 ثقافة صحية

تفكيك الجينوم وبنية الإنسان التحتيّة

bahjat abaasالجينات تحشو البندقية والبيئة تضغط على الزناد

Genes load the gun, and environment pulls the trigger.

 

الكائنات الحيّة

هذه الكائنات تتكوّن من جزيئات لا حياة لها بل تملك خواصّ المادّة الجماد، ولكنّ تجميعها بترتيب معيّن وقواعد ثابتة يعطي الكائن الحيّ ميزة الحياة المتّسم بالحركة بصورة عامّة. لذا يُمكن تصوّر الكائن الحيّ مجموعة من أجهزة كيميائية معقّدة تحوي كلّ المعلومات الضروريّة للنموّ والتكاثر مستغلّة الموادّ الأولية الموجودة في التربة والبيئة. وليست كلّ هذه المواد مُستَغلّة لتكوين الكائن الحيّ، فهناك عشرات من العناصر الموجودة في الطبيعة وبنسب تختلف عمّا هي موجودة في الكائن الحيّ وإن كان كثير منها غير موجود فيه. ولكنّ خمسة عناصر فقط تشكّل القاعدة الأساس لبناء هذه الكتل الحيّة سواءٌ أكانت بشراً / حيواناً / نباتاً أو بكتريا . هذه العناصر هي الهيدروجين والأوكسجين والنتروجين والكاربون والفسفور، فلولاها ما كانت حياة أبداً. هذه العناصر الخمسة هي مكوّنات الدنا DNA التي تجعل الكائن متحرّكاً يقوم بفعاليّات مختلفة، وإذا ما فُقدت فلا حياة ! فهي تُشبه الروحَ التي لا نعرف عنها إلاّ قليلاً والتي عندما يفقدها الجسم يكون ميّتاً ومتفسِّخاً ! وكذلك الدنا التي عندما تتحطّم في الخليّة تموت الخليّة. ولكنّ الروحَ غيرُ مرئيّة ، بينما الدنا مرئيّة. والعقل غير مرئيّ أيضاً ولكنّه نتاج الخلايا الدِّماغية (المرئيّة) التي إن أصابها سوءٌ يتأثّـر العقل (غير المرئيّ) أيضاً. فالحياة إذاً معتمدة على هذه الدنا التي تشمل الجينات التي عندما يُصيبها (سوء) يصيب الجسم سوءٌ أيضاً. فما علاقة الدنا بالروح؟ تحتاج إلى دراسة عميقة شاملة. وكما يقول الفلاسفة بخلود الروح فإنّ الدنا قد تبقى مئات الألوف من السّنين إذا حوفظ عليها في خليّتها الميّتة. ومن هنا تأتي فكرة استنساخ إنسان أو حيوان أو شجرة من خلية ماتت قبل آلاف من السّنين ولم تتفسّخ الدنا فيها!

 

تفكيك الجينوم البشري ومعرفة كنه الإنسان

يُعنى بالجينوم كلّ المواد الجينيّة الموجودة في نواة الخلية والمتمثلة بالدنا. والدنا الموجودة في كل الكائنات الحيّة، بشراً، حيواناً، نبتةّ أكانت أم جرثومة تتكون من أربعة حروف لا غير، هي قواعد في الحقيقة، يُرمز لها بـ A, T, G, C . هذه الحروف الأربعة هي لغة الحياة التي حاول العلماء والباحثون فكّ أسرارها المعقّدة فتوصّلوا إليها في حزيران من عام 2000 في مشروع الجينوم البشري الذي كلّف ثلاثة مليار دولار ولكنّ التشفير أُكمِل في 14 نيسان 2003. أمّأ الآن وبفضل التقنيات الحديثة أصبح من الممكن تشفير الجينوم كاملاً في مدة أسابيع معدودة وببضعة آلاف من الدولارات! وكما يذكر الدكتور فرانسيس كولنز، رئيس مشروع الجينوم البشري، في كتابه (لغة الحياة The language of life) فقد تمّ تفكيك ألف جينوم بشري بين عاميْ 2000 و 2005 من مختلف بقاع العالم وبهذا عُرف الفارق في هذه الجينومات من حيث تشوّه الجينات، العرق، والنسب وعُرفت الأمراض المُورَثة التي تصيب حاملها والتي يُتَوقَّع أنْ يُصابَ بها في المستقبل القريب أو البعيد. ولا ريب أنّ آلافاً أخرى من الجينومات قد فُكِّكتْ بعد عام 2005 واستُودِعت في مصارف خاصّة للدنا، لذا تكون (البنية التحتيّة) للبشر من مختلف الأجناس والبلدان معروفة وقد تُستغلُّ لمآربَ خاصّة.

فهناك شركات تقنية جينية (تفكّ) أسرارَ الدنا مثل شركة 23andMe التي تنافسها شركة Navigenics وشركة deCode وغيرها من الشركات. هذه الشركات، لقاء مبلغ يتراوح بين 100 دولار وبضع مئات من الدولارات، تستطيع أن تخبرك بما في جيناتك من خلل وعشرات من الأمراض التي قد تصيبك في المستقبل نتيجة هذا الخلل، وفي الوقت ذاته تُخبرك عن انتمائك (العرقي) وأيّ جنس من أجناس البشر الماضية (اختلط) في جيناتك؛ أفريقيا، الهند، أوروبا وحتّى إن كنتَ تحمل بعض دنا الجنس المنقرض المسمّى (نيوناندرتال)! علماً بأنّها (تفكّ) عشر الواحد من المئة (0.1%) من الدنا التي تتكوّن من 3 بلايين قاعدة زوجية. لكن إحدى شركات التقنية أعلنت أنّها (تفكّ) الدنا كلّها، يعني 3 بلايين وحدة بمبلغ 1000 دولار فقط! وبمعرفة هذا تستطيع أن تسيطر على المرض الذي ينتابك في المستقبل القريب أو البعيد وتتدبر الأمر قبل فوات الأوان! وكلّ ما يتطلب منك كنموذج لفحص الدنا هو (البصاق) في أنبوبة اختبار أو (مسحة) من الوجه أو الجلد.

 

بعض من الأمراض الجينيّة

إنّ أهمّ الأمراض التي تُخبرك بها هذه الشركات هي خلل الجينات التي تسبّب مرض السكر النوع الثاني، سرطان البروستات، سرطان الثدي، مرض التليّف الكيسي cystic fibrosis الذي يسببه خلل في الجين CFTR المسؤول عن تنقلّ الأيونات والماء خلال غشاء الخلية، وهو مرض فتّاك، أو احتمال الإصابة بالعمى عند تقدّم العمر نتيجة تآكل بقعة العين في الشبكية macular degeneration، أو مرض الألزهايمر Alzheimer’s disease وغيرها من الأمراض الشائعة.

هناك ما يقارب ستّة آلف مرض تسبّبها الجينات، وهذه تختلف فيما بينها، حيث بعضها يسبّبها جين واحد فقط، وبعضها عدّة جينات مجتمعة. كما إنَّ بعض هذه الأمراض التي يسبّبها جين واحد تكون على نوعين؛ متراجع ،Recessive حيث كلا الأبوين يجب أنْ يحمل هذا الجين ليصاب طفل واحد على الأقلّ من أربعة، أيْ احتمال وقوعه 25%. ويكون اثنان يحملان هذا الجين المشوّه وطفل واحد سليم (حسب نظرية مندل)، وكمثل على ذلك هو مرض الخلية المنجليّة Sickle Cell Diseae الذي يصيب الأفارقة الأمريكان بصورة خاصّة. ففي هذا المرض تكون جزيئات الهيموغلوبين مختلفة بعض الشيء عن جزيئات الهيموغلوبين الطبيعي الذي يحتوي على حامض الكلوتاميك في المركزين الأول والسادس من السلسلة بيتا. أما في فقر الدم (المنجلي) فإنّ جزيئة واحدة من حامض الفالين تحلّ محل الكلوتاميك في المركز السادس. وبما أنّ جزيئة الهيموغلوبين تتكوّن من سلسلتيْ (ألفا) وسلسلتيْ (بيتا) ، لذا، فإنّ جزيئتين من الفالين يحلّان محلّ جزيئتيْ كلوتاميك في السلسلة بيتا، بينما تكون سلسلتا (ألفا) طبيعية. هذا الخلل هو نتيجة (خطأ) في الجين الذي ينتج الهيموغلوبين بيتا، حيث حلّت القاعدة النتروجينية ثايمين (T) محلّ القاعدة النتروجينية أدنين (A) فجاء هذا الكودون (الخطأ) بحامض أميني (خطأ) فتكوّن بروتين (خطأ) هو الهيموغلوبين بيتا (المشوّه) الذي ولّد هذا المرض المميت الذي يقضي على المصاب به قبل وصوله مرحلة البلوغ.

أمّا مرض التليّف الكيسي Cystic fibrosis الذي ورد ذكره آنفاً فتكون القواعد الثلاث CTT في الجين CFTR ممحوّة ، هذه القواعد الثلاث (الكودون) التي تقع في منتصف الجين والتي (تجذب) الحامض الأميني فنيل ألانين phenylalanine   ليكون ضمن البروتين الذي يكوّنه هذا الجين والذي يبلغ 1460 حامضاً أمينياً يكون بروتيناً طبيعياً ولكن هنا عند فقدان هذا الحامض الذي يكون رقمه 508 من بين الحوامض الأمينية (1460) التي يتكون منها البروتين، نتيجة خلل الجين بعدم وجود القواعد الثلاث المذكورة، يكون بروتيناً (ناقصاً) غير فعّال مما يسبّب تكوّن وترسب موادّ لزجة مخاطية في الرئتين والبنكرياس يُعيقهما عن عملهما المعتاد، فيكون المرض الخطير ، التكيّس الليفي، الذي يُنهي حياة المصاب به. فمحو ثلاث قواعد من مجموع 3.1 بليون قاعدة من الدنا سبّب مرضاً قاتلاً. كما إنّ هذا الحامض فنيل ألانين يُفـقَـدُ إذ حلّت القاعدة أدنين (A) محل القاعدة كوانين (G) في الجين ويرمز لها بـ G551D، بينما يُرمز للأولى DF508.

أمّا الجين المسيطر Dominant هو أن يكون أحد الأبوين مصاباً والآخر سليماً فتكون احتمال الإصابة 50% ، حيث يحمل الطفل نسخة جين سليمة ونسخة ذات خلل فيكون مصاباً، مثل مرض هنتنغتن Huntington Disease (يقع الجين على الكروموسوم الرابع ويصيب الشخص عند منتصف العمر، في الثلاثين أو الأربعين من عمره ويتميّز بتحطّم الخلايا العصبية في الدماغ، لذا يؤثر على الحركة والتفكير والاضطرابات النفسية)

أما الجينBRCA1، فالخلل الذي يصيبه قد يسبّب الإصابة بسرطان الثدي عند المرأة أو البروستات عند الرجل. ولكن احتمال الإصابة بسرطان الثدي عند المرأة هو 80% وبسرطان المبيض 50%، وليس من الضرورة إصابتها بالسرطان عند حملها هذا الجين المشوّه. ويقلّ احتمال الإصابة بسرطان البنكرياس أو البروستات أو الثدي عند الرجل عند امتلاكه هذا الجين المشوّه. وهذا يعتمد على ظروف البيئة ونظام التغذية والرياضة البدنية.

أمّا مرض السكّر فهو متعدّد الجينات وحامل هذه الجينات المشوّهة التي يرثها قد لا يصاب بمرض السكر إذا حافظ على التغذية الصحيحة ومارس الرياضة البدنية بانتظام وكلن ذا وزن معتدل والتفاصيل مذكورة في كتابي (مرض السكّر والتعايش معه - عمّان 2002).

 

د. بهجت عباس

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

استاذنا الجليل الدكتور بهجت عباس
وداً ودا
شكراً استاذي العزيز على هذا التبسيط الذي يستفيد منه القارىء غير المتخصص
والقارىء بحاجة الى هذا النوع من المقالات حاجة ً ماسة ففيها ما لا يستغني عن
معرفته القارىء المعاصر وقد خطر في بالي أن أسألك تحديداً إذا كان بالإمكان
فحص جينات المشاهير بعد أخذ عينة من قبورهم وأعني بالمشاهير حتى الأنبياء
فهل هذا ممكن ويا ترى من وراء هذه الشركات الكبرى ؟ وهل صحيح ان جينات
الإنسان مختلفة عن باقي الحيوانات اللبونة الى درجة ان بعض العلماء شكك في ان
تكون الطبيعة وراء تشكيلة الجين البشري بهذه الصيغة ويقولون ان هناك ربما مَن
تلاعب في جيناتنا قبل مئة الف سنة أو خمسين الف سنة ولهذا نشأت الحضارات الأولى
فجأة ناضجة بينما كان البشر قبلها بدائيين وظلوا بدائيين أكثر من مليوني عام ,
هل تعتقد بصحة هذا الكلام وهل العلم المختبري فقط هو المرجع في هذا المجال ؟
هناك من يقول ان الأنوناكي الذين تذكرهم الألواح السومرية كأرباب ما هم في الواقع
سوى كائنات متطورة هبطت الى الأرض وتزاوجت مع الأنسان البدائي وهكذا
قفز البشر عقلياً الى الأمام ؟ هل لهذه الأفكار نصيب من الصحة ؟
دمت في صحة وعلم وإبداع استاذي الجليل

This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الناقد البارع والمتابع الدؤوب جمال مصطفى
ألف ود وتحية على مداخلتك الجميلة وتساؤلاتك المشروعة في هذه المواضيع التي تحفّز على التساؤل، فموضوع الجينات يستأثر باهتمام كلّ فرد في أيّ مكان من العالم، إذ هو الحياة والصحّة والفعاليّة، فأيّ خلل في بعض أنواعه قد يؤدي إلى (خراب) الفرد وتدميره وتأثر ذلك على المجتمع الذي يعيش فيه، ونحن نشاهد ما يجري في عالمنا من حوادث غير طبيعية، وما هي في الواقع غير تناغم الجينات والبيئة!
إنّ تساؤلك حول فحص جينات القدماء من مشاهير أو أنبياء قد يكون إذا كانت الدنا الموجودة في الخلية سالمة وغير تالفة. أمّا جينات الحيوان فبعضها يقارب مثيلاتها في الإنسان مع تغيير في بعض قواعدها مما يؤدي إلى تغيير في التركيب ومن ثمّ فعلها أو عملها أو إنتاجها أو عدمه من البروتينات الفعّالة. والجينات (تتغيّر) أو (تتطوّر) بمرور الزمن وحسب حاجة الكائن الحيّ (أيّا يكون، إنسان أو حيواناً أو نبتة أو بكتريا) حسب ما تُمليه ضرورة البقاء على قيد الحياة تبعاً لبيئته التي يعيش فيها، من برد وحرّ وقحط ومجاعة ودفاع عن النفس لأجل البقاء حيّاً في تلك البيئة. وكأمثلة بسيطة إذكر ما يلي:
جين النطق فوكس بي 2 (Fox P2 ) يملكه الإنسان والشمبانزي والفأر (أكتشف في أكتوبر 2001، ويوجد في نسختين ويكون مسؤولاً عن تطور مناطق الدِّماغ المسؤولة عن اللغة والكلام، وإنْ حدث أنْ أصاب تشوّهٌ إحدى النسختين، يصعب على الإنسان تحريكُ لسانِه وشفـتيه فيُـتأتئُ في كلامه أو يفقد النطق) . و الطفل لا يستطيع النطق، رغم وجود هذا الجين، ما لم تُمارَسْ تلك اللغة أمامه منذ البداية . ولكنَّ الشمبانزي و الفأر لا يستطيعان النطق بأيِّ لغة حتى لو نطقتَ بها أمامهما عشراتِ السِّـنين، وذلك لوجود تغيير بسيط في ذلك الجّين، وهو هنا (مَحوُ) بضعِ قواعدَ نتروجينية منه . كذلك جينات هوكس Hox 8، جينات الطيران، التي تُـرشد الطيرَ أين يضع جناحَه ورأسه حين يطير، وهي موجودة أيضاً في الفأر، فلماذا لا تُرشدُه على الطيران فيطير حتى لو وُضِعتْ له عشراتٌ من الأجنحة؟ يقول العلماء إن ثمة قطعاً من الدنا DNA تسمى المثيرات Promoters تلعب الدور، وهناك آلية الفتح والغلق switch on/off أيضاً، وهذا صحيح وثابت، ولكن لماذا يكون ثمة (فتح) في الجين Fox P2 في الإنسان وHox 8 في الطير ويكون (غلق) فيهما في الشمبانزي والفأر على التوالي؟ لا أحد يعرف ولكنْ البيئة التي (تُلصق) مجموعة المثيل CH3- في الجين فيُغلق الجين ولا يعمل ومجموعة الأستيل CH3COO- التي تلتصق بهستون الكروموسوم فيضغط على الجين لئلاّ يعمل! والموضوع طويل تجد معظمه في مقالاتي السابقة المنشورة في موقع المثقف الأغر.
أمّا الأنوناكي - الخمسون الذين هبطوا من السماء إلى الأرض في الأساطير السومريّة فهم كائنات غير بشرية هبطت من كوكب نبيرو، كما تقوا ويكيبيديا، على الأرض وجالوا شواطئ الخليج العربي في منطقة دلتا نهريْ دجلة والفرات. هي أسطورة لا غير!

تحيّاتي وباقات ورد وريحان.

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3377 المصادف: 2015-12-04 09:15:52