696 جناحان من ذهب(جناحان من ذهب)* ضمت خمس عشرة قصة قصيرة، وفيها يسعى القاص (أحمد ابراهيم السعد) لبناء سردي يتشكل في الغالب بطريقة درامية، معتمداً صوت (السارد الواحد)، والمحيط بكلية وتفاصيل القصة، وعبر تقنية التلاعب بالزمن، وتراكم الأحداث، ومستخدماً عناصر التشويق وملاحقة المتغيرات المحيطة بالقصة والنأي عن رتابة السرد، ويلجأ في، بعضها، لتقنية الـ(سيناريو السينمائي)، كما في قصة (محرقة القصب) وحوار المرأة وكاتب العرائض، والذي يصغي له بانتباه، ويسرده الصبي المرافق لأمه:

"...في الورقة التي أمامه بدأ يسمعنا ما يكتب:

- أني المواطنة...

قالت أمي: زكية هادي جابر ..

- أرجو التفضل بالموافقة على تعيني عاملة خدمة في مدرسة ..

- الشهامة الابتدائية.

- وذلك لحاجتي الماسة للعمل كوني..

- أرملة" ؟!.

 ويعمد، القاص، لاستخدام (الفلاش باك)، كونه ضمن تقنية (السيناريو السينمائي)، لإسقاط الوعي الشقي - للصبي - على ذلك المشهد، ويتابع -الصبي- الشرور والآثام التي تبدو في عيني وحركة كاتب العرائض، وهو يقبض على يد امه، ويلمحه يضغط بقوة على إصبعها، عندما يمسك ابهامها ويبصمها على الطلب، ويثق - الصبي - دون شك، بنواياه لاستباحتها بـشراهة عينيه، ووجهه الذي يتحول الى قرص من المغناطيس، تشكه مجموعة لا ترحم من الدبابيس، تجاه أمه، الشابة والارملة، في ذات الوقت، وهي تسعى للتغلب باستقامة ونبل، على مصاعب وقسوة حياتها اليومية، وارثها الثقيل، وتجاوزهما عبر البحث عن نقطة بيضاء في ايامها السوداء، للعمل في مدرسة ابتدائية تحمل اسم (الشهامة)، ونلاحظ هنا المفارقة في اسم المدرسة والوضع الذي عليه (الأم - الشابة - الأرملة)، وتعامل كاتب العرائض (الفحولي - المتوحش) معها بصفتها فريسة وغنيمة سهلة، في محاولة منه لاصطيادها. وفي قصة (حقائق متقاطعة) يبني القاص قصته لإيصال الرؤى والأفكار باستثمار تسلية لعبة (الكلمات المتقاطعة)، المعروفة في الكثير من الصحف والمجلات، من خلال تقطيع القصة إلى مشاهد أفقية وعمودية كـ: " أفقي- كان معروفا بالحلم- عمودي- من أسلحة المسلمين- أفقي- من شهداء الحب- عمودي- سلاح معكوسة". كما احتوت (جناحان من ذهب) بعض القصص والتي يمكن اعتبار مشاهدها المتعددة، بمثابة ثيّمات وبناءات لقصص قصيرة جدا. ثمة في "جناحان من ذهب" تراكم لهموم اجتماعية مضنية من خلال القراءة اليومية لأرث وأوضاع شخصيات حقيقية، غير متخيلة وتنتمي غالبيتها، لعالم القاع العراقي وهمومه، التي لا حد لها، مع الاهتمام بالبيئة الجنوبية ومكوناتها المخربة عبر الحروب العبثية المتعاقبة، وفي بعض القصص تتداخل الأجناس الأدبية النثرية فيما بينها بحكم العملية الإبداعية، ورغم ما تتمتع به القصة القصيرة من تفرد في الكتابة بسبب البناء السردي واللغوي. قصص (جناحان من ذهب) استفادت بشكل ما من الشعر، والسينما عبر اهتمام القاص بالمشاهد القصصية المتسارعة، والبناء السردي شديد الإيجاز، وكذلك الذهاب الى تقنية (السيناريو السينمائي)، اضافة لطرحها المواضيع الاجتماعية بالتشابك مع الجوانب الإنسانية، وكذلك السرد المتنامي، مع انه يحدث ان يحتوي على نصائح وحكم بما يشبه (الكولاج) في الفنون التشكيلية، والتي تبدو لا علاقة لها بسياقات موضوعة القصة، مع معرفتنا بتداخل الأجناس الفنية والأدبية النثرية فيما بينها بحكم العملية الإبداعية، ورغم ما تتمتع به القصة القصيرة من دقة لابد منها، في البناء السردي واللغوي، إلا أن (جناحان من ذهب) بكليتها استفادت - بشكل ما - من تداخل الفنون، عبر اهتمام القاص باللغة السردية، والإيجاز الذي يحمل حبكة قصصه. وثمة فيها لغة فنية شفافة وتصل أحيانا إلى تخوم قصيدة النثر، مع تشذيبها من الزوائد، والسعي للاقتصاد اللغوي، دون التفريط بالضروري منه، لخلق دلالات وبؤر محددة تتبلور عبر زمان ومكان القص. وسبق ان صدرت لـ(السعد) مجموعته (الجرح) عن دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد، وحصل على بعض الجوائز القصصية ومنها جائزة وزارة الثقافة - بغداد- الخاصة بالأبداع، عن روايته (وهن الحكايات)، واختير مع مجموعة من القصاصين العراقيين والعرب ضمن (انطولوجيا القصة العربية) والتي صدرت باللغات الرومانية، والإنكليزية، والعربية.

 

جاسم العايف

...................

وزارة الثقافة - دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد.

 

690 الجنابيالمرحلة التأسيسية.. كتاب جديد لميثم الجنابي

صدر حديثا عن دار المركز الاكاديمي للأبحاث (العراق-كندا) في طبعته البيروتية (2019) كتاب (الاستشراق والاستعراب الروسي) (المرحلة التأسيسية). وعدد صفحاته 205 من القطع المتوسط. ويحتوي الكتاب على ثلاثة أبواب بسبعة فصول. وضمن كل فصل مباحث.

والمهمة الأساسية لهذا الكتاب تقوم في تتبع التطور التاريخي والثقافي والمعرفي والمنهجي للاستشراق الروسي بشكل عام والدراسات الإسلامية والاستعراب بشكل خاص. كما إن الاهتمام فيه موجه أساسا لما اسميته بالمرحلة التأسيسية، على أمل استكماله لاحقا بكتاب ثاني هذا العام أتناول فيه تحليل مختلف انجازات الاستشراق والاستعراب في المرحلة السوفيتية وحتى اليوم.

ومحتوياته كما يلي:

الباب الأول: المرحلة التأسيسية في الاستشراق الروسي

الفصل الأول: الاستشراق وإشكالية الهوية الثقافية

الفصل الثاني: المرحلة التأسيسية في الاستشراق الروسي ومدارسه الكبرى

روسيا "الغربية" وبوادر الدراسات الاستشراقية

نشؤ وتطور التقاليد العلمية ـ الأكاديمية

"الاطراف" و"المركز" في تقاليد الاستشراق والاستعراب

مدرسة موسكو وصيرورة المركز السياسي ـ الثقافي

مدرسة قازان- مركز ثقافي ديني

مدرسة بطرسبورغ ـ صيرورة المركز الثقافي السياسي.

الباب الثاني:البحث عن المخطوطات وأثره في تطوير الاستشراق الروسي

الفصل الأول: أثر المخطوطات العربية - الإسلامية في إرساء اسس الاستشراق

الفصل الثاني: أثر المخطوطات العربية - الإسلامية في تطوير الدراسات العلمية

الفصل الثالث: تاريخ التراجم الروسية للقرآن وأثرها على الدراسات العربية والإسلامية

الفصل الرابع: تراجم القرآن المعاصرة الى اللغات القومية للمسلمين

الباب الثالث أعلام الإسلاميات والاستعراب في روسيا

الفصل الأول: أعلام المرحلة التأسيسية

خرستيان فرين  (1772 – 1851)

بوريس ايفانوفيتش دورن ( 1805 – 1881 )

أسيب ايفانوفيتش سنكوفسكي (1800 – 1858)

الفصل الثاني: أعلام المستعربين المسلمين في روسيا

شهاب الدين المرجاني (1818 – 1889)

إسماعيل كسبرينسكي(كسبرالي)(1851-1914)

زكي وليدوف(1890 – 1970)

الفصل الثالث: أعلام النضوج العلمي للإسلاميات والاستعراب الروس

كريمسكي اغافانغل يوخيموفتش (1871- 1921)

بارتولد، فاسيلي فلاديميروفتش (1869-1930)

كراتشكوفسكي، اغناتاي يوليانوفتش (1883-1951)

690 الجنابي

من المقدمة

إن المسار التاريخي للأمم اقرب ما يكون إلى الفتنة واللغز حالما يرتقي إلى مصاف الكونية أو العالمية. وذلك لأنه يضعها أمام إشكاليات لا تحصى، لعل أدناها هو إعادة النظر الدائمة في انجازاتها التاريخية والثقافية، وأعلاها هو اثر هذه الانجازات بالنسبة للتماهي الفعلي مع حقائق الهوية القومية. فالأقوام الصغيرة اقرب ما تكون إلى صيرورة لم تكتمل أو كينونة مرمية على قارعة التاريخ العالمي تتدحرج مع العابرين والنازحين والغزاة والفاتحين. وهي حالة لا تخلو من البؤس والمأساة لكنها تبقى جزء من مسار التاريخ الإنساني في محاولاته للبحث عن كمال.

وتختلف القضية بالنسبة للأمم التي صنعت في مجرى معاناتها الخاصة إمبراطورياتها الثقافية. حينذاك عادة ما يختلط الدم بالمداد، ومنهما تكتب قصائد الشعر ونثر الفكر. وهي عملية تبدع، على قدر ما فيها من إدراك ذاتي للمقدمات والغايات، تصوراتها عن النفس والآخرين. وهي تصورات تتمثل بصورة واعية وتلقائية معاناة الأمم في تأسيس وعيها الذاتي. وهو وعي متنوع المستويات والاتجاهات والميادين، عادة ما يتشكل من خلال رؤية مركزية النفس في التاريخ العالمي أو تأسيس تمايزها أو تميزها أو نمط إبداعها الخاص ضمن تجارب الأمم. وهي حالة يمكن الكشف عن خصوصيتها حالما ندرس أو نتأمل الإبداع الثقافي للأمم الكبرى في التاريخ العالمي. فالإبداع الرافيديني (العراقي – السوري) القديم عادة ما كان ينظر إلى نفسه باعتباره مركز العالم، بحيث تحولت بابل لاحقا إلى "باب الله" الثقافية الكبرى في استجلاب أنظار الأمم وعقولها وأفئدتها. وهكذا بقيت مصر، بما في ذلك في لغة العوام إلى اليوم "أم الدنيا". ولاحقا جعل الإغريق من لغتهم معيار الحكم على "بربرية" الأمم ومدنيتها. والشيء نفسه يمكن قوله عن الرومان. وقد تكون الثقافة العربية الإسلامية هي الوحيدة من بين ثقافات العالم القديم التي أضافت إلى مركزيتها المحكومة بفكرة التوحيد إبداع "الأوائل والأواخر" أي القدماء والمعاصرين في فلك الإبداع الإنساني الحر عبر مقارنة نفسها بهم. لكنها أبقت على مكة مركز وبؤرة الجذب الروحي الكوني، وتركت للجسد والعقل الإسلامي حرية الانتقال والمغامرة المحكومة بقوة المعقول والمقبول في تجارب النوع الإنساني. لهذا نراها تتكلم عن خصوصية العرب اللغوية والبيانية، وخصوصية الفرس في الأدب والسياسة، وخصوصية الإغريق والروم في العلم والفلسفة، وخصوصية الهنود في الشعوذة والإبداع الساحر. وهي مقارنات إنسانية الطبع وثقافية المحتوى، لكنها تشير رغم كل الإمكانيات القائمة في التأويل من اتفاق واختلاف وتعارض وتضاد وتدقيق وتمحيص، إلى قوة التأثير الخفي للمركزية الثقافية في فرض رؤيتها على النفس والآخرين.

إن فعل المركزية الثقافية في فرض تصوراتها على النفس والآخرين ليست إلا الوجه الآخر لتلقائية النمو الذاتي للثقافة. الأمر الذي يجعل من أدق وأعمق التصورات والأحكام والقيم والمقارنات الثقافية محدودة بمعايير التجارب الذاتية للأمم. بمعنى أنها تبقى، رغم كل دقتها الممكنة، جزء من معاناة الأمم في بناء ذاتها، وجزء من عمل الثقافة في تهذيب وتوسيع مدى معاييرها، وليست جزء من المنطق المجرد. لكنها تبقى على خصوصية الثقافة القومية. وهي خصوصية وثيقة الارتباط بكيفية حل إشكاليات الوجود الطبيعي والمارواطبيعي للدولة والمجتمع والفرد والوعي الذاتي. وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى "الاستشراق" على انه الصيغة الثقافية التاريخية لبناء الوعي الذاتي للأمم "الغربية". وبالتالي فانه يحمل تصوراتها الذاتية بوصفها معاناة خاصة في إدراك النفس والآخرين. من هنا محدوديته الذاتية وقيمته التاريخية بوصفه إبداعا ثقافيا. وبالتالي فان حدود المنطق فيه هي حدود خصوصية الثقافة القومية. من هنا تنوع وتباين "الاستشراق" بالنسبة لتاريخ الثقافة الأوربية وشعوبها المختلفة، وتمايز روسيا بهذا الصدد.

إن لروسيا تجربة خاصة في "الاستشراق" تستمدها من كونها هي نفسها "شرقية" بمعايير الرؤية الغربية الأوربية التقليدية. و"غربية" بمعايير الرؤية الشرقية التقليدية. وهو الأمر الذي جعل منها "حلقة ثقافية" من طراز خاص طبع موقفها من "الشرق والغرب" بشكل جعلها اقرب إلى "اللغز" منه إلى المنطق. وليس مصادفة أن يقول شاعرها الكبير توتشيف بان روسيا لا يمكن معرفتها بالعقل! بل يفترض العقل الإيمان بها! ولم يقصد هو بذلك خروج روسيا عن حدود الاعتدال والمنطق العقلي، بقدر ما أراد القول، بأن التصورات التقليدية في الغرب والشرق عن روسيا لا يمكنها أن تكون دقيقة، لأنها "غربية" أو "شرقية" بينما روسيا هي "شيء آخر" سيحصل لاحقا على تسمية الاوروآسيوية، أي السبيكة الخاصة لتلاقي أوربا وآسيا. وهي سبيكة لم تكن معزولة عن الجهود الكبرى "للمستشرقين" و"الاستشراق".

فقد ظهر الاستشراق والاستعراب الروسي بالارتباط مع نشوء وتطور الدولة الروسية بشكل عام والإمبراطورية بشكل خاص. وهو أمر طبيعي. فالتوجه الشرقي للدولة الروسية هو الذي جعلها من حيث الأصول الأولية دولة كبرى. بمعنى إن تطورها وتوسعها الجغرافي والبشري أرتبط من حيث الجوهر على حساب الأراضي الآسيوية. وقد اكتملت هذه الصيرورة في مجرى قرنين من الزمن بعد تحرر روسيا من السيطرة التترية والاستيلاء على مدينة قازان عاصمة التتر عام 1552. عندها أخذت روسيا بالتمدد الشرقي بصورة عاصفة. أما تمددها الغربي فقد ظل محدودا. لكن التوسع الغربي الأكبر جرى منذ بداية القرن الثامن عشر بأثر السياسة التي اتبعها بطرس الأول (1672-1725) بفتحه "نافذة" على أوربا، ومن ثم توسيع وتشجيع الانتماء الثقافي الأوربي. عندها أخذ الاهتمام بالشرق يتحول تدريجيا من المهمات العملية وأغراضها السياسية صوب المهمات الثقافية. ولا تخلو هذه المهمات من توجه وأغراض سياسية، إلا أنها عادة ما تنحلّ وتذوب تدريجيا في التجارب التاريخية والثقافي للأمم الكبرى. الأمر الذي نلاحظه على المسار العام لظهور وتطور الاستشراق والاستعراب الروسي.

ومع ذلك يتميز الاستشراق الروسي بخصائص ذاتية تجعله يختلف اختلافا كبيرا عن مثيله الأوربي. ومن بين أهم هذه الخصائص تجدر الإشارة إلى اثنتين منها، الأولى وهي أن روسيا في مجرى توسعها وتطورها تحولت إلى دولة أوربية- آسيوية، والثانية اشتراك الشعوب الآسيوية في علم الاستشراق نفسه. مما أدى إلى صنع سبيكة قوية تتوحد فيها الرؤية الروسية وتقاليدها الثقافية بالتقاليد الثقافية للشعوب الآسيوية. ومن ثم تحول الاستشراق إلى جزء من تاريخ الوعي الذاتي للإمبراطورية الروسية بمختلف شعوبها وأقوامها وأممها. مما طبع اتجاه ومباحث المستشرقين الروس بطابع ثقافي خاص. ونعثر على ذلك بوضوح في الاختصاصات الكبرى للاستشراق الروسي الذي تمحور من حيث الجوهر حول الإسلاميات والاستعراب، أي حول الدراسات الإسلامية والعربية. وبالتالي المساهمة العلمية العميقة في توسيع المدى الثقافي للتأثير المتبادل داخل الامبراطورية الروسية وخارجها. وليس مصادفة أن يكون المؤسسيين الكبار للاستشراق الروسي قد عاشوا وتعايشوا في مرحلتين أو حقبتين كبيرتين في التاريخ الروسي، الحقبة القيصرية والسوفيتية. وفي كليهما نعثر على تواصل متجانس بسبب احتكامه في الأغلب إلى الرؤية العلمية والثقافية الروسية المنفتحة، أي التي تخلو بتاتا من نفسية وذهنية الاستعلاء وما شابه ذلك مما كان يمكن رؤيته في تاريخ وتراث الاستشراق الأوربي. من هنا القيمة العلمية والثقافية للاستشراق الروسي الذي ساهم في بعث التراث الإسلامي والعربي. وقد كانت تلك أيضا الصفة الملازمة للاستشراق في المرحلة السوفيتية. إذ بغض النظر عن هيمنة واستحكام الرؤية الأيديولوجية الصارمة، سار الاستشراق في طريق "معبد" يقوم فحواه في البحث عن "الجوانب التقدمية" و"المستنيرة" و"الإنسانية" التي تناهض الدين والمعتقدات الدينية واللاهوت. من هنا اهتمامه بشخصيات وتيارات دون أخرى. وليس مصادفة أن تحتل الفلسفة الإسلامية والتيارات العقلانية كالمعتزلة والشعراء والأدباء الكبار والمؤرخين الحيز الأكبر من اهتمام البحث العلمي. بينما جرى رمي كل ما لا يدخل ضمن هذا المسار في سلة المهملات المخصصة "للفكر الرجعي" و"المتخلف". مع ذلك ظلت المرحلة السوفيتية في الاستشراق هي الأكبر والأعمق والأوسع في انجازاتها. وهو ما سأتناوله في كتاب لاحق مكمل لهذا الكتاب.

***   ***   ***

ميثم الجنابي

 

 

محمد السعديماتس إيكمان.. صحفي سويدي وباحث مختص بقضايا الشرق الأوسط وتحديداً العراق وقضاياه . شاع صيته مؤخراً في وسائل الأعلام والتواصل الاجتماعي وتناقل المعلومة عقب صدور كتابه الذي يحمل عنوان (مهمة من بغداد) (På uppdrag från baghdad) .

الكتاب يتناول حقبة مهمة ومرحلة حرجة من تاريخ السويد وحساسية العلاقة بين جمهورية العراق والملف الأمني حول قضايا الاجئيين العراقيين والمخابرات على حد سواء منذ مطلع السبعينيات . في صباح يوم ٤ أذار العام ١٩٨٥، أستيقظت السويد والسويديين على جريمة قتل مروعة، هزت الرأي العام، حيث تشهدها أرض السويد لأول مرة، هزت وسائل الاعلام وحيرة المعلقيين ودوخت المحللين عبر شاشات التلفزة وأروقة المحاكم والتي ما زالت تبحث عن أدلة وشهود لأنهاء هذا الملف الخطير . في صبيحة ذلك اليوم عثرت الشرطة السويدية عبر مخبر عارض بوجود حقيبتين سوداوتين متروكتين في منطقة (سودرتاليا) في جنوب العاصمة السويدية (أستوكهولم) . لتجد الشرطة في داخلهما أكياس بلاستيكية لاشلاء أنسان مقطعة بعناية وخبرة الى ٤٨ قطعة حسب وصف المذيع السويدي المذهل لوقع الجريمة . أنها جثة رجل ضابط الاستخبارات العراقي ماجد حسين عبد الكريم، الذي فر من العراق عام ١٩٨٣ متجهاً الى مملكة السويد طالباً اللجوء السياسي حسب أتفاقية (جنيف) المعمول بها وضمن أتفاقيات الدول الموقعه على لائحتها القانونية والانسانية، أراد أن يكون بعيداً عن أيادي وعيون وخطورة الجهاز الذي ينتمي له، هكذا كان معتقداً من خلال تصريحه الأول للصحف السويدية (سفينسكا داغبلادت)، مهدداً بهز وفضح أربعة خلايا مخابراتية تعمل على أرض السويد ونشاطهم التخريبي وشبكة العلاقات داخل أوربا، وتفاصيل لقاء مناحيم بيغن رئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق مع برزان التكريتي عندما كان مديراً للمخابرات وقصة ضرب المفاعل النووي العراقي (تموز) في منطقة الزعفرانية أطراف العاصمة بغداد العام ١٩٨١من قبل سرب من الطيران الاسرائيلي يضم ١٨ طائرة حربية بناءاً على معلومات حول المكان وهيكلة بنائه وزواياه قدمها لهم عملائهم من الفرنسيين، الذين كانوا يعملون في موقع المفاعل الذري، والطيران الذي خرق أجواء دول مجاورة وعطل كل الرادارات عبر الحدود الاردنية الى العاصمة بغداد منطقة (سلمان باك) ليحقق مهمته في تدميره، كان المقتول ماجد حسين حاضراً وشاهداً على هذا اللقاء وهدد بكشف تفاصيله الى وكالات الانباء العالمية ودوائر أستخباراتية . وفي خطوة أستباقية قام النظام العراقي في بغداد بحجز زوجته وأطفاله الثلاثة وسيلة للضغط عليه من أجل عودته الى العراق أو تحييد موقفه في ألتزام الصمت، لكنه لم يعير أعتباراً لذلك التهديد أو حتى لم يأخذه على محمل الجد . أثارت عملية قتله وطريقتها الهلع والخوف بين صفوف العراقيين على أراضي مملكة السويد والدول المجاورة، الذين هربوا من العراق بسبب قمع النظام وسياسته وحروبه . ودب الهلع والخوف بين أوساط العراقيين وتذمرهم من برودة الموقف السويدي الرسمي في أتخاذ الاجراءات الرادعة والسريعة في حمايتهم من نشاط رجال المخابرات العراقية، مما زاد من توجساتهم الأمنية، وأضطر قسم غير قليل منهم ترك الاراضي السويدية الى دول مجاورة، وقسم أخر أنتقلوا وغيروا عنوانيهم وألقابهم الى مدن سويدية أخرى بعيداً عن متناول أياديهم وهواجس الرعب والخوف تطاردهم في أبسط تفاصيل حياتهم .

أستند إيكمان في كتابه الذي يحوي ٣٤٠ صفحة على وثائق المخابرات السويدية (سيبو / Säpo) وعلى ملفات وزارة الخارجية السويدية بهذا الشأن تحديداً (الشأن العراقي) . ستة وسبعون صفحة من الكتاب مكرسة للتغطية على أغتيال ضابط الاستخبارات ماجد حسين عبد الكريم وتفاصيل تنفيذها وتداعياتها والتي ما زالت طاغية على المشهد الأمني السويدي . وذكر الكاتب ماتس معاناته بعدم تجاوب المعنيين بهذا الملف من الجانب العراقي حيث خاطب عشرين جهة رسمية ومدنية ولم يتلقى جواباً واحداً مما أحزنه كثيراً، لهذه اللامبالاة، بعيداً عن المسؤولية الاخلاقية والتاريخية والقانونية .

 

السويد كمركز قرار وعلاقات دولية كانت تغض النظر عن نشاطات المخابرات العراقية على أراضيها رغم معرفتها الكاملة والمؤكدة بالتضيق والتجسس على حياة العراقيين ومسببة لهم هلع وخوف في منظومة علاقاتهم وحياتهم الطبيعية أرتباطاً بالمصالح السويدية (الاقتصادية) . تنظر السويد لمصالحها الاقتصادية بعين الاعتبار وتضعها في الاولوية، حيث لها عدة شركات تعمل بالعراق وخبراء ومستشارين فلا تريد تفرط بتلك الميزات والهبات على حساب ضمان حياة جمهرة من الناس الهاربين من جحيم نفس تلك الاجهزة . الدول والانظمة بكل أنماطها وشكل حكمها لا يهمها الا مصالحها وأجندتها الخاصة . في نهاية السبعينيات أصبحت السويد من المحطات المهمة للمخابرات العراقية وثقل دبلوماسي وعلاقات أقتصادية وتجارية، كان معمل الأسمنت في مدينة (مالمو) الجنوبية أعتماده الاساسي على التصدير الى العراق، وعندما تأزمت العلاقات في السنوات الاخيرة بين البلدين وضعف التبادل التجاري والاقتصادي بينهما، ومن أولويات أسبابها الحرب والحصار أغلق هذا المعمل وتحولت أرضه الى عمارات سكنية للساكنيين، وشهدت العلاقات والزيارات المتبادلة على مستويات عالية جداً، حيث زوجة النائب صدام حسين زارت السويد مرتين، وكان يفترض واحدة من المرات أن تلتقي بزوجة الملك (كارل السادس عشر كوستاف)، لكن يبدو سفرة مفاجئة لزوجة النائب (ساجدة خيرالله طلفاح) الى لندن لموعد مهم مع طبيب حال دون ذلك، وفي العام ١٩٧٩ تقاطر الى مملكة السويد عدد من القادة البعثيين والوزراء محمد عايش وزوجته ومحيي الشمري مشهدي وعائلته وتجولوا في المدن السويدية في أهتمام رسمي وزاروا العاصمة الفلندية (هلسنكي) . وفي عودتهم الى بغداد ذبحوا على مسلخ قاعة الخلد الشنيعة بسيناريو معد مسبقاً بأخراج فاشل ومفضوح أنها مسرحية (المؤامرة) راح ضحية عرضها ٢٣ وزيراً وقائداً حزبياً أنها مساعي في السيطرة على الحكم وتصفية حسابات . فاغتيال رجل الاستخبارات ماجد حسين عبد الكريم نتاج تلك الارباك في العلاقات العراقية / السويدية وعلى ضوء مساحتها الخضراء تتحرك أجهزة المخابرات بحصانات دبلوماسية، وحسب وثائق وملفات جهاز المخابرات السويدية (سيبو / Säpo) لحين سقوط نظام صدام حسين على يد المحتلين الامريكان عام ٢٠٠٣ يوجد حوالي مئة منتسب للاجهزة المخابراتية العراقية يعملون على الاراضي السويدية . والبعض منهم عاد وتعاون مع الوضع الجديد في العراق تحت عباءة الغطاء الطائفي وأجندة المحتل الامريكي .

 

محمد السعدي – مالمو

 

عدنان عويددراسة منهجية لأبرز مظاهر الغلو والتكفير والتطرف والارهاب

الكاتب والباحث والمفكر الإسلامي المعاصر، الدكتور سفير أحمد الجراد. أستاذ جامعي. ورئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية والدعوية في جامعة بلاد الشام. دمشق .

- بكالوريوس في الشريعة الإسلامية والقانونية. من جامعة الأزهر الشريف. في القاهرة 2001.

- دبلوم عام في الشريعة الإسلامية والقانون – الأزهر الشريف – 2002 – 2003.

- ماجستير في الحركات الإسلامية المعاصرة، عن رسالته: (ظاهرة التطرف الديني – دراسة منهجية لأبرز مظاهر الغلو والتكفير والتطرف والارهاب). بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف 2006

- دكتوراه في الدراسات الإسلامية من دار الفتوى. نالها على أطروحته (تأصيل قواعد الفقه السياسي في الإسلام.) بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف عام 2009- من جامعة بيروت الإسلامية.

- مارس العديد من المهام الوظيفية والإدارية منها:

- مدير عام مؤسسة القدس الدولية – فرع سورية 2013.

- مدير البحث العلمي والدراسات وحوار الحضارات والأديان في وزارة الأوقاف السورية.

- مدير أوقاف ديرالزور 2011 - 2013

- محاضر في العديد من كليات جامعة دمشق ومعاهدها العليا.

- ينشر في العديد من الدوريات السورية والعربية. وشارك في العديد من الندوات في الفكر الإسلامي وحوار الحضارات والتطرف على مستوى العالم العربي والإسلامي.

من أهم بحوثه ودراساته:

1- كتاب فقه الأزمة بالمشاركة مع عدد من العلماء تحت رعاية وزرارة الأوقاف السورية.

2- كتاب المسلمون وحوار الحضارات2010

3- كتاب الاستشراق وفن التزييف العلمي والأخلاقي. دار العصماء – دمشق 2009.

هذا ولديه العديد من البحوث المطبوعة وقيد الطبع منها/

1- تجديد الخطاب الديني - دار ندوة العلماء –دمشق- 2004.

2- الوسطية في الإسلام – عن المؤتمر الدولي المنعقد في عمان 2005

3- بناء الشخصية الإسلامية المؤثرة – تحت الطبع- دار الفارابي - دمشق.

تأتي هذه الدراسة قراءة أولية لرسالة الماجستير وهي: (ظاهرة التطرف الديني – دراسة منهجية لأبرز مطاهر الغلو والتكفير والتطرف والارهاب).

بالرغم من أن الكتاب وهو في الأصل (رسالة ماجستير) كما أشرنا أعلاه، حيث حاز عليها الباحث بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف بتاريخ 20/5 2006. إلا أنها تجاوزت حدود مكانتها الأكاديمية، لتنال قبولاً غير عادي، عند القراء والمثقفين، حيث قامت (دار محمد الآمين للنشر - دمشق)، بطبعها ثلاث مرات، كان آخرها عام 2012، وهي الطبعة التي أعددنا عليها هذه القراءة.

يقول الباحث بأن الداعي إلى الاشتغال على هذا الكتاب هو الحملة الشرسة التي تعرض لها الإسلام تحت ذريعة التصدي للإرهاب بعد حوادث أيلول عام 2011 . (1)

بيد أن ما جرى من أحداث تحث ما سمي بثورات الربيع العربي، يجعل للكتاب بنظري أهمية أخرى أكثر حضوراً بعد أن تجلى هذا الإرهاب فكراً وممارسة لدى بعض التيارات الإسلامية الجهادية التي ركبت صهوة هذا الربيع العربي وحولته إلى خريف ودمار لكل أخضر ويابس بإسم الدين، وهي بعيدة عن الدين.

وعلى هذا الأساس يأتي الكتاب محققاً هدفين اثنين في وقتنا الحاضر هما: الأول: توضيح معنى التطرف وكيف يمارس باسم الدين. والثاني: كيف استغلت القوى المعادية للإسلام في الداخل والخارج ممارسات المتطرفين من الإسلاميين، لتشويه الإسلام من خلال نعته بالإرهاب، إن كان بسبب أحداث 11/ أيلول 2011 من جهة. أو بسبب ما قامت به القوى الإسلامية الجهادية المتطرفة وفي مقدمتها داعش من تشويه للإسلام من جهة ثانية.

في المفهوم

أهمية المفهوم أو المصطلح كما يراه الباحث والمفكر الجراد:

يقول البحث: لقد أصبحت المصطلحات أدوات في الصراع الحضاري والفكري بين الأمم، وفي داخل الأمة الواحدة، إذ يهتم أعداء أي مبدأ أو فكر في صراعهم مع المبادئ الأخرى بالألفاظ والمصطلحات قبل أي شيء آخر، وعند وجود أية قوى اجتماعية تناصب الحق العداء، فهي ستقوم بتحريف الألفاظ والمعاني، وتغييب قول الحق فيها. وذلك كون المصطلح يشكل الوعاء المعبر عن العقيدة أو الفكر. (2).

دلالات المفهوم:

يسعى الباحث جاداً منذ البداية كي يحدد مفهومي التطرف لغة ومجازاً أو اصطلاحاً، في القواميس اللغوية العربية، أو في الخطاب الديني. أو في الفكر الوضعي الفلسفي.

جاء في اللغة على أنه: (الوقوف في الطرف، والطرف بالتحريك جانب الشيء، ويستعمل في الأجسام والأوقات وغيرها) . (3).

وجاء المفهوم اصطلاحاً أنه: (مجاوزة حد الاعتدال). (4).

أما التطرف كما فهمه علماء الدين: (فهو الغلو في عقيدة أو فكرة أو مذهب أو غيره، يختص به دين أو جماعة أو حزب.). (5).

بيد أن الدكتور سفير ينتقل إلى فهم آخر في التطرف، وهو التطرف في بعده الفلسفي (الوضعي).حيث يراه بأنه اقتعاد الطرف الأقصى في الحياة العامة. لذلك يقال عن المتطرف في هذا الاتجاه انعزالياً، أو انطوائياً، أو شاذاً داخل المجتمع، وبعيداً عن الجماعة التي تلتئم وحداتها وتؤسس فيما بينها صفاً واحداً متراصاً بعضه مع بعض. (6).

أو بتعبير آخر: كما جاء في القاموس الفلسفي: (التطرف اندفاع غير متوازن إلى التحمس المطلق لفكر واحد يصبح معه صاحبه أحادي الشعور، وفي حالة اضطراب نفسي يفقده حاسة التمييز بين الحسن والأحسن والسيئ والأسوأ.). (7). كما ويرى الدكتور الباحث الجراد، بأن هناك مصطلحات أو مفاهيم عدة قد رافقت مصطلح أو مفهوم التطرف مثل: الفلو، والارهاب، والتشدد، والعنف. هذا وقد وضح الباحث كل مصطلح من هذه المصطلحات من حيث: فهمها اللغوي، والمجازي والفلسفي. من الصفحة (48 إلى 85). وكلها تدور بالتعبير الأخير في مفهوم الغلو والابتعاد عن الوسطية.

ارتباط التطرف بالإرهاب:

نظراً للمرجعية الدينية الإسلامية الوسطية التي يؤمن بها الباحث الجراد، بالرغم من تحفظي على معنى الوسطية في الإسلام، على اعتبار الدين الإسلامي واحداً في جوهره فلا يوجد هناك إسلام معتدل او إسلام متطرف، وإنما هناك (أمة وسطاً). وبالتالي فمن يجعل الإسلام متطرفاً هم الذين في قلوبهم زيغ من الحوامل الاجتماعية للعقيدة الإسلامية الذين يشتغلون على الآيات المتشابهات ويتركون البينات الواضحات التي تدل على روح الإسلام الحقيقي الذي يريده الله لعباده كما ورد في الآية السابعة من سورة آل عمران..." هو الذي أنزل إليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب...") وهذا ما بينه لنا الرسول الكريم أيضاً بالحديث الشريف القائل: (القرآن ذلول حمال أوجه فخذوه على وجه الحسن).

نقول بالرغم من تحفظنا على مفهوم (الإسلام الوسطي)، إلا أن الباحث الجراد من خلال تناوله التطرف في كتابه، نراه من العلماء والمفكرين الذين يتعاملون مع الجوهر الحقيقي للإسلام، معتمداً في ذلك على ما يتضمنه هذا الدين في نصوصه المقدسة من رحمة وعدالة ومحبة وتسامح ورفض للسيطرة والغلو وكل ما يقف حائلاً أمام مقاصد هذا الدين الداعية إلى الحفاظ على الدين وحياة الإنسان وعرضه وأرضه وماله.

بناءً على ذلك وانطلاقاً من العقلانية التنويرية للدكتور الجراد ووسطيته أو اعتداله أو فهمه الحقيقي للدين ومقاصده، فقد استطاع في الحقيقة أن يربط ربطاً عقلانياً بين التطرف والإرهاب، حيث بين أن الإرهاب بالنسبة للإسلام هو: (ليس مجرد المخالف للمسلمين أياً كان وجه الخلاف معه، سواء في الرأي ووجهات النظر، أو في النظم والتشريع، أو في الثقافة والحضارة، أو في الدين والمبادئ، طالما أن الاختلاف لا يرتقي إلى العدوان .). (8). وبالتالي ووفق هذا المعطى، فإن الباحث الجراد يرى أن حسن المعاملة والوفاء للمخالفين من غير الذين ورد استثناءهم حصراً، يعد مطلباً مشروعاً ومرغوباً فيه كونه يحقق مصالح العباد وازدهار عمرانهم، ويجسد معنى التعاون والتضامن في فعل الخير الذي أمر الشارع به. (9).

تعاريف الإرهاب:

يتناول الباحث الجراد ظاهرة الارهاب تعريفاً من مصادر عدة في كتابه، ففي الوقت الذي يبين وجهة نظر الخارجية الأمريكية سياسياً، على أن الارهاب هو: (عنف تولده دوافع سياسية، وينفذ مع سبق الاصرار ضد مدنيين لا صلة لهم بالحرب، أو ضد عسكريين عزل من السلاح، تقوم به جماعات وطنية أو عملاء سريون.). (10). نراه يتناوله أيضا من الناحية الفقهية الإسلامية على أنه: (عدوان يمارسه أفراد أو جماعات أو دول، بغياً على الإنسان في (دينه، دمه، عقله، ماله، عرضه.). كما يشمل أيضاً صنوف التخوين والتهديد والقتل بغير حق . (11).

أما الباحث فله رؤيته في الإرهاب من وجهة نظر إسلامية، حيث يقول عنه: (رعب تنشره جماعة منظمة عامة أو خاصة على نطاق واسع أو محدود، عن طريق استخدام وسائل العنف، أو التهديد به، لتحقيق أهداف غير مشروعة في الإسلام.). (12). ثم يتابع في هذا الاتجاه بعد أن يبين معنى ودلالات الارهاب، محدداً مشروعية الكفاح المسلح وإخراجه من دائرة الارهاب، وخاصة للشعوب الخاضعة للاحتلال الأجنبي، كون الهدف منه هو تحرير الأرض المحتلة، والحصول على الاستقلال وحق الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها.) (13)

التطرف الديني:

يتناول الكاتب والباحث الدكتور سفير في كتابه مسالة التطرف الديني في الديانات السماوية الثلاثة، مبتدأً بقديمها وهي الديانة اليهودية، حيث يعتبر بالنسبة لهذه الديانة بأن أهم مشروع عقيدي للعنصرية اليهودية هي الحركة الصهيونية. ومن يؤمن بها من اليهود الإسرائيليين. فالباحث يبين أن هذه الحركة استمدت عنصريتها من تعاليم الديانة اليهودية، وقد أشارت هذه الحركة بكل وضوح إلى تبنيها العنف والانتقام والتمييز والاستعلاء والإبادة الجماعية لكل من هو غير يهودي. وهذا ما أكدت عليه قواعد التلمود التي استباحت دم الآخر غير اليهودي، حيث جاء في التلمود: (إن الشفقة ممنوعة للوثني، فإذا رأيته واقعاً في نهر أو مهدداً في خطر، فيحرم عليك أن تنقذه، لأن السبعة شعوب الذين كانوا في أرض كنعان المراد قتلهم من اليهود لم يقتلوا عن آخرهم، بل هرب بعضهم واختلط بباقي أمم الأرض، لذلك قال (ميماواند): إنه يلزم قتل الأجنبي لأنه من المحتمل أن يكون من نسل السبعة شعوب وعلى اليهودي أن يقتل من يتمكن من قتله، فإذا لم يفعل ذلك يخالف الشريعة.). (14). كما أن هذه النزعة العدوانية المتطرفة نجدها كما يقول الباحث في أسفار: التكوين، والخروج، واللاويين، والعدد، والتثنية، وسفر يوشع. أي في كل ما جاء في التوراة.(15).

التطرف عند النصارى:

يتحدد مفهوم النصارى عند الباحث الدكتور الجراد في الغرب الاستعماري بكل أشكاله، بالرغم من أن هذا التحديد من الناحية المعرفية برأينا لا يمكن الأخذ به، انطلاقاً من أن للاستعمار مقوماته الأساسية المرتبطة بقوى اجتماعية لها مصالح مادية، غالباً ما تستغل الدين أو غيره من مرجعيات تقليدية كذريعة لتحقيق مصالحها، وهذا ما قامت عليه الحروب الصليبية تاريخياً، مثلما قامت عليه محاكم التفتيش أيضاً وطبيعة التبشير في تاريخنا الحديث والمعاصر.

على العموم يقول الباحث من خلال ربطه بين مفهوم النصارى والاستعمار: بأن التطرف كان متجلياً بكل وضوح مع قيام الثورة الفرنسية، رغم ما حملته هذه الثورة من شعارات الحرية والعدالة والمساواة، مروراً بتطرف سياسات الولايات المتحدة الأمريكية داخل أمريكا وخارجها. ثم يعود الباحث كثيراً إلى الوراء ليعتبر التطرف النصراني تجلى أيضاً في الأندلس مع محاكم التفتيش والحروب الصليبية بكل اشكالها القديمة والحديثة وما لاقاه المسلمون من هذه الحروب في بلاد الشام والمغرب العربي بعمومه من ظلم وقهر واستغلال، مروراً بالبوسنة، ليصل أخيراً إلى جرائم الغرب التي مورست في الحربين العالميتين. (16).

جذور التطرف الديني في الدولة الإسلامية:

لقد قام الباحث والمفكر الدكتور سفير بتحديد جذور التطرف الديني في تاريخ الدولة الإسلامية، مع قيام الفتنة الاولى (مقتل عثمان بن عفان). مروراً بمعركة صفين وظهور الخوارج ومقتل علي بن أبي طالب.

بالرغم من أن الباحث قد أغفل حروب الردة، ثم الفتنة الثانية (حرب الجمل)، على اعتبارها من الإرهاصات الأولية لتشكل التطرف السياسي في الدولة الإسلامية، حيث استعمل السلاح وسالت الدماء فيها. مثلما أغفل أيضاً العوامل الرئيسة في نشوء التطرف داخل الدولة الإسلامية، وخاصة تشكل طبقة من الأغنياء الذين أثروا على حساب أموال الدولة بعد الفتوحات. فالفتوحات في الحقيقة ساهمت كثيراً في خلق تحولات اقتصادية عميقة داخل المجتمع الإسلامي وخاصة عند فئة من قريش، حيث تشكلت طبقة ثرية استغلت السلطة لصالحها، مما خلق تناقضات طبقية ابتدأت إرهاصاتها مع استلام الخليفة عثمان السلطة وتقريبه لأبناء عشيرته، الأمر الذي خلق ردود أفعال طبقية من قبل القوى الاجتماعية الفقيرة استغلها وحرض على الفتنة من خلالها عبد الله من سبأ والطامحين بالسلطة من القريشين وأدت إلى مقتل عثمان، وبمقتله انقسم البيت القرشي على نفسه، حيث ظهر هذا الانقسام في معركة صفين. وعل هذا الانقسام بدأت تظهر قوى سياسية جديدة موالية لهذا التيار أو ذاك، وفي مقدمة من ظهر الخوارج أولاً، ثم من والى علي وآل بيته ثانياً، هذا وقد رافق هذه الانقسامات السياسية، ظهور رؤى فكرية عقيدية راحت تفسر النص الديني وتؤوله لمصالح قوى اجتماعية قريشية من جهة، ولقوى أخرى لها انتماءات دينية ليست إسلامية، إضافة لانتماءاتها العرقية غير العربية، حيث راحت تتجلى منذ القرن الثالث للهجرة بحركات شعوبية تعمل على النيل من العرب والإٍسلام معاً.

نقول بالرغم من تجاهل الباحث لخطورة هذه التحولات ودورها في خلق الجذور التاريخية للتطرف في الدولة الإسلامية، إلا أنه استطاع في الحقيقة أن يدل على هذا الجذر التاريخي للتطرف في الدولة الإسلامية، وهو التطرف الذي ناصب الإسلام العداء أولاً ثم العرب حملة الرسالة الإسلامية ثانياً.

إن هذا لتطرف الذي راح يتغلغل فيما بعد كما يقول الباحث، في نفوس العرب المسلمين أنفسهم، وبخاصة من هم في سدة السلطة أو الخلافة، حيث راحت شهوة السلطة تدفعهم إلى الصراع الدموي من أجلها وخاصة بين مكونات البيت القرشي نفسه (أمويون وعباسيون وعلويون).فكان من نتائج هذا الصراع المشبع بالدماء مقتل الكثير من الصحابة وعلى رأسهم كما يقول الباحث الجراد الخلفاء الراشدين. هذا مع وقوفه عند مقتل علي بن ابي طالب، حيث اعتبر مقتله من قبل الخوارج من أهم التحولات التاريخية في نشوء التطرف داخل الدولة أو داخل الخلافة الإسلامية، وهو محق في ذلك. معتبراً ظهور الخوارج كفرقة متطرفة امتدت في ايديولوجيتها حتى هذا التاريخ من أهم المقدمات الأساسية لظهور التطرف والإرهاب معاً (17). . لقد اعتبر الدكتور الجراد ايديولوجيا الخوارج المتطرفة، تلتقي كثيراً مع الفهم الفاشي والنازي في تاريخينا المعاصر من حيث العزلة والاستعلاء والعدوانية والقسوة والطاعة في تنفيذ الأوامر. (18).

أما قضية الحاكمية وصلتها بالتطرف، فقد أفرد لها الباحث الجراد صفحات كثيرة من كتابه، حيث عمل على توصيفها، وآلية عملها، وتجلياتها السياسية والعقيدية، وامتداداتها الفكرية والسياسية في عصرنا الراهن على يد تنظيم الاخوان المسلمين والوهابية، وأخيرا تركيزه على أوجه باطلها. (19).

حرية التفكير والاعتقاد في الإسلام:

ينتقل بعد ذلك الدكتور الجراد لمعالجة قضية على درجة عالية من الأهمية وهي ظاهرة (حرية التفكير والاعتقاد في الإسلام).حيث يقول في مدخل هذا المبحث عن حرية التفكير في الإسلام التي (جعل منها الإسلام حقاً من الحقوق الطبيعية للإنسان: (فلا قيمة لحياة الإنسان بدون الحرية، وحين يفقد المرءْ حريته يموت داخلياً، وإن كان في الظاهر يسعى في الأرض). (20). فمن خلال تعرض الدكتور سفير لحرية التفكير وجد أن حرية الفكر في الإسلام قد أكدت على مقاصد الإسلام الأساسية التي جسدها الباحث هنا في: إظهار الحق وإخماد الباطل، ومنع الظلم ونشر العدل.. وهذه المقاصد عنده تتجلى واضحة في اتجاهين اثنين هما: الحرية المادية، وتركز على حرية الفكر وتأمينها، والحرية الذاتية حيث تركز كما يقول على حرية الاعتقاد التي يترتب عليها ضرورة إجراء الحوار والنقاش الديني بين الديانات وممارسة الشعائر الدينية. (21).

نقول تعليقاً على فهم الباحث للحرية هنا: بأنها إذا كانت في شقها الأول المادي قد أصابت الحقيقة، على اعتبار تأمين الذات يأخذ هنا أبعاده كاملة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، فإن الحرية في شقها الثاني الذاتي قد اقتصرت على الجانب الديني من حيث حرية النقاش والحوار وممارسة الشعائر الدينية. بينما حقيقة حرية الفكر أوسع من ذلك كونها تتناول الكثير من القضايا الفلسفية الأخرى المتعلقة بكل مسامات حياة الإنسان. ومع ذلك فقد أجاد الباحث في تأكيد هذه الحرية بشقيها على بناء الإنسان البناء الأمثل في أهم تفاصيل حياته، وبخاصة المتعلقة منها في العقيدة والمعاملات التي أقرها الشرع، كما سيمر معنا لا حقاً..

الوسطية في الإسلام:

يتكئ الباحث الجراد في فهمه للوسطية، على الكثير من آيات سورة البقرة، وعلى الكثير من آراء الفقهاء ومشايخ الفكر الديني الإسلامي، ومنهم الشاطبي الذي قال: (إن الشريعة جارية في التكليف لمقتضاها على الطريق الأوسط الأعدل، آخذ من الطريقين بقسط لا ميل فيه، فإذا نظرت إلى كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط والاعتدال، ورأيت التوسط فيها لائحاً، ومسلك الاعتدال واضحاً، وهو الأصل الذي يرجع إليه والمعقل الذي يرجع إليه.) .(22)

أما فهم الوسطية في الفكر الحديث كما يجده الباحث، فيحصره بعد أن يعدد الكثير من آراء المفكرين الإسلاميين المعاصرين في الرؤية التالية: (الوسطية هي إحدى الخصائص العامة بالنسبة للإسلام، وهي إحدى المعالم الأساسية التي ميز الله بها أمته عن غيرها بقوله عز وجل: ((وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس..). (البقرة – 143). ثم يتابع الباحث قائلاً: فهي أمة العدل والاعتدال التي تشهد في الدنيا والآخرة على كل انحراف يميناً أو شمالاً عن خط الوسط المستقيم). (23)

أما تجلي هذه الوسطية فيراها الباحث: في العبادات (الطهارة – التيمم – الصلاة – الزكاة – الصيام – الحج. – كما يراها أو يجدها في مجال المعاملات كالبيع – الربا – الاحتكار – التيسير على المدين المعسر. ويجدها أيضاً: في العقوبات وبخاصة في قتل النفس ومعظم الجزاءات التي حددتها الشريعة الإسلامية. ويجدها كذلك في الأخلاق – والسلوك الاقتصادي. (24).

أسباب التطرف في المجتمع الإسلامي:

يحدد الباحث الدكتور سفير الأسباب الأساسية للتطرف في اتجاهين أساسيين: اسباب مباشرة وأخرى غير مباشرة.

أما الأسباب المباشرة فقد جاءت عنده:

1- الفهم الخاطئ لنصوص الكتاب والسنة.

2- الكبت الفكري الممارس من قبل السلطات الحاكمة على العلماء والعامة على السواء.

3- الفساد العقدي والخلقي في حياة الأمة.

4- التعصب للجماعة أو الأمة.

5- القصور والتبعية في مناهج التعليم.

6- شيوع الظلم بشتى صوره وأشكاله.

أما الأسباب غير المباشرة فيجدها في:

1- أسباب اقتصادية.

2- أسباب سياسية.

3- أسباب اجتماعية.

4- أسباب ثقافية.

5- أسباب تتعلق بدور الإسلام.

كما يجد الباحث الجراد بأن هناك أسباباً علمية تؤثر أيضاً في إنتاج التطرف منها:

1- الجهل بالقرآن الكريم.

2- الجهل بالسنة المطهرة.

3- الجهل بقدر السلف الصالح وأهل العلم.

4- الجهل بحقيقة الإيمان وعلاقته بالأعمال.

5- الجهل بمراتب الحكام.

6- الجهل بمراتب الناس.(25).

وفي الختام يتحدث الباحث عن الجذور النفسية التي يستند إليها التكفيريون في ممارساتهم الإرهابية تجاه المغاير في العقيدة والمنهج، مبيناً في الوقت نفسه الصفات الذاتية للمتطرف وآلية الاحتكام العقلي لديه مثل (الارتيابية، والعزلة المذمومة، والاكتمال قبل الأوان، وصولاً إلى الفوقية ودونية الآخر المختلف وتكفيره.).هذا وقد استعان الدكتور المفكر سفير الجراد بآراء ونظريات كبار الباحثين الغربيين والمحللين النفسيين بالنسبة للمقاييس أو المعايير العالمية للتطرف وبخاصة (المقياس الفاشي) المعبر عن الجوهر الحقيقي للتطرف.

ثم يتابع الباحث الجراد قائلاً في هذا الاتجاه: مشيراً إلى مسألة هامة هنا وهي النظر في نسبية عوامل أو أسباب التأثير على مسالة التطرف في المجتمعات الإسلامية، حيث يقول: (إن أسباب التطرف – المشار إليها أعلاه – تختلف في درجة أهميتها، وفي مدى تأثيرها باختلاف المجتمعات الإسلامية، تبعاً لاختلافها في اتجاهاتها السياسية وظروفها الاقتصادية والاجتماعية، وأحوال شعوبها الدينية، ولذا فإن ما يصدق على مجتمع قد لا يصدق على غيره). (26). كما بين أيضاً في هذا الاتجاه (بأن الحكومات في العالم الإسلامي تختلف اختلافاً كبيراً في مواقفها من الدين والتدين في مجتمعاتها التي تتولى شؤنها، كما تتفاوت ظاهراً في مدى رعايتها لمصالح الناس الدنيوية، وتيسير أسباب الحياة الكريمة لهم.). (27).

على العموم لقد أصاب الباحث الدكتور الجراد تماماً في رؤيته تجاه موقف نسبية التأثير على التطرف بناءً على اختلاف أحوال المجتمعات، أو في إشارته إلى دور الحكومات في تسيسها للدين والتلاعب به بما يخدم مصالحها.

هذا ومن الضرورة الإشارة هنا، بأن الباحث في تحديده لأسباب التطرف التي جئنا عليها أعلاه، قد أشار إلى سبب يعد برأيه من أهم الأسباب التي أدت إلى التطرف، وبالتالي الإرهاب وهي: خروج المتطرفين عن الفهم الحقيقي للنص الديني المقدس وما قام بتفسيره وتأويله السلف الصالح ومن سار على طريقهم من أهل السنة والجماعة.. وهذا برأي يجعلنا نتساءل أياً من السلف الصالح الذين انحصر وجودهم في القرون الهجرية الثلاثة الاولى الذين علينا الأخذ برأيهم وموقفهم من النص الديني المقدس من جهة؟. ثم كيف لنا أن نبقي متمسكين برؤى ومناهج في التفكير قد تجاوزها الزمن، ونحن نعيش عصر التطور العلمي والمنهجي في البحث إن كان على مستوى علم اللسانيات أو على مستوى تطور مناهج البحث من جهة ثانية.؟. ثم ألم يُحارب محمد بن حنفية الذي لم يأخذ بالحديث الضني واعتمد على الرأي كثيراً، من قبل أصحاب المذاهب الأخرى الذين يعتبرون الحديث الضعيف أهم من الرأي؟! علماً أن ابن حنفية لم يزل يعتبر ركناً من أركان مذاهب السنة.

أما في فصل الكتاب الرابع فيتناول الباحث مسالة على غاية من الأهمية وهي:

مجالات التطرف:

أولاً تطرف الاعتقاد:

يقول الباحث الجراد: إن التطرف في الاعتقاد هو مجاوزةً الحد فيما شرع الله تعالى من الأمور الاعتقادية. والمتطرف لا يكتفي بما أنزل الله تعالى من الشريعة الكاملة، بل يسعى إلى الزيادة على ما شرع الله، ومخالفة ما قصده الشارع من التيسير على المكلفين، إلى التشديد على نفسه وعلى غيره ونَسب ذلك إلى شرع الله تعالى.

والتطرف في الاعتقاد يعتبر عند الباحث أخطر أنواع التطرف، وذلك كون الاعتقاد هو القدرة في السيطرة على الرأي أو الفكر أو الشرع من خلال السيطرة على العقل والقلب عند المتلقي، بحيث لا يعود المتطرف في مثل هذا الاتجاه قادراً أن يرى سوى ما آمن واعتقد به هو، وكل مخالف له خطأ قد يصل إلى درجة الزندقة والتكفير، وربما يصل عند البعض إلى تحليل وشرعنة القتل وسفك دماء المختلف. ومن أبرز الأمثلة على ذلك في التاريخ الإسلامي هو تطرف الخوارج.(28).

ثانياً التطرف في العمل:

يجد الباحث في هذا الاتجاه من التطرف تشديد المسلم على نفسه في عمل طاعة من غير ورود الشرع، وهذا العمل غير ناتج عن عقيدة فاسدة، وإنما قد يظن المكلف (المتطرف) بأن ما يقوم به هو زيادة في الخير والفضيلة. (29).

ثالثاً التطرف في الحكم على الناس:

وهو عند الباحث الجراد، الحكم على الناس مجاوزة الحد في الحاق الحكم على الآخرين. كالحكم عليهم بالكفر أو البدعة أو الفسوق. (30).

في الفصل الخامس من الكتاب. يتكلم الباحث عن آثار ومخاطر ومظاهر التطرف. حيث يعتبر التكفير من الأسباب الرئيسة للانحراف والضلالة، وأشد ذلك وأعظمه خطراً كما يقول الدكتور سفير: هو الحكم بالتكفير على الاشخاص والجماعات والأنظمة دون فقه أو تثبت أو اعتبار للضوابط الشرعية. وهذا ما وقع به بعض الأفراد والجماعات في هذا العصر، حيث توجهوا إلى تكفير الناس بغير برهان من كتاب الله ولا سنة رسوله (ص)، ورتبوا على ذلك استباحة الدماء والأموال والاعتداء على حياة الناس الآمنين في مساكنهم ومعاشهم، والاعتداء على مصالهم العامة والخاصة، فحصل بذلك فساد كثير في المجتمعات الإسلامية. (31).

هذا وقد أفرد الباحث الجراد صفحات كثيرة من كتابه من أجل توضيح هذه المسألة، منطلقاً من (حقيقة الولاء والبراء) التي أكد على دلالاتها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مروراً بآراء العديد من الفقهاء ورجال الدين الإسلامي قديماً وحديثاً. (32)

آثار ومخاطر ومظاهر التطرف:

يشير الباحث هنا إلى أن أبرز مخاطر التطرف في هذا الاتجاه، عند الجماعات الإسلامية المعاصرة حيث تكمن في المظاهر التالية:

1- في الكفر البواح .

2- والتكفير في المعصية.

3- وتكفير المعين دون ضوابط شرعية،.

4- تكفير الحكام الذين لا يُحكمون الشريعة بإطلاق.

5 - وتكفير الأتباع: المحكومين بغير ما أنزل الله.

6- تكفير الخارج عن الجماعة المسلمة. مقاطعة الجمعة والجماعات في المساجد وغير ذلك من قضايا تدخل في نطاق هذا المجال من التطرف القائم على تكفير الآخر دون وجه حق من قبل الجماعات المتطرفة.

إن هذا الشكل من التطرف أتاح لبعض الحكومات أو من يعمل تحت أمرتها أن تحاصر المتدينين الحقيقيين بسبب هؤلاء المتطرفين الذين أساؤوا للإسلام. وهذا ما يجعل الباحث يؤكد في كتابه بأن الهدف البعيد لأعداء الإسلام يكمن في محاولة إبعاد المسلمين عن دينهم القويم ومحاربتهم. وللأسف كما يرى الباحث بأن هذا الهدف لقى استجابة عند بعض الحكومات التي مورس في دولها هذا الشكل من التطرف لتحارب وتتهم المسلمين بالتطرف لمجرد محافظتهم على الصلاة في المساجد؟. أو أن تحارب المرأة المسلمة إذا أصرت على حجابها الشرعي وتعتبر متطرفة ومتشددة؟. وعلى هذا التوجه في محاربة المؤمنين تحت ذريعة التطرف يتساءل الباحث الجراد: لماذا يُترك المستهزؤن يعيشون الفساد في المجتمعات العامة بإسم الحرية الشخصية، ولا يتاح للمؤمنين أن يمارسوا شعائرهم بحرية، أو يعبروا عن معتقداتهم بوضوح ؟. (33).

ينتقل الباحث والمفكر الجراد بعد ذلك إلى تسليط الضوء على مسألة هامة جداً في مضمار التطرف، وهي دور الأعداء في تضخيم ظاهرة التطرف عند المسلمين، حيث يتجلى هذا الدور في:

1- دور الدوائر الغربية .

2- دور إسرائيل أو الكيان الصهيوني.

3- دور العلمانية.

أما بالنسبة لدور الدوائر الغربية، فقد بين الباحث أن الاعلام الغربي بكل أشكاله قد عمل على تضخيم هذه الظاهرة حتى أخافت العالم من زحف الخطر الأصولي عليه، حيث راح الغرب بإعلامه يستخدم مصطلح (الأصولية)، للنيل من الصحوة الإسلامية عموماً، وأهل الغلو خاصة. وهذا ما فعلته الصهيونية أيضاً، حيث راحت توصم الإسلام والمسلمين جميعاً بالتطرف، من أجل إقناع العالم الغربي بأن كل من يقاوم وجودها هو من حماس أو متعاون مع حماس.

أما في موقف الباحث من العلمانية، ورؤية من يقول بفصل الدين عن الدولة، فقد اتكأ فيها على رؤية بعض السلفين المعادين للعلمانية دون أن يعرفوا مضمونها الحقيقي، على اعتبارها ليست ضد الدين، وإنما هدفها الأساس فصل الدين عن السياسة وتحقيق فكرة المواطنة، وخاصة في الدول المتعددة الطوائف والمذاهب والديانات في تكوينها الاجتماعي. لذك أستطيع القول بأن رؤية الباحث جاءت مبتسرة وتفتقد للكثير من البحث والتبصر في جذور العلمانية ودورها في بناء المجتمعات. مع تأكيدنا هنا بأن العلمانية ليست صيغة واحدة، فهي نسبية في رؤاها وممارستها، وهي تبحث دائماً عن طرح أفكار وضعية تتناسب مع خصوصيات الواقع وتطوره وتبدله وعن مصالح الناس ومقاصد الدين الإسلامي نفسه.

إن العلمانية هي التعامل مع مستجدات الواقع التي لم ينزل فيها نص مقدس. فحديث الرسول الكريم (أمور دنياكم أنتم أدرى بها) هو تأسيس للعلمانية، وآيتي الشورى، هما دليل على العلمانية، والتأكيد على حرية الرأي والتعلم هي من مقومات العلمانية. وموقف عمر ابن الخطاب من توزيع الغنائم، والمؤلفة قلوبهم، وعام الرمادة، هي تطبيقات أولية للعلمانية. هذا وللعلمانية حديث يطول ليس مكانه هنا.

وختاماً لابد من القول هنا: إن الباحث والمفكر الدكتور سفير أحمد الجراد، استطاع أن يرصد الفكر التكفيري الإلغائي، وأن يبرز الآلية الفقهية والفكرية التي يحتكم إليها اليوم غلاة الحركات الإسلامية الراديكالية في كتابه، (ظاهرة التطرف الديني). وهو كتاب تأتي أهميته في الزمن المعاصر الذي انتشر فيه التطرف في الكثير من دول العالم العربية منها والاسلامية والغربية.

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

........................

المراجع:

1- د. سفير أحمد الجراد- ظاهرة التطرف الديني – دراسة منهجية لأبرز مطاهر الغلو والتكفير والتطرف والارهاب - دار محمد الآمين للنشر – دمشق طبعة ثالثة - عام 2012-) ص 2)..

2- المرجع نفسه. (ص 27).

3- المرجع نفسه. (ص 31).

4- المرجع نفسه. (ص 31).

5- المرجع نفسه. (ص34).

6- المرجع نفسه.(ص40).

7- المرجع نفسه. (ص 44).

8- المرجع نفسه.(ص 66).

9- المرجع نفسه.(ص 67).

10- المرجع نفسه.(ص 70).

11- المرجع نفسه. (ص 70 و71).

12- المرجع نفسه. (ًص74).

13- المرجع نفسه. (ص77).

14- المرجع نفسه. (من ص86 إلى87).

15- المرجع نفسه. (ص 88 إلى 120).

16- المرجع نفسه. (من ص 121 إلى 159).

17- المرجع نفسه. (ص 172 وما بعد).

18- المرجع نفسه. (ص 189).

19- المرجع نفسه. (ص 196 وما بعد).

20- المرجع نفسه. (ص 213).

21- . المرجع نفسه.ً (ص214 وما بعد).

22- المرجع نفسه.ً (ص 265).

23-. المرجع نفسه.ً (ص 268).

24- المرجع نفسه.ً (من ص 270 إلى 301).

25- المرجع نفسه.ً (من ص 311 إلى 366).

26- المرجع نفسه. (ص 307).

27- المرجع نفسه. (ص 307).

28- المرجع نفسه. (من ص 369 إلى378).

29- المرجع نفسه. (من ص 378 إلى 383).

30- المرجع نفسه. (من ص 384 إلى 386).

31- المرجع نفسه. (ص 389).

32-). المرجع نفسه. (من ص 389 إلى446).

33- المرجع نفسه. (من ص 446 إلى 495).

 

 

679 عنايةيواجه مستقبل العمل الثقافي في الزمن المعاصر ضبابية، بفعل تحولات هائلة هزت قطاع الثقافة انعكست على العاملين فيه. فهناك دواع ملحة لإعادة النظر في علاقة توظيف المعرفة في السياق الإنتاجي، أي ما يربط صنّاع الثقافة كمبدعين وأفراد، بما هو حاصل من تطور تقني-ثقافي والذي يمثّله كبار المستثمرين الذين باتوا يشكّلون طبقة موازية. حيث مرّ التحكم بمقاليد الحقل الثقافي إلى قوى أخرى تعيش قِيما مغايرة في علاقتها بالثقافة تتغاير مع ما اعتاد عليه المثقف التقليدي. وقد لاحت هذه التحولات في القطاع بعد إزاحة العاملين الأفراد عن تصدّر الدور الطليعي وتحوّلهم إلى عمّال ضمن مؤسسات راعية توجه إنتاجهم الثقافي. والكتاب الذي نتولى عرضه والدائر ضمن هذا الجدل سهر على إعداده الكاتب الإيطالي فرانشيسكو أنطونيللي، مستشرفا من خلاله مستقبل المثقفين والعمل الثقافي عامة. وأنطونيللي هو باحث جامعي في قسم العلوم السياسية بجامعة "روما ثلاثة"، صدرت له جملة من الأعمال منها "الحداثة في تحوّل" و"الفوضى وما بعد الحداثة"، فضلا عن مجموعة من الترجمات من الإنجليزية. قسّمَ الباحث بحثه إلى قسمين: عنون الأول بـ"علم الاجتماع التفكري لغولدنر وتحولات المثقفين" والثاني جاء ترجمة لنص لغولدنر بعنوان "مستقبل المثقفين".

في القسم الأول من الكتاب يتعرّض أنطونيللي إلى المنزع اليساري الذي طالما ساد في أوساط المثقفين طيلة فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما بدأ ينحو للتبدل مع تحولات الرأسمالية في العقود الأخيرة، التي باتت تولي اهتماما الاستثمار في القطاع الثقافي بوصفه قطاعا يدرّ ربحا، فضلا عن كونه مجالا سلطويا يمكن التحكم من خلاله بالمسارات السياسية وبتوجيه الرأي العام. هذا التحول الذي مسّ طبيعة الحقل الثقافي، من العمل الإبداعي العفوي للمثقّف الدائر ضمن هموم فردية في غالب الأحيان، إلى من يتحكم في إنتاجه ويوجهه، بموجب تطورات أدخلتها الرأسمالية في الأدوات والعمل والمنافسة والعرض والطلب، خلّف تحويرا جذريا جرى في غفلة أو لنقل في ظل دهشة المثقف أمام قوة التحولات التي باتت تحيط به (ص: 27).

والملاحظ حسب أنطونيللي أن تراجع المثقف الفرد قد جاء مرفوقا بتراجع سنده الأيديولوجي الاشتراكي عامة في الساحة الدولية، في مقابل قدرة هائلة لليبرالية على التلون مع المستجدات، راهنت فيها على مجال كان حكرا على اليسار في ما مضى. فمع الرأسمالية الثقافية ثمة مسعى جاد لإخراج العمل الثقافي من طابعه المتأدلج المحكوم بالولاء السياسي إلى طابع بضائعي مجرد من سماته الإبداعية، بما يعني قدرة الإنتاج الثقافي بمختلف أصنافه: الأدبي والفني والفلسفي والسوسيولوجي إثبات جدارته وقيمته بمنأى عن اللبوس الأيديولوجي الذي يمكن أن يكتسيه. وقد انحاز شق واسع من المثقفين إلى هذا التوجه الجديد يحدوهم ما دبّ من نقد للأيديولوجيا، بلغ شوطا متطورا بالحديث عن موت الأيديولوجيا (ص: 39). من هذا الباب وجد التحول البضائعي للثقافي رواجه داخل أوساط المثقفين أنفسهم وبات له أنصاره. لكن هذا التحول أملى على المثقف دورا جديدا حوّله إلى بيروقراطي لدى الرأسمالي يقنع فيه بدور مكتبي ضمن مؤسسة إنتاجية وسلطوية، لا دور اجتماعي طليعي كما ساد في السابق.

وقد تبين لأنطونيللي أن ذلك المخاض الجديد في النظر إلى القطاع الثقافي، ضمن منظور وظيفي ودون خلفية قِيَمية أيديولوجية، كانت ساحته الأكاديميات الغربية بما توهج فيها من جدل حاد، خصوصا في مجال علم الاجتماع والفلسفة. حيث باتت المطالبة بالحياد العلمي في دراسة الظواهر الاجتماعية والقضايا الفكرية بعيدا عن الانتصار لشقّ أيديولوجي دون آخر. وهو بالأساس إلحاح للعودة إلى العلمية المعرفية الكلاسيكية المشغولة بالمنزع العلمي لا الموالاة الساذجة التي غالبا ما يتوارى خلفها الأيديولوجي. ضمن هذا الجدل مثّل عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر مرجعا وسندا للتوجه الجديد، من خلال ما عبّر عنه في كتاباته ضمن رغبته الجارفة لتنقية العلوم الاجتماعية مما سماه هيمنة "القِيم"، أي من جانبها غير العلمي. أو كما لخّص المفكر زيغمونت باومان الحالة بحاجة الواقع الأكاديمي الجديد للتعالي فوق المصالح القطاعية الثقافية وتسوية الحسابات مع المسائل الكونية للحقيقة (ص: 51). وقد تبين لأنطونيللي أن ألفين وارد غولدنر، بوصفه يساريا غير منضبط، من أبرز المراجعين للحقل الثقافي، ولم تحل قناعاته اليسارية دون توجيه انتقادات عميقة للتعاطي التقليدي مع المنتوج الثقافي والإبداع عامة. فحاول استشراف مستقبل المثقفين في زحمة التحولات الجارية في العالم دون تبنّ عقدي للمقولات الأيديولوجية السائدة في الأوساط اليسارية. فأوضاع المثقفين تبعا لمنظوره تتطلب تحررا من الرؤى المهيمنة التي تتميز عامة بتحليلات مرهونة لأوضاع مجتمعات الحقبة ما بعد الصناعية. مقرّا أن المثقف ما زال بوسعه الإمساك بالدور الحقيقي للفعل الثقافي بوصفه المنتج المباشر، حتى وإن استهين أو هُوّن من مقامه بما يلعبه منتوجه من دور في السيطرة الاجتماعية والتحكم.

في واقع الأمر ان التحولات البنيوية في قطاع الثقافة قد أبانت عن أزمة تتهدد المثقف، تتلخص في أن يكون أو لا يكون. وصحيح أن ثمة محدودية لحضوره، من حيث التأثير في مجريات السياسة وحراك المجتمعات وضبط قوى التحكم الاقتصادي، ولكن تلك الاستفاقة على تلك المحدودية قد لاحت بفعل انقشاع الوهم المعلَّق على المثقف، بوصفه مقتدرا على إتيان الخوارق؛ وبالتالي ثمة تصحيح لحجم المثقف الحقيقي داخل ساحة تعجّ بالفاعلين الاجتماعيين. فقد سادت ادعاءات جعلت من المثقف وصيا على المعرفة والحقيقة، وبالمثل حكَماً ومرشدا أوحد للمجتمع، وكذلك مقرّرا وملهما للسلطة السياسية، بيْد أنه فجأة، وبفعل النقد الحداثي والما بعد حداثي، وجد نفسه مجردا من هذه الأوهام، ليخرج من دور "المشرِّع" الذي يتولى رسم خريطة سير العالم، وهو ما وجدَ تمثّلَه في صورة "الفيلسوف" الممثْلنة، إلى دور المفسِّر والمعلِّق على أحداث العالم، بعد أن بات موظفا لدى السياسي في المشورة بمختلف تنوعاتها. إذ ثمة أشياء كثيرة تتجاوز قدرات المثقف وخارج سيطرته وهو غير قادر على إدخال أي تحوير عليها. فالإنسان الحديث يجد نفسه قبالة "أشكال متعددة للحقيقة" يلعب فيها قانون السوق دورا بارزا، وكل منتوج ثقافي لا يحظى برواج بات سلعة مزجاة، وكل إبداع ينتجه أمسى محكوما بقانون عرض وطلب يحدد قيمته. كل ذلك –وفق أنطونيللي- أطاح بهيبة المثقف الاجتماعية، جراء تسليع عمله الثقافي الذي ما عاد يستمد قيمته من ذاته بل من شروط تتجاوزه. ما جعل المثقف يفقد دوره في التدخل المباشر في العمل السياسي، ويتحول إلى مكمّل للمشهد العام.

ففي الحقبة الراهنة التي نعيشها ثمة ارتهان واضح للعمل الثقافي للسوق. تحتاج فيه العلاقة إلى ترتيب مستجد بين مثلث المنتج والمستثمر والمستهلك، لا سيما وأن علاقة الثقافة بوسائل الإعلام أمست علاقة عضوية ومصيرية من حيث الترويج والإظهار والطمس. فالمثقف ما عاد يستطيع العيش خارج شروط الواقع الإعلامي، بعد أن أضحى الظهور المشهدي -كما يقول-أوكسيجينه، وهو ما صادر آخر بقايا الاستقلالية لديه. فالواقع الإعلامي الجديد حافل بالتدخل في حريته الشخصية، في ما ينتج وما لا ينتج. ومثل السوق تماما، غدا الإعلام متحكما باستقلالية المثقف، في نوعية إنتاجه وفي مضامينه، وفي من يوالي ومن يعادي. وصحيح أن المثقف الغربي قد تحرر من تدخل السياسي في عمله بفعل تخمة الديمقراطية وهامش الحرية الواسع؛ ولكن هناك أشكالا جديدة متربصة به، مثل السوق والإعلام واللوبيات، تتحكم بنوعية منتوجه وبمضامينه. من هذا الباب تملي المرحلةُ إعادةَ نظر في العلاقة بين السلطة والمعرفة، بين الأدب والمجتمع، بين الفلسفة والسياسة، إنها مرحلة التردد والتأمل. فليس كما يزعم البعض أن ثمة خيانة للثقافة من قِبل المثقفين، بل هناك إعادة توزيع للأدوار في ظل تحولات بنيوية لا قدرة للمثقف على السيطرة عليها (ص: 74).

والمناخ العام للرأسمالية اليوم يدفع نحو تقليص الحاجة للمثقفين والإعلاء من شأن التقنيين، وأزمة التخصصات الأدبية والاجتماعية والفلسفية في الجامعات والكليات وما يواجهه الخرّيجون من بطالة دليل واضح على ذلك. وربما تقليص مرحلة الدراسة الجامعية يشي بحاجة سوق الشغل اليوم إلى فنيين مكوَّنين على عجل لسد الثغرات المهنية وليس غرضه تكوين عقول نقدية قادرة على تفكيك العلاقات الاجتماعية. حيث تتميز فترة ما بعد الحداثة بتجريد الدارس والمثقف من وظيفتيهما الاجتماعية والسياسية. فالثقافة تحولت إلى "بزنس" و"متعة" بعد أن كانت "إبداعا" و"فعلا". والواقع أن ما نشهده في عالم الثقافة هو تحلل الباراديغمات القديمة وانبناء أخرى جديدة، وهو ما أثار غالبا لخبطة في أوساط المثقفين التقليديين الذين اعتادوا على نمط محدد للفعل الثقافي مروا فيه كما أوضح المؤلف من دور "المشرّع" إلى دور "المفسّر".

فقد بات الصواب والخطأ، الشر والخير، الجميل والقبيح في العمل الثقافي تحدده معايير مغايرة، وهو ما أدخل على المثقف التقليدي اضطرابا. لذلك نجد "الـمثقف الجاهز"، صنيع الآلة الجديدة للثقافة، قادرا على عرض خطابات جميلة لكنها خاوية. مع أنها متكونة من كلمات صعبة وأحيانا فضفاضة يحاول أن يحيط بها بكل شيء ويتناول بها كل شيء وهو جالس في أريحية على أريكة أثيرة أمام كاميرا التلفزيون. إذ يكفي اليوم سحر الخطابة الجوفاء ليكسب المثقف سلطة وليغدو مستشارا وخبيرا ومحللا ومرجعا. فالمثقف الناجح هو المثقف الحاضر في الإعلام والذي ينطّ من قناة تلفزيونية إلى أخرى، ويحسن التأقلم مع الأيديولوجيا السائدة. وهو المدرك أن الكلمة أفضل من الفكرة، وأن موالاة الرأي العام مبجل على التمسك بالأفكار، وأن الشكل أهم من المضمون (ص: 104).

في القسم الثاني من الكتاب وهو ترجمة لنص لألفين وارد غولدنر، يعدّ الباحث أنطونيللي صاحبَه رائدا في طرح رؤية مستقبلية للثقافة والمثقف. نلحظ فيه تناغما مع ما يرد في القسم الأول. ففي تحليل غولدنر للوضع الثقافي إقرارٌ بتواجد ما يسمّيه "الطبقة الجديدة"، وهي عبارة عن بورجوازية ثقافية متشكلة من رجال المعرفة ورجال التقنية الحرفيين. وقد وجدت هذه الطبقة في التطورات العلمية والتقنية شروطها المادية للتطور والظهور، وهذا ما دفع لسيطرة البورجوازية الثقافية على الرأسمال الثقافي. حيث تسعى الطبقة الجديدة إلى بناء عالمها الاجتماعي الذي تتصور أنه الأكثر عدلا والأكثر انتظاما والأكثر عقلانية (ص: 120). معتبرا غولدنر أن الخطاب البراغماتي هو أحد العناصر التي يقوم عليها بناء الطبقة الجديدة التي تتفاعل فيما بينها بموجب التقارب الرؤيوي. وهذه الطبقة الجديدة، وفق رأيه، بدت جلية منذ فترة في الولايات المتحدة. فما كانت النقابات ولا الصحافة ولا رجال الأعمال من أججوا المعارضة البارزة للانسحاب من فيتنام، بل معاقل المثقفين المتمثلة في الجامعات الأمريكية. والتي شكلت فيها قضايا الحرية الأكاديمية، وحماية حقوق الإنسان، والمطالبة بحضور عملي للثقافة ميدانَ المعركة الأهم بين الطبقة الجديدة وعناصر الطبقة المسيطرة القديمة. فالطبقة الجديدة لا تبحث عن الصراع لأجل الصراع ولكن تسعى لوضع مصالحها المادية والفكرية في مأمن، وإحدى استراتيجيات الطبقة الجديدة هو بناء تحالفات مع مختلف العاملين في حقلي العمل اليدوي والذهني. وإن تكن الطبقة الجديدة، وفق غولدنر، ربيبة الطبقة القديمة فهي بصدد انتزاع دوْر ضمن صراع يشبه الحرب الأهلية داخل الطبقات العليا.

فالطبقة الجديدة تدرك كيف توظفُ الإرثَ الأيديولوجي لغرض دفع الفعل الثقافي قُدما، وليس الارتهان عند المقولات المسيَّسة لتغدو سندات عقدية دغمائية. وهذه الحيوية التي تملكها الطبقة الجديدة في التطور والتقدم، يغدو فيها المنتوج المعرفي السابق سندا لتدشين مسارات جديدة دون رفض أعمى أو تبني عقدي. وفي هذا السياق يلوح الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس ابن الإرث اليساري الممثل البارز لهذا التوجه الجديد من خلال توظيف ميراث الإيديولوجيا، بعد مراجعته، واستدعاء تلك الأنماط بشكل معاصر، وتنزيلها منزلتها الصائبة، على غرار الإرث الماركسي، لأجل صناعة فكر حرّ.

الكتاب بقسميه استشراف لمصائر المثقف في زمن مشوب بتحولات عميقة. جاء حافلا بتوصيف الصورة الجديدة التي تنتظر المثقف، غير أنه خلا من بيان "رسالة" المثقف الجديد المنضوي ضمن هذه الطبقة الثقافية الجديدة. فقد بقيت المتابعة السوسيولوجية في حدود التأملات النظرية دون تقديم استشراف حاسم أو توقعات ثابتة.

الكتاب: مستقبل المثقّفين.

إعداد: فرانشيسكو أنطونيللي.

الناشر: ميمزيس (ميلانو) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2018.

عدد الصفحات: 178ص.

 

د. عزالدين عناية أكاديمي تونسي مقيم بإيطاليا

 

كاظم الموسويفي زمن اصبح الزيف فيه سمة مميزة، على صعد مختلفة، وأصبح أصحابه المزيفون أبطاله. شعاراتهم تنطلق من أن تكذب أو تنافق أو تضلل، كي تعيش هذا الزمن وتواصل مكانك فيه، وعندها تفتح امامك فضاءات الإعلام ومراكز البحث وحتى بعض العلاقات العامة، باشكال متعددة أو مختلفة، ومنها حقائب المال. حتى الكتابة عنه ليست امرا سهلاً، لأن من يعاكس هذا التيار يبقى في دوامة أو يوضع فيها ويحارب بقوة حتى من دعاة آخرين. طبعا هذا اختبار ليس هينا. يبقى الدرس الأساس والرد الرئيس كامنا في صلابة الموقف وصمود صاحبه وتحمله المعاناة التي قد لا توصف. وهو ما دفع المؤلف باسكال بونيفاس الخوض في غماره. وابرز سماته المقابلة له تلخصص في الالتزام السياسي والاخلاقي، ومن ثم في الشجاعة،  وهما (الالتزام والشجاعة) ما يميز اليوم المثقف عن غيره. هذا يحصل في فرنسا واوروبا عموما، فكيف عندنا في وطننا العربي؟!. بالتأكيد الحال عندنا ليس مغايرا كثيرا، اذا لم يكن أسوأ، ويحتاج إلى أكثر من أمثال بونيفاس عربي لتعرية المشهد والواقع المر وفضح الزيف الفاقع والمسكوت عنه، مجاملة أو خوفا من توابعه "الرسمية العربية"!.

فضح بونيفاس في مقدمة الكتاب، الذي حمل اسم " المثقفون المزيفون" والذي رفضت نشره أربع عشرة دار نشر من كبريات دور النشر الفرنسية، كيف يصنّع الاعلام خبراء في الكذب، واستحواذ فئة من الصحافيين والمعلقين من عديمي الضمير على الفضاء الإعلامي. وأكد أن فكرة فضح المثقفين المزيفين، أو المرتزقة كما يسميهم، قد راودته منذ فترة طويلة مواكبة لمواقفهم المخزية التي تدمر الديمقراطية وتهدد الإعلام. ويجادل في صنف هؤلاء المثقفين القادرين ليس على الظهور الإعلامي وحسب، بل الكذب والتضليل على مختلف الصعد، بما فيها الشخصي. ومحاولة إبراز ذاته مفكرا رغم انف القاريء أو المشاهد، وتعمل آلات الإعلام ما يتبقى. ومن العنوان الواضح الصريح تبدأ القراءة.

سجل ناشر الكتاب العربي في غلافه الاخير أن بونيفاس مفكر  واكاديمي بارز، يشغل منصب رئيس معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية في باريس. حاصل على دكتوراه في القانون الدولي العام من معهد الدراسات السياسية في باريس. وهو أحد أبرز المحللين الاستراتيجيين الفرنسيين. من اهم كتبه: فهم العالم، لماذا كل هذه الكراهية، ونحو الحرب العالمية الرابعة، وهو كتاب ينتقد أطروحة صدام الحضارات لصموئيل هينتغتون، وكتاب من يجرؤ على نقد إسرائيل؟!. والاخير عنوانه مؤشر لما عاناه من ورائه أو ما لحقته من تداعيات، حتى داخل حزبه الذي كان عضوا ناشطا فيه، الحزب الإشتراكي الفرنسي.

تردد كثيرا، وانتظر غيره أن يقوم بهذه المهمة، ولكنه غامر وركز همه على القضايا الدولية والإستراتيجية، ف" المزيفون" ليسوا حكرا على الحقل الفكري، لكنه الحقل الذي عرفه واستطاع الكشف فيه. وهو يفهم دورهم ومكانهم في بلده. نقل عن جان بوتوريل في كتابه " اعزائي المحتالين" بأن فرانسوا ميتران، بعد دعوته لزيارة بريطانيا طلب أن يلتقي بعدد من مثقفي البلد، فأجابه مكتب رئيس الوزراء، بأنهم ربما يجدون له كتابا أو مؤرخين أو فلاسفة أو باحثين ولكن ليس مثقفين. ويقارن بين الموقفين الفرنسي والبريطاني من المثقفين، وكيف في فرنسا يجري التعامل معهم، مرجعها الى عصر الأنوار وامتداده. ويناقش اراء حول " خيانة المثقفين"  وسلسلة "كلاب الحراسة" التي نشرت في الثلاثينيات من القرن ومازالت تطرح الأسئلة أمام المثقفين. 

قسّم المؤلف الكتاب إلى قسمين، الاول ضم آراءه حول الموضوع الرئيس، والثاني أضواء على رموز التزييف في الاعلام والراهن الثقافي الفرنسي، أو تقديم نماذج لمهمته في كتابه. وهو يضع المسؤولية على وسائل الإعلام، ويراها تتحمل مسؤولية كبيرة في الترويج وتصنيع المزيفين في الوسط، وهؤلاء اسماء لها رنينها وصدى الشهرة والتأثير والتضليل الفكري والإعلامي. حيث تصبح الصورة مفضلة على اللغة، وحينها يحل مثقفو وسائل الإعلام محل المثقفين الفاعلين والاصيلين. وتصبح ظاهرة لها اسبابها وتاثيرها العام، الا أن بعض المثقفين هم من يوضح الصورة الفعلية للثقافة والإعلام، ويسهم في كشف الزيف السائد. أو يعرف هذا التيار الشاسع بنقيضه القابض على جمر الثقافة الأصيلة.

2/4

يقوم الإعلام أو يسهم في تصنيع المزيفين، " لأنهم يقولون ما يكون الجمهور مهيئا لسماعه، وينسلون منزلقين في السائل الذي يحمي جنين الفكر المشترك.تزداد مصداقية " المزيف" كلما مضى اكثر باتجاه الأفكار المسبقة والرياح السائدة، ولولا ذلك لخاطر ، كما حدث في حالات كثيرة، بتقديم نفسه على أنه يخالف ما يعتبر سليما بالمنظور السياسي. واذا كان جوهر وظيفته يرتكز على عدم التردد في نسف الأفكار الجاهزة اذا كانت خاطئة، فانه يعمد بالأحرى الى تعزيزها لكي يضمن مكانته في وسائل الإعلام ولكي ... تتم دعوته مجددا"(ص (23

وضح بونيفاس العطب الأخلاقي وازدواجية المعايير لهؤلاء المزيفين بأنهم باسم الديمقراطية ومحاربة الشيوعية يدعمون  انظمة الدكتاتوريات والعنصرية، في موقف لخصه على أفضل عبارة الرئيس تيودور روزفلت بشأن سوموزا دكتاتور نيكاراغوا: "أنه ابن عاهرة، لكنه إبن عاهرة تتبع لنا"(ص(27 . وتساءل عن تذرعهم بمدح أو قبول انتهاكات صارخة في بلد والانكار والخرس عن أمثالها في بلد آخر. وناقش الكثير من المصطلحات والتسميات والاتجاهات بالاسم والوثيقة والرد عليها. لاسيما بعد أحداث هزت العالم، أو جرائم حرب وابادة ترتكب ضد شعوب وبلدان عالمنا العربي والإسلامي. ولاسيما في القسم الثاني من الكتاب. الذي مهد له بأن خلافه الرئيس مع الأشخاص المذكورين ليس بسبب أفكارهم بل بسبب لجوئهم الى الكذب. "لا الومهم على ما يفكرون به، فهذا حقهم، وفضلا عن ذلك قد لا أختلف معهم. بالمقابل يجب ألا يكون الاستخدام المنتظم لحجج زائفة، أمرا مقبولا. لا يمكنني قبول ذلك" (ص67).

مَن هم هؤلاء..؟. الإطلالة العاجلة تكشف فضاعة الدور والمهمة والمسؤولية والسؤال الرئيس في موضوع الكتاب، وتنكب بونيفاس للرد عليه عمليا من أجل الحقيقة والمستقبل. ثمانية "مثقفين مزيفين" كتب عنهم باسكال بونيفاس كنماذج عن التيار السائد. وهو يسعى للحوار معهم والجدال علنا، إلا أنه عرض وجها آخر لهم، هو رفضهم للجدل ومحاولتهم اسكات من لا يشاركهم في الرأي. " انهم في الوقت الذي يلوحون فيه بمبادىء فولتير، يتصرفون كموظفي رقابة عديمي الشفقة

 

كاظم الموسوي

 

علي المرهجعلي حاكم والتوظيف المعرفي للأيديولوجيا: صدر للدكتور علي حاكم كتاب (المُجتمع اللا اجتماعي: دراسة في أدب فؤاد التكرلي، وقد صدر له أيضاً كتابه (الأيديولوجيا وتمثيلاتها الفلسفية في الفكر العراقي الحديث) كنتاج أصيل له، وهذا الكتاب في الأصل هو أطروحته للدكتواره التي تناول فيها علاقة الفلسفة بالأيديولوجيا، وأهم ما تضمنته هذه الأيديولوجيا من أطروحات وتصورات تتعلق بالدولة والأمة والتنظيم الاجتماعي والتربوي للفرد العراقي في ظل هيمنة الحُكم العسكري الذي تمكن من توظيف الأكاديميين والسياسيين وتحويلهم لأدوات ناطقة بإسم السلطة وتوجهاتها العقائدية وتدعيم النظرية القومية وإسنادها برؤى مُستقاة من التراث ومُتفاعلة مع تحولات الحداثة عبر تأصيل العلاقة وتجذيرها بين الدين والإشتراكية.

كتب علي حاكم دراسة عن أدب فؤاد التكرلي بعنوان "المجتمع اللااجتماعي: دراسة في أدب فؤاد التكرلي"، أكد فيه على القول أن "السلطة كل سلطة على الإطلاق، نتاج المجتمع نفسه. إن أخلاق السلطة ليست طارئة ولا مُستوردة، هي (نتاج) المُجتمع نفسه "ولا أروم الخوض في تحليل علي حاكم لنتاج التكرلي الأدبي بكل ما فيه من نقد ووعي لبنية المجتمع العراقي وتأثير قراءته لكتابات علي الوردي وتفهمه لفكرته عن "التناشز الجتماعي".

ظل فلاح رحيم مشغولاً بشرح رؤية علي حاكم لعوالم فؤاد التكرلي في روايتيه (خاتم الرمل) و(الرجع البعيد)، وغياب سؤال "العدالة الاجتماعية" في كتابة التكرلي، ليحضر عنده السؤال عن "مُعضلة المثقف الوجودي المشغول بسؤال الكينونة" (ص228).

 حاول علي حاكم في كتابه "الأيديولوجيا وتمثلاتها الفلسفية في الفكر العراقي الحديث" الذي بيَنت بعض من مُنطلقاته فيما سبق، جعل الأيديولوجيا في خدمة الفلسفة، أو جعل ماهو معرفي يعيش على، أو في ظل رؤانا الأيديولوجية عبر فهمه للفلسفة بوصفها نتاج تجريدي (مفاهيمي) للمُتغير الاجتماعي الذي هو هدف الأيدولوجيا ومسعاها في التفسير والتغيير، وكأنه يُعيد إنتاج مقولة ماركس أن مهمة الفلسفة التغيير لا التفسير، ومحو نقودات الماركسيين للأيديولوجيا وتجاهلها بوصفها "وعي زائف"، "لأن الفلسفة جزء من التاريخ" (ص233)، ولا وجود لفلسفة نظرية بحتة، و"أن تاريخ كل اجتماع بشري له مُشكلاته الخاصة، التي تُميزه عن غيره،...وأحسب أن الفلسفة في العراق،...، هي أولاً وقبل كل شيء آخر تمثيل آيدجيولوجي لحركة المُجتمع الذي ولدت فيه وشكل من أشكال الصراع السياسي" (ص27، علي حاكم: الأيديولوجيا وتمثلاته الفلسفية في الفكر العراقي الحديث)، ولا أبحث لعلي حاكم عن عذر، في تصوره لتمثلات الايديولوجيا في الفكر العراقي الحديث على أنها فلسفة، فالفلسفة، ليست كما يروم تفسيرها لنا على أنها تخص مجتمع بعينه، لأن هذا الفهم يخص الأيديولوجيا، وإلَا ما هي علاقة مقولة ديكارت "أنا أفكر، إذن أنا موجود" بتمثلاتها في المجتمع الفرنسي؟، وما علاقة نقد العقل المحض لكانت بتمثلاته في المجتمع الألماني؟، وما علاقة مفهوم "إرادة القوة" عند نيتشه بصيرورة التحول في المجتمع الألماني؟، وإن كان للفلسفة وظيفة اجتماعية كما يقول علي حاكم فوظيفتها هذه وظيفة كونية، وإن كان فيها بعض من تمثلاتها الفردية أو الوطنية، لكن ما يميز الخطاب الفلسفي بعامة هو صفته الكونية أو العالمية الذي يُخاطب الإنسان بعامة لا يُخاطب جماعة في حدود جغرافية مُحددة.

لا أنكر وجود صلة ما للفلسفة والفلاسفة ببيئتهم الثقافية، ولكنه عرض وليس جوهر، لأن جوهر السؤال الفلسفي وقيمته وحضوره المستمر إنما يكون ويستمر بوصفه سؤال كوني، لا تختص به جماعة ما ولا مُجتمع مُحدد. فمن هنا كان للفلسفة حضورها وفاعليتها الكونية وانتشارها، ومن هنا كان للأيديولوجيا حضورها المُحدد المُقيد في فكر جماعة مُعينة لتحقيق مصلحة ما!. وحينما تكون الفلسفة أداة لتحقيق برنامج مُخطط له، ستتحول إلى عقيدة مُنغلقة أو مُنحازة، ولا يكون للفلسفة كوَن في عوالم الانحياز، ولن يكون لها تأثير أو حضور في عالم التعددية الفكرية الذي هو من فضاء وجودها وتقبلنا العقلاني لها، في حال بقائنا أسارى خطاب الأيديولوجيا المُقيَد، وأتفق مع فلاح رحيم في نقده لعلي حاكم وسعيه غير الناجز لردم الهوة و "سد الفجوة الحتمية بين الفكر والمُجتمع" (ص234)، فالفكر فضاء مفتوح حُر، والمجتمع لا فضاء له سوى محدودية الواقع ومحاولة الكشف عن أسباب مُتغيراته، مما يختص به عالم الاجتماع وعالم النفس.

لم يكن فلاح رحيم مادحاً لرؤى علي حاكم وانحيازه للدفاع عن الأيديولوجيا ونقد الفلسفة، ولن أخوض في تفصيلات علي حاكم ونقد فلاح رحيم لتحليل علي حاكم "الارتدادي"، أي الإنطلاق من الجُزئيات إلى الكُليات، أو (التعميم) في قراءته للفلسفة الماركسية ومُتبنياتها الأيديولوجية عند حُسام الآلوسي وفالح عبدالجار ونوري جعفر وهادي العلوي، ومن ثم نقده لكل الأيديولوجيات الحاكمة والمُعارضة في العراق (قومية، شيوعية، إسلامية) التي جعلت من يوتوبيا الحل (الشمولي) كامنة في الإيمان بالزعيم (المُخلص) = (البطل).

للخلاص من هيمنة الأيديولوجيات الشمولية، نجد علي حاكم يضع بديلاً للخلاص منها هو أيديولوجيا بديلة هي "الوطنية العراقية"، وهي أيديولوجيا مُناضرة لليوتوبيا التي نقدها علي حاكم، فهي من فضاء الحُلم في عراقنا المُعاصر المليء بالصراعات المذهبية والعرقية والأثنية.

عبدالجبار الرفاعي داخل التنوير/ خارج التنوير

مع عبد الجبار الرفاعي، أنموذج فلاح رحيم الأخير في كتابه "أزمة التنوير" نجد مُعالجة ونقد مُغاير، لربما لطبيعة الموضوعات التي إشتغل عليها الرفاعي، فهو من المُشتغلين في منطقة الفكر الإسلامي ممن ينطبق عليهم صفة أو سمة "التجديد" ومن الذين يُمكن لنا ادراجهم من ضمن تيار جديد في الفكر الإسلامي المعاصر تمتد جذوره لمحمد إقبال صاحب كتاب "تجديد الفكر الديني"، وهو من الذين يُفكرون ويُنظرون داخل الفضاء الحُر الذي أتاحه قول الإمام علي (ع) "أن القرآن حمَال أوجه" أو هو، أي القرآن "كلام مسطور بين دفتي كتاب يوؤله الرجال"، فهو لا يندرج ضمن تيار التنوير، لأن في تيار التنوير نزوع نحو نقد أو التشكيك بمصداقية النص المُقدس، لأن الرفاعي مُنتم، يجد في الدين ارواء لظمأه في الوجود، يُدافع عن مُتبنياته في التدين عبر التعقل والحجاج تارة، وعبر الإيمان الفطري (القلبي) = (الروحي) تارة أخرى، فهو من أساتذة الحوزة في قُم، ومن الدارسين والعارفين بأصول الفقه والتفسير، وكان ولا زال من العاشقين لتفسير الميزان للطباطبائي للقرآن الكريم، ومن الذين يؤمنون بالتفسير الموضوعي للسور والآيات القرآنية، واستنطاق بعضها ومُقارنتها بأخرى حسب مُقتضيات الربط من جهة الموضوع وأسباب النزول، وتفسير القرآن بالقرآن.

تأثر الرفاعي بكتابات سيد قُطب لا سيما كتابه "معالم في الطريق" ومن ثم تأثر برؤى السيد محمد باقر الصدر في بداياته، وقد كانت رسلته للماجستير بعنوان "منهج الشهيد الصدر في تجديد الفكر الإسلامي"، والدكتوراه كانت عن "الدرس الفلسفي في حوزة النجف"، لينتقل بعدها للتأثر برؤى علي شريعتي، ونزعته الثورية للخلاص من مُهيمنات السلطة السياسية ومهيمنات المؤسسة الدينية الرسمية (الحوزة)، ولكنه لم يطق البقاء في دائرة شريعتي التي يحار بها القارئ ليُصنفها بين الميل للخروج من سطوة التراث تارة والنزوع نحو نزعة ليبرالية مُستحدثة، وبين تقييده للتراث بتوجه "راديكالي"، بخلطة هجينة مُستقاة من تراث غنوصي مخلوط بنهج معاصر، وبين هذه وتلك وجد في نتاجات بعض من أوحوا لعلي شريعتي في الانفتاح في الرؤية من العرفانيين من أمثال (جلال الدين الرومي) و (ابن عربي) فُسحة للأنسنة، فحط راحلته بعد ذلك في رحاب هذا الفكر المُنفتح إنسانياً ليستلهم بعض من رؤى كثير من المُفكرين الإيرانيين الذين تمكنوا بجدارة فائقة من ايجاد طريقة لهم ومنهجاً في التأويل يعتمد على مناهج التأويل الصوفي بإرثه الصوفي وعلى مناهج التأويل الغربي بأرثه التأويلي لا سيما عند الفلاسفة التأويلين الأمان وجذورها عند الفلاسفة الوجوديين من أمثال (هيدغر) و (كيركجورد).

كان لجهد المُجددين الإيرانيين مثل: عبدالكريم سروش، ومصطفى ملكيان، ومحمد مُجتهد شبستري، وداريوش شايغان، أثره البيَن في كتابات الرفاعي بعد أن غادر منطقة التفسير الفقهي للدين، وبعد تعمق وقراءة مُعمقة لكتابات هؤلاء، كتب لنا كتاب "مُقدمة في السؤال اللاهوتي"، وأردفه بكتاب "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين"، ومن ثم كان كتابه الأخير"الدين والظمأ الأنطولوجي"، ليجعلنا بين المطرقة والسندان، بين القبول بالدين بوصفه حاجة غريزية وفق قول الوردي "إن النفس البشرية تهوى التدين، فإن لم تجد لها ديناً في السماء أوجدته في الأرض"، ليعرض لنا مقدار صدق تدين أمهاتنا على فطرتهن، لينتقل بنا لـ "تدين عقلاني" موافقاً لرؤية ملكيان في كتابه في العنوان ذاته، الذي ترجمه الرفاعي بمعية حيدر نجف الصادر عن مركزه، مركز دراسات فلسفة الدين، ومن سمات التدين العقلاني، سمة النقد والممارسة النقدية، وطلب الحقيقة دون إحتكارها، ومن سمات التدين العقلاني أنه "فلسفة حياة" تتعدد فيها الرؤية والمُعتقد بحسب الهدف الديني الأنسني بمعناه الأسمى، بوصفه تنوع في إختيار السُبل إلى الله، ( (مصطفى ملكيان: التدين العقلاني، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ط1، ص6ـ 9)، ليجمع بين العقلانية والتصوف، فمرة نجده يعيش "الظمأ الأنطولوجي" للدين باتباع سُبل الصوفية، والنزعة الوجودية المؤمنة التي بلورها سورين كيركيجارد، وأخرى نجده يتبع الدفاع عن العقلانية وبنيتها الاستدلالية التي تُنمي الوعي البشري وتُحصن العقل الإنساني من الوقوع في الزلل. ستجده مُنحازاً لملكيان في دمجه للـ "العقلانية والمعنوية" معاً، وربط الحداثة بالدين، أو العكس، وهي التسمية الأخرى للـ "التدين العقلاني"، وكأنه حائر بين نزوعه الوجداني و"ظمأه" الوجداني القلبي للدين، وبين مُشاكسات عقله النقدية، فبقيَ ولا زال يروم إمساك العصا من المُنتصف.

ولن أخوض في تحولات الرفاعي الفكرية، وصراعاته الداخلية التي روَاها في سيرته الذاتية في كتابه "الدين والظمأ الأنطولوجي" وفي كتابات أخرى، ولكني أستطيع القول أن الرفاعي بكل تمرحلات حياته في التقوقع الفكري "الدوغمائي" في إنتمائه لحزب الدعوة، وخروجه من هيمنة أيديولوجيا التحزب، للدخول في أيديولوجيا "الحوزة" وسيرة التلمذة والأستذة فيها، وبعد ذلك سعيه لإصدار مجلة "قضايا إسلامية" بمعية الشهيد مهدي العطار، وبعد ذلك تأسيسه لمجلة "قضايا إسلامية مُعاصرة" التي كان جُل همه فيها التعريف بتحولات الفكر الإسلامي الشيعي في أعدادها الأولى، وبعد سقوط النظام البعثي في عام 2003، تحول مسارها في الانفتاح على الفكر الإسلامي بجل تمظهراته، وبعد سنوات قليلة بدأ الرفاعي بلإنفتاح على مناهج الفكر الغربي الحديث وحضوره في كتابات المفكرين الإسلاميين المُجددين من العرب والإيرانيين وغيرهم، إلَا أنه ظل يُخيط و(يروف) فجوات التراث الديني المُنغلق، عبر النفاذ لبعض مناطق التراث الأخرى التي تُتيح للآخر المُختلف الحضور والمشاركة في الحياة والفعل الثقافي فيها، مرة في الدفاع عن فطرية التدين، وأخرى في تبني العقلانية، أو "عقلانية التدين"، وشتان بين هذا وذاك، وعندي قبول لكل ما يروفه الرفاعي لفرط ما فيه من مهارة "الروَاف"، فهو مُتدين الأصل، مدني في المنحى بعد قراءة مُعمقة في كتاباته في مرحلة التحول في كتابه "مُقدمة في السؤال اللاهوتي" وعنده سعي جاد لكشف عن الضامر من التراث بما فيه من فجوات تُخالف التطبع في العيش الأنسني.

سأختم قراءتي هذه بالقول أن فلاح رحيم فتح لنا أفق الكتابة عن موضوع لا وجود له هو "التنوير العراقي" بجرأة غير معهودة في كتاباتنا نحن العراقيين، وتحدث عن "فجوة ثقافية" هي موجودة لا كشف فيها بين مثقفنا النخبوي وبين الجمهور لأنها مشكلتنا الأصل منذ عصورنا الذهبية، كما يُقال،  وسيبقى "التنوير العراقي" الذي كتب فيه وعنه فلاح رحيم كتاباً يشرح ويُفصل القول في أزمته تنوير غائب، ولم تكن كتابته سوى أبحاث كتبها عن أناس قرأ لهم نشر بعضها بأزمان مُتباعدة، ولكنه جمعها بدراية وخبرة كاتب ماهر تحت عنوان مُثير هو "أزمة التنوير العراقي" للكشف عن أزمة ثقافية في المنتج الثقافي العراقي عن كُتَاب لم تُشكل كتاباتهم أزمة بحق، إن لم تكن كتاباتهم محاولة لحل هذه الأزمة وردم "الفجوة الثقافية" التي يدعيها فلاح رحيم بين المثقف النخبوي إن كانت هذه النماذج تُمثل أنموذجاً له، وأشك، لأن في كتاباتهم سعي لكسر هذه الفجوة، لوك عزيزي القارئ أن تُراجع ما كتبه سعيد الغانمي، أو حسن ناظم، أو علي حاكم، أو الرفاعي.ز

ولم يكن عنوان كتاب فالح رحيم هذا سوى سبق في العنونة للإثارة لا إيماناً منه بوجود تنوير عراقي سبق، حتى يتسنى لنا القول أن هذا التنوير يمرَ في أزمة.

ولو كان قد وضع لكتابه عنوان  "الفجوة الثقافية" بين النُخبة والمُجتمع، لكان العنوان أكثر تطابقاً مع المُحتوى، بسبب غياب التنوير العراقي الذي نبحث عنه ونروم الوصول إليه بحسب وصف (كانت) له على أنه "خروج الإنسان عن قصوره الذي إقترفه في حق نفسه من خلال عدم استخدامه لعقله إلَا بتوجيه من آخر"... وتفريطه بحرية استخدامه لعقله، أو في تفريطه بحريته الفردية. ونحن ما زلنا في العراق مجتمعاً ونُخبة لا نزال نُفرَط بحريتنا الفردية، ولا نستخدم عقلنا إلَا تابعاً عند الجماعة، أو ناطقاً عند النُخبة بإسم جماعة، فعقل النُخبة عندنا عقل اتباعي، ولنا في جُل أكاديميينا وأغلب مُثقفينا مثال يُحتذى في التبعية وتسليم عقلهم للغير لقيادته والتحكم به.

بقي الكتاب حتى في خاتمته يدور حول تأكيد "إخفاقات التنوير العربي"، وعلى وجه الخصوص العراقي، (ص297)، وعدَ كل كتابات نماذج دراسته "سعيد الغانمي، حسن ناظم، علي حاكم صالح، عبدالجبار الرفاعي" مع إختلاف توجهاتهم وتنوع مشاربهم، إنما هي كتابات "إبتعدت كُلها عن برامج التنوير العربي" (ص297)، والغريب المُثير، والمُثير الغريب، أن لا تعريف واضح لهذا التنوير العربي أو العراق الذي يقصده فلاح رحيم، ولم أعرف ما هي برامج التنوير هذا الذي إبتعدت عنه كتابات هؤلاء أو غيرهم من الكُتاب العرب أو العراقيين، فأنا أختلف معه حول استخدامه لهذا المفهوم، وأشكك في وجوده، إلَا إذا كان يقصد به ما كتب عنه آدم متز في كتابه (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري)، أو ما يُسمى (عصر النهضة الإسلامية)، أو يقصد النهضة في الفكر العربي الحديث، كما جاء في كتاب ألبرت حوراني (الفكر العربي في عصر النهضة)، ولكن لا هذا ولا ذاك مما يُمكن أن يُقال عنه بأنه تنوير، إلَا تجوزاً، ينبغي للمؤلف حين استخدامه له التفسير والتبرير لمرامه وتوظيفه للمفهوم، لأنه مفهم نشأ في ظل حضارة لها تعاطيها البيَن والواضح مع هذا المفهوم ونتاجه وفاعليته على جميع الصُعد، في العلوم الطبيعية والاجتماعية، وفي الحياة السياسة، سواء في الثورة الصناعية أو الثورات السياسية التي حقق من خلالها الإنسان الغربي فرادته وتميزه وشعوره بقيمة الحرية والتخلص من سطوة كل مُهيمنات التراث بوصفها من الماضي ولا سلطة لها سوى أنها مخزون حضاري، لا يطغى على حاضره.

 

ا. د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

 

675 الاشباح والارواحكتاب جديد لميثم الجنابي

صدر حديثا عن دار المركز الاكاديمي للأبحاث (العراق-كندا) في طبعته البيروتية (2019). والكتاب هو الجزء الأول أو المجلد الأول من ثلاثية تحمل نفس العنوان تتناول تاريخ العلاقة والفكرة والشخصية ضمن إشكالية المثقف والسلطة على امتداد التاريخ العربي (الإسلامي والحديث والمعاصر). اتناول فيها إلى جانب مختلف القضايا النظرية والعملية لهذه الإشكالية نماذج أو عينات مهمة وكبرى في تاريخ الثقافة اسعى لأن يكون عددها بحدود مائة شخصية. والقضية هنا ليست في العدد، إذ يمكن اختصارها أو زيادتها. على كل حال إن هذا الجانب هو ذوقي ومعرفي وسياسي وثقافي بقدر واحد.   

والكتاب حوالي سبعمائة صفحة (703) من القطع الوزيري (الكبير).

ويتألف الكتاب من مقدمة وثمانية أبواب بثلاثة وعشرين فصلا اتناول فيه إلى جانب التأسيس الفلسفي لإشكالية المثقف والسلطة بمعناه العام والمتنوع (سياسية ونصية وهيبة وتقاليد وعقائد وقيم ) أربع وثلاثين شخصية نموذجية.

ومحتوياته كما يلي:

الباب الأول: الثقافة والسلطة - الحيرة الدائمة للمثقف

الفصل الأول: الثقافة والسلطة – إشكالية حرة أم قدر محتوم؟     

الفصل الثاني: المثقف والسلطة – صراع الأبد وهرمونيا المستحيل! الباب الثاني: الوحي والخلافة – معاناة النص والسلطة        

الفصل الأول: القرآن ومبدأ الثقافة والبيان  

الفصل الثاني: خلافة الراشدين – مرجعية الحق والخلافة السياسية      

الباب الثالث: الخلفاء الراشدون – مرجعية الحق ونموذجية المثال الفردي.      

الفصل الأول: نهاية الوحي وبداية الخلافة – دراما التأويل والسلطة

الفصل الثاني:بداية الدولة والسلطة ودراما الدين والدنيا   

الفصل الثالث: بداية السلطة وتوظيف الوحي       

الفصل الرابع: بداية الدولة السياسية -  السلطة ومأساة الروح    

الباب الرابع: أئمة الروح في مرحلة الانتقال من الخلافة إلى الملك       

الفصل الأول: طبقة المثقفين الأوائل للروح العملي الأخلاقي      

أبو ذر الغفاري – مثقف المسئولية الفردية والتحدي الدائم.        

سلمان الفارسي – مثقف الفروسية الروحية.       

عبد الله بن مسعود – مثقف القلب والإخلاص.     

أبو الدرداء – مثقف الروح الأخلاقي.       

الفصل الثاني: أئمة الاجتهاد العقلي والجهاد الروحي      

معاذ بن جبل - مثقف المعاملات الحياتية.  

حذيفة بن اليمان - مثقف المعرفة الأخلاقية.

عبد الله بن العباس -  مثقف التأويل العقلي.

الباب الخامس: صيرورة الإمبراطورية والروح الثقافي  

الفصل الأول: العقدة الأموية - الدهاء السياسي وخراب الضمير 

الفصل الثاني: الأموية - "منظومة" القهر الشامل وتفريغ الروح 

الفصل الثالث: مثقف الانتفاضة المسلحة – المثقف والسلطة      

الحسين بن علي – مثقف المأساة الكونية.  

عبد الله بن الزبير -  مثقف الهموم السلطوية.       

المختار الثقفي - مثقف التوبة والانتقام      

الفصل الرابع: مثقف الانتقال من الورع الإسلامي إلى الحكمة الروحية 

سعيد بن المسيب - مثقف المحنة الروحية.

محمد بن واسع - مثقف القراءة الروحية للوجود.     

مالك بن دينار - مثقف الاحتجاج الروحي.

الباب السادس: الجبرية السياسية للسلطة والإرادة الحرة للمثقفين

الفصل الأول: الأيديولوجية الأموية بين الجبر والإجبار والشعر والشطار       

الفصل الثاني: الشعر والشعراء والرزق والارتزاق!      

الفصل الثالث: الحجاج – حجة الأموية ودليلها السياسي  

الباب السابع: الخوارج  - إرادة التحدي الإنساني 

الفصل الأول: الخوارج – خروج الإرادة وخراج الروح الأخلاقي       

الفصل الثاني: مثقف الإخلاص المعنوي    

عبد الله بن وهب الراسبي- مثقف الإخلاص الحر 

حرقوص بن زهير – مثقف  التحدي الجريء     

عروة بن جدير – مثقف الفروسية المتسامية         

مرداس بن جدير  – مثقف الإخلاص الأبدي.      

جابر بن زيد – مثقف العقل والوجدان      

عبد الله بن أباض – مثقف  الاستقامة العملية       

مسلم بن أبي كريمة – مثقف  العقل المنظم والدعوة العملية        

الفصل الثالث: مثقف التحدي الأبدي

نافع بن الازرق-  مثقف الإرادة المتطرفة وغلو الروح   

عمران بن حطان-  مثقف الوجدان والعصيان     

الباب الثامن: قدر الإرادة وجبرية المطلق – المثقف وروح الأبد.

الفصل الأول: القدرية وقدر الإرادة الإنسانية – من الإنسان الى الله.

معبد الجهني – مثقف الإرادة الحرة

عمر بن نعيم العنسي (المقصوص) -  مثقف الإرادة الحرة وقصاصها التاريخي

غيلان الدمشقي - مثقف الإرادة ولسانها الحر!     

الفصل الثاني: الجبرية وجبروت الإرادة الإلهية – من الله إلى الإنسان! 

الجعد بن درهم – مثقف الإرادة والفداء التاريخي 

الجهم بن صفوان – مثقف الجبروت الكوني.       

الفصل الثالث: الحسن البصري -  مثقف الروح المتسامي وإرادة الكلّ المعذّب 

675 الاشباح والارواح

إن مهمة الكتاب لا تقوم في تتبع كل حيثيات الخلاف والصراع بين السلطة والمثقفين، بين إبداع المبدعين ودعاوي المرتزقة المحترفين، بقدر ما تقوم في البحث عن عقدها الفعلية والتاريخية من اجل المساهمة في إرساء أسس العلاقة الضرورية بين السلطة وأهل الثقافة بالشكل الذي يجعل منها علاقة معقولة ومقبولة من جانب السلطة والمجتمع والفرد. وبالتالي العمل من اجل تحويل الإبداع إلى كلمة الروح الفاعل، والروح الفاعل إلى الكلمة الفصل في معارك البحث عن الحقيقة وإقرار الحق. وهي معادلة ضرورية لتقويم وترسيخ تقاليد وعي الذات الثقافي المتحرر من ثقل السلطة أيا كان شكلها، سواء كانت بهيئة دولة أو نص أو عقيدة. لاسيما وأن المسار العام والخاص للتاريخ سوف يضع الجميع بالضرورة أمام إشكاليات الحرية.

وسواء جرى وعي هذه الحرية على أساس أنها "المصير" الفردي للمثقف والمبدع أو مصير الدولة والأمة، فإنها تضع الجميع بالضرورة أمام امتحان تاريخي يصعب التحضير له بالمقاييس المدرسية أيا كانت تقاليدها ومستوى رقيها. وذلك لأن الحرية وإشكالاتها بالنسبة للمثقفين والمبدعين هي أولا وقبل كل شيء إشكالية وعي الذات. مما يضع بالضرورة مهمة التعامل معها بوصفها العصارة المتراكمة لكيفية حل المعادلة الواقعية بين السلطة والثقافة، وكذلك علاقة المؤسسة بالحقيقة. فإبداع الحقيقة والبقاء في عوالمها هو منبع أرواح الثقافات والأمم، وما عداه مجرد أشباح! من هنا، فإن المهمة الكبرى للمثقف والثقافة تقوم في تأسيس وبناء تكامل السلطة بمعايير الحق، والحقيقة بمعاييرها الذاتية.

فالصدى كالندى قطرات حالما يكون كثيفا، أي متراكما في خزين الذاكرة وعنفوان الوجد واضطراب الفؤاد وتأمل العقل. غير أن الصدى يعبث في السماع ويستثير ذاكرته تماما بالقدر الذي تستقطب قطرات الندى انتباه العين وخيال الرؤية. مما جعلهما من جنس الإحساس القادر على تنشيط الذاكرة والخيال. وهو تنشيط محكوم بقدرة السماع والرؤية على تصنيع النسبة المبدعة بينهما. إذ لا إبداع حقيقي دون وحدة الذاكرة والخيال. وكلاهما قطرات مكثفة من الرؤية والسماع المتراكمين في مجرى الحياة ومعاناة إشكالاتها. وذلك لأن المعاناة صيرورة تحترق وتتلاشي منذ الصرخة الأولى للحياة لكي تتكامل في صيحة الوداع الأخيرة. وكلاهما محكوم بقوة الوجود والعدم، كما أن كلاهما ضوء، أولهما "أبيض" وآخرهما "أسود". فللمحاكاة جذورها في ذاكرة الطفولة وخيالها المتراكم في مجرى التجارب الحياتية. وبالتالي فهي محاكاة لها أسسها الواقعية. فالوجود ضوء والموت عتمة. من هنا كانت الحياة مضيئة رغم كل مآسيها السوداء، والموت مكفهر رغم كل أشعة الهالة التي تحيطه بها عقيدة التضحية والشهادة. ولا يحل هذه المفارقة في الواقع سوى التقاءهما في "الخاتمة". آنذاك تصبح الخاتمة نهاية الحياة وبدايتها الفعلية، أي نهاية الجسد وبداية الروح، أو نهاية الأشباح وبداية الأرواح، لأنها تكشف عما إذا كان حاملها شبحا أو روحا. ذلك يعني أن إشكالية الأشباح والأرواح هي إشكالية الحياة والموت، والفاني والباقي، والثابت والفائت.

 وليس مصادفة أن تتغلغل في أعمق أعماق الذاكرة التاريخية للأفراد والجماعات والأمم والثقافات فكرة "المسكون" الخيالية التي تتمتع بثقل الندى المكثف لخيال الطفولة في تصور "الأشباح" المتراقصة مع كل حركة في ظلمة الحياة. بحيث يصبح "المسكون" غريبا قاطنا في جسد خرب أو بيت مهدم أو أطلال منسية. وتشير هذه المكونات ببساطتها المعهودة إلى حقيقة يمكن البرهنة عليها بمعايير المنطق والعلم والتجارب الفعلية، بأن الذي يسكن الخراب والمهّدم والأطلال أشباح قوتها في الظلام وخيالها في ذاكرة الطفولة. مما جعل ويجعل من الأشباح صورا مخيفة، وذلك بفعل تطابقها في الإحساس والحدس مع بقايا الزائل والمندثر، و"مآثر" الموت والميت. بينما يتناغم الحي والجميل في الخيال والذاكرة مع بهاء التجديد للحق والحقيقة.

وحالما ننقل المقارنة من سماء الفكر المجرد إلى دنيا الوقائع الفعلية، فإننا نقف بالضرورة أمام ثنائية الأشباح والأرواح المتنوعة. ولعل علاقة المثقف والسلطة من بين أكثرها إثارة وإدامة. ففي هذه العلاقة نعثر على كل مكونات الذاكرة والخيال، كما نرى فيها وقائع الأشباح الحائرة والمتخوفة والمخيفة والمسكونة في جسد السلطة وارتزاق مثقفيها. وبالضد منها تتكامل "أنا الحق" في شخصية المثقف الحقيقي بوصفه روح الثقافة وحامل معاناتها التاريخية. من هنا توتر الإحساس العميق حتى في الأحكام العادية التي تجعل من المثقفين المرتزقة مجرد أرواح تائهة. وبالتالي ليس الروح التائه بين المثقفين سوى شبح يتراقص بعنف و"إدراك" يناسبه من أثر الغريزة (الجسد). ومن ثم لا علاقة له بالعقل والوجدان الخالص. وليس مصادفة ان تستعيد هذه الثنائية نوعية الخلاف الطبيعي بين الحقيقة والسلطة، ومن ثم بين المثقف الحقيقي والسلطة الواقعية، بوصفه أيضا خلافا بين الروح والجسد. إذ يمكننا العثور عليه في كل المظاهر الملازمة لإبداع المثقفين في الكلمة والعبارة والشعر والنثر، والرسم والنحت، والصمت والنطق، والظاهر والباطن، أي في كل مظاهر اليقظة والمنام. سواء كانت اليقظة يقظة الروح والجسد أو نومهما في الفكر (المجرد) والواقع (الملموس).

فالكلمة الأكثر سعة وانتشارا وإثارة للشك والطعن هي التي ينبغي أن ترتقي بحد ذاتها إلى مصاف الجلاء والوضوح الكلي. واقصد بذلك كلمة الحقيقة واشتقاقها المتنوع من حيث الشكل والمضمون. إلا أن التاريخ يكشف ويبرهن على أنها الكلمة الأكثر إثارة للجدل والنقاش، والأشد وطأة على من يحملها ويمثلها، والأكثر تخريبا لمن يدعيها. من هنا اختلاط الدفاع عنها بدعاوى تمثيلها. في حين أن مضمونها الفعلي لا يقبل الجدل والدعوى. وذلك لأن الحقيقة تحتوي بحد ذاتها على كل المكونات الضرورية للوضوح والجلاء والحق والبديهة. وقد يكون ذلك هو سرّ "فضيحتها" التاريخية.

إذ ليس هناك من شيء في الوجود الإنساني قادر على إثارة الخلاف واستقطاب الوفاق، والاستعداد للتضحية والقتل المجاني، والحب والبغض، وإجبار الناس طوعا وكرها على النطق والصمت والقول والفعل أكثر من الحقيقة. مما جعل منها على الدوام مبدأ وغاية الحكماء والبلغاء والحالمين والمبدعين والشعراء والأدباء. كما جعل منها القوة الأكثر إثارة لشهية الجلادين والمستبدين. وفي هذا تكمن مفارقتها الخاصة. وذلك لأن الحقيقة تتضمن في آن واحد على مصدر التجانس والقلق الأكبر للعقل والوجدان والوجود والنظام. وبما أن هذه المكونات تتصف بقدر واحد من "الأهمية" بالنسبة لأهل العقل والوجدان، وأهل السطوة والسلطان، من هنا بحث كل منهما عن "حقيقته". الأمر الذي يجعل الحقيقة تعاني من ضغط القوة القاهرة للسلطة واستعداد الوجدان الخالص للبحث عنها وتأسيسها في القول والعمل. وفي هذا تكمن دراما الحقيقة في وحدة تاريخها النبيل وتضحياتها الكبرى، مع أنها مصدر الإثراء والرخاء.

ولا يمكن حل هذا التعارض بصورة "نهائية". والقضية ليست فقط في انه لا يمكن حل أية قضية في الوجود بصورة نهاية، انطلاقا من أن مطلق الوجود هو ديمومة التغير والتبدل، بل ولأنه أسلوب وجود الإنسان والأشياء ككل. وبما أن ظهور كل شيء وتلاشيه، ونموه وشيخوخته، وصيرورته وكينونته، وحياته وموته معاناة أبدية، من هنا أبدية المعاناة التي لا يمثلها ويتمثلها أكثر من الحقيقة وحملتها. فهي الجزء والكلّ، والعابر والمطلق، والأنا والآخر، والظاهر والباطن، والمبدأ والغاية. أنها السرّ المثير لحيرة ودهشة العلماء والحكماء والأدباء والشعراء، وباني تكاملهم الذاتي وإبداعهم المتجدد. كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول، بأن الثقافة الحقيقية تتجلى في تكامل مثقفيها، وفي تجدد منظومة الإبداع وتنوعه. لكنه تكامل لن يتكامل أبدا، لأنه جزء من الأبد، ولن ينتهي ما بقي الإنسان حركة متناهية في تناغمها مع الوجود. كما أنها الحالة التي تعطي لمساعيه المتناهية قيمة أبدية، وبالأخص حالما تصبح جزء من مساعي الحرية. وفي هذا يكمن مصدر القلق والخوف الغريزي للسلطة من "جنون" الحرية. لكنه "جنون" يعكس أولا وقبل كل شيء خبل السلطة بوصفها قوة مقيدة للعقل الحر. وفي هذا أيضا يكمن سرّ  المفارقة المثيرة للعقل والوجدان عندما ينظران إلى حالة تعايش المثقفين الأحرار والساسة الأشرار!!

فتاريخ الدولة والحضارة وحدة قلقة لتعايش المثقفين الأحرار والساسة الأشرار. كما أنها الوحدة التي أقلقت وما تزال تقلق الوعي الباحث عن حل لإشكاليات وجوده الكبرى، وبالأخص حالما يقف أمام دراما الصراع المأساوي القائم في وجود مثقفين أحرار وساسة أشرار! حينئذ يبرز السؤال المثير للعقل والمستفز للضمير الحي حول ماهية السرّ الكامن في علاقة المثقف والسلطة، الذي جعل من المثقفين الأحرار على الدوام ضحية المؤامرة والمغامرة والتشريد والتشرد، بينما كانت تنعم السلطة وتتلذذ بأنصاف "أهل العلم" في المعابد والمساجد ودور "العلم والمعرفة"، والدعاية والإعلام؟ وليس مصادفة أن تقرر الثقافة الإسلامية في إحدى مواقفها الحكيمة بهذا الصدد القول "اللهم نجينا من أنصاف المتفقهين والأطباء"! لقد عرفت بتجاربها أن الأول يفسد الروح والثاني يخرّب الجسد. بينما تفترض الحقيقة وجود العقل السليم في الجسم السليم. وهي عبارة بسيطة كالحقيقة وإشكالية كالحقيقة أيضا.

فالخلاف والصراع والتناقض بين المثقف الحقيقي والسلطة، واقع لا يمكن تجاهله أو التغاضي عنه. كما أنه كان ولا يزال أحد مصادر الدراما التاريخية للوجود الإنساني، بوصفه معقل الفضيلة ومعتقل الرذيلة. وبينها كما بين كل ثنائيات الوجود الكبرى، تاريخ عريق من المواجهة والهدنة بمعايير المعقول والمقبول والمرذول. إلا أن القضية الأكثر جوهرية الآن تقوم في البحث عن بديل يتجاوز مسلخ الدماء والإماء إلى مسرح السخاء والعطاء. وشأن كل بديل من هذا القبيل لا يمكنه الهدوء في الإبداع الجميل دون أن تتكامل السلطة بمعايير الحق، والحقيقة بمعاييرها الذاتية.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

673 هدى صدام- بعد نصف قرن أو يكاد صدر للشاعرة التونسية ـ هدى صدّام ـ مختارت من أشعارها التي ظلت شبه منسية والحال أن الشاعرة تعتبر من أولى الشاعرات التونسيات المعاصرات ولعلها هي الثانية بعد الشاعرة زبيدة بشير ثم تليها الشاعرة فضيلة الشابي والشاعرة هدى صدام أصيلة القيروان وهي من أسرة عريقة سليلة مجد وأدب ولا شك أن ظروف نشأتها قد ساعدتها على ترسيخ موهبتها ورعت شاعريتها على أسس المعايير التقليدية للقصيدة فنقرأ لغة صافية شفافة وصورا موحية تنضح بعاطفة زاخرة بوهج المعاناة فأغلب قصائد هدى صدام مرايا لحالاتها الوجدانية بما فيها من ظلال شجونٍ ثخينة وأحلام دفينة غير أننا نلاحظ سِمة واضحة في كثير من القصائد ألا وهي الاعتزاز بالنفس ربما يصل إلى حدود الأنفة ويتجاوزها إلى الكبرياء... هي كبرياء الأنثى في غنجها أحينا وفي تحديها أحيانا...كيف لا وهي الشاعرة المالكة لأعنّة الفصاحة    والمعتزة بالقيروان التي أهدتها هذا الديوان قائلة - إلى القيروان نبع العشق والشعر والأحلام

وإن القصيدة التي اِختارت لها الشاعرة عنوان - حب وكبرياء - تعبّر بوضوح عن أهم خصائص شعرها معنى ومبنى والتي تقول في أولها 

أحلى الهوى ما كان في الأعماق

نارًا تشب خفية الإحراق

حلو عذاب العاشقين وإنني

من ناهلي إبريقه الدفاق

فاهدأ فؤادي يا أخا الإخفاق

فسدى تحرق في لظى الأشواق

ذلك هو الكون الشعري لهدى صدام إذ يعيدنا إلى الينابيع الأولى للقصيدة العربية في دفقها وصفائها وحرارة صدقها

ـ 2 ـ الشيخ مسعود ـ  للأديب محمد الأزغب

بين قولة ـ اللغة الفرنسية منفى ـ وقولة ـ إن اللغة الفرنسية غنيمة حرب ـ راح الكتّاب في بلدان المغرب العربي يواصلون مسيراتهم الأدبية والفكرية معتبرين أن رسالة الكتابة أنبل وأشمل من اللغة التي بها يكتبون حيث جعلوا منها وسيلة إبلاغ أشمل مدى وأبعد آفاقا ،خاصة وقد تجاوز أغلبهم محنة الكتابة بالفرنسية وعقدتها نحو اِعتبارها نافذة يطلون منها على العالم لإبلاغه مباشرة شجونهم وشؤونهم متمثلين بحكمة ـ وخاطب القوم بما يفهمون ـ

و رغم أن الأديب التونسي محمد الأزغب بدأ النشر سنة 1952 باللغة العربية على جريدة الصباح وهو في أول تعليمه الثانوي فإنه ظل محجما عن النشر طيلة دراسته ثم على مدى مدة اِنخراطه في الجيش الوطني بعد ذلك إلى أن أحيل على التقاعد فبادر إثر ذلك مباشرة إلى نشر روايته الأولى باللغة الفرنسية ـ المهاجر ـ ثم واصل النشر تباعا حتى بلغ جملة ما صدر له إلى سنة2007 سبعة كتب ما بين روايات وقصص قصيرة وخواطر ويوميات وغيرها

ومن بين ما صدر له رواية ـ الشيخ مسعود ـ وهي تتحدث عن فترة الحرب العالمية الثانية إلى حدود اِستقلال تونس وظهور الحركة الوطنية المسلحة في منطقة غمراسن بالجنوب الشّرقي من الجنوب التونسي الذي كان خاضعا للحكم العسكري المباشر طيلة عهد الاِستعمار الفرنسي حبث تولّى الشيخ مسعود المسؤولية الأولى في منطقته القائمة على العصبيّات القبلية بما فيها من تحالفات وتناقضات ومنافسات فكان عليه الفصل في القضايا الخاصة والعامة بما يقتضيه العرف والعادة وكان عليه أن يتعامل مع الواقع الاِستعماري بما كان فيه من قوة وبطش فاِستطاع في أغلب الأحيان بفضل ذكائه ودهائه أن يُجنب الأهالي ردود فعل الجيش الفرنسي وأن يُخفي آثار الوطنيين بإبعاد الشبهات عنهم أو إعلامهم قبل مداهمتهم وقد صورت الرواية في غضون تفاصيلها المجتمع البدوي ودقائق عاداته في حياته اليومية من المسكن واللباس والأدوات المنزلية إلى المأكل والمشرب وأدوات الزينة لدى المرأة وعادات الأفراح والأتراح بالإضافة إلى ذكر أسماء الأمكنة بمنطقة غمراسن بحيث أن الرواية يمكن أن تعتبر وثيقة تاريخية سجّلت فيها عهدا من تاريخ تونس المعاصر ليس من السّهل الكتابة في تفاصيله دون السقوط في بعض المزالق الخاصة باِعتبار أن شخصية الشيخ مسعود شخصية واقعية قد وُجدت فعلا وأن قراءتها التاريخية قد تختلف بحسب المنطلقات المتنوّعة ـ وربّما المتناقضة ـ لدراسة تلك المرحلة الهامّة من تاريخ تونس المعاصر

 

سُوف عبيد

https://www.soufabid.com

 

671 ميثم الجنابيصدر حديثا عن دار ميزوبوتاميا كتابي (فلسفة البدائل الثقافية) وهو القسم الأول من مشروعي الفلسفي التأسيسي. والكتاب بأربعمائة صفحة من القطع الوزيري (الكبير). كما إن له لواحق بأربعة كتب سوف تصدر عن الدار قريبا.

والكتاب صيغة "تجريبية" أولية ومختصرة عن النص الأصلي الذي لم يكتمل بعد، والذي عملت وأعمل عليه في مجرى العقود الثلاثة الأخيرة. وهو من حيث الحجم فيما يبدو سيتجاوز سبعة أو ثمانية أضعاف هذا الكتاب. 

ويحتوي الكتاب على مقدمة وخاتمة وعشرة ابواب بثمانية وعشرين فصلا. وعنوانه خاص، بوصفه القسم الاول من الكتاب هو (البحث عن مرجعية الفكرة العربية)

الباب الأول ـ عقل الذات العربية في أطوار الملة والأدلة

الفصل الأول- الخروج الصعب للذهنية العربية من دهاليز الصعاليك والمماليك

الفصل الثاني - التصوف الفاعل والتشخص التاريخي للرمز الثقافي

الباب الثاني: عقلانية الضمير - الوحدة الحية لطلاقة اللسان وتحصين الأركان وإنعتاق الوجدان

الفصل الأول : ضمير اللغة ولغة الضمير الثقافي.

الفصل الثاني: طلاقة اللسان – الإفشاء الأخرس للعقل الناطق

الفصل الثالث: "تحصين الأركان" وانعتاق الوجدان – المناعة الثقافية لوعي الذات العربي

الباب الثالث: الإصلاحية الإسلامية ومصيرها التاريخي

الفصل الأول: صيرورة الفكرة النقدية والـتأسيسية العملية للإصلاح

الفصل الثاني: الإصلاح الثقافي والقومي

الفصل الثالث: المآثر التاريخية للإصلاحية الإسلامية

الباب الرابع: لغة الحرية ووجدان الذات الثقافية

الفصل الأول: لسان الأدب الذاتي والوجدان التاريخي

الفصل الثاني: لغة الوجدان الذاتي

الفصل الثالث: الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي

الباب الخامس: الفكرة العربية وفلسفة الوعي القومي الذاتي

الفصل الأول: بزوغ الفكرة العربية الجديدة

الفصل الثاني: الفكرة العربية الصاعدة وفلسفة الوعي القومي الذاتي

الفصل الثالث: الفكرة العربية والوعي القومي الذاتي

الباب السادس: العقلانيات المبتورة والأيديولوجيات الراديكالية

الفصل الأول: عقلانيات بلا عقل ذاتي

الفصل الثاني: عصر الأيديولوجيات الراديكالية

الفصل الثالث: الأيديولوجية القومية العربية

الباب السابع: الموجة الأخيرة للأيديولوجيات الإسلامية الحديثة

الفصل الأول: المركزية الإسلامية - قوانين التاريخ ومنطق الثقافة

الفصل الثاني: التقاليد الإسلامية السياسية ووعي الذات السياسي الحديث

الفصل الثالث: الموجة الأخيرة للفكرة السياسية والحضارية الإسلامية

الباب الثامن: نهاية الأيديولوجية وأزمة البدائل

الفصل الأول: معضلة القومي والثقافي في وعي الذات العربي

الفصل الثاني: فلسفة الأزمة – من تراث الأزمة إلى أزمة التراث

الفصل الثالث: الموقف من التراث

الباب التاسع:  أزمة الهوية الثقافية وانتكاس "العقل العربي"

الفصل الأول: من الدعوة للعقل إلى نقد العقل

الفصل الثاني: حصيلة العقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث

الفصل الثالث: العقلانية العربية الحديثة وآفاقها

الباب العاشر: البحث عن البدائل . 

الفصل الأول: حكمة العقل التاريخي ونقمة الاستلاب الثقافي

الفصل الثاني: تأصيل العقل والعقلانية وتلقائية الإبداع التاريخي

671 ميثم الجنابي

إن مهمة هذا الكتاب لا تقوم في وضع تاريخ شامل لفلسفة الحضارة الإنسانية، رغم وجودها الدائم والذائب فيما أضعه هنا، بل مهمة تأسيس الرؤية الفلسفية الثقافية للتاريخ والفكرة المستقبلية من اجل تأسيس الفكرة العربية وتحديد مهماتها الواقعية للانتقال من المرحلة الدينية السياسية، التي مازال العالم العربي مقيدا في شرنقتها لخمسة قرون متوالية بعد سقوط الأندلس غرناطة عام 1492، إلى المرحلة السياسية الاقتصادية.

وبالتالي فان المقصود "بفلسفة البدائل الثقافية" هو تفسير التاريخ الذاتي للأمم ورؤية آفاقه من خلال تحديد المسار الفعلي في مراحله الثقافية ووعيها الذاتي. أنها تحتوي بقدر واحد على البحث عن قوانين التاريخ ومنطق الثقافة بالشكل الذي يجعل من إدراكهما المتوحد أسلوب وعي الذات الاجتماعي والقومي. وبالتالي يجعل من التفسير أداة لتوسيع وتعميق وعي الذات في مختلف الميادين والمستويات بالشكل الذي يعيد على الدوام تأسيس منظومة الرؤية وتحقيقها الفعلي في الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة. ذلك يعني، أنها فلسفة تاريخية ثقافية قومية بالمعنى المجرد، وسياسية بمعناها العملي. وفي كلتا الحالتين لا تحتوي على استعداد للتأويل المفتعل والمتحزب، على العكس، أنها تنفيهما بمعايير الرؤية العقلانية والنزعة الإنسانية وفكرة الاحتمال الدائم، بوصفها الأضلاع الثلاثة القائمة في تاريخ المسار الطبيعي للأمم ومنطق ارتقائها الثقافي. وفي هذا تكمن منهجيتها الخاصة.

إن المنهج الخاص "لفلسفة البدائل الثقافية" ينطلق من وحدة الماضي والحاضر والمستقبل في مراحل التاريخ الثقافي للأمم، بوصفها عملية تتوحد فيها الإرادة العقلية الحرة وأثرها الفاعل في كيفية حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة، وبالتالي إبداع المركزية الثقافية ومرجعياتها الذاتية المتسامية. ذلك يعني أنها فلسفة تتمثل تاريخ الأمم وليس الأقوام والشعوب، لكنها تستطيع تفسير سرّ الوقوف التاريخي للأقوام والشعوب بوصفها تجارب عابرة أو جزئية في مراحل الانتقال الثقافي، دون أن يلغي ذلك أو ينفي قيمتها أو حتى أصالتها.

لكن الجوهري في التاريخ العالمي (العام والمجرد) يبقى مع ذلك هو تاريخ الأمم الكبرى، أي الأمم الثقافية وليست الأقوام والشعوب العرقية. ففي وجود وإبداع الأمم الكبرى يتوحد مسار القانون التاريخي ومنطق الثقافة، بوصفها القوة الضرورية للتكامل الإنساني على المدى البعيد، والقادر على تجاوز حالة الوجود الطبيعي إلى الماوراطبيعي، بوصفه تاريخ المستقبل. وحالما تبلغ الأمم تاريخ المستقبل، عندها يكف الماضي عن أن يكون صنما، بينما يتحول الحاضر إلى مستقبل، أي إلى احتمال عقلاني وإنساني دائم لا يخلو من المغامرة لكنه مجرد عن المقامرة أيا كان شكلها ونوعها.

فالقانون القائم في تاريخ الأمم هو الارتقاء من الوجود الطبيعي إلى الوجود الماوراطبيعي. أما مضمونه التاريخي فهو منطق الارتقاء الثقافي. وتجارب الأمم الكبرى في كيفية إرساء أسس مركزياتها الثقافية مرتبط بكيفية تأسيس العلاقة بين الطبيعي والماوراطبيعي في الإنسان والجماعة والدولة والثقافة، أي في منظومة الوجود المادي والمعنوي وكيفية ربطهما في مرجعيات ثقافية متسامية – ما فوق تاريخية. وكلما ترتقي الأمم في ميدان صنع المرجعيات المتسامية، أي الخروج على قانون التاريخ الطبيعي العادي كلما تقترب أكثر من تاريخ الطبيعة و"منطقها" ولكن بمعايير الرؤية الثقافية والكونية، أي رؤية أبعاد الوحدة الفعلية للوجود بوصفه سر الوجود والمعنى الكامن فيه. ولكل مرحلة ثقافية كبرى أنماطها الخاصة بهذا الصدد بوصفها تجارب تاريخية.

وقد شكل العرب في مجرى المسار التاريخي لارتقائهم الذاتي امة كبرى، أبدعت مركزيتها الثقافية ومنظومة مرجعياتها المتسامية التي أدت في نهاية المطاف إلى إنتاج حضارتها الكونية الخاصة (العربية الإسلامية). من هنا فان المهمة الأساسية لهذا العمل تقوم في تأسيس فلسفة للبديل العربي (القومي)، الذي يستند بقدر واحد على إدراك قانون التاريخ، ومنطق الثقافة، وفكرة الاحتمال (في البدائل). بمعنى تأسيس منطق التاريخ المستقبلي بوصفه احتمالا، وفكرة الاحتمال بوصفها تاريخا، أي جعل التاريخ احتمالا دائما (اجتهادا) والاحتمال تاريخا فعليا (جهادا). وتستند هذه الفكرة بدورها إلى أن التاريخ هو صيرورة دائمة من الاحتمال. وللاحتمال منطقه الذاتي المتراكم في كيفية تجاوز الوجود الطبيعي إلى الوجود الماوراطبيعي. وهذا بدوره ليس إلا حلقات أو مراحل الارتقاء التاريخي الثقافي، أو ما أسميته بقوانين التاريخ ومنطق الثقافة.

إن إرساء أسس المركزية الثقافية الكبرى وتكاملها في منظومة حضارية بالنسبة للعرب، والتي رافقت عملية الانتقال من القومية العرقية إلى الأمة الثقافية بفضل الإسلام، قد وضعت المقدمة التأسيسية الكامنة في الوعي العربي وكينونته الثقافية. وإذا كان الانقطاع التاريخي الذي تبع سقوط مراكزه الثقافية السياسية الكبرى (دمشق وبغداد وقرطبة والقاهرة) قد أدى إلى جموده وسباته الطويل، ومن ثم تحلل واندثار وحدته العملية بأثر اندثار مركزية الدولة السياسية (الخلافة)، فان بقاء كينونته الثقافية الكامنة هو جزء من تاريخ المنطق الثقافي، أي ذاك الذي يمكنه السبات والاختباء تحت مختلف أنواع الغبار والدمار، لكنه يبقى محافظا على نوعيته المجردة بوصفه منطقا ثقافيا. فالدولة تتحلل بأثر سقوط مركزيتها السياسية، لكن الثقافة التاريخية الكبرى ونمطها الحضاري لن تتحلل، بل تبقى عائمة في برزخ الوجود التاريخي للأمة، بوصفه الحلقة المنفية في تطورها الذاتي.

والوجود العربي الحالي يكشف عن اندثار مركزيته السياسية القديمة، ومن ثم تحلل وحدته القومية السياسية، لكنه متوحد في تاريخه الثقافي وجغرافيته الثقافية. وهي المكونات الأكثر جوهرية بالنسبة للكينونة العربية، بوصفها صيرورة ثقافية. فالعرب امة ثقافية وليست عرقية، وتاريخهم هو توليف للتاريخ الثقافي والفكرة الكونية (الإسلام) وليس زمن القومية والعرقية. من هنا بقاء وجوهرية الكينونة الثقافية وفعلها الدائم في الحس والعقل والحدس. وسبب ذلك يقوم في أن وحدة التاريخ والجغرافيا الثقافية هو ميدان ظهور وتحقيق ثنائيات الصيرورة التاريخية للكينونة العربية الثقافية. ففيهما ومن خلالها تراكمت تجارب الحلول الكبرى لإشكاليات الوجود والطبيعي والماوراطبيعي، التي أنتجت مركزيتهم الثقافية الكونية الكبرى (الحضارة العربية الإسلامية).

ذلك يعني أن المركزية الباقية بالنسبة للعرب المعاصرين تقوم في وحدة التاريخ الثقافي والجغرافيا الثقافية. والمهمة الأساسية الحالية لا تقوم في كيفية استعادتها أو إعادة بنائها، بل في تأسيسها المعاصر. بمعنى أن المهمة لا تقوم في تنظيم مختلف أشكال وأنماط النماذج المثلى، لأنه لا يؤدي إلا إلى فوضى التجهيل والتقليد وتخريب العقل النقدي ورؤية الاحتمال العقلاني وواقعية البدائل. فواقعية البدائل هي تاريخ المستقبل وليس زمن الأسلاف أو تجارب الآخرين. وبالتالي، فان المهمة تقوم في استكمال المسار التاريخي صوب تذليل الهوة والفجوة المنقطعة في تاريخنا الذاتي.فقد بلغ العرب في مسارهم التاريخي مرحلة الانتقال من الوعي الديني اللاهوتي صوب الوعي الثقافي السياسي.

إن للتاريخ ألعابه الماكرة مع الأمم. كما أن للأمم مآثرها ومهازلها في تاريخها الذاتي. وحالما تصطدم هذه المكونات المتعارضة فيما بينها، عندها تصبح فكرة التاريخ والوعي الذاتي القومي طرفين لتأمل الماضي ونقد الحاضر والحلم بالمستقبل.

ووضعت هذه المقدمة، أو تتبعت ما تسعى إليه من أفكار أساسية في التقديم الموسع، أو المقدمة النظرية التي حاولت من خلالها تبيان المنهج الفلسفي الجديد في تناول اشكاليات الوجود التاريخي والمستقبلي للأمم. وهو بدوره تقديم مختصر (بحدود سبعين صفحة). ان منهجي الفلسفي الجديد يذل خلافات واختلافات المناهج الفلسفية السابقة سواء منها ما ينظر إلى التاريخ بمعايير جزئية (اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية أو ذهنية أو صناعية او غيرها). وينطبق هذا على من يؤسس لها بوصفها عملية تاريخية صاعدة محكومة بقوانين صارمة، أو من ينظر إليها باعتبارها نتاج مصادفات محيرة للعقل أو من يعتبرها نتاج قوى ميتافيزيقية (مادية أو روحية أو دينية). والشيئ نفسه يقال عمن ينظر إلى التاريخ الإنساني باعتباره وحدات متقطعة وتشكيلات حضارية مختلفة ومستقلة بذاتها ولا علاقة لها بالآخرين. اما امتداد هذه المنهج ورؤيته النظرية والعلمية فيجري تطبقها على مختلف جوانب الحياة الإنسانية، التي يجري انتزاع او ابعاد كل ما له علاقة بالآلهة والأساطير أيا كان شكلها ومحتواها.

ان مهمة الفلسفة التي أضع اسسها النظرية والعلمية ذات صلة بالإشكاليات الكبرى لوجود الامة (العربية). ومن خلالها الخروج إلى فضاءها الثقافي التاريخي (الإسلامي) ومنم ثم العالمي. فالامر الجلي بالنسبة للفكرة العربي وحالته الحديثة والمعاصرة أو نقصه الجوهري بهذا الصدد يقوم في افتقاده إلى منظومات فلسفية خاصة به. وهو نقص يرتبط بانقطاعه وانفصاله وانفصامه عن تراثه الفلسفي المنظومي الهائل من جهة، وبسبب استلابه أمام الإبداع النظري الفلسفي الأوربي الذي افقده سلامة الحس ونقد البصيرة وحدس المكاشفة الملازم لكل إبداع أصيل، من جهة أخرى. مما أدى إلى أن يكون الفكر النظري والعملي اجترارا لتجارب الآخرين ودوران في فراغ ثقافي. وهي مفارقة لا يمكنها أن تؤدي إلى نتيجة غير استمرار الاستلاب والضياع وضعف المناعة والفقر المادي والمعنوي. وهذه جميعها نتاج افتقاد العالم العربي لمركزيته السياسية الثقافية الذاتية. 

وبالتالي، فان المهمة الأساسية لكتابي هذا تقوم في التأسيس العقلاني للفكرة العربية، أي فلسفة بناء الوعي الذاتي للعالم العربي وكيانه الخاص. أنها فلسفة جديدة للبدائل الثقافية تحصر توجهها المباشر بالعالم العربي ومن خلاله بالعالم الاسلامي والعالم ككل. أنها لا تسعى لبناء أيديولوجية شاملة، بل لتأسيس منظومة فلسفية – ثقافية للمرجعيات العلمية والعملية، التي توحد في ذاتها ملك وملكوت وجبروت العالم العربي في مستوياته التاريخية والثقافية والسياسية والقومية.

وهي مهمة اعمل على انجازها في ثلاثة أقسام مترابطة، الأول وهو بعنوان "البحث عن مرجعية الفكرة العربية" (الكتاب الحالي) وأتناول فيه تجارب الفكر العربي وحصيلته النظرية التي رافقت مساعيه الحثيثة للاستقلال والتمركز الذاتي بعد قرون طويلة من تحلل واندثار مركزية الثقافية السياسية. والسبب يقوم في انه لا يمكن للفكر أن يساهم بصورة جدية في تغيير الواقع دون إعادة النظر النقدية والفاحصة للكلّ الفكري وحصيلته النظرية لكي يكون بالإمكان لضم مختلف إبداعاته العميقة في استمرار الفكرة، وبالتالي توسيع وتعميق وحدة الانتماء والهموم المشتركة، التي لا يمكن بدونهما صنع البدائل المناسبة.

 بعبارة أخرى، إنني ادرس تاريخ الفكرة من أجل رؤية مسارها المجرد، بوصفه مقياسا لقياس حرارة الوعي الذاتي (العربي)، ومن ثم معرفة ما إذا كانت هذه الحرارة تعبير عن صداع عقلي أم عن طاقة حيوية للخيال المبدع والرؤية المستقبلية.

 ثم الانطلاق من هذه المقدمة لتأسيس منظومة فكرية شاملة لها أسسها الفلسفية الخاصة في القسم الثاني منه. والسبب يقوم في انه لا يمكن صياغة نظرية عملية (سياسية) دون فلسفة للتاريخ، لهذا سوف أضع خطوطها العامة في التقديم العام للكتاب، وصيغتها التاريخية بالنسبة للعالم العربية في القسم الثاني، الذي يحمل عنوان "فلسفة المرجعيات الثقافية للفكرة العربية". ومهمتها الأساسية تقوم في تأسيس منظومة فلسفية ثقافية للتاريخ العربي تشكل الأساس العلمي للعمل السياسي، أي الصيغة النظرية المجردة للفكرة السياسية.

أما القسم الثالث والأخير فهو بعنوان "الفكرة العربية ومرجعيات السياسة العملية". ومهمته تأسيس الفكرة السياسية أو التطبيق العملي لفلسفة المرجعيات الثقافية، التي ادعوها بمرجعيات السياسة العملية، باعتبارها أداة الجبروت العربي المعاصر والمستقبلي، أو إرادته السياسية في التعامل مع الإشكاليات الجوهرية لوجوده التاريخي المعاصر وآفاق تطوره اللاحق.

إن تأسيس وعي الذات العقلاني ومن ثم قدرة التفكير والفكر على امتلاك ناصية الحقيقة الثقافية تفترض تذليل الارتباط العاطفي بالتاريخ ونفيه بالوجدان الواعي تجاه النفس والآخرين، بوصفه انتماءا عضويا ووعيا ذاتيا خالصا. ولا يمكن بلوغ ذلك بالنسبة للفكر العربي المعاصر دون الخروج من كل الثنائيات والمعارضات السياسية والثقافية والأيديولوجية والجغرافية، والبقاء ضمن المسار العام للتاريخ الذاتي وتطوير حصيلته الواقعية في مختلف الميادين.

فالتاريخ الذاتي هو جزء من الماضي الذاتي، بالقدر الذي يشكل الماضي النواة غير المرئية للآفاق الفعلية. إذ لا قانون يحكم المستقبل غير الماضي ومستوى تأثيره وكيفية فعله في الحاضر. وهو حكم لا يغير منه إمكانية انتقال الحاضر إلى المستقبل، أو تجاوز الهوة الزمنية بين "الحاضر" و"المستقبل". وفي هذا "الغلوّ" الواقعي تكمن مفارقة المصير المعاصر للعالم العربي وآفاق وجوده الذاتي والعالمي. وهو مصير يتحدد بمستوى إدراكه لهويته الثقافية وكيفية تذويبها في فلسفة البدائل العلمية والعملية.

إن كل مظاهر العصر الحديث والحداثة، والمقامرة والمغامرة، والمؤامرات والانقلابات، والثورات والثورات المضادة، لم يفلح بعد في إقامة نظام اجتماعي سياسي ثقافي يستند إلى قواه الذاتية، سواء في مسار الاكتفاء الذاتي أو التحديات الممكنة.

فالأزمة التي تولدت عن ضعف المناعة الحضارية، التي واجهها العالم العربي في بداية القرن العشرين مازالت سارية المفعول بقوة تبدو الآن أضعاف ما كانت عليه حينذاك. حيث نقف أمام حالة أشبه بالانهيار التام للكينونة العربية.

وإذا كان لكل انهيار مقدماته، فانه أيضا ميدان البحث عن البدائل ومثار التفاؤل المغري بالنسبة للعقل والضمير في بحثهما وتأسيسهما لحقائق النفس وآفاق تطورها. فالحياة ليست تجربة خالصة. لكنها تحتوي في "تجريبيتها" على عناصر اليقين المتراكمة في تاريخ الانتصارات والهزائم والصعود والهبوط.

ومن العبث البحث عن عناصر اليقين التاريخية في الكيان العربي دون تأمل وحدته العميقة، التي تحتوي على العناصر الجوهرية للتاريخ الواقعي والمثالي بوصفها مكونات فعالة في وجودنا الحالي. ولا يعني ذلك النظر إلى "وجودنا الحالي" كما لو أنها مقدمة مادية تبرهن على عناصر اليقين المذكورة أعلاه. فالجميع أقواما وأمما تتمتع بهذا القدر أو ذاك من هذا "الإثبات الوجودي". وبالتالي، لا يشكل هذا الوجود بحد ذاته دليل على الوجود الثقافي الحي.

يفترض الوجود الثقافي الحي ديمومة مقوماته الذاتية، المتبلورة بهيئة مرجعيات ثقافية جامعة ترتقي إلى مصاف المنظومة المتسامية. ولا يلزم البحث عن يقين لهذه المرجعيات في السياسة أو في الاقتصاد أو في العلم كل على إنفراد، وإلا لأدى ذلك إلى الإقرار بالافتراض الهش القائل، بأن يقين السياسة في السياسة ويقين الاقتصاد في الاقتصاد ويقين العلم في العلم.

إن عين اليقين، القادرة على صنع شعور الانتماء الفعلي للأمة، هو أصالة روحها الثقافي، باعتباره الكيان الأعلى والأعمق والأكثر ديمومة للروح القومي. وهو "روح" لا يمكن فرضه على "شعوب" العالم العربي ودوله القطرية المعاصرة، بقدر ما يفترض على العكس من ذلك، إشراكها الفعال في معاناة إعادة إنتاجه وتأسيسه كل بمعايير تجاربه الفردية. فهو الأسلوب الوحيد الواقعي والضروري لبلوغ ما أسميته بالمرجعيات الثقافية الجامعة، أي عين اليقين القائم وراء مختلف الاعتقادات والفرضيات والقيم الكبرى والعادات، وحدود الشك والحدس الدائم لحقائق الانتماء الروحي الموحد، والفعل الدائم من اجل جلاء مكوناته. ولا يمكن فصل هذه المكونات بالنسبة للعالم العربي عما يمكن دعوته بالإسلام الثقافي، بوصفه الكيان الذي يتمثل حصيلة العناصر الجوهرية للوحدة الاجتماعية والسياسية والثقافية والروحية القومية.

وتكشف التجربة التاريخية للأمم عن أن الصعود الحضاري الأصيل والعمران الشامل يستند بالضرورة إلى نواة داخلية تشكل مصدر الإمداد الذاتي والنفي الحر للأفعال الاجتماعية والسياسية والثقافية والقومية. غير أن ذلك لا يعني وضع أو صياغة عقلانية ثابتة المبادئ والقواعد، بقدر ما يعني التأسيس لمنظومة البحث عن علاقة مرنة بالتاريخ تستند إلى قواها الذاتية. وهي منظومة لا يمكن تأسيسها بالنسبة للعالم العربي إلا عبر وحدته العميقة بتراثه الخاص، أي بتجاربه الذاتية المتنوعة والمختلفة ونتائجها العملية. ففي هذه الوحدة تتكشف حقائق التاريخ العربي، بوصفها الحلقات الضرورية لبناء وعيه الذاتي.

ويفترض بناء الوعي الذاتي بالضرورة تجاوز ربط التاريخ الحضاري للعالم العربي وآفاق تطوره بزمن غير زمنه الذاتي. فهو الزمن الوحيد القادر على التحرر من ثقل وأوهام المقارنات الشرطية بزمن الآخرين. وذلك لأن الزمن الثقافي زمن تاريخي مقترن بمنطق الحق والحقيقة لا بمنطق الضعف والقوة. فالأول هو مصدر التصيّر والاستمرار، بينما الثاني عرضة للتغير والزوال.

وإذا كان التاريخ العربي يستمد كينونته الشاملة والمتوحدة في عوالم الملك والملكوت (مستواها الطبيعي والماوراطبيعي) إلى جبروت الإسلام وتوحيديته الثقافية فيما مضى، فان تصّيره الجديد واستمراره الواجب يتوقف على كيفية بناء منظومة الانتماء السياسي والاجتماعي والقومي بمرجعياته الثقافية. فهي المقدمة النظرية لإعادة ترتيب وعيه الذاتي على أسس الإصلاحية العقلانية، ومن ثم بناء الذات العربية وإحياء وجودها المستقل وتنشيطها الشامل في العالم المعاصر.

فالعالم المعاصر يصنع مقدمات جديدة ويضعنا أمام حوافز إضافية تجاه القضايا والإشكاليات الفلسفية الكبرى في التاريخ والثقافة والعقائد والسياسة، مثل قضايا وإشكاليات التطور والتقدم، والتاريخ والغائية، والقانون والصدفة، والتاريخ العالمي والقومي. كما استثارت هذه الظاهرة بقوة أكثر مما سبق إشكاليات البدائل الاجتماعية الاقتصادية والسياسية والثقافية، وقضايا الوحدة والتنوع الحضاري الإنساني.

فالعالم المعاصر لا يقف أمام مفترقات طرق لابد منها، رغم أن المسار العام يبدوا أحديا فيما هو متعارف عليه "بطريق العولمة". أما في الواقع فان العولمة المعاصرة مازالت بلا هوية ذاتية، وذلك لأنها حصيلة تطور ثقافي واحد واقتصاد معولم. بينما المسار التاريخي المستقبلي هو أولا وقبل كل شيء مسار الوعي الثقافي. الأمر الذي يستلزم بالضرورة تكامل مختلف مركزياته الثقافية العالمية. وعند اكتمال مساره "الطبيعي" أو "نهاية التاريخ" الطبيعي عندها يصبح من الممكن الحديث عن عولمة محكومة بمنظومة مرجعيات جديدة تمثل تجارب الكلّ الإنساني بمختلف ثقافاته الكبرى. وما قبل ذلك، أي مما يجري الآن هو مجرد صراع مستمر ومواجهات لن تنتهي ما لم تنته المواجهات الداخلية للمراكز الثقافية أو الحضارية الكبرى في وحدات متناغمة. ولا يمكن بلوغ ذلك خارج إطار الصيغة الفعلية لثنائيات المنطق الثقافي في كيفية حله لإشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي في مراحل التاريخ الذاتي، أي كل ما يستجيب لقانون التاريخ ومنطق الثقافة. والمقصود بالقانون هنا هو  مسار التاريخ الطبيعي الذي يمر ويتحقق بمراحل سبع أساسية، الثلاثة الأولى منها "طبيعية" صرف، والرابعة والخامسة بينية (انتقالية)، بينما البقية (السادسة والسابعة) "ماوراطبيعية". وهي كما يلي:

- المرحلة العرقية – الثقافية،

- المرحلة الثقافية – الدينية،

- المرحلة الدينية – السياسية،

- المرحلة السياسية – الاقتصادية،

- المرحلة الاقتصادية- الحقوقية،

- المرحلة الحقوقية – الأخلاقية،

- المرحلة الأخلاقية -  العلمية

والمراحل الثلاث الأولى هي مسار "التاريخ الطبيعي". والرابعة هي مرحلة الانتقال الثقافية الكبرى، أو العقبة الكبرى أمام الانتقال إلى المرحلة الاقتصادية الحقوقية التي تذلل بصورة نهائية بقايا ومخلفات "التاريخ الطبيعي" للانتقال المنظم إلى التاريخ الماوراطبيعي، الذي تتمثله وتجسده وتحققه المرحلتان الأخيرتان، اللتان تؤسسان لبداية التاريخ الإنساني المحكوم بمرجعية التنسيق الأمثل بين الطبيعي والماوراطبيعي. وما بعدها يبدأ تاريخ المستقبل بوصفه احتمالا عقلانيا إنسانيا.

بعبارة أخرى، إن "تاريخ الحق" أو "الماوراطبيعي" يبدأ بالتشكل الفعلي في المرحلة الثقافية، أي تلك التي تفترض في ذاتها نفي المراحل الخمس السابقة جميعا. فالمرحلة الثقافية الخالصة للأمم هي مرحلة "التاريخ الحق" ونهاية "التاريخ القومي" للأمم. إذ التاريخ الحق هو تاريخ الثقافة (أو النفس العاقلة). وما غيره هو تاريخ القوة الغضبية. أما المكونات الضيقة والمحدودة للتجارب القومية في مستوياتها العرقية والدينية فهي بقايا متحجرة. من هنا فان استعادتها المعاصرة هو نكوص إلى الوراء. بينما المهمة تقوم في لحم الكينونة التاريخية لثقافة الأمة بإشكاليات المرحلة السياسية – الاقتصادية بما يخدم عقد الخلاف الثقافي بين الحضارات والأمم والإبقاء عليها بوصفها خميرة التنوع الدائم في البدائل الثقافية – السياسية. عندها تنفتح بداية المرحلة الحقوقية – الأخلاقية، والمرحلة الأخلاقية - العلمية بوصفهما المرحلتين الأخيرتين لبداية التاريخ الإنساني المحكوم بمرجعية التنسيق الأمثل بين الطبيعي والماوراطبيعي في تجارب المركزيات الثقافية المتكاملة.

أما قانون الثقافة فيجري من خلال فعل ونتائج أربع ثنائيات كبرى هي كل من

- التشاؤم والتفاؤل.

- والفعل والخمول.

- والنفي والإيجاب.

- والعقل والوجدان.

إن تحقيق الانتقال من مرحلة إلى أخرى يجري بأثر فعل هذه الثنائيات وكيفية حلها لإشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي على مستوى الفرد والجماعة والأمة والدولة. ومن خلال هذه المكونات تجري رؤية الماضي والمستقبل. وبأثرها تتبلور معالم الرؤية النظرية والعملية عن الحاضر. ومن هذه المعالم تتولد بدايات الثقافة والحضارة المدركة بمعايير البدائل، أي كل ما يساهم في تكامل واكتمال التاريخ الذاتي. وذلك لأن الرؤية المستندة إلى فكرة البديل، تفترض في تناقض التفاؤل والتشاؤم، والفعالية والخمول، والنفي والإيجاب، والعقل والوجدان، وحدتها بوصفها منظومة متكاملة للبدائل. ومن تعامل هذه المكونات (الثنائيات) النظرية والعملية مع الماضي والمستقبل يتبلور أسلوب وجود الحضارات وثقافاتها. وعادة ما يجري ذلك من خلال تحديد وتفاعل

- اتجاه التفاؤل

- وفاعلية الإرادة

- وكيفية النفي

- ومضمون العقل

إن جميع هذه المراحل انتقالية، بمعنى أن التاريخ عملية مستمرة تحتوي على احتمالات متنوعة من الصعود والهبوط، لكنها لا تنفي مضمون القانون الطبيعي للتاريخ، بل تؤكده بوصفه احتمالا عقليا وإرادة حرة.

ان هذه الصيغة العامة هي بدورها مجرد مقدمة عامة ومكثفة للغاية ستجد طريقها للشرح والبيان والتأسيس بعدد كبير من المجلدات التي تشكل صيغة ومحتوى عملي الفلسفي الاساسي والتأسيس والذي سيظهر تحت عنوان (فلسفة البدائل المسقبلية).

***   ***  ***

ا. د. ميثم الجنابي

 

نضير الخزرجيكما تختلف الأمم في عاداتها وثقافاتها، تختلف في أسمائها ومسمّياتها، ولأن الإسم هو عنوان الإنسان فردا أو جماعة، فله أهميته في حياته وحياة الأمة التي ينتمي إليها، والأسماء وإطلاقها في معظم الأحيان خاضعة لبيئة الفرد ومجتمعه، ومن السهل في عالم التقنية الحديثة التعرف على هوية الفرد وموطنه من اسمه ولاسيّما إذا كانت للأسماء روي أو جناس مثل (أوف) لـ: قادروف أو محمدوف، ومثل (ينهو) لـ: رونالدينهو أو روبينهو، ومثل (سون) لـ: إريكسون ويوهانسون، ومثل (آء) لـ: علاء وسناء، ومثل (يان) لـ: وارطانيان أو مختاريان، فالأول يوحي للسامع أن الفرد من دول ما وراء النهر، والثاني من امريكا الجنوبية والثالث من الدول الاسكندنافية، والرابع من العرب وعموم الدول الإسلامية، والخامس من أرمينيا، وهكذا في بقية المجتمعات التي تسالمت على إطلاق الإسماء على المواليد من وحي البيئة أو المعتقد وعموم ثقافة المجتمع وما يحيط به.

وحيث لا تصل الرسالة الى صاحبها إذا انعدم العنوان أو جهل المكان، فلا يمكن مخاطبة الشخص أو المناداة عليه إذا لم يكن يمتلك إسما أو يجهل المنادي اسمه، فالإسم عنوان وهوية ورسم وشخصية، وما حسن كان له قوة جذب مطردة وما ساء منه كانت له قوة دفع مؤكدة، فالنفس الإنسانية كما تتوق إلى الجمال الظاهري الجسماني والجمادي وتنشد إليه وتنعم نظرها به، تألف الإسم الموسيقي ذا الدلالة الجميلة وتشنّف سمعها به، والعكس صحيح، على أن ميزان الإنشداد إلى الإسم والإبتعاد عنه تختلف خطوطه البيانية صعودا ونزولا حسب طبيعة المجتمع والبيئة، فما يكون حسنا إطلاقه في بيئة لا يستحسن في بيئة أخرى، فبيئة الصحراء غير المدينة، والجبل غير السهل، وكلما زحفت ثقافة المدينة والتمدن على القرية والصحراء والجبال كلما أخذت الأسماء جمالية ورونقا، فصعب يتحول الى سهل، وحرب إلى سلام، وصخر إلى يسر، وعبد اللات إلى عبد الله، وهلمّ جرّا.

ولعل واحدة من العوامل المساعدة على رقي الفرد أو تخلفه في معترك الحياة هو (الإسم) الذي  وضعه له ولي أمره، فبعض الأسماء لصاحبه أن يتباهى به بين أقرانه ويتسلق سلم الحياة بتؤدة، وبعض الأسماء يتوارى به صاحبه وينكفئ على نفسه تحجزه على بلوغ سنام الحياة ورقيها، على أن الأمر ليس بقاعدة، ولكنها ظاهرة للعيان يلمسها كل صاحب ذوق، وقد وجدت من خلال العمل في قسم الأبحاث والتحقيقات في دائرة المعارف الحسينية أن عددًا من الأعلام يحجم في سيرته عن ذكر اسم أبيه أو جده، بل وبعضهم يمتنع عن الإستجابة إن طُلب منه في سياق بيان السيرة الذاتية حتى لا يقع في مخمصة الإحراج، وأذكر في هذا الخصوص أن أحد المفكرين العراقيين المعاصرين كان يمتنع عن ذكر اسم أبيه في المحافل العلمية، ولما كنت بحاجة الى بيان سيرته الذاتية في أحد الأعمال الكتابية، سعيت في الامر فخارت قواي البحثية أو كادت حتى علمت في بعض السنين أنه مدعو إلى مؤتمر إسلامي يعقد في العاصمة البريطانية لندن، ومقتضى الدعوة أن يبعث بصورة عن جوازه من أجل استحصال سمة الدخول (الفيزا)، وقد فعل مما اتاح لي الإطلاع على صورة من جواز سفره ومنه عرفت اسم أبيه، وقد أعذرته عندما عرفت بإسم والده وتساءلت مع نفسي: كيف لأب أن يسمي ابنه بهذا الإسم المندك بالسوداوية كسواد القدر، فإذا كان الإبن يشعر بالحرج بالشديد لذكر اسم والده في المحافل العلمية، فكيف لصاحب الإسم، وكيف شعوره عندما كان ينادى به على الملأ.

حقيقة التسمية وما يكتنفها يتابع أحكامها الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي في كرّاس "شريعة التسمية" الصادر حديثا (2019م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت، في 56 صفحة مكتنفا على (74) مسألة شرعية و(28) تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، مع مقدمة للناشر ومقدمة للمعلق وتمهيد للكرباسي و(38) حديثا شريفا تهدي ولي الأمر إلى قُلّة الأسماء سمينها وغثّها.

شروق الأسماء وكسوفها

في العادة يأتم الإنسان في فعاله وسلوكه بغيره إتباعا أو تأسيا أو تماثلا، سيان بين الخير والشر لا فرق، وفي ميدان الخير يمثل النبي أسوة حسنة، والصالح أسوة، والعظيم أسوة، والفنان أسوة، فكل مبدع في حقله هو أسوة، ومن ثمار الأسوة أن يطلق الأب على ابنه اسم من يعتز به من عظيم أو مبدع، ومن الأسوة أن يتبع المرء ما يدعو إليه صاحب الأسوة.

وفي مقام التسمية، فإن الأسوة الحسنة هو إتباع من يدعو إلى الجمال والأسماء الحسنة، وهذا ما كان عليه ديدن نبي الرحمة محمد بن عبد الله (ص) في إطلاق الأسماء على بنيه وأسباطه وأصحابه أو يغير أسماء المسلمين الجدد نحو الأحسن، فكيف اذا جاء الإطلاق من الرب الجليل؟، فهو إشارة إلى أهمية التسمية، وبتعبير الفقيه الكرباسي في التمهيد: (فالتسمية ضرورة بدأها الله جلّ وعلا وعلّمها خلقه وسنَّ التعامل بها وعلّمهم ذلك، وحثّهم على تسمية الأشياء والأعيان بأفضل الأسماء وأحسنها).

 ولدور التسمية في حياة الفرد والأمة كما يضيف الكرباسي: (وردت التسمية في القرآن الكريم إحدى وسبعين مرة، يقول سبحانه في محكم كتابه الكريم: "وعلّم آدم الأسماء كلّها" البقرة: 31، ليتمكن من التفاهم معه كما يمكّنه من التعامل معها، وقال جلّ وعلا: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها" الأعراف: 180، وهو الذي سمى الأنبياء بأسمائهم، فسمّى آدم قبل أن يخلقه وناداه به حينما قال: "يا آدم أنبئهم بأسمائهم" البقرة: 32، وسمّى يحيى النبي بيحيى حيث يقول: "يا زكريا إنّا نبشِّرك بغلام اسمه يحيى" مريم: 7، وسمى عيسى إذا قال جلّ وعلا: "إنَّ الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى" آل عمران: 45، وسمّى النبي الخاتم حيث يقول: "ومبشِّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد" الصف: 61، كما إنه اختار تسمية المسلم حين قال جلّ جلاله: "هو سمّاكم المسلمين من قبل" الحج: 78).

ومن هذه النصوص ومن غيرها يُدرك أهمية التسمية حتى بالنسبة للسقط، فالأمر لا يتوقف على المولود حيّا، وفي الحديث النبوي الشريف: "سمّوا أسقاطكم، فإن الناس إذا دعوا يوم القيامة بأسمائهم تعلّق الأسقاط بآبائهم فيقولون لِمَ لَمْ تسمّونا؟ فقالوا يا رسول الله(ص) هذا مَن عرفناه أنه ذكر سمّيناه بإسم الذكور، ومَن عرفنا أنها أنثى سمّيناها بإسم الإناث، أرأيت مَن لم يستبن خلقه كيف نسمّيه؟ قال: بالأسماء المشتركة مثل زائدة، وطلحة وعنبسة وحمزة".

بل وأكثر من ذلك أن قام الإستحباب على إطلاق التسمية على الجنين قبل أن يولد، وفي الحديث عن الإمام علي(ع): "سمّوا أولادكم قبل أن يولدوا، فإن لم تدروا أذكرٌ أم أنثى، فسمّوهم بالأسماء التي تكون للذكر والأنثى، فإن أسقاطكم إذا لقوكم في يوم القيامة ولم تسموهم يقول السقط لأبيه: ألا سمَّيتني وقد سمَى رسول الله (ص) محسنًا قبل أن يولد"، ويعلق الفقيه الكرباسي على الحديث في إلتفاتة علمية لطيفة: (يُشعر من كلام علي(ع) إمكانية معرفة جنس الجنين قبل أن يولد) وهو ما تحقق بالفعل في الفترة الأخيرة عبر جهاز كشف خاص بالأمواج الصوتية يُعرف بالسونار (Sonar) وهو شبيه بما لدى طائر الخفّاش كما يقول العلماء.

من هنا يفيد الفقيه الكرباسي في "أحكام التسمية وشرائطها" وجوب إطلاق الإسم وعدم التهاون في الأمر، إذ: (يجب على ولي الأمر الطفل أن يُسمّي المولود)، وبتعبير الفقيه الغديري في تعليقه: "وذلك من الحقوق الواجبة على مَن له الولاية على الطفل حقًّا وحقوقًا، سواء فيه الوالد وغيره"، وزيادة على هذا الحق، أن يحسن الولي اختيار الإسم اللطيف، فمن وصايا النبي(ص) التي أملاها على وصيِّه(ع): "يا علي حقٌّ الولد على والده أن يُحسن اسمه وأدبه، ويضعه موضعًا صالحًا، وحق الوالد على ولده أن لا يسمِّيه باسمه"، واطلاق الإسم الحسن هو عنوان البر، فعن الإمام موسى بن جعفر الكاظم(ع): "أوّل ما يبرُّ الرجل ولده أن يسميه باسم حسن، فلحسن أحدكم اسم ولده".

يجب وما لا يجب

ولا يختلف الذوق العام إزاء التسمية بين ذوات الأرواح والجمادات، فما يُستحسن في تسمية الإنسان ويقبح يستحسن في تسمية الجمادات ويقبح، فالأسماء الجميلة للمحلات والأسواق والمطاعم عامل جذب للمتسوقين والمتبضعين والآكلين، فالنفس البشرية ترتاح للإسم الجميل كما ترتاح للمنظر الجميل.

وهذه الخاصية تحمّل ولي أمر الوليد مسؤولية اختيار الإسم واستحسانه واستظرافه، وهو ما يدعوه الى معرفة ما له وما عليه في هذا الإطار وعدم التهاون لئلا يقع في المحظور الشرعي والأخلاقي والإجتماعي.

ومن الأمور التي ينبغي معرفتها كما يشير إليها الفقيه الكرباسي في مجموعة مسائل منها: (يحرم تسمية الإنسان بالأسماء التي تخص الله كلفظ الجلالة "الله")، نعم يصح ذلك إذا أضيف إسم الجلالة إلى مضاف ويُراد منه الشيء الحسن كما هو الغالب في ثقافات بعض الشعوب، ويستشهد الكرباسي على ذلك في مثل إطلاق إسم "الله بخش" أي عطاء الله، أو "الله آباد" أي حي الله ومدينة الله، ومثلها مثل "إسلام آباد" أي مدينة الإسلام في باكستان، ومثلها في إيران "إسلام شهر".

ومن الجواز والإستحباب: (تجوز التسمية بأسماء الأنبياء والمرسلين بل يستحب ذلك)، ولما كان "روح الله" هي من صفات السيد المسيح (ع)، في قوله تعالى: [إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ] فنجد بعض الشعوب تطلق على أبنائها اسم "روح الله" تيمنا بنبي الله عيسى بن مريم عليهما السلام، وفي هذا السياق: (تجوز التسمية بالعبودية للأنبياء والمرسلين والأئمة المعصومين (ع) كعبد المحمد وعبد علي وعبد الحسن وعبد الحسين، وأمَة المصطفى وأمَة حيدر وأمَة فاطمة وهكذا)  ولكن بشرط كما يضيف المعلق: "أن لا يُقصد منه العبودية بالمعنى الخاص كما هو الدائر بين بعض الطوائف غفلة أو شوقًا أو ولاءً إفراطيا أو تطرفا، مثل لو سمّى شخص إبنه عبد الحسين معتقدًا بألوهية الحسين (ع)، وذلك يُحرم قطعًا ويجب إرشاده".

وقد يصادف الإنسان من اسمه كلب محمد أو كلب حسين أو كلب عباس لإظهار شدة الولاء للنبي محمد (ص) وأهل بيته كما هو في شبه القارة الهندية وآذربايجان وبلاد ما بين النهرين، ولكن الفقيه الكرباسي يعقب بقوله: (لا نعتقد أن الرسول (ص) وأهل بيته يحبذون مثل هذه التسميات، وما تبرير بعض الناس بأنها مخففة كربلائي عباس وكربلائي محمد غير صحيح، لأنّ الباء مؤخرة عن اللام أولاً، ومختصره يكون كرب عباس وكرب محمد ثانيا)، وللفقيه الغدير تفسير آخر بمؤدى الولاء الشديد حيث يعقّب: "وأما الذي اعتادت عليه بعض الملل بتسمية أولادهم بالكلب بخصوصه مثل: كلب الحسين، كلب العباس، كلب العابد، بلحاظ وفائه بصاحبه في الحفظ والحراسة عن نفسه وماله فلا بأس به، وهذا هو الأمر المتعارف عليه في القارة الهندية، وإن كان الأفضل ترك ذلك لعينية نجاسته، وأما الأسماء التي لا جهة إيجابية لها بارزة فاختيارها لا يخلو من إشكال كالحمار وجهنم، وقد يحرم إذا كان يوجب وهن المسمّى به شخصًا أو قومًا أو معتقدًا".

وللمرأة هويتها

ولما كان للأنثى ما للذكر من حق التسمية لذا: (يكره تسمية الذكر بإسم الأنثى وبالعكس إذا لم يسبب حرجًا للأولاد في الكبر وإلا حرم)، ولكن كما يضيف المعلِّق: "تُرفع الكراهة بالإضافة كما لو سمّى الإبن نسيم الحسن والبنت نسيم فاطمة مثلا" وهو الشائع في الهند، وفي باكستان القادم منها المعلِّق، نعم: (لا كراهة في تسمية الإنسان بالأسماء المشتركة مثل جمال وحكمت).

ولأن للمرأة حرمتها واحترامها في بعض المجتمعات، فإنها إن فارقت الحياة وأريد الإعلان عن ذلك عبر إقامة مجلس فاتحة وترحيم لها، فإن ذويها كما في العراق وفي غيره يحجمون عن ذكر اسمها ويشيرون إليها بالعُلقة كأن يكتبوا "عقيلة فلان بن علان الفلاني" أي زوجته، أو "كريمة فلان بن علان الفلاني" أي ابنته، أو "والدة فلان بن علان الفلاني"، وهكذا في بقية النسب "شقيقة فلان" أو "خالة فلان" أو "عمّة فلان" أو "جدة فلان"، من هنا واحترامًا للعرف الإجتماعي: (يجوز ذكر أسماء الأنثى عند غير المحارم إلا مع عدم رضا الشخص نفسه)، ويضيف الفقيه الكرباسي: (تسمية الأنثى عند غير المحارم إذا كان مستهجنًا عند شريحة من الناس وكان يسبب إيذاءً فلا يجوز ذلك، حيث جرت العادة عندهم بعدم ذكر أسماء حريمهم احترامًا وتكريما).

 ولكن قد يقع الحيف على الأنثى عند بعض المجتمعات، فحينما يولد للرجل أنثى يكنى بها وما إن يولد له ذكر فيعدل هو أو يعدل المجتمع إلى تكنيته بالذكر دون الأنثى حتى وإن كان الفاصل الزمني بين ولادتهما سنوات طوال، ولكن بعض المجتمعات يزيد من ظلمها للمرأة عندما يستخدم بحقها الزوج أو الأب كلمات يفهم منها السامع التصغير أو التحجيم او حتى التحقير، ولهذا يؤكد الفقيه الكرباسي أنه: (لا يصح ذكر إسم الأنثى سواء بالصراحة أو بالإشارة واستخدام كلمة "تُكرم" تحقيرًا للمرأة كما في بعض المناطق العربية والقرى غير المتحضرة).

وأخيرا وليس آخر فإن المرء وليدا كان أو كبيرا، ذكرا كان أو أنثى هو محل احترام وتقدير، وإذا حسن الإسم كان أول الطريق على حسن المقام، لما للإسم الزاهي من تأثير إيجابي على نفسية المرء وسلوكه، ولا أزهى من "محمد" وهو القائل: "إذا سميتم الولد محمدًا فأكرموه وأوسعوا له في المجالس، ولا تقبحوا له وجهًا" و"البيت الذي فيه محمد يصبح أهله بخير ويمسون بخير" كما يقول حفيده الإمام علي بن موسى الرضا(ع)، ومثل هذا: "إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ألا ليقُم كل من اسمه محمد فليدخل الجنة لكرامة سميّه محمد" كما يقول حفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع)، ولكن بشرطها وشروطها ومن الشروط حسن الولاء والبراء والوفاء بحق الله وحق المجتمع.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

علي المرهجخصص فلاح رحيم الفصل من كتابه عن سعيد الغانمي بوصفه أنموذجاً لحل مشكلة أزمة التنوير، أو أن ما كتبه الغانمي يُعد بمثابة خلق "فجوةً ثقافيةً" بين المثقف والجمهور!، ورغم أهمية ما كتبه وترجمه سعيد الغانمي ونيله لجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2017 عن كتابه "فاعلية الخيال" إلَا أنه لا ينظوي ضمن إطار حركة التنوير إن كانت موجودة في العراق، لأن حركة التنوير هي من نتاج مرحلة الحداثة التي روَجت لقيمة العقل الإنساني في اجتراح قيَم الحياة بعيداً عن هيمنة الميثولوجيا، وسعيد الغانمي يُدافع عن الميثولوجيا ويدعو إلى ضرورة تخليصها من هيمنة التاريخي والواقعي العقلاني سواء في كتابه "خزانة الحكايات" أو في كتابه "الكنز والتأويل" أو كتاب "ينابيع اللغة الأولى"، بل يسعى إلى "الكشف عن الخفي اللاتاريخي اللازماني المطمور في كتابات الأولين من معان" (ص134) ولا أعرف بأي معنى يكون الغانمي قد "واجه ميراث التنوير المأزوم"!!، الذي وصفه فلاح رحيم على أنه مرتبط بالسياق الأوربي لظهوره. ويبقى السؤال هو هل يكون التنوير تنويراً حينما يغيب تأثيره في حركية ودينامكية الواقع المتغير لحياة المجتمع الذي يعيش فيه الكاتب؟!، فخُذ (كانت) مثال التنوير لتجد المفارقة، ولك في فولتير ومنتسكيو وديدرو وجان جاك روسو مثالاً يُحتذى في فهم المفكر لديناميكية الواقع وصياغته للنظرية بما يجعلها فاعلة ومؤثرة في إحداث النُقلة الحضارية والفكرية وتغيير نمط الوعي السائد، فما هو تأثير كتابات الغانمي لا أقول في المجتمع، بل في الوسط الثقافي الذي هو جزء منه؟!. وأنا هنا لا أقلل من أهمية نتاج الغانمي الثقافي، ولكن تأثير هذا النتاج يبقى محدوداً أو محصوراً في أطر ثقافية ضيقة تكاد تقتصر على النُخبة المُهتمة التي تشتغل بمنطقة قريبة من اهتمامات الغانمي. وإن كان فلاح رحيم قد تناول الغانمي بوصفه مثالاً للمثقف الذي بقي نُخبوياً يعيش الفجوة بينه وبين المُجتمع، فذلك مما لا أظنه ينطبق على كتابات الغانمي التي في أغلبها تُحاكي المجتمع في تنوع تمظهراته العقلانية واللاعقلانية، فهو ينهل من الأسطورة ومن غرائبية وسحرية بورخيس أنوذجه الأنسني الذي يخترق أفق التنوير الحداثي بمنطقه العقلاني الصارم، بل حتى في ترجماته إنما ينهل من فضاء التأويل بوصفه إثراء للمعنى وخروج عن ضبط المنطق العقلاني بطابعه الأرسطي القياس أو بطابعه الاستنباطي الرياضي عند فلاسفة المدرسة العقلية، ليلجأ لترجمة بعض من مؤلفات بول ريكور "الزمان والسرد" وبواعث الإيمان" لبول تيليش، بل وحتى حينما ذهب لترجمة بعض نتاج الفلسفة الكانتية، نجده يذهب لترجمة كتاب "نقد ملكة الحُكم"، وهو كتاب في فلسفة القيم، ومن ثم ترجم كتاب أرنست كاسيرر "اللغة والأسطورة"، وجُلَ هذه الكتابات، إن لم تكن جميعها، إنما هي سعي من سعيد الغانمي لردم أو سد "الفجوة الثقافية" بين ما هو نُخبوي وبين ما هو اجتماعي شعبي سائد.

بعد كل هذا هل الغانمي يُمثل أنموذجاً "لمواجه ميراث التنوير المأزوم"؟، أم هو أنموذج أمثل لوجود الفجوة بين المُثقف والمجتمع في كتاباته!. لا هذا ولا هذه، فالغانمي يختط لنفسه مشروعاً في الترجمة والتأليف كي يكون منطقة وسطى بين ميراث التنوير العقلاني بنزعته الصارمة ومُتبنيات المجتمع التخيلية والأسطورية التي تخترق أفق هذه العقلانية الصارمة لتكشف لنا عن عوالم جمالية في الأسطورة والحكايات الشعبية تخترق أفق المنطق العقلاني البرهاني لتكشف لنا عن مكامن الوجدان الذي يتجاوز حسابات المنطق وعقلانية التنوير بتقييدها للعقل في حدود الواقع وفق تصوراتنا العقلية أو التجريبة.

ولك أن تختار من مفكري النهضة العربية والفكر العربي المعاصر أمثلة كان لها دورها الفاعل في رسم خارطة جديدة للوعي العربي ما قبل احتلال فرنسا لمصر وما بعدها، وما قبل هزيمة حزيران وما بعدها، فخذ شاهداً على قولنا ما كتبه الطهطاوي أو الأفغاني أو الكواكبي، أو محمد عبده أو فرح أنطون، أو اسماعيل مظهر، أو سلامة موسى، أو طه حسين، أو أركون، أو الجابري، أو نصر حامد أبو زيد...إلخ.

هل يمكن لنا أن نجعل من مقولة الغانمي بفاعلية الخيال الأدبي مشروع رؤية لتنوير عراقي؟ أم أنموذج لتوسيع الفجوة الثقافي، أو ربما ردمها لتجسير العلاقة بين المثقف والمجتمع؟ لا جواب عندي لهذا السؤال وفق ما طرحه فلاح رحيم في كتابه هذا، وما يسعى له الغانمي.

لقد أرَقنا الخطاب البياني، وجعلنا سحر اللفظ وهيامنا بموسيقاه ورؤاه الشاعرية نعود القهقري. وهل يمكن لنا نحن الذين غيًب عقولنا فعل المخيال الأسطوري أن نكون مأخوذين بسحره ولا ننتقده طالما كان نقدنا له من خارجه كما يدعو لذلك الغانمي؟ هل يُريدنا الغانمي أن نعيش وفق مُقتضيات العقل الأسطوري كي نتمكن من نقده؟ وهل فعلاً أن من يهيم عشقاً ووثوقية بالفكر الأسطوري يستطيع أن يُمارس فعل النقد؟!. فالغانمي يرفض بأي حال من الأحوال فهم الفكر الأسطوري وفق الرؤية العقلانية والتاريخية!. أنا أعتقد أن هذا الأمر ممكن لو مررنا بما مر به الغرب من نقد تاريخي وعقلاني لمنظومته الفكرية الدينية والأسطورية، فعاد في مرحلة "ما بعد الحداثة" بعد أن أعاد للعقل الإنساني هيبته ودوره وفاعليته في رسم قوانين حياته الدنيوية، عاد ليُتيح لبعض من رغبات الإنسان ونزواته بعض الحرية للخلاص من هيمنة وسطوة النظام العقلاني وصرامته. أما أن نسير نحن بركاب ما بعد الحداثة ونحن لم نعش أعطيات الحداثة في نقد الفكر الديني والميثولوجي، لنبحث في أطروحات ما بعد الحداثة عن دفاع شكلي كمالي عن نزوات ونزعات الإنسان للعيش وفق نمط الوعي الجامح للخيال، وهذا مما يُمكن تقبله إن كُنَا قد مللنا من هيمنة وسطوة "العقل البرهاني".

وهل يكفي أن يكون الكاتب قارئاً جيداً للمناهج الحديثة، وموظفاً لها في كتاباته، كما هو الحال مع الغانمي الذي وظف بنيوية شتراوس الذي أعطى للأسطورة أهمية كُبرى في كتاباته الأنثربولوجية توثيقاً لبدايات الإنسان الأولى، أن يكون تنويرياً أو خارج دائرة التنوير؟ فنحن في قرائتنا لكتاب فلاح رحيم وقعنا بين الـ "إما" و الـ "أو"، فإما أن يكون المُثقف تنويرياً، والتنوير يعني ردم الفجوة بين المُثقف والمُجتمع، أو يكون خارج دائرة التنوير لأنه لم يستطع ردم أو سد هذه "الفجوة"!.

ولكن ألا يُمكن للكتابة أن تكون فعل ذاتي، أو تعبير عن ملاذات الذات ووجدها ووجدانها، وهي بذلك تعبير عن إنفعالات ذاتية وتفريغ لطاقات "قراءة" مُتراكمة وعقل مشحون، يروم تفريغ هذه الطاقة تعبيراً عن الوجد والوجود الذاتي، فهل من تصنيف لهكذا نوع من الكتابة عند فلاح رحيم؟ هل هي كتابة تردم أو تسد الفجوة" أم تُزيد في توسعتها؟!.

إن قيمة وأهمية الكتابة "التنويرية " هي في طرح المفكر لمُنتجه الفلسفي والثقافي على أنه سعي لتحقيق وظيفة اجتماعية، وهذه الوظيفة إنما تتحقق حينما يتخذها المجتمع أنوذجاً له في التغيير الثقافي أو الفلسفي، والاجتماعي، فتكون قيمة مثل هكذا فكر مُقترن بمقدار ما يُحدثه من تجديد أو تغيير في نمط التفكير الثقافي أو الفكري أو الديني أو الاجتماعي السائد، وبأقل الأحوال بما تُحدثه الكتابة من إضافة تُغير مسار الرؤية الثقافية أو الاجتماعية السائدة، لنقلها من طابعها السكوني الستاتيكي القار إلى طابع آخر أكثر حركية وديناميكية، لهدم المنظومة المعرفية السائدة أو تقويضها، عبر رؤية نقدية لإشكالية التخلف التي يُعاني منها المجتمع العربي على وجه العموم والمجتمع العراقي على وجه الخصوص، ولك في كتابات محمد عابد الجابري مثال تقتدي به، فعلى الرغم من كل ما أثارته وما تُثيره كتاباته من نقد، إلَا أنها بشهادة كبار المفكرين العرب أنها قد حركت العقل العربي بعد ركود طال أمده.

عُرف الدكتور حسن ناظم بوصفه ناقداً ومُترجماً، ومن كتاباته بوصفه ناقداً كتب مثل: البنى الأسلوبية ـ دراسة في قصيدة أنشودة المطر للسياب، ومفاهيم الشعرية ـ دراسة في الأصول والمفاهيم، وأنسنة الشعر، والنص والحياة.

ولست بناقد حتى يتسنى الحُكم على جهود حسن ناظم النقدية، ولكنه من النُقاد العراقيين الذين لهم حضورهم وتأثيرهم في النقد العراقي المعاصر، من أمثال:      د. حاتم الصكر، ود. ناظم عودة، ود. يوسف إسكندر، ود. سعيد عبدالهادي، ود. حيدر سعيد، ود.عصام العسل، وآخرون كُثر.

د. حسن ناظم اليوم هو مُدير كُرسي اليونسكو لتطوير دراسات الحوار في العالم الإسلامي، ورئيس تحرير مجلة "الكوفة" الأكاديمية، ومُدير سلسلة "دراسات فكرية"، وهي سلسلة تصدرها جامعة الكوفة التي تميزت بإصداراتها ودقة إختياراتها للمنشورات الصادرة منها.

أما ترجماته فكان الدكتور علي حاكم مُشاركاً له فعاشوا مصاعبها في تحويل المعنى من مجال تداولي مجال تداولي آخر، فاختارا نصوصاً فلسفية وفكرية مهمة قدماها هدية معرفية للثقافة العربية.

عُرف بترجماته أكثر مما عُرف بدراساته في النقد الأدبي، فقد ترجم وبمعيته د.علي حاكم كُتب فلسفية وفكرية عدة، أهمها كُتب غادامير: (بداية الفلسفة)، و (الحقيقة والمنهج) و(طُرق هيدغر) و(التلمذة الفلسفية) اللذي مثل نتاجه الفلسفي ردَ فعل على أفاعيل عصر التنوير في هيامه بالعقل وثقته بالنظرية العلمية، وتغييبه لدور الفن ومناحي الحياة القيمية في الأخلاق والجمال، وتلم من تجليات الحضور الإنساني في الحياة، ولكن التنوير غيًبها بفعل تسارع تأثيره.

اهتم د. حسن ناظم بدراسة الشعر، ومنه شعر السياب، وشعر فوزي كريم، جادل وحاور عبدالله الغذامي في كتابه "النقد الثقافي" لينحاز لشعر فوزي كريم الذي تخلص فيه من التبعية والتقليد للنتج الشعري الغربي في حداثته، عبر العودة للتراث والتجربة الإنسانية الحرة النابعة من الذات نفسها، من قلقها وفرحها، من هيامها وضياعها،من وجودها وعدمها.

لم يتخلص حسن ناظم من هيمنة المناهج الغربية في قراءته للشعر العراقي ونقده أو تشريحه، سواء في دراسته الأسلوبية لشعر السياب، أو في دراسته لشعر فوزي كريم، وإن لم يستخدم في قراءته لشعر فوزي ذات الأدوات التي استخدمها في قراءته لقصيدة السياب "أنشودة المطر".

ما ركز عليه فلاح رحيم في كتابه "أزمة التنوير العراقي" في قراءته لنتاج د. حسن ناظم هو ربط الأخير لتجربته النقدية في قراءة الشعر بمُهيمنات أيديولوجية حكمت أشكال نمطية من الشعر العراقي، تجاوزها السياب وفوزي كريم، كل على طريقته، وهذا لا يعني خروج شعر هذين الشاعرين عن هيمنة الأيديولوجيا وتأثيراتها في صياغة صورهما الشعرية، ولكنها لا تُدرج ضمن نسقية النمط السائد من الشعر المُتفاعل "دوغمائياً" مع السلطة، كما هو الحال في شعر عبدارلزاق عبدالواحد، أو ضدها، كما هو الحال في شعر سعدي يوسف ضد سلطة البعث وصدام، أو في موقفه الآخر المُناهض للسلطة الحالية التي يعدَها نتاج أمريكي.

هناك بعض تأثير وحضور للرؤية الماركسية في شعر السياب، وكثير من التأثير والحضور للوجودية في نزوعها الصوفي في شعر فوزي كريم، وانحياز حسن ناظم لتجربة فوزي كريم الشعرية لا سيما في الفصل الثالث من كتابه "أنسنة الشعر" الموسوم "الذات ينبوعاً للتجربة الشعرية"، بحسب ما يرى فلاح رحيم (ص190)

ولكن هل يجعل كل ما كتبه حسن ناظم من نقد يندرج ضمن مشروع يُمكن أن يُقال عنه أنه "تنوير عراقي"، أو أن هذا التنوير قد مرَ بأزمة، لأن حسن ناظم قدَم "بديلاً تأويلياً عن المنهجية النقدية الاختزالية (ص187) في قراءته النقدية لشعر فوزي كريم!. وفي كتابه "النص والحياة" الذي خصصه لقراءة نتاج "سعيد الغانمي النقدي"، وإن كان فلاح رحيم يرى أن في كلا النتاجين، نتاج الغانمي وحسن ناظم "دلالة على أزمة يُكابدها التنوير العراقي في يومنا هذا" (ص173)، ولم أعرف هل يقصد أن كتابات الغانمي وحسن ناظم هي بذاتها مثال عن هذه الأزمة وتكريس أمثل للـ "الفجوة الثقافية"؟! أم أن كتاباتهم عن الآخرين وتشريحهم لها يعني أنهما كشفا عن هذه الأزمة؟!.

سأعود لأقول أن فكر التنوير مُرتبط بقدار ما يُحدثه من تأثير في تغيير نمط الوعي الثقافي أو المُجتمعي، وإحداث ثورة وقب للـ "البرادغيم" السائد، لتقويضه، وإيجاد "برادغيم" آخر (جديد يحل محله بعبارة (توماس كون). إنه قلب لنظام القيم سواء أ كان هذا الإنقلاب معرفياً أو كان قيمياً، ولربما كلاهما معاً.  

 

ا. د. علي المرهج – أستاذ الفلسفة

 

666 غوايات القراءةسأل أخي د. سعيد المرهج بعض من أخوتي الذين يحارون بنقل كُتبه من مكان إلى آخر لأنه كان كثير التنقل في السكن لملل أحاق بهم لا بسبب نقل آثاث البيت، إنما بسبب نقل الكتب لكثرتها، هل قرأت كُل هذه الكُتب؟ فأجاب: أخواني: "ترى واهسي بالكتب واهس مطيرجي يحب الطيور، هسه مو شرط كلها يطيرها، ولا شرط يوميه يتأمل بكل طيوره ويفحصها واحد واحد"..وأكمل كما ذكر علي حسين في كتابه "غوايات القراءة" على لسان (جبرا ابراهيم جبرا) "لم أقرأها كُلها إنما اطلعت عليه".

أغنية الدلوعة (صباح) شمس الغنية وهي بالأصل مثل مصري شائع يقول "الغاوي ينقط بطاقيته، الغاوي، تسلملي عينو وعافيتو الغاوي".

وعلي حسين غاوٍ للفكر والثقافة، وهو يُخرج من جعبته بحسب مكنته المعرفية ما لا يبخل به على جعل القراءة عُرساً ثقافياً.

استغرقت الكُتب جُلَ حياة علي حسين، ومن يعرفه عن قُرب يعرف صدق هذه العبارة، تمنحه القراءة القُدرة على رؤية العالم رؤية أكثر عُمقاً وتجدداً ودرايةً.

القراءة مكمن المعرفة، فلا قُدرة على الفهم من دون تمكن ومواصلة على القراءة، ولا وجود لـ "لغة تعبيرية" تختزل القول عن الحال والمآل خارج تأمل العالم عبر اللغة المُحتواة في القراءة.

لا يستطيع علي حسين وأمثاله تصور العالم بلا كُتب، مثلما لا يستطيع غيره تصور العالم من دون العيش وسط هوايته أو غوايته.

القراءة لذَة واستراق للمعرفة، فأنت لا تُنتج لُغتك الخاصة إن كُنت شاعراً أو سارداً أو ناقداً أو مُفكراً إذا لم تستمر بالقراءة، وليست القراءة في مسك كتاب ومحاولة استكمال قراءته من أجل أن نقول أننا نقرأ، إنما القراءة هي هضم لرؤى الكُتَاب الكبار واعادة صبها بلغة يصهرها القارئ المُميز أو الـ (super Reader) بلغة آيزر.

الكُتب تجارب وحياة تُعاش مرة في عوالم القراءة، وأخرى في عوالم التجربة والحياة.

رغم أن القراءة عند علي حسين غواية أو مُتعة إلَا أنه لا تقف عند هذه الحدود، بل تقفز عليها لتُحيل المقروء إلى نص آخر من نتاج قارئه.

في القراءة إنقاذ للعقل من الركود والوقوع رهينة لهيمنة العقل السحري والغيبي والنزعة الاتباعية.

في القراءة اختيار لمن تبتغي الحوار معهم، وعقدٌ لصداقات مجانية مع المفكرين والمُبدعين،ولك أن تختار أميَزهم حسب ذائقتك لتعيش معهم مُحاوراً لهم تشعر بنبض تحولاتهم المعرفية والثقافي وحتى الحياتية.

في القراءة تختار أن تُصادق الكبار وتنهل من معارفهم.

من خلال القراءة تعرف الكيفية التي تُخاطب بها خصومك وأصحابك، فلك أن تغرف من فضاءات المعنى المُتاحة فيها المفردات التي تُمكنك من الاطاحة بالخصوم، وكسب الأصحاب عبر فيوضات اللغة ومفاهيمها المُكتزة تعبيراً نقدياً لا فضاضة فيه بقدر ما فيه من تعجيز لخصومك لعقم ما هُم فيه من جدبَ ثقافي، وكسب أنسني لمن هُم لفضاء محبتك وتعابيرك اللغوية يعشقون. إن "القراءة الذكية تُنقذ الإنسان من كُل شيء، حتى من نفسه" كما يقول (دانيال بيناك)، وتُكسبه أصحاباً يهيمون في بيان ألفاظ الكاتب ووقدرته على بناء الأفكار والمعاني.

لا تستطيع وإن كُنت قارئاً حصيفاً أن تلم بكل ما يُتيح لك علي حسين من فضاءات الحوار مع الكُتاب والمُفكرين الكبار.

علي حسين شغوف كما هو حال (فوكو) بتقديم الفكر والفلسفة للقارئ بكتاب "يحمل الكثير من المُتعة والتشويق".

الكُتب حدائق غنَاء تُقدم لك ما لا تجده في الواقع، فكل كاتب كبير يصنع حديقته ويُنسق أزهارها بذكاء يُحيلك لهندسة بساتين الورد الهولندية أو اليابانية أو اختر ما تشاء من جمال ما يصنعه مهندسوا الحدائق في الزمن الجميل، وكما قال الإمام علي (ع)"الكُتب بساتين العُلماء".

النصوص العظيمة المقروءة هي فضاءات للمعرفة والتماعات أناس خبروا الحياة فصاغوها قلائداً تُزين صدور القارئين في باطنها وما يخرج من دررالكلام على شفاهها. "مهمتي أن أستعين بقوة الكلمة لكي أجعلك تسمع، وأن أجعلك تشعر، وقبل ذلك أجعلك ترى"، تلك هي عبارة (جوزيف كونراد) ليضع القارئ أمام الكاتب بوصف الكتابة مسؤولية على الكاتب الألمعي أن يُصيغها كما الصائغ الماهر الذي يُجيد صياغة الحُلي من الذهب والماس أو الأحجار الكريمة، والمفردات منثورة في المعاجم والقواميس وفي تداولنا الشفاهي العام، ولكن آتني بمن يستطيع أن يصنع من هذه المُفردات جُملاً تسكن المُخيلة وتخترق الزمن لتعيش خالدة...إنهم هؤلاء الكُتاب الكبار الذين يصنعون من المُفردات اللغوية جُملاً بهيةً كعقود اللؤلؤ أو الماس، لتعلم منهم كيف يُمكن لنا مُجاهدة النفس والتصارع مع اللغة لعلنا نستطيع نظمها، وإن تمكنا من صناعة عقد من اللغة بهي إن كان بلغة شعرية جمالية أو بلغة استدلالية فلسفية برهانية فذلك هو الفوز العظيم!.

"إذا الكتاب الذي نقرأه لا يُوقظنا بضربة على الرأس، فلماذا نقرأه إذاً، فالكُتب التي تجعلنا سُعداء هي نوع من الخديعة" كما يقول (فرانز كافكا)، فـ "كُل الكُتب تتحدث، لكن الكتاب الجيد هو الذي يُصغي أيضاً" بعبارة (مارك هودن)، فصحيح أن مهمة الكاتب الانتاج النصيَ الابداعي، ولكنها لا تكتمل إلَا بوجود قارئ غاوٍ يُجيد الكاتب الحيَ سماع صوته وحواريته في القبول أو الرفض، فالقراءة مشروع كتابة لم يكتمل بعد، واستكماله ما سيتركه هذا المشروع من أثر في نفوس وعقول القُرَاء.

"معرفة القراءة هي أفضل شيء حدث ليَ" هكذا يقول (ماريو فارغاس بوسا)، وهذه جُملة في غاية الاكتناز، فلا يقصد (بوسا) تعلمنا للقراءة، إنما الذي يقصده من قوله هذا هو قُدرتنا على اختيار ما نقرأ، وتحديد المجال الذي نستطيع أن نفهم به ما نقرأ، فليس المهم أن تقرأ، إنما المهم هو أن تعرف ماذا تقرأ؟ وكيف تقرأ، ولماذا تقرأ؟.

هناك من يقول أنني أقرأ من أجل القراءة، ولكن هذا ليس صحيحاً بالمرة، فالمكتوب ملايين والمهم آلافاً مؤلفة منه، فعليك أن تُحسن الاختيار لما يهمك من عوالم القراءة كما الرياضي، فهو يعرف بالتأكيد أنواع الرياضيات، وينهل من تنوعاتها بحسب الحاجة، ولكنه يختار مجالاً له كي يكون أكثر اتقاناً له وحرفية به ودراية، وهكذا هي القراءة، وبغيرها ستشعر أنك تائه تشعر بالضياع إن لم تصل إلى درك أحط ألا وهو الجنون، فليس الهمَ الأقصى هو أن تقرأ، إنما الهمَ الأقصى أنك تعرف ماذا تقرأ ولماذا تقرأ.

القارئ القارئ يعيش أكثر من حياة، فمع كل كتاب جديد لكاتب جديد عبقري يعيش حياة جديدة، أما الذي لا يقرأ فلا يعيش حتى حياته الخاصة. القراءة تمنحك الأمل وتُشعرك بأن ستعيش حياةً بهيةً أبديةً. ولا تظننَ أن البهاء في السعادة من دون معرفة، فلربما هُناك بهاء في المعرفة يُشعرك بقيمة الحياة وبيقيمتك في هذا الوجود فيه لذة ولكنها لذة لا يُفارقها الألم، فلا أشعر بالوجود الحقيقي فقط في "تحصيل السعادة" بعبارة الفارابي، وإن كانت هذه من المُتمنى، ولكن لذة الألم فيها شعور بالوجد أمضى أثر وأبقى. وفي القراءة ستختلط عليك وفيك المشاعر بين اللذة بوصفها بهجة ووجود وإنوجاد وبين "الألم" من كثر ما ينقلك الكاتب الكبير لعوالمه بما فيها الاحساس بالإلم، وهو كينونة وجودية وانتاج لمعنى آخر تشعر فيه بوجودك المُغاير، لأن القراءة تُوفر للعقل مواد المعرفة، ولكن التفكير هو الذي سيجعل ما نقرأه خاصاً بنا" كما يقول (جون لوك).

إن القراءة لمن يفقه أهميتها تُمكننا من الدفاع عن أنفسنا والمحافظة على وجودنا المؤنسن من "الزوال والنسيان".

ليست كُل الكُتب تستحق القراءة، لذلك فالقراءة ليست فقط غواية من أجل الغواية، إنما هي غواية تحتاج لـ "حرفنة" وإن لم تكن لديك دراية بعوالم القراءة، فعليك أن تُحدد مجال غوايتك أولاً، ولا بأس أن تُصاحب من هو مُحترف بهذه الغواية في المجال الذي أنت تعشقه ليدلك بالحوار على ما لم تكن لك معرفة به من كتابات تكتنز المعرفة وتُبحر بك بسفينة الأفكار ربانها الغاوي من أمثال علي حسين.

القراءة الواعية ضربَ من ضروب السعي الجاد للحُرية، "فالذين يقرؤون فقط هُم الأحرار، لأن القراءة هي التي تُعلمنا كيف يُمكن لنا أن نطرد الجهل والخُرافة" كما يرى (توماس جيفرسن).

 

ا. د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

 

664 علي محمد اليوسفصدر عن دار غيداء في عمان – الاردن كتابان جديدان للباحث الفلسفي علي محمد اليوسف:

الاول بعنوان: افكار وشذرات فلسفية

الثاني بعنوان: الكلمات ومحمولات المعنى/ اعمال مختارة

والكتابان مشاركان في معرض بغداد الدولي للكتاب 2019م – دار غيداء

جاء في مقدمة كتاب: أفكار وشذرات فلسفية

هذا الكتاب مجموعة من المقالات و الدراسات والبحوث الفلسفية والفكرية في تواشجها مع قضايا العصر والحياة الحديثة،معظمها لم يسبق لي نشرها ورقيا كتبتها حديثا في غضون عام، وبعضها الآخروجدته ضائعا في ثنايا وصفحات مؤلفاتي السابقة التي لا ينتظمها محور مركزي واحد في التأليف،اذ كنت أعمد التنويع في فصول الكتاب الواحد، وبعد مراجعتي لها وجدتها تمتلك كل الحيوية والحضور في ضرورة نشرها مستقلة لعنايتها بمواضيع فلسفية فقط، بعد مراجعتها مراجعة نقدية صارمة، بما تطلبته مني من حذف واضافة وتصويب فلسفي يغنيها ويطمئن على سلامتها الفكرية والمعلوماتية الى جانب مباحث فلسفية جديدة لم يسبق لي نشرها سابقا تمثل ركيزة الكتاب الاساسية.

هذه الدراسات الفلسفية التي يضمّها الكتاب لا تتمحور حول موضوع فلسفي واحد، يتطلب سردا ممّلا زائدا كما دأبت عليه المؤلفات الفلسفية ذات الموضوع الواحد التي لا تتوانى عن حشو عشرات لا بل اكثر ويزيد من الصفحات المكررة والمستنسخة المأخوذة عن مصادر فلسفية جرى تداولها بما لا مجال لأضافة جديد عليها وأصبحت تلك المواضيع من كثرة الاعادة والتكرار من كلاسيكيات التناول في اعداد البحوث الاكاديمية في الفلسفة والتاريخ والمعرفة.التي لا تجديد ولا اضافة نجده فيها ويكثر بها الحشو الزائد.

وغالبا مايكون اختيار مواضيع البحوث من المباحث الهامشية وغير المعاصرة في التناول والدراسات الفلسفية وما تحمله من اشكاليات عالقة في الحياة المعاصرة سواء الغربية منها وكذا العربية.كما نجدها تخلو من اي نوع من النقد والاجتهاد الجديد ما عدا ميزة الاستنساخ.

ميزة دراسات هذا الكتاب انها تعالج موضوعات فلسفية في تعالقها مع قضايا الحياة المعاصرة بعيدا عن الاستطرادات التي تثقل كاهل الموضوع بدلا من ترشيقه وتشذيبه من الترّهل الزائد، وهو ما يستلزم رؤى فلسفية اجتهادية غير مستنسخة قدر الامكان، او تلصيقات لاجتزائات من كتب ومصادر اشبعت استهلاكا فائضا عن المطلوب والحاجة في وقت يرغب القاريء الحصول على المعرفة الجديدة والمتعة في اقل وقت واقل جهد ممكن خاصة امام منافسة الكتاب الالكتروني وتسارع وتيرة الزمن.

الذين سبق لهم قراءة بعض مقالاتي الفكرية الفلسفية يعرفون ان اسلوبي في عرض الفكرة هو السهل الممتنع الذي يتحاشى تقّعرات اللغة وطلاسم التعبير اللغوي الفلسفية، وميزتها انها افكارسلسة لا تتسم بالمباشرة السردية كما في الاجناس الادبية والثقافية والتاريخية والروائية، كما هي بعيدة عن الاستعصاء الفلسفي المغلق الصعب الا بما يفرض نفسه على الفكر والقلم والتعبير من غير تسطيح فكري وابتذال غير معمّق.

مسألة أخرى ان هذا الكتاب ولأول مرة يتضمن فصلا كاملا بشذرات فلسفية وحكم واقوال لي تهم جميع مناحي الحياة بأسلوب الشذرات الفلسفية التي احتلت مكانة مرموقة لدى جميع الفلاسفة بدءا من انكسماندر والى نيتشة وجميع الفلاسفة المحدثين تقريبا على مدى الحقب التاريخية والازمنة.

اتمنى للقاريء المحّب للفلسفة ان يستمتع بمواضيع تستأهل منه صرف الوقت في الحصول على المعلومة ومتعة القراءة ومؤانسة المطالعة، ومن الله التوفيق.

علي محمد اليوسف - الموصل / مايس 2018

664 علي محمد اليوسف

وأما محتويات الكتاب:

مقدمة

الفصل الاول:الدين والفلسفة

- قراءة في (اصل الدين) لفويرباخ

- التديّن السياسي الاسلامي ومأزق العصر

- انسنة الدين والمعطى الفطري للتدّين

- الفصل الثاني: الصوفية والفلسفة

- وحدة الوجود في الصوفية والفلسفة

- وحدة الوجود بين الوهم والحقيقة

- اللغة في النص الصوفي والتفكيك

الفصل الثالث:اللغة والفلسفة

- الوجود واللغة

- الانسان والخيال

- تغييب العقل في نقد الحقيقة /التفكيكية نموذجا

الفصل الرابع: التاريخ والفلسفة

- التاريخ البدائي والنزعة الانسانية في الفلسفة البنيوية

- التاريخ / وهم الحتمية و التطور الغائي

- التاريخ في الماركسية والبنيوية وما بعد الحداثة

الفصل الخامس: الوجود والفلسفة

- هوسرل والفهم المثالي للوجود

- جدلية ثنائية الوجود والماهية

- مستقبل الفلسفة مع العلم

- الاغتراب والجنون

الفصل السادس: الجنس والفلسفة

- الجنس / التمّلك والمشاعية

- اشكالية الجنس في حياتنا المعاصرة

الفصل السابع: شذرات فلسفية

- شذرات الفلسفة والوجود

الفصل الثامن: الموت والفلسفة

- اساطير الموت والخلود في القبائل البدائية

- الخلود في الفكر الفلسفي الغربي

665 علي محمد اليوسف

الكلمات ومحمولات المعنى.. فلسفة وسرديات

(اعمال مختارة)

علي محمد اليوسف

المقدمة

في خريف العمريحتاج المثقف الكاتب مراجعة ذاتية ناقدة في تساؤل ليس من الصواب الهرب منه وعدم مواجهته فهو استحقاق العمر، واستحقاق التجربة الثقافية ايضا ولا مجال في الاختيار.

السؤال: ماذا قدّمت واعتّز به، ويذكرني الناس به بعد مماتي في ممارستي الكتابة الثقافية؟ في تقديري وطموحي على الاقل دونما أهتمام الاخرين.

سؤال ليس سهلا الاجابة عنه فهو يتطلب الشجاعة والجرأة والحيادية في مراجعة النفس ثقافيا بقساوة وتجرد، وممارسة النقد الذاتي بأمانة واخلاص في محاولة التطابق مع الضمير والآخرين على السواء .

كما يتجنب الاجابة عن السؤال كل الادعياء الذين بنوا امجادهم الثقافية الكاذبة على معطيات مجانية خادعة ساهم بخلعها عليهم جمهور قاصر ثقافيا، ومنحها لهم اعلام منافق ومرائي كاذب، في تلميع وتسليط الضوء على اشباه من المثقفين على حساب التعتيم على مثقفين جديرين أن يأخذوا استحقاقهم الثقافي . كل هذا وغيره ساهم في تجذيرالعلاقات والتعاملات الثقافية الهابطة وتفاقم تدهور وطمس حقائق الامور وتشويهها، العلاقات الشخصية والشللية الثقافية الرخيصة والمجاملات التي تلعب على حبال التسويق الكاذب وجني الامتيازات لأناس عاشوا على هامش الثقافة كخبرة معرفية واسلوب سلوكي في الحياة والمجتمع، واخذوا واستأثروا بالكثيرمن الامتيازات في فساد لايجاريه الا فساد الحكام و السياسيين العرب.

كما كان للسلطة السياسية والاحزاب الرّثة دورا تخريبيا لمرتكزات الثقافة الجادة من خلال دعم (وعّاظ السلاطين) بكافة الاغداقات والهبات والامتيازات والايفادات والوظائف الثقافية الحكومية، بما أعطى لأدعياء المثقفين من عديمي الموهبة مساحة واسعة من الضوء اقتتطعوها ظلما وتعسّفا في المشهد الثقافي وهم في حقيقتهم اقزام ثقافية ونكرات في كل المعايير المنصفة.

مثقفون كبار في أجابتهم على سؤال: ماذا قدّمت من ابداع ثقافي متمّيز طيلة مدة تجربتك الثقافية، وممارستك الكتابة، وتعتقد الناس سيذكرونك به ؟ !.

يجيب وبلا ادنى تردد: ان كل ما كتبته ونشرته من ابداع ثقافي، هو عندي كعلاقة الأب بابنائه وذرّيته، ولا استطيع تمييز أفضلية احدهم على الآخر !!

وهو بهذا الجواب يراوغ ويخاتل ويتهرّب من الاجابة المحرجة الصادمة، في عدم اقراره بحقيقة ان ليس كل ما كتبه ونشره يحمل هوية الابداع الممّيز ويتوفر على شروط البقاء المتطاول في الزمن، ليس قياسا بمبدعين آخرين في نفس اختصاصه الثقافي وحسب، ولكن بالقياس لما طرحه من نتاج ثقافي اختلط به الغث بالسمين في سجله الثقافي الخاص به وحده .

مثقفون آخرون باختلاف دوافعهم يعمدون نشر وطباعة (الاعمال الكاملة) وتوثيق تجاربهم الثقافية،في الشعر،الرواية، القصة القصيرة، او الاجناس السردية في الكتابة، وغيرها من الاصدارت الثقافية في المسرح او الفنون التشكيلية، وبعضهم غير معروف على مستوى طبع مؤلف واحد يعرفه الناس به، فكيف يكون الحال مع طبع مجلدات الاعمال الكاملة!؟

نوع من السخف الثقافي تساهم بترويجه بعض دور النشر برياء ونفاق فاقع مع رموز ثقافية تستسهل اللعبة لقاء مبلغ من المال تدفعه الدار، اوبعضهم يدفع هو للدارلتضع بصمتها على الاعمال الكاملة له ماركة مسجلة وجواز مرور مزوّر لا صدقية له على مستوى الفكرالابداعي.

نستطيع القول وبلا ادنى تحفّظ بان المثقف المبدع في اي من جوانب الفعالية الثقافية في الفكر او الادب او الفن او الاعمال المسرحية وغيرها يعتقد انه انتج ابداعا على مستوى واحد من التمّيز في كثرة وتعدد اصداراته، ولم ينحدر في بعضها نحو السطحية والتراجع وعدم اضافة اي شيء من التجديد في غالبية اعماله فهو مكابر ليس الا.

مثل هذا المثقف لا وجود حقيقي له ليس على صعيد المقايسة والمعيارية الثقافية مع غيره وحسب، بل بالمقارنة في اعماله لوحده، وهذا المعيار لا ينطبق على المثقفين العراقيين بشكل مرعب وغث وبعض المثقفين العرب وحسب، وانما يسري على عمالقة الشهرة العالمية لكبار الكتاب والمثقفين .

عديدون هم الكتاب والمثقفون والادباء الكبار عالميا الذين وجدوا بعد مسيرة حياتهم الحافلة بالمنتج الثقافي والابداعي، انهم بالمحصلة النهائية لم يقدّموا في حياتهم ما يرضي طموحاتهم في تركهم مخلفات ثقافية ابداعية تطاول البقاء وعدم النسيان تحمل بصمتهم .

أو انهم يعلنون بشجاعة بعد مراجعة مخلفّاتهم انهم لم يكونوا راضين عن انفسهم فيعمد بعضهم الى حرق واتلاف مؤلفاته ومخطوطاته المنشورة منها وغير المنشورة، علما انه ربما كان في موقفه ذاك مخطئا بتقدير قيمة واهمية منجزه الثقافي، والاهم من ذلك هو محاولته الصدق مع النفس والتطابق مع الضمير الثقافي بعيدا عن التهريج وشراء النجومية بكل الوسائل الاعلامية الرخيصة.

ليس كل كاتب او اديب او فنان مارس الكتابة والابداع سيكون خالدا ثقافيا، بعد مماته بشكل او آخر.في هكذا نوع من الادعاء الفارغ المكابر لا يتوفر على حظوظ القناعة والبقاء، وتلك فرضية افتعالية كاذبة ومجحفة بحق عمالقة الادب والفن والابداع الثقافي، فهي تكون كاذبة في عدم صدقية اي مثقف مراجعة ونقد اعماله ذاتيا بجرأة وتجرد، وتكون مجحفة في تناسي المثقف وتجاوزه لحقيقة مقارنة حجمه وقامته الثقافية مع منجز غيره، وربما لا يكون هذا المثقف الافتراضي لا ينشد هو الآخر خلوده الثقافي مقارنة مع افضل منه وهكذا....

فاذا كان كل مثقف او فنان في مجال الشعر او الرواية او الادب عموما او الفن او ايّا من ضروب الفعالية الثقافية سيكتب له الخلود الثقافي، فمعنى ذلك انتفاء اية قيمة حقيقية او معيارية تبقى لمعنى الخلود الثقافي المتمايز، ومراجعة بسيطة لاعداد الخالدين ثقافيا تؤكد ما ذهبنا له.

حصيلة تجربتي في الكتابة الثقافية - ولا اقول تجربتي الثقافية - فهذا ما لا ادّعيه واكابر به – اني تمكنت من طبع اكثر من عشر مؤلفات، كنت أعمد في معظمها تكرار نشر مواضيع سبق لي نشرها في ثنايا كتبي، رغبة مني توكيد ما كنت اطمح الانتساب له، وان ألفت الانتباه واستدرك غير المطّلع عليه ان يحظى به ويقرأه.

اليوم لو كنت سابقا أتوفر على حصيلة ثقافية وجرأة كنت افتقدها، في مراجعة ونقد الذات كما أتوفر عليه اليوم، لكنت ترددت الف مرة قبل أن اقدم على طبع اكثر من كتابين اثنين فقط !! والباقي اركنه بالظل لانه لا يشكل لي اضافة اعتّز بها.

هذا الكتاب هو الاعمال الكاملة لي،واقول انها اعمال مختارة لما سبق لي نشره، واخترت بعضه من موضوعات ومقالات ودراسات وجدتها انها تمثّلني واستطيع الانتساب لها كما تنتسب هي لي، وهي كل ذخيرتي في الكتابة الثقافية، اضعها امام القاريء كي يحكم عليها او لها.

الكتاب بايجاز سريع يشتمل في فصوله الخمسة تنويعة في مواضيع فلسفية معاصرة، ومواضيع اخرى تتوزعها خارطة الفكر الثقافي والفني والايديولوجي والديني ايضا.مواضيع سجالية عالقة في المشهد الثقافي العربي الراهن،تفرضها المستجدات العصرية التي تحكم جدلها بالواقع الفكري ومستوياته في النضج والتجديد.

ويلاحظ ان الخط البياني الذي ينتظم دراسات ومواضيع الكتاب هوالمنهج الفلسفي غير السردي ان صح التعبير، من غير تعقيد يثقل على القاريء بلا مسوّغ،وتجنبا لما امسى مكررا معادا واجترارا من غير جدة او اضافة نوعية، متوخيّا بذلك ضخ المعلومة مقترنة بمتعة القراءة.

ان هذه المختارات التي يحتويها الكتاب انما هي خلاصة جهدي لمدة تزيد على اربعين عاما امضيتها في الكتابة بالفلسفة والثقافة والمعرفة عموما، بما يسمح لي ان اقول انها كتابات يسعدني الانتماء لها وانتمائها هي لي ايضا.

ثقتي كبيرة وفي محلها اجدها ان يكون هذا الكتاب علامة فارقة ومميزة في مسيرتي بالكتابة الثقافية،ويلقى ما هو جديربه من لدن القاريءالكريم.

 

علي محمد اليوسف

الموصل/ تموز/2017

 

المحتويات

المقدمة

الفصل الاول: محمولات فلسفية

- الفلسفة والفن/نص جدلي مفتوح

- التوسيروكتاب رأس المال

- الاغتراب وجدل التاريخ

- الموت في الدين والفلسفة الغربية

- الموت والانتحار في الوجودية

- الميتافيزيقيا والفلسفة المعاصرة

- الدين والصوفية

الفصل الثاني: محمولات فنية وفكرية

- فن التجريد/ ازمة التوصيل والتلقي

- الميتاقيزقيا و ما بعد الحداثة

- الاغتراب في الوجودية

- التفكيك والحفر الاركيولوجي

- الخيال والطبيعة في الفن

الفصل الثالث: محمولات ثقافية

- الجنس في الادب العربي /ثيمة ام هوية تجنيس؟

- التعالق الجنسي بين الاسطورة السومرية والتوراة

- اللغة والثقافة والحضارة

- شيء عن التخلف الثقافي و المجتمعي

الفصل الرابع: محمولات ادبية

- الخطاب الشعري و أزمة الخطوة الى امام

- الحداثة ومقاربة المنجز الشعري العربي

- تعالق الخطابين الديني والشعري

- قصيدة النثر الواقع والطموح/ مطارحة تنظيرية .

- المحلية والهوية في الحداثة الثقافية /دراسة سسيولوجية

الفصل الخامس: محمولات أيديولوجية

- نحن وسؤال الحداثة في الفكر العربي المعاصر/ماجد الغرباوي نموذجا

- ايديولوجيات: القومية العربية – الإسلام السياسي – التوافق والاختلاف

- العولمة وصدمة التاريخ

- الفوضى الخلاقة و تصنيع الارهاب

- العولمة والارهاب

- الحضارة والارهاب

- نحو ديمقراطية تجمع العلماني و الديني

الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف/ الموصل

 

659 عبير خالد يحيىصدر عن دار نشر النابغة للنشر والتوزيع في جمهورية مصر العربية موسوعة الذرائعية، لمؤلفه المنظر العراقي عبد الرزاق عوده الغالبي، تطبيق الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي، وهي تضم ثلاثة مجلدات.

- المجلد الأول بعنوان:

اسم الكتاب: الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي

المقاس ١٧ × ٢٤

عدد الصفحات ٤٤٠

اسم المؤلف: تأليف: عبد الرزاق عودة الغالبي

تطبيق: د. عبير خالد

اسم الناشر: دار النابغة للنشر والتوزيع

رقم الإيداع: ١٩٩١٩- ٢٠١٨

الترقيم الدولي:٨ -١٦٩-٧٩٩-٩٧٧-٩٧٨

 

المجلد الثاني:

اسم الكتاب: الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية

المقاس: ١٧×٢٤

عدد الصفحات: ٣١٥

اسم المؤلف: تأليف: عبد الرزاق عودة الغالبي

تطبيق: د. عبير خالد

اسم الناشر: دار النابغة للنشر والتوزيع

رقم الإيداع: ١٩٩٢٠-٢٠١٨

الترقيم الدولي: ٤-١٧٠-٧٩٩-٩٧٧-٩٧٨

 

المجلد الثالث:

اسم الكتاب: الذرائعية في التطبيق (طبعة مزيدة منقحة)

المقاس:١٧×٢٤

عدد الصفحات: ٤٧٣

اسم المؤلف: تأليف: عبد الرزاق عودة الغالبي

تطبيق: د. عبير خالد

رقم الإيداع: ١٩٩١٨-٢٠١٨

الترقيم الدولي:١-١٦٨-٧٩٩-٩٧٧-٩٧٨

 

نضير الخزرجيمن المشاهد السلبية التي وقعت في العراق بعد تغيير نظام الحكم سنة 2003م هو انتشار ظاهرة الخطف والقتل السياسي والطائفي، والتي انحسرت بشكل كبير في الدورة الأولى لحكومة رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري كامل المالكي (2006- 2010م)، وتحت عنوان الخطف على الهوية ظهرت عصابات الخطف المنظم من أجل جني المال الحرام، وإن تلفع مثل هذا الخطف الجائر برداء المذهبية والطائفية، ولطالما ضاعت خلف هذا الرداء الحقوق واستبيحت الحرمات.

ومن صور الخطف المنظّم أن أحد العراقيين العائدين من بلد المنفى كان يسير مع صديقه في أحد شوارع بغداد تعرض للخطف بسيارة مسرعة، وبعد فترة من الزمن تم إطلاق سراحه مقابل فدية مالية كبيرة، وقبل أن يتم إطلاق سراحه سأل المخطوف خاطفيه لماذا تم خطفه دون صديقه ولماذا هو بالتحديد؟، فقيل له أن (العلّاس)، وهو الشخص الذي تضعه العصابة لمراقبة من يراد خطفه ومقايضة حياته بالمال السحت، أدرك من طبيعة تصرفاتك أنك من العراقيين القادمين من الخارج وأنه لابد وأن تكون من أصحاب المال ولهذا خطفناك .. ثم كرر السؤال: وكيف استطاع العلاس أن يميّز بيني وبين صديقي؟، فقالوا له: كنت وصديقك تسيران في الشارع وتوقفتما عند أحد بائعي المشروبات الغازية، فأخذ كل واحد منكما قنينة ورحتما تتمشيان على قارعة الرصيف والعلّاس يراقبكما، فعندما انتهى صاحبك من القنينة رماها في الشارع وأما أنت فاحتفظت بها فارغة حتى رميتها في أقرب حاوية أوساخ، ومن هنا عرف علاسنا أنك قادم من بلد لا يرمي مواطنوها العلب الفارغة في قارعة الطريق!

قد تبدو القصة أشبه بالخيال، ولكنها حقيقة واقعة لمست أشباهها في أكثر من موقف عند رجوعي للعراق بعد ربع قرن من الهجرة القسرية، ولكنها في الوقت نفسه تبعث على الإستغراب والدهشة، لأننا في بلد شعار دينه (النظافة من الإيمان) ويحث على حفظ البيئة ورعاية الطبيعة وحمايتها من إنسان وحيوان ونبات وجماد، على أن الحالة ليست شاذة ولا هي بالعامة السائدة، فهناك عدد غير قليل من المهاجرين يتجاوزون حريم القانون بعجلة اللاأبالية ولا يقدمون انطباعًا جيدًا عن ثقافة الشرق الأثيرة ولا تعاليم دينه الداعية الى حسن السيرة، كما وهناك مواطنون وهم غير قليل، يبدون غضبهم وامتعاظهم من عدم احترام الناس للقانون وتطبيقه، فالثقافة ثقافة وإن تبدلت البلدان وحلّ الناقوس بدل الأذان.

ترى في أية خانة وحقل يمكن وضع سلوك الذي رمى القنينة الفارغة في الشارع وذاك الذي وضعها في الحاوية، فكلاهما يدينان بدين واحد و كلاهما من جنس واحد  وبلد واحد وكلاهما صديقا عمر؟

لا شك أنها الثقافة بوصفها السلوك الحسن والتعاطي الحسن مع النفس والغير والبيئة، ولا علاقة مباشرة بالدين وإن كانت الأديان جميعها تحث على التعامل الطيب مع المحيط، فالسلوك الحسن قائم عند الديني واللاديني، نعم للدين أن يشذب ما شاب السلوك من سيئات الحياة، ولكن السلوك السليم امر فطري غريزي، وهو مظهر بارز من مظاهر الثقافة السليمة في المجتمع.

من هنا فإن المثقف الحقيقي  تظهر إشعاعات ثقافته السليمة على سلوكه وتعاطيه مع مفردات الحياة، إن كان متعلما أو غير متعلم، والحياة مدرسة تجارب ومراكز مختبرات مثلها مثل مختبرات طالب العلم، لها أن تقدم للمجتمع مثقفًا متعلما، ولها أن تقدم مثقفًا غير متعلم ومتعلمًا غير مثقف.

هذه الحقيقة يعالجها الفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في كراس "شريعة الثقافة" الصادر مطلع العام 2019م في 48 صفحة صادر عن بيت العلم للنابهين في بيروت مع تقديم وتعليق القاضي الفقيه آية الله  الشيخ حسن رضا الغديري في 23 تعليقة على  62 مسألة فقهية.

فطرية الثقافة

قد يتبادر الى الذهن من مفردة (الثقافة) مفهوم التعليم والدراسة وزيادة العلم، وهذا بنفسه أمر حسن، بيد أن الثقافة كما يؤكد الفقيه الكرباسي في التمهيد: "هي الذكاء الفطري، فإذا كان الإنسان ملمّا لدرك الحقائق من دون تكلف كانت له بصيرة وفطنة خاصة لفهم الأسباب والمسببات وربطهما معا وقد يكون في موضوع أقوى من الآخر ولكن لا يتخصص بموضوع معين".

وهل للعلم مدخلية مباشرة في بيان ثقافة الفرد وحجمها؟ يضيف الفقيه الكرباسي: (وقد يعزّزه العلم والمعرفة ولكنه ليس عينه فكم من متعلّم ليس بمثقف وكم من مثقف ليس بمتعلم فبينهما عموم وخصوص من وجه، وهي في جوهرها ليست كسبية وإن كانت للبيئة والتربية والممارسة وفتح الآفاق دور كبير في صقل هذه الحاسة).

ولا شك أن الثقافة في مؤداها سعادة المرء والمجتمع، وهي من الأمور التي يهواها كل صاحب بصيرة ويتوق إلى إعمالها على مستوى الفرد والجماعة، وبتعبير الفقيه الغديري في تعليقه: "والإنسان الذي يستعمل عقله في التبصّر والتعرف على ما يضمن به الفلاح ويكتسب به النجاح ويتشرف به بالتقرب إلى خالقه وبارئه فهو مثقف بالمعنى الحقيقي للكلمة، فالثقافة عبارة عن استعمال الفطرة في الوصول إلى طريق المعرفة وسبيل البصيرة"، وعليه كما يضيف: "إذا التزم شخص بما تستدعيه سعادته وتقتضيه فطرته ويدعو إليه معتقده ويأمر به ربه فهو مثقف حقيقي".

وإذا كانت الثقافة تعود بجذرها اللغوي الى (ثَقَّفَ) وهو تقويم الشيء وتسويته عن إعوجاجه وميلانه، فإن النفس الإنسانية أولى بالتثقيف، والعلم زينة النفس، والعالم المثقف هو غير العالم المجرد لا يستويان، فمن تواضع للعلم والعلماء فهو مثقف عالم ومن تكبّر وأنف بما يحمله من علوم ابتعد عن ساحة الثقافة، فالحكمة من الثقافة هو سلامة السلوك لفظا وعملا ابتداءً وانتهاءً، من هنا يؤكد الفقيه الكرباسي: (كم من عتّال أو مزارع عنده ثقافة رغم بساطته وعدم تعلمه لا تتواجد عند حامل الشهادات والنياشين المتعلم بأكثر من علم، وهنيئا لمن جمع بين الثقافة والعلم، والأكثر فضلا من ذلك مَن جمع بين الثقافة والعلم والإيمان بالله جلّ وعلا، وهذا الثلاثي المقدس إنْ عمل بمقتضاها كان إلى الكمال أقرب وزاده الله فضلًا والفضل كله يعود إليه).

ولأن رسالة الله في أرضه وعباده لخّصها الرسول الأكرم محمد (ص) في قولته المشهورة: ]إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق[، وقوله (ص): ]إنما بُعثت معلِّمًا[، ولذا فإن الفقيه الكرباسي يلخص رأيه بمفهوم الثقافة الحقّة بقوله: (وفي الحقيقة إني أرى بأنَّ الثقافة هي مصدر الأخلاق والآداب والكمال والترفع، فالمثقف هو الذي يمكنه أن يدرك ما هو معنى الصبر والتحمل ويمكنه أن يتعامل مع العسر واليسر ويمكنه أن يمارس الأخلاق والفضيلة مع الآخرين بتفاوت مستوياتهم العلمية والعُمرية والإجتماعية، إنَّ له آفاقا لا يمكن حصرها في مسار واحد، والله العالم بالحقائق)، والشيخ الكرباسي في ما أورده جاء ليؤكد رسالة الأنبياء التي ترجمها الرسول الأكرم (ص) قولا وفعلا وسلوكا وثقافة : ]إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم[.

ومن المفروغ منه أنَّ النبي محمد (ص) يقف على سنام الثقافة العالية وهو رائدها، وهو كما قال (ص): ]أدبني ربي فأحسن تأديبي[، ومقتضى النص النبوي هو الأداء والعمل وآثاره الإيجابية على المجتمع والإنسانية وهذا يظهر معالمه من مقتضى السلوك السليم والتعاطي السليم في إطار العلاقات الست التي يؤكد عليها الفقيه الكرباسي: (علاقة الإنسان مع نفسه، ومع ربه، ومع الآخر، والمجتمع، والدولة، والبيئة)، وتطبيقه هذه العلاقات بحاجة إلى ثقافة.

سبيل الثقافة

يرى الفقيه الكرباسي في "شريعة الثقافة" أن الإنسان مهما كان دوره في الحياة بحاجة إلى بصيرة، وهي التي تحدد مستويات الثقافة من فرد إلى آخر، ولهذا: (فالإنسان إذا عرف المترتبات والمتسلسلات وعرف الأسباب والمسببات بفهمه الفطري وعقله السليم كان مثقفا، فالفطرة السليمة والعقل السليم ينتجان الثقافة ويبعدانه عن الضياع، فكم من معلّم للأخلاق فاقدها، وكم من مدرّب للآداب لا يعمل بها، وكم من متعلّم لا يطبق علمه، وإنما الثقافة هي التي تطبِّق بمقتضى المعرفة).

فالبصيرة هي بوابة إلى الثقافة السليمة، من هنا فإن الفقيه الكرباسي يرى أن آيتين في القرآن الكريم تحملان مفردة البصيرة وهي قوله تعالى: ]قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ[ سورة يوسف: 108، وقوله تعالى: (بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) سورة القيامة: 14 و15، فالآية الأولى تتحدث عن المبدأ والثانية عن المنتهى، ولذا: (مَن عبد الله وأطاعه من خلال فلسفة الإستحقاق والأهلية فهي الثقافة، ومن قاضى نفسه بالنوايا التي يعرفها فيه الثقافة، وحقًّا أقول إنَّ هاتين الآيتين تختصران الطريق الى فهم الثقافة وتعريفها، وهي معرفة الله عبر معرفة النفس).

إذن فالثقافة بتعريف الفقيه الكرباسي: (هي البصيرة والحذاقة والفطنة ودرك الأمور بسرعة بل الوصول إلى فلسفة الأمور ببساطة، وبالتالي هي معرفة الأسباب والمسببات بمنأى عن التعقيد)، وأما الثقافة الإسلامية: (هي معرفة الفلسفة الفطرية التي أودعها الله في مخلوقاته من حيث علاقة الأسباب بالمُسبّبات)، وبهذا اللحاظ فإن: (الثقافة لا تعني كثرة العلم والتعلّم وكسب علوم مختلفة)، وما البصيرة إلا سر الأسرار، ومن البصيرة: (العمل على إيجاد الوعي في النفس والآخر ليتحصن بالثقافة أمر بحد ذاته مرغوب شرعًا، وربما يجب فيما إذا تعيّن عليه تحصين نفسه في محيطه غير المحصّن)، ومن الحصانة: (تحصين النفس بالثقافة الإسلامية وأسسها واجب لمن يتعرض لمثل ذلك، فعلى سبيل المثال يجب على الساكنين في دول غربية ولهم تماس مع ثقافات مختلفة أن يتحصّنوا بالثقافة الإسلامية إن أرادوا نقاش الآخرين، وإلا حرم عليهم)، ومن التحصين الثقافي في نقاش الآخر المخالف: (إيجاد الوعي والنقاش بشكل مستمر ضروري للمؤمن وبالأخص مَن له تماس بالآخرين حيث البيئة قد تؤثر على ثقافة الإنسان حتى الفطرية منها وقد تنطلي عليه بعض الظواهر الفتانة كما في الحرية والديمقراطية والعلمانية وما إلى ذلك من الأمور البراقة التي يختلف ظاهرها عن واقعها).

يجوز وما لا يجوز

لا يختلف إثنان بأن العلم زينة المرء، ومن الثقافة السليمة نشر العلم بين أهله فهو زكاته ونماؤه، والمقام العلمي مقام محترم ومقدس، ولكن هذه القدسية لا ينبغي أن تكون سبيلا للتباهي والتعالي، لأن التواضع زينة العلماء، ولهذا يرى الفقيه الكرباسي أن: (التباهي بالثقافة أمر غير مرغوب فيه في الشريعة، وإذا أُريد به الطعن بالآخر حَرُم)، نعم يصح ذلك من غير غرور لأمر أهم كما يعلق الفقيه الغديري على المسألة إذ: "يجوز التباهي بالثقافة لأجل دعوة الآخرين للخضوع إليها وهي بمثابة الأمر بالمعروف عند تحقق الشروط".

وفي هذا الإطار فإنه: (لا يجوز إهانة مَن ليس بمثقف والحطّ من قيمته كإنسان)، كما: (لا يجوز إطلاق كلمة أنت غير مثقف بقصد الإهانة وإن لم يكن مثقفًا)، نعم: (يجوز في الحوار القول بأنَّ هذا بعيدٌ عن الثقافة وأمثال ذلك مما لا يوجب الإهانة).

ومن الثقافة السليمة أن يُنظر إلى المثقف العالم نظرة تقدير واحترام، لما يؤديه من رسالة في المجتمع هي جزء من رسالة الأنبياء والمرسلين، لأن المثقف الواعي في أي حقل كان من حقول العلم والعمل، يزيد إبداعه في الأجواء السليمة، وكلما أبدع وأنتج وأثمر أتى بالخير على مجتمعه، ولهذا يؤكد الفقيه الكرباسي أنه: (يجوز تكريم واحترام المثقف لكونه كذلك من دون طعن بالآخر)، ويزيد الفقيه الغديري في تعليقه: "بل وقد يجب ذلك لأجل نشر الثقافة وتشجيع الآخرين للخضوع إليها إذا كان المجتمع محتاجًا إليها بالضرورة".

ومن موارد احترام المثقف تقدير الإعتبار العرفي عند التعامل معه، يقول الفقيه الكرباسي: (قد تعدُّ بعض الأمور إهانة بالنسبة للمثقف وقد لا تكون لغيره إهانة، فالمفروض أن يُتعامل معه على هذا الإعتبار العُرفي، حاله حال الذي له مكانة إجتماعية حيث تكون موارد تُعد من الإهانة في حقه ولكنها لا تُعد لمن ليس بمكانته).

وقد يُضيِّق بعض فقهاء الدين في صرف الحقوق الشرعية ويحصرها في موارد معينة، لكن الفقيه الكرباسي يرى أنه: (يجوز صرف الحقوق الشرعية للعمل بالإتجاه الثقافي وبالأخص الإسلامي منه)، بل ويرى: (على المسؤولين في الإتجاه الإعلامي العمل على فتح مجالات لهذا التوجه)، ويزيد الفقيه الغديري معلقا: "وكذلك على المرجعيات الدينية الإهتمام الواسع".

ولما كانت الثقافة داخلة في كل مسلك من مسالك الحياة، فإن كراس "شريعة الثقافة" فيه مسائل مستحدثة تناقش ثقافة التعامل بين الأب والأبن، والزوج والزوجة، ورب العمل والعامل، والعالم والمتعلم، بين السلطة والمواطن، وأمثال ذلك، فالثقافة تجري من الإنسان مجرى الدم في العروق، وهي هوية كل فرد، إن أحسن فله وإن أساء فعليه.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

651 فلاح رحيمصدر مؤخراً كتاب "أزمة التنوير العراقي" لمؤلفه فلاح رحيم عن سلسلة دراسات فكرية/ جامعة الكوفة 2018.

استخدم فلاح رحيم مفهوم "التنوير العراقي" واستخدم كذلك "مفهوم التنوير العربي" في هذا الكتاب.

ما هو تعريف التنويرعند فلاح رحيم؟، هل نستطيع القول أن كل من ترجم وألَف كتاباً في الفلسفة والفكر والثقافة هو تنويري؟ أو ربما هؤلاء ضد التنوير، وهُم من كانوا السبب في وجود "الفجوة" بينهم كمثقفين وبين المُجتمع.

أين يقع نتاج العراقيين من كبار المفكرين في الفلسفة والعلوم الإنسانية الأخرى من الذين تبنوا الرؤية العقلانية فيها مثل: علي الوردي وحاتم الكعبي وشاكر مصطفى سليم وعبدالجليل الطاهر في علم الاجتماع والأنثربولوجيا، وياسين خليل وحسام محي الدين الآلوسي ومدني صالح وعرفان عبدالحميد في الفلسفة وغيرهم؟، فلا وجود لترسيمة تُعطينا تصوراً لماهية هذا التنوير العراقي، كأن تكون مدخلاً للكتاب، مثلاً، فهل مثل هؤلاء المفكرين خارج دائرة التنوير هذه التي رسمها لنا فلاح رحيم؟!.

وهل هناك تنوير عراقي؟ حتى نتفق مع فلاح رحيم على أن هذا التنوير قد مرَ بأزمة؟، أعتقد أن مثل هكذا تساؤلات هي تساؤلات مهمة كان ينبغي على الكاتب وضعها في حساباته قبل نشره لهذا الكتاب.

هذا إذا كان هناك قبول للقول بوجود تنوير عربي أصلاً مُتفق عليه بين الدارسين، وإن يكن فلاح رحيم قد استخدم هذا المفهوم على استحياء في صفحتين بالإشارة لجهود عبدالرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وعبدالله العروي، وأدونيس، (ص15)!، ولكن الغالب على هذه المشاريع أنها جاءة قراءة على غرار "أنموذج" بمعنى أنها استنساخ لأنموذج فكري (فلسفي، أو أيديولوجي) غربي، وتحشيته بتطبيقات منتقاة من التراث العربي والإسلامي، ربما أستثني من النماذج التي أشار لها مشروع أدونيس النقدي. ومع ذلك لم يُعط مساحة من كتابته لدراسة هذه النماذج أو غيرها، من التي يُمكن أن توضع تحت عنوان "التنوير العربي".

فضلاً عن ذلك لم يُبين لنا، ما هي المنهجية التي اعتمدها في اختياره لهذه لشخصيات دون غيرها؟ وهل هناك رابط على مستوى الاشتغال الثقافي (الفكري) من حيث التماثل بينها، مثلاً، أو الاختلاف في معالجة موضوعات بعينها هي محط اشتغال لهذه النخبة من المثقفين؟ وهل هُم أنموذجه لوجود "الفجوة" بين المُثقفين والمُجتمع؟. وسأبقى أصر على تساؤلي لاختياره غير المُبرر لنماذجه دون غيرهم في متن الكتاب.

لماذا جعل من الانتقاء سبيلاً لتأليفه لهذا الكتاب؟.

ولماذا اقتصر جهده البحثي على نماذجه الأساسية ممن تجمعهم به صداقة أوعلاقة طيبة، مثل: الأستاذ سعيد الغانمي، ود.حسن ناظم، ود.علي حاكم، ود.عبدالجبار الرفاعي؟!. ربما لمعرفته الوثيقة بهم، وتواصله المعرفي والإنساني المستمر معهم، ولكن هذا مُبرر لا يليق بنهج كاتب يرنو للموضوعية في معالجة موضوع خطير مثل التنوير!.

 هذه أسئلة تُثار عند قارئ الكتاب، أو دارت في ذهني أنا حينما قرأت الكتاب، ولم أجد إجابة كافية عنها.

فلا يعني التنوير فقط مُمارسة البعض لفعل الكتابة الحُر، وإن كانت هذه من مُتطلبات السعي لايقاد شُعلة التنوير، ولا يعني التنوير تبني النزعة النقدية في الكتابة، وإن كان النقد أيضاً من مُتطلبات التنوير ولكن التنوير كما فهمناه، هو نتاج حركة عقلانية حُرَة ظهرت في الغرب على جميع الصُعد وأولها الفلسفة والعلوم الإنسانية، وهي لم تكن فعل كتابة ونشر لمقالات وبحوث وكتب وترجمات فقط، إنما هي حركة تأثير وتغيير في نمط التفكير السائد واحداث قطيعة "أبستيمولوجية" معه، فلم يكن تأثير كانت أو فولتير أو مونتسكيو أو ديدرو مُقتصراً على فعل الكتابة، إنما كان التنوير عندهم فعل كتابة وتغيير لنمط التلقي المعرفي في "الما قبل والما بعد"، بل وفعل تأثير اجتماعي وتقويض لسلطة معرفية قائمة على الهيمنة الدينية والعقائدية "الدوغمائية" وردمها، وإعادة ترميم الذات الإنسانية بعيداً عن هيمنة العقل الديني السحري، وبناء قناعة فكرية ومعرفية جديدة قائمة على الثقة بقدرة العقل الإنساني على إحداث تغيير نوعي في تعاطيه مع الطبيعة والسيطرة عليها بعبارة (بيكون) بعيداً عن هيمنة الخطاب اللاهوتي الميتافيزيقي.

تعامل فلاح رحيم مثلما يقول مع مفهوم التنوير في الفكر العراقي وفق منهج انتقائي، و"انتقاء مفكرين عراقيين معاصرين أربعة واجهوا ميراث التنوير المتأزم في بلادهم وثقافتهم وتصدوا بصدق لحل مشكلة الفجوة التنويرية وما ترتب عليها من تعسف أيديولوجي واستبداد دموي وخسارات كبيرة على مستوى الفرد والمجتمع" (ص18)، ولا أعرف ما هي مُحددات التنوير التي استند عليها الكاتب؟ حتى نقول أن هؤلاء الكُتاب "واجهوا ميراث التنوير المُتأزم"، وهو عند دراسته لهم يضعهم ضمن هذا الميراث المتأزم لا ممن تصدوا له، أقصد على مُستوى تشريحه لنصوصهم، لا على مُستوى موقفهم من نقد سلطة الاستبداد، فأنا لا أنفي عن هذه النماذج الأربعة صفة المشاركة في تنمية الوعي الثقافي في المشهدية الثقافية والفكرية العراقية، بل وحتى العربية عند البعض منهم، وهم جميعاً من المقربين ليَ وأستطيع أن أقول عنهم أنهم كتاب معروفون: سعيد الغانمي، ود.حسن ناظم، ود.علي حاكم، وعبدالجبار الرفاعي، وإن أنعمت النظر تجد أن الغالب على نشاطهم الثقافي هو الجهد الترجمي، وهم كبار فيما قدموه لنا من ترجمات مهمة في الفلسفة، وأستثني الرفاعي في كتاباته المتأخرة الفكرية منها أو ما يصب في مجال "علم الكلام الجديد" أو"تجديد علم الكلام"، الذي يقترب ويبتعد عن فهمنا للتنوير بوصفه إعمالاً للعقل، وتنصيبه بوصفه الحاكم والقادر على اجتراح قوانين ودستور إدارة الحياة الوضعية، أما جهدهم البحثي فهم يُشاركون فيه كثير من مُجايليهم والذين سبقوهم من المُهتمين بالشأن الفلسفي والفكري.

عرفت سعيد الغانمي مُترجماً وكاتباً شغوفاً بالقصة والرواية والشعر والنقد ودراسة الأسطورة وترجمة ما هو جميل من قصص بورخيس، فضلاً عن ترجماته في مجال الفلسفة والنقد الأدبي وتحقيق التراث، واهتمامه بفكر وفلسفة أبو الحسن العامري.

أما د.حسن ناظم، فهو ناقد أدبي وأكاديمي ومُترجم اختارته الغربة بعيداً عن الوطن، ثم عاد ليعمل أستاذاً جامعياً في جامعة الكوفة. والحال ذاته ينطبق على الغانمي، ود.علي حاكم، والرفاعي، لكنها غربة تروم إعادة ترميم الذات عبر الوعي بالآخر، عربي كان أم غربي، فجميع هؤلاء هاموا في فيافي الأرض بحثاً عن الذات، لا ذاتهم هم، بل عن وطن شكل هويتهم وذاتهم التي عشقت ترانيم وطن وترسيمات مُخيلة مُحملة بعبق التاريخ وفعل المحبة الراكس في طيَات عقولهم النابضة في الاعتراض على كل تاريخ السياسة الرعناء التي حكمت بلاد الرافدين.

أما الرفاعي الذي عشق وهام في سردية "الإسلام هو الحل" في بداياته، فقد تنبه وعاد لذاته الإنسانية، مُتماهياً مع بعض آراء "علي شريعتي" في "العودة إلى الذات" ولكن بعد نقد له وتخليص لرؤاه من نزوعها "الراديكالي" ودمجها بروح صوفية مُستوحياً من ابن عربي رؤاه في "دين الحب"، والرومي ب "دين العشق"، مُقترباً بآرائه من أطروحات سروش وملكيان وشبستري.

يقول المؤلف أن الكتاب يُحدد "الخطط السردية في كتابة تاريخ العراق الحديث"، وهي جملة جميلة فيها من الحقيقة بقدر ما فيها من الإيهام، فلم ينظر فلاح رحيم لعلي الوردي عالم الاجتماع العراقي، إلَا عبر كتابه "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" أي بصفته مؤرخاً، وهذا الأمر يشمل حنا بطاطو المؤرخ الفلسطيني الذي كتب عن التاريخ الاجتماعي في العراق بموسوعته "العراق" التي ترجمها عفيف الرزاز بثلاثة أجزاء، والغريب أنه جعل فالح عبدالجبار عالم الاجتماع العراقي الذي نشر مؤلفات عدة عن تاريخ العراق الجتماعي، وعباس كاظم الباحث في السياسة الدولية بجامعة "هوبكنز" االعراقي الذي نشر كتاباً عن ثورة العشرين في العراق، بوصفهما مؤرخيَن لتاريخ العراق الحديث، ولم تكن مساحة الوجود لهؤلاء الكُتَاب إلَا بالقدر الذي يروم به فلاح رحيم تصنيف المؤرخين لتاريخ العراق الحديث إلى صنفين: صنف يرى أن عُمر العراق يمتد إلى 6000 سنة، وصنف آخر لا يرى في العراق إلَا دولة حديثة العهد تأسست في عام 1920 بعد الاحتلال البريطاني، ويرى في هؤلاء المؤرخين أنهم من حددوا "خطط السردية في كتابة تاريخ العراق الحديث"، (ص75ـ 110) ولم يُشر لمؤرخين مُهمين من أمثال: عباس العزاوي وكتابه تاريخ العراق بين احتلالين بستة أجزاء، وعبدالرزاق الحسني في كتابه (تاريخ العراق السياسي الحديث) أو رسائل ميس بيل، وكتاب عبدالجليل الطاهر: العشائر والسياسة، أ لم تكن هذه الكتب وغيرها قد شاركت في رسم "الخطط السردية في كتابة تاريخ العراق الحديث"؟، فلماذا تجاوزها فلاح رحيم؟.

ركز فلاح رحيم في كتابه على العلاقة بين "المثقف والسلطة والمجتمع"، لم يخلو الكتاب من نقد لنماذجه.

يستخدم فلاح رحيم مصطلح "المثقف المتدين" (ص30) ولا أعرف بأي مقدار يُمكن أن يتلاقى هذا المُصطلح مع ما هو شائع عن مفوم المُثقف، وهل بمستطاعنا أن نُطلق صفة المثقف على الأيديولوجي والعقائدي والمُتدين؟، فذلك مما حار به المفكرون، ولنا في الوردي مثالاً في استخدامه لمفهوم المثقف، الذي لا يجد مُسوغاً لربطه مع مفهوم "المُتفقه" في العلوم الدينية، ولا مع المتعلم للعلوم العملية والعلمية.

ولكن لفلاح رحيم في أطروحات غرامشي حول "المثقف العضوي" بوصفه هو العقل النابض داخل الجماعة التي ينتمي إليها عذر في استخدام مفهوم "المُثقف المُتدين" فهناك كثير من رجال الدين هم عقل نابض داخل الجماعة التي ينتمون إليها، فهم بهذا الوصف "مُثقفون عضويون".

قدم لنا فلاح رحيم مدخلاً مميزاً لشرح علاقة المثقف بالسلطة عبر تناوله لمجموعة من آراء المفكرين مثل ماثيو أرلوند (1822ـ 1888) ونقده للطبقة الوسطى في كتابه "الثقافة والفوضى (1869)" التي وجدها مُنغمسة في الثقافة الاستهلاكية الضيقة" (ص33) ودعوته لها للتشبع بالثقافة الكلاسيكية كي يستطيعوا الارتقاء بوعي المجتمع، والتخلص من "فخ الأيديولوجيات وضيق الأفق السجالي" وتغليب المصلحة الإنسانية على المصلحة الفردية. وإلى ذلك ذهب فلاح رحيم في توصيفه لموقف هابرماس (1929ـ ) الذي "ينتهي إلى مثالية فلسفية تدمج بين الوعي الفردي بوعي إنساني شامل مُشترك يكون مطمح التواصل في المجال العام ويكمن قاراً في مُحيط يقع خارج المُحيطين الاقتصادي والحكومي" (ص35).

مع الفلسفة الماركسية وجد فلاح رحيم أن مفهوم "النخبة الثقافية" صار أكثر حضوراً، لأنها هي التي بمقدورها احداث "الانعطافة الثورية" (ص38)، وقد ظهر ذلك جلياً في كتاب "جورج لوكاتش 1885ـ 1971) "التاريخ والوعي الطبقي"، وغرامشي (1891ـ 1937) الذي ركز على دور "النخبة الثورية" من المثقفين المُنخرطين في التنظيم الحزبي، قادرة على التأثير في الجماهير، أو هم "المثقفون العضويون" الملتحمين بالجماهير من الطبقة العمالية، العارفين بمقدار الانتاج وفائض القيمة، ولكنهم حسب رؤية الماركسية البلشفية صارت "الإنتلجسيا" تميل للحفاظ على مصالحها الخاصة، الأمر الذي جعلها طبقة مستقلة مُنفصلة عن طموحات طبقة "البروليتاريا".

في تيار ما بعد الحداثة يتحدث فلاح رحيم عن رؤية "إدوارد سعيد 1935ـ 2003" لمفهوم المثقف، الذي شبهه بالبدوي المُرتحل عن المجتمع، وليس شرطاً أن يكون مُرتحلاً في المكان، بل هو يقطن المكان، وفي الوقت ذاته هو "خارج المكان" "إنه منفي يُقيم في لا مكان اليوتوبيا" (ص43) وهذا أمر يحمل في طياته "خيانة المثقف"، والخيانة تظهر حينما يجعل المثقف من نفسه ناطقاً أو ممثلاً لآمال وطموحات الجماهير، الأمر الذي يجعل الخطاب خليطاً بين الخاص والعام، بمعنى أن المثقف هنا من الممكن أن يجعل من مُتطلباته الخاصة تبدو وكأنها هي ذات مطالب عامة الناس، حينذاك يكون خطاب المثقفين خيانة، من خلالها يستحوذون على أصوات الجماهير وقوتهم.

في الفكر العربي تعامل المثقف مع الجماهير على أنها جموع من الحشد تفتقد للوعي، ودور المثقف هو "غرس ما يشاء" ولا يُنتظر منه كشفاً جديداً، فالمفكرون الإسلاميون وجدوا في ميل الجمهور إليهم فرصة تاريخية تقترب من إقامة الدولة الإسلامية، وبدلاً من تركيزهم على مطال الجمهور الدنيوية بوصفها محك الولاء، صيروا ولاء الناس هذا على أنه رغبة في تأمين خلاص آخر قادم من الآخرة (ص57). المثقفون العلمانيون من جهتهم خابت آمالهم بالجماهير وتأكدت في نفوسهم أن هذه الحشود تُصفق لكل مُستبد قوي قاهر، ومنذ إفلاطون إلى مُنتصف القرن التاسع عشر كانت النظرة الفكرية السائدة تُناصب العداء للفكر الديموقراطي وتصفه بأنه حكم الغوغاء، سوى بعض استثناءات بسيطة وجدناها في فكر السوفسطائيين، الذين هم أقرب معرفياً في الدفاع عن الحكم الديموقراطي، الذي يؤمن أصحابه بنسبية المعرفة الإنسانية.

إن إخفاق المثقف في ضبط الفجوة الفاصلة بينه وبين الناس وهمومهم يُهدده باتخاذ مواقف خطرة ومُضللة سياسياً ولا أخلاقي إنسانياً كما يذهب إلى ذلك "بتلر ييتس 1865ـ 1939" (ص67).

 

د. علي المرهج

 

سناء الشعلانعن دار أمل الجديدة السّوريّة صدر كتاب "حنون مجيد في منجزه القصصيّ والرّوائيّ بأقلام النّقاد والدّارسين" تحرير واشتراك الأستاذ الدكتور سمير الخليل.والكتاب يقع في 598 صفحة من القطع الكبير.

وقد بدأ الكتاب بمقدّمة بقلم د.سمير الخليل التي قال في معرضها :" تبقى تجربة حنون مجيد السّرديّة مجالاً خصباً لدراسات نقدية لا حدود لها لكونه مبدعاً لا يكرّر نفسه، ولا يجترّ أعماله السّابقة؛ فهو في حركة إبداعيّة دائبة ومتجدّدة تأبى النّمطيّة والانزواء السّكونيّ.وتلحّ عليه تجربته العميقه في الحياة أن يكون متنوعاً في إبلاغه السّرديّ إذ نتاجه بين القصص القصيرة والومضة القصصيّة (القصّة القصيرة جدّاً) والرّواية وقصص الأطفال والمسرح، وهو في كلّ ذلك التنوّع ظلّ تجريبيّاً مجدّداً يأبى السكون والنّمطيّة السّرديّ؛ فقد امتدّت تجربته الإبداعيّة لأكثر من أربعة عقود ومنجزه السّرديّ دليل خصب على تلك التّجربة وثرائها..."

واحتوى الكتاب على فصل كامل حول سيرة حياة حنون ومشواره الإبداعيّ والفكريّ والأكاديميّ.

وقد تقسّمت المادة النّقديّة الضّخمة في هذا الكتاب على عدّة تقسيمات كبرى وفق جنس العمل الإبداعيّ هدف الدّراسة والبحث والنّقد؛ فكان العنوان الأوّل لهذه التّقسيمات يحمل عنوان (حنون مجيد ورؤاه النّقديّة والثّقافيّة/مقابلات معه)، وقد احتوت على المقابلات التالية: ما يكتب قد لا يوازي ما هو مضمر في الأعماق، حوار كاظم حسوني، واليوتوبيا أوّل حلم يقظة راود الإنسان منذ بدء الخليقة، حوار سعدون هليل، والواقع العراقيّ خزين لا ينفد لأشكال سرديّة جديدة، حوار صفاء ذياب، والسّرد الجميل لتأثيث عالم قبيح، حوار د.سناء الشعلان، وحوار مع الأديب حنون مجيد، حوار رزاق إبراهيم حسن.

أمّا العنوان الثّاني من الكتاب فهو بعنوان (المنجز القصصيّ وتحولاته)، وقد احتوى على الدّراسات التالية: الدّلالة الزّمنيّو لحرفي الاستقبال السين وسوف في السّياق القصصيّ حنون مجدي أنموذجاً، بقلم د.إسراء عامر، وتجليّات التّجريب والتّجديد في قصص حنون مجيد، بقلم د.مسلك ميسون، وجولة بصيرة القارئ في البحيرة، بقلم د.عبد الواحد محمد، ومجموعة البحيرة القصصيّة لمجيد حنون، بقلم عبد الجبار عباس، ومقاربة نقديّة لقصص البحيرة، بقلم د.زياد أبو لبن، والقاصّ حنون مجيد يحمّل الفأر موضوعاً موحّداً في ثلاث قصص، بقلم عبد العزيز لازم، والتّحليق التحليق بجناحي (الطائر) وصف دقيق للجنون من خارجه، بقلم شكيب كاظم،

ومسدس تشيخوف تمثيلات الواقع في قصص "لوحة فنان"، بقلم صادق ناصر الصكر، والرمز في مجموعة (لوحة فنان ) - تعظيم الجانب الدرامي في أجواء القصص، بقلم عبد العزيز لازم، و حنون مجيد في بناه الطِباقية - قص صوفي شفيف ولغة مكتنزة بالمعنى، بقلم شكيب كاظم، و القص القصير في لوحة فنان، بقلم علوان السلمان، و تاريخ العائلة ... حين تكتبه العقول المتصدّعة، بقلم حسين سرمك حسن، و الأنثى مطرودة من التاريخ الرمزي للعائلة، بقلم ناجح المعموري، و ذوات بعين الآخر- قراءة في قصة(تاريخ العائلة) لـ (حنون مجيد)، بقلم صالح زامل، ونثيث حنون لتاريخ المطر، بقلم إسماعيل إبراهيم عبد، تكثيف اللّغة السردية في قصص (تأريخ العائلة)، بقلم زهير الجبوري، و تاريخ العائلة .. سلطة الذكورة، بقلم حميد حسن جعفر، ورجل كاتدرائي وواعظ براهمي، بقلم د. ريكان ابراهيم، و وعي التجربة في (تاريخ العائلة)، بقلم علوان السلمان، ومهيمنات السرد في تاريخ العائلة، بقلم عبد العزيز إبراهيم، و دلالة الرمز في "تاريخ العائلة"، بقلم د. عجيل نعيم الياسري، والأحلام بوصفها ممكنات ايديولوجية، بقلم محمد قاسم الياسري، وأداء الذات وتوظيف الشاهد الجمالي، بقلم محمد يونس، وسجال لايثنيه الزمن، بقلم محسن حسين عناد، و فنطازيا الوضوح، بقلم حميد حسن جعفر، و تقنيات القص في قصة (تمهل فإنها الحلاوة)، بقلم عبد الرضا جبارة، و شعريّة التشكيل السردي في قصّة (متعة بيع السجاد)، بقلم د.فاضل عبود التميمي، و عن قصتين من "لحظة شباك" لحنون مجيد - بدائل الواقع هزيمة البؤس، بقلم د. عجيل نعيم الياسري، و الفن القصصي القصير جداً- حنون مجيد إنموذحا، خضير اللامي، أسلوبية القصة القصيرة جدا ً، بقلم د. محمد أبو خضير، و وردة لهذا الفطور تقابلات الواقع والكتابة، بقلم جمال جاسم أمين، ومجازات القص، بقلم اسماعيل إبراهيم عبد، و قراءة قصيرة جدا في وردة الفطور، بقلم علوان السلمان، وقراءة في مجموعة " يموتون ولا يموت "، بقلم حميد ركاطه، و التكثيف السردي وجبروت الإيحاء في"يموتون ولايموت"، بقلم عبد العزيز لازم، و الدلالة الالتزامية في قصص يموتون ولا يموت، بقلم محمد يونس، و الوجود وترجمة الذات في(يموتون ولا يموت)، بقلم علوان السلمان، و الثنائيات الضدية: بحث في فلسفة الحياة، بقلم د. إسراء عامر شمس الدّين، و بناء القصة القصيرة جدا في مجموعة (الخيانة العظمى) بين الاعتلاء الإبداعي والتفنن النظري، بقلم أ.د. نادية هناوي سعدون، و الخيانة العظمى... ضوء من بُعدٍ آخر، بقلم محسن حسين عناد، و شعرية القص في سرديات حنون مجيد (الخيانة العظمى) أنموذجاً، بقلم جبار النجدي، و الوهم والخيال والمفارقة في (الخيانة العظمى)، بقلم رنا صباح خليل، و تأملات حنُّون مجيد القصيرة جداً، بقلم عادل العامل، وشعرية النهايات الخادعة: قراءة في أقاصيص “حجر غزة”، بقلم د. قيس كاظم الجنابي، وقلادة التواصل في اقاصيص (السلم)، بقلم د. قيس كاظم الجنابي، و كسر الانساق الثقافية ومرجعياتها في مجموعة قصص (السلم)، بقلم د. سمير الخليل، و شعرية القصة القصيرة مجموعة السلم أنموذجاً، بقلم صباح محسن كاظم، وسلم حنون مجيد، بقلم محمد جبير، الومضة القصصية في مجموعة (السلم)، بقلم م.م نضال عبد الرحيم سلمان، و المرأة موتيفـًا للسعادة في زمن حزين – قراءة في "السلّم" للقاص حنون مجيد، بقلم قحطان الفرج لله.

أمّا القسم الثاني من الكتاب فقد جمع دراسات عن الإبداع الروائيّ وتقنياته عند مجيد حنون، إذ احتوى على الدراسات التالية:

 

الرواية وتشظي الثيمة المركزية، بقلم فاضل ثامر، و نص السلطة – سرديات التمأسس - قراءة تداولية في رواية (المنعطف)، بقلم د. محمد أبو خضير، و الركون إلى المغايرة في سياق السرد القصصي، بقلم ياسين النصير، و حركية السرد وتصدع الصمت في رواية (المنعطف)، بقلم د. قيس كاظم الجنابي، و البحث عن المفقود في رواية المنعطف، بقلم جاسم عاصي، و بؤرة السرد الروائي في رواية المنعطف، بقلم زهير الجبوري، و الحرب والحصار في الرواية العراقية رواية (المنعطف) مثالاً، بقلم د. رشيد هارون، و العالم الروائي الضمني المحيّن لرواية المنعطف، بقلم إسماعيل إبراهيم عبد، و تعددية السرد والـ(يوتيبيا) في رواية (المنعطف )، بقلم عبد علي حسن، و(المنعطف) ويوتوبيا المدن الفاضلة، بقلم حسن السلمان، و رواية (المنعطف) وبشائر الكلام المباح، بقلم أنور عبد العزيز، و علم الحقيقة ونقيضه في رواية (المنعطف)، بقلم محسن حسين عناد، و أنسانوية الخطاب السردي وحلم الوصول إلى المدينة الفاضلة، بقلم شاكر ارزيج فرج، و حنون مجيد ينسج شخصية روايته (المنعطف) من ملامح صدام، بقلم يوسف أبو الفوز، و لعنة الحرب في " مملكة البيت السعيد "، بقلم ناطق خلوصي، و مملكة البيت السعيد، بقلم د. عقيل مهدي يوسف، و رواية (مملكة البيت السعيد) بوصفها سجلا توثيقياً، بقلم د.سمير الخليل، و صورة الراوي في مملكة البيت السعيد، بقلم ليث الصندوق، وأربع وعشرون لوحة سردية تحكي قصة حربين تستولدان حرباً ثالثة، بقلم خضير اللامي، و الشخصية الروائية في رواية مملكة البيت السعيد، بقلم علي حسين عبيد، واتصاليات المثبت والمحذوف في "مملكة البيت السعيد"، بقلم مقداد مسعود، والتّقابل الزمني في رواية مملكة البيت السعيد، بقلم محمد يونس، والمدونة الرقمية: تحليقات مفعمة بالحب، بقلم رنا صباح خليل.إلى جانب ملحق بعنوان قراءة في قصة (مغامرة في ليل الغابة)، بقلم د. شفيق مهدي.

 

جمعة عبد اللهيمتلك الاستاذ الناقد خبرة وتجربة طولية، في منجزه النقدي الطويل، فهو الاديب والمترجم، له الاطلاع الواسع في الثقافات الاجنبية. لذلك امتلك رؤية ابداعية، في التعامل مع النص النقدي، ويمتلك نفس طويل في الرصانة والهدوء، في عمق الرؤية النقدية في منهجيتها الموضوعية، التي تعتمد على اصول وقواعد وضوابط، في التحليل النقدي، في البحوث والدراسات، في التناول في رؤية جمالية، تضيء العمل النقدي في ابداع متمكن. فهو يتعامل بهدوء ورصانة في ثنايا النصوص النقدية. ويتجنب اطلاق الاحكام جزافاً دون دراسة وتحليل وفحص متأمل دقيق، كما انه يبتعد عن التجريح والاستخفاف بالنص، وانما وضعه في المجهر النقدي، من خلال اسلوبية ومنهجية تتوسم الابداع، التي تعتمد على اسس ومستلزمات ومواصفات موضوعية، في تقييم العمل النقدي وأبدأ الرأي والحكم، يمتلك حصافة استاذية في الرؤية الابداعية، قوامها التركيز والتأمل والتفكير والبحث، هذه الضوابط خلقت له مكانة وحضور مهم وحيوي في الساحة الثقافية والحركة النقدية. ومن خبرته الطويلة واطلاعه الواسع في الترجمة وقراءاته للثقافات الاجنبية ومدارسها النقدية الحديثة. كسبته رؤيا نقدية مرتكزة، في منظومة ابداعية متكاملة، في الحس الابداعي وجمالية التناول. ومقالاته هي بمثابة دراسات وابحاث تمتلك براعة في الاسلوب والمنهج. وكتابه النقدي الجديد، المعنون (لا محاضرة / قراءات نقدية) حسب اقتراح الشاعر والناقد ناظم ناصر القريشي (اقترحت علينا أن يكون عنوان كتابنا هذا (لا محاضرة) وهو نفس العنوان الذي حملته لوحة الرسام العالمي بابلو بيكاسو فأخذنا به لان ما قرأناه لم يكن ما قصده بيكاسو ولن يكون). لذا فأن قراءاته النقدية، ليس مقالات، قراءات استعراضية تقليدية. وانما هي تحمل براعة استاذية، في اسلوب النقد البناء، الذي يرتكز على اسلوبية ومنهجية مبدعة. فقد تناول في كتابه النقدي. 27 شاعراً وشاعرة، كما حفلفي الطرح مجالات في الرواية ومواضيع اخرى، لنأخذ بعض الشذرات من هذه القراءات النقدية، او الدراسات النقدية :

- الشاعر طلال الغوار. في مجموعته الشعرية (احتفاء بصباحات شاغرة) : حقاً ان الشعر صرخة الالم والغضب والعاطفة والهدوء والسكون. يتصاعد دخانها او دخان الشعر. في الوطن الذي يتهاوى، بغداد تتهاوى شوارعها في لحن حزين. هذه بغداد التي تعلق بها الشاعر وتغزل بها، أن حب المكان يضيء توجهات الشعورية لدى الشاعر، مثلاً شارع المتنبي. لذلك يجد الناقد المحفز للشاعر في تجربته الشعرية (حفزني ان اذكر ذلك ما وجدته في قصيدة الشاعر الغوار عن بغداد وكيف يتبارى الشعراء في حب هذه الاماكن)

في شارع المتنبي

رأيت دخان الشعر

يتصاعد كثيفاً

لكن أين النار

------------

في شارع المتنبي

لم أر

غير قصائدي

وحدها هي التي

تسير الى جانبي

------------------

جسرك الممتد في قلبي

الى رصافة أحلامك

يستعيد عشاقه

في عيون أل مها

 أما آن لي

أن ارفع قبعتي

لزهرة

تسير وحدها في الطريق

× الشاعرة نجاة عبدالله. يتناول تجربتها الشعرية. يقول في حصيلته النقدية لتجربتها الشعرية (كانت دهشتي خلالها لا توصف فمن غير المعقول أن لا يتصدى النقد وبقوة لهذه الشاعرة وأعمالها، تلك التي توزعت بين عديد من البلدان التي درست فيها واقامت، أستطاعت من خلالها ان تثبت تألقها كأمرأة شاعرة تمسك بأدواتها الشعرية بحنكة ودراية، وعندما نريد قراءة بداياتها الشعرية فهي من جيل شعراء التسعينات)

إلى دجلة...

حبا وولعا

إلى أمي..

سيدة الارق الى...

واجهة الجنوب

أصدق جنون أعيشه هذه الاعوام

والاعوام التي مضت

--------------

الكلمات

تهرب من المصابيح

صرنا

نتبادل الشتائم

بدل أن نتبادل الحب

---------------

 لم أحلم

وأنا ممسكة بالارض

إن كلانا ينهض

ويعلق

قبلة على الباب

- الشاعر سعد جاسم. في مجموعته الشعرية (أنتِ تشبهينني تماماً) يستخلص تجربة الشاعر، بقوله (- أنا أرى أن الومضة الشعرية هي خلاصة للراهن الشعري الآن، وتكمن أهميتها في اقتناص اللحظة الشعرية السرية والخفية وكذلك التفاصيل الصغيرة في الحياة والاقانيم الاخرى كالحب والموت، المهمل والمهمش، مما يميز الومضة أيضا تكثيفها اللغوي، ومع كل هذا أرى أن الشاعر الحقيقي هو الوحيد القادر على إطلاق الومض الشعري، او اختطاف شعلة الشعر، هذا ما أشتغلت عليه في كتابي الشعري (أنتِ تشبهينني تماما) حيث حاولت اقتناص الكثير مما هو مسكوت عنه، وما هو ايروتيكي، وما هو جمالي ساحر ومدهش)

هذا كتابكِ.. فإحفظيه

هذا كتابك

هذا كتاب الحب

والخلاص والحنين

هذا كتابكِ

فأحفظيه وشما

وترنيمة

وقمراً من عسل

وخبز وياسمين

هذا كتابك الكوني

فإحفظيه.... إحفظيه

في دمك النافر

وتحت جلدك الحار

وفي قلبك الاخضر

أيتها العاشقة الابدية

- شاعر الرمز فلاح الشابندر. يتناول الناقد تجربة الشاعر ومنجزه الابداعي في الرمز الشعري، المتعدد الجوانب في التعبير والمغزى والايحاء، في التصوير الشعري الخلاق والمدهش. هذه التناول النقدي، هو نتيجة التعايش القريب مع الشاعر، وبالمتابعة في التجربة الرمزية في شعره بتفاصيلها الدقيقة، وهي تمثل تجربة شعرية مرموقة، بشكل غير مألوف ومطروق في الشعر العراقي. لذلك تحمل الصور الشعرية في قصائد الشابندر، تحمل لون وطعم وذوق ومعاناة، ووجع عراقي مؤلم وعذاب الانسان عموماً، من عثرات الواقع المأزوم والمتأزم. لذلك يجعل الصورة الشعرية، في تصويرها الخلاق، صورة ناطقة للواقع العراقي الفعلي. في مكونات الوجع المؤلم الذي نعيشه، والمكونات الانسانية في صراعها الحياتي للبقاء، لواقع الذي نعيش مراراته. لذلك هذه الصور الشعرية تؤطر بالرمز البليغ، من اجل استفزاز وتحريك المشاعر الداخلية، غير قابلة للمهادنة، وانما تستدعي تمزيق اكفانها المحنطة، لتخرج الى الكون والحياة العريضة. يقدم الناقد في تركيز شديد، خصائص الضوء الشعري للشاعر، الذي يحتض الانسان والكون، في شكلها المرئي وغير المرئي، في رسوم ريشته الشعرية بالتصوير المدهش

عري أبكم

من اقصى البراري

يتشرف السيد فراغ.... الفراغ الكبير

بدعوتكم.. لسماع عزف منفرد

عزف الرفيف الرفيف المجنح

يذكي الحقل لحنا نديا

---------------

يا أيها انتم........ ؟؟

بين مساقط الضوء والظل..

أوجعتم..... حلمي؟

ويشخص شعرية الشابندر بقوله (هذا الوجع يكاد يكون كوني في نصوص شاعرنا وهو ما يجرنا الى عالمية الشعر كما يقول ليرنر، هو يكتب بطريقة السخرية السقراطية، نسبة لسقراط الذي ينسب له هذا المنهج المعروف بأسم (Elenchus))

في خلوة...... محرمة

أقرأ مثلما أتهدم

جميع النفس كتبت وهما

وهما يشبهنا

نتناساه قصدا

وغفلة متعثرة بالمتراكم

تعثر علينا الصدفة

والتي لم (نقر)

أن الصدفة ترتب الادوار

................. زعيم........ أنا

- الشاعرة د. هناء القاضي. في ديوانها (سيدي البعيد)

يتساءل الاستاذ الناقد (لا اعلم كيف تجتمع الرقة مع الشعر مع طب فيسيولوجيا الاعصاب (الشاعرة طبيبة في فيسيولوجيا الاعصاب) خاصة اذا كانت تلك الاحاسيس المرهفة، ادوات شعرية تختلط على طاولة الجراحة في غرفة العمليات) ويضيف بشكل بليغ (وهل في مقدور القلب ان يتحمل منظر كل ذلك النزيف البشري ويتحول بعد أن ينزع عنه كمامة الخوف الى نبض شاعر يخفق لشيء بعيد (لرجل يلوح في ضباب اللحظة ويسربله الالتباس... ساكن فيها بين وهج الروح وثنايا الذاكرة. يقف على بعد نبضة من قلبها.

أنا لم أقل لك يوما

أني احبك

وأنت لم تقل لي يوما

 انك تحبني

--------------------

وحيدة....... أقف

عند شواطئ افكاري

يلقي اليَّ.. المد

حقائبا

مليئة..... بالنوارس

والاخبار

يا بعيدي...

بم... تفكر ؟

اتراك تغار.... ؟!

لو علمت... أنا.. أغار عليك

من كل النساء

اغار عليك... من لغة الحوار

- الاديبة وفاء عبدالرزاق. في روايتها (رقصة الجديلة والنهر)، التي صدرت عن مؤسسة المثقف العربي في سدني / استراليا : يقول عنها الناقد (رواية ترسم كل تذبذبات الاضطراب الداخلي لشخوصها الذين درست مؤلفتها بعناية واهتمام هاجس الخوف الذي لازمهم حتى النهاية، فأبطالها غير بعيدين عنا لاننا عشنا مأساتهم مع أنهم تشكلوا عبر فانتازيا صادمة وهو اللون الذي نجده في اغلب روايات الكاتبة) ويستلخص الجوهر في دراسته النقدية (روايتها لتدخل بنا لب الحقيقة عن هذا القتال الشرس من اجل البقاء بين قوى الشر المتمثل بهذه العصابات التي دخلت قرى كثيرة فشردت أبنائها واغتصبت نسائها وبناتها) ويضيف (ليتنا نستطيع التحدث عن السلام والحب والامان بدلا عن الموت والخراب والاغتصاب، ليتنا فعلاً نسترجع بناتنا وابناءنا بالقهر والدموع. الرواية وهي تصاعد بأحداثها مارة بسقوط الموصل، حيث وضعت أصابعها على أهم معطيات ذلك السقوط) ويستنتج من التحليل، وهو يبرز شجاعة الكاتبة في تشخيص الخلل من خلال المتن الروائي (فالرواية قبل كل شيء هي تاريخ مروي لها زمانها ومكانها وهي جزء لا يتجزأ من تاريخ أي أمة عانت ويلات الحرب، كما قرأنا قبلها كيف اصطف الكثير من الكتاب مع التاريخ لفضح الخونة الذين تسببوا بمعاناة شعوبهم).

انه كتاب نقدي جدير بالقراءة والاهتمام، هو حصيلة خبرة نقدية، في رؤيتها الجمالية

 

جمعة عبدالله

 

علاء اللامييصدر قريبًا عن دارَي الرّعاة (فلسطين) وجسور ثقافيّة (الأردن) كتاب موجز تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربيّ الاسلاميّ، بقلم كاتب هذه السطور وسيكون الكتاب متوفرا في معرض بغداد الدولي للكتاب الذي سيبدأ في السابع من شباط الجاري ولغاية الثامن عشر منه، في جناح دار دجلة للنشر والتوزيع وسيكون متوفرا أيضا في مكتبات بغداد والضفة الفلسطينية المحتلة " توزيع دار الرعاة في رام الله" وفي مكتبات العاصمة الأردنية ومدن ومعارض دولية للكتب قريبا. هنا فقرات ضافية من مقدمة الكتاب للتعريف به وبمنهجيته المعتمدة:

***

ليس الصراعُ الحاليّ في فلسطين، وعليها، صراعًا دينيًّا تقليديًّا؛ بل يمكن القول إنّ العنصر الدينيّ هو أحدُ دوافعه ومفاعليه وتجلّياته في آنٍ واحد، ولكنّه لم يكن ولن يكونَ السببَ الأوحد والأهمّ. إنّ هذا العنصر الدينيّ، والثقافيَّ بشكّل أعمّ، يدخل ضمن مشمولات الحالة والواجهة التاريخيّة لهذا الصراع. فهذا الصراع، أساسًا، ومن حيث الجوهر، هو صراعٌ جغراسياسيّ، حضاريّ، عسكريّ، وثقافيّ (وضمنه الدينيّ)، بين الحركة الصهيونيّة الأشكنازيّة ودولتِها المفتعلة "إسرائيل" المدعومة غربيًّا من جهة، وبين الشعب الفلسطينيّ وحلفائه من الشعوب العربيّة والاسلاميّة وشعوبِ العالم من الجهة المقابلة. ولقد دخل العنصرُ الدينيّ والتاريخيّ ضمن مشمولات هذا الصراع، بدفعٍ وتأجيجٍ من طبيعة الحركة الصهيونيّة الدينيّة التوراتيّة التكفيريّة المعادية للأغيار (جوييم، أي الآخرين المختلفين دينيًّا)، ومن طبيعتها القوميّة العرقيّة المنسوبة زورًا إلى للعبرانيّة والعبرانيين الجزيريين "الساميين."

وعلى ذلك، فليس من الصحيح والعادل والأخلاقيّ إدانةُ لجوء الإنسان الفلسطينيّ، والعربيّ عمومًا، إلى استلهام إرثه الثقافيّ والدينيّ، في دفاعه عن مقدّساته وعقيدته ووطنه وتراثه الدينيّ الإسلاميّ والمسيحيّ والقوميّ العروبيّ،... ثمّ السكوتُ عن لجوء الحركة الصهيونيّة ودولتها ــــ القائمة أصلًا على مزاعمَ وخرافاتٍ دينيّة توراتيّة وقوميّة عبرانيّة مُفتعلة ــــ إلى اتّخاذ العنصر الدينيّ التوراتيّ رايةً ومنهاجًا وثقافةً لها، بل هي تطالب اليوم ضحيّتَها الفلسطينيّةَ بالاعتراف بدولتها دولةً يهوديّةً، ولليهود حصرًا، وانتهت أخيرًا إلى قانونٍ دستوريّ يقرّر أنّ إسرائيل دولة قوميّة يهوديّة، ولليهود حصرًا.[1]

لذا، بات من اللازم الإلمامُ بالجانب التاريخيّ والحضاريّ من جوانب هذا الصراع الشامل والمعقّد. ومن هنا تأتي هذه المحاولة المتواضعة لتقديم عرضٍ مبسّط ومكثّف لخلفيّات الخطاب الجوهريّة في الصدد التاريخيّ، بهدف كشف الطابع الخاطئ والمزيّف للخطاب المعادي، وتبيانِ تناقضاته وأكاذيبه، بأسلوبٍ لا يتخلّى عن الحياد العلميّ في مقاربته للحقائق، ولا يخفي انحيازَه الإنسانيّ لقضيّة الشعب الفلسطينيّ المظلوم وللحقيقة في آنٍ واحد.

إنّ موضوع تاريخيّة فلسطين القديمة، المتلابسة مع جغرافيّتها، قبل ظهور اسم "فلسطين" وبعده عَلمًا لهذه البلاد الجميلة، موضوعٌ شائكٌ ودقيقٌ ومعقّد، ولكنّه ممتعٌ وملهِم ومفيد ثقافيًّا ومعنويًّا. والواقع أنّ هناك جهلًا طاغيًا بأساسيّات هذا الموضوع حتى بين صفوف النخبة المثقّفة العربيّة أحيانًا. وإذا علمنا أنّ الموضوع إشكاليّ ومعقّد أساسًا بسبب طبيعته الذاتيّة التاريخيّة غير التجريبيّة تمامًا، فسنفهم أنّ الاكتفاءَ بالمعلومات والشعارات والكتابات السياسيّة والحزبيّة السطحيّة حول الموضوع هو نقطةُ ضعفٍ كبرى خطيرة نعانيها، نحن العرب، على هذه الجبهة المهمّة، جبهةِ الثقافة والإعلام.

سأقوم، عبر هذا الكتاب، بمحاولةٍ متواضعة، لمقاربة مجموعةٍ من الحقائق والصور التاريخيّة والجغرافيّة واللغويّة حول فلسطين القديمة، منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربيّ الإسلاميّ، في أمّهات المصادر القديمة والحديثة،[2] ومن ثمّ نسجِها في هذا الموجز التاريخيّ.

إنّ ما أقوم به هنا ملخّص مبسّط ومكثّف لتاريخ فلسطين، بدءًا من فجر التاريخ، فمرحلةِ الانتقال إلى العصر التاريخيّ، مع اختراع الكتابة في بلاد سومر (جنوب بلاد الرافدين في العراق القديم)؛ أيْ من العصر النحاسيّ الغسولي (3000 سنة ق. م) حتى حروب الفتح والتحرير العربيّة الإسلاميّة في القرن السابع الميلاديّ. وهذا الملخّص موجّه أساسًا إلى جيل الشباب، مثلما هو موجَّه إلى غيرهم من الباحثين عن الحقيقة. وهو استعراضٌ لن يتوقّف عند التفاصيل المعقّدة والمتشابكة إلّا ما ندر وكان ضروريًّا وذا صلةٍ بفلسطين.

إنَّ مركزيّة العلاقة بين فلسطين التاريخ البعيد والشديد التعقيد والثَّراء، وفلسطين الحاضر الصراعيّ الحاليّ مع الحركة الصهيونيّة ودولتِها العنصريّة "إسرائيل،" تُعطي دافعًا ومبرِّرًا قويًّا لوضع السياق التاريخيّ في مجراه الصحيح بين مكوّنات معادلة الصراع، وفي مقدّمتها جبهة التاريخ القديم الذي أُهمل كثيرًا من قبل الطَّرف الفلسطينيّ والعربيّ، الثقافيّ والسياسيّ، لشديد الأسف. وفي المقابل أوْلى الطرفُ الصهيونيُّ والغربيّ اهتمامًا خاصًّا ومركزيًّا بهذا المحور الصراعيّ من الموضوع، مُعتبِرًا أنّ السيطرة على مكوّنات تاريخ فلسطين القديم وتوجيهَه في اتجاهات محدّدة بهدف تسييد الرؤية والرواية الصهيونيّتين هي مهمّة المهمّات بالنسبة إليه. والواقع يقول إنّ الطرف الصهيونيّ قد نجح حتى الآن نجاحًا باهرًا في إنجاز هذه المهمّة، وفي وضع الرواية والرؤية الفلسطينيّتين والعربيّتين للتاريخ الفلسطينيّ القديم في الهامش وفي حالة دفاع غير مبرَّرة، هذا إنْ كان ثمّة وجودٌ أصلًا لهذه الرواية يتعدّى الوجودَ البدائيّ والرمزيّ؛ إذْ إنّ الثابت هو أنّ الطرف الفلسطينيّ والعربيّ مقصِّر في هذا الباب تقصيرًا محزنًا ولا يمكن تبريرُه، بل هو يشبه تركَ جبهةٍ قتاليّةٍ مهمّةٍ فارغةً أمام العدوّ خلال القتال.

إنَّ الارتباط التاريخيّ والمضمونيّ بين الرؤية الصهيونيّة الاستراتيجيّة، والروايةِ الدينيّة التوراتيّة، والمشروعِ السياسيّ المباشر لـ"إسرائيل" العنصريّة، أمورٌ علائقيّةٌ لا يمكن نكرانُها. وقد تفطّن إلى جوهرها كتّابٌ كُثر، لعلّ من أهمّهم الباحث والأستاذ الجامعيّ المتخصّص في دراسات الكتاب المقدّس، كيث وايتلام، في كتابه الحاسم: اختلاق إسرائيل القديمة.

يؤكّد وايتلام هذا الارتباط بأدلّةٍ كثيرة، لا يمكن دحضُها أو التقليلُ من أهميّتها. من ذلك قولُه إنّ إشارة وعد بلفور إلى الرابط التاريخيّ بين اليهود المشتَّتين في العالم بـ"أرض آبائهم" كان أكبرَ نصرٍ في مطلع القرن العشرين للصهيونيّة، ولزعيمها حاييم وايزمن، الذي أصرّ على أنْ يتضمّن وعدُ بلفور مثلَ هذه الإشارة، إيمانًا منه بأنّ التركيز على الجانب التاريخيّ "شرطٌ أساسٌ لنجاح المشروع  الصهيونيّ" ولضمان "عودة" اليهود إلى "أرض أجدادهم" (فكثيرًا ما كان وايزمن يردّد: "نحن لسنا بقادمين، بل عائدون").[3]

ويُضيف وايتلام، عارضًا أهميّةَ الببليوغرافيا المنجزة للتواريخ المهمّة لمملكتَي إسرائيل ويهوذا:

"إنّ تهميشَ تاريخ فلسطين القديم يمكن التدليلُ عليه من خلال الببليوغرافيا الممتازة للتواريخ المهمّة لإسرائيل ويهودا، كما ظهرتْ في بداية كتاب ميللر (Miller) وهيز (Hayes)، إذ توجد قائمةٌ تتضمّن خمسةً وستّين مرجعًا تعود إلى الفترة الواقعة من القرن الثامن عشر حتى أواخر القرن العشرين، بينما يوجد عنوانان فقط يعالجان تاريخَ سوريا وفلسطين... علينا أن نعي أنّ سيطرةَ اللاهوت هذه، وما لذلك من مضامينَ وأبعادٍ سياسيّة وثقافيّة، يجب أن تكون في أذهاننا كي نفهمَ كيف تمكّنت الأوساطُ العلميّةُ الغربيّة من اختراع إسرائيل القدوة، وإسكاتِ التاريخ الفلسطينيّ" [4].

ويستنتج وايتلام من ذلك استنتاجًا صحيحًا:

"هذا يعني أنّ التاريخ الإسرائيليّ، ويهوديّةَ الهيكل الثاني، اللذيْن كانا حكرًا على الدراسات التوراتيّة حتى عهدٍ قريب، يشكّلان في الحقيقة جزءًا من التاريخ الفلسطينيّ، بينما التاريخ الإسرائيليّ ــــ الواقع تحت هيمنة الدراسات التوراتيّة ــــ قد سيطر على المشهد العامّ لفلسطين إلى درجة أنّه أَسكت فعليًّا كلَّ مظاهر التاريخ الأخرى في المنطقة، من العصر البرونزيّ حتى الفترة الرومانيّة"[5].

إنّ المقارنة الدقيقة التي يجريها إدوارد سعيد، ويستعيدها وايتلام بحماس، بين ما فعلتْه الحركةُ الوطنيّة الفلسطينيّة في هذا الميدان، وبين ما فعلتْه حركاتُ التحرّر في الهند وأفريقيا وأستراليا، مهمّة جدًّا في هذا الصدد. فهو يقول:

"إنّ نموّ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة لم يؤدِّ إلى استرداد الماضي، كما حصل في الهند وأفريقيا وأستراليا. والمشكلة هنا تكمن في أنّ مفهومَ التاريخ الفلسطينيّ يقتصر على الفترة الحديثة، في محاولةٍ لتوضيح القضيّة الوطنيّة في مواجهة النفي والتشريد، كما لو كان التاريخُ القديم قد تُرك لإسرائيل والغرب. وكان إدوارد سعيد قد لاحظ في خاتمة كتابه لوم الضحيّة: البحث العلميّ الزائف وقضيّة فلسطين... أنّ فلسطين كانت وطنًا لحضارةٍ لافتةٍ للنظر لقرون طويلة قبل هجرة القبائل العبريّة إليها. ويبدو أنّ طبيعة هذه الحضارة وإنجازاتها تُذْكر في جملٍ قليلة، بينما فترةُ الهجرة الاسرائيليّة، وهي نظرةٌ عفا عليها الزّمن...، قد تُركتْ لإسرائيل من دون أيّ تعليق. ويركّز الباحثون على تاريخ فلسطين منذ الفتح العربيّ والاسلاميّ في القرن السابع الميلاديّ حتّى الوقت الحاضر. أمّا الفترة البرونزيّة المتأخّرة بالتحديد، حتى الفترة الرومانيّة، فهي بحاجة إلى استعادتها وإعطائها صوتًا في تاريخ فلسطين."[6].

هنا يمكن أنْ نسجّل أنّ بعض الباحثين العرب ــــ بدلًا من العمل على إنجاز هذه المهمّة الملحّة، مهمّةِ فصل التاريخ الفلسطينيّ القديم عن القراءة والكتابة التوراتيّة، وإنجاز مهمّة كتابة هذا التاريخ ككيان سرديّ تاريخيّ مستقل ــــ يهدرون جهودَهم في البحث عن فلسطين أخرى في إقليم عسير أو جبال اليمن في عموم شبه الجزيرة العربيّة! لسنا ندعو هنا إلى منع الباحثين من البحث في الميدان الذي يشاؤون، وبالمنهجيّات التي يفضّلون، ولكنّنا نتكلّم على تسلسل الأولويّات ومستوى خطورة المهمّات والسياقات والعناوين الخاصّة والمتضمّنة في هذا الميدان.

وقد يكون دالًّا ومفيدًا أنْ أسجّل أنّني كنتُ أمام إشكالٍ فنيّ ومنهجيّ في محاولتي وضعَ البنية النهائيّة لهذا الكتاب، والذي هو كما يقول عنوانُه "موجزَ تاريخ." وهذا يوجِب على مؤلِّفه التقيُّدَ بالبنية المدرسيّة التقليديّة، كما نجدها في الكتب المعتمَدة في هذا المجال. ولكنْ، لأنّ الكتاب ليس تدريسيًّا بحتًا، بل  موجّهٌ إلى القارئ العاديّ والمتخصّص في آن واحد، فقد انتهيتُ إلى أن يكون مصوغًا بأسلوبٍ مبسّطٍ شبهِ صحافيّ مع عناوين فرعيّة كثيرة، تشدُّ القارئ، وتُبعد عنه المللَ المتوقّعَ المتأتّي من الغرق في اللغة الاصطلاحيّة والتناول الأكاديميّ الجافّيْن.

أما من ناحية المدى الزمنيّ والتاريخيّ الذي تستغرقه مادّةُ الكتاب، فهو يبدأ منذ فجر التاريخ، من العصور الجيولوجيّة الجليديّة القديمة وعصر إنسان الهوموهابيل وعصر البليستوسين، ومرورًا سريعًا بالعصر الحجريّ القديم والعصر النحاسيّ الغسوليّ،[7] وحتى استكمال عمليّات الفتح والتحرير العربيّ الإسلاميّ في القرن السابع الميلاديّ. ولكنه لن يتوقّف مطوّلًا وتفصيلًا عند عهود فجر التاريخ والعصور القبتاريخيّة.

***

قبل أنْ نبدأ هذا الموجزَ التاريخيّ، أوَدّ تسجيلَ الملاحظات المنهجيّة التاليّة:

أبغي، أولًا، الإشارةَ إلى أنني سأستعمل المصطلحَ الذائعَ الصيت "الساميّة" ومشتقّاتِه على الرغم من التحفّظات العلميّة المهمّة والكثيرة عنه. فهو مصطلحٌ توراتيّ، ابتُكر واستُخدم لأوّل مرّة سنة 1770 من قِبل أعضاء مدرسة غوتنغن الألمانيّة للتاريخ، واشتقّوه من اسم "سام،" أحدِ أبناء نوح الثلاثة المذكورين في التوراة، ولم يعثر العلماءُ حتى اليوم على أيّ دليل نبْشيّ آثاريّ ملموس يَذْكر اسمَه مباشرةً أو اشتقاقًا.

أمّا نسبةُ ابتكار "الساميّة" إلى العالِم النمساويّ أوغست شلوتسر، كما فعل الباحثُ العراقيّ المتميّز الراحل د. فاضل عبد الواحد في كتابه من سومر إلى التوراة (ص 40)، وآخرون، فغيرُ دقيقة. وأما المصطلح الذي ابتكره شلوتسر فهو "معاداة الساميّة،"، وأريدَ له أنْ يعني معاداةَ اليهود واليهوديّة، وهي معاداةٌ كانت سائدةً في الغرب والشرق الأوروبيّ، على عكس التعايش السلميّ مع اليهود في العالم العربيّ والاسلاميّ. ولكنّ عبارة "معاداة الساميّة" أصبحتْ كثيرًا ما تُخلط زُورًا في عصرنا مع معاداة الصهاينة، الذين غزوْا فلسطين وشرّدوا شعبَها وأقاموا دولةً نوويّةً عنصريّة. وقد ابتكر شلوتسر هذا المصطلح بعد عقد تقريبًا من تاريخ ابتكار مصطلح "الساميّة" من قبل باحثي مدرسة غوتنغن. وهناك مَن يُعيد هذا المصطلح إلى فيلهلم مار، وهو صحافيّ ألمانيّ كتب كتيّبًا سنة 1879 ورد فيه هذا المصطلح.

أمّا مصطلح "اللغات الساميّة،" كما تزعم دائرةُ المعارف البريطانيّة، فقد كان أوّل من أستعمله هو شلوتسر أيضًا في بحوثه التاريخيّة سنة 1781. وجاراها في هذا الزّعم، وكرّره نقلًا عنها، الباحث إسرائيل ولفنسون، في كتابه تاريخ اللغات الساميّة، ثم انتشر هذا الرأي في كتابات الباحثين في الدراسات الشرقيّة. ولكنّ مصادر سريانيّة قديمة، كما يخبرنا المطران بولس بهنام، تدحض هذا الزعمَ، وتؤيّد أنّ هذه التسمية "قديمة جدًّا، يرتقي تاريخُها إلى ما قبل القرن السابع الميلاديّ،" وأنّ "أوّلَ عالم سريانيّ أطلق هذه التسمية على مجموعة اللغات الشرقيّة هذه هو يعقوب الرهاوي المتوفّى سنة 708م. وقد جرى العلماءُ السريان على أثر الرهاوي، فاستعملوا هذا الاصطلاح قبل شلوتسر بقرون كثيرة"[8].

إذًا، الواضح، والمتفق عليه إلى حدّ بعيد بين المتخصّصين، هو أنّ هذا المصطلح ("الساميّة" أو "الساميون") لا علاقة له بالمنهجيّات الحديثة وأدواتِها القائمة على أسس العلم التجريبيّ، كعلم الآثار والتنقيبات الأركيولوجيّة الموثّقة باستعمال الكاربون المشعّ والمخترعات الحديثة الأخرى، بل يقوم على الرواية الدينيّة التوراتيّة للتاريخ القديم. والتوراة، كما سجّل أغلبُ الباحثين والمؤرِّخين، بل بعضُ اللاهوتيين اليهود أيضًا، كتابٌ دينيّ لا يعوَّل عليه من حيث الرواية التاريخيّة، وخصوصًا روايته للأحداث التي سبقتْ مرحلةَ تدوينه بعدّة قرون. فتناقضاتُه ومبالغاتُه الفادحة لا تُعدّ ولا تحصى، ولعلّ من أشهرها "قصّة فكّ الحمار" التي وردتْ في سِفر القضاة (15/14 ــــ 16)، وخلاصتُها أنّ شمشون تسلّح بعظْمة فكّ حمار وضرب بها "الفلسطيين"[9] خلال المعركة فقتل منهم ألف مقاتل!

وكمثال آخر، ثمّة هجاءُ التوراة وشتائمُها ولعناتُها ضدّ بابل في مواضع كثيرة. بل يختلط الأمر بين أجمل أنواع المديح الشعريّ لهذه المدينة والعاصمة الإمبراطوريّة عهدَذاك، وبين الهجاء والذمّ والتجريم والدعاء بدمارها وإبادة سكّانها. لنقرأْ في التوراة هذا المديح الشعريّ الباهر لها: "بابلُ كأسُ ذهبٍ بيد الربّ تُسْكِرُ كلَّ الأرض" (سفر إرميا 50 ــــ 6)، وقد اقتبسه فردريك ديليتش في كتابه بابل والكتاب المقدّس (ص 32) في سياق امتداح التوراة لبابل، وشهادةً من التوراة على روعة بابل المتفوّقة وقوّتها في عهد نبوخذ نصّر، كما كتب، ولكنّه للأسف لم يكمل الاقتباس! فحين نكمل قراءةَ هذه الفقرة من سِفر إرميا، يتّضح لنا أنّ هذا السِّفر لا يمدح بابل بل يكشف جريمتَها الكبرى ويتوعّدها بالتدمير والإبادة: "بابلُ كأسُ ذهبٍ بيد الرب تُسْكِرُ كلَّ الأرض. ِمنْ خَمْرِها شَرِبتِ الشعوبُ. مِن أجل ذلك جُنّتِ الشّعوبُ." ولهذا يجب أنْ يعاقِبَ ربُّ الجنود، ربُّ يهوذا وإسرائيل، بابلَ هذه شرَّ عقاب حتى "تَكُون بَابِلُ كُوَمًا، ومأْوى بناتِ آوى، ودَهَشًا وصَفِيرًا بلا ساكِنٍ." ونقرأ أيضًا: "صَوْتُ صُراخٍ مِن بابِلَ وانحِطامٌ عظيمٌ مِنْ أرضِ الكلدانيّين، لأنّ الرَّبَّ مُخْرِبٌ بابلَ وقد أَباد منها الصَّوْتَ العظيمَ." فهل هذه مادة تاريخيّة أمْ شعريّة أمْ دينيّة؟ وأين يبدأ ما هو تاريخيّ وأين ينتهي الشعريّ أو الدينيّ؟

والواقع أنّ هذا المصطلح ("الساميّة") ومشتقّاته يُستعمل منذ القرن الثامن عشر، من قِبل الباحثين التوراتيّين وغير التوراتيّين، بشكل واسعٍ ونمطيّ، من دون التساؤل الفعليّ المؤدّي إلى قرار عمليّ بخصوصه عن محتواه وحيثيّاته التاريخيّة. وهم يستعملونه على جهة المجاز لا الحقيقة، وغالبًا بنوع من التواطؤ "البريء" أو الاعتياد، إلّا من طرف بعض المتعصّبين التوراتيّين الذين يتصرّف بعضُهم في الميدان البحثيّ بنوعٍ من الهيمنة والاستبداد، وبما يوحي وكأنْ لا بديل أكثر رصانةً وعلميّة له. ولهذا، فأنا أستعمله هنا من باب المجاز فقط. وزيادةً في التحفّظ والحيطة فقد وضعتُه بين مزدوجتين، واعتمدتُ المصطلح العراقيّ "الجزيريّة" و"الجزيريّ" بديلًا أكثر علميّةً له مع أنّه أقلّ شيوعًا. لكنْ، من أين جاء هذا المصطلح "الجزيريّ"؟

هذا المصطلح من ابتكار الباحث الآثاريّ العراقيّ الراحل، وأستاذ الحضارات القديمة في جامعة بغداد، د. فاضل عبد الواحد. وقد استعمله للمرّة الأولى في بحث له بعنوان "الأكديّون ودورهم في المنطقة" سنة 1979. وقد وافقه على ذلك، واستعمله من بعده، العلّامةُ الآثاريّ العراقيّ الراحل طه باقر، صاحبُ أنضج ترجمة لـ ملحمة جلجامش من الأكديّة إلى العربيّة مباشرةً، ومؤلِّفُ الأبحاث الكثيرة حول الحضارات العراقيّة والشرقيّة القديمة.[10] وما يقترحه كاتبُ هذه السطور هو تعديل طفيف لغرض تسهيل التأثيل الاصطلاحيّ واللغويّ ليكون "الجزيريّ" بدلًا من "الجَزْريّ" للدلالة على الشعوب والأقوام واللغات ذات الأصول المؤكّدة علميًّا في الجزيرة العربيّة، ولتفادي الخلط اللغويّ في النسبة بين جمع مفردة جزيرة (الجُزُر) المُرادة هنا، ومفردة "الجَزَر" غير المقصودة لفظًا وكتابة ومعنى...

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

..................................

[1] قانون الدولة القوميّة لليهود في "إسرائيل" (بالعبريّة: חוק יסוד: ישראל - מדינת הלאום של העם היהודי‎) قانون إسرائيليّ أساس، يُعرِّف "إسرائيل" دولةً قوميّةً للشعب اليهوديّ. أقرَّه الكنيست في 19 يوليو 2018، بأغلبيّة 62 ومعارضة 55 وامتناع نائبين عن التصويت.

[2] سيلاحظ القارئ أنني سأولي اهتمامًا منهجيًّا خاصًا، في الفصول الأولى من هذا الكتاب، بأحد الكتب التي صدرتْ في نهايات القرن الماضي، وهو كتاب ثمين وحاسم، رغم صغر حجمه، ويحمل عنوان: تاريخ فلسطين عبر العصور، للباحث الفلسطينيّ الراحل يوسف سامي اليوسف. هذا الكتاب موثّق علميًّا، وأقربُ إلى موجز لتاريخ فلسطين عبر العصور. وكان الراحل اليوسف قد وعدَنا، في مقدّمة كتابه، بأنّه سيعمل على كتابة تاريخ فلسطين الشامل مفصّلًا لاحقًا. ولكنّ الأجل، لشديد الأسف، لم يمهلْه للقيام بتلك المهمّة. ويبقى الأمل معقودًا على زملاء الراحل للقيام بتلك المهمّة الخطيرة والضروريّة لكتابة تاريخ علميّ وشامل ودقيق ومفصّل لبلاد فلسطين ــ وهو كتابٌ تخلو منه المكتبةُ العربيّة والعالميّة، وتمسّ إليه الحاجةُ، وخصوصًا لأجيال الشباب الفسطينيين والعرب عمومًا. وما كتابي هذا إلّا محاولة متواضعة على الطريق لتحقيق هذه المهمّة، ولا أزعم أنّه إنجاز كامل لها.

[3] كيث وايتلام، اختلاق إسرائيل القديمة (الكويت: دار المعرفة، ط1، 1979)، ص 11.

[4] المصدر السابق، ص 26.

[5] المصدر السابق.

[6] المصدر السابق، ص31.

[7] العصر النحاسيّ (The Chalcolithic Period): من اليونانيّة khalkos، وليثوس lithos  (حجر النحاس)، أو العصر النحاسيّ (Copper Age): فترة من فترات تطوّر الحضارات البشريّة، بدأ معها استخدامُ الأدوات المعدنيّة إلى جانب الأدوات الحجريّة. وتقع بين العصر الحجريّ الحديث والعصر البرونزيّ.

[8] المطران بولس بهنام، "الساميّة والساميون واللغة الساميّة الأم،" موقع American Foundation for Syriac Studies

[9] سأميّز دائمًا، في صفحات هذا الكتاب، بين "الفلسطينيّين" كاسم علَمٍ للشعب الفلسطينيّ المعاصر الحيّ، وبين الفلسطيين أو الفلسطة "الفلستيين،" وهم الشعب المهاجر إلى جنوب فلسطين من جُزر البحر الأبيض المتوسّط في العصور القديمة، وقد اندمج بسكّان فلسطين القدماء من الكنعانيين.

[10] د. فاضل عبد الواحد، من سومر إلى التوراة (القاهرة: دار سينا، 1996)، ص 9.