صلاح الدين اشرقيمقدمة: لقد طرح كتاب مستقبل الثقافة في مصر إشكالات عميقة فرضها واقع عصر النهضة، إذ انشغل مجموعة من المفكرين في هذه المرحلة بأسئلة عميقة، أهمها سؤال الهوية والانتماء، وطه حسين بوصفه من مفكري عصر النهضة لم يخرج عن هذا الإشكال الإطار الذي كان المحرك الرئيسي لمشروعه في هذا الكتاب، فسؤال الانتماء ـ وخاصة الثقافي ـ هو الحاضر بقوة في خطابه، نظرا لأهمية الثقافة عنده، غير أن عمل الخطيب في هذا الكتاب لا ينحصر في الإبانة عن أهمية الثقافة فحسب، وإن كان هذا حاضرا في الخطاب، لكن حضوره يعتبر تمهيدا للغرض الأساسي وهو تحديد الهوية الثقافية المصرية أو أصلها، وذلك من خلال الرجوع إلى ماضي العقل المصري لمعرفة أنماط الثقافات التي تواصل معها هذا العقل، والأخرى التي عاش معها في صراع وخصام.

وقد انطلقنا ـ بدورنا ـ في هذا البحث من إشكال الانتماء الثقافي في خطاب طه حسين، حيث حاولنا تقنين الموضوع ومعالجة قضية بعينها، على اعتبار أنه لا يمكن دراسة الكتاب بأكمله، وقد ركزنا في تحليلنا لهذا الإشكال على المحاور الثلاثة الأولى من كتاب مستقبل الثقافة في مصر، وهي، (الثقافة والعلم أساس الحضارة والاستقلال، ومستقبل الثقافة بمصر مرتبط بماضيها البعيد، وكذلك محور العقل المصري والعقل اليوناني وتأثر كلٍّ منهما بالآخر)، وفي هذه المحاور يظهر لنا جليا سؤال الهوية الثقافية لدى طه حسين، ونحن في قولنا بأن الهوية الثقافية هو الإشكال الأكثر أهمية في الخطاب، لا يعني أن الكتاب يطرح هذا السؤال فقط، بل تحضر أسئلة أخرى، من قَبِيلِ تلك المتعلقة بالتعليم والسياسة التي يجب على الدولة أن تَنهجها لتطويره وازدهاره.

فكيف عالج طه حسين إشكال الانتماء الثقافي الفكري لمصر؟ وما هي الآليات الحجاجية البلاغية التي اهتدى إليها في خطابه للدفاع عن دعواه؟ 

ـ نمط الخطاب ونوعه:

إن خطاب طه حسين يمكن إدخاله ضمن الخطابات الفكرية السياسية الاجتماعية، وطه حسين خطيب لديه موقف أو مشروع يحاول الدفاع عنه، وهذا المشروع يتمثل في مستقبل الثقافة في مصر بعد مرحلة تحقيق الاستقلال السياسي، وخطابه هذا جاء لكي يرسم "خارطة الطريق" التي يجب أن يتبعها المجتمع المصري وكذلك الدولة المصرية لبناء مستقبل ثقافي متين، وفي قولنا بأن الخطاب سياسي لا نقصد به المعنى الخاص للسياسة، فالخطيب لا ينتمي إلى أحزاب سياسية لكي يُعبر عن مواقف هذه الأحزاب كما يفعلوا رجال السياسة، بل المقصود هنا المعنى العام للسياسة، فالخطاب هنا موجه إلى الشأن العام وهو خطاب يبحث عن المصلحة العامة للأمة، وبما أن النص فكري فإنه يركز بالدرجة الأولى على " الخطاب " أو " اللوغوس "، لكن هذا لا يعني إقصاء المتلقي الذي هو المعني بالخطاب، إلا أن المتلقي في نص طه حسين يعتبر خاضعا للخطاب الذي يمارس الحجاج والإقناع عليه، وبذلك فإن الخطيب اتخذ من الخطاب سبيلا أو منهجا لإقناع المتلقي بدعواه، وقد وجد طه حسين نفسه في موقف حجاجي بينه وبين المجتمع المصري المعني المباشر بالخطاب، وبما أن طه حسين شِفاهي بطبعه دائما تحضر لديه صورة " جمهور المخاطَبين" كما هو الحال في هذا الخطاب فهو لا يوجه رسالته إلى أشخاص بعينهم وإنما يتحدث إلى مجتمع بأكمله طامحا بأن تنجح " خطته الحجاجية " في إقناعهم بوجهة نظره.

ـ مكانة الثقافة في خطاب (طه حسين):

لقد ركز طه حسين في البداية على مكانة الثقافة ودورها في تطوير المجتمع، وقد اختار الخطيب  لدراسة هذا الموضوع وإقناع المتلقي بنتائجه مسارا حجاجيا بدأه بذكر بعض النتائج السلبية الناتجة عن ضعف الثقافة، كما أورد بعض النتائج الإيجابية للثقافة والعلم أيضا، وهذا كله من أجل جذب المتلقي أولا إلى الموضوع الرئيسي وهو " الثقافة " ثم بعد ذلك الانتقال إلى رسم الطريق الذي يُؤدي إلى تطويرها وازدهارها، معتمدا في ذلك على " استراتيجية الحِجاج بالأسباب والنتائج " وهي " حجج تجريبية تستند إلى علاقات موجودة في الواقع؛ من قبيل علاقات التعاقب التي تربط بين ظاهرة ما وبين نتائجها وأسبابها "[1]  ومن الحجج القائمة على هذه العلاقة " الحجة النفعية " التي تقوم على تقويم فعل ما أو حدث أو قاعدة أو أي شيء آخر على أساس نتائجه المقبولة أو غير المقبولة[2] وهي الحجة التي حاجج بها طه حسين في سياق تبيان قوة الثقافة والعلم أيضا، ومن النماذج النصية التي توضح هذا المعطى، قوله: " وقد كانت شعوب كثيرة من الناس في أقطار كثيرة من الأرض تعيش حرة مستقلة، فلن تُغن عنها الحرية شيئا، ولم يُجد عليها الاستقلال نفعا، ولم تَعصمها الحرية والاستقلال من أن تعتدي عليها شعوب أخرى تستمتع بالحرية والاستقلال، ولكنها لا تكتفي بهما ولا تراهما غايتها القصوى، وإنما تضيف إليهما شيئا آخر أو أشياء أخرى "[3]، وقوله أيضا " تضيف إليهما الحضارة التي تقوم على  الثقافة والعلم والقوة التي تنشأ عن الثقافة والعلم، ولولا أن مصر قصَّرت طائعة أو كارهة في ذات الثقافة والعلم لما فقدت حريتها ولما أضاعت استقلالها....."[4]، وفي هذين النموذجين النصيين تظهر لنا جليا الحجة النفعية في خطاب طه حسين الذي يهدف إلى إظهار عظمة الثقافة وقوتها، وفي النموذج الأول أوضح طه حسين مكانة الثقافة من خلال النتائج السلبية الناجمة عن إهمالها والتقصير في شأنها بذكره بعض الشعوب التي كانت تتمتع بالحرية والاستقلال لكنها لا تمتلك ثقافة قوية متينة مما أدى إلى الاعتداء عليها من قِبل شعوب أخرى تتوفر على قوة ثقافية وكذلك على ثروة وحضارة تنشأ كلها من الثقافة والعلم أيضا، فقد انتقل طه حسين هنا إلى الإبانة عن قوة الثقافة انطلاقا من عرض نتائجها الإيجابية، فالثقافة هي التي تنتج الثروة والحضارة والقوة، بمعنى أن الخطيب جعل من الثقافة " مصدرا " للرقي والتطور والازدهار، وفي الوقت نفسه قد تكون مصدرا للانحطاط والاستبداد في حال ضعفها ويظهر في قول طه ولولا أن مصر قصرت طائعة أو كارهة في ذات الثقافة والعلم لما فقدت حريتها ولما أضاعت استقلالها، بمعنى أنه يُرجع سبب فقدان مصر للحرية والاستقلال إلى إهمال الجانب الثقافي، وبعد هذا العرض لنتائج الثقافة الإيجابية وكذلك السلبية المترتبة عن ضعفها، انتقل الخطيب إلى نوع آخر من الخطاب "يُحذر" من خلاله المجتمع المصري من " التبعات " الناجمة عن الاستقلال في حال عدم استغلاله، ويظهر هذا الخطاب، في قول طه حسين: " وما أعرف أني أشفقت من شيء كما أشفق من الاستقلال بعد أن كسبناه ومن الحرية بعد أن ظفرنا بها أشفق منهما لأنهما يحملاننا تبعات جساما حقا أمام أنفسنا أولا، وأمام العالم المتحضر ثانيا، وأنا أخاف أشد الخوف ألاّ نقدر هذه التبعات أو ألاّ نقدرها حق قدرها "[5]، والهدف من هذا التحذير هو إثارة انفعالات الشأن العام في مصر، فهو خطاب يستهدف سيكولوجية المتلقي، ويتبين هذا من الكلمات التي انتقاها الخطيب، مثل: (الخوف، والشفقة)، والتحذير هنا ليس غاية في خطاب طه حسين، وإنما هو وسيلة لتحفيز المصريين على العمل وعدم الاطمئنان للاستقلال، أو عدم الاكتفاء بنشوة الظفر بالاستقلال السياسي، بل مواصلة العمل لتحقيق التطور والازدهار، كما حذر طه حسين أيضا الشعب المصري من المأزق الذي قد يسقط فيه، حين " تلافى " ما قد يقوله الغرب في حال اطمئنانهم للاستقلال والتخلي عن مجالات مهمة في المجتمع ـ وأبرزها طبعا في خطاب طه حسين المجال الثقافي ـ إذ جاء على لسان الخطيب " ولعلهم أن يكبروا من أغلاطنا ما نراه صغيرا، وأن يعظموا من تقصيرنا ما نراه هينا وأن يقولوا: طالبوا بالاستقلال وأتعبوا أنفسهم وأتعبوا الناس في المطالبة به حتى إذا انتهوا إليه لم يذوقوه ولم يعرفوا كيف ينتفعون به "[6] وواضح من خلال هذا النص حضور "حجة التلافي" في رسالة طه حسين، حيث تَشكل لديه وعي مسبق بما سيقوله الغرب في حال فشل مصر في الرقي والتطور، وقد تصدى طه حسين لهذا المصير السلبي أو لهذه " السخرية " ـ التي تلافاها هو بنفسه ـ والتي قد يتعرض إليها الشأن العام المصري، بدعوته مختلف فئات المجتمع المصري إلى أن تكون حياتهم الحديثة ملائمة لمجدهم القديم[7] بمعنى أنه يحيل مكونات الدولة المصرية بصفة عامة على النموذج المصري القديم ـ الذي كانت فيه الثقافة متطورة إلى حد كبير ـ وأَخْذُ هذا النموذج أساسا لبناء مستقبل الثقافة في مصر، وذلك على سبيل " حجة السلطة " التي لا تنحصر في النصوص الدينية أو أقوال العلماء فقط، بل قد تتمثل ـ كما يقول " روبريو " ـ في فترة تاريخية عظيمة.[8]

لقد لجأ طه حسين في سعيه إلى تحديد وجهة الثقافة المصرية، إلى إظهار أهمية الموضوع نفسه، بمعنى تِبيان عظمة الثقافة وتأثيرها في تطوير المجتمع، إذ لا يمكن طرح فكرة معينة وجعل المتلقي يتبناها، من دون إبراز مكانة الموضوع الإطار الذي هو مركز النقاش وكذلك مركز الاهتمام.

ـ الهوية الثقافية لمصر والعودة إلى تاريخ العقل المصري القديم:

من أهم الإشكالات التي طرحها خطاب طه حسين إشكال الهوية الثقافية الفكرية لمصر وهي مسألة اختلفت حولها الآراء وتعددت، فهو إشكال جدلي، وقد حاول طه حسين أن يدخل في هذا الجدل ـ وهو يضع خارطة الطريق لمستقبل الثقافة في مصر ـ من خلال طرحه أفكارا تحاول أن تقبض على أصل الثقافة والفكر في مصر، معتمدا على استراتيجية " النّبش في التاريخ " وهذا راجع إلى الخلفية التاريخية لطه حسين بوصفه أستاذ تاريخ الأدب، وقد بدأ الخطيب ـ بعد أن انتهى من إظهار قوة الثقافة ودورها بالنظر إلى الفوائد الناتجة عنها ـ مشروع تحديد هوية مصر الثقافية، بأسلوب الاستفهام، وصحيح أن الاستفهام أسلوب بلاغي، إلا أنه يمتلك قوة حجاجية وإقناعية ويولي بيرلمان أدوارا حجاجية لا يُستهان بها للموجه الاستفهامي، لأن له في نظره أهمية بلاغية كبيرة، فالسؤال يفترض موضوعا ما، وانطلاقا منه يُتوقع أنه ثمة اتفاقا حول وجود هذا الموضوع، كما أن الإجابة على سؤال ما تعني التأكيد على هذا الاتفاق الضمني[9]، وبما أن عمل طه حسين هو إرشاد الشأن العام المصري إلى الانتماء الثقافي الحقيقي لمصر، فقد بدأ مسار إرشاده هذا، بالتمييز بين ثقافتين: ثقافة الشرق وثقافة الغرب، ويظهر في قوله: "أمصر من الشرق أم من الغرب؟ وأنا لا أريد بالطبع الشرق الجغرافي والغرب الجغرافي، وإنما أريد الشرق الثقافي والغرب الثقافي "[10]، ومن خلال أسلوب الاستفهام هذا طرح طه حسين موضوعا شائكا ومركزيا في الوقت نفسه يعتبره المجتمع المصري مسلمة، وهو اعتبار مصر شرقية الثقافة والتفكير والعقل، وقد سعى الخطيب إلى تصحيح هذا التراكم السائد في نمط تفكير المجتمع المصري وإقناعه بنتائج بديلة، من خلال الرجوع إلى تاريخ العقل المصري القديم، وذلك لمعرفة ما كان بين مصر وبلاد الشرق من صلات وكذلك ما كان بينها (مصر) وبين الغرب من علاقات، ويظهر هذا الأمر من خلال النماذج النصية الآتية:

" وأول ما نلاحظه في تاريخ الحياة المصرية أننا لا نعرف أن قد كان بينها وبين الشرق البعيد من صلات مستمرة منظمة من شأنها أن تؤثر في تفكيرها أو في سياستها أو في نُظمها الاقتصادية "[11]، وقوله أيضا: " وما أظن أن علماء التاريخ المصري القديم يستطيعون أن يَدلونا على آثارٍ أو نصوص تشهد بوجود هذه الصلات المستمرة المنظمة بين مصر في عصورها الأولى وبين الشرق الأقصى "[12]، ويقصد طه حسين بالشرق الأقصى بلاد الهند واليابان والصين.....، وقد اعتمد الخطيب في دحضه للأفكار القائلة بأن مصر شرقية الثقافة على مجموعة من الحقائق التاريخية التي توضح عدم احتكاك مصر بدول الشرق الأقصى وكذلك تتماشى مع الطريقة التي اتخذها الخطيب أساسا لإظهار عكس ما هو متراكم في العقل المصري، وهو استدعاء التاريخ، وواضح " نفي " طه حسين وجود صلات تاريخية سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي ـ وهو المهم ـ بين مصر وهذه البلدان، وفي المقابل " يعترف " بوجود تواصل فكري ثقافي وسياسي بين مصر وبلاد الشرق القريب المتمثل ـ في نظره ـ في فلسطين والشام والعراق....، ويتضح هذا الأمر، في قول طه حسين: " وليس من شك في أن الصلة بين المصريين القدماء وبين هذه الأقطار من الشرق القريب كانت قوية مستمرة منظمة إلى حد بعيد، وكانت بالغة الأثر في الحياة العقلية والسياسية والاقتصادية لهذه البلاد كلها "[13]، ويظهر لنا جليا من خلال هذا النموذج النصي والنماذج الآنفة التي ذكرناها اتخاذ طه حسين من التاريخ أساسا ووسيلة رئيسية لـ " هدم " الدعوى التي تَعتبر مصر شرقية التفكير والعقل والثقافة.

ـ الحضارة اليونانية ومشروعية  الثقافة الغربية لمصر:

إن ربط طه حسين الحضارة اليونانية بنمط التفكير المصري القديم، لم يكن اعتباطيا، لأن الهدف من هذا الربط هو إعطاء المشروعية لدعوى طه حسين، وهي انتماء مصر ثقافيا وفكريا إلى الغرب، وقد أكد الخطيب وجود صلات قوية بين مصر والثقافة اليونانية، من خلال قوله: " ومن إضاعة الوقت وإنفاق الجهد في غير طائل أن نفصل ما كان من العلاقات بين مصر وبين الحضارة اليونانية في عصورها الأولى ثم ما كان من العلاقات بين مصر وبين الحضارة اليونانية في عصور ازدهائها وازدهارها "[14]، وطه حسين يعتبر أن هذه العلاقة التي تجمع بين مصر واليونان مسلمة من المسلمات، بمعنى أنها مثبتة مسبقا على أنها صحيحة لا شك فيها، وهنا يتضح لنا توظيف الخطيب " مقدمة بُرهانية " لإثبات نتائجه، ويظهر هذا في اعتباره التواصل بين مصر واليونان تواصلا مُسَلَّمٌ به، وقد واصل طه حسين التأكيد على مسألة التلازم بين الثقافتين المصرية واليونانية، بتوظيفه حجة المِثال، والمِثال يؤتى به لتأكيد الفكرة المطروحة[15]، وتتجلى حجة " المثال " في خطاب طه حسين، في قوله: " والتلاميذ يتعلمون في المدارس أن مصر عرفت اليونان منذ عهد بعيد جدا، وأن المستعمرات اليونانية قد أقرها الفراعنة في مصر قبل الألف الأول قبل المسيح"[16]، ومهمة المثال بُرهانية بالدرجة الأولى[17]، وقد حضر في خطاب طه حسين للتأكيد على أن العلاقة بين مصر واليونان تعتبر من البَدَهيات على اعتبار أن التلاميذ يتعلمون هذا الأمر في المدارس، فهي مسألة لا شك فيها، وقد استخلص الخطيب من هذه المقدمات البرهانية نتائج مفادها، أن العقل المصري لم يتصل بعقل الشرق الأقصى، وبالمقابل اتصل بأقطار الشرق القريب اتصالا منظما ومؤثرا، ولكن الأهم أنه اتصل بالعقل اليوناني منذ عصوره الأولى وهو اتصال تعاون وتوافق وتبادل مستمر منظم للمنافع في الفن والسياسة والاقتصاد[18]، وهذا العرض للتواصل الثقافي الفكري بين مصر واليونان هدفه خلخلة تلك الأفكار السائدة في عقل المصريين حول اعتبار مصر شرقية التفكير والثقافة، وقد واصل طه حسين "النبش في التاريخ" ـ بوصفه الأساس الحجاجي في خطابه ـ لهدم المعتقدات الخاطئة ـ في نظره ـ التي يحملها الشأن العام في مصر، إذ ينظرون إلى مصر على أنها تنتمي إلى نمط التفكير الشرقي، وذلك من خلال ربط الخطيب بين العقل المصري وبين العقل اليوناني في العصور القديمة، وهو بهذا الربط " يهدم " تلك الأفكار الخاطئة حول الانتماء الثقافي لمصر من جهة، ويحاول أن " يبني " اقتراحات بديلة من جهة ثانية، فهي عملية هدم وبناء، فقد أظهر طه حسين قيمة الحضارة المصرية في التراث الثقافي اليوناني، في قوله: " إن تبادل المنافع بين العقل المصري والعقل اليوناني في العصور القديمة قد كان شيئا يشرف به اليونان ويتمدحون به فيما يقولون من شعر وفيما يكتبون من نثر، فمصر مذكورة أحسن الذكر في شعر القصاص اليونانيين....، وكان اليونان في عصورهم الراقية كما كانوا في عصورهم الأولى، يرون أنهم تلاميذ المصريين في الحضارة وفي فنونها الرفيعة بنوع خاص "[19]، ولجوء طه حسين إلى العصور القديمة فيه إعادة الاعتبار للثقافة المصرية التي كانت ضعيفة ومتهالكة في عصره، من خلال عرضه لنماذج من الثقافة المصرية القديمة التي كانت قوية إلى درجة أنها أثرت في العقل اليوناني الذي هو عقل غربي، ودعَّم طه حسين هذا الاقتراح، بالاعتماد على عنصر التاريخ، في قوله: " ثم جاء التاريخ فلم يُكذب شيئا من هذا ولم يُضعفه، بل أيده وقوَّاه، فالتأثير المصري في فنون العمارة والنحت والتصوير عند اليونان شيء لا يُجحد ولا يُمارى فيه.... "[20]، فمشروع الخطيب في هذا المحور تقويضي بالدرجة الأولى، إذ يتأسس على إبدال أطروحة بأخرى، وعليه فإن الوسيلة الأكثر فاعلية لتحقيق أهداف هذا المشروع، هو " أسلوب النفي " الذي يتماشى مع طبيعة عمل طه حسين، وقد كان النفي عاملا مساعدا للخطيب خاصة في سعيه إلى دحض الدعوى القائلة بأن أساس مصر الثقافي والفكري هو الشرق، حيث حضر النفي في خطاب طه حسين لإزالة هذه الفكرة تماما من التفكير المصري السائد، ويظهر هذا في قول الخطيب: " وإذن فالعقل المصري القديم ليس شرقيا، إذا فُهم من الشرق الصين واليابان والهند وما يتصل بها من الأقطار وقد نشأ هذا العقل المصري في مصر متأثرا بالظروف الطبيعية والإنسانية التي أحاطت بمصر وعملت في تكوينها، ثم نما وربا، وأثر في غير الشعب المصري من الشعوب المجاورة، وتأثر بها، وكان من أشد الشعوب تأثرا بهذا العقل  المصري أولا، وتأثيرا فيه بعد ذلك العقل اليوناني "[21]، ويتضح من خلال هذا النموذج النصي " نفي " طه حسين ارتباط مصر بالشرق فكريا وثقافيا، وفي المقابل تأكيده على العلاقة الثنائية ـ التي حاول الخطيب الدفاع عنها ـ وهي علاقة مصر باليونان، التي "عَوَّض" بها طه حسين الدعوى التي " هدمها " وهي مصر شرقية التفكير، وهذا كله من أجل إقناع المجتمع المصري على الانفتاح على الثقافة الغربية الأوروبية، ولتحقيق هذا الهدف حاول الخطيب " تصحيح " بعض الأفكار والمعتقدات التي تتمثل في إقامة مصر الصلات والعلاقات مع الدول الأخرى على أساس " الوحدة الدينية واللغوية "، وقد رفض طه حسين هذه الفكرة تماما بأسلوب النفي، في قوله: " ومن المُحقق أن تطور الحياة الإنسانية قد قضى منذ عهد بعيد بأن وحدة الدين ووحدة اللغة لا تصلحان أساسا للسياسة ولا قواما لتكوين الدول "[22]، وقد دافع الخطيب عن اقتراحه القائل بأن وحدة الدين واللغة ليسا السبيل الأمثل لبناء العلاقات مع الدول الأخرى، من خلال عرضه مجموعة من الحقائق التاريخية التي تعمل على تأييد أطروحته، ويظهر هذا في النماذج النصية الآتية:

" فالمسلمون أنفسهم منذ عهد بعيد قد عَدلوا عن اتخاذ الوحدة الدينية واللغوية أساسا للمَلِكِ وقواماً للدولة، وما أظن أحداً يجادل في أن المسلمين قد أقاموا سياستهم على المنافع العملية، وعدلوا عن إقامتها على الوحدة الدينية واللغوية والجنسية أيضا.... "[23]، وقوله أيضا: " وقد مضى المسلمون بعد ذلك في إقامة سياستهم على المنافع، وعلى المنافع وحدها، إلى أبعد حد ممكن، فلم يأتِ القرن الرابع للهجرة، حتى قام العالم الإسلامي مقام الدولة الإسلامية، وحتى ظهرت القوميات، وانتشرت في البلاد الإسلامية كلها دول كثيرة.."[24]، وقد سعى طه حسين من خلال عرضه لهذه الحقائق التاريخية دحض الفكرة السائدة في عقل المصريين، وهي اعتبار وحدة الدين واللغة المعيار الأساسي لإقامة العلاقات مع الدول والشعوب، فقد وضَّح عكس هذا الاعتقاد، بعرضه نماذج من المسلمين القدماء الذين فَصلوا بين الدين والسياسة، وأقاموا علاقاتهم مع الدول الأخرى ـ سواء كانت إسلامية أم غير إسلامية ـ على أساس المنفعة والمصلحة، وغاية طه حسين من هذا كله هو دعوة الشأن العام في مصر لإحالتهم على النموذج الغربي الأوروبي ـ بوصفه نموذجا ثقافيا مميزا ـ يعتمد في بناء علاقاته مع الدول لا من خلال وحدة الدين واللغة، وإنما على أساس المنفعة بالدرجة الأولى، وبمعنى آخر، إن طه حسين كان يُريد إدراج مصر ضمن الحياة الحديثة التي تعتبر أوروبا صانعتها الأولى.

خاتمة:  

لقد اعتمد طه حسين في تشخيصه لقضية الهوية الثقافية المصرية طريقةَ " التدرُّج "، إذ انطلق أولا من الحديث عن الموضوع نفسه، وهي الثقافة بإظهار قيمتها الناتجة عن نتائجها الإيجابية داخل المجتمع، فالثقافة ـ في خطاب طه حسين ـ تمتلك سلطة، بحيث إنها من المكونات الرئيسية في تطوير المجتمع وازدهاره، فهي مصدر الرقي، ثم انتقل بعد ذلك إلى تحديد انتماء مصر الثقافي والفكري، معتمدا على التاريخ كأساس لإظهار هذا المُعطى، حيث استدعى الخطيب تاريخ مصر القديم لدحض الدعوى التي تقول بأن مصر شرقية الثقافة، إلى أن وصل إلى الربط بين الحضارة اليونانية والثقافة المصرية القديمة، لكي يعطي مشروعية لدعواه المتمثلة في أن نمط التفكير المصري هو نمط " غربي " على اعتبار أنه منذ العصور القديمة اتصل بالعقل اليوناني الذي هو عقل غربي، ويدخل هذا الترتيب في الخطاب ضمن الحجاج أيضا، وقد دافع طه حسين عن هذه الدعوى حجاجيا، بالاعتماد على ما هو " مُشترك " بينه وبين المتلقي، وهو بذلك يكون قد أخذ بنظر الاعتبار " طبيعة المتلقي "، فلا يمكن بناء حوار تواصلي إقناعي من دون إيجاد أرضية مشتركة تُسهِّل على الخطيب إقناع المتلقي من جهة، وتجعل الآخر جزءا من الخطاب، بمعنى يصبح مستعدا للاقتناع والموافقة، وقد تَمثل هذا المشترك في خطاب طه حسين في " المعلومات التاريخية " التي أضاءت الخطاب وكانت أساسا لحجاج الخطيب، ومدارُ هذا المشترك على " الواقع " حيث ذكر طه حسين مجموعة من الأحداث والوقائع التاريخية، لذا فإن الحجة التي سيطرت على الخطاب، هي حجة " السلطة "، ويظهر هذا الأمر بالنظر إلى الاستراتيجية التي اعتمدها الخطيب، وهي " العودة إلى تاريخ العقل المصري القديم "، وهو بهذه العودة يستدعي أحداثا ووقائع تاريخية تكتسي سلطة وقيمة لدى المتلقي، وعليه فإن حجة السلطة في الخطاب لم تحضر كمُدعمة لحجج أخرى، بل كانت الأساس الحجاجي لدى طه حسين في خطابه.

 

صلاح الدين أشرقي

طالب باحث بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الأول بالمغرب

................................

الهامش  

1)ـ خطاب الأخلاق والهوية في رسائل الجاحظ: مقاربة بلاغية حجاجية، محمد مشبال، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2015، ص: 77

2)ـ perelma. op. cit. p : 358

نقلا من: خطاب الأخلاق والهوية: ص: 77

3)ـ مستقبل الثقافة في مصر، طه حسين، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ص: 13

4)ـ نفسه، ص: 13

5)ـ نفسه، ص: 14

6)ـ نفسه، ص: 14

7)ـ نفسه، ص: 14

8)ـ  jacques robrieux ; rhetorique et argumentation ; armand colin ; 2010 ; p : 197

نقلا من: خطاب الأخلاق والهوية، ص: 84

9)ـ الحجاج في البلاغة المعاصرة، بحث في بلاغة النقد المعاصر، محمد سالم محمد الأمين الطلبة، دار الكتاب الجديدة المتحدة، ط1، 2008، ص: 116 ـ 117

10)ـ مستقبل الثقافة في مصر، ص: 17

11)ـ نفسه، ص: 18

12)ـ نفسه، ص: 18

13)ـ نفسه، ص: 18

14)ـ نفسه، ص: 19

15)ـ الحجاج في البلاغة المعاصرة، ص: 131

16)ـ مستقبل الثقافة في مصر، ص: 19

17)ـ الحجاج في البلاغة المعاصرة، ص: 132

18)ـ مستقبل الثقافة في مصر، ص: 19

19)ـ نفسه، ص: 21

20)ـ نفسه، ص: 21

21)ـ نفسه، ص: 22

22)ـ نفسه، ص: 23

23)ـ نفسه، ص: 23

24)ـ نفسه، ص: 23

 

1262 الثورة بلا قيادةكتاب يحمل بين دفتيه دعوة للجماهير المُستضعفة للثورة على الأنظمة الفاسدة المدعومة من أنظمة رأسمالية أو فاشية أو أنظمة ثيولوجية (لاهوتية) تؤمن بتصدير رؤيتها (ثورتها) أو أنظمة اقطاعية (أنظمة دول لا أيديولوجيا فيها ولا رؤية سياسية سوى امتلاكها لرؤوس أموال ضخمة وظفتها لشراء أنظمة دول وحكومات وجماعات لا وطنية فاسدة وفق قاعدة "السيد والعبد").

هذا الكتاب عودة لفهم "الديموقراطية" بمعناها التقليدي "حكم الشعب بالشعب وللشعب"، لأنه هو الأعرف بظروفه والأقدر على الحكم على فهمها، خارج سطوة وهيمنة النُخبَ السياسية والفكرية والثقافية التي يوجه كل منها المجتمع بحسب بوصلته الأيديولوجية أو العقائدية.

تعتمد فكرة الكتاب على أطروحة موجزها أن الفرد قادر على احداث تغيير عبر صرخة مدوية صادقة لرفض الظلم.

فمن شأن فرد أو جماعة بسيطة في ملعب كرة قدم (وتصور هذا الملعب وكأنه وطن) فحينما يصرخ الفرد أو الجماعة القلَة بصوت مؤيد أو رافض لحركة فريق في الملعب لأن فريقه لم يُتقن اللعب مع الخصم، ستهب كل جماهير الفريق تُعيد ذات الصوت.

ليس شرطاً أن تُحقق الجماعة مطاليبها في التو واللحظة، ولكن الفريق سينتبه، ومدربه واتحاد الكرة سيراجع خططه، وهنا ستكون "الأفعال لا الأقوال الأداة الثاني للجماعة بعد كسب تأييد الجمهور الذي لنزوعها نحو التغيير. واجعل من المدرب مثابة رئيس الوزراء واتحاد الكرة بمثابة البرلمان.

أما مفتاح الثورة (الرفض) الجماهيري الثالث، فهو اقدام الجماهير هذه على اتخاذ قرارات تحرج المسؤولين، وجعل الناس هم المسؤولون عن قراراتهم، وكلما شعروا أنهم هم المسؤولون تجدهم ميالين لاستخدام السلطة بحكمة.

وكأنها محاولة للجمهور لاستعادة السلطة من مُمثليه في البرلمان، بعد أن شعروا بأن هؤلاء البرلمانيين لم يعودوا أهلاً للثقة ولا يصلحون لتمثيلهم.

إن هذه الرؤية هي نواة ما أسماه (روس) "الثورة بلا قيادات".

طرحت كارن روس رؤية للثورة مخالفة لما هو معروف عن الثورات التقليدية.

إن الثورة التقليدية تحتاج لقيادة كارزمية مؤثرة في جماهير الثورة، هي التي تُحركهم متى متى تشاء وتوقف حركتهم وتحد من فعل "الهياج الثوري" متى ما تشاء. إنهم يأتمرون بأمرها.

أما أطروحة (روس) فإنها تُؤسس على فعل الجماهير أو "الناس العاديون" ودورهم في تغيير السياسة والقضاء على سلطة الحكومة من دون الحاجة لوجود قائد أو قيادة تتحكم بها. من أهم منطلقات "الثورة بلا قيادات" هي:

ـ مبدأ اللا عُنف، وهو مبدأ عمل عليه (غاندي) في ثورته ضد الاحتلال البريطاني للهند، ولكن هذه المرة ثورة من دون الحاجة لقيادة، إنما النس العاديون هم قادتها.

أما أدواتهم فهي "الاضراب العام" أو "العصيان المدني"، وهي ممارسات يُتيحها الدستور، وتحرج الحكومات لأنها تُعطل كل مؤس سات الدولة بما فيها التعليمية ووسائل النقل والمواصلات، وتعطيل عمل المصانع والدوائر الحكومية.

من العجيب المُدهش في هكذا ثورات أنك تجد الجماهير فيها مُستعدة للتضحية ليس بالمال فقط، إنما بالنفس أيضاً، لأنهم يعدَون الموت من أجل قضية عظيمة وسامية هي خلق وطناً جديد لا فساد فيه وشعب حرَ إنما هي قضية تستحق التضحية.

إنها ثورة سلمية أجلى تعبير فيها هو "بلاغة الجمهور"، عبر التعبير عن الرفض بطرق شتى منها الفن والإيثار والتمسك والتضامن الاجتماعي ونبذ العُنف، وكل هذه رسائل سمها "بلاغة الجمهور" في احراج الحكومة وأجهزتها الأمنية والقمعية.

ـ المقاطعة: مقاطعة الحكومة ومقاطعة الدول المساندة لسياستها القمعية تجاه شعبها، ومن أشكال هذه المقاطعة هي مقاطعة شركات ومصانع هذه الدول وعدم الاستيراد منها ومقاطعة شرائها في السوق المحلية، والعمل على دعم النتوج الوطني.

ـ العزل، ومحاولة سحب التأييد الاجتماعي من الأشخاص والأفراد المؤييدين لسياسة السلطة ونبذهم مجتمعياً ورفض التواصل معهم في مسراتهم وأحزانهم. وعدم التهاون مع أمثالهم أو السماح لهم بحضور مناسبات مجتمعية، وفي حال حضورهم ينبغي إظهر التذمر من وجودهم.

ـ التعطيل لمواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام المدافعة عن رجالات السلطة الفاسدين عبر تهكيرها أو التشويش عليها، وهذه أعمال تخريبية ولكنها في الأن نفسه ليست عُنفية.

ـ كسب تأييد المجتمع الدولي ومنظماته عبر الكشف عن جرائم السلطة وممارساتها العُنفية بحق أبناء شعبها.

آلية عمل الجماعات في الثورة بلا قيادة

ـ أن تُتخذ القرارات من قبل المُحتجين بالتوافق لا بالاجماع، عبر لقاء يومي تُشرف عليه "ججمعية عمومية" للمُحتجين.

ـ ينبغي على الجميع احترام القواعد العامة والالتزام بالأخلاقيات العامة المعهودة في المجتمع الذي تحدث فيه مثل هكذا ثورة بلا قيادة.

ـ إلتزام المحتجين بحضارية ثورتهم والعمل على تحسين وضعهم وضبط اعتصامهم، والكشف عن طاقات المُحتجين الفنية والثقافية والعلمية كي تكتمل رسالتهم الثورية بصيغتها الحضارية.

ـ نزوع المُحتجين ـ في الغالب الأعم ـ نحو تبني سلوك مثالي يكون بمثابة رسالة اقناع للمخالفين "تنبثق منه شبكات تعاون داعمة للتغيير الايجابي في أماكن أخرى"، وكأنك تجد مجتمعات أو دول صغيرة أساس وجودها التماسك والتعاون المجتمعي، وستنتقل عدوى التماسك هذا لأمكنة أخرى في جغرافية المجتمع الذي حدثت فيه هذه الثورة.

أما من عيوب مثل هكذا ثورات، فهي غياب الاتفاق على مطاليب واضحة ومُحددة، وكل من ينبري ليكون ناطقاً باسم الثورة تظهر له جماعة تقول هذا لا يُمثلنا إنما يُمثل نفسه وربما جماعته.

إن ميزة الثورة بلا قيادة إنها تبدأ صغيرة وتنمو تدريجياً لتكسب عبر تعبير أصحابها الحضاري بكسب أكبر عدد من المؤيدين لها حتى داخل أفراد الحكومة التي خرج المحتجون عليها.

 

المصدر: كارن روس (2017) ثورة بلا قيادات، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ط1.

المنشور تلخيص للكتاب بحسب ما فهمت.

 

ا. د. علي المرهج

 

نضير الخزرجيفي العادة لا يرغب الانسان التحول الطوعي من مسقط رأسه أو موطنه إلى مدينة أخرى او بلد آخر إلاّ لعلة مقبولة يطمئن إليها، فإذا نجع في دار الهجرة واجتاز مطبّاتها وقفز على عوارضها كان فخورا بما حققه من نجاح، وإذا تعثر ولم يحقق ما رغب فيه أو لم يصل مبلغ الطموح وجرت الرياح خلاف حركة سفينته عندها لا يتعرض إلى ملامة النفس التي هي أشد على الإنسان نفسه من كلام المقربين ولومهم، فالهدف الذي هاجر لأجله يكون عضيده إن فلح وشفيعه إن فشل، هذا إذا كان جادًا في سعيه، ولكنَّ الظروف لم تخدمه وساقته بالضد من مبتغاه أو قصرت عن بلوغ مناه.

فليس كل من هاجر للتجارة أصبح تاجرًا، وليس كل من هاجر لطلب العلم صار عالمًا، فالتجار كثيرون ولكن أربابها قليلون، وطلبة العلوم في الحواضر العلمية كثيرون ولكن القلَّة القليلة من مهاجري العلم والتعلم يصلون الدرجات العليا من سلّم المعرفة، ولكن في المحصلة النهائية يعتبر المهاجر الطوعي الذي ركب مطية الهجرة بحثا عن زيادة الأرباح والأموال والإستزادة من المعرفة أو العيش الهني والرغيد في بلد الهجرة، قد فعل شيئا في حياته من باب: "في الحركة بركة"، ومعظم الذين يشار لهم بالبنان من أعلام الإنسانية منذ هبوط الإنسان الأول الى المعمورة وإلى أن يأذن الله بقيام الآخرة كانت الهجرة جزءًا من حياتهم، تمكنوا من استثمارها أفضل استثمار بما قادهم أو يقودهم إلى وصول مرادهم.

بالطبع لا نتحدث عن التهجير ولا عن اللجوء، وإن شملهما وصف الهجرة، لكن الأخيرة (الهجرة) طوعية ذاتية لتحقيق أغراض متنوعة، والأولى موضوعية ليس للإنسان دخل فيها فيُساق رغمًا عن أنفه من موطنه إلى بلد آخر، وفي معظم الأحيان يجرد من ممتلكات المنقولة وغير المنقولة فيغدو ذليلا بعد عز وفقيرا بعد غنى، والثالثة فهي وإن بدت طوعية ذاتية ولكنَّ الإرغام فيها ركن قائم، حيث تدفع الظروف القهرية القائمة في البلد بالإنسان إلى الهجرة القسرية بحثا عن بلد آمن يأويه ويدفع عنه البلاء والضرر، وهو ما يعبر عنه باللجوء، وفي كثير من الأحيان يخرج الإنسان خائفا يترقب كخروج النبي موسى عليه السلام خائفا يترقب من بطش فرعون وملئه.

وإذا كانت الهجرة طوعية أو تهجير أو قسرية، فإن البلد الثاني يتحقق فيه وصف دار الهجرة، وكما يكون الإنسان في البلد الأم خاضع في حقل الحقوق والواجبات لما تملي عليه مقررات البلد وقوانينه وأعرافه وعاداته، فإن الأمر هو الآخر في دار الهجرة خاضع لمقررات ذلك البلد، والإنسان المسلم مهاجرا كان أو مهجّرا او لاجئا يفترض فيه أن يمارس حياته بصورة طبيعية منسجمة مع الشرع والقانون والعرف.

وللوقوف على حقيقة الهجرة، صدر حديثا (2019م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت كتيب "شريعة الهجرة" للفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، أظهر في 84 مسألة مع تمهيد الموقف الفقهي والقانوني من الهجرة ودار الهجرة، مع 20 تعليقة أبداها آية الله الشيخ حسن رضا الغديري الميثمي، وقد تصدّر الكتيب بمقدمة للناشر وأخرى للمعلِّق.

ثلاثية الهجرة

ربما يفهم من الهجرة العسر والحرج، إتساقًا مع المثل الشعبي الشائع: "من خرج من داره قلّ مقداره" باعتبار أنَّ الدار هو محل راحة الإنسان ومن يخرج منه إلى دار أخرى لا يعرف أهلها ولا يعرفونه فيقل حينها مقداره وشأنه، فالمثل في الظروف الطبيعية هو في موقعه، ولكن الهجرة من بلد إلى آخر منظور فيها البحث عن اليسر والإبتعاد عن العسر، بل في معظم الحالات يجد المرء في الهجرة عزّه وكرامته وإن صاحبها النصب والتعب، لأن نيل المعالي ليس بالأمر الهيِّن، والناس قدرات، والهجرة محل عصر الإنسان واختباره، وفي المحصلة النهائية هي بصالحه، وحسب تعبير الشيخ الغديري في التقديم: "فبعد الدقة فيما قُرِّر في الشرع المقدس حول الهجرة يظهر أنَّ الله سبحانه وتعالى يريد بنا اليُسر ولا يريد لنا العسر، فإنَّ  الحياة فردية كانت أو إجتماعية تستدعي اليسر والراحة والطمأنينة والأمان ورفع المتاعب ودفعها"، ولكي يحقق الإنسان هذا الأمر كما يضيف الفقيه الغديري: "فله أنْ يغيّر مسكنه ومنزله ويختار ما يضمن حرياته اعتقادًا واقتصادًا، سياسة وعبادةً، أي يهاجر من مكان إلى آخر ومن مجتمع إلى غيره).

وفي كثير من الأحيان يستشهد الباحثون على أهمية الهجرة وفوائدها بهجرة الرسول الأكرم محمد (ص) من مكة المكرّمة إلى المدينة المنورة، ولكن الفقيه الكرباسي في التمهيد يعتبر إهباط أبي البشر آدم وزوجه حواء من السماء إلى الأرض هي أول هجرة في تاريخ البشرية، وهي هجرة من شقين قسرية (تهجير) وطوعية (هجرة)، فيؤكد: (إنَّ أوَّل من هُجِّر في تاريخ البشرية هما آدم وحوّاء، حيث هُجِّرا من الجنة وأُهبطا إلى الأرض، وبغض النظر عن تحديد المكان المهجَّر منه والمُهجَّر إليه، فقد تعرضا للإمتحان وكانت نتيجته التهجير، إذ قال لهما الله جلّ وعلا: "وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين" البقرة: 36، وما إن استقر آدم وحواء على الأرض إلا وبدأت هجرته من مكان إلى آخر حتى التقيا ثانية بأرض عرفات بالحجاز، ولم تتوقف إلى هذا الحد فقد هاجرا معًا من هنا وهناك إلى أن قضيا نحبهما).

فالهجرة أو التهجير أو اللجوء تلاحق الإنسان أينما كان بخاصة لمن يبحث عن الخير لنفسه أو مجتمعه، فالذي يترك بلده باختياره هو مهاجر، والذي يتركه دون رضاه وبفعل فاعل دون إرادته هو مُهجَّر، والذي يتركه خلاف رضاه وتحت ضغط السلطان بحثا عن الأمن والأمان هو لاجئ، ولكل من هذه المفاهيم الثلاثة أحكامها أوضحها الفقيه الكرباسي في هذا الكتيب وفي كتيب شريعة اللجوء، وغيرهما من الشرائع القريبة من هذا المحور.

وإذا كانت الهجرة من أجل تحصيل العلوم والتجارة والحياة اليسيرة هي الغالبة على مخرجات الهجرة الذاتية فهناك أمور أخرى مارسها المسلمون ينطبق عليها وصف الهجرة ومنها الجهاد في سبيل الله وإعانة المظلوم على الظالم كما قال تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرًا وسعة) النساء: 100، ومن الهجرة السياحة في البلدان واكتشافها وبيان واقع مجتمعاتها وجغرافيتها، وفي الزمن البعيد حيث كانت الدابة هي وسيلة النقل البرية إلى جانب النقل البحري البسيط، فإن الرحلة الإستكشافية كانت تأخذ سنوات طويلة وربما امتدت لعقود.

رؤى في دار الهجرة

يتابع الفقيه الكرباسي في "أحكام الهجرة" ثلاثية اللاجئ والمهجَّر والمُهاجر، مركزّا على مسائل الهجرة ومستلزماتها ومتطلباتها وما يجب فعله أو تجنبه في دار الهجرة.

ولما كانت الهجرة طوعية للبحث عن الأفضل والأحسن، إذًا على المهاجر: (أن يختار موطنًا يمكنه فيه إقامة شعائره الدينية)، وبأزاء ذلك يضيف الفقيه الكرباسي، عليه: (أن يتحصَّن بالثقافة الإسلامية بالقدر الذي هو بحاجة إليها في مورد عمله أو حياته)، وإذا كانت الهجرة مستحبة لأجل تحصيل العلم أو كسب المال للإعاشة أو ما شابه فإنه: (تجب الهجرة لطلب العلوم الدينية وجوبا كفائيًا) وهذا ما كان عليه أعلام الأمة من كل المذاهب الإسلامية في الزمن الماضي وما عليه اليوم حيث تستقبل الحواضر العلمية في مصر وشمال أفريقيا والشام والعراق وإيران وغيرها الطلبة من كل أنحاء العالم، فضلا عن الحواضر الأكاديمية المتوزعة في أنحاء العالم مثل أوروبا وأميركا، ويتحقق الوجوب الكفائي حتى في العلوم غير الشرعية، لذا: (العلوم الضرورية كالطب حالها حال العلوم الدينية تجب الهجرة لأجلها وجوبًا كفائيًا).

 بل ربما ويتحقق الوجوب الكفائي في الهجرة وتعلم العلوم المختلفة التي لها مدخلية في تطور الأمة في الحقول المختلفة من أجل تحقيق الإكتفاء الذاتي، وقد دلَّت تجارب الشعوب وبخاصة في العصر الذي نعيشه أن القوى المستكبرة تستغل حاجة الشعوب في احتلالها عسكريا أو استغلالها وتطويعها لرغائبها سياسيا واقتصاديا، وإذا شطت أمّة عن محور القوى المستكبرة وتنادى أبناؤها الى نشدان الإستقلال العلمي والتكنولوجي والإقتصادي فضلا عن السيادة السياسية، نصبت لها العداء وفرضت عليها الحصار العلمي أو الإقتصادي وأدخلت البلد في أتون حروب لا طائل منها لاستنفاذ طاقته وتفريغه من علمائه.

والأمَّة الناجحة هي التي تصنع من الضعف قوة ومن الإنتكاسة انتصارا، وطلب العلم والهجرة من أجل تحقيق الإكتفاء العلمي مطلب حضاري شجَّع عليه الإسلام ودعا المسلمين إلى التغرب في البلدان لطلب العلم النافع، لأن العلم المصاحب للقيم السليمة يحصّن الأمة ويرفع من معنويات أفرادها ويجعلها نموذجا طيبا للأمة المتفوقة وتكون محل افتخار واعتزاز.

وبالطبع لا يعني الهجرة والتحصن بالثقافة الأمّ اعتزال مجتمع دار الهجرة، بل يقرر الفقيه الكرباسي أنه: (لا يصح مقاطعة المجتمعات غير الإسلامية باعتبارهم غير مسلمين ولا يصح عدم مراعاة حقوق الجار بهذا الإعتبار، بل لابد من مراودتهم بما لا يضرّ في تغيير مفاهيمنا الإسلامية ولكن بغرض التأثير فيهم) لأن المعاشرة الطيبة تعطي صورة طيبة عن المهاجر القادم من بلدان عربية وإسلامية ويغير الكثير من المفاهيم الخاطئة التي تحملها العقلية غير المسلمة تجاه العربي والمسلم بفعل وسائل الإعلام التي تعمل ليل نهار على حرف مسار الحقيقة.

وإذا كان الفقيه الكرباسي يدعو إلى عدم مقاطعة مجتمع دار الهجرة فإنه يعتقد أكثر من ذلك إذ: (يجب المشاركة في الحياة الإجتماعية والسياسية لأن حقوق المسلمين تعتمد على مدى مشاركتهم)، بل ويذهب بعيدًا الى القول أنَّه: (تحرم عدم المشاركة إذا كان ذلك يوجب الإنتقاص من حقوق المسلمين)، وعلى خلاف عدد من الفقهاء يرى في باب المشاركة السياسية أن: (الإنضمام إلى الأحزاب والتكتلات غير المسلمة إذا كان فيه مصلحة للمسلمين فلا إشكال فيه)، نعم: (إذا كان يشكّل مضرّة للمسلمين عقيدة وأشخاصا فلا يجوز)، وعدم جواز المشاركة كما يضيف المعلِّق قائم: "حتى وإن كان صوريا".

والشيخ الكرباسي من الفقهاء القلة في عالم اليوم الذين يؤيدون العمل الحزبي والتعددية السياسية والحياة النيابية التي تنشد خدمة الإنسان والوطن، وقد أثبت آراءه الفقهية والفكرية في هذا المجال في أكثر من مؤلف، ورؤيته تنسحب إلى دار الهجرة إذ: (يجب تشكيل التكتلات والأحزاب والمؤسسات إذا كانت تحقق حقوق المسلمين)، ويرى الفقيه الغديري في تعليقه أن التشكيل يدخل في إطار: "الوجوب كفائي تمامًا ويشترط التأهل لذلك في الأشخاص بحيث لا يضر بالمقصود أو لا يوجب الخيانة".

ولما كان التعليم هو الأساس في تنشئة الجيل الناجح، فإن مدارس دار الهجرة وبخاصة في البلدان التي تختلف عقائديا مع المهاجر لها في بعض المناهج الدراسية خصوصياتها التي لا يرتضيها المهاجر بغض النظر عن معتقده إن كان مسلما أو مسيحيا أو يهوديا أو بوذيا او هندوسيا أو غيرها من المعتقدات الأرضية، فبعض المناهج وضعتها الحركة العلمانية التي تستفيد من النظام الديمقراطي في مواجهة معتقدات الآخرين تحت دعوى حرية الرأي وهذا ما دفع تجمعات بشرية من أديان مختلفة إلى إنشاء مدارس خاصة لتحصين أبنائها، من هنا يرى الفقيه الكرباسي أنه: (يجب على القادرين فتح المدارس والمؤسسات الثقافية والإجتماعية والسياسية في بلاد الهجرة إن كانت غير إسلامية للمحافظة على حقوقهم)، وفي صورة عدم قدرة الأشخاص والجماعات بشكل عام كما يؤكد الفقيه الغديري في تعليقه على المسألة: "يتوجه التكليف إلى مراجع التقليد إرشادًا وعملًا كلما أمكن".

في الواقع أنَّ كل مسألة فقهية من المسائل الأربعة والثمانين التي توزعت في صفحات هذا الكتيب، تشكل رؤية قانونية تنويرية ينبغي الوقوف عندها والتبحر فيها، وقد أفرغ الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي جهده الفقهي والمعرفي في بيان أحكام الهجرة فضلا عن أحكام التهجير واللجوء، وجاء في هذه الشريعة وفي غيرها من عناوين الشريعة التي بلغت الألف عنوان ما يشكل ثروة تشريعية وقانونية، وبتعبير المعلِّق آية الله الشيخ حسن رضا الغديري: "في الشريعة الإسلامية الغرّاء أحكام وآداب أصولا وفروعًا ترتبط بالهجرة بمعناها العام وقد ذكرها الفقهاء في أبواب شتّى بصورة منتشرة غير مرتَّبة، وقام المؤلف حفظه الله في هذا الوجيز بإعطاء الإستقلالية للموضوع الجديد كسائر المواضيع الجديدة التي لم تكن مجموعة في فصل مستقل كالترهيب، والغصب، والحجاب، والنوافل، والمثلية، والأمن، وعاشوراء، والشعر، والعقل، والدفاع، والمواصلات، والأهلَّة، والذرَّة، والتوقيت، والجنين، والخدمة، والرياضة، وغيرها العديد من العناوين ذات الأهمية في حياة الإنسان"، وهي موضوعات حساسة على التماس مباشر مع حياة الإنسان، أفردها الفقيه الكرباسي في كتيبات مستقلة تمثل بحق خارطة طريق للمتشرِّعة ونواب الأمّة.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

  

مجدي ابراهيمنوعيّة الكتب المُصنّفة بخبرة عالية هى في الغالب تفرض نفسها على أنظار القرّاء والنّقدة والمُحلّليين، وتعطي من الوهلة الأولى أقدار كُتّابها: من حيث المنهجيّة، ومن حيث الأصالة المعرفيّة، ومن حيث الإسهام في النهضة العامة؛ تُحسن به النوايا وتصلح التوجُّهات.

فأمّا الحيثية الأولى؛ فتظهر في ذلك الترابط المنهجي وفي الاتساق النظري إن في القضايا وإن في الشخصيات، ولا يظهر الترابط وهو في منأى عن القضايا المطروحة، ولا الاتساق النظري معزولاً عن الغايات الهادفة. وأمّا الحيثية الثانية؛ فإنّ الأصالة المعرفيّة فيها تتأسس عليها الرؤى والأفكار التي يطرحها الكاتب في ظل ما يحكمه ويعتمد عليه ممّا يدور بخلده ويتأمل فيه، من حيث ما يتعامل مع المستويات الكامنة والعميقة في الخطاب الإنساني وتوظيفها توظيفاً يتناسب مع الطرح المُعاصر. وأمّا الحيثية الثالثة؛ فلا تبدو واضحة جليّة إلاّ كمقصد أسمى يحمله قلم المؤلف حيث أهدى كتابه قيمةً باقيةً ودلالةً ثابتةً بمثل هذه العبارات قائلاً :"إلى الأذهان الواعية، والسّرائر النقيّة، والأذواق الراقية. إلى السواعد القويّة الفاعلة، والعقول المستنيرة الناقدة، والأقلام الحرّة الثائرة. إلى كل من عشق الوطن وأخلص في محبّته ودافع عن أمته، وإلى كل من أدرك الحق وجعله قبلته أُهدى هذا الكتاب".

ولا ريب عندي في أن هذا الإهداء نفسه ليعكس حرفياً في ذاته شخصية الكاتب، ويُجمل تلك الحيثية الثالثة التي تقرّرت لدينا سلفاً بالإسهام في النهضة العامة : إصلاحها، وتقويم ما أعوج منها، ونقد ما لم يكن صالحاً للبناء فيها، مع توافر حُسن النيّة وتوجُّه العمل بوحدة قصد.

كتابُ الدكتور "عصمت نصّار" الجديد (خطابات فلسفيّة في ثياب أدبيّة) دراسات تجمع قراءات تحليلية في الثقافة العربية المعاصرة .. فيها الرأي والرؤية والأصالة والتأصيل خلال شخصيات بارزة. "قامات" أفرزت بالتكأةٍ على نقد العقل العملي "مقامات" أنفردت بها، وتفرّدت. ثم دلّت من قريب على امتياز الثقافة العربية المعاصرة في حُقب زمنية أصيلة ليس من السّهل الاستغناء عنها بحال.

تظهر فيه جليّاً نوعيّة الكتابة التي ينهجها الأستاذ الدكتور عصمت نصار، أستاذ الفلسفة والمفكر العربي المعروف، كونها "إبداعيّة تأصيليّة"، فهي عندي ليست كتابة إبداعيّة فقط تجئ كسائر الكتابات التي تتراءى لنا صباح مساء بغير مرجعية ولا تأسيس، ولكنها إبداعيّة تأصيليّة في آن. ويغلب على الثانية فيها الوقوف على الآراء النقديّة ذات المسحة الفلسفية، والرجوع بها إلى أصولها الأولى وعيونها التليدة، تماماً كما يغلب على الأولى خلق الفكرة بالموازنة والمقارنة في إطار التأصيل ثم توظيفها توظيفاً فلسفياً على اختلاف عطايا الأبعاد الفلسفية؛ غير أنه توظيف يتعدّى الإنشاء النظري إلى حيث الوقوف على الأصول المعرفية العمليّة في الخطابات المُراد تحليلها لأشخاص يقوم المؤلف بدراستها.

الدلالةُ لا شك فاعلة جداً في ضوء المناقشة لآراء المفكرين المعاصرين في ثقافتنا العربية، وفي ظل منجزات الفلاسفة الذين ألبسهم المؤلف الثياب الأدبية وكشف توجُّهاتهم، واستنطق من نصوصهم الملامح الفلسفية والأبعاد الإصلاحيّة والدلالات العلميّة والتطبيقية. غير أنهم لم يكونوا فلاسفة بالمعنى الدقيق للكلمة، ولكنهم كانوا أدباء ذوي نزعات إصلاحيّة وخطابات فلسفية. ولأجل هذا سأبدأ بفرضين في عرض الكتاب - وأنا واحدٌ من بين كثيرين ممّن تابعتُ أكثر موضوعاته وناقشتها وعلقتُ عليها وكتبتُ عنها في حينها - وأنتهي بخاتمة.

فإنّ حوار المثاقفة مع شيوخ الأدب العربي ليظهرنا (أولاً) على  توظيف الأنساق الفلسفيّة على أفكار قادة الرأي في الفكر العربي وإسقاط مراحل تقسيم الفكر الغربي المعاصر على نظيره العربي وهو ما تعنيه بالتوظيف الفلسفي، الأمر الذي تميّزت به كتابات عصمت نصار وخطاباته الفلسفية.

ويظهرنا (ثانياً) على نقد الأبنية الأدبيّة في الخطابات الفلسفية نقداً يقوم على التقدير والتقويم، واستطلاع آثارها التطبيقية في الواقع العملي مع القطع بفشل هذه الجزئية الأخيرة في الخطابات الحداثية الغربية.

أمّا الخاتمة؛ فنرجئها لحين الانتهاء من إعطاء صحّة اختبار هذين الفرضين في ضوء موضوعات الكتاب. وليس من فصل في النهاية بين هذين الفرضين سواء من جهة التوظيف الفلسفي أو من جهة النقد الذي يأتي خادماً بالتقويم والتقدير لمثل هذا التوظيف، لأنه لو كان ثمّة فصل فلا ريب سيكون فصلاً تعسفياً غير مقبول عقلاً ولا منهجاً، وسيؤدي إلى خلل غير مرجوّ النفع أو مرجوّ الفائدة، فضلاً عن الربكة والشتات.

يندرج الرأي الذي يراه "عصمت نصار" في مقدّمة كتابه تحت ضرب المراجعات النقديّة، ولعلّه هو نفسه - في حدود علمي - أوّل من نزع إلى تأصيل مصطلح المراجعات النقديّة تأصيلاً فلسفياً بالرجوع إلى المفاهيم الفلسفية سواء لدى النهضويين المجددين بداية من "هرقليطس" إلى "جاك دريدا" ومروراً بالتجريبين بدايةً من جابر بن حيان وابن الهيثم وإخوان الصفا، ثم فرنسيس بيكون وديكارت، وحيث تكون المراجعة تعني الشرح؛ فشروح ابن النفيس لكتب ابن سينا وشروح ابن رشد لكتب أرسطو واسهامات الرازي وابن الهيثم تؤكد ذلك. وإذا كانت تعني التأويل فبالنظر في كتابات فيلون السّكندري تلتمس مراجعاته لنصوص التوراة ومحاولاته حلّ العديد من المشكلات اللاهوتية عن طريق التأويل الرمزي، وكتابات "هيدجر" عن التأويل للوصول إلى معنى الفهم ووضع المعايير للفهم الصحيح للألفاظ والمعاني والدلالات في ضوء الواقع الفعلي.

أقول إن "عصمت نصار" هو من أوائل الذين أصّلوا للمراجعة تأصيلاً فلسفياً  بما صدقاته الإصطلاحيّة ودلالاتها الواقعية - وإن كنّا لا نعدم في ثقافتنا العربية وجود عناوين تحمل اسم "المراجعات"، ولكنها وإن تكن فلا تنحو هذا المنحى الفلسفي من جهة التأصيل - وذلك في كتابه الموسوم (مُراجعات فلسفيّة في الفكر العربي الحديث)، إيماناً منه بأن العقلية الناقدة المُبدعة هى وحدها القادرة على المراجعة، وأن القيمة الحقيقية للعقل تكمن في قدرته المحيطة على المراجعة الحرّة بمعزلٍ عن السلطات السابقة التي حدّدت معاني الكلمات وفسّرت العبارات وأوّلت النصوص ووجّهت القراءات. ولم تكن المُراجعة فيما أشار إليه ديكارت في كتاباته، كمقال في المنهج والتأملات، سوى هاته الملكة الناقدة القادرة على الاستقصاء والتحليل والوصول إلى حقائق متّسقة الأجزاء تكشف في الوقت نفسه عن علة الأخطاء التي يمكن للذهن أن يقنع فيها بفعل السلطات السائدة أو بأنشطة المعارف الزائفة.

وعليه؛ تصبح المراجعة مصطلحاً يمسُّ صميم المنهجيّة، إذ إنها بمثابة الركن الرئيس لإثبات صحّة الحكم والاستنتاج والاستنباط وإزالة اللّبس من الذهن والغموض من المفهوم، إذا ما توافر فيها ثلاث خصائص: الأناة والرّويّة، الشمول والإحاطة، النظام والترتيب (ص 13 وما بعدها).

من هنا، تجئ رؤية الكاتب مستندة دائماً إلى مراجعاته النقديّة. وقد كان لا بدّ لهذه المراجعات أن تتحدّد بمقياس الصبغة التي تصطبغ بها الثقافة العربية، والفترة التي يسودها الطابع المُميّز لها. وبما أن الفكر العربي يُقاس بنظيره الغربي على أقلّ الفروض في معرض المقارنة، فقد جاز له أن يقول: " إنّ من يُراجع البنية الفلسفيّة للفكر العربي الحديث بكل قضاياه واتجاهاته ونجاحاته وإخفاقاته وخطاباته ومشروعاته، سوف يدرك أنه كان أكثر واقعيّة وأقرب إلى المسحة العمليّة من تفلسف الغربيين والشرقيين المعاصرين للحقبة التي شهدت فجر نهضته الحديثة، أي منذ أخريات القرن الثامن عشر حتى نهاية القرن التاسع عشر، وهى تلك الفترة التي يمكن أن نطلق عليها عصر الحداثة العربية التي انتصر فيها قادة الرأي للعلم والتجربة العمليّة والعقل المنهجي الذي اتخذ من النقد سبيلاً للإبداع وقراءة الحاضر والتخطيط للمستقبل".

ولم يكن بُعد التفكير العربي في تلك الفترة عن الإنشاء النظري المُجرد إلا لعلّة تخدم الغرض الإصلاحي ترجوه الأمة ويرتقبه المجموع وتتوافر عليه جهود المُصلحين. ولم يكن زعماء الإصلاح يُوالون النقد الدائم إلا ليكون سبيلاً للتخطيط المستقبلي والتقدّم المأمول.

وإذا كانت هذه الفترة الزمنية السابقة يُطلق عليها عصر الحداثة العربية من منظور عصمت نصار، فإن الفترة التالية عليها والممتدة من العقد الأول حتى العقد السادس من القرن العشرين فهى أيضاً من منظوره أقربُ إلى بنية ما بعد الحداثة من حيث ثراء الأفكار وتباينها ونقد كل أشكال التبعيّة والانفتاح على الآخر ومقاومة السلطات لتغليب روح الثورة على الاستسلام أو المهادنة كما قال، وهذا لا يصدق على مصر فحسب ولكنه يصدق كذلك على معظم المدارس المنتجة للخطاب الفلسفي أو الخطاب الثقافي العربي الحديث بوجه عام ( مصر، والشام، والعراق وتونس، والجزائر، واليمن)، ولا يصدق هذا التحليل على كل منابر الفكر العربي إلا بنسب متفاوتة تبعاً لقوة الخطابات وأصالة المشروعات.

لم يشأ المؤلف أن يعمّم أحكامه جزافاً على مراحل الفكر العربي المعاصر بغير تحديد ولا تقويم، ولم يكن ليخلط بين فتراته الزمنية أو ليتغافل عن تمييز خصائصها، ولكنه في هذا التقسيم شاء أن يصبغه بالصيغة المنهجية الناقدة، وهى في نفس الوقت صبغة ذات نظرة داعمة للتوظيف الفلسفي أو إن شئت قلت مؤسسة عليه، وهو الذي سبقت إليه الإشارة فيما كنا افترضناه؛ فلئن صحّ مثل هذا الفرض وتحقق الغرضُ منه، فلا أقلّ من أن يكون في تقسيم المراحل على هذا النحو قناعة النظر المُنصف المُجرّد عن الأهواء العقلية.

ولكي يُبقي الغاية سليمة من وراء تلك النظرة الهادفة يتضمّنها كتابه وفق قراءاته النقدية، راح يسدّ كل ذريعة تتطرّق إليها الدعوى أو ينالها التعطيل، وقد حدّد الغاية وأصاب الهدف وأخضع الخطاب الأدبي المتفلسف، لمن كان قد أختارهم من قادة الرأي، تحت مشارط التحليل؛ فقال: "وحسبي أن أشير إلى أن الخطابات الفلسفية في مرحلة الحداثة أو في مرحلة ما بعد الحداثة (في الفكر العربي وفق هذا التقسيم) لم تتخذ من الخطاب المُرسل المُفعم بالتنظير أو النُصح أو الوعظ سبيلاً لها، بل انتهجت نهوجاً غير تقليديّة لإعادة بناء شبيبة الطبقة الوسطى والتواصل معهم، ولعلّ أشهر تلك النُّهوج هو الخطاب الأدبي المتفلسف، وأعني به قالب المقامة والقصّة الذي سكب فيه المُصلحون جلّ آراءهم وانتقاداتهم ومشروعاتهم في التجديد والتحديث والتنوير، أضف إلى ذلك الحوارات الخيالية المختلفة التي كان يُجريها المُجدّدون المحدثون مع الفلاسفة القدماء والمعاصرين لهم؛ بأسلوب نقدي ساخر من أجل تقريب الأفكار والتصورات إلى الأذهان".

ولم ينس بالإضافة إلى الخطاب الأدبي المتفلسف، دور الشعر والرواية والقصص القصيرة والملاحم الشعبية وفن الموال والفولكلور والمسرح والغناء والتصوير الفني، فجميعُ هذه القوالب الفنيّة من وجهة نظر المؤلف قد حوت بين طياتها خطابات فلسفية توجيهيّة، لأنها فيما يظهر اعتمدت دعائم التفكير الناقد بغية الإصلاح، وآثرت خطاب الرأي العام التابع وخطاب الرأي العام القائد سواء بالنقد المباشر أو غير المباشر فيما لو كانت السلطة غاشمة، ولا بدّ أن تكون، ثم نهضت بالمجموع كيما ينهض فيستقيم. وبما أن مظاهر التصوير الفني قاطبة على اختلاف أنواعها إن هى الا خطابات فلسفيّة توجيهيّة إصلاحية تجديديّة، فقد علق المؤلف أمله الكبير على شباب الباحثين المجتهدين أن يطلعوا بالكشف عن تلك الخطابات الرائدة التي أصطنعها قادة الرأي وأبتدعها المجدّدون فيهم؛ لتثقيف الرأي العام وتقويم وإصلاح ما في أخلاقه وعوائده عن طريق هاتيك الخطابات غير التقليديّة. ولم يكن الأمل الكبير بمعزلٍ عن تلك الحيثية الثالثة التي تقرّرت لدينا سلفاً في مطلع المقال؛ كونها إسهاماً فاعلاً في النهضة العامة : إصلاحها، وتقويم ما أعوج منها، ونقد ما لم يكن صالحاً للبناء فيها، مع توافر حُسن النيّة وتوجُّه العمل بوحدة قصد؛ وذلك في سياق هادف بنّاء يخضع لمنظومة قيم لا يملُّ المؤلف من التأكيد عليها وهى أن خلاصنا ممّا نعانيه من مشكلات وأزمات وأوضاع في واقعنا المعيش إن هى إلا أصداء وانعكاسات لغياب الوعي في ثقافتنا العربية؛ فنحن فيها غُرباء لا نعدو كوننا موجودات هامشيّة، لم تستطع البرهنة على وجودها في أعين السادة المهيمنين المبتكرين الفاعلين.

أنا شخصياًّ اتفق تماماً مع ما يقوله المؤلف ويؤكد عليه، من أن الحق الذي لا مرية فيه هو أنه لم يعد أمام شبيبتنا سوى خيار واحد، ألا وهو إعادة بناء الذات قبل التطلع لتحقيق الرغبات وبلوغ الأماني، من أجل ذلك جاء تقديره لتلك الخطابات الفلسفية في ثيابها الأدبية فتحاً جديداً مقروناً بتأصيل القيم وتفعيل الثوابت الوجودية؛ ليقظة الوعي في ثقافتنا العربية المعاصرة، وهو ما كان قرّره في معظم مؤلفاته.

*  *  *

وتأسيساً على اختبار صحّة الفروض التي افترضناها من قبل سواء من جهة المنهجية النقديّة أو من ناحية التأصيل الفلسفي، ليس يمكن غض الطرف عن أقسام الكتاب الثلاثة، إذ يبرز القسم الأول (قامات ومقامات) ليتناول فن المقامة والحوار الجدلي الفلسفي؛ فإذا أمامنا في الصدر الأول ابن المقفع في كتابه " كليلة ودمنة" والخطاب المسكوت عنه، غير أن اختياره لابن المقفع لم يكن آتياً كيفما أتفق بل باعتباره المصدر الذي استوحي منه المجدّدون طرائقهم في النقد والتعميّة والتورية والترميز. وبما أن ابن المقفع كان المصدر المُلهم لخطابات المستنيرين الأُوّل، فلقد جاءت أقرب إلى فلسفة المقاومة منها إلى النقد الثوري.

ولأجل هذه النقطة وحدها يصبح قصد المؤلف ذا دلالة في اختياره لشخصيةٍ رائدةٍ تمثل معطيات الحوار الجدلي الفلسفي، ولم يكن قصداً مجرّداً عن الدلالة أو عن النظر والتحقيق.

وفي ذات القسم يعرض لخطاب الاستنارة الذي صاغه رفاعة الطهطاوي في كتاب أدّعى أنه قصّة مترجمة عن الفرنسية كيما يتخذ منها ستاراً للبوح بأفكاره ونقداته السياسية والاجتماعية، فإذا خطاب الاستنارة يكمن خلف ستائر الحكايات. أمّا الفصل الثالث؛ فيخصصه المؤلف لمسامرات على مبارك التي انتحلت القالب القصصي الروائي ووضع اللبنات الأولى لمشروعه الإصلاحي ومناقشة قضايا عصره؛ لتكون فصلاً بعنوان نهوج الإصلاح وقصة الباشا الفلاح.

وفي الفصل الرابع من القسم الأول، يتناول المؤلف المقامة الفكرية لعبد الله باشا فكري تحت عنوان "ابداعات معلّم وحكايات الفيلسوف الناقد"، ليجلي جوانب موهبته في تصور الأحداث والمواقف في عالم خيالي أكثر إثارة ممّا يشاهد الآن في الأعمال المُحاكية، بالإضافة إلى إبراز قدراته في التخفي والرمزيّة. ثم ينتقل في الفصل الخامس إلى خطاب صحفي ناضج مستنير لمصلح ذي قلم رصين، ثائر وغيور على مصلحة بلاده، برزت في نقداته الرؤى الفلسفية هو محمد المويلحي في مقامات "حديث عيسى بن هشام" وهى التي تعدُّ في رأي المؤلف أرفع درجات التفكير الناقد في القرن التاسع عشر غير مُنازع.

ثم يأتي القسم الثاني من الكتاب، تحت عنوان رئيس "محاورات ومساجلات" ؛ ليشمل مصاولات ومناظرات متوهّمة، بين شبيبة هذا العصر وأكابر الفلاسفة والمصلحين الذين وجهوا خطاباتهم إلى الشباب في فترات زمنية متباينة. قصد المؤلف في هذا القسم من عقد تلك المحاورات إثبات قيمة، وتفعيل فضيلة، وترقية خصال، وتربية طباع، بتعلق علوي قلّ أن نلمسه اليوم بين الكاتبين وهو : أن القيم العاقلة والمبادئ الراقية لا تختلف من جيل إلى جيل ما دام عنصر الأصالة فيها متوافراً غير مجهول ولا منكور. يثبت هذا مع مراعاة أذواق العصور واختلاف الأجيال وتطورات الأزمنة؛ إذ كان عمق المبادئ المستنبطة من دُربة الفلاسفة ومعرفتهم ودرايتهم بأحوال الشباب وطبيعة أذهانهم وطرائق تفكيرهم وخصالهم النفسية والذهنية والذوقية ممّا يؤيد ذلك كله. ومن أجل هذا؛ ناقش علاقة الشباب بالشيّاب، وتمرُّد الفريق الأوُّل على نصائح الآباء والأجداد بحجّة أن حكمتهم الموروثة كانت تناسب الثقافة التي كانوا يعيشونها، وأنّ من حق الشباب التمرُّد عليها واتخاذهم من ثمّ نهجاً جديداً يعكس نجاحاتهم وإخفاقاتهم ورغباتهم وانتقاداتهم. جاءت تلك الحوارات المتخيلة رهينة في البدء بحكماء مصر ومحاولاتهم الرائدة لمخاطبة الشباب والتحاور معهم. ومن حكماء مصر إلى البحث في الثقافة الهنديّة حيث محاورات بوذا مع تلاميذه، ثم إلى الفلسفة الصينية ومثاقفات كونفوشيوس مع رفقائه، ثم لقمان الحكيم ونصائحه، وحجة الاسلام الغزالي وحواره مع ولده.

يستوثق من هذا كله في إطار منظومةٍ من القيم الثوابت أرادها المؤلف بمثل ما يريدها كل أصيل بحّاثة ولا يقدر على تحقيقها في الواقع الفعلي، يكفيه أن يتمنّاها، لكن أن يحقّقها دراسة وبحثاً كما فعل عصمت نصار ثم ولاءً للقيم العلويّة؛ فقلّ وندر.

ولا ريب في أن الثوابت من القيم - هكذا يتكلّم المؤلف - والأصيل من الأخلاق هى في تقديره لا ينالها التبديل والتغيير. ومن أجل ذلك، وقف على كتابات جان جاك رسو الفيلسوف الفرنسي إلى ولده، واختتم سلسلة المحاورات بثلاثة أعلام من الفكر العربي أولهما أقرب إلى الاتجاه المحافظ المستنير وهو توفيق الحكيم. والثاني أقربُ إلى الاتجاه العلماني المستغرب وهو سلامة موسى. والثالث أدنى إلى اتجاه المحافظين المجدّدين وهو ذكريا إبراهيم.

حقيقةً يُحسب للدكتور عصمت نصار هذه اللفتة الإبداعية الأصيلة الواعية، وهو المعلم بالطبع والعادة، يصرف جهده الذهني نحو الشباب، إذ كانوا الأمل؛ لتوعيتهم وتثقيفهم وترقية غاياتهم وتعلقهم الدائم بالأسمى والأرقى في كل حال، يُحسب له تخريجها من ركام هائل من تراث الفلاسفة عبر العصور، والكشف عن أصولها ومباحثها ووضعها أمام عقول الطالبين؛ لتكون قيمة باقيّة لا مناص من تمثلها للقادرين عليها في كل جيل. وهو مع ذلك ينبّه القارئ إلى أنه لم يكن ليفتعل الأحداث، أو لينتحل المتون، أو ليطوع النصوص كيما تتفق مع الأسلوب الحواري تجاه الشباب. لا لم يكن ليفعل هذا في جميع ما جاء به من كتابات الفلاسفة والمتفلسفين ولكنه يؤكد على أن ما أورده في سياقاته المعنيّة، كان الفلاسفة ولا شك قد كتبوه بأسلوب حواري جامع بين النصح والإلزام والتوجيه الرامي إلى خلق الالتزام بداخلهم.

هذا، وبالانتقال إلى القسم الثالث من الكتاب، لوحظ أنه مجموع من مقالات متباينة في وجهتها وموضوعها، عنونها بعنوان "نظرات وتأملات" غير أنها تحمل في ذاتها أطياف الحسّ الأدبي والخيال الرمزي من جهة والرؤية الواعية من جهة أخرى.

تحدّث المؤلف عن تجربة ابن طفيل القصصيّة في فصل بعنوان ابن طفيل بين الفلسفة والأدب؛ لتجيء قصة "حي بن يقظان" التي وضع فيها كل فلسفته تثبت أن لا فصام بين المعقول والمنقول، ولا صدام بين الفلسفة والدين إلا من حيث النهج والمنهج.

أمّا الفصل الثاني من القسم الثالث؛ فكان عن الروحيّة الحديثة، وهو فصلٌ مجعول خصيصاً لإثبات أن الفكر الشرقي القديم لم ينتج الخرافة كما يتوهم البعض ولم يصطنعها من عندياته، بل إن التصورات الميتافيزيقية والقصص المفعمة بالغيبيات قد شغلت المفكرين في الغرب والشرق على السواء، وربما بالغ الغربيون بالولع بهذا اللون من ألوان الخيال والحديث عن العالم الآخر، وكان حظهم منه أكثر من غيرهم. ثم جاء الفصل الثالث ليشمل التفكير الناقد وحاجتنا الماسة إليه؛ وليعطي صورة وافية عن مستقبل ثقافتنا العربية.

* * *

يبقى في خاتمة كتاب "خطابات فلسفيّة في ثياب أدبيّة" لمؤلفه الدكتور عصمت نصار، والصادر عن دار نيوبوك للنشر والتوزيع بالقاهرة هذا العام، والذي ينتظم هو وأخيه "مراجعات فلسفيّة في الفكر العربي الحديث" في عقد واحد وتوجُّه واحد ومنظومة فكريّة واحدة، يبقى أن نقول إن عنصر الأصالة في ثقافتنا العربية يميزه عن غيره شديد التميز مثل هذه الدراسات، ويحيى فيها من جديد يقظة الوعي بالاطلاع على المصنّفات التنويريّة، وإن كنا نرى - وأعتقد أن ما نراه لم يغب عن اعتبار الدكتور عصمت نصار بوجه من الوجوه - إعادة النظر في استخدام مصطلح الاستنارة والتنوير، فيما لو قصد به الإشارة إلى كتابات بعض الكتّاب العقلانيين أمثال : سلامة موسى، وشبل شميل، وأحمد لطفى السيد، ويعقوب صرّوف وفرح أفندي أنطون، وغيرهم من طلائع النهضة العامة في الفكر العربي ممّن نقلوا عن الغرب دون إبداع كبير، يحفظ الهُويّة العربية ويحتفظ بالخصائص الحضاريّة والسمات الأصيلة، الأمر الذي يقدح تماماً في الخلط بين التنوير في التفكير العربي ونفس المصطلح في الثقافة الغربية؛ فالتنوير في ثقافتنا العربية ليس هو التنوير في التفكير الغربي لا لشيء إلا لاختلاف الخصائص والسّمات التي تعكس منظور الثقافة التي ينتمي إليها من يأخذ هذا المصطلح أو ذاك ليطبقه عنوة على الثقافة العربية.

وما يقالُ عن التنوير يُقال بنفس التقدير عن الحداثة وما بعد الحداثة؛ فما بعد الحداثة، فكرٌ تقويضيٌ معادٍ للعقلانية والشمولية والثبات، مصادم للكليات سواء كانت دينية أم كانت مادية. وبما أنه فكر يحاول الهرب من الميتافيزيقا، ومن الحقيقة والمركزيّة والثبات؛ فلا شك في كونه يظل غارقاً حتى الثمالة في الصيرورة التي تنقض القيم العلويّة وتقوض الدعائم الخلقية ومرتكزات الهُويّة الحضارية تتأسس عليها ثقافتنا العربية. ومن هنا كانت الخاتمة التي قصدنا فنقول بادي الرأي:

أصول ثقافتنا العربية عربية عربية؛ الأمر الذي يدعم فكرة تأصيل الهويّة العربية والبقاء عليها نقيّة مُعافة من لوثة الأغيار الخارجية. غير أنه عندي أملُ المفكرين لا واقع القائمين، ومع كونه هو الأمل المرجوٍّ إلا أن نسبة التحقيق فيه تبدو ضعيفة في ظل كدورات الحياة اليوميّة، وفي إطار وصمة العار التي تلاحق أوطاننا من جرّاء التفرقة والانقسام ثم التشرذم والانقراض ما لم يقم فينا رابطُ من التوحيد وطيد.

 

د‌. مجدي إبراهيم

 

بليغ حمدي اسماعيلالفجوة كبيرة وتعد شاسعة بين ما يعتري الوطن العربي من صيحات متعالية ومستدامة تنادي بضرورة تجديد الخطاب الديني الذي لم يجدد حتى وقد كتابة هذه السطور سوى بعض اللقاءات والندوات والتجمعات الإعلامية التي باتت تؤكد حتمية تجديد الخطاب وتطويره وتجميله ووضع كافة مستحضرات التجميل فوقه وعليه وفي ثناياه أيضا لكن الخطاب نفسه مازال بمنأى عن تداولية المجتمع الفكرية والدينية، وبين ما أطالعه عن قصد بغير ملل أو كلل عن كل جديد بعلم الفيزياء، ربما لأنني أنتمي لقبيلة اللغة العربية دراسة وعملا وكتابة .

لِمَاذَا الفِيزْيَاء الآن؟

لكن تظل الفيزياء بمنأى عن اهتماماتنا الحياتية المعاصرة، ومن سوء أنظمتنا التعليمية المنصرمة أنها أقنعتنا طيلة سنوات الدراسة البائسة أن الفيزياء مادة دراسية تنقضي بإعلان درجة النجاح أو الرسوب فيها، وأن المتخصصين في هذا المبحث المعرفي بمعزل عن الحياة والكوكب الأرضي بأكمله، والحقيقة أن الفيزياء بعيدا عن أهل تخصصها الأكاديميين هي استشراف مستقبلي لحياتنا وآلية أو إحداثية حتمية لفهم واقعنا الآني لرصد ما سنكون عليه بإذن الله في المستقبل البعيد .

هذا باختصار ما سعيت لتقدمة آخر كتب العالم الفيزيائي الأميركي ذي الأصول اليابانية الدكتور ميشيو كاكو Michio Kaku الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء لمشاركته الفعالة في نظرية الأوتار الفائقة والتي تعد بحق إحدى النظريات الاستثنائية الموحدة للطاقات في الكون . والكتاب هو (مستقبل العقل .. الاجتهاد العلمي لفهم العقل وتطويره وتقويته) والذي قام بترجمته هذا العام 2017 الدكتور سعد الدين خرفان أستاذ الهندسة الكيميائية بسورية التي لا تزال تل أبيب تسعى وتحاول وتهرول جاهدة إلى تقويض أركانها وتفتيت دعائمها مدعمة بالمد والرفد الأميركي .

مِن الخِطَابِ الدِّيْنِيِّ إلى الفِيزْيَاءِ:

وثمة علاقة وطيدة بين ما تسعى إليه جملة من البلدان العربية لتجديد الخطاب الديني وبين الثورة الفيزيائية الاستشرافية التي يقدمها لنا ميشيو كاكو في كتابه، وهي علاقة العلم بتطور الفكر لدى المجتمعات، وعلاقة تمكين المهارات العقلية وصولا إلى خلود المعرفة نسبيا وبين قمع التفكير والغلو في التكفير وشيوع التيارات الراديكالية المتطرفة.

وميشيو كاكو الذي يعمل أستاذا للفيزياء النظرية بجامعة سيتي في نيويورك ومؤلف العديد من الكتب العلمية ذائعة الشهرة والانتشار مثل كتب (الفضاء المفرط)، و(ما بعد آينشتاين)، و(فيزياء المستحيل)، و(فيزياء المستقبل) يشير إلى أن العقل والكون هما أعظم سرين من أسرار الطبيعة كلها، ومع التقدم الواسع والمتسارع في تقنيات العلم تمكن العلماء من تصوير مجرات تبعد عنا مليارات السنوات الضوئية، والتصرف بالجينات التي تتحكم في الحياة، وتفحُّص المسار الداخلي للذرة، لكن يفجؤنا كاكو بحقيقة أن العقل والكون مازالا يفلتان منا، ومازالا يثيران دهشتنا، مؤكدا أنهما ـ العقل والكون ـ الجبهتان الأكثر غموضًا وإثارة في العلم .

ورغم أن المهتمين بتجديد الخطاب الديني وبمواجهة الفكر المتطرف لايزالوا في صالة الانتظار أمام الخطاب نفسه دون الاستبصار إلى طبيعة العقل الذي ينتج هذا الخطاب سواء كان متطرفا مغاليا في تكفير الآخر، أم متوازنًا مع طبيعة المجتمع المدني الباحث عن هوية طبيعية، نجد الفيزياء أكثر شغفًا بالعقل المنتج لكافة أنماط الخطابات الفكرية والدينية والاجتماعية، لاسيما وأن التطورات المعاصرة في الفيزياء خلال العقد المنصرم أسهمت في تفسير بعض إنجازات العقل.

فباستخدام تقنية MRI أمكن للعلماء قراءة الأفكار التي تدور بعقولنا، هذا حقاً، بل ربما يندهش المهمومون بتجديد الخطاب الديني ـ وأنا من هؤلاء ـ بأن علماء شركة IBM حاليا مغرورقون بإمكانية التواصل بالعقل مع الحاسبات الإلكترونية كبديل عن استخدام الفأرة أو الصوت، ليس هذا فحسب، بل دفع الفواتير ببطاقة الائتمان عن طريق قراءة الأفكار وتأليف أعمال موسيقية باهرة . وربما سيقص أحفادي بعد قرون قصصهم عن ما تناوله ميشيو كاكو في كتابه من أن العقل سيتحرر يوما ما في المستقبل البعيد من قيود الجسد، ليتجول بين النجوم، وربما سيكون بإمكان المرء أن يضع مخططاته العصبية بالكامل على أشعة الليزر وإرسالها بعد ذلك إلى أعماق الفضاء .

ووسط استكمال الدهشة التي تعتريني وغيري من استراتيجيات مواجهة التطرف الفكري والديني ومحاربة شيوخ وأئمة الزوايا التي أنتجتها ثقافة مبارك ودعمتها السنة الاستثنائية المضافة إلى عقود مبارك التعليمية على أيدي الجماعة التي حكمت مصر بغير خطة أو رؤية تستند إلى موجهات للعقل، تطالعنا الفيزياء العجيبة بأن أحدث آلة في أدوات عمل عالم الأعصاب وأكثرها دهشة وإثارة هي الجينات الضوئية Optigenetics ، والتي اعتبرها عدد كبير من العلماء بأنها ضرب من الخيال أو المستحيل، لأنها بالفعل كما يشير ميشيو كاكو عصا سحرية تسمح للمرء من خلالها تنشيط ممرات معينة تتحكم في السلوك بتسليط شعاع ضوئي على الدماغ .

حسنًا، ما فائدة هذه الآلة ونحن بصدد تجديد خطابنا الفكري والديني وربما السياسي أيضا في عالمنا العربي المعاصر؟

باختصار شديد أثبت علماء الفيزياء أن باستخدام هذه التقنية المثيرة والمعروفة بـ Optigenetics  يمكن التحكم ببعض تصرفات الحيوان، وبإدارة مفتاح ضوئي من الممكن جعل ذباب الفاكهة يطير فجأة، والديدان تتوقف عن التلوي، والفئران تجري بجنون في دوائر، وحتى التجارب على البشر أصبحت موضع نقاش الآن .

مِن الفِيزْيَاءِ إلى الخِطَابِ الدِّيْنِيِّ :

ولاتزال فكرة مواجهة التطرف الفكري والديني تؤرق الأنظمة السياسية ومن بينها النظام المصري بالضرورة، لأن ظاهرة التطرف كما تفطنها أصغر بناتي تشكل معضلة وعائقا أمام عجلات التنمية والاقتصاد والحلااك الاجتماعي الإيجابي، ولهذا فكرت مصر في تشكيل لجنة وطنية لمواجهة التطرف الفكري لاسيما في جنوب مصر، والحق أقول إنني شاركت في إحدى جلساتها بمقر صندوق التنمية الثقافية منذ أكثر من شهر وقدمت خطة لا أدعي أنها تتسم بالتكامل والشمول لمواجهة الظاهرة لكنها على الأقل تفي بمواجهة التطرف الفكري في الجامعات لا عن طريق قمع الحريات أو استلاب الآراء الطلابية بقدر ما هي تسعى لتفعيل واستغلال طاقات ومهارات الطالب الجامعي بغرض إشراكه في تحريك تلك العجلات التنموية والاقتصادية والاجتماعية .

وخطورة ظاهرة التطرف الفكري تتمثل في كونها مهادًا للإرهاب الذي يعصف بالأخضر واليابس، وظاهرة الإرهاب هي بالفعل التي تقوض المجتمعات المدنية التي ترنو إلى التقدم أو التطور فيأتيها هذا الوحش الكاسر ليقضي بآمالها وأحلامها .

ولعل أبرز أسباب انتشار الراديكالية قهر الحوار وقمع الحريات، لذلك ارتبط التطرف الفكر بالعنف السياسي، وبدا إن أية محاولة للإفراط في التفكير الجانح هي خطوة رئيسة للتطرف ومن ثم الإرهاب الذي تجاوز تخوم الكلمة وحدودها إلى إرهاب الجسد والإيذاء البدني .

ولا شك أن هناك علاقة وطيدة بين التطرف الفكري وتمكين العقل، حيث إن المتطرف غالبا كما تشير كافة الدراسات النفسية والاجتماعية المتأصلة في هذا المجال إلى أنه لا يتسم بسعة الأفق بل بالضيق، وهذا ما يجعله فريسة سهلة القنص للتيارات الراديكالية التي تسعى إلى إحداث حالة من الفوضى والتمزق السياسي تحت ستار الدين غالبا، واستغلال الصراعات السياسية . والكارثة أن مجتمعا كالذي نعيش في كنفه يتسم بالثقافة والتنوير إلا أن دور المثقف نفسه صوب إحداثيات التطرف والعنف والإرهاب بات باهتا وأضعف من أن يشار نحوه بقليل من الضوء .

فالمثقف المصري لا يمتلك قدرة على استشراف الخطر بصفة عامة، وعادة ما أتعجب من أمر الذين يصرون على إلصاق أسمائهم بلقب المفكر لاسيما وأنهم تنتابهم فجأة ظهور مثل هذه الحركات والتنظيمات في الوقت الذي كان أمامهم متسع من الزمن يسمح لهم بتجديد خطابهم الثقافي وتهيئة العقل العربي لاستقبال التنوير، وظل المثقف المصري ينتظر أية إحداثيات جديدة في المشهد السياسي والديني دون أن يبدأ في حركة التثوير المرتقبة والمنتظرة منهم فكانت النتيجة ظهور تيارات مناوئة تستهدف تقويض المنطقة كلها تحت رعاية أمريكية بعدما اقتنعت الإدارة الأمريكية بعدم جدوى التدخل المباشر وخصوصاً المكابدات التي لحقت بالقوات الأمريكية في العراق وكذلك ما تكبدته من خسائر اقتصادية أرهقت ميزانيتها عقب نجاح الثورات العربية تحديداً في مصر وتونس فكان من الأفضل لديهم الالتجاء إلى تدعيم فصائل قصيرة العمر تاريخياً من أجل زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي وتفتيت القوى التي يمكن أن تناهض الكيان الصهيوني ومصالح الإدارة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

كما أن أصحاب الفكر الراديكالي بحاجة ماسة إلى مراجعات فقهية وأخرى مجتمعية، فإن أدوار المثقف والمفكر العربي اليوم أصبحت بحاجة إلى ثمة مراجعات فقهية من زاوية إعادة النظر إلى أحداث المشهد السياسي المعاصر، وليس الاكتفاء بالتعليق على الأحداث، وعلى سبيل المثال إذا كان تنظيم الدولة الإسلامية قد فكر وخطط ودبر فإن رهان نجاح هذا التنظيم مشروط بمدى مشاركة المثقفين الوطنيين في تجديد الخطاب الديني ومواجهة الفكر المتطرف بواقعية، والبقاء في حالة مشاركة مستدامة مع الحدث وليس الاقتناع بمقعد المشاهد السلبي.

وإذا حاولنا رصد الفكر المتطرف وأسباب انتشاره المتسارع فإن الرائي يدرك على الفور شيوع فكرة نظرية المؤامرة المتأصلة لدى أولئك معتنقي الفكر المتشدد، وأصحاب النظرية أنفسهم يرون ضرورة السخط على كافة الأوضاع في المجتمع بدءًا برئيس الدولة انتهاءً بأصغر موظف في الدولة يحمل بطاقة تموينية .

وما أخطر على الدولة المصرية التي تبادر إلى تثبيت أركانها بثبات المواطن نفسه من الرفد الغربي لصناعة الكيانات السرية المتطرفة، والهدف الأساسي لهذا الرفد الغربي هو تفتيت الداخل وتقويضه وزعزعة أركانه . وبمراجعة فكر بعض المتطرفين وفقا لتصريحاتهم الصحافية ولقاءاتهم الفضائية وجدت أنهم تعرضوا لمبادرات موجهة من قبل أمراء التيارات المتطرفة كان سعيها التشكيك في نصوص الفقهاء المعتدلين المتقدمين والمتأخرين على السواء، وصولا بهم إلى الاقتناع بفكرة التعالي عن كل النظريات والفلسفات والتيارات الفكرية المتباينة .

ومخطئ من يظن أن الأمم حينما تنكسر أو تنحدر قيمها الفكرية والاجتماعية وتنحسر في قوقعة الأفول يبزغ التطرف وينتشر الإرهاب والعنف، بل إن معظم الحضارات المشرقة والمتقدمة يكثر أعداؤها بصور محمومة، وتاريخنا الإسلامي كفيل بسرد حقائق تفيد أن معظم التيارات والطوائف المتطرفة تسارعت في انتشارها وقت الصعود الحضاري .

ومن أجمل وأمتع ما قرأته من توصيف لأصحاب الفكر المتطرف هو ما قدمه الدكتور طريف شوقي في مقالته الماتعة التي استهدفت بناء استراتيجية لمواجهة التطرف الفكري، فلقد قدم توصيفا لمحددات الفكر المتطرف يمكن من خلالها فعلا مواجهة هذا الفكر لآليات ومحددات واقعية فعالة . فلقد قدم ثمة محددات لأصحاب الفكر المتطرف منها ضعف التحكم الانفعالي، ونقص المهارات النقدية، وبزوغ المفهوم غير الواقعي عن الذات، وضعف الارتباط الوجداني والعاطفي، والغياب النسبي للتنشئة النقدية في الأسرة . وغير ذلك من محددات أراها وربما يراها غيري أيضا كفيلة بوضع استراتيجية لمواجهة التطرف الفكري والديني .

لكن الأهم من هذا كله ما قدمه الدكتور طريف من أساليب واقعية لمواجهة التطرف يمكن إجمالها في الانفتاح على الخبرات المتنوعة وتحليلها، وحث الفرد على البحث عن أصل المسائل الفقهية، وتدريب المواطن على عمليات المحاججة . وفي الأخيرة لقد قدمت بحثا في نهايات 2015 استهدف تدريب الطلاب الجامعيين على استخدام تقنيات الكتابة الحجاجية الإقناعية وهي نمط ضروري ومهم لمواجهة أصحاب الفكر الأحادي الذي لا يقبل الحوار ولا يعترف بالاجتهاد ولا يفطن لحقيقة الحجاجية .

والأجدى من كل هذا أيضا أطمح أن تسعى اللجنة المشكلة لمواجهة التطرف الفكري إلى تركيز الخطاب الديني الذي لم يجدد حتى لحظة الكتابة الآنية على إبراز الدور النقدي الإيجابي لدى الفرد . ولذلك هناك ضرورة لتمكين العقل وتنمية مهاراته لدى الأفراد وحث الجامعات على استحداث مقررات للتفكير الناقد والإبداعي .

العَوْدَةُ إلى كَوْكَبِ الفِيزْيَاءِ :

تحت عنوان جانبي "كيف يفهم الفيزيائيون الكون؟" بكتاب العالم الفيزيائي الياباني ميشيو كاكو (مستقبل العقل) يخبرنا المؤلف أن علماء الفيزياء حينما يحاولون فهم شئ ـ كظاهرتي التطرف والإرهاب مثلا ـ يجمع البيانات أولا، ثم يقترح نموذجا أو استراتيجية عمل عبارة عن نسخة بسيطة عن الموضوع الذي يدرسه بحيث تلتقط تفاصيله الرئيسة، ويمكن للعالم الفيزيائي توصيف هذا النموذج بسلسلة من المتغيرات، ثم يستخدم الفيزيائي نموذجه للتنبؤ بالتطور المستقبلي بتمثيل حركاته . هذا باختصار ما ينبغي أن يكترث به القائمون على أمر تجديد الخطاب الديني لا من حيث المبادرات السريعة المفاجئة، لكن من حيث تدبر الظاهرة وتحليلها واستقرائها بعناية .

 

د. بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية المساعد

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

زيد الحليلستُ متشائما، حين اقول، انني اجد نكوصا واندثارا في موضوعة (الحوار الصحفي) المؤثر، بفنونه المعروفة في عموم صحافتنا المحلية، وربما في الصحافة العربية .. رغم ان "البعض" ممن ينشر اليوم (حوارات صحفية) يتيمة لا يريد الاعتراف بهذه الحقيقة، منطلقاً من ذاتية مفرطة بالحساسية، مرتدياً بدلة محام، للدفاع من وراء صحراء المخيلة، ناكراً هذا الاندثار، وكأنه بذلك يؤسس لضبابية، مهمتها عزل الحقيقة المعاشة التي يلمسها متابع مثلي قضى جل عمره في متابعة الشأن الصحفي، انني اشبه هذا "البعض بمن يريد الشهد دون إبر النحل، محاولين الوصول إلى شهرة "وهمية " بكتابات مضطربة المعاني، ضعيفة الموسيقى، رديئة اللغة.. لقد نسى هؤلاء ان الحوار الصحفي الحقيقي هو استنطاق صامت، واستجواب متهم، وادانة مرتكب، وتوضيح غوامض وكشف مجاهل، وتصحيح أخطاء، وتصوير مجاهل النفس في اطار الحقيقة و.. و..!

وبأسف ومرارة، اقول ان شعلة (الحوار الصحفي) الذي يسحبك الى قراءته حتى سطره الاخير، انطفأت إلا ما ندر، حين زاد عدد كُتاب (صحافة القارئ الواحد) رقما، وقل ابداعا، وتسبب واقع التدني لهذا الفرع الصحفي الراقي في انحسار بيّن، تمثل بابتعاد الصحفيين الحقيقيين عنه، وتضاربت في اعماقهم امواجه الحبيسة، لتشكل فيضانا من الاحتجاج على طغيان "الكتبة الجدد".. ومع قناعتي، بأنه لا توجد قوانين جامدة لكتابة اي حوار صحفي، لكني وجدتُ فوضى في معظم ما نشر وينشر من حوارات صحفية ، فأثرها معدوم في وجدان القارئ، كونها ناقصة، مشلولة، وتحمل طابع الارتجال، وكُتبت تحت مخدر الحياة، تلف وتدور في وصف لا معقول وتكلف، لا يستسيغها عقل ولا يربطها رابط !

وازاء هذا الواقع، وقفت عند كتاب أ . د احمد عبد المجيد (الأهوال والأحوال) مليا، وفرحا، بعد قراءته اكثر من مرة، لكني، حرتُ بتوصيفه، فهو بعيد، وقريب في آن واحد، من كتب المناهج الاكاديمية في الصحافة والاعلام ، وايضا من كتب السيرة والاستذكار لشخصيات معاصرة، لعبت ادوارا في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية.. انه كتاب ميداني بامتياز في درس الحوارات الصحفية، بصفحاته (366) من القطع المتوسط، وبوابة معرفية مهمة مشرعة على كل الاصعدة، لاسيما في الدرس الاكاديمي الخاص بكتابة الحوارات والاستطلاعات الصحفية التي سار على نهجها كبار الصحافيين في العالم من محمد حسنين هيكل (مصر) الى نيكولاس كريستوف (امريكا) وغيرهما من مشاهير الكتاب الصحافيين ..

وهنا، ومن الامانة، اشير الى جزئية مهمة، قبل ان اتناول ما جاء به الكتاب، وهي ضرورة اطلاع طلبة الاعلام في الجامعات، لاسيما اقسام الصحافة، على اسلوبية الكاتب في تناول الشخصيات التي التقاها، لأنني وجدت فيها تفردا في التناول، ينبغي ان يحظى بالمتابعة والدراسة، فالصحافة الحقة هي في التميز والصدق ونقل المعلومة، وفي سبر غور المتحاور وصولاً الى الغاطس في القعر، كي نغذي عقل القارئ بالجديد وغير المتناول ..

الحوار في رأي المؤلف

في مقدمته، قال ا. د. احمد عبد المجيد الذي يتكئ على خبرة عقود في الصحافة، وفي الدرس الاكاديمي (يحتل الحوار الصحفي، مرتبة متقدمة بين الفنون الصحفية، ويحظى من الصحفيين، ولاسيما اصحاب الخبرة والكفاءة بعناية واضحة، فهم يحرصون على اختيار الشخصية التي يحاورونها ويدققون في اهمية حضورها في قضايا الرأي العام، عندما ينشغل هذا الرأي العام بالأمور الساخنة او يكون موقفا ازاء كبار المسؤولين او بعض المعنيين بالشأن العام، والحوار الصحفي يقدم للقراء، في الغالب معلومات جديدة او بيانات او حقائق حول بعض الحوادث او الموضوعات، ويهدف الى التعرف على وجهات نظر الشخصية التي يحاورها الصحفي او يلقي الضوء على آرائها في الامور الملحة او يرسم ملامح الشخصية بإزاء المناطق المجهولة منها، فيعرّف القراء بها ويسرد احداثا رافقتها او كان شاهد اثبات عليها وكانت فيما مضى اما سرية غير مكشوف عنها او ملتبسة تحتاج الى فرز، او مجهولة الوقائع يشترك اكثر من فرد او جهة في رسم معالمها عند وقوعها قريبا او بعيدا)

قدم د. عبد المجيد تجربته في الحوار الصحفي في كتابه من خلال حوارات اجراها في الاعوام ( 2013 لغاية 2018 ) مع عشرين شخصية سياسية وثقافية وفكرية وصحفية رفيعة، اختار منها 18 حوارا للنشر في كتابه ..

لمستُ عند قراءتي لتلك الحوارات دقة عالية في التناول والبساطة التي ادت إلى الوضوح، فالدقة والبساطة في رأيي ضرورتان في الصحافة , لأنهما يمنعان الوقوع في مزالق الثرثرة والضياع في متاهات المفردات التي تحمل أكثر من معنى ... كانت الانسَنَةُ في حوارات د. احمد، تطعيماً لها ومشحونة بأحاسيس الإنسان ومتاعبه وهمومه وردّات فعله الطبيعية وهواجسه وأحلامه ونزواته, حتى أشعر القارئ, أن بينه وبين المتحاور معه علاقة مباشرة.. وهنا اثبت المحاور، انه لا ينقل اجابات فقط، بل جعل الحوار مرئيا ومسموعا "

اللغة الثالثة !

وهنا اشير الى جزئية مهمة كان قد ذكرها الزميل د. احمد عبد المجيد، مرة قبل سنوات بقوله (ان الصحافة الحقة، هي التي تكتب بلغة ثالثة) فهذه العبارة كانت جديدة عليً، في المسمى، لكني لمستها في كتابه الجديد .. لغة راقية، تستمد رقيها من اصالتها . لغة كاملة محببة، تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتها خطرات النفوس، ونبرات الحياة.. ان (اللغة الثالثة) في الصحافة، لاسيما في الحوارات، هي تلك التي تكره التعبيرات المتوارثة، وتبحث عن مفردات رفيعة، راقية المورد والجريان والمصب، سامية الإيراد والموضع والمنزلة .. وتحفل بصور حياتية، مؤتلفة، مفعمة بالعواطف واللفظ المتفجر، والجمل القصيرة، السهلة الممتنعة .. وهي لغة حين يمسكها صحفي كفء، يطير بواسطتها مثل فراشة ملونة في سماء الابداع الصحفي، لأنها تحب الايجاز القوي المتماسك في عباراتها وذا حضور جمالي مع البساطة ..

ان اللغة التي ابتدع اسمها د. احمد عبد المجيد، جسدها في كتابه (الأهوال والأحوال) تدعو من يمارسها، الى غربلة الحقائق الملتقطة، ضمن تحليل منطقي يتلمس خطوطها بأمانة وثقة، وربط المقدمات بالنتائج بخيط دقيق لا يكاد يستبين، مؤلفا ما بين اطراف الكلمات المبعثرة، متدرجا من التفصيل الى التركيز ومن التركيب الى التحليل ..

اخذنا الكتاب، في رحلة عميقة الابحار، مع د. فؤاد معصوم، الامير الحسن، هاني وهيب، محمد دبدب، خير الدين حسيب، فؤاد مطر، محمد كامل ظاهر، جبار اللعيبي، فاضل ميراني، محمد نظيف قادري، عبد اللطيف جمال رشيد، عبد الرزاق عيسى، علاء بشير، على الاديب، همام عبد الخالق، رشيد خيون، حسن العلوي ومحمد دحلان .

لستُ مجاملا بالقول ان هذا الكتاب عبر في أقل عدد من الكلمات بنقل وقائع مهمة لأحداث وشخصيات اثرت في المشهد السياسي والثقافي والفكري، فكانت هناك جِدة الطَّرح، وعمقه، وقوته، وطرافةَ بعض الموضوعات، ونُدرةَ طرقها.. وانتقل خلالها من روضة أنيقة إلى روضة أخرى، ويجد القارئ الأساليب الراقية المتنوّعة، واثبت المؤلف ان الحوار الصحفي باب عظيم من أبواب الاعلام والصحافة، وطريق واسع لنشر الفكر والتأثير في القراء ..

 

زيد الحلّي

 

نضير الخزرجيجرت عادة أصحاب المعاجم والسير عند ترجمتهم لحياة علم من أعلام العلوم العقلية والنقلية والفنون المختلفة، ممّن غرز بصمة عميقة في سجل المسيرة البشرية، أن يشيروا إلى عينات بارزة من أساتذته وأخرى لتلامذته، ولاسيما العيّنة الأولى وذلك للدور الكبير الذي لعبه الأستاذ في بناء الشخصية موضع الترجمة، فالإنسان لا يولد وبين أصابعه قلم المعرفة وإنما هو يتعلم على يد معلم، وكلما كان المعلم لبيبًا فاضلا والطالب نبيهًا حافظا، كلما اشتدت عرى المعرفة وأنتجت شجرة المعرفة ثمارا طيبة.

ومن تواضع العالِم العلَم أنْ يذكر معلمه بخير، ومن تواضع الأستاذ أن يشير بالبنان إلى تلميذه النجيب، وهذه الحلقات المترابطة هي التي أنتجت سلسلة طيبة من الأعلام في شتى حقول المعرفة ومناحي الحياة في سبيل إستعمار الأرض لصالح من يدبّ عليها.

وإذا اشتهر في الأدبيات العربية أن الآباء أربعة: (أب ولَّدك، وأب زوَّجك، وأب علَّمك، وأب ربّاك)، فإنه اشتهر في آداب الأمم المثل: (وراء كل عظيم امرأة)، فالمرأة هي: أمٌّ وأختٌ وبنتٌ وزوجةٌ وكلُّ أنثى قريبة من الرجل سببا ونسبا، فالأم الصالحة تنبت شجرتها ثمرة صالحة، والأخت الصالحة تنشر في الأسرة ضوع الصلاح، والبنت الصالحة تنير في المنزل مصباح الفلاح، والزوجة الصالحة توقد في البيت شمعة النجاح.

والمثل على شهرته كالعملة المعدنية له وجهان، وجه مضيء وآخر مظلم، فالأول وقوده الهمّة والثاني وقوده التحدي، فهمَّة الرجال يزيد وقود المرأة مصباحها ضوءًا ولمعانا، وقد تقف خلف العالم الناجح امرأة فاشلة يزيده تثبيطها تحديّا مع ذاته والواقع فيتعالى من رميم الهِمَم إلى قلل الشَّمَم، وفي كلتا الحالتين فإنَّ للمرأة بوجهيها الدور المؤثر في حياته ورقيّه، وهذا الأمر ينسحب على الذكر أيضا، فالرجل الضاوي ينير جنبات البيت ويعتم أنواره الرجل الخاوي، على أنَّ الناس درجات و"لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ" سورة البقرة: 286.

وفي معظم الحركات التغييرية والتاريخية إنْ لم تكن جميعها، لابد للمرء أن يبحث عن المرأة وما تحت خمارها، فالسيف حاكٍ عن الرجال وشدّة الحماة، وعن النساء قلّما تحضر أقلام الرواة، وكلما تقادم الزمن عن الحدث التاريخي استصعب على الباحث بيان دور المرأة واستعجام ما أُبهم من أسماء واستظهار ما غاب من أداء.

وما حصل في كربلاء بأرض العراق عام 61 للهجرة من معركة غير متكافئة العدد بين جند الرحمن وجند الشيطان واستشهاد سبط النبي الأكرم وسيد شهداء شباب أهل الجنّة الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأنصاره، وما حلّ من سبي في الركب الحسيني من عياله وعيال الأنصار وأطفالهم، هي صورة اخرى للغبن الذي أصاب المرأة وبيان دورها النموذجي، والجِمال تتهادى بها الى مجلس الوالي في الكوفة، والخليفة في دمشق، يتصفح وجوههن جمهور المسلمين!

وفي زماننا الحاضر انبرى وبعد مضي أربعة عشر قرنا من الحدث المأساوي، إبن كربلاء الباحث والمحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي ليتناول في ثلاثة مجلدات كبيرة دور المرأة في واقعة الطف حيث دلع لسان التاريخ ليفصح عن أسماء نسوية كادت ممحاة التذكار تزيلها من سجل التاريخ.

الباحثة والتربوية الكويتية الدكتورة فهيمة خليل العيد، تلقفت الأجزاء الثلاثة بأنامل القراءة الموضوعية وأدرجتها في كتيب من 45 صفحة تحت عنوان: (ملاح من أداء النساء على ضوء معجم أنصار الحسين للكرباسي) صدر حديثا (2019م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت.

قراءة واعية

يمثل الكتيب قراءة واعية متأنية للأجزاء الثلاثة من كتاب (معجم أنصار الحسين .. النساء)، حيث صدر الجزء الأول عن المركز الحسيني للدراسات بلندن سنة 2009م حسب الحروف الهجائية من الألف إلى نهاية الزاي وضم سيرة 40 شخصية نسوية في 511 صفحة من القطع الوزيري، وتبعه الجزء الثاني سنة 2010م من حرف السين إلى القسم الأول من حرف الفاء وضم سيرة 22 شخصية نسوية في 398 صفحة، وانتهى بالجزء الثالث سنة 2011م من بقية حرف الفاء إلى آخر الحرف وهو الهاء وضم 20 شخصية نسوية في 345 صفحة.

تعتقد الدكتورة فهيمة العيد في قراءتها وفق نظرة الكرباسي للمرأة، أنَّ: (الفوارق بين المرأة والرجل لا تعد مدعاة للإنتقاص من أي الطرفين ولا التفضيل)، فالفوارق العضوية الجسدية إنما هي فوارق في الوظائف، وإذا اختلفت الأحكام الشرعية بين الرجل والمرأة فإنما بسبب تلك الوظائف الجسدية او الجزئيات التي تتوفر عند الأنثى ولا تتوفر عند الذكر والعكس صحيح أيضا،  ولهذا ترى الباحثة الكويتية وجوب: (أن تتضمن تلك الجزئية أي بحث خاص بالنساء يقترن بكتابة نظرة الإسلام لهن لفهم أفضل لأحكام الإسلام التي جاءت متناسبة مع تكوينهن، هذا التكوين الذي لا يمنعهن من أن يتولين مختلف المناصب الوظيفية في مؤسسات الدولة)، ولهذا تقدم توصية معرفية قلّما يدركها الكتاب: (فمن يكتب في تاريخ النساء يجب أن لا يغفل الفوارق بين الجنسين التي لها انعكاساتها على أداء وعمل النساء في الجوانب السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، وبالتالي يؤثر في إصدار الأحكام على أداء النساء بشكل بعيد عن الموضوعية).

فالفوارق إنما هي مميزات جسمانية كما تؤكد الباحثة وذلك بناءً على قول الفقيه الكرباسي: "للمرأة خصوصيتها ومميزاتها التي تختلف عن الرجل وهذا لا يعني تفضيل أحد الجنسين على الآخر ... والتفضيل ربما يكون بسبب بعض الخصوصات الملائمة مع هذا الموقع دون غيره أو بالعكس، فيكون الأفضل بهذا الموقع دون ذاك وهكذا، إذاً لا تفضيل مطلقًا ولا ترجيح أبدًا".

وتناقش العيد نظرة الفقه الإسلامي إلى مشروعية تولي النساء القضاء والرئاسة السياسية والمرجعية الدينية من خلال رؤية الفقيه الكرباسي الذي بحثها بإسهاب في الجزء الأول من (معجم أنصار الحسين .. النساء)، فضلا عن مسائل كثيرة ناقشها المؤلف مثل: بلوغ الأنثى، نقصان العقل، الحجاب، الإختلاط، التعليم، العمل، ولاية المرأة، قيمومة الرجل، تعدد الزوجات، الحضانة، حق الطلاق، الإرث، الحِداد، الحرب، الدية، وغيرها من المسائل التي تخص الأثنى دون الذكر.

من هنا فهي ترى أنَّ: (النساء ينتظرن تصحيحا لأوضاعهن القائمة على أساس الرؤية الإسلامية، فهن يردن أن يجدن هذه الرؤية حول المرأة تطبق على وجه الأرض ويُلتزم بها فعليا في الحياة الإجتماعية، وليس الإكتفاء بمجرد الإطلاع على تلك الردود فحسب)، وهذه الرؤية مردها التجديد الذي عرضه الفقيه الكرباسي في الجزء الأوّل، ولهذا يجدر القول كما تؤكد: (بأن العلامة الكرباسي قد تجنب الإنفعال والإطالة، وما طرحه كان مركزًا وموجزًا، تجنب الإفراط في ذكر الأدلة، سواء في السنّة أو السيرة التاريخية، فجاء طرحه معينًا على شكل رؤية خاصة بالمرأة في إطار الشريعة الإسلامية من أجل الوصول إلى وعي نسوي أفضل والبناء على أرضية صلبة تقف عليها في حاضرها وتفيدها في مستقبلها).

أزمان وأدوار

تواصل العيد بيان "أداء المرأة في الأزمنة الإسلامية" متابعة لرؤية المحقق الكرباسي، ومناقشة لأدائها "في الزمن النبوي"، و"في الزمن العباسي" و"المرأة في العصر الحديث"، لتنتهي بوصفها ناشطة كويتية إلى مناقشة "أوضاع النساء في الكويت مثالًا".

ولا يخفى أن المرأة في العهد الجاهلي كانت صفرا على اليسار، لا يحسب لها أي حساب فضلا عن وأدها بعد ولادتها كما كانت هي عادة بعض العشائر العربية قبل مجيء الإسلام، ناهيك عن النظرة السوداوية التي كانت لدى عدد من المجتمعات في شرق الأرض وغربها، وهي نظرة أقل ما يقال عنها أنها مخالفة للفطرة الإنسانية ومتعارضة مع وحي السماء.

ونقلت تعاليم السماء المرأة من عالم المتاع والذيلية إلى عالم الذات والإستقلالية، وترى العيد ما يراه الكرباسي حيث: (منح الإسلام المرأة الحق في استقلالية القرار، ولا يخفى أن استقلالية القرار هي الأصل، والتبعية تحتاج إلى دليل) ومن نماذج الإستقلالية: قرار الزواج وقبول الزوج أو رفضه، الإستقلالية في المال وحرية التصرف به بعيدا عن إرادة الزوج، حرية التعبير عن رأيها، حرية العمل، وأمثال ذلك، وكما برز في العالم الإسلام فقهاء وعلماء ذكور برز فقهاء وعلماء إناث، ولم يعد التعليم مقتصرا على الرجال دون النساء.

وتنتقد العيد المقولات السلبية المتداولة في أدبيات الشعوب التي تنتقص من المرأة وكيونتها، وترى أن ذلك من نقص الرجال وخيبة أملهم فيستخدمون المرأة علّاقة يرمون عليها فشلهم في الحياة، ويزداد هذا في الميدان السياسي عندما يظهر نجاح المرأة وفشل الرجل ومحاولة بائسة من الرجل: (في كسر شوكتها وضمان احتكار الرجل للحراك السياسي، وغالبًا ما تنتشر تلك المقولات والتي خصص لها مؤلفات في أوقات سيادة الجهل والتعصب الديني، فغيب الدور التكاملي للرجل مع المرأة)، وهو رأي صائب وفي محله، فالذكورة ليست شهادة طابو على نجاح الرجل على الدوام في هذا المركز السياسي أو الإجتماعي وغيرهما أو ذاك، فحيث يفشل الرجل تنجح المرأة، والأمر خاضع للإرادة والإصرار ورجاحة الرأي، وهي خصال يتوفر عليها عموم الناس ذكرانا وإناثا.

وتنتقد الباحثة الكويتية بعض العادات والتقاليد والأعراف في المجتمعات العربية التي تحول دون أن تأخذ المرأة دورها في البناء ولا سيما في الحياة السياسية، وعلى مستوى دول مجلس التعاون الخليجي ترى: (ورغم إحراز النساء الخليجيات بعض النجاحات في الحياة السياسية ومشاركتها في الحياة النيابية إلا إنَّ حقوق النساء ما زالت منقوصة ومتأخرة بالمقارنة مع الدول الأخرى، فالقيود المفروضة عليها هي قيود اجتماعية تنفذ بإسم العادات والتقاليد، فضلا عن أنَّ هناك قصورًا كبيرًا بالقوانين التي تنصف المرأة .. في الكويت تعتبر النساء الأوفر حظًا في الخليج بالحقوق التي حصلت عليها، إلا إنَّ الطريق ما زال أمامها طويلًا)، وهي صادقة فيما ذهبت إليه، فنبي الإسلام محمد (ص) على سبيل المثال ارتضى في يوم الغدير عام 10 للهجرة البيعة من النساء والرجال وحتى بيعة الأطفال المميزين، ولما كان فعله وقوله وتقريره حجة على الأمة فيفترض أن لا تكون الأعراف الإجتماعية حاجزًا دون تطبيق التعاليم الإسلامية، ولكن واقع الأمة في جوانب عدة يتعارض مع واقع الإسلام، والذي لا يدرك حقيقة الإسلام يرمي سهامه عليه، وهي سهام طالما أصابت حقوق المرأة في مقتل.

ومن أجل فهم أفضل لدور المرأة وحقوقها، أميل الى مالت إليه الباحثة الكويتية الدكتور فهيمة العيد أنه: (من الواجب على من له القدرة على شرح ما حرره سماحة الكرباسي بشيء من التفصيل والتعمق فيما طرحه ليقوم آخرون بطرحه على مؤسسات الدولة ذات الشأن في الدول الإسلامية لمناقشتها ومن ثم سنّ القوانين المناسبة للمرأة).

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

نضير الخزرجيكم من قرار اتخذه الواحد منا وألقى على جسد القدر ثوب الندامة يستر ما أبدته الأيام من سواد تبعات القرار ونتائجه يجر أذيال الخيبة لما أقدم عليه، وربما استطاع أن يتدارك الأمر ويجعل عالي القرار سافلها حتى تستوي سفينة القرار على جودي الإستقرار، وفي معظم الأحيان تجره حبائل القرار إلى مهاوي بحر الندامة ولات حين مناص.

وفي لحظة وعي واستذكار، يعود النادم القهقريا مراجعا حيثيات اتخاذ القرار، ليجد نفسه أمام حقيقة قلّما يدركها المرء إلا بعد أن يقع المحذور ويشجّ الفأس هامة الرأس، وهي حقيقة يتجاهلها الواثق من نفسه حد الغرور ويتفاعل معها الواثق من نفسه حد السرور، وتلك هي حقيقة الشورى في حياة البشرية كأفراد وتكتلات ومجتمعات ودول.

وربما يجد البعض مندوحة للتهرب من فاعلية الشورى من خلال معاينة مؤشر النجاح والفشل، والتذرع بأن النجاح ليس شرطا في الشورى، فبعض القرارات التي اعتمدت الشورى جاءت نتائجها مخيبة، وهي الأخرى حقيقة قائمة بذاتها، فليس بالضرورة أن تأتي الشورى بنتائج طيبة، ولكن لما كان الضغط النفسي هو عامل أساس لانهيار المرء بعد انهيار سور القرار الفردي المتخذ بمعزل عن أساسيات الشورى، فإن الضغط النفسي هو أهون بكثير عند فشل القرار الشوروي، فالنفس اللوامة تكون في القرار الفردي فاعلة ومنفعلة إلى أقصى الحالات قد تطيح بصاحب القرار، ولكن النفس المطمئنة في القرار الشوروي هي الغالبة لها أن تهدئ من روع صاحب القرار، وإذا انتهى قراره إلى الفشل هانت عليه العواقب من باب "المصيبة إذا عمّت هانت".

وفي الأدبيات العربية والإسلامية الكثير من النصوص التي تدفع بالمرء إلى أن يستقلّ براق الشورى حتى يصل به الى سدرة منتهى الرأي السديد، من ذلك، قوله تعالى في صفات المؤمنين: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) سورة الشورى: 38، ودعوة الرب لنبيِّه: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) سورة آل عمران: 159، وعن نبي الإسلام: (مَن أراد أمراً فشاوَرَ فيهِ وقضى، هُدي لأرشدِ الأمورِ)، وعلى مستوى الحكم يضيف عليه الصلاة والسلام: (إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاؤكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاؤكم، ولم يكن أمركم شورى بينكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها)، وعن أمير الحكمة علي بن أبي طالب(ع): (من شاور ذوي الألباب دلّ على الرشاد)، في المقابل يضيف عليه السلام: (من أعجب برأيه ضل ، ومـن استغنى بعقله زل).

وفي هذا المقام يقول الشاعر بَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ العُقيلي المتوفى سنة 168هـ:

إذَا بَلَغَ الرَّأْيُ الْمَشُورَةَ فَاسْتَعِنْ ... بِرَأْيِ نَصِيحٍ أَوْ نَصِيحَةِ حَازِمِ

وَلَا تَجْعَلْ الشُّورَى عَلَيْك غَضَاضَةً ... فَإِنَّ الْخَوَافِيَ قُوَّةٌ لِلْقَوَادِمِ

حيث شبّه الشورى بالطير الذي تتوازن حركة طيرانه ويحلق عاليا بتناسق حركة الخوافي والقوادم.

وللوقوف على حقيقة الشورى وأحكامها صدر حديثا (2019م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 44 صفحة كتيب "شريعة الشورى" للفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، ضمّ 75 مسألة فقهية مع 28 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري مع مقدمة للناشر وأخرى للمعلّق تبعهما تمهيد بقلم الفقيه الكرباسي أزال اللثام عن حقيقة الشورى ودورها بين الأنام.

تمحيص الرأي

تمثل الشورى علامة فارقة على تواضع المرء وانسجامه مع الواقع، وهي علامة فارقة على رقي الحاكم والمحكوم، وما تقدم المرء إلا بالشورى وما تقدمت الأمم إلا بها، لأن الشورى كما يعرفها الفقيه الكرباسي هي: (عملية التشاور، هذا في اللغة، وأما في المصطلح الفقهي والحديث السياسي المتداول فهو طرح المسائل على المجلس لأخذ الآراء والنظريات ودراستها في قبال التفرد بالرأي، للوصول إلى رأي أو قرار متفق بشأنه أو مرضي من قبل أكثرية الأعضاء)، ولما كان المركوب مأمون العواقب فإن الراكب يصل مبتغاه، وقدر النجاح قائم على ثلاث أثافي ذلك أن: (تطبيق الفكر الشوروي بحاجة إلى قناعة الأطراف أولًا، وبناء أرضية مناسبة لها ثانيا، والتوصل إلى السبل الكفيلة لدى التوافق على تلك السبل ثالثا)، ولهذا فإن المرء أو المجتمع: (بالشورى يحسم الخلاف وتتبلور الأفكار ويقترب إلى الحقيقة والواقع في قبال الإستبداد بالرأي والتفرد به).

وعلى فرض أنَّ الشورى لم تأت بثمار طيبة، ولم يتحقق المرجو من القرار الشوروي، فإنَّ عدم تحقق النتيجة المطلوبة هو بحد ذاته نجاح في قبال النتائج السيئة الناشئة عن قرار منشؤه الإستبداد، وبتقدير الفقيه الكرباسي: (وأضعف نتائج الشورى مع فرض الفشل عدم الندم وعدم التلاوم فيما بين الشريحة الواحدة حيث إنَّ الجميع شاركوا في الرأي ولا تصيبهم التفرقة والتشتت لأن جميعهم قرروا المضي أو التوقف، وهذا بحد ذاته مهم في جميع مرافق الحياة)، وهذا ما يميز الحكومات المستبدة عن الحكومات القائمة على المجالس النيابية، فالأولى تضطر الى قمع الرأي الآخر والثانية يقبل فيها الرأي الآخر بما آلت إليه الأمور لأنه شريك فيها، فالرأي الآخر في الأولى عند حصول القمع يسعى إلى اجتثاث السلطة بشتى الطرق متدرعًا بالعنف، والرأي الآخر في الثاني يسعى إلى تقويم السلطة سالكا الطرق السليمة والسلمية، وفي الأولى تغيب سلطة القانون الرادعة لطغيان السلطة التنفيذية وفي الثانية تحضر سلطة القانون لردع من يشذ عن قاعدة الشورى.

وربما ادعى المرء مقدرته الكافية على اتخاذ القرار دون الرجوع إلى أصحاب الرأي السديد أو اكتفى الحاكم بعقله دون عقول مستشاريه أو المجالس الإستشارية، فإن هذه المقدرة تعبر عن غرور من جانب وتكبر من جانب آخر، وكلاهما تقودان صاحبها الى حافة الفشل ولو بعد حين، من هنا يؤكد الفقيه الكرباسي: (إن أصل المشورة مطلوبة حتى وإن كان القائد أعرف أهل زمانه بالأمر أو كان أعلم من غيره)، ويتساءل مستنكرًا: (ومَن أعلم من الرسول وآله عليهم أفضل الصلاة والسلام، ولكن توطين النفس على المشورة وتعليمها على ذلك هو مطلوب الشرع الشريف، وهذه الأخلاقية الحضارية توجه بوصلة الإنسان المؤمن نحو الخير والسعادة، وهي الضمانة الوحيدة لعدم الإنزلاق في الإستبداد والتفرد بالرأي وقبول الرأي الآخر الذي لا شك بأنه مهم في مسار الحياة سهلها وصعبها).

ويبقى أن العبرة ليس في إقامة المجلس الاستشاري قطريا كان أو محليا أو على مستوى الوزارات والدوائر العامة والوظيفية الأصغر فالأصغر، فالمجلس في حد ذاته قيمة حقيقية واعتبارية، ولكن العبرة في الأعضاء وأهليَّتهم كما يؤكد المعلق الشيخ حسن رضا الغديري: (فالشورى الحقيقية هي التي تتشكل من الأفراد الصالحين الواجدين للشرائط وكذلك المؤمنين العدول دون الفسّاق والجهلة والعملاء للأجانب والأغيار).

 

في كل مفصل مجلس

لا يعدو الذهن، إذا ما ذُكرت الشورى في محفل، عن المقصد الظاهر للعيان وهو مجلس الشورى او المجلس الوطني أو المجلس النيابي، أو مجلس النواب أو الجمعية الوطنية، فهذه المسميات وأمثالها تدار فيها عملية الشورى وتتخذ من على مقاعدها التشريعات لتكون خارطة طريق للسلطة التنفيذية، وفي العادة فإن البلد الذي يتبنى الشورى والديمقراطية تقوم فيها سلطتان تشريعيتان واحدة عامة على مستوى البلد وثانية محلية على مستوى المدينة أو القضاء أو الناحية، فالمجلس الوطني يرسم الخارطة العامة والمحلي يرسم الخارطة البلدية، ويفترض في المجلسين أنهما يسيران معًا لتحقيق البناء والإعمار والرفاه للأمة والبلد.

ولما كانت الشورى كما يرى الفقيه الكرباسي: (التشاور فيما بين طرفين أو أطراف متعددة بغرض التوصل إلى رأي أو قرار متفق عليه أو أكثر نصيبًا وحظًّا)، فإن المصلحة العامة وسلامة المجتمع تقتضي توسيع دوائر الشورى لتشمل كل مفصل من مفاصل الحياة وبخاصة ذات الشأن العام، وعليه يذهب الفقيه الكرباسي بعيدا في ضرورة تحقق مبدأ الشورى، من ذلك: (للمرجع –مرجع التقليد- أن يحدث مجلس الشورى الفقهي وآخر مجلس الشورى الإجتماعي لدراسة شؤون الناس والوصول بقرارات من شأنها تسهيل المهمة للفقيه للتوصل إلى الأحكام الإشتراعية)، ومن ذلك: (يجوز إحداث مجلس شورى الفقهاء والذي من صلاحيته إصدار الحكم في القضايا العامة بالتوافق على رأي موحد)، بل والرجحان قائم في المسألة كما يضيف: فـ (المجلس الفقهي هو الإستشارة في طريق الحكم أو أسلوب التطبيق وهو أمر لاشك في رجحانه حتى في غير الأمور العامة)، وقد يتجاوز الأمر الرجحان إلى الوجوب إذا كان في المجلس الشوروي تقوية شوكة الإسلام أو المسلمين.

ومن التواضع في تطبيق الشورى عند رجحان الصواب أنه: (إذا توصل النائب في مجلس الشورى أو الفقيه في مجلس الفقهاء إلى قناعة بالرأي الآخر، فلا يحق له شرعًا أن يتمسك برأيه)، بل ومن الحكمة والأخذ بنظر الإعتبار المصلحة العامة: (إذا لم يتوصل النائب والفقيه إلى قناعة بالرأي الآخر بل وجد رأيه مقدَّما على الآخر يحق له التنازل عن رأيه لأنه تنازل عما يعتقد بأفضليته ولكن لابد وأن يكون ضمن معايير)، ومن الحكمة والسلامة المجتمعية أنَّ: (مجلس الفقهاء إذا قرر بالتشاور على أمر أو حكم لا يجوز مخالفته من قبل مقلِّدي الفقهاء المشتركين في المجلس)، وبإزاء ذلك فإن: (تمسك الفقيه برأيه الفقهي لا يُعدُّ استبدادًا ولكن تمسّكه بقرار غير فقهي في الحكم دون السماح لرأي آخر هو استبداد)، وهذا الأمر يمتد بساطه إلى الحاكم والوزير والوالي والمدير العام والموظف حيث يفترض في كل واحد منهم في حدود مسؤؤلياته اتباع الضوابط، والعمل وفق السياقات القانونية والشرعية، حيث: (لا يُعدُّ استبدادًا شرط مراعاة المصلحة العامة).

ومن المصلحة في بناء البلد عبر الشورى انه: (لا يشترط في الشورى الجنس فيجوز أخذ آراء الذكور والإناث، كما لا تُشترط فيها العقيدة فيجوز أخذ آراء جميع مكونات الأمّة)، ومن المصلحة وهو ما يذهب إليه الفقيه الكرباسي ورغم اشتراطه البلوغ في الشورى والمشورة، أنه: (لا يجوز حرمان الطفل عن إبداء رأيه من خلال وليّه الناظر في مصالحه)، كما: (لا يحرم القُصَّر وأمثالهم من أخذ آرائهم عبر أوليائهم) وذلك بلحاظ إدراك: (مصالح العباد في سن القوانين، فالطفل سيكبر والمجنون بحاجة إلى الرعاية، والأولياء هم الذين يجب عليهم السَّهر على مصالحهم، فلا يمكن غضّ الطرف عن مصالحهم الآنية والمستقبلية)، وهذه الرؤية الفقهية إلى دور الطفل عبر وليه، هي محل نقاش وجدال فقهي، ولهذا فإن الفقيه الغديري في تعليقه على هذه المسائل لا يذهب إلى ما ذهب اليه الفقيه الكرباسي، وفي اعتقادي أن الصواب مع ما يراه الفقيه الكرباسي.

وفي طي "شريعة الشورى" مسائل فقهية كثيرة هي بمثابة مرآة لكل ناخب أو منتخب ولكل حاكم ومحكوم، ولكل مُستشار ومُستشير، حيث يأتي هذا الكتيب ضمن سلسلة من ألف عنوان يتناولها المحقق والفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي برؤية فقهية مستنيرة، صدر منها حتى اليوم تسعون كتيبًا.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

صالح الطائيمنذ أن أيقنت أن "خير جليس في الزمان كتاب" وعلاقتي بالكتب تتأطر بحالة طقوسية غريبة، أشعر معها حينما أمسك كتابا ما؛ مهما كان موضوعه، أني أقف بين يدي سلطان لا أدري إذا ما كنت سأفهم ما يريد مني أم أني سأغضبه نتيجة جهلي فيصب على رأسي جام غضبه.

ومن تفرعات تلك الطقوسية أني كنت لا أجلس مع كتاب إلا حينما أكون مستعدا للحوار والأخذ والرد، وان أكون مرتاحا نفسيا وعقليا، بمعنى أن أكون مهيآ لفخامة الجلسة ومطالبها وآدابها ومخرجاتها.

ولأني ـ بسبب ما يمر به العراق اليوم ـ قلقا مستفزا غير مستقر، تتقاذفني غرابة الرؤى وتنوع الآراء ـ امتنعت مؤخرا عن القراءة، التي كنت أراها مضيعة للوقت طالما أن المكتوب لن يترك في نفسي القلقة أثرا، ولن يعطيني درسا، بل إن سماعي للأخبار ولاسيما أخبار شهداء الوطن الذين يقتلهم الوطن، الذين يعرجون إلى السماء والشكوى تأكل قلوبهم من فساد الحكام وظلم الأيام، كان يزيدني حيرة وقلقا وانصرافا عن طلب العلم، مع أني غادرت عهد المهد واقتربت من دنيا اللحد، وفي امتناعي مخالفة لصريح قول النبي (ص): "أطلب العلم من المهد إلى اللحد".

لكن على خلاف كل تلك القواعد، قيض لي أن أخرق نواميس تلك الطقوسية لما مددت يدي إلى كتاب كان قد أهداه لي مؤلفه الأخ الدكتور رحيم الغرباوي، لا بدافع الرغبة بالقراءة، بل بدافع الملل، وبدأت أقلب أوراقه عبثيا، فتسقط عيوني على عناوينه دون أن أبدي رغبة في قراءة المتون، بل دون أن أجد ولو بصيص أمل أني قد أجازف وأجلس معه ولو للحظات، ولذا أعدته إلى الطاولة، واستدرت لأنصرف فوقع بصري على عنوانه "نباهة العرب"، وهنا عدت إلى الكتاب وحملته لأرى عن أي نباهة يتحدث المؤلف، والعرب يأكل بعضهم بعضها، وهم غارقون بالفرقة والشقاق والنفاق والنزاع والصراع وتردي الأوضاع، تجتاحهم جيوش الجهل، ويفرق صفوفهم الهبل.

هذا العنوان المُستَفِزْ أجبرني على العودة إلى الصفحة الأولى من صفحات الكتاب، ومنها بدأت رحلة المجازفة والمناكفة، بعد أن ركنت الطقوسية في مكان لا تراني فيه ولا أراها، لأتواصل مع مواضيع الكتاب، ولأصل دون شعور بالملل، بل بنشوى عارمة كأنها فيض قبل بين محبين هالهما الوجل إلى موضوع الكناية وهو آخر مواضيع الكتاب، وانتبهت أني قرأت خلال وقت قصير كتابا مؤلفا من 132 صفحة وأن في نفسي حاجة لقراءة المزيد، كان قد تحدث عن نظرية النظم، ودلالات الحركة الإعرابية في شعر المتنبي، والظاهر والمؤول، واختيار العرب للأسماء، والضاد والظاء، والتغليب، والالتفات، والاستعارة والمجاز، وأخيرا الكناية!.

هذا الكتاب هو جزء من المشروع الثقافي للأخ الدكتور رحيم الغرباوي، وضعه من حيث الاطار العام ـ في الأصل ـ لطلابه ليعينهم في فهم درس البلاغة الذي يلقيه عليهم، أما إطاره الأعم فلا يقف عند حد، لأنه مملوء بالمتعة والإمتاع بما يعني أنه حاجة ضرورية للعالم والمتعلم.

صدر الكتاب عن دار المتن العراقية التي يديرها الأخ الصديق عامر الساعدي بحلة قشيبة وإخراج جميل.

 

صالح الطائي

 

1236 نجاة نايف سلطانصدر حديثاً عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة كتاب (الانحدار نحو المجهول) لمؤلفته الأديبة الرائدة نجاة نايف سلطان، وهو القسم الثاني من مسيرة حياتها بدءاً من الأيام الأخيرة التي سبقت سقوط النظام الصدامي البائد وحتى وصولها إلى بلاد المهجر عقب اندلاع الاقتتال الطائفي وانتشار جرائم الإرهاب في بغداد وبقية المدن العراقية الأخرى .

افتتحت المؤلفة صفحات كتابها الجديد بكلمة إهداء مؤثرة قالت فيها :

(إليكِ أيتها الحياة المهزلة الهازلة , أهدي هذه الصور القاتمة، فقد كنتِ ترسمين لنا خطواتنا، وتسخرين من أحلامنا (التي لم يتحقق منها شيء) لتشعرينا بالحسرة والألم، وتضحكين عالياً من (خيباتنا) فيما تحقق منها .. كنا نسير تلك الخطوات بكبرياء،  ونظن بغباء وغرور فارغين إننا نملك حقاً خياراتنا، والحقيقة إننا لم نكن إلا طوعك في كل تلك الدروب، وأعترف الآن.. إنك الأقوى).

وبدأت كتابها بالحديث بلغة أدبية شفيفة عن الحياة العجيبة والغريبة والمدهشة، عندما تحدقُ في السماء وترى الشمس ما زالت بين شروق وغروب دائمين، وبقاء الصراعات ما بين الموت والحياة، ففي رفّة جفن نفقد الأحبة والأعداء، وتبقى الحياة سائرة في نظامها الأزلي، وتنتقل إلى الحديث عن زوجها الذي دخل حياتها فعاشت معه ضعف السنوات التي عاشتها بين أسرتها، ولم يكن دربهما مفروشا بالورد دائماً، بل كانت هناك ساعات يأس قاتلة تخللت ساعات حبّ وصفاء ورغد عيش، فالحياة كانت تسير وهو معها، يغضبان ويثوران ويتخاصمان ويتفاهمان، ويشعران بتماسكهما ووحدتهما معاً، لم يلعنا أبداً القدر الذي وضعهما معاً، أو مَن اختار لهما الدرب المشترك، بل اعتبرا وجودهما معاً قدراً رضيا به، وقاربت سنواتهما الأربعين، وهي تستذكرها بحبّ وحنان في لحظات، ليس من أجل الزوج لأنه ذهب فقط , بل من أجل نفسها أيضاً لمعرفتها بأنها ذاهبة كبقية الناس.

كان زوجها الراحل حاضراً بكثافة صامتة إلا من أصوات تسمعُها بوضوح تترددُ في داخلها، (هذا ركنه وهذه كتبه ونظاراته، وهذه الحاجات الصغيرة في درج مكتبه الصغير قرب وسادته)، ومرّت (على الكتب مؤشرة بقصاصات، ما كان ليسمح لأحد بالاقتراب منها حتى لو كان ذلك من أجل إعادة ترتيبها، هنا زجاجات عطره المفضل، وفي الدولاب الكبير ملابسه التي ما زالت تحتفظ  برائحته المميزة)، هذه النافذة التي كانت تحبُّ (أن ترى الشمس من خلالها، وتلك كان يغضبه فتحها)، وتتساءل (ترى هل تحفظ هذه الجدران صوته القوي؟! إلا يقولون إن الصوت طاقة، وان الطاقة لا تفنى)؟! كانت تسمع كلماته بوضوح، وستظلُّ معها إلى آخر عمرها، ونظرت من النافذة وعبر زجاجها السميك إلى شجيرات البرتقال والليمون، وإلى شجرة المانوليا العالية، وخيّل إليّها أنها تسخر منها، و(تقولُ (أنا أقوى منكِ ومنه) كما كان يقولُ دائماً إنها الأقوى) منهما وستبقى بعدهما، وأسدلتُ الستارة بعنف وكأنها تسدلها على عمر مضى.

وانتقلت المؤلفة إلى وقائع حياتها العامة، فقد افتتحت روضة للأطفال في القسم القديم من بيتها، ودبت الحياة فيه بعد شهور الحزن التي غلفته بعد وفاة زوجها، وسعدت بكلمات الشكر والثناء التي انهالت عليها من الأهالي، وروت بعض مفارقات العمل وآراءها التربوية .

وتوقفت عند إطلاق سراح نزلاء السجون بما فيهم القتلة والمجرمون واللصوص، وازدياد الخوف في النفوس لما في ذلك من تأثير سيء على المجتمع، وبدء مسلسل القتل والجرائم في المناطق المحيطة بمنطقة سكنها، وكان هذا المسلسل قد بدأ فعلا بعد حرب الكويت وما تبعها من حصار، وسردت وقائع مجموعة من الجرائم التي وقعت، ثم صورت آلام العراقيين وهم يرزحون تحت قسوة سنوات الحصار التي سحقت البنى التحتية والطبقة المتوسطة من الشعب، بينما لم تؤثر على رموز النظام ومرتزقته وزبانيته وعشيرته، وأتت على ذكر مجموعة من الأدباء والكتاب الذين دبجوا المقالات المنافقة في مديح الطاغية صدام، وجمعوا له ألقابا زادت على أسماء الله الحسنى !! وهناك من (رتب له شجرة نسب تصله بآل بيت رسول الله عليه وعلى آله السلام )!! ثم أراد الطاغية أن يطلق عليه لقب الكاتب والشاعر !! فأصدروا له كتب (زبيبة والملك، والقلعة الحصينة، ومدينة ورجال) ونسبت لكاتبها وهو معروف،  وفرض بيعها في معارض الكتب!!

وروت معاناتها عندما رغبت في طبع روايتها حتى انتهى بها المطاف إلى من يرشدها إلى دار الشؤون الثقافية، وهناك طلب منها (أن تحذف بعض السطور التي تمجد زمن الجدات ففيها تجاهل لما قدمته الثورة للمرأة من امتيازات)!!

وعندما بدأت التهديدات بضرب العراق تحاصر الناس على مدار الساعة تناقص عدد الأطفال في الروضة لسفرهم مع أهاليهم خارج العراق، ففكرت حينها بالسفر مع أسرتها إلى اسبانيا، وعندما لم تحصل على التأشيرة، قررت السفر إلى سوريا كي يتمكن ولداها الهاربان من ظلم صدام من المجيء إلى دمشق لتلتقي بهما، ومن هناك شاهدت بدأ الهجوم على العراق في 19 آذار 2003، وبكت لما أصاب البلاد من دمار وخراب وما ألحق بالجيش العراقي البطل من هزيمة بسبب عنجهية صدام !!

وعادت إلى العراق بعد توقف العمليات الحربية لتعيش فصولاً مرعبة من الاقتتال الطائفي والمداهمات، وقد روت الكثير من الجرائم المروعة التي حصلت في منطقة اليرموك التي كانت تسكنها وفي غيرها من المناطق، مما اضطرها للسفر ثانية مع أسرتها إلى تركيا والبقاء فيها مدة على أمل انتهاء مسلسل العنف المتزايد في العراق، وعندما لم تجد نهاية قريبة لما يحدث قررت العودة إلى بغداد، وفتح أبواب الروضة من جديد، غير أن الأمور كانت تزداد سوءاً، وجرائم الإرهاب تتصاعد، وازدادت الإنفجارات القريبة من بيتهم، و(صارت غرفة المكتبة أكثر غرف البيت خطراً، فقد انهار زجاج نوافذها المظلل السميك مراراً، وكانت السيارات المفخخة توضع أحياناً بجانب سياج البيت)، وتزرع القنابل والعبوات الناسفة في الجزرة الوسطية مقابل بيتهم !! فكان لابد من التفكير ثانية بالسفر والابتعاد عن منطقة الخطر، وكانت العاصمة الأوردنية عَمان هي الوجهة هذه المرة، وكان أهم ما حملته معها أوراقها التي تضمنت كتاباتها وقصائدها، ولأجلها تركت الكثير من المقتنيات التي كانت تعتز بها.

في عمان عاشت وأسرتها مرارة لا توصف، فقد رأت كما غيرها من العراقيين الجشع والتعالي والمعاملة السيئة حتى من سماسرة العقار الذين كانوا ينظرون للعراقيين من فوق أنوفهم، وكأنهم يقولون (أشربوا ماء البحر)!! وجميع المقيمين يتحدثون بألم عن معاناتهم مع الشرطة الأردنية التي تترصدهم لانتهاء مدة إقاماتهم !! بينما كانوا يشاهدون بأعينهم كيف يتم استقبال السياح الإسرائيليين في جرش بكل حفاوة وترحيب !!

ولما ضاقت السبل بها وبأسرتها في عَمان، وأوشكت إقامتها وإقامة أفراد أسرتها على الانتهاء قرروا البحث عن مكان بديل والهجرة إليه، وهكذا اضطروا للذهاب إلى أحد مقرات الأمم المتحدة وتقديم طلب للجوء إلى إحدى الدول، وهم على أمل أن تتحسن الأوضاع في العراق، ويعودوا إليه ثانية !!

وعندما أنجزوا معاملاتهم ولم تكن هينة، وحصلت الموافقة على قبول لجوئهم إلى الولايات المتحدة، غادروا عمان إليها في رحلة طويلة مرورا بفرنكفورت في ألمانيا، ومنها إلى ميامي بولاية فلوريدا، وبعدها نقلتهم طائرة أخرى إلى مدينة دالس حيث توقفت لعدة ساعات قبل أن يصلوا إلى محطتهم الأخيرة في سولا ليك عاصمة ولاية يوتا ليستقروا فيها، ويبدؤوا حياتهم الجديدة، ولكن حنين ظل يعصف بالكاتبة وهي تردد في أعماقها (حييت سفحك بعد فحييني ... يا دجلة الخير يا أم البساتين)، وهي تبكي (تلك السفوح البعيدة جداً عنها بعد السماء عن الأرض) !!

وعن اختيار المؤلفة (الانحدار نحو المجهول) عنواناً لكتابها، تقول (أفكر بألم وحيرة ما الذي كنت أعنيه يوم اخترته عنواناً لكتابي)؟! وتستعرض مجموعة من الأسباب، ثم تعود لتقول (أي انحدار كنت أعني غير هذا الذي يلف العراق والعراقيين أينما كانوا لغد لا يعرفه أحد ؟! أنا مثل كثيرين لا أعرف تماماً ماذا يحصل وكيف حصل؟! ومتى سينتهي الإعصار بعد هذا الطوفان؟! ترى هل ستجد سفينة العراق يوماً تل جودي فترسو عليه بسلام)؟؟

ومما يلفت النظر في هذا الكتاب المميز ويثير الإعجاب شجاعة القول وموضوعية الرأي وتفاصيل الوصف للأماكن التي زارتها أو مرت بها المؤلفة مثل دمشق واسطنبول وعمان وفرانكفورت ودالس وميامي وسالت ليك وغيرها، والحوادث التي شهدتها وهي كثيرة، فقد وصفتها بدقة متناهية وعبارة أدبية رصينة وجميلة تبعث على الثقة والدهشة .

ومن الجدير بالذكر أن للمؤلفة وهي تربوية وكاتبة وأديبة شاعرة وروائية ومترجمة خمسة إصدارات سابقة هي :

1- نجوى والنهر (شعر) – بغداد 1988م .

2- سلاما يا وفاء (رواية) – بغداد 2002م .

3- ما قبل العصور (شعر) – كاليفورنيا 2010م .

4- ذكريات امرأة عراقية – بيروت 2012م .

5- أوراق مغتربة – الحلة 2019م .

ولديها مؤلفات مخطوطة، من أهمها كتاب كبير مترجم عن الانكليزية بعنوان (قبضة الله) لمؤلفه فردريك سينث، وهو انكليزي الجنسية .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

محمود محمد عليالعقلانية Rationality  بوجه عام – مفهوم يقول بسلطان العقل، ويرد الأشياء إلى أسباب معقولة؛ والجذر الاشتقاقي الذي تشق منهRational هو الاسم اللاتيني ratio ، ومعناه العقل Reason. وهكذا يفهم من كلمة الإنسان العقلاني Rationalist عموماً الشخص الذي يؤكد قدرات الإنسان العقلية تأكيداً خاصاً ولديه إيمان غير عادى بقيمة العقل والحجة العقلية وأهميتها . والعقلانية أساساً هي الاتجاه التنويري الذي يثق في الإنسان وقدراته، فيرفع كل وصاية عليه ويتركه يبحث عن الحقيقة بلا سلطة تفرضها؛ حيث أن العقلانية ضد السلطة بكل أنواعها، فقد حررت العقلانية الإنسان من الأفكار الدجماطيقية واللاهوتية والأفكار التسلطية والآراء التعسفية وأفكار ذوى النفوذ والسلطان والأيديولوجيات السياسية التي تقف حجر عثرة في سبيل الانطلاق بعقله إلى أفاق الحرية التي هي تاج التجربة الإنسانية، ومن ثم دعوة نحو المذهب الإنساني الذي يقوم على دعامته الإنسانية ألا وهى الحرية الإنسانية .

وترتبط العقلانية في الفلسفة الغربية بالثورة على خضوع العصور الوسطى المسيحية الطويل لأرسطو والسلطة الدينية، واتخذت شكلين يمثلان العقلانية الكلاسيكية، هما الاتجاه التجريبي مع فرنسيس بيكون F.Bacon ( 1561- 1626 ) وأشياعه، الذين يرون أن التجربة هي الوسيلة التي تمكننا من قراءة الحقيقة فتثق في الطبيعة وفى حواس الإنسان ليعتمد عليها في الوصول بنفسه إلى الحقيقة . والاتجاه الثاني هو الاتجاه المثالي الذي افتتحه ديكارت Descartes  (1596- 1650) مؤكداً الثقة في العقل كوسيلة امتلكها الإنسان للوصول إلى الحقيقة .

ولكن مع العلم المعاصر وفلسفته تم إعادة النظر في التصور الكلاسيكي للعقلانية، حيث تلاشت فكرة إدراك الحقيقة من اتجاه واحد وزاوية نظر وحيدة، فما يطبعها هو تعدد اتجاهاتها في إدراك الحقيقة، مما يؤدى إلى استدعاء مواقف وحلول فلسفية متنوعة ووجهات نظر مختلفة تحت شعار " قيمة النقد وقابلية كل شئ للمراجعة Revisionable؛ فأضحت العقلانية بفضل تطور العلم المعاصر لا تعترف بالبحث عن المبادئ والحقائق القاطعة والمطلقة التي تقوم عليها المعرفة الإنسانية سواء كانت عن طريق العقل أو الحواس، لأن هذه المبادئ قابلة للنقاش والمراجعة المستمرة على ضوء التطورات العلمية المعاصرة .

وفي هذا المقال سوف تكون عنايتا موجه نحو الكشف عن ابستمولوجيا ستيفن تولمن وبالذات مفهوم العقلانية العلمية لديه، ولا أخفي علي القارئ الكريم أن سبب اختياري لتولمن هو ندرة الدراسات الفلسفية عن هذه الشخصية في عالمنا العربي، مع العالم أن هذه الرجل كان يصول ويحول في محراب فلسفة العلم مثل كارل بوبر" Karl Popper ( 1902-1994)، كونThomas Khun (1922-1996)، وامري لاكاتوش Imre Lakatos (1922-1974)، وبول كارل فيبرآبند Paul Karl feyerabend (1924-1994)، وله صولات وجولات مع هؤلاء الفلاسفة . كما أنه يمتلك رصيد ضخم من الكتب والدراسات والأبحاث التي كتبها وما زال يكتبها حتي الآن .

بل لا أخفي علي القارئ أيضا أن هذا الرجل يستحق الدراسة وكنت أتعجب عن إهمال طلاب الماجستير والدكتوراه في الكتابة عنه مع العلم أنه كان ولا يزال واحدا من كبار فلاسفة العلم الإنجليز المعاصرين الذين دافعوا بقوة وحماس عن الفكر الاصطلاحي - اللاوضعي بعد " بيير دوهيم " Pierre Duhem (1861-1916) وهنري بوانكارية H.Poincare (1854-1912) ، مؤكدا التسليم بالفائدة العملية للنظريات والقوانين بغض النظر عن صدقها وكذبها، وليعلن ما سبق للاصطلاحية عرضه سواء كان علي مستوي المفاهيم والنظريات وكونها اصطلاحات متفق عليها أو كان الأمر يتعلق بالتجربة ودورها الاستشاري، كما جاء ليؤكد ذلك ويشكل فلسفة أداتية تجعل من القوانين العلمية والنظريات خرائط جغرافية يتفق معها من حيث الهدف والوظيفة.

ولم يكتف هذا الرجل بذلك بل رأيناه يبين أن الفهم الوظيفي للنظرية مثل القانون يرتكز بداية في التفسير، وليس الوصف شأنه شأن معظم المفكرين والفلاسفة الأداتيين الأمريكيين، فالعلم الفيزيائي في نظره لم يكن آلة حاسبة عقلية وإنما بالأحري نمط تشريحي أو تفسيري، ومن ثم يختلف عن التاريخ الطبيعي مثلا الذي يركز علي الوصف بدلا من التفسير . وهذا ما يجعل الفيزيائي يبحث في صيغة أو شكل القانون أو النظرية بدلا من أن يتتبع انتظاماً أو اطراداً لظاهرة ما أو أخري . إن كل العلوم الوصفية فيما يري تولمن هي في حقيقة الأمر علوم يصعب قبولها .

ومن جهة أخري رأينا تولمن يؤكد أنه ينبغي علي الفيزيائيين أن تكون لديهم ثقافة علمية تدعوهم إلي التفكير في نظرياتهم بطريقة تجعلهم لا يتجاهلون أن هذه النظريات ذات نجاحات تنبؤية في ضوء تاريخ العلم أو داخل إطار محاولات ثقافية تاريخية في المجتمع . والسبب في ذلك أن العلم كائن تاريخي ونشاط اجتماعي . إن تاريخ العلم يبدو في غاية الأهمية بالنسبة لنظريات العلم، فهو أولا يركز علي نمو الأفكار العلمية داخل العلم، كما يهتم بالتداخل بين العلم ككل والمجتمع الذي يقتني هذا العلم ويندرج تحت كل ذلك القوة الاقتصادية والاجتماعية وأثرهما الفعال في نمو وتطور العلم . ثانيا، أن تاريخ العلم يساعد علي فهم وتشكيل العلم وطبقا لذلك فإن تولمن يعتقد تاريخ العلم لم يكن فقط محتوي لتغيرات العلم في فترة، بل وفي أهدافه ومناهجه التي تتغير أيضا .

وهنا ينصح تولمن فيقول في كتابه " البصيرة والفهم " أن يكون العالم علي وعي شديد بمسالة تاريخ العلم وأنه من الأشياء الضرورية بالنسبة لعمله أو بالنسبة لما يقوم به من دراسة"(.

كما أمتد نشاط البحث العلمي عند تولمن إلي نظرية المعرفة، ففي كتابه العارف والفعل حين يدرس تولمن العلاقة بين العارف knower والفعل Acting نراه يلاحظ أن الفلاسفة كثيرا ما دأبوا علي اعتبار الموضوع والذات كائنين منفصلين وأن وجودهما معا ينطوي علي التناقض . ولكن هذا التناقض سرعان ما ينجلي حين ندرك أن المقصود بالموضوع هو القيمة العملية التي له في تجاربنا.

وقد أشاد بقيمة وأهمية ابستمولوجيا ستيفن تولمن الدكتورة " يمني طريف الخولي " حيث تقول : " وفي النصف الثاني من القرن العشرين يظل الإنجليزي ستيفن تولمن من أهم الفلاسفة المحترفين الذين أفادوا الأداتية وطوروها، وجعلوها تدفع فلسفة العلم إلي أفاق مستشرفة بأعماله الكثيرة، وأهمها فلسفة العلم والبصيرة والفهم الإنساني ويتميز تولمن بقدرته علي تجسيد وعي الأداتية الفريد بتاريخ العلم، والذي ناهضته الوضعية المنطقية . لذلك سوف يحتل موقعه بين فلاسفة الردح الأخير من القرن العشرين الواعدين بأفاق مستقبلية لفلسفة  العلم .

وفي فقرة أخري تقول " يجمع تولمن الخير من طرفيه، فهو أداتي بارز فيسهل عليه تأكيد أن صدق المعرفة العلمية في حد ذاته ليس موضع الاهتمام . ثم يلتقي مع بوبر بعد ذلك حين يؤكد أن الاهتمام فقط بنمو المعرفة وتطورها، ويلتقي معه أكثر وأكثر حين يري المعرفة تنمو في ضوء النقد الموجه لها، ولكنه أكثر من بوبر وعياً بتاريخ العلم، فهو يصغر بوبر بعشرين عاما تمثل مزيدا من تقدم فلسفة العلم نحو الوعي بتاريخه . رأي تولمن –بحكم أداتيته –أن تاريخ تطور معالجات المشكلة المطروحة للبحث، أهم بالنسبة للعالم الباحث من الانشغال بقضايا المحتوي المعرف وإشكالية الصدق.

ثم تستطرد الدكتورة الفاضلة فتقول " ... وتولمن شديد العناية بنقد الوضعية المنطقية وتوضيح قصوراتها، استند في هذا إلي ضرورة النظرة التاريخية للعلم، وأن الوضعية المنطقية في تناولها لفلسفة العلم ابتعدت عن تغير التصورات الذي هو التقدم الحقيقي للعلم، وحذفوا من الممارسات الفلسفية كل ما يتعلق بهذا وبعوامله .ويرفض تولمن تماماً النظرة للعلم من الداخل، إذا كانت مقتصرة علي علاقاته المنطقية وأسسه المنهجية، بحيث إن الجديد تنحصر جدته داخل الحدود والمصطلحات المطروحة . وفي مقابل هذا ينبغي علي العلماء أن يدركوا أفق تاريخ العلم، ولا يتجاهلون أن نظرياتهم أتت في سياق نظري أخري سابقة هي محاولات ناجحة تمثل معالم بارزة في تاريخ العقل وتاريخ الحضارة وتاريخ الثقافة .. إن العلم كما ينتهي تولمن – هو أولاً وأخيراً كيان تاريخي ونشاط     اجتماعي " .

وقد أخترت أن أقدم نموذجا لكتابات تولمن من خلال ترجمة أحد أعماله . وقد قمت بترجمة كتابه " البصيرة والفهم" وقد اخترت هذا الكتاب لأقوم بترجمته إلي اللغة العربية لأسباب عديدة أهمها منها أنه يعالج مواضيع عديدة في بؤرة الكثير من الحوارات حول العلم في هذه الأيام . فيعالج الخلط بين العلم والمعرفة أو العلم والعقلانية أو العلم والإدراك الحسي . ويوضح أن للعلم منهجا خاصا في التعامل مع الظواهر المحيطة يساعد علي تفهمها، ويعالج الكتاب الخلط بين العلم والتكنولوجيا ويرسم المؤلف خريطة مبسطة لتصوره عن ثورة الأفكار العلمية .

وفي الكتاب نلاحظ أن تولمن يسير علي نهج جون ديوي حين يري أن الهدف من العلم هو امتداد للتفكير التأملي الذي ينهض به الكائن البيولوجي حين تواجهه المشكلات الحيوية .وبالتالي يكون الغرض من العلم ليس فقط الكشف عن الحقائق الأبدية والتأمل فيها، بل هدفه الأول هو خدمة الإنسانية . إن العلم ناقص ولن يكتسب الطابع الموضوعي إلا إذا كانت غايته إرضاء حاجات البشر ومطالبهم . ويذهب تولمن كما ذهب ديوي إلي " القول بأن ما ندعوه علما تطبيقيا أخري أن يكون العلم علي الحقيقة من ذلك الذي تدعوه علما بحتا . ذلك لأن الأول متصل اتصالا مباشرا بالأدوات القائمة بالعمل، والتي تتوخي تعديل الوجود البشري وتبديل أحواله . فالعلم له أهداف وأهدافه كما يري تولمن عملية، وظيفية، أو نشاط . وليس العلم جماعا من المعارف أو محصولا من النتائج المخزونة . العلم نشاط يحفزنا للعلم علي حل المشاكل فهو قوة فعالة من أجل المعرفة وليس علما ثابتا مستكملا ولا يبدأ النشاط العلمي إلا إذا واجهنا مشكلة ولا ينقطع إلا حالما نصل إلي حل لهذه المشكلة أو عندما تغيب في زاوية النسيان " .

وشئ آخر حاول تولمن أن يثبته في هذا الكتاب، وهي أن العلم ليس مجرد نسق معرفي ابداعي ينتج معرفة جديدة دائما وأبداً والنشاط المعرفي وامكاناته ونجاحه وطابعه وتوجهاته يعتمد اعتماداً كبيرا علي ظروف نشأة المعرفة بما في ذلك ثقافة المجتمع المعني التي تحدد الأدراك الحسي العام للواقع المميز لعصر تاريخي بذاته . فالعلم لا يمكن أن يظهر في مجتمع أنجز مستوي معينا من التطور الاجتماعي – الاقتصادي تتولد عنه بحكم هذا التطور حاجة متجددة إلي المعرفة العلمية وينشأ كنف ثقافة من نوع محدد، ثقافة يكون الفكر العلمي والنهج العلمي في معالجته الواقع، ربيبا لها، أي تلده وتنميه ثقافة تهيئ الظروف للنشاط المعرفي .

و لهذا السبب عزمت علي نقل كتاب "البصيرة والفهم" إلي اللغة العربية وأنا علي علم بأن النقل من لغة إلي لغة تختلف عن اللغة الأصلية بالقواعد وبطريقة نظم الكلام ليس أمرا سهلا ولا يفي بالغرض دائما، إذ يكون علي الناقل أن يختار بين الترجمة الحرفية والترجمة المعنوية، وقد تكون الترجمة الحرفية متيسرة إلي حد كبير بين اللغات ذات الأصل الواحد، لكنها تكون متعذرة إذا كانت من اللغة الإنجليزية ذات الأصول اللاتينية، إلي اللغة العربية التي لا نلتقي معها في أي شئ تقريبا، وخاصة في طريقة نظم الكلام ولهذا فضلت ترجمة المعاني بنقلها من مباني اللغة الإنجليزية إلي اللغة العربية مراعيا في ذلك أنسب الألفاظ وأفضل التراكيب التي تؤدي المعني المقصود في اللغة الأصلية.

إننا نهدف من هذا المقال إلي إلقاء الضوء علي مفهوم العقلانية عند ستيفن تولمن وتحليل عناصرها الأساسية عبر تطورها، ثم إعادة بنائها في ضوء المناقشات التي أحاطت بها والانتقادات التي تعرضت لها . وعلي هذا فإن هذا البحث يرمي إلي فهم وتأويل فلسفة تولمن، بالإضافة إلي تعديلها أحيانا أو الدفاع عنها أحيانا أخري . وقد اعتمدنا في هذه المهمة علي منهجين، هما المنهج التاريخي والمنهج النقدي . وقد استخدمنا المنهج التاريخي بمعنيين : أولا بمعني الرجوع للوقائع التاريخية التي يعتمد عليها تولمن، وثانيا بمعني تتبع تطور فكر كون عبر مراحله الزمنية. واستخدمنا كذلك المنهج النقدي بمعنيين : قصدنا بالمعني الأول فحص وتحليل النتائج التي انتهي إليها تولمن علي أساس الأهداف التي حددها في فلسفته، وقصدنا بالمعني الثاني محاولة تقييم أفكار تولمن في ضوء الانتقادات الفلسفية التي تعرضت لها، وفي ضوء امكان تطوير هذه الأفكار وحدود هذا التطوير.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

مجدي ابراهيمقراءة العراقي لكتاب الجزار

في إطار قُرب الانتهاء من الكتاب التذكاري الذي أزمعت نخبة من أساتذة الجامعات المصرية القيام به تحيةً للأستاذ الدكتور أحمد محمود الجزار أستاذ الفلسفة، وعميد كلية الآداب جامعة المنيا الأسبق، ومُقَرِّر لجنة الفلسفة لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين بالمجلس الأعلى للجامعات؛ نحتفي بمشاركات العديد من أساتذة الجامعات المصرية في: الإسكندرية، المنوفية، المنصورة، حلوان، القاهرة، قناة السويس، العريش، المنيا، الفيوم، أسيوط، الوادي الجديد، سوهاج، ومختلف جامعات مصر لإعداد هذا الكتاب التذكاري تحت عنوان :" الأستاذ الدكتور أحمد الجزار مُفكراً عربياً ورائداً للدراسات الصوفية؛ مَسيرةُ عَالِم وَمَسَارُ فِكْر"، وذلك لتعريف الأجيال القادمة بمنجزاته الفكرية وأعماله المتخصصة في الفلسفة الإسلامية عامة، والتصوف بوجه خاص. وقد اقتربت البحوث التي شاركت في انجاز هذا الكتاب التذكاري من الثلاثين بحثاً بين عروض للكتب التي تمّ تأليفها من قبل صاحب الكتاب وتناولت النقاط المهمة في فكره، وبين دراسات مهداه، وشهادات ذُكرت في مناقبه العلمية ومسؤولياته الإدارية؛ على اختلاف تقسيم محاور الكتاب، وبالاشتراك بين أساتذة كليات الآداب ودار العلوم وبعض المثقفين بوجه عام.

على أننا في هذه المقالة لا نعرض تفصيلاً للكتاب التذكاري بمقدار ما نعرض موضوعاً بالغاً الأهمية هو بمثابة شهادة علمية من أستاذه الأستاذ الدكتور عاطف العراقي عليه رحمة الله؛ إذْ قرأ كتاب المعرفة وكتب عنه دراسة نقدية في إطار العلاقات الثقافية المتبادلة التي نشأت واستمرت بين الأستاذ والتلميذ طيلة سنوات الطلب ثم الحصول على الماجستير والدكتوراه وما بعدهما إلى أن فارق الأستاذ طيّب الله ثراه حياتنا الفانية. وفي ظل ثقة علمية تكاد تكون منقطعة النظير كتب المرحوم الدكتور عاطف العراقي المفكر الإسلامي المعروف وأستاذ الفلسفة عن كتاب تلميذه الأقرب الأستاذ الدكتور أحمد الجزار؛ وهو في أثناء تلك الكتابة يبرز لنا من الوهلة الأولى أهم سمات الكاتب وشخصيته العلمية بروزاً يكشف الصلة الوثقى التي كانت بين العراقي والجزار، وهى بلا شك صلة امتدت في حياة العراقي، ولا زالت مستمرة بعد رحيله، وفاءً من التلميذ الأقرب لأستاذه الأكبر. ولا يكادُ يكون مثل هذا الوفاء موجوداً ذا أثر بين كثيرين، ولكنه عند الجزار علامة فارقة دالة على شخصيته وسمة بارزة يلحظها كل من يتعامل معه عن قرب.

أنا أفهم أن يكتب التلميذ عن أستاذه إجلالاً لقيمته العلمية واقتداءً بحياته الشخصية وأعجاباً بمآثره ومنجزاته الثقافية على التعميم، ولكن أن يكتب الأستاذ دراسات عن تلميذه، ويبرز أهم الخصائص التي يضمُّها عمل من أعماله، والمزايا التي يشملها منجزه الفكري؛ فهذا كله يكشف عن بعدين:

البعد الأول: معرفة الأستاذ لتلميذه معرفة خاصّة تقوم على التقدير المتبادل الأمر الذي يجعل الثقة الصلة صلة روحية يغلب عليها الصدق ولا يتطرق إليها الإنكار والجحود.

البعد الثاني : يشمل الإحاطة بالأعمال العلمية التي وُفق إليها التلميذ، والدراية التامة بمنجز الأصالة والتحقيق فيها. لو لم يكن الأستاذ يرى ثمرة غرسه واضحة في تلميذه من خلال أعماله الفكرية ومنهجيته العلميّة لما آثر أن يكتب عنه كتابة تبرز الصلات الروحية المتَبَادلة بين المعلم والتلميذ؛ ذلك الذي أصبح اليوم، بفضل جدّه واجتهاده، يحتل نفس المكانة التي كان الأستاذ يحتلها في زمنه في قلوب تلاميذه ومريديه. وأنا شخصياً أشهد : كم كان الأستاذ يشيد بفضائل تلميذه في المحافل العلمية والثقافية، ولم يكن الجزار في أكثرها من الحاضرين، كان يُقدّره في غيابه، ويرى في قلمه نموذجاً من الكتابة العلمية يحتذى في الدراسات الأكاديمية الجادة.

هذا البعد ولا شك عندي يكشف الغطاء عن فاعلية القيم وانتقالها من جيل إلى جيل، ومن نفس إلى نفس من طريق ذوق الصحبة الطيبة، والإخلاص في الأعمال، والتعامل مع الآخرين بصدق وأريحية، ومن طريق فهم متبادل مشترك لا يشق له غبار لقضايا العصر ومشكلات الفلسفة وآراء المذاهب والأفكار.

وفي ضوء هذين البعدين يمكننا تناول الدراسة التي كتبها أستاذنا الدكتور عاطف العراقي، عليه رحمه الله، عن كتاب المعرفة عند أبي سعيد ابن أبي الخير من تأليف الدكتور أحمد الجزار؛ وذلك في الفصل العاشر من كتابه: "ثورة النقد في الفلسفة والأدب والسياسة"، (الصفحات 740 - 749). وقد مهّدَ العراقي في مطلع دراسته بعبارات دقيقة تدل من الوهلة الأولى على البعد الأول الذي ذكرناه فيما تقدّم وهو الذي يلمس عن قرب معرفة الأستاذ لتلميذه معرفة خاصّة يمكن من خلالها أن يكون أقدر الناس حديثاً عنه وعن أعماله العلمية :" قد لا أكون مبالغاً إذا أنا قلتُ : إنّ المهتمين بالفكر الفلسفي العربي، والتصوف الإسلامي على وجه الخصوص سيحتفلون بهذا الكتاب احتفالاً كبيراً . إنّ هذا الكتاب يعدُّ من الكتب الجادة الأمينة والموضوعية، بذل فيه مؤلفنا الدكتور أحمد الجزار جهداً، وجهداً كبيراً، ورجع فيه إلى العديد من المصادر والمراجع العامة، والتي أشار إليها، مما يدلنا على أمانته العلمية وموضوعيته في البحث والدراسة، وخاصّة ونحن في وقت انتشرت فيه السرقات العلمية، وأنكر فيه أشباه الدراسين، ما للمؤلفين السابقين، من أفضالٍ على من عاشوا بعدهم".

فالملاحظ أن العراقي - طيّب الله ثراه - وهو يقرأ كتاب المعرفة لمؤلفه الدكتور أحمد الجزار إنما يقرّر قيمة من القيم العلمية ليثبّت أمام الأذهان فضيلة باقية هى الفضيلة التي لا يجوز أن يمضي البحث العلمي في طريقه على خطى ثابتة ما لم تُقرَّر سلفاً في عقول القائمين عليه. ولا شك هى الأمانة العلمية والموضوعية في البحث والدراسة. وهما ركنان ثابتان في كل عمل عقلي أو منجز علمي يدفعان الباحث دفعاً فيما لو توخّاهُما إلى اقتران العلم بالفضيلة وتوحيد النظرية مع التطبيق، وبخاصة في ظل انتشار السرقات العلمية التي شاعت مع شديد الأسف بين طلاب البحث العلمي الأمر الذي يخرّج نسخاً مشوهة : أشباه لصقاء ولا يخرج دراسين نبلاء.

فإنّ الذي توافر عليه "الجزار" جدية العمل وجهد المثابرة في التصنيف مع أمانة علمية، وموضوعية في البحث والدراسة. و هذه الصفات هى فضائل العمل العلمي تعكس شخصية صاحبها أولاً بمقدار ما تنعكس بالإيجاب في محراب التعليم على تلاميذه وطلابه ولمن يوالي التدريس لهم من ذوى الثقافات المتخصصة أو الثقافة العامة.

وفي المقابل؛ لا تجد إلّا الفساد العلمي والخُلقي، وإلّا الدعوى العريضة لا يقوم عليها دليل، لدى من اعتمدوا السرقات العلمية، واستحلوا السطو على أعمال الآخرين في عصور ندعوها عبطاً وغفلة بعصور التقدُّم والازدهار، وهى تحمل في الحقيقة كل الصفات الموبوءة، ولا تحمل صفة واحدة تهيء للقيمة وجودها، وأقلُّ ما يُقال فيها : إنكار ما للسابقين من أفضال على من عاشوا بعدهم. وإذن؛ ففي غيبة القيم يشيعُ الفساد.

ثم ينطلق العراقي إلى الحديث المفصل عن الكتاب الذي يقع في (197) صفحة، إذْ يتضمّن مقدمة وثلاث فصول على الوجه التالي :

الفصل الأول : المعرفة بين الوهب والكسب.

الفصل الثاني : المعرفة والولاية.

الفصل الثالث : المعرفة والفناء.

فصولٌ مقسمة تقسيماً هندسياً، محددة العناصر مبينة الأغراض، يسبقها مقدّمة منهجية. ولم تكن الإشادة بهذا الكتاب من جانب الدكتور عاطف العراقي مجرد تقريظ يأتي كيفما أتفق، ولكنها إشادة مؤسسة على دلائل من فحص العمل العلمي، ملموس فيه " الجهد الأكاديمي البارز الذي قام به المؤلف، ولا تكاد صفحة من صفحات الكتاب؛ هكذا يقول العراقي، تخلو من أسماء عديد المصادر والمراجع فهو بحق يعدُّ نموذجاً يحتذى في الدراسات الأكاديمية الجادة؛ فمؤلفه الدكتور أحمد الجزار ينتقل بثقة ويقين من صفحة إلى صفحة بعد أن قرأ مئات المراجع في موضوعه".

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

عبد الحسين شعباناستعدت وأنا أقرأ السردية الممتعة التي كتبها الدكتور طارق يوسف اسماعيل والموسومة "من زوايا الذاكرة ؛على هامش ثورة 14 تموز عام 1958"، كتابه الأثير عن "الحزب الشيوعي العراقي" The Rise and Fall of the Communist Party of Iraq: Evolution and Transformation الذي صدر عن جامعة كامبريدج، العام 2008، بل كتاباته عن الحركة الشيوعية العربية، فهو من الأكاديميين الذين لهم باع طويل في البحث العلمي والذي خصّص مساحة كبيرة منه لليسار العربي بشكل عام.

ومن أبرز مؤلفاته على هذا الصعيد كتابه عن الحركة الشيوعية المصرية The Communist Movement in Egypt, 1920-1988, الذي صدر عن جامعة سيراكيوز للإعلام، العام 1990، والحزب الشيوعي السوداني The Sudanese Communist Party: Ideology and Party Politics الصادر في لندن عن Routledge العام 2012، والحركة الشيوعية في العالم العربي The Communist Movement in the Arab World الصادر عن Routledge العام 2004، والحركة الشيوعية في سوريا ولبنان The Communist Movement in Syria and Lebanon الصادر عن جامعة فلوريدا العام 1998، وغيرها من الكتب التي لها علاقة بالسياسة والحكم في الشرق الأوسط المعاصر، بما فيها كتابه عن "الاستمرارية والتغيير في الشرق الأوسط المعاصر"، الصادر العام 2012 Government and Politics of the Contemporary Middle East: Continuity and Change وآخر إنتاجه العلمي Iraq in the twenty- first century: Regime Change and the Making of a Failed State , Routledge,2015 والذي عالج فيه آثار الاحتلال الأمريكي للعراق وتحويله إلى دولة فاشلة.

وصديقنا الأكاديمي والمفكّر طارق يوسف اسماعيل وإنْ كتب عن اليسار، وحتى لو تعاطف معه، فلم يكن يوماً من الأيام قد عمل في صفوفه أو جزء منه، لكنه كتب بعقل المؤرخ ولغة الباحث السسيولوجي والخبير والمختص بعلوم السياسة والعلاقات الدولية، وهكذا بحث في شؤون وشجون اليسار العراقي والعربي من منظور منفتح ودون إسقاطات أو رغبات إرادوية، ولعلّ كتابه " من زوايا الذاكرة - على هامش ثورة 14 تموز 1958" الذي سيكون بيد القارئ العراقي والعربي، وإن كان تعبيراً عن تجربة شخصية وحياتية، وخلجات روح وطنية توّاقة إلى الحقيقة، فإنه في الوقت نفسه جزء من التاريخ السسيولوجي لمجتمعاتنا وصراعات قواه السياسية وتياراته الفكرية والدينية وتنوّع قومياته وإثنياته ولغاته، وذلك لأن تاريخ اليسار العراقي والحركة الشيوعية بشكل خاص هو جزء لا يتجزأ من تاريخ الدولة العراقية، التي لا يمكن الحديث عنها وعن المجتمع العراقي دون المجيء على ذكرهما.

وبهذا المعنى فإن أي بحث عن اليسار سيقود بالضرورة إلى أروقة الدولة ومؤسساتها وقوانينها وطبيعة نظامها السياسي وممارساتها، تلك التي سيكون مواقفه منها في الصميم من تكويناتها، مثلما سيكون موقف الدولة من اليسار بمؤشراته السلبية أو الإيجابية جزء من معايير الحكم عليها، خصوصاً وإن اليسار بشقه الماركسي وعلى مدى تاريخ الدولة العراقية، لم يعرف العمل العلني الشرعي والقانوني إلّا باستثناءات محدودة جداً، وتعرّض لتصفيات وتشويهات كثيرة ومتنوّعة دون نسيان أخطائه وعيوبه بالطبع.

إن الصورة التي ترسمها زوايا ذاكرة اسماعيل الخصبة والطريّة تظهر على نحو جلي وواضح، دور اليسار العراقي في صعوده ونزوله وتمدّده وانحساره ونجاحاته وإخفاقاته على مدى تاريخه، ويجب أن لا ننسى أن مدرسة اليسار العراقي كانت قد خرّجت أو أثّرت في طواقم من المثقفين العضويين بتعبير المفكر الماركسي الإيطالي انطونيو غرامشي، ممن كان لهم دور كبير في أربعينات وخمسينات القرن الماضي وجلّهم من أصدقاء طارق اسماعيل الذين ترد أسماؤهم في متن الكتاب، لاسيّما مساهمتهم في الحركة الشعبية والمنظمات المهنية المدنية والسلمية وأنشطتها المختلفة، تلك التي انضوت تحت لواء جبهة الاتحاد الوطني التي انعقدت في 7 آذار (مارس) العام 1957، والتي كان سكرتيرها وكاتب بيانها التأسيسي ابراهيم كبّه الذي ارتبط مع اسماعيل بصداقة خاصة، سواء حين كان وزيراً، أو بعد ذلك في إطار عمل جامعي وأكاديمي يوم عمل طارق اسماعيل استاذاً زائراً في جامعة بغداد، وكان تأسيس جبهة الاتحاد الوطني قد مهّد لمجموعة الضباط الأحرار للقيام بالثورة في 14 تموز (يوليو) 1958 بعد أن تأكدت من تأييد القوى الوطنية المتحالفة في دعمها وبالتنسيق معها.

II

تضيء زوايا ذاكرة طارق اسماعيل، الثورة العراقية منذ اللحظة الأولى لذلك الصباح التموزي المتميّز، حين اصطحبه صديقه الملازم عبد الكريم جاسم إلى دار الإذاعة ليتعرّف على العقيد عبد السلام محمد عارف، وليبدأ رحلة متميّزة وأثيرة من العمل الوظيفي بالقرب من الزعيم عبد الكريم قاسم بعد أن كان قد تخرّج من دار المعلمين العالية عشية الثورة واستلم شهادته من الملك فيصل الثاني، الذي كان أول الضحايا صبيحة الثورة، وتلك إحدى مفارقات التاريخ.

وشهدت الثورة أحداثاً جساماً منذ لحظاتها الأولى، لاسيّما بتصفية العائلة المالكة وما رافق ذلك من أعمال عنف طالت بعض رموز العهد الملكي، مثلما حصل للأمير عبد الإله الذي تم سحله، ثم علّقت جثته في منطقة الكرخ قرب جسر الشهداء، وبعدها تم تقطيع أوصاله في مشهد سادي شديد الوحشية ولا مثيل له، وجثة نوري السعيد التي حصل لها ما حصل للأمير عبد الإله، وذلك بعد يومين من انتصار الثورة (16 تموز/يوليو/1958).

وتركت تلك الأحداث تأثيراتها السلبية على مسار الثورة وتطوّرها والصراعات داخلها، كما أتتها رياح التأثير من خارجها إقليمياً وعربياً ودولياً. وللأسف فإن الثورة دشّنت باكورة أعمالها بالدم، وهو المشهد الذي غطّى على الكثير من منجزاتها وشوّش عليها، ووضعها في حالة دفاع عن النفس، وضاع العديد من المكتسبات في ظلّ ضبابية المشهد وغياب الوحدة الوطنية وتفكك جبهة الاتحاد الوطني .

وبغض النظر عن دموية المشهد واندلاع الصراع الداخلي المحموم فإن الثورة حققت عدداً من المكاسب التاريخية منها الانسحاب من حلف بغداد الاستعماري والمعاهدات غير المتكافئة مع بريطانيا والولايات المتحدة وتحرير العملة العراقية من نظام الكتلة الاسترلينية وإطلاق الحريات في الأشهر الأولى من عمرها، وإصدار قانون الأحوال الشخصية رقم 88 العام 1959، الذي كان خطوة متقدمة لمساواة المرأة بالرجل، وغيرها من الإجراءات التقدمية المهمة، وفيما بعد خطت الثورة خطوات وطنية كبرى مثل تحرير الثروة النفطية من الاحتكارات بإصدار قانون رقم 80 لعام 1961.

ولعلّ تلك الخطوات هي التي دفعت القوى الإمبريالية للإطاحة بنظام قاسم والعمل على تقويض الوحدة الوطنية، خصوصاً بالصراع بين الشيوعيين والقوميين، وكان أحد أوجهه ما حصل في الموصل وكركوك من ارتكابات، وينقل لنا مؤلف الكتاب بعض المشاهد الحيّة من داخل منصة الحكم كما يقال، منها حركة العقيد عبد الوهاب الشوّاف وملابساتها، بما فيها ضيق صدر الزعيم عبد الكريم قاسم من الشيوعيين، وخصوصاً بعد مسيرة الأول من أيار (مايو) 1959 " المليونية" التي رفع بها الحزب شعار "المشاركة بالحكم" بالضغط على قاسم من الشارع، وكانت تلك إحدى مؤشرات تدهور العلاقة بين الطرفين، وانتهاء ما سمّي بفترة "المدّ الثوري" التي استمرّت من آذار (مارس) ولغاية تموز(يوليو)1959.

ولم ينسَ طارق وهو يتناول بعض منجزات الثورة أن يستعيد تلك الثنائية التي تكاد تكون متلازمة سلباً أو إيجاباً بين اليسار الماركسي واليسار القومي، فكل حديث عن اليسار يتفرّع حتى دون رغبة في ذلك إلى شق ماركسي وآخر قومي، وإن اتسمت علاقتهما بحساسية خاصة شابها في معظم الأحيان منافسة مشروعة وغير مشروعة، أخذت بُعداً إقصائياً وإلغائياً وتهميشياً، ولاسيّما بعد ثورة 14 تموز(يوليو) 1958، وقد حاول أن يتوقف عند العديد من محطاتها المعلومة وغير المعلومة، وأن يستذكر أحداثها بما لها وما عليها، بحلوها ومرّها، محاولاً أن ينظر إليها بعد تلكم السنون بشيء من الموضوعية والإنصاف والتجرّد.

وكانت تلك الثنائية العجيبة بين اليساريين تسير في طريق شاق ومرهق ووعر، انتقل من التحالف إلى الاقتتال، ثم إلى التحالف والاحتراب مرّة أخرى، ومن الصداقة والتضامن والعمل المشترك إلى التشكيك والاتهام والتخوين، ومن التقارب في الأهداف إلى التباعد في الوسائل، ومن المُشتركات إلى المُختلفات، وهو الأمر الذي كانت خسارته فادحة على الإثنين وعلى الدولة والمجتمع في العراق الذي دفع ثمنه باهظاً.

III

وللأسف فإن العزل السياسي اتخذ أشكالاً مختلفة في العراق، ففي العهد الملكي كانت القوانين ذات العقوبات الغليظة قد خصّت الشيوعيين بالتأثيم ومنه إلى التحريم والتجريم، لاسيّما بعد قيام حلف بغداد العام 1955، ولكن في العهد الجمهوري الأول وحين هيمن الحزب الشيوعي على الشارع، ولاسيّما بعد حركة الشواف (آذار/مارس/1959) اتخذ من الإرهاب الفكري وسيلة ضد خصومه القوميين والبعثيين (حلفاء الأمس) الذين رموا كل بيضهم في سلّة جمال عبد الناصر الذي صعّد من عدائه لنظام عبد الكريم قاسم، مثلما حاولت القوى الإمبريالية وحلفائها العمل بكل ما تسنى لها لإعادة حصان تموز (يوليو) الجامح إلى "الحظيرة ".

وحين وصل حزب البعث العربي الإشتراكي إلى السلطة بعد الانقلاب الدموي في 8 شباط (فبراير) 1963، انتقم من الحزب الشيوعي، بل أصدر بياناً برقم 13 من مجلس قيادة الثورة (المجلس الوطني) شرّع فيه إبادتهم، وشهدت مقرات الحرس القومي ودوائر الأمن ومراكز الاعتقال حملات غير مألوفة من حيث الحجم وأساليب التعذيب والتفلّت من القوانين، ناهيك عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وتراجع عن منجزات الثورة.

أما في العهد الجمهوري الثالث (العارفي) فقد احتكر التنظيم الوحيد "الاتحاد الاشتراكي العربي" حق العمل الحزبي القانوني والشرعي، وتم تحريم العمل السياسي للشيوعيين والبعثيين والحركة الكردية .

وبعد انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 (الجمهورية الرابعة) ومجيء حزب البعث مجدداً إلى السلطة، شهدت البلاد انفراجاً نسبياً والتأمت بعض التحالفات المؤقتة والقلقة، حسبما بيّنت التجربة بين حزب البعث والحركة الكردية (1970) وبينه وبين الحزب الشيوعي (1973)، لكنها سرعان ما تهاوت، وكان العمل شبه العلني مجرد اتفاقات فوقية لم ينظمه قانوناً للأحزاب.

وظل حزب البعث يتحكم بمقاليد الأمور ويقبض على جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وفقاً لصيغة "مجلس قيادة الثورة" المقرّة دستورياً، وكانت القوى التي تحالفت معه قد ارتضت به قائداً للدولة والمجتمع والسلطة السياسية ولصيغة تحالفاتها، فاستدار بالبلاد سريعاً نحو احتكار العمل السياسي والنقابي والمهني وتحريمه على الجميع، واتخذ قرارات بالقضاء على خصومه، حيث أصدر قراراً من مجلس قيادة الثورة بتحريم حزب الدعوة (العميل) كما ورد في النص في 31 آذار/مارس 1980، مثلما اتخذ قراراً (داخلياً) بتحديد العام 1980 موعداً للقضاء على الحزب الشيوعي، وامتدت إجراءاته التعسفية تلك إلى داخل حزب البعث نفسه فأطاحت ببعض قياداته في مجزرة قاعة الخلد الشهيرة العام 1979.

وللأسف فإن حكومات ما بعد الاحتلال استمرت، في منهج تحريم العمل السياسي على الخصوم، حيث اعتمد قرار الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر بتحريم حزب البعث بالقرار رقم 1 في 16 أيار (مايو) 2003 القاضي باجتثاث البعث، والذي استمر لحين صدور قانون المساءلة والعدالة وهو قانون أقره البرلمان العراقي في 12 كانون الثاني (يناير) 2008 بديلا لقانون اجتثاث البعث، ويتضمن إجراءات أقل صرامة تجاه أعضاء المراتب الدنيا من الحزب.

ولم تستفد القوى السياسية جميعها من الدرس التاريخي والتجربة المريرة التي عاشتها. وكلما جاء عهد حتى انتقم من سابقه، وهكذا استمرّت دورة العزل السياسي وتلك التركة الثقيلة في العهود المتعاقبة والمستمرة حتى تاريخنا هذا .

ولعلّ هذه الفقرة الاستدلالية لها علاقة بمذكرات طارق يوسف اسماعيل، فما أن يأتي بحادثة تخص أحد الفريقين اليساريين إلّا ويكون الفريق الثاني حاضراً فيها اتفاقاً وإن كان قليلاً واختلافاً في الغالب، ولاسيّما عقب ثورة 14 تموز/يوليو 1958 التي يعتبر المؤلف أحد شهودها والحاضرين فيها، بل ويمكن اعتبار ما يرويه من مؤرخيها .

وعلى الرغم من صغر سنّه وبداية تجربته الإدارية، لاسيّما بالقرب من الموقع الأول في الدولة، إلّا أنه لعب دوراً مهماً فيها حتى وإن كان موقع تنفيذي، لكنه كان قريباً من صاحب القرار ومؤثراً فيه، مع أنه لا يدعي ولا يزعم ذلك تواضعاً، لكن بعض تلميحات أو إشارات يأتي عليها بسرعة، إلّا أن دلالاتها كبيرة بالنسبة لكاتب السطور وأظنّها ستكون للقارئ والمتابع حين نستعيد عفوية تلك الأيام وبساطتها وحميمية أطرافها، مؤسسات وقوى وأفراداً، وهو ما سيكتشفه قارئ هذه المذكرات الشائقة.

IV

كنتُ أتابع ما يكتب طارق اسماعيل قبل أن ألتقيه، وكان قد درس في النجف في متوسطة الخورنق، أما الثانوية فقد أنهاها في الحلة، مثلما عاش مع عائلته في أبي صخير الذي كان عمي د. عبد الأمير شعبان طبيباً فيها، وكنا نقضي بعض أوقات العطل وأيام الأعياد عنده، علماً بان والد طارق عمل في سلك الشرطة وتولّى مناصب عديدة معظمها في الفرات الأوسط في الكوفة وسدّة الهندية والسماوة والرميثة، إضافة إلى أبي صخير.

وكان والده قد تخرّج من مدرسة الصنائع، وكما يقول عنه طارق كان قريباً من الحركة الوطنية، حيث كان يتعاطف مع حزب الإخاء الوطني وجماعة الأهالي لاحقاً، ثم اقترب من " الحزب الوطني الديمقراطي" وإنْ احتسب على الشيوعيين بعد الثورة، لكنه لم يمارس العمل السياسي ولم ينخرط مع أي مجموعة سياسية، ومع ذلك أحيل على التقاعد بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963، وكان طارق متأثراً بجدّه اسماعيل الضابط في الجيش العثماني مثلما تأثر بوالدته الكردية التي يتحدث عنها بإعجاب كبير، وبقدر اعتزازه بنسبه الحسيني الذي تعود أصوله إلى اليمن، فهو " مشبّك العروق" حسب تعبير الجواهري الكبير عن نفسه لتداخله مع سلالات وأقوام عديدة، ومن هنا ينبع شعوره الإنساني، باحترام الخصوصيات والهويّات الفرعية، الدينية والإثنية واللغوية.

ومثلما كنت أتابع طارق، فهو الآخر كان يتابع ما أكتب، ووجد كل منّا "شراكة" مع الآخر كما عبّر عن ذلك في مقدمة هذا الكتاب، لاسيّما في بعض الاستنتاجات والآراء، خصوصاً وأن الخلفية الأكاديمية والوطنية العراقية هي التي تجمعنا، وخلال لقاءاتي العديدة مع طارق في لندن والقاهرة وأنقرة وبيروت وغيرها، وفي مؤتمرات متعدّدة لجامعات ومنتديات فكرية مختلفة، إضافة إلى الرابطة الدولية للدراسات العراقية التي عمل على تأسيسها، كنت في كل لقاء أسمع منه بعض ما اختزن في زوايا ذاكرته من علاقة مع قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم الذي عمل بصحبته، إضافة إلى علاقاته مع العديد من قياداتها والزعامات السياسية والفكرية والثقافية، دون أن ننسى أنه عمل في العديد من الصحف وفي الإذاعة وفي الإعلام، وما كان مشوّقاً حقاً، هو بعض الصور التي حفّزته أسئلتي على استحضارها، في لقاء الجامعة الأمريكية في القاهرة في العام 2015.

وكنت في كلّ مرّة أحثّه وأطالبه، بل ألحّ عليه بتدوين مذكراته، وهو ما حصل بعد تردّد وعناء، وحين أكمل كتابتها وأرسلها إليّ لكتابة مقدمة لها، وبعد الانتهاء من قراءتي لها وجدتها غنيّة وشائقة، بل أكثر عمقاً وثراءً مما كنت أتوقّعه، فضلاً عن موضوعيتها، ولعلّ طول المران وكثر المراس على العمل الأكاديمي جعلته أكثر عدالة واعتدالاً، خصوصاً وهو ينطلق من وطنية صافية وروح إنسانية نقية، وتلك إحدى صفاته الشخصية والعامة، ناهيك عن تسامحه ومرحه، وطارق اسماعيل ليس من النوع الذي يحبّ الظهور والمباهاة، بل هو شديد الحرص على تقديم أهم وأكبر الأشياء بطريقة مبسّطة، فالأشياء البسيطة هي الأكثر تميّزاً وطبيعية .

وبعد أن التهمت عيوني حروفه الفضّية شعرت بكل بساطة بأنني أمام إنسان كبير بسجاياه الشخصية ودماثة أخلاقه وغزارة علمه، فالإنسان حين يكون كبيراً يزداد تواضعاً، وذلك هو علو الشأن الحقيقي وارتفاع الكعب دون شعور بالتبجّح وادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، فقد قرأت نبرة طارق اسماعيل القوية لكنها دون صخب أو ضجيج، الواثقة دون تكبّر، فهو لم يرفع صوته أو ينسب أمراً إليه، بل حاول أن ينقل ما رآه وشاهده وسمعه وعاشه، حين كان قريباً من موقع الثورة الأول، وكأني به أستذكر جلال الدين الرومي الذي يقول " اخفض صوتك، فالزهر ينبته المطر، لا الرعد".

لقد حاول طارق أن يستذكر بعض ما حدث ومن موقع الرائي والمشاهد والشاهد وأحياناً من موقع المشارك، واكتفى في أحيان أخرى بلغة المؤرخ وتدقيق الباحث ومسؤولية الساعي للوصول إلى الحقيقة، خارج دائرة الآيديولوجيا والانحيازات الجاهزة والأحكام المسبقة، ويقول في مقدمته التي وزعها على ثلاثة أقسام :

الأول- تمهيدي يستعرض فيه كيف راودته فكرة كتابة ما يسمّيه بـ "الإرهاصات"؛      والثاني- يتناول فيه بألم أوضاع العراق بعد الاحتلال ويطلق عليه "العزيز الذي مات"، وهو الأمر الذي خبا بعد أن كان الحلم حاضراً في الإتيان بنظام يضع حدّاً للدكتاتورية والاستبداد، ويعيد للعراق وجهه المشرق كأحد شعوب الأرض المتميزة التي علّمت البشرية أولى حروف الأبجدية وعلوم القانون والفلك والطب وغيرها من دُرر الحضارة الإنسانية، وإذا به ينجرف نحو الطائفية البغيضة ونظام يقوم على الزبائنية والمغانم في إطار محاصصة مذهبية - إثنية وفي ظل احترابات خارج دائرة المواطنة ومرجعيات فوق مرجعية الدولة.

والثالث - استعاد فيه الحديث عن أوراق ضائعة وعنونه: "أيامي في بغداد"، وحاول فيه أن يجيب لماذا هذه الخواطر؟ ويسميها "خواطر" بعد أن أسماها "إرهاصات"، حيث يقول " وكنت قد تجنّبت الولوج في عالم السياسة خوفاً من أن اختصاصي الدقيق سيدفعني إلى تحليل سلوك البشر ومحاولة فهم مكنونات صانعي القرار، فضلاً عن فهم التراث والثقافة التي تتحرك فيها تلك الكائنات، فوجدتني أشعر بالحيرة وأنا أحاول أن أكون منصفاً وعلمياً" وهي حيرة الباحث الموضوعي، ولعلّه حسب ابن عربي:

الهدى بالحيرة

والحيرة حركة

والحركة حياة

لم توهن غربة طارق اسماعيل، التي زادت على نصف قرن، من روحه الوطنية الوثّابة وتعلقه بكل ما له صلة بالعراق، وكان أحياناً وعند منتصف الليل يتصل بي ليسأل عن خبر سمعه، أو ليتأكد عن حدث ما، أو ليدقق معلومة، أو ليسأل عن كتاب أو بحث أو ليلفت نظري إلى قضية ما أو مسألة مهمة، وسرعان ما يدرك "أنني كائن صباحي" وليس "كائناً مسائياً" أو " ليلياً"، فيستدرك ليغلق السماعة سريعاً، وليكتب لي ما يريد، فأجيبه قدر معرفتي ومستطاعي في اليوم التالي، وهكذا كانت الصلة والعلاقة خلال ربع القرن الماضي.

وإذا كانت المذكرات قد احتوت على زفرات من الإنفعالات والهموم التي ترك لقلمه أن يضعها على الورق، فهي ليست سوى آلام وعذابات لرجل ظلّ قلبه على وطنه في أحلك الظروف ولم يتوانَ رغم كل شيء من تقديم ما يستطيع له، وهو في الغربة، بغض النظر عن مواقفه وآرائه، وكم كان مفيداً لو استفادت الحكومات المتعاقبة من الكفاءات العراقية، خارج دائرة التصنيف المسبق الصنع الذي كان "الجميع" ضحاياه، وتنقّل بين نعيمه وجحيمه، وآن الأوان لإدراك هذه الحقيقة، وكل تجربة بنقدها، لأنه دون النقد لا تقويم حقيقي ولا معالجة للعيوب والمثالب والأخطاء، فما بالك إذا كان بعضها خطايا وآثام .

V

حين نشر طارق كتابه عن الحزب الشيوعي العراقي أبديت له بعض الملاحظات الانتقادية وتقبّلها برحابة وسعة صدر، خصوصاً ما يتعلّق ببعض خلافات الحركة الشيوعية من داخلها، لاسيّما سنوات السبعينات والثمانينات والموقف من الحرب العراقية - الإيرانية، وحركة المنبر الاحتجاجية، واستعاد بعضها بشغف بعد إصدار كتابي " عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل" - 2013 وقام بعدها بإجراء مقابلات معي ودوّن ذلك في مقالة مهمة له باللغة الانكليزية، اقتبستها لأعيد نشرها في كتاب يصدر لي عن بعض قضايا الخلاف في الحركة الشيوعية.

وطارق اسماعيل وإن لم ينتم يوماً إلى الحركة الشيوعية، لكنه يكّن لليسار احتراماً خاصاً، لأنه يراه يمثل القوى الأكثر مدنية وتحضراً وثقافة وحبّاً للحياة والجمال والعمران ومناهضة الاستغلال والدعوة للمساواة والعدالة الاجتماعية، خصوصاً وإن القسم الأكبر من صداقاته القديمة كانت مع مفكرين وأكاديميين ومثقفين يساريين وتزخر المذكرات بأسماء عديدة مثل بلند الحيدري وبدر شاكر السياب ويوسف العاني وخالد الجادر وابراهيم جلال وفؤاد التكرلي وسليم الفخري وابراهيم كبه وحسين مردان، لكن ذلك الموقف الشديد الاحترام لليسار العراقي، لم ينسه بعض أخطائه، بل حاول أن يذكّر بها، ولعلّ الخطأ الأكبر عنده هو موقف الحزب الشيوعي من الاحتلال الأمريكي والتعاون مع مجلس الحكم الانتقالي، وحسب رأيه إن ذلك أضعف الحزب الشيوعي، فما الذي سيتبقى من الماركسية؟

ويكتب باعتزاز عن تاريخ الحزب الشيوعي الذي يقول عنه إنه شق طريقه في النشاط الطليعي خلال القرن العشرين كلّه، ودعا إلى دولة عصرية مستقلة واتخذ مواقف سياسية رصينة وطرح قضايا اجتماعية واقتصادية جذرية وقدّم حلولاً ومعالجات مهمة، وقاد تحركات شعبية كبرى وعبّأ الجماهير للدفاع عن حقوقها، لكن موقفه من دعوة بول بريمر الانضمام إلى مجلس الحكم الانتقالي عصفت بتلك التجربة والدور الطليعي الذي قام به.

وبالعودة إلى تقييمه الإيجابي للفكر اليساري الماركسي ولعمل الحركة الشيوعية فإن كتابه يعدّ مرجعاً للحركة الشيوعية، بل لا غنى عنه، وقد استعرض فيه تاريخ الحركة منذ التأسيس وحتى السنوات الأخيرة، ما قبل الاحتلال وما بعده. وقد استكمل ذلك بمقطع مهم عن حركة المنبر، نشره في مجلة المستقبل العربي، العدد 439، أيلول ( سبتمبر)، 2015 تحت عنوان "حركة المنبر الشيوعية: بين التبشير والتنوير!"

وكنت قد عرّفت بهذه المقالة بالقول" أعتقد أن ما كتبه د. طارق اسماعيل سيسدّ فراغاً في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية المدوّن وغير المدوّن ولحقبة مهمة من تاريخ العراق، وتأتي هذه الدراسة، بعد نحو ثلاثة عقود من الزمان على انطلاقة المنبر، وبعد نحو ربع قرن على توقف عملها، لتكشف بالوثائق تفاصيل حركة المنبر وتسلّط الضوء على منطلقاتها ومطبوعاتها، كجزء من تاريخ الحزب الشيوعي، وذلك خدمة للحقيقة والتاريخ."

وقبل أن أنهي هذه الفقرة وأنا أعرّف بالكتاب والمذكرات وبالمؤلف أنقل ما ذكره ثلاثة من الخبراء بشأن كتاب طارق اسماعيل عن الحزب الشيوعي :

تقريض كلين رانكوالا - كلية ترنتي - كامبرج

دوّن طارق اسماعيل تأريخ قيّم للفكر السياسي التقدمي العلماني للسنوات المئة الماضية، من خلال التحليل المنسجم والدقيق والمحايد، كيف أن حزباً جماهيرياً بمثله العليا وبالتصاقه بآمال وتطلعات الجماهير، قد تفسّخ تحت ثقل الاضطهاد والظلم والسياسة الدولية وحماقات قادته.

واطلعنا اسماعيل على التركة الفكرية الهامة والحيّة في ضمير الشعب العراقي، تعي جيداً بأن السياسة هي ليست ببساطة الخيار بين طغيان صدام حسن والاحتلال الأمريكي.

 

تقريض جارلس تريب- جامعة لندن

إنه عمل يعج بالحراك والتفاصيل عن صعود وسقوط الحزب الشيوعي العراقي. لقد لامس البروفسور اسماعيل النضالات والصراعات الفكرية التي واجهت العراقيين الذين أصرّوا على تغيير الظروف الاجتماعية المتردية لمواطنيهم وعلى تخليص بلدهم من السيطرة الخارجية، لتأسيس حكم ديمقراطي اشتراكي.

أظهر هذا العمل إلى العلن المعارك الأيديولوجية والفكرية للحزب الشيوعي العراقي، من خلال سلسلة من المقابلات مع عدد من الذين عايشوا النضال ومن مذكرات آخرين فضلاً عن أدبيات ووثائق الحزب ومصادر صحفية .

أظهر هذا البحث، المأزق الذي وصل إليه الحزب الشيوعي العراقي، بحيث لم يكن بإمكانه أن يتساوق لا مع قوة دولة عدوانية ولا مع الكفاءة التعبوية لمناصريه مما أجبره على المساومة التي هدّدت كيانه ووجوده.

تقريض أريك ديفز- جامعة روتجرس

إنه أول دراسة باللغة الإنكليزية عن الحزب الشيوعي العراقي، الذي هو واحد من أكثر الأحزاب السياسية قوة وشهرة في العالم العربي . باعتماد مصادر عديدة ومقابلات مكثفة لعراقيين ذوو خبرة عميقة في معرفة الحزب، فإن البروفسور اسماعيل أظهر لنا كيف أن الحزب قد جذب أعضاء كان اهتمامهم بالماركسية أقلّ من تأكيدهم على العدالة الاجتماعية وعلى معاداة الطائفية.

لقد أظهرت هذه الدراسة أن موقف الحزب الشيوعي العراقي من المناطقية والطائفية، جعلت منه الحزب الجماهيري الوطني الحقيقي الوحيد بين الأحزاب الجماهيرية الأخرى. كما أنه بيّنت أن الحزب الشيوعي العراقي قد استمر في نهجه بالتعاون فيما بين كل العراقيين من مختلف الانتماءات الإثنية في نظام ما بعد البعث.

وأود هنا أن أعرّج على ما دوّنه القيادي الشيوعي العراقي السابق حسقيل قوجمان بشأن انطباعاته عن كتاب طارق اسماعيل، الذي يعتبره أفضل كتاب يعبّر عن تاريخ الحزب الشيوعي تعبيراً صادقاً، ويشدّد على كونه أروع ما كُتب ويدعو لترجمته للغة العربية (موقع الحوار المتمدن، 24 أيلول/سبتمبر/2009)، وكنت قد ذهبت بذات الاتجاه حين اعتبرت كتاب طارق اسماعيل من أهم الكتب عن تاريخ الحركة الشيوعية .

ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أن تاريخ الحزب ليس من السهولة كتابته أو اختزاله أو حصره بمرجعية واحدة ووحيدة فهو متنوّع ومتشعّب وعويص، علماً بأن المؤتمر الثاني للحزب (العام 1970) قرر تكليف لجنة لهذا الغرض، لكن هذه المهمة لم يتم انجازها وهو ما يذهب إليه عبد الرزاق الصافي، على الرغم من تكليف رسمي لـ عزيز السباهي لاحقاً وتوفير المستلزمات الضرورية لقيامه بهذه المهمة، لكن ما أنجزه حتى وإن كان يمثّل الجناح الرسمي، لكنه كان يمثّل في الوقت نفسه وجهة نظر خاصة، وسرعان ما وردت عليه ردود فعل وملاحظات حادّة وشهد شدّاً وجذباً، حتى أن أحد إدارييّ الحزب السابقين كتب كتاباً تضمن قراءة نقدية لكتاب السباهي، وعنوان الكتاب الأول "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" وصدر عن مجلة الثقافة الجديدة، العام 2002، أما الكتاب الثاني فقد حمل عنوان " قراءة في كتاب عزيز السباهي" وصدر في العام 2007 وهو من تأليف جاسم الحلوائي.

وبتقديري إن ثلاث جهات حاولت كتابة تاريخ الحزب ولكل أغراضه:

أولها - حزبية من داخل الحزب أو كانت قد عملت في صفوفه ومن هذه الكتابات كتابي سعاد خيري وزكي خيري وهما " فهد والنهج الماركسي - اللينيني في قضايا الثورة، بغداد 1972". أما الكتاب الثاني فهو " دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، دمشق، 1984"، وكتابات ابراهيم علّاوي (نجم محمود)، وخصوصاً كتابيه " الصراع في الحزب الشيوعي العراقي وقضايا الخلاف في الحركة الشيوعية" و" الخلاف السوفيتي - الصيني وأثره على الحزب الشيوعي العراقي"، وهناك كتابات أخرى لبعض إداري الحزب السابقين ويمكن الإشارة هنا إلى كتاب نصف قرن من النضال الوطني والطبقي الصادر عن منشورات الحزب الشيوعي، القيادة المركزية، العام 1984.

وثانيها- مؤلفات أكاديمية من خارج الحزب، بما فيها بعض أطاريح الماجستير والدكتوراه وأهمها كتاب حنّا بطاطو عن العراق وهو يتألف من 3 أجزاء، وقام بترجمته عفيف الرزّاز، خصوصاً الجزء الثاني الموسوم " الحزب الشيوعي" ط2، 1996 والجزء الثالث المعنون " الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار"، ط2، 1999، وصدر عن مؤسسة الأبحاث العربية، وقد خصص جزءًا مهما منها لتاريخ الحركة الشيوعية وأجزاء اتصالات بعدد من إداري الحزب السابقين، كما اطلع على وثائق الأمن العام والتحقيقات الجنائية السابقة.

وثالثها- ما كتبه بعض المعادين للحزب الشيوعي والشيوعية أو المرتدين عليه، وأهم الكتب في هذا الميدان كتاب سمير عبد الكريم، وهو اسم وهمي وصدر لدار نشر وهمية، ويبدو أن أجهزة المخابرات العراقية هي من قامت بترويجه مع مجموعة كراريس أخرى في أواخر السبعينات والثمانينات وما بعدها. وكتاب مالك سيف " للتاريخ لسان" الذي صدر في العام 1983، وورد في مقدمته أنه ذكريات وقضايا بالحزب الشيوعي منذ تأسيسه حتى تاريخ صدوره .

ويأتي كتاب طارق يوسف اسماعيل ليسدّ نقصاً كبيراً في المكتبة العراقية بشكل عام واليسارية بشكل خاص لما احتوى عليه من معلومات وتدقيقات وما قام به من جهد بإجراء مقابلات حيّة، فضلاً عن موضوعيته، حيث استند إلى المواقف المختلفة من مصادرها الأصلية وعلى لسان أصحابها، لذلك يستحق مثل هذا الاهتمام الكبير، علماً بأن طبعته الجديدة ستتضمن إضافات ومعالجات ووثائق لبعض قضايا الخلاف لم يتم التطرّق إليها في الطبعة الأولى كما وردت الإشارة إليه، وهو ما يعدّه للطبعة العربية حالياً.

VI

كان طارق اسماعيل تلميذاً نجيباً لعلي الوردي وعلي جواد الطاهر، اللذان كانا من أوائل الذين أثرّوا في مشواره الأكاديمي الطويل والعويص والمتشابك، وحاول بما اكتسبه من معارف وعلوم لاحقة أن يتبع منهجاً وضعياً تاريخياً في تناول الأحداث الاجتماعية، بما يعطيها دلالات أكثر حيوية، بل يجعلها أكثر اقتراباً من نبض الحياة ذاتها، ومثل هذا المنهج استخدمه في علوم السياسة والعلاقات الدولية، التي درّس فيها في العديد من الجامعات العربية والأجنبية، في الولايات المتحدة وكندا والجامعة الأمريكية في بيروت والقاهرة وجامعة بغداد كأستاذ زائر.

ووفاء منه لذكرى علي الوردي فقد بادر في إطار الجمعية الدولية لدراسات الشرق الأوسط والرابطة الدولية للدراسات العراقية المعاصرة وبالتعاون مع الجامعة الأمريكية في بيروت AUB إلى تنظيم مؤتمر للاحتفال بمنجز الوردي بمناسبة مرور 100 عام على ميلاده حضره عشرات من الباحثين والأكاديميين (25-26 فبراير/شباط 2014).

ولعلّ مذكّراته التي حاولتُ تأطير الحديث عن بعض زواياها فكرياً والانطلاق منها لمناقشة بعض أوضاع العراق، تحمل الكثير من القصص والحكايات والأحداث، ولذلك سأكتفي بهذا القدر وأترك للقارئ فرصة الاستمتاع بها، بل والاندهاش بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني، وسيكتشف عالماً غنياً ومثيراً في آن، وسيكون الأمر أكثر دهشة وانبهاراً للجيل الجديد الذي لم يعش تلك الفترة الخصبة من تاريخ العراق بما فيها صراعاتها بكل ما لها وما عليها . ولعلّه حتى أخطاء ونواقص تلك الأيام على حجمها وضخامتها، إلّا أنها كانت صميمية تعبّر عن اجتهادات ومواقف لقوى وتيارات أخطأت في اختيار الطريق الصحيحة.

"فعراق اليوم ليس هو عراق الأمس الذي عشته" كما يقول طارق، وهو على حق، وأهله اليوم ليسوا أولئك الذين عرفتهم وعشت بينهم، كما يذكر في خاتمة مذكراته، ويقول "أجزم بأن ما كان يُدعى "عراقاً" لم يعد موجوداً، فقد حاول الغزو الأمريكي ومن جاء معه " اختطاف الوطن" وتعريضه للقضم والتفتيت واغتيلت صورة العراق موطن الثقافة وأساس الجذور الأولى للبشرية، خصوصاً حين عمّ الحقد وتفشت الكراهية وسادت الطائفية وانتشر الكثير من مظاهر التعصّب والتطرّف والعنف مصحوبة بالكذب والدجل ..."

بذلك يختتم طارق مذكراته التي أرادها لأحفاده بهذه اللغة المؤلمة، حيث يرى "تجار السياسة " وهم يتصدّرون المشهد العام، علماً بأن للتجارة أخلاقها ومقاييسها وقوانينها وأصولها ووسائلها المعروفة، لكن ذلك لم يكن يأساً منه، بل تعبيراً عن واقع مأساوي " لأن من أفجع ما تبصره العيون / وجوه أولادي حين يعلمون" كما ورد من نفثة حزن من الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدته "الزائر الأخير".

كتب طارق بقلب حار فاستحضر التاريخ ليعطينا العبرة والدلالة، ففاض فيه، ولأن التحقّق والامتلاء مصدره ذاتي وعفوي، فقد طفح بالوطنية، وتلك في كل الأحوال "إرهاصات" و"خواطر" أكاديمي وعالم اجتماع وتاريخ وسياسة وأخلاق، هي كل رأسماله، إضافة إلى صداقاته في رحلته الشائكة فـ" ليس من رحلة أشقّ من العودة إلى العقل" حسب الشاعر والكاتب المسرحي الألماني برتولت بريخت .

 

 بقلم: عبد الحسين شعبان

 مفكر وباحث عربي من العراق

 

1230 الاستهواد العربي (كتاب يؤسّس للدراسة العلمية لليهودية)

 شكّل الارتباط المتين للنصّ القرآني بالنصّ التوراتي، سواء في المجالات العقدية أو التشريعيّة، إضافة إلى تجارب التعايش الاجتماعي المبكّرة بين أبناء الملّتين، الإسلامية واليهوديّة، مرجعيّة ثريّة للفكر الإسلامي الكلاسيكيّ وللفكر العربي الحديث في معالجة الظّاهرة اليهوديّة. وبفعل ثقل التاريخ واستفزاز الوقائع، وما نجم عنهما من تطوّرات، جرّاء تغيّر بنية الخارطة السياسيّة للعالم العربي، بتأسّس دولة عبريّة تستلهم وجودها الحضاريّ من المقاصد العامّة للتراث التوراتي، تأتّى انشغال الفكر العربي المستجدّ باليهوديّة واليهود. فكان الاهتمام بهذا المعطى، بالقدر الذي يثيره الماضي فإن الحاضر يستلزمه، انجرّ عن ذلك تراكم قائمة مرجعية دراسيّة هامّة في المكتبة العربيّة، انشغلت بهذا الحقل، تمازج فيها الإيديولوجي بالعلميّ والدينيّ بالسياسيّ.

جاء اهتمامنا بالمقاربة الدينيّة لليهوديّة في الفكر العربي، خلال النّصف الثّاني من القرن العشرين، ضمن هذا الانشغال، فما هويّة هذه المقاربة؟

إنها نظريّة فكر ومنهجه إلى فكر آخر، سائرة بحسب منظومة تعقّل مسلَّطة على حقل المقدّس في دين محدّد، أطلقنا عليها تسمية الاستهواد. رُمنا من خلالها متابعة محاولات التفهّم الدّائرة في حقل الديني والمقدّس، الساعية لفهم الظاهرة اليهوديّة، بغية الغوص في مدلولات تشكّلها وخفايا رموزها. فالمقاربة الدينية محاولة لحصر الموضوع في حقل الفكر الديني، وإن دعت الحاجة إلى الاستعانة بمناهج حقول أخرى، تاريخية وسوسيولوجية، لمتابعة المسار اليهودي العام. وقد تمّ تحديد مجال هذه المقاربة بالفكر العربي، وبالنصف الثاني من القرن العشرين، لضرورات منهجية.

أوّلا: حتى يتيسّر حصر الأدبيّات والرّؤى والأفكار المعنيّة، لتقديرنا أن الإنتاجات العربيّة تهون متابعتها على الباحث الفرد، وتتعذّر لو وسِّعت إلى مجال الفكر الإسلامي، لامتداد حيزه خارج اللسان العربي، إلى لغات أخرى، كالأردية والتركية والفارسية وغيرها، وهو ما يتطلّب طابور باحثين.

ثانيا: اِلتزامنا بالنّصف الثّاني من القرن العشرين لاعتبارات عدّة، منها انخراطنا في الإشكاليات المطروحة على فكرنا الحديث أساسا، ولما عرَفه الإنتاج العربي الحديث في هذا المجال، من تراكم كمّي وكيفي مع هذه الفترة، حيث بدأ التخصّص يؤسّس هويّته واستقلاليته في ميدان اليهودية؛ إضافة إلى قناعتنا أنّ دراسات الأديان، في أبعادها التاريخية والاجتماعية، لا تجد فاصلا في تداخلها مع الحديث والحاضر، فالخطّ الرابط متّصل لا منفصل، إذ "تاريخ الأديان" جدّ مرتبط بـ"حاضر الأديان".

أما عن هيكلة البحث فقد أتت كالآتي: اهتمّ الباب الأوّل بالفكر العربي واليهودية، الذي عالجنا في مستهلّه دواعي الانشغال باليهودية في الفترة الحديثة، مشيرين في ذلك إلى المنشأ السياسيّ لحقل هذه الدراسة، ولِما للمسألة الفلسطينية من دفع للاهتمام بالإسرائيلي وبعث اليهودي الهاجع في الذاكرة الإسلامية المبكِّرة. وكان لزاما للإحاطة بما يميّز الفكر العربي الحديث المرور عبر الرّدود الإسلامية الكلاسيكيّة تجاه اليهود واليهوديّة، والتي كان الانشغال بها في الفصل الثاني، من خلال حصر منطلقات هذه المدرسة، وشواغلها، وآليات دراستها وأهدافها.

ثم في فصلٍ لاحق من هذا الباب، حاولنا تحديد مدارس قراءة اليهودية في الفكر العربي الحديث، فضُبِطت خصائص كلّ من التيّارين: الدعويّ والنقديّ، اللّذين تزعّما الانشغال بهذا المبحث.

أمّا الباب الثاني، فقد انشغل بسفر التوراة من منظور الرّؤى العربية المختلفة، فقد عرِضت فيه النظريّة العربية حول تشكّل التوراة، فجاء الفصل الأوّل مدخلا تعريفيّا بالتّوراة، تلاه فصل ثان اهتمّ بقراءة التوراة، حصرت فيه تنوّعات المناهج، مع تعريف بالقراءتين المباشرة وغير المباشرة، ثم عرّجنا على قراءة المصادر الأربعة في الفكر الغربي، وبعض المبادرات العربيّة في ذلك، كالتي أنجزها د. كمال سليمان الصّليبي . وفي فصل ثالث، تركّز الاهتمام على جمع التوراة وتدوينها، ثم متابعة المسار الذي قطعته من الشفهيّ إلى المدوَّن، وما أثارته هاتان المرحلتان من مواقف لدى الدارسين العرب.

أمّا الباب الثّالث، المتعلِّق بقراءة الإيمان والميثولوجيا التوراتيين، فتمّ فيه عرض الرؤى في الألوهة والنبوّة، وأُردِف بفصل أخير انشغل بالفكر الأسطوري التوراتي، قدِّمت فيه الرّؤى العربية الحديثة للخوارق والمعاجز والعجائب، التي تطفح بها التوراة، وأردفنا ذلك بالحديث عن علاقة التّراث الأسطوري الشّرقي بالأسطورة التوراتية.

أما الباب الأخير والختاميّ، فقد تابع التلمودَ والشّخصيةَ اليهودية. كان التعريف، في جزئه الأوّل، بهذه المدوّنة وبتعامل الفكر العربي معها، باعتبارها نصّا مقدّسا رديفا للتوراة، ودورها في صياغة الشّخصية اليهودية. أما الفصل الأخير المهتمّ بالشخصية اليهودية، فقد كان الانشغال فيه بتعريف اليهودي وتحليل شخصيته، وبالموانع التي حالت دون إرساء مقاربة علمية له.

فبمقتضى الانخراط القسري والإلزامي لهذا المبحث، ضمن ثقافة المواجهة والصّراع ضدّ الصهيونيّة والدّولة العبرية الناشئة، برغم الفاصل الإبستيمولوجي الذي ينبغي أن يفصل بين العلمي والإيديولوجي، جاءت المقاربة العربيّة مصبوغة ومسكونة بهاجس السياسيّ، الذي كان وقْعه كبيرا على مصداقيتها وعلميتها. من هذا المنظور اِرتأينا الالتزام بقراءة تحليلية نقدية لأدبيات تلك الفترة، غاية التقييم والتقويم، عبر عرض مختلف الرّؤى بخصوص اليهوديّة، تشكّلا ونصّا مقدّسا واعتقادا وشخصيّة بشرية. وآليتُ على نفسي الانشغال بهذه المهمّة، التي أقدّر صعوبتها وخطورتها، نظرا لاتساع الحقل وتعدّد مشاغله، التي يختلط فيها الدينيّ بالتاريخيّ، والأسطوريّ بالأثريّ؛ ونظرا لوقوع البحث في حقبة مأزومة وعصيبة تمرّ بها البلاد العربية، سواء مع ما عُرف بصراع المواجهة مع إسرائيل، أو عبر ما يُنعَت بمعركة السّلام الحالية.

كلّ هذه العراقيل عُدّت واهية، أمام قناعتنا ألاّ ولاء للعلمي إلاّ من داخله، وأنّ قيَمه مستمدّة من حرمه لا غير، فكان الحرص على أن يكون النقد من خارج الدوافع الإيديولوجية أو العراقيل القومية. وبفضل ما تيسّرت من متابعة للأدبيّات العربية الدارسة لليهودية والأدب العبري، لم نعثر على دراسة خصِّصت لرصد الرّؤية العربية لليهوديّة في أبعادها الشّاملة، باستثناء دراسة أنجزها الدكتور يوسف مهنّا حدّاد ، لم يسائل فيها الأدبيات العربية صحّتها أو علميتها، وإنّما سعى لعرضها، واقتصر على تقديم المتناثر في شأن اليهودية وإسرائيل، دون تقييم أو تمحيص أو نقد. وبقدر ما نُجلّ عمله التجميعي، فإنّا لا نرى فيه دفعا بالمقاربة العربيّة نحو العلميّة والتصحيح، وهو ما تستلزمه وتحتاجه المبادرات المتناثرة في حقل تاريخ الأديان في فكرنا الحديث.

أما عن المرجعيّة التي استمدّ البحث منها مادّته، فهي ثلاثة أقسام:

- مرجعية كلاسيكية، حاولنا فيها الاطّلاع على ما تيسّر لنا من كتب الرّدود الإسلاميّة، إذ أَمْلت منهجيّة البحث العودة إلى إنتاجات تلك الفترة، حتى يُعايَن مدى الانفصال والاتصال، والتجاوز والإبداع، أو التكرار والانحباس، الذي صبغ القراءة العربية الحديثة لليهودية والتوراة.

- مرجعية عربية حديثة، وهي التي تعنينا بالأساس، جرى تصنيفها حسب خصائص توجّهاتها الفكرية التي تميّزها، وقد حرصنا على اللّحاق بكلّ ما تناول الشّعب العبري والتوراة في الحقبة المحدّدة، حتى ولو كان مدرَجا ضمن المؤلّفات السياسيّة، ونأينا عن الكتب السياسيّة الصّرفة التي تهتم بإسرائيل الحديثة، لابتعادها عن شواغل البحث. ولم يأت تجميع المرجعية الحديثة انتقائيًّا بل شاملا، نظرًا لما يطمح له البحث من إرساء طرح تحليلي نقدي للإنتاجات كافة، الهزيلة منها والجيّدة، العميقة والسّطحية. لم تكن أولويّة لمرجع على آخر، وإنما جاء السّعي لتحليل العقلية العربية في تمظهراتها وتجلّياتها كافة، تجاه الظّاهرة اليهودية، فكان التعامل مع كلّ مرجع بحسب ما تسمح به منهجية البحث ومادته.

- مرجعية غربية، وقد أتت الحاجة إليها لتوضيح بعض الأمور اللاّزمة في بنية البحث، أو لسدّ بعض الفراغات، التي لم تجد معالجة في المؤلّفات العربية، كتحديد تواريخ أنبياء التوراة، وقد أتت ثانوية في البحث.

من جانب آخر، لا شك أن علم الأديان، على اختلاف مباحثه، يؤسّس خصوصيّة منهجيّة بين علوم شتّى، يأبى فيها أن يكون خادما للاّهوت أو الإيديولوجيا، أو تابعا لغيره من العلوم الإنسانية أو الاجتماعية. فهو في حكمه في شأن الظّاهرة الدينيّة أيّا كان نوعها، حريص على تأسيس الانفصال والمسافة بين الذّات والموضوع، إذ بغيته الفهم لا غير. وتقديرنا أنّ التزام الإنتاجات العربية بمنهجية هذا العلم، داعية إلى طرح مراجعة ونقد، شطْرَ ما يُنتَج باتجاه الذّات وما يُنتَج باتجاه الغير، بغية تشييد الأقْوم والأصْوب. وما قمنا به مع المقاربة العربية لليهودية، يندرج ضمن هذه الخطّة الواسعة لهذا العلم، انتهى فيها بحثنا إلى نتائج عدّة، نقدّر أهمّيتها في ما يتعلّق بدراسة الأديان عموما وما يتعلّق باليهودية خصوصا. فقد حملت المقاربة العربية للدّين اليهودي في ثناياها مزاياها ومساوئها، لِما لهذا الحقل من تأثّر جدليّ بالظّرفيات والوقائع، الاجتماعية منها والسياسية، ولِما له من صلة مباشرة مع تطوّر مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية في الفكر العربي.

إذ تُملِي أولى مستلزمات الدّراسات الدينيّة العلمية التمفصل الواعي بين الذّات وموضوع الدّراسة، وهذا الأمر لم يراع إلاّ في القليل مع إنتاجات المقارَبة العربية الحديثة في شأن اليهودية. ويُعَدّ التفطّن لهذا المؤثّر ، بفعل التأثيرات الجليّة لبنى فكريّة وأحداث سياسيّة في دراسة اليهودية، أمرا لازما ومنهجيا للباحثين في الثّقافة العربية والإسلامية، فكلّ عمليّة توظيف أو زيغ، واعية أو لاواعية، من شأنها أن تبعد هذا العلم عن مساره القويم.

من هذا المأتى يحتّم ارتباط المقاربة العربية، في شقّها الدعويّ، بالجانب التراثي في قراءة اليهودية، التنبّه لما مسّ فكر الردود القديم من زعزعة معرفيّة، تتطلّب التجاوز والتواصل، حتى لا تكون الأبحاث مغترِبة ولا تاريخية. فقد عبّرت إشكاليات الدّراسات الكلاسيكيّة عن مستوى لحظتها التاريخية، ما يجعل نتائجها ورؤاها غير مطلَقة الصلوحيّة. فمثلا جَرَف التعاملُ مع الأسطوري واللاّمعقول التوراتييْن، بمنطق الصّدق والخطأ، الموضوعَ إلى مجال ضيّق، في وقت ظهرت فيه مناهج دراسية تتعامل مع الأسطورة بأساليب علمية، أثبتت أهليتها في هذا الحقل، عبر الغوص في منطق الواقعة ودلالتها الخاصة. ومن ناحية المواقف القرآنية في شأن اليهودية واليهود، يُفتَرض ربطها بآليات علوم القرآن، من أسباب نزول، وأوّل ما نزل وآخر ما نزل، وناسخ ومنسوخ، ومطلق ومقيّد، وما شابهها، أي دراسة المدلولات في التّاريخ والاجتماع، حتى يجري استنطاقها بشكل صائب بخصوص الأديان.

أمّا فيما يخصّ ما عاينّاه في شأن مدارس قراءة اليهودية في الاستهواد العربي فنوجزه في التالي: لئن كان الاتّفاق حاصلا بين التيّارين، الدعويّ والنقديّ، حول الإقرار بالتشوّهات اللاّحقة بالنصّ التوراتيّ، فإنّ الاختلاف حادث في شأن المصدرية الأولى، أَإلهية أم تاريخية؟ وبقدر ما كان بحث التيّار الأوّل منصبًّا على التغيّرات الطّارئة على "الكلام الإلهيّ"، كان انشغال الثّاني منحصرا بالتشكّلات المارّ بها النصّ في التاريخ. فالتقاء التيّارين يتمّ عند نقطة التبدّلات والتغيّرات، مع غياب واضح بينهما للنّقد والتّصحيح، إلاّ ما ندر، فأتت الانشغالات بالآخر، من باب أنّ الأمر تقتضيه الضّرورة والحاجة، الدينيّة أو القومية، ووقع التغافل عن أي مراجَعة داخلية، وهو أمر هام ولازم، كان سيعصم من انحرافات منهجية خطيرة واقعة في هذا المجال.

بالإضافة إلى ذلك، تبيّن لنا أنّ المنهج الصّائب في التّعامل مع المعتقدات والتّشريعات اليهوديّة، يستلزم دراسة الظّاهرة في التاريخ لا فوقه. إذ لإدراك مدلولات الإله اليهودي، مثلا، في تمظهراته المختلفة، حريّ متابعته ضمن تحوّلات الاجتماع، الذي تشكّل في طياته وعبره، وبهذا تنزوي مقولات "التحريف" و"الزّيغ" و"الضّلال" اللاّتاريخية لتفسح المجال إلى وعي الظاهرة في عمق تشكّلها وتجلّياتها.

كما لاحظنا أيضا أنّ معالجة الاستهواد العربي لليهودية في الفترة الحديثة، تاريخا ودينا، قد غابت منه عديد المحاور الهامّة، أو جاءت هزيلة ولا تفي بالحاجة، كالاهتمام ببنية التلمود ومضامينه. وربّما تأتّى ذلك جرّاء تأخّر ترجمة هذا السّفر إلى اللّسان العربي، وهو ما جعل اقتحام حصونه أمرا ليس في متناول عامّة الدّارسين. ولأجل أن يُدرَس التّلمود دراسة علميّة، يُفتَرض عدم الاحتكام في شأنه للدّراسات الواسطية والغوص فيه مباشرة. فالتّلمود كما تَبيَّن لنا ليس خزّان شرور -مثلما يُصوَّر خطأ-؛ بل تجلّيات عقلية إنسانية. وأمّا ما يتعلّق بالشّخصية اليهودية فقد خلصنا إلى أنّها ليست جامدة في التاريخ، لذا ينبغي التعامل معها ضمن تبدّلات الاجتماع وتغيّراته، مع عدم إهمال المتخلّد التراثي في تركيبها وتوجيهها.

نقدّر أنّ هذه الاستنتاجات الموجَزة، في شأن منهج الاستهواد العربي الحديث، والواردة في بحثنا بطريقة مفصّلة، ستساهم في إصلاح منهج التعامل مع الآخر وتصحيحه، إذ نقْد المنهج هو سعيٌ نحو علميّة المنهج.

نبذة عن المؤلف

عزالدين عناية، أستاذ تونسي يدرّس في جامعة روما متخصص في دراسات الأديان. صدرت له مجموعة من الأبحاث منها: "الأديان الإبراهيمية"، "نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم"، "الدين في الغرب"؛ فضلا عن عدد هام من الترجمات منها: "تخيّل بابل" لماريو ليفراني، "علم الاجتماع الديني" لإنزو باتشي، "علم الأديان" لميشال مسلان.

 

عنوان الكتاب: الاستهواد العربي.. في مقاربة التراث العبري

المؤلف: د. عزالدين عناية

دار النشر: منشورات الجمل (بيروت)

الحقوق محفوظة للمؤلف لا غير

 

عزالدّين عناية -  استاذ تونسي بجامعة روما

.............................

لتنزيل الكتاب (الروابط التالية):

https://www.kutubpdfbook.com/book/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D9%88%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%B1%D9%8A/download

https://www.kutubpdfbook.com/book/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D9%88%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%B1%D9%8A

https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D9%88%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%B1%D9%8A-pdf

 

عبد الرضا عليصدر هذا اليوم عن (دار كنوز المعرفة) في عَمَّان / الأردنّ، الجزء الرابع من (سؤال في التفسير) للأستاذ الدكتور سعيد جاسم الزبيدي الذي تنطبقُ عليه كما أزعم جملةُ الأقدمين البليغةُ: (هو نسيجُ وحدِهِ) لكونهِ في الدرسِ الأكاديميِّ لا يُشبهُ غيرَه.

وإذا كانت هذه الجملةُ كنايةً عن كونِ الموصوفِ بها متفرِّداً بخصالٍ فريدةٍ محمودةٍ لا تجتمعُ في غيرهِ، فإنَّ الزبيديَّ لكذلك، فهو موسوعيُّ الثقافةِ سواءٌ أكانَت تلك الموسوعيَّةُ في علمِ اللغةِ، أم في النحوِ، أم في الصرفِ، أم في خصائصِ المنظومِ، أم المنثورِ، أم في أسئلةِ التفسيرِ التي يجترحُها منطقُ الاستقراءِ .

**

والدكتور سعيد جاسم الزبيدي حين يتصدَّى للكتابةِ في شأنٍ علميٍّ، أو ثقافيٍّ، فإنَّهُ لا يكتفي باستقرائهِ، وتحليلهِ، وتقييمهِ، إنَّما ينشغِـفُ به عن وعيٍ عامدٍ ليستوعبَ مقاصدَهُ، فيأخذهُ أخذاً، أو يستغرقُ فيه استغراقاً حتى يستوعبَـهُ كليَّاً. والأمثلةُ عديدةٌ، فحينَ تصدَّى لـ (النحو عند غير النحويين) لم يدعْـهُ إلى أن جعله قائماً في سِفْـرٍ محكمٍ جمعَ فيه رموزَ ممارسيهِ، وأشارِ إلى جهودِهم ببنانِـهِ الأمينِ على نحوٍ موضوعيٍّ كانت الحيدةُ العلميَّةُ إحدى أدواتِـهِ .

وحينَ وقفَ على بعضِ استخداماتِ الجواهريِّ اللغويَّةِ في بنيةِ نسيجهِ الشعريِّ المختلفِ أدركَ منتبهاً إلى أنَّ قراءتَهُ لن تكتملَ بغيرِ أنْ يُمحِّصَ كلّ مفرداتِ ثالثِ النهرينِ تمحيصاً، ويقابلها بما كان في خزينِهِ، وخزائنِ المعاجمِ من تكويناتِ البناءِ اللغويِّ، أو البيانيِّ العام، فانتهت تلك القراءةُ التي استغرقته زمناً طويلاً بسِـفْـرٍ لغويٍّ مهم هو (من معجم الجواهريّ) ليكونَ مرجعأ أساسيَّاً لدارسي البنـيةِ اللغويَّةِ في شعر الجواهريِّ تحديداً.

وها هو اليوم يطبّـِقُ منهجَـهُ العلميَّ (في الاستقراءِ المتشعِّبِ) عينَـهُ على الجزءِ الرابعِ من (سؤال في التفسير) ليقدِّمَهُ ناضجاً مستوعباً كلَّ شاردةٍ وواردةٍ تستحقُّ العرضَ،والمناقشةَ، والاستشهاد.

1226 سؤال في التفسير

كان منهجُ الزبيديِّ في أجزائه الأربعة من (سؤال في التفسير) يتلخَّصُ في عرضهِ للآيةِ الكريمةِ المرادِ تفسيرها على نحوٍ من حواريَّةٍ سرديَّةٍ تجري بينهُ (بوصفِهِ) أستاذاً أكاديميَّاً، وسائلِهِ المستفسرِ (بوصفه) تلميذاً جامعيَّاً، ومن خلالِ تلك المحاورةِ المستفيضةِ يعرضُ الأستاذُ على تلميذهِ آراءَ جميعِ المفسِّرينَ، سواءٌ أكانوا لغويينَ، أم نحويينَ، أم صرفيينَ، أم ممَّن اهتمَّوا بعلومِ البلاغةِ والبيانِ، أم ممَّن كانوا فقهاءَ لهم جهدٌ مؤشَّرٌ في تفسيرِ آي الذكرِ الحكيمِ، وتأويله.

وهنا ينبغي التأكيد على أنَّ الأستاذَ المجيبَ لا يدعُ رأياً تناولَ تلك الآيةَ الكريمةَ بالتفسيرِ إلاّ ويوردهُ لتلميذهِ النابهِ، ذاكراً تلك الرواياتِ، واختلافَها، ومظانّها تراتبيَّاً، فضلاً عن إيرادهِ للقراءآتِ القرآنيّة المختلفةِ التي وردت متواترةً سماعاً عن بعضِ الصحابةِ، والقرّاء كـ (عاصم، ونافع، وحمزة، وغيرهم)  في الآياتِ المقصودة، وبهذا المنهجِ حصل المتلقّي على مختلفِ الآراء، وأطَّلعَ على عشراتِ المظانِّ، ووقفَ على ببليوغرافيا موصَّفة، ومؤرخّة لجميعِ المفسِّرين، وآرائهم الجديرةِ بالمعرفةِ والاطِّلاع.

 

تقديم: أ.د.عبد الرضـا عليّ

كاردِف ـ بريطانيا

تشرين أوّل / 2019م.

 

 

نبيل عبدالامير الربيعيللغة العامية المحكية تأثيراً كبيراً على اللغة العربية الفصحى لمقومات اللغة في المجتمع العراقي بالرغم مما للعربية الفصحى من مقومات كاملة ومتكاملة من الثراء لا تضاهيها أي لغة أخرى، وهي ناجمة عن قدرة مفردات العامية واللفظ على تحريك المشاعر والأحاسيس والوجدان بما يجعل النفس العراقية متفاعلة مع الكلام، إذ يطرب لها ابن المجتمع الرافديني في الوقت الحاضر ويتحمس ويستجيب لها بسبب معايشته للمفردات بألفاظها ودخولها في نفسه بكامل معانيها وارتباطها بأحداث معينة مسجلة في ذاكرته، ولها من التأثير ما يحرك الوجدان بالاتجاه الذي خزنت معانيها فيه.

لهذه المعايشة إنما هي تربية للفرد على المفردات المحكية بسبب البيئة المحيطة به وادراكها والتمكن منها، وهي لسان البيت والشارع والمنتديات العامة والغناء والشعر الشعبي، فضلاً عن أن مفردات اللهجة العامية العراقية المحكية اغلبها نابعة من اللغة العربية الفصحى وبعضها من اللغة المندائية والآرامية، وبعضها هجينة بسبب الهجرات والعلاقات مع المجتمعات المجاورة من التركية والفارسية، لكنها تتضمن أيضاً الكثير من المفردات والألفاظ التي لا ترد في اللغة العربية الفصحى.

يوم امس الأحد المصادف 11/11/2019 كانت هديتي الثمينة والجميلة من الباحث والمترجم الاستاذ صلاح السعيد كتابه الموسوم (جمهرة الألفاظ العامية العراقية) الطبعة الثالثة المزيدة والمنقحة، الصادرة عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة، يتضمن الكتاب على (277) صفحة من الحجم المتوسط ذات الاخراج الطباعي الجميل، والغلاف الاجمل، والكتاب احتوى على اكثر من (1165) مفردة عامية محكية، فضلاً عن ملحق مستدرك لبعض المفردات العامية المضافة للكتاب في طبعته الثالثة لم تذكر في الطبعة الأولى والثانية.

بهذا الكتاب افاد الباحث السعيد استخدامه للشعر الشعبي العراقي وبعض الأغاني التراثية التي تدعم المفردات العامية العراقية، لكنني خلال اطلاعي على الكتاب وجدت أن هناك العديد من المفردات والألفاظ العامية المحكية التي ما زالت يد الباحث لم تطلها ومنها المفردات المندائية التي ما زال ابناء الوسط والجنوب من العراق يتداولها في حواراتهم، علماً أن هذا العمل الجميل والرائع للغتنا العامية في الوسط والجنوب من العراق التي لا يظهر لها اساس عربي أو دخيلة على لهجتنا العراقية ودخيلة من اللغات المجاورة.

كانت مهام الباحث السعيد التحفيز في البحث الذي يرتجى من الباحثين الشكر والثناء لهُ على الجهد الذي قام به، فهو عمل قاموسي مرجعي خالٍ من الخطأ ولكن قد لا يتجنب الباحث بعض النقد والرضا من قبل البعض.

استعرض الباحث والمترجم السعيد في كتابه هذا المؤشرات التاريخية للمفردات العامية واصولها والبت فيها، من خلال عرض المفردات ضمن الأبجدية العربية وحروفها ونماذجها من الشعر وانواع الأحرف الأعجمية الداخلة على اللهجة العامية العراقية.

لقد عمدَ الباحث السعيد التسلسل الأبجدي في كتابه للغة العربية (الف. باء. تاء. ثاء...) تسهيلاً للقارئ في المتابعة، وقد قام بتثبيت لفظ المفردة كما وردة في اللغة العامية المحكية بغية تسهيل الأمر على القارئ في المتابعة بحسب الكلمات التي يعرفها والتي يريد البحث عنها في اللغة العامية، واحياناً دون استخدامات المفردة وورودها باشتقاقات أخرى.

ثبت الباحث السعيد هذه المفردات من جمهرة الألفاظ العامية العراقية كان الهدف منها كما فهمت كي لا تضيع في السنوات المقبلة، كما بت الباحث في عرض المفردات في أمر عائديتها للغات الشعوب المجاورة.

إن هذا المعجم للألفاظ العامية العراقية لم يدخل ضمنها ما اصطلحت عليه القواميس والمعاجم العربية، وقد قام الباحث السعيد بارجاع بعض المفردات إلى المصدر في اصل الكلمة.

ختاماً اشد على يد الباحث والمترجم صلاح السعيد لهذا الانجاز الجميل والرائع الذي امتع القارئ لما وردت فيه من مفردات محكية في المجتمع العراقي من خلال كتابه الموسوم هذا.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

قاسم ماضيللشاعر والكاتب المصري عادل بسيوني بين الإرث العربي والحلم الأمريكي.

(إلى التي في الكون لولاها، ما كنت شيئا أو عرفت الله، أماه إن العمر قد غربت مفاتنه ُ، وطفلك في المدى تاه . ص7) بهذه الكلمات أفتتح الكاتب والشاعر عادل بسيوني رحلة رصده للمشهد الثقافي العربي 

 في ميشيغن. حيث صدر حديثا  كتاب بعنوان "الجالية العربية في ميشيغان، بين الإرث العربي والحلم الأمريكي" للشاعر والكاتب الأمريكي المصري  " عادل بسيوني " عن دار نشر "المؤسسة العربية للعلوم والثقافة" القاهرة ، ويقع الكتاب في 239 صفحة من القطع المتوسط .

يبدو الشاعر والكاتب المصري "بسيوني" أراد أن ينطلق ويؤسس وعياً ثقافيا مختلفاً فيه من الثمرات الكثير في بيته الجديد الذي أسمه " ميشيغن " محاولاً بذلك  رسم سياسات ثقافية جديدة توثق هذه المدينة وما حولها من تصاميم معرفية وفكرية، وكل ما يملك من طاقة إبداعية تؤرشف المسكوت َعنه والظاهرَ للعلن لأجل تأسيس ثقافة متأصلة داعية للحب والسلام في هذا المنفى الكبير. وهو القائل  في مقدمة كلمته في هذا الكتاب  ص 14

"لعنتُ اليوم الذي وجدت فيه مدعين لا مثقفين، وتحولت فيها المعارك الأدبية إلى فتنة بغيضة بين الخصوم، اليوم الذي وجدتُ فيه مثقفين لم يدركوا أزمة المشهد الثقافي العربي، ولم يعلموا إلى أين هو ذاهب ولماذا، إني لا أعتذر إذا ما قلت، إن الثقافة قد عزّت علينا عندما فاحت رائحةُ الشواءِ والأراكيل، وغزت سماء مدينتكم، وقد علت على الكلمة التي ما كانت إلا تجمعكم ص16

حتى إنه يستصرخ هذا العالم الذي أسمه "الثقافة" ليؤكد لنا عبر كتابه  الجديد الصادر لهذا العام "الجالية العربية في ميشيغن بين الإرث العربي والحلم الامريكي" لابد من وضع النقاط على الحروف في أيامنا هذه، منطلقا من منطلق الكثير من فلاسفة العصور الذين سبقوه ومنهم " تايلر" الشهير والمعروف بين الأوساط الثقافية،  وهو عالم الأنثروبولوجيا البريطاني، والذي عرّف الثقافةَ بأنها " ذلك الكل المركب من المعلومات والمعتقدات والفنون والأخلاق والعادات والتقاليد التي يكتسبها الإنسان بصفته عضوا في المجتمع، والذي هو ليس واضحا لدى الكثيرين من الذين سبقوه  في هذه المدينة، وبعد وصوله إلى الولايات المتحدة الأمريكية في أكتوبر من العام 1996  وهو  التاريخ الموافق ليوم ميلاده،ليكون واحداً مختلفاً حتى يسهم في خلق فضاءات ثقافية بعدما حمل إرثه الشعري والفلسفي من مدينته " القاهرة " إلى مدينة " ديترويت الكبرى " وهو القائل المهجر حلم الشرق الضائع بين التأويل وحقيقة التفعيل،ولما استقر بي المقام بعد عناء واجهه بين الحفاظ على إقامته الدائمة بأمريكا و عمله  كمهندس بالخليج، بدأت الكتابة بشغف الحائر، لأعبر عن مكنوني وعما واجهته من هموم .ص15

وهنا يمكن القول أن أي كاتب حينما يشرع في كتابة أي موضوع  لابد من امتلاكه معرفة عامة ببعض فنون التعبير العربية، ومنها المقالة أو الخاطرة وبعض الفنون الأدبية كالنثر والشعر وكتابة القصة، فكيف بشاعر له العديد من الدواوين ومجاميع قصصية كثيرة،وهو الحاصل على الكثير من الجوائز في بلده الأم، فظل الشاعر " بسيوني "  الذي اكتوى بنار الغربة وهو بعيد عن أهله وناسه يحفر بالصخر حتى يرسم خارطة جديدة في معتركه الحياتي الجديد، يقول عنه الناقد المصري الكبير " محمد دحروج " لا تجيء حياة إنسان وفق ما يرسمه لنفسه في كل شأن من شؤون وجوده الأرضي والنفسي ، نحن في زمن الفلسفة الوجودية، حيث الإنسان فكرة كبرى تدور حولها الحقائق، وللحقيقة وجهان، وجه لا يعرف تشوه القسمات، ووجه يطوف حول كعبة الزيف والكذب . وفي نهاية الأمر، فالحياة عالم غريب مليء بالتناقضات، فأنت المغامر ليؤكد " لبسيوني " عبرة مفرداته التي استلهمها من هذا الكتاب، أنت الطموح الجريْ الحزين البائس الذي تلفه دوائر الكآبة، الحياة اكبر من ان نهزمها، وإنما غاية الأمر أننا قد تخوض معاركها بإرادة لا تعرف الكلل . وكان هذا الكتاب هو بمثابة أرشفة ومقالات تخص الكاتب وبعض القصائد التي أراد لها الكاتب أن تكون بمثابة درس إلى الآخر الذي يعيش ضمن البيت " الديترويتي " ولو تفحصت قصيدة ديترويت لوجدتها هي إضاءة لواقع الحال الذي يعيشه الشاعر، عبر لغة فيها من الدلات التي تحفز الذاكرة وتاريخ هذه المدينة،

ديترويت كيف تكون الحاكم

وتكوني أيضا … سجان ص 34

والمتأمل لهذا المطبوع يمكنه القول بانه محاولة جادة لرصد المشهد الإغترابي ببعده الثقافي والاجتماعي حيث حاول الكاتب سبر أغوار صيرورة واقع الجالية العربية في الولاية المذكورة من خلال حراكها الثقافي المتمثل بمالمنتديات الثقافية والتجمعات المعنية بالشأن الثقافي كرابطة القلم وصالون دجلة والمجلس الاسبوعي الذي يقيمه المجمع الثقافي الاسلامي في مدينة ديربورن ورابطة لبنانني الشمال، والمركز الدولي للثقافة والفنون والاعلام  الى جانب التصدي لبعض القراءات والطروحات لبعض كتاب الجالية ومنها كاتب السطور كما حاول الكاتب أرشفة مسيرة الصحف الصادرة في ديترويت منها (صدى الوطن، الحدث، المنتدى،اليمني الامريكي، مجلة السبيل) بالاضافة الى متابعته لعدد من منظمات المجتمع المدني منها (المنظمة العربية الامريكية للعمل السياسي أيباك) كما سلط الكاتب الضوء على مؤسسة ثقافية مهمة تعكس بعدا ً ثقافيا موثراً للجالية الا وهو (المتحف الامريكي العربي) ولم يخلو الكتاب من بعض وجهات النظر التي تصدت لنتاج بعض الشخصيات الدينية والفكرية كشخصية المفكر ورجل الدين المجدد الشيخ محمد عبده، والسيد محمد حسن فضل الله حيث قام الكاتب بسيوني بتقديم مقاربات فكرية حول نتاجيهما الفكري وإشتمل الكتاب أيضا ً على عدد من الكتابات النقدية للشاعر والكاتب عادل بسيوني التي تخص فعاليات ثقافية معينة، وتجدر الاشارة بأن هذا الكتاب يعد خطوة لمواكبة المسيرة  الثقافية للجالية العربية في ميشيغن، ويمكن لآخرين الغوص في تاريخ وجود الجالية العربية في ميشيغن وتلمس مسيرة تطورها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي من خلال دراسة بحثية وفق منهج أكاديمي من شأنها أن تكون مرجعا ً علميا ً لمن يريد سبر أغوار مسيرة الجالية العربية في ميشيغن بمختلف أبعادها، بيد أن كتاب الجالية العربية في ميشيغن (بين الارث العربي والحلم الامريكي) هو رافد ثقافي معرفي لمن يريد التعرف على أجواء المشهد الثقافي العربي في ميشيغن .

 

قاسم ماضي - يدترويت

 

 

1223 التسامح لماجد الغرباوي(التسامح يعني الاعتراف بالآخر والتعايش معه على أساس حرية العقيدة وحرية التعبير دون تكرم أو مِنَّة)... ماجد الغرباوي

(التسامح هو ضرورة حياتية، تبقى الحاجة قائمة لها ما دام هناك إنسان يمارس العنف والإقصاء والتكفير، ويرفض التعايش السلمي مع الآخر المختلف. وتتزايد الحاجة للتسامح مع اتساع رقعة التنوع الإثني والديني؛ لامتصاص تداعيات الاحتكاك بين القوميات والثقافات والأديان المختلفة).

هذا هو فحوى كتاب "التسامح ومنابع اللاتسامح"1 للأستاذ ماجد الغرباوي.

يرى الكاتب أن ما نشاهده اليوم من صراع محتدم بين القوميات والأديان والمذاهب يكشف عن رخاوة الأسس التي يقوم عليها مفهوم التسامح أو غيابه، فهو في نظر الأوساط المتصارعة، لا يعدو كونه قيمة أخلاقية تتحكم بها المؤثرات الاجتماعية والسياسية. وهو في أحسن الأحوال منّة وتفضل مشروط؛ قد ينقلب إلى ضده إذا فقد رصيده الأخلاقي، وما نحتاجه فعلا لتوطيد العلاقة بين الطوائف والقوميات مفهوم يرتكز إلى أسس. فالتسامح إذن هو حق لجميع الأفراد على أساس الاعتراف بالآخر، وحماية حقوقه2.

يتوقف الكاتب مع دلالات التسامح في اللغة والاصطلاح، فهو  لغوياً مشتق من السماحة أي الجود. والمسامحة تعني المساهلة، وسمح: جاد وأعطى عن كرم وسخاء؛ ليخلص إلى أن الدلالة اللغوية للتسامح تستبطن المنة والكرم. أما في الاصطلاح فهو: (موقف ايجابي تجاه العقائد والأفكار، يسمح بتعايش الرؤى والاتجاهات المختلفة؛ بعيدا عن الاحتراب والاقصاء؛ على أساس شرعية الآخر المختلفة دينيا وسياسيا، وحرية التعبير عن آرائه وعقيدته)3.

يتساءل الكاتب: ما المطلوب من الشخص المتسامح؟ هل المطلوب التنازل عن القناعات الفكرية والعقدية نزولاً عند رغبة الآخر، أو ضرورة يقتضيها التسامح؟ أو أن التسامح يعني الانصياع والتبعية والرضوخ للمختلف؟    يجيب بأنه لا هذا ولا ذاك، وإنما التسامح يعني اعترافاً بالآخر والتعايش معه على أساس حرية العقيدة وحرية التعبير، لا تكرما ولا منة، وإنما حق باعتبار تعدد الطرق إلى الحقيقة، وأن هذه الأخيرة موجودة لدى جميع الاتجاهات العقدية؛ على أساس وحدة الحقيقة وتعدد التجارب الدينية.

منابع اللاتسامح

أما في الحديث عن منابع اللاتسامح، فيقول الكاتب، "تتعدد منابع اللاتسامح تبعاً لطبيعة المجتمع ثقافيا وفكريا وعقيديا، وأيضا تبعا لمستوى حضور الدين، ومدى تمسك المجتمع بالقيم الدينية والأخلاقية. لكن ثمة منابع تعد الأهم بينها، وهي المنابع التي تفضي إلى التعصب الديني والقبلي والسياسي؛ وما ينتج عنها وما يعمق وجودها ويركز فاعليتها من مفاهيم وقيم. ولا شك أن تفكيك هذه البنى وإعادة تشكيلها؛ بما يخدم قيم التسامح وبناء مجتمع متسامح، مهمة شاقة وصعبة، تتطلب خطاباً ثقافياً وفكرياً قادراً على تشكيل أجواء تساعد الناس على التماهي مع القيم الاجتماعية الجديدة، والتخلي عن القيم السلبية الموروثة، أي التماهي مع قيم التسامح من أجل بناء مجتمع يمكنه استيعاب التناقضات والتقاطعات الحادة بين الأديان والمذاهب والقوميات"4. متوقفاً عند بعض مصادر اللاتسامح، منها:

- منطق العنف: لقد ظل العنف منطقاً مستحكماً داخل المجتمعات غير المتحضرة، أي المجتمعات التي ترفض الاحتكام للقانون، وترتكز للعنف في تقرير مصيرها، وانتزاع حقوقها، وتسوية خلافاتها. واستمر العنف صفة ملازمة لكثير من الشعوب؛ رغم اختلاف الظروف وتطور الحضارات. ولهذا الظاهرة أسبابها وجذورها التاريخية، حيث يقول، "فلجوء الإنسان البدائي للقوة والعنف كان دفاعاً عن النفس؛ بسبب الأخطار المحدقة به. ولما ظهر التنافس بين أبناء المجموعة البشرية الواحدة واحتدم الصراع على المراعي والحقول، لجأ الإنسان للعنف والقوة للدفاع عن حياته وعائلته وممتلكاته"5. ما يستدي فهم مهمة ثقافة التسامح، وضرورة انتشارها، وتثقيف الشعب عليها؛ عبر خطاب مؤهل، قادر على استنبات قيم جديدة، بدلا من النسق القيمي الذي نطمح لاجتثاثه؛ حتى يصبح التسامح مسؤولية تاريخية، يتصدى لها جميع أبناء الوطن، من أجل الوطن ووحدته وسلامته وأمنه ومستقبله.

- الولاء القبلي: لقيم العشيرة أو القبلية تداعيات خطرة في إطار مجتمع يضم عددا من القبائل، لا سيما حينما تتصادم القيم فيما بينها، أو بينها وبين قيم وقوانين الدولة. ولعل أهم هذه التداعيات انشطار الولاء، الذي هو عماد التماسك الوطني، وركيزة وجود الوطن، الذي سينهار وتلتهمه الانقسامات وتقاطع الولاءات؛ إذا لم يشعر الفرد بانتماء حقيقي للوطن. ما يعني أن العقل الجمعي للقبيلة يمثل خطرا كامنا، إذ يمكن تعبئته وتحريكه بشكل غير واع.

- التطرف الديني: يعتبر التطرف الديني أحد أخطر منابع اللاتسامح، لتلبسه ببعد شرعي، وتوظيفه للنص الديني، وقابلية الناس لتصديق، وقدرته على التخفي والتستر تحت غطاء الشرعية، والواجب والجهاد والعمل الصالح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ما يستدعي "وعي يعري حقيقته، ويكشف زيفه، وإلا فإنه ينطلي بسهولة على ذوي النوايا الطيبة من البسطاء، ممن لا يفقهوا أساليب الخطاب وطريقة توظيف الآيات، ولا يميزوا بدقة بين الأحاديث والروايات الصحيحة والموضوعة. وما هو عام في النص وما هو خاص، وأيهما مقيد وأيهما مخصص، وإنما يكفي لتصديقها والتفاعل معها انتماؤها للمراجع الاسلامية، بما فيها كتب التراث، وأقوال الرجال، أي الخطاب النصي والشفهي؛ بل إن تأثرهم بكلام الخطباء أقوى وأسرع، لذا ليس غريبا أن يكون أكثر المتطرفين الدينين ممن لم تسعفهم كفاءتهم العلمية والثقافية في إدراك الحقيقة"6.

أسس التسامح

أما أسس التسامح، فمتعددة برأي الكاتب، ومنها:

- حقوق المواطنة: ويرى أن المجتمع إذا لم يكن مهيأ نفسيا وفكريا وثقافيا للاعتراف بالآخر، لأي سبب كان، فإن قبول الآخر وقبول التعايش معه أمر تفرضه وحدة الوطن، من أجل استتباب الأوضاع واستقرار الأمن والسلام. ولذلك تشكل حقوق المواطنة أحد الأسس الكفيلة بإرساء دعائم التسامح داخل المجتمع. فالالمواطنة ليست "سوى الاعتراف بالآخر وبحقوقه، وقبول التعايش معه سلميا وفق حقوق مشتركة لجميع المواطنين (حسب نضج المجتمع فكريا). وهي قضية تمليها وحدة الوطن والحرية الشخصية والاعتراف المتبادل بين أبناء الشعب جميعا. رغم تنوع خصوصياتهم. أي أن جميع الأفراد، وفقا لحقوق المواطنة، متساوون في الحقوق والواجبات على أساس التساوي في انتمائهم للوطن الواحد"7.

- سيادة القانون: فكما أن حقوق المواطنة هي الأساس الأول لإرساء قيم التسامح في المجتمع، فالقانون وسيادته هو الأساس الثاني لها. بل لا يمكن للتسامح الاستمرار في تأثيره الاجتماعي، ما لم يكن هناك قانون يستند إليه ويدافع عن قيمه. ما يعني أن تثبيت الحقوق وفرض الواجبات وتحديد السلطات، تتوقف جميعها على وجود قانون فاعل، يتوافر على قوة ردع عالية. لذلك صارت حقوق المواطنة إحدى القضايا التي تتوقف فاعليتها على وجود قانون متماسك وفاعل. أي كما أن حقوق المواطنة تحتاج إلى قاعدة فكرية وثقافية متجددة تغذي أبناء الوطن الواحد بقناعات حقيقية، تحتاج هي أيضا إلى قانون لتفعيلها وحمايتها.

- إعادة تشكيل قيم التفاضل: معتبراً أن الارتكاز إلى القيم الإنسانية سيكون الحل الأمثل لمشكلة تعدد القيم، وتسوية التفاضل الطبقي القائم على منظومة القيم ذاتها. هذا إذا أخذنا بنظر الاعتبار تأكيد الدين على البعد الإنساني في العلاقات العامة داخل المجتمع المتعدد. فالناس في نظر الاسلام إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.

ويرى الكاتب أن التفاضل في القرآن يقوم على أسس منها:

- التقوى: مصداقا لقوله تعالى، "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ". وفي المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى". ما يجعل "التقوى قادرة على كبح جماح النزوات الشيطانية لدى الإنسان وخلق أجواء حميمية مفعمة بالحب والوئام"8.

- العلم: وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم في بعض آياته التي أشار مضمونها إلى أفضلية المؤمن الذي أتى علماً، التي ربما –بتعبير الكاتب- تشمل مطلق الإنسان العالم، وليس شريحة خاصة. قال تعالى، "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ". ولا شك أن العلم الذي تنتفع منه البشرية يستحق التقدير والاحترام، ويصلح بجدارة لأن يتحول إلى قيمة تفاضلية، يفضل على أساسها الإنسان العالم، احتراماً وتقديرا لجهوده الخيرة في خدمة البشرية. أما إذا قام التفاضل على أسس لا إسلامية، ولا إنسانية، فهو ليس تفاضلاً؛ بقدر ما يكون تحقيراً للآخر ونوعاً من التعالي والإعجاب بالذات.

- إطلاق الحريات العامة، فهي تلعب دوراً كبيراً وفاعلاً في ترسيخ قيم التسامح بين أبناء الوطن الواحد. والعكس عندما يعيش الشعب الاضطهاد والكبت والحرمان، فإنه يفضي إلى الخوف والنفاق والتكتم واخفاء الحقيقة وانتشار العنف واللاتسامح. ويبقى الوضع في حالة ترقب وتأهب وإنذار مستمر، حتى تتحول النشاطات الفكرية والثقافية إلى حركات سرية. وهنا تكمن الخطورة، والحل هو الحرية؛ وفق ضوابط معقولة ومقبولة.

وفي الأخير أكد الكاتب على أهمية الرحمة التي تعتبر عامة لا تختص بفرقة أو جماعة وإنما هي شاملة. وهو ما عبَّرَ عنه قوله تعالى، "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ". وما لا ريب فيه، إنه حيثما كانت الرحمة فلا كراهية ولا إكراه، وذلك أن الكراهية من لوازم العدوان والنقمة، بينما الرفق والعطف والرأفة والعدل والإحسان من لوازم الرحمة.

 

الكاتب: عبد الغني الزردي

نقلا عن مجلة تعايش

https://peacems.com/taayosh/articles/other/o-a05-az/

................................

هوامش

1- التسامح ومنابع اللاتسامح.. فرص التعايش بين الأديان والثقافات، ماجد الغرباوي، ط 2008م، اصدار الحضارية، بغداد، ودار العارف، بروت.

2- المصدر نفسه، ص11.

3- المصدر نفسه، ص20.

4- المصدر نفسه، ص26.

5- المصدر نفسه، ص 27.

6- المصدر نفسه، ص 56.

7- المصدر نفسه، ص 76.

8- المصدر نفسه، ص 118.

 

احمد بابانا العلويصدر للاستاذ نبيل فازيو عن مؤسسة مومنون كتاب بعنوان "العدالة والعدل مساهمة في تفكيك برادايم الملك في الفكر السياسي الاسلامي الكلاسيكي"(2019)

الكتاب يتناول (من منظور معياري) كيف تمثل الفقهاء مفهوم العدل ونظروا الى قضية العدالة باعتبارها اس العلاقة الجدلية في الاجتماع السياسي الاسلامي ورهاناته..

وقد سبق للاستاذ نبيل ان تناول في كتابه"دولة الفقهاء" (2015) مسالة العدل والسلطة والعدالة..

في كتابه الجديد يبحث بصورة معمقة علاقة العدل والعدالة بالملك من خلال "برادايم الملك" على ضوء كتب الاحكام السلطانية والفقه السياسي والاداب والنصائح.. مع التركيز على "الماوردي /ت/450هجرية" باعتباره امام مدرسة الفقه السياسي في العصر الوسيط.. لقد اهتمت بالماوردي دراسات قليلة ظلت نظرية وعامة ولم تتعمق في فكره رغم ان كتابه الاحكام السلطانية يعتبر مرجعا لدارسي تاريخ الافكار و المؤسسات السياسية في الاسلام..

والعدل اسم جامع معناه الانصاف ورفع الجور وبه صلاح الحاكم والمحكوم وصلاح العالم.. بجلب المصالح ودرء المفاسد وهو مناط السياسة الشرعية حينما تمارس السلطة من اجل احقاق الحق وابطال الباطل..

ويشكل الاهتمام بمفهوم العدل جوهر المشكلة السياسية.. وقد ندر البحث والتنظير في موضوع العدالة في الفكر العربي المعاصر لافتقاره الى نظرية صلبة.. وعجزه عن الحسم في كثير من الاشكالات ومن ابرزها اشكالية العدل..

يقول الاستاذ نبيل بان غرضه من تاليف الكتاب اقتراح استراجية لتفكيك مسالة العدل في التراث العربي الاسلامي.. ومساءلة فكرة العدل من خلال " برادايم الملك" ويقصد به الاطار النظري والتفسيري الذي يحكم رؤية الفكر السياسي والاخلاقي.. الى العدل على وجه التحديد.. بمستوياته المختلفة.. حيث ظل خاضعا لنموذج ذهني افرزه واقع الملك الذي حكم العقل الاسلامي..

ان التفكير في النموذج من خلال سؤال العدل يفرض ان نربط بين مفهومي العدل والملك..

ولمفهوم الملك وقعه على الثقافة السياسية باعتباره مؤشرا على نهاية عصر الخلافة والانتقال الى حكم الملك العضوض..

ان جل ما كتب حول مفهوم العدل تمحور حول مسالة الامامة وحرية الانسان عند المتكلمين وانسجام قوى النفس ونظام الكون عند الفلاسفة..

فالعدل من حيث هو قيمة متعالية يتجاوز نسبية الاجتماع السياسي..

لقد طلت رؤية فقهاء السياسة متارجحة بين الواقعية التاريخية والمعيارية الشرعية..

وهكذا تقاطعت في ذهن "الماوردي" نموذج الخلافة وتبدد رمزيتها امام تصاعد نموذج الملك وقد توجس من تضخم السلطة وانقلابها الى طغيان..

من هنا جاء تمسك فقهاء السياسة بمفهوم العدل في مواجهة طغيان السلطان..

وكان عليهم ان يفكروا في مشروعية السلطة على ضوء اكراه الشرع في معياريته واكراه الواقع في ضروراته.. ومن ثم الاقرار بقوة الواقع.. وتجدر الاشارة الى ضرورة التمييز بين مفهوم الشرعية الذي يدور حول فكرة الطاعة السياسية ومفهوم المشروعية بمعنى الخضوع للقوانين السائدة او المطابقة للقانون.. قد تكون السلطة مشروعة ولكنها فاقدة للشرعية اذا فقدت ثقة الجماعة او الرضا العام ( المعتقدات والقيم الجماعية كبعدين للشرعية) وعندما تنهار شرعية النظام يصبح غير شرعي واكثر تسلطية واستبدادا..

الرؤية الاسلامية لم تفصل بين الشرعية السياسية والمشروعية القانونية.. فالشرعي هو ما طابق احكام ومبادئ الشريعة ومفهوم السياسة الشرعية المركب يؤكد ان الشرعية الاسلامية تعد مناط الشرعية السياسية وبالتالي فان وصف السياسة بالشرعية يجعلها وثيقة الصلة بروح الشريعة و مقاصدها لاجل تحقيق العدل فالسلطة لا تصبح شرعية الا اذا التزمت بمعايير الشريعة و مقاصدها في مناهجها وغايتها..

والعدالة بشروطها. الجامعة. هي قوام الخلافة و مصدر شرعيتها لان تحقيق العدل غاية الشريعة الاسمى..

يقول "ابن القيم الجوزية(691/751/هجرية) بان الشريعة عدل كلها.. وكل مسالة خرجت من العدل الى الجور ومن المصلحة الى المفسدة فليست من الشريعة وان دخلت فيها بالتاويل..

ان النظر الى متن فقهاء السياسة باعتباره نظام وتدبير لمعنى الاجتماع السياسي جعل المؤلف يحرص على مقارنة مقالات الفقهاء السياسية بصنوف الخطابات المنافسة واعتبر رؤيتهم تسعى الى بلورة فهما معقولا للواقع ومتغيراته.. الامر الذي يسمح بتفكيك نصوصهم لاجل الوصول الى مرتكزات الوعي السياسي الاسلامي في العصر الوسيط المتجذر في نموذج الملك..

يضم الكتاب فصولا تتناول جوانب اشكالية للعدل خاصة ماتعلق بالاداب السلطانية والفلسفة السياسية وعلم الكلام اضافة الى فقه السياسة الشرعية..

وغرض المؤلف من وراء ذلك ابراز تصور هذه المستويات الفكرية لفكرة العدل..

ومن المسلم به ان للنص عالمه وليس من اليسير فصله عن تاريخ تاويله وفهمه..

وكل نص له القدرة على احتواء مفاهيم عابرة للحقب التاريخية.. وبالتالي من الصعب عزل نصوص الفكر السياسي الاسلامي عن الثقافة التي انتجتها..

ومن الواضح ان "برادايم الملك" الذي وظفه المؤلف في قراءة كتابات فقهاء السياسة تظهر اهميته في قدرته التفسيرية التي تتيح لنا النظر الى السياسة وفهم تشكلاتها وابعادها.. وذلك  من خلال دراسة مصطلحات السياسة الشرعية على الصعيد الدلالي والمنهجي والفقهي لكي نفهم كيف تمت صياغة "نظرية الخلافة" من طرف فقهاء السياسة وفلاسفة الحكم..

ان معنى مفهوم الخلافة والامامة واحد عند فقهاء السياسة الشرعية.. فالماوردي يعرف الخلافة او الامامة بانها "خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا"و يعرفها ابن تيمية بانها النيابة عن النبي في سياسة الدنيا والدين.. ويرى ان الامامة من او جب واجبات الدين بل لا قيام للدين والدنيا الا بها.. لان الجماعة لا بد لها من امام يقيم الاحكام ويصون المصالح وقيم "دولة الصلاح والاصلاح" ويجب ان تتم بيعة الامام بيعة حرة خالية من شوائب الاكراه..

ومن شروط الامامة عند ابن تيمية "العدالة" وايضا المشورة والمبايعة.. اما طاعة الامام التي اختلف فيها فان ابن تيمية يقر بان الامام يطاع في عدل ولا يطاع في معصية..

ويقسم ابن تيمية الحكام الى قسمين: حكام هم خلفاء نبوة  استوفوا شروط الخلافة بالمشورة الصحيحة والمبايعة و القيام بالعدل والحق اما اذا فقدوا شرطا من هذه الشروط فان حكمهم يتحول الى "ملك" (ملك عضوض) يقوم على التغلب..

ويتفق الفقهاء على ان طاعة الملوك المستخلفين (طاعة المتغلب) تكون في غير معصية تجنبا للفتنة..

اما ابن خلدون فان مفهوم الخلافة والملك عنده ينطبق على مفهوم الدولة العامة كما تحدث عنها في مباحث المقدمة.. حيث تناول شكل الحكم ونوع السياسة التي يعتمدها الحاكم في تدبير شؤون الدولة والمبادئ التي يستند اليها في ممارسة الحكم..

وقد تطرق الى موضوع الحكم او الملك انطلاقا من رؤيته للاسس التي تقوم عليها الدول وعوامل تطورها واضمحلالها.. وبحث عن الوازع الذي يحمل الناس على اقامة ملك او دولة.. ووجد انه يجب ان يرجع في ذلك الى القوانين السياسية التي تنقاد اليها المجتمعات وتحكم الدول و يصنف هذه السياسات الى سياسات "دينية او عقلية او مدنية"ونتيجة لذلك قسم الملك الى :

- الملك الطبيعي وهو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة

- الملك السياسي هوحمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح ودفع المضار.

- واما الخلافة فيعرفها ابن خلدون بانها هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الاخروية والدنيوية الراجعة اليها اذ ان احوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع الى اعتبا رها بمصالح الاخرة فهي في الحقبقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا.

وهكذا نستنتج مما سبق ان المشكلة الاساسية التي شغلت بال مفكري الاسلام وفقهاء السياسة والحكم وملكت عليهم تفكيرهم ووجهت ابحاثهم.. تمحورت حول الدولة ونظام الحكم وفن الاداب السلطانية في تدبير الحكم.. سواء بمقتضى الشر ع او بمقتضى العقل او بالتغلب والقهر..

من هذا المنطلق تم حصر انواع الحكم في نوعين رئيسين هما "الخلافة" و"الملك"

لم يهتم العلماء بالاسباب التي ادت الى انقلاب الخلافة الى "ملك عضوض"بل عملوا على الدفاع عن سلطة الخليفة (الملك) وهيبة الخلافة وقاموا باضفاء الشرعية على "حكم الملك" حرصا على استمرا رية الخلافة السنية ولو في قالب نظام "ملك عضوض.. "

وقد برر الماوردي موقفه في خدمة الخلافة باحياء الفكرة وبعث النشاط في المؤسسة ووجوب الخلافة عقلا وشرعا وضرورتها الحيوية للدين والدنيا..

ونهج ابن تيمية موقفا مماثلا فكان همه تحقيق اقامة دولة اسلامية وتقوية دعائم النظام فان لم يمكن اقامة العدل الذي يحمي الديار ويحسن التدبير.. ووجد الامير القوي الحسن الراي والتدبير وان لم يكن عدلا في كل احواله فرضت طاعته وهو بذلك ينهج منهج اهل السنة والجماعة..

و جملة ما يقال ان الشريعة دون قوة تدعمها تصبح مثالية غير قابلة للتحقق في الواقع وان السلطة بدون شريعة تصير طغيانا محققا.. . فالشريعة توفر المنهج وتضمن القصد فتتحول القوة الى سلطة تكتمل فيه القدرة والبصيرة..

فشرعية السلطة في مقاصد الشريعة ومقاصد الشريعة في تحقيق العدل..

واذا كان العدل قوام الدول واساس الحكم والملك فعلى ابناء الامة جميعا ان يتعاونوا في امانة الحكم وامانة الاصلاح.. ولهذا كانت امانة الحكم في الامم الحية مقرونة بامانة مثلها وهي امانة الدعوة والارشاد..

(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

 (104) سورةآل عمران

- وشر البلاء ان تمتحن الامة في فساد نظامها وقواعد حكمها بسبب بطلان الدعوة والتغاضي عن المنكرات..

 

احمد بابانا العلوي

 

محمد السعدييعتبر كتاب الدكتور عبد الحسين شعبان الموسوم "سلام عادل الدال والمدلول وما يمكث وما يزول" وثيقة مهمة وتاريخية ومرجعية للحركة الشيوعية ومادة حيوية للبحث والدراسة، وقد نال اهتماماً كبيراً ومساحة واسعة من النقد والتعليق وفتح حواراً فعالاً وحيوياً حوله، خصوصاً إزاء إشكالات تاريخية، بل وحتى راهنة. وانعقدت حوله ندوات وحلقات نقاشية، فضلاً عن تغطية يستحقها في الصحف والمواقع الأليكترونية، سواءً في العراق أو في خارجه، وسيبقى لحين آخر مثار نقاش وجدال، ولاسيّما الوثيقتين التاريخيتين اللتان أوردهما: الأولى الخاصة بالكونفرنس الثاني للحزب 1956 والثانية حول ردود سلام عادل على ضيق الأفق القومي الذي أصاب عدداً من القيادات الشيوعية الكردية، وهو ما يستحق التوقف عنده، وخصوصاً تأثيراته اللاحقة (1957).

توقيع كتاب

وكتبتُ مقالةً نُشرت بعدّة مواقع عراقية وعربية بعد قراءتي لسرديته عن سلام عادل في صحيفة الزمان التي نُشرت على حلقات، وحين صدر الكتاب وقامت مؤسسة بيدر في مالمو باستضافة الباحث للتوقيع على الكتاب في ندوة مهمة، عدتُ إليه مجدداً، خصوصاً بعد الملاحظات المهمة التي أبداها الكاتب حول مقالتي السابقة، وها أنا أفعل ذلك للتدقيق وحرصاً مني على الحقيقة وتأكيداً لها، لأن أعداء سلام عادل حاولوا الإساءة إليه بأشكال مختلفة منهم ما نشره (محمد أبو عزة) الكاتب والروائي الفلسطيني وسكرتير تحرير مجلة (دنيا العرب)، والذي كان ضمن جحافل قوات الحرس القومي وذلك بعد انقلاب 8 شباط 1963 حيث روى قصة اعتقال سلام عادل في الأمن العام وكيف بصق بوجه أحد القياديين البعثيين، وهي رواية دحضها الباحث شعبان، وشكّك ما ورد فيها وفي صحتها، واقتضت الأمانة قول ذلك وتأكيده. كما خطّأ كتاب شعبان ما ذهب إليه آرا خاجادور حول إطلاق علي صالح السعدي رصاصة الرحمة على سلام عادل وذلك من خلال الوقائع التاريخية التي أوردها بما فيها كون السعدي كان على رأس وفد كان في القاهرة والجزائر وتاريخ عودته كان بعد استشهاد سلام عادل (بالرجوع إلى كتاب أمين هويدي). وفي الوقت نفسه فنّد رواية هاني الفكيكي حول الحوار بين الضحية والجلاد وإبداء استعداد سلام عادل لإصدار بيان مشترك مع قيادة البعث إذا ما تم إطلاق سراح المعتقلين ووقف التعذيب، وهي رواية مدسوسة وخبيثة ومشوّهة، وكان الباحث قد أوضح حقيقة ما جرى ورباطة جأش سلام عادل ومبدأيته حين طالب الانقلابيين بالكف عن ذلك وإعلان عدائهم للامبريالية، وكان ذلك تحدياً كبيراً في المواجهة البطولية بين سلام عادل وحازم جواد الذي كان قد ترأس التحقيق معه. وقد أورد المفكر شعبان فقرات عديدة من أقوال جواد التي يعترف بها بتعذيب المعتقلين بحجة أن الاتحاد السوفييتي يعذّب أعداءه.. تميّزت قيادة سلام عادل بمواصفات فريدة في حينها، لاسيّما عملها الجاد والمسؤول لاستعادة وحدة الشيوعيين وإنهاء الانقسامات والاعتراف بالأخطاء والثغرات والسعي لمعالجتها بروح الحرص والأفق المنفتح بعيداً عن التعصّب. فبعد أن تسلم سلام عادل قيادة الحزب في حزيران العام 1955 وذلك بعد عزل حميد عثمان وهروبه إلى كردستان وانضمامه إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني، أخذ الشهيد سلام عادل على عاتقه مهمة صعبة وخطيرة، حيث قام بجمع وتوحيد ولم شمل رفاق الحزب وتوحيد تنظيماته بعد تعرّضها إلى تصدعات كبيرة لسنوات مضت بسبب الصراعات الداخلية وملاحقات الشرطة السرية لتنظيمات الحزب وكشف الأسرار بين الأطراف المتصارعة.  ويذكر هنا العديد من الشيوعيين وفي مقدمتهم باقر ابراهيم وحسين سلطان قول سلام عادل إن (فصل أي رفيق من الحزب بمثابة قلع شعرة من عيوني)، وعلى هذا الأساس تحرك وعمل من أجل وحدة الشيوعيين على مبادئ الحوار الفكري والرأي المختلف والحرص المتبادل انطلاقاً من قناعاته الثابتة بأهمية دور الحزب الوطني والعربي، وهو النهج الذي حظي بتأييد شامل من الشيوعيين، خصوصاً المرونة التي أبداها مع المبدأية والصبر وطول النفس لتحقيق الهدف. لقد كان هذا التوجه التوحيدي من أهم المفاصل الحزبية والمنعطفات التاريخية التي واجهتها قيادة سلام عادل فما كان يمكن تحقيق المنجزات وصولاً لثورة تموز دون تصفية التكتلات والانشقاقات والمجموعات المتباعدة والمتصارعة، وبروح مبدأية متسامحة فقررت العمل من أجل الوحدة مهما كان الثمن، وهو ما يذكره الدكتور شعبان فبالرغم من التقاطعات الفكرية سعى للتواصل مع (راية الشغيلة)، والتي كان من قادتها عزيز محمد السكرتير السابق للحزب، والشهداء جمال الحيدري ونافع يونس، على الرغم من أن جريدة القاعدة التي يصدرها الحزب وصفتها في حينها بأنها زمرة بلاطية (نسبة إلى البلاط الملكي)، وإنها انحطت في المستنقع والقاذورات اليمينية، متهمة إياها بالانتهازية، ويقول شعبان إن مثل هذه الاتهامات غالباً ما تصدر في المنعطفات التي تشهد انقسامات وصراعات داخل الحزب، لكنه سرعان ما يطويها الزمن بفعل بعض التسويات والاتفاقات والانعطافات .

حل المنظمة

أما ’’ منظمة وحدة الشيوعيين ” فكانت برئاسة عزيز شريف وعبد الرحيم شريف وقد أسهم عامر عبدالله بحكم صلته الوطيدة بهما في إقناعهما بحل المنظمة والالتحاق بالحزب مجدداً وذلك في إطار المنهج الذي اتبعه سلام عادل، كما انضمت كتلة داود الصائغ (رابطة الشيوعيين) لاحقاً إلى صفوف الحزب وتنظيماته. ويمكنني الإشادة بدينامكية وقدرة سلام عادل في استيعاب الصراعات الحزبية والآراء المختلفة واحتوائها لمصلحة الحزب والوطن، وعلى الرغم من أن الصراعات الداخلية بعد الثورة أنهكت سلام عادل، دون أن ننسى الصراعات مع الحكم وأطرافه والقوى السياسية الأخرى إلا أنه حاول احتواء كتلة المبدأ وداود الصائغ بعد أن حصل الأخير على إجازة باسم الحزب الشيوعي العراقي في حين رفض عبد الكريم قاسم منح الحزب مثل هذه الإجازة حتى بعد تبديل اسمه إلى " حزب اتحاد الشعب"، وكان سلام عادل قد أرسل عدداً من الصحافيين والكتاب للعمل كمحررين في جريدة المبدأ والسعي لتغيير اتجاهها بما يتوافق مع نهج الحزب ومواقفه.

ويتابع د. شعبان بدقة كبيرة تفاصيل تنشر بعضها لأول مرّة عن استشهاد سلام عادل بعد تعذيبه في قصر النهاية، وهو لا تفي بما هو مكتوب ومنشور، بل يذهب أحياناً إلى الجلادين أنفسهم ليستفسر عن هذا الموقف أو ذاك، مثلما يواصل الحديث مع بعض الضحايا وشهود العيان، ليبرز حقيقة شجاعة سلام عادل، بل يجبر حتى من قام بالارتكاب للاعتراف بذلك، في إطار عمل مضني ومجتهد. ويتابع ذلك ابتداءً من إصدار بيان المقاومة ضد انقلاب 8 شباط ولغاية اعتقاله ونقله إلى مركز المأمون ومنه إلى قصر النهاية، (19 شباط وحتى استشهاده مساء 23 شباط 1963).وامتازت قيادة سلام عادل، ولاسيّما قبل الثورة بالمبادرات فمن توحيد الحزب إلى قيادة الشارع في انتفاضة العام 1956 تضامناً مع الشقيقة مصر ضد العدوان إلى توحيد الحركة الوطنية بقيام " جبهة الاتحاد الوطني" في عام 1957 ومنها إلى العمل مع الضباط الأحرار تمهيداً للثورة، كما انتهجت سياسة عربية متميزة تم التعبير عنها في الوثيقتين التاريخيتين، وكذلك منهجاً أممياً في حل القضية الكردية عبر حق تقرير المصير والاستقلال الذاتي، وفي الوقت نفسه نقد للاتجاهات التصفوية البرجوازية الذيلية التي ظهرت لدى فريق من الشيوعيين الأكراد، وهو نقد استشرافي جريء ومبدئي، وليس كما تم اتباعه لاحقاً مع مجاملات وتنازلات للتيار القومي السائد، والذي ألحق ضرراً بالحزب وهوّيته، خصوصاً بانقسام الشيوعيين على أساس قومي. ويفرد الكاتب صفحات من كتابه الذي يستحق القراءة ليبرز مواقف مهمة في حياة سلام عادل من سلطة قاسم الدكتاتورية والقضية الكردية والتباين عن رؤية السوفييت، إضافة إلى الصراع الداخلي في هرم قيادة الحزب والتدهور السريع في ضياع منجزات الثورة ونتائجها . وقد تحدّث المؤلف عن ذلك بانسيابية وحيوية على منصة مؤسسة بيدر في مدينة مالمو/ السويدية. وعلى الرغم من الأخطاء والالتباسات كما يقول شعبان في قضايا عديدة ومنها أعمال العنف في الموصل وكركوك، وكذلك الموقف من سلطة قاسم والتذبذب والتردّد، إلّا أن قيادة سلام عادل ختمت حياتها بالاستشهاد البطولي، حيث استشهد تحت التعذيب نحو 25 قائداً شيوعياً، في مقدمتهم سلام عادل وجمال الحيدري ومحمد صالح العبلّي ومحمد حسين أبو العيس ونافع يونس وحمزة سلمان الجبوري ومهدي حميد وعبد الرحيم شريف وحسن عوينة وعبد الجبار وهبي وتوفيق منير، إضافة إلى عدد من العسكريين القياديين بينهم ماجد محمد أمين وفاضل عباس المهداوي ووصفي طاهر وطه الشيخ أحمد وجلال الأوقاتي وخزعل السعدي وآخرين.

 

محمد السعدي

مدير مركز بيدر للثقافة والإعلام

....................................

- كتاب سلام عادل - الدال والمدلول، صدر عن دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2019 ويحتوي على 323 صفحة من الجم المتوسط.