مجدي ابراهيمحاملُ القرآن على الوعي والبصيرة مطلوبٌ غير طالب؛ لأنه حامل لهذا الوعي السرمدي الذي تتفتح عليه حقائق الوجود كله من معدن الحق الباطن فيه والظاهر. حامل القرآن بالوعي والفهم والتفكير عارف مستبصر، يدعو إلى الله على بصيرة، ويمسك بالحقيقة؛ فتملك عليه أقطاره فتوجهه هو أولاً؛ ليكون فيما بعد قادراً على التوجيه والإرشاد بما ينفع الناس.

إذا شاء الحق تَفَضَّل على حامله بأن يهبَه من الوعي بحقائق القرآن ما لا يُحصي ألطافه وعجائبه. في إشارة بديعة للفضيل بن عياض يقول فيها :" لا ينبغي لحامل القرآن أن يكون له إلى خَلْق حاجة، لا إلى الخلفاء فمن دونهم، ينبغي أن تكون حوائج الخلق كلهم إليه"؛ ولعلَّ معناها هو : أن يكون حامل القرآن في ذاته مطلوباً بما تنزّلت عليه ألوان التجليات الإلهية، فما حاجته إلى الناس (الخُلفاء، الرؤساء، الأمراء، الوجَهاء) وكفايته مرهونة بما كفله الله له من ضمان الوعي بإحاطة القدرة، فهو مطلوب لذاته؛ لأن ذاته واعية بما شاء الحق أن يُنَزّل عليها من فضله تجليات الأنوار.

شرطُ التّجلي تحويل النفس، وتحويل النفس من اتجاه في الحياة إلى اتجاه مُقدّمة للتجلي. وللقرآن تجلياته؛ وتجليات القرآن لا تتنزل كما سبقت إليه الإشارة على قلبٍ لاهٍ، لكنها تتنزل بعلم الله ومشيئته على تلك القلوب التي يَعْلم من أمرها أنها كانت تكون موضعاً لهذا التجلي ولو كانت في سابق عهدها لاهية ساهية فارغة أو تكاد من أعمال الخير والصلاح. فقد تكون سيرة الرجل ممّا لا يصلح لهذا التجلي في بدء أمره، أو قد يكون هو من أهل العمل الطالح وكثرة الغفلات التي لا حضور فيها مع الله، ولكن إذا شاءت إرادة الله له خيراً كانت هدايته المُهدَاه هى أن يتجلى عليه سرُّ من أسرار أية يسمعها عرضاً في طريق، لكنه لا يسمع منها حروفها وكلماتها بل يسمع منها تجلياتها.

وليس في التجلي ما يسمع الأذن ويبصر العين وكفى، بل فيه ما يخشع القلب ويوقظ الشعور ويهز الوجدان هزاً عجيباً بقشعريرة غريبة ينتفض لها الوجود كله، ويغيب الوجود في الشهود: شهود العظمة الإلهية سراً ظاهراً من خفاء إلى جلاء، ومن غيبة إلى حضور ليتحول صاحب هذه الهزة الفجائية المباركة من حال في الحياة إلى حال، وبمقدار ما يطرأ هذا الحال قوياً عنيفاً يجيء أثره فيقلب دفعة الحياة في الطوية الكامنة في أعمق الأعماق ليُغَيّر مجاريها كل التغيير.

ومثالُ الفضيل بن عياض (ت187ه) أحد أئمة التزكية خير الأمثلة التي نثبتها هنا لتجليات القرآن. كان الفضيل على رأس عصابة تقطع الطريق بين أبيورد في سمرقند من ناحية مرو وبين سرخس، وكان يعشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدار إليها سمع قارئاً يتلو قوله تعالى من سورة الحديد :" ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله". فقال من فوره بلى آن .. بلى آن؛ فرجع فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيهم رفقة، فقال بعضهم: نرتحل! وقال قوم حتى نصبح؛ فإن فضيلاً على الطريق يقطعه علينا، لكن الفضيل كان قد تاب، وأمَّنَهم، ثم جاور الحرم حتى مات. وهو القائل:" إذا أحَبَّ الله تعالى عبداً أكثر غَمَّه وإذا أبغض عبداً وَسَّع عليه دنياه".

لننظر في سبب توبة "الفضيل بن عياض" حين سمع قارئاً يتلو الآية الكريمة وحين يجيب من فوره : بلى آن .. بلى آن .. لم يكن السماع حينذاك ككل سماع ولا كأي سماع ولكنه كان ضرباً من تجلى أسرار الآية على قلب الرجل. كانت منافذ الحواس مفتوحة على الجهة العلويّة فإذا النداء آية، سرُّها موصول بحضور القلب فمغذيه، لم يكن القلب لاهياً ولا غافلاً بل كان وقت السّماع حاضراً؛ وفي اتساع القلب لمثل هذا الحضور حدث التجلي فغير دفعة الحياة من الداخل، من العمق؛ وقَلَبَ بدوره حركتها من الضد إلى ضده : من قاطع طريق إلى عارف بأسرار الآي الكريم.

وهاهنا يكون التجلي ثورة انتفاضة باطنة، فيها من الغور البعيد " الجُوَّانيّ" ما يهيئ لصاحبها أن يكون كله بمثابة لحظة كونية متفرّدة يستشرف فيها طوالع الغيب المجهول بمثل ما تفردت به سريرة الفضيل حين استقبلت التنزُّلات الإلهية في كلمتها المتجلية. وبمثل هذا أو بما يشبهه يكون التجلي القرآني: التقاء سريرة إنسانية بلحظات كونية فريدة في تساميها : إشراق النفس وتفتح إمكاناتها لاشك في هذه الحالة إنما هو ضرب من ضروب التوجه الروحي العنيف الغائر لا تقيده بحال قيود الأغلال الجسديّة، هو فورة تغلي على الدوام بانطباع صورة الحق فيها، ولا يزال الانطباع موجوداً حتى يتمُّ المعنى منها، ولا تنقضي موارده وخوافيه ولا تنمحي آثاره على الإطلاق ما لم يكن يحدث هاهنا تغييراً جذريّاً يتبدى في العمل والسلوك فضلاً عن تبديه في الفكر والشعور وملكات الإدراك.

لم تكن اللحظة التي استقبلها "فضيل" هى لحظة بنت سماع طارئ يعرض كأي سماع، ولكنها كانت مشيئة خلقت الأسباب التي هيئتها، أو إن شئت قلت، خرقت جميع الأسباب التي تعوق تجلياتها لأجل أن يكون التجلي موفورة أسبابه محققة نتائجه. وكذلك تكون سائر التجليات القرآنية: لحظات كونية فريدة في تساميها واتصالها ليس بالوسع التعبير عنها أو وصفها بالعبارة كما ينبغي أن يكون الوصف والتعبير!

فإذا حدث هنالك نوع من الاستجابة للدعاء، حدث تباعاً إدراك خفي للتجلي، والدعاء دعوة، والدعاء نداء، فإذا كانت هناك آذان تسمع وعيون تبصر وقلوب تعي، فهنالك تمت الاستجابة. وقد تكون الاستجابة مواتية بغير أن يقف الواقف على نور واحد من أنوار التجليات. لكنه حكم المشيئة، فإن تكن المشيئة قد خرقت منذ البداية جميع الموانع وزللت كل العقبات، فها هنا تقع الاستجابة.

وأول هذه الموانع والعقبات أن ترى هاهنا استعداداً فطرياً مكملاً بمواهب الحضور بين يدي الحق، ثم ترى هنالك ما يعوقه ويمنعه عن أن يؤدي الغرض الأساسي الذي وضع لتأديته. فالغرض الأساسي من التجلي هو الإدراك الواعي: إدراك البديهة الصائبة والأمنية، وإيقاظ الوعي الذي تتداخل فيه ملكات الإنسان المعرفيّة برمتها، ومن الإدراك يجيء التغيير، ولا يكون ثمة تغييرٌ تتحول به النفس من حال إلى حال ما لم يكن قد حدث منذ اللحظة الأولى للشروع في عملية التغيير ضرباً متعالياً من الإدراك الذوقي.

لم يكن اختيار "الفضيل بن عياض" وهو من أبرز الشخصيات الصوفية التي كتب عنها القشيري في رسالته وأبو عبد الرحمن السلمي في "طبقات الصوفية"، والهجويري في "كشف المحجوب"، والكلاباذي في "التعرف لمذهب أهل التصوف"، والشعراني في "الطبقات الكبرى، وابن الملقن المصري في" طبقات الأولياء"؛ لم يكن اختيارنا لهذه الشخصية الصوفية عرضاً في غير أهمية لما عَسَانَا نتناوله من تحليل تجليات القرآن في ميدان الحب الإلهي ولكنه كان اختياراً مقصوداً؛ فإن عملية التحول الباطني في شخصية الفضيل بن عياض أو حتى شخصية رابعة العدوية (ت 185ه)، أو شخصية إبراهيم بن أدهم (ت 161هـ) لجديرة بتسليط الضوء عليها، ومن ثمّ إثباتها بنوع من التحليل كأثر ظاهر من آثار التجلي الإلهي على قلوب العارفين لا يمكن إغفاله ولا نكرانه لاسيما فيما لو كانت هنالك قيماً علوية وحضارية وإنسانية ترشدنا إلى مثل هذا التحول، وتقفنا على أهمية أن يكون التغيير ضرورة روحيّة بمقدار ما يجيء استعداداً سامقاً تتعلق به إرادة العارف في تحويل وجهة الحياة برمتها ناحية الجناب الإلهي.

ومن هنا نفهم : أن الفهم عن الله، كما تقدَّم، - وهو الدافع لعملية التغيير وتحويل النفس من نمط في الحياة إلى نمط آخر- لا يتسنى لأحد إلا بمقدار ما تتعلق به إرادة الله لتفهيم العبد على مقدار إخلاصه. وبهذا أو بمثله يكون الفهم مؤسساً على نورانية الصلة، وهو ما يسميه الصوفية بملكة  "التعلق" عند العارف، تعدُّ بوجه من الوجوه دعامة من دعائم الذاتية الخاصّة للقرآن. وما هذه الملكة "التعلق" سوى هِمّة عالية وإرادة فاعلة ومؤثرة، يتأثر بمقتضاها كيان العارف كله، ظاهرة وباطنه وما يعيه وما لا يعيه، كيما ينال - من بعدُ - لطائف العرفان.

يحظى العارفُ بملكة خاصة ينفرد بها ربما كانت هى أقوى وسائل التحصيل الذوقي للمعرفة التي هى في الأصل ذوقية صرفة. وملكة التعلق هذه؛ إنمّا هى ملكة مشروطة بخصائص روحانية قَلَّ أن توجد بين الناس اللهم إلا  كبار العارفين من عبيد الاختصاص، وبها وحدها ينالُ العارف حظوة العرفان، وبها وحدها كذلك يفهم العارف ما عَسَاه يفهم من كتاب الله وتتجلى عليه من أسراره ما لا يتجلى على أحد سواه. وشرط هذه الملكة في نموها وتطورها والمحافظة عليها وتفعيلها في أبواب الحياة الروحية، الجهاد والعزم والتسليم والإرادة وارتفاع الهمة عند الهبوط الشائع والنكوص المرذول، ثم دوامها في "المعية" في غير فتور وبلا اعتراض من عوائق الطريق.

وبملكة التعلق يصير الفهم عن الله خطابه وبيانه، خاصّة عرفانية يكتحل بها الفهم ويكتمل البيان، فهى لأجل هذا تبدو ذات وجهين: أحدهما أن قوة العارف الروحيّة "تتعلق" بالله على الدوام بغير فتور أو انقطاع، فتحظى بالمحبّة؛ فتورث المحبة معرفة عند قوم، أو تحظى بالمعرفة عند تحصيل وسائلها الذوقية، فتورث المعرفة محبة عند آخرين. والوجه الآخر : أن هذه القوة الحاصلة لا تكون إلا بمدد إلهي تتعلق به إرادة الله حين يشاء أن يمنح عبده تلك المعرفة الوهبية والمحبة العطائية.

ففي الوجه الأول: جهدٌ مكسوب من العبد. وفي الوجه الثاني: وهبٌ ممدود من الرّب. وعلى هذا وذاك تدور العبارات والإشارات حول حقيقة المعروف من خلال القرآن، وعلى هذه الدعائم والأركان فيما صورته أسرار أنفاس العارفين لتكون صادرة من وجد ملآن بمحبة الله.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

منى زيتونلعل أكثر عقيدة اختلف حولها المسلمون، وثارت بسببها الفتن، وجرت من أجلها على الأئمة المحن، هو اعتقادهم في صفة الكلام لله عز وجل.

أتناول في هذا المقال عرضا مبسط لاعتقاد فرق المسلمين في الكلام، ثم أتبعه في مقال تالي بعرض لأهم المحن التي تعرض لها بعض من أكابر علماء المسلمين بسبب اعتقادهم في الكلام بما خالف الاعتقاد السائد في زمانهم.

الكلام عند الأشاعرة

راجع مقال "صفات الله تعالى عند أهل السُنة والجماعة".

فيما يخص صفة الكلام عند الأشاعرة، يقول الشهرستاني في "المِلل والنِحل" (ج1، ص82-83): "والدليل على أنه متكلم بكلام قديم، ومريد بإرادة قديمة. قال: قام الدليل على أنه تعالى ملك، والملك من له الأمر والنهي، فهو آمر ناهٍ، فلا يخلو إما أن يكون آمرًا بأمر قديم أو بأمر محدث، فإن كان محدثًا فلا يخلو إما أن يُحدثه في ذاته، أو في محل أولًا. ويستحيل أن يحدثه في ذاته، لأنه يؤدي إلى أن يكون محلًا للحوادث، وذلك محال، ويستحيل أن يكون في محل لأنه يوجب أن يكون المحل به موصوفًا، ويستحيل أن يحدثه لا في محل، لأن ذلك غير معقول، فتعيّن أنه قديم قائم به صفة له"أهـ.

ويلخص الإمام الغزالي اعتقاد الأشاعرة في الكلام في "الاقتصاد في الاعتقاد" (ص92- 93) قائلًا: "صفة الكلام صفة أزلية قديمة، قائمة بذات الله، غير منفصلة عنه، ويستحيل على الله ضدها. وهذه الصفة لله تعالى ليست بحرف ولا صوت. ونحن –أهل السُنة- لا نثبت لله تعالى إلا كلام النفس". ولقد كانت مسألة إثبات الكلام النفسي فقط سببًا في محنة الإمام أبي الفتوح الإسفرايني مع حنابلة بغداد، وتسافه حنابلة دمشق على الإمام ابن عساكر.

ويميز الأشاعرة بين الكلام النفسي القديم القائم بالذات (المدلول)، وبين الألفاظ التي نلفظه بها (الدلالة)، لتدل على الكلام النفسي القديم، وهي مخلوقة ليست قديمة. يقول الشهرستاني في "المِلل والنِحل" (ج1، ص83) عن اعتقاد الأشاعرة في الكلام: "والعبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء عليهم السلام دلالات على الكلام الأزلي، والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي، والفرق بين القراءة والمقروء والتلاوة والمتلو، كالفرق بين الذكر والمذكور، فالذكر محدث والمذكور قديم"أهـ.

وروى السُبكي في "طبقات الشافعية" (ج8، ص224) قول الإمام العز بن عبد السلام في "مُلحة الاعتقاد" "‏﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ‏‏﴾‏‏ [الأنبياء:2]، جعل الآتى محدثًا، فمن زعم أنه قديم فقد رد على الله سبحانه وتعالى، وإنما هذا الحادث دليل على القديم، كما أنّا إذا كتبنا اسم الله تعالى في ورقة لم يكن الرب القديم حالًا في تلك الورقة، فكذلك إذا كُتب الوصف القديم في شىء لم يحل الوصف المكتوب حيث حلت الكتابة. والعجب ممن يقول القرآن مركب من حرف وصوت، ثم يزعم أنه في المصحف، وليس في المصحف إلا حرف مجرد لا صوت معه، إذ ليس فيه حرف مكتوب عن صوت، فإن الحرف اللفظي ليس هو الشكل الكتابى، ولذلك يدرك الحرف اللفظي بالآذان ولا يشاهد بالعيان، ويشاهد الشكل الكتابي بالعيان ولا يسمع بالآذان، ومن توقف في ذلك فلا يعد من العقلاء فضلًا عن العلماء، فلا أكثر الله في المسلمين من أهل البدع والأهواء والإضلال والإغواء"أهـ.

ولقد كانت مسألة التلفظ بالقرآن سبب محنة الإمامين البخاري والعز بن عبد السلام، بسبب دسائس الحنابلة، حيث لم يخالف الأشاعرة المعتزلة بذلك الاعتقاد فقط، بل خالفوا الحنابلة السلفية أيضًا. فالسلفية –خاصة القدماء منهم- تارة يثبتون ضرورة التوقف عن الخوض في مسألة التلفظ بالقرآن، وعدم التصريح بكونه مخلوقًا أو غير مخلوق، وتارة يُصرِّون على عدم انفصال المتلو عن التلاوة، ومن ثم فكما أن القرآن غير مخلوق، فاللفظ بالقرآن غير مخلوق! فحكموا بأن كليهما قديم!؛ حيث خلطوا بين فعل الله وأفعال العباد، وقالوا كلام الله حرف وصوت، ومن ثم تكون الحروف والكلمات التي يُتلى ويُكتب بها القرآن قديمة!

يوضح الشهرستاني "وخالف الأشعري بهذا التدقيق جماعة من الحشوية؛ إذ قضوا بكون الحروف والكلمات قديمة، والكلام عند الأشعري معنى قائم بالنفس سوى العبارة، بل العبارة دلالة عليه من الإنسان"أهـ. يقول الجويني في "العقيدة النظامية" (ص27-29): "معتقد أهل الحق أن كلام الله تعالى ليس بحروف منتظمة، ولا أصوات منقطعة، وإنما هو صفة قائمة بذاته تعالى يدل عليها قراءة القرآن. إن كلام الله الأزلي لا يفارق الذات ولا يزايلها، ومن شد طرفًا من قضايا العقول لم يسترب في أن التحول والانتقال والزوال من صفات الأجسام، ومن الغوائل التي بُلي الخلق بها".

الكلام عند المعتزلة (ووافقتهم فيه الشيعة)

يتفق المعتزلة مع السُنة من الأشاعرة والماتريدية في ‏تقرير الصفات السبع لله تعالى (العلم– القدرة– الإرادة– الحياة– ‏السمع– البصر– الكلام)، لكن يعتقد المعتزلة أن صفاته تعالى هي عين ذاته وليست قائمة بذاته كما يعتقد الأشاعرة، فقرروا وحدة الذات الإلهية وصفاتها، وقرروا نفي الصفات ‏الزائدة عن الذات، فهو عالم بذاته قادر بذاته حي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة، فالصفة هي الوصف نفسه. وكان ذلك تفاديًا للشرك بزعمهم، حتى لا يقولوا بأكثر من قديم، لأنها لو شاركته في القدم لشاركته في الإلهية. ويصفهم السلفية ‏بالمُعطِّلة والجهمية بدعوى أنهم ينفون الصفات تمامًا عن الله، والحقيقة أنهم ما ينفون الصفات وإنما ينفون الأزلية عن الصفات، وينفونها قائمة بالذات، وينفون انفصالها عن الذات، فدمجوها مع ذات الله وقالوا هي عين ذاته.

ويعتقد المعتزلة كذلك أن الكلام صفة للفعل وليس من ‏صفات الذات، وأنه محدث غير قديم، مما تسبب في قولهم بخلق القرآن، فيعتقدون أن كلام الله مخلوق أو حادث ‏أي أنه وُجد بعد أن لم يكن موجودًا، وتكلم الله به بعد أن لم يكن متكلمًا، وأن كلامه تعالى حرف وصوت.

يذكر محمد صُبيح في مقدمة تحقيق كتاب "فتوح مصر وأخبارها" (ص5) عن محنة خلق القرآن التي تسببت فيها عقيدة المعتزلة "هي فكرة جدلية ملأت على الخليفة المأمون أقطار نفسه، وغلبت على ما عداها من فكر، وهزّت هزًا عنيفًا كل ما عُرف عنه من رجاحة الرأي وسعة الصدر. قال –أي المأمون- يشرح الأمر في الكتاب الذي بعث به إلى واليه بمصر: "قال الله تعالى: ‏﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا‏‏﴾‏‏ [الزخرف: 3]. وكل ما قد جعله فقد خلقه. كما قال تعالى: ‏﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ‏‏﴾‏‏ [الأنعام: 1]. وقال تعالى: ‏﴿كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ‏‏﴾‏‏ [طه: 99]‏‏، فأخبر أنه قصص لأمور أُحدثت بعدها. وقال عزّ وجلّ: ‏﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾‏‏ [هود: 1]. والله تعالى محكم كتابه، ثم مفصله، فهو خالقه ومبدعه". وقصد المأمون بهذا أن القرآن كلام الله، خلقه وأبدعه، وأنه ليس جزءًا غير منفصل عن الذات الإلهية –من صفاته فهو عين ذاته-، وذلك تنزيهًا للتوحيد، ومن لم يؤمن بأن القرآن مخلوق فقد عمي عن رشده، وابتعد عن الإيمان بالتوحيد، وكان أكذب الناس لأنه كذب على الله ووحيه، ولم يعرف الله حق معرفته"أهـ.

ومثل ذلك تقريبًا كان في الكتاب الذي بعث به المأمون إلى واليه على العراق إسحاق بن إبراهيم يأمره بامتحان الناس، وذكره الطبري في "تاريخ الرسل والملوك" (ج8، ص632). وكُتب المأمون تلك تُلخص الأسباب العقلية المستقاة من فهمهم للقرآن، التي أدت بالمعتزلة للقول بخلق القرآن.

ومثلها ما أورده القاضي عبد الجبار في "الأصول الخمسة" –المنسوب إليه- (ص86-87)، يقولون: "الله قد أنعم على العباد بأن كلّفنا وأمرنا ونهانا، وأن الكلام فعله، كما خلقهم ثم أحسن إليهم، فكما أن الإحسان محدث فكذلك كلامه محدث. وقد قال عز وجل: ‏﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ‏‏﴾‏‏ [الأنبياء:2]، والذكر هو القرآن، لقوله تعالى: ‏‏﴿وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ‏‏﴾‏‏ [الأنبياء:50]، وقوله: ‏﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ‏‏﴾ ‏‏[يس:69]، وقال عز وجل: ‏﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا‏‏﴾‏‏ [الأحزاب:37]، والأمر هو القرآن. وقال الله تعالى: ‏﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا‏‏﴾ [الزمر:23]. والحديث لا يكون إلا محدثًا. وقال تعالى: ‏﴿الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ‏‏﴾‏‏  [هود:1]، وهذه علامة المُحدث. وقال: ‏﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً‏‏﴾‏‏ [الأحقاف:12]، وقبله غيره لا يكون إلا مُحدثًا. على أن القرآن سوره كثيرة، وهو عربي، ويُنصّف، ويُتلى، ويُستمع، ولا خلاف بين الأمة أن كل ما سوى الله فهو مُحدث. فيجب أن يكون القرآن كلام الله مُحدثًا، ومُحدِثه الله عزّ وجلّ، فإن أحدًا غيره لا يقدر على مثله، كما قال عزّ وجلّ: ‏﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا‏‏﴾ [الإسراء:88]"أهـ.

وأقول: إن تصور المعتزلة عن الكلام كصفة فعل وليس صفة ذات، جعلهم يفصلونها عن ذات الله، ومن ثم لزمهم أن كل ما سوى الله محدث، ثم تصورهم عن القرآن ككلام الله المنزل على فترات، والذي يقص علينا قصص أمم مما كانت قبلنا، بل ويقص بعض ما حدث للرسول مثل وجود الرسول في الغار وقت الهجرة إلى المدينة، وبعض ما حدث في الغزوات، وما حدث من الصحابة والمنافقين، وغيرها من حوادث، إضافة لعدم تمييزهم بين المدلول القديم والدلالة المحدثة (التنزيل، التلاوة، الكتابة،...)، هو سبب قطعهم بكون القرآن محدثًا مخلوقًا، وهذا فرع من تصورهم الإجمالي المختزل لصفات الله تعالى المغاير لمعتقد أهل السُنة، فتصورهم القاصر للكلام يرتبط بتصورهم المختزل عن علم الله، فالأشاعرة على النقيض من المعتزلة يقطعون بأن علم الله واحد، يتعلق بجميع المعلومات، المستحيل والجائز والواجب، والموجود والمعدوم، ويتفرع عن ذلك العلم بالمعدوم الغيبي أن كلام الله قديم حتى ولو دلّ على ما حدث للأمم من قبلنا أو للرسول أو للصحابة، وهم محدثون وليسوا أزليين.

والمعتزلة الجُدد يجادلون حول اعتقاد أسلافهم بأزلية صفات الذات، وأهمها العلم. يقول أحدهم: "يثبت المعتزلة لله كونه عالمًا منذ الأزل، وإنما الخلاف في كون العلم تابعًا للذات كما يقول المعتزلة، أو في كونه عرضًا على الذات كما يقول الأشاعرة. التعدد الذي حذر المعتزلة من الوقوع فيه ليس هو تعدد التماثل، بل تعدد قدم الأشياء وإن كانت غير متماثلة، فالقول بأن العلم عرض يلزم منه، وجود جوهر له؛ وبذلك يصير عندنا جوهر وعرض متساويان في القدم". وخلاصة الكلام أنهم يريدون أن يصوروا لنا أن سبب تشنيع المعتزلة على الأشاعرة بأنهم يقولون بأكثر من قديم، هو أن الأشاعرة يعتقدون صفات الذات قائمة بالذات، وليست عين الذات، وهو ما لا يمكن الاعتداد به والركون إليه. إن من يقرأ ما يدفع به أسلافهم حول اعتقادهم خلق القرآن لا يتلمح من خلال تلك الدفوع اعتقادًا بأزلية علم الله مثلما يعتقد أهل السُنة أشاعرة وماتريدية، بل وسلفية، فطالما تؤمنون أن العلم قديم؛ لماذا رفضتم أن الكلام قديم، والدلالة عليه فقط المحدثة؟! وجادلتم وحاججتم بأن الكلام ذاته محدث لأنه  يدل على (أخبار محدثة)، والمفترض لمن يعتقد بأزلية العلم أن يعي أن تلك الأخبار محدثة لنا، غير غائبة عن علم الله القديم، ولا يَستبعد أن يكون الله قد تكلم بها في الأزل.

ورأي أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية في المسألة مجمل في كتاب "الفقه الأكبر" المنسوب إلى الإمام أبي حنيفة بأن: "القرآن كلام الله تعالى في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي عليه الصلاة والسلام منزل، ولفظنا بالقرآن مخلوق، وكتابتنا له مخلوقة، وقراءتنا له مخلوقة، والقرآن غير مخلوق، وما ذكر الله تعالى في القرآن حكاية عن موسى وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وعن فرعون وإبليس فإن ذلك كله إخبار عنهم، وكلام الله تعالى غير مخلوق، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق. والقرآن كلام الله تعالى فهو قديم لا ككلامهم"أهـ.

وجاء في "طبقات الشافعية" (ج3، ص417) عن اعتقاد الأشعري في الكلام في مقابل اعتقاد المعتزلة "ومذهبه أن الله تعالى أفرد موسى فى وقته، بأن أسمعه كلام نفسه بغير واسطة، ولا على لسان رسول، وإنما لا يصح هذا على أصول القدرية –يعني المعتزلة-، الذين يقولون إن كلام الله مخلوق فى الشجرة، وموسى عليه السلام يسمع كلامه، وقال الأشعرى: لو كان كلامه سبحانه فى الشجرة لكان المتكلم بذلك الكلام الشجرة، فالقدرية قالوا: إن موسى عليه السلام سمع كلامًا من الشجرة، فلزمهم أن يقولوا إنه سمع كلام الشجرة لا كلام الله"أهـ. فالمتكلم عنده من قام بالكلام، وعند المعتزلة من فعل الكلام؛ لأن الكلام عند المعتزلة فعل، والفِعل يُنسب لفاعله، وليس لمن قام به، وبما أنهم يرونه صفة فعل وليس صفة ذات، فهم يعتقدون أنه حادث مخلوق، والله تعالى قديم، وذاته لا تقوم بها الحوادث، فقولهم بخلق القرآن هو نهاية سلسلة من الاعتقادات المترتبة على بعضها، وأصلها أن الكلام من صفات الفعل، وأن صفاته التي هي عين ذاته –على اعتقادهم-، كالعلم والإرادة، حادثة!

ومن أكثر ما يُسيئوني استخدام ما يُسمى "التشنيع بإساءة الحكاية" عند شرح كثيرين لعقيدة المعتزلة في خلق القرآن، فيشنِّعون بأن المعتزلة قالوا إن القرآن الذي هو كلام الله مخلوق كالمخلوقات! أو أن المعتزلة ادَّعوا أن القرآن هو عمل بشري من أعمال النبي صلى الله عليه وسلم! في حين أنه يمكن مجادلتهم بالعقل لنثبت لهم ما نراه من خطأ اعتقادهم.

هذه المناظرة التخيلية وضعتها بين أشعري ومعتزلي لإبطال عقيدة المعتزلة في الكلام أنه صفة فعل غير قائمة بذات الله القديم، وأنه مُحدث، والتي قادتهم للقول بخلق القرآن.

الأشعري: هل أمره سبحانه قبل خلقه، أم خلقه قبل أمره؟

المعتزلي: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾‏ [يس: 82]

الأشعري: فكيف يأمر ربنا وينهى؟

المعتزلي: يأمر ربنا بكلام.

الأشعري: فكيف يكون الكلام مُحدثًا وقد سبق الخلق؟

المعتزلي: الكلام فعل فعله الله قبل الخلق.

الأشعري: فذاته تعالى غير محل للحوادث، وأفعال الله يحدثها في مخلوقاته، فلو كان كما تقول أن الكلام صفة فعل، لا بد من خلق يُحدث فيه فعل الكلام، وأمره قبل خلقه، فكيف يكون الكلام صفة فعل؟

فانقطع المعتزلي.

الكلام عند السلفية

أما السلفية، فيعتقدون أن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت، وغالبًا لا يقولون عن القرآن سوى أنه كلام الله، فيرفضون قول المعتزلة بأن القرآن مخلوق (مُحدث)، كما يرفضون تمييز الأشاعرة بين القرآن الذي هو كلام الله القديم غير المخلوق، وبين التلفظ به الذي هو مُحدث، كونه من أفعال العباد. وللإمام الذهبي توضيح بخصوص القول بأن اللفظ بالقرآن غير مخلوق الذي أنكره أيضًا الإمام أحمد بن حنبل، فرفض أن يُقال إنه غير مخلوق (قديم أزلي) كما رفض أن يُقال إنه مخلوق (مُحدث)، وأقول: إن هذا مما اُعتيد عليه من توقف الإمام أحمد.

يقول الذهبي في "تاريخ الإسلام" (ج5، ص1027) "قلتُ: الملفوظ كلام الله، وهو غير مخلوق، والتلفظ مخلوق لأن التلفظ من كسب القارئ، وهو الحركة والصوت وإخراج الحروف، فإن ذلك مما أحدثه القارئ، ولم يُحدث حروف القرآن ولا معانيه، وإنما أحدث نطقه به. فاللفظ قدر مشترك بين هذا وهذا، ولذلك لم يُجوِّز الإمام أحمد: لفظي بالقرآن مخلوق ولا غير مخلوق؛ إذ كل واحد من الإطلاقين مُوهم. والله أعلم"أهـ.

كما قرأت للذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج13، ص101) "القرآن العظيم، حروفه ومعانيه وألفاظه كلام رب العالمين، غير مخلوق، وتلفظنا به وأصواتنا به من أعمالنا المخلوقة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "زيِّنوا القرآن بأصواتكم". ولكن لمّا كان الملفوظ لا يستقل إلا بتلفظنا، والمكتوب لا ينفك عن كتابة، والمتلو لا يُسمع إلا بتلاوة تالٍ، صعب فهم المسألة، وعسر إفراز اللفظ الذي هو الملفوظ من اللفظ الذي يُعنى به التلفظ، فالذهن يعلم الفرق بين هذا وبين هذا، والخوض في هذا خطر. نسأل الله السلامة في الدين. وفي المسألة بحوث طويلة، الكف عنها أولى"أهـ.

ومضمون كلام الذهبي –وهو حنبلي العقيدة- يتفق مع اعتقاد الأشاعرة، رغم إيثاره للتوقف مشابهة منه للإمام أحمد، وفقًا لما صحّ لديه عنه، وإن كانت الأخبار عنه في هذه المسألة متضاربة، كما سيتبين عند عرض محنة الإمام البخاري. لكن الأدهى ليس في التوقف، بل الداهية الصلعاء أن السلفية كثيرًا ما يخلطون بين فعل الله وأفعال العباد؛ فقالوا كلام الله حرف وصوت، ومن ثم فالحروف والكلمات التي يُتلى ويُكتب بها القرآن قديمة! ومنهم من يخلط في مسألة اللفظ خلطًا شنيعًا، فلا يُفرِّق بين عبارة صحيحة كـ "لفظي بالقرآن مخلوق"، وعبارة خاطئة تهدف إلى إثبات عقيدة المعتزلة في خلق القرآن كـقول بعضهم "القرآن بلفظي مخلوق"، فالقرآن كلام الله قديم، ولا يكون بلفظي ولا بغيره مخلوقًا.

ووفقًا لابن تيمية في "الفتاوى الكبرى"، فهو يتهم الأشاعرة بالاضطراب في مسألة القرآن. ويبدو أنه لم يفهم كيف يكون اعتقادهم بأن القرآن غير مخلوق، بينما لفظنا به مخلوق، وهو أمر حتى أكثر السلفية المعاصرين يخلطون فيه ولا يفهمونه. وكانت للإمام البخاري محنة كبيرة مع حنابلة زمانه بسبب خلطهم هذا وعدم تمييزهم، نعرض ‏لها لاحقًا.‏

 

د. منى زيتون

 

مجدي ابراهيمباتّجاه النظر إلى الخاصّة الذاتية للقرآن استجلاءً لمعاني العقل ومفاهيمه المتنوعة واستكمالاً للحديث السالف في الحلقة السابقة؛ كونُ العقلُ البَصيريُّ مقترناً بالشعور الديني ومؤسساً عليه، لا ينفصل عنه بحال؛ نرمي في هذا المقال إلى تطبيقات نوعية نعمدُ إليها بصفة خاصّة من أجواء الآيات المباركة؛ لكأنما نريد أن نقول: إنّ العقل الإيماني شيء، والعقل النظري المُجرد شيء آخر.

الأصل في فهم القرآن هو "التدبر"، وليس الأصل فيه تسطيح المفهوم؛ لأن فهم القرآن أولى وأحرى بالاهتمام من أن يجيء جرس اللفظ وحسن الصوت عالياً على المعنى بغير أن يكون هناك إدراك للعوامل الداخلية التي سببت ارتفاع الصوت وحسنه أو جرس اللفظ وحلاوته، فما يكون في خارج اللفظ ليس هو في الحقيقة ما يكون في داخله، إذا تَسَطحتَ معنا المفاهيم وغابت دلائل التدبر المنشود في معناه وفحواه.

والذي يقرأ القرآن على التؤدة والتمهل يأخذ منه نصيباً من الفهم على قسطاس الحضور والتدبر، فتتلاشى شيئاً فشيئاً عنده أنصبة التسطيح للمفاهيم التي ينساق فيها وراء جرس اللفظ وتواجد الوقع. وليس معنى هذا أن جرس اللفظ لا معنى له وأن تواجد الوقع لا فائدة من ورائه، لا بل في هذا وذاك كل الفائدة وكل المعنى إذا جاءت ثمراته في مراحل تالية على المرحلة التي لا بد فيها من فهم التدبر للمعنى: كيف جاء على رقي النموذج الذي يدركه القارئ، ومتى أصابت منه قواه الداخلية سبَّبت مثل هذا الوقع المتواجد حلاوةً في اللفظ وفي المعنى على حدٍ سواء؛ فموسيقى الألفاظ الناشئة إنما هى حلاوة معنى مُدْرك، مردَّها إلى فهم وتدبر، أو هكذا ينبغي أن تكون.

على أن كلمة "التدبُّر" ليست مجرّد كلمة عابرة تأتي في غير ذي دلالة، ولكنها استعداد لفهم أكبر قضية وأشرفها من قضايا الغيب (الإيمان): فيها فضائل العلوم وأسرار المعارف، وفيها الفتوحات الإلهيّة والتنزلات الصمدانية، وفيها أعلى أنواع الاستعداد لتلقي المعرفة عن الله، وفيها الكشف عن وجه الحق في كل موهوب لا مكسوب، وفيها أسرار الحق المبثوثة في ظوهر الموجودات وباطنها وحكمها الساري قدراً على الأشياء.

التدبر، معرفة، وإحاطة، وإطلاع، وحضور. والتدبر تأمل في أي الذكر الحكيم. والتأمل في القرآن هو الذي يُقصد لذاته، وليس المقصود القراءة لمجرَّد القراءة؛ فقراءة القرآن دون تأمل وتدبُّر نقصٌ شنيعٌ يربأ عنه العارفون بالله، هو ذلك النقص الذي يطلبه القلب اللاهي عن فهم معاني القرآن:" أفلا يتدبَّرون القرآن أم على قلوب أقفالها ".

من أجل ذلك؛ لا تجدي نفعاً قراءة القرآن بقلب لاهٍ، وإنما جدواه الحقيقية النافعة هى أن يكون قارؤه على طريقة من الإدّكار الفطن تدبُّره، ولا يقف على معناه واقف كائناً ما كان إلاّ بمقدار ما يفتح الله به عليه من عرفان الأسرار التي هى من عند الله لا من عند هوى النفس البشرية؛ لأن أهواء النفس البشرية قاصرة عاجزة لا تدرك حقائق العرفان بمحض إرادتها، وإنما الإرادة الفاعلة - لا هوى الأمنية -  تدرك تلك الحقائق بمحض الموهبة الإلهية المُفَاضَة فتحاً مُبيناً من عند الله.

وللتدبُّرِ في أي الذكر الحكيم جلال وجمال: الجلال منه مهيب، رهيب، مُخَوِّف، قهار. والجمالُ فيه: مرغوب، مُحَبَّبٌّ، مُرَجَّى، غفار وستار. والنفس الإنسانية بين حالين في تدبّرها، حالة كونها خائفة، وحالة كونها راجية. وفي سورة الإنعام على سبيل المثال لا الحصر آية تدعو إلى جلال التدبر يهتزُ لها الشعور هزات نابضة بالجلال الرهيب المهيب في قوله تعالى:" قُلْ تعالوا أَتْلُ مَاَ حَرَّمَ رَبُّكُم عَلَيْكُمْ أَلَا تُشْرِكُوا بهِ شَيئاً، وبالوالدين إحْسَاَنَاً، وَلاَ تَقْتِلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقَكُم وَإيَّاهُم، وَلَا تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَاَ بَطَنَ، وَلاَ تَقْتِلُوا النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلاَّ بالحَقِ ذَلِكُم وَصَّاَكُم به لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ. وَلاَ تَقْرَبُوا مَاَلَ اليَتِيمِ إلَّا بالَّتي هيَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشَدُّه، وأوْفُوا الكيْلَ والميزانَ بالقِسْطِ لاَ نُكَلِّف نَفْسَاً إلاَّ وسْعَهَا، وإذَا قُلْتُمْ فاعْدِلوا وَلَو كانَ ذَا قُرْبَي وبعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلكم وصَّاَكُمْ به لَعَلَّكُم تَذَكَّرُون. وأنَّ هذا صِرَاطي مُسْتَقِيماً فاتَّبِعُوه، ولا تتبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بكم عَن سَبِيلهِ، ذَلكُم وَصَّاَكُم به لَعلَّكم تَتَّقُون".

فمَا حَرَّم ربنا علينا إنما هو قضايا خمس كلها من كبائر الموبقات والذنوب، إذا اقترفها إنسان، كان كمن يرتكب الكبيرة. ولا شك أن قوة "المنع" عن ارتكاب الكبيرة من إنسان يرتكبها لا بد وأن يتوافر فيه زاجر أقوى من كل قوة هو زاجر التوفيق في الإيمان؛ فلا إيمان بغير أن يكون هنالك زاجرٌ عن المعاصي والذنوب. ومعلومٌ أن الإيمان مكانهُ القلب، والقلب الفارغ من الإيمان من شأنه أن يلهو ويعبث ثم يضيق ذرعاً بتطبيق أركان الإيمان من أوامر ونواهٍ. ولا يتأتى هذا التطبيق الرشيد إلا بجهاد شريف يُنَاقض الجهل المركب والإصرار على الغفلة، فإن الجاهل جهلاً مركباً ذلك الذي يدرك أن الجهل في جميع الأحوال قيمة، وأن بقاء الجاهلين على حالة الجهل المقدس أهم وأعلى من إدراك العَالمينَ !

الجاهل جهلاً مركباً هو الذي يُقدِّس جهالته؛ لأنه لا يعرف نفسه إذْ لم يجاهد فيها الآفات والرذائل، ولم يجتهد في الحصول على قيمة باقية من وراء الجهاد؛ فهو الذي يتبع نفسه هواها ويتمنى على الله الأماني. والجهاد الحق جهاد نفس شرهة وكفاح أمراض مستشرية، ولا يتحقق معنى الإيمان بغير جهاد لنوازع الجسد؛ تحجب الفكر عن الحقائق الإيمانية، فضلاً عن الحقائق الكونية المُصَفَّاة، فلا فكر على الحقيقة بغير جهاد، ولا إيمان ولا دنيا لمن لا يحيي ديناً من حيث إنه لا إيمان ولا دنيا لمن لا تحيا فيه فريضة التفكير.

قال الإمام علي كرم الله وجهه في هذا الصدد:" خيرُ العَمَلِ مَا أكرَهْتَ نَفْسَكَ عليه". وقال أيضاً:" ميدانكم الأول أنفسكم، فإنّ انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإنْ خُذِلْتُم فيها كُنتم على غيرها أعجز، فجربوا معها الكفاح أولاً ". هذا المعنى يفسّر لك العجز العربي والإسلامي اليوم: انسياق دائم كما تُسَاق السَّوَائم وراء الأهواء، وتلبس غير معهود ولا معقول بمطالب المادة، وقلة حيلة في التعامل مع الآخرين شعوباً وأنظمة لا لشيء إلا لأن الواقع العربي اليوم مخذولٌ في نفسه، وخذلان النفس هوانٌ ما بعده هوان؛ لا يقاربه خذلان الآخر مِمَّن لم تتوافر لنا القدرة عليهم ما دامت نصرتنا على أنفسنا خذلاناً وهواناً وعجزاً؛ فمحاربة النفس بالإضافة إلى أنها تمكننا من القدرة على الغير، تعطينا طريقاً إلى معرفة الله، والانتصار عليها طريق الإيمان في كافة الأحوال.

فإذا نحن عدنا من هذه الوقفة إلى القضايا الخمس التي أشارت إليها الآية المباركة والتي حرمها الله على عباده، وجدناها كلها من الكبائر لا يرتدع عنها أحدٌ إلا برادع الإيمان؛ ففيه وحده مِكْنَة التجنّب من ارتكاب أدناها إلى التحقيق. وهذه القضايا تحيطها الوصية الإلهية بسياج محفوظ من "إرتجاء العقل"؛ فما يوصي الله به في تلاوة ما حرّم على عباده إنما هو وصية محاطة برجاء أن يكون العبد المنفذ لها عاقلاً معصوماً عن الغفلة أو على الأقل محفوظ عن الغرق في مستنقعها الآسن، وتتضمن القضايا الخمس الآتي:

(1) التحريم القطعي للشرك بالله في (ألا تشركوا بالله شيئاً). (2) والإحسان للوالدين في (وبالوالدين إحساناً). (3) والنهي عن قتل الأولاد من خشية الفقر والإملاق. (4) وتحريم الاقتراب من الفواحش في (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) (5) وتحريم قتل النفس في (ولا تقتلوا النفس التي حَرَّم الله إلا بالحق).

فهذه القضايا الخمس هى مما يُوصي الله به في قوله:" ذَلِكُم وَصَّاَكُم به لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ". ولنلحظ التعقيب على الحكم: إيمان بالعقل، وحَثُّ على استخدامه لتتحقق فوائد الإيمان، لكأنما كان رجاء الإيمان ها هنا مُعَلقاً على وصية إلهية يُرجى فيها استخدام العقول العاقلة عن ربها مطالب العزة وفقه الحكم بالعقل. ولا تنتهي تلاوة ما حَرَّم إلى هذا الحدّ، بل يستطرد في تلاوة غيرها من الأحكام إلى حيث تكون الوصية في هذه المرة لا لأولئك الذين يعقلون، ولكن لمن يذكَّرون؛ فانتقال الوصية من مجال "إرتجاء العقل" إلى مجال "إرتجاء التذكرة" له مدلوله في تخريج مفهوم الآية. وهذا المدلول لامناص له من أن يؤدي إلى تعميق الإيمان حسبما يشير إليه السياق الواضح والمحدد من تلاوة ما حَرَّم الله على عباده. لكن هذه الوصية التي يرتجي منها التذكرة تشمل على أربعة أركان:

الأول يقول: "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هى أحسن حتى يبلغ أشده". فإذا أنتهى هذا الركن بتقرير النهي عن اقتراب مال اليتيم، يأتي الركن الثاني بتقرير الوفاء في الكيل والميزان:" وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نُكلف نفساً إلا وسعها".

ثم يجيء الركن الثالث ليؤكد هذه الحقيقة:" وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى".  والمعنى من هذا هو: أي لو كان المتعلق به قولكم قريباً لكم، لا تجاملوا أحداً في الحق، بل العدل أقرب إلى أن تكونوا على منهاج الحق فيما تعاملون به الناس سواء بسواء من غير أن يكون هنالك اعتبار لقريب أو ما يشبه القريب.

ويأتي الركن الرابع والأخير ليقول:"وبعهد الله أوفوا"، ثم تنتهي الأركان الأربعة بتعقيب على الحكم يُوصي الله به عباده:" ذلكم وصّاكم به الله لعلكم تذكرون".

ويلاحظ في سياق الدلالة من أحكام القضايا الخمس السابقة أن الوصية كانت منصبة على الذين يعقلون:"ذلكم وصَّاكم به لعلكم تعقلون"، وهنا في هذه الأركان يجيء سياق الدلالة من الوصية تعقيباً على الأحكام:" ذلكم وصّاكم به لعلكم تَذَكَّرُون ".

لاحظ إرتجاء التذكرة في الأركان هنا جاء مُعَلَّقاً على إرتجاء العقل في القضايا هناك في حين كان التعقيب على الأحكام "تذكرة"  .. لماذا؟ لكأنما الإنسان إذا هو عقل وصية ربّه في الحالة الأولى؛ حالة القضايا التي تتعدد فيها ذكر ما كان حرم الله على عباده، صار يسيراً عليه فعل التذكرة في الحالة الثانية.

فحينما قال المولى تبارك قوله (لعلكم تذكرون)، كأنه يريد أن يقول لعلكم تذكرون ما قد علمتموه من الوصية الأولى، فإذا كنتم عقلتم وصيتي الكبرى وأوجبتم على أنفسكم تنفيذ ما يمكن أن يكون فيها من زواجر ونواهي، ومن أوامر وتكليفات هى إنْ فعلتموها كانت لاشك في صالحكم، صار ما أقرره في هذه الأركان يسيرة عليكم تأديته في الحالة التي إذا ما أنتم قمتم فيها بواجب الوصية الأولى؛ فإذا الفعل ها هنا ليس فيه عُسر ولا مشقة.

والتذكرة هنا لا تحتاج إلى العناء الذي ربما كانت ظواهره بادية عليكم حال كونكم تنفذون الوصية الأولى؛ فموجب الوصية قطعاً ها هنا لا يحتاج فيه الفعل إلى شيء غير التذكرة وكفى. وإذا تجمّعت الحكمة من وراء إرتجاء التذكرة مع الحكمة من وراء إرتجاء العقل، كانت هنالك نتيجة مؤداها أن تخلص - بمقتضى الإيمان - سريرة الإنسان، تخلص من ماذا؟ تخلص من العوالق والقواطع والأغيار التي تنخر فيها لتتوحد السريرة خالصة مع الله، فإذا التوحيد شهادة حقيقية ليس فيها مجاز، وإذا هو واقع محقق لا صورة هزيلة فارغة من المعنى أو من المضمون.

ولا خُلاص لهاته اللطيفة الجُوَّانيَّة إلاّ أن يكون خلاصها الوحيد في عقل يعقل وصية ربه على قانون الجهاد في سبيله، وضبط النفس والانتصار عليها ليلزمها شرف البقاء دوماً في رحاب المعيّة. فالعقل من ثمَّ هو أشرف معنى من معانيه، وهو هنا أكمل ما يكون كاملاً حين يتصف به الإنسان الكامل في الفهم عن الله. والإنسان الكامل في توخي العبادة وملازمة السلوك القويم بمقتضى فكرة التوحيد، وفي إطارها؛ فلا هو بالعقل الذي يستقبل ثم يرفض، ولا هو بالعقل الذي يسمع ولا شأن له بالتطبيق، ولكنه العقل الذي يحيل إلى البصيرة ويقود إلى الإيمان على أكمل ما يكون الإيمان في متابعة السبيل كما يصفه ربّ العزة في قوله تعالى:" وأنَّ هذا صِرَاطي مُسْتَقيماً فاتَّبِعُوه، ولا تتبعوا السُّبَل فَتَفَرَّقَ بكم عن سبيله، ذَلكم وصَّاكم به لعلكم تَتَّقونَ".

أمامنا الآن ثلاثة محاور أساسية كبرى في الإرتجاء هى بمثابة تعقيبات أحكام تتسلسل بعضها عن بعض. (1) محور أول في إرتجاء العقل (2) ومحور ثاني في إرتجاء التذكرة (3) ومحور ثالث في إرتجاء التقوى. والأساس الصالح والركيزة الفاعلة في هذه المحاور هو "العقل"؛ فلولا العقل ما كانت التذكرة، ولولا اجتماع التذكرة التي تستقي روافدها وأركانها من العقل لما كان هناك تناسق في الصفة التي يتصف بها الإنسان من نشدان الكمال المعصوم في إتباع السبيل في غير تشتت وتَفَرُّق. هو ذاكر لأنه عاقل، ويسير عليه فعل التذكرة بعدما اتصف بالرشاد والعقلانيّة، لكنها عقلانية ممزوجة بالنور، معجونة بخميرة الإشراق الروحي، وليست هى بالمعزولة عن هذه أو تلك بحال، ولا هى كذلك بالعقلانية البعيدة عن مثل هذا النور بشطط العقل الأهوج الغافل البليد !

فإذا تمَّ الرجاء في عقله سَهَلَ أن تتم التذكرة عنده لتمام الرجاء في عقله سابقاً، ثم إذا أنت قرنت العقل مع التذكرة قرانة لزوم وارتباط كاللزوم الضروري والارتباط السّببيّ بين القضايا والأركان ثم التعقيبات على أحكامها، نتجت عن ذلك نتيجة مؤداها أن رياض الإيمان هو هو الفاعل في كل هذه القضايا والأركان يرتد من فوره إلى التقوى؛ وهو المُراد بوصية أخرى ثالثة هى بمثابة اللازمة الضرورية من مقدمتين سبقت أهمهما إحداهما؛ فالأهم كانت في إرتجاء العقل، ثم إرتجاء التذكرة بعد العقل بالطبع؛ فَلَزَمَ عن هذه وتلك، ذلك "الإيمان"، وهو المراد بقوله تعالى:" ذلكم وصَّاكم به لعلكم تَتَّقونَ".

والتقوى لا مَحَاَلَة هى لب لباب الإيمان.

أي نعم! لب لباب الإيمان هو التقوى، ولماذا كانت التقوى؟ لأن للتقوى أنوراً هى ثمرة الجهاد مع التذكرة، تشع في باطن السريرة الإنسانية، فتلزمها كمال البقاء على الصراط المستقيم، فبعد أن يؤدى العقل الغرض الشريف ممّا هو مكفول له أن يؤديه، فيكتمل الرجاء فيه كلما عقل عن الله مراده وحكمه، وبعد أن تفي التذكرة بأركانها واحداً واحداً؛ يجيء الأمر صادراً بوصية التقوى (أعلى الوصايا) في أن هذا صراطي مستقيماً فأتبعوه؛ فإذا أتبعتموه في مجال التذكرة ومن قبلها مجال العقل، كنتم لاشك من المتقين الذين يعرفون للاستقامة معنى ودلالة؛ أي كنتم لا شك - بمتابعة السبيل - من الذين هداهم الله إلى الإيمان الحق، فكان الإيمان الحق حقيقاً بأن تكونوا، بمزاولته، من المتقين.

ولا بأس آخر الأمر من الاستئناس بما ورد في "لطائف الإشارات" للإمام أبي القاسم القشيري (ت 465هـ) في تفسير الآية حيث ذكر أن الآية المباركة تضمَّنت عشرة أشياء أولها الشرك، فإنه رأس المحرَّمات، والذي لا يُقبَل معه شيء من الطاعات، وينقسم ذلك إلى شرك جليِّ وشرك خفيّ؛ فالجلي عبادة الأصنام، والخفيّ ملاحظة الأنام بعين استحقاق الإعظام. والثاني من هذه الخصال: ترك العقوق، وتوقير الوالدين بحفظ ما يجب من أكيدات الحقوق. والثالث: قتل الأولاد خشية الإملاق، وإراقة دمائهم بغير استحقاق. والرابع: ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما بدا واستتر، ويدخل في ذلك جميع أقسام الآثام. والخامس: قتل النفس بغير الحق، وذلك إنما يكون لفقد شفقة الخلق. والسادس: مجانبة مال اليتيم والنظر إليه بعين التكريم. والسابع: بذل الإنصاف في المعاملات والتوقي من جميع التبعات؛ أي: الاحتراز عما فيه تبعة. والثامن: الصدق في القول والعدل في الفعل. والتاسع: الوفاء بالعهود الإلهية. والعاشر: متابعة السبيل بما تشير إليه لوائح الدليل. قال القشيري:" فمن قابل هذه الأوامر بجميل الاعتناق سعد في داريه وحظى بعظائم منزلته". فاللهم حقّق.

نعم ! لقد صدق نظر العرفان الذوقي بمقدار ما لديه من صدق الموافقة والمتابعة، وكذبت أنظار المتعالمين من ذوي الدعوى العريضة في غير تحقيق ولا استشراف؛ فلئن خَرَّج القشيري دلالات هذه الآيات المباركات، فلقد خَرَّجها من ذوق عرفاني ودلالة معرفيّة غير أنها إشارية، ولم يخرجها دعوى عريضة لمجرد النظر العابر في سطح المفهوم .

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

منى زيتونيمكن تلخيص اعتقاد أهل السُنة الأشاعرة والماتريدية في صفات الله تعالى في مقولة تُنسب للإمام الأشعري، حيث قال: "إثبات ذات غير مشبهة بالذوات، ولا معطلة عن الصفات". وهم يميزون بين الصفة والوصف. والصفات المعتبرة عندهم لله تعالى هي:

- صفة نفسية ذاتية: وهي الوجود.

- صفات سلبية: تسلب النقص عن الله، وهي خمس صفات (القدم- البقاء- المخالفة للحوادث- القيام بالنفس- الوحدانية).

- صفات المعاني: وهي صفات زائدة على ذات الله، وهي معاني قائمة بها، وتسمى الصفات الوجودية لأن لها حقيقة وجودية وليست اعتبارية، وهي سبع صفات (الحياة- العلم- القدرة- الإرادة- السمع- البصر- الكلام).

934 صفات الله

إضافة لذلك توجد صفات تُسمى صفات الأفعال، وهي أفعال يحدثها الله تعالى في مخلوقاته، لا تختص بذات الله.

والأشاعرة يُنزِّهون الله تعالى أن يُشابه الحوادث، كما يُنزِّهونه أن تحل فيه الحوادث، ومسلكهم في هذا أن النصوص التي تحوي ألفاظًا موهمة بالجوارح لله سبحانه وتعالى، أو أي شكل من أشكال المشابهة مع الخلق، إما أن يُفوضوا علمها إلى الله سبحانه وتعالى، أو يؤولونها وفقًا للمعروف في لسان العرب، حتى لا يقع العوام في التشبيه، والتأويل إليهم أقرب، وهم في هذا يوافقون سائر أهل الإسلام عدا السلفية الذين شذّوا فأثبتوا ما يُسمى الصفات الخبرية لله، بدعوى أنه جاءت بها الأخبار.

وليس نفي الأشاعرة أن تكون أمثال تلك الألفاظ (اليد- الوجه- العين) من صفاته تعالى تنزيهًا لله فقط، بل أيضًا لأن أيًا منها لا ينطبق عليها مصطلح صفة، فليست من صفات المعاني الوجودية سواء معنوية أو حسية، ولا تقبل الاشتقاق منها للوصف، وكلها جاءت بها النصوص مضافة إلى ذات الله، وليس كل مضاف صفة، ومن قواعد لسان العرب أن الصفة تتبع الموصوف ولا تُضاف إليه استباقًا، ومقارنة بين تلك الألفاظ وبين ألفاظ العلم والسمع والبصر كافية لإدراك الفارق لمن يفهم.

وكذا ما أصر السلفية على اعتباره صفات ذات لله تعالى كـ (الاستواء- النزول)، ما هي –إن أُخذِت على معناها الظاهر تعالى الله عن ذلك- إلا أكوان وتغير هيئات تُعبر عن تحرك الذات –وذات الله لا تنتقل-، وليست معاني وجودية تقوم بذات موجود، فلا تُسمى صفات ذات حتى لو صحّ اشتقاق اسم فاعل منها، لأن صفات الهيئة والكون لا تثبت. والأشاعرة إما يفوضون المعنى فيها أو يؤولونه، وهناك من علماء الأشاعرة من يضم الاستواء والنزول إلى صفات الفعل.

وهناك دائمًا تركيز على صفات المعاني السبع، فهي الصفات المعتبرة، والتي كثيرًا ما تُسمى صفات الذات، في مقابل صفات الفعل. يذكر علي سامي النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج1، ص236) أن الإمام أبا حنيفة كان أول من تكلم في شأن توحيد الذات والصفات، وينقل نصوصًا لأبي حنيفة من "الفقه الأكبر". يقول النشار –ناقلًا عن أبي حنيفة-: "إن الله تعالى واحد لا من طريق العدد ولكن من طريق أنه لا شريك له". وهو أول من حدّد صفات الله وفرّق بينها. "‏يقول أبو حنيفة: إن الله لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته الذاتية والفعلية. ومعنى لم يزل ولا يزال أنه لم يحدث له اسم من أسمائه ولا صفة من صفاته. والفرق بين صفات الذات وصفات الفعل: أن كل صفة يوصف الله تعالى بها، ولا يوصف بضدها هي صفة ذاتية كالعلم والحياة والكلام، وكل هذه صفات قديمة. وصفة الفعل هي الصفة التي يوصف الله تعالى بضدها كالخلق والرزق، فكان أبو حنيفة هو أول من وضع هذه الفروق الدقيقة بين صفات الله".

"وقد حدد أبو حنيفة الصفات الذاتية بسبع فيقول: هي (الحياة والقدرة والعلم والكلام والسمع والبصر والإرادة)، وأصبح هذا هو العدد الرسمي عند أهل السنة جميعًا أشعرية وماتريدية. أما الصفات الفعلية فعددها لا حصر له. ويؤكد أبو حنيفة أن تلك الصفات قديمة فلم يحدث له تعالى اسم ولا صفة، أي أن الله مع صفاته وأسمائه كلها، أزلي لا مبدأ له، وأبدي لا نهاية له، لأنه لو حدثت له صفة من صفاته أو زالت عنه لكان قبل حدوث تلك الصفة وبعد زوالها ناقصًا وهذا محال. فالله لم يزل عالمًا بعلمه الذي هو صفته الأزلية لا بعلم لاحق يلزم منه جهل سابق، والعلم صفة في الأزل، وما ثبت قدمه استحال عدمه. فعلمه أزلي أبدي منزه عن قبول الزيادة والنقصان، قادرًا بقدرته، والقدرة صفة في الأزل، متكلمًا بكلامه الذاتي، والكلام صفة في الأزل، وخالقًا بتخليقه، والتخليق صفة في الأزل، -والمعنى أن الله تعالى موصوف في أزله بالخالق، فكونه قادرًا على الخلق قديم أزلي، رغم كون الخلق من صفات الفعل-، وفاعلًا بفعله، والفعل صفة في الأزل، والمفعول مخلوق، أي أنه حدث عندما تعلق فعل الله به، وفعل الله غير مخلوق، إنه ليس بحادث، بل هو قديم كفاعله، إذ لا يلزم من كون المفعول مخلوقًا كون الفعل مخلوقًا".

""وصفاته في الأزل" أي صفاته الذاتية والفعلية –عند أبي حنيفة- ثابتة في الأزل، غير محدثة ولا مخلوقة. ويرى أبو حنيفة أن من قال بأن صفات الله مخلوقة أو محدثة، أو وقف أو شك فيها، فهو كافر". والأشاعرة متفقون على قدم الذات والصفات له تعالى، فكل من ذاته وصفاته تعالى قديمة أزلية. والقديم هو الواجب وجوده، الممتنع تقدير انتفائه.

والأشعرية ترى أن صفات ذات الله حقيقة أزلية ولكنها ليست عين ذاته –كما قالت المعتزلة-، فأثبتوا لله صفات لا هي ذاته ولا هي غير ذاته. وهي قديمة بقدمه تعالى، ومعنى هذا  أن العلم صفه ثابتة قديمة من صفاته تعالى، ولكنها ليست جوهره أي ذاته، ولا يقال: إن الله مريد بإرادة وإرادته ذاته. يذكر النشار في مقدمة تحقيقه لـ "الشامل في أصول الدين" للجويني (ص68-69) "أما عن الصفات الإلهية، فإن الأشعري يثبتها قائمة بالذات، ذاهبًا إلى أنها ليست عين الذات وليست بخلاف الذات. ورأيه في ذلك أن الصفات الإلهية قديمة قدم الذات. يقول الأشعري: "من الثابت أن الله عالم قادر، ولا بد أن يختلف مفهوم العلم عن مفهوم القدرة وإلا كان الله عالمًا بالقدرة قادرًا بالعلم، ولا بد أيضًا أن يكون هناك تمايز بين الذات والصفات، وإلا كان تعقلنا للذات متضمنًا تعقلنا للصفات، لكن الأمر ليس كذلك. وإذن فلابد أن يكون مفهوم الذات غير مفهوم الصفات، وأن يكون المفهوم من إحدى الصفات مختلفًا عن المفهوم من الصفات الأخرى. وذهب الأشعري إلى أن الذات قائمة بنفسها وأن الصفات تقوم بها"أهـ.

جاء في "جوهرة التوحيد" للإمام اللقّاني حول صفات المعاني (صفات الذات):

حيٌ عليمٌ قادرٌ مريدٌ **** سميعٌ بصيرٌ ما يشاء يريدُ

متكلمٌ، ثم صفات الذات **** ليست بغير أو بعين الذات

يقول الشهرستاني في "المِلل والنِحل" (ج1، ص82): "قال أبو الحسن الأشعري: الباري تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حيٌ بحياة، مريد بإرادة، متكلم بكلام، سميع بسمع، بصير، وله في البقاء اختلاف رأي. قال: وهذه صفات أزلية قائمة بذاته، لا يُقال هي هو ولا غيره، ولا لا هو ولا لا غيره".

ويوضح أبو المظفر الإسفراييني في "التبصير" (ص141) "لا يجوز فيما ذكرناه من صفات القديم سبحانه أن يُقال: إنها هي هو أو غيره، ولا هي هو ولا هي غيره، ولا أنها موافقة أو مخالفة، ولا أنها تباينه أو تلازمه، أو تتصل به أو تنفصل عنه، أو تشبهه أو لا تشبهه، ولكن يجب أن يُقال: إنها صفات له موجودة به، قائمة بذاته، مختصة به، وإنما قلنا إنها "لا هي هو" لأن هذه الصفات لو كانت هي هو لم يجز أن يكون هو عالمًا، ولا قادرًا، ولا موصوفًا بشيء من هذه الأوصاف. وإنما قلنا لا يُقال إنها غيره، لأن الغيرين يجوز وجود أحدهما مع عدم الآخر". فصفات الله إذن: لا هي هو، ولا هي غيره".

وكانت مشكلة وحدة الذات والصفات من شواغل فلاسفة المسلمين من الأشاعرة والمعتزلة، وعلى عكس الأشاعرة قال المعتزلة بأن ذات الله قديمة، وأن صفات الله عين ذاته. وقد شغَّب بعض المعتزلة على الأشاعرة لإثباتهم ذاتًا وسبع صفات قديمة ليست عين الذات، وحاولوا تصوير الأمر على أن لهم ثمانية أقانيم، وهذا تشنيع؛ فالذات واحدة مهما تعددت الصفات الموصوفة بها. يقول السبكي في "طبقات الشافعية" (ج2، ص300) "يقول سائر المعتزلة للصفاتية -أعني مثبتى الصفات-: لقد كفرت النصارى بثلاث وكفرتم بسبع، وهو تشنيع من سفهاء المعتزلة على الصفاتية. ما كفرت الصفاتية ولا أشركت وإنما وحّدت وأثبتت صفات قديم واحد، بخلاف النصارى، فإنهم أثبتوا قدمًا فأنى يستويان أو يتقاربان".

والأشاعرة والماتريدية يثبتون صفات الأفعال لله تعالى، ولا ينفونها كما يدّعي السلفية. وكما قال الجويني في "الإرشاد" (ص72) "الأفعال دالة على كونه حيًا"، لكن يوجد فرق بين الأشاعرة والماتريدية في صفات الأفعال؛ فلم يتابع الأشعري أبا حنيفة في كونها قديمة، بينما تابعه الماتريدي. ذكر البيجوري في "حاشيته على جوهرة التوحيد" (ص153) "صفات الأفعال، ليس شيء منها بقديم عند الأشاعرة، بخلافه عند الماتريدية؛ لأنها عند الأشاعرة تعلقات القدرة التنجيزية الحادثة، وعند الماتريدية هي عين صفة التكوين". والمقصود بتعلقات القدرة التنجيزية؛ أن التخليق تعلق القدرة بإيجاد المخلوق، والترزيق تعلق القدرة بإيصال الرزق، وهكذا. والخلاف في صفة التكوين أول الخلافات المعتبرة بين العقيدتين.

وللغزالي في "الاقتصاد في الاعتقاد" (ص116-117) توضيح حول صفات الأفعال؛ فيُمثِّل الغزالي بأن "السيف في الغمد يسمى صارمًا، وعند حصول القطع به يسمى صارمًا أيضًا. فالسيف في الغمد صارم بالقوة، والسيف عند حصول القطع صارم بالفعل. وكذلك الحال بالنسبة إلى الخالق، الرزاق، الجواد. هذه الأسماء تصدق على الله في الأزل. فقدرة الله وإرادته تتعلق بالخلق والإيجاد أزلًا أبدًا، ولكل الممكنات، فعندما تتحقق عملية الخلق بالفعل، لم يكن قد تجدد أمر في الذات. بل كل ما يُشترط لتحقق فعل الخلق موجود في الأزل. ويتحقق فعل الخلق عند إيجاد المخلوق أو الشيء"أهـ.

 

د. منى زيتون

 

مجدي ابراهيمإذا كان الاتجاه إلى وحدة القصد بالمباشرة لهو السبب الذي يجعل من القرآن طراوة في النفوس بفضل تأثير أسلوبه على القلوب مهما تطاول عليه الزمن وتداولت على عباراته وكلماته الأيام، فالإيحاء في طليعة هذه الأسباب. ولقد لاحظ المستشرق الفرنسي"ليبون" تلك الخاصَّة حين قال عن القرآن الكريم:"حسبُ هذا الكتاب جلالاً ومجداً أن الأربعة عشر قرناً التي مَرَّت عليه لم تستطع أن تجفِّف ولو بعض الشيء من أسلوبه الذي لا يزال غضاً كأن عهده بالوجود أمس".

هذا ذوق باحث أوروبي له صلة غير مباشرة بالقرآن، وهو مع ذلك يكتشف ما فيه من طراوة الكلمة وحلاوة الأسلوب، على ما مَرَّت عليه من أزمنة ودهور لم تستطع أن تغير في جماله شيئاً. وهنالك آراء تَوَصَّل إليها كبار الباحثين الأوربيين حول القرآن، لا يكاد المرء لقوتها وعمقها أن يظفر بها في بحوث الباحثين العرب، منها ما نبَّه أحدهم عليه، وهو أنه:" لابد لقارئ القرآن إذا هو أراد أن يفهم رسالة القرآن أن يذكر أنه كتاب فرائض وكتاب إقناع وكتاب هداية، وأن الإعجاز فيه لا يرجع إلى فصاحة اللفظ وحدها ولا إلى نسق البيان وحده، ولكنه يرجع إلى "إيحاء اللفظ " و"إيحاء" البيان بما يعجز كل كلام (غير إلهي) عن الإيحاء بمثله".

ولنضع تحت كلمة "إيحاء" هذه، خطوطاً حمراء ملفتة للنظر تميزها؛ فهذا "الإيحاء" هو سرٌّ الإعجاز الذي لا يقوى على فضِّ بكورته إنسان كائناً ما كان، ففيه تكمن الهداية إلى النور الإلهي، وفيه تكون الدلالة العملية في الفريضة المفروضة، وفيه القناعة التي تهدي العقل إلى العمل بأحكام الكتاب، وفيه التفسير الإشاري الذي يعلمه القادرون على استنباطه من أهل الذوق والمعرفة فضلاً عمَّا هو كامنُ في الإيحاء من أسرار لا تحيطها مدارك المحجوبين.

ولسنا نتجاوز الصواب فيما لو قلنا إن دراسة إعجاز القرآن إذا هى أغفلت الإيحاء إنما تغفل رافداً غنياً يستند إليه التفسير الإشاري، ويمكن أن تضرب أمثلة سريعة توضح طريقة القشيري مثلاً عندما كان يتصدى لبعض الجوانب التي يغذيها الإيحاء في الأسلوب القرآني؛ فمن اللفظة المُفردة تنبعث إيحاءات جميلة تزيد المعنى قوة وتأكيداً، كأن يقول عند قوله تعالى:"بل هم في شك يلعبون": اللعب فعل يجري على غير ترتيب، تشبيهاً باللُّعَاب الذي يسيل لا على نظام مخصوص، فوصف المنافق باللعاب تصويراً لتردده وتحيره وشكه في عقيدته. والتسبيح عنده مرتبط " بالسباحة في بحار التوحيد بلا شاطئ؛ فبعدما حصلوا فيها فلا خروج ولا براح فحازت أيدهم جواهر التفريد، نظموها في عقود الإيمان ورصعوها في أطواق الوصلة ". والفجر  " انفجار الصبح كما يَتَفَجَّر الماء من الصخر "؛ وهكذا إلى كثير من الأمثلة التي لا حصر لها للتفسير الإشاري تنبعث من الإيحاءات القرآنية تخريجات إيمانية نادرة ممتعة مبهرة.

كان المستشرق الفرنسي "لويس ماسينيون" وضع منهجاً في قراءة النصوص الدينية المنزلة، ومنها بالطبع (القرآن الكريم)، هو أساس ما نعتمده هنا لقراءة الإيمان للقرآن. يدور هذا المنهج على "فهم المعنى" من النص المطروح للقراءة، ويتخذ أشكالاً أربعة على النحو التالي:

المعنى الأول: وهو لا يتجاوز الفهم الحرفي للنص. المعنى الثاني: وهو الفهم الرمزي للنص. المعنى الثالث: وهو ما يستخلصه الباحث من قراءته للنص؛ وهو أعمق من المفهومين السابقين. المعنى الرابع: وهو "الشعور الديني"؛ المستخلص من النص المقدس. هذا المعنى الرابع والأخير هو الأكثر عمقاً، وهو ما يطلق عليه الباحثون" المعنى التأويلي" الذي يقود إلى التأمل والخشوع. وبمقتضى هذا المنهج تكون قراءة الإيمان للقرآن حيوية شاعرة بما تقرأ، مُنفعلة بما تحس وتشعر أثناء القراءة هى وحدها من المؤكد التي تورث الإيحاء.

ولكي نلمُّ ببعض تطبيقات الإيحاء في القرآن كونه خاصّة ذاتية، علينا أن نتوسّع بعض الشيء في استناد المعرفة التي يقوم عليها الإيحاء ويستند على خصائصها، وسنجد في القرآن الكريم اتصال الفكر بالذكر اتصالاً  تصدر عنهما معرفة ثالثة هى رمز الإيحاء في الكتاب الكريم.

مصدرُ العرفان في حقل الفلسفة هو العقل الإنساني مُجَرّداً عن لواحقه الشعوريّة، ومُجَرِّداً الإنسان عن أي شيء سواه. ومصدر العرفان في الدين، وخصوصاً الأديان الكتابيّة، هو الشهور الديني، هو الله تعالى يُغذي طاقات العقل الإنساني بشتى المعارف وشتى العلوم، كلما فتحت طاقة من طاقات المعرفة فتحت معها على التوالي طاقة أخرى، وهكذا بغير انقطاع. ومدد الفتح لا ينقطع إذا كان المصدر هو الحكيم العليم:"وإنّك لتلقّى القرآن من لدُن حكيم عليم".

الاستقلال الفكري العقلي في الفلسفة لا يجور، ولا ينبغي له أن يجور، على خصوصيّة الدين وطبيعته، كونه يسمح لطاقة الإنسان بالانتقال من حياة إلى حياة، ويوجّه توجهاته الدنيوية ناحية الآخرة، مُستقره الأخير.

والاقتصارُ على مثل هذا الاستقلال العقلي وحده عائقٌ للعقل البشري نفسه لفهم ملكات أعلى منه وأمضى، مهما حاول العقليون أن يقيّدوا طاقاته العقليّة بقيود من حديد نحو ما يفهمون منه، ونحو ما يدركون. نعم ! ما لا أدركه أنا بعقلي المحدود قد تدركه أنت بعقلك المتسع المفتوح الذي يقبل (الإحالة) ويأخذ بمعطياتها كلما توقف وقفات تُشبه العجز فيما هو أمامه مطروحاً من مسائل الغيب أو مسائل المصير.

وليس معنى عجزي عن الإدراك عن مسائل بعينها، أنها غير موجودة بل عجزي هو الذي صَوّر لي سلفاً أنها معدومة، فلو كنت من القادرين على إدراكها لأصبح وجودها أسبق عندي من تصور العدم: عجز العقل عن الإدراك ليس معناه العدم، ولكن معناه أنّ ما لا أدركه بعقلي المحدود قد يدركه بباصرته غيري ويقتدر عليه، ويخوض فيه ويعوم، في حين تظل حدود مدركاتي النظرية لا تسمح لي بتجاوزها قيد أنملة.

هذا هو الإنصاف المطلوب في كل حال.

إنْ أردت التي لا لوْمَ فيها: فلتبحث معي عن ملكة التَّعَلُّق: فيما عَسَاكَ توجهها؟ أفي شغل دائم لا ينقطع بعلم الأسباب، أم في شغل العلم بالله؟

فلئن كانت الحالة الثانية، فقد صارت بعيدة بعيدة بعد أن كانت قريبة قريبة. ولئن كانت الحالة الأولى؛ فلقد أورثت صدأ على وجه القلب، فكانت مانعاً كثيفاً من تجلي الحق فيه؛ فانقطع.

الغريب في الأمر، أنّ قبول مجلى تجلي الحق أو عدمه يرجع إلى القلب، فلو كان على القلب صدأٌ لم يَعُدْ يقبل جهة الحق .. لماذا؟ لأنه ببساطة شديدة كان قبل غيرها فاستغرقته بالكليّة، أي قبل الاشتغال بالأسباب، فاستغرقت طاقة النور القلبي لديه بكليّتها؛ فَحُجِب.

والاشتغال بالأسباب صدأُ قلبي، بالتعبير القرآني البديع هو (الكنّ، والقفل، والعمى، والرّان). هذا هو الإيحاء القرآني؛ فإن قلت: فما بالُ العقل؟ ألم يُعْرَف الحق بالعقل؟ أقول لك ما يقوله ابن عربي في هذا الخصوص: مدارك العقل محدودة بحدود ما يدرك من الأمور على جهات أربعة: جهة الجوهر، وجهة الطبع، وجهة الحالة، وجهة الهيئة. ولا يدرك العقل شيئاً لا توجد فيه هذه الأشياء.

وهذه الأشياء لا توجد في الله تعالى، فلا يعلمه العقل أصلاً من حيث هو ناظر وباحث؛ لأن نظر العقل من حيث برهانه الذي يستند إليه هو الحسّ أو الضرورة أو التجربة الحسيّة. وكلمة الضرورة تعني من حيث ما يُعلم لدى العقل بالضرورة، وهذا لا يكون إلَّا لوقائع عينيّة مشهودة.

يقدح الدليل العقلي في العلم بالله، ويعجب المرء حين يرى الفلاسفة المسلمين يقدّمون أدلة عقليّة على وجود الله. ألم يقرأوا حديث رسول الله : أنَّ القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد ... وفيه: أنّ جلاءها ذكر الله وتلاوة القرآن. ثم هل خلت أنظار الفلاسفة من قلوب تعقل، في أنفسها، عن الله دليله؟

أيحتاج وجود الله إلى دليل غيره؟

أتحتاج معرفة الله إلى دليل سواه؟

كيف، وهو الحق الواضح بذاته، وهو الحجة على كل شيء. الله هو الذي يبرهن على الوجود، ولا يصحُّ أن نتخذ من الوجود برهاناً على الله تماماً كما نقول: إنّ النور يبرهن على النهار، ونعكس الآية لو قلنا: إنّ النهار يبرهن على النور.

والله يقول في حديث قدسي:"أنا من يستدل بي، أنا لا يُستدل عليّ". ومن الحق أن نقرّر كما قرَّر المفكرون من ذوي الأذواق الرفيعة أن الاستدلال على وجود الله مسألة بدَاهة فطرية لا تحتاج إلى أكثر من ذلك. وقد بيّن الإمام الغزالي في كتابه "الاقتصاد في الاعتقاد"، أن الإنسان له وعي يقيني بوجود الله وحقيقته الذاتية، واعتبر الشعور الفطري في الإنسان هو الدليل إلى معظم المعارف مهما تقدّمت العلوم، مثله كمثل الجوع والعطش والأمومة، وسائر الوجدانات والعواطف، كل ذلك نشعر بوجوده ولا نحتاج إلى دليل نبرهن عليه، وكذلك فإنّ شعورنا الفطري بوجود الله لا يحتاج إلى دليل أو برهان.

ومؤدّى نقص البراهين العقلية التي يستدل بها الفلاسفة على وجود الله - فيما يقول أستاذنا العقاد رحمه الله - أن البرهان قوة ترغم العقل على التصديق، ولا يتأتى الإيمان بإرغام، بل بطلب وشوق، واجتهاد في التحصيل (تحصيل الإيمان) من طريق الذوق والحماسة الدينية، فإن لم تشعر النفس بمكان الإيمان منها فلا محل للبرهان فيها، وإنْ شعرت بهذا المكان فالبرهان متممٌ لشيء موجود يعاونه ويزيد عليه. (عقائد المفكرين في القرن العشرين؛ ص 27)

شَغَلَ الفلاسفة أنفسهم، وشغلونا من بعدهم، بحُجب الأدلة العقلية، ولم يتحقّقوا قيد أنملة أنّ معرفة الحق مُتجلّاه على الدوام بغير انقطاع في النفس وفي الآفاق لا يُتصوّر في حقها حجاب عنّا، غير أنّ مجلاها القلب الصافي عن لوثات التكدير، الخالي من ظلمة حُجُب الأسباب. وعلى الله وحده، توفيقه ورعايته، يكون جلاء القلوب حين تصدأ من كزازة الدنيا ومعاطب الأسباب. ومع ذلك؛ فلهذه المعرفة وسائل لا بد من تحقيقها وأهم وسائلها وسلتين هما الأساس الذي تستند عليه معرفة الله: الذكر والفكر.

*    *     *

فالذكر رياض الإيمان، تفرضه في الذاكر جلالة المذكور: قوة عليا تتوجَّه بها لطيفة الذاكر (قلبه) إلى خالقها لتدرك بفضيلة الذكر ما لا يدركه سوى هؤلاء الذين يعلمون ما نعلمه نحن، ويدركون ما لا ندركه نحن؛ لأنهم على الدوام في رحاب المذكور.

يستحضر العبد الذاكر "الذات الإلهية" بدوام التسبيح في كل عمل يعمله رقابة داخلية عليه، فلا يفرط في عمل يراه موصولاً بالله مُوصِّلاً إيّاه إلى خالقه.

ومن هنا كانت الصورة الكاملة هى هى صورة التسبيح الذاكر يتجرَّد فيها عن ملابسة الأهواء، فيغادر كلما أستطاع ذلك العالم المحسوس إلى غيره من عوالم روحيّة، يرى فيها الحقيقة كاملة؛ ليجيء كماله على مقدار ما يرى. فلولا أن وفّقه الله لأن يكون ذاكراً لله ما كان بمستطيع أن يتحقق بالفناء في المذكور. والعبد الذاكر هو الله المذكور إذا كان الفناء. والفناء غيبة وقتية عن العوالم، خلاصة تجربة الروح في تساميها، وهو كذلك حضور وبقاء مع الله: أساسه العمل الدائب المتواصل على شرط الحضور الذي يؤكده الإيمان، فلا إيمان إلا بعمل، ولا عمل هاهنا إلا في خدمة قضية الإيمان.

ومن إيمان الذاكرين أن يدرك الذاكر وجه الحق في كل ما عساه يعمل وفي كل ما عساه يقول، فهو بالحق ومع الحق فناءً في جلال المذكور. والمعنى: هو ألا يشغله عن الله شاغل ولا يعوقه عن سواه عائق من حواجب النفس أو حواجب المجموع، يشهد الإيمان باليقين بعد أن يُحَقِقَ القول بالعمل. جاء في الخبر: إنّ العبد ليقرأ قوله:"إيَّاكَ نعبد وإيَّاكَ نستعين"، فيقول الله تعالى: كذبت، لو كنت إياي تعبد لم تخف غيري ولم ترج سواي. ولو كنت بي تستعين، لم تسكن إلى مالك وأهلك. وكذلك بلغنا أن العبد ليقرأ السورة من القرآن فتصلى عليه حتى يفرغ منها إذا هو عمل بها. وهذا بلا شك حال الصديق؛ لأنه صَدَّق عمله قوله، واستعان بالله على الحقيقة. وأن العبد ليقرأ السورة من القرآن فتلعنه إلى أن يختمها إذا لم يعمل بما يقرأ وبما يقول؛ فهذا حال الكذاب الذي يقول القول ولا يعمل به، لأنه ضيع حقوق الإيمان وانتقص منه ولم يزيد فيه؛ إذْ العمل يزيد من الإيمان وينقص بنقصانه. وعليه؛ فلا إيمان لمن لا عمل له ولا حياة لمن لا تصديق في قوله. وكيف يكون التصديق في القول وصاحبه يخلو من طيِّب الأعمال؟

ولكن ليس معنى ذلك، لا توجد فوارق بين حقيقة الإيمان وحقيقة العمل بمثل ما تصوّر الخوارج في القديم والحديث، هؤلاء الذين يجعلون الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان، ويقرُّون أن من أرتكب كبيرة فقد زال إيمانه وأصبح كافراً خارجاً عن الملة، الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه لسفك الدماء وسلب الأموال. أو بمثل ما تصوَّر المعتزلة الذين قالوا إنّ مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً وليس كافراً، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين، يسمونه الفاسق، في كلام طويل رفضه علماء السُّنّة.

كلا ليس هذا هو المقصود، بل المقصود أن العمل يعطي الإيمان زيادة ويوفر له اليقين الدائم ولكن لا يبطله على الإطلاق. فما من عمل يعمله العامل على حقيقة الإيمان الذي هو التصديق القلبي الجازم إلا ويزيده ويرقيه. ونقصان الأعمال والتقصير فيها لا تزيل الإيمان ولا تنقضه من أصله.

ومن إيمان الذاكرين أن لذكرهم صوراً عظيمة، وأنهم في كل حال يظلون على الذكر لا يفترون عنه ولا ينئون، ومن صور الذكر التسبيح المطلق لله؛ مطلقٌ عن التعلق بالحُجب والأغيار؛ مُفْرَدٌ في ذاته لذاته.

ففي الصلاة ذكر وتسبيح، وفي اللفظ ذكر وتسبيح، وفي الحركة ذكر وتسبيح، وفي الآلة ذكر وتسبيح، وفي الفأس ذكر وتسبيح، وفي القلم ذكر وتسبيح، فأنت حين تكتب أو تعمل أو تزرع أو تقوم أو تقعد أو تلفظ، تذكر الله على الحقيقة فيما لو كنت على إيمان هو بالضبط إيمان الذاكرين، فلا يكون لك كيانٌ آدميٌ بغير الذكر الذي هو الوصلة الروحية توصلك مع الفكر بالله أتم اتصال وأدوم اتصال في كافة الأحوال.

بغير الذكر صورتك الوجودية العصماء مفقودة وإنْ بدت لك أنها موجودة؛ لأن الصلة الأمينة بينك وبين المذكور صارت صلة مقطوعة، ولأنها كذلك فلا شيء أدعى لفقدها من كونك محروماً من ذلك النور المبثوث في قلوب الذاكرين: نور الذكر ونور الفكر. الذكر طمأنينة ويقين؛ لأن الذكر إيمان، ولا شرط للطمأنينة الصادقة ولا لليقين الصادق إلا الإيمان الدائم تحسّه على الدوام في قلوب توكلت على الله، ورضت بما قسم الله، فتألهت إليه، فذكرت الله ذكر الصادقين لكنها لم تكتف بالذكر بل قرنته بالفكر.

صوّر القرآن الذكر والفكر مقترنين متلازمين ينتج أحدهما عن الآخر ضرورة، تأمل قوله تعالى:"إنَّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك؛ فقنا عذاب النار" (آل عمران: آية 9).

لاحظ وصف أولي الألباب الذين يذكرون الله ويتفكرون في خلق السموات والأرض، غير أنهم لا يذكرون الله وكفى بل يذكرونه قياماً وقعوداً، وهو دليل من جهة على انشغالهم الدائم بالذكر إنْ في القيام وإنْ في القعود. ومن جهة أخرى يدل كذلك على أن أولي الألباب قد جعلوا الله هدفاً لهم، ومن شدّة تعلقه بهم يذكرونه قياماً وقعوداً؛ لأنهم يحبونه. ومقتضى المحبة دوام ذكر المحبوب. ليس هذا فقط بل أيضاً كما في إشارة الشِّبْلي: "أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك". ونحن حين نحب شخصاً ما نظل نذكره، وحين نكره شخصاً يحدث العكس. ولهذا؛ فمن المؤكد أن الذكر يحمل في طياته روح المحبّة، ويدل عليها من أول وهلة. وعليه؛ تكون الطاعة ثمرة المحبّة، وهى نتاج الذكر الدائم والاشتغال بالهدف الأجلّ الأسمى: طاعة الله، وطاعة رسول الله الحبيب  الذي علَّم البشرية محبّة الله تعالى، وهى بغير شك، أعنى المحبة: ميراث النبَّوة على التحقيق.

حين يفهم المسلم موحيات هذه الآيات ويعمل بها، يفهم في الوقت نفسه ركنين رئيسين من أركان الحياة الروحيّة في الإسلام: الذكر والفكر. وهو حين يجعل الله هدفاً له في حياته، يحبه ويطيعه ويطلب مرضاته ويتخلق بأخلاقه ينعكس ذلك كله على رؤيته للوجود من طريق الإيحاء خاصّة ذاتية للقرآن ؛ فيرى الحقيقة ويشهد بالفعل ميراث النبوة نِعَماً لا تعد ولا تحصى، ويقوده الذكر إلى الفكر.

والأساس في الفكر هو التفكّر في خلق السموات والأرض، فالذين يذكرون الله قياماً وقعوداً لا يكتفون بالذكر وكفى بل يتفكرون في خلق السموات والأرض. ومعنى الفكر هو استحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما "معرفة ثالثة"، أي القيام بترتيب حقيقتين في الذهن لاستنتاج حقيقة ثالثة لم تكن موجودة من قبل.

فمثلاً لو عرفنا أن العالم يتغير كل لحظة، كانت هذه هى الحقيقة الأولى. وأن كل متغير حادث، فتكون هذه هى الحقيقة الثانية. وحين نضع هاتين المعرفتين معاً سنعرف أن العالم حادث. ويرتكز المنطق جميعه على هذا الفكر وتنكشف للإنسان حقائق كثيرة نتيجة لقوة الفكر هذه، ونتيجة الممارسة الدائمة لها، وتتركز الحياة كلها على الفكر المقرون بالذكر. فالذكر لدى المؤمن محبّة، والفكر لدى المؤمن نتاج للتفكر في خلق السموات والأرض وكشف هذه الحقائق، واكتشاف أنها لا يمكن أن تكون باطلة، وأن التقصير في كشفها والوصول إليها تقصير في الإيمان نفسه: فهمه وتخريجه وصياغته العملية. هنالك يضع المؤمن جميع الكائنات تحت قدميه فيما لو تمت له ممارسة عميلة التذكير والتفكير؛ لأنه سيكون قد توصّل إلى حقيقتها فيستغني بالله عنها، ولا يتكالب عليها تكالب المسعور.

هذا هو الإيحاء .. وتلك هى مقوماته في القرآن كونه خاصّة ذاتية.

في الحقيقة لم نجد أصْرَح ولا أوضح من "الغزالي" فيما ذكره عن الفوارق بين الذكر والفكر لما أنْ قال في الإحياء عن "حقيقة التَّفكر": معنى الفكر هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منها معرفة ثالثة، ومثاله الذي ضربه على ذلك هو: أن من مال إلى العاجلة وآثر الدنيا وأراد أن يعرف أن الآخرة أولى بالإيثار من العاجلة فله طريقان:

الأول: أن يسمع من غيره أن الآخرة أولى بالإيثار من الدنيا؛ فيقلده ويصدقه من غير بصيرة بحقيقة الأمر، فيميل بعمله إلى إيثار الآخرة اعتماداً على مجرّد قوله. وهذا يسمى تقليداً ولا يسمى معرفة، فأولاً يظهر الفرق هنا بين المعرفة والتقليد، فكل ما لا تنتجه المعرفة الثالثة فهو تقليد لا شك فيه. أو قُل هو تذكير لمعارف سابقة فقط ليس فيها معرفة جديدة، فمادامت لم تثمر معرفة ثالثة فليس هناك من جديد.

والطريق الثاني: أن يعرف أن الأبقى أولى بالإيثار، ثم يعرف أن الآخرة أبقى، فيحصل له من هاتين المعرفتين معرفة ثالثة، وهى أن الآخرة أولى بالإيثار، ولا يمكن تحقق المعرفة بأن الآخرة أولى بالإيثار إلا بالمعرفتين السابقتين" (الإحياء: جـ 4، ص 354 ).

ذلك هو معنى الفكر كما يحققه الغزالي، فاستحضار المعرفتين السابقتين في القلب للتوصّل إلى المعرفة الثالثة هو عند الغزالي يسمى تفكراً واعتباراً وتذكراً ونظراً وتأملاً وتدبراً. فأما التدبر والتأمل والتفكر: فكلها تجري على عبارات مترادفة ليس تحتها معاني مختلفة، والمقصود منها معنى واحد. وأما اسم التذكر والاعتبار والنظر: فهى مختلفة المعاني أيضاً، وإنْ يكن أصل المسمى واحداً. ومثاله: اسم الصارم، والمهند، والسيف، يتوارد على شيء واحد، ولكن باعتبارات مختلفة. فالصارمُ يدل على السيف من حيث هو قاطع، والمهند يدل عليه من حيث نسبته إلى موضعه، والسيف يدل دلالة مطلقة من غير إشعار بهذه الزوائد. إذا نحن عرفنا هذا، عرفنا في الوقت نفسه أن الاعتبار: يطلق على إحضار المعرفتين من حيث إنه يَعْبُر منهما على معرفة ثالثة، وإنْ لم يقع العبور ولم يمكن إلا الوقوف على المعرفتين، فلا يُقال في حقه اعتباراً ولا فكراً ولكن يُقال في حقه تذكراً.

أما النظر والتفكر: فيقع عليه من حيث إن فيه طلب معرفة ثالثة، فمن ليس يطلب المعرفة الثالثة لا يسمى ناظراً، فكل متفكر فهو متذكر، وليس كل متذكر متفكراً.

وفائدة التذكار كما وضحها الغزالي: تكرارُ المعارف على القلب لترسخ ولا تنمحي عنه أبداً. وفائدة التفكر: تكثير العلم واستجلاب معرفة ليست حاصلة. والمعارف إذا هى اجتمعت في القلب وازدوجت فيه على ترتيب مخصوص؛ أثمرت معرفة أخرى، فالمعرفة نتاج معرفة. فإذا حصلت معرفة أخرى وازدوجت مع معرفة أخرى حصل نتاج آخر. فهذا هو الفرق بين التذكر والتفكر عند الغزالي؛ وهو تقسيم منهجي اعتباري كما ترى يحيل المعارف كلها إلى منطق المعرفة الثالثة. وعن هذه المعرفة الثالثة التي يثمرها الفكر يصدر كل جديد، وهى من الأهمية بمكان بحيث لا يمكن معه أن ينفصل الفكر عن الذكر إلا من الناحية الاعتبارية لا الناحية الحقيقية، فالفكر ذكر ولا يزيد، والذكر فكر مع التحقيق.

إنّ إثمار المعرفة الثالثة المتولدة من طريق التذكار والتفكير إذا هى كانت خاضعة للوهلة الأولى للتفكير أثمرت، وزادت، وتكثرت بالمفاضلات والمقارنات والمقاربات والقياسات النظرية، وتلك علامة جدتها وتخلقها في الذهن المستعد لها، أو قُل هى علامة امتيازها بين المعارف المتكررة. لكن هذا التفكير نفسه خاضع كذلك للتذكار إذا كان التذكار يفيد رسوخ الملكات المستعدة للإثمار واستجلاب المعاني المستجدة.

وقد يترتب الفكر على الذكر ضرورة في هذا الميدان الحيوي؛ أعني الميدان المعرفي ليس في التصوف فقط، ولكن أيضاً على مستوى النظر العقلي الصرف، ألم يقل ابن رشد:"إنّ قطع الشهوات شرطٌ في صحة النظر"؟

وقطع الشهوات، كل الشهوات! رغم استحالتها، وعلى جميع مستوياتها الجسدية البدنية والمعنوية النفسيّة، يحتاج إلى مكابدة ومجاهدة وتَعَوُّد ومران بمقدار ما يحتاج إلى الوسائل المساعدة في التغلب عليها، وأهم هذه الوسائل هى الذكر. وإذن؛ فالفروع التي نحسبها عملية تابعة، هى في الأساس أصول للنظرية، ليس ينبغي أن نفصل فيها متعسفين بين النظرية ولواحقها العملية. فإذا كان الذكر يمثل تلك الناحية العملية من التصوف، وكان الصوفية أهل فكرة عليا؛ فهو ليس بالمفصول ولا المعزول عن الفكر الذي يمثل الناحية النظرية، بمقدار ما يجيء الفكر أيضاً غير مفصول ولا هو بالمعزول عن الذكر.

على أن الصوفية إذا كانوا يُجلُّون الذكر ويرفعونه درجات على الفكر؛ فمن اعتبارات أدبية فقط: من اعتبار ثمرته كونه تكراراً للمعاني في القلب لترسخ ولا تنمحي عنه أبداً، وليس للغَضّ من أقدار الفكر مع أن الفكر يثمر معرفة جديدة لم تكن بحاصلة. وأقولُ اعتبارات أدبية مع الله؛ لأنه سبحانه المحرك الأوحد لموحياتهم النظرية والشعورية، وقد جرت مناقشات فيما بينهم تدور حول: هل الذكر أتمُّ أم الفكر؟ وكانت المناقشة قد تمَّت بين أبي عليّ الدقاق لما أن سأله أحدهم، وهو الشيخ أبو عبد الرحمن، فأراد الدقاق أن يعرف ما يقع للشيخ السائل من رأي فيما سأل عنه، فإذا الإجابة تجيء: عندي أن الذكر أتمُّ من الفكر؛ لأن الحق سبحانه يوصف بالذكر ولا يوصف بالفكر، وما وصف به الحق سبحانه أتم ممَّا اختص به الخلق، الذي هو الفكر، فاستحسنه أبو علي الدقاق.

إنما الأدب مع الله وحده هو الذي يحرك هذه الطائفة نحو "المقول" كما حركهم نحو العمل، ومعنى الأدب هنا هو الأخلاق على أدق ما توصف به الأخلاق، وهو الذي يدفعهم إلى أن تجيء حركتهم موصولة بالله وصلة قُربة وتحقيق؛ فمن أراد أن يعتبر هذا الأدب دروشة ساذجة لا خير فيها ولا غاية منها، فاعتباره مغلوط ومردود عليه وحده دوناً عن سواه، ولكن ما أعظم هذه الثلاثة للذات العارفة: الذكر، الفكر، التسبيح.

*    *     *

ومع فقدان هذه الثلاثة يصبح إنفاق المداد في لا شيء شيئاً عصيباً عجيباً بالفعل! فقد يأخذنا العجب دهشاً أحياناً كثيرة بسياج من الحسرة والألم على إنفاق المداد ذلك الإنفاق الذي يحتاج منّا إلى إشفاق، ففيمَ يكتب الكاتبون، وفيما يدونون من قضايا ومذاهب وأخلاق؟ لماذا لا تتغير النفوس وترتحل عن تمسكها بطينة الأرض إلى حيث رحابة الضمير ورحابة الإيمان؟ لماذا لا نتصور أن وجودنا الأرضي مرهون بخيرورة التعامل ورفعة المقاصد التي نحضر فيها مع الله؟ إنّ أعمالنا جميعاً ما لم نكن على وعي فيها بما نحن نكون فيه حاضرين مع الله قصداً، فلن نجد لها ثمرة باقية، فلماذا كل هذا الوهم الذي يلفنا لفاً غير مبارك فيه من أخمص القدم إلى أدق الشعرات؟

الضمير فينا مفقود أو يكاد، والخير الذي نزعمه محققاً مجرد سَراب، فلا هو كائن ولا يكاد، وكلنا يكيد لأخيه ألوان المكائد؛ ليظفر في النهاية بما يظفر به كل معتد أثيم.

ومداد بعض الكتاب لا كلهم، ويا حسرتاه على مداد بعض الكتاب، يجرى ولكأنه ما جرى ولا سال: يتسألون: فيمَ هذا العناء؟ والناس هى هى الناس، والأخلاق هى هى الأخلاق، والشرور والمكائد والتحاسد والتباغض والظلم والقهر والعدوان وأكل الحقوق بالباطل هى نفسها منذ هبط آدم عليه السلام على هذه البسيطة إلى يوم الناس هذا؟ والثمرة المرجاة جنيها وتحصيلها لم يحن موعد قطفها لا تتحقق في هذه الدنيا؛ لأن حينها لم يحن بعد، لكنما تحققها في يوم لا ريب فيه: لا ريب في ذلك اليوم عندنا. يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. يا ألطاف الله على هذا القلب السليم.

من أين لنا بحفظ السلامة له على الدوام ومعناه مشتق من لفظه: من التقلب وعدم الثبات؟ فإذا لم يكن وراء القلب توفيقٌ من الله فقلَّ أن يكون قلباً سليماً. ونحن نعلم أن سلامة القلوب في تعلقها بخالقها، وفي تحققها بهذا التعلق، ولا يحفظ القلب حافظ ما لم يكن حافظاً ذكر الله في لبِّه قبل غلافه وفي جوفه قبل قشرته ناهيك عن التفكر في طلبه.

الحقيقة ليس هناك أحفظ للقلوب من ذكر الله والفكرة فيه على الدوام، فلئن تيسر هذا المطلب فهو الخلاص من شرور الحياة. لكن الذكر له تبعات يتصورها بعض الذين ينظرون إلى تراثنا الروحي نظرة سطحية خاطئة عوجاء: إمِّا أن تهمل هذا العالم الذي تعيش فيه إهمالاً تاماً، لا عودة لك إليه، وتبقى على الدوام في غيبة دائمة فيما يشبه الفناء في المذكور. وإمَّا أن تكون مع المخلوقين تعيش دنياهم وتحاول أن تصلح ما فسد منها فلا هم بمنصلحين، وتشارك رغماً عنك أهواءهم، وتتلقى ما يتلقونه من أمراض وآفات وآلام وحسرات، ولا وسط. هكذا يتصور الذين ينظرون من عوج وتسطيح إلى تراثنا الروحي نظرة أقرب إلى تسطيح المفهوم ثم يخرجونه عن أخص خصائصه: الوسطية والاعتدال.

في ذكر الله تبعات التغيير كلها من أول اللفظ باللسان إلى هاته الحلاوة التي ينشئها الفناء في المذكور تماماً كما أن الفكرة فيه على شرط المعرفة الثالثة تبعة إصلاح الفكر الديني والمعرفي وأولاها وأهمها: نبذ التقليد ودحر عادة الإتباع للآخرين. فالإسلام الذي حفظ قلوب المسلمين بذكر الله وسط أخلاقه بين إفراط وتفريط.

ولا شيء يحفظ للعبد حياته من سائر الأمراض والآفات والآلام غير الطمأنينة الناشئة من مواهب المذكور وألطافه وعطاياه؛ وغير التأمل الصادر عن موحيات القرآن. في هذه الطمأنينة المحبَّبة إلى قلوب الذاكرين وفي ذلك الإيحاء الصادر عن الكتاب الكريم؛ تبعات التغيير تتحول بها النفس من نمط في الحياة إلى نمط آخر صالح لفك العلاقة المحجوبة بين الدنيا والآخرة، فإن لم يكن لك في هذه الدنيا حظ ولا نصيب، فجزاؤك هناك في عالم الآخرة محفوظ القيمة متوّج بحسن المثوبة بغير بخس ولا رهق، ويكفيك من موفور الجزاء في هذه الدنيا أنك إذا ذكرت الله متحققاً بجلالة المذكور توهجت فيك أنوار الألطاف وأطمئن من ثمَّ قلبك. ألا فلنذكر الله على الدوام فبذكر الله وحده مُفْرَدَاً تطمئن القلوب.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

مجدي ابراهيموتجيء حلاوة القرآن - بعد الحضور والفهم - لتشكل ثالث الأركان فيما لو نفذت في الضمائر حقيقةً لهَانَ معها كل خطب جسيم ولهَانَتْ الدنيا على طلابها بكل ما فيها ومن فيها وهى حلاوة تَذَوَّقَهَا المقربون وكادوا أن يصفوها، ولكن ليس مَنْ وَصَفَ كمن ذَاَقَ.

روى أحد سادات العارفين عن درجة المُقرَّبين هذه تعظم فيها الحلاوة ولذة المُناجاة: أن بعض الحكماء قال كنتُ أقرأ القرآن فلا أجدُ له حلاوة، حتى تَلَوْتُهُ كأني أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوهُ على أصحابه ثم رُفعْتُ إلى مقام فوقه كنتُ أتلوه كأني أسمعه من جبريل عليه السلام يُلقيهُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء الله بمنزلة أخرى فأنا الآن أسمعه من المتكلم به فعندها وجدتُ له لذة ونعيماً لا أصبر عنه".

ولك - إنْ شئت - أن تلاحظ مثل هذا التطور الروحي والتَّدَرُّج في أنماط الإدراك فلا تستغرب على هذه (الحالة) وجودها لدى مَنْ يتذوقها فيدركها إذا هى كانت مفقودة لديك فليس كل ما لا تناله مداركك هو في حكم العدم.

ولقد سبقت الملاحظة بأن الذاتية الخاصَّة للقرآن تفرضُ نفسها، بحيث تأتي فتعْبُر هذا الوجود المغلق المحسوس إلى الوجود الروحي المفتوح الذي لا حدود له ولا قيود؛ لأنه الوجود الذي يتعلق بسَبَحَات الفكر وطلاقة الروح هو وجود من باطن النفس والضمير، يمضى معه وجود الإنسان الروحي في فهم آيات القرآن فلا يقصرها فقط على ظاهر ما يفهم من مدلولها الخارجي، بل يغوصُ بها في أعمق أعماق ذاته ليستشرف خلالها مقاصد القرآن داخل هذه الذات، لكأنه يتنزَّل عليه هو كما كان يتنزَّل على سيد الخلق؛ صلوات ربي وسلامه عليه؛ فيترجم ترجمة واعية بما في مستطاعه مثل هذه التنزّلات الإلهية تعليلاً وإخباراً بالأحوال النفسية التي لازمته والمنازلات الروحية التي اعترته ساعة أن هَبَّ عليه التنزيل ذَوْقاً له من واقع الحياة الجُوَّانيِّة الباطنة ما لم يكن موجوداً في واقع عاشه أحدُ غيره ولا أختبره إنسان سواه.

وقد تعظم الحلاوة في باطن المتلقي فتؤثره لتشكل مصدراً لتوجهات الفكر والنظر والحياة على وجه العموم؛ فلا يكتفي قارئ القرآن بما تتركه موسيقاه الداخلية في نفسه، ولكنه يمضي بها لتكون مصدراً لأنظاره الفكرية وتوجهاته المعرفية سواء. وليس يشك باحث في الفكر الإسلامي والحياة الإسلامية في أن القرآن كان "نقطة انطلاق" المسلمين؛ إذ اتجهوا إليه بالمباشرة يقرأونه ويتدبرونه. والقرآن "حمَّال أوجه" يعطي لكل "الوجه الذي يريد". ومن هذا التدبر وهذا التفكر في أعماق النص الإلهي لاحظ المرحوم الأستاذ الدكتور علي سامي النشار- أن الفكر الإسلامي بدأ ونشأ بالقرآن: اختلفت الطرق بالناس ولكن الأصل واحد: هو القرآن. والحياة الإسلامية ليست سوى التفسير القرآني: فمن النظر في قوانين القرآن العملية نشأ الفقه. ومن النظر فيه ككتاب يضع الميتافيزيقا نشأ علم الكلام. ومن النظر فيه ككتاب أخروي نشأ الزهد والتصوف والأخلاق. ومن النظر فيه ككتاب للحكم نشأ علم السياسة. ومن النظر فيه كلغة إلهية نشأت علوم اللغة ... الخ. وتطور العلوم الإسلامية جميعها إنما ينبغي أن يبحث في هذا النطاق: في النطاق القرآني نشأت، وفيه نضجت وترعرعت، وفيه تطورت، وواجهت علوم الأمم تؤيدها أو تنكرها في ضوئه" (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام - جـ1- ص227).

وعندي أن هذه وجهة نظر صائبة تماماً بل وتستحق الاحترام من باحث ممتاز له قدره وله أثره على الفكر الفلسفي الإسلامي ولكن .. هل كانت النشأة كالتطور؟ وهل كان القرآن بالفعل في مراحل التطور هو المقصد الأوحد الأسمى للفكر الديني والحياة الإسلامية؟ هل كان هو المقدَّم دائماً على أية أغراض سياسية، أم لعب به السياسيون كما أغلقه الفقهاء على ما يفهمون منه وحجَّر المتكلمون معاني آياته بجفاف أنظارهم العقلية؛ فدخلت فيها الأهواء البشريّة التي ليست مُلزمة لأحد لا في عقيدة ولا في دين؟

من ذلك ترى؛ أن مستند العقل في تحصيل العقيدة الصالحة - بل وينبغي أن يكون مستنده على الدوام بعد هذا كله - هو مضمون القرآن الكريم ذلك المضمون الذي يمثِّل عندنا وحدة لا خلاف عليها إذا هى أصابت هذا المضمون في ذاته ووقفت عليه في جوهره وتمثلته حتى الرمق الأخير.

ولستٌ أشك لحظة واحدة في أن المرجوع الفكري لالتماس الوحدة يتحقق عندي في مضمون القرآن الكريم؛ فيما لو كنَّا على التحقيق تمثلناه وتذوقناه وتعاملنا معه على أنه الأصل الأصيل والمنبع النقي الصافي الوضئ، وفيما لو كنا من أهله حقيقة لا مجازاً، وعلى قدره فعلاً وعملاً؛ لا أن نطوِّعه نحن ليكون هو علي أقدارنا، وأقدارنا كلها في الغالب نفوس ملوثة ومآرب وضيعة ومقاصد ساقطة.

فكل ما يقام على المضمون من شروح وتأويلات وتفسيرات وتخريجات؛ تٌدعِّم حركة الفكر في المذهب وتنسى المضمون؛ فهو عرضة للخلاف والاختلاف وإثارة القضايا البالية والمناقشات الزائفة والمجادلات النظرية التي ثبت على مدار التاريخ فشلها، عرضة للتفرقة والتَّمزٌّق والاحتكام إلى الشهوات العقلية، عرضة لجعل القرآن مادة مُوظَّفة لخدمة الأغراض السياسية ليس إلاِّ !

هذه الفٌرْقةٌ المذهبية كانت ولا زالت السبب الأول في اختلاف المسلمين وتمزقهم وتفتت شملهم في ماضيهم وحاضرهم؛ لأنهم ورثوا عن أسلافهم وجهات من الاختلاف والتباين تشكَّلت في مواقف أوْدَت بهم إلى انقسام العقيدة إلى أصول مذهبية وطائفية هذا فضلاً عن قلة تشكلها وتكوينها في البدء قبل الانقسام.

وأعني بقلة تشكٌّلها وتكوينها ضعف الإيمان أساساً؛ فقد كان الخلاف السياسي حول مسألة الإمامة قديماً أكبر طعنة وجِّهت إلى إيمان كثير من المسلمين في ذلك الوقت فأوْرثت الأجيال تلو الأجيال انقساماً وتمزقاً وَوَهَناً في العقيدة لا يزال أثره باقياً إلى اليوم يشاهده الناس في الفٌرْقة المذهبية والتعصب الطائفي. وقد أشار ابن خلدون في مقدمته إلي ضعف وازع الدين الذي كان سبباً في خلاف المسلمين قديماً حول مسألة الإمامة في الرواية التالية:

"سأل رجل علياً رضى الله عنه: ما بالُ المسلمين اختلفوا عليك ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر؟! فقال: لأن أبا بكر وعمر كانا واليين على مثلي وأنا اليوم والٍ على مثلك". ويعقب ابن خلدون على تلك الرواية قائلاً: ويشير علي بن أبي طالب رضى الله عنه إلى ضعف وازع الدين.

ولمّا كانت "الفكرة" الإسلامية تنصب في المقام الأول على المجتمع بحيث تظهر تلبية لحاجات الجماعة الإسلامية، سياسية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية، وأضف ما شئت إلى هذه المطالب التي يحتاجها المجتمع الإسلامي، صارت بالضرورة غير مفصولة جوانبها النظريّة عن العملية فلا يوجد "نظر" خالص في الإسلام فالنظر الخالص يخالف روح الدين الإسلامي، ولكن النظر مقرون بالعمل لهو الأساس المعتمد حتى إذا ما تغيِّر هذا الأساس الثابت لتغير الظروف والأوضاع أو لتغير القناعات والأحوال وجدَّت في الأمور أمور فرضتها تقلبات السياسة، واستغلال حلاوة القرآن لدغدغة مشاعر المؤمنين، وأمواج التلاعب بالعقول والأفئدة والضمائر وأحياناً كثيرة التلاعب بمقدرات الأمم الحياتية وقيمها الباقية، كثٌرت - من أجل ذلك كله - التفرقة وكثر التمزٌّق وكثر الخلاف.

فإن التناحر اليوم - كما كان بالأمس - بين الشيعة والسُّنة مردَّه إلى خلاف فكري في وجهة النظر سرعان ما تطوَّر فأصبح عقيدة فانقسمت العقيدة إلى مذاهب وتحوَّل التنازع بصددها إلى تنازع طائفي يُحيي العصبية القبلية التي كان الإسلام قد أطفأ وقدتها من قبل. ثم أنه في النهاية خلاف فكري هو من جملة ما يٌقامٌ على القرآن من شروح وتأويلات، ناهيك عن الخلاف الذي كان قائماً في القديم والذي يمثل مواقف حاسمة بين المعتزلة والجبرية من جهة وبين الأشاعرة والمعتزلة من جهة ثانية أو بين الفلاسفة والصوفية من جانب وبين الصوفية والفقهاء من جانب آخر: خلافات مذهبية في تفاصيل أصولية وفرُوعِيَّة ممّا لا حصر له ولا عدَّ هى كلها من جملة ما يُقاَمُ على القرآن، شكلاً ينقصه المضمون.

لم تكن تلك الخلافات يومها تستشعر نبض القرآن في تشكيل مجتمع حييِّ وفعَّال، وفي خلق أناس قادرين - بحكم تعاملهم مع القرآن - على اكتشاف الحق الجديد؛ لأنها ببساطة كانت خلافات مذهبية يهمها في المقام الأول الانتصار على الخصم وترقية الميول السياسية وتدعيمها وتعزيز حركاتها وتطلعاتها؛ لتلعب اللعبة السياسية الدنسة فرتقي فوق ترقية النفوس والقلوب والضمائر والأذهان.

لم يكن يعنيها القرآن في شيء لا بل كانت قريبة منه غير أنها في نفس الوقت كانت بعيدة كل البعد عنه؛ وبمقدار قربها من القرآن كان بعدها عنه لم يثيروا خلافاً حول نصوصه الدينية من فراغ ولكنهم أثاروها للمجد الزائل والملك العضوض.

وعليه؛ فإن المرجوع الفكري إلى المضمون لا يمثل خلافاً بل يمثل وحدة. والجمع بين التفرقة مردَّه إلى "العودة للنبع الصافي": النبع الصافي بكل ما في هذه الكلمة من بساطة وعمق وبكل ما فيها من تربية وتهذيب وبكل ما فيها من ترقية وتوجٌّه وتسليك. النبع الصافي بعيداً عن عبث التوجُّهات الفكريّة المرهونة بزمانها ومكانها. النبع الصافي الذي لا يغيض ولا يٌخْلق على كثرة الرَّد. النبع الصافي تلك الحلاوة وتلك الطلاوة في أطيب معني وأكرم جوار: القرآن من حيث كونه مضموناً لا شكلاً ومن حيث ذاتيته الخاصَّة لا من حيث ذاتية غيره وخصوصَّية سواه.

لم يعد حاضر المسلمين اليوم بحاجة إلى مثل هذا النزاع العقلي أو ذاك الصراع الفكري؛ هم بحاجة إلى استخلاص حلاوة القرآن في بؤرة الشعور العام والوصول إليها لتكون مصدر وحدة لا منبع خلاف. هم بحاجة إلى الروابط الشعورية التي تصل الكثرة بالوحدة وتربط البصائر المستنيرة بالأهداف العلوية الخالصة؛ لتستقيم قيم الحياة بغير تفرقة تقود الأمة إلى التمزق والشتات.

هم بحاجة إلى التضامن والتآلف والوحدة والإتحاد. هم بحاجة إلى إحياء الروح الإلهي الخالد من لوثة الخلافات المذهبية. هم بحاجة إلى الوقوف على أيديولوجية صلبة ومتينة تستقي روافدها من"القرآن"؛ وبغير خلاف ولا عوج في التأويلات والتفسيرات والتخريجات؛ فكل تفسير أو تأويل أو تخريج إنما يعَدُ اليوم ترفاً فكريّاً لسنا نستطيع تحمل عواقبه وأمامنا تحديات مرهبة وعنيفةً؛ ناهيك عن مثل هذه التدخلات الأجنبية في الشئون الداخلية لمعظم بلداننا العربية والإسلامية وضرب الإسلام عمداً في عقر داره.

لكن مرجوعنا إلى النبع الصافي لهو هو الوحدة التي يجتمع حولها المختلفون ويتآزر عليها المتناحرون المتصارعون من أجل لا شيء؛ لا بل من أجل وهم كبير تعشعش في الأعماق وطمع مريض تسلط على النفوس والقلوب فضلاً عن العقول والبصائر حتى أعماها عن نور الحقيقة، فلم تعد تدرك مدارك الذين يؤمنون؛ فيعقلون !

فالفروع التي كانت مدعاة للتفرقة أصبحت اليوم من أصول الخلاف؛ والأصول التي كانت عقائد تأسيسية للعقيدة الإسلامية فكراً وفلسفة وعملاً وشعوراً وعاطفة؛ تناسيناها وهجرناها فإذا عدنا إليها اليوم حمَّلناها ما لم تحتمل: مسؤولية الأهواء البشرية والخلافات الفكريّة وأغراض السياسة ونظم الأطماع المرسومة المقننة، حتى ليقال لنا: عليكم لكي تتقدّموا و تلحقوا بالمتقدِّمين في دنيا التقدَّم أن تهجروا عقائدكم التأسيسية؛ فإن المضمون الديني (القرآن) لهو السبب في تخلفكم عن ركب الحضارة! وتلك هى أخطر لمحة فكرية، بل أخطر وسوسة شيطانية دوَّنها أولئك الذين قلَّدوا الغرب تقليد القرود جرياً وراء مزاعم التحديث.

آفة هذا الزمن اللعين - زمن الغفلة الواصبة والدعوى العريضة بغير دليل - هى العبث الفكري بمضامين القرآن وقراءته قراءة تاريخية أو علمية؛ مع أنه ليس كتاب علم ولا كتاب تاريخ، ولكنه كتاب "عقيدة " يخاطب الضمير ويتوجَّه بالإنسان إلى تقدير "الإيمان". وخيرُ ما يُطلبُ من كتاب "العقيدة" في مجال العلم - كما قال المرحوم الأستاذ العقاد -:" أن يحثَّ على التفكير ولا يتضمن حكماً من الأحكام يشل حركة العقل في تفكيره أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم ما أستطاع حيثما أستطاع". إن وجدان الحلاوة في القرآن الكريم ليعطي المساحة الفاصلة الفارقة على مستوى الشعور ومستوى التفكير بين تمثيله للمقاصد الدنيوية البالية، بمعنى استغلال حلاوته التي ترقي الشعور وتذهب الحماسة الروحيّة وتدفعها إلى مجاوزة التوجهات الدنيئة، وتمثيله للحقيقة الإلهية التي تطلب لذاتها قصداً مباشراً ولا تطلب لسواها كيما يتصل خلالها العبد بعالم أسمى فوق ما هو ظاهر محدود. 

 

 بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

مجدي ابراهيموقفنا في المقالة السابقة عند إشارة السَّهْرَوَرْدِيّ الكاشفة: "أقرأ الكتاب بوجد وطرب وفكر. وأقرأ القرآن كأنه نزل في شأنك". ولم تكن تلك الإشارة إلا تجربة عاشها قائلها، فكأنما كانت بالفعل هى حياته، عاشها وتمثلها حتى الرمق الأخير، فصدرت عنه كما لو كانت قطعة من روحه، فاعلة ومؤثرة. وختمنا المقالة السابقة بفعل الطرب العلوي واللذة الروحانية تنشأ من القراءة على بصيرة؛ فكانت أبيات ابن عربي التي رأيناها فيما تقدَّم. وقلنا إن الوجد والطرب والفكر مجتمعة خصائص للذاتية الخاصَّة للقرآن يتقدّمها الفهم فيأتي الطرب والوجد فيساوقا ذلك الفهم الذي تقدّم : تعرفها الحالة الروحيّة ويكتشفها في نفسه المتحقق بها، يقاربها، ويتذوقها، ويستشعر آفاقها المتسعة بين ضلوعه وجوانحه، وتكون مع ذلك كالطلاسم المُبهمات لمن لا يدرك لها معنى ولا يصيب منها تحقيقاً (ولكل درجات ممّا عملوا).

وقد يترادف الفهم تحقيقاً مع الفكر، ويقابله مقابلة الشبيه مقابلة واضحة لا غموض فيها. وبما أن الشبيه يدرك الشبيه كما يُقال؛ فالفهم يدرك الفكر ويؤدي إليه من أقرب طريق، ويمدُّ الفكر الفهمَ بأواصر القربة لا محالة؛ فما الفكر هنا إلا الفهم. وما فكر إلا من فهم، وعن الفهم تصدر حالات الوجد والطرب، ولا تصدر مطلقاً بغير فهم ولا تفكير.

فالذي يطرب لمعنى آية من آيات التنزيل هو بلا شك كان قد فهمها في السابق فاتسع معناها لديه من كثرة التفكير فيها فطرب لها شعوره وَوَجِدَتْ لديه قواه الباطنة.

ومن هنا جاء الوجد علامة رُقيِّ الفهم الذي يصحب حالات التلاوة على الحضور. فالوجد والطرب حالتان في باطن النفس يتقدمهما الفكر أو الفهم ولا تتقدم هاتان الحالتان على الفكر أو الفهم بوجه من الوجوه؛ فالذي يجد ويطرب لا يجد ولا يطرب من غير فهم ولا فكر، ولكنه يفهم أولاً، أي يفكر ثم يطرب لما عساه يفكر فيه، وهو لا يطرب حين يطرب لغير فهم سابق ولا تفكير متقدّم، وإلا سيكون طربه عرضاً لحالة مجهولة غير مفهومة ولا معلومة؛ لأجل ذلك كان العلم في القرآن بداهةً مقدّماً على ما عاداه، وكانت المعرفة سابقة على الوهم الذي يعجز معه الاستبصار ؛ إذْ ذاك يطرب الواجد لمعنى يحسّه في قواه الباطنة بعد أن يكون قد فهمه وفكر فيه؛ ليتسق الفكر مع الشعور فلا يوحي بتناقض يفصل الحالة عن الفكرة.

الفكرة في القرآن سابقة والحالة لها تابعة ما في ذلك شك، ولا يحدث العكس أبداً؛ لأنه إذ ذاك يلغي الفكر والعلم والفهم وكل المفردات التي تقوم عليها المعرفة وتستند القيم العليا للإنسان عليها، وتبطلها من أساسها، ليس هذا فقط بل وتقدَّم الجهل والخرافة والوهم والتضليل على العقل والنور والذوق والاستبصار .

تقودنا إشارة "السَّهْرَوَرْدِى" الكاشفة إلى نصِّ هو من الأهمية بمكان سَبَقَ أن ذكرناه : كان "الزَرْكَشِي" شَرَطَهُ في "برهانه" حيث قال:" أصلُ الوقوف على معاني القرآن التَّدَبُّر والتَّفَكُّر. واعْلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي حقيقةً، ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة وفي قلبه بدعة أو إصرار على ذنب، أو في قلبه كِبْرِ أو هوى، أو حُبّ دنيا، أو يكون غير متحقق الإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو معتمداً على قول مُفَسِّر ليس عنده إلا علم الظاهر، أو يكون رَاجعَاً إلى معقوله، وهذه كلها حُجُب وَمَوَانع، وبعضها آكد من بعض...".

سَبَقَتْ الإشارة إلى أن فهم القرآن هو أول ما يُقَابلنا؛ ليُشكل بجانب الحضور أركان الذاتية الخاصَّة للقرآن، وإنما المُرَادُ من فهم القرآن أن تريده وحده هو عينه المُراد من الخاصة الذاتية له، وفي تلك الخاصَّة الذاتية بشرى ورحمة:" فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب" (سورة الزمر: آية 17- 18). فإذا وصفهم - سبحانه - بأنهم أولو الألباب، كان هذا الوصف وصفاً على المدح العاقل لفهم، من جانبهم، للخاصّة الذاتية في استماع القول وإتباع أحسنه؛ فهو من جهة حدَّد الإطار النظري في كلمة "استماع القول"، ومن جهة أخرى قرن النظر بالتطبيق توخِّياً للفاعلية العملية (= المعاملة)، أي جَعْل القول مناط العلم أولاً؛ ثم العمل والسلوك في المسارعة إلى مَحَابّ الله وتجَنّب مساخطه.

هذه إرادةُ مُغيِّرة تأتي كما لو كانت لبنة جذرية وأساسية تشكِّل ذاتية القرآن الخاصة، إذْ تستحقُ الوصف بالهدي مدحاً غير منقوص ووصفاً بالعقل الذي هو اللب. وذلك ضربُ لا شك فيه من الاعتقاد السَّاري في فهم القرآن على الصفة المَخْصُوصَة بذاته لا بسواه؛ ولذاته لا لغيره، من أجل ماذا..؟! من أجل "إرادة التغيير".

ولقد سبقت الإشارة في الحضور أنه ذو دلالة على "قوة في العقل يتولد عنها ذكاءُ الذهن فيقوى الفهمُ ويستبينُ فيه اليقين، ويصفو من ثمَّ مع استبانة اليقين؛ يصفو الذكر مع قوة الفكر في آي القرآن. واعتبرنا أن هذه الخاصَّة الذاتية التي تترتب على الحضور من موروثات الممارسة ومن ثمار المعاناة في ممارسة الحضور دوماً وفي غير سَهَيَان، وقلنا إن من شأنها أن تتغلغل في عمق داخلي "جُوَّانيِّ" يراها من يطبقها، لا بتعلم ولا باكتساب؛ بل بهزَّةٍ لدُنيَّةٍ مُفَاضة فيضاً من عند الله : فَيْضُ في فضل، وفضلٌ من فيض:" قُل بفضل الله وبرحمته؛ فبذلك فليفرحوا هو خيرٌ ممَّا يجمعون" (سورة يونس: آية 58)،

ولم نكرر هذا المعنى من جانبنا إلا لأن شرط الحضور يرتد بداية إلى التعلُّم والاكتساب كيما يكون "الفهم" بداية معرفة بأولوَّيتها على غيرها، وأن يجيء "العلم" شروعاً في التطبيق لذاته لا لغيره، أي شروعاً في تحويل النفس من مكانها الذي اعتادت أن تقف عنده، ولا تتجاوزه ليجيء"التحويل" دليلاً على وضوح السبيل من طريق فهم القرآن.

ثم إن الدلالة الجُوَّانِيَّة الباطنة صارمة في فهم القرآن، وهى دلالة تتأتى مؤكداتها في ملكة الوعي: الوعي بالإقبال على الله بصدق، ثم ارتقاء الوعي في الرغبة لفهم كتابه باجتماع هَمِّ هو بالضبط ضد غفلات التعطيل؛ لأن التعطيل في أول مقام ضد الحضور، والحضور كذلك في أول مقام معناه إزاحة القلب عن التعطيل من طريق فعل الهِمَّة وبقاءه دوماً في حيوية روحيّة وحركة فاعلة، واستمرار هذه الحركة عاملة في وجدان صاحبها. وحضور القلب يأتي ليكون معناه إزاحة التعطيل عن الفهم، حتى إذا ما ثُقِلَ فهم القرآن أو صعب؛ فإن مَرَدَّ ذلك إلى الوهم الذي يربض غائراً في جوف الوعي تحت ظلمات التعطيل.

هنا أشير إلى شذرة لافتة للانتباه جديرةٌ بكل آيات التأمل، هى من شذرات الأستاذ الإمام الشيخ "محمد عبده"، المجموعة عنه من قِبَل تلميذه رشيد رضا؛ تقول الشذرة المُلفتة للنظر:" إنَّمَا يُصِّعب القرآن توهُّم أنه صَعْبُ، وكلما أدخل الإنسان على نفسه الصعوبة صعُب عليه، وكلما مَكَّن نفسه من الفهم مَكَّنَه اللهُ منه".

ولتلحظ التعطيل هنا كامنٌ في الإنسان نفسه لا في القرآن؛ في التَّوهُّم الذي يُحيط به من جميع أقطاره من جهة، ومن جهة ثانية في دخوله الصعوبة على نفسه من أجل تراكم ما استقرَّ في أعماقها من آفات وأباطيل هى الموانع الصارفة عن الفهم والحاجبة له عن مدراك الخطاب، والداخلة بالإنسان من حيث لا يشعر في مزالق التعطيل.

إذا ثقل فهم القرآن أو صَعُبَ؛ لأسباب يستشعرها ذلك الذي يجد في نفسه ثقلاً أو صعوبة؛ فالتعطيل في طليعة هذه الأسباب : تعطيل القلب عن الحضور وعن الفهم:" ولو عَلمَ الله فيهم خيراً لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون" (سورة الأنفال: آية 23).

على أن السماع ها هنا يترادف مع الفهم، وعدمه أيضاً مُرادفٌ لعدم الفهم، فلو علم الله فيهم خيراً لأفهمهم، ولكنهم لمَّا ضيَّعوا الفهم واستبدلوا به التعطيل ليجيء صارفاً من صوارف الغفلة على عادة التوهم المرذول، كانوا عن الفهم بالقطع الذي لا مرْيَة فيه عاطلين؛ وكانت:" لهم قلوبٌ لا يفقهون بها، ولهم أعينٌ لا يبصرون بها، ولهم آذانٌ لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل؛ أولئك هم الغافلون" (الأعراف: آية 179).

فمن تمام الغفلة فيهم أن قلوبهم مقفلة، وعيونهم غير مُبْصِرة، وآذانهم صَمَّة لا يسمعون بها؛ لأنهم كانوا أغلقوا منافذ السَّماع (= الفهم) فحَجَبَهُم بالغفلة عن فقه الأفئدة، بمقدار ما انطمست لديهم الرؤية وأظلمت من الباطن على الحقيقة أنوار القلوب.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيإذا كان تاريخ الإسلام لم يعرف نظام الكنيسة التيوقراطي، فإن تيوقراطيته الخاصة كانت تقوم في المحاولات القديمة والجديدة لاستلهام نموذج الممارسة النبوية على أنها المثال الضروري الدائم لكل فعل إسلامي سياسي حق. بينما لم يعن الأخير في تقاليد الإصلاحية الإسلامية سوى ما هو أصلح. وهي النتيجة المتجلية في آرائها ومواقفها العقلانية تجاه مختلف قضايا الدولة والمجتمع والأصالة. أما بالنسبة لعلي عبد الرازق فإنها اتخذت صيغتها المناسبة في دحضه غير المباشر لسلفية محمد رشيد رضا عبر إرساء رؤية عقلانية عن طبيعة العلاقة الواجبة بين الديني والسياسي في الماضي والحاضر. ذلك يعني، انه سار في تيار الإدراك العملي السياسي لمهمات بناء الدولة المعاصرة من خلال نفي التأسيس الأيديولوجي لتيوقراطية الماضي والحاضر والمستقبل، وليس عبر دراسة التاريخ الواقعي بمعايير الموضوعية الخالصة. من هنا تأكيده المتكرر على انه لا زعامة دينية في الإسلام. وإن "الله لا يريد لهذا الدين الذي كفل له البقاء أن يجعل عزه وذله منوط بنوع من الحكومة وبصنف من الأمراء، ولا يريد الله لعباده المسلمين أن يكون صلاحهم وفسادهم رهن الخلافة ولا تحت رحمة الخلفاء"[1]. وإن ممارسة النبي لم تكن تسعي لإقامة دولة بالمعنى المتعارف عليه. ولم تسع لبناء ما يسمى بأركان الدولة. وإن أركان الدولة "هي إصلاحات عارضة وأوضاع مصنوعة وليست في الواقع ضرورية لنظام دولة تريد أن تكون دولة البساطة وحكومة الفطرة"[2]. وإن "الحكومة النبوية تخلو كليا من أركان الحكومة المدنية"[3]. وإذا كانت السلطة الدينية للنبي محمد تستلزم بعض من السلطة السياسية، فإنها مع ذلك لم تكن حكومة ملكية. إذ لم تكن أفعال النبي ومساعيه تشير إلى أنه كان ملكا أو مؤسسا لدولة أو داعية إلى ملك[4]. وبالتالي، فإن حكومة النبي تتميز بصفات خالصة ونموذج فريد. فهي حكومة تربط الظاهر بالباطن والعلاقات الأرضية بالمساوية وتدبير أمور الروح والجسد. من هنا شمول حكمه وطاعته بفعل تطابق الرئاسة والسلطان في ولاية النبي على المؤمنين. مما أعطى للسلطة النبوية خصوصيتها المقدسة التي لا تتشابه في شيء مع الملوكية أو النظام السياسي. ودفع بهذا الاستنتاج صوب نهايته المنطقية من خلال وضعه في خطوط بيانية مقارنة بين ما اسماه بالحكم النبوي (الديني) والحكم المدني (السياسي). فالحكم النبوي هو ولاية روحية بينما المدني ولاية مادية. وإن الأول هو هداية البشر إلى الله، بينما الثاني هو تدبير مصالح الحياة وعمارة الأرض، والأول هو لله بينما الثاني للدنيا. والأول هو زعامة دينية بينما الثاني زعامة سياسية.

إن هذا الخلاف الحاد أو المواجهة المتعارضة بين الحكم الديني والمدني أو الديني والسياسي لم يعن في آراء علي عبد الرازق سوى مواجهة الربط المعاصر للسياسي والديني في محاولاته للاستحواذ الجديد على قدسية الحكومة النبوية. بينما لم تكن الأخيرة معنويا سوى النموذج "الما فوق تاريخي" للوحدة الروحية باعتبارها المثال الأعلى للحرية الإنسانية في مساعيها السياسية ومحاكاتها التاريخية. إن تشديد علي عبد الرازق على فكرة روحية الإسلام وأخلاقيته، واستقلال السياسة وطابعها العملي، وتجرّد صلاح الدين أو فساده عن الخلافة والخلفاء، ما هو إلا الدعوة العقلانية لعزلهما بالصيغة التي تعطي للفعل الإنساني حريته في اختيار نموذج الدولة المعقولة. وبهذا المعنى أيضا لم يعن تنظيره لافتقاد إسلام الدعوة والرسالة إلى أركان الدولة سوى تأسيسه للفكرة ذاتها. لقد أراد القول، بأن الإسلام صنع الوحدة الروحية الأخلاقية للأمة. وإن الأمة حرة في اختيار نموذجها السياسي. أما الارتباط التاريخي للدين بالدولة أو الديني بالسياسي فهو ارتباط عفوي لا ارتباط عضوي.

من هنا مقارنته الدقيقة عن اختلاف الحكم الديني (النبوي) عن المدني (السياسي). فالتجربة التاريخية تكشف، كما يقول على عبد الرازق، عن أن المبايعة بالخلافة كانت بيعة سياسية ملكية عليها كل طوابع الدولة المحدثة. وأنها إنما قامت كما تقوم الحكومات على أساس القوة والسيف[5]. فالنبي محمد، كما يقول على عبد الرازق، ما تعرّض لشيء من أمر الحكومة بعده، ولا جاء للمسلمين فيها بشرع يرجعون إليه. ولهذا كان من الطبيعي والمعقول أيضا أن لا توجد بعد النبي زعامة دينية. وإذا كانت الزعامة لا دينية فهي ليست شيئا أقل ولا أكثر من الزعامة المدنية أو السياسية. أنها زعامة الحكومة والسلطان لا زعامة الدين[6]. أما الصيغة الدينية الملقاة على خلافة النبي أو حكمه فقد كان مرتبطا بأسباب كثيرة لا غير[7]. مما يعني ارتباط "الصبغة الدينية" الملقاة على الخلافة بأسباب خارجية وعفوية لا تستمد مقوماتها من الإسلام نفسه. فحروب الردة، على سبيل المثال، رغم صبغتها الدينية لم تكن في الواقع سوى حروب سياسية[8]. أما الصيغة اللاحقة لوحدة الدين والسلطان وأنهما توأمان، فقد كانت التعبير الأيديولوجي عن مصالح السلطان نفسه بما في ذلك جعل الخلافة جزء من العقائد. بينما الدين الإسلامي، كما يقول عبد الرازق، "بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون"[9]. وذلك لأن الخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية. ووضع هذه الحصيلة الفكرية السياسية في استنتاجه القائل، بأن الخلافة في تاريخها هي جزء من الخطط السياسية الصرفة التي "لا شأن للدين بها. وإن الدين لم يعرفها ولم ينكرها ولا أمر بها ولا نهي عنها. وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة"[10].

إن ربط العقل بالتجربة التاريخية، وبقواعد السياسة الخالصة لم يعن في آراء على عبد الرازق سوى التوليف الجديد للرؤية النقدية في تأسيسها لمشروعية البدائل العقلانية. وذلك لأن اعتبار الخلافة حكومة سياسية تضّمن في ذاته افتقاد مبرر وجودها العقائدي. وبالتالي، افتقادها إلى عناصر الوجوب الملزم حسب قواعد الدين المتراكمة عن فرض العين وفرض الواجب. فقد كان نقده للطابع الديني للخلافة يحتوي أيضا على محاولة نقلها من ميدان الكلام التقليدي وعقائده المتراكمة بحواشي الحواشي إلى ميدان السياسة الواعية. وعبر ذلك تحليل الخلافة كحكومة في إطارها التاريخي، بوصفها أحد نماذج التجربة السياسية الإسلامية، التي احتوت في الوقت نفسه على تمثل وتمثيل العقل النظري واستنتاجاته الملموسة في قواعد السياسة العملية للمسلمين في إحدى مراحل وجودهم الثقافي. ومن ثم يمكن النظر في هذا "القدر" باعتباره الشيء الذي حدد قدرها الثقافي المعاصر لا ضرورتها الدائمة. أما قدرها السياسي فقد تعرض منذ قرون طويلة إلى الانحلال والفساد. الأمر الذي جعل علي عبد الرازق يشدد على أنها كانت في أغلب تاريخها "نكبة على الإسلام والمسلمين وينبوع شر وفساد"[11].

ولم يقصد هو بذلك تطابق الخلافة مع الشر والفساد ولا لزوم أحدهما للآخر. وبالتالي لم تعن رؤيته لينبوع الشر والفساد فيها سوى النظر إليها بمعايير الرؤية النقدية العقلانية، أي النظرة الواقعية عن دورها التاريخي في تأخر العالم الإسلامي وانحطاطه السياسي والثقافي. وقد ربط علي عبد الرازق هذا الدور بواقع ترسخ وسيادة العناصر الدينية العقائدية للخلافة، وليس عناصرها السياسية الثقافية. مما حولها إلى لعبة بأيدي المماليك والعثمانيين لاحقا. إذ لم تعد الخلافة بنظره منذ منتصف القرن الثالث الهجري سوى دائرة ضيقة حول بغداد. بينما أخذت أطرافها تتساقط. في حين تهاوت نهائيا في منتصف القرن السابع الهجري بعد سقوط بغداد. بحيث بقي الإسلام كما قيل ثلاث سنين بدون خليفة. أما الاستحواذ السياسي الماكر من قبل الظاهر بيبرس وتنصيب رجل زعموا انه من فلول الخلافة العباسية، فقد حوّل الخلافة والخليفة إلى دمية بأيدي المماليك. وهو نفس القدر الذي لاقته على أيدي ملوك بني عثمان. كل ذلك جعل علي عبد الرازق يسخر منها ويتسائل عما إذا "كان في شيء من مصلحة المسلمين لدينهم أو دنياهم وجود تلك التماثيل والأصنام المحركة والحيوانات المسخرّة؟ وما هي ضرورة الخضوع الوثني للجلال الديني المزعوم في الخلفاء؟"[12]. وحدد هذا بدوره مضمون النظرة النقدية التاريخية للخلافة وحصيلتها القائلة، بأنه إذا كانت حقيقة الإسلام لا علاقة لها بالخلافة، فإن الخلافة ليست إلا صيغة سياسية لتجربة المسلمين التاريخية في بناء الدولة. ذلك يعني، أن حقيقة الخلافة بوصفها نظاما سياسيا اجتماعيا ثقافيا قد انحطّ وزال منذ القرن الثالث الهجري، بفعل انحلال التطابق التاريخي بين هويتها الثقافية وهويتها السياسية أو القومية (العربية) والدولية (الحكومية). وبالتالي ليس تبجيلها المزيف ما بعد سقوط بغداد سوى الأسلوب المناسب للمكر السياسي في تحصين دفاعها الديني، أي كل ما أدى إلى اتخاذها صيغة اللعبة السياسية وهيئة الأصنام المحركة والحيوانات المسخّرة، حسب عبارة علي عبد الرازق.

إن تحول الزيف التقليدي للخلافة إلى النموذج الأرفع في تحصين بنية الدولة الخائرة هو الذي أدى إلى جمودها الثقافي وانغلاقها الحضاري وانسداد آفاقها المستقبلية. وبهذا المعنى لم يعن انتقاده للخلافة ودعوته إلى إعادة النظر بكيانها التاريخي سوى إعادة النظر بتجربة الدولة ذاتها بالشكل الذي يؤدي إلى تلافي تقليدية الرجوع القهقرى. وهي الحوافز القائمة وراء تشديده على افتقاد أفعال النبي محمد لغايات السياسية. وإن هذه الغايات هي جزء من نظام أشمل لتوحيد الروح الأخلاقي لا بناء كلّه السياسي. وبالتالي، فإن استخلافه التاريخي لا يعني قدسية الخلافة، تماما بالقدر الذي لا يقلل مضمونها السياسي كما هي. على العكس أن قيمتها التاريخية تكمن في طابعها السياسي، وأن بؤسها التاريخي يقوم في ابتعادها عنه. فهي التجربة التي كشفت عن رجوع المسلمين الأوائل إلى العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة، أي تجاوز "الحكومة النبوية" الروحية إلى "الحكومة المدنية" السياسية. مما أعطى بدوره للإسلام على مستوى كيانه العقائدي والروحي حرية التجريب الدائمة، وللمسلمين اختبارهم الدائم.

فقد كانت الحكومة النبوية كما يقول على عبد الرازق، حكومة الفطرة أو التجربة الروحية للتاريخ. بينما أصبحت الحكومة المدنية (الخلافة) تجربة سياسية للتاريخ. وإذا كان في هذه الأخيرة ما هو زائد على الفطرة، فإن ذلك لا ينفي ضرورة الأخذ به. على العكس! من هنا توكيده على انه "لا ينبغي لحكومة ذات مدنية وعمران أن تهمل الأخذ به"[13]. وحصر هذا الأخذ بما اسماه بالمبادئ العملية الكبرى التي بلورتها ثقافة الإسلام الفقهية والسياسية بمفاهيم الاستحسان والاستصلاح وحكم الضرورة (حسب مبدأ للضرورة أحكام).

لكن إذا كانت هذه المفاهيم سابقا جزءا من تقاليد الفقه، فإن فهمها المعاصر يستلزم بالضرورة وضعها في إطار التوليف العملي لأحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة. ولا يعني ذلك من حيث مضمونه سوى فصل الدين عن الدولة، أو إبعاد الدين عن السياسة. ومن ثم ضرورة بناء الدولة على قواعد السياسة العقلية والأخذ بنظر الاعتبار انجازات المدنية المعاصرة. من هنا استنتاجه النهائي الذي استجمع فيه حصيلة (الإسلام وأصول الحكم) والقائل بأنه "لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها. وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوّا له واستكانوا إليه. وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية وأمتن ما دلّت تجارب الأمم على انه خير أصول الحكم"[14]. وليس هذا بدوره سوى الصيغة المعبرة عما أسميته بالتوليف الفكري النقدي والعقلاني لأحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة الحديثة.

إن الوحدة الجديدة للهدم والبناء هي وحدة الرؤية العقلانية الإصلاحية في نقدها لذاتها الإسلامية، أي تجاوز حدود واحديتها الثقافية السياسية إلى المدى الليبرالي والديمقراطي. بمعنى التعميق العقلاني للنزوع التحرري في تيار الإصلاحية الإسلامية صوب تماس الرؤية الاجتماعية السياسية بالرؤية الليبرالية الديمقراطية. وإذا كانت هذه النتيجة تحتوي في ذاتها على عناصر المجهول الثقافي، فلأنها كانت ترمي إلى بناء أسسه الفكرية الحقوقية في مشروع واقعي يؤسس لإمكانية التعددية السياسية. وإذا كانت هذه الأخيرة بدورها لم تحصل على تأسيسها النظري الواضح عند علي عبد الرازق، فلأنها كانت جزءا من تأسيس هدم الخلافة التقليدية واستبدالها بالدولة الديمقراطية. لهذا أكد في أحد ردوده حول ما إذا كان هو مستمرا على رأيه من عدم تقييد الإسلام لنظام الحكم بالخلافة، وما إذا كان من الممكن أن يختار المسلمون نظام الخلافة قائلا: "إذا رأت جماعة المسلمين في أن تكون الحكومة خلافة فالخلافة تكون حينئذ شرعية واجبة طاعتها فيما لا يخالف الدين. وإذا رأوا أن مصلحة المسلمين في أن تكون حكومتهم على شكل الخلافة المعروف فذلك الشكل الذي يختارونه يكون حينئذ واجبة طاعتها أيضا فيما لا يخالف الدين. وكل ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن"[15]. لقد أعطى علي عبد الرازق لهذه التعددية أبعاد قصوى تتجه صوب الإقرار بتعددية النماذج الدولية (النظم السياسية) للمسلمين وطابعها الشرعي من خلال اختيار ما هو صالح لشعوب العالم الإسلامي ويستجيب لإدراكها. وبهذا يكون على عبد الرازق قد استعاد الأفكار الجوهرية للإصلاحية الإسلامية عن وعي الذات الاجتماعي السياسي الثقافي، ولكن من خلال تركيزها في مسألة شرعية الدولة ونظامها السياسي. وهو استنتاج لم يعد جزءا من أحكامه السياسية الطارئة أو الحماس العارم في مواجهة الماضي المتهرئ، بقدر ما أصبح جزءا من تأمل المستقبل بمعايير العقل والتجربة والسياسة. بمعنى العمل من أجل تأسيس شرعية التعددية السياسية والفكرية دون فرض أفضلية هذا النظام أو ذاك. مما يعني تحويله مفاهيم الاستحسان والاستصلاح وحكم الضرورة إلى معايير كبرى ومبادئ نظرية وعملية. وبهذا يكون قد عزل فكرة الدولة عن همّ الأصالة وأوهامها، باحثا عما يمكن دعوته بتطابق الذات الثقافية مع هوية وجودها السياسي العقلاني. وبهذا يكون علي عبد الرازق قد وحّد انجازات الإصلاحية الإسلامية العقلانية ومساعي الروح الليبرالي الديمقراطي لبدايات القرن العشرين. مما كان يتضمن في ذاته التمهيد الأولي العميق لما يمكن دعوته بالدنيوية الإسلامية الحديثة، سواء في تياراتها السياسية أو الثقافية أو في وحدة توليفهما الممكنة في مشاريع البدائل المستقبلية.

 

ميثم الجنابي

.................

[1] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص47.

[2] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص73.

[3] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص73.

[4] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص80.

[5]علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص111.

[6] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص110.

[7] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص113.

[8] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص120.

[9] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص123.

[10] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص124.

[11] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص44.

[12] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص45-47.

[13] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص76.

[14] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص124.

[15] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص145.

 

منى زيتون‏يقول تعالى: ﴿‏وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏﴾‏ [يونس: 19]

‏فهو يقرر أن اختلافنا بمراده. يقول جل شأنه: ﴿‏وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏﴾‏ [النحل:93]

‏فقد هدانا النجدين، وأعطانا حرية القرار، ابتلاءً لنا. يقول ربنا: ﴿‏وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: 48]

ويؤكد أننا سنبقى مختلفين. يقول في محكم كتابه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: 118]

والتطرف بطبيعته يخالف التوسط، فهو يعني اتجاه الفرد إلى أحد الأطراف، مما يقتضي بالضرورة وجود طرفين على الأقل، ومن ثم فالخطوة الأولى في نشأة التطرف هي حدوث انقسام في الرأي حول إحدى القضايا الهامة، ولا أهم من قضايا الإيمان والاعتقاد.

كلنا يعلم كيف بدأت الفتنة الكبرى في عهد الخليفة الثالث سيدنا عثمان بن عفان، وكيف انتهت باستشهاده، وبالرغم من أن الأهداف السياسية كانت واضحة من وراء الحوادث إلا أن الباعث الأول إليها كان خروج الخليفة الثالث عن نهج الرسول صلى الله عليه وسلم والشيخين في الحكم، وهي أسباب دينية بالأساس. ثم خرج معاوية بن أبي سفيان للمطالبة بدم سيدنا عثمان، وبغى على خليفة المسلمين سيدنا علي بن أبي طالب مما لا خلاف عليه بين أكابر علماء المسلمين، عدا السلفية الذين يطيب لهم التوقف عن تقرير تلك الحقيقة، على عكس ما قرر الإمام أحمد الذي يدّعون الانتساب إليه.

ذكر ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ج 59، ص138‏) أخبرني أبو المظفر بن القشيري، أنا أبو بكر البيهقي،..... حدثني إبراهيم بن سويد الأرمني قال: "قلت لأحمد بن حنبل: من الخلفاء؟ قال: أبو بكر وعمر ‏وعثمان وعلي. قلت: فمعاوية؟ قال: لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان عليّ من ‏عليّ رضي الله عنه، ورحم الله معاوية" ‏أهـ. ونلاحظ عدم ترضي ابن حنبل على معاوية قياسًا بالخلفاء الأربعة، واكتفائه بالترحم عليه كونه من أموات المسلمين على عكس ما يظهره السلفية –مدعو الانتساب زورًا للإمام أحمد- من موالاة لمعاوية ورفض الاعتراف بخطئه، وأنه ومن معه كانوا الفئة الباغية.

كانت هناك ثلاث علامات هادية على أولى الطائفتين بالحق، ذكرها صلى الله عليه وسلم في صِحاح الأحاديث عنه، لتكون هداية لمن يريد أن يهتدي لا أن يتبع هواه. وأولى تلك العلامات أن عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية، وهي الجماعة التي خرجت عن طاعة الإمام العادل، وقد قتل حزب معاوية عمارًا، والثانية: أن فرقة مارقة تخرج على أولى الطائفتين بالحق، وتقاتلهم تلك الطائفة وتقتلهم، وقد خرجت الخوارج على حزب سيدنا عليّ، وقاتلهم عليّ وقتلهم، والثالثة: أن الخلافة ثلاثون سنة وبعدها المُلك، ولم تتم الثلاثون إلا بعد أن عزل سيدنا الحسن بن عليّ نفسه بعد أن بُويع بها، واستمر خليفة شهورًا قبل أن يتنازل لمعاوية.

روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين (2652)، أخبرنا إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي بالكوفة، ‏ثنا محمد بن عليّ بن عفان العامري، ثنا مالك بن إسماعيل النهدي، أنبأ إسرائيل بن يونس، عن ‏مسلم الأعور، عن خالد العرني، قال: دخلت أنا وأبو سعيد الخدري على حذيفة فقلنا: يا أبا عبد ‏الله حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة. قال حذيفة: قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: "دوروا مع كتاب الله حيث ما دار". فقلنا: فإذا اختلف الناس فمع من ‏نكون؟ فقال: "انظروا الفئة التي فيها ابن سُمية فالزموها، فإنه يدور مع كتاب الله". قال: قلت ‏ومن ابن سُمية؟ قال: "أو ما تعرفه؟" قلت: بينّه لي. قال: "عمّار بن ياسر". سمعت رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم يقول لعمّار: "يا أبا اليقظان لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية عن ‏الطريق". هذا حديث له طرق بأسانيد صحيحة، أخرج الشيخان بعضها، ولم يخرجاه بهذا اللفظ.‏

وفي صحيح البخاري (447) حدثنا مُسدد، قال: حدثنا عبد العزيز بن مختار، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، قال لي ابن عباس ولابنه عليّ: انطلقا إلى أبي سعيد –يعني أبا سعيد الخدري-، فاسمعا من حديثه، فانطلقنا، فإذا هو في ‏حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا، حتى أتى ذكر بناء المسجد، فقال: كنا نحمل لبنة لبنة، ‏وعمّار لبنتين لبنتين، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم، فينفض التراب عنه، ويقول: "ويح عمّار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم ‏إلى الجنة، ويدعونه إلى النار". قال: يقول عمّار: أعوذ بالله من الفتن.‏ وقد روى البخاري الخبر بسند آخر رقم (2812) لكن بلفظ (يدعوهم إلى الله، ويدعونه إلى النار).‏ وروى الحاكم في المستدرك على الصحيحين الحديث بسند آخر (2653)، وهو ‏حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجه الشيخان بهذه السياقة.

وروى الإمام النسائي في "الخصائص" جملة أحاديث مسندة عن أم المؤمنين أم سلمة وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم بأرقام (158)- (159)-(160)-(161)-(162)-(163)-(164)-(165)-(166)-(167)-(168) في ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمّار: "تقتله الفئة الباغية".

وفي مستدرك الحاكم أيضًا (2663) لما قُتِل عمّار بن ياسر رضي الله عنه دخل عمرو بن ‏حزم على عمرو بن العاص فقال: قُتِل عمار، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تقتله ‏الفئة الباغية". فقام عمرو بن العاص فزعًا حتى دخل على معاوية، فقال له معاوية: ما شأنك؟ ‏قال: قُتِل عمّار. فقال معاوية: قُتِل عمّار فماذا؟ فقال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم يقول: "تقتله الفئة الباغية". فقال له معاوية: دحضت في بولك أونحن قتلناه؟ إنما قتله ‏عليّ وأصحابه. جاؤوا به حتى ألقوه بين رماحنا أو قال بين سيوفنا. هذا حديث صحيح على ‏شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة.‏

أما عن الفرقتين، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بأسانيد متعددة عن أبي سعيد الخُدري، وصحّحها كلها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر خروج فرقة مارقة -والمارقة هي طائفة تجاوزت حدود الشرع وتعدته-، وأنها تخرج عند فُرقة، وتقتلها أولى الطائفتين بالحق. ومن تلك الروايات الحديث (2507 -150/1065) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ -وَهُوَ ابْنُ الْفَضْلِ ‏الْحُدَّانِىُّ- حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صلى الله عليه وسلم: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ ‏فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ».‏ وحديث (2508 -151/1065) حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: ‏حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صلى الله عليه وسلم: ‏‏«تَكُونُ فِى أُمَّتِى فِرْقَتَانِ، فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ، يَلِى قَتْلَهُمْ أَوْلاَهُمْ بِالْحَقِّ».‏ وكذا الحديث (2509 -152/1065) والحديث (2510 -153/1065) بالمعنى نفسه. وكذا ذُكر الخبر في حديث طويل رواه الحاكم في المستدرك (2659).

وأما العلامة الثالثة، فقد روى الإمام الترمذي في سننه (2226) عن سعيد بن جهمان، قال: حدثني سفينة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم مُلك بعد ذلك". ثم قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان، ثم قال لي: أمسك خلافة عليّ. قال: فوجدناها ثلاثين سنة، قال سعيد: فقلت له: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم؟ قال: كذبوا بنو الزرقاء، بل هم ملوك من شر الملوك. والحديث صحيح، وقد رواه غير واحد كالإمام أحمد والنسائي وأبو داود.

وأورد ابن كثير في كتاب "دلائل النبوة" من "البداية والنهاية" (ج9، ص153) قال: "فإن أبا بكر رضي الله عنه كانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال، وكانت خلافة عمر عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة إلا اثنى عشر يومًا، وكانت خلافة عليّ بن أبي طالب خمس سنين إلا شهرين. قلت: وتكميل الثلاثين بخلافة الحسن بن عليّ نحوًا من ستة أشهر، حتى نزل عنها لمعاوية عام أربعين من الهجرة"أهـ.

والأدهى أنه بعد تنازل سيدنا الحسن لمعاوية، لم يقنع معاوية بالخلافة، وأمر بسبْ سيدنا علي على منابر المسلمين. وهو أمر ثابت ومحقق، أورده الإمام مسلم في صحيحه، والترمذي في سننه، وأحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، والطبري في تاريخه، وغيرهم.

جاء في صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضل عليّ بن أبي طالب (2409)، حدثنا قُتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز –يعني ابن أبي حازم-، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: استُعمِل على المدينة رجل من آل مروان، قال فدعا سهل بن سعد، فأمره أن يشتم عليًا، قال فأبى سهل، فقال له: أمّا إذا أبيت فقُل: لعن الله أبا التراب، فقال: سهل: ما كان لعليّ اسم أحب إليه من أبي التراب، وإن يكان ليفرح إذا دُعي بها........

وجاء في صحيح البخاري (3703)، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عليّ بن أبي طالب، حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه: أن رجلًا جاء إلى سهل بن سعد فقال: هذا فلان، لأمير المدينة، يدعو عليًا عند المنبر، قال: فيقول: ماذا؟ قال: يقول له أبو تراب، فضحك. قال: والله ما سمّاه إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان له اسم أحب إليه منه، ...... قال الإمام ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (ج7، ص89) تعليقًا على أحاديث مناقب سيدنا عليّ: "ثم اشتد الخطب فتنقصّوه واتخذوا لعنه على المنابر سُنّة، ووافقهم الخوارج على بغضه، وزادوا حتى كفّروه"، وأضاف ابن حجر (ص90) "قوله (يدعو عليًا عند المنبر، قال: فيقول: ماذا؟) في رواية الطبراني من وجه آخر عن عبد العزيز بن أبي حازم "يدعوك لتسبْ عليًا".

وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل (19184- 4/369) حدثنا محمد بن بشر، ثنا مسعر، عن الحجاج مولى بني ثعلبة، عن قطبة بن مالك عم زياد بن علاقة، قال: نال المغيرة بن شعبة من عليّ، فقال زيد بن أرقم: قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن سبْ الموتى، فلمَ تسبْ عليًا وقد مات؟ والمغيرة كما هو معروف كان من عمّال بني أمية.

وفي سنن الترمذي، (3724- 5/638)، حدثنا قتيبة حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا –يعني سعد بن أبي وقاص-، فقال: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ قال: أما ما ذكرت ثلاثًا قالهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، .... والحديث أيضًا في مسند أحمد، وفي المستدرك على الصحيحين بسنده عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه (4575/173 – 3/109).

وذكر ياقوت الحموي في "معجم البلدان" (ج3، ص191) عن أهل سِجِسْتَان "لُعن عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، على منابر الشرق والغرب، ولم يُلعن على منبرها إلا مرة، وامتنعوا على بني أمية، حتى زادوا في عهدهم أن لا يُلعن على منبرهم أحد، وأي شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم، على منبرهم، وهو يُلعن على منابر الحرمين مكة والمدينة"أهـ.

وما يعنينا ليس سرد وقائع الفتنة الكبرى، فهي معروفة، كما أن علامات البغي متحققة في فرقة معاوية، ولكن يعنينا أن كل ما حدث في تلك الفتنة وما تلاها من بغي، إنما كان مخالفات دينية تمت لأغراض سياسية واضحة، ولا تعد تطرفًا دينيًا في حد ذاتها، ولكنها أدت ولا زالت تؤدي إليه؛ لأنه كرد فعل لاغتصاب الأمويين للخلافة وتحويلها إلى ملك عضوض، حدث انقسام الأمة الأول ونشأت بذرة التشيع، وصار لدينا متطرفون من السُنة يقابلهم متطرفون من الشيعة، والصراع بين الفريقين كان ولا زال المصدر الأساسي الذي يرفد مشاكل الأمة.

وإن كان ينبغي أن نلفت أن مصطلح السُنة قد ظهر كمصطلح عقدي كنتيجة للصدام مع المعتزلة الذين عُزي إليهم أنهم أهل البدعة! ثم تدرج مصطلح السُنة مع الزمن ليشمل أتباع المذاهب الفقهية الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية. ثم حاول الحنابلة مدعو الانتساب للإمام أحمد بن حنبل الاستئثار بمسمى أهل السُنة، ولكنهم فشلوا فاستحدثوا لأنفسهم مصطلحًا خاصًا يُعرف بالسلفية، كما نجدهم كثيرًا ما يُجرِّحون في أصحاب الإمام أبي حنيفة باعتبارهم من أهل الرأي وينسبونهم إلى الاعتزال، وكذا حاول الأشاعرة الاستئثار بالمصطلح، ولكنها بقيت مجرد محاولات داخلية تصاغ بأقلام أصحاب المذهب، ولم يقر أحد من خارجه بها لهم.

والعامل المشترك بين المتطرفين من كلا الفريقين السنة والشيعة -حتى المتطرفين فكريًا فقط وليس سلوكيًا- أن كل فرقة منهما لا تعرف عن اعتقادات الفرقة الأخرى غير اعتقادات الغُلاة منهم، مما يتسبب في إثارة الفتن.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيلم يكن انكماش التيار الإصلاحي الإسلامي في السلفية الجديدة لمحمد رشيد رضا قدرا لا بد منه، كما لم يكن بالإمكان التخلص منه كليا. فهو الكمون المتناقض في مدارج الصيرورة المعاصرة لوعي الذات العربي.

فالافتراق "التاريخي" الحاصل في مسار الاصلاحية الإسلامية هو افتراق مكوناتها المتناقضة. وهي عملية طبيعية تلازم كل تيار أصيل في محاولاته تجديد ما يمكن تجديده، أو توليف ما يمكن توليفه في مواجهة المستجدات الكبرى في الحياة الاجتماعية والسياسية. فالأخيرة هي المحك الدائم للمعاصرة والمعيار الدائم لما في الأفكار من قيمة واقعية أو وهمية، وصدق وكذب، وصواب وخطأ. وإذا كان من الصعب بالنسبة للإصلاحية الإسلامية أن تجادل موضوعاتها الأولى فلأنها كانت في ردودها تختمر في "واحدية" الدولة الاستبدادية. وحالما جرى انهيارها مع نتائج الحرب العالمية الأولى، فإن تشرذم مكوناتها الدولية والقومية قد رافقه بالضرورة وعي الحرية المتزايدة في مشاريع الرؤية السياسية والثقافية.

وفد أدت هذه العملية إلى انتقال هموم الإصلاحية الإسلامية بأقدار متفاوتة إلى ما في ذاتها من عناصر من أجل إعادة لحمها بالشكل الذي يستجيب "لتحدي" الظروف الجديدة. وبهذا المعنى كانت محاولات محمد رشيد رضا في (الخلافة والإمامة العظمى) التنظير المناسب لإدراك قيمة الدولة والسلطة في الكينونة العربية ما بعد انهيار العثمانية وسلطتها التركية (القومية). إذ تعكس هذه العملية في ذاتها تبلور العناصر الفكرية لوعي الذات التاريخي والسياسي والدولي والأدبي. وليس مصادفة أن تظهر حينئذ تلك الأعمال التي أثارت ردود الفعل العارمة كما هو الحال بالنسبة لكتاب (الإسلام وأصول الحكم) و(نقد الشعر الجاهلي). فمن الناحية الفكرية ليس في ذلك ما يعاب ويستهجن، أما من الناحية التاريخية فقد كان ذلك رد الثقافة المتحررة للتو على ذاتها. فقد استثار في حفيظتها التقليدية أوليات النزوع الباحث عن مخارج متعددة. ومن ثم فسح المجال للمرة الأولى أمام شرعية التعدد الفكري ومعقولية البدائل الكبرى بالنسبة للدولة والمجتمع. وبالتالي تجاوز التقليدية المضخمة في أحكامها الجزئية عن واحدية الثقافة المتهرئة، التي كانت مستعدة للتضحية بكل شيء من أجل قمع كل تحد مهما كان صغيرا لقاموسها العقائدي.

إننا نقف أمام واقع التوسع الجديد للتجربة الذاتية وتحررها من قيود العقائد. وبالتالي انقلاب ذخيرتها الفكرية المتجمعة في غضون قرن من الزمن باتجاه مواجهة مكوناتها الذاتية نفسها. وبالتالي، العمل فيها بالشكل الذي يمكّنها من رؤية ذاتها في مرآتها الخاصة. وهي الظاهرة الجلية في ما يمكن دعوته بخفوت الانتقاد الوجداني للأنا المتصيرة في إمكانيات الدولة ومشاريع الفكر السياسية، ومن ثم تغير أولوية الاهتمام الفكري وانتقاله من ميدان السياسة إلى ميدان الفكر. ولا يمكن عزل ذلك عن واقع الكينونة التاريخية الجديدة للدولة العربية.

وبهذا المعنى يمكن القول بأن (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق (1888-1966) لم يكن ردا سياسيا على مساعي ملوكية مصر لاستحواذها المحترف على الرمز الثقافي الدولي السياسي وتوظيفها بما يخدم ترميم ضعفها السلطوي، بل ردا فكريا على التيار السلفي لمحمد رشيد رضا في تنظيره "للحكومة الإسلامية". ومن ثم، فإنه كان ردا فكريا سياسيا لمشروع الدولة والثقافة المفترض رؤيته في آفاق النهوض الجديد للعالم العربي[1].

فقد كان على عبد الرزاق في نفيه للاتهامات التي وجهت إليه من جانب الأزهر والسلطة عن انتمائه لبعض الأحزاب السياسية، أو تأييده لها، صادقا مع نفسه. لكنه صدق يعكس حوافز الرد المهذب بوداعة الانتماء التقليدي للسمو العلمي. تماما بالقدر الذي كان مميزا لمحمد عبده وأمثاله. ولهذا شدد على انه رجل دين ورجل شريعة. وانه لم يحمله على وضع كتابه إلا غاية علمية. وليس لموضوع كتابه علاقة بالسياسة. وإن كتابه لا يخدم مآرب السياسة[2]. فمن الناحية النفسية كان التخوف من السياسة انعكاسا للإدراك المباشر والسطحي لحد ما لوظيفتها. مما يعكس بدوره ثقل الروح الأخلاقي في تقييم الصراعات الاجتماعية وتناحر المصالح. ومن الناحية التاريخية يعكس واقع عدم اكتمال الدولة ومؤسساتها. وبالتالي عدم تحول السياسة إلى الوسيلة العقلانية والفعالة في رؤية وصراع المصالح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقومية. الأمر الذي حوّلها أيضا إلى جزء من المآرب والمشارب السياسية والعقائدية. وبهذا المعنى كان إصراره على البقاء في حيز الدين والعلم، هو التعبير المناسب عن تناقض العناصر التقليدية والراديكالية في الرؤية النقدية العقلانية لتراث الإصلاحية الإسلامية. إذ لم يعن الابتعاد عن مآرب السياسة هنا سوى الاقتراب من رؤيتها العلمية. كما لم يعن ذلك من الناحية التاريخية، سوى النقد الأكثر عقلانية لانحراف الإصلاحية الإسلامية النظري عن تراثها الإصلاحي المتراكم في غضون قرن من الزمن. ولهذا ابتدأ وانتهى في (الإسلام وأصول الحكم) بمناقشة الفكر السياسي ذاته.

فقد شدد علي عبد الرازق على واقع إهمال التقاليد الإسلامية للبحث في القضايا المتعلقة بمصدر الخلافة وقوتها وضعفها، أي الجوانب المتعلقة بشرعيتها وفائدتها. فالفكر الإسلامي يأخذ المسألة الأكثر أهمية بالنسبة لوجوده التاريخي كما هي دون أن يحلل مكوناتها[3]. كما أنها تقاليد فكرية وسياسية شحيحة على خلفية إبداع الثقافة الإسلامية وانجازاتها الهائلة في مختلف جوانب الحياة الأخرى. فقد كان حظ السياسة فيهم بالنسبة لغيرها من العلوم، كما يقول علي عبد الرازق، أسوء حظ. وإن وجودها بينهم كان أضعف وجود. إذ أننا لا نعرف لهم مؤلفا في السياسة ولا مترجما ولا نعرف لهم بحثا في شيء من أنظمة الحكم وأصول السياسة[4]. وهي حالة غريبة بالنسبة لمجتمع تميز بكثرة صراعاته بما في ذلك ما يخص مسألة الخلافة وظهورها، أي كل ما كان يستلزم ضرورة الاهتمام به والبحث فيه سواء ما له علاقة بقضايا الحكم وتحليل مصادره ومذاهبه، ودرس الحكومات وكل ما يتصل بها، أو نقد الخلافة وما تقوم به، باعتباره الحصيلة الملازمة لعلوم السياسة. وبهذا المعنى كان ينبغي للعرب كما يستنتج علي عبد الرازق، أن يكونوا أحق بهذا العلم من غيرهم[5]. أما التبرير القائل، بأن ذلك قد يعود إلى أن الخلافة تقوم عند المسلمين على أساس البيعة الاختيارية (الحرة)، فإن الواقع يدحضها. وذلك لأن الخلافة في الإسلام لم ترتكز، كما يستنتج علي عبد الرازق، إلا على أساس القوة الرهيبة[6]. مما جعله يستنتج بأنه لا سبب حقيقي لذلك غير خوف السلطة نفسها من هذا العلم. وذلك لأنه "من أخطر العلوم على الملك، بما يكشف عن أنواع الحكم وخصائصه وأنظمته إلى آخره. لذلك كان حتما على الملوك أن يعادوه"[7].

وبغض النظر عما في هذه الأحكام من مجافاة تجاه التراث الفكري الإسلامي السياسي، وعن سطحيتها في تحليل علاقة الدولة بالفكر السياسي، إلا أنها تعكس في مساعيها المباشرة، المواجهة الفكرية للانحرافات الأولى في كل من صيرورة الدولة العربية المعاصرة (المصرية) والبدائل الإسلامية في محاولاتها النظرية الجديدة لتأسيس الفكرة التيوقراطية. إذ لم يعن تشديده على أن تاريخ الخلافة هو تاريخ القوة المتسلطة، وإن الخلافة ارتكزت على القوة، سوى الحقيقة التي تجعل كل ما غير ذلك أمورا لا قيمة لها مثل مناقشة الفكرة القائلة، بأن هذا الواقع المحسوس جاريا على نواميس العقل أم لا، وموافق لأحكام الدين أم لا[8]. بعبارة أخرى، لقد كانت آراءه هنا تصب باتجاه نقض الآراء التي تضافرت حينذاك بين مساعي الملوكية المصرية اغتنام فرصة حل الخلافة "الرسمية" وبين التأسيس التقليدي لفكرة الخلافة كما نراها في (الخلافة أو الإمامة العظمى) لمحمد رشيد رضا. ومن هنا تشديد علي عبد الرازق المتكرر على انه لا توجد في القرآن ولا في السنّة إشارة للخلافة بمعنى النيابة عن النبي في إدارة شؤون المسلمين. وليس هناك من دليل عليها في الإجماع إذ لا دليل فيه[9]. أما الإجماع "التاريخي" في انتخاب الخليفة فهو إجماع بعض الأفراد تحت الضغط والإكراه. وبهذا المعنى لا يمكنه أن يشكل دليلا على ضرورته. ووضع هذه المقدمة في انتقاده لفكرة الخلافة ومحاولات إعادة تأسيسها النظري الجديد عند محمد رشيد رضا.

فهو لم يجد فيها أكثر من تجميع وترديد لمقولات القدماء يمكنها أن تخدم ترميم هيبة المؤسسة المتهرئة للملوكية الفردية (الاستبدادية) ‎. ولهذا أكد في دحضه لآراء محمد رشيد رضا على انه لا دليل في الشريعة يقر بوجوب الخلافة أو الإمامة العظمى، باعتبارها نيابة عن النبي والقيام مقامه من المسلمين[10]. من هنا تشديده على أن الآراء التي يوردها محمد رشيد رضا ما هي في نهاية المطاف سوى ترديد لما في كتابات سعد الدين التفتازاني وأمثاله. أما الاحتجاجات التي جاء بها بهذا الصدد فقد سبقه إليها ابن حزم الظاهري[11]. ووضع هذه الحصيلة في استنتاجه القائل بعدم جدوى إعادة ترميم الخلافة كنظام سياسي سواء من جهة ارتباطه بروح الإسلام أو من جهة استجابته لمتطلبات الظرف الحالي والرؤية العقلانية للأمور. ونعثر على إدراكه لهذه المهمة وصداها النظري في محاولاته نقد الفكر السياسي العربي ومحاولاته المباشرة وغير المباشرة لتأسيس الصلة التاريخية بين النشاط الديني والسياسي للنبي محمد.

وإذا كانت المادة الأساسية أحيانا في كتاب علي عبد الرازق تقوم في نقده المباشر لآراء الطهطاوي ومحمد رشيد رضا، فلأنهما شكلا في غضون قرن من الزمن بداية ونهاية مرحلة لم يدرك على عبد الرزاق نفسه مآثرها ككل، لكنه حدس التغيرات الكبرى في إدراكه للأولويات السياسية. وليس مصادفة أن يضع علي عبد الرازق شخصية الطهطاوي في أول قائمة من حاول إيجاد الصلة بين الدين والسياسة في ممارسة النبي محمد والبحث فيها عما يمكنه أن يكون مثالا نموذجيا للدولة المعاصرة، كما هو جلي في كتابه (نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز). فقد وجد علي عبد الرازق في هذه الفكرة حشرا للأفكار المعاصرة في أفعال التاريخ الإسلامي الأول.

لكن انتقاده للطهطاوي كان الصيغة غير المباشرة لانتقاد آراء محمد رشيد رضا، أو السلفية الجديدة في محاولاتها صياغة وبلورة بديل فكري سياسي للدولة. فالطهطاوي لم يكن ممثلا للسلفية المعاصرة له. ولم يكن في كتاباته، بما في ذلك تلك التي تبدو في مظاهرها تمثيلا صارما لما في تاريخ السلف من نموذجية متناهية، سوى الاستمرار الطبيعي والصيغة المناسبة لذوق المرحلة وأسلوب تأسيسها للأفكار الجديدة. إضافة لذلك أن التشديد على وجود كافة مؤسسات الدولة المعاصرة (الأوربية) في دولة الإسلام النبوي هي خطوة كبرى إلى الأمام في مملوكية مصر وإمارات العالم العربي المتخلفة وسلطناتها. وذلك بفعل وضعها نموذج الدولة المعاصرة في قوالب الرموز التاريخية الذاتية. ذلك يعني، أنها لم تكن تقليدية مفتعلة، بل إصلاحية تنويرية في مواقفها من الدولة العصرية. وسوية مع ذلك فأنها كانت أقرب إلى الدقة التاريخية والموضوعية من آراء علي عبد الرازق في رؤيتها لمكونات الدولة في عهد النبي. ولم تكن هذه الجوانب مجهولة لعلي عبد الرازق نفسه بقدر ما أنها كانت لا تتوافق مع مشروعه الجديد في التأسيس لبدائل الرؤية العصرية. وبهذا المعنى كانت آراؤه خطوة أعمق مقارنة بالطهطاوي وردا شاملا غير مباشر على سلفية محمد رشيد رضا. وبالتالي، كانت تحتوي على توليف نقدي وعقلاني لتقاليد الإصلاحية الإسلامية والليبرالية للعقدين الأولين من القرن العشرين وأحداثه الكبرى وانعكاسها في العالم العربي (فشل مشروع محمد علي التحديثي، وثورة إعرابي، وسقوط الدولة العثمانية، والتجزئة الاستعمارية الأوربية للعالم العربي، وصعود دوله ودويلاته الحديثة).

إن انطلاقته النظرية في تفنيد آراء الطهطاوي عن وحدة الديني والسياسي في أفعال النبي وأقواله هي الصيغة غير المباشرة لانتزاع الدين من "مآرب السياسة" وتخليص السياسة من الدين. ومن ثم البقاء في حيز السياسة المعقولة والصالحة. أنها الرد غير المباشر على السلفية الجديدة في تنظيرها لبدائل الخلافة أو الإمامة العظمى. ولم يعن ذلك من الناحية التاريخية والنظرية سوى المسار الأعمق في تاريخ الإصلاحية الإسلامية، عبر دفع انجازاتها الفكرية السياسية إلى نهايتها المنطقية من خلال وضع مسألة فصل الدين عن الدولة في أولويات الفكر السياسي ومهماته العملية. وبالتالي التأسيس للحرية الاجتماعية والسياسية وشرعية التعدد في الأفعال والبدائل. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] إن هذا الحكم يؤيده من الناحية النفسية والدعائية والأيديولوجية، ما توصل إليه علي عبد الرازق في استنتاجاته النظرية وخلاصة أحكامه التي أثارت بدورها زوبعة الأزهر الفارغة في محاولاته الدفاع عن "أصنامه" القديمة في عقائد الكلام المنخور. غير أن تقريره العام القائل بانعدام تقاليد الفكر السياسي وعند انشغاله بهذه القضايا، فإنه يتسم بقدر كبير من التجاوز على حقائق ووقائع الفكر الإسلامي. بل يمكننا القول، بأنه تقرير أيديولوجي أيضا وينم عن جهل بهذا الصدد. كما انه ليس معزولا عن ثقافة علي عبد الرازق الأزهرية التي كانت ترفض تاريخ الفكر السياسي الحي في تقاليد الثقافة الإسلامية بشكل عام والفلسفية بشكل الخاص. ومن الممكن فهم الحوافز العميقة والايجابية الكبيرة لهذا التقرير ضمن سياق الأحداث السياسية الكبرى لتلك المرحلة. فقد كان تأليفه للكتاب، من الناحية الزمنية، يسبق الأحداث التاريخية المرافقة لحل الخلافة "الرسمي" عام 1924. فهو يشير في المقدمة إلى أن الورقات التي يصدرها في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) هي ثمرة عمل بذل أقصى ما يستطيع من جهود وانفق فيه سنين كثيرة كانت سنين متواصلة الشدائد متعاقبة الشواغل ومشوبة بأنواع الهمّ ومترعة كأسها بالألم. بصيغة أخرى أن السنين العديدة السابقة لانهيار الخلافة هي سنين تأمله لمعضلة مشروع الدولة ودورها بالنسبة لآفاق النهوض الثقافي. لهذا نراه يؤكد على أهميتها في المقدمة عندما دعا القارئ لتأمل ما فيه عسى أن يجد فيه أيضا أساسا صالحا لمن يريد البناء (المقدمة ص2).

[2] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، الجزائر، 1988، ص177.

[3] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص 13.

[4] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص 30-31.   

[5] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص 36.

[6] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص33.

[7] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص39.

[8] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص36.

[9] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص30.

[10] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص24-25.

علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص24.

 

مجدي ابراهيمإذا نحن أرادنا تسليط الضوء على مفهوم التأصيل حقيقةً، فلتجدر الإشارة بدايةً، حسب ما نتصور، فيما يَخُص موضوعنا، إلى أن قلة الاكتراث بالقرآن تَعدُّ إسرافاً في الضمير الديني ليس له نظير؛ فالقرآنُ الكريم باعتباره ذكراً مفروض أن نحْيَاهُ ونتخلق به ونعيشه تجربة في حروفه وكلماته وفي إشاراته وموحياته، فكما كان القرآنُ الأصلَ والمصدرَ لمنطلقات شيوخ الصَّدْر الأول في الإسلام على التعميم، فينبغي أن يكون كذلك هو الأصل والمصدر لمنطلقات الفكر والعمل لدى من يقرأه على وعي وبصيرة في كل جيل، وتلك هى طلاقة النَّص القرآني في أبسط معانيها، تماماً كما هى بداهة التأصيل في معروف العقل ومعروف الوعي ومعروف الضمير: الرجوع بوعي المسلم إلى القرآن؛ فمن لم يعرف القرآن ويتدبر أسراره ويقيم علاقة روحيّة معه لا يَطْرُق باب التذوق لأسراره أبداً لا من قريب ولا من بعيد، وكذلك في حال التجريب معه وممارسته والانفعال به، فالأمر من ثمَّ لم يكن معرفة نظرية خارجة وكفى، ولكنه معاملة باطنة تستشعر ما في القرآن من حيوية وحياة وتوجُّه ليكون الإنسان هو نفسه القرآن من ناحية التخلق، ولنذكر قول السيدة عائشة رضى الله عنها عن الرسول صلوات الله عليه حين وَصَفَتْهُ بقولها أن: "كان خُلُقه القرآن"؛ ليتبيَّن لنا من بعدُ أن كلمات الله كانت تتحول في شخص الرسول صلوات الله عليه إلى عمل بمقدار ما كانت تتحول لدى أكثر المقبلين على الله من المخلصين إلى فعل يُسْلَك، وإلى حياة تُعَاش وإلى سلوك ينفعل بباطن تلك الحياة.

ودراسةُ كلام الحق جَلَّ شأنه فضلٌ من الله تعالى يؤتيه الله من يشاء حين يشاء من عباده، ولا يَدَعيه مُجَرَّد إدّعَاء فهماً ولا ممارسة كل من هَبَّ ودَبَّ. ولا بد ممَّا ليس منه بُدٌ: توافر عنصر الاصطفاء لهذه المهمة الجليلة. وليس يمكن لغير من أختصهم الله بفضله أن يخوضوا فيه، فأنت تستطيع أن تكون عالماً في أي ميدان تختاره، تستطيع أن تكون متكلماً أو فيلسوفاً أو نحوياً أو أدبياً أو ما شئت أن تكون إذا توَفَّرْت لذلك، وكان لديك استعدادُ ملائم، ثم خَصَصْتَ هذا الاستعداد بعنايتك. أما أن تكون مستنبطاً للإشارة المقصودة من العبارة القرآنية، فهذه خصوصية فريدة لا بد أن يسبقها اجتباء إلهي.

ومن هنا ظهر ما يُسمى بالتفسير الإشاري للقرآن الكريم قامت به على مر العصور طائفة من أتقياء المسلمين، وهو من الندرة بحيث نَخُصُّ منهم بعض أئمة صوفية الإسلام على التحديد، يقوم على استنباط الإشارة من العبارة، ولسوف نتحدث بالإشارة عنه لاكتشاف ما نسميه من جانبنا بــ "الذاتية الخَاصَّة للقرآن" تجيء كدعائم ومرتكزات يقوم عليها مع تحديد عناصر هذه الخَاصَّة الذاتية وأركانها التأسيسية كونها دعائم تأصيلية للتفسير الإشاري عَسَانَا نقف على منطلقاتها الحَساسة في العقل والشعور على وعي وبصيرة بالقرآن، لكأنما التفسير الإشاري قائم على تلك الذاتية الخاصَّة منذ البداية، ومؤسس على أركانها، ولكأنما كانت هذه الذاتية الخَاصَّة بمثابة الأصل الذي ينطلق منها فيُسْتَبْصر مقوماتها المنهجية وأسسها التأصيلية والتذوقية.

نعم! للقرآن الكريم خاصّة ذاتية لم يقف عليها إلا الموهوبون من طلاب الحقائق العليا ومريدي الثقة بطوالع الملكوت؛ أعني الحاضرون دوماً مع الله عبادة وتبتلاً. هذه الذاتية الخاصة للقرآن تقدح فيمن يتعامل مع القرآن ببصيرة مطموسة : يَتَعَبَّدُونَهُ باللفظ ولا يعرفون إيحاءاته ولا دلالاته ولا معانيه، ويقيدون الفهم من جانبهم فيقفون على الظاهر من الألفاظ وكفى ويعزلون اللفظ عن الدلالة وعن المعنى وعن الإيحاء ولا يكتفون بتلك العزلة الواصبة بل يعزلون القرآن كله عن روحه العام إن في آياته وإن في سوره وإن في مجمله على الصورة الكلية.

ومن هنا؛ فاهتمامنا سيَنْصَبُّ في هذا المقال والمقالات التي تليه، لا على التفسير الإشاري نفسه ولكن على الذاتية الخَاصَّة للقرآن بوصفها تشكل دعائم تأصيل التفسير الإشاري.

على أن القشيري يُجمل ذلك في مقدمة تفسيره الإشاري أو يُفَصِّله على نحو من الأنحاء ليُصَوِّر لنا كيف يكون التفسير عامة والتفسير الإشاري منه على وجه الخصوص؛ فإجمال ما تقدَّم مذكوراً عن الزَّرْكشِي والسيوطي والحارث ابن أسد المحاسبي إنما هو عند القشيري إشارة. حيث يقول إن الله :" أكرم الأصفياء من عباده بفهم ما أودعه من لطائف أسراره وأنواره لاستبصار ما ضَمَّنَه من دقيق إشاراته وخفيِّ رموزه، بمَا لوَّح لأسرارهم من مكنونات، فوقفوا بما خُصوا به من أنوار الغيب على ما أستتر عن أغيارهم، ثم نطقوا على مراتبهم وأقدارهم : الحق - سبحانه وتعالى - يُلْهمَهُم بما به يكرمهم، فهم به ناطقون؛ وعن لطائفه مخبرون؛ وإليه يشيرون، وعنه يُفْصحُون، والحكم إليه في جميع ما يأتون به ويَذَرُون" (أ.هـ).

ويَتَبَيَّن من ذلك أن التفسير عامة؛ والإشاري منه خاصَّة، إنما هو تفسير إلهامي من فضل الله وتوفيقه، واصطفائه واختصاصه لمن شاء له من عبيده، لا بقدرة منهم أو حيلة أو اكتساب، ولا اقتدار من جانبهم على هذا الفضل أو ذاك التوفيق، ولكنه توفيق موهوب  واختصاص من عند الله وكفى، لا يُقال في حقه سوى ذلك.

غير أن هذا اللون من التفسير الذي يتكلم عنه القشيري يَفْتَرَقُ عن سائر ألوان التفسير الأخرى، تماماً كما يفترق التفسير في مجمله عن سائر ألوان الفكر الإسلامي وذلك لشرط عنصر الاصطفاء من قبيل الله تعالى. فلئن كان أصل الوقوف على معاني القرآن التَّدبُّر والتفكر وهذا صحيح، فلا قيمة لهذا الأصل مُطلقاً بغير الشرط الذي أجمع عليه العلماء بالقرآن.

شَرَطَ "الذَّرْكَشيّ" في "البرهان في علوم القرآن"، والقشيري في "لطائف الإشارات" والسيوطي في "الإتقان في علوم القرآن" منقولاً عن الإمام أبي طالب الطبري، والمحاسبي في "العقل وفهم القرآن"، وصدر الدين القونوي في "إعجاز البيان في تأويل أمّ القرآن"؛ شرطوا  شروطاً قاسية ليس فينا في الغالب مَنْ لا يخلو من وجودها فيه بوجه من الوجوه، وذلك لندرة من لا توجد فيه، ولكن ليس معنى وجودها فينا أن يتخلى المرء عن فضيلة الجهاد والتَّصْفيَة مُدَّعياً شدة هذه الشروط وقلة حظه بالمرة في تطبيق أضدادها بالوقوف على الجوانب الإيجابية المتسعة، فيروح فيعزف بالجملة عن مواجهة الذات الإنسانية بالقرآن على ما شرطوه.

شَرَطوا فيما يُشْبه الإجماع أن الخطاب الإلهي لا يفهمه ذو بدعة، ولا مَنْ هو مُصرٌّ على ذنب، ولا مُحب لدنيا، ولا مَنْ كانت في قلبه ذرة من كبر أو هوى، ولا من يكون غير متحقق الإيمان أو ضعيف التحقيق أو يكون مُقلداً في نظره، معتمداً على قول مُفَسّر ليس عنده من العلم سوى علم الظاهر أو يكون راجعاً إلى معقوله النظري؛ (أي الدعوى الفكرية والعقلية)؛ فهذه كلها حُجُب وموانع عائقة عن فهم معاني الوحي حقيقةً، حاجبةً عن أسرار العلم من غيب المعرفة، فمن كانت في نفسه صفة من تلك الصفات لا يَدَّعي مُطلقاً فهم الخطاب الإلهي، ولا ينبغي له، وليس بملزم لأحد أن يأخذ عنه في قول أو في دلالة.

ومن هنا يتجلى معنى التفسير الإشاري الذي يفترق عن سائر ألوان التفسير الأخرى، والذي قَدْمَهُ صوفية الإسلام عامة، والإمام القشيري بصفة خاصة، ويضاف إليه من قبل ذلك الإمام السلمي في حقائق التنزيل.

قَدَّمَ الصوفية منهجاً جديداً لفهم القرآن يقوم على الذوق الشعوري أسموه "الاستنباط القرآني"؛ (والاستنباط هنا: "استبطان"، واستخراج من الخفايا، وليس هو الاستنباط العقلي بحال)؛ ومعناه: أن يُردِّد الصوفي القرآن؛ مستغرقاً فيه، حتى تنفتح له المعاني الإلهية، ثم ينتقل إلى معاناة العبارة، يخلو بنفسه مع ربه بين مقامات يتردد فيها وأحوال يعانيها، حتى تنقدح المعرفة الإلهية فيه، أو تُلقى فيه إلقاءً؛ فيتذوقها.

لاحظ قوله تعالى:"لعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُوَنَهُ"؛ أي لعلمه الذين يجاهدون أنفسهم في فهمه ومذاكرته واستحضار رؤيته للخلق والكون والعالم والإنسان، لا الذين يهملونه أو يهجرونه أو يقرءونه على الغفلة والسَّهَيَان.

ومن الأهمية بمكان أن نشير إشارة سريعة إلى بعض الدراسات المُهمَّة ذات الشأن الممتع المضيء للجوانب الكاشفة للقرآن من ناحية "علم الدلالة" (Semantics) ونعني بها دراسة المُستشرق الياباني "توشيهيكو إيزوتسو" بعنوان" الله والإنسان في القرآن : علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم" يوضح فيها مسألة العلاقة الشخصية بين الله والإنسان في الرؤية القرآنية للعالم، لكن من زاوية المنهج الدلالي للدراسات القرآنية؛ فإذا كان القرآن قابل لأن يُقارَب من وجهات نظر عديدة ومختلفة مثل اللاهوتية والفلسفية والاجتماعية والنحوية والتفسيرية، فهو من باب أولى في نظر المؤلف يُمكن أن يُقارَب من ناحية علم الدلالة ومنهجه التحليلي الحديث ومفهوماته المتعددة والمتباينة، لكن علم الدلالة عنده كما يُوحي به الأصل الاشتقاقي للكلمة هو: علم يُعني بظاهرة "المعنى" بأوسع معاني الكلمة.

ويُخَصص المؤلف جزءاً من كتابه عن التصوف ليتبيَّن له بعد بحث وتدقيق أن التفسير الصوفي (الإشاري) وفق المنهج الذي اختاره له أصحابه أن يكون؛ ذو أهمية وفائدة قصوى للمختص بعلم الدلالة". هذه الإشارة السريعة إلى بعض الدراسات الدلالية الحديثة لا تكاد تطلعنا سوى على ما يعتمده الصوفية من منهج في التفسير الإشاري بصفة خَاصَّة، ولكن هذه الإشارة أيضاً رغم أهميتها ليست شيئاً بالقياس إلى حديث رسول الله؛ ففي الحديث أنه صلوات ربي وسلامه عليه قال:" القرآنُ ذَلُولٌ ذو وجوه، فاحملوه على أحسن وجوهه".

يشرح السيوطي حديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه الذي رواه أبو نعيم وغيره من حديث ابن عباس:" القرآنُ ذَلُولٌ ذو وجوه، فاحْمِلُوهُ على أحسن وجوهه". يشرحه لفظة لفظة ويُبَيّن مقاصده في دلالة كلماته فيقول: "ذلـول"؛ يحتمل معنيين، أحدهما أنه مطيعُ لحامليه تنطقُ به ألسنتهم. والثاني: أنه مُوَضِّح لمعانيه حتى لا تُقْصِّر عنه أفهام المجتهدين.

وقوله : "ذو وجوه"؛ يحتمل معنيين كذلك، أحدهما أن من ألفاظه ما يحتمل وجوهاً من التأويل. والثاني أنه قد أجمع وجوهاً من الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب والتحليل والتحريم. وقوله :" فاحملوه على أحسن وجوهه"؛ يحتمل معنيين أيضاً : أحدهما الحَمْلُ على أحسن معانيه. والثاني: الحَمْلُ على أحسن ما فيه من العزائم دون الرُّخَص، والعفو دون الانتقام، وفيه دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط والاجتهاد في كتاب الله تعالى.

ويتبيَّن ممَّا ذكره السيوطي أن جواز الاجتهاد والاستنباط في كتاب الله على العلم الواضح والبيّنة الجَليَّة لهو ممَّا يقرُّه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ولا يُنفيه، لاحتمال المعاني الواردة وتعددها في هذا الحديث ومن ثَمَّ جَوَاز استنباط الدلالة من ظاهر المعنى. ثم أنه إذا لم يكن الاجتهاد في كتاب الله ومذاكرته وفهمه، وتَدُّبره، واستحضار رؤيته للعالم والإنسان، واستنباط معانيه ودلالاته - قدر الطاقة - في الأنفس وفي الآفاق؛ ففيما إذن يكون الاجتهاد؟!

على أن هذا الاجتهاد يخضع لمنهج فإذا كان منهج المتكلمين والفلاسفة هو العقل؛ فمنهج الصوفية الذوق والحدس. بمثل هذا "الذوق" منهجاً يُطبَق على موضوعه، وهو هنا "القرآن" تتكشف للصوفي مَعَانيه وتُشرق في قلبه مراميه ليتلقى خطاب الحقيقة عارفاً بجميع مستوياته، مستوى اللفظ ومستوى المعنى ومستوى الحقيقة.

يُحْسن فهم الخطاب الإلهي؛ لأنه كان أحسن العمل به والدعوة إليه على بصيرة، ويجعل القيم القرآنية في مقدمة اهتماماته تطبيقاً وتفعيلاً وممارسة وحياة.

وعليه؛ فليس كل أحد بقادر على ممارسة الإشارة ما لم يكن مجتهداً على هذا التوصيف؛ فيُمْكنك أن تكون عالماً في أي فرع من فروع المعرفة كان، دون أن يَصْحَبَ ذلك عملٌ، أما أن تقبل على القرآن الكريم لتستشف الجواهر من وراء الظواهر فهذه مسألة ينبغي أن تَقترن بجهود مُضنية في تصفية النفس والقلب من كل العلائق، وتخليتهما عن كل الشواغل الدَّنيَّة، وتحليتهما بكل الأوصاف السَّنيّة. فأخصص خصائص التفسير الإشاري؛ كما يُحَدِّدُهُ الدكتور إبراهيم بسيوني في "منهج القشيري في التفسير" هو :" الاعتماد على استنباط خفايا الألفاظ - مُفْرَدَةً أو مُرَكَّبَة - دون التوقف عند حدود ظواهرها المألوفة ومعانيها القاموسية؛ وإنما يُنْظَرُ إلى اللفظة القرآنية على أنها ذات جوهر يدق على الفهم العادي، وأهل التجريد وحدهم هم الذين يتاح لهم - بفضل الله - العلم الذي يكشفون به عن هذا الجوهر. وهناك رباط وثيق بين هذا العلم وبين العمل؛ إذْ لا يَحْظى به إلا من جَرَّد قلبُه من كل سانحة، وَصَفَّى نفسه من كل كدورة، وتهيأ بكل الهمَّة لهذه المهمة الجليلة : دراسة كلام الحق جل ذكره؛ وذلك فَضْلُ الله يؤتيه من يشاء".

التجربةُ مع كلام الحق تعالى تقول لك بأبلغ لسان: إن هنالك نوراً علوياً ينبعث من "كلمات الله"، يدنو منك في لحظات الاتصال، يهيئوها لك فعل الترقي والتطهير، ويعز عليك استقباله بغير تطهُّر واستعداد: التصافي شرطه، وأصله موالاة مصدره وخدمته، فلمَّا أن سُئل عنه قال: " نورٌ أنَّىَ أرَاهُ ". الصفاء والاستعداد والتأهب للترقي خصالُ من يريد أن يكون داخل المعية لا خارجها، واجتماع الخصال وسائل مُوَصِّلة لكنها ليست الغاية، فالغاية هنالك بعيدة بعيدة، بيد أنها قريبة بل أقرب ما تكون مع الإحسان. ودوام البقاء مع الوسائل ظلمة حاجبة، والفراغ منه مطلوب في ذاته، ليتفرغ السرُّ لورود "اللحظة". وإنها للحظة نورانية كاشفة تشع من باطن القلب، ينغمر فيها النور ليعطيك من فورك ما لا يخطر لك على بال : يعطيك السلامة في الحِسِّ وفي الذوق وفي الوعي وفي الإدراك. وإذا أدركت اللحظة النورانية العجيبة أدركت السعادة كلها طمأنينة قلبية لم تعد تزلزلك بعدها الزلازل من حولك ولا التهاويل، أدركت الدلالةَ وأدركت القيمةَ وأدركت من عالم القيم القرآنية مُوحيَاتها ممَّا ليس يدركه الغفل الجهول. ليس عبثاً ذلك الذي تحسّه، وليس شعورك في هذه"الحالة" باللهو الذي ينقضي معه الزمن أو يقضي هو على الزمن، فلو أنه كان كذلك لكنت في غيبة وحجاب أي كنت في غيبة عن اللحظة؛ لكنك في حيرة من أمرك : على أي وصف يمكن أن يكون "حالك" ؟!

لست تجد لورود اللحظات عليك تفسيراً ولا تعليلاً، أنت هاهنا خارج نطاق التفسير والتعليل، أنت معه بكليتك، ومعية الكلية لا تستلزم وصفاً ولا تقتضي شرحاً. الكليَّةُ بقاء تريدُ فيه من خالص قلبك أن تسكّن الزمن لحظتها، يدوم ولا ينقطع، ولكنه رغماً عنك ينقطع فلا يدوم، وانقطاعه حجاب، مع بقاء اللحظة حاضرة في "عين اليقين".

*       *       *

شَرْطُ الفتوح في القرآن التخلي عن الدعوى النظريّة؛ الفكرية والعقلية؛ والجلوس مع الله مجالس الأدب والمراقبة لا مجالس الغفلة والإدعاء؛ إذْ الجلوس مع الله على بساط الأدب ثم المراقبة يمضي بالمرء إلى التهيؤ لقبول ما يَردُ عليه من الحق حتى يكون الله هو الذي يتولى تعليمه على الكشف والتحقيق. أي نعم! الله هو الذي يتولى تعليمه (وَاتَّقوا الله وَيُعَلّمَكُم الله). يَحُدث هذا للذي يتخلى عن دعواه كائنة ما كانت تلك الدعوى: جَاهَاً أو سلطاناً أو دنيا أو نفوذاً أو ما شئت أن تضيف، يتخلى عنها بمزيد من التعلق بما عند الله ولا يتظاهر بالدعوى مُجَرَّدَةَ عن التقوى، ولا يحدث هذا لمن يدعى أنه يُعَلّم نفسه بنفسه فتكون الدعوى العريضة مالكة له مسيطرة عليه. قُلْ لي بربك: هل أصابتك حالة من الوجد العالي فبكيت فيها حتى الاختناق من تأثير آية من آيات القرآن؟ إذا حَدَثَ لك هذا من قبل فلتعلم أنها "خَاصَّة ذاتية" من خصائص القرآن توجد فيه ولا توجد في سواه، وتتوافر في القارئ الذي يقرأ القرآن لا قراءة عادية مُجَرَّدَة عن الفاعلية والتأثير، بل بوجد وطرب وفكر، وكأنما القرآن نزل في شأنه !

من تلك اللفتات المُتقدّمَة يمكننا تحديد جوهر البحث الذي نحن بصدده وتحديد عناصره من ثمَّ وخطواتنا المنهجية في قراءتها. فحين نقول إن هنالك ذاتية خَاصَّة للقرآن نعني بأن يجيء القرآن مَطلوباً من حيث ذاتيته الخَاصَّة كما قلنا لا من حيث ذاتية غيره وخصوصيَّة سواه.

الذاتية الخاصَّة للقرآن هى ذاتية تشريع للحياة العالمة : خضوع لقانون أسمى من قوانين البشر، وما لقوانين البشر هذه، تكييف مع واقع الحياة ولا تنبيه لمعالجة هذا الواقع ما لم يكن خضوعها لهذا القانون الأعلى شرطاً ضرورياً لفهم القرآن على الوجه الذي يكون فيه الفهم مُخْرجَاً لمنهج يُسْلك صاحبه سبيل العمل النافع بمقتضى الفهم. تقوم الذاتية القرآنية على أركان ودعائم مثل :

(1) الحضور. (2) الفهم. (3) الحَلاوة. (4) وحدة القصد. (5) الإيحاء. (6) العقل البصيري. (7) تحويل النفس. (8) التجلي .

ولسوف نُعْطي في هذه المقالات الثمانية نماذج فيما سيأتي لتلك الأركان على الترتيب متخذين من منهج التحليل الذَّوْقي سبيلاً لنا، شارعين في تذوق ما نصل إليه على طريقة أرباب الأحوال والأذواق.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

منى زيتونيقولون إن التاريخ يعيد نفسه، وأقول: إذا ما تعلق الأمر بالخوارج أو المارقة كما أسماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأمر أجلى وأوضح؛ فالخوارج -كما سبق أن ذكرنا وفصّلنا في مقالين عنهم (1) (2)- ليسوا فرقة مرّت وانتهى أمرهم، بل هم جماعات تظهر في كل زمن لهم فكر واحد.

‏ولهم علامات لا تخطئها أعين المدققين، تتكرر في كل زمان ومكان يُبتلى بهم فيه المسلمون. لكن، وكما علامات المنافقين، فليس كل منافق فيه كل خصلات النفاق، ليس بالضرورة أن توجد كل علامات الخوارج في كل جماعة من تلك الجماعات القديمة والحديثة التي وُصمت بذلك.‏

وفي هذا المقال سنُعنى بسرد أهم هذه العلامات التي تحققت في مارقة زماننا، كما سبق وتحققت في أسلافهم.

الخروج على الإمام وقتله

أهم علاماتهم والتي اشتُق منها اسمهم، هو خروجهم على إمامهم، ويمكن اعتبار ما حدث مع سيدنا عثمان بن عفان اغتيالًا غادرًا ممن خرجوا عليه، فقد قتلوه غيلة وسط زحام الدار حتى لم يُعرف يقينًا من قتله! مما أعجز سيدنا علي عن إقامة الحد. بالرغم من ذلك فإن أول شهيد اغتيال لأول طائفة معلنة من الخوارج في تاريخ الإسلام هو سيدنا الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه.

وكما خرج الحروريون قديمًا على سيدنا الإمام عليّ بن أبي طالب، ثم قتلوه، خرج الوهابية على الخليفة العثماني، ولو تمكنوا منه لقتلوه.

وكذا الإخوان لم يعجبهم إمامهم، فخرجوا عليه. لم يعجبهم حسن البنا! يحكي من أرّخوا لجماعة الإخوان المسلمين أن حسن البنا كان قد فقد سيطرته على الجماعة منذ مطلع الأربعينات، حتى وصل به الحال قبل أن يُقتل بشهر أن كتب مقاله الشهير "ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين!"، متبرئًا فيه من الجماعات السرية التي اعتمدت الاغتيالات السياسية أسلوبًا لها.

وكذلك قد يفعل الدواعش أحيانًا بزعمائهم وفقًا لما يصلنا من مصادر إخبارية.

كما أن الإخوان يحلمون بخلافة تتزعمها تركيا، والسلفيون يعتبرون ملوك السعودية خلفاءهم، ولا ولاء لديهم لحكام دولهم القُطرية حتى لو لم يكونوا فاسقين!

الاغتيالات السياسية لكبراء المسلمين

لم يأذن الرسول صلى الله عليه وسلم يومًا باغتيال رءوس المشركين. قال عليه الصلاة والسلام: "الإيمان قيّد الفتك. لا يفتك مؤمن"، بل إن مشركي مكة أنفسهم لم يفعلوها مع المسلمين. لم تكن العرب تعرف هذا النوع من الخسة والغدر.

ومع ظهور فرق الخوارج حدثت بعض حوادث الاغتيال للخلفاء كما أوضحنا، ولكن لم يعرف المسلمون الاغتيالات بكثرة إلا عندما ظهرت طائفة الخوارج الحشاشين (الإسماعيلية النزارية)، وهم إحدى أهم فرق الخوارج في تاريخ الإسلام، والذين سبق وفصلّت في سيرتهم في مقالي "هل يجوز تكفير الخوارج؟!2"

انفصلت طائفة الباطنية أو الحشاشون ASSASINs أو الإسماعيلية النزارية أو الإسماعيلية (من باب التخفيف) عن الفاطميين الإسماعيلية في القرن الخامس الهجري. تمركزهم كان في بلاد فارس ثم أيضًا في بلاد الشام. وكانوا يُستأجرون للقيام بالاغتيالات السياسية عن طريق مباغتة الضحية بخنجر بعد التربص به، وعُرِف عن قادتهم أنهم يُعطونهم مخدر الحشيش بكميات كبيرة حتى يدمنوه، ويكون من السهل التأثير عليهم والانقياد لهم لتنفيذ ما يؤمرون به من عمليات.

عمّت البلوى بهم ما بين القرن الخامس والسابع الهجري. وفي القرن الخامس زاد شرهم في بلاد فارس، وقاتلهم سلاطين ووزراء السلاجقة. وفي نهاية القرن الخامس والقرن السادس تسلّطوا على الكثير من الأمراء والوزراء وقتلوهم، حيث كثر قتلهم غيلة ونسبة القتلة إلى الباطنية. ووصل الأمر إلى قتل الخليفة المسترشد بالله سنة 529هـ، كما قيل في سبب موت الخليفة الراشد سنة 532هـ ثلاثة أقوال، أحدها أنه سُقي السم ثلاث مرات، والثاني أنه قتله قوم من الفراشين الذين كانوا في خدمته، والثالث أنه قتله الباطنية وقُتلوا بعده. واختلف المؤرخون كذلك حول قتل الوزير السلجوقي نظام الملك هل قتله أحد الحشاشين أم سلّط عليه السلطان ملكشاه من قتله سنة 485هـ. كما كان أكابر العلماء من الشخصيات المستهدفة بالاغتيال أو على الأقل الأذى إن لم يتمكنوا منهم.

وبالرغم من عدائهم مع الخلافة العباسية والدول والسلطنات الكبرى التابعة لها في الشرق كالسلاجقة والخوارزميين، وكذا الزنكيين والأيوبيين، وعداءها العقائدي والسياسي مع الفاطميين، إلا أن أحدًا لم يستطع استئصالهم بسهولة لأنهم اتخذوا من القلاع فوق الجبال حصونًا لهم.

وفي عصرنا الحديث عادت الاغتيالات السياسية أول ما عادت على أيدي الإخوان، فكانوا مغرمين بها، خاصة في حقبة الأربعينات؛ فقتلوا النقراشي باشا رئيس الوزراء، وأحمد ماهر باشا، والقاضي أحمد الخازندار. كما اختطفت جماعة التكفير والهجرة الشيخ الذهبي وزير الأوقاف المصري، وقتلته في السبعينات. وكذا قُتل الرئيس المصري محمد أنور السادات على يد الجماعة الإسلامية. والأمثلة كثيرة.

الدواعش أيضًا يكثر فيهم اغتيال الآمنين فهم يقتلون المدنيين غير الحربيين من المسلمين وليس فقط أهل الكتاب، ومن آخر المآسي الكبرى التي أحدثوها قتلهم لمئات من الصوفية في مسجد الروضة بشمال سيناء يوم الجمعة 24 نوفمبر 2017، وهي الجمعة السابقة على ميلاد الحبيب المصطفى، والتي يحتفي فيها الصوفية بذكرى مولده الشريف.

أما الانسحاب من المجتمع الذي يكفرونه، كما كان ينسحب الحشاشون في رءوس الجبال، فرأيناه في جماعات التكفير والهجرة، كما رأيناه في داعش.

الدعوة إلى تحكيم شرع الله "قولة حق أُريد بها باطل"

خرج الخوارج أول مرة في عهد الإمام عليّ بن أبي طالب بعدما كانوا يقاتلون إلى صفه في صِفين؛ حيث كان من نتائج معركة صفين بين سيدنا عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، أن تم الالتجاء إلى التحكيم، وذلك بعد أن رفع جند معاوية المصاحف على أسِنِّة الرماح، طلبًا للاحتكام إلى كتاب الله، فخرجت الخوارج من جيش عليّ، وأعلنوا أن "لا حكم إلا لله" و "الحكم لله- لا للرجل".

ذكر الشهرستاني في "الملل والنحل" (ج1، ص110)  أن أمير المؤمنين عليّ لما سمع قولتهم قال: "كلمة عدل يُراد بها جور، إنما يقولون لا إمارة، ولا بد من إمارة برّة أو فاجرة"أهـ.

وقد كفّره هؤلاء الخوارج بسبب قبوله التحكيم، كما كفّروا سيدنا عثمان وأصحاب الجمل والحكمين وكل من رضي بالتحكيم!

هذا بالرغم من أن الآية التي كفَّر بها الخوارج الإمام عليّ، وكفَّر من تلاهم من الخوارج جموع المسلمين، ولا زالوا يفعلون، وهي الآية الكريمة ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، جمهور أئمة المسلمين القدماء والمحدثين على أن المقصود بالكفر فيها ليس الكفر المُخرِج من الملة للمسلمين، هذا حتى في حال إن اعتبرنا أن المخاطب بها هم المسلمون!

وخوارج عصرنا لا يختلفون عمن سبقهم في المسارعة إلى الدعوة نفسها، واعتبار حكامهم ومن يوافقهم كافرين لأجل السبب ذاته.

تكفير عامة المسلمين بالذنوب وبالمخالفة العقدية والفقهية لهم

من أهم صفات الخوارج اتهامهم المسلمين بالشرك، وتطبيق ‏نصوص القرآن التي نزلت في المشركين والكافرين على المسلمين.

يذكر الإمام البخاري في أول باب (قتل الخوارج ‏والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم) "وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا ‏إلى آيات نزلت في ‏الكفار، فجعلوها على المؤمنين"‏أهـ. ورواها ابن عبد البر في "الاستذكار" ‏‏(ج8، ص90) (10576) من رواية نافع عن ابن عمر. وأقول: ولا زالوا يفعلون. وصدق ابن ‏عباس عندما قال في الخوارج: "يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه".‏

وجميعهم بدءًا من الحرورية –أول فرق الخوارج- يُكفِّرون المسلمين بالذنوب؛ إذ كانت أهم عقائد الحرورية أن الإيمان لا ينفصل عن العمل، فهو ما وقر في القلب وصدّقته ‏الجوارح والعمل، وقد قادتهم تلك المقدمة إلى نتيجة خطيرة جعلتهم أول فرقة متطرفة في تاريخ ‏الإسلام، وهي أن الفاسق غير مؤمن، فمرتكب الكبيرة هو كافر بزعمهم، فكفّروا المسلمين ‏ووقعوا في دمائهم، وكان الأزارقة؛ أتباع نافع بن الأزرق الحنفي يعتبرون باقي ‏المسلمين مشركين، وديارهم ديار شرك! ولا نجد في أدبيات الخوارج حديث عن توبة صاحب ‏الكبيرة كما هو الحال عند المعتزلة، وفي هذا فتح لباب المعاصي، وتجاهل للضعف الإنساني، ‏وإغلاق لباب الرحمة في وجوه العباد.

ومسألة موضع العمل من الإيمان من أهم مباحث الخلاف العقائدي ‏بين طوائف الأمة، وجميع الفرق في تاريخ الإسلام التي قالت بأن العمل من أصل الإيمان ‏وليس فرعًا له وقعت في تكفير المسلمين أو تفسيقهم، وأبرزهم في عصرنا الفرقة المسماة ‏بالسلفية الوهابية.‏

كانت دعوة ابن عبد الوهاب تقوم على أساس تكفير جميع المسلمين؛ إذ تتضمن في أغلبها مخالفات ابن تيمية التي ابتدعها ونسبها للسلف وحُبس مرارًا بسببها، وهي: تحريم التوسل بالنبي، وتحريم السفر ‏لزيارة قبر الرسول، وإلغاء الطلاق المحلوف به عند الحنث فيه، وعقيدة حنابلة بغداد التجسيمية لذات الله تعالى بنسبة الجوارح إليه وتحييزه في جهات. كما ابتدع ابن عبد الوهاب بعض المستجدات مما لم يُسبق إليها كمحاربة التصوف وتحريم الاحتفال بالمولد الشريف خلافًا لابن تيمية الذي لم يحرِّمه. قال في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" عند حديثه عن الاحتفال بمولد النبي عليه الصلاة والسلام: "إن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا". ‏وكان من أول ما يفعلونه الوهابية عند السيطرة على منطقة أو عندما تتحالف معهم هو هدم الأضرحة، -ولا زال هذا دأب السلفية والدواعش المعاصرين-. وكانت أول قبة قبر هدمها ابن عبد الوهاب قبة قبر زيد بن الخطاب.

استباحة دماء وأموال عامة المسلمين

قتل الحرورية قديمًا عبد الله بن خبّاب بن الأرت. وطالما استباح القرامطة دماء وأموال المسلمين، حتى الحجيج منهم، ولم يسلم من الحشاشين الباطنية عامة المسلمين، فكانوا يغزونهم فيقتلونهم ويسبون نساءهم وينهبون أموالهم.

ومما يميز الخوارج المعاصرون فوق تكفيرهم عامة المسلمين استباحة دمائهم، واستباحة أموالهم، ‏مثلما فعلت كل طوائف الخوارج من قبلهم.

ومن يقرأ للوهابية يفهم مباشرة نظرة محمد بن عبد الوهاب إلى المسلمين في عصره، فممارساتهم بالنسبة إليه كانت شركًا، تستحق منه الجهاد ضدهم واستحلال دمائهم وحرماتهم، فكان يحاربهم ويسمي ما يفعله بهم غزوات، ويسبي نساءهم وأطفالهم. ويبدو أن الرجل من الناحية النفسية كان يرى في نفسه استئهالًا للنبوة، لأن هذا التصور لمجتمعه على أنه المجتمع المسلم الصغير الذي تقابله ديار شرك، لم يوجد سوى في عصر النبوة الأولى، وحتى الخوارج الأوائل كفّروا المسلمين، ولم يُسموا حروبهم معهم غزوات. كما أنه قد أطلق على حركته مسمى "دعوة"!! فلأول مرة منذ أن صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة الإسلام نجد شخصًا يتزعم فرقة من الفرق يُطلق على ما يعرضه مسمى "دعوة". وكانوا يقولون لمن يتبعهم أنه دخل في ديننا!!

والعجيب أن الوهابية المحدثين يصدّقون على ذلك التصور المتوهم لحال المسلمين وقت ظهور الوهابية، ولا يرون فيه أدنى مبالغة، علمًا بأن أحدًا غير ابن عبد الوهاب من معاصريه لم ير في ممارسات مسلمي جزيرة العرب وقته شركًا!

منع المسلمين بيت الله الحرام

لعله لم تبلغ فرقة من الخوارج درجة من الفسق وانتهاك الحرمات مثلما فعلت القرامطة، حتى وصل الأمر إلى سرقة أهل مكة والإغارة على الحجاج، وانتزاع الحجر الأسود من الكعبة سنة 317هـ، وخلع أستار الكعبة، ولم يُعد زعيمهم أبو طاهر القرمطي الحجر وأستار الكعبة إلا سنة 339هـ، بعد تهديد الفاطميين الذين أعادوا موسم الحج لما كان عليه، وكان يُخطب لهم بمكة طيلة قرنين من الزمان بدلًا من العباسيين. لكن ظل القرامطة يضايقون حجاج العراق ويمنعونهم من الحج.

كذلك سجّل لنا المؤرخون كثيرًا من الحوادث التي أحدثها الخوارج الحشاشون الباطنية مع الحجاج؛ ففي سنة، 498هـ، أغار ‏جمع كثير من هؤلاء الإسماعيلية النزارية من طريثيث عن بعض أعمال بيهق –وبيهق ‏مجموعة قرى بجانب نيسابور، كان الحشاشون يتمركزون في بعضها، ومن أهم ‏قراهم طريثيث وطرز-، على الناس، فقتلوهم ونهبوهم وسبوا نساءهم، بل ‏وقتلوا الحجاج عند عودتهم من الحج. وكان  ذلك بجوار الريّ.

وفي سنة 552هـ، قُتل حجاج خراسان قرب بسطام بأيدي الحشاشين. ‏يقول ابن الأثير: "وقُتِل فيهم من الأئمة العلماء والزهاد والصلحاء جمع كثير، وكانت مصيبة ‏عظيمة عمَّت بلاد الإسلام، وخصت خراسان".

وفي سنة 608هـ، وثب الباطنية على أخي الأمير قتادة أمير مكة، بمنى أيام الحج، ‏وقتلوه، ظنًا منهم أنه قتادة. ونُهِب الحجاج.

وما أشبه خوارج زماننا في هذا بالقرامطة والحشاشين، وكم منعوا الحجيج من الوصول إلى بيت الله الحرام ‏وأداء المناسك، بل ونهب الوهابية أول ظهورهم الحجرة النبوية وأخذوا ما فيها من الأموال ‏والجوهر.‏

كان الوهابية قد منعوا الحجيج المصري والشامي سبع سنين قبل أن يهزمهم إبراهيم باشا. ‏يذكر مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر النجدي الحنبلي في كتابه "عنوان المجد في تاريخ نجد" ‏‏(ج1، ص292) في حوادث سنة 1221هـ "فلمّا خرج سعود من الدرعية قاصدًا مكة، أرسل فرَّاج ‏بن شرعان العتيبي، ورجاله معه، لهؤلاء الأمراء المذكورين، وذكر لهم أن يمنعوا الحجاج التي ‏تأتي من جهة الشام واستنبول ونواحيهما، فلما أقبل على المدينة الحاج الشامي ومن تبعه، وأميره ‏عبدالله العظم باشا الشام، فأرسل إليه هؤلاء الأمراء أن لا يقدم إليهم، وأن يرجع إلى أوطانه". وفي ‏حوادث سنة 1223هـ (ص297) يذكر أنه "لم يحج في هذه السنة أحد من أهل الشام ومصر ‏والعراق والمغرب وغيرهم إلا شرذمة قليلة من أهل المغرب لا اسم لهم حجوا بأمان".‏

وفي القرن العشرين مُنع الحاج السوري من الوصول إلى مكة سنة 1959هـ، كما مُنع ‏الحجاج اليمنيين على إثر خلافات سياسية، وكذا حدث مع الحجاج الليبيين لسنوات، وأُرجعت ‏الكسوة المرسلة من مصر كهدية للكعبة المشرفة، والتي كانت مصر تقدمها لقرون، كما استأثروا ‏بالإمامة والوعظ في الحرمين الشريفين في مشائخ مذهبهم، وهي سابقة لم يحدث مثلها في تاريخ ‏الإسلام. والأسوأ هو واقعتين قام فيها الجنود بفتح النيران على الحجيج؛ الأولى ضد الحاج ‏اليماني سنة 1341هـ ‏‏/ 1921م والثانية ضد الحاج الإيراني سنة 1408هـ/ 1988م.‏

حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام

كان الخوارج ولا زالوا سفهاء العقول لا يفهمون مقاصد الشارع الحكيم ولا يعوا منها شيئًا. وقد رأينا كيف فهموا معنى أن لا حكم إلا لله بعقولهم القاصرة فضلّوا.

وكذا هو الحال في أيامنا؛ فمن أهم صفات خوارج آخر الزمان التي ذكرتها الأحاديث أنهم "حدثاء الأسنان، ‏سفهاء ‏الأحلام". ‏وحدثاء الأسنان جمع حديث السن وهو الصغير؛ فإن حداثة السن محل للفساد ‏عادة. وسفهاء الأحلام أي ضعفاء العقول؛ جمع حلم وهو العقل. ‏والسفهاء جمع سفيه وهو الطائش ‏خفيف العقل. ويُلاحظ أن ضعاف العقول يثبتون عند المستوى الطفولي الحسي في تصور المفاهيم الدينية، ومنها مفهوم الله.‏

ورءوس الجماعات المتطرفة في عصرنا يبحثون عمن لهم تلك الصفات من المراهقين والشباب اللاهين ضعيفي الثقافة والعقل لاجتذابهم وضمهم إليهم. ‏

جاء ذلك الوصف لخوارج آخر الزمان تحديدًا في أحاديث كثيرة، ففي صحيح البخاري (6930) عن عليّ رضي الله عنه قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ‏‏"سيخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا ‏يُجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم ‏فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة". ‏ومثله: الأحاديث (3611) ‏و (5057) بصحيح البخاري. وبصحيح مسلم ‏(2511 -154/1066) وسنن أبي داود (4767) ‏وسُنن ‏ابن ماجه (168) وسُنن النسائي (4102) وسُنن الترمذي (2188).‏

التيه والعجب بأنفسهم لظنهم أنهم الفرقة الناجية

كان ولا زال التيه والعُجب بأنفسهم من صفات الخوارج النفسية؛ فهم معجبون بجماعاتهم. يظنون أنفسهم أنهم ‏وحدهم الفئة الناجية، والأمر يتجاوز تبديع وتكفير الشيعة بل إن تخطئتهم حتى لأئمة السُنة وتبديعهم غير مغفول عنه.

وقد تخيرت أكبر جماعاتهم في عصرنا لأنفسهم مسمى السلف ادّعاءً أنهم وحدهم متفردون بما كان عليه السلف، وما أبعدهم عنهم لمن يفقه.

كما يُحكى أن أحدهم قال في جنازة أحد المطرودين من جماعة الإخوان بعد ثورة يناير 2011 "اللهم حاسبه كما لو كان في جماعة الإخوان المسلمين"!

الصفات الشكلية والتدين الشكلي

تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بخروج الخوارج الأُول، ثم خروج طوائف عديدة منهم، وحتى آخر الزمان. وذكر صفاتهم الشكلية وكذا تدينهم الشكلي.

وقد وصف الرواة شكل الرجل الذي أطلق النبي نبوءته الأولى عنهم بسببه. والأحاديث في ذلك متواترة بأسانيد كثيرة وصحيحة، وجاء في وصف الرجل في حديث (4351) بصحيح البخاري ‏أنه "رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار". وهو الوصف نفسه في حديث صحيح مسلم (2500 -144/1064) و (2502 -146/1064) ‏أنه "رَجُلٌ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ ‏الإِزَارِ". وفي حديث صحيح مسلم (2499-143/1064)‏ و (2501 -145/1064) أنه "رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِيءُ الْجَبِينِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ". فذُكر أنه ناتيء الجبهة، ولم يُذكر تشميره للإزار.

وأقول: وكأنني برسول الله يصف أقوامًا نراهم بيننا.

وجاء في وصف التدين الشكلي للخوارج القدماء جملة صفات تكرر ذكرها في أحاديث كثيرة. على سبيل المثال: في الأحاديث بصحيح البخاري (‏3610) و (6931) وبصحيح مسلم ‏(2503 -147/1064) ‏و ‏(2505 -148/1064) و (2499-143/1064) ومستدرك الحاكم على الصحيحين (2649) وسنن ابن ماجه (169)؛‏ وهي أنهم شديدو الاجتهاد في العبادة "يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ"‏ أي يجدها قليلة ويظنها أقل ثوابًا وقبولًا إذا قارنها ‏بصلاتهم، فهم يجهدون أنفسهم بالعبادة. و"يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ –حَنَاجِرَهُمْ-" أي لا يتعداها، والتراقي جمع ترقوة وهي عظم يصل ما بين ثغرة النحر والعاتق. وفي وصف آخر بحديث صحيح مسلم ‏(2501 -145/1064) "يتلون كتاب الله رطبًا، لا يُجاوز حناجرهم"، والمراد لا يفقهون ‏معناه، ولا تخشع له قلوبهم، ولا يؤثر في نفوسهم، فلا يعملون بمقتضاه.

ووصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم "يحسنون القيل ويسيئون الفعل" في أحاديث مستدرك الحاكم على الصحيحين (2648) ‏و (2649) و (2650) و (2659) وحديث مسند الإمام أحمد (5562 م3).

تحليل الزنا مع التبرير له

روي في كتاب "وقعة النهروان أو الخوارج" أن عبيدة بن هلال اليشكري الحنفي وهو أحد قادتهم وشعرائهم اُتهم بامرأة رجل حداد، رأوه مرارًا يدخل منزله بغير إذن. فأتوا خليفتهم (قطري بن الفجاءة التميمي)، فذكروا ذلك له. فقال لهم: إن عبيدة من الدين بحيث علمتم، ومن الجهاد بحيث رأيتم، ثم احتال له فأخبره بالخبر قبل أن يجمعه بهم. فقالوا: إنا لا نقاره على الفاحشة فقال: انصرفوا، ثم بعث الى عبيدة فأخبره.

وفي الأربعينات انكشفت فضيحة لأحد كبار جماعة الإخوان المسلمين أقام علاقات غير مشروعة متعددة مع زوجات بعض أعضاء الجماعة!

http://www.civicegypt.org/?p=34892

ويُحكى أيضًا عن أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين المعاصرين أنه قد تم تجنيده من قِبل الأمن للتجسس على زملائه لسنوات بسبب تسجيلات له مع سيدة تزوجها عرفيًا دون وليّ ودون إشهار!

ومن منا لم يسمع بزواج النكاح الذي ابتدعته داعش؟! والذي تعظم الداهية من ورائه بأنه ليس فيه استبراء رحم! والأعجب أن من أكثر ما ينكره هؤلاء المنافقين على بعض سفهاء الشيعة الإمامية أنهم لا زالوا يستحلون زواج المتعة الذي ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرّمه بعد أن كان حلالًا رغم أن زواج المتعة أفضل حالًا –رغم حُرمته- لأن به استبراء رحم!

أخيرًا أقول: قطع الله دابركم جميعًا كما قطع أدبار قرونًا قبلكم.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيلقد توصلت في المقال السابق الى أن آراء رشيد رضا ومواقفه وتقييمه لظاهرة الاستبداد تبدو بسيطة وساذجة مقارنة بما وضعه الأفغاني ومحمد عبده. كما أنها لا تقارن بما وضعه الكواكبي بهذا الصدد. وينطبق هذا في الواقع على كل ما تناوله من قضايا الفكر الكبرى المتراكمة في مجرى التطور التاريخي للعالم الإسلامي آنذاك والدولة العثمانية بشكل خاص

غير أن الأمر يختلف نسبيا فيما يتعلق بموقفه من القضية العربية وآفاق الظاهرة القومية (العربية). إذ نلمس هنا تطورا نسبيا يتسم بقدر كبير من الواقعية والعقلانية، لكنه لم يرتق إلى مصاف الخروج الفعلي صوب تعميق الأبعاد السياسية في الفكرة الإصلاحية الإسلامية. وقد تكون القيمة الوحيدة الكبرى في مجرى ارتقاء تصوراته وأحكامه بهذا الصدد، هو التذليل الجزئي والمرير للنفس اللاهوتية صوب تحريرها السياسي بمعايير القومية المتفتحة. من هنا مرورها بطريق متعرج لكنه متراكم بعناصر الواقعية والأبعاد الإنسانية. ومن الممكن الكشف عن ذلك على مثال القضايا الكبرى التي واجهت الفكر السياسي والنظري العربي آنذاك مثل قضية الدستور، واللامركزية، والعلاقة التركية - العربية، والقضية القومية العربية، ومسألة الدولة العربية المستقلة.

فقد تعرضت مواقف وآراء رشيد رضا إلى تطور ملحوظ. إذ نراه يتكلم في بادئ الأمر عن "الأمة العثمانية" حال الحديث عن ظهور القانون الأساسي ومجلس الأمة. مع ما رافقه من "استنشاق نسيم الحياة السياسية والشعور بالحرية"، و"الإحساس بالحياة والشرف، وإن الناس أمة واحدة، والاستراحة من ثقل الجواسيس ونفض غبار الذل وإعادة الحق بعد تشتته، ورجوع الأحرار من السجون والصحارى والجزائر المنفردة، وإمكانية استقبال كتب العلم والثقافة"[1]. بل ونراه يجعل من تجربة الدستور العثماني الأول أحد أهم الانجازات الكبرى. ولعل أهم صفة له مقارنة بغيره يقوم في انه جرى "الحصول على دستور بدون إراقة دماء، مما يجعل من تاريخنا أنظف من تواريخ جيراننا"(!!). وهو الوهم الذي يعكس بقدر واحد ضعف الدراية النقدية بالتاريخ السياسي للدولة، والحماسة المفرطة من "الهبة" الخيالية التي سرعان ما كشفت عن نفسها بوصفها رغوة سريعة الزوال. ولم يغير من هذا الانطباع التدقيق الذي أشار إليه رشيد رضا نفسه عن الصعوبات التي تقف أمام تطبيق الدستور، أو ما اسماه بالعقبات الكبرى مثل التعدد القومي (الجنسي) "للجنسية العثمانية"، وكذلك "المسالة الأدبية والسياسية". ووضع هذا التحذير في عبارة بلاغية تقول، بأن "من يجني ورد الحرية لابد له من توطين النفس لوخز شوكها". وكان يقصد بذلك أساسا الجانب الاقتصادي والديون الأجنبية.

وقد اكتشف رشيد رضا لاحقا سطحية هذه المفاهيم والآراء في مجرى صعود الفكرة القومية، أي كل ما حصل آنذاك على ثنائية العرب والترك، بوصفها الصيغة الملطفة آنذاك للقضية القومية. وقد تراكمت آراءه هنا في مجرى الصراع العنيف والدموي الذي ميز صعود "جمعية الاتحاد والترقي". وقد تطور موقفه بهذا الصدد صوب معارضة السياسة التركية والأتراك بمعايير الرؤية القومية السياسية وليس العرقية أو الدينية. فقد لاحظ رشيد رضا صعود الفكرة القومية التركية باتجاهها المعارض للعرب والتحرر العربي والقومية العربية، بأثر دستور 1908. وهي المفارقة الغريبة لهذا التحول "الديمقراطي" و"الدستوري".

وليس مصادفة أن يستغرب الرؤية التركية المتنامية عن أن العرب ينبغي أن يكونوا في علاقاتهم تجاه الدولة العثمانية مثل الجزائر تجاه فرنسا والهنود تجاه انجلترا. فقد استغرب هذا الموقف والسلوك وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "مصر حرة ومستقلة بذاتها وأرقى من الدولة العثمانية، وسبق لها قبل عقود أن احتلتها وفرضت شروطها عليها"[2]. وفي الوقت نفسه نراه يعارض فكرة ونفسية وممارسة تشديد الخلاف والصراع بين العرب والأتراك بشكل عام وإثارة النعرة الجنسية (القومية) بشكل خاص، لما فيها من خطر على الاثنين. لكنه في الوقت نفسه يواجه بقوة بروز ظاهرة الاستخفاف بتاريخ العرب والعرب أنفسهم. إذ وجد فيه نتاجا أما لجهل أو تحريف متعمد. وكلاهما أرذل من الآخر. وفي الوقت نفسه نراه يبحث عن الأسباب القائمة وراء بروز هذا الخلاف وأشكاله ومحدداته. فهو يشير إلى أن أحد أسباب اشتداد الصراع العربي التركي هو أن أغلب من ضحى بين العرب من أجل الدستور وتقوية الدولة على أسس سليمة جرى إخراجهم من السلطة أو إبعادهم عنها بعد انقلاب عام 1908. على عكس ما تمتعت به أقوام أخرى (غير إسلامية أيضا). كما رافق ذلك عزل أبناء العرب من الوظائف، والعمل على إضعاف اللغة العربية ومنعها من التداول، وكذلك إلغاء الدروس بالعربية وجعلها اختيارية، وإرسال معلمين أتراك لتعليم العربية للعرب! وأورد أرقام تؤيد ما يقوله. فنراه يشير على سبيل المثال، إلى أن من بين الخمس والسبعين مرسلا للدراسة في الخارج لا يوجد بينهم سوى اثنين من العرب فقط. في حين جرى تفريق العسكريين العرب في المناطق النائية والبعيدة للدولة. بل أن مجلس الأعيان لا يحتوي على عربي واحد، لا حسب المناطق ولا حسب السكان رغم أن العرب يشكلون أغلبية سكان الدولة!

لقد بحث رشيد رضا عن الأسباب القائمة وراء اشتداد الخلاف التركي العربي فوجده أولا وقبل كل شيء فيمن اسماهم بأوشاب وأوزاع من عناصر شتى تترّكوا أو اسلموا لفترة قريبة من أجل مصالح خاصة. ولاحقا سوف يدعوهم بيهود سلانيك. إذ وجد فيهم أغلب من وقف ويقف وراء تأجيج صراع الأتراك والعرب. فقد أججوا هؤلاء شائعة "الفكرة الانفصالية" ومحاولة لصقها بالعرب. بينما اعتبرها رشيد رضا مجرد تهمة لا علاقة لها بسلوك العرب، وذلك لأنه شخصيا لم ير ذلك. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن النخبة التركية سيئة الظن تجاه العرب وتتميز أيضا بالتعالي والغطرسة. كما أنها تقول باستحالة حصول العرب على استقلالهم. من هنا رده على هذه الاتهامات والغطرسة قائلا "إن عظمة الدولة العثمانية وعزتها وسائر ما يرجى لها في مستقبلها الدستوري يتوقف على العنصر العربي ما لا يتوقف على عنصر آخر من عناصرها بما في ذلك التركي". وبالتالي، فإن المشكلة بنظر رشيد رضا تقوم في تعالي النخبة التركية وعزلها للعرب وليس في ما يسمى بالانفصالية العربية. إن انهماك النخبة التركية بمصالحها الضيقة، ووقوعها فريسة يهود سلانيك والمنتفعين من كل شاكلة وطراز هو السبب الرئيسي الكامن وراء اشتداد الخلاف وإمكانية نموه اللاحق في صراع لا يمكن حله بوفاق. بل نراه يشدد على أن موقف العرب العام المؤيد والداعم للدولة العثمانية، وعدم محاربة العرب للأتراك كان على الدوام محددا بسببين وهما الإسلام وأرويا، وليس خوف الدولة العثمانية ولا التجزئة الداخلية للعرب ولا الجهل وما شابه ذلك من أوصاف. فقد غزى محمد علي باشا الدولة العثمانية في قعر دارها. وإن العرب أقوى بما لا يقاس من دول ومناطق كثيرة استقلت عنها. إن السبب الأساسي يكمن كما يقول رشيد رضا، في أن الإسلام كرّه للعرب فكرة العصبية القومية، كما أنهم يتخوفون من الأوربيين ومساعيهم للاستيلاء على الجميع من خلال إضعافهم بحروب بينية. أما ظهور النعرة العربية، فإنها كانت رد فعل على السياسة التركية، وسياسة التتريك (سوريا والعراق) ثم محاولة إدارة الجزيرة العربية بقانون خاص. عندها ظهرت فكرة الجنسية (القومية) العربية للحفاظ على اللغة العربية. أما السياسة القاسية وغير العقلانية التي اتبعتها جمعية الاتحاد والترقي من القتل والسجن والإبعاد في سوريا وغيرها من المناطق العربية هي التي أدت في نهاية المطاف إلى أن يصبح شعار الاستقلال وبناء الدولة العربية شعارا لا رجعة عنه. أما الاتهامات الأكثر ترددا في الدعاية التركية آنذاك عن العرب مثل الدعوة للانفصال وكره الأتراك وتأييد الانجليز، فإنها تتنافى مع الواقع والحقيقة. والدليل على ذلك حسبما يقول رشيد رضا هو قهر محمد علي باشا الدولة العثمانية وقدرته على القضاء عليها لولا الانجليز أنفسهم، وأن الصراع مع الانجليز كان قويا وعميقا في العالم العربي أكثر مما كان بين الأتراك والانجليز. غير أن انجلترا ساعدت العرب فقط في مجرى الصراع مع تركيا. بينما هناك الكثير من الناطق والدول العربية التي كانت خارجة عن السيطرة العثمانية. بل أن اليمن لم تعترف بسلطة العثمانية والخلافة، ويعتبرونهم بغاة أو فسقة أو ظالمون. إضافة لذلك أن اغلب وجهاء العرب كانوا اشد دفاعا عن الأتراك والدولة العثمانية من الأتراك أنفسهم.

وضع رشيد رضا كل هذه الحصيلة الفكرية والجدلية والتاريخية والوثائقية من أجل ما اسماه بضرورة معالجة هذه القضايا قبل أن تستفحل الرغبة في الانفصال، أي من الضروري تدارك الأمر قبل أن يتخذ صيغة لا رجعة فيها. وقدم بهذا الصدد بديلا يطالب العرب بعدم إطلاق العربية على الجمعيات وغيرها من أجل تلافي النزعة الجنسية (القومية)، وتطوير الولايات العثمانية نفسها بنفسها على أساس العلم والثروة. وفي النهاية توصل إلى استنتاج دقيق يقوم فحواه في أن "الصراع العربي التركي سوف يؤدي إلى انحلال الدولة العثمانية" في حال عدم حله على أسس واقعية تكفل إمكانية تطور الجميع بصورة حرة وسليمة ضمن دولة موحدة ولامركزية.

وشكلت هذه الأفكار المقدمة الذائبة في توسع وتعمق الفكرة السياسية عند رشيد رضا على خلفية التطورات السياسية الراديكالية التي عرضت لها الدولة العثمانية. إلا أن المسار العام لما يمكن دعوته بالفكرة العربية قد أخذ بالتوسع والتعمق والترسيخ بهيئة مفاهيم وقيم أكثر وضوحا ودقة. فنراه يشدد على فكرة الوحدة التركية العربية، وبالقدر ذاته نراه يتكلم عن احتياج الأتراك للعرب وليس العكس[3]. وبالقدر الذي يجعل من الضروري العمل من أجل الوحدة العربية التركية داخل الدولة الموحدة (العثمانية)، فانه يؤكد أيضا على أن لا ينسى العرب أنفسهم. وبالقدر ذاته نراه ينشر مختلف الآراء والقيم الداعية إلى إعلاء شأن الفكرة العربية، أي إبراز هوية الانتماء للنفس من خلال الاهتمام والتحضير للمستقبل، والتأكيد على أهمية التفكير بالمستقبل وانه يتوقف على الحاضر، وكذلك الاهتمام بالمدارس الوطنية والتعليم بالعربية، وتطوير الصناعة المحلية، والاهتمام بالعلوم التي يرتقي بها الاجتماع البشري. بل نراه يقر أيضا بما اسماه بالقدرة الذاتية للعرب على تصنيع السلاح بكافة أصنافه وتعزيز الدولة وتطوير سكك الحديد. ويطالب بالاهتمام بالجمعيات المدنية. وفي كل ذلك ينطلق من فكرة مالك بن انس القائلة، بأنه "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها". من هنا دعوته للنظر إلى الإسلام باعتباره عقائد وأخلاق وأعمال (عادات وعبادات). مع ما يترتب عليه من تعليم الدين بالطريقة التي "يبعث فيهم روح الدين ولا يبعدهم عن أمور الدنيا". ووضع ذلك في مبدأ "تعليم الناس حسب طريقة القرآن".

ودفعه التراكم البطيء والتدريجي المحكوم بفعل الحالة السياسية وتشنج مختلف مكوناتها آنذاك إلى إدراك القيمة المادية والمعنوية في الوحدة الوطنية والقومية. من هنا نقده المرير أحيانا لحالات ومقدمات وأشكال الاختلاف والتشرذم الجهوي والفئوي والديني والطائفي وبالأخص في سوريا ولبنان. فنراه يتكلم عن التفكك الداخلي لسوريا، الذي جعلها فريسة للأجنبي. كما نراه يشير إلى ما اسماه بخضوع الموارنة لفرنسا، والدروز للانجليز، واليهود لأنفسهم. ويتكلم عما اسماه بصراخ النصارى اللبنانيين، الذين يحتفلون بزيارة الفرنسيين ويبدون الحفاوة المبالغ بها للأجنبي. لكنه يتكلم في الوقت نفسه عن وجود غلاة ومعتدلين بين اللبنانيين. واعتبر "المناوئة اللبنانية لسوريا مبنية على التعصب والنكاية والغواية"[4]. وبالمقابل نراه يتفحص ظهور الدعوات السياسية لتوحيد سوريا الكبرى وأخرى لدمجها بالعراق والحجاز، وكذلك الدعوات المطالبة بالوحدة العربية بين جميع الولايات العربية العثمانية على قاعدة اللامركزية.

إلا أن الذروة التي بلغت فيها الفكرة السياسية تناقضها أو حالتها المعلقة هي وقوفها أمام قضية الدولة العربية ونظامها السياسي، كما تمظهرت آنذاك حول قضية الخلافة. ففي أحد مقالاته الخاصة بهذا الصدد نراه يشير إلى ما اسماه بظهور "المسألة العربية". وإذا كان الحجاز واقعها الجغرافي آنذاك، فإن ذلك لا يقلل من أو يضعف أبعادها الجوهرية، لاسيما وأن الحجاز والجزيرة عموما سوف تتحول في وقت لاحق إلى ميدان المعترك الفعلي لكشف المسار الدفين في فكرته السياسية. ففي بادئ الأمر يشير إلى انه لا يعرف كنه هذه "المسالة العربية" في الحجاز، لكنه يؤكد في الوقت نفسه على انه "لا يوجد استعداد مطلوب لإنشاء دولة فيها". فأمراء الجزيرة "متحاسدون متباغضون"[5]. وبالقدر ذاته يكتب في مقال (تأسيس حكومة مكة) قائلا، بأن ما يعجبه في أهل مكة وقادتها كون عداؤهم موجه ضد فئة الاتحاديين وليس ضد الأتراك والدولة العثمانية[6]. لكنه في الوقت نفسه يتكلم عما اسماه بالاحتياط لما ينبغي القيام به في حال سقوط الدولة العثمانية. وبالقدر ذاته تأخذ بالبروز حالة يمكن دعوتها بالوحدة الباطنية الدفينة بين الإسلام والعروبة. فنراه يتكلم عن أن الدين الإسلامي عربي. وأن البلاد العربية مهد الدين ومهبط الوحي. وأن ضعف السلطة الإسلامية كان بسبب تفرّق الوحدة العربية وتغلغل الأعاجم. أما الدولة العثمانية التي تحول العرب إلى جزء منها، فإنها في حالة تحلل منذ ثلاثمائة سنة. وهي في حالة فساد مستمر. وأخرها جمعية الاتحاد والترقي (يهود سلانيك). أضاعوا نصف الدولة، وأثقلوها بالديون، وإفقار الجميع، واتخاذ الأساليب القمعية في واجهة العرب. ومن هذه الحصيلة انطلق للمرة الأولى في دعوته لتأييد إنشاء الدولة العربية في الحجاز. وفي حالة استكمالها في البلاد العربية فهو خير بديل للدولة العثمانية. بل نعثر عنده هنا للمرة الأولى على تدقيق واضح لهذا المسار على مثاله الشخصي. فقد كتب بهذا الصدد يقول:"إنني عربي مسلم أو مسلم عربي. فانا قرشي علوي من ذرية محمد. فإسلامي مقارن في التاريخ لعروبتي"[7]. لكن الدعوة لقيام الدولة العربية المستقلة لا ينبغي أن تكون في تعارض مع المصلحة الإسلامية العامة. على العكس أن ضرورتها في تكاملها أيضا مع العالم الإسلامي، كما يقول رشيد رضا. وبلغت هذه الفكرة ذروتها في أحد المفاهيم الدقيقة التي عبر عنها عام 1917 عندما كتب حول ما أسماه بمصلحة العرب السياسية أن يكون لهم دولة مستقلة. وأعتبر هذه المصلحة والدولة أمر بديهي لا يختلف فيه عاقلان، انطلاقا من أن العرب أمة من أقدم أمم الأرض وأعرقها في الاستقلال. كما أنها صاحبة مدنية عالية وشريعة هي اعدل الشرائع المنزلة للبشر.... لكنها كادت أن تفنى مع كل ذلك لعدم وجود دولة مستقلة لها. ومن هذه المقدمة توصل إلى استنتاج دقيق وعميق يقول باستحالة ارتقاء أية أمة من الأمم بغير دولة[8].

لكن القيمة العملية والمنطقية أيضا للاستنتاجات العامة تبرز حالما يجري تطبيقها النظري والعملي على إشكالية الدولة ونظامها السياسي وفكرة البدائل السياسية. وهو الامتحان الأكبر الذي وقف أمامه رشيد رضا عندما برزت قضية ما يسمى بالصراع حول مكة والحجاز بين آل سعود وآل الشريف حسين، وقضية الخلافة أو الإمامة العظمى.

فقد اتسم موقفه هنا بقدر من التجانس ولكن على أسس مذهبية وسلفية أكثر مما على أسس إصلاحية تأخذ بنظر الاعتبار حجم الانقلاب الهائل في المفاهيم والقيم الذي أدخلته الإصلاحية الإسلامية بشخصية الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي على منظومة الفكرة السياسية. فقد كان نقده لآل الشريف حسين ومعارضته الشديدة لهم مبنية بقدر واحد على نوازع سياسية وعقائدية. ولم يخل كلا الجانبين من اتهامات، كشف التاريخ اللاحق عن عدم دقة أغلبها، أو على الأقل أنها لم تأخذ بنظر الاعتبار طبيعة التحول السياسي الفعلي على الصعيد العالمي والاحتمالات الكامنة في القوى المتصارعة. فقد انطلق رشيد رضا من أن الصفات الجوهرية لأل الشريف حسين تقوم في استعدادهم للخيانة ومحبتهم للسلطة والجاه. ومن ثم استعدادهم للخضوع إلى الانجليز والموافقة على كل مطالبهم مقابل البقاء في السلطة. وذلك لأنهم باعوا الأرض للانجليز في الحجاز فما هو المانع من بيعهم بعض سوريا أو كلها؟ وبالتالي فأنهم نموذج للخيانة الوطنية والتاريخية والإسلامية. وبأمثالهم جرى استعمار العالم الإسلامي. وإذا كان إغواءهم للانجليز مبني على أساس أنهم ممثلو العرب والنهضة والإصلاح، فإن همهم الوحيد هو الاستيلاء على سوريا والعراق والأردن إضافة للحجاز. وليس ادعائهم بأنهم ممثلو التقدم والإصلاح سوى خديعة لأنه لا توجد في الحجاز أحزاب معارضة ولا شرعية ولا دستور[9]. إضافة لذلك انه ليس لآل الشريف حسين قوة ولا عصبية في بلاد الحجاز أو غيرها من بلاد العرب. مما جعله يطالب بعدم الصلح معهم بأي شكل من الأشكال لأنه وجد فيه خطأ وخطيئة.

وبالمقابل نراه يجد في آل سعود نقيضا تاما لآل الشريف حسين. إذ نراه يجد في الأمير فيصل من يشهد له العقل والمصلحة بجودة الرأي والإخلاص للبلاد. وأن آل سعود لا يخونون البلاد ولا يخضعون للأجنبي(!). وانه إذا زحف آل سعود لإنقاذ العراق لأهله فإنما يعني مانعا أمام انتشار وسيادة الانجليز(!!)، وأن رجال العرب كانوا يقدرون قوة آل سعود ويحبذون تطويرها وتسليحها الجيد والجديد. وبإضافتها إلى قوة الإمام يحيى يمكن حفظ الجزيرة من التدخل الأجنبي. مع ما فيه من تقوية للدولة العربية وتجديد شباب هذه الأمة(!). بل وتوصل إلى أن سقوط ابن سعود يعادل سقوط العرب! والشيء الوحيد الذي أخذه عليهم هو ما اسماه بنقصهم الأخذ بالنظام الحديث، إضافة إلى بعض ما أخذ عليهم من مآخذ في قتل بعض من عاداهم إضافة إلى هدمهم للمباني الأثرية. بل ووجد في كثير من هذه الأشياء مجرد اتهامات نشرها ضدهم أعدائهم من آل الشريف حسين.

وحالما يجري دمج الرؤية العقائدية والمذهبية في التفسير السياسي للأحداث الجارية آنذاك ومحاولة استشراف مستقبلها بالنسبة لآفاق الدولة العربية، فإننا نقف أمام اضمحلال وتلاشي الروح النقدي والعقلاني والمستقبلي لقيم ومبادئ الإصلاحية الإسلامية. فقد نظر إلى كل من هاجم أو عارض الوهابيين (آل سعود) باعتباره صناعة محاكة في مغازل آل الشريف حسين وأعدائهم من خصوم السنّة الحقيقية والإسلام[10].

تتسم جملة من آراء ومواقف رشيد رضا هنا بقدر كبير من الواقعية والدقة والسلامة من حيث مقدماتها التاريخية وأبعادها السياسية العامة آنذاك. بل نراه يستشهد بآراء الجبرتي (مؤرخ مصري) في نقله وقائع الحرب بين الوهابيين وجيش محمد علي باشا من وجهة النظر الأخلاقية أيضا ليكشف عن فضائل الوهابيين ورذائل جيش محمد علي باشا، الذي كان اغلبهم من المرتزقة[11]. لكنه عوضا عن أن يدفع هذه الفكرة صوب أبعادها السياسية الإصلاحية، بمعنى رؤية الكمون الخطر في الوهابية أيضا بوصفها أيديولوجية التعصب والانغلاق المذهبي والجمود العقلي، نراه يبحث فيها عن مخرج المستقبل الأرقى. وذلك عبر مطابقته بين المستقبل و"السّنة الحقيقية" و"أهل السلف" و"الإسلام". الأمر الذي جعله يقف إلى جانب الوهابية بوصفها الممثل التام والأكمل لحقيقة الإسلام! بل ونراه ينطلق في التأسيس لذلك من استعادة القيم الفقهية البالية عن "البدعة" و"السنّة" وما شابه ذلك من مداخل "منهجية" هي بحد ذاتها خروجا على مقومات وتقاليد الإصلاحية الإسلامية وتراثها الفكري والسياسي. الأمر الذي جعله يسحب الفكرة الإصلاحية الإسلامية نفسها وراء ذيول الوهابية. ومن ثم ربط أو إعادة تأويل تراثها العقلي والعقلاني والإنساني عبر إخضاعه لرؤية متزمتة وبدائية.

ففي معرض دفاعه عن الوهابية نراه ينطلق من الفكرة القائلة بضرورة محاربة البدعة، وأن كل بدعة ضلالة[12]. من هنا دفاعه عن الوهابية والوهابيين، واصفا إياها "بالمقتدين والمعتصمين بسنّة الرسول" على عكس أولئك الذين يعظمون القبور وأمثالها من الأعمال الوثنية والمخالفون لجميع الأئمة. من هنا تقييمه العالي لابن تيمية، واصفا إياه باعتباره أحد النماذج الرفيعة للفكرة الإسلامية[13]، بينما اعتبر محمد بن عبد الوهاب مجدد الإسلام والداعية للسنّة الحقيقية وأتباعه وأحفاده وأمراء نجد من آل سعود[14]. وكل ما يعارض ذلك هو مجرد تشويه قام به آل الشريف حسين والانجليز. والدليل على ذلك سلوك الوهابيين بعد استيلائهم على الإحساء كشف عن أنهم لم يعاملوا الشيعة معاملة الكفار(!!) مع أن الخلافات بين الوهابية المتعصبين للسنّة وبين الشيعة شديد جدا. وهو السبب الذي جعل الشيعة العرب والعجم يحملون عليهم حملة شعواء!

إننا نعثر في تراكم هذه المواقف السياسية عن حلقات تتوحد في قيود عقائدية وسياسية تكبّل الروح والجسد الإصلاحي الإسلامي وتسحبه أكثر فأكثر صوب أشد المواقف تخلفا وسلفية. وليس مصادفة أن نعثر في آخر كتاباته أيضا على بروز متعصب وضيق تجاه الصراع "السني الشيعي" بمعايير المذهبية الضيقة في تناولها لإشكاليات التاريخ السياسي والعقائدي. بحيث نراه يضع مقارنة "السنّة والشيعة" بعبارة "الوهابية والرافضة". وهي استعادة ميتة لتقاليد الاتهام والتكفير المميزة للسلفيات الإسلامية القديمة. كما أنها تعيد أكثر الصيغ تخلفا للتكفير المبطن. ففي معرض نقده لظاهرة التشيع في مجرى صراعها مع السلفية الراديكالية للوهابية نرى رشيد رضا يبدأ بالتقديم لمقالاته بالآيات التي تحتوي على كلمة شيع وتشيع بوصفها تفرقة مع ما فيها من إيحاء مستتر بلصق فكرة التفرقة بالتشيع. وتتضح معالم هذا الموقف في مجرى إعادته للأفكار المتكررة والمسطحة عما يسمى بافتراق الأمة. بحيث نراه يقول "كان التشيع للخليفة الرابع علي بن أبي طالب مبدأ تفرق هذه الأمة المحمدية في دينها وسياستها. وكان مبتدع أصوله يهودي اسمه عبد الله بن سبأ"[15].

إننا نقف هنا أمام تسطيح لظاهرة التفرقة والصراع الفكري والسياسي والعقائدي في تاريخ الإسلام سواء من حيث رؤية المقدمات أو من حيث نسب الظاهرة "لليهود". بعبارة أخرى، إننا نقف أمام صيغة عقائدية مبتذلة لربط فكرة التشيع بأصول يهودية مبنية على العداء بين قومه اليهودي والنبي محمد. بل ونرى رشيد رضا يستكمل هذه الفكرة بأخرى أسوء عندما يشدد على انه "إذا جرى إصلاح اليهود بعد أن جرى إرجاعهم إلى فلسطين"، فان "بدعة التشيع قد سرت بالدعاية السرية وكانت أقوى الأسباب في العداوة السياسية"[16]. أما لاحقا، فقد أدت إلى استيلاء زنادقة الفرس عليها بعد اليهود. مع ما ترتب عليه من بحثه في الفرس عن سرّ ما اسماه بالفساد الديني للإسلام بإظهار الغلو، وسرّ الفساد السياسي بإظهار الدعوة للعلويين ثم البرامكة. باختصار انه أراد أن يقول بأن تاريخ التشيع هو تاريخ الدسيسة ضد الإسلام[17].

ولم يقف رشيد رضا عند هذا الحد، بل نعثر عنده أيضا على استعادة عادية لهذا النوع من التقاليد المتخلفة التي تجعل من الرافضة (الشيعة) مصدر الغلو والغلاة في الإسلام. ومع انه أحيانا يشير إلى أن المعتدلة بين الشيعة هم الزيدية، وأن الشيعة الإمامية اقرب إلى الزيدية، لكنه يؤيد في حين آخر الفكرة القائلة، بأن الزيدي يجرّ المرء إلى الرفض والرفض إلى الزندقة! بحيث نراه يجد في كتابات السيد محسن أمين العاملي ونقده للوهابية نموذجا للتطرف والبدع والكذب[18]. ويستكمل ذلك بعبارات مثل "أكثر البدع والخرافات جاءت من غلاة الشيعة. ومنهم وعبرهم سرت إلى التصوف"[19]. وبالمقابل يعتبر مهاجمة الوهابية هجوما على السنّة والإسلام. والشيء نفسه عن ابن تيمية[20]. وانتهى في نهاية المطاف للإقرار، بان "الإمام عبد العزيز بن آل سعود ملك الحجاز ونجد" هو القائم على تطبيق مذهب أهل السنّة بطريقة "لم يسبق لها نظير بعد الخلفاء الراشدين"[21]!

إن الانحدار التاريخي للفكرة الإصلاحية عند رشيد رضا التي وجدت في الوهابية ممثلا حقيقا للسنّة والإسلام، وفي شخصية آل سعود نموذجا لرجال الدولة، وفي الدولة الوهابية السعودية مثالا للتوحيد والاستقلال، تكشف عن طبيعة التدهور الدفين في الفكرة الإصلاحية بشكل عام ونموذجها السياسي بشكل خاص. وحصل هذا التدهور والانحطاط على صورته غير المباشرة في الامتحان الأكبر الذي واجهه رشيد رضا تجاه مشكلة حلّ الخلافة من جانب الدولة التركية الجديدة. إذ لم تكن آراءه ومواقفه التي وضعها في كتاب (الخلافة أو الإمامة العظمى) سوى الوجه الآخر للتدهور المشار إليه أعلاه. بمعنى انه لم يكن أكثر من تكرار وترديد لا قيمة له لما في كتب العقائد الكلامية أمثال التفتازاني (ت-791 للهجرة) والشروح اللاحقة وبعض شذرات من آراء الجويني والماوردي وغيرهما مما يصب في إطار إبراز الصيغة التقليدية عن مفهوم الإمامة والإمام وشروطهما وبيان الأفضل فيها[22]. وهي صيغة لا قيمة علمية فيها. كما أنها لا تتعدى مجرد استظهار عقائدي بسيط لا يحتوي على أي تحليل تاريخي لشروط ظهور المشكلة وصراع الأفكار آنذاك، أو ضمن شروط مرحلة ما بعد انهيار الدولة العثمانية وحل الخلافة. لكنها تدعم بصورة غير مباشر النزوع السلفي للدفاع عن فكرة الخلافة كما هي.

مما سبق يتضح، بأن رشيد رضا لم يقدم أي فكرة جوهرية جديدة ضمن سياق الفكرة الإصلاحية الإسلامية. كما انه لم يطور أي من آراء الإصلاحيين الكبار الذين سبقوه (كالأفغاني ومحمد عبده والكواكبي). إضافة إلى خلو أفكاره من أي مشروع جديد في الإصلاح. أما منهجه ومستوى تحليله وأسلوب نقده للواقع ورؤيته للبدائل فقد كان خطوة إلى الوراء مقارنة بأسلافه. وينطبق هذا بالقدر ذاته على كل ما قدمه من تفسير للقرآن. إذ لا قيمة علمية ولا فكرية ولا إصلاحية فيه.

لقد تمثل محمد رشيد رضا العناصر الثانوية في الإصلاحية الإسلامية. ولم يأخذ سوى الباقي من منخولها الفكري والمنطقي والروحي. انه حاول جمع قشورها في ما يمكنه أن يكون قطعة جديدة في رؤية البدائل السياسية، لكنه وظف الروح الحماسي والبذور العقلانية في الإصلاحية الإسلامية تجاه جملة من القضايا المتعلقة بالتاريخ السياسي الحديث للعالم العربي، بينما ظل بعيدا عن الغاية والنموذج الذي مثله الأفغاني والكواكبي بشكل خاص. أما محاولته دمج الوهابية في روح الإصلاحية فقد أدى إلى انحرافها الباطني ونمو العناصر الضيقة للسلفية المتشددة في الفكر والرؤية. بحيث يمكننا القول، بأن ما قام به بهذا الصدد قد أدى إلى تأسيس التيار "السلفي" الجديد، ومن ثم أعطى للأفكار القديمة وهج "المعاصرة". من هنا قدرتها على تخريب وتحنيط العقل المعطر بهيبة التقاليد القديمة لعلم الكلام وثقل الآيات. مع ما ترتب عليه من ترسيخ نفسية وذهنية المراوحة في الفكر والسياسة. فهو لم يستطع كسر الطوق الخفي في إصلاحية الجهاد والاجتهاد الإسلامية. على العكس انه أرجعها إلى بدايتها الأولى وقضى ضمن تقاليد الإصلاحية الإسلامية على حقائق الروح الإصلاحي وتراكم نزوعه العقلاني. بل أصبح من حيث طاقته الكامنة والدفينة رجوعا إلى أشد النماذج تقليدية وتحجرا في التراث الإسلامي الإصلاحي كما هو جلي في تعظيمه وتبجيله لابن تيمية. ومن ثم الانغماس في ملذات الوهابية وعطورها المبخرة بحديث أهل السنّة والجماعة،أي بقديمها المتكرر في متون الكتب الغابرة والمغبورة! من هنا عدم قدرته على دفع آراء واستنتاجات الإصلاحية الإسلامية إلى آفاق جديدة في ظل انهيار الخلافة. وهو السبب الذي جعل منه مصدرا متناقضا لتيار الليبرالية الإسلامية الناشئ (علي عبد الرازق) والتيار السلفي الأكثر تجانسا وتشددا (الإخوان).

لقد كانت إصلاحية رشيد رضا تفتيتا للفكرة الفلسفية ومنظومة الفكرة الإصلاحية. أنها لم تتعد في الواقع أكثر من اجترار بسيط متنوع وضيق في الوقت نفسه لبعض المفاهيم والقيم الإصلاحية. لكنها كانت تندثر وراء التيار العارم للنزعة السلفية المتحجرة والمذهبية الضيقة. فإذا كان الأفغاني ومحمد عبده على سبيل المثال لم يقبلا بأكثر الشخصيات "إصلاحية" في الحكم، بحيث نرى محمد عبده يهاجم حتى محمد علي باشا بقسوة لا مثيل لها، بينما وقف الكواكبي ضد كل نماذج السلطة آنذاك بوصفها استبداد لا يستحق غير الزوال، فإن رشيد رضا يجد في الإمام يحيى وآل سعود نموذجا يحتذي به بالنسبة لقوة الدولة والأمة والدين! وإذا كانت التجربة التاريخية للإصلاحية الإسلامية تتبلور حتى نهاية محمد عبده في منظومة فلسفية واضحة المعالم والقواعد والمبادئ والغايات، فإنها تحولت في "اجتهادات" رشيد رضا إلى زعقات شحيحة المعنى ومنزوية في أقبية الاستعادة المملة للتفسير. وإذا كان تفسير محمد عبده هو إخراج له من الكتاب إلى الواقع، فإن ما قام به رشيد رضا هو بالعكس تماما. بعبارة أخرى، لقد دفع رشيد رضا الفكرة الإصلاحية الإسلامية صوب الانغلاق والموت البطيء. بينما كانت الصرخة الأخيرة أو الحشرجة الفردية لعلي عبد الرازق الاحتجاج الأولي والأخير عليها آنذاك.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] رشيد رضا: مجلة المنار المجلد 11، ج6، ص

[2] رشيد رضا: مجلة المنار، مجلد 12، ج 12، ص

[3] رشيد رضا: مجلة المنار، المجلد11، ج12. ص

[4] رشيد رضا: مجلة المنار، المجلد 17، ج8، ص617-627.

[5] رشيد رضا: مجلة المنار، مجلد 19، ج3، ص144-158.

[6] رشيد رضا: مجلة المنار، مجلد 20، ج6، ص280-288.

[7] رشيد رضا: مجلة المنار، المجلد 20، ج1، ص33-34.

[8] رشيد رضا: مجلة المنار، المجلد 20، ج1، ص 35-47.

[9] رشيد رضا: مجلة المنار، المجلد 26، ج6، ص454-477.

[10] رشيد رضا، الوهابيون والحجاز، ص7.

[11] رشيد رضا، الوهابيون والحجاز، ص 16-17.

[12] رشيد رضا، الوهابيون والحجاز، مصر، مطبعة المنار، 1344 هجرية، ص2

[13] رشيد رضا، الوهابيون والحجاز، ص4-5.

[14] رشيد رضا، الوهابيون والحجاز، ص6.

[15] رشيد رضا:السنة والشيعة، أو الوهابية والرافضة، دار المنار، القاهرة، ط2، 1947، ص4.

[16] رشيد رضا:السنة والشيعة، أو الوهابية والرافضة، ص5-6.

[17] رشيد رضا:السنة والشيعة، أو الوهابية والرافضة، ص6-7.

[18] رشيد رضا:السنة والشيعة، أو الوهابية والرافضة، ص23.

[19] رشيد رضا:السنة والشيعة، أو الوهابية والرافضة، ص24.

[20] رشيد رضا:السنة والشيعة، أو الوهابية والرافضة، ص26-27.

[21] رشيد رضا:السنة والشيعة، أو الوهابية والرافضة، ص49.

[22] رشيد رضا: الخلافة أو الإمامة العظمى، مطبعة المنار، مصر، 1341-1922.

 

ميثم الجنابي"أكثر الخلق يرون كل شيء سواه فيستشهدون عليه بما يرونه.

 والصديقون لا يرون شيئاً سواه فيستشهدون به عليه" (الغزالي)

 فعندما بدأ الغزالي بتخطي منظومة الكلام ومواقفه وحلوله التقليدية منذ بدايات "مرحلة الانتقال" إلى التصوف في (ميزان العمل) لتتخذ في بداية (إحياء علوم الدين) ما سبق للفارابي أن صاغه عن الكلام باعتباره علما لا يمت للبحث عن الحقيقة بصلة، ولكنه قادر على خدمة السلطان من حيث تحكمه في العوام. وسوف يشاطر الغزالي جزئياً هذه الفكرة. إذ أكد في (إحياء علوم الدين)  على أن الكلام بحد ذاته يمكنه أن يقدم خدمة للدولة من حيث إمكانية توحيد الجماهير في الدفاع عن عقائد إيمانهم. إلا أنه لم يربط ذلك بمصلحة الدولة ولم يسع لإعطاء قيمته الأيديولوجية نزوعاً تبريري، بل ربط ذلك بضرورة تقليص عدد المتكلمين وتحسين نوعيتهم. إلا أنه لم يسلك في موقفه من هذه المعادلة سلوك السياسي العملي، بل المصلح الأخلاقي. حيث اشترط في مهام الدولة اهتمامها بالمتكلمين باعتبارهم مصلحين مدافعين عن إيمان العوام مطالبا بإتصافهم بالنقاء الأخلاقي وحسن السيرة وسعة الاطلاع.

إننا نعثر منذ بداية (إحياء علوم الدين) على اتجاهين متعارضين متوازيين في موقفه من علم الكلام والمتكلمين. فهو يشدد من جهة على المحدودية المعرفية لعلم الكلام، ومن جهة أخرى على ضرورته الأيديولوجية. إلا أن هذا الاتجاه الأخير تضمّن في ذاته أيضا عناصر تحلله. وهو ما يمكننا العثور على بعض انعكاساته الأولية في مواقفه المناهضة لتقليد المتكلمين وتعصبهم. مما جعله يشدد بقوة متزايدة على دور المتكلمين والكلام التخريبي لكيان الأمة الاجتماعي السياسي ووحدتها الروحية.

فهو يشير في (إحياء علوم الدين) إلى أن الكلام أخد يوّلد "تعصبات فاحشة وخصومات متفشية مفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد"[1]. ولا يمكن فصل هذا التعارض والتناقض في آرائه عن تزاوج واستمرارية تقاليد الكلام في رؤيته للقضايا وبقاياه المنفية في مجرى تطوره العقلي الأخلاقي. ومن الممكن البحث في هذه الجوانب عن أسباب الإطراء والازدراء الفاضح أحيانا في موقفه وتقييمه للكلام والمتكلمين. ويكشف ذلك عن ظاهرية الظاهرة لا حقيقتها. فقد ارتبط "إعجاب" الغزالي بالكلام بوظيفته الاجتماعية والعقائدية الدينية. أما "ازدراؤه" له فبفعل فقدانه إمكانية رؤية حقائق الأشياء على ما هي عليه، أي أننا نعثر على نفس الفكرة التي أخذت تتبلور في مجرى تطوره ما قبل (إحياء علوم الدين) حتى (المستصفى من علم الأصول) و(إلجام العوام عن علم الكلام) بوصفها استمرارا للموازاة المتعارضة بين الدفاع عن الكلام باعتباره علم الدفاع عن عقيدة العوام، ورفضه إياه باعتباره فنا لا يبحث عن الحقيقة.

ان وجود علم لا علاقة له بالبحث عن الحقيقة هي مفارقة "علمية" بحد ذاتها. كما أنها إشكالية الانتاج الفارغ بوصفه الكمية المبتذلة والتي عادة ما ترافق كل إبداع كبير وبالاخص ضمن سياق التطور الكبير للثقافة. لكنه في حال التجرد من اصطلاحات المرحلة والنظر إلى علم الكلام باعتباره فنا من الفنون أو علما من علوم الدين، فإن ما هو جوهري في استثارة وجوده التاريخي هو احتراف فن الدفاع عن الإسلام وعقائده. وبما أن الاسلام هو الكيان والكينونة اللذين احتويا على قوة الأمة بكافة فرقها ومذاهبها، فإن تطور الكلام لم يفعل إلا على تمحوره في قضاياه. وعندما يعتبر الغزالي هذا الكلام علما لا يبحث عن الحقيقة، فإنه لا يقصد بذلك سوى عدم قدرته على التجرد من احترافه المذهبي والفرقي الضيق ودورانه الدائم ضمن فلك موضوعاته العتيقة، أي انه لا يفعل إلا على اجترار ما فيه. وقد لازمت هذه الصفة علم الكلام منذ وقت مبكر نسبيا وتكلست حتى زمنه في نماذجها الجافة وتنوعها المتحذلق. وبهذا المعنى، فإن انتقاده للكلام هو انتقاد لكلام عصره أساسا. إلا أن هذا الانتقاد العميق والمتجانس لتقاليد الكلام لم يمنعه من رؤية وظيفته الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية، باعتباره علم الدفاع عن عقائد العوام. لهذا كان بإمكانه أن يجد فيه قوة "توحيد" الأمة في عوامها. وفي الوقت نفسه أدرك أيضا خطورة تفتتها بفعل الكلام نفسه وذلك بسبب تحزبه الضيق للفِرق والمذاهب. 

فقد أدت حالة علم الكلام التاريخية والفكرية إلى صيرورة نموذجين من الكلام في مجرى تطور آرائه، وهما الكلام التقليدي والكلام الفلسفي، ومستويات ثلاثة في موقفه واستيعابه لحقائق الكلام ومهماته وهي كل من المستوى الإيماني الكلامي، والمستوى العقلي الفلسفي، والأخلاقي الصوفي.

ولا أعني هنا بالكلام التقليدي سوى ذلك النمط الفكري وقضاياه المحدودة التي بلورتها ثقافة الإسلام العقائدية، أو كل ما صاغه بفكره العلم المدافع عن عقائد إيمان العوام بفعل كونه العلم الذي يبني أدلته وبراهينه الجدلية على التقليد والهيبة كما قال في (إحياء علوم الدين)، أو على "قبول الدليل جميعا لحسن الظن في الصبا" كما قال في (المستصفى من علم الاصول)[2]، أي ذات النظرة الآخذة في التعمق منذ أول أعماله الصوفية الكبرى، حتى آخر أعماله الفقهية الأصولية الكبرى. وإذا كان موقفه المعارض لهذا الكلام مبنيا على أساس معرفي خالص، فإن ذلك لا يعني غياب نموذجه في آرائه ومؤلفاته ومنظومته بما في ذلك في مرحلته الصوفية. لقد أبقى عليه كجزء مكمل يستمد مقوماته من استيعابه الواقعي للإصلاح في مهامه وغاياته وحدوده العملية.

بينما بقى الكلام الفلسفي جزءاً جوهريا في تطوره الفكري. وعبّر حتى آخر مراحل ابداعه النظري، عن المستوى العقلي في استيعاب حقائق القواعد الإيمانية، ومثَّل الصيغة العليا في مضمونه كما هو مميز للنموذج الأول. بمعنى استمرارية فعالية الثقافة الكلامية التي أبدعت وبلورت الاطار النظري لكلامه وفقهه، أي أن بقاءه كان التمثل الواعي لضرورته النسبية في منظومة الإصلاح العملية الاجتماعية والسياسية والفكرية الأخلاقية كأيديولوجية لعوام المثقفين والجمهور.

أما في إطار مستويات استيعاب حقائق الكلام ومهماته، فإنها تعكس الصيغة النظرية العلمية لتطور مواقف الغزالي من الكلام وتعميقها في مجرى صيرورة تآلفه اللاهوتي الفلسفي الصوفي. فمواقفه من الكلام تظهر في تآلفه الفكري كدرجات أو مستويات منفية. وفي الاطار العام، يمكن القول، بأن ما يميز الكلام في مستواه الإيماني هو تعبيره عن حالة ونفسية الدفاع عن عقيدة العوام وعن نزوعه الإيماني، واهتمامه بقضايا العبادات، وتمثيله في وحدته منظومة ما قبل الأيديولوجية. أما في مستواه العقلي الفلسفي فهو تعبير عن حالة ونفسية الدفاع والهجوم الأيديولوجي، وعن نزوعه العقائدي، واهتمامه بقضايا العبادات والعادات، وتمثيله في وحدته منظومة الأيديولوجية الدينية. أما في مستواه الأخلاقي الصوفي فهو يضمحل في حالة ونفسية الهمّ الصوفي ونزوعه الأخلاقي واهتمامه بقضايا المهلكات والمنجيات، وتمثيله في حصيلته العامة بقايا الأيديولوجية المنفية في البديل المعرفي الأخلاقي.

إضافة لذلك، إن لهذه الشكلية العامة إطارها الآخر، والذي يمثل في نمطيته الاجتماعية السياسية علاقة الجمهور والسلطة والتصوف (الفردي المتسامي). غ ير أن الغزالي لم يعر اهتماما مباشراً لهذه القضية. فهو يتناولها كأجزاء متناثرة في مختلف القضايا التي تشكل محور اهتمامه الفكري والديني الإصلاحي. وفي الإطار العام، يمكننا الحديث عن اتجاهين ومرحلتين في مواقفه من الكلام كأيديولوجية، واللتين تطابقتا من حيث حقيقتهما المجردة مع مواقفه الأيديولوجية والعلمية من الكلام. فمن الناحية التاريخية المنطقية استمدت معارضته للكلام مقوماتها الأولى من وعي محدودية الكلام المعرفية وتحديد هويته باعتباره علما للدفاع عن عقيدة العوام، أي اكتشاف طابعه الأيديولوجي. وأن تطوره الروحي الأخلاقي اللاحق قد دمج في عناصر ضعف الكلام كل من جموده الروحي وافتقاده إلى عناصر القوة الأخلاقية الداخلية.

لهذا نعثر في أول وأكبر صياغة شاملة للموقف المعارض من الكلام في (إحياء علوم الدين) على محاولة ربط الجانب المعرفي بالأخلاقي في انتقاده للكلام. وقد جعله ذلك يقدم في آن واحد، جانبين متوازيين الأول في ضرورة إصلاح المتكلمين من خلال الدولة (بعد إصلاحها) وإصلاح النفس (من جانب المفكرين)[3]. والثاني في ضرورة إدراك المتكلمين محدودية الكلام والتركيز فيه على أهمية تلقين العقيدة العامة وتأمل تجربة السلف الأخلاقية الروحية. وقد تناول الجانب الأول بصورة غير مباشرة في معرض تحليله وتقييمه لآراء الفقهاء الكبار ومواقفهم من الفقه والكلام، والجانب الثاني في (الرسالة القدسية) والمقاطع المتناثرة في مؤلفاته المختلفة ما بعد (إحياء علوم الدين).

لقد أبقى في الشطر الأول على أهمية الكلام من حيث وظيفته في تلقين الصغار قواعد العقيدة التي يجري اكتشاف ما فيها لاحقا من مضامين حقيقية. أما في تأمل تجربة السلف، فإنه حاول إيجاد الوهج الروحي في ممارسته العملية. لهذا ركز في مفهوم تتبع السلف على فكرة "سبيل المجاهدة" لا التقليد[4]. انه طالب بسماع أخبار الماضي لا مشاهدة تجربة المعاصرين وأراد بذلك إظهار قيمة الماضي من حيث نموذجيته المجردة. وبالتالي تخليص المعاصرين من مهمة تقليد الماضي والحاضر. وفي هذا ينعكس الاستيعاب التوليفي الجديد لعلاقة الأيديولوجية بالعلم واضمحلالها في أخلاقية التصوف.

إن إدراك بقايا الكلام وأهميته في منظومته الصوفية تشكل الاستيعاب الجديد لأحد مستوياتها في التعامل مع قضايا العبادات والعادات في ارتباطها بالعالم النفسي الأخلاقي للمهلكات والمنجيات. بصيغة أخرى، إن تناوله لقضايا الكلام في مرحلته الصوفية لم يعد تقليدا لموضوعات الكلام، بل استمرار نوعي جديد لما يمكن دعوته بالتسنن الأخلاقي المتسامي لا السلفية العقائدية.

فوقوف الغزالي ضد الكلام أو انتقاده الشديد لما فيه لا يعني غياب وحدته الثقافية كمنظومة عقائدية في تآلفه الصوفي. إذ لا يمكن فهم حقيقة هذه الوحدة الثقافية للمنظومة العقائدية خارج إطار تطوره الفكري وموقع الكلام في "انقلاباته" الروحية، أي كل ما يعطي لنا إمكانية الإقرار بالوجود الذائب لتقاليد الكلام وعناصره العقلانية أو ما أسميته بالوحدة الثقافية الذائبة في التآلف الصوفي. غير أن هذا الذوبان لم يجر فقط من خلال انحلال الأطر التقليدية لعلم الكلام، بل ومن خلال تغيير وتنوع مستويات دراسة موضوعاته.

فموضوعات علم الكلام ما كان بإمكانها أن تغيب عن نظره، أو أن تفتقد شرعيتها وحيويتها بفعل انتقاله إلى التصوف. والقضية هنا ليست فقط في أن موضوعات علم الكلام هي موضوعات الحضارة الإسلامية وثقافتها الروحية والعقلية، وتقاليدها في دينها ودنياها، بل ولأنها العصب الحساس لمقياس العقائدية الدينية. ولا يغير من جوهر هذه الظاهرة واقع تعرض هذا العصب إلى اليبوسة التدريجية، بفعل تحول الكلام من علم الدفاع المقاتل عن عقائد الإسلام إلى أسير موضوعاته الأولية واجترارها المتكرر، أي كل ما جعل منه مجرد مجموعة متناثرة لقطع الأيديولوجيات المتناحرة. وذلك لأن حيويته النسبية أو مصدر فعاليته الوجودية ظل مرتبطاً بوجود وفعالية العقيدة ذاتها. وهذا ما يفسر أيضا الأسباب القائمة وراء نظرة الغزالي إلى الكلام، حتى في آخر أعماله الكبرى (المستصفى من علم الأصول) باعتباره "العلم الأعلى في الرتبة وعلم الدين الكلي"[5].  انه شخّص وظيفته الواقعية في منظومة العلوم الدينية الظاهرية كالفقه والأصول والتفسير وغيرها. وعلى الرغم من انه لم ير في علم الكلام شرطا ضرورياً لأصول الفقه والتفسير، إلا أن وضعه إياه "في المرتبه العليا" والعلم الكلي، يكون قد تضمن في ذاته التقرير النظري لموقعه في منظومة العلوم الدينية باعتباره جامع الميادين النظرية والدينية. وبهذا المعنى، فإنه ظل يلعب هنا دوراً ضرورياً في تطور القضايا التقليدية لعلوم الدين كالنبوة، والإسلام، والإيمان، والعقل والشرع (المعقول والمنقول)، والذات والصفات والأفعال، وغيرها من القضايا.

إن إدراك الغزالي لأهمية الكلام كانت تعبر عن فعالية وواقعية القضايا الكلامية في عقائد الإسلام، وعن دور الكلام في منظومة العلوم الدينية الظاهرية. لهذا يبدو  في تناوله وحلوله للقضايا التقليدية مثل قضية العقل والشرع كما لو أنه يسير في تقاليد الأشعرية. وينطبق هذا أيضا على موقفه من القضايا الأخرى. إلا أن هذا التشابه والتطابق مع نماذج الكلام السابقة لا يعبر في آرائه ومنظومته ما بعد التصوف إلا عن المستويين الأول والثاني، أي اللاهوتي واللاهوتي الفلسفي. ففي موقفه من قضية العقل والشرع يبدو في مظهر أحكامه كما لو أنه يهاجم عقلانية المعتزلة من أجل إثبات ضعف وخطأ العقلانية المتطرفة. أما في الواقع، فإن جدله الكلامي الذي حاول من خلاله اثبات شرطية الأحكام العقلية ونسبيتها التاريخية لا يمثل بما في ذلك في (المستصفى من علم الأصول) سوى الجانب الظاهري الجزئي،  وليس حل القضية في اطارها الأعمق والأشمل، أي في تجاوز محدودية الكلام وجدله العقلي في مستواه اللاهوتي والفلسفي، من خلال فكرة الوحدانية الأخلاقية المطلقة وتحقيقها الملموس في علاقة العقلي بالشرعي. انه حاول انتزاع الفكرة العقلانية عن الواجب لأنها تتعارض مع فكرة الوحدانية. لكنه أدخلها في اطار مفهوم العبودية. لقد حوّلها إلى قضية وجدانية أخلاقية. بمعنى سعيه لتجاوز ادلجة الكلام العقلانية المفتعلة من خلال تحويل العقل إلى حاكم على الواجب الالهي ولكن باعتباره واجبا قلبيا وجدانيا (تلقائيا) يمكن للعقل أن يعي جوانبه في مجرى تطوره المعرفي الأخلاقي. فهو لم يسع للكشف في هذه العبادات (الواجبات) عن حكمة الهية (كالصحة والرياضة وما شابه ذلك). لقد نزع منها التبرير الممكن والغائية المتغطرسة في حكمتها ليحولها إلى ميدان السمو الفردي والاجتماعي الفعال في وحدة الكلّ.

لقد بحث عن الحل الوسط في قضايا الكلام. وهو توّجه يمكن العثور عليه عنده منذ (الاقتصاد في الاعتقاد). فإذا كان (الاقتصاد في الاعتقاد) الصيغة الوسطى المعتدلة لفض خلاف الفرق الكلامية بصدد قضايا الاعتقاد، بينما في تطوره اللاحق سعى لحل قضايا الاعتقاد على مستوى آخر من الاعتدال يتعدى حدود الكلام التقليدي إلى مستواه الفلسفي الأخلاقي. وبهذا تكون محاولاته الجديدة في انتقاد الكلام والحفاظ عليه، هي الصيغة الجديدة لإيجاد الصلة الممكنة بين الأيديولوجية والعلم. ومن الممكن القول، بأن الغزالي هو أول من استشف في تاريخ الفكر العلاقة المرنة والمعقدة بين الأيديولوجية والعلم[6]. وتناولها كمعضلة وحلّها كجزء من مواقفه النظرية العميقة تجاه الكلام ،والإصلاح الاجتماعي الأخلاقي للدولة والأمة، أي انه افترض في مواقفه وحلوله نموذجا خاصا في تذليل تقليدية الأيديولوجيات السائدة. غير انه وضع مهمة تذليل تقليدية الأيديولوجيات في مجرى انتقاله إلى التصوف، وفي مرحلة اكتماله الأخلاقي وتأسيسه المعرفي الجديد الذي يرفض من حيث الجوهر عناصر المنظومة الأيديولوجية ومتطلباتها المباشرة.

وقد طبع ذلك أسلوب تعامله مع قضايا الكلام ومعضلاته اللاهوتية الكبرى. ووجد ذلك انعكاسه في إدراكه الضرورة الوظيفية للكلام ،باعتباره علم الدفاع عن عقيدة العوام، ومحدوديته المعرفية في الوقت نفسه. ففي الوقت الذي يتعامل مع قضايا الكلام باعتبارها أجزاء ضرورية من أصول العقائد، فإنه يشدد في الوقت نفسه على أن استيعابها في مستويات علم الكلام يتطابق في حقيقته مع قشر الجوزة مقارنة بلبها. وليس مصادفة أن يشرح آراءه في التوحيد وقضايا الإيمان على مثال قشرة الجوزة في قشرتيها الخارجيتين ولبيها الداخليين (ثمرة الجوز وزيتها) بحيث طابق القشور مع الدرجتين الأولى والثانية في الإيمان (تصورات العامة وأهل الكلام والنظار)، أي ما يتطابق مع مستويات الكلام التقليدي والكلام الفلسفي. فهما ضروريان ضرورة القشر للّب. ولكنهما لا ينفعان بحد ذاتهما. فهما لا يؤديان في نهاية المطاف سوى وظيفة الحافظ الحارس. وهي ذات الصيغة المجازية التي حاول تطبيقها على كافة القضايا الكلامية. ففي علاقة العقل بالشرع، يصل فيه الكلام والفلسفة إلى حد الظاهر، وفي العبادات ظاهرها (أو قشورها) وفي العادات والمعاملات الى حدود الشريعة الظاهرة وحدّ الواجب. فالكلام لا يستطيع في مستواه التقليدي والفلسفي تعدي هذه الحدود. انه يصل في كافة القضايا التي يتناولها إلى الحد الذي ينقطع فيه كلام المتكلم وينتهي تصرف العقل، كما ذكر ذلك مرة في (المستصفى من علم الأصول)[7]. ولا يعني هذا في آرائه سوى وقوف الكلام بفعل خضوعه لمتطلبات العقيدة عند حدودها الظاهرية. وقد أشار في (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) إلى عينة دقيقة للمقارنة بين أسلوب الكلام والتصوف في الموقف من الذات الإلهية عندما شدد على أن الخلاف بين المتكلمين والمتصوفة يقوم في أن المتصوفة ترى فناء نفسها ولهذا السبب ينتشر اسم الحق على ألسنتهم لأنهم يلحظون الذات الحقيقية دون ما هو هالك في نفسه. على عكس علماء الكلام الذين هم أكثر ايغالا بالاستدلال بالأفعال، من هنا انتشر اسم الباري (الخالق) على ألسنتهم، وذلك لأنهم يرون كل شيء سواه فيستشهدون عليه بما يرونه، على خلاف المتصوفة الذين يستشهدون به عليه[8].

إن هذا الخلاف الذي يصل في مظهره إلى حد القطيعة النهائية ما هو في الواقع إلا التعبير المناسب عن تباين درجات استيعاب القضايا التقليدية للكلام. فما وراء هذا الخلاف تكمن النسبة المختلفة لمستويات الكلام المذكورة أعلاه. وفي الاطار العام يمكن القول، بأن مأثرة الغزالي في الثقافة الروحية العقائدية للإسلام تقوم في محاولته ثني الخلافات العقائدية الضيقة بتطويعها صوب حل القضايا العملية. فعندما يتطرق على سبيل المثال إلى قضية العقل والشرع، فإنه يؤكد على تفاعلها وتبدل مواقفها وأولويتها من مكان لآخر. ويرتبط هذا الموقف بنظرته الشاملة والعملية الحقوقية. فعندما يشير إلى أن العقل لا مدخل له في أحكام الشرع، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، فليس ذلك إلا بفعل نظرته إلى وحدة الحاكم والمحكوم عليه والمحكوم فيه (أي الشارع والمكلف وفعل المكلف). فللحكم كما يقول الغزالي، حقيقة في نفسه وله ارتباط بالحكم وبالمحكوم عليه والمحكوم فيه والمظهر له (أي الشارع والمكلف والفعل والسبب). فالحكم بهذا المعنى ليس وصفاً (من جانب العقل)، بل هو مجرد خطاب للشرع[9]. وسوف نرى لاحقا في مجرى تحليل مختلف القضايا الأساسية في فكره الكلامي الفلسفي، بأن هذه النزعة العملية تمثل في مسارها العام التعبير المناسب عن تخطي الكلام التقليدي إلى الميدان الأرحب، أي ميدان العمل العقلي الأخلاقي. فهو يحاول إبداع النموذج المتجانس والمتناسق والممكن بين عقائد الإسلام الكبرى ومعضلاته الواقعية وأهداف سموه الدائمة من خلال إيجاد الوحدة الجديدة للأيديولوجية والعلم على أساس الأخلاق.

إن إدخال الغزالي فكرة الهّم الأخلاقي الفلسفي وروحية الصوفية إلى قضايا الكلام قد أدى من حيث الجوهر إلى نفي الطابع الأيديولوجي للكلام. وبهذا يكون قد ابتدع طريقا خاصا وجديدا في التعامل مع الكلام. لقد كان بإمكانه أن يقول لنا، بأن لقوانين الروح قواعد فعلها الخاصة، ولقوانين الكلام قواعد لعبها الخاصة.

***

ا. د. ميثم الجنابي

......................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص43.

[2] الغزالي: المستصفى من علم الأصول، ج1، ص41.

[3] قد توحي هذه الفكرة بطوباويتها الظاهرة. إننا نعثر فيها على ما يمكن دعوته بمعالم "أوهام النفس". غير أن هذه الأوهام لا معنى لها في منظومة الأخلاق المطلقة. فهي حالما تتكسر في مشروع البديل الواقعي، فإنها لابد وأن تسقي عطشها مما تقطره غيوم الأوهام. وفي هذا التناقض تتكون وتتلاشى عناصر الرؤية التاريخية. وقد كان الغزالي يدرك، في مجرى كلامه عن إصلاح النفس، تعقيد هذه المهمة، وذلك لمعرفته ماهية الكلام ووظيفته. غير انه ربط إصلاح الكلام بإصلاح المتكلمين. وبهذا يكون قد أنزلهما سوية إلى حالة تنفيذ إحدى وظائف الدولة. وقد أحتوى هذا الافتراض الأخلاقي في ذاته على تضخيم للرؤية البديلة مبني على أساس تقييمه لتجربته الشخصية. لكنه كان يهدف في الوقت نفسه إلى وضع حد لعلم الكلام المذهبي والفرقي وقوته المستقلة المدمرة. ولم يعن ذلك بالنسبة له محاربة الاستقلال الفكري، بقدر ما كان نتاج إدراكه لحقيقة الكلام نفسه، بوصفه علم الدفاع عن عقائد العوام. لقد أراد الغزالي تحويل المتكلمين إلى جنود الدولة الأحرار! 

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص408.

[5] الغزالي: المستصفى من علم الأصول، ج1، ص7.

[6] التيار الوحيد الذي سبقه ولكن بمعايير أخرى، ووضع أسس نظرية انتقائية هو تيار (إخوان الصفا).

[7] الغزالي: المستصفى من علم الأصول، ج1، ص6.

[8] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، ص128.

[9] الغزالي: المستصفى من علم الأصول، ج1، ص8.

 

منى زيتونالجوارح والجهة والانتقال ونحوه لله (2)

ونسبوا لله تعالى وحاشاه الجهة بالعلو الحسي، وليس علو الجلال والعظمة على خلاف اتفاق المسلمين. قال الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسير الآية: ‏﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏‏﴾‏‏ [فاطر:10] "ليس المراد أن هناك على الحقيقة شيئًا يوصف بالصعود، ويرتقي من سِفال إلى علو، وإنما المراد أن القول الطيب والعمل الصالح متقبلان عند الله عز وجل، واصلان إليه سبحانه، بمعنى أنهما يبلغان رضاه، وينالان زلفاه، وأنه تعالى لا يضيعهما، ولا يهمل الجزاء عليهما، وهذا كقول القائل لغيره: قد ترّقى إلى الأمير ما فعلته، أي بلغه ذلك على وجهه وعرفه على حقيقته، وليس يريد به الارتقاء الذي هو الارتفاع وضده الانخفاض. ووجه آخر، قيل إن معنى ذلك صعود الأقوال والأعمال إلى حيث لا يملك الحكم فيه إلا الله تعالى، كما يُقال: ارتفع أمر القوم إلى القاضي، إذا انتهوا إلى أن يحكم بينهم ويفصل خصامهم. ووجه آخر، قيل إن الله سبحانه لمّا كان موصوفًا بالعلو على طريق الجلال والعظمة، لا عن طريق المدى والمسافة، فكل ما يُتقرب به من قول زكي وعمل مرضي، فالإخبار عنه يقع بلفظ الصعود والارتفاع، عن طريق المجاز والاتساع". وقال في تفسير قوله تعالى: ‏﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ‏‏﴾‏‏ [غافر:15] "المعنى أن منازل العز ومراتب الفضل التي يخص بها عباده الصالحين وأولياءه المخلصين رفيعة الأقدار، مشرفة المنار، فالدرجات المذكورة هي التي يرتفع عباده إليها لا التي يرتفع هو بها تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا"أهـ.

ورغم علوه الحسي سبحانه وتعالى عند السلفية، لم يمنع ذلك من أن يفسروا نزوله تعالى بالنزول الحسي أيضًا مخالفة لسائر الأمة في تفسير حديث النزول. في "المنهاج شرح صحيح مسلم" (ج6، ص36) قال الإمام النووي في شرح حديث النزول: "قوله صلى الله عليه وسلم (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول من يدعوني فأستجيب له)، هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء، سبق إيضاحهما في كتاب الإيمان، ومختصرهما أن أحدهما، وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين، أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى، وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد، ولا يُتكلم في تأويلها، مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق. والثاني، مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف، وهو محكى هنا عن مالك والأوزاعي، أنها تتأول على ما يليق بها، بحسب مواطنها، فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين: أحدهما، تأويل مالك بن أنس وغيره، معناه تنزل رحمته وأمره وملائكته، كما يُقال فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره، والثاني أنه على الاستعارة، ومعناه الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف، والله أعلم"أهـ. وقد روى ابن عبد البر أيضًا عن الإمام مالك في "التمهيد" تأويله لحديث النزول بأنه "يتنزل أمره".

ويقول ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص49): "روى حديث النزول عشرون صحابيًا، وقد سبق القول أنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنقلة والتغير، فيبقى الناس رجلين: أحدهما، المتأول بمعنى أنه يقرب برحمته، وقد ذكر أشياء بالنزول كالحديد والأنعام. والثاني، الساكت عن الكلام في ذلك مع اعتقاد التنزيه، والواجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يفتقر إلى ثلاثة أجسام: جسم عال هو مكان لساكنه، وجسم سافل، وجسم منتقل من علو إلى سفل، وهذا لا يجوز على الله عز وجل. بينما قال ابن حامد –وهو حنبلي مجسم-: "هو على العرش بذاته مماس له وينزل من مكانه الذي هو فيه وينتقل". وهذا رجل لا يعرف ما يجوز على الله تعالى. وقال القاضي أبو يعلى –المجسم الحنبلي- "النزول صفة ذاتية ولا نقول نزول انتقال". وهذا مغالط. ومنهم من قال يتحرك إذا نزل، وما يدري أن الحركة لا تجوز على الله تعالى، وقد حكوا عن الإمام أحمد ذلك وهو كذب عليه. ولو كان النزول صفة ذاتية لذاته كانت صفة كل ليلة تتجدد. وصفاته قديمة كذاته"أهـ.

بينما يرى ابن حزم أن النزول من صفات الفعل، ويستحيل أن يكون من صفات الذات. يقول في "الفِصل" (ج2/باب الكلام في الوجه واليد والعين والقدم والتنزل والعزة ‏والرحمة ‏والأمر والنفس والذات والقوة والقدرة والأصابع، ص357-358) "وصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أن (الله تعالى يتنزل في كل ليلة إذا بقي ثلث الليل إلى السماء الدنيا). قال أبو محمد: وهذا إنما هو فعل يفعله الله عز وجل في سماء الدنيا من الفتح لقبول الدعاء، وأن تلك الساعة من مظان القبول والإجابة، والمغفرة للمستغفرين والتائبين، وهذا معهود في اللغة. تقول نزل فلان عن حقه بمعنى وهبه لي وتطول به علي. ومن البرهان على أنه صفة فعل لا صفة ذات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علّق التنزل المذكور بوقت محدود فصح أنه فعل محدث في ذلك الوقت، مفعول حينئذ. وقد علمنا أن ما لم ينزل فليس متعلقًا بزمان البتة. وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض ألفاظ الحديث المذكور -ما ذلك الفعل المذكور-، وهو أنه ذكر عليه السلام: أن الله عز وجل يأمر ملكًا ينادي في ذلك الوقت بذلك، وأيضًا فإن ثلث الليل مختلف في البلاد باختلاف المطالع والمغارب، يعلم ذلك ضرورة من بحث عنه، فصحّ ضرورة أنه فعل يفعله ربنا تعالى في ذلك لأهل كل أفق. وأما من جعل ذلك نُقلة فقد قدمنا بطلان قوله في إبطال القول بالجسم بعون الله وتأييده. ولو انتقل تعالي لكان محدودًا مخلوقًا مؤلفًا شاغلًا لمكان، وهذه صفة المخلوقين، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وقد حمد الله عز وجل لإبراهيم خليله ورسوله وعبده صلى الله عليه وسلم إذ بيّن لقومه بنقلة القمر أنه ليس ربًا. قال تعالى: ‏﴿‏فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ‏‏﴾‏‏ [الأنعام: 76]. وكل منتقل عن مكان فهو آفل عنه. تعالى الله عن هذا. وكذلك القول في قوله تعالى: ‏﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا‏‏﴾‏‏ [الفجر: 22]. وقوله تعالى: ‏﴿هَلْ يَنظُرُوْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِيْ ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلاَئِكَةُ‏‏﴾‏‏ [البقرة: 210]. فهذا كله على ما بينا من أن المجيء والإتيان يوم القيامة فعل يفعله الله عز وجل في ذلك اليوم، يسمى ذلك الفعل مجيئًا وإتيانًا، وقد روينا عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أنه قال: ‏﴿‏وَجَاءَ رَبّكَ‏‏﴾‏‏ إنما معناه: وجاء أمر ربك"أهـ.

وأورد الحافظ ابن كثير هذا عن الإمام أحمد بن حنبل في "البداية والنهاية" (ج14، ص386)، في ترجمة الإمام قال: "وكلامه –أي الإمام أحمد– في نفي التَّشبيه ‏وتَرْك الخوضِ في الكلام والتّمسّك بما ورد في الكتاب والسنَّة من الآثار عن النَّبي صلى الله عليه ‏وسلَّم وأصحابه. وروى البيهقي عن الحاكم عن أبي عمرو بن السمّاك عن حنبل أنَّ ‏أحمد بن حنبل تأوّلَ قول الله تعالى: ‏﴿‏وَجَاءَ رَبّكَ‏‏﴾‏‏ أنَّه جاء ثوابه. ثمَّ قال البيهقي: ‏وهذا إسنادٌ لا غبار عليه"أهـ.‏ والنص في كتاب البيهقي يوضح أن ذلك التأويل كان من الإمام أحمد عندما احتج عليه المعتزلة في المناظرة في مجلس الخليفة أثناء محنة خلق القرآن بأحاديث (تجيء سورة البقرة يوم القيامة، وتجيء سورة تبارك)، فقال الإمام: "إنما هو الثواب. قال الله تعالى: ‏﴿‏وَجَاءَ رَبّكَ‏‏﴾ إنما تأتي قدرته، وإنما القرآن أمثال ومواعظ"أهـ.

وينقل الإمام الكوثري في مقدمة كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي (ص10) تعقيب البيهقي كاملًا على تأويل الإمام أحمد لقوله تعالى: ‏﴿‏وَجَاءَ رَبّكَ‏‏﴾. يقول البيهقي: "وفيه دليل على أنه كان لا يعتقد في المجيء الذي ورد به الكتاب والنزول الذي وردت به السُنة انتقالًا من مكان إلى مكان، كمجيء ذوات الأجسام ونزولها، وإنما هو عبارة عن ظهور آيات قدرته، فإنهم لمّا زعموا أن القرآن لو كان كلام الله وصفة من صفات ذاته لم يجز عليه المجيء والإتيان، فأجابهم أبو عبد الله –الإمام أحمد- بأنه يجيء ثواب قراءته التي يريد إظهارها يومئذ، فعبّر عن إظهاره إياها بمجيئه. وهذا الجواب الذي أجابهم به أبو عبد الله لا يهتدي إليه إلا الحُذاق من المنزهين عن التشبيه"أهـ.

وذكر الإمام تقي الدين الحصني في "دفع شُبه من شبّه وتمرد" (ص11) "قوله تعالى: ‏﴿‏وَجَاءَ رَبّكَ‏‏﴾. قال الإمام أحمد: معناه جاء أمر ربك. قال القاضي أبو يعلى: قال الإمام أحمد: المراد به قدرته وأمره، وقد بيّنه في قوله تعالى: ﴿‏‏ْيَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ‏﴾ [النحل: 33]‏‏. يشير إلى حمل المطلق على المقيد، وهو كثير في القرآن والسنة والإجماع وفي كلام علماء الأمة لا يجوز عليه الانتقال سبحانه وتعالى. ومثله حديث النزول، وممن صرح بذلك الإمام الأوزاعي والإمام مالك لأن الانتقال والحركة من صفات الحدث، والله عز وجل قد نزّه نفسه عن ذلك"أهـ.

ويقول الإمام الفخر الرازي في "أساس التقديس" (ص107): "نقل الشيخ الغزالي عن أحمد بن حنبل، أنه أقرّ بالتأويل في ثلاثة أحاديث: أحدهما، قوله عليه السلام: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض". وثانيها، قوله عليه السلام: "إني لأجد نفس الرحمن من قِبل اليمن". وثالثها، قوله عليه السلام حكاية عن الله عزّ وجلّ: "أنا جليس من ذكرني""أهـ.

وأقول: إذن فالإمام أحمد كان ينفي التشبيه، ويؤثر التوقف وليس التفسير وفقًا لظاهر النص، ويؤول إن كان في التأويل تنزيه لله. ولعل قصة الخليل إبراهيم التي جزمت بأن الرب لا يجوز في حقه الوجود في مكان ومفارقته بالانتقال، كانت سببًا في ترك الإمام أحمد للتوقف المشهور عنه وتصريحه بالتأويل في هذه المواضع.

يقول الإمام القرطبي في تفسيره للآية (ج22، ص281-282): "قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أي أمره وقضاؤه، قاله الحسن. وهو من باب حذف المضاف. وقيل: أي جاءهم الرب بالآيات العظيمة، وهو كقوله تعالى: ‏﴿‏إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ‏﴾‏‏ [البقرة: 210]: أي بظلل. وقيل: جُعِل مجيء الآيات مجيئًا له، تفخيمًا لشأن تلك الآيات. ومنه قوله تعالى في الحديث: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، واستسقيتك فلم تسقني، واستطعمتك فلم تطعمني. وقيل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أي زالت الشُبه ذلك اليوم، وصارت المعارف ضرورية، كما تزول الشُبه والشك عند مجيء الشيء الذي كان يُشك فيه. وقال أهل الإشارة: ظهرت قدرته واستولت، والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنَّى له التحول والانتقال، ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان; لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز"أهـ.

ويقول الإمام الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير": "إسناد المجيء إلى الله إما مجاز عقلي، أي: جاء قضاؤه، وإما استعارة بتشبيه ابتداء حسابه بالمجيء"أهـ.

وفي اللغة أيضًا، جَاءَ الأَمْرَ: فَعَلَهُ، وقَامَ بِهِ، وحدَث، وتحقَّق، فالفعل جاء لا يعني الانتقال والتحول المكاني فقط كما حاولت الإسرائيليات أن تدس علينا في ديننا صورًا حسية مغلوطة تخالف ما نص عليه القرآن لحقيقة ما سيجري يوم القيامة، فالجنة محضرة يوم القيامة والنار محضرة يومئذ، والأقرب أن ذلك بمعنى الإبراز وليس بمعنى الانتقال، واستعمال ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾‏ [الفجر: 23] كاستعمال مجيء الملك الحق سبحانه، والمعنى: أُظهرت لهم جهنم، فعندما قال الحق سبحانه ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾‏، ‏فليس يعني هذا أن جهنم قد تحركت من مكانها، وكذا قوله تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، وإن كان انتقال الجنة والنار غير ممتنع على حقيقته مثلما هو ممتنع تمام الامتناع في حق الله سبحانه وتعالى، ولكن المجاز قد يكون أقرب خاصة في حالة الجحيم توفيقًا مع آيتي ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾. قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾‏ [النازعات:36]، وقال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾‏ [الشعراء: 90-91] وعدًا لمن استحق الثواب بإبراز الجنة لهم (مجاز) أو تقريبها منهم (حقيقة)، ووعيدًا للكافرين بإبراز النار لهم.

وقال الزمخشري –وهو معتزلي- في تأويل قوله تعالى: ‏﴿‏هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ‏﴾‏‏ [البقرة: 210]: "إتيان اللَّه إتيان أمره وبأسه، كقوله: ‏﴿َ‏‏ْيَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ‏﴾  [النحل: 33]‏‏، ‏﴿‏جاءَهُمْ بَأْسُنا‏﴾‏‏ [الأنعام: 43]. ويجوز أن يكون المأتي به محذوفًا، بمعنى أن يأتيهم اللَّه ببأسه أو بنقمته للدلالة عليه بقوله: ‏﴿‏فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ‏﴾‏‏. فإن قلت: لِمَ يأتيهم العذاب في الغمام؟ قلت: لأنّ الغمام مظنة الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول، لأن الشر إذا جاء من حيث لا يُحتسب كان أغمّ، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يُحتسب كان أسرّ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يُحتسب الخير، ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الغيث".

ومن أشهر أمثلة تفويض وتوقف السلف تفسيرهم آيات الاستواء، فقد ثبت عن أغلب أئمة الصحابة والتابعين أنهم قد توقفوا في أمر الاستواء، قال ابن كثير في تفسيره لآية الاستواء عن العرش بسورة الأعراف (ج3، ص426-427): "وأما قوله تعالى: ‏﴿‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏‏﴾‏‏ [الأعراف: 54] و [يونس:3] و [الرعد: 2] و [الفرقان:59]  و [السجدة: 4] و [الحديد: 4]، فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما يُسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحق بن راهويه وغيرهم، من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، و ‏﴿‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏‏﴾‏‏ [الشورى:11]".

وأورد الألوسي في تفسيره (روح المعاني) (ج6، ص193-194) "أن العرش مما لا يعلمه البشر (على الحقيقة) إلا بالاسم، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة فإنه لو كان كذلك لكان حاملاً له تعالى عن ذلك لا محمولاً، وليس كما قال قوم: إنه الفلك الأعلى، والكرسي فلك الكواكب" وفيه نظر، والناس في الكلام على هذه الآية ونحوها مختلفون، فمنهم من فسر العرش بالمعنى المشهور، وفسر الاستواء بالاستقرار، ورُوي ذلك عن الكلبي ومقاتل، ورواه البيهقي في كتابه "الأسماء والصفات" بروايات كثيرة عن جماعة من السلف وضعّفها كلها. وما رُوي عن مالك رضي الله تعالى عنه "أنه سُئل كيف استوى؟ فأطرق رأسه مليًا حتى علته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم قال للسائل: وما أظنك إلا ضالًا، ثم أمر به فأخرج" ليس نصًا في هذا المذهب لاحتمال أن يكون المراد من قوله: غير مجهول أنه ثابت معلوم الثبوت، لا أن معناه وهو الاستقرار غير مجهول".

وأورد الحصني في "دفع شبه من شبّه وتمرد" (ص29-30) قول الأئمة الأربعة في الاستواء، قال: "سُئل الإمام أحمد قدس الله روحه عن الاستواء فقال: "هو كما أخبر لا كما يخطر بالبشر"، يقول الحصني: "فانظر وفقك الله وأرشدك إلى الحق إلى هذه العبارة ما أرشقها، وعلى أتباعه ما أشقها". ثم يتبع الحصني (ص31-32) فيقول: "وسُئل الإمام الشافعي قدس الله روحه عن الاستواء فقال: "آمنت بلا تشبيه، وصدّقت بلا تمثيل، واتهمت نفسي في الإدراك، وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك". يقول الحصني: "وهذا شأن الأئمة، يمسكون أعنة الخوض في هذا الشأن مع أنهم أعلم الناس به، ولا يخوض فيه إلا أجهل الناس به". ويعني الحصني أنهم أقدر الناس على استخلاص المعاني، ولكنهم يتوقفون، بينما يصرّ الجهلة ويبادرون لإثبات معنى غير مراد ويستحيل في حق الله، ثم يتبع الحصني، "وسُئل الإمام أبو حنيفة قدس الله روحه عن ذلك، فقال: "من قال لا أعرف الله أفي السماء أم في الأرض فقد كفر، لأن هذا القول يؤذن أن لله سبحانه وتعالى مكانًا، ومن توهم أن لله مكانًا فهو مشبه", ثم أردف، وسُئل الإمام مالك عن الاستواء فقال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، فنفى العلم بالكيف، فمن استدل بكلامه على أنه سبحانه وتعالى فوق عرشه فهو لجهله وسوء فهمه، و(الاستواء معلوم) يعني عند أهل اللغة، و(الكيف مجهول) أي بالنسبة إلى الله عز وجل، لأن الكيف من صفات الحدث، وكل ما كان من صفات الحدث فالله عز وجل منزه عنه، فإثباته له سبحانه كفر محقق عند جميع أهل السنة والجماعة، وقوله (والإيمان به واجب) أي على الوجه اللائق بعظمته وكبريائه، وقوله (والسؤال عنه بدعة) لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا عالمين به وبمعناه اللائق بحسب اللغة فلم يحتاجوا إلى السؤال عنه، فلما ذهب العالمون به وحدث ما لم يعلم أوضاع لغتهم، ولا له نور كنورهم، شرع يسأل الجهلة بما يجوز على الله عز وجل، وفرح بذلك أهل الزيغ فشرعوا يدخلون الشبه على الناس، ولذلك تعين على أهل العلم أن يبينوا للناس وأن لا يهملوا البيان، لقوله تعالى: ‏﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ‏‏﴾‏‏ [آل عمران: 187]‏‏. فهذه الأئمة التي مدار الأمة عليهم في دينهم متفقون في العقيدة، فمن زعم أن بينهم اختلافًا في ذلك فقد افترى على أئمة الإسلام والمسلمين، والله حسبه، وسيجزي الله المفترين".

ذكر البيجوري في "حاشيته على جوهرة التوحيد" (ص157-158) "وسأل الزمخشري الغزالي –أي عن الاستواء-، فأجابه بقوله: إذا استحال أن تعرف نفسك بكيفية أو أينية، فكيف يليق بعبوديتك أن تصفه تعالى بأين أو كيف؟ وهو مقدس عن ذلك، ثم جعل يقول:

قل لمن يفهم عني ما أقول **** قصِّر القول فذا شرح يطول

ثم سر غامض من دونه **** قصرت والله أعناق الفحول

أنت لا تعرف إياك ولا **** تدر من أنت ولا كيف الوصول

لا ولا تدري صفات رُكِّبت **** فيك حارت في خفاياها العقول

أين منك الروح في جوهرها **** هل تراها فترى كيف تجول

وكذا الأنفاس هل تحصرها **** لا ولا تدري متى عنك تزول

أين منك العقل والفهم إذا **** غلب النوم فقل لي يا جهول

أنت أكل الخبز لا تعرفه **** كيف يجري منك أم كيف تبول

فإذا كانت طواياك التي **** بين جنبيك كذا فيها ضلول

كيف تدري من على العرش استوى **** لا تقل كيف استوى كيف النزول

كيف يحكي الرب أم كيف يُرى **** فلعمري ليس ذا إلا فضول

فهو لا أين ولا كيف له **** وهو رب الكيف والكيف يحول

وهو فوق الفوق لا فوق له **** وهو في كل النواحي لا يزول

جلّ ذاتًا وصفاتًا وسما **** وتعالى قدره عما تقول

قال ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص20): "روى إسماعيل بن أبي خالد الطائي: "جميع السلف على إيراد هذه الآية كما جاءت من غير تفسير ولا تأويل". وقد حمل قوم من المتأخرين –يقصد بهم الحنابلة- هذه الصفة على مقتضى الحس؛ فقالوا استوى على العرش بذاته. وهذه زيادة لم ينقلوها إنما فهموها من إحساسهم، وهو أن المستوي على الشيء إنما يستوي عليه ذاته. قال ابن حامد –الحنبلي المجسم- الاستواء مماسة وصفة لذاته والمراد به القعود"أهـ.

كما أورد الحصني في "دفع شبه من شبّه وتمرد" (ص28) بعض مما تفرّد به هؤلاء من مجسمة الحنابلة في الاستواء عن سائر سلف الأمة. قال: "هذا القاضي –يعني أبا يعلى- روى عن الشعبي أنه قال أن الله قد ملأ العرش حتى أن له أطيطًا كأطيط الرحل، وهو كذب على الشعبي، وقال بعضهم ‏﴿‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏‏﴾‏‏ قعد عليه. وقال ابن الزاغوني: خرج عن الاستواء بأربع أصابع. ولهم ولأتباعهم مثل ذلك خبائث كلها صريحة في التشبيه والتجسيم لا سيما في مسألة الاستواء، وهو سبحانه وتعالى متنزه عما لا يليق به من صفات الحدث، ثم إن هؤلاء الجمادات وأعالي الجهلة يلزمهم أن يقولوا في الحديث الذي رواه مسلم وغيره ما لم يمكن القول به من أجهل الناس: "ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها" الخ، وبالضرورة لا يكون سبحانه جارحة لعبده، ومع هذا يلزم التعدد بحسب المتقربين والتجزئة والتفرقة وغير ذلك مما لا يقوله حمار، بل ولا جماد. تعالى الله وتقدس عن ذلك"أهـ.

بينما حاول بعض علماء الأمة من المتقدمين تأويل الاستواء تنزيهًا لله تعالى. يقول شيخ مفسري القرآن الإمام الطبري في تفسيره: " قال أبو جعفر: اختلفوا في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ‏‏﴾ [البقرة: 29] فقال بعضهم: معنى استوى إلى السماء, أقبل عليها, وقال بعضهم: لم يكن ذلك من الله جل ذكره بتحوُّل, ولكنه بمعنى فعله, كما تقول: كان الخليفة في أهل العراق يواليهم، ثم تحوَّل إلى الشام. إنما يريد: تحوّل فِعله. وقال بعضهم: قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ‏‏﴾ يعني به: استوت، وقال بعضهم: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ‏‏﴾ عمدَ لها. وقال: بل كلُّ تارك عملًا كان فيه إلى آخر، فهو مستو لما عمد له، ومستوٍ إليه. وقال بعضهم: الاستواء هو العلو, والعلوّ هو الارتفاع. وممن قال ذلك الربيع بن أنس. ثم اختلف متأوّلو الاستواء بمعنى العلوّ والارتفاع، .... قال أبو جعفر: الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه: منها انتهاءُ شباب الرجل وقوّته, فيقال، إذا صار كذلك: قد استوى الرّجُل. ومنها استقامة ما كان فيه أوَدٌ من الأمور والأسباب, يقال منه: استوى لفلان أمرُه. إذا استقام بعد أوَدٍ، ومنها: الإقبال على الشيء يقال استوى فلانٌ على فلان بما يكرهه ويسوءه بَعد الإحسان إليه. ومنها. الاحتياز والاستيلاء، كقولهم: استوى فلان على المملكة. بمعنى احتوى عليها وحازَها. ومنها: العلوّ والارتفاع, كقول القائل، استوى فلان على سريره. يعني به علوَّه عليه"أهـ.

ويقول الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسير قوله تعالى: ‏﴿‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏‏﴾‏‏ [يونس:3] "هذه استعارة، لأن حقيقة الاستواء إنما تُوصف بها الأجسام التي تعلو وتهبط وتميل وتعتدل، والمراد بالاستواء ههنا الاستيلاء بالقدرة والسلطان، لا بحلول القرار والمكان، كما يُقال: استوى فلان على سرير ملكه، بمعنى استولى على تدبير الملك، وملك معقد الأمر والنهي، ويحسن صفته بذلك، وإن لم يكن له في الحقيقة سرير يقعد عليه، ولا مكان عال يشار إليه، وإنما المراد نفاذ أمره في مملكته واستيلاء سلطانه على رعيته. فإن قيل: فالله سبحانه مسئول على كل شيء بقهره وغلبته ونفاذ أمره وقدرته، فما معنى اختصاص العرش بالذكر ههنا؟، قيل: كما ثبت أنه تعالى رب لكل شيء، وقد قال في صفة نفسه: ‏﴿‏رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏‏﴾ [التوبة: 129] و [ النمل: 26]، وقال: ‏﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ‏‏﴾ [المؤمنون: 116]. فإن قيل: فما معنى قولنا: عرش الله إن لم يُرد بذلك كونه عليه؟، قيل: كما يُقال: بيت الله، وإن لم يُرد كونه فيه، والعرش في السماء تطوف به الملائكة تعبدًا، كما أن البيت في الأرض تطوف به الخلائق تعبدًا"أهـ.

ومن تأويلات المتأخرين، يقول الألوسي في تفسيره (ج11، ص64-65): "‏‏﴿‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏‏﴾‏‏ على المعنى الذي أراده سبحانه وكف الكيف مشلولة، وقيل: الاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان، متفرع عن الكناية فيمن يجوز عليه القعود على السرير. يُقال: استوى فلان على سرير الملك، ويُراد منه ملك، وإن لم يقعد على السرير أصلاً؛ وقيل: إن الاستواء بمعنى الاستيلاء، وأرجعوه إلى صفة القدرة. وأنت تعلم أن هذا وأمثاله من المتشابه وللناس فيه مذاهب، وما أشرنا إليه هو الذي عليه أكثر سلفة الأمة رضي الله تعالى عنهم، وقد صرح بعض أن الاستواء صفة غير الثمانية لا يعلم ما هي إلا من هي له، والعجز عن درك الإدراك إدارك، واختار كثير من الخلف أن المراد بذلك المُلك والسلطان، وذكره لبيان جلالة ملكه وسلطانه سبحانه، بعد بيان عظمة شأنه وسعة قدرته، بما مر من خلق هاتيك الأجرام العظيمة. وذهب المعتزلة وجماعة من المتكلمين إلى أن العرش على معناه، واستوى بمعنى استولى واحتجوا عليه بقوله: قد استوى بشرى على العراق *** من غير سيف ودم مهراق، وخص العرش بالإخبار عنه بالاستيلاء عليه لأنه أعظم المخلوقات، ورد هذا المذهب بأن العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى، وإنما يقال استولى فلان على كذا إذا لم يكن في ملكه ثم ملكه واستولى عليه، والله تعالى لم يزل مالكًا للأشياء كلها ومستوليًا عليها ونُسب ذلك للأشعرية"أهـ.

وأقول: لولا أن السلفية مجسمة، يقيسون الله على عباده ويجسموه، ما فسروا الاستواء بالقعود، لأن الاستواء بالنسبة للخلق قد يعني التمام على أحسن ما يُراد للمخلوقات، ولأنه لا شيء في الآية يشي بأن الاستواء هو القعود إلا إن توهموه سبحانه جسمًا. يقول الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسير قوله تعالى ‏﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ‏‏﴾ [البقرة: 29]: "أي قصد إلى خلقها كذلك لأن حقيقة الاستواء الذي هو تمام بعد نقصان، أو استقامة بعد اعوجاج، من صفات الأجسام، وعلامات المحدثات"أهـ.

حتى الإمام ابن حزم الظاهري كان من المؤولين للاستواء لامتناع أن يكون المعنى على ظاهره في حق الله سبحانه وتعالى. يقول ابن حزم في "الفِصل" (ج2/باب الكلام في المكان والاستواء، ص290-292) ‏"والقول الرابع في معنى الاستواء هو أن معنى قوله تعالى ‏﴿‏عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى‏‏﴾ [طه: 5]‏‏: أنه فعل فعله في العرش وهو انتهاء خلقه إليه، فليس بعد العرش شيء، ويبين ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنات، وقال: فاسألوا الله الفردوس الأعلى فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوق ذلك عرش الرحمن، فصح أنه ليس وراء العرش خلق، وأنه نهاية جرم المخلوقات الذي ليس خلفه خلاء ولا ملاء، ومن أنكر أن يكون للعالم نهاية من المساحة والزمان والمكان أو من جرمه فقد لحق بقول الدهرية وفارق الإسلام. والاستواء في اللغة يقع على الانتهاء قال الله تعالى: ‏﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا‏‏﴾‏‏ [القصص: 14] أي: فلما انتهى إلى القوة والخير. وقال تعالى: ‏﴿‏ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ‏‏﴾‏‏ [فصلت: 11]. أي أن خلقه وفعله انتهى إلى السماء بعد أن رتب الأرض على ما هي عليه، وبالله تعالى التوفيق. وهذا هو الحق وبه نقول لصحة البرهان به وبطلان ما عداه. فأما القول الثالث في المكان فهو أن الله تعالى لا في مكان ولا في زمان أصلًا، وهو قول الجمهور من أهل السنة، وبه نقول، وهو الذي لا يجوز غيره لبطلان ما عداه، ولقوله تعالى: ‏﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ‏‏﴾‏‏ [فصلت: 54]‏‏. فهذا يوجب ضرورة أنه تعالى لا في مكان إذ لو كان في المكان لكان المكان محيطًا به من جهة ما أو من جهات، وهذا منتفٍ عن الباري تعالى بنص الآية المذكورة، والمكان شيء بلا شك، فلا يجوز أن يكون شيء في مكان ويكون هو محيطًا بمكانه، وهذا محال في العقل يعلم امتناعه ضرورة. وبالله التوفيق. وأيضًا فإنه لا يكون في مكان إلا ما كان جسمًا أو عرضًا في جسم، هذا الذي لا يجوز سواه، ولا يتشكل في العقل والوهم غيره البتة، فإذا انتفى أن يكون الله عز وجل جسمًا أو عرضًا فقد انتفى أن يكون في مكان أصلًا، وبالله تعالى نتأيد. وأما قوله تعالى: ‏﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ‏‏﴾‏‏ [الحاقة: 17]، فقوله الحق نؤمن به يقينًا، والله أعلم بمراده في هذا القول، ولعله عز وجل عنى السموات –السبع- والكرسي، فهذه ثمانية أجرام، هي يومئذ والآن بيننا وبين العرش، ولعلهم أيضا ثمانية ملائكة، والله أعلم. نقول ما قال ربنا تعالى ونقطع أنه حق يقين على ظاهره، وهو أعلم بمعناه ومراده. وأما الخرافات فلسنا منها في شيء، ولا يصح هذا في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنا نقول: هذه غيوب لا دليل لنا على المراد بها، لكنا نقول ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]‏، وكل ما قاله الله تعالى حق ليس منه شيء منافيًا للمعقول، بل هو كله قبل أن يخبرنا الله به في حد الإمكان عندنا، ثم إذا أخبر به عز وجل صار واجبًا حقًا يقينًا، وقد قال تعالى: ‏﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ‏‏﴾‏‏ [غافر: 7]‏‏، فصحّ يقينًا أن للعرش حملة، وهم الملائكة المنقادون لأمره تعالى، كما نقول أنا أحمل هذا الأمر أي أقوم به وأتولاه، وقد قال تعالى: ‏﴿‏وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ‏‏﴾ [النحل:50] و [التحريم: 6]‏‏. وأنهم يتنزلون بالأمر، وأما الحامل للكل والممسك للكل فهو الله عز وجل، قال الله تعالى: ‏﴿‏إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 41]‏‏"أهـ.

وابن حزم هنا يوافق ما نُسِب إلى الفضيل بن عياض والأشعري وغيرهم، من أن الاستواء صفة فعل، محله العرش، كما أن ابن حزم يقول نفس الشيء في النزول، فهو فعل فعله الله في السماء سمّاه نزولًا، لأن ذات الله تعالى ليست محلًا للحوادث. ولا يسمى الاستواء والنزول صفتي معاني لأنه ليست لهما حقيقة وجودية تقوم بذات الله. فخلاصة قول أهل السُنة في الاستواء إما التفويض مع نفي الظاهر، أو التأويل، أو اعتباره صفة فعل، ولم يدَّع أحد أنه صفة ذات غير مجسمة السلفية. حتى كبار علمائهم نفروا من ذلك الادعاء. في ترجمة الذهبي في ‏"سير أعلام النبلاء" (ج 19، ص606-607)‏ لأبي الحسن ابن الزاغوني الحنبلي المجسِّم، ذكر أمر قصيدته التي شرح فيها عقيدته، وفيها بيت من الشعر قال فيه:‏

عالٍ على العرش الرفيع بذاته***سبحانه عن قول غاوٍ وملحد

قال الذهبي –وهو من كبار منتحلي عقيدة الحنابلة-: "وقد ذكرنا أن لفظة "بذاته" لا حاجة إليها، وهي تشغب النفوس، ‏وتركها أولى".

وغير ذلك من نسبتهم الجوارح والأفعال إلى الله الكثير مما لا تليق به سبحانه؛ فأصرت الفرقة المسماة بالسلفية على مخالفة سائر الأمة قديمها وحديثها، والقطع وفقًا لظاهر النص بأن الاستواء يعني الجلوس والاستقرار على العرش، وأن ملائكة عظام يحملون العرش والله تعالى -وحاشاه- جالس عليه، وينسبون لله القدمين ويقولون والكرسي موضع قدميه والعياذ بالله، مع ما في ذلك من تجسيم وتقليل من شأن الله بجعله محمولًا على شيء من خلقه. والأهم أن من بين من خالفوا من يدعون أنه إمامهم.

ويرتبط باعتقادهم الشاذ في الاستواء عقيدة أخرى هي عقيدة الإقعاد؛ حيث يدّعون أن المقام المحمود الذي وعد الله به نبيه صلى الله عليه وسلم ليس إعطائه الشفاعة يوم القيامة، بل إقعاده بجانبه على العرش! وعقيدة الإقعاد هي فكرة إسرائيلية وتوجد أيضًا في عقائد النصارى. ورد في قاموس الكتاب المقدس- دائرة المعارف الكتابية المسيحية (ص 795) "وقد وصُف يسوع بأنه رئيس كهنة المؤمنين العظيم، الذي نضح قدس الأقداس بدمه، والذي جلس عن يمين الآب هناك، حيث هو الآن يشفع فيهم (عب 4: 14 و7: 25 و9: 12 الخ...)". وقد سبق أن قلنا إن أساس الحشوية هي اتصالهم باليهود والنصارى.

وبالنظر في الروايات التي أثبت بها السلفية -مدّعو التمسك بالنصوص- عقيدة الإقعاد، سنجد أن أيًا منها لا ينتهي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي مما رواه شخص اسمه سيف السدوسي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه الحبر اليهودي الذي أسلم على زمن الرسول، وسيف السدوسي هذا من المجاهيل عند أهل الحديث، فلا يُعبأ بروايته خاصة إن كانت في أمر العقائد، أما النصف الثاني من الروايات فهي تفسير لآية المقام المحمود تفرّد به مجاهد بن جبر، ونقله عنه الليث بن سعد، وخالف به جموع المفسرين، بل وخالف متون الروايات التي صحّت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، التي أثبتت أنه سُئل عن المقام المحمود فأجاب بأنه الشفاعة.

وقد عمد أبو بكر الخلال الحنبلي إلى جمع كل تلك الروايات الساقطة في كتابه "السُنة" (ج1)، وأفرد لها فصلًا كاملًا تحت عنوان (ذكر المقام المحمود)، ومن تلك الروايات‏: (307) "حدثنا أبو بكر، قال: ثنا عباس العنبري، قال: ثنا يحيى بن كثير، قال: ثنا سلم بن جعفر، وكان، ثقة عن الجريري، عن سيف السدوسي، عن عبد الله بن سلام: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة على كرسي الرب". قيل للجريري: إذا كان على كرسي الرب فهو معه، قال: نعم، وزادني إبراهيم الأصبهاني في هذا الحديث، عن عباس بإسناده، قال: قال الجريري: "ويحكم، ما في الدنيا حديث أقر لعيني من هذا الحديث". ويمكن الرجوع لكتاب الخلال للاستزادة من تلك الروايات وكلها بنفس الألفاظ تقريبًا.

أما عن الروايات التي تعود كلها إلى مجاهد بن جبر، وتثبت تفسيره للمقام المحمود بالإقعاد، فقد زاد الحنابلة عن مجاهد بأن اتهموا رافضي هذا التفسير بالتبديع. ومنها: (303) "قال أبو بكر: سألت أبا قلابة عن حديث ابن فضيل هذا، فقال: حدثنا عمرو بن علي بن بحر بن كنيز، قال: ثنا ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: ‏﴿‏عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا‏‏﴾‏‏ [الإسراء:79]، قال: "يقعده على العرش"، قال أبو قلابة: لا يرد هذا إلا أهل البدع والجهمية".

وفي رواية ثانية (314) ، "حدثنا أبو بكر، قال: "سألت الحسن بن الفضل عن حديث مجاهد: "يقعده على العرش"، فقال: حدثنا هارون بن معروف، وعثمان، عن ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد: ‏﴿‏عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا‏‏﴾‏‏ [الإسراء:79]، قال: "يقعده على العرش"، قال: وقال: من رد هذه الأحاديث فهو مبتدع ضال. قال: ما أدركنا أحدًا يرده إلا من في قلبه بلية، يُهجر ولا يُكلم".

وفي رواية ثالثة (310)، حدثنا أبو بكر، قال: ثنا محمد بن عمر المصيصي، قال: "ثنا محمد بن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: ‏﴿‏عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا‏‏﴾‏‏ [الإسراء:79]، قال: "يقعده معه على العرش"، قال: فمن رد حديث عبد الله بن سلام وحديث مجاهد في المقام المحمود، فقد أزرى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد فضله، وكان عندنا مبتدعًا".

وفي رواية رابعة (311)، حدثنا أبو بكر، قال: ثنا أبو الفضل عباس بن محمد الدوري، قال: "سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، يقول: هذه الأحاديث حق لا يُشك فيها، نقلها الثقات بعضهم عن بعض حتى صارت إلينا، نُصدق بها، ونُؤمن بها على ما جاءت. قال أبو الفضل: ونحن نقول في هذه الأحاديث ما قال أحمد بن حنبل متبعين له ولآثاره في ذلك".

وأقول: فما بال الإمام أحمد لم يرو تلك الأحاديث في مسنده، بينما روى الحديث الذي يُثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فسر المقام المحمود بالشفاعة؟! والله لقد كذبتم على أحمد بن حنبل.

والأعظم كان فتوى بعضهم بقتل راديّ هذا التفسير، حيث ورد أيضًا في كتاب الخلَّال: (304) حدثنا أبو بكر، قال: جاءني كتاب علي بن سهل بخطه، وفيه حدثنا هارون بن معروف، وخلاد بن أسلم، قالا: ثنا محمد بن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: ‏﴿‏عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا‏‏﴾‏‏ [الإسراء:79]، قال: "يجلسه على العرش". وهذه فضيلة للنبي صلى الله عليه وسلم فمن ردّ فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر، ولقد قال سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى: قلت لأبي: لو رأيت رجلًا يسب أبا بكر ما كنت صانعًا به؟ قال: أقتله، قلت: فعمر؟، قال: أقتله، فهي لأبي بكر وعمر، فكيف بمن رد فضائل النبي؟".

فهل من فضائل النبي ما يقتضي الإيمان بتجسيم الله كما يعتقد الحشوية؟! جاء في كتاب الخلّال أيضًا، (320) حدثنا أبو بكر، قال: ثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير: ‏﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى‏‏﴾‏‏ [ص: 25]، قال: "ذكر الدنو حتى يمس بعضه"! وفي رواية أخرى، (323) حدثنا أبو بكر، قال: حدثني محمد بن بشر، قال: ثنا عبد الرحمن بن شريك، قال: ثنا أبي قال: حدثني أبو يحيى القتات، وإسماعيل بن عبد الله السدي، قال أبو يحيى: عن مجاهد، وقال السدي: عن أبي مالك، عن ابن عباس، في قوله: ‏﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى‏‏﴾‏‏ [ص: 25]، قال: "يدنو منه حتى يقال له: خذ بقدمي"! وأقول: ثم يتعجبون أن يُقال لهم مجسمة! وعلى ذكر الدنو والقرب من الذات، أورد الحصني في "دفع شُبه من شبّه وتمرد" (ص27) قول القاضي أبي يعلى الحنبلي المجسم في حديث (لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش أن رحمتي غلبت غضبي) أن ظاهر قوله (عنده) القرب من الذات. قال الحصني: "وما قاله يستدعي القرب والمساحة، وذلك من صفات الأجسام، وقد عمي عن قوله تعالى: ‏﴿‏مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ‏‏﴾ [هود: 83]. ومن المعلوم أنك تقول عندي فوق الغرفة كتاب كذا، وهو في موضع شاسع نازل عن الغرفة بمسافة بعيدة"أهـ.

والغريب أن الإمام الطبري في تفسيره (ج15، ص114-115) قد أورد اسم ابن عباس -الذي يفترون عليه في رواية ‏﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى‏‏﴾‏‏ [ص: 25]‏‏- من بين الصحابة والتابعين الذين ورد عنهم أن المقام المحمود هو الشفاعة، بل وأورد الطبري اسم مجاهد بن جبر فيهم!

وكما رأينا فقد تباروا في سرد الروايات لإثبات نسبة ذلك التفسير إلى مجاهد بن جبر كما لو كان حديثًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكال الخلّال الاتهامات لكل من رد هذا التفسير واعتبره جهميًا لذلك. ولم يورد الخلال في المقابل أي رواية من صحاح الروايات التي أثبتت الشفاعة كتفسير للمقام المحمود، وليس هذا بغريب عليهم، والسؤال: ما قيمة ذلك التفسير الشاذ العجيب الذي تفرّد به مجاهد ليلزموا به أنفسهم خروجًا عن إجماع المفسرين، بل ويكفروا من لا يوافقهم فيه حتى ثارت الفتن مرات بسببه، وأشهرها فتنة حدثت سنة 317هـ وأُريقت فيها دماء المسلمين؟، خاصة مع وجود متون روايات أخرى لأحاديث المقام المحمود تثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه فسره بالشفاعة، مع كونه قول باقي المفسرين من الصحابة والتابعين وكبار الأئمة.

ومن تلك الروايات الصحيحة، روى البخاري في صحيحه كتاب التفسير باب قوله ‏﴿‏عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا‏‏﴾‏‏ [الإسراء:79]، حديث (4718): (حدثني إسماعيل بن أبان حدثنا أبو الأحوص عن آدم بن علي قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثًا، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود. وروى في باب (من سأل الناس تكثرًا)، حديث (1475): (حدثنا يحيى بن بُكير: حدثنا الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر قال: ‏سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ‏الشمس تدنو يوم القيامة، حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم ‏بمحمد صلى الله عليه وسلم".‏ وزاد عبد الله بن صالح: حدثني الليث: حدثني ابن أبي جعفر: "فيشفع ليُقضى بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة ‏الباب، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا، يحمده أهل الجمع كلهم".‏ وقال مُعلى: حدثنا وهيب، عن النعمان بن راشد، عن عبد الله بن مسلم، أخي الزهري، عن حمزة: سمع ‏ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسألة.‏ كما روى الإمام البخاري في صحيحه الحديث (7440) وهو حديث مطول يذكر سؤال الناس للأنبياء أن يشفعوا لهم حتى ينتهي الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم فيشفع لهم، ويثبت في نهاية الحديث "وهذا المقام المحمود الذي وُعده نبيكم صلى الله عليه وسلم".

كما أخرج الإمام أحمد في مسنده 3/456 (15821)- حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يزيد بن عبد ربه، قال: حدثني محمد بن حرب، قال: حدثني الزبيدي، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُبعث الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي تبارك وتعالى حلة خضراء، ثم يُؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول فذاك المقام المحمود". وبمسنده حديث آخر مطول 1/398 (3787) وحديث 2/441 (9682) وحديث 2/444 (9733) كلها في ذات الباب.

‏وروى الترمذي حديث (3137) (5/303)‏، عن أبي هريرة قال: ‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ‏﴿‏عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا‏‏﴾‏‏ سُئل عنها ‏قال: "هي الشفاعة".

وقال الفخر الرازي في تفسيره (ج21، ص32): "في تفسير المقام المحمود أقوال: الأول، أنه الشفاعة. قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية «هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي»، وأقول: اللفظ مشعر به، وذلك لأن الإنسان إنما يصير محمودًا إذا حمده حامد، والحمد إنما يكون على الإنعام؛ فهذا المقام المحمود يجب أن يكون مقامًا أنعم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه على قوم، فحمدوه على ذلك الإنعام، وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدين وتعليم الشرع لأن ذلك كان حاصلًا في الحال، وقوله ‏﴿‏عَسَى‏‏﴾‏‏ تطميع"....، ثم وردت الأخبار الصحيحة في تقرير هذا المعنى –الشفاعة-. ثم عرض الرأي الثاني فذكر فيه حديث حُذيفة بأنه دعاء يقوله الرسول يوم الموقف، وضعفّه، ثم الرأي الثالث وهو تفسير مبهم بأنه مقام تُحمد عاقبته، وضعفّه أيضًا، ثم قال الواحدي: روى عن ابن مسعود أنه قال: يقعد الله محمدًا على العرش، وعن مجاهد أنه قال: يجلسه معه على العرش، ثم قال الواحدي: وهذا قول رذل موحش فظيع، ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير ويدل عليه وجوه".

‏وقد توسع الإمام الطبري في تفسيره "جامع البيان في تفسير آي القرآن" (ج17، ص526: 532) الذي انتهى من تأليفه سنة 270 –وكان عبد الله بن أحمد بن حنبل حيًا- في ‏تفسير قوله تعالى ‏﴿‏عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا‏‏﴾‏‏ [الإسراء:79] فسرد فيه صفحات، قال: "ثم اختلف أهل التأويل في معنى ذلك المقام المحمود، فقال أكثر أهل العلم: ذلك هو ‏المقام الذي هو يقومه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه ‏من شدّة ذلك اليوم". ثم ذكر روايات كثيرة –يمكن الرجوع إليها في تفسيره- عن صحابة وتابعين قالوا بذلك منهم حُذيفة وابن عباس والحسن وسلمان وقتادة، والأدهى أنه ذكر من بينها روايتين عن مجاهد بن جبر تثبت تفسيره المقام المحمود بالشفاعة، ثم أتبع الإمام الطبري: "وقال آخرون: بل ذلك المقام المحمود الذي وعد الله نبيّه أن يبعثه إياه، هو أن يقاعده ‏معه على عرشه". ‏وذكر رواية واحدة تثبت هذا الرأي عن ليث عن مجاهد، وختم الطبري بأن حكم: "وأولى القولين في ذلك بالصواب ما صحّ به الخبر عن رسول الله". ثم استفاض في سرد روايات صحيحة إلى رسول الله عن ابن مسعود وعليّ بن الحسين وابن عمر وكعب بن مالك تثبت قوله صلى الله عليه وسلم أن المقام المحمود هو الشفاعة –ويمكن أيضًا الرجوع إليها في تفسيره-، ومنها رواية ذُكر فيها الليث. ثم يعلق الطبري: "وهذا وإن كان هو الصحيح من القول في تأويل قوله ‏﴿‏عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا‏‏﴾‏‏ ‏لما ذكرنا من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين، فإن ما قاله مجاهد من أن الله ‏يُقعد محمدًا صلى الله عليه وسلم على عرشه، قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك". كما كرر الطبري تفسيره للمقام المحمود بالشفاعة عند تفسيره لآية أصحاب الأعراف وفي تفسيره ‏لقوله تعالى: ‏﴿‏وَإِذَا الأرْضُ مُدَّتْ‏‏﴾ [الانشقاق:3]‏‏. وقد حدثت للإمام الطبري محنة مع حنابلة بغداد بسبب تفسيره للمقام المحمود بالشفاعة سنعرض تفاصيلها عند ذكر نماذج من الفتن التي أثاروها.

كما فسّر ابن كثير في تفسيره للقرآن المقام المحمود بالشفاعة، ونقل جملة أحاديث كثيرة صححّها كبار المحدثين إلى رسول الله تثبت ذلك. فأمر تفسير المقام المحمود بالشفاعة أمر متواتر والأدلة عليه كثيرة مترادفة، ولكنهم كعادتهم يشذّون ويكفّرون المسلمين. ولكن للأمانة العلمية فهذا ليس حالهم كلهم، فقد أنكر عطية الزهراني، محقق كتاب "السُنة" لأبي بكر الخلال إصراره على تفسير المقام بالمحمود بالإقعاد على العرش، وذكر تضعيف الإمام الذهبي لهذا التفسير، كما نقل المحقق عن الذهبي إنكار الإمام أحمد هذا التفسير، على العكس من الروايات -بل والمنامات- التي ضمنّها الخلال كتابه، والتي احتج بها الخلال على كفر منكر تلك العقيدة الشاذة.

أصرت غالبية الفرقة المسماة بالسلفية، ومن سار على درب مقاتل بن سليمان، على ‏مخالفة سائر الأمة قديمها وحديثها، والقطع وفقًا لظاهر النصوص أن لله تعالى –وحاشاه- صورة وجوارحًا، فجسّموه وصيّروه صنمًا أو كالمارد يجلس على العرش تعالى الله عما قالوا علوًا كبيرًا. وقد حمل أبو الفرج ابن الجوزي –وهو حنبلي- في كتابه "دفع شبهة التشبيه" على المشبِّهة، خاصة ابن خزيمة وابن حامد وأبي يعلى، ممن نسبوا إلى الله تعالى إضافة إلى ما سبق: اللهات والأضراس، والتنفس، والفرح والحياء والغيرة، والمشي والهرولة وسائر أشكال الحركة والانتقال والمماسة والقرب المكاني، وجعلوا له مكانًا في السماء وعلى العرش، وقالوا على من أنكره أنه منكر لعلوه سبحانه. وقد قال الإمام الغزالي: "فوقية الله لا تجعله قريبًا من السماء، كما لا تجعله بعيدًا عن الثرى"، ولكنهم مصرون على العلو الحسي. وجعلوا له دارًا هي جنة عدن، وقد توسع ابن الجوزي في الرد على كل ما يستدلون به من الآيات والأحاديث على صحة تجسيمهم وزيّفها. كما خصّص الفخر الرازي بابًا كاملًا من كتابه "أساس التقديس" لعرض الأدلة العقلية والنقلية التي يستدل بها المشبهة من الحنابلة والكرامية على وجود الجوارح وإثبات الجسمية والتحيز ونحوه في حق الله تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، وتوسع في الرد عليها بالأدلة العقلية والنقلية المقابلة، وبيَّن زيف أدلتهم.

بالنسبة للإمام أبي بكر بن خزيمة، وهو شافعي المذهب، لكنه من كبار المتحنبلين عقيدة، وقد بالغ في إثبات الصفات إلى حد التجسيم والتشبيه. يظهر هذا جليًا في كتابه "التوحيد"، يدعي الأشاعرة المحدثون أن ابن خزيمة قد عاد من التجسيم إلى توحيد السلف الخالص القائم على التفويض. ولكن ما يستدلون به مما رواه الإمام البيهقي في "الأسماء والصفات" في ختام باب الفرق بين المتلو والتلاوة، أضعف من أن يُستدل به على ادعائهم. وهناك قصة مطولة رواها الذهبي في ترجمته في "السير" لوقيعة حدثت بينه وبين أصحابه، بسبب الاعتقاد في كلام الله تعالى، تظهر أسباب الخلاف بينه وبين أصحابه مفصّلة، وليس فيها ما يشي بتغير طرأ على عقيدته يتفق مع اعتقاد الأشاعرة. والسُبكي أيضًا يبريء ابن خزيمة في "طبقات الشافعية" (ج3، ص119) من التشبيه، ويستدل بتأويله حديث الصورة، ولا أراه كافيًا، فكتابه محشو بإثبات كل ما عدا ذلك، وقد كان يكره المتكلمين فعلًا، لكنه كان مشبهًا لا مفوضًا. والغريب أنه قد ثبت عن ابن خُزيمة أنه قرأ تفسير الطبري، وكان عصريّه، وقال أنه لا يعلم أحدًا على ظهر الأرض أعلم منه، مع أن تفسير الطبري مليء بالنقول التي تثبت التأويل وليس التجسيم!

وترجع كراهية الحنابلة للتأويل إلى أن المعتزلة أوّلوا الآيات التي فهموا منها أن القرآن مخلوق، وذلك كما يظهر من نصوص المناظرات التي أوردها الإمام الطبري في تاريخه لمحنة الإمام أحمد بن حنبل، وربما لهذا السبب لم يقبل البربهاري ما عرضه عليه الإمام الأشعري عندما دخل بغداد رغم إعلانه تبرئه من عقائد المعتزلة وأهمها اعتقادهم في خلق القرآن، وقد كان سبب المحنة.

وزادت الفرقة المسماة بالسلفية، ومن سار على درب مقاتل بن سليمان، بأن كذبوا على الأشاعرة في تزييف كتاب "الإبانة" للإمام الأشعري ينسبون فيه إليه ما يلزم اعتقاده بالجسمية، وهو ما ليس من عقيدة الأشاعرة بتاتًا؛ فليس من اعتقاد الأشعري، ولا أورده عنه أي من علماء طبقات الأشاعرة بدءًا بالطبقة الأقرب إليه مثل أبي بكر الباقلاني وأبي إسحق الإسفراييني وأبي بكر بن فورك، ولا من تلاهم كالبيهقي أو الجويني أو الغزالي، أو ابن عساكر! وهذا ليس بجديد على السلفية؛ فهم أساطين التحريف والكذب على الأئمة.

ذكر السُبكي في "طبقات الشافعية" (ج2، ص16) " وفى المبتدعة، لا سيما المُجسِّمة، زيادة لا توجد فى غيرهم، وهو أنهم يرون الكذب لنصرة مذهبهم، والشهادة على من يخالفهم فى العقيدة بما يسوءه فى نفسه وماله بالكذب؛ تأييدًا لاعتقادهم، ويزداد حنقهم وتقربهم إلى الله بالكذب عليه بمقدار زيادته فى النيل منهم. فهؤلاء لا يحل لمسلم أن يعتبر كلامهم"أهـ.

ومن أمثلة ما افتُضِح من كذبهم لنصرة مذهبهم، ذكر السبكي في "طبقات الشافعية" (ج3، ص399) "وقد أورد الحافظ –يعني ابن عساكر- بعض هذه الرسالة –رسالة القشيري في شكاية أهل السُنة، ورسائل العلماء التي تبعتها- فى كتابه –تبيين كذب المفتري- ونحن نرى أن نوردها كلها، فإنه يُخشى على مثلها الضياع إذا تمادى الزمان؛ فإن هذا شأن المصنفات اللطاف لا سيما ما يغيظ أهل الباطل، فإنهم يبادرون إلى إعمال الحيلة فى إعدامه. لقد كان عند الشيخ الإمام –يعني والده السُبكي الكبير- نسخة من كتاب (تبيين كذب المفتري)، لا يُحسن الرائي أن يقرأ منها حرفًا لما هو مكتوب فى حواشيها وبين أسطرها من أمور لا تتعلق بالكتاب، بخط بعض فضلاء الحنابلة الذين يلمزون ببعض الأشاعرة، فسألت الشيخ الإمام، فقال: هذه النسخة شريتها من تركة الحافظ سعد الدين الحارثي، وكأنهم كانوا يريدون إعدامها"أهـ. وأقول: ربما كان الأصح أنهم كانوا يريدون إعدامها بعد أن يزيفوها بنقل ذلك المكتوب في حواشيها بدلًا من بعض ما كان في النسخة الأصلية، ولكن السبكيين كانا حسنيّ النية، فلم يفطنا لمعنى كل تلك الكتابة في الحواشي وبين الأسطر.

وذكر السُبكي في "الطبقات" أيضًا (ج2، ص19) " وقد وصل حال بعض المُجسِّمة فى زماننا –يعني القرن الثامن الهجري- إلى أن كتب شرح صحيح مسلم للشيخ محيى الدين ‏النووى، وحذف من كلام النووى ما تكلم به على أحاديث الصفات؛ فإن النووى أشعرى العقيدة، فلم ‏تحمل قوى هذا الكاتب أن يكتب الكتاب على الوضع الذى صنَّفه مُصنِّفه، وهذا عندى من كبائر الذنوب فإنه تحريف للشريعة وفتح باب لا يؤمن معه بكتب الناس وما فى ‏أيديهم من المصنفات، فقبّح الله فاعله وأخزاه، وقد كان فى غنية عن كتابة هذا الشرح، وكان الشرح ‏فى غنية عنه"أهـ.

فقد كذب الحنابلة من قديم على كثير من أئمة المسلمين، وحاولوا تحريف كتبهم، ودس عقائدهم فيها، وما ذكرناه لا يعدو كونه أمثلة، فادّعوا أئمة كالجويني والغزالي، وهما من كبار الأصوليين الأشاعرة، أنهما تراجعا عن عقيدتهما الأشعرية أواخر أيامهما، ومالا إلى عقيدة المجسمة التي يصفونها بعقيدة السلف! وادّعوا الإمام البخاري والحافظ أبي نُعيم الأصبهاني، الذين لقيا الأذى من حنابلة زمانهم، أنهما على عقيدتهم! ووصل الأمر إلى أن بعض السلفية المحدثين صاروا يدّعون الإمام الفخر الرازي، مجدد القرن السادس، الذي شنّع عليه ابن تيمية أشد التشنيع، وكتب كتابًا يناقض كتابه "أساس التقديس"، ووصفه فيه بأنه قرن الشيطان الذي تنبأ النبي بخروجه من المشرق، ووصل الأمر بابن تيمية، خاصة في كتابه "بيان تلبيس الجهمية"، إلى حد اتهام الإمام الرازي زورًا بالشرك وعبادة الأوثان والرِدّة عن دين الإسلام! ونقل عنه ابن عبد الوهاب تكفير الرازي في "مسائله"! وكل هذا لأجل أن يثبتوا زورًا أن أئمة المسلمين عبر العصور على عقيدتهم.

وهناك من عقائد الحنابلة الكثير الذي يمكن الحديث عنه، واجتهدوا للتلبيس على العامة أنه اعتقاد السلف، كاعتقادهم بحرمة التوسل، وحرمة شد الرحال لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، كما كان يزعم ابن تيمية، حتى حرّفوا كتب أئمة السلف التي حقّقوها وطبعوها، بإزالة كل ما يثبت قيامهم بذلك، كقصة العتبي والأعرابي عند قبر الرسول، والقصيدة الشهيرة (يا خير من دُفنت في القاع أعظُمه)؛ وذلك حتى يظهر للعوام أنهم متابعون للسلف على عكس مخالفيهم، والعكس صحيح. وسأتوقف عند هذا الحد في نقدي لعقيدتهم. إنما أردت إعطاء صورة عما يُزوِّرون وتطول ألسنتهم بأنه عقيدة السلف، وستضح الصورة أكثر عن هذه الفرقة عند عرض نماذج من الفتن التي افتعلوها.

 

د. منى زيتون

 

منى زيتونالجوارح والجهة والانتقال ونحوه لله عزّ وجلّ

يذكر د.علي سامي النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج1، ص 235-236) أن "التشبيه والتجسيم كان قد بدأ ينتشر في عصر أبي حنيفة –المتوفى سنة 150هـ-، ورأى أبو حنيفة مقاتل بن سليمان ينشره في خراسان، فأعلن: "الله لا يشبه شيئًا من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه" و "هو شيء لا كالأشياء". فيكون أبو حنيفة إذن أول من أطلق على الله الشيئية، وهو يستند في هذا إلى الآية ‏﴿‏قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً‏‏﴾‏‏ [الأنعام : 19]، ولكنه ينزهه فيقول "وهو لا كالأشياء" مستندًا على الآية ‏﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏‏﴾‏‏ [الشورى : 11]. وهو يقصد بشيء أنه تعالى موجود بذاته وصفاته، إلا أنه ليس كالأشياء الموجودة ذاتًا وصفة، أو بمعنى آخر إنه شيء لا تدركه الأفهام أو العقول"أهـ.

ومن أشهر المأثورات عن الإمام علي بن أبي طالب أنه قال: "توحيده ألاّ تتوهمه". وعن الإمام أحمد بن حنبل قوله: "مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك". وعن يحيى بن معاذ قوله: "ما تصور في الأوهام فهو بخلافه". يقول الفخر الرازي في "أساس التقديس" (ص24-25) "ثبت أن الوهم والخيال قاصران عن معرفة أفعال الله سبحانه وتعالى وصفاته. ومع ذلك فإنا نثبت الأفعال والصفات على مخالفة الوهم والخيال، وقد ثبت أن معرفة كُنه الذات أعلى وأجلّ وأغمض من معرفة كُنه الصفات، ولمّا عزلنا الوهم والخيال في معرفة الصفات والأفعال، فلأن نعزلهما في معرفة الذات أولى وأحرى"أهـ. سبحانه لا تبلغه الأوهام ولا ‏تدركه الأفهام ولا يشبه الأنام، الله أكبر من كل ما يمكن أن نتوهم.

وذكر الإمام تقي الدين الحصني في "دفع شبه من شبّه وتمرد" (ص12) "آيات المتشابه وأحاديثه لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، والقرآن والسنة طافحان بتنزيهه عز وجل، ومن أسمائه القدوس، وفي ذلك المبالغة في التنزيه ونفي خيال التشبيه، وكذا في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] الخ، لما فيها من نفي الجنسية والبعضية، وغير ذلك مما فيه مبالغة في تنزيهه سبحانه وتعالى"أهـ.

يقول الفخر الرازي في "أساس التقديس" (ص236) "حاصل مذهب السلف أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها، ثم يجب تفويض معناها إلى الله تعالى، ولا يجوز الخوض في تفسيرها. وقال جمهور المتكلمين: بل يجب الخوض في تأويل تلك المتشابهات"أهـ.

وهنا يجب أن نقرر أول أسباب الإشكالية مع من يُسمُّون أنفسهم بالسلفية، فالخلاف في أصل التوحيد، ومنشأه الرئيسي هو ما يجب في باب الصفات الخبرية، هل نأخذ بـ (ظاهر المعنى) مع ما فيه من تشبيه وتجسيم، أم بـ (ظاهر اللفظ ونفوض المعنى) أي نمررها بلفظها كما جاءت بلا كيف، فلا نخوض في المعنى منعًا للتشبيه، أم نرفض ظاهر المعنى ولا نفوض فيه، بل (نؤول المعنى) وفقًا للمعروف في لسان العرب بما يليق بتنزيهه تعالى، ونفي كل ما يوهم بمماثلته لخلقه؟، والتأويل هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر يحتمله.

فرفضهم للتأويل وتمسكهم بظواهر (معاني) نصوص الكتاب والسنة لتقرير اعتقادهم في الله ادعاءً أن هذا ما كان يفعله السلف، هو من خلطهم الذي يقعون فيه لمرادفتهم بين التوقف عند ظاهر اللفظ (تفويض المعنى بلا كيف) الذي كان فعل كثير من السلف، وبين الأخذ بـ (ظاهر المعنى) (إثبات المعنى والتفويض في الكيف)، وهو فعلهم المخالف لفعل السلف؛ ويُسمّون ما عدا ذلك تعطيلًا للصفات!، وبدلًا من أن يكونوا هم من يقيسون الله على خلقه مما جعلهم يثبتون معاني يلزم منها التشبيه، يدّعون أن من عطّل إثبات تلك الصفات المزعومة، فعل ذلك لكونه يقيس الخالق على المخلوق، فمنع إثباتها! ويتذرعون بقول الإمام مالك لمّا سُئِل عن الاستواء "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" بأنه إنما عنى بمعلوم أي معلوم عند العوام معناه الظاهر، وليس كما يفهم الأشاعرة، معلوم لأن الله أخبرنا به بلفظه، فنفوض المعنى بلا كيف.

والثابت عن السلف أنهم كانوا يتوقفون ويفوضون في المعنى، فيقولون: "لا معنى، من غير تفسير، الظاهر غير مُراد،....."، خاصة في بدايات ظهور الإسلام وقبل التوسع في الفتوحات، وكذا كان الحال عند من تلاهم من التابعين عندما يصعب عليهم فهم المعنى، فكان هذا اختيارهم، لا يأخذون بظاهر المعنى ولا يؤولون، وهو تفويض تنزيه، حتى لا يقعوا في التشبيه، وفرق بيِّن بينه وبين تجسيم السلفية. وربما لم يكن يصعب عليهم المعنى إلا في مواضع قليلة لأنهم كانوا أقحاح في اللغة قبل أن تضعف العربية على الألسنة بعد الفتوحات واختلاطهم بالشعوب المفتوحة.

قال أبو عيسى الترمذي تعقيبًا على حديث (2557)، كتاب (صفة الجنة)، باب (ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار): "وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم روايات كثيرة مثل هذا ما يذكر فيه أمر الرؤية أن الناس ‏يرون ربهم وذكر القدم وما أشبه هذه الأشياء، والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك و‏ابن عيينة و وكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء، ثم قالوا تُروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يُقال ‏كيف؟، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تُروى هذه الأشياء كما جاءت، ويُؤمن بها، ولا تُفسر ولا ‏تتوهم، ولا يُقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه"أهـ.

وأورد السبكي في "طبقات الشافعية" (ج5، ص185) قول إمام الحرمين أبي المعالي الجويني في آخر عمره: "لقد قرأت خمسين ألفًا في خمسين ألفًا، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنها. كل ذلك في طلب الحق. وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد. والآن قد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق (عليكم بدين العجائز)، فإن لم يدركني الحق بلطف بره فأموت على دين العجائز، وتختم عاقبة أمري عند الرحيل على نزهة أهل الحق وكلمة الإخلاص لا إله إلا الله، فالويل لابن الجويني" يريد نفسه. قال الحصني في "دفع شُبه من شبّه وتمرد" (ص29): قال أبو الوفاء بن عقيل: "معنى دين العجائز: أن المدققين بالغوا في البحث والنظر، ولم يشهدوا ما يشفي العقل من التعليل، فوقفوا مع المراسم، واستطرحوا وقالوا لا ندري""أهـ.

ومما أُثر عن عمر بن عبد العزيز قوله: انتهى علم الراسخين بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]. فكان هذا فعل الصحابة وكثير من السلف، "التفويض في المتشابه من الصفات مع تنزيه الله وعدم التأويل"، وهو لا يعني الأخذ بظاهر معنى النص كما يدلس السلفية، لأن الأخذ بظاهر المعنى هو تفسير فيه قطع بالمعنى شأنه في ذلك شأن التأويل، مع ما في الأخذ بالظاهر من تجسيم وتبعيض وتوهم لله عز وجل، وهو ما يمتنع في حقه تعالى. والنصوص الثابتة عن الأئمة التي تثبت أن مذهبهم التفويض كثيرة، وقلَّ من كان مثل ابن عباس يكاد لا يُفوض في شيء ويؤول دائمًا، وكانت مزيّة في حقه، وكان يُسمى ترجمان القرآن، بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم له، أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل.

ويقرر الشهرستاني في "المِلل والنِحل" (ج1، ص80-81) أن التفويض كان مذهب السلف، فلا تأويل ولا تشبيه بأخذ ظاهر المعنى. يقول: "وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل، ولا استهدفوا للتشبيه، فمنهم مالك بن أنس رضي الله عنه؛ إذ قال: "الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ومثل أحمد بن حنبل، وسُفيان، وداود الأصبهاني، ومن تابعهم، حتى انتهى الزمان، إلى عبد الله بن سعيد الكلابي، وأبي العباس القلانسي، الحارث بين أسد المحاسبي، وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام، وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية، وبراهين أصولية، وصنّف بعضهم ودرس بعضهم، حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسألة من مسائل الصلاح والأصلح، فتخاصما، وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بمناهج كلامية، وصار ذلك مذهبًا لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية".

فأئمة الإسلام بعد القرون الأولى شاع بينهم التأويل والبحث عن المعنى المراد بالنص وليس ظاهره غير المراد؛ كما أنهم رأوا التأويل ضرورة في بعض الآيات، فلا يمكن التوقف عند ظاهر اللفظ ولا قبول ظاهر المعنى، بل ينبغي التأويل تنزيهًا لله تعالى. ومن تلك الآيات ‏﴿‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ‏‏﴾‏‏ [القصص:88]، و ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ  لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف:51] و ‏﴿‏نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُم‏‏﴾‏‏ [التوبة:67]، فلا بد من تأويل الوجه بالذات، وتأويل النسيان بالترك. تركوا العمل فتركهم الله في العذاب المبين، لأن النسيان نقص، لا يجوز في حق الله.

ولعل أعجب ما في السلفية أنهم يقرون بضرورة التأويل في آيات، كما يقرون بثبوت التأويل عن السلف في بعض الآيات كآية ‏﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا‏‏﴾‏‏ [الفجر: 22]، التي ثبت فيها التأويل عن الإمام أحمد بن حنبل، ولكنهم مع ذلك يُصرون على الأخذ بظاهر المعنى، فيقولون: هل يلزم من القول بالتأويل نفي ظاهر المعنى؟! فتأول الإمام أحمد مجيء الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، بمجيء ثوابه للمؤمنين وعذابه للكافرين، ولا ينفي هذا مجيئه حقيقة ومعه جنته وناره! والأمر هنا أشبه بمن يقول: "هديل قمر"، وبعد أن يتأول قمر بالجمال، يصر على إجراء المعنى على ظاهره، وأنها أيضًا قمر حقيقة كالقمر الذي في السماء! والأدهى أنهم لا يفهمون عند المناظرة أن عليهم البرهنة أن ظاهر المعنى مراد كما يدّعون، والرد على الإشكالات المطروحة حوله.

والسلفية كذلك يكثرون من الخلط، ولا يفهمون المقصود من قول بعض الأئمة "الإجراء على الظاهر"، فيفهمون منه أنهم أرادوا ظاهر المعنى، بينما من يقرأ النص كاملًا يتحقق من أن مرادهم هو التوقف عند ظاهر اللفظ وإمراره، وأن المعنى الظاهر الموهم بالتشبيه غير مراد عندهم، ولدى السلفية كذلك انتقائية عالية في اختيار النصوص، فيقتصّون أجزاءً لا توضح ما أراده الإمام، ويبحثون عن شواذ الروايات التي تثبت تجسيمهم ويهملون ما عداها، فالأخذ بروايات واستبعاد أخرى، مبني عندهم على ما يوافق عقيدتهم، وليس على التحقيق العلمي، بل حتى أنهم يرفضون منهج الجمع بين الروايات إن كان الأخذ به سيؤدي لنتيجة تعاكس عقيدتهم، إضافة إلى خلط فهومهم المستقاة من عقيدتهم بالنصوص ليتوهموا موافقة النصوص لهم. ومن أمثلة اجتزاءاتهم المشهورة التي يروجونها بين أتباعهم، مقولة للإمام أبي حنيفة تُنسب إليه، يقول فيها: "من قال لا أعرف الله في السماء هو أم في الأرض فقد كفر"، ويتوقفون عند هذا الحد من النقل لأنه يُعزز عقيدتهم، ولو أنصفوا لأكملوا قول الإمام، والمقولة بتمامها كالآتي: "من قال لا أعرف الله في السماء هو أم في الأرض فقد كفر، لأن هذا يوهم أن لله مكانًا، ومن توهم أن لله مكانًا فهو مشِّبه"أهـ. وشتّان بين الروايتين.

ولم يكتفوا بذم التفويض، ورفض نسبته إلى السلف، ومعارضتهم التأويل، بادعاء أن ألفاظ القرآن مفهومة بلسان العرب، ويعنون مفهومة بظاهر معانيها أي الجوارح وكل ما لا يليق بالحق سبحانه وتعالى مما أجازوا نسبته إلى الله، ويرون أن ليس من بأس في أن نصف الله بما وصف به نفسه، ولكن هل وصف الله نفسه حقًا بما ادّعى السلفية؟! وزعيمهم في هذا الخلط، ابن تيمية، الذي على عادته في تبديع المخالفين، اتهمهم بأن قولهم من شر أقوال أهل البدع والإلحاد! وكلام ابن تيمية وتهوكاته في باب الصفات مما أكثر فيه وبالغ، ولعله من أشنع مخالفاته العقدية، على كثرة ما له من مخالفات، والتي سنتعرض لها عند عرض فتنته.

بينما ينقل الكوثري في حاشية تحقيقه كتاب "دفع شبهة التشبيه" لابن الجوزي (ص 61) عن الإمام المجتهد ابن دقيق العيد في "شرح المشكاة" قوله: "والحاصل أن السلف والخلف مؤولون لإجماعهم على صرف اللفظ عن ظاهره، ولكن تأويل السلف إجمالي لتفويضهم إلى الله تعالى، وتأويل الخلف تفصيلي لاضطرارهم إليه لكثرة المبتدعين".

جاء في "جوهرة التوحيد" للإمام اللقّاني المالكي:

وكل نصٍ أوهم التشبيها ***** أوِّلْه أو فوّض و رُمْ تنزيها

يقول البيجوري في "حاشيته على جوهرة التوحيد" (ص156-157) في شرح البيت "قوله (أوِّلْه): أي احمله على خلاف ظاهره مع بيان المعنى المراد، فالمراد: أوّله تأويلًا تفصيليًا بأن يكون فيه بيان المعنى المراد كما هو مذهب الخلف، وهم من كانوا بعد الخمسمائة، وقيل: من بعد القرون الثلاثة. وقوله (أو فوِّض) أي: بعد التأويل الإجمالي الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فبعد هذا التأويل فوِّض المراد من النص الموهم إليه تعالى على طريقة السلف، وهم من كانوا قبل الخمسمائة، وقيل القرون الثلاثة: الصحابة والتابعون وأتباع التابعين. وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لما فيها من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم، وهي الأرجح، ولذلك قدمها المصنف، وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى. وقوله: (ورمْ تنزيها) أي: واقصد تنزيهًا له تعالى عما لا يليق به مع تفويض علم المعنى المراد، فظهر مما قرّرناه اتفاق السلف والخلف على التأويل الإجمالي، لأنهم يصرفون المُوهم عن ظاهره المحال عليه تعالى، لكنهم اختلفوا بعد ذلك في تعيين المراد من ذلك النقص وعدم التعيين. والحاصل أنه إذا ورد في القرآن أو السُنة ما يُشعر بإثبات الجهة أو الجسمية أو الصورة أو الجوارح، اتفق أهل الحق –يعني الأشاعرة- وغيرهم ما عدا المجسمة والمشبهة على تأويل ذلك لوجوب تنزيهه تعالى عما دلّ عليه ما ذُكر بحسب ظاهره"أهـ.

فمع فتوح البلدان وفناء جيل الصحابة وزيادة أعداد المسلمين، وزيادة طرح الأسئلة لم يكن هناك بُدّ من الرد عليها عن طريق تأويل النصوص وفق قواعد اللغة لتنزيه الله تعالى باستبعاد المعنى الراجح الصريح لتلك النصوص لامتناعه في حق الله تعالى، وإعطاء تفسيرات للنصوص باستخدام المعاني المرجوحة لغويًا لتلك الألفاظ.

ويناقش الفخر الرازي في "أساس التقديس" (ص220-221) مسألة تعارض البراهين العقلية مع الظواهر النقلية. يقول: "اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يُشعر ظاهرها بخلاف ذلك. فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة: إما أن يُصدق مقتضى العقل والنقل، فيلزم تصديق النقيضين وهو محال، وإما أن نبطلهما فيلزم تكذيب النقيضين، وهو محال، وإما أن تكذب الظواهر النقلية، وتصدق الظواهر العقلية، وإما أن تصدق الظواهر النقلية وتكذب الطواهر العقلية، وذلك باطل، لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وظهور المعجزات على يد محمد صلى الله عليه وسلم، ولو صار القدح في الدلائل العقلية القطعية، صار العقل متهمًا، غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج عن أن يكون مقبول القول في هذه الأصول. وإذا لم تثبت هذه الأصول، خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة. نثبت: أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا، وإنه باطل. ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يُقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة: بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يُقال إنها غير صحيحة، أو يُقال إنها صحيحة، إلا أن المراد منها غير ظواهرها، ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل. وإن لم تجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى. فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات"أهـ.

وهذا القانون منصوص عليه عند الأشاعرة، وليس المقصود به أحكام الله تعالى التي نقبل بها وإن لم تفهمها عقولنا، بل المقصود آيات القرآن وبعض الأحاديث، والتي نقبل المجاز فيها عند تعارض الظاهر مع ما يليق به تعالى ويمتنع في حقه. وقد ثبت عن الإمام علي أنه قال لابن عباس عندما بعثه لمناظرة الخوارج "ناظرهم بالسُنة فإن القرآن حمال أوجه"، وكذا ما قاله الإمام ‎‎الشافعي‎ ‎عن‎ ‎القرآن‎ "وأن منه ظاهرًا يُعرف في سياقه أنه يراد به غير ‏ظاهره"، وقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس بأن يعلمه الله التأويل. والتأويل في حقيقته هو بحث عن المعنى الذي أراده الله تعالى، مع اليقين أن هذا المعنى لا يعلمه إلا هو سبحانه ‏﴿‏وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ‏...‏‏﴾‏‏ [آل عمران: 7]. وأقول إن هذه الآية حجة على القائلين بضرورة الأخذ بظاهر النصوص في بعض الآيات التي يمتنع فيها الظاهر تنزيهًا لله، لأن الله قطع بأن لها تأويلًا، وكون أن لها تأويلًا دليل بأن المقصود بها غير ظاهرها. فإما أن تتوقف فيها، أو تُحاول تأويل معناها، على ألا تؤكد ثقتك بذاك التأويل، فتذكر ما أفهمك الله إياه، ثم تقول: والله أعلم.

وأقول أيضًا: إن السلفية بإصرارهم على الأخذ بظاهر المعنى ينفون عن القرآن بيانه وهو سبب إعجازه، فالحمل على الظاهر أشبه بالترجمة الحرفية التي لا توضح المعنى وتفتقد إلى البلاغة. وقد روى البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" (ص325) عن ابن عباس أنه سُئل عن قوله تبارك وتعالى: ‏﴿‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ‏‏﴾‏‏ [القلم: 42]‏‏، قال: "إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه من الشعر فإنه ديوان العرب". ومثله قاله ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه": إن التأويل الشائع  مثله في كلام العرب. وصنّف الشريف الرضى كتابًا رائعًا جمع فيه مجازات القرآن. ولكن السلفية لا يعقلون أن بالقرآن مجازات، فرفضوها لتستقيم عقيدتهم المجسمة المشبهة.

وصدق الشاعر إذ قال:

كم من عائبٍ قولًا صحيحًا *** وآفته من الفهمِ السقيمِ

وقد مر بنا أن الخوارج قد حملوا آيات الوعيد على ظاهر المعنى، ففسروها على أنها تثبت كفر من كانت حاله حال المتوعدين، وأفسدت عليهم دينهم، أما عن النصوص التي استدل السلفية بظاهر معناها على وجود الجوارح والتحيز والانتقال ونحوه لله تعالى –وحاشاه-، فقد جمع د/سيف العصري نقولًا عن أكثر من مائة من أكابر أئمة المسلمين تقطع بأن مذهبهم فيها هو التفويض وليس التفسير بظاهر المعنى، وصنّفها في كتاب "القول التمام بإثبات التفويض مذهبًا للسلف الكرام"، ومنهم أكابر أئمة الحنابلة كابن الجوزي وابن قُدامة المقدسي وابن هُبيرة والجيلاني وابن رجب. ولست هنا بصدد نقل بعض من هذه النقول من أمهات الكتب، بل يعنيني أن أُثبت أن التأويل الذي يتحدث عنه السلفية باعتباره ابتداعًا قد ثبت أيضًا عن كثير من كبار أئمة المسلمين، على اختلاف عقائدهم (أشاعرة- معتزلة- شيعة) ومذاهبهم (شافعية- مالكية- حنفية- حنبلية- ظاهرية- جعفرية)، بل وثبت التأويل عن بعض الصحابة فيما نُقِل عنهم. وسنتتبع تفسيراتهم لبعض من تلك الآيات والأحاديث الموهمة بالتشبيه والتجسيم في الحلقات القادمة من المقال.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيإن بلوغ الحكمة والرقي الروحي بالنسبة للحسن البصري ليست نهاية أو غاية بذاتها بقدر ما هو أسلوب التنقية التي لا تنتهي إلا بانتهاء الحياة. الأمر الذي يجعل حتى من تلقائية الأفعال معاناة حادة لما فيها من اختبار عملي دائم للإرادة وامتحان أخلاقي لها. ويمكن توضيح هذه الفكرة على مثال مواقفه الفكرية والشخصية من الثروة. فقد كان يفسر مضمون الآية (وما يستوي الأحياء والأموات) بعبارة "الفقراء والأغنياء. الفقراء حيوا بذكر الله والأغنياء ماتوا على الدنيا"[1]. من هنا قوله:"بأس الرفيقان الدرهم والدينار. لا ينفعانك حتى يفارقانك"[2]. ومن هنا أيضا استنتاجه:"ما اعزّ أحد الدرهم إلا أذله الله"[3]. لكنها حكمة مبنية ليس فقط على ملاحظة مختلف مظاهر الحياة العامة والخاصة للأفراد والجماعات والأمم، وبل وعلى أساس نفيها العملي في حكمة الأسلاف الكبار، الذين كانت حياتهم نفيا تاما وشاملا لعبودية المال. بينما حقيقة الثروة تقوم في بلوغ السعادة المحكومة بقيم العدل والعدالة والإخلاص الباطني. فعندما يقيّم تجارب الأسلاف نراه يستشهد بممارساتهم بهذا الصدد قائلا:"لقد أدركت أقواما ما طوى لأحدهم في بيته ثوب قط، ولا أمر في أهله بصنعة طعام قط، وما جعل بينه وبين الأرض شيا قط"[4]. وعندما يتعلق الأمر به، فإنه لا يشذ عن هذه القاعدة بما في ذلك ما يمكنه أن يكون أمرا عاديا وطبيعيا. فقد خطب رجل ابنته فوافق في البداية. وعندما أرادوا تزيين حال الخاطب تكلموا عن ثروته وإنه يملك خمسين ألف درهم، عندها رفض تزويجه إياها قائلا:

له خمسون ألف! ما اجتمعت من حلال!

يا أبا سعيد انه ورع مسلم.

إن كان جمعها من حلال، فقد ضنّ بها عن الحق. لا والله لا جرى بيننا وبينه صهرا أبدا"[5].

وعندما ردّ في إحدى المرات مال من أعطاه، ومعاتبة البعض إياه، من انه يأخذ من مالك بن دينار، أجابهم:"إن مالكا وبن واسع (محمد بن واسع) ينظران إلى الله فيما نأخذ منهما، فعلينا أن نقبل. وأن هذا المسكين ينظر إلينا فيما يعطي فرددنا عليه صلته". ويجّسد هذا الموقف ما يمكن وصفه بسحب رحيق الإرادة الحرة من التخثر في دماء الغريزة وتبخيرها في سماء المطلق. فللمطلق عوالمه وطبقاته، وفي كل منها اختيار للإرادة واختبار. وهو طريق الحسن البصري، أي الطريق الذي يجعل من بلوغ الحكمة مهمة أبدية في التاريخ والروح على السواء.

مما سبق يتضح، بأن تحويل تجارب العقل النظري الإسلامي صوب امتحانها العملي الدائم، يستحيل تحقيقه دون توليف الأبعاد الجديدة للتجربة الذاتية بوصفها تذوقا خالصا للمعاني ومحكوما بتحقيقها الفعلي المتجدد في الظاهر والباطن. وهو الأسلوب الجوهري الجديد الذي أدخله الحسن البصري إلى عالم الثقافة الإسلامية، بحيث جعل منه في نفس الوقت أحد مصادر الفكرة الأخلاقية المتسامية وفلسفة المطلق. بمعنى انه أول من أرسى أسس فلسفة الروح الأخلاقي المتسامي من خلال تحويل الجدل المدرسي والعقائدي من عالم الأفكار المتضادة وتهذيب أدواتها المنطقية إلى عالم الروح الأخلاقي. ففي موقفه من إشكالية القضاء والقدر كما ينقل لنا أبو طالب المكي، نرى الحسن البصري يردّ على عمرو بن عبيد الذي كان يقول "إن الله لا يقضي بالشيء ثم يعذب عليه" بعبارة:"ويلك! إن الله لا يعذب على جريان حكمه وإنما يعذب على مخالفة أمره"[6]. وقد تميز "جدله" الفكري بهذه الخصلة عندما جعل البحث عن الحقيقة وتحقيقها الذاتي أسلوب المعرفة الصادقة. بمعنى المزاوجة الدائمة بين الخطأ والخطيئة وبين الصدق والصادق (الصحيح). من هنا تحول المفاهيم إلى جزء من تطهير وتنوير الحس والعقل والحدس، والروح والجسد، والقلب واللسان، أي كل ما يكوّن كينونة الإنسان وما تتفرد به في علمها وعملها. لهذا نراه يؤكد على أن بلوغ الجنة وتجنب النار مرتبط بتحقق الإنسان بصفات أربع هي "أن يملك نفسه عند الرغبة، وعند الرهبة، وعند الشهوة، وعند الغضب"[7]. كما جعل من الصبر أسلوب البصيرة، من هنا قوله:"رحم الله امرؤ عرف ثم صبر، ثم أبصر فصبر. فإن أقواما عرفوا فأنتزع الجزع أبصارهم. فلا هم أدركوا ما طلبوا ولا هم رجعوا إلى ما تركوا"[8]. بينما أجاب مرة على من قال له:

كيف نصنع بأقوام يخوّفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير؟

لئن تصحب أقواما يخوّفونك حتى تدركك الأمن، خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى يلحقك الخوف"[9].

بمعنى تأسيسه لفكرة الخوف بوصفها أسلوبا لتحقيق الحق. وهي عين الشجاعة والبطولة. إذ لا علاقة لها بفزع الجسد واهتزاز الغريزة. من هنا قوله "المؤمن أشد الناس عملا، وأشد الناس خوفا"[10]. وإن حقيقة الخوف تقوم في قدرته على تهذيب وتنقية النفس وليس إفزاع الروح وتهوين الإرادة.

إن فكرة الخوف هي فكرة أخلاقية، بوصفها المصدر الروحي لقوة الإرادة والشكيمة. ومن ثم هي الصيغة الأخلاقية لتذليل خوف الجسد والغريزة، عبر الإرتقاء بها إلى مصاف المحاسبة الذاتية ورقابة النية والغاية. كما إن مهمة الخوف ليست تخويف العقل والروح لأنهما لا يخافان، بل في إثارة الهموم الباطنية، انطلاقا من أن العقل الحقيقي والروح المتسامي مهمومان على الدوام. من هنا فكرة الحسن البصري:"إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همّه"[11]. وبما انه لا همّ بلا قلب، من هنا فإن قدر الهموم على قدر القلوب، تماما كما أن قدر القلوب على قدر همومها. وذلك لأنهما من أصل واحد. ووضع الحسن البصري هذه الحصيلة في مطلبه القائل:"حادثوا هذه القلوب، فإنها سريعة الدثور! واقرعوا النفوس فإنها خليعة! وأنكم إن أطعتموها تنزل بكم إلى شرّ غاية"[12]. ويرتقي هذا المطلب إلى مصاف الحكمة التي قالها بهذا الصدد:"لا تخالفوا الله عن أمره! فإن خلافا عن أمره عمران دار قضى الله عليها بالخراب"[13]. ذلك يعني، إن الانحراف عن حقيقة الروح الأخلاقي ومساعيه الحثيثة صوب الكمال هو هدم دائم لكل بناء مهما كان مظهره ومحتواه وقوته وجماله الظاهري. وبالتالي، فإن الحقيقة والثبات والدوام للروح المتسامي. وما عداه تراب وسراب. ولم يقصد الحسن البصري بذلك وضع مكونات العمران الظاهر بالضد من الباطن، ولا الباطن بالضد من الظاهر بقدر ما أراد تأسيسهما المتجانس من خلال إرساء أولوية وجوهرية الروح العلمي والعملي، بوصفها إحدى الصيغ النموذجية لما أسميته بالعقل الثقافي (الإسلامي). وقد تمثل هذا العقل تاريخ الأمة وتجاربها المتنوعة في بلوغ الحق والحقيقة.

غير أن خصوصية الحسن بهذا الصدد تقوم في انه أول من حاول دفع العقل صوب الحكمة والعمل بموجبها. وهي المقدمة الضرورية للارتقاء إلى عوالم المطلق وتجاربه المتنوعة، أي بلوغ حالة نفي العقل بالعقل نفسه. وقد التقط أبو طالب المكي هذه الفكرة عندما علّق على فكرة الحسن البصري عن التوكل في قوله:"التوكل هو الرضا"[14]. واستكمالها في أحد المواقف العملية عندما قال:"وددت أن أهل البصرة في عيال وأن حبة بدينار"، بوصفها الصيغة الأرقى والأكثر كمالا في التوكل. وذلك لأنها فكرة وموقف يحتويان على الرضا بالإحكام كيفما جرت[15]. وليس المقصود بذلك سوى خمول الغريزة والبقاء في عوالم نفيها العقلي والأخلاقي. وهو أمر جلي حتى حالما يجري الاكتفاء باستعراض بعض مفاهيمه ومواقفه دون تحليل وحدتها الداخلية ومضمون ووظيفة كل جزء فيها، مثل المؤمن "لا يأكل في كل بطنه، ولا تزال وصيته تحت جنبه"[16]؛ وأن "المؤمن وقّاف متأن، وليس كحاطب ليل"[17]. من هنا تفسيره الآية (ولا اقسم بالنفس اللوامة) بعبارة: "لا يلقي المؤمن إلا يعاتب نفسه قائلا لها "ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ بينما الفاجر يمضي قدما ولا يعاتب نفسه"[18]. أما الزاهد فهو "الذي إذا رأى أحدا قال:هذا من فضل ربي!"[19]. لهذا وجد في عيسى إنسانا "يلبس الشعر، ويأكل من الشجر، ويبيت حيث أمسى"[20]. في حين نراه ينظر إلى التوبة، باعتبارها "ندم القلب، واستغفار باللسان، وترك بالجوارح، وإضمار أن لا يعود إليه"[21]. وسوف تضع المتصوفة هذه المقدمة لاحقا في بداية الطريق صوب المطلق وبلوغ الحكمة. فقد أسس الحسن البصري لها في فكرته القائلة:"إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر، وبالفكر على الذكر حتى استنطقوا قلوبهم فنطقت بالحكمة"[22]. من هنا فإن "من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو. ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو. ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو"[23]. وهي الذروة الضرورية الأولى للانطلاق صوب التكامل الذاتي للإرادة. بمعنى السير الدائم تحت مجهر المراقبة الذاتية والعمل بموجبها بوصفه طريق التنقية الحقيقة للظاهر والباطن في جميع مستوياتهما وأشكالهما.

لقد وضع الحسن البصري هنا أسس ما يمكن دعوته بالتجربة الفردانية الحية في مواجهة إشكاليات النفس وعرضها أمام المنظومة المتراكمة لوعي الذات من أجل بلوغ الحكمة. وليس هناك من معيار حقيقي لها غير وحدة العلم والعمل. من هنا قوله "اعلموا ما شئتم أن تعلموا! فوالله لا يؤجركم الله عليه حتى تعملوا. فإن السفهاء همتهم الرواية، وإن العلماء همتهم الرعاية"[24]. من هنا مطلبه القائل:"عظ الناس بنعليك ولا تعظهم بعلمك"[25]. من هنا وصفه لأشياخه قائلا: "كان أحدهم يعرض عليه المال الحلال قائلين له "خذه استغني به!". لكن أحدهم كان يرد قائلا:لا حاجة لي فيه! أخاف أن يفسد عليّ قلبي"[26].

إن جوهرية القلب في منظومة الحسن البصري هي الصيغة الأدبية لجوهرية الإرادة. إذ لا يعني هنا الحفاظ على نقاء القلب سوى الاحتفاظ بسرّ الإرادة وقوتها الذاتية. أما بلوغها، فإنه يضع المرء بالضرورة أمام تحديات لا تنتهي، بما فيها تحدي السلطة المستبدة أيا كان شكلها ومحتواها ومظاهرها. بل يمكننا القول، بأن التحقيق الأمثل لهذا التحدي يقوم في الموقف من السلطة المغتربة عن منطق الإرادة المتسامية. وهي سلطة لها مظاهرها المتنوعة والكثيرة من سلطة الدولة حتى سلطة النص مرورا بالتقاليد والأعراف والقيم. الأمر الذي يجعل لهذا المنطق قواعده ومساره الخاص في تاريخ العقل والروح والدولة والأمة، مهمته بلوغ الحقيقة والحكمة، وبالتالي مواجهة وتحدي الاغتراب الفعلي والمحتمل في التاريخ.

ولعل نموذجية الحسن الكبرى بهذا الصدد تقوم في توليفه الأولي لمنظومة المواجهة الروحية لحالة الاغتراب التي رافقت انتقال الدولة من تاريخ الدولة الإمبراطورية الشرعية إلى زمن السلطة الإمبراطورية للاستبداد الأموي. ولعل المواجهة الكبرى الأولى بهذا الصدد، يمكن العثور عليها في رسالته الشهيرة التي رد بها على رسالة عبد الملك بن مروان (ت – 85) والمتعلقة باستفساره عما إذا كان الحسن البصري يقول بالقدر، وعما إذا كان ذلك يتوافق مع الإسلام أم لا. وقد كانت ردوده ضمن سياق المواجهة والتحدي الأخلاقي للجبرية السياسية الكامنة في الأموية و"غيرتها" على فكرة "المشيئة والإرادة الإلهية" من خلال تأسيس ثلاثة مبادئ كبرى بهذا الصدد، وهي أن مهمة رجل الفكر والسياسة تقوم في أن يكون حجيجه الله لا الهوى (أي الحق والحقيقة لا المصالح العابرة)،  وأن حقيقة إرادة الإنسان تقوم في إتباع الحق، وأن حقيقة قضاء الله وقدره هو أمره بالمعروف والعدل والإحسان. ولا علاقة لهذه المبادئ بجدل الأفكار المحترف والمتبلور في دهاليز السلطة ومساجدها الخاوية من بصيص الحكمة وعطور القلوب النقية. من هنا تحويل "الجدل" صوب الالتزام بفكرة الحق والحقيقة والعمل بموجتها.

فقد ميز هذا الأسلوب مواقفه وأفكاره من السلطة. بحيث يمكننا ملاحظته في جميع مواقفه من الأمة وفرقها ومدارسها، ومن السلطة واختلاف سياستها. من هنا لا نعثر على خلاف في موقفه من السلطة في مجرى رده على استفسار عبد الملك بن مروان، ولاحقا على رسالة عمر بن عبد العزيز، التي طالبه فيها مساهمته في إعادة بناء الدولة أو توجيه السلطة[27]. ويعكس هذا الرد ليس فقط موقفه من السلطة بل والمنظومة الأخلاقية الدفينة لآرائه السياسية. ويمكن اختصار أهم أفكار هذه الرسالة الطويلة بقواعد أساسية وهي: أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به؛ وإن الندم على الشر يدعو إلى تركه؛ وانه ليس ما يفنى وإن كان كثير يعدل ما يبقى وإن كان طلبه عزيزا؛ لهذا من الضروري الحذر من هذه الدنيا الصارعة الخادعة القاتلة التي تزينت بخدعها، وذلك لأن من عشق شيئا لم يعقل غيره؛ من هنا ضرورة وضع همومها جانبا لما يعاينه المرء من فجائعها، وذلك لأن كل ما فيها هو حلقات مترابطة يمتزج فيها الرخاء بالبلاء، والبناء مصيره الفناء، والسرور مشوب بالحزن، وآخرها الضعف والوهن؛ لهذا يطالبه بالنظر إليها نظر الزاهد المفارق لا العاشق الوامق، والحذر منها، لأن أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وعيشها نكد، وصفوها كدر. فهي إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما منية قاضية. من هنا ضرورة تأمل الحقيقة القائمة في موقف الأنبياء والأولياء منها استنادا إلى أن رفض الجاه بالنسبة للأنبياء وأحباء الله هو اختبار ولغيرهم اعتبار واغترار. وذلك لأن الإنسان يستطيع الحصول من الدنيا على ما يريده منها من غير طلب لأنها إلى جانبه، لكن الأمر يختلف حالما يأخذ منها. حينذاك تلزمه حقوق الله فيه. لهذا لا ينبغي للعاقل أن يأخذ منها إلا قدر قوته وما يكفي. فالدنيا إذا فكر فيها المرء ثلاث أيام: يوم مضى لا يرجوه، ويوم هو فيه ينبغي عليه أن يغتنمه، ويوم يأتي لا يدري فيما إذ هو من أهله أم لا. فالأمس حكيم مؤدب، واليوم صديق مودع، ولا شيء للغد غير الأمل. من هنا ضرورة أخذ الثقة بالعمل وترك المغرور بالأقل قبل حلول الأجل. وبالتالي لا معنى لأن يدخل المرء على اليوم همّ غد أو همّ ما بعده. فالذي يبقى من العمر لا ثمن له ولا عدل. فلو جمع الإنسان الدنيا كلها ما عدلت بما بقي من عمر صاحبه. لهذا لا قيمة لبيع اليوم ومعادلته بشيء من الدنيا بغير ثمنه. من هنا ضرورة انتقاد اليوم للنفس، وإبصار الساعة، وفهم الكلمة، والحذر من الحسرة عند نزول السكرة[28].

إننا نقف هنا أمام فكرة تأسيس مهمة المثقف الكبير في الوقوف عند حكمته الشخصية في الموقف من السلطة، ومن ثم المحافظة على المسافة الضرورية بينه وبينها أيا كان شكلها ومحتواها وأشخاصها. انطلاقا من أن مهمة المثقف الكبير تقوم في تجسيد حقائق المرجعيات الثقافية للأمة، أو حقائق الروح الأبدي من خلال الخروج على الجسد والعيش بلا أوهام، أي العيش والعمل والتفكر بمعايير وقيم الخيال المبدع. بمعنى بلوغ الحكمة بوصفها خروجا على العقل بمعاييره. عندها يتحول العقل إلى حكمة عبر استحكام منطق الحدس المتسامي فيه وليس قواعد المنطق الشكلية. فهو الأسلوب الوحيد القادر على تجاوز وتذليل شرطية الوجود وضعف القيم و"منظومة" الرذيلة الشرسة، التي تلفّ بخيوطها رعونة الغرور الدائمة للعقول والضمائر الخربة. ووضع هذه الحصيلة في أساس فلسفته من المثقف (أهل العلم) ومهمته العامة والخاصة بشكل عام وموقفه من السلطة بشكل خاص.

وليس مصادفة أن يكون موقفه من الفقهاء يتسم بقدر هائل من النقد والاعتراض. فعندما قالوا أمامه مرة "إن الفقهاء يقولون كذا وكذا"، فأجابهم "وهل رأيت فقيها بعينيك؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، البصير بدينه، المداوم لرعاية الله"[29]. وعندما قال له رفيقه فرقد السبخي:

يا أبا سعيد! إن الفقهاء يخالفوك!

ثكلتك أمك يا فريقد! وهل رأيت بعينيك فقهاء. إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع، الكافّ عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم"[30].

من هنا يتضح بأن حقيقة الفقيه (أو المثقف) تقوم ليس في تمكنه من المعارف، بل في تمثلها الذاتي بمعايير الروح المتسامي، التي تتوحد فيها المعرفة بالعقل، وكليهما بالأخلاق. ومنهما تتكامل كينونته الفعلية. وهي العملية الوحيدة القادرة على صنع فقيه الروح وليس الجسد. وفي هذا يكمن سرّ انتقاده اللاذع والعميق للمثقف الأجير. إذ ينقل عن الحسن البصري كيف انه خرج إحدى المرات من بيت الأمير عمر بن هبيرة، فإذا هو بالقرّاء على الباب. عندها قال لهم:"ما يجلسكم ها هنا؟ تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء؟ أما والله ما مجالستهم بمجالسة الأبرار! تفرقوا! فرّق الله بين أرواحكم وأجسادكم! لقد لقحتم نعالكم وشمرتم ثيابكم، وجززتم شعوركم! فضحكم القراء فضحكم الله! أما والله لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم. لكنكم رغبتم فيما عندهم فزهدوا فيما عندكم. أبعد الله من أبعد"[31]. لقد أراد الحسن البصري القول، بأن المثقف الأجير هو ذيل ذليل السلطة، بينما المثقف الحقيقي هو من تركض وراءه السلطة وأعوانها. وأسس الحسن البصري لهذه الفكرة العميقة والجليلة من خلال تحديد ما يمكن دعوته بمهمة الابتعاد عن السلطة أو وضع مسافة بينه وبينها بالشكل الذي تحفظ له صفاء القلب ونقاء السريرة. لهذا السبب وجد في فقهاء السلطة كيانات لا قيمة لها. ووضعها مرة في عبارة بليغة تقول عنهم:"أرى رجالا ولا أرى عقولا، أسمع أصوات ولا أرى أنيسا، أخصب ألسنة وأجدب قلوبا"[32]. بينما البديل الفعلي يقوم في امتلاك المثقف أو تملّكه خصلتان: العدل والحرية. ووضع ذلك في صيغة نقدية تقول:"خصلتان إذا صلحتا صلح ما سواها: الركون إلى الظَلَمة، والطغيان في النعمة"[33]. وليس مصادفة أن يقولوا عنه:"لو رأيت الحسن البصري لقلت إنك لم تجالس فقيها قط"[34].

لقد حقق الحسن البصري في ذاته فكرة وأنموذج المثقف المثالي. لكنه تحقيق مبني على أساس تمثل تراث الحقيقة وتجارب الأسلاف العظام والتاريخ الفعلي للأمة والدولة. لهذا نراه يجيب مرة عن سؤال متعلق بصفات الصحابة، بكلمات:"ظهرت منهم علامات الخير في السيماء بالهدى والصدق، وخشونة ملابسهم بالاقتصاد، وممشاهم بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، ومطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق، وخضوعهم بالطاعة لربهم، واستفادتهم للحق فيما أحبوا وكرهوا، وإعطاؤهم الحق من أنفسهم. ظمئت هواجرهم، ونحلت أجسامهم، واستخفوا بسخط المخلوقين برضا الخالق. لم يفرطوا في غضب، ولم يحيفوا في جور، ولم يجاوزا حكم الله في القرآن. شغلوا الألسن بالذكر، وبذلوا دماءهم حين استنصرهم، وبذلوا أموالهم حين استقرضهم، ولم يمنعهم خوفهم في المخلوقين. حسنت أخلاقهم وهانت مؤنتهم وكفاهم اليسير في دنياهم إلى آخرتهم"[35]. وهي صورة نموذجية لما ينبغي أن تكون عليه شخصية المثقف الإسلامي. لكنها في الوقت نفسه هي صورة مركبة عن نماذجها المتنوعة فيما كان يمارسه هو بوصفه تحقيقا فرديا للمثقف الأصيل. بحيث نراه يصل في نهاية المطاف إلى أن المثقف الكبير "مجنون" بمقاييس الظاهر والعابر والجزئي. وذلك لصعوبة إدراجه في قوالب الرؤية العادية، واستحالته أمام معايير العوام وأنصاف المتعلمين أو ما أطلقت عليه المتصوفة لاحقا اسم علماء الرسوم. فقد قال الحسن البصري في معرض تحديده للمثقف الأصيل ما يلي:"إن لله عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين. قلوبهم محزونة، حوائجهم خفيفة وأنفسهم عفيفة. أما الليل فمصانة أقدامهم. تسيل دموعهم على خدودهم، وأما النهار فحكماء وعلماء بررة، أتقياء كأنهم القداح! ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، أو خولطوا. ولقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم"[36].

لقد جسّد الحسن البصري في ذاته وأنموذجه التاريخي في الموقف من السلطة شخصية المرحلة الانتقالية الكبرى، أي الشخصية الكبيرة للانتقال الكبير. من هنا كان مقبولا للجميع، تماما بالقدر الذي كنّ الجميع له أقدار مختلفة من النقد الظاهر والباطن. أما المصدر الدرامي لهذه الحالة فيكمن في كونها كانت تتماشى وتعكس عملية انتقال كبرى تميزت بالخيانة والغدر بحيث جعل من أي احتمال عقلاني في تأسيس مطالبها السياسية أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا. من هنا صعود النفسية اللاعقلانية في غرس فكرة الجبر أي إجبار المجتمع والمثقفين بالأخص على قبول الخضوع للسلطة. إذ لم يكن مضمون الفكرة الجبرية الأموية فلسفيا أو حتى لاهوتيا، بل سياسيا خالصا واستبداديا تاما. فقد كانت السلطة الأموية تفزع من الكلمة والشخصية والسلاح. لأنها جاءت الى السلطة بفعل سلاح الغدر وغريزة الجسد وأهواء النفس الغضبية. وليس مصادفة أن نراه يجيب في أحد ردوده على رسالة عمر بن عبد العزيز الذي أراد استشارته للعثور على رجال يستعين بهم، قائلا:"أما أهل الدين فلن يريدوك! وأما أهل الدنيا فلن تريدهم! عليك بالأشراف، فإنهم يصونون شرفهم أن يدنسوه بالخيانة"[37]. ولا تخلو هذه الرؤية من سذاجة لكنها تستجيب لفكرة الشريف بالمعنى الذي تتحمله وتحمله الكلمة. وهو تحمل احتمله الحسن البصري على امتداد حياته في مواجهة السلطة الأموية.

إذ تنقل لنا كتب التاريخ عن علاقته المتوترة بولاة الأموية بشكل عام وبالحجاج بشكل خاص. ففي إحدى المرات التي جمع الحجاج الثقفي مجموعة من فقهاء وقرّاء البصرة والمدينة في يوم صيف شديد الحر (في مدينة البصرة). وعندما أخذ الحجاج بالحديث تناول أيضا شخصية الإمام علي بن أبي طالب بالسب والشتيمة. وأيده الجميع باستثناء الحسن البصري. فقد ظل ساكتا. وعندما قال له الحجاج:

يا أبا سعيد مالي أراك ساكتا؟

ما عسا أن أقول؟

أخبرني برأيك في أبي تراب؟

أفي علي؟ سمعت الله يقول (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله). فعلي ممن هدى الله، ومن أهل الإيمان. انه ابن عم رسول الله وخنته على ابنته، وأحب الناس إليه، وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله. لا تستطيع أنت ولا أحد من الناس أن يحصرها عنه ولا يحول بينهم وبينه. ونقول انه إن كانت لعلي ذنوب فالله حسيبه"[38].

وقد أثار هذا الرد غضب الحجاج وغيّر من معالم وجهه! بينما نراه في حالة أخرى يهدده بالقتل بعد أن سمع عنه عبارات مثل:"الخلفاء والسلاطين يغزون بثياب جميلة وفرسان قوية وعباد الله طاوين جوعا وحفاة مشاة"[39]، وإن "من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن يعصي الله في أرضه. والظالم والفاسق ينبغي أن يٌذّم ليغتمّ ولا يمدح ليفرح"[40]. إذ وجد فيها الحجاج تحريضا ضد السلطة وطالبه بكفّ لسانه. وبسببها نرى الحجاج يبعث عليه ويسأله حال دخوله:

أنت الذي تقول "قاتلهم الله! قتلوا عباد الله على الدينار والدرهم"؟

نعم!

ما حملك على هذا؟

ما أخذ الله على العلماء من المواثيق.

يا حسن! امسك عليك لسانك! وإياك أن يبلغني عنك ما أكره، فأفرّق بين رأسك وجسدك[41].

وليس مصادفة أن يسجد الحسن البصري ويقول بعد أن اخبروه بموت الحجاج:"اللهم عقيرتك! أنت قتلته! فاقطع سنّته وأرحنا من أعماله الخبيثة"[42]. بل نراه يتوج موقفه هذا "بفتوى" هي الأطرف والأشد إخلاصا في مواقفه المعارضة للحجاج والأموية، عندما أجاب رجلا حلف بالطلاق قائلا "إن الحجاج في النار". فلما جاء الى امرأته، فإنها امتنعت عن العيش معه. وعندما ذهب للحسن البصري يستفتيه في أمره، أجابه الحسن البصري:"إذا لم يكن الحجاج من أهل النار، فما يضيرك أن تكون مع امرأتك على زنى!". وهي المرة الوحيدة التي ينطق بها الحسن البصري بهذه الطريقة الجازمة التي جعل من نفسه فيصلا نهائيا وناطقا بالحكم "الإلهي". لقد وجد في الحجاج تجسيدا تاما للرذيلة، بحيث جعله يستغرب التشكيك بالحكم المتعلق بضرورة عقاب الجحيم الأبدي للحجاج. وبغير ذلك تصبح جميع الرذائل مباحة!

وطبق هذا السلوك أيضا في مواقفه العديدة من عمر بن هبيرة عامل الأموية على العراق. فقد أرسل ابن هبيرة بعد أن تولى حكم العراق على الحسن البصري والشعبي. وجعلهما في ضيافته فترة من الزمن. ودخل عليهما في إحدى المرات مترجيا الحصول على مشورة بسبب الموقف المحرج الذي وضعه فيه يزيد بن عبد الملك. إذ طلب منه إنفاذ أمرا في إحدى رسائله إليه، الذي وجد في إنفاذه، كما يقول ابن هبيرة، التهلكة. بحيث جعلته هذه الحالة يقع بين طاعة "أمير المؤمنين" وعصيان الله، أو طاعة الله وعصيان يزيد. من هنا طلبه منهما المشورة بحيث يبقى في متابعته ليزيد والخروج من "التهلكة". وإذا كان الشعبي إلى جانب فكرة "طاعة أمير المؤمنين"، فإن الحسن البصري رد قائلا: "يا عمر بن هبيرة! لم يوشك أن ينزل عليك ربك ملك من ملائكة الله غليظ لا يعصي الله مما أمره، فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك! أن تتق الله يعصمك من يزيد، ولا يعصمك يزيد من الله. لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد نظرة مقت ينفلق بها باب المغفرة دونك... إن تك مع الله في طاعته كفاك بائقة يزيد، وإن تك مع يزيد على معاصي الله وكلّك الله إليه"[43]. لقد رد الحسن البصري لوحده بين جمع من الفقهاء على فكرة عمر بن هبيرة القائلة، بأن سلوكه "تابع لسلوك أمير المؤمنين، وهو مأمور بالطاعة" بعبارة "حق الرعية لازم لك. وحق عليك أن تحوطهم بالنصيحة. حق الله ألزم من حق أمير المؤمنين. والله أحق أن يطاع. ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فاعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله... يا ابن هبيرة! إن الله ليمنعك من يزيد ولا يمنعك يزيد من الله. يا ابن هبيرة! الحساب من ورائك سوط بسوط وغضب بغضب والله بالمرصاد"[44]. ويعكس هذا الرد طبيعة الموقف الشخصي للحسن البصري.

لقد حقق الحسن البصري في مواقفه وآرائه وأحكامه وحياته ومماته الحقيقة البسيطة القائلة، بأنه كلما يسير الإنسان في دروب الحرية والإخلاص للفكرة المتسامية كلما يقترب من الطبيعة بما في ذلك في المظاهر. مع ما يترتب عليه من محاولات حثيثة لتهذيب وتشذيب الروح عبر معاناة الجسد في فعل ما يراه العقل ضرورة وحقا. وهي العملية التي تنتج روح الإخلاص للمبادئ الكبرى. آنذاك يمكن رؤية بريق القمر في عينيه، وأشعة الشمس في جبينه، والمعاناة على وجنتيه وأخدود التاريخ على خديه.

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص99.

[2] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص155.

[3] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص152.

[4] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص149.

[5] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص151

[6]. كتب أبو طالب المكي بهذا الصد يقول، بأن الحسن البصري فرّق بين التعذيب على جريان العلم ومخالفة الأمر لما بلغه أن عمرو بن عبيد وهو إمام المعتزلة آنذاك يقول:"إن الله لا يقضي بالشيء ثم يعذب عليه". فقال الحسن البصري:"ويلك! إن الله لا يعذب على جريان حكمه وإنما يعذب على مخالفة أمره". ذلك يعني "أن ما حكمه الله منفردا به لم يجعل فيه أمرا ولا نهيا لا يعذب عليه، لأنه لم يجعل للعبد مدخلا فيه بشهوة ولا فعل. وإن ما قضاه على العبد مما أدخله فيه بقصده وشهوته عذبه عليه. وهذا من شؤم النفس". (أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص128)

[7] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص144.

[8] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص145.

[9] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص150 .

[10] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص153.

[11] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص147.

[12] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص144.

[13] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص155.

[14] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج2، ص8.

[15] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج2، ص9. وأشار المكي هنا إلى أن كلام الحسن البصري هذا قد جاوز المعقول لكنه يبقى الأمثل في تعبيره عن مسار الإرادة الأخلاقية المتسامية. بعبارة أخرى، لقد كان الحسن البصري مستعدا للقبول بواقع أن يكون أهل البصرة جميعهم أهله، وأن حبة سعرها بدينار. ومن ثم استعداده للقبول بأشد الأحوال قسوة للحس والعقل والقلب والضمير دون أن يفتت ذلك وحدة الإرادة. فالإرادة القادرة على قدر الاستعداد في مواجهة وتحدي اشد الأحوال هولا وفظاعة. من هنا، فإن التوكل بوصفه قبولا ورضا بمجريات الأحداث لا يعني القبول بالشر والخطيئة، بقدر ما هو امتحان للإرادة الأخلاقية واختبار قدرتها على الاحتفاظ بالتوازن الدائم للروح بوصفه شرط العمل السليم.

[16] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص98.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص186.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص405.

[19] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص267.

[20] الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، ص22.

[21] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص179.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص425.

[23] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص424

[24] أبو  طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص133.

[25] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص175.

[26] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص244.

[27] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص135-139. إننا نقف هنا أمام فكرة عميقة ومتجانسة سوف يقول بها الحسن البصري بصورة واضحة وجلية، وهي أن مهمة المثقف الكبير تقوم في الوقوف عند حكمته الشخصية في الموقف من السلطة، ومن ثم المحافظة على المسافة الضرورية بينه وبينها أيا كان شكلها ومحتواها وأشخاصها. وهو الأسلوب الذي يمكن رؤيته في الموقف من عمر بن عبد العزيز، الذي ارتقى في الوعي الإسلامي السليم إلى مصاف الرشد.

[28] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص135-139.

[29] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص147.

[30] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص153. إننا نعثر حتى في اللغة التي يستعملها الحسن البصري في مخاطبة زميله على نموذج التودد والمحبة. بحيث تزول منها بصورة تامة معالم ومظاهر العلاقة الشكلية والرسمية و"الأستاذية"، بوصفه الوجه الآخر لحقيقة الأستاذ أو الشيخ في علاقته بمريديه.

[31] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص151.

[32] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص158.

[33] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص158.

[34]أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص147.

[35] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص150.

[36] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص151.

[37] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص134.

[38] قال الشعبي: فبسر الحجاج وجهه، وقام عن السرير مغضبا وخرجنا!

[39] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص329.

[40] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص160

[41] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص346.

[42] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص159.

[43] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص149-150. وقد أبكت هذه الإجابة الأمير كما يقول الأصفهاني. وعندما أرسل إليهما في الغد هدايا، كانت حصة الحسن اكبر وأثمن. عندها دخل الشعبي المسجد وخطب قائلا:"من استطاع منكم أن يؤثر الله على خلقه فليفعل! فالذي نفسي بيده، ما علم الحسن منه شيئا فجهلته، ولكنني أردت وجه ابن هبيرة، فأقصاني الله منه".

[44] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص347.

 

ميثم الجنابيلقد قدم الحسن البصري في تعريته للنفس وفضحها، أسلوب ما يمكن دعوته ببكاء الوجود والعدم. ويستمد هذا الأسلوب أصوله من بلوغ الحكمة بوصفها خروجا على العقل بمعاييره. بمعنى بلوغ حدس الذات الخالصة من شوائب العابر والغابر. إذ ما هو السرّ الذي يجعل، على سبيل المثال، آيات القرآن أكثر قربا إلى قلوب المريدين؟ وعبارات المسيح أكثر إثارة للروح والذاكرة؟ وإيماءات بوذا العملية أشد توهجا بالنسبة للخيال؟ إنها الوحدة الحية للكلمة والمعنى، وبالتالي حدس الذات الخالص من شوائب العابر! فكلما يرتقي المرء في مدارج المطلق، كلما يصبح الوجود حدثا عابرا أو وقفة في وجود الكون، أي لحظة في الأبد الزائل! وهي المفارقة التي يلتاع فيها الروح، ويسجد العقل أمام إشكالاتها. كما انه السبب الذي يجعل الصراخ والصمت مظاهرا من مظاهر بكاء الوجود والعدم. بمعنى إدراكه إنهما شيء واحد من حيث المبدأ والمعاد، وإن القوة الوحيدة القادرة على ربطهما بصورة متجانسة هي الإرادة الحرة بوصفها إخلاصا للحق والحقيقة. إذ عادة ما تضع هذه الإرادة القلب أمام مهمة تأمل نقص الوجود واقترابه من العدم. وفي مجراها يبدأ القلب بذرف دموع الحسرة والعبرة، ومن احتراقهما تتصاعد الغيرة المتوهجة بحرارة المساعي الفردية من أجل الخروج من مأزقها. بحيث قيل عنه إن أحدا لم ير الحسن البصري ضاحكا على مدار أربعين سنة! وأن "قلبه كان محزونا!". وقد شخّصه مرة أحد الرجال قائلا: "كنت إذا رأيته قاعدا، كأنه أسير قدِّم ليضرب عنقه! وإذا تكلم كأنه يعاين الآخرة فيخبر عن مشاهدتها! وإذا سكت كأن النار تسعر بين عينيه!"[1]. لهذا قال عنه بعضهم:"ما رأيت أحدا أطول حزنا من الحسن. وما رايته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة"[2]. وقد التقط أبو نعيم الأصفهاني هذه الصورة ووضعها في فكرة جامعة مفادها، إن الحسن البصري "حليف الخوف، أليف الهمّ والشجن، عديم النوم والوسن"، "الفقيه الزاهد، المتشمر العابد"، الذي كان "لفضول الدنيا وزينتها نابذا، ولشهوة النفس ونخوتها واقذا"[3]. ومن كل هذه الصور الخلابة والجذابة لخيال العامة والخاصة استقطرت زيوت اللوحة العطرة التي رسمته على خلفية ما آل إليه مصير ابن سيرين. إذ تنقل لنا هذه الحكاية، كيف أن أحد الأشخاص حزن حزنا شديد قاربه من الموت على موت أبن سيرين. وعندما رآه في المنام وهو في حالة جميلة من العيش، سأله عن حال الحسن البصري، فأجابه ابن سيرين:

قد رفع فوقي بتسعين درجة!

ومم ذاك؟

بطول حزنه![4]

ولا يعني "طول الحزن" هنا سوى شموله وكماله، بمعنى الحزن باسم الجميع وللجميع. ولا يمكن بلوغ هذه الحالة دون تحقيق الحزن في الشخصية. وهذا بدوره مستحيل وغير معقول دون شمولية الموقف النقدي من النفس والآخرين بمعايير المحبة والإخلاص فيها. فالحزن الشامل هو الوجه الآخر للمحبة الشاملة. وحالما يجري وضع هذه العلاقة بعبارة الفكرة الأخلاقية، فإنها تتخذ حينذاك صيغة العداء المستحكم بين الفضيلة والرذيلة. وحالما يجري نقلها إلى ميدان الحياة السياسية وصراعها، فإنها تتخذ صيغة العداء المتراكم بين الحق والباطل. وقد حقق الحسن البصري في موقفه من الحزن هذه المعادلة. من هنا قوله "إن المؤمن يصبح حزينا ويمسي حزينا ولا يسعه غير ذلك لأنه بين مخافتين، بين ذنب قد مضى لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقى لا يدري ما يصيب فيه من المهالك"[5]. بمعنى وقوفه دوما أمام شفرة الحياة والموت الحادة بوصفها الصيغة الجسدية والروحية لوحدة الوجود والعدم. وهي الشفرة التي تحلق الروح من بقايا ونوايا النفس، والجسد من بقايا ونوايا الرذيلة لتجعلهما متقلبين "باليقين في الحزن"، كما يقول الحسن البصري[6]. فالمرء كما يقول الحسن البصري يكفيه ما يكفي العنيزة من التمرة والشربة من الماء"[7]. وبالتالي "ما يسع المؤمن في دينه إلا الحزن"[8]. وهو استنتاج لا يحكمه شيئا غير منطق الرؤية التاريخية والأخلاقية. من هنا مقارناته المبنية على أساس مرجعية المصادر النظرية (القرآن) والعملية (تجارب الإسلاف)، كما في قوله "ما أصبح اليوم عبد يتلو هذا القرآن ويؤمن به إلا كثر حزنه وقل فرحه، وكثر بكاؤه وقل ضحكه، وكبر صبه وشغله وقت راحته وبطالته"[9]. وانه "لا يؤمن أحد بهذا القرآن، إلا حزن وذبل، وإلا نصب، وإلا ذاب، وإلا تعب"[10]. ولا يعني ذلك سوى وضعه حالة الأفراد والجماعات والأمة على محك النماذج المثلى للرؤية القرآنية عن الحق والفضيلة. وهو محك له نماذجه الفعلية في التاريخ. من هنا لا يعني الرجوع إليها تقليدا بقدر ما يعني تأسيس وعي الذات التاريخي الأخلاقي. من هنا قوله "ما من الناس رجل أدرك القرن الأول، أصبح بين ظهرانيكم إلا أصبح مغموما وأمسى مغموما"[11]. بحيث جعلته هذه الحالة مرة يقول:"ذهبت المعارف وبقيت المناكر. ومن بقي من المسلمين فهو مهموم"[12]. لهذا نراه يجد في الحزن أسلوب التنقية الذاتية للفرد من أجل الإرتقاء به إلى مصاف المرجعية الروحية والعملية في مواجهة الجهل والمنكر. بحيث نسمعه يقول مرة: "كثرة الضحك تميت القلب"[13].

وليس هذا "الغلو" الظاهر في العبارة سوى الصيغة الأدبية التي تعكس غلوّ الروح الأخلاقي في مواجهة تداعيات الانحطاط المعنوي والسياسي للسلطة والأمة على السواء، أي خروجهما على مبادئ القرآن الكبرى في مواقفه من الفضيلة والرذيلة. من هنا استنتاجه الفكري والعملي القائل، بأن "طول الحزن في الدنيا تلقيح العمل الصالح"[14]. انطلاقا من الحكمة القائلة، بأن العمل الصالح هو الشعاع الذي تسكبه مرآة القلب النقية على أزقة السلوك الضروري للمرء في مواجهة إشكاليات الوجود الخاص والعام. وهي إشكاليات محكومة هنا بفكرته عن الحياة والموت، والوجود والعدم. من هنا قوله:"يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله مشهده، أن يطول حزنه". بل جعل من هذه النتيجة استنباطا واستقراء للعقل في مواجهة الوحدة الأبدية للحياة والموت، كما في قوله:"ما رأيت عاقلا قط إلا أصبته من الموت حذرا وعليه حزنا"[15]. لهذا أجاب مرة عندما عاتبوه في شدة حزنه قائلا:"ما يؤمنني أن يكون قد اطلع عليّ في بعض ما يكره فمقتني! فقال: اذهب فلا غفرت لك! فأنا أعمل في غير معمل"[16]. وقد استنطق هذه المعاناة الذاتية مرة بعبارة بليغة قال فيها:"لو أن بالقلوب حياة! لو أن بالقلوب صلاحا! لأبكيتكم من ليلة صبيحتها يوم القيامة!"[17].

إننا نقف هنا أمام عبارة لا تعني بمعايير المنطق العقلي المجرد أكثر من تحصيل حاصل. انطلاقا من أن القلوب الحية والصالحة ليست بحاجة إلى من يبكيها، لأنها مستعدة للبكاء بذاتها. غير أن الحدس القائم وراء هذه المطلب يقوم في طبيعة الإلهام الذي توحي به معاناة القلب الحي والصالح في استعداده للبكاء الأبدي. ويتضمن هذا الاستعداد في أعماقه فكرة النفي الدائم لإشكالية الوجود والعدم، التي تثيرها نفسية وذهنية الانقطاع المفتعل في الأفعال والمواقف الإنسانية بين الظاهر والباطن، والعلم والعمل، والروح والجسد، والأبد والآن الدائم. إذ لا يعني الاستعداد للبكاء حتى انقشاع غمامة العابر أمام محنة الخلود الأبدي، سوى وضع الإرادة أمام مهمة استكناه ذاتها بوصفها قيمة مستقلة والعمل بموجبها. وهي نتيجة مبنية في آراء الحسن البصري على أساس موقفه من وحدة الحياة والموت بوصفها الإشكالية الحسية والمعنوية لوحدة القدر الوجودي والقدرة الإنسانية الحرة. كما أنها علاقة تتصف بقدر هائل من الشك واليقين، والتي لا يستطيع بعث التجانس في أوتارها شيء غير القلق المنبعث من دقات الوجود والعدم، أو الحياة والموت بوصفها دقات الوجدان المعقول بمعايير الإخلاص للحق والحقيقة. من هنا قول أحدهم عنه، بأن الحياة تصبح لا شيء بعد كل دخول على الحسن البصري وخروجا منه[18]. بمعنى رؤيتهم فيه تجسيد ما أسميته بدقات الوجدان المعقول في إخلاصه للحق والحقيقة. حينذاك تضمحل إشكالية الشك واليقين، ويتحول القلق إلى باعث التجانس في أوتار الأنغام الجميلة للقلوب والأعمال. ووضع الحسن البصري هذه النتيجة في كثرة كثيرة من العبارات البسيطة والمباشرة التي خاطب بها بني البشر مثل:"انك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك"[19]. وكذلك في مخاطبته الإنسان بعبارة يا ابن أدم، مثل قوله "يا ابن آدم! إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك"[20].، أو عبارة "يا ابن آدم! إنما أنت مراحل، كلما مضى منك يوم أو ليلة قطعت مرحلة. فإذا فنيت المراحل بلغت المنزل. فالساعات تنقلنا والأيام تطوينا"[21]. والحصيلة هي ما صرخ بها الحسن البصري مرة عندما قال:"فضح الموت الدنيا! فلم يترك فيها لذي لب فرحا"[22].

وليس في أفكار الحسن البصري هذه امتهانا للحياة أو إساءة لما فيها من رونق الجمال والمعنى، كما لا تحتوي على أي قدر من الإيماء والإشارة لإضعاف اليقين بما فيها من قدرة واستعداد للكمال، بقدر ما انه أراد الكشف عن ابسط تجليات الحقيق الأبدي القائلة، بأن عمل الإنسان الحقيقي لا ينتهي إلا بالموت، كما وضعها في إحدى كلماته القائلة: "ما لعمل المؤمن انتهاء دون الموت"[23]. ولا علاقة لهذا التقرير بهذه البديهة التي تتماهى مع ثنائية الوجود والعدم، بقدر ما انه يتسلق عروق الإنسان النابضة لتنسيق سيلان دماءها مع دقات القلب الروحي. لكنه تنسيق يستحيل رفعه إلى مصاف البديهة الروحية ما لم ترتق الإرادة الإنسانية إلى مصاف ما يمكن دعوته بوحي الوجود الحق. كما أنه وحي يستحيل إدراك كنهه والعمل بموجبه دون بلوغ حالة "الاستعداد للموت". فهو الوحيد القادر على جعل الحياة تبرق ببريقها، بوصفها حلقات عابرة في إرادة الخير التام. من هنا مخاطبته الجمهور:"المبادرة! المبادرة! فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله. رحم الله امرؤ نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه"[24]. وأن يدعوهم قائلا:"تصبروا! وتشددوا! فإنما هي أيام قلائل! وإنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى الرجل منكم فيجيب ولا يلتفت. فانتقلوا بصالح ما بحضرتكم"[25]. وذلك لأنه "لا راحة للمؤمن إلا في لقاء الله". وبالتالي لا يعني الموت بهذه الحالة سوى يوم السرور والفرح والعزة والشرف[26]. وليس المقصود بذلك سوى أن الموت هو اللحظة التي تكشف حقيقة الوجود والعدم في المرء، أي ما إذا كان جسدا عابرا أو روحا أبديا. لهذا نراه مرة يجيب على سؤال:

يا أبا سعيد! ألا تغسل قميصك؟

الأمر أعجل من ذلك!

لقد جعل الحسن البصري من الاستعداد للموت شعار المعركة العلمية والعملية القاسية للرقي الروحي. وهو شعار بسيط وعميق بقدر واحد يقوم في أن الموت معقود بنواصي المرء وأن الدنيا تطوى من وراءه[27]. وليس مصادفة أن يقولوا عنه بأن الحديث معه حالما تجلس إليه لا يتعدى غير النار وأمر الآخرة وذكر الموت[28]. وهو تهويل! لكنه يعكس في أعماقه حب الحياة بوصفها مقاساة كبرى واختبارا دائما للشخصية الروحية. وهو موقف حققه الحسن البصري على امتداد حياته المديدة. بحيث نراه يقول لمن زاره قبيل موته:"مرحبا بكم وأهلا! حيّاكم الله بالسلام وأحلنا وإياكم دار المقام! هذه علانية حسنة، إن صبرتم وصدقتم وأيقنتم! فلا يكن حظكم من هذا الخبر رحمكم الله أن تسمعوه بهذه الأذن وتخرجوه من هذه الأذن، فإن من رأى محمد فقد رآه غاديا ورائحا لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة. رحم الله عبدا جعل العيش عيشا واحد فأكل كسرة، ولبس خرقا، ولزق بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة، وابتغى رحمة الله حتى يأتيه اجله وهو على ذلك"[29]. وحقق هذا الموقف تجاه النفس أولا وقبل كل شيء. لكنه بقى في الوقت نفسه وفيا لتقاليد الأسلاف وتجارب الحقيقة. من هنا قوله، بأنه أدرك "قوما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه، وما يبالون أشرقت الدنيا أم غربت"[30]. وأوصله هذا الإدراك إلى الفكرة القائلة، بأن الدنيا وديعة ينبغي تأديتها لمن ائتمنهم عليها[31]. انطلاقا من "إن الدنيا دار عمل. من صحبها بالنقص لها والزهادة فيها سعد بها ونفعته صحبتها، ومن صحبها على الرغبة فيها والمحبة لها شقي بها وأجحف"[32]. ووضع هذه المقدمة في مطالبته المرء قائلا:"من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره"[33]. لكنه تحد ينبغي توجيهه صوب النفس من خلال العمل بالفكرة القائلة "اكدح لما خلقت له قبل أن تفرّق بك الأمور فيشق عليك اجتماعها"[34]. وبالتالي، فإذا "أصبحت فانتظر الموت! وإذا أمسيت فكن على ذلك"[35]. اذ "لا شيء أفضل من رفض الدنيا"[36]. من هنا تحديده للموقف الفردي والنهائي من الحياة والموت بمطلب ما اسماه بضرورة مصاحبة الدنيا بالجسد ومفارقتها بالقلب. ومن ثم الوقوف ضد التيار العارم للعوام، ألا وهو الزهد بها أكثر كلما أعجب بها أهلها[37]. بحيث نراه يقول في أحد مواقفه الصارمة:"أهينوا الدنيا! فوالله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها"[38]. بينما نراه يختم موقفه هذا في حالة أخرى مخاطبا بها الإنسان قائلا:"يا ابن آدم! طأ الأرض بقدمك! فإنها عن قليل قبرك"[39]. وهي المفارقة المتسامية للروح الحر في مواجهة إشكاليات الحياة والموت الكبرى، عندما تصبح الأرض ثرى وثريا الفعل الإنساني الحر. إذ تستمد هذه المطابقة مقوماتها من وحي التجربة الأخلاقية وتلقائية أحكامها العلمية والعملية.

إن سيادة الرؤية الأخلاقية ومنظومتها المتغلغلة في آراء الحسن البصري ومواقفه من كل شيء تعكس في مظاهرها انعدام أو ضعف الأخلاق السائدة، وفي باطنها تستجيب لاستلهام العقل الثقافي للأمة الصاعدة في مواجهة إمبراطورية الدولة المستبدة. فقد أدخل الحسن البصري هذه الصيغة الجديدة إلى عالم الثقافة العربية الإسلامية الناشئة. بمعنى رفعها إلى مصاف المنظومة الفكرية وتطوير مفاهيمها بصورة تلقائية تتمثل رحيق ما أسميته بتجارب القرن التأسيسي الأول للخلافة. ذلك يعني أن نقده للواقع لم يقف عند حدود الإدانة ومقارنته بما كان عليه الأسلاف وما ينبغي القيام به، بل عبر تأسيس البدائل في المواقف. بعبارة أخرى، أنه اخذ في استلهام العقل الثقافي للأمة من خلال إخضاع تجاربها إلى امتحان حسي وعقلي، ومن ثم تذوقها الفردي الذاتي. بمعنى رفع رؤيته ومواقفه إلى مستوى الحدس الخالص من شوائب الأوهام والأهواء. ففي موقفه من القرآن على سبيل المثال نسمع يخاطب معاصريه قائل:"إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل وجعلتم الليل جملا. فأنتم تكبونه فتقطعون به مراحله. وإن من كان قبلكم رأوه رسائل أتتهم من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار"[40]. ومنها أستقى موقفه القائل:"تفّقد الحلاوة في ثلاث، فإن وجدتها فابشر وأمض لقصدك، وإن لم تجدها فاعلم أن بابك مغلق عند تلاوة القرآن، وعند الذكر، والسجود"[41].

ولم يعد الإسلام في مواقفه ما هو شائع من نطق اللسان ومستلزماته الظاهرية، بل وحدة ما دعاه الحسن البصري بالسر والعلانية، وإسلام القلب لله، و"أن يسلم منه كل مسلم وكل ذي عهد"[42]. بل انه وقف مرة بعد أن تلا الآية (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، ثم قال "إن الله جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة"[43]. في حين نراه يحدد معالم المسلم من خلال منظومة عقلية واقعية وأخلاقية عملية متسامية، كما في قوله، بأن "من علامات المسلم قوة في دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتجمل في فاقة، وإحسان في قدرة، وتحمل في رفاقة، وصبر في شدة. ولا يغلبه الغضب، ولا تجمح به الحمية، ولا تغلبه شهوة، ولا تفضحه بطنه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نيته، فينصر المظلوم، ويرحم الضعيف. ولا يبخل ولا يبذر ولا يسرف ولا يقتر. يغفر إذا ظلم ويعفو عن الجاهل. نفسه منه في عناء، والناس منه في رخاء"[44].

كما لم يعد المؤمن ما هو متعارف عليه في الصيغ الإسلامية الظاهرية، بل يتعداه إلى الأبعاد السحيقة للموقف الأخلاقي والإنساني والرقي الروحي. من هنا قوله "ما المؤمن الذي يعمل الشهر والشهرين والسنة والسنتين. إنما المؤمن المداوم على أمر الله، الخائف من مكر الله. إنما الإيمان شدة في لين، وعزم في يقين، واجتهاد في صبر، وعلم في زهد"[45]. من هنا إجابته مرة على سؤال:

يا أبا سعيد ما الإيمان؟

الصبر والسماحة!

ما الصبر والسماحة؟

الصبر عن معصية الله، والسماحة بأداء فرائض الله"[46].

بل نراه "يغالي" للدرجة التي أجاب مرة على سؤال وجهوه إليه:

أمؤمن أنت؟

إن شاء الله!

لم تستثني يا أبا سعيد في الإيمان؟

أخاف أن أقول نعم فيقول الله "كذبت يا حسن! فتحق عليّ الكلمة"[47].

إننا نقف هنا أمام تحويل تجارب العقل النظري الإسلامي صوب امتحانها العملي الدائم. ومن خلال ذلك كان يجري توليف الأبعاد الجديد للتجربة الذاتية بوصفها تذوقا خالصا للمعاني ومحكوما بتحقيقها الفعلي المتجدد في الظاهر والباطن. وقد ميز هذا الأسلوب الجوهري الجديد جميع مواقف وآراء الحسن البصري من قضايا الكلام (اللاهوت) حتى أبسط مظاهر الحياة الاجتماعية. ففي موقفه، على سبيل المثال، من الدعاء بالأسماء الإلهية، نستطيع رؤية ما يمكن دعوته بتأسيس سلسلة التراكم الأخلاقي الروحي المثالي، الذي وجد نموذجه في النبي محمد. وهو دعاء، كما تقول بعض الروايات، خلّصه من مكر الحجاج ومحاولاته القضاء عليه ست مرات[48]! وهو الدعاء التالي:"سبحانك لا اله إلا أنت، يا رب كل شيء ووارثه ورازقه وراحمه. يا إله الإلهة الرفيع الجلالة، يا الله المحمود في كل أفعاله، يا رحمن كل شيء وراحمه، يا حي، يا قيوم، يا واحد، يا دائم فلا فناء ولا زوال لمكله، يا صمد من غير تشبيه ولا شيء كمثله، يا بارئ فلا شيء كفؤه ولا مكان لوضعه، يا كبير، أنت الذي لا تهتدي القلوب لوصف عظمته، يا بارئ النفوس بلا مثال خلا من غيره، يا زاكي الطاهر من كل آفة، يا كافي الموسع لما خلق من عطايا فضله، يا نقيا من كل جور، يا حنان (وسعت رحمته كل شيء)، يا منان ذا الإحسان، يا ديان العباد كل يقوم خاضعا، يا خالق، يا رحيم، ويا تام، يا مبدع البدائع، يا علام الغيوب، يا حليم (فلا يعادله شيء من خلقه)، يا معيد ما أفناه،يا حميد الفعال، يا عزيز المنيع الغالب في أمره، يا قاهر، يا قريب المتعالي فوق كل شيء، يا مذل كل جبار، يا نور كل شيء، يا عالي الشامخ فوق كل شيء، يا قدوس الطاهر من كل سوء، يا مبدي البرايا ومعيدها، يا جليل، يا محمود، يا كريم، يا عظيم، يا عجيب فلا تنطق الألسنة بكنه آلائه، يا غياثي عند كل كربة، يا مجيبي عند كل دعوة"[49]. وهو دعاء يحتوي من حيث واقعيته ومكوناته وأسماءه الفعالة في الوعي الباطن صورة الله المتكاملة في محبتها للإنسان، ونفيها لجبروت الأموية الاستبدادي.

إن الوحدة المتكاملة لمحبة الإنسان وكراهة الاستبداد والخروج على منطق الحق والعدالة وجدت تعبيرها المتنوع في مواقفه الفكرية من مختلف القضايا الاجتماعية والأخلاقية، والأهم من ذلك تحقيقها العميق في تجاربه الشخصية. ففي موقفه، على سبيل المثال من "الغلوّ الفكري" نراه يواجهه بغلوّ الحقيقة الرافضة، كما وضعه في عباراته القائلة:"محدثان أحدثا في الإسلام، رجل ذو رأي سوء زعم أن الجنة لمن رأى مثل رأيه، ومترف يعبد الدنيا، لها يغضب، ولها يرضى، وإياها يطلب. فارفضوهما إلى النار!"[50]. ونعثر على نفس الموقف من خلال دفع الفكرة صوب الباطنية المتسامية. فعندما قيل له مرة:

لا نفاق اليوم!

لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطريق"[51].

وهي فكرة، شأن سابقتها تصب في مجرى نحت الحكمة العقلية والأخلاقية الساعية لتوحيد الأنا في مختلف مستويات وتجليات الظاهر والباطن. من هنا قوله في النفاق "إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب، والسرّ والعلانية، والمدخل والمخرج"[52]. فقد جرّب هذه الأفكار وحققها على نفسه كما في قوله "والله لأن أكون أعلم إني برئ من النفاق أحب إلي من قلاع الأرض ذهبا"[53]. وكذلك في موقفه من النفس عندما قال "لو أني أعلم إني برئ من النفاق كان أحب إلي مما طلعت عليه الشمس"[54]. وليس مصادفة أن يقول مرة عندما حكوا عن حالة رجل خرج من النار بعد ألف سنة، فبكى وقال "يا ليتني كنت مثل ذلك الرجل"[55]. بمعنى انه وضع إشكالية الأبد، بما في ذلك أوهامها "الجليلة" ضمن سياق معاناته الأخلاقية بوصفه أسلوب التنقية الدائمة للأنا. انطلاقا من أن طريق التنقية والتطهير هو طريق الامتحان الأبدي للأنا في محاولاتها بلوغ حقيقة اليقين. وهو المعنى الذي يمكن تلمسه في قوله "لو لم يذنب المؤمن لكان يطير طيرا، ولكن الله قمعه بالذنوب"[56].

غير أن الإرادة الحرة للإنسان تضعه على الدوام أمام مهمة إدراك الحد القاطع بين الفضيلة والرذيلة، بوصفه الحد الفاصل بين عالمين واتجاهين. إذ بين الإنسان وربه، كما يقول الحسن، "حد من المعاصي معلوما، إذا بلغه العبد طبع على قلبه فلم يوفق بعدها للخير"[57]. وهو الحد الذي لا يعني من الناحية الفعلية سوى عيون الرقابة الأخلاقية الذاتية التي تحاسب النفس والجوارح على كل ما يخالج أعماقها من نية وأفعال. وهي الحالة التي تصورها النادرة المروية عنه، وكيف انه دخل مسجدا ليصلي فيه المغرب، فوجد إمامهم حبيبا العجمي. فلم يصل خلفه لأنه خاف أن يلحن لعجمية في لسانه. فرأى في منام تلك الليلة قائلا يقول له:"لم لم تصل خلفه؟ لو صليت خلفه لغفر الله لك ما تقدم من ذنبك!". وهي نادرة تكشف أولا وقبل كل شيء عن فاعلية النقد الأخلاقي الذاتي والمحاسبة غير الواعية بوصفها الحالة المستبطنة لوعيه العقلي الأخلاقي. من هنا رده في إحدى المرات على أحد الأشخاص الذين أراد الاعتذار منه بسبب سوء تصرفه، قائلا: "لا تعتذر إليّ، وتب إلى ربك"[58]. لقد أراد الحسن البصري هنا دفع الاعتذار الظاهر صوب التربية الباطنية للإرادة والأخلاق استنادا إلى مقوماتها الذاتية. وذلك لأن الاعتذار الظاهر مهما كان شكله ومحتواه ومحدداته لا يمكنه تحرير النفس بصورة حقيقية. وذلك لما في الاعتذار الخارجي من وسوسة فاعلة بالنسبة لخلاص النفس وتحريرها من مسؤولية الموقف الباطني. وهي الفكرة التي جعلت مواقف الحسن البصري تتصف بقدر متجانس من الرؤية الأخلاقية الإنسانية، كما نراها على سبيل المثال في الحوار المقتضب الذي جري بينه وبين معاوية بن قرة. فقد سأله هذا مرة قائلا:

أعود مريضا أحب إليك أو اجلس إلى قاص؟

عد مريضك!

أشيع جنازة أحب إليك أو اجلس إلى قاص؟

شيع جنازتك!

وإن استعان بي رجل في حاجة أعينه أو اجلس إلى قاص؟

اذهب في حاجتك![59]

وتكشف هذه المحاورة بصورة نموذجية مبدأ الحسن البصري في تحدي إشكاليات الحياة بوصفه أسلوبا لبلوغ حقيقة اليقين الأخلاقي. فالسؤال شك واليقين فعل عندما يتعلق الأمر بامتحان الإرادة واختبارها. من هنا جوهرية العمل في منظومته الفكرية والأخلاقية، كما في قوله "فَّضل الفعال على المقال مكرمة، وفَّضل المقال على الفعال منقصة"[60]. وطالب الإنسان بالعمل الدائم باعتباره سرّ "القرب من الله" وبلوغ الكمال الروحي، كما نراه على سبيل المثال في مطالبته الإنسان قائلا:"يا ابن آدم عملك عملك، فإنما هو لحمك ودمك! فانظر على أي حال تلقي عملك. إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها - صدق الحديث، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، ورحمة الضعفاء، وقلة الفخر والخيلاء، وبذل المعروف، وقلة المباهاة للناس، وحسن الخلق، وسعة الصدر مما يقرب إلى الله"[61].

ذلك يعني انه ربط الفضيلة ببلوغ الكمال الروحي. وهو كمال لا طريق إليه غير العمل، بحيث نراه يجعل من العمل ميزان الكينونة الأخلاقية للإنسان، كما في قوله:"لا تحقرن من الخير شيئا وإن هو صغر، ولا تحقرن من الشر شيئا"[62]. ومن هنا أيضا احتقاره للغو الفارغ، أو تحويل الكلام إلى بديل للعمل. إذ تروى عنه الحكاية التالية: دخل الحسن البصري المسجد ومعه فرقد. فقصدوا إلى جنب حلقة يتكلمون. فنصت لحديثهم عندها قال لفرقد:"ما هؤلاء إلا قوم ملوّا العبادة ووجدوا الكلام أهون عليهم، وقلّ ورعهم فتكلموا"[63]. وليس المقصود بذلك نبذ الكلام أو التقليل من أهميته وقيمته، بقدر ما يشير إلى أولوية وجوهرية العمل بالفكرة بوصفها تفكرا باطنيا عقليا أخلاقيا، وأسلوبا للرقي الروحي والحكمة (يتبع....).

 

ميثم الجنابي

.........................

[1] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص228.

[2] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[3] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص131-132.

[4] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص132.

[5] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص132.

[6] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[7] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[8] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[9] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص47.

[10] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[11] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص133.4

[12] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص132.

[13] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص152.

[14] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص451.

[16] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص228.

[17] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص143.

[18] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 158.

[19] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص155. 

[20] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 148.

[21] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص106.

[22] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 149.

[23] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص90.

[24] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص460.

[25] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص460.

[26] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص465.

[27] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص454.

[28] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص451.

[29] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص460-461.

[30] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص209

[31] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص207.

[32] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص140. 

[33] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص209.

[34]أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 141.

[35] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 142.

[36] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص268.

[37] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 141.

[38] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص210.

[39] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 155.

[40] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص58.

[41] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص285.

[42] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص152.

[43] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص158.

[44] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص166.

[45] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص90.

[46] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص156.

[47] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص122.

[48] إننا نستطيع أن نقرأ وراء هذه الصيغة اللاهوتية الخيالية وأثرها على الوعي الفاعل آنذاك، بعض أبعادها الواقعية، وبالأخص ما يتعلق منها بطبيعة علاقته بالسلطة.

[49] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص171-172.

[50] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص161.

[51] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص123.

[52] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص123.

[53] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص123.

[54] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص234.

[55] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص101.

[56] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص220.

[57] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص185.

[58] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص339.

[59] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص149.

[60] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص156.

[61] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص143.

[62] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص143.

[63] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص157.

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة (18)

إن ما يميز الفكرة الاصلاحية عند محمد عبده ومواقفه االنظرية والعملية منها هو وقوفها أمام مهمة تأسيس باطني لمبدأ البناء الذاتي الشامل، أي أن الإصلاح الحقيقي يفترض استناده إلى مبدأ جوهرية البناء الذاتي الشامل، بوصفه الوجه الآخر لنفي التقليد الداخلي والخارجي، العقلي والاجتماعي، الثقافي والمعرفي. الأمر الذي أعطى للفكرة الإصلاحية بعدها الذاتي التلقائي. وقدّم الكثير من المقارنات بهذا الصدد. ففي مجرى تناوله تاريخ الرقي والتمدن الأوربي الحديث، فإنه كشف عن أن أصول الإصلاح الديني النصراني كانت نتاجا للتأثير الإسلامي الفلسفي والعلمي والثقافي والحياتي، سواء جرى ذلك عبر الحروب الصليبية وبعدها أو من خلال تأثير الحضارة العربية الإسلامية الأندلسية. وقرر هذه الفكرة من خلال الشواهد التاريخية والمعطيات الحسية البسيطة والمباشرة عن عيش الكثير من نخب المجتمع النصراني والناس العاديين بين المسلين فترات زمنية طويلة تأثروا بنمط حياتهم وأفكارهم، أي كل ما شكل الدافع الأساسي لنقد الواقع والخروج من ثقل التقاليد النصرانية المتحجرة. من هنا استنتاجه القائل، بأنه حالما نتأمل النصرانية البروتستانتية، فإننا نرى أغلب آراءها ومبادئها مأخوذة من الإسلام. والاختلاف في العبادات فقط[1].

لقد أراد محمد عبده القول، بأن الفكرة الإصلاحية النصرانية المتطورة التي أثرت بصور كبيرة على عملية التمدن الأوربي ما هي إلا أحد أوجه الإسلام الحقيقي. وضمن هذا السياق طوّع كل موسوعيته في التفسير ورؤيته العقلانية ومواقفه العملية من أجل إبراز حقيقة الإسلام بوصفه دين الإصلاح كما نراها في هذا الكم الهائل من تفسير الآيات[2]. وهو تفسير يختلف و"يشذ" عما كان سائدا، وذلك لنحوه صوب إصلاح الروح والعقل والجسد الفردي والاجتماعي والقومي من خلال مطابقة الفكرة الإصلاحية مع حقيقة الإسلام، أو من خلال جعل الإسلام دين الإصلاح الدائم. من هنا ارتكاز التفسير الذي قدمه لمختلف آيات القرآن وسوره على مبادئ ووحدة العقل والعقلانية والروح الأخلاقي والرؤية الواقعية المتسمة بنزوع إصلاحي شامل. الأمر الذي جعل منه تفسيرا أقرب إلى تفسير "روح المعاني"، ولكن من خلال جعل القرآن أسلوبا لفهم حقائق المعاصرة كما هي. بمعنى تحويل الآيات إلى أسلوب منهجي في فهم إشكاليات الواقع التاريخي. والنظر إليها ليس بعيون التمني الباكية على أطلال الماضي، بل بعيون الرؤية النقدية والواقعية العاملة من أجل تغيير الواقع بوصفه جوهر ومضمون الفكرة الإسلامية. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن التأثير الخفي لتقاليد الروح الصوفي المتسامي وأثر الأفغاني العملي الفعال في جمع هذه المكونات التي تتراءى من خلالها عقلانية الكلام وحنكة الفلاسفة وأدب التصوف الرفيع وأخلاقهم النبيلة.

إننا نعثر في هذا النوع من التفسير على نقل روح التصوف وأخلاقيتهم المتسامية إلى ميدان الرؤية الواقعية والاجتماعية والسياسية ومستقبل الدولة والأمة. بمعنى تنشيط الروح الأخلاقي والعقلي في مواجهة إشكاليات الحاضر من خلال إبداع صورة عملية لما في اجتهاد الغزالي القديم. ووضع هذه الرؤية في المبدأ القائل، بأن "التفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة". ذلك يعني إن المهمة الأولية للتفسير تقوم في إبعاده عن تقاليد الأموات واللاهوت السحري، عبر إرجاعه إلى تيار الحياة وإشكالاتها. لهذا السبب نراه أيضا يقف بالضد من أساليب التأويل الباطني المتطرف. ورفضه لهذا النوع من التأويل الذي وجد انعكاسه فيما ينسب إلى ابن عربي (كتاب تأويل القرآن) مع انه كتاب القاشاني، كما يقول محمد عبده. ومن هنا أيضا فكرته من أن الجوهري بالنسبة له في التفسير ليس "الأحكام العملية" بل "التهذّب ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها ورفعها من حضيض الجهالة إلى أوج المعرفة". لهذا نراه يدعو كل شخص (جاهل وعالم) أن يفهم القرآن بقدر طاقته. ووضع في هذا المبدأ أسلوب ما اسماه بتفسير القرآن بحسب المعنى الأولي، وحسب ما جاء في القرآن نفسه وبما يتوافق مع المعنى في الآية. والغرض من ذلك تحرير الرؤية من ثقل التقاليد المذهبية والحفظ الميت واسترجاع تقاليد الأسلاف، أي البقاء ضمن بطون الكتب المليئة بغبار الماضي.

لقد احتوت هذه الرؤية الإصلاحية على مبدأ دفين يحدد اتجاهها الفعلي ألا وهو أن الأولوية بالنسبة للإصلاح هو إصلاح حال التربية استنادا إلى التقاليد الخاصة[3]. بمعنى أن معاناة الاجتهاد العقلي في مواجهة إشكاليات الوجود التاريخي للفرد والجماعة والمجتمع والدولة والأمة ينبغي أن تقوم عبر تبني الرؤية التربوية الجديدة، التي اعتبرها ضرورية للوجود الإنساني أولا وقبل كل شيء. من هنا فكرته عن "أن الإنسان لا يكون إنسانا إلا بالتربية[4]. ووضع فيها تربية الأصول أو الرجوع إليها، ويقصد بذلك سلوك الأنبياء والمرسلين والحكماء. من هنا فكرته عن انه ليس القوانين الرادعة هي التي تربي الأمم، بل ما اسماه "بنواميس التربية الملّية لكل أمة"[5]، أي التربية المبنية على أساس التقاليد الخاصة، وبصفها الوسيلة الضرورية للتحرر من التقليد. وهذا بدوره الشرط الضروري للاجتهاد الحر والسير في طريق معاناة أو مكابدة نتائجه العملية. وإلا فإن كل ما يجري القيام به سوف لن يؤدي إلى إلا نتائج وآثار مخربة ومدمرة. والقضية ليست فقط في أن هذا النوع من الجهود (التي لا اجتهاد حر فيها) سوف تتحول إلى هباء، بل وكذلك لإمكانية ارتداده بالعكس تماما. من هنا مرجعية الفكرة التي بلورها والقائلة، بأن الأولوية بالنسبة للإصلاح هو إصلاح حال التربية استنادا إلى التقاليد الخاصة[6]. ولم يعن ذلك الانغلاق أمام الآخرين، على العكس. لهذا نراه يقف أيضا إلى جانب نشر المدارس بما في ذلك الأجنبية. بل ولا يمانع من إرسال الأطفال إلى المدارس الدينية للطوائف الأخرى (غير الإسلامية)، ولكن فقط في "حال عدم مبالاتهم بالدين". وهو موقف يعكس بقدر واحد الانفتاح الداخلي والتسامح الخارجي الذي يتفوق على نظيره الأوربي آنذاك أيضا. ولم يكن الحافز وراء هذا الموقف دينيا بقدر ما كان اجتماعيا وثقافيا بحتا. من هنا ربطه إمكانية إرسال الأطفال المسلمين إلى المدارس التبشيرية النصرانية في حال ألا يؤدي ذلك إلى ما اسماه بإثارة خلل وصراع داخل العائلة والمجتمع. غير أن موقفه العام والجوهري هو موقفه الإصلاحي الشامل في ميدان التربية والقائل بضرورة فتح وتوسيع شبكة المدارس الوطنية، لما لها من أثر وفاعلية في تكامل الشخصية الفردية بمعايير انتمائها الديني والقومي الثقافي[7]. وأسس هذا الموقف على رؤيته المتعلقة بأهمية وجوهرية التربية في بناء الإنسان والمجتمع والدولة والأمة. وكتب بهذا الصدد يقول بأنه بدون التربية لا بمكن بلوغ الوحدة والقوة والتقدم وثبات العلوم واستثمارها. على العكس بدونها لا تؤدي حتى العلوم إلا إلى إثارة اللغو والهذيان. وقدّم نماذج عديدة بما في ذلك على مستوى اللغة العادية مثل إيراده كلام الأم لابنها "خذ هذا وأخفه عن الأعين حتى لا يراك أخوك" نموذجا على سوء التربية لما في هذه العبارة من غرس لثلاث خصال مهلكات وهي الأثرة والدناءة والسرقة. ومن هنا أيضا فكرته عن انه لا يمكن بناء جمعية ولا جماعة ولا أمة من الجهلة والجاهلات. وقدم أمثلة من حياته في القضاء حيث وجد ما يقارب 75% من المشاكل التي قضى فيها بأحكام عادة ما تقع بين الأهل والأقارب! وتساءل عما إذا بالإمكان بناء مجتمع على هذا الأساس؟

لقد وجد محمد عبده في انعدام أو ضعف التربية السليمة سرّ الخراب والانحطاط. من هنا تشديده عل أهميتها العلمية والعملية. بل اعتبرها أسلوب بلوغ السعادة. فهو يسير ضمن تقاليد الفلسفة الإسلامية العقلانية التي وجدت في العلم والمعرفة سبب ومقدمات بلوغ السعادة ولكن من خلال نقلها إلى ميدان التنظيم الضروري الذي ينبغي أن تقوم به الدولة والمجتمع والأفراد. وليس مصادفة أن نراه يبحث عن كل صغيرة وكبيرة في مختلف تجارب الأمم، التي تكشف عن دور الفرد والمجتمع المدني والنخبة العاملة من أجل الخير العام والدولة والأمة[8].

انه جعل من التربية مهمة الدولة والمجتمع. وبهذا يكون قد أدرك قيمتها العلمية والعملية الهائلة بالنسبة للإصلاح الشامل. لهذا نراه يعتبر التعليم العام ضروريا. ويشير إلى مسئولية الدولة. فمصر تنفق على التعليم مائتي ألف جنيه بينما ميزانيتها تبلغ 12 مليون[9]. بل ونراه يربط فكرة غنى الأفراد والمجتمع والدولة بمدى انتشار التربية والمدارس فيها. وكتب بهذا الصدد يقول، إن أرض مصر غنية لكنها فقيرة. والسبب يكمن في الإنسان وتربيته. فقر البلاد بقلّة الراشدين وغناها بكثرة المهتدين[10]. من هنا دعوته الأغنياء آنذاك للمساهمة في بناء المدارس والتعليم. فهو ثروة لهم أيضا، مستشهدا بالتجربة الأوربية[11]. والغاية النهائية من وراء كل ذلك تقوم فيما للتربية والتعليم من أثر جوهري في سعادة الأمم. لقد اعتبر الغرض من التعليم وإنشاء المدارس هو تربية العقول والنفوس من أجل نيل كمال السعادة. والمقصود بتربية العقول إخراجها من فساد الرؤية والمعتقدات لكي تبلغ الحالة التي يمكن للمرء التمييز بها بين الخير والشر والصحيح والخطأ، أي بلوغ الحالة التي يصبح فيها العقل نافذا في الحكم على الأشياء، وتحوّل ذلك إلى سجية[12].

وإذا نراه أحيانا يشدد على أهمية التربية الدينية، فإن المقصود بذلك تربية الرؤية الإصلاحية. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه عن وضع ما اسماه بتربية المعتقدات الدينية الصحيحة في أولويات هذه التربية. بمعنى وضعه في أولوياتها ما هو مرتبط بمرحلة الإصلاح الديني والفكرة الإصلاحية، أي "تربية القلوب بما يرضي الخالق، وذلك بشرط عدم خروجها على مكارم الأخلاق"، كما يقول محمد عبده[13]. من هنا تأييده لإجراء وزارة المعارف (نظارة المعارف العمومية) بتعليم العقائد الدينية (التربية الدينية) ولكن بعد ربطها بشروط أساسية وهي أن تكون هذه التربية معنوية حقيقة وليس كعبادة الجاهليين، وملاحظة تعاليم هذه التربية من اجل "ألا تكون محشوة بالتخريف المضادة لحقيقة الدين"[14]. ودفع هذه الفكرة صوب أبعادها النظرية العقائدية عندما تناول قضية إصلاح مناهج التربية. إذ نراه يضع في فكرة تجديد المناهج (حالما تكون جزء من الإصلاح الديني) ضرورة القضاء على الأفكار السيئة مثل الجبرية والمرجئة. ومن ثم المطالبة بالعمل. ولكن من خلال نموذج للتربية دقيق يبدأ بالفقه الباطن، أي تربية الروح الأخلاقي. ثم البقية الباقية على أساس اليسير والسليم، أي المرتبط بالرؤية العقلية الصحيحة[15].

ومن أجل تنفيذ هذه المهمة وضع رؤية عملية تتعلق بتدريس العقائد والحلال والحرام والتاريخ مهمتها جمع الكلمة ونبذ الخلاف. على أن يجري تدريس كل قوم بلغته، بالعربية للعرب وبالتركية للأتراك وهكذا دواليك[16]. كما وضع هذه النماذج المختلفة للدارس الابتدائية ثم المتوسطة وما فوقها، مهمتها في نهاية المطاف أن تأخذ بمنطق الإصلاح والرؤية العقلانية والإنسانية مع البقاء التام والدقيق ضمن معايير التقاليد الإسلامية بوصفها تقاليد ثقافية[17]. وتعدى ذلك إلى مسألة الاهتمام بنوعية الكتب لما لها من أثر بالنسبة لتربية العقول والضمائر. فعندما تناول على سبيل المثال حالة الكتاب آنذاك في مصر نراه يشير إلى وجود أنواع من الكتب دينية تقليدية واسعة الانتشار، وكتب حكمية عقلية فلسفية يصعب الحصول عليها، وكتب الأدب القديمة والحديثة وهي آخذت في الانتشار، وكتب خرافية أو ما يدعوه محمد عبده  بكتب الأكاذيب الصرف مثل عنتر وعبس والظاهر بيبرس وأبو زيد وغيرها، وكتب الخرافات، أي مختلف نماذج الكتب المتعارضة مع العقل من العفاريت وتأثير الأجواء على المصير. ووضع محمد عبده هذه الكتب الأخيرة في مقدمات بقاء وانتعاش التخلف الفكري والروحي والأخلاقي. على عكس ما سعت إليه الدولة من منع الكتب "المضرة بالدين والسياسة"[18]، أي على عكس إدراك الحقيقة التي تكشف عنها وتبرهن تجارب الأمم الراقية في سلم المدنية عما في العلم والتربية من قوة مادية وروحية. لهذا نراه يربط مهمة وإمكانية الدفاع عن الدولة والدين والإنسان بالعلم والتربية، بوصفهما القوى الوحيدة القادرة على مساعدة الأمم في مواجهة التدخل الأجنبي والاحتلال وغيره، انطلاقا من أن "العلم نافع لنا، والجهل مهلك لأرواحنا"[19]. ليس هذا فحسب، بل ونراه يربط بين التمدن الحقيقي ونتائج التربية القائمة على العلم. وليس مصادفة أن يعتبر المعيار الفعلي لحقيقة التمدن هو نمو الثروة العامة. وليس مظاهر البهرجة الزائفة[20]. ولا يكن بلوغ ذلك دون التربية والعلوم وذلك لما لها من أثر جوهري بالنسبة لتنظيم القيم الإنسانية الضرورية بالنسبة لبلوغ السعادة الحقيقية. فعندما يتكلم على سبيل المثال عن فكرة العدالة، فإننا نراه يربطها بالتربية والعلم. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن العلم والعدالة بالنسبة للدولة والأمة "متلازمان في الوجود". والرابط الفعلي بينهما هو العلم. وذلك لأن انتشاره يضيء العقول ويوصل المرء والجماعة إلى أن العدالة والمساواة هما العلة الأولى لسعادة البشر[21].

مما سبق يتضح بأن المبادئ الكبرى المتوحدة في الفكرة الإصلاحية لمحمد عبده كانت نتاجا منطقيا لفلسفته الإصلاحية. بمعنى أنها كانت تحتوي في أعماقها على وحدة التأسيس الأولي لما يمكن دعوته بالعقل الثقافي الذاتي، والروح الثقافي القومي، والفكرة السياسية الإسلامية. بمعنى أنها كانت تحتوي من حيث توجهها العام على تأسيس ثلاثة أبعاد كبرى تعمل من أجل توحيد وعي الذات الثقافي المتحرر من نير التقليد، والوعي الثقافي الذاتي (القومي) والوعي السياسي المبني على فكرة العدالة والحق.

غير أن هذا التوحيد الفكري لم يرتق إلى مصاف الرؤية المنهجية النظرية. بل كان أقرب ما يكون إلى كمية متراكمة من المواقف والأفكار في مجرى تفتح ملامح المبادئ الكبرى للفكرة الإصلاحية الإسلامية عند محمد عبده.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، الطبعة الأولى، دار الشروق، بيروت – القاهرة، 1993،  ج3، ص467-268. وقد كتب أمين الخولي عام 1935 كتابا بعنوان (صلة الإسلام بإصلاح النصرانية).

[2] يمكن الرجوع إلى ذلك في الجزء الرابع والخامس من الأعمال الكاملة لمحمد عبده.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

[4] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص168.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص168.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص60-61.

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، 315.

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص183.

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص45.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص51.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص29.

[13] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص30.

[14] محمد عبده: الأعمال الكاملة،ج3، ص31.

[15] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص80.

[16] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص82.

[17] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص83-91

[18] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص54- 56. 

[19] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص20-21

[20] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، 38-41.

[21] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص24-25.

 

محمد ممدوحظل الموت إلى وقتٍ قريب للغاية فزاعة كبرى لى بمثل ما كان فزاعة لكثيرين .. كان السؤال عن المصير المجهول ملازمًا لى دومًا .. القبر، وماذا بعده؟ والظلمة والظلام والظلمات كلها كلمات ومشتقات قاسية على النفس للغاية .. فما أقسى السؤال ماذا بعد الموت؟ وما أصعب التساؤل ماذا خلف بوابة القبر؟ .. عالم من البرزخ يقطن فى عالم من الغيب، يتلبس بعالم أكثر غيبية، غيب من وراء غيب، يقف أمامه عقل محدود للغاية لا يكاد يُبصر تحت قدميه، لا يكاد يدرك كثيرًا من البديهيات أو يفهم ماورائيات بعض المُسلمات، فأنى له السبيل رشدًا بغيب غاصت فيه الأذهان والأفكار فما خرجت منه بأكثر مما قرآناه فى طفولتنا عن مغارة على بابا والساحر أنطوان.

غذا هذه المخاوف دسائس جهلاء الدعاة الذين صوروا أنفسهم مخلصين أو سفينة النجاة أو مالكى صكوك الغفران، حيث شجاع أقرع ذو ألف ناب، وكل ناب به ألف سن قاطع والسن الواحد يفعل الأفاعيل !! وحيث ظلمات تقبع بعضها خلف بعض أو فوق بعض لا يهُم، المهم أنه عالم ظلامى ظلمانى يتسع لكل مفردات الكلمة ومعانيها ومؤدياتها، عالم لا أمل فيه ألبته .. لا إحسان فيه قط، بل هو عالم الثعابين والنيران والجحيم والعذاب المقيم.

هكذا امتلأ الخطاب الدينى بتلك الصور الشوهاء، وهذا للأسف ما ترسخ فى الأذهان بوعى أو بغير وعى، فلعل العقل الباطن أو اللاشعور قد لعب دورًا كبيرًا فى ترسيخ هذه الصورة بحكم أن الإنسان عدو ما يجهل، والموت هو أعظم ما يجهله الإنسان، ولا سبيل له بإزاحة هذا الجهل إلا بعد القيام بتجربة فعلية، يفقد على إثرها القدرة على النصح أو إرشاد الأحياء إلى الحقائق الغائبة.

وقديمًا اجتهد سقراط حين أصدرت المحكمة الغوغائية عليه حكمًا بالإعدام، فابتسم لقضاته الأكثر جهلاً من عجل السامرى قائلاً : "الموت خير لا شر فيه، فهو إما سياحة فى عالم الآخرة حيث لقاء الأبطال والأنبياء وإما نومٌ لذيد لا ألم فيه ".. العجيب فى هذا القول وتلك الرؤية أن صاحبها قدمها للإنسانية منذ ما يقرب من ثلاثين قرنًا، ومع ذلك لم تحاول البشرية يومًا أن تضع هذه الرؤية كأساس تبنى عليه .. لم تحاول أن تكمل فى هذا الطريق، بل جاءت محاولاتها فى أغلبها سيرًا فى الإتجاه المعاكس والطريق المضاد، فقدموا لنا الموت على أنه الفزّاعة الكبرى التى لا خلاص أبدًا منها.

وباستلهام درب سقراط العقلى والأكثر منطقية يمكننا البناء على أساسه ليصبح الموت لدينا يمثل على الأقل الخلاص من الشك والوصول إلى اليقين المطمئن الذى لا يجزع لشئ، ولا يفرح بشئ، بل يعاين الحقيقة كاملة غير منقوصة...

 يمثل الموت الرحمة المطلقة، الرحمة المخلّصة من عذاب البشر، من ازدواجية المعايير، وتطفيف الموازين بحسب المصلحة، وبخس الحقوق وتضييع معالم القسط وعرج العدالة..

أنظر إلى عينيه، أراه كل صباح والقطط الصغار تلتف حوله .. يسقى أولاً، ثم يداوى الجرحى ثانيًا، ثم يجلس ويكأنه يوجه الشكر والثناء الجميل إلى الله الذى هداه لهذه الإنسانية المجردة .. أبتسم فى نفسى، أسائل ذاتى، إذا كانت هذه الرحمة وتلك الإنسانية المجردة عن أى مصلحة أو نفعية قد اجتمعت فى مخلوقٍ واحد من خلق الله العزيز المقتدر، فكيف بالرحمة التى وزعت على الخلق كلهم، تجدها فى دموعهم رحمة بالمساكين، وفى صيحاتهم وسعيهم على المعوذين، وفى فنائهم فى خدمة البوساء والمرضى و العاجزين، ثم كيف بهذه الرحمات إذا اجتمعت كلها !! وكيف بها إذا كانت جزءًا واحدًا من مائة جزء، ثم هناك إله ادخر لديه تسعًا وتسعين جزءًا، فما عسى أن تكون رحمته .. هذا أحد ما يمثله الموت لى من معانى.

معنى آخر يمثله الموت فى وجهه الآخر ومعناه الأعظم، حيث الصدق النقى الذى لا يشوبه كذب قط .. فكل الأشخاص والأشياء والأنفس تبدو على صفحات مياهها النقية، لا عبث، لا مواربة، لا شئ قط يعوق الرؤية (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (ق22) يُكشف الغطاء .. تُزال الحُجُب كافة، تنقشع الغيوم جميعها .. تُرى الحقائق تسير على أقدام، قد جلاّها الذى يعلم السر وأخفى، وأبدع وصفًا لتلك المكاشفات (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)(الطارق9) ..

يمثل الموت العدل المطلق، فلطالما عانينا استبداد الظالمين، لطالما حبسنا الأنفاس والإحساس، لطالما عجزنا عن إنكار المنكر، لطالما ابتعلنا ألسنتنا عن الأمر بالمعروف، لطالما عانينا الظلم بأنيابه القواطع .. هناك، حيث موازين قسط، عدل مطلق، عدالة قضائية محكمة الأدلة والبينات والشهود، ومن فوق ذلك كله إله قد أحاط بكل شئ علمًا .. لا ظلم ولا مظلمة، فكل شئ يوزن بميزان دقيق يُفصل كل شئ على حقيقته (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء47) (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)) (الزلزلة 7-8)..

هناك، حيث إقامة الميزان الحق الذى صدعت به الفطرة على لسان أبى بكر الصديق "القوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوى عندى حتى آخذ الحق له " ستخرس ألسنة الظالمين والمتكبرين والمتغطرسين، ليقع الكل تحت سيف عدالة الله المطلقة، والمجردة، والكاملة.

يمثل الموت الحرية الحقيقية التى تصبو إليها النفس منذ ولدت، فقد ولدنا أحرارًا ولكن الطبقية البغيضة والاستبداديات القاتلة والفساد الماحق حولونا إلى أجراء، حقراء، عبيد، مجرد عبيد فى حياة الأصل فيها الحرية .. والموت بوابة عظمى من بوابات الحرية التى تُعطى عطاءًا ولا تُنتزع نزعًا .. فلن نُدلى برأى بعد الموت فى رحاب الله، ثم يتصل بنا أحد الكائنات ليقول لنا " لقد تخطيتم الحدود والخطوط بكل ألوانها .. لن نخشى السجن على آرائنا، لن نخشى استبدادًا ولا مستبدًا، بل نمنح الحرية الكاملة فى أى طلب، وفى أى رأى، وفى أى مسعى.

هذا ما يمثله الجانب الإيجابى من الموت، المعنى الآخر والوجه المغاير للموت، فإذا كان بهذه الصورة فلا خوف أبدًا منه، بل يصبح ممثلاً للطمأنينة كلها، والأريحية بأوسع معانيها، يصبح الموت أمل، يتحول إلى أمل لكل عاقل يتفكر فيه بهذه الطريقة .. أو ليس خروج السجين من سجنه أمل !! أو ليس إظهار الحقيقة المدفونة والغائبة سنوات وعقود وقرون أمل !! أو ليس تحقيق العدل والقسط والحق مطلبًا تهفو إليه النفوس وتُدفع فى سبيله الأرواح !! أو ليست معاينة تلك الحقائق أمل لفضح الكاذبين والمخادعين والملقة والمأجورين!!

الموت بهذه المعانى أمل، وبالمعنى السقراطى فى السياحة السماوية أمل، وبالمعنى الفيثاغورى فى تناسخ الأرواح كلٌ لشبيهة أمل، وبالمعنى الإلحادى ذاته فى الفناء المطبق والظلام الدامس على الرفاة أمل، فاختر ما تشاء من هذه المعانى، الأهم أن نكتشف الرحاب المغايرة للموت، الوجوه الأخرى التى تقف خلف تلك البوابة العظمى، بوابة الموت.

 

د. محمد ممدوح