 ثقافة صحية

التدرن واشياء اخرى (6)

rafed alkozaiان معركة عصيات كوخ مع جهاز مناعة الانسان والخلايا اللمفاوية خصوصا في تفاعل قتالي واضح في تطويق وتقويض العصيات في مناطق معزولة في الرئة او الغدد اللمفاوية محاطة بالتليف المصطنع نتيجة القتال المناعي الجرثوي يقول استاذنا الجراح النطاسي خالد ناجي ويؤيده الاستاذ الدكتور سالم الدملوجي ان 90% من سكان العراق مصابين بالتدرن الاولي في الغدد اللمفاوية القريبة من القصبات الهوائية وكأن هنالك استعداد وراثي ومناعي للاصابة بالتدرن لدى العراقيين كافة من كرد وعرب وتركمان واثوريين ومسيح وصائبة وكأن التدرن يوحدنا في المأساة كما الارهاب الاسود لايفرق بيننا وان هذه العصيات تبقى كامنة جبانة خاملة في الغدد اللمفاوية منتظرة ضعف جهاز المناعة والجسد حتى تشتشري بنا من جديد وتغزو خلايا وانسجةالجسم كافة ماعدا الشعر والاظافر مع تيارات الدم وهكذا من مضعفات او منهكات جهاز المناعة هو الخمر والتبغ وسؤ التغذية وداء السكر والشيخوخة ةمرض السكر والادوية المثبطة لجهاز المناعة مثل الستيروديات والهايدروكورتيزون زهنالك عامل مهم في انهاك جهاز المناعة الانساني هو الخوف والقهر والاحساس بالظلم والقلق كما أنه من المعروف أن بعض المصابين يتعافون من السل بدون علاج، وقد لا يعرف أن الشخص أصيب بالسل إلا بالصدفة عند أخذ صورة أشعة أو تشريح الجثة بعد الوفاة ورغم ان الدراسات العلمية قاصرة في اثبات اسباب ذلك ولكنه هو الواقع واليوم لناخذ احدى مرضى التدرن الذين اصابهم هذا المرض مقتل وهو الشاعر الكبير بدر شاكر السياب في دراسة تحليلية تجمع بين الطب والادب لتضفي على الموضوع سلاسة ونكهة للقرأة الممتعة.

بدر شاكر السياب' ولدفي محافظة البصرة في جنوب العراق (25 ديسمبر 1926 - 24 ديسمبر 1964)، شاعر عراقي وهو يعد واحداً من الشعراء المجددين المشهورين في الوطن العربي في القرن العشرين، كما يعتبر أحد مؤسسي الشعر الحر في الأدب العربي.

لقد عاش يتيما فَقَد والدته عندما كان عمره ست سنوات وكان لوفاة أمّه أعمق الأثر في حياته فقد كتب عن معاناته اليتم في قصيدته المشهورة مطر ...مطر:

كأنّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينام:

بأن أمه - التي أفاق منذ عام

فلم يجدها، ثم حين لجّ في السؤال

قالوا له : " بعد غدٍ تعود …" -

لا بدّ أن تعود

وإن تهامس الرفاق أنها هناك

في جانب التل تنام نومة اللحود

تسف من ترابها وتشرب المطر،

هكذا يصف معاناة اليتم والوحدة عن الام وعن غيابه عنه وكذب الاهل الكذبة الاولى انها مسافرة وستعود انه سيبقى ينتظر الامل الكاذب بالعودة وهو طريقة بسيطة لتعليمنا الرضا بقدرنا وحالنا وهكذا بقى الاحساس له بان المطر سيبلل جسد امه المسجى في التراب ليكون المطر لعنة له وليس نعمة مطر يؤدي بسكان الجنوب للهجرة والشعور بالضياع نتيجة فيضان النهر واتلاف المحاصيل والمنازل وينشر الجوع والخوف انه احساس مزدوج باليتم وتبليل جسد الام المسجى في التراب والاحساس بالغرق والموت وقد تركت هذه المتلازمة من الخوف من المطر ماثر شعرية لشاعرنا المحبط بالخوف والالم ولقد اثبتت الدراسة العلمية الحديثة ان هنالك علاقة بين اليتم وضعف جهاز المناعة والقابلية للاصابة بالامراض المختلفة مثل الربو والحساسية الجلدية وداء السكري والكساح وقصر القامة وسؤ الامتصاص والهزال وهكذا عاش شاعرنا هزيلا نحيفا فهو من سكان منطقة فقيرة هذه القرية جيكور (جيو كور) المعربة من الفارسية الى (اعالي الجدول) تابعة لقضاء أبي الخصيب الذي أسسه (القائد مرزوق أبي الخصيب) حاجب الخليفة المنصور عام 140 هـ   شهدت عبر التاريخ ثورة الفقراء من الزنج ونتيجة هذا التخالط مع هولاء الاسلاف اصيب ابنائها بفقر الدم البحري (فقر دم البحر الابيض المتوسط ) وفقر(الدم المنجلي) المستشري في افريقيا هذه الاختلاط التاريخ اثر وراثيا على ذهنية شاعرنا عبر الجينات المتوارثة ليكون شاعرا ثائرا ناقما معارضا على واقعه الاليم بحثا عن الحرية والازدهار لوطنه العراق ولكن هذا الجسد الهزيل العليل منذ الصغر المصاب بالكساح فالشكوى المرضية الرئيسية للشاعر بدر شاكر السياب هي "الكساح" ويقصد بها ضعف الرجلين، والأصل اللغوي للكساح هو أن الإنسان إذا ثقلت رجله في المشي صار إذا مشى يجرها جراً كأنه "يكسح الأرض" أي يكنسها برجله وقد عبر شاعرنا عن اصابته بمرض الكساح حيث قال:

كسيحٌ أنا اليوم كالميتنْ،

أنادي فتعوي ذئاب الصدى في القفار

" كسيحْ ٌ كسيحٌ وما من مسيح ".

ويا ليتني مت .

انه مرض الكساح او مايسمى كساح الأطفالأو الرخد (rickets) أو لين العظام كما يسمى حاليا في الأطفال (الاسم القديم للمرض هو الكساح )هو مرض يصيب الأطفال نتيجة خلل في ترسيب معادن العظام كالكالسيوم والفوسفور أثناء مرحلة النمو، ونتيجة لذلك تصبح العظام هشة سهلة الكسر وذات انحناءات وتشوهات شكلية. يمكن للرخد أن يصيب الكبار، ويسمى عندها: تلين العظام او ترقرق او هشاشة العظام وان الاطفالالأكثر عرضة للإصابة بمرض الرخد (لين العظام في الأطفال) هم:-

 

   الأطفال الرضع الذين يرضعون طبيعياً من ثدي أمهاتهم ولا يتعرضون لأشعة الشمس هم ولا امهاتهم.

   الأطفال الذين لا يشربون اللبن، مثل أولئك الذين لديهم حساسية من اللاكتوز.

إذا كانت الأم تعاني من انخفاض مستويات فيتامين د أثناء الحمل، قد يصاب طفلها الرضيع لين العظام عند الولادة، وهذا غالبا ما يشار إلى أنه لين عظام خلقي.

ومن خلال مراجعتنا لهذه الاسباب المحتملة ان وفاة امه المبكرة وهي شابة ورغم ان الكتابات عن السياب لم تذكر اسباب وفاتها ولكن السياب ولد في منطقة مشمسة وهي البصرة وابو الخصيب مشتى العراق المشمس مدينة النخيل والحناء اذا يرجح لنا الاسباب الاخرى وهي سؤ الامتصاص وحساسية الالكتوز وهي مرض سؤ الامتصاص يؤدي الى الاسهال المزمن والهزال وترقرق العظام وفقر الدم وكل هذه الامراض لدى شاعرنا و التي تمنع صاحبها من تناول الالبان والذي وصفه إحسان عباس بقوله:

بدر شاكر السياب غلام ضاوٍ نحيل كأنه قصبة، رُكب رأسه المستدير، كأنه حبة الحنظل، على عنقٍ دقيقة تميل إلى الطول، وعلى جانبي الرأس أُذنان كبيرتان، وتحت الجبهة المستعرضة التي تنزل في تحدّب متدرّج أنف كبير يصرفك عن تأمله أو تأمل العينين الصغيرتين العاديتين على جانبيه فم واسع، تبرز الضبة العليا منه ومن فوقها الشفة بروزاً يجعل انطباق الشفتين فوق صفَّي الأسنان كأنه عمل اقتساري وتنظر مرة أخرى إلى هذا الوجه الحنطي، فتدرك أن هناك اضطراباً في التناسب بين الفك السفلي الذي يقف عند الذقن كأنه بقيّة علامة استفهام مبتورة وبين الوجنتين الناتئتين وكأنهما بدايتان لعلامتي استفهام أُخرَيَيْن قد انزلقتا من موضعيهما الطبيعيَّيْن.

ان هذا الاضطراب الشكلي جعل شاعرنا يتمنى الموت مبكرا مستنجدا بالسيد المسيح لكي ينقذه وهي استنجادا ينم عن معرفة فكرية دينية فلسفية ان سيدنا المسيح وحده من البشر القادر على اعادة الحياة واعادة تكوين الوجوه وتغيير العيوب الخلقية وشفاء الامراض من برص وجذام وكساح.

كسيحٌ أنا اليوم كالميتنْ،

أنادي فتعوي ذئاب الصدى في القفار

" كسيحْ ٌ كسيحٌ وما من مسيح ".

ويا ليتني مت .

وهكذا تكون جدلية الموت لدى السياب حاضرة لان لا مسيح الان على ارض المعمورة وهو غائب في السموات العلى ومصلوب على الارض وهكذا نرى ازدواجية الموت والمطر والمسيح والامل......

ولقد اثبتت الدراسات العلمية في الوقت الحالي ان هنالك علاقة بين نقص فيتامين دي والاصابة بمرض السل او التدرن ومضاعفاته وهكذا كان السومريين القدماء يعالجون المصابين بالسل بالحليب الساخن المشبع بالعسل والتشميس والان حسب توصية منظمة الاطباء الامريكيية للامراض الصدرية على اعطاء المصابين بالسل او التدرن فيتامين دي مع الكالسيوم بلاضافة الى العلاجات الاخرى لتساعد في سرعة الشفاء والاستجابة للادوية ورفع جهاز المناعة.

ان الياس من الجمال الجسدي والعلل والامراض التي تحيق بالوطن وعذابات الشعب جعلت من السياب ان يكتب في مقالته (ضال في غابة جنة الليل) يقول فيه :

"أولئك الناس الذين ضلوا مثلي ثم تلاشوا أمام ظلمات الليل...إني أسمع حشرجتهم ...وأرى جماجمهم الصفراء تطل علي بمحاجر كأنها قبور مظلمة، وكأني أسمع نداءً خفياً من أولئك الأموات ، إنهم يقولون: إني ضيفهم الليلة، يا للهول.

" كم أتحسر على تلك القرية النائية الجميلة بحقولها الخضراء التي تتسابق فيها الجداول التي واصلت بين ضفافها جسور صغيرة من جذوع النخل، هذه الجسور تشبه قلبي، قلبي الذي تعبر عليه حوادث الزمان ونوائبه، وهو معروض على ينبوع الحب ولكنه يرى المياه ولا يشربها,,

نعم انه يرى المياه ولايشربها الماء الذي خلق الله من كل شيء حي الماء الخالد الذي بحث عنه كلكامش ليعيد الحياة لصديقه انكيدوا ليعطيه الخلود وهو يتناص مع جبران خليل جبران صريع السل هو الاخر في الحرمان من المياه حبا بالموت والانزواء في امة ميته اصلا.

انها متلازمة الخوف من المطر والحلم بالمنقذ المخلص الذ سينشر على الارض السلام والعدل والامان ويعطي للوجوه المتعبة نظارتها من جديد انها بحثا عن مسيح ولكن يشكل اخر انها الحرب الفكرية في عقليته من قرائته عن الرجل المنقذ للزنج والمسلمين والانسانية :

ومنذ أن كنا صغار ، كانت السماء

تغيم في الشتاء

ويهطل المطر،

وكلّ عام - حين يعشب الثرى - نجوع

ما مر عام والعراق ليس فيه جوع.

في كل قطرة من المطر

حمراء أو صفراء من أجنة الزهور.

وكلّ دمعة ٍ من الجياع والعراة

فهي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديد

أو حلمة توردت على فم الوليد

في عالم الغد الفتي، واهب الحياة !

انه البحث عن واهب الحياة رغم ثقافته الشيوعية الماركسية التقدميةولكن قصص الطفولة وترسبات المجتمع المحيط والبيئة تترك اخاديد لايمكن محوها في ذاكرتنا وذاكرة الشعر وتجعل مخارج الحروف الشعرية تبحث عن واهب الحياة القادم من خلف الغيوم وللحديث بقية عن التدرن والسياب واشياء اخرى.....

 

الدكتور الاستشاري

رافد علاء الخزاعي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3176 المصادف: 2015-05-17 23:50:21