عدنان حسين احمدصدر عن دار "سطور" ببغداد كتاب "الدكتاتور بطلاً" للباحث رياض رمزي المُقيم في لندن منذ أربعين عامًا، وعلى الرغم من غربته الطويلة إلاّ أنه يحمل العراق بين جوانحه أينما حلّ أو ارتحل. فلاغرابة أن يتابع التحولات السياسية والاجتماعية والنفسية للمجتمع العراقي، ويكتب دراسة مُستفيضة عن "الاقتصاد السياسي للمواكب الحسينية"، أو ينجز كتابًا آخر يحمل عنوان "الدكتاتور فنانًا" ليرصد فيه الشخصية المُستبدِة للرئيس العراقي السابق صدّام حسين، ويحلل بعمق"أناه" المريضة المتضخمة التي أهلكت البلاد والعباد. أما في كتابه الجديد "الدكتاتور بطلاً" فيركز فيه على القراءات الأولى التي ساهمت في تشكيل وعيه المتطرِّف، وأوهامه الضبابية الخادعة التي ظل يصدِّقها حتى الرمق الأخير.

يعتمد الباحث رياض رمزي بشكل أساسي على آراء المفكر المالطي إدوارد دي بونو صاحب نظرية "التفكير الجانبي" Lateral Thinking الذي انهمك منذ أواخر الستينات من القرن الماضي بثيمات "التفكير الإبداعي" ولم يغادرها حتى الوقت الحاضر. إنّ أبسط تعريف للتفكير الجانبي هو إيجاد الحلول للمشاكل التي تصادفنا بواسطة مقاربات إبداعية غير مباشرة تقتضي الخروج على المناهج المنطقية المألوفة التي نتّبعها في "التفكير العمودي" Vertical Thinking الذي يعتمد كليًا في حلّ المشاكل على المنطق التقليدي المتزمت الذي لا يرضى بشطحات الخيال، والمُصادفات، والأفكار والرؤى الجديدة التي لم نألفها من قبل.

يرصد الباحث في هذا الكتاب فكرة البطولة، وكيف ترسّخت في ذهن صدام حسين الذي صعد صعودًا "عجائبيًا ومدوخًا" وأصبح دكتاتورًا من الطراز "الرفيع" بحيث يمكن مقارنته بكبار الطغاة في العالم أمثال الإسكندر الكبير، نيرون، هتلر وسواهم من العُتاة والمتجبِّرين.

يتساءل الباحث في مستهل كتابه إن كانت مصادر الدكتاتور تعود لملوك بابل أم أنه كان وريثًا فكريًا لأبطال آخرين حُفرت أسماءهم في ذاكرته الشخصية وظلت تمدّه بالأوهام والتخيّلات الفنتازية التي يصعب أن تجد طريقها إلى أرض الواقع؟ وبما أنّ الباحث يحبِّذ نظرية التفكير الجانبي بغية توليد أفكار جديدة يستمدها من لحظة تبصّر خاطفة، أو إعادة تقييم للأفكار القديمة فلاغرابة أن يأتي بالحلول الإبداعية الجديدة لأنه يرى ما لا يراه الآخرون، وينظر إلى الأشياء المألوفة بطريقة غير مألوفة أو من زاوية نظر مغايرة تمامًا للتفكير العمودي.

يحتشد الكتاب بأحد عشر مبحثًا فرعيًا تصبُّ كلها في فكرة "البطولة" التي اقتنع بها الدكتاتور لكنها في حقيقة الأمر بطولة زائفة ووهمية أفضت به إلى حبل المشنقة بينما كان يفضّل، وقت محاكمته، الإعدام رميًا بالرصاص بوصفه ميتة "رجولية" تقترن بالشجعان الصناديد لا المجرمين الأوباش.

يعتقد الباحث أن قراءات الدكتاتور المكثفة للسيَر، والمغازي، والمعلّقات هي التي شكّلت له سبيلاً للهروب من عالَم الفقر المدقع الذي عاشه في طفولته وصباه حيث انكبّ على قراءة السيَر العربية مثل سيرة عنترة بن شدّاد، وسيف بن ذي يزن، والزير سالم وما إلى ذلك وكان يتقمص شخصيات أبطالها إلى درجة التماهي بحيث شكّلت حاجزًا بينه وبين العالم الواقعي الذي يعيش فيه.

من أبرز النتائج التي توصّل إليها الباحث أن بطولة الدكتاتور كانت ذات مضمون وبُعد جاهليَّينْ لأن مرجعياته الثقافية والفكرية تعود إلى الملك كُليب بن ربيعة، والشاعر عمرو بن كلثوم، والفارس عنترة بن شدّاد، وربما تذهب أبعد من ذلك إلى حمورابي ونبوخذنصّر الثاني وسواهم من القادة البابليين الذين رَسَخوا في الذاكرة الجمعية للمواطنين العراقيين.

لم يكن الدكتاتور مهمومًا بقضايا شعبه لأنه كان معنيًا على الدوام بمجده الشخصي، وقوانين رفعته، وهو يشبه إلى حدٍ كبير هتلر الذي سعى إلى بناء مجده الفردي ومسخَ أمجاد الآخرين ضباطًا وجنودًا ومقاتلين لهذا اختفى نظامه بسرعة ولم يبقَ منه سوى خلايا نائمة قد تستفيق على شكل أفراد موتورين أو مجموعات صغيرة لا تؤخذ في الحسبان.

يعتقد الباحث أن صدام حسين وغيره من الطُغاة ليسوا عظماء وإنما استثنائيون، ذلك لأن "العظمة فيها الكثير من الأستاذية والحِرَفية. أما الاستثنائية ففيها شيء أو الكثير من الرعونة والطيش والتهوّر". فردريك الكبير كان مثالاً للبطولة والعظمة بينما كان نَـﭘوليان بوناﭘرت أقل بطولة منه لأنه رجّح دويّ المدافع على لغة العقل، وبُعد النظر.

على الرغم من كثرة مستشاريه لم يستشر الدكتاتور أحدًا لأنه لا يقيم وزنًا لبطانته أو الحلقة الضيّقة المحيطة به، وقد اعترف طارق عزيز وهو أحد الشخصيات المقرّبة منه بأنه لا يعرف كيف اتخذ صدام حسين قرار احتلال الكويت! ولعل قراءة ماركس دقيقة جدًا في هذا المجال حينما قال:"إن تقاليد الأجيال الغابرة تجثم كالكابوس على أدمغة الأحياء"، وما من شخص في حزب البعث كان مأسورًا بالماضي، ومتعلقًا به مثل صدام حسين الذي ذهب ضحية المبالغات التراثية ويكفي أن نشير هنا إلى البيت الأخير من معلقة عمرو بن كلثوم التي أنموذجًا للغلوّ في المبالغة الشعرية حينما قال: " إِذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ / تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا".

لم يكن الدكتاتور واهمًا فقط، وإنما كان يؤمن أنّ فيه شيئًا من شخصية الساحر الذي يعتقد أنه قادر على تغيير الواقع. وقد ظل هذا الوهم ملازمًا له حتى في معاركه الخاسرة مع قوات التحالف فقبل أن يذهب الفريق أول الركن سلطان هاشم إلى "خيمة صفوان" أخبره الدكتاتور "أن عليه أن يتصرف كمنتصر فخور بنصره، وأن لا يمدّ يده لهم قبل أن يتأكد من مدّ أيديهم له، فالمنتصر لا يستعطف المهزوم لشدّ يده". تُرى، أي مدىً من الوهم كان الدكتاتور قد بلَغهُ بحيث بات يرى الهزيمة الشنعاء نصرًا مؤزرًا؟ وكم كان أسيرًا لاعتقاداته المغلقة التي تعود فعلاً إلى الحقبة الجاهلية، ولو لم يكن الأمر كذلك لما اختار كلمة "المنازلة" التي تعني "نزل لقتال عدّوه ومنازعته وجهًا لوجه" مُذكرًا إيانا بمنازلات الفرسان بالسيوف أيام الجاهلية فلاغرابة أن ينعت قوات التحالف بالجُبن لأنهم لم ينازلوه وجهًا لوجه وإنما كانوا يقاتلونه عن بُعد بطائراتهم الشبحية، وصواريخم الذكيّة.

يتذكر الجميع زيارات الدكتاتور للمحافظات "البيضاء" التي لم تنتفض ضدّه وبدلاً من أن يلوّح للمواطنين بيديه سحب مسدسه الشخصي وبدأ بإطلاق النار فوق رؤوس المحتشدين لاستقباله وتحيته، وهي عادة أقل ما يقال عنها أنها ريفية أو بدوية مستقاة من القيم الصحراوية أو الجاهلية.

توقف الباحث عند أغنية للأطفال تنطوي على قصة مُعبِّرة تقول:"بسبب سقوط المسمار فُقدت الحدوة، بسبب غياب الحدوة سقط الجواد، بسقوط الجواد سقط الفارس، اختطف الأعداء الفارسَ وذبحوه" لم يكن الدكتاتور سوى مسمار منخور في حذوة قديمة متآكلة أفضت إلى قتل الفارس، وذبح الوطن من الوريد إلى الوريد.

ثمة مصادر أجنبية رصينة أفاد منها الباحث أبرزها "26 يومًا مع صدام حسين" لكريس فورد، و"استجواب الرئيس" لجون نيكسون وفيهما معلومات مهمة عن شخصية الدكتاتور الذي بكى أول مرة على ابنتيه اللتين هربتا مع زوجيهما فقال:"أشتاق إليهما. أنا أحبّهما كثيرًا" بينما لم يذرف دمعة واحدة على آلاف الأسرى والمفقودين العراقيين الذين ذهبوا شبابًا إلى جبهات القتال، وعادوا أشبه بالشيوخ الهرمين الذين طعنوا في السن، وغرقوا في اليأس المطلق.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

272 ترامبإن الولايات المتحدة الأمريكية هي بلد إنتقل مباشرة من البربرية إلى الانحطاط من دون تجربة الحضارة

1854 - 1900/أوسكار وايلد/فنان وكاتب إنجليزي

أنهمك حاليا في ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية بتغييرعنوانه وتنقيحه بإغناءه بما يتناسب وظروف العالمين العربي والإسلامي، فغيرت عنوان الطبعة الإنجليزية بعنوان: ترامب الخيماوي: أوالمعادلة الأمريكية الجديدة :بين فلسفة التفكيك، وعقيد ة التدمير

مقدمة الترجمة العربية -التي هي قيد الإعداد

سألني أمريكيان مشوشان في شأن ترامب - كمعظم الأمريكيين -أحدهما من أتباع الحزب الجمهوري، والآخرمن أتباع الحزب الديموقراطي، :فقالا لي معا بلساني الحال:بماذا يمكنك أن تصف لنا بإختصارمن هو ترامب؟ فقد حارعقلنا في شأنه، وأُشكل علينا في أمره وفي أمر المصير الأمريكي، منذ تصفحنا كتابك؟، فأجبت بلسان المقال قائلا :لاعجب في لغزية ترامب، فقد قالت العرب قديما في ثقافتنا العربية -الإسلامية : ومن شدة الظهورالخفاء وإنما تعجب من تحجب فالقراءات المتفرقة لموضوع ما بالعقلية المتسرعة والميول المنحازة، تذهب بالمرئ كل مذهب

ومن هذه الزاوية، فسيظل ترامب لغزا عسيرا، وظاهرة متفردة في تاريخ السياسة الأمريكية والعالمية الحديثة طيلة مدة ولايته وما بعدها، -بعد أن يفاجؤالأمريكيين والعالم بأسره مرة أخرى في إنتخابات عام 2020عندما سيُعاد إنتخابه مرة ثانية، أويحدث علام الغيوب في شأنه أمرا

فمن هو اللغز ترامب؟

لقد جاءت فكرة كتابة هذا البحث، نتيجة لمتابعتي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمدة عام في عدة ولايات أمريكية أثناء حملته الإنتخابية، ولمدة عام بعد ولايته، مع تجربة مثيرة ميدانية لمحاورتي في عين المكان لأتباعه ومعارضيه من كافة مكونات الشعب الأمريكي، ملاحظا أن الرجل قد تقلب في شأنه المحللون، وخبط في أمره الكاتبون، وأخطأ معظمهم الطريق إلى فهم الرجل، وسلكواطرقا لا تفضي إلى حقيقة أمره، وكلهم ما فتئو يرددون عيوبه ومثالبه، ولا تكاد تجد مؤلفا واحدا- أمريكيا أو أوروبيا -قد بسط القول فيه بسط المحلل النحرير، والناقد المتبصرالقدير، حيث لم تستقم الإشكالية الترامبية - بعد في إذهان خبراء السياسة الأمريكيين والدوليين- إعتبارا وإستشكالاوإنتقادا-، وإنما ظلت شخصية الرجل مغلفة بظلال اللجاج والمضاربات السياسوية الإنفعالية، وتحوم حوله الآراء والأقاويل والقراءات، هي أقرب إلى الأنظارالهيجينة التي لاناظم لها، وأشتات تحاليل لا جامع لها، وإنتقادات عاطفانية لا منطق لها، هي إلى الشتم والبذاءة والقذف أقرب

ومنهجيتي المقترحة في معالجة اللغز ترامب - في هذا الكتاب-هي تطبيق منهجية سبراللغز في مجال التحليل السياسي

فما هي هذه المنهجية؟

بالنظر إلى أن أي موضوع -كيفما كان- لايبدو أبدا بديهيا للمراقب في مجمله أول الأمر. ولكنه يبدو في التجلي شيئا فشيئا من خلال جوانب مجزأة عبرقطع تبدوغيرمرتطبة ببعضها البعض، حيث تمثل كل قطعة من اللغزأيضًا لغزًآخر، وكل قطعة تساوي بدورها معلومة، فيمكننا بالتالي مقارنة المعلومات المتاحة-بعد تمحيصها– إلى أن نصل بشكل ملموس إلى العديد من المعلومات المعزولة

وإذانجحنا في تجميع هذه المعلومات المعزولة، ووضعناها في مكانها المناسب لإيصالهافيما بينها -يمكن عند ذاك، أن يتغير كل شيء ويتم فهم اللغزككل، في حين أن المعلومات التي يتم أخذها بمعزل عن مكانها المناسب فلا مكان لها-داخل لوحة اللغز-

إذاً، وبإختصار: فيجب أن نقوم بتجميع أكبرقدرممكن من المعلومات حول موضوع معين، نقوم بربطها ببعضها معاً -مع قدرة جيدة لتجميع القطع- بغرض فهم لوحة اللغز بعيدا عن التلاعب بالقطع بإستبدال أمكنتها بقطع بديلة مزيفة، مما يؤدي إلى الوصول إلى نظرة مختلفة ومنافية للحقيقة

وبالتالي فلا يمكن تفكيك اللغز في شأن ظاهرة ترامب، بالقراءات المتفرقة والمجزأة بدون ربطها ببعضها البعض، بطريقة تستهدف إحداث الإتساق المنطقي في ما بينها، بغرض إستكمال لوحة اللغز

وفيما يلي بعض الأمثلة للأجسام المعقدة التي تنطبق عليها نظرية الألغا:ز

- البروباغاندا الأمريكية لتبرير ضرب العراق: صدام حسين يمتلك أسلحة الدمار الشامل

- البروباغاندا الغربية: إسرائيل واحة الديموقراطية وسط همجية الشرق الأوسط

- الحقيقة حول 11 سبتمبر

- الجغرافيا السياسية في العالم لما بعد الحرب العالمية الثانية وحقيقة مشروع مارشال

- ثورات الربيع العربي

- السلفية الأصولية / التيمية -الوهابية /-، وإرتباطها بالجماعات الإرهابية العابرة للقارات

- جعل أمريكا عظيمة من جديد /كشعار لترامب؟ فهل كانت أمريكا عظيمة في يوم ما لكي تعود إلى عظمتها القديمة؟

الظاهرة ترامب:

بدأ لغزدونالد ترامب عندما سقط مثل جسم غريب فضائي من النيازك العليا على عوالم السياسة الأمريكية والدولية في صبيحة يوم من أيام 2015 .فكان منذ بدايات حملته الإنتخابية في عام 2016 ذلك الرجل الهائج النفور، الجامح الغضوب الموتور، الجانح عن السياسة المتعارف عليها في القواميس الأمريكية والدولية التقليدية وفي فلسلفة السياسة، الرجل السياسي المستعصي عن الفهم والسيطرة، والخارج عن المألوف في السياسة بالإصطلاح

فجرالسياسة الأمريكية من الداخل، شظظ معتقداتها، وأد نظرياتها، زعزع منظريها وحقَر متعاطيها حطم التقنيات الثابتة للإعلام الأمريكي وأدواته المعروفة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى

مسخ منهجيات البروباغاندا الأمريكية الكلاسيكية، وقواعد نظريات السيكو-سوسيولوجيا التي أوجدها -حفيد العلامة سيغموند فرويد- إدوارد بيرنيس - في عشرينات القرن الماضي، كما حطم قواعد علم نفس الأعماق ومرجعيات علم النفس السياسي التي طبعت حملات الإنتخابات السياسة الأمريكية التاريخية وصبغت إعلامه منذ بدايات القرن العشرين

كذَب بنجاحه المفاجئ في الإنتخابات الأمريكية كل يقينيات إستطلاعات الرأي السياسي والإجتماعي المتربعة على عرش تقنيات سبر الآراء التي ما فتئ رهبانها من نخب التين طانك وفقهاء الصحافة الأمريكية يروجون لقداستها منذ نهاية الحرب العالمية الأولى

حقرالنخبَ المفكرة الأمريكية، وأشعل حربا شعواء على أصنام وأيقونات هوليود وعلى نجوم الإعلام والسينما

أذل كل ساسة العالم- وخاصة العرب –حتى أحلافه التقليديين في كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا، ماعدا روسيا بوتين -وذاك تساؤل سنحاول الإجابة عنه في هذا الكتاب-

بث الرعب في نفوس معارضيه السياسيين / وخاصة من أعداه من الحزب الديموقراطي، وكذا فئات من الجمهوريين المتحلقين حول الصقرين ماكاين وروميني من رواد المحافظين الجدد المتشددين في الحزب الجمهوري، حيث تعالت أصوات المرتعبين من كلي الحزبين، تردد أصداء خيانة ترامب العظمى وخطئيته الكبرى بالتحالف مع الروس- أعداء الأمة الأمريكية شعب الله المختار - منددين ب ترامب العميل التابع لراسبوتين الرهيب:بوتين، ومتوعدين روسيا المارقة، الملحدة، البشعة، عدوة الإنسانية والديموقراطية، بينما يتطرًب الإعلام الأمريكي المعارض لترامب –في صورة -CNN بشياطين الكاجيبي والمحاربين الجدد المتخصصين في الحروب السيبيرية والقرنصة الإليكترونية

توعد غريمته هيلاري كلينتون– المتعفنة والمحتالة في نظره- بالويل والثبور، والزج بها في غياهيب السجون عند رئاسته، وبعد نجاحه- الغيرالمنتظر من الإعلام الرسمي الأمريكي والدولي- تأخرعن موعد إلقاء خطاب التولية نصف ساعة، حدث خلالها ما حدث ولا يعلم سر ما حدث أحد، فخرج ليخاطب الأمريكيين والعالم أجمع -وخاصة أتباعه-، بالإشادة بهيلاري وبعملها الجاد والجيد اثناء حملتها الإنتخابية، ونعت العائلة كلينتون ب الأناس الطيبين

يُدلي ترامب بإعجابه ببوتين في كل مرة يرد فيها على الصحفيين بشأن التدخل الروسي المزعوم في الإنتخابات الأمريكية، ويدعو إلى التقارب الروسي الأمريكي، والتنسيق في المجالات الحيوية العلمية ومكافحة الإرهاب، لكنه بالمقابل يستفزبوتين، أو بالأحرى- جس نبضه- بضرب دمشق في عام واحد مرتين، ونعت حليفه الصفي- بشارالأسد، - ب الحيوان والمجرم قاتل الأطفال، وإستمر مع ذلك في محاولة التقرب من بوتين، معرضا منصبه وحياته وطموحاته إلى الخطر، ومثيرا لكثيرمن التساؤلات المحيرة، التي ستظل لمدطويلة بدون أجوب/وسنحاول الإجابة عنها في معرض فصول هذا الكتاب /

يتساءل البعض في ما إذا كان مشروع ترامب الخفي هو إحتواء روسيا بإغراء النخب الروسية المتلبرلة الجديدة المتحلقة حول ميدفيديف نائب الرئيس، الذي هو دوماتحت أعين بوتين النفاذة مثل الليزر للوشق السيبيري بوتين

كما يتساءل آخرون فيما إذا تم الإتيان بترامب بغرض إحتواء الروس وتفخيخ بوتين، أوإحتوائه أورشوته- ب الإختراق اللطيف والذكي عبر الحرب الناعمة الجديدة كبديل ملطف للحرب الباردة، /تحت نصائح الثعلب العجوزهنري كيسينغر/ بدل المصادمة العنيفة الغير المضمونة، بهدف دمج روسيا في نظام العولمة

وفي حكومة العالم الجديدة

ويتساءل آخرون فيما تم الإتيان به بهدف إنجازأجندة إسرائيل الخفية pax judaïca » بعد أفول مشروع « pax britanica « في ما بعد الحرب العالمية الثانية ونهاية مشروع pax americana » في ما بعد تهافت النظام العالمي الجديد والأزمة الإقتصادية الأمريكية مع ولاية بوش ومشروعه الحملة على الإرهاب، وولاية أوباما وأزمة العقارالخانقة لعام 2008 المؤدية إلى الأزمة المالية الدولية وإنهيار الأبناك. والسؤال المطروح هنا مع ذلك: من يستخدم من ؟:أسئلة سنحاول الإجابة عنها في سياق هذا الكتاب/حيث أن كل هذه الأفكار والمشاريع، حاضرة بإستمرار و-بالتعاقب- في الشبكة الذهنية العنكبوتية الترامبية -حسب نظرية الألغاز-

وسيشهد الشرق الأوسط الصراع المريرما بين سياسة البازار الإيرانية وسياسة الكازينوالأمريكية التي ستشد الأنفاس ويكثرتقلبات الدهروالقيل والقال، والمآسي الجديدة التي ستطال كل دول الخليج، حيث سيكون ترامب في مشهد الشرق الأوسط الجديد اللاعب الرئيسي وموزع الأدوار والحكم في آن واحد،

وستكون الأزمة السورية هي الورقة الأساسية التي سيلعب بها ترامب في مفاوضاته مع كل الأطراف: الروسية والإيرانية، والخليجية والإسرائيلية، وقد يفاجؤ ترامب أحلافه العرب في المنطقة حيث سيضطر للتخلي عن بعضها لضرورات جيوسياسية، من أجل تجنب الصراع المباشرمع إيران قبل إضعافها إقتصاديا ومخافة فقدان ثقة حليفه بوتين -كطوق نجاة لترامب داخل الدولة العميقة والورقة الرابحة بين يديه في مفاوضة جماعات الضغط التي تريد رأسه،

كما ستعاني تل أبيب من تقلباته، فيما رجح مصالحه الشخصية ومصالح أمريكا أولا على مصالح الكيان العبري .فهل ستتحقق نبوؤة هنري كيسينغر المتقادمة في زول إسرائيل؟

كما سيشهد العالم أخطرلعبة على الخريطة الدولية ؟ما بين لعبة الشطرنج الروسية ولعبة المونوبولي الأمريكية أوبالأحرى، مشاهدة التباري على الحلبة مابين بوتين: موزارالجيو-سياسة وبين ترامب: ألكابون مافيا نيويورك، أوما بين رقصة موسيقى الفالس لتشايكوفسكي، ورقصة الروكنرول الصاخبة لإلفيس بريسلي، حيث أن العلاقات الروسية/ الأمريكية الحالية بعد لقاء هلسينكي بين الزعيمين، هي الأسوأ منذ نهاية الحرب الباردة، كما حدد ذلك بوتين بنفسه في خطابه في 19 من شهرجويي من عام 2018 أمام السفراء المعتمدين وممثلي الدول الأجنبية في موسكو حيث صرح ترامب غير مامرة بإنه سيكون من ألد أعداء روسيا بوتين-إذا تم إفشال خطاه في التقرب إلى بوتين–من طرف الديموقراطيون المحافظين الجدد-داخل حزبه الجمهوري- والليبراليين الجدد واليساريين المزيفين ؟

وكلما تصارخ الإعلام الأمريكي والدولي، وولول منتقدو ترامب، أوتبارى الكتاب والمحللون النفسيون والصحفييون، في محاولة إثبات إختلال عقله وقلة خبراته، وهتليرته وعدواننيته وعنصريته وإرتجاليته وتقلباته، كلما فاجأ الجميع بقرارساخن جديد، وبتصريح مستفزوبخطوة غيرمنتظرة، حيث يبدو أشبه ما يكون بالسادي المتلذذ بتعذيب معارضيه المازوشيين السياسيين والإعلاميين، فيبدو في كل مرة أكثرثعلبية وإنزلاقا وإستعصاء على الفهم والتصنيف والوضوح

تقمص في بداية إنتخاباته ثورية سبارتاكوس، وبعد شهرمن ولايته تحول إلى غورباتشوف أمريكا، وعندما ذاق طعم السلطة وإنتشى بخمرة الحكم والإمارة، تحول إلى قيصرروما بهدف السيطرة على المشرقين والمغربين معا، بضرب سوريا مرتين، وتهديد فانزويللا وكوريا وإيران ومناوشة الصين تجاريا لجرها إلى حرب مصادمة، والتحرش بروسيا على أرض المعركة بسوريا مرات، لجس نبضها، ومدى صلابة عودها ومعرفة ما خفي من قدراتها العسكرية والميدانية

بينما أوصل ترامب إسرائيل إلى حيث تريد، وأوصل الساسة العرب إلى حيث لايدرون، مستخفا بالرأي العربي والإسلامي والعالمي ليحقق لليهود التلموديين: وللأنجيكاليين الجدد الأمريكيين:مشروع إسرائيل الكبرى وهي خطوات زادت من شعبيته لدي الطائفة اليهودية -الشعبوية الأمريكية ولوبياتها، ولدى المتطرفين الجمهوريين ولفئات من الديموقراطيين المناصرين لهيلاري، مما جعل البعض يتسائل فيما إذا سيتحول عند نهاية عهدته إلى نيرون روما الجديدة، الذي سيحرق العاصمة واشنطن ويتلذذ برائحة الحرائق في باقي عواصم العالم ؟ بدل تجفيف مستنقعات البيت الأبيض المتعفنة – كما ردد خلال حملته الإنتخابية؟

أم ستجف مخيلته وينضب معينه فيسلم الأمور كلها إلى الدولة العميقة التي ما فتئ يحاورها ويناورها ويفاوضها/ لأن ترامب لا يعطي أي شيئ بالمجان /، أم سينتهي به الأمرإلى تقديم الولاء والطاعة لجماعات الضغط الحاكمة الحقيقية في أمريكا، - التي لا تعلن عن إسمها- أولائك الذين جلبوا من قبله بوش وأوباما إلى السلطة؟ ليدمر بذلك أمريكا- أولا-بدل من أن يجعلها عظيمة؟ أم أن وراء أكمة ترامب أشياء أخرى لا يعلمها إلا الله وإيفانكا وبعلها جاريد كوشنير؟

وبأي سيناريو ستنتهي ولايته؟: بسيناريو العزل والإستقالة مثل نيكسون -على خلفية ووتر غيت أم على هدي سيناريو التنحي -بالتراضي-؟ أم على سيناريو التصفية الجسدية على طريقة براهام لينكولن وكينيدي

لا أحد يدعي الإجابة عن هذه التساؤلات

وخلاصة القول –في ختام هذه المقدمة المطولة الضرورية- يمكن وصف ترامب بذلكم الخيماوي –بالمعنى الصوفي- الذي جمع من كل الأشياء عجبا: ما بين همجية بوش وعنفه، وغطرسة موسوليني وفاشيته، ووقاحة ساركوزيوإدعائاته، وجشع ودهاء تشيرشيل وخبثه، ولولبية أوباما وخداعه، غير إنه ليس بذلك الخب الذي ينخدع أو ينساق إلى السهل من الحلول، وهو ذلكم المفاوض المشاكس العنيد اللعوب الفض الذي لايقهر، والذي إذا سلم في مفاوضات ما بأمر، فإعلم أن من وراءها أمر آخر، حيث يبدو لمعظم الأمريكيين وكأنه بطل أسطوري أوطلسم من طلاسم علوم الفلك والرمل

ومخطئ من ينساق مع التيارالمتسرع، الذي يصف ترامب بالمأفون والغبي والمختل عقليا ؟حيث سيفاجؤ الأمريكيين والعالم كله من جديد عندما سيعود ترامب إلى الساحة الإنتخابية لعام 2020 بنجاح؟وكيف ؟–كما وضحت ذلك بالتفصيل في فصل مطول من فصول هذا الكتاب-؟ حيث أن الرجل هوأكثر لغزا وزئبقية مما قد يُتصور، وأكثر دهاء وماكيافيللية من أن يُحقر، وأكثر لولبية من أن يوثق به، حيث سيعيش العالم في عهد ترامب صخب موسيقى الروكنرول، عبر الإثارة الهيتشكوكية في السياسية الأمريكية الجديدة أو عبر عنف التدمير بهدف إعادة التركيب من أجل التغيير، بتعزيز مذهب الصفر الغربي أو مذهب «تينا T.N.A الذي يعني: لا يوجد بديل للدول المنهوبة There Is no Alternative الذي هومذهب الأنغلو ساكسونيين :«ماغاريت تاتشير ورولاند ريغان، بغرض تحقيق مشاريع: أمريكا أولا وأمريكا العظيمة من جديد وإسرائيل المحصنة من جديد

تعتمد أسياليب ترامب في سياساته الداخلية والخارحية على ألاعيب محترفي نوادي القمار-التي يمتلك بعضها بلاس فيغاس/وهو النهج الذي يناسب العقلية المادية والفردية الأمريكية الجسورة، والمولعة ببإقتناص الفرص أينما وُجدت، وبأية طريقة كانت، والوله بالمغامرة والمقامرة واللعب بالنار

ويبدو دونالد ترامب في معظم أحواله :ذلكم الرئيس الأمريكي الذي لا يقرعلى قرارولا يهدؤ له بال، كلما تحرك إلا وخضخض الأمريكيين وزعزع سكان البسيطة أجمعين، حيث تحول منذ الشهر الأول لولايته من الإنعزالية إلى التوسعية، ثم عاد من جديد ليُشهرورقة الإنعزالية وملوحا بالحروب الإقتصادية على كل اليابسة، والتهديد بأشد العقوبات الصارمة ضد الخصوم والأصدقاء معا،

وسيزداد تأثيرالمرجعيات الإيديولوجية-الثيولوجية المتمثلة في إقحام العهدين القديم والجديد/أوما يسمى بنظرية المصير المبين التوراتية للجموريين/ في المخططات السياسية-الداخلية والخارجية التي ستؤدي حتما إلى قلاقل إجمتاعية، وإلى مشاريع حرب أهلية أمريكية، وإضطرابات دولية، والصراع مع التقدمية الإمبريالية»: للديموقراطيين والعولمية لليبراليين

وما السر في أنه كلما تكاثرت الكتابات ضده، وتزايدت الإحتجاجات المستهدفة الإطاحة به، كلما تزايد تثبيت مركزه، وإرتفعت شعبيته في بلد يصارع نفسه ويصارع العالم الخارجي من أجل البقاء؟ فما السر في ذلك؟ ومن يقف خلفه ؟

وسيكون الساسة العرب بمثابة معتوهي القرية في خضم هذه الطلاسم الأمريكية والأحاجي الترامبية، والحلقة الداروينية الأضعف في الدائرة الترامبية المفرغة، تقتصرمهمتهم على ملإ الخزائن الأمريكية الفارغة، وإنعاش الإقتصاد الترامبي، والتعجيل بتدمير بلدانهم

وسيعلق هؤلاء الأغبياء المفيدون العرب، ونخبهم المسترزقة، فشلهم الذريع على شماعة دونالدترامب، ا لذي سجازيهم جزاء سنمار

لقد إحتارالخبراء- في أمريكا والعالم بأسره- في تصنيف هذا الرجل بعد أن ما فتئت شعبيته ترتفع لدي الفئات الشعبوية في كل بقاع الولايات المتحدة الأمريكية وعلى طول وعرض أوروبا، حيث نتساءل:هل هو فعل غبي ومجنون أو جحا العصرالمتهابل، أو شالرلمان الغرب الجديد ؟ أونابوليون؟ أوبيسمارك أوهتلر/ أوموسيليني؟ أم مجرد مهرج جشع غبي مثل...يالتسين؟

ومن هذا المنظور:فإن الوضع العالمي الجديد المقبل سيكون خطيراجدا، مع وجود ترامب الذي خضخض ما في القعر، وإستغله -بذكاء لصالحه-وأخرج إلى السطح ما ظل ثاويا تجت الرماد، ومتراكما لعقود/ يستهدف ضرب كل الأطراف ببعضها البعض، ومامجيؤه إلا بمثابة تلك القشة التي قصمت ظهر البعير

وسيكون الوضع العالمي المقبل-في الزمن الترامبي-أكثرخطورة على االساسة العرب المتحادقين، وعلى شعوبهم المنغمسين في إهتماماتهم النكوصية والهروبية والقطيعية/بالرغم من أن ترامب قد أرسل لهم منذ البداية علامات وإشارات، تدل على مدى إحتقاره لهم /غيرأنهم في غيهم وضلاهم، هم غيرمهيئين-منذ عقود- لمواجهة رياح التغييرالعاصفة المقبلة التي قد تكون القاضية في الزمن الترامبي –،

وسيظل العرب أضحوكة الشعوب والأمم، متشبثين بمناهج التماثل والتكراروالإجترار، راسخين في براديغمات رائجة دوارة فارغة، يسمونها -سفاهة وبلادة:ثورات ومناهج وبرامج وإصلاحات، متطوحين في مطاوح الرجعية والأسلمة والأسلفة والعبثية والقشرة جاهلية، وتائهين في السبل المسدودة: ديدنهم فسلفتهم اللاعقلانية: لقد كان بالأمس بوش وأوباما، واليوم جاء ترامب، وغدا أمر، ولكل حادث حديث

 

د. الطيب بيتي

 

 

جمعة عبد اللهيتضمن الكتاب نصوص أدبية رفيعة المستوى في لغتها وبلاغتها الجميلة، وقد تنوعت تعابيرها الدالة، بين تقنيات السرد، وتقنيات الشعر، في تألق ابداعي في منصات شغاف الرؤى الفنية والتعبيرية، في معطياتها الدالة على الايحاءات البليغة، في الرؤية الفكرية والسياسية، في المنهجية الرصانة الهادفة، في ازاحة الكثير من الابهام والغموض، في الشأن السياسي، بما يتعلق بالظروف الكفاح المسلح في كردستان، حيث تواجد القواعد المسلحة لحركة الانصار التابعة للحزب الشيوعي العراقي، بعد انفراط عقد الجبهة المغشوشة مع حزب البعث، التي تحولت الى مصيدة وافخاخ لايقاع الكثير، تحت الهجمة الشرسة والمناخ الموبؤ بالارهاب والبطش والتسقيط السياسي آنذاك . لذلك يأتي الكفاح المسلح في كردستان، كرد فعل وحالة معنوية لرفع الهمم النضالية، وكانت مهمة وحيوية في الظروف الصعبة آنذاك، في سبيل وقف آله الارهاب والقمع والحرب والبطش السياسي . وكانت قواعد الانصار، السند الامن، والمأوئ لكثير من المناضلين، الذين ضاقت بهم السبل، في المناطق الاخرى من العراق، بالهروب من القبضة الارهابية، والبطش البعثي، واللجوء الى قواعد الانصار في كردستان. لذلك جابهت السلطة البعثية حركة الانصار المسلحة، بكل فنون الدمار البشعة والمتوحشة، من الحصار والتجويع، والى استخدام الاسلحة الثقيلة والطائرات الحربية، في دك قواعد الانصار. واستماد في نهج االوحشية، في استخدام الغازات السامة والكيمياوية،في اسلوب الارض المحروقة، واجهت حركة الانصار، ظروف صعبة مرعبة بالموت والدمار، واكبر من طاقتها العسكرية والسياسية، بأن اصبحت بين الموت والفناء والابادة، هذه مواد النصوص الادبية المتنوعة التي تركزت في (تقاسيم على وطن منفرد)، في التناول والتحليل والتشخيص، من خلال السيرة الذاتية والنضالية للاديب،من خلال اشتراكه ضمن تشكيلات حركة الانصار المسلحة، في القسم الاعلامي للحزب الشيوعي . فقد ترك عائلته وطفلته (ندى) في (برلين) مع الكثير من الشباب الطموح، الذين تركوا بلدان المهجر، ليلتحقوا في فصائل الانصار، وهم يحملون الحلم الثوري في الكفاح المسلح، وفي انتصار لقضية الوطن والشعب، على الدكتاتورية البعثية، والطاغي الفرد المستبد، الذي حول العراق الى الحكم الشمولي الطاغي بوحشيته . لقد عانت الحركة الانصارية الاهوال والمعاناة، التي تفوق التصور والمنطق والخيال، وجدوا انفسهم، امام آلة الموت والدمار والفناء، واصبحت حياتهم لعبة حظ، بين الموت والبقاء . بين الرصاصات الطائشة والغازات السامة .التي لم تتوقف بالقصف المدفعي الثقيل، والمحاصرة بالتجويع، كأنهم في ارض الله المنسية، المصابة بالجحيم، وفي المصادفات الصدمة حين تخطف فواجع الموت على حين غرة احد رفاقهم . لم يجدوا من الحلم الثوري، إلا الجحيم وآلة الموت . من فرسان البوابة الشرقية للامة . وامام هذه المعاناة الحياتية القاهرة . كان الاديب (يحيى علوان) تناهشه وتنازعه الهواجس، التي تغلي تحت الضلوع، ويحاول أن يهدأ من فزعها ورعبها، ليبدد جرعات الحزن والخيبة واليأس (لا تفزعي!. خذيني راعياً لجنون العبارة ... تعالي نسخر من الهلاك، ومن اكاذيب صنعها اليأس، سنحلم برؤى نضيعها في العصف .. فنتعلم حكمة الكفر بالحكمة مطلقاً . حتى نحرس مخيالنا . نقبض به حقيقتنا) ص39 .

لكي تخرج هذه المعاناة والقهر، من مناطق العتمة والابهام الى مناطق النور، لتشبع الهواجس والارهاصات الروح الذابلة بالعطش والظمأ . رغم ان الروح كانت متخمة في الحلم الثوري، الذي تفتت في مرابع الفزع والرعب بالدمار في كردستان، تحت السماء مغطية بغيوم الدخان الغازات السامة والكيمياوية . انها حرب اذلال ومهانة واسقاط وابادة . يريدون في اساليبهم الوحشية في التوحش، ان تكون الادمغة، أدمغة خرفان مدجنة بالطاعة والولاء الاعمى والذليل، لكي يحققون ما يريدون وما يرغبون . في وطن يتجرع عذاب القهر والحسرة والمعاناة، في وطن يكون حال البشر، لعبة دمى يلعب بها الدكتاتور المتهور والطائش . في وطن لا يعرف معنى للكلمة الشريفة، سوى الزيف والتهريج المسموم، في الضيجيج الاعلامي المخادع، والشعارات المزيفة، التي يحقن بها الناس بمورفين الخدر والطاعة، عبارات لامعنى لها (عودة . حرية . تحرير . عدالة) عبارات ترقص وتطبل في سيرك السياسي التهريجي والبهلواني السفيه . لتكون الحياة خواء وزيف وهذيان، لذلك تراود صاحب كتاب (تقاسيم على وطن منفرد) هواجس الحنين والشوق، نحو عائلته التي تركها، يغلي في مراجل الحنين الى طفلته (ندى) التي تركها في (برلين)، وهي تتشوق اليه شوقاً، لذلك يأخذه الانفعال العاطفي في مرارته حزينة الى طفلته (الحنين ياندى . هو ما دفعنا ان نعود بنشيد مكتوم . باندبرا روساً . متسللين الى وطن حسن التسمية . سيء المسمى، وطني القهر . قومي النفاق . عدنا " مهاجرين عائدين " ليتحكم بنا انفصال الرمز عن الواقع . والالفاظ عن معانيها ... عودة .... تحرير... أسقاط... حرية .. عدالة ... مفردات لا تفعل غير ان تتملى الشيء عن بعد) ص55 . وطن اللعنة والقهر، وطن ينز بالنفط، ويشح على اهله بالماء . وطن فيه خيرات وفيرة، تتحول الى رصاص لقتل ابناءه، وطن المدن المخربة والمهجورة، وطن تلاحقه الهزائم والخيبات المريرة، لكن اعلام النظام، يحولها نصراً وانتصارات تحت راية (قائد الضرورة) الطائش والمتهور . حول العراق الى سراديب من السجون والزنازين، ليشن الحرب الشعواء، داخلية وخارجية . وكلها يعتبرها انتصارات لقائد الضرورة . مما يجعل الروح في متاهات الهموم يئن في المعاناة .  

فأحس بشيء يرتجف بين ضلوعي .

أتكون فكرة تطرق باب قلبي ؟

أو قد تكون ارتدت اليَّ صدى يرجع للصوت ؟

لا .. ! لا ... ! . لن أبوح بها لعسس الزمان !!

سأكتمها، سأدفنها في صدري !!

سأقول هي صخرة تستصرخ قدمي

سئمت الانسحاق تحت اقدام المارة) ص97 .

هكذا اصبح الوطن غريباً عن اهله وغرباء عنه، فقد اصابهم هلاك الموت والدمار . وسدت منافذه وابوابه، سوى منفذ الرحيل والهجرة، في تجريب الحظ . في مصائد المطارات العربية وافخاخها، التي يتفاخر حكامها بجلادنا (قائد الضرورة) ويقدمون له صكوك الطاعة والعظمة، وفروض الخنوع . ان يجندوا انفسهم، بشكل خسيس وحقير، في اصطياد العراقيين، وتحويلهم الى سفارات النظام، ليتم شحنهم بالصناديق مغلقة الى بغداد . هذه المطبات الخطيرة والصادمة، وقع بها الاديب (يحيى علوان)، في بدايتها تبدأ الاسئلة الاستفزازية (لماذا لا تساهم في شرف الدفاع عن البوابة الشرقية للامة ؟؟ أتريد مساعدة من السفارة ؟) ص15 . ولكن شرف الامة والدفاع عن النظام، يسقط ويحسم ثمنه بثمانين دولار، ومع السلامة، ليتمزق شرف الامة (طق حنك سياسي، لا بيجيب ولا بيودي . ما دخلنا نحنه فيه، قديش معاك مصاري ؟ هات لنشوف أيش المعمول معاك !)) ص17 . هذا الواقع المزري في المطارات العربية، عبارة عن مصائد وابتزاز واستفزاز، بالمعاملة الخشنة للعراقيين . هكذا وقع العراق في السقوط الذريع بشكل لا يصدق ان يسقط في قبضة فرد دكتاتوري احمق، كأن الشعب والوطن لايملك أرث تاريخي وحضاري مجيد (لا أصدق ان يكون هذا الشعب، سليل سومر وبابل واكد ... هذا البلد يندثر في قيامة الخبل) ص63 . . حقاً لا يصدق ان يداس تحت بسطال دكتاتور مجنون، غايته الشريرة، تنظيف العراق من الشرفاء من المعارضة السياسية، واصحاب الرأي الحر، المناصرين للشعب والوطن . لكن يعتبرون بلغة النظام، مارقون لا يستحقون الحياة والبقاء .

أحقاً نحن المارقون على المألوف ؟

ملحدو الوجع .. كفار اليقين ؟!

كنا عراة، سترنا الاصل بالعزة والكرامة .

نحن الذين سفحنا الخطى في دروب وعرة ٍ

نجوب مجاهيل التجريب . نستعذب حلاوته ؟!

لا ندري كيف نفقأٌ عين الوحشة، حتى لا نموت بلا شاهدة ...... !!

نتسمع حصيف نشوة، تدب فينا كالخدر

أباطر الامل، كنا

فرسان السراب، كنا

حتى غدونا نرعى حلماً

في سهوب الابجدية

وروابي الرطانة) ص65

مجزرة بشت آشان .... نقر على ذاكرة مثقوبة

رصاص الغدر والجريمة، تلاحق صدور الشباب على حين غرة، وبلا موعد سوى موعد الغدر والخساسة . التي تكشف زيف مهرجانات التحالفات البهلوانية، بالعلاقات المسمومة بالغدر، لتسقط الشعارات المزيفة . شباب جاءوا من بلدان المهجر، يحلمون بالحلم الثوري، في المجابهة بالتحدي الجسور للسلطة الفاشية، لكنهم يجدون انفسهم في برك الدماء من الرصاصات الصديقة، في اصرار على الغدر والجريمة . من الصديق المزيف، الذي لبس قناع السلطة الدكتاتورية عوضاً عنه .

قم . أترك السيرك، فلا مكان لك بين مهرجانات البهلوان

وألعاب القفز على الرقاب

هذا سيرك تضحك فيه حفنة على بقية الناس

وترضى أن تروض أمة على الغباء والنفاق

بالتساوي، توزع الشعارات بين الناس

قم . ماهذا فلن يكفكف دمع السماء احد ...

قم . فما زال باطن العراق حجارة لم يقرضها الزلزال بعد

أفق . أنهم يتحايلون على الذاكرة

ويرمون عظمة تتلهى بها

قم . فلن يمنع طبق الصحب عنك احد

لن يلغي ذاكرة الاهل أحد) ص109

ويستمر انزلاق وطن القهر والمعاناة، ليصبح كعكة شهية على مائدة الذئاب الجائعة بشهوانية عدوانية، في استغلال هذيان الدكتاتورية الفرد الارعن، حتى يقع في فخ السقوط، ليكون كعكة بأكملها تحت مائدة جنود الاحتلال، تحت لافتة . النصر لديموقراطية، التي جلبت انهار من الدماء والخراب، والوطن يفقد صوابية العقل والمنطق بالخبل، وتلوث سماءه بدخان الحرائق، ومجيء توابع واذيال في عقلية الخرافة والتعاويذ، وغياب الفرح كلياً من مناخ العراق (كيف أفرح ووطني موغل بالدم والدخان والخبل . حيث يغص أثيره مختنقاً بأبخرة التعاويذ وفتاوى التكفير ... بشعارات كذب ونفاق وفير . وعند ضفاف الشفاه يتكسر الكلام غير المنطوق ... تُرى من يرتق مزق اسئلة، ظلت منشورة على حبال الصوت مترددة، بين خرس الخوف) ص92 .

 

- كتاب : تقاسيم على وطن منفرد

- تأليف : يحيى علوان

- الناشر : دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الاعلامية .

- الطبعة الاولى : عام 2012

- عدد الصفحات : 176 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

 

266 حسين مردان"فرك الصدأ" هو كتاب في الأصل أطروحة تقدم بها د. قحطان فرج الله لنيل الدكتوراه من جامعة القاهرة في شعر (حسين مردان)، وفرك الصدأ استعارة مع تغيير مقصود من قصة فيها بناء لنثر مُركز مُستمد من مقال سردي لمردان فيه روحيته الشعرية والمقالية ذات المنحى القصصي وخلط فيها ومزج مع الكتابة النثرية، عنونه حسين مردان "من يفرك الصدأ" وقد استعاره د.علي جواد الطاهر ليكون عنواناً لكتاب جمع فيه مقالات حسين مردان وما كتبه هذا الشاعر المُتمرد من شعر تحت عنوان "النثر المُركز" (حسين مردان، إعداد، د.علي جواد الطاهر، ص129).

أجد أن عنوان د.قحطان استعارة ذكية يروم منه إخبارنا سؤال من يفرك الصدأ؟ جوابه أن حسين مردان هو الأقدر على فرك الصدأ وكشف المسكوت عنه وفض بُكارة الساكن التقليدي في الكتابة الشعرية والمقالية في الثقافة العربية.

لم يكن حسين مردان كغيره من الشعراء من أبناء جيله، وأغلبهم كبار، ولكنه لا يسير وراء الركب، ولا يقبل إلَا أن يكون مُتفرداً ومُتمرداً على أبناء جيله، ليكون خارج السرب لا لأنه فقط يبحث عن الغرابة إنما هو ساع إلى خلق نص مُغاير لا يشبهه في أحد.

إنه يفرك الصدأ، صدأ القيم والتقاليد البالية في حياتنا المُجتمعية. صدأ الانسياق وفق أنموذج كتابة الشعر أو المقالة وفق أنموذج سبق.

ما يُميز حسين مردان أنه يخلق أسلوبه الخاص. أنه أنموذج بحد ذاته في السلوك والحياة والنتاج الإبداعي. يُقلَد ولا يُقلِد.

لقد كتبت مقالاً بعنوان "حسين مردان، ناثر الشعر قبل الأوان" نُشر في صحيفة المُثقف الألكترونية، قبل أن يُهدي ليَ د.قحطان كتابه القيَم هذا، لذلك لا أرغب بتكرار القول في شرح وتفصيل رؤيتي واختياراتي لنصوص حسين مردان مرة أخرى.

وسأجعل من قراءتي هذه تلخيص وتحليل لرؤية د.قحطان التي غلب عليها النزعة "المردانية" في التمرد، فهو مردان ومُتمرد!.

كان التمرَد سمة غالبة في أدب حسين مردان، ولكنه تمرَد من نوع خاص، هو تمَرد ليس من أجل التمرَد، "وليس ترفاً إبداعياً يُمارسه بقدر ما هو موقف وجودي يُحاول أن يفهم العالم، فيُقحم المُبدع في إتون الغرابة به إلى الخروج عن المألوف، لاستشراف أفق مُغاير" (ص18)

ولكنني سأحاول أن أُسلط الضوء على دراسة د.قحطان عن هذا الشاعر الذي تميز بجرأة فائقة لا سيما في مجموعته الشعرية الشهيرة "قصائد عارية"، ولا رغبة عندي لتلخيص الكتاب أو عرضه، إنما أنا أسعى لتسليط الضوء على الأهم في هذا الكتاب، وهو سعي جاد مني لإلتقاط لمحات تكشف عن عُمق قراءة د.قحطان لشعر وكتابات حسين مردان. ولك عزيزي القارئ أن تستزيد بتفصيل دقيق حين قراءتك لهذا الكتاب.

كأي دراسة أكاديمية بدأت بتبيان أهمية الموضوع ومنهج الدراسة، وتمهيد فيه ترجمة لحياة الشاعر ونتاجه الإبداعي، ثم مدخل نظري سلط فيه الضوء على معنى الغرابة والتمرد التان هما سماتن إلتصقتا بكتابات مردان، ثم فصل أول تناول فيه (اللغة في أدب حسين مردان). وكان فصله الثاني عن (الصورة وآليات الغرابة والتمرد في أدب مردان). أما الفصل الثالث، فقد خصصه الباحث لدراسة (الإيقاع وآليات الغرابة والتمردز لتأتي الخاتمة الذي عمد فيها د.قحطان تبيان أهمية "النص النثري المُركز" الذي أبدعه مردان، وتأكيده على أن مردان "سار على نهج جيله من ناحية البنية الشكلية للنص، ولم يخرج عن الإطار العام الذي وسم القصيدة السبعينية" (ص20)، وإن كُنت أختلف مع رؤيته هذه.

تأثر مردان بالنزعة الوجودية عند كامو في كتابه "الإنسان المُتمرد"، وهو تمرد مقصود يُجيد فيه مردان التعبير عن رفضه لنزعات الظُلم والطُغيان والاس تبداد السائدة في مُجتمعاتنا، في الأسرة والمُجتمع وأنظمة الحُكم.

الأمر الذي جعل مردان يربط بين التمرد والغرابة في كتابته، بل وفي سلوكه: "غرابة وتمرد نفسي"، و"غرابة وتمرد عاطفي"، (ص65ـ67) ومن تعابيره واغترابه ونزوعه نحو التمرد كتابته في (المسكوت عنه) في مُجتمعاتنا مثل: قضايا الجنس والمرأة، ومن ميزات هذه الغرابة والتمرد هي:

غموض المعنى، والاستغراق في الرؤية الفلسفية التأملية، والتي جعلت منه كاتباً مُثيراً له عدته المفاهيمية المُستمدة من نزوعه الفلسفي، وهي عُدَة أثرة مُعجمه الشعري والنثري معاً، وجعلت من نصه مُكتنز المعنى مُحمل بدلالات تمنح القارئ فسحة من فيض التفسير والتأويل و"إثراء المجالات الدلالية" (ص69).

لقد تخطى مردان عتبة اللغة في تعابيرها التقليدية عبر "الخروج عن مُهيمنات القواعد اللغوية الصارمة وأخذت منحى إنتهك المحارم في الإنعتاق من تقديس الأسلاف" (ص75).

تمكن مردان من صناعة مُعجم شعري له كما هو حال كبار الشعراء والفلاسفة من الذين تمكنوا من بناء مفاهيم تختص بلغتهم الشعرية أو الفلسفية.

فمن نتاج مردان المفاهيمي صناعته لمفاهيم تخترق المألوف، ومنها "ألفاظ الجسد" (ص82)، ولكم في مجموعته الشعرية (قصائد عارية) أنموذج أمثل لقدرته على الإنتاج المعجمي والمفاهيمي الخاص به.

أما "ألفاظ المرأة" (ص88) حول مفاهيم مثل الأنوثة، أو جسد المرأة، أو الزينة، أو الملابس، فهي نتاجه في البحث عن حرية للمرأة في توظيفها الجسدي لأنوثتها، ولك أن تُراجع قصيدته (زرع الموت) في مجموعته الشعرية قصائد عارية)، ومثل ذلك تجد له نتاج مفاهيمي في "ألفاظ الحُب"، وهما أمران مُتعالقان (المرأة) و (الحُب)، وقد عبر عن تبيه لهذه الرؤية في مقال له بعنوان "الجنس لم يعد مُشكلة" المنشور ضمن أعماله الكاملة.

رغم عشقه للحياة، ولكن مُعجمية مردان المفاهيمية لا تخلو من نتاج "ألفاظ تتعلق بالموت والحياة والحُزن" (ص107)، وقد ظهرت جليَة وواضحةً في "ديوان طراز خاص" المنشور ضمن أعماله الكاملة، وقصيدته "الأرجوحة هادئة الحبال".

وللزمن في نتاج مردان المفاهيمي حضوره بين "الرجاء والطلب...لأن الزمان يُغادر سريعاً ولا يأبه لنداء من يُنادي" (ص111).

عرف أغلب القُرَاء مردان من خلال ديوانه (قصائد عارية)، ولكن حسين مردان لا يكشف عن عُري إمرأة إنما يكشف ويفضح الراكد من القيم والتقاليد في المُجتمع، لذا نجد في مُعجمه المفاهيمي عن إنتاج لـ "ألفاظ السياسة" (ص119) في قصيدته "أغصان الحديد"، وهناك مفاهيم أخرى و "ألفاظ تتعلق بالقيم الإنسانية" لا تخلو منها كل قصائده في مجموعته الكاملة.

وللميتافيزيقا حظٌ في نتاجه المفاهيمي رغم أه يعيش حياته بمنأى عنه وعن تأثيراتها الغيبية بقوله:

وإن نسيت الله في لذتي

يوماً فلن أنساه في عاري

ذلك النص المُكتنز بالمعاني الذي جاء في قصيدته "الأرجوحة هادئة الحبل" (ص123).

وللخمر ألفاظه في مُعجمية مردان، فقد وردت في مجموعته ألفاظ كُثر مثل: "الخمر، الأفيون، الحشيش، الخمر الأحمر" (ص124)، ولم يستثن "الألفاظ العامية" من مُعجمه، بحسب الحاجة والتوظيف الأمثل لها.  

 

د. علي المرهج

.................

للاطلاع

حسين مردان ناثر الشعر قبل الأوان/ د. علي المرهج

 

252 جواد بشارةصدر للباحث العراقي المقيم في باريس د. جواد بشارة كتاب بعنوان: داعش: حكاية مسخ ـ الإسلام السياسي من المنبع إلى المصب، عن دار نشر ميزوبوتاميا في بغداد ــ شارع المتنبي

يتحدث الكتاب عن تطورات الفكر السياسي في الإسلام منذ بداية الدعوة من خلال النشاط السياسي إبان فترة الخلافة الأولى، منذ عهد الخلفاء الراشدين إلى انتهاء مرحلة الخلافة الأولى وهي الخلافة العثمانية، على يد كما أتاتورك سنة 1924، والعودة المعاصرة للفكر السياسي للإسلام من خلال نشاط الأحزاب والحركات الإسلامية السياسية ودعوتها لإقامة دولة الخلافة الإسلامية، متمثلة بأطروحات المودودي وشعار الحاكمية لله والخميني وشعار ولاية الفقيه، وأدبيات وتنظيرات تنظيم الإخوان المسلمين وحزب الدعوة الإسلامية، ومن ثم أطروحات القاعدة وداعش، أي فكرة الدولة الإسلامية بشقيها الشيعي والسني واعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع مقابل الدولة المدنية الحديثة، حيث تتلخص مقاربة الكتاب أن القاعدة وداعش وجهان لعملة واحدة تعكس نوايا الإسلام السياسي المعلنة والخفية، والتأكيد على مسلمة أن الإسلام هو دين ودولة في آن واحد .

و يتناول هذا الكتاب موضوع "الإسلام" ليس باعتباره كتلة هجينية وآيديولوجية واحدة متناسقة ومتجانسة ومتماسكة، بل كحدث تاريخي مر بمراحل أدت إلى تنوعه إن لم نقل تشويهه . فهناك إسلام محمد وفي حياته، وهناك إسلام مابعد محمد بعد وفاته. وحديثنا سيتركز على هذا النوع الثاني من الإسلام، أي إسلام مابعد محمد الذي تأطر بخلافتين: الأولى هي تلك المسماة الخلافة الراشدية، والثانية هي التي عرفت حديثاً بالخلافة الداعشية، وبينهما حقبة زمنية امتدت لقرون، ابتدأت بحكم معاوية بن أبي سفيان وانتهت بآخر حاكم عثماني سنة 1924 على يد كمال أتاتورك، وهي نوع من الحكم اتخذ تسمية الخلافة الإسلامية لكنه كان في حقيقة الأمر مجموعة من الحكام توارثوا الحكم على صيغة ملوك وسلاطين وأباطرة حكموا بإسم الإسلام وخملوا صفة الخلفاء. تميزت الفترة المحمدية من الإسلام بوجود صاحب الرسالة جسدياً وكان حياً يعيش بين الناس ويخبرهم بأنه تلقى تعاليمه من السماء وعليه واجب نشرها بين الناس وتعريفهم بها ومحاولة إقناعهم بصحتها ومصداقيتها بكل الطرق والوسائل الممكنة المتاحة بين يديه بما في ذلك إعمال السيف واستخدام القوة والعنف إذا تطلب الأمر ذلك. أما بعد وفاته فلقد اختلف الأمر وانتقلت السلطة السياسية والدينية إلى الصحابة ومن ثم التابعين وبعدهم المؤسسات الدينية والمؤسسات السياسية التي كانت تحكم بإسم الدين بتواطؤ ودعم وتأييد المؤسسات الدينية ورجال الدين. إن موضع الإسلام السياسي المعاصر خلق حالة من الفوبيا من الإسلام في العقل الغربي والتي صارت تعرف بظاهرة الإسلاموفوبيا وهي ظاهرة خطيرة بدأت تغزو عقول وأذهان ونفوس الغربيين والرأي العام في الغرب بمختلف انتماءاته وتوجهاته، فهناك حالة من الهلع والرعب من كل ما له علاقة بالإسلام اليوم، ومنذ الحادي عشر من أيلول عام 2001 وإلى يوم الناس هذا. تجلت هذه الظاهرة من خلال سلوك الأفراد والجماعات ونفورهم العنصري من مظاهر التدين التي يمارسها المسلمون في الغرب كالزي الإسلامي والحجاب والنقاب والبنطلون القصير والجلابيه القصيرة، وذلك في كل مكان وعلى نحو خاص في أمريكا وفي المجتمعات الأوروبية ولقد تعرض الكتاب بالتفصيل لهذه الحالة .

 

249 محمد دانيصدر حديثا عن أ. دار الهدى - بإدارة عبد زحالقة، كتاب "بنية الشعر الفلسطيني المعاصر"، دراسة لديوان، مرثاة لتضاريس السلالة لصالح أحمد كناعنة، يقع الكتاب في 224 صفحة من الحجم الكبير، طباعة أنيقة، ورد في مقدمة الكتاب " صالح أحمد كناعنة شاعر حداثي، من خلال شعره يظهر بدأ شاعرا عموديا، لكن ما لبث ان ارتبط بالشعر الحديث، وأصبح من شعراء التفعيلة وذلك للأسباب التالية (النزوع الى الواقع، الحنين الى الاستقلال، النفور من النموذج المسيج للطاقات والرؤية الشعرية، الهروب من التناظر، ايثار المضمون)، فشعوره بضيق البيت الشعري، وانحباس المعنى، والرؤية الشعرية في تناظرية رتيبة، جعله يهب الى اعتماد النموذج الحداثي المعاصر، والسير وراء شعراء كبار، متأثرا بهم امثال : السياب، ونازك ملائكة، وبلند الحيدري، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور، ومحمود درويش وابراهيم طوقان، وهارون رشيد وغبرهم ...عندما نتمعن في شعره نجد فيه بعض ملامح الاسطورة والملحمة، وهذا ناتج عن مقرونه، واتصاله المباشر بالشعر الغربي وشعر الرواد " من مواضيع الكتاب : في شعر صالح احمد كناعنة، الشعر والحداثة، رؤية صالح احمد اللغوية، البنية اللغوية في شعره، البنية الصوتية الشعرية، البنية الصرفية في المجموعة، دلالة الضمائر،شعرية المكان اللغة في شعره، الانزياح اللغوي في شعره، الوعي الجمالي في شعره، بنية الصورة الشعرية، الموسيقى والايقاع الداخلي، القدس والبعد القومي والوطني، الرمز في شعره، التمرد والغضب والثورة . يضم الكتاب عشرات المراجع بالعربية والفرنسية .

صدر للككاتب محمد داني:

– إضاءات في شعر سهيل عيساوي

– سؤال في الرواية المغربية (مشترك)

– الحداثة والتجريب في الرواية (مقهى البيزنطي نموذجا)

– الرواية عند علي أفيلال

– الشعر والشاعرية في شعر الدكتور مصطفى الشليح

– القصيدة المغربية الحداثية (قراءة في شعر عبد الناصر لقاح)

– في القصة القصيرة جدا

– بنية القصة القصيرة جدا عند كاملة بدرنة

– جمالية القصة القصيرة جدا

– حفريات في القصة القصيرة جدا

– كتابة القصة عند انيس الرافعي

– في العالم السردي لمحمد صوف

– أدب الأطفال – دراسة في قصص الأطفال لسهيل عيساوي

– تجليات الشعر (دراسة لشعر محمد علي الرباوي)

– بنية الشعر الفلسطيني المعاصر – دراسة في ديوان مرثاة السلالة،لصالح أحمد كناعنة

– تجليات نصية قراءة في الابداع الرقمي

– النحو العربي – دراسة في الاخطاء

– أقوى من البحر – رواية

– أوراق نقدية

– النص الأدبي في المدرسة الابتدائية

- بنية قصة الطفل عند سهيل عيساوي

 

 

عدنان حسين احمدصدر عن دار "لندن للطباعة والنشر" كتاب "الثِمار الأرضية بأسمائها الفرنسية" للشاعر فاضل عبّاس هادي، وهو الجزء الثاني من ثلاثية "الورّاق" التي نعتبرها سيرة ذاتية وثقافية ونقدية للمؤلف الذي توزعت اهتماماته بين الشِعر، والنقد الأدبي والفني، والتصوير الفوتوغرافي، والكتابة الحُرّة التي تجمع بين دفّتيها خليطًا من الأدب، والفن، والنقد، والسياسة، والاستذكارات المصهورة في "نص مفتوح" يمكن للمتلقي أن يقرأه من أي صفحة يشاء. غير أن هذا النص المهجّن ينطوي على خطوط ظاهرة للعيان أبرزها المراجعة النقدية لكل ما قرأ أو وقعت عليه عيناه منذ صباه وشبابه حتى الوقت الحاضر، وقدرته الواضحة في التحليل النفسي سواء للشخصيات الثقافية والإبداعية أو للمجتمعات التي يرصدها في متون دراساته وكتبه النقدية التي تعتمد على انطباعاته الذاتية التي يؤازرها "مُرافقهُ الخفيّ" الذي يغمره بالمفاجآت السعيدة والمُدهشة.

دعونا نعترف بأن ثلاثية "الورّاق" هي سيرة هجومية بامتياز، وتحشر القارئ في مقارنة عويصة بين الثقافة الأنكَلو- ساكسونية والثقافة الفرنسية، ويعني بالأنكَلو-ساكسون بريطانيا وأميركا وأستراليا، ثم يستدرك ليقول بأنه لا يقصد بريطانيا برمتها وإنما "إنكَلاند" فقط بعيدًا عن الآيرلنديين والأسكتلنديين والويلزيين. وحينما يأتي على ذِكر الأميركيين والأستراليين بوصفهم أنكَلو- ساكسونيين أيضًا يخفِّف من لهجته وغلوائه بحجة "أنهم عرّضوا اللغة الإنكَليزية للتهوية، وخلّصوها من الروائح العطنة التي علقت بها على مرّ العصور".

لا يقتصر هجوم فاضل عباس على اللغة الأنكَلو- ساكسونية فقط، وإنما يمتدّ إلى أدبائها ومبدعيها وأناسها ومدنها، وخاصة لندن. كما لم تسلم منه الحكومة البريطانية بساستها ووزرائها وبرلمانييها. وفي السياق ذاته يوجِّه انتقاداته الحادّة إلى الماكينة الإعلامية المتمثلة بالصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة. فكل شيء فرنسي، حسب الكاتب، هو أفضل من كل شيء أنكَلو- ساكسوني. تُرى، هل تصحّ هذه النظرية؟ وهل يتقبّلها المتلقي الذي يقرأ هذا الكتاب؟

نقرأ في الصفحة الاستهلالية مُقتَبسًا مشتركاً للروائي الفرنسي جول رونار والكاتب فاضل عباس يقولان فيه:"أحب موبسان لأنني أشعر بأنه يكتب لي وليس لنفسه. قل لي متى قرأتَ لكاتب أنكَلو- ساكسوني، وشعرتَ بأنه يكتب لكَ؟ أنا لم "أقرأ".

يركز المؤلف على مساوئ اللغة الإنكَليزية فهي لغة العاهات، والحروب، والأسلاك الحديدية الشائكة، والتجارة، والصناعة، والعلوم وما إلى ذلك، بينما الفرنسية هي لغة الحُب، والتسامي، والأغصان المتعانقة، فهو يعيب على الإنكَليز تسمية الجنائني بـ Tree Surgeon التي تعني "جراحة الأشجار"، أو استعمال "دودة كتب" Bookworm بدلاً من Booklover عاشق كتب، أو يجترحون "الدعسوقة" من كلمتين هما Lady+ Bird لتصبح Ladybird بينما هي Coccinelle بالفرنسية، كلمة جميلة واحدة لا غير ، أو كلمة Pickpocket التي تتألف هي الأخرى من كلمتين أعطتا بالكاد معنى"النشّال" في إشارة واضحة إلى عدم قناعة الكاتب باللغة التلصيقية الأنكَلو- ساكسونية مع أنّ التلصيق موجود في عدد كبير من اللغات الأخرى.

الشخصيات الأدبية الأنكَلو- ساكسونية التي انتقدها الكاتب كثيرة ولا يمكن حصرها في هذا المقال لكننا سنتوقف عند ستة أسماء أدبية لامعة وهي كولن ولسن، فرجينيا وولف، د. ه. لورنس، إي. أم. فورستر، تشارلز ديكنز ووليم شكسبير. صبّ المؤلف جامَ غضبه على ولسن لأنه كتب عددًا من روايات الجريمة، كما أصدر أيضًا "إنسيكلوبيديا الجريمة" بالاشتراك مع باتريشيا بيتمان. أما فرجينيا وولف فقد نظرت إلى العالم في كتاباتها من مستوى الدودة وليس من منظور الطير، كما قرّعها الكاتب بسبب شذوذها الإيروسي الذي لا يهمنا كمتلقّين. رواية "عشيق الليدي تشارلي" لـ د. ه. لورنس وصفها الكاتب بكلمة "مُفتعلة" ليلغي العلاقة العاطفية القائمة بين شخص من الطبقة العاملة، وامرأة من الطبقة العليا، ويطعن في مصداقية الرواية وإبداعها. لم تشفع لفورستر روايات "موريس"، و "أطول رحلة" و "الطريق إلى الهند" لأنه كان "منحرفًا" بلغة ذلك الزمان. لم يلتفت الكاتب إلى رواية "الآمال العظيمة" التي تعتبر الأكثر تأثيرًا وشعبية وإنما التفت إلى تحيّز ديكنز ضد السامية متفاديًا التدقيق في الجوانب الفنية كاللغة، والشخصيات، والبنية المعمارية للنص الروائي. أما الانتقادات الكثيرة التي وجهها إلى مسرحيات شكسبير فهي مقبولة، ومنطقية إلى حدٍ كبير ولا نستغرب حينما يصفه "بأنه عنيف، ودموي واحترابي". وقد استعان برأي ليو تولستوي الذي وجّه انتقادات لاذعة إلى اللغة المزوّقة لشكسبير، والشخصيات التي تتحدث بلسانه، والأمثال التي لا تخدم النص المسرحي وسواها من الملحوظات التي تولّد في نفسه "الملل والنفور والحيرة".

عيوب لندن كثيرة من وجهة نظر الكاتب، فهي مدينة بلا مقاهي أرصفة كتلك التي يراها في باريس، وبرلين، وبيروت، وبرشلونة، وبغداد، المدن التي يحبها، ويسترخي بين جوانحها فلا غروَ أن يجردها من إنسانيتها لأنها المدينة الوحيدة التي تبيع الحدائق والمتنزهات والأماكن العامة إلى الأثرياء القادمين من وراء الحدود. وهي المدينة الوحيدة التي تتقوقع على نفسها، وتشذب الأشجار بالمناشير الكهربائية لكي لا تعانق أغصانها الساكنين وراء النوافذ الزجاجية.

حينما كانت تيريزا مي وزيرة للداخلية كانت مؤيدة قوية للبقاء في الإتحاد الأوروبي، أما الآن فقد أصبحت من أقوى الداعين إلى الانسحاب، فهي كبريطانية تفضل العزلة والتوحد مثل أي مواطن أنكَلو- ساكسوني ضائع لا يدري إن كان هو أوروبيًا أم أطلسيًا. تيريزا مي وجيرمي كوربن كلاهما يعاني من تكلّس في العمود الفقري، وخلل في القصبات الهوائية، فكيف تقف الجزر البريطانية بقامة منتصبة لتسمع صوتها إلى الأجزاء الثلاثة الأخرى التي يفكر بعضها في البقاء ضمن الاتحاد والأوروبي والانفصال النهائي عن المملكة العتيدة.

يُسقِط الكاتب أوراق التوت عن وزراء وبرلمانيين وأساقفة لا يجدون حرجًا في كشف المستور، وانتهاك القيم الأخلاقية المتعارف عليها بحجة الحقوق والحريات الشخصية، ولا يكتفي بالإشارة إلى تيريزا مي وإنما يعود إلى مارغريت ثاتشر التي كانت تردد "أننا أمة تجارية عظيمة"، ويذهب أبعد من ذلك بكثير إلى بوديكا Boudica التي كانت متعطشة للدماء.

أشرنا سلفًا بأن هذا الكتاب هو سيرة ذاتية وثقافية ونقدية للشاعر فاضل عباس هادي المولع باقتناء الكتب وقراءتها منذ صغره، بل أنّ مدير المكتبة العامة في الناصرية صبري حامد كان يسمح له دون غيره بالدخول إلى مستودع الحوليات والكتب الأجنبية لأنه كان يعرف شغفه باللغة الإنكَليزية آنذاك قبل أن ينجذب إلى اللغة الفرنسية خاصة، وبقية اللغات الرومانسية من باب الإطلاع عليها ومقارنتها باللغة الأنكَلوساكسونية التي صار ينفر منها لاحقًا. وربما لعبت المصادفة العجيبة أن الكائن السيري قد شاهد لوحة "حانة في فولي بيرجير" لإداوارد مانيه في المستودع المذكور، وبسببها بدأ يحب النادلات في المقاهي والحانات التي يرتادها في برلين وباريس وبيروت وسواها من المدن الحميمة الأخرى.

وعلى الرغم من كثرة القصص والوقائع الصادمة في هذا الكتاب إلاّ أن أسلوبه الجريء، ولغته التهكمية الساخرة هي التي منحت هذه السيرة نكهتها الخاصة، فحينما يتحدث بالمحكية العراقية عن منطق الأنكَلو- ساكسونيين يصفه بـالـ " عكرف لوي"، أي الملتوي أو المتعرِّج، وحينما يرد اسم شخص فكه يحب النكتة ينعته بـ "الشقدنحي"، ويتحول النشّال إلى "ضرّاب جيب" وما إلى ذلك من مفردات محببة يستعملها عامة الناس.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

ضياء نافعهذا كتاب غير اعتيادي بكل معنى الكلمة، ابتداء من عنوانه وغلافه، فعنوانه هو - (كتاب نصف قرن)، وغلافه خال من اسم المؤلف، وتوجد هناك اشارة مختصرة لاسم جامعة موسكو الحكومية بالروسية، وصورة بنايتها القديمة في مركز موسكو، وفوقها صورة اخرى لخريجي كلية الصحافة، الذين التحقوا فيها عام 1963 وتخرجوا منها عام 1968، وهذه الصورة مؤطرة باطار كلاسيكي اعتيادي جدا، وهي صورة تذكارية كنا ولا زلنا نراها معلقة في بيوت كل الخريجين الروس من المدارس او الكليات، عندما كنا نزورهم في بيوتهم، وهو تقليد جميل جدا يؤرخ مرحلة الدراسة بطلبتها واساتذتها، وهي فترة سعيدة دائما في حياة كل انسان، لانها ترتبط بمرحلة الشباب الرومانتيكية الجميلة بحد ذاتها رغم كل مصاعبها ومشاكلها ومطبّاتها. يقع الكتاب في (254) صفحة من القطع المتوسط، ونجد على الصفحة الداخلية الاولى توضيحات لطبيعة هذا الكتاب، والتي تشير، الى ان هذا الكتاب (يوبيلي)، اي يرتبط باليوبيل الذهبي (نصف قرن) والخاص بخريجي عام 1968، وانه صادر من كلية الصحافة في جامعة موسكو الحكومية عام 2018، ومن هنا جاءت تسميته - (كتاب نصف قرن)، وهو يضم(69) مقالة متنوعة موزعة على خمسة محاور، شارك بكتابتها اكثر من(60) صحافيا من خريجي تلك الدورة بالذات، وكم فرحت، لاني وجدت بين هؤلاء الخريجين عراقيا درس عندئذ في كلية الصحافة بجامعة موسكو، وساهم مع زملائه الآخرين بتحرير هذا الكتاب، وكتب ثلاث مقالات فيه، وهو الزميل الدكتور خليل عبد العزيز، وقد بحثت عن صورته على غلاف الكتاب بين الخريجيين ووجدته فعلا، وكان بالطبع شابا وسيما وجميلا، مثل كل الطلبة الآخرين آنذاك من البنين والبنات (وخاصة البنات طبعا!)، اما صورته المنشورة داخل الكتاب جنب مقالاته هناك، فانها كانت (بعد اليوبيل الذهبي !) تحمل بصمات السنين الطوال وسماتها، وقد توقفت اولا وقبل كل شئ عند مقالات د. خليل عبد العزيز طبعا (انطلاقا من عراقيتي وتحيّزا لهذه الروح العراقية، وتحيّزا له ايضا، وهل يمكن لي في هذه المواقف ان اكون محايدا !!!)، حيث تحدث في مقالته الاولى عن مسيرة حياته الصعبة في العراق، وكيف وصل الى موسكو، ثم الى كلية الصحافة، ومن الطريف ان نشير هنا، الى ان اسمه كان عندها (يوسف الياس يوسف) (او يوزف كما كتبوه الروس !)، وقد ذكروه بين قوسين بعد اسمه الحقيقي، اذ انهم جميعا كانوا يعرفونه عندها بذلك الاسم (انظر مقالتنا بعنوان – خمس ساعات في موسكو مع د. خليل عبد العزيز)، اما المقالة الثانية له في هذا الكتاب فكانت بعنوان – (ايرينا فولودينا . هي دائما في ذاكرتي)، وهي مقالة في غاية الرشاقة والجمال، وتتحدث عن زميلة له في الكلية كانت تساعده في الدراسة لان لغته الروسية اول الامر لم تكن بالمستوى المطلوب، وكيف التقى بها صدفة في القاهرة بعد سنين، ويختتم د. خليل تلك المقالة بالاشارة الى انها (لم تعد الان بيننا)، وانها ستبقى دائما في ذاكرته . لقد توقفت طويلا – ومتأمّلا - عند جملة (لم تعد الان بيننا)، واستنتجت ان اعتزاز د. خليل بها وتقديره ومحبته لها قد منعه حتى من استخدام فعل (توفيت او رحلت)، وأكبرت فيه هذا التصرّف الانساني الرائع والرفيع، اما المقالة الثالثة فكانت بعنوان - (الموصل – دماء ودموع)، وتتحدث – كما هو واضح من عنوانها – عن مأساة الموصل المعروفة، وما حل بها من دمار، ود. خليل هو ابن الموصل البار .

مقالات هذا الكتاب متنوعة جدا وممتعة جدا في نفس الوقت، ولا يمكن اختصارها ابدا، لانها مليئة بالافكار والحوادث، اذ يتحدث فيها الخريجون بحب كبير عن كليتهم، وكيف ان الابناء والاحفاد قد درسوا فيها بعدهم لانهم زرعوا فيهم حب العمل الصحفي الخلاّق، ويذكرون اساتذتهم باحترام كبير، ويتحدثون عن عملهم بعد التخرّج، والصعوبات التي تغلبوا عليها، والنجاحات التي حققوها، والمداليات والاوسمة التي حصلوا عليها، ويمكن لقارئ هذا الكتاب ان يكتب تاريخ وسائل الاعلام السوفيتية منذ اواسط ستينيات القرن العشرين وعبر انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وصولا الى يومنا الحاضر، وطبيعة المشاكل والقضايا المتشابكة في الصحافة والتلفزيون ووسائل الاعلام الروسية الاخرى في تلك الفترة الطويلة والعصيبة في تاريخ روسيا ومسيرتها. لقد وجدت انا شخصيا في هذا الكتاب عدة مقالات مهمة جدا، وقررت ان اترجمها الى العربية عندما تسمح ظروفي بذلك، لاني ارى، انها يمكن ان تساعد القارئ العربي على تفهّم طبيعة الاعلام الروسي ومشاكله اولا، ولان هذه المقالات الصادقة ترسم، ثانيا، تجارب انسانية عميقة في مجال العمل الاعلامي، وهو مجال مشترك في كل بلدان العالم، بما فيها طبعا بلداننا العربية.  

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

علي المرهجلا أعرف هل يُمكن لنا القول أن هُناك كُفراً حلواً وآخر مُراً، ولكن (شافاق) تجترح لنا مُصطلحاً جديداً هو "الكُفر الحُلو" وهو كُفر بلغة الفُقهاء وإيمانٌ بلغة العُرفاء، فيه خروج عن ضوابط الفقه والشريعة كما فسرها الفقهاء، ولكنه غورٌ في أعماقها كما فهمه الصوفية والعُرفاء، وإن تماهت (شافاق) بتوصيفه بأنه كُفر حُلو كي تتقي شر تكفير الفُقهاء لها ـ كما أظن ـ إلَا أنها تضعه موضع أحق بالقرب من الله، إن لم يكن هو الموضع الحقيقي لمحبة الله وعشقه والتماهي معه.

بالتأكيد لن أكون أنا الأول، ولن أكون الأخير ممن شغفوا برواية (أليف شافاق) "قواعد العشق الأربعون"، فهي رواية شغلت المثقف النخبوي، كما تغنى بها القارئ البسيط، لأنها رواية تُخاطب الروح والوجدان أكثر مما تُخاطب العقل، تُحاول (شافاق) فيها الكشف عن خبايا الرو ح ومكنوناتها الوجدانية، بحثاً عن نزعة الأنسنة التي ضمرت في قلوبنا نحن أبناء الشرق الذين نقدنا المُستشرقون لأن هذه النزعة تمكنت منَا، فغابت عقولنا عن التفكير، فهي مأخذ علينا عند من قرأوا الشرق من الغربيين بعيون الحداثة بيقينياتها المُطلقة والشمولية وتغييبها للبعد الوجداني، ولكن (شافاق) تروم إعادتها لنا بقراءة أخاذَة لتكشف لنا عن الضامر والمُغيَب من نزوعنا الأنسني الذي تنساسيناه بفعل عوامل التحولات الجيوسياسية الداخلية والخارجية.

لا أروم التنظير في السياسة، ولا أرغب في الدخول في التنظيرات الفلسفية للتفريق بين رؤية الغرب للشرق، أو رؤية الغرب للشرق، وإن كانت كلا الرؤيتين ليست مُتناقضتين تمام التناقض، ففي الغرب نزعات روحية ترنو نحو روحانية الشرق، وفي الشرق نزعات عقلانية ترنو نحو عقلانية الغرب الحداثية، ولكن ما نُشدد عليه أن العرب هم من أنتجوا حضارة عقلانية تمثلت برؤى الفلاسفة المُسلمين الذين تماهوا مع الفلسفة الأرسطية، وهناك في الغرب فلسفات إيمانية تماهت مع رؤى الفلسفة الإسلامية بطابعها التوفيقي بين الدين والعقل مثل فلسفة توما الأكويني الذي بنى رؤيته وفق الفلسفة الرُشدية.

وإن كُنت أنا لست ممن يميلوًا لتغليب الوجدان والعاطفة على العقل مثلما فعلت (شافاق) في روايتها "قواعد العشق الأربعون"، إلَا أنني أسيَر لنزعة الأنسنة التي نثرتها في كل سطر من سطورها، الذي أجادت توظيفه بقراءة واعية للتصوف الذي زرعه الرومي والتبريزي ونزوعهما نحو الأنسنة، وكأنهما يرومان العودة بنا لعوالمنا الفطرية في خلقنا ووجودنا الطبيعي كما فعل (جان جاك روسو) فيما بعد، إلَا أنني لا أميل للبقاء أسيَر هذه النظرة التي تغوص في الأنا، وتجلد الذات، بقدر ما أبحث عن (أنا) أخرى تسير وفق منطق ينسجم مع الرؤية الديكارتية في تقدير قيمة العقل، والبحث عن عقل مواز له في التفكر ويعي قيمة الوجود، ورغم مُعاناتنا من نتاج الحداثة ونزعة التقنية التي خرَبت بعض أو كثير من نزوعنا الأنسني الطبيعي، إلَا أننا ينبغي أن لا نبقى نهيم في مقولات الوجدان وننسى مُعطايات العلم وفضله، فأنا أكتب مقالي هذا وأنا أتصبب عرقاً لأن الكهرباء بين وجود واختفاء، وهي من مُنتجات العلم، وما أحوجنا اليوم لها.

أنا أكتب وأقرأ رواية (شافاق) تحت ضوء التقنية وبغياب بعض نتاجها اللازب لاستكمال القراءة ألا وهو "التبريد" أو "التكييف"، فأنا أقرأ وأكتب وجسمي يتصبب عرقاً، فآتوني بجلال الرومي أو بالتبريزي كي يُخلصاني ولو لبعض من الوقت كي أستكمل العيش في فضاءات الروح التي أجادت زرعها (شافاق) ليُنسياني أن كُلي قد بدأ يتفسخ من فرط حرَ العراق اللاهب.

ولكن لا بأس، ففي التعقل ما يُلجم العاطفة، وفي العاطفة والوجدان ما يكون مجساً للعقل كي يتقي شرَ بعض نتاجه التقني المُدمر للإنسانية.

لعبت (شافاق) الروائية التركية المُبهرة على جماليات الشعرية الصوفية، ونقد النزعة الحداثية، والإنتقال بين زمنين، زمن الرواية عن زوجة وزوج هما: (إيلا)، سيدة أمريكية وأم لأبناء ثلاثة، في الأربعين من عمرها، وزوجها (ديفيد) طبيب الأسنان. كلاهما من نتاج زمن الحداثة الغربية وتقانتها المادية.

وفي ذات الوقت تنتقل شافاق إلى زمن مُستعار من التراث الشرقي، أنموذجاه هما (جلال الدين الرومي) واستاذه (شمس الدين التبريزي). كلاهما من نتاج الحضارة الشرقية وبعدها الروحاني والوجداني.

لتنتصر (شافاق) لوجدانية الشرق الروحانية، حينما تترك (إيلا) حياتها العائلية، لتبحث عن عشق يُجدد حياتها التي تمترست بروتين العمل والبحث عن المال وتنظيم الأسرة وفق قوانين الضبط والربط الذي فرضته تطور الحياة التقانية في الغرب.

بل لتنتصر (شافاق) للنزعة الإنسانية (الشرقية) الكامنة في كتابات الصوفية في "الحُب"، الذي يتجاوز التصنيف الديني والعرقي والطائفي للناس، لتجعل من (إيلا) أنموذجاً لذلك الحب القابل للتحدي والخروج عن ضوابط الفقهاء والكُهان، للهيام بدين الصوفية العُرفاء، (دين الله)، أو (دين المحبة) الذي عبر عنه ابن عربي بقوله:

لقد صار قلبي قابلاً كل صورة فمرعى لغزلان ودير لُرهبان

وبيت لأوثـان وكـعبة طــائف وألوح توراة، ومُصحف وقرآن

قال الرومي: "من لا يمشي إلى فتنة العشق يمشي طريقاً لا شيء فيه حي"، لذلك كان لم يكن هم جلال الدين الرومي "الجهاد الخارجي"، أي (حرب العدو الخارجي) بقدر ما كان مهموماً بالدعوة للـ "الجاهد الداخلي"، ألا وهو جهاد النفس مع ذاتها، أو جهاد "الأنا" وقهرها. (ص32)

في "كل قاتل، يتنفس الرجل الذي قتله"، فـ "عندما تقتل، فإن شيئاً منه ينتقل إليك"، إنها "لعنة الضحية". (ص33)

فحتى الله أدرك الحاجة (لشخص قاتل) "في خطته المُقدسة، عندما عيَن عزرائيل، ملاك الموت، لإنهاء حياة الناس". وهكذا يخاف الناس الملاك ويلعنونه ويمقتونه، بينما تظل يدي الله نظيفتين، ويظل إسماً نقياً" (ص36)

"إن الطريقة التي نرى بها الله ما هي إلَا إنعكاس للطريقة التي نرى بها أنفسنا". (ص48)، فمن كان لا يرى في الله وصورته سوى المحبة، فسيكون حتماً هو كذلك، والعكس صحيح.

ولكن "عندما ينسانا الله ويتركنا وحيدين هنا (في هذا العالم الموحش)، يقع على عاتقنا، نحن الناس العاديين، أن نصبح أشداء ونُحقق العدل بأيدينا". (ص49ـ50)

والعدل لا يتحقق بالقوة، إنما العدل في المحبة يتحقق، ولكن من تعود كراهية الآخر لا يُحب أن تُخبره بأنه على خطأ:

"هكذا هي الحياة. فعندما تُخبر أحدهم الحقيقة، فإنه يكرهك، وكُلما تحدثت عن الحُب، إزدادت كراهيته لك" (ص52)، لأنه إعتاد العيش وفق نمط حياة أحادي مؤطر بالكراهية والحقد على الآخر المُغاير له في نمط التفكير والولاء!.

فمن يبحث عن الله إنما يبحث عن الحُب، لذا جال التبريزي العالم شرقاً وغرباً، بحثاً عن الله في كل مكان، ولما لم تكن لديه جذور في أي مكان، قال: "أصبح لديَ العالم كُله طوافٌ في أرجائه". (ص60)

لذلك وضع قواعد العشق الأربعين، وأولها "أن الطريق إلى الحقيقة يمر من القلب، لا من الرأس. فإجعل قلبك لا رأسك دليلك الرئيسي". (ص62).

أو كما قال الرومي:

إختر الحُبَ، الحُبَ! فمن دون حية الحُبَ العذبة، تُمسي الحياة عبثاً ثقيلا

كانت بغداد برواية (شافاق) "أروع مدينة في العالم"، لكنها "الآن تعج بملايين اللاجئين الذين هربوا من بطش جيش المغول، ونحن نوفر لهم ملاذاً آمناً، إنها مركز العالم".

"لا ريب في أن هذه المدينة جوهرة"، "لكن يجب ألَا ننسى أن المُدن تشبه البشر، فهي تُلد، وتمر بمرحلتي الطفولة والمُراهقة، ثم تشيخ، وفي النهاية الموت، وأظن أن بغداد قد بلغت الآن أواخر شبابها". (ص70ـ71)

ما كان سبباً في أن تشيخ بغداد هو ظن أناسها بأنهم إنما بلغوا من الحُلم والترف ما يُغنيهم عن البحث عن الله لا في بغداد موطن سُكناهم، لإنهم لم يبحثوا عن الله في ذواتهم، من فرط (البغددة)، "فالمرء لا يستطيع أن يجد الله إذا ظل يرتدي معطف فراء، وملابس حريرية، ومُجوهرات غالية كالتي يرتديها كُل يوم". (ص75)

ومُشكلة بغداد أنها قد جعلت للفقهاء مكانة أعلى من مكانة الصوفية، والفقهاء إنما تقتصر معرفتهم وفهمهم بالمعنى الخارجي، "في حين يعرف الصوفيون المعنى الباطني، أما الأولياء فهم يعرفون باطن الباطن. بينما لا يعرف المُستوى الر ابع إلَا الأنبياء والأولياء الصالحون المُقربون من الله". كما يرى شمس الدين التبريزي (ص77)

فالله يرضى عن عباده المُخلصين، وإن لم يُتقنوا طُرق العبادة كما يروم الفقهاء، فقد خاطب الله نبيه موسى (ع)، حينما نهر راع لأنه خاطب الله بقوله له: "ي إلهي الحبيب، إنني أُحبك أكثر مما قد تعرف"، فكان الراعي يدعو الله ونذر له النذور بذبح خروف سمين، وطبخه مع أرز دهين، ولكن النبي موسى نهره، وقاطعه بالقول: "توقف أيها الرجل الجاهل!، ماذا تظن نفسك فاعلاً؟ هل تظن أن الله يأكل الرز؟ هل تظن أن لله قدمين لكي تغسلهما؟ هذه ليست صلاة، هذا كُفر محض.

وبعد إعتذار شديد من الراعي للنبي موسى، وبعد أن تعلم الصلاة من نبيه، سمع موسى (ع) صوتاً. كان صوت الله، مُخاطباً له بالقول:

"ماذا فعلت يا موسى؟ لقد أنبت ذلك الرعي المسكين، ولم تُدرك معزَتي له. لعله كان يُصلي بالطريقة الصحيحة، لكنه مُخلص في ما يقوله. إن قلبه صاف، ونياته طيبة. إنَي راض عنه. قد تكون كلماته لأُذنيك كُفرٌ، لكنها كانت، بالنسبة ليَ، كُفراً حُلواً". (ص78).

وهذا ـ كما أظن ـ ما يُميز رواية شافاق، ألا وهو أن الإختلاف في الأديان كما يذهب إلى ذلك الرأي عبدالكريم سروش بقراءته التأويلية لجلال الدين الرومي، إنما هو "إختلاف في الرؤية والمنظر وليس إختلافاً في دائرة الحق والباطل".

 

د. علي المرهج

 

242 افعى جلجامشصدر عن “دار نينوى” للدراسات والنشر والتوزيع، والتي مقرها سورية- دمشق، كتاب جديد للناقد العراقي المثابر الدكتور” حسين سرمك حسن” يتناول فيه بمجموعة من الدراسات والبحوث، التجربة الابداعية للشاعر العراقي الكبير “جواد الحطاب”.

وعبر 194 صفحة من القطع المتوسط، وفي كتابه الموسوم ” افعى جلجامش، وعشبة الحطّاب الجديدة” يتابع الناقد سرمك والمختص بعلم نفس الابداع، في جزء أول من جهده النقدي، منجز الحطّاب،عبر خمسة فصول مطولة، فضلا عن المقدمة التي ارادها الناقد ان تكون وافية عن الشاعر وموضوع كتابه، وجاء ترتيب هذه الفصول كالآتي:

1- مُقدّمة

2- الفصل الأول: عشبة جلجامش وأفعى الحطّاب الجديدة

3- الفصل الثاني: فندق الموت والخلود

4- الفصل الثالث: نرسيس الحطّاب

5- الفصل الرابع: دماءٌ على القباب المُذهّبة.

6- الفصل الخامس: سرمك يحاور الحطّاب

ونقتطف مما ذكره الدكتور حسين سرمك، ما يلي (“جَواد الحطّاب ظاهرةٌ فذّة في الأدب العراقيّ المُعاصر، لا يمكن إلا الوقوفُ عندها، وتأمّلها، ودراستُها بعمق، شعراً ونثراً . وهذا الكتاب محاولة في الإمساك بالخيط المركزيّ النفسيّ المتين الذي يحكمُ وحدةَ منجزه الإبداعي والمُتمثل في الموقف من الموت ؛ الموتُ الحيّ الذي لا يموت، والذي أعتبرهُ العاملَ الحاسم الذي يحكمُ الموقف الخلّاق ليس لهذا المبدع فحسب، بل شعبه أيضاً، من معضلات الحياة والكون والإبداع .

وهذا الموقفُ الحاسم الذي يُنضج الشخصيةَ الفرديّة والقوميّة –سلوكاً وإبداعاً- ويؤذنُ بولادة حضارةٍ جديدة، ورثه جَواد الحطّاب من جدّه العظيم جلجامش، صاحب أوّل صرخةِ احتجاجٍ ضد الموت في تاريخ البشرية . لذلك طلع علينا الحطّاب – وبعد أربعة آلاف عام، برحلة ثانية جديدة وفريدة ؛ رحلة خراب ودمار وشدائد فاجعة تجعلُ الوِلدانَ شِيبا، حبث لا تكتفي فيها الأفعى الجديدة ؛ أفعى الحرب المُسلّحة، بسرقةِ العُشبة كلّها فقط، بل تدمير وجود صاحب العشبة كلّه أيضا(..

يذكر ان الحطاب قد ترجمت اعماله الشعرية الى العديد من لغات العالم، مثلما وجّهت له الدعوات من مختلف البلدان العربية لقراءة قصائده المنتمية في مجملها الى الوطن والانسان.

.

مثلما يذكر ان الناقد الدكتور حسين سرمك قد نشر العديد من الكتب النقدية التي تناولت مختلف المبدعين العراقيين والعرب، وسيشكل كتابه هذا اضافة نوعية لمحبي ودارسي منجز الحطاب الابداعي خصوصا وان السنوات الاخيرة قد شهدت العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه التي تناولته ليس في العراق وحده وانما في مصر وايران وتركيا.

273 نوري المالكيلعل أكثر الموضوعات الإشكالية التي تناولتها أدبيات الحركات الإسلامية المعاصرة هو موضوع العلاقة بين الدعوة الإسلامية والدولة الإسلامية. و ينطبق هذا على كل الجماعات الإسلامية التي تمارس العمل الديني الدعوي من جهة، وتهدف الى تطبيق الشريعة الإسلامية؛ في إطار دولة إسلامية حديثة، ومايرافق هذا الهدف من إشكاليات كثيرة ترتبط بمتطلبات الزمان والمكان، والتكييفات الفقهية والفكرية من جهة أخرى.

ولم يخرج حزب الدعوة الإسلامية عن دائرة هذه الإشكاليات والأزمات، كما لم تخرج الدولة العراقية بعد العام 2003 عنها. ولذلك ظل هذا الواقع الإشكالي؛ في بعديه النظري والتطبيقي بحاجة الى مزيد من الحراك الفكري؛ بهدف إخراج الدعوة والدولة من دوامة الأزمات التي ترافق عمل الدعوة في إطار الدولة المعاصرة بكل لوازمها القانونية الدستورية والدولية، كما ترافق حركة الدولة في إطار رؤية الدعوة المتمسكة بالأصول والقواعد الشرعية.

وقد قارب الأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية السيد نوري المالكي هذه الإشكالية المركّبة في عدد من الدراسات والكلمات؛ جمعها في كتاب "رؤى في الحركة الإسلامية والعلاقة بالدولة"، والذي صدر مؤخراً في بيروت عن مركز دراسات المشرق العربي.

هذا الكتاب بفصوله الأربع وصفحاته المائتين هو حصيلة نتاج السيد نوري المالكي البحثي في الفترة من 2015 وحتى العام 2017. وتنبع أهمية هذه البحوث من كونها تجمع بين الجانب المعرفي والفكري لرجل الحزب الأول، و التجربة العملية التي تقررها المسؤولية التنفيذية الأولى في الدولة. أي أنها ليست كتابات نظرية أو تنظيرية؛ بل هي مقاربات فكرية من موقع المسؤولية والدراية بواقع الدعوة والدولة معاً، ومفاصلهما ومجالات حركتهما. فقد ظل السيد نوري المالكي أميناً عاماً لحزب الدعوة الإسلامية منذ العام 2007؛ بالتزامن مع ثماني سنوات كان فيها رئيساً لوزراء العراق وقائداً عاماً لقواته المسلحة، ثم في موقعه نائباً لرئيس الجمهورية. أي أن السيد المالكي حينما يقارب فكرياً موضوعات الدعوة والدولة، وواقعهما ومسارات تطويرهما ومشاكلهما الفكرية والعملية وآفاق حلولها؛ إنما ينطلق من المعرفة الفكرية والمعايشة العملية المباشرة من جهة، ومن منطلق مسؤولية رجل الدعوة والدولة من جهة أخرى.

حمل الفصل الاول عنوان: "الحركات الإسلامية والمشاركة في الحكم"، وقد استعرض فيه الأمين العام لحزب الدعوة تجارب الإسلاميين المعاصرة في المشاركة في الحكم، ثم ركّز على تجربة حزب الدعوة الإسلامية وأعضائه، وأشار الى ما لها وما عليها، واستشرف مستقبل علاقة الإسلاميين بالدولة العراقية.

وفي الفصل الثاني: "العودة الى الدعوة" قارب السيد نوري المالكي مضمون دعوته التي أطلقها لمراجعة فكر حزب الدعوة ومسيرته و سلوك أعضائه؛ و تحديداً في مرحلة ممارسة الحكم في العراق بعد العام 2003 م، وماهية "الدعوة" ونظريتها الثابتة، وضرورات ومشروع المراجعة في مساحة المتغيرات، ودوافعه وأهدافه و وسائله. ثم لخّص دعوته للمراجعة في مقال "الدعوة والقدرة المستمرة على المراجعة"، والذي ألحق بنهاية الفصل.

وتضمن الفصل الثالث مقاربات حول الأزمات الفكرية التي تعاني منها الأمة الإسلامية وما يترشح عنه من إشكاليات، ولاسيما مايرتبط بموضوعات التكفير وحركاته وجذوره الايديولوجية والسياسية، والوحدة الإسلامية وأهمية التقارب بين أتباع المذاهب الإسلامية، وتكامل الحوزة العلمية والجامعات، وعقبة التطرف والتخلف أمام مشاروع التحديث الحضاري الإسلامي.

وتخصص الفصل الرابع في قراءة واقع الدولة العراقية ومؤسساتها، وأهمية الإنتقال الى مستقبل تتضائل فيه المشاكل والأزمات.. مستقبل آمن ومرفه ومتطورعلى الصعد كافة، ولاسيما صعيد البحث العلمي والتعليم العالي وعلاقته بالتنمية الشاملة، ودور الجامعات في إعادة بناء البلاد.

ولعل ماكتبه الأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية السيد نوري المالكي في هذا الكتاب؛ يعد أحد أهم النتاجات الفكرية التي صدرت عن الحركات الإسلامية العراقية بعد العام 2003، وهو أنموذج لمحاولات التكييف الفكري المتجدد الذي يتعامل مع الواقع الذي أفرزه تأسيس العراق الجديد.

 

عرض: ميثم حاتم

 

 

243 عروس الشرقصدر للأديب للعراقي المغترب الأب يوسف جزراوي كتاب عروس الشرق بغداد، الصادر عن دار تموز ديموزي عام ٢٠١٨

الكتاب من الحجم الوسط يقع في ٢١٢ صفحة من الحجم الوسط.

هي مكابدات ومناجاة ولواعج ونصوص نثرية وخلجات مغترب عن مدينة كانت مسقط راسه ومرابع كهنوته لم تزل ترسو في ميناء قلبه.

قدم الكتاب حمدان طاهر المالكي وسلام دواي وغيرهم.

يقول ابراهيم صموئيل:

مُعظم الدراسات التي تناولت موضوع الهجرة، رسمت إطارا نمطيّا ساكنا للمهاجرين بدوا داخل محدّداته غُرباء، مُعلّقين على جدران المنافي بلا لون ولا انتماء ولا انسجام.

و يقول محمود درويش:

نسيتُ أنّ الليل طويل ..

و من حُسن حظّك

تذكّرتك حتّى الصّباح.

للغُربة أوجاع، لا يعلم بها إلاّ من عاشها.. هذا ما نتلمّسه في كتابات الأب الأديب يوسف جزراوي في ( بغداد عروس الشرق) الذي كتب عن بغداد بقلبه وروحه ودموعه التي كانت الحروف مُجسّدة شوقه لأرضه الأمّ، حنينه لنسيمها العليل، حلمه أن تعود لسابق عهدها كما يتذكّرها طفلا وهي تزهو بجمالها       وأمانها واستقرارها، ذكرياته عن ذلك الزّمن الجميل فيها كما بقيت مرسومة في خياله وعقله.

هي بغداد التي قيل فيها:

أ بغداد لا أهوى سواكِ مدينة

و ما لي عن أمّ العراق بديلا

و يبقى الوطن وطن مهما زاد فيه الألم.. وتبقى الغربة كربة مهما ارتقى فيها السّكن.

هذا ما نُحسّه من ديوان الأب يوسف جزراوي الذي كتبَ عن أوجاع غربته وألمه بعيدا عن بغداد التي جسّدها ككائن حيّ   وعروس الشّرق وسيّدته الجميلة بثقافتها وتاريخها العريق     وأدبها.

ففي كتابته:

الشّمسُ كانت نائمةً في ذلك الصّباح

أشعّتها مُبلّلة بالمطر

رياحٌ خجولةُ تهبّ هنا وهناك لعلَّها تُفتّش عن سندباد

إنّه هو السندباد المهاجر الذي يبحث عن شمس تُشبه شمس بلاده بأشعّتها وحرارتها ولطفها وضياءها الجميل الذي يفتقده الأب يوسف جزراوي وهو بعيد كلّ البعد عن وطنه الأمّ وهو في أقصى مكان من الأرض حيث يعيش في أستراليا.

و في كتابته:

من منفى الأوطان أبلّل قلمي

تارة بجرح الغربة

و تارة بنزيف الوطن المصلوب

أخفي خلف الأجفان دمعة حزنٍ

كيف لا ينزف قلمه بنزيف الوطن الذي نُهب وسُرقت خيراته     وبات خرابا بعد أن كان في عزّته أيّم مجده وهيبته.

في غربة عن أهل.. عن أحبّة.. عن وطن نصمد لحظة .. نتهاوى لحظات.. نبتسم وهلة.. ونبكي لأيّام..

هي ذي دموع الكاتب هنا بحروف وكلمات يُجسّد بها نزيف قلبه الموجوع عن وطنه.

و في قوله:

قلبي الذي يُمسك بذراع الأمنيات

لا زال يحمل في رحم الأعوام محطّات

أعرفها وتعرفني ويقيني أنّنا سنلتقي في يوم ما

في وطن جُبلتُ من ترابه

صدق الأب يوسف جزراوي، ففي الغربة لا تستطيع أن تدّعي امتلاكك لشيء، أنت لا تملك سوى حلمك.

وحلمه هو العودة لبغداد الجميلة بتلك الأمنيات التي ما يزال يحتفظ بها في عقله الذي لا يرى سواها.

و كلّما نتوغّل في كتاباته التي تحمل في طيّاتها أوجاعا وأحزانا وآلاما وأنينا لا يسمعه إلاّ من يفهم تلك الكلمات الحزينة تارة   والدامعة تارة والباكية تارة أخرى.

هي الغربة والمنفى.. هي الوطن.. هي بغداد .. هي العروس بثوبها الزاهي.. وجمالها العراقيّ الذي تتباهى به على مرّ العصور.. هي عروس الشرق وستبقى للأبد، لأنّها أمّ الحضارات.

مناجاة لوطن بعيد.. مكابدات لألم فراق.. جسّدها الأب يوسف جزراوي بكتابات أدبية ونصوص نثرية تارة وشعرية تارة أخرى تلمس القلب والروح والوجدان لجماليتها وعمق معناها الأدبي والإنساني في حبّ الوطن مهما يبقى الغريب منفي في أرض لا ينتمي إليها كما هو الأب يوسف جزراوي الذي بقي قلمه نابضا مُتحسّرا على عروس الشرق بغداد التي كتب عنها الكثير بحبره البغداديّ وأبجديته العراقيّة الرّوح والمنتمى.

 

نوميديا جرّوفي، شاعرة، كاتبة، باحثة وناقدة (عراق)

 

 

علي القاسميحنين وآلام بسبب كتاب: عندما أهدى إليّ الدكتور عثمان سعدي نسخة من كتابه الباذخ "الثورة الجزائرية في الشعر العراقي"، لم يخطر بباله أنَّه سيسبّب لي أرقاً وسهداً لثلاث ليالٍ، ويثير في نفسي شجوناً وأوجاعاً وآلاماً مبرحة أحاول الآن التخلُّص منها بإفراغها على الورق. وتعود هذه الانفعالات الأليمة والمشاعر الموجعة إلى أمورٍ ثلاثة: الأوَّل، يتعلّق بي، والثاني، يرتبط بجيلي، والثالث، ذي صلة بالثورة الجزائرية.

وقبل أن أبيّن هذه الأمور الثلاثة بإيجاز، ينبغي أن أقدّم الكتاب للقارئ الكريم بإيجاز كذلك.

المؤلِّف:

مؤلِّف الكتاب، الدكتور عثمان سعدي، جزائريٌّ أمازيغيٌّ عربيٌّ أصيل. فهو ينتمي إلى قبيلة "الشاوية" الأمازيغية (البربرية) الشهيرة. ومعروف أنَّ هذه قبيلة من العرب العاربة الذين كانوا يتكلّمون إحدى لهجات الجزيرة العربية قبل الإسلام. وقبائل الشاوية موجودة هذه الأيام في شمالي العراق، وفي شرقي الجزائر، وفي وسط المغرب. وقد تعرّبت هذه القبيلة تماماً في العراق والمغرب (أي تبنّت العربية المستعربة بدلاً من لهجتها العربية العاربة القديمة، كما فعلت قبلها القبائل الآشورية والسريانية والفينيقية وغيرها).

ولد عثمان سعدي في ولاية تبسة في الجزائر عام 1930، وكان المستعمِر الفرنسي في تلك السنة يحتفل بمرور مائة عام كاملة على احتلاله الجزائر ونهبِ ثرواتها والتمتُّع بخيراتها، على الرغم من أنَّ الشعب الجزائري لم يتوقَّف يوماً عن المقاومة منذ أول يوم دخلت فيه القوات الفرنسية أرض الجزائر حيث قاد الأمير عبد القادر الجزائري الكفاح البطولي. وتكرَّرت ثورات الشعب الجزائري بين عامي 1830 و 1916، ثمَّ اتَّخذ كفاحه أشكالا متعدِّدة من المقاومة حتى توّج بالثورة الجزائرية التي اندلعت في نوفمبر1954.

ولهذا، فإنَّ عثمان سعدي ناضل وهو فتىً في صفوف حزب الشعب الجزائري، وهو ما زال يواصل دراسته في معهد عبد الحميد بن باديس (رئيس جمعية العلماء الجزائريِّين) في قسنطينة. وتخرّج في هذا المعهد سنة 1951. وحالما تأسَّست جبهة التحرير الجزائرية، انخرط في صفوفها، وعمل في ممثِّلياتها في المشرق العربي، وعُهِد إليه بمنصب الأمين الدائم لمكتب جيش التحرير بالقاهرة. والتحق أثناء عمله هناك في جامعة القاهرة ونال الإجازة في اللغة العربية وآدابها.

وبعد انتزاع الجزائر استقلالها بتاريخ 5/7/1962، بفضل الثورة الجزائرية التي استعرت مدّةَ سبع سنوات ونصف واستشهد فيها مليون ونصف المليون من الجزائريِّين والجزائريات، راح عثمان سعدي يناضل في مواقعَ فكريةٍ ووظيفية. وكانت إحدى القضايا الفكرية التي تشغله قضية التعريب في الجزائر في مواجهة المفرنسين وهيمنة الفرانكوفونيّين الذين أرادوا طمس هُوية الجزائر الوطنية والإبقاء على مواقع اللغة الفرنسية ومواقعهم في البلاد. فأصدر كتابه " قضية التعريب في الجزائر" (بيروت 1967، والقاهرة 1968)، كما نشر كتابه " عروبة الجزائر عبر التاريخ " ( الجزائر 1981، 1985)، وكتابه " التعريب في الجزائر: كفاح شعب ضد الهيمنة الفرنكفونية" (الجزائر: 1993)، وكتابه " الأمازيغ عرب عاربة " (الجزائر: 1996، وطرابلس الغرب: 1999).

وعُيِّن عثمان سعدي سفيراً للجزائر في بغداد في منتصف عام 1971، وأمضى أربعين شهراً هناك، فاغتنم فرصة وجوده في العراق ليلتحق بجامعة بغداد للحصول على الماجستير في الأدب العربي، واختار " الثورة الجزائرية في الشعر العراقي " موضوعاً لأطروحته. وقام ببحث ميداني لإنجازه تكلَّل بالحصول على درجة الماجستير. وعندما نُقِل عثمان سعدي سفيراً لبلاده في دمشق عمل على جمع تراث الثورة الجزائرية في الشعر السوري.

وعند انتهاء مهمة عثمان سعدي في دمشق وعودته إلى الجزائر، واصل دراساته العليا حتّى نال شهادة دكتوراه الدولة في الأدب العربي من جامعة الجزائر. وهذا مؤشِّرٌ آخر على نضال الدكتور عثمان سعدي، فهو دائماً يجمع بين نضال التحرير ونضال التعلُّم، وبين العمل والدراسة، وينظر إلى اكتساب المعرفة في إطار مقولة اليونسكو " التعلُّم مدى الحياة " أو كما قال الإمام أحمد ابن حنبل: " مع المحبرة إلى المقبرة" .

وإضافةً إلى دراساته الأكاديمية العلمية، فإنَّ للدكتور عثمان سعدي كتاباتٍ إبداعيةً منها مجموعته القصصية بعنوان " تحت الجسر المعلَّق " (بغداد 1974، والجزائر 1980)، وروايته الموسومة بـ " دمعة على أُم البنين " (الجزائر 2001)، بالإضافة إلى مقالاته الكثيرة التي يتناول فيها القضايا الفكرية والوطنية والقومية. وهو فوق هذا وذاك، مثقَّف عميق الثقافة، واسع الاطلاع على المدارس الفكرية والفلسفية، وله دراية بالتاريخ العربي والعالمي. ويرأس حالياً " جمعية الدفاع عن اللغة العربية " في الجزائر.

إهداء الكتاب:

يهدي الدكتور عثمان سعدي كتابه إلى شقيقه سليمان الشهيد، الذي جُرِح في أحد المعارك مع جيش الاستعمار الفرنسي، وعولج في تونس، وقبل أن يتماثل للشفاء تماماً عاد إلى أرض المعركة. وذات يوم قاد معركة غير متكافئة مع جيش العدو الفرنسي على الحدود التونسية الجزائرية، وتمكَّن العدو من أَسره بعد أن استعملوا قنابل الغاز المُفقِد للوعي. وتوافرت للعدو معلومات استخباراتية تفيد أن سليمان من (دشرة ذراع البقرات)، فأنكر سليمان مدّعياً أنَّه مجاهد تونسي متطوِّع في جيش التحرير الجزائري. فساقوه إلى الدشرة للتأكُّد من صحَّة ادعائه. وكان خيط من الدماء نازلاً من رأسه، فغسل بالدم وجهه لئلا يتعرّف عليه أطفال الأسرة، وأجرى العدو مواجهة بين سليمان وأُمِّه، فأنكرت الأُمُّ معرفتها به إنقاذاً للقرية من انتقام العدو والدمار، إذ كان الجيش الفرنسي يفعل في الجزائر ما فعله الجيش الأمريكي بعده في فيتنام والعراق: يدمّر القرية أو الأُسرة التي يثبت انتماء مقاومٍ إليها.

وسواء أكانت قصة سليمان البطولية هذه حقيقة أم أسطورة يتناقلها أهل قريته (فبعض البطولات الخارقة الحقيقية تبدو أسطورة)، فإنَّ استشهاد سليمان وأكثر من مليون ونصف المليون جزائري من أجل الوطن هي أسطورة ملحمية حقيقية. ويختم الدكتور عثمان سعدي إهدائه بهذه الكلمات المؤثِّرة:

" عزيزي سليمان

لم تخلّف وراءك قبراً أضع عليه باقات الزهور، فعملتُ على جمع هذه الباقة من الشعر فيك وفي رفاقك الشهداء من أقصى قطر في وطننا العربي الكبير، فاقبل مني يا أغلى إنسان على قلبي، وقُل لرفاقك أن يقبلوا مني هذاالعمل. أخوك: عثمان"

منهجيَّة الكتاب:

رُتِّبت أسماء الشعراء ترتيباً ألفبائياً في الكتاب. وقبل أن يثبت المؤلِّف قصيدةَ الشاعر أو قصائده، يُدرج نبذة مختصرة في حدودِ صفحةٍ واحدة عن حياته، يذكر فيها مكان مولد الشاعر وتاريخه، ودراسته، ومهنته، ومؤلَّفاته، وما إذا كان الشاعر قد زار الجزائر أم لا، وبضعة سطور كتبها الشاعر نفسه حول انطباعاته عن الثورة الجزائرية. ثم يذكر المؤلِّف عدد القصائد المدرجة لذلك الشاعر، وكثيراً ما يضيف عبارة تفيد أن هذه القصيدة أو القصائد من أجمل أو أجود ما تضمنته الموسوعة من شعر. وهذا يدلُّ على أن المؤلّف كان يتذوّق تلك القصائد أجمعها، وينفعل بها، ويهتز لها، ويقدّرها، ويُكبِرها.

وقد ذيَّل المؤلِّف القصائد بأكثر من 1800 هامش، شرح فيها كلماتها الصعبة، وعرّف بالأعلام والأماكن الواردة فيها. وبالإضافة إلى الفهرس العام في آخر الكتاب، يجد القارئ فهرساً آخر للأعلام، ومراجع البحث، وصورة من الإعلان الذي نشره المؤلِّف في الصحف العراقية يدعو فيه الشعراء العراقيِّين الذين ساهموا بشعرهم في الثورة الجزائرية بموافاته بقصائدهم، ونماذج من الإجابات التي تلقّاها.

محتوى الكتاب:

بين يديَّ الطبعة الثالثة من كتاب " الثورة الجزائرية في الشعر العراقي " التي صدرت عن مطبعة الميزان للطباعة والنشر في الجزائر سنة 2001. وكانت طبعته الأولى قد صدرت في بغداد عام 1981، والثانية في الجزائر عام 1985.

تقع الطبعة الثالثة في مجلَّدٍ واحد يضمُّ جزأيْن ويقع في 803 صفحات من الحجم الكبير. وكان المؤلِّف قد أعدّ هذا الكتاب بمثابة رسالته لاستكمال متطلَّبات شهادة الماجستير في جامعة بغداد، كما مرّ بنا.

اعتمد المؤلِّف مراجع متنوعة مثل " معجم المؤلِّفين العراقيين" و " شعراء الغري"، ودوواين الشعراء العراقيِّين المعاصرين للثورة الجزائرية. وقد بلغت قائمة مراجعه 78 مرجعاً، منها 38 ديواناً و 16 كتاباً، و26 دورية، و 8 من أعداد مجلَّة "الآداب" البيروتية التي كانت تستقطب كثيراً من الشعراء والأدباء العراقيين في تلك الفترة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنَّه نشر إعلاناً في الصحف العراقية، كما ذكرتُ، موجهاً " إلى كلِّ الشعراء الذين ساهموا بشعرهم في الثورة الجزائرية" يرجوهم فيه إرسال قصائدهم إليه. وقد تجمّع لديه (255) قصيدة أبدعها (107) من شعراء العراق، يقيمون في أكثر من (20) مدينة وبلدة. وقد وصلت هذه القصائد إلى المؤلِّف، إمّا من الشعراء أنفسهم (حوالي نصف القصائد)، أو من أبنائهم، أو من قرّائهم. وفي جميع الأحوال كان المؤلِّف يقابل النصوص التي يحصل عليها مع ما هو مثبت في ديوان الشاعر إنْ كان له ديوانٌ مطبوع، أو المراجع الأُخرى التي نُشرت فيها تلك القصائد.

وفي تقديري الشخصي أنَّ هؤلاء الشعراء الـ 107 لا يمثّلون إلا نسبة صغيرة من شعراء العراق آنذاك. فالشعر سمة العراقيِّين منذ عهد السومريِّين، وأنا أعرف مدينةَ في العراق غالبية أهلها شعراء. كما أنَّ هذه القصائد الـ 255 التي حصل عليها الدكتور عثمان سعدي لا تمثل جميع القصائد التي قيلت في الثورة الجزائرية. فكل شاعر عراقي كتب عن الثورة الجزائرية قصيدة أو أكثر، ومن الشعراء مَن كتب مجموعة شعرية كاملة عن الثورة أو أحد أبطالها، فللشاعر الكبير علي الحلي مجموعتان شعريّتان كاملتان عن الثورة الجزائرية.

وفي ظنّي أنّ كثيراً من الشعراء العراقيِّين الذين انفعلوا بالثورة الجزائرية وتفاعلوا معها إحساساً صاغوه شعراً، لم يستجيبوا إلى دعوة السيد السفير، فلم يوافوه بأشعارهم لأسبابٍ شتى. فكثيرٌ منهم كانت المنيَّة قد وافتهم، أو كانوا يرزحون آنذاك في السجون والمعتقلات، أو يعانون الغربة والضياع في المنافي البعيدة في تلك الفترة، أو ببساطة لم يطّلعوا على الإعلان لإقامتهم في قريةٍ نائيةٍ لا تصلها الصحف، أو لأيِّ سبب آخر. وقد يكون بعض أولئك الشعراء قد اطّلع على إعلان السيد السفير ولكنّه لم يبعث بقصائده، لأنّه كتبها بدافعٍ وطني نبيل وإحساسٍ إنساني صادق، ويأنف من أن يمنّ بها على سفير أو وزير. وهذا الأمر ذو علاقة بأنفة الفرد العراقي ونفسيّته. ويحمل الكتاب دليلاً على ما أقول، إذ بعث أحدهم برسالة إلى السيد السفير يقول فيها:

" قرأتُ إعلانكم... لقد أثار شجوني هذا الإعلان وأعاد بي الذكرى إلى ماضٍ عشناه ليس ببعيد. عادت بي الذكرى فنهضت انفض الغبار عن مكتبتي وعدتُ إلى كتبي لأفتش بين طياتها عن بعض القصائد التي تتناول مختلف قضايانا القومية والمصيرية، ولكن للأسف لم أعثر سوى على هذه القصيدة. أما البقية فلم أجدها، لقد أضاعتها الأيام فيما أضاعت. لقد بحثتُ عن قصيدة لا أزال أتذكر منها البيتين الأولين، وهي:

ضجَّ الرصاصُ وزمجرَ الإعصارُ         وعلا النشـيدُ وقهقه الجزّارُ

ضجّ الرصاصُ فيا دماءُ تفجّري         غضباً، وزمجِر هادراً يا ثارُ

إنها قيلت في الثورة الجزائرية..

وختاماً أرجو أن أكون قد وفِّقتُ في تلبية طلبكم متمنياً لكم الصحة والسعادة ولأمتنا العربية وحدتها وحرِّيتها تحت رايةٍ واحدة. عربي" (ص 170)

ثم يُرفق هذا العربي قصيدةً بعنوان (جميلة) تتألف من 22 بيتاً ومطلعها:

جميلة لفَّ الليلُ قلباً معذَّبا       يناديكِ إذ لم يلقَ إلّاكِ كوكبا

ولم يذكر هذا الشاعر اسمه أبداً.

ويبدو أنَّ المؤلِّف كان يدرك ذلك النقص في كتابه، فقال في مقدِّمته:

" إنني أشعر أن الموسوعة ـ رغم هذا العدد الكبير الذي ضمّته من الشعراء ـ غير كاملة." (ص 21)

وبإنعام النظر في محتويات الكتاب، يمكن استخلاص بعض الحقائق أهمها ما يأتي:

1) إنَّ الشعر يظلُّ حيّاً نابضاً في أرض الرافديْن، وهو بحق " ديوان العرب ". فالشاعر العراقي هو الناطق باسم أُمته، المعبِّر عن مشاعرها وآلامها وآمالها. وقد بقي الشعر في العراق أدباً ملتزماً لصيقاً بالقضايا الوطنية والقومية والإنسانية. وهذا ما أدركه المؤلِّف، فقال في مقدمته:

" فقد كان لكل انتفاضة عراقية شعراؤها. ففي الوقت الذي نجد فيه لثورة (1920ـ1921) العراقية شعراؤها من أمثال الراضي، والرصافي، والبصير، وغيرهم، الذين وقفوا في الشارع يحرّضون الجماهير على الثورة قبل قيامها، وعلى دعمها والوقوف معها بعد اندلاعها، نشاهد ثورةً بمصر كثورة عرابي في عام 1919، ـ وهي نفس الفترة الزمنية لثورة العراق ـ يكاد لا يوجد لها أثر بالشعر المصريّ." (ص 12)

2) إنَّ الشعراء العراقيّين الذين نظموا قصائدهم في الجزائر ذو انتماءاتٍ سياسيةٍ متباينة، من أقصى اليسار إلى أدنى اليمين، وينتسبون إلى مختلف الشرائح الاجتماعية، والمناطق الجغرافية، والأصول القومية، والمعتقدات الدينية والمذهبية، ويزاولون مهناً مختلفة. فنحن نجد في هذا الكتاب قصائد لعددٍ من العلماء العراقيِّين الذين قلّما عُرِف عنهم نظم الشعر مثل الباحث المرحوم محمد بهجت الأثري، وصديقي اللغوي الدكتور أحمد مطلوب (رئيس المجمع العلمي العراقي حالياً)، والفقيه السيد هادي كمال الدين، وأستاذي التربوي الدكتور أحمد حسن الرحيم، بحيث يمكن القول إنَّ الثورة الجزائرية بلغت أبعد أغوار الوجدان العربي فتعاطف معها الناس من الأعماق، وألهمت بعض الشعراء العراقيِّين أروع قصائدهم على الإطلاق. فالنقّاد، مثلاً، يرون أن قصيدة " الشمس تُشرِق على المغرب " هي أفضل ما قاله الشاعر كاظم جواد، وهو من روّاد الشعر الحرّ في العراق وكان معاصراً لفرسان الشعر الحرِّ الثلاثة، السياب والملائكة والبياتي، في جامعة بغداد، إلا أنَّهم تخرَّجوا في دار المعلمين العالية وتخرَّج هو في كلِّية الحقوق. تقول هذه القصيدة التي تقع في عشر صفحات كاملة وكنا نحفظها عن ظهر قلب في صغرنا لطلاوة موسيقاها، وحلاوة كلماتها، ورومانسية معانيها:

ألم تسمعْ صياحي الصارخَ الصاخبَ في الوادي يناديكَ يناديكْ؟

ألم تلمحْ شُحوبي اللافحَ، السابحَ في الريحِ، يناغيكَ يناغيكْ؟

ألم ينشرْ شروقُ القمرِ المسحورِ أشذاءَ أمانيكْ؟

على الأشجارِ عبرَ السهلِ، يَمَسُّ أغانيكْ

إلى الزيتونِ، حيث الغابةُ الشجراءُ تستهوي لياليكْ

ـ ليالينا ـ إزاءَ الطلعِ المنثورِ تذروهُ أياديكْ

لتُثري الأرضَ، كي يخصُبَ وادينا فيجزيكْ

سلالَ الرطبِ الحلوِ، وإذْ يستروحُ الدربُ

عبيرَ الكلأْ المبتلِّ، أما يورقُ الجدبُ

ويشدو عبرَ صدرِ الليلِ في ألوانهِ الحبُّ...

3) تناول الشعراء العراقيّون في قصائدهم عن الثورة الجزائرية موضوعاتٍ متعددةً مثل وصف بطولات الثوار وأمجادهم في معاركهم، وفرنسا وحلفائها وطبيعة الاستعمار، وجميلة ونضال المرأة الجزائرية. وقد أصبحت جميلة ومدينة وهران وجبال الأوراس، في كثير من القصائد رمزاً للجزائر الثائرة. ومعروفٌ أنَّ هناك عدّة مناضلات جزائريات يحملن اسم جميلة ومعظمهن كنّ طالبات في العشرين من عمرهن عندما انخرطن في جيش التحرير ونفَّذن مهمّات قتالية، وقد اعتُقلت وعُذِّبت كثيراتٌ منهن وأشهرهن: جميلة بوحيرد، وجميلة بوباشا، وجميلة بوعزة، اللواتي أمضين سنوات في السجن حتى إطلاق سراحهن بعد وقف القتال عام 1962.

4) تكمن قيمة الكتاب في أنَّه يضمُّ مجموعةً من قصائد كبار الشعراء العراقيّين في الثورة الجزائرية، مثل محمد مهدي الجواهري، وبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وكاظم جواد، وسعدي يوسف، وشفيق الكمالي، وغيرهم وغيرهم كثير. إضافة إلى أنَّه لم يقتصر على الشعراء الرجال فحسب، بل شاركت كذلك الشواعر بنصيبٍ كبير. فالشاعرة العراقية شاركت في التعبير عن هموم مجتمعها منذ زمن الأميرة السومرية انخدوانا (حوالي 2300 ق.م.)، وهي أقدم مؤلِّفة معروفة في الأدب العالمي، وكانت كاهنةً وشاعرةً مرموقة وعُرِفت بترتيلاتها لإلاهة الجمال عنانا (=عشتار)، ونُفيت مدَّةً قصيرة. ونحن في هذا الكتاب نجد قصائد رائعة لنازك الملائكة، وعاتكة وهبي الخزرجي، ولميعة عباس عمارة، وحياة النهر، وآمال الزهاوي، وصبرية الحسو، وأميرة نور الدين، وغيرهن.

5) إنَّ فترة الثورة الجزائرية (1954ـ1961) هي فترةُ ثورةٍ، كذلك، في الشعر العربي. ففي أواخر الأربعينيّات، ظهرت حركة الشعر الحرّ في العراق الذي أحدثت تحوُّلاً في هذا النوع الأدبي. ولهذا فإنَّ الكتاب يشتمل على قصائد من جميع الأنواع التقليدية والتجريبية، من حيث الشكل والمضمون، فهناك القصيدة العمودية، والشعر الحرّ، وشعر التفعيلة، والشعر الملحمي، والمسرحية الشعرية، والموشَّحات، والقصيدة التي تمزج بين نوعيْن أو أكثر من تلك الأنواع الشعرية، وغيرها.

6) إنَّ معالجة الثورة الجزائرية في الشعر العراقي تتَّخذ أشكالاً متعدِّدة أهمُّها: إمّا التأكيد على أحقِّيَّة الشعب الجزائري في الاستقلال والحرِّية وتشجيع الثوار على المضي في ثورتهم حتّى النصر، وإمّا نقدٌ لاذعٌ لا مباشر للحكومات العربية، لأنّها لم تفعل شيئاً لنصرة الجزائر سوى الكلام. ففي قصيدة " الجزائر" لشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري نجد ذلك التشجيع والتحميس، يقول الجواهري في مطلعها:

رِدِي علقَمَ الموتِ لا تجزعي ولا ترهبي جمرةَ المصرَعِ

فما سَعُرَتْ جمراتُ الكفاحِ لغـيرِ خلـيقٍ بـها أروعِ

دعي شفراتِ سيوفِ الطغاةِ تُطبِّقُ منكِ على المقطـعِ

فأنشودةُ المجدِ ما وقِّعـتْ على غير أوردةٍ قُطَّــعِ

أما قصيدة أستاذتنا الراحلة نازك الملائكة (نحن وجميلة 1960)، ففيها الشعور المرّ والسخريَّة المرّة لأنّنا لم نفعل شيئاً لنصرة الجزائر سوى الكلام:

جميلةُ. تبكينَ خلف المسافات، خلفَ البلادْ

وتُرخين شَعرَك، كفَّكِ، دمعَكِ فوق الوسادْ

أتبكينَ أنتِ؟ أتبكي جميلة؟

أما منحوكِ اللحونَ السخيّاتِ، والأُغنياتْ؟

أما أطعموكِ حروفاً؟ أما بذلوا الكلماتْ؟

ففيم الدموعُ إذن يا جميلة؟

ونحن منحنا لوصف جراحكِ كلَّ شفَةْ

وجرّحنا الوصف خدَّشَ أسماعنا المرهفةْ ...

وفي قصيدة الصديق الراحل عبد الوهاب البياتي (المسيح الذي أُعيد صلبه) التي ظهرت في ديوانه " كلمات لا تموت 1960" المهداة (إلى جميلة)، نجد ذلك النقد اللاذع أيضاً:

كلُّ ما قالوهُ كذبٌ وهُراءْ

اللصوصُ، الشعراءْ

الحواةُ الأغبياءْ

إنني أحسستُ بالعارِ لدى كلِّ قصيدةْ

نظموها فيكِ

يا أُختي الشهيدةْ

وأنا لستُ بصعلوكٍ منافقْ

ينظم الأشعارَ مزهواً

وأعوادُ المشانقْ

لأخي الإنسان، بالمرصاد

أعوادُ المشانقْ

وأنا لستُ سياسيّاً

خطيباً...

(وللأمانة التاريخية، ينبغي الإشارة إلى أنَّ البلدان العربية، ومنها العراق قبل " ثورة" 14 تموز 1958 وبعدها، دعمت الثورة الجزائرية. ففي محاكمة الراحل الدكتور محمد فاضل الجمالي رئيس وزراء العراق الأسبق في العهد الملكي، اتهمه رئيس (محكمة الشعب) العسكرية، العقيد فاضل المهداوي بأنه كان يبعث بالأسلحة إلى رجلٍ في دمشق اسمه "عبد الحميد المصري" لتخريب الوحدة السورية المصرية. فأنكر الجمالي ذلك، فقال المهداوي إنّ لديه عدّة وثائق بخطِّ يد الجمالي يأمر فيها بإرسال تلك الأسلحة، فرجاه الجمالي أن يُطلعه على الوثائق. وعندما نظر فيها الجمالي: قال :" نعم، سيدي، إنَّ هذا الرجل هو "عبد الحميد المهري" ممثِّل جبهة التحرير الجزائرية في دمشق". وكان المهري يرتّب شحن الأسلحة عن طريق البحر من سوريا أو مصر إلى تونس أو المغرب لإيصالها للثوار الجزائريين. ولقد التقيتُ الأستاذ عبد الحميد المهري في الجزائر خلال ندوة علمية سنة 2007، وسألتُه عن تلك الواقعة فأخبرني بأنها صحيحة وأنَّه قابل في بغداد الراحل نوري السعيد الذي قال له إنّ أسلحة الجيش العراقي على نوعيْن: الأوَّل من النوع الذي يستخدمه الثوار الجزائريون، والآخر لا يستعملونه، والعراق يقدّم لهم الأسلحة من النوع الأوَّل ويقدّم لهم المال لشراء ما ينقصهم من الأسلحة الأُخرى). وعلى ذِكر الدكتور فاضل الجمالي، أذكر أنّه كان يرأس لجنة جمع التبرعات الأهلية للثورة الجزائرية قبل 14 تموز 1958، وأعرف من ولده صديقي الدكتور عباس فاضل الجمالي أنّه كان يمضي معظم وقته بعد العمل في طرق أبواب الأثرياء لجمع التبرعات. وعندما أُطلِق سراح الدكتور فاضل الجمالي، كان مضطراً للعمل لكسب عيشه أستاذاً في التعليم العالي في تونس حتّى تجاوز سنه 97 عاماً ، بسبب عدم قبوله راتب لاجئ ولعدم توافر أيّة مدخرات لديه، ولا حتّى سيّارة شخصية. وعلى ذكر ولده الدكتور عباس، ينبغي أن أشير إلى أنَّه بعد أن حاز على شهادة الدكتوراه في العلوم من إحدى أرقى الجامعات الأمريكية، كان بإمكانه بكلِّ بساطة أن يحصل على عمل في أمريكا، ولكنّه فضَّل خدمةَ بلاده العربية؛ ولما لم يكُن بإمكانه العودة إلى العراق، عمل في التعليم العالي في الجزائر أكثر من ربع قرن، وتزوج من طبيبةٍ جزائريةٍ فاضلة ولهما عدة أولاد.)

7) إنَّ التعبير عن انفعال المثقَّف العراقي بالثورة الجزائرية، وتفاعله معها، ودعمه لها، لم يقتصر على الشعر فحسب، بل شمل كذلك جميع أشكال الإبداع الأدبي والفني، فهناك عشرات المسرحيات والروايات والقصص القصيرة واللوحات التشكيلية والمعزوفات الموسيقية عن الثورة الجزائرية. وعندما كنتُ طالباً في بغداد أهداني صديقي إسماعيل الترك الذي كان يدرس النحت في معهد الفنون الجميلة آنذاك والذي أصبح فيما بعد من كبار النحّاتين العراقيين، صورةً فوتوغرافية لتمثالٍ للمجاهدة الجزائرية جميلة بوحيرد في سجنها، نحته بنفسه. ومن أمثلة الإبداع الأدبي والفني، "النشيد القومي العربي" الذي نظمه الشاعر صفاء الحيدري ولحّنه الموسيقار علاء كامل لدار الإذاعة العراقية:

هذا النجيعُ الأسودُ المتخثِّرُ القاني الطهورْ

هو من دمائك يا جزائرُ مشعلٌ حيٌّ ونورْ

من ضوئه القُدسيِّ تستهدي الشعوبُ وتستنيرْ

في كلِّ وقتٍ أو زمانْ، في كلِّ آنْ

في القدس أو في حضرموت وفي الجزائر أو عُمانْ...

كما لم يقتصر تأييد الشعب العراقي (وبقية الشعوب العربية طبعاً) للثورة الجزائرية على التعبير عن هذا الدعم بالأشكال الأدبية والفنية، بل تمظهر هذا التأييد بمختلف ألوان العمل السياسي من مظاهراتٍ وإضراباتٍ وكتابة الاحتجاجات إلى الأمم المتّحدة والحكومة الفرنسية. فعندما أقدمت السلطات الفرنسية على عملها الإرهابي المتمثل في اختطاف القادة الجزائريين الخمسة سنة 1956، أعلن الشعب العراقي إضراباً في البلاد من أقصاها إلى أدناها وسجل هذا الإضراب عددٌ من قصائد الكتاب.

8) إنَّ غالبية الشعراء الذين يضمُّهم الكتاب لم يسعدوا بزيارة الجزائر قبل الثورة ولا بعدها. الاستثناءات قليلة جداً لعل أبرزها سعدي يوسف الذي لجأ إلى الجزائر فيما بين 1964و1971، وعمل مدرساً في مدرسةٍ في مدينة سيدي بلعباس، ثمَّ عاد إلى العراق. وكان سعدي قد كتب قصيدته " الطريق إلى قسنطينة " بعد اندلاع الثورة الجزائرية:

أنا لستُ أملك بندقيَّه

لكنَّهم لو يسمحون هنا لأسرعنا إليك

ولبعتُ أوراقي ومكتبتي وجئتُ ببندقيّه

ولكنتُ جندياً لديك

أمضي أُقاتلُ في المدينه

من أجلِ أطفالِ المدينه

ولنسمةٍ من برشلونه

ولوجهكِ العربيِّ، يا ضوءَ الشمال...

فقد كان سعدي يرى في الثورة الجزائرية تجسيداً لجوهر الحريّة، أسوة بغيره من الشعراء العراقيِّين الذين تعاطفوا مع الثورة بدافع وطني وإنساني، للتعبير عن غضبتهم على المستعمِرين والمغتصبين والمعتدين في الجزائر وفلسطين وفي كلِّ مكان.

ومن الشعراء العراقيين القلائل جداً الذين زاروا الجزائر أستاذتي الفاضلة الدكتورة عاتكة وهبي الخزرجي التي زارت الجزائر سنة 1971، وكتبت، وهي في الطائرة راجعة إلى بغداد، قصيدة طويلة تمتح من رقّة الشاعرة وبهائها:

إنّي ـ وحقِّكَ ـ إذْ أشـدُّ الرحـلَ تمتلئ المحاجرْ

كيفَ السبيلُ إلى الرجوعِ، وذا فؤادي في الجزائرْ؟

قسماً بمن عقد القلوبَ على الصفا عقدَ الخناصرْ

فتألَّفتْ رغم الشتات أواصرٌ تدعو أواصــرْ...

وخلاصة القول إنّ كتاب الدكتور عثمان سعدي سِفرٌ أدبيّ رفيع النوعية، له أهمّيةٌ كبيرةٌ على مستوى التوثيق. فهو يجمع بين الأدب والتاريخ، إذ يضمُّ بين دفَّتيْه شيئاً من تاريخ الأدب، وأدب التاريخ. كما أنَّه اتّبع مناهج البحث الموضوعي الأكاديمي. ولو كنتُ رئيساً للجنة مناقشة هذه الأطروحة، لما ترددتُ في منحها درجة الدكتوراه وليس الماجستير.

الخاتمة:

إذا كان الكتاب رائعاً، فلماذا سبَّبَ لي هذا الأرق وذاك الألم، إذن؟

يكمن الجواب في أنَّ الكتاب أشعل نيران الحنين في نفسي وأثار ريح الذكريات التي أجَّجت تلك النيران وزادتها لهيباً. فقد صادفت فترة الثورة الجزائرية ( 1954 ــ 1962) أيام فتوتي وشبابي التي أمضيتها في المدرسة الثانوية في الديوانية وجامعة بغداد. وقراءة الكتاب نكأت جروحاً غائرة في وجداني لعدَّة أسباب أهمُّها:

أوَّلاً، إنَّني كنتُ على صِلة بجميع الشعراء الـ 107 الذين ساق الكتاب قصائدهم في الثورة الجزائرية. فبعضهم كانوا من زملائي على مقاعد الدراسة، أو من أصدقائي، أو من أساتذتي، أو من آباء أصدقائي، أو من أقاربي، أو كنتُ قارئاً متذوِّقاً لأشعارهم. ولي ذكرياتٌ شجية، مع كثيرٍ من هؤلاء، خاصَّةً الصديق الراحل عبد الوهاب البياتي وأُستاذتي الأثيرة الدكتورة عاتكة وهبي الخزرجي، رحمهما الله. أمّا صديق العمر الذي انبجس الدمع في عينيَّ عندما وقعتا على اسمه في الكتاب، هو المرحوم حميد فرج الله، الذي كان صديقي في المدرسة الثانوية وفي الجامعة، وكنا نحسب أنفسنا أخويْن لا صديقيْن، وتعاهدنا في صبانا أن نبقى متّحدين حتّى الموت دون أن نعرف ما يخبّئُه لنا القدر. وقد اختطفت يد المنون هذا الصديق وهو في ريعان الشباب وخلّف صبيةً صغارا. وبلغني نبأ مرضه المفاجئ القصير وأنا في ديار الغربة فلم أستطع أن أفي بعهدي وأكون إلى جانبه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولم أتمكَّن حتّى من حضور جنازته. وعندما وقع نظري على قصائده الثلاث في الكتاب، هجمت عليّ الذكريات دفعةً واحدة وسهّدتني تلك الليلة.

يقول الدكتور عثمان سعدي عن قصيدة المرحوم حميد فرج الله الثالثة " في عيد استقلال الجزائر 1962" إنها " من أجمل ما نُظِم في هذه المناسبة ". وتقع هذه القصيدة في 33 بيتاً وألقاها الفقيد في مهرجان عُقد في مدينته احتفاءً باستقلال الجزائر:

بُشراكِ وهران حيّا اللهُ وهــرانَ     هيا احصُدي ثمرات النصرِ ألوانا

يجني الثمارَ، ثمارَ المـجدِ، يانعةً       مَن يزرعُ الأرضَ أبطالاً ونيرانا

نحن الذين غمرنا الأرضَ من دمنا     فأثمرَ النصرُ من أشلاء قتـلانا

للّهِ طلّابُ مجــدٍ لن يضيعً لهم حقٌّ     وما عرفوا في الحقِّ خِذلانا

للهِ درّكَ من شـعبٍ تثور بـهِ             حميّةُ العُربِ ما لانت وما لانـا

يستبسـلُ الصيدُ من أبطالهِ أبداً         لا يرتضون له ذُلاً وإذعـانـا

بوركتِ يا قلعـةً للعُربِ صامدةً           وبارك اللهُ من وهرانَ شُبّانـا

ثانياً، إنّ قراءتي هذا الكتاب أعادت إلي نفسي بشكلٍ غريب جميع تلك المعاناة النفسية المبرحة والمشاعر الحزينة، وحتى بعض الكوابيس التي كانت تنتابني وجميع الشباب العراقيّين أيام الثورة الجزائرية، بسبب ما نسمعه من إجراءات وحشية يقترفها الجيش الفرنسي ضدَّ المواطنين الجزائريّين كالقتل الجماعي، والاعتقال التعسفي، وسجن العشرات والمئات من المواطنين الأبرياء، وتعذيبهم، وتجويعهم، وضرب الحصار على مناطقَ كبيرةٍ من البلاد، وهي إجراءاتٌ نسمع بقيام الجيش الإسرائيلي بمثلها اليوم في غزة والضفة الغربية. يقول صديقي المرحوم حميد فرج الله في فقرة انطباعه عن الثورة الجزائرية في هذا الكتاب:

" لقد كنا نتتبع أخبار الثورة الجزائرية وثورات الوطن العربي الكبير أوَّلاً بأوَّل، وذلك عن طريق مختلف وسائل الإعلام: إذاعات ومجلات وصحف . وكنا نهتزّ لكلِّ نبأ وننفعل بكلِّ خبر. كنا ونحن هنا بالعراق نعيش أحداث الثورة في الجزائر: نهتف لكلِّ حادث انتصارٍ للثورة، ونتميّز غيظاً لكلِّ نبأ استشهاد أو أسرٍ أو سجنٍ للثوّار والمواطنين. وكنا نجسّد مشاعرنا في احتفالاتنا بثورةٍ الجزائر بتصفيقٍ وهتافٍ وخطبٍ وقصائدَ تنفجر في أعماقنا فتنساب على أفواهنا شعراً ونثراً نساهم به في الثورة ولو من بعيد، حيث لم نستطِع المساهمة بحمل السلاح في ساحات الجهاد والمعارك..."

ثالثاً، إنَّ أحد أسباب الألم والأسى لديَّ عندما قرأتُ الكتاب، هو الخيبة التي أصابت جيلي الذي يمكن تسميته بجيل الثورة الجزائرية. كنا نحلم آنذاك أن تكون الجزائر وفلسطين آخر بلديْن عربيَّيْن ينالا استقلالهما، ومن ثمَّ تتَّجه البلدان العربية إلى تحقيق وحدتها وديمقراطيتها وتنميتها. فقد كان حلم الاستقلال والوحدة يراود آباءنا منذ بداية القرن العشرين، في وقت كانت الدول الأوربية تتقاتل في حروب عالمية أولى وثانية. أمّا اليوم فنجد أنّ الدول الأوربية تحقِّق وحدتها ورفاهيتها في حين تُمسي فكرة الوحدة العربية فكرةً خياليةً رجعيةً يسخر منها حتى أولئك الذين يُشيدون بالوحدة الأوربية ويتلهفون إلى الالتحاق بها بشكل ما. ونرى اليوم ـ بمرارة الخيبة ـ أنَّ بلداناً عربية قد أُعيد استعمارها أو احتلالها أو تقسيمها، كما هو الحال في بلدي العراق. وفوق كلِّ ذلك نجد بلداننا العربية اليوم أبعد ما تكون عن الديمقراطية والتنمية البشرية وأقرب ما تكون إلى الشموليّة والتخلّف. كانت معظم البلدان العربية أيام الثورة الجزائرية أكثر تنمية من بلدانٍ آسيوية كثيرة كماليزيا وكوريا والصين وسنغافورة وتركيا. أما اليوم فقد حققت تلك الدول الآسيوية وغيرها تنميةً بشريةً ملحوظة وأصبحت في عداد الدول المتقدِّمة المصنَّعة، على حين أنَّ معظم بلداننا العربية ما زالت تحتل الرتبة ما بعد 121 في تقارير التنمية البشرية التي يصدرها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة. إنَّ الإحساس المرّ بالفشل والخيبة يدهمني ويسحقني، وأنا أتذكَّر أيام الثورة الجزائرية وأحلامها.

 

بقلم : الدكتور علي القاسمي    

 

 

240 خلود البدريتم اصدار كتاب (شفاه الكلمات) قراءات في الروايه والقصه والشعر للشاعرة والكاتبة - خلود البدري .

والكتاب عباره عن مجموعه من القراءت التي نشرت في الصحافه العراقيه والعربيه وبعض المواقع الالكترونيه الرصينه، قدمت فيها قراءه وفحص لمنجز بعض الكتاب والشعراء . وخصصت الكاتبه ريع الكتاب الى الجمعيات والمؤسسات الخيريه لرعاية الايتام، والطفوله .

رزكار عقراويتصادف هذه الأيام ذكرى مرور ربع قرن على اغتيال احد ابرز رفاقي واقرب أصدقائي خالد الذكر نذير عمر [آرام]، المناضل والكادر الشيوعي الجسور من مدينة سميل- محافظة دهوك - إقليم كردستان العراق، نذير عمر كان مثالا للنقاء الشيوعي والإنساني وللصدق والتفاني والمناضل الجريء من اجل مبادئ وقيم اليسار.

كان اغتيال نذير جزءا من سلسلة اغتيالات قذرة نفذت في بداية تسعينات القرن المنصرم طالت عدداً من اليساريين والتحرريين في منطقة بهدينان – إقليم كردستان العراق الخاضعة للسلطة المطلقة للحزب الديمقراطي الكردستاني وميلشياته و منظماته الأمنية. ومن المؤكد ان تلك الاغتيالات الدنيئة نفذتها الشبكات الإجرامية التابعة له. وقد أدانتها منظمات حقوق الإنسان العالمية آنذاك، ووجهت أصابع الاتهام بشكل صريح الى الحزب المذكور وقادته الغارقين في الإجرام والفساد.

الحزب الديمقراطي الكردستاني يتحمل المسؤولية الكاملة في اختطاف واغتيال نذير عمر في نهاية تموز 1993 بذلك الشكل الوحشي والهمجي، بعد ان تعرض للتهديد مرات عدة من قبل أزلام أجهزته الأمنية بسبب نشاطه السياسي المعارض لهم.

كعادتنا نحن الشيوعيين نلقي المسؤولية الكاملة في هكذا جرائم قذرة على أعدائنا الطبقين وأجهزتهم الأمنية، دون ان نتعرض الى الخلل والتقصير الكبير في آليات حماية الأعضاء والكوادر في أحزابنا اليسارية ومدى الحرص على حياتهم، ودور القادة من خلال توجيهاتهم وسياساتهم في عدم تعريض الأعضاء للخطر الكبير، كلما كان ذلك ممكنا وعدم إدخالهم في معارك غير متكافئة ومنها دفعهم للنشاط العلني في مناطق خطرة دون أي حماية او صيانة أمنية. ومن الضروري أيضا توفر توازن كبير ومساواة في مستوى حماية الأعضاء والقادة.

بعد ان ترسخت سلطة الحزب الديمقراطي الكردستاني في منطقة بهدينان بعد 1991، بدأ بمضايقة واعتقال الكثير من المعارضين لسياسته الدكتاتورية والفاسدة، وهدد العشرات ومن ثم بدأت الاغتيالات كرسالة واضحة في انه لن يتهاون مع من يعارض ويقف ضد سلطته الكالحة المطلقة في منطقة بهدينان. كان طرحي مع رفاق آخرين في التيار الشيوعي هو ان نتوقف عن النشاط العلني في تلك المنطقة حرصا على تنظيماتنا ورفاقنا، ونقتصر على العمل السري، لكن للأسف، بعض القادة في التيار الشيوعي كانوا مصرين على النشاط العلني رغم خطورته الكبيرة، وكان نذير عمر احد ابرز الكوادر العلنية الرئيسية في المنطقة.

في صيف عام 1991 كنت في مدينة زاخو/ إقليم كردستان العراق، وكنت آنذاك مع نذير نعمل في صفوف منظمة التيار الشيوعي، وحضر رفاق وطلبوا منا انا والرفيق نذير تبني ومشاركتهم في فتح مقر علني للمنظمة في المدينة. رفضت ذلك واعتبرت الأمر خطأً، وقلت لرفاقي ورفيقاتي ان موازين القوى الآن ليس في صالحنا في المنطقة، وسنتعرض الى ضربة سريعة من الحزب الديمقراطي الكردستاني، ومن الخطأ القيام بنشاط علني الآن في ظل عدم وجود تنظيم سري قوي ساند لنا في المنطقة. لم يقتنع الرفاق برأيي، بل ان البعض منهم اعتبرها انتهازية وجبناً!. المهم تم فتح المقر في اليوم التالي من قبل مجموعة من الرفاق، بينهم الرفيق نذير عمر. وكما توقعت، تم الهجوم على المقر بعد سويعات معدودة من فتحه من قبل مسلحي الحزب الديمقراطي الكردستاني وحلفائه، وتم اعتقال الرفاق ومصادرة متعلقاتهم الشخصية وأسلحتهم، و تم إطلاق سراحهم في المساء بعد ان أهينوا و هددوا بشكل حاد، ورجعوا جميعا الى المقر السري – مكان سكني/ خيمتنا -. وقد استخدمت علاقاتي مع الرفاق الأعزاء في الحزب الشيوعي العراقي في مدينة زاخو للتوسط وإرجاع المتعلقات الشخصية. تطرقي الى هذه الحادثة هي لتوضيح الظروف الخطرة للعمل العلني في المنطقة.

كنت في تواصل مستمر شخصيا وسياسيا وتنظيميا مع نذير، رغم إني لأسباب شخصية وتنظيمية وأمنية اخترت العودة والسكن في اربيل في نهاية 1991، حيث كان لنذير زيارات متواصلة لنا. كانت لدينا حوارات معمقة حول اليسار ودوره وإمكانيات تطويره، وضرورة توحده. وكنا متفقين على ضرورة نبذ التعصب التنظيمي المفرط السائد آنذاك بين منظمات اليسار وخاصة في الإقليم.

كنت دوما أرسل له أدبيات المنظمات اليسارية الأخرى – المنافسة ! - كجزء من الطرد-البريد الحزبي لأدبيات التيار الشيوعي. وكان يوزعها بين الرفاق والرفيقات، حيث كنا لا نرى أي اختلاف سياسي او فكري بينها، عدا عن كونها خلافات شخصية ونخبوية، وحب وتقديس الزعامة لدى معظم قياداتها، مما اثأر امتعاضا كبيرا بين المتعصبين تنظيميا في منظمة التيار الشيوعي.

قبل خروجي من العراق في نهاية 1992 وقبل تجميد عضويتي في المنظمة، طالبت رفاقي في التيار الشيوعي بضرورة إخراج نذير عمر للخارج وتزويده بجواز مزور وتوفير الإمكانيات لذلك، او على الأقل إخراجه من منطقة بهدينان ، حيث كانت حياته في خطر كبير، وقد بقى نذير أسبوعين في بيتي وطالبته بالبقاء في اربيل او الخروج من العراق، لكنه لم يوافق حيث لم تكن الظروف الشخصية مناسبة له، ولم يتلقى دعما وتوجيها تنظيميا، او تتخذ أي إجراءات لحمايته، في نفس الوقت تم إخراج الكثير من قادة وكوادر المنظمة السريين، دون ان تكون عليهم اية خطورة أمنية، ومنهم من اخرج أقربائه أيضا! وهم نفس القادة الذين كانوا يعطون الأوامر باستمرار نذير عمر بالنشاط العلني، رغم معرفتهم بالخطورة الكبيرة على حياته. برأي انه هؤلاء القادة يتحملون جزءا من المسؤولية و بشكل غير مباشر في هذه الجريمة النكراء، من خلال دفع وتوجيه الرفيق نذير عمر للنشاط العلني في منطقة خطرة جدا، وعدم اتخاذ إي إجراءات لحمايته رغم كل المخاطر والتهديدات الجدية المتفاقمة، وحتى لم يستجيبوا لمناشداته المتكررة بتزويده بمسدس للحماية الشخصية.

اعتذر لأني تأخرت في طرح القضية للعلن ومع إني طرحت الموضوع مرات عدة آنذاك داخل الحزب الشيوعي العمالي العراقي – منظمة التيار الشيوعي احد التنظيمات الأربعة التي شكلت الحزب في تموز 1993 – من خلال الاجتماعات والرسائل والنشرات الداخلية، حيث طالبت بفتح تحقيق حول جريمة الاغتيال وتحديد مسؤولية قيادة الحزب في ذلك، حيث القيادة مسئولة عن ضمان حياة و سلامة جميع أعضاء الحزب، وإنها مطالبة بتقديم تقيمها حول أسباب عدم اتخاذ إجراءات اللازمة لضمان حياة وسلامة الرفيق نذير عمر، مع إلحاحه المستمر ولفترة طويلة لحمايته بسبب خطورة وضعه الأمني.

رفيقي الخالد نذير

بعد ربع قرن من الجريمة النكراء، أتذكرك دوما رفيقي العزيز، كنت الشيوعي النزيه والنقي والمحبوب، وأتذكر كم تألمت وبكيت وغضبت عندما وصلني خبر اغتيالك.

أتذكر صدقك وطيبتك الأخوية والرفاقية والإنسانية، وكيف عشنا معا كعائلة واحدة في خيمنا المتواضعة، وتواصلنا اليومي العائلي والشخصي في مخيمات زاخو بعد انتفاضة 1991.

حال عودتي إلى العراق في 1998 زرت عائلتك، وكم رأيت والدتك قوية وفخورة بك، تفضح بشكل علني القتلة.

الخزي والعار لقتلتك المجرمين في الحزب الديمقراطي الكردستاني، وأتطلع إلى ذلك اليوم الذي يتم فيه محاكمتهم على جرائمهم ولصوصيتهم.

كل المجد و الخلود للمناضل الشيوعي الجريء نذير عمر و كافة المضحين من اجل الاشتراكية والقيم الإنسانية والحرية.

 

رزكار عقراوي

 

 

239 الاطوار الكبرى للفن الاسلاميرغم تناول قضايا الإسلام في شتى مظاهرها وأبعادها السوسيولوجية والدينية والسياسية، في الفترة الحالية في الغرب، فإن موضوع الفنّ في تلك الحضارة يبقى مُدرَجا في الهامش، أو مُتناولا بشكل سطحي، تبعا لأحكام مسبَقة متجذرة. بهذه العبارات يستهلّ جوفاني كوراتولا حديثه عن الفن الإسلامي في مقدمة المؤلَّف العميق والأنيق الذي تولى الإشراف عليه، والذي حاول فيه، رفقة جمع من المتخصّصين في الفنّ الإسلامي، الكتابة عن تجليات التجارب الجمالية الإسلامية، التي تشكّلت على ضفاف المتوسط وغطّت سائر المراحل التاريخية. كوراتولا هو إيطالي متخصص في الفن الإسلامي ومستشار لدى متاحف عالمية، وهو أيضا أستاذٌ في الجامعة الكاثوليكية في ميلانو وفي جامعة أودينه، سبق أن أنجز جملة من الأعمال في الموضوع من بينها "تركيا.. مسيرة فنية من السلاجقة إلى العثمانيين" (2010)؛ "الفنّ الفارسي" (2008)، كما تولى إعداد كتاب "العراق.. مسيرة فنية من السومريين إلى عصر الخلفاء" (2006)؛ وشارك كذلك في المؤلف الجماعي "من بيزنطة إلى أسطنبول" (2015).

ساهم في إعداد الكتاب الحالي الذي نتولى عرضه جمعٌ من الخبراء في تاريخ الفن الإسلامي، حاولوا من خلال أبحاثهم تغطية فترات متنوعة من التجارب الفنية الإسلامية تناولت مواضيع مثل "من الفن الأموي إلى عالمية الفن العباسي" لجيوفاني كوراتولا، و"الفن في الأندلس وشمال إفريقيا" لكونزالو بوراس غوالي، و"الفنون في إسبانيا والمغرب إبّان عهديْ المرابطين والموحّدين" و"فنون الفترة الفاطمية" بقلم آنّا كونتاديني، و"مؤثرات مسيحية في الفن في سوريا ومصر" لجوفاني كوراتولا، و"الفن الإسلامي الغربي مطلع عصر النهضة الأوروبية" لجوزي ميغيل بويرتا فلكيز، إلى جانب بحثيْن تاريخييْن تناول فيهما معدُّ الكتاب الأعمال الفنية العائدة إلى فترتيْ السلاجقة والمماليك.

يأتي نشرُ الكتاب الحالي في أجواء يكثر فيها الحديث عن التعامل المشين مع آثار العالم العربي ومع الأعمال الفنية العائدة إلى هذا الفضاء، وهي في الواقع أصداء سيئة لما تقترفه جماعات متشددة وعصابات إجرامية، استغلت حالة الاضطراب التي تعصف ببعض بلدان المشرق، لتعبث بثروات فنية، يقابل ذلك ظرفٌ يسود فيه تدنّي التعامل العلمي مع هذه الثروة الفنية التي تزخر بها المنطقة، ذلك ما حاول جوفاني كوراتولا الإشارة إليه في التمهيد لكتابه وما حفّزه لإبراز الجانب الفني في الحضارة الإسلامية وإعطائه مكانته اللائقة. فالفنّ الإسلامي هو فنٌّ يندرج في صُلب الحركة الفنية العالمية، ولا يمكن تناول قضايا الفن الغربي تناولا شاملا ومعمَّقا مع إغفال الضفة الجنوبية للمتوسط التي هي ضفة إسلامية، بما لها من تأثير حاسم في تشكيل رؤانا الفنية وذائقتنا الجمالية، كما يقول جوفاني كوراتولا. فالعلاقة بين الفن الإسلامي، في تطوراته المغاربية، الموحدية والمرابطية والفاطمية والأندلسية، ثم العثمانية، مع الفن البيزنطي والأوروبي عامة، سواء في مجال العمارة أو الفسيفساء أو المنحوتات أو المسكوكات أو التصاوير، هي تطورات عميقة وضاربة في القِدم. كما يتجلى من خلال مبحث "الفن في الأندلس وشمال إفريقيا" لكونزالو بوراس غوالي.

حيث يبرز كونزالو بوراس غوالي أن التغافل عن الفن الإسلامي في الغرب قد ساد على مدى عهود طويلة، لدواع سياسية ودينية واستعلائية أيضا، جراء عقدة المركزية المتجذرة، لكن المقاربة العلمية تقف على نقيض ذلك التمشي. لقد كان لإدوارد سعيد دورٌ بارز في الحثّ على خوض تلك المراجعة، بما أعاد للفن الإسلامي اعتباره وتثمينه. وعلى العموم جاءت حركة التصحيح في الغرب حصيلة انتقادات داخلية للمركزية الغربية، ما جعل المقاربات الفنية تكفّ عن التمادي في إلغاء المنتوج الفني الإسلامي وطمسه، ونقصد على السواء المنتوج المشرقي أو المغربي ممثلا في المنتوج الفني الأندلسي بالغ الرقي، رغم ما تعرّض له هذا المنتوج في حقبة حرب الاسترداد الإسبانية (Reconquista) من إتلاف متعمَّد مسّ التراث الديني خصوصا، في مسعى لطمس كل ما هو إسلامي، وهو ما رافق حملات طرد الموريسكيين في ذلك العهد.

لكن ذلك الطمس الذي تعرّض له الفن الإسلامي في البدء، عقبه ما يشبه تأنيب الضمير أو صحوة الوعي في الغرب، كما يقول سيد حسين نصر، وذلك منذ انعقاد مهرجان العالم الإسلامي بلندن سنة 1976 الذي تناول للمرة الأولى مسألة الفن الإسلامي. باتت العديد من الدول الأوروبية التي طالها الفتح الإسلامي أو خضعت لنفوذه تسعى جاهدة للحفاظ على معالم تلك الفترة وإنجازاتها، بل تفخر بها باعتبارها من مآثر الماضي الزاهر. وما نشهده اليوم من افتتاح تخصصات فنية في كبريات الجامعات الغربية، في جامعة السربون وجامعة روما وجامعة برلين وجامعة لندن، تُعنى بتدريس الفنون الإسلامية في مجال المنمنمات والمخطوطات والآرابيسك، هو ردّ اعتبار وتصحيح في الآن نفسه.

وفي تطرق جوفاني كوراتولا لموضوع "المؤثرات المسيحية في الفن في سوريا ومصر" أبرز أن الفن الإسلامي وإن هلّت بوادر تشكّلِه مع الفترة الأموية، لا يخفى أن تلك المرحلة السياسية الحضارية كانت وريثة حضارات سابقة وأخرى منافسة تعود إلى العهد نفسه. استبطنت تلك الروافد التي أثْرت الجانب الإسلامي الفنَّ الرافديَّ والفنَّ الساساني والفن البيزنطي، فضلا عما اختزنته الجزيرة العربية في عهودها السابقة من تراث فنيّ قديم. ومع رسوخ قدم الدولة الإسلامية مع الفترة الأموية بدأت السلطة السياسية تبحث عن تجليات فنية، وعن لغة جمالية تترجِم من خلالها كونيتها، وهو ما لاح جليا في الإنجازات العمرانية، عبر توظيف جملة من الخبرات الحِرفية للحضارات الأخرى في بناء الجامع الأموي أو في تشييد قبة المسجد الأقصى، وكذلك في إقامة جملة من المعالم المبكرة العائدة لتلك الفترة. كانت الأرضية الأولى التي نشأ فوقها الفن الإسلامي هي أرضية سامية بامتياز، تجلى ذلك من خلال محورية اللغة العربية، وطراز المعالم العمرانية كقبة الصخرة، والمبادرة بضرب العملة مع الخليفة عبدالملك بن مروان. وهو ما صبغ البعد الفني في عهد الدولة الأموية بصبغتين إسلامية وشرقية، لينضاف إلى ذلك بعد غربي مع التجربة الأموية في الأندلس.

وبالإضافة إلى التأثيرات التقنية الجلية للفن المسيحي المشرقي في نظيره الإسلامي حديث المنشأ، تبدو مناسبات تكليف فنانين من بيزنطة بإتمام أشغال للمسلمين معروفة أيضا. فقد سأل الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك (705-715م) الإمبراطور البيزنطي يوستينيانوس الثاني (685-695؛ 705-711م) مدّه بعدد من الحرفيين المهرة أثناء شروعه في تشييد جامع المدينة. ويرصد الجغرافي ابن الفقيه الهمذاني في "كتاب البلدان" هذه الاستعانة بالفنانين والحرفيين البيزنطيين في قوله: "وهم أحذق الأمة بالتصاوير، يصوّر مصوّرهم الإنسان حتى لا يغادر منه شيئا، ثم لا يرضى بذلك حتى يصيره شابا، وإن شاء كهلا وإن شاء شيخا، ثم لا يرضى بذلك حتى يجعله جميلا ثم يجعله حلوا، ثم لا يرضى حتى يصيره ضاحكا وباكيا، ثم يفصل بين ضحك الشامت وضحك الخَجِل وبين المستغرق والمبتسم، والسرور وضحك الهاذي ويركّب صورة في صورة". ومن جانب آخر لا يمكن التغاضي عن مساهمات الساسانيين، الذين كانت لهم تقاليد عريقة في فنّ المنمنمات ولا سيما في رسم ملامح الوجوه، وقد برعوا أيما براعة في إنجاز المخطوطات المصوَّرة، التي تروي تاريخ ملوك فارس. وماني صاحب الديانة المانوية التي دان بها كثير في بلاد العرب حتى بلغت أرض إفريقية، الذي عاش بين 216 و 276 م في أرض الرافدين، كان أيضا رساما وعلى دراية بفن المنمنمات. وضمن هذه المؤثرات التي تأثّر بها الفن الإسلامي أسهمت منطقتان في شبه جزيرة العرب قبل مجيء الإسلام مساهمةً معتبرة في إيجاد تعبيرات فنية راقية، وهما منطقة جنوب اليمن ومنطقة الأنباط في الشمال. وعلى العموم، سواء اللخميون أو الغساسنة، فقد كانت أعمالهم ذائعة الصيت، خصوصا براعتهم في النحت: فقد كان لخميّاً مثلا من شيّد تماثيل طاق بستان الشهيرة في أطراف خرمنشاه في فارس.

من منظور تأسيسي كان الفن الإسلامي في المرحلة الأموية يبحث عن تشكيل هوية مستوحاة من رؤية دينية للكون، تَلَت ذلك المرحلة العباسية، التي غدا فيها الفنان المسلم ينحو إلى خطاب كوني جلي في إنجازاته. وهو ما جاء بارزا في معالم سامراء التي بدت خير تعبير عن اللغة الفنية العالمية للعباسيين، فقد أنشئت سامراء على بعد مائة كلم من بغداد، على الضفة الشرقية لنهر دجلة. إذ الجلي أن الفنون الإسلامية (فنّ الخط، المعمار، المنمنمات، فن التزويق، الخزف...) عادة ما اجتمع فيها تنائي الفضاءات العائدة إليها ووحدة الخاصيات الجامعة بينها. وهو ما يعود في جوهره إلى نواة عقدية تتلخص في علوية التمثل وتجريد الصورة. ولا شك أن رحابة الفضاء الإسلامي قد خلقت ثراء فنيا تنوعَ بتنوعِ الثقافات، ما أضفى تعددا في المفاهيم والأشكال والمواد.

ضمن هذا الإطار أتى بحث مُعدّ الكتاب جوفاني كوراتولا لمتابعة البعد التأصيلي للفن الإسلامي. إذ يندرج سعي الأمويين لإقامة معْلم ديني بارز في بيت المقدس بحثاً عن تدشين فضاء روحي توحيديّ في منطقة تزخر بتراث ديني عريق، روعي فيه الإرث السابق. وبإقامة الأمويين دولتهم بالشام، لم يحصل تهوين من إرث المنطقة الفني وإنما جرت إعادة توظيفه ضمن معايير توحيدية إسلامية خالصة. كما جاءت المعالم المعمارية النائية أو الموغلة في الصحراء، التي أنشأها الأمويون، ليس كما يذهب بعض المحللين ناشئة عن حنين الفاتحين الأوائل للعيش خارج المدن لطباعهم البدوية (ص: 188)، بل هي في الغالب حمامات صحية أو قلاع حماية أو مراكز استطلاع متقدمة، أُنشئت لأغراض محدّدة وليست كما توصف "قصور في الصحراء"، وذلك شأن "قصير عمرة" في البادية الأردنية (712-715 في عهد الوليد) و"خربة المفجر" في أريحا (الربع الثاني من القرن الثامن الميلادي)، فهي محطات استشفائية وإن بدت معزولة اليوم. وقد تجلى في هذه المعالم الاستيعاب المبكّر لتقنيات الحضارات المجاورة الفنية، على غرار توشيح الأرضيات بالفسيفساء، وتزويق الجدران بالرسوم، وهو ما أبرز الأثري ميكيله بيشيريللو تفاصيله.

يُعدّ المعْلَم العمراني الأهم في بلاد المغرب إبان عهد الفتوحات المبكرة جامع القيروان، الذي تم تأسيسه على يد الفاتح عقبة بن نافع سنة 670 والذي أعيد بناؤه من قِبل زيادة الله الأغلبي سنة 836 على شكل مستطيل. في البحث المعنون بـ"الفن في الأندلس وشمال إفريقيا" لكونزالو بوراس غوالي، يحاول الكاتب الوقوف على أهم عناصر الفن الإسلامي في تونس من خلال تناول المأثرة الفنية للمسجد الجامع، الذي نستشف فيه عناصر أموية فضلا عن أخرى محلية، على غرار الطراز المربّع الذي شُيّدت به الصومعة ومواد البناء التي يغلب عليها الصخر المربّع. فالصحن الداخلي للجامع على غرار حرف (T) اللاتيني وهو ما يماثل مخطط المسجد الأقصى (780) في فلسطين. حيث تربط وحدة عمرانية مشرق البلاد العربية بمغربها وإن تناءت المسافات. هذا وقد شكّل جامع القيروان مثالاً للاحتذاء مع جوامع أخرى في تونس، كجامع سوسة (850)، وجامع الزيتونة المعمور بتونس (856-863)، وجامع صفاقس (894)، حتى وإن طرأت على هذه الجوامع تحويرات في فترات لاحقة.

في مبحث "الفن الإسلامي الغربي مطلع عصر النهضة الأوروبية" الذي يتطرق إلى فلسفة الفن الإسلامي يُبرز جوزي ميغيل بويرتا فلكيز أن هذا الفن ذو حمولة روحانية، مشبَعٌ بعُلوية الألوهية ووحدانيتها. فهو فنّ مسكون بترنسندنتالية وهو أسمى من يكون فنّا دينيا بالمعنى الضيق، مقصده تلبية حاجات شعائرية لا غير، كشأن الفن الديني المسيحي. حيث يتجلى ذلك التعالي في الفن الإسلامي في التحول من الظلمة إلى النور، ومن الكثرة إلى الوحدة، ومن الظاهر إلى الباطن. وبالتالي يمكن القول إن الفن الإسلامي يستمد مرجعيته من رؤية توحيدية خالصة تحاكي الجمال الإلهي. إذ ليس المراد بالفن الإسلامي الفن المتصل بالجانب العبادي والشعائري تحديدا؛ ولكن هو مجمل الإنتاجات الإبداعية الناشئة في ظل الحضارة الإسلامية. وهو يلوح جليا في تمحور الإبداعات الفنية الإسلامية في معالم دينية ومدنية على حدّ سواء: مساجد، مراقد، زوايا، تكايا، مدارس، قصور، أسواق، وحمامات وغيرها.

ضمن هذا الإطار الشامل يجري تدريس مبحث الفن الإسلامي في الجامعات الغربية في الراهن، بوصفه تعبيرا عن حضارة وليس فنا دينيا حصريا. فالمسلم يتوسط عبر أجواء روحية أداء عبادته أو استحضار خشوعه: ترتيل القرآن، جمال الخط، طهر المكان وبساطته، تناسق الشعائر أكان في الطواف أو في الصلاة، وغيرها من السبل، وهي عناصر تلتقي في مجملها عند أفق روحاني يسعى لمعانقة الفطري والطبيعي. والبيّن في الفنّ الإسلامي اتّسامه بسمتين عميقتين: جمالية روحية شفافة يعيها الربانيون وجمالية عينية متاحة لسائر الخلق.

 

الكتاب: الأطوار الكبرى للفنّ الإسلامي.

إعداد: جوفاني كوراتولا.

الناشر: جاكا بووك (ميلانو) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2018.

عدد الصفحات: 247ص.

 

د. عز الدين عناية - أكاديمي تونسي مقيم بروما.

 

 

68 kusayaskar1هي رواية توثيقيه للكاتب د قصي الشيخ عسكر، كاتب من البصرة، مغترب، وهو معروف عنه إنتاجه المتنوع بين البحوث الاكاديميه وكتبه الإبداعية النقدية وكتابته لمجموعة من الروايات منها، (المكتب، المختار، التجربة، واقبل الخريف مبكرا، ألَموقف الملكي، الثامنة والنصف، رساله، الرباط،،) وغيرها وهو حاصل على جائزة المثقف لسنه 2012 وجائزة الابداع 2016م عن مؤسسه المثقف في استراليا.الرواية صادرة عن مؤسسة المثقف ودار امل الجديده. دمشق سنه 2018

السرد عند الكاتب له وظيفة وهدف تغييري فهو يترك اثرا عند القارئ عميقا، يخلق. وعي متقدم موازي لما يملكه الكاتب، هذه الرواية تقع في 258 صفحة من القطع ألمتوسط يتناول فيها الكاتب المكان العراق والزمان 1959 إلى 1963 ويمكن هي روايه سياسية بامتياز لكنها فنيا تملك أدوات التشويق والأثاره لمرحلة تاريخية معقدة مختلف على مدى الدقه بتعامل مع الأحداث والشخصيات.

يجعلنا الكاتب نعيش مع عائله الحاج نجم في بغداد و.. البصرة لنتعرف عما جرى في أحداث غيرت وجه المستقبل في العراق.

البنية الاسلوبية

عنوان الرواية قد يوحي للقارئ بأن الكاتب د. قصي عسكر ستكون روايته في جو أسري خاصة وأن الأسره التي اختارها هي كبيره ومتنوعة (اب وأم و4 اولاد وبنتان فضلا عن زوجة هشام وابنها ) غير أن الرواية هي رواية أحداث وليست رواية شخصيات وملخص القصة بنقل الضابط (هاني) من بغداد إلى البصره ويمنح دارا في منطقة المعقل ويأخذ في البداية شقيقه (هشام) الذي يبلغ من العمر 13 عاما ليكون فيما بعد هو السارد الأساسي للرواية؛ تترك العائلة بغداد وتلتحق للسكن في البصره؛ ومنذ بداية الرواية يضعك الكاتب في الجو الأسرى المتوتر عبر حوارات طابعها سياسي ينتقل من مدرسه المعقل ومن معسكر الشعبية الى البيت وأسرته؛ ومن تلك الأحاديث يعيش البيت حاله من الترقب والتوتر بانتظار الأصعب؛ الأم تعبر عن قلقها وخوفها بالسعال الأب يفرغ هواجس بالتسبيح والصمت”لا تقلقي.. نحن في البصرة بأمان واللواء كله مؤيد للزعيم والثورة) الأب معلوماته غير دقيقة، لكن زوجته لديها احساس آخر (ماذا يريد القوميين وعارف وعبد الناصر، الناس بخير فلم هذه المشاكل ؟) هشام طالب المتوسطه يتدخل بالحوار وينقل حديث الأستاذ محمد الشيوعي (يقولون الزعيم مخدوع بالشيوعيين والشعوبيين ولا بد من الدين والقومية) بتول زوجة هاني الضابط(الزعيم فوق الميول والاتجاهات) مثل هذه الحوارات السياسية هي التي تسود في العائلة، وتشتد وتكثر عند اعتقال ابنهم الضابط هاني؛ ومن أجل الابتعاد عن المباشرة لجأ الكاتب إلى تعدد الاتجاهات في البناء السردي؛ فنرى البنية الاسلوبيه تاره رمزية وأخرى نفسية ومن ثم اجتماعية ووجوديه وفيها توثيق لأحداث تاريخية، لنرى الضابط هشام كيف يشرح لشقيقه مبررات تعلقه بالزعيم قاسم(الزعيم خلصنا من الاستعمار فعلينا أن نحبه ولا غبار علينا إذا تعاطفنا مع اليسار والشيوعيين الذين ايدوه.. إننا نحب الزعيم لأنه وزع بيوتا على الفقراء وعبد الشوارع وأشاد المدارس فانجز في.و قت قصير ما عجزت عنه دولة حكمت العراق قبله أربعين عاما) بهذا المنطق يسرد لنا هشام أفكار الضباط القاسميون.

68 kusayaskar2

مصادر السرد

في رواية قصة عائلة على الرغم من سيطرة صوت هشام السارد الأساسي لكن هناك أجزاء من الراويه يسند السرد إليها إلى الأب الحاج نجم وكذلك إلى نعمان نجم وهناء وهاني وهم من أفراد العائلة.الأب الحاج نجم عسكري متقاعد خدم مع الزعيم عبد الكريم قاسم يسرد الرواي سيرته عبر المنولوج الداخلي(، انا رجل عسكري متقاعد، جندي سابق لا أعرف تنميق الكلمات ولا أجيد مهنه اخرى غير الجنديه.. الناس حولي ربما منذ القدم يكرهون الشرطة ويحبون الجيش.. ابني الذي دفعته لكي يصبح ضابطا أراه ملقى في السجن بتهمة القتل في زمن عبد الكريم.. الذي عاشرته وخبرت صبره وشجاعته أيام العهد الملكي وخلال حرب فلسطين… لا أدري كلما يضيق صدري اتذكر فلسطين وعبد الكريم قاسم الذي لمحته أكثر من مرة… يا مقدم عبد الكريم أمر اللواء أن تسير وتزحف نحو فلسطين ومن يشارك في حرب فلسطين مع الزعيم يعتز بكرامته، في الحرب يتساوى الجندي والضابط.. أدركت يا سيادة الزعيم انك ذكي قطعت جسر الشيخ حسين.. دايه.. جفتلك.. نابلس.. أمر الفوج الثاني المقدم عبد الكريم قاسم يصد هجوما كبيرا للجيش الإسرائيلي ثم تامرنا بالهجوم.. حررنا المعسكر البريطاني.. بياره .. المختار.. اسماء محفورة في ذاكرتي) هكذا يناجي الحاج نجم زعيمه. وجميع الروايات التي تتناول مرحلة بعد حرب 1948 يكون لفلسطين دورا في تغيير الانظمه العربيه كما حدث في مصر والعراق وسوريا وهناك تغييرات لاستلام الجيش السلطه حدثت بعد حرب 1967 ايضا

والرجوع إلى الصراع بين اليسار العراقي المتمثل بالحزب الشيوعي مع التيار القومي المتمثل بجماعة عبد الناصر وعبد السلام عارف والبعثيين فإن الروايه تشخص شعبيه عبد الكريم والحزب الشيوعي في الشارع العراقي بينما يسيطر على الجيش والقضاء القوميين والبعثيين وبذلك يتعرض هاني الضابط المحب لعبد كريم قاسم إلى السجن والطرد من الجيش بتهمة قتل العقيد جلال ذو الميول القوميه إلى القتل و السحل من قبل الجنود وتلصق التهمه بالضابط أمر السريه هاني نجم فيكون بطلا اسطوري لدى الشعب وقاتل. ومجرم لدى القضاء

السرد بضمير المتكلم

استخدم الروائي قصي الشيخ عسكر في روايته ( قصة عائلة) اسلوب ضمير المتكلم ليعطي شخصيات الرواية حريتهم في سرد الأحداث والتعبير عن المشاعر والأفكار ومع هذا كان صوت الروائي يطل علينا في صياغة السرد مرات عديدة؛ واستطاع الكاتب ببراعة تجسيد المفاصل الحيوية لتلك العائلة وهي تعيش تناقضات المرحلة التاريخية للمجتمع العراقي 59-63، التي اينما تحل في البصرة (منطقة المعقل. مدرسة هشام. معسكر هاني. جامع الأمير) في بغداد (ثانوية الكرخ- القومية الاتجاه) و(ثانوية الكاظمية- اليسارية الاتجاه) وحب الزعيم قاسم وعمل هشام كمراقب بلدية وتجواله في مناطق بغداد وخاصة منطقة الميدان وبيوت الدعارة والتطورات التي تطرأ على شخصية المراهق هشام والنضوج الفكري وانتماء نعمان إلى الحزب الشيوعي والمعتقلين في سجون البعث والحرس القومي بعد انقلاب 1963 كلها تمر بشكل فني مكثف. الرواية لا تتصف بالثبات بل متغيرة تجبر القارئ على متابعتها بنفس متصل لمعرفة نهايتها التي تنفتح على استيعاب أجزاء أخرى مكملة (إلى هنا ينتهي الكتاب الأول من قصة عائلة أما هرب هاني إلى الهور ودخوله إلى إيران واتصالاته لتهريبه من قبل حزب توده إلى الاتحاد السوفيتي وإلقاء القبض عليه من قبل الأمن الإيراني والتحقيق معه وارجاعه إلى العراق ومجيء القوميين جماعة عبد السلام عارف بانقلاب على البعثيين وكانوا أقل دموية فلم يعدموه فهذا يحتاج إلى كتاب ثان بسرد هاني نفسه لا يقل حجمه عن حجم هذا الكتاب).

 

بغداد – حمدي العطار

.............................

للاطلاع

قصة عائلة للدكتور قصي الشيخ عسكر

 

ضياء نافعظهرت رواية بولغاكوف الاولى – (الحرس الابيض) بالعربية هذا العام (2018)، اي بعد اكثر من تسعين سنة على ظهورها بالروسية في روسيا (عام 1925)، وقد ترجمها عن الروسية الاستاذ عبد الله حبة، المترجم العراقي المعروف، والمقيم في روسيا منذ اكثر من خمسين سنة، والذي قدّم للمكتبة العربية مجموعة كبيرة ومهمة من النتاجات الادبية الروسية لكبار الادباء الروس مثل بوشكين وتشيخوف وبونين وأستروفسكي وتولستوي وغيرهم، ومن الجدير بالذكر هنا، ان دار (رادوغا) السوفيتية للنشر قد كلفته بمراجعة ترجمة يوسف حلاق لرواية بولغاكوف الكبرى (المعلم وماركريتا)، وقد صدرت هذه الرواية فعلا عن دار رادوغا عام 1990 بترجمة يوسف حلاق ومراجعة عبد الله حبه، ولهذا، فان بولغاكوف وابداعه كان فعلا ضمن اهتمامات هذا المترجم الكبير، وليس من باب الصدفة ابدا، ان أخذ حبه على عاتقه ترجمة رواية بولغاكوف الاولى هذه . وعلى هذا الاساس يمكن القول، ان اسم عبد الله حبه قد اصبح مرتبطا في وعي القارئ العربي عموما باسم هذا الكاتب الروسي الكبير ورواياته.

تقع هذه الرواية في (319) صفحة من القطع المتوسط، وقد صدرت بدعم من معهد الترجمة في روسيا الاتحادية، وهو تقليد جديد ومهم في عملية نشر الادب الروسي، وذلك بدعم ترجمته الى عدة لغات أجنبية، ومنها العربية، وكتب عبد الله حبه مقدمة جميلة ووافية حول مؤلفها بولغاكوف وروايته تلك واهميتها في تاريخ الادب الروسي، وتبين تلك المقدمة، ان حبه هو واحد من هؤلاء المثقفين العرب، الذين يعرفون الادب الروسي معرفة دقيقة، وهي تذّكر بمجموعة المقالات العديدة، التي كتبها الاستاذ عبد الله حول الادباء الروس والادب الروسي بشكل عام واهميته، وليس عبثا، ان تلك المقالات قد تحولت الان الى مصادر مهمة بالنسبة للقارئ العربي المتابع للادب الروسي، رغم ان تلك المقالات تتضمن في بعض الاحيان قضايا تثير النقاش والجدل بين القراء، وهذا ما نلاحظه في تلك المقدمة ايضا، ونود ان نشير هنا، على سبيل المثال وليس الحصر، الى هذه الجملة – (استمرت التهجمات عليه من قبل المسؤولين في قسم الثقافة في اللجنة المركزية، واغلبهم من اليهود آنذاك، ممن لعبوا دورا رئيسيا في ثورة اكتوبر وقيام السلطة السوفيتية ..)، ولا مجال الى الاشارة الى جمل اخرى ضمن هذا العرض السريع للكتاب، مثل موقف ستالين من آنّا أخماتوفا .

بولغاكوف لا زال في الوعي الاجتماعي العربي بعيدا عن مكانته الحقيقية، التي يشغلها في مسيرة الادب الروسي وتاريخه، وربما يعود السبب في هذا الى عدم معرفة القارئ العربي بعمق لكل ما حدث في روسيا بعد الحرب العالمية الاولى وثورة اكتوبر1917، وخصوصا ما حدث في الادب الروسي بالذات، اذ ان القارئ العربي يعرف الجانب السياسي العام لتلك الاحداث ومن وجهة نظر معينة فقط، ولا يمكن تحليل معرفة القارئ العربي المحدودة هذه بكلمات قليلة طبعا، ولكن يمكن القول بلا شك، ان بولغاكوف وقيمته الفنية واهميته كانت خارج تلك المعرفة، خصوصا و ان هذه الرواية (الحرس الابيض) – كما يشير المترجم في مقدمته - لم تنشر في روسيا اصلا عندما كتبها بولغاكوف في عشرينيات القرن العشرين، بل ظهرت في مجلة روسّية فقط، وتم اغلاقها رأسا عقابا لها على نشر تلك الرواية، ولهذا السبب، فان صدور الترجمة العربية لها يمتلك اهمية كبيرة وخاصة، لانها جاءت لتعريف القارئ العربي المعاصر بالمنجز الابداعي لبولغاكوف، وهو عمل هائل للمترجم القدير عبد الله حبه يضاف الى اعماله الترجمية الاخرى التي تتميّز باختياراتها المهمة والدقيقة واسلوبها العربي السلس الجميل، وأذكر مرة، ان عبد الله قد أخبرني اثناء حديثي معه، انه يعتبر نفسه ابنا للمدرسة المصرية، وقد تذكرت قوله هذا وانا أرى اسم بولغاكوف هكذا – (بولجاكوف)، واسم روايته (المعلم ومارغريتا) هكذا – (المعلم ومارجاريتا)، واسم غوركي – (جوركي)، بل حتى كلمة (المسؤولين) يكتبها (المسئولين)، ولكن كل هذه (النواعم!) لا تقلل ابدا من احترامي الشديد لهذا الجهد الترجمي الكبير، الذي قدمه عبد الله حبه للقارئ العربي، وأختتم هذا العرض الوجيز بجملة شاعرية جميلة جدا من تلك الرواية بترجمة عبد الله، وهي – (كل شئ سيمضي مع الايام – المعاناة والالام والدموع والجوع والوباء، وسيختفي السيف ...أما النجوم فستبقى ...).

اهلا وسهلا برواية بولغاكوف (الحرس الابيض) بالعربية، وتحية امتنان لمترجمها الى العربية الاستاذ المبدع عبد الله حبه، وشكرا جزيلا لمعهد الترجمة في روسيا الاتحادية على دعمه .

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

233 علي المؤمنلم تنفك الرؤى تتناسل وتتظافر لإبراز قدرة الاسلام على مواجهة الحياة ومواكبة التطور، ولم يزل الوعاة من مثقفي الامة الاسلامية وباحثيها منهمكين في حلّ إشكاليات التجديد المعاصرة، وصولاً الى فهم عميق للفكر والواقع، وايماناً من هؤلاء الدعاة الواعين بأن للاسلام روحاً تتماشى مع الزمان والمكان، وفكراً يتماشى مع الحاجات والمستجدات، شريطة أن يتاح لهما الخبير المختص والمثقف الموسوعي والمفكر الحصيف؛ لكي يكتشف نواة التجديد وعناصر التطوير.

والكتاب الذي بين أيدينا "الإسلام والتجديد: رؤى في الفكر الإسلامي المعاصر" هو لواحد من الباحثين الأكفاء في مجال تجديد الفكر الإسلامي؛ فمؤلفه الأستاذ الباحث علي المؤمن وضع فيه خلاصة آرائه وأفكاره ورؤاه، وهي طيف تشكل عبر مخاض فكري عسير خاضه المؤلف خلال ست سنوات (1990ـ 1996)، وهي فترة ترؤسه تحرير "مجلة التوحيد" البحثية الفكرية؛ ما يؤهله للحديث بمنهجية عن قدرة الإسلام على التجديد.

يتألف الكتاب من ثمانية فصول تتقدمها "كلمة في البدء" تركز الحديث حول التحديات التي تواجه الفكر الاسلامي المعاصر بعد تجاوز الإصلاحيين عقبة "الإحياء"، والتي تتطلب بروز مرحلتين ومسارين: (يتّجه الأول نحو التأسيس وملء الفراغات بانتاج جديد، فيما يتجه الثاني لاكتشاف الأساليب العملية التي تُخضع الواقع للنظرية) كما يقول علي المؤمن.

وهذا المسار الاخير يتطلب جهداً شاقا مزدوجاً بين النظرية والواقع (ليكون المنتج فكراً للحركة والتطبيق)، وهو ما حاولت الفصول الثمانية للكتاب أن تقاربه أو تقارب بعض مفاصله الهامة.

إشكاليات التجديد

عالج السيد المؤمن في الفصل الاول موضوع التجديد في الفكر الاسلامي، وحقيقته ودواعيه ومساحاته وتياراته وثوابته ومتغيراته، والتأكيد على سعة المصطلح والفهم المختلف له، والمرجعية التي من شأنها تحديد مستويات خضوعه للأصول.

ويتجلى مفهوم التجديد في هذا الفصل بصورة بلورية ناصعة تتقاذف الاشكاليات من حولها فهو حسب الأستاذ المؤمن: (ليس نسخاً لفكر قائم، ولا تاسيساً لفكر جديد، ولا إحياءً لفكر قديم، ولا انسجاماً مع فكر آخر، ولا درءاً لشبهات تقليدية؛ بل هو عملية تفاعل حيوي داخل فكر قائم، وهو معلول حاجات عملية. وهكذا فإن صياغة الفكر الإسلامي في إطار خطاب جديد يعبر عن المشروع الإسلامي المعاصر؛ سيحول دون اضطرار الإنسان المسلم الى التشبث بالأفكار والايديولوجيات الوضعية التي تسعى لاعطاء تصور كوني عصري أو فهم عصري للحياة متحرر من أية ضوابط إلهية. فلا مناص حيئذٍ من فهم التجديد على هذا الاساس الذي يتفاعل فيه الفكر مع عناصر الزمن المتحركة).

أما دواعي هذا التجديد؛ فينطلق الأستاذ المؤمن في تحديدها من قوة الشريعة ومرونتها التي تأبى أن تحصر مضامينها في زاوية العجز والعزلة عن التطورات الهائلة لعالم اليوم، وتدعو الى فتح باب الاجتهاد للعلماء عملاً بالمروي عن الرسول (ص): (إن الله يبعث لهذه الامة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها).

والاجتهاد ليس عملاً طوباوياً ينشأ عن رغبة نفسية أو وازع شخصي أو حاجة زمنية محددة، بل هو عمل يحتاج الى عقلية متحررة تعي عناصر زمنها، وتنقذ المجتمع من الجمود والتخلف والتقليد عبر تحريك رشيق للفكر الاسلامي، وتوسيع دوائره لتشمل كل قضايا الانسان المعاصر. وتلك العقلية وإن كانت متحررة؛ لكنها ذات مرجعية متكاملة ومحددة بمصادر الفكر الاسلامي نفسه، وهي ـ كما يذكر المؤلف في هذا الفصل ـ على ثلاثة انواع:

الأول: الاصول المقدسة: القران الكريم والسنة المطهرة (الصحيحة)، ويعبّر عنها علي المؤمن: بأنها (سلطة مرجعية عليا ثابتة).

الثاني: أدوات فهم الاصول المقدسة وآلياته، كالعقل والاجماع وغيرهما.

الثالث: التراث الكلامي والفكري والفقهي لعلماء الاسلام، وهو حصيلة فهمهم للنصوص والواقع، والاخير يعبر عنه بأنه: لا يشكل مرجعية قاهرة بقدر ما هو مرجعية محركة للتكامل(ص 31).

فإذا كانت مرجعية المصدر الأول عليا وثابتة، ومرجعية الاخير محركة نحو التكامل بدون قهرية، فما هي نوعية السلطة المرجعية للعقل والاجماع؛ مما يسميها السيد المؤمن بالادوات والآليات التي تعين على فهم الاصول المقدسة؟ وهو مع هذا ـ فإن المؤمن يرجع ليعيد تقييم أدوار ووظائف كل من هذه المصادر الثلاثة، ويذكر مميزات الفكر الاسلامي الباعثة على التجديد، ويلخصها بـ (المرجعية ووحدة الفكر والشمولية والأصالة والتوازن).

ويتضح بعد ذلك رأي المؤلف بمساحات التجديد، حيث يمثل الفكر الاسلامي في كتلتين رئيسيتين: الأولى هي الاصول والاسس الثابتة المتمثلة بالقران والسنة، والثانية في التراث الفقهي والكلامي والفكري، ويختص هذا التراث بالتجديد، فهو المساحة القاتلة للتحديد أو المتغير في الفكر الاسلامي، وبكلمة أخرى فأن (القابل للتغيير يشتمل على مساحتين:

الأولى: المختلف في فهم الأمور المكتشفة في القران والسنة، وتفسيرها وقراءتها من قبل العلماء (أصحاب الإختصاص).

والثانية: الاكتشاف الجديد في القران والسنة، مع الاخذ بنظر الاعتبار قوانين التجديد والتغيير في مجال الاستنباط) (ص 35).

وبين هاتين الكتلتين: الثابت والمتغير؛ علاقة منتجة؛ فالمتغير ـ والكلام للمؤلف ـ في الفكر الاسلامي يُخضع الواقع الجديد للثابت؛ فتتم ـ هنا ـ عمليتان:

(الأولى: تحطم الجمود على الوعي بالثابت؛ لئلا تشلّ فاعليته ويقطع صلته بالحياة؛ لكنها لا تحطم الثابت نفسه.

والثانية: تجدّد الوعي بالثابت وفق متطلبات الحياة الحاضرة).

وأسجل ـ هنا ـ منقبةٌ للأستاذ علي المؤمن، فعلى الرغم من انه صاحب مشروع يعنى بالمستقبل (المركز الإسلامي للدراسات المستقبلية)، فإنه توقف في فقه المستقبل وفكره، وتركه لأبنائه القادمين الذين يعون عناصر تجديده القادمة، ولم يسحب رؤيته الاختصاصية على موضوعة بحثه؛ وعياً منه أن الفكر الاسلامي حلقات متواصلة وليس تنظيراً عاماً ثابتاً حادّ المزاج قطعي الرؤية.

ثم يتطرق المؤلف في ذات الفصل الى تيارات التجديد التي تشهدها الساحة الاسلامية والعربية اليوم من السلفية والحداثية والتوفيقية ، والاختلاف الحاصل في فهم الثوابت بين المذاهب الاسلامية ، ودور العلماء اصحاب الاختصاص والمؤهلات في دفع عجلة التجديد وإبراز رؤية الاسلام المعاصرة للحياة والمجتمع.

حرية الفكر بين الإسلام وعصر التنوير

يبحث علي المؤمن الاشكاليات التي يطرحها موضوع حرية الفكر في الاسلام، وفي مقدمتها حدود هذه الحرية وتطبيقاتها والتيارات الاسلامية الفكرية التي تمتلك رؤية خاصة في هذا المجال. ففي الفصل الثاني يبدو حديث السيد المؤمن تنظيرياً خطابياً مجانياً للواقع في بعض مفاصله؛ فموضوع الحرية الذي بحثه المتكلمون هو حرية الفعل الانساني ومدى علاقته بخالق الوجود وفعله، أما الحرية التي أرخ لها مفكرو "عصر التنوير" في أوروبا؛ لم يبحثها علماء المسلمين بحثاً ضافياً جدلياً مقارناً؛ خصوصاً ما طرحه العقل الغربي حول الحريات الأربع: السياسية والاقتصادية والمدنية والدينية؛ عدا ما ناقشه وحلله وقارنه السيد الشهيد محمد باقر الصدر في كتبه المعروفة.

فنحن بحاجة الى مناقشة واسعة مقارنة ودقيقة وشاملة لموضوع الحرية، يعالج إشكاليات التغريب وحرية التعبير عن الرأي بما يقنع الآخر، ويقنع المسلم المتغرّب. فيما جاءت معالجات السيد المؤمن على شكل خطابات قرانية وفتاوى فقهية !

أقول أن هذه الخطابات والفتاوى هو ما نعتقده نحن ونؤمن به، وليس هو المشكلة؛ بل المشكلة تكمن في كيفية ابرازها بما يتلائم مع فهم الاخر ووعي العصر وثقافيته المعقدة. ثم ما هي المساحة التي شملها التطبيق في ساحتنا الاسلامية حول حرية التفكير والاعتقاد التي تحدث عنها السيد المؤمن في الشق الأول؟ وحرية التعبير عن الفكر والمعتقد في الشق الثاني؟ وما هي استفادتنا من الوسائل والاساليب المتاحة للتعبير في عصرنا الحاضر؟

نعم؛ توجد في الاسلام حرية، ويوجد لها حدود، ولكن هل يكفي أن تحددها كلمة (المصلحة) التي أشار لها الباحث المؤمن؟

و في تعليقه على كلام أحد المفكرين الاسلاميين حول ضرورة اعطاء الفكر الاخر فرصته وحريته لسببين: الأول: الحق، والثاني: الحيلولة دون حصول الفكر الاخر على العطف في الوسط الفكري والثقافي الشعبي، لأن الفكر الاخر إذا يقمع سيوحي للناس بأنه فكر مضطهد ومالك للقوة الذاتية المخيفة للفكر الحق؛ فإن علي المؤمن يضع ثلاثة ضوابط:

1- أن يمتلك الفكر الحق وسائل التعبير المتكافئة من الناحيتين ؛ الكمية والكيفية لتحقيق التوازن.

2- أن يعبر الفكر الاخر عن نفسه ضمن ثوابت اسلوبية.

3- أن لا يمثل الفكر الآخر في نفسه أرتداداً صريحاً عن الاسلام (ص 48).

خارج موضوع التجديد

يطرح الباحث ثلاثة محاور مركزية في حركة الواقع الاسلامي، ويعالجها في إطار مقاربات فكرية:

الأول: خطاب الوحدة الإسلامية المعاصر، وتصوراته حول الطموح.

الثاني: مفهوم المرجعية الدينية وتحولاته والإشكاليات التي طرأت عليه.

الثالث: موضوع المستقبليات والدراسات المستقبلية ضمن منهج اسلامي في الاستشراف.

وقد استغربت أولاً حينما قرأت العناوين الفرعية لهذا الفصل (الثالث) في الفهرست؛ لخروجها الموضوعي عن عنوان الكتاب، ثم فوجئت بتبرير الربط في بداية الفصل من قبل المؤلف (يتمثل في كونها محاور مركزية في حركة الواقع الاسلامي، وتعبر عن قضايا أساسية ترتبط بمصير المسلمين، وترسم حاضرهم ومستقبلهم، ومن خلالها تتحقق الاهداف الاسلامية الاصلية وفي مقدمتها النهوض الحضاري الشامل) (ص 55).

وفي الحقيقة أن هذا الرابط ليس برابط حقيقي، فالفكر كله مترابط عضوياً، ودراسة مفصل هام منه كالتجديد في الاسلام (موضوعة الكتاب) لا يبرر ادخال بحوث اخرى ترتبط به عموماً ، فكان السيد المؤمن أمام خيارين: اما أن يدّرس هذا الفصل بشكل مستقل اي بكتاب آخر يقيم فيه حركة الواقع الاسلامي المعاصر كنمذجة وتطبيق الموضوعات (الوحدة الاسلامية، المرجعية الدينية ، المستقبلات الاسلامية) في إطار نظرة الاسلام الى التجديد المطلوب، وعلاقتها برؤية الاسلام للتجديد وكيف أنها تؤثر في بلورة قضية التجديد

وعي التراث والعصر لدى الفقيه والمثقف

اهتم الأستاذ علي المؤمن بتحديد مفاهيم المثقف والفقيه والمفكر والتراث والعصر والاجتهاد الجديد والتفقّه والانتلجنتسيا الاسلامية وعلاقة الفقيه بالعصر، والتحديات التي يفرزها ضعف هذه العلاقة. ثم علاقة المثقف المسلم بالتراث، وما يواجه الفكر والواقع الاسلاميين من تحديات في حالة ضعف هذه العلاقة، وموضوع التكامل وأطره بعد استقراء لأدوار الفقيه والمفكر والمثقف ومهامهم. ففي الفصل الرابع عمد الى تحديد مصطلح الفقيه وفرزه عن المفكر والمثقف بما يحتاج الى نظر من حيث التقليل من دور المثقف ووصفه بأنه لا يمتلك رأياً فقهياً أو فكرياً ابداعياً خاصاً به تمييزاً له عن الفقيه والمفكر، بل أنه يحمل الافكار ويستهلكها وينشرها ويشرحها في هذين المجالين! لكنه يبدع في تحديد انطلاقة الفقيه ضمن التحوّل في عملية الاجتهاد، من نقطة وعي العصر وثقافاته وحقائقه وتحوّلاته؛ بل يعتبر السيد المؤمن أساس الاجتهاد والتنظير الفقهي في مجال الحاجات الاجتماعية الجديدة، يقول: ومن خلاله يمكن للفقيه فهم موضوعات الاحكام المختلفة فهماً واقعياً وميدانياً وحسياً ، مقدمة لاصدار الحكم الشرعي الاكثر الصاقاً بالحقيقة (الدين) (ص 94).

كما اهتم الأستاذ المؤمن بالتراث ووعيه المتحرك من قبل الفقهاء القائمين على عملية الاجتهاد والمعنيين بعملية التجديد، وتسلل من خلال ذلك ليشرك المثقف والمفكر في الاندكاك الواعي ببنية التراث؛ ذلك الشيء الثمين الذي لا يمكن أن تحدث انطلاقة أو نهضة دون صياغة محكمة معاصرة لمحتوياته ليساهم في رسم ملامح التجديد المنشود. ومن هنا ذيّل السيد المؤمن موضوعه هذا بمعايير مصداقية عديدة مستلّة من الواقع كالاستقامة على الدين والانسجام مع الموقع والدور ومواجهة تحديات العصر وإشكالياته ومواجهة محاولات الالغاء. ومرجع هنا ليكفّر عما سبق بالدفاع عن المثقف إزاء المحاولات التي تلغي حركته وتصادر رأيه، بل لم ّ شتات المصطلحات الثلاثة في حلقة أساس هي عملية التغيير الاجتماعي والاصلاح الديني حيث يحصل التكامل الوظيفي المثمر.

و يقوم الباحث المؤمن بعملية فرز دقيق بين دور المثقف في المنظور الغربي والاسلامي؛ فالاول يحصر المثقف بين خيارين؛ الانتماء للسطلة أو اللا انتماء، أما المثقف الاسلامي فله أدوار ومهام عدّة، منها الصعيد الفردي حيث بناء النفس والعقل، والصعيد النظري حيث التخطيط والفقد والمواجهة، والصعيد العلمي حيث تبنّي قضايا المجتمع وممارسة التغيير.

الأدب: أداة أم مساحة للتجديد

من القضايا التي قاربها الباحث قضية الأدب والأدب الإسلامي، وعلاقتها بهاجس التجديد الفكري، وموقع الأديب المسلم بين أنتمائه الإسلامي وانفتاحه على المدارس الأدبية العالمية، ومساحة حركته بين الانتماء والانفتاح. وهي مقاربة ثقافية لموضوعه الأدب جاءت انسياقاً ضمنياً، وليست دراسة نقدية تحليلية لراهن الأدب أو رؤية لأكتشاف وتقييم الأسس المكونة لإبداع الأدب الحديث. تبدأ بتحديد مفهوم الأديب الاسلامي، ثم تصورات عن ماهية الأدب الاسلامي حيث كونه ناتجاً عن أديب إسلامي وحاوياً على تعبيرات ومظاهر إسلامية وأهداف إسلامية .

يعارض السيد المؤمن مقولة الأدب للأدب أو الفن للفن، ويدعو ـ كما هو التصور الغالب لدى الإسلاميين ـ الى ربط الادب بالحياة والثقافة والمجتمع والتغيير، وهو ما يسمى بنظرية الالتزام. وقد جاء البحث هنا على الطريقة السائدة في الساحة الاسلامية من تناول موضوعة الأدب من منظور المضمون والبعد والمعنى والفكر، ولم يمس جوهر العمل الادبي المتمثل بالشكل والصورة والفكرة والاسلوب، فلا خلاف بين كل المؤمنين بنظرية الالتزام أن الادب فعالية يراد لها ان تشارك في صنع الواقع وتصحيح مساره وتوجيه انسانه ، ولكن الاشكالية الكبرى التي تواجهها فرضية (الأدب الاسلامي) أن الادب فعالية لغوية بالدرجة الاساس، لا ثقافية فحسب، وهذا يستدعي أن ننتج أدباً فيه إبداع ورؤية فنية عبر تراكم نصوصي يحاور المدرسة الادبية الحديثة التي تؤمن بالابداع والأصالة ، والتي تحاول صياغة هموم العصر بلغته ، فاين هذه البحوث المنهمك فيها الاسلاميون من هذه الاشكالية ؟

الثقافة والثقافة المضادة

درس الباحث علي المؤمن قضية الثقافة المضادة للثقافة الاسلامية، والغزو الثقافي الذي يستهدف المجتمعات المسلمة، وحقيقته واهدافه وعوامله المحركة وستراتيجيات المواجهة. وقد بدء بحثه في الفصل السادس بالقول: ان هناك ثقافتين: ثقافة الانبياء وثقافة المشركين، وهما متضادتان في صراع مستمر ممتد لحد الان باسلوب مختلف، وتهدف الثقافة الاسلامية الى إعادة بناء الانسان والمجتمع وتحصينهما ضد الانحراف والتخريب والتبعية للشرق أو الغرب. لكن يمكن للباحث أن يستنتج أهداف الثقافة المضادة والمتمثلة في مهاجمة كل ما يمت للاسلام بصلة وإضعاف أرتباط الأمة بقيادتها وبالدولة الاسلامية والتنظير للفساد الاجتماعي وخلق حالة من التبعية.

ثم يحدد السيد المؤمن مقدمات مواجهة الغزو الثقافي وستراتيجية البناء الثقافي الاسلامي ليتم ربط الفصل بموضوعة التجديد، وهي ستراتيجية (تنفذها ايدي الامة المتعاضدة؛ يد تهدم الموروث الثقافي المتراكم عن العهود المتخلفة، وأخرى تتصدى للهجمات الثقافية المستمرة، وثالثة تبني الصرح الشامخ للثقافة الإسلامية الأصيلة، ورابعة تبشر الانسانية بهذه الثقافة خلال تنفيذ ستراتيجية البناء الثقافي (ص 151).

ويختم الفصل بنموذج تحليلي للخطاب الثقافي الاسلامي المعاصر، وهو نموذج خطاب الامام الخميني؛ حيث يعطي الإمام للثقافة بعداً آيديولوجياً، ويرى أنها عملية هادفة، بل وسيلة لتحقيق الأهداف، ويعبر عنها بـ (المصنع). فيما يؤكد الانثروبولوجيون على أصالة الثقافة ومنحها بعداً معرفياً مجرداً ، الأمر الذي يجعلها عرضةً للتسخير بأتجاه المصالح والسياسات والأهداف الشريرة، أو يدعها معلقة جوفاء لا قيمة لها في الحياة الاجتماعية.

السلوك التغريبي في مجتمعات المسلمين

السلوك التغريبي في مجتمعات المسلمين، وتحوله الى ظاهرة طاغية شديدة الوضوح، والعوامل التي تقف وراءه، وأنماطه وصوره، وذرائع دعاته هي من القضايا التي ركز عليها السيد المؤمن في بحثه. فيقول في الفصل السابع بأن السلوك الذي يعبّر عن ثقافة الانسان ومبادئه، سواء كان فردياً أو اجتماعياً؛ يمثل إرادة الانسان القادر على الفعل والترك من وجهة نظر الاسلام، ولهذا يمثل السلوك التغريبي ـ عند المؤلف ـ إنسحاقاً وهزيمة للذات أمام الآخر. ويميز المؤمن بينه وبين عن الإحتكاك الثقافي الموضوعي مع حضارة الغرب أو التفاعل الفكري، وهو تشبه بالغرب للإستفادة من تقنياته الحديثة؛ بينما يعد السلوك التغريبي وسيلة لدى الغرب لمواجهة النهوض الإسلامي المعاصر.

وهنالك عوامل خارجية تعمق حضور السلوك التغريبي، أبرزها: ممارسات الاستعمار، ومنتجاته الفكرية والسياسية المحلية، والتطور التكنولوجي في الغرب، وانتقال النتاج الغربي المتطور الى مجتمعات المسلمين. أما العوامل الداخلية فيتمثل أبرزها في ممارسات الأنظمة الحاكمة في البلدان الإسلامية، والهزيمة الداخلية لكثير من شرائح وطبقات المجتمعات المسلمة أمام الغرب.

ويقول الأستاذ المؤمن بأن الأنماط الثقافية الغربية المتطورة شكلاً ومضموناً هي عوامل مؤثرة في السلوك التغريبي، وهي في الوقت نفسه ذرائع يتوسل بها دعاة التغريب في المجتمعات المسلمة عند الحديث عن التحديث الثقافي وتطوير أساليب الحياة وعصرنة العلاقات الاجتماعية وعقلنة العواطف (ص 165 ـ 169).

ويحدد المؤلف الاطار الذي يجمع في داخله مظاهر السلوك التغريبي في المجتمعات المسلمة وهو التناقض والتضاد في المظاهر والسلوكيات الاجتماعية القائمة، ويقول: (الانزواء والرهبنة ـ مثلاً ـ يقابلهما الانفتاح المطلق، والازدواجية بين الفكر والمعتقد والادعاء وبين التطبيق والممارسة والسلوك العملي) (ص 170).

ثم يشير الى التيارات التوفيقية بين الفكر الغربي العلماني والفكر الإسلامي، ويقارن بين السلوك الغربي المتأثر باخلاقيات الإسلام وافكاره، وبين السلوك التغريبي المسافر نحو الغرب وكل شيء، والذي يعني الانهيار النهائي وحدوث الكارثة، ويعزز تحذيره هذا بآراء كثير من الفلاسفة والمؤرخين الغربيين (في القرن العشرين) أمثال "شبنغلر" و"اسفيتسر" و"تويبني" و"دوبو" حول سقوط الحضارات أو تفسخ الحضارة الغربية، حيث نرى عدوى الكثير من الشواهد والمظاهر التي يستدلون بها على احتمالات انهيار الحضارة الغربية، لا زالت تنتقل الى مجتمعات المسلمين انتقالاً سريعا (ص 176).

وعي العقل الغربي الإستشراقي بالفكر الإسلامي

ويكرس الباحث المؤمن حديثه عن وعي العقل الغربي بالصحوة الاسلامية وبالاسلام تحديداً، حيث درس فيه بدايات الاهتمام الغربي والاستشراقي بالاسلام، والذي أوجد ردة فعل واعية لدى بعض المفكرين فأهتم ببنية فكرية أطلق عليها (الاستغراب) في مقابل الاستشراق. ثم تحدث في الفصل الثامن عن اتجاهات وعي الغرب للاسلام وتياراته ونظراته المتفاوتة الى الاسلام، والتي تحاول ان تدرس وتفهم الاسلام من خلال المسلمين والظواهر الخارجية لمجتمعاتهم وليس العكس، وتقويم الصحوة الاسلامية من خلال الرؤية الغربية ذاتها ، واقتطاعها من سياقها التاريخي .

بل اكثر من هذا؛ فالغرب يحاول ترويج رؤيته المادية والوضعية ومقولاته لملء منطقة الفراغ في المجتمعات الاسلامية وتطبيقها عندهم في الحكم وآليات، وأثبات اخفاق النماذج الاسلامية المعاصرة وقصورها سياسياً وثقافياً واجتماعياً عن حل مشكلات الانسان المعاصر.

ويدرس علي المؤمن قضية استغلال المصطلحات وإطلاقها بما يتلائم والذوق الغربي قبولا ورفضاً ليستكمل بها مشروع التغريب والتشويه لصورة الاسلام، كما يدرس مستقبل الصحوة الاسلامية عبر مجموعة من الرؤى؛ رؤية الغربيين ورؤية العلمانيين ورؤية الاسلاميين؛ تختلف فيما بينها في الاسس والمناهج ويقوم بتحليل كل رؤية متوسماً ربطها وربط ايحاءاتها بموضوعية التجديد. وبهذا تتم الفصول الثمانية للكتاب .

لا نزال في المنهج ..

و برغم افتقاره الى أهم مفصلين من مفاصل التجديد في الفكر الاسلامي وهما الفقه والكلام؛ فإن كتاب الأستاذ علي المؤمن يعد من الكتب القيمة التي تتحدث عن رؤى وأفكار جدية وموضوعية في تجديد رؤية الاسلام للمجتمع والحياة، والتعامل مع موضوعة التجديد بوعي شمولي ومنهجية أصلية.

وبكلمة: الكتاب يبرز رؤية المثقف الواعي الملتزم لموضوعة التجديد ليساهم في ملء منطقة الفراغ التي تخلفها الكتابات العلمية التخصصية في حقول المعرفة المختلفة ويضع لبنةً في بناء التجديد المعاصر.

 

بقلم: الدكتور محمد سعيد الأمجد

 

يوسف ابوالفوزلم يكن إصدار "كفاح الشعب"، أول صحيفة شيوعية عراقية، أواخر تموز 1935، إلا تعبيرا عن حاجة الحزب الشيوعي العراقي، أعرق الأحزاب السياسية في العراق الذي تأسس في آذار 1943، إلى صحيفة مركزية ناطقة باسمه لتنشر أفكاره وسياسته وبرامجه، وليكسر احتكار الأفكار ونشر المعلومات الذي كانت تقوم به الصحافة الرسمية الحكومية المرتهنة سياساتها بعجلة الاستعمار والاحتكار، والتي كانت تظلل جماهير الشعب بأفكارها الرجعية والعميلة. وأصبحت "كفاح الشعب" أول صحيفة عراقية تصدر سرا، لتفتح السجل النضالي الحافل للصحافة الشيوعية في العراق، التي لعبت دورا نضاليا بارزا في نضال القوى الوطنية المكافحة من اجل من سعادة الشعب وحرية الوطن .

جاء إصدار "كفاح الشعب" في حينه انطلاقا من المبدأ اللينيني، في العمل السياسي والفكري، الذي آمن بأن "الصحيفة ليست فقط داعية جماعي ومحرض جماعي، بل هي في الوقت نفسه منظم جماعي"، وهكذا وبالرغم من كون العديد من أعضاء الحزب وأصدقائه وبعض أعضاء قيادته كانوا ينشرون مقالاتهم في العديد من الصحف الوطنية، وأحيانا بإسماء مستعارة، إلا ان إصدار صحيفة مركزية ناطقة باسم الحزب صار من المهام الأساسية لقيادة الحزب الشيوعي العراقي انذاك، والذي تطلب إصدارها تذليل كم هائل من الصعوبات الفنية. لم يكن سهلا أيجاد المطبعة المناسبة، ثم تدبير المبالغ الكافية لشرائها، ثم أيجاد المكان المناسب لنصبها، والاصعب من كل ذلك هو أيجاد العاملين المؤهلين الذين تطلب وجود صفات نضالية خاصة لعملهم. كل هذا كان يحصل ضمن الظروف والمتطلبات الصارمة في العمل السري وفي مقدمة ذلك شدة اليقظة والحذر. ويعتبر صدور"كفاح الشعب" السرية، في تلك الايام، حدثا فريدا في تأريخ الصحافة العراقية، لكونها تحدت الأعراف التقليدية من ضرورة الحصول على إجازة لإصدار صحيفة، وبصدورها أرست تقاليد عمل جديدة في تاريخ الصحافة العراقية.

234 الصحافة الشيوعية

ان المؤرخ والمتابع لتاريخ الصحافة العراقية، لا يمكن الا ان يذكر بأن صحافة الحزب الشيوعي العراقي السرية، لعبت دورا مؤثرا وأساسيا في كشف وفضح سياسات الحكومات العميلة المرتبطة بسياسة الاستعمار وقوى الاحتكار وحملت تطلعات أمال جماهير الكادحين. وإذ توالى بعد "كفاح الشعب" صدور العديد من الصحف السرية والعلنية، ارتباطا بالظروف النضالية والسياسية التي عاشها الحزب مثل صحيفة "الشرارة" في مطلع الاربعينات، صحيفة "القاعدة" في كانون الثاني 1943،، صحيفة ئازادي " الحرية "الناطقة باللغة الكردية في نيسان 1944، "العصبة" في 1946،"الاساس" في 1948، " اتحاد الشعب" في منتصف 1956 ثم صحيفة "طريق الشعب" نهاية 1961، فأن الصحافة الشيوعية ظلت وفية ومخلصة للمباديء التي ارساها الرواد الاوائل.

ومن الجدير بالذكر، أنه وطوال كل سني نضالهم المجيد ومنذ تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، ساهم الشيوعيين العراقيين في صدور العديد من الصحف العراقية الوطنية، الديمقراطية اليسارية، والتي صدر بعضها لفترات قصيرة وتوقفت، أضافة الى كونهم نشروا مقالاتهم في الصحف الوطنية مستثمرين أي فرصة وظروف ملائمة للنشر.

ويجدر بنا ان نثبت حقيقة، بأن صحافة أجل حقوق الجماهير والأفكار التقدمية النيرة، وكانت بحق مدرسة لأجيال من الصحفيين والمثقفين العراقيين، الذين على صفحاتها تعلموا وشقوا طريقهم إلى ميدان العمل في الصحافة والأدب. وقدمت صحافة الحزب الشيوعي العراقي، خلال مسيرتها النضالية الحافلة بالأمجاد من اجل مستقبل افضل لابناء شعبنا، كوكبة خالدة من الشهداء من المناضلين والصحفيين، نستذكر منهم الشهداء محمد الشبيبي، عبد الرحيم شريف، محمد حسين أبو العيس، جمال الحيدري، نافع يونس، عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)، عدنان البراك، ولا ننس الفقيد زكي خيري وشمران الياسري وعامر عبدالله وغيرهم كثيرين ممن يطول تعداد أسمائهم. لم تكن صحافة الحزب الشيوعي العراقي طيلة سنوات نضالها مجرد صوتا لإيصال سياسة الحزب وبرامجه، بل كانت ميدانا لنشر الفكر التقدمي في مختلف جوانب الحياة. كانت صحافة الحزب الشيوعي العراقي أمينة للمبادئ اللينينية في العمل الصحفي، حيث كتب لينين "لابد لنا ان نشرع بالعمل بانتظام لخلق صحافة لا تسلي وتخدع الشعب بالتوافه والإثارة السياسية، بل تخضع قضايا الحياة اليومية الاقتصادية لحكم الشعب وتساعد على الدراسة الجادة لهذه القضايا". وكانت جماهير الشعب تقرأ في صحافة الحزب الشيوعي العراقي آمالها وطموحاتها وهمومها، ولهذا كان انتظام صدور صحافة الحزب يشكل معنى كبيرا لدى جماهير الكادحين وأعضاء وأصدقاء الحزب، ولهذا السبب كانت صحافة الحزب السرية في فترات نضالية عديدة توزع أعدادا اكثر من الصحف العلنية الرسمية. وفي ظل الظروف الجديدة، بعد زوال النظام الديكتاتوري الشوفيني، يواصل الشيوعيون العراقيون نضالهم أمينين لمبادئهم وتضحيات رواد الصحافة الشيوعية في العراق، ومن اجل ان تكون صحافة الحزب ميدانا للأفكار التقدمية، ومعبرة عن هموم جماهير الشعب الكادح وطموحاته وأماله، وقريبة الى نبض الكادحين، وتنادي ببناء عراق ديمقراطي جديد، فيدرالي، تعددي، ينعم فيه المواطن بحياة حرة كريمة تحت ظل القانون، بعيدا عن اي فكر تعسفي ظلامي، يصادر حق الإنسان في الحياة الحرة الكريمة الآمنة.

 

يوسف ابو الفوز