مجدي ابراهيميخلط الباحثون كثيراً، وبخاصة في الرسائل العلمية التي يتم مناقشتها بين طلاب الدراسات العليا أو بين الباحثين على التعميم؛ إزاء التوجهات الصوفية والنزعات الشيعية؛ فلا يكادون يميزون الفوارق الدقيقة بينها على مستوى الشعور أو على مستوى العقيدة، ويكتفون بمتابعة ما سبق لهم من بحوث طالعوها مطالعة تقليدية في هذا الميدان الواسع، ليس فيها إعمال عقل ولا إحساس بأذواق أصحابها، ثم لا ينبّهون على ما بينها من ضروب الخلاف سواء في التوجُّه أو في القاعدة التأسيسية التي يقوم عليها هذا المذهب أو ذاك؛ كنزعة أصيلة تواجدت في الإسلام بين الحركة السياسية الطارئة المرتهنة بظرفها التاريخي من ناحية والبعد الديني العميق من ناحية ثانية. وما أبعد الفرق بين تحكيم العقل وتحكيم المتابعة والتقليد.

لا تكفي المتابعة وحدها لإماطة اللثام عن "الفكرة" حين يُرَاد لها التأصيل في أغوار العقيدة أو الدين ما لم يتم كشف النقاب عن أصولها وتوجهاتها، ثم عن توظيفها في سياقاتها المعنية، وظرفها التاريخي الذي نشأت في محيطه، وبيان الأغراض التي أتيحت لصياغة المفاهيم المتباينة إذا تعلق الأمر بنزعات التشيع والتصوف في الإسلام.

وعليه؛ فمتابعة السابقين - من المعاصرين خاصّة - فيما كتبوه لا تضيف جديداً ولا تعطي تصوراً حول ما يمكن إثارته من أفكار قد تكون عرضة للخلاف بمقدار ما تجيء على مستوى النظر الفكري مُساقة في ثوب هو أدعى إلى إثارة الخلاف منها إلى الوفاق والتقريب؛ فلا بد من فارق جوهري يميز تميزاً دقيقاً فاصلاً بين توظيف التوجُّه وتبرير الخلاف، وإعطاء الخاصة الدلالية التي تتضمّن فحوى التوجه ولا تلغيه لمجرد التشابه فقط، لكنما التشابه ليس يلغي عندنا مضمون التوجُّه ولا يقدح في دلالة الغاية وسمو مقصدها.

ولربما كان هذا هو السبب الذي جعلني أكتب تلك الأسطر؛ لتنبيه الأذهان إلى الفروق الفارقة بين النزعتين، خلال طرح نقدي للفكرة لا مجرد إثارة خلاف. ولم تكن كتابة هذه الدراسة مرسلة بدون توثيق من مصادرها، بل جاءت موثقة؛ لقناعة الرأي عندي بما فيها أولاُ، ثم ثانياً لقناعة القارئ بالفكرة التي أردت التركيز عليها، والإحاطة بمضامينها، والوقوف عند دلالة التخريج فيها؛ عساه يبذل الجهد فيفرق بين التوجُّه والنزعة. ولا يزال الفرق شاسعاً بعيد البون بين العواصف السياسية والنزعات الدنيوية وبين إشراقة الضمير وسيطرة الروح على توجُّهَات الإنسان.   

يلاحظ أن الطبقة الأولى من طبقات رجال الغيب: هى طبقة القطبانيِّة، وهى مقام القطب الغوث الفرد الجامع، وللسيوطي كتاب بعنوان:"الخبرُ الدالُّ على وجود القطب والأوتاد والنُّجباء والأبدال؛ فيه ردود بالأحاديث الشريفة على مَنْ أنكر وجود القطب كما ورد في "المنار المنيف" لابن القيم، وهو من المنكرين، نظراً لاتجاهه السلفي: أن أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد، كلها باطلة على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأقرب ما فيها (لا تسبوا أهل الشام، فإن فيهم البدلاء، كلما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلاً آخر) وهو ضعيف.

نحن إذن أمام نزعتين متعارضتين، نزعة تقول بوجود رجال الغيب، والأخرى تنفيها. وينجم عن ذلك خلافٌ يرتد إلى خلاف في التوجهات الفكرية يستند على انتماءات مذهبية. لكن هذا الخلاف سرعان ما يتلاشى فيما لو عرفنا أن هذه المراتب والدرجات إنْ هى إلا مراتب ودرجات في سلم القيم الروحي. كان يمكن أن يكون كلام ابن القيم الرافض لها، وأضرابه، صحيحاً لو كانت تلك المراتب والدرجات مراتب في الوجود، غير أن الصفة الميتافيزيقية أغلب عليها وأكثر وصفاً لها. ومن أجل ذلك؛ أطلقوا عليها "طبقات رجال الغيب"، لا لشيء إلا لأنها طبقات روحية ميتافيزيقية، وكان أحمد الكمشخانويّ النقشبندي في "جامع أصول الأولياء" ممّن تناول تلك المراتب والدرجات لدي الأولياء، وفسّرها هذا التفسير، إذْ ليس من شأنها أن تلغي توحيد الربوبية والإلوهية، ولكنها مراتب ودرجات غيبية مجعولة، بالتعبير القرآني، للكدح إلى الله؛ لتحديد حركة الإنسان بما هى فعل غائي بفعل مطلق الربوبية.

لخَّص الشيخ حسن العدوى الحمزاوي تلميذ الشعراني وأحد عارفي فضله ومحبيه، كتاب السيوطي "الخبرُ الدالُّ على وجود القطب والأوتاد والنُّجباء والأبدال"، فنقل عن "اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر" للشعراني ما يخص طبقة القطبانِّيّة، وهو منقول من كلام ابن عربي:" واسم القطب في كل زمان عبد الله، وعبد الجامع، المنعوت بالتحقُّق بمعنى جميع الأسماء الإلهية بحكم الخلافة، وهو مرآة الحق تعالى، ومحل المظاهر الإلهية، وصاحب علم سرّ القدر، ومن شأنه أن يكون الغالب عليه الخفاء .. ولا تطوى له الأرض ولا يمشى في هواء ولا على ماء، ولا يأكل من غير سبب، ولا يطرأ عليه شيء من خوارق العوائد إلاَّ في النادر؛ لأمرٍ يريده الحق تعالى، فيفعله بإذن الله تعالى من غير أن يكون ذلك مطلوباً له ... إلى كثير من الأوصاف (راجع: النفحات الشاذلية: جـ2، ص 267، 268).

وإذا كان من اللافت للنظر شيوع استخدام الصوفية المتأخرين لاصطلاح (القطب الغوث) وخاصّة لدى الشعراني، فلا نعدم وجود أصول هذه "الفكرة" في التابعين، فليس أدل عليها من شخصية "أويس القرني" الذي وصفه أبو نعيم صاحب "حلية الأولياء" بأنه: "سيد العباد"، وعلم الأصفياء من الزهاد، بشّر به النبي صلى الله عليه وسلم، وأوصى به أصحابه عمر وعليّ، ويحاول عمر وعليّ لقاءه كما أوصي النبي. وبما أن "أويس القرني" كان شخصية غامضة من شخصيات التابعين؛ فلأنه فيما تقول المصادر كان يعيش متخفياً، أشعث أغبر ذا طمرين، تتحقق فيه صفات من أطلق عليه مـتأخرو الصوفية " قطب الغوث"، وسنعالج هذه الفكرة مع العودة إلى أويس بعد قليل (الحلية، جـ 2؛ ص 79 وما بعدها).

 ولا خلاف في أن ابن عربي هو أكثر الصوفية الذين تكلموا في هذا الموضوع، موضوع القطبانية، وأفردوا له كتابات خاصّة، وهو كذلك أوسعهم بحثاً وإحاطة به، إنْ لم يكن أسبقهم كلاماً، كما تحدّث عنه في أكبر كتبه وأهمها: "الفتوحات" و "فصوص الحِكَم"، ولا يترك مناسبة في العديد من كتبه ورسائله إلاِّ ويشير إلى خصوصية مثل هذه الكتابات التي يُولي فيها العناية بذلك الموضوع، كما جرت عادته في كتاب: "منزل القطب ومقامه وحاله"، لمّا أراد أن يصف القطب وتجلياته، إذْ الحق لهذا القطب متَجلٍ على الدوام .. ويستشهد بقول الصديق، رضى الله عنه،: " ما رأيتُ شيئاً إلاّ رأيت الله قبله ". ولا بد عنده لكل قطب عندما يلي مرتبه القطبية أن يبايعه كل سرِّ وحيوان وجماد ماعدا الإنسان والجان إلاِّ القليل منهم، وله من البلاد مكة، وله سكن حيث ما سكن ...، فإن محلَّه مكة ليس إلاَّ ... ثم قال: وقد صنفنا في هذه البيعة وكيفية انعقادها كتاباً كبيراً سميناه كتاب "مبايعة القطب في حضرة القُرب" (منزل القطب ومقامه وحاله، ضمن رسائل ابن عربي، ص 251).

ولا تفوته الإشارة في " الفتوحات المكيّة " حين يذكر عن كتاب مبايعة القطب: أنه يتضَّمن علماً كبيراً ما سبقه إليه أحد. وإذا كان العارفون من أهل الله شاهدوه وعلموه، فإن الذي شغلهم عن تبينه للناس ما كان المهم عندهم، ولكن إظهاره للناس كان من الأمور المهمّة عند ابن عربي، ورواياته في الفتوحات عن العارفين الذين تحققَّوا بمقام القطبيّة أو الذين شهدوا هذا المقام فوق أن تحصى (الفتوحات المكية، جـ3، ص91 وما يتلوها).

وفي كتابه "مواقع النجوم" يشير ابن عربي بالنثر تارة وبالشعر تارة أخرى، بحيث لا يتذوق من إشاراته أحد إلا من كان على شاكلته في التذوق وفي طبقته من الإدراك سواء بسواء (مواقع النجوم: ص147، 150، 190).

وعن ابن عربي أخذ الشعراني كثيراً من فنون النظر الإلهي، ومنها بالطبع مسألة الإيمان بهذا الأثر الغيبي الباطني الذي هو أيضاً بالطبع، أثرٌ من آثار التصوف لا شك فيه عندهم، ولذلك سموه كما سبقت إليه الإشارة بـ " طبقات رجال الغيب "، كما هو الحال عند السيوطي فيما تقدَّم، بيد أنه، كما يوجد مثل هذا الأثر في التصوف، يوجد كذلك في التشيُّع: فمعارف القطب عند الصوفية تتشابه مع عقائد الشيعة. على أن معارف الصوفية روحيّة خالصة في حين أن السياسة الحزبية كانت أصلاً لعقائد الشيعة، فمن عقائد الشيعة الإثنى عشرية أن الإمام كالنَّبيَّ، يجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال الإنساني، كالشجاعة والكرم والعفة والصدق والتدبير والحكمة، وأن يكون مؤيّداً من طريق الإلهام بالقوة القدسية، يتلقىَّ المعارف من طريق النبي أو الإمام الذي قبله، وشرطه أن يكون معصوماً: "مكلفاً بالهداية والعدل، والجماعة مكلفون بالاقتداء به والاستنان بسنته " (الشهرستاني: الملل والنحل، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، سنة 1387 هـ ، 1967 م، جـ 1 ص 169 - 173).

وإذا استجد شيء فلابد أن يعلمه من طريق هذه القوة القدسية؛ فمعرفة الإمام عن هذا الطريق الأخير ليست من قبيل الاستدلال العقلي، وإنما تتجلى المعلومات في نفسه كما تتجلى المرئيات في المرآة الصافية. وهنا يتفق الإثنى عشرية مع بعض فلاسفة الإسلام والصوفية الذين جعلوا وراء العقل واستدلالاته طريقاً حدسياً أو كشفياً للمعرفة (أبو الوفا التفتازاني: علم الكلام وبعض مشكلاته، دار الثقافة، القاهرة، سنة 1979، ص82). ولا ريب عندي أن هذا الاتفاق يأخذ التشابه لمجرد التشابه وكفى، ولا يتخذ مواقفه من مقارنات دقيقة للأفكار.

ومن المؤكد أن الشيعة اعتبروا الإمامة جزءاً من العقيدة، يسوى بينها وبين شهادة التوحيد، وبالتالي أضافوا إلى العقيدة أصلاً لم يرد إطلاقاً من قبل، الأمر الذي آثار ضجة كبرى في العالم الإسلامي ممّا جعل أهل السنة يحاربونها ويجادلونها بعنف بالغ (علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، حـ3، 323).

ومن المؤكد كذلك؛ أن هناك شواهد ظاهرة (لكن ينقصها التوظيف: توظيف الصورة المرسومة) على اقتراب التصوف من التشيع، الأمر الذي لا ينفي وجود مثل هذا الاتصال الفكري في كثير من جوانب المذهبين، منها على سبيل المثال لا الحصر:

(1) تلك المكانة التي يحتلها الإمام عليّ ابن أبي طالب لدى الصوفية، فإليه ينسبون مذهبهم، وتحديداً، في لباس خرقة التصوف، وفي فيوضات العلم الباطني ووراثة المعارف اللّدنيّة، فقد كان عليّ، رضوان الله عليه، أعرف الناس بسرِّ الحقائق ودقائق العلوم، وبرموز الأمور الباطنة، والكشف والعيان، وبمشاهدة عالم الملكوت، وروا أن "النبيَّ أمر بسدّ الأبواب إلا باب علي بن أبي طالب"، وقد خَصَّه ابن عربي في فتوحاته بما يبيِّن منزلته الكبرى عنده، وعلو مكانته في نفوس المتصوفة جميعاً، وذلك حين يصفه بقوله: "عليّ من أصحاب العلم وممّن يعلمون من الله ما لا يعلمه غيره". وإنه؛ ليتحدَّث عن مقام أبي بكر، رضى الله عنه، وعن إيمانه الذي يعدل كل أمة محمد، ثم يعرج إلى عليّ فيقول فيه:"ومع هذا الفضل العظيم لأبي بكر، رضى الله عنه؛ يشرك الحبيب الرسول المقرّب الخليل في مقام الخلّة كما صحّ أن يشرك معه في مقام الأخوة عليّاً، كرم الله وجهه، فقال: عليّ منى بمنزله هارون من موسى  (أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الإثنى عشرية، دار النهضة العربية، القاهر سنة 1991 م - 1411 هـ - الفصل الخاص بـ "الإمامة بين التشيع والتصوف"، ص 461، 476)؛ فعَليٌّ رضوان الله عليه: "أكبر العباد"، و" ربَّانيّ الأمة"، وكبير عبادها وزهادها، وكبير علمائها، و"سيد الصحابة"، و"ابن عم الرسول" و"زوج فاطمة الجميلة"، و"باب مدينة العلم" و"حامل الأسرار"، (النشار: نشأة الفكر جـ 3؛ ص 108 و 177).

(2) اتصالُ كثيُر من شيوخ الصوفية بأئمة أهل البيت: فأويس القرني قد أخذ عن علي ابن أبي طالب، وحارب معه في صفين، واستشهد فيها، وقصة استشهاده مع عليّ ترجح صلاته بآل البيت، رغم اختلاف الروايات الواردة في شأن أويس القرني (النشار: نشأة الفكر الفلسفي، جـ3، ص254). ثم أخذ أبو زيد البسطامي عن الصادق، وشقيق البَلْخى عن الكاظم، وأسلم معروف الكرخى على يد عليِّ الرضا وأصبح مولى له، وكان الرضا يحجبه خشية افتتان الناس به، وسلسلة المتصوفة المتأخرين متصلة بمعروف الكرخى، وأخذ السّري السقطى عن معروف الكرخى، ثم أخذ الحنيد عن خاله السَّرى. والدّين لدى الصوفية والشيعة طاعة لرجل (أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الإثنى عشرية، ص465).

(3) اتفاق التصوف مع التشيع في أن مصدر العلم اليقيني إنما هو العلم "الباطن" الذي عبّر عنه الحسن بن علي في حديث مرفوع عن جده (صلى الله عليه وسلم)، أن الله تعالى قال في حديث قدسي يصف العلم الباطن: "هو سرُّ من سرى أجعله في قلب عبدي لا يقف عليه أحدُّ من خلقي ". وظاهر التخريج يقول إن هذا العلم الباطن يأخذ به الصوفيّة كما يأخذ به الشيعة، ولهذا وجب الاتفاق فيما بينهما من حيث التشابه؛ وهو عجيب!

وعلينا أن نتوقف عند النقطة الأولى: تلك المكانة التي احتلها عليّ بصفة خاصّة، لنثير مسألة "رسم الصورة" أو "التوظيف" التي ذُكرت في المقدّمة؛ للتفرقة بين التوجُّه الروحي والنظام الشيعي، فكلاهما وظف (عليّاً) أو رسم صورته من حيث المرجعيّة وفقاً لما يراه مناسباً لمعتقده، فأصبح ربَّاني الأمة عند أئمة التصوف رأس السلاسل الصوفية ورأس السند الصوفي والزهدي؛ فاتّجه إليه أصحاب الروح في الإسلام متأملين متعشقين؛ فقد كان لهذا التوجُّه العلوي أكبر الأثر في تخريج رجال ذكروا (عليَّا) لشدّة قربه من النبي، ولمكانته العظمى في الإسلام. غير أن الصوفيّة أخذوا يحمّلون صورته أحاسيسهم ومشاعرهم؛ فكان في القلب منهم، ولم يفعلوا ذلك صادرين عن "نظام شيعي"، بل عن تأمل روحي عميق في حقيقته المتصلة بالنبي واستمداده لعلمه من روح القرآن. ذلك هو "التوجُّه" الذي قصدناه، وهو يتباين عن النزعة الشيعية كل المُباينة ويفترق عنها في الخصائص والوظائف. ولم تكن الصورة المرسومة لعليّ صورة في غير قصد وفي غير اعتدال، لا إفراط فيها ولا تفريط، وإن كان الإفراط فيها بادياً فممّا أملاه الحب وفرضته لوازم الروح في توجهاتها العليا، فهو إفراط روحي يجيزه منطق الذوق ولا ينفيه، ويسيغه قانون الحب ويوجبه على ذويه.

ولم يكن الصوفية كالشيعة فرقة واحدة، ولكنهم كانوا أهل سنة في جملتهم وتفاصيلهم، وفي مجموع ما يعتقدون فيه، ولم تكن عناية الصوفية منصرفة إلى شيء سوى التأكيد التام على أنهم من أهل السنة وأن عقيدتهم هى عقيدة أهل السنة والجماعة؛ فكانوا يتبنون في مقدمات كتبهم عقائد السنة، يشرحونها ويفسرون ما أغلق منها، ولم يوالوا من أئمة الإسلام قاطبة إلا من هو حقيقٌ بالموالاة من رجال أهل السنة بما فيهم موالاة الخلفاء الأربعة (أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ) ولم يقدح في هذه العقيدة بعدُ: أن يتميز عليّ بن أبي طالب عن الآخرين بأنه المثال الأكمل للعلم الصوفي وللحياة الصوفية، ولم يقدح في هذه العقيدة أيضاً أنه كان للآخرين من الخلفاء، المشاركة في هذا العلم وفي تلك الحياة. وهكذا؛ عاشت صورة على ابن أبي طالب الزاهدة والعارفة (ربّاني الأمة) في دوائر زهاد أهل السنة والجماعة وصوفيتهم فيما بعد حيّة زاهية تتصل بالروح وتمدها بمدد القربة والموالاة.

ولم يكن وسم علي بن أبي طالب "بربَّاني هذه الأمة" صادراً إلا عن رجل من خيرة رجال أهل السنة والجماعة هو الحسن البصري بل أتهم الحسن البصري بموالاة بني مروان. وبقيت صورة عليّ بن أبي طالب الزاهدة العارفة في قلوب أهل السنة والجماعة حتى الآن حيّة زاهية بلا شك. أما لدى الشيعة؛ فقد كان الأمر على خلاف ذلك: ما أن انتهى القرن الأول، وانتهت صفحات التوابين والبكّائين من المسلمين، حتى انمحت صورة عليّ الزاهد في حياة الشيعة، وحلّ محلها صورة عليّ "الإمام"، صورة عليّ ذي الحق السياسي المقدّس عند المقتصدة من الشيعة، وصورة عليّ الغنوصيّ لدى الغلاة منهم.

كان الشيعة الغلاة يتنسّمون بالزهد، ويتمسّحون بالأسرار والطلاسم، ولكنهم فعلوا هذا عن طريق غنوصيِّ خارجي. وبينما عاش عليّ المحب الزاهد العابد في قلوب صوفية أهل السنة والجماعة، عاش على المغيظ الحاقد في قلوب غلاة الشيعة. وقد أندفع الشيعة إلى جمع المال، فأثروا أشدّ الثراء، فانعكس هذا على المشاهد الشيعية المقدسة، المزينة بالذهب والياقوت والزبرجد وشتى الجواهر، بينما شاعت في مساجد مشيخة الصوفية من أهل السنة، البساطة والخلو من السرف والتأنق (النشار: نشأة الفكر الفلسفي جـ 3؛ ص 120-121).

وقتل علي بن أبي طالب ربَّاني الأمة (عام 40 هـ) وقد أنكر على شيعته قبل وفاته إغراقهم في الترف، رآهم مراراً يأتون إليه، وليس فيهم ما أراده فيهم: حُلماء عُلماء ذبل الشفاء يعرفون بالرهبانيّة من أثر العبادة، أخياراً يفترشون الجباه، مذلين أنفسهم العاتية، يفارقون المُأثري الدنيا من الطغاة. فقال "ومالي لا أرى فيهم سيما الشيعة ... خمص البطون من الطوى، يبس الشفاة من الظما، عمش العيون من البكا".

فلئن كان قد أنكر عليهم مسلكهم غير أن هؤلاء الذين جرَّعوه الغيظ حياً، يحاولون الإغراق في التوبة والندم والبكاء، فينشأ فيهم التوابون والبكاؤون، وتسيطر الروح وسط العواصف السياسية والمنازع الدنيوية، ويشيع في العالم الإسلامي إشراقة ضمير تبقى بعد ذلك نبراساً لصوفية الإسلام حين يتكون التصوف كمذهب وكطائفة لها خصائصها التي تميزها عن غيرها من طوائف الإسلام فقهاء ومتكلمين. أما أن فلاسفة الصوفية، وبخاصة المتأخرين من الفرس، قد اعتبروا عليّاً سر الوجود، وصورة تركيب العالم، وأنه الوجود ولولاه لسرى العدم في العالم الموجود؛ فإن هؤلاء الفلاسفة من الصوفية ولا شك كانوا قد فعلوا هذا متأثرين بكل ما حولهم من غنوصيات. والتصوف الفلسفي الإسلامي غير التصوف الإسلامي السُّني. لقد كان الأول مُلفقاً منسقاً مجمعاً؛ بينما كان الثاني صادراً عن القرآن والسنة، واحتضن عليّا في نطاقيهما، وأخرج لنا علم الأخلاق الإسلامي.

تلك كانت هى الصورة المرسومة لعلي بن أبي طالب بين الشيعة والصوفية، صورة مزدوجة فارقة بالحقيقة في تصور ربَّاني الأمة وعَلَم المهتدين، وفيما علق من تلك الصورة على قلوب المؤمنين. لم تكن صورة موحَّدة خالية من التطرف لدى الشيعة الأولين وكفى، بمقدار ما كانت كذلك مُفرطة في جانب المحبّة بحكم القرابة من معدن النبوة لدي كبار الزهاد من العباد وطلاب الآخرة من ذوي الروح لدى أهل السّنة من الصوفية الأوائل، وليس في إفراطها غلو بل كان إفراط التعالي عن أوْهاق المادة والزهد في جواذب الدنيا، وظلت كذلك هى هى الصورة الباقية لعلي بن أبي طالب في ضمائر العلماء الرَّبَّانين.

وهكذا .. يكون التوظيف مخرجاً للبناء الروحي على قدر المساحة الفاعلة في التوجًّه، وهكذا يصبح عمل المقاصد هو القاعدة التأسيسية التي يقوم عليها هذا المذهب أو ذاك: وظف الشيعة صورة عليّ بن أبي طالب توظيفاً سياسياً لا فكاك منه ولا ندحة عنه بحال. ووظف الصوفية نفس الصورة توظيفاً روحياً وخلقياً يخدم مقاصدهم ويخضع لمآلاتهم الروحية والخلقية ويظل يدور في فلك التوجه بما لا ينحرف عنه إلى غاية أو مقصد غير الغاية السامقة والمقصد العلوي الشريف. وإن يكن افتراق الصورة المرسومة داعياً إلى افتراق المنازع بين المذاهب، فلا أقل من أن يكون شرط التوظيف خادماً لتلك الصورة المرسومة، يفْرقها مع افتراق المنازع بين المذاهب، ويوحد بين الصورة والوظيفة في إطار يخدم التوجهات تماماً كما يخدم المقاصد والغايات.

 هذا، بالإضافة إلى جوانب أخرى كثيرة زكتها أغراض الباحثين ومطالبهم ومقاصدهم من البحث، يتفق فيها المتصوفة؛ وبخاصّة الفلاسفة منهم، مع الشيعة، أو تتشابه فيها العقائد بين هؤلاء وأولئك؛ كمسألة العصمة للإمام والحفظ للولي، ومسألة الإيمان بالمهدي الغائب المنتظر، ومسألة قدم النور المحمدي، وأقوال الصوفية في قضاياهم الكبرى: الحلول، والاتحاد، ووحدة الوجود، والمعراج الصوفي، وتأثرهم في ذلك بغلاة الشيعة؛ وبخاصّة الإسماعيلية المتأخرين من الروافض ... إلى كثير من النظريات التي تبدو للباحثين، قديماً وحديثاً، مع مثل هذا التشابه، موضع التقاء، ولكن أهمها جميعاً "نظرية القطب" أو "الغوث" التي هى أقربُ نظريات التصوف إلى إمام الشيعة من حيث إصرار الرأي في القديم والحديث على أن هذه النظرية مأخوذة عن الإسماعيلية.

وقد بني هؤلاء الباحثون آراءهم في الغالب على فرض الاستعارة والتشابه ليس إلّا. ونحن نعني بالاستعارة: استعارة الأفكار السابقة ومقارنتها بالأفكار اللاحقة؛ على اعتبار أن الأولى أثرت بالضرورة في الثانية، وأن الأفكار اللاحقة لابد أن تكون أخذت حتماً عن الأفكار السابقة. أمّا التشابه بين الأفكار فهو ممّا يوحى للأذهان من الوهلة الأولى بانتساب هذه "الفكرة" أو تلك إلى مصدرها، ما دامت وردت مادتها في الفكر القديم شكلاً ينقصه المضمون.

هذا منهج في البحث هزيل ابتدعه المستشرقون (منهج الأشباه والنظائر) لضرب الأصالة في الفكر الإسلامي على وجه العموم؛ واعتباره عالة على الفكر اليوناني وغير اليوناني من أفكار الأمم المتقدّمة، واتبعه نفرٌ غير قليل من الباحثين المستشرقين والعرب من بعدهم، لتأكيد أن الأفكار السابقة لابد أن تكون أثرت، لمجرّد التشابه ليس إلاّ، في الأفكار اللاحقة، ومن ثمّ فالقول بمسألة التأثير والتأثر عندهم ضرورة بحثية لازمة للبحث العلمي الحديث، وإن جاءت على حساب "المضمون" الذي ينتسب إليه المفكر أو الفيلسوف أو المتصوف، ويشكل من ثمَّ عقيدته التي يدين لها بالولاء.

ولمّا بنى هؤلاء الباحثون في التقديم أو الحديث آراءَهم على فرض الاستعارة والتشابه ليس إلا، بين عقائد الشيعة والتصوف الفلسفي من حيث التقاء هذا الأخير مع غلاة التشيع، كيما تقام لديهم صلة فكرية، إنْ في العقيدة وإنْ في التسليك؛ كان الأمر عندي لا يعدو أن يكون مجرّد تشابه بين الأفكار؛ كسائر الأفكار التي تبدو متشابهة بين فكرة ونظيرتها حين تتفق البواعث، وإنْ اختلفت معها الغايات.

ولستُ بصدد مناقشة الصِلات الفكرية القائمة بين عقائد الشيعة والتصوف، ولا فيما يبدو ظاهر الاتفاق بين الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، فهناك دراسات متخصصة كُتبت في السابق، في نفس العنوان تقريباً، وأهمها كتابات الدكتور كامل الشيبي، ولكنني فقط أشير في هذه العُجالة إلى مسألة "القطب" باعتبارها لفتت النظر فيما اقتضاه عنوان المقال، لأظهر اختلافها عن إمام الشيعة؛ ففي كتاب: "نفائس العرفان"، يرسم ابن عربي صورتين بيراعه المبدع الخلاّق، فيشير إلى أهم صفات القطب في رأينا، لتجئ صفات غارقة في التخفي والاستتار، ليست ممّا يتصف به إمام الشيعة بحال.

(1) الصورة الأولى: القطب عنده هو: "المعجوزُ عنه بالإدراك البشري ... فكل من تحقق من دوائر أسماء الله الحُسنى، كان قطباً في دوائر العُلى، وما تحقق بدائرة الاسم الجامع المحيط كان هو القطب الفرد الجامع المخصوص بالميزان الإلهي والوارث المهدي، والتجلي الرحماني، والاستواء الربانيّ (نفائس العرفان: منشور مع كتاب الكُنْه فيما لابد للمريد منه؛  والكتابان لابن عربيً، طبعة مكتبة صبيح، الطبعة الأولى (سنة 1387 - 1967؛ ص32).

فهذه الصورةُ التي يرسمها ابن عربي للقطب هى نفس الصورة التي وردت في الحديث النبوي؛ كما رواه أبو نعيم الأصفهاني صاحب "الحلية"، وهو من الحفَّاظ؛ عن شخصية   "أويس القرني"؛ في حديث طويل جاء فيه: " إنّ الله، عز وجل، يجب من خلقه الأصفياء الأخفياء الأبرياء، الشُّعثة رؤوسهم، المُغبَّرة وجوههم، الخمّصة بطونهم، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإن خطبوا المنعّمات لم ينكحوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن طلعوا لم يُفْرح بطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يشهدوا ... ذلك أويس القرني " ... ولمّا سأله الصحابة: " وما أويس القرني؟". قال: " أشهل ذو صهوبة، بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة، شديد الأدمة، و ضارب بذقنه إلى صدره، رام يبصره إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله، يتلوا القرآن، يبكى على نفسه، ذو طمرين لا يؤبه له، متزر بإزار صوف ورداء صوف، مجهول في أهل الأرض، معروف في السماء؛ لو أقسم على الله لأبرّ قسمه، ألا وأن تحت منكبه الأيسر، لمعة بيضاء، ألا وإنه إذا كان يوم القيامة، قيل للعباد: أدخلوا الجنة، ويقال لأويس: قف فاشفع، فيشفعه الله عز وجل في مثل ربيعة ومضر". ثم ينادي الرسول؛ صلى الله عليه وسلم، عُمر وعلياً ويقول لهما: " يا عمر، يا علي، إذا أنتما لقيتماه، فاطلبا إليه أن يستغفر لكما، يغفر الله لكما" (حلية الأولياء جـ 2 ص 80 وما بعدها).

فلئن صحّ الحديث، على رواية صاحب الحلية، لكان لفكرة " قطب الغوث " أصلُ إسلامي؛ فتلك هى صورته التي انتشرت في أوساط الصوفية فيما بعد: الصوفي الخفيّ البرئ، الأشعث، الأغبر، (سيد عبّاد الروح)، يمشي في طَمْرَين، لو أقسم على الله لأبَّره. (النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، جـ3 ، 252، 253).

هذا؛ فضلاً عن أن هذا الحديث يجعل الإمام عليّ بن أبي طالب نفسه يأخذ عن أويس القرني، وليس العكس. لكننا مع ذلك، ونظراً لأهمية هذه الجزئية، نتابع رواية " أبي نعيم الأصفهاني " صاحب "حلية الأولياء"؛ لنقف على الدلالة الروحية لهذه الشخصية العجيبة، وهي دلالة بالقطع تثبت أمامنا وجود قطب الصوفية، وتميزه عن إمام الشيعة؛ لتجعل منه شخصية فارقة ومستقلة كل الاستقلال عن الإمام عند الشيعة، ناهيك عن أن المصادر ذكرت أن الأحاديث الصحيحة قد استفاضت عنه، فهو ليس فكرة خيالية ولا متوهمة كما يظن البعض؛ ولكن نُرجئ وجهة النظر هذه إلى ما بعد المتابعة لرواية صاحب "حلية الأولياء":

مكثا - عمر وعلي - يطلبانه عشر سنتين، عملاً بوصيته، صلى الله عليه وسلم؛ في حجيج أهل اليمن من القرنيين حتى وجداه في حجيج الكوفة: راعي إبل وأجير قوم ... ووقف أمامه الصاحبان الكبيران يرددان: نشهد أنك أويس القرني، فاستغفر لنا يغفر الله لك".

وينظر إليهما راعي الغنم في دهشة المستريب: لقد عُرف أمره وانكشفت حقيقته وبانت عند الناس أسراره؛ ثم يرد عليهما: " ما أخصُّ باستغفاري نفسي ولا أحداً من ولد آدم، ولكنه في البر والبحر، في المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات ".

عجباً! إنه ليطلق استغفاراً كونياً، يملأً الدنيا جميعاً وقد رآها قد طويت له. ثم سألهما من أنتما؟ فأجابه: عليّ بن أبي طالب، فاستوى أويس قائماً وقال: "السلام عليك يا أمير المؤمنين، وأنت يا ابن أبي طالب؛ فجزاكما الله عن هذه الأمة خيراً، ويطلب منه عمر أن يبقى مكانه حتى يأتيه بنفقته وبعض ملابس وهو يقول له:" إن هذا المكان ميعادُ بيني وبينك ". لكن " أويس " يرد عليه: " يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك".

لا أراك بعد اليوم تعرفني .. ما أصنع بالنفقة، ما أصنع بالكسوة. أما ترى عليّ إزاراً من صوف، ورواءً من صوف، متى تراني أخرقهما. أما ترى نعلىّ مخصوفتان، متى تراني أبليهما. أما تراني قد أخذت من رعايتي أربعة دراهم، متى تراني آكلها؟!

يا أمير المؤمنين: إنّ بيني وبينك عقبة كئوداً لا يجاوزها إلا ضامر مخفف مهزول، فاخف يرحمك الله ..." (حلية الأولياء: جـ 2، ص 82).

فلما سمع عمر كلامه صرخ، ونادي بأعلى صوته: " ألا ليت ابن آم عمر لم تلده، يا ليتها كانت عاقراً لم تعالج حملها، ألا من يخبرها بما فعل لولدها "، ويطلب أويس من عمر: " يا أمير المؤمنين خذ أنت هاهنا حتى أخذ أنا هاهنا "، فولي عمر وصحبه عليّ ناحية مكة، وساق أويس إبله إلى أصحابه، وسلم القوم إبلهم، ثم اختفى، مقبلاً على العبادة (النشار: نشأة الفكر الفلسفي، حـ3 ، 253، 254).

ولنا أن نلاحظ، من بعدُ، أن منهج التحقيق العلمي من شخصية "أويس القرني" يفترض إنها، مع مساقها بمثل هذه الرواية؛ شخصية أسطورية، يفعل فيها الخيال فعل الأعاجيب وتحوطها دهشة الغموض والغرابة من جميع جوانبها؛ كما يصورها الخيال الصوفي بتصوراته البعيدة عن واقع لا يُصدقه عقل. قد تبدو القصة في نظر العقل اختلاقاً يكذّبه الواقع، وتوهّماً لا يوجد إلاّ في خيال كاتبها أو راويها، ولكننا مع ذلك من جهة أخرى؛ نقف إزاءها وقفة المطمئن الواثق من الأصل الذي بُنيَت عليه، والأساس الذي اعتمدته، والدلالة الروحيّة التي تشكلت منها عناصرها ومقوماتها. فليس يكفي القول هنا بأن قصة "أويس القرني" أسطورة من أساطير المتصوفة خلقتها لديهم أنداء الخيال .. لا يكفي هذا القول ترضيه للعقل أو مسايرة لمنهج التحقيق العلمي؛ لأن هذه القصة برمتها - مع افتراض الاختلاق - صُوِّرت على مثال قصة قرآنية هى قصة الخضر مع موسى الكليم؛ فهناك النموذج، وهناك المثال، وهناك الأساس، وهناك الدلالة الروحيّة المباشرة من نصوص القرآن الكريم والتي تشكلت منها عناصرها ومقوماتها ودواعيها في منطق الذوق والتخريج.

إنّ موقف أمير المؤمنين من "راعي الغنم الأجير"، لهو موقف التلميذ من الأستاذ، لا بل هو "الموقف القرآني"، موقف موسى من الخضر، موقف العبد الذي أتاه الله العلم اللّدُنّيِّ، فهو خفيٌ مستتر غير ظاهر معروف؛ ليكون آية من آيات الله في خلقه وطريقاً آخر في معرفة الله غير ما هو معروف للحسّ ومألوف للعيان.

ثم إن هذه القصة، مع إحالتنا إيّاها إلى الأسطورة التي لا تمسّ الواقع في شيء، ومع تقرير هذا الحكم عليها بدايةً، تنفي فكرة "العبد الربّاني" التي فاضت بها الأحاديث الصحيحة، ومن الصعب نفيها أو التعالي عليها ترضية للعقل أو مسايرة لمنهج التحقيق العلمي. فلئن كانت القصة صيغت صياغة روائية يحيلها العقل إلى أسطورة ندّت عن خيال المتصوفة، فلا نعدم في الواقع وجود رجال شهد الواقع نفسه بوجودهم، كانوا عبّاداً للروح، ربّانييّن، فتحققوا بمشهدهم النوراني، ورأت عيون الناس آثارهم ومناقبهم، ولم يكونوا في طبقة "أويس" بل أقل وأدنى. ولماذا نذهب بعيداً فنحكّم الواقع، وفينا حُكم الله، يقطع بالحكم فيما ورد من وجود العبد الخاص من عبيد الاختصاص، ذلك الذي علّمه الله من لدنه علماً، الأمر الذي يجعل فكرة العبد الربّاني، أو القطب الغوث، واقعاً يؤمن به المؤمنون الغيب، ويشهده المؤمنون به شهوداً قلبيّاً لا مزيد عليه، والطعن فيه طعن في الإيمان بالأساس، وقدح في المثال وفي النموذج، بالدلالة الروحيّة على وجه الخصوص.

(2) الصورة الثانية: أمّا الصورة الأخرى التي يرسمها ابن عربي للقطب، فهى أنه - كما يقول - اسم بدل من اسم الله، فكما يكون اسم الله هو المهيمن على جميع الأسماء؛ فكذلك القطب اسم مهيمن على أسماء النزول، وكما أن لله تعالى تسعاً وتسعون اسم، كذلك القطب له تسع وتسعون اسم يحتوي على كل اسم من أسماء الله تعالى، فهو عين عينه، وظاهر باطنه، ووجه ذاته، ومجلى تجلى أسمائه وصفاته، فمن عرفه عرف حضرة الله تعالى، ومن ينكر عليه، فلا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم .. (نفائس العرفان: ص30).

فتلك صورة العبد المتحقّق بالوحدة الذاتية مع الحق، صورة الإنسان الكامل، الذي اتصلت به " كاف الكنتيّة "، كما يسميها ابن عربي في شجرة الكون عند الحديث عن (كنت له سمعاً وبصراً ومؤيداً)، وذلك حين قال: " إني نظرت إلى الكون وتكوينه، وإلى المكنون وتدوينه، فرأيت الكون كله شجرة، وأصل نورها من حبة " كُن " (شجرة الكون، طبعة مكتبة صبيح، القاهرة سنة 1386 هـ ، 1967 م ، ص 3).

ومن خلال ما تقّدم عن هاتين الصورتين المرسومتين عن القطب يمكن أن يتجمّع لدينا المعنى الذي يلخّص الفكرة عن قطب الصوفية، ويفرقها فرقاً فاصلاً عن الإمام عند الشيعة: فقطب الصوفية، وليّ، عارفُ، وليس بإمام يتلقى معارفه من طريق الوراثة من الإمام الذي سبقه كما هو الحال عند الشيعة.

الولي (= القطب) عند الصوفية، يتلقى معارفه من الله مباشرة عن طريق النفث في الرّوع، إلقاءً وانقداحاً، كما قال البسطامي:" أخذتم علمكم ميت عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت"، وليست المعرفة تصل إليه بالوصيّة من الإمام الذي سبقه.

ليس شيخ الصوفية كإمام الشيعة، وليس الدّين هنا طاعة لرجل، ولن يكون. وإنما الرجل هو المُربّي الذي يعرّفَك أن الدين طاعة لله وحده لا شريك له. الرجل هو الذي يربّيك فيرَقِّيك. الرجل هو الذي يقودك على البصيرة إلى الله تعالى حين لم تجد قيادتك أدنى إليك من نفسك. كثيرون هم الذين وصلوا إلى الله بغير شيوخ ترعاهم وترقيهم. ومنهم من قرّر أن الحاجة إلى الشيخ إنما هى للإجلاف الأغبياء. أمّا الأذكياء المرهفون المتصلون بالنور فلا حاجة بهم في طريق الله إلى رجال، وبمواهب الوصول إلى أشياخ !

وإذا كانت المعرفة في كل من المذهبين تنسب الشيخ والإمام إلى العلم اللّدُنىِّ، ففي معرفة الشيخ لهذا العلم يظل الاجتهاد والاحتمال وبذل الطاقة كلها أمور جميعها بمثابة الفصيل الحاكم والعلامة الفارقة. بينما العصمة عند الشيعة هى الأساس لتحصيل الإمام لهذا العلم؛ ولا عصمة مطلقاً لشيوخ التصوف بل حفظ.

على أن الباحثين الذين فرضوا الفروض وطرحوا الأسئلة لالتماس الصلات القريبة بين مشاهد الصوفية وعقائد الشيعة، كالفروض التي صيغت بها فكرة الغوث بما لديه من قوة على التخفي والانتقال على صورة المهدي المختفي الذي يظهر لكل البشر من أتباعه بين الحين والحين؛ وكما الأسئلة التي من جملتها: هل أخذت فكرة المهدي من قصة الخضر القرآني، وصيغت على مثاله، وأخذت الصوفية فكرة الغوث من المصدرين: المصدر القرآني الأصيل في قصة الخضر، والمصدر الشيعي التابع للمصدر القرآني في فكرة المهدي؟!

أقول؛ إن هؤلاء الباحثين لم يحسموا الأمر وأخذوا على أنفسهم يقترحون الاقتراحات التي تتلّون بها آراؤهم، لتكون بين بين، لا هى هذه ولا هى تلك. إن ترك الباب مفتوح بهذه الجهة لا يحل ولا يربط، ولا يقطع في المسألة برأي حاسم، ولا التفات عندنا - ولو فيما نراه نحن - إلى المصدر الثاني إذا عمقنا النظر إلى المصدر الأول، أعني المصدر القرآني الأصيل، ومضينا معه إلى غاية ما يعطيه من أثر ذوقيّ ويحدثه من توجّه روحي، تكفي مساقات هذا المصدر بإطلاق؛ ليكون هو المصدر الأوحد لفكرة القطب الغوث عند الصوفية، وليس هو بالقليل ولا بالهين، ولا بالذي يهمل ليجئ ها هنا مصدر آخر سواه.

على أن هناك فرقاَ جوهريّاً في بنية اللغة نفسها (عبارة - وإشارة) بين الصوفية والشيعة الباطنية، يثبته الشيخ "زرّوق"، بعد أن يذكر أن للناس في أخذ العلم من الكتاب والسنة عدّة مسالك منها: قوم اثبتوا المعاني وحققوا المباني، وأخذوا الإشارة من ظاهر اللفظ وباطن المعنى، وهؤلاء هم الصوفية المحققون والأئمة المدققون. أمّا الباطنية الذين حملوا الكلّ على الإشارة، فهم لم يثبتوا المعنى ولا العبارة " (قواعد التصوف، ص 47، وله أيضاَ: عدّة المريد الصادق، ص118- 119).

ولئن شئنا الدّقة في مسائل اللغة أكثر من هذا، ومنها الرمز بطبيعة الحال؛ فإننا نلاحظ ما كنا لاحظناه فيما سبق من تحقيقنا لكتاب "السر في أنفاس الصوفية " للإمام أبي القاسم الجنيد؛ في المسألة الخاصّة بعلم الإشارة الصوفية فكان مما لاحظناه هنا أن: الرمز في التصوف غير الرمز في التشيع، تماماً كما أن السِّر في التشيع غير السِّر في التصوف؛ وإنْ ظهرت بوادي مشتركة ظاهرة فيما بينهما.

ربما كان أصل الرمز (حسب تعريف إسحاق بن سليمان بن وهب (ت272هـ) صاحب كتاب "البرهان في وجوه القرآن"، وهو كاتب شيعي، ظاهر التشيع، صنف كتباً عدّة في الفقه وعلوم الدين): الصوت الخَفيُّ الذي لا يكاد يفهم، وإنما يُستعمل المتكلم الرمز في كلامه فيما يريد طَيِّه عن كافة الناس. وقد نشأ مذهب الظاهرية في المشرق ليقاوم هذه الدعوة الباطنية، وينكر الحاجة إلى إمام مستتر "يختصه الله بأمانة الإلهام"، يعلم الناس ما ليس في وسعهم أن يتعلموه من ظاهر الآيات القرآنية، فكان داوود بن سليمان الظاهري (201 - 270هـ) هو أول من قام به في المشرق لكنه لم يبلغ من القوة والشيوع مبلغه في المغرب على يد الإمام على ابن أحمد بن سعيد المشهور بابن حزم الظاهري (384-456هـ) وكان ابن حزم أمويّاً شديد التعصب للدولة الأموية. وما كانت علوم الصوفية ولن تكون أبداً مستقاة من إمام معصوم يتلقى من علم الغيب أسراره ومعارفه؛ لأن علومهم، كما قلنا غير مرة، نفثٌ في الرَّوْع يصدرها الحال في لحظة تجرد خالصة، وليست هى بالصادرة عن إمام معصوم.

وهذا هو الفرق الفارق عندي بين باطنية الشيعة من جهة، والحياة الباطنة عند الصوفية من جهة أخرى. قال الغزالي:" لمّا سئل بعض العلماء عن العلم الباطن ما هو؟ أجاب:"هو سرٌ من أسرار الله تعالى يقذفه الله تعالى في قلوب أحبابه لم يطْلع عليه بشراً ولا ملكاً" (الإحياء: جـ 3 ص 24). وحديث الغزالي هنا عن "العلم اللَّدُنِّيّ" أو "العلم الباطن" الذي يقصده الصوفية (= الأخذ عن الله بالمباشرة) يجيء بعد صفاء القلب وطهارة النفس وتزكية الباطن وخلوص السريرة لله، وإليه إشارة الجنيد (297هـ):"لو أن العلمَ الذي أتكلم به من عندي لفنىَ، ولكنه من حق بدا وإلى الحق يعود " (حلية الأولياء: جـ 10 ص 263).

فكل ما يأتيه الصوفي الحق من علوم ومعارف وأسرار يطويها تحت غشاوة الرمز ولُمح الإشارة؛ إنما يأتيه من هذا "الحق" وحده، يبديها لقلبه بعد تزكيته من العلائق وتطهيره من الأوْشاب؛ فهى من أجل هذا: علوم ألهام ونفث في الرَّوع، من الحق بدت وإليه تعود. ليست تتلقى أولاً عن إمام معصوم كما هو الحال في التشيع، وليست تتأتى ثانياً بحيل العقل ولا كد الذهن ولا عنت التحصيل في المقروء والمكتوب: علوم إلهام لا علوم أقوال.

إنما الرمز في التصوف يستند على إشارة روحيّة تحمل سراً يدل على حال الصوفي ولا يزيد: حاله مع الله؛ فأقوالهم وإشاراتهم ما هى إلا أسرى أحوالهم وكفى (راجع: دراستنا وتحقيقنا لكتاب السّر في أنفاس الصوفية للجنيد: علم الإشارة الصوفية؛ دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1436هـ - 2015م؛ ص 106- 107).        

وإذا كانت إشارة الشيخ "زرّوق" تنصرف إلى الفارق اللغوي بداهة، وكانت إشارتنا تنصرف إلى دلالة الرمز في التصوف من حيث كونه علماً للإشارة الصوفية؛ فإن الأستاذ "ماسينيون"، يحقق فرقاً آخر مهمّاً متصلاً بالعقائد هو: قلة قبول الشيعة الإمامية للتصوف ورفضه لشيوخه مع إشعارهم غلبة نزعته الروحية واستقلاله الذاتي بعيداً عن التوسّل بالأئمة. ونص "ماسينيون" هو " ... جاءت الشيعة الإمامية الزيديّة والإثناء عشرية والغلاة في القرن الثالث الهجري؛ فأنكروا كل نزوع إلى التصوف؛ لأنه سيحدث بين المؤمنين ضرباً من الحياة الشاذة (صوف - خانقاه) تتمثل في طلب الرضا من غير توسل بالأئمة الإثنى عشر، وطلب إمامة تناقض ما جروا عليه من تقيّة (مادة تصوف؛ دائرة المعارف الإسلامية، ص 19).

وبعد؛ فإنِّ الذين يلتمسون الشواهد من هنا وهناك؛ لاقتراب التصوف من التشيع من جهة، ولإظهار "الاتصال الفكري" في كثير من جوانب المذهبين من جهة أخرى؛ أغراهم التشابه بين الأفكار ففارقوا التمييز ! تخونهم في الغالب قدرتهم الروحية، ولا أقول العلمية؛ على تحديد الفواصل الدقيقة الفارقة بين المعاني المتداخلة أو المتشابهة، ويعوزهم - من ثمَّ - في الواقع مفتاح المعايشة في باطن تلك الحياة الروحيّة. وإنهم ليحكمون عليها من خارجها، ويرضيهم ذلك، وعدتهم وعتادهم هو ما يقرأونه وما يسمعونه على التقليد، لا ما يشهدونه من جهة الحال ويتذوقونه من جهة المنهج. والأمر جدُّ بعيدٌ بين من رأى وبين من قرأ أو سمع: شتان بين الشهود العيني لمرأى القلوب، وبين السماع القولي والقراءة في كتاب.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم 

 

 

مقدمة: نقول: لقد أخطأ العلامه الحلي في وصفه للإمامة بأنها: - [رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي] - الباب الحادي عشر للحلي، والخطأ نقرئه في أصل التوصيف لأنه أعتمد على كلمات عامة، ولا ربط لها بمفهوم الإمامة ودلالتها، فقوله: إنها رياسة عامة !!، في أمور الدين والدنيا !!، نيابة عن النبي !!، قول غير مفهوم في المُراد من عموم معنى الرئاسة، كذلك الربط بينها وبين النبوة مجازفة غير دقيقة، بل إخلال في موضوعة الإمامة بإعتبارها قضية إجتماعية وحاجة في موضوعها وفي محمولها، فالرئيس لا يكون رئيساً إلاَّ بالإنتخاب أو الإختيار، وهذا يعني نفي كونها نيابة أو أنها هبة أو وصية أو تنصيباً، فكل هذه الأوصاف لا تنسجم وطبيعة الفاعل فيها والذين هم الناس لا غير، فهم أصحاب الشأن في إختيار من يكون رئيسا عليهم فينصبوه .

 ونقول: لا يكون الإمام نائباً عن النبي بأي نحو، ذلك أن موضوعة النبوة قضية إلهية محضة تكون بالإصطفاء من قبل الله، والنبي لا يكون منصوباً أو مختاراً من قبل الناس، فيصح معه ان يكون منصبه قابلا للنيابة، وفي ذلك المعنى تحديداً لا تصح النيابة ولا تصح الوصية ولا يصح التنصيب .

 أذن فحينما نقول: إن الحلي قد أخطأ في التوصيف فنحن نعني ما نقول، وذلك لأن الكلام في شأن الإمامة وطبيعتها مرتبطة بالناس وبشؤوناتهم، هي إذن: (عبارة عن حكومة تنفيذية ترتبط في مهامها بالرسالة)، وفي هذا نكون قد أخرجنا الإمامة من النبوة وطبيعتها وما يتعلق بها، وبهذا يمكننا القول: (هي نيابة عن الرسول في أمور الدين والدنيا) وهذا القول على نحو الإعتبار لا الحقيقة، بإعتبار كونه حاكماً ورئيساً، فالأمر والنهي والقضاء وجميع شؤونات السلطة والحاكمية هي من مهام الرسول، وكذا يكون بالتبعية من مهام الإمام أي (الحاكم أو الرئيس)، فمهام الإمام من مهام الرسول ومهام الإمامة من مهام الرسالة لا النبوة، وهذا الكلام من جهة الوصف وتعيين المصداق، ولكي يكون الوصف صحيحاً يجب ان يكون منسجماً مع معنى الموصوف .

 ولزيادة في الإيضاح نقول: [الإمامة هي سلطة زمنية تستقي فعلها وعناصر قوتها من الرسالة، بلحاظ كونها مؤوسسة من أجل تنفيذ القوانين والتشريعات وإجرائها]، والإمام يكون رسولاً من هذه الحيثية وليس من جهة الشخصية، فالرسول أو الإمام هو عنصر بشري يجري عليه ما يجري على عامة الناس، من جهة تطبيق القانون وإجرائه، ولا يتعلق الأمر بشخص الرسول من حيث هو، لذلك قال: (أفإن مات أو قتل أنقلبتم على أعقابكم) - آل عمران 144، وحتى حينما يقول النص: - [وما آتاكم الرسول فخذوه] - الحشر 7، إنما يعني إن ما جاء للرسول من تعليمات فعليكم بالأخذ بها وتنفيذها، وشرط التنفيذ متعلق بما يحكم به الزمان والمكان من حيث الطبيعة والإنسجام والموافقة، ونفس الشيء يُقال في معنى قوله تعالى: - [أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ..] - النساء 59، ومفهوم الطاعة هنا هو إطاعة ما جاء به الرسول من تعليمات ومن أوامر ونواهي، وليس إطاعة الرسول من حيث هو هو، فهذا شيء أخر إنما المتعلق في الطاعة هو طاعة الرسالة وما فيها، من قوانين وتشريعات، هذا هو الظاهر وفي المقام الأول، وبما إن الرسول هو المنفذ والمجري لهذا القانون في زمانه فتلزم طاعته من هذا الباب، ويعني هذا إن الأمر بالطاعة متعلقق بالرسالة أي طاعة الرسالة ومن ينفذها في كل زمان وفي كل مكان، والمعيار في ذلك هو المفهوم وليس المصداق لأن المصداق متغير بحسب الزمان والمكان .

 والفصل الذي نقصده بين الرسول والرسالة فصلاً إعتبارياً لا فصلاً حقيقياً، أعني هو فصل في الجانب الإجرائي وما يتعلق بفهم النصوص وشرحها والإجتهاد فيها، وفي مسألة الإمامة كذلك فنحن نشير إلى الإمام لا بصفته الشخصية بل بصفته الإعتبارية الدائمة والمتغيرة بحسب الزمان والمكان، بمعنى إن الشخصية مفهوما زمنيا إعتباريا لا يجوز فيه التعلق بها أو تسوية الأمور حسب مواصفاتها الشخصيه لأن ذلك غير ممكن .

 ومع التطور الإجتماعي والإقتصادي وتنامي دور المعلومات وسيادة النزعة الوطنية تقلص دور الإمام بالمعنى التاريخي، ولم يعد مفهوم الخليفة الإمام أوالسلطان مقبولاً في ظل التطور العلمي لمفهوم الحكم، ومن هنا تجذر المفهوم الجغرافي للوطن الذي لم يعد يتسع لمساحات واسعة، فأصبح لكل وطن وقوم أماماً خاصاً لهم ينتخبونه من بينهم ضمن مواصفات إجتماعية وسياسية معينة ...

نعم إن هناك خللاً مفاهيمياً في الفكر الإسلامي، يلف فكرة الإمامة ككل، ويبدأ من خلال الإعتماد المغلوط على أخبار وروايات غير صحيحة في تأسيس الإمامة والبناء عليها، ومن بين تلك الأخبار قولهم ا: - (الائمة أثنى عشر وكلهم من قريش) -، فالتأسيس لمفهوم الإمامة إسلامياً أنطلق من هذا الوضع، ومنه أبتدأت المغالطة والخرافة ونمت وترعرعت وكبر عودها، وصيغ حولها القصص والحكايا، والتي أنتهت بسيادة الغلو والتطرف وكثرة الأخبار التي روجت لذلك، وهذا ما نجده واضحاً في كتب الروايات والأخبار الإسلامية .

والبحث في سند الخبر أرشدنا إلى جميع رواته من الكذابين الوضاعين الذين لا يعتد بهم، ومع إن البحث في الخبر وسنده لا يعنينا لكن ومن باب الإشارة والتذكير جئنا به، وأما المعمول عندنا فهو كتاب الله المجيد وما يقول به العقل في هذا الشأن، فالخبر حسب قواعد الكتاب ونصوصه (خبر متهافت) ولا يصلح في التأسيس والبناء عليه، كما إنه لا يصح نسبة التهافت لرسول الله أو إنه عليه السلام يتبنى هذه الفكرة وبأن يكون الخلفاء من بعده أثنى عشر وكلهم من قريش .

 فالخلافة بمفهومها العام هي سلطة زمنية وليست وهبية ولا كسبية ولا نصيه، إنما هي سلطة إجتماعية في التأسيس والبناء، كما لا يصح الإعتماد على هذا الخبر، لأنه يجعل من الرسول هو المؤوسس لفكرة القومية والتعصب العنصري، وهذا يناقض ما جاء في وصف وما نفهمه من قوله تعالى: - (وما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالمين) - الأنبياء

107، وماورد في المأثور عنه عليه السلام: - (لا فضل لعربي على أعجمي إلاَّ بالتقوى) -، وهذا الكلام يتجاوز البعد الضيق للإنتماء القومي أو القبلي أو المناطقي، والمعيار عنده هو في العمل الصالح .

نعم شكل هذا الخبر دافعاً للبعض للقيام بتمرد مشروع على فكرة الإحتواء القهري الذي يمارس من قبل قوى السلطة، إذ ذاك يعني حذف متعمد لمفهوم السلطة كمؤوسسة إجتماعية تكون وتكبر وتنمو بالإنتخاب (الشورى والديمقراطية)، ناهيك من كون هذا الخبر المسخ يعارض بوضوح نصوص الكتاب المجيد، الداعية إلى التساوي في الحقوق وفي الواجبات من غير تمييز أو تفاوت طبقي أو أثني، كما إن من المفيد الإشارة إلى أخبار تعارض ذلك وتعلن بصراحة رفض فكرة التفاضل حسب النسب والعشيرة، وجعلت من التفاضل المحمود بالعلم والعمل والتقوى وهي مفاهيم مجردة مطروحة للعموم، وليست هي من خواص أو من ممتلكات قريش أو أنصار قريش، ففي المأثور قوله عليه السلام: (والله لعبد حبشي يطيع الله خير من سيد قرشي يعصي الله) .

 ولا يجوز حصر الأفضلية في الطقوس والممارسات والشعائر، بل تكون بالعمل الصالح وبالتقوى وإن كانت الثانية شأن خاص لا يدخل في مجال التنافس والتفاضل بل يجده العبد عند الله، والذي عليه المعول:

 - إن هذا القول عام مطلق ويتناول حركة الإنسان في مطلق الزمان والمكان -، ومن غير تصنيف أو علامات فارقة أفترضتها الذهنية المتخلفة، والكتاب المجيد كذلك يصدح بمقولته الشهيرة: - [إن أكرمكم عند الله أتقآكم] - الحجرات 13، وصفة التفضيل عند الله كذلك هي بالعمل الذي يقي الناس من العنف والشر والجريمة، وفي ذلك لا يكون هناك متسعاً من القول لكي نقول: - إن لقريش فضل على عامة الناس وفي قيادتهم -، وكذا لا يصح كذلك حصر الإمامة بعدد محدد من الخلفاء، طالما إن الأمر يرتبط بالحياة وبالوظائف اليومية للناس وبالزمن الإفتراضي لكل خليفة .

الرسول أو الإمام:

 موضوعة (الرسول أو الإمام) ليست موضوعة ثنائية التشكل والمعنى بل هي أحادية الصفة والمضمون، فالإمام في الكتاب المجيد هو رسول والعكس صحيح (وفي هذا الشأن يجب التركيز على مقولات الكتاب المجيد، وليس على ما تقوله الأخبار والروايات الموضوعة)، وهذا يعني إن للإمام من المهام والواجبات ما للرسول، وله نفس االسلطة والقابلية في إجراء القوانين وتنفيذها والحكم والقضاء بين الناس، إنهما إذن يعبران عن وحدة حال، وإلى هذا أشار النص التالي في قوله تعالى: - [.... إني جاعلك للناس إماماً، قال: ومن ذريتي ؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين] - البقرة 124، وفي بيان معنى هذا النص، نقول: إن مفهوم جعل أي صار في لغة العرب وهو من الصيرورة، أي الإنتقال من حال إلى حال أخرى، ونفس المعنى نجده في الكلامي وفي الفلسفة أيضاً، هو تطور ذاتي وموضوعي يطرأ على الشيء لغاية ما .

 والفعل ورد هنا في صيغة ما يحدث لا حقاً، كالذي حصل لإبراهيم من تطور (صيرورة) فبعد أن كان نبياً صار إماماً، هو إذن تطور في المهام وليس في المقام، وقد عبر الملا صدرا عن ذلك بحركة النقلة، وهذا ما عناه النص أيضاً في قضية الواجبات والمهام التي سيضطلع بها إبراهيم الإمام (الرسول) وليس إبراهيم النبي .

 وكما قلنا غير مرة (إن الإمامة هي ليست النبوة) تختلف عنها من وجه ولا تفترق عنها من وجه أخر، ففي:

الأول قال: إني - جاعلك .. إماماً - بصيغة المفعول الثاني،

 ولفظ - جاعلك - يقوم بمقام الفعل في نصب المفعول، ولا تصح إليه الإضافة، هذا إذا كان بمعنى الحاضر أو المستقبل، وأما إذا كان بمعنى الماضي فلا يقوم بمقام الفعل .

والثاني قولهم: أن أسم الفاعل حين يكون مضافا يكون ماضياً كدليل على الإقرار، وهذا لا يكون عند الكسائي، فهو إن كان مضافاً يحتمل الحال والإستقبال، وعليه يكون معنى النص: (إن الله قد جعل إبراهيم إماماً أما في الحاضر أو في المستقبل) .

 وكا قلنا إن: - (الإمامة شيء والنبوة شيء أخر) -، وإلى هذا ذهب صاحب الميزان حيث قال: - إن إمامة إبراهيم غير نبوته - الميزان ج1 ص 271، والإمام هو ما يُقتدى به ويُتبع في أفعاله وأقواله، كتدبير أمور الناس وإجراء سياساتهم وتطبيق القوانين والأحكام بينهم، ولا تدل عبارة - إني جاعلك - على معنى (إن يكون الإمام منصوباً من قبل الله)، ولكنها تشير فقط إلى تطور وإنتقال في حياة إبراهيم من كونه نبياً يوحى إليه إلى كونه رسولاً يقود الناس ويطبق القانون، إذن هي ترتبط بقضية الفعل والمهام التي سيقوم بها إبراهيم بإعتباره إماماً .

 وأما التوكيد في القول إنه: - (لا ينال عهدي الظالمين) -،

 أي عهد الإمامة لا يناله الظالمين، ولفظ - الظالمين - بصيغة الجمع مع ال التعريف مشعرة بالتخصيص، والمُراد منها (جماعة خاصة بعينها) من ذرية إبراهيم، ولا يصدق معناها على كل من صدر منه أو عنه ظلم أو شرك أو معصية في حياته، ولو كان في برهة من عمره ثم تاب وأصلح !!، ذلك إن الظلم ليست من الصفات الثابتة التي لا تزول بزوال السبب، ثم إن ترتيب الظلم والحكم عليه بأثر رجعي ممنوع عند الله إذ (لا تزروا وازرة وزر أخرى)، هذا من جهة الطبيعة وما يكون عليه الإنسان بالفعل، وقد ورد في الأثر التأكيد على: - إن الإسلام يجُب ما قبله - أي يمحو ما قبله، وبهذه الحيثية دخل الناس في الإسلام وقُبل منهم .

 أما لماذا لا ينال عهد الإمامة من ذرية إبراهيم ؟، فالقيد كما قلنا يشير إلى البعض منهم، والمتعلق في المنع هو الظلم، الصفة والفاعل إذ لا يستقيم أمره ومهام الإمامة، التي يتطلب فيها العدل كونها أمر ونهي وتنفيذ دقيق للأحكام، والشرط الموضوعي المقترح هذا يُلزم من يتصدى من ذرية إبراهيم لهذا العهد، وبأن لا يكون ظالماً أو من الظالمين في الحال وليس في الماضي .

 والظلم صفة نفسية نسبية تكون ضد العدل في مطلق الزمان والمكان، وفي الكتاب المجيد نرى التقابل بين الظلم والإحسان كما في قوله تعالى: - [.. ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين] - الصافات 113، والإحسان كما الظلم من الصفات النسبية المتغيرة، والمعيار في التعريف بالظلم أو الإحسان هو في الطبيعة والكيفية التي يتم الإعتماد عليها فيما ينفع الناس ويحقق مصالحهم .

والظلم والإحسان والعدل وغيرهما هي من الصفات الغير تخيُليه، ولا يصح التوصيف بها أو الكلام عنها على نحو مطلق من غير دليل، وكذا لا يجوز إعتبار لفظ - عهدي - منه تعالى ذو دلالة مطلقة بحيث يشمل كل عهد، حتى في قوله هذا: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ..) - طه 115، فالعهد ليس مطلقاً ومعناه هنا لا يشمل كل عهد، وهكذا قال في قصة يونس: - [سبحانك إني كنت من الظالمين] - الأنبياء 87، ولا يُقال عن الظلم هنا إنه محمول على ترك الأولى، بل يُقال عنه إنه متعلق بما يقوم به الإنسان تجاه نفسه (ظلم النفس)، كما جاء في قول آدم: - [ربنا ظلمنا أنفسنا] - الأعراف 23، وفعل آدم ويونس في الحقيقة لا يدخل في باب العهد الذي نحن بصدده، ولهذا لا يستوجب المخالفة والعصيان، وإنما جاء التوصيف من باب العتب أو لنقل من باب تعظيم الشأن .

 ....

ولكن هل العصمة واجبة للإمام أم العدالة ؟ وقبل بيان مفهوم العصمة، نقول: إن الله أستعرض في الكتاب المجيد الشروط الموضوعية الواجب تحققها في الإمام أو الحاكم، ولم  يذكر العصمة ولم يركز عليها بقدر تركيزه على المفاهيم الإعتبارية الأخرى من العلم والقوة والكفاءة، كما في قصة الملك طالوت والنبي داوود، فهو حين جعل طالوت ملكاً على داوود لم يقل إنه أو لأنه معصوماً، بل شدد على مقومات القيادة مع الحفاظ على النسبية في الأشياء التي تؤهل الفرد ليكون قائداً، مع العلم إن الله قد جعل طالوت ملكاً وجعل داوود جندياً في جيشه، قال تعالى: - [.... إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ..] - البقرة 247، يعني جعله حاكماً عليهم بوجود النبي داوود، وهذه تحتاج إلى تأمل، لأن الله لا يركز في القائد إلاَّ على الصفات التي تحقق للناس العدالة والتساوي وتطبيق القانون، فالحاكم المطلوب من قبل الله هو الحاكم العادل الذي يلزمه علم وقوة ولا تلزمه العصمة، أي إن اللازم توفره في الحاكم هو القدرة على تنفيذ القانون وإجرائه بشكل عادل، وتوفير الأمن والإستقرار للمجتمع وحمايته من التعديات الخارجية .

وحين نقول هذا فإنما نعني الجانب القيمي وفيما يحقق السعادة للمجتمع، وكذلك نقول: - ولا يشترط في الإمام أن يكون معصوماً -، ولكن ماهي العصمة ؟:

- عُرفت العصمة بأنها الحماية أو الوقاية، وأصلها من الفعل الثلاثي عصم، وبقولنا حماية فهذا يعني بان الفعل ذاتي، وقد تقع أثاره في الخارج، فهي حماية ذاتية تمنع صاحبها من الوقوع في الخطأ، وهذه الفكرة تنقسم بحسب موضوعها إلى نوعين:

1 - عصمة تكوينية: ومعناها إن يكون الفرد معصوماً في النشأة والتكوين، أي إنه لا يرتكب الخطأ ولا يفعله تكويناً، وهذا المعنى يجعل من المعصوم غير مكلفاً وهو أقرب إلى النبات والجماد منه إلى الإنسان .

2 - عصمة تشريعية: ومعناها إن يكون الفرد قد راقب نفسه ومنعها من الوقوع في الخطأ أو إرتكاب الخطأ، وهذه المراقبة هي فعل أو قدرة على المقاومة يكون الإنسان فيها مكلفاً ومختاراً، أي إنه من ينتخب ماهو صالح وصحيح له، ويتجنب كل ماهو ضار وقبيح، وهذا الفعل ينطلق من الفرد قبل التشريع، ويأتي التشريع كتعزيز وتثبيت لذلك عبر الأوامر والنواهي، وإلى ذلك أشار النص بقوله: - (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) - العنكبوت 69، ويُفهم من هذا إن التشريع يُثبت ويعزز ويدفع بهذا التوجه، لدى من يجد في نفسه العزيمة والإصرار والرغبة، وهذه الحالة تكون سابقة للنبوة ومنها وعليها يتم الإصطفاء .

وهذا المعنى مطلوب على نحو الإستحباب في الإمام أو الحاكم، لأن من يكون كذلك تكون العدالة لديه تحصيل حاصل، ولكن هذا الشرط ليس لازماً إنما هو شرط إقتضاء، ففيه تتحقق المصلحة والغاية من الحكم العادل والحكومة العادلة، ولذلك تكون العدالة هي الشرط الموضوعي الأكثر إنسجاماً مع الطبيعة البشرية في الحكم .

و أما القول: بأن العصمة هي ملكة نورية قدسية، كما يذهب إلى ذلك مُدعي العرفان والتصوف، فهو قول مجرد بل محض خيال ووهم، لأن العصمة في هذا المعنى تجرد الشخص المعصوم من إنسانيته وتذهب به إلى جهة الملائكة، وهذا ما لا يقره الحق ولا يسمح به، فالذين: - [..لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ..] - التحريم 6، هذا الوصف لا ينسجم ولا ينطبق على الإنسان وماهيته وجوهره، الذي يتميز به من عقل وقوة إدراك وتخيل وإختيار وإنتخاب للفعل والقرار .

ونعول للقول: - إن الإمامة ليست رئاسة عامة -، بمعنى إنها ليست تفويضاً من قبل الله، بل هي تفويضا من الشعب لمن يرتضونه إماماً عليهم، وليست التقوى شرطاً في صحة الإمامة، ذلك لأن التقوى في الغالب شيء أو ملكة ذاتية أو نفسانية يحصل عليها المرء من كثرة العمل بالواجبات والإحتياط عن كل الشبهات، وهي شرط مفاضلة عند الله لا يعلمها إلاَّ هو، ولايصح الوصف بها على نحو موضوعي خارجي، والدخول في جدلية التقوى لا يقودنا إلاَّ إلى الدور الباطل بين التقي والأتقى، كما هو الحال بين المفضول والأفضل، وكلها صفات لا يمكن التحقق منها على وجه الدقة في الخارج .

نعم في الإمامة يجب التركيز على إنسانية الإمام، وما يحقق لنا شرط محاسبته إن أخطأ والنظر والتدقيق فيما يقوم به ويحكم، هذا بلحاظ كون فعل الإمام مرتبطاً بحياة الناس وحاجاتهم، ولا يصح الحكم عليهم من غير تشاور معهم، فالشورى شرط لازم في صحة الإمامة، والشورى: - هي إستنطاق عقول الأخرين فيما ينفعهم وفيما يضرهم -، قال تعالى: - [وشاورهم في الأمر] – آل عمران 159، وقال تعالى:

- [...وأمرهم شورى بينهم] - الشورى 38 ..

وللحديث بقية

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

7 جمادي الثاني 1440

 

 

ميثم الجنابيلقد كفّ التصوف عن أن يكون مجموعة عناصر متناثرة في منظومة الغزالي الفكرية. لقد اندمج اندماجا عضويا في الكلّ الفكري الجديد. وليس الانفصال المّوحد في مفهوم تناغم أو وحدة التصوف والسنّة، سوى الاستمرار الجديد للاهوت الغزالي السالف، أو النفي الصوفي لهذا الاستمرار. فالغزالي يسير بنفس تقاليد المتصوفة في آرائها حول وحدة الحقيقة والشريعة، أي من خلال نفي صيغتها التقليدية على اساس الوعي والممارسة الصوفية. فعندما يناقش على سبيل المثال مفهوم التوكل، فانه يحاول أن يربط في كلّ واحد صياغته الدينية العادية فيما يسمى بضرورة الاعتماد على الله وبين مضمونه الروحي الفكري (الصوفي الفلسفي) في رؤية العلاقات السببية المنفية في إدراك قدرة الله الشاملة والمتجسدة في شروط الوجود نفسها، التي بوجد فيها الإنسان ويفعل. فمن جهة يعتبر ملاحظة الأسباب والاعتماد عليها شرك في التوحيد،غير أن نفي هذه الأسباب كلياِ هو طعن في الشرع، بينما الاعتماد على الأسباب من دون رؤية الأسباب تغيير في العقل وانغماس في غمرة الجهل[1]. من هنا المهمة المعقدة، التي حاول حلها في ربط ما دعاه "بمقتضى التوحيد"، أي الفكرة الصوفية الفلسفية المجردة للتوحيد و"مقتضى النقل والعقل"[2]. وقد استمر الغزالي في محاولته حل نفس معضلات الفكر الإسلامي بمختلف اتجاهاته التي واجهها في مرحلة ما قبل التصوف. ولم يجد حلولها النهائية (الحقيقية) إلا فيما سيدعوه بوحدة العلم والعمل الجديدة (الصوفية) أو  وحدة علم المعاملة والمكاشفة.

فحالما يتكلم عن تصنيفه الجديد (إحياء علوم الدين)، فإنه يشير إلى أن ما يصوغه في هذا التصنيف يبرز كالضرورة[3]. وليست هذه الضرورة في الواقع سوى نتاج الهيكلية الذهنية الجديدة في تناول القضايا من حيث مادتها التاريخية وتطور الافكار ومن حيث غايتها الاخلاقية. وقد دعا كل هذه الأشياء بوحدة علم المعاملة والمكاشفة. وبما ان علم المكاشفة مما لا يجوز الافصاح عنه، فان وسيلة بلوغ حقائقه ينبغي ان يقدمها علم المعاملة. وبهذا المعنى ضمّن الغزالي تقليدية المفاهيم والتصورات مضموناً جديداً. كما اعطى هذا بدوره لربط الشريعة بالحقيقة مضموناً جديداً. لقد اعاقه ذلك جزئياً دون ان يعيق الإبداع الدائم للكلمة الحرة. فالصياغة التقليدية وسيوف الهلع اللاهوتي، كان لابد وان يعترضا ابداع و"تهور" الكلمة الحرة. إلا أن مضمون هذه الكلمة شق لنفسه الطريق دوماً بغض النظر عن الكدمات والعوائق المتعمدة التي رى وضعها أمامه. وقد كانت هذه بدورها جزء من واقعية التاريخ وحقيقة التطور. إذ ليس هناك من مرحلة تاريخية لم تبدع قيودها الخاصة التي بدونها تصبح حركة التطور وصراعها أمرا مستحيل الوجود. آنذاك سيكون من الممكن اعادة النظر في مفهوم وحدة السنّة والتصوف في آراء الغزالي من وجهة النظر هذه ايضاً. والغزالي نفسه يشير إلى ذلك بصورة غير مباشرة، مما يجعل من الضروري الحذر في التعامل مع مفرداته اللغوية وعباراته عندما اكد على أن الباعث الثاني لكتابة مؤلفه (إحياء علوم الدين) بالصيغة التي هو عليها، مستند الى مبدأ "المتزيّ بزيّ كمحبوب محبوبي". لهذا لم "يبعد ان يكون تصوير الكتاب بصورة الفقه تلطفاً في استدراج القلوب"[4]، أي انه تتبع نفس اسلوب ما اسماه بتطلف من رام استمالة قلوب الرؤساء إلى الطب فوصفه على هيئة تقويم النجوم موضوعاً في  الجداول والرقوم، ولا ينبغي فهم صياغته اللغوية كصياغة شكلية خالصة. ففي التصوير الغزالي وحدة  شكلية ضرورية تستمد مقوماتها من تقاليد الشريعة والحقيقة الصوفية، من وحدة المعاملة والمكاشفة بوصفهما درجات في الفكر والممارسة، وباعتبارهما اوجهاً لحقيقة واحدة. إلا أن ما يهمنا الآن هو الاشارة  إلى كونها تبرز كأسلوب الاقناع التاريخي. وبهذا المعنى، فهو يشكل قناعة نسبية ضرورية في وعيه نفسه، أي أنها نفس الاستمرارية القديمة للفكرة الغزالية في الوقف من علم الكلام، الذي يصوغ المواقف التدريجية الجديدة منه في (الرسالة القدسية في قواعد العقائد). إنها إمكانية إدراك الحقائق مع تطور  المعرفة والوعي، تماما كما تتعدد تصورات وجوانب  تعمق وعي الإنسان لكل الكلمات والظواهر التي سمعها وشاهدها في الطفولة. اذ لا اضافة جديدة لكلمة الحق عندما يسمعها الإنسان للمرة الأولى. إلا أنها تحمل مع تطوره عالم غير متناه. والغزالي في سعيه استدراج القلوب سار في طريق استلهام ثقافة الاستدراج التي طورتها حضارة الخلافة في صيغ وتجليات غاية في التباين. وبدورها لم تعن سوى الأساليب التي طورتها حذاقة الوعي التجريدي المتمرس في معمعان الحياة الاجتماعية وقضاياها. فالغزالي نفسه يقدم أمثلة عديدة عن تلك "الحيل" التي استعملها حتى اشد الشخصيات ورعاً من اجل تجنب اضطهاد السلطة. وإذا كان ذلك ممكناً في ميدان الحياة الاجتماعية السياسية، فإنه ممكن ايضاً في ميدان الفكر. رغم خصوصيتها والتي يجري فيها تطوير "الحيلة" بصيغة شحذ الذهن في الكشف عما تدعوه المتصوفة "بخفايا وأسرار العقيدة والشرع".

إن لهذه الظاهرة "قانونيتها" الخاصة في التصوف، والتي لا يمكن توقعها خارج اطار التيارات الفكرية الكبرى من مدارس اللاهوت والفلسفة والادب. فقد شكل التصوف النظري احد نماذج حصيلته المتطورة، الذي صاغ إلى جانب غيره من النماذج آلية قناعته "بأسراره" الخاصة. لكن الغزالي لا يغلق رتاج المعرفة "بالسر الصوفي". انه يكشف عنه باعتباره حقيقة السنّة. وهو لا يؤدي بذلك مهمة الربط الآلي فيما بين الاثنين، بقدر ما انه يكشف عن نسبية تجلي حقائق التصوف الكبرى وتصوراته الكونية عن عالم الملك والملكوت، السفلي والعلوي، الانسان والله في نسيج وحدة الحقيقة والشريعة، الظاهر والباطن، أي محاولة جعل التصوف الممثل الحقيقي للشرع. وقد انجز هذه المهمة لا من منطلق الكلام اللاهوتي ولا من منطلق التصوف الخالص، بل بوحدة تآلف اتجاهات العصر الفكرية التي عادة ما تؤدي في  آرائه إلى نتائج ومواقف اجتماعية عقلانية ذات نزعة أخلاقية شاملة. فعندما يتكلم، على سبيل المثال، عن أفضلية الجوع الصوفي، فانه ينطلق من أن المطلوب الأقصى في جميع الأمور هو الوسط. والتطرف في الأدب هو من اجل صنع الاعتدال. وبالتالي فانه ينبغي النظر إلى مدح الشرع للمضاد والمقابل لما يبدو متطرفاً كالبذل مقابل التقتير والكف مقابل الاسراف بوصفه وسيلة بلوغ الاعتدال[5].

بصيغة اخرى، ان "ربط التصوف بالسنّة" هو شكل من أشكال تجلي التآلف الجديد، الذي عكس في آن واحد استمرار الفكر القديم وخصوصية التصوف الجديد. إذ لا يعني انتقال الغزالي إلى مواقع "علماء الآخرة" وانتقاده الشامل لممارسته السابقة (الكلامية الجدلية، والفقهية والاجتماعية السياسية والأخلاقية) تخليه الكامل عن تراثه السابق. على العكس! إانهما لم يعنيا سوى اعادة نظر جوهرية فيه على اساس وأرضية ربط الفكر بالأخلاق. فما "اهمله" في تجربته السابقه هو المظهر الخارجي، أي موقعه ومواقفه في المنظومة الاجتماعية السياسية والفكرية القائمة آنذاك. إذ لا تشكل وحدة علم المعاملة والمكاشفة سوى الاستمرار النوعي الجديد لتراثه الفكري السابق. وذلك لأن غاية المعاملة المكاشفة، وغاية المكاشفة معرفة الله، أي شمول كل مظاهر وتجليات الحياة والوجود.

لقد دمج تصوراته السابقة وأذاب حصيلة فكره في بوتقة الوعي الصوفي الاخلاقي. ويبرز ذلك بوضوح في اتجاه تعميمه لنتاج الفكر الصوفي استناداً إلى الأرضية العقلانية لثقافته السابقة. وأدى ذلك إلى إثارة الكثير من المعضلات حول ما يسمى بحقيقة الغزالي الصوفية وطبيعة تجربته الصوفية، أي ما إذا كان قد مارس وعيه الصوفي على اساس تجربته الفردية الخاصة ألا. ولعل أولى الانتقادات التقييمية الكبرى في تقاليد الفكر الصوفي في هذا المجال هي تلك التي وضعها ابن عربي. فقد تطرق لها من وجهة نظر الموقف من علاقة اللاهوتي والصوفي في شخصية وتجربة الغزالي، ومن حيث استمرار فكره السابق ومستوى ذوبانه في الممارسة الصوفية. ولعل التقييم الذي قدمّه ابن عربي بهذا الصدد يكشف بعمق عن النوعية الجديدة أيضاً التي أدخلها الغزالي في صرح التصوف النظري. فالفرق بين "علماء النظر" كالفقيه والمتكلم كما يقول ابن عربي، "اذا دخلوا طريق الله (وهو يقصد بذلك الغزالي) وبين الأمي"، الذي لم يتقدم علمه اللدني علم ظاهر فكري يقوم في صعوبة إدراك "الحقائق الإلهية" بالنسبة للأول (علماء النظر). وبما انه لا فاعل إلا الله، كما يكتب ابن عربي، فإن هذا الفقيه أو المتكلم حالما يدخل "الحضرة الربوبية" فإنه يأخذ بميزانه (الفقهي أو الكلامي) ليزن على الله وما عرف إن الله ما اعطاه هذه الموازين إلا ليزن لله لا على الله. آنذاك يحرم الأدب ويعاقب بالجهل بالعلم اللدني. إلا أن من كان وافر العقل كما يقول ابن عربي، فإنه يمكن أن يعلم من اين اصيب. وفي هذه الحالة عادة ما يسلك طريق من بين طرق، وأسلوب من بين أساليب. فمنهم من دخل"طريق الله" وترك ميزانه على الباب حتى إذا خرج أخذه ليزن به لله ولكن قلبه متعلق بما تركه، وأحسن من هذا حالا من كسر ميزانه، فإن كان خشباً أحرقه، وإن كان مما يذوب أذابه وبرّده حتى يزول كونه ميزاناً وان بقي عين جوهره. فلا يبالي وهذا عزيز جداً، وما سمعنا إن احداً فعله. فإن فرضنا، وليس بمحال إن الله قوّى بعض عباده حتى فعل مثل هذا، كما ذكر ابو حامد الغزالي عن نفسه، فإن الأمر يختلف مقارنة بالاميّ[6]. والتعليق اللاحق الذي يقدمه ابن عربي، يشير إلى مثال الغزالي في دخول "طريق الله"، أي أنها حالة "من لم يكن على شريعة فأراد أن يعرف ما ثم فسأل فدل على طريق القوم، فدخل ليعرف الحق بتعريف الله"[7].

وفيما لو استعملنا تعبير ابن عربي، فان الغزالي يكون قد كسر ميزان أحكامه الفقهية والكلامية وأذاب حصيلة معرفته في طريقه الجديد. ولكنه مع ذلك، بقي عين جوهره. وبهذا المعنى بقيت حصيلة المعارف المنفية والمجردة بوصفها الحالة التي "ما سمع أحد فعلها" إلا ما ذكره الغزالي عن نفسه. ولاي مكن فهم حقيقة هذه الصياغة الرمزية في تاريخيتها إلا بالصيغة التي توحي بخصوصيته في عالم الصوفية  تقاليدها المبنية على أساس استمرار الفكر وحصيلة التآلف النظري. وليس بما اعطت للبعض باعث وحجة نفي "تجربة الغزالي الصوفية". فهو استنتاج سطحي بفعل عدم رؤيته اضمحلال وانحلال "التجربة الصوفية" في مقارناته التعميمية. فقد دخل الغزالي "طريق الله" أو عالم الصوفية بعد تجربة فكرية نظرية وعملية اخلاقية متعددة المناهل والمستويات. ومهما حاول هو في وقت لاحق تكسير اطرها الأولية، فإن صورها ظلت تعبث في مخيلته كمصدر جوهري في رؤية العالم وظواهره. وهو لم ينكر  ذلك في يوم من الأيام. على العكس. انه وجد في ذلك أحد السبل الضرورية لعالم الصوفية الاكثر تطوراً. فحالما حاول التنظير لمفهوم العلم اللدني، فإن الحصيلة المعرفية المتعددة المناهل تظل ضرورية من اجل قوة هذا العلم. وهو ما نعثر عليه في البدايات الصوفية الأولى المباشرة وغير المباشرة للغزالي، أي في سعيه للتعميم الذي عادة ما كانت ترفضه المتصوفة الأوائل، ليس لرفضها التعميم، بل من منطلق اولوية التجربة الفردية الذاتيه. أما أحكام الغزالي فقد انصّبت في اطار وحدة المضمون الصوفي والتقاليد العقلانية الكلامية والعمق الفلسفي التحليلي. فعندما يتكلم، على سبيل المثال، حول اصناف التصورات الصوفيه عن الوسواس والذكر فانه يستعرض خمس فرق ليستنتج في نهاية المطاف، بأن كل مذاهبها صحيحة ولكنها كلها في الوقت نفسه قاصرة عن الاحاطة بأصناف الوسواس، بفعل كون كل واحد منهم نظر إلى صنف واحد من الوسواس فاخبر عنه[8]. بصيغة أخرى، انه يقف إلى جانب التجربة الصوفية الفردية في دقة حكمها باعتبارها تجربة المعرفة النسبية، ولكنه يكشف في الوقت نفسه عن افتقادها للتعميم. وقد أدى ذلك به دوماً إلى ابراز فعالية العقل والعقلانية في تجربته الصوفية. وهو بدوره نتاج استمرار التقاليد الفكرية السابقة، التي اتخذت مهمة الربط الدائم بين علوم المعاملة والمكاشفة، أي الارتقاء من ممارستها الصوفية إلى تنظيرها الصوفي. ولم يكن ذلك بمعزل عن الاتجاه الاجتماعي السياسي في آرائه، ومحاولة صنع تآلف فكري عقائدي جديد، والسعي لتوحيد استنتاجات الاتجاهات الفكرية الكبرى، ولوضع حد لبلبلة الصراعات المذهبية آنذاك. فأساليب علم الكلام والفكر المنطقي الفلسفي، هي التي جعلت من الممكن، بل ودفعته لحل الآراء المتعلقة "بالتناقض" بين التصوف والشريعة (السنّة)، أي أن محاولته البحث في ميدان علم المعاملة، كان لابد وأن يضعه أمام مهمة كشف العلاقات الداخلية بين المعاملة والمكاشفة في اطار منظومة فكرية متجانسة. لهذا السبب اكد على ما دعاه بتلازم المعاملة والمكاشفة الشبيه بتلازم "النوع والأصل". فلا يستغني أحدهما عن الآخر، وإن كان أحدهما في رتبة الأصل والآخر في رتبة التابع. وعلوم المعاملة "إذا لم تكن باعثة على العمل فعدمها خير من وجودها، فإن هي لم تعمل عملها الذي تراد له قامت مؤيدة للحجة على صاحبها"[9]. ولم تكن هذه الفكرة معزولة عن أسلوب التفكير الكلامي والمنطقي الفلسفي نفسه. فهو لم يرفض كلياً انتاج العلم الكلامي وآراء الفلاسفة، ولا حتى أسلوب تأويل الباطنية واستنتاجاتها الفكرية العديدة. إان التآلف الفكري الجديد المستند من حيث عناصره الجوهرية إلى تراث مختلف التيارات الفكرية السابقة والمعاصرة له، والمبني على أساس رفض التقليد، والمتسم بروح الإصلاحية الأخلاقية ومبادئ الإسلام الأولية المهذبة بروح الأخلاق الصوفية، هو تآلف ديناميكي المضمون محافظ الشكل. وبهذا المعنى، فإنه فسح المجال أمام تثوير  التصوف والفلسفة والكلام. إنه وضع وصاغ  الآراء والحلول النظرية للقضايا والمعضلات الفكرية الكبرى في وحدة جديدة. ولهذا فإن تثويره اللاحق كان ممكناً من خلال تثوير المنظومة الغزالية ذاتها أما بطريق "التثوير اللاهوتي"، أو الصوفي أو الفلسفي. وسوف تنجز الكثير من اتجاهات اللاهوت والتصوف والفلسفة هذه المهمة إلا أنها ستقف عند الحدود، التي وقفت عندها ديناميكية العلاقات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية.

إن التآلف الغزالي شكّل درجة نوعية في تطور وتطوير ثقافة الخلافة دون أن يكتمل نهائياً من حيث الشكل والأسلوب ولحد ما المنهج. وهو ما يفسرّ استمراره الدائم بصيغة الخميرة الفعالة في التراث الفكري الروحي والاجتماعي السياسي اللاحق والمعاصر. غير انه لم يترك تآلفه هلاميّ الشكل، بل حاول تأطيره منذ (إحياء علوم الدين) كمشروع أولي كبير. حيث ظهر للمرة الأولى بخطوطه الكبرى كمنظومة متكاملة لها تجانسها الخاص، تتطرق إلى وجود الإنسان في منظومة العلاقات الاجتماعية والسياسية، في الكون، وموقفه من النفس والوجود بكافة مستوياته. بصيغة أخرى، لقد وضع وحاول حل "برنامج" وجود ومعنى الإنسان في الكون والحياة. وما تناوله وصاغه كمادة للتفكير في الجزء الاخير من (إحياء علوم الدين)[10] ومادة لسلوك "الطريق" ما هو في الواقع، سوى القضايا التي ناقشها على صفحات كل "موسوعة الوجود الاخلاقي" (إحياء علوم الدين). وبذلك يكون تآلفه قد وضعه أمام مهمة الشمولية "المبرمجة" وأهدفها الاجتماعية الأخلاقية كبديل شامل لنظام الوجود المعاصر له. ذلك يعني انه صاغ البديل الهادف. وبهذا المعنى يكون الغزالي قد زاول ومارس العملية الذهنية التي لم تطرح بصيغتها الجلية إلا في القرن التاسع عشر ـ العشرين [11]. ومع ذلك لم يكن النزوع الهادف لمنظومته الفكرية مستقلة عن تراث الثقافة الإسلامية. وليس اعتباطاً أن يربط آرائه الاجتماعية السياسية بشخصية النبي محمد، بل وإفراده فصلا خاصاً له [12]. بحيث حوله فيها إلى ممثل المبادئ الأخلاقية المطلقة ومجسدها الحياتي. بصيغة أخرى، لقد امتلك هذا الرجوع الدائم للشخصية المحمدية أساسه التاريخي الواقعي والفكري العقائدي والأخلاقي المجرد. فالغزالي سلك نفس العملية الضرورية لبلورة المنظومة الجديدة في اطار التقاليد الفكرية الإسلامية، بوصفه الممثل الحقيقي "لأهل السنّة والجماعة" بالمعنى المحمدي، أي اتباع النبي محمد كما هو. بحيث حوّله إلى كيان فاعل ومطلق في منظومته الفكرية الخاصة. ومن ثم وسيلة وغاية المثال الاجتماعي الأخلاقي. لقد جعل من الشخصية المحمدية القوة المؤنسة لبرنامج الأخلاق المطلقة، التي طور الغزالي اتجاهها العملي من خلال التصوف.

وبغض النظر عن عدم تقبل الفقهاء والاتجاهات السنية العديدة الأخرى له ولأفكاره هذه، إلا انه لم يثر مع ذلك موقفها الفزع من التصوف باعتباره ممثل القيم الأخلاقية التي تتطابق مع التجريد البعيد المدى لمثال الشخصية المحمدية. لهذا استعمل كل تراث البنيان الإسلامي بالكل الذي جعل منه وحدة اجابية فاعلة في ميدان  الصراع الاجتماعي. فالغزالي يرفض السلوك السلبي والخامل. ووقف دوما إلى جانب النشاط الاجتماعي الفعال. ففي ميدان الحقوق يبرز احياناً كممثل لضبط النظام بما في ذلك في أقسى اشكاله حالما يكون ذلك لمصلحة العامة والأغلبية. انه حاول تطبيق فكرة "ولكم في القصاص حياة". ولم تكن هذه الأحكام والآراء في منظومته عرضية الطابع أو ثانوية الأهمية. إن أهميتها التاريخية تظهر بالذات بوصفها الفكرة المؤثرة في بلورة وعي وممارسة العامة والخاصة (الجمهور والنخبة). وبربطه هذين الجانبين يكون قد اختار طريقاً لم يسلكه أحد قبله. ولا ينبغي فهم هذه الصياغة كما لو أنها  ازدواجية للحلول والآراء والمواقف، بقدر ما انها كانت تعبر عن رؤية مستويات متباينة للظاهرة. حيث كانت تتطابق في منظومته الفكرية مع قضية المطلق والعابر، والكلي والجزئي، والحق والضرورة. الأمر الذي جعل من آرائه حتى في اشد حالاتها الصوفية المجردة ذات مضامين اجتماعية سياسية واضحة. إذ أنها وضعت على الدوام مهمة التعامل الملموس مع الفكرة ورؤية المطلق في العابر.

وحدد ذلك بدوره التطبيق الصارم لمبادئ العقلانية الاخلاقية. فقد وقف الغزالي، على سبيل المثال، بقوة ضد فكرة المجاهدة الصوفية المتطرفة، مبرهناً على ضرورة الشهوة والوقاع، مستنداً بذلك الى تحليل الظاهرة البيولوجية الاجتماعية ليثبت على اساسها ويولف فكرة المثال الصوفي الباطني للأخلاق ووجود الإنسان الاجتماعي التاريخي. فالمهمة التي حاول حلها لا تقوم في اخضاع العالم الواقعي لعالم المثال الصوفي، ولا الصوفي للواقعي، بل في استلهام مثل الأخلاق الصوفية كقيم مجردة مثل دوران الحق بالحق للحق. فعندما يناقش، على سبيل المثال، أفكار الحكايات والنوادر الصوفية فأنه يتطرق اليها ليس كمثال يستلزم المحاكاة، بل  لكونها كرامات. ولا يمكن بالتالي بلوغها عن طريق التعلم، لأنها مجرد رمز (سرّ). فمن أراد أن يسخّر كلب بيته كما يقول الغزالي، فمن الاجدى به أن يسخّر كلب أعماقه (الغضب). ومن أراد تسخير الأسود يلزمه اولا تسخير أسده (السيطرة). فإذا لم "يسّخر المرء كلبه الباطن، فلا مطمع له في استسخار الكلب الظاهر"[13].

قد سعى الغزالي من وراء ذلك إلى رفع ايجابية الممارسة الاجتماعية الدينية والأخلاقية. فهي الوسيلة التي ينبغي أن تجعل من أخلاقية الصوفية المثال الإيجابي الفعال. إنه سعي إلى ربط جوهر الأخلاق الصوفية ومثالها المطلق بظاهرية الممارسة الجماهيرية. وبهذا المعنى، فانه رفض الفردية المتطرفة في الفكر الصوفي والطابع السلبي في ممارسته الاجتماعية. فعندما يتكلم عن "اسقاط الجاه" باعتباره احد أساليب الارتقاء الروحي الأخلاقي، فإنه يقدمه على مادة ومثال العلم والحرية، لا مثال الملامتية. رغم أن ممارسة الأخيرة تتضمن مبادئ وقضايا العلم والحرية باعتبارهما عناصر الارتقاء الأخلاقي الصارم. إلا أنهما يولدان شعور الارتداد عند الجمهور، الذي يوهن الموقف الديني الايجابي. انه يكلّف الأخلاق الميتافيزيقية المتسامية إرهاق لا ضرورة فيه[14]. وبالتالي، يفسح الغزالي المجال لشرب عصير التمر في قدح الخمر دون الاعلان عنه. ان هذه "الدعوة الخفية" تظل في اطار السعي نحو إدراك حقيقة السرّ الصوفي الأخلاقي من أجل أن يكون ذلك حافزا للتطور الأخلاقي والرصيد الروحي.

لقد أدرك الغزالي ما في أعماق الأخلاق الصوفية من قوة هائلة على استثارة اليقين الروحي، الذي بدونه لا يمكن للوجود الإنساني امتلاك قيمته الفعلية. فهو لم يتطرق في هذا المجال إلى وعي الضرورة التاريخية. إن آراءه تسير في خطى الصوفية عبر إهمال الزمن الساري والاستعاضة عنه بالزمن الروحي، بوصفه قيمة روحية مطلقة. وبالتالي لا أمس ولا غد بل اليوم، أي اليوم الروحي الذي لا يتجاهل الصوفي معه وفي مجراه فكرة الوجود الدائم. فآراء كهذه تتناقض مع نظرته إلى الكون وعلاقته به بما في ذلك تصوراته عن الله الإسلامي. غير أن الصوفي بفعل انهماكه في عملية النفي الدائم تجعله في اعين معاصريه مثالاً للزندقة، تماماً كما يتعامل هو في اعماقه مع جمهور "الغافلين" من العلماء والسفهاء. إلا انه لا ينظر بعين الازدراء إلا تجاه نفسه. وبهذا المعنى، فانه يظل يدور في دوامة "التسامي الأخلاقي المبرح". والغزالي لا يرفض هذا الجوهر الأخلاقي الروحي، أو هذا التسامي "الشعث". انه يدرك استحالته الطابع الوظيفي في الاطار الاجتماعي التاريخي المعاصر له. مما حدد  بدوره أسلوبه في التعامل مع فكرة الصوفيه الجوهرية في الأخلاق: النفي الشامل لبلوغ الوحدة على أساس ومبدأ الوسط الفلسفي المجرد. انه أدرك تعقيد هذه العملية سواء من حيث فاعليتها التربوية او قدرتها على التغيير، الا ان ممارستها في حدود العقلانية تفسح المجال لتطوير الروح الاجتماعي الأخلاقي وهذا بدوره يعني ضرورة التوجه نحو النظر في العلة المعالجة حسب مبدأ "إن كنت تحب المال فأبذل. وإن أصبحت محب البذل فامسك". وهذه بدورها أيضا ليست إلا ممارسة الوسط العقلاني الذي يمكن بلوغ ذروته في حالة تحول البذل والإمساك إلى فعل واحد ظاهري وعرضي كتعامل المرء مع الماء. أما في الواقع فليس الوسط الحقيقي سوى انعدام الوسط، بمعنى التطابق التام مع الفكرة المثال أولا وقبل كل شيئ وليس ضرورة إدراكها كما هي. فالوعي هو مثير المعضلات ومبدع القضايا، بينما الوسط الحقيقي لا يستلزم رد فعل ظاهري باطني. فهو قائم بذاته. وهي الصيغة التي ابدعت المتصوفة رمزيتها عبر رفعها إلى مصاف المعضلة في ردّ النبي محمد على سؤال في المنام لأحدهم عن سبب قوله "شيبتني هود" بعبارة "فاستقم كما أمرت". فهي الاستقامة التي حاول الغزالي مطابقتها مع الوسط المجرد أو الوسط المنفي في معاملات الأخلاق المطلقة. فهو المثال الذي يستلزم كحد أدنى الاجتهاد بالاقتراب منه في حالة ضعف القدرة على بلوغ حقيقة الاستقامة[15]. أما مشروع الغزالي فقد انصب في تيار الإبداع الساعي لتحويل المتصوف العارف الى قطب الوجود الحق ومثوّر الروح الأخلاقي الدائم.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص243.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4 ص243.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص3.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص4.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج13، ص96.

[6] ابن عربي: شرح كلمات الصوفية (جمع وترتيب محمود الغراب)، ص260-261.

[7] ابن عربي: شرح كلمات الصوفية (جمع وترتيب محمود الغراب)، ص261.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص44.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص9.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص 423-448.

[11] إن لهذه القضية إشكالاتها الخاصة. ومن العبث البحث عن تطابق كلي فيما بين منظومة الغزالي بوصفها مشروعا فكريا شاملا ومثيلاته في العالم المعاصر. وقد بلور الغزالي إحدى صيغ البديل الذهني للوجود الاجتماعي التاريخي. وأبدع ذلك في آن واحد فعالية الآراء الغزالية ومشروع تنفيذها العملي، وفي الوقت نفسه فسح المجال أمام بعض عناصرها للتحول إلى قيود الوعي الطوباوي. ومع ذلك يبقى لمشروعه الفكري الروحي خصوصيته التي سأتناولها في مجرى دراسة آرائه الاجتماعية والسياسية.    

[12] الغالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص357-387.

[13] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص280.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص288.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص64.

 

قال تعالى: - [وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا] - النساء 3 .

نستهل البحث في موضوعة (ملك اليمين) ومشروعيتها، من خلال هذا النص ولكن وقبل الدخول في موضوعة البحث، لا بد من طرد تلك الإشكالية والتي يتوهم بها البعض والقائلة تقول: [إن التعدد في النكاح يرتبط بقضية - القسط في اليتامى -]، ولكن ماذا نعني بالقسط؟، القسط في لغة العرب هو النصيب من الحصص، ومنه جاء معنى الأقساط أي الدفع على التوالي، والقسط ليس بمعنى العدل، فالعدل من الإعتدال قال تعالى: - [الذي خلقك فسواك فعدلك] - الإنفطار 7، إذن القسط شيء والعدل شيء أخر، والدمج بينهما في المعنى ضار بعملية الفهم والتقويم .

 وأما اليتيم في لغة العرب (هو من مات والده وهو صغيرا)، ولا يُقال لمن ماتت والدته يتيماً، ومفهوم اليتم ينتفي موضوعياً عند البلوغ والتمكن، ولكن من أين أتى هذا التوهم في ذهن الكثيرين ؟، ونقول إنه:

1 - القول بأسباب النزول أو سبب النزول وإعتماده، فعند البعض إن آيات الكتاب ونصوصه إنما نزلت بسبب ما، وهذا التوهم والظن الخاطئ أعتمد في الأصل على حكايات وقصص لا أصل لها ولا دليل، كما هي عامة الأخبار التي تعتمد على الجعل والوضع اللاحق، وقد أفرد الواحدي النيسابوري كتاباً له في هذا الشأن .

2 - وربما يكون أصل التوهم هو القول (بالتحريف في بعض آيات الكتاب ونصوصه)، والتحريف في أصله ممكن في الكتاب المجيد، وقد بينا ذلك في بحث منفصل عند الكلام عن (جمع القرآن) الذي حدث في زمن الخليفة عثمان، ومعلوم إن الخليفة قد أمر بجمع وحرق كل المصاحف في الأمصار، وكانت حجته في ذلك ما طرأ عليها من اللحن بسبب كثرة من دخلوا في الإسلام من الأعاجم .

 والقائلين بوجود التحريف يذكرون على سبيل المثال لا الحصر بعض الموضوعات والمفردات، التي يقولون عنها إنها محرفة، سواء في الشكل أو الرسم أو الترتيب من التقديم والتأخير من غير دليل، مستشهدين في قوله تعالى (أقرأ بأسم ربك الذي خلق) فهذا النص هو أول ما نزل من المصحف، ولكننا نرى إن أول ما يبتدأ به من الكتاب المجيد سورة الحمد، وهذا النحو من الترتيب تحريف لأنه مخالفة صريحة لتسلسل النزول [وهنا يُطرح سؤال موضوعي، وكيف بنا التعرف على التسلسل الزمني لنزول الكتاب ؟ هذا الخلل أدى موضوعياً للخلط في الموضوعات وللتداخل]، والتحريف المذكور في كتب الرجال يأتي على نحو أحدى وعشرين نوعاً، ولا بأس من الإشارة إلى التناقض والتكرار، والإضطراب في وحدة الموضوع، والأمر بالشيء والنهي عنه، وهذه كلها لا علاقة لها بموضوعة الناسخ والمنسوخ، والتي قال بها البعض وأدخلها في الكتاب المجيد هرباً من مواجهة الحقيقة أو التصريح بالتحريف .

وعندنا: - إن الكتاب المجيد لا يحتمل النسخ ولا يجوز فيه ذلك ولا ينبغي، وما أعتمده الشافعي في هذا وسار على نحوه من تبعه فباطل بإستحقاق، وهذا الكلام عن أصل هذه الشبهة .

 3 - وهناك وهم الترادف في معاني الكتاب المجيد، الذي كان له كبير أثر في تغيير وتبديل قناعاتنا وفهمنا للنصوص ومعانيها، فأصبحنا لا نميز بين الأسماء والصفات والأفعال، فصار عندنا إن: (جاء بمعنى أتى، وذهب بمعنى مشى، والأسد بمعنى الليث، وهلمجرا) .

 هي إذن مغالطات في البنية التشكيلية للنص وبما التفكير كان ومازال ممنوعاً، وأما المسموح به فهو التقليد والخنوع والإتباع من غير تفكير، لذلك صنعت عندنا التابوات فصارت مقدسات لا يصح ولا يجوز المساس بها .

ونقول زيادة في التأكيد: - إن البعض من المفسرين قد شككوا في أصل هذا النص -، وعليه يكون عندهم الربط بين التعدد في النكاح واليتامى سالبة بإنتفاء الموضوع، ومع إن أصل البحث في قضية التحريف هي مسألة علمية وبحث مدرسي بحت، لكن الحاجة ألزمتنا في بيان النص وتوضيح دلالته، نعم إننا لسنا ملزمين بإلزام أنفسنا بتفسير لا نعتقد بصحته وموضوعيته وقربه من الحقيقة سوى إنه تبرير أستحساني .

 وفي موضوعات الكتاب المجيد نعتقد: إن للعقل دوراً ورأياً حاسماً، فثمة موضوعات يدور حولها نقاش كثير في الكتاب المجيد، يُقال إنها قد وردت أو أضيفت له من قبل الكتبة والنساخ، نرجوا أن يتسع العقل والصدر والمزاج لذلك فهذا مفيد في قضية التحرير والحرية المقصودة .

 وبعد هذا نقول: - أن لا ربط بين القسط في اليتامى، ومعنى أنكحوا ما طاب لكم من النساء -، ذلك إن تشريع النكاح والسماح به لا يتعلق بقضية القسط باليتامى لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون .

ثم إن هناك ثمة مخالفة مفاهيمية سائدة ويجري ممارستها من غير تحقيق ألاَّ وهي: (إنه وبسبب الترادف الممقوت أصبح النكاح أعني الإستمتاع لدى عامة المسلمين هو الزواج، وأسقطت عليه أحكامه وتبعاته)، فالمعلوم: - إن الزواج لاينعقد إلاَّ بميثاق غليظ، ولكن النكاح يتم بعقد -، لكن الغاية من النكاح هي غير الغاية من الزواج وكذلك الشروط فيهما، كذلك الطلاق في الزواج لا يصح إلاَّ إذا وقع خلل في شروط الميثاق وبنوده من أحد الطرفين، ولكن الطلاق في نكاح الإستمتاع فيكون مرتبطا بالأجل والمدة .

 ونعود لنقول: إن إقحام اليتامى في موضوعة النكاح لا معنى لها، ولا ربط سوى ذلك الخلل الذي نشأ بفعل ذلك التفريع، والظن الغالب عندي هو بسبب تلك الفوضى التي تدخل بها النساخ والكتبة في زمن الخليفة عثمان، وإلاَّ لا نجد ما يجعل من موضوعة اليتامى مرتبطة بموضوعة النكاح لا في صيغة الترغيب ولا في صيغة التدارك التي يلهث حولها بعض أهل التبرير والقناعة والرضى بما كان على ماكان .

ونصل إلى ما يريده الكتاب المجيد من معنى (ملك اليمين): تلك العبارة المثيرة للجدل والمثيرة للتحسس لدى البعض، والتي قيل فيها الكثير وظن بها كثير، نتيجة للتوظيف السيء والوضع في المحل والمعنى الذي ليس لها، من قبيل (التسري والإماء والرق والأستعباد) !!!، وقد تفنن البعض من فقهاء التراث في صياغة وإستحداث أحكام وتشريعات حول ذلك، ودائماً حجتهم تكون من الإعتماد على تلك الأخبار والروايات الموضوعة، والمؤسف إننا لم نجد عندهم ذلك التوسع وذلك التحقيق في الكتاب المجيد ولا في البحث فيه عن الدلالة والأهمية، وربما كانت للأحكام السلطانية الدور الحاسم في ترسيخ هذه القناعة المثيرة، والتي تحط من قدر وكرامة المرأة وشأنها .

وأما جملة - ما ملكت أيمانكم - فهي جملة خبرية ولفظ (ملكت) ليس بمعنى الإستملاك، ولا لفظ (ايمانكم) بمعنى اليد، ولا هي بمعنى القوة الدالة على ذلك، إنما هي جملة مركبة من - الملك والايمان -، والايمان هي كناية عن اليمين نرى ذلك في قوله تعالى: - [وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمن] – الواقعة 27، التي وردت من باب التقابل وللتمييز عن أصحاب الشمال، الواردة في صيغة: - [وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال] - الواقعة 41، ولا يعني لفظ اليمين (اليد اليمنى)، ولا لفظ الشمال يعني (اليد اليسرى)، بل هي مصطلحات جيء بها كناية عن جهتين متضادتين بين الإيمان وعدمه، ونفس الفكرة نقرأها في قوله تعالى: - [فأما من أُوتي كتابه بيمنه] - الحاقة 19، الواردة في دور التقابل، كما في القول التالي: - [وأما من أُوتي كتابه بشماله ..] - الحاقة 25، ولايدل هذا المعنى على ترجيح اليد اليمنى على اليد اليسرى، القضية لم تطرح هكذا إنما طرحت ككناية عن جهتين متقابلتين جهة اليمين وجهة الشمال للتعريف فقط، فعرف أهل الإيمان بأهل اليمين أو أصحاب اليمين، وعرف غير المؤمنين بأهل الشمال أو أصحاب الشمال .

 ونفس الشيء قاله في مسألة (ملك اليمين أو ما ملكت أيمانكم) هو كناية أو نسبة لما يملكه أهل الايمان، وفي هذا يكون كل مايقع في هذه الدائرة هو من ملك اليمين أو ما ملكت أيمانكم، والقيد المرموز له إنما جاء على نحو مطلق، وهو يشمل كل الفئة التي تتعرض لظلم يؤدي إلى الفقر والعوز والحاجة (الإقتصادية والإجتماعية)، وفي هذه الحالة قال: - قد تضطر بعض النساء المؤمنات للوقوع في الخطيئة والإستغلال من قبل بعض المغرضين والمجرمين -، مما يؤدي إلى إستغلال وإنتهاك لحرماتهن وكرامتهن، هنا وفي هذه النقطة بالذات ولكي لا يقع ذلك - أباح الكتاب المجيد وعلى نحو مشروط للمؤمنين من إحتضان هذه الفئة من النساء، وحمايتهن من التعدي ورفع هذا الظلم الواقع عليهن -، من خلال توفير لوازم العيش الكريم لهن من مسكن ومعاش، في هذه الحالة إذن جاء قوله تعالى: - [... أو ماملكت أيمانكم ..] - النساء 3، مشترطاً الجواز بتوفير الحماية والحصن للمرأة، كي لا تنزلق وتتوه في ركب الفساد والإنحراف (إذن هذا هو الشرط الموضوعي للإباحة) .

 أعني إن الهدف من الإباحة ليست الموضوعة الجنسية بل موضوعة الحماية والصيانه، وأما العلاقة الجنسية بين الذكر والأنثى فقائمة بالأساس على ثنائية - الرضا والقبول -، وفي قضية ملك اليمين تقع هذه عرضاً أو لنقل في سياق الإباحة وعلتها، ولكنها لم تكن هي الهدف المقصود، فالكتاب المجيد حذر ومنع إستغلال حالة العوز والحاجة للتجاوز على النواميس والكرامة والشريعة.

 ذلك لأن الأصل الأولي للإباحة هو حل المعضل الإقتصادي والإجتماعي والأخلاقي، وأما المتعة الجنسية (النكاح) فتكون عرضاً أو في سياق المعنى العام للحماية والحصانة .

 وحين يكون التركيز على الحماية والحصانة فذلك لأن الكتاب المجيد ركز على هذا، حين قال: - [ولقد كرمنا بني آدم] - الأسراء 70، فالكتاب يستهدف من الحماية كرامة الإنسان هذا الكائن الآدمي، ولا يجيز بحال إنتهاك هذه الكرامة أو السماح بذلك لا في الحروب ولا في غيرها، فالكتاب المجيد يمنع الرق والعبودية والتسري، ويعتبر الحرية شيئاً مقدساً وكرامة الإنسان كذلك محترمة ومُصانة، نعم في الحروب يقع الناس أسرى، ولذلك وضع القوانين والتشريعات والأنظمة الراعية والمحددة، قال تعالى: - [يا أيها النبي، قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أُخذ منكم ..] - الأنفال 70، وهنا أستخدم النص لفظ اليد ولم يستخدم لفظ الايمان، وهذا دليل على دقة ألفاظ الكتاب ودقة مُرادها، ولم يطرح النص فكرة الرق أو الإستعباد ولا غيرها من المصطلحات الخبرية، ولا نجد في الكتاب المجيد ولا دليلاً واحداً يدل على إستعباد الناس وسلب كرامتهم أو إرغامهم على فعل ما لا يرغبون به، ولم يدع الكتاب المجيد للمعاملة بالمثل فتلك عنده صفة مذمومة قال تعالى: - [ولا تزر وازرة وزر أخرى] - التحريم 10، ولهذا فما يُقال في التاريخ عن ظاهرة الإماء اللائي يقعن ضمن الغنائم الحربية ويوزعن على المقاتلة، فشيءٌ ممنوع ذلك لأنه يتعارض وصريح الكتاب المانع لهذا النوع من الممارسة، وحتى حينما يتحدث الكتاب المجيد عن مفهوم الرقيق في صيغة (تحرير رقبة)، هو لا يتحدث عنها بصفتها وبوصفها غنائم حربية وقعت بيد المنتصرين، بل بوصفها ظاهرة تاريخية كانت سائدة قبل عصر نبوة محمد، فهو إذن يحث ويشجع على تحرير الإنسان من سلطة الأستعباد، ولهذا ورد في المأثور وبصيغة الإستنكار المفهومي (متى أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) .

وهذا يعني إن هناك مرحلتين من التاريخ ما قبل عصر النبوة وما بعد عصر النبوة المحمدية، فما كان سائداً قبل ذلك العصر ورد التشجيع والحث والدفع عليه في الكتاب المجيد بتحرير تلك الرقاب التي أستعبدت .

وأما ما بعد عصر النبوة فلم يسمح النص ولم يجز بحال سلب كرامة الإنسان أو إجباره على فعل ضد طبيعتة وضد آدميته، وأما ما يُقال في التاريخ والروايات والأخبار عن الإماء وأمهات الأولاد فلا نقره ولا نعتقد بصحته، ومعلوم إن التاريخ والأخبار ليست بالمحل الذي يمكن الركون إليهما في تصويب أو تشريع القوانين والأحكام (مع ملاحظة إن جميع الحروب التي قام بها الخلفاء والسلاطين، كانت عبارة عن غزو منهي عنه) !! .

 ومن هنا نقول: - إن الدخول بالمرأة من غير رضاها لا يجوز شرعاً، ومن يفعله يكون قد أرتكب الأثم، ذلك إن العلاقة بين الذكر والأنثى لا تتم إلاَّ بالتراضي والقبول -، ولا تصح بالإستغلال أو بوضع اليد فهذا ممنوع شرعاً وعقلاً - ..

ونقول كذلك: - إن المسموح به من فعل (ملك اليمين) هو ما يقع مع النساء المؤمنات وليس مع الكافرات أو المشركات -، هذا بحسب ما يقوله الكتاب المجيد، إذ ورد ما يلي نصه قال تعالى: - [- وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ، بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ، فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ، وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ...] - النساء 25 .

أولاً: المحصنات هو جمع محصنة، وهي من الحصن بكسر الحاء، وهي لفظة دالة على المنع أو الإمتناع بمعنى الحماية والحصانة والصيانة، والمرأة المحصنة هي المرأة الممتنعة حين تقع بضائقة مادية وإقتصادية وإجتماعية لا تستسلم لها، بل تحصن نفسها من إرتكاب الخطيئة أو الإنزلاق فيها رغم المغريات، وهذا الفعل هو قابلية وقدرة على الإمتناع لدى بعض النساء، ولا يدفعهن عسر الحال والعوز والحاجة إلى الإنزلاق أو إرتكاب الخطيئة، ومن أجل هذا جاءت الإباحة لحفظ وصيانة المرأة التي تتعرض لمثل هذا الظلم، من خلال توفير العيش الكريم والحماية والحصانة والصيانة لها، وشرط الحصانة متعلق رتبةً بشرط الإيمان، قال (من فتياتكم المؤمنات)، وهذا يدفع القول الرائج: - بأنهن نساء من الكفار سبايا - .

وثانياً: أشترط النص أن يكون النكاح الذي يقع مع ملك اليمين، أن يتم بأذن أهل هذه المرأة المؤمنة، ويبين هذا إن فعل النكاح هو ليس بوضع اليد أو التملك، وإنما بالتراضي والقبول، والأصل فيه حصانة المرأة من الوقوع في الخطأ أو الخطيئة .

وثالثاً: الحصانة في واقعها الدلالي والمفهومي هو ما يتضمن هذا المعنى وتوابعه المعنوية والمادية، قال تعالى (وآتوهن أجورهن بالمعروف ... محصنات غير مسافحات) .

 ملاحظة:

بعد الحديث عن معنى الزوج في اللغة والكتاب المجيد، يلزمنا بيان في ماذا تعنيه كلمة - بعل -، والبعل في لغة العرب هو المعيل أو الكفيل (وهو هنا معنا عام)، وفي الكتاب المجيد يأتي بمعنى المدير أو من بيده إدارة شؤون الأسرة، وقد ورد التأكيد على ذلك كما جاء في الأثر قوله عليه السلام: - [إن جهاد المرأة حُسن التبعل]، وفي ذلك إشارة لما تقوم به المرأة في حال غياب زوجها عنها وعن البيت، وفي هذه الحالة تكون هي المديرة والراعية لشؤون الأسرة والبيت، فتوفر لهم ما يحتاجون إليه من معاش وأمن وإستقرار .

 ويُفهم من هذا إن البعل لا يكون المقصود منه خصوص ما يقوم به الزوج في فراش الزوجية، بل يعني الرعاية والإشراف والحماية في كل ما يتعلق بشؤون وحاجات الأسرة، وفي هذا المعنى يتساوى الرجل بالمرأة والذكر بالأنثى، طالما كان المُراد من ذلك هو هذا، وإلى ذلك وردت جملة نصوص ومنها:

قوله تعالى: - [أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين] - الصافات 125، والجملة فيها إستفهام إنكاري، لأولئك الذين يتركون أحسن الخالقين ويلتجؤن إلى ما لا يضر ولا ينفع من الأصنام، في تلبية حاجاتهم المعاشية وسد عوز أسرهم وما تعاني منه .

 وقال تعالى: - [وإن إمرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً ...] - النساء 128، والكلام على من بيده الإدارة في مرحلة وقوع الخلاف بين الذكر والأنثى، قال إن المسؤول عن إعادة العلاقة إلى مجرآها الطبيعي هو البعل بصفته مديراً، فهو القادر على فتح باب الصلح وسد ثغرة الخلاف التي قد يأتي منها الطلاق وغيره .

وقال تعالى: - [.. وهذا بعلي شيخاً ..] - هود 72، والكلام عن زوج إبراهيم عندما بشرتهم الملائكة بالولد، وهنا أستخدمت اللفظ كناية عن الزوج وعن الإمكانية في صناعة الولد، بإعتباره المسؤول أو هو صاحب النطفة التي تتم بها هذه العملية، لذلك أستدركت بالقول وهذا بعلي شيخا، كناية وحكاية عن الضعف وعدم القدرة .

وقال تعالى: - [.. ولا يبدين زينتهن إلاَّ لبعولتهن .. أو آباء بعولتهن .. أو أبناء بعولتهن ..] - النور 31، والنص إنما يتحدث عن الأفراد الذين يُسمح لهم برؤية المرأة في زينتها الداخلية، تلك الزينة الممنوعة على الأخرين، ويجب التنبيه: إن الكتاب المجيد حين يستخدم اللفظ في معنى ما، إنما يأتي به للتعريف ولتقريب الذهن، فحين يقول - زوجاً فهو يقصد معناه المتعارف مع حرصه الضمني ان يقوم هذا الزوج بواجباته من النكاح والإدارة - .

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

27 جمادي الأولى 1440 هجرية

 

 

ميثم الجنابي"أنّى تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم،

ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم"

(الغزالي)

 الإهداء إلى  الدكتور مارفن الزايد، صديق الروح ومثقف الإخلاص التام للحق والحقيقة.

 قد يبدو من السهل اعتبار "علماء السوء" ممن يتصف بأنصاف المعرفة و"كمال" السوء، إلا أن هذه التقييمات الصارمة سرعان ما تفقد طابعها الجزمي أمام المقارنة الحية بين العلم والعمل، والفضيلة والرذيلة في ثقافات الأمم وتاريخها. وذلك لآن "علماء السوء" شأن كل وحدة متناقضة في تقييمها أو تعميم عام يوّحد في ذاته اعتبارات الفضيلة والرذيلة، كان يستند إلى تراث متعدد الجوانب. وفي حالة الإسلام، فإن فضيلة العلم كانت منذ بداية الأمر وثيقة الارتباط باتجاهه الأخلاقي. إذ ليس العلم الإسلامي الأول سوى علم الدين، أي فقهه. وقد افترض ذلك في أجنته غزل خيوط الوحدة الخفية بين العلم والعمل. حقيقة إن هذه الوحدة لم تكن ملزمة للجميع، أو بصورة أدق إنه ما كان بإمكانها أن تبتدع نفس العناصر الموحدة عند كل من أحترف العلم والعلوم، وذلك بسبب تباين قضاياها وأساليبها ومناهجها. وإن هذا التباين الضروري يتصف بطابعه النسبي الحيوي لاختصاصات العلوم وليس في غاياتها النهائية. وليس هناك تيارا في الثقافة الاسلامية من أدرك هذه الأهمية البالغة لوحدة العلوم في غاياتها النهائية أكثر وأعمق من المتصوقة. وها بدوره نتاج الالتقاء المحتوم في الفكرة الصوفية وطرقها بميدان الحقيقة. فالتصوف من حيث الجوهر هو فلسفة الحق والحقيقة. وتحتوي هذه الحالة على ما هو ملازم للحقيقة نفسها. وذلك لأن حقائق العلوم تكشف في نهاية المطاف عن وحدتها. وإذا كانت هذه الوحدة في عرف التصوف هي الحق، فإن الاتصاف به يعني تمثل حقائقه. وقد كان هذا إنجازاً عميقاً ومميزاً للروح الباحث عن معالم الوحدة الضرورية بين العلم والعمل. لهذا نظر التصوف إلى انحراف العلم عن العمل، أو ابتعاده أو مخالفته أو مجافاة ما يلزم بالعمل بنتائجه على انه رذيلة تامة!

إن هذه المفارقة التي تصنعها الحضارة، باعتبارها أيضاً أسلوب تناقضاتها الدائمة، هي الميدان الأكبر لتعميق فضائل الروح الأخلاقي. من هنا وجودها الدائم ونفيها الدائم. فبالقدر الذي يبذل العلم قواه من أجل تلافي تصدع العقل النظري، فإن الضمير يبذل روحه من أجل تلافي تصدع العقل العملي. وقد واجه الغزالي مكونات هذه المفارقة لا على أنها أجزاء من ثقافة الإسلام وتقاليده الواقعية والمثالية فحسب، بل وعلى أساس تجربته العملية نفسها. إذ لا نعثر عنده على انشغال جاد بهذه القضايا إلا في مراحل انكساره الروحي، أي منذ (ميزان العمل). إذ يظهر هنا للمرة الأولى قلق العقل النظري حول قضايا العقل العملي، واهتمام العقل العملي بإرشادات العقل النظري.

فهو يتناول "علماء السوء" في انتقاداته اللاذعة للمرة الأولى في (إحياء علوم الدين)، بينما يردد في (الإملاء على مشكل الإحياء) باختصار مكثف ما بثّه في (الإحياء). فالعلماء الذين صورت ثقافة الإسلام وتقاليده الورعة إياهم، باعتبارهم "ورثة الأنبياء" والعلم النبوي و"أدلة الطريق"، أصبحوا جزءاً من نسيج الذاكرة المثالية، أي كما لو أنهم تحولوا إلى كيان بائد لا يمكن العثور إلا على صداه.

إن هذه النظرة القاسية في مظهرها تعبّر عن تجربة الغزالي الشخصية والمصاغة في لهيب التجربة الصوفية. فقد ارتبط نقدها "لعلماء السوء" بمقدمات معرفية وأخلاقية وبأسباب اجتماعية وسياسية. غير أن وقوفها ما وراء طور المصالح المباشرة واحتراب القوى السياسية، بفعل سلوك الطريق وفلسفته الخاصة، جعلها تركز على الجانب المعرفي الأخلاقي. وبهذا تكون قد استوعبت وصهرت في بوتقة تقييمها العملي ما سبق لتقاليد الورع الإسلامي وأن تتبعته على مثال عمل العلماء. لهذا اقتربت تقاليد الورع الإسلامي الأولى في انتقاداتها "لعلماء السوء" مع مثيلتها الصوفية، أو أنهما التقيا في عمق انكماش قلوبهم تجاه رذائل العلم والعلماء في كل من خضوعهم للسلطان (السلطة) واضمحلال الورع مع المعرفة. وليس مصادفة أن تجعل المتصوفة أفعال الحسن البصري وأقواله التعبير الأول عن تحسسها الأخلاقي في زهدها وورعها. فعندما يفرد أبو طالب المكي في (قوت القلوب) فصلاً خاصاً عن التفاضل بين ما أسماه "بعلماء الدنيا وعلماء الآخرة"، فإنه يضع الحسن البصري في مصاف الأستاذ الحق لعلماء الباطن والأحوال. فقد كان الحسن البصري يؤكد، كما يقول ابو طالب المكي (ت386 للهجرة)، على "أن السفهاء همّتهم الرواية، في حين أن العلماء همّتهم الرعاية"[1].  وهي الفكرة التي سيضعها رواد التصوف في صلب زهدهم العملي وأحكامهم الذوقية وتأملاتهم "النظرية. فإذا كان الفضيل بن عياض (ت-187 للهجرة) قد صنّف العلماء إلى عالم دنيا وعالم آخرة، وأن الأول علمه منشور والثاني علمه مستور، فإن تدقيقات عوالم علماء الآخرة الباطنية والظاهرية عند المحاسبي في كتابه (الرعاية لحقوق الله) قد توّجت في وحدتها المتعمقة في أذواق العقل العملي. في حين أجاب الجنيد على سؤال وجّه له:

ــ يا أبا القاسم يكون لسان بلا قلب؟

ــ كثير!

ــ فيكون قلب بلا لسان؟

ــ نعم قد يكون. ولكن لسان بلا قلب بلاء وقلب بلا لسان نعمة[2].

بينما سبق لسهل التستري (ت-283 للهجرة) أن قسّم العلماء إلى عالم بالله، وعالم لله، وعالم بحكم الله. فالأول هو العارف الموقن، والثاني هو العالم بعلم الإخلاص والأحوال والمعاملات، والثالث هو العالم بتفصيل الحلال والحرام[3]. وفي موضع آخر قسّم العلماء إلى عالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله وهم المؤمنون، وعالم بأمر الله لا بأيام الله وهم المفتون في الحلال والحرام، وعالم بالله وبأيام الله وهم الصديقون[4]. والمقصود بأيام الله حسب آراء التستري هو نعمته الباطنة وعقوباته الغامضة. وعندما يعطي لمقارناته بين العلماء صيغتها "النهائية"، فإنه يسلسلها بالشكل التالي: الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء نيام إلا الخائفين، والخائفون منقطعون إلا المحبين، والمحبون أحياء شهداء[5]. وهي الدرجة القصوى في تطور الصوفي، بوصفه تحقيقا لوحدة العلم والعمل. واستند أبو طالب المكي إلى حصيلة الفكر الصوفي في وضع مقارناته البيانية بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة[6].

ذلك يعني بأن لمواقف الغزالي النقدية تقاليدها العريقة في الفكر الصوفي، أي أن انتقاده استند إلى ما جمّعته "ثقافة الإخلاص". غير أنه استمد مادته من حيث مضمونها وغاياتها العملية المباشرة من واقع القرن السادس الهجري ومعالم انهيار الخلافة السياسي والروحي، وطبيعة تجربته المعرفية الشخصية. فعندما واجه "علماء السوء"، فإن انتقاداته اللاذعة إياهم لم تكن نفياً ذاتياً لممارسته بقدر ما أنها كانت من حيث موضوعيتها إعادة نظر أخلاقية بالفكر السالف، وإعادة نظر نقدية بالموقع الأخلاقي للنظم الفكرية، وعلاقة الحقيقة بالسلطة. وعبّر عن موقفه هذا في ما كان يدعوه تهكماً بعبارة "المترسمين بالعلم"، أي أولئك "الذين استحوذ على أكثرهم الشيطان، وأغواهم الطغيان، وأصبح كل واحد يعاجل حظه مشغوفاً. فصار يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً حتى ظل علم الدين منهم مندرساً. ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطغام، أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام، أو سجع مزخرف"[7]. وسوف يرتقي بهذه النزعة النقدية بعد صياغة مبادئها العامة إلى مستوى المواجهة، التي وضعته أمام معضلات المعرفة الفاقدة لروح الأخلاق وجهل الروح. ولم يستغرب الغزالي هذه الظاهرة وذلك بفعل رؤيته لواقع انتشار وسيادة من أسماهم بأهل الزور والفسوق، المتشبثين بالدعاوى الكاذبة والمتصفين بالحكايات الموضوعة، المترنمين بصفات منمقة والمتظاهرين بظواهر من العلم فاسدة، والمتعاطين لحجج غير صادقة. كل ذلك طلبا للجاه أو محبة الثناء.

إن مرور الغزالي بدهاليز "العلم السيء" قد أعطى له إمكانية تحديد هوية الوجود الشخصي في حدّه وحقيقته. وفي الوقت نفسه عمّق حساسية الرؤية النقدية. فالأخيرة لم تعد من ردود الفعل الإرادية ولا من انعكاسات التأمل البارد، بل من وهج التقييم الذوقي، الذي يرى كمال العالم في وجوده بما في ذلك نواقصه. ولكن إذا كانت النواقص فنوناً وأصنافاً، فإن كسادها في العلم هو تعجرف علمائه، أي كل ما يعطي لجهلهم قوته الهجومية ولرذيلتهم طعم الانتقام. لهذا رد عليهم في (فيصل التفرقة) بقوة شديدة، عندما تعرض إلى من حاول تكفيره والتشهير به. ومع ذلك لم يجعل من هذه الظاهرة مسألة شخصية ولا أن يحصرها في إطار الرد والانتقام، بل ليظهر من خلالها بديل التكفير وافتقاد معلنيه لأخلاقية القول والعمل به. لهذا شدد على أن "حق القول به يعطى لأولئك الذين انجلت قلوبهم من الدنس وتطهرت عن وسخ أضرار الدنيا، أولئك الذين ارتقوا بفعل الرياضة والذكر والفكر والتمسك بحدود الشرع إلى المراتب التي تفيض عليها فيها أنوار مشكاة النبوة". وإلا فكيف "يتجلى إسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم، ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم، وعبادتهم خدمة أغنيائهم، وذِكرهم وساوسهم، وفكرهم استنباط الحيل لما تقتضيه حشمتهم. فهؤلاء من أين تتميز لهم ظلمة الكفر من نور الإيمان؟ بإلهام إلهي ولم يفرغوا القلوب عن كدورات الدنيا لقبولها؟ أم بكمال علمي وإنما بضاعتهم في العلم مسألة النجاسة وماء الزعفران؟"[8]. وسوف يدفع هذا الانتقاد إلى إحدى درجاته القصوى عندما شدد في (الإملاء على مشكل الإحياء) على أنه "لا برّ يجمعهم بل اجتمعوا على الكفر. وأن قلوبهم تصفو على الخديعة والمكر". فهم "الجهال في علمهم، الفقراء في طولهم، البخلاء من الله بأنفسهم. لا يفلحون ولا ينجح تابعهم. لذلك لا تظهر عليهم مواريث الصدق، ولا تسطع حولهم أنوار الولاية، ولا تخفق لديهم أعلام المعرفة، ولا يستر عوراتهم لباس الخشية لأنهم لم ينالوا أحوال النقباء ومراتب النجباء وخصوصية البدلاء وكرامة الأوتاد وفوائد الأقطاب"[9]. وحالما قسّم العلماء إلى الحجة والحجاج والمحجوج (توالياً)، فإنه جعل من الصنف الأخير نموذجاً لعلماء عصره. فالمحجوج هو العالم الذي يضع نفسه في وسيلة وغاية مقالاته وبراهينه. بمعنى أن باعثه المحرك ليس العلم والحقيقة بل العلو والجاه. فهو يبدو كأحد الخدم في لباس العلماء. إضافة لذلك إنه مفتون بعلمه مغتر بمعرفته مخذول بنصرته. أما فخره فبلقاء أميره وصلة سلطانه وطاعة القاضي والوزير والحاجب"[10]. فهو شبيه بمن أهلك نفسه لأنه لا ينتفع بعلمه. وإذا أعطي رضى بالعطية ومدح، وإن منع منها شتم وذم وعربد[11]. وعندما التفت الغزالي إلى ما هو حوله من علماء عصره، فإنه لم يجد سوى "أهل سخافة ودعوى وحماقة واجتراء وعجب بغير فضيلة ورياء يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"[12]. وربط هذه النتائج المزرية لحالة العلماء المعاصرين له بالجهل بالنفس. فهو المبدأ الروحي الضروري للذات المفكرة الحقيقية. إذ لا يمكن بلوغ حقيقة السعادة والحقيقة، حسب نظره، خارج وعي الذات أو بمعزل عنها. فهي مقدمة إدراك حقيقة الحق. آنذاك فقط سيكون بإمكانه معرفة علة أهل الباطل ودواء أهل الضعف وأهل القوة معاً. وإن غياب هذه المعرفة هو السرّ القائم وراء احتجاب "علماء السوء" بالجهل وسخافاته، والإصرار وتهاونه، ومحبة الدنيا وتطويل الغفلة، وإظهار الدعوى وكبرها ورياءها[13]، أي كل حالة الزيف الديني (الأخلاقي) التي أفرد لها مقاطع واسعة في كتاباته من أجل إماطة اللثام عن واقعيته وفاعليته وصوره في ظاهر علماء السوء وباطنهم، أي كل ما شكل في حصيلته النتاج الملازم لانفصام وحدة العلم والعمل.

إن الصورة الباهتة الفاقعة التي يقدمها الغزالي عن "علماء السوء" تظهر بكامل صورتها المضحكة المبكية على خلفية أولئك الذين إذا ما حدّثوا صدقوا، أي أولئك الذين ظنهم كيقين إن هموا حدسوا! مما دفعه إلى تصوير تجلياتها الممكنة على أنها نتاج لابد منه لإظهار ازدواجية "علماء السوء" وفراغهم الروحي. فعندما يتطرق إلى آفة الرياء، فإنه يفرق بين ما يدعوه بالرياء في الأعمال التي هي ليست من الطاعات، وأعمال الرياء بالطاعات، بحيث يضع الرياء الأول في حالة أهون من الثانية. ولم يقصد الغزالي بذلك سوى الكشف عن واقع الرياء الديني السائد وسط العلماء أولاً وبين البسطاء ثانياً. وتتبع مظاهر الرياء ودقائقه في أوساط "علماء السوء" في مظاهرهم وبواطنهم. ففي مظاهرهم يتصنّع واحدهم "الخمول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين، وغلبة الخوف من الآخرة، وليدل بالخمول على قلة الأكل وبالصفار على سهر الليل وكثرة الاجتهاد وعظم الحزن على الدين"[14]. ولا يقف أحدهم عند هذا الحد، بل يتعداه إلى الظهور متشعث الشعر ليدل به على استغراق الهمّ ويتصنع "خفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوم، وأن وقار الشرع هو الذي خفّض صوته"[15]. ويجهد أحدهم نفسه في أن "يحلق الشارب ويطرق الرأس في المشية والهدوء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه وغلظ الثياب ولبس الصوف وتشميرها إلى قريب من الساق وتقصير الأكمام وترك تنظيف الثوب وتركه مخرقاً. ومن ذلك لبس المرقعة والصلاة على السجادة ولبس الثياب الزرق تشبهاً بالصوفية مع الإفلاس عن حقائق التصوف في الباطن"[16]. وفي مجال القول، فإن رياءهم يظهر في "الوعظ والتذكير والنطق بالحكمة وحفظ الأخبار والآثار لأجل الاستعمال في المحاورة وإظهاراً لغزارة العلم ودلالة على شدة العناية بأحوال السلف الصالحين، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق، وإظهار الغضب للمنكرات وإظهار الأسف على مقارفة الناس للمعاصي، وتضعيف الصوت في الكلام وترقيق الصوت بقراءة القرآن ليدل بذلك على الخوف والحزن"[17]. ولا يقف الرياء الديني عند حدود الكيان المادي للإنسان ومظاهره الاجتماعية، بل وفي مظاهر العبادة، مثل الظهور بمظهر من يطيل القيام ويمد الظهر ويطيل السجود والركوع وإطراق الرأس وترك الالتفات وإظهار الهدوء وتسوية القدمين واليدين وكذلك بالصوم والغزو والحج والصدقة وغيرها[18]. ويقدم الغزالي كثرة من الأمثلة الواقعية، التي تكشف عن تهكمه العميق وانتقاده المرير لمظاهر الرياء الديني السائد، حيث يبرهن فيه على أنه حالما يتحول الرياء الديني إلى أسلوب الممارسة الواقعية والمثالية المزيفة، فإنه لابد وأن يودي إلى تكليس الوجود الأخلاقي وذلك لأنه لا يضع في اعتباراته سوى الأخذ بمظاهر الوجود العابرة. بمعنى أنه يتعامل مع مثل الأخلاق وعالمها الباطني بمفاهيم ومعايير وقيم الظاهر، مما يؤدي بدوره إلى استيطان قيم الظاهر المزينة بحراشف المغامرة  الغبية للمصالح. مما يؤدي في نهايته إلى تهميش المعنى وتهشيم الحقيقة بتحويل كل ما هو ضروري إلى مفتعل، وكل ما هو مفتعل إلى ضروري.

ولم يقف في انتقاداته الشاملة للزيف بشكل عام وزيف "علماء السوء" بشكل خاص، أي أولئك الذين همهم خدمة السلطان (السلطة) والمناصب، بل وتعداه إلى كافة ممثلي النخبة المفكرة، بما في ذلك متصوفة زمانه. غير أن انتقاداته للمتصوفة تستمد مقوماتها من تقاليد التصوف ذاته في علمه وعمله، أي في إرثه الفكري وفي طريقته نفسها على أساس نقد النفس (المحاسبة والمراقبة الذاتية). إذ من الصعب العثور على شيخ صوفي لم تلازم أقواله وأحواله انتقادات لاذعة لمتصوفة عصره. بصيغة أخرى، إن لهذه الظاهرة جذورها المعرفية والعملية، وبالتالي لها مبادئها الأساسية وتراثها التجريبي.

فالمتصوفة هم الذين وضعوا في ثقافة الإسلام مهمة السمو الروحي للإنسان باعتباره غاية وهدف وجوده الذاتي. وهم الذين وضعوا مهمة الحركة المستمرة في عالم الروح نحو المطلق. وليست هذه الحركة سوى المراقبة الداخلية للنفس وتأديبها المستمر بما يتطابق مع الفكرة المثال للمطلق الصوفي، أي الفكرة التي تعمّق في ذاتها وتتعمق بدورها مع سيره في قطع "منازل السائرين ومقامات الموحدين"، أو هو نفسه مساره في الطريق الذي يوصله إلى حالة تحول جدل العالم وصراعاته إلى أجزاء من صوته الداخلي. فهو يسأل ويجيب، وينتقد ويؤنب، أي كل تلك المتناقضات الحياتية الممكنة التي يتطور فيها الصوفي، باعتبارها أسلوب صيرورة كيانه الروحي وواضعة لبنات صرحه وجوده الفردي. فهو لا يقف عند حد لأن هدفه المطلق. وبغض النظر عن إدراكه لمحدودية وجوده المادي، فإنه يتحسسه في الوقت نفسه على أنه شعاع يستحق التنوير، أي أنه يبقي للموت قيمة الوجود الحق باعتباره بداية الملكوت. فالمراقبة الدائمة للنفس تفعل فعلها في تمحور الذات الصوفية حول المطلق و«أوساطه "من خلال تسوية الإرادة في مساعيها الواقعية للاستغراق في عالم الكمال والمثال". وهي الممارسة التي ترمي بكل ما هو ثانوي وعابر في رحى التلاشي على أنها ضرورة. كما أنها الممارسة التي تقوِّم تعرجات الحياة بالإبقاء على الحياة كقيمة أخلاقية من خلال ربطها بالمطلق، تماماً كما فعل النبي محمد مرة عندما رمى بخاتمه الذهبي، الذي ألهاه باقتسام نظراته: "نظرة إليه وأخرى إلى الناس"! وليس ذلك سوى رمز للتوجه نحو وحدانية الحق في  العمل. والصوفي يسعى لتطبيق هذا المبدأ البسيط في مظهره، الشديد التعقيد في باطنه. فهو يحاول سد طريق الانحراف في ذاته تجاه كل ما يخرجه عن عالم الوحدة سواء كان ذلك بالمعاصي أو الطاعات، باللين أو الشدة، بالشك أو اليقين، مما جعل من انتقاده للنفس نمط وجوده الحق وأسلوب نفيه الدائم. وهو في الوقت نفسه أحد العناصر الجوهرية في العلم الصوفي وفعله. ويمكن القول، بأن لغة الصوفية ذاتها هي لغة البحث عن النفي الدائم في مساعيها اكتشاف "خلل" التعبير عن المطلق. وبالتالي العمل من أجل تشذيبه مازالت التجربة الفردية هي وسيلته، أي كل ما ينبغي للصوفي أن يمثله في فردية جهاده الأكبر (جهاد النفس). فهي المقدمة الأساسية للتصوف بسبب كونها مقدمة تنقية النفس وصقل القلب من أجل اكتشاف حقيقة المطلق فيه على أنه مثاله أيضاً.

فالصوفية تدرك تعقيد العملية الواقعية لتنقية النفس. فهي تدرك بأن الإنسان مازال موجوداً، فإنه لا يمكنه تخطي حدوده الواقعية إلا بأساليب واقعية، ولكن من خلال دفعها إلى نهايتها، أو إلى ما يمكن أن يتخذ في تجليه الظاهري هيئة المذهل المعجز والمحيّر المفجع في تناقضاته، أي أنها تدرك قيمة التناقض كأسلوب لوجود الأشياء. وهي على خلاف الأشياء، تنحو منحاها الإرادي لتذليله في ذاتها، ومن ثم تذليل الإرادة في تسويتها من أجل إفقادها وجودها المستقل. وقد عبّر يحيى بن معاذ (ت-258 للهجرة) عن هذه الفكرة بصورة نموذجية عندما أكد على أن جهاد النفس يقوم في رياضتها. وهو على أربعة أوجه وهي القوت من الطعام، والغمض من المنام، والحاجة من الكلام، وحمل الأذى من جميع الأنام، أي كل ما يؤدي بحصيلته إلى موت الشهوات وصفو الإرادات والسلامة من الآفات وبلوغ الغايات. وهي العملية المترابطة في إخماد الذات النفسية بالخمول الجسدي وقلة الكلام، مما يؤدي إلى إبراز عظمة الحلم وانقطاع النفس عن الظلم والانتقام، أي عندما يكون الوجود بكل تناقضاته مندرجاً في ذاته متحولاً إلى كيان "نظيف ونوري وخفيف وروحاني".  آنذاك ستجول النفس "في ميدان الخيرات وتسير في مسالك الطاعات كالفرس الفارة في الميدان وكالملك المتنزه في البستان"[19].

وبغض النظر عن أن الصوفية لا تضع مفهوم الذات ككيان ما مطلق خاضع لمعاملاتها الخاصة، إلا أنها تنطلق من شموليته المطلقة باعتباره التجلي الإنساني للإلهي في حيثياته الوحدانية. وعلى الرغم من تنوع الله الصوفي، إلا أنه هو هو بالدرجة التي تستوعبها عملية وعي الذات الصوفية الفردانية. إذ ليس وعي الذات الصوفي سوى نفي الذات الفردية (الواقعية) بالذات المثالية المطلقة، أي مساعي تحويل فروض العين المطلقة إلى "تقليد" حياتي يومي. مع ما يترتب عليه من مواقف مفارقة موحدة تجاه الطبيعة وما وراءها، والتاريخي والمافوق تاريخي، والوجودي والميتافيزيقي، والواقعي والخيالي. فالنفس الإنسانية تظل فردية في تشخصها رغم بقاء التعامل الصوفي العام معها في المعرفة. وإن هذا الالتقاء بين العام والخاص في الممارسة يظهر بمظهر التهذيب الأخلاقي الدائم للعالم الباطني في مواقفه وأفعاله ونياته وأهدافه. فالتذويت الفرداني لله الصوفي يتجلى بمقدار سريان الله في التذويت أو بمقدار تجلي القيم المطلقة عن فروض الواجب، كما صاغتها تقاليد التصوف. آنذاك تظهر معرفة الذات الصوفية بهيئة عمل أخلاقي خالص، مما يجعل من وسيلة الوجود الحق نفي التناقض.

ويرتبط بهذه الحصيلة خصوصية انتقاد المتصوفة لنفسها في كل من تراثها النظري والعملي. إذ تجد المتصوفة في شيوخها الأوائل مصدر سموها الدائم وعلائم رفعتها المقوِّمة، بفعل ربطها سلسلة وجودهم بالوجود الحق من خلال المسيرة الإنسانية في أوليائها وأنبيائها وملائكتها، أي في كل الوسائط المادية والمعنوية، التي أبدعها خيال الروح وجموح العقل. أما في واقعها التاريخي فإنها وجدت في انتقاداتها اللاذعة للنفس وسيلة تنقيتها الدائمة. رغم أن هذه الممارسة لم تكن على الدوام متشابهة في حدتها وفاعليتها. وإذا كان هذا الانتقاد في الأوساط الصوفية ملازماً لوجودها منذ  البداية، فإن تجليه الحاد عند شيوخها الأوائل لم يظهر بهيئة منظومة عامة إلا بوصفه أسلوب التجديد الحق للحق في تصوفه. فعندما يضع القشيري رسالته الشهيرة في ثلاثينيات القرن الخامس الهجري (437 للهجرة)  من أجل تكوين الصورة الحية الناصعة عن شيوخ التصوف، باعتبارهم المثال الحق، فإنه ينظر إليهم نظرته إلى "صفوة الأولياء الذين تحوي قلوبهم معادن أسرار الوجود والله، والمختصين من بين الأمة بكونهم غياث الخلق الدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق. الذين تصفّوا من كدورات البشرية ورقوا إلى محال المشاهدات بما يتجلى لهم من حقائق الأحدية، الذين توفقوا إلى القيام بآداب العبودية له وأشهدهم بمجاري أحكام الربوبية"، أولئك الذين لم يبق منهم سوى ذكرهم ومثالهم. فهم الطائفة التي انقرض أكثرها ولم يبق منهم، كما يقول القشيري، إلا أثرهم، كما قيل شعراً:

أما الخيام فإنها كخيامهم     وأرى نساء الحي غير نسائها[20]

لكن إذا كان انتقاد القشيري لظواهر الزيف والرياء "الصوفي" يتضمن صياغة البديل الفكري الواقعي للتصوف المعاصر له على مثال شيوخ الصوفية الكبار، فإن الغزالي لم يقدم تصوراته وأحكامه إلا باعتبارها جزء من معتركه الفكري مع الاتجاهات الأخرى، من أجل صياغة الأطر العامة والعناصر المكونة لتآلفه الفكري البديل. فهو شأن مؤرخي المتصوفة والصوفية أنفسهم، نظر إلى شيوخها على أنهم ممثلو الحق الإسلامي والإرث النبوي المحمدي[21]. وأنه لا ينال السعادة الحقيقية سواهم بفعل إدراكهم حق اليقين بمشاهداتهم الباطنة، التي هي أقوى وأجلى من مشاهدة الأبصار، وهم لا يموتون لأن الموت لا يأخذ منهم سوى أجسادهم وهم أحرار عنها. ذلك يعني أنه أراد القول بأن المتصوفة هم العلماء الحق بالله، أو إنهم البديل الفعلي "لعلماء السوء". ولم يضع في مفهوم العلماء بالله وورثة الأنبياء ما هو سائد في أوساط الفقهاء والمتكلمين، ولا حتى في ما هو شائع في أوساط المتصوفة العادية. فالغزالي يشدد على تمايز الصوفية عن العلماء الآخرين بما في ذلك عن أشدهم ورعاً وتقوى.  فعندما يقارن على سبيل المثال بين أحمد بن حنبل والمحاسبي، فإنه يشبه الأول بنهر دجلة يغترف منه الجميع، بينما شبّه الثاني ببئر عذبة لا يقصدها إلا واحد بعد واحد[22]. وإذا كان لهذه المقارنة جذورها في فكرة العوام والخواص الصوفية، فإنها تعكس في موقفه وبديله العام جوهرية الممارسة الشخصية وسموها الروحي في عالم التصوف مقارنة بعوام "علماء السوء"، أي أنه لم يسع لوضع تعارض لا يمكن تذليله، وذلك بفعل تناوله هذا الخلاف الجوهري في ميدان ومقولات ومتطلبات الروح الأخلاقي المعرفي. فهو ليس تعارضاً بالمعنى الدقيق للكلمة، بقدر ما أنه تمثيل لدرجات القرب والبعد عن الحق والحقيقة.

بصيغة أخرى، إنه أراد إظهار ما في المتصوفة من قوة بديلة تظهر في جمعيتها العملية والعلمية كنقيض "لعلماء السوء".  فعندما صور كيان المتصوفة باعتبارهم البديل العملي (الأخلاقي) "لعلماء السوء"، فإنه يجعل منهم تجسيداً للخشية والخشوع والتواضع وحسن الخلق والزهد[23]. فالغزالي يدرك نقص حصر "مديح" المتصوفة بهذه الصفات، إلا أنها تكفي بحد ذاتها لرفع كفتها مقارنة "بعلماء السوء" إلى أقصى درجاتها، أي أنه أراد كشف كيانها العملي الأخلاقي كمثال لما هو موجود. وهو شأن شيوخ المتصوفة لم يكن بإمكانه تجاهل رؤية "الانحرافات" المتناثرة في الأوساط الصوفية. غير أن انتقاده للمتصوفة ليس انتقاداً منظومياً، بل كان جزءا من انتقاده لمظاهر الرياء باعتباره انعكاساً للانحلال الأخلاقي[24]....(يتبع).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص133.

[2] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص142.

[3] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص140.

[4] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص140.

[5] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص140.

[6] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص129-162.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص2.

[8] الغزالي: فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، ص35-37.

[9] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص13.

[10] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص19.

[11] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص19.

[12] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص19.

[13] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص13.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص297.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص297.

[16] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص297-298.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص298.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص298-299.

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص66.

[20] القشيري: الرسالة القشيرية، ص2.

[21] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص52.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص70.

[23] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص77.

[24] سوف اتناول هذا الجانب في موضعه حال الحديث عن تصوف الغزالي وخصوصيته.     

 

لقد منع الكتاب المجيد - تعدد الزوجات -، ولكنه في المقابل أباح - التعدد في النكاح -، وبين المسألتين جدُ فارق في الفعل والمضمون، ونحن بدورنا سنوضح ذلك ما أستطعنا إلى ذلك سبيلا معتمدين على الكتاب ونصوصه ودون الإلتفات إلى ماورد من أخبار وروايات في هذا الشأن .

 ولكن وقبل البدء في شرح وبيان موقف الكتاب المجيد من هذه المسألة، لا بد من التذكير بأن المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة تخوض صراعاً مستديماً متعدد الإتجاهات، من أجل تحديد الموقف القانوني والشرعي والأخلاقي عن نوع الحريات التي تسمح والتي لا تسمح، وعن طبيعة الحقوق وطبيعة النظام الذي يجب أن يسكنون إليه، وأقول: إن التعريفات العتيقة التي تبنتها المدرسة الإسلامية ما عادت تلبي أو تستجيب لكثير من المفاهيم التي أفرزتها حالة وطبيعة التطور المجتمعية في العالم أجمع -، ولم يعد مناسباً في هذا الشأن التركيز فقط على منتجات التراث، مع جُل إحترامنا لذلك التراث، فالتراث مهما بلغ من شاء، فإنه يظل يعبر عن الماضي بما فيه من أفكار ورجال، والماضي لن يستطيع ان يصنع الحاضر بطريقته وبفهمه للأشياء، وإن منتجي التراث رجال لا قدسية لهم ولا معصومية، وما أنتجوه من أفكار يظل في حدوده الخاضعة لبند الصحة والموافقة لكتاب الله والعقل، والتراث في أصله اللغوي جاء من مادة - ورث - الثلاثية الدلالة والأبعاد ومعناه: ما يحصل عليه الوريث من المورث مادياً -، وإلى ذلك أشار النص التالي قال تعالى: [وورث سليمان داوود ..] - النمل 27، والتوريث هنا كل مايتعلق بما هو مادي من متاع وغيره [وليس منه النبوة والحكم، فالأول إصطفاء والثاني إختيار من قبل الناس]، فالنبوة ليست من الأشياء التي تورث لأنها إصطفاء من الله، كذلك الحكم هو إختيار وإنتخاب للحاكم من قبل الناس فلا يصح فيه التوريث أو ولا ية العهد .

والتراث في عمومه مادي يظهر ذلك حتى في قوله تعالى: (وتأكلون التراث أكلاً لما) - الفجر 19، وكل شيء يتعلق الفعل فيه والممارسة من قبل الإنسان فهو مادي ومنه الأفكار، ولهذا يصدق عليها مفهوم - التراث - أيضاً، كالقيم والأخلاق والمبادئ والتي هي في الواقع أشياء مادية يمكن توريثها، وبهذا المعنى يكون كل ما أنتقل أو وصل إلينا من الماضي القريب أو البعيد هو - تراث -، ولعلي أرجح لفظ - وصل إلينا - بدلاً عن أنتقل إلينا، والفرق بينهما واضح: [فأصل الفعل في أنتقل هو من النقل أي الرفع من مكان لمكان أخر، وبالتالي يكون معنى أنتقل إلينا هو ما نُقل إلينا من محل أخر، واما لفظ وصل إلينا أي ما أتصل بنا -، وفي هذه الحالة يكون الوصل أقرب في الدلالة، فما وصل إلينا من الماضي هو ما أتصل بنا منه، شريطة ان يكون له قابلية التأثير والفعل في حياتنا، من حيث التأثير على أفكارنا ومفاهيمنا وتصوراتنا، وحين نفتقد لشرط القابلية في التأثير والفعل، تكون الدعوة للخروج من حالة التقديس الأعمى لما في التراث ومُنتجيه أمراً لازماً، وبنظرنا المتواضع لم تعد كتب التراث من تفاسير وكتب وأخبار مؤدية للغرض، مع كامل الإحترام والتقدير لتلك الثروة ولذلك الجهد الغير مسبوق في زمانه، وهذا يعني إننا بحاجة إلى حركة نقلة تدرب العقل وتؤهله ليواكب عصره (الزماني والمكاني) .

 وهنا ترآنا نعود للتذكير بمقولة لنا مضت في لزوم ووجوب فتح باب الإجتهاد على نحو مختلف عن ذلك الذي ألفناه، والإجتهاد الذي نلح بالطلب عليه هو في فسح مجال أكبر وأوسع للعقل بعيداً عن سلطة الأخبار وما فيها من القيل والقال والنكاية البعيدة عن مضمون عصرنا وزماننا، مع عدم الإلغاء الكامل أو التجاوز الكامل على كل الماضي وكل التراث، فتلك مخاطرة لا نسمح بها ولا نؤيدها، إنما نريد لبعض الماضي الصحيح والتراث الموثق أن يكون جزءاً مما نستأنس به في موضوعاتنا وبحوثنا .

إن موضوعة - حرية الحقوق - جدلية بإمتياز فهي من حيث هي قضية يتصارع فيها الزمان والمكان، ومن هنا تدفعنا هي ذاتها لتصحيح المسار من خلال رؤية جديدة لمعنى - حرية الحقوق -، والسؤال هل تقع - حرية الحقوق - في دائرة الواجبات أم المباحات ؟،

 وطبعاً هنا في مسألتنا يكون الجواب إنها من المباحات فحق الزواج مثلاً ليس واجباً كذلك حق النكاح وحق التبعل، ومفردة زواح ونكاح وتبعل مفردات أستعملها الكتاب المجيد في سياقها حسب الوضع والطبع، وهي مفردات مختلفة المعنى والدلالة ولا يصح الخلط فيها تبعاً لما كان يفعله أهل التراث والأخبار، والخلط منشأه فكرة الترادف التي شاع وغلب أستعمالها في الشعر والأدب، ومن هناك وظفت في لغة الفقة والشرع عبر الشافعي كوسيط مفترض في هذه الفعلة، فوقع الشطط في المعاني وقد تغلب هذا الفكر على من سوآه من خلال سطوة أهل السياسة والحكم .

ففي قضية - التعدد - هيمن الترادف على ما تؤدي إليه الكلمة من ظنون، جاء ذلك بفعل هيمنة وغلبت الذكورية والقبلية التي كانت سائدة ومازالت في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فالتعدد موضوعة أرتبطت بالمرأة حين فسر المشرع المرأة كسلعة مما أدى مع الأيام لتجهيل - حق المرأة وحريتها -، والمريب في الأمر إن عامة النساء المسلمات رضين بهذا وأستسلمن له تحت ظل ظروف إقتصادية وإجتماعية ضاغطة، حتى صار التجهيل للحق حكم للشرع والدين بنظر العامة، وعلى ذلك سُنت قوانين الأحوال والحقوق الخاصة بالمرأة،  مع إن هذا التجهيل أساسه رجال دين تراثيين وكهنة وتجار قيم .

وفي هذا المجال تبدو الحاجة ماسة ليس فقط إلى إعادة تقييم ونقد التجربة الدينية لأهل التراث من المرأة، بل إلى إنتاج قواعد فكر وقوانين تحمي المرأة وتنظم حقوق المجتمع، وفي هذا أدعوا الجميع لمراجعة واقعية للكتاب المجيد من غير سطوة وهيمنة أهل التراث وفكره، كما أدعوا إلى إعتماد العقل كأداة منتجة ومستقرئة، وهذه الدعوة لنجعل منها الضابط الذي سيكون حاضراً معنا في كل خطواتنا هنا في هذا البحث، ولا ندعي إننا نريد تجديد الخطاب فهذه ثمة أكذوبة أو هي أفيون جديد للتخدير والإلهاء يميل إليه كهنة السلاطين للخروج من حالة التناقض واللا إتزان السائدة، ما نريده بناء منظومة بحث يمكنها إنتاج معرفة تجعل من الجميع حاضراً فيها غير بعيد عنها، وهذا يكون بالتركيز على بيان المعنى بصيغ قريبة إلى فهم السامع، من غير إطناب أو تضخيم أو تفلسف زائد، كما كان دئب من سبق، وهذا بنظرنا ما نرآه يفيد معنى مفهوم تجديد لغة الحقوق وقواعدها من وحي الكتاب والحياة المعاصرة .

 في قضية - التعدد - وقع الوهم والتدليس فبدلاً من أن يكون - التعدد - في النكاح، أصبح - التعدد - سارياً في الزواج لدى عامة الفقهاء ورجال الدين، وبما إن هذه القضية إشكالية لذلك فسوف نسلط الضوء عليها :

ونتسائل ونقول: هل إن فكرة - التعدد - جائزة أو ممنوعة في الكتاب المجيد ؟، وبما إن هذا السؤال يتموضع بين الجواز والمنع، فإننا نقول: إن قضية - التعدد - أساسها الفهم الخاطئ لما ورد في قوله تعالى: [.. فإنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألاَّ تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ..] - النساء 3، أعني الفهم الذي تبنى الترادف في فهم المعاني، الفهم الذي جعل من لفظ - أنكحوا - بمثابة أو بمعنى لفظ - تزوجوا -، مع إن الأصل والجذر اللغوي للفظين مختلف، فلفظ - أنكحوا - دال على الإستمتاع الجنسي، وأصله من الفعل الثلاثي - نكح -، وفي (النكاح) الإستمتاع أو المتعة أباح الكتاب المجيد التعدد، ولكنه في (الزواج) منع الكتاب المجيد التعدد، والزواج في الكتاب المجيد كفعل أو كمضمون ممنوع من التعدد وذلك:

 1 - لأن الزواج في وضعه ودلالته هو أوسع مفهوماً من الإستمتاع أو التمتع، ولذلك لا يجوز قصر معناه في النكاح .

2 - كما إن فعل تزوجوا أعتبر في الكتاب المجيد ممنوعاً من الصرف، والخلط بينه وبين فعل أنكحوا هو مخاطرة وفعل خاطئ .

 3 - ثم إن اللفظ في الكتاب المجيد إنما وضع لمعنى محدد معين لا يتعدآه لغيره - .

وحين قلنا: إن إباحة التعدد في (النكاح) إنما بشرط وجود القدرة والإستطاعة، وفي (الزواج) قلنا بالمنع لأن الزواج مرتبط بميثاق قال تعالى: [.. وأخذنا منكم ميثاقاً غليظا] - النساء 21، والميثاق هو إتفاق بين - الذكر والأنثى

- على طريقة الحياة وعن القوامة وعن الإدارة ورعاية الأطفال والضمان، أي إنه إتفاق على تأسيس الأسرة وفي هذا قال الكتاب المجيد بعدم جواز التعدد، قال تعالى: [وإن أردتم إستبدال زوج مكان زوج أخر ..] - النساء 20، بمعنى إن الجمع والتعدد في الأزواج ممنوع وغير ممكن، وهذا مالم يتوفر هدفاً ومضموناً في النكاح، إذ ليس هناك ثمة ميثاق فيه، إنما ينعقد النكاح (المتعة) بإتفاق بين الطرفين (ذكر وأنثى) من غير قيد وفيه يصح التعدد لطبيعته ولما يُراد منه - .

 وكما قلنا: بعدم جواز الترادف في الكتاب المجيد، كذلك نقول لا يجوز التكرار في الكتاب المجيد فعلاً ومضموناً -، ومنه جاء المنع بعدم جواز إسقاط لفظ - الزواج على النكاح -، وعندنا لا يصح الإتفاق مقروناً بهذا اللفظ في حال الزواج، ودليلنا في عدم الجواز ما عليه قواعد اللغة العربية والتي تمنع التكرار والترادف في هذه المسألة، وأما ما ذهب إليه البعض من أقوال في هذا المجال فلا يعتد بها ولا تفيدنا في هذا المقام، لهذا فالواجب يقتضي ضبط معاني الكلمات من خلال الكتاب المجيد ومن دون النظر أو الحاجة إلى هذه الإستعارة التبعية للشعر ومقولاته، بل ولا يجوز جعل ذلك حجة على معاني وألفاظ الكتاب .

 فإن قلتم: ألم ينزل الكتاب المجيد على سبعة أحرف - .

قلنا: إن ذلك ليس صحيحاً وهو وهم وتجني، ذهب إليه من أراد دفع شبهة التحريف في الكتاب المجيد والتي يقول بها البعض - .

ثم إن التعدد في النكاح ورد مضافاً، وليس عدداً صحيحاً بل العدد مضروباً بنفسه، وهو ليس من قبيل العدد الصحيح واحد وأثنين وثلاثة وأربعة، بل هو مثنى وثلاث ورباع، وفي ذلك يكون العدد مضافاً كما ورد في ذكر أجنحة الملائكة، قال تعالى: [..جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع .] - فاطر 1، ولم يقل أثنين وثلاثة وأربعة، لأن العدد هنا دال على الكثرة الممكنة، مع إنه أستخدم العدد الصحيح في قوله تعالى: [سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ..] - الكهف 22، ومنه يتبين إن اللفظ في الكتاب المجيد إنما يوضع بعناية للدلالة على المعنى المُراد والمقصود، ولكي لا يتم الخلط أو تعمد الخلط .

فحين يستعمل لفظ - تزوجوا - يقتصر الفعل والمضمون على الواحد من غير تعدد، وأما في حال علاقة الإستمتاع جعل التعدد ممكناً بحسب القدرة والإستطاعة، وفي علاقة الإستمتاع جعل الكتاب المجيد حد أدنى وحد أقصى، والأدنى يبتدأ بمثنى أي أربعة وينتهي برباع أي ستة عشر، ثم جعل القيد مرتبطا بمفهوم العدالة من جهة الإستمتاع

 قال - وإن خفتم ألاَّ تعدلوا - قال (فواحدة)، وهذا القيد متعلق بالقدرة والإستطاعة وليس بمحل أخر .

 وبما - المتعة - يُثار حولها بعض اللغط، والذي في غالبه جهل في فهم النصوص وعدم التعاطي مع ذلك بروح الواقع، بل وتغليب بعض الأخبار على نصوص الكتاب المجيد، ومن بين أوضح النصوص الدالة على جواز - المتعة - ماورد في قصة النبي موسى في قوله تعالى: [قال إني أريد أن أنكحك إحدى أبنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشراً فمن عندك ..] - القصص 27، في هذا النص تبدو الدعوة لعلاقة مؤقتة ومشروعة بين ذكر وأنثى في زمن محدد وثمن محدد (نكاح)، هذه العلاقة حسب ظاهر النص جائزة شرعاً، ولم يرد نص في الكتاب بمنع أو إلغاء هذا النوع من النكاح، ولم يجعل هذا النص عقدة النكاح بيد موسى -، مما يدل على أن هذا النوع من الإتفاق والذي يقصد به الإستمتاع المشروط بأجر وزمن يلزم في الحرية الضامنة للطرفين .

يتبع

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

اختلف المسلمون كثيرًا، ولا زالوا يختلفون، في أمر المؤمن العاصي في الدنيا والآخرة، وهل العمل ركن من الإيمان أم لا؟ وافترقوا.

كانت أهم عقائد الخوارج أن الإيمان لا ينفصل عن العمل، فهو ما وقر في القلب وصدقته الجوارح ‏والعمل، وقد قادتهم تلك المقدمة إلى نتيجة خطيرة جعلتهم أول فرقة متطرفة في تاريخ الإسلام، وهي أن ‏الفاسق غير مؤمن، فمرتكب الكبيرة هو كافر بزعمهم، فكفّروا المسلمين ووقعوا في دمائهم، وكان ‏الأزارقة -أتباع نافع بن الأزرق الحنفي- يعتبرون باقي المسلمين مشركين، وديارهم ديار ‏شرك! ولا نجد في أدبيات الخوارج حديث عن توبة صاحب الكبيرة، كما هو الحال عند المعتزلة، وفي ‏هذا فتح لباب المعاصي، وتجاهل للضعف الإنساني، وإغلاق لباب الرحمة في وجوه العباد.

ويذكر ‏الإمام البخاري في صحيحه، في أول باب (قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم) "وكان ابن عمر يراهم ‏شرار خلق الله، وقال: "إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في ‏الكفار، فجعلوها على المؤمنين"‏أهـ. ورواها ابن ‏عبد البر في "الاستذكار" (ج8، ص90) (رقم 10576) من رواية نافع عن ابن عمر. وأقول: ولا زالوا ‏يفعلون، وصدق ابن عباس عندما قال في الخوارج: "يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه".‏

يذكر علي سامي النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج1، ص233) "وجد الإمام الحسن ‏بن محمد بن الحنفية، أن الذين قاتلوا جده مستندين إلى أصل ظاهره الصدق وباطنه الإفك، هو (الحكم لله ‏لا لعليّ)، ينشرون أصلًا آخر خطير لقتل المسلمين، وهو أن لا عقد بدون عمل، فنفر لمجادلتهم، ‏وأعلن أنه لا يضر مع الإيمان معصية، وكان يكتب الكتب إلى الأمصار ويعلنها للناس، بأن الطاعات ‏وترك المعاصي ليست من أصل الإيمان حتى يزول الإيمان بزوالها"أهـ. ‏

أما المعتزلة، فمن أصولهم الخمسة، المنزلة بين المنزلتين، وهي منزلة الفاسق في الدنيا عندهم، فهو لا يُسمى مؤمنًا ولا يُعد ‏كافرًا، وكان تعليل المعتزلة ‏لتلك المنزلة الوسطى التي أنزلوها مرتكب الكبيرة أن الإيمان لو كان موجودًا لعصم صاحبه ‏من الكبائر. ورغم أن تعليلهم للأمر كان مصدره ما حكم به العقل من عدم فصل الإيمان عن ‏العمل، فقد رأى المعتزلة في الآيات القرآنية التي حثت على العمل الصالح في القرآن وقرنته ‏بالإيمان أنها دليل على ركنية العمل كجزء من الإيمان، وهناك نصوص دينية يتفق ظاهرها مع ‏قولهم. يقول تعالى: ‏﴿‏إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر‏‏﴾ [العنكبوت:45]. وورد في ‏صحيح البخاري (2475) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ‏‏"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق ‏حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو ‏مؤمن". وعن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: مثله، إلا ‏النهبة. قال الفربري: وجدت بخط أبي جعفر: قال أبو عبد الله: تفسيره: أن يُنزع منه، يريد ‏الإيمان. وللحديث أطراف بصحيح البخاري، أرقام (5578- 6772- 6810).

فالمعتزلة ‏يرون في النصوص التي قرنت الإيمان بالعمل الصالح، وتلك التي على العكس قرنت نفي ‏الإيمان بالعمل الطالح، نصًا على عدم الفصل بين الإيمان والعمل، -بينما الأشاعرة ترى تمييز ‏الآيات بينهما دليلًا على انفصالهما، كما سأوضح لاحقًا-. وكان هذا الأصل من أصول عقيدتهم هو سبب انعزال واصل بن عطاء عن مجلس ‏أستاذه الحسن البصري، وقد تفرّد المعتزلة به، فكان مخالفة من المعتزلة لاعتقاد الخوارج بأن ‏الفاسق غير مؤمن، ومرتكب الكبيرة كافر، ‏والذي على أساسه كفّر الخوارج المسلمين وخاضوا ‏في دمائهم، وكذا كان فيه مخالفة من المعتزلة لأهل السنة والجماعة من ‏الأشاعرة والماتريدية ‏الذين لم يكفروا أصحاب ‏الكبائر، ولم يحكموا بتخليدهم ‏في النار، بل اعتبروهم مؤمنين فاسقين، أمرهم إلى الله. كما خالفوا المرجئة الذين قالوا: لا ‏يضر مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة، وحكموا بنجاة كل من نطق بالشهادتين، ‏وكان واصل بن عطاء قد فسَّق كلا فريقيّ حرب الجمل، وفيهم علي والحسن والحسين وابن ‏عباس وعمار بن ياسر من جهة، وعائشة وطلحة والزبير من جهة أخرى!!

بينما أهل السُنة والجماعة الأشاعرة على أن العمل ليس ركنًا من الإيمان. وعدّه ركنًا يوقع في معتقد الخوارج أو المعتزلة. والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:110]. أي أنه تعالى في الآية لا يجعل العمل ركنًا من الإيمان، بل يميز بين الإيمان والعمل، ويجعل كليهما شرطًا للطمع في النجاة الأخروية، مع أنه في آية أخرى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء:48]، أي أن من ضيّع إيمانه لا يجب أن يطمح للنجاة، أما من كان صاحب معصية فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾؛ فهم يعتقدون أن إيمان المسلمين أمره مرجأ إلى الله، ويكفينا إقرار الناس بالإيمان لعدّهم مسلمين في الدنيا، والتعامل معهم على هذا الأساس؛ فتارك العمل مرتكب الكبائر مؤمن في الدنيا، ليس كافرًا كما قالت الخوارج، ولا فاسقًا كما زعمت المعتزلة، وهو مستحق للعقاب في الآخرة، لكن لا نحكم بتخليده في النار كما حكمت الخوارج والمعتزلة، بل أمره إلى الله في الآخرة، كما قال بذلك أبو حنيفة.

وهناك قصة شهيرة تحكي سبب إرجاء أبي حنيفة لأمر تارك العمل من المسلمين، وهي ‏مأثورة عن أبي حنيفة مع جارٍ له فاسق، والذي يُروى أن أبا حنيفة رفض أن يُصلي عليه عندما ‏مات، ثم جاء الجار في المنام لبعض أهل الصلاح ليُخبرهم أن الله قد غفر له، ولمّا سأل الإمام ‏زوجة الرجل عن حاله، أخبرته أنه كان يُطعم الأيتام ويطلب منهم أن يدعوا له؛ فعلم الإمام أن كل ‏مُوحد أمره مرجأ إلى الله، والله أعلم بما خفي من عمله.‏

فإرجاء الأشاعرة هو إرجاء سُنة. ويختلف عن اعتقاد بقية المرجئة، فهؤلاء الأخيرون يقولون: "إن من شهد شهادة الحق، دخل الجنة، وإن عمل أي عمل. وكما لا ينفع مع الشرك حسنة كذلك لا يضر مع التوحيد معصية. وقالوا: إنه لا يدخل النار أبدًا، وإن ركب العظائم وترك الفرائض وعمل الكبائر للكبائر"! ‏وقول المرجئة هذا يفتح الباب على مصراعيه أمام اقتراف المناكر، وما جاء الإسلام إلا لمحاربتها.

لكن للعمل مع ذلك وفقًا لاعتقاد أهل السُنة والجماعة قيمة، وإلا فنحن نغامر بآخرتنا، إن شاء عذبنا الله وإن شاء غفر لنا، ثم أن به تتفاوت مراتبنا في الجنة.

يقول إمام الحرمين الجويني في "الإرشاد في أصول الاعتقاد" (ص399-400) عن اعتقاد الأشاعرة في ‏الإيمان ردًا على من يقول بزيادته ونقصانه: "فإن قيل: فما قولكم في زيادة الإيمان ونقصانه؟ قلنا: إذا ‏حملنا الإيمان على التصديق، فلا يفضل تصديق تصديقًا، كما لا يفضل علم علمًا؛ ومن حمله على ‏الطاعة سرًا وعلنًا؛ فلا يبعد على ذلك إطلاق القول بأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهذا ‏مما لا نؤثره. فإن قيل: أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان منهمك في فسقه كإيمان النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: النبي ‏عليه الصلاة والسلام يفضل من عداه باستمرار تصديقه، وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك، واختلاج ‏الريب. والتصديق عرض لا يبقى، وهو متوال للنبي عليه الصلاة والسلام، ثابت لغيره في بعض ‏الأوقات، زائل عنه في أوقات الفترات. فيثبت للنبي عليه الصلاة والسلام أعداد من التصديق لا يثبت ‏لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه بذلك أكثر، فلو وُصف الإيمان بالزيادة والنقصان، وأُريد بذلك ما ذكرناه ‏لكان مستقيمًا فاعلموه. فإن قيل: قد أُثر عن سلفكم ربط الإيمان بالمشيئة، وكان إذا سُئل الواحد منهم ‏عن إيمانه، قال: إنه مؤمن إن شاء الله، فما محصول ذلك؟ قلنا: الإيمان ثابت في الحال قطعًا لا شك ‏فيه، ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة، إيمان الموافاة؛ فاعتنى السلف به وقرنوه بالمشيئة، ‏ولم يقصدوا التشكك في الإيمان الناجز"أهـ.

وعلى قدر إعزازي وتقديري لإمام الحرمين الجويني، فقد زادني جوابه تصديقًا بأن الإيمان يزيد وينقص، وليس ثابتًا بالقدر نفسه للجميع، ولكنه يتفاوت باطنًا وليس ظاهرًا، ولا يلزم من ذلك أن أنزع صفة الإيمان عمن شهد شهادة التوحيد كفعل الخوارج، كما لا يلزم منه أن أفتش في ضمائر الناس لاستكشاف قدر إيمانهم. ثم أخيرًا قرأت للنشار في مقدمة تحقيقه لـ "الشامل في أصول ‏الدين" للجويني (ص38) أن "الشافعي كان يؤمن بأن الإيمان تصديق وعمل، وأن الإيمان يزيد ‏وينقص"، علمًا بأن الشافعي موقفه معروف من الخوارج،‏ فأنا مع الشافعي في اعتقاده.

ولكن يبقى السؤال الأكبر: إن كنا نقطع بأن كل موحد هو مؤمن في الدنيا حتى لو ارتكب ‏الكبائر، ولا نخرجه من عداد المؤمنين لأنه نطق الشهادتين وهما عمود الإيمان، ولا مخرج من ‏الإيمان إلا بإنكارهما، فهل الإيمان يزيد وينقص؟ وإن كان العمل ليس ركنًا للإيمان بل هو متميز ‏عنه، فكيف يزيد الإيمان وينقص؟

جاء في "جوهرة التوحيد" للإمام اللقّاني المالكي:

ورُجِّحَتْ زيادةُ الإيمان *** بما تزيدُ طاعةُ الإنسان

ونقصهُ بنقصها *** وقيلَ لا خُلْفَ كذا قد نُقلا

وذكر البيجوري في "حاشيته على جوهرة التوحيد" (ص94) في شأن العمل "العمل شرط كمال –يعني للإيمان- على المختار عند أهل السُنة، فمن أتى بالعمل فقد حصّل الكمال، ومن تركه فهو مؤمن، لكنه فوّت على نفسه الكمال، إذا لم يكن مع ذلك استحلال أو عناد للشارع أو شك في مشروعيته، وإلا فهو كافر فيما علم من الدين بالضرورة"أهـ. ويضيف (ص100) في شرح البيت الفائت "وقد ذكر المصنف هنا أنه –أي الإيمان- يزيد بزيادته وينقص بنقصه –أي العمل-، ويعني: رجّح جماعة من العلماء، وهم جمهور الأشاعرة القول بزيادة الإيمان؛ لأنه لا معنى لترجيح زيادة الإيمان إلا ترجيح القول بها، ويكون ذلك بسبب زيادة طاعة الإنسان، فالباء سببية، و "ما" مصدرية، والطاعة فعل المأمور به واجتناب المنهي عنه"أهـ.

وأعتقد أن أفضل تشبيه ممكن للإيمان هو بالشجرة، فكما أن الشجرة جذع وأفرع، فالإيمان إقرار وأعمال، فكأن الجذع هو الإقرار، وكأن كل فرع بمثابة عمل، وحتى لو قُطِعت كل فروع الشجرة، فالشجرة لا تزول إلا بقطع جذعها، وكذا الإيمان لا يزول إلا بزوال أصله وهو الإقرار بالشهادتين، حتى لو لم يعمل صاحبه أي عمل. كما قد تكون شجرة جذعها قوي وأفرعها قليلة، وشجرة كثيرة الفروع وجذعها ضعيف، وهي شجرة المُرائي غير المخلص؛ لذا رُوي عن ساداتنا العُرفاء بالله قول بعضهم: "إن الله يقبل قليل عمل مع الإخلاص، ولا يقبل كثير عمل من غير إخلاص". ولعل تشبيهي هذا يُفسر أن يقع شخص كان كثير الصلاة والصوم وقراءة القرآن فريسة الإلحاد، بينما لا يتطرق حتى الشك لنفس شخص تارك العمل، لأن جذع إيمان هذا الثاني قوي حتى لو عدم الفروع.

ومن الفوائد في هذا الباب ما رواه السُبكي في طبقات الشافعية (ج4، ص259) "تكلم الأستاذ الإسفرايني في كتاب "الحلي في أصول الدين" على قول الشافعي رضي الله عنه الإيمان لا يشركه الشرك والشرك يشركه الشرك، بما حاصله أن الإيمان لو قارنه اعتقاد قدم العالم أو نحوه من الكفران ارتفع بجملته، والكفر كالتثليث مثلًا لو قارنه اعتقاد خروج الشيطان على الرحمن ومغالبته كما يقول المجوس لم يرتفع شركه بالنصرانية بل ازداد شركًا بالمجوسية، وأطال في ذلك. قلت –أي السُبكي-: فيؤخذ منه أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن الكفر يزيد وينقص فتأمل ذلك"أهـ.

وهنا يلزمني توضيح فروق هامة بين المنظور السلفي والمنظور الأشعري حول ركنية العمل: المنظور الأشعري قائم على أننا نؤمن به سبحانه، ونطيع ما استطعنا، ونقر بذنوبنا، ونستغفر منها، وهو أرحم الراحمين، فنطمع في رحمته، أما المنظور السلفي فيركز على العمل، فيرون أنهم طالما يُطيعون؛ يصلون ويصومون ويحجون، فهم أهل لنيل رحمته سبحانه. ومن هنا، ولتركيز المنظور السلفي على العمل، فقد يصل الأمر إلى تكفير من لا يقوم به، والإنكار على من يقول أن المؤمن تارك العمل إن شاء الله أدخله في رحمته، لأن نظرتهم إلى المسلم الذي لا يلتزم بأداء العبادات أشبه بالنظرة إلى الربوبي.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيأيا حجر الشحر إلى متى

تسنّ الحديد ولم تُقطَعِ؟

لم يكن بإمكان الغزالي آنذاك بعد أن يقول ما سيقوله الجيلاني عن منازلته لأقدار الحق بالحق للحق، لأنه لم يجتز بعد "طريق الانكسار" حتى نهايته. وإذا كانت تقاليد الصوفية اللاحقة قد أفلحت في إبداع مقارنات عديدة لمنازلات شيوخها، فلأنها وجدت فيها الصدى الروحي لما هو موجود وممكن (الفعل والواجب). بمعنى أنها استطاعت أن توّحد في كلّ واحد تجاربها الفردية العديدة في حقيقة المنازلة. لهذا كان بإمكان الجيلاني أن يقول ما لم يقله الغزالي، وأن تنعكس مع ذلك تجربة الثاني في فكرة الأول. غير أن لهذه المقارنة صداها المعنوي في ثقافة الروح الصوفي، لا واقعية المسار الفعلي للغزالي.

فقد كانت مواجهته للتعليمية الباطنية هي التجسيد الحي لمنازلته الواقعية والممكنة. إذ أدرك في مجراها بأنه ليس الحقيقة هي التي تحدد نظام السياسة، بل السياسة هي التي تدجّن الحقيقة. ومن الممكن أن نعثر على صدى هذا الإدراك الخفي في بعض استنتاجاته في (فضائح الباطنية)، القائلة بأن التعين للإمامة وموافقة الخلق هو لطف من الله في اختيار المرء لخلافته. إذ أن اختيار الخلق في الظاهر هو اختيار الله في الباطن. ولا ينبغي فهم هذه العبارة على أنها تبرير للسلطة في ممارساتها، أو شكل من أشكال إضفاء قدسية التيوقراطية الشاملة عليها. على العكس! إنه عبّر بصورة خفية، أو بصورة غير مباشرة، بما في ذلك في مواقفه وأحكامه الأيديولوجية المناهضة للتعليمية الباطنية عن سعي عقلاني إجماعي إسلامي. وقد حفظته هذه العقلانية من التهشّم وأنقذته من السقوط في مرارة اليأس، بما في ذلك في أشد مراحل انحلاله الروحي وأزمته النفسية الأخلاقية.

لقد كان ارتباط شخصية الغزالي وتطورها الفكري بعالم السياسة جلياً، شأن أغلب رجال الفكر العظام. وترك ذلك بصماته أيضاً في عباراته عن "شكر النعمة" و«إقامة رسم الخدمة للخلفاء والأمراء وغيرها. وبهذا المعنى، فإنه لم يشكل استثناء. وإذا كان بالإمكان الحديث هنا عن استثناء خاص به فهو ذاك الذي استثار الخلافة (السلطة) في طلبها منه تأليف كتاب في الرد على الباطنية حيث وجد في اختياره من بين العالمين لمهمة الذبّ عن الخلافة المستظهرية، استثناء مثيراً للإعجاب والتقدير. فهو يشير في (فضائح الباطنية)، باعتباره الوجه الدفاعي عن (فضائل المستظهرية) إلى هذا الاختيار والتقدير باعتباره وحدة واحدة. وإذا كان الغزالي عادة ما سيذكر (فضايح الباطنية) (بالمستظهري) فليس لكونه أراد التنصّل كلياً مما اقترفه عقله ولسانه ضد معارضيه، بقدر ما أنه وضع الأمور، كما يقال، في نصابها، أي وحّد ما هو موّحد في عباراته: الذب عن المستظهرية من خلال التشهير بفضائح الباطنية التعليمية. فهو يشير في مقدمة كتابه إلى أنه شخصياً كان يرغب في تأليف كتاب في (علوم الدين)  يرد به "شكر النعمة" للخليفة. وإذا كان طلب الخليفة قد استجاب لما في خلجات نفسه، فإن هذا التناغم قد التأم في نسيج التقاليد الكلامية الفِرَقية. بمعنى أنه تضمن في ذاته كل فضائل ورذائل الثقافة الإسلامية الجدلية. فالاستعداد النفسي لتأليف كتاب في "علم الدين" من أجل حظوة الملوك ضد معارضيها، كان في الواقع النتيجة الحتمية لاحتراق الكلمة الجدلية وضمور الروح الأخلاقي، أي كل ما سيهاجمه لاحقاً بقوة نادراً ما نعثر على مثيل لها في الفكر الإسلامي، وبالأخص ما يتعلق منه بالكشف عما أسماه، متتبعاً أثر أبو طالب المكي، بعبارة "علماء السوء". وقد قصد الغزالي بممارسة هؤلاء العلماء أيضاً تجربته الشخصية، أو على الأقل، أنها تتلألأ بين عباراته وانتقاداته اللاذعة في (إحياء علوم الدين) كرنين حاد لأصواته المقموعة في (المستظهري) وغيره من المؤلفات. ومن الممكن العثور على ذلك بجلاء في تلك العبارات العديدة التي ينتقد بها أولئك الذين يسمون سعيهم للجاه والمال في خدمة السلطان، على أنه دفاع عن الدين. حقيقة إنه لم يبتذل ممارسته هذه إلى الدرجة التي يسقط بها إلى حضيض الاحتراف الأيديولوجي الرخيص. لقد كانت خدمته للسلطان هي بمعنى ما أيضاً نتاجاً لعدم حسمه الفكري والشخصي لعلاقة السياسة بالأخلاق، والأخلاق بالحقيقة (العقلية).

فهو يظهر في (المستظهري) كمدّاح للسلطة. حيث ينظر إلى "الأوامر الشريفة النبوية المستظهرية" الموجهة إليه نظرته إلى خادمها. وبهذا يكون تسطيره في الدفاع عن الخلافة هو استجابة لطلب مدفوع الأجر مادياً ومعنوياً. وذلك لأن الطلب الموجّه إليه يحدد له أيضاً مهماته الفكرية ويحجّم بالتالي حدود انتقاداته للتعليمية الباطنية ضمن ما أسماه الطلب بالكشف "عن بدعهم وضلالهم ومكرهم، وإبراز فضايحهم بما ينص إلى هتك أستارهم وكشف أعوارهم"1 ، أي مهمة تنفيذ متطلبات الأيديولوجية السلطوية في أكثر صيغها تحزّباً ودعائية. إلا أن "الفضائح" الباطنية التي ركز الغزالي اهتمامه عليها لم تطمس عقلانيته النقدية. على العكس! إنها، إن أمكن القول، ساهمت في تعميق منظومة التفكير العقلاني. وفي هذا كمن أحد الأسباب الرئيسية في إثارة اصطدام روحه المعرفي والأخلاقي. وليس من المستغرب هنا افتراض فاعلية هذا الاصطدام الداخلي في أعماقه، إذا أخذنا بنظر الاعتبار واقع ابتداء أزمته الروحية، التي أدت به إلى التصوف بعد أشهر قليلة من تأليف هذا الكتاب.

لقد تضمن (فضائح الباطنية) في أعماقه بذور الوعي العقلاني الأيديولوجي والأخلاقي السياسي المتصادم والمعترك، بفعل عدم خضوعه الكلي للحقيقة، وبفعل خضوعه الجزئي للسلطة. فقد شكل هذا التناقض أحد مصادر قلقه الروحي. بل يمكن القول بأن انتقاده للتعليمية الباطنية قد أسدى له خدمة سموه الروحي. وضمن هذا السياق يمكن القول، بأن  مصير الافراد هو بمعنى ما الحصيلة الواقعية لانكسارات حياتهم الفعلية. غير أن ما هو جوهري في حياة ومصير أهل العلم الكبار هو أن هذه التلقائية الوجودية لا تفرضها عشوائية الاجتماع و"فوضى" قوانينه بما في ذلك في أكثر أشكالها وأنماطها تطورا. وتصبح هذه الحقيقة أكثر اقناعا للصوفي بسبب ربطه فكرة المصير بالأزل. فالأزل بالنسبة له ليس نقطة البداية وذلك لأن الأول بالنسبة له هو الآخر. والعكس هو الصحيح. فالأزل بالنسبة له ليس زمنا ساريا بحد ذاته بل هو مسار الحال (الصوفي). فالحال هو الكينونة الوحيدة التي تكشف في ثناياها تذوق حقائق الوجود. آنذاك يفقد الصراع طابعه المفترس. الأمر الذي حدد موقف الصوفية من السلطة والقوة، باعتبارهما أوهاما وأشباحا عابرة لا معنى ولا قيمة لها بمعايير السمو الأخلاقي والروحي. إن هذا الإدراك العميق المبني على رؤية العالم ووحدته ضمن منظومة أخلاقية متكاملة، لم يكن معزولا عن تجارب المتصوفة، وبالأخص تجارب أولئك الذين تحسسوا ذلك بكامل وجودهم، كما كان الحال بالنسبة للغزالي. فقد أوحت هذه التجربة في تذوقها الصوفي للفكرة التي لم يعلنها الغزالي والتي يمكن رؤيتها في مجمل مبادئ منظومته الأخلاقية عن أن الحقيقة ينبغي أن تزيح جانبا تخويل نفسها مسئولية تطبيقها العملي، دون أن يعني ذك في الوقت نفسه رفع شعار الخمول العملي في عالم المتناقضات.

فقد جذبته "فضائح" الباطنية كضالة كان ينشدها، وبغية كان يقصدها، وكيف لا يتسارع إليها، كما يقول هو عن نفسه في مقدمة كتابه، وهو يرى الامتثال والطاعة موجبة مازال الأمر من زعيم الأمة وخليفة الله؟ وقد أقنع نفسه آنذاك بأن ما يقوم به هو ذبّ عن الدين والحق المبين. وإذا كان الغزالي هو المختار بين العالمين، فالإذعان في حقه، كما يقول عن فعله، هو من فروض الأعيان. لقد حشر نفسه في مزالق الوهم الأيديولوجي، ولكن دون أن يفقده ذلك عقلانيته النقدية.

فالتوجه الأيديولوجي لم يقض على عقلانيته، بينما الأخيرة فسحت على الدوام مجالاً لتلألؤ الأنوار الخفية للأخلاق. إذ يمكن القول بأن الغزالي ظل عقلانياً حتى في تلك اللحظات التي كان يتنازل فيها جزئياً، بفعل متطلبات الصراع الايديولوجي (المذهبي الكلامي)، عن وحدة العناصر العقلانية المتجانسة. وهذا ما يبرز بوضوح في تنوع الاحتمالات التي تتضمنها عباراته ومقولاته المؤدلجة، بما في ذلك من حيث إمكانية استعمالها ضده. فعندما يرد على آراء وتأويلات الباطنية التعليمية وبالأخص ما يتعلق منه بصيغة الحروفية والعددية، فإنه يؤكد على إمكانية استعمال الأرقام الأولية من الواحد إلى العشرة بالطريقة المخالفة لاستنتاجات التعليمية الباطنية. بمعنى أننا إذا رأينا شيئاً واحداً، فإننا نستطيع أن نستدل به على عمر بن الخطاب واثنين على محمد وأبي بكر، وثلاثة على محمد وأبي بكر وعمر. وإذا وجدنا سبعة نستدل بها على سبعة خلفاء من بني أمية مبالغة في إرغامهم، كما يقول الغزالي، وإجلالاً لبني العباس عن المعارضة بهم. ويمكننا القول بأن عدد السموات السبع والنجوم السيارة وأيام الأسبوع تدل على معاوية ويزيد ومروان وعبد الملك والوليد وعمر بن عبد العزيز وهشام ثم السفياني المنتظر2 . وينطبق هذا بالقدر ذاته على كافة آراءه ومواقفه وانتقاداته ذات المنحى الأيديولوجي.

فمن المعروف الدور الذي لعبه تأويل الحروف والأعداد في تاريخ الفلسفة بشكل عام والباطنيات بشكل خاص. فقد ربطت التيارات الباطنية في تأويلاتها الحروف والأعداد. وأرست على هذا التأويل الكثير من مفاهيمها وأحكامها وتصوراتها بل وفلسفتها النظرية والعملية. ولم تخل مساعيها هنا من افتعال كبير احيانا. اذ تمتلك الأرقام أربعة وسبعة، على سبيل المثال، أهمية عقائدية بفعل تطابق الرقم أربعة مع فكرتها عن (السابق والتالي والناطق والأساس) حيث وجدت فيه التعليمة الباطنية التعبير العاكس لشموله المطلق الذي يلف الكون ومظاهر الطبيعة. فالطبائع أربعة (الماء والهواء والتراب والنار) ويقابله في الإنسان (البلغم والدم والصفراء والسوداء) والأمزجة الأربعة (الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة). كما يتوافق مع الجهات الأربع للعالم (شمال وجنوب وشرق وغرب) وفصوله (ربيع وصيف وخريف وشتاء). أما في مجال تأويل الحروف والعدد فقدموا مثال ذلك على تأويل (لا إله إلا الله) على أنها أربع كلمات تدل على في العالم الروحاني على (السابق والتالي= النفس والطبيعة) و(الناطق والأساس= النبي والإمام) ويقابلها في العالم الجسماني الطبائع الأربع وهي ذاتها أيضا سبع (لا إ له إ لا ا لله) الذي يتوافق مع دورات الائمة السبعة والأفلاك السبعة. ومن الممكن الاستفاضة هنا بأمثلة عديدة تجري كلها ضمن نفس السياق. بمعنى ان ما يتغير فيها هو مجال التطبيق والاستعمال. غير إن ذلك لا ينبغي أو يلزم النظر إلى أن مضمون وحقيقة الفلسفة الإسماعيلية ترجع إلى هذا المستوى والنمط في التفكير والتأسيس. أنها مجرد مظاهر للتمثيل وليس حقيقة ومضمون الفلسفة الباطنية والإسماعيلية بشكل خاص. وقد قدم الغزالي هذه الامثلة واستفاض في نقدها من أجل الكشف عما اسماه بفقدان العقل والغلو المذهبي. (يتبع....) 

 

ميثم الجنابي

......................

1- الغزالي: فضائح الباطنية، ص2.

2- الغزالي: فضائح الباطنية، ص26.

 

ميثم الجنابي"عند الشدائد تذهب الاحقاد" 

إن سوء الفهم السائد تجاه مضمون نقد الغزالي للفلاسفة المسلمين ينبع أساسا من تأثير تقاليد وشحنة الصراع الثقافي العقائدي، التي تولدت في مجرى احتكاك الكلام بالفلسفة، والفلسفة بالكلام. فإذا كانت الفلسفة قد اتخذت في تقاليد الكلام ووعيه الخاص هيئة "العلم الدخيل"، فإن ذلك لم يمنع النظر إليها باعتبارها من "علوم الأوائل". مما فسح المجال أمام قبولها "الثقافي" باعتبارها جزءا من الحكمة. وقد تضمن ذلك في الوقت نفسه إمكانية الصدام والاحتدام بسبب تراكم التقاليد الفكرية للكلام والعقائد بمعايير التجارب الثقافية الخاصة. وهذه بدورها من إبداع الإنسان وأحكامه الوضعية. بينما جرى وعي الإسلام وإدراكه على أنه من "ملكوت الرحمة". وبالتالي إلزامه عالم الإنسان الروحي ومساعيه المادية وأحكامه الفقهية بشكل كان يلوي كل ما في العالم بالطريقة التي ينبغي أن ينسجم فيها مع وحدانية الإسلام. إن هذا الاصطدام الذي مّهد له تاريخ طويل من صراع العناصر الثقافية والعقائدية هو الذي اعطى (لتهافت الفلاسفة) إمكانية تحوله إلى "حجة" الدفاع عن الإسلام في صراعه ضد "الزندقة" الفلسفية. أما في الواقع فإن "حجة" (تهافت الفلاسفة) هي من انتاج العوارض العقائدية وغلوّها التقييمي، الذي عادة ما تثيره شهية التبديع والتكفير. بينما كان مضمون (تهافت الفلاسفة) فلسفيا عقليا وبالأخص ما يتعلق منه بتمارين الجدل وحيوية برهان الخلف، الذي وجد طريقه الخاص إلى خلخلة اليقين الإيماني وفكرة اليقين التقليدية نفسها مع ما لازمها من أثر على أزمته الفكرية والروحية. 

وهذا ما يمكننا العثور عليه أيضاً في غياب الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث والأخبار. وفي حالة استعمالها فإنها لا تتعدى كونها وصفاً بلاغياً لا دليلاً برهانياً ولا حجة كلامية[1]. فهو يستند في انتقاده "السلبي" إلى كل التقاليد الجدلية التي أبدعها تاريخ الكلام وتقاليد النقد الإسلامي من الهجاء والتهكم حتى السفسطة العقلية. ومن الممكن رؤية تأثره بأسلوب الباقلاني. ولهذا يمكن فهم الأسباب القائمة وراء استعماله في (تهافت الفلاسفة) آراء المعتزلة والكرامية والواقفية رغم معارضته ونفيه الكثير من آرائهم[2]، أي إمكانية استعمال مختلف آراء وأحكام واستفسارات واعتراضات المدارس الفكرية واتجاهاتها دون التزامه بها أو القناعة بمضمونها، بل بوصفها الخميرة الجدلية للشك. فهو يسير هنا في نفس تقاليد الجدل الكلامي وأساليبه النقدية. غير أنه يتجنب الوقوع في اوحالها الأيديولوجية. فهو يؤكد على أن مهمته لا تقوم في تصنيف وتصفيف الآراء المناهضة للفلاسفة في الأوساط الفكرية السائدة من متكلمين وفقهاء وغيرهم، ولا حتى في الاستناد إلى مذهب معين من مذاهب الفرق الكلامية، أي أنه يستغلها جميعها انطلاقاً من شعار "عند الشدائد تذهب الأحقاد". ولا ينبغي فهم هذا الشعار بمعزل عن فهمه لوظيفة الكلام. حقيقة إن هذا الفهم الأولي مازال مندمجاً في مساعيه النقدية وذلك لأن فهمه لوظيفة الكلام باعتباره علم الدفاع عن عقيدة العوام هو من نتاج المرحلة الصوفية. إلا أن بذوره الأولى قد تجمعت في مجرى انتقاده للفلسفة. فانتقاده إياها كان يحتوي على إمكانية تثوير الكلام وتقاليده المستتبة من جهة، ووضعها أمام المحك النظري الأصعب للبرهنة على صلاحيته من جهة أخرى. إذ لا يعني استعماله لمختلف آراء الكلام وفرقه مع عدم القناعة الشخصية بها سوى سريان أحد العناصر الجوهرية التي ساهمت في اكتشافه لاحقاً خطأ وخطيئة الجدل الكلامي وضعف حججه. وبالتالي أشارت إلى ما فيه من حوافز "إفحام الخصم" و"مكر النفس" التي سيدينها.

غير أن ما اتخذ في وعي الغزالي الصوفي هيئة المكر والإفحام، اتخذ في المسار التاريخي الفعلي لتطوره الشخصي صيغة الجدل العقائدي العقلي، أي كل ما ساهم في إمكانية تطوره الداخلي وحركة مفاهيمه الفكرية. إذ حتى في تلك المرحلة التي يظهر في منظومته مفهوم وممارسة العوام والخواص، وإدراجه (تهافت الفلاسفة) في صنف علوم العوام، فإن ذلك ينبغي أن يفهم على أساس صيرورة أسلوبه النقدي وخصوصية وعي الذات النقدي الصوفي، لا على أساس حقيقة (تهافت الفلاسفة) في تكونه الفكري والحقائق بحد ذاتها. إذ ليس "العام" هنا سوى الدفاع عن وحدة العقيدة بالصيغة التي لا ينبغي أن تؤدي إلى تعارض ظاهري بينها وبين مقومات الشرع. من هنا، فإن الآراء التي تحاول تصوير مؤلفاته السابقة بما في ذلك (تهافت الفلاسفة) على أنها لا تعكس حقيقة أفكاره أو أفكاره الحقيقية، لا تمتلك أي معنى من وجهة النظر التاريخية والفكرية لتطوره الذاتي. إذ أن ذلك يفترض وجود مرحلة لا وجود حقيقي لها في حياته! والغزالي نفسه سيؤكد في (الإملاء) على أنه لا خاصة بدون عامة. وإذا كانت هذه حقيقة في ميدان العلاقات الاجتماعية، فإنها أكثر صحة ودقة في عالم الفكر. فالأخير هو التجلي "الخالص" لهذه العلاقة. وهو لا يعبّر عن تناقض مستعص على الحل، بقدر ما أنه يعكس مستويات متباينة للحقيقة، كما هو الحال، على سبيل المثال، بالنسبة لانعدام التناقض بين معطيات الحساب البسيط والرياضيات المعقدة. والغزالي في تطوره حتى مرحلة (تهافت الفلاسفة) لم يخفِ آراءه الخاصة. كما لم يتكلم عن آراء لا يمكن البوح بها. بل حتى العبارات التي سيكررها في وقت لاحق في كل من (الإحياء) و(جواهر القرآن) و(الإملاء) و(مشكاة النبوة) وغيرها لا تعني وجود منظومة من الأفكار السرية الخالصة أو التي لا يمكن صياغتها نظرياً، بقدر ما أنه يقصد بها بعض الأفكار أو بصورة أدق بعض الحلول التي أرهقت الوعي العقلاني الإسلامي آنذاك، وبالأخص ما يتعلق منها بالقضايا والمعضلات "الخالدة". فقد كان الغزالي حتى هذه المرحلة أسير حرية الفكر العقلاني وزهو الإعجاب المفرط بالجدل وإمكاناته. فهو يبدو كلاعب الشطرنج في تعامله مع أحجاره بحرية هو أسير لها. والغزالي لم يخرج عن إطار لعبة القدر الفكرية هذه. وبالتالي، فإن (تهافت الفلاسفة) لم يكن طارئاً أو إبداعاً موهوماً أو عارضاً عن حقيقة آرائه، بقدر ما أنه كان درجة في تطورها. لقد وضعه "تهافت" الفلاسفة أمام تهافت علم الكلام وتراثه العقلاني، أي أنه أخذ يدرك المحدودية المعرفية لعلم الكلام. وسواء أشار إلى هذه المحدودية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإن مما لاشك فيه هو انعكاسها في أسلوب ومنهج انتقاده السلبي للفلسفة. أما إيجابية هذا الأسلوب، فإنها ظهرت كقوة مغتربة ومتشيئة في الوظيفة الخارجية لعلم الكلام، باعتباره حارس عقيدة العوام وإيمانهم.  مما أعطى لانتقاد الفلسفة في آرائه قيمة الحافز العقلاني الجديد لإعادة النظر في تراثه الفكري.إذ أفرز ذلك أهمية الآراء والمناهج الفلسفية بالنسبة له، مما سيجعله في وقت لاحق يعيد النظر بكل قضايا العقيدة الإيمانية ومعضلات الفكر الاجتماعي والسياسي والأخلاقي على أسس "الإيجابية"، التي لم يكن بالإمكان تصورها خارج إطار تراثه السلبي،  أي حصيلة وظيفية الكلام ومنهجية الفلسفة.

فالفكرة الحيادية الأولى، أو بصورة أدق التقييم الإيجابي الأولي لعلوم الفلاسفة، الذي صاغه للمرة الأولى في (مقاصد الفلاسفة) ظل كما هو، أو على الأقل ظل محتفظاً بصيغته العامة في كافة مؤلفاته وأعماله اللاحقة. إذ نرى ذلك في تأكيده على أهمية وضرورية الرياضيات والمنطق والطبيعيات، إضافة إلى تقيمه الرفيع للكثير من آراء الفلاسفة في الاجتماع والسياسة والأخلاق، أي في كل ما هو جوهري في الفلسفة السائدة آنذاك. ففي (مقاصد الفلاسفة) أشار إلى ضرورة وأهمية المنطق والرياضيات[3]. وفي (تهافت الفلاسفة) ركّز على أهمية الرياضيات والمنطق معتبراً محاولات إنكار ضرورتهما أو التقليل من أهميتهما عمل لا معنى له، بل ومناف لحقيقة الدين (الإسلام). وذلك لأن المنطق هو "النظر في آلة الفكر في المعقولات"[4]. وفي (معيار العلم) حاول أن يجعل من المنطق الأداة الضرورية للفقه من خلال التركيز على فكرة استحالة بلوغ الحقيقة دون المنطق. وذلك لأن العلوم النظرية، كما يقول الغزالي، لا توجد عند الإنسان بالفطرة والغريزة. وبالتالي فإن طرق الوصول إلى الحقيقة غير مأمونة "إذ لا كل ظان الوصول إلى شاكلة الصواب آمن من الانخداع بلامع السراب"[5]. ومن هنا سعيه للبرهنة على أن لا قوة للفكر دون المنطق. فالأخير يتخذ بنظره هيئة ميزان البحث والابتكار ومصقل الذهن وشحذ قوة العقل والنقل. فهو بالنسبة لأدلة العقول كالعروض بالنسبة للشعر والنحو بالإضافة إلى الإعراب[6]. أما في (الإحياء) فإنه يورد ذكر الفلاسفة ثلاث مرات، اثنتان بصورة عابرة ومرة بعبارات محددة حال كلامه عن علوم الفلسفة كالهندسة والحساب باعتبارهما من العلوم المباحة والضرورية. وكذلك الحال بالنسبة للمنطق، أي البحث عن وجه الدليل وشروطه، والذي أدخله إلى جانب الإلهيات في علم الكلام، أو البحث عن ذات الله وصفاته. فالفلسفة كما يؤكد الغزالي لم تختلف عن علم الكلام بصدد الإلهيات، بمعنى أنه ليس لها علم خاص أو نمط خاص بالإلهيات، بقدر ما أنها انفردت" بمذاهب عديدة بعضها كفر وبعضها بدعة".

فقد تكلم الغزالي عن تشابه الفلسفة والكلام في قضايا الإلهيات للمرة الاولى في (الإحياء). ومع ذلك يمكن العثور على أجنة هذه الفكرة في (معيار العلم في فن المنطق). إلا أن صياغتها في (الإحياء) تعكس تبلورها الدقيق والعميق من خلال مرورها بتجربته الصوفية وتوليفها الفكري الجديد. وسوف يكرر هذه الفكرة بصيغ عديدة في مؤلفاته الأخرى بما في ذلك في (المستصفى من علم الأصول)، باعتباره آخر كتبه وأكبرها حجما وقيمة. إلا أن تقييمه المتعلق بتشابه علم الكلام والفلسفة في الإلهيات كان نتاجا لنقده الكلامي للفلسفة والفلاسفة بصدد قضايا الإلهيات نفسها. بمعنى توصله إلى قناعة خلوهما من المنطق في الإلهيات. لهذا شدد على انه ليس هناك علم خاص بالإلهيات في الفلسفة، بقدر ما انها مذاهب عديدة موزعة بين الكفر والبدعة. وعند هذا الحد يفترق الكلام والفلسفة بفعل الخصائص الجوهرية المميزة لكل منهما. فإذا كان انتقاد الفلسفة قد أوصله أيضا إلى إدراك الوظيفة الأيديولوجية للكلام، فإن انعكاس ذلك في موقفه من الفلسفة قد جرى من خلال إبراز تباين مذاهب الفلسفة في الإلهيات. أما التشديد على هذا الجانب فيعكس إدراكه المبكر لخلوها من وظيفة الدفاع عن عقيدة العوام. بمعنى أن في علومها الأخرى امكانية كشف الحقائق كما هي. وهو أمر جلي في موقفه وتقييمه للطبيعيات. فبعضها، كما يقول الغزالي، مخالف للشرع والدين الحق، والبعض الآخر ما يبحث في صفات الأجسام وخواصها واستحالتها وتغيرها مما لا يتعارض مع الدين الحق[7].

ولم يقصد الغزالي بمخالفة بعض الطبيعيات للدين والشرع على أن هناك خلاف لازم بينهما. فهو لم يقصد بالطبيعيات هنا سوى ما يتطابق في مضمونه مع الجهل، أي كل ما له صلة بترهل المعرفة وشططها كما هو الحال بالنسبة لعلم الفلك وتدخله بقضايا القضاء والقدر، والكيمياء بالسحر والشعوذة أي كل ما يتعامل بهذا القدر أو ذاك مع "طلاسم" الحياة وشعوذتها "الثقافية". وبهذا المعنى كانت آراء الغزالي أكثر تجانسا في علميتها. فهو من بين المفكرين المسلمين الكبار، الذين اعتبروا محاربة العلم "أفضل الوسائل لمحاربة الدين". ووضع لهذه الفكرة أساسها الفلسفي القائل، بأن معطيات العلوم الطبيعية مستقلة عن قضايا العقائد، وأن فائدتها تقوم أولا وقبل كل شيء في خدمة الإنسان وأغراضه الحياتية.  

 ولا يتنافى ما في (المنقذ من الضلال) مع آراءه ومواقفه وأحكامه السابقة باستثناء طابعها التقييمي العام، الذي يعبّر في الكثير من حوافزه ومظاهره عن إدراكه الجديد لتجربته السابقة. فالغزالي الذي قيّم المنطق عالياً حاول أن يكشف في الوقت نفسه عن عدم تجانس الفلاسفة في استعماله، أي أن انتقاده للفلاسفة لم يكن موجهاً ضد حقائق الفكر الفلسفي، بقدر ما أنه تطرق إلى ما دعاه بتهافتهم، أي عدم تمسكهم المتجانس بما وضعوه في بادئ الأمر كمقدمات أولية. فالآراء الفلسفية من حيث جوهرها مبنية، كما يقول الغزالي، على "الظن والتخمين من غير تحقيق ويقين"[8]. فالإدعاء الذي يقدمه الفلاسفة عن استنادهم إلى المنطق والرياضيات غير صحيح. وإلا فبأي شكل يمكن تفسير اختلافاتهم في الآراء والأحكام والنتائج، كما لم يختلفوا في الأمور الحسابية[9]. ومن هذا المنطلق حاول تطبيق اعتراضاته الجدلية على آراء الفلاسفة بصدد القضايا العقائدية الكبرى.

فقد نظر إلى تباين آراء الفلاسفة وكثرة خلافاتهم على أنه المثال الملموس لغياب التمسك الصارم بالمنطق. وبما أنه كان يدرك الصعوبات العقلية في العلوم النظرية فإنه حاول أن يكشف في الوقت نفسه عن ضعف قابلية المنطق الشكلي في وضع حلول مقنعة لقضايا الوجود والمعرفة والاجتماع والسياسة والفقه والأخلاق. وقد جعله ذلك يتطرف في بعض أحكامه إلى الدرجة التي اعتبر فيها الآراء الفلسفية وصياغاتها النظرية مجرد "استدراج في الحيل". ولهذا السبب اعتبر ادعاء الفلاسفة عن ضرورة الرياضيات والمنطق للفلسفة على أنه مجرد خداع. فالفلسفة بحاجة إلى الرياضيات احتياج الطب أو النحو لها، أو كاحتياج الحساب للطب. فالإدعاء الفلسفي حول الحاجة الماسة للفلسفة بالعلوم  المذكورة  هو كمن يدّعي بأنه لا يمكن معرفة "كون هذه البصلة حادثة ما لم يعرف عدد طبقاتها، ولا يعرف كون هذه الرمانة حادثة ما لم يعرف عدد حباتها"[10].

فهو لم يسعَ هنا فقط لانتزاع احتكار الفلسفة والفلاسفة للمعارف باعتبارها "أم العلوم"، بل وإثبات تهافتها المنطقي من خلال الكشف عن عدم تمسكها المتجانس بمتطلبات المنطق وقواعده. لهذا انتقد بشدة استعمالات الفلاسفة المنطقية، التي حاولوا من خلالها بناء صروحهم المعرفية والوجودية. بينما لم يجد في هذه البنى سوى فرضيات هي أقرب إلى الخيال والوهم من الحقائق، أي معارضتها للوقائع والحقائق كما هي.

والغزالي محق ومصيب عند الحدود التي حاول أن يكشف فيها عن محدودية المعرفة العقلية. بمعنى إدراكه بأن الأحكام العقلية تظل حتى في أقصى حالاتها ودرجاتها المتجانسة أسيرة منطقها الخاص. وبالتالي، فإن استنتاجاتها النهائية تبقى مجرد فرضيات تضفي تصوراتها الخاصة على الواقع. لكن ذلك لا يعني أن الغزالي قد وضع فكرة "الشيء بذاته"، رغم وجود بعض عناصرها في جدله "السلبي" واستنتاجاته عن محدودية المنطق العقلي الفلسفي وعجزه عن تقديم ما يمكنه تجاوز افتراضاته "الوهمية" عن الوجود وغاياته. وسوف تظهر هذه العناصر في وقت لاحق ولكن في اطارها "الإيجابي" ضمن نظريته الأخلاقية. الأمر الذي يكشف بدوره عن أهمية التمادي المتطرف والنقد العقلي للفلسفة في استثارة المساعي الأخلاقية، بوصفه أيضا أسلوب نفي القواعد الشكلية الميتة للمنطق وأحكامه. 

ففي معرض انتقاده ورده على فكرة الفلاسفة عن أبدية العالم والزمان والمكان وبالأخص الفكرة المنسوبة لجالينوس حول أنه لو كانت الشمس مثلاً تقبل الانعدام لظهر منها ذبول في مدة مديدة. وبما أن الارصاد يبرهن على أن مقدارها ظل منذ آلاف السنين كما هو، فإن ذلك يدل على عدم فسادها. بينما حاول الغزالي أن يبرهن استناداً إلى شروط المنطق الشكلي ذاته، عدم دقة  هذا الاستنتاج. فالقضية "الشرطية المتصلة"، أي إن كانت الشمس تفسد فلابد أن يلحقها الذبول، حسب رأي جالينوس، لا تتضمن بنظره برهاناً سليماً، لأنها ذات مقدمة خاطئة. وبالتالي فإن نتيجتها غير لازمة. والقضية (الجملة) يمكن أن تكون أفضل في حالة صياغتها بإضافة شرط آخر وهو "إن كانت تفسد فساداً ذبولياً، فلابد أن تذبل في طول المدة"، أو بصياغة أخرى مثل "لا فساد إلا بطريقة الذبول"، حتى يلزم التالي للمقدم (النتيجة للشرط). وهذا ما لم يوافق عليه الغزالي أيضاً. فالذبول بالنسبة له مجرد أحد وجوه الفساد، وبالتالي فإنه "لا يبعد أن يفسد الشيء وهو على حال كماله"[11]. فهو يصوغ هنا فكرة عميقة تتعدى حدود المنطق الشكلي. ولا يقف عند هذا الحد في جداله الفكري بل ويتقصى مختلف جوانب الظاهرة ومستوياتها، ليس فقط من ناحية المنطق، بل ومن الناحية الواقعية والحسية أيضاً.

 فالإستنتاج القائل بعدم ذبول الشمس وفسادها المبني على معطيات "الحس الساذج" لا يمكن بنظره أن يخدم كبرهان بحد ذاته. فكون الذبول لا يتبين للحس لا يعني انعدامه. إذ لعل الشمس "في الذبول وإلى الآن"[12]. فالحس بنظره "لا يقدر على أن يدرك ذلك لأن تقديره في علم الناظر لا يعرف إلا بالتقريب"[13]. وبالتالي فإن المعرفة الحسية هي معرفة تقريبية قد لا تتطابق مع حقيقة الشيء. وهو يشير إلى أن من الصعب على سبيل المثال رؤية نقصان الذهب أو الياقوتة في غضون مئة سنة ولكنه يحدث. وهذا بدوره يجعله أكثر تدقيقاً في تحديد ضعف الأحكام المنطقية السابقة. بحيث يستنتج بأن من الممكن أن تكون "نسبة ما نقص من الشمس في مدة تاريخ الارصاد كنسبة ما ينقص من الياقوتة في مئة سنة، وذلك لا يظهر للحس"[14].

إن محاولة الغزالي الكشف عن ضعف تجانس الآراء والمواقف والأحكام الفلسفية لم تحشر انتقاداته السلبية في عالم السفسطة، بفعل تلك الحوافز الأولية القائمة وراء حياكة نسيج المنهجية المبنية على معارضة الإشكالات بالإشكالات، أي حوافز الدفاع عن عقائد الإيمان. فانتقاداته لآراء الفلاسفة بصدد القضايا العقائدية الكبرى وبالأخص قضايا حدوث العالم وصفات الصانع (الله) وحشر الأجساد، لم تكن تسعى في محتواها وغاياتها سوى للدفاع عما سيدعوه لاحقاً بعقيدة العوام.

فهو يقف موقف الوسط الذي لا يندفع صوب قناعة الفلاسفة "الظنية" رغم عقلانيتها الظاهرة، ولا صوب القناعة العقائدية (الإيمانية) الساذجة للعوام. فهو لا يهاجم "ما لا يعدم مذهب الفلاسفة فيه أصلاً من أصول الدين". أما الأحكام الدقيقة المتعلقة باكتشافات العلوم فلا تثلب الدين. على العكس! إنها تؤكد صحته! فالأحكام العلمية بصدد الخسوف والكسوف وغيرها بنظره، لا يمكن أن تخص شيئاً من شئون العقيدة. لهذا وجد في مناظرات علماء الدين في محاربة العلم جريمة على الدين وإضعافه[15]. ولهذا السبب أيضاً وقف موقف المعارض الشديد للمحاولات الدينية الساعية لإبطال الحقائق العلمية ومعطياتها الدقيقة (في الحساب والهندسة والطب والفلك وغيرها)، أو محاولة تأويل الآيات والأحاديث بالصيغة التي تفند فيها استنتاجات العلوم الدقيقة والتي "يفرح بها الملاحدة" حسب تعبيره. إذ يسهل عليهم "طريق إبطال الشرع"[16].

لقد أراد من وراء انتقاده لآراء الفلاسفة بصدد مختلف القضايا البرهنة على أن منطقهم لابد وأن يؤدي، في الإلهيات خصوصاً، إلى أخطاء لا تحصى[17]. فالتصورات والأحكام الفلسفية المبنية على الحس لا يمكنها بنظره احتواء حقيقة المطلق. إذ لولا نقصان الآدمي، كما يكتب الغزالي "لما احتاج إلى حواس تحرسه عما يتعرض للتضرر به"[18]. أما المعرفة العقلية فإنها تقف حائرة أمام الله. وليس ذلك بمدهش بحد ذاته من وجهة نظر العقل، كما يقول الغزالي، بل الإعجاب في الأدلة على نفيه. فالعجب "إنما من إعجابهم بأنفسهم وبأدلتهم ومن اعتقادهم أنهم عرفوا هذه الأمور معرفة يقينية مع ما فيها من الخبط والخبال"[19]. فالقضية العقائدية الجوهرية المتعلقة بقدم العالم أو حدوثه شكلت بالنسبة له مقدمة الجدل الإشكالي الواسع، الذي حاول من خلاله إظهار ضعف الأدلة الفلسفية. فهو ينطلق من أنه لا أساس مطلق عند الفلاسفة في رفض الاعتقاد القائل بابتداء العالم من حيث ابتدأ، وأن الوجود قبل ذلك لم يكن مراداً، وأنه في الوقت الذي حدث فيه كان مراداً بفعل الإرادة القديمة (الإلهية). وذلك لأن رفض الفلاسفة إمكانية حدوث العالم بفعل إرادة إلهية قديمة يمكن رده على أساس كثرة القائلين بحدوث العالم، رغم أنه يدرك سذاجة هذا الحكم، انطلاقاً من أن كثرة الأغبياء لا تعني صحة غباواتهم. إلا أن هذا الحكم ينطبق بالقدر ذاته على أصحاب الفكرة المعاكسة. لهذا حاول البحث عن الدليل العقلي الجدلي لمهاجمة فكرة قدم العالم انطلاقاً من أن نفي الفلاسفة حدوث العالم هو مجرد أحكام مبنية على أساس المقارنة النفسية الإنسانية، أي أنهم يماثلون الإرادة الإنسانية بالإرادة الإلهية. فهم يماثلون أو يستبعدون ما هو مشابه لإرادتنا أو ما هو مخالف لها. بينما الاستبعاد لا يمكنه أن يشكل بحد ذاته برهانا. ولا يمكن أن نقارن الإرادة الإلهية بالإرادة الإنسانية. إضافة لذلك، إن قدم العالم بالنسبة للغزالي محال أيضاً، لأنه يفترض ويؤدي إلى إثبات دورات للفلك لا نهاية لأعدادها ولا حصر لآحادها مع أن لها سدساً وربعاً… فهو يحاول استناداً إلى فكرة محدودية حركة الكواكب أن ينظر إلى الحركة ذاتها بوصفها دورة لا غير. ففلك الشمس يدور في سنة واحدة وفلك زحل في ثلاثين سنة والمشتري في اثنتي عشرة سنة. وبالتالي فإن افتراض حركة لانهائية يعني منافاتها للواقع. فاستبعاد حادث عن قديم هو مجرد افتراض ليس له مقوماته العقلية والوجودية. فالاعتراف بحدوث العالم يفرضه "منطق" النظر إلى الحوادث وارتباطاتها. فاستناد الحوادث إلى غير نهاية بنظر الغزالي محال. وهي لابد بالتالي من أن تنتهي في تسلسلها إلى طرف، فيكون هذا الطرف هو القديم[20]. وكل الاعتراضات التي يمكن صياغتها هنا تبقى في محتواها بنظره مجرد تأويلات عقلية ممكنة لا تغير من جوهر الأمر شيئاً. بمعنى أن السؤال الأساسي يظل قائماً وهو إما أن تكون الأشياء قديمة وإما حادثة. وأن "الحركة الدورية الأبدية" التي يقول بها الفلاسفة التي تخلق في مجرى حركتها الحوادث لا تزيل أو تنفي السؤال نفسه، وهو ما إذا كانت هذه الحركة الدورية حادثة أم قديمة؟ فالحركة الدورية بنظره لا يمكنها أن تكون مبدأ الحوادث، وذلك لأن جميع الحوادث بنظره "مخترعة لله أبدا"[21]. فالقديم الحق هو الله وما عداه حادث، أي أن الله مقدم على العالم والزمان، و"أنه كان ولا عالم، ثم كان ومعه عالم"[22]. فالقدم هو انفراده بالوجود. ولا يعني "كان ولا عالَم" سوى وجود ذات الله وعدم ذات العالم فقط. في حين أنه "كان ومعه عالَم" ولا يعني سوى وجود الذاتين فقط. فوجود العالم من حيث وجد وعلى الوصف الذي وجد وفي المكان الذي وجد محدث بالإرادة الإلهية. وليست الإرادة هنا سوى صفة من شأنها تمييز الشيء عن مثله. وبهذا المعنى فإن وجود العالم على ما هو عليه يقع خارج إطار فكرة الإمكان الفلسفية. بمعنى أنه واجب لا ممكن. وبهذا يكون الواجب مستغنياً عن علة[23]. إذ لم يكن وجود العالم "قبل وجوده ممكناً، بل وافق الوجود الإمكان من غير زيادة ولا نقصان" وإن ذلك لا يعني الانتقال من العجز إلى القدرة بالنسبة لله، لأن الوجود لم يكن ممكناً، ولهذا لم يكن مقدوراً. ثم إن امتناع حصول ما ليس بممكن لا يدل على العجز. أما الإجابة عن الكيفية التي تحول بها الامتناع إلى ممكن فإن الغزالي يجيب عليه بإشكالية مقابلة وهي "ولِمَ يستحيل أن يكون ممتنعاً في حال ممكناً في حال آخر؟ وذلك لأن تقدير الإمكانيات التي يطرحها الفلاسفة، لا معنى لها. وذلك لأن الله قديم قادر لا يمتنع عليه الفعل أبداً إن أراده. وليس في هذا القدر ما يوجب إثبات زمان ممتد، إلا أن يضيف الوهم بتلبسه إليه شيئاً آخر"[24].

إن محاولة الغزالي كشف لا يقينية الأحكام الفلسفية بصدد قضايا "الميتافيزيقيا الإلهية" تعكس دون شك مأثرته الكبرى أيضاً رغم توظيفها الأيديولوجي. فقد ساهم في انتزاع القضايا العقائدية المتعلقة بالله وصفاته وقضايا ما بعد الموت من صومعة الأحكام العقلية، باعتبارها قضايا لا يمكن الحكم عليها منطقياً بفعل خروجها عن العقل والمنطق، أي كل ما سيدخله لاحقاً في "طور ما وراء العقل". إلا أن هذه الفكرة  امتصت في صيرورة عناصرها الأولى كل اندفاع النفس الإشكالي المميز لكتاب (تهافت الفلاسفة). إضافة لذلك لم تتأطر هذه الفكرة في منظومة متجانسة لرؤية ماهية العقل وإمكاناته في الحكم على قضايا "الميتافيزيقيا الإلهية". إلا أنها تبلورت في مجرى انتقاده للفلسفة. فالحلول الجازمة للفكر الفلسفي قد استثارت أولاً وقبل كل شيء إشكالية السر القائم وراء القناعة الجازمة، مما أفرز بدوره مشاعر العقلانية في لباسها اللاعقلاني. وليس من الصعب رؤية أثر الكلام وتقاليد العقل والنقل في هذا المضمار. غير أن ذلك يفسر حوافز استمرارية الجدل لا مضمونه. حقيقة إن ذلك لا يعني بأن ما اعترض به على الفلاسفة هنا هو من ابتكاره الخاص. إلا أن تنظيمه للجدل ومنطقة الحجج بروح الإشكالية الفلسفية قد أدى في نهايته إلى نتائج مزدوجة في كل من مساره الفكري العقلي والروحي الأخلاقي.

إذ لا يعني خروج القضايا العقدية الكبرى عن العقل والمنطق لاعقلانيتها، أو عجز العقل عن أن يدلي بآرائه فيها، بما يمكنه أن يشكل الصيغة المناسبة لما أبدعته تقاليد الإسلام عن وحدة المعقول والمنقول. وإن هذه التقاليد يمكنها أن تقتنع بحد "الكفاية" أو ترفعه إلى مصاف "فرض العين"، بينما تبقى كل الإشكاليات "المتهرمنة" في وحدة المعقول والمنقول مثار الجدل غير المتناهي أمام العقل الباحث والشكاك. وعندما تناول آراء الفلاسفة، فإنه كان يدرك دون شك أصولها "الثقافية" غير الإسلامية. ولهذا تعامل معها في الإطار الذي فرضته عليه خلفيته الذهنية والثقافية.  ومكوناتها العقلية والنقلية. لهذا، كان لابد للجدل الإشكالي أن يتخذ تلك الصيغة التي لا يمكن معها الاقتناع بقيم ما جازمة دون أن يضعها أمام فرضيات أخرى مقابلة. غير أن ما أثار الغزالي في (تهافت الفلاسفة) ليس مكونات العقل المجرد وبراهينه، بل نموذج تجليه الفلسفي ومن زاوية الدفاع عن أصول الدين (الإسلامي). لهذا أكد في معرض انتقاده للفلاسفة على أن العقل لا يحيل أفكاراً يحيلها الفلاسفة مثل نهاية المستقبل[25]. وأن استحالة وجود الله أو القول بالمبدأ الأول وأنه عالم مريد قادر يفعل ما يشاء وأمثالها لا تعرف بالضرورة بالعقل ولا نظره[26]. أو ما يقابلها من أفكار الفلاسفة مثل كون السماء شبيهة بالحيوان، بمعنى أنها مما لا ينكر إمكانه ولا يدعي استحالته. غير أن الفلاسفة بنظر الغزالي تعجز عن "معرفة ذلك بدليل العقل"[27]. وهو لم يسعَ من وراء ذلك إلى التقليل أو الانتقاص من شأن العقل، بقدر ما أنه انتقد صيغته التأملية السائدة آنذاك، أو ما دعاه باستنتاجات "التحكم المحض الذي لا مستند له"[28].

إن الصراع الفكري مع الفلاسفة ساهم في بلورة كل تلك العناصر العقلية والشكوك، التي ستشق لنفسها الطريق في أزمته اللاحقة ووعي خروجه منها. فهو لم يرفض ولم يؤيد أسلوب "التحكم المحض" أو الأحكام العقلية بالطريقة التي بلورتها التقاليد الكلامية والفلسفية. فإذا كان علم الكلام قد وقف عند حدود التقليد واجترار حقائقه وأوهامه فإن الفلسفة كانت تفسح المجال الدائم أمام تثليم الإيمان دون أن تعطي بديل اليقين والأمان. والغزالي محق بالقدر الذي مثل فيه نزعة الانتقاد العقلية في بحثها عن الصيغة الأكثر تجانساً في الدليل والبرهان، أي أنه كشف عن عدم تجانس النظريات الفلسفية بغض النظر عن مبادئها الاولية وغاياتها النهائية. وبهذا المعنى فإن انتقاده لها قد جرّد الطريق أمام إمكانية إبداع منظومة أكثر تجانساً في أفكارها وأسسها المكونة حول قضايا العقائد الكبرى والوجود والأخلاق، بحيث تربط في كل واحد ما لم يكن بإمكان الفلاسفة والمتكلمين فعله آنذاك. إلا أن هذا الفعل لم يكن إرادياً أو غائياً، بقدر ما أنه كان النتيجة الملازمة لتجربته الفكرية، بما في ذلك في طبيعة وآثار تعامله مع الفلسفة.

فقد كلفه انتقاد الفلسفة والفلاسفة ثمن الشكوك العقلية التي جعلته يعاني في وقت لاحق من إرهاصات "السفسطة" الحياتية. لكنه صنع في الوقت نفسه مقدمات أسلوب نقد الذات "الفلسفي" (النظري والعملي). فالموقف من الفلسفة وانتقاد قواعدها ومنطلقاتها، أسسها وبراهينها، بداياتها وغاياتها، تضمن في ذاته إرهاصات الرفض الأشد لعلم الكلام نفسه. اما ظهور هذه المعالم في وقت لاحق، فانه يؤكد فرضية صيرورتها المقلقة الأولى وليس نهايتها المحتومة. فعندما أعاد الغزالي النظر بتجربته الفكرية، فإن الفلسفة اتخذت عنده هيئة أخرى تستند في مكوناتها إلى إشكالية (تهافت الفلاسفة) وروحية (الإحياء)، أي كل ما يكشف عن القوة الفاعلة لتقاليد الفكر الفلسفي وأثره على بلورة تهافت العقائدية المرنة بين إشكاليات الشك واليقين ومن ثم انتقاله إلى عالم التصوف.

***

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص148، 178، 289، 290، 307.

[2] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص129-130.

[3] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص3-4.

[4] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص87.

[5] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص26.

[6] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص17.

[7] الغزالي: احياء علوم الدين، ج1، ص22.

[8] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص76.

[9] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص77.

[10] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص84-85.

[11] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص126.

[12] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص126-127.

[13] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص127.

[14] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص127.

[15] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص81.

[16] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص81.

[17] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص202.

[18] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص202.

[19] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص205.

[20] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص107.

[21] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص109.

[22] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص110.

[23] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص117.

[24] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص117.

[25] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص124.

[26] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص152.

[27] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص218.

[28] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص221.

 

 

ميثم الجنابي"على الإنسان أن يبني كلامه على ما يعلم لا على ما يجهل"

(الغزالي) 

لم يكن بإمكان الغزالي شأنه شأن كل شخصية فكرية كبرى أن يعي كل حيثيات تجربته الفردية بصفتها تجربة تاريخية متشعبة الوشائج والصلات. وإذا كان بالإمكان إدراك بعض جوانبها ووحدتها بمعأيير الرؤية الواقعية أو الأخلاقية، فإن كل ما فيها يضمحل في مجرى وعي الذات. فالتجربة الفردية عادة ما تتلاشى في مجرى اعادة تقييم التطور الذاتي بحيث يصبح نسيان "الانكسارات" العميقة فيها الحافز غير المرئي للارتقاء والنمو.  وفيما لو كان بالامكان تصوير تطور الوعي الفردي على اشعة روتنجن لظهرت لنا صورة "مشوهة" في انكساراتها بحيث لا يطيق التمتع بها سوى مفكر جرئ أو فنان مرهف الذوق.

فما يقدمه لنا الغزالي في (المنقذ) هو الصورة المنطقية، الصارمة، المستقيمة لتطور سيرته المعرفية دون أن يغفل في الوقت نفسه رسم تعرجاتها وخفأياها الداخلية. فهو يعكس لنا في الاطار العام اتجاه البحث عن الحقيقة ودورها في تطوره الروحي، أي انه عبّر عما هو جوهري في مساره الفكري والأخلاقي. لقد صوّر تطوره الذاتي على انه عملية معقدة لم ترتبط بظاهرة عابرة أو ثانوية، كما هو مميز لمحاولات تفسير انتقالاته الفكرية وتحوله إلى عالم الصوفية عند الكثيرين من دارسيه وناقديه.

وفيما لو حاولنا تعميم التفاسير التي تناولت انتقاله إلى التصوف، أي تطوره الفكري ككل وخصوصية منظومته النظرية فمن الممكن حصر نماذجها المشهورة في الاطار العام فيما يلي: هناك من اشار إلى واقع انتقاله إلى التصوف دون ان يقدم تفسيراً له، بمعنى انهم تتبعوا مراحل تطوره كما وصفها في (المنقذ من الضلال)[1]. بينما وجد آخرون في انتقاله إلى التصوف نتيجة لتأثير موعظة أخيه الصوفي[2]. في حين بحث آخرون عن سّر ذلك في التربية الصوفية للغزالي في طفولته والتي ستظهر ثمارها في أواخر حياته[3].  بينما وجد آخرون سبب ذلك في "مرضه النفسي" الذي دعاه البعض بمرض الكنظ الذي يميز ذوي الاتجاه الديني المتطرف[4]. في حين وجد القسم الآخر سبب ذلك فيما اسماه بالجبن السياسي خوفا من إرهاب الباطنية الذين اغتالوا رجال الدولة والفكر المناهضين لهم[5]. بينما جمع آخرون بين هذه الاسباب الثلاثة الاخيرة (التربوي والنفسي والسياسي) وراء انتقاله إلى التصوف[6].  في حين حاول البعض الآخر  البحث عن سبب ذلك في تعطش الغزالي لتلبية متطلباته الروحية[7]. بينما وجد قسم آخر سبب ذلك في سعيه المعرفي للبحث عن ملكة أخرى غير العقل وهي كل من الذوق والكشف الصوفيين[8]،  أو للتوفيق بين الدين والعقائد[9].  في حين لم ير البعض في انتقاله للتصوف سوى "تحول من المنهج العقلي إلى المنهج النفسي التجريبي"[10].  بينما وجد البعض الآخر في انتقاله للتصوف تعبيرا شاملا في الرد على ما يمكن دعوته بمتطلبات روح العصر وذلك لأن زمن الغزالي كان تواقا لريّ ظمأ الاطمئنان والسكينة[11].

وبغض النظر عما في هذه التفسيرات من أسس وجوانب جزئية من تطور الغزالي الروحي وإبداعه الفكري إلا أنها تشترك في طابعها الاحادي الجانب في النظر الى مقدمات وأسباب ونتائج انتقاله إلى التصوف. بمعنى أنها تبرز أو تضخم هذا الجانب أو ذاك دون البحث عن وحدة هذه الاسباب (باستثناء فرضية المرض النفسي) وانعكاسها في سيرته. ولعل الضعف المميز لها يقوم في اهمالها الديناميكية الداخلية للفكر الغزالي في تطوره بوصفه سعيا نحو الحقيقة، والذي ارتبط  بمجمل مكونات ومصادر الثقافة المعاصرة له. وعبّر بهذا المعنى، شأن كل تآلف فكري كبير عن أزمة حضارية كبرى ومحاولة حلها في الوقت نفسه.

فالنموذج الذي اشار إلى ظاهرة الانتقال دون تفسيرها لم يقدم اكثر مما اشار له هو في (المنقذ). بينما لا تفسر فرضية تأثره بموعظة اخيه طبيعة الانتقال ومحتواه ولا تكشف عن الخلفية الفكرية الروحية التي يصبح من الممكن معها توقع الفاعلية السحرية لكلمات تقلب مسار المفكر وانتقاله من عالم إلى آخر. اما تأثير تربية الطفولة فذلك مما لا يمكن نكرانه بحق أي مفكر. إلا انها لا تستطيع تفسير آلية انتقاله ولا نموذج بحثه عن الحقيقة ولا تطور عناصر منظومته الفكرية. اضافة لذلك انها تسبغ صفة الجبرية على تطور الشخصية الفكرية وتتعامل مع الذات الإنسانية تعاملها مع حبات القمح. وإذا كان من الممكن التعامل بصورة جدية مع مختلف التفسيرات فإن فرضية المرض العضال تبدو من بين اكثرها ضعفا وابتذالا. والقضية ليست فقط في الفهم الخاطئ لبعض عبارات (المنقذ) بل ولسذاجة التأويل "الطبي" للعبارات التي لم يقصد بها في (المنقذ) سوى التعبير عن حالته وأزمته الفكرية الأخلاقية لا النفسية الفسلجية. اضافة إلى ذلك أن مرضاً عضالاً كهذا لا يمكنه إبداع منظومة فكرية متجانسة، كما لا يمكنه ان يخدم كأساس منطقي وعلمي لتحليل ظاهرة التطور الفكري الروحي. فتطور الغزالي حسب هذه الفرضية يبدو كما لو انه سلسلة أو نتاج لأمراض نفسية مما يجعل من هذا التفسير جزء من ولع الدراسات السيكولوجية لا البحث التاريخي الفلسفي. اما محاولة تفسير ظاهرة انتقاله إلى التصوف استنادا إلى خوفه أو جبنه من ارهاب الباطنية فإنها تعاني من نواقص جدية وتجابه باعتراضات وجيهة من الصعب تذليلها. فالتأثير السياسي من العوامل التي لا يمكن اغفالها أو انكارها في بلورة الشخصية الفكرية وتبدل توجهاتها وأسلوب برهنتها ومواقفها من مختلف القضايا. إلا ان بين تأثير السياسة والجبن السياسي فرق كبير. فالجبن السياسي هو جزء من عناصر انحلال وسقوط الشخصية. ومن الصعب النظر إلى انتقال الغزالي للتصوف على انه انحطاط في الفكر والممارسة. ومن غير الممكن العثور على علاقة عضوية فعلية بين الجبن السياسي والإبداع الفكري الحي. فالجبن السياسي لا يبدع منظومة تآلفية كبرى. وهو في أفضل الأحوال لا يمكنه تجاوز قدرة تلفيق عناصر التبريرية السطحية. ثم ان الجبن السياسي لا يبدع حقائق لأن آليته لا تتضمن حوافز البحث عن الحقيقة.

إن ضعف الأحكام المبنية على ما يسمى بجبنه السياسي باعتباره السبب الفاعل والمؤثر في انتقاله إلى التصوف يقوم في افتقادها للرؤية الموضوعية والتاريخية. فمن الناحية التاريخية (الزمنية) كان مقتل نظام الملك عام 485 للهجرة، أي في الوقت الذي كان الغزالي منهمكا في التدريس في نظامية بغداد. ولم يمنعه ذلك من تأليف كتبه المناهضة للإسماعيلية، وبالاخص كتابه الشهير (فضائح الباطنية). اضافة لذلك ان مهاجمته إياهم ظلت مستمرة حتى في مجرى وما بعد انتقاله للتصوف. كما تجدر الاشارة هنا إلى أن ما بين انتقال الغزالي إلى التصوف ومقتل نظام الملك بضع سنوات، بينما الجبن السياسي، بوصفه "قوة فاعلة"، لا يحتمل هذه الفترة لكي يؤتي ثماره! وإذا كان بالإمكان الحديث عن تهديد من جانب الإسماعيلية للغزالي فقد جرى ذلك من خلال "تهديد" مواقفه وذهنيته الأيديولوجية، الذي لعب أحد الأدوار المهمة في مساره الفكري والروحي والأخلاقي والمعرفي.

 أما التفسيرات التي ربطت انتقاله إلى التصوف بفعل خوضه ارهاصات عالم المعرفة فهو تأكيد سليم الا ان محدوديته تقوم في انه لا يفسر الكيفية التي جرى بها تطور الغزالي في عالم المعرفة، ولا الكيفية التي أدت إلى انتقاله من مملكة العقل إلى مملكة الذوق والمكاشفة، ولا حقيقة العلاقة بين العقل والكشف ولا مضمونها، ولا كيفية انعكاسها وتأثيرها في آرائه اللاحقة، ولا كيفية تأثير الصوفية في تطوره الفكري. فتحقيق الذات و"البحث عن متطلباته الذهنية والروحية" تبقى في مواقف من تطرق اليها خارج اطار ثقافة المرحلة. وهي لا تكشف طبيعة التطور المعرفي وتأثيره في بلورة هذه المتطلبات. والأكثر من ذلك أنها لا توضح طبيعة العلاقة بين هذه المتطلبات ومنطق التطور الموضوعي المعرفي في آرائه. في حين لا تكشف فكرة انتقاله من منهج إلى آخر عن كيفية التعامل اللاحق مع قضايا الفكر وبالتالي تهمل الجوهري في استمرار المكونات العقلية والنفسية الأخلاقية وتآلفهما الجديد. أما تفسير انتقاله بمقولات "روح العصر ومتطلباته" فإنها لا تكشف عن الصلة الداخلية الضرورية في تطور شخصية الغزالي الروحية وإبداعه الفكري، وإلا لكان بإمكان جميع مفكري المرحلة الكبار انذاك ان يصبحوا كالغزالي أو أن تؤدي بهم بالضرورة إلى ابداع ما ابدعه من منظومة.

كل ذلك يضع أمامنا من جديد مهمة التحليل الموضوعي لمجمل العوامل المعقدة لظاهرة انتقاله إلى التصوف والتي لا يمكن ادراك حقيقتها دون تحليل واستيعاب ما يمكن دعوته بتجربته المعرفية - النظرية والعملية- الأخلاقية.

فالغزالي في (منقذه) لا يكشف لنا بصورة مباشرة عن أسباب انتقاله إلى التصوف. إلا انه يلقي الكثير من الأضواء على سيرته التي تعطي لنا امكانية الحكم على ان تحوله هذا كان نتاجا "طبيعيا" لتطوره الفكري - الروحي. أي كل ما قاده لضرورة اعادة النظر الشاملة تجاه كل ما هو قائم من منطلق، وفي ضوء مبادئ الأخلاقية المطلقة.

ففي مجرى تحليل شخصية الغزالى واستقلاله الفكري وسعيه لإدراك الحقائق كما جرى عرضه فيما سبق، يبدو واضحاً أن صيرورة التآلف الصوفي لم تكن عملية عرضية أو إرادية. ومع ذلك فإن هذا لا ينفي ما لشخصيته وقدراته الفردية من دور هائل بهذا الصدد. ولا يمكن ان نكرر ما سبق وان اقتنع هو به من أن ما كان في علم الأزل لا يمكن للمقادير ان تخالفه. وذلك لأن هذه القناعة هي من وحي أو الثقافة اللاهوتية الفلسفية لا حصيلتها التاريخية. والمهمة المطروحة الآن لا تقوم في تتبع جريانه في "سيلان المكر الإلهي"، بل بانتزاعه من حركة افلاك القدر وذرات الوجود الالهي من اجل وضعه في تاريخ الفكر ومنطق تطوره الواقعي.

فتجربته بمقوماتها الكلية هي تجربة وعي الذات النقدية التي ستواجه يوما تأمل نفسها ومصيرها أمام "بحر الصوفية"، أي كل ما بإمكانه ان يتطابق في خيالنا ووعينا المعاصر مع سحرية التنبؤ الرمزي لدعوة استاذه الجويني إياه بالبحر المغرق. إلا أن الاخير تجّسد أولا وقبل كل شيء في ذاته، وثانيا في كيانه التاريخيـ الثقافي. وليس هنا من تناقض. إذ ليست حصيلة الوعي المقارن والخيال المبدع في أيجاد الصلة بين الكلمة العابرة التقيمية - الشاعرية مع المصير الشخصي سوى نتيجة اعادة تقييم ما مضى من وجهة نظر وحدة الحاضر والماضي. فعوضا عن ان يكون مغرقا للآخرين غرق هو في ذاته لكي يصبح بدوره بحرا تضاربت في لججه تقييمات الثقافة اللاحقة.

ولم يكن هذا الواقع معزولا عن تجربة الثقافة اللاحقة في محاولتها استيعاب ظاهرة الغزالى الفريدة، أي ظاهرة التحول والانتقال من مدرسة وميدان إلى آخر والتي عادة ما جرى تحسسها وفهمها بمعايير ومقولات التصورات العادية والنظرية عن ميوعة المواقف وفقدان الثبات الداخلي للشخصية. غير أن هذا الاستنتاج نفسه يحتاج إلى كشف حوافز وأسس هذا التغيير وعدم الثبات. ولا يكفي هنا تتبع حيثيات الفطرة والغريزة التي وضعها الله في جبلته، كما يقول عن نفسه، دون ان يفقد عالمه النفسي لمميزاته الخاصة. وذلك لأن هذه المقدمة في حالة استغلالها الموضوعي لا يمكنها ان تكشف إلا عن الجانب العندي في المعضلة لا المعضلة ذاتها، وعن بعض جوانبها لا جوهرها الحقيقي. فالتغيير الدائم عنده هو اسلوب تطور البحث عن اليقين. وبهذا المعنى ليس التحول والتقلب سوى عوارض ضرورية شكلت بدورها العناصر الجوهرية في صيرورة تآلفه الفكري.

وارتبطت هذه الظاهرة بمجمل الصيرورة الفكرية لذهنية الغزالى ومواقفه من المعرفة في اسلوبها العقلي والمتشكك. وسواء وعى منذ بداية الامر الوحدة الخفية ما بين هذين الاسلوبين ام لا، فإن مما لا شك فيه تمثله لعناصرهما الايجابية في التيارات المتصارعة وخصوصا الاشعرية والمعتزلية. وقد ظل الغزإلى امينا لأسلوب الشك الموصل للحقيقة. وحتى في تلك الحالة التي رفض الشك السلبي في ممارسته الفكرية فان استبداله بمفهوم اليقين لم يكن في مضمونه الجديد سوى الاستمرار المعرفي للشك. إذ لا يقين بلا شك. وهو ما نعثر عليه أيضا في تلك المقدمة المشهورة للبحث عن اليقين كما صاغ نموذجها الأول في (ميزان العمل) عندما قال بإن "الشكوك هي الموصلة إلى الحق. فمن لا يشك لا ينظر. ومن لا ينظر لا يبصر. ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال"[12]. ان هذا الاستنتاج هو عصارة تجربته النقدية العقلية. ‘لا انه حتى هنا لم يحول الشك إلى اسلوب المعرفة بقدر ما نظر اليه باعتباره أحد وسائله الضرورية، أي انه وحّد في كل واحد تجارب الاتجاهات الفكرية في البحث عن الحقيقة مع تجربته الخاصة.

فكون الشك احد وسائل وأساليب المعرفة لم يكن اعترافا غريبا أو انجازا ما خارقا بالنسبة لعلم الكلام والفلسفة، بل ومختلف ميادين المعرفة النظرية التأملية الاخرى. ومن الممكن الاشارة هنا على سبيل المثال إلى الاتجاه المعتزلي وموقفه من الفكرة المنهجية للشك القائلة بضرورة تطهير العقل في اعتراضاته وقناعاته المسبقة وإخضاعه ذاته وأحكامه إلى مبضع التشريح العقلي. فقد اكد ابراهيم النظام (ت- 221 للهجرة) على انه لا يقين قط حتى صار فيه شك. ولم ينتقل احد من اعتقاد إلى آخر حتى يكون بينهما حالة شك. بينما وضع الجاحظ (ت-255 للهحرة) مهمة تعلم "الشك في المشكوك فيه"، واظهر التمايز بين ذهنية الشك العلمي (للخواص) والتقليدية (للعوام). أما ابو هاشم الجبائي (ت- 321 للهجرة) فقد اعتبر الشك ضرورة لكل معرفة، وبداية لكل معرفة حقيقية. فليس النظر أيا كان بدون شك، كما يقول الجبائي، سوى تحصيل حاصل. وتقترب آراء الغزالي بهذا الصدد اقترابا كبيرا من اراء المعتزلة، أو انه ينهل منها باعتبارها احد المصادر الأساسية للثقافة الإسلامية، والتي سيعمقها الفكر اللاحق بما في ذلك جدل الكلام الاشعري- المعتزلي عند الباقلاني والجويني وغيرهما.

ففي استعادته تأمل تجربته الفكرية السابقة برَّز الغزالى أولا وقبل كل شيء إعادة النظر النقدية بها،  أو ما عبر عنه بعبارة "ما قاساه في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق". إن خوضه معاناة البحث عن الحقيقة بين اضطراب الفرق وتبايناتها وصراعاتها العديدة هي العملية الفكرية لسيرته الحياتية التي أدت به إلى رفض التقليد وبالتالي دخوله معترك الثقافة ومعضلاتها الكبرى. فهي العملية التي أدت به في نهاية المطاف إلى الانخراط في "سلوك الطريق" وما آلت اليه من اكتشاف "لباب الحق"، أي كل ما شكل عناصر ديمومة التطور الفكري والسمو الروحي في مجرى صراعه السابق في مدارس الكلام والباطنية والفلسفة. وكذلك في تقييمه لمجرى تجربته الفكرية . فهو لا يدين اتجاه ما دون آخر بقدر ما انه يشير إلى التباين  القائم بين الفرق في وسائل وطرق سعيها لبلوغ الحقيقة، أو ما اطلق عليه عبارة "البحر الذي غرق فيه الأكثرون". ولم تعن هذه العبارة الوصفية في آرائه أيضا سوى الغرق في وهم القناعة العندية، أو الزعم القائل بأنها الفرقة الناجية تماما كما صورها القرآن بعبارة (كل بما لديهم فرحون).

فقد استمد الغزالى مصادر معرفته النظرية من كل ما هو موجود انذاك. ولهذا لم تكن تجربته الفكرية الحياتية كما يقول في (المنقذ) تجربة الجبان الجذور بل المفكر الجسور المتوغل في كل ظلمة والمقتحم لكل مشكلة والمتفحص لكل عقيدة والمستكشف لأسرار مذهب كل طائفة لا لشيء إلا لتمييز المحق عن المبطل والمتسنّن عن المبدع[13]. فهو لا يقف أمام باطني إلا ويجب ان يطلع على باطنيته ولا ظاهري إلا وأراد معرفة حاصل ظاهريته، ولا فيلسوف إلا وقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلم إلا واجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفي إلا وحرص على العثور على سر صوفيته، ولا متعبد إلا ويرغب في معرفة ما تؤدي اليه عبادته وحاصلها، ولا زنديق ومعطل إلا ويتتبعه لمعرفة أسباب الجرأة القائمة في آرائه وأعماله. إن كل ما وضعه في (المنقذ) في عباراته الوجيزة عن تعطشه إلى إدراك حقائق الأمور وسر التباين والخلاف القائم بين الاتجاهات والمدارس هي التي اخضعت تطوره الفكري الروحي إلى تأثير ضغطها الدائم بحيث تركت بصماتها القوية في كل قسمات روحه المعرفي والأخلاقي. فتقريره  عما اسماه بانحلال رابطة التقليد منذ الصبا، أي نبوغ استقلاله النظري لا تكشف عن بساطة هذه العملية واستجلاء آفاقها اللاحقة بقدر ما انها تشير إلى بداية الظاهرة ومجراها العام، أي انها تضعنا أمام الإشكالات الحية للمعرفة في سعيها إلى ادراك حقائق الامور. فإذا كان ديدنه كما يقول عن نفسه هو التعطش لإدراك حقائق الأمور فإن هذا الإدراك لا يمكنه ألا يكون ثمرة التطور الفكري التاريخي. وذلك لأن إدراكه لحقائق الامور لم يكن معزولا عن أساليب ومستوى وصيغ إدراك هذه الحقائق في الاتجاهات والمدارس التي حاول جهده نزع تأثيرها التقليدي عنه.

فهو لم يصل إلى هذه النتيجة بمحض الصدفة وذلك لأن مساره الشخصي مثَّل اتجاه البحث عن الحقيقة. وبما أن هذه الأخيرة كانت هدف وغاية مختلف الطالبين فإنها انتزعت من جهودهم خلاصة تصوراتهم، ومن مداركهم عوالم تأملها، ومن منطقهم اساليب ادراكها. ومأثرة الغزالى تقوم في إدراكه هذا التشعب والتجزئة الكبيرة في إدراك حقائق مختلف الاتجاهات والمدارس. لكنه لم يكن يبحث عن أنصاف الحقائق أو صيغها العندية. لقد وضع أمامه مهمة أيجاد المعيار المطلق للحقيقة. وبغضّ النظر عن إشكالية هذا المعيار والغاية من مسعاه إلا انه شأن المفكرين الكبار وقع ضحية المعرفة وحقائقها النسبية. ومع ذلك فإن بحثه عن الحقيقة المطلقة قد وضع أمامه مهمة البحث عن معيارها المناسب أو ما دعاه بحقيقة العلم، الذي طابقه مع مفهوم العلم اليقيني، أي ذاك الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ،ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك. بل الأمان من الخطأ ينبغي ان يكون مقارنا لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلا من يقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا لم يورث ذلك شكا وإنكاراً. فإني إذا علمت ان العشرة أكثر من ثلاثة وقال لي قائل "لا بل الثلاثة أكثر من العشرة بدليل اني اقلب هذه العصا ثعبانا وقلبها وشاهدت ذلك منه لم اشك بسببه في معرفتي ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه. فأما الشك فيما علمته فلا"[14]. وفي الواقع ليس هناك من صورة اكثر دقة في تحديد طبيعة العلم الحقيقي (المعرفة اليقينية) مما يتطابق مع مضمون المنطق والمادة، أي كل ما يتطابق في حقيقته مع بديهيات المعرفة المنطقية، أو المعرفة التي يكف بها العالم الخارجي ومظاهره الطارئة عن ان تكون مهددة لماهية المعرفة وحقيقتها. فالمعرفة الحقة بهذا المعنى هي تلك التي تستند إلى ذاتها، المجردة عن ثقل وفاعلية التقليد أيا كان شكله ومضمونه ومستواه وأداته بما في ذلك الذي يبدو خارقا في مظهره للوجود الطبيعي للأشياء (المعجزات). وفي هذا تكمن النتيجة المعرفية التي تنفي في نهاية المطاف أسلوب  الشك بوصفه أداة بلوغها.

إن التطور الفكري للغزالى هو بحد ذاته نموذج للنفي الدائم للشك. فهي العملية التي شكلت حافز وغاية تطوره المعرفي. فالمعرفة اليقينية الضرورية للأمان الروحي لا يمكنها حسب نظره ان توجد بمعزل عن الوجود الإنساني في تجاربه القديمة والمعاصرة. ولهذا انطلق من المادة الاقرب والأكثر التصاقا بالحس، والتي تتضمن في أشكالها ومظاهرها المباشرة الصيغة المقنعة للجميع، أي الحسيات والضروريات. انه يحاول الكشف عما إذا كانت الحسيات والضروريات تمتلك بحد ذاتها من حيث علاقتها بالبحث عن حقائق الأشياء كما هي، طابع اليقين المميز للقناعة التقليدية، وما اذا كانت تمثل مستوى آخر من المعرفة لا يتطابق مع حقيقة العلم. فالتجربة الحسية كما يقول الغزالى هي واسطة وضرورة للمعرفة الأولية. غير أن الشكوك فيها قد أوصلته إلى الاحساس بضعف الأمان في المحسوسات. وذلك لأن المعطيات الحسية عادة ما تتناقض مع معطيات التجربة والمشاهدة. فالناظر يرى الظل واقفاً في حين تكشف معطيات التجربة والمشاهدة عن حركته الدائمة. والحس يرى الكواكب صغيرة بينما الأدلة الهندسية تكشف عن ان بعضها اكبر من الارض.  فالحسيات التي تبدو يقينية الطابع سرعان ما تتحول إلى سراب خادع أمام مبضع العقل. مما يفقد القناعة طابع اليقين الضروري. في حين يظهر العقل مقارنة بها اكثر يقينا وأدق حكما. فالحس يكذبه حاكم العقل إلى الحد الذي لا يمكن معه الدفاع عن يقينية المعطيات التي تقدمها الحواس. وإذا كان الامر كذلك فليس هناك من أمل في اليقين إلا بمعطيات العقل. غير ان العقل بدوره يثير السؤال الخفي حول معيار اليقين فيه، وكذلك مبررات اليقين في الأحكام العقلية.

فيقين العقل في المثال السابق يبدو جليا مقارنة  بمعطيات الحس. من هنا فإن الوقوف عندهما لا يعني في الواقع سوى ردع ما هو عير متناه. وبالتالي، فإن افتراض طور ما وراء العقل لا يرفضه العقل. فالإحساس ذاته من خلال تجريده العقلي يثير الشك باستنتاجات العقل وظاهرية احكامه اليقينية. فما هو يا ترى معيار الثقة بالعقل بحد ذاته ما زالت قناعته مبنية على موقفه المدقق لمعطيات الحس وتفنيدها بعد ان كانت في بادئ امرها تبدو يقينية خالصة؟ فالعقل كذَّب الحواس، ولولا العقل لكانت معطيات الحس معترف بها ويقينية. من هنا استنتاج الغزالى القائل بإمكانية وجود ما وراء العقل تماما كما تقر بإمكانية وجود ما وراء الحس (العقل) باعتباره درجة ارقى. إذ ان عدم تجلي هذا الادراك (طور ما وراء العقل) لا يدل على استحالته[15]. ومما يؤيد ذلك حالة النفس الإنسانية في اليقظة والمنام. فالنفس تؤيد افتراض وجود ما وراء العقل. فالنائم على سبيل المثال يرى أشياء سرعان ما تتحول إلى أخرى زمن اليقظة. والنائم لا يشك في يقينية ما يرى في نومه. وفي حالة اليقظة يعلم بأن  كل ما رآه مجرد تخيلات لا طائل تحتها. وإذا كان الامر كذلك فلم يا ترى يجري رفض افتراض وجود الحالة التي تصبح فيها معطيات العقل وأحكامه مقارنة بما وراء العقل شبيهة بحالة معطيات النوم مقارنة باليقظة؟ فهي الحالة التي تتجاوز طور العقل لتكشف عن محدوديته وضعفه، مثل مستوى العقل مقارنة بالحواس، أو ما تدعوه المتصوفة بحالة الموت. غير انه لا ينبغي فهم هذه الصياغة بعباراتها الظاهرية. وسوف نرى لاحقا بأنه لم يسعَ من وراء ذلك إلى اضعاف اهمية العقل أو التقليل من شأنه كما توهم الكثير ممن بحث في فكر الغزالي، بقدر ما انه اراد ان يبرز ذلك التطور الفعلي العقلي الذي مارسه في سعيه لبلوغ اليقين الحق.

فالغزالى لا يتطرق هنا إلى العقل ومعطياته بالمعنى العلمي التجريبي. لقد تناول في اطروحاته اساسا القضايا العقائدية والفلسفية التي أوصلته إلى فكرة محدودية العقل في قدرته على حلها الجازم واليقيني. وبهذا يكون قد "خلَّص" العقل من بعض محاولاته غير المجدية، دون ان يقع في مستنقع التبرير غير العقلاني. فهو يشير إلى ذلك مرات عديدة بطرق غير مباشرة في (المنقذ) وغيره من الكتابات. فعندما يتناول على سبيل المثال الالهام الصوفي مقارنة بالعقل فإنه لم يقصد بذلك معارضة أحدهما بالآخر، أو وضع الالهام بالضد من العقل كما هو، بقدر ما انه تناولها ضمن اطار دحض الاستنتاجات العقلية اللاهوتية والفلسفية التي أضفت تصوراتها وأحكامها الخاصة عن الله وقضايا الإلهيات الكبرى، أي ان معطيات طور ما وراء العقل أو الالهام الصوفي لا تتعارض مع العقل إلا في صيغته وهويته الجدلية أو المعرفة العقلية النفسية عن الله التي دعتها المتصوفة بالحجب. ولم يقصد  المتصوفة بالمعرفة كحجب أو حجاب المعرفة والعلم سوى حجاب التصورات والأحكام التقليدية والقناعة القبلية (المسبقة). إذ ليس ما وراء العقل سوى الحصيلة الوجدانية المعرفية للتجربة الصوفية التي ترمي في مساعيها صوب حقيقة التوحيد والمطلق كل لباس الماضي التقليدي لتستعيد هوية تمثلها الذاتي كما هي عليه.

غير ان هذه الحصيلة النهائية للصيغة المجردة التي لازمت تطوره المعرفي الروحي لا تمتلك قيمتها الفعلية الواقعية في تآلفه الفكري إلا في الاطار العلمي المنطقي. ودون ان يعني ذلك أيضا تجاهله أو اغفاله عما في ما وراء العقل من خصوصية المنطق الصوفي. إلا ان لهذا المنطق اسراره الخاصة التي تشكل  في كلها عناصر علم المكاشفة. وفي هذا تكمن خصوصية تجربة الغزالى النقدية في التعامل مع سيرته المعرفية ونماذج البحث عن الحقيقة في ثقافة الخلافة والأمم السابقة. وقبل أن يصل الغزالي إلى هذه المحصلة العامة كان لابد له فيما يبدو ان يمر بنفس الطريق الشائك للثقافة الإسلامية في سعيها إلى بلوغ اليقين بعد ان ابتدأت به. وقد حصلت هذه العملية على انكسارها الدرامي في موشور وعيه العقلاني والأخلاقي قبل ان تنصهر لاحقاً في بوتقة الطريق الصوفي. فإذا كانت تجربة البحث عن اليقين العلمي في بداية أمرها هي الصيغة الطبيعية للعقلانية النقدية، فإن اتخاذها من الشك وسيلة لتذليله ذاته كان لا بد وان تضعه كما يقول عن نفسه، على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال، أي كل ما واجهه في غضون شهرين بعد جداله النفسي العقلي الشاك في معقولية العقليات وحسية الحسيات وضرورة الضروريات وإشكالية اليقين. لقد دفعه كل ذلك كما يصف لنا حاله في (المنقذ) إلى المأزق المغلق في المعرفة من خلال التمسك بالمنطق الضروري لبلوغ العلم اليقيني، أي دفع الشك باليقين من خلال الدليل ولا دليل!

لكن هذا الانغلاق الإشكالي في المعرفة سرعان ما إنحلَّ في ذهنية الغزالى من خلال استعادة الوثوق والقبول بالضروريات العقلية، أي العناصر الجوهرية التي ستلازم تطوره الفكري في بحثه عن الحقيقة. ولكن إذا كان هذا الرجوع الأولي للضرورات العقلية قد جرى من خلال الاحتكام غير المباشر لقيم العالم الصوفي، فإن اسلوب تجلياته المباشرة كان من خلال ما دعاه الغزالى "بالقذف النوراني"، أي من خلال القناعة غير المنطقية بمنطقية الضرورات العقلية، أو ما عبر عنه الغزالى بكلمات "بلا نظم دليل وترتيب كلام"، والذي سيجعله لاحقا "مفتاح اكثر المعارف".  اما في الواقع فإن هذه الصياغة ما هي إلا الصيغة الاكثر تجريدية للمعطيات العقلية بمستواها الحدسي. اضافة إلى ذلك ان ما تضمنه (المنقذ) من اعادة استدراج للذاكرة النقدية تجاه تجربته النظرية كان لا بد لها من ان تخترق مسامات كيانه الصوفي. فهو لم يسع من وراء استعراض "سيرته" سوى إلى كشف الطريق الضروري لبلوغ الحقيقة لا غير، لكي يكون مثاله مجرد حافز، كما يقول "لكمال الجد في الطلب حتى ينتهي المرء إلى طلب ما لا يطلب. فإن الأوليات ليست مطلوبة، فإنها حاضرة والحاضر اذا طلب فُقِدَ واختفى. ومن طلب ما لا يطلب فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب"[16]. فالبديهيات العقلية أولية بمعنى انها موجودة وفي حال طلب البرهنة عليها ستكف عن ان تخضع لمنطق البديهيات. ومع ذلك فإنه حاول تجاوز الحدود العقلية (والتقليدية) للبديهيات وغير البديهيات للتأكد من يقينها المجرد.

فتجربته الذهنية هي تجربة البحث عن الحقيقة وخوض الصراع الفكري والتطور الروحي الذي تجسد في صيغ تطوره المدرسي في اصناف الطالبين للحق. لقد خاض هو غمار البحث عن اليقين الذي كان في حصيلته النهائية النتاج المعقد لوحدة التجربة النظرية (العقلية) والعملية (الأخلاقية). وإذا كانت هذه الوحدة هي الخيط الذي يربط في كل واحد مجرى ومضمون انتقاله إلى التصوف في نظريته عن المكاشفة والمعاملة، فإنها حصلت على انعكاسها الشخصي في (المنقذ من الضلال). فالاخير لا يكشف اساسا إلا عن الصيغة الشخصية التي تعامل بها في مجرى بحثه عن الحقيقة في مدارس واتجاهات وأصناف الطالبين. وإذا كان ميدان هؤلاء الطالبين في ثقافة الخلافة المعاصرة له تتمركز في علوم الكلام ومدارس الباطنية واتجاهات الفلسفة وطرق الصوفية، فان سيرته تعكس نموذج وعيه الثقافي الأصيل في بلوغ حقائق المرحلة، أي انه عبر عن الصيغة النقدية المثلى للبحث عن الحقيقة في مجمل ثقافة العصر وتوليف ابداعها النظري من خلال معاناته الطويلة باعتباره جزء من العملية التلقائية "للسير في طريق الحق". واذا كانت هذه الحصيلة قد تجسدت في نهاية المطاف بأسلوب الانكسار الفردي للإرادة في طريق الحرية فمن الصعب توقع حصولها في مثال الغزالى دون صيرورة تلك العناصر القائمة في ديناميكية تجربته العقلية التي تكونت في مجرى سباحته في "بحر المعرفة".

ان حصره لميدان طالبي الحقيقة في الكلام والباطنية والفلسفة والتصوف كان بمعنى ما موقفا ثقافيا عاما في التعامل مع حصيلة الاصناف أو الاتجاهات الفكرية الكبرى لعصره. إلا ان هذا الموقف يعكس في مساره أيضا نزع التقليدية المميز لتطوره الذي رافق انتقاله في رحاب الثقافة، بوصفه أسلوب الرؤية النقدية الخلاقة لوحدة الأمة في مساعي مدارسها للبحث عن الحقيقة. لقد تعامل مع اتجاهات العصر الكبرى على اساس كونها اصنافا لطالبي الحق والحقيقة. وبالتالي اعطى له ذلك إمكانية خوض غمارها الذي اسهم  مساهمة جوهرية في صيرورة ابداعه التوليفي، أي انه مثّل في هذه العملية الخطوة الجريئة في عصر الانحلال لتجاوز وتذليل عبث السفسطة وفوضى الاباحية (العدمية) وكسر التقليد من اجل اعادة شعلة الوحدة والنظام للوجود الاجتماعي والكينونة الإنسانية على مثال وحدانية الحق.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] Foster F.H. al-Ghazali’s inner secret.Moslem World, vol.23 w/4,p.378.  

والشيئ نفسه يمكن العثور عليه عند مونتغوميري واط وماكدونالد

[2] Trimingham J.S. The Sufi order in Islam, Oxford 1971, p.33.  

[3] الشيخ محمد صادق عرجون: مقتاح شخصية الغزالي. هل شك حجة الاسلام؟ ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده، القاهرة، 1962، ص838.

[4] زكي مبارك: الأخلاق عند الغزالي، القاهرة، 1971، ص63؛ عمر فروخ: رجوع الغزالي الى اليقين، ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده) 311-330.

[5] هذا ما يقول به الباحث الكبير فريد جبر

[6] عبد الامير الاعسم: الفيلسوف الغزالي، بيروت، 1981، ص38، 49، 63، 150-151.

[7] جورج قنواتي: الفلسفة، علم الكلام، التصوف، ضمن كتاب (تراث الاسلام، القسم الثاني)، الكويت، 1978، ص344.

[8] عبد الرحمن بدوي: الغزالي ومصادره اليونانية، ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده)، ص222.

[9] يوسف الشاروني: موازنة بين اراء الغزالي والقديس اوغسطين، صمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده)، ص689.

[10] ابو العلا عفيفي: أثر الغزالي في توجيه الحياة العقلية والروحية في الاسلام، ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده)، ص739.

[11] Грюнбаум Фон. Классический ислам. М.1988, с.147.

[12] الغزالي: ميزان العمل، ص153.

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص78-80.

[14] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص82.

[15] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص85.

[16] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص88.

 

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (37)

في المقال السابق، تم التطرق الى كيفية تطور تفصيلات قصة صلب يسوع الناصري، وكيف تم اضافة تعديلات و تفاصيل جديدة للقصة مع مرور الزمن، من خلال تتبع ذكر القصة في الأناجيل القانونية الأربعة بمراعاة  التسلسل الزمني.

في هذا المقال، سنتناول التأثير الاجتماعي والسياسي على الروايات والأخبار التي تناولت قصة صلب يسوع المسيح، وأثره في تطور تفاصيل هذه القصة مع مرور الزمن، عن طريق تتبع سرديات الأناجيل القانونية، حسب تعاقب زمن تدوينها.

من المعلوم ان قصة الشاب المصلح يسوع وأقواله ومعاجزه و صلبه،كانت تتناقل على شكل حكايات و سرديات شفوية بين أتباعه المؤمنين به، وتنتقل مع الزمن الى مجاميع المؤمنين الجدد الذين ينضمون تدريجيا الى الايمان المستحدث، ثم يقوم هؤلاء ايضا بنقل هذه القصص والحكايات الى مجاميع اخرى من الناس، ويستخدمونها في التشويق والترغيب لغرض جلب أكبر عدد من المنضمين الجدد للايمان المسيحي، وبمرور الزمن ومع اتساع رقعة المنضمين، تزداد الحكايات و تتسع تفاصيلها، مع تضخم عناصر التشويق والتضخيم خصوصا حول الشخصية المحورية التي يقوم عليها الإيمان الجديد!

وقد استمر الامر على هذا المنوال في الثلاثين عاما التي تلت صلب المسيح، حتى بدأ تدوين أول الأناجيل القانونية وهو انجيل مرقس، ومن بعده بحوالي عشر سنوات انجيلي متى و لوقا، الى زمن تأليف اخر الاناجيل القانونية وهو إنجيل يوحنا، الذي يعتقد أنه كتب حوالي عام 95 أي بعد صلب المسيح بفترة تقارب ما بين 60 الى 70 عام

يسوع الناصري وخلال فترة دعوته الاصلاحية الدينية، لم يستجب له من اليهود سوى عدد قليل جدا من الاتباع الذين واصلوا و بحماس نشر دعوته، بعد صلبه، بين اقرانهم اليهود، وجلبوا للدعوة الجديدة بعض الأتباع الجدد من اليهود، ورغم المضايقات و التعسف الذين واجهوه، لكنهم نجحوا في تكوين فرقة يهودية جديدة داخل المجتمع، تؤمن بيسوع المسيح، لكنها كانت في نظر رؤساء و كهنة اليهود مجرد فرقة يهودية ضالة.  

استمر الوضع هكذا لعدة سنوات الى ان حدث تغير دراماتيكي في تطور الأحداث، حين انضم الى الايمان الجديد شاول الطرسوسي، ذلك اليهودي القادم من مدينة طرسوس، والذي كان متطرفا في مواجهة الفرقة اليهودية الضالة!

لقد غير ايمان (شاول) والذي أصبح لاحقا يعرف بأسم (بولس) مجرى الأحداث، حيث قام بتوجيه بوصلة الدعوة للإيمان الناشئ الى المجتمعات الوثنية التي كانت تشكل الجزء الأعظم من سكان الامبراطورية الرومانية وقتذاك، واخرجها الى أوروبا وآسيا الوسطى، بعد أن كان تلاميذ يسوع المسيح يحصرونها على المجتمع اليهودي فقط .

نجح (بولس) الذي كان يتمتع بثقافة عالية، ويجيد اللغة اليونانية، من خلال استثمار ذكائه، وحماسته ونشاطه الكبير، في تحويل أعداد كبيرة من الوثنيين وفي مناطق جغرافية عديدة الى الإيمان الجديد والذي تحول مع مرور الزمن وازدياد الاتباع من فرقة يهودية صغيرة،تتبع تعاليم يسوع المسيح، الى ديانة جديدة تقوم كليا حول شخص يسوع المسيح !

الدين الجديد الذي بدأ عدد أتباعه بالازدياد المضطرد، واخذت رقعة انتشاره تتسع في ارجاء الامبراطورية الرومانية، خرج من الدائرة اليهودية الضيقة، الى فضاء اوسع وارحب، وصار الغالبية من أتباعه هم الوثنيين السابقين، ومعظمهم من مدن الامبراطورية الرومانية و حاملي التابعية الرومانية (مواطنين) كما هو الحال مع بولس الذي اصبح رسولا للامم !

ومع تحول الفرقة اليهودية الصغيرة (الضالة) الى دين جديد يقدس الشاب اليهودي يسوع الناصري،ويضفي عليه تدريجيا صفات الهية، كان من الطبيعي ان يحدث الصدام الفكري والعقدي بين اليهود وبين أتباع الدين الناشئ والذي صار يشكل مواطني الامبراطورية الرومانية الغالبية العظمى من اتباعه.

واجهت الشريحة المجتمعية الجديدة التي أصبحت تمثل القاعدة الشعبية للايمان المسيحي، معضلة سوسيو/ سياسية !

فالشخصية التي يتمحور حولها إيمانهم الجديد، قد تم تعذيبه وإهانته ومن ثم قتله على يد سلطة الدولة التي يدينون لها بالولاء، ويفتخرون بالانتماء إليها، فيسوع المسيح (ابن الله) قد تم صلبه وفق القانون الامبراطوري الروماني، وبقرار من حاكم روماني، وعلى أيدي جنود رومان !!... حيث انه قد تم الحكم عليه كخارج على القانون و محرض على التمرد ضد الدولة الرومانية، و داعيا الى إنشاء مملكة مستقلة لليهود،  لذلك،تم صلبه، وتعليق لوحة على جسده مكتوب عليها

(هذا ملك اليهود) ليكون عبرة لغيره، ولكل من يفكر بمثل هذا التفكير!

وطبعا، لا يمكن إغفال الدور الذي كان لليهود ورؤسائهم من خلال التحريض والوشاية ضد يسوع الناصري!

استمرت العداوة الايمانية بين اليهود الذين رفضوا يسوع وكذبوه وبين المجتمعات التي آمنت به و ألهته، و أخذت بالازدياد مع مرور الزمن، حتى تحولت - في قرون لاحقة - الى صدام دموي نتج عنه مجازر وحشية بحق اليهود، وذلك حين أصبحت الديانة المسيحية هي الديانة الرسمية الوحيدة للامبراطورية الرومانية...وبمرسوم امبراطوري !

ومع ازدياد العداء الإيماني والتنافر العقدي، فقد كان من الطبيعي ان تلقي هذه المؤثرات الاجتماعية بظلالها على عملية تدوين الأناجيل وخصوصا ان اغلبها كانت موجهة الى شريحة اتباع الدين الجديد من مواطني الدولة الرومانية، وكانت مكتوبة بلغتهم، وعلى ايدي اشخاص يحملون ثقافة يونانية واسعة .

وعند البحث في قصة صلب يسوع المسيح، يلاحظ القارئ في الأناجيل القانونية الأربعة، ان هناك محاولة متقصدة وواضحة جدا في تحميل اليهود المسؤولية الكاملة لجريمة صلب المسيح، مع تكثيف الجهد من أجل إيجاد مبررات لإعفاء الحاكم الروماني الذي اصدر امره بعقوبة الصلب من المسؤولية، او على الاقل ايجاد العذر له !

وعند تتبع هذه النقطة في الأناجيل، و تتبع تطورها الزمني، بحسب زمن تأليف كل إنجيل من الأناجيل القانونية، يكتشف القارئ، ان الذين كتبوا تلك الأناجيل، كانوا مهتمين جدا باضافة تفاصيل جديدة مع مرور الزمن، تثبت ادانة اليهود، وتخفف من مسؤولية السلطة الرومانية، من اجل تخفيف عقدة الذنب التي قد تنشأ نتيجة الولاء لسلطة قامت بصلب الرب!

في اقدم الاناجيل القانونية (انجيل مرقس) نجد ان الحاكم الروماني (بيلاطس) لم يكن مقتنعا بتجريم يسوع الناصري، ولكنه رضخ لرغبة اليهود الذين طالبوا بصلبه، لذلك امر بجلد يسوع وصلبه !!! (انجيل مرقس 15)

اما إنجيل (متى) فقد أضاف تفصيلة جديدة، ولكنها مهمة جدا وخطيرة في نفس الوقت !

حيث نجد في الاصحاح  السابع والعشرين، ان الحاكم الروماني (بيلاطس) وبعد ان اخبر اليهود انه لايجد في يسوع الناصري اي ذنب يستحق العقوبة، ومع إصرار اليهود وتحريضهم على صلب يسوع

نجد كاتب الإنجيل يضيف حبكة درامية مهمة جدا، تتمثل في قيام (بيلاطس) بطلب ماء وثم قام وغسل يديه أمام الجموع، ليؤكد لهم أنه بريئ من دم هذا الإنسان البار.. ثم أصدر قراره بجلده وصلبه !!

(فلما راى بيلاطس انه لا ينفع شيئا بل بالحري يحدث شغب اخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع قائلا اني بريء من دم هذا البار ابصروا انتم)  متى 27/24

ولم ينسى كاتب الإنجيل بعد ان قام بتبرئة الحاكم الروماني، بأن يضيف فقرة تؤكد مسؤولية اليهود، بل وحتى ذريتهم!

(فاجاب جميع الشعب وقالوا دمه علينا وعلى أولادنا!!!)  متى 27/25

وعند الذهاب الى انجيل ( لوقا) نجد كاتب الاناجيل ينفرد باضافة تطورات وتفاصيل جديدة للقصة، من اجل ابراز نفس الغرض، وهو إلقاء اللوم والمسؤولية على اليهود، حيث نجد ايضا في الاصحاح الثالث والعشرين،ان (بيلاطس) مقتنع ببراءة يسوع الناصري، وعندما عرف انه من (الجليل) قام بارساله الى حاكم الجليل (هيرودس) الذي تصادف وجوده في أورشليم بذلك الوقت !!

الحاكم الضيف، لم يجد،كذلك، ان يسوع قد اقترف جريمة او ذنب، فاكتفى بضربه واهانته، وارجعه الى بيلاطس !

وهنا، نجد بيلاطس، يحاول جاهدا، ولثلاث مرات،ان يقنع جموع اليهود، بإطلاق سراح يسوع البريء حسب رأيه، ولكن اليهود،كانت ترتفع أصواتهم بالمطالبة بصلب يسوع، فاضطر الحاكم الروماني (المسكين) الى النزول على رغبة اليهود، فقام باطلاق سراح (باراباس) المدان بقضية شغب وأمر بصلب يسوع الذي كان يجده بريئا !!

اما اخر الأناجيل القانونية تدوينا (إنجيل يوحنا) فقد تطرق الى نفس القصة في اصحاحين (18 و 19)

وقام باضافة تفاصيل وبهارات جديدة لزيادة الحبكة!!... ولو ان بعضها كان يشي بالطرافة والغرابة !!

حيث نجد الحاكم (بيلاطس) يقوم بدور يشبه المفاوض، بين يسوع المتواجد داخل دار الولاية، وبين رؤساء اليهود الذين بقوا خارج تلك الدار، لذلك اضطر بيلاطس للذهاب والمجيئ ثلاث مرات بينهما، ومع ذلك، فشل في إقناع اليهود !!

رغم انه وبعد حوار مطول مع يسوع،بقي مقتنعا ببرائته، وأراد إطلاق سراحه، لكن اليهود أصروا على إطلاق (باراباس)

وهنا نجد ان كاتب انجيل(يوحنا) ابتكر لنا فكرة جديدة وقوية !!... وهي تهديد اليهود لبيلاطس والتلميح له بأنهم سيتهمونه بعصيان القيصر، لذلك خاف بيلاطس !!... وقرر النزول عند رغبتهم !!

(من هذا الوقت كان بيلاطس يطلب ان يطلقه ولكن اليهود كانوا يصرخون قائلين ان اطلقت هذا فلست محبا لقيصر كل من يجعل نفسه ملكا يقاوم قيصر) يوحنا 12/19

هذا التطور المستمر في تحديث و تغيير تفاصيل قصة الحكم بالصلب على يسوع المسيح، يعكس لنا بشكل واضح الأثر الاجتماعي وكذلك السياسي على مخيلة المؤمنين بالمسيحية في زمنها المبكر، والذي انعكس على سرديات نصوص الأناجيل، التي هي بطبيعة الحال، انعكاس لطريقة تفكير هؤلاء المؤمنين ونظرتهم الى الأمور، ومحاولتهم لتصوير الحدث التاريخي وفق الطريقة التي تشيطن خصومهم في العقيدة، وبنفس الوقت، تزيل العنت واللوم عن السلطة التي ينتمون لها

وبذلك خرجت لنا نصوص الأناجيل، بقراءة للتاريخ تقوم على الرؤية الايمانية للمسيحيين الاوائل، اكثر مما هي قراءة حقيقية لمجريات الأحداث التاريخية.

وهذا الأمر تؤكده أيضا، صورة الحاكم الروماني (بيلاطس) في المخيال المسيحي في الفترة المبكرة، حيث اننا نجد بعض الأخبار تشير إلى أن هذا الحاكم القاسي القلب والذي كان يحتقر اليهود، ويبطش بهم،قد  تاب من فعلته، بل يوجد هناك كتاب زائف اسمه أعمال بيلاطس (يرجع إلي القرن الرابع أو الخامس الميلادي) يبرر بيلاطس من كل لوم، ويؤكد أنه اعترف أن يسوع هو ابن الله!!.

كما توجد حتى اليوم كتب أخري باسم أعمال بيلاطس تختلف فيما بينها في بعض التفصيلات، إلا أنها جميعها زائفة. وتزعم إحدى الأساطير أن زوجة بيلاطس صارت مسيحية. ويقال أن بعض الكنائس الشرقية تحتفل بيوم 25 يونيو، تذكارأً لبيلاطس باعتباره قديساً وشهيداً!!!

ورغم ان هذا الرأي يفتقر إلي السند التاريخي، و لايمثل الرأي الرسمي للكنيسة، لكنه بنفس الوقت، يعكس لنا نمطية التفكير لدى المسيحيين الاوائل من غير الأصول اليهودية، والذين كانوا يعتقدون ان تبرئة (بيلاطس) وهو رمز للسلطة الذين هم مواطنوها، سيرفع عنهم عقدة الذنب، الذي سيتم رميه برقبة اليهود ورقاب اجيالهم !!!

 

د. جعفر الحكيم

 

 

منى زيتونفي عام 656هـ نُكبت بغداد بالتتار، وقتلوا أكثر أهلها حتى الخليفة، وسقطت خلافة بنو العباس. وقد اتهم كثير من المؤرخين الوزير أبا طالب محمّد بن أحمد بن علي مؤيّد الدين ابن العلقمي الأسدي، بأنه خان الخليفة المستعصم بالله، لأنه كان موغر الصدر بسبب نهب دور قراباته من الشيعة في الفتنة التي نهب فيها الحنابلة الكرخ سنة 655هـ، كما اتهموه بدافع آخر وراء ما نسبوه إليه، وهو أنه كان يهدف لقتل العلماء من السُنة ونشر مذهبه.

وكانت حيثيات التآمر من وجهة نظر أصحاب نظرية خيانة ابن العلقمي، أنه هو من أطمع هولاكو في بغداد، فكاتبه، وصرف الجند، وحبَّب للخليفة جمع المال، وهو أيضًا من تآمر مع هولاكو عندما وصل بغداد، فهوَّن عليه قتل الخليفة، وأعان على قتل الفقهاء والعلماء السُنة. وهي اتهامات شنيعة تستحق التقصي.

ولعل أول ما يلفت أي قارئ عن نكبة بغداد، ممن يبحث عن الحقيقة، وليس إلى إلصاق التهم بالمخالفين، أن المؤرخين قد انقسموا صنفين حول تلك الكارثة التي حلَّت بالمسلمين:

1- المؤرخون المعاصرون للحدث، وهم قلة، اهتموا بذكر تفصيلات كثيرة عن المراسلات التي دارت عبر أكثر من عشرة أشهر بين هولاكو والخليفة قبل النكبة، وتفاصيل الوضع في بغداد قبل النكبة، بل وفي السنوات السابقة عليها، وسرد محاولات التتار المستميتة لأخذ بغداد عبر عقود، ووصف لشخصية الخليفة والحاشية، وموقف كل منهم ودوره في الحوادث. وهذه التفاصيل تعطي صورة واضحة للغاية عن الحدث، ويخلص أي قارئ نزيه منها إلى براءة ابن العلقمي.

2- الفئة الثانية من المؤرخين: وهم الأكثرية، وأغلبهم من غير المعاصرين للنكبة، وكلهم من أهل الشام –وأهل الشام معروفون بتعصبهم الزائد ضد الشيعة بالحق وبالباطل-، فقد غابت عن رواياتهم التفاصيل التي سبقت النكبة، فيعطون للقارئ صورة ضبابية، تشعره عندما يقرأ سردهم للحوادث كأن التتار قد باغتوا بغداد، وكأن الناس قد استيقظوا فوجدوا التتار فوق رءوسهم يحصدونها، وقد يكون هؤلاء المؤرخون معذورين لأن الموت قد حصد أرواح الآلاف في بغداد بسيوف التتار، ثم حُصِدت أرواح آلاف أخرى عندما انتشر الطاعون، ونقل الهواء الوباء إلى الشام، فحصد آلاف آخرين هناك، ولا شك أنه لم يبلغ هؤلاء المؤرخين تلك التفاصيل التي سبقت مجيء التتار، وإن كانوا على العكس قد ذكروا بعض التفاصيل حول الحوادث التي تلت دخول التتار، وهي أقل أهمية في تحديد أسباب النكبة، كما أنها اختلفت كثيرًا عما رواه المعاصرون للنكبة، وكانت أقل دقة. وأغرق هؤلاء المؤرخون في المقابل في إيراد اتهامات، أشبه بالرجم بالغيب، جاءت متناقضة، وغير منطقية، ولا دليل عليها؛ فعلموا بمراسلات تجسس الوزير السرية المزعومة وأوردوها، بينما خفيت عليهم مراسلات هولاكو والخليفة العلنية، وما دار فيها، فلم يوردوها!

ومقارنة بسيطة بين ما كتبه المؤرخون من أمثال: رشيد الدين الهمذاني، وهو مؤرخ المغول، المتوفى سنة 718هـ، في "جامع التواريخ"، وابن الطقطقا، المتوفي سنة 709هـ، في "الفخري في الآداب السلطانية"، وابن العبري، المتوفي سنة 685هـ، في "تاريخ مختصر الدول"، وابن الفوطي الحنبلي البغدادي، المتوفي سنة 723هـ -وكان شاهد عيان على النكبة، وتم أسره فيمن أسرهم التتار من الأحداث صغار السن، فلم يُقتل-، وبين ما خطَّه ابن كثير في "البداية والنهاية" أو الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، أو السُبكي في "طبقات الشافعية"، أو من نقلوا عنهم كابن شامة واليونيني، يظهر الفرق الجليّ بين من يعرض حقائق، ويكاد لا يُعلِّق على الحوادث، تاركًا للقارئ الفرصة للفهم والتقرير، وبين من يرمي بالتهم جزافًا دون ذكر تفاصيل كافية تثبتها. وشتَّان بين الحقائق والآراء، خاصة إن كانت الآراء قد بُنيت على الهوى والتعصب.

وأعتقد أن أول ما يلزم لفهم الحوادث للحكم على صحة أي من الروايتين، هو التعرف على الشخصيات الأساسية على مسرح الحوادث.

كان خليفة المسلمين وقتها هو الخليفة المستعصم بالله. يقول عنه ابن الطقطقا في "الفخري في الآداب السلطانية" (ص333) "كان المستعصم رجلًا خيّرًا متديّنًا، ليّن الجانب، سهل العريكة، عفيف اللسان، حمل كتاب اللّه تعالى، وكتب خطًا مليحًا، وكان سهل الأخلاق، وكان خفيف الوطأة، إلاّ أنّه كان مستضعف الرأي، ضعيف البطش، قليل الخبرة بأُمور المملكة، مطموعًا فيه، غير مهيب في النفوس، ولا مطّلع على حقائق الأُمور. وكان زمانه ينقضي أكثره بسماع الأغاني والتفرّج على المساخرة، وفي بعض الأوقات يجلس بخزانة الكتب جلوسًا ليس فيه كبير فائدة، وكان أصحابه مستولين عليه، وكلّهم جهّال من أراذل العوام، إلاّ وزيره مؤيّد الدين محمد بن العلقمي؛ فإنّه كان من أعيان الناس، وعقلاء الرجال، وكان مكفوف اليد، مردود القول، يترقّب العزل والقبض صباح مساء"أهـ. ويحكي ابن الطقطقا (ص334) عن المستعصم قصصًا تظهر مقدار طيبة قلبه وشفقته، ثم يتبعها بقوله: "والمستعصم هو آخر خلفاء الدولة العباسية ببغداد. ولم يجر في أيام المستعصم سوى نهب الكرخ، وبئس الأثر ذلك"أهـ.

بينما يصفه ابن العبري في "تاريخ مختصر الدول" (ص445) فيقول: "وفي سنة أربعين وستمائة بويع المستعصم يوم مات أبوه المستنصر، وكان صاحب لهو وقصف، شُغِف بلعب الطيور، واستولت عليه النساء، وكان ضعيف الرأي، قليل العزم، كثير الغفلة عما يجب لتدبير الدول"أهـ.

ويذكر السُبكي في "طبقات الشافعية" (ج8، ص262) سبب استخلاف المستعصم. يقول: "وكان المستنصر، والد المستعصم، ذا همة عالية، وشجاعة وافرة، ونفس أبية، وعنده إقدام عظيم، واستخدم جيوشًا كثيرة وعساكر عظيمة. وكان له أخ يعرف بالخفاجي، يزيد عليه في الشجاعة والشهامة، وكان يقول: إن ملكنى الله الأرض لأعبرنّ بالجيوش نهر جيحون، وانتزع البلاد من التتار، وأستأصلهم. فلمَّا توفي المستنصر، كان الدويدار والشرابي أكبر الأمراء وأعظمهم قدرًا، فلم يريا تقليد الخفاجي الأمر خوفًا منه، وآثروا المستعصم علمًا منهما بلينه وانقياده وضعف رأيه، لتكون لهما الكبرياء فأقاموه" أهـ. وهي قصة تُصدِّق على صفات المستعصم بالله كما اتفق عليها كل من ترجموا له، ولكن الأهم فيها أنها تكشف عن جانب هام في شخصية الدويدار، وهو شخصية محورية في حوادث النكبة كما سنرى، فالدويدار شخص صاحب حيلة، لا يعرف كيف ينصح للمسلمين؛ فلم يتقِ الله في اختيار الخليفة، ومصلحته عنده مقدمة عن صالح المسلمين، وسيظهر أثر هذه الصفة الرديئة في حوادث القصة البائسة. فبداية النكبة جاءت منذ خانت الحاشية الله ورسوله، وولوا من لا يصلح!

أما الوزير ابن العلقمي، المتهم في القضية، والمختلف  في أمره بين فريقيّ المؤرخين، فيصفه ابن الطقطقا في "الفخري" (ص337-338) قائلًا: "اشتغل في صباه بالأدب، ففاق فيه، وكان رجلًا فاضلًا كاملًا لبيبًا كريمًا وقورًا محبًا للرياسة، كثير التجمل، رئيسًا متمسكًا بقوانين الرياسة، خبيرًا بأدوات السياسة. وكان مؤيّد الدين الوزير عفيفًا عن أموال الديوان وأموال الرعية، متنزّهًا مترفّعًا. قيل: إنّ بدر الدين صاحب الموصل أهدى إليه هدية، تشتمل على كتب وثياب ولطائف قيمتها عشرة آلاف دينار، فلمّا وصلت إلى الوزير حملها إلى خدمة الخليفة، وقال: إنّ صاحب الموصل قد أهدى لي هذا واستحييت منه أن أردّه إليه، وقد حملته وأنا أسأل قبوله، فقبل. ثمّ إنّه أهدى إلى بدر الدين عوض هديته شيئًا من لطائف بغداد قيمته اثنا عشر ألف دينار، والتمس منه ألاّ يهدي إليه شيئًا بعد ذلك. وكان خواصّ الخليفة جميعهم يكرهونه ويحسدونه, وكان الخليفة يعتقد فيه ويحبّه, فأكثروا عليه عنده, فكفّ يده عن أكثر الأُمور" أهـ. بينما يصفه السُبكي في "طبقات الشافعية" (ج8، ص262) بأنه "كان فاضلًا أديبًا، وكان شيعيًا رافضيًا، في قلبه غل على الإسلام وأهله، وحبَّب إلى الخليفة جمع المال، والتقليل من العساكر، فصار الجند يطلبون من يستخدمهم في حمل القاذورات، ومنهم من يكاري على فرسه ليصلوا إلى ما يتقوتون به"أهـ.

وأقول: إن قصة هدية صاحب الموصل لها دلالة قوية فيما يخص اتصاف الوزير بالأمانة، ومثله لا يُتهم بأنه خان الخليفة، كما أن لها دلالة على اتصافه بالكرم، فلا يوصف من يفعل هذا أنه كان يجمع المال ويحبسه عن الجند، ولا بأنه إنما أراد أن يوافق له الخليفة على تجييش الجند، لمَّا لاح خطر التتار، ليأخذ المال، كما اتهمه الدويدار، وسنراه أثناء سرد الحوادث. ولا أفهم كيف يجتمع له أن يكون فاضلًا وأديبًا وفي قلبه غل على الإسلام، ولكن السُبكي يذكر رأيه بناء على الاتهامات التي تناقلها أغلب المؤرخين، ثم يناقض السُبكي ما سبق وذكره عن سيطرة الدويدار على الخليفة، فيتهم الوزير بأنه صاحب الرأي، ومن يزين للخليفة الأمور فيأخذ بها، وإن كانت سقيمة، وقد أجمع كل من ترجم للمستعصم أنه كان حريصًا على المال، وليس بحاجة لأحد أن يحببه في جمعه، فقد كان من شمائله.

وإن أردنا أن نعرف من البخيل، فالمؤكد أنه ليس الوزير الذي هادى من هاداه بما قيمته أزيد، وحلف عليه ألا يعيدها، وزاد بأن حمل الهدية إلى الخليفة فلم يأخذها. يحكي ابن الفوطي في "الحوادث الجامعة" (ص109) عن الدويدار الصغير، فيقول: "في سنة 637هـ، تكامل بناء المدرسة المجاهدية، تجاه دار الدويدار الكبير، وهي منسوبة إلى الدويدار الصغير، جعلها برسم الحنابلة، ولم يوقف عليها شيئًا"أهـ. وكانت العادة أن يتم إيقاف أوقاف يُخصص دخلها للمدرسة.

ولنقرأ ما دوَّنه المؤرخون من أهل الشام، كسبب رأوه كافيًا ليتآمر ابن العلقمي على الخلافة بأكملها. يذكر السُبكي في "طبقات الشافعية" (ج8، ص263) "وكان ابن العلقمي معاديًا للأمير أبي بكر ابن الخليفة وللدويدار؛ لأنهما كانا من أهل السُنة، ونهبا الكرخ ببغداد حين سمعا عن الروافض أنهم تعرضوا لأهل السنة، وفعلا بالروافض أمورًا عظيمة، ولم يتمكن الوزير من مدافعتهما لتمكنهما، فأضمر في نفسه الغل، وتحيل في مكاتبة التتار وتهوين أمر العراق عليهم وتحريضهم على أخذها"أهـ. وذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج17، ص358) المبرر نفسه، قال: "وذلك أنه لمَّا كان في السنة الماضية –يعني 655هـ-، كان بين أهل السُنة والرافضة حرب شديدة، نُهبِت فيها الكرخ محلة الرافضة، حتى نُهِبت دور قرابات الوزير، فاشتد حنقه على ذلك، فكان هذا مما أهاجه على أن دبَّر على الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرخ أشنع منه منذ بُنيت بغداد"أهـ. ويسرد الذهبي المبرر نفسه في ترجمته لابن العلقمي في "السير" (ج23، ص362)، يقول: "وكان أبو بكر ابن المستعصم –ابن الخليفة- والدويدار الصغير قد شدَّا على أيدي السُنة، حتى نُهِب الكرخ، وتمّ على الشيعة بلاء عظيم، فحنق لذلك مؤيد الدين بالثأر بسيف التتار من السُنة، بل ومن الشيعة واليهود والنصارى، وقُتِل الخليفة ونحو السبعين من أهل العقد والحِل، وبُذِل السيف في بغداد تسعة وثلاثين نهارًا حتى جرت سيول الدماء، وبقيت البلدة كأمس الذاهب"أهـ.

ولن أتوقف عند مستوى الحمق الذي كان يتصف به ابن الخليفة، وفقًا لرواية أصحاب نظرية خيانة ابن العلقمي، وهو يوقد فتنة طائفية في عاصمة مُلكه، بينما التتار على الأبواب، والذي لا يقل عن حمق أبيه والجواري ترقص بين يديه والقصر مُحاصر، وفقًا لرواية ابن كثير، بينما هو يظن أنها أزمة وستزول؛ لأن بغداد لا تُقهر، ولأنه صديق لهولاكو!

فقط سألفت إلى وجود رواية ثانية ورد فيها سبب آخر للوحشة بين الوزير ابن العلقمي من جهة وابن الخليفة والدويدار من جهة أخرى بخلاف أن الأخيرين من أهل السُنة! وتوضح أن نهب الكرخ كان نتيجة للوحشة بينهم لا سببًا! تلك الرواية التي ساقها مؤرخ المغول رشيد الدين الهمذاني في كتابه "جامع التواريخ- تاريخ هولاكو" (م2 ج1، ص262-263) كسبب للفتنة التي حدثت، وهو تآمر الدواتدار –الدويدار- على خلع الخليفة، خاصة وهو يحتضن الرعاع والسفلة ببغداد –وهو وصف الهمذاني لأتباع الدويدار من الحنابلة-، وإعلام ابن العلقمي للخليفة بالأمر، ثم إطلاع الخليفة الدواتدار على ما قاله الوزير، فادَّعى الدواتدار للخليفة أن الوزير يوالي هولاكوخان، ويتبادل معه الجواسيس، ثم أحدث الفتنة في بغداد، ولم تهدأ الفتنة حتى أعلن الخليفة ثقته في الدواتدار، وصار اسمه يذكر في الخطبة بعد اسم الخليفة.

وقد ذكر تلك الرواية أيضًا ابن الفوطي الحنبلي البغدادي في "الحوادث الجامعة"؛ حيث أورد حدوث وحشة بين الوزير والدويدار سنة 653هـ، بسبب ما نُسِب إلى الدويدار الصغير أنه يدبر في خلع الخليفة المستعصم والمبايعة لولده الكبير أبي العباس المشهور بأبي بكر. وكان ذلك سببًا لفتنة عظيمة بين عوام سوق المدرسة ومشرعة الصبّاغين، وقُتِل فيها خلق كثير وجُرِح عالم عظيم. وظل التوتر قائمًا حتى كتب الخليفة للدويدار عهد أمان سنة 654هـ. والخبر مفصَّل في "العسجد المسبوك"، ولكن ذُكِر في حوادث سنة 654هـ.

ولا يعنيني ترجيح أي من الروايتين رغم سذاجة الرواية الأولى، وإغفال مؤرخي الشام ذكر الرواية الثانية، فكل هذا لا يهم، فالسبب وراء الفتنة بين الحنابلة والشيعة سنوات 653هـ، 654هـ، 655هـ ليس هو القضية، فما أكثر فتنهم ببغداد، ولا تكاد تنقضي، وما أكثر ما احترق ونُهِب الكرخ. وأي قارئ للتاريخ العباسي يعلم ذلك يقينًا.

لكن ما يهمني هو التعليق على المبرر الذي ساقه الإمام الذهبي، وغير الذهبي من المؤرخين ممن يؤكدون خيانة ابن العلقمي، ولا زالوا يسردوه علينا عبر قرون، ويدرسونا إياه. وأقول: يبدو أن الذهبي، وأثناء كتابته مبرره العظيم قد انتبه إلى أن سيوف التتار لن تطال السُنة فقط، الذين من المفترض أن المؤامرة كانت عليهم وحدهم، بل ستطال الشيعة واليهود والنصارى، وفقًا لما عُرف عن التتار منذ ابتلى الله بهم بلاد الإسلام، فلم يميزوا بين أهل أي بلد دخلوه، وأعملوا السيوف في الناس في كل بلاد خُراسان بلا تمييز، ورغم أن الذهبي قد أدرك هذا إلا أنه لم يتراجع عن تصوره للحوادث ليدرك عدم معقوليته، وتعامى كذلك كثير ممن أرَّخ للحادثة عن ذكر أن الأذى قد طال الجميع بما فيهم الشيعة، لأن المطلوب إثبات أن شخصًا ضربه أخوه، ففتح باب القفص للأسد متصورًا أن الأسد سيميز بينه وبين أخيه، ويأكل أخاه، بينما لن يمسه هو أي مكروه! فهل أنتم تعقلون؟!

ولنتتبع الحوادث سويًا. ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج17، ص356-357) "وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنُشاب من كل جانب، حتى أُصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتُضحكه، وكانت من جملة الحظايا، وكانت مولّدة تُسمى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة. فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرة الستائر على دار الخلافة، وكان قدوم هولاكوقان بجنوده كلها –وكانوا نحوًا من مائتي ألف مقاتل- إلى بغداد في ثاني عشر المحرم من سنة 656هـ، وهو شديد الحنق على الخليفة بسبب أن هولاكوقان لمَّا كان أول بروزه من همذان متوجهًا إلى العراق، أشار الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي على الخليفة بأن يبعث إليه بهدايا سنيّة؛ ليكون ذلك مداراة له عما يريده من قصد بلادهم، فخذَّل الخليفة عن ذلك دُويداره الصغير أيبك وغيره، وقالوا: إن الوزير إنما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليه من الأموال، وأشاروا بأن يبعث إليه بشيء يسير، فأرسل شيئًا من الهدايا، فاحتقرها هولاكوقان، وأرسل إلى الخليفة يطلب منه دُويداره المذكور، وسليمان شاه، فلم يبعثهما إليه، ولا بالى به حتى أزِف قدومه، ووصل إلى بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة، ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية، وجنود بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس، وهم في غاية الضعف"أهـ.

وحتى هذا الجزء من الرواية رغم شدة اختصاره عند ابن كثير، فإننا لا نلمح فيه كبير اختلاف عما أورده مؤرخ المغول رشيد الدين الهمذاني مفصلًا، في كتابه "جامع التواريخ- تاريخ هولاكو"، وإن كان من المؤكد أن من سيقرأ للهمذاني ستتكون لديه صورة أخرى للحوادث، يذكر الهمذاني (م2 ج1، ص267: 268)، "بلغ هولاكوخان الدينور في التاسع  من ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وستمائة قاصدًا بغداد، ثم قفل راجعًا ومضى إلى همدان، في الثاني عشر من شهر رجب من تلك السنة. وفي العاشر من رمضان أرسل إلى الخليفة رسولًا يتهدده ويتوعده قائلًا: "لقد أرسلنا إليك رسلنا وقت فتح قلاع الملاحدة –يعني قلاع الخوارج الحشاشين النزاريين-، وطلبنا مددًا من الجند، ولكنك أظهرت الطاعة ولم تبعث الجند. وكانت آية الطاعة والاتحاد أن تمدنا بالجيش عند مسيرنا إلى الطغاة؛ فلم ترسل إلينا الجند، والتمست العذر. ومهما تكن أسرتك عريقة، وبيتك ذا مجد تليد، لا بد أنه قد بلغ سمعك على لسان الخاص والعام، ما حل بالعالم والعالمين على يد الجيش المغولي، منذ عهد جنكيزخان إلى اليوم، والذل الذي حاق بأسر الخوارزمية والسلجوقية وملوك الديالمة والأتابكة وغيرهم، ممن كانوا ذوي عظمة وشوكة، وذلك بحول الله القديم الدائم، ولم يكن باب بغداد مغلقًا في وجه أية طائفة من تلك الطوائف، واتخذوا منها قاعدة ملك لهم، فكيف يُغلق في وجهنا رغم ما لنا من قدرة وسلطان؟ ولقد نصحناك من قبل. والآن نقول لك: احذر الحقد والخصام، ولا تضرب المخصف بقبضة يدك، ولا تلطخ الشمس بالوحل فتتعب. ومع هذا فقد مضى ما مضى؛ فإذا أطاع الخليفة فليهدم الحصون، ويردم الخنادق، ويسلم البلاد لابنه، ويحضر لمقابلتنا، وإذا لم يُرد الحضور، فليرسل كلًا من الوزير وسليمان شاه والدواتدار؛ ليبلغوه رسالتنا دون زيادة أو نقص، فإذا استجاب لأمرنا فلن يكون من واجبنا أن نُكن له الحقد، وسنبقي له على دولته وجيشه ورعيته. أما إذا لم يُصغ إلى النُصح، وآثر الخلاف والجدال، فليعبئ الجند، وليعين ساحة القتال؛ فإننا متأهبون لمحاربته، وواقفون له على استعداد. وحينما أقود الجيش إلى بغداد، مندفعًا بسورة الغضب، فإنك لو كنت مختفيًا في السماء أو في الأرض، فسوف أنزلك من الفلك الدوار، وسأُلقيك من عليائك إلى أسفل كالأسد، ولن أدع حيًا في مملكتك، وسأجعل مدينتك وإقليمك وأراضيك طُعمة للنار. فإذا أردت أن تحفظ رأسك وأسرتك؛ فاستمع لنُصحي بمسمع العقل والذكاء، وإلا فسأرى كيف تكون إرادة الله"أهـ.

ويحكي الهمذاني أنه بعدما بلغ الرسل بغداد، وبلَّغوا الرسالة، أوفد الخليفة شرف الدين ابن الجوزي –حفيد الإمام أبو الفرج ابن الجوزي- وكان رجلًا فصيحًا ومعه بدر الدين محمود وزنكي التخجواني بصحبة الرسل لتبليغ رده إلى هولاكو، وروى الهمذاني رسالة الخليفة التي كان مضمونها اعتداد بالنفس مع عدم مبالاة بتهديد هولاكو بالحرب، وتساءل الخليفة في رسالته "إذا كنت مثلي تزرع بذور المحبة، فما شأنك بخنادق رعيتي وحصونهم؟"، وهو تساؤل من الخليفة له وجاهته، ويحمل ضمنيًا تشككه في نوايا هولاكو. وذكر الهمذاني أن الخليفة بعث الرسل مع بعض التحف والهدايا، كما روى الهمذاني (ص270) ما فعله الحنابلة بالرُسل، قال: "وحينما خرج الرُسل من المدينة، وجدوا الصحراء كلها ممتلئة بالرعاع، فأطلقوا ألسنتهم بسبْ الرُسل، وبادروهم بالسفاهة، وأخذوا يمزقون ثيابهم، ويبصقون في وجوههم؛ لعلهم يقولون شيئًا يتخذونه ذريعة لإيذائهم والاعتداء عليهم. فلمَّا أخبروا الوزير بذلك، أرسل على الفور بعض الغلمان فأبعدوهم"أهـ. وقد غضب هولاكوخان من رسالة الخليفة، وأرسل له يتوعده بالحرب.

أما عما اُتخذ من تدبيرات. يقول الهمذاني (ص271: 272) "وبعد أن وصل الرسل بغداد، بلَّغوا رسالة ذلك الملك الفاتح –هولاكو- إلى الوزير –ابن العلقمي-، فعرضها برمتها على الخليفة، فقال: ماذا نرى لدفع هذا الخصم القاهر القادر؟ فأجاب الوزير: ينبغي أن ندفعه ببذل المال؛ لأن الخزائن والدفائن تُجمع لوقاية عزة العرض وسلامة النفس، فيجب إعداد ألف حمل من نفائس الأموال، وألفًا من نجائب الإبل، وألفًا من الجياد العربية المجهزة بالآلات والمعدات، وينبغي إرسال التحف والهدايا في صحبة الرسل الكُفاة الدُهاة، مع تقديم الاعتذار إلى هولاكو، وجعل الخطبة والسكة باسمه، فأُعجب الخليفة برأي الوزير، وأشار بإنجاز ذلك. ولكن مجاهد الدين أيبك المعروف بالدواتدار الصغير –بسبب الوحشة التي كانت بينه وبين الوزير- أرسل إلى الخليفة رسالة بالاتفاق مع الأمراء الآخرين، يقولون: "إن الوزير دبر هذه الحيلة لمصلحته الخاصة، لكي يتقرب زلفى إلى هولاكو، ويُلقي بنا نحن الجنود في البلاء والمحنة. ولكننا سوف نرقب مفارق الطرق، ونُلقي القبض على الرسل، ونأخذ ما معهم من أموال، وندعهم في العذاب والعناء". فعدل الخليفة بسبب هذا الكلام عن إرسال الأحمال، وبدافع من التهور والغرور أرسل إلى الوزير من يقول: "لا تخش القضاء المقبل، ولا تقل خرافة؛ فإن بيني وبين هولاكوخان، وأخيه منكوقاآن صداقة وألفة، لا عداوة وقطيعة. وحيث إنني صديق لهما؛ فلا بد أنهما أيضًا يكونان صديقين ومواليين لي، وإن رسالة الرسل غير صحيحة. أما إذا أضمر الأخوان لي خلافًا وغدرًا، فلا ضير على الأسرة العباسية؛ إذ أن ملوك الأرض هم بمثابة الجنود لي، وهم منقادون ومطيعون لأمري ونهيي، فأدعوهم من كل قُطر وأسير لدفعهما...........""أهـ.

وتكاد تكون الحوادث نفسها عند ابن الفوطي وابن العبري، بشكل أقل تفصيلًا، لكن ابن العبري كانت له إضافة وجيهة، وهي أن الخليفة إنما رفض تسيير جيش لمساندة هولاكو في القضاء على الإسماعيلية الحشاشين، لأن أمراءه اعتقدوا أنها خديعة من هولاكو لإخلاء بغداد من الجنود. يقول ابن العبري في "تاريخ مختصر الدول" (ص471-472): "وفي شوال سنة 655هـ، رحل هولاكو عن حدود همذان نحو مدينة بغداد. وكان في أيام محاصرته قلاع الملاحدة –الإسماعيلية النزاريين- قد سيّر رسولًا إلى الخليفة المستعصم يطلب منه نجدة، فأراد أن يُسيّر ولم يقدر، ولم يمكّنه الوزراء والأمراء، وقالوا: إنّ هولاكو رجل صاحب احتيال وخديعة وليس محتاجًا إلى نجدتنا، وإنّما غرضه إخلاء بغداد عن الرجال، فيملكها بسهولة، فتقاعدوا بسبب هذا الخيال عن إرسال الرجال. ولمّا فتح هولاكو تلك القلاع، أرسل رسولاً آخر إلى الخليفة، وعاتبه على إهماله تسيير النجدة. فشاوروا الوزير فيما يجب أن يفعلوه، فقال: لا وجه غير إرضاء هذا الملك الجبّار ببذل الأموال والهدايا والتحف له ولخواصه. وعندما أخذوا في تجهيز ما يسيّرونه من الجواهر، والمرصّعات، والثياب، والذهب والفضة، والمماليك والجواري، والخيل والبغال والجمال، قال الدويدار الصغير وأصحابه: إنّ الوزير إنّما يدبّر شأن نفسه مع التاتار، وهو يروم تسليمنا إليهم، فلا نمكّنه من ذلك. فبطل الخليفة بهذا السبب تنفيذ الهدايا الكثيرة، واقتصر على شيء نزر لا قدر له، فغضب هولاكو، وقال: لا بدّ من مجيئه هو بنفسه، أو يسيّر أحد ثلاثة نفر: إمّا الوزير، وإمّا الدويدار، وإمّا سليمانشاه. فتقدّم الخليفة إليهم بالمضيّ، فلم يركنوا إلى قوله، فسيّر غيرهم، مثل: ابن الجوزي، وابن محيي الدين، فلم يجديا عنه"أهـ.

وجاءت رواية ابن الطقطقا للحوادث، على اختصارها، موافقة لرواية الهمذاني وابن العبري، يقول (ص335): "وما زالت غفلة الخليفة تنمى، ويقظة الجانب الآخر تتضاعف، حتى وصل العسكر السلطاني إلى همذان، وأقام بها مديدة. ثم تواترت الرُسل السلطانية إلى الديوان المستعصمي، فوقع التعيين من ديوان الخليفة على ولد أستاذ الدار، وهو شرف الدين عبد الله بن الجوزي، فبُعِث رسولًا إلى خدمة الدركاه السلطانية بهمذان. فلمَّا وصل وسُمِع جوابه عُلِم أنه جواب مغالطة ومدافعة، فحينئذ وقع الشروع في قصد بغداد وبث العساكر إليها......"أهـ. ثم شرع ابن الطقطقا يصف دخول العساكر بغداد، ونلاحظ حذر الكاتب من المغول في اختياره لعباراته، كونه معاصر لهم.

يقول ابن العبري في "تاريخ مختصر الدول" (ص445-446) عن المستعصم بالله "كان إذا نُبه على ما ينبغي أن يفعله في أمر التاتار، إما المداراة والدخول في طاعتهم، وتوخي مرضاتهم، أو تجييش العساكر وملتقاهم بتخوم خراسان قبل تمكنهم واستيلائهم على العراق، فكان يقول: أنا بغداد تكفيني، ولا يستكثرونها لي إذا نزلت لهم عن باقي البلاد، ولا أيضًا يهجمون عليّ وأنا بها، وهي بيتي ودار مقامي. فهذه الخيالات الفاسدة وأمثالها عدلت به عن الصواب، فأُصيب بمكاره لم تخطر بباله"أهـ.

وحكى عنه ابن الطقطقا اللا مبالاة نفسها. يقول في "الفخري" (ص334) "وفي أواخر أيامه –أي المستعصم- قويت الأراجيف بوصول عسكر المغول صحبة السلطان هولاكو، فلم يحرّك ذلك منه عزمًا، ولا نبّه منه همّة، ولا أحدث عنده هَمًّا، وكان كُلّما سمع عن السلطان من الاحتياط والاستعداد شيء، ظهر من الخليفة نقيضه من التفرط والإهمال، ولم يكن يتصوّر حقيقة الحال في ذلك، ولا يعرف هذه الدولة، يسّر الله إحسانها وأعلى شأنها، حقّ المعرفة. وكان وزيره مؤيّد الدين ابن العلقمي يعرف حقيقة الحال في ذلك ويُكاتبه بالتحذير والتنبيه، ويشير عليه بالتيقّظ والاحتياط والاستعداد، وهو لا يزداد إلاّ غفولاً، وكان خواصّه يوهمونه أنّه ليس في هذا كبير خطر، ولا هناك محذور، وأنّ الوزير إنّما يعظّم هذا لينفق سوقه، ولتبرز إليه الأموال ليجنّد بها العساكر فيقتطع منها لنفسه"أهـ. وفي الجزء الأخير رد عمّن كان يمنع الأموال، ويمنع تجنيد العساكر، وهو ما اتهموا به الوزير بعد وقوع النكبة!

ويذكر ابن العبري في "تاريخ مختصر الدول" (ص473) أول واقعة حدثت بعد المراسلات الأولى بين الخليفة وهولاكو، وكانت بين الدويدار الصغير ومقدمة من جيش التتار قبل بغداد، انهزم فيها التتار أولًا، ثم التقاهم بعض أتباعهم، وهجموا جميعًا على عسكر الدويدار فهزموهم، ونجا هو في نفر قليل من أصحابه، ودخل بغداد. وهي تدل على رغبة الدويدار في القتال، مثلما كان حال سليمانشاه، وعدم تخاذله عنه، وهو ما يبرر طلب هولاكو لهما. وقد ذكر الواقعة ابن الطقطقا أيضًا (ص335-336).

والآن لنناقش الاتهامات التي أُلصِقت بابن العلقمي، والتي كان أولها أنه هو من كاتب هولاكو يُطمعه في بغداد! ذكر السُبكي في "طبقات الشافعية" (ج8، ص263) عن ابن العلقمي "وتحيل في مكاتبة التتار، وتهوين أمر العراق عليهم، وتحريضهم على أخذها، ووصل من تحيُّله في المكاتبة إليهم أنه حلق رأس شخص، وكتب عليه بالسواد، وعمل على ذلك دواء، صار المكتوب فيه كل حرف كالحفرة في الرأس، ثم تركه عنده حتى طلع شعره، وأرسله إليهم، وكان مما كتبه على رأسه إذا قرأتم الكتاب فاقطعوه، فوصل إليهم، فحلقوا رأسه، وقرأوا ما كتبه، ثم قطعوا رأس الرسول. وكتب الوزير إلى نائب الخليفة بإربل، وهو تاج الدين محمد بن صلايا، وهو أيضًا شيعي، رسالة يقول فيها: نُهب الكرخ المكرم والعترة العلوية، وحسن التمثيل بقول الشاعر –وذكر شعرًا-، وقد عزموا، لا أتم الله عزمهم، ولا أنفذ أمرهم على نهب الحِلَّة والنيل، بل سوَّلت لهم أنفسهم أمرًا فصبر جميل، والخادم قد أسلف الإنذار وعجل لهم الإعذار"أهـ.

وأقول: السُبكي الصغير، وإن كان فقيهًا جليلًا، إلا أنه لا علم له بالتواريخ، ولا يعرف التحقيق فيما يسمع من حكايا، ولا يقتصر الأمر على حكاوى النكبة؛ فالقصة مكذوبة، والكذب يفضح صاحبه، وقصة حلق رأس الرسول والكتابة عليها، ثم الانتظار حتى تُنبت وتخفي ما تحتها، أحسب أني سمعتها في حكايات ألف ليلة وليلة، ولكن الأهم أنها غير قابلة للتنفيذ، حتى لو تنزَّلنا على رأيهم وسلَّمنا بخيانة ابن العلقمي، كونها تستلزم وقتًا، والأمور قد تطورت سريعًا، وفي بضعة شهور، حتى انتهت بدخول هولاكو بغداد، كما لا حاجة لابن العلقمي لها، وهو الوزير، وكان يمكن أن يذهب إلى هولاكو عندما طلب أحد الثلاثة الوزير أو الدويدار أو سليمان شاه، أو يبعث برسالة شفهية إلى هولاكو، والأدهى أنه كان من الشعر المدعى في هذه القصة الملفقة التي تفوح منها رائحة أهل الشام ذلك البيت الذي نسبوا إلى ابن العلقمي التمثيل به (فقلت من التعجب ليت شعرى*** أيقظان أمية أم نيام)!! فالوزير الأديب الشيعي، وهو يرسل رسالته السرية تلك المزعومة إلى زميله الحاكم الشيعي الآخر، لم يجد بيت شعر يتمثل به سوى بيت شعر يأتي على ذكر بني أمية! وسبحانه العليّ القدير قد فضح خبر تلك الرسالة السرية فوصل خبرها إلى مؤرخي الشام، ممن نقل عنهم السُبكي تلك القصص، بينما لم يسمعوا بمكاتبات الخليفة وهولاكو العلنية فلم يوردوها! والأعجب أن ابن صلايا كان ممن قتلهم هولاكو من الأعيان، وقيل أن بدر الدين لؤلؤ هو من غمز فيه وتسبب في قتله.

وأبسط رد على هذا التهوك أن التتار قد حاموا حول بغداد كثيرًا، قبل تلك السنة التعيسة بعقود، ومنذ عهد المستنصر والد المستعصم، فلم يكونوا بحاجة إلى من يستدعيهم. فاقتربوا كثيرًا من بغداد سنة 618هـ، حتى قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج17، ص106) "اقتربوا من بغداد، فانزعج الخليفة من ذلك، وحصَّن بغداد، واستخدم الأجناد، وقنت الناس في الصلوات والأوراد". ثم في سنة 628هـ، ذكر ابن كثير (ص183) "قدمت التتار في هذه السنة إلى الجزيرة وديار بكر، فعاثوا بالفساد يمينًا وشمالًا، فقتلوا ونهبوا وسبوا، على عادتهم، خذلهم الله تعالى"أهـ. ثم كانت هناك هجمات صغيرة للتتار على بلاد العراق قبل سقوطها بسنوات زمن المستعصم، مثل هجمات سنة 633هـ وسنة 634هـ، وسنة 635هـ حين حاصروا إربل، وفتحوها عنوة، وقتلوا أهلها، وسبوا ذراريها، ودخلوا في أعمال بغداد، وكان ذلك في دولة المستنصر بالله، وقبل خلافة المستعصم بالله، فلم يكن ابن العلقمي قد ولي الوزارة.

وذكر ابن الفوطي في "الحوادث الجامعة" في حوادث سنة 635هـ (ص96) " في صفر، وصلت الأخبار إلى أهل إربل، أن عساكر المغول عادوا إلى قصدهم في جمع كثير، فانتزح من كان بها وبالقلعة أيضًا، فلمّا رأى زعيمها الأمير شمس الدين باتكين خلو البلد، أمر بخروج العسكر المقيم هناك إلى ظاهر البلد ثم الاستعداد للحراسة، فعدلوا حينئذ عن إربل وقصدوا دقوق، وانبثوا في أعمال بغداد وعاثوا بها أشد العيث، فوصل الخبر إلى بغداد، فخرج شرف الدين إقبال الشرابي –رئيس الجند- مبرزًا إلى ظاهر البلد، وأمر خطيب جامع القصر أبا طالب بن المهتدي بأن يحرض في خطبته على الجهاد ففعل ذلك، فبكى الناس لما سمعوا كلامه، وأجابوا بالسمع والطاعة، وقدم أهل السواد من دقوق وغيرها إلى بغداد، معتصمين بها، وتضاعفت أجرة المساكن، وانزعج الناس لذلك، وتتابع خروج الأمراء والعساكر إلى ظاهر البلد، وركب الخليفة المستنصر بالله إلى الكشك، فنزل به، وظهر للأمراء، وأمرهم المشورة، فقال كل واحد ما عنده، وسهل الأمير جمال الدين قشتمر الأمر في لقائهم، وعيّن الشرابي على جماعة من الأمراء لقصدهم، فتوجهوا إلى القليعة ونزلوا بها، فبلغهم أن المغول في جمع كثير وهم بالقرب من الجبل، فساروا نحوهم، فلمّا قاربوهم تعبوا ميمنة وميسرة وقلبًا، فلمّا شاهدت عساكر المغول ذلك ولّوا راجعين، فتبعهم جماعة من العسكر فقتلوا منهم جمعًا كثيرًا وأسروا منهم جماعة، وغنموا من دوابهم وأثقالهم"أهـ. ثم عاد التتار في السنة نفسها -635هـ- في رجب، وأعادوا المحاولة. يقول ابن الفوطي (ص97) "ثم وصل الخبر في شهر رجب المبارك أن عساكر المغول قد سارت نحو بغداد، فتقدم إلى الأمراء بالخروج إلى ظاهر البلد، فخرج الأمير جمال الدين بكلك الناصري، والأمير جمال الدين قشتمر وغيرهما من الأمراء، وخيموا ظاهر البلد، وكاتب الخليفة ملوك الأطراف يستنجدهم ويعرفهم الحال،..........." وكانت وقعة كبيرة، انهزم فيها المسلمون وغنم منهم التتار ورجعوا عن بغداد، فلم يدخلوها.

وبسبب تلك الوقعة الكبيرة سنة 635هـ، وما تلاها من مراسلات مع المغول، والاستعداد لهم، والخوف من مفاجأتهم، انقطع الحج من العراق آخر خمس سنوات من حكم الخليفة المستنصر بالله، وتحديدًا في السنوات (635هـ- 636هـ- 637هـ- 638هـ- 639هـ)، وعاد الحج زمن المستعصم بالله، حتى أن والدة الخليفة خرجت للحج سنة 641هـ. ثم ذكر ابن الفوطي في "الحوادث الجامعة" خبر انقطاع الحج مرة ثانية سنة 642هـ، وكان من ضمن الأسباب، اشتغال الديوان بحركة عساكر المغول. كما انقطع الحج سنة 644ه، وسنة 647هـ، وسنة 648ه.

  ويذكر ابن العبري في "تاريخ مختصر الدول" (ص446) "في سنة اثنتين وأربعين –يعني وستمائة- أغار التاتار على بلد بغداد، ولم يتمكنوا من منازلتها"أهـ. وذكر ابن الفوطي في "الحوادث الجامعة" (ص158) في حوادث السنة نفسها أخبار وصول رسول من المغول إلى بغداد، ثم يذكر (ص162) وصول المغول إلى بغداد وعودهم في المحرم من سنة 643هـ بعد أن جرت بين عساكر الفريقين حرب ساعة من نهار. وذكر (ص188) أنه في سنة 647هـ وصل الخبر إلى بغداد باقتراب المغول وقتلهم للناس ونهبهم لأموالهم، فاستعد سكان بغداد، ولم يهدأوا إلا عندما أخبرتهم الطلائع أن المغول عادوا. وفي (ص200) ذكر ابن الفوطي أمر صلح بين الخليفة وسلطان المغول تم على يد أحد كبار التجار ببغداد، فقال إن هذا التاجر عز الدين مقلد بن الخردازي "سافر إلى خراسان، واتصل بملوك المغول، وتحدث مع السلطان كيل خان في الصلح مع الخليفة، وقدم بغداد مع رسول السلطان، ثم عاد ومعه الهدايا والتحف". وفي سنة 650هـ، قتل عساكر المغول وأسروا ونهبوا في بلاد العراق، وحاموا حول بغداد، ثم عادوا. فما كانت بغداد بالنسبة للتتار إلا قضية مؤجلة.

كما أورد الهمذاني في "جامع التواريخ" في قصة توجه هولاكو إلى همدان بعد فتحه قلاع الإسماعيلية، وقبل نكبة بغداد، وتحديدًا في ربيع الأول سنة 655هـ، أمر توبيخ هولاكو لأحد قادته (ص260) قائلًا له: "إنك لم تفعل شيئًا سوى أنك رحت تخوف القوات المغولية، بالمبالغة فيما عليه الخليفة من قوة وعظمة"، وأن قائده قد اعتذر له بأنه لم يستطع أن يُخضِع بغداد بسبب "كثرة سكانها ووفرة جيوشها، وكثرة ما فيها من الأسلحة ومزيد الأبهة، وبسبب الطرق الضيقة الصعبة التي يجب سلوكها قبل الوصول إليها"أهـ. وهو حوار يؤكد أن نية هولاكو كانت منعقدة على الاستيلاء على بغداد.

ومن التهم التي ألصقوها أيضًا بابن العلقمي، ما ذكره السُبكي في "طبقات الشافعية" (ج8، ص269)؛ ذلك أنه بعد أن وصف هولاكو وإذلاله للملوك، وما فعله مع الإسماعيليين النزاريين في بلاد فارس، قال: "والخليفة غافل عما يُراد به. ثم تواترت الأخبار بوصول هولاكو إلى أذربيجان بقصد العراق، وكاتب صاحب الموصل لؤلؤ الخليفة، يستنهضه في الباطن، وما وسعه إلا مداراة هولاكو في الظاهر، وأرسل الخليفة نجم الدين البادرائي رسولًا إلى الملك الناصر صاحب دمشق، يأمره بمصالحة الملك المعز وأن يتفقا على حرب التتار، فامتثلا أمر الخليفة. وفيما بين ذلك تأتي الكتب إلى الخليفة فإن وصلت ابتداء إلى الوزير لم يوصلها إليه وإن وصلت إلى الخليفة أطلع الوزير فيثبطه ويغشه حين يستنصحه"أهـ. وليس مفهومًا أي مكاتبات تلك التي أخفاها الوزير عن الخليفة. فإن كان السُبكي يقصد المكاتبات بين الخليفة وهولاكو، فهذا كذب، لأنه من الثابت أن الخليفة استقبل رسل هولاكو، وبعث معهم بهدايا يسيرة، وبعث بثلاثة فيهم ابن الجوزي ليبلغ رسالته لهولاكو، وإن كان السبكي يقصد أن الوزير أخفى مكاتبات للخليفة من بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، العجوز الداهية، الذي لعب على كل الحبال في حياته، ونجا من هولاكو بدهائه، وقل من نجا، فكان أولى بالوزير أن يخفي أمر هدايا لؤلؤ عن الخليفة عن أن يخفي أمر رسائل تدعوه للتنبه لهولاكو، وما قيمة هذه الرسائل حتى تُخفى؟! وهل خفي أمر هولاكو عن الخليفة، وعن ابنه أبي بكر، وعن الدويدار، وسليمان شاه، فاحتاج من يُعلِمه؟!

فهل طلب ابن العلقمي لقاء هولاكو، ليكيد للخليفة، ويغري به الحمل الوديع هولاكو كما ادّعوا؟! يذكر ابن العبري في "تاريخ مختصر الدول" (ص473-474) أنه "لمّا نزل هولاكو بغداد في منتصف المحرم سنة 656هـ، وبنى سورين حول المدينة، وحفروا خندقًا عميقًا، ونصبوا منجنيقات بإزاء سور بغداد، ورتبوا الآلات. وكان بدء القتال ثاني وعشرين محرم. فلمَّا عاين الخليفة العجز في نفسه والخُذلان من أصحابه، أرسل صاحب ديوانه وابن درنوش إلى خدمة هولاكو، ومعهم تحف نزرة. قالوا: إن سيَّرنا الكثير يقول: قد هلعوا وجزعوا كثيرًا. فقال هولاكو: لِمَ ما جاء الدويدار وسليمانشاه؟ فسيَّر الخليفة الوزير العلقمي، وقال: أنت طلبت أحد الثلاثة، وها أنا قد سيَّرت إليك الوزير وهو أكبرهم. فأجاب هولاكو: إنني لمَّا كنت مقيمًا بنواحي همذان طلبت أحد الثلاثة، والآن لم أقنع بواحد"أهـ. فوفقًا لهذه الرواية، فإن لقاء ابن العلقمي مع هولاكو كان بأمر الخليفة، وبدفع منه، عندما لم ينصاع الدويدار وسليمان شاه لأمره، فلم يذهبا لمقابلة هولاكو.

وتتفق تلك الرواية جزئيًا مع رواية ابن الطقطقا في "الفخري" (ص338). يقول: " حدّثني كمال الدين أحمد بن الضحّاك، وهو ابن أخت الوزير مؤيّد الدين ابن العلقمي، قال: لمّا نزل السلطان هولاكو على بغداد أرسل يطلب أن يخرج الوزير إليه، قال: فبعث الخليفة، فطلب الوزير، فحضر عنده وأنا معه، فقال له الخليفة: قد أنفذ السلطان يطلبك، وينبغي أن تخرج إليه. فجزع الوزير من ذلك، وقال: يا مولانا، إذا خرجت فمن يدبّر البلد؟ ومن يتولّى المهام؟ فقال له الخليفة: لا بدّ أن تخرج. قال: فقال السمع والطاعة"أهـ. فالخليفة أخبر الوزير بأن هولاكو يطلبه ليخرج إليه، ولم يُعلمه أن طلبه له قديم، ولا أن هولاكو طلب الدويدار وسليمانشاه أن يخرجا، فلم يمتثلا لأمره.

بينما يدعي ابن كثير أن ابن العلقمي هو من سعى للخروج لمقابلة هولاكو للكيد للخليفة، بسبب حنقه على احتراق الكرخ، فاحتال على الخليفة ليخرج له بادعاء المصالحة على نصف خراج العراق، ثم أن ابن العلقمي ومن معه من الشيعة حرَّضوا هولاكو على قتل الخليفة! يقول ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج17، ص358) "ولهذا كان أول من برز إلى التتار هو، فخرج في أهله وأصحابه وخدمه وحشمه، فاجتمع بالسلطان هولاكوقان، لعنه الله تعالى، ثم عاد فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة، فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورءوس الأمراء والدولة والأعيان، فلما اقتربوا من منزل السلطان هولاكوقان حُجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفسًا، فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين، وأُنزل الباقون من مراكبهم ونُهبت، وقُتِلوا عن آخرهم، وأُحضِر الخليفة بين يدي هولاكو، فسأله عن أشياء كثيرة،...... وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة، لعنة الله عليهم، وغيرهم من المنافقين على هولاكوقان أن لا يُصالح الخليفة، وقال الوزير: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عامًا أو عامين، ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك، وحسّـنوا له قتل الخليفة، فلمَّا عاد الخليفة إلى السلطان هولاكوقان –وكان قد ذهب إلى القصر- أمر بقتله، ويُقال إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي والنصير الطوسي"أهـ.

وهو اتهام مشابه لما ذكره السُبكي في "طبقات الشافعية" (ج8، ص270)، قال: "وقصد هولاكو بغداد من جهة البر الشرقي، ثم إنه ضرب سورًا على عسكره، وأحاط ببغداد. فأشار الوزير على الخليفة بمصانعتهم، وقال: أخرج أنا إليهم في تقرير الصلح، فخرج وتوثق لنفسه من التتار، ورد إلى المستعصم، وقال: إن السلطان يا مولانا أمير المؤمنين قد رغب في أن يزوج بنته بابنك الأمير أبي بكر، ويبقيك في منصب الخلافة كما أبقى صاحب الروم في سلطنته، ولا يؤثر إلا أن تكون الطاعة له كما كان أجدادك مع السلاطين السلجوقية، وينصرف عنك بجيوشه، فمولانا أمير المؤمنين يفعل هذا، فإن فيه حقن دماء المسلمين، وبعد ذلك يمكننا أن نفعل ما نريد، والرأي أن تخرج إليه. فخرج أمير المؤمنين بنفسه في طوائف من الأعيان إلى باب الطاغية هولاكو، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فأنزل الخليفة في خيمة، ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا العقد، فخرجوا من بغداد، فضربوا أعناقهم، وصار كذلك يخرج طائفة بعد طائفة فتضرب أعناقهم، ثم طلب حاشية الخليفة فضرب أعناق الجميع، ثم طلب أولاده فضرب أعناقهم"أهـ.

وربما كانت الحقيقة تركيبة من كل ما ذُكر، وهي على الأرجح ما ذكره ابن الفوطي الحنبلي البغدادي -وهو المؤرخ الوحيد الذي كان شاهد عيان على الحوادث- في "الحوادث الجامعة" (ص233) فيقول: "فلما كان اليوم الرابع عشر من المحرم خرج الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي إلى خدمة السلطان هولاكو في جماعة من مماليكه وأتباعه، وكانوا ينهون الناس عن الرمي بالنشاب ويقولون: "سوف يقع الصلح إن شاء الله، فلا تحاربوا". هذا وعساكر المغول يبالغون في الرمي. وعاد الوزير إلى بغداد يوم الأحد سابع عشر المحرم، وقال للخليفة: "وقد تقدم السلطان هولاكو أن تخرج إليه، فأخرج ولده الأوسط أبا الفضل عبد الرحمن في الحال، فلم يقع الاقتناع به، فخرج الخليفة والوزير ثامن عشر المحرم، ومعه جمع كثير، فلمّا صاروا ظاهر السور، منعوا أصحابه من الوصول معه، وأفردوا له خيمة، وأُسكِن بها". فابن الفوطي يشهد أن الوزير قد خرج، وهذا ليس محل خلاف، ولا يعرف أي خلفية عما دعاه للخروج، ثم يشهد أنه أبلغ الخليفة بطلب السلطان له، فخرج الخليفة بعد تمنع، فلا خراج ولا زواج.

ومن أسفٍ أن يجد هذا الكلام الساذج عن إغراء ابن العلقمي هولاكو بقتل الخليفة من يردده، فهل كان الخليفة لينجو أصلًا، حتى يحتاج هولاكو من يُحرِّضه عليه؟ وهل هولاكو الذي قتل كل من أمَّنهم من الملوك بعد أن ملك بلادهم، كان سيترك من رفض الإذعان له؟! وهو الخليفة صاحب الشرعية والبيعة في عنق المسلمين؟! إن من يقرأ عما فعله هولاكو عند قتال الحشاشين النزاريين قبل أن ينكب بغداد، سيرى المزيج ذاته من التهديد والترغيب في رسائل هولاكو، وسيرى أنه بعد أن أمَّن خورشاه آخر ملوك الإسماعيلية النزارية، وخلع عليه الخُلع، ووهبه فتاة مغولية ليتزوجها، وبعد أن تيسر له فتح حصونهم، عاد فتخلص من خورشاه وقتله، وقتل أقاربه وأفراد أسرته من النساء والرجال وحتى الأطفال في المهد. وأعاد السيناريو نفسه مع القائد حسام الدين عكه، نائب الخليفة على درتنك، والذي قتله هولاكو هو وأهل بيته، رغم أنه قد خرَّب كل القلاع التي كانت تحت يديه بأمر هولاكو، وكذا فعل مع أهالي إحدى قلاع الشام بعد نكبة بغداد. إنه هولاكو قائد المغول المحتال الذي لم يكن له عهد.

وهناك كلمة عظيمة المعنى ذكرها ابن العبري في "تاريخ مختصر الدول" (ص475)، يبدو أن مؤرخينا المهووسين بفكرة أن الخليفة كان يمكن أن ينجو لولا الخيانة والتحريض عليه، لم يفطنوا إليها. يحكي ابن العبري ما حدث بين خروج الخليفة من قصره ببغداد في رابع صفر، وبين مقتله بعدها بعشرة أيام. يقول: "ودخل هولاكو بنفسه إلى بغداد؛ ليشاهد دار الخليفة، وتقدم بإحضار الخليفة فأحضروه، ومثل بين يديه وقدم جواهر نفيسة ولآليء ودررًا معبأة في أطباق، ففرَّق هولاكو جميعها على الأمراء، وعند المساء خرج إلى منزله، وأمر الخليفة أن يُفرِز جميع النساء التي باشرهن هو وبنوه ويعزلهن عن غيرهن ففعل، فكن سبعمائة امرأة، فأخرجهن ومعهن ثلاثمائة خادم خصيّ"أهـ. وأقول: إن أمر هولاكو بفرز النساء لا يمكن أن يهدف إلا لقتل كل من يمكن أن تحمل في بطنها من ينازع ويطلب الخلافة، لكن بينما هولاكو لا يتعفف عن قتل النساء المحتمل أن يكن حوامل، يظن بعض الحمقى منا أن الخليفة نفسه كان يمكن أن ينجو!

تأكيدًا على كلامي. ذكر ابن الفوطي في "الحوادث الجامعة" (ص262) في حوادث سنوات ما بعد النكبة، وتحديدًا سنة 670هـ، "فيها وصل خواجة شرف الدين هارون ابن الصاحب شمس الدين محمد بن الجويني، صاحب ديوان الممالك، وسأل من الصاحب علاء الدين عطا ملك الجويني صاحب الديوان، عمه، تزويجه بابنة أبي العباس أحمد ابن الخليفة المستعصم، فاشترطت والدتها –وهي زوجة الصاحب علاء الدين- قبل العقد عليه أن لا يشرب الخمر، وأجاب إلى ذلك"أهـ. وفي هذا تأكيد على أن ابن الخليفة المستعصم الأكبر، أبي العباس أحمد، المعروف بين عامة بغداد بأبي بكر، قد بقيت زوجته وابنته الصغيرة على قيد الحياة، علمًا بأن المغول لا يترفعون عن قتل النساء، وهذه الزوجة هي ذات العصمة شمس الضحى شاه لبنى بنت عبد الخالق بن ملكشاه بن أيوب الأيوبية، التي بنت ببغداد المدرسة المعروفة بالعصمتية سنة 671هـ، والتي توفيت سنة 678هـ، وتوفيت ابنتها رابعة حفيدة الخليفة سنة 685هـ. أما عن سبب نجاة تلك الزوجة، فهو أنها قد ولدت مولودتها رابعة في العيد الكبير سنة 655هـ، وكانت نفساء وقت النكبة، فتأكد المغول من براءة رحمها، ولمّا كان المولود بنتًا، تركوهما. وهذا دال على أن هدف هولاكو من السؤال عن الجواري اللاتي يباشرهن الخليفة وأبنائه هو استبراء الرحم، وقتل أي واحدة منهن يُظن فيها الحمل.

وإن أضفنا إلى ما سبق أن أحد أبناء عم هولاكو كان قد أسلم، وهو بركة خان، وصارت بينه وبين الخليفة مراسلات، سنعلم أي خطر كان يمثله المستعصم على هولاكو. وقد حارب بركة هذا مع المماليك ضد التتار الملاحدة بقيادة هولاكو ومن تلاه في القيادة بعد وفاته.

أما عن اتهام ابن العلقمي بأنه كان يُخِرج الفقهاء ليُقتلوا، فاتهام باطل نفاه كمال الدين ابن الفوطي الحنبلي البغدادي، قال ابن الفوطي في "مجمع الآداب في معجم الألقاب" في ترجمة القاضي فخر الدين أبي بكر عبد الله بن عبد الجليل بن عبد الرحمن الطهراني الرازي (رقم2140): "وهو ممّن كان يُخرج الفقهاء إلى باب السُّور، إلى مخيّم السلطان هولاكو، مع شهاب الدين الزنجاني ليُقتلُوا، وتوفي في رجب سنة سبع وستين وستمائة، ودفن بالخيزرانية"أهـ. أما شهاب الدين الزنجاني فقد كانت سيرته عند الذهبي مليئة بتقلبات الدهر، وذُكِر اسمه ضمن الذين قُتِلوا صبرًا في نكبة بغداد، ونقلها عنه السبكي في "طبقات الشافعية"، كما جاءت سيرته في قصة ابن العبري عن قتل الخليفة، التي سنذكرها توًا، على أنه كان واحدًا ممن طلب الأمان لعامة بغداد، والله أعلم بحاله. لكن ابن الفوطي –وهو شاهد عيان كما أسلفنا- لم يذكر ابن العلقمي، وهو ما يعنينا الآن.

ويذكر ابن العبري قصة مختلفة عن قتل الخليفة، في "تاريخ مختصر الدول" (ص474)، أنه لمَّا اشتد القتال "أمر هولاكو أن يخرج إليه الدويدار وسليمانشاه، وأمّا الخليفة إن اختار الخروج فليخرج وإلاّ فليلزم مكانه. فخرج الدويدار وسليمانشاه ومعهما جماعة من الأكابر، ثم عاد الدويدار من الطريق بحجة أنّه يرجع ويمنع المقاتلين الكامنين بالدروب والأزقّة لئلا يقتلوا أحدًا من المغول، فرجع وخرج من الغد وقُتِل. وعامة أهل بغداد أرسلوا شرف الدين المراغي وشهاب الدين الزنكاني ليأخذ لهم الأمان. ولمّا رأى الخليفة أن لا بدّ من الخروج، أراد أو لم يرد، استأذن هولاكو بأن يحضر بين يديه، فأذن له، وخرج رابع صفر ومعه أولاده وأهله"، وبعدها شرع هولاكو في نهب بغداد ودار الخلافة، "وفي رابع عشر صفر رحل هولاكو من بغداد، وفي أول مرحلة قُتِل الخليفة المستعصم، وابنه الأوسط مع ستة نفر من الخِصيان بالليل، وقُتِل ابنه الكبير ومعه جماعة من الخواص على باب كلواذ، وفوَّض عمارة بغداد إلى صاحب الديوان والوزير وابن درنوش"أهـ.

ومما رواه الهمذاني مؤرخ المغول، في كتابه "جامع التواريخ- تاريخ هولاكو" (م2 ج1، ص293) أنه "في يوم الأربعاء الرابع عشر من صفر، عندما اُستُدعي الخليفة، وأدرك أن أمارات النحس تبدو على مصيره، وخاف خوفًا شديدًا، وقال للوزير: ما حيلتنا؟، فأجاب الوزير: لحيتنا طويلة. وكان مراده من ذلك أنه عندما فكَّر أول الأمر في أن تُرسل أحمال وفيرة لدفع هذا البلاء، قال الدواتدار: لحية الوزير طويلة، وحال دون الأخذ بهذا الرأي، واستمع الخليفة لكلامه، وأهمل تدبير الوزير"أهـ.

وروايتا ابن العبري والهمذاني تناقضا رواية السُبكي وابن كثير جملة وتفصيلًا، ولا أثر فيهما لتحريض وقع من ابن العلقمي، والمنطق يقول إن هولاكو ليس بحاجة لتحريض، ولا لتمثيلية زواج أو تمثيلية مفاوضة على خراج، لإحضار الخليفة وأعيان بغداد. وحقًا وصدقًا كلما قرأت ما كتبه المؤرخون العرب عن نكبة بغداد أترحم على عمدة المؤرخين ابن الأثير الجزري، فكم افتقدنا قلمه وصدقه وتحقيقه في حادثة كهذه.

وهنا نأتي إلى نقطة هامة فارقة، اعتمد عليها مؤرخو الشام غير المعاصرين للنكبة لتأكيد اتهام ابن العلقمي بالخيانة، وهي اتهامه بأنه هو من صرف الجند. ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج17، ص360): "وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط أسهمهم من الديوان، فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريبًا من مائة ألف مقاتل، فيهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق إلا عشرة آلاف، ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد، وذلك كله طمعًا منه أن يُزيل السُنة بالكلية، وأن يُظهر البدعة الرافضية، وأن يُقيم خليفة من الفاطميين، وأن يُبيد العلماء والمفتين"أهـ. وأقول: ربما لم يبلغ ابن كثير أن خلافة الفاطميين كانت قد سقطت قبل النكبة بنحو قرن من الزمان، وقُتِلوا من عند آخرهم، بل وفني من خلفهم من سلاطين الأيوبيين، وصار الحكم للمماليك!

ويصف ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج17، ص358) حال جند بغداد عند وصول هولاكو، قائلًا: "جنود بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس، وهم في غاية الضعف، وبقية الجيش كلهم صُرفوا عن إقطاعاتهم حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد، وأنشد فيهم الشعراء القصائد يرثون لهم، ويحزنون على الإسلام وأهله، وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي"أهـ!

بينما من المعلوم والثابت أن المستعصم قد بويع بالخلافة لمّا توفي أبوه بعد الصلاة من يوم الجمعة عاشر جُمادى الآخرة من سنة 640هـ، والمصادر التاريخية، وأهمها ما أورده ابن الفوطي الحنبلي البغدادي، تذكر طلب الجند من قائدهم شرف الدين إقبال الشرابي المستنصري، للزيادة في رواتبهم، في شعبان من السنة نفسها، وتم رفض طلبهم، في حين لم يستوزر المستعصم الوزير ابن العلقمي إلا سنة 642هـ، ولم يكن هولاكو قد شرع في حملته التي قصد بها قلاع الإسماعيلية النزاريين، ومن بعدها بغداد وما حولها، ولم تكن الفتنة التي افتعلها الدويدار بين السُنة والشيعة سنة 655هـ قد حدثت، والتي ادعوا أنها كانت سبب خيانة ابن العلقمي، وأنه هو من عمل على تقليل الجند ومكاتبة هولاكو بسببها.

وينقل د.مصطفى جواد في مقاله عن قضية ابن العلقمي، في مجلة "الرسالة" سنة 1935 "وأمر هولاكو بإجاعة المستعصم، فلما اشتد عليه الجوع، أمر أن يقدموا له جملة من الجواهر والحلي والأعلاق النفيسة في أواني الذهب والفضة التي أخذها من دار خلافته، فاستغرب الأمر وقال: "قد علمتم أن هذا ليس مما يُؤكل ولا يُغني من جوع". فأرسل إليه هولاكو "لِم لم تُجند به الجنود، ولم تدفع به عن نفسك، فات ساعة ندم؟"أهـ. كذلك جاء في "الفخري" (ص363) ما يؤكد توبيخ هولاكو للخليفة، قال: "وأمر السلطان بخروج الخليفة وولده ونسائه إليه، فخرجوا. فحضر الخليفة بين يدي الدركاه، فيُقال: إنه عوتب ووُبخ بما معناه نسبة العجز والتفريط والغفول إليه"أهـ.

والآن نأتي لما حكاه ابن الفوطي في "الحوادث الجامعة" عما يثبت أن تقليل الجند وعطاءاتهم حدث بعد استخلاف المستعصم بشهور، وبإشراف من قائدهم الشرابي. ذكر (ص135) أنه "في شعبان سنة 640هـ، حضر جماعة من المماليك الظاهرية والمستنصرية عند شرف الدين إقبال الشرابي –رئيس الجند- للسلام عليه على عادتهم، وطلبوا الزيادة في معايشهم، وبالغوا في القول، وألحّوا في الطلب، فحرّد عليهم وقال: "ما نزيدكم بمجرد قولكم، بل نزيد منكم من نريد، إذا أظهر خدمة يستحق بها"، فنفروا وخرجوا على فورهم إلى ظاهر السور وتحالفوا على الاتفاق والتعاضد. فوقع التعيين على قبض جماعة من أشرارهم، فقُبِض منهم اثنان وامتنع الباقون"، ثم يحكي ابن الفوطي عن اعتصامهم قائلين: "نريد أن يخرج أصحابنا ونزاد معايشنا"، لكن الشرابي أصر على موقفه وقال: "إن المحبوسين ما نُخرجهم، وهم مماليكنا، نعمل بهم ما نريد، ومعايشكم ما نزيدها، فمن رضي بذلك يقعد، ومن لم يرض وأراد الخروج من البلد فنحن لا نمنعه"، ولم ينته اعتصامهم هذا الأول إلا بعد سبعة أيام، ولم يُسفر عن زيادة معايشهم. ثم ذكر (ص202) في حوادث سنة 650هـ "وفيها، فارق كثير من الجند بغداد لانقطاع أرزاقهم ولحقوا ببلاد الشام". وقال في حوادث سنة 655هـ (ص229): "وكان الخليفة قد أهمل حال الجند، ومنعهم أرزاقهم، وأسقط أكثرهم من دساتير ديوان العرض، فآلت أحوالهم إلى سؤال الناس، وبذل وجوههم في الطلب بالأسواق والجوامع. ونظم الشعراء في ذلك الأشعار، ومنهم المجد النشابي"أهـ.

وأقول: صدق ابن عباس رضي الله عنه إذ قال: "إذا خفي عليكم شيء فابتغوه من الشعر فإنه ديوان العرب". فالخليفة هو الذي قلَّل عطاءات الجند، أما من الذي حاول أن يعيد ترتيب الجيوش قبل قدوم التتار، فقد قرأت يومًا أن ابن أبي الحديد الشاعر المعتزلي قد كتب قصيدة يمدح فيها ابن العلقمي عندما حاول إعادة ترتيب الجند –كما سنرى-؛ لذا ليس من العجيب أنه رغم اختفاء تلك القصيدة بشكل غير مفهوم، كأن لم تكن، فإن ابن أبي الحديد كثيرًا ما يُشنَّع عليه عند ذكر النكبة، وكأنه كان من الحاشية أو ربما قائد الجند، وليس أكثر من شاعر، والأدهى أن تاريخ موته مختُلِف فيه، وقيل أنه مات في السنة التي سبقت النكبة!

ومما رواه ابن الفوطي في "الحوادث الجامعة" (ص230) "ذكر بعض أصحاب الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي، أنه سمعه يُنشد من شعره:

كيف يُرجى الصلاح من أمر قوم *** ضيّعوا الحزم فيه أي ضياع

فمُطاع الكلام غير سديد *** وسديد المقال غير مطاع

ووفقًا لرواية الهمذاني، فإنه بعد أن عدل الخليفة عن إرسال الهدايا لهولاكو، فلم يسمع لنصح الوزير، وأظهر اللامبالاة، حاول ابن العلقمي إعادة ترتيب الجند ما استطاع، ولكن الخليفة بخل بالمال اللازم، وكان كلام الأمراء الذي نقله الهمذاني يطعن في الخليفة باعتباره هو من يُمسك يده عن الجنود، مما تسبب في قلة الجيش، ثم هو فوق ذلك يمنع المال والتتار على الأبواب. يقول الهمذاني (ص273- 274): "فاضطرب الوزير لهذا الكلام –أي لكلام الخليفة اللامبالي-، وأيقن أن دولة العباسيين سوف تزول. وإذا كان إدبار هذه الدولة سيكون في عهده، فإنه طفق يتلوى كالثعبان، ويفكر في كل تدبير، وقد اجتمع عند الوزير أمراء بغداد وعظماؤها، وأطلقوا ألسنتهم بقدح الخليفة وطعنه قائلين إنه صديق المطربين والمساخرة، وعدو الجيوش والجنود. وإننا أمراء الجيش، بعنا كل ما ادخرناه في عهد والده"أهـ. ثم أن الخليفة بلغه أن سليمان شاه يرغب في القتال، فأعجبه الرأي، وقال للوزير أن يُنفذه، وأمر بعرض الجند، ولكن الخليفة وبعد أن صار عدد الجند وفيرًا وصاروا جيشًا جرارًا اعتذر عن أن يمنح المال! كما ذكر الهمذاني أن الدواتدار خصم الوزير هو من أشاع أن الوزير متفق مع هولاكوخان. وأنه استعان في نشر الإشاعات بأتباعه من سفلة المدينة، ويبدو أن الهمذاني يعني الحنابلة لأنهم كانوا أتباع الدواتدار وفقًا لرواية الذهبي، والذين افتعلوا الفتنة مع الشيعة سنة 655هـ.  ثم أرسل الخليفة هدية صغيرة ثانية إلى هولاكو، ومعها رسالة تحذير من مصير كل من يفكر أن يطمع في بغداد، وأن هولاكو اشتد غضبه بسبب هذه الرسالة، ورد على الخليفة بشعر يؤكد أن الحرب قادمة لا محالة، ونهاية الخليفة على يديه محققة، وقد كان، ولله الأمر من قبل ومن بعد. وقد فصَّل الهمذاني في ذكر الفظائع التي حدثت في صفحات مطولَّات.

وقد اتفق المؤرخون على وقوع مذابح ببغداد عندما وطأها المغول، وإن اختلفت رواياتهم حولها. وفقًا لرواية ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج17، ص360) "فلمَّا قدم هولاكوقان، وتهيب من قتل الخليفة، هون عليه الوزيران ذلك، فقتلوه رفسًا وهو في جُوالق، وقيل: بل خُنِق. ويقال: بل غُرِّق. ومالوا على البلد، فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقني الوسخ، وكمنوا كذلك أيامًا لا يظهرون،.......ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومن التجأ إليهم، وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي، وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانًا، بذلوا عليه أموالًا جزيلة حتى سلِموا وسلِمت أموالهم. وعادت بغداد بعد أن كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة"أهـ.

فهل نجا أهل الذمة كما ذكر ابن كثير؟ وقد كانت زوجة هولاكو المقربة نصرانية، وقد اُدعيّ أنها هي من حرَّضته على مذابحه ضد المسلمين. ذكر بعض المؤرخين كابن الفوطي أن هولاكو قد أمر بحراسة بيوت النصارى ببغداد وقت النكبة، فنجوا ونجا من التجأ إليهم من المسلمين، كما فتح المتهم بالخيانة الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي داره لكل من طلب أن يُستأمن فيها، وكذلك أُمِّنت دار ابن الدامغاني صاحب الديوان، ودار ابن الدوامي حاجب باب النوبي، ودور بعض كبار التجار. لكن هل ابن العلقمي يعنيه نجاة أهل الذمة أم المسلمين، وبالأخصّ الشيعة، ليكون له صلة بنجاتهم؟ وفقًا لرواية ابن كثير، فهو لا يُنكر أن الشيعة قد أُعمِلت فيهم سيوف التتار، فنُكِبوا كما نُكِب السُنة. فكيف لم يتوقف أحد من مروجيّ نظرية خيانة ابن العلقمي عند قتل الشيعة في بغداد؟؟!! وظلوا يكررون المبرر نفسه ببلاهة، أن ابن العلقمي دعا هولاكو إلى بغداد انتقامًا للشيعة، ورغبة في نشر مذهب الشيعة، ورغبة في استخلاف شيعي، وفي النهاية قُتِل الشيعة، عندما فُتح القفص للأسد!! أما ابن العبري فيذكر في "تاريخ مختصر الدول" (ص474) "أمر هولاكو أن يكتبوا على السهام بالعربية: إن الأركاونية والعلويين والداذنشمدية، وبالجملة كل من لم يُقاتِل فهو آمن على نفسه وحريمه وأمواله. وكانوا يرمونها إلى المدينة"أهـ. والأركاونية كلمة يونانية تشير إلى أتباع أركون ومعناه الدهقان العظيم، وغالبًا يقصد بهم المسيحيين.

ومما يُدلل به مروجو خيانة ابن العلقمي هو نجاته من الذبح، فهل نجاة ابن العلقمي دليل على خيانته؟ وهل قائد محنك مثل هولاكو يمكن أن يثق في وزير قد خان مولاه؟ وهل يعتقد عاقل بهذا؟! وقد رد ابن الطقطقا في "الفخري" (ص338) على هذا الاتهام، قال: "ونسبه الناس –أي ابن العلقمي- إلى أنّه خامر، وليس ذلك بصحيح. ومن أقوى الأدلّة على عدم مخامرته: سلامته في هذه الدولة؛ فإنّ السلطان هولاكو لمّا فتح بغداد وقتل الخليفة سلّم البلد إلى الوزير، وأحسن إليه وحكّمه، فلو كان قد خامر على الخليفة لَما وقع الوثوق إليه"أهـ. وأقول: والأمثلة في المقابل على قتل هولاكو لكل خائن تعاون معه كثيرة، فهولاكو كان يقتل إضافة إلى الملوك والأمراء صنفين من الناس؛ الخونة والمتكبرين عليه.

ويتفق مع ابن الطقطقا، د.مصطفى جواد في مقاله عن قضية ابن العلقمي، في مجلة "الرسالة" سنة 1935، يقول: "ولو كان ابن العلقمي قد خان المستعصم، ومالأ هولاكو عليه، لخشي هولاكو غدره، وخاف خيانته، ولم يوله الوزارة الإقليمية، فإنه لما رحل عن بغداد عائدًا إلى بلاده فوَّض أمرها إلى الأمير علي بهادر، وجعله شحنة بها، وإلى الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي، وصاحب الديوان فخر الدين ابن الدامغاني، ونجم الدين أحمد بن عمران الباجسري، ونجم الدين عبد الغني بن الدرنوس، وشرف الدين العلوي المعروف بالطويل، فتوفى ابن العلقمي بعد فتح بغداد بثلاثة أشهر، وذلك في مستهل جمادى الآخرة، فأمر هولاكو أن يكون ابنه عز الدين أبو الفضل وزيرًا بعده. ولقائل أن يقول: إن الخيانة أنالته الوزارة الإقليمية فنقول له: قد قيل هذا، وزُعم أن هولاكو قتله لخيانته، وقال له: "إنا لا نأمنك وقد خنت خليفتك"، ولقد كان هولاكو حذرًا من الخونة، مسارعًا إلى سفك الدماء، فهو إن لم يكن حرّيًا أن يقتله -على ظن خيانته- فإنه يطرحه ويستذله، فلا يوليه من ملكه شيئًا، وأن مؤرخًا يبتدع قتل هولاكو لابن العلقمي لسهلٌ عليه أن يُخوَّنه ويُفجرَّه ويسند إليه ما يشاء، ولكن الحق غير ذلك"أهـ.

وأقول: أي خليفة هذا الذي ترقص بين يديه الجواري وعاصمة ملكه محاصرة، بل ودار ‏الخلافة محاصرة؟! وقد وصفه ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج17، ص366) ‏بأنه "كان فيه لين ‏وعدم تيقظ ومحبة للمال وجمعه".‏ ويكاد يكون ثابتًا لدى جميع المؤرخين في وصفه أنه محب للمال والطرب واللهو. أما عدم التيقظ فالأصح تسميته عدم عقل. وقد نتفق أو نختلف على صحة تصرفات الخليفة من حيث عدم إمداده هولاكو بالجند لمقاتلة الحشاشين، أو رده على رسالة التهديد من هولاكو، وغيرها من التصرفات، وقد يرى كثيرون –وأنا منهم- أن الخليفة كان محقًا في هذه الأفعال؛ فكيف يأمن الخليفة أن يهدم التحصينات ويردم الخنادق مثلما طلب هولاكو؟ بل وحتى لو نزل خليفة المسلمين –وهو من هو- على طاعته مثلما فعل ملك  النزاريين -وأي مذلة في هذا- فربما كان هولاكو ليغدر بالخليفة بعد أن يؤمِّنه حتى لو استمع الخليفة لنصيحة ابن العلقمي بالتلطف معه وإهدائه الهدايا الثمينة. وربما كانت النصيحة الأوفق، والتي نصحه بها ابن العلقمي ولم يأخذ بها هي الأخرى، والتي كانت ستكتب له إن مات أن يموت بشرف، هي النصيحة بتجييش الجند، والاستعداد للقتال، ثم القتال بشرف، بدلًا من أن يُضطر للاستسلام المهين، ثم يُسلِّم نفسه للقتل. وينبغي مع ذلك الإقرار بأن الخليفة كان يفتقد إلى الكياسة وحصافة الرأي اللازمين لمحاولة تجاوز أمثال هذه المواقف الصِعاب، وأن ابن العلقمي إن كان بالإمكان تدارك الأمر قد نصح للخليفة، وإن كان ليس بالإمكان دفع البلاء، وكان واقعًا لا محالة، فليس له ناقة ولا جمل.

ما يجب علينا كسُنة الاعتراف به، أنه وفقًا لرواية الهمذاني المفصلة للحوادث –وقد رويت جزءًا منها والشرح يطول-، وهو من أرخّ تفصيليًا لتاريخ المغول؛ والتي تدعمها روايات ابن الطقطقا وابن العبري وابن الفوطي وغيرهم، فاتهام ابن العلقمي وتحميله وزر سقوط بغداد هو من المغالطات التاريخية التي أظن أنه لا يحملنا عليها كسُنة إلا التعصب. وقد بحثت في سيرة ابن العلقمي قبل الوزارة فوجدت أنه كان أستاذ دار الخلافة، وكان المتولي لعمارة المدرسة المستنصرية التي وُقفت لتدريس المذاهب السُنية الأربعة، وأشرف على عمارتها كأعظم ما يكون الإشراف، حتى وُصفت بأنه لم تُبن مدرسة قبلها مثلها.

وقد يدعي بعضهم –وأعني السلفية- أن الهمذاني مؤرخ المغول، على الأخصّ، قد تعمد تبرئة ابن العلقمي، ولم يكن منصفًا فيما كتبه، وأقول أما فيما يخص تعمد تبرئته لابن العلقمي، فلا مبرر له، ولم يُعرف عن الهمذاني محاباة الشيعة، بل كان هو من تآمر على نقيب الأشراف ببغداد تاج الدين أبو الفضل محمد، وسعى في قتله، وذُبِح معه ابناه، والقصة مذكورة في مقدمة تحقيق كتابه (م2 ج1، ص31: 33). وقد شهد لكتابه المستشرقون المحققون (ص95) له بأن "هذا الكتاب القدير قد جمع بين التوفيق في تحري الصدق وموهبة الملاحظة"أهـ. ويضيف المحقق (ص96) "في وسع العرب والفرس والمغول أن يجدوا في مؤلف رشيد الدين منبعًا فياضًا لأقوم الوثائق، وإننا أيضًا نستطيع أن نغترف منه طائفة كبيرة من المعلومات لا نجدها في سواه"أهـ. وأقول: إن ما كتبه الهمذاني تتضح فيه الموضوعية، وكثير منه لو وضع أمام عينيه إرضاء سلاطين المغول ما كتبه، بل كان ليكتب عكسه، فليس مما يُرضي هولاكو إظهار رسل الخليفة متبجحين عليه غير مبالين بهيبته، كما أنه أورد تفاصيل دقيقة كعادة المؤرخين مع الحوادث الجِسام، فأورد وقائعًا وأثبت روايات، وأثبت أسماء، وما دار في المراسلات، وتاريخ كل حدث، وتعمد عدم التعليق برأيه في أغلب المواضع، بل ترك القارئ ليتبين حقيقة ما يحدث، وكل تلك التفاصيل التي ذكرها فأسرف فيها الهمذاني غابت مثيلاتها عند من أرَّخوا لنكبة بغداد ممن روجوا الاتهامات بالخيانة لابن العلقمي من باب الرجم بالغيب، لأنه الشيعي الوحيد الذي كان في بلاط الخليفة.

وبما أن التفاصيل التي سبقت النكبة قد بلغتنا عن طريق الهمذاني وغيره، والتفاصيل التي حدثت في بغداد أثناء النكبة قد بلغتنا عن طريق ابن الفوطي، وهو شاهد عين، وغير متهم بالانحياز لابن العلقمي، كونه حنبليًا، فينبغي أن نكف عن اتهام ابن العلقمي لمجرد أن خبرًا قد طيَّره بعض من نجا من النكبة بأنه شُوهد يركب حمارًا بعد النكبة، وهذا ليس شاهدًا على شيء سوى أن المغول قد احتقروه، وليس له شأن عندهم، ومثله في هذا مثل كل العرب، فلم ير مؤرخونا في الخبر سوى دليل على خيانته، وأنه مات همًا وكمدًا بعدها، فإن كان قد مات كمدًا فلا يلزم منه كونه خائنًا متآمرًا، وإن كان قد مات بالطاعون فلم يكن وحيد عصره، ولا دليل على خيانته إلا أوهامنا وتعصبنا.

لكن أيضًا، هناك في رواية الهمذاني وابن الفوطي للحوادث التي صاحبت وتلت سقوط بغداد ما يشير إلى مهادنة واستسلام تامين من الشيعة للتتار في المدن المحيطة ببغداد، وهي إشارات لا ينبغي إهمالها؛ فأهل الحِلَّة التمسوا من هولاكو أن يعين لهم شحنة، ثم استقبلوا جند المغول لمَّا اقتربوا من المدينة، بأن أقاموا جسرًا على الفرات، وأقاموا الأفراح ابتهاجًا بقدومهم، حتى أن التتار قد تجاوزوا المدينة اطمئنانًا لأهلها، وكان الخليفة المستنجد العباسي قد أمر بإهلاك بني أسد، أهل الحلة، فقُتِل منهم أربعة آلاف قتيل، قبل نكبة بغداد بقرن. وكذلك طلب أهل الكوفة شحنة، وبذلوا الأموال لهولاكو. كما التمس أحد الأمراء إرسال جند إلى النجف لحفظ المشهد المنسوب لسيدنا علي بن أبي طالب. وأقول: قد يكون هذا خوفًا من أهل تلك المدن على حياتهم من أن يلقوا مصير أهل بغداد، لكن هذه التصرفات ربما كانت سببًا في التشنيع الذي طال الشيعة بعد ذلك من قِبَل السُنة بأنهم تآمروا مع التتار لإسقاط خلافة بني العباس.

فهل عرفنا بعد كل هذه القرون، من هو المسئول عن فتح قفص الأسد؟!

 

د. منى زيتون

 

 

منى زيتونحدثت فتنة شهيرة بين الحنابلة والأشعرية سُميت بالفتنة القُشيرية‏ نسبة إلى ابن القشيري، وهو أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري، وكان لأبيه أبي القاسم القشيري القدح المعلى في فتنة لعن الأشاعرة بنيسابور، وهي من أشهر الفتن التي أشعلها المعتزلة، وقد توفي أبوه أبو القاسم سنة 465هـ، وهو صاحب ‏رسالة "شكاية أهل السنة".

ذكر ابن الأثير في "الكامل" (ج8، ص413) أنه في سنة 469هـ "ورد بغداد أبو نصر ابن الأستاذ أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري حاجًا، وجلس في المدرسة النظامية يعظ الناس، وفي رباط شيخ الشيوخ، وجرى له مع الحنابلة فتن لأنه تكلم على مذهب الأشعري ونصره، وكثر أتباعه والمتعصبون له، وقصد خصومه من الحنابلة ومن تبعهم سوق المدرسة النظامية، وقتلوا جماعة. وكان من المتعصبين للقشيري الشيخ أبو إسحق وشيخ الشيوخ وغيرهما من الأعيان، وجرت بين الطائفتين أمور عظيمة"أهـ. وقد فصّل كثيرون في رواية وقائع الفتنة، منهم ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج 16، ص59: 61) وابن الجوزي في "المنتظم" (ج16، ص 181: 183)

قال ابن كثير ضمن ما روى: "وفي شوال سنة 469هـ ‏وقعت الفتنة بين الحنابلة والأشعرية؛ وذلك لأن ابن القشيري قدم بغداد ‏فجلس يتكلم في المدرسة النظامية، وأخذ يذم الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم، وساعده أبو سعد الصوفي، ومال معه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وكتب إلى نظام ‏الملك يشكو إليه الحنابلة ويسأله المعونة، وذهب جماعة إلى الشريف أبي ‏جعفر بن أبي موسى شيخ الحنابلة وهو في مسجده، فدافع عنه آخرون، وقُتِل رجل خياط من سوق الثلاثاء –أو سوق التبن-، وجُرح آخرون، وثارت ‏الفتنة، وكتب الشيخ أبو إسحاق، وأبو بكر الشاشي إلى نظام الملك، فجاء كتابه إلى ‏فخر الدولة –وهو الوزير ابن جهير- يُنكر ما وقع، ويكره أن يُنسب إلى المدرسة التي بناها شيء من ذلك. ‏وعزم الشيخ أبو إسحاق على الرحلة من بغداد؛ غضبًا مما وقع من الشر، فأرسل إليه ‏الخليفة يُسكنه، ثم جمع بينه وبين الشريف أبي جعفر وأبي سعد الصوفي وأبي نصر القشيري عند الوزير –يقصد ابن جهير-"‏أهـ.

وأهم ما يمكن استخلاصه من الحوار الذي رواه المؤرخون –على الخلاف بينهم- هو نقمة الحنابلة، ولسانهم في هذا الشريف أبي جعفر، على أبي إسحاق الشيرازي لتدريسه العقيدة الأشعرية، وعلى السلطان السلجوقي وخواجا بُزُرْك –يعني نظام الملك-، وأن الخليفة المقتدي بالله حفيد القائم والقادر رغم كونه على اعتقاد الحنابلة الذي هو اعتقاد جديه إلا أن الكلمة الأولى والأخيرة ببغداد لنظام الملك رغم عدم إقامته فيها.

ولمنع الفتنة من التفاقم روى ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج16، ص70-76) ‏أنه اُعتقل الشريف أبو جعفر ابن أبي موسى الهاشمي في دار الخلافة مُكرمًا بعد فتنة ‏القشيري، كما مُنع الوعّاظ من الجلوس، ولم يؤذن لهم بعدها إلا سنة 473هـ. كما جاء في ترجمته للقشيري سنة وفاته 514هـ أن ابن القشيري أُمر بالخروج من بغداد لإطفاء الفتنة، فعاد إلى بلده.

وأقول إن فتنة لعن الأشاعرة بنيسابور بسبب الوزير الكُندري المعتزلي، التي سُجن فيها الإمام أبي القاسم القشيري والد أبي نصر قبلها بسنوات قد أثرت ولا شك في تعصب إمام شاب مثله للعقيدة التي يؤمن بها، وسُجن والده بسبب اعتقاده بها. ولو حققنا في المسألة، آخذين في الاعتبار رواية ابن كثير، فسنخلص منها أنه لم يكن الحنابلة من تحرش لبدء الفتنة، لكن يدهم في أثناء الفتنة لا تخفى كالعادة. ولكن رواية أخرى عند ابن الجوزي توضح أن ما عدَّه ابن كثير ذمًا وتحرشًا بالحنابلة، كان إجابة أبي نصر عن مسألة في العقائد وفقًا لعقيدة الأشاعرة، ووافقه مدرسو المدرسة النظامية، وعلى رأسهم أبي إسحق الشيرازي، فقامت ثائرة الحنابلة لذلك، كونهم لا يعترفون بالخلاف، بل يعدون مُنكِر أي شيء يعتقدونه إما كافر وإما مبتدع –على حسب الحال-، ويجب القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجاهه، وهو ما يُفسر مسارعتهم للشريف أبي جعفر الهاشمي، المعروف عنه المسارعة إلى تطبيق الأمر والنهي. يروي ابن الجوزي في "المنتظم" (ج16، ص190-191) خبرًا في حوادث سنة 470هـ، عن ورود كتاب من نظام الملك إلى الشيخ أبي إسحاق الشيرازي في جواب بعض كتبه التي صدّرها إليه في قضية الحنابلة. وفيه: "وكان ما انتهى إلينا أن السبب في تجديد ما تجدد مسألة سُئل عنها أبو نصر القشيري عن الأصول، فأجاب عنها بخلاف ما عرفوه في معتقداتهم"أهـ.

ثم روى ابن الجوزي وقوع فتنة ثانية بين الحنابلة والأشعرية سنة 470هـ، وفصّل في حوادثها، وكذا رواها ابن الأثير في "الكامل" (ج8، ص415) قال: "وكان ببغداد في هذه السنة -470هـ- فتنة بين أهل سوق المدرسة –يعني السوق المجاور للمدرسة النظامية- وسوق الثلاثاء بسبب الاعتقاد، فنهب بعضهم بعضًا. وكان مؤيد المُلك ابن نظام المُلك ببغداد بالدار التي عند المدرسة، فأرسل إلى العميد والشحنة فحضرا ومعهم الجند، فضربوا الناس فقُتل بينهم جماعة وانفصلوا"أهـ.‏ أما ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج16، ص65) ‏فقال: "وفي شوال منها وقعت فتنة بين الحنابلة وبين بعض فقهاء النظامية، وحمىّ لكل من الفريقين طائفة من العوام، وقُتل بينهم نحو من عشرين قتيلًا، ثم سكنت الفتنة"أهـ.

وقد روى ابن الأثير في "الكامل" (ج8، ص417-418) مما كتبه أبو الحسن الواسطي الفقيه الشافعي إلى نظام المُلك واصفًا الحال:

يا نظام الملك قد حلّ ببغداد النظام **** وابنك القاطن فيها مستهان مستضام

وبها أودى له قتلى غلام، وغلام **** والذي منهم تبقى سالمًا فيه سهام

يا قوام الدين لم يبق ببغداد مقام **** عظم الخطب وللحرب اتصال ودوام

فمتى لم تحسم الداء أياديك الحسام **** ويكف القوم في بغداد قتل وانتقام

فعلى مدرسة فيها ومن فيها السلام **** واعتصام بحَريم لك من بعد حرام

وزاد ابن الأثير أن نظام الملك قد عظم عليه ما جرى من الفتن وقصد مدرسته والقتل بجوارها مع أن ابنه مؤيد الملك فيها، وبعث رسالة إلى الخليفة المقتدي بأمر الله سنة 471هـ، يتضمن الشكوى من بني جهير، وسأله عزل فخر الدولة ابن جهير من وزارة الخليفة المقتدي؛ بسبب ما نُسب له وإلى الخدم من يد فيما فعلت الحنابلة ومن معهم في فتنة القشيري. وقد أشار لذلك ابن كثير إشارة خفية بقوله "وكتب الشيخ أبو إسحاق، وأبو بكر الشاشي إلى نظام الملك، فجاء كتابه إلى فخر الدولة يُنكر ما وقع". وقد حدث هذا رغم المصاهرة القديمة التي كانت بينهما؛ ذلك أن الوزير فخر الدولة ابن جهير كان قد زوّج ابنه عميد الدولة لابنة نظام الملك سنة 462هـ والتي ماتت نفساء سنة 470هـ. واستطاع عميد الدولة أن يُصلح ما بينه وبين نظام الملك وتزوج ابنة بنت له سنة 471هـ، ثم أن نظام الملك راسل الخليفة في إعادة بني جهير للوزارة فأعيد ابنه عميد الدولة وسُمح لفخر الدولة بمغادرة منزله سنة 472هـ. وذكر الخبر ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج16، ص71) ‏قال: "وفيها عُزل الوزير ابن جهير بإشارة نظام الملك، بسبب ممالأته على الشافعية، ثم كاتب المقتدي نظام الملك في إعادته، فأُعيد ولده وأُطلق هو"أهـ. فحسب رواية ابن كثير يكون الخليفة هو من أراد التحقق من انصلاح الأحوال بين بني جهير ونظام الملك قبل إعادتهم.

وكأن المصائب قد توالت على الحنابلة مؤذنة بغياب سطوتهم على العامة ببغداد، فقد مات بعد نشوب الفتنة بأربعة شهور، وتحديدًا في صفر سنة 470هـ، الشريف أبو جعفر ابن أبي موسى الهاشمي، والذي كان من دعائم ما يسميه الحنابلة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما أورد في ترجمته الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج18، ص548)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (ج16، ص69).

وفي مقال تالٍ نراجع بعض الأخبار التي حوتها أمهات كتب التاريخ الإسلامي، والتي يتضح منها تغير عقيدة سُنة أهل بغداد في القرنين الخامس والسادس صعودًا وهبوطًا ما بين الأشعرية والحنبلية.

 

د. منى زيتون

 

منى زيتونأذية الحنابلة للحافظ الخطيب البغدادي

كان ممن لقيهم بعض أذى من حنابلة بغداد، الإمام العلّامة المُفتي، الحافظ الناقد، مُحدِّث الوقت، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي. كان الخطيب البغدادي حنبليًا أول أمره، ثم صار من كبار الشافعية، وممن يرى رأي الإمام الأشعري في العقيدة. أثبت عقيدته ومذهبه كل من ترجم له، ومنهم الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، والسبكي في "طبقات الشافعية"، وياقوت في "معجم الأدباء"، كما عدّه الحافظ ابن عساكر من أعيان الأشاعرة في "تبيين كذب المفتري".

وروى الذهبي في ترجمته، في "السير" (ج18، ص289) "قال المؤتمن: تحاملت الحنابلة على الخطيب حتى مال إلى ما مال إليه. قلتُ –أي الذهبي-: تناكد ابن الجوزي رحمه الله وغضّ من الخطيب، ونسبه إلى أنه يتعصب على أصحابنا الحنابلة. قلتُ: ليت الخطيب ترك بعض الحطّ على الكبار، فلم يَروِه"أهـ. وأقول: الذهبي رغم كونه شافعي المذهب إلا أنه يشير إلى الحنابلة بأصحابنا، كونه على عقيدتهم، وإن كان أقرب للقول بالتفويض وترك الخوض، ولعل الميل الذي عناه المؤتمن هو تغيير الخطيب عقيدته ومذهبه بالكُلية، كما ثبت عنه. كما يشير الذهبي من خفاء إلى بعض الروايات التي أوردها الخطيب عن الإمام أحمد بن حنبل بخصوص مسألة التلفظ بالقرآن.

ويؤكد ذلك ما ذكره ابن الجوزي في ترجمة الخطيب في "المنتظم" (ج16، ص132). قال: "وكان أبو بكر الخطيب قديمًا على مذهب أحمد بن حنبل، فمال عليه أصحابنا لمّا رأوا من ميله إلى المبتدعة –ويعني ابن الجوزي تغيير الخطيب عقيدته إلى الأشعرية-، وآذوه، فانتقل إلى مذهب الشافعي رضي الله عنه، وتعصب في تصانيفه عليهم، فرمز في ذمهم، وصرّح بقدر ما أمكنه، فقال في ترجمة أحمد بن حنبل: سيد المُحدِّثين، وفي ترجمة الشافعي: تاج الفقهاء، فلم يذكر أحمد بالفقه"أهـ. ولأن الخطيب صار أشعريًا، ولأن الحنابلة يُصرُّون على عدّ الإمام أحمد في الفقهاء، فقد آذوه مثلما سبق وأن آذوا الإمام الطبري؛ عندما صرّح بأن أحمد مُحدِّث وليس فقيهًا.

ذكر السُبكي في "طبقات الشافعية" (ج4، ص34) "قال المؤتمن الساجي: تحاملت الحنابلة عليه. قلتُ –أي السُبكي-: وابتلى منهم بوضع أكاذيب عليه لا ينبغي شرحها"أهـ.

ولعل السُبكي يقصد بتلك الأكاذيب أو بعضها ما رواه ياقوت الحموي في "معجم الأدباء" (ج1، ص390-391) "ونقلتُ من خط أبي سعد السمعاني ومنتخبه لمعجم شيوخ عبد العزيز بن محمد النخشبي، قال: ومنهم أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، يخطب في بعض قرى بغداد، حافظ فهم، ولكنه كان يُتَّهم بشرب الخمر، كنتُ كلّما لقيته بدأني بالسلام، فلقيته في بعض الأيام فلم يُسلِّم عليّ، ولقيته شبه المتغير، فلمّا جاز عني لحقني بعض أصحابنا، وقال لي: لقيتُ أبا بكر الخطيب سكران، فقلتُ له: قد لقيته متغيرًا، واستنكرت حاله، ولم أعلم أنه سكران، ولعله قد تاب إن شاء الله. قال السمعاني: ولم يذكر عن الخطيب رحمه الله هذا إلا النخشبي، مع أني لحقت جماعة كثيرة من أصحابه"أهـ.

وأقول: صار الرجل سكرانًا ولاكه الحنابلة بألسنتهم؛ لأنه لم يُسلِّم على النخشبي! وتغيّر عليه، فما بال الإمام ابن قدامة لم يكن يُسلِّم على الحافظ ابن عساكر، ولم يتهمه الأشاعرة بالسُكر؟! والنخشبي هذا كان معاصرًا للخطيب، ولكنه لم يكن في قامته، وإن كان الخطيب قد أثنى عليه. روى الذهبي في ترجمته في "السير" (ج18، ص268) "قال يحيى بن منده: ضربه القاضي الخُطبي بسبب الإمام أبي حنيفة، رأيت علامة الضرب على ظهره". فقد سبق ووقع هذا النخشبي في الإمام أبي حنيفة، ومثله لا يعتدّ بشهادته، خاصة إن كانت في مثل الخطيب البغدادي.

محنة الإمام أبي الفتوح الإسفراييني

تجددت الفتن بين الحنابلة والأشاعرة سنة 521هـ بسبب الإمام أبي الفتوح الإسفرايني، وكان لاعتقاده في الكلام دور بارز فيها. ذكر السبكي في ترجمته في "طبقات الشافعية" (ج6، ص172) "ورد بغداد سنة خمس عشرة –يعني وخمسمائة-، وظهر له القبول التام من الخاص والعام. وكان يتكلم على مذهب الأشعري فثارت عليه الحنابلة، ووقعت فتن، فأمر المسترشد –الخليفة- بإخراجه فخرج، إلى أن ولي المقتفي فعاد، واستوطن بغداد، فلم يزل يعظ ويظهر مذهب الأشعري إلى أن عادت الفتن على حالها، فأُخرج ثاني مرة، وأدركه أجله"أهـ.

أما عن الرواية السلفية، فرواها ابن كثير –وهو حنبلي العقيدة- في "البداية والنهاية" (ج16، ص275-276) مختصرة؛ فذكر في حوادث سنة 521هـ "وفيها ورد أبو الفتوح الإسفراييني فوعظ ببغداد، فأورد أحاديث كثيرة منكرة جدًا، فاُستتيب منها، وأُمر بالانتقال منها إلى غيرها، فشد معه جماعة من الأكابر، وردّوه إلى ما كان عليه، فوقع بسببه فتن كثيرة بين الناس، ورجمه بعض العامة في الأسواق؛ وذلك لأنه كان يُطلق عبارات لا يُحتاج إلى إيرادها، فنفرتْ عنه قلوب العامة وأبغضوه، وجلس الشيخ عبد القادر الجيلي –الجيلاني الحنبلي-، فتكلم على الناس فأعجبهم، وأحبوه وتركوا ذاك"أهـ.

وعلى العادة تكون رواية ابن الجوزي أكثر تفصيلًا؛ فقد ذكر في "المنتظم" (ج17، ص245)‏ أسباب الفتنة والتي كانت أن الإسفراييني سُئل عن حديث "ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات" فقال إنه ليس بصحيح، والحديث في كتب الصحاح، ومن ثم فإنكار الحنابلة عليه لعدم قبوله إياه مفهوم، ثم وصف ابن الجوزي قول الإسفراييني بأنه "يتأول تأويلات باردة" وأنه "كان يتكلم بما يُسقط حرمة المصحف من قلوب الناس فافتتن به خلق كثير"، وهذا وصف عام لا يُفهم منه شيء، ولكنه عاد وأضاف أن الإسفراييني كان يقول: "ليس هذا الذي نتلوه كلام الله إنما هو عبارة ومجاز، والكلام الحقيقي قائم بالنفس"، وهنا فقط يأتي الكلام المفيد الذي يفهمنا حقيقة ما حدث؛ فالأمر وما فيه كان اعتراضًا من الحنابلة على العقيدة الأشعرية في مبحث الصفات.

وكان الحنابلة قد تجرأوا على الأشاعرة بعد مقتل الوزير السلجوقي الأشعري نظام الملك، وولده الأكبر فخر الملك، وضعف باقي أبنائه، فالإسفراييني لم يأت بجديد شاذ، وهذا الكلام الذي حكاه ابن الجوزي من قول الإسفراييني من الواضح أن ابن الجوزي قد كتبه قبل أن ينقلب هو نفسه على تجسيم الحنابلة، وإصرارهم على أخذ بعض الآيات التي اعتبروها تصف الله تعالى على ظاهرها بحيث نسبوا إليه سبحانه الجوارح، على النحو الذي فصّلنا فيه عند نقد عقيدتهم، بينما يرى الأشاعرة -ويشاركهم في ذلك المعتزلة والشيعة- وجوب التأويل في تلك الآيات لامتناع الظاهر في حق الله سبحانه وتعالى، وأن اليد والعين ونحوها إنما هي مجازات، وهذا ما عناه الإسفراييني، وهو ما كان يُدرس في المدرسة النظامية والتاجية وغيرهما من مدارس الأشاعرة ومجالس الوعظ ببغداد قبل تلك الواقعة ولأكثر من نصف قرن!

أما عن قول الإسفراييني إن الكلام قائم بالنفس، فأعتقد أنه يقصد ما ينُصّ عليه الأشاعرة في عقيدتهم من أن الكلام صفة من صفات ذاته تعالى، وصفاته قائمة بذاته، أو ما يعنيه الغزالي بأننا لا نثبت في حق الله سوى الكلام النفسي، ومجالس الغزالي استمرت لسنوات ببغداد، ولم يجرؤ عوام الحنابلة على فعل ما فعلوا بالإسفراييني مع الغزالي، ولكن نظام الملك كان قد مات، وعادت ريما إلى عادتها القديمة كما يقول المثل العامي. لكن ينبغي هنا أيضًا الإشارة إلى أن ابن الجوزي مع تحوله في مرحلة متأخرة عن التجسيم إلى تأويل الصفات الذي هو جزء من اعتقاد الأشاعرة، لم يصبح أشعريًا. ومن الغريب أيضًا أن الجيلاني الذي جلس للناس فأحبوه، على قول ابن كثير، قد تأثر في طريقته الصوفية بالغزالي، الذي ما خرج الإسفراييني عن معتقده وقوله أنملة.

ثم يحكي ابن الجوزي في "المنتظم" (ج18، ص 31) في حوادث سنة 538هـ "في هذه السنة قدم مع السلطان فقيه كبير القدر اسمه الحسن بن أبي بكر النيسابوري، وكان من أصحاب أبي حنيفة، وكانت له معرفة حسنة باللغة وفهم جيد في المناظرة، وجالسته مدة، وسمعت مجالسه كثيرًا، فجلس بجامع القصر وجامع المنصور وأظهر السُنة، وكان يلعن الأشعري جهرًا على المنبر، ويقول: كن شافعيًا ولا تكن أشعريًا، وكن حنفيًا ولا تكن معتزليًا، وكن حنبليًا ولا تكن مشبِّهًا، ولكن ما رأيت أعجب من أصحاب الشافعي يتركون الأصل ويتعلقون بالفرع. ومدح الأئمة الأربعة وذم الأشعري"أهـ. وأقول: ربما نسي أن يقول أو سقط من النُسَّاخ "كن مالكيًا ولا تكن جبريًا"! ولكن ما رواه ابن الجوزي دال على ذمه للعقيدة الأشعرية عمومًا، وربما نجد فيه تفسيرًا لجسارته على إصلاح عقيدة الحنابلة برفض نسبة التجسيم والتشبيه إلى الإمام أحمد، وقبوله التأويل في آيات وأحاديث الصفات، ما لم يقبله منه كثير من رءوس الحنابلة، وأدى لتصادمه معهم، في حين حظي بحب العامة والخلفاء، وكان سببًا في إعادة سُنة بغداد رويدًا رويدًا إلى العقيدة الحنبلية.

ويضيف ابن الجوزي في حوادث السنة نفسها -538هـ- (ص32) أن هذا الواعظ –الحسن بن أبي بكر النيسابوري- "جلس يوم الجمعة العشرين من رجب في دار السلطان، فحضر السلطان مسعود مجلسه، فوعظه فبالغ، وكان قد كُتب على المدرسة النظامية اسم الأشعري، فتقدم السلطان بمحوه، وكتب مكانه اسم الشافعي، وكان أبو الفتوح الإسفرائيني يجلس في رباطه ويتكلم على مذهب الأشعري، فتجري الخصومات، فمضى أبو الحسن الغزنوي الواعظ إلى السلطان فأخبره بالفتن، وقال له: إن أبا الفتوح صاحب فتنة، وقد رُجِم ببغداد مرارًا، والصواب إخراجه من البلد، فتقدم السلطان بإخراجه، وخرج الحسن بن أبي بكر إلى بلده فأقام بعد ذلك، وأُخرج في رمضان"أهـ. فكان إخراج الإمام أبي الفتوح من بغداد مرتين، وتغيير ما كُتب على وقف النظامية، وإرادة تحويلها إلى تدريس المذهب الفقهي الشافعي دون العقيدة الأشعرية، هو البداية الحقيقية للتحرش الحنبلي الرسمي ضد الأشاعرة، والذي سيصل ذروته بعد ذلك فترة وزارة ابن هُبيرة.

محنة الإمام الفخر الرازي

ذكر ابن الأثير في "الكامل" (ج10، ص262) في حوادث سنة 595هـ، وقوع فتنة عظيمة بفيروزكوه من خراسان بسبب المذاهب، بين الفخر الرازي وهو الإمام المشهور الفقيه الشافعي الأشعري وبين الكرّامية الذين تطاولوا على الإمام، ونسبوه إلى الزندقة. يقول ابن الأثير: "وثار الناس من كل جانب، وامتلأ البلد فتنة، وكادوا يقتتلون ويجري ما يهلك فيه خلق كثير، فبلغ ذلك السلطان، فأرسل جماعة من عنده إلى الناس، وسكَّنهم، ووعدهم بإخراج الفخر من عندهم، وتقدم إليه بالعود إلى هراة، فعاد إليها"أهـ. والكرامية هم مذهب مجسم أقرب ما يكون لمذهب الحنابلة –السلفية- في عقيدتهم في الصفات. دافع عنهم ابن تيمية في كتبه، وأثبت اتفاقهم مع الحنابلة في أغلب العقائد.

وقد أورد السبكي في "طبقات الشافعية" (ج8، ص86) في ترجمة الفخر الرازي "إن الكرامية وضعوا عليه من سقاه سمًا فمات".

كما ذكر هاني محمد حامد محقق كتابه "الإشارة في علم الكلام" للرازي (ص16) نقلًا عن ابن خلِّكان "وقد خاف الرازي أن تعبث الكرامية بجثته، فتنبشها وتمثل بها، فطلب من تلاميذه أن يخفوا نبأ موته، وقد نفذوا ذلك، فدفنوه آخر النهار، أو في الليل، واُختلف في مكان دفنه، فقيل: دُفن في قرية مزدلخان قريبة من هراة، وقيل: إنه دُفِن في بيته". وهذا يذكرنا بما فعله حنابلة بغداد مع الإمام الطبري.

والأسلوب ذاته الذي استخدمه أشقاء الحنابلة المجسمة (الكرامية) للقضاء على شيخ الإسلام الإمام فخر الدين الرازي كان قد حدث مع ابن فُورك. يذكر السبكي عنه في ‏"طبقات الشافعية" (ج4، ص130‏) "ودُعي إلى مدينة غزنة، وجرت له بها مناظرات، ‏ولما عاد منها سُم في الطريق. فتوفي سنة ست وأربعمائة". كما روى السبكي في "طبقات الشافعية" (ج8، ص86) في ترجمته "وأقام بهراة، وكان يلقب بها شيخ الإسلام، وكان كثير الإزراء بالكرامية، فقيل إنهم وضعوا عليه من سقاه سمًا فمات"أهـ.

والبروي الفقيه الشافعي الأشعري أيضًا من الأئمة الذين رُوي عنهم أنهم قد قتلوا بدس السم لهم من قِبل المجسمة. يروي ابن الأثير في "الكامل" (ج10، ص567) أنه في سنة 567هـ، مات البروي، الفقيه الشافعي، تفقه على محمد بن يحيى –تلميذ الغزالي-، وقدم بغداد، ووعظ، وكان يذم الحنابلة، وكثرت أتباعه، فأصابه إسهال، فمات هو وجماعة من أصحابه، فقيل: إن الحنابلة أعدوا له حلواء، فأكل منها، فمات وكل من أكل منها. وروى السبكي في "طبقات الشافعية" (ج6، ص390-391) نقلًا عن سبط ابن الجوزي –وهو حنبلي- "يُقال إن الحنابلة دسوا عليه امرأة جاءته في الليل بصحن حلواء مسموم، وقالت: هذا يا سيدي من غزلي، فأكل هو وامرأته وولد صغير، فأصبحوا موتى". وأقول: إنه لو لم ينكشف أمر الحلواء المسمومة التي دسوها عليه، لكذبوا كعادتهم، وادعوا أن الله قد انتقم لهم منه.

محنة الإمام العز بن عبد السلام

وكان الحنابلة أيضًا السبب الرئيسي في إيغار قلب الملك الأشرف موسى بن الملك العادل بن أيوب ضد الإمام العز بن عبد السلام، وذلك بدمشق، قبل خروج الإمام إلى الديار المصرية، وكان سبب كتابته لرسالته الصغيرة المعروفة باسم "مُلحة الاعتقاد" هو رد على ما وشى به الحنابلة إلى الملك الأشرف عنه في مسألة كلام الله تعالى.

ذكر السُبكي في "طبقات الشافعية" (ج8، ص218) روايةً عن الإمام شرف الدين عبد اللطيف ولد الشيخ عز الدين "كانت طائفة من مبتدعة الحنابلة القائلين بالحرف والصوت، ممن صحبهم السلطان في صغره، يكرهون الشيخ عز الدين ويطعنون فيه، وقرروا في ذهن السلطان الأشرف أن الذي هم عليه اعتقاد السلف، وأنه اعتقاد أحمد بن حنبل رضي الله عنه وفضلاء أصحابه، واختلط هذا بلحم السلطان ودمه، وصار يعتقد أن مخالف ذلك كافر حلال الدم، فلمّا أخذ السلطان في الميل إلى الشيخ عز الدين دسّت هذه الطائفة إليه وقالوا: إنه أشعري العقيدة يُخطىء من يعتقد الحرف والصوت ويُبدعه، فاستهال ذلك السلطان واستعظمه ونسبهم إلى التعصب عليه، فكتبوا فُتيا في مسألة الكلام وأوصلوها إليه –أي إلى الإمام العز- مريدين أن يكتب عليها بذلك فيسقط موضعه عند السلطان، وكان الشيخ قد اتصل به ذلك كله، فلمّا جاءته الفُتيا قال: هذه الفُتيا كُتبت امتحانًا لي، والله لا كتبت فيها إلا ما هو الحق، فكتب العقيدة المشهورة"، وحدثت مداولات ووشايات حنبلية، حتى شرط السلطان على الإمام ثلاثة شروط، أحدها أنه لا يفتي، والثانية أنه لا يجتمع بأحد، والثالثة أنه يلزم بيته. واستمر الحال على هذا ثلاثة أيام حتى تدخل الشيخ الحصيري شيخ الحنفية عند السلطان، واعلمه أن اعتقاد العز هو اعتقاد المسلمين الصحيح.

يقول السُبكي (ص237-238): "وكانت الحنابلة قد استنصروا على أهل السُنة –يعني استنصروا على الأشاعرة على اختلاف مذاهبهم الفقهية-، وعلت كلمتهم، بحيث إنهم صاروا إذا خلوا بهم في المواضع الخالية يسبونهم ويضربونهم ويذمونهم، فعندما اجتمع الشيخ جمال الدين الحصيري رحمه الله بالسلطان، وتحقق ما عليه الجم الغفير من اعتقاد أهل الحق، تقدم إلى الفريقين بالإمساك عن الكلام في مسألة الكلام، وأن لا يفتي فيها أحد بشيء، سدًا لباب الخصام، فانكسرت المبتدعة بعض الانكسار وفي النفوس ما فيها"أهـ. حتى اتفق وصول السلطان الملك الكامل رحمه الله إلى دمشق من الديار المصرية، وكان أشعريًا، فتمّ انكسار الحنابلة.

الحنابلة والحافظ ابن عساكر

حكى السُبكي في "طبقات الشافعية" (ج8، ص184) "وكان الشيخ فخر الدين ابن عساكر بينه وبين الحنابلة ما يكون غالبًا بين رعاع الحنابلة والأشاعرة، فيُذكر أنه كان لا يمر بالمكان الذي يكون فيه الحنابلة خشية أن يأثموا بالوقيعة فيه، وأنه ربما مر بالشيخ الموفق ابن قدامة فسلَّم، فلم يرد الموفق السلام. فقيل له، فقال: إنه يقول بالكلام النفسي، وأنا أرد عليه في نفسي. –يعني أنه أشعري لا ينسب لله تعالى إلا الكلام النفسي وليس الحرف والصوت كما يعتقد الحنابلة، فهو يرد عليه بالطريقة نفسها-، فإن صحَّت هذه الحكاية، فهي مع ما ثبت عندنا من ورع الشيخ موفق الدين ودينه وعلمه غريبة، فإن ذلك لا يكفيه جواب سلام، وإن كان ذلك منه لأنه يرى أن الشيخ فخر الدين لا يستحق جواب السلام"أهـ.

وكذا آذى وأخرج المجسِّمة الإمام ابن حِبَّان من سِجِستان لأنه أنكر الحدّ لله تعالى. ذكر الذهبي في "السير" (ج16، ص97) "قال أبو إسماعيل الأنصاري: سمعت يحيى بن عمّار الواعظ، وقد سألته عن ابن حبّان، فقال: نحن أخرجناه من سِجِستان، كان له علم كثير، ولم يكن له كبير دين، قدم علينا، فأنكر الحدّ لله، فأخرجناه"أهـ.

ولم يخل الأمر من مكائد لم يكشف لنا التاريخ عن مدبريها، خاصة بعد مقتل نظام الملك وضعف السلاجقة. ذكر ابن الجوزي في "المنتظم" (ج17، ص74)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (ج16، ص181) "أنه في المحرم من سنة 495هـ قُبض على إلكيا أبي الحسن علي بن محمد الهرّاسي المدرس بالنظامية، فحُمل إلى موضع أُفرد له، ووكل به جماعة، وذلك أنه رُفع عنه إلى السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي بأنه باطني، وكتب أبو الوفاء ابن عقيل –الفقيه الحنبلي المعتدل- خطة له بصحة الدين، وشهد له بالفضل، وخوطب من دار الخلافة في تخليصه فاُستنقذ"أهـ.

وتجددت الفتن في سنة 495هـ. ذكر ابن الجوزي في "المنتظم" (ج17، ص76)‏ ‏"قدم إلى بغداد أبو المؤيد عيسى بن عبد الله الغزنوي، ووعظ في الجامع، وأظهر المذهب الأشعري، ومال معه صاحب المخزن ابن الفقيه، فوقعت فتنة وجاز يومًا من مجلسه ماضيًا إلى منزله برباط أبي سعد الصوفي، فرُجم من مسجد ابن جردة، فارتفع بذلك سوقه وكثُر أصحابه، وخرج من بغداد في ربيع الآخر سنة ست وتسعين، فكانت إقامته سنة وبعض أخرى"أهـ. بينما كانت رواية ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج16، ص181) أقل من حيث التفاصيل ولكنها أكثر وضوحًا في تحديد الخصوم. قال: "وعظ الناس، وكان شافعيًا أشعريًا، فوقعت فتنة بين الحنابلة والأشاعرة ببغداد"أهـ.

ويذكر ابن الأثير في "الكامل" (ج9، ص 478) في حوادث سنة 560هـ أيضًا "في صفر، وقع بأصفهان فتنة عظيمة، بين صدر الدين عبد اللطيف بن الخجندي –وهو عالم أشعري شافعي وممن درسّوا في المدرسة النظامية ببغداد- وبين غيره من أصحاب المذاهب، بسبب التعصب للمذاهب، فدام القتال بين الطائفتين ثمانية أيام متتابعة، قُتل فيها خلق كثير، واحترق وهُدم كثير من الدور والأسواق، ثم افترقوا على أقبح صورة"أهـ. ولم يذكر ابن الجوزي خبر تلك الفتنة في "المنتظم". واكتفى ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج16، ص 414-383-672) بذكر وقوع فتنة عظيمة بين الفقهاء بأصبهان بسبب المذاهب سنة 560هـ، وأرخّ لوفاة محمد عبد اللطيف بن الخجندي سنة 552هـ، أي قبل حدوث الفتنة بثمان سنوات!! كما ذكر أن حفيده صدر الدين محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن عبد اللطيف الخُجندي رئيس الشافعية قُتل بأصبهان سنة 592هـ، قتله فلك الدين سُنقر الطويل، وكان ذلك سبب زوال مُلك أصبهان عن الديوان.

وبالرجوع إلى "طبقات الشافعية" يذكر السبكي (ج6، ص133: 135) يقول: "محمد بن عبد اللطيف صدر الدين الخجندي، من أهل أصبهان، كان رئيسها، والمقدم عند السلاطين. قدم بغداد وولي تدريس النظامية. وكان يعظ بها وبجامع القصر. خرج إلى أصبهان من بغداد، فنزل قرية بين همذان والكرج، نام في عافية وأصبح ميتًا، في الثاني ‏والعشرين من شوال سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. قال ابن الأثير: وقعت لموته فتنة عظيمة قُتل فيها خلق بأصبهان. أما محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن عبد اللطيف الخجندي فهو ولد ولد المقدم ذكره. كان يلقب بلقب جده صدر الدين. قال ابن باطيش: انتهت إليه رياسة الشافعية بأصبهان بعد موت أبيه".

وذكر ابن الأثير في "الكامل" (ج10، ص212) في حوادث سنة 587هـ أن قزل أرسلان، والذي كان قد ملك أران وأذربيجان وهمذان وأصفهان والريّ، وما بينهما، قد سار إلى أصفهان، والفتن بها متصلة من لدن توفي أخيه البهلوان إلى ذلك الوقت، فتعصب على الشافعية، وأخذ جماعة من أعيانهم فصلبهم.

وبعد، فقد كانت هذه بعض روايات تحكي ما لاقى أعلام وأئمة كبار على يد سفهاء الأمس أسلاف من ابتلينا بهم في عصرنا، والذين لا زالوا يستحلون دماء المخالفين لهم من المسلمين وغير المسلمين.

 

د. منى زيتون

 

منى زيتونمن أقدم ما يُروى عن تحرش الحنابلة بالأشاعرة، ما حدث مع الإمام الحافظ أبي نُعيم الأصبهاني المتوفي سنة 430هـ. حكى الذهبي في "سير أعلام ‏النبلاء" ‏‏(ج 17، ص459) "قال أبو طاهر السلفي: سمعت أبا ‏العلاء الفُرساني يقول: حضرت ‏مجلس أبي ‏بكر بن أبي علي الذكواني المعدل في ‏صغري مع أبي، فلما فرغ من إملائه، قال ‏إنسان: من أراد ‏أن يحضر مجلس أبي ‏نُعيم، فليقم، وكان أبو نُعيم في ذلك الوقت مهجورًا بسبب ‏المذهب، وكان ‏بين ‏الأشعرية والحنابلة تعصب زائد يؤدي إلى فتنة، وقيل وقال، وصداع طويل، ‏فقام إليه ‏أصحاب ‏الحديث بسكاكين الأقلام، وكاد الرجل يُقتل. قال الذهبي: ما هؤلاء بأصحاب ‏الحديث، بل فجرة ‏جهلة، أبعد الله شرهم"أهـ.‏

ورواية أخرى يذكرها الذهبي في "السير" (ج17، ص40-41)، يقول: "أنبأنا الثقة عن مثله، عن يحيى بن مَنْده، قال: سمعتُ عمي عبد الرحمن، سمعتُ محمد بن عُبيد الله الطبراني يقول: قمتُ يومًا في مجلس والدك رحمه الله، فقلت: أيها الشيخ، فينا جماعة ممن يدخل على هذا المشؤوم –أعني أبا نُعيم الأشعري-، فقال: أخرجوهم. فأخرجنا من المجلس فلانًا وفلانًا، ثم قال: على الداخل عليهم حرج أن يدخل مجلسنا، أو يسمع منا، أو يروي عنا، فإن فعل فليس هو منّا في حِلّ"أهـ.

وهاتان الروايتان من الذهبي تحديدًا لهما أهميتهما، لأن أبا نُعيم الأصبهاني الأشعري العقيدة على كثرة ما لقي من أذى الحنابلة، صار بعض الحنابلة المحدثين يدّعيه منهم! ويستدل ببعض اعتقاداته التي رواها الذهبي في "العلو للعليّ الغفار"، فأقول: هاهو الذهبي نفسه يثبت عقيدة أبي نُعيم، كما روى الذهبي في "السير" ما حدث للحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي من محنة بأصبهان بسبب تعصب الأشاعرة عليه لوقوعه في أبي نُعيم، بعد أن انقلب الحال لهم لا عليهم. وروى ابن الجوزي في حوادث فتنة سنة 555هـ عندما ذم بعض صبيان الحنابلة المتأولين، ولعنوا وسبُّوا أبا نُعيم بسبب تصانيفه التي يثبت فيها التأويل. فالرجل لم يكن حنبليًا، وكان يؤول الصفات، مع اعتقاده أن صفات الله قديمة ويذم المعتزلة، كما أنه كان يدافع عن المتصوفة، وهو معدود في أصحاب الأشعري، وذكره ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري". وأقول: هذه عادة الحنابلة المحدثين، يحاولون نسبة كل عظيم من أئمة المسلمين إليهم زورًا، حتى لو كانت عقيدته ثابتة في مخالفتهم، ويخلطون فهومهم ببعض ما رُوي عنه ليتوهموا موافقته لهم، بل ويفعلون هذا حتى لو كان قد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن أسلافهم قد آذوه!

وفي "المنتظم"، ذكر الإمام أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي، في ترجمة الخطيب البغدادي (ج16، ص133-134) قول لإسماعيل ابن أبي الفضل القومسي يُنكر فيه على الحُفاظ الثلاثة: الحاكم أبو عبد الله، وأبو نُعيم الأصبهاني، وأبو بكر الخطيب، تعصبهم. قال ابن الجوزي: "وقال الحق، فإن الحاكم كان متشيعًا ظاهر التشيع، والآخران كانا يتعصبان للمتكلمين والأشاعرة"أهـ. فالرجل أشعري لا خلاف في ذلك بين المتقدمين، ولا عبرة بمن قال خلاف ذلك من سلفية العصر.

وكان هذا الهجر لأبي نُعيم بعد أن كان مرتحلًا إليه، وليس في المسلمين نظيره! ذكر الحافظ الذهبي في ترجمة أبي نُعيم في "السير" (ج17، ص459) عن أحمد بن محمد بن مردويه تلميذ أبي نعيم قوله: "كان أبو نعيم في وقته مرحولاً إليه، ولم يكن في أُفق من الآفاق أسندُ ولا أحفظُ منه، كان حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده، فكان كل يوم نوبة واحد منهم يقرأ ما يريده إلى قريب الظهر، فإذا قام إلى داره، ربما كان يُقرأ عليه في الطريق جزءٌ، وكان لا يضجر، لم يكن له غداءٌ سوء التصنيف والتسميع"ـ ثم نقل الذهبي عن حمزة بن العباس العلوي، قال: "كان أصحاب الحديث يقولون: بقي أبو نُعيم أربع عشرة سنة بلا نظير، لا يوجد شرقًا ولا غربًا أعلى منه إسنادًا، ولا أحفظ منه"أهـ.

وأقول: قد كانت محنة أبي نُعيم زمن استقواء الحنابلة والكرامية، أيام خلافة القادر بالله، ولغلبة الغزنويين، وكان محمود بن سُبكتكين حنبليًا، وقيل بل مائل للكرامية. وكان السبب الرئيسي في محنة أبي نُعيم هو أحد مشائخه، وهو محمد بن إسحاق بن منده، المتوفي سنة 395هـ، وكان حنبلي العقيدة؛ وذلك بعد أن دبّ بينهما الخلاف العقدي بسبب الاعتقاد في الصفات، من حيث الموقف من تأويل الصفات، ومن المعروف أن الحنابلة يرفضون، ويصرون على الأخذ بظاهر المعنى، وكذلك كان الخلاف بينهما في القول في التلفظ بالقرآن.

والثابت أن أبا نُعيم انتهى من إملاء تلاميذه كتابه "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" من حفظه، بعد أن كان قد تعدى الثمانين، وتحديدًا أواخر سنة 422هـ، قال أبو نُعيم في ختام الكتاب (ج10، ص408): "هذا آخر ما أمليته يوم الجمعة سلخ ذي الحجة سنة اثنين وعشرين وأربعمائة"أهـ. وهذا يعني أن محنته قد طالت حتى بعد وفاة ابن منده، وربما لم تنتهي إلا سنة 420هـ عندما غضب ابن سُبكتكين على أهل أصبهان لقتلهم الوالي الذي عيّنه عليهم، بدلًا من واليهم علاء الدولة، فقتلهم ابن سُبكتكين يوم جمعة في الجامع، وكانوا يضطهدون أبا نُعيم ولا يتيحون له الخروج إلى الجامع، فنجا وهلكوا، وفُرِّج عنه بعدها. ذكر القصة ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" (ص247)، وحكاها عنه الذهبي في "السير" (ج17، ص460)، ويؤكدها ما رواه ابن الأثير في حوادث سنة 420هـ في "الكامل" (ج8، ص171).

 

د. منى زيتون

........................

المراجع

أحمد بن عبد الله أبو نُعيم الأصفهاني. تحقيق: الناشرون. (1996). حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. بيروت: دار الفكر.

عبدالرحمن بن علي بن محمد  أبو الفرج ابن الجوزي.‏ تحقيق: محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا. (1995). ‏المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية.

علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر الدمشقي. تحقيق: محمد زاهد الكوثري. (1347هـ). تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري. دمشق: مطبعة التوفيق.

علي بن محمد بن محمد الشيباني أبو الحسن ا‏بن الأثير الجزري. تحقيق: عبد الله القاضي ومحمد يوسف الدقاق. (1987). الكامل في التاريخ.  ‏بيروت: دار الكتب العلمية.‏

‏محمد بن أحمد بن عثمان شمس الدين أبو عبد الله الذهبي. تحقيق: أشرف بن عبد المقصود (1995). العلو للعليّ الغفَّار في إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها. الرياض: مكتبة أضواء السلف.

محمد بن أحمد بن عثمان شمس الدين أبو عبد الله الذهبي. تحقيق: شعيب الأرنؤوط وإبراهيم الزيبق. (1996)‏. سير أعلام النبلاء. ط 11.‏ بيروت: مؤسسة الرسالة.

 

 

منى زيتونوإن كان الأشاعرة والسلفية قد اتفقوا على قدم القرآن الذي هو كلام الله، إلا أن السلفية قد قالوا إن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت، كما ميّز الأشاعرة بين كلام الله القديم وبين أفعال العباد الحادثة، بأن يتلوه بألسنتهم ويكتبوه بأيديهم.

وكان الإمام البخاري ممن ميّز بين المدلول القديم الأزلي والدلالة المخلوقة المحدثة كعادة أهل العلم، ويعدّه الأشاعرة منهم رغم أنه توفي قبل أن يظهر الإمام الأشعري، ويؤطر عقائد السلف تحت مسمى الأشعرية. وقد ذكره السُبكي في "طبقات الشافعية"، بينما يدعيه من أسموا أنفسهم بالحنابلة، وأورده ابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة"، رغم أن محنته كانت على أيديهم! علمًا بأن الإمام أحمد بن حنبل لا دخل له بهذه العصابة التي ظهرت وانتسبت إليه بعد وفاته بأكثر من نصف قرن!

وادّعاء الحنابلة الإمام البخاري منهم ليس فيه ما يثبت، فالإمام أحمد بن حنبل كان من معاصري البخاري، ولم يكن من مشايخ البخاري بالمعنى الدقيق رغم مجالسته له في رحلاته الأولى إلى بغداد، بل ولم يُكثر البخاري في الرواية عنه في صحيحه؛ فليس ثمة حديث رواه عنه بلا واسطة إلا حديث (5105) في كتاب النكاح، باب (ما يحل من النساء وما يحرم)، كما روى عنه حديث (4473) بواسطة أحمد بن الحسن، وهو آخر حديث في كتاب المغازي بصحيحه. قال الإمام ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (ج9، ص58) تعليقًا على الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن الإمام ابن حنبل في كتاب النكاح: "قوله –أي البخاري- (وقال لنا أحمد بن حنبل) هذا فيما قيل أخذه المصنف عن الإمام أحمد في المذاكرة أو الإجازة، والذي ظهر لي بالاستقراء أنه إنما استعمل هذه الصيغة في الموقوفات، وربما استعملها فيما فيه قصور ما عن شرطه، وليس للمُصنِّف في هذا الكتاب رواية عن أحمد إلا في هذا الموضع، وأخرج عنه في آخر المغازي حديثًا بواسطة، وكأنه لم يكثر عنه، لأنه في رحلته القديمة –أي إلى بغداد- لقي كثيرًا من مشايخ أحمد، فاستغنى بهم، وفي رحلته الأخيرة، كان أحمد قد قطع التحديث، فكان لا يُحدِّث إلا نادرًا، فمن ثم أكثر البخاري عن علي بن المديني دون أحمد"أهـ.

والشافعي أيضًا لم يكن من مشايخ البخاري، لكن البخاري تفقّه على تلاميذه. ذكر السبكي في "طبقات الشافعية" (ج2، ص214-215) أن البخاري سمع من الزعفراني وأبي ثور والكرابيسي، وتفقه على الحميدي بمكة، وكلهم من أصحاب الشافعي. وإن كان "لم يرو عن الشافعي فى الصحيح. لأنه أدرك أقرانه، والشافعي مات مكتهلًا، فلا يرويه نازلًا، وروى عن الحسين وأبي ثور مسائل عن الشافعي، وذكر الشافعى فى موضعين من صحيحه فى باب فى الركاز الخمس وفى باب تفسير العرايا من البيوع"أهـ. فكان البخاري على عقيدة الأشاعرة وفقه الشافعي. وأهم ما يعنينا أنه على عقيدة الأشاعرة في الكلام، بل هو أول من صاغها، وهي سبب محنته.

وقد كان إمام نيسابور محمد بن يحيى الذُهلي هو سبب المحنة التي تعرض لها ‏الإمام البخاري بسبب تصريحه بأن اللفظ بالقرآن مخلوق في كتابه "خلق أفعال العباد". والذُهلي كان معاصرًا للإمام أحمد ومن أشد المعجبين به، ويعتبر منسوبًا إلى الحنابلة رغم أن الحنابلة لم تكن موجودة كطائفة ذات كيان واضح وقته. ذكر الذهبي –وهو حنبلي العقيدة- في "سير ‏أعلام النبلاء" (ج11، ص198) "وقال محمد بن يحيى الذهلي: جعلت أحمد إمامًا فيما بيني وبين الله"، وقال: (ج12، ص284-285) "كان الذُهلي شديد التمسك بالسُنة، قام على محمد بن ‏إسماعيل البخاري؛ لكونه أشار في (مسألة خلق أفعال العباد) إلى أن تلفظ القارئ بالقرآن مخلوق، ‏فلوّح وما صرّح. والحق أوضح. ولكن أبى البحث في ذلك أحمد بن حنبل، وأبو زُرعة، والذُهلي. ‏والتوسع في عبارات المتكلمين سدًا للذريعة فأحسنوا، أحسن الله جزاءهم. وسافر ابن إسماعيل ‏مختفيًا من نيسابور، وتألم من فعل محمد بن يحيى"أهـ.

ثم أُخرج البخاري من بُخارى بكتاب من ‏الذُهلي إلى أمير بُخارى، وجعل الناس ينقسمون حوله في كل بلد، حتى ضاقت عليه الأرض بما ‏رحبت، ورحمه الله بأن قبضه إليه. روى الذهبي (ج12، ص443) عن ابن عدي "سمعتُ عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي، يقول: جاء محمد –يعني البخاري- إلى أقربائه بخَرْتَنْك، فسمعتُه يدعو ليلة إذ فرغ من وِرده: اللهم إنه قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك. فما تمّ الشهر حتى مات"أهـ.

ولعلّ أفضل من يروي تفاصيل ما دار بين البخاري والذهلي هو الإمام البخاري نفسه، وإن كان قد رواه مغمضًا دون تصريح بالاسم، في الجزء الثاني من كتابه "خلق أفعال العباد"، والذي أضافه بعد خروجه من نيسابور بسبب الخلاف مع الذهلي. يقول البخاري (ص105- 106): "زعم بعضهم أن القرآن بألفاظنا، وألفاظنا به شيء واحد، والتلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء، فقيل له: إن التلاوة فعل التالي وعمل القارئ، فرجع وقال: ظننتهما مصدرين، فقيل له: هلّا أمسكت كما أمسك كثير من أصحابك، ولو بعثت إليّ من كتب عنك فاسترددت ما أثبت، وضربت عليه، فزعم أن كيف يمكن هذا، وقد قلت ومضى؟ فقيل له: كيف جاز لك أن تقول في الله عز وجل شيئًا لا يقوم به شرح وبيان إذا لم تميز بين التلاوة والمتلو؟ فسكت إذًا، لم يكن عنده جواب". ثم يتبع البخاري قائلًا: فإن اعتراض جاهل لا يترفع بقوله، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا قال: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، دلّ أن القراءة في الصلاة. قيل له: إنك قد أغفلت الأخبار المفسرة المستفيضة عن رسول الله. إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فأوضح أن قراءة القارئ وتلاوته غير المقروء والمتلو، وإنما المتلو فاتحة الكتاب لا اختلاف فيه بين أهل العلم. وإن لم يعلم هذا المعترض اللغة فليسأل أهل العلم من أصناف الناس، إن فقه وفهم، فما تحملنا على كثرة الإيضاح والشرح، إلا معرفتنا بعُجمة كثير من الناس، ولا قوة إلا بالله"أهـ.

ويضيف الإمام البخاري تعريضًا (ص114-115) "ويُقال لمن زعم أني لا أقول: القرآن مكتوب في المصحف، ولكن القرآن بعينه في المصحف، يلزمك أن تقول: إن من ذكر الله في القرآن من الجن والإنس والملائكة والمدائن ومكة والمدينة وغيرهما، وإبليس وفرعون وهامان وجنودهما، والجنة والنار عاينتهم بأعيانهم في المصحف، لأن فرعون مكتوب فيه، كما أن القرآن مكتوب. ويلزمك أكثر من هذا حين يقول في المصحف، وهذا أمر بيّن لأنك تضع يدك على هذه الآية وتراها بعينك ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾‏ [البقرة: 255]، فلا يشك عاقل بأن الله هو المعبود، وقوله ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾‏‏‏ هو قرآن، وكذلك جميع القرآن هو قوله، والقول صفة القائل موصوف به، فالقرآن قول الله عز وجل، والقراءة والكتابة والحفظ للقرآن هو فعل الخلق"أهـ. والإمام البخاري يعني أن القرآن القديم لو كان هو المداد المكتوب في المصحف لأمكن معاينة ما فيه، وحاشا لله أن يُدّعى ذلك، وإنما المكتوب في المصحف هو الدلالة على كلام الله القديم، وهي من فعل العباد، وأفعال العباد حادثة. ويوضح ذلك قوله (ص116) "القرآن مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء على اللسان، والقراءة والحفظ والكتابة مخلوق، وما قُرئ وحُفِظ وكُتِب ليس بمخلوق، ومن الدليل عليه أن الناس يكتبون "الله" –أي يكتبون لفظ "الله"-، ويحفظونه –يعني يحفظون اللفظ-، ويدعونه، فالدعاء والحفظ والكتابة من الناس مخلوق، ولا شك فيه، والخالق الله بصفته، ويُقال له: أترى القرآن في المصحف؟.........."أهـ.

وقد روى الواقعة بين البخاري والذهلي كثيرون، فأفاضوا وأكثروا، ورواياتهم تثبت صحة قول البخاري باللفظ، ونُقِلت عنهم في كتب التراجم، في صفحات مطولة، فذكرها السبكي في ترجمة ‏البخاري في "طبقات الشافعية" (ج2، ص212: 241).‏ وكذا الذهبي أيضًا في ترجمة البخاري في "السير" (ج12، ص453: 462)، وغيرهما. والثابت عن الإمام البخاري فيما رواه ابن حجر العسقلاني في "هدي الساري، مقدمة فتح الباري" (ص515)، من رواية الإمام مسلم أن المحنة حدثت عندما سأله رجل عن اللفظ بالقرآن، فأجاب: "أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا"، ومن رواية أحمد بن عدي قال البخاري: "القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة"ـ ومن رواية الإمام الحاكم في "تاريخ نيسابور" قال البخاري: "أفعال العباد مخلوقة". ومن رواية أبي قدامة السرخسي يقول: "ما زلت أسمع أصحابنا يقولون إن أفعال العباد مخلوقة، قال محمد بن إسماعيل –البخاري-: حركاتهم وأصواتهم وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المبين المثبت في المصاحف، الموعى في القلوب، فهو كلام الله غير مخلوق، وقال إسحق بن راهويه: أما الأوعية، فمن يشك أنها مخلوقة؟". أما الذُهلي فالرواية عنه لا تقل وضوحًا، قال: "القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن زعم لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ولا يُجالس ولا يُكلم، ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مذهبه"أهـ، فحرّض عليه، وأقام الفتنة، حتى انقطع الناس عنه إلا الإمام مسلم وأحمد بن سلمة. وفي كتاب "خلق أفعال العباد" للبخاري كانت عبارات البخاري المنقولة فيه أدق يذكر (ص47) "عن يحيى بن سعيد، يقول: ما زلت أسمع من أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة، قال أبو عبد الله –البخاري-: حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف، المسطور المكتوب، الموعى في القلوب، فهو كلام الله ليس بخلق"أهـ.

وفي "السير" (ج12، ص460) روى الذهبي روايات عن الإمام مسلم أنه ناصر الإمام البخاري عندما وقع بينه وبين الذهلي في مسألة اللفظ، وأصر على عدم الانقطاع عن البخاري، وفارق مجلس الذهلي، وأن مسلم كان يُظهر القول باللفظ ولا يكتمه، حتى أنه بعث إلى الذهلي ما كتبه عنه على ظهر جَمَّال.

وكعادة الحنابلة، يحاولون الاحتجاج برواية ضعيفة متفرِّدة بأن البخاري لم يقل "لفظي بالقرآن مخلوق"، وتلك الرواية المتفرِّدة رواها غنجار في "تاريخ بخارى"، ورواها عنه ابن حجر في "هدي الساري، مقدمة فتح الباري" في ختام حديثه عن محنة البخاري مع الذُهلي، علمًا بأن ابن حجر العسقلاني أشعري، وقوله في القرآن والتلفظ به هو عين قول البخاري، وإنما روى تلك الرواية المتفرِّدة من باب الأمانة كرواية وصلته في ختام المبحث، بعد أن روى روايات تثبت قول البخاري بأن اللفظ مخلوق. كما أن الذهبي أيضًا في "السير" (ج12، ص453: 462) وبعد أن روى تفاصيل القصة عن كثيرين، وكلها روايات تثبت صحة نسبة القول إلى الإمام البخاري بأن التلفظ بالقرآن من أفعال العباد، وأفعالنا مخلوقة، باستثناء رواية غنجار، نقل الذهبي عن غُنجار نفسه رواية أخرى (ج12، ص456)، وقد نقلها عنه غير الذهبي، تثبت أن البخاري روى نفي الاعتقاد بأن الكلام ذاته مخلوق، وليس أن التلفظ به المخلوق. "قال غُنجار: حدثنا محمد بن أحمد بن حاضر العبسي، حدثنا الفربري، سمعت البخاري يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. ومن قال مخلوق، فهو كافر"أهـ. وأقول: فإن كانت رواية غنجار المتفردة صحيحة، فلِم لمْ يُعلِن البخاري التبرؤ من القول بأن اللفظ بالقرآن مخلوق في بخارى، حتى أُخرِج من بخارى أيضًا بعدما تكلموا في مذهبه؟!

وقد شغَّب الإمام الذهبي حول المراد باللفظ بالقرآن، وأن المراد قد يكون في الأذهان (فعل العبد) وقد يكون (الملفوظ به). ورأي الذهبي في المسألة هو التوقف عن التصريح كالإمام أحمد، مع الاعتقاد أن أفعال العباد مخلوقة؛ فالذهبي يُنصف بالجزم بصحة الاعتقاد أن المتلو غير التلاوة، وأن التلاوة من أعمالنا. ذكر الذهبي في "العلو للعليّ  الغفار" (ص192) "المتلو وإن تعدد التالون به واحد، مع كونه سورًا وآيات وأجزاء متعددة، هو كلام الله ووحيه وتنزيله وإنشاؤه، ليس هو بكلامنا أصلًا نعم، وتكلمنا به وتلاوتنا له ونطقنا به من أفعالنا، وكذلك كتابتنا له وأصواتنا به من أعمالنا. قال الله عز وجل: ‏‏‏﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ [الصافات: 96]، فالقرآن المتلو مع قطع النظر عن أعمالنا كلام الله ليس بمخلوق، فإذا سمعه المؤمنون في الآخرة من رب العالمين؛ فالتلاوة إذ ذاك والمتلو ليسا بمخلوقين، ولهذا يقول الإمام أحمد: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق –يريد به القرآن- فهو جُهمي"أهـ، فهذا تفسير الذهبي لما نسبه البعض للإمام أحمد من رفض للاعتقاد بأن التلفظ مخلوق، ثم يُتبع الذهبي "فالمسألة صعبة، وما فصّلته فيها، وإن كان حقًا، فأحمد رحمه الله تعالى وعلماء السلف لم يأذنوا في التعبير عن ذلك"أهـ. ثم زاد الإمام الذهبي في تعليل موقف الإمام أحمد المُصرّ على كراهية التكلم في اللفظ وأن يُقال مخلوق أو غير مخلوق بأن قال (ص193): "فعل الإمام أحمد رضي الله عنه هذا حسمًا للمادة، وإلا فالملفوظ كلام الله، والتلفظ به فمن كسبنا"أهـ.

وأقول: لكن عبارات البخاري واضحة تمام الوضوح إنه يتحدث عن فعل العبد، ومع ذلك لم يقبل الحنابلة منه ذلك؛ لذا أقول بأن تهوكات الحنابلة في أجيال تالية ومحاولاتهم التشغيبية حول المراد بالقول أن "لفظنا بالقرآن مخلوق" لتبرئة ساحة أسلافهم الملوثة بالإساءة للعلماء من المخالفين لن تُجدي. وأزيد: فلِم صنّف البخاري "خلق أفعال العباد" إذن؟! وكل ما فيه يثبت عقيدة البخاري، التي هي عقيدة أهل السُنة الأشاعرة –وليس السلفية-، ومعتقدهم أن كل ما يفعله العبد مخلوق، ومن بينها التلفظ بالتلاوة وكتابة المصاحف. جاء في "خلق أفعال العباد" (ص53) "قال النبي صلى الله عليه وسلم: يخرج قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" يقول البخاري: "فبيّن أن قراءة القرآن هي العمل"، وذكر (ص66) "حدثنا موسى بن وهب عن داود عن الشعبي في بيع المصاحف، أنه لا يبيع كتاب الله، إنما يبيع عمل يديه"، ويروي (ص67) عن علي رضي الله عنه قال: "يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "زيِّنوا القرآن بأصواتكم"، وبعد أن يستعرض كثيرًا من الآيات الكريمة التي جاء فيها الأمر من الله بتلاوة القرآن، يقول البخاري (ص70): "فبيّن أن التلاوة من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأن الوحي من الرب، ومنه قول عائشة رضي الله عنها: ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يُتلى، فبينت رضي الله عنها أن الإنزال من الله، وأن الناس يتلونه" وقال (ص104): "القراءة هي التلاوة، والتلاوة غير المتلو"أهـ. وغير ذلك الكثير من الأخبار عن السلف مما طفح به كتاب البخاري، وقد فصّل البخاري في بيانه والاستدلال عليه. ولكن أغلب السلفية المحدثين ممن يستعصي عليهم فهم دلالة مصطلحيّ مخلوق وغير مخلوق يخلطون ولا يفهمون، فيأتي سلفي ويدعي أن البخاري لم يقل إن قراءة القرآن والتلفظ به وكتابته من أفعال العباد المخلوقة، المنفصلة عن القرآن ذاته الذي هو كلام الله القديم غير المخلوق!

وكذا ما في الكتاب من حديث عن الاستواء، ما هو إلا إثبات للآيات على لفظها، وبيان أن مذهب أهل العلم هو تفويض المعنى بلا كيف، وقد روى البخاري (ص63) عن الرسول صلى الله عليه وسلم "ما علمتم منه فقولوا، وما لا، فكِلوه إلى عالمه"، وروى عن ابن مسعود: "من علم علمًا فليقل به، ومن لا، فليقل: الله أعلم"أهـ؛ ذلك أن الجُهم بن صفوان ثبت عنه كما روى البخاري أنه قال عن آية الاستواء (ص38): "أما والله لو وجدت سبيلًا إلى حكِّها لحككتها من المصحف"، ولكن السلفية يتوهمون من الكتاب عكس ما قصد مؤلفه، وليس بجديد عليهم.

كان كتاب "خلق أفعال العباد" ردًا من الإمام البخاري على كل من المعتزلة والحنابلة، فكل طائفة منهما لم يميزوا بين المتلو والتلاوة، فالمعتزلة اعتبرت القرآن مخلوقًا كما رفضت القول بأن أفعالنا مخلوقة لله، والحنابلة اعتبروا القرآن قديمًا غير مخلوق، لكن لم يميزوا فعل العبد من أفعال العباد، فرفضوا التصريح بأن تلاوتنا وكتابتنا للقرآن محدثة!

وممن نالهم الأذى أيضًا بسبب عدم تمييز الحنابلة بين القرآن القديم وأفعال العباد المخلوقة، الإمام الحافظ أبي نُعيم الأصبهاني، ونتناول محنته في مقال آخر.

 

د. منى زيتون

.....................

المراجع

أولاً: المراجع العربية:

- القرآن الكريم

- أحمد بن علي بن محمد شهاب الدين المعروف بابن حجر العسقلاني. ‏‏ تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي. (د.ت) فتح الباري بشرح صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. القاهرة: دار الريان للتراث.

‏- عبد الوهّاب بن علي بن عبد الكافي تاج الدين السبكي. تحقيق: محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو. (1993). طبقات الشافعية الكبرى. ط2. القاهرة: دار هجر.‏

- محمد بن أبي يعلى الفرّاء. تحقيق: عبد الرحمن بن سليمان العثيمين. (1419هـ). طبقات الحنابلة. الرياض: دارة الملك عبد العزيز.

- محمد بن أحمد بن عثمان شمس الدين أبو عبد الله الذهبي. تحقيق: أشرف بن عبد المقصود (1995). العلو للعليّ الغفَّار في إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها. الرياض: مكتبة أضواء السلف.

- محمد بن أحمد بن عثمان شمس الدين أبو عبد الله الذهبي. تحقيق: شعيب الأرنؤوط وإبراهيم الزيبق. (1996)‏. سير أعلام النبلاء. ط 11.‏ بيروت: مؤسسة الرسالة.

- محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري. تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر. (1422هـ). الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم وسننه وأيَّامه المشهور بـصحيح البخاري. دار طوق النجاة (نسخة الكترونية مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)+ طبعة القاهرة: ألفا للنشر والتوزيع.

https://drive.google.com/file/d/0B28-lgXs2FQmQTMxN25nRUJmNm8/view?usp=sharing

- محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري. تحقيق: عبد الرحمن عميرة. (1398هـ). خلق أفعال العباد. ط2. جدة: دار عكاظ.

 

ميثم الجنابيفلسفة اللغة وفلسفة القومية: يمكن تحديد فلسفة الارسوزي القومية على انها نموذج خاص فيما يمكن دعوته بفلسفة ارجاع الوعي التاريخي بكافة مستوياته إلى جذر العربية، ومن ثم تحويلها إلى مصدر ومعين للرؤية المستقبلية. وبالتالي النظر إلى كل ما جرى انتاجه من متناقضات على مستوى الوعي والإنتاج بوصفها إبداعها الخاص. وينطبق هذا أيضا على ما يتعارض مع حقيقتها بوصفه خروجا على منطقها الذاتي. الامر الذي كان يحتوي في ذاته على بلورة شعار (امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة)[1].

لقد احتوى هذا النموذج من التأسيس والرؤية على ما يمكن دعوته بمفارقة الفلسفة اللغوية القومية نفسها عند الارسوزي. وهي مفارقة تتموج في فلسفة اللغة وفلسفة القومية كما بلورها هو نفسه. فقد كانت محاولته جعل اللغة أساسا للفكرة القومية بحد ذاتها خروجا على معايير الصنمية (اللاعقلانية بمختلف نماذجها ومستوياتها). إذ نعثر فيها على إدراك القيمة الفعلية للغة بموازاة تأسيس قيمتها النظرية، كما لو أنها الوحدة الجديدة لملكوت الفكرة وملك الواقع في جبروت الإرادة الحية للغة ودورها الضروري في رسم معالم الوجود والمستقبل. انطلاقا من أن اللغة بحد ذاتها منطق، رغم ما في المدخل الذي يعتبرها مصدرا لكل شيئ من امكانية تأصيل أوهام لا تحصى بما في ذلك "منطق" الانغلاق. إلا أن هذه الإشكالية وغيرها مثل السبب القائم وراء التعارض الفعلي بين اللغات واثارها، وكذلك عدم تطابق نطق اللغة مع منطق الروح الثقافي، وانه إذا كانت اللغة تستمد وجودها من الحياة وتتطابق معها، بوصفها الصفة الجوهرية للعبقرية العربية وخصالها الذاتية وتميزها الأصيل، فمن اين يظهر خلل الانحراف عن منطقها الذاتي واصولها وجذورها وما إلى ذلك. إلا أن هذه الإشكاليات ومختلف نماذج الاعتراضات المنهجية والشكوك المنطقية والنقد والتفنيد الواقعي والتاريخي بمختلف مستوياته ومعطياته لا تمتلك قيمة معنوية ومنهجية بالنسبة لفلسفة الارسوزي بهذا الصدد. وذلك لأن المتناقضات بالنسبة له هي من انتاج العقل العابر، بينما حكمة العربية تقوم في تجاوزها فكرة المتناقضات.

انه أراد القول، بأنه إذا كانت اللغة حياة، فإن منطق الروح الثقافي حكمتها. والعربية تجمع بين الاثنين من حيث الأصل والوسيلة والغاية. وما عدا ذلك مجرد عوارض الزمان والمكان. ووضع ذلك في اساس تصوراته عن الفكرة القومية بشكل عام والعربية بشكل خاص. فالقومية بالنسبة له تستند إلى الإبداع الفني والأخلاقي في تأييد وجهة نظرها. انها تنتهج منهج الفن والأخلاق، وتدرك العدل في نظام رتيب تتناسب رتبه مع مؤهلات الأفراد[2]. وعندما تطرق إلى سبب هيمنة الفكرة القومية أو وجدان الأمة مقارنة بالفكرة السياسية والاجتماعية في العالم المعاصر، فانه اجاب على ذلك قائلا، بأن "لكل مرحلة تاريخية طابعها، وطابع هذه المرحلة القومية"[3]. والسبب الأعمق والأوسع القائم وراء ذلك هو "إن الذهن اخذ يتحول عن ثنائية القرون الوسطى إلى وحدانية الرحمانية في الحضارة الحديثة"[4]. والمقصود بذلك اضمحلال التفرقة الحادة بين الله والطبيعة. ومن ثم اندماجهما المعاصر في "وحدانية أصبحت فيها الكائنات ذات بنيان رحماني مشترك" كما يقول الارسوزي.[5]. وهذه بدورها تستجيب الى حقيقة اللسان العربي وانتاجه الذاتي، ومن ثم تستجيب الى حقيقة الفكرة العربية بوصفها فكرة قومية.

فقد انطلق الارسوزي هنا من ان الفكرة القومية مبنية على ما تقدمه الحضارة الحديثة من مفاهيم ونماذج. من هنا سعيه لتأسيس الفكرة القائلة، بأن تعمق الفكرة القومية مرتبط بتحول الروابط بين الناس من مثالية إلى طبيعية. وبما أن الأمة امتداد للأسرة فقد أصبح مبدأ الأخوة أساسا في جمع شمل المواطنين. والقومية بالنسبة للارسوزي هي نظام نسبي في كل شيئا أبدع فكرة المساواة، وان كل شيء مستوحى من الطبيعة وحكمها، وان الجمهور هو مصدر السلطة، والقوانين تمثل الإرادة العامة. اما اكتشاف قوانين الطبيعة فقد جعل الإنسان حَكَما في مصيره مما حدد بدوره من جديد مفهوم المساواة والحرية[6]. لهذا نرى الارسوزي يعتبر الحرية شعار القومية.

لكن الارسوزي لا يقف عند هذا الحد. فمن الناحية الظاهرية نقف هنا أمام استعادة لفكرة الثورة الفرنسية وشعاراتها. لكنه يعطي لها بعدا جديدا من خلال ارجاعها إلى أصولها الثقافية العربية، أي جذرها الأعمق في بنية اللغة العربية. بحيث نراه يدقق لاحقا فكرة الأمة من خلال ارجاعها إلى الأم بوصفها صانعة الأخوة. فالإخاء هنا طبيعي. والقومية ارجاع العلاقة إلى أصولها وجذورها ولكن ليس بوصفها فكرة سياسية عابرة أو رؤية أيديولوجية خالصة. من هنا نقده لفرنسا والشيوعية، اي الفكرة القومية الجزئية بوصفها نتاجا لما اسماه بالنفوس الكريهة (اي الجزئية) أو الفكرة الأيديولوجية العامة بوصفها ايمانا صنميا. لهذا نراه ينتقد التجربة الفرنسية في موقفها من الحرية والسماواة والإخاء ومعارضتها الشاملة للفكرة القومية التي رفعت شعارها. بل نراه يعتبر النزعة الإقليمية (القطرية) هي نتاج للاستعمار الفرنسي ومحاولاته آنذاك من اجل تفتيت الفكرة القومية (العربية). وذلك لأن شعار فرنسا الفعلي كان انذاك تحويل البلدان العربية إلى "مجال حيوي لذوي الغلبة"[7].

والشيئ نفسه حاول تطبيقه على الموقف من الحركة الشيوعية. فالارسوزي يفرق بين ما يدعوه بكنه الأمة وبين نظام وجودها السياسي والاجتماعي. وكتب بهذا الصدد يقول، بان "الأمة جذورها في كنه الوجود، في حين أن نظام الحياة وجهة نظر تجيب بها الأمة على ظروف معينة"[8]. في حين ان الشيوعية بالنسبة له لم تكن إلا ستارا للاتجاه الشعوبي. وكتب بهذا الصدد يقول، بان "الشيوعية استمرار لتقاليد الإصلاح في أوربا. أنها مجرد إحدى المحاولات لحل المشاكل الإنسانية الناجمة من المرحلة الحاضرة". فالتجربة الشيوعية في روسيا تبرهن على صدق كبير مما فيها وأفضليتها مقارنة بما سبقها. لكن سر تأثيرها في روسيا وفاعليتها يكمن في الإيمان بها، كما يؤثر الإيمان بالحجر في أفعال الناس وسلوكهم. ومن ثم فإن الخلاف بين الفكرة القومية العربية وبين الشيوعية هو خلاف جوهري يرجع إلى اختلاف الأصول والأسلوب والغاية. فالشيوعية هي مجرد رؤية وحلول اجتماعية وسياسية، اي عابرة وجزئية رغم ادعائها للشوملية. بينما الفكرة القومية العربية لها جذورها في الطبيعة والملأ الاعلى، كما يقول الارسوزي، أي في اللأرض والسماء. وحاول البرهنة على ذلك من خلال الرجوع إلى اللغة نفسها، ومن خلالها الكشف عن نوعية التباين في الرؤية والتأسيس للفكرة والمعنى والوجوب. فكلمة المادة في العربية من مدّ، أي الامتداد والمدة. أنها في الحدس العربي "نقطة خيال أكثر مما هي حقيقة قائمة بذاتها"[9]. ذلك يعني ان المادة صورة في الامتداد. ومن ثم هي شكل. بينما تصبح المادة صيرورة في المدة، أي معنى. اما نموذجها (ككائن حي) في الصورة فيكون على توحيد الشكل بالقوام وتلون المعنى بالعمر. فإذا كانت المادية في الماركسية عادة ما يكون كل شيء فيها محدد بالزمان والمكان، فإنها في الرؤية العربية تقوم في "أن لكل شيء أصول في العناية التي لها صورة قوامها المعنى الذي تصبو إليه"[10]. وليس هذا إلا مثال واحد يكشف على نموذجه جوهر وجذر الخلاف بينهما.

إن الخلاف الجوهري بينهما يقوم في ان الشيوعية إيمان ظاهري بينما في العربية هو معنى،  أي انه تلقائي من ذاته بذاته. فالإيمان بالشيوعية مجرد ايمان خارجي لا علاقة له بالصلة الداخلية للأشياء ايا كانت. انه شأن الإيمان بالحجر، أي وثنية جديدة. اما الإيمان بالفكرة في العربية (القومية في الحالة المعنية)، فان له أصوله وجذوره الخاصة. انه ليس إيمانا، بل امتدادا للمعنى. انه تلقائي. ولا فرق في ان تطلق عليه اسم العقل او الإيمان، الله او الطبيعة فهو كل واحد من حيث الأصل، لأن العربية تحقق بذاتها وفي ذاتها وحدة الطبيعي والماوراطبيعي. وبالتالي، فإن الفكرة القومية العربية هي فكرة تلقائية من ذاتها بذاتها، لأنها تنطلق من اصل وجذر واحد له نموذجه الأرقى والأعلى في اللغة. بمعنى انها تكشف عنه وتعبر عنه احسن تعبير. ذلك يعني، ان الفكرة القومية العربية هي من طراز اخر لا علاقة له بالفكرة الفرنسية أو الشيوعية، اي الاجنبية سواء القومية منها أو الأيديولوجية. وإذا كان الارسوزي لا يفرق كثير او كبير بين مفاهيم القومية والأمة، فلأنه كان يؤسس للفكرة على مستوى الحدس وليس العقل التاريخي او حتى العقل الثقافي. 

اللغة ولغة الرسالة والامة

من الممكن العثور على ماهية الحدس الفكري والتاريخي والثقافي للفكرة القومية عند الارسوزي في فلسفته عن الأمة ورسالتها الذاتية. ومن الممكن اختصار فكرته عن القومية بعبارة واحدة: ان القومية هي عبقرية خاصة. ووجد تحقيقها في تقريرها على مثال الأتراك واليونان. فكلاهما في بقعة واحدة، لكنهما مختلفين في النتائج والآثار[11]. ومن هذه المقدمة حاول تأسيس ماهية الحدس العميق في الموقف من الفكرة القومية العربية والقومية العربية. وكتب بهذا الصدد يقول:"إن امتنا ليست حصيلة ظروف تاريخية، بل أنها معنى يبدع تجلياته ويوجهها نحو المزيد من الحرية. وذلك ما دعانا إلى الاعتقاد بان مثل ظهور الأمم على مسرح التاريخ، كمثل ظهور الأنواع (الحياتية) على مسرح الطبيعة"[12]. وذلك لان الأمة تجربة رحمانية مثلى كما يقول الارسوزي. واستند في فكرته هذه إلى ما اسماه بملائمة الحياة للطبيعة (مبدأ الحضارة المعاصرة)، ومبدأ عمق الحياة، وعمق الحياة يعادل عبارة (العدّان) وهي المدة التي يتطلبها الحوض من اجل أن يمتلئ، واخيرا تحول التجربة الرحمانية المقتبسة من قبل الآباء والأجداد إلى سجية موروثة في بنية الأبناء والأحفاد[13]. ان هذه الحلقات الاربع التي تربط صيرورة الامة، كما انها تحدد تجربتها الخاصة وعمقها الذاتي. فعمق التجربة الرحمانية، حسب رؤية الارسوزي، لا يتناسب مع العمران وحسب، إنما يتناسب أيضا مع شدة الميل إلى التجلي والانكشاف أيضا. كما ان رفعة الأمة تقاس بعمق تجارب أبنائها الرحمانية، وبمدى سبرهم أغوار الوجود، وبمدى تأثيرهم على الأمم الأخرى. وبالتالي، فان الأمة المثلى هي التي تأخذ بمبدأ العدالة، أي تلك التي يخرج منها أنبياء مصلحون، ومن ثم تقوم بتنظيم العلاقات بين الأمم على ضوء الإنسانية[14]. وليس هناك امة تمتعت بهذا الصفات اكثر او اكبر من الامة العربية.

فالأمة حقيقة قائمة بذاتها، كما يقول الارسوزي. وأنها اللغة وما أقيم على الحدس المنفي في الكلمات. وذلك لأن الشريعة والفنون والفلسفة مجرد مظاهر لحقيقة الأمة[15]. والأمة العربية تنطوي نفوس أبنائها على مصّمميها، منه يستلهمون شكل بنيان جمعيتهم فيرتقون إلى مثلهم الأعلى. لهذا لم تختلف الأمة العربية عن سواها بنشأتها السماوية وبنيانها الخالد فحسب، وإنما امتازت على الخصوص بذهنيتها المنبعثة عن تلك النشأة، وبمفاهيمها الإنسانية ذات الصلة بهذه الذهنية[16]. فقد زين العرب قبلتهم بالشِعر. أنهم عبّروا به عن البطولة التي يستمد منها القبيلة والشعر قدسيتها، ويرمزان إلى نفس الحقيقة. كمال انهم تفردوا في العالم باستكمال شروط البطولة والشعر معا. وإذا كان انتشار المدنية الحديثة من قطر إلى قطر (او من خطر إلى خطر كما يقول الارسوزي) بغية المتاجرة، فان العرب فتحوا العالم من اجل تهذيبه. وأسسوا بنيان ذلك في نظام خليفة واحد، وقانون واحد، ولسان واحد. اما الكلمات التي تزينت بها الأمم الإسلامية فتشهد على تفوق هذه الثقافة وفضلها على الناس أجمعين[17]. مما جعل من مثال الأمة العربية كمثل السديم ذاته (أصل الوجود) يتكاثف حينا ثم يتناثر بعد حين فتنجم الشموس من تكاثفه ثم تنتهي بتناثرها في الأثير[18]. الامر الذي جعل من الأمة العربية مشرقة بنورها على الإنسانية (بغض النظر عن حالتها الحالية). وبالتالي لابد أن يظهر فيها نبي أو زعيم. ذلك يعني انه لا يمكن ولا ينبغي ان نطبق على الأمة العربية معايير الآخرين من الأمم. وذلك لان إن حقيقة الأمة العربية تقوم في أنها "اختارت حقيقتها في الملأ الأعلى (الله علم ادم الأسماء)، أي أنها جهزت صورتها بمقوماتها. هذه المقومات التي تبدو مصمما تنطوي عليه كافة مظاهرها العامة والخاصة". ففيما نسجه الأجداد محقّق لما كان في قرارة نفوس الأحفاد، كما يقول الارسوزي. والأمة العربية ليست كسواها. أنها ليست شركة مساهمة أو جملة ذكريات وأماني، كما يريد لها البعض. أنها بنيان قد اشتركت في تشييده السماء والإرادة الإنسانية منسجمتين[19]. وبالتالي، فان الترابط في وجود الأمة العربية هو كينونتها الجوهرية بمعايير التاريخ ايضا. وذلك لأن "أبناء الأمة العربية، وإن ظهروا على مسرح الوجود متفرقين متفاوتين، فأنهم بمصدر انبثاقهم موحدّون، وحدة بها تنسجم أعمالهم في إنشاء مؤسساتهم، متلازمة، متتامة، رغم التباعد في المكان والتفاوت في الزمان"[20].

وليس هذا بدوره سو التعبير الظاهري عن الحقيقة القائلة، بان نظرات الأمة إلى الوجود تنبثق عن ذات الأمة، وهي تحمل طابعها. وأن كل أمة تدرك الوجود من خلال بنيته. وما يميز العرب بهذا الصدد انهم أوحوا إلى العالم فكرة الخلود. وهي فكرة مستوحاة من طبيعتهم المتصفة ذاتها بالخلود. فالأمة العربية ينبوع الشعوب السامية كافة. أنها عالم بذاتها، لم تأفل منذ ظهر الإنسان على مسرح التاريخ. أنها تطّهر بفيضها في كل مرحلة ما تراكم من آثام على الشعوب فتهديها إلى تحقيق أهدافها[21]. وبالتالي، فانه "مهما انحرف المجتمع عن أصوله، وزاغ العربي عن محور شخصيته، فالعروبة تبقى متصلة بينبوع الحياة ومستمدة منه نسغ كيانها. الأمر الذي لم يجعل من الأمة العربية "شهابا قد خطف البصر بسرعته ثم مضى كما قيل للأعاجم، بل أنها منارة يتموج شفقها تموج الحياة ذاتها"[22]. وذلك لان حقيقة الامة العربية منبثقة من حقيقة الحدس الخالد فيها. فالأمة و"أم" من مصدر مشترك هو أمَّ، أي قصد. والأم صورة حسية. والأم مصدر وإليها يهرع الأبناء، وكذلك الأمة في الحدس العربي هي مصدر الإخوة في المجتمع، كما يقول الارسوزي. لهذا نراه يحول فكرة ما اسماه بالصلة بين النفس والمرحلة التاريخية على مثال الصلة بين الجسد والبيئة الطبيعية الى صيغة معقولة بمعايير الحدس. من هنا قوله، بان صلة الناس بالمرحل التاريخية تقوم على استقطاب النزعات المتبلورة في البيئة استقطابا تتحول به الرموز إلى حدس متميزة. وبالتالي، فانه متى نجم الحدس في الوجدان بؤر كمعنى ذي مصوِّر، حينذاك يصبح مفهوما ملخصا لما تتمخض عنه نفوس الجماعة. ومن حيث هو مصوِّر يزداد به العدّان[23] نموا، بتحوله إلى نظام آخذ بالدقة. وليس هذا النظام الاخذ بالدقة في الحالة المعنية سوى فكرة العروبة.

فالعروبة، بالنسبة للارسوزي هنا، هي تجربة الحياة المثلى التي تتجلى منذ ظهور آدم إلى الآن كمنظومة معان قام عليها كيان العرب. أنها نظرة فنية أخلاقية من الكون[24]. ومن ثم فإن الحل الأمثل يقوم في سيادة فكرة العروبة. فالعروبة بالنسبة للارسوزي هي الأصالة والإفصاح عن الذات، كما أنها الرجوع إلى الذات (بما في ذلك الجاهلية)، وذلك لأن تاريخنا يرتقي إلى أصول الإنسانية، كما يقلو الارسوزي. من هنا كان وما يزال العالم العربي في قلب العالم. وبالتالي، فإن الحدث الذي يمكن أن تلتقي فيه وحوله هو "استقلال العروبة بالمصير عن كل دخيل"[25]. من هنا معارضته لما اسماه بالحركة الرجعية، أي تلك التي تمثل "الاتجاه المناقض للتيار النقدي"، أي الموجه ضد التيار الذي يمثل "منهج المرحلة التاريخية الراهنة والتجربة الرحمانية المثالية"[26]. وبالتالي، فأن المشكلة الهامة التي تعترض النهضة الحقيقية للامة العربية هي مشكلة الانسجام بين الكيان العربي "ذي النزعة المثالية وبين طابع المرحلة التاريخية الراهنة"[27]. من هنا، فإن المهمة الكبرى تقوم في تملك المصير. حينذاك يمكننا كشف عبقريتنا، كما يقول الارسوزي[28].

ولا طريق لبلوغ ذلك غير ايجاد الصلة الجوهرية بين الأمة وإرادتها، اي كل ما وجده في نموذج اللغة والكلمة والسير بمنطقها الخاص وأنساقها الذاتية الحقيقية. ووجد في المنطق والأنساق نظام الإرادة الحقيقية لبلوغ الأمة غايتها، اي تملك المصير. فعندما تتجاوب تقاليد المجتمع مع مفهوم الخير المتسامي،على سبيل المثال، فان ذاك يؤثر على قراراته، وعلى قدر تجسيد هذه القيم. حينذاك "ينعم المجتمع بمجهوده الذهني، بحيث تبدو فيه الفضيلة علما وعملا، فيضا وعادة"، كما يقول الارسوزي. اما إذا عجز المجتمع عن إخضاع القدر لمشيئته فانجرف هو بتياره، فحينذاك يؤدي إلى حجب نفوسهم عن هذه الخيرات، مثلما يحجب الغيم عن الأرض النجوم. عندئذ تسيطر النزعة المادية، مع ما يترتب عليه من ضياع افعالها مهما سعت في مساعيها. وذلك لأن النفوس الكريهة (الجزئية) مهما سعت يصبح فعلها ضائعا، كما يقول الارسوزي. من هنا استنتاجه القائل، بأنه "لا يدخل ملكوت السماوات من لا يولد ولادة جديدة"[29]. فإذا كانت الحياة قد اختارت الصوت، وهو طوع إرادتها، في إنشاء لسانها بيانا من بنيانها، ورمزا للتفاهم بين أبنائها، ووسيلة للكشف عن ماهيتها بخلق ذاتها بذاتها أبدا"، فإن إرادة الأمة تتمثل هذه الحقيقة بطريقتها[30]. فإرادة الأمة الأصيلة تتجاوز وتذلل العادة. فالعادة تقتنص الصورة الصوتية. وبالتالي فهي عرضة للانهيار. اما "التجاوب الرحماني بين أبناء الأمة، فانه يحرر الكلمة مما هو دخيل عليها، ولكنه يتفاوت بتفاوت الأصالة فيهم والذكاء". لهذا نراهم "يتخيرون الصورة الأصدق للتعبير، وإلا لأدى ذلك بهم إلى التباس الصورة بالرمز". مع ما يترتب عليه من انفصام ما هو نزوي (نزوة) وما هو إرادي. مما يؤدي بدوره الى انحجاب النفس بهذا الانفصام من قراراتها (أعماقها) ومن ثم يغلب عليها التكلف. وعلى هذه النسبة تتميز الأمة الأصيلة عن الهجينة"[31].

فما يميز الأمة الهجينة هو تناثر عناصر البيئة في الفرد، وسطو الرموز على مظاهر الحياة الاجتماعية. مما يؤدي إلى غلبة التكلف. ومن ثم اتعدام التجانس في الشخصية[32]. بل ونرى الاسوزي يتشدد بهذا الجانب بما في ذلك في محاولاته نقد الماضي او "تنقيته" من الهجنة التي أدت إلى إضعاف أصالة العرب والعروبة مع ما ترتب عليه من انحطاط لاحق وسقوط مركزيتهم الكونية. بحيث نراه يورد أيضا مقاطع مقتطعة ومجتزأة (وخارج تاريخها الملموس) لكل من ابن المقفع والفارابي وابن سينا والغزالي[33]. بحيث نراه احيانا يدفع هذه الفكرة نحو اشد مظاهرها تطرفا وغلوا، كما هو جلي على سبيل المثال في موقفه ممن اسماهم بصعاليك إيران وأوغاد تركستان، الذين وجد فيهم هجناء واغيارا دمروا سيطرة العرب والإسلام[34]. وربط هذا الدور بشخصية المأمون والمعتصم[35].

وفيما لو جرى تنحية هذه الأحكام الهجينة بمعايير الرؤية الفلسفية والعلمية والتاريخية والثقافية، فإن الشيء الاهم بالنسبة للارسوزي كان يقوم في  ابراز دور واهمية وقيمة وفاعلية فكرة الأصالة والأمة الأصيلة بالنسبة لوعي الذات وافقها في العالم المعاصر. من هنا فكرته عن ان اختلاف الأمة ذات الأصالة عن غيرها يقوم بانسجام إرادة أبنائها الصادرين عنها والحاملين ميولها مع النزوة في إنشاء المؤسسة العامة (من لسان وأخلاق ودين وفن) كمعتلى (اي كنموذج ومثال اعلى) وعليه ترتقي النفوس نحو غايتها. اما تجاوب النفوس في هذا الجو تجاوبا رحمانيا فانه يؤدي إلى أن تفيض المشاعر وتغمر الكون نشوة وسرورا فتشتد فيهم أواصر الرحم[36]. اما النتيجة الكبرى بهذا الصدد فتقوم في استقبال أبناء هذه الأمة الحوادث متفائلين. وليس عبثا أن أنجبت الأمة العربية عشرات الألوف من الأنبياء، كما يقول الارسوزي. ومن هذه النتيجة حاول بناء فلسفة البعث والرسالة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الاشارة هنا الى القصة المتداولة عن كيفية ظهور هذا الشعار.

[2] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص53-54.

[3] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص224.

[4] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص224

[5] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص224..

[6] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص227.

[7] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3 ص48.

[8] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص49.

[9] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص71.

[10] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص74.

[11] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص319-324 .

[12] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص339.

[13] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص360-361.

[14] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص362.

[15] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص367.

[16] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص225.

[17] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص229.

[18] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص221.

[19] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص221.

[20] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص57.

[21] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص221.

[22] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص284.

[23] المدة التي يتطلبها الحوض من اجل أن يمتلئ.

[24][24] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص227.

[25] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص301.

[26] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص23.

[27] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص34.

[28] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3 ص34.

[29] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص124.

[30] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص60.

[31] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص60.

[32] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص61.

[33] وحتى في حال الاتفاق مع رأيه المعارض لما في آراء ابن المقفع وغيره من مفكري تلك المرحلة من "غير العرب"، فإن ذلك ليس دليلا على حقيقة فكرة "الاغيار". وذلك لأن مقدمات ومضمون تلك الأفكار محكومة شأن كل اختلاف في الرؤية بأمور كثيرة. وقد يلعب فيها الجنس أو القومية دورا، إلا انها تبقى بدورها محكومة برؤية منهجية من حيث الجوهر. اضافة إلى أن المرحلة السابقة تتجاوز، خصوصا في ابداع مفكريها الكبار، ابعاد النفسية القومية المعاصرة.

[34] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص294. (تتسم احكام الارسوزي بهذا الصدد بخلل الفكرة وتعارضها مع معطيات التاريخ الفعلي. كما انها لا تستقيم مع التأهيل الفلسفي واثر المأمون على الخصوص بالنسبة لتعميق وتوسيع مدى الرؤية الثقافية العربية بحيث جعل منها ثقافة كونية حكمت وحددت من حيث الجوهر كل القيمة الانسانية الكبرى "الخالدة" للثقافة العربية الإسلامية.

[35] ان هذا التشدد العنيف الذي يضع الفكرة القومية العربية خارج اطارها التاريخي الفعلي، اضافة الى تعارضها مع مضمون الفكرة الثقافية للقومية العربية، لها مقدماتها فيما آل اليه العالم العربي في ظل السيطرة التركية والصراع الفارسي التركي في مجرى القرون الثلاثة الأخيرة قبل صعود الفكرة القومية العربية والاستقلال الذاتي الفعلي. وليس مصادفة على سبيل المثال ان ينظر الارسوزي الى المرحلة العثمانية نظرته الى مرحلة احتلال (شأن الانتداب الفرنسي). لهذا نراه يدعوهم بالدخلاء. وكتب في معرض نقده لسلوك الدولة العثمانية والحركات القومية التركية على انه تآمر الاغيار علينا انتقاما لدولتهم" (العثمانية). بل ونراه يستكمل ذلك بعبارة قاسية تقول "صنع أحفاد العثمانيين من بيئتنا جوا موبوءا تترسب فيه النذالة والسفالة سيلا"[35]. وبغض النظر عما في هذا التصوير النقدي السياسي والتاريخي من حقائق كبرى، إلا ان طابعه الوجداني القاسي لم يكن معزولا عن تأثير وثقل أحداث السيطرة الفرنسية واقتطاع لواء الاسكندرونة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين. إذ تظهر هنا للمرة الأولى مشاعر ومفاهيم الاختلاف الجذري للعرب عن الآخرين، بحيث نراه يجعل من العرب نقيضا لغيره (من المسلمين). وكان يقصد بذلك الأتراك آنذاك، مع انه تعارض لا يتفق مع التاريخ والحقيقة والأخلاق. إلا أن الرؤية المنهجية للارسوزي تحتوي بالضرورة على ما يمكنه ان يدفع المواقف التاريخية والقيمية صوب الغلو القومي. وذلك لأنها تنبع لحد ما من "تأليه" الفكرة القومية ورفعها إلى مصاف الحقيقة الميتافيزيقية الكبرى. بمعنى انها تنقل فكرة الواجب والرؤية المنظمة والحالمة الى مصاف الحقيقة، رغم انها لا تتعدى في الواقع اكثر من كونها رؤية فكرية سياسية محكومة بقيم الواجب اكثر مما هي محكومة بمنطق التاريخ الفعلي. من هنا أيضا تبعاتها في الواقع والتاريخ الفعلي (السياسي والثقافي العالمي). ونعثر على ذلك بوضوح فيما اسماه "بالمشكلة القومية العربية" التي وضعها ضمن سياق الرؤية التاريخية السياسية. إذ نراه يحصر أسباب مشاكل الأمة العربية أو ما اسماه الارسوزي بمشاكل الأمة الكبرى بسببين اساسين وهما كل من موقعه في العالم وما حمله العرب من أعباء في التاريخ، وثانيا، تأثير فتور الهمة والاختلاف في المواقف إزاء المصائب العامة. فموقع العرب يخيف أوربا، ويذكرها بمصدر الخطر التاريخي. أما الثاني، فيقوم في التأثير السلبي للاختلاف في الدين والمذاهب بين أبناء الأمة (بما في ذلك مشكلة الأقليات العرقية، وخمول الجمهور وضعف الشخصية). بمعنى اننا نقف احيانا أمام خلط بين مواقف ومستويات متنوعة تفقد الرؤية طابعها المنظومي الفلسفي المتجانس مع منهج الرؤية العامة للارسوزي نفسه.

[36] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص60.

 

 

ميثم الجنابيفلسفة اللغة القومية ونقد الكينونة العربية الحديثة

إن المهمة التي وضعها الارسوزي بدراسة قواعد اللسان العربي القادرة على كشف تكون العقل البشري أيضا، تهدف اساسا إلى إرساء أسس الرؤية النقدية تجاه النفس وتذليل انحرافها عن الأصول. من هنا قوله، بأن الانبعاث القومي يفترض إلى جانب الصناعة والعلم، الاهتمام "بتراث الأجداد". الأمر الذي جعله يدعو إلى البحث عن مصدر الوعي القومي المعاصر في مرحلة الجاهلية. ووضع ذلك في عبارة تقول: "بالعودة إلى جاهليتنا نلتقي مع أصول الثقافة الحديثة، الأصول التي تقوم على الاعتقاد بأن النفس تنطوي على مقوماتها. ثم انه يجنبنا مما أورثه التاريخ من حزازات بين المذاهب والأديان"[1]. بينا نراه في بحثه الموسوم (اللسان العربي) يقول، بأن المهمة المطروحة أمامنا تقوم في استجلاء آية الأمة العربية بوصفها حقيقة تاريخية، ومن ثم "إنشاء فلسفة عربية يتحول بها ما نسجته الحياة عفوا إلى مستوى من الشعور بحيث نشترك مع العناية في تعيين مصيرنا، ونشترك ونحن أحرار"[2].

ووضع هذا المقدمة الضرورية للإبداع الحر في اساس النقد الذاتي للكينونة العربية المعاصرة. وقد ادخل في فلك نقده الحاضر والماضي والرؤية والتراث وكل ما يطفو على سطح الوجود من مظاهر الانحطاط والتخلف. ووجد في كل ذلك نتاجا ملازما للابتعاد عن الأصول الكبرى القائمة في أساس العربية وتراثها الذاتي. ففي معرض تناوله اسباب تخلف العالم العربي نراه يشير الى ان سر تخلف العالم العربي والثقافة العربية بعد نهوضها التاريخي الكبير الأول يقوم فيما اسماه بدخول "الدخلاء" (العجم)!! فنراه يتكلم عن "استغفالنا الاغيار إبان نهضتنا" وكيف "أمات الدخلاء بنيان أمتنا بسموم أفرزتها قرائحهم المتردية"، بحيث "تحول تراثنا إلى ظلف يعوق الآمال عن الانطلاق" مع ما رافقه من "تردي مجتمعنا إلى مستنقع تعبث فيه الأنانية". والمقصود بالأنانية هنا هي تقلب الظروف على الفرد، وتقلص في الرحمة، وعمه في البصيرة. أما نتيجة كل ذلك فإنها أدت ألى أن "زاغت المؤسسات العامة عن حقائقها، واختل نظام القيم في مجتمعنا". مع ما ترتب عليه بالضرورة من تدن شامل. وذلك لأن الإنسان يتدنى، كما يقول الارسوزي "إذا تحول محور الحياة من البنية إلى البيئة، بحيث تتراخى صلة الرحم وتتلاشى الاحساب والأنساب ويصبح الناس عندئذ رعاعا يلبسون لكل حال لبوسها"[3]. أما مظاهر هذا الانحطاط العربي فقد أدى إلى سيادة وهيمنة "الدروشة في العمل والسفسطة في المعرفة".

من هنا نقده لكافة هذه المظاهر الخربة. ففي معرض نقده للزهد المزيف والمصطنع، نراه يشدد على أن محاربتهم للجسد هو خروج على الطبيعة والأصول. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الجسد ليس من قيمهم مع انه قاعدة النفس في الوجود وصورتها. بينما يصبح "التبرم من الحياة دليلا على صورة نفس هزيلة أدركت من خلال بنيانها المتداعي الوجود مشتتا هامدا". وقد أدى ذلك إلى أن فرض الواجبات على الناس، بحيث تحول الإبداع إلى بدعة، وأمست الديانة ترويضا على الذل والاستكانة. في حين يجعل هذا الاستسلام والخضوع الإنسان ماديا وأنانيا ورديئا"[4]. وتكثفت هذه النتيجة فيما اسماه الارسوزي بالشخصية العربية الفردية الخربة. من هنا توجهه النقدي الحاد تجاهها، عندما شدد على الظاهرة المتناقضة بين الشعور القومية على مستوى الجماعة ومستوى تجسيده الفردي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الشعور القومي العربي قوي وعارم لكن تجسيده الفردي ضعيف ورخو. ولهذا أسباب عديدة حصرها بكل من الابتعاد عن الأصول، والسيطرة الأجنبية، وسيادة الجمهور في ظل السيطرة الأجنبية، وعدم وجود نخبة أصيلة، والسرعة في التباين بين الأجيال. بعبارة اخرى، لقد فسر موقفه استنادا الى رؤية منظومية لها اولوياتها وتشابكها الداخلي. فعلى الرغم من إدراكه المباشر للدور السياسي المباشر للكولونيالية (الفرنسية) إلا انه ابقى عليها بوصفها عاملا اضافيا شأن البقية الباقية مثل هيمنة العوام وضعف أو انعدام النخبة الأصيلة والسرعة في التباين بين الأجيال. لهذا نراه يشدد على أن "الأمة التي تخضع لمشيئة غيرها تتلقى منه قواعد فكرها وعملها فيمسخ أبناؤها". مع ما يترتب عليه بالضرورة مما اسماه بفقدان قوام الانسانية (للامة) في حال خضوعها للاجنبي[5]. اما نتيجتها النهائية فتؤدي إلى هيمنة الشعور بالانبهار، أي اختلال الاوزان الداخلية وضعف المناعة وفقدان الهوية الذاتية. بحيث تتحول الأمة إلى كمية رعاع أو كومة صغار جهلة. وليس هذا بدوره سوى النتيجة الملازمة لما اسماه بالابتعاد عن خصوصية العربية (اللغة). فالأمة تبقى "بنجوة من عوارض المكان والزمان إذا كانت جذورها في الملأ الأعلى، وان تخسر النفس أو تجف الحياة فذلك لان المظاهر لم تنسجم مع أصولها" كما يقول الارسوزي[6].

ولا يعني النجاة من عوارض الزمان والمكان سوى التحرر من ثقل عوارضهما العابرة. فحالة الانحطاط السائدة انذاك في العالم العربي هي عوارض سواء بمعايير الزمان أو المكان أو بهما كليهما. وذلك لأن العلة الفعلية تكمن في "عدم الانسجام مع الأصول". والاخيرة بالنسبة للارسوزي كيان وكينونة وجوهر لا علاقة له بالزمان العابر والمكان الطائش. انها من "الملأ الاعلى"، أي من عالم ما فوق زمني وما فوق طبيعي. وليس إلا خلل انسجام الطبيعة (الزمان والمكان التاريخي والثقافي والقومي) مع أصولها القائمة ما وراء الطبيعة هو الذي يؤدي الى حصول المأساة. وإذا كان الارسوزي قد وجد نموذج هذا "الملأ الاعلى" في العربية فلأنها بالنسبة له مصدر وجود الكينونة العربية وكيانها. وما عدا ذلك صيرورة قابلة للتغير والتبدل لا تغير ولا تبدل حقيقتها الاولية بوصفها عروة ابدية خالدة. الامر الذي يجعل عن الابتعاد عنها مجرد عوارض زمانية ومكانية لا غير. وفي هذه الرؤية يمكننا العثور على ما يمكن دعوته بفلسفة البأس المتفاءل المبنية على فلسفة اللغة القومية.

إن جعل اللغة أساس الفكرة القومية كان يحتوي في اعماقه على محاولة تجاوز المبادئ الجزئية والقيميية العابرة والأهواء، أي مختلف عوارض الزمان والمكان. ومن ثم البحث عن أساس ثابت ودائم وأبدي وخالد. ووجد في اللغة الاساس الجامع والعميق الذي يربط عقل المرء ووجدانه بالماضي والحاضر والمستقبل. إضافة لذلك أنها الكيان الذي يربي ويهذب ويشذب الذهنية الثقافية ويمدها بعناصر فعلها الوجودي والرمزي. من هنا أهميتها بالنسبة للكينونة العربية بمختلف مظاهرها ومستوياتها. وذلك لانها مصدر الاصالة بوصفها جوهرا فعالا وليس كيانا جامدا. من هنا اهميتها بالنسبة لتجاوز خلل الزمان والمكان على مستوى الفرد والأمة والتاريخ. بمعنى انها تجنبه الوقوع في هوة اليأس ومأساة الواقع الفعلي. ونعثر على ذلك في استنتاجه الذي قال فيه بان "الأصالة توفر على صاحبها الجهد وتقيه من المأساة. هذه المأساة الحاصلة في نفس الفرد، من اختلال العلاقة فيها بين السماء والأرض، الملأ الأعلى والطبيعة"[7]. وهي فكرة عميقة لها مصدرها فيما اسماه الارسوزي باستكمال شروط الأصالة في اللغة العربية، بوصفها "لسان آدم" (أو الإنسان الأولي المفترض، أو إنسان الإنسانية المجردة)، أي لسان المعنى المتجلي في الوجود، الأمر الذي جعله مستكملا "لكافة شروط الأصالة"[8]. فعندما قارن بين االغة العربية واللغة الغربية(!) في بحثه الموسوم (رسالة اللغة) فإننا نراه يرسم ملامح صورة متوازية ومتضادة من حيث مكوناتها وأسلوبها وغايتها كما هو جلي في الصورة البيانية التالية:  

اللغة العربية: بنيان عضوي تستكمل به الكلمة شروط كيانها بالتعبير عن إنسانية متسامية.

اللغة غير العربية (الغربية): بنيان ميكانيكي تتحول به الكلمة من صورة إلى رمز يلتحق به المعنى عرضا واتفاقا.

اللغة العربية تحولت الذهنية العربية السامية إلى ثقافة ذات طابع رحماني.

اللغة غير العربية (الغربية): تحولت الذهنية اليونانية الأوربية إلى ثقافة ذات طابع نسبي

اللغة العربية : التلازم بين الصورة والمعنى أدى إلى تجاوب المدلولات الحسية والعقلية صوب الحقائق المنطوية في النفس الإنسانية.

اللغة غير العربية (الغربية): مهدت لفقه حدس اللانهاية – الرياضيات والخضوع للإرادة.

اللغة العربية: تخطي نسبية المظاهر مرتقيا نحو الوحدانية المطلقة.

اللغة غير العربية (الغربية): استعداد الذهن لإدراك النظام قانونا في الكون، وعدلا في المجتمع، وعقلا في النفس. 

اننا نقف هنا أمام صيغة واضحة ومتكاملة لتأسيس رؤية منطقية ثقافية أو تأويلية ثقافية للذهنية العربية بوصفها مشروعا قوميا، بمعنى اعادة بناء الذهنية القومية بما يستقيم مع اصولها اللغوية. ومن ثم الخروج على قواعد الأديان والفلسفات والأيديولوجيات غير العربية أيا كان شكلها ومحتواها ومصدرها. فالأديان الكونية هي جزء من منطق الذهنية العربية ولغتها، وما عداها مجرد فلسفات وأيديولوجيات لا يعني الانبهار بها سوى التعبير عن خلل هذه الذهنية وخروجها على انساقها الذاتية الأصيلة. وإذا كانت اللغة مصدرها ومعيارها ونموذجها، فلأنها في الوقت نفسه القوة الحيوية والفعالة والمستقيمة بذاتها. بمعنى انها تمتلك اوزانها الداخلية الأبدية كما لو انها معيار الوجود الخالد، أي الحقيقة والمعنى، أو الطبيعة والماوراطبيعة. وهي الصفة التي لازمت نشوء وتطور العربية، ومن ثم طبعت بميسمها حقيقة الكينونة العربية. وبالتالي لا يعني الرجوع الدائم اليها سوى الرجوع إلى النفس الصادقة. فاللغة خارج اطار المتناقضات والزمان والمكان، وذلك لأنها تحتوي على منطق الحقيقة الذاتية بوصفها توحيدا للطبيعة والماواطبيعة. 

عبقرية اللغة- الأبعاد الوجودية والميتافيزيقية للعربية

وبهذا يكون الارسوزي قد سعى لبلورة منظومة فكرية تستمد مقوماتها مما بلوره اللسان العربي نفسه. وحصر مبادئ هذه المنظومة في أربعة وهي: بنيان عضوي متكامل للنزعة الانسانية، وثقافة ذات طابع رحماني، وحس وعقل يخدمان حقائق النفس الإنسانية، ووحدانية مطلقة، أي كل ما وضعه اعلاه في مجرى مقارنته للغة العربية بغيرها. ووضع ذلك في اساس تفسيره كل شيء، كما هو جلي في فكرته عن ان "الفلسفة العربية مدخلها رحماني، نهجها فني، غايتها الذات. أنها نظرة مستوحاة من الحياة"[9]. وعندما تطرق، على سبيل المثال إلى قضية العلاقة الاشتقاقية في الكلمة العربية، فانه يتوصل إلى أن لهذه العلاقة نتائج هامة في "مصير الثقافة منها الكشف عن نمو الذهن بتجاوب وجهيه المحسوس والمعقول"[10]. مثل قولنا حرارة – أحرار. ففيها تتجلى علاقة الإنساني والطبيعي.

ووضع هذه الرؤية المنهجية في اساس فلسفته القومية. وانطلق بذلك مما اسماه بعبقرية اللغة، التي وجد مثالها في العلاقة بين الصوت الطبيعي والخيال المرئي. بحيث نراه يجد في تطبيقه على اللغة العربية مبدأ شاملا. وتوصل في نهاية المطاف إلى انه إذا "كانت العقيدة توحي بمبدعها الفنان، فلماذا لا يوحي الانسجام بين ظواهر اللغة بعبقرية أمة مبدعة وموجهة؟"[11]. من هنا منطلقه عما اسماه بدراسة العلاقة بين الأمة العربية ولغتها. بحيث يجري دراستها على نموذج الباليونتولوجي! وهي دراسة لها طابعها المفارق، بمعنى انها تضع مهمة دراسة اللغة بالضد من منطق الثقافة، إلا أنها تتمتع بمنطقها الذاتي عند الارسوزي. فالعربي حالما يقوم بدراسة لسانه دراسة توليدية (عضوية)، وحالما ينجز ذلك ببعثه الموجات التاريخية التي تحققت فيها هذه التجليات عبر سيطرة الأمة على القدر (الطبيعة)، حينذاك تنكشف له ماهية أمته. وعندها "يرتقي بهذا الكشف من الناسوت إلى اللاهوت"[12].

ليس لهذا السمو "الميتافيزيقي" علاقة بالدين والأديان، لكنه لا يقل إيمانا عنهما بمعايير الغلو السابح في غيوم الوهج القومي المعذب بالبحث عن عروة الخلود. ومن ثم الخروج من حالة الموت الفعلية التي كان الارسوزي يتحسسها في ما حوله من أحوال الأمة في روحها وجسدها، أو في ناسوتها ولاهوتها. وليس مصادفة ان يبحث الارسوزي في اللغة، وذلك لأنها النموذج المعقول لعالم "الملأ الاعلى"، أي الأكثر تناسقا وتجانسا وسموا وعلوا. ولا ينعزل ذلك عن أصول الأمم ومصيرها. إذ لكل أمة أصيلة وجهتها، كما يقول الارسوزي. و"وجهة الأمة العربية الحياة نفسها. فمن الحياة استوحت نظرتها، وبالحياة اقتدت في صبوتها، حتى أن نظرتها الرحمانية هذه تظهر على مؤسساتها ومفاهيمها العليا"[13]. ووضع هذه الفكرة في اساس موقفه من فكرة الخلود، بوصفها النفي النظري للواقع بمعايير الواجب والمعنى. اذ ليست فكرة الخلود عند الارسوزي هنا سوى فكرة الاستمرار الثقافي المبني على أساس إبداع اللغة وإعادة إنتاج صورها ومعانيها وخيالها.

فقد انطلق الارسوزي هنا من أن طابع الخلود، بوصفه انبثاق المظاهر عن مبدأ الحياة، يبدو على العقلية العربية بكافة مظاهرها ومستوياتها، ومن ثم كل ما ينشأ فيها وعنها. وذلك لأن اللسان العربي من الأمة بمثابة الأنسجة من الكائن الحي، فيبعث في نفس العربي بصيص تنتهي به الحياة بتحقيق غايتها في البطولة، على خلاف غيرها التي تكون الكلمة المشتقة فيها دلالية واصطلاحية، ومن ثم "يلتصق بها المعنى عرضا مثلما تلجأ الروح المتشردة إلى الجنة فتستوحش فيها"[14]. وليست هذه الفكرة المجردة التي وضعها الارسوزي في أساس الموقف من الأمة، سوى فكرة الوجوب والمستقبل المتسامي. وهذه بدورها ليست إلا طوباوبة المعنى المتسامي. من هنا إمكانية أن تصبح الفكرة المنطقية في اللغة فكرة ضد منطقية لأنها تتبع خيال مسحور، كما هو جلي حالما ينزل الارسوزي الفكرة المجردة من سماء التأمل المتسامي إلى ميدان الواقع عبر رؤية ما اسماه ببنية اللغة وأثرها في تحقيق غايتها في الوجود. وكتب بهذا الصدد يقول، إن "الأمة العربية التي اختارت بنيتها وفقا لغايتها من الوجود، قد اصطفت هذه الصورة الصوتية – المرئية مستندة على تعادل مدادها، ولتحقق بها هذه البنية، فحدّت بذلك من شطط الخيال الشخصي، كما جهزت بدن الفرد بالغرائز فعينت له تعادل حاجاته، وأنشأت كذلك كافة مؤسساتها (الأخلاق واللغة والفن) على ضوء هذه البنية تحقيقا لها بالانسجام مع تلك الغرائز"[15]. فعندما تناول، على سبيل المثال كلمة أو فكرة "آدم" فإنه انطلق من أن هذه الأسطورة، أي خلقه من تراب وجعله على صورته ونفخ فيه من روحه، هي صورة عبرت بها الأمة العربية عن نظرتها في الوجود. كما أنها تشير إلى رسالة هذه الأمة في التاريخ[16]. فآدم من أديم الأرض، أي من ديمومته، كما يقول الارسوزي. انه يقتبس من الأرض عناصر بدنه، ومنها يستمد نسغ حياته، وليس البدن إلا بُدُور النفس في الكون وجودا. ومن هذه المقدمة استنتج قائلا "ولئن اقتبست الحياة من القدر (الطبيعة) عناصر بيئتها، فقد دلت بهذا الاقتباس على نفوذها فيه، وبدء سيطرتها عليه. وبهذا تكون قد حققت بالإنسان صبوتها. فخلقت من بدنه قدرا طوع إرادتها، به تحرِّر معناها. وبهذا التحرر أصبحت على صورة الإله مبدعها"[17]. وفيما لو رمينا هذا الغلاف اللاهوتي والتفلسف الذي لا يخلو من افتعال الحذلقة اللغوية أو سطوتها التي وجدت صبوتها، فيما لو استعملنا عبارة الارسوزي نفسه، في ولعه المفرط بهذه المقارنات المغرية والخالية من أديم الأرض الواقعية، ومن ثم ارجعناه إلى معناه "الطبيعي" والواقعي، فإنه لا يعني سوى البحث عن صيغة مثلى للموقف من النفس (الفردية والاجتماعية) والذات (القومية) بوصفها نتاجا ذاتيا خاصا. الأمر الذي يعطي لها صفة الخلود بغض النظر عن واقعها الحالي البائس. وعبّر عن هذه الفكرة بأشكال ومستويات مختلفة تقف وراء كثافة اللغة الولهانة بمفرداتها. ففي موقفه من النفس الفردية يقول:"ولئن أدركت هذه الصورة نموها بالارتقاء إلى مصدر انبثاقها، فقد تحرر معناها من القدر (الطبيعة) فتمتعت حينئذ هذه النفس وبهذا التحرر، بالخلود"[18]. ودفع هذه الفكرة صوب اشواطها القومية من خلال تقريرها بعبارة تقول "كما أنها عوضت على الإنسان بخلود الأمة. لاستقلال الثقافة فيها عن المدنية، تعويضا عن تلازم المكان والزمان في وحدانية نمو مظاهر البدن ذات الصلة بالقدر"[19]. بعبارة اخرى، إن للقومية العربية من حيث أصولها قدرها الخاص في اقدار أو نسبة العلاقة بين الطبيعة والماوراطبيعة التي وجدت انعكاسها وتعبيرها النموذجي والأمثل في اللغة. فقد انتشل ذلك الفرد والجماعة من وهم الاندثار المحتمل، وذلك ببقاء الأمة بوصفها كيانا خالدا معبرا عن تجاوز أو تذليل الخلل المحتمل بين المدنية والثقافة. فإذا كانت المدنية تعبير عن تلازم الزمان والمكان في الوجود والعدم، شأن البدن الفردي وارتباطه بالطبيعة، فإن ذلك يعني إمكانية تعرضها للتغير والتبدل. على خلاف الثقافة، فإنها باقية أبدا بفضل ارتباطها العضوي باللغة (العربية) وتصنيعها للمرجعيات الكبرى في كل مظاهر الوجود الواجب للقومية. الأمر الذي اعطى لها صفة الخلود، شأن كل ما في اللغة العربية من استعداد لتجسيد هذه الحقيقة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن هذه الثقافة هي التي أوجدت اللسان أيضا تحقيقا لغايتها هذه، فانتصرت على الزمان (الكناية، العنعنات)، وعلى المكان (التجاوب الرحماني، وتأثير الكلمات السحري بالبيان)، وعدلت به مؤسساتها، ولخصت تجارب أجيالها"[20].

اننا نقف هنا أمام نموذج خاص لما يمكن دعوته بفلسفة ارجاع الوعي التاريخي بكافة مستوياته إلى جذر العربية، ومن ثم تحويلها إلى مصدر ومعين للرؤية المستقبلية. وبالتالي النظر إلى كل ما جرى انتاجه من متناقضات على مستوى الوعي والإنتاج بوصفها ابداعها الخاص. وينطبق هذا أيضا على ما يتعارض مع حقيقتها بوصفه خروجا على منطقها الذاتي. الأمر الذي كان يحتوي في ذاته على بلورة شعار (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة)[21].

 

ا. د. ميثم الجنانبي

 ......................

[1] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص297.

[2] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص266.

[3] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص279.

[4] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص279-281.

[5] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص283.

[6] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص284-285.

[7] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص123.

[8] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص219.

[9] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص.155

[10] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص51.

[11] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص55.

[12]  زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص108.

[13]  زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص158.

[14] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص92.

[15] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص108.

[16] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص57.

[17] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص57-58.

[18] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص57.

[19] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص57.

[20] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص59-60.

[21] الاشارة هنا الى القصة المتداولة عن كيفية ظهور هذا الشعار.

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (43)

المقصود بعبارة (النبؤات اليهودية) الواردة في عنوان المقال هو تلك النصوص الموجودة في ثنايا الكتاب المقدس لليهود (التناخ) والتي يستدل بها اللاهوتيون المسيحيون ويعتبرونها ادلة على تنبأ العهد القديم بشخص يسوع المسيح وكل ما يتعلق حوله من أحداث جرت عليه،وكذلك يعتبرونها براهين قاطعة على صحة الأسس التي بنيت عليها الثيالوجيا المسيحية، مثل عقيدة الفداء والخلاص، وعقيدة التثليث، وغيرها.

تعتبر موضوعة نبؤات العهد القديم حول المسيح، من أكثر المواضيع الجدلية والخلافية بين المسيحيين وبين أصحاب العهد القديم (اليهود) الذين جاءت هذه الكتب بلغتهم وضمن إطار مفردات ثقافتهم وأعرافهم وتقاليدهم الاجتماعية

لذلك،شغل هذا الموضوع حيزا كبيرا،في ساحة الجدل الفكري والعقائدي ما بين الديانة الأصل (اليهودية) وبين الطائفة التي انبثقت منها،ثم تطورت لتصبح ديانة مخالفة لها تماما،رغم أنها لازالت تستند على نصوص اليهود، لإثبات صحتها !

ففي الوقت الذي يؤكد فيه المسيحيون، ويكررون باستمرار، ان هناك مئات النبؤات في نصوص العهد القديم، قد تحدثت عن يسوع المسيح، وعن مجيئه، وصلبه، وقيامته، و افتداءه لخطايا المؤمنين به من خلال بذل دمه، وعن امور اخرى عديدة تتعلق بسيرة حياته، و توضح حقيقته الالهية وخطته التي رسمها لانقاذ البشر من تبعة وزر ذنب ابويهم !

في نفس الوقت، نجد هناك إنكارا شديدا، و نفيا قاطعا، من اليهود،على ان يكون هناك أي نبؤة في العهد القديم، تثبت ما يدعيه المسيحيون، بل على العكس، يتحدثون عن نصوص تثبت خروج المسيحيين عن طريق الإيمان القويم !

ومن الأمور اللافتة،أننا نجد المسيحيين واليهود يتفقون جميعا على ان هناك ما يسمى ب(النبؤات المسيحانية) وهي تلك النصوص التي تشير الى الاحداث والتغييرات التي سوف تطرأ على المجتمع البشري، بعد مجيئ المسيح الموعود، مثل حلول السلام في جميع اصقاع الارض، وعودة جميع اليهود من الشتات الى الأرض المقدسة، وبناء الهيكل الثالث، وغيرها من النبؤات التي تتحدث عن عالم (طوباوي) سوف تشهده البشرية وتعيش فيه بكل سلام ومحبة ووئام

ورغم اتفاق الجماعتين على تلك النبؤات المسيحانية، الا أننا نجدهم،يختلفون اختلافا كبيرا،حول ما اذا كانت تلك النبوءات قد انطبقت فعلا على شخص يسوع الناصري، (كما يعتقد المسيحيون) ام انه كان مجرد شخص ادعى المسيحية (كما يظن اليهود) او ربما نسب اليه اتباعه ذلك الادعاء، لكنه لقى حتفه قبل ان يحقق أيا من تلك النبؤات، وهذا وحده يكفي دليلا قاطعا،على انه لم يكن المسيح الموعود، والذي من المفروض ان يحكم ويملك، لا ان يصلب ويموت!

ان عملية التحقق من صحة ادعاء كل طرف من الطرفين، تحتاج الى بحث جاد وموضوعي، يستغرق فترة طويلة، يحتاج فيه الباحث الى التدقيق والمقارنة،وتتبع كل نبؤة مدعاة،ودراسة تفسيرها لدى كل طرف، مع قراءتها ضمن السياق الذي وردت فيه، وأحيانا تتطلب العملية الرجوع الى النصوص بلغاتها الاصلية التي كتبت فيها لتبيان المعنى الذي يرمي إليه النص، والغايات التي يشير إليها

وفي هذه الحالة، سيتطلب الأمر، بحثا طويلا ومفصلا، قد يحتاج إلى كتاب كامل ليستوعبه، وهذا ما اعمل عليه حاليا،

مع ذلك، ساتطرق في هذا المقال،بشكل مختصر، الى الأساليب التي انتهجها اللاهوتيون المسيحيون، في عملية بناء منظومة عقيدة النبؤات الكتابية، و سأورد شواهد عليها، بشكل سريع ومقتضب مراعاة لعدم الإطالة والتشعب

لقد اعتمد اللاهوتيون المسيحيون، ومنذ فترة التأسيس الاولى، والى اليوم،على عدة تكتيكات وأساليب، في عملية استنباط نصوص معينة، للاستدلال على صحة إيمانهم حول المسيح من نصوص العهد القديم، منها :

1- التسويق الدعائي والترويج العقائدي عن طريق التضخيم والتهويل وادعاء أكبر (عدد) ممكن للنبؤات.

فكل شخص يستمع إلى محاضرات اوعظات المكرزين، او يتصفح المواقع الدينية المسيحية، سيلاحظ ان هناك دائما ادعاء بوجود (مئات) النبؤات حول يسوع المسيح، يصل عددها الى 300 نبؤة، واحيانا اكثر بكثير !!

لكن عندما نبدأ، بتفحص تلك النبؤات وتتبعها، نجد ان المسيحيين يدرجون امورا لا يمكن تسميتها بالنبؤات، وإنما هي ذكر لمواصفات او شروط يجب ان تتحقق في الشخص، من اجل ان يكون مستحقا لوصف المسيح، وهذه الشروط قد تنطبق على الكثير من الناس، ولا يعني ذلك أنهم تلقائيا اصبحوا مسحاء !

ومن هذه الامور التي يدرجها المسيحيون، لغرض التهويل الدعائي، مثلا ان المسيح من نسل إبراهيم (هذه نبؤة) وانه من نسل اسحق(اثنين) وأنه من نسل يعقوب(ثلاثة) وانه من ابناء داوود صارت (اربع نبؤات) ….وانه من بني إسرائيل (خمسة!!)... وهكذا يتم ايهام المتلقي، بوجود عدد كبير من النبؤات، في حين ان كل هذه الأمور هي مجرد أمر واحد،من ضمن مواصفات لشخص المسيح، لكنها لا تنحصر به!

يقابل علماء اليهود،هذا الأسلوب الدعائي الترويجي المسيحي، بالسخرية والاستهزاء، ويشبهونه، بترويج بعض الشركات لسلعهم التجارية، كسلعة السائل المنظف - على سبيل المثال - الذي له أكثر من 10 استعمالات!!

لكن عندما تقرأ تلك الاستعمالات،تجدهم يقولون لك، انه يفيد في تنظيف المكتب، وفي تنظيف الزجاج، وينظف المطبخ..الخ

ويستمرون بتعداد مجالات تنظيف ذلك السائل….لكن في الحقيقة...هذا السائل هو مجرد سائل للتنظيف !!!

2- اختلاق نبؤات لا وجود لها في نصوص اليهود !!

وهذا الأسلوب يعتبر تكتيكا خطيرا ومثيرا للعجب والاستغراب، نظرا لجرأته وعدم الاكتراث بالمصداقية والنزاهة، وهذا الاسلوب نجده متبعا عند الآباء المؤسسين من الذين كتبوا نصوص العهد الجديد، والتي صارت لاحقا نصوص مقدسة!

ومن الامثلة على هذا الاسلوب…. ما نسبه كاتب انجيل (متى) الى سفر (ارميا) من نبؤة في الإصحاح 27 من إنجيله

(حِينَئِذٍ تَمَّ مَاقِيلَ بِإِرْمِيَا النَّبِيِّ الْقَائِلِ:وَأَخَذُوا الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ،ثَمَنَ الْمُثَمَّنِ الَّذِي ثَمَّنُوهُ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ)

وعند العودة الى سفر (ارميا) ...لايجد القارئ اي اثر او ذكر لهذه النبؤة، وإنما هي من اختلاق كاتب انجيل (متى) والذي كرر ايضا نفس الأسلوب، عندما ادعى وجود نبؤة تقول ان المسيح سوف يدعى (ناصريا) ...ولا توجد اصلا هكذا نبؤة !!

3- التلاعب بالترجمة، من أجل تحريف المعنى !

وهذا التكتيك، يعتبر ايضا اسلوبا ماكرا من اجل تمرير عقائد معينة من خلال التلاعب بمعاني الكلمات ودلالتها، عند ترجمة النصوص من لغتها الاصلية، بل إننا نجد علماء اليهود والمتخصصين منهم في دراسات الكتاب المقدس، يعتبرون هذا الأسلوب، ليس فقط، اسلوب تضليل وخداع، وانما هو في حقيقته (جريمة) ارتكبها المسيحيون الاوائل بحق النصوص اليهودية، وخيانة علمية، تعكس انتهازية إيمانية و مشكلة أخلاقية، لدى أولئك الأشخاص الذين مارسوا هذا العمل!

ومن الامثلة العديدة على هذا الاسلوب، الترجمة المسيحية، لخاتمة المزمور الثاني، حيث يترجمها المسيحيون كالاتي

(قَبِّلُوا الابْنَ لِئَلاَّ يَغْضَبَ فَتَبِيدُوا مِنَ الطَّرِيقِ)

والغرض من هذه الترجمة واضح، وهو الاشارة الى (الابن) والذي يتحقق في شخص يسوع حسب الفهم المسيحي

لكن بالرجوع الى النص اليهودي الاصلي، نجد النص يقول

(اعْبُدُوا الرَّبَّ بِخَوْفٍ،وَاهْتِفُوا بِرَعْدَةٍ.تسلحوا بالنقاء،لِئَلاَّ يَغْضَبَ فَتَبِيدُوا مِنَ الطَّرِيقِ.لأَنَّهُ عَنْ قَلِيل يَتَّقِدُ غَضَبُهُ)

وهنا نجد المترجمين الاوائل، قاموا بلعبة ماكرة، من خلال ترجمة عبارة (نشكو بار) العبرية والتي تعني (تسلحوا بالنقاء)

الى عبارة (قبلوا الابن) وترجموا كلمة (بار) بمعناها الارامي وليس بالمعنى العبري، الذي كتبت به نصوص المزمور!!

ومن الامثلة الاخرى على هذا الأسلوب الماكر، ترجمة عبارة (ثقبوا يدي ورجلي) في المزمور 22 العدد 16

في حين ان العبارة الصحيحة في النص اليهودي الأصلي هي (كها اري يداي با رجلاي) والتي تعني (كالأسد يداي ورجلاي)

وسبب تحريفهم للترجمة معلوم، وهو الإيهام بأن هذه العبارة هي نبؤة قديمة عما سيحدث ليسوع عند صلبه !

ومن الامثلة الشهيرة الاخرى على هذا الاسلوب، ايضا، تلك الترجمة المحرفة لكلمة (العذراء) في نبؤة سفر (اشعيا)

(ها العذراء تحبل وتلد ابنا)، فقد استبدل المسيحيون الاوائل كلمة (صبية/ ارما) الواردة في النص اليهودي الأصلي بكلمة

(العذراء / بتولا) من اجل اعطاء قناعة خادعة بأن النص يتحدث عن نبؤة مستقبلية تخص شخص يسوع الناصري، في حين ان الأصحاح كله، يتحدث عن حادثة تاريخية وليس عن نبؤة مستقبلية !!

4- التلاعب بكلمات النص الأصلي من أجل تحريف المعنى للنص:

وهذا الأسلوب امتاز به شاول الطرسوسي (الرسول بولس) واستخدامه مرات عديدة، لغرض تمرير الأفكار التي كان يريد للآخرين ان يؤمنوا بانها عقائد تحدثت عنها نصوص العهد القديم، ...ومن الامثلة على ذلك

قول بولس في رسالته الى رومية 11/26

(وَهكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:سَيَخْرُجُ مِنْ صِهْيَوْنَ الْمُنْقِذُ وَيَرُدُّ الْفُجُورَ عَنْ يَعْقُوبَ)

وبالعودة الى النص الذي يشير اليه بولس، وهو العدد 20 من الاصحاح 59 من سفر إشعياء،نجد النص يقول:

(وَيَأْتِي الْفَادِي إِلَى صِهْيَوْنَ وَإِلَى التَّائِبِينَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فِي يَعْقُوبَ، يَقُولُ الرَّبُّ)

وبمقارنة ما نسبه بولس، وما هو مكتوب في النص الأصلي، نكتشف الخدعة الماكرة، التي مررها بولس بدهاء، حيث جعل خروج المسيح سببا لرفع الفجور والذنوب عن اليهود، بينما النص الأصلي يقول العكس تماما، وهو ان توبة اليهود عن الذنوب والمعاصي، ستكون سببا لخروج المسيح المنقذ، وان الفادي سيأتي الى اناس قد سارعوا بالتوبة اصلا !!

ونفس الاسلوب،نجده في الرسالة الى العبرانيين في الاصحاح العاشر،حيث يحاول الكاتب ان يشير الى ان المسيح قدم جسده ذبيحة للتكفير عن الخطايا،حسب ما هو مدروج بالكتب (اي العهد القديم) وهو بذلك يشير الى ما ورد في المزمور الاربعين، العدد السابع، ...لكن بالعودة الى نص ذلك المزمور، نجده يتحدث عن شخص يقول عن نفسه :

(لأن شرورا لا تحصى قد اكتنفتني. حاقت بي آثامي، ولا أستطيع أن أبصر) مزمور 40\7

وهذا الوصف، لا ينطبق على يسوع المسيحي، حسب الإيمان المسيحي،الذي يعتبره منزها عن العيب والذنب

ومن الأمثلة الشهيرة على هذا الأسلوب، ما ورد في نبؤة أشعياء 53 والتي نقلها المسيحيون كالاتي

(وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لاجل اثامنا)

بينما يجد الباحث في النص اليهودي الأصل ان العبارة قد تم التلاعب بها، فالنص يقول

(وهو مجروح بسبب معاصينا، مسحوق بسبب آثامنا) راجع سفر اشعيا بالنص العبري او الترجمة منه

وبتغيير كلمات هذه العبارة،قام المسيحيون الاوائل بقلب المعنى تماما، لكي يوظفوه في تمرير معتقدهم الجديد القائم على فكرة الفداء والخلاص من خلال تضحية الرب بنفسه، عن طريق عملية الصلب !

5- اسلوب الاقتطاع من السياق والخروج بمعنى لا يتطرق له النص الأصلي.

وهذا الأسلوب شهير ومتكرر، ولا يزال المسيحيون الى اليوم يستخدمونه كثيرا، لتمرير اي فكرة يريدون تأصيله او التاكيد على شرعيتها، حيث نجدهم،يهرعون الى نصوص العهد القديم، ثم يمارسون عملية القفز بالباراشوت على النص !!

واقتطاع عبارة او جملة منه، لكي يوردونها كدليل على ان تلك الفكرة قد تحدثت عنها نصوص التوراة او غيرها

ومن الامثلة على هذا الاسلوب، ما نجده في إنجيل (متى) ...فبعد ان سرد لنا كاتب الانجيل قصة خيالية لا أصل لها

وهي قصة أمر الملك هيرودس بقتل أطفال مدينة (بيت لحم) من عمر السنتين فما دون، نجد كاتب الانجيل يشير الى ان الحادثة (التي اختلقها) هي تحقق لنبؤة تكلم عنها سفر(ارميا)

(حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ بِإِرْمِيَا النَّبِيِّ الْقَائِلِ:صَوْتٌ سُمِعَ فِي الرَّامَةِ، نَوْحٌ وَبُكَاءٌ وَعَوِيلٌ كَثِيرٌ. رَاحِيلُ تَبْكِي عَلَى أَوْلاَدِهَا وَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَتَعَزَّى، لأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ)

وحين نذهب لنقرأ سفر (ارميا) سنجد ان تلك النبؤة الواردة في الإصحاح 31، تتحدث عن بكاء (راحيل) على ابنائها الذين تم أخذهم أسرى، وان الرب يطمأنها بأنهم سيرجعون لها،ويطلب منها ان تكف عن البكاء

وهذه النبؤة ترمز الى سبي اليهود، ولا علاقة لها بالقصة التي اختلقها كتبة انجيل (متى) ولا باطفال بيت لحم!

ومن الامثلة الاخرى على هذا الأسلوب في اختلاق النبؤات، ما ينسبه بعض المسيحيين الى سفر زكريا 13/6 على أنها نبؤة تتحدث عن المسيح وعن الجروح التي في يديه

(فَيَقُولُ لَهُ: مَا هذِهِ الْجُرُوحُ فِي يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هِيَ الَّتِي جُرِحْتُ بِهَا فِي بَيْتِ أَحِبَّائِي)

بينما نجد ان النص في سفر زكريا،لا علاقة له بالمسيح، وانما يتحدث عن لسان نبي كاذب !... راجع زكريا 13

6- استخدام أسلوب مغالطة (المنطق الدائري)

وهذا الاسلوب من اشهر الاساليب التي يستخدمها المسيحيون وأكثرها استخداما !!..حيث يقومون فيه بتقديم العربة على الحصان !!!...لغرض الاستدلال بما يحاولون استنتاجه !!...وهو بطبيعة الحال، ما يؤمنون به سلفا !!

فتراهم،والحال هذه، يهرعون الى نصوص (التناخ) بعد ان يضعوا على أعينهم نظارة او عدسات (يسوع المسيح) بحسب إيمانهم به و بلاهوته وفدائه ...ثم يحاولون ايجاد اي نص قد يشير او يفهم منه ما يفيدهم بإثبات صحة معتقدهم

لذلك نجدهم يبحثون عن ما يثبت مسيحانية يسوع او لاهوته او حمله لكفارة الذنوب ...لانهم ابتداءا يعتقدون بذلك، وليس بسبب ان نصوص العهد القديم تشير الى ذلك !!

والامثلة على هذا الاسلوب عديدة ولا يمكن حصرها بمقال واحد، ومن أشهرها ما ورد في سفر (اشعيا) 53

والذي يتكلم عن (عبد بار) يتعرض للظلم والاذى فيصبر ويقاد للموت ولا يفتح فمه،وسيكون له و (لنسله)ملك تطول ايامه

وهنا نجد اللاهوتيين المسيحيين يؤكدون على ان هذه نبؤة تنطبق تماما على يسوع المسيح، لانهم - حسب ايمانهم- يعتبرون يسوع هو الذبيحة التي كان دمها كفارة لذنوب البشر !

في حين ان فقرات النبؤة لا تنطبق جميعها على يسوع الذي لم يكن فمه مغلقا حين تم صلبه، والذي لم يكن له ملك دنيوي ولا يتوقع أحد ان يكون له (نسل) سوف تطول مدة ملكهم !!

المسيحي هنا، يستخدم مغالطة (المنطق الدائري) للاستدلال بما يريد ان يستنتجه، فنجده يعتبر (يسوع الرب) هو(العبد) الذي يتحدث عنه النص!!..بينما يعرف كل من يقرأ سفر(اشعيا) ان توصيف (العبد) المتكرر كثيرا،هو اشارة الى (اسرائيل)

ومن الامثلة الاخرى على هذا الأسلوب، العبارة التي أوردها كاتب الرسالة الى العبرانيين (بدون سفك دم لا تحصل مغفرة)

وهو بذلك يريد الاشارة الى سفر اللاويين الاصحاح 17 ….بينما قراءة ذلك السفر بتمعن،تجعلنا نعرف بكل سهولة ويسر، ان الحديث هناك،عن تنظيم طريقة تقديم اليهود للذبائح،ولا علاقة للسفر بقصة المسيح اساسا !!

ونفس الأمر ينطبق على اعتبار المسيحيين ان الإصحاح 11 من سفر (إشعياء) هو نبؤة عن يسوع المسيح، لان النص يشير الى حلول روح الرب على ذلك الشخص

بينما نجد،عند قراءة ذلك السفر، انه يتحدث عن شخص تحل عليه ايضا (مخافة الرب) بل ستكون لذته في مخافة الرب!

فهل يا ترى ان (الرب يسوع) يتصف بأنه يخاف من (الرب) رغم انه -حسب الفهم المسيحي- هو الرب نفسه ؟!!

في مورد ردهم و دحضهم لهذا الأسلوب، يضرب اليهود مثلا فيه نوع من الفكاهة على تهافت وزيف وسطحية اتباع مغالطة المنطق الدائري التي ينتهجها المسيحيون في الاستدلال على صحة عقيدتهم من خلال نصوص كتابية يهودية

وهذا المثل الذي يضربه اليهود هو عبارة عن حكاية ذلك الرامي الماهر جدا، الذين وجد الناس ان كل رمياته على الاهداف المرسومة على شجر المدينة، قد أصابت منتصف الهدف تماما، من دون ان تخطأ رمية واحدة،ولا ان تحيد عن قلب الهدف!

وبعد المتابعة والتحقق والمراقبة.. اكتشف الناس الخدعة !!!... فهذا الرامي العبقري...يقوم اولا برمي السهم على جذع الشجرة، واينما يقع السهم...يذهب الرامي، ويقوم برسم دوائر الهدف حول السهم، ليظهر السهم وهو في قلب الهدف !!!

وهذا بالضبط هو الحال مع المسيحيين، فبعد ان قام المسيحيون الاوائل باعادة تعريف مفهوم المسيحانية، نتيجة للصدمة الحاصلة أثر النهاية السريعة ليسوع الناصري قبل تحقيق أي نتيجة متوقعة من مجيئ المسيح الموعود

اخذ المؤسسون الاوائل بالتعامل مع مفهوم (المسيح) على أنه (عنوان) خاص بيسوع الناصري،يبحثون عن مصداقيته وشرعيته وأصالته في نصوص اليهود، بينما يعتبر اليهود هذا المفهوم هو (صفة) لاشخاص عديدين ظهر منهم ملوك وأنبياء وكهنة، ولا زالوا الى اليوم ينتظرون ملكهم (الماشيح) الذي سوف يكون على يديه سلام الأمم وعزة اليهود، وبناء الهيكل الثالث، وإحياء العمل بشريعة التوراة.

 

د. جعفر الحكيم

 

محمود محمد علينعود للجزء الثالث من مقالنا عن مدي عناية نحاة الأندلس بالثقافة المنطقية فنقول: "وليس أدل علي صدق هذا القول مما ذهب إليه الجويني في كتابه "البرهان" من نقد للمذهب الظاهري، حيث يقول عن رفض الظاهريين للقياس الفقهي، وقد استجرا علي جحد هذه الأقيسة أقوام يعرفون بأصحاب الظاهر، ثم أنهم تحزبوا أحزاباً، وتفرقوا فرقاً: فعلا بعضهم وتناهي في الانحصار علي الألفاظ، وانتهي الكلام إلي أن قال: فمن بال في إناء وصبه في ماء، لم يدخل تحت نهي الرسول عليه السلام، إذ قال "لا يبلون أحدكم في الماء الداكن، وهذا عند ذوي التحقيق جحد الضرورات ويستحق منتحله المناظرة، كالعناد في بدائة العقول .

ومما يحكي في هذا الباب جري لابن سريج مع أبي بكر ابن داود، قال له ابن سريج: أنت تلتزم الظاهر، وقد قال الله تعالي:" فمن يعمل مثال ذروة خير يره"، فما تقول فيمن يعمل مثقال ذرتين، فقال مجيباً: الذرتان ذرة وذرة . فقال ابن سريج، فلو عمل مثقال ذرة ونصف، فتبلد، وظهر خزيه، وبالجملة لا ينكر هذا إلا أخرق ومعاندته .

العامل الثاني: ويتمثل في جرأة ابن حزم وقسوته علي معارضيه من الأشاعرة، لقد كان ابن حزم صارما في جدله، مفحما في حجته، لا يأخذ خصومه الأشاعرة في هوادة، ولا يخاطبهم في لين، وليس أدل علي ذلك من نقده لمسألة السببية، حيث يقول:" ذهبت الأشعرية إلي إنكار الطبائع جملة، وقالوا ليس في النار حر ولا في الثلج برد ولا في العالم طبيعة أصلاً، وقالو إنما حدث حر النار جملة وبرد الثلج عند الملامسة، وقالوا ولا في الخمر طبيع إسكار . قال ابن حزم ما نعلم لهم حجة شغبوا بها في هذا الهوس أصلاً . وهذا المذهب الفاسد حداهم علي أن يسموا ما تأتي به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الآيات المعجزات خرق العادة . لأنهم جعلوا امتناع شق القمر وشق البحر وامتناع إحياء الموتى، إنما هي عادات فقط، قال ابن حزم معاذ الله من هذا، ولو كان ذلك عادته لما كان فيها إعجازا أصلا .

ثم يضيف:" وكل هذه الطبائع والعادات مخلوقة خلقها الله عز وجل، فرتب الطبيعة علي أنها لا تستحيل أبداً، ولا يمكن تبديلها عند كل ذي عقل، لأ، من الصفات المحمولة في الموصوف ما هو ذاتي له لا يتوهم زواله إلا بفساد حامله وسقوط الاسم عنه كصفات الخمر، التي إن زالت عنها صار خلا وبطل اسم الخمر عنها . وهذا كل شئ له صفة ذاتية فهذه هي الطبيعة .

العامل الثالث: ويتمثل في أن كتاب " التقريب لحد المنطق " لأبن حزم، قد نظر إليه معظم الباحثين والمؤرخين من زاوية ما إذا كان محتوي الكتاب يفيد أن ابن حزم مع أو ضد المنطق اليوناني، وذلك دون اهتمام بنوعية القراءة التي قام بها مؤلفه لمنطق أرسطو، والتي هي قراءة تعكس عنف المواجهة والاصطدام بين فكر ابن حزم الفقيه وفكر أرسطو الفيلسوف .

ومما يدل علي ذلك ما ذكره صاعد الأندلسي (ت: 462هـ)، حيث قال: ... وممن اعتني بصناعة المنطق، خاصة من سائر الفلسفة أو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، فعني بعلم المنطق، وألف فيه كتاباً سماه " التقريب لحد المنطق "، بسط فيه القول علي تبيين طرق المعارف، واستعمل فيه أمثلة فقهية، وجوامع شرعية، وخالف أرسطوطاليس واضع هذا العلم في بعض أصوله من لم يفهم غرضه، ولا أرتاض في كتابه، فكتابه من أجل هذا كثير الغلط، بين السقط، وأوغل بعد هذا في الاستكثار من علوم الشريعة، حتي نال منها ما لم ينله أحد قط بالأندلس قبله .

العامل الرابع: ويتمثل في أن الفترة التي عاش فيها ابن حزم، كانت فترة لا يزال ينظر فيها إلي مؤلفاته بعين السخط والاستهجان والإغفال والترك، زيادة في الحرق والتمزيق، وفي هذا يقول ياقوت الحموي ( ت: 626هـ) نقلاً عن أبي مروان ابن حيان:" كان ابن حزم حامل فنون وفقه وجدل ونسب ما يتعلق بأذيال الأدب مع المشاركة في كثير من أنواع التعاليم القديمة .. ولا سيما المنطق فإنهم زعموا أنه زل هنالك، وضل في شكوك المسالك  وخالف أرسطو طاليس واضعه مخالفه من لم يفهم غرضه ولا أرتاض، ومال أولاً النظر به في الفقه إلي رأي الإمام الشافعي رحمه الله وناضل عن مذهبه، وانحرف عن مذهب سواه حتي وسم به ونسب إليه فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء وعيب بالشذوذ . ثم عدل في الأخر إلي قول أصحاب الظاهر مذهب "داود بن علي"، ومن اتبعه من فقهاء الأمصار، وكان يحمل عمله هذا ويجادل من خالفه فيه علي استرسال في طباعه، وبذل بأسراره .فلم يك يلطف صدعه (أي قوله وجهره)، بما عنده بتعريض، ولا يرقه يتدريج، هبل يصك به معارضه صك الجندل (أي الحجر) وينشقه متلقعه (المتلقع: الذي يرمي الكلام رمياً) إنشقاق الخردل، فنفر عنه القلوب، وتوقع به الندوب، حتي استهدف إلي فقهاء وقته فمالوا علي بغضه ورد أقواله، فأجمعوا علي تضليله، وشنعوا عليه وحذروا سلاطينهم من فتنه، ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ عنه، والعمل علي حرق كتبه، فأحرق بعضها باشبيلية ومزقت لانية.

من هذا النص يتضح لنا كيف قوبل الفكر الحزمي بعين الشخط والاستهجان والإغفال، زيادة علي الحرق والتمزيق، مما يفوت علي الباحثين والمفكرين المنصفين فرصة الحصول علي نسخ من مؤلفاته . ومن ثم لم تحظ كتب ابن حزم المنطقية والفقهية واللغوية بالأهمية التي كان ينبغي أن تحظي بها . ولذلك نلاحظ أن ابن خلدون لا يذكر كتاب " التقريب لحد المنطق " في الفصل الذي خصصه في " المقدمة"، وبالذات في الفصل الذي عقده عن " علم المنطق" . كما لا يذكر كتاب "الإحكام في أصول الأحكام " في الفصل الذي خصصه في " المقدمة " لعلم أصول الفقه وأركانه هي الكتب الأربعة التي ألفها كل من " الجويني" و" الغزالي" و" القاضي عبد الجبار" و" أبي الحسين البصري "، وهي علي التوالي " البرهان"، " المستصفي"، " العٌمد"، " المعتمد" في أصول الفقه .

العامل الخامس: إن بعض الفقهاء المتعاطفين مع ابن حزم والذين ينظرون إليه بعيون سلفية، من أمثال ابن تيمية، ينكرون عليه أنه صاحب فكرة مزج الفقه بالمنطق وينسبون الفضل في ذلك للأشاعرة وبخاصة الغزالي . يقول ابن تيمية:" لم يكن أحد من نظار السلمين يلتفت إلي طريق المنطقيين، بل الأشعرية والمعتزلة والكرامية والشيعة وسائر الطوائف، كانوا يعيبونها ويثبتون فسادها، وأول من خلط المنطق بأصول المسلمين (يعني علم أصول الفقه) أبو حامد الغزالي، فتكلم فيها علماء المسلمين مما يطول ذكره.

تلك هي أهم العوامل التي أدت إلي عدم اعتبار الباحثين والمؤرخين ابن حزم صاحب مشروع مزج الفقه بالمنطق، مع العلم بأنه الأصولي الحقيقي السابق إلي مزج الفقه بالمنطق في الفكر الإسلامي، وليس الغزالي كما يزعم البعض.

وأياً ما كان الأمر بخصوص النزاع حول الأولوية بين " ابن حزم" و" الغزالي"، في مزج الفقه بالمنطق، ومع تأكيدنا علي رد هذه الأولوية إلي " ابن حزم"، فإن ذلك لا يحول بيننا وبين القول بأن الجهد الذي قام به " ابن حزم" في سبيل مزج المنطق بالفقه، بقطع النظر عن قيمته الموضوعية، وبقطع النظر عن مدي تناسق دعوته هذه مع موقفه العام من الفلسفة اليونانية الذي رفض فيها إلهياتها، وقبل منها المنطق، بقطع النظر عن ذلك كله،  فلم يكتب له النجاح بسبب موقف الكثيرين من معاصري ابن حزم الذين وقفوا من المنطق الأرسطي موقفاً عدائياً، سواء أكان ذلك لظنهم بأن كتب أرسطو محتوية علي الكفر وناصرة للإلحاد أم لاعتقادهم بأنها هذر من العقول (والناس أعداء ما جهلوا)، أم لعجزهم عن فهمها والإحاطة بمعانيها، الأمر الذي أدي في النهاية إلي التقليل من قيمة الجهد العلمي الذي قام ابن حزم، حينما حاول تقريب المنطق إلي أذهان العامة من الناس، ولذلك وجدنا الكثير من المؤرخين ينتقدون مشروع ابن حزم في التقريب، ولينظر القارئ ما ذكره " الحميدي" في جذوة النفس علي سبيل المثال وهو يقول عن كتاب: التقريب " لابن حزم بأنه:" ... سلك في بيانه، وإزالة سوء الظن عنه، وتكذيب الممخرقين به، طريقة لم يسلكها أحد قبله فيما علمنا"، وكذلك ما قاله عن هذا الكتاب أيضاً صاعد الأندلسي في معرض حديثه عن ابن حزم، إذ قال:" فعني بعلم المنطق، وألف فيه كتاباً سماه التقريب لحدود المنطق، بسط فيه القول علي تبيين طرق المعارف، واستعمل فيه أمثلة فقهية، وجوامع شرعية، وخالف أرسطوطاليس، واضع هذا العلم، في بعض أصوله، مخالفة من لم يفهم غرضه، ولا ارتاض في كتبه، فكتابه من أجل هذا كثير الغلط، بين السقط ".

ونفس النقد وجهه النحوي المعروف بأبي حيان ألأندلسي (654- 745هـ) معاصر " ابن حزم"، وإن لم يشر إلي كتاب التقريب، إلا أننا نراه يتحدث عن خروج ابن حزم علي قواعد المنطق الأرسطي فيقول:" كان أبو محمد حامل فنون: من حديث وفقه وجدل ونسب وما يتعلق بأذيال الأدب، مع المشاركة في كثير من أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة، وله في بعض تلك الفنون كتب كثيرة، غير أنه لم يخلو فيها من الغلط والسقط، لجرأته في التسور علي الفنون، لا سيما المنطق، فإنهم زعموا أنه زل هنالك، وضل في سلوك تلك المسالك، وخالف أرسططاليس واضعه، مخالفة من لم يفهم غرضه، ولا ارتاض في كتبه.

والسؤال الآن: هل اصطناع ابن حزم مصطلحات منطقية جديدة يعد سبباً كافياً للقول بأن كتابه في المنطق " كثير الغلط، بين السقط" أو هل يكون في تحاشي ابن حزم لاستعمال الحروف والرموز في التعبير عن القضايا، مبرر كاف بأنه خالف أرسطو، مخالفة من لا يفهم غرضه ولا ارتاض في كتبه . ويبدو لنا أن مجرد الإكثار من إيراد الأمثلة الشرعية لا يكفي للطعن في قيمة الجهد الذي قام به ابن حزم، حينما حاول تقريب المنطق إلي أذهان العامة من الناس، كما أن تجنب التمثيل بالحروف والرموز لا ينطوي في حد ذاته علي أي مخالفة خطيرة بررت في ظنهم الحكم علي صاحب هذا الكتاب بأنه لم يفهم أرسطو ولم يدرك دلالة منطقه .

والحق أننا لو أنعما النظر إلي هذه الانتقادات التي وجهها هؤلاء المؤرخون لابن حزم لتبين لنا أن القضية ليست قضية الأخطاء التي وقع فيها ابن حزم في فهمه لمرامي وأغراض المنطق الأرسطي بقدر ما هي مسألة نفسية، فهؤلاء المؤرخون ليسوا علي علم بالمنطق الأرسطي وخباياه ومسالكه ودروبه وتشعباته وتدقيقاته، ولذلك فإن انتقاداتهم كانت بسبب تمسك ابن حزم بالنزعة الظاهرية الذي تمسك بها  في الفقه، والتي أدت به إلي إنكار مبدأ العلية وتجنب استعمال لفظ القياس ...الخ .

علي أية حال فإنه إذا كانت الأقدار قد شاءت بأن لا تحظي محاولة ابن حزم في كتابة التقريب بالقبول لدي الأندلسيين، فإن محاولة أبو حامد الغزالي قد كان له من النجاح في إدخال المنطق إلي حظيرة العلوم الإسلامية، فمنذ أواخر القرن الخامس الهجري اتجه الكثير من مفكري الأندلس علي اختلاف تخصصاتهم إلي " دراسة المنطق اليوناني، وخلطوه بأصولهم ونحوهم وتكلموا فيه بما يطول ذكره" .

وما يهمنا هنا موقف فقهاء ونحاة الأندلس من دعوة الغزالي لمزج المنطق بالفقه، وهل استجابوا لها أم لا؟

كان معظم فقهاء ونحاة الأندلس من أتباع المذهب المالكي، وكان موقفهم في أول الأمر من توجه الغزالي نحو مزج المنطق بالفقه موقفاً سلبياً، حيث يذكر بعض المؤرخين، بأن كل العلوم عند الأندلسيين لها حظ كبير واعتناء إلا الفلسفة والمنطق والتنجيم، فإن لهم حظ عظيم عند خواصهم ولا يناظرهم بهم خوف العامة، فإنه كلما قيل فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم، أطلق عليه اسم زنديق وقيدت أنفاسه، فإن زل في شبهة رجموه بالحجارة وأحرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان أو يقتله تقرباً لقلوب العامة، وكثيراً ما كان ملوكهم يأمرون بإحراق كتب الفلسفة والمنطق إن وجدت .

ويروي لنا " الحاج يوسف بن محمد بن طملوس (ت: 620هـ)" في حديثه عن زهد العلماء بالأندلس في صناعة المنطق، إذ يقول:" فإني رأيتها مرفوضة عندهم مطروحة لديهم لا يحفل بها ولا يلتفت إليها، وزيادة إلي هذا أن أهل زماننا ينفرون منها ويرمون العالم بها بالبدع والزندقة، بل لقد بلغت معاداة الفقهاء للمنطق إلي حد أن " أهل المنطق بجزيرة الأندلس كانوا يعبرون عن المنطق بـ" المفعل" تحرزاً من صولة الفقهاء، حتي أن بعض الوزراء أراد أن يشتري لأبنه كتاباً في المنطق فاشتراه خفيه خوفاً منهم" .

ولهذا السبب يذكر "ابن طملوس"، أن الإمام الغزالي، حينما كتب في المنطق، لم يعرض أبحاثه المنطقية تحت اسم المنطق، ولكن تحت أسماء أخري "كـ" المعيار" و" المحك" و"الميزان"، وذلك لكي يتفادي غضب الفقهاء ومحاربتهم له، فانتشرت كتبه في الأرض علي عكس الفارابي، وذلك بعد جهد جهيد . فلقد قوبلت كتب الغزالي في أواخر دولة المرابطين بالإعراض والتبرم، حيث يقول " عبد الواحد المراكشي (ت: 647هـ)":" ولما دخلت كتب أبي حامد الغزالي رحمه الله بالمغرب، أمر أمير المسلمين " علي بن يوسف بإحراقها، وهدد بالوعيد الشديد، من سفك الدماء، واستئصال المال، إلي من وجد عنده شئ منها، واشتد الأمر في ذلك "، ويقول أيضاً ابن طملوس " ولما امتدت الأيام وصل إلي هذه الجزيرة كتب أبي حامد الغزالي متفننه، فقرعت أسماعهم ( أي أهل الأندلس) بأشياء لم يألفوها ولا عرفوها، وكلام خرج به عن معتادهم من مسائل الصوفية وغيرهم من سائر الطوائف الذين لم يعتد أهل الأندلس مناظرتهم ولا محاورتهم، قبعت عن قبوله أذهانهم، ونفرت عنه نفوسهم، وقالوا إن كان في الدنيا كفر وزندقة، فهذا الذي في كتب أبي حامد الغزالي .

وإذا كان هذا النفور قد نشأ نتيجة عما آل إليه أمر الغزالي من النـزعة الصوفية، تلك التي بدت غريبة كل الغرابة عن أذهان أهل المغرب في ذلك العهد، إلا أن الأقدار قد شاءت أن يدرس علي يد الغزالي إثنان من المغاربة الأندلسيين، أصبحا من ألمع الرجال في ذلك العصر، وإنتهت إلي أحدهما رئاسة العلم بما فيه الفقه بالمغرب، ووضع الثاني مذهباً إصلاحياً سياسياً، كان أساساً لقيام دولة من أعظم ما عرف بلاد المغرب العربي، بل بلاد الإسلام، وقد تأثر الرجلان بتفكير الغزالي وبعلمه، وعمل كل بطرفه علي نشر ذلك وتدعيمه بالغرب .

أما أول الرجلين، فهو " أبو بكر بن عبد الله بن العربي (468هـ - 543هـ)  الفقيه المالكي الأشعري، فقد إلتقي بالغزالي في رحلته العلمية إلي المشرق العربي، وتتلمذ عليه ولازمه مدة ودرس عليه بعض كتبه . وقد ذكر هو نفسه ذلك إذ قال:" قرأت عليه جملة من بعض كتبه وسمعت كتابه الذي سماه بالإحياء لعلوم الدين" .

ومن المؤكد أن يكون من بين تلك الكتب بعض كتب الغزالي المنطقية، وذلك لأننا نجده يتكلم فيها كلام من خبرها وعرف محتواها، إذ يقول:" وأبدع (أي الغزالي) في استخراج الأدلة من القرآن علي رسم الترتيب في الوزن الذي شرطوه علي قوانين خمسة، بديعة في كتاب سماه ( القسطاس المستقيم) ما شاء، وأخذ في "معيار العلم " عليهم طريق المنطق، فرتبه بالأمثلة الفقهية والكلامية، حتي محا فيه رسم الفلاسفة، ولم يترك لهم مثالاً ولا ممثلاً، وأخرجه خالصة عن دسائسهم، ثم أن الإمام ابن العربي، لما عاد إلي الأندلس من رحلته جلب معه كتباً للغزالي، ومن بينها كتبه المنطقية كـ " محك النظر" و" معيار العلم" .

وأما ثاني الرجلين فهو " محمد بن عبد الله بن تومرت (474هـ - 524هـ) الذي إرتحل إلي المشرق العربي لطلب العلم ودرس بمكة وبغداد ودمشق والإسكندرية . وقد قابل الغزالي وأخذ عنه المذهب الأشعري .

وقد أشار ابن خلدون إلي مكانة ابن تومرت فقال:" كان إماماً م أئمة العلم، ذا ملكة راسخة، وقوة علي النظر والجدل، بحيث يضاهي كبار الشخصيات العلمية البارزة، والتي ظهرت في المشرق لعهده من أصحاب لمقالات والمدارس في علمي الأصول والكلام، فضلاً عن تضلعه في الفقه والحديث " .

ويشير ابن خلدون إلي تأثر ابن تومرت بالمدرسة الأشعرية فكراً ومنهجاً، فيقول بأنه:" لقي بالمشرق أئمة الأشعرية من أهل السنة (يقصد الغزالي) وأبو بكر الطرطوش وأبو العباس الجرجاني وأبو بكر الشاشي وغيرهم من فقهاء المدرسة النظامية في ذلك الوقت)، وأخذ عنهم واستحسن طريقتهم في الانتصار للعقائد السلفية والذب عنها بالحجج العقلية الدامغة في صدور أهل البدعة، وأنه ذهب إلي رأيهم في تأويل المتشابه من الآيات والأحاديث، بعد أن كان أهل المغرب بمعزل عن أتباعهم في التأويل والأخذ برأيهم فيه إقتداء بالسلف في ترك التأويل وإقرار المتشابهات، كما جاءت فطعن علي أهل المغرب ذلك وحملهم علي القول بالتأويل والأخذ بمذاهب الأشعرية في كافة العقائد، وأعلن بإمامتهم ووجوب تقليدهم، وألف في العقائد علي رأيهم مثل " المرشدة في التوحيد"، كما يذهب ابن طملوس فيقول:" ثم أن ابن تومرت عمل علي إفشاء آراء الغزالي، وندب الناس إلي قراءة كتبه ودراستها والعمل بها ".

يتضح لنا مما سبق أن ابن تومرت ومن قبله ابن العربي، لم يقم كل منهما مباشرة بإدخال المنطق في الدراسات الفقهية والنحوية، بل كان ابن العربي يري وجوب التحري في ذلك، لأنه إذا ما أسند إلي غير كفء باء بالضرر الكبير، وقد كان يوحي بذلك إلي تلاميذه إذ يقول لهم:" الذي آراه لكم علي الإطلاق أن تقتصروا علي كتب علمائنا الأشعرية، وعلي العبارات الإسلامية، والأدلة القرآنية، فإن أبا حامد ( يقصد الغزالي) وغيره، وإن لبس للحال معهم (أي الفلاسفة) لبسوها (باستعمال المنطق) وأخذ نعيمها ورفض بؤسها .. فليس كل قلب يحتمله .. فهو وإن كان سبيلاً للعلم ولكنه مشحون بالغرر.. أما أن الرجل إذا وجد من نفسه منه أو تفرس فيه الشيخ المعلم له ذلك، فلابد توقيفه علي مآخذ الأدلة .

كما أن ابن تومرت كان مصروفاً عن ذلك إلي وضع الأسس الإصلاحية العامة لقيام دولة الموحدين، ولكنهما قد مهدا الطريق تمهيداً إلي ذلك بما قد أفشيا عموماً من أفكار الغزالي، وكتبه وبما قد زكياه ودعوا إلي دراسته واحترامه وتبجيله .ولما كان ابن العربي شديد الأثر في جيل الفقهاء والعلماء من تلاميذه، ولما كان ابن تومرت صاحب سلطة روحية قامت عليها دولة الموحدين بأكملها، فإن الغزالي قد بدأ يكبر في عيون أهل المغرب والأندلس كما يذكر ابن طملوس " واختفي ما كان عساه أن يشكل شقاً لمعارضته بشدة، كما حدث بالمشرق، بل قد راجت كتبه، وأخذ الناس في قراءتها وأعجبوا بها وبما رأوا فيها من جودة النظام والترتيب الذي لم يروا مثله قط في تأليف، ولم يبق في هذه الجهات من لم يغلب عليه حب كتب أبي حامد الغزالي ".

ومن بين تلك الكتب كتبه في المنطق، ويظهر أن كتب المنطق قبلها لم تصل بلاد المغرب إلا نادراً، كما يفهم من كلام ابن طملوس، حيث يقول:" فلما أردت مطالعتها (أي كتب المنطق) لم يكن يبدي قبلها كتاب أنظر فيه، غير أني عندما تصفحت كتب أبي حامد رأيت من تلويحاته وإشاراته، التي تكاد أن تكون تصريحاً أن له فيها تأليف، فأطلعت علي هذه الكتب المذكورة من كتب أبي حامد ".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط