 ثقافة صحية

ديمقراطية الخضار / فخري مشكور

بعد أشهر معدودة من تخرجه من كلية الطب لاحقته أجهزة القمع فتمكن من الهرب، فانتقموا منه باعدام

اثنين من اشقائه واعتقلوا والديه واخته فتفرقت العائلة ايدي سبأ في دنيا الله الواسعة ونالها من ضريبة الغربة وألم البعد عن الوطن ما يعرفه كل من اكتوى بهذه النار. لم يقض مرحلة الهجرة متسكعا او متكسبا، ولم يعش على التنظيم يوما واحدا، بل واصل تعليمه العالي وحصل على الاختصاص وكان الاول على دورته التخصصية في الدولة التي هاجر اليها، لكنه حرم من امتيازات الناجح الاول كونه عراقيا وليس ابن البلد، مع ذلك لم يكترث، فالمهم عنده بلوغه المقام العلمي الذي كان يرومه، إذ اصبح استاذا في كلية الطب في مهجره وبقي يمارس عمله المهني والاكاديمي حتى سقوط نظام البعث الهمجي.

عاد الى العراق فواجه عقبات ومصاعب ادارية ومعيشية وعجز عن معادلة شهادته لأنها شهادة حقيقية، ولأنه كان قد رفع رأس العراق عندما تخرج بترتيب الاول على تلك البلاد، فقد كان عليه ان لا يحرج اصحاب الشهادات المزورة واصحاب الالقاب المزورة فطوى كشحا وترفع عن منافسة تلك النظائر.

التقيته في ناد ثقافي دعاه لالقاء محاضرة طبية تثقيفية وكانت فرصة جيدة أتعلم فيها منه كيف نبسّط الحقائق العلمية كي تصبح مفهومة لغير المتخصص. قال في محاضرته:

■ الخضار هي مجموعة النباتات العشبية التي تصلح طعاما للانسان إما مباشرة وإما بعد الطبخ، وهي «مجتمع متعدد الطوائف» من الاغذية ذات الالوان المختلفة منها الاخضر كالفلفل، ومنها الاحمر كالطماطم، ومنها الاصفر كالبطاطا ومنها الاسود كالباذنجان ومنها الابيض كالقرنبيط، لكن اسم الخضار يغلب عليها لأن الاصل في الوان كل النباتات هو الأخضر، والخضار لا تنكر اصلها.

■ الاجزاء التي تؤكل من الخضار تختلف من نبتة الى أخرى، ففي بعضها تكون الاوراق هي المادة الرئيسة كالخس والملوخية والسبانخ والخرشوف وسائر خضار المائدة، وفي البعض الآخر تكون الازهار كما في القرنبيط، أو البصيلات كما في البصل والثوم، أو البذور كالباقلاء والفاصولياء، أو الثمار كالخيار واليقطين، أو الجذور كما في الجزر والفجل واللفت والشمندر.

■ عدا الحبوب تحتوي معظم الخضار على سعرات حرارية قليلة نسبيا إذا ما قارناها بالمصادر الحيوانية كاللحوم والشحوم، لذا فهي تناسب من يريد تقليل الوزن، تستثنى من ذلك الحبوب التي تشكل مادة رئيسة في الكثير من الوجبات (كالقمح والرز والشعير) لأنها تحتوي مقدارا عاليا من السعرات الحرارية يتراوح بين 300-400 سعرة لكل 100 غرام من هذه الحبوب.

■ بعض الخضار غنية بالزيوت كالزيتون والذرة وبذور عباد الشمس، وبعضها الآخر غني بالبروتين كالباقلاء والفاصوليا، وان لم تكن بغنى المصادر الحيوانية كاللحم والبيض والحليب، لكنها تصلح بديلا رخيصا عن البروتين الحيواني الذي لا يستطيع الفقراء شراءه.

■ تحتوي أيضاً على عدد من الفيتامينات كفيتامين C في الفلفل وفيتامين B في الاوراق الخضراء، وفيتامين A في الجزر، وفيتامين E. كما تحتوي على المعادن كالحديد والمغنيزيوم والبوتاسيوم والصوديوم.

■ البصل والثوم يحتويان على مواد قاتلة للجراثيم لذا يستفيد منهما الانسان لا لاعطاء نكهة للطعام فقط بل لتطهير الامعاء ايضا.

■ وتحتوي الخضار على كميات كبيرة من الالياف التي لها أكثر من فائدة رغم ان المعدة لا تهضمها، والامعاء لا تمتصها.

 

دور الألياف

وعندما وصل الحديث الى الألياف أسهب الاستاذ في الحديث عنها، قال: الألياف هي المكون الاساسي للكثير من الخضار خصوصا الورقية منها، والألياف عبارة عن خيوط صلبة نسبيا تعطي النبات هيكله وشكله، وهي تتكون من مادة السليلوز الذي يتألف من اوكسجين وهيدروجين وكربون، وهو تركيب الخشب نفسه الذي تتكون منه جذوع الاشجار وأغصانها وجذورها.

كيميائيا يحتوي السليلوز على طاقة كبيرة مخزونة لكن الجهاز الهضمي للانسان عاجز عن هضم الالياف السليلوزية لأنه يفتقد العصارات الهضمية القادرة على تحليل وتفكيك السليلوز. في المقابل جهّز الله الحيوانات غير اللاحمة بالقدرة على هضم السليلوز حيث جعل في جهازها الهضمي خمائر متخصصة في تحليل السليلوز وتحويله الى سكر تمتصه امعاء الابقار والاغنام وغيرها. ومن رحمة الله بالحيوان ان وهبه ما لم يهب الانسان من العصارات الهاضمة للسليلوز، ولو كان للانسان هذه العصارات لما ترك لهذه الحيوانات ورقة خضراء واحدة تدخل جهازها «الهضمي»، وقد شهدنا كيف التهم الجهاز «القضمي» للزعماء معظمَ الأوراق الخضراء تاركين شعب بوركينافاسو يعاني من الحرمان.

لكن هل تخلو الالياف السليلوزية من فائدة للانسان طالما ان طاقتها غير قابلة للانطلاق؟

الحقيقة ان الفائدة ليست محصورة في الطاقة، بل ربما تجر الطاقة على الابدان من الشقاء كما تجر على البلدان من البلاء. وكما يتعرض البلد الغني بالطاقة الى مطامع الغزاة وفساد العتاة، فان الجسم وبسبب الطاقة الزائدة يتعرض لاخطار الاصابة بالسمنة والسكري وامراض المفاصل (بسبب ثقل الوزن) وأمراض الجهاز التنفسي وغير ذلك. ان فائدة الالياف تكمن في كونها لا تتحول الى طاقة داخل الجسم، بل تدخل القناة الهضمية وتخرج منها دون ان يصيبها اي تغيير كيميائي (أي دون ان تُهضم)، فكيف يستفيد الجسم منها اذن؟

تلعب الألياف دورا حيويا في تنشيط حركة الامعاء ومنع الامساك، وذلك يعود الى الخاصية التي تتمتع بها الامعاء المكونة من عضلات ملساء تعمل كالمطاط أو النابض: اذا سحبت ارتدت. وتستفيد الالياف من هذه الخاصية للامعاء بسبب كون الالياف غير قابلة للهضم فتبقى كما هي كتلة غير ذائبة تمر في القناة الهضمية من دون ان يتضاءل حجمها فتسبب تمددا لعضلات الامعاء الملساء ويكون رد فعل العضلات انها تتقلص كلما سُحبت، فيؤدي التقلص الى دفع الكتلة السليلوزية الى الامام (في اتجاه المخرج)، وكلما وصلت هذه الكتلة الى منطقة جديدة من الامعاء حصل الشيء نفسه: تتمدد الامعاء (بسبب حجم الكتلة) ثم تتقلص لتدفعها الى الامام. وبهذه الطريقة تستمر الامعاء بالحركة النشيطة فتدفع فضلات الغذاء نحو نهاية القناة الهضمية.

ولهذا يُنصح المصابون بالامساك بالاكثار من تناول الخس واللهانة وسائر الخضار الورقية للاستفادة من اليافها التي لا تُهضم.

 

الطبخ والتقشير

وما يمتاز به الانسان عن الحيوان هو انه يطبخ طعامه قبل ان يأكله، بينما يتناول الحيوان طعامه نيئا. ان الطبخ يؤدي الى تبديل مذاق الطعام بفعل الحرارة، فيجعله مستساغا ولذيذا، كما يؤدي الى تليينه ليصبح أسهل هضما. لكن عملية الطبخ لا تخلو من اضرار أهمها تلف بعض المكونات الغذائية الحساسة للحرارة. الأمر ينطبق على الفيتامينات التي تحتويها الخضار خصوصا فيتامين C وفيتامين B. أما فيتامين A فهو مقاوم للحرارة، وهنا نواجه مثلاً آخر لتطابق القدرة الالهية مع الرحمة بالبشرية، فالخضار التي تحتوي على فيتامينات تتلف بالحرارة هي خضار لينة لا تحتاج الى طبخ كالفلفل والخيار، اما ما يُطبخ كالجزر فيحتوي على فيتامين A الذي لا يتلف بالحرارة.

الى جانب الطبخ فان التقشير قد يؤدي الى فقدان بعض العناصر الغذائية للخضار، فالاجزاء الخارجية من الخضار والتي كانت تستقبل نور الشمس قبل قطافها تختزن مواد لا تتوافر في الاجزاء الداخلية، لذا فان الاسراف في تنطيف أو تقشير الخضار يحرم الانسان من بعض فوائدها، وكلما أمكن تناول الخضار (والفواكه) من دون تقشير كان ذلك أفضل. [طبعا هذا الكلام لا ينطبق على الرقي والبطيخ].

 

تنظيف الخضار

عند تنظيف الخضار وتقشيرها ينبغي مراعاة الاستغناء عن أقل جزء ممكن منها، أي لا يستغنى إلا عن الجزء الفاسد فقط. تغسل الخضار جيداً ليس فقط لإزالة القاذورات والطين لكن لإزالة المبيدات الحشرية السامة أيضاً، لذا يجب نقع جميع الخضار بالماء والملح لمدة عشر دقائق فقط ولا تزيد، فهذا يخلصها من المواد الكيميائية المضافة لها أثناء الزراعة. تغسل الخضار قبل تقطيعها مباشرة، كي لا تفقد الكثير من الفيتامينات والأملاح المعدنية.

 

بعد المحاضرة غادر المحاضر القاعة على دراجته الهوائية وسط دهشة الحاضرين، لكن مدير النادي الثقافي اوضح للمندهشين ان الرجل اضطر لاستخدام الدراجة كما اضطر لأن يصبح نباتيا بعد تقاعده في ديمقراطية الخضار براتب 300 دولار فقط.

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2317 الاربعاء  02 / 01 / 2013)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2311 المصادف: 2013-01-02 13:41:11