 ثقافة صحية

علاج الجين .. أهو طبّ المستقبل؟

bahjat abaasربما يجد القارئ متعة أو فائدة في هذا الموضوع الذي يركّز عليه الباحثون في علاج الأمراض الجينية المستعصية الي يرونها الطريق الأمثل أو الأوحد لعلاجها وإنقاذ المصاب بها منها. وقد ارتأيت أن أقتبس من كتابي (عالم الجينات – عمّان -1999) بعض المقتطفات "بين قوسين"، ليكون القارئ غير المتخصّص على دراية بهذا النوع من العلاج، حيث لم يتغيّر ما كُتب حينذاك " قبل 15 عاماً " عمّا هو عليه الآن حول مفهوم "علاج الجين Gene Therapy " وطرقه المتنوّعة.

(يمكن تعريف علاج الجين بأنّه معالجة الأمراض الوراثية والمُعْـدِية بإضافة، إدخال، أو تبديل جين أو جينات، فهو في الحقيقة تبديل نتاج الجين المشوه أو العاطل أو العاجز عن العمل أو تصحيح الجين الشاذ، ومن هنا يتبيّن بأنه تحوير جيني للخلايا لمقاومة الأمراض . يتضمن هذا التعريف انتقال جينات مستنسَخة، قطع جينية ثنائية الشريط، جينات من جينوم آخر، قطع صغيرة من النيوكليوتيدات (Oligonucleotides) أو جينات اصطناعية، كجينات ضد الإحساس (Antisense genes)، وهذه الأخيرة هي قطع نيوكليوتيدات تُصنع لتربَط بالدنا أو الرنا فتغلق إفصاحها.

إنّ انتقال مثل هذه الجينات إلى خلايا الفرد تحوِّر (تغيّر) هذه الخلايا، وفي الغالب يُصمّم علاج الجين ليؤدي إلى تغيير الخلايا المريضة، وقد يُصمّم لينشّط خلايا المناعة. من شروط علاج الجين أن يكون الجين المتورط مستنسَخاً ( cloned ) وأنّ الخلايا المستهدَفة مُشخَّصة وأخيراً إنّ الجين الغريب الذي يدخل في العملية يجب أن يكون فعّالاً وغير ذي ضرر.)

كيف يتم هذا؟

(تستعمل الفيروسات، وخصوصاً ريتروفيروسات Retroviruses في علاج الجين. لأنّ هذه الفيروسات هي أكثر الفيروسات المستعملة في هذا المضمار. يتكون الريتروفيروس من جزيئة رنا ويملك فعالية الخميرة ريفيرس ترانسكريبتيس   Reverse transcriptaseتمكنه من صنع رنا متمِّمة، وهذه الأخيرة تندمج في دنا الكروموسوم (كروموسوم الخلية). الفيروس الأولي Provirus يكون وسادة (قالب) لإنتاج الرنا الرسول لمختلف منتجات جين الفيروس والرنا الجينومية للفيروس وإذا كان البروفيروس مندمجاً بقوة مع الخلايا الأولية Stem cellsالمتكاثرة، ترث كل الخلايا التالية نسخة من جينوم الفيروس. يجب أن تُعالج الريتروفيروسات المستعملة في علاج الجين حتى لا تستطيع تكرار ذاتها Replication، فبهذا لا تستطيع أن تسبب تأثيرات جانبية مصحوبة بالعدوى).

(الغاية من علاج الجين هي ضرورة علاج الأمراض التي ليس لها علاج فعال. وعلاج الخلايا الجسمية هي الجارية في الوقت الحاضر. أما علاج أو تحوير جين الخلايا الجنسية فلها محظورات أخلاقية إذ أنّ تحوير خلايا خط الخلية الجنسية "أوائل الخلية المخصَّبة Zygote " لتبديل صفات الفرد، يُعتبر أعمالاً غير مشروعة. وهذا يتطلب تحوير المواد الجينية للكروموسوم (كاندماج جين غريب فيه)، وإن استمال الناقل Vector لإنجاز هذه المهمّة لا يسمح بسيطرة تامّة على اندماج الجين في الوقع المطلوب. :ما إنّ إدخال ريتروفيروس المركّب بالهندسة الجينية في جين هامّ قد يؤدّي إلى تشوه خطر يؤدّي إلى مرض وراثي غريب – المصدر أعلاه) .

(إنّ ثمة طريقتين رئيستين تستعملان في نقل الجينات في نقل الجينات في علاج الجين:

1. نقل الجين المستَـنسَخ (فتح السين الثانية) خارجاً –ويتضمن هذا نقل الجينات المستـنسَخة في خلايا تكاثرت بزرعها، تُنتقى الخلايا التي تحولت بنجاح، ويتم تكاثرها خارج الجسم (in vitro )، وبعدئذ تُدخل إلى جسم المريض . تُجمع الخلايا أولاً من المريض ثم تُعامَل لتنمو قبل أن تُعاد إلى المريض.

2. نقل الجين داخلاً "داخل الجسم الحي in vivo " – وهذا يعني نقل الجينات المُستـنسَخة مباشرة إلى أنسجة المريض. تُستعمل هذه الطريقة في حال كون الخلايا لا يمكن زرعها خارج الجسم، كالخلايا الدماغية مثلاً. أو لكون الخلايا لا يمكن إعادتها إلى المريض . تُستعمل اللايبوزومات وبعض النواقل الفيروسية "Viral vectors " لهذا الغرض).

(الحال الوحيدة لعلاج الجين التي نجحت كانت في 14 أيلول 1990 للطفلة أشانتي دي سيلفا البالغة من العمر أربع سنين، والتي كانت تعاني من اضطراب وراثي متراجع نادر وهو قلة الخميرة أدينوسين – دي أمينيس Adenosine deaminase (ADA). هذه الخميرة (إنزايم) الموجودة في أنواع عدّة من الخلايا الجسمية، ضمنها خلايا المناعة المعروفة باللمفاوية – تي Lymphocyte –T . قام بهذه البروفيسور فرينتش أندرسون French Anderson ورفاقه وتضمنت أربع خطوات:

1. استنساخ جين ADA في ناقل ريتروفيروسي Retroviral vector .

2. نقل مركب ADA إلى الخلايا اللمفاوية – تي المأخوذة من المريضة أشانتي والمزروعة، لغرض إصابة هذه الخلايا اللمفاوية بهذا المركب الفايروسي الحاوي على جين الـ ADA، أو بالأحرى لإدخال جين الـ ADA بالخلايا اللمفاوية – تي .

3. تشخيص الخلايا اللمفاوية – تي المتّحدة بهذا المركب، عزلها وزرعها.

4. إدخال هذه الخلايا مرة أخرى إلى المريضة أشانتي.

(أثناء طبع الكتاب أظهرت شبكة الـ سي أن أن يوم التاسع من كانون الثاني 1999 الطفلة أشانتي وهي في عامها الثاني عشر تلعب الكرة مع زميلاتها.)

يحتوي الجين على الدنا، وكل جين لا يعمل بانتظام يسبب المرض. علاج الجين يعمل على إحلال الجين السليم محل الجين العاطل أو المشوه (المريض) أو يضيف جيناً أو جينات جديدة ليعالج المرض أو يشفي المريض منه. مثل السرطان، السكري، التليف الكيسي النزف والايدز. علاج الجين في الوقت الحاضر يُجرب على الحيوانات في الولايات المتحدة على الأقل.

تعالج اللوكيميا حالياً بحقن الخلايا تي T-cells بجينات تهاجم السرطان ثم يتم إدخال هذه الخلايا مرة أخرى إلى جسم المريض في حال عدم استجابة المريض للعلاج الكيمياني.

يوجد حوالي 5000 مرض جيني مثل التليف الكيسي cystic fibrosis الذي يُصيب أوروبا الشمالية ويتميز هذا المرض، بأن الجين CF الذي يسببه، كبير جدا (أكثر من 230 ألف قاعدة نتروجينية) وينتج بروتيناً ذا (1480) حامضاً أمينياً. يقع هذا الجين على الذراع الطويلة للكروموسوم السابع، ويكون هذا المرض وراثيّاً متراجعاً حيث تكون الإصابة عادة في الأفراد البيض، واحد من كل ألفين، أما في السود، فواحد من كل 90 ألف. تكون الإصابة في الأعضاء المبطنة بالخلايا الظهارية epithelial cells مثل القناة التنفسّية والقناة المعوية. إنّ عدم القدرة على التخلص من المادة المخاطية mucus من هذه الأعضاء يؤدي إلى انسداد معوي في الطفولة واصابة متكررة في الصدر. وهذه الأخيرة تؤدي إلى إضعاف المناعة ضد الجراثيم مما يؤدي إلى تكاثرها وتجمعها كظاهرة للمرض الذي يؤدي في الأخير إلى فشل الجهاز التنفّسي والموت.

والمرض الأخر هو مرض تاي-ساخس Tay-Sachs Disease الذي يصيب اليهود الأشكينازيين نتيجة تشوّه الجين هكسا HEXA GENE الذي يؤدي إلى تجمّع الفضلات السامّة في الخلايا العصبية والدماغ مما يؤدي إلى تلفها، وهو مرض نادر. وهناك مرض يُصيب الأفارقة الأمريكيين خاصة ألا وهو فقر دم الخلية المنجلية Sickle Cell Anaemiaنتيجة إحلال جزيئة الحامض الأميني فالين محل الحامض الأميني كلوتاميك في المركز السادس من سلسلة بيتا للهيموغلوبين وهو نتيجة تشوه الجين HBB .

علاج الجين يكون على نوعين: الأول هو علاج الخلية الجسدية somatic cell ويتضمن تصليح الجينات المشوه في أيّ خلية جسدية في الفرد مثل الرئة، الكلية، والمعدة وغيرها. لا ينتقل الجين (المصّلح) إلى ذريّة الفرد. والثاني: تصليح الجينات في الخلية الجنسية، وهذا ما ينتقل (يورث) إلى ذرية الفرد. العلاج، كما ذكر أعلاه، بأخذ جين سليم وحقنه في ناقل (فيروس غير مؤذٍ) وحقنه في خلية الفرد المصاب، وقد استعملت هذه الطريقة، فكان ما يزيد على 500 تجربة في العالم حتّى الآن. والمشكلة هنا هي أنّ الجسم قد لا يدرك أنّ هذا الفيروس غير ذي أذى وأنّه يحمل جيناً (جيداً)، فيبدأ بمهاجمته. والمشكلة الثانية هي أن الفيروس قد يُضلّ طريقه إلى الخلية الهدف، فتكون النتيجة عدم إنتاج البروتين المطلوب. وبالرغم من هذا فقد صرّح العلماء في فرنسا عام 2000 بأنهم عالجوا بنجاح أطفالاً كانوا يشكون من نقص أو خلل في المناعة حيث ولدوا بلا مناعة فعّالة . ولكن في عام 2007 ظهر أنّ أربعة من عشرة أطفال عولجوا من بعض أنواع نقص المناعة أصيبوا باللوكيميا (ابيضاض الدم)، غير أن 17 مريضاً عانوا من هذا المرض وعولجوا خلوا من اللوكيميا والسرطان.

 

السرطان وعلاج الجين

أهمّ هدف لعلاج الجين هو السرطان. إنّ الجين P53 يعتبر حارس الجينوم، فإذا وجد انحرافاً في أحد الجينات أوعز إلى الجينات الأخرى بالقيام بإصلاحه، وإن لم يكن الإصلاح ممكناً أوعز بقتله، وإن وجد كثيراً من الجينات منحرفة شارك مع الجينات الأخرى بقتلها وقتل نفسه فيقتل الخلية ليُنقذ الخلايا الأخر من شرها، لذا سمّي بالجين الانتحاري. أما إذا كان هذا الجين ذاته منحرفاً، مشوّها (مخموراً) لا يدري بما يدور حواليه، عند هذا تلعب الجينات كما تشاء من دون سيطرة، فتقود الخلية إلى الانحراف (السرطان) ومن ثم موت الجسم.

لذا وجد الباحثون أنّ 50% من حالات السرطان كان الجين P53 مشوهاً فيها. هذا الجين طويل ومعقد وقد يتأثر بالبيئة فيصيبه العطب، فقد وُجد أن دخان السكائر تصيبه من ثلاثة جوانب . ربما يأتي اليوم الذي يمكن معالجة السرطان بتبديل الجين P53 المعطوب.

وفي سنة 2006 استطاع العلماء في ماريلاند ان يعالجوا سرطان الجلد المنتشر (الميلانوما) بتعديل الخلايا تي T-cells لتستهدف السرطان ذاته.

يستعمل علاج الجين في (تصحيح) الجين المشوه أو الجينات المنحرفة في البيضة المخصبة، ولكن الذكاء قاد الباحثين إلى تجنب استعماله والتعويض عنه بطريقة أخرى، ذلك بتخليقهم عدة بيوض مخصبة وفحصها لمعرفة (صحة) جيناتها وخلوها من مرض جيني. فإذا كانت البيضة المخصبة تحتوي على جين أو جينات ذات انحراف يؤدي إلى مرض أو عاهة تُتْـلَف، وتُختار البيضة الخالية من الجينات المعطوبة لتُزرَع في رحم الأم. استعملت هذه العملية في بروكلين في أمريكا لليهود الأورثودوكس الذين يعانون أكثر من غيرهم من مرض تاي ساخس الذي مرّ ذكره.

 

السرطان

السرطان مرض جيني من حيث الأساس نتيجة التعرض للفيروس، المواد الكيميائية، الإشعاعات أو عن طريق الصدفة في البيئة الملوثة من طعام وشراب وهواء وغير ذلك. يتضمن تغييراً (تشوهاً) في الجينات.

تموت الخلايا عادةً عندما يدنو أجلها بموت طبيعي يُطلق عليه (التساقط apoptosis ) ولكن الخلية السرطانية لا تموت وتفقد السيطرة على إنتاجها فتستمر. يوجد عادة نوعان من الجينات في هذا الخصوص؛ جينات سرطانية oncogenes وجينات قامعة الورم tumour-suppressor genes . هذان النوعان يعملان كما تعمل دواسة البانزين والبريك (الفرامل) في السيارة. فعندما تضغط على دواسة البانزين تتحرك السيارة وعندما تدوس على البريك تتوقف السيارة عن الحركة. ولكن إذا أصاب دواسة البانزين عطل ، كالتصاقها أسفل، يعني إدامة إعطاء المحرك البانزين دون انقطاع دون إرادتك، فتفقد السيطرة عليها وتسير دون توقف خصوصاً إذا كان البريك عاطلاً. وهكذا الأمر مع الجينات القامعة، إذا أصابها التلف، تمضي الخليّة في انقسامها وتكاثرها دون توقف.

دُرس جينوم السرطان بالتفصيل عام 2009 وخصوصاً ما يتعلق بسرطان الرئة الذي وُجد أنّه يحتوي على 23 ألف تشوه، بينما الميلانوما (سرطان الجلد) تحتوي على 33 ألف تشوه. وهناك أنسجة سرطانية في الجسم تحتوي على عشرات الألوف من التشوهات. أما العلاج المستعمل في التخلص منه فيكون:

1.تجويع الخلايا السرطانية وخنقها بحبس المواد الغذائية والدم إلى الورم حتى لا تنمو.

2. جزيئات النانو التي هي مثل (القنابل الذكية) التي تصيب الورم مباشرة.

3. علاج الجين، ودور الجين P53 .

4.أدوية تستهدف الفيروس الذي يسبب السرطان مثل فيروس البابلّوما Human papilloma virus (HPV) الذي يسبب سرطن عنق الرحم.

يركز الباحثون في علاج الجين على معالجة الأمراض التي تنشأ من تشوّه جين واحد فقط. ولكنّ كثيراً من الأمراض تنشأ من تشوّه عدة جينات مع تأثير البيئة عليها، وهنا تتجلّى صعوبة معالجة هذه الأمراض مثل مرض السكّر، الشيزوفرينيا، الرُعاش، وأمراض القلب. ولكنّ العلماء يعتقدون بأنّ علاج الجين سيسود في منتصف هذا القرن، ليس (تصليح) الجين فحسب بل و(تحسينه) أيضاً، كإنتاج أطفال حسب الطلب من حيث الذكاء والجمال والرشاقة وقوة العضلات وغيرها، وهذا هو الطموح في مثل هذه العلوم.

.

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب والمترجم القدير
انتهز هذه الفرصة لاقدم لكم , عيد سعيد وكل عام وانتم بالف خير بالصحة والعمر الطويل وراحة البال , لتتحفنا بروائعك الادبية التي تؤمن بالانسان اعظم قيمة في الوجود , مع تحياتي القلبية

This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب القدير الذي تُسعدني مقالاته جمعة عبد الله ، شكراً وألف تحية على إطلالتك الكريمة وتهنئتك بمناسبة العام الجديد الذي أتمنى وأرجو أن يكون حافلاً بالصحة والعافية والسلام والطمأنينة لكل الطيبين في هذا العالم الصاخب.
مودتي وباقة ورد جوريّ

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2677 المصادف: 2014-01-03 00:21:37