 ثقافة صحية

نفساويات (1): ما هي الكآبة؟

صادق السامرائيهذه سلسلة من المقالات الحِوارية  التي ستتناول بعض الأمراض النفسية الشائعة وما يتصل بالنفس والعقل والدماغ، وسأحاول أن تكون بلغة عربية مبسطة ومفردات متداولة جهد الإمكان، وسأوضح معاني أية مفردة أجدها صعبة، لكي يتحقق الوعي النفسي وتنتشر الثقافة النفسية.

ما هي الكآبة؟

الكآبة شعور بالقنوط والإستسلام والتحول إلى موجود ساكن خالٍ من الطاقة والحياة، ويكون اليأس سيد المشاعر والأحاسيس والرؤى والتصورات والتطلعات، ويبدو كل شيئ أمام المكتئب أسودا دامعا .

فيشعر الشخص بأنه حزين فارغ المحتوى لا يمتلك الرغبة بالقيام بأي نشاط، فينسحب من الحياة وينطوي في دياجير ظلماء لا يريد للنور منفذا إليها، فيضطرب نومه وأكله وتخمد نشاطاته ورغباته اليومية.

ولا يُقصد بالكآبة ما نعانيه لفترة قصيرة من مشاعر راكدة بسبب الإحباط أو التحديات والمواجهات مع متطلبات الحياة، عندما لا نبلغ غايتنا وننجز عملنا كما نريد، فالمقصود بالكآبة ما تقدم من الأعراض والعلامات المستديمة التي لا يمكن للشخص التحرر منها لأسبوعين أو أكثر، والبعض تلم به الكآبة لشهور وأعوام، وتكون مزمنة ومعوّقة لمسيرته.

وفي جوهر ما تعنيه الكآبة ما يشبه الموت النفسي الذي يصيب الشخص أو أي مخلوق آخر، مما يترتب عليه أن يكون منقطعا عن البيئة التي هو فيها، ومبتعدا عمّا يمت للحياة بصلة.

ما هي أعراض وعلامات الكآبة؟

الشعور بالحزن جزء من الكآبة، لكن بعض المكتئبين لا يبدو عليهم الحزن، لكنهم في حالة توتر وإحساس بالفراغ الذاتي وتسيطر عليهم أحاسيس السلبية القاتمة، ويفقدون الطاقة والقوة اللازمة للقيام بأي نشاط، ويتملك البعض منهم شعور بالذنب، وعدم القيمة وإنسداد أبواب الفرج، وتراهم يتحركون ببطئ وقد اصيبت قدراتهم الذهنية بخمود، وألمّ بهم ضعف التركيز والذاكرة، وتناهبتهم الأمراض العضوية، وتجتاحهم أفكار الموت وعدم الإنتماء للحياة، وتجدهم سريعي الغضب وغير قادرين على الإستقرار.

 وهل يمكن تلخيص أعراض الكآبة وعلاماتها وتبسيطها؟

إضافة لما تقدم يمكن وصف الكآبة بما يلي:

- الشعور بالتعاسة معظم الوقت

- فقدان الإحساس بالمتعة

- صعوبة إتخاذ القرار أيا كان نوعه

- ضعف قدرات التكيف مع المتغيرات

- الشعور الدائم والمتفاقم بالتعب

- الهيجان والإضطراب والتوتر الداخلي

- فقدان شهية الطعام والوزن أو أحيانا الإفراط بالأكل

- عدم الإهتمام بالعلاقة الحميمية

- إنحسار الثقة بالنفس

- العزلة أو الإنطوائية

- سرعة الغضب

 - تدهور الحالة النفسية والسلوكية مع مرور الوقت

- الأفكار السوداوية والنزعات الإنتحارية

هل أن الكآبة مرض؟

الجواب إنها مرض حاد ومزمن وإن تُركَ بلا مداخلات علاجية قد يكتسب درجة عالية من الخطورة التي ربما تؤدي إلى قضاء المريض على نفسه.

هل تؤثر الكآبة على الصحة العامة؟

الجواب نعم، وهناك العديد من الدراسات التي تشير إلى تعضل الأمراض العضوية بسبب الكآبة، فالمريض الغير كئيب لديه فرص للشفاء مما يعانية أكثر من المريض المكتئب، كما أن الكآبة تقصر من عمر المريض.

وهل توجد علاجات للكآبة؟

نعم هناك علاجات متنوعة، منها ترويحية وأخرى بالعقاقير.

كالتفاعل الكلامي مع المرشد النفسي أو أي شخص يمكنه أن يصغي لبوح المريض، والعلاج المعرفي، وتعلم آليات حل المشكلة، والعلاج الإسنادي، وغيرها العديد من الإقترابات الكلامية النفسية والذهنية، التي تساعد على بناء قدرات المريض للتعافي من الكآبة، إضافة إلى الأدوية المتنوعة المضادة للإكتئاب.

هل يمكن التشافي من الكآبة؟

بالتأكيد ووفقا للعلاجات المتوفرة والوسائل الترويحية والتفاعلية مع المعالج النفسي، يمكن تحقيق درجة عالية من الشفاء، ويمكن للمريض أن يستعيد قدرته على ممارسة حياته بمتعة وسرور وسعادة.

هل يمكن للمريض أن يعالج نفسه بنفسه؟

إذا كان الشخص في بدايات المرض قادرا على إستحضار الأفكار الإيجابية والتفاعل مع المعوقات والتحديات بروح متفائلة وإصرار على التفوق عليها وتجاوزها، إذ يمكنه أن يسلح نفسه بمضادات الكآبة ومقومات السعادة والمقاومة المؤمنة بالأفضل، وهذا يقع ضمن التصديات الذهنية لنزعات الكآبة.

ويمكن الإستعانة بالأقوال والحكم والآيات القرآنية ذات التبصير بالأمل، كالقول بأن بعد العسر يسرا. لكن التفاعل مع إنسان آخر لديه القدرة على بذر الأمل في الأعماق يبقى القوة المعافية اللازمة للتشافي من الكآبة.

هل يمكننا الوقاية من الكآبة؟

الوقاية من الكآبة تتطلب التفاعل مع الآخرين وعدم السكوت على المعاناة النفسية، أو التحول إلى حاضنة للإنكسار والإنتكاس، لأنه سيؤدي إلى تنمية ما هو متفق معه ومساهم بتعزيز وتقوية الحالة السلبية وتناميها عند الشخص.

ولا بد من التواصل بالنشاطات والإنشغال بعمل ما يجدد طاقات الأعماق ويمنحها شعورا بالتفاعل مع الحياة.

ويُنصح بالأكل الجيد والصحي والرياضة، وعدم الإفراط بتناول الكحول وغيره من المشروبات كالقهوة والشاي وكذلك التدخين، والنوم المنتظم يكون له دور في بناء النفس وقوتها، ولابد من معالجة السبب أو العمل على تقويض أركانه، ومن أهم عوامل الوقاية أن يتمسك الشخص بالأمل والنظرة الإيجابية لذاته وموضوعه مهما إشتدت الظروف عليه.

ووفقا لما تقدم يمكن القول بأن الشخص الذي تصيبه الكآبة يمكنه أن يؤوب إلى الحالة التي كان عليها قبل إصابته، ويستطيع أن يعاود نشاطاته وربما يكون أحسن مما كان عليه قبلها، إذا توفرت له التداخلات والعلاجات والإسنادات الكفيلة بالشفاء ودوام العافية.

 

د. صادق السامرائي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4533 المصادف: 2019-02-02 01:25:21