الى الشام وانخراطه في سلك الشرطة، في مرحلة تبدل القيم، وانهيار فكرة القانون والشريعة، وسيادة نفسية وذهنية القبيلة وقيم الجاهلية السيئة، يعكس أولا وقبل كل شيء شخصية الحجاج المادية والمعنوية. فقد أعجب به روح ابن زنباع المقرب من عبد الملك بن مروان. واستطاع الحجاج خلال فترة قصيرة من إعادة ترتيب نظام الشرطة وقواعد التزامها بالخدمة. بحيث جعل من الانضباط والحماسة في تنفيذ مهامها مهمته الشخصية. بل جعل منها شكلا من أشكال سريان الوحدة الخفية والعلنية لوحدة السلطة. لهذا نراه يعاقب الشرطة أنفسهم والتابعين منهم لابن زنباع في وقت لاحق بعد تعيينه فيها، بسبب ملاحظته عدم انضباطهم في العمل2 . وجعل من الانضباط أسلوبا لتجسيد ما يمكن دعوته بقواعد الطاعة التامة لأولياء الأمر. لكنها لم تتحول الى منظومة لأنها محكومة بفكرة الطاعة الشخصية السياسية فقط. بمعنى افتقادها لمعنى الحرية ومنظومة القيم الأخلاقية المحكومة بالقانون. وهي الفكرة التي عبّر عنها الحجاج نفسه عندما اشتكى عليه ولي أمره الأول وصاحب نعمته (روح بن زنباع) إلى عبد الملك بن مروان عما فعله بأفراد شرطته. إذ تروي الحكاية كيف انه أجتاز مرة فسطاط روح بن زنباع وهم يأكلون. فنهاهم فما انتهوا. عندها ضربهم وطوف بهم واحرق الفسطاط. وعندما شكاه روح بن زنباع الى عبد الملك بن مروان، فان الأخير استفسر منه قائلا:

- لم صنعت هذا؟

- لم افعله! إنما فعله أنت. فإن يدي يدك وسوطي سوطك. وما ضرك إذا أعطيت روحا فسطاطين بدل فسطاطه، وبدل الغلام غلامين، ولا تكسرني في الذي وليتني؟

بمعنى تحويل السلطة ومركزيتها الشخصية الى مصدر الحياة والموت، والأخلاق والقانون، والأقوال والأفعال. وهي الصيغة النموذجية للجبرية السياسية التي جعلت من الخضوع للسلطة رديفا للخضوع لله. كما أنها الصيغة التي وجدت في لقاء الحجاج بعبد الملك بن مروان "صدفتها" النموذجية، بمعنى التقائهما في الغاية والوسيلة والمصير الشخصي!

فقد تسلم عبد الملك بن مروان الدولة وهي مهددة بالانحلال. فقد واجه خطر عبد الله بن الزبير الذي كان يسيطر بالفعل على اغلب أمصار الإمبراطورية العربية الإسلامية. بل وأعلن نفسه بعد وفاة يزيد بن معاوية، خليفة للمسلمين سنة 64 للهجرة. ولم يبق سوى الأردن التي ظلت على ولائها للأمويين، وبايعت مروان بن الحكم بالخلافة3 . حيث استطاع لاحقا استعادة مصر وضمها للدولة الأموية. وعندما استلم عبد الملك بن مروان السلطة، فان المهمة الكبرى بالنسبة له كانت إعادة تثبيت السلطة المركزية وحدة الدولة. وهي المهمة التي شارك فيها الحجاج بحمية مفرطة.

فقد دخل الحجاج الى دهاليز السلطة وأروقتها من خلال جهاز الشرطة، أي احد أحط مؤسسات السلطة الأموية وأكثرها قسوة ورذيلة. وقد لمس فيه روح بن زنباع العزيمة والقوة والصبر. وقدمه إلى عبد الملك بن مروان، الذي كان يتصف بالقوة والمكر السياسي. وقد كان جهاز الشرطة آنذاك يتصف بالترهل والانحطاط! بينما استطاع الحجاج في غضون فترة قصير إعادة ضبطه وتفعيله لخدمة السلطة. وهو الأمر الذي دفع بروح بن زنباع لتقديمه لعبد الملك بن مروان لولاية الشرطة. وتروي كتب التاريخ بهذا الصدد، المحاورة التي جرت بينهما، وكيف أن عبد الملك بن مروان سأله قائلا:

- ليس هناك من احد إلا وهو يعرف عيب نفسه! فصف لي عيوبك!

- أعفني يا أمير المؤمنين!

- لست افعل!

- أنا لجوج لدود حقود حسود!

- ما في إبليس شرّ من هذا!4

ومهما يكن من أمر هذه المحاورة، بمعنى دقة حروفها، إلا أنها كانت تعج بالمعنى الفعلي للحجاج الذي كشف عن مكونات العبارة المقتضبة بانقباضه الحاد تجاه كل ما يتعارض مع فكرة العبودية التامة للسلطة. وهي الصفة التي جعلت من شرور إبليس فضائل قديس! وهو تحول وجد انعكاسه السريع والمباشر في تقريب الحجاج من "مركز القرار" السياسي، بعد أن كشف عن موهبته الفذة في تنفيذ كل ما تحلم وترغب السلطة به وتريده. فقد مدّ الحجاج رصيد القوات العسكرية لأهل الشام بسرعة بالغة بعد أن طبق جملة من التدابير القاسية. إذ فرض على كل رجل قادر على حمل السلاح "التطوع" في الجيش! وأمهل الجميع ثلاثة أيام، وما بعدها القتل وحرق البيوت ومصادرة الأموال.

أعطت أفعال الحجاج ثمارها السريعة بحيث جعلته ينتقل بصورة سريعة من جهاز الشرطة الى قائد القوات العسكرية لإحدى أهم المعارك التاريخية السياسية التي كانت تتوقف على نتائجها مصير الدولة الأموية. فبعد انتزاع عبد الملك بن مروان العراق من سيطرة مصعب بن الزبير، جرى تجهيز الحملة للقضاء على مركز الزبيرية في مكة. وهي المهمة التي نفذها الحجاج بحذافيرها. فقد استعاد مكة وقضى على ابن الزبير. وسلك في مجرى صراعه من اجل استرداد الحجاز سلوك الرجل العسكري والسياسي الحازم والمحكوم فقط بفكرة مركزية الدولة والسلطة الاستبدادية. لهذا نراه يضرب الكعبة بالمنجنيق ويحرقها، إي انعدام ما يسمى بالوازع الديني5 . بل على العكس انه وجد في ذلك تعبيرا تاما عن "الإرادة الإلهية". وحالما أنجز المهمة جرى تعيينه واليا على الحجاز (مكة والمدينة والطائف)، ثم أضاف له عبد الملك بن مروان اليمن واليمامة. (يتبع....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

1- شخصية روح بن زنباع + علاقته بالشعر الخارجي عمران بن حطان (الروية الخيالية)

2 - تحكي القصة كيف انه مر إحدى المرات وشاهد الشرطة منهمكين في الأكل واللهو. وعندما نهاهم عن ذلك رفضوا الانصياع له. مما حدا به الى سجنهم وحرق سرادقهم.

3 - تعليق حول الشخصية الأردنية واضمحلال أسسها الثقافية من هنا منظومة البداوة المتوحشة فيها وانعدام الرؤية الإنسانية والحس القومي وهشاشة الدولة واستعدادها الدائم للخيانة باسم المال

4 - ابن عبد ربه الأندلسي: العقد الفريد، دار المسيرة، بيروت، 1981م، ج6، ص 210. وليس مصادفة أن يعتبر الذهبي شخصية الحجاج ذنبا من ذنوب عبد الملك بن مروان (السير، ج4، ص249.).

5 - من بين الأدلة النموذجية بهذا الصدد ما ترويه كتب التاريخ عن نزول الصواعق على جيشه وقتل بعض منهم في مجرى حصاره لمكة وضربها بالمنجنيق. فقد أثار ذلك في أوساط الجيش وسوسة العقائد الإيمانية عن "حرمة" مكة و"قداستها" و"الغضب الإلهي" على من يمسها وما شابه ذلك. إلا أن الحجاج ظل ثابتا، وطلب منهم التريث حالما تنقشع الغمامة! وفي اليوم التالي تنزل صواعق على جيش ابن الزبير وتقتل عددا منهم! ونفس الشيء يمكن قوله عن سلوكه ما بعد تهديم الكعبة. إذ نراه يعيد بناءها، بل ويبني مسجد ابن سلمة في المدينة ويأخذ بحفر الآبار وبناء السدود وما شابه ذلك من الأعمال العمرانية.

 

ميثم الجنابي"هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان"

(سفيان الثوري)

تقديم: إن التاريخ خلافا للأحلام والأوهام يصدق فيما يقول ويفعل، بمعنى إن كل ما فيه مما فيه. وهو الشيء الذي يجعله على الدوام موضوعا للجدل والخلاف، خصوصا حالما تتدخل في تفسير وتأويل أحداثه وشخصياته المصالح الضيقة والأهواء، أي المكونات الملازمة لبقاء الزمن واضمحلال التاريخ أو انعدامه في الوعي. مع ما يترتب عليه بالضرورة من ضمور الرؤية النقدية وفكرة الحرية. بينما الحقيقة لا تعقل بدون الرؤية النقدية وفكرة الحرية. لاسيما وأن مسار التاريخ الفعلي هو تذليل دائم للزمن العابر، أي كل ما يؤدي بالضرورة إلى جعل الحرية الملاذ الوحيد والنهائي للحق والحقيقة. فهو المجرى الوحيد القادر على ربط حلقات التاريخ في سلسلة وعي الذات والتحرر من رق العبودية لغير ما فيه. فالتاريخ الحقيقي روح.

فقد كانت العبودية وما تزال، بوصفها ظاهر الاستبداد بشكل عام والسياسي بشكل خاص، من بين أكثر المعوقات الكبرى أمام التطور الطبيعي والارتقاء الثقافي السياسي للأمم. فكلما يزداد الاستبداد السياسي كلمات تنشط عناصر الوعي التاريخي بمختلف مظاهرها. وفيما لو القينا نظرة متفحصة على نوعية ما يجري تقديمه من معلومات وأخبار وقضايا مثيرة للاهتمام وولع بالأفكار وتياراتها القديمة والمعاصرة، فإننا نلاحظ تلازم النظم الاستبدادية مع ظواهر انتشار الأفكار المتخلفة بمعايير العقل، والرديئة بمعايير الأخلاق، والقاتلة بمعايير الروح، والمدمرة بمعايير العلم، والمغلقة بمعايير المستقبل. ولا غرابة في الأمر! فالاستبداد هو رديف الجمود والموت. ومن ثم تتجسد عبره ملامح الجمود والانحطاط. وبالمقابل تصبح مقارعة الاستبداد والسعي لإزالته، المهمة الرئيسية للوعي العقلي والعقلاني والنزعة الإنسانية، أي كل ما يؤدي إلى نمو واستقامة المساعي الحثيثة لتأسيس فكرة الحرية ونظامها الاجتماعي السياسي المناسب. ومن الممكن رؤية ذلك على مثال "الربيع العربي". فحالما جرى سقوط وإسقاط بعض النظم الاستبدادية، أخذت بالبروز مظاهر التشدد وبعث وتقوية مختلف أشكال التيارات السلفية والحركات الارهابية. بينما توسعت أذواق القتل والتفجير والاغتيال بعد انتصار "الحرية المفطومة" لثورات "الربيع العربي". ولم يكن ذلك معزولا عن كون ثورات "الربيع العربي" لم تكن ثورة عربية واحدة. الأمر الذي أبقى على بقايا الاستبداد في العالم العربي واستفحال قواته بأثر هلعه الغريزي من فكرة الحرية والمستقبل. وهذا بدوره استمرار لحالة البقاء المتشبث بالسلطة من جانب البنية السياسية التقليدية القديمة. "فالربيع العربي" حدث في بقاع المناطق الثقافية للعالم العربي ونظمها السياسية الجمهورية. وبغض النظر عن فشلها النسبي في التحديث والعصرنة وبناء النظام الاجتماعي والسياسي والعقلاني، لكنها استطاعت أن تنشأ مجتمعات سياسية حيوية وثقافة واسعة تناسبها، في ظل ظروف صعبة وقاسية بأثر تخلف المبنية الاجتماعية والاقتصادية، وضعف النخب بشكل عام والسياسية بشكل خاص، وضغوط ومغامرات المراكز الكولونيالية القديمة والحديثة، ومؤامرات البنى التقليدية المميزة للدولة الملوكية بشكل عام وشبه الجزيرة العربية بشكل خاص. وبالتالي، فإن ثورات "الربيع العربي" هو دليل على نشاط وحيوية هذه المجتمعات وتأملاتها المستقبلية، بينما كان وما يزال "ثبات" النظم التقليدية الملوكية استمرارا لتقاليد الاستبداد الشامل. الأمر الذي جعلها دوما وما يزال مرتعا للمؤامرة والانحطاط الأخلاقي والسياسي والقومي. فدول الجزيرة العربية استبدادية مطلقة بالمعنى السياسي والاجتماعي. من هنا تخلفها المريع وكراهيتها المطلقة لفكرة الحرية والمصالح القومية العربية العليا.

وقبل ذلك، حالما جرى إسقاط الحكم الاستبدادي المطلق للصدامية، بأثر الغزو والاحتلال الأمريكي، الذي أكثر من ساهم به والتحضير له على مدار عقدين من الزمن (الحرب العراقية – الإيرانية، والحصار الشامل لاحقا بأثر غزو الكويت) السعودية ودول الخليج نفسها، نراها تبدأ بالتخطيط والعمل على تخريب مساعي الحرية الآخذة بالنمو في عراق ما بعد الاحتلال. طبعا، ان مساهمتها في "تحرير" العراق تحت بيارق الغزو الامريكي كان امرا لابد منه بالنسبة لهذه الدويلات المخصية. لكنها مع ذلك تحسست بفعل الغريزة، الخطر الكامن في النظام السياسي العراقي الجديد. من هنا استعانتها بالفكرة الطائفية والمذهبية لكي تكون غلاف الصراع ضد الحرية. ولا يخلو هذا الموقف من تحسس فعلي للواقع الجديد. وبالتالي، أصبح الصراع ضد الشيعة والتشيع مادة التخريب وأداة المواجهة الشرسة، وجرى استذكار الصيغ الموضوعة والمشوهة والمبتذلة لتقاليد "أهل السنّة والجماعة" عما يسمى "بالروافض" و"الصفوية"، و"المجوسية"، و"مؤامرات" الشيعة وشخصية العلقمي ما شابه ذلك. أما السبب الفعلي فيقوم في تحوّل شيعة العراق إلى القوة الحاملة للفكرة الديمقراطية والاجتماعية والوطنية والعربية. واستطاعت السعودية وقوى الخليج الأًخرى إلى تأليب "أهل السنّة" في العراق ضد الحكم الجديد. مع إنهم لم يكونوا بحاجة للتأليب، وذلك لأن الفكرة الطائفية السياسية السنيّة "الجديدة"، كانت محكومة (وما تزال) بنفسية ضياع السلطة. فالنظام الانتخابي والديمقراطي يجعل الشيعة بالضرورة القوة الحاكمة، بغض النظر عن طبيعة احزابها السياسية الحالية (والتي يتسم اغلبها بضيق الافق والأنانية والدناءة وضعف الأخلاق والعقل). من هنا يمكن فهم حالة الاستنفار الارهابي الشنيع وتمويله من جانب السعودية وقطر والإمارات والكويت. وهذا بدوره لم يكن إلا الصيغة الجديدة لتقاليد الانقلابات العسكرية، التي كان يخطط لها ويقودها ويموّلها انجلترا والولايات المتحدة، وينفذها "أهل السنّة" على امتداد تاريخ العراق السياسي الحديث!! إن هذ الظاهرة المعقدة نسبيا، كانت من حيث الجوهر نتاجا لنفسية وذهنية الاستبداد بالسلطة. من هنا توافقها مع مساعي دويلات الخليج المخصية "باسم العروبة" المزيفة. إلا أن الصراع العنيف ونتائجه قد أدت إلى هزيمة هذه القوى بمعايير الفكرة المستقبلية. ومن ثم تحوّلها إلى جزء من الماضي المنقرض. لكن رصيدها "التاريخي" مازال فاعلا ما لم يجر تذليل الخلل والإعاقة العقلية والأخلاقية الكامنة في مصادره التاريخية والفكرية ونماذجه السياسية.

فالتاريخ العربي، كان في أغلبه زمن الاستبداد. وما وضعه الكواكبي في "طبائع الاستبداد" يكشف عن حيوته لحد الآن بسبب بقاء حالة الاستبداد بل واستفحالها المدعوم بأموال البترودولار أو مال الصدفة الغبية! وبالتالي، فإن نقد الاستبداد مازال مهمة فردية واجتماعية ووطنية وقومية وثقافية كبرى. الأمر الذي يجعل من الضروري تتبع ونقد مصادره ومظاهره في كافة المجالات والمستويات. لاسيما وأن الاستبداد في العالم العربي متغلغل في كل مسام الوجود والوعي، بدأ من الحرف والكلمة، وانتهاء بالنظم السياسية والقيم الاجتماعية والاخلاقية، والقواعد القانونية، والعقائد والأديان، والايديولوجيات والأحزاب، والأذواق والعادات، والملائكة والشياطين، والأئمة والله! باختصار في كل شيء!

غير ان الاستبداد السياسي يبقى في نهاية المطاف القوة المحددة لأغلب مظاهره. وهذا بدوره ليس معزولا عن استعداد "الوعي الجماهيري" أو وعي العوام للانسياق وراء أوهام "القوة" و"العظمة" للاستبداد نفسه. غير أن مفارقة هذه الظاهرة تقوم ليس في الطابع المستلب لهذا النوع من الوعي الجماهيري، بل وبأثر البطش الظاهري والباطني للاستبداد نفسه الذي جعل الانسان والجماعة أشبه ما يكون بنشارة الحديد المندفعة صوب مغناطيس القوة والبطش، أي صوب مغناطيس الاستبداد نفسه. وليس مصادفة أن نسمع صياح وعياط ونواح أيتام الاستبداد نفسه بعد إعدام الطاغية صدام حسين، أو كما نراه في بعث شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي لكي "يلّقن اهل العراق" ما يستحقونه من التعذيب والسجن والقتلّ. حيث ظهرت آنذاك الكثير من الكتابات المدافعة عن "مآثر" الحجاج! ولم يكن هذا في الواقع سوى الوجه الآخر لسيادة أو بقاء العبودية السياسية وأخلاق العبيد. اذ عثر على كتابات تحتوي على عباراتمثل "ليت الحجاج برجع الآن للعراق ليدعوا أصحاب العمائم السود والبيض وقواد جيوشهم ورعاعهم إلى المسجد ليعيد مخاطبته إياهم: "أنا ابن جلا وإطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني"، و"يا أهل العراق! يا أهل الشقاق والنفاق"، واستكمالا بعبارات مثل "استوثقوا واستقيموا، واعملوا ولا تميلوا، وتابعوا وبايعوا، واجتمعوا، واستمعوا، فليس منّي الإهدار والإكثار وإنمّا هو هذا الِسّيف". وبعضهم ينادي الله بعبارة "اللهم اعطنا حجاجا أو أبعث الحجاج من قبره وأرسله إلى العراق الآن، لأن العراق بحاجة قصوى لحجاج". كما ظهر من قال وسيقول نفس الكلام عن زين العابدين بن علي، وحسني مبارك، والقذافي، وعلي عبد الله صالح..... ففي هذه العبارات النموذجية تنعكس نفسية وذهنية العبودية المترسخة في أعمق اعماق "المثقفين" وأمثالهم من مرتزقة السلطة.

يعكس هذا النمط من الثقافة والمثقفين تقاليد ما اطلقت عليه الثقافة الاسلامية القرّاء السفهاء، وعلماء السوء، والمأجورين وغيرها من الاوصاف. وعموما هي "ثقافة الجهل والجهلاء". وجميعها يشير إلى حقيقة جلية وهي إن أنصاف المتعلمين، ومرتزقة الثقافة منهم بالأخص هو جزء، وقد لا يكون صغيرا، من بقايا ثقافة الانحطاط والعبودية الصلفة، أي تلك الثقافة المنحطة التي يمكن اعتبار الحجاج الثقفي احدى امثلتها "النموذجية" الكبرى.

***

إن الظهور السريع لشخصية الحجاج الثقفي على مسرح الزمن السياسي للأموية وانهياره المريع أمام التاريخ الروحي للكينونة العربية الثقافية يعكس أولا وقبل كل شيء طبيعة الانقلاب الحاد والعاصف من الخلافة إلى الملك (الملوكية)، أي من إمبراطورية الدولة الإسلامية الى إمبراطورية السلطة القبلية. وقد لازم هذا التناقض الأموية واستحكم في أعماقها حتى النهاية. وهي نهاية كانت محكومة ببدايتها. فقد كانت الأموية النموذج الصارخ لافتعال الفتنة والعيش بمعاييرها. من هنا صراخها الداخلي الذي جعل الحياة وما فيها ولولة وعويل. مما طبع كل مظاهر حياتها بابتسامة الموت الشاحبة. مع ما يترتب عليه من سيادة القلق الداخلي وتناثره المرعب في الأعصاب والأنساب!

فقد كانت الأموية النموذج التاريخي للحالة التي تحوّل فيها القلق إلى سيد المواقف. وليست هذه الحالة معزولة عن سيادة زمن السلطة. وفيها يمكن رؤية الصعود السريع والهبوط المريع، لأنهما كلاهما من هوية واحدة، هي هوية الزمن العابر، وانعدام التراكم الطبيعي. وقد استمدت هذه الحالة مقوماتها وآلية فعلها من طبيعة وكيفية الصعود الأموي للسلطة، مما جعل من السلطة بداية ونهاية الوجود الفعلي لكل شيء.

ومن مفارقات التاريخ الغريبة أن يكون مولد الحجاج بن يوسف الثقفي عام 41، أي في "عام الجماعة"! فمن الناحية الفعلية لم يعن "عام الجماعة" سوى تتويج "الإجماع" بخيانة مضمونه الحقوقي. وهو المعنى الذي اخمد كل الاحتمالات الرمزية للوفاق الاجتماعي الحر بوصفه توفيقا للعقل والوجدان. كما أنها المقدمة التي جعلت من فكرة "الجماعة الإسلامية" فكرة عبودية، بوصفها الصيغة اللاهوتية لفكرة الاستبداد السياسي المميزة للأموية. وفيها ينبغي البحث عن مصادر الإرهاب الشامل الذي ميز شخصية الحجاج وعبوديته التامة للسلطة الأموية. مما جعل منه سبيكة لا مثيل لها في تمثيل الاستبداد. مع ما ترتب عليه من انتهاك شامل لفكرة الحق والحقوق والإنسانية. بمعنى تجسيده لفكرة المسخ والممسوخ الثقافية التي تجعل من الإعدام أسلوب الوجود الحق! وليس مصادفة أن تكون عقوبة الصبر (الإعدام) هي الأكثر قربا إلى نفسية وذهنية الحجاج الغريزي! حيث تشترك المعطيات التاريخية في إبراز الكمية الهائلة من البشر الذين تعرضوا إلى عقوبة الإعدام، إضافة الى عدد السجناء والمشردين والمنفيين والمجبرين على التنقل والهرب والإقامة الجبرية. ويوصل بعض المؤرخين عدد من أعدمهم أبان حكمه للعراق والمشرق الى مائة وعشرين ألفاً. إضافة الى خمسين ألفا ممن توفي في السجون1 .

وقد استخدم الحجاج أساسا أسلوب القتل السريع بقطع الرقاب. لكنه استعمل أيضا كل ما وصلت إليه قريحته وخياله المريض، بما في ذلك مختلف أساليب التعذيب. ومن تتبع مختلف أساليبه التي تشير اليها كتب التاريخ يمكن التوصل إلى "استفادته" من تجارب الدول والأمم جميعا. بحيث جعل أحيانا من التعذيب أسلوبا للترفيه و"الكرم" المريض كما نراه على سبيل المثال في القصة المروية عن استعمال الحيوانات الضارية في تنفيذ عقوبة الموت. حيث أطلق على لص أسد جائع بعد أن شد يد اللص اليمنى وأعطاه السيف ليمسكه بيده الأخرى (وهي أيضا طريقة للتعذيب والترهيب، باعتبار اليمنى اليد العملية، أما اليد الأخرى فهي مجرد اضافية!). وقد تمكن اللص من قتل الأسد، مما دفع الحجاج للإفراج عنه. وهو إفراج لا علاقة له بفكرة الحق. ومن ثم لم يكن الحق والحقوق بالنسبة للحجاج (والأموية عموما) سوى القصاص المقرون بالرغبة الفردية للحاكم. وهو واقع يعطي لنا إمكانية القول، بأنه لم توجد في الفترة الأموية فكرة إسلامية عن الحق والحقوق، باستثناء مرحلة عمر بن عبد العزيز. بل أن انعدامها اللاحق هو استمرار للأموية التي بذرت بذورها الأولى العفانية (من عثمان بن عفان).

وتمم ذلك بسلسلة من الإجراءات القمعية التي صنعت أحد أشد وأعنف النظم القمعية والإرهابية في التاريخ العراقي. إذ ربط في كل واحد أساليب القتل والتعذيب والقمع والإكراه. بحيث لم يرحم حتى الأطفال والعجائز والشيوخ2 . وجعل من مدينة واسط عاصمته من تحدي المعارضة. بحيث جعل الدخول إليها تحت رقابة أمنية مشددة. بمعنى الدخول إليها بموافقة رسمية!

لم تكن شخصية الحجاج القمعية فريدة من نوعها بقدر ما أن نموذجيتها تقوم في "تهذيب" منظومة الإرهاب والقمع إلى أقصى درجاتها الممكنة وتقديمها على أنها الصيغة المثلى لفكرة الدولة والأمة والدين. الأمر الذي "حرره" من كل التزام أخلاقي وقانوني. وضمن هذا السياق كان الحجاج التجسيد التام للرغبة الأموية الدفينة، أي للصيغة المطلوبة من جانب "الارستقراطية" القرشية التي وجدت في الحجاج الثقفي مهمة "تثقيفها"!، أي جعلها أكثر حدة في قدرتها على العقاب الشامل والقتل الكيفي. إذ نراه يدفع أساليب من سبقوه، وبالأخص زياد بن أبيه إلى ذروتها، بما في ذلك أساليبه الأخرى مثل تتبع ومعاقبة أهل المعارضين وأقربائهم وغيرها من الأساليب.

لقد جعل الحجاج من العراق سجنا كبيرا لأهله. وصمم كل ما من شأنه تفعيل طاقة وأساليب السجن الكيفي والأحكام العرفية، بحيث أوصل البعض عدد السجناء الذين خرجوا منه بعد موته الى ثمانين ألفا، ثلاثين منهم من النساء. وجعل من الجماعات أفرادا مجزأة. ودفع بالتجزئة الظاهرية صوب استكمالها الباطني من خلال تحويل السخرة الى "نظام" مقبول، أي جعل من السلطة مالكة "البلاد والعباد"، كما نراه على سبيل المثال في جعله السخرة أسلوبا في تنفيذ مشاريعه "العمرانية".

لم يكتف الحجاج بتحويل العراق الى سجن، بل وانهمك في بناء السجون الكبيرة. وتنقل كتب التاريخ عنه بناءه لأحد اكبر السجون في الكوفة، بحيث جعله بدون سقوف وغرف. ومن ثم تحويله الى مكدس للسجناء. وقد اختلفت روايات المؤرخين للأعداد التي خرجت منه بعد موته، إلا أنها تجمع على أن عددهم لم يقل عن عشرين ألف سجين. بينما يوصله البعض الى مائة وعشرين ألفا، بما في ذلك أعداد كبيرة من النساء. ومهما يكن من العدد المشار إليه أعلاه إلا انه يعكس حجم ونوعية الإرهاب والقمع الذي مارسه الحجاج. وقد يكون هناك بعض التهويل في العدد، وبالأخص تجاه النساء، إلا أنها معطيات لا تتعارض من حيث الرؤية النقدية لممارسة الحجاج مع الواقع. فقد وسع الحجاج مختلف أساليب الإبادة الجماعية التي اتبعها زياد بن أبيه، بما في ذلك قتل وإعدام النساء.

ويمكن اعتبار الحجاج الثقفي من بين اوائل من فكر واهتم ونفذ أساليب السيطرة الشاملة التي تقترب مما ندعوه اليوم بالنزعة التوتاليتارية في الحكم. ووجد ذلك تعبيره في وضعه لقواعد الحياة العامة والخاصة، أي التدخل في شئون المجتمع والأفراد بالشكل الذي يحيّد أية إمكانية لتجميع القوى والمعارضة. لهذا نراه يمنع التجمهر. بل بلغ به الأمر انه كان يمنع الناس من الركوب مترادفين، وألزم كل رجل أن يركب وحده. وبلغ به الاستهتار حدا بحيث اخذ يفرض عيش الجنود عند العائلات بدلاً من عيشهم في ثكنات ومعسكرات خاصة بهم.

أما ما يسمى بمشاريعه العمرانية، فإنها لم تكن في الواقع سوى أحد أساليب تشديد القمع، الامر الذي نراه في خرابها السريع وتدميرها لفكرة العمران والاقتصاد. وذلك لأن مشاريعه "العمرانية" كانت مجرد أدوات ومسامير في جهاز القمع والإرهاب المنظم. وهو السبب القائم وراء أساليب السخرة في "البناء". فالسخرة إرهاب. وفي الحصيلة لا تفعل إلا على تخريب الروح والجسد الاجتماعي والاقتصادي. وليس مصادفة أن تؤدي أساليبه في تسخير الفلاحين (النبط بشكل خاص) إلى تخريب الزراعة والري. بحيث انخفض الإنتاج الزراعي إلى درجات مريعة في حكم الحجاج. والتعويض الوحيد كان يجري عبر "الفتوحات" أي الغزو المنظم للخارج. وهي المفارقة التي يمكن رؤيتها في الجدل الفكري والسياسي بين قواد الجيش والمعارضة التي اكتملت لاحقا في تمرد ابن الأشعث3 .(يتبع.....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

1- المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي: مروج الذهب و معادن الجوهر، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1991، ج3، ص187.

2- الأبشيهي، شهاب الدين محمد بن أحمد: المستطرف في كلّ فنٍ مستظرف، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1989م، ج1، ص82-83.

3- مقارنة سريعة: إننا نعثر في شخصية صدام حسين على ما يمكن دعوته بتناسخ الأرواح. فقد استعمل نفس أساليب الحجاج في قمع المعارضة، وقتل وسجن وتهجير الملايين، وجفف الاهوار، ودمر الزراعة، وانهارت كل مشاريعه "العمرانية" و"خططه الانفجارية"، التي فجّرت العراق من الداخل. لقد أراد صدام، شأن الحجاج، تعويض خسائره الاقتصادية المريعة باحتلال الكويت للتعويض عنها. غير إن صدام ليس الحجاج، كما انه ليس عامل إمبراطورية كبرى في بداية قوتها الصاعدة. مما يبرهن مرة أخرى على الخلاف بين النسخة الاصل والمقلدة. فالأخيرة تبقى، مهما سعى صاحبها لتلوينها، مجرد نسخة باهتة. لأنها بلا معاناة! وكما أدى سلوكه الإرهابي والقمعي إلى ثورات وتمرد في العراق لم ينته إلا بانتهاء الأموية وإزالة آثارها ومحوها من الواقع والذاكرة العراقية، كذلك الحال بالنسبة لصدام. فقد تحول الى "هدّام"، واخيرا جرى نسف قبره بحيث لم بيق له أثر في العراق غير ذاكرة تمقت كل ما فيه.

***

 

ميثم الجنابيلقد تبلورت شخصية داوود الطائي (ت-165 للهجرة) بين عوالم اليأس والرجاء، أي بين ضغط العالم الواقعي المليء بالرذيلة الباعثة على التخلي عما فيه، بوصفها الحالة الملازمة للقلوب النقية والوجدان العارم. لكن السقوط في اليأس هو عين الاندثار الخائب، اي الفاقد للمعنى. كما انه يتعارض مع احد الأفكار والمبادئ الجوهرية للإسلام المعارضة لليأس والقنوط. فاليأس والقنوط ضروريان لتهذيب الإرادة وما دعته الصوفية بانتصاب القلب في طلب الحق. ولا يمكن بلوغ ذلك دون الرجاء أو الأمل المتنور بأضواء الحقيقة، والذي نعثر عليه في إحدى العبارات الجميلة والعميقة التي قال بها داوود الطائي:"اليأس سبيل أعمالنا هذه، لكن القلوب تحّن إلى الرجاء".وما بينهما تكاملت شخصيته وفردانية مساره الفكري والروحي.

ولد داوود بن نصير الطائي في الكوفة. ثم رحل إلى بغداد وأخذ عن علماء وفقهاء عصره بمن فيهم أبو حنيفة النعمان. غير ان تأثره الأكبر كان بزهاد عصره مثل الحسن البصري ومتصوفة زمانه كإبراهيم بن ادهم. وبعد عودته إلى الكوفة اعتزل الناس واختلى بمكابداته ومعاناة إشكاليات عصره بمعايير الروح. واحتل، شأن كل متصوفة زمانه، موقعه المناسب لصيرورة وتكامل الفكرة الصوفية. وما وراءها كانت تتراكم أيضا مختلف الصور والانطباعات التي أضفت عليه هالة من السمو الأخلاقي والرفعة المعرفية. فقد قال عنه احد أقرانه:"لو كان داوود في الأمم الماضية لقص الله شيئاً من خبره". كما كان سفيان الثوري يعظمه ويقول "أبصر داوود أمره". بينما قال عنه ابن المبارك" هل الأمر إلا ما كان عليه داوود!". بينما حصر سفيان بن عيينة شخصيته بوصفه أول "من جمع بين العلم والعمل". وقال عنه بهذا الصدد "كان داوود ممن فقه ثم علم ثم عمل ثم أقبل على العبادة، وتخلى ولزم الصمت". بينما يورد بن السماك هذه المحارة التي جرت مرة بينهما، اذ قال له ابن السماك:

- لو جالست الناس!

- إنما أنت بين اثنين، بين صغير لا يوقرك، وبين كبير يحصي عليك عيوبك. إنما الزاهد من قدر فترك.

في حين وصفه أبو نعيم الأصفهاني بعبارة ظاهرية تقول :"رأيت داود الطائي وكان من أفصح الناس وأعلمهم بالعربية. يلبس قلنسوة طويلة سوداء"، أما شخصيته الباطنة فوضعها بالعبارة التالية: "أبصر معتبرا، وسبق مبتدرا، وتشمر منتصبا، وانتظر مرتقبا"، و"أفناه الفرق وألهاه القلق". الأمر الذي جعله، شأن اغلب المتصوفة، إشكالية بأثر الخلاف النوعي الذي حققه بذاته لذاته عما هو حوله. وقد أجاد ابن السماك في تصوير هذا الجانب بعباراته القائلة:"إن داوود نظر بقلبه إلى ما بين يديه فأعشى بصر قلبه بصر العيون. فهو يبصر ما تبصرون، وهو لا يبصر ما تنظرون إليه. تتعجبون منه وهو يتعجب منكم". "كان حيا وسط موتى"، و"كل ما كان يقوم به في الظاهر هو على عكس ما يظنه الآخرين".

يعكس هذا الخلاف الظاهري لداوود الطائي عمن حوله جوهر الخلاف الباطني عما هو ظاهر في كل من الرؤية والموقف والحياة. وجوهر الخلاف لا يقوم في التعارض والاختلاف بينهما بقدر ما يقوم في تكامل الوجود الصوفي بالوجد الصوفي، اي تكامل النفس عبر نفيها بمعايير النفي الصوفي، أو التكامل الذاتي بمعايير الوجد الصافي. وقد كانت الخلوة أو الانعزال الصوفي هو طريق البداية أو توبة الأبد التي تجعل من مهمة التركيز الذاتي أسلوب تكامل الشخصية بمعايير العلم والعمل. فهو من بين الأوائل الذين أسسوا لسلوك الخلوة بوصفها انتقالا من العلم النظري إلى العلم العملي. وضمن هذا السياق يمكن فهم سلوكه عندما توصل إلى حقيقة الإدراك الذاتي لماهية العلم والمعرفة بوصفهما طريقا للعمل. فعندما بلغ هذه المقام المعرفي دفعه صوب الاجتهاد الذاتي بوصفه حالا جوهريا. من هنا يمكن فهم موقفه عندما رمى كتبه في نهر الفرات بعد رجوعه إلى الكوفة. فهو سلوك الاجتهاد الحر، اي المتحرر من بطون ومتون الكتب عبر وضعها على محك السلوك الفردي، أو وضع السلوك الفردي على محك الحقيقة. فعندما يبلغ المرء الحد الضروري من المعرفة، فان البقية عمل لا غير. والعمل هنا هو علم ولكن من طراز آخر، يبدأ بالخلوة وينتهي بحال الحرية الأبدية. من هنا قوله "كفى باليقين زهدا، وكفى بالعلم عبادة، وكفى بالعبادة شغلا".

اذ للخلوة العلمية أثرها الخاص في التأمل العميق، بحيث نرى انعكاسها في كل أحواله وموقفه. فعندما قال احدهم له:

- يا أبا سليمان ألا تسرح لحيتك؟ فأجابه

- أنا عنها مشغول!

ووصف محمد بن الحسن التقاءه بداوود الطائي قالا:"أتيت داوود الطائي لأسلم عليه، فقعدت على باب الحجرة، وقلت له:

- أنت وحدك هاهنا رحمك الله؟ فأجابه:

- رحمك الله وهل أنس اليوم إلا في الوحدة والانفراد؟!".

وعندما قيل له مرة في الوحشة، أجاب:"حالت وحشة القبر بيني وبين وحشة الدنيا". وتوصل بأثر هذه الممارسة إلى القول:"توحش من الدنيا كما تتوحش من السباع"، وان يطالب في موقف آخر قائلا:"فر من الناس فرارك من السبع، فإنه ما خالط الناس أحد إلا نسي العهد". ومن هنا أيضا قوله "صم الدنيا واجعل الفطر موتك. واجتنب الناس غير تارك لجماعتهم"[1]، أو أن يختتم كل هذه المعاناة الجوهرية للأنا المتصيرة بمعايير الحق بفكرة تقول "اجعل الدنيا كيوم صمته ثم أفطر على الموت". ووجد ذلك انعكاسه في تلك اللحظة التي صورها ابن السماك عندما صوف حالة داود الطائي في موته قائلا:"وجدنه في بيته على التراب وتحت رأسه لبنة[2]. وهي الصورة التي أيدها عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي في شهادته على حال داوود الطائي في موته قائلا:"دخلت على داود الطائي في مرضه الذي مات فيه وليس في بيته إلا دن يكون فيه خبز يابس، ومطهرة، ولبنة كبيرة على التراب يجعلها وسادة وهي مخدته".

لقد كانت حالة موته الخاتمة المتجانسة لدخول الطريق والخروج منه. فقد قيل عن إن سبب دخوله التصوف هو انه سمع امرأة تنوح، إي سماع الوجد الخالص للوجدان برنينه على أوتار عالمه الروحي الآخذ في التصّير، بوصفه طريقه الخاص في بلوغ الحق. فقد كان التجرد عن رق الاغيار، كما تقول المتصوفة، هو أسلوب كل من يدخل طريق الحق. كما انه أسلوب لا صغيرة فيه ولا كبيرة، بمعنى مساواة الكل بالكل. وهي الذروة الروحية والأخلاقية التي ينبغي أن تذلل كل جوانح النفس الهائجة من اجل الهدوء في حضن الحق. فهي السكينة الوحيدة القادرة على شحذ الوجدان بغليان الروح الباحث عن المعنى. فعندما دخل عليه مرة محمد بن بشر، فوجده يأكل الخبز بدون ملح، فقال له:

- لو أكلته بملح!

- إن نفسي لتدعوني إلى الملح منذ سنة! ولا ذاق داود ملحا ما دام في الدنيا![3]

ومن المعروف عنه انه كان يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز. فقيل له في ذلك فأجاب:"بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية"[4]. بينما ينقل لنا أبو حنيفة عنه هذه الحادثة الطريفة. فقد قالت مولاة له:

- يا داوود! لو طبخت لك دسمًا

- افعلي!

فطبخت له شحمًا ثم جاءته به، فقال لها:

- ما فعل أيتام بني فلان؟

- على حالهم!

- اذهبي به إليهم!

- فديتك إنما تأكل هذا الخبز بالماء.

- إني إذا أكلته كان في الحش، وإذا أكله هؤلاء الأيتام كان عند الله مذخورًا.

وقد وصف أبو سليمان الداراني الحالة العامة لداوود الطائي قائلا: ورث داوود من أمه دارًا فكان ينتقل في بيوت الدار كلما تخرّب بيت من الدار انتقل منه إلى آخر ولم يعمره حتى أتى على عامة بيوت الدار. كما ورث من أبيه دنانير فكان يتقوت بها حتى كُفّن بآخرها. وليس مصادفة ان يرد يوما على رجل دخل عليه فقال له:

- إن في سقف بيتك جذع مكسورا

- ابن أخي! أنا لي في البيت منذ عشرين سنة ما نظرت إلى السقف[5].

إننا نقف هنا أمام إحدى الصيغ النموذجية لتربية الإرادة وتقويمها بمعايير الروح الأخلاقي، والتأمل العملي لمعنى الوجود الفردي والعام من اجل بلورة نوعية الهموم العميقة والالتزام بنتائجها. من هنا قوله "لو أملت أن أعيش شهرا لرأيتني قد أتيت عظيما. وكيف أؤمل ذلك وأرى الفجائع تغشى الخلائق في ساعات الليل والنهار؟[6]. وبالتالي، فإن "من خاف الوعيد قصر عليه البعيد، ومن طال أمله ضعف عمله. وكل ما هو آت قريب...". وضمن هذا السياق يمكن فهم معنى وحقيقة قوله "إن أهل الدنيا جميعا من أهل القبور". وإن الإنسان الحق هو الذي يتحرر من ذل المعاصي، أي ذاك الذي تتكامل فيه حقيقة المعنى الأخلاقي للوجود، كما في قوله "ما أخرج الله عبدا مِن ذلّ المعاصي إلى عزّ التقوى إلاّ أغناه بلا مال، وأعزّه بلا عشيرة، وآنسه بلا بَشَر". وهو المعنى الباطن ومن ثم الحقيقي الذي تتكامل فيه الشخصية الصوفية، أي تلك التي بلورت التقاليد الصوفية حدودها في الفكرة القائلة، بأن حقيقة التصوف ومن ثم المتصوف تقوم في بذل الروح. من هنا قول داوود الطائي عن أن سيماء المرء ليس في وجهه بل في عمله وسرّه. الأمر الذي يستلزم منه دوما أن "لا يحسد الأخيار ولا يعيب الأشرار، ولا يقبل من السلطان عطية ولا من الأمراء هدية"[7].

إن هذا التجرد المتسامي يعكس ما يمكن دعوته بوحدة الخوف والرجاء أو التحدي والأمل.ووضع داوود الطائي هذه العلاقة الكامنة في صيرورته الصوفية بعبارة تقل الذاتية "اليأس سبيل أعمالنا، ولكن القلوب تحن إلى الرجاء"[8]. وحددت هذه الوحدة المتناقضة، أو بصورة أدق هذه الوحدة الحية للمتناقضات الأفكار الجوهرية التي ادخلها للتصوف وهي كل من فكرة العلم والعمل، وفكرة القلب المهموم، وفكرة الأحوال ووحدتها.

فقد شكلت فكرة العلم والعمل المقدمة الجوهرية للطريق الصوفي والفكرة الصوفية بشكل عام. وبالنسبة لداوود الطائي فقد تراكمت في مجرى التأمل النظري والأخلاقي للمعرفة. اذ أدت به التجربة العقلية التي بلورها اهتمامه الأول بالفقه والكلام وعلوم اللغة والأدب إلى ما أعتقده ذروة المعرفة، بمعنى إدراك الحد الضروري الفاصل بين كمية العلوم والمعارف وحقيقة المعرفة بوصفها تحقيقا للحقيقة. وتوصل في مجرى تجربته الفردية إلى ان حقيقة العلم هي عمل، وحقيقة العمل هي علم. الأمر الذي دفعه في أول أحواله العميقة بهذا الصدد بعد رجوعه إلى الكوفة ان يجمع كتبه ويرميها في نهر الفرات. بمعنى الوقوف عند الحد الضروري الذي يستلزم تحويل العلم إلى عمل. فعندما سأله مرة احد الأشخاص عن مسألة، أجابه: "أليس المحارب إذا أراد أن يلقى الحرب أليس يجمع له آلته؟ فإذا أفنى عمره في جمع الآلة فمتى يحارب؟ إن العلم آلة العمل، فإذا أفنى عمره فيه فمتى يعمل؟!". ولا يعني ذلك بالنسبة لحال داوود الطائي سوى الانتقال من تقاليد العقل النظري إلى العقل العملي المهموم بمعايير القلب الزاهد والمتلون بأشعة التصوف. من هنا صعود فكرة القلب والعمل بها، أو ما أسميته بمرجعية القلب المهموم. ووجد ذلك انعكاسه في الأقوال والأعمال والمواقف الحياتية. اذ ينقل عنه كون بيته كان دارا واسعة خربة، بلا باب. وعندما قيل له:

- أنت في دار وحشة. فلو اتخذت لبيتك بابا.

- حالت وحشة القبر بيني وبين وحشة الدنيا[9].

بينما نسمعه مرة يقول عن نفسه "كيف يتسلى من حزن، مم تتجدد عليه المصائب في كل وقت؟"[10]. وليست هذه العبارة سوى الصيغة المباشرة والمكثفة عن فكرة الهمّ الموحد، كما في قوله "اللهم همّك عّطل عليّ الهموم، وحال بيني وبين السهاد". وأن "كل نفس ترد إلى همتها، فمهموم بخير ومهموم بشرّ". وبالتالي، فان البديل الأسمى هنا هو العامل حسب قواعد الفكرة التي بلورها بعبارة تقول "ما اخرج الله عبدا من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه بلا مال، واعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس"[11]. وليس مصادفة ان تكون حياته الظاهرية كمية من الطرائف الرقيقة بمعايير القلب المهموم. اذ ينقل عنه، على سبيل المثال، انه في ليلة مقمرة تفكر فقام فمشى على السطح وهو شاخص حتى وقع في دار جاره. فوثب صاحب البيت عريانا من الفراش، فاخذ السيف ظنا انه لص. فلما رأى داوود رجع فلبس ثيابه ووضع السيف، واخذ بيده حتى رده إلى داره. وعندما قيل له بذلك، قال "ما دريت" أو "ما شعرت"[12]. ومن المعروف عنه انه ورث عن أمه أربعمائة درهم فمكث يتقوت بها ثلاثين عاما. فلما نفدت جعل يأخذ من سقف البيت ما يبيعه حتى بقي في نصف سقف[13]. وفي إحدى المرات شاهده شخص وهو بجبة مخرقة، فقال له:

- لو خطتها!

- أما علمت انه نهى عن فضول النظر؟![14]

وقال احدهم جئت إلى داود الطائي فسمعته يخاطب نفسه، فظننت أن عنده إنسانا يكلمه. فتوقفت طويلا، ثم استأذنت بالدخول عليه، فقال:

- ما بدا لك من الاستئذان علي؟

- سمعتك تتكلم فظننت أن عندك إنسانا تخاصمه!

- لا! ولكن كنت أخاصم نفسي[15]

و مرض مرة فقالوا له:

- لو خرجت إلى روح يفرح قلبك!

- إني لاستحي من ربي أن انقل قدمي إلى ما فيه راحة لبدني[16].

وعندما قال له مرة احد الأشخاص

- كيف تقرأ هذا الحرف؟ (فلما تراءى الجمعان) أو (ترى الجمعان)

- غير هذا انفع منه[17].

وعندما سأله شخص عن حديث نبوي فأجابه:"دعني! إنما أبادر خروج نفسي".

إن هذا التنوع في المواقف يعكس وحدة الهموم الداخلية أو ما أسميته بمرجعية القلب المهموم، الذي تتحول فيه كل مظاهر الوجود والموقف منها إلى جزء من تأمل الحقائق الكبرى والعيش بموجبها. الأمر الذي عادة ما يؤدي إلى الغربة الغريبة عما هو حوله رغم اندماجه الجوهري فيها. وهي الحالة التي عادة ما تلازم وجد ووجود كل أولئك "الغرباء" في السلوك الظاهر. مع ما يترتب عليه من اتهامهم بالخرافة والجنون. فقد قال البعض عنه "كنا في البداية نضحك منه، ونعتقد انه مجنون. فما مات حتى سادنا"[18].

لقد كان "جنون" الطائي هو عين اليقظة الباطنية بوصفها الأشعة المتلازمة شأن ألوان قوس قزح. وفي ألوان سلوكه تتوحد ما يمكن دعوته بالأنا المتكاملة بذاتها. وهذه بدورها مسار لا ينقطع ولا يتقطع من وحدة الأحوال التي بلور داوود الطائي معالمها النظرية الأولية، حما نراها في فكرته عن قهر النفس بأضدادها مثل قهر الكلام بالصمت، والشهوة بالخلوة، والتقليد بالتفكر. فقد كان داوود الطائي، كما ينقل عنه، شديد الانقباض يعالج نفسه بالصمت. وكان قبل ذلك كثير الكلام. فأخرجته تلك المعاملة إلى التفكر. وبالتفكر ملك نفسه. وبهذا يكون داوود الطائي من بين أوائل المتصوفة الذين أرسى أسس الصيغة أولية لفكرة الأحوال مثل الخوف والرجاء، وهموم القلب، والانهماك الدائم في الآن الدائم، أي فكرة الوقت بوصفه حالا، وكذلك فكرة بصيرة الاعتبار، أي الصيغة العقلانية الأخلاقية لفكرة الحدس.

وبهذا يكون قد استكمل ما هو مستعد له، بحيث تسامت شخصيته في المخيال الاجتماعي الى درجة قال بها احدهم: رأيت الليلة التي مات بها داوود الطائي نورا وملائكة صعودا، وملائكة نزولا. فقلت:

- أي ليلة هذه؟ (فسمع صوتا يجيبه)

- ليلة مات فيها داود الطائي! وقد زرفت الجنة لقدوم روحه[19].

فالأرواح المتسامية لكبار المتصوفة تبقى حية في جنة العوام و"جنون" الخواص، بوصفها السبيكة المحيرة والمثيرة للتأمل الحي والإبداع الحر.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص343.

[2] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص340.

[3][3] الغزالي: الإحياء، ج4، ص407.

[4] الغزالي: الإحياء، ج4، ص409.

[5] الغزالي: الإحياء، ج4، ص409.

[6] الغزالي: الإحياء، ج4، ص456.

[7] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص336.

[8] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص359.

[9] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص343.

[10] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص356.

[11] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص356.

[12] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص358.

[13] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص346.

[14] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص352.

[15] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص350.

[16] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص355.

[17] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص357.

[18] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص360.

[19] القشيري: الرسالة القشيرية في التصوف، ص178.

 

 

ميثم الجنابيالمواقف الاجتماعية والاخلاقية والسياسية

الموقف من السلطة والسلطان

إن المعيار الأكثر جوهرية في رؤية سفيان الثوري عن علاقة العلم بالعمل تبرز من خلال موقف العالم أو المثقف من السلطة والسلطان. وليس مصادفة أن تحتل أولوية نقد مرتزقة السلطة ومراقبة النفس والعمل بمعايير العلم وأحكامه والسير بها حتى النهاية، الأضلاع المكونة لهيكل فكرته بهذا الصدد. من هنا موقفه المتجانس في نقد ونبذ من أطلق عليهم كلمة "القراء"، التي تتماهى في نقده مع العالم الفاجر والمثقف المرتزق. بل نراه يطابق بينهم وبين مرتزقة السلطة. وكانت تلك إحدى الحالات التي ميزت عصره، بل كل العصور، بمعنى وجود من أسماهم قرّاء الله وقرّاء الشيطان، أو قرّاء الحق وقرّاء الباطل، قرّاء الفضيلة وقرّاء الرذيلة. لكن الصفة السلبية التي ميزت انطباعه بهذا الصدد تنبع أساسا من واقع المرحلة التي وصفها بعبارة: "قراء زماننا هذا لهم شره وليس لهم تقى". وفي معرض تقييمه لسلوكهم نسمعه يقول: "إذا رأيت القارئ يلوذ بباب السلطان فاعلم انه لص.. وإذا رأيته يلوذ بباب الأغنياء فاعلم انه مرائي". وفي هذا الوقف نعثر على واقع المرحلة التي جعلت القراء في الاغلب اما لصا او مرائيا. بل ونراه يندفع بهذا الاتجاه بالشكل الذي جعله يقول اذ لم يكن لله بالإنسان حاجة نبذه الى القراء. كما لو أن القارء هم مزبلة البشر! مما حدد موقفه الشخصي تجاههم للدرجة التي جعلته يقول "لأن اشتري من شاطر يتفّتى أحّب إليّ من أن اشتري من قارئ يتقّرأ". من هنا قوله أيضا "إياكم وصحبة القراء، وعليكم بصحبة الفتيان. ففي مواقفه هذه نعثر على إدراك خاص لأهمية القارئ (أو المثقف) بالنسبة للمجتمع والأخلاق والعلم. من هنا حكمه القائل: "لله قرّاء، وللشيطان قرّاء. وصنفان إذا صلحا صلح الناس، السلطان والقرّاء". بمعنى إدراكه للسبب الأساسي في خلل الوجود الإنساني ككل بكافة مجالاته ومستوياته. الأمر الذي يكشف بدوره عن إدراكه للأهمية القصوى لوحدة العلم والعمل، بوصفها محك ومعيار الحق والحقيقة. وقد حقق ذلك أولا وقبل كل شيء في ذاته لذاته.

فقد كانت حياة سفيان الثوري حلقات مستمرة من المواجهة الحية بمختلف اشكالها مع السلطة. لهذا كان البعض يسال عنه بالطريقة التالية "ما فعل الذي بالعراق؟ الذي يجفو على الامراء". بحيث تحولت حياته الى هروب واختفاء دائم منها ونقد لاذع يصل الى حد القطيعة المطلقة معها. فمن الناحية الفعلية لا يعني الهروب من السلطة ومواجهتها في الخفاء على مستوى السلوك الشخصي سوى عدم الاعتراف بشرعيتها. فالموقف النقدي الشامل من السلطة، والابتعاد عنها بكافة الطرق والسبل هو محك ودليل وبرهان على حقيقة الشخصية الباطنة. وبالتالي، فإن اختفاء أو هروب أو تجنب رجال الفقه الاسلامي الاوائل العظام من السلطة، والذي اكثر من جسّده وحققه سفيان الثوري، يعادل الاقرار بعدم شرعيتها. ووجدت الصيغة العامة والأولية والدقيقة لهذه النتيجة تعبيرها في تباين وتناقض وتعارض فكرة الملوكية وفكرة الخلافة. من هنا قوله عنه ان الائمة خمسة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز. وبالتالي، فإن كل من غيرهم بالنسبة لسفيان الثوري ليس إماما يتبع.

أما العلاقة بين سفيان الثوري والسلطة فقد اتسمت بما يمكن دعوته بالوقوف على حافة الهاوية. وبالتالي كانت تحتوي على عناصر الرهبة والخوف وحالة التعلق الدائم امام هوة الموت وعيون الملاك والشيطاين الشاخصة الى ما فيه. وتتكشف في هذه العلاقة معالم الشخصية السياسية والروحية لسفيان الثوري، بوصفها شخصية متمردة ولكن بمعايير الروح المعرفي والاخلاقي. الامر الذي جعل من حياته وحتى ماته "محنة" دائمة له وللسلطة على السواء. ولا تؤثر على هذه العلاقة كون الثوري لم يكن من دعاة الخروج بالقوة او السيف على السلطة. بل على العكس، كان يقف بالضد من اثار الفتنة المترتبة على الصراع الدموي المسلح. بعبارة اخرى، لقد كان روح التمرد فيه مبنيا على اساس الاصلاح الروحي والاخلاقي والعلمي.

لقد أسس سفيان الثوري لفكرة التمرد السلمي ضد السلطة، والمبنية على فكرة السمو الاخلاقي والعلمي الفردي والعام. وظل متجانسا في موقفه هذا حتى النهاية. فعندما سأله يوسف بن أسباط مرة

- معاملة الأمراء أحبُّ إليك أم غيرهم؟

- معاملة اليهود والنصارى أحبّ إليّ من معاملة هؤلاء.

لهذا نراه يقول "النظر إلى وجه الظالم خطيئة". من هنا مطالبة الناس قائلا: لا تنظروا إلى الأئمة المضلين إلا بإنكار من قلوبكم عليهم لئلا تحبط أعمالكم". واستكملها بموقف آخر يقول " لا تنظروا إلى دورهم ولا إليهم إذا مرُّوا على المراكب". واتمّ مواقفه هذه بحكم جازم يقول "القبول مما في أيديهم من استحلال المحارم، والتبّسم في وجوههم علامة الرضا بفعالهم، وإدمان النظر إليهم يميت القلب، من رأى منكم خرقةً سوداء فليدُّسها ولا يمسَّها مسَّاً". والمقصود بالخرقة السوداء هو راية العباسيين. بعبارة أخرى، لقد وجد في السلطة الظالمة والجائرة مصدر الحرام وتشويه الروح والعقل والقلب، أي التشويه الكامل للمرء. وليس مصادفة ان يطالب ابو جعفر المنصور بصلبه حال رؤيته والقبض عليه. وعندما وصل هذا الخبر اليه، بعد وصول الخشّابة والنجَّارون ونصبهم الخشب، عندها نادوا عليه للمثول. وقد كان آنذاك، حسب الروايات، متمددا رأسه في حجر الفضيل بن عياض، اما رجلاه ففي حجر ابن عيينة. عندها قالوا له: يا أبا عبد الله! اتق الله! لا تشمِّتْ بنا الأعداء! أي طالبوه بمواجهة الحالة كما هي. غير ان القدر شاء ان يعيش باثر موت ابو جعفر المنصور قبل دوله مكة. وعندما اعلموه بالخبر فانه لم يقبل شيئا. لقد تعامل مع الحدث تعامله مع تحقيق ما ينبغي تحقيقه من حقائق متراكمة في اعماقه عن مواجهة الجور والظلم بقوة الإرادة المتسامية.

ومع إن الخليفة المهدي، ابن ابي جعفر المنصور، اختلف عن سلوك أبيه في الظاهر، واتبع أساليب جديدة في استمالة أهل العلم، إلا أن سفيان ظل على وقفه. وتروي الحكايات التاريخية كيف أن المهدي طلبه عندما كان في مكة، لكن سفيان استطاع الخروج منها والذهاب سرا إلى البصرة بتواطؤ مع عامل الخلافة في مكة آنذاك محمد بن إبراهيم ابن أخي المنصور نفسه، الذي أراد انقاذ سفيان الثوري في حال عدم رغبته لاستجابة طلب الخليفة المهدي. واستمر تنقله واختفائه إلى أن اضطر في نهاية المطاف للذهاب إلى بغداد. وعندما دخل سفيان الثوري على الخليفة خلع المهدي خاتمه ورمى به إليه قائلا:

- يا أبا عبد الله هذا خاتمي فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنّة! فأخذ الثوري الخاتم بيده وقال:

- تأذن في الكلام يا أمير المؤمنين؟

- نعم

- أتكلم على أني آمن؟

- نعم

- لا تبعث إلىّ حتى آتيك، ولا تعطني شيئا حتى أسألك! فغضب من ذلك وهمّ بقتله، حينذاك قال له كاتبه

- أليس قد أمنته يا أمير المؤمنين؟

- بلى!

فلما خرج حفّ به أصحابه فقالوا له "ما منعك يا أبا عبد الله وقد أمرك أن تعمل بالكتاب والسنّة؟"، فقال "استصغر عقولهم"، كما تقول الروايات. بعدها هرب من جديد إلى البصرة. وتنقل لنا بعض الروايات حادثة أخرى تحتوي على حوار مع الخليفة المهدي حول الحج وتكاليفه. فقد وجه سؤاله للخليفة المهدي قائلا:

- كم انفقت في حجتك؟

- لا أدري.

- ولكن عمر بن الخطاب يدري. انفق ستة عشر دينارا فاستكثرها.

لقد كان سفيان الثوري يدرك طبيعة وحقيقة الملك والسلطان المتلبّس بلباس الخلافة. إذ كانت آراءه ومواقفه واحكامه وسلوكه تجاههم مبنية على أساس تأمل الواقع والتجربة التاريخية للخلافة ككل. ولعل سر هروبه من مركز الخلافة والخليفة الذي أراد أن يقلّده مهمة "قاضي الأمة" يكمن فيما توصل إليه بهذا الصدد عندما قال: "لم أر للسلطان إلا مثلا ضرب على لسان ثعلب عندما قال: "عرفت للكلب نيفا وسبعين دستان ليس دستان خير من أن لا أرى الكلب ولا يراني". بينما نراه يضع مواقفه من السلطة ومهمة الابتعاد عنها في عدد من الآراء الجريئة، مثل قوله: "إياك والامراء أن تدنوا منهم وتخالطهم في شيء من الأشياء. إياك أن تخدع فيقال ملك تشّفع وتدرأ عن مظلوم.... إنما ذلك خديعة ابليس. وانما اتخذها فجّار القرّاء سلمّا. وكان يقال اتقوا فتنة العابد الجاهل والعالم الفاجر. فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون". بل ونراه يدفع هذه الفكر إلى اقصى مدى لها في إحدى نصائحه قائلا: "إياك وأبواب السلطان، وأبواب من يأتي أبوابهم، وأبواب من يهوى أبوابهم... إنهم لا يخالطون أحدا إلا دنّسوه". وعندما ذكروا السلطان مرة أمامه قال: "لو أكلوا الذهب لأكلنا الحصا"، واختتم هذا الموقف بنصيحة عامة يقول فيها "إياك والأهواء، إياك والخصومة، إياك والسلطان". بحيث نراه احيانا يغلو فيما كل ما له علاقة بالسلطة، كما هو الحال في موقفه من الشرطة، بوصفها ذراعها الخشن. إذ ينقل عنه أحدهم قائلا: كنت ليلة مع سفيان الثوري، فرأى نارا من بعيد، فقال

- ما هذا؟

- نار صاحب الشرطة

- اذهب بنا في طريق آخر. لا نستضيئ بنارهم.

بينما يروي آخر الحادثة التالية: "كنت مع سفيان فمررنا بشرطي نائم، وقد كان موعد الصلاة، فأردت إيقاظه، فنهرني سفيان. وعندما قلت له "يصلي". اجابني "دعه! لا صلى الله عليه. فما استراح الناس حتى نام هذا". بينما خاطب أحد رفاقه قائلا: "إذا استرشدك أحدهم (من الشرطة) الطريق فلا نرشده!".

جعل سفيان الثوري من موقفه تجاه السلطة قضية شخصية. بمعنى تطابق البعد المجرد والملوس في مواقفه وأحكامه وآراءه من السلطة والسلطان. ولم يكن هذا التطابق نتاج لنزعة عندية ضيقة، بقدر ما كان مبينا على أساس فهمه لحقيقة الإسلام والسوك النبوي المحدي (السّنة). اذ لم تكن "السنّة" بالنسبة له سوى "الانتهاء عن الحرام والمظالم". بمعنى أنها ذات أبعاد اجتماعية وأخلاقية صرف. أما العقائد فيها فهي اجتهاد وظنون. إذ ربط الإمامة الشرعية بالعدل. ولهذا قال "أئمة العدل خمسة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز". ومن ثم فغيرهم لا يتسم بالعدل، وبالتالي ليس إماما شرعيا بالمعنى الدقيق للكلمة. وحقق ذلك في كيانه وكينونته. فقد "عرضوا عليه الدنيا، فنفر منها" ما يقال عنه. واعتبر حرية رجل العلم المقدمة الضرورية لكل قول وعمل. من هنا قوله "إن اقتصرت على خبزك وبقلك لم تستعبدك هؤلاء"، أي الملوك والأمراء والخلفاء وأمثالهم. لهذا نراه مرة يجمع كومة من الحصا ويتكأ عليها ثم خاطب صاحبه: "يا ابراهيم! هذا خير من أسّرتهم". بينما نسمعه يقول في موقف آخر "لو خيّرت بين ذهاب بصري وبين أن أملأ بصري منهم لاخترت ذهاب بصري". وعندما قالوا له مرة بأن السلطان يطلبه، اجابهم: "أترون إني أخاف هوانهم؟! انما أخاف كرامتهم". بمعنى إدراكه لخطورة "الكرم" و"الحفاوة" التي تعادل فعل الرشوة المبطنة والتحنيط الناعم للإرادة الحرة في القول والعمل. وهو سلوك مميز للائمة الجور وصغار العقل الذين كانوا يتماهون في موقف تقييم سفيان الثوري مع المخصيين. من هنا قوله الشهير: "هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان". ومن هنا أيضا وقفه الحاد منهم ودعوته مقاطعتهم في المعاشرة والكلام واللقاء والاكل والتبسم، باختصار في كل شيء، كما في دعوته القائلة: "إياك والظلم، وأن تكون عونا للظالم، وأن تصحبه أو تؤاكله أو تبتسم في وجه او تنال منه شيئا". بل نراه يعتبر "النظر الى وجه الظالم خطيئة". من ها مطالبته القوم بعبارة: "لا تنظروا الى الأئمة المضلين إلا بإنكار من قلوبكم عليهم لئلا تحبط أعمالكم".

وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى ما ينسب اليه على لسان شعيب بن حرب تحريفا محترفا من جانب "أهل السنّة والجماعة" أو السلطة العباسية. وكلاهما بهذه القضية كلّ واحد. إذ ينسب الى شعيب بن حرب قوله:

- قلت لسفيان الثوري حدّثني بحديث في السنّة ينفعني الله به فإذا وقفت بين يديه وسألني عنه قلت يا رب حدثني بهذا سفيان فأنجو أنا.

- اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، ومن قال غير هذا فهو كافر. والإيمان قول وعمل ونية، يزيد وينقص. وتقدمة الشيخين. يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتى ترى المسح على الخفين، وحتى ترى أن إخفاء بسم الله الرحمن الرحيم أفضل من الجهر بها، وحتى تؤمن بالقدر، وحتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد ماض إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جار أو عدل.

انا نقف هنا أمام صيغة تتميز بالزيف والكذب والتحريف الموضوع المميز لتقاليد "أهل السنّة والجماعة". وذلك لان الفكرة الاساسية الموضوعة هنا تقوم في محاولة جعل شخصية سفيان الثوري، وبالأخص ما يتعلق منها بالموقف من السلطة والسلطان تابعة ليس لمواقف "اهل السنة والجماعة" بل ومندمجة في قواعد عقائدها بهذا الصدد. فالقاعدة الاساسية لعقائد "اهل السنة والجماعة" تقوم في تأسيس فكرة الخضوع للسلطان العادل والجائر على السواء، ورفض الخروج والاعتراض على ائمة الجور والظلم والاستبداد، وقبول كل ما يقوم به والصبر عليه! بينما مواقف واراء وحياة وموت سفيان الثوري تتعارض مع هذه القاعدة العقائدية والفكرة السياسية تعارضا تاما ومطلقا. اما موقفه مما يسمى "بتقدمة الشيخين"، اي افضلية او أحقية المسار التاريخي الذي ينبغي الاقرار بخلافة ابو بكر وعمر على علي بن ابي طالب، فأنها لم تكن بالنسبة لسفيان الثوري قضية او قاعدة عقائدية. انها كانت جزءا من رؤيته السياسية والتاريخية التي لا تجد في الخلاف حول الوقائع التاريخية ضرورة وبالأخص حالما تكون جزء من صراع المذاهب. اما قضايا الخلق، والقدم في "كلام الله"، وتحديد ماهية وكمية الايمان فهي قضايا كلامية قابلة للاجتهاد، بمعنى انها خلافات لاهوتية واجتهادات نظرية مميزة للفرق الاسلامية آنذاك بشكل عام والكلام بشكل خاص. ومن ثم، فان اراءه بهذا الصدد واحدة من بين مئات، اضافة الى انها لا ترتقي الى مصاف المنظومات الكلامية العقلية الكبرى وبالأخص عند المعتزلة. كما ان طابعها الموضوع والمزيف، وبالأخص ما يتعلق بالجدل حول قضايا ما اذا كان "لام الله" قديما او مخلوقا، فأنها كانت محل خلاف محتد وصراع فكري وسياسي شديد في زمن الخليفة المأمون (170-218 للهجرة). بمعنى أنها حدثت بصيغتها التاريخية المعروفة بعد موت سفيان الثوري بتسع سنوات. ومن ثم لم يكن بإمكانه ان يكون طرفا آنذاك في الصراع ومؤيدا لهذا الاتجاه أو ذاك. إضافة لذلك ليس معروفا عن سفيان الثوري اشتراكه في جدل الفرق الكلامية وقضايا الاختلاف العقائدي. اما الآراء القليلة المعروفة عنه بصدد الصراع والأختلاف الفكري بين فرق الكلام آنذاك فقد كانت عنده ليست آراء كلامية بالمعنى الدقيق للكلمة، بقدر ما كانت من حيث وظيفتها وغايتها أخلاقية عملية. زمن الممكن رؤية ذلك على بعض الامثلة بهذا الصدد مثل نكرانه قول من يقول "العبادات ليست من الإيمان"، او رده على سؤال متعلق بقضية الأسماء والصفات (الالهية) عن معنى الآية (وهو معكم أين ما كنتم)، بكلمة "علمه". بمعنى معارضة التجسيد وتقاليد الحشوية. ومن ثم اقرب الى فكرة وأسلوب المعتزلة بهذا الصدد. وعندا سألوه مرة عن أحاديث الصفات (الالهية)، اجاب "أَمِرُّوها كما جاءت". بمعنى رفضه الجدل حول هذه القضايا باعتبارها قضايا ليست جوهرية بالنسبة لغاية الفكرة الإسلامية.

أما قضية "المسح على الخفين" وما شابهها فهي مجرد شعائر عبادية كانت تحتوي في أعماقها على خلافات سياسية أكثر مما هي أشكال معبّرة عن حقيقة الإيمان بالمعنى الإسلامي الأول (الأصلي والحقيقي). وذلك لسخفها العقلي والروحي بالنسبة لمبادئ الإسلام الكبرى وحقائق رؤيته للدين والإيمان.

أما الصلاة خلف الفاجر والصبر تحت لواء السلطان الجائر فهو جزء من إسلام بني سفيان وآل أمية. وكلاهما وجهان لابي لهب! ومن ثم يتنافى مع حقيقة الإسلام المحمدي من حيث الأصل والمبدأ والغاية. والشيء نفسه ينطبق على خلافة بين العباس. وعموما هي قضايا سياسية من حيث الجوهر، تحوّل الاسلام كدين وعقائد الفرق فيها إلى أمور جزئية وتافهة في أغلب جوانبها، وسقيمة من حيث مضمونها الأخلاقي والعملي. بحيث تحوّل الإسلام بأثر ذلك إلى استسلام للاستبداد وعبودية للخطأ والخطيئة. كل ذلك يشير إلى أن هذه "السنّة" من حيث أصولها التاريخية السياسية أموية وليست محمدية. وبالتالي تتعارض، كما أشرت أعلاه، مع حقيقة سفيان الثوري. فقد حدد الثوري ماهية وحقيقة "السنّة" بعبارة تقول: "السنّة هي الانتهاء عن الحرام والمظالم". اضافة لذلك إن كل ما في شخصيته وأقواله وأعماله المحققة لا تشير إلى ذلك ولا تحتوي عليها. فالمعروف عنه والمحقق فكرته وقوله وحكمه عن أن الأئمة خمسة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز. وبالتالي، فإن كل من غيرهم بالنسبة لسفيان الثوري ليس إماما يتبع ومن ثم لا يطاع. وحياته الشخصية، دعك عن كل ما قاله عن الأمراء والخلفاء من آراء ومواقف ترميهم في هاوية الرذيلة.

إن حقيقة الفكرة السياسية والاجتماعية والأخلاقية لسفيان الثوري تتعارض من حيث الجوهر والأسلوب والغاية عن تقاليد ما يسمى "بأهل السنّة والجماعة"، وبالأخص في تيارها الحنبلي. اذ تقف آراء بالضد منها حالما نقارنها على سبيل المثال مع ما سيقوله ابن القيم الجوزية عن أن "إمامة الدين بالصبر واليقين"، بينما اراد سفيان الثوري تأسيس الفكرة القائلة، "بأنه بالعقل والهمة تحُلُّ إمامة الأمة".

وحقق سفيان الثوري هذه الحصيلة الفكرية العميقة حول أهمية العقل والعمل بما فيه من اجل حلّ مشاكل الأمة بما يتوافق مع حقيقة الفكرة الإسلامية. ومن الممكن رؤية صداها في مواقفه الشخصية من مختلف مشاكل الوجود الاجتماعي والسياسي والأخلاقي للأمة.

المواقف الاجتماعية والاخلاقية

أهم ما يميز مواقف سفيان الثوري بصدد كافة القضايا والمشاكل التي واجهها في حياته تقوم فيما يمكن دعوته بالتشدد مع النفس، بمعنى تحقيق مبدأ الوحدة الحية والصارمة للعلم والعمل بكافة حذافيرها وبما يتوافق مع اجتهاده الشخصي الحر. من هنا تلازم مواقفه واحكامه احيانا مع متناقضات "حية" هي جزء من حالة الوجود الفعلي للخلافة آنذاك وعنف الصراع الفكري والسياسي والعقائدي والمذهبي الذي يجعل من الصعب سلوك الحياد الدائم أو "الاستقامة" المجردة. أذ جعل على نفسه ثلاثة اشياء وهي "ان لا يخدمه احد"، "وأن لا تطوى له ثوب"، "وأن لا يضع لبنة على لبنة". من هنا موقفه القائل "احذر سخط الله في ثلاث: احذر أن تقصر فيما أمرك، احذر أن يراك وأنت لا ترضى بما قسم لك، وأن تطلب شيئاً من الدنيا فلا تجده أن تسخط على ربك". كما نراه في مطالبته المرء قائلا: "عليك بقلة الأكل تملك سهر الليل، وعليك بالصوم فإنه يسد عليك باب الفجور ويفتح عليك باب العبادة، وعليك بقلة الكلام يلين قلبك، وعليك بالصمت تملك الورع". كما نرى انعكاس هذه الرؤية في المواقف العملية من مظاهر وحالات الحياة والعيش، مثل قوله "إذا زارك أخوك فلا تقل له أتأكل أو أقدم إليك؟ ولكن قدِّم، فإن أكل وإلا فارفع"، أو أن يقول "لا تصحب من يكرم عليك، فإن ساويته في النفقة أضرّ بك، وإن تفضّل عليك استذلك"، أو أن يقول "عليكم ما عليه الحمّالة والنساء في البيوت، والصبيان في الكتاب، من الإقرار والعمل".

نعثر في هذه المواقف الجزئية والعابرة لحد ما والمبسطة في مظهرها عن حكمة عملية رفيعة المستوى، تقوم في إعلاء مبدأ الاعتزاز بالنفس، وحريتها، وكرامتها الشخصية، أي كل ما كان يميّز شخصيته الفردية.

بينما تتجسد حقيقته الشخصية في أحد افضل نماذجها في الدفاع عن الأمة وفئاتها المسحوقة، التي اطلقت عليها الثقافة الإسلامية كلمة المستضعفين. وكان هو بحد ذات تحقيقا له. فقد مات مستخفيا، وجعل من قميصه كيسا ملأها كتبا، كما وصفه التقييم النقدي الإسلامي. من هنا قول أحدهم "ما كنا نأتي سفيان إلا في خلقان ثيابنا". بينما كان البعض يسال عنه بالطريقة التالية: "ما فعل الذي بالعراق؟ الذي يدني الفقراء". بينما وصف حاله وحال من حوله قائلا: "ما رأيت الأغنياء أذلّ منهم في مجلس سفيان الثوري، ولا الفقراء أعزّ منهم في مجلسه". وكان عادة ما يقول لأصحاب الحديث: "تقدموا يا معشر الضعفاء!"

لقد كانت قضية الخلاف والاختلاف إحدى السمات الكبرى والعميقة في الوقت نفسه، التي ميزت الثقافة العربية الإسلامية بمختلف ميادينها ومستوياته. الأمر الذي يعكس ديناميكية تطورها الهائل. فقد كانت هذه الخلافات ليست شرا رغم مرارتها الواقعية والفعلية بالنسبة لمصير الأفراد والجماعات والأمة أيضا، لكنها كانت في الوقت نفسه مصدر الإبداع الهائل، ومن ثم تعميق وتأسيس قيم الأخلاق وقواعد القانون، ومبادئ العقل والنزعة الإنسانية وفكرة الحرية والاجتهاد والإبداع، ومن ثم ما يقبلها من قواعد التقليد، وتحجيم العقل، ومحاربة النزعة الإنسانية، وتكفير "البدع"، وأولية التحريم، وتأسيس قواعد العقائد المؤيدة للاستبداد والتجّبر والطغيان. باختصار إننا نقف أمام الصيغة المميزة والملازمة لنشوء وتطور وتعمّق وتوّسع الدولة الإمبراطورية. فالثقافة الإسلامية التي نشأت وتطورت في ظل الصراع الهائل والخلافات السياسية والاختلافات الفكرية والعقائدية قد أدت ليس فقط الى تأسيس إمبراطورية ثقافية تاريخية كبرى بل وإلى ما أدعوه بإمبراطورية الثقافة.

وضمن هذا السياق يمكن فهم البواعث العميقة وراء نزعة الاعتدال ولخروج من مضيق المذاهب والفرق إلى فضاء الوحدة والدفاع عنها بمعايير العقل، والاجتهاد الحر، والنزعة الإنسانية، والمقاومة السلمية والفكرية العميقة للسلطة المستبدة. ووضع ذلك في عدد من الأحكام والمواقف والآراء مثل قوله "اياك والأهواء، فإن أولها وآخرها باطل". وإن "من أصغى إلى صاحب بدعة فقد خرج من عصمة الله. كما أن "من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة، وهو يعلم، خرج من عصمة الله، ووكل إلى نفسه". وطالب المرء بأن لا ينقل البدع التي سمعها أو يسمعها إلى جلسائه، "ولا يُلْقها في قلوبهم". فالبدعة "أحب إلى إبليس من المعصية"، وذلك لأن "المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها". بل ونراه يتشدد أحيانا إلى حد القطيعة كما في موقفه عندما علم بموت ابو حنيقة، حيث قال "الحمد لله! كان ينقض عرى الإسلام عروة عروة". بينما نراه يرفض الصلاة على جنازة عبد العزيز بن أبي رواد، ومسعر بن كدام، لأنهما كانا يقولان بالإرجاء.

نعثر في هذه الصيغ الحادة، ضمن معايير المرحلة التاريخية ومذاق الثقافة الفكري، على إدراك عقلاني عميق لخطورة الأهواء، أو ما نطلق عليه الآن عبارة النزعة الايديولوجية الحادة. وفي جوهرها هي تعبير عن تجربته العلمية والعملية. فقد قال مرة: "ما خالفت رجلا في هواه إلا وجدته يغلي عليّ". وبالتالي يفترض فهم وإدراك المضمون الفعلي لآرائه ومواقفه من "البدعة والبدع" ضمن هذا السياق. وذلك لأن أغلب ما قام به في الأقوال والأعمال كانت تبدو بالنسبة للسلطة والكثير من الفرق "بدعة" ينبغي محاربتها والقضاء عليها. وقد دفع هو ثمنها على الدوام، ولكن بإدراكه المتجانس لأهمية هذه التضحية من أجل رفع شأن المبادئ والقيم الإنسانية الإسلامية وتأسيسها في العلم والعمل.

لقد كان الحافز والإدراك الواقعي لأحكامه ومفاهيمه ومواقفه العملية والفكرية يقوم فيما يمكن دعوته بالبحث عن الفكرة الموِّحدة. فعندما سألوه مرة: من آل محمد؟ اجاب: أمة محمد. وتعكس هذه الإجابة الرد غير المباشر على محاولة خصخصة عبارة "آل البيت" بحصرها في البيت العلوي. بينما في حقيقتها، حسب مفهوم سفيان الثوري، هم المسلمون جميعا بوصفهم أمة. أما محددات هذه الإجابة فتقوم في محاولاته البحث والتأسيس للفكرة الجامعة، ومن ثم تخفيف حدة الصراع السنّي- الشيعي. فقد كانت تلك مرحلة الغلو في الأحكام العقائدية والسياسية والاستعداد للاتهام السريع وتلفيق الأخبار ولصقها بالخصوم دون رادع علمي ووازع أخلاقي. وضمن هذا السياق يمكن فهم مواقفه "المتعارضة" في ظاهرها كما هو مشهور عنه مثل إذا دخل البصرة حدّث بفضائل عليّ. وإذا دخل الكوفة حدّث بفضائل عثمان. وكان يقول إذا كنت في الشام فاذكر مناقب علي. وإذا كنت في الكوفة فاذكر مناقب ابو بكر وعثمان". ولهذا قال احدهم عنه: "لا اعرف فضيلة أفضل من سلامة صدر سفيان الثوري لأصحاب محمد". من هنا قول سفيان الثوري: "لا يجتمع حب علي وعثمان إلا في قلوب النبلاء". فعندما قال احدهم مرة أمامه:

- انني لا أفّضل أحدا على آخر، لكنني أجد لعليّ من المحبة ما لا أجده لابي بكر وعمر.

- إن هذا رجل به داء ينبغي أن يسقى بدواء.

لقد اراد سفيان الثوري تذليل شحنة العداء باسم الإسلام الجامع. وهو سلوك يدخل ضمن ما يمكن دعوته بنفسية وذهنية الاعتدال والوسطية المميزة له. من هنا يمكن فهم مضمون قوله "منعتنا الشيعة أن نذكر فضائل علي". كما يمكن إدراج موقفه من الجهمية والقدرية ضمنها أيضا. فقد اعتبر "الجهمية كفار والقدرية كفار"، رغم كونهما أكثر الصيغ تجانسا في مواجهة السلطة الغاشمة للأموية.

بينما كانت حقيقة الأعماق السحيقة لسفيان الثوري تتسم بفكرة التسامح. ووضع ذلك في احد أفكاره القائلة: "نسمع التشديد فنخشى، ونسمع اللين فنرجوه إلى أهل القبلة. ولا نقضي على الموتى، ولا نحاسب الأحياء. ونَكِل ما لا نعلم إلى عالمه، ونتهم رأينا لرأيهم". وكذلك قوله: "أصلح سريرتك يصلح الله علانيتك، وأصلح فيما بينك وبين الله يصلح الله فيما بينك وبين الناس، واعمل لآخرتك يكفك الله أمر دنياك، وبع دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً". وكذلك قوله "لا تبغض أحداً ممن يطيع الله، وكن رحيماً للعامة والخاصة، ولا تقطع رحمك وإن قطعك، وتجاوز عمن ظلمك تكن رفيق الأنبياء والشهداء"، و"اذا رأيت الرجل يعمل الذي قد اختلفت فيه، وانت ترى غيره فلا تتهمه".

لقد جمع سفيان الثوري في ذاته أغلب تناقضات العصر الذي عاش فيه، لكنه استطاع توليفها بالطريقة التي جعل منها جزء من تأسيس الفقه العقلي لرؤية مصادر الخلاف والوحدة، والالتزام العملي بإحدى المرجعيات الكبرى للثقافة الإسلامية آنذاك، ألا وهي مرجعية العدل والاعتدال وفكرة الجماعة.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابيحقيقة المعرفة وغايتها: تحتل ماهية المعرفة وحقيقتها في شخصية سفيان الثوري وافكاره النظرية والعملية أهمية كبرى. ولا غرابة في الأمر، إذ أن المعرفة الحقيقة هي معرفة الحق، ومعرفة الحق هي الزام والتزام لا حدود لهما في الظاهر والباطن، والعقل والوجدان، والهواجس والحدس، باختصار في كل مسام الوجود والوجد والإدراك. وتتمظهر في سلوك الشخصية الفكرية الكبرى وسلوكها الفردي اشكال ومستويات مختلفة بالارتباط مع ادراكه للأولويات وأهميتها في تراتب المواقف والمعنى التاريخي.

وقد احتل الحديث (النبوي) المرتبة الأولى بالنسبة للمعنى (العلمي) والمواقف الشخصية. فقد كان الحديث الصيغة العملية للقرآن ونموذج العمل الحياتي للنبي محمد. وليس مصادفة أن يتحوّل في مجرى التطور الثقافي للخلافة إلى أحد المصادر الجوهرية لوعي الذات العلمي والعملي، وبالتالي أحد أصول الإسلام، أي أحد أصول الأنا الثقافية ومرآتها العملية. والمقصود بذلك في آراء سفيان الثوري هو الحديث الصادق. من هنا تشديده على قيمة الاسناد واهميته بالنسبة لتحديد الصادق من الكاذب لما له من اثر جوهري بالنسبة للموقف من القضايا التي يواجها ومعالم روحه الباطن. وقال بهذا الصدد "الإسناد سلاح المؤمن. فمن لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟!". وأن يقول بهذا الصدد أيضا "تعلموا الآثار. فمن قال برأيه فقل رأي مثل رأيك". ولم يقصد هو بذلك سوى إن المعرفة الحقة والصادقة تفترض استنادها إلى آثار من سبقنا. وهي الصيغة التي تستجيب لحقيقة المعرفة العلمية بوصفها تراكما لتجارب الاسلاف وتجديدا لها استنادا إلى المعرفة الدقيقة والنقد الايجابي. من هنا تحديد قيمته العالية ومهمته الرفيعة بالنسبة للمعرفة والسلوك على السواء، أو قيمته كأسلوب ومنهج للمسلم. بحيث نراه يرفع مهمته إلى مستوى الصيغة الموازية لمهمة الملائكة في سماء العقيدة الدينية، كما في قوله "الملائكة حراس السماء وأصحاب الحديث حراس الأرض". بل نراه يتعدى هذه الرؤية الى الحالة التي يتحول فيها الحديث إلى صوت الصدق الكامن فيه. من قوله "لو هم رجل أن يكذب في الحديث وهو في جوف بيته لأظهر الله عليه". وهذا بدوره ليس الا الرؤية القائمة على اساس أن الحديث الصادق يكشف عن صدق المرء نفسه، وبالتالي فإن الكذب فيه هو فضيحة للمرء، انطلاقا من أن الصدق لا يقبل الكذب وكلاهما ينتميان الى عوالم مختلفة تجعل كل ما في الانسان مختلف على قدر ما فيه موقفه من صدق او كذب. وهذا بدوره يرتبط بالقيمة الذاتية للحديث نفسه حالما يكن صادقا بذاته ولأجل قضية وحلول صادقة. من هنا قوله عن الحديث: "ما يَعْدِله شيء لمن أراد به الله". لهذا اجاب على سؤال

- إلى متى تطلب الحديث؟!

- وأي خير أنا فيه خير من الحديث فأصير اليه؟ ان الحديث خير علوم الدنيا!

ولم يقل خير علوم الدين. بمعنى إن مهمته هي جزء من الخير، والخير جزء منه حالما يكون مرتبطا بالرؤية الصادقة والهادفة إلى ما يناسبها من مواقف. من هنا قوله "ما عملٌ أفضل من الحديث إذا صحَّت النية". لهذا طالب الآباء بأن يجبروا أولادهم على تعلم الحديث. وذلك لأنه "ليس شيء أنفع للناس من الحديث" كما يقول سفيان الثوري. لهذا كان يختتم درسه لمن اراد معرفة الحديث بعبارة: "ذا خير لك من ولاية عسقلان وصور". لكنه وجد فيه في الوقت نفسه "قوة خطرة" يمكنها ان تحرق المرء أو تقيه منها. وضمن هذا السياق يمكن فهم العبارة التي قالها: "ما اخاف على شيء أن يدلني النار الا الحديث". من هنا قوله الختم بهذا الصدد: "ركعتان اصليهما أرجى عندي من الحديث".

لم يكن مقصود سفيان الثوري عن تفضيل ركعتين من الصلاة على الحديث، سوى البحث عن اليقين. فالحديث وإشكالاته التاريخية والفكرية والسياسية والمذهبية جعلته كما يقال في مهب الريح العاتية للفرق وخلافاتها، والقوى المتصارعة وأهوائها ومصالحها. بينما مهمة الحديث الجوهرية تقوم في الحديث مع النفس، أي تربيتها بمعايير الحق. لهذا نسمعه يقول "كان الرجل إذا أراد كتابة الحديث، تأدب وعبد قبل ذلك عشرين سنة". فالحديث بالنسبة لسفيان الثوري علم. وللعلم، أيا كان، أصوله وقواعده وآدابه. وقد وضع سفيان الثوري هذه الأصول والقواعد والآداب في موقفه من العلم والمعرفة. وانطلق بذلك من فكرة عامة أقرب ما تكون إلى نصيحة منهجية وضعها بعبارة تقول: "زينوا العلم بأنفسكم لا تزينوا بالعلم". بمعنى أولوية الأنا العالمة والعاملة بقواعد العلم وآدابه. وذلك لأن العلم، كما يقول سفيان الثوري، "إنما يطلب ليتقي الله به. فلولا ذلك لكان كسائر الاشياء". وليس الله هنا سوى الحق. الأمر الذي يحدد الأبعاد الأصلية للعلم بوصفه أسلوب التربية العميقة لما اسماه الثوري بالخشية لله. ووضع ذلك في عبارة تقول: "ليس طلب العلم من فلان عن فلان، بل إنما طلب العلم الخشية لله". وفيها نعثر على ما قاله ابو يزيد البسطامي عن طلب الحقيقة من الحي الذي لا يموت عندما كان يسأل "من قال ذلك" فيقولون له "فلان" عن "فلان" عن "فلان" وما الى ذلك. عندها قال كلمته الشهيرة "انتم تأخذون علمكم من ميت عن ميت، بينما نحن نأخذ علمنا من الحي الذي لا يموت". وليس المقصود بذلك سوى جوهرية التجربة الفردية ومذاق معاناتها في البحث عن مصدر الحق والحقيقة. وقد سبق لسفيان الثوري وإن وضع هذ الفكرة ضمن سياق وتقاليد الفقه والحديث والعلوم الإسلامية الأخرى. فقد شدد على ما يمكن دعوته بالمعاناة الشخصية الحرة في البحث عن الحقيقة. اذ لا تعني الخشية هنا سوى القانون الأخلاقي الصارم للنفس أمام النفس، بوصفه منطقا باطنيا وحدسيا للحق والحقيقة، والحق المطلق بوصفه فكرة ومبدأ ومنهجا للرؤية والعمل. لهذا اعتبر انه "لا عمل أفضل بعد الفرائض من طلب العلم". من هنا قوله "لانزال نتعلم العلم ما وجد من يعلمنا". وأن يطالب الاخرين بالتعلم والاستزادة الدائمة من العلم كما في قوله: "تعلموا هذا العلم، واكظموا، وافرغوا عليه ولا تخلطوه بضحك فتجمد القلوب". وذلك لأن الغاية من طلب العلم تقوم في "حفظه والعمل به ونشره". ووضع هذه النتيجة في بعض الثنائيات الحادة المتعلقة بقيمة وأهمية العلم والعلماء، كما في قوله "الأعمال السيئة داء، والعلماء دواء. فاذا فسد العلماء فمن يشفي الداء؟". وأن يعتبر "العالم طبيب الدين، والدرهم داء الدين". واستقى هذه الأفكار او توصل اليها بأثر تجربته الشخصية. فقد قال عن نفسه بانه طلب العلم في بداية امره، ولم تكن عنده آنذاك نية، ثم "رزقه الله النية".

ووضع هذه التجربة المتعلقة بالموقف من العلم والمعرفة وطلبها ونشرها في عبارة مقتضبة تقول "ما أعلم شيئا أفضل من طلب العلم بنية". بمعنى أن يكون طلب العلم للعلم ذاته وعبره لنشر الحق والحقيقة والدفاع عنهما، أي تجرده عن كل ما لا علاقة له بحقيقة العلم وماهية المعرفة وضرورتهما. الأمر الذي يجعل منهما مبردا يسّن به الروح والجسد. بمعنى إن العلم الصادق والعمل بموجبه عادة ما يجعل حياة المثقف الكبير ورجل العلم معاناة دائمة. من هنا قول سفيان الثوري "من ازداد علما ازداد وجعا". واستمد هذه الحقيقة من تجربته الشخصية التي وضعها في عبارة تقول "لو لم اعلم لكان اقل لحزني"، و"وددت أن انجو من هذا الأمر كفافا لا عليّ ولا لي". ولم يعن ذلك سوى أن الإرادة العاقلة وإدراكها لمهمتها أمام الله، أي أمام مرآة العالم الباطني للنفس من أجل تأمل حقيقة ما في ملامحه من صدق وجمال أو كذب وقبح. اذ ليس للإنسان سرّ مع نفسه. من هنا جوهرية فكرة النية الصادقة في طلب العلم والعمل بما فيه وبما يؤدي اليه من قواعد وآداب. أدى هذا به الى بلورة الموقف الفكري والعملي العميق القائل: "ان العلم عندنا الرخص عن الثقة. فأما التشديد فكل انسان يحسنه".

ولا يعني "الرخص عن الثقة" في العلم سوى اختيار أفضل السبل وأكثرها واقعية وإنسانية للحلول، على عكس الأحكام الجازمة القطعية المباشرة. فالأولى نتاج التأمل العقلي والوجدان الصادق في معناة البحث عن حلول ترضي النفس والله، إي المجتمع والحق. أما الثاني فهو إما تحريم وإما تجريم متسرع أو قبول بما هو موجود دون تفحص ودراية لما في أعماقه من إمكانيات يصعب التكهن بها. من هنا فإن "الرخصة عن الثقة" هي نتاج الرؤية العلمية الدقيقة التي تأخذ بقدر واحد تجارب الأسلاف الذاتية والواقع والمستقبل. ولا يمكن بلوغ ذلك دون بلوغ حالة ومستوى الاجتهاد الحر.

تعادل حقيقة ومضمون "الاجتهاد الحر" فيما يخص سفيان الثوري معنى الاجتهاد العقلي، والوجدان الصادق، والضمير الاجتماعي. اذ اننا نعثر في شخصيته وانتاجها العلمي على إحدى الصيغ الأولية الرفيعة لإرساء أسس مرجعية الاجتهاد الحر بوصفها مهمة شخصية وحقيقة فردية ومصيرا معرفيا. ففي مجرى تجربته الشخصية وانعكاسه في المواقف والاحكام نعثر ، على سبيل المثال، الحكم القال، بان الانسان "الى العلم احوج منه الى الخبز واللحم". وهي العملية التي تؤدي بالمرء السائر في دروب العلم إلى إدراك الحقيقة القائلة، بأنه "ما بسطت الدنيا على أحد الا إغترارا، وما زويت عنه إلا اختبارا". بمعنى إن السعة والراحة والدعة وما شابه ذلك من رفاهة العيش ليس الا غرورا سريع الزوال، وبالمقابل ليست متاعب الحياة ومشقتها وما يعاني المرء منه في دروب العلم (وأحيانا غيره أيضا) سوى اختبارا للإرادة والعقل والضمير. الامر الذي يجعل رجل العلم او المثقف الكبير في امتحان دائم للبرهنة اولا وقبل كل شيء امام نفسه من اجل تثبيتها على اقدام اليقين او ما اسماه ايضا بالرخصة في الثقة. من هنا قوله "رضى الناس غاية لا تدرك، وطلب الدنيا غاية لا تدرك"، أي كل ما يترتب عليه بالضرورة ادراك اولوية الانا الباحثة عن الحق والحقيقة. من هنا قوله، "اذا عرفت نفسك فلا يضرك ما قيل فيك". فهي المهمة الاولية او المقدمة الجوهرية للاجتهاد الحر. وقد عالجها سفيان الثوري بالشكل الذي وصفه في احدى عباراته القائلة: "ما عالجت شيئا اشد عليّ من نفسي". لهذا قيل عنه مرة : كان من شدة تفكّره يبول الدم(!). طبعا لا علاقة للتفكر الشديد بمظاهر الافرازات الجسدية، لكنها تحمل معنى التصوير المثير عما يمكن دعوته "بالعقاب" المناسب للتفكّر الشديد، أو أن للجهد والاجهاد المفرط أثره في الجسد. وهذه حقيقة. وأيا كانت مصداقية هذه الصورة، لكنها تبرع اساسا في تصوير المعاناة الباطنة لتفكيره في مرحلة انتقالية عاصفة لازمها تأزم وانفجار الطاقات الثقافية الكبرى لما أدعوه بصيرورة الإمبراطورية الثقافية(للخلافة).

لقد كان الاجتهاد الحر بالنسبة لسفيان الثوري يحتوي في ذاته على كل من الاجتهاد الشخصي وإخلاص الضمير. فعندما سأله مرة أحدهم:

- اصافح اليهود والنصارى؟

- برجلك نعم!

وعندما قال له أحدهم مرة:

- أي شيئا أقول إذا سمعت صوت الناقوس؟

- أي شيء تقول إذا ضرط الحمار؟

لقد رمى سفيان الثوري كل تفاهات اللاهوت الميت وحذلقة الفقهاء الغبية المتعلقة بسفاسف الأمور وتوافه الحياة في مزبلة السخرية التي لا تخلو من الاستهزاء المر. لقد استند الثوري الى حقيقة الاخلاص للحق والحقيقة، التي وجدت الثقافة آنذاك وعائها في القلب. من هنا قوله "ما استودعت قلبي شيئاً قط فخانني"، و"لو أن اليقين استقر في القلب كما ينبغي لطار فرحاً وحزناً وشوقاً إلى الجنة أو خوفاً من النار". واستكمل ذلك في موقف هو أقرب ما يكون إلى القاعدة الأخلاقية كما في قوله "خذ من الدنيا لبدنك، ومن الآخرة لقلبك". مما حدد بدوره موقفه من مختلف مظاهر الوجود الفكرية والحياتية والأخلاقية وغيرها. ففي مجال المعرفة طالب بدفع الشك باليقين، كما دعا المرء إلى أن يترك ما يريبه إلى ما لا يريبه. وفي مجال الأخلاق العملية طالب المرء بأن يخضع عند الطاعة ويستعص عند المعصية. أما موقفه هو من الآخرين فقد بناه على قاعدة "محبة الناس على قدر أعمالهم"، بوصفه المعيار السليم تجاه الأحياء والأموات على السواء. من هنا حكمه: "إذا ذكر الرجل الذي مات، فلا تنظر إلى قول العامة، ولكن انظر إلى قول أهل العلم والعقل"، أي كل أولئك الذين تحتضنهم كلمة "الغريب". فالغريب والغرباء العاملون بمعايير الروح المعرفي والعقلي والأخلاقي بالنسبة لسفيان الثوري، هم حملة الحق والحقيقة. من هنا قوله :"استوصوا بأهل السّنة خيرا فإنهم غرباء". والمقصود بأهل السنّة أتباع الحق والحقيقة، وليس اتباع مذهب "أهل السنّة والجماعة" القديم والحالي..

***

ميثم الجنابيالزهد وأجنة الفكرة الصوفيةتوّج سفيان الثوري في شخصيته العلمية والعملية الحالة الثقافية والروحية التي جمعت بين الزهد والمعرفة. الأمر الذي جعل منه الممثل النموذجي الأول في الثقافة الإسلامية لوحدة الزهد والمعرفة، أي وحدة العلم والعمل. وهي ذاتها وحدة المعرفة والعمل بموجبها. اذ ليس هناك أكثر من حقائق المعرفة المسبوكة بمبادئ السلوك الأخلاقي الرفيع ممن صَنع وحدة الشخصية المتماسكة وإبداعها الحر. ذلك يعني، ان الزهد بالنسبة له هو اداة السمو الاخلاقي والمعرفة العملية. بل وارتقى ي حالات عنه الى مصاف الاختبار الفعلي لحقيقة الشخصية. من هنا فكرته عن ان حقيقة الزهد ليست "أكل الغليظ ولبس الخشن، ولكن قصر الأمل، وارتقاب الموت". وذلك لأن الشيء الجوهري هنا يقوم فيما اصطلح عليه سفيان الثوري بعبارة الكسب الطيب والعناية بالروح والجسد بما يتوافق مع حقيقة العمل وغايته. اذ ينقل عنه احدهم كيفية لقاءه بسفيان الثوري حالما قدم عليه. حينذاك طبخ له قدر سِكْباج (اللحم المطبوخ بالخل) فأكلَ، ثم أتاه بزبيبِ الطائف فأكلَ. بعدها قال له سفيان "اعْلِف الحمار". ثم قام يصلي حتى الصباح. سكباج وحمار وصلاة كلهم واحد بالنسبة له، لان لكل منهم موقعه واهميته بالنسبة للروح والجسد. بينما يخبرنا آخر عنه كيفية دخوله على سفيان الثوري وهو يأكل طباهج (اللحم المشرّحُ بالبيض)، فكلّمه في ذلك، فأجابه سفيان: لم آمركم أن لا تأكلوا طيباً. اكتسبوا طيباً وكلوا! وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه القائل "لأن أخلِّف عشرة آلاف درهم، يحاسبني الله عليها، أحبُّ إليّ من أن أحتاج إلى الناس". وهذا الموقف يستند بدوره الى ادراكه الحر والواقعي من اهمية ويمة المال بالنسبة للحرية الفردية والفكرية في عالم اخذ المال يتحول فيه الى قوة حاكمة وفاعلة في كل شيئ! من هنا قوله "كان المال فيما مضى يكره، فأما اليوم فهو ترس المؤمن". وضمن هذا السياق يمكن فهم مضمون موقفه السابق. اذ اعتبر "المال داء هذه الأمة". من هنا قوله "لا تقتدوا بصاحب عيال لأنه دوما يتعلل بعياله". بينما نسمعه يخاطب في حالة اخرى احدهم قائلا: "عليك بعمل الأبطال، الكسب من الحلال والانفاق على العيال". وفي نادرة اخرى تنقل عنه وقد نظر إليه رجل وفي يده دنانير فقال:

- يا أبا عبد الله تمسك هذه الدنانير؟!

- اسكت: فلولاها لتمندل بنا الملوك"، أي لجعلونا كالمنديل يمسحون به أرجلهم.

ورفع تجاربه الشخصية بهذا الصدد الى فكرة عامة تقول، بأن "الزهد زهدان، زهد فريضة وزهد نافلة. فالفريضة أن تدع الفخر والكبر والعلو، والرياء والسُّمعة، والتزيُّن للناس. أما زهد النافلة فهو أن تدع ما أعطاك الله من الحلال. فإذا تركت شيئا من ذلك صار فريضة عليكَ ألا تتركه إلا لله". وأن يتوصل في حالة أخرى إلى أن "الزهد هو سقوط المنزلة". ولا يعني "سقوط المنزلة" هنا سوى الرجوع إلى الحقائق الأولية المتعلقة بحقيقة المعنى في كل شيء. وكل شيء في الإنسان هو الإنسان نفسه بمختلف مواقفه العلنية والمستترة. وبالتالي، فإن اسقاط المنزلة يعادل معنى التحرر والتخلص من شوائب الزيف السائد في مختلف مظاهر الوجود والحياة. ولهذا شدد في احد مواقفه بهذا الصدد عن انه لم ير اشد صعوبة للتحقق بحقيقة الزهد أكثر مما في حب الرياسة. وأوصله ذلك إلى فكرة عميقة تقول بأن "الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس"، وأوله الزهد في النفس. فبالزهد تبصر عورات الدنيا، أي نواقصها وخللها. ذلك يعني أن الزهد هو المنفذ الى عوالم المعرفة الدقيقة وبلوغ حقيقتها كما هي. من هنا قوله، بأن الإنسان حالما يزهد في الدنيا، فإن الله ينبت الحكمة في قلبه، ويطلق لسانه، ويبصرّه عيوب الدنيا وداءها ودواءها. بل وتوصل إلى فكرة عميقة تقول، بأنه "لا تصلح القراءة الا بالزهد".

لقد حوّل سفيان الثوري الزهد العملي المرتبط بتقاليد الورع الإسلامي الأول إلى فكرة وأسلوب تتناغم فيهما وحدة المعرفة النظرية والعملية. إذ حدّه من حيث هو فكرة بما اسماه بزهد الفريضة والنوافل. وكلاهما بالنسبة له كلّ واحد. وذلك لأن حقيقة الزهد تبتدأ بالزهد بالنفس وتنتهي بتحقيقه في العلم والعمل. وليس تحقيقه سوى النتيجة المترتبة عليه بوصفه أسلوبا في إدراك حقيقة الأشياء كما هي وما اسماه بأثره في إنبات الحكمة في القلب وطلاقة اللسان بالحق ورؤية اسباب العيوب والنواقص وكيفية علاجها. ذلك يعني أن حقيقة الزهد هي علم وعمل بقدر واحد. من هنا اهمية ماهية المعرفة وحقيقتها.

اننا نعثر في الشخصية الروحية والعقلية لسفيان الثوري على ما يمكن دعوته بأجنة الفكرة الصوفية، بمعنى الارتقاء من الزهد والمواقف الأخلاقية والعقلية من الواقع الى مستوى الذوق الصوفي العملي.

فقد ساهم سفيان الثوري في وضع الأسس الخفية لما ستطلق عليه تقاليد الصوفية لاحقا فكرة وحدة الشريعة والطريقة، والشريعة والحقيقة، ولكن بمعايير الزهد والورع الإسلامي وليس بمعايير الحقيقة الصوفية أو فكرة المتصوفة عن الحقيقة بوصفها نهاية الطريق، أو الذروة المترتبة على اعتصار الطريقة للشريعة بقواعد النقاء الحر ونفيها الدائم للأحوال في المقامات. لقد تراكمت ضمن سياق تجارب روحية وعقلية وعملية من طراز آخر، كان يجري إلى جانب النموذج الذي جسّده وحققه سفيان الثوري بذاته. بمعنى انه حقق ذلك عبر تجربته الفقهية النظرية والعملية التي أدخل فيها أو توصل من خلالها إلى عدد من المواقف المنهجية التي أسس لها التصوف ورفعها إلى مصاف متسامية عبر انزالها إلى أعمق أعماق الغور الروحي للإنسان العارف. ونعثر على ذلك في بلورته لفكرة العلاقة بين السر والعلانية، وقضية البلاء الروحي والمعرفي، وفكرة الصبر، والمضمون المعرفي لعلاقة الحياة والموت، وجوهرية "الله" في السلوك الظاهر والباطن بالنسبة للعارف الحق. ففيما يخص علاقة السر والعلانية يقول، بأن "من كانت سريرته أفضل من علانيته فذك الأفضل. ومن كانت سريرته شر من علانيته فذلك الجور". و"اذا عملت ذنبا في السر فتب إلى الله في السر. وإذا عملت ذنبا في العلانية فتب إلى الله في العلانية". اما موقفه من النعمة والبلاء فقد بلوره في عبارة تقول "ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة". أما ما يخص المضمون المعرفي لإدراك طبيعة العلاقة بين الحياة والموت فقد وضعها في فكرة عميقة، تحولت الى عنصر جوهري في الذوق الصوفي، والمقصود بذلك عبارته القائلة: "الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا". والشيء نفسه يمكن قوله عن موقع "الله" بالنسبة للعالم الروحي للإنسان ومواقفه العملية بشكل عام والارادة بشكل خاص. فقد توصل هو باثر تجربته بهذا الصدد الى القول، بانه "عرف الله بفسخ العزم ونقض الهمة"، بمعنى بلوغ معنى وحقيقة الحق من خلال الباطن بوصفها العملية التلقائية للمعرفة. ووجدت هذه الفكرة استكمالها في موقفه الذي خاطب به المرء قائلا: "لا تحب إلا في الله، ولا تبغض إلا في الله". ولا يعني الله هنا سوى فكرة المقياس أو المعيار الأعلى والأسمى للإخلاص المجرد من الأهواء والمصالح بما يخدم الانسان والحقيقة.

واستكمل ما اسميته ببلورة الأجنة الأولية للذوق الصوفي في بلورته الدقيقة على مستوى المواقف والفكر مفاهيم وقيم وقواعد الورع، والعزلة، وفكرة القلب الأخلاقي والمعرفي، ومن ثم ساهم، ضمن سياق وتقاليد الزهد الإسلامي الأول، في بلورة وتحديد الأفكار الأولية عن الحال بوصفه ادبا، ثم قاعدة، ثم مبدأ، ثم طريقة. كما انه أرسى، إلى جانب كل تقاليد الزهد الأول، فكرة وضع الحال في أساس المقام من الناحية التاريخية، والمقام في أساس الحال من الناحية النظرية.

لقد اعطى للقلب اهميته الجوهرية في الاختيار والاختبار والارادة. من هنا قوله "ما استودعت قلبي شيئا قط فخانني". بل ووضع الاحتكام الى القلب تجاه كل دقائق ومظاهر الحياة والسلوك. من هنا قوله: "لا تجيبوا دعوة الا دعوة من ترون قلوبكم تصح على طعامه". وعندما سألوه مرة عن البناء الذي بنوه حول الكعبة، أجاب: "لا تنظروا إليه، فإنهم، إنما بنوه لتنظروا اليه". بعبارة أخرى، انه أراد تفريغ القلب من كل ما لا علاقة له بتوحيد الأنا بمكونات الوحدة الفعلية، أي العمل بتلقائية الحال الصادق. ومن الصعب بلوغ هذا الحال دون الخلوة والعزلة، بوصفهما أدوات وأساليب تربية الإرادة وتنقيتها. ولا يمكن تحقيق ذلك دون ما أسماه سفيان الثوري بتصحيح النية، باعتبارها البداية الأولية، أو الأساس الضروري لتربية الإرادة. من هنا قوله عن نفسه "احب أن أكون في موضع لا أعرف ولا استذل"، و"وددت انني اتخذت نعلي هذه ثم جلست حيث شئت لا يعرفني أحد"، و"اني لأفرح إذا جاء الليل ليس إلا لأستريح من رؤية الناس"، وأن "كثرة الإخوان من سخافة الدين"، و"السلامة في أن لا تحبَّ أن تُعرف". بل أوصلته هذه المواقف والتجارب الحياتية في إحدى الحالات الحرجة فيما يبدو إلى القول: "ما رأيتُ للإنسان خيراً من أن يدخل جُحْراً"! أما الخروج منه فقد وجده كما قال عن نفسه، بين الغرباء، كما في عبارته التالية: "وجدتُ قلبي يصلح بين مكة والمدينة مع قوم غرباء أصحاب صوفٍ وعباءة".

استمد هذا الاقتراب من عالم "الروح الصوفي" مقوماته الأساسية من تجربته الفكرية والأخلاقية التي أوصلته آنذاك إلى أولوية العلم والعمل ووحدتهما المتلازمة في الروح والجسد والمواقف. ففي هذه الثنائية الجوهرية المميزة للفكرة الصوفية وجد سفيان الثوري معيار الفقه وحقيقة الرؤية والمواقف، أي معيار كل شيء. وهنا تكمن القيمة العميقة والتاريخية لسفيان الثوري في المساهمة النظرية والعملية لما يمكن دعوته بلبنات أو عناصر الفكرة التأسيسية في الثقافة الإسلامية. وهي فكرة لها أصولها وجذورها وتاريخها الخاص. لكن خصوصية إبداعه بهذا الصدد تقوم في كونه إحدى الشخصيات الكبرى التي أرست أسس مرجعية الفقه الحر، ومرجعية الاجتهاد الحر، ومرجعية الالتزام بالتفكر ونتائجه. وهذه بدورها كان لابد لها من أن توسع وتعمّق تقاليد الفكرة التأسيسية. فالثقافة التأسيسية، سواء بمعايير الفكرة التاريخية أو التجربة الشخصية، (وكلاهما متوحدان بالضرورة من حيث تطابقهما المنطقي)، هي علمية - عملية، أي قول وعمل، أو فكرة وتحقيقها العملي.

واتخذت وحدة العلم العمل عند سفيان الثوري صيغ ومستويات متنوعة وتحقيق لها في مختلف المجالات والمواقف، لكنها موحدة بما يمكن دعوته بهاجس الحرية ومبدأ الاستقلال الفردي. فقد وصف الكثير من أولئك الذين قيموا شخصية الثوري بهذا الصدد، على إن أحدهم لم ير "عالما يعمل بعلمه إلا سفيان". فقد توصل سفيان الثوري في مجرى تجاربه الشخصية العلمية والعملية إلى أن العلم إنما يراد للعمل. من مطالبته المرء بعبارة: "لا تدع طلب العلم للعمل، ولا تدع العمل بطلب العلم". كما اوصلته تجربته الفردية بهذا الصدد لأن يؤسس لسلسلة العلم والعمل بالشكل التالي: "لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنّة". إننا نعثر في هذه الفكرة على جعل العمل مرجعية جوهرية بالنسبة للعلم، لكنه ربطها في الوقت نفسه بالنيّة والسنّة. بعبارة اخرى، إننا نعثر في هذه الفكرة على نفي تأسيسي لحقيقة العلم والعمل بوصفها حلقات مترابطة بالنيّة ومرجعيات الثقافة، التي كانت "السنّة" (النبوية) أحد مصادرها الأساسية. من هنا اهتمامه الكبير بشخصية العالم واثره بالنسبة لماهية وحقيقة العلم ووظيفة المعرفة. فقد كان من المعروف عنه انه اذا التقى شيخا سأله: هل سمعت من العلم شيئا؟ (فإن اجاب لا) عندها كان يقول: "لا جزاك الله عن الإسلام خيرا". بمعنى إن الإسلام بالنسبة علم ومعرفة على الاقل بما فيه. وعندما سألوه مرة "اي شيء شر؟"، اجاب: "العلماء اذا فسدوا". بل وكان يتعوّذ بعبارة: "نعوذ بالله من فتنة العابد الجاهل والعالم الفاجر". من هنا قوله عن ان "العالم مثل الطبيب لا يضع الدواء إلا على موقع الداء". ومن هنا أيضا ابتعاده عن الجهلة و"سفل الناس" بحيث كان لا يحدّث النبط وسفل الناس. وعندما قيل له بذلك، قال "العلم إنما أخذ عن العرب، فاذا صار إلى النبط وسفل الناس قلبوا العلم". ويقصد بذلك النوع الجاهل من البشر وأهل البلادة من العوام. كما أنه موقف يدخل ضمن الرؤية القائلة، بانه ليس من ليس من مهمة رجل العلم أو المثقف الكبير مجادلة وتصحيح "رؤية" الحمال والاسكافي والحوذي في قضايا العلم والمعرفة.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابيشخصية سفيان الثوري وتقييمه في الثقافة الإسلامية

أرست الأموية ما يمكن دعوته بمبدأ حق التسلط. من هنا يمكن فهم موقفه القائل، بأن "الائمة خمسة فقط" (الخلفاء الراشدون وعمر بن عبد العزيز)، ومن ثم ازال الشرعية عن كل خلفاء بني امية وبني العباس. الامر الذي يفسر سبب عدم ادراج مدرسته الفقهية ضمن ما يسمى بالمدارس الكبرى كالمالكية والشافعية والحنفية والحنبلية، مع انه يفوق عليهم جميعا. طبعا ان ذلك لا يقلل من القيمة الروحية والاخلاقية لفقهاء الاسلام الكبار، بقدر ما يشير الى النوعية التي ميزت شخصية سفيان الثوري. فقد كانت حياة ائمة الفقه متعرجة من حيث الامكانية والكفاءة والمنهج، لكنهم جميعا كانوا يشتركون بالأخلاق العالية. ولكل منهم تاريخ الخاص والشخصي في مواجهة محنة السلطة. واذا كان الاشهر من بينها محنة ابن حنبل، فان ذلك بسبب بساطته وسهولة ما فيه واستجابته لمعنى العوام وخشونة اللسان وجسد الامة. بينما يختلف الحال بالنسبة لسفيان الثوري. انه كان يمثل فكرة العقل والروح والارادة المتسامية.

فقد وجد البعض فيه "أمير المؤمنين في الحديث"، و"إمام الناس في زمانه" و"عالم الأمة وعابدها" و"أفقه الناس". وتنوعت فيه الأحكام بما يتوافق مع اذواق قائليها ووعيهم الشخصي وتجاربهم الذاتية. فقد قال الأوزاعي عنه مرة "لو قيل لي اختر لهذه الأمة رجلاً يقوم فيها بكتاب الله وسنة نبيه لاخترت لهم سفيان الثوري". وفي حالة اخرى قال عنه "ما رأيت عالما يعمل بعلمه الا سفيان". بينما قال ابن المبارك فيه: "ما نُعت إلي أحد فرأيته إلا كان دون نعته، إلا سفيان الثوري". ومقارنة برجال الحديث الفقه الكبار آنذاك، جرى الاقرار بأفضليته في العلم ومعرفة الحديث والورع. فقد قال عنه يحيى بن سعيد القطان: "سفيان أشد من شعبة وأعلم بالرجال"، وانه ليس أحد أحب إليه من شعبة، ولا يعدله أحد عنده. وضمن هذا السياق قال أبو حاتم الرازي عنه "سفيان فقيه، حافظ، زاهد، إمام، هو أحفظ من شعبة". بل ان شعبة نفسه قال :"سفيان أحفظ مني". بينما قال عبد الرحمن بن مهدي: "كان وهيب يقدم سفيان في الحفظ على مالك"، وفي موقف اخر قال عنه "ما رأت عيناي مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري، ولا أشد تقشفاً من شعبة، ولا أعقل من مالك بن أنس، ولا أنصح للأمة من ابن المبارك"، وقال علي بن الحسن بن شقيق عنه "ما أعلم على الأرض أعلم من سفيان".

جمع سفيان الثوري بإقرار الاغلبية "بين العلم والورع والعفة والزهد". فقد قال شعبة عنه "ساد سفيان الناس بالورع والعلم". بينما قال اخرون "لا اعقل من مالك ولا اعلم من سفيان". فيحين قال اخر عنه "لولا الله ثم سفيان لمات الورع".

وقد يكون وصف المتأخرين له وبالأخص عند الذهبي من بين اكثرها تعميما لتجارب الاسلاف كما هو الحال في وصفه سفيان الثري قائلا: "هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، المجتهد، مصّنف كتاب الجامع".

اما الصيغة العميقة والدقيقة عن شخصيته، فهي تلك التي بلور معالمها الزهاد والمتصوفة. فقد قال فيه الزهاد امثال ابن المبارك "كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان". بينما قال عنه ابن عيينة "ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري". وفي معرض مخاطبته لابن حنبل حول شخصية سفيان الثوري قال "لن ترى بعينك مثل سفيان الثوري حتى تموت". في حين كان يحيى بن معين لا يقدِّم على سفيان أحداً في زمانه، في الفقه والحديث والزهد، بل وكل شيء. أما ايوب السختياني فقد قال عنه "ما قدم علينا من الكوفة أفضل من سفيان الثوري". في حين قالت عنه المتصوفة بما يتوافق مع تجارب افرادها وتأثرهم به. اذ ينقل عن بشر الحافي قوله "كان الثوري عندنا إمام الناس". في حين اعتبره الفضيل بن عياض "اعلم من ابي حنيفة". وعندما قيل له من هو امامك فيما تذهب اليه من بعض الورع، اجاب: "سفيان الثوري". اما يوسف بن اسباط فقد قال عنه: "الناس سيعاقبون، أنه لا يوجد بينهم مثل سفيان". وهذه من بين الافكار الرفيعة والدقيقة والعميقة التي تشير الى جوهرية العالم العامل بالنسبة لكينونة الانسان والجماعة والامة. وذلك لان انعدام وجود شخصيات مرجعي بمعايير الروح الخلص للحق والحقيقة سوف يؤدي بالضرورة الى تحلل الانسان والقيم الرفيعة. بمعنى تعرّض الانسان والجماعة والامة الى عقوبة ذاتية بكافة المعايير والنتائج.

ان هذه الحصيلة التي توصلت اليها الرؤية النقدية المتفحصة لحقيقة الشخصية الفكرية والعلمية والاخلاقية لسفيان الثوري قد ظلت عائمة في سماء الرؤية الثقافية النقية، بينما في واقعيتها فقد كانت تعاني من حيث وجودها الواقعي من اثم الوجود نفسه بوصفه صيرورة قاسية. وهو امر لابد منه بالنسبة لصيرورة الروح الثقافي والشخصية الكبرى. فالصيرورة القاسية هي الوحيدة القادرة على سنّ معالم الروح والجسد، شأن كل ابداع عظيم. فنحت الهيكل الجميل في الصخر هو الوجه الاخر لتذليل قبح الواقع او انها العملية التي لابد منها لكي يكون المثال تجسيدا للصورة المركبة من تفاعل العقل والوجدان والارادة الحية.

كانت حياة وممات سفيان الثوري صيرورة قاسية شحذت ملامحها على مسّن الوجود الاثم للسلطة، اي على مسّن الوعي المتراكم في شخصيته من اجل احقاق الحق والعمل بموجبه. ونعثر على بعض مظاهر هذه الحالة والصيرورة الشخصية لسفيان الثوري في الرؤية والاحساس الشخصي لمن حوله ومعرفة به. ففي مجال الفقه والفتيا جرى ملاحظة شخصيته منذ مراحل مبكرة حتى اخر ايامه. اذ ينقل لنا الوليد بن مسلم ملاحظته التي قال فيها: "رأيت سفيان الثوري بمكة يستفتى ولم يخط وجهه بعد". بينما ينقل لنا محمد بن عبيد الطنافسي ملاحظته التالية: "لا أذكر سفيان الثوري إلا وهو يفتي. أذكره منذ سبعين سنة ونحن في الكتَّاب، تمر بنا المرأة والرجل فيسترشدوننا إلى سفيان يستفتونه ويفتيهم". في حين ينقل احدهم ما يلي: "سمعت الناس بمرو يقولون: قد جاء الثوري! قد جاء الثوري! فخرجت أنظر إليه فإذا هو غلام قد بقل وجهه".

بينما يلاحظ البعض سلوكه ومواقفه التي لا تصنع فيها، كما في قول مروان بن معاوية: "شهدت سفيان الثوري وسألوه عن مسألة في الطلاق، فسكت وقال: إنما هي الفروج". والمقصود بذلك انه يخاف الإفتاء بها بالحل وهي محرمة عليه، مما يتسبب في الوقيعة والوقوع في فرج لا تحلّ له. بينما ينقل لنا ابن أسباط الحالة التالية: سئل الثوري وهو يشتري عن مسألة فقال للسائل: دعني! فإن قلبي عند درهمي فلست متفرغاً لأفتيك، وقد أخطئ وأنا منشغل بالبيع والشراء. بمعنى إن الإفتاء ينبغي أن يستند إلى تفرّغ القلب وصحة الدراية. فالإفتاء بالنسبة له عقل ودراية واخلاص.

وليست هذه المظاهر الجزئية سوى الصيغة العابرة والمتذبذبة لاستقامة الروح المعنوي المميز لشخصية سفيان الثوري. اذ ينقل لنا عطاء الخفاف ملامح هذه الشخصية في قوله: "ما لقيت سفيان الثوري إلا باكيا! فقلت: ما شأنك؟ فقال: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيا!". بينما ينقل لنا احدهم مشاهدته لسفيان الثوري واستماعه له قائلا: "كنت لا أستطيع سماع قراءة سفيان من كثرة بكائه". وينطبق هذا على سلوكه في العبادات. اذ ينقل لنا علي بن فضيل: "رأيت سفيان الثوري ساجدا حول البيت، فطفت سبعة أشواط قبل أن يرفع رأسه". في حين قال مؤمل بن إسماعيل عنه: "أقام سفيان بمكة سنة، فما فتر من العبادة سوى من بعد العصر إلى المغرب. كان يجلس مع أصحاب الحديث وذلك عبادة". في حال قال احدهم عنه: "كنت أرمق سفيان في الليلة بعد الليلة ينهض مرعوباً ينادي: النار النار! شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات". كما ينقل لنا اخر حالة الثوري بقوله: "رأيت الثوري في المسجد الحرام بعد المغرب، صلى ثم سجد سجدة فلم يرفع رأسه حتى نودى لصلاة العشاء". وهي الحالة التي يصورها لنا يوسف بن أسباط في قوله: "قال سفيان الثوري وقد صلينا العشاء الآخرة: ناولني المطهرة! فناولته فأخذها بيمينه ووضع يساره على نحره ونمت. فاستيقظت وقد طلع الفجر فنظرت فإذا المطهرة بيمينه كما هي. فقلت له: "هذا الفجر قد طلع!"، فأجاب: "لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الآخرة". من هنا قول قبيصة بن عقبة: "ما رأيت أحداً كان أكثر ذكراً للموت منه". بينما وصفه اخر بعبارة تقول: "كنا نكون عند سفيان الثوري، فكأنه قد اوقف للحساب".

من هنا الانطباع الظاهري الذي خلفته شخصيته المتماسكة في اعماقها بحيث اعتقدوا بجنونه. من هنا قول احدهم عنه: ربما كان يأخذ سفيان في التفكر، فينظر اليه الناظر فيقول "مجنون". كما نعثر على هذه الحالة في قوله عن نفسه: "امرّ بالحائك يغني، فأسدّ اذني". وليس المقصود بذلك كره الغناء وما شابه ذلك، بقدر ما يعني التعبير عن صمت الأصوات الخارجية من أجل استرقاق السمع إلى معزوفة الباطن! فهي الحالة المميزة والملازمة للشخصية المتماسكة في كلّها، ومن ثم القائمة في وجدها ووجودها وعلمها وعملها بحالة التفكر العميق والخروج به إلى عوالم الكينونة الحرة. إذ كل حر عظيم مجنون، بينما ليس كل مجنون عظيم! فالجنون كما يقال فنون! وما كان مميزا لسفيان الثوري العالم المجتهد هو الانغماس في المعرفة والذوبان في تأمل حقائقها. الأمر الذي يجعله غريبا. والغريب مجنون!

وليس مصادفة أن تبتدع الثقافة الإسلامية الفكرة القائلة بغرابة وغربة الانبياء والمصلحين لمن حولهم، وبالتالي رفعت هذه الحالة الى مصاف المثل الاعلى كما في قولها "طوبى للغرباء!". اما في الواقع، فإن الغريب هنا قريب من دبيب الوجود وإشكالاته. ونعثر على هذه الحالة في الوصف الذي قال به احدهم "كنت اخرج مع سفيان الثوري، فما يكاد لسانه يفتر عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهبا وراجعا". في حين قال آخر عنه بهذا الصدد: "ما رأيت أحدا أصفق وجها في ذات الله من سفيان الثوري". لهذا نراه يقول مرة "اذا رأيتموني قد تغيرت عن الحال الذي أنا فيه، فاعلموا أني قد بدلت". وأن يقول في موقف آخر: "مثل المتعبد ببغداد كمثل المتعبد في الكنيف!".

لقد بحث سفيان الثوري عن الحقيقة في أعماقه وأعماقها فوجدها فيما اسميته بكوفة الحقيقة والمعنى، التي وجدت تعبيرها في توليف المعرفة بتحقيقها الذاتي. وقد يكون الزهد المتسامي بالعلم والمعرفة هو مظهرها الخاص عنده. ولعل الوصف الذي قدمه البعض عنه بهذا الصدد نموذجيا بكل ما فيه كما في قوله: "رأيت سفيان الثوري في طريق مكة، قوّمت كل شيء عليه حتى نعله: درهما وأربع دوانق!".(يتبع....)

***

 

ميثم الجنابي

 

 

صالح الطائي(موضوع كتبته بمناسبة إعلان الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي اليوم)

الصلاة عمود الدين، وهي أول ما أقر من أحكام العقيدة. وسورة الفاتحة عمود الصلاة، وهي أول ما تعلمه النبي (صلى الله عليه وآله)؛ لا تصح الصلاة المكتوبة إلا بالإتيان بها، ومع ذلك تجد المسلمين يختلفون في زمن نزولها إلى حد المهزلة والإسفاف، دون أن يلتفتوا إلى هذا المعنى. إذ أورد الشوكاني والسيوطي، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وميسرة وابن عباس والحسن وقتادة (رض)، قولهم: إنها مكية. وقد أخرج الواحدي في أسباب النزول، والثعلبي في تفسيره عن علي (رضي الله عنه) قال: "نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش"(2).

وأخرج أبو بكر بن الأنباري في المصاحف، عن عبادة، قال: "فاتحة الكتاب، نزلت بمكة". وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في دلائل النبوة، والثعلبي والواحدي من حديث عمر بن شرحبيل، أن رسول الله لما شكا إلى خديجة ما يجده عند أوائل الوحي، فذهبت به إلى ورقة، فأخبره، فقال له: إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد يا محمد، فأنطلق هاربا في الأرض، فقال: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه يا محمد، قل: بسم الله الرحمن الرحيم، حتى بلغ ولا الضالين الحديث".

بل قدمها أبو ميسرة، فوضعها في بدايات الطور المكي، كما في قوله: "أول ما أقرأ جبريل النبي فاتحة الكتاب إلى آخرها". ونجد ابن عباس يؤكد أنها نزلت بمكة بعد (يا أيها المثر)"( 3).

ومع ذلك تجد بينهم من ادعى أنها مدنية النزول، فمع أن نزولها في مكة من البديهيات، طالما أنها يجب أن تُقرأ في الصلوات، والصلاة نفسها فرضت في مكة قبل الهجرة، إلا أن جماعة منهم انبروا، وادعوا أنها مدنية!. واستدل من قال إنها نزلت بالمدينة بما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وأبو سعيد بن الأعرابي في معجمه، والطبراني في الأوسط من طريق مجاهد بن أبي هريرة: "رن إبليس حين أنزلت فاتحة الكتاب. وأنزلت بالمدينة"(4). ونقل السخاوي عن أبي هريرة، ومجاهد، والزهري، وعطاء بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر، قالوا: "نزلت فاتحة الكتاب بالمدينة. والأكثر على خلاف ذلك"(5).

وأراد قسم آخر منهم تسوية الأمور بالتراضي، وفق قاعدة تسطيح العقل الإسلامي، فادعوا تكرار نزولها، لهذا، أخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو نعيم في الحلية وغيرهم من طرق، عن مجاهد، قال: "نزلت فاتحة الكتاب بالمدينة، وقيل: إنها نزلت مرتين، مرة بمكة، ومرة بالمدينة، جمعا بين هذه الروايات"(6).

والقسم الرابع منهم، أراد أن يحل الإشكال على طريقة أبي بكر بن العربي في كتابه العواصم من القواصم، فادعى أن نصفها الأول نزل بمكة، ونصفها الآخر، نزل بالمدينة، حكى أبو الليث السمرقندي: "أن نصفها نزل بمكة ونصفها الآخر نزل بالمدينة"(7).

واكتفى الكرمي بقول: "مكية وقيل مدنية وهي سبع آيات"(8).

تجد كل هذا الاختلاف والخلاف الغريب حول مكان نزول سورة فاتحة الكتاب، في الوقت الذي كادوا أن يتفقوا فيه على أن الصلاة فرضت على المسلمين في صبيحة ليلة الإسراء في مكة قبل الهجرة، جاء عن أنس بن مالك(رض): قال النبي(صلى الله عليه وآله): "ففرض الله عز وجل على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك، حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت، فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق، فراجعت، فوضع شطرها، فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال هي خمس، وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلت استحييت من ربي"(9). وقال ابن كثير: "فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف، فرض الله على رسوله (صلى الله عليه وسلم) الصلوات الخمس، وفصل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك، شيئا فشيئا"(10). وهناك بينهم من تحدث عن إجماع العلماء على أن الصلوات الخمس لم تفرض إلا في هذه الليلة(11).

وفي الأثر أن أبا سعيد بن المعلى، وهو صحابي من الأنصار قتل ببدر(12)، ترك قراءة الفاتحة في صلاته، فدعاه النبي، لأن صلاته باطلة، فأعلمه مكان الفاتحة وشأنها(13).

تؤكد هذه الروايات بلا أدنى شك أن الفاتحة قديمة النزول لأنها من شروط صحة الصلاة التي فرضت في مكة. ومع ذلك يأتي من يروي أن أنصاريا كان يصلي بدون قراءة الفاتحة وأن النبي استدعاه وهو يصلي لكي يعلمها له، عن أبي هريرة أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) خرج على أبي بن كعب، فقال: رسول الله: يا أبي، وهو يصلي، فألتفت أبي، فلم يجبه. وصلى أبي، فخفف، ثم انصرف إلى رسول الله، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله: وعليك السلام، ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعونك؟ فقال: يا رسول الله إني كنت في الصلاة، قال: فلم تجد فيما أوحي إلي أن (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)؟ قال: بلى، ولا أعود إن شاء الله. قال: تحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله: كيف تقرأ في الصلاة؟ قال: فقرأ أم القرآن، فقال رسول الله: والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها"(14). وفي خلاصة القول نجد أن (الفاتحة) التي رُحِّلتْ حسب بعض أقوالهم إلى الطور المدني، هناك من يذكر أنها أول السور نزولا، بل سبقت (اقرأ) و(المدثر) في النزول(15).

ولأن المسلمين في غابر وحاضر تاريخهم لا يقوون على رد الحجة بالحجة غالبا، ويلجئون إلى الطريق الأصعب عادة، تجدهم يلجئون إلى التأويل والتعليل، ففيما يخص الحديث الذي أخرجه البيهقي وغيره، قال الرومي: إن هذا الحديث لا يدل على أن الفاتحة كانت أول ما أنزل، بل فيه دلالة على أن جبريل خاطب الرسول غير مرة.. وهذا الحديث مرسل لا يقوى على مناهضة حديث عائشة المرفوع(16).

المهم أن الذي تسبب بهذه الفوضى هي الأحكام الفقهية التي ولدت بعد عصر البعثة بزمن طويل، فمع أن فاتحة الكتاب أحد أهم أركان الصلاة المفروضة إلا أنهم اجتهدوا قبالة هذه الحقيقة مما خلق فجوة تتيح لمن يريد تأخير نزولها إلى الطور المدني أن يقول ذلك دون خوف، ومن يريد أن يقدمها إلى الطور المكي يقول ذلك دون خوف، فبعدما اختلفوا فيما إذا كان يتعين للقراءة في الصلاة فاتحة الكتاب، أم تجزئ هي أو غيرها؟ فقال الإمام أبو حنيفة ومن وافقه من أصحابه وغيرهم: إنها لا تتعين، بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه في الصلاة، واحتجوا بعموم قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن}(17)، وبما ثبت في الصحيحين، من حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته أن رسول الله، قال له: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، قالوا: فأمره بقراءة ما تيسر، ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها، فدل على ما قلناه. وذهب آخرون إلى أنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، ولا تجزئ الصلاة بدونها، وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم وجمهور العلماء؛ واحتجوا على ذلك بحديث: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج"(18). واحتجوا أيضا بما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن".

ثم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم ذهبوا: أنه تجب قراءتها في كل ركعة. وقال آخرون: إنما تجب قراءتها في معظم الركعات، وقال الحسن وأكثر البصريين: إنما تجب قراءتها في ركعة واحدة من الصلوات، أخذا بمطلق الحديث: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: لا تتعين قراءتها، بل لو قرأ بغيرها أجزأه، لقوله: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن}(19).

وقد طُبِّق أسلوب التعليل على باقي الروايات للغاية نفسها، إذ هناك حديث عن جابر بن عبد الله، يذكر فيه أن (المدثر) هي أول ما أنزل من القرآن: حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الصمد حدثنا حرب حدثنا يحيى قال: سألت أبا سلمة أي القرآن أنزل أول؟ فقال: يا أيها المدثر، فقلت: أنبِئتُ أنه اقرأ باسم ربك الذي خلق، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل أول؟ فقال: يا أيها المدثر، فقلت، أنبئتُ أنه اقرأ باسم ربك الذي خلق، فقال: لا أخبرك إلا بما قال رسول الله، قال رسول الله: "جاورت في حراء، فلما قضيت جواري، هبطت فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، فإذا هو جالس على كرسي بين السماء والأرض، فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا علي ماء باردا، وأنزل علي يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر"(20).

حيث عللها العسقلاني بقوله: "المراد بالأولية في قوله " أول ما نزل سورة المدثر " أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي، أو مخصوصة بالأمر بالإنذار، لا أن المراد أنها أولية مطلقة، فكأن من قال: أول ما نزل اقرأ، أراد أولية مطلقة، ومن قال: إنها المدثر، أراد بقيد التصريح بالإرسال، قال الكرماني استخرج جابر " أول ما نزل يا أيها المدثر " باجتهاد وليس هو من روايته، والصحيح ما وقع في حديث عائشة، ويحتمل أن يكون قوله في هذه الرواية " فرأيت شيئا - أي جبريل - بحراء ، فقال لي : اقرأ فخفت ، فأتيت خديجة فقلت : دثروني فنزلت يا أيها المدثر " قلت : ويحتمل أن تكون الأولية في نزول يا أيها المدثر بقيد السبب، أي هي أول ما نزل من القرآن بسبب متقدم وهو ما وقع من التدثر الناشئ عن الرعب، وأما اقرأ فنزلت ابتداء بغير سبب متقدم(21).

وقال الطبرسي في تفسير سورة العلق: "وأكثر المفسرين على أن هذه السورة أول ما نزل من القرآن، وأول يوم نزل جبرائيل على رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو نائم على حراء، علمه خمس آيات من أول هذه السورة. وقيل أول ما نزل من القرآن قوله: (يا أيها المدثر) وقيل أول سورة نزلت على رسول الله فاتحة الكتاب(22). وبالتالي يتضح من هذه الخلاصة وهذا الإيجاز الشديد أن هناك أقوالا غاية في الغرابة، ولكنها اعتمدت مصدرا تشريعيا لبعض الفرق الإسلامية.

إن الخلاف في هذه الجزئية يمثل نموذجا للخلاف الذي استشرى بين المسلمين حول مباني العقيدة، والذي أسهم في خلق الكتل، التي صارت كل واحدة منها تسعى لتكون الكتلة الأكبر فيتسنى لها قيادة المجتمع حتى ولو قادته إلى النار! ولذا لا تستغربوا إذا ما كان السعي وراء تشكيل الكتلة الأكبر قد امتد إلى يومنا الحاضر طالما أنه يملك قوة الموروث.

 

صالح الطائي

.....................

هوامش

(1) الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، ج1/ص17، والسيوطي، الدر المنثور، ج1/ص6.

(2) الواحدي، أسباب النزول...

(3) السخاوي، جمال القراء وكمال الإقراء، ص5354.

(4) الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، ج1/ص17.

(5) السخاوي، جمال القراء وكمال الإقراء، ص5253.

(6) الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، ج1/ص1718.

(7) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1/ص101.

(8) الكرمي، مرعي بن يوسف بن أبي بكر، قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن، كتاب إلكتروني بدون ترقيم.

(9) البخاري، صحيح البخاري، ص87، حديث: 349.

(10) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج5/ص67.

(11) ينظر: موقع الإسلام سؤال وجواب، جواب: 143111.

(12) العسقلاني، ابن حجر، (ت: 852ه)، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، 1425ه 2004م. ج4/ص2247، ترجمة: 10011.

(13) ينظر: السخاوي، جمال القراء، ص115.

(14) السخاوي، المصدر نفسه، ص114115.

(15) البيهقي، دلائل النبوة، ج2/157158، السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج1/ص1920، والسيوطي، الخصائص الكبرى، ج2/ص119.

(16) الرومي دراسات في علوم القرآن، ص253.

(17) المزمل: 20.

(18) الخداج: الناقص.

(19) ينظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1/ ص108 109.

(20) العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن سورة المدثر، باب قوله: وربك فكبر، ص545546، حديث: 4640.

(21) العسقلاني، المصدر نفسه، ص456.

(22) الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج10/ ص306307.

 

ميثم الجنابيتقديم عام للبحث: إن إحدى القضايا الجوهرية الضرورية بالنسبة لتأسيس وعي الذات الثقافي والرؤية العقلانية، والنقدية الواقعية تفترض "تنقية" التراث مما علق به من تشويه متنوع الأشكال والمواقف، إضافة إلى "تفسيره" المعاصر بمعايير الماضي المتكلسة وبعض قيمه السقيمة. وهي المهمة التي أسعى لتحقيقها من خلال إعادة النظر النقدية بمختلف جوانب التاريخ العربي الإسلامي. وسلسلة المقالات والأبحاث التي اكتبها وانشرها تحت عناوين (شخصية ومصير) و(شخصيات من التراث) و(شخصيات صوفية) وغيرها ترمي الى هذه الغاية.

إن مهمة هذا النوع من الكتابة تقوم في حلّ التحنيط المذهبي والعقائدي للشخصيات التي لعبت دورا هائلا في إرساء أسس الثقافة العقلية والعقلانية، والعاملة من أجل تأسيس فكرة الحق والشرعية والنزعة الإنسانية وفكرة الحرية. إضافة إلى تأسيس نمط نوعي آخر في التعامل مع التراث وشخصياته. إذ أغلب ما يكتب بهذا الجانب من مقالات وأبحاث "لا تحصى" مجرد تكرار سمج وممل لمعلومات تطفح بها الكتب التقليدية. ومن ثم يمكن اختصار كل الف مقال وبحث في مقال وبحث واحد، وهذا بدوره مجرد استفراغ مباشر لما في بطون الكتب التاريخية!

بينما المهمة الحالية والمستقبلية تقوم في تحليل ونقد الشخصيات التاريخية الثقافية الكبرى من أجل إعادة دمجها في الذهنية المعاصرة. وهي مهمة تهدف بقدر واحد إلى إرساء أسس الرؤية النقدية والعقلانية تجاه الماضي لما له من أثر كبير بالنسبة لبلورة الوعي الاجتماعي والسياسي الحديث، وكذلك بالنسبة لبلورة وعي الذات الثقافي والقومي المعاصر.

إذ لم يتعرض التاريخ الإسلامي وتراثه الهائل إلى مخاض النقد العقلاني العميق والمتناسق والمنظومي. فالتيارات الدنيوية (العلمانية) أما لا تفقه فيه شيئا أو أنها تعتقد، لأسباب منهجية وسياسية مستلبة، بأنه غريب عنها بالقدر الذي هي غريبة عنه، مما أدى إلى تصنيع اغتراب مزدوج، ملأته "اجتهادات" الفكر الديني المعاصر "بحداثة" مفتعلة أو بنكوص أشد صوب بنية تقليدية أشد تحجرا. الأمر الذي أدى ويؤدي بصورة متزايدة إلى تشويه الوعي الاجتماعي بمختلف مجالاته ومستوياته.

وفيما يخص سفيان الثوري فقد حقق في ابداعه الفكري وحياته العملية احد النماذج المعتدلة والعميقة لنقد الاستبداد السياسي ومذاهب التفرقة والصراع غير العقلاني، أي أحد النماذج الكلاسيكية في مواجهة تقاليد الاستبداد والعنف الذي رافق صعود الخلافة الأموية أولا والعباسية لاحقا، ومن ثم في اغلب نماذج السلطة الإسلامية على امتداد زمنها. الأمر الذي جعل التاريخ الإسلامي يجري في شقين متوازيين ولكل منهما عالمه الخاص، ألا وهو زمن السلطة والسلطان، وتاريخ العقل والوجدان الصادق. إذ طغى زمن السلطة على مظاهر الحياة والعقائد والسلوك والإيمان، بينما بقي تاريخ الروح والعقل الحر يفعل في قاع الوعي النقدي والضمير الحي. وهي الحالة التي مازال العالم العربي يعاني منها، بمعنى عدم خروجه من "مرجعياتها" القذرة.

حدد كل ذلك ما يمكن دعوته بهيمنة وسيادة الفقه والابتذال الديني العقائدي لكل شيء من جانب الفكر الخنوع والمراوغ والرياء غير المحدود "لعلماء السوء" كما وصفهم الغزالي في عدد من مؤلفاته. وقد تكون مدارس الفقه الإسلامي السائدة (باستثناء نسبي لأبي حنيفة) وتيارات الكلام (باستثناء المعتزلة)، وتيارات الفكرة السياسية (باستثناء الخوارج والشيعة الأوائل، أو ما يطلق عليهم تسمية الروافض). اذ استجاب و"يستجيب" جميعها بصورة مباشرة عبر دعم مختلف أصناف الفكرة الداعية لتقديس الخليفة والخلافة والإمامة وعدم المساس بها رغم جلاء خروجها على أحكام الشريعة (القانون)، أو بصورة غير مباشرة من خلال التأسيس لما يسمى بسد "باب الاجتهاد" وتعظيم التقليد ومحاربة العقل أو التقليل من شأنه مقارنة "بالشرع"، والانتقاص والذم لمضمون ووظيفة العلوم النظرية والفلسفية والطبيعية، أي كل ما يؤدي إلى اخماد العقل النقدي والروح الحر والضمير الحي في مواجهة إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة والثقافة. وكان هذا في أغلبه من نصيب ما يسمى "بأهل السنّة والجماعة". فقد كان إلهها ومعبودها الخنوع أمام السلطة بشكل عام والجائرة بشكل خاص. بينما حقق التيار الآخر، أو ما اسميته بتيار التاريخ العقلي والوجدان الصادق، أي المخلص لمبادئ "الإيمان الحي"، الذي يمكن اعتبار سفيان الثوري وأمثاله أحد نماذجه الأولية الكبرى في التاريخ الثقافي لعالم الخلافة الإسلامية، أي كل ذلك الرعيل الذي بلور روح الثقافة الإسلامية الحية والكونية ونزوعها الإنساني والعقلي والعقلاني.

وما زالت هذه الحالة سائدة لحد الآن كما نراها في الكمية الهائلة من مزابل الفتاوى الحنبلية وبالأخص مزبلة ابن تيمية والوهابية المحدثة وما قبلها من وهابية البدو النجدية ومشايخ النكاح والسفاح، و"زعماء وقادة" الاستبداد والانحطاط.

***

سفيان الثوري- أصله ومنشأه وحياته الشخصية

هو ابو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري التميمي (97-161 للهجرة). ولد في الكوفة وتوفي في البصرة. وتربى في عائلة تتسم بالعلم والمعرفة والأدب الإسلامي الرفيع. فقد كان والده من محدثي الكوفة الثقات، ومن أصحاب الشعبي وخيثمة بن عبد الرحمن. وكلاهما من ثقات الحديث الكوفيين. كما يشار إلى أثر أمه في تربيته وسمو اخلاقه. إذ ينسب اليها مخاطبته اياه في نشأته الاولى:"اذهب فاطلب العلم حتى أعولك بمغزلي. فإذا كتبت عشرة أحاديث فانظر هل تجد في نفسك زيادة فاتبعه، وإلا فلا تتعن". وأثر كل ذلك على تربية حب المعرفة وطلب العلم وسمو الروح الاخلاقي. فقد قام برحلات عديدة الى مختلف مناطق الخلافة من اجل طلب العلم والعرفة. بحيث قال عن نفسه مرة انه حالما أراد طلب العلم، فانه خاطب ربه قائلا:يا رب! لا بد لي من معيشة!" ووجد جوابه في رؤيته عن تلاشي واندثار العلم فقرر البحث عنه وفيه. ووجد في ذلك كفاية الكفايات. وهكذا ظل كما يقول عن نفسه مدى الحياة. وفي مجراها كانت حياته تترامى ما بين العمل والهروب من السلطة والعيش بمعايير المعرفة والعلم. وليس مصادفة أن يقال عنه بانه كان نموذجا لوحدة العلم والعمل. فقد كانت حياته علمه، وعلمه عمله.

حقق سفيان الثوري في ذاته وحياته ومماته الخصائص الجوهرية للكوفة في مراحل صعودها وصمودها في الصراع الدامي لصيرورة الخلافة العربية الإسلامية. فقد كانت هي صانعة القواعد الأولية للتفكير السياسي والروح النقدي واللغة العربية، أي المكونات الجوهرية المميزة لمراحل الانتقال الكبرى في تاريخ الإسلام وعقوله الثقافية، أو ما ادعوه باللحظة التأسيسية للتاريخ الذاتي.

وهذا بدوره لم يكن معزلا عن تاريخ وحالة التشيع المميزة للكوفة التي نشأ بها وترعرع. وبغض النظر عن ابتعاده ونقد للأبعاد المذهبية الضيقة في التشيع العملي، إلا أن وهج المواجهة النقدية والعملية والسياسية للطغيان والاستبداد كان محكوما بأثر التشيع. اما الأحكام القائلة بانه ترك التشيع حالما ذهب إلى البصرة متأثرا بأيوب السختياني وعبد الله بن عون فلا نصيب لها من الصحة. لقد كان ذلك بأثر تطوره الفكري العقلي والروحي والعملي الذي اوصله الى صيغة متميزة في الموقف من الاعتدال والتسامح والتشدد والوحدة والوسطية.

فللمدن تاريخها الخاص واثرها المخصوص في صيرورة شخصياتها الكبرى، تماما بالقدر الذي تتكامل هي في علمها وعملها وخيالها الشعبي باثر دورهم الظاهري والباطني في كينونتها التاريخية الثقافية. إذ كانت الكوفة من حيث صيرورتها الاولية الكف الذي لم يستطع الاستبداد الاموي كسر اصابعه، بل تحول الى كفوف تتراءى من خلالها انكفاء السلطة وراء العنف والقهر والاستبداد، ومن ثم التمتع من وراء هذا الستار الواقي للروح بالعزف على اوتار قصائد التحدي وعزة المروءة والفتوة. فقد كانت الكوفة في ذروة فتوتها العقلية والعلمية والروحية والسياسية. إذ مرت بذبذباتها المميزة لمراحل الانتقال العاصفة في تاريخ الخلافة من مقتل الحسين بوصفها الهزيمة الروحية الكبرى لفكرة الحق في التاريخ الاسلامي الأول الى اعادة الاعتبار للنفس بعد هذه الهزيمة في انتصار شعار وفكرة الثأر للروح الخذول كما جسدتها ثورة المختار الثقفي. لهذا أمتلئ كيانه وكينونته باثر هذا التاريخ المرير والجليل. فقد ولد هو في نهاية القرن الاول للهجرة فيها، كما ولد المختار الثقفي في بدايته. لقد كان ذلك قرن العظمة والانحطاط، الذي كسر واعاد لحم انكساراته في شخصياته الكبرى وابداعهم النظري وسلوكهم العملي. بحيث وجد تعبيره في شخصية سفيان الثوري. فقد نشأ في كوفة الروح والمعنى. إذ كانت الكوفة في ذلك العصر ليس فقط مركزاً من مراكز العلم، بل ومركز الرفض الروحي والاخلاقي والسياسي للاستبداد وانحراف الخلافة صوب الملوكية، والشورى صوب الاستبداد السلطوي. وفي هذا يكمن سر الروح المعارض لسفيان الثوري. إذ أرست فيه الكوفة وتقاليد التشيع الاول روح التحدي والمواجهة للسلطة حتى النهاية. لكنه سلك ذلك بطريقته الخاصة بوصفه مثقف الروح الحر والاخلاص للحق والحقيقة

جسّد سفيان الثوري احدى الحالات المأساوية في تاريخ فكرة الحق والدولة والسلطة. والقضية هنا ليست فقط في نوعية حياته المتخفية والمشردة والطريدة والسرية، وموته المخفي عن عيون الانام والانعام، بقدر ما كانت تكمن في تعرض الدور التأسيسي لفكرة الحق الشرعي والاجتهاد الحر والنزعة الاخلاقية الصارمة الى مهانة قاسية من جانب السلطة. فالروايات المحققة بهذا الصدد تقول، بانه حالما مات سفيان جرى بالليل للدفن خوفا من تتبع عيون السلطان. فحملناه بالليل". ليس ذلك فحسب، بل وجرى دفنه بسرعة بحيث لم يشهد دفنه بالصلاة عليه!!. وقد كانت تلك خاتمة العلاقة التي اختتم بها حياته الفردية والعامة، اي حياته الشخصية وعلاقته بالدولة وسلطانها واعوانها. فقد هرب اخر حياته الى البصرة وعمل بالبساتين. وتنقل احدى الروايات كيف ان الطبيب الذي فحصه وهو في مرضه قائلا: "أرى بول رجل قد احرّ الخوف كبده والحزن جوفه"، وفي رواية اخرى عن احد المقربين منه قال فيها "مرض سفيان فذهبت بمائه إلى الطبيب فقال: هذا بول راهب، هذا رجل قد فتت الحزن كبده، ما له دواء".

اذ اختفى وتخفى سفيان الثوري اواخر حياته نحو سنة هربا من السلطة. وتنقل لنا الروايات المحققة بهذا الصدد الحالة المحزنة والفريدة في غياب الشخصية الفكرية الرفيعة التي ابت الخنوع والانكسار وفضلت الاختفاء بالجسد والبقاء بالروح. بمعنى البقاء والمواقف مع النفس والعالم بمعايير الاخلاص للحق. وتنقل لنا الراوية المشهد التالي: غدونا على قبره ومعنا جرير بن حازم، وسلام بن مسكين من أئمة العلم. فتقدم جرير وصلى على قبره ثم بكى وقال:

إذا بكيت على ميت لمكرمة    فابك غداة على الثوري سفيان

وسكت، فقال عبد الله بن الصرباح:

أبكي عليه وقد ولى وسؤدده       وفـــضله ناظر كالغســل ريان

لقد بكاه ذوي الاخلاص وطير الخلاص، كما نعثر عليه في احدى الصور الواقعية التي قد لا تخلو من الخيال المرهف والرمزية المتسامية، التي تحكي كيف انه شاهد بلبلا محبوسا لابن صاحبه فقال له:

- لو خلى عنه!

- هو لابني. وهو يهبه لك

- لا! ولكن اعطيه دينارا

فأخذه وخلى عنه. فكان البلبل يذهب فيرعى ويجيئ بالعشى. فيكون في ناحية البيت. فلما مات سفيان تبع جنازته فكان يضطرب على قبره. ثم اختلف اليه بعد ذلك ليالي الى قبره. فكان ربما بات عليه وربما رجع الى البيت. ثم وجوده ميتا عند قبره فدفن الى جنبه وقبل معه في القبر.

اننا نعثر في هذه الصورة الواقعية - الخيالية على رمزية الحرية والأنا المتسامية، أي كل ما لازم شخصيته. أما لماذا جرت هذه الحالة التي تبدو في كل مكوناتها سلوكا معارضا ومضادا لعلاقة الإسلام ومنطق الحق، فإن سببها يكمن أولا وقبل كل شيء في طبيعة السلطة ونوعية تبلورها في ظل الهيمنة الأموية التي حرفت مسار التاريخ المحتمل للخلافة بكل ما فيه، مع ما ترتب عليه من حالة وضعها سفيان الثوري في عبارة تقول "هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان!"

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

عدنان عويدما هو الإسلام الذي نريده؟. أو ماذا يريد منا الإسلام الصحيح؟.

يتبين معنا من كل ما جئنا إليه في هذه الدراسة من رؤى وأفكار ومواقف أيديولوجية أو سياسية دينية تتعلق بالخطاب الإسلامي وتياراته، أو طبيعة الصراع الذي دار ولم يزل دائراً بين ممثلي هذه التيارات الفقهية والمذهبية والكلامية حتى هذا التاريخ، والذي كان سببه كما بينا في موقع سابق من هذه الدراسة هي السلطة أو الخلافة ممثلة بمصالح الطبقة الحاكمة وفقهائها ممن في قلوبهم زيغ، الذين اتكأوا على الآيات المتشابهات كثيراً، بغية الفتنة وتأويل النص لمصالح أنانية ضيقة، ضاربين عرض الحائط مضمون الآية السابعة من سورة آل عمران التي جعلنا منها منطلقاً لهذه الدراسة، ومتناسين أيضاً حديث الرسول الذي يلتقي مع هذه الآية وهو: (القرآن ذلول ذو وجوه متعددة، فخذوه على وجهه الحسن.). وهذا في الحقيقة ما يبعث فينا التساؤل عن طبيعة الإسلام الذي نريده، أو ماذا يريد منا الإسلام الصحيح؟. وما هي مقاصده وأهدافه التي نطمح إلى تجسيدها في واقعنا كي نتجاوز واقعنا المتخلف حضارياً، ووعي أبنائه الذي سيطرت عليه الثقافة الشفوية بلبوسها الفقهي السلفي المفوّت حضارياً وتاريخياً بسبب رفض الكثير من دعاته فتح باب الاجتهاد، منذ أن رُسمت لنا هذه الثقافة وجُذرت في وعينا مع نهاية النصف الأول للقرن الثاني للهجرة، (تاريخاً، وفقهاً، وعلم كلام، وتفسيراً ومغازي وحديثاً). أي مع بداية ما سمي بعصر التدوين في تاريخ الدولة الإسلامية، والذي حقق في معطياته الثقافية ورجاله صفة التقديس، بل إن النص المقدس نفسه (القرآن) تنحى عند بعض مريدي مشايخ ذاك العصر أمام ما أقره مشايخ الفكر والفقه السلفي التكفيري من السنة والشيعة من دعاة الفرقة الناجية سابقاً.

تستوقفني هنا مقولة رائعة في دلالاتها للمصلح الديني الكبير " مارتن لوثر" تقول: (لا يمكنني أن أتحمل أية قاعدة أو صيغة جاهزة يُفرض علينا التقيد بها من أجل تفسير الكتابات المقدسة، ذلك أن كلام الله الذي يُعَلِمْ كل حرية لا يمكن أن يكون سجيناً.).

وهذه المقولة لها ما يؤكد جوهرها الفكري في الآية القرآنية التالية : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.). (البقرة -260).

نعم.. إن مثل قول "مارتبن لوثر" في الدعوة لحرية الرأي والعقل، ورفض اليقين حتى في العقيدة، كان وراء ثورة دينة حطمت كل التفكير اللاهوتي السكوني الجبري المعادي للدين والمتدينين، بعد أن حُجر على النص المقدس وعلى إرادة وحرية الإنسان معاً مئات السنين، فكان وراء تحرير النص وحرية الإنسان وإرادته تطور العالم الحر ووصوله إلى مصاف التقدم والرقي في مجال استخدام العقل. الذي أمرنا الله نحن المسلمين أن نأخذ به كما جاء في الآية التالية : (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ). (الأعراف - 179). إلا أن هذا التقدم والرقي بنظر رجال الفكر السلفي من دعاة الفرقة الناجية والحاكمية، لم يزل ينظر إليه حتى اليوم فكر زناديق وكفرة، كونه لم يفتتح برضى الشريعة الإسلامية أو وفق فهم دعاة أصحاب الفرقة الناجية لها. وهذا في الحقيقة ما يدعونا نحن أمام هذا الحجر ذاته الذي يمارس على عقولنا وإراداتنا منذ مئات السنين، أن نحقق ثورة حقيقة في خطابنا الإسلامي التقليدي الوثوقي الذي أوقف باب الاجتهاد وجعل الواقع مرتبطاً بما حدده لنا فقهاء الفرقة الناجية، الذين اعتبروا كل ما يوافق العقيدة والشرع في خطابنا الإسلامي الذي (فهموه هم) بأنه حلال وشرعي ومباح، وكل ما يخالف فهمهم حرام ومنافي للشرع ومحرم، وبالتالي هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

إن أول وأهم أسس هذه الثورة التي نريد تجديد خطابنا الاسلامي عبرها هي : رد الاعتبار للإيمان الصحيح المبني على العقل وحرية التفكير والاعتقاد بعيداً عن أي قسر أو إكراه، (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي). (البقرة – 256). .. (قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل.). (يونس – 108). أو الرضوخ لأي تقليد أعمى يفرضه عليك الآخرون دون النظر فيه ومعرفة مدى قدرته على تحقيق مصالح الناس وموافقته لخصوصيات العصر، أو المرحلة التاريخية المعيوشة.

إن مثل هذا التأسيس سيعمل ويجب أن يعمل على تأكيد أهمية الفرد واستقلاليته الذاتية بعيداً عن أية نمذجة لهما وفقاً لقياس المذاهب والمدارس الفقهية والفكرية السكونيّة الرافضة للتغير والتطور، والمكفرة للمختلف والداعية إلى قتله وتحليل دمه وماله باسم الفرقة الناجية، هذه المذاهب الجمودية في رؤيتها التي أوقفت حركة التاريخ لمصلحة فهمهم للنص المقدس في مراحل زمنية تجاوزها التاريخ نفسه فكراً وممارسة وقضايا، فرضت على وعي المؤمن صورة لخالق هذا الكون، بأنه لا يعرف إلا النار وجهنم والعقاب الصارم في كل لحظة... صورة الإله الذي يحاصر المؤمن بالخطيئة والذنب إلى درجة لا يترك له أملاً في هذه الحياة، متناسين قوله تعالى: (إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون.). يونس. (44).

إن التأسيس الذي جئنا عليه هو الذي سيفتح النص المقدس على كل دلالاته الإنسانية بعد أن يتم البحث في مخزونه الإنساني وقيمه الروحية القائمة على المحبة والعدل والمساواة، وذلك لا يتم إلا من خلال أخذنا واستلهامنا مضامين الآيات المحكمات من القرآن الكريم. وبعيداً عن التعامل بمزاجية ومصلحية مع ما نسخ منه وما لم ينسخ، كما حاول أصحاب الفرقة الناجية التعامل معه، فالذي نسخ الآيات وبدلها هو الله، والله يقول في الآية السابعة من آل عمران كما بينا سابقاً، إن هناك آيات محكمات وأخر متشابهات، والراسخون في العلم يقولن آمنا بها وكلها من عند الله، ولم يقولوا ننسخها ونؤولها كما نريد وكما يريد أصحاب من في قلوبهم زيغ. بل يقولون علينا أن نأخذ بالآيات التي تدلنا على العدل والمحبة والمساواة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعلينا أن ننظر دائماً إلى روح النصوص المشبعة بالإنسانية وليس النصوص المشبعة بالقتل والذبح وحصار الاخرين أطفالاً ونساءً وشيوخاً، و وحصارهم وتجويعهم فقط لآنهم لا يلتقون معهم في فهم الدين. وعلينا أيضاً أن نقر بأن الأحكام تتجدد بتجدد الأزمان، لا كما يقول بعض المتكلمين من هذا التيار الجمودي: (بأن النص ينطق ولا يستنطق.). وعلينا أن نفتح باب الاجتهاد على مصراعيه كي يتفق هذا الدين العظيم مع تطور الواقع الذي نزل أساساً من أجل تغييره، وما تجربة "عمر بن الخطاب " في الاجتهاد في عام الرمادة والمؤلفة قلوبهم وتوزيع أراضي السواد، إلا دليلاً على هذا الموقف العقلاني من النص الديني وإمكانية فتحه على كل مخزونه الإنساني. وهذا حديث للرسول يتوافق والفهم الحقيقي للدين وقابليته لفتح باب الاجتهاد، حيث يقول الرسول: (من سن سنة في الإسلام حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن يُنتقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده دون أن يُنتقص من وزرها شيء.). (عن أبي هريرة –رواه مسلم).

من هذا المنطلق العقلاني في تعاملنا مع النص المقدس وما أحاديث الرسول المتفقة مع هذا النص، ومع الرؤى الفكرية العقلانية التنويرية لفلاسفة ومشايخ الدين العقلانيين كابن رشد والفارابي وابن حزم وابن خلدون ومحمد عبدو والأفغاني والكواكبي وعلي عبد الرازق وماجد الغرباوي وغير هم الكثير ماضياً وحاضراً، ستولد حركة فكرية نقدية تجديدية تعطي الأهمية أولاً للعقل وللتجربة الحياتية المباشرة للفرد والمجتمع. إن مثل هذا التأسيس سيؤدي في نهاية المطاف إلى بناء الدولة العقلانية القائمة على فكرة المواطنة والمؤسسات والقانون والمشاركة السياسية وفقاً لـ (وأمرهم شورى بينهم)، ووفقاً لما قال به أول خليفة وهو "أبو بكر" : (وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني.). أو كما قال الخليفة الثاني "عمر بن الخطاب": (إن رأيتهم فيّ اعوجاجاً فقوموني.). وليس بناء الدولة القائمة على الملك العضوض أو خلافة حاكمية الفرقة الناجية التي تقول بأن أصحابها هم النخبة التي اختارها الله فقط لتحقيق شريعة الله على هذه الأرض.

إن الإسلام الذي نريده في نهاية المطاف، هو الإسلام المبني على كل ما جئنا إليه أعلاه، وهو الذي كونه يساهم في توسيع دائرة المباح بما يخدم حياة الإنسان وتطوره، وتقليص دائرة الإلزام التي تحجر على حرية الإنسان وإرادة وتضييق مصالحه وحاجاته الإنسانية، وتعمل على سجن النص المقدس نفسه والإنسان معاً بقوالب فكرية جاهزة تجاوز الزمن الكثير منها فكراً وممارسةً، دون أن نغفل أو ننكر أن هناك مواقف فقهيةً عقلانيةً بين طيات كتب فقهاء السلفية، لها أهميتها، وعلينا تبنيها والأخذ بها طالما هي تعتمد على العقل والمنطق، كما علينا أن نقدر لهؤلاء الفقهاء والمتكلمين تلك الجهود العظيمة في عملهم الشاق والدؤوب في تأصيل علوم الدين وفي مقدمتها قواعد وأصول الفقه، في مرحلة تاريخية حلت فيها الفوضى الفقهية ودخول الدين عبر تفسيره وتاويله الكثير من الرؤى والأفكار الغريبة عن الدين بسبب ثقافات الشعوب الكثيرة التي انضوت تحت مظلة الخلافة الإسلامية وراح مفكروها ورجال دينها يمارسون الشعوبية على العرب والإسلام معاً.

علينا أن نقدر جهود كل من عمل من فقهاء ومتكلمين وفلاسفة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، على الخروج من دائرة (القياس الجزئي على الجزئي). إلى دائرة (القياس الجزئي على الكلي أو العام) كما فعل "ابن حزم". أو من طور في مفهوم الاجماع، ولم يعد يقتصره على علماء أهل المدينة فقط، بل فتح الباب التاريخي له فهناك من رجال الدين وعلمائه المعاصرين من أكتسب معارف العصر بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية وراح يوظف هذه المعارف في خدمة النص الديني كي يوافق خصوصيات العصر ومصالح الناس المتطورة والمتبدلة، أو أعاد قراءة الحديث من جديد وعمل على تناول كل حديث يتفق ورح الآيات المحكمات، أو روح العلم والمنطق والعقل، رافضاً تقديس ما قدسه أهل الفرقة الناجية، وكل ما يقف عائقاً أمام حرية العقل والإرادة الإنسانية أو مستخدماً قواعد واصول الفقه الفرعية مثل المصالح المرسلة، والاستحسان، وسد الذرائع، ومراعات الخلاف، واعتماد المصلحة وتقديمها، وغيرها من القواعد والأصول، التي فسحت في المجال واسعاً أمام الراي واحترام العقل والإنسان ومصالحه الخيرة. ففي مثل هذا التوجه، سيرتفع سقف التكاليف فوق فضاء واسع من الحرية واحترام الآخر، واحترام العقل الإنساني دون أن ينتقص ذلك من حرارة الإيمان بالله شيئاً.

إن الله عز شأنه يريد بالناس اليسر ولا يريد بهم العسر. وبالتالي حد الدين من التنطع في الدين، وهذا ما أشار إليه حديث الرسول الكريم أيضاً بقوله: (إن أعظم المسلمين بالمسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم عليه، فحرم عليهم من أجل مسألته.). (رواه مسلم).. أو قول الرسول أيضاً : (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وعفا عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا فيها.). [حديث حسن، رواه الدارقطني في سننه:].

نعم الأصل في الأشياء الاباحة كما تقول القاعدة الفقهية. وأهم شيء في هذا الأصل هو تأكيد حرية الإنسان من أجل تحقيق مقاصد الدين الحقيقة في بناء الفرد والمجتمع والدولة وفقاً لحاجات الزمان والمكان.

إن حاجات الإنسان ليس لها حدود، فالإنسان أساساً هو مركب حاجات مادية ومعنوية/ روحية، وتنميتها تأتي وفقاً لمفاهيم العدل والمساواة والمحبة بين الناس، التي يفرضها تطور الزمان أيضاً، فجوهر العدل والمساواة والمحبة واحد، وجوهر كل القيم النبيلة واحد، إن كان ما جاء به النص المقدس، أو وفقاً لما يراه العقد الاجتماعي، والناس أدرى بأمور دنياها كما يقول الرسول. نعم إن الناس أدرى بشؤون دنياهم، ومصالحهم تتحقق عبر التداول أو التشاور بينهم، والشورى في التعبير السياسي المعاصر هي الديمقراطية، والديمقراطية مشاركة في بناء المجتمع وتداول سلطة، وليست قميص عثمان. فهذا كتاب الله يعلمنا الشورى وتداول الراي حيث تقول الآية الكريمة على لسان بلقيس: (قالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ. إنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ.). (النمل – 29 حتى 33).

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحت من ديرالزور- سورية

.............................

1- د.فرج فوده- الحقيقة الغائبة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- 1992- ص 65

2- - عبد الجواد ياسين- السلطة في الإسلام – المركز الثقافي اعربي – ط1- 1998- ص 284.

3 -عبد الجواد- المرجع نفسه- ص 291.

4- عبد الجواد ياسين – المرجع نفسه- ص 291.

5- حسن ابراهيم حسن – تاريخ الإسلام- ج1- ص 410.

6- عبد الجواد ياسين – مرجع سابق- ص 27.

7- أبو يعلي الفراء- الأحكام السلطانية- دار الكتب العلمية بيروت- 1983- ص 20. يراجع أيضاً عزيز العظمة- العلمانية من منظور مختلف-ص 42.

8- التفتزاني- شرح العقائد النسفية- ص448.

9- التفتزاني- شرح العقائد النسفية- ص448.

10 - فرج فودة – الحقيقة الغائبة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- ص58. نقلاً عن السيوطي –ص82 .

11- فرج فودة – الحقيقة الغائبة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- ص58. نقلاً عن الطبري. ج2- ص 108 و109.

12- يراجع موضوع القضاء والقدر عند السلفية كتاب (القضاء والقدر)- تأليف عبد الحليم محمد قنبس، ووخالد محمد العكك- دار التاب العربي –دمشق دون تاريخ نشر.

13- محمد سعيد العشماوي- الإسلام والسياسة- سينا للنشر – 1987-ص80 وما بعد.

14 -عبد الجواد ياسين مرجع سابق. ص128.

15- جواد ياسين المرجع نفسه- ص128.

16- جواد الياسين – السلطة في الإسلام- مرجع سابق. - ص 69

17- قول معوية وأبي جعفر – جواد ياسين مرجع سابق.

18- أحمد امين فجر الإسلام – ج دار التاب العربي- بيروت -1969- ج3- ص 380 وما بعد.

19- يراجع عن مسألة القضاء والقدر وحرية الإنسان (ونظرية البداء) – كتاب – آية الله الشهيد المطهري- الإنسان والقدر- منظمة الإعلام الإسلامي 1303هـ.

20- أحمد امين فجر الإسلام –مصدر سابق- ص267.

21- فجر الإسلام المرجع ذاته- ص 263.

22- نهج البلاغة – بيروت- 1982- راجع من ص477 حتى 479.آخر الجزء الثاني.

23- أميل توما- الحركات الاجتماعية في الإسلام – الفارابي- بيروت- 1981- ص 101.

24- أحمد أمين – ضحى الإسلام- دار الكتاب العربي- بيروت- 1969- ص173.

.

عدنان عويدالإشكالات الفكرية، عقيدة وفقهاً في الخطاب الإسلامي السلفي:

دعونا بدية نشير إلى مسألة على غاية من الأهمية تتعلق بمن جعلوا من أنفسهم حماة الدين والمعبرين عن وجهه الصحيح، حتى وصل الأمر إلى اعتبار بعضهم أنهم وحدهم من امتلك ناصية الحقيقة في فهم الدين والتعبير عنه، ووصل ما قالوه أو أفتوا به أو فسروه أو أولوه كذلك عند مريديهم إلى درجة التقديس.

نقول: من السقيفة ظهر علينا التزوير والانتحال والتقول على لسان الرسول في أهم مسألة في الخطاب الإسلامي وهي مسألة (الخلافة)، التي حصرها بعض المتصارعين على السلطة في السقيفة بأنها في قريش فقط، ليأتي فيما بعد من يضع الأحاديث في هذا الشأن خدمة للبيت الأموي والعباسي. فقد جاء في الصحيحين عند مسلم والبخاري: (لايزال هذا الأمر في قريش ما تبقى من الناس إثنان)، وهذا الحديث في الحقيقة يخالف تعاليم الإسلام من جهتين. الأولى: بأن الإسلام لم يحدد طبيعة الحكم وشكله ونظامه. والثانية: لأن الله سبحانه وتعالي يقول (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (13 - الحجرات) وكذلك قول الرسول: (لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى.). (رواه أحمد والطبراني). وهذا الخليفة عمر ابن الخطاب يؤكد ذلك في حديث له كما تذكر المصادر التاريخية بقوله: (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لوليته.). (1). فمسألة الأخذ بكل حديث وفقاً للسند وليس للمتن، ترك إشكالات ليس لها حدود في الخطاب الإسلامي. فكيف نستطيع التصديق مثلاً بأن كل ما جاء في الصحيحين صحيح لا غبار عليه حتى يتحول في المحصلة كل ما فيهما من أحاديث إلى نصوص مقدسة؟. فلنتابع مع النووي حديثه عن الصحيحين ونضعهما في ميزان العقل والمنطق ونرى مدى توافق ما قيل عن الصحيحين وقوانين العقل . يذكر النووي في التغريب: (ذكر الشيخ ابن صلاح أن ما روياه أو أحدهما مقطوع بصحته. والعلم القطعي حاصل.).. كما زعم إمام الحرمين "الجوني" إجماع علماء المسلمين على ذلك وقال: (لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن كل ما في الصحيحين مما حكما بصحته من قول النبي (ص)، لما ألزمه الطلاق.). ويذكر السيوطي أن قول ابن صلاح هذا قول أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة وأكثر أهل الكلام من الأشعرية والشافعية كأبي اسحق وأبي حامد السفراييني والقاضي أبو الطيب وأبي اسحق الشيرازي، ومن الحنفية كالسرخس، ومن المالكية كالقاضي عبد الوهاب، ومن الحنابلة كأبي يعلي وابن الخطاب وابن الغفران.). (2). والملفت للنظر في كيفية جمع "البخاري" للحديث تجعلنا نقف كثيراً عند صحة ما جاء في صحيحه، حيث يذكر "محمد بن الأزهر السجستاني" بأنه: (كنا في مجلس سليمان بن حرب والبخاري معنا يسمع ولا يكتب. فقيل لبعضهم ماله لا يكتب، فقال أحدهم: يرجع إلى بخارى ويكتب من حفظه). (3) .وقد روى الخطيب البغدادي عن البخاري قوله: رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته في مصر ، فقيل له يا أبا عبد الله، بتمامه؟. فسكت.) (4). وتذكر المصادر بأن البخاري قد جمع 7275 حديثاً، بما فيها المكرر، ولو حذف المكرر لظل 4000 حديثاً، وقد اختارها من300000 حديث. (5).

أما ما هو أخطر من هذه المسألة بالنسبة لدور بعض رجال الدين وعلمائه، هو موقفهم من السلطات الظالمة والفاسدة، من حيث تبرير فسادهم وظلمهم وعدم الاحتجاج على الحاكم والاعتراض على حكمه، تحت ذريعة إبعاد البلاد عن الفتنة، بينما نجدهم وأتباعهم يسلطون سيوف التهديد والوعيد للناس الضعفاء من العامة إذا ما أخطأ أحدهم أو ارتكب ذنب لا يقره الشرع وفق فهمهم هم له.

بعد عصر التدوين الحقيقي ، بعد 145 عاماً من الهجرة كما يذكر السيوطي نقلاً عن الذهبي فيما يتعلق بعصر التدوين وبدايته، حيث راحت كتب الفقه والسير والمغازي والتاريخ تدون. (6). علماً أن التدوين في معظم حالاته كان برأيي هو أقلام السلطة قبل أن يكون للحقيقة أو للدين كما أشرت قبل قليل.. فهذا بعض ما كتب عن موقف الفقهاء من الخلافة والخلفاء وتبرير حكمهم حتى لوكان فاسداً وظالماً.

يقول ابن حنبل: (السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين، البر والفاجر، ومن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين). (7). أما الأشاعرة فهذا الباقلاني يقول: (إن حدوث الفسق في الإمام بعد العقد له لا يوجب خلعه، وإن كان مما لو حدث عند ابتداء العقد لبطل العقد له.). (8) . أما النسفي وهو من الماتريدية فيقر بصراحة: (بأن الحاكم لا ينعزل بالفسق. أي بالخروج عن طاعة الله تعالى والجور، أي الظلم على عباد الله تعالى، لأنه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الرشدين والسلف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم.).(9). وهذا موقف آخر لرجال الدين الذين في قلوبهم زيغ يذكره السيوطي في (تاريخ الخلفاء)، عن الخليفة "يزيد بن عبد الملك"، وهو الذي ملأ الدينا مغاني وشراباً ومجنوناً وخلاعة طوال أربع سنوات حكمه، بأنه عندما ولي الخلافة جاء بأربعين شيخاً فشهدوا له بأن ما على الخليفة حساب ولا عقاب.). (10).

فعلى هذه المواقف الفقهية التي يدلي بها فقهاء السلطان، تضيع القيم الأساسية للدين الحنيف، وتتحول المسائل الفقهية من دائرة محاربة الفساد وحل قضايا الناس، إلى دائرة تبريره من خلال التلاعب بالنص المقدس ابتغاء تحقيق مصالح خاصة، أو التوجه نحو فقه الحيض والنفاس.

دعونا هنا نأخذ مثالاً عن مواقف بعض الصحابة الذين يعتبرون من الثقات لدى أهل الحديث، وهو أحد العبادلة الأربعة " عبد الله بن عباس" ابن عم النبي. وهو الذي كلفه علىّ ولاية البصرة في العراق، وبعد فترة من ولايته بلغ عليّ أن عبد الله تطاول على بيت مال المسلمين في البصرة، فأرسل عليّ يستوضح الأمر ويطلب من عبد الله أن يقدم له حساباً عن أموال بيت المسلمين، إلا أن عبد الله رفض، وبعد عدة رسائل متبادلة يقوم عبد الله بأخذ ما تبقى في بيت مال المسلمين في البصرة وقدره كما يذكر الطبري (ستتة ملاين درهم). ثم يهرب إلى مكة ويشتري داراً وثلاث جاريات من حور العين. وعندما ألح عليه عليّ أخيراً برد المال، أرسل لعلي يقول له: (لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملن هذا المال إلى معاوية يقاتلك به.).(11).

والأمر هنا برأي على درجة عالية من الخطورة في مسألة مصداقية كل الأحاديث التي رويت عن عبد الله بن عباس، ولو صحت هذه الرواية، أو كانت حقيقية!. فالذي يعتبر المطالبة بمال المسلمين من قبل علي هي أساطير، والذي يحلل لنفسه أموال المسلمين، كيف سيكون موقفه من الدين الحنيف، وأي مصداقية هذه ترتجى منه.؟!. هذا مع تأكيدي هنا أن التاريخ هو أقلام السلطة.

أما لوعدنا إلى المتكلمين وأصحاب المنطق والرأي من رجال دين وفقهاء ومتكلمين، لوجدنا تلك التناقضات والصراعات العجيبة حول تفسير آيات القرآن وتأويله، فيما يتعلق بوحدانية الله وقدمه وخلقه ومشيئته وعدله، وفي قضائه وقدره، وفي مرتكب الكبيرة ، وفي تحسين العمل وتقبيحه، وهي صراعات أودت بحياة الكثير منهم، مثلما أدت إلى خلق أحزاب ومذاهب وتيارات فكرية راحت تكفر بعضها وتحلل دماء وأموال بعضها، وكل منها تقول بأنها هي من يمثل الإسلام الصحيح، والمؤسف أن أكثر هذه الفرق والمذاهب قائمة حتى هذا التاريخ.

ماهي أبرز الفرق والمذاهب الإسلامية واختلافاتها:

التيار السلفي:

لقد اتفق السلفية جميهم (حنابلة وأشاعرة ومالكية وشافعية وما تريديّة، واليوم الوهابية وغيرهم). وأكدوا على صفات الله كما جاءت في القرآن، وكما أثبتها الله عن نفسه في القرآن والسنة، فيثبتون له كل ما ثبته لنفسه من الأسماء والصفات بتسليم مطلق دون نقاش أو إبداء رأي فيها. عدا الأشاعرة منهم الذين قسموا هذه الصفات بين صفات خبرية وصفات معنوية، وقالوا إن الصفات المعنوية هي الخلق والقدرة والإرادة والبصر والسمع والكلام، وهي صفات ترتبط بذات الله أو هي عينه. أما الصفات الخبرية فموقفهم منها لا يختلف عن بقية القوى السلفية الأخرى. والسلفية يتجنبون التشبيه، (ليس كمثله شيء)، وفي قولهم بالصفات أرادوا الوصول إلى القول بالتوحيد، وبأن الله قادر على كل شيء وله الأمر بكل شيء، وبالتالي ليس للإنسان حرية أو إرادة على الاختيار والفعل دون أمر الله، على الرغم من أن الأشاعرة حاولوا الخروج عن هذه المسألة قليلاً، أي في مسألة القضاء والقدر بطرحهم نظرية (الكسب)، والتي فحواها أن القضاء والقدر بيد الله وحده، ولكن الناس يمارسون أفعالهم بأنفسهم وفقاً للإرادة التي أجراها الله في نفوسهم.(12). ممثلة هذه الإرادة بحديث النفس لدى الإنسان وليس تقريراً لعقله أو إرادته الحرة. وهم بذلك كما يقول ابن تيمية: (حاول أبو حسن الأشعري الخروج من الجبر فوقع فيه). كما يرى التيار السلفي أن الخير والشر من عند الله (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.). (التوبة -51 - 52). كما يقولون بان علم الله أزلي أحاط بكل شيء ، وكل شيء عنده في لوح محفوظ. وهم يميزون بين المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية، فما أراده الله للكون خلقه بكل ما فيه وهو دائماً في خلق مستمر، وما أراده شرعاً فهو أمر فيه الخير وفيه الشر، دعا عباده إليه فعلوه أم لم يفعلوه. وهم يقولون أيضاً بأن الإيمان هو قول اللسان وإخلاص القلب وعمل الجوارح، ولا قول ولا إخلاص ولا عمل إلا بنية، ولا نية ولا قول ولا إخلاص ولا عمل إلا بموافقة السنة. والسلفية عدا (الجهادية) لا يكفرون أحداً بذنب او معصية إلا أن يزول أصل الإيمان الذي أقرته السنة. ومرتكب الذنب عندهم ومنهم الأشاعرة زنديق حتى يتوب، وهو سيعذب في جهنم بحسب ذنبه. لقد أنكرت السلفية السببية في الظاهرة، وقالوا لا وجود لها، وكل شيء يتم بمشيئة الله، وبالتالي كل قوانين الطبيعة والمجتمع تسير بإرادة الله ومشيئته، أو كما يقول أبو حامد الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين)، (بأن الأسباب في الظواهر وراءها ملائكة سخرهم الله لتأدية ما يقوم به الناس، فالشيطان يقوم بدور تأدية أعمال الشر، ويدخل الملائكة هنا كمحررين للظواهر.). (13). وبذلك ينفي الغزالي الحقيقة ويجعلها وهماً. والسلفية وفق هذا الإيمان هم يكرسون الفهم الجبري الذي قال به الجهمية بكل معطياته، وفقاً لرأي "جهم بن صفوان" (إن الإنسان ليس يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا اختيار وإنما يخلق الله الأفعال فيه على حسب ما يخلق كافة الجمادات.). (14). أما أبو حسن الأشعري فيقول في هذا الاتجاه: (إن جميع الموجودات من أشخاص (العباد) وأفعالهم، وكذلك سائر المخلوقات وحركتها، كلها مخلوقة لله.). (15). هذا وأن الزمن عند السلفية هو آنات أو ذرات متقطعة لا وصل بينها، والمتصل عندهم هو الزمن الإلهي فقط بسبب خلق الله المستمر. وهم بذلك ينفون تاريخية الظاهرة.

لقد حارب التيار السلفي بعمومه العقل واعتبر دعاته زنادقة، كما جاء في فتوى ابن صلاح المشهورة: (من تمنطق تزندق). أو كما يقول ابن حنبل: (الحديث الضعيف عندي أهم من الرأي). و (إن أصحاب العقل زناديق). أما لأشاعرة فرغم أنهم استخدموا العقل وآمنوا به، إلا أنهم استخدموه لتثبيت النص وليس للحكم عليه. واعتبروا أن ما أصل له الشافعي وابن حنبل في تحديد مراجع أصول الدين من قرآن وحديث وإجماع وقياس ، وكل ما تركه السلف الصالح من أثر حتى القرن الثالث للهجرة، هي الأساس والمنطلق لكل ما هو تالٍ، وهي وحدها من يحدد شرعية الحسن والقبيح في أعمال الناس. أي قالوا بالحسن والقبيح الشرعيين وليس العقليين. وبذلك سدوا الطريق أمام الاجتهاد وحكموا على الحلال والمباح فقط بما ورد فيه نص مقدس في القرآن أو الحديث أو أي أثر أو إجماع للسلف الصالح حتى القرن الثالث للهجرة، وكل ما جاء بعد ذلك بدعة وضلالة وكفر، إن لم يوجد له شبه أو دليل في هذه المراجع. وهذا ما أكد عليه ايضاً الشافعي الذي أصل للفقه السلفي بقوله: (المحدثات من الأمور ضربان أحدهما: ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً فهذه بدعة.). (16). وبهذا الموقف الفقهي اعتبر الشافعي ومن سار على دربه من التيار السلفي ومدارسه ومذاهبه، عدا المذهب الحنفي إلى حد ما، أن المصالح المرسلة (حكم هوى)، ولم يأخذوا بالاستحسان، وسد الذرائع، كون العقل يدخل فيها. واخيراً من القضايا التي اتفقوا عليها عدى المذهب الحنفي، هو الأخذ بالحديث وفقاً للسند أكثر من المتن، وذلك لاعتبارات عدة أهمها: إن السلفية تعاملوا مع مسألة الجرح والتعديل وفقاً لأغراض سياسية وكلامية ومذهبية، فكل من لم يقل بآرائهم هو غير ثقة، وبالتالي بموقفهم التكفيري لرأي الاخر، اعتمدوا كثيراً على الحديث حتى ولو كان ضعيفاً، أما ابن حنفية، فقد رفض الاعتماد كثيراً على الحديث عدا المتواتر منه، واعتبر المتن الذي يتفق مع النص القرآني هو مرجعه وثقته، وما تبقى أحاديث آحاد، وهي ضنية، (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ). (سورة يونس – 36).

أما في السياسة فقالوا بالشورى (وأمرهم شورى بينهم)، ومع سيطرة الأموين على السلطة بالقوة وتحويلها إلى ملك عضوض واعتبارها أمراً مقدراً من عند الله كما قال معاوية في خطبته عند توليه الخلافة: (الأرض لله ... وأنا خليفة الله، ما أخذت فلي وما تركت للناس فبفضل مني.). وكما قال أبو جعفر المنصور أيضاً: (يا أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة، وعنكم ذادة، نحكمكم بحق الله الذي أولانا سلطانه الذي أعطانا، وأنا خليفة الله في أرضه، وحارس ملكه.). (17). ومع تولي الحكام البويهيين والأتراك والمماليك والعثمانيين، تحولت الشورى عند فقاء السنة ممن في قلوبهم زيغ، إلى غلبة وانتصار بحد السيف، وقبول البيعة للخلافة حتى ولوا بموافقة شخص واحد، كما يقول الماوردي بالأحكام السلطانية، وابن جماعة وغيرهما ممن كتب في السياسة، أو من برر ظلم الحاكم وفساده وعدم الاحتجاج عليه كما مر معنا في موقع سابق.

المعتزلة:

لقد آمنوا بوحدانية الله، وقالوا بأن مشيئته تقع في الكليات، أما الجزئيات فهي من شأن البشر، وذلك لتأكيدهم على حرية الإنسان وإرادته في اختيار أفعاله. (وهديناه النجدين). (سورة البد – 11). كما آمنوا بالسببية واعتبروا أن هناك قوانين موضوعية تتحكم في سير وآلية عمل الظواهر، وهي من خلق الله ويستطيع الإنسان بحرته وإرادته استخدامها. لقد أنكرو التجسيد والصفات وقالوا تأكيداً لقول الله عن ذاته: (ليس كمثله شيء). (الشورى- 11). واعتبروا الحسن والقبيح أمراًن عقليان وليسا شرعيان، وبذلك رفضوا القول بأن يقوم الله بفعل الشر، وسموا لذلك باهل العدل. نظروا إلى مرتكب الكبيرة (الذنب)، في المنزلة بين المنزلتين، فهو عاصي ليس بكافر ولا مؤمن وقابل للتوبة. كما قالوا بخلق القرآن، وأنه ليس قديماً، فالمعتزلة يقولون هو كلام الله، ولكن له حروف وكلمات، وبالتالي هو مخلوق: (إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). (يوسف -2). والجعل عندهم يعني الخلق. بينما السلفية قالوا في هذا الشأن، إن القرآن كلام الله والكلام صفة من صفات الله ، وكل ما هو صفة هو قديم.

لقد آمن المعتزلة بأهم قضية في الفكر الإسلامي وهي قضية العقل ودوره في تسيير حياة المسلم والإنسان عموماً، لقد اعتبروا العقل منحة من الله للإنسان لكي يتميز به عن كل المخلوقات ويمارس خلافة الله على الأرض، وعلى هذا الموقف من العقل فهم في تعاملهم مع النص المقدس يرون الوقوف عند هذه النصوص ولا يسمحون بتأويلها لأنفسهم، وبالتالي أنكروا صفات الله وقالوا: إن معرفة صفات الله وذاته فوق العقل البشري، وليس هناك من قدرة لدى الإنسان أن يدرك بها كنه أو كيفية هذه الصفات. وقالوا وفقاً لذلك وبناءً على الآية السابعة من صورة آل عمران التي جئنا عليها وهي موضوع هذه الدراسة أصلاً: إن كل ما جاء بالقرآن من عند الله، ولا نتكلم فيما لم يجئ، ولا نبحث فيما إذا كانت صفات الله هي عين ذاته ولا غير ذاته. وهم لا ينظرون في كيفية صدور المحدثات عن القديم (الله)، ولا كيف يتصل علم الله القديم والمعلومات المحدثة، ولا نحو ذلك لأنها فوق طاقة العقل البشري، هذا العقل الذي منح القدرة فقط على إدراك البرهان على وجود الله والنبوة العامة ونبوة محمد على وجه الخصوص. (18). كما قللوا من الاعتماد على الحديث أمام اعتمادهم على الرأي، منطلقين من أن الحديث مرتبط بالأشخاص، والأشخاص بشر لهم أهواؤهم ومصالحهم، وبالتالي ما يقولون به أمر ضني.

الشيعة الجعفرية ومن يلتقي معها من فرق الشيعة:

لقد التقت الشيعة الجعفرية مع المعتزلة في الكثير من القضايا العقلانية، أهمها: هم يعتبرون صفات الله عين ذاته. وأن القرآن مخلوق. وأنكروا حديث النفس الذي يقول به الأشاعرة (نظرية الكسب). كما انكروا رؤية الله بالبصر في الدنيا أو الاخرة. قالوا بالحسن والقبيح العقليين، وقدرة العبد على الاختيار (نظرية البداء).(19).، وهي نظرية تقر بالقضاء والقدر من عند الله لكنها تعتبر النص المقدس مفتوحاً في دلالاته ومخزونه على المطلق، وهو جاء لخدمة الواقع وتطوره طالما أن هذا التطور والتبدل لا يسئ لتعاليم الله ومقاصد الدين. كما قالوا بأن الله عادل ولا يصدر عنه قبيح. وأن أفعال الله معللة بالعلل والأغراض.(20). كما أنكرو الجبر في صيغته الجهمية حيث يقول علي بن ابي طالب: (إن الله لا يقضي وجوباً، ولا يقدر حتماً. فلو كان الأمر كذلك لما كان هناك عقاب ولا ثواب ولما كان هناك وعد ولا وعيد. إن الله يأمر تخيراً وينهي تحذيراً ولا يقضي وجوباً، ولم يبعث الأنبياء والرسل عبثاً.).

هذا وللشيعة الجعفرية قضايا فقهية خاصة بمذهبهم منها العصمة لآل البيت، وأن أئمة آل البيت لهم رؤيتهم الخاصة بهم في الخطاب الديني ذاته، وبتكليفهم بأمر الإمامة كما حدده جعفر الصادق بقوله: (خلق الله العالم وانتقل النور إلى نبينا محمد (ص)...ثم انتقل النور إلى غرائزنا ولمع في ائمتنا، ونحن أنوار السماء وانوار الأرض، فينا النجاة ومنا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج، فأئمة الأئمة ومنقذوا الأمة، وحجج رب العالمين فاليهنأ بالنعمة من تمسك بولايتنا، وقبض عروتنا.). (21). هذا مع الإشارة بأن هذا القول فيه مغالاة كثيرة، خاصة وأن الإمام الغائب جاء بعد جعفر الصادق بزمن ليس بالقصير، وأن علي ابن أبي طالب، نفسه قد أنكر العصمة بقوله: (.. فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست من نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي.).(22). كما قالوا بالتقية وفقاً للآية التالية (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم .). النحل- (106). وقد جاءت تقيتهم هذه لكثرة ما عانى الشيعة من الاضطهاد من قبل الأمويين والعباسيين. كما أغرق الشيعة في التفسير الباطني للآيات لتأكيد صحة خلافة علي وآل بيته. واختلفوا مع السنة على أحاديث الرسول، ففي الوقت الذي رفض فيه السنة كل الأحاديث التي وردت عن آل البيت، نجد الشيعة يأخذون من الأحاديث التي قدمها السنة والتي تتفق ورؤيتهم للدين وللوصية وغير ذلك. وقال الشيعة بالغيبة (غيبة الإمام الثاني عشر)، وعودته ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملأت جوراً، وعلى الرغم من أن مفهوم العودة ظل مرتبطا بالشخص الغائب، إلا أن هناك تطوراً فكرياً قد حدث على ما يبدوا لدى بعض المجددين في الإسلامي بشكل عام والفكر الشيعي بشكل خاص من علماء وفقهاء الشيعة الذين راحوا يقولن بأن العودة تعني عودة دولة العدل وقيادتها من قبل المحرومين والمضطهدين. كما قالوا بولاية الفقيه، وهذا المبدأ حدث عليه تطور كبيرً بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، حيث ارتبطت مسألة اختيار الولي الفقيه بمسألة الشورى في حال اختياره، ممثلة هذه الشورى بمجلس من الفقهاء.

الخوارج:

قال الخوارج بالتوحيد والقضاء والقدر كله من عند الله، وقالوا بشورية الخلافة وهي حق حتى للعبد الحبشي طالما هو مسلم ومؤمن ويؤدي حقوق الله وما يأمره به الإسلام. قالوا بأن الإيمان ليس في القلب فحسب، بل هو في عمل الجوارح، ومن لا يطبق ما يؤمن به فهو كافر. كفروا المختلف معهم فكرياً وسلوكياً واحلوا قتله وقتل ذريته، فالكافر عندهم لا يلد إلا فاجراً كفاراً. كما قالوا بأن مرتكب الكبيرة كافر. كانوا متشددين في الدين إلى درجة التزمت. شكلوا العديد من الفصائل، تلتقي كلها في الكثير من تعاليمها مع فرقة الخوارج الأولى (الحرورية)، من هذه الفرق من ابتعد قليلاً عنها أو اقترب قليلاً منها، وهناك من أضاف إلى تعاليمها أو تخلى عن بعضها. ومن أهم فرقهم الأزارقة ولأصافره والنجدية وغيرها.

ملاك القول:

إن كل الذي جئنا عليه من خلافات بين هذه التيارات الاسلامية ومذاهبها وفرقها، جاء بسبب تدخل السلطة في الدين أولاً، إما للحفاظ عليها أو للوصول إليها، وثانياً بسبب تسخير الكثير من رجال الدين ومشايخه لتوظيف علمهم في تفسير النص أو تأويله، أو حتى وضع الحديث خدمة لمصالح سياسية أو أنانية ضيقة، وبالتالي ظل فقط القلة القلية ممن تمسك بدينه الصحيح من رجال الدين، على مبدأ (القابض على دينه كالقابض على جمرة من نار). هذا وقد قدم الكثير من رجال الدين المتمسكين بديهم حياته على مذبح الخلافة من أجل مبادئه وقول الحقيقة، (كجعد بن درهم وغيلان الدمشقي ومعبد الجهني)، وهناك الكثير ممن شوه وفق مبدأ الجرح والتعديل، الذي كانت تقاس فيه أخلاق وفكر رجال الدين وفقاً لدرجة قربهم من السلطة أو الخلافة. فهذا أبن حنبل عاش محنة الرأي في زمن سيطرة المعتزلة على الخلافة زمن المأمون والمعتصم والواثق، كما لاقى، غيره من أصحاب الرأي المحنة ذاتها في عهد الانقلاب السني زمن المتوكل وبحضور ابن حنبل ذاته ورغبته، حيث ظل قائماً وفاعلاً وخادماً لسلطة المتوكل المعادي لأهل الرأي. علماً أن الحنابلة ظلوا أيضاً يدافعون عن السطات الحاكمة عبر تاريخهم كما مر معنا في موقع سابق. ونحب أن نشير هنا أيضاً إلى موقف أبي حسن الأشعري الجبري السلفي من المعتزلة وأصحاب الرأي حيث راح يكفرهم ويزندقهم ويخرجهم من دين الإسلام، وهو المعتزلي الذي ظل أربعين عاماً معتزلياً، إلا أنه قلب حبرياً وتبنى المذهب الحنبلي مع غيره الكثير من علماء ومشايخ الدين، بسبب محاكم التفتيش التي وضعت للقدرية بعد انقلاب المتوكل السلفي. يكتب أبو حسن الأشعري في (الإبانة في أصول الديانة) رأيه في المعتزلة ومواقفهم الفكري التي لا تتفق مع الفكر السلفي الحنبلي بعمومه والأشعري منه على وجه الخصوص بأنهم – أي المعتزلة-: (إن كثيراً من المعتزلة وأهل القدرية مالت قلوبهم وأهواؤهم ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلاً لم ينزل به من سلطان، ولا أوضح به برهاناً، ولا تلقوه من الرسول ولا عن السلف المتقدمين، فخالفوا رواية الصحابة عن النبي في:

1- رؤيتهم الله بالأبصار.

2- أنكروا شفاعة رسول الله.

3- وجحدوا عذاب القبر.

4- وأنكروا أن الكفار في قبوربهم يعذبون. وقد أجمع في ذلك الصحابة والتابعون.

5- وقالوا بخلق القرآن نظيراً لقول إخوانهم المشركين.

6- وقالوا بأن العباد يخلقون الشر نظيراً لقول المجوس الذين يثبتون خالقين، أحدهما يخلق الخير، والآخر يخلق الشر.

7- وزعموا أن الله عز وجل يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، وذلك خلافاً لما أجمع عليه المسلمون ورداً لقوله تعالى: (وما يشاؤون إلا أن يشاء الله والله فعال لما يريد.). (23).

فلنتصور معاً كيف يفكر التيار السلفي بشكل عام، وأبو حسن الأشعري ومن يتبعه اليوم من المسلمين الذين يتبنون الفكر الأشعري السلفي بشكل خاص، وهم الذين يشكلون النسبة الأكبر في الساحتين العربية والاسلامية، بهذه الطريقة الأسطورية اللاعقلانية في الخوض بقضايا يجب على المعتزلة الإقرار بها لأن السلف الصالح اعترف بها، مثل عذاب القبر ومشاهدة الله وشفاعة الرسول وغير ذلك من مسائل لا يعلم بها إلا الله وحده.

أما الخلافات الفقهية فهي لا تخرج في الحقيقة عن تاريخ وأسباب الخلافات الدائرة لدى علماء الكلام، إذ ظهر العديد من هذه المذاهب مثل: (مذهب حسن البصري، وأبو حنيفة، والشافعي ، وأحمد بن حنبل، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، ومالك، وسفيان بن عيينة، واسحق بن راهَوَيّه، وأبي الثور، وداود الطاهري، وابن جرير الطبري).(24). وقد ارتبط هذا العلم (الفقه) بعلم الكلام، وكان للسلطة دور كبير في توجهه، فقد عانى بعض الفقهاء من عنت السلطة ومحاولتها توظيفه لمصلحتها، فهذا ابن حنفيه يقتل مسموماً في عهد الخليفة المنصور العباسي كونه رفض استلام القضاء في عهده، وكذا الحال مع أنس بن مالك، الذي وضع حديثاً او قال بحديث لم يرض الخليفة المنصور، فكانت النتيجة أن عراه المنصور من كل ثيابه وصلبه في الساحة وجلده أمام العامة جزاءً لفعلته. ولكن هناك فقهاء راحوا يوظفون الدين ونصه المقدس تفسيراً وتأويلاً من أجل تبرير مفاسد السلطة، كما مر معنا في موقف سابق .

ونظراً لهذه الخلافات الفقهية، تجري بين الأهالي حروب أهلية دموية ممن يتبع هذا المذهب أو ذاك. فهذا الطبري يذكر في تاريخه عن حوادث عام 554 للهجرة، عن صراع دامي جرى في مدينة استراباذ، بين الشيعة العلوي، والشافعية عندما ولي على المدينة والياً شافعياً هو " محمد الهروي"، وكان قاضيها شافعياً أيضاً، فثار العلوية ومن معهم ضد الشافعية ومن معهم، وقد اتنصر العلوية على الشافعية وسال دم كثير.

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحت من –ديرالزور- سورية

 

علي رسول الربيعيتأخذ مسألة الأنفصال وتقرير المصير منحىً حاداً حول العالم اليوم، اذا تكثر دعوات العديد من الأقليات الى الأستقلال السياسي عن الدولة التي هي جزءً منها. إنها تعبير عن صدع خطير في وحدة ومصير الدول. والسّؤال هنا هو حول ما إن كان يُسمح لأقلّيّة تريد الاستقلال السّياسيّ بالانفصال لتشكيل دولة خاصّة بها، حيث يفضي القبول بهذه الفكرة إلى اتّجاهين متعارضين:

أ‌) إذا كانت هذه الأقلّيّة تعتبر نفسها أمّة منفصلة فيبدو أنّ المبدأ يدعم مطلبها، فسكّان الكيبك أو، سكّان كاتالونيا، أو الكورد في تركيا والعراق مثلا، يرون أنفسهم أنّهم يمتلكون هوّيّة خاصّة منفصلة عن الكنديّين أو الإسبّان أو العرب العراقيين، وهم يرغبون في الاستقلال السّياسيّ على أساس ذلك، إذن نحن ملزمين، من ناحية المبدأ، باحترام حقّ تقرير المصير وبتأييد مطالبهم. لكنّ ستواجهنا تحدّيات بمجرّد أن تبدأ هذه الهوّيّات في التّكاثر، إذ لا توجد طريقة من شأنها المساعدة على استيفاء جميع مطالب هذه الأقلّيّات طبقا لحقائق الجغرافيا والاتشار السّكّانيّ. وهو ما أشار إليه آلن بوكنان حيث يقول: "إنّ المبدأ الوطنيّ المعياريّ وصفة للتّجزئة لا حدود لها". فقد أشار وهو محقّ إلى أنّ هذه العمليّة قد تأتي بكلفة أخلاقيّة غير مقبولة على شكل تمزّقات ونزوح، وحتى بإبادة لجماعات وجدت في الإقليم .

ب‌) أنّ فكرة تقرير المصير نفسها ستفسح للكنديّين والإسبّان أو العراقيين – التي أخذناهم كمثال هنا- حقّ الدّفاع عن مصيرهم أيضا، وحقّ المطالبة بتحديد مستقبل الإقليم الجغرافيّ الذي حُدّد تاريخيّا بوصفه كنديّا أو إسبّانيّا أو عراقيًاً حفاظا على الوضع السّياسيّ القائم. فهذه الفكرة تتحوّل بشكل حاسم وفاصل في الممارسة العمليّة إذا ما استخدم مبدأ "تقرير المصير" كدعوة إلى تقرير مصير الدّولة نفسها وليس الأمّة. إذ يأتي حقّ تقرير المصير هنا ليدعم مطالبة الدّولة بحقّ ممارسة السّيادة داخل حدودها القائمة. لكن هذه الطّريقة في التّفسير هي من جهة تفقد الفكرة حكمها الأخلاقيّ الأصيل وكثيرا من مناشداتها التي تأتّى برؤية مجموعة من النّاس يتقاسمون هوّيّة مشتركة يرغبون في ارتباط بعضهم ببعض، وفي اتّخاذ قرارات بشأن مستقبلهم على أساسها. وهي من جهة ثانية تدفع التّمييز الحاسم بين الأمم والدّول من خلال معاملة الأمم كمجموعة من النّاس ،الذين هم في الواقع، تحت ولاية قانونيّة لدولة معيّنة ولكنها معرضة إلى الانهيار.

تكشف مسألة تقرير المصير عن أنّها توظّف إمّا كوصفة لإثارة فوضًى سياسيّة تكون سببا في إراقة الدّماء، أو كوسيلة للدّفاع عن حقوق أنشاء دولة. والهدف من إثارتها هنا هو استنطاق الوقائع القائمة للبحث عمّا إن كان ممكناً بناء موقف متماسك بشأنها يتجنّب كلاّ من الموقفين المتطرّفين انطلاقا من مبدأ الوطنيّة.

من أجل النظريّة في الانفصال

قبل البدء في المسائل الجوهريّة يجدر التّوقّف للتّساؤل عن الغرض من وضع نظريّة في الانفصال، فقد اقترح بعض المختصّين تحديدا شبه قانونيّ للانفصال يمكن إدراجه في دستور الدّولة أو في ميثاق الهيئة الأمميّة. ويقصدون بذلك تحديد الشّروط والأوضاع التي يمكن تقنينها رسميّا لتكون مساغا مقبولا تحتكم إليه كلّ جماعة تحاول الانفصال عن دولة قائمة، ولأجل أن يعامل مطلب الانفصال بطريقة مستقلّة من قبل محكمة دستوريّة أو دوليّة تفاديّا للاقتتال الدّاخليّ وهو ما يفسح مجالاً للنّقاش حول المعايير. فمن ناحية وعن سبيل المثال، من المرجّح أن يكون هناك تحيّز باعتبار الأغلبيّة المطالبة بانفصال الإقليم المعنيّ لصالح المعايير الإجرائيّة التي لا يكون تطبيقها مثيرا للجدل نسبيّاً، على حساب المعايير الأخرى التي تواجه صعوبة في التّطبيق لما تنطوي عليه من مضامين وأحكام متنازع حولها كادّعاء التّعرّض للقمع، أو للتّمييز بتجاهل اللّغة، أو بتدمير الثّقافة والتّراث الخاصّين. ومن ناحية ثانية، يتعيّن التّفكير في الآثار المحفّزة على اختلاف تعاريف حقّ الانفصال كما يشير إلى ذلك بوكينان؛ فالضّرورة تقتضي السّؤال عن إمكانيّة وكيفيّة إدراج هذا الحقّ في دستور الدّولة الذي من شأنه أن يضبط سلوك كافّة السّلط وطرق إدارة الشّأن العامّ سواء داخل الدّولة القائمة أو على صعيد الإقليم المطالب بالانفصال. ويتوجّه السّؤال الابتدائيّ لأثر هذا الحقّ، ولنتيجة إدراجه في الدّستور إن كان سيجعل الدّولة القائمة مستعدّة لنقل السّلطة للمناطق المرشّحة للانفصال بما قد يتعزّز فيها من مطالب انفصاليّة أو تكون أقلّ استعداداً لذلك. غير أنّه يبدو من الخطأ أن يهيمن الانفصال على تّفكير الطّرفين المعنيين بالمسألة، إذ ينبغي وضع المبادئ الأساس أوّلا، ثمّ السّؤال عمّا يمكن أن يترتّب عن هذه المبادئ العامّة من نتائج ومن أثر على سلوك مختلف الفاعلين السّياسيّين.

ومقابل هذه النّظريّة القانونيّة يمكن اعتبار نظريّة الانفصال نظريّة في السّياسة تقدّم معنى يوضّح تلك المبادئ التي ينبغي أن تقود التّفكير بمطلب الانفصال، سواء من قبل انفصاليّين أو من قبل مواطنين في الدّولة القائمة نفسها أو أعضاء المجتمع الدّوليّ الذين قد يُطلب منهم التّدخّل لصالح هذا الطّرف أو ذاك. فالمتعيّن هنا وفي مثل هذه الحالة هو الدّليل الذي يبرّر مطلب الانفصال ويدعم أيّ قرار قد يتّخذ بشأنه سواء تعلّق الأمر باستفتاء شعبيّ حرّ يخيّر سكّان الإقليم المعنيّ بين الانفصال وبين البقاء ضمن الدّولة القائمة والإبقاء على وحدتها وتماسك مكوّناتها، أو تعلّق الأمر بغير ذلك من المبادرات السّياسيّة. فالدّليل الملموس الذي يقبل الملاحظة والقياس حول استجابة المواطنين لمطلب الانفصال، ويبيّن بوضوح تامّ مبرّراته وأهدافه لازمة من اللّوازم السّياسيّة ومن ضروراتها، وفي غيابه لا يكون مطلب الانفصال مقبولا من النّاحية القانونيّة ولا مستساغا من قبل أعضاء المجتمع الدّوليّ بالنّظر إلى النّواحي السّياسيّة.

قد يدفع منتقد بعدم جدوى السّؤال المطروح لانعدام الحاجة إليه مادامت المسألة تسوّى إجرائيّاً إمّا بالتّصويت والوصول إلى تحقيق أغلبيّة مساندة أو معارضة أو بإعمال طرق أخرى، فالسّؤال حول المبادئ يبقى غير ضروريّ. لكنّ هذه الطّريقة في التّفكير والتّحليل ليست هي الطّريقة المعتمدة في صنع القرار الدّيمقراطيّ، فالملاحظ ، مثلاً، أنّ النّاخبين يوافقون على ما أقرّه الدّستور للحزب الذي يفوز في الانتخابات من إمكانيّات في تدبير الشّأن العامّ بتشكيل الحكومة لأجل تنفيذ ما وعد به من برامج ومبادرات، ولأنّ نتيجة أيّ استفتاء ينبغي أن تكون ملزمة سياسيّا، لكن هذا لا يمنع من طرح المبادئ الواجب اعتمادها كقواعد مرجعيّة يُحْتكَم إليها عند الاقتضاء كما هو الشّأن بالنّسبة لمبادئ العدالة الاجتماعيّة مثلا. قد يخطئ النّاخبون في بعض الأحيان بتأييد حزب يبيّن عمله الحكوميّ أنّ سياساته أقلّ عدالة ولا تحقّق المصالح والانتظارات، ومع ذلك تبقى الثّقة سائدة في الإجراءات الدّيمقراطيّة من حيث إنّها إجراءات تستوجب الإتّـباع. كيف تختلف الأمور عندما تكون المسألة متعلّقة بالانفصال؟ فحتى لو أعتقدنا يتعيّن أن يتمّ الحلّ إجرائيّاً تبقى هناك أساب معقولة للانفصال وأخرى غير معقولة، ومن غير المناسب ألاّ توضّح تلك الأسباب.

لن تكون النّظريّة الإجرائيّة البحتة حلاّ معقولا ولا مرضيا للانفصال بأي حال من الأحوال، لأنّه إذا اعتبرنا تصويت الأغلبيّة لصالحه كافياً للتّبرير فسيطرح السّؤال مباشرة من جهة، عن كيفيّة تحديد الدّوائر الانتخابيّة ومن ثمّة عن مشروعيّة التّصويت ومصداقيّة النّتائج. ومن جهة ثانية، عن كيفيّة تحديد الإقليم المعني بالانفصال الذي سيشكّل نفوذ الدّولة الجديدة. فالمرجّح من النّاحية العمليّة أن يتمّ التّفكير بشكل مسبق في مناطق تُحدَّد إداريّاً بالفعل، مثل منطقة كوردستان بالعراق، ومنطقة الكيبك بكندا لكي يتمّ تحديد القاعدة الانتخابيّة الحقيقيّة بشكل علميّ واقعيّ وعمليّ يساعد على تحديد "الشّعب" المستهدف بالاستفتاء. فالخلفيّة النّظريّة تستدعي ضمنا كلّ الظّروف التي من شأنها أن تجعل الاستفتاء مخرجا مناسباً لمعضلة سياسيّة قائمة، أيً الموازنة بين الانفصال كمطلب مبرّر وبين الانفصال كأمر غير مبرر لتحقيق السّلميّة وتفادي الحرب الأهليّة. فبالدّسترة واحترام الخلفيّة النّظريّة لكلّ سلوك سياسيّ من النّاحيّتين القانونيّة والسّياسيّة يمكن التّعامل مع مثل هذه الحالات بواقعيّة وفعّاليّة تميّز المعقول والمقبول منها عن غير المعقول والمقبول. وعلى أساسها أيضا، يمكن الرّدّ على اقتراح فرد أو مجموعة أفراد يطالب بتنظيم استفتاء للاستقلال. فأن يقترح المسيحيّون في سهل نينوى في العراق الأنفصال، مثلا، يعتبر اقتراحا غير جدّيّ وغير مبرّر، فيكون الرّد وفقاً لما تمّ تشريعه من قواعد آمرة.

إنّ إنجاز نظريّة في الانفصال ليس بالمهمّة البسيطة، لأنّ تقسيم دولة وإنشاء واحدة جديدة مسألة في غاية الجدّيّة، فهي تطرح أسئلة جوهريّة تتعلّق بالسّلطة السّياسيّة، بالهوّيّات التّاريخيّة، بالعدالة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وبحقوق الأقلّيّات. ولكي تكون نظريّة كافية عليها أن تعالج جميع تلك المسائل بكفاية مفاهيميّة وإجرائيّة، يعني هذا أنّ عليها أن تتبنّى تعدّد المعايير وألاّ تكتفي بالبحث عن الشّروط الضّروريّة الكفيلة بتبرير مطلب الانفصال. إذ عليها أن تراعي مختلف المعايير التي تنسحب على كلّ الاتّجاهات مهما كانت متعارضة لأجل أن تصل إلى رأي محكم وقرار حكيم يوازن بين المطالب المتصارعة، ويساعد بنجاعة على حلّ المسائل المعروضة بما يستدعي احترام وحدة التّاريخ والمصير. باختصار شديد عليها أن تسعف في وضع الهوّيّة الوطنيّة في اعتبار كلّ الأطراف، وفي التّحسيس بما تقدم تلك الهوّيّة من أجوبة ومن جاذبية.

مبدأ الهوية الوطنيّة

يمثّل مبدأ الهوية الوطنيّة (مبدأ الجنسيّة) أحد العناصر الثّلاثة التي يشترك فيها سكّان إقليم أو جماعة وطنيّة، ومطلبا مقنعا لتقرير المصير السّياسيّ. فبالرّغم من أنّ الدّولة ذات السّيادة ليست هي الوسيلة الوحيدة والممكنة لتقرير المصير إلاّ أنّها كانت وما تزال الوسيلة الرّئيسة لتحقيقه، لذلك يحقّ لإقليم أن يطالب على أساس هذا المبدأ بالانفصال عن دولة تعاقديّة. مع أنّ هذه المطالبة ليست بالضّرورة هي الإمكانيّة الوحيدة ولا الوسيلة التي يتعيّن أن تهيمن على غيرها من الوسائل، لذلك يمكن أن تُبطلها اعتبارات أخرى سنأتي على ذكرها لاحقاً. وللإشارة فقطّ، ليس الغرض من هذا المبحث تعداد الأسباب المؤيّدة لتقرير المصير، لكنّ الغاية هي النّظر في بعض تداعيات هذا المبدأ.

إنّ الأقاليم التي تقطنها أمّة متجانسة (عرقيّاً) حالة استثنائيّة إلى حدّ بعيد في العالم اليوم، فالمقصود بالدّولة الأمّة أو (القوميّة الوطنيّة) بحسب المتداول والمشهور من التّعاريف جماعة من النّاس يعتبرون أنفسهم أنّهم ينتمون إلى الجماعة نفسها، فيعترفون ببعضهم البعض، ويقرّون بالتزامات خاصة تُجاه بعضهم البعض، ويطمحون إلى استقلال سياسيّ بحكم ما يشتركون فيه من خصائص يؤمنون أنّها تشكّل قاعدة لانتمائهم، وهي التّاريخ المشترك، والارتباط بالمكان الجغرافيّ، والثّقافة العامّة التي تميّزهم عن غيرهم من الجيران. اذا أخذنا هذا التعريف بالاعتبار ونحن ننظر إلى تلك الكيانات التي توصف عموما بأنّها دولة أمّة أو (قوميّة) فمن المحتمل أن نجدها مؤلفة ممّا يلي:

1- أقلّيّات لا تشارك الأغلبيّة في الهوّيّة الوطنيّة مثل المهاجرين الأتراك في ألمانيا.

2- أقلّيّات تقيم في إقليم ترى نفسها أنّها تشكّل أمّة، وتطمح لدرجة أكبر من الحكم الذّاتيّ مثل الأكراد في تركيا.

3- تجمّعات سكّانيّة مختلطة تنحدر من أمم مجاورة مختلفة وتتجمّع في مناطق معيّنة مثل الرّومان والهنغار في ترانسالفانيا.

4- تجمّعات سكّانيّة تحمل هوّيّة مزدوجة أو متداخلة، تعيش في مناطق معيّنة كأقلّيّة قوميّة داخل دولة كبيرة مثل الكاتلون في إسبانيا.

وإذا أردرنا تطبيق مبدأ الهوّيّة الوطنيّة (الجنسيّة) على ما يناسب حالة أو أكثر من هذه الحالات المذكورة فينبغي أن يتوجّه السّؤال لماهية السّلطة السّياسيّة بنيةً وأداءً بما يحقّق هذا المبدأ بالنّسبة لكلّ جماعة مادام الحلّ البسيط لها المتمثّل في الأمّة المتجانسة أو الدّولة الواحدة غير ممكن في مثل هذه الظّروف. لا شكّ في أنّ هذا التّطبيق سينطوي لا محالة على أحكام تتعلّق بالكيفيّة التي يتصوّر بها النّاس هوّيّاتهم، وبالكيفيّة التي تربط هوّيّة جماعة معيّنة بهوّيّات أخرى. ومثاله مقارنة بين وضع الكرد في العراق أو في تركيا مع الكاتالونيّين في إسبانيا. فعلى الرّغم من أنّ الكاتالونيّين ينظرون لأنفسهم في دولة أسبانيا كشعب متمايز عن الأسبان إلاّ أنّهم لا يضمرون أيّ عداء عميق أو متأصّل للأسبانّ، ويقدّرون ما يجمعهم بهم من التّداخل الثّقافيّ المتمثّل في الاعتقاد الملّيّ المشترك (الكاثوليكيّة)، ومن مستوًى معيشيّ أعلى قليلا من المتوسّط الإسبّانيّ إذ تعتبر كاتالونيا تقليديّا أكثر المناطق الإسبّانيّة نموّا وازردهاراً اقتصاديّاً، كما يعترفون بما يعاملون به من نظرة التّقدير من قبل الإسبّانيّين في المناطق الأخرى التي يعيشون فيها. وفي مثل هكذا ظروف لا يعدّ إشكاليّاً أن ينظر أغلبية من الكاتالونيّن إلى أنفسهم بوصفهم كاتالونيّين وإسبان في الوقت نفسه. لكنّ تختلف الحالة الكرديّة في بعض أوجهها عن الحالة الكاتالونيّة، مع ما يوجد داخل الحالة الكرديّة من اختلاف في الوضعيّة بين العراق وتركيا. ففي تركيا مثلا يقلّ نصيب الفرد الكرديّ من الدّخل عن نصف المعدّل الوطنيّ، بينما لا يوجد هذا التّمييز في العراق، لأنّ الأكراد متساوين مع باقي العراقيّين. في تركيا تقمع اللّغة والثّقافة الكرديّة من قبل الدّولة، بينما يتمتّع أكراد العراق بما يتمتّع به جميع العراقيّين من الحقوق. ويشترك كرد تركيا وكرد العراق فيما لهم من تاريخ حافل بالصّراع المسلّح مع الدّولة عراقيّة كانت أو تركيّة. واذا التفتنا الى الحالة التركية فسنلاحظ أن القيادات التّركيّة المتعاقبة التزمت لسنوات كثيرة بالمثل الأعلى لأمّة تركيّة متجانسة وموحّدة، ولم تترك مجالا للتّعدّديّة الثّقافيّة خلافا لما كان في العراق، ونظرا لأوضاع الكرد في تركيا طالبوا بالاستقلال فكان مطلبهم يختلف نوعيّا عن الكاتالونيّين مثلا. واذا لم يحدث هناك أيّ تحول مأساويّ في الوضع التّركيّ السّائد كالتّحوّل الذي حصل في الدّولة العراقيّة منذ حصول الأكراد على الحكم الذّاتيّ وحتى إعلان الفيدراليّة، فإنّه لا توجد أمامهم فرصة للحصول على اعتراف بهوّيّتهم الثّقافيّة المميّزة، إلاّ أن يعمل التّرك والكرد معا سويّاً على تحقيق ديمقراطيّة وعدالة سياسيّة واجتماعيّة. وهذا يعني أنّ الانفصال ليس حلا وحيدا بالضّرورة. فتطبيق مبدأ الجنسيّة على مشكلة كهذه يقتضي البدء بالنّظر إلى ما لهوّيّات كلّ المجموعات من محتوى فعليّ لاكتشاف ما إن كانت المجموعة (س) لها هوّيّة متميّزة تجعلها متناقضة مع المجموعة (ص) التي تخضع لمؤسّساتها السّياسيّة عن سبيل المثال. وبقدر ما لا يكون ذلك كذلك، فإن أيّ مطلب يمكن أن تقدّمه الجماعة (س) من أجل الاستقلال السّياسيّ لا يكون معزّزا بما يكفي من المبرّرات، وهو ما يعني أنّ مطلبها لن يثبت بشكل حاسم في نهاية المطاف كما هو مبيّن أعلاه بسبب العوامل التّعويضيّة.

فإحدى العوامل التي يجب النّظر إليها بجدّيّة هي المطالبة المُنافسة من قبل المجموعة (ص)، وهي الأمّة الأكبر حجما التي ستقسّم أراضيها الحاليّة إذا ما تمّ المضيّ قدماً في الانفصال. لذلك فإنّ مطلب الانفصال لا يكون وجيها مقبولا ومشروعا عندما لا يساوق بين الطّريقة التي ترى عبرها الجماعة الصّغيرة علاقتها بالجماعة الكبيرة، وبين الطّريقة التي ترى عبرها الجماعة الكبيرة علاقتها بالصّغيرة. لقد أكّدت الحالات التي سبق أن كانت تحت المناقشة أنّ الجماعة الكبيرة ستهوّن دون تردّد ممّا يميز الأقلّيّة: ستعمد إلى النّظر إليها باعتبارها جماعة تمتلك تباينا واحدا إلى جانب مشتركات كثيرة بدلاً من النّظر إليها بوصفها ذات هوّيّة مستقلّة وخاصّة، ستتّجه حتما إلى اعتبار أنّ الجماعة (س) ليست جماعة متميّزة ولكن جماعة تتكلّم لغة مختلفة أو لها ثقافة خاصّة. فبينما ينظر الكرد لأنفسهم كأمّة مميّزة عن الأتراك ، ينظر هؤلاء إلى الكرد باعتبارهم مجرّد أتراك يتحدّثون لغة مخلفة، وما يناظر هذه الحالة نجده عند الأسكتلند والإنجليز، وعند المقدونيّين واليونان. قد يكون هناك إغراء للتّفكير في مثل هذه الحالات بأنّ الغالبيّة سارت باتّجاه خاطئ، فإذا كانت الجماعة (س) لا تعتبر نفسها منتمية للجماعة (ص) فإنّ هذه تتجاهل الهوّيّة المشتركة مع نظيرتها (س) وقد تصل إلى حدّ رفض أيّ مواجهة للحقائق بهذا الخصوص. لكن نادرا ما تكون هذه المسألة بمثل هذا الوضوح، إذ على افتراض أنّ الجماعتين (س) و(ص) تشتركان في الهوّيّة الوطنيّة باعتبار الارتباط السّياسيّ لفترة طويلة من الزّمن وهو ما يؤكّد بالفعل أنّ لهما معا سويّا صفة مشتركة حقيقيّة، يكون من المرجّح أنّ الجانبين اعترفا حقّا بالهوّيّة الوطنيّة كهوّيّة جامعة، وأنّ الجماعة (س) أدركت ذلك بإحجامها عن التّلويح باللاّفتة القوميّة. وبالتّالي، فإنّ السّؤال هو كيف يمكن أن تكون للأقلّيّة هوّيّة خاصّة مميّزة وفي الوقت نفسه شعور بالانتماء لمجتمع أكبر.

لعلّ الخطأ المغري هنا هو ما قد يغلب على ظنّ الأغلبيّة من شعور بغياب الإحساس بالهوّيّة المشتركة عندما تعلن الأقلّيّة عن الرّغبة في الانفصال وإنهاء الاتّحاد السّياسيّ، يقارن بعض الكتّاب ذلك بطلاق الأزواج عندما تقرّر أمرأة إنهاء ارتباطها بزوجها الذي ما يزال يعتقد أنه يشكّل معها أسرة، ولا يدرك بحكم الموقع في تلك العلاقة أنّ الاتّحاد يستمر بموافقة الطّرفين. لكنّ هذا التّشبيه غير ملائم، ففيما يخصّ الإرادة الواحدة التي يمكن أن تنشأ عن علاقة بين طرفين، فإنّ علاقة الأمم بعضها ببعض ليست كالعلاقة بين الأفراد لأنّ الأمر يختلف حتما عندما يتعلّق باتّحاد إقليم مع أقاليم أخرى، أو جماعة بنضيراتها ضمن دولة أكبر، أو يتعلّق بنقل السّلطة أو بإدارة دولة مستقلّة. فنقطة كهذه تحتاج إلى معالجة هادئة ومتّزنة لما تثير من قضايا حسّاسة سيشار إلى أهمّها ضمن الفقرات التّالية من هذه الدّراسة. إذ لا ينطوي الانفصال كما هو معلوم على الجانب السّياسيّ فحسب، بل يتعدّاه إلى جوانب استراتيجيّة أخرى كالجانب الجغرافيّ بتقسيم الأراضي وما يستتبع هذا الجانب من جوانب اقتصاديّة واجتماعيّة أيضاً. وهو ما يقتضي البحث عن أفضل السّبل لفهم حقوق القوميّات في الأراضي التي تقطنها والتّعامل معها على أساس العدل والإنصاف. قد يبدو أنّ ما على المحكّ في مثل هذا الموضوع هو حقوق الملكيّة، فعن سبيل المثال: أنا أملك قطعة الأرض هذه، وأنت تملك تلك، وهكذا الكلّ يملك أراضي الإقليم الذي له مسمّى معين. وإذا كانت هذه هي النّظرة التي تؤطّر التّفكير في المشكلة، فإنّ الجماعة التي تقطن منطقة متّصلة وتطالب بالانفصال ستكون مضطرّة إلى تأكيد حقوق الملكيّة المشتركة لإنشاء مطالبة تجزم بملكيّة الأرض التي تسعى لأن تؤسّس عليها الدّولة. لكن والحال كما قال بوكانان، لا يمكن فهم العلاقة بين شعب والأراضي التي يقطنها على هذا النّحو وبهذه الشّروط فقطّ. إنّنا عندما نقول أراضي كردستان، مثلاً، لا نعني أنّ الأكراد يمتلكونها كما يمتلك الفرد عقّارا محدّدا، وإنّما نعني أنّ للكرد مطالب مشروعة في ممارسة السّلطة على أراضٍ يقطنها غالبيّتهم، وتعرف باسمهم في إطار حكم ذاتيّ للمنطقة يشمل كلّ الصّلاحيّات كتحديد السّياسات، وتقرير الأحكام، وصيانة الحقوق وفي مقدّمها حقّ الملكيّة. لكنّ الكرد لم يعودوا مقتنعين بحكم ذاتيّ فقطّ وإنّما يسعون إلى بناء دولة قد يتجاوز إقليمها حدود العراق إلى الدّول المجاورة، ومن ثمّة فهم يستلهمون من الحالة الآيسلنديّة التّأسيس للدّولة عبر التّأسيس لمؤسسات جديدة تماما حتى مع ما قد يُحدِث مثل هذا التّأسيس في المنطقة من زلزال سياسيّ.

لا شكّ أنّ الشّعب الذي يقطن إقليماً محدّداً يشكّل مجتمعا سياسيّا، لذلك فهو يؤسّس لمطلب الانفصال عبر ما يرسي من أعراف من خلال الممارسة السّياسيّة، فضلا عن قرارات تدبير الأشغال العامّة وتشريع القوانين، وتشريع الحقوق الجماعيّة والفرديّة، بالضافة الى الانخراط فيما يشكّل سمات الإقليم ومظهره المادّيّ المميّز. يأخذ هذا مع مرور الوقت أهمّيّة رمزيّة، كدفن الموتى في أماكن معيّنة، وإقامة الأضرحة والآثار الدّنيويّة وغيرها من الأنشطة ممّا ينشئ روابط بالأرض لا تزعزعها عروض بديلة، وهو ما يبرّر في المحصّلة مطلب ممارسة السّلطة السّياسيّة على الإقليم على نحو يلغي مستقبلا كلّ مطالبة منافسة تستند إلى التّاريخ في المجادلة باستلحاقه وحكمه. بالعودة إلى حالة المجتمع المتعدّد حيث الأقلّيّة (س) ترغب في الاستقلال عن الأغلبية (ص) على أراضي الإقليم الذي تقطن به يبرز السّؤال عمّا إن كان ممكنا لـ (س) تقديم مطلب مشروع قانونيّا ومبرّر سياسيّاً لكي تستمرّ في فرض السّيطرة على الإقليم المعني؟ يعتمد الجواب على نوعيّة العلاقة بين الجماعتين وكيفيّة تطوّرها تاريخيّاً. فقد تكون هنالك حالة متطرّفة تعبّر من خلالها الجماعة (س) عن عدم الرّغبة في أن تكون جزءا ضمن الجماعة (ص) التي تعتبرها قوّة احتلال، ومثاله علاقة سكّان دول البلطيق الأصليّين بالأغلبيّة في الاتّحاد السّوفيتيّ سابقا. حيث لم يكن هناك مجتمع سياسيّ حقيقيّ بين الجماعتين (س) و(ص)، ولم تكن مشاريع جماعيّة مشتركة وحرّة بين الطّرفين. فمن الصّعوبة الإقرار بشرعيّة مطالب الجماعة (ص) بأراض تقطنها جماعة (س) إلاّ بقدر ما تملك فيها من استثمارات ماليّة، وفي مثل هذه الحالة تدفع الجماعة (س) تعويضات للجماعة (ص) مقابل تلك الاستثمارات إن هي أعلنت الانفصال. وفي حالة متطرّفة أخرى نجد الجماعة (س) رغم امتلاكها خصائص أو سمات تميّزها عن الجماعة (ص) إلاّ أنّها مع ذلك تشعر بالحرّيّة والمساواة في مجتمع تعدّديّ، غير أنّ القوميّة الجديدة التي تسعى لبنائها وإحراز الاعتراف بها ليست نتيجة استغلال تاريخيّ وإنّما ناجمة عن التّطوّرات الثّقافيّة التي تجعلها تريد الآن السّيطرة على ماجريات الأحداث في إقليمها الخاصّ درءا لما قد يهدّد لغتها بالانقراض أو يهدّد سماتها الثّقافيّة بالمسخ والتّشويه. ففي مثل هذه الحالة يقف مطلب الجماعة (س) على أرضيّة حقوقيّة صلبة تجعله شرعيّا، لا ترقى مطالب الجماعة (ص) إلى منافسته وإبطاله حينما تسعى إلى تجريد الأقلّيّة (س) من جزء من الأراضي تحت طائلة الدّفع بالمساهمة في تنميتها أو بزعم امتلاكها. فقد يثبت مطلب الجماعة (س) في النّهاية إذا لم يكن هناك حلّ توافقيّ للمسألة لأنّه الأقوى، غير أنّ هناك سبب قويّ في مثل هذه الحالة لإيجاد حلّ يعطي الجماعة (س) شكلا من الحكم الذّاتيّ الذي لا يصل إلى الاستقلال. وتنطبق هذه الحالة فيما أعتقد على الأسكتلند والولش في بريطانيا، والكاتالون والباسك في إسبانيا وكندا وممكن جداً أن تنطبق على الكرد في تركيا والعراق.

ننهي هذه المناقشة بالقول: إنّ الاحتكام إلى مبدأ الهوّيّة الوطنيّة أو "الجنسيّة" وتقديمه مبرّراً لتقرير المصير يقتضي تطبيق معيارين على أيّ انفصال محتمل: يقضي الأوّل بتشكيل هوّيّة منفصلة بوضوح عن هوّيّة الأمّة الأوسع، والتّحرّر من الشّراكة معها. بينما يتطلّب الثّاني القدرة على التّحقّق من مطلب الانفصال بتبريره قانونيّا، وإثبات شرعيّة ممارسة السّلطة على الإقليم المعنيّ بالانفصال سياسيّا إذ لا يمكن تطبيق هذه المعايير آليّاً، لأنّ تطبيقها يتطلّب حكماً ودرجة من الفهم التّاريخيّ. وفي حال استيفاء كلا المعيارين يكون لدى الجماعة المعنيّة مطلب حقيقيّ وواقعيّ يسمح لها بالانفصال. لكن يبقى هذا المطلب غير حاسم متى ما تدخّلت عوامل أخرى ذات وزن ومقبوليّة في الاتّجاه المعاكس، حيث تفضي النّظرة الأوّلية على المطلب المناهض للانفصال إلى القبول به حتما ودون تردّد. وفيما يلي عرض لبعض العوامل الأخرى التي قد تحتسب في الحكم النّهائيّ.

مسألة الأقلّيّات والأعداد

الحالة البسيطة هي جماعة وطنيّة غير متجانسة تضمّ أقلّيّة (س) تقطن أقليم محدد تسعى للانفصال عن الدّولة التي تشكّل فيها (ص) الأغلبيّة. لكن الحالة المعقدة هي أن يوجد في الإقليم المطالب بالانفصال بقيادة الأقلّيّة (س)، وحتى بافتراض شرعيّة المطالبة طبقاً للمعاير المذكورة آنفا، أعداد من الأغلبيّة (ص)، وأخرى لا تنتمي لـ (س) ولا لـ (ص). وهو ما يعني أنّ هذا الانفصال ليس تحوّلا من مجتمع غير متجانس وطنيّا إلى مجتمع متجانس وطنيّا؛ وإنّما يعني في الواقع استبدال نمط غير متجانس بآخر غير متجانس أيضا.

إنّ الافتراض الذي يقود المناقشة هنا هو أنّ لكلّ عضو قيمة بصفته مواطن دولة تحتضن أمّة؛ فلئن كان الفرد عضوا ينتمي لأقلّيّة لا يعني ذلك بالضّرورة أنّ الأمر كارثة ولا خيارا أو قدرا سيّئاً. فكيف إذن ينبغي أن تقدّر الأمور قبل الانفصال وبعد حصوله بإعمال هذا المبدأ قاعدة ومعيارا؟ يأتي إحصاء الأفراد الذين يعيشون في دولة ويشكّلون فيها أقلّيّة وطنيّة إحدى المخارج المقترحة، لكن السّؤال الذي يواجهنا هنا يتعلق بمن هي الجهة المخوّلة التي لها صلاحيّة تحديد معايير الانتماء ثمّ الإشراف على الإحصاء، وفي الحالة المتوخاة حيث ستفضّل تلك الأقلّيّة الاستقلال بافتراض أنّ الجماعة (س) هي التي تشكّل الأغلبيّة في الإقليم الذي يطالب بالانفصال، فإنّ الدّولة الجديدة ستتشكّل من أكثريّة هي الجماعة (س) إلى جانب أقلّيّة لم تستوف المعيار هي من الجماعة (ص) أو غيرها من أصحاب الهوّيّات المغايرة. فإذن، بناء الدّولة الجديدة (س) لم يغيّر وضع الانفصاليّين كثيرا عمّا كانوا عليه في دولة الأغلبيّة (ص)، لأنّ التّركيبة الاجتماعيّة المنسجمة لم تتحقّق، كذلك الحال بالنّسبة للأقلّيّات الأخرى في كلتا الدّولتين.

لا يأخذ هذا الاقتراح بالاعتبار سوى الحقائق السّياسيّة للحركات الانفصاليّة التي تفترض على وجه الخصوص، أنّ معاملة الأقلّيّات القوميّة في الدّولة (س) الجديدة لن تكون أسوأ من معاملتها في الدولة (ص) الأصليّة، إذ ستقابل معاملة الأقلّيّة (ص) في دولة (س) بمعاملة الأقلّيّة (س) في دولة (ص)، كما سيقابل الحكم الذّاتيّ الذي سيعطى للأقلّيّة (س) في الدّولة الأصليّة (ص) بما سيمنح من استقلال ذاتيّ للأقلّيّة (ص) في الدّولة الجديدة (س) والعكس صحيح. لكن في كثير من الحالات يكون هذا الافتراض غير واقعيّ إلى حدّ بعيد، حيث يرى عالم الاجتماع دونالد هورويتز أنّ الانفصال يزيد من حدّة الصراع بين الجماعات دائما. فمن أجل تبرير مطلب الانفصال قد تلجأ الجماعة (س) الى المبالغة في السّمات التي تجعلهم يختلفون عن الجماع (ص)، ومتى ما نجحت في ذلك، فمن المرجح أنّها سترغب في تطهير الدّولة الجديدة من التّأثيرات المهلكة بتذويب العناصر المنتمية للجماعة (ص) من خلال حملات القمع وعمليّات الإخضاع الثّقافيّ وفي الحالة المتطرّفة عبر التّطهير العرقيّ الذي يشاهد اليوم في بورما. إنّ التّأثير الجانبيّ للانفصال قد يكون محفّزا لنزاعات جماعية جديدة، ويشير هورويتز إلى كيفيّة تطوّر الانقسامات الإثنيّة الجديدة في أفريقيا وفي أماكن أخرى بعد تفكّك الدّول الأكبر حجما. فالاختلافات التي لا تحظى باهتمام كبير في الوحدة الأكبر، قد تلوّح بالحدوث إلى أبعد حدّ في الوحدة الأصغر حجما بما تنتج من تصوّر للمجتمع السّياسيّ على أساس التّجانس الثّقافيّ ولو بالقسر، وهو ما يفضي إلى سلوك طريق الاقتتال الدّاخليّ بين الجماعات الفرعيّة.

ومن الخطأ البالغ افتراض عدم وجود تغيير في الموقف الأقلّيّ لجماعة (س) التي تعدّ نفسها مجرّد ما تبقّى من دولة (ص) نتيجة التّواجد في هذا المكان، يبدو واضحا أنّها تشكّل أقلّيّة صغيرة تعتقد أنّ تأثيرها السّياسيّ سيكون أقلّ ممّا لو كانت مستقلّة. فقد لا تكون هناك أي دوائر انتخابية تنتخب أعضاءها بانتظام للبرلمان، وقد تجرّد من الحقوق الخاصّة كالحقوق الثّقافيّة باعتبار أنّه لم يبق منها سوى فئة قليلة جدّا تستدعي القلق بشأنها بالإضافة إلى الاهتمام الخاصّ. كما قد يجادل قادتها السّياسيّون في الدّولة (ص) بأنّ وجود الدّولة (س) يوفّر حماية نوعيّة لتلك الجماعة ولثقافتها، إذ سيغيّر إنشاء دولة (س) الهوّيّة السّياسيّة لأعضاء الجماعـة (س) ممّن بقي منهم خارجها. فقد يعزّز وجود تلك الدّولة إحساسهم بقيمتهم الذّاتيّة في بعض الأحيان النادرة، أو قد يشعرون بمزيد من الاستبعاد من قبل جماعة (ص) غير أنّ هذا الشّعور سيكون بالمثل [إذا كنت تعتقد أنّك لا تنتمي لهذه الأرض فلماذا لا تنتقل إلى أرض (س)؟]. ومن ثمّة، سيكون من المرجّح أن تزداد حالة من تقطّعت بهم السّبل من جماعة (س) نتيجة الانفصال.

للأسباب المذكورة يبدو أنّ اقتراح تسوية مسألة الأقلّيّات عن طريق الإحصاء وعدّ الرّؤوس غير كافٍ على الإطلاق، إذ يتعيّن إصدار أحكام تتعلق بكيفيّة تغيير وضع المجموعات المختلفة عبر إنشاء دولة جديدة. والسّؤال في مثل هذه الحالة يتناول البحث عمّا إن كان مبدأ الهوّيّة الوطنيّة (أو الجنسيّة) يرشد إلى حلّ واقعيّ وعمليّ، ولا بدّ في هذا الصّدد من توضيح حقيقة أنّ المبدأ لا ينادي بإنشاء دول متجانسة ثقافيّا أو عرقيّا. ولكنّه يدعو إلى تقاسم هوّيّة وطنيّة مشتركة واحدة وموحّدة تترك قدر الإمكان مساحة للتّنوّع الاجتماعيّ المبنيّ على الاختلاف والمغايرة في العرق واللّغة، في الملّة والمذهب، كما في الرّأي السّياسيّ وما إلى ذلك. والمؤكّد أنّه إلى جانب مبدأ الجنسيّة يأتي إقرار مبادئ أخرى كمبادئ حقوق الإنسان مع ما تتضمّن من مبادئ تحمي حقوق الأقلّيّات، ومبدأ العدالة، ومبدأ المساواة وغيرها. فتنزيل هذه المبادئ في الواقع اليوميّ بوضعها موضع التّنفيذ يخلق ارتياحا في الأوساط الاجتماعيّة على اختلافها. كما أنّ وضعها بالاعتبار عند النّظر في قضايا معيّنة خصوصا عندما يتعلّق الأمر بمطلب الانفصال يساعد على الحكم، وعلى تقدير ما إن كانت حقوق تلك الأقلّيّات أفضل أو أسوأ لقبول أو ردّ المطالبة بالانفصال.

والواضح أنّ هذه التّقديرات صعبة، لكن الفعل الوحيد الذي لا يمكن ارتكابه هو قبول الوعود والتأكيدات التي قد يقدّمها الانفصاليّون هكذا ببساطة كما هي، ودون ضمانات. فالفلاسفة السّياسيّون الذين كتبوا عن هذا الموضوع يميلون في الواقع إلى "القبول بالانفصال شريطة أن يلتزم الانفصاليّون باحترام حقوق الأقلّيّات في الدّولة الجديدة التي هم بصدد إنشائها وتشكيلها". لكن كيف يمكن تطبيق هذا الشّرط على حالة فعلية؟ ما هي القيمة الحقيقيّة لتعهد يقدّم بهذا الخصوص؟ علما أنّه بمجرّد تشكيل الدّولة الجديدة والاعتراف بها تدخل حيّز التّنفيذ قواعد آمرة قويّة تقضي بعدم التّدخّل الدّوليّ في الشّأن الدّاخليّ، واذا وضعنا هنا في الاعتبار تجربة يوغوسلافيا السّابقة فسنجد أنها أكّدت لنا أنّه من الصّعب جدّا السّيطرة على الانتهاكات واسعة النّطاق لحقوق الأقلّيّات من الخارج. فهناك خطورة كبيرة في السّماح للانفصال بالحدوث لما قد يكون من تغاضٍ ضمنيّ عن سوء معاملة الأقلّيّات في الدّولة المشكّلة حديثا، وهو أمر لن يكون من الممكن القيام بشيء حياله في مراحل لاحقة من سوء المعاملة تلك.

قد يقود مبدأ الهوّيّة الوطنيّة نفسه إلى التّفكير في وجهات نظر أخرى، وجهات تستدعي رؤية كامنة تدعو إلى أن يتقاسم مواطنو الدّولة هوّيّة وطنيّة شاملة تتيح مجالا للاختلاف الثّقافيّ. لكن إلى أيّ مدًى يمكن تحقيق هذه الرّؤية المثاليّة على حالة معيّنة؟ بل إلى أيّ مدًى تتضمّن الهوّيّة المعنيّة بطبيعتها عناصر يمكن أن ترتبط بثقافة مجموعة إثنيّة معيّنة؟ فإذا كانت الهوّيّة الوطنيّة للـجماعة (ص) غير متبلورة نسبيّا وكانت هوية الجماعة (س) تتضمّن عنصرا دينيّا أو عرقيّا أقوى عن سبيل المثال، فمن الواضح أنّ هناك فرصة متاحة بشكل أفضل للجماعة (س) بسبب ما لها من هوّيّة مشتركة يمكن أن تتطوّر في الدّولة الأصل (ص) على العكس ممّا قد يحصل لها في الدّولة الانفصاليّة (س). وللإشارة لا يعني هذا المعيار بالضّرورة تأييد الوضع الرّاهن أو تزكيته، وإنما يقصد به التّنبيه إلى حقيقة أنّه في كثير من الحالات لاسيما منها تلك التي تكون فيها الدّولة القائمة راسخة منذ وقت طويل، الشّيء الذي مكّنها من إرساء آليّات جيّدة للتّعامل مع التّعدّديّة حيث يغدو مطلب الانفصال غير واقعيّ وغير مبرّر بما يلزم من النّاحية السّياسيّة. إذ لا يتوقّع أحد بخصوص قضيّة الكرد في العراق مثلا أن تقوم دولة كردستان المستقلة في حماية الحقوق الخاصة بالأقليات في كردستان بكفاءة وفعالية أفضل من ما حاصل من أنتهاك لحقوق هذه الأقليات في العراق، وأيضا لا يتوقّع أحد بخصوص قضيّة الكيبيك مثلا، أن تقوم دولة الكيبيك المستقلّة بحماية الحقوق الخاصّة بالأقلّيّة النّاطقة بالأنجليزيّة على الأقلّ بنفس الكفاءة والفعاليّة التي تقوم بها كندا اليوم في حماية حقوق المتحدّثين بالفرنسيّة. بتعبير أكثر وضوحا يصعب أن نتصوّر تطوّر هوّيّة وطنيّة متفتّحة ومتقبّلة لغير الكرد في كردستان بسبب غياب تقاليد أحترام حقوق الأنسان والأقليلات في الشرق الأوسط عموما وفي العراق خصوصا، أو للنّاطقين بالأنجليزيّة في كيبيك، على نحو ما تطوّرت به الهوّيّة الكنديّة للمتحدّثين بالفرنسيّة في جميع أنحاء كندا بفضل التّرويج النّشط للحديث بها الذي أدى إلى أن تكون الثّقافة الفرنسيّة عنصرا مؤسّسا في تلك الهوّيّة.

لا يوجد سبب يدعو إلى الاعتقاد بإمكانيّة احترام حقوق الأقلّيّات عندما يتعذّر التّعايش السّلميّ في المجتمعات المختلطة ومع اندلاع حرب أهليّة تصبح المصالحة أو التّوافق أمرا غير ممكن بسبب ما تأصّل من عداء متبادل، وحينئذ لن تنجح أيّة صيغة لتقسيم الإقليم. إذ يكون من الضّروريّ التّفكير في تبادل السّكان ابتداء لأجل إنشاء كيانات متجانسة وطنيّا، فاقتراح كهذا سيرحّب به معظم اللّيبراليّين لأنّ خلافه يذكِّر بالشّبح المرعب للتّطهير العرقيّ وبالتّرحيل القسريّ. لا شكّ أنّ كثيرا من التّحوّلات السّكّانيّة قد حدثت في الواقع بشكل أو بآخر تحت طائلة الإكراه الفعليّ، لذلك ينبغي أن نكون مستعدّين للتّفكير في عمليّة تخضع لإشراف دوليّ تكون أقل كلفة من النّاحية الإنسانيّة وأقلّ ضررا من النّواحي الاجتماعيّة. بحيث يتمّ منح المرحّلين حوافز ماليّة لتبادل الممتلكات والعقارات إذا كان البديل عن ذلك هو ما شهد العالم من أحداث دامية في البوسنة، وعلى نطاق أصغر بكثير في أيرلندا الشّمالية.

وعموما ينبغي عند معالجة مسألة الأقلّيّات ألاّ يكون المبدأ هو السّماح بالانفصال عندما تطالب به أغلبيّة إقليميّة، بل يتعيّن حثّ كلّ الأطراف على البحث عن الوسائل العمليّة التي تحقّق التّعايش بشكل أفضل، وتوفّر فرصا فعليّة لخلق دول ذات هوّيّات وطنيّة متجانسة نسبيّا تحمي حقوق الأقليّات داخليّا من النّواحي الاجتماعيّة والثّقافيّة وغيرها. للإحصاء أهمّيّة في معرفة الخريطة السّكّانيّة والإحاطة بالوضع الاجتماعيّ والثّقافيّ لمختلف الفئات، وينبغي أن تحتسب العواقب لأكثر من ذلك عندما تبدو الأوضاع سيّئة للغاية بالنّسبة للأقلّيّات حيث قد يكون من الضّروريّ تشجيع بعض السّكّان على نقل مساكنهم قدر الإمكان.

مسألة العدالة والتّوزيع

يرد التّساؤل عمّا إن كانت الاستجابة للمطالب الانفصاليّة المتعلّقة بتطبيق مبادئ العدالة التّوزيعيّة تحقّق نتيجة أفضل في الاستجابة للانفصال، عندما يبدو أنّ المطالبة بتطبيقها أمر مستخف به لاسيما في فترات الرّكود الاقتصاديّ التي تؤثّر سلبا على الأوضاع الاجتماعيّة داخل الدّول بما فيها المستحدثة نتيجة الانفصال، والتي من المرجّح أن تؤثّر على حجم التّبادل بتغيّر نمط التّوزيع الاقتصاديّ بينها. من الملاحظ عند تتبّع المناقشات التي تناولت هذه المسألة أنّها تعطي لمبادئ العدالة بعدا استراتيجيّا، ومكانا بارزا في نظريّة الانفصال المشروع. ومن ثمّة يأتي السّؤال عن الدّواعي والاعتبارات الفعليّة التي تحتّم تعديل الاستنتاجات المتوصّل إليها بخصوص هذه المبادئ.

يشير بوكانان، إلى إنّ المسألة الأولى التي يتعيّن تسويتها هنا هي نطاق المبادئ المعنيّة. بمعنى هل ينبغي اعتماد مبادئ العدالة التّوزيعيّة كأعراف موجّهة في تحكيم القانون الدّوليّ مع ما يكتنف تطبيقها على الصّعيد العالميّ من صعوبات ومشكلات، أم أعتمادها كمبادئ لها نطاق محدود يتأتّى من التّطبيق العمليّ لها عبر المؤسّسات المحلّيّة؟ يحلّل بوكانان هذه القضيّة برسم التّباين بين "العدالة كمعاملة بالمثل" وبين "العدالة التي تركز على الموضوع"، حيث يرى أنّ التزامات الأولى لا تقع إلاّ بين مساهمين في مشروع تعاونيّ، بينما لا تفرض الأخيرة أيّة قيود من هذا القبيل. غير أنّ مبادئ العدالة التّوزيعية لاسيما المبادئ المقارنة منها مثل المساواة والحاجة والاستحقاق، لها بالفعل نطاق محدود لا تعيّنه الممارسة التّعاونيّة التي تستهدف تحقيق منفعة متبادلة؛ بل تعيّنه مواضعات مجتمع يعترف فيه الأعضاء بعضهم بالبعض وبالانتماء إليه جميعا على السّويّة. يتجنب هذا الرّأي طبعا ما يعتبره بوكانان الضّعف الرّئيس للعدالة بوصفها معاملة بالمثل حينما يعتبر أنّه لا يمكن الاعتراف بالتزامات العدالة تُجاه أولئك الذين لا يستطيعون الإسهام في خطّة للتّعاون الاجتماعيّ، مثل ذوي الإعاقة الخطيرة. وإذا كان نطاق مبادئ العدالة يحدّده ما يتواضع عليه المجتمع المعنيّ من حدود، فإنّ هذه المبادئ ستشمل حتما أولئك أفراد الذين لا يستطيعون المساهمة في النّاتج الاجتماعيّ لسبب أو لآخر، إذ ستطبّق عليهم مثلا مبادئ المقارنة مثل مبادئ المساواة والحاجة والاستحقاق، لها بالفعل نطاق محدود. وعموما الأمّم ليست هي المجتمع الوحيد الذي يمكن أن يُحسب على هذا المنظور، وإن كانت هي الأهمّ.

إذا كانت هذه هي الصّورة فكيف أذن نحكم على عدالة مطلب الأنفصال؟ لا شكّ أنّ الأصل يقضي بالحفاظ على مبدأ الوحدة في مجتمع تخضع مؤسّساته لدرجة أوثق من مبادئ العدالة التي يوافق عليها المواطنون، ومتى ما حدث الانفصال نتيجة سبب من الأسباب، أو تحت أيّ ظرف من الظّروف تتشكّل بالتّبع جماعتان سياسيّتان يتجّسد بشكل أو بآخر في كلّ واحدة منها إحساس بالعدالة بين الأعضاء، لذلك يكون من المزايدة الباطلة اعتبار الانفصال سببا لتحقيق العدالة. إذ يحاجج الموقف المؤيّد للانفصال بسخط الأقلّيّة (س) بسبب ما عانت من ظلم في الدّولة الكبيرة، إمّا لأنّ المبادئ التي اشتركوا فيها مع الأغلبيّة لم تنعكس بشكل كافٍ في سياسات الدّولة، أو لأنّ تلك المبادئ التي تقاسمتها داخل الجماعة (ص) قد نُفّذت بطريقة تمييزيّة. ويحاجج الموقف الرّافض للانفصال بما جنّدت الدّولة الأكبر من موارد وفّرت الحماية من أنواع العوز والحرمان لجميع الأعضاء في كلتا الطّائفتين. والحقيقة التي لا تقبل المراء والمجادلة أنّ الجماعة (س) والجماعة (ص) سيتلقّيان معا معاملة مختلفة بعد الانفصال سواء من قبل الحكومتين أو من قبل المؤسّسات الدّوليّة، وهو سبب آخر ينضاف لمعارضة الانفصال والوقوف ضدّه. وينطلق ذلك من مقدمة هي أن مبادئ العدالة النسبية تطبيق داخل المجتمعات وليس فيما بين مجتمعات في دول أخرى. فأنه ليس من الظلم مثلا أن الألمان يتمتعون في متوسط دخل أعلى أو رعاية طبية أفضل من الإسبان، لذلك إذا كان الباسكيون ينفصلون عن إسبانيا، فلن يكون هناك أي ظلم إذا كانوا يحصلون على مستوى معيشي أعلى (أو أدنى) من مواطنيهم السابقين.

يعني هذا بشكل عامّ أنّ حجّة العدالة ستتعزّز بإعلاء الوطنيّة كانتماء ومبدأ جامع بدل التّعويض بالحجّة الأصليّة لتقرير المصير، لكن عندما تتعارض الهوّيّة الجماعيّة لمجموعتين أو أكثر داخل الدّولة بشكل جذريّ، فيعني ذلك أنه من المحتمل جداًّ سيحصل مجتمع الأقلّيّة على معاملة غير عادلة لواحد أو لكلا السّببين المبيّنين أعلاه. ومن المرجح أن تنافر الهوّيّات الخاصّة يأتي كمحصّلة طبيعيّة لما يعتمل داخل الثّقافات العامّة من تناقض، وبالتالي فهم مختلف نوعا ما لما تتطلبه العدالة. وبالمثل عندما يوجد قدر كبير من العداء بين المجتمعات المحلية، سيشعر الزعماء السياسيون في مجتمع الأغلبية بإغراء قوي لممارسة سياسات تمييزية لصالح أتباعهم. إنّ الهوّيّات الجماعاتيّة تتقارب بشكل أوثق على المستوى الوطنيّ كلّما تحقّقت العدالة، وليس محتملا أن يدعم مبدأ الجنسيّة ولا العدالة التّوزيعيّة مطلب الانفصال.

عند التّفكير في ظروف أخرى يمكن أن تلجأ إليها العدالة للاعتراض على حالة انفصاليّة يبدو أنّ لها ما يبرّرها من نواحي أخرى تبرز حالتان هما:

أولا، أنّ الانفصال كما لاحظ العديد من الباحثين قد يكون غير عادل إذا حرم الدّولة الأصليّة من بعض الموارد القيّمة التي تمتلكها أو التي تمّ إنشاؤها بمجهود جماعيّ مثل ثروة طبيعيّة نصّ عليها دستور الدّولة السّابقة للانفصال بوصفها ملكاً عامّا لكلّ المواطنين، أو استثمار ماليّ كبير قامت به تلك الدّولة في إنشاء محطّة لتوليد الكهرباء على أراضي الإقليم المطالب بالانفصال. حيث يمكن من حيث المبدأ حلّ هذه المسألة من خلال نقل الدّفع من الدّولة الجديدة (س) إلى ما تبقّى من الدّولة الأصل (ص) بالرّغم من صعوبة الاتّفاق على شروط دقيقة بهذا الخصوص. كما يمكن عندما يفرض انسحاب الجماعة (س) معاناة على الجماعة (ص) أن يعقد الطّرفان اتّفاقيّة ذات صبغة دوليّة تستمرّ من خلالها الجماعتان (ص) و(س) في التّعاون وفق الظّروف والشّروط والشّرعيّة المتوقّع معها استمرار ذلك التّعاون حسبما يرى غوتييه. فقد يكون لدى الجماعة (ص) بعض المطالب بالتّعويض التي تنخفض تدريجيّا مع تقدّم الزّمن وتوالي السّنين، لذلك فإنّ من الأفضل اعتبارها من مسائل العدالة الانتقاليّة التي لا ينبغي أن تُخلَط بالفكرة المرفوضة أعلاه التي ترى أنّ الانفصال سببا لتحقيق العدالة، فالموقف النّسبيّ للطّائفتين اللّتان تشكّلتا بفعله لا بدّ من أن يحتكم إلى تطبيق مبدأ المقارنة مثل المساواة والحاجة والاستحقاق عند كليهما.

ثانيا، عندما يكون الانفصال سببا مباشرا لأن تبقى الدّولة الباقية قليلة الموارد لا تقدر على حماية مصالح أعضائها وتأمين متطلباتهم الأساس، فيضطرّها ذلك إلى الرّضوخ والانصياع لأجندات القوى الدّوليّة أو الإقليميّة كأن يختار إقليم غنيّ الانفصال عن أقاليم فقيرة وهامشيّة، وهو أمر يستحقّ التّفكير لأنّه يلقي الضّوء على المبدأ العامّ الذي يستند إليه هذا الافتراض وهو أنّ سعي الجماعة (س) إلى تقرير المصير يتعيّن حتما ألاّ يفضي إلى حالة تحرُم الجماعة (ص) من تحقيق العدالة فيما بين أعضائها ما يجعلها محقّة في المطالبة بالحقّ في تقرير المصير أيضا. وهذا يذكّر إلى حدّ ما بشرط ويلمان الذي يرى ضرورة أن تكون الدّولة الانفصاليّة والدّولة الباقية كلاهما "كبيرتين، ثريّتين، متماسكتين ومتّصلتين جغرافيّا بما فيه الكفاية لتشكيل حكومة تؤدّي بشكل فعّال الوظائف اللاّزمة لخلق بيئة سياسيّة آمنة". ومع اعتبار عدم جدوى الإصرار على مطالبة كلّ دولة بالوصول إلى مستوى من الشّرعيّة اللّيبراليّة قبل تشكيلها يبقى مهمّا بالفعل أن يكون لكلّ من الدّولتين (س) و(ص) ما يلزم من الأراضي والموارد التي تمكّنها من إنشاء مجتمع سياسيّ قابل للحياة؛ أمّا كيفيّة القيام بذلك عمليّا فهذا يعتمد على الثّقافات السّياسيّة المتحصّلة لدى الجماعتين.

الخلاصة

لقد حاولت الدّراسة أن توضّح ما يوفّر مبدأ الهوّيّة الوطنيّة (أو مبدأ الجنسيّة) من وجهات نظر حول قضيّة الانفصال، ومن رؤًى تتجنّب الوقوع في مغبّة تجاهل مطالب الانفصاليّين دون انحياز لطرف على حساب آخر، ودون أن يكون في الأمر ما يرغم على الدّفاع عن الدّولة القائمة. ففي بعض الأحيان تحتاج الحدود إلى تغيير، لكنّ القيام بذلك لا يصحّ ولا يتحقّق إلاّ بتطبيق المعايير ذات الصّلة، وليس فقط عبر المطالبة الصّاخبة والتّجييش المنفعل للعواطف القوميّة، إذ من غير الطّبيعيّ أن تنادي أغلبيّة إقليميّة تريد الانفصال بالاستقلال دون أن يكون لها الحقّ في القيام بذلك. فهي تحتاج إلى قياس قوّة مطالبتها، وقياس المدى الذي تطوّرت إليه هوّيتها، كما تحتاج إلى قياس قدرتها على تحمّل كلفة الانفصال وإلى معرفة كيف يمكن أن يكون مصيرها عند تطوّر هوّيّة أقلّيّة منفصلة داخلها، بالإضافة إلى استيعاب مختلف النّظم الممكنة التي تتطوّر من خلالها مختلف الجماعات والمجموعات وغير ذلك ممّا يتطلّب مستوى من المعرفة العلميّة ومن الحذق السّياسيّ ناهيك عن التّمكّن من فهم الواقع والإمساك بخيوطه المعقّدة والمتشابكة. فبهذه الطّريقة لا بغيرها يمكن أن يكون الانفصال الصّريح مبرّرا من النّاحيتين القانونيّة والسّياسيّة، وبديلا مقبولا عن الأشكال التّوافقيّة الأخرى المتوفّرة داخل حدود الدّولة القائمة كالحكم الذّاتيّ الجزئيّ، الفدراليّة، الحكم الذاتيّ المحليّ، وما إلى ذلك من أشكال.

 

د. عليّ رسول الرّبيعيّ

............................

Reference

Buchanan, A,. Secession, Boudler, colo., Westview Press, 1991, p.49.

Buchanan, A,. ‘Theories of Secession’, Philosophy and Public Affairs,26, 1997, pp 31-61.

Crawford, J., Thr Creation of State in International Law, Oford, CLARENDON Press, 1979, ch,3.

Gauthier, ‘Breaking Up: An Essay on Secession’, Canadian Journal of Philosophy,24, 1994.

Horowitz, D.L., ‘Self-Determination: Politics< Philosophy and Law’, in Shapiro, I., and Kymlicka, W., (eds), Namos XXXIX: Ethnicity and Group Rights, New York, New York UniversityPress, 1997, and Moor, M., (ed0 Self-Determination and Secession, Oxford, Oxford University Press, 1998.

Keating, M., Nation aginst the State: The New Politics of Nationalism in Quebec, Catalonia and Scotland, Basingstoke, Macmillan, 1996.

Ladas, S.P, The Exchange of Minorities: Bulgaria, Greece and Turkey, New York, Macmillan,1932.

Mapel, D.R., and Nardin, T., The constitution of International Society: Diverse Ethical Perspectives, Princeton, Princeton university Press, 1998.

McDowall, D, The Kurds: A Nation Denied, London, Minority Rights Group, 1992; Kreyenbroek, P.G and Sperl, S (ed), The Kurds: A Contemporary Overview, London, Routledge, 1992.

Moore, Margaret, ‘On National Self-Determination’, Political Studies, 45,1997

Nielsen, K, ‘Secession: The Case of Quebec’, Journal of APPLIED Philosophy, 10, 1993, PP 29-43; وايضا Gauthier, ‘Breaking Up: An Essay on Secession’, Canadian Journal of Philosophy,24, 1994, pp,356-72.

Norman, W,. ‘The Ethics of Secession as the Regulation of Secessionist Politcs’ in Moore (ed) National Self-Determination and Secession, Oxford, oxford University Press, 1998.

Petropoulos, J.A., ‘The Compulsory Exchange of Populations: Greek-Turkish Peace-making, 1922-1930’, Byzantine and Modern Greek Studies,2, 1976.

Steiner, H., ‘Territorial Justice’ in Georgy, Caney, S, D and Jones (eds), National Rights, International Obligations, Boulder, Colo., Westview Press, 1996

Wellman, C.H., ‘A Defense of Secession and Political Self-Determination’, Philosophy and Public Affairs, 24, 1995.