 ثقافة صحية

أنا ومرض السكر / بهجت عباس

bahjat_abaas

مفاجأة: كان عصيبًا ذلك اليوم (10 نوفمبر 1999) الذي رن فيه جرس الهاتف وسمعت صوت صديقي _ الطبيب يخبرني بصوت مرتعش بأن نتيجة التحليل تدل على أنني مصاب بمرض السكر.

 

اضطربت بادئ الأمر، وأنكرت صحة التحليل، فقد يكون ثمة خطأ، وقد تخطئ مختبرات التحليل أحيانا، فثمة تجارب سابقة، وإن كانت نادرة. وكنت آمل أن تكون شكوكي صحيحة، ذلك أني أعرف ما يعني أن تكون مصابا بهذا المرض الذي لا شفاء منه، والذي يغير نمط الحياة. لكن شكوكي تبددت سريعا، حينما تذكرت بعض علائمه الذي كان واضحا علي قبل هذا الفحص المختبري، من عطش شديد وذهاب مستمر إلى دورة المياه، كما أن المختبر ذو خـبرة سنين طوالا في ميادين التحاليل الطبية.

 

ولما سألت صديقي الطبيب عن تركيز سكر (كلوكوز) الدم (صباحا وقبل الفطور، وهو المعول عليه في تشخيص مرض السكر)، جاء برقم عال جدا، ألا وهو 8,15 مليمول/لتر (284 مليغم / ديسيلتر).

 

فأجبته برباطة جأش أن لا بأس من ذلك وأني في طريقي إليه، ولكن غيمة الكآبة أخذت تخيم علي وجال في خاطري قولُ الشاعر :

إذا لم تكن إلا الأسنة مركبا  

فما حيلة المضطر إلا ركوبها

 

وشددت الرحال اليه. كان يعمل في مركز طبابة تابع الى مستشفى سنيبروك الشهيرة، المستشفى التعليمية التابعة إلى جامعة تورنتو – تورنتو- أونتاريو-كندا. جاءت مكالمة الطبيب بعد ساعتين من تناولي طعام الفطور وتوّاً بعد الانتهاء من تناول قطعتين متوسطتي الحجم من الرقي (البطيخ الأحمر). وبعد سياقه نصف ساعة كنت في المركز الطبي.

 

مفاجأة أخرى

كانت مقابلتي أول الأمر مع أخصائية التغذية التي رتب الطبيب لي موعدا معها بغية إعطائي لائحة (قائمة) الطعام الواجب تناوله دون تجاوز الكميات المحددة، لطرح الوزن الزائد من الجسم، وهى الخطوة الأولى لعلاج مرض السكر. هذا إذا كان وزن المصاب يتجاوز الوزن الطبيعي، كما هي الحال معي. كما أن حساب السعرات الحرارية الناتجة منه، وخصوصا المواد السكرية/النشوية، عامل هام للسيطرة على هذا المرض.

 

أثناء حديثي مع أخصائية التغذية دخلت إحدى الممرضات، فطلبت منها أن تقيس لي سكر الدم، ففعلت، فماذا كانت النتيجة؟ أعطى جهاز قياس سكر الدم اليدوي رقما فلكيا، ألا وهو 22 مليمول/لتر (396 مليغم /ديسيلتر). عند هذا تأكدت أن الأمر ليس مزحة، وليس إلى نكران الواقع من سبيل، وما علي إلا الرضوخ لواقع الأمر، ومعالجة هذا المرض بالطرق اللازمة.

 

وقد كان لزاما أن أتخذ الإجراءات اللازمة قبل وقوعه، ذلك بالفحص السنوي، وخصوصا عند ظهور بعض علائمه، كالعطش المستمر وجفاف الحلق (اليبوسة) التي ظننت أنها عائدة إلى اضطراب الغدد اللعابية، كما أخبرني الطبيب، فلذاْ لم أعر الى ذلك أية أهمية، وخصوصا أن مضاعفات ذات شأن لم تكن موجودة، ولم تكن هناك مشكلة أشكو منها، سواء أكانت في الكليتين أو القدمين عدا أشياء يتعرض لها أي شخص عادة. أما العينان فقد كان فيهما جفاف مستمر وسريع، وخصوصا أثناء القراءة، وهذا ليس بدليل على الإصابة بالسكر، فقد يعود إلى سبب آخر. لكني وقبل الفحص المختبري بأسابيع معدودة كنت أجد بعض البقع السود الصغيرة على بعض الكلمات، فأهملتها ظنّـاً مني أنها نتيجة الاستمرار في القراءة الذي يؤدي إلى مثل هذا الإعياء وضعف النظر موقتا. رغم وجود بعض الأمور غير المريحة، لم أجر أي فحص عام في المختبر نتيجة إهمال ليس إلا، وهذا هو الخطأ. إذ أن مرض السكر (يصمت) سنين طوالاً ويظهر بعدها عنيفا. لذا يكون لزاما على من يبلغ الأربعين عاما أو يتجاوزها أن يفحص سكر الدم سنويا أو كل سنتين على الأقل، وخصوصا إذا كان له أب، أمّ أو أشخاص قريبون منه جدا أصيبوا به، ولا سيما إذا كان بدينا أو وزن جسمه أكثر من المعتاد. كان استنتاجي بعد رؤيتي نتيجة الفحص أنني كنت مصابا به حوالي السنتين اللتين سبقتا الفحص المختبري، لتذكري أعراضا نجمت، كانت أعراضه. لم يكن الوقت متأخرا أو حرجا، فالمضاعفات الخطرة تحدث بعد مدة عشر سنين من الإصابة أو تزيد عنها، وهذا يعتمد طبعا على حال المصاب ونمط حياته. لذا كان علي أن أحمل الأمر محمل الجد للتخلص من هذا (الخناق) الأثيم قبل فوات الأوان. ولماذا أسميه (خناقا)؟ ذلك أن ميزة هذا الداء هي (تضييق) الأوعية الدموية، وتأثير هذا التضييق على الأعصاب والأنسجة حيث يحرمها من الكمية الضرورية من الغذاء والأوكسجين، ثم بجعله الدم كثيفا وثقيلا تتحطم الأوعية الدموية الدقيقة قي الكلية والعين، وهذا ما يسبب تلفهما، وبتحطيمه الألياف العصبية تفقد الأعصابُ وظائَفها فتتأثر الأنسجة المرتبطة بها فتضطرب وظائفها. كان أول عمل قمت به هو اللجوء إلى الكتب والنشرات الطبية والانترنت لمعرفة كنْه هذا المرض تفصيلاً. إذْ أن معرفة مواطن الضعف في العدو هي الخطوة الأولى للتغلب عليه أو لتجنب عواقبه على الأقل. كما أن الحصول على جهاز قياس سكر الدم أمر هام جداً لتتبع تطور أو تراجع هذا المرض. فكيف يعمل هذا المرض وما هي آلية فتكه بالأنسجة المتعددة في الجسم كالقلب والعين والكلية والأعصاب؟.

 

آلية التلفْ

إنّ وجود السكر في الدم بكمية كبيرة يجعل الدم سائلاً كثيفاً أشبه ما يكون بالعصير (Syrup) ، وهذا العصير الدموي بثقله غير الطبيعي في أوعية الدم، والذي هو حصيلة اتّحاد السكر بالمواد البروتينية (الزلالية) الموجودة في الجسم، يكون أشبه بالغراء (الصمغ) مما يجعل الأوعية الدموية ضيّقة وغير مطاطة، كما أنه يسبّب التهاباً يؤدّي إلى تضخّم الأنسجة الناعمة للأوعية الدموية، وإلى تكوّن مادة صلبة داخلها في حال تعرف بـ (تكوّن التصلّب atherogenesis ). هي حال تسبّب تلف العين والكلية والجهاز العصبي والأعضاء الأخرى في الجسم. تصوّر دماً ثقيلاً يجري في أوعية شعرية دقيقة باطن العين أو داخل النيفرون (وحدة تصفية الدم في الكلية)، هذه الأوعية الدقيقة لا تتحمّله، فتتمزق وتتْلفُ الأنسجة التي تتزّود بالدم منها. أما محاور (ألياف) الخلايا العصبية، واسطة الاتصال بين الخلايا، فتتلف ويعُدم الاتصال، ويُفقَدُ الإحساس والشعور بالحرارة والألم في تلك المنطقة ذات الأعصاب التالفة، فتكون الاستجابة للمؤثرات الخارجية معدومة. ورغم أن الهيموغلوبين يرتبط بالأوكسجين ارتباطاً وثيقاً، ألا أنه يحرّره (يطلقه) عند وصوله الخلايا والأنسجة فتتزوّد به. ولكن اتحاد السكر بتركيز عالٍ مع الهيموغلوبين، في حال تدعى بـ(الهيموغلوبين المتسكّر glycosylated haemoglobin ) ـ سيأتي شرحها ـ يعيق تحرّر الأوكسجين، فتُحرم الخلايا منه فيكون التلف نصيبها. أما عند ارتباط السكّر بالألبومين (مادة زلالية صغيرة الحجم) وخلايا الدم البيض، فانه يعيقها عن القيام بوظائفها الاعتيادية. ولما كانت وظيفة الخلايا البيض مكافحة الجراثيم في الاصابات التي تحدث في الجسم، تكون محاربة الجراثيم عندئذ بطيئة وضعيفة، مما يتطلب (إعانة) من خارج الجسم، وذلك بتناول كميات قد تكون كبيرة جداً في بعض الأحيان من المواد مضادة الحياة (antibiotics) ، وقد تكون غير ضرورية في الأحوال الطبيعية، حين لا يكون السكر مرتبطاً بالخلايا البيض بكمية كبيرة (ستذكر بالتفصيل في الفصول القادمة).

 

ثم اذا عرفنا أن الشعيرات الدموية الموجودة جوف العين دقيقة جداً، يمكننا تصوّر حالها نتيجة وجود دم ثقيل مشبع بالسكر يجري داخلها، ألا وهو تحطّم هذه الشعيرات الدقيقة داخل العين، مما يحدث نزيفاً فيها، ونشوء شعيرات جديدة أخرى بديلة لها، وتحطمها مرة أخرى، ونشوء شعيرات أخرى وتحطمها وهكذا، مما تكون النتيجة (عتمة) فجوة العين وعدم وصول الضوء الكامل للصور الخارجية، فتضعف الرؤية وتكون النتيجة عمى العين في النهاية. وماذا عن الكلية؟ إذا عرفنا أن الكلية تحتوي على مليون وحدة تصفية (نيفرون) تقريباً، وهذا العدد يتباين حسب عمر الفرد وحاله، يمكننا تصور صغر هذه الوحدة ودقة الشعيرات الدموية داخلها، فيكون تحطمها نتيجة الثقل (الصمغي) للدم أمراً لا مفر منه. والنتيجة هي عدم تصفية الدم بصورة كاملة ونضوح بعض البر وتينات من الكلية الى مجرى البول، ومن ثم طرحها خارجاً مع البول. لذا يكون البول حاوياً البروتين اذا تفاقم مرض السكر وكلما اشتد المرض وأهملت السيطرة عليه، يزداد عدد الوحدات التالفة، وتكون النتيجة فشل الكلية وزرع كلية جديدة سليمة بدلاً منها. أما عن القلب والكوليسترول والأعصاب المركزية والمحيطية التي تسيطر على وظائف الجهاز الهضمي ـ المعدي المعوي ـ والاطراف وتأثير زيادة السكر في الدم عليها، فهى أمور خطيرة تستحق الاهتمام الجاد لدرء أخطارها (سيأتي ذكرها).

 

ما العمل؟

بعد أن قابلت صديقي الطبيب الذي أراني نتيجة الفحص المختبري والذي يتبيّن منه أن تركيز جلوكوز الدم هو 8,15 مليمول/لتر (285 مليغم/دل) ، وهو تركيز عال جداً (قبل الإفطار)،كما أن كمية الكوليسترول مرتفعة، وأن ثمة بروتيناً (ألبومين) في البول. فكميّته المسموح بـها كحد أقصى يجب أن لا تتجاوز (20 مليغم لكل لتر)، بينما الكمية الموجودة في التحليل المختبري كانت 49 ملغم، مما يدل على نضوح الألبومين من الكلية لوجود تلف فيها.أما كمية جلوكوز الدم الطبيعي بعد صوم 8 ـ 12 ساعة فيجب أنْ تكون بين 70 ـ 110 ملغم/دل (9,3 ـ 1,6 مليمول/لتر).لذا كان التشخيص، بلا شك، الإصابة بالسكّر نوع (2)، والذي يكون سببه عدم وجود الانسولين بكمية كافية، أو مقاومة خلايا الجسم لها أو الاثنين معاً. وهذا يختلف عن مرض السكّر نوع (1) الذي يسببه عدم وجود الأنسولين في الجسم والذي يحدث عادة أوائل العمر. فعلاج النوع الثاني هو (تنشيط) الأنسولين الموجودة في الجسم بينما النوع الأول يحتاج الى إعطاء إنسولين خارجية. ولما كان النوع الثاني يعالج عادة بالتغذية الصحيحة وممارسة التمارين الرياضية وتخفيض الوزن، عادة يكون المصاب به مفرط الوزن. تمَّ الاتفاق بيني وبين الطبيب اللجوء إلى هذه الوسائل الثلاث بادئ الأمر، فإنْ لم تنجح في تخفيض تركيز جلوكوز الدم إلى ما يقرب التركيز الطبيعي، فاستعمال الحبوب أمر لا مفر منه. بدأت التجربة بتخفيض الوزن، بتقليل كمية الطعام وتغيير نوعه، وخصوصا البر وتينات (اللحوم والحليب ومشتقاتهما) لتأثيرهما على الكلية، وتقليل كمية الدهنيات لتخفيض الكوليسترول، باستعمال مادة الستاتين (statin) ، كما أن تناول حبوب مثبطة الخميرة محوّلة الأنجيوتنسين (ACEI) لتقليل ضغط الدم بصورة عامة. والضغط داخل الكلية بصورة خاصة، مما يصلح (يرمّم) تلف الكلية، كان أمراً ضرورياَ. وكان استعمال جهاز قياس كلوكوز الدم اليدوي ضرورياً جداً لتتبع ومعرفة تركيز الكلوكوز قبل وجبات الطعام وبعدها.

 

بعد مرور عشرة أيام

كانت النتيجة هبوط تركيز جلوكوز الدم الى 156 ملغم/دل (7,8 مليمول/لتر) صباحا وقبل الفطور، بعد أن طرحت من وزني خمسة كيلو غرام (11 رطلا) خلال العشرة الأيام. وهذه نتيجة حسنة لكنها لم تقنع الطبيب المعالج، وبخاصة عندما وجد تركيز جلوكوز الدم ساعتين بعد وجبة الطعام يتجاوز 216 ملغم/ دل (12 مليمول/ لتر)، فكان استعمال مادة ميتفورمين (metformin) ، حبة ذات 500 ملغم صباحا وأخرى مساءً، زيدت بعدها إلى ثلاث مرات يومياً.

 

وبعد اسبوعين تقريباً على هذا العلاج، أجري فحص مختبري لمعرفة تأثير مادة الستاتين على فعالية الكبد، فكانت نتيجةُ التحليل هي أنّ الكوليسترول قد هبط (نتيجة التحفظ في الغذاء واستعمال الستاتين) الى 130 مليغم/دل (26,3 مليمول/لتر) وكمية الألبومين في البول كانت (49) ملغم/لتر (الكمية الطبيعية لا تتجاوز 20 مليغم/لتر)، كما أن الهيموغلوبين المتسكر كان مرتفعا جداً (8,10%) بدلا من الكمية الطبيعية التي هي بين (3,4 الى 1,6 في المائة)، فما هو هذا الهيموغلوبين المتسكر؟

 

الهيموغلوبين المتسكر

في مجرى الدم توجد خلايا الدم الحمر وهي متكونة من مواد كbahjat 2يمياوية. تحتاج هذه الخلايا، كباقي خلايا الجسم، إلى السكر كطاقة، للقيام بوظيفتها. تلتصق بعض جزيئات السكر ( الكلوكوز ) بالهيموغلوبين الموجود فيها فيتكون ما يسمّى بالهيموغلوبين المتسكر Glycated ( glycosylated ) Haemoglobin، ويرمز له اختصارا HbA1c)). وكلما ازداد تركيز الكلوكوز، ازدادت نسبة هذا الهيموغلوبين. وإنّ الغرض من فحصه مختبرياً هو لقياس عدد جزيئات الكلوكوز الملتصقة بالهيموغلوبين، التي تـُفصح بدورها عن معدل تركيز الكلوكوز في الدم خلال فترة الشهرين إلى الثلاثة شهور الماضية.

 

النسبة العادية (الطبيعية ) للالتصاق هي 4% إلى 6% في الشخص السليم من مرض السكر. أما في مريض السكر، فقد تكون النسبة التي لا تتجاوز 7% جيدة أيضاً. أما إذا كانت 8%، وجب اتخاذ الإجراء اللازم لتخفيضها. أما إذا تجاوزت 8%، فهذا يعني أن المريض أصبح عرضة لأمراض العين والكلى وتلف الأعصاب وغيرها، فعليه اتخاذ إجراءات فورية لتخفيضها.

 

وإذا عرفنا أنّ حياة الخلية الحمراء لا تتجاوز مائة وعشرين يوماً (4 أشهر)، يمكننا علاج (التسكرّ) هذا، ذلك بإدامة تركيز كلوكوز الدم إلى ما يقارب التركيز الطبيعي تقريبا خلال أربعة أشهر ، حيث تتحطم الخلايا الحمر المتسكّرة فيها، وتتولد خلايا جدد (تتولد حوالي مليون خلية حمراء في الثانية) يكون تسكّرها أقل وبنسبة طبيعية مقبولة. لذا فان نسبة الخلايا الحمر المتسكرة الموجودة في الفحص المختبري، وهي 8,10 في المائة، عالية وخطرة جدا ووجب اتخاذ إجراء فوري للتخلص منها. يتطلب هذا الأمر مدة شهرين الى ثلاثة أشهر على الأقل لتخفيض النسبة، بتخفيض تركيز كلوكوز الدم تجنباً لاعطاء الخلايا الحمر الجديدة الفرصة للتسكر، فيما كان التركيز عالياً، وفي الوقت ذاته يتحطم عدد كبير من الخلايا المتسكرة القديمة وهذا ما حصل بعد ثلاثة أشهر من العلاج واتخاذ التدابير اللازمة.

 

هبوط مستوى كلوكوز الدم

بعد اشهر ثلاثة من (التجويع) بتناول غذاء يحتوي على قليل من السعرات الحرارية، مع تقليل كميته والمثابرة على التمارين البدنية، التي كانت بين مشي سريع نسبياً واستعمال دراجة ثابتة، مدة تتراوح بين ساعة الى ساعتين يوميا، انخفض الوزن اكثر من 15 كيلوغرام، وهبط مستوى الجلوكوز في الدم وكذلك الهيموغلوبين المتسكر والألبومين في البول، كما أظهرها الفحص المختبري الذي بيّن أنّ سكر الصباح هو 3,6 مليمول/لتر (حال طبيعية تقريباً) ، والهيموغلوبين المتسكر هبط من 10,8 إلى ,72 (هبوط سريع) ، والذي يجذب النظر هو تراجع الألبومين في البول من 49 ملغم/لتر إلى 19 ملغم/لتر (أي أن الكلية قد صلّحت، ونضوح الألبومين كان بكمية طبيعية، حيث الكمية القصوى المسموح بـها هي (20 ملغم/لتر). وبعد مرور ثلاثة أشهر أخرى أصبح كلوكوز الصباح حسب الفحص المختبري 7,5 مليمول/لتر (طبيعي) ولكن الهيموغلوبين المتســـكر لم يهبط كثيراً، فقد كان7,1 ، وســــبب ذلك على الأغــلب، هو ارتفاع كلوكوز الدم بعد وجبة الغذاء (حيث كنت لا أستعمل الميتفورمين) مما جعلني استعمل حبة ميتفورمين بعد كل وجبة غذاء. ولكن ألبومين البول تراجع الى 16 ملغم/لتر. وكنت أفحص كلوكوز الدم يومياً، مرة أو مرتين، بواسطة آلة قياس السكر، لأتابع تركيزه يومياً.

 

تقليل جرعة الميتفورمين

وجدتُ بعد قياس تركيز كلوكوز الدم الصّومي (قبل الإفطار) كل يوم تقريباً أن التركيز قد أصبح 90 ملغم/دل (5 مليمول/لتر) وفي بعض الأحوال قد هبط إلى 80 ملغم/دل، فارتأيت تخفيض جرعة الميتفورمين، من ثلاث حبات الى حبتين، والى حبة ونصف ثم حبة واحدة وبعدئذ نصف حبة يومياً، وقد شجعني على تخفيضها قراءة تركيز الكلوكوز الذي استمر بمعدل (90) ملغم/دل. وفي اليوم الأول من تشرين الأول عام 2000 ،انقطعت عن تناول الميتفورمين تماماً، فارتفعت قراءة الكلوكوز الصّومي ارتفاعا طفيفا ثلاثة أيام متتالية حتى وصلت 116 ملغم/دل، فلم أكترث لها، بل واصلت الاعتماد على التغذية والتمارين البدنية (المشي والدراجة)، فاخذ الجلوكوز يتراجع تدريجيا حتى عاد الى (90) ملغم/دل أو بقربه وكان الفحص المختبري بعد (5) أسابيع من عدم استعمال الميتفورمين، يظهر أن الكلوكوز الصومي هو (100) ملغم/دل، والهيموغلوبين المتسكر5,9 % (طبيعي جدا) والألبومين قد هبط الى 9 ملغم/لتر. وبعد الاستمرار على هذه الحال سبعة أشهر متتالية، كان الفحص المختبري اللاحق مطابقا لسابقه تقريبا. فمن يقرأ نتيجتي التحليلين الأخيرين لا يعتقد أنني مصاب بالسكّر، لأن القراءة تشير إلى أرقام طبيعية، فهل يعني هذا أنني برئت منه؟

 

يختلف الباحثون في هذا الأمر. فبعضهم يقول إنه شفاء وإنَّ البنكرياس قد أُصلح عطُبها، والأنسولين أصبحت فعالة كما كانت، وإن المقاومة لها قد تلاشت أو ُضعفت. وبعضهم يقول إنه شفاء مؤقت، يعود المرض إذا واجه الشخص ظروفا مشابهة للظروف التي أدَّتْ إلى مرضه، وآخرون يقولون إنه السيطرة التامة وليس الشفاء.

 

ربما كان الرأي الأخير أكثر احتمالا وصحة، ولكن من يقرأ نتائج التحليلين الآخرين، هل يمكنه القول إنني مصاب بالسكر؟

 

هل الحياة تجري كالمعتاد؟

بعد أن اتخذت الإجراءات اللازمة لمعالجة مرض السكر أو السيطرة عليه تماماً، وقد تم ذلك في فترة تقل عن السنة، بعد بذل جهد غير قليل وتضحية بملذات الطعام، لا يعني هذا أن كل شئ على ما يرام، وأني راجع إلى حياتي السابقة كالعادة، فالحذر واجب وإدامة السيطرة ضرورية. فرغم أني لا أشعر عملياً بأنني مصاب بالسكر إذْ أنني أتناول مختلف الطعام تقريبا، ولكن بحذر وخصوصا السكريات، ألا أن مجرى حياتي تغيّر، فأنا أمارس التمارين البدنية، وخصوصا الخفيفة منها كالمشي واستعمال الدراجة الثابتة، يوميا (حرقا) للجلوكوز وتنشيطا للخلايا وتقليلا لمقاومتها وحفاظاً على الوزن الطبيعي الذي لا يتم بها وحدها ولكن بالتقليل من الأغذية وخصوصا الدسمة منها. وأمارس مهنة الصيدلة في فترات معينة دون تعب أو إعياء، والقراءة والكتابة كثيراً، أي أن حياتي هي طبيعية ولكن مقيدة نسبيا. فتغيير منوال الحياة بعض الشيء كان في صالحي،حيث الانغماس في الملذات قد يورث المنغصات. والتقدم في العمر هو التغير في الجسم وهذا يتطلب نمطا آخر غير ما كان عليه في أوائل العمر. إذْ بتغيّر الأنسجة والأعضاء تتغير الاستجابة، وفي اكثر الحالات تضعف. ولكن هذا يعتمد على (الصيانة) أول العمر، كما هي الحال في الآلات التي نستعملها كل يوم. فالكلية، مثلا، تحتوي على مليون وحدة تصفية (نيفرون) في الشخص السليم الذي لا يتجاوز العشرين عاماً، ولكنها لا تحوي غير مائة ألف نيفرون تقريبا حينما يبلغ هذا الشخص الخامسة والستين عاماً وسيكون عددها (النيفرونات) أقل من ثلاثين ألفا فيمن يبلغ التسعين عاماً. لذا وجب على من بلغ من العمر عتياً أنْ يحسب كل حساب في الطعام والشراب والتمارين البدنية، فأعضاء الإنسان تتجدد، وما يُبلى من الخلايا يُخلقُ بديل عنه، ففي كل ثانية يتولد مليون خلية دم حمراء لتحِلًّ محل ما استهلك، ففي كل أربعة أشهر تقريبا يكون للجسم خلايا دم حمر جديدة، فإذا عُني بها كإدامة تركيز السكر فيها مثلا، كان الجسم صحيحا وإلاّ فالمرض هو العاقبة. ولكنَّ تولّدَ الخلايا في منتصف العمر أو بعده يكون أقلَّ من فنائها، فتتناقص، ونتيجة هذا التناقص تؤدي الى تناقص الهرمونات والخمائر والبروتينات الفعالة في الجسم، لذا يضعف الجسم.

 

تختلف هذه الأمور من فرد لآخر، إذْ أن نمط الحياة والعوامل الجينية تلعب دوراً هاماً في هذا الشأن.

 

نمط حياة جديد

كانت التجربة قاسية أول الأمر، إذ كان التحفظ في تناول الطعام قاسياً، فقد كان أقرب إلى (التجويع) أو هو التجويع ذاته، وكذلك التمارين البدنية التي كانت معظم الأوقات مملّة. إذ كان عليّ حساب السعرات الحرارية، فالمأخوذ منها يجب أنْ يكون أقل من المطلوب، وإضافةً إلى ذلك كان عليّ (حرق) سعرات أخر في التمارين البدنية. لذا أخذ الوزن يتناقص. ففي مدة أربعة شهور فقدت عشرين كغم (44 باوناً أو رطلاً) تقريبا، وبهذا أصبح الوزن طبيعيا. وخلال الفترة (التجويعية) كان الضّعف والانحلال البدني والتعب ظلالاً لي. وبعد إدراك ما أردت، ذهبت فترة (التجويع ) وغدوت أتناول كل شيء تقريبا وبحساب المحافظة على الوزن الذي استمر دون زيادة أو نقصان أكثر من سنة، فما أتناوله يعادل ما أفقده، ولا أعلم ما سيأتي به الغد.

 

الاستنتاج

إنَّ كلمة (راقب) نفسك حين تتجاوز الأربعين عاما من العمر تصحُّ كثيرا في الوقاية من مرض السكر ، وقد تصحُّ أيضاً قبل بلوغ الأربعين، وخصوصا إذا كنت بدينا، أو كان لك أب، أم أو أشخاص قريبون جدا منك مصابين بمرض السكر فتحليل الدم لمعرفة تركيز السكر فيه كل سنتين تقريبا بعد الأربعين ضروري جداً، أو إذا كان ثمة علامة أو علامات لمرض السكر ظاهرة عليك كعطش شديد دوماً، تبول مستمر في فترات قصيرة (وخصوصاً أثناء الليل تدعوك إلى الاستيقاظ مرتين أو أكثر ، هذا إذا كان ما شربت أو أكلت في وجبة العشاء معتدلا)، أو ضعفٍ وإعياءٍ وغير ذلك مما سيذكر في هذا الكتاب. فمراجعة الطبيب ضروري لتشخيصه ومن ثم علاجه إن وقع. وفي أكثر الأحيان يمكن تفاديه قبل وقوعه، بتخفيض وزنك، إن كان زائداً، واتباع نظام غذاء جيد، مع ممارسة التمارين البدنية. هذه الأمور الثلاثة هي أهم عوامل الوقاية أو السيطرة.

 

أما إذا حدثت الإصابة، فلا تظن أنّ الحياة قد انتهت، ولكنها تغيَّرتْ، والتغير يعتمد عليك، إذ تستطيع أنْ تجعله أقرب إلى ما كان عليه أوْ أحسن منه في بعض الأحيان ! فالصورة الأصلية فريدة، لا تستطيع أن تجعلها صورتين (توأمين)، ولكنك تستطيع أن تستنسخها كأحسن ما يكون أو أسوأ ما يكون، معتمدا على براعتك في فن التصوير. ثم إن العزم على نيل المرام يتطلب تضحية، فبغيرها لا يُنال المرام. والاعتراف بالواقع هو أول خطوة لتغييره نحو الأحسن إذا لم تكن قانعاً منه، واليأس في هذا الشأن هو طريق الفناء !

 

ولما لا يوجد حتى كتابة هذه السطور علاج يجتث داء السكر من أصوله، إذْ أن أسبابه كثيرة سآتي على ذكرها في الفصول القادمة، فان السيطرة عليه مهمة جدا لتجنب المضاعفات الخطيرة على المدى البعيد، إلى أن تلوح في الأفق الاكتشافات المؤملّة للتخلص منه نهائيا، وأغلب ما يكون هذا عن طريق العلاج الجيني، الذي يعمل عليه الباحثون الآن، وثمة أمل في السنين القلائل القادمة لتحقيق هذا الأمل.

 

أما في الوقت الراهن، عندما تكون مصابا به، فيجب أن تسيطر عليه لتعيش حياة طبيعية تقريبا دون استعمال الأدوية، كما فعلت أنا. فإذا استطعتُ أنْ أضع حداً له خلال مدة أقل من سنة، تستطيعُ أنت، ولا شك، أن تفعل ذلك أيضاً. وكل ما تحتاج إليه هي الإرادة القوية التي تمنع النفس عما يؤذيها :

والنفس كالطفل إنْ تهملْه شبّ على  حب الرضاع وإنْ تفطمْه ينفطم ِ

 

.........................

-من كتاب (مرض السكر والتعايش معه – دار الشروق – عمان 2002 )

ملاحظة: بعد مرور أكثر من عشر سنين على انقطاعي عن تناول أيّ دواء لتخفيض سكر الدم معتمداً على التمارين الرياضية والتغذية الصحيحة يكون الهيموغلوبين المتسكر HbA1C 6% (طبيعي للشخص غير المصاب) ونسبة الألبومين في البول Microalbumin 3 ملغم / لتر (الحالة الطبيعية هي 0 – 20 ملغم/لتر) ، حسب التحليل الأخير في 14 آذار 2011.

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1656 المصادف: 2011-03-19 11:37:33