 ثقافة صحية

يلتهم جرثومة القرحة ويحصل على جائزة نوبل! / بهجت عباس

(هذه دراسة علمية موجزة أو استعراض سريع عن قرحة المعدة / الاثني عشري، وصفها، حدوثها واكتشاف الجرثومة التي تسببها وعلاجها، وليست شاملة ولكن قد تفي بالغرض.)

 

القرحة The ulcer

 تعرّف القرحة بأنها تشقّق أو جرح في المعدة أو الاثنيْ عشري (الجزء الأعلى من الأمعاء الذي يرتبط بأسفل المعدة) وأحيانا في أسفل المريء المتصل بالمعدة لارتداد الحامض من المعدة إلى المريء، وتسبب ألماً حارقاً في المعدة في أغلب المصابين، ويكون عادة أسفل القفص الصدري، وخصوصاً في الليل أو إذا كانت المعدة خالية من الطعام. وقد تسبّب القرحة مشاكل النزف المِعَـدي إذا استفحل أمرها، كما وإنها قد تُعيق مرور الطعام من المعدة إلى الأمعاء. أما سببها، كما كان يُعتَقد قبل سنين عدة، فهو الضغط النفسي وزيادة الحموضة في المعدة، والعامل الجيني والبيئة والغذاء والأسبرين والإيبوبروفين (مادة تستعمل لتسكين الآلام)، ولكنَّ الإكتشافات الحديثة بيّنتْ أنها تحدث أيضاً نتيجة الإصابة بجرثومة عرفت باسم هليكـوباكـتر بايلوريHelicobacter pylori ، وهذا لا يعني عدم لعب العوامل المذكورة أعلاه دوراً فيها، إذ أن الأشخاص المصابين بالقرحة من غير المصابين بهذه الجرثومة تكون إصابتهم عادة من تناول الأسبيرين بكثرة ومن المواد مضادة الالتهابات غير الهورمونية  NSAID مثل إيبوبروفين وناكسين وغيرهما. ولكنَّ معظم الإصابات بالقرحة يأتي من الإصابة الجرثومية. ورغم هذا، فإنّ نسبة عالية من المصابين بهذه الجرثومة ليس لديهم قرحة.

تشكل قرحة المعيّ مشكلة كبرى في معظم الدول المتقدمة. ففي أستراليا وحدها يصاب شخص واحد من كل عشرة أشخاص بها خلال حياتهم، وفي أميركا واحد من كل ثمانية. وإن الأدوية التي تستعمل لمعالجتها لا تفي بالغرض التام، حيث يعاني 80% من المرضى المُعالَجين انتكاسة القرحة بعد عام تقريباً من توقفهم عن استعمال الأدوية، ويكون أمراً معتاداً إنْ أخبرهم الطبيب أنَّ عليهم التعايشَ مع هذا المرض. ولكن الحال تغيّـرت الآن بعد اكتشاف هذه الجرثومة، إذ أن استعمال الأدوية مضادة الحياة ( أنتيبيوتيك ) أدّى إلى استئصالها والشفاء التام منها.

 

هليكوباكتر بايلوري Helicobacter pylori   ( H. pylori )  

تكون هذه البكتريا على شكل عُصيّات لولبية (حلزونية) تمتلك خميرة اليوريـيـس  Urease التي تحطم مادة اليوريا إلى أمونيا وثاني أوكسيد الكاربون، وتعيش تحت الغشاء المخاطي المعدي، وقد وُجد أنّها تنمو على سطح النسيج الظِّهاري Epithelium المُغطّى بطبقة سميكة من نسيج مخاطيّ عادي. وبهذا تكون بمأمن من الحامض الذي تفرزه المعدة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى بتحطيمها اليوريا إلى الأمونيا تكون قد شكلت طبقة قاعدية واقية حولها. تكون الإصابة عادة عن طريق الطعام والشراب واللمس والقُـبَـل! وإنَّ غسل اليدين مرات عديدة عند الضرورة يمنع الإصابة.

 

الاكتشاف

وجد د. جَيْ روبن وارن (وُلد في أديلايد- أستراليا عام 1937) والذي كان يعمل في مستشفى برث الملكي في ويست أستراليا عُصَيّـات لولولبية الشكل في قطعة نسيج حيّ Biopsy أُخِذَ من النسيج المخاطي المِـعَـدي الملتهب سنة 1979 ووجدها غالباً في الغشاء المبطن الملتهب للمعدة فجذبت نظره فقام بدراستها. وفي عام 1981 صادف أن لقي د. باري مارشال المسجِّـل في قسم الأمراض المِـعَـدية المِعـويّـة، الذي كان يبحث عن مشروع بحث، فعملا معا في بحث ما وجده الأول. وعندما زرعا هذه البكتريا، وجداها من نوع خاص فأطلقا عليها اسم هليكوباكتر بايلوري والتي تكتب اختصاراً  H. pylori وأوضحا العلاقة بينها وبين القرحة، وخصوصاً قرحة الاثنيْ عشري. وقد حصل د. وارن على مكافأة الزملاء المُمَـيَّـزين لكلية علماء الأمراض في سنة 1995 وحصل مع بروفيسور باري مارشال على جائزة من جامعة هارفارد وجوائز عدة من جامعات عالمية كثيرة.

ولكن البداية لم تكنْ سهلة كالعادة، فقد جُـوبِه د. وارن ببرود تام عندما صرّح بوجود بكتريا غير عادية في المرضى الذين يعانون من التهاب المعدة Gastritis لأن القاعدة الأساس أن لا بكتريا تستطيع العيش  في محيط حامضيّ كمحيط المعدة. ولكن

د. وارن واصل أبحاثه دون اكتراث يعاونه زميله د. باري مارشال. فأخذا يبحثان عن هذه البكتريا في مرضى مصابين بالتهاب المعدة. فتأكدا أن ثمة صلة موجودة بين التهاب المعدة ووجود هذه الجرثومة، ولكنهما لاحظا أيضاً وجودها في قرحة الاثنيْ عشري وقرحة المعدة وفي نصف المصابين بسرطان المعدة. وفي سنة 1982 أعلنا اسمها وبأنها المسبِّب للتقـرّح.

 

د. باري مارشال يلتهم الجرثومة!

مرة أخرى جُـوبِـها بعدم المبالاة من العلماء والأطباء الباحثين الذين نَفَـوْا نظريّتَهما، ولكنَّ العالِمـيْن وارن ومارشال استمرّا في أبحاثهما وأخذا يجمعان الأدلـّةَ والبراهين التي تؤيّد اكتشافَهما. وارتأيا أنَّ أحسنَ عمل يقومان به للبرهنة على ادّعائهما هو أن يبتلع د. باري مارشال ما زرعه من هذه البكتريا! وبعد أسبوع من ابتلاعه إياها، أخذ يعاني من علاماتٍ حادة لالتهاب المعدة. وعند أخذِ جزء حيّ من نسيج المعدة المخاطي/ وُجِدَ أنه يعاني من الإصابة الجرثومية والتهاب المعدة في الوقت ذاته. وعند معالجته حالته المرضية وجد د. مارشال أنّ للبزموث فعالية علاجية كبيرة، فعلّل ذلك بأنّ البزموث قتل البكتريا. وبعدئذ وجد أنّ استعمال البزموث مع المواد مضادة الحياة معا يستأصل المرض نهائيّـاً. وهنا وضع فرضيّـتَه بأنّ استئصال هذه الجرثومة يشفي القرحة نهائيّـاً. وبين عاميْ 1985 و1987 درس وارن ومارشال استعمال المواد مضادة الحياة للتخلص من هذه الجرثومة، فوجدا أنّ 80% من المرضى المصابين شُـفُـوا نهائيّـاً من القرحة بعد استعمال هذه الأدوية.

 

تشخيص القرحة

تكون عادة بواسطة أشعة إكس أو بإدخال أنبوب كاشف إلى المعدة (Endoscopy).

و لما كانت هذه الجرثومة تملك خميرة اليورييس، كما مر ذكره، بكميات كبيرة، وإنّ هذه الخميرة تحطِّـم اليوريا إلى أمونيا وثاني أوكسيد الكاربون، إستفاد مارشال من هذه الظاهرة فاستعملها في تشخيص القرحة باختبار اليورييس السريع، أو باختبار التنفس. ذلك أن يبتلع الشخص كمية صغيرة من يوريا ذات كاربون نظير  (مشع)، فإذا كان الشخص مصاباً بهذه الجرثومة، يظهر أثرها في ثاني أوكسيد الكاربون المشع الناتج من فعل يورييس البكتريا. وبعد تجارب عدة عالمية أ ُتِّخِـذَ هذا الاختبار أساساً مُعتَمَداً عليه في تشخيص الجرثومة في مرضى القرحة. 

هذه الأبحاث أدّتْ إلى حصدهما جوائزَ ومكافآتٍ عالميةً جمّـةً تُـوِّجتْ بجائزة نوبل البالغة عشرة مليون كرون سويدي ( 1.3  مليون دولار أمريكي ) التي حصلا عليها في الثالث من أكتوبر 2005.

 

العلاج

أما علاج القرحة فقد كان:

1.   تقليل كمية الحامض في المعدة- يشفي قرحة الاثنيْ عشري إذا استعمل لمدة 6-8 أسابيع. أما قرحة المعدة فتتطلب معالجة لمدة 8-12 أسبوع.

2.   غلق إنتاح الحامض في المعدة- يساعد على شفاء قرحة الاثنيْ عشري في 4 أسابيع وقرحة المعدة في 6-8 أسابيع.

3.   تغطية القرحة، وبهذا يقي مكان التقرح من الحامض التي تفرزه المعدة، ولذا يشفى أو يلتئم الجرح. ويتطلب علاجاً لمدة 8-12 أسبوعاً.

 

أما الآن، وبعد اكتشاف جرثومة هليكـوباكـتر بايلوري، يكون العلاج لاستئصالها معقداً بعض الشيء، حيث تعيش هذه الجرثومة تحت الغشاء المخاطي للمعدة الذي يمنع بدوره وصول المواد مضادة الحياة إليها من ناحية، ولاكتسابها المقاومة ضدّ بعض هذه المواد من جهة أخرى، لذا تُستعمل مجموعة من الأدوية معاً في العلاج الذي يجب ألاّ يكون ذا خطر وأقلّ ما يمكن من المضاعفات الجانبية وفعّـالاً. ولذا صُمِّمتْ مجموعات من هذه الأدوية للعلاج حسب اجتهادات الأطباء المعالجين. فهناك عشر مجموعات منها تستعمل لهذا الغرض. ربما تكون المجموعة التالية ناجحة، حسب خبرتي من عملي كصيدلي في كندا، فهي الوحيدة تقريباً التي تستعمل بنطاق واسع لهذا الغرض، ويظهر أنها تعطي نتائج جيدة. وتتكون من المواد التالية:

 

1. كبسولات لانسوبرازول (بريفاسيد) 30 ملغم مرتين يومياً (صباحاً ومساءً). لشفاء التقـرّح (إلتـئام الجرح).

2. أقراص كلاريثرومايسين (باياكسين) 500 ملغم مرتين يومياً (صباحاً ومساءً) لقتل الجرثومة.

3. كبسولات أموكسيسيلين (أموكسيل 500 ملغم)– غرام واحد مرتين يومياً  (صباحاً ومساءً) لقتل الجرثومة.

 

تستعمل هذه المجموعة لمدة أسبوعين ويعاد الاستعمال في بعض الأحاييـن .

 

.........................

من كتاب (الجينات والعنف والأمراض – فيشون ميديا – السويد 2007 )

 

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1641 الثلاثاء 18 /01 /2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1596 المصادف: 2011-01-18 12:03:59