 ثقافة صحية

مرض الكلية / بهجت عباس

bahjat_abaasتعمل الكلية كمصفاة تنظف الدم من المواد الضارة التي تطرحها في البول، بينما تعود المواد الطبيعية الجارية في الدم إلى الجسم كما أنها تنظم وتسيطر على الأملاح ومحتويات الجسم من الماء.

تتكون كل كلية من مليون مصفاة صغيرة جدا  تدعى بالـ (نيفرون nephron ) التي يتم بواسطتها تصفية الدم وتخليص الجسم من المواد الضارة. فعندما يشرب الفرد ماءً ويتناول ملحاً، وقد تكون كمية الملح قليلة أو كثيرة، فواجب الكلية هو:- إما الاحتفاظ بالملح، إذا كان قليلاً، أو طرحه خارجاً إذا كان كثيراً، وبذا تعمل على إدامة التوازن للملح والماء. تكون الكلية حساسة جداً لكمية السوائل التي تدخل الجسم، ولذا تعمل طبقاً لهذه الكمية. وتعمل الكلية أيضاً على المحافظة على ضغط الدم. فإذا بقيت كمية الملح والماء في الجسم، تمتلئ الأوعية الدموية وتُظهر هذه الأوعية ضغطاً عالياً، ويكون العكس تماماً، فيما إذا فقد الفرد كمية كبيرة من الدم أو السوائل، فالأوعية الدموية تكون شبه فارغة حيث يهبط الضغط، بعض الأحيان، إلى درجة خطرة تسبب صدمة (رجة) عصبية. لذا تحافظ الكلية على ضغط الدم الطبيعي.

يتضح مما ذكر سابقاً أهمية الكلية ونيفروناتها. أما في السكري، فتثخن حواجز النيفرونات إلى درجة تؤثر على فتحاتها فتُغلق (تُسدُّ)، ويحدث هذا عادة بعد مرور عشر سنين من الإصابة بالسكري، ومن عدم العناية أو السيطرة عليه. ومن سوء الحظ أننا لا نرى هذا التغيير في الكلية عند حدوثه، ولكن الدليل على حدوثه هو (ظهور) البروتين في البول في حالة تدعى بروتينوريا (proteinuria )، وهذا يعنى أن (المصفاة) أخذت تنضح، فالنيفرون وحدة الترشيح أو التصفية، تبدأ كتركيب يشبه الوعاء حاوياً مجموعة من الأوعية الدموية الدقيقة، وهو ما يسمى بالكُبيْبة (Glomerulus ) الذي يحيط بها ما يُسمّى بمحفظة باومان (  Bowman’s cap.) يدخل الدم الكبيبة بضغط عال، ويُرشح سائل الدم خلال الفجوات الصغيرة الموجودة في جدران الأوعية الدموية الدقيقة (الشعرية) للكبيْبة، وفي الطبقة الداخلية لمحفظة باومان مُخلفاً وراءه خلايا الدم والبروتين. يمرّ الدم المرشح (السائل) خلال النُبيْبات (tubules) التي تكون بتماس مع أوعية الكُبيْبة الدقيقة. يُعاد امتصاص أكثر الماء ومحتويات الدم الطبيعية، وتعاد مرة ثانية إلى الجسم، بينما تمر كمية صغيرة من الماء والنفايات من الكلية إلى الحالب (ureter) ثم إلى المثانة (bladder) وبعدها إلى مجرى البول (الأخير) الذي يطرحها خارج الجسم.

ولكنْ عند حدوث السكري تتوسع الكلية وتظهر فعالية غير طبيعية بتخليص الجسم من المواد الضارة، ذلك أن كمية الكلوكوز الكبيرة التي تدخل الكلية (تسحب) ماءً كثيراً فتُصعِّد الضغط داخل الكبيبة. إن مرور الدم بسرعة في الكلية يدعى نسبة الترشيح الكبيبي (Glomerular Filtration Rate) أو GFR اختصاراً. وكما ذكر سابقاً، يثخن الغشاء الذي يحيط بالكبيبة في مرضى السكري، والتراكيب المجاورة أيضاً، فبذا (تضغط) على الأوعية الدموية الدقيقة، وتأخذ بعض مواضعها (أماكنها) مما تعيقها عن ترشيح كمية كبيرة من الدم. ولحسن الحظ أن ثمة مليونْي نفرون في الكليتين (مليون في كل واحدة منهما)، والجسم لا يحتاج إلى هذا العدد الهائل لترشيح الدم، ففقدان كلية واحدة لا يؤثر كثيراً على قيام الجسم بوظائفه المتعددة طبيعياً. ولكن إذا مضت مدة تقرب من (15) سنة بعد الإصابة بالسكري، دون أن ينتبه المريض، فإن تلفاً كبيراً قد يحدث مؤدياً إلى فشل الكلية. إن فشل الكلى هذا يعتمد على (عرْقية) المصاب، فقد وجد أن الأمريكان السّود أو الأمريكان المكسيكيين مثلاً يكونون أكثر عرضه لفشل الكلى من غيرهم .

 

العلامات المبكرة لفشل الكلية

تظهر علامات مبكرة تدل على أن فشل الكلية سيحدث. أهم هذه العلامات هو وجود جزيئات دقيقة من البروتين (ألبومين) في البول في حالة تدعى (مايكرو ألبومينوريا microalbuminuria).

وفي الواقع أنّ جزءً ضئيلاً من ألألبومين يخرج مع البول في الجسم الصحيح لا يتجاوز (20) ملغم في كل غرام كرياتنين (creatinine) –هذا إذا أخذ نموذج من البول اعتباطاً – أما إذا جمع البول خلال مدة 24 ساعة، وفحص الألبومين فيه، فيجب أن لا يتجاوز (30) ملغم. فإذا كانت الكلية تالفة جزئياً، لا تستطيع الاحتفاظ بالألبومين، بل تطرحه خارجاً مع البول. إن المايكرو ألبومين قد يكون موجوداً في البول أكثر من خمسْ سنين من الإصابة بالسكري، ولا يمكن كشفه في البول بواسطة أعواد التغطيس (dipsticks) لقلته، ولكن بواسطة المختبر. إنّ علاج هذه الحال وارد وناجح، إذا كان الألبومين لم يكشف بأعواد التغطيس، ولكن إذا كُشف، فهذا يعني أنه موجود بكمية كبيرة، وأن التلف الحاصل في الكلية متقدم، فالعلاج في هذه الحال لا يشفي الكلية ولكنْ يبطئ المرض من التفاقم.

وقد وجد العقار (الدواء) المسمى بمثبط الخميرة محوّلة الأنجيوتنسين (Angiotensin- converting enzyme )  والذي يكتب (ACEI) اختصاراً، ذا فائدة كبيرة في إصلاح تلف الكلية في هذه الحال. إذْ أنه بسيطرته على ضغط الدم العالي، والذي يستعمل لهذا الغرض، يُخفّض الضغط أيضاً داخل الكلية (داخل الكبيبة). كما أن استعماله مفيد أيضاً، حتى وإن كان المصاب بالسكري غير مصاب بضغط الدم العالي، ولكن استعماله ليس بدون تأثيرات جانبية، منها تسبّبه السّعال، الذي لا يتحمله البعض، وكذلك رفعه البوتاسيوم في الدم، وخصوصاً في حال تلف الكلية. إن كثرة البوتاسيوم في الدم تسبب خفقان القلب وتشوهاته. ولما كان هذا العقار يُنتج من شركات عدة، فالاختيار في هذه الحال مهم، إذْ أن بعضها يسبب تأثيرات جانبية أقل من غيرها.

 

التغيرات المتقدمة في الكلية

اذا مضت مدة أكثر من خمس سنين دون سيطرة على السكري، تتوسع (تنتفخ) الخلايا الموجودة بين الأوعية الدموية الدقيقة في الكبيبة، ويزداد طرح المايكروألبومين تبعاً لذلك. أما بعد (15) أو (20) سنة من الإصابة، وبدون سيطرة، تضغط الأنسجة على الأوعية الدموية الدقيقة، وتصبح كعقد (نتوءات) داخلية في حال تسمى التهاب الكلية أو مرضها (nephropathy) .وعند استبدال هذه النتوءات بالكبيبات، يقل ترشيح الدم شيئاً فشيئاً، فترتفع لذلك اليوريا مسببة فيما يُعرف بـ(يوريميا uremia). عندها لا تستطيع الكلية القيام بأي عملية تنظيف. وفي هذا أيضاً يطرح البروتين بكمية كبيرة في البول مما يسمى بالـ(بروتينوريا Proteinuria ). تكون النتيجة فشل الكلية. ولاختبار هذا الفشل أو عدمه يجري فحص (تطهير الكرياتينين creatinie clearance ). ففي الحال الطبيعية، وبعد جمع البول لمدة 24 ساعة، يكون التطهير (100) مليلتر أو أكثر في الدقيقة. أما إذا كان هذا التطهير (50) مليلتر في الدقيقة، فهذا يعني أن الكلية تقوم بنصف واجبها. أما إذا كان عملها يتراوح بين 20 و30 مليلتر في الدقيقة، فهذه علامة على أنّ ثمة خللاً في الكلية، ويكون استبدال كلية صحيحة (زرعها) بها، أو الإنفاذ/ الديلزة (dialysis) ضرورياً إذا كان هذا التطهير بحدود 10-15) مليلتر في الدقيقة.

إن مرض الكلية (nephropathy) مرض صامت، لا يشعر المصاب به، لأن علاماته عند حدوثه، تقع متأخرة جداً. إن بداية العلامات التي يجب على المصاب أن ينتبه إليها هي تورم (انتفاخ) الكاحل (رسخ القدم). لكن انتفاخ الكاحل له أسباب أخرى كثيرة، فلا داعي للقلق إنْ حدث هذا لدى الشخص العادي السليم.

عندما تكون وظيفة الكلية ضعيفة جداً تظهر على المصاب علامات فقر الدم والتعب المتواصل. يتطور هذا إلى إعياء شديد، حكّة، غثيان، تقيؤ وأخيراً قلة التبول. في هذه الحال لا تستطيع الكلية ترشيح المواد الضارة (السموم) التي تتراكم في الدم بكمية خطرة. واختبار هذه الحال تكون بواسطة المختبر لقياس هذه (النفايات) في الدم باختبار يدعى نتروجين يوريا الدم (BUN)  أو نتروجين يوريا المصل (SUN) أو كرياتينين المصل.

 

الأمراض المصاحبة لفشل الكلية

في الوقت الذي تفشل الكلية تماماً عن أداء وظيفتها يكون مرض الشبكية (Retinopathy) موجوداً دائماً – سيأتي شرحه بعد قليل – وكلما اشتد مرض الكلية يأخذ مرض الشبكية بالتقدم السريع. وعندما يكون مايكروألبومينوريا موجوداً، يُظهر المريض بعض مرض الشبكية أيضاً. ولكن ليس كل المرضى المصابين بمرض الشبكية يصاب بفشل الكلية.

ولكن لا يوجد تلازم بين فشل الكلية ومرض الأعصاب (neuropathy) إلا بمقدار (50) في المائة في أغلب الأحيان. ربما يرجع مرض الأعصاب إلى الفضلات التي لم ترشح من الكلية حال فشلها، إذ أن الإنفاذ (dialysis) عندما يبدأ، يختفي مرض الأعصاب.

كما أن ضغط الدم العالي يلعب دوراً هاماً في تقدم فشل الكلية. فقد وجد أن ثلث المرضى الذين يطرحون البروتين في البول (بروتينوريا) – وهى حال تبين إذا كان عود التغطيس (dipstick) موجباً – يُظهرون ضغط دم عالياً، بينما يكون ثلثا المرضى بفشل الكلية ذوي ضغط دم عالٍ.

وعندما تتجاور كمية البروتين في البول غراماً واحداً إلى غرامين في اليوم يقع الاستسقاء (edema) في القدمين والرجلين أيضاً.

 

العلاج

إن مفتاح تجنب فشل الكلية هو السيطرة على كلوكوز الدم. كما أن السيطرة على ضغط الدم العالي تلعب دوراً كبيراً. فبالإضافة إلى الامتناع عن تناول الملح بكمية كبيرة تستعمل أيضاً العقاقير المخفضة للضغط. وأهمها – كما ورد سابقاً – هي مثبطات الخميرة محولة الأنجيوتنسين (ACEI)، وهذه تخفض أيضاً مستوى الشحوم التي تسبب تلف الكلية، مثل الكوليسترول السيئ (LDL) . وهناك بعض العقاقير من عائلة (ستاتين statin ) مهمة جداً لاستعمالها من قبل المريض، إذْ أنها تخفّض الكوليسترول السّيء، وتزيد من كمية الكوليسترول الجيد (المفيد) HDL وكذلك تخفض الشحوم الضارة المسماة بثلاثي الكليسيريد (triglycerides) .

وبما أنّ المصاب بالسكري – نتيجة فشل أعصاب القناة البولية لا يستطيع تفريغ المثانة كاملاً بعد امتلائها يصاب ببعض الإصابات الجرثومية، يجب على المريض مراقبة هذه الحال ومعالجتها قبل أن تسبّب تلفاً في الكلية.

........................

*من كتاب (مرض السكّر والتعايش معه – دار الشروق – عمّان 2002)

 

إضافة معلومات  عن الكرياتنين

الكرياتنين هي جزيئة ناتجة عن تحطم الكرياتين الموجود في العضلات عند تحللها، وهو ناتج ضار، أي من الفضلات الموجودة في الدم نتيجة التأيّض والتي يجب أن يتخلص منها الجسم . لذا تقوم الكلية بهذه الوظيفة. فإذا كانت الكلية سليمة، فستقوم بطرح معظمه خلال مرور الدم فيها لتصفيته من هذه الفضلات الضارة، ويبقى قسم صغير منه يسري في الدم بنسبة معينة تتراوح بين O.6-1.2 mg/dL أو 60-120 ug/ml عند الرجل و 0.5-1.1 mg/dl (50-110 ug/ml) عند المرأة . أما إذا أصاب الكلية عارض أتلف جزءً منها فيرتفع مستوى الكرياتنين في الدم لعجز الكلية عن طرح كمية كبيرة منه، وكلما كان تلف الكلية أكبر يكون التخلص منه أقلَّ، فتزداد كميته في الدم، لذ يُستعمل قياسه في الدم مختبرياً  دليلاً على درجة فعالية الكلية وسلامتها أو نسبة التلف فيها . هذا التلف الذي يكون واضحاً جداً باستعمال التصوير الكلوي Renogram .  فالكرياتنين في الدم هو حاصل تصفية الكلية للدم، أي أنَّ وجوده بتركيز عالٍ في الدم يشير إلى أنّ الكلية مُصابة بتلف . أمّا إذا كان هذا التلف كبيراً جداً، يعني أكثر من ثلاثة أرباعها (أكثر من 75%)، فالشخص يحتاج إلى عملية الديلزة Dialysis ، هذا إذا كانت كلتا الكليتين عاطلة، لأنّ كلية واحدة سليمة أو نصفها أو ربما ثلثها قد يغني الإنسان عن الديلزة . تُستعمل نسبة اليوريا إلى الكرياتنين الموجودين في الدم أيضاً علامة على سلامة الكلية أو تلف جزء منها أو الفشل الكلوي .

 

ماجستير باثولوجي تجريبي

Royal Postgraduate Medical School –London

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1929 الخميس 03 / 11 / 2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1885 المصادف: 2011-11-03 05:35:11