عبد السلام فاروقالسيرة الذاتية عمل ينتمى لدائرة الأدب، رغم كونه تأريخاً للذات . وعندما تكون تلك السيرة هى سيرة حاكم، يغدو الكتاب سرداً لسيرة وطن لا مجرد سيرة اجتماعية .

هذا ما يفسر اهتمام القراء الكبير بكتابَى (سرد الذات)، و(حديث الذاكرة) للدكتور سلطان القاسمى . فى "سرد الذات" لغة بسيطة، وأسلوب سهل، وحكايات من فترة الصبا والشباب قبل تسلم المنصب الرسمى، وقبل إعلان الاتحاد الإماراتى فى مطلع السبعينات .. أى أن الإنجليز كانوا لا يزالون هناك، والنفط ما يزال محفوظاً فى باطن الأرض لم يرى النور بعد، كأنه كان ينتظر جلاء المحتل الجشع.

ورغم صفحاته التى زادت على 400 صفحة مزودة بالصور، أكد د/(سلطان القاسمى) أن 30% من الكتاب تم حذفه قبل الطباعة منعاً لإثارة ضغائن وأحقاد ومشكلات . ومن خلال وصف الأحداث التى مرت به فى طفولته وصباه وشبابه تلمس الاختلاف الكبير بين الإمارات اليوم والأمس . وتستشعر تأثير وجود المحتل فى إيقاف مسيرة الحياة الطبيعية لأى بلد، وفى الكتاب كلام عن دول أخرى عاش بها د/(سلطان) فى مراحل حياته الأولى مثل الكويت والبحرين وإيران والسعودية ومصر وقطر والهند . هذا ما تقرؤه فى ثنايا السطور، أما الأحداث فهى تأخذك ببساطتها فى عالم الحكاية بلا تكلف أو تعقيد .  ما يعنى أن تلك السرديات تنتمى جميعها إلى عالم الأدب، لأن عنصر الحكاية هو العنصر السائد . فإذا شئت البحث عن التاريخ بها وجدته ذائباً ممتزجاً بنسيج القصة .

معنى هذا أن كتاب (سرد الذات) يمثل ذروة تلك الثنائية بين الأدب والتاريخ فى حياة د/(سلطان القاسمى) . وإذا كان "حصن الشارقة" قد ضم طائفة منوعة من الوثائق والآثار التى تحكى تاريخ الشارقة، فإن كتابَى (سرد الذات) و(حديث الذاكرة) هما لاشك جزء من هذا التاريخ، ليس فقط لأنهما يحويان وصفاً دقيقاً لأحداث مرت بالإمارات من منظور أحد حكامها، لكن لأنهما يحويان أدباً . وتاريخ الأدب قد يراه البعض مقدَّماً على التاريخ السياسي .

كتاب (حديث الذاكرة) بأجزائه الثلاث يتناول أحداث ما بعد الاتحاد، وتسلم مقاليد الحكم فى الإمارة، وهو يختلف كثيراً عن كتاب (سرد الذات)، إذ تستشعر أن للتأريخ الرسمى حضور أقوى من الحضور الروائى .

رسم التاريخ بطريقة أدبية

أدباء كثيرون استهواهم التاريخ بسحره وغوامضه ودهاليزه التى تبدو كالمتاهة، فانجذبوا لهذا الحقل المغناطيسي فى محاولة منهم لكشف الأسرار أو تفنيد الأباطيل أو فض الغوامض أو تفسير المسكوت عنه . فلماذا اختار الأدباء التاريخ مادةً لهم ؟ وهل معالجة التاريخ بطريقة أدبية تخرجه من دائرة العلم إلى دائرة الفن ؟

التاريخ مادة شائكة من مواد العلم، وله منهجيات وطرق بحث مدروسة حرصاً  على المصداقية والشفافية والدقة وأمانة النقل والحياد، وهى أمور تتطلب من المؤرخ توافر مواصفات ضرورية أهمها قوة الذاكرة وسعة الإدراك وعدم التعصب أو الانحياز . كما تتطلب من الباحث التاريخى - وهو يختلف عن المؤرخ- منهجاً بحثياً سليماً، وتوثيقاً دقيقاً، مع قدرة استثنائية على تمييز صحة الحدث التاريخى من مقارنة المصادر وإدراك المتطابق والمتناقض . فهو مثل وكيل نيابة أمامه عدد من المتهمين، وهؤلاء المتهمين هم " كتب التاريخ" .

الأديب يختلف عن كل هذا، فهو ليس مؤرخاً . إنه يتجاوز مرحلة الباحث إلى مرحلة أعلى منه هى مرحلة الناقد . وبمجرد أن يتبنى كاتب التاريخ وجهة نظر خاصة يتحول إلى كاتب مغرِض ويتلقى من النقاد اتهاماً مباشراً بالانحياز وربما بتزييف التاريخ . هذا ما أقام الدنيا ولم يقعدها عندما كتب طه حسين كتابه (فى الشعر الجاهلى)، لأنه وصف التاريخ من زاويته الخاصة ولم يكتفى بمجرد سرد الحدث أو التعليق عليه .

لكن الأدباء من كُتّاب التاريخ لا يمكن وضعهم فى سلة واحدة . فمنهم من يتناول التاريخ بطريقة سردية، لكنه يستخدم الأدب فقط لتيسير المادة وإعطائها نكهة محببة، والأديب له دور هنا فى إسالة المادة التاريخية الصلبة وتليينها لتصير طيّعة فى يد المتلقى . ومن هؤلاء الأدباء (جورجى زيدان) فى التاريخ الإسلامى، و(أحمد أمين) فى السيرة، و(عباس محمود العقاد) فى العبقريات .

أدباء آخرون هم روائيون فى الأصل، حاولوا مزج الخيال بالتاريخ ليربطوا الأحداث بعضها ببعض ويصوغوا لنا رواية تاريخية مكتملة الأركان فنياً وتراثياً . وظل العيب اللصيق بها أنَّ فيها من الخيال أكثر مما فيها من الحقائق الدامغة . وهؤلاء هم من نقلت عنهم السينما أفلامها التاريخية . ولعل من أشهر الروائيين الذين كتبوا روايات تاريخية (على أحمد باكثير) بروايته الشهيرة "واإسلاماه" التى تحولت إلى فيلم سينمائى ومسلسل تليفزيونى، وله روايات ومسرحيات تاريخية كثيرة أخرى . ومنهم أيضاً (نجيب محفوظ) فى رائعته الشهيرة "كفاح طيبة " .

صنف ثالث من أدباء التاريخ تستهويهم لقطات تاريخية محددة، فيحاولون إبرازها للتذكرة بها . وهى كتابة لا تخلو من الغرض الخاص والمغزى المقصود . وفى العادة يكون الغرض تربوياً يهدف فيه الأديب إلى تقديم فناً قِيَمياً أخلاقياً . ومن هؤلاء (عبد الحميد جودة السحار) فى روايات السيرة، ود/(سلطان القاسمى) فى المسرح التاريخى .

التاريخ لا يستغنى عن الأدب، فالعلم يحتاج لعرضه بطريقة فنية تجتذب القراء . وربما ندرك قيمة التناول الأدبى للتاريخ عندما نقارن بين كتاب (سيرة ابن هشام) وبين كل الكتب التى جاءت بعده من كتب السيرة . هنا ندرك أن هناك كتباً مرجعية يقرأها الخاصة والمثقفون، وكتباً أخرى يستطيع عموم الناس قراءتها بسهولة ويسر .

تداخل أم توازِى أم تضاد ؟

فى حين يبحث التاريخ عن الحقائق، ويوثق الأحداث، ويصف الوقائع بجمود وحياد . فإن الأدب يسعى لفهم ما وراء الحقائق، ويمتطى الخيال، ويصف الواقع وصفاً انطباعياً لا حياد فيه .. فهل الأدب هو نقيض التاريخ ؟

هناك ما يدعم هذا الزعم بشدة .. فالتاريخ علم، والأدب فن . والتاريخ ثابت، والأدب دائم التغير والتحول . التاريخ جامد صلب جاف، والأدب مرن طيِّع كالماء . التاريخ حقائق ووثائق ومستندات، والأدب خيالات ورؤى وتجليات . التاريخ مصدره الذاكرة، والأدب مصدره القلب والعاطفة . ما يعنى أننا أمام ضدين لا يلتقيان . وأن سهم الأدب يسر عكس اتجاه التاريخ .

لكن التاريخ نفسه يثبت أن اتجاه الأدب هو نفسه اتجاه التاريخ . وأن الأدب مؤشر حسّاس جداً لحركة الحضارات . وأن الفن هو الانعكاس الحقيقي لازدهار واضمحلال الدول فى مسارها التاريخى . ما يعنى أن السهم يسرى فى اتجاه واحد، وأن مسار الأدب والتاريخ أقرب إلى التوازى .

غير أن المشترَكات التى تجمع بين الأدب والتاريخ تجعل من توصيف العلاقة بينهما أمراً محيراً . فكلاهما نابع من مصدر واحد وهو الحدث أو الخبر، وهما يستقيان مادتهما من الواقع المعاش وحركة الحياة اليومية . وكلاهما له هدف تنويري واحد هو استبصار القيمة المجردة من خلال سرد الصراع الإنسانى . وكلاهما يشترك فى عنصر الحكاية والسرد القصصى . فإذا كانا يشتركان فى المصدر والمغزى وطريقة التناول، فماذا بقى بينهما من التناقض ؟!

 

عبد السلام فاروق

 

535 تاملات فكريةالمقدمة: صدر هذا الكتاب عن (دار العارف) 2018. وعدد صفحاته 200 . وهو الكتاب الثاني من سلسلة كتب صدرت عن الدار (العارف). ويحتوي هذا الكتاب (تأملات فكرية حول الحضارة الإسلامية) على مقدمة، وسبعة ابواب وأثنين وعشرين فصلا، يتناول فيها مختلف الجوانب والقضايا المنهجية والتاريخية والفكرية السياسية والفلسفية والثقافية المتعلقة بمختلف جوانب وإشكاليات ومستويات الحضارة الإسلامية. ومع ذلك فإن الكتاب ليس "منظومة" من هنا عنوان (تأملات فكرية..)، أي أن مضمونه ومهمته تقوم في كل ما يمكنه إثارة الذهنية الفكرية والفلسفية والعلمية والتاريخية من اجل المساهمة في تأسيس الرؤية العلمية والنقدية الضرورية لإرساء أسس ما ادعوه بالمرجعيات الكبرى والضرورية لتحصين ومرونة الانتماء المخلص للفكرة العربية الثقافية.

ذلك يعني، إن اثارة اشكاليات الحضارة العربية الإسلامية لا علاقة له بالتاريخ العادي أو اضاءة بعض أو مختلف جوانبه، بل في إثارة الرؤية المنهجية والفلسفية من اجل تكامل الوعي التاريخي بمعايير الرؤية الثقافية والعلمية. فهو الأساس المنهجي لصنع كينونة الانتماء الأصيل والوعي الذاتي العميق، بوصفه المقدمة الضرورية في المرحلة التاريخية التي يمر بها العالم العربي والإسلامي ككل، أي مرحلة الانتقال من الطور الديني السياسي إلى الطور السياسي الاقتصادي في تطور الدولة والثقافة والقومية. ومن ثم فليس المقصود "بالإسلامي" هنا سوى الصيرورة التاريخية الثقافية لوعي الذات القومي العربي. وبالقدر ذاته يمكن أن يكون كذلك بالنسبة لجميع القوميات والأمم الإسلامية. اذ تكمن في هذه الإشكالية وحلها المقدمة الضرورية لتذليل حالة التخلف والانهيار المعنوي والوعي الثقافي المستلب.

فإذا كان فقراء العقول كفقراء البدن، يبحثون عن لقمتهم في مزابل الجهل والعقائد الميتة والأوهام، فإن العقول الكبيرة والحية تبحث في ذاتها من اجل ذاتها. وينطبق هذا على كافة ميادين المعرفة، بما في ذلك معرفة الحضارة وأصولها وخصوصيتها وقيمتها بالنسبة لوعي الذات الثقافي. فالحضارة ليست كيانا متحجرا و"تراثا" للماضي، بل هي الكينونة الذائبة في وجودنا المعاصر. أنها المكون الجوهري للذات القومية والثقافية، والمادية والروحية لبقاء وفاعلية القيم والاذواق. وذلك لأنها حصيلة معاناة تاريخية كبرى للروح والجسد الثقافي في مساعيه المتنوعة من أجل حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة. من هنا قيمتها الحية بالنسبة لوجودنا المعاصر، بما في ذلك بالرجوع اليها. وفي هذا الرجوع وكيفيته تتوقف "حقيقة الحضارة" بشكل وعام وحقيقتها الذاتية بالنسبة لأقوامها.

إن الحضارة القديمة لا تحل إشكاليات وقضايا المعاصرة، لكنها تؤسس لإرساء أسس الثقافة الذاتية الحية، أي لكيفية بناء منظومة المرجعيات النظرية والعملية المعاصرة. وهي قضية منهجية مجردة ومستقبلية عملية بقدر واحد. فالخلافات الحادة بين احفاد الحضارة الإسلامية، بغض النظر عن أقوامها وشعوبها ومذاهبها، يشير الى ان الثقافة المعاصرة لم تصل بعد إلى "الاجماع" حول إشكاليات الحضارة الإسلامية والمفاصل العامة والكبرى في تاريخها الذاتي. من هنا اختلاط وصراع المواقف الحادة، التي نرى الآن امثلتها ونماذجها اللاعقلانية والدموية. الأمر الذي يكشف عن جوهرية الوعي الثقافي العقلاني والعلمي بالنسبة للتراث الثقافي المتبلور ضمن مرجعيات الحضارة الإسلامية.

اضافة لذلك، إن ما يميز تاريخ الإسلام هو فاعلية العنصر السياسي والأخلاقي العملي فيه. وقد بلورت هذه الخصوصية الكثير من مدارسه ومفاهيمه وقيمه الفاعلة لحد الآن في الفكر الاجتماعي والسياسي. فهي الحضارة الوحيدة من بين حضارات الماضي التي تتميز بروح سياسي فاعل ومتوحد بما في ذلك في خلافاتها اللاعقلانية. من هنا يمكننا القول، بأن الصراع السياسي والفكري الكبير والعميق والدامي في مجرى صيرورة الدولة (الخلافة) والثقافة قد صنع سبيكة الموقف السياسي من النفس والحضارة الإسلامية نفسها. كما ان إشكالاتها تثير حمية ومزاج وذوق ووعي "الشعوب الإسلامية" قاطبة. بينما لا نعثر على هذه الحالة المادية والمعنوية في الحضارات الأخرى التي اعتنقت البوذية أو النصرانية، بوصفها اديانا عالمية. وليس في هذا الواقع فضيلة أو رذيلة أو أيما حكم قيمي آخر، بقدر ما انه يشير الى خصوصية الحالة الثقافية التي لازمت نشوء وتكون وتطور وتكامل الحضارة الإسلامية. اذ لا جامع سياسي، على سبيل المثال، في النصرانية لأن وحدتها الأولى صودرت من جانب الكنيسة وليس الدولة. ونفس الشيئ بالنسبة للبوذية. إذ لا نرى اجماعا أو تعاطفا وجدانيا وسياسيا بين الشعوب التي تعتنق البوذية. والسبب يكمن في انعدام تاريخ الوحدة السياسية والثقافية، على خلاف النصرانية والإسلام بشكل خاص. فالتاريخ الإسلامي هو تاريخ الوحدة. والصراع فيه كان يجري داخل الوحدة الثقافية والروحية والدينية. من هنا بقاء أثر الحضارة الإسلامية وجوهريتها في الوعي التاريخي والثقافي للشعوب التي تعنقه. خصوصا اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان نتاج الحضارة الإسلامية هو ملك الجميع، وأن الجميع شارك بصورة فعالة في ارساء أسسها وبناء خصوصيتها. الامر الذي حدد بدوره اندماج أثرها ومآثرها في الوجدان الشعبي والتاريخي لهذه الشعوب جميعا.

كل ذلك حدد وسيحدد لعقود أو ربما لقرون قادمة قضايا وإشكاليات الجدل حول مضمونها وأهميتها وقيمتها وكيفية فهم ابداعها الذاتي وأثرها في التاريخ العالمي. وهي قضايا وإشكاليات العالم الإسلامي أولا وقبل كل شيء. لكنها في نفس الوقت قضايا واشكاليات الصراع الثقافي العالمي. إضافة إلى تباين الرؤية الثقافية واختلاف مناهجها. من هنا تنوع واختلاف فهم هذه القضايا والإشكاليات، الذي لا يخلو من أثر السياسة والتقاليد الثقافية فيه. وهو اختلاف متنوع وذو آثار مختلفة. من هنا مهمة تأمل هذه القضايا لما لها من أثر كبير بالنسبة لإرساء أسس الرؤية العقلانية والعلمية الثقافية تجاه ما فيها وقيمتها بالنسبة للحاضر والمستقبل.

ففي هذا الكتاب يجري تناول بعض الإشكاليات النموذجية لفكرة وتاريخ الحضارة بشكل عام والإسلامية بشكل خاص، لما لها من أثر مهم بالنسبة لحاضر العالم العربي ومستقبله. ففي الباب الأول (اشكاليات الحضارة الإسلامية) يجري تناول مختلف القضايا مثل قضية (موت الحضارة وبقاء الثقافة) و(تقاليد العقل الثقافي وبدائل الرؤية المستقبلية) و(اللغة ولغة الروح الثقافي) و(وفلسفة الحضارة ووعي الذات الثقافي والقومي) وغيرها من القضايا التي خصصت لها سبع فصول. وفيها حاولت الكشف عن ان اندثار الحضارات السابقة لا يعني موتها، بل ذوبانها في نسق التاريخ الحي لتراث الأمم، أو تظل تسري بطرق وأشكال ومستويات يصعب حصرها، لكنها تبقى تحدد على الأقل نفسية وذهنية أقوامها حتى في تلك الحالات التي يجري نفي بقاياها بمنظومة حضارية جديدة وشاملة. ومن الممكن رؤية ذلك على مثال تراث الرافدين (العراق والشام)، وتراث مصر وفارس واليونان والرومان، أي تلك الحالات التي ميزت تطورها اللاحق بانقطاع كبير عن جذورها الأولية بسبب انتقالها الخاص من المرحلة الثقافية الدينية إلى المرحلة الدينية السياسية. ومع ذلك يمكننا أن نلمح ونرى بوضوح بقايا الشخصية العراقية السورية والمصرية والفارسية واليونانية والرومانية في مختلف جوانب الحياة ونمط الذهنية والنفسية الفردية والاجتماعية. ومن ثم أثرها الخاص في تاريخ الثقافة اللاحقة، وفِي الحالة المعنية أثرها في صيرورة وتطور الثقافة الإسلامية في الخلافة، والنصرانية القروسطية في أوربا.

وقد توصلت الثقافة الإسلامية نفسها في مجرى تطورها إلى إدراك هذه الحقيقة، بل وتحويلها إلى فضيلة. بمعنى إدراك خصوصية الأقوام في عالم الإسلام، واعتبار تنوعها رافدا حيويا بالنسبة له، أو ما ندعوه الآن بفضيلة التنوع والتعدد الثقافي. غير أنها اتخذت في عالم الإسلام الثقافي بعدين: الأول ويصب في مسار الوحدة الثقافية الكبرى ويغني مرجعياتها الثقافية المتسامية، أما الثاني فيقوم في إبراز الفضيلة المتراكمة في الشخصية التاريخية والثقافية للأقوام والأمم.

بينما تناولت في الفصل المتعلق بتقاليد العقل الثقافي وبدائل الرؤية المستقبلية الإشكالية الفلسفية المتعلقة بماهية وأثر "العقل الثقافي" في تاريخ الأمم والحضارات. وبرهنت على أن لكل مرحلة تاريخية ثقافية كبرى عقلها الثقافي بحكم هيمنة مرجعياتها الفكرية والروحية الخاصة. فالعقل الثقافي الأوربي القروسطي النصراني يختلف اختلافا كبيرا عن العقل الثقافي الاسلامي رغم إنهما كلاهما نتاج المرحلة الدينية السياسية في التطور التاريخي. وينطبق هذا على كافة المراحل الأخرى وعقولها الثقافية. اذ لا يتشابه العقل الثقافي الأوربي الحديث والعقل الأمريكي والروسي والصيني والهندي، رغم إنهم يمثلون ويتمثلون المرحلة السياسية الاقتصادية في التطور التاريخي، وذلك لأن كل منهم أبدع منظومة مرجعياته الفكرية والروحية الكبرى بما يتناسب ويستجيب لكيفية حل إشكاليات وجودهم التاريخي في الانتقال من المرحلة الدينية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية. فالعقل الثقافي هو الصيغة التي تستجيب لمرجعيات الثقافة الكبرى وتبدع بمعاييرها ومقاييسها الموافقة لمرحلة تطورها التاريخي. الأمر الذي يشير إلى أن العقل الثقافي هو عقل تاريخي له حدوده الخاصة، ومن ثم لا يحتوي على صيغة مطلقة أو شاملة إلا لحملته فقط، اي انه لا يحتوي على حقائق مطلقة للجميع. والبعد الوحيد الذي يحتوي على قيمة شبه مطلقة وشاملة في العقل الثقافي للأمم هو العقل المنطقي العلمي بوصفه إبداعا إنسانيا عاما، وذلك لأنه يتمثل حقائق الوجود الإنساني كما هي، على خلاف ما غيره من تأثير جلي أو مستتر للمصالح والأهواء والعادات والتقاليد.

كل ذلك يكشف عن الأثر العميق لتقاليد الماضي الثقافية في بلورة العقل النظري والعملي بما في ذلك في كيفية مواجهة إشكاليات الوجود التاريخي للأمم والبدائل المستقبلية. وعندما ننظر الآن إلى واقع العالم العربي فإننا نقف أمام تشوش هائل في الرؤية والبدائل. والسبب الجوهري لكل ذلك يقوم في أن الذهنية الثقافية بشقيها النظري والعملي لم تنف تقاليد الماضي بالشكل الذي يستجيب لمتطلبات المعاصرة والمستقبل. من هنا ثقل الماضي وتقاليده الميتة وهيمنتها شبه التامة على عقول الخواص والعوام. وهذا بأجمعه النتاج الملازم لكون العالم العربي والإسلامي عموما ما زالا في حالة الانتقال من المرحلة الدينية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية. من هنا الأثر الحاسم للأفكار والعقائد القديمة في النظر إلى الحاضر والمستقبل. اذ لا تستطيع أية منظومة فكرية قديمة العمل بمعايير المعاصرة. إن قيمتها الفكرية تكمن فقط في قدرتها على شحذ وتوسيع الرؤية الثقافية للعقل النظري. بينما الإقرار بهذا النمط من التفكير يؤدي بالضرورة إلى تقديس الفكرة وعصمتها، ومن ثم تحجير التفكر وإيقافه عند حدود العتبات المقدسة لتجارب تاريخية عابرة.

من هنا عقم الجدل الفكري والبحث النظري الذي يميز محاولات البحث عن نماذج فضلى في الماضي أو اعادة ترميم بعض جوانبها او "استلهام" ما فيها بما فيها ومن ثم علها نموذجا يتماهى مع الحقيقة والمستقبل، مثل البحث في المعتزلة عن أساس ومصدر للعقلانية العربية الحديثة، أو النظر إلى ابن خلدون كمصدر لفلسفة التاريخ العربية واستنتاجاتها السياسية المختلفة، أو جعل الأشعرية عقيدة الإسلام المثلى، او البحث في الدين الاسلامي ومصادره بما في ذلك القرآن عن صيغة تأويلية "عصرية" وما شابه ذلك. وبالتالي يمكن التوصل إلى استنتاج يقول، بأن أية محاولة تسعى لاستمداد مشاريع المستقبل من الماضي محكوم عليها بالفشل. وذلك لأنها تودي إلى انهماك نظري وعملي فيما لا فائدة فيه. كما انه أسلوب لا يفرّق بين تحويل التراث الفكري القديم إلى عنصر من عناصر وعي الذات الثقافي، وبين جعله مصدرا للبدائل العقلانية الحديثة. فالأول هو جزء من تمثل الماضي، بينما الثاني هو تأسيس للبدائل، والذي لا يمكن بلوغه إلا عبر معاناة حية ومعاصرة في استلهام الرؤية المستقبلية.

وحدد ذلك بدوره مهمة تحليل العلاقة بين انساق اللغة وتطورها الذاتي ولغة الروح الثقافي. وقد تطرقت في الكتاب إلى هذه القضية ضمن إشكالية الزمن والتاريخ، التي تناولت الكثير من جوانبها في كتابي السابق (الزمن والتاريخ- نقد الراديكالية والأوهام "المقدسة") المنشور عن (دار العارف) نفسها. وانطلقت بصدد هذه القضية من الفكرة الفلسفية العامة القائلة، بان الحياة كالتاريخ، كلاهما من جذر واحد ألا وهو الصيرورة المحكومة بالوجود والعدم. أما عدم إدراك هذه الحقيقة أو العجز عن إدراك حقيقتها فانه عادة ما يؤدي إلى البحث عن قوة خارجهما للبرهنة على إنهما مجرد أطراف في معادلة الغيب أو الإرادة الإلهية للقضاء والقدر. ومهما يكن من أمر هذه المعادلة العصية على حدود المنطق وقواعده، إلا أن جذورها عاجزة عن سقي المعرفة العلمية كما هي، من هنا رجوعها، حالما تصطدم بقضية يصعب إدراكها بمعايير التاريخ الثقافي، إلى ما قبل بداية الإدراك العلمي لوجود الأشياء والظواهر، اي إلى عالم الأسطورة والخرافة. فالتاريخ هو ليس سريان الزمن في وجود الأشياء، بل هو إبداع المنظومات العقلانية وتنشيطها الدائم في ترتيب وتنظيم وتحسين الوجود الإنساني على مستوى الدولة والمجتمع والجماعة والأفراد. وهو بهذا المعنى ملازم لوجود الأمم الكبرى، تماما كما أن الحضارات الكبرى لا تصنعها إلا أمم ثقافية كبرى. وليس مصادفة ان تبقى فقط الحضارات التي مازالت أبجديتها اللغوية والثقافية سارية المفعول، بينما اندثر الآخر أو انحصر ضمن حدود ضيقة قومية أو دينية.

إن علاقة اللغة، بوصفها أداة منطقية ووجدانية، بالروح الثقافي هي علاقة صميمية. والتفريق بينهما أو عزلهما يؤدي الى اغتراب شامل وغبي وموت بطيء للعقل والوجدان. وليس مصادفة ان تصبح الثقافة العربية المعاصرة مقبرة تتجول فيها أشباح الثقافة الأوربية وترقص على عظام وحطام إرث هائل لم يدركوا من قيمته الثقافية شيئا، وذلك بسبب كمية ونوعية الاستلاب الثقافي الهائل والذي افرغ شخصياتهم من كل شيء باستثناء الإثارة والاستثارة المميزة لمن دعتهم الثقافة الإسلامية فيما مضى بأهل الرسوم من العلوم، اي ما يعادل الآن معنى أنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين. وهي حالة مخزية ومأساوية بقدر واحد وذلك لما فيها من غرابة تقوم في أن النقاد هم أصل البلية في التقليد!!

ثم جرى تناول الأساليب والمدارس الكبرى والمناهج المتنوعة والمختلفة فيما بينها بصدد ماهية الحضارة الإسلامية وحقيقتها وقيمتها وأثرها في الحاضر وأهميتها بالنسبة للمعاصرة والمستقبل. حيث جرى تناول نماذج أساسية عامة من مختلف المدارس والمناهج الاستشراقية القديمة والحديثة، وكذلك مختلف الشخصيات الفكرية الإسلامية الحديثة والمعاصرة بتياراتها المتنوعة.

ان الحصيلة العامة التي توصلت اليها بأثر هذه "التأملات الفكرية" والتي تجمع بين الدراسة والتحليل والنقد إلى أن للحضارة الإسلامية أثرها الوجودي في الكينونة الثقافية للعالم العربي والإسلامي. وسوف تبقى مأثرتها التاريخية أحد المصادر الجوهرية في البحث عن البدائل الفعلية للتطور التاريخي للعالم العربي. بمعنى قيمتها وأهميتها وفاعليتها في تمتين وعي الذات التاريخي والثقافي والقومي، وكذلك مّده بالطاقة الثقافية العقلية والوجدانية. وهنا تكمن حدود وظيفتها التاريخية المعاصرة.

فالحضارة الإسلامية من حيث مفاصلها وعناصرها وشخصياتها ومنظوماتها في مختلف الميادين بما في ذلك تأسيس وتفعيل مرجعياتها الثقافية الكبرى أو منظومات مبادئها المتسامية هي النتيجة المترتبة على تجربتها التاريخية في المرحلة الدينية السياسية. بينما يفترض قانون التطور التاريخي تذليل وتجاوز مرجعيات الماضي وأصولها الفكرية بأنماط أخرى تستجيب للمرحلة الجديدة في التطور التاريخي الثقافي المعاصر.

اضافة لذلك، إن ما يميز المرحلة المعاصرة الحديثة في التطور التاريخي العالمي هو اضمحلال وتلاشي الفكرة الحضارية نفسها. بمعنى، أن العالم المعاصر لا يمكنه بناء "حضارة خاصة". إن الشيء الوحيد الذي يمكن للعقل المعاصر تأمله والتخطيط له محكوم بمنطق البدائل العلمية والتكنولوجية. وبالتالي، فإن "العقل الثقافي" للأمم الحديثة التي ولدت من رحم أو أرحام الحضارات الكونية السابقة، بما في ذلك الإسلامية، يقف أمام مهمة التخطيط الذاتي بالنسبة لرؤية الإمكانيات الواقعية الذاتية والعمل من خلالها وعبرها لتجاوز المرحلة الدينية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية. وفي هذه العملية تضمحل فكرة البديل الحضاري وتتحول إلى فكرة الصيرورة الثقافية الحديثة والمستقبلية.

لقد تلاشت فكرة الحضارة وبدائلها، ولم يبق منها غير زمن الأسلاف الذي يمكن دمجه وتذويبه في التاريخ المستقبلي. وذلك لأن الحضارة تنتهي بانتهاء المرحلة الدينية السياسية. ومن ثم لا يمكن نشوء حضارات جديدة بالمعنى السابق والتقليدي للكلمة. فعندما نتأمل التاريخ الفعلي لنشوء وتطور الحضارات القديمة، فإننا نقف أمام حقيقة تقول، بأن هناك مرحلتان في التاريخ البشري يمكن ان تنشأ فيهما الحضارة وهي المرحلة الثقافية الدينية والمرحلة الدينية السياسية. ففي الاولى تهيمن فكرة التنوع المحكوم بالمركز السياسي والثقافي، بينما تهيمن في الثانية فكرة المركز الجامع والمانع لغيره في كل شيء. اما المرحلة السياسية الاقتصادية فأنها تفكك مرجعيات الانعزال والإبداع المنفرد. وبالتالي انتقال التاريخ من المرحلة الطبيعية إلى الماوراطبيعية. وهنا يبدأ ما أدعوه بتاريخ الاحتمال العقلاني للبدائل. وهي متنوعة وهائلة، لكنها محكومة بالوحدة النشطة والتأثير المتبادل بين ما ادعوه بقانون التاريخ ومنطق الثقافة القومية.

***  ***  ***

 

نبيل عبدالامير الربيعيصدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل كتابي الموسوم (يهود العراق ودورهم في نشأة التعليم وتطويره (165م – 1973م).. (دراسة تأريخية)، الكتاب يتضمن أكثر من 400 صفحة من الحكم الوزيري. وهو عبارة عن دراسة تاريخية عن مدارس يهود العراق الدينية والتعليمية منذ عام 165م ولغاية عام 1973م عندما تم اغلاق آخر مدارسهم في بغداد مدرسة فرانك عيني وتأميمها من قبل حكومة البعث.

تجمع المصادر أن نتيجة وعي اليهود المبكر الثقافي والتربوي خلال العهد العثماني ولأهمية المدارس، فقد أسست «جمعية الاتحاد الإسرائيلي» مدرسة الأليانس ببغداد ونظمت مناهجها على غرار المدارس الابتدائية الأوروبية، وظلت «الأليانس» المدرسة الوحيدة لليهود في بغداد حتى عام «1912م» حيث نشطت حركة التعليم عندهم.

أما التعليم النسوي فقد بدأ سنة «1893م» بافتتاح مدرسة تهذيب للبنات اليهوديات وسميت عند افتتاحها مدرسة «الأليانس» للبنات. وفي وقت لاحق قام التاجر «اليعازر خضوري» بتشييد بناية خاصة بها أطلق عليها اسم «مدرسة لورا خضوري للبنات» أحياء لذكرى زوجته «لورا» وجرى افتتاح هذه البناية في نوفمبر «1911م» أيام الوالي أحمد جمال بك، وبلغ عدد طالبات هذه المدرسة سنة «1913م»، «600» طالبة.

اهتم أغلب أثرياء يهود العراق بإنشاء المدارس الحديثة، وكان بين اولئك السيد ألبرت ساسون ومناحيم دانيال ورفقة نورائيل، وقد سمح لغير اليهود بالانضمام إلى مدارسهم من المسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء.

لقد تم فتح العديد من مدارس الأليانس في عموم العراق. ففي عام 1903م فتحت أول مدرسة في البصرة، وفي عام 1907م فتحت في الموصل، وكذلك عام 1910م فتحت مدرسة في العمارة، وفي عام 1920م قرر اليهود تدريس مادة التاريخ اليهودي في المدرسة لأول مرة. وقد خرَّجت هذه المدارس العديد من الشباب الذين تبوؤوا دوراً بارزاً في المجتمع العراقي.

ازداد عدد اليهود الذين أنهوا دراستهم الابتدائية في المدارس اليهودية والحكومية، حتى أنه بدى أن نسبة الأميين من الذكور كانت صفراً، وبين الإناث كانت غير مرتفعة، ونتيجة لازدياد عدد خريجي المدارس الابتدائية ولافتتاح مدارس ثانوية إضافية، ازداد أيضاً عدد خريجي الثانوية من اليهود، وقد أبدى البريطانيون اهتماماً بالغاً بالمدارس اليهودية عند احتلالهم للعراق، فعملوا على زيادتها ودعمها مادياً والاهتمام بها.

من خلال هذه المقدمة التاريخية لمدارس أبناء الديانة اليهودية في العراق، نقول إنها قد أدت دوراً مهماً في أرساء المبادئ والأهداف التربوية، مما كان ليهود العراق الدور الكبير في مشاركتهم في بناء مؤسسات الدولة العراقية المختلفة، مما يؤكد على التعايش الحقيقي فيما بينهم وبين أبناء الشعب العراقي.

تم تقسيم الكتاب إلى ثلاث فصول، احتوى الفصل الأول على الجذور التاريخية ليهود العراق منذٌ عهد الإمبراطورية الآشورية الأخيرة عندما أخضع الملك الآشوري تجلات بلانصر الثالث «745 - 727 ق.م» قسماً من مملكة إسرائيل لنفوذه وما يسمى بسبي «سامريا 721 ق.م»، ولغاية هجرتهم القسرية الأولى عام 1950م/1951م، والثانية والأخيرة عام 1974م.

أما الفصل الثاني فقد احتوى على تاريخ المدارس الدينية اليهودية في العراق، فقد تضمن ثلاث مباحث، المبحث الأول يمثل دور المدارس الدينية اليهودية في العراق للفترة «165م-1830م»، والمبحث الثاني تاريخ المدارس الدينية اليهودية في العراق للفترة «1830م-1864م»، والمبحث الثالث وضحَ دور مدارس الأليانس وأثرها التعليمي والثقافي للفترة «1864م-1951م». فضلاً عن توضيح الملاحظات المهمة حول مدارس اليهود في الولايات العراقية، ومصادر تمويل مدارس الطائفة اليهودية، والنشاطات اللامنهجية، والامتحانات المدرسية، ودراسة الأرقام الإحصائية لأعداد الطلاب في مدارس يهود العراق، فضلاً عن دورهم في مجال الدراسة خارج العراق.

والفصل الثالث احتوى على دور مدارس الطائفة اليهودية في رفع المستوى التعليمي والثقافي في عهد الاحتلال والانتداب البريطاني للفترة «1917م- 1920م»، وقد تضمن أربع مباحث، المبحث الأول احتوى على تاريخ مدارس يهود العراق في عهد الاحتلال البريطاني للفترة «1917م-1920م»، والمبحث الثاني وثق نشاط مدارس الأليانس الإسرائيلية في العهد الملكي، والمبحث الثالث بحث عن نفقات ومصادر تمويل المدارس اليهودية، ونشاط المنظمات الصهيونية في المدارس اليهودية، والأجور الدراسية، ومناهج الدراسة ومفرداتها، وملاكات المدارس اليهودية، والامتحانات الفصلية والنهائية، والمكتبات المدرسية. أما المبحث الرابع، قد احتوى على دور أبناء الديانة اليهودية في مجال الدراسات العليا، منها : مدرسة الحقوق، والمدرسة الطبية، والبعثات الدراسية خارج العراق، وأخيراً الخاتمة والملاحق والصور.

وعلينا كباحثين في مجال تأريخ الأقليات والأثنيات في بلاد الرافدين، من خلال الاعتماد على مصادر ومراجع متنوعة، وبسبب عدم توافر الوثائق فقد اعتمدت على المصادر الأجنبية والعربية والصحف والمجلات فكانت كثيرة ومتنوعة، وقد تمَّ الإشارة إليها في نهاية الكتاب.

أخيراً أقدم جزيل شكري إلى كل من الأصدقاء أ. د. علي محمد هادي الربيعي لرفده لي بالمصادر المهمة التي كانت لي المعين في توثيق تاريخ التعليم للطائفة اليهودية في العراق. والشكر موصول للدكتور خضر سليم البصون لرفد الباحث ما تحمله ذاكرته من مدرسة فرنك عيني، والسيدة وئام أنور شاؤول، والسيدة نيران سليم البصون، والسيدة ليندا عبد العزيز منوحين، والأستاذ سامي دلال، والأستاذ عماد عزرا صالح ليفي، لتزويد الباحث بالصور التاريخية لمدرسة التعاون الإسرائيلية، ومدرسة شماش، ومدرسة فرنك عيني، وبعض الوثائق حول أساتذة مدرسة فرنك عيني. وأخيراً اتمنى أن ينال الكتاب استحسان القارئ، ولا أدعّي أني وصلت بلوغ الكمال في الكتاب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

528 التعليمفي إحدى ساعات الوعي عبّر أديب وسياسي عربي عن كبير أسفه وحزنه لأنه خلال فترة المعارضة انشغل بمواجهة النظام السياسي وراح ينظم الشعر المعارض وانصرف عن التعليم الجامعي أو التعليم العالي، وبعد وصول المعارضة الى الحكم وسقوط النظام زادت مشاركاته في الفعاليات السياسية والأصبوحات الثقافية والأمسيات الشعرية والإنتصار للخط الذي ينتمي إليه وصار لسان حاله وبلبله وغرّيده، وعاش سنوات تحت تأثير هذا الواقع المغري، ولمّا كانت فترة المعارضة مهما علا شأنها وتعالى شأو المعارض فيها لا تحتسب عند الإشتغال في دوائر الدولة ما لم تكن الشهادة حاضرة، عاد يعض بنان الندامة لانشغاله ثانية في الدفاع عن الخط السياسي الذي ينتمي إليه مبتعدا عن مواصلة التعليم والحصول على شهادة جامعية تليق بمركزه الإجتماعي والأدبي، ويضمن لأسرته حياة مادية مريحة.

وهي ندامة ما بعدها ندامة، وإن كان قطار التعليم لا يتوقف عند محطة عمرية معينة، ولكن للشهادة الجامعية اعتبارها وللتوظيف شروطه، وإذا كان النادم قد أفصح عن مكنونه على رؤوس الأشهاد، فإن هناك الكثير من أمثاله لاذ بصمت الحملان واستعاض بعضهم عن ذلك باقتناص شهادة مضروبة أو ابتياعها، ندامة قد لا تنفع النادم بعد مضي قطار العمر ولكنها بالتأكيد ذات فائدة كبيرة لمن اعتبر بها وتحصّ بالتعليم والشهادة إلى جانب العمل والنضال، والشاطر من اتعظ بالندامة المنطوقة ونال الظفر.

هذه الندامة المختومة بلسان النصيحة الأبوية، قادتني الى المثل الفارسي: (گليم تو أز آب بكشيد بيرون)، أي إسحب بساطك من تحت الماء، وهو مثل جميل سمعته من المحقق الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، وهو بدوره سمعه من والده الفقيه آية الله الشيخ محمد أبو تراب علي الكرباسي قبل أكثر من ستين عاما، فالمثل كما يقول المحقق الكرباسي ردده والدي على مسامعي عندما كنت في العاشرة من عمري، وهو في مقام التشجيع لي على طلب العلم بأن أسحب بساطي من تحت الماء أو قبل أن يبتل، أي دعوة مبكرة على التعلم والإحاطة بالعلوم الضرورية والوقوف عليها والإجتهاد قبل أن يسرقه الزمن ويظل محتاجا الى سؤال الآخرين، وعندها لا ينفع الندم.

فالعاقل هو من يسحب بساط العلم من تحت مياه الجهل أو قبل أن يبتل بها، وهذا المثل وندامة السياسي والأديب ارتفع غبارهما من ميدان الفكر وأنا اتابع كراس "شريعة التعليم" للفقيه آية الله الشيخ محمد الصادق الكرباسي الصادر حديثا (2018م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 48 صفحة من 75 مسألة إلى جانب 25 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري وبضميمة مقدمة الناشر وتقدمة المعلق وتمهيد المؤلف.

 

خذوهم صغارا

العنوان أعلاه من الشعارات التي ترفع من اجل استنهاض الهمم ابتداءً من المراحل العمرية الصغيرة، يرفع كواجهة في الشأن الرياضي وفي الشأن الفني وفي غيرهما، وأبرز مكان لهذا الشعار الراقي هو التعليم، وفي الأثر: "العلم في الصغر كالنقش في الحجر"، وحيث يبقى أثر الحجر ونقوشه يبقى أثر التعليم في الصغر ودروسه، فالتعليم هو التلقين والتدريس والتدريب، وفوق كل هذا هو تربية وخُلق، ولهذا نجد الوزارة التي تهتم بالطلبة تسمى في غالب الدول العربية والإسلامية بوزارة التربية والتعليم، فالتربية مقدمة على التعليم، والعلم في مآله ينشد مصلحة الفرد والأمة، فالعلم الدنيوي فيه خير الدنيا والعلم الأخروي فيه خير الدنيا والآخرة، والتربية في واقعها تنشد خير الإنسان في حاضره ومستقبله، وكما أنّ التربية عملية مستمرة غير موقوفة على زمن كذلك التعليم الذي يقفز على حاجز الشهادة الجامعية، فمفردة التعليم من باب "تفعيل" والدال على النشاط المستمر والمتواصل والدؤوب، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم من مهده حتى لحده، وفق المأثور النبوي: (أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد).

الفقيه الكرباسي في شريعة التعليم يضعنا منذ البداية على السكة السليمة من أجل تعليم سليم ومعلم حاذق وتلميذ مجد ومنهاج قويم، بلحاظ أن التعليم كما في المسألة الرابعة من الشريعة له أربعة أركان هي: المعلم، والمتعلم، والموضوع (العلم)، والوسيلة، ولما كان التعليم كما يفيدنا الكرباسي: "هو إلقاء العلم والمعرفة إلى الآخر"، فسلامة التعليم تتطلب معلما على خلق ومعرفة حتى يدخل ما يلقيه في قلب المتلقي ولا سيما الصغير الذي ينظر إلى المعلم نظرة خاصة ربما تفوق النظرة إلى الأب، وإذا كان الأب هو معلم الإبن ومدرسه ومربيه فلا شك أن النظرة إليه هي نظرة تقدير وتقديس فضلا عن الإحترام، والكثير من العلماء نبغوا في مدارس الآباء، ومن طبيعة الأب رغبته الملحّة في أن يرى ابنه أفضل منه فيودعه علمه ويحرص على تربيته لإيمانه بأن راية العلم ستبقى من بعده عالية.

والعلم هو الضد النوعي للجهل، وحيث يكون الجهل ظلاما فالعلم نور، وبتعبير المؤلف في التمهيد: "والجهل مكمن التعاسة ومنطلق الفتنة والفساد، وإذا ما أريد بأمة القضاء عليها عملوا على إفشاء الجهل فيها، عندها يسود الإنحراف والفساد"، والطاغية إنما يصبح طاغية مستغلا جهل الأمة، والأمة الجاهلة أمّة مستغفلة يمكن أن يقودها مدَّعٍ حاسر أو معمم جاهل فيستخف قومه كما استخف فرعون قومه فأطاعوه، وعلى النقيض من ذلك كما يؤكد الفقيه الكرباسي: "إن العلم والمعرفة وجه الحضارة التي تفتخر بها الأمم فكلما كثر العلماء كانت الأمة في مرقى للحضارة والتقدم".

الأخلاق أولا

وحتى يأتي التعليم أكله، فإن المؤلف يرى في التمهيد أن أمورا ثلاثة قادرة على النهوض العلمي وهي: حب العلم والمعرفة، وحب المعلم للمتعلم وبالعكس، وحب نشر العلم وإشاعته، وإذا اجتمعت هذه الأضلاع شكلت مثلث التقدم والرقي والرفاه وفي زواياه المشرقة يعلو شأن الأمة، إذ: "بهذا الحب الثلاثي يجد العلم مكانه في صدور المؤهلين للمعرفة، وتزكى العقول الطامحة للتطور وتنوّر القلوب العاشقة للفضيلة، وتنتشر معها السعادة"، وبتعبير الفقيه الغديري وهو يقدم للكراس: (إن العلم كالمصباح في الليل وله دور الهداية وتنوير الطريق إلى المطلوب إراءةً وإيصالا، والذي يتحمل مسؤولية التعليم هو الذي يستحق أن يسمى بالهادي والمرشد، فلعملية التعليم مكانة عظيمة، وكذلك المتعلم فله شرف لا يُقاس بغيره).

ولأن رسالة المعلم هي رسالة النبي والمصلح، فإن الكرباسي في المسألة السادسة يشترط في المعلم: "أن يكون واثقا مما يقوله أو يلقيه أو يكتبه، وأن يكون خلوقًا، وأن يكون صادقًا، وأن يكون مؤهلًا للتعليم"، ولأن مقام المعلم على مرتبة عالية من الخطورة يقرر أنه: "يجب أن يكون المعلم متحليًا بأقل مراتب الاخلاق لدى التعليم، ويحرم خلافة إذا ترك آثارًا سيئة على الطالب"، وفي هذا السياق: "ما كان من الاخلاق مؤثرا في التعليم بشكل لا يترك آثارًا سلبية بالغة فمستحب، وأما إذا كان سوء الأخلاق يسبب أثرًا سلبيًا كان محرّماً، وخلافه واجباً".

ربما يعتقد بعض الكتبة في الشرق أن الحديث عن العلم والأخلاق، هو حديث قديم، أو حديث متعلق بالمدارس الدينية والحوزات العلمية ولا يشمل المدارس الحديثة التي تقدم العلم مستشهدًا بالتطور العلمي الكبير الذي شهده العالم الغربي العلماني، بيد أنَّ هؤلاء لا يدركون حقيقة قائمة في الغرب، وهي أن المعلم أو المعلمة بخاصة في مدارس الروضة والإبتدائية لا يستطيع أن يلتحق بهذا السلك ما لم يقدم صحيفة أعمال أمام دائرة التعليم، وصحيفة الأعمال هذه تأتي مباشرة من دائرة الشرطة وهي بمثابة حسن سلوك وبراءة ذمة من أي جنحة أو جريمة، وعلى ضوئها يقبل المعلم أو يرفض، ولا ينتهي القبول بالسنة الأولى من تقديم براءة الذمة، وإنما تطلب البراءة بين فترة وأخرى، وإذا ارتكب المعلم جنحة أو جريمة فمصيره الطرد من دائرة التعليم، لأن عقلاء الغرب على دراية تامة بأن الأخلاق عملية فطرية، والمعلم أو المعلمة نموذج حي للسيرة الحسنة، ولهذا تختلف وسائل التعامل بين المعلم والتلميذ بين الشرق والغرب، فالأول يستعمل العصا إن أخطأ الطالب أو عصى، والثاني استعاضها بالكلمة والنصيحة أو الحرمان المؤقت من اللعب في فترة الإستراحة وأمثال ذلك من العقوبات غير البدنية.

ولا يعني لزوم الأخلاق أن يكون المعلم مسلما، لأن الدين ليس شرطاً في التعليم، والأخلاق مسألة عقلائية وإن اختلفت حدودها بين بلد وآخر، ولهذا يرى الفقيه الكرباسي أنه: "لا يشترط في المعلم أن يكون مسلمًا، كما لا يُشترط في المتعلم أن يكون كذلك"، كما: "لا يُشترط في المعلم العقيدة أو العدالة أو البلوغ أو ما شابه ذلك إلا ما يؤثر في التعليم"، نعم: "يُشترط في المعلم أن يكون عارفًا بالمادة وحاذقًا" ويشترط فيه: "أن لا يكون مخادعًا ليفي بالغرض المطلوب منه"، على أن الإسلام كما يعتقد الفقيه الغديري في تعليقته شرط في بعض العلوم من قبيل: (إذا كانت المادة ترتبط بالدين كعلم الكلام وتفسير القرآن والحديث مثلا فينبغي أن يكون المعلم مسلمًا، ولا يشترط ذلك في المتعلم)، ربما لهذا الشرط دوره في المدارس الدينية وخاصة في البلدان الإسلامية أو في المهاجر المسلمة، ولكن قسم الدراسات الإسلامية في الكليات والجامعات الغربية تجاوز هذا الشرط، فهناك اساتذة في علم الكلام وعلم الأديان وعلم الحديث والتفسير وهم على غير دين الإسلام، لكن الحرفية والمهنية مكنتهم من التدريس.

ثنائية مفروغ منها

لا يستطيع المرء مهما أوتي من مال أن يدرك قيمة العلم، فصاحب المال لا يمكن أن يكون عالما دون ان يسعى سعيه فيجمع الى جانب المال العلم، وصاحب العلم له أن يأتي بالمال بما أوتي من علم، فالعالم الحقيقي غني النفس وإن عصفت الرياح في جيوبه وأركان بيته، وصاحب المال أسير المال لا يشبع، ومن وصايا الإمام علي(ع) لأحد حوارييه: (يا كميل بن زياد العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، المال ينقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق).

وعند العلم يسقط ميزان المساواة ويعلو قبان العدالة، فالعامل يجهد بعضلاته ليكسب مالا، والعالم يجهد بفكره ليكسب مالا، ولكن ما يكسبه العامل معشار أو أقل من ذلك مما يكسبه العالم، فلا تتحقق المساواة بين الإثنين، بل إن المساواة هنا هو الظلم بعينه، إذ لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون والجهد العضلي ليس هو المعيار وإن كان عاملا مساعدا في تقدير أجر العامل.

وفي هذا المقام يؤكد الفقيه الكرباسي في التمهيد وعدد من المسائل على أهمية المعلم واحترامه لعلمه وقدسية التعليم، وما يأخذ من أجر نظير تعليمه هو حق مشروع، بل وعلى دوائر التعليم دينية كانت أو رسمية أن تحيط المعلم والمدرس والأستاذ برعايتها وتكفيه ماديا حتى لا تثنيه مشاكل الدنيا عن رسالته التربوية والتعليمية، ولكن في الوقت نفسه يؤكد الفقيه الكرباسي أن المعلم: "إذا كان غرضه من التعليم تحصيل المال وعدم الإكتراث بالتعليم حرُم ذلك"، وعليه فإن: "المال الذي يتقاضاه حرام إذا لم يقم بالتعليم بالشكل المطلوب"، وكذلك: "إذا قام من ليس بأهل للتعليم يأثم بذلك"، من هنا: "إذا أبرم المعلم عقدًا مع إدارة المدرسة ولم يكن أهلًا لذلك فما يحصل عليه من الأموال حرام عليه"، ويستطرد الفقيه الغديري معلِّقًا: (وقد يشترك في الإثم مَن كان بيده القرار في الإدارة، بمكان عدم الدقّة في الموضوع والتغافل في التحقيق عن الصلاحية للعاقد)، من هنا: "إذا لم يكن المعلم عارفًا وحاذقا فإنه يضمن الوقت الذي أهدره من الطالب"، ويضيف الفقيه الغديري معلقا: (وقد يتوجه الضمان على الإدارة).

وهذه الخاصية لها أهميتها في نجاح التعليم أو هبوطه، بل وفي كثير من الأحيان يعتبر انخفاض مناسيب نتائج الطلبة مؤشرا على هبوط التدريس وقلة باع الكادر التعليمي فردًا أو جمعًا وضعف في الإدارة، ولهذا تحرص عدد من الدوائر التعليمية الفاعلة على إقحام الكادر التعليمي في دورات تعليمية تكميلية أو ورشات عمل للإطلاع على أفضل السبل لإنجاح المشروع التعليمي، وعدم التحجر على المواد والمناهج والمقررات التعليمية، كما أن اللقاء الدوري بين الكادر التعليمي وأولياء الأمور له دور كبير في تحسين التعليم، لأن ولي أمر الطالب سيقف عن قرب على مستوى المعلم من جانب ومستوى ولده او ابنته وتنكشف لديه مواضع الخلل والنقصان لدى الطالب فيعمل على سدّها ما أمكنه ذلك.

والمال الجامد كالماء الآسن يضر ولا ينفع، ويمكن لصاحب المال أن يحرك ماله او ما عليه من حقوق في تطوير التعليم، ولذا: "يجوز صرف الحقوق الشرعية لترويج العلم وتأسيس المدارس والمعاهد والجامعات ومراكز للدراسة والتحقيق، بل إنها وجه من وجوه صرف الحقوق الشرعية"، بل وقد يتحقق الوجوب على أصحاب المال عند حصول النقص في التعليم، ولهذا يرى الفقيه الكرباسي أنه: "يجب على القادرين فتح مراكز للتعليم والدراسة بكل مراحلها وصورها وبالأخص العلوم الشرعية ثم العلوم الحياتية كالطب"، ويمكن للقادرين كما رأينا الصرف على التعليم من الحقوق إلى جانب التبرعات، أو الوقف عليها وفيه خير الدنيا والآخرة، بل ومن عوامل نجاح المؤسسات الربحية في الغرب أنها توفر جانبا من عائداتها أو من الضرائب المستحقة عليها لتوفير منح دراسية مجانية، لإدراكهم قيمة العلم والتعليم.

ورغم أهمية العلم والتشجيع عليه، فهناك في العلوم محظورات، لا يصح تعلّمها إلا بشروط قاسية من قبيل السحر إذ: "تعلم السحر لأجل إبطاله جائز وعليه أن يتقيد بذلك"، او التنويم المغناطيسي لأغراض غير محمودة، نعم: "تعلم التنويم المغناطيسي إذا كان مجرد التعليم جائز، أما الممارسة فحرام إلا في حالات الإضطرار كالمعالجة الطبية المنحصرة فيها"، ولذلك: "كل ما كان تعليمه محرّما فالأجرة عليه محرّمة"، وكذلك: "إيجار المكان لتعليم المحرمات محرّم والأجرة محرّمة"، وبشكل عام فإن: "كل الوسائل المتاحة في التعليم ونشر العلم جائز استخدامها إلا لعارض محرّم".

في الواقع إن شريعة التعليم وأمثالها من الشرائع تمثل توجها حضاريا للتنوير المعرفي الفقهي الحياتي وبتعبير الفقيه الغديري في مقدمته: (قلّ ما شاهدت في الكتب الفقهية البحث عن أحكام التعليم على ضوء الكتاب والسنّة، وكذلك بالنظر إلى المباني المعمولة بها لدى الأعاظم من الطائفة في المجالات الفقهية، وللمحقق الخبير آية الله الدكتور الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي حفظه الله حظ كبير في إبداع المباحث وبيان الأحكام عن مواضيع ذات أهمية كبرى في حياة كل مؤمن بل وفي المجتمع  الإنساني بشكل عام).

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

حسيب شحادةالقواميس العربية-الفنلندية وقاعدة "شيء خير من لا شيء"

شهِد العَقْد الأوّل من القرن الواحد والعشرين نشاطًا معجميًا ملحوظًا بين اللغتين الفنلندية والعربية، ومن الصعوبة بمكان تعليل هذه الظاهرة اللافتة للنظر هنا في بلاد الشمال، إذ لا عدد ناطقي العربية القاطنين في فنلندا والمقدّر ببضعة آلاف قد تزايد بشكل بارز ولا عدد طلاب العربية من الفنلنديين في الجامعة الوحيدة التي تدرّس ”عن“ العربية والدراسات الإسلامية قد تزايد في الفترة المذكورة بأي شكل كان. أضف إلى ذلك أنّ حجم وطبيعة العلاقات التجارية والثقافية بين العالم العربي وفنلندا لم يطرأ عليه تغيير جذري. وبالرغم من هذا الواقع، نقول إنّ صدور مؤلفات في المعجمية الثنائية المذكورة يضلّ بادرة خير من الناحية البحثية اللغوية البحتة، فاللغة بمثابة مرآة للمجتمع وثقافته. مثل هذه المعاجم ضرورية ومرحّب بها في كل وقت لا سيما إذا كانت مرتكزة على أسس الصناعة المعجمية الحديثة نظريًا وتطبيقيًا ولا نصيبَ للهواة في هذا المضمار.

من المعروف أنّ هذه البادرة جاءت متأخرة وغير ناضجة، إذا ما علمنا أنّ بداياتٍ متواضعةً لتدريس العربية في فنلندا في جامعة توركو، تعود إلى ثلاثة قرون تقريبًا وأنجبت البلاد مستشرقين وباحثين مرموقين أمثال بيتر فورسكال (1732-1763) وجورج آوغست ولين (1811-1852) وإدوارد وسترمارك (1862ـ1939) والباحثة الانثروبولوجية هيلما (حليمة) غرانغفيست (1890-1972) وآبلي ساريسالو (1896-1986) واللغوي الفذّ يوسّي تنلي أرو (1928-1983) وإلى المعاصرين الأستاذين إركي سالونن وهيكي پالفا.

لا ريب أن الدكتور المهندس الفلسطيني، تيسير سليم خليل، الذي عاش في روسيا وفي فنلندا سنواتٍ عديدةً كان له قَصَب السَّبْق في إعداد معجم فنلندي - عربي يضمّ خمسة وثلاثين ألف كلمة موزّعة على 441 ص. وصدر هذا القاموس عام 2004 في عمّان (لا ذكر لسنة الطباعة، ISBN 952-91-4340-0). ويذكر أنّ اهتمام السيد خليل بإعداد مثل هذا المعجم قد بدأ قبل ذلك، ففي العام 1992 صدر له بعمّان أيضا قاموس فنلندي-عربي أصغر، 234 ص. من الحجم الصغير وفيه اثنا عشر ألف لفظة. يقينًا كان السيد خليل جريئًا في مشروعه هذا وديدنه ”شيء خير من لا شيء“ ولا بدّ من بداية مهما كانت متواضعة، وكانت بدايته تلك عبر اللغة الروسية التي يجيدها، فنلندي روسي عربي.

وفي العام 2006 صدر في فنلندا قاموس فنلندي عربي جديد أعده السيد لقمان عباس الذي يعمل ترجمانًا ويعيش في فنلندا منذ أكثر من خمسة عشر عاما وبين دفتيه 344 ص. وثلاثون ألف كلمة. تلاه في بدايات عام 2007 المعجم العربي الفنلندي الرابع وهو الأكبر حجمًا والأطول مخاضًا من حيث الإعداد، ما يقارب العقد من السنين، تأليف السيد السفير المصري الأسبق في هلسنكي، محمود مهدي عبد الله (نعت في بعض المقالات بالفنلندية بـ” الدبلوماسي الذي وقع في حبّ اللغة الفنلندية”)، 1316 ص. مشتملة على ستة وأربعين ألف كلمة. أشرف على هذا القاموس الذي روّج له إثر صدوره كثيرًا في فنلندا وفي جمهورية مصر العربية، أستاذ اللغة العربية بجامعة هلسنكي السيد هيكّي پالڤا وساهم في إنجاز المراحل الأخيرة من القاموس ثلاثة أشخاص، فنلنديان ومصري. وكان كاتب هذه السطور قد نشر عرضًا مفصلًا لهذا القاموس في العديد من الصحف العربية الإلكترونية وملخصًا بالفنلندية وللراغب في قراءة ذلك البحث في محرّك غوغل عن: قاموس فنلندي عربي حسيب شحادة وينسحب الأمر ذاته بخصوص مراجعتي لقاموس السيد عباس.

وفي بداية العام 2008 صدر قاموسان ثنائيا اللغة: قاموس عربي-فنلندي للسيدة مارية الهلالي، طالبة مغربية الأصل وتعيش في فنلندا، 952 ص. ويضمّ أكثر من ثلاثين ألف كلمة، وقاموس فنلندي -عربي-فنلندي للسيد إلياس حرب، لبناني الأصل ويعمل منذ سنوات كثيرة ترجمانًا في فنلندا وفي قاموسه هذا زهاء خمسة وثلاثين ألف لفظة معروضة في ألف صفحة تقريبا.

ارتأيت كعادتي أن أقدّم عرضًا نقديًا لمثل هذه المعاجم، وهنا يأتي دور هذا القاموس الأوّل من نوعه: عربي-فنلندي. ثمة أمور ومواصفات معيّنة كثيرة وهامّة ينبغي البتّ فيها جيدًا قبل الشروع في إعداد أيّ معجم ثنائي اللغة. يُذكر أنه حتى ستينات القرن العشرين، اتّسمت صناعة المعاجم بالطابع التجريبي المبني على خبرة واضعي القواميس في الماضي، إلا أنّ الوضع الآن جد مختلف نتيجة التطور الملحوظ في علم اللسانيات المعاصر، لا سيّما في علم المفردات. (أنظر مثلا: على القاسمي، علم اللغة وصناعة المعجم. بيروت 2004، ومسائل في المعجم لإبراهيم بن مراد والمعجم العربي: بحوث في المادة والمنهج والتطبيق لرياض زكي وصناعة المعجم الحديث لأحمد مختار عمر). انطلاقا من ذلك نقول: إعداد معجم ثنائي اللغة يتطلّب أكثر بكثير من معرفة اللغتين معرفة لا جدال فيها؛ مصادر الإعداد ومنهاجه؛ قواميس سابقة، وفي هذا المجال لا أحد من معدّي المعاجم الثنائية الفنلندية العربية يذكر سابقه، وكأنّ الجميع يبدأ من الصفر ولا وجود لمحاولات ترجمية تراكمية ذات شأن؛ قراءات نصوص تخصصية؛ حوسبة المعجم؛ طبيعة المادة المنتقاة؛ منهاج الجمع والتبويب؛ حدود القاموس؛ كيفية عرض المفردات وتبويب المعاني وفق أسس لغوية معيّنة؛ لمن معدّ هذا القاموس؟ مستويات اللغة وعصورها؛ طبيعة تبيان القواعد ومدى ذلك؛ الاختصارات المستخدمة؛ النقحرة والتأثيل؛ الأمثلة ووسائل إيضاح أخرى.

يمكن القول إنّ إعداد مثل هذه المعاجم اللغوية يُشبه إلى حدّ ما عملية الترجمة من لغة إلى أخرى من حيث توفّرُ ثلاثة شروط أساسية في المترجم الناجح، كما هو معروف منذ العصر العباسي على الأقل. إجادة لغة الأصل ولغة الترجمة ومعرفة كنه الموضوع المنقول. نضيف إلى هذه المقولة أنّ التأكيد يجب أن ينصّب بالأساس على اللغة المنقول إليها، إذ لا نكشف سترًا إذا قلنا أنّ هناك مترجمين كُثر يترجمون إلى لغات أمهاتهم كتبًا كثيرة من لغات لا يتكلّمونها البتّة. بعبارة مقتضبة مفسّرة، إذا ترجم أستاذ فنلندي القرآن الكريمَ إلى الفنلندية، فهذا لا يعني بالضرورة أنّه متمكّن من العربية من الناحية التطبيقية، قراءة وحديثا وكتابة. في الترجمة هناك سياق يساعد على إيجاد المقابل الملائم في اللغة المنقول إليها، والاتّكاء على ترجمات سابقة وبلغات أوروبية معروفة، أمّا في القاموس، فعلى جامعه أن يأتي بجميع المعاني الممكنة وَفق السياقات الممكنة. أضف إلى ذلك البون الشاسع ما بين اللغتين والثقافتين العربية والفنلندية من جهة، وشُحّ المصادر والمؤلّفات المترجمة من الواحدة للأخرى مباشرة. هناك مثلا الكتاب العالمي ”سنوحي المصري“ لميكا ڤالتري  (١٩٠٨-١٩٧٩) بالعربية إلا أنّ الترجمة اعتمدت الترجمة الإنجليزية وهي بحاجة إلى تقييم علمي.

كل هذه الضرورات تقريبًا لم تلق اهتمامًا يُذكر في القواميس الثنائية الفنلندية العربية التي صدرت حتى يومنا هذا. في مقدّمتها القصيرة بالفنلندية والعربية، لا تقول السيدة الهلالي الكثير عن خصائص قاموسها ومنهجية إعداده، اللهمّ إلا بعض التعميمات التي لا يعوّل عليها كثيرًا مثل: جاء القاموس لتلبية حاجة الوافد العربي والطالب الفنلندي للغة العربية والتأصيل لأعمال مستقبلية حول المشترك بين الثقافتين العربية والفنلندية؛ والقاموس في تقدير المعدّة مساهمة لبناء جسر بين اللغتين والثقافتين العربية والفنلندية. هاتان الغايتان لصالح العربي الوافد من جهة ولطالب العربية الفنلندي من ناحية أخرى لا تسيران جنبًا إلى جنب، ولذلك تستوجبان إعدادًا دقيقًا وشاملا قبل التطبيق. على سبيل المثال، لا وجود لأيّة معلومات عن الفنلندية لا في المقدّمة ولا في الملحقات ولا في المتن، ذكر تفاصيل صرفية مثلا. لا ذكر بالمرّة للمصدر أو المصادر المعجمية العربية التي اعتمدتها المعِدّة. قد يكون: الرائد، معجم لغوي عصري رُتبت مفرداته وَفقا لحروفها الأولى، تأليف جبران مسعود، بيروت ط. سابعة 1992 واحدًا منها.

وهناك إثبات لقائمة بالاختصارات المستخدمة في المعجم وعددها تسعة وأربعون، وهي معروضة وَفق الأبجدية الفنلندية مرّة ووَفق العربية كرّة أخرى وذكر ”القرآن“، أساس العربية، غائب في حين وجود تنويه بالعهدين القديم والجديد. ومثل هذه الاختصارات هنا بأغلبها الكاسح، على الأقلّ، لا طائل تحتها، فما الداعي والمنفعة من ذكر المختصر “جغ” أي جغرافيا إثر ذكر اسم بلد مثل ”فلسطين“. ويلاحظ المتفحِّص وجود بعض الاختصارات المستعملة مثل ”مص“ أي مصدر و”ج“ أي جمع و”ريَا“ أي “رياضة” و”محك“ أي محكية، المقصود كلمة دخيلة أجنبية و ” ميت“ و”فل“ و “صف” (؟) إلا أنّها لم تثبت في القائمة المذكورة. ومن ناحية أخرى، يعثر المتصفِّح على اختصارات في متن المعجم مغايرة لما ورد في قائمتيه المثبتين في صدره مثل ”تا“ بدلا من ” تار“ أي ”تاريخ“ و”مسي“  بدلا من ”مس“ أي مسيحي و”عسك“ بدلا من ”عس“ أي عسكري، ويلاحظ عدم إبقاء فراغ كاف بعد الفاصلة. وحبّذا لو أكثرت السيدة الهلالي من استعمال إشارة الضد أو العكس# واكتفت بإيراد صيغة الماضي فقط من الأبنية فعّل وحتى استفعل أي ، II ـ X إذ أنّ صيغة المضارع ثابتة؛ وفي بعض الحالات أدخلت المعدّة المغربية عيناتٍ من الاستعمال العربي في بلادها الأصلية مثل مِنجرة بمعنى مبراة ونوّار أي شهر أيار والوزير الأول أي رئيس الوزراء، بطاقة التعريف أي بطاقة الهوية وإشهار أي دعاية وغشت أي آب؛ وأحيانا تسلّلت بعض الألفاظ العامية مثل ”بوّس“ أي ”قبّل“  ”وطاب“ المريض أي ”شُفي“ و”حفّض“ الطفل. ومما يجدُر ذكره إدخال بعض الكلمات والتعابير الحديثة مثل: غرامة تهديدية؛ كلب ذئبي؛ غليظ الذهن؛ فرْنج يفرنج، ومكْنن يمكنن؛ وفِلاكة؛ وقَنبل يُقنبل؛ ومنضح منضحة.

وما لفت نظري أيضًا إيراد الرأي القائل بأنّ من لا يعمل هو وحده المعصوم عن الخطأ، وبدوري أضيف أن مثل هذا القول لا حاجة له في عمل أكاديمي عصري حيث سُبل تفادي الأخطاء والهَنات على أنواعها وأجناسها كثيرة جدًّا بفضل التقدّم التقني الذي ننعم به. بعبارة مغايرة، شيء أحسن من لا شيء في الصناعة المعجمية أو الأبحاث العلمية الراهنة، يتوقّف على جودة هذا الشيء، ففي اعتقادنا شيء سيّء ومضلِّل ليس أفضلَ من لا شيء لأن استئصال الأخطاء الراسخة دونه خرْط القَتاد وفي هذه الحالة من الأفضل البداية من الصفر غلى قاعدة مدروسة راسخة.

والقاموس قيد المراجعة جاء وَفق حروف أوائل الكلمات (لا ذكر للأصوات الأجنبية پ وڤ وچ بثلاث نقط وكذلك لحرف ”لا“، رقم 29) وليس كما هو معتاد حسب جذور الألفاظ، إلا أنّ هذا النهج لم يراع بحذافيره في الترتيب الداخلي (أنظر مثلا ص. 150, 154). يُعتبر المعلم بطرس البستاني (1819-1883) العلم البارز من أعلام النهضة العربية الحديثة، أوّل من ألّف قاموسًا عربيًا مبوَّبًا وَفق الأحرف الأبجدية، وذلك لمساعدة الموظّفين في الوزارات المختلفة الذين لا يتوقون لمعرفة صرف العربية ونحوها. من نافلة القول أنّ لمثل هذا الترتيب الأبجدي وجه إيجابي وهو سهولة إيجاد الكلمات دون التفكيك والرجوع إلى أصولها، إلا أنّ السؤال الوجيه هل هذا الترتيب مفيد وناجع وملائم لطالب اللغة العربية في الجامعة؟ الجواب بالنفي طبعًا، إذ على هذا الطالب تعلّم صرف العربية وَفق فلسفة الجذور الثلاثية (ثم الرباعية والخماسية) وأوزان الفعل، الخمسة عشر وما يدرّس في الغرب عادة العشرة الأولى باستثناء التاسع، إفْعلَّ. ونضيف إنّ فلسفة السنخ في المدرستين اللغويتين العربيتين الأساسيتين، البصرة والكوفة منطلقة من الفعل الثلاثي أو المصدر. ويتساءل المرء ما المقصود بالضبط من ”دراج أكثر الكلمات استعمالا...“؟ ما مِعيار شيوع الاستعمال لدى السيدة الهلالي؟ هلِ استندت إلى أبحاث إحصائية حول نسبة شيوع مفردات معيّنة في أنماط لغوية معيّنة قديمة أو راهنة وما هي؟

وقعت في هذه المقدّمة القصيرة بعض الهفوات والأخطاء في النقحرة والنحو ولا نذكر هنا الأسلوب مثل ”..لأن بعض الأفعال تحمل معانٍ مختلفة حسب حركة عين الفعل المضارع“، وينظر في الصفحات: 909, 931. وفي نهاية القاموس ملحقات تشمُل مواد مختلفة الطول والقِصر تحت عناوين مثل: جمل مفيدة، كالتحايا وطلب المساعدة وإشارات وإرشادات وأسئلة عامّة وفي مكتب العمل وعند الطبيب وعند طبيب النساء وأيّام الأسبوع وكم الساعة والأرقام والتقويمات ومجموعة من الأمثال الفصيحة في العربية وما يقابلها أو تفسيرها بالفنلندية (بناءً على أي مصدر؟) تعدادها قرابة المائتين مبوّبة وَفق الحقل الدلالي دون الإشارة إليه ووفق الترتيب الأبجدي لأوّل حرف في المثل أو القول السائر ومن هذه الأمثال: الأذواق والألوان لا تناقش؛ والسؤال أهذا مثل عربي أصيل أم دخيل من الفرنسية؛ الكلام الجارح لا يدمي!؛ اصطاد في ماء عكر، وينسب هذا القول السائر لمصر مع أنه عام في اللغة المكتوبة وهو عادة ”الاصطياد في المياه العكرة“؛ جزار ويتعشى باللفت (مغربي)؛ تُعرف الشجرة من ثمارها، أليس هذا مثل إنجليزي ومقابله العربي قد يكون: تخبر عن مجهوله مرآتُه والأمر ذاته ينسحب على: أما ترى الماء بتكراره في الصخرة الصماء قد أثر؟ ذهب السمهى، أهذا مثل شائع سيصادفه الدارس الفنلندي للعربية؟ الفأر المستعجل يقع في فم القط؛ في ص. 922 ما الصلة بين الصحّة والنقش على الحجر؟ وبعد إيراد الأمثال هناك لمحة عن بعض مبادىء اللغة العربية بالفنلندية تليها قائمة بالعربية والمقابل الفنلندي لقرابة مائة وخمسين اسم دولة واسم عاصمة كل منها والنسبة لهذه الدولة، وهنا أيضا ألا تكفي قائمة تضم بعض الأقطار العربية والأجنبية؟ في مثل تفاقم مثل هذه المواد يغدو القاموس لا قاموس ولا موسوعة بالتعريف السليم. ثمّ يحُِقُ لسائل أن يسأل ما الفائدة من إيراد صيغة النسبة النظرية لبعض البلدان مثل ”أروغوايي“ فهي، كما يعلم كل ناطق بالضاد، غير مستساغة وغير مستعملة (لم يأت غوغل إلا بنتيجتين، أنظر “طوغو” وحسنا صنعت المعدّة بإبقاء خانة النسبة فارغة)؛ ”قمُري“ أمستعملة أو جزر قُمري أو ببساطة شخص من جزر القُمر؟

وَفق هذا الترتيب الأبجدي لأوائل الكلمات يحتلّ حرف الألف المرتبة الأولى من حيث العددُ، أكثر من مائة وخمسين صفحة، ومثل هذا المنهاج قد يفيد سائحًا أو عاملا لمدّة محدودة لتحقيق بعض التفاهم وتسيير بعض الأمور البسيطة والملحّة، إلا أن الطالب الجامعي والوافد العربي المثقّف بحاجة إلى معجم يستند إلى أصول الصرف والنحو العربيين. نهج ألفبائي خارجي كهذا يضع ” سائل“ من ”سأل“ و”سائل“ من ”سيل“ مع بعض وكأنّهما واحد وشتّان ما بينهما.

هناك عدّة مآخذ أساسية على هذا المعجم، ولا بد من التنويه بها بالعناوين التالية: أخطاء لغوية طباعية وسهو قليلة مثلا ص. 187, 291, 682, 702, 682, 782، 844, 909 وإملائية مثلا ص. 891 وكذلك بالإملاء الفنلندي، مثلا ص. 917, ( في اللغة الأصل، العربية؛ نقحرة) مثلا: 541, 931, 936, 947, 948, 949؛ عدم دقّة ومحدودية في تعداد معاني اللفظة العربية؛ لا منهجية ثابتة في ذكر المفرد والجمع والجنس في الشقّ العربي وقلِ الشيء ذاته بخصوص الجمع بالفنلندية وطريقة تصريف الأفعال والأسماء؛ مشكلة طبيعة وحجم ما أُدرج من كلمات وما أُهمل لم تحظ بعناية كافية؛ هناك العشرات من الألفاظ الغريبة، في تقديرنا، والتي وجدت طريقها إلى المعجم وأخرى شائعة في نظرنا وأهملت؛ نحن نتكلم هنا عن اللغة العربية المكتوبة ولا مجال لإدخال أيّة عامية من مئات العاميات العربية؛ تكرار (ينظر مثلا في: 10, 22, 23, 31, 33, 38, 61, 65, 165, 191, 325, 326, 478, 542, 650).

والآن إلى بعض العيّنات من الأمثلة: وقعت أخطاء كثيرة جدًّا في النحو، التشكيل لا سيّما في تنوين الممنوع من الصرف (diptote) وفي الصرف ولن أذكر التصحيح إلا أحيانا واكتفي بالإشارة إلى مواطن الخطأ: أخمُصُ؛ أداءُ خِدْمةً؛ بِمَحْضِ إرادَتَهُ؛ أُرْز؛ أرمِني؛ أزاحَ الثلج من الطريق؛ أمراض معديّة؛ انخفضَ السعرِ؛ انخلع كتفه؛ بشكلٍ أفضلٍ؛ برمَ عَقْداً؛ براهينٌ؛ بِنْصَر؛ توابيتٌ؛ بُخُور؛ مِسيحِ؛ تحاسيرٌ؛ حامل بمعنى حبلى وليس حاملة؛ تراويحٌ؛ طوابعٍ؛ مواعيدٍ؛ حار يحير (ص. 327)؛ قِرار؛ تَرَسانة وليس تِرْسانة؛ مفاتيحٍ؛ حذاء بكعب عالي؛ إيابٌ لا إيّاب (ص. 431 وفي ص. 151 صحيح)؛ جمع ”مأوى“ مآوٍ وليس مَآوى (ص. 752)؛ معهد عالي (ص. 808)؛ المرأةٌ (ص. 816)؛ حتى يرجعُ الدرّ في الضرع؛ سخا يسخُ؛ شَعرية؛ سورة الصافاتٌ؛ ضاق ذِرْعا والصحيح ذَرعا؛ طباشيرٌ؛ طماطمٌ؛ عبايات؛ عناوينٌ؛ تخذير موضعي؛ وزراءٌ؛ هدير بدلا من هديل الحمام وهديل مذكورة بعيد ذلك ص. 874؛ وَهَبَ يَهِبُ؛ وَهّم يُوهِمُ؛ ياسمينٌ؛ رَبِحُ اليانصيب؛ سارق سرّاق؛ شهادة شواهد (ص. 549).

وهناك مأخذ رئيسي آخر متعلّق بالدقّة والشمولية والترتيب في انتقاء المقابلات الفنلندية للألفاظ والعبارات العربية، مثلا عبارة ”ثوم معمّر“ المستعمل في قاموسي محمود مهدي عبد الله وماريا الهلالي؛ في قاموس تيسير خليل: بصل أخضر( لا وجود لها في المعاجم العربية العادية وهي غير شائعة وقد يفهم العربي العادي أن ذلك نوع من الثوم يعيش طويلا ولا حاجة لزرعه كل عام كالثوم العادي الخ. في الواقع كل من عاش في فنلندا وزرع حبوب هذه النبتة الصغيرة المتكاثفة في حديقة بيته وأكل منها يعرف أن المقصود هو بصل أخضر ذو أوراق نحيفة وخضراء يستعملها الفنلنديون إما للزينة على وجه الساندويتشات المالحة وإما في إعداد الصلصلة فالعادة لديهم عدم تناول أوراق البصل الخضراء. وتُدعى هذه النبتة بالفنلندية ruohosipuli والمعنى الحرفي ”بصل الحشيش“ ربّما لدقّة الأوراق كالحشيش. وإليك قائمة مختارة تندرج تحت عنوان المأخذ المذكور: الأجوف واوي أو يائي ولا وجود لألفي فالألف منقلبة إمّا عن واو أو ياء؛ الأريز هو الصقيع وليس البرْد؛ جمع أفعى أفاعٍ لا أفاعي؛ جمع بطاقة الشائع هو بطاقات وليس بطائق؛ أتمّ دراسته شيء و jatkaa opintojaan ، تابع، استمر في الخ أمر ثانٍ؛ هل البهار أكلٌ؟ لماذا ”إبراهيم“ ”دين“ بين قوسين؟ لا يكفي القول إن “حالك” معناه “شديد السواد”؛ إِصْبع لا أُصبع؛ صفار البيضة لا أصفر البيضة؛ أصمُّ لا أصمٌّ؛ جادة ليست بالضبط “طريقا” tie؛ القول إن معنى ”أيّان“ ”متى“ million، يجانب الصواب والاستعمال فأيّان اسم شرط زماني يجزم فعلين واسم استفهام أيضا؛ ”تاقة“ غير شائعة أوّلا وليست libido أي ”شهوة جنسية“ ثانيا؛ المقابل العربي لـ palovakuutus هو مثلا: تأمين من خطر الحريق أو تأمين ضد الحريق/الحرائق وليس ”تأمين الحريق“ وهي ترجمة حرفية للفظة الفنلندية! وقلِ الأمر ذاته بصدد ”التأمين الصحي“ وليس ”تأمين المرض“ ؛ اعوجاج العظام ليس بالضبط riisitauti، كُساح قد يكون أقرب للصواب ؛ تبغدد لا يعني السكن في بغداد فقط بل انتسب إليها وتشبّه بأهلها وتكبّر؛ ”تجلّد“ ليس من ”الجَلَد“ أي الصبر فقط بل ومن ”الجليد“؛ هناك فرق واضح بين ”تحت أمرك“ و kaskysta ؛ تَخْت ج. تُخوت ليس فرشة patja؛ ترجمة ج. تراجم غير ترجمات؛ ”الترخيم“ ليس فقط حذف مثل ”يا صاحِ“ بدلا من صاحب؛ التزلج على الجليد أفضل من التزحلق؛ الثرثار و puhelias مختلفان فالأوّل فيه مَسحة جلية من السلبية أما الثاني فحيادي؛ ثمَّ يعني هناك وليس عندها sillion؛ جمع ثمرة ثمرات وثِمار هو جمع الجمع ولا ذكر لهذا الجمع البتّة في المعجم كلّه؛ ثوب أثواب ليس قُماش kangas ؛ في العربية يُقال: شاهد عِيان وليس شاهد عين/عيون (قارن ص. 641, 642)؛ الغاب والغابة ليسا مترادفين؛ الغثيان ليس pahoinvointi أي توّعك؛ الغداء ليس وجبة الظهر فحسب بل والفطور أيضا؛ الفصاحة لا تقتصر على الحديث؛ القفا ليس العنق بل مؤخرته، الكُفتة ليست اللحم المفروم jauheliha بهذه السذاجة بل طبق عربي معروف من كرات أو أصابع اللحم الهبر المفروم مع البصل والبقدونس مقلية قليلا، شرائح من البطاطا المقلية قليلا ووضع كل هذا في صينية بالفرن للإنضاج؛ مفهوم ”الكوخ“ لا يُعطي أي تصوّر حقيقي لـ mökki أي البيت الصيفي الواقع عادة في الريف وبالقرب من البحيرة واليوم فيه عادة الكثير من وسائل الراحة المنزلية؛ اللبن ليس حليبا في كلّ الشرق الأدنى؛ النَحْويّ ليس باحث النحو بقدر مؤلِّف فيه؛ النديم ليس كل صديق ورفيق عادة بل المنادم على الشراب؛ نشرة أخبار ليست من التلفاز فقط؛ نشر (دين) ليس ”القيامة“ ylösnousemus؛ النشيد ليس مقتصرًا على النشيد الوطني hymni؛ النضيدة ليست في الغالب فرشة بل وسادة واللفظة غير شائعة في نظرنا؛ النُعاس غير النوم؛ لا يقال ”نقصت الأسعار“ بل هبطت؛ ليس جمع ”أحمر“ حُمرا دائما بل حمراء أيضا؛ أحقّاً ”أحسنت“ تُعطي نفس معنى hieno homma ؟؛ نهارك سعيد لا تعني بالضبط ”مرحبا“؛ نوّن لا تعني وضع حركة طويلة في نهاية الكلمة؛ نوّه معناه أيضا أشار، ذَكر؛ الهدنة لا يمكن شرحها بـ”سلام معقود“ إذ أنّها وقف حرب لأجل مسمّى؛ هل ”الاشتياق“ هو دائما ”مشتعل“، palava kaipaus؛ أعمى القلب لا يعني بالضرورة من لا يتعلّم oppimaton؛ إغريقي هو يوناني قديم؛ أهل البادية ليسوا أهل الريف maalaiset؛ علم البديع ليس القدرة على التكلّم؛ البشير ليس نبي الإسلام فقط؛ أجامَع ووقع في حب و rakastella واحد؟؛ جُبنة بيضاء و rahka مختلفتان ولعلّ أقرب لفظة عربية ”خثارة اللبن“؛ جُبن ذائب، لا أدري ما هذا بالضبط بدون الأصل الفنلندي sulatejuusto! وأقرب مقابل عربي قد يكون ”لبنة“؛ لماذا “”حيزبون“ شتيمة؟؛ ”سائر“ ليس دائما بمعنى ”الكل“؛ خراء و ulosteet مترادفتان ولكن بمستويين مختلفين؛ العربي المسيحي لا يُخطىء في التمييز بين ”الخوري“ و”القسّيس“؛ المنخل يختلف عن الغربال وهو عدّة أنواع كالضابوط والفاروط؛ يقال ميلادي ويكتب الحرف م بعد ذكر السنة ولا يقال أو يكتب ”بعد الميلاد“؛ وظيفة لا تعني فقط ما ذُكر؛ تفسير الاستعمار غير دقيق؛ الإعراب ليس تصريفا؛ ناصري ليس نسبة للناصرة فقط بل ولعبد الناصر أيضا؛ الشخص السائل هو الذي يطرح سؤالا وهو المستعطي أو المستجدي أيضا؛ علم الصرف لا يقتصر على تصريف الأفعال؛ لحم أبيض هو لحم الخنزير أيضا؛ ألا يُقال عادة في العربية الأدبية المعاصرة: زميل في الدراسة وليس أخ في الدراسة، حالة الطقس بدلا من أخبار الطقس، جعله أخضر بدلا من أخضر، أعفي فلانا من المسؤولية بدلا من أخلى ...؛ استدان منه شيئا وليس أدان منه شيئا؛ أذاب ليس نقع liuotta؛ المقابِلات الفنلندية للعبارة ”أغرب عن وجهي“  ليست بنفس المستوى الاجتماعي: haivy, ala vetaa, painu hiiteen؛ وليحاول القارىء إيجاد هذه العبارة في المعجم؛ توت الأرض أم توت أرضي وفراولة؟؛ أجام يجوم يعني  يبحث عن etsia ؟ أمن فرق بين ”صحيفة” و”جريدة”؟ كلام جزل هو كلام فصيح متين لا كلام جميل؛ الجزمة  تركية الأصل: çizme  لا تعني ببساطة ”الحذاء“ بل كما يعلم الجميع نوعا مطاطيا خاصا ذا ساق طويلة؛ يقال ”أحمر الشفاه“ لا ”حمرة الشفاه“؛ ألا نقول بالعربية ”النشّال“ بدلا من ”سارق الجيوب“ وهذا نقل شبه حرفي من الفنلندية taskuvaras.

مأخذ آخر قد يندرج تحت ” ألفاظ حوشية“ بالنسبة للمثقف العربي اليوم وهاك بعض الأمثلة: آكل الخضَر والشائع نباتي؛ امتحان ولوج الجامعة بدلا من اللفظة العادية ”دخول“؛ اسم عائلي أم اسم العائلة؟ امتحش بمعنى احترق؛ باقول بمعنى muki وهو فنجان بعروة/أذُن إلا أن الباقول بدونها؛ بَلْغاريا؛ بنّ مسحوق، بنْك ج. أبناك؛ بيع بالتجزئة أي بالمفرّق؛ بَيوع بمعنى بائع جيّد؛ حرف التاج؛ دار التبار بمعنى جهنم؛ تُبّان بمعنى”المايوه“ أي بالفنلندية uimapuku وحرفيا بِذلة السباحة؛ أبّ بمعني العشب؛ ثُؤاط بمعنى الزكام؛ ثاقل بمعنى الثقيل؛ تِرْفاس أي نوع من الفطريات؛ تقطيع الشراب بمعنى تخفيفه؛ لم لا يُذكر الجمع الشائع لثَدْي وهو أثْداء بدلا من المهجور ”ثِدِيّ“؟ يوم غيوم أي غائم؛ ثلاج بمعنى بائع البوظة؛ ثوم قصبيّ و talvisipuli ماذا يفهم كل من العربي والفنلندي منهما؟ فها يفهو بمعنى سها يسهو وليس نسي ينسى (ص. 678)؛ كُريضة؛ لجة السماء؛ ملعقة شاي وملعقة حساء أهذا استعمال عربي أصيل أم كلمات مترجمة من اللغات الأجنبية ولا مكان لها في الأسلوب العربي الجيّد فالعربي يقول ملعقة صغيرة وأخرى كبيرة ولا حاجة لذكر أي سائل بعدهما؛ جزّر العشب؛ جازىء بمعنى راضٍ؛ سافر عنه المرض، أهذا استعمال عربي شائع؟ يقال: سافرت عنه الحمّى عادة؛ أشعة فوْبنفسجية؟ خطأ شائع في العديد من المعاجم الثنائية إدخال ما يقال بلغة أجنبية إلى العربية بغض النظر عن أن هذه الجزئية لا وجود لها لدى العرب، مثلا يقال في العديد من اللغات عند تناول الطعام bonne apetite وبالفنلندية hyvaa ruokahalua إلا أن العربية لا تستخدم مثل هذا النمط المؤدّب من التعامل بل يتمنّى الشخص الصحّة والعافية ويقول هنيئًا مريئًا للآكل بعد دعوته للمشاركة في تناول الطعام. لذلك ”شهية طيبة“ هي نقل حرفي ولا مقام لها هنا.

ويؤخذ على هذا المعجم أيضًا عدم إدراج الكثير من الكلمات والتعابير الأساسية مثل: آه؛ لا شكر على واجب؛ تشكّر؛ الأضحى؛ المولد النبوي؛ أثلج صدره؛ أجمعُ؛ احتياجات خاصة؛ حوسبة؛ احتسب؛ احترز؛ أحرى؛ أقلّ من؛ بصل أخضر أما البصل الأحمر فمذكور؛ من نافلة القول؛ قهوة أهلا وسهلا وقهوة مع السلامة وقهوة سادة، نعيمًا، العاقبة عندك؛ الحاسوب رغم وجود المختصر ”حا“؛ حاشا وكلا؛ ”فتح“ أي حركة التحرير الفلسطينية بدلا من ”حتف“ التي تعني الموت؛ فسطاط المدينة؛ قاب قوسين أو أدنى؛ لات، فعل لازم ومتعدٍ؛ جاب يجوب؛ أعماق؛ عنديات الخ الخ. ويشار إلى أنّه في بعض الأحيان كان المنطلق معكوسًا أي من الفنلندية إلى العربية مثل فرشاة الأظافر وغسل الظهر، بيت ريفي، بيت مستقل، تاج السنّ، بصل أحمر، غرفة التدخين، رجل الثلج؛ لحم الثور.

أجل إنّ صناعة المعجم ثنائي اللغة جدّ شاقة وتحتاج إلى أكثر بكثير من معرفة اللغتين عمليا، إنّها عِلم قائم بذاته له مبادؤه وأصوله وطرقه! وتندرج هنا مواضيع كثيرة مثل: نوع المعجم؛ الهدف المنشود ولمن هو معدّ؛ طرق وأنواع الترتيب المعجمي؛ سعة المعجم؛ التأصيل الاشتقاقي؛ شكل المعجم؛ جمع المادة وتبويبها؛اختيار المادّة المعجمية، طرق الشرح والتسلسل الزمني والعام والخاصّ؛ اختيار الوحدات المعجمية؛ البنط والترقيم والرموز والاختصارات.

 

عرض ومراجعة:  أ. د. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

526 ميثم الجنابيصدر هذا الكتاب عن (دار العارف) 2018. وعدد صفحاته 198. وهو الكتاب الاول من سلسلة كتب صدرت عن الدار سوف استعرضها من خلال عرض المحتويات والمقدمة او بعض منها. بينما يبقى استكمال قراءة النص للقارئ.

يحتوي هذا الكتاب (الزمن والتاريخ (نقد الاوهام الراديكالية و"المقدسة") على تعريف بالكاتب والكتاب على الغلاف، ومقدمة، وستة ابواب بواحد وعشرين فصلا. هي على التوالي:

المحتويات

المقدمة 5

الباب الاول: مسرح الزمن الإمبراطوري ودراما التاريخ الفعلي للأمم   11

الفصل الأول: سيناريو "النظام العالمي الجديد" أم إمبراطورية الفوضى؟        11

الفصل الثاني: أنشودة الإمبراطورية الخربة والسيناريو العراقي  19

الباب الثاني: في نقد الراديكالية السياسية    29

الفصل الأول: طوفان الزمن الراديكالي وبداية التاريخ العقلاني   29

الفصل الثاني: صعود وهبوط الراديكالية السياسية 37

الفصل الثالث: الراديكالية السياسية وتبذير التاريخ 41

الباب الثالث: المرايا المتكسرة للزمن الراديكالي   49

الفصل الاول: الطائفية السياسية: عقيدة الأفق المسدود     49

الفصل الثاني: الراديكالية السياسية للغلاة الجدد!   55

الفصل الثالث: راديكالية الغلاة الجدد والارهاب السلفي    69

الفصل الرابع: الغلو السلفي والحروب الدينية       83

الباب الرابع: الراديكالية السياسية وتبذير الرأسمال التاريخي     103

الفصل الاول: إشكالية الزمن والتاريخ في ثروة الأمم      103

الفصل الثاني: زمن السلطة وتاريخ الدولة  109

الفصل الثالث: الزمن الراديكالي وتهشيم بنية الوعي التاريخي للدولة والأمة     115

الفصل الرابع: الخروج على منطق التاريخ القومي         119

الباب الخامس: أوهام الزمن "المقدس" وأحلام المستقبل   123

الفصل الاول: أوهام الزمن "المقدس"       123

الفصل الثاني: النقد العقلاني لأيديولوجية الأوهام "المقدسة"       127

الفصل الثالث: أوهام الأيديولوجيا وأحلام التاريخ  143

الباب السادس: نهاية الزمن السائب وبداية التاريخ الفعلي 147

الفصل الاول: نهاية زمن الأوهام وبداية التاريخ الواقعي  147

الفصل الثاني:  زمن الزيف وتاريخ الأصالة        151

الفصل الثالث: نهاية الزمن الطائفي 155

الفصل الرابع: نهاية الزمن "العرقي"       163

الفصل الخامس: الزمن الطائفي والتاريخ العربي  171

 

من المقدمة

 إن تاريخ الأمم الكبرى هو دراما شنيعة الوصف ومأساة لا تتناهى إليها العبارة، ويعجز الفكر أحيانا عن تصوير خلجانها، لأنه عادة ما يتيه في تأمل الآفاق النائية لمحيطها. وهي المقارنة التي تقذفها الطبيعة في ترابط خلجانها وبحارها ومحيطها، بوصفها الوحدة المفككة للقرب والبعد عن الجسد. وقد يكون هو السبب الذي جعل ويجعل الخلجان اقرب إلى الروح والجسد. كما انه الاشتقاق غير المرئي لكلمة خلجان البحر وخلجات الضمير. وكلاهما يبوحان بعبير الذاكرة وعواصف الهيجان الخفية. ومنهما تتموج مشاعر اللوعة وتمنيات الاقتراب. وكل منهما يدفع بما فيه إلى سواحل الروح والجسد. وتقترب هذه الظاهرة من التاريخ حالما يكون نتاجا لحركته الذاتية. وضمن هذا السياق يمكن فهم سر الصعود والهبوط العنيفين فيه بوصفها العملية الملازمة لقوة الروح والجسد الفتية.

فالتاريخ يبرهن على أن اشد المراحل مرارة بالنسبة للعقل النقدي والضمير الحرّ هي تلك التي تختلط فيها دماء الأبرياء برياء الساسة ونزواتهم التي لا تكترث بشيء غير السلطة والجاه. ولا حول في هذه الحالة ولا قوة لغير الدجل والاستعداد للانغماس فيه بفعل تغلغل الرذيلة في الوعي والإرادة. وعادة ما تستفحل هذه الحالة زمن الانقلابات الحادة وغياب فكرة الدولة والقيم الاجتماعية في الفكرة السياسية. عندها تتكثف جميع القيم في بؤرة مستعدة لقبول مختلف أصناف الرذيلة والانغماس فيها. ويصبح الفعل والفاعل مجرد دوران في فلك التطويع المتفنن للغريزة. إذ لا عقل يحكم السلوك ولا حدود تحكم الإرادة!

وحالما يصبح هذا النموذج الصيغة الأكثر انتشارا وسيادة في الوعي والممارسة السياسية، حينذاك تصبح رعشة الجسد المرتوية من لذة السفاح، وطعنة السكين، ومطالبة الدائن بدينه، ومواجهة النتائج المخيبة، وانتظار الأمل المفرح، أمورا متكافئة. وذلك لأن التباين في المشاعر والمواقف يفترض تكامل الرؤية وإدراك الأولويات. فإدراك وتحسس حمرة الخجل وصفرة الوجل يفترض تباين المشاعر تجاه النفس والعالم المحيط. لكنه تباين محكوم بتمايز العقل والوجدان وترابطهما في الإرادة الإنسانية، أي كل ما يهّذب ويشّذب القيم الأخلاقية ويرفعهما إلى مصاف المنظومة العملية القادرة على توجيه السلوك الفردي والاجتماعي صوب إدراك أولوية المصالح العامة والفعل بموجبها. وتشكل هذه الأخلاق من حيث الجوهر مضمون الأخلاق السياسية بوصفها أخلاق إدارة شئون المجتمع والدولة بالشكل الذي يضمن الحد الأدنى من تراكمهما بمعايير الدولة والمصالح القومية العليا.

لكننا حالما ننظر إلى واقع العراق الحالي وسلوك الخواص والعوام، أو النخب والجمهور، فإننا نقف أمام حالة تختفي معها اشد المفاهيم والقيم جلاء، كما لو أننا نقف أمام الفكرة التي بلورتها الفلسفة الإسلامية القائلة، بأن سبب خفاء الله هو لشدة ظهوره. وهي الحالة التي "يحققها" العراق ونخبه السياسية والمجتمع عموما، بحيث يصعب رؤية الانحطاط فيه لشدة انتشاره وظهوره. وفي هذا تكمن فيما يبدو مرارة المرحلة وضرورتها في الوقت نفسه. بمعنى أن العراق والعراقيين ينبغي أن يمروا بطريق الآلام لكي يكون بإمكانهما التفريق بين دفئ النار وحريقها. فالتحولات العاصفة التي تمس الأمم ما هي في الواقع سوى الوجه الظاهري لما يجري في أعماقها من تغيرات فعلية. وقد سبق وأن صور ابن عربي هذه الفكرة قبل قرون عديدة عندما قال، بأن ما يجري هو استعداد لما فينا، فما اثّر فينا غيرنا. وحالما ننقل هذه الفكرة من دهاليز الباطنية المتسامية إلى ميدان الحياة السياسية الخشنة، فإنها تبدو حكما اقرب إلى البديهة.

لكننا نعرف جيدا بأن البديهة في ميدان السياسة ليست ذاتها في العلم والمنطق، مع أن السياسة لا تقل منطقية عن غيرها. إلا أن الذي يعطي للسياسي المغامر إمكانية تجاوز أمورها البديهية هو أن نتائجها ليست مباشرة بالضرورة. مع أنها تحتوي في كل فعل على نتائجه الملازمة. فالاستبداد مهما طال بسبب "منظومة" العنف والإكراه المقننة يؤدي بالضرورة إلى الانهيار والخراب.

غير أن التاريخ السياسي يكشف عن أن البديهيات في ميدان الحياة السياسية قد تكون أمور اقرب إلى الفرضية. وتشير هذه الحالة أما إلى واقع التخلف الشامل أو الانحطاط الشامل. وفي ظروف العراق الحالية، نعثر على تداخل وتضافر الاثنين. لكنها حالة لا تخص العراق فقط، إلا أنها تتميز في ظل ظروف الانتقال من التوتاليتارية إلى الديمقراطية بنزعة مخربة وهوجاء. وسببها الجوهري يقوم في ضعف وفقدان البنية التحتية للدولة الشرعية وتقاليدها السياسية، وانهيار المجتمع المدني وسيادة الرخوية في كل جزيئات وجوده الفعلي، وخراب الثقافة العامة. والحصيلة هو فقدان أو تشوه الفكرة الوطنية والقومية ومرجعيات تأسيسها الواقعية والعقلانية. وفي ظل هكذا ظروف يصعب تصور صيرورة النخب بشكل عام والسياسية بشكل خاص في غضون فترة قصيرة.

 إضافة لذلك أن تاريخ الأمم والدول يبرهن على أن البديهيات السياسية النظرية لا تغير شيئا من ذهنية ونفسية رجال السياسة المغامرين دون القضاء على مقدمات وشروط الانتهاك الممكن للبديهيات في السياسة العملية. بعبارة أخرى إن الإمكانية الرادعة في البديهيات السياسية تصبح واقعية فقط عندما تصبح السياسة علما، وعندما تكون الممارسة السياسية جزء من رؤية عقلانية ذات أبعاد إستراتيجية معبرة عن مصالح الدولة والمجتمع. وتبدو هذه النتيجة جلية للعيان على خلفية التاريخ العراقي الحديث، وبالأخص تجربة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية.

إلا أن تأمل تجربة العراق بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية تكشف عن أن بديهيات التاريخ السياسي العراقي ما زالت معضلة وإشكالية في وعي النخبة السياسية الحالية في العراق، كما نراه في استمرار زمن الخروج على قواعد المنطق السياسي وقواعد المصلحة الاجتماعية والوطنية. بمعنى أن النخب السياسية والأحزاب لم تتوصل بعد إلى إدراك الحقيقة القائلة، بأن العمل من اجل المصالح الكبرى والعامة هو أيضا الضمانة الكبرى والأقوى للمصالح الخاصة والجزئية. أما عدم إدراك هذه البديهة والعمل بموجبها فهو مؤشر تام على انعدام الرؤية العقلية والعقلانية للفكرة السياسية. وأن مضمون السياسة عند الأحزاب والنخب هو العيش بمعايير الغريزة والجسد. بمعنى عدم استفادتها من تجارب التاريخ العراقي الحديث العامة منها والخاصة.

يبرهن تاريخ الدولة العراقية الحديثة على أن الخروج عن منطق الفكرة العامة هو سرّ خرابه الشامل. فقد وضعت الدولة العراقية الحديثة لبنات الفكرة العامة عن الدولة (الوطنية) لكنها سرعان ما جرى تخريبها بفعل تغلغل الطائفية السياسية المبطنة وتحولها إلى الفكرة الحاكمة في بنيتها ومؤسساتها. مما جعل منها دولة سلطوية. وفي هذا كان يكمن تراكم العناصر الراديكالية في الفكر والممارسة. فالفكرة الجزئية تولد الراديكالية. والراديكالية تعيد إنتاج الفكرة الجزئية وتجعلها منظومة "شرعية".

فعندما نتأمل تاريخ العراق العام والخاص في مجرى صيرورته الحديثة في القرن العشرين، فإننا نقف أمام انقلابين حادين فيه. الأول وهو سقوطه في بداية القرن العشرين تحت السيطرة البريطانية، والثاني سقوطه تحت السيطرة الأمريكية في بداية القرن الحادي والعشرين. ذلك يعني إننا نقف أمام تكرار السقوط كل مائة عام. بمعنى أن تاريخه بلا تاريخ، بل مجرد زمن، أي بلا تراكم ولا حكمة. مما يعكس واقع ما أسميته بغياب الفكرة العامة، التي تجعل من القوى الجزئية أيا كان شكلها ومحتواها دودة تنخر أعماقه الباطنة بحيث تجعله صلب المظهر خاوي الباطن، كما نراها بجلاء على مثال وحالة سقوطه السريع والمريع تحت ضربات الغزو الأمريكي الأخير.

وإذا كان سقوطه الأول نتاجا طبيعيا لغياب الفكرة الوطنية المستقلة بسبب جزئية وجوده في السلطنة العثمانية، فإن سقوطه الأخير كان النتيجة المترتبة على فقدان الفكرة الوطنية العامة بسبب الطائفية السياسية، أي القوى الجزئية التي حولت العراق إلى جزء من مصالحها الضيقة. بعبارة أخرى، لم يكن "تحريره" من السيطرة التركية ووقوعه تحت "الانتداب" البريطاني في بداية القرن العشرين، ثم "تحريره" من السيطرة الصدامية ووقوعه تحت الاحتلال الأمريكي في بداية القرن الحادي والعشرين، سوى التكرار الفج للحقيقة القائلة، بأن ما حدث آنذاك وما يحدث الآن هو "استعداد لما فينا"، ومن ثم "فما اثّر فينا غيرنا". وهو استعداد محكوم بغياب الفكرة الوطنية العامة، أي بغياب مرجعياته الذاتية الكبرى. وبالتالي، فإن الأمل الفعلي يقوم في إمكانية تذليل القدرة الخفية القائمة في ما يمكن أن يولده هذا "التكرار" من استعداد على امتثال نفسية الإحباط.

فالإحباط لا يحل مشكلة. وخاتمة الحياة الموت، بوصفه "الملجأ" الأبدي لانتظار الجميع. تماما كما أن وحدة الوجود والعدم هي الدورة الأبدية لنشوء الكائنات واندثارها. وفي حالة تطبيقها على الوعي السياسي العراقي، فإن سرّ هذه الدورة الخربة يقوم في وقوعه الدائم في أسر نفسية وذهنية الصراع وتقاليده الدموية، أي في دوامة فارغة. وبالتالي، ليس هذا الكتاب سوى محاولة إضافية لما كتبته بهذا الصدد من اجل توسيع وتدقيق الرؤية الفلسفية البديلة للوعي السياسي الحالي، وكذلك من اجل تأسيس منهج للرؤية العلمية يهدف إلى تذليل ما ادعوه بنفسية وذهنية الخراب وتقاليدها الراديكالية السياسية (والحزبية). 

إن مهمة هذا الكتاب تقوم في تفسير ما جرى ويجري في العراق والعالم العربي باثر هيمنة الفكرة والتقاليد الراديكالية وأوهامها العادية و"المقدسة" بطريقة تتجاوز "الفكر السياسي" التقليدي. بمعنى أن مهمته المنهجية علمية تنويرية، ومهمته العملية تحرير الفكر من الخضوع للأحزاب السياسية، ومن توحيدهما العمل على إرساء أسس التفكير العلمي بوصفه منظومة متجانسة. انها مهمة المستقبل والأجيال الجديدة. فالأحكام السياسية عرضة للتغير والتبدل. وكذلك الحال بالنسبة "للكتب السياسية". وهو أمر طبيعي وعادي. إذ لا شيء سريع التغير والتبدل أكثر من الأحكام السياسية ونتائجها. بينما المهمة الكبرى تقوم في إرساء أسس التقاليد العلمية الرصينة والعميقة والواقعية في تناول كل ما جرى ويجري من أجل تأسيس المستقبل. وبالتالي، فإن تداخل اشكاليات الواقع العراقي والعربي لا ينفي التمايز الفعلي بينهما فيما يتعلق بخصوصية هذه الإشكاليات، لكنها واحدة ضمن سياق إشكالية الزمن والتاريخ، التي اتناولها بالبحث والنقد وتأسيس البدائل.

فالعراق الحديث والمعاصر بحاجة إلى مسح شامل وتحليل مؤسساتي طويل ومديد من اجل أن يبلغ التفكير والفكر السياسي مستوى الوعي الذاتي وإدراك حقائق الأشياء كما هي. وهذه بدورها مهمة رجال العلم والأكاديميين ومؤسسات المعرفة والثقافة والمدرسة والتربية والتعليم والحياة المدنية وليست مهمة الأحزاب وأزلام السلطة ومختلف "السياسيين" اللذين كشفت، بما في ذلك السنوات اللاحقة على سقوط الدكتاتورية الصدامية، عن طابعهم الهش. والسبب هو هشاشة الزمن العراقي وانعدام تاريخ المؤسسات فيه.

ذلك يعني، إن العراق بحاجة إلى إعادة تأسيس شاملة، بوصفها مهمة العراقيين أولا وقبل كل شيء. ولا يمكنها أن تكون شيئا آخرا غير تلقائية التطور الذاتي. ويستحيل تحقيق ذلك دون تأسيس وإرساء أسس ما ادعوه بالمرجعيات الذاتية الكبرى، التي لا تصنعها قوى عابرة، ولا تؤسس لها قوى طائفية أو أقليات قومية لأنها جميعا قوى جزئية. وفي هذا تكمن بديهية سقوط العراق. كما تفترض بديهية صعوده الإدراك الواعي والتحقيق العملي للفكرة القائلة، بأن البديل الفعلي لحالة السقوط يقوم في إرساء أسس ومنظومة المرجعيات العقلانية للأفكار العامة الكبرى.

*** 

 

525 حامد الحماديعن دار "لامبيرت الأكاديمية" في ألمانيا صدر كتاب للأستاذ الدكتور حميد الحمادي باللغة الإنكليزية وعنوانه :"قواعد الإضافة في العاميتين الإنكليزية والعربية: دراسة البنية الدلالية والنحوية العميقة من منظور العاميات في اللغة".

يتبنى الكتاب طريقة الاستقصاء اللغوي المقارن. واختار صيغ "الملكية" في العامية الإنكليزية، وصيغ "الإضافة والإلحاق" في العامية العراقية – لهجة البصرة. واستفاد كثيرا من دراسات "نحو الحالة" التي وضعها الباحث الكبير تشارلس فلمور في الفترة الواقعة بين 1968 و1969.

يحاول الباحث الحمادي تطوير نموذج فلمور ويبين بالأمثلة التشابه بين الإنكليزية والعربية في مستوى البنية والدلالة في الجمل أو في التراكيب العميقة. ويشير لدور شومسكي في شرح وتفسير العموميات اللغوية. ويلاحظ على البحث جدته وتفرده، بسبب التطبيقات التي أجراها على لغتنا العربية المحكية. يتألف الكتاب من مقدمة في المصطلحات. ثم خمسة فصول نظرية وتطبيقية. وينتهي بخاتمة تبين الاستنتاجات والتوصيات فضلا عن اقتراح عدد من المشاريع للبحو ث القادمة. ومن الإضافات معالجة ما دأب عليه النحويون التقليديون العرب والمستشرقون من لبس في تسمية تركيب ’الإضافة‘ ومحاولة إصلاحه. كما تمت محاولة إصلاح وتطوير ما ورد من ّ معالجات غير مكتملة للغوي فلمور في حالة ’التملك‘ في النحو. والدكتور حامد الحمادي أستاذ في جامعة البصرة باختصاص نحو ولغة مقارنة. وحصل على المؤهل الأكاديمي في الألسنيات من جامعة إدنبرة في المملكة المتحدة.

علاء اللاميأدناه، قراءة سريعة في كتبٍ لثلاثة باحثين عرب، من القائلين بالجغرافيا التوراتيّة العسيريّة واليمنيّة، وهم زياد منى وأحمد عيد وفرج الله ديب. وسنبدأ بكتاب منى، جغرافية التوراة - مصر وبنو إسرائيل في عسير، الذي يُمكن اعتبارُه امتدادًا تطويريًّا لكتابات كمال الصليبي.

يصف منى مساهمتَه بأنّها "تندرج في إطار التهذيب العلميّ لجغرافيّة التوراة، ويرتكز بالطبع في المقام الأول على موضوعة الأستاذ الصليبي." (1)  وعليه، فإنّ ما قلناه عن كتابات الصليبي، في دراسةٍ أخرى، ينطبق من حيث الجوهر على كتاب منى؛ والسبب هو أنّ الكتاب الأخير يقوم على الاستراتيجيّة التأليفيّة ذاتها، وعلى المضمون والآليّات والحيثيّات نفسها. ومع ذلك، فهناك نقاطُ تمايزٍ مهمّة في التفاصيل، وثمّة أفكارٌ تطويريّة لنظريّةٍ أضافها الصليبي وانفرد بها منى. من ذلك:

ـــ لم يحصر منى بحثَه بعسير، بل مدّه أحيانًا إلى اليمن، وعالج عدّة أمور ضمن الجغرافيّة اليمنيّة. ومن الأمثلة على تلك المعالجات موضوعُ الملكة سبأ والنقش المعنيّ. كما اهتمّ بما سمّاه إقليمَ "مصر في جزيرة العرب."

ـــ اهتّم منى أكثر من الصليبي بالآليّات الفيلولوجيّة، أي التي تعتمد علمَ فقه اللغة المقارن، ومنها ظاهرةُ القلب والاستبدال الحروفيّ في المفردات، واستخرج بواسطتها عددًا من الفرضيّات والاستنتاجات، ومنها: مفردةُ "كرع" ومقلوبُها "ركع،" وظاهرةُ القلب في "طين" إلى "صين،" و"نصع" إلى "نزع." ومن التخريجات التي توصّل إليها الكاتب اسمُ النبيّ إسحق بالعربيّة: فصحق يأتي بالعبريّة بمعنى ضحك، وقال إنّ رديفه بالعربيّة ينبغي أن يكون "الضحّاك" أو "فيّاض،" وكلاهما اسمُ علمٍ مشهود في جزيرة العرب قبل الإسلام.(2) كذلك اسمُ نوح الذي يعود في العبريّة إلى شت أو شيتا، من "إست" التي تعني القاعدة والأساس؛ وتأتي بمعنى أنّ نسل آدم ونوح يعود إلى شيتا، لا إلى لقين الذي نفاه إلهُ التوراة إلى أرض التيه. وضمن هذا النمط التحليليّ يكون رديفُ اسم "موسى" بالعربيّة، الذي يعني في العبريّة المنتشل، هو المُنقذ.

ويتوقّف منى عند العلاقة الجغراسياسيّة والحضاريّة بين جزيرة العرب ومصر الفرعونيّة من جهة، والعراق القديم من جهةٍ أخرى. وينتهي الى استنتاج مهمّ: "من غير الصحيح استبعادُ أنّ فراعنة مصر حاولوا التأثيرَ على جزيرة العرب أو السيطرة عليها؛ لأنّ ذلك كان سيعطي غريمَهم البابليّ أو الآشوريّ الدائمَ التطلّع نحو التوسّع فرصةَ قطْعِ الطرق التجاريّة المارّة بالإقليم" (ص 62) ــ ــ وهذا كلامٌ منطقيٌّ ومحتمل الصّحة، ولكنّ التمادي فيه، وتحويلَ التأثير والسيطرة فترةً من الزمن إلى اندماجٍ حضاريّ بين الإقليميْن لن يكون دقيقًا تمامًا.

وفي إطار العلاقة بين مصر والجزيرة العربيّة، يتوقف منى عند "قائمة مجدو،" وفتوحات الفرعون توحتمس الثالث، ويحاول قراءتها وفق منهجيّته الفيلولوجيّة، فتتحوّل كلمة "العرين" الواردة باللغة الهيروغليفيّة لتكون من دون تصويت "عرتن،" التي يموضعها منى في ثلاث مناطق في عسير. وهناك أيضا "قدش،" التي اعتُبرتْ توراتيًّا خربة قدس، شمال فلسطين على نهر العاصي؛ فالباحث يرجِّح أن تكون "الكدس" في رجال ألمع، أو أخرى في تهامة والزهران. أمّا كلمة "مكت،" تل المتسلّم، التي تُعتبر توراتيًّا مجد، فالباحث يرجّح أن تكون مكّة المكرَّمة، "مكت."(3) وهذه أمثلة قليلة من كثيرة، يقال بصددها ما يقال بصدد كلماتٍ كثيرةٍ أخرى عالجها منى، وسابقُه الصليبي، ولكنّها تعاني مقتلًا منهجيًّا، وهو فقدانُها السياقَ التاريخيّ والسندَ الآثاريّ ــ ــ دعْ عنك نقاطَ ضعفٍ أخرى.

وفي نقاش منى لقائمة الشعوب التي تذكرها التوراةُ، وسيرًا على نهج الصليبي، يستنتج أنّ الكوشيين في الحبشة، وأنّ الذين غزوْا أو سيطروا على أجزاء من الحجاز واليمن وعسير هم من الكوشيين العرب، ويسمّيهم "عربَ الجنوب." ودليلُه هو ما ورد من ذكر الأغنام والجمال والخيم التي غنمتْها مملكةُ يهوذا. والسؤال هنا: هل كانت الجمال والغنم والخيم حكرًا على العرب عهدَ ذاك؟! ألم يكن العبرانيون وغالبيّةُ شعوب الشرق تعيش حالةَ البداوة، إلّا مَن استقرّ لعدّة قرون على ضفاف الأنهار الكبرى كالنيل والرافديْن، فأصبحوا مجتمعاتٍ زراعيّة؟ أمّا شعب كنعان، فيقول عنهم إنّ المقصود بهم عربُ الجنوب لا فينيقيّو بلاد الشام ــ ــ(4) ودليلُه ضعيف جدًّا؛ فهو يخلو من المقاربة التحليليّة الصوتيّة نفسها، على ضعفها. وهو يقول على الصفحة نفسها "إنّ سكّان الساحل الشاميّ لم يطلقوا على أنفسهم اسم ’الكنعانيين‘ بل كانوا يعرِّفون أنفسَهم باسم ’أهل صور‘ و ’أهل صيدا‘ و’أهل جبيل‘. أما مسألة الكنعانيين فهي مسألة معقّدة وأتجنّب الخوضَ فيها الآن" ــ ــ وهذه حجّة ضعيفة جدًّا لأنّها تنطبق على جميع شعوب العالم، التي يُسمَّى أهلُ المدن فيها بأسماءِ مدنهم، لا بأسماء انتماءاتهم اللغويّة أو القوميّة.

وأخيرًا، فإنّ المنهجية التي يعتمدها الراحل الصليبي، ومن بعده الباحث منى، لا يمكن إدراجُها ضمن "النقد التوراتيّ،" أي الذي يستهدف التوراةَ من مواقع نقديّة جذريّة تكشف عن كون أسفاره القديمة متناقضةً وخرافيّةً ولاتاريخيّةً. وإنّما هي كتاباتٌ إصلاحيّة، تروم تصحيحَ قراءة التوراة. وهذه "التصحيحيّة" تعني، ضمنًا، اعترافًا بصحّة التوراة التاريخيّة، أيْ بكونها كتابًا تاريخيًا يُعتدّ به كلِّه في جميع الأحوال والظروف وهذا أمرٌ مناقضٌ لأسس المدارس النقديّة التوراتيّة.

إنّ هذه الكتابات، وإنْ شكّكتْ في عددٍ من مقاطع التوراة، فتشكيكُها صوتيٌّ وفيلولوجيّ. إنّها أقربُ إلى أن تكون مدرسةً تستهدف بناءَ جغرافيةٍ تاريخيّةٍ جديدة للتوراة، بدلًا من السائدة منذ قرون. غير أنّ هذه المدرسة في التحليل، على الرغم من نقاط ضعفها الأكيدة والخطيرة، تفتح البابَ واسعًا على موضوعٍ تجب الكتابةُ فيه باعتماد مناهجَ لا تقتصر على المقابلة اللغويّة والصوتيّة فقط، بل تبحث موضوعَ علاقة جزيرة العرب كلّها، وتكشف دهاليزَ ذلك التاريخ المديد الذي ما يزال يخبّئ الكثيرَ من المفاجآت.

والحقيقة أنّ هناك الكثير ممّا يقال في هذا الصدد، وخصوصًا من النوع المدعَّم بالأدلّة الآثاريّة البابليّة والآشوريّة والفرعونيّة. وهذا ما قد يؤدّي الى فتوحات جديدة في العلوم القريبة من حقول التاريخ القديم، بما فيها العلومُ التوراتيّة النقديّة، ولكنْ من دون الاعتماد الأوحد على الفيلولوجيا والإتيمولوجيا المقطوعةِ الجذور عن التاريخ الحقيقيّ القديم والحديث.

***

 ننتقل الآن إلى كتابات الباحث فرج الله صالح ديب، وهو من مواليد جنوب لبنان، وله مؤلَّفات عديدة عن اليمن والتوراة وكمال الصليبي. لكنْ يؤسفني أنّني لم أحصل على نسخة من كتابه الأهمّ، التوراة العربيّة وأورشليم اليمنية. ولذلك سأكتفي بإدراج مقتبسات من قراءة جيّدة لهذا الكتاب بقلم صقر أبو فخر (مجلة الدراسات الفلسطينيّة، العدد 27، صيف 1996، ص 235)، بالإضافة الى قراءة في كتابه الذي في حوزتي: اليمن وأنبياء التوراة.

يكتب أبو فخر أنّ كتاب ديب يهدف "إلى البرهنة عن أنّ مسرح الحوادث التي ورد ذكرُها في التوراة كان في اليمن، ولا سيّما في محيط صنعاء بالتحديد؛ وأنّ التوراة هي، في الأصل، ذات منشأ عربيّ تمامًا؛ وأنّ القبائل التوراتيّة القديمة التي انتقلتْ من التحضّر إلى البداوة، بفعل التصحّر، اندثرتْ أو اندمجتْ بقبائلَ وشعوبٍ أُخرى، أو نَزَحتْ إلى أماكنَ مختلفة، فحملتْ معها حكاياتِها وأسماءَ رجالها التي جرى إسقاطُها، في ما بعد، على مواقع ومواضع متعدّدة في بلاد الشام، ولا سيّما في فلسطين."

نفهم من هذا المقتبس أنّ الاستراتيجيّة التأليفيّة لديب لا تختلف من حيث الجوهر عن استراتيجيّة الصليبي ومنى وآخرين، بل لا تختلف من حيث المنهجيّات والآليّات التحليليّة ذاتها. وهذا ما نفهمه أيضًا من المقتبَس الطويل الآتي من قراءة أبو فخر:

"فهو [ديب] لم يجادلْ قط في تاريخيّة النصّ التوراتيّ، على الرغم من إقراره بأنّه عبارةٌ عن زجليّات شفاهيّة عاشت في أفواه الناس طويلًا قبل أن يجري تدوينُها لاحقًا. ثم إنّه يكتفي باستخدام طريقة المقابلة اللغويّة وتطويعِ أحرف التصويت في الأسماء للوصول إلى جذرٍ أو صيغةٍ لفظيّة يمكن إقرانُها بأحد المواقع الجغرافيّة في اليمن. إنّ هذه النظريّة، الخطرة فعلًا، يَلزمها عدّةٌ بحثيّةٌ متكاملة كي تصل عمليّةُ الاستدلال والإثبات إلى غايتها العلميّة القصوى. ولا بدّ من أن تتضافر لهذه المهمّة خمسةُ علوم، بل خمسُ طرائق معًا، وهي: الآثار، والجغرافيا، والتاريخ المدوَّن، والتاريخ الشفهيّ، واللغة. وواقعُ الحال أنّنا في كتاب التوراة العربيّة وأورشليم اليمنيّة أمام طريقة واحدة فقط يستخدمها الكاتب، هي طريقة المُقابلة اللغويّة التي يعمَد إلى إسقاطها على الجغرافيا. إنّ الاعتماد على اللغة فقط، ثم إسنادَها بالجغرافيا، يمدّنا بآراء مختلفة في هذا المجال، ومتضاربة في أكثر الأحيان، وذلك فيه تعسّفٌ كبير. كما لا يمكن الركونُ إلى هذه النتائج إلا إذا أنْجدتها الأحافيرُ واللُقى والنقوش. وحده علمُ الآثار يُمكنه أن يَحسم، إلى حدّ كبير، الجدلَ والتناقضَ والاضطرابَ والبلبلة. فلو اتّخذنا مدينةَ الناصرة مثالًا على ذلك، فإنّ معظم المصادر تعتبرها المدينةَ التي وُلد المسيحُ فيها قبل ألفيْ عام. وهذا يعني أنّها كانت آهلةً منذ عشرين قرنًا على الأقل. غير أنّ الحفائر فيها لم تُثبت، حتى الآن، أنّ الناصرة كانت آهلةً إلّا منذ ٨٠٠ عام فقط. لذلك، فإنّ العلم مضطرّ إلى الشكّ في قصّة مولد المسيح في الناصرة... وهكذا، فلكي تكون النتائج التي توصّل ديب إليها يقينيّةً وعلميّةً وتاريخيّةً في آن، فإنّ على الحفائر أن تؤكّدها، فتبرهن أنّ هذه القرى ذات الأصل التوراتيّ (من ناحية التسمية) كانت آهلةً حقًّا في التاريخ المفترض لظهور قبائل التوراة. والحال أنّ الكتاب لا يفصح عن ذلك بتاتًا، بل إنّه لا يستخدم علمَ الآثار ومكتشفاته في اليمن في جملة وسائله المنهجيّة."

ممّا تقدّم في قراءاتي، أجدُني متفقًا مع أبو فخر في استنتاجاته وتحليلاته. وسيكون من المفيد أن نلخّص طريقةَ عمل الباحثين المتقدمّة أسماؤهم، بالإحالة على مقتبس طويل آخر من قراءة أبو فخر:

"سأتعسّف قليلًا في المقارنة، وإنْ كان لا يوجد في هذا التعسف ضيمٌ أو ضيْر. فقد حدّد الدكتور الصليبي أكثرَ من ٩٠ في المئة من الأسماء الواردة في التوراة على خريطة عسير ونجران.  وأثبت الدكتور منى ٣٤٩ موقعًا توراتيًّا في المنطقة ذاتها تقريبًا. وها هو الأستاذ فرج الله ديب يؤكّد، بيقينٍ عالٍ، أنّ الأسماء التوراتيّة موجودة في اليمن بلا ريب؛ فهو مقتنع، مثلاً، بأنّ قرية محنايم التوراتيّة موجودة في اليمن باسم آل مَحْن جنوب ردّاع، في حين أنّ الدكتور الصليبي يجعلها في القنفذة بنجران، واسمها هناك أم مناح. ويخبرنا الدكتور الصليبي أنّ صُور التوراتيّة هي زور في نجران، وأرواد هي رواد في عسير، وأنّ الجليل يقع جنوبَ الطائف، وحرمون هو حمران في الحجاز، والفرات هو فرت، ومصر هي المصرمَة في عسير الداخليّة، وأريحا هي يرحو، وجبل نبو أو جبل موسى هو جبل نبوة، وأنّ أسباط إسرائيل الاثني عشر، من رؤوبين حتى بنيامين، هم الآن في الحجاز؛ في حين أنّ هؤلاء أنفسهم، وغيرهم الكثير من المواقع والرجال والأسباط حتى جنّة عدْن وبلاد نَوْد والأنهر الأربعة، موجودون الآن لا في عسير، بحسب الدكتور الصليبي، بل في اليمن، بحسب الأستاذ ديب. وبما أنّ الموقع نفسه لا يمكن أن يكون موجودًا في اليمن والحجاز في الوقت عينه، فقد حرنا أيّما حَيرة..."

إنّ أبو فخر، عبر هذه المقارنة، محقّ من الناحية البحثيّة في أسئلته وتساؤلاته هذه. لكنْ يصعب الاتفاقُ معه في أمرين. الأوّل في ما يُفهم منه من تعويلٍ أوحد على "الأحافير،" أيْ ما يقدّمه علمُ الآثار. وهذا التعويل لا يفي بالغرض، وهو في حاجةٍ إلى العلوم الأخرى القريبة، التي قدّرها أبو فخر في بداية قراءته بخمسةٍ على الأقل. والأمر الثاني هو ما خلص إليه في نهاية قراءته حين قال: "إنّ قراءة النصوص التوراتيّة في ضوء جغرافية اليمن محاولة جريئة وفريدة ومُمتعة، ولا شكّ في أنّها قدّمتْ أساسًا معرفيًّا أوّليًّا يحتاج إلى الكثير من الجهد لإعلائه وإكسائه وإتمامه. وهذه ليست مهمّة الأستاذ فرج الله صالح ديب وحده، إنّما هي مهمّةٌ جبّارة تحتاج إلى جهد متضافر من أهل الاختصاص والخبرة. وإنّ ما فعله الأستاذ فرج الله هو أنّه فتح الأبوابَ ومهّد السبل. وفي هذا ريادةٌ وفضلٌ كبير ومكرمةٌ لا تضاهى." هذه الخلاصة تبدو لي ذاتَ منحًى مجاملاتيّ، بعيدةً عن شروط البحث العلميّ الصارمة. فأيُّ بحث هذا الذي يكون أساسُه قائمًا على المقابلات اللغويّة الفيلولوجيّة العشوائيّة؟ وأيّ أبواب بحثيّة سيَفتح إذا كان الأساسُ البحثيّ ناقصًا، أو خاطئًا، أو قائمًا على الأوهام؟ ولكنّني اتفق مع أبو فخر في أنّ محاولة ديب، وقبله الصليبي ومنى واللاحقون لهما، لا تخلو من متعة المغامرة البحثيّة وجرأة التحدّي بهدف الاكتشاف.

ننتقل الآن إلى الكتاب الثاني للباحث ديب، اليمن وأنبياء بني إسرائيل: هل جاء المسيحُ إلى صنعاء؟، الذي يعتبره مؤلِّفُه "استكمالًا لأطروحاتنا في أنّ التوراة عربيّة، وأنّ أورشليم يمنيّة." ويركّز على ما قدّمه علمُ الآثار في الكيان الصهيونيّ ممّا سمّاه "تسفيهًا لنظريّة أرض الميعاد في فلسطين." ولكنّ أحدًا من العلماء الإسرائيليين لم يسفِّه جغرافيّةَ التوراة في فلسطين، وإنّما حاولوا استخدامَ انعدام الأدلّة الآثاريّة الواضحة على أنّ التوراة كتابٌ خرافيّ وليس تاريخيًّا. كما شكّكوا في مكانة أورشليم ـــ القدس، وفي علاقتِها بالسرديّة اليهوديّة العبرانيّة، وبشخصيّات توراتيّة كبرى، بينهم أغلبُ أنبياء بني إسرائيل وملوكِهم المشهورين. ولكنّهم، وخصوصًا في كتاب فنكلشتاين وزميله سلبرمان، التوراة اليهوديّة مكشوفةً على حقيقتها، قدّموا مكتبةً هائلةً من الأدلّة الآثاريّة الموثّقة لتكون دليلًا يؤكّد فلسطينيّةَ الجغرافيا التوراتيّة. وهذا ما فشل دعاةُ الجغرافية التوراتيّة اليمنيّة والعسيريّة في إنجاز واحدٍ في المائة منه، ولم يقدِّموا أثرًا أركيولوجيًّا واحدًا يُسندون به تحليلاتِهم الفيلولوجيّة.

لم يعثر فنكلشتاين وزملاؤه على أدلّةٍ تُثبت وجودَ الشخصيّات المهمّة الواردة في التوراة؛ أدلّةٍ كتلك التي أثبتتْ مثلًا أنّ سرجون الأكديّ ملكٌ حقيقيّ، بدليل المسلّة الحجريّة التي تخلّد أعماله. إنّ ما قدّمه علمُ الآثار، وخصوصًا على يد علماء إسرائيليين ذكرهم ديب، لم يسفِّهْ موضوعةَ "أرض الميعاد" كموضوعةٍ دينيّةٍ وردتْ في التوراة، ولم يسفِّه فلسطينيّةَ الجغرافيا التوراتيّة، بل شكّك الباحثُ الإسرائيليّ في أن تكون أورشليم ــــ القدس الحاليّة هي أورشليم التوراة، وذلك لعدم العثور على أدلّة آثاريّة حاسمة في هذا الصدد. هناك فرق كبير، إذن، بين تسفيهٍ حقيقيّ يطاول تاريخيّةَ التوراة والأنبياء الوارد ذكرهم فيها، ويطاول طبيعةَ أورشليم ــــ القدس، من جهة؛ وبين تسفيهٍ يزعمه ديب، ويطاول الجغرافيّةَ التاريخيّة للتوراة ككلّ من جهة ثانية.

أمّا قول ديب إنّه يفعل ذلك بهدف نقض الإيديولوجيا الصهيونيّة حول أرض الميعاد، فهو قول ملتبس تمامًا، لأنّ هذا النوع من "النقض" ينطوي ضمنًا على الاعتراف بجوهر الوعد التوراتيّ حول أرض الميعاد؛ فكأنّ مَن ينقضه يقول لزاعميه: "أرضُكم الموعودة ليست هنا بل في عسير أو اليمن!" إنّه المنطق المغلوط ذاته الذي ينطوي عليه كلامُ منتقدي الصليبي، من كتّابٍ سعوديين وغير سعوديين، لأنّهم اعتقدوا أنّه يسهِّل مهمّةَ الحركة الصهيونيّة في الاستيلاء على عسير أو اليمن؛ وهم بهذا، يوافقون ضمنًا، على مزاعم الصهاينة في فلسطين، وكأنّهم يقولون لهم: "عسير لنا، فابحثوا عن وطنكم حيث أنتم!"

إنّ نقض الإيديولوجيا الصهيونيّة لا يتمّ على طريقة رمي الرضيع مع ماء الغسيل القذر، وإنّما بالبحث العلميّ الموثّق والمُعتمِد على العلوم التجريبيّة وغير التجريبيّة ذاتِ المساس بحقول التاريخ والأنثروبولوجيا، وبعيدًا عن "الخبطات" الإعلاميّة. لنقرأ التفاصيل التي يطرحها الباحثُ في مقدّمة الفصل الأول؛ فهي تختزل ما عنيناه في ملاحظاتنا السالفة: "أرض الميعاد وخطأ إسقاط جغرافية التوراة على فلسطين. فبعد تحقيق مجلة تايم بتاريخ 18/12/1995 بعنوان ’هل التوراة واقعٌ أم خيال؟‘ جاءت مجلة لو نوفيل أوبزرفاتور الفرنسيّة عدد 18 في  24/7/2002 لتنشر تحقيقًا على امتداد عشر صفحات بعنوان ’الطوفان، إبراهيم، موسى، الخروج، التوراة الحقيقة والأسطورة..." فحتى من خلال هذه الفقرة الصغيرة، يتبيّن لنا أنّ ديب يُحاول خلط فرضيّته البحثيّة، التي خلاصتُها "خطأُ إسقاط جغرافيّة التوراة على فلسطين،" بالتحقيقات الصحفيّة عن موضوع آخر تمامًا، هو خرافيّة التوراة وبعض الشخصيّات والأحداث الكبرى في التوراة (كإبراهيم، والطوفان،...). فهل هذا الخلط من الأمانة العلميّة في شيء؟

ولا يقتصر الأمر على العناوين، بل نجده مبثوثًا في الاقتباسات أيضًا. مثلًا، الاقتباسات التي أوردها ديب عن مقابلةٍ مع فنكلشتاين تتحدّث عن عدم العثور على أدلّة آثاريّة تؤيّد تاريخيّة التوراة في فترات معيّنة في فلسطين، ولا يعني كلامُ فنكلشتاين تأييدًا لجغرافيّة التوراة اليمنيّة أو العسيريّة التي يقول بها ديب وغيرُه. لقد كان علمُ الآثار الإسرائيليّ يبحث عن أدلّة تدعم روايات التوراة عن الأحداث المهمة والشخصيات الكبرى التي تحدث عنها، وفنكلشتاين يعترف في المقتبس الذي أخذه عنه ديب بأنّ النصّ التوراتيّ كُتب أوّلًا عند نهايات مملكة يهوذا، أيْ في حدود القرن السابع قبل الميلاد، وأُكمل خلال فترة السبي في بابل بعد ذلك، وخلال العودة الأولى من بابل في القرن السادس ق.م، كما يقول فنكلشتاين لاحقًا. ويخلص من ذلك إلى القول الآتي: "إنّ قسمًا كبيرًا من التوراة كان دعائيًّا وأسطوريًّا. أمّا القسم الذي كُتب من التوراة في زمن يوشيا، فكان بهدف دعم مملكة هذا الأخير، وليس المقصود ــــ كما يؤكّد فنكلشتاين ــــ عدمَ تطابق الآثاريّات في المحيط، في مصر وآشور، مع نصّ التوراة وأنّ النصّ التوراتيّ اليوشاويّ كان مبتدَعًا كلّيًّا. ذلك أنّ التاريخ ينفع في الإيديولوجيا، وكان على كاتب النصّ الإشارة إلى أساطير مبنيّة حول أبطال سابقين انتقلتْ أخبارُهم من جيل إلى جيل."

إنّ فنكلشتاين، كما يتضح من هذا المقتبس، في وادٍ، وديب وزملاءه في وادٍ آخر. فالأوّل يشكّك في تاريخيّة التوراة، ويشتبه في أنّه كتاب إيديولوجيّ كتبتْه سلطاتُ الملك يوشيا في فلسطين، ويهدف إلى دعم الملك والمملكة بأساطير توراتيّة سابقة. ولا علاقة لهذا الكلام بما يريد ديب إثباتَه أو مقاربته، وهو نقض الجغرافيا الفلسطينيّة لتاريخيّة التوراة والعبرانيين. وجميع المقتبسات التي جاء بها ديب هي على هذا المنوال.

أمّا حين ينتقل ديب إلى نفي وجود أريحا الفلسطينيّة الألفيّة، فهو يكتب: "لا أثر لأريحا التي دمّرها يشوع." ثم يقتبس ما كتبه الصحافيّ جان لوك بوتييه، ومفادُه أنّ علماء الآثار بحثوا عن أثرٍ للحصون التي دمّرها يشوع بأبواقه فلم يجدوا، ولهذا فإنّ مدينة يرخو (أريحا) لم تكن موجودةً في القرن الثامن ق.م.(5) وعلى هذا يُسارع ديب، بكلّ خفّة، إلى البحث عن أريحا في اليمن، ليجد اسمَ قرية هناك يُشبه اسمَ أريحا صوتيًّا!

وحقيقة الأمر أنّ أريحا الفلسطينيّة واحدةٌ من أقدم مدن العالم، وقد تأسّستْ في موضع من المواضع النطوفيّة القديمة(6) زهاء العام 8000 ق.م، واستمرّت المرحلةُ الأولى من وجودها نحو ألف سنة. بلغ عددُ سكّان أريحا آنذاك ألفيْ نسمة، ومساحتُها ثلاثة هكتارات، وكان حولها سورٌ يحيط بها. اندثرتْ أريحا الأولى أواسط الألف الثامن، ومرّت بمرحلة فراغ حضاريّ حتى العام 7300 ق.م، ثمّ عادت إلى الظهور من جديد. أما الحياة الدينيّة فيها، فكانت شديدة التطوّر زهاء العام 5000 ق.م، إذ اكتُشِفَ فيها معبدٌ يرقى إلى ذلك العام، فضلًا عن تماثيل تمثّل الأب والأمّ والابن ــ ــ ما يعني أنّ الأُسرة كانت قد استقرّت إلى حدّ بعيد في الألف السادس ق.م.(7) ويستعرض يوسف اليوسف تاريخَ أريحا من العصور "القبتاريخيّة"(8) إلى العصور التاريخيّة، مع كافّة التفاصيل والمكتشفات والأدلّة المادّيّة الآثاريّة. فأين كلامُ ديب وزملائه حول أريحا اليمنيّة أو العسيريّة، من أريحا الفلسطينيّة ذات الثمانية آلاف سنة قبل الميلاد، بعد كلّ هذا التوثيق المدعَّم أركيولوجيًّا؟

إنّ ما يقوم به ديب وزملاؤه ــــ مع وافر الاحترام لجهدهم العمليّ وحقّهم المطلق في الاجتهاد ــــ هو، علميًّا، على النقيض ممّا قام به بعضُ الباحثين الإسرائيليين الذين استهدفوا تاريخيّةَ التوراة القديمة وأثبتوا خرافيّتَها وخياليّتَها. فقد قام ديب وزملاؤه بتأكيد تاريخيّة التوراة وحقيقيّتها حين أكّدوا وجودَ شخصيّات توراتيّة مشكوك في تاريخيتها وحقيقيّتها ولكنّهم زعموا أنّ وجودها لم يكن في فلسطين بل في اليمن أو عسير.

***

ننتقل الآن إلى كتاب أحمد عيد، جغرافية التوراة في جزيرة الفراعنة (1996). إنّ قراءة هذا الكتاب نقديًّا عمليّة مربكة في ضوءِ ما يطرحه، وبالطريقة التي يطرحُه بها؛ إضافةً إلى انعدام أيّة معلومات عن مؤلِّفه واختصاصه ودرجته العلميّة وأبحاثه الأخرى في هذا الميدان (الطريف أنّ هناك شيئًا من المعلومات عمّن كتب مقدّمةَ الكتاب التي لا تتجاوز نصفَ صفحة). ولم نعثر على أيّ مقالات لكتّابٍ كتبوا عن هذا الكتاب، باستثناء صفحةٍ على الانترنيت تُدعى "يمرّس" أعادت نشرَ الكتاب مختصرًا، ومُعدًّا من قبل شخص آخر، وبطريقة بدائيّة (9)

ومن ناحيةٍ أخرى، فالكتاب يضمّ حشدًا هائلًا من المعلومات من الفترة الفرعونيّة لا يمكن أن يخوض فيها شخصٌ غيرُ متخصّص في العلوم التاريخيّة والإناسيّة والآثاريّة. ولكنّ قراءته ليست سهلةً لغير المتخصّصين، ولا للمتخصّصين الذين يفرّقون بين التأليف المنهجيّ والتكديس العشوائيّ للمعلومات بهدف البرهنة على فرضيّةٍ ما.

ولنبدأْ من البداية. فبعد المقدّمة القصيرة للدكتور أحمد الصاوي، من كلّيّة الآثار بالقاهرة، ينشر المؤلِّف أقوالًا لكتّاب آخرين، ليوحي بصحّة توجّهات كتابه العامّة، ومنها: أنّ الفراعنة عربٌ ساميّون، بعكس رعاياهم؛ وأنّ الجغرافيا التوراتيّة هي في اليمن لا فلسطين. ثمّ يوجِّه تحيّةً إلى الباحث الهولنديّ توماس طومسون، صاحب كتاب التاريخ القديم للإسرائيليين، الذي تسبّب في طرده من منصبه التدريسيّ.

بعد ذلك تطالعنا فقرةٌ قصيرة بعنوان "أرض الوعد،" ويقتبس فيها المؤلّفُ من التوراة بعضَ ما تعلّق بأرض الميعاد. ثم يكتب الخلاصات الآتية: "في رأينا أنّ النبي سليمان... لم يكن ملكًا مستقلًّا، ولم يكن لبني إسرائيل مملكةٌ حكموها باستقلالٍ عن الفراعنة. فقد كان سليمان واليًا للبلاط الملكيّ الفرعونيّ." ويقتبس من الاصحاح الثالث من سِفْر الملوك الأوّل عن صعود فرعون، وأخْذِ "جاذر" وإحراقِها بالنار، وقتلِ الكنعانيين الساكنين في المدينة، وإعطائها مهرًا لابنته امرأةِ سليمان. وما إنْ يغلق المقتبَسَ حتى يسجِّل أنّ جاذر "بلدة على ساحل حضرموت."(10) وفي الفقرة التالية، وعنوانُها "تانيس ــــ أواريس ــــ بر رعمسيس،" يعرض عيد آراءَ بعض المؤرِّخين، ويقول إنّهم استقرّوا على أنّ هذه الأسماء الثلاثة تشير إلى مدينة واحدة. ثم يخلص إلى أنّ تانيس هي:

"نيس تا الهيروغليفية = أرض. ونيسا، جبل من بلاد حاشد غربيّ عفار، يفصل بينه وبين عفار وادي ثعلان. وعفار جبل في كحلان بالشمال الشرقيّ من حجّة باليمن. ونيسا، أيضًا، عزلة من ناحية المغربة من أعمال حجّة باليمن. ونيسان، بالنون اليمنيّة، عزلة من ناحية الحدا وأعمال ذمار باليمن."((11)

نحن، من جديد، إزاء تخريجاتٍ فيلولوجيّة لا يضبطها أثرٌ أركيولوجيّ، أو تحديد تأريخيّ دقيق لأسماء المدن والمواقع اليمنيّة المذكورة، ولا تسلسلٌ زمنيّ.

ويفرد الكاتب فصلًا خاصًّا لأصل المصريين، وفيه يعلن أنّ الفراعنة عرب، مسجِّلًا أنّ هذه الفكرة "حقيقةٌ سجّلها المسعودي، وردّدها الطبري، وأكّدها الفراعنةُ في نقوشهم ومتونهم،" مقتبسًا تنسيباتٍ ارتجاليّةً، تكرّرها المصادرُ القديمة، نقلًا عن الموروث في الذاكرة الجماعيّة ما قبل مرحلة التدوين العربيّ، وعن "الإسرائيليّات" التي شاعت بعد صدر الإسلام، ولا يسندها سندٌ حقيقيّ. ومن ذلك ما اقتبسه عن الطبري ويقول فيه: "ولد سام عابر وعليم وأشوذ وأرفخشذ وولاوذ وإرم وكان مقامه بمكّة، ومن ولد أرفخشد الأنبياء وخيار الناس والعرب كلها والفراعنة بمصر،" أو كاقتباسه التالي عن الطبري، في معرض كلامه على عروبة إبراهيم وعروبة الحضارة الفرعونيّة: "وعن الطبري عن سعيد بن جبير قال: لما حملتْ حوّاء في أول ولد ولدتْه حين أثقلتْ، أتاها إبليس قبل أن تلد، فقال: يا حوّاء، ما هذا الذي في بطنك؟ فقالت: ما أدري. فقال: من أين يخرج من أنفك أمْ من عينيك أمْ من أذنك؟ فقالت: لا أدري..."(12) فهل يمكن تصنيف هذا الكلام ضمن البحث العلميّ؟

أمّا الأدلّة من النقوش الفرعونيّة التي تؤكّد عروبةَ الفراعنة، فلا نجد سوى اقتباسات من الهيروغليفيّة، مقروءةً بطريقة خاصّة بالمؤلف، ولا تبتعد كثيرًا عن الطريقة العشوائيّة في التحليل الفيلولوجيّ، كقوله إنّ الفراعنة سمّوا أنفسَهم على الآثار "روث" (أو لوث، أو لوت، أو لود...)، ومعناها عندهم أصلُ البشر، الأمرُ الذي يُؤكّد (في زعمه) عروبةَ الفراعنَة وساميّتَهم، وأنّ جذورهم من الجزيرة العربيّة ــ ــ هكذا بكلّ بساطة، وبخلطٍ لا يستقيم علميًّا، بين معطيات الأركيولوجيا والتاريخ والفيلولوجيا.

والخُلاصَة التي ينتهي إليها عيد هي أنّ الفراعنة ليسوا مصريين؛ فالفراعنة ساميون والمصريون حاميون. وفي موضع آخر، يؤكّد الكاتب أنّ أصل الفراعنة هم العماليق بعد أن نزحوا من اليمن إلى شمال الجزيرة (اليمامة) وإلى مصر، وأنّهم نقلوا معهم أسماءَ الأماكن التي كانوا يسكنونها في اليمن، وكذلك معتقداتهم وأديانهم.

وهناك أمثلة كثيرة تدلّ على طريقة الكاتب التأليفيّة، وهي أمثلة لا تحتاج إلى تعليق أو مناقشة، لانعدام جدّيّتها البحثيّة. ولو أنها قيلت بطريقة دقيقة، من خلال منهجيّة بحثيّة صحيحة، لكان من المُمكن الاستفادةُ منها ومناقشتُها وتحليلها. 

ومع ذلك، فكتاب عيد لا يخلو من الالتماعات والنصوص المكتوبة بنوع من الحِرَفيّة والأكاديميّة هنا وهناك، بما يجعلها قابلةً للنقاش العلميّ، وخصوصًا في معرض كلامه على الدولة القديمة في جزيرة العرب، وعلى الهكسوس، ورحلة الحاجة إيثيريا إلى الأرض المقدسّة، التي يزعم الكاتب أنّها في اليمن. لكنْ على الرغم من أنّ المؤلف أكّد في إحدى فقراته السالفة رفضَه للصهيونيّة ولمزاعمها التوراتيّة في فلسطين، فإنّ ما يلفت هو تطرّقُه المتعجّل إلى الحديث الذي نسبه ابنُ إسحاق إلى أمّ هانئ، إحدى زوجات النبيّ محمّد، حول "الإسراء والمعراج،" بما يؤكّد ــــ من وجهة نظره ــــ أنّ رحلة النبيّ قد تمّت إلى بيت المقدس في اليمن، لا إلى بيت المقدس في فلسطين، وعلى اعتبارٍ يُصرِّح به المؤلِّف، وهو أنّ شمال اليمن يدعى الشام، وذلك من دون أن يوثّق كلامه أدنى توثيق. بل استنتج عيد من متن الحديث أنّ رحلة الرسول "كانت إلى الجنوب مرورًا بضنكان إلى بيت المقدس في اليمن." (13) وكلامُ عيد هنا غير صحيح أبدًا من الناحية الجغرافيّة؛ فضجنان شمال مكّة. والواضح أنّ الكاتب قرأ الاسم خطأ فتحوّل في قراءته من "ضجنان" كما ورد في جميع المصادر الإسلاميّة إلى "ضنجان." وعلى افتراض أنّه يقصد "ضجنان" وأنّ خطأً مطبعيًّا وقع عند كتابته الاسم، فهذا الاستنتاج الذي يطرحه مغلوط تمامًا. والدليل أنّ اسم "ضجنان" يأتي بمعنيين. الأول جبل ضجنان، شمال مكّة، وفي الطريق منها إلى المدينة ("رُوِي عن عُمَر أنّه أَقْبَل حتى إذا كان بضَجْنانَ، قال: هو موْضعٌ أو جَبَلٌ بين مكّة والمدينة").(14) والثاني، "ضجنان حَرَّة ـــ أيْ أرض ذات حجارة سوداء ــــ شمال مكّة... تُعرف اليوم بحرّة المحسنية." ((15)

كان ينبغي للباحث عيد أن يتفادى الوقوع في هذا الخطأ الإملائيّ الصغير الذي تحوّل إلى خطأ علميّ ومنهجيّ، وربما لامس ما هو ثقافيّ وسياسيّ، تحت وطأة تحّمسه لِما ظنّه اكتشافًا علميًّا، خصوصًا وهو يُعلن في كتابه عن مواقفه الحضاريّة السليمة المناهِضة للحركة الصهيونيّة ودعواتها الضالة المضلِّلة. ورغم ذلك، فإنّ ما طرحه الباحث يبقى اجتهادًا قابلًا للأخذ والردّ والتصويب والتخطئة، ولا يُمكن تحميله أكثر ممّا ورد فيه ضمن نطاق حريّة البحث العلميّ وإبداء الآراء.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي.

.......................

* نص مكثف من دراسة طويلة لعلاء اللامي، ضمن كتاب يصدر قريبًا بعنوان:  نقد الجغرافية التوراتيّة العسيريّة واليمنيّة ودراسات أخرى.

[1] - زياد منى، جغرافية التوراة: مصر وبنو إسرائيل في عسير (بيروت: دار رياض الريّس، ط 1 ، 1994)، ص 16.

[2] - المصدر السابق، ص 33.

[3] - المصدر السابق، ص 71.

[4] - المصدر السابق، ص 105.

[5] - فرج الله ديب،  اليمن وأنبياء التوراة: هل جاء المسيح إلى صنعاء ؟ (بيروت: دار رياض الريّس)، ص 19.

[6] - نسبة الى وادي النطوف، شمال غرب أورشليم القدس.

[7]  ـ يوسف سامي اليوسف، تاريخ فلسطين عبر العصور، ص 20.

[8]  ـ "القبتاريخيّة" مصطلح من مبتكرات هادي العلوي، ويعني به "ما قبل التاريخ،" على اعتبار أنّ العصر التاريخيّ بدأ مع ابتكار الكتابة المسماريّة في إقليم سومر جنوب العراق.

[9] -موقع يمنيّ: yemeress.

 [10] - أحمد عيد، جغرافية التوراة في جزيرة الفراعنة (القاهرة: مركز المحروسة، ط 1، 1996)، ص 13.

[11] - المصدر السابق، ص 16.

[12] - المصدر السابق ص 34.

[13]- المصدر السابق، ص 19.

[14] - مرتضى الزبيدي، تاج العروس، مادة ضجن.

[15] -موسوعة السيرة، معجم الأماكن ، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف السعودية على الانترنيت.

 

518 إيهاب حسنأهداني صديقي الشاعر صفاء ذياب صاحب دار شهريار في البصرة كتاببين من مؤلفات إيهاب حسن هما: (أوديب) أو تطور ما بعد الحداثة، وتحولات الخطاب النقدي لما بعد الحداثة، وعلى الرغم من حداثة دار شهريار في النشأة إلَا أن صاحبها الشاعر صفاء ذياب تمكن من وضع بصمة له ولدار النشر التي يترأسها يُمكن لنا أن نقول عنها أنها دار عراقية تمكنت بزمن قصير أن تكون مُشاركة في صناعة ثقافة تنويرية بأفق عربي ودولي.

هذان الكتابان من ترجمة السيد إمام، الأول هو مجموعة من الدراسات والحوارات عن فكر إيهاب حسن، والثاني من تأليف إيهاب حسن نفسه.

السيد إمام هو مُترجم وناقد مصري من أهم ترجماته هي ما قدمه للثقافة العربية من تعريف بنتاج المعماري و الأديب والمُفكر المصري الأصل، الأمريكي الجنسي إيهاب حسن.

ولد إيهاب حسن في القاهرة 1925، وسافر بعد تخرجه من الهندسة إلى أمريكا، ولكنه يقول" "لا أحب الهندسة، أحب الأدب"، فدرس الأدب الإنكليزي وحصل على الدكتوراه عام 1953، وبعدها درَس في العديد من الجامعات الأمريكي، له نتاج ومؤلفات عديدة، جُلَها تدور حول التنظير لفكر ما بعد الحداثة.

يعترف الفيلسوف الفرنسي ليوتار بمديونيته الفكرية لإيهاب حسن.

يهتم بكتابة المذكرات، كتب سيرته الذاتية وهو يؤمن بما يُجه له من نقد، لأن في النقد تقويم وتقييم، وكل ناقد حصيف إنما هو يُضيف للنص ولكاتبه من فيض قراءاته لأن كل كتابة فيها ذلك العنصر الذي هو الذات، والناقد هو الذي يُعيد انتاج الذات ويُضيف على نتاجها بعض من البهاء.

يرغب إيهاب حسن بالتدريس أكثر من رغبته في أن يُعرف ككاتب في ما بعد الحداثة. وإن كان لا يُصرح بكرهه "لأسلوب الكتابة المُتبع في الجامعة في الوقت الراهن.

لم يكن يوماً يهيم إنه بالتجريد لاختلاطها بالرطانة في كثير الأحيان.

الكُل يُريد أن يكون مُنظراً، ولكن التنظير في حال اقترانه بالتجريد وتغييب المعنى عند العامة والهامشيين إنما هو محض هُراء.

يستمتع بالحياة كما يستمتع في القراءة، حتى قال "أنا لا أقبع في حجرة مكتبتي. أنا أرتاد كل بارات ميلووكي وأذهب لمُشاهدة مُباريات باكرز لكرة القدم.

يعترف إيهاب حسن بأسبقية الرسام البريطاني (جون واتكنز تشابمان) في استخدامه للمصطلح ما بعد الحداثة، ولكنه استخدمه بشكل عشوائي في سبعينيات القرن التاسع عشر، وبعدها استخدمه مفكرون كُثر، منهم (أرنولد توينبي)، ولكن ما ميز إيهاب حسن أنه تمكن من يستجلي هذا المصطلح ويضع له أطره التي تبناها فيما بعد مفكروا وفلاسفة ما بعد الحداثة.

لقد وضع إيهاب حسن حداً فاصلاً بين ظاهرتين في الفكر هما (الحداثة) و (ما بعد الحداثة) في مقال له بعنوان (نحو تصور لما بعد الحداثة)، ووضع بعض التقابلات بين المفهومين.

ما بعد الحداثة هي إنتماء للحياة بمُتعها وتغيراتها، وإنتماء لـ "اللعب" والسُخرية، والتعددية، والنسبية، والانشغال في الهامش على حساب المركز.

سمات ما بعد الحداثة

ـ عدم التحديد، أو النسبية واعترافنا بصعوبة الحسم لأن "المُبهمات تتخلل أفعالنا، وأفكارنا، وتأويلاتنا، إنها تُشكل العالم".

ـ التشظي و (التفتيت). إن فكر ما بعد الحداثة يُشظي ولا يثق سوى في الشظايا...إنه يُضل الكناية على الاستعارة، والشزوفرينيا على البارانويا. ما بعد الحداثة إعلان حرب على الكُلية والنزعة الشمولية بكل تمظهراتها.

ـ هيام ما بعد الحداثة في الإنزياح وخرق النسق والخروج عن الأعراف والقوانين والقيم الموروثة التي رسمتها السلطة وأمعنت في المحافظة عليها.

ـ نزوع الما بعد حداثيين لاتخاذ سُبل التهكم والسُخرية المُباشرة وغير المُباشرة الذي تفرضه طبيعة اهتماماتهم بالهامش بتشكلاته الفوضوية الخرجة عن هيمنة المركز أو المتن الثقافي أو السياسي السائد.

ـ التهجين والعمل على خرق نُظم الكتابة أو العما رة، فيما أسماه إيهاب حسن "اختلاط الأساليب" المعهودة عبر تهجين أنماطها لكسر تنميط الشكل الراكس ضمن أنساق ألفنا الوثوق بها عُرفاً فصرنا نرى كل مُغاير لهذه الأنساق أو الأنماط وكأنه يُشكل تهديد لما درجنا عليه، وكأننا نرى أن الدارج في الكتابة والحياة هو الحقيقي وكل ما غايره هو غريب عنَا وهجين، لذا نجد الما بعد حداثثين ينصفون هذا الهجين والغرائبي.

ـ العبثية في فلسفة ما بعد الحداثة وفنونها في التشكيل والشعر والسرد مثلت جوهر مُنطلقات مفكريها بجنونهم ونزعتهم الجامحة لخرق الألوف، ليسعى كثير منهم للكشف عمَا هو مُدنس تأنف البشرية بنزعتها المُحافظة عن تقديره لهيامه في تبجيل المُقدس لشيوعه لا لأنهم وثقوا به بعد تفحص جدواه عقلياً أو عملياً، لذلك نجد إيهاب حسن يدعو لتجاوز نزعة التقديس ليس فقط في هيمنتها في الأوساط الاجتماعية والدينية، بل ونقد حضورها في الفن والكتابة والسياسة.

 

د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

 

صالح الطائيلطالما وقفت متحيرا أمام الكم الكبير من النصوص الإسلامية التي تنضوي على عنف همجي غير مبرر، لا يمكن أن يتساوق إطلاقا مع فهمي للدين الإسلامي، فأنا نظرا لكوني دائم البحث والتنقير والتقصي في جوهر العقيدة وأركانها وأصولها وفروعها وتطبيقاتها، كنت في كل مرة أنتهي من تأليف كتاب أو انجاز بحث أو مقال، أزداد يقينا وقناعة بأن روح السلام والتسامح والمحبة والوئام والتعايش في الإسلام تفوق ما هي عليه في الديانات الأخرى قاطبة، وأن قصص العنف والدموية والكراهية والغضب والاقصاء في النصوص الإسلامية أكثر من مجموع ما هي عليه في جميع الديانات الأخرى، ولطالما أرقني هذا التناقض الغريب، فمن المستحيل أن يجتمع النقيضان في كيان واحد، وهذا يعني ويؤكد أن أحدهما هو الصحيح والثاني مصطنع ومدخول على الأصل لا هو منه ولا يحمل من سماته ورؤاه شيئا.

إن عملية التمييز بين أصل الصورة النقي وظلها الباهت المشوه لا يمكن أن تتم بسلاسة ويسر نظرا لكم المرويات التي تدعم الظل المشوه من السعة والانتشار والشهرة بمكان؛ بما يجعله متفوقا على الأصل من حيث الشهرة والجمهور. وبالرغم من غرابة هذا التهافت إلا أن الاحتراب الذي وقع بين المسلمين أنفسهم بعد عصر البعثة مباشرة، كان أحد أهم روافد دعمه وتطويره وتحكيمه حتى بدا وكأنه هو الأصل. كما أن التكتلات الفئوية التي عادت إلى الظهور بعد وفاة النبي(ص) أسهمت بشكل كبير في تنميته والترويج له. وبمرور الأيام والسنين تحول ذلك الابتكار غير المحبوب إلى تراث تقوم عليه هيكلية الدين الإسلامي، وأصبح كل من يريد أن يعرف عن الإسلام شيئا أو كل من يروم الكتابة عن دين الإسلام يرجع إلى هذا الموروث تحديدا يستقي منه ما يبغي.

ولم تتم معاملة هذا الموروث بنوع من الخبث، ولم يستخدم سلاحا تسقيطيا في معركة التشهير إلا في العصر الاستعماري ما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حيث ولد المنهج الاستشراقي الذي انتقى أشد النقاط سوداوية، وسلط الأضواء عليها، وأمدها بالحياة بعد أن كانت ميتة.

إن توظيف مخرجات الاستشراق لخدمة النزعة الاستعمارية الحديثة، لم يمنع من توظيف المخرجات نفسها لأغراض أخرى، ولاسيما بعد تنامي الحركات التبشيرية التي بقيت منذ استحداث مجمع تبشير الشعوب عام 1622، ولغاية القرن الثامن عشر مجرد سعي باهت الملامح، فالتبشير الذي نشط في هذا القرن بسبب انفتاح ميادين جديدة في الجغرافية العالمية لم تكن متاحة قبل العصر الاستعماري الجديد، ولكي يحقق التبشير أغراضه، عمل على توظيف معلومات المستشرقين عقديا بعد أن وظفتها الحكومات عسكريا واقتصاديا، وفي هذه المرحلة بالذات بدأت حرب التسقيط الحديث بين الأديان، مدعومة بتنامي حجم الحركات العلمانية واللادينية.

516 قرفة

في هذه المعركة غير المتكافئة كان الإسلام مستهدفا أكثر من غيره، وكان نبي الإسلام عرضة للانتقادات، وكان المسلمون عرضة للتهجم والتطاول، ومع أن موضوع التهجم والتطاول غير المبرر ليس جديدا، إذ سمعنا وقرأنا وشاهدنا بأم أعيننا وجود مثل هذا التجهم الخلقي الضيق فاشيا عبر التاريخ، يُترجمُ تهجما وتطاولا، إلا أننا في كل مرة كنا نعثر فيها على قول من هذه الأقوال، كنا نجد له للأسف أصلا في تراثنا الديني، بُني عليه طنين تلك الطعون، هو الذي أطلق لها العنان لتظهر إلى العلن. وفي كل مرة كان يُساء فيها إلى عقيدتنا كان هناك بعض الأشخاص الذين ينبرون للدفاع، دون أن يتسلحوا بالعلم والعقل والمنطق والشجاعة، فيزيدون الطين بلةً والوضع تأزما، إلى درجة أن رايات الحروب الدينية بدأت ترفع في أماكن مختلفة من العالم يفور تحتها الغضب.

والذي أراه أن أسلم طريقة لامتصاص الغضب الأرعن المقابل، والمبنى على أوهام وهنات ما أنزل الله بها من سلطان، لا يتم بالرد على الموقف بمثله ولا باستخدام الآليات القديمة، ولا من خلال الهروب إلى الأمام بأدوات الأمس المتخلفة التي جمدت ورفضت التجديد، فذلك هو التخلي عن المسؤولية، وإنما يتم من خلال الاستنتاج العلمي والعقلي والمنطقي لتداعيات تلك النقاط التي توقفوا عندها بعد تفكيكها تفكيكا علميا سليما مقنعا، تتضح من خلاله الحقائق بما لا يعطي مجالا لمن في نفسه مرض أن يطعن بعقيدة الإسلام التي شوه مبانيها السياسيون الأوائل، وأعانهم السياسيون المعاصرون في الترويج لبضاعتهم الفاسدة .

لكن للأسف ليس من الصعوبة أن نجد أن الأسس التي وضعوها لنا بالأمس، وأمرونا بالسير عليها والتمسك بها وعدم مخالفتها، لا زالت تقود توجهاتنا المعاصرة اليوم، فنحن حتى في أشد المواقف خطورة نجد أنفسنا مساقين عنوة للاستعانة بتلك القواعد والقوالب الجاهزة التي وضعها الأقدمون؛ والتي تحول اغلبها اليوم إلى ديكور تراثي لا يمت إلى الواقع بصلة، ولكنه يرفض أن يغادر، لأنه مقتنع بأن له قدرة الإقناع، غير مدرك أن عالم اليوم تتحكم به العلوم المادية البحتة، عالم لم يعد فيه الحديث عن الغيب مقدسا كما كان بالأمس، ونحن في الوقت الذي نرفض فيه ـ جملة وتفصيلا ـ التخلي عن منطقيات وثوابت الأمس المقدس، علينا أن نطوع قدسيته لتتماشى مع العلوم المعاصرة، ما دمنا نؤمن أنه (حمال أوجه، ذو وجوه)، أليس ذاك ما قاله علي بن أبي طالب(عليه السلام) لعبد الله بن عباس(رضي الله عنه) لما بعثه للاحتجاج على الخوارج: "لا تخاصمهم بالقرآن فان القرآن حمال أوجه، ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة، فانهم لن يجدوا عنها محيصا".

وفق هذه الجدلية المنطقية اخترت الكتابة عن موضوع في غاية الأهمية، وهو قيام الصحابي زيد بن حارثة (رض) بغزو بني فزارة وأسر أمهم وربطها بين جملين وشقها، وحينما عاد إلى المدينة، خرج إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عجل وكان عاريا بالكامل، لا يستره شيء، يجر رداءه خلفه، ليهنئه بالسلامة، هذا الأثر الذي وظفه الملحدون للطعن بالإسلام، فرد عليهم مسلمون ردا باهتا زاد الطين بللا. الملحدون اتهموا نبينا (صلى الله عليه وآله) بأنه أمر جنوده أن يشقوا عجوزا إلى نصفين بأن يربطوها بين جملين! والمسلمون اعترفوا بوقوع الحادثة، ولكنهم وصفوا شق المرأة إلى نصفين بأنه كان إنسانيا.

أنا من جانبي ومن خلال البحث الجاد ومتابعة النصوص؛ لم أجد لاتهام الملحدين مسوغا، ولا لرد الإسلامويين مبررا، ولا للحادثة التي يتحدثون عنها أصلا، وهذا هو موضوع كتابنا الجديد الموسوم "الغزوة السادسة طبيعة العنف الإسلامي" الذي صدر عن دار ليندا السورية بواقع 244 صفحة، ولوحة غلاف من تصميم الفنان بسام الخناق، والذي فندت فيه تلك القصة السخيفة المبنية على كوم من الأكاذيب والسذاجة والغباء، والتي يمنع الجامدون على النص مجرد الحوم حولها، لا تفكيكها وتوهينها باعتبار أنها نص لا يجوز التقرب منه!

تجاوزت في كتابي هذا كل الخطوط الحمراء التي وضعوها، وتحدثت بصراحة مدعومة بالمنطق والعلم، وأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك.

 

صالح الطائي

 

عدنان عويدالجهاد في سبيل الحاكمية: يظل القتال أو الجهاد في سبيل حاكميه الله عند الإخوان كما يراه سيد قطب أمراً مشروعا ومقرراً من قبل الله عز وجل، وهو فرض عين على كل مسلم مؤمن عليه أن يؤديه بالشكل الذي يستطيع تأديته. وبالتالي فالجهاد ليس بحاجة لمبررات أدبية أكثر من المبررات التي حملتها النصوص القرآنية التالية كما بينها سيد قطب في كتابه :

(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بالآخرةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً*وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً*الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}(74ـ76).

وكذلك في قوله تعالى:.( وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ). (الأنفال- 40).

وكذلك في قوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31). (التوبة- 29-31).

إذاً هذه هي مبررات القتال عند سيد قطب، هذا القتال الذي يقوم على معطيات وشروط وأساليب قننها في كتابه معالم في الطريق حيث جاءت عنده وفق التالي:

أولاً : الجهاد (القتال) ليس حالة عرضية أو مؤقتة أو تهدف للدفاع عن النفس والمال والعرض أو الوطن. وإنما هو قتال دائم (مستمر) لا توقف فيه، هدفه الدفاع عن حاكميه الله والعمل على تطبيقها في كل زمان ومكان.

ثانياً: الجهاد هنا ضد كل ما يعيق تطبيق أمر هذه الحاكمية، بدءاً من جهاد النفس، وهو الجهاد الأكبر ضد كل ما يعيق في نفس وضمير وعقل المسلم المؤمن الوصول إلى الإيمان بإلوهية الله وتطبيق أوامر حاكمتيه، من جهة، ثم الجهاد ضد كل من يحاول أن يقف أمام الإيمان بهذه الإلوهية الحاكمية من الخارج، ممثلاً بعالم الجاهلية وما يتضمنه هذا العالم من سلطات للطاغوت أو نظريات معرفية أو علاقات اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية يراد فرضها بالقوة أو بدونها على الناس كافة، بغية إبعاد تطبيق منهج الله الذي جاء في كتابه المبين.

إن المؤمن المسلم يقاتل هنا كونه يؤمن بأن الله ابتعثه كي يخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. ومن ضيق الدنيا إلى سعتها. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. وإن الله أرسل رسوله بدينه إلى خلقه فمن قبله منا قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر. (1)

ثالثاً: الجهاد وحرية الإنسان: حيث يقول سيد قطب في الأسباب العميقة للجهاد بأنها تحقيق حرية الإنسان: إن من حق الإسلام أن يتحرك (أي يجاهد)، فالإسلام ليس نحلة قوم ولا نظام ولا وطن. ولكنه منهج لإله، ونظام عالم، ومن حقه أن يتحرك ليحطم الحواجز من الأنظمة والأوضاع التي تغل من حرية (الإنسان) في الاختيار. وحسبه أن لا يهاجم الأفراد ليكرههم على اعتناق عقيدته، إنما يهاجم الأنظمة والأوضاع ليحرر الأفراد من التأثيرات الفاسدة، المفسدة للفطرة، المقيدة لحرية الاختيار. فالإنسان لا يتلقى التشريع لحياته من العباد وإنما من الله فقط. (2)

رابعاً : (لا إكراه في الدين). يرى سيد قطب في هذه الآية موقفاً آخر يختلف تماماً عن الفهم السائد أو المنتشر عند من سماهم السذج، حيث يقول : من السذاجة أن يتصور الإنسان دعوة تعلن تحرير (الإنسان) في كل الأرض البشرية أن تقاتل باللسان والبيان فقط!!. إنها تقاتل باللسان والبيان فقط حينما يخلى بينها وبين الأفراد تخاطبهم بحرية، وهم مطلقو السراح من جميع تلك المعوقات التي تحد من تطبيق الحاكمية.. فهنا (لا إكراه في الدين)، أما حين توجد تلك المعوقات والمؤثرات المادية، فلا بد من إزالتها أولاً بالقوة، للتمكن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله، وهو طليق من هذه الأغلال. (3).

خامساً: أما مسألة القول بأن الإسلام يسعى إلى (السلم) ، فهذه الرؤية عند قطب مختلفة أيضاً في دلالاتها، عند الآخرين. فالإسلام حين يسعى إلى السلم لا يقصد ذاك السلم الرخيص في دلالاته، وهي الإيمان بالرقعة الخاصة التي يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية. إنما المقصود بالسلم، هو السلم الذي يكون فيه الدين كله لله، أي أن تكون عبودية الناس كلهم لله، وبالتالي فالقتال الذي أمر به الله هو قتال من أجل تحقيق هذه الغاية، وهذه الغاية لا يحد منها زمان أو مكان، أو أية ظروف أو معوقات مادية كانت أم روحية (4)

سادساً : الجهاد هنا يقوم على مستويين : المستوى لأول هو الجهاد بالبيان، والمستوى الثاني الجهاد الحركي.

أما جهاد البيان: فهو الجهاد الذي يقوم على نشر مفهوم الإلوهية بين الناس كافة من أجل تنقية نفوسهم من الداخل وإيصالهم إلى حالة الإيمان المطلق بهذه الإلوهية وتطبيق أوامرها دون تلكؤ أو اعتراض، وذلك بعد تخليصها من معطيات الجاهلية التي يعيشها الناس بكل معطياتها.

أما الجهاد الحركي: فهو جهاد (السيف) ضد كل من يحول دون الوصول إلى إلوهية الله (حاكمتيه) في كل زمان ومكان. وقد اتكأ سيد قطب في فهمه لحالة الجهاد الحركي هذا على (ابن قيم الجوزية) في كتابه " زاد المعاد " الذي حدد فيه أسس هذا الجهاد في التالي:

1- جهاد أهل الصلح وأهل الهدنة. حيث أقر فيه، بأن يتم لهؤلاء عهدهم، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خانوا العهد فعلى المسلمين مقاتلتهم.

2- جهاد أهل الحرب. وهو جهاد أمر به الله مقاتلة الكفار والغلظة عليهم بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان.

3- جهاد أهل الذمة. وقد أقر فيه مقاتلة أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام.(5) .

هكذا نرى من خلال قراءتنا لقضية الجهاد عند سيد قطب بان الجهاد واجب ديني (عقيدي) على كل مسلم مؤمن، وهو فرض عين يقاتل فيه المؤمن وفقاً لإمكانياته، قد يكون بالمال أو السلاح، ولكن ما يهمنا هنا، انه قتال للآخر مهما يكن دينه أو مذهبه أو عقيدته، طالما هو لا يؤمن أو يطبق مفهوم الحاكمية والإيمان بإلوهية الله. ومن هذا المنطلق تأتي راية الجهاد (السوداء ) بشعارها (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، هي الراية التي تحت مظلتها يتم القتال من أجل تحقيق (الحرية) التي تختلف في دلالاتها عن حرية الإنسان وعقله وتحقيق مصيره بيده كما بينا أعلاه، وإنما هي حرية الإنسان من كل ما يقف أمام تشبعه بالعقيدة الإسلامية وإلوهية الله وتطبيق حاكمتيه على هذه لأرض. إنها حرية من نوع آخر، حرية يراد بها تحويل عقل الإنسان وعواطفه وضميرية وكل ما يمت إليه بصلة من إنسان له أرض ووطن وقومية ومجتمع خاص به، إلى إنسان "عقيدي" فاقد لكل هذه القيم الحياتية، ومرتبط فقط بهذه العقيدة التي حددت له كل مسار حياته ومماته وما يصيبه من خير أو شر، بل وكيف يفكر، بشكل مسبق.. إنسان ليس له أية إرادة إلا إرادة الانتماء لعالم الغيب.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

..............................

المراجع:

1- سيد قطب – معالم في الطريق – مكتبة وهبة – القاهرة – دون تاريخ نشر. ص 57

2- المرجع السابق – ص80

3- المرجع السابق ص 66

4- المرجع السابق – ص66.

5- المرجع السابق ص55

 

515 شريعة الخطابةمن المفروغ منه أنَّ من لا يعرف المهاتما غاندي المتوفى سنة 1948م لا يعرف حقيقة الهند المعاصرة وتاريخها ونضالها من أجل الإستقلال عن الإحتلال البريطاني، ومن لا يعرف أبو الكلام آزاد المتوفى سنة 1958م هو الآخر لا يعرف حقيقة الهند المعاصرة، وهو الذي يمثل الوجه الثاني من عملة تحرير الهند، لكن العالم ذكر غاندي وأحياه وتجاهل أبو الكلام وأماته، وساهمت مقررات التعليم في البلدان العربية والإسلامية في طمس حقيقة نضال قادة المسلمين في تحرير الهند.

أبو الكلام آزاد المولود في مكة المكرمة وعاش حياته في الهند وتنقل في البلدان بين بغداد والقاهرة وغيرهما، وهو رئيس حزب المؤتمر الهندي لدورات عدة والذي كان يتزعمه غاندي، أولها سنة 1923م يوم كان عمره 36 عاما، وكان ممثلا عن حزب المؤتمر في مجلس الأمة الهندي ووزيرا للتعليم حتى رحيله.

أبو الكلام ولد تحت إسم محيي الدين أحمد بن خير الدين، ولكن أخذ كنيته لشهرته في الخطابة وتضلعه في الكتابة والتأليف، و"آزاد" أي الحر، لأن أبا الكلام آزاد منذ شبابه ناضل بلسانه وقلمه بالضد من الإحتلال البريطاني وكان يدعو الى الحرية، وكان حصانه في هذا المضمار الشاق لسانه، يتنقل في المدن الهندية يخطب هنا ويخطب هناك داعيا المجتمع الهندي بأطيافه إلى التحرر من ربقة الإحتلال، كان خطيبا مفوها صاحب قلم جذاب استاءت منه الحكومة البريطانية فوضعته تحت الإقامة الجبرية لسنوات أربع ونفته في مدن الهند البعيدة وسجنته لسنوات ولاحقته وأغلقت ما كان يصدره من صحف ومجلات أين حل وانتقل، مثل مجلة الندوة والوكيل والهلال وغيرها، ناهيك عن تفسيره "ترجمان القرآن" فسّر فيه خمسة عشر جزءًا من القرآن الكريم وهو في السجن، وأعظم ما كانت تخاف منه هو لسانه ومنطق خطابه، وبهذا العضو الصغير قاد بمعية غاندي الهند الى التحرر في بحر جماهيري فيه المسلمون أقلية وسط أكثرية هندوسية، وهو الخطيب المسلم الذي زرع الأمل في قلوب مليار إنسان في إمكانية التحرر من الإحتلال البغيض.

ولكن سحابة الأسى تخيم على القلب، فما فتئ العالم حتى يومنا هذا يتناقل اسم غاندي ويؤلف فيه العشرات بل المئات من الكتب وبلغات حيّة ومحلية، وبخل على خطيب نهضة الهند الكبرى، وواضع أسس مناهجها التعليمية.

تداعى إلى ذهني خطيب الهند وناطقها أبو الكلام آزاد وأنا أتصفح كراس "شريعة الخطابة" للمحقق الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر حديثا (2018م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 48 صفحة فيه مائة حكم في الخطابة وبضميمة 27 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري إلى جانب مقدمة وافية للناشر الأديب عبد الحسن الدهيني وتقدمة شافية للمعلق الغديري وتمهيد شاف واف بقلم المؤلف.

الخطابة رئة الكلام

في العادة يُنسب الكلام المسطور الى القلم أو المحبرة أو اليراع وما شابه ذلك من أدوات الخط وتقييد الكلام وتسجيله على الرقيم الطيني في غابر الأزمان وعلى جلود الحيوانات في أواسطه وعلى الورق المصقول في القرن الماضي وعلى الشاشة الضوئية (الإلكترونية) في حاضرنا الى جانب الورق، وأما الكلام الذي يطلقه اللسان فهو في واقعه رئة المقال والكلام عند محتشد المقام، وكما يستفيد العالم والمتعلم والجاهل من الكتاب المسطور فإن المجتمع يستفيد من الكتاب المنطوق وهو الخطابة أيما استفادة، على أن الكتاب المنطوق الأكثر تأثيرا ووسعة إن أحسن المتحدث بيان خطابه، ولهذا كانت لكل نهضة أو ثورة وعلى مدى التاريخ خطيبها ومتفوهها، فربما أخذ الناظم مقام الخطيب في التأثير على المجتمع أو الأمة بقوافيه التي يصدح بها في النوادي، وربما جمع الخطيب إلى كلامه النظم، فيأتي تأثيره مضاعفا، وربما جمع المتحدث بين النص المقدس والنص البشري، فيأتي البيان المنطوق أكثر وقعا على النفس والمجتمع، وأفضل من يمثل هذه  الطبقة هم الأنبياء الذين يلقون على الأمة آيات الله ووحيه، ولهذا إذا نظرنا الى دورهم في استنهاض الأمة وانتشالهم من براثن الشرك وظلام الجاهلية، فهم في حقيقة الأمر خطباء من الدرجة الممتازة، وهذا يعكس خطورة الخطابة ودورها في حياة الأمة، ولهذا ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع): (من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان الناطق يؤدي عن الله عزَّ وجل فقد عبد الله وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان)، وبتعبير الفقيه الكرباسي في التمهيد: "إن الخطابة كانت ولا زالت خطيرة لها تأثيرها المباشر على الجماهير وبالأخص إذا استخدم الخطيب أدواته الصحيحة، وتمكن من السيطرة على عقول الناس، وكان مسلَّحا بسلاح العلم والمعرفة، وموشَّحًا بوشاح التقوى والهداية، فإن كلامه سيكون نافذًا إلى القلوب والعقول، ويأخذ طريقه إلى السلوك والأفعال، ويبني بذلك مجتمعًا فاضلا".

ولا خلاف لدى علماء الدين والدنيا أن كل الكائنات الحية من عاقلة وغير عاقلة تتخاطب فيما بينها، ولكل مخلوق طريقته في التحاور وتبادل الكلام بين بني جنسه، وقد عبّر القرآن عن ذلك بقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) سورة الأنعام: 38، ولكن ما يميز الإنسان هو القدرة على التخاطب بطرق مختلفة وله أن يجدد مع الزمن ويبدع في وسائل التخاطب، وهذه الحقيقة يسجلها الفقيه الكرباسي بقوله: "إنَّ من نعم الله على عباده وعلى الإنسان بالذات والذي جعله أشرف مخلوقاته أن مكَّنه من التخاطب بالأسلوب الحضاري القابل للتطور دون سائر خلائقه الذين لم يحرموا من التفاهم فيما بين النوع الواحد".

والخطابة من حيث اللغة هي: "إلقاء الكلام على الآخر"، ومن حيث الإصطلاح كما يضيف الفقيه الكرباسي: "إلقاء الكلام على الجماهير لإيصال فكرة ما"، وبهذا المعنى فإن للخطابة أركانا أربعة هي: هي الخطيب، والمستمع، والمادة (الحديث)، والخطابة (عملية الخطابة)، ومن الأركان المساعدة والمؤثرة على عملية الخطابة المكان والزمان، حيث لهما مدخلية كبيرة في وصول الخطيب الى المراد من خطبته والتأثير على المتلقي بما يحقق الهدف من الخطابة ذاته، لأنها وإن كانت فنًّا وموهبة واستعدادًا بيد أنها رسالة، لأن الخطابة من أجل الخطابة نفسها هي تصنّع وافتعال في حين أن الرسالة المرجوة من الخطابة هي بحد ذاته عامل دفع للخطيب وعامل جذب للمتلقي، ولهذا يحدد الشيخ الكرباسي في الخطيب شروطا شخصية وموضوعية ذكرها بالتفصيل في الجزء الاول من كتاب "معجم خطباء المنبر الحسيني" الصادر عن المركز الحسيني للدراسات بلندن سنة 1999م، وفي الشريعة يشير إلى أهمها: "أن يكون عارفا بالذي يريد قوله، وأن يكون صادقا في حديثه، وأن يكون مفيدًا للناس".

ووفقا لما ذكر فإنه يقرر: "من يجهل أمرًا لا يجوز له أن يتحدث فيه ليوقع الناس في الخطأ"، لأن الحديث والخطابة على غير هدى وبيّنة مظلمة للمتلقي ولهذا: "إغواء الناس بأي شكل لا يجوز"، وإذا كانت الخطابة هي جزء من رسالة الأنبياء في هداية الأمة وبيان مصلحتها وتحذيرها مما يضرها، وهي كذلك لمن أحسن القول وقدّر المنبر واحترم عقله، فمن الخير أن لا يخوض الخطيب بما لا يعلم وبخاصة الخطيب الحسيني أو الداعية الإسلامي أو خطيب الصلاة، وأن لا يدعي العلمية والحذلقة في كل باب من أبواب المعرفة، لأن منبر الخطابة رسالة وتعليم، ومن ذلك تعليم المتلقي على أن لا يقول ما لا يعلم بل وأن لا يقول كل ما يعلم، فليس من العيب أن يتوقف الخطيب عن البوح بما لا يعلم، ولكن من المعيب أن يكذب، ومن الحكمة أن يسعى ليتعلم ما يجهله، وعليه: "لا يكفي في النقل وجود النص في كتاب، فإن كان على علم بعدم صحته، لا يجوز نقله"، ويستدرك الفقيه الغديري في تعليقته: "إلا إذا كان مؤلف الكتاب من الأعاظم في الموضوع ومشهور في التحقيق والدقة العلمية".

وفي الواقع أن الخطابة هي محل محك للخطيب والمتحدث والسياسي في قول الحقيقة، وبعضهم قد يقدم الكذب على الحقيقة من أجل كسب عطف المتلقي والإستحواذ على مشاعره وأسر عقله وإيقاعه في حبائل كذبته، لأنه يدرك أن المتلقي بشكل عام لا يسأله عن مصدر معلوماته، وهذا من الإغراء بالجهل سعيًا لتفعيل مجلسه ولهذا يرى الفقيه الكرباسي أنه: "إذا تيقّن عدم صحة أمر ما، فلا يجوز له أن ينقله لأجل إثارة الناس والمستمعين، أو لكسب المال أو الجاه أو ما شابه ذلك"، وبشكل عام: "يجب أن لا يكذب الخطيب على الناس، ويجب أن يكون صادقا في كلامه، ولا يجوز بأي نحو كان أن ينقل الأكاذيب إلى الناس"، ويشدد الفقيه الكرباسي على المنبر الحسيني إذ: "لا يجوز أن يضيف الخطيب الحسيني ما ليس في تاريخ السيرة الصحيحة ليثير الناس ويجلب عواطفهم ليزدادوا بكاءً"، وذلك لخطورة المنبر والخطيب الحسيني وبتعبير الشيخ الغديري: (للخطيب وبالأخص الخطيب الحسيني منزلة عالية ومقام كريم ودور كبير في إرشاد الناس وسوقهم إلى ما يُرضي الرب العظيم، فيجب أن يتّصف بالعلم والمعرفة المطلوبة في العمل، وكذلك العمل بما يقوله وما ينقله إلى الآخرين).

السياسة وسوق الخطابة

لا تعد الخطابة حكرا على رجل الدين الذي تعتبر جزءًا من حياته الدعوية وعلى إمام الجمعة والجماعة، ولا على خطيب المنبر الحسيني، فالسياسي المحنّك في أغلب الأحيان هو الخطيب المحنك، وفي البلدان القائمة نظامها السياسي على الإنتخابات والتعددية السياسية، فإن الخطابة تظهر بصورة جلية في الفترة التي تسبق الإنتخابات النيابية أو الرئاسية، حيث تدخل عاملا رئيسا ومهمًّا في حسم رأي الناس لهذا المرشح أو ذاك، ولهذا يسعى الطامح السياسي الى امتهان الخطابة والإجادة فيها، وفي بعض البلدان الغربية يدخل المرشح في دورة خطابية مغلقة فضلا عن وجود لجنة استشارية تقدم له النصائح الضرورية في المادة أو المظهر الخارجي والأسلوب بما يساعده على جذب انتباه الجمهور وكسب تأييده، لا سيما وأنه سيستمع للمتنافسين وسيكون للمدركين منه قدرة التمييز والمفاضلة.

ومع احتدام هذه التنافس المشروع على كسب رأي الناس وبخاصة عبر منبر الخطابة، فإن الجانب الأخلاقي يفترض أن يكون حاضرا، ومن الأخلاق الصدق وقول الحقيقة وعدم الكذب أو الإفتراء أو التحامل على الخصم والمنافس بما ليس فيه، ولهذا جاء في المسألة 20 من شريعة الخطابة: "لا يجوز للسياسي أن ينقل أمورًا ليست بالصحيحة لكسب الأصواب"، وزيادة في التأكيد في المسألة 21: "لا يجوز أن ينقل السياسي أو غيره أمرًا يعلم بعدم صحته تجاه منافسه أو خصمه بغرض إسقاطه أو ترسيخ موقعه"، لأن السياسي الصادق هو الذي يريد مصلحة الأمة ويؤثرها على مصلحة نفسه أو حزبه أو تياره، ولهذا تقرر المسألة 37: "يجب على الخطيب السياسي أن يضع مصلحة الأمة نصب عينيه ويصلح قدر المستطاع، ولا يجوز له أن يكذب على الشعب لمصالح ضيّقة وشخصية".

ولطالما سمعت من الفقيه الكرباسي في المجالس العامة والخاصة تأكيده بعدم جواز السياسي والمعارض أن ينسب أفعالا وصفات للظالم أو الطاغية هي ليست فيه، صحيح أنه يريد بذلك إثارة الناس أو الإعلام بالضد من الحاكم الظالم، ولكن الخلق القرآني يحتم عليه أن لا يتجاوز الواقع، ويركز على ما في الظالم والطاغية من صفات ذميمة وما يقترفه من جرائم مشهودة، وإن سمع بشيء جديد عليه أن يتأكد منه ليقدح به في الإعلام وإلا فلا يصح، ولذلك جاء في المسألة 24: "لا يُبرر التأثير الحسن في نقل الأكاذيب، فلو أنه حاك قصة عن فرعون مثلاً وأنها في النهاية أصيب بكذا وكذا نتيجة أعماله كي يبعد الناس عن الظالمين، فلا يجوز"، ويؤكد في المسألة اللاحقة أن: "تهمة الفاسق والظالم حتى وإن كان فيها موعظة وعبرة للناس، فلا تجوز".

وفي الواقع انَّ ما يشير اليه الفقيه الكرباسي إنما هو خُلق القرآن وخُلق النبي الأكرم (ص) وخُلق الراسخين في العلم، فالقرآن الكريم الموحى من رب العزة سبحانه وتعالى في حواره مع المشركين والملحدين والمخالفين يقدم لقارئه في البدء صورة عن أفكارهم وآرائهم ومباني معتقداتهم ثم يبدأ بتفنيدها وضرب أسسها بعقلانية دون تحامل، وهو ذاته خُلق النبي محمد(ص) وأهل بيته الكرام(ع) وصحابته المنتجبين، ولهذا كان الإمام جعفر الصادق(ع) يحاور أصحاب الأفكار المنحرفة بالمنطق والعقل والدليل ويشجع أصحابه على ذلك، وهذا الخُلق هو ما يؤكده الفقيه الكرباسي في المسألة 22 في التعامل والتعاطي حتى مع العدو: (إذا كان عدوًا يجوز محاربته شرعًا، ولكن لا يجوز نسبة شي إليه لم يصدر منه لأجل كسب المزيد من المواقع أو التأثير في المجتمع الذي يخالفه)، وبإزاء هذا النهي: "لا يجوز للخطيب أن ينصاع لطلب أرباب المأتم على مدح الظالم أو الحاكم الجائر بأي شكل من الأشكال".

وكما لا يجوز الإنتقاص من المخالف بما ليس فيه، كذلك لا يحق للخطيب أو المتكلم نسبة شيء للمعصوم لم يقل به حتى وإن كان يريد بذلك التأثير على المتلقي وجرّه إلى ما يؤمن به، ولهذا: "لا يجوز نسبة رواية أو حديث أو سيرة إلى المعصومين (ع) ولم تصدر منهم أو لم يقوموا بها، وفيه إثم كبير، ويجب تعزيره مع الإمكان، ومبطل للصوم إذا صدر في نهار شهر رمضان"، وفي السياق نفسه: "مَن بالغ في كلام المعصوم (ص) أو في حقَّه أثِم"، وفي المقابل: "مَن انتقص من حق المعصوم(ع) أثم".

وحيث للمكان دوره في الخطابة، فينبغي أن يؤخذ في الحسبان مصلحة المتلقي فضلا عن مصلحة الشارع والزقاق والساكنين والسابلة وأصحاب المحلات والمتبضعين، من هنا: "يكره الخطابة في مكان يضيق على الناس شؤونهم كالشوارع والأزقة، إلا إذا كان يرضي الناس عامة، وربما حرم إذا عطّل عمل الناس".

إن ما أورده المحقق والفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي من أحكام في "شريعة الخطابة" فيها من الأمور المهمة محورها صلاح الأمَّة عامة، يلخصها قول الإمام علي بن الحسين السجاد(ع) وهو بجامع دمشق تحت أسر الحاكم الأموي يزيد بن معاوية: (يَا يَزِيدُ ائْذَنْ لِي حَتَّى أَصْعَدَ هَذِهِ الْأَعْوَادَ، فَأَتَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ لِلَّهِ فِيهِنَّ رِضاً وَلِهَؤُلَاءِ الْجُلَسَاءِ فِيهِنَّ أَجْرٌ وَثَوَابٌ).

وعودًا على بدء .. كم من خطيب انتشل الأمة من جهلها وقادها الى بحبوحة الإستقلال ورياض الحرية ضاع اسمه وزال رسمه!

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

محمد فتحي عبدالعالعندما زرتُ تدمرَ عروس الصحراء في رحلةٍ مدرسيّة، في مرحلة طفولتي الابتدائية. أتذكرُ كيف فُتِحت عيوننا مشرئبة لسّماء، وقد وقفنا بجانب معلمينا صاغري الأفواه أمام عظمة هذه الآثار والأوابد المذهلة. كانت زنوبيا في رؤوسنا الصغيرة تحلق أميرة عظيمة جميلة . تمرّ عشرات السنين وننشغل بأحداث الحياة وحكايا الواقع لأشاهد يوماً هذا المسرح التدمريّ العظيم وقد تعطر بدماء بعض الأبرياء وأنّ ما يسمى وحوش البشرية بدأت بتدمير وتخريب هذه اللوحات المدهشة وهذه الكنوز التاريخيّة وهي التي تغلبت على الزمن فجاءت شياطين الأرض لتدميرها ومحو ذاكرتنا وقتل تاريخنا العريق. من تحدت روما أيقظتها أصوات مطارقهم وأسلحتهم الفتاكة ورائحة دماء الأبرياء نهضت زنوبيا لترسل للعالم رسالةً تخبرهم أن أحفادها لن يخذلوها أبداً ستعود تدمر طفلة الصحراء الغافية في أحضان والدتها عشتار . بخوذتها المعدنية على ظهر فرسها تتجول بين أعمدة المدينة المنهارة دمعتان سقطت من عينيها اللتين تحملان سواد الليل. أحلامها منكسرة بأن تكون إمبراطورة روما ولكنّها تثق أنّها هزمت روما ولازالت الأجيال تعتبرها نشيد الدهر الأزلي وبانية روائع الأجداد في فن العمارة. تلفتت حولها أين معبد الشمس العظيم؟ وأين عربتها الذهبية؟ وأين جيشها العظيم الذي بلغ سبعين ألف مقاتل خاضت معهم وبرفقتهم أعظم الحروب مرتدية زي الفرسان برفقة قائد جيشها زَبدة لتصلَ إلى مصرَ وشواطئ البسفور وهو النيل العظيم يهمسُ لها أنّ جدتها كليوباترا تفتخرُ بها، وكم كانت تحملُ من أحلام جدتها وقد تفوقت عليها في الجمال وقوة الشخصيّة والحكمة وهي المثقفة التي تتقن عدة لغات، المولعة بدراسة التاريخ والفلسفة وقد قربت الفلاسفة من العرشِ أمثال لونجين.

سألت عن سنة ولادتها لانعلم بالتحديد سنة ولادتها

لا نعلم بالتحديد متي ولدت زنوبيا ملكة تدمر العظيمة ولو قيل أنها تولت الحكم (267م) كما أن اسمها الحقيقي وأصلها موضع خلاف بين الدراسات العربية ونظيراتها الأجنبية فقد زعمت المصادر العربية أن اسمها الزباء بنت عمرو بن الدرب بن حسان بن اذينة بن السميدع السميعة وبعض المصادر العربية ذكرتها باسم زينب وأن الزباء ما هو إلا لقب يشير إلى الجبروت والقوة فإنّ بعض الدراسات الغربية تنكر الأصل البدوي لزنوبيا وتذهب الي أنها سليلة أسرة ذات ثقافة هيلينية وأن والدها يدعى انطيوكوس وهو اسم يوناني يوحي بأصلها الغير عربي كان قائد الفرسان ...

الا أن المجمع عليه بكافة المصادر أنها كانت زوجة أذينة حاكم تدمر إحدى مدن الامبراطورية الرومانية والذي خاض حروبا ضروساً مع الفرس وعند اغتيال زوجها أذينة على يد المتمردين من جيشه. قررت أن تستكمل رحلة زوجها في توطيد دعائم وأركان مملكته الواقعة  في سورية فصارت الوصية على حكم ابنها الصبي بعد وفاة والده والمسؤولة عن تنشئته ...هذا يقودنا إلى تساؤل مهم بالتاريخ ..لماذا تكون الأم الوصية على حكم أبنائها الملهمه لهم دوما سلباً وايجاباً ولماذا هذا الاتصال الوثيق بين الأمّ ووليدها الجالس على كرسي العرش؟!! إنها غريزة الأمومة والتي يمكن ترجمتها عبر كيمياء الجسم فهرمون اوكسيتوسين المعروف بهرمون الترابط هو المسؤول عن تقوية العلاقة بين الأم وطفلها والذي يفرز بكميات كبيرة عند الولادة والرضاعة الطبيعية ...إنّ الأمر لا يتوقف عند هذا البعد الهرموني فجينات الأم هي التي تحدد مقدار ذكاء الطفل بنسبة ٤٠-٦٠ في المائة وليس الأب بحسب دراسة بريطانية قام بها باحثون في غلاسكو فالأمهات ينقلن جينات الذكاء لأطفالهن لأنّهن يحملن زوجين اثنين من كروموسوم اكس في حين يحمل الرجل كروموسوم اكس واحد فقط ...

ثمة تساؤل آخر لماذا تتفوق المرأة دوما في تحمل المهام المتعددة مقارنة بالرجل؟ لقد كشفت دراسة نشرتها مجلة رويال سوسايتي عن الهرمونات الجنسية هي الأعلى في النساء عن الرجال كما أنّ الأستروجين الهرمون الأنثوي له تأثير على الدماغ معززا السيطرة الإدراكية ويمنع الاستجابات غير السلمية .

نعود إلى زنوبيا وإدارتها الفريدة لمملكة تدمر والتي شهدت نشاطا اقتصاديا مزدهرا بحكم الموقع الفريد لمملكتها وسط سورية بين وادي الفرات والبحر المتوسط كما كان لديها جيشا مدربا ساعدها على التمدد خارج حدود سورية مستغله الاضطرابات السياسية داخل روما فأنفصلت بمملكتها عن روما استقلالا غير معلن ونجحت في السيطرة على مصر ولكن مع تولي اورليانوس حكم روما عادت روما إلى قوتها وبدا له أن اخضاع مملكة زنوبيا لابد وأن تكون في مقدمة أولوياته فخاض ضدها ثلاثة حروب ألحقت الهزيمة بها، و سيناريو النهاية لزنوبيا من الأمور المحيرة مع الصمت المطبق للآثار  المكتشفة لفترتها والتي لا تبوح بنهاية ملكة عظيمة سادت العالم القديم ...

إلا أن ظاهر الأمور قد تتبنى فكرة تسامح الامبراطور الروماني معها والا لما بقيت آثار مملكتها حتى اليوم متحدية الزمن بقسوتها. ورغم كلّ الأحداث تبقى زنوبيا سيدة وملكة ملكات الشرق القدوة للأحفاد في الحكمة ومحبة البلاد وتوثب المطامح لبناء دولة قوية تزاحم أقوى الممالك.

 

أستاذة راغدة شفيق محمود الباحثة السوريّة في علوم اللغة.

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصريّ.

 

510 كريم مرزة الاسدي18 - شعراء الواحدة وشعراء اشتهروا بواحدة . دار العيسى للطباعة والنشر والتوزيع - 222 ص النجف - 2017 م.

- رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية ببغداد 4168 لسنة 2017م.

19 - (إخوانيات وطرائف شعراء النجف، وشوقي وصحبه)، - دار الياسمين للطباعة والنشر - 180 ص النجف - 2018م.

- رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية ببغداد 3803 لسنة 2018م.

20 - قضايا شعرية...إملائية...لغوية....نحوية ...بلاغية)، دار الياسمين للطباعة والنشر - 318 ص

- النجف - 2018م .

- رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية ببغداد 3804 لسنة 2018م.

شعراء الواحدة وشعراء اشتهروا بواحدة

الفهرس

المقدمة

1 - المنخل اليشكري: إِنْ كُنْتِ عَاذِلَتِي فَسِيرِي

قصيدة فتاة الخدر

إِنْ كُنْتِ عَاذِلَتِي فَسِيرِي** نَحْوَ الْعِرَاقِ وَلاَ تَحُورِي

2 - دَوْسَر بن ذُهَيْل القُريْعيّ:

وقائلـةٍ مَا بالُ دَوسَرَ بَعدَنَــا ******* صَحَـا قلبُهُ مِنْ آلِ لَيْلَى وعنْ هِنْدِ

3 - دوقلة المنبجي / اليتيمة

رؤى جديدة وأسئلة مثيرة

هل بالطُّلول لِسائِلٍ رَدُّ؟***** أَمْ هل لها بِتَكَلُّمٍ عَهْـــــــدُ؟

4 - ابن زريق البغدادي

لا تعذليه واحدته، وعصره وقصته، رؤىً جديدة.

لا تَعــــذَلِيه فَإِنَّ العَــــذلَ يُولِعُـــهُ***قَد قَلــتِ حَقاً وَلَكِـــن لَيـــسَ يَسمَـعُهُ

5 - خُراشَة بن عمرو العَبسي:

أَبَى الرَّسْمُ بالجَوْنَيْنِ أَنْ يَتَحَوَّلاَ * وَقد زَادَ بَعْدَ الحَوْلِ حَوْلا مُكَمَّلاَ

6 - أبو ذؤيب الهذلي:

أَمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ * والدَّهْرُ ليسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ

7 - مالك بن الريب

مالك بن الريب يندب نفسه:

تقول ابنتيْ لمّا رأت طولَ رحلتي ** سِفارُكَ هذا تاركي لا أبا ليا

8 - حِطّان بن المُعَلَّى:

وإنّـمــا أولادُنــا بيننـــا ***أكـبــادُنـا تمشــي علــى الأرضِ

9 - الشنفرى: لامية العرب:

أَقِيمُـوا بَنِـي أُمِّـي صُـدُورَ مَطِيِّـكُمْ**** فَإنِّـي إلـى قَـوْمٍ سِـوَاكُمْ لَأَمْيَــــلُ

10 - بشامة بن حزن النهشلي

إنّا محيّوكِ يا سلمى فحيّينا ***وإنْ سقيتِ كرامَ الناسِ فاسقينا

11 - سحيم عبد بني الحسحاس:

عمــيرةَ ودِّعْ إن تجهَّزتَ غاديا *** كفى الشَّيبُ والإسلامُ ناهيا

12 - توبة بن الحمير:

نأتْكَ بليلى دارُها لا تَزورها ***وشــــــطّت نواها واستمَّر مريرُها

13 - الأحيمر السعدي:

عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذ عوى** وصوَتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ

 

14 - عروة بن أذينة:

إن التي زعمت فؤادك ملـّـها ***خُلقت هواك كما خُلقت هوى لها

15 - أبو الشمقمق:

برزتُ من المنازل والقبابِ** فلم يعسر علـى أحدٍ حجابي

16- أبو الحسن التهامي:

حكم المنية في البرية جـــارِ **** ما هذه الدنيا بدار قرارِ

إخوانيات وطرائف

شعراء النجف، وشوقي وصحبه

الفهرس

الباب الأولى

الفصل الأولى:التمهيد: ليس تعصباً، بل تراثاً كبيرا...!!!

الفصل الثاني: عصر بحر العلوم وكاشف الغطاء حتى معركة الخميس

الفصل الثالث : مسألة التحكيم:بحرالعلوم حكماً بين النحوي والنواب،والأعسم يقرض..!

الفصل الرابع: مساجلات شعريّة، ومعارك الخميس الأدبية

الفصل الخامس: بغداد والحلة تنهضان بعد عصر المرجعين بجيلٍ وجيلين.

الفصل السادس: حقبة العشرة، هل كانت مُبَشِّرَة ؟!!

الفصل السابع: السيد جعفر الحلي أشهر مشاهير الأخوانيّات والطرائف...!!

الفصل الثامن: الشيخ جواد الشبيبي "الكبير" مواقفه وطرائفه

الفصل التاسع: الشيخ محمد علي اليعقوبي والانتخابات العراقية ثم أخوانيّاته وطرائفه

الفصل العاشر: الصافي النجفي بين معانيه وجهاده وتشرّده

الباب الثاني

الفصل الأول: أحمد شوقي: شوقي إليه طفلاً..!!

الفصل الثاني: أحمد شوقي بين أم كلثوم وعبد الوهاب وبيني.

الفصل الثالث: شوقي وحافظ ومن حولهما - طرائف ومواقف.

الفصل الرابع: أحمد شوقي ومَنْ حوله - طرائف ومواقف.

قضايا

شعرية...إملائية...لغوية...نحوية...بلاغية

الفهرس

الفصل الأول: خمس قصائد وأغنية للمؤلف

قصيدة الشهيد: وَكُـلُّ صَخْرَةِ قَـاع ٍتَقْـذِفُ الزَّبَدَا

الدامغة: (أناتك لا تعجلْ عليَّ مُرائيا)

حنانيك لي بين الفراتين ِ أضلعُ

قصيدة للطالبي مهداة لكاتب هذه السطور تحت عنوان ( وميضٌ يرتل طاعته ) : حكايا أبي مِن سنبلِ النورِ تسطعُ

عاش العراقُ، ليبقى فوقَ مَـــــنْ وصفا

صرخاتٌ على عثراتٍ للتاريخ ... ولا نعرف ما الآتي

6 - أغنية إلى ليلى برقية ارتجالية !!

الفصل الثاني : قواعد كتابة الهمزة بجميع مواقعها والألف اللينة، وتعريفهما

الفصل الثالث

حروف العلة واللين والمد لغةً، ودورها في الشعر العربي

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة

الفصل الرابع: مسائل نحوية

أ - ما الكافة المكفوفة، ومشاهد نحوية أخرى

ب - المنصوب بنزع الخافض في الجملتين الفعلية والاسمية

الفصل الخامس

تطورعلم البديع حتى البلاغة...!!

الحلقة الأولى: البديات

الحلقة الثانية: بديات الصريع ودور ابن المعتز في ترسيخ (البديع)

الفصل السادس

من شعراء الواحدة أو اشتهروا بواحدة - المقنع الكندي: تحليل قصيدته

يُعَاتِبُنِي فِي الدَّيْنِ قَوْمِي وَإِنَّمَــا**** دُيُونِيَ فِي أَشْيَاءَ تُكْسِبُهُمْ حَمْدَا

نقدياً وبلاغياً وعروضياً

الفصل السابع

غزلٌ ونسيبٌ وتشبيب حتى الوصول إلى ابن زيدون

1 - الحلقة الأولى: المتنبي وخولته ...امرؤ القيس وفاطمته، وكعب وبردته استطراداً

2 - الحقلة الثانية: عروة بن أذينة والشريف الرضي والسيد جعفر الحلي

3 - الحلقة الثالثة: الحبوبي بكأسه، والجواهري بعريانته

الفصل الثامن

ابن زبدون: حياته شعره وولّادته

1- الحلقة الأولى: ابن زيدون عـاد يُبكيـنـا، والولادة لِمَن يشتهيها...!!

2 - الحلقة الثانية: ابن زيدون بين ابن عبدوس والولّادة،الخاطفُ والمخطوف...!!

3 - الحلقة الثالثة: ابن زيدون بين موقفٍ ضيّعهُ وشعرٍ أبدعهُ

ابن الرومي والبحتري استطراداً

4 - الحلقة الرابعة: ابن زيدون: يَجْرَحُ الدَّهْرُ وَيَأسُو

الفصل التاسع

الحصري القيرواني:(يـا لـيـلُ: الـصَّـبُّ مـتـى غَدُهُ؟)

مسيرة حياته ..قصيدته نقداً وتحليلاً

الفصل العاشر

السرقات الأدبية ما لها وما عليها ...!!

بين النحل وتوارد الخواطر ونظرية التأثر والتأثير

الفصل الحادي عشر

الإنسان بين عظمة الخالق وإجرام المخلوق

الفصل الثاني عشر

تقاريظ الشعراء، ومساجلاتي معهم، ومعارضاتهم لي

الفصل الثالث عشر

تكريم الأمة... التكريم الحقيقي

عينة (120 تعليقاً ومنشوراً) من التعليقات والمداخلات على الصحف والمواقع وشبكات التواصل لشعراء وأدباء عراقيين وعرب من بين آلاف غيرها.

..........................................

ستنقح هذه الكتب الثلاثة، وتطبع في بغداد أوفي قطر عربي آخر بإذن الله.

إصدارات المؤلف:

1 - ( وطني ...) - دار الوراق للنشر والتوزيع - قطع وسط - 192 ص - 1997 م، دمشق .

2 - (حصاد أيّام وأيّام ) - دار الوراق للنشر والتوزيع قطع وسط - 156 ص -1998م - دمشق 3 - (ملحمة وقصائد شعرية) - نشر ورسوم الفنان عيسى يعقوب - قطع كبير - 154 ص - 1999 م - دمشق .

4 - (للعبقرية أسرارها ...تشكّلها ...خصائصها...دراسة نقدية مقارنة) - دار فجر العروبة للنشر والتوزيع - دمشق 1996م - 208 ص - قطع كبير .

5 - (نشأة النحو العربي ومسيرته الكوفية ...مقارنة بين النحو البصري والنحو الكوفي) - دار الحصاد للنشر والتوزيع - دمشق - 2003م - 208 ص - قطع كبير .

6 - (تاريخ الحيرة ...الكوفة ... الأطوار المبكرة للنجف الأشرف) - النجف 2007 م - 336 ص - قظع كبير . (طبعتان، ونشر في دوريات أخرى)

7 - - ( شذرات من الأيام ...) - النجف 2012م - 270 ص - قطع كبير .

8 – ( كتاب العروض والقوافي والضرائر الشعرية ) 354 ص – دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع - عمان - 2015 م.

9 – الشذرات الباقيات – ما بين نشأة النحو وأسرار العبقرية والسرقات الأدبية والإشعاعات العلمية للحضارة العربية وتاريخ البصرة وأسرار الخلية. – 270 ص – دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع - عمان - 2015 م.

10– الديوان – قصائد موشحة بحزن العراق – مجلد 270 ص - دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع - عمان - 2015 م.

11 – شعر وشعراء – دراسات أدبية وقراءات نقدية - الجزء الأول - شعراء جاهليون وإسلاميون - 204 صفحة - دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع -عمان - 2015 م.

12 – شعر وشعراء – دراسات أدبية وقراءات نقدية - الجزء الثاني - شعراء عباسيون - 304 صفحة - دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع - عمان - 2015 م.

13 – شعر وشعراء – دراسات أدبية وقراءات نقدية - الجزء الثالث – شعراء معاصرون 256 صفحة - دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع - عمان - 2015 م.

14 - الهاشميات الديوان - 2 - قصائد عن آل البيت - 120 صفحة - النجف - 2015 م . دار العيسى للطباعة والنشر والتوزيع .

الكتب المعاد طبعها:

15 – نشأة النحو العربي ومسيرته الكوفية – مقارنة بين النحو الكوفي والنحو البصري - الطبعة الثانية – 250 صفحة - دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع - عمان - 2015 م.

16 - للعبقرية أسرارها ...تشكلها ... خصائصها ... دراسة نقدية مباشرة - الطبعة الثانية - 250 صفحة - دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع - عمان - 2015 م.

17 - (تاريخ الحيرة. . . الكوفة. . . الأطوار المبكرة للنجف الأشرف) - النجف 2007 م - مطبعة الفرقان - 336 ص – قطع كبير. استنساخ للطبعة الأولى 2015 م

18 - شعراء الواحدة وشعراء اشتهروا بواحدة . دار العيسى للطباعة والنشر والتوزيع - 222 ص النجف - 2017 م.

19 - (إخوانيات وطرائف شعراء النجف، وشوقي وصحبه)، - دار الياسمين للطباعة والنشر - 280 ص النجف - 2018م.

20 - قضايا شعرية... إملائية... لغوية.... نحوية ...بلاغية)، دار الياسمين للطباعة والنشر - 318 ص - 2018م - النجف.

المؤلف المخطوط:

21 - دعبل بن علي الخزاعي الوجه الآخر للشعر العربي.

 

كريم مرزة الأسدي

 

 

508 درية فرحاتصدر حديثاً عن دار الأمير في بيروت مجموعة قصصية تحت عنوان "اِحكي يا شهرزاد " لمؤلفتها الدكتورة درّية فرحات.

المجموعة التي عرّفتها المُؤلِفة بالتالي:

"شهرزادُ سكتَتْ دهرًّا عن الكلامِ المباحِ عند الصّباح... فالكلامُ في الصباحِ مؤشرٌ لنهايتِها.

الكلامُ مباحٌ سرًّا ..أمّا في العلنِ فهو كلامٌ غير مباح.

هذا وقتُك يا شهرزادُ لتقولي عمّا في خاطركِ وعمّا في قلبكِ من شجونِ الحبِّ والألم ... منَ الانتماءِ إلى الوطنِ والإنسانيّة ... منْ أحاسيسِ الطّفولة.

في ثنايا هذا الكتابِ حكاياتٌ لشهرزادَ منْ هنَا ومنْ هناكَ... مواقفٌ من معاناتِها ومن أزمتِها في مجتمعِها بقالبٍ فنيّ سرديّ...

احكي يا شهرزاد في الصّباح والمساء... في الخفاءِ والعلنِ ...في ريعانِ شبابِكِ وفي أرذلِ العمر..

لأنّ حياتَك ملكُ يديكِ ..."

وكان قدّم للمجموعة القصصية الدكتور محمد حسين بزي ، وممّا جاء في تقديمه:

" أن تكتب عن الأدب؛ يعني أن تغتال كلماتك قبل شرفة الورق ..

يعني أن تنسى نفسك وتسافر عميقًا في روح النص الذي تتنفس .. أن تحياه طويلاً بروحك دون أن تلتفت وراءك؛ إلّا إذا ما انتبهت إلى دمك وقد ازداد ضخّه في عروقك على وقع الجمال.

وأن تعيش الأدب؛ يعني أن تسلبك الدهشة حتى حقك في النقد إلى حين .. هكذا بدأت رحلتي مع جماليّات نصوص العزيزة الدكتورة درّية فرحات في مجموعتها القصصّيّة "اِحكي يا شهرزاد" .

شهرزاد التي كانت يومًا آخر النساء في حياة الملك شهريار، الملك الذي اعتاد أن يتزوج كل ليلة بعذراء ثم يقتلها في الصباح انتقاماً من خيانة زوجته ..

شهرزاد هذه لم تكن مجرّد ابنة وزيره الجريئة؛ والتي تروي له القصص على مراحل مترابطة في "ألف ليلة وليلة" كي تضمن عدم قتلها في الصباح، بل كانت نقلة نوعية في أدب القصّة (الطويلة)، وكانت ذكيّة وفطّنة إلى حدّ أنّها استطاعت البقاء على قيد الأحياء في حياة شهريار، بل وأن تصبح حبيبته وملكته وآخر نسائه.

وكانت شهرزاد (فيما بعد) مصدر إلهام لكثير من الفنّانين، أشهرهم ريمسكي كورساكوف الذي ألّف سيمفونيته الخالدة باسم "شهرزاد".

هكذا غلبت سلطة القصّة (الأدب) سلطة السيف؛ وكانت شهرزاد التي نعرف. 

أمّا "شهرزاد" التي تحكي الآن فأمرها مختلف تمامًا، فشهرزاد تلك كانت تحكي من تلقاء نفسها أو من قلق خوفها أو من شدّة حنكتها؛ قلْ ما شئت، لكنّها دون ريب كانت مهجوسة بالانتظار وما سيؤول إليه أمرها.. لكن "شهرزاد" هنا لم تنتظر بأية قصة، من "تعويض" حتى "منتدون"، وقد قاربت الشعر في أواخر قصصّها. ولم تنتظر أية مكافأة، وقد أدلت برأيها صراحًة أو إلماحًا حسب سياقات نصوصها.

"شهرزاد" هنا لم تناضل من أجل أن تبقى (هي) على قيد الحياة كجسد؛ بقدر ما ناضلت لتبقى الحياة على قيد الإنسان كمبدأ يشتعل بالعدل والكرامة، فضلاً عن الحبّ الذي هو أساس المُثل بتعبير الصّوفيّين.

"شهرزاد" هنا تناضل وتهتم بالورد والزرع والوطن والدمع والجمال والمرأة  والرجل والحبّ والكبرياء والمجتمع والمحافل العلمية والأكاديمية والتكنولوجيا وتطوير المفاهيم، وأحيانًا تجنح للحفر الفكري لاستخراج المبادئ المؤسّسة للقيم الاجتماعية العليا، وكلّها بحبكة القصة القصيرة، وهنا كانت براعة دريّة فرحات وفرادتها ومائزتها عن شهرزاد الأولى. باختصار، "شهرزاد" هنا؛ أديبة رؤيوية حقَّ لها أن نحتفل بها.

تقع المجموعة في 136 صفحة من القطع المتوسط موزّعة على 34 قصة قصيرة

 

501 الخال واضرابهمن الدروس الأولى التي تعلمتها في مقتبل العمر وأنا أضع قدمي على أول السلَّم في عالم الكتابة، هو كيفية تدوير الكلمة الواحدة إلى كلمات متعددة الألفاظ متحدة المعنى أو قريبة منها، لأن القدرة على التدوير تعطي للكاتب مهارة تدوير الجملة الواحدة وتقليب كلماتها بسلاسة، أو ما يعبر عنها بالإجترار الأدبي تمثلا بالجمل الذي يأكل الطعام ويخزنه ثم يجتره لوقت حاجته، فعندما نقول: جاء الرجل، فنجتر الكلمة أو العبارة فنقول: قدم المعلم أو أتى الطالب أو حلّ الضيف أو أناخ البعير، وأمثال ذلك، فالكلمة الواحدة اختلفت في اللفظ ولكنها اجتمعت في المعنى وهو الحلول في المكان والقدوم والإتيان والإناخة وهكذا، وكنا نكثر من اكتشاف الكلمات المترادفة واجترار الجمل المتشابهة.

ولأن النفس ولعت بعملية المترادفات والإجترارات كنا نضع الأوراق في جيوبنا ونقوي الذاكرة عليها وبها نحسِّن من أسلوب الكتاب وتزويقها بالعبارات الأدبية المجترة، وكان معجم اللغة قائدنا في هذه المنافسة الأدبية يهدينا الى الجملة الأدبية تلو الأخرى، والسعادة تغمرنا عندما نجتر للجملة الواحدة عشر جمل أو أكثر، وكنا ندرك أن الإستغراق في هذا النوع من الممارسة الكتابية اليومية تصقل القلم والذهن فضلا عن الذاكرة، وكنا نكثر من حل الكلمات المتقاطعة في الصحف والمجلات لأنها تخدم الذهن وتشعل في الإنسان روح المنافسة مع الذات لاستحضار الكلمات ومترادفاتها وصنوها، وهذه الملكة لازمتني حتى يومك هذا، ويستحضرها الذهن عند الشروع بكتابة مقالة وما شابه.

ولا يخفى على ذي بصيرة أنَّ اللغة العربية وغناها تساعد الكاتب بشكل كبير وفاعل على خلق المترادفات في الكلمات واجترار العبارات والجمل المتشابهة أو القريبة في المعنى والمختلفة في التشاكل والألفاظ، أو ما يعرف بالمشتركات اللفظية، وهذا يظهر جليا في قصائد الشعراء التي تنتهي قوافيها بكلمات مشتركة الألفاظ مختلفة المعاني، أو ما يعرف في أحد أوجهه بالجناس، على ان المشترك اللفظي في بعض الأحيان أو أكثره أقوى من أدب الجناس نفسه، فمن الجناس الجَنّة بفتح أوله والجُنّة بضم أوله والجِنّة بكسر أوله، فالمعاني الثلاثة مختلفة بفعل الحركة وإن اتحد اللفظ، ولكن في المشترك اللفظي الأغلب أن يتحد اللفظ مع الحركة والتشكيل وتبقى للكلمة أكثر من معنى بل عشرات المعاني وقد تفوق الى أكثر من مائة معنى بل المئات كما في كلمة (الجمل)، وهذا ما يعطي الأديب بعامة والشاعر بخاصة مرونة ما بعدها مرونة في تطويع القافية ونظم القصيدة على منوال واحد مختلف المعنى بين بيت وآخر، وقد يحتاج القارئ وحتى اللبيب منهم إلى استخدام معاجم اللغة للوقوف على معنى البيت بخاصة إذا خلا من دالة أو علامة يهديه الى المعنى.

وحتى لا نستغرق في شرح المعميات والمبهمات، فإن الشاعر الجزائري الدكتور عبد العزيز مختار شبِّين المقيم في العاصمة البريطانية لندن، سهّل علينا الدرب بكتابه الصادر حديثا (2018م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت تحت عنوان: (الخال وأضرابه في قوافي الشعراء على ضوء دائرة المعارف الحسينية للكرباسي) في 359 صفحة من القطع الوزيري.

قواسم لفظية ومجازات

إنّ القول بالمترادف اللفظي أو المشترك اللفظي، هو مذهب كثير من أصحاب اللغة والأدب، لكن المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي كما يؤكد الدكتور عبد العزيز شبين في مؤلفه الجديد، لا يرى ما يرون، فما يراه البعض مترادفا إنما هو من المجاز اللفظي المتحد مبنى والمنفصل معنى، وقد: (توصَّلَ من خلال دراسته لجذور اللغة العربيّة أن المُفردَةَ فيها لَمْ توضع إلاَّ لمعنًى واحد، ولا سبيل إلى القول بأنَّها وُضعتْ لأكثر من مغزًى سواءً بدأ هذا الوضع من عمل الإنسان، أو أنه بدأ منْ أعلام الأشياء، فعلى الأول –كما يرى– يكون الفعلُ مصدرًا للاشتقاق من حيثُ الوضْعُ، لا من حيثُ الصَّرْفُ، وشاهدُه في ذلك قوله: يقومُ المرءُ بفتح الباب فيُشتقُّ منهُ المفتاح، الذي هو آلةُ الفتح، وقدْ يكونُ الإسمُ الدَّالُ على الشَّيء مصدر الإشتقاق اللُّغوي في الوضع دون الصَّرفِ، كالأسد يُشتقُّ منه الفعلُ تأسَّدَ، ويراه راجعاً إلى طبيعة الوضع وظروفه، وهو في نظره يخضَعُ لحاجة الإنسان إلى تحديد ما يتعامل معه من الرُّموزِ، التي اصطُلح عليها بالأسماء والأفعال والحروف).

وللوقوف أكثر على التمايز القائم بين المشترك اللفظي والمجاز اللفظي، وعلى رأي المحقق الكرباسي من خلال استعراض عدد من مؤلفاته في اللغة والأدب والعروض، وبيان نماذج من القصائد في هذا الحقل، فإن الدكتور شبين استهل كتابه بمقدمة أدبية جميلة ليسري بنا في وهدأة الأدب إلى "تمهيد" أبان فيه "معنى الخال" موضوع الكتاب، واستوضح من بصيص ضوئها "تعريف القافية" ومن صخرتها عرج على "تعريف الشعر" ليدخل منه إلى فضاء الإشتراك اللفظي في القصيدة العربية ومثالها "كلمة الخال في الشعر الجاهلي"، وبعدها يسبح في فضاءات الأدب ليكشف لنا في سماء الفصل الأول عن "نظرة العلامة الكرباسي إلى الخاليات"، و"كلمة الخال في قوافي الشعراء"، وينتقل في براق أدبه الى الفصل الثاني مظهرا لنا "أضراب الخال في قوافي الشعراء"، والأضراب هو جمع الضرب وهو المشابه من النوع أو الصنف أو الهيئة، ومن حيث بدأ المؤلف عروجه يهبط إلى "الخاتمة".

كانت بداية إنطلاق فكرة هذا الكتاب هو صدور الجزء الأول من ديوان القرن الثاني عشر سنة 2009م لمؤلفه الموسوعي المحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي، وهو أحد أجزاء دائرة المعارف الحسينية التي تربو على التسعمائة مجلد صدر منها حتى يومنا هذا 125 مجلدا، وفيه مهّد لهذا الديوان بالحديث عن الإبداع الأدبي شعراء هذا القرن الذين نظموا في النهضة الحسينية وفي غيرها، ومن ذلك القصيدة الخالية وأمثالها وأضرابها وأشباهها، فعرّج على الأديب والمحق الشيخ سليمان بن عبد الله الماحوزي البحراني المتوفى سنة 1121هـ الذي أبدع في قصيدته الخالية وعليه سار الشعراء الناطقون باللغة العربية من كل حدب وصوب، حيث يقول من بحر الطويل:

علامَ سقى خدَّيكَ من جفنك الخالُ *** أمِنْ ربواتِ الدَّوِّ لاحَ لك الخالُ

وأسهرَ منك الطرفَ إيماضُ مَبْسَمٍ *** مِنَ الدَّوْرَةِ النُّورِيِّ أمْ أَوْمَضَ الخالُ

ونشر الخزامى نَبَّهَ الوَجْدَ منك أم *** مِنَ الشُّكَّرِي فاحَ البَنَفْسَجُ والخالُ

ويستمر الشاعر في قصيدته على النسق ذاته، وحيث يتحد اللفظ شكلا وتشكيلا مع اختلاف في المعنى، وهذا ما يبحثه الشاعر الجزائري في مؤلفه، منطلقا من هذا الجزء ومن المؤلفات الأخرى للأديب  الكرباسي من قبيل قصائده الخالية التي انتظمت في ديوان "الإيناس بلآلي الجناس" الصادر عام 2014م بتقديم وتعليق الشاعر شبِّين نفسه، والذي ضمَّ خمسين قصيدة على نمط الخاليات، استهدى بها المؤلف الذي يرى في المقدمة أن: (حديث الأدب فنون وألوان، منبعه من الإلهام رافدان: العاطفة والفكرة، ولهذين الرافدين مصادرُ تجلعهما ثرَّين على الدوام لا ينضبان، الحب والأخلاق والتأمّل، وفي كل مصدر من هذه المصادر تنبض الحياة الإنسانية، فتصفو أمامها المناهل، ويسمو في رؤاها الخيال مجنَّحا نحو معارج الكمال).

وحيث يظن القارئ أن القصيدة الخالية نظمها شاعرها في وصف الخال أو الشامة أو الوشمة في خد الحبيب أو الحبيبة فحسب، ولكنها في حقيقة الأمر نمط آخر من القصائد ذات أغراض مختلفة وإن اشتركت في المطالع الغزلية والحبِّية والتشبيبية، وبتعبير المؤلف: (لسنا من المؤمنين بنظرية الأدب للأدب بمعزل عن محيط الأديب، وما تمتزج فيه من مؤثرات نفسية ومذهبية واجتماعية وسياسية وفلسفية وتاريخية وحضارية، فأي عمل في مجال الآداب والفنون هو تراكم معلومات ومعارف)، ولهذا استخدم الأديب الكرباسي اللفظة الواحدة في أوجه كثيرة صاغ منها قصائده الخالية، وبتعبير المؤلّف: (اللغة هي وعاء يتفاعل فيه عاملا الشعور والقراءة، ممتزجين لتظهر اللذة في صورة مُحدثة، من نص أدبي شعرًا كان أم نثرًا).

من روائع الخال

لا يخفى أن أقرب معنى للخال هو أخو الأم، والخال هو مضرب مثل لهذا النمط من القصائد، على أن الخال هو لفظ واحد ينحدر من عليائه أكثر من مائة معنى، ومن مصاديقه "الشامة" كما في قول أمير المقاومة الجزائرية الشريف عبد القادر بن محيي الدين الجزائري الحسني المتوفى سنة 1300هـ من بحر الطويل:

خليليّ وافت منكم ذات خلخال *** تتيه على شمس الظهيرة بالخال

تميس فتزري بالغصون تمايلا *** تروح وتغدو في برود من الخال

لها منطق حلو به سحر بابل *** رخيم الحواشي وهو امضى من الخال

ويمضي الأمير الجزائري في قصيدته الخالية، فالخال الأولى: الشامة، والثانية: الخباء، والثالثة: السيف.

أو قصيدة الشيخ الكرباسي من بحر مسدس الرجز المقبوض، منها:

يا صاحبي صف لي معاني الخالِ *** أنت يا صاحباً للخال

زدني بيانًا أستزد منه فضــ *** ــلًا روحي موئلي يا خالي

منك الوفا أحلى من القربى حتى *** لو أتى من خالتي أو خالي

فالخال الأولى في صدر البيت: مفردة الخال، والثانية في العجز: الشامة، والثالثة: الصاحب، والرابعة: أخو الأم.

أو قول الشاعر اليمني الحسن بن أحمد عاكش المتوفى سنة 1289هـ، من قصيدة من بحر الطويل:

نسم الصبا هبت وقد لمع الخالُ *** فهزت غصون الروض إذ جادها الخالُ

وغنى هزار الروض شجوًا وصفقت *** أكف زهور الورد إذ رقص الخالُ

فهاج لمفتون الصبابة وجدهُ *** بساكن نجدٍ حيث حلَّ به الخالُ

فالخال الأولى في الصدر: البرق، والثانية: الغيث، والثالثة: الخاطر، والرابعة: الفارس

وهكذا يقدم الدكتور شبّين في الفصل الأول نماذج من الشعراء في "كلمة الخال في قوافي الشعراء"، وهي كثيرة غزيرة الألفاظ راقية المعاني تفتح للمتلقي فضلا عن الشاعر آفاقا في واسعة من التعاطي مع جناس الخال ومجازاته.

من أضراب الخال

والقصيدة الخالية في حقيقة الأمر النموذج الأبرز لهذا النمط من القصائد، وإلا فإن الشعراء تفننوا في استخدامات الكلمة ذات المعاني الكثيرة فوظفوها في قصائدهم فجاءت الأبيات متناسقة وجميلة يحتفظ كل بيت منها بساكن جديد يختلف عن الذي قبله وعن الذي بعده وإن تشاكلت وحدة الأبيات في ظاهر قوافيها، وهذا ما يقودنا إليه الدكتور شبين في الفصل الثاني (أضراب الخال في قوافي الشعراء) حيث يفيدنا قائلا: (أَضْرابُ الخالِ مِنَ المُفرداتِ الكثيرةِ في قوافي الشِّعْرِ، وهي من الجناس الوافي أو التام أو مَا يُسمّى بالمُشترك اللّفظي، وقَدْ حاولتُ انتخابَ بعضِ القصائد والمقطوعات ذات القوافي المُتّحدة لفظاً، والمختلفةِ معْنًى، وللبلاغيين فيه وقفاتٌ شرْحاً وبَحْثاً، إذ جعَلُوه نوعاً من أنواعِ الجناسِ الذي استوفى كلَّ شروطِ الشَّبَهِ والمطابقة).

ومن المفردات اللغوية التي وفرت للشاعر حرية نسج أبياته على هذا المنوال، هي العين التي لها أكثر من سبعين معنى، ومن ذلك الأبيات التالية من قصيدة الشاعر اللبناني عمر بن محمد ديب الأنسي المتوفى سنة 1876م من بحر الطويل الأول:

هواك دَعَا عَيْنِي تَفيضُ عُيُونُهَا *** وَدَاعي الهَوَى يَا هِنْدُ لَيْسَ سِوَى العَيْنِ

وَيَا رَبَّةَ الخَالِ الَّتي شَابَ عَارِضِي *** بِهَا وَغَرَامي السَّالِفُ العَهْدِ كَالعَيْنِ

صِلِي وَاذْكُرِي العَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا *** بِجِلَّقَ لاَ في بَعْلَبَكٍّ وَلاَ  العَيْنِ

فالعين الأولى: الينابيع، والثانية: الحاضر، والثالثة: قرية قرب مدينة مرعش جنوب تركيا، ولما كانت القصيدة من خمسين بيتًا، فإن الشاعر قدّم للعين خمسين معنى، يعطي للقصيدة جمالية بالغة.

ومن (رموز الحب) هي عنوان قصيدة للشاعر المؤلف من بحر الطويل الأول يخبرنا ما تخفيه العين فينشد:

خَبِرْتُ رُمُوزَ الحُبِّ مِنْ رمْشَةِ العَيْنِ *** هِيَ المُقْلَةُ النَّعْسَى لِقَلْبي كَمَا العَيْنِ

قَرَأْتُ بِسِفْرِ العَاشِقينَ قَصيدَةً *** تَخَيَّرْتُهَا حَسْناءَ مِنْ دُرَّةِ العَيْنِ

نَوَاظِرُنَا تَاقَتْ إِلَى رَوْضةِ الهَوَى *** وَأنْفُسُنا هَيْمَى إلى مَوْرِدِ العَيْنِ

فعين صدر البيت الأول هي العين الباصرة، وعين العجز: الجاسوس، والثالثة: الذهب، والرابعة: النبع.

هذا ولدين العجوز ميدانه في أضراب الخال كما لبرد العجوز حضوره، وهذا شاعر يخاطب نفسه، من بحر الوافر الأول:

ألا يا نفسُ وَيْحكِ لا تَجوزي *** على بيتِ المُخدّرةِ العَجوزِ

وَجُوزي أنْ تَجُوزي في مَجازٍ *** يَجوزُ جَوازُهُ عندَ العَجُوزِ

دَعي عَنْكِ المِراءَ ففيهِ كُفْرٌ *** وَدِينِكِ فَالزَمِي دِينَ العَجُوزِ

فالشاعر هنا يدعو النفس إلى الإمتناع عن حضور مجالس الخمارين وعدم تناول العجوز (الخمر)، لأن الجواز نحو المعالي سيكون عند العجوز (القيامة)، ويطالبها بعدم المراء وتتبع دين العجوز (المرأة المسنة) لأنه دين قائم على الفطرة السليمة والإيمان المباشر من غير طلب دليل وبرهان والتسليم لله في أوامره ونواهيه.

وهذا الشيخ يوسف بن عمر الحلبي المتوفى سنة 1024هـ، يخاطب البرد القارص، من بحر الوافر:

عَذُولِي لا تَلُمْنِي في هَواهُ *** فلستُ بسامِعٍ نَبْحَ العَجُوزِ

تَرُومُ سُلُوَّهُ منِّي بجهْدٍ *** سُلُوِّي دُونَهُ شَيْبُ العَجُوزِ

كلامُكَ باردٌ مِنْ غَيرِ مَعْنىً *** يُحَاكِي بَرْدَ أَيّام العَجُوزِ

وحيث يغتر المرء بذهاب فصل الشتاء دون أن يتعظ من برد قادم أخبرت به عجوز وحذّرت منه قومها ولم يلتفتوا لتحذيرها فأصاب غنمهم الموت، على أن الهائم في حب محبوبه في البيت الأول لم يسمع نبح العجوز (الكلب)، فهو يطلب رغد العيش وأنى له ذلك وشيب العجوز (الغراب) حاضر في سمائه يُسمعه تراتيل الأسى. فالشاعر وظَّف "العجوز" في ستين بيتًا ومعنى مختلفا مع لفظ واحد.

وهذا الفقيه السيد محسن بن عبد الكريم الأمين العاملي المتوفى سنة 1371هـ يحذرنا، من بحر الوافر الأول:

أتعملُ طولَ دهركَ للعجوزِ *** ولا تخشى غداً حرَّ العجوزِ

ثم يحيلنا إلى برد العجوز ويدعونا إلى الإتعاظ، قائلا:

فَلاَ تَغْتَرَّ وَيْحَكَ بِاللَّيَالي *** سترميك الليالي بالعجوزِ

وأيَّامُ الرَّبيعِ رَأَيْتَ فِيهَا *** فَكَيْفَ رَأَيتَ أَيَّامَ العَجوزِ

فالعجوز في صدر المطلع هي (الدنيا) وفي عجزه (النار)، وفي الثالثة تحذير من (الداهية)، وفي الرابعة (برد الشتاء) وقسوة برد العجوز وأيامها. والقصيدة المتكونة من 101 بيت ومثلها من المعاني المختلفة تظهر عظمة الشاعر وبراعته في تقليب الكلمة الواحدة بين يدى المعاني المختلفة، وحسب وصف المؤلف: (فطريقة توظيف المفردات هي التي تحدد للنص أبعاده الفنية، ومعالمه الفكرية، ويتضح أسلوب الشاعر من ازدواجية العلاقة التكاملية بين اللغة والذات الشاعرة).

وهكذا يواصل الدكتور عبد العزيز شبّين في هذا الفصل مخبرًا قراءه عن مماثلات الخال مع ضرب الأمثال لها من نظم الأديب الكرباسي أو نظمه أو نظم شعراء آخرين، وعليه نقرأ في هذا الفصل قصائد بديعة تنتهي قوافيها بالجناسات التالية: "النشء"، "غربه"، "صليبا"، "سكبا"، "صبابه"، "الغرب"، "الحاجب"، "البيت"، "الجث"، "همج"، "لمحا"، "ملاحا"، "وضح"، "الذيخ"، "واجد"، "الندى"، "فراقد"، "أعبد"، "وقودها"، "يدُ"، "العهدُ"، "النجدُ"، "وردُ"، "وعودي"، "العمود"، "خنذيذا"، "قدرة"، "وتيرة"، "سرُّ"، "نشرُ"، "الغمر"، "مدار"، "عواري"، "العصفور"، "المرمر"، "العجوز"، "جلس"، "حلس"، "العرش"، "البوص"، "غرض"، "قضى"، "العرض"، "العروض"، "وخطا"، "السمط"، "الجواظ"، الرِّيع"، "الوَتغ"، "صفا"، "عرف"، "الحق"، "الخيفق"، "الروق"، "طبق"، "العتك"، "أهلا"، "الهوجل"، "الهلال"، "العلجم"، "السَّنَهْ"، "ركن"، "جاني"، "الدِّين"، "العين"، "الوجه"، "سهوه"، "الوحي"، و"الكي".

وينتهي بنا المؤلف بخاتمة يأخذنا معًا في فضاء القصيدة وتطورها وتعدد أغراضها، وتحولها في فترات زمنية إلى: (صنعة لفظية بأشكالها وفنونها، لتصبح همَّ الشاعر وانشغاله الدائمين، بعد بحثه عن لقمة العيش وتأمين النفس)، على أن الخاليات وأضرابها هي من ضروب الشعر التي ساهمت في تحريك الركود الشعري كما يفيدنا الأديب الكرباسي، ومن مظاهرها الإيجابية بنظر الدكتور شبّين أن: (الخاليات أظهرت تلك النهضة الشعرية والأدبية في الشرق العربي عمومًا وفي العراق خصوصا، ومن قيمتها رغَّبت الأمراء في النظم على منوالها ورأينا هذا في شخصية الأمير عبد القادر الجزائري، الذي أعادت إليه روح الشعر ورتابته)، ولا غرو أن لطافة قصيدة الخال وشفافية أضرابه حاكية بذاتها عن هذه النهضة الشعرية.

 

د. نضير الخزرجي - الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

499 يهود العراقعن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة ، صدر كتاب يهود العراق ودورهم في نشأة التعليم وتطويره من العام (١٦٥-١٩٧٣)، للباحث نبيل عبد الامير الربيعي ، وضم الكتاب مقدمة وثلاثة فصول ، تناول الباحث في الفصل الاول الجذور التاريخية منذ عهد الإمبراطورية الآشورية الاخيرة ، أو ما يسمى بسبي ( سامريا ٧٢١) ، ولغاية هجرتهم القسرية الاولى عام (١٩٥٠- ١٩٧٤) ، في حين أحتوى الفصل الثاني على تاريخ المدارس الدينية اليهودية في العراق وضم ثلاثة مباحث تناول الباحث في المبحث الاول منه دور المدارس الدينية اليهودية في العراق للفترة من (١٦٥-١٨٣٠) ، والمبحث الثاني تاريخ المدارس اليهودية في العراق للفترة (١٨٣٠-١٨٦٣) ، وفي المبحث الثالث وضح فيه الباحث دور مدارس الأليانس وأثرها التعليمي والثقافي للفترة من (١٨٦٤-١٩٥١) . وتناول الباحث في الفصل الثالث دور مدارس الطائفة اليهودية في رفع مستوى التعليم في عهد الانتداب البريطاني للفترة من عام ( ١٩١٧-١٩٢٠) وضم في طياته أربعة مباحث ، تناول الباحث في المبحث الاول تاريخ مدارس يهود العراق في عهد الاحتلال البريطاني للفترة من (١٩١٧-١٩٢٠) ، والمبحث الثاني وثق الباحث نشاط مدارس الأليانس الأسرائيلية في العهد الملكي وتناول في المبحث الثالث نفقات ومصادر المدارس اليهودية ونشاط المنظمات الصهيونية في المدارس اليهودية . والكاتب والإعلامي نبيل الربيعي باحث متخصص في كتابة وأرشفة تاريخ الأقليات في العراق وهو من مواليد ١٩٥٨ وحاصل على البكالوريوس في الإدارة والاقتصاد وعضواً في أكثر من نقابة وإتحاد من ضمنها نقابة الصحفيين واتحاد ادباء بابل وصدر للربيعي عدة مؤلفات منها:

اليهود في العراق منذ السبي البابلي والآشوري في عام ٢٠١٣ عن دار الرافدين في بيروت

تاريخ الديوانية السياسي والاقتصادي والاجتماعي (ثلاثة اجزاء) عن دار الفرات ٢٠١٥

آنور شاوؤل - رحلة الأسى وهمسات للزمن - الحلة دار الفرات في الحلة ٢٠١٥

لمحات من تاريخ يهود العراق ( جزأين) عن دار الفرات في الحلة ٢٠١٦

أضواء على النشاط الصهيوني في العراق - عن دار الفرات في الحلة ٢٠١٦

تاريخ يهود العراق ( جزأين ) عن دار الرافدين في بيروت ٢٠١٧

معجم أعلام يهود العراق - دار الفرات في الحلة ٢٩١٧

الريادة في مؤلفات الدكتور عبد الرضا عوض . عن دار الفرات في الحلة ٢٠١٧

الدرة البهية في تاريخ مدينة الديوانية في الحلة عن دار الفرات في الحلة ٢٠١٧

على ضفاف الفرات - ذكريات أيام مضت وأنقضت .ًمذكرات عزت سامسون الصادرة عام ١٩٨٠ -مراجعة وتحقيق - عن دار الفرات في الحلة عام ٢٠١٧

الشيخ إبراهيم بن سلمان القطيفي آخر علماء الحوزة العلمية عن دار الفرات في العرق ٢٠١٨

يهود الخليج ( البحرين - عُمان- الكويت ) عن دار الرافدين في بيروت عام ٢٠١٨.

الاستاذ الربيعي من الباحثين الجادين والمحايدين في الكتابة وأرشفة تاريخ الأقليات رغم أن الطريق في هذا المجال لايخلو من صعوبات بعضها إجتماعي غير معرفي فضلاً عن نقص المصادر في هذا الاتجاه ، وهذا العمل الموسوعي والتاريخي مهم في أرشفة تاريخ العراق لان الامم لا تنهض أو تتقدم بلا معرفة بتاريخها .

يقع الكتاب في أكثر من اربعمائة صفحة وضم في طياته احصائيات متنوعة وجداول وصور عن يهود العراق في نشأة التعليم في العراق.

 

د. نصير الحسيني

 

498 كلام ليس يسركمالكتابة حرفة وموهبة وليست صناعة ولملمة إنها جمع وليست تجميعا ً كل هذا في كتاب "كلام ليس يسرًكُم" للشاعر والكاتب اللبناني "بلال شرارة" صرخة ذاتية من واقع مؤلم.

إنتابتني موجة من الحزن والقلق، ورحت أقرأ هذه المقالات بتأمل، وتهتُ في إزدحام ِالرؤى الكثيرة التي يحملها هذا الكاتب والشاعر الوطني"شرارة" والمتشبث بقضايا الأمة التي انحدرت إلى الدرك الأسفل " "من هذا التاريخ المرير نحو مزيد من الانكسارات والانقلابات والحريات الأسيرة " ص207

مقالات لها صدى واسع على قلبي وعقلي المغلف من عدة طبقات انكسارية، حتى لامستُ ما كنتُ أحلم به منذ نعومة أظافري، ويبدو أن "شرارة " قرأ كثيرا عن الفلاسفة والشعراء الذين سبقوه والذين عاصروه .

" كم أودُ لو أني لا شيء " ! " هل أنت .

 حتى أطلقَ قلمه الحر الشريف ليغني عن ليلاه وليل الآخرين في هذا الكتاب، عبر صهيل جواده الداخلي ليقول لنا أشياءَ كثيرة مغموسة بلوعة الحياة، حتى أدخلني في لمحات من صيرورة هذه الحياة التي هي هوية وجودنا.وبتنا نخاف الأشياء من مسمياتها .

"عندما كنت حيا ً تطوعت مع الثورة "

وأنا أجد ذلك الشاعر والكاتب "شرارة " القادم من لبنان، وهو منهمك بتوزيع إصداراته الخمسة لعام 2017 في قاعة بنت جبيل، أراد أن يقولَ الكثيرَ، لأنه يملك إحساسا ًمتفوقا بالناس والأمكنة، وهو قريب إلى أحبته من مدينة " ديربورن " وهم من الفارين من عذابات الوطن

" ورأيتُ الموتَ مراتٍ ومرات "ياما " طاردني القصف والرصاص " ص17

فوجدتُه يشكوعبر توقيع هذه الكتب وكأنه يحملُ في صدره الكثيرَ الكثيرَ من الهموم والمآسي، ليس لأنه شاعر بل هو صاحبُ قضية ٍ وصاحبِ القلم الحر .

"أنا مقتنع تماما بما أفتى به الشاعر الصديق الأستاذ "حسن العبد الله " من أني لا أحتاج أن يقدمني أحد "ص7

هذا الكتابُ يقع في 215 صفحة من القطع المتوسط، ومن نشر دار عالم الفكر في لبنان، هذه المقالات التي يطلُ من خلالها "شرارة " هي دروس معرفية واضحة لكل من يتابعه فيها من العتاب لمن يعرفه، وهو يرسل لنا رسائله وكأنه يقلّب صفحاتِ حياته التي عاشها في لبنان بلغةٍ رشيقة فيها الكثير من الشفافية، وكأنه يُفلسفُ حياته التي شيدّها بآهاتِ الحزن والألم

" أنا متعبٌ من حملِ كل عمري على كتفي " ص207

والكثير من ملامسة الروح العاجة بالصور الحياتية، وكان يمكن أن يتمَ تطويع مادة الكتاب الى نص روائي، لأن الرواية تمتلك طاقتها في السرد أو ما يسمى " بالحكي " وشخوصه هي الأمكنة والأزمنة، والرواية هي سرد نثري يصف شخصيات خيالية أو واقعية واحداثا ً على شكل قصة،  فهي كالشريط السينمائي فيها بداية وعقدة وربما حتى حلول لمشكلات العصر، أو ربما الحل متروك للقارئ كما شرارة في مقالاته .

 يقول الدكتور" وجيه فانوس" سر ُ وجود بلال شرارة في هذه المقالات كما جوهر تعبيره عن هذا الوجود  يكمنان في الانطلاق الدؤوب والمصر من صدقية ما يكشفه بلال شخصي وآني في حياته.ص12 كما يضيف قائلاً " مع ما يعانيه بلال ويعانيه ويعبر به، فعل انطلاق إلى حقيقة كبرى للوجود ص13

ومن هنا فهو"شرارة "الشاعر والكاتب يهرب من عالم الإنسان الذي أوصله إلى ما هو عليه الآن .وهو يستصرخ الوادي الذي يتأمله يوميا كثيرا فيجد الإنسان الآن قد تغير كثيرا، فظلت فضاءات الكلمات في مخيلته باقية متشبثة بأنها هي المحرك الأساسي للبناء والتغيير، فكان للكلمة دور في بناء المجتمعات في المواقف العصيبة والأزمات، فهو يخاطبهم واحدا واحدا، فهو الأديب الذي يملك عقلاً واعيا متسلحا ً ًبالوعي والإيمان بالهدف . ولهذا يصرخ بالذهاب الى الحجر والشجر ليقول هناك كلماته ربما يجد لها صدىً واسعا لتحقيق أهدافه الإنسانية

" أنا سأذهب الآن إلى الوادي، وأدعو أشجاري وأطياري إلى المشاركة في إستفتاء عام على الانفصال عنكم " ص208

فتتحول الكتابة عنده كما تلقاها إلى ممارسةٍ خلابة لعفوية تداعي الأسماء والموجودات والدلالات، ضمن إمكانيات شديدة الإنفتاح لتشكلات رؤيوية ومضمونية، حتى تجده هو المتصفح إلى أوراق حياتنا نحن أبناء البشر الذين نعيش هذا القرن.

" عاطفة متلاشية لحب عتيق يتكور في الظل والسكت " ص50

فهناك الكثير من الثيمات القيمّة التي عالجها "شرارة" منها قضية فلسطين، ولبنان، الأم، الوطنية، حب الآخر الوحدة لدى الكاتب، الغربة وغيرها من المشكلات والأزمات .

" لعل الأشد روعة في "المقالات " وقد يكون منطلق سر الروعة عند بلال شرارة الإنسان والكاتب والمناضل وحتى المواطن، أن تبقى "فلسطين " و "الأم "في كتابته، مباشرة أو مداورة، صنوان لا يفترقان .

بقى أن نذكر أن الكتاب يقع في 214 صفحة من القطع المتوسط، وكان قد صدر من دار نشر عالم الفكر في بيروت .

 

قاسم ماضي - ديترويت

 

حسيب شحادةموسى بن حيم، ألف مثل ومثل في العربية المحكية وبترجمة عبرية. القدس: أكّادِمون ١٩٩١، ٢١٦ ص.

A Thousand and one Palestinian Proverbs

משה (מוסא) בן חיים, אלף פתגם ופתגם בערבית מדוברת ובתרגום עברי. ירושלים: אקדמון, 1991, 216 עמ’.

الأمثال والأقوال المأثورة كما يذكر بن حيم (هكذا يكتب اسمه بالعربية أي: حايم أو حاييم) في مقدّمته هي ”ملح الكلام ومصابيح الأقوال“.  هذا الكتاب مُعدّ للقارىء العبري، لا سيّما الإسرائيلي بغية التعرّف على الشعب العربي، عاداته وطريقة تفكيره، على حدّ قول الجامع في المقدّمة. لبن حاييم كتاب بعنوان ”اللغة كجسر، لتعليم العربية المحكية“ (بالعبرية) وكتاب آخر بعنوان ”حكمة الثور، مجموعة قصص حول الثقافة العربية“ (بالعبرية أيضًا). موسى بن حاييم ولد في العراق، خرّيج الجامعة العبرية في موضوعي اللغة العربية وآدابها وتاريخ الشرق الأوسط، كان مسؤولًا عن شؤون المسلمين في وزارة الأديان، كما علّم العربية المحكية وعمل في مركز بوبر في الجامعة العبرية في الأولپان اليهودي العربي. قام بن حاييم بجمع هذا الكم الضخم من الأمثال، أكثر من الألف، وتحديدًا ١٠٢٦ مثلًا، في غُضون عمله طويل الأمد في الوسط العربي في البلاد، وقد عاونه على ذلك أربعة أشخاص. يعتبر بن حاييم واحدًا من الخبراء اليهود البارزين بالثقافة العربية.  هذه الأمثال والأقوال موزّعة على تسعةَ عشرَ بابَا مثل: آدم وحوّاء؛ الحبّ والأُخوّة والكراهية والحسد؛ أقوياء وضعفاء وأغنياء وفقراء؛ حياة الإنسان وعلاقته بالآخر؛ التربية والعلاقات بين أفراد العائلة؛ الطبيعة والعادة؛ الأخيار والأشرار؛ الموت والحياة باللسان؛ الصبر؛ اتّكل على نفسك؛ نصائح جيّدة، البخل والضيافة؛ الجيرة؛ عن هذا وذاك. ثلاثة الأبواب، ١٩، ١٦، ٩ التي تحمل هذه العناوين: عن هذا وذاك ص. ١٧٠-٢١٥، نصائح جيّدة، ص. ١٣٠-١٥٨ والطبيعة والعادة، ص. ٧٧-٩٦ تضمّ أكبر عدد من الأمثال وهو ٢٢٤، ١٥٤ و ١٠١ على التوالي.

أمثال كل باب مرقّمة وكل مَثل مرتّب بأربعة أقسام: كتابة المثل بالرسم العربي القريب من الفصحى بدون تشكيل تقريبًا، وهذه المادّة تُمثّل لهجاتٍ فلسطينية متعدّدة، قروية، مدنية بدوية؛ نقحرة المثل بالحرف العبري مشكّلة وهنا تنكشف طريقة اللفظ؛ نقْل المثل إلى العبرية حرفيًا في الغالب الأعمّ، بدون تشكيل عادة وفي حالات التشكيل القليلة وقعت أخطاء مثل ص. ٥٣ رقم ٤٧، ص. ١١٥ رقم ٢٣؛ ص. ١٢٧ رقم ٥ (لفظة ”الليالي“ مذكرة بالعبرية)، وكان من المفروض إضافة المعنى المقصود بين قوسين مثل ص. ٩٨ رقم ١١ تُرجم الفعل ”طلع“ بـ ”خرج“ والمقصود ”اتّضح“؛ بعض الخلفية والتفسير وَفق اجتهاد الجامع وما سمِعه من الرواة.

أحيانًا يحاول جامع هذه الأمثال والأقوال، أن يأتيَ بما يقابلُها في تقديره بالعبرية، رغم الاختلاف بين اللغتين مثل: ”اللي بشاور المره مره“ وفي العبرية التلمودية ”كلّ من يسمع بنصيحة زوجته يقع في جهنم“ (ص. ١١) والفرق بينهما جليّ وينظر في الصفحات ١١ رقم ٤؛ ١٢ رقم ٨؛ ١٣ رقم ١١؛ ١٦ رقم ٢٦؛ ٢٦ رقم ٣٧؛ ٤٤ رقم ٧١؛ ٤٨ رقم ١٩؛ ٥٤ رقم ٥٠؛ ٧٨ رقم ٦؛ ٨٧ رقم ٥٣، ٥٦؛ ٩٨ رقم ٦؛ ١٠٠ رقم ١٨؛ ١١٩ رقم ٧؛ ١٢٠ رقم ١٤؛ ١٢٥ رقم ١١؛ ١٢٦ رقم ١٣؛ ١٣٢ رقم ١٢؛ ١٤٢ رقم ٦٣؛ ١٦٧ رقم ٦؛ ١٧٠ رقم ٣؛ ١٨٣ رقم ٦٧؛ ١٩٨ رقم ١٣٩؛ ٢١٤ رقم ٢١٧؛ ٢١٥ رقم ٢٢٣. ويلاحظ أيضًا أنّ بن حاييم عمِل جاهدًا للتنويه بأمثال شبيهة لدى شعوب أخرى مثل الهنغاريين، اليونانيين، الإنجليز، الأكراد، الروس، الآيسلنديين،  وينظر مثلًا في الصفحات والأرقام الآتية: ١٢/١٣؛ ١/٢٠؛ ٢٦/٦٢؛ ١٤/٩٩؛ ١٧/١٢٦؛ ١٢٣/١٥٢؛ ١٢٤/١٥٣؛ ٣/١٦٦؛ ١٠٨/١٩٢؛١٨١/٢٠٦.

عيّنة من الأمثال والأقوال المأثورة الواردة في هذا الكتاب بحسب ورودها:

الانثى ما بتشبع من الذكر والارض ما بتشبع من المطر.

الجوز رحمة ولو ما بيجيب فحمه.

همّ البنات للممات.

طنجرة ولقت غطاها.

المره من دانها بتسمن.

صح الها جوز قالت عنه اعور.

اذا دخل الفقر من الباب، طار الحب من الشباك.

بصلة المحب خروف.

الحيه عمرها ما بتصير خيه.

لولا الغيره ما حبلت النسوان.

العدو ما بصير حبيب إلا لما يصير الحمار طبيب.

صديق الكل ما له صديق.

ضرب الحبيب زبيب وحجارته قطين.

اجا مين يعرفك يا بلوط.

بالفلوس كل شي بتدوس.

افلس من يهودي بيوم السبت.

اذا انا امير وانت امير مين يسوق الحمير.

بيت الاسد ما بخلى من العظام.

طول ما الكيس مليان بكثروا الخلان.

لا فوقه ولا تحته.

اجت منك وما اجت مني.

اللي بطبل لك زمر له.

الجنازة حامية والميت كلب.

ما بجي من الناس غير وجع الراس.

مثل الشحمه والنار.

العتاب صابون القلب.

ربنا ما ساوانا الا بالموت.

شو احلى من الحلاوة، الصلح بعد العداوه.

البنت بلا اخلاق كشجرة بلا اوراق.

بتجيش المصايب الا من الحبايب.

ركبناه ورانا مد ايده ع الخرج.

كل شي اذا كتر رخص الا العقل.

اللي بسرق البيضه بسرق الجاجه.

الديك الفصيح من البيضة يصيح.

طبع البدن ما بغيره غير الكفن.

لسان ملس وقلب نجس.

بسكر من زبيبه.

عنزة ولو طارت.

قالوا للغراب ليش تسرق الصابون؟ قال: الاذى طبع.

تنين ما بشبعوا: طالب علم وطالب مال.

حاميها حراميها.

في الوجه خيه وفي القفى حيه.

الحيطان الها ودان.

كلمة بتحنن وكلمة بتجنن.

اجت الحزينة ت-تفرح ما لقتش مطرح.

اكل ومرعى وقلة صنعه.

الله بسدها من باب وبفتحها من بوابه.

كل قمحه مسوسه الها كيال اعمى.

اذا رجعت من السفر جيب لاهلك ولو حجر.

خيرها بغيرها.

بصلته محروقه.

طولة البال بتهد الجبال.

الارض ما بحرثها الا عجالها.

اشرب زيت وناطح الحيط.

اللي بده يسكر ما يعد الاقداح.

اللي ما بجي معاك تعال معه.

اللي بخاف الله لا تخاف منه.

اللي بستحي من اصله ما اله اصل.

امشي بجنازة ولا تمشي بجوازه.

بطن الانسان عدوه.

دور كثير بتشوف كتير.

زوان بلادك ولا قمح الغريب.

حط في الحرج.

يا نازل في البير احسب حساب الطلوع.

كل اللي بعجبك والبس اللي بعجب الناس.

لا تقول فول الا بعد ما تحط في العدول.

سكر بالمفتاح ونام مرتاح.

تغدى وتمدى تعشى وتمشى.

شاور الكبير والزغير وارجع لعقلك.

تشتريش سمك في البحر.

التوم قاتل السموم.

لاقيني ولا تغديني.

قعد الضيف ومد اجريه.

شعره من طيز خنزير بركه.

دار بلا جار بتسوى الف دينار.

انا خابزه وعاجنه.

احتجنا لليهودي قال اليوم عيد.

ارخص من الفجل.

اربعه ما بشبعوا: الارض من المطر والعين من النظر والدان من الخبر والمره من الذكر.

بين حنا ومنا ضاعت لحانا.

جاي يقيم الدين في مالطه.

هذا وجه الضيف.

زمان اول حول.

زغرها بتزغر كبرها بتكبر.

حماتك بتحبك.

حامل السلم بالعرض.

طاسه وضايعه.

طيزين بلباس.

الكلام الك يا كنه واسمعي يا جارتي.

كل واحد على دينه الله يعينه.

مش كل من نفخ طبخ.

ما حدا بقول على زيته عكر.

الماشي طير والقاعد حجر.

ما في اشي بلاش الا العمى والطراش.

عمرك شفت بس بلاعب فار؟.

بعمل من الحبة قبه ومن النمله جمل.

عيش كتير بتشوف كتير وبتسمع كتير.

غاب القط العب يا فار.

فرجاه نجوم الظهر.

في الحركه بركه والبطاله هلكه.

الضحك للانسان مثل السماد للبستان.

قالوا لليهودي حمل معنا، راح مسك رسن الدابه.

راح يكحلها عماها.

روح بلط البحر.

الشمس ما بتتغطى بعبايه.

تيتي تيتي مثل ما رحت جيت.

تلاته ما بتخبوش: الحب والحبل وركوب الجمل.

لا ريب في أنّ القارىء العربيَّ بعامّة والفلسطيني بخاصّة، سيجد بعض الاختلاف بين ما في هذا الكتاب وما يعرفه هو من أمثال، وقلِ الأمر ذاتَه بصدد تفسير الأمثال. على سبيل المثال، في شرح المثل الأوّل (ص. ١١) ”اقلب الجرة على تمّها بتطلع البنت لامها“ يكتب موسى بن حاييم ما معناه: المجتمع العربي التقليدي ليس حرًّا بما فيه الكفاية، ولا يمكّن الشاب من التعرّف على عروسه قبل الزواج، وعليه ينصح المثل بالتعرّف على والدة العروس إذ عادة ترِث البنت صفاتِ أمّها. وفي شرح المثل ”طنجره ولقت غطاها“ (ص. ١٥) يجد القارىء ما معناه ”وافق شنّ طبقة“ والمعنى المعروف ”انتهت المشكلة“. وفي شرح ”اكلها لحمه ورماها عظمه“ يقول المؤلف إنّ هذا المثال يقال عن ”رجُل تمتّع بزوجته الشابّة والجميلة وتركها عندما شاخت“ (ص. ١٢ رقم ٥ وانظر ص. ٨٩ رقم ٦٢؛ ص. ٩١ رقم ٧٨)، وهنالك مواضعُ كثيرة من هذا القبيل. أضف إلى ذلك هنالك هفوات في تشكيل النقحرة العبرية للأصل العربي مثل ص. ١٥ رقم ٢١، ٢٤؛ ص. ٢١ رقم ٧؛ ص. ٢٧ رقم ٤٠؛ ص. ٣٢ رقم ١؛ ص. ٤٤ رقم ٦٧؛ ص. ٦٢ رقم ٢٣؛ ص. ٧٣ رقم ٢٠؛ ص. ٨٠ رقم ١٨؛ ص. ٨٥ رقم ٥٠؛ ص. ١٢٧ رقم ٥؛ ص. ١٤٦ رقم ٨٩؛ ص. ١٧١ رقم ٧؛ ص. ١٨٥ رقم ٧٦؛ ص. ١٩٥ رقم ١٢٦؛ ٢٠١ رقم ١٥٥؛ ص. ٢١٠ رقم ٢٠١.

في بعض المواضع وقعت بعض الهفوات في ترجمة الأمثال إلى العبرية مثل: ”… ولا شاب يولعك“ نقل إلى العبرية بما معناه ”ولا شاب يسلّيك“، ص. ١٥ رقم ٢١؛ ”شاوِرهُن وخالفهُن“ ترجم إلى العبرية لضمير المخاطبين بدلًا من المخاطَب، ص. ١٩، رقم ٤٨؛ وينظر في ص. ٢١ رقم ١١؛ ص. ٢٨ رقم ٥؛ ص. ٣١ رقم ١٧؛ ص. ٣٨ رقم ٣٧؛ ص. ٤٤ رقم ٧١؛ ص. ٥١ رقم ٣٦؛ ص. ٥٢ رقم ٤٢؛ ص. ٥٦ رقم ٦٤؛ ص. ٦٦ رقم ١؛ ص. ٦٨ رقم ٨؛ ص. ٧٤ رقم ٢٢؛ ص. ٨٣ رقم ٣٣؛ ص. ٩٠ رقم ٧١؛ ص. ١٠٦ رقم ١٤؛ ص. ١٢٩ رقم ١٢؛ ص. ١٣٢ رقم ١٤؛ ص. ١٤٦ رقم ٨٩؛ ص. ١٧١ رقم ٥؛ ص. ١٧٩ رقم ٤٨؛ ص. ١٨٣ رقم ٦٤؛ ص. ١٩٠ رقم ١٠٠؛ ص. ١٩٦ رقم ١٣١؛ ص. ٢٠٥ رقم ١٧٣.

وأخيرًا، لا بدّ من الإشارة إلى وجود طبعة جديدة ومزيدة لهذا الكتاب، صدرت عن الجامعة العبرية عن طريق دار النشر ذاتها سنة ٢٠٠٤، وفيها ٥٠٧ ص. وفيها أكثر من ثلاثة آلاف وستمائة من الأمثال والأقوال المأثورة، وهذه الطبعة تستحقّ بحثًا منفردا للوقوف على مستجدّاتها.

 

عرض ومراجعة: ب. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

عدنان عويدطبيعة المنهج القرآني: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)

يعتبر المنهج القرآني عند سيد قطب قد حقق وجوده الفعلي لأول مرة في المرحة "المكية" من تاريخ حياة المسلمين كما بينا سابقاً. هذا المنهج الذي جاء أساساً لمعالجة قضية أولى وكبرى وأساسية في هذا الدين الجديد، هي قضية (العقيدة)، ممثلة في قاعدتها الرئيسة (الإلوهية والعبودية وما بينهما من علاقة). (1)

إن الله وفقاً لهذا المنهج، كان يخاطب الإنسان بما أنه إنسان يستوي فيه العربي مع العربي في كل زمان ومكان، كما يستوي فيه العربي مع غيره في كل زمان ومكان أيضاً. إنه إنسان "العقيدة" بغض النظر عن مرجعيته العرقية أو الوطنية. والعقيدة عنده قضية وجود الإنسان التي لا تتغير في هذا الكون، وقضية مصيره، وعلاقته بالكون وبهؤلاء الأحياء، وكذلك قضية علاقته بخالق هذا الكون وخالق هذه الأحياء.

يقول سيد قطب: عن هذا القرآن (المكي): بأنه كان يفسر للإنسان سر وجوده، ووجود الكون من حوله، كان يقول له من هو؟، ومن أين جاء؟، ولماذا جاء؟، وإلى أين يذهب في نهاية المطاف؟، ومن ذا الذي جاء به من العدم المجهول؟، ومن ذا الذي يذهب به، وما مصيره هناك؟.

كما كان يقول له: ما هذا الوجود الذي يحسه ويراه، والذي يحس وراءه غيباً يستشرفه ولا يراه؟. ثم من أنشأ هذا الوجود المليء بالأسرار؟، ومن ذا الذي يدبره ويجدد فيه ويغيره على النحو الذي يراه؟. وكان يقول له كذلك: كيف يتعامل مع خالق هذا الكون ومع عباد الله من أمثاله.

إذاً هذه هي القضية الكبرى التي يقوم عليها الوجود الإنساني، والتي حدد المنهج القرآني مساراتها كلها لهذا الإنسان الذي لم يعد له أي دور في كشفها أو كيف يتعامل معها، لأن كل شيء قد حُدد له بشكل مسبق وما عليه إلا الاستسلام والامتثال والتنفيذ لأوامر هذا المنهج.

بيد أن المسألة الأكثر أهمية عند "قطب" هي، أن الجيل الأول (المكي) قد استوعب هذه القضية الكبرى بكل معطياتها التي جئنا عليها، واستقرت استقراراً مكيناً ثابتاً في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان التي قدر الله أن يقوم هذا الدين آنذاك عليها وبها، وأن تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين. متناسياً قطب هنا بطبيعة الحال أن هذا الإنسان المثالي الذي جرده من كل خصائص الإنسان الواعي والحائز على حريته، هو ذاته من كان وراء الفتنة الأولى في الإسلام (مقتل عثمان)، و كان وراء الفتنة الثانية (حرب الجمل). وكان وراء حرب صفين وظهور الصراعات الدامية على السلطة، كما نسي تلك الاختلافات بين أفراد ذاك الجيل حول تفسير القرآن  وحتى خروج بعض الصحابة أو التردد عن طاعة الرسول، وغير ذلك من خلافات في قضايا العقيدة ذاتها التي اعتبرها "قطب" ذاك الدليل الذي على الإنسان أن يستسلم له كلياً، ناسياً أو متجاهلاً أيضاً مسألةعلى درجة عالية من الأهمية هنا، وهي ذاك الصراع الدامي بين أفراد هذه العصبة بسبب الخلاف بينهم حول جوهر العقيدة في مسائل مثل: هل الإنسان مسير كما قال القدرية المعتزلة، أم مخير كما قال الجبرية؟، وهل هناك تجسيد للصفات أم ليس كمثله شيء؟، وهل الخلافة بالوصية أم بالانتخاب.؟. وغير ذلك من قضايا خلافية ورثها لنا الجيل الأول لم نزل نعيش نتائجها الوخيمة حتى هذا التاريخ.

مسألة "الألوهية":

ثم ينتقل سيد قطب في هذا السياق إلى مسألة "الإلوهية" حيث يرى بأن حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تشتغل عليها الدعوة منذ اليوم الأول للرسالة، وأن يبدأ الرسول منذ خطواته الأولى بدعوى الناس أن يشهدوا: (أن لا إله إلا الله)، وهو بدعوته هذه يريد إقناعهم أو ترسيخ فكرة أن الإلوهية تعني " حاكميه الله"، التي تعني كما أشرنا في موقع سابق أنها نزع السلطة أو السلطان الذي يزاوله الكهان ومشايخ القبائل والأمراء والحكام، وإقرارها لله وحده، كونه السلطان الوحيد على ضمائر الناس وشعائرهم وواقعيات حياتهم ومالهم وقضائهم وأرواحهم وابدأنهم. أو بتعبير آخر إن (الألوهية ) ودور الرسول محمد (ص) في تطبيق دلالاتها  ممثلة بـ (لا إله إلا الله)، كما يراد لها، بان لا حاكميه إلا لله، ولا شريعة إلا لله، ولا سلطان لأحد على أحد إلا سلطان الله، وأن ما يقوله الرسول هو ما يريده الله ويأمر به: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}).- الحشر – 7.  وأن الجنسية الخاضعة لهذه الحاكمية هي (جنسية العقيدة)، التي يتساوى فيها البشر جميعاً تحت راية:(لا إله إلا الله).

إن الدعوة الإسلامية بصيغتها التي جئنا عليها كما يراها قطب، ليست دعوة اجتماعية ترمي إلى نشر العدالة فحسب، أو هي دعوة أخلاقية ترمي إلى الخلاص من الأخلاق الجاهلية  أيضاً، وإنما هي دعوة  دينية تتولى شؤون الحياة الإنسانية كبيرها وصغيرها، وهي تنظم حياة الإنسان  في الدنيا والآخرة وعالم الغيب. ولقد جاءت هذه الدعوة لتتعامل مع عالمه المادي وأعماق ضميره ودنيا السرائر والنوايا عنده .. إنها مؤسسة ضخمة هائلة شاسعة مترامية كما يراها قطب.(3) .

إن هكذا عقيدة تقوم على مقولة (لا إله إلا الله)، وتمتاز بهذه السمات والخصائص، لا يمكن أن تتحقق عبر الواقع ما لم تستقر في أعماق نفس وعقل الإنسان المعتنق لها، وهذا الاستقرار لا يأتي إلا مع استسلام النفوس لنظامها، وحتى قبل أن تمر عليه تفصيلاتها وتشريعاتها. فالاستسلام أو الامتثال والتسليم المطلقين ابتداءً هما مقتضى الإيمان.. وبمثل هذا الاستسلام  تتلقى النفوس فيما بعد كل تلك التفصيلات والتشريعات بالرضا والقبول، دون اعتراض أو تلكؤ عن أي شيء عند صدورها إلى المسلم .

أما القضية الأخرى من جانب هذا الدين كما يراها سيد قطب، فهي اعتبار المنهج الديني منهجاً حركياً، حيث يرى: ( بأن هذا الدين جاء ليحكم الحياة في واقعها ويواجه هذا الواقع ليقضي فيه بأمره...ويقره ..أو يعدله.. أو يغيره من أساسه.. ومن ثم فهو لا يُشرع إلا لحالات واقعة فعلاً، في مجتمع يعترف ابتداءً بحاكميه الله وحده.). (5).

فالدين عند قطب إذاً ليس نظرية  تتعامل مع "فروض" كما يقول سيد قطب، بل هو منهج يتعامل مع "واقع" وفقاً لحاكميه الله، وهذا يعني أن الدين يرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه الحاكمية أو يعتمد على أوامرها الواردة في (القرآن). وبهذا تُلخص مسألة الحاكمية هنا تطبيقاً وفقا للواقع الملموس المتحرك والمتبدل الذي وجدت حلوله بشكل مسبق في هذه العقيدة (الواقع للدين وليس الدين للواقع) . فالمجتمع عندما يقوم فعلاً كمجتمع إسلامي تكون له حياته الواقعية، وهذه الحياة تحتاج إلى تنظيم وتشريع، عندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظم وسن الشرائع لقوم مستسلمين أصلاً للنظم والشرائع المقررة بشكل مسبق في القرآن، ورافضين لغيرها من النظم. أما السلطان الذي يفرض تطبيق هذه الشرائع فهو العقيدة التي استقرت في قلبه وضميره ووجدانه واستسلم لها أصلاً . لذلك نرى سيد قطب في هذا الاتجاه يعيب على الذين يريدون من المسلمين أو غيرهم من الكفار أن يغيروا أو يجعلوا من العقيدة ومنهجها ما يداري أو يناقش أو يقارن معرفياً ما بينها وبين النظريات الوضعية (الجاهلية)، كي تلبي هذه العقيدة رغبات وقتيه لديهم أو في نفوسهم. فهذه الرغبات عند قطب، تشكل في حال قبولها هزيمة داخلية روحية أمام أنظمة بشرية صغيرة، يريدون منها صياغة نظريات وفروض تواجه مستقبلاً غير موجود. (6) . وبالتالي فإن الدعوة لإنشاء هذا الدين وفقاً لسيرته الأولى النقية، يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة حتى ولو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادة الميلاد بأنهم مسلمين، يجب أن يعلموا أن الإسلام هو (أولاً) إقرار عقيدة: (لا إله إلا الله)، بمدلولها الحقيقي، وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله، وطرد المعتدين على سلطان الله بإدعاء الحق لأنفسهم، وإقرارها في ضمائرهم وشعائرهم وأوضاعهم وواقعهم. (7) .

يقول سيد قطب في مسألة نشأة المجتمع المسلم وخصائصه معتمداً في ذلك عل كتاب "مبادئ الإسلام" لأبي الأعلى المودودي:  إن الناس محكومون بقوانين فطرية من صنع الله في نشأتهم ونموهم وصحتهم ومرضهم وحياتهم وموتهم، كما أنهم حتى في فطريتهم هذه محكومون بالقوانين الإلهية في حياتهم الاجتماعية،  و كذلك عواقب ما يحل بهم نتيجة لحركتهم الاختيارية. أي هم لا يملكون تغيير سنة الله في القوانين الكونية التي تحكم هذا الكون وتصرفه،. وبالتالي عليهم أن يثوبوا إلى الإسلام في الجانب الإرادي من حياتهم فيجعلوا شريعة الله  هي الحاكمية في كل شأن من شؤون حياتهم، تنسيقاً بين الجانب الإرادي في حياتهم والجانب الفطري. وتنسيقاً بين وجودهم  كله بشطريه هذين وبين الوجود الكوني. (8).

إن موقف سيد قطب من قضية حرية الإرادة كما جاءت هنا تذكرنا بموقف الأشاعرة من هذه المسألة في نظرية (الكسب)، التي تقول إن الله قد أعطى الإنسان حرية الاختيار والممارسة، إلا أن هذه الحرية مقدرة من عند الله بشكل مسبق في اللوح المحفوظ. وهذا هو الجبر بذاته وإقصاء حرية وعقل الإنسان.

يقول سيد قطب أخيرا في مسألة طبيعة المنهج القرآني: (إن التصور الإسلامي للإلوهية ، وللوجود الكوني، ولحياة الإنسان، هو تصور شامل كامل، ولكنه تصور واقعي إيجابي، وهو يكره – بطبيعته – أن يمثل في تصور ذهني معرفي، لأن هذا يخالف طبيعته وغايته، ويجب أن يتمثل وينمو في بيئة (طليعة)، وفي تنظيم حي، وفي حركة واقعية.. وطريقة في التكوين..) (9) .

إذاً إن ما يرمي إليه هنا سيد قطب هو وجود تنظيم (حزب) له حوامله الاجتماعية (الصفوة) المؤمنة إيماناً مطلقاً بالحاكمية، وتعمل على تطبيقها وتحمل مشاقها وعنائها وكل ما يمكن أن تتعرض له من الطاغوت وحياة الجاهلية المترسبة في نفوس الناس. وهذا التنظيم وصفوته هو حزب (الإخوان المسلمون). الذي يعوّل عليه  سيد قطب بناء الدولة الإسلامية أو المجتمع الإسلامي الذي أجد في توصيفه من قبل سيد قطب توصيفاً يقترب كثيراً من توصيف الشيوعيين لمجتمعهم الذي يحلمون بإقامته.. فسيد قطب يجد أن المجتمع الإسلامي المتفوق (الأممي)،  الذي لا يميز بين العربي  والفارسي والتركي والصيني والهندي والروماني والإغريقي والاندونيسي والأفريقي.. هؤلاء الذين سيجتمعون كلهم على قدر المساواة وبآصرة الحب، وبشعور التطلع إلى وجهة واحدة. فسيبذلون جميعهم أقصى كفاياتهم، ويبرزون خصائص جنسهم، ويصبون خلاصة تجاربهم الشخصية والقومية والتاريخية في بناء هذا المجتمع الواحد الذي ينتسبون إليه جميعاً على قدم المساواة، وتجمع بينهم آصرة تتعلق بربهم الواحد، وتبرز فيها إنسانيتهم وحدها بلا عائق، وهذا ما لم يجتمع قط لأي مجتمع آخر على مدار التاريخ.

أما الفرق بين هذا المجتمع الإسلامي المثالي المتصور من قبل سيد قطب والمجتمع الشيوعي المتصور من قبل الشيوعيين فهو المجتمع الذي يختلف فقط عدند سيد قطب بأن (الشيوعية تريد إقامة مجتمعها على أسس طبقية من جهة. ومن جهة ثانية هو مجتمع لا يبحث إلا عن الطعام والمسكن والجنس).. (10) وسيد قطب هنا في مسألة رفضه للمجتمع النظيف طبقياً - بغض النظر عن إمكانية إقامته أو عدمها – فهو ممن يؤمن بوجود الطبقات في المجتمع، وبوجود العبودية وما ملكت أيمانكم، وفرض الجزية على الموالي واعتبار المرأة ضلعاً قاصراً وغير ذلك من قضايا لا تتفق مع مفهوم العدالة والمساوة التي ينادي بها. إنه يتناقض في طرحه مع مسألة العدالة والمساواة المطلقة التي ينادي بها، أو إقراره بأن هناك عدلاً آخر في المنهج الإلهي الذي يطالب به يختلف عن عدل مجتمعات الجاهلية. أما قضية أن المجتمع الشيوعي الذي يقول عنه بأنه مجتمع لا يبحث إلا عن (الطعام والملبس والجنس)، فهذه مسألة فيها الكثير من التجني على التصور الشيوعي وما يريده من قضايا اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، بغض النظر عن فشل هذه التجربة في التاريخ.

هكذا نجد عند قطب هنا، التنظير المجرد  لبناء دولة فاضلة، لا ينتمي شعبها لأي مرجعية قومية أو وطنية أو فكرية وضعية كانت... التنظير لبناء دولة لم يزل شعبها أو إنسانها برأيه يعيش حالات من الجاهلية المشبعة بظلم الإنسان واستلابه وضياعه، تقوده سلطات جاهلية ظالمة، تحكم بأنظمة ونظريات تشرع لقوانين وتشريعات جاهلية. والحل الوحيد عند قطب كما بينا أعلاه، لخروجها من هذه المتاهة هو العودة إلى التمسك من جديد بالنهج الإلهي القائم على إلوهية الله (لا إله إلا الله)، الذي أقره القرآن في المرحلة المكية من حياة الإسلام، وبالركن الثاني من أركان الإسلام وهو شهادة ( أن محمداً رسول الله)، المعني بتبليغ هذه الحاكمية.

إن مرحلة الصحابة من الجيل الأول الذي اعتقد قطب ومن سار على نهجه وهماً، بأنهم قد تمثلوا هذا المنهج القرآني فكراً وممارسة بعد أن استلهموه واستسلموا له كلياً برضا، وتخلوا عن جاهليتهم وكل ما يتعلق بحياتهم المادية والفكرية السابقة، وجذروه في أعماق ضميرهم ووجدانهم وفكرهم، وجعلوا من حاكميه الله المصدر الوحيد الذي سيحدد لهم كل مسار حياتهم  حاضراً ومستقبلاً، وما تتخلله شؤون حياتهم الإنسانية كبيرها وصغيرها.. إن المنهج ذاته، أي – الحاكمية – هو ذاته سيظل قائماً إلى أبد الآبدين ينظم حياتهم في الدنيا والآخرة وعالم الغيب، وذلك عبر قيادة صفوة ممن وجدوا في أنفسهم القدرة على تمثل قيم الحاكمية والصبر على نشرها وتحمل تجسيدها في الواقع، وهم طليعة (الأخوان المسلمون).

يتبع في الحلقة التالية.

 

د.عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

.........................

الهوامش

1- - سيد قطب – معالم في الطريق – مكتبة وهبة – القاهرة – دون تاريخ نشر.  - ص 20

2- المرجع السابق-ص 32

3- المرجع السابق ص 33

4- المرجع السابق ص 35

5- المرجع السابق ص 35

6- المرجع السابق ص 47

7- المرجع السابق ص41

8- المرجع نفسه ص 41

10- المرجع السابق –ص 54