منذ عصر الأنوار، ارتفعت أصوات الفلاسفة والمفكرين بإرساء أسس العدالة، وإقرار حقوق الإنسان لبناء مجتمعات ديموقراطية تضمن حقوق الفرد والجماعة، غير أن مطلب العدالة في علاقته بالماضي/الذاكرة، ظل في تجاذب مستمر بين السلطة والهامش، والظهور والكمون، وهو ما يحاول علي أوعبيشة مساءلته في كتابه "سياسات الذاكرة، بدائل علاجية بطعم المرض" الصادر عن سيليكي أخوين، 2017.

أحداث الماضي موضوع المساءلة، لم تنته باعتبارها ماضيا، أو مستقلة عن السلطة والحاضر، بل أصبحت امتدادا في الزمن بشكل من الأشكال، ومجالا للتأويل يتداخل فيه السياسي والاقتصادي والإيديولوجي، فتنتكس المعرفة التاريخية الحقة أمام برغماتية الفرد والجماعة، لذلك يدعو الكاتب إلى مساءلته مساءلة موضوعية، بعيدا عن المذهبية أو العرقية أو الاستجابة لمطالب التخلص منه لسبب من الأسباب.

يتخذ علي أعبيشة استراتيجية محكمة للتموقع في الزمان والمكان، فها هو يطرح سؤالا ماهويا ليضع قدميه على أرض صلبة، من نحن؟ سؤال جعله يتوقف عند مفهوم الهوية، الذي قال عنه بأنه ديناميكي يتشكل باستمرار، وتتمدد حدوده وتتقلص حسب المتغيرات الدقيقة غير القابلة للملاحظة أو القياس، غير أن تصوره هذا للهوية، كان الهدف منه كشف الهويات المنغلقة على ذاتها، والهوية المصطنعة والمزيفة خصوصا، التي نمت بسبب الاستعمار في بلدان شمال إفريقيا أمام غياب وعي تاريخي بالذاكرة، وحربائية القائمين على سياسات الذاكرة من خلال التنكر للهوية الأصل (بالرغم من عدم وجود الأصل حسب جاك ديريدا)، أي الأمازيغية الممتدة في التاريخ. وهو ما يعتبره كاتبنا ميتا-خطأ لغوي، الذي يجب تصحيحه لإنصاف الذاكرة، انصاف يتم باستجلاء الحقيقة التاريخية، وتكسير أصنام الفكر العروبي، الذين قاموا بإقصاء الاختلاف والتنوع وتهميش هويات تيارات الهامش، لذلك لم يسلم عبد الله العروي من انتقاد حاد لكاتبنا، لأنه انساق وراء تكريس التهميش الذي مارسته السلطة.

هكذا يشرح الكاتب مفارقات الواقع الفكري المغربي بمماحكة نقدية واقعية، ويكشف ألاعيب السلطة في تعاملها مع الماضي/الذاكرة، في ظل غياب حس نقدي منطقي لإحداث ثورات وزلازل، على غرار التي وقعت في أوربا، للقطع مع تنميط أحداث الماضي وتحنيطها لمصالح ضيقة دنيئة، إنه يؤمن بتقبل الحقيقة التاريخية مهما كانت مؤلمة ومأساوية، تصالح وإنصاف، وهو المدخل لبناء مجتمع ديموقراطي حداثي.

الذاكرة كما يراها الكاتب، من العوامل المحددة للهوية الثقافية والتاريخية، لهذا نشأ الصراع في بلقنة وتحريف الماضي، وليس تأريخه بموضوعية، ولهذا يعطي أمثلة الانتقال من الذاكرة التاريخية إلى الذاكرة الاحتفالية، التي تخلد الحدث رغم تفاهته لبسط الهيمنة والسيطرة، ولبسط توجهه، يرى أن الاحتفال بتقديم وثيقة الاستقلال في 11 من يناير جاء لتقويض أركان جيش التحرير ورموزه.

أمام هذا الوضع، أي شيطنة التاريخ، يخشى الكاتب عودة المكبوت، أي الجانب المضمر والخفي في الذاكرة، لأن عودته ستكون عودة جارفة في البحث الارتدادي عن الجذور والأصول، ولعل هذا ما يحدث في المغرب حاليا، وعودته يعني عودة صراع التأويلات، أي استحالة إمكانية إقامة حقيقة تاريخية، لأن الماضي سيكون بين إرادتي قوة، إرادة الزيف وإرادة إظهار الحقيقة.

وفي سياق الذاكرة والهوية، يسائل الكاتب مصطلح السوق اللغوية الذي نحته بيير بورديو، يوظفه لمساءلة السوق الثقافية في المغرب، حيث يؤاخذ على الدستور المغربي، الاهتمام والعناية باللغة العربية أكثر من الأمازيغية واللهجات والتعبيرات، فيحلل عباراته وينتقد توجهاته التي تكرس ماضي السلطة، الذاكرة المعتمدة من قبلها لبسط الهيمنة واستتباب الحكم.

والسوق اللغوية بمعنى من المعاني مرتبطة بالسوق التاريخية، السوق التي تحددها سياسات الذاكرة، وهو ما أدى إلى صراع أنطولوجي عميق بين ذاكرة رسمية، مركزية ومكتوبة، وذاكرة شعبية هامشية وشفهية، ولا سبيل للتصالح إلا بالحقيقة التاريخية حتى يتسنى للمغاربة تحقيق الانتقال الديموقراطي.

ولتحقيق هذا الانتقال الديموقراطي، يدعو الكاتب إلى تصحيح أعطاب الذاكرة، ليس من أجل الإقامة في الماضي، أي الرجوع إلى الماضي في حد ذاته، بل من أجل كسب رهان الحاضر، رهان مغرب ديموقراطي يضمن لكل فرد حقوقه وفق عدالة منصفة للجميع، والتطلع للبدائل المتاحة لتحقيق ذلك.

غير أن البدائل تبقى قاصرة حسب الكاتب، فها هو يتحدث عن مشروع عبد الله الحلوي التقنوي كما وصفه، الذي يركز على رهان التقنية لولوج مجتمع المعرفة، فيحلل ويناقش فيرد الحجة بالحجة والدليل بالدليل، وهنا يكشف الكاتب عن محور أطروحته، الإنسان باعتبار كائنا يعي نفسه في الزمان والمكان.

وفكرة الزمان تحضر، أيضا، في نقده لمقاربات الدولة المتعلقة بالإنصاف والمصالحة، المصالحة المعطوبة، حيث تملصت الدولة من تحمل مسؤوليتها بمحاسبة الجناة الذي ارتكبوا جرائم فردية وجماعية، وبمماحكة تحليلية لهذه التجربة المغربية، يظن الكاتب أن استبعاد العقاب هو شكل من أشكال التملص من المصالحة، وحتى إذا تحقق، أي العقاب، فإنه، غالبا، سيأتي على نظام الحكم كما وقع في بعض البلدان الأخرى.

يؤكد كاتبنا على الحق في الحقيقة، مهما كانت مفجعة، وهو أمر ضروري بالنسبة إليه لبناء مغرب ديموقراطي يراعي حقوق الإنسان، ولا يمكن أن يتأتى ذلك إلا بالانخراط في عدالة انتقالية شاملة، تكون بمثابة ثورة وزلزال بالقطع مع المزيف من ذاكرتنا الجماعية، هكذا أضحى تأثير الماضي في الحاضر، تأثيرا قويا، وقد يكون عنيفا لدرجة لا تطاق، إنه هدم للمحرف، وبناء للحقيقة التاريخية التي تتحكم بحاضرنا، إنها بدائل علاجية بطعم المرض...  

 

عبيد لبروزيين

 

 

35 رغيد النحاصبعد إصداره أحد عشر كتابا في أستراليا، توزعت بين التأليف والترجمة، وأربعة وعشرين عدداً من مجلّة "كلمات" للكتابة الخلاّقة بالعربيّة والإنكليزيّة، أطل علينا الدكتور رغيد النحّاس مؤخراً بكتاب جديد من أعماله صدر باللغتين العربية والإنكليزية ضمن منشورات "كلمات" في سدني، حمل عنوان "بدْر"، وضم 96 قصيدة نثر، قدمت قراءة لها الشاعرة والمستشارة الأدبية الأسترالية ليات كيربي، مؤكدة أن فلسفة الحب وماهيته القاطعة، وما يجب أن يتطلب من الأحبة، تتمثل لدى النحّاس في التناظر الإعجازي بين الطبيعة والكون. ولهذا، فكل الأشياء ذات صلة ببعضها الآخر، أو يمكن أن تتحقق هذه الصلة إذا توفرت الإرادة لدى البشر.

وهي إذ ترى أن الثمار المتوخاة للنحّاس فيما كتب، هي أن يكون الكل في الواحد، والواحد في الكل، وأن يبقى الحب الأصيل حبّأ سرمدياً، في وجوده الدنيوي، كما هي سرمدية مدار القمر، فإنها ترى في جانب مواز أن القصائد مكتوبة بمزيج من العاطفة والعزم اللذين يضخان الحياة في جوهر الأشياء، مع الكثير من الظرافة، وحضور دائم للذهن الذي يصور الكل في لوحات راقصة.

عندما ننتهي من قراءة النصوص، نجد أنفسنا متفقين إلى حد بعيد مع ما ذهبت إليه الشاعرة كيربي، في ضوء قراءتها لهذه المجموعة التي تعتمد التكثيف والإيجاز، وتتزين صفحاتها بتسع صور فوتغرافية بالألوان، التقطتها عدسة الدكتور النحّاس، و جاءت متناغمة مع النصوص، لتشكل تجانسا إبداعيا مفعماً بالقدرة على الإدهاش والإيحاء المؤثر، هذا إلى جانب صورة بالأسود والأبيض، التقطها لمجلس الشعب السوري 1966، ونشر على الصفحة المقابلة لها نصاً قصيراً، له أبعاده العميقة بالنسبة للانتماء والاغتراب الفكريّ والماديّ. يقول:

دمشق و "بدْر" حبيبتي

امرأة واحدة؛

تحبّني لكنّها لا تريد

الوقوع في غرامي ...

حملت المجموعة عنواناً فرعياً باللغة الانكليزية هو"أفكار في زمن الفيس بوك". وعندما نقرأ المجموعة نجد أن موقع التواصل الاجتماعي هذا، كان من محفّزات كتابتها، ولكن الأهم من ذلك،أن نصوصها عكست بين طياتها تجارب حياتية لها خصوصياتها ومغازيها في الحب والحياة، وتمحورت حول مقارنة قصّة الحب نفسها بين قرنين من الزمن، مع ما ينتج عن وسائل الاتصال، من البريد التقليدي إلى الإلكترونيّ، من تأثير على تطور العلاقة. وتصير القصّة مداراً شمولياً تنعكس فيه ومن خلاله عواطف وأفكار، تنطلق من الحب إلى آفاق أرحب، وتتلخص الأزمنة والأمكنة والأحداث في امرأة تغدو محوراً للحياة ومحوراً للكون، تدور حول الأشياء، وتدور الأشياء حولها.

في تقديمه المركّز للمجموعة، يعبر الدكتور النحّاس عن قناعته بأن وجه "فيسبوك" سيتغيّر بعد أربع وأربعين سنة من الآن، كثيراً، بل ربّما سيزول بشكل كامل. ويقدّم لنا بطل قصّة الحب بالضمير المتكلّم، وكيف أنه سبق أنْ تعرف قبل مثل هذا القدر من السنين، على إنسانة تكبره بثلاث عشرة سنة، يوم كان تلميذاً جامعيّاً في العلوم، وكانت هي أستاذة في الفلسفة، وكيف كان اهتمامهما المشترك بالشعر يقرّب بينهما، على الرغم من أنّهما كانا يعيشان في بلدين مختلفين، تراسلا شهوراً عديدة، ثم انتقلت هذه الانسانة للعيش في مدينته نفسها، والتدريس في الجامعة التي كان يدْرُس فيها.

ولايخفي علينا أن ذلك تبعته علاقة حبّ عارم وفّرت لبطل قصّة الحب أجمل أيّام حياته، وأن تلك المرأة كانت توأم روحه، صديقته، وحبيبة عمره. لكنْ، وفي أحد أيّام عيد الحب، أنْهَتْ علاقتهما. ذهب لزيارتها ومعه باقة من الورد الجوريّ لتُعْلِمه أنّ كلّ شيء انتهى بينهما. واليوم، وبعد مرور أربع وأربعين سنة، لا زال يعاني من خسارتها. كلّما استخدم فيسبوك، أو ماسنجر، أو سكايب، يتذكّر عذاب انتظار رسائلها التي كانت تصله بالبريد التقليديّ. ويسأل نفسه أيضاً: "كيف يمكن أنْ تبدأ علاقة وتنتهي خلال أسابيع، مقارنة مع بضع سنين، بفضل التقانة الحديثة؟"

ونجده يلقي أضواءً أكثر على هذا الموضوع، في نص نثري نشره على الصفحة 16 تحت عنوان "واحد بالبليون"، يشير فيه إلى أنه كان يتصفح ذات يوم صفحة فيسبوك عائدة لصديقة محترمة، وأراد أن ينقر علامة استحسان لما قرأ، فلاحظ أن المنشور حديث العهد، ولم يعلق عليه، أو يستحسنه أحد بعد، فتأهب لأن يكون أول من يقوم بذلك، وكان سعيداً حين سارع إلى نقر أيقونة "لايك". ولكن يا للعجب! في اللحظة عينها التي ظهر فيها اسمه على أنه أول الناقرين، ظهر إلى جانبه اسم حبيبته منذ أربع وأربعين سنة، التي طالما اعتبر أن حبهما، الذي أضاعته، كان فرصة واحد بالبليون.

وينهي هذا النص النثري بقوله: "بإمكانكم تصور دهشتي حين كنت أتوقع أن اسمي سيظهر لوحده لكنني رأيت الاسم الآخر يتوهج لحظة قبل أن يستقر الاسمان سويا جنبا إلى جنب. سرني أن كلينا كنا نقرأ ونحب الكلام نفسه. هل أقول إن فيسبوك وفر لنا فرصة أخرى من بليون فرصة؟"

أصبحت هذه المرأة جسده وسجنه، وهكذا نجده مع اعتذاره من أبي العلاء المعري في مقدمة نص حمل عنوان "رهين المحبسين" ، يخاطبهابقوله:

لبستكِ على جسدي جلداً،

صرتُ منه أتنفس.

وأستنشقَ ذهني روحكَ شغفاً

زاوَجَت روحي،

فصرت رهين محبسين:

أنا وأنتِ ...

سامحني أبا العلاء إن كان محبسي

حسناء من لحمٍ ودمْ،

فيها أرى الوجود ولا

ألزم منزلاً

ومع حرص المبدع النحّاس على أن تكتفي قصائد المجموعة بنفسها، دون حشو، أو ترهل، أو استطراد لا ضرورة له، نجد بينها ست قصائد تألفت واحدتها من شطرين فقط، دون أن يطلق عليها تسميات مثل "قصيدة الومضة"، أو "هايكو". ومنها قصيدة بعنوان "الفجر" جاءت كالتالي:

تستيقظين في ذاتي،

فيكتسب الفجر لوناً آخر

وفي نهاية المجموعة تأتي "الخاتمة" على شكل قصيدة قصيرة تعبر عن استمرار لوعة الفراق القاتلة، ولكن، ومن سخرية القدر، أنّ ما يبقيه مستيقظاً هو حلم مستمر بالأمل، رغم أنّه "الميْت الحيّ". وجدير بالذكر أنّ النحاس استعمل تعبيراً إنكليزيّاً، من استنباطه،لم يستعمل من قبل – حسب علمنا -، ليكون عنوان النسخة الإنكليزيّة لهذه الخاتمة (مقابل "المَيْت الحيّ"): "Dead-in-Waiting". وهذه ليست المرّة الأولى التي يأتينا فيها بتعابير مبتكرة.

ويخبرني النحّاس أنّه أحياناً يكتب بالإنكليزية أوّلاً، وأحياناً بالعربيّة. بعد ذلك يكتب الأفكار نفسها باللغة الأخرى، ولهذا لا يمكن اعتبار أنّ كلّ نسخة هي مجرّد ترجمة عن اللغة التي كتبت القطعة فيها أصلاً. ويعتبر النحّاس أنّ هذه الطريقة، على كلّ حال، هي المثلى في النقل الأدبي من لغة إلى أخرى، إذا أردنا اعتبارها ترجمة.

الغلاف والتصوير والتنضيد والإخراج كلّها من أعمال النحّاس، ما يتناسب مع أفكاره التكامليّة في معالجة القيم الحياتيّة التي يريدها متكاملة كما البدر، رغم حبّه للهلال ولنصف القمر كما خبّرني.

في "بحيرة لوغانو" يقول:

تظهرين هلالاً أو نصف قمر حيناً

لتطمئنيني أنّك لا زلت هناك.

ومع أنّك في ذهني دوماً،

وتسكنين روحي،

سأنتظر اكتمالك.

فأنا الذي يريد كلّك.

 

خالد الحلّي – ملبورن

34 جواد غلومصدرت مؤخرا عن دار أمل الجديدة في دمشق المجموعة الشعرية الرابعة للشاعر العراقي جواد غلوم والمسماة "كلما أفسدوا قلما طويتُ ورَقي" وتضمّ ثمان وثلاثون قصيدة وبأشكال شعرية متنوعة تتوزع مابين قصيدة مايسمى بالشعر المنثور وقصائد التفعيلة والشعر ذي الشطرين او ما يطلق عليه العمود الشعري .

في هذه المجموعة يتضح جليا مسعى الشاعر في الغور بأعماق التراث العربي مستشرفا بعض الحوادث التاريخية كما في قصيدة (شررٌ يتطاير من مثوى ابن المقفّع ) و(القصيدة الثانية لابن زريق البغدادي) وتأطيرهما بشكل شعري معاصر وجديد عمّا يجري الان مستفيدا من الحدث التاريخي السابق والعمل على عصرنته وتحديثه .

كما لا تخلو المجموعة من استشراف حالة الفوضى التي عمّت وطنه العراق طوال خمسة عشر عاما والكشف عن ملامحها وويلاتها ومعاناتها شعريا اذ تتراءى بوضوح في القصائد التالية (مرثية لوطني المحزون، تعالوا ايها البرابرة أنتم وريحُكم الصرصر، وقودُها العارُ والسفالة ، إطلالة على مدن الرماد ، في أرضك الزادُ ولا تهضمُ، حمامتي والطيور السود) .

سبق للشاعر ان صدرت له ثلاث مجموعات شعرية هي: حبالٌ لأرجوحةٍ متعبة عن دار الغاوون و حكاية الميمك الحزين عن الدار العربية للعلوم / ناشرون و حبّ امتناعٍ لامتناع عن دار أمل الجديدة .

صمم غلافَ المجموعة الفنانُ العراقي الدكتور مصدّق الحبيب .

 

 

علاء اللاميمرت قبل فترة الذكرى الثانية لرحيل الباحث العربي السوري جورج طرابيشي (توفي في 16 آذار 2016). وبهذه المناسبة سأقرأ معكم نقديا كتابه المهم "مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام" تحية لذكراه ولجهده العلمي الكبير والريادي.

اخترت هذا الكتاب، ليكون موضوع هذه القراءة/ التحية لأنه في اعتقادي من أهم وأعمق الكتب التي ألفها الراحل طرابيشي وأكثرها راهنية في ميدانها. وتنبع أهميته من أن الباحث الراحل تصدى فيه لمقولات ومفاهيم متأثرة إلى هذه الدرجة أو تلك، أو مشتقة مباشرة أو بشكل غير مباشر من الفكر الاستشراقي الأورومركزي المناوئ للثقافة والحضارة الشرقية عموما وللمنجز العربي الإسلامي منها، وخصوصا في ميداني الفلسفة والعلوم. هنا قراءة في الفصلين الثاني والثالث من الكتاب. وكنت قد توقفت قارئاً مقدمة الكتاب والفصل الأول منه في مناسبة أخرى:

في الفصل الثاني من كتابه، وعنوانه" عذابات الفلسفة في المسيحية الأولى"، يقدم طرابيشي جردا تاريخيا شاملا تقريبا، لوقائع علاقة المسيحية الأولى بالفلسفة والفلاسفة مما لا يسعنا الوقف عنده بإسهاب رغم ضرورة ذلك بل سنتوقف عند ما بدا لنا الأهم والأكثر راهنية. طرابيشي، في هذا الفصل، لا يفاضل بين موقف الدينين المسيحية والإسلام من الفلسفة، بل يحاول إفهامنا السياق المعرفي والتاريخي لكل منهما منظورا إليهما في شرطهما التاريخي الحقيقي. فهو ينظر إلى المسيحية مثلا كدين توحيدي ينشط في ساحة فكرية وثقافية وثنية "يونانية". ولذلك فهو يكرر منطلقه التفكيكي للظاهرة فيكتب (لقد قلنا إننا نطعن في الإشكالية ذاتها. ذلك أن المسيحية كالإسلام، دين وحي، ومرجعيته، مثله، إلى نص أول مطلق ينزع إلى تأسيس نفسه في عقيدة قويمة (أورثوذكسية) - بالمعنى اللغوي وليس الديني العقيدي لكلمة "أورثوذوكس" اليونانية والتي تعني الصائب، المستقيم، الصحيح، و القويم. ع.ل). تتنافى والروح الفلسفي الذي يقوم على البحث الشخصي، المستقل والحر، عن الحقيقة. ص25 مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام).

ومن الأمثلة على وقائع الصدام الطويل والمرير بين المسيحية الأولى والفلسفة والفلاسفة يستعرض طرابيشي العديد من الأمثلة نذكر منها بإيجاز الآتي:

- في القرن الميلادي الثاني تصدى أحد ورثة الفلسفة اليونانية القديمة وهو قلسوس الإبيقوري لنقد المسيحية فلسفيا، لتبيان تعارضها مع العقل. وخصص لذلك كتابا عنوانه " البيان الحق". هذا الكتاب اختفى من التراث الفلسفي الموجود ولم يصلنا منه سوى اقتباسات أدرجها أوريجاس في كتابه " الرد على قلسوس" وأوريجاس يعد أبرز المدافعين عن المسيحية، وألف كتابه هذا بعد موت مؤلف الكتاب الأصلي الذي اختفى.

- يمر طرابيشي على موقف الرسول بولص، الذي يصفه بعبارة "المؤسس الثاني للمسيحية"، وهو عندي المؤسس الأول للمسيحية، لأن يسوع المسيح لم يؤسس ديناً أو كنيسة بل قاد حركة مساواتية اجتماعية دينية انتهت الى الفشل المأساوي، وانتهى هو إلى المحاكمة من قبل مجلس السنهدرين اليهودي، ومن ثم الإعدام على الصليب الروماني. وموقف بولص كان واضح العداء للفلسفة: فهو لم يكتف بتحذير المسيحيين منها بل (أعلن عن الاستغناء عن الحاجة إلى الحكمة البشرية بعدما بزغت، على جناح الرسالة المسيحية، الحكمة الإلهية... ولئن حسب أحدكم نفسه حكيما ليوم الدينونة هذا العالم، فليعمل على ان يكون مجنونا كيما يصير حكيما، إذْ حكمة هذه الدنيا هي جنون أمام حكمة الله/ رسالة بولص الى أهل قولوس ك 2 ف9).

وبعد بولس جاء ترتليانس، ليواصل مهمة الدفاع عن "صحيح الإيمان" المسيحي والهجوم على الفلسفة ويدافع عن الحكمة الإلهية، حيث جعل المسيحيون الأوائل الأنبياء في مواجهة مباشرة مع الفلاسفة. كتب ترتلياس سنة 150 م (أي قاسم مشترك بين أثينا والقدس؟ بين أكاديمية أفلاطون والكنيسة؟ بين الهراطقة والنصارى؟ إنَّ مذهبنا آتٍ من رواق سليمان الذي علَّم بوجوب البحث عن الله بكل بساطة القلب. ترحىً "حزناً، بؤساً؟" لأولئك الذين ابتكروا مسيحية رواقية، أفلاطونية، جدلية! أما نحن فما عادت بنا حاجة إلى الفضول بعد يسوع المسيح، ولا إلى البحث بعد الإنجيل، يكفينا أن نؤمن حتى لا تعود بنا حاجة إلى الاعتقاد بشيء آخر. مصائر ص 32 م.س). بل أن ترتليانس يتهم الفلاسفة بأنهم انتحلوا حكمة الأنبياء ثم حرفوها وشوهوها ومن ثمَّ حكم على " تاريخ الفلسفة" بأنه ليس تاريخ تقدم بل " تاريخ انحطاط"!

- يتوقف طرابيشي بعد ذلك عند ما اصطلح عليها بـ "سرقة الفلسفة"، والتي قال بها بعض المسيحيين المعتدلين والذي كانوا مطلعين على الفلسفة اليونانية مثل كليمونضوس الإسكندري، فأراد هؤلاء أن يحفظوا شيئا من الكرامة للفلسفة والفلاسفة، بعد أن تزايد العداء المسيحي لهم فقال كليمونضوس في ما قال (إن أصل الفلسفة نبوي، وأخذه الفلاسفة عن هذا الأصل و لكن السحر انقلب على الساحر فاتهم كليمونضوس بأنه تأثر بآراء الفلاسفة الوثنين الذين تصدى لنقدهم ويستدرك طرابيشي مستذكرا تجربة أبي حامد الغزالي الذي تصدى للفلاسفة العرب المسلمين ولكنه اتهم من قبل المحافظين المسلمين بأنه (بلع الفلاسفة ثم لم يقدر أن يتقيأهم). أما انا فيذكرني كلام كليمونضوس بمحاولة ابن رشد لمصالحة الفلسفة مع الشريعة، لأنهما، حسب قولته الشهيرة، أختان بالرضاعة ومصطحبتان بالطبع، متحابتان بالجوهر والغريزة.

ثمَّ انحط مستوى النقد المسيحي للفلسفة بعد ذلك، ودخل بعض رجال الدين المسيحيين مرحلة التشويه والنيل من شخوص الفلاسفة وآدميتهم. فأُلِّفت الكشاكيل بالنكات والنوادر الجارحة بحقهم، فقد ألف يوستينس كتابا سخر وتهكم فيه من الفلاسفة اليونانين وصورهم وكأنهم ضفادع وجناة يجمعون بين سوء الخِلقة وسوء الخُلق. من ذلك مثلا ما قاله عن أفلاطون وكيف بِيعَ بَيْعَ العبيد لأنه شره، واتهم أرسطو بالغباء وتملق الاسكندر المقدوني. أما ديوجانوس فقال عنه إنه أكل أخطبوطاً نيئاً ومات ببطنته وشرهه للطعام، واتهم الفيلسوف أرستيس بأنه كان يتعاطى الفجور والفسق تحت قناع الوقاع.

أما القديس ثيوفيلوس أسقف انطاكيا، فكان يكن كرها شديدا للفلسفة والفلاسفة، فواصل خط التشنيع عليهم جميعا، متهما كل فيلسوف منهم بتهمةٍ تتراوح بين التهتك الجنسي لدى أفلاطون، وزنى المحارم عند أبيقور، واللواط عند الفلاسفة الرواقيين، بل انه اتهم زينون وديوجانس بأكل لحم البشر. ص35 مصائر. م.س.

ومع حلول القرن الرابع الميلادي أصبحت صفة "اليونانية" مرذولة ومذمومة من قبل المسيحيين. وقد هجا القديس غريغوريوس النزيانزي مدينة أثينا التي درس فيها، ووصفها بانها عاصمة الوثنية المشؤومة. أما كتاب "تعاليم الرسل" وهو الكتاب الأساسي للعقيدة المسيحية والأكثر تداولا فقد حثَّ المؤمنين على الامتناع التام عن قراءة كتب الفلسفة وأخذ غذائهم العقلي من الإنجيل فقط.

ومع تنصر الدولة الرومانية، في عهد قسطنطين في القرن الرابع، كفت المسيحية عن أن تكون ديانة مضطَهَدَة لتغدو ديانة دولة قامعة. وبدأت عملية قمع الهرطقات والمذاهب المختلفة عن، والمخالفة لدين الدولة. وولدت العقيدة " الصراطية المسننة" وأصبحت الفرق الجديدة متهمة بأنها من قبيل " المبتدِعة " أما "الفرقة الناجية" فهي فرقة الدولة وحدها.

إنَّ تاريخ الفرق والانشقاقات والهرطقات في تاريخ المسيحية الأولى يبدو لا نهاية له. ويحصي طرابيشي ثلاثة وعشرين اسما من أكبر وأشهر أسماء تلك الفرق والجماعات. وبعد مجمع نيقا المسكوني الديني والذي عقد بدعوة من الإمبراطور قسطنطين سنة 325م، وافتتحه شخصيا. وكان الهدف منه مواجهة وتصفية الإريوسية (نسبة إلى الأسقف إريوس الإسكندري وهو من أصل ليبي أمازيغي، عاش بين 256 و336م) بوصفها هرطقة مضادة للعقيدة المسيحية، ولها أنصارها داخل المسيحية. وانتهى الصراع معها بولادة ما سمي "العقيدة الصراطية المسننة"، في نص عرض للتوقيع عليه من قبل الحاضرين في المجمع وقرر الإمبراطور معاقبة الرافضين للتوقيع عليه بالنفي من البلاد، فاختار الرافضون النفي.

في تلك العهود أصبح الدين يقوم مقام أيديولوجيا شمولية، وكان قرار الحرم أو التكفير حتى إذا كان مقيدا بالاستتابة هو أخطر قرار يمكن اتخاذه ضد الانسان الفرد. وتكرس "تدخل العنف في محراب اللاهوت" وأصبحت مطاردة الهراطقة ونفيهم أو قتلهم واجبا رئيسيا للدولة الرومانية منذ الامبراطور ثيودوذس الثاني 428 م. وحين رفض بطريك القسطنطينية نسطور (المولود في مدينة مرعش السورية) القول بأن "مريم العذراء هي أم الله" ثار ضده الإسكندرانيين بزعامة البطريك كوريلس. ثم عزل عن منصبه ومن كل السلك الكنسي وشبه بخائن المسيح يهوذا الاسخريوطي، وبكونه عدو الإيمان، ثم عوقب بالنفي في ثلاثة قرارات رفض نسطور الانصياع لها ولم تنفذ. ثم دارت الدائرة على أعداء نسطور فعوقبوا بالطرد والعزل الكنسي. ووضع كوريلس وميمون خصما نسطور في السجن، ولكن كوريلس تمكن من رشوة حراس السجن والهرب والعودة إلى الإسكندرية. وبدأ عصر الاضطرابات والانتفاضات والانشقاقات والحروب الدامية ذات الجذور الدينية المتعلقة بالخلافات بين الشيع والمذاهب المسيحية بعد أن تمت تصفية الفلسفة اليونانية وممثليها تصفية تامة.

واعتبرت الفلسفة والتراث الإغريقي " الهليني" نوعا من المرض حسب تعبير الأسقف ثيودورايس، الذي ألف كتابا كان له رواج عظيم عنوانه "طريقة لشفاء الأمراض الهلينية". وعُزل وقُتل وسُجن رجال دين وحكم كثيرون، وأحرقت ودمرت مدن عديدة. ففي مجزرة واحدة قتل ثلاثمائة وخمسين راهبا في كمين نصبه لهم سايروس الأنطاكي، رئيس البطريكية الأنطاكية، لأنهم من " الخلقيدونيين = القائلين بأن للمسيح طبيعتين ومشيئتين". وقد قمعت جميع مظاهر الثقافة اليونانية وأصدر الإمبراطور قنسطنسيوس بن قسطنطين مراسيم إمبراطورية بإغلاق جميع المعابد ومنع الدخول إليها تحت طائلة قطع الرأس ومصادرة جميع الأملاك للمخالفين. ثم أصدر قرارا بمنع تقديم الأضاحي. وأتبعها بثلاثة قرارات تقضي بمنع العلماء والمشتغلين في الرياضيات والمتكهنين والعرافين و"الكلدانيين" أي ممن يشتغلون في علم الفلك وما هو قريب منه.

وفي عهد يوستينس صدر قرار بحظر الوظيفة العامة على الهراطقة، وبإقصائهم من الجيش. وقد طرد ما لا يقل عن خمسين أسقفا ممن لا يوثق في استقامة عقيدتهم. ثم أمر بأن تكون وحدة العقيدة شاملة ليس فقط للمسيحيين والهراطقة من بينهم بل شمل بها حتى ذوي الأديان الأخرى كاليهود والسامريين والبقية الباقية من الوثنيين. وفي عهده بدأت الدعوات العِرقية القائلة بتفوق العِرق الروماني على سائر الأعراق البشرية الأخرى بالبروز والانتشار.

في منتصف القرن السادس الميلادي، بدأت حملات التنصير القسري وفرض دين الدولة بالقوة على الناس، وشملت عاصمة الإمبراطورية القسطنطينية. وكان كهنة المعابد الوثنية يعتقلون وتبتر أطرافهم، ويطاف بهم وهم عراة في المدن، وتحرق كتبهم في الساحات. ثم أغلق يوستنيانس جامعة الفلسفة في أثينا سنة 529. وطال الإرهاب الديني الفلاسفة في الأقاليم البعيدة، فقد لاحق أسقف الإسكندرية أثناسيوس الفلاسفة واضطهدهم، وقُتلت الفيلسوفة الإسكندرانية الأفلاطونية هيباثيا سنة 415 على أيدي الغوغاء. وبدأ الفلاسفة والعلماء المطاردون بالهرب واللجوء الى بلاد فارس المجوسية، حيث أمر كسرى أنوشروان باستقبالهم وإكرامهم وأمر بترجمة عدة محاورات أفلاطونية الى اللغة الفهلوية والسريانية.

يخلص طرابيشي في نهاية استعراضه المهم هذا لوقائع اضطهاد الفلسفة والفلاسفة والهراطقة والمنشقين المسيحيين على العقيدة الرسمية في عهد المسيحية الأولى إلى القول الفصل الآتي والذي يخلص جوهر ما تقدم (إنَّ تاريخ الفلسفة في مسيحية القرون الأولى هو تاريخ قطيعة وغياب. ذلك أن "الفلسفة؟" والعقيدة القويمة ضدان لا يجتمعان. وكما أن العقيدة القويمة لا تقبل فلسفة خارجها لأنها لا تفرز فلسفة من داخلها... الفلسفة حتى ولو كانت مسيحية، فإنها لا تملك إلا أن تكون سؤالا وإلا كفت عن ان تكون فلسفة. ص66 مصائر م.س).

ولكي يكتمل مشهد مثلث العلاقات بين الفلسفة والمسيحية والإسلام يكرس طرابيشي فصلا خاصا هو الثالث من كتابه لوقائع الارتكابات المعادية للفلسفة في الإسلام، لا بقصد المفاضلة بين طرفين بل بهدف قراءة تلك العلاقات في سياقاتها التاريخية الواقعية، كاشفا ومفندا في الآن ذاته الدعوات الأورومركزية الرينانية ونسخها أو اشتقاقاتها العربية. بادئا بقراءة الدراسة التاريخية العينية التي قدمها أبرز ممثلي الرينانية المستشرق غولدزيهمر سنة 1915 والمعنونة "موقف أهل السنة القدماء بإزاء علوم الأوائل" والتي ترجمها عبد الرحمن بدوي.

ويسجل طرابيشي أن العرض الطويل الذي قدمه غولدزيهمر لارتكابات السلطات والجهات الدينية العربية الإسلامية كشواهد على سوء مآل الفلسفة في الفكر العربي الإسلامي، يخلو من أي إشارات حقيقية لوجود الفلسفة العربية الإسلامية نفسها. وأن ثمة سكوتا عنها في هذا العرض (فكل ما يحظى به هذا الوجود هو محض إشارة مقتضبة في مطلع مقالته إلى أن "علوم الأوائل" هي على حد تعبيره "العلوم التي نفذت إلى البيئة العربية الإسلامية بتأثير المؤلفات المأخوذة عن الكتب اليونانية" ويخلص طرابيشي إلى الاستنتاج التالي: إنَّ تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية الذي قدمه غولدزيهمر (هو تاريخ غياب لا تاريخ حضور).

وبعد أن يعرض طرابيشي عشرات الأمثلة التي أوردها غولدزيهمر على الانتهاكات العربية الاسلامية بحق الفلسفة والفلاسفة في بلاد العرب يلاحظ أنها ليست موضع تشكيك ولكنها كلها منتزعة من السجلات التاريخية للقرن السادس والسابع والثامن ولا وجود لشاهد واحد يعود إلى ما قبل القرن الخامس الهجري. ويسجل كيف أن تلك الارتكابات المعادية للفلسفة بلغت ذروتها مع ابن تيمية، الذي اعتبر ابن سينا وأصحابه الفلاسفة (من أخسِّ الناس علما وعملا وكفار اليهود والنصارى أشرف علما وعملا منهم من وجوه كثيرة)، بمعنى أن تلك الارتكابات حدثت في فترة بدء الانحدار والتأزم الحضاري وليس في عصر الازدهار الفلسفي والعلمي العربي الذي دام عدة قرون وهذا أمر له دلالاته.

ولم يقصر ابن تيمية هجاءه على الفلاسفة والمتفلسفين الإغريق، بل طال بتكفيره أمة اليونان كلها واعتبرها أمة عدوة للإسلام، وجعل حكمها كحكم الزنادقة والملاحدة والكفار ودمغهم بالشرك. أما فتوى ابن الصلاح ضد الفلسفة والمنطق والتي أفتى فيها بأن (الفلسفةَ أسُّ السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة "..." فالواجب على السلطان أعزه الله أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المشائيم، ويخرجهم من المدارس ويبعدهم) فقد قال طرابيشي عنها، أنها (على خطورتها، تبقى - فتوى دينية - من خارج الفلسفة والمنطق)، والحال أنها كذلك فعلا، لا ينفي - كما أعتقد - احتسابها على حالة العلاقة بين الإسلام والفلسفة في الإطار العام، مثلما احتسبنا حالات مماثلة لرجال دين وجهات دينية مسيحية أفتت بمضامين كهذه ضد الفلسفة.

ويعلل طرابيشي توقف غولدزيهمر عند حملة المتوكل العباسي ضد الفلسفة والفلاسفة واضطهادهم بأنها لم تكن تعبر عن عداء للفلسفة بما هي فلسفة، بل جاءت كردة فعل حادة على تجربة المعتزلة المحسوبين على تيار العقلانية والتنوير الفلسفي آنذاك، والذين هيمنوا على السلطات السياسية والثقافية والقضائية في عهد المأمون ومارسوا قمعا ضد خصومهم العقيديين. وكانت تجربة الهيمنة الفلسفية المعتزلية على تلك السلطات تجربة لا مثيل لها في كل التاريخ الأوروبي الغربي أو الشرقي.

بعد كل ما تقدم، ينتهي طرابيشي إلى الخلاصة المهمة التالية: (إن الوقائع عنيدة كما يقول المثل. ووقائع التاريخ العربي الإسلامي تقول إنَّ الفلسفة العربية الإسلامية قد وجدت، وإن عشرات من الفلاسفة من المسلمين، سنة وشيعة، ومن النصارى واليهود والصابئة قد عاشوا ونبغوا في القرنين الثاني والثالث والرابع للهجرة، وألفوا كتبهم بالمئات، واصطنعوا بالعربية لغة فلسفية لا تصمد في المقارنة معها، قبل ثورة الحداثة الأوروبية، سوى اللغة اليونانية في العصر الهلنيستي أو لاتينية العصر الوسيط المتأخر. ص 80 مصائر.م.س).

ورغم كل ما حدث في ساحة العلاقة بين الإسلام والفلسفة، وخصوصا بعد ما سمي بـ"الضربة القاصمة" التي يقال إن الغزالي قد وجهها الى الفلسفة في كتابه "تهافت الفلاسفة"، فقد رد عليه ابن رشد بعد أكثر من سبعين عاما تقريبا بكتابه الحاسم "تهافت التهافت"، وكانت الكلمة الأخيرة لابن رشد غربا والرازي شرقا، قبل أن يدخل العالم العربي الإسلامي في دورة انحطاط حضاري طويل بدأ مع سقوط بغداد والمشرق العربي تحت سنابك خيل المغول سنة 1258م، أي بعد أكثر من ستين عاما على وفاة ابن رشد، وما أعقب ذلك من احتلال وغزوات وحروب. ويختم طرابيشي هذا الفصل بالكلمات التالية: (لقد ظل ابن رشد في أقصى المغرب يعلن أن الحكمة "الفلسفة" هي صاحبة الشريعة، والأخت الرضيعة، وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر والغريزة) مثلما ظل فخر الدين الرازي في أقصى الشرق مصمما على الجمع بين الفلسفة وعلم الكلام - منهجيا لا عقيديا- من خلال ما سماه ابن خلدون " طريقة المتأخرين").

أما موقف طرابيشي مما سمي " نظرية الضربة القاضية " التي وجهها الغزالي للفلسفة والتي يتبناها زميله الراحل الجابري نقلا عن المستشرق الهولندي دي بور، فهو موقف حاسم ينطوي على انتباهة عميقة فهو يقول (إن هذه النظرية هي إما نظرية ساذجة أو سيئة النية). وهي عنده ساذجة، لأنها تعتقد (أن بمستطاع فقيه متكلم – كان فضلا عن ذلك موظفا أيديولوجيا لدى الدولة السلجوقية - والمقصود الغزالي-  أن ينهي بمفرده الفلسفة ويهير صرحها بمعول النقد "الخاصي" أو بمعول التبديع والتكفير " العامي". ص 80 م.س). وهي سيئة النية لأن الغرض المسكوت عنه فيها هو أن الفلسفة العربية الإسلامية هشة بتكوينها وسريعة العطب بطبيعتها "المستوردة" وقابلة للسقوط من الضربة الأولى لأنها مزدرعة ولا جذور لها في تربة الحضارة العربية الإسلامية. وفي كلا الحالتين، السذاجة أو سوء النية فإن نظرية " الضربة القاضية " (ليس لها سوى مؤدى ضمني واحد هو: أن الفلسفة في حضارة الإسلام عرض عارض، صدفة تاريخية، بينما هي في حضارة المسيحية جوهر ثابت وقانون تاريخي. ص81 مصائر . م.س). وبكلمات معبرة أخرى يلخص طرابيشي الوضع كالاتي (تنقلب الحقيقة التاريخية مرتين: فمنفى الفلسفة في مسيحية القرون الأولى يغدوا وطنا، وتوطن الفلسفة في إسلام القرون الأولى يغدو مهجرا). إن هذا العرض البليغ والمقتصد الذي يقدمه طرابيشي يكشف فعلا عن المحتوى الحقيقي لمقولة ضربة الغزالي القاضية ويكشف عن المسكوت عنه فيها كشفا لا مزيد على وضوحه.

إن طرابيشي لا ينكر واقع وحدوث "ضربة الغزالي" الموجهة إلى لفلسفة ولكنه يسجل حقيقية تاريخية يقفز عليها القائلون بها، وهي أن الفلسفة العربية، وبعد ازدهارها في القرنين الثاني والثالث وجزء من الرابع الهجري ماتت فعلاً، وأن ضربة الغزالي جاءت موجهة إلى جثة ليس فيها حياة. فالفلاسفة الذين كفرهم وبدَّعهم، اعتبارهم من أهل البِدَع، كانوا قد ماتوا قبل نصف قرن تقريبا ولم يعد بوسعهم الرد عليه، والذي رد عليه هو ابن رشد في كتابه "تهافت التهافت" بعد خمسة وسبعين عاما وبعد أن دخلت الفلسفة حالة من السرية أو شبه السرية في الأندلس حيث كان ابن رشد يعيش بحماية البلاط "الحكم" ليسلم، جزئيا، من قمع ممثلي "العقيدة المسننة القويمة " هناك وهذا أمر وفرته له المصادفة ولم يتوفر لزملائه في المشرق العربي. وإن حقيقة موت الفلسفة معناه أنها عاشت وتطاول عمرها الى ثلاثة قرون تقريبا أعطت ما أعطته خلال تلك القرون وتحولت بعدها إلى تراث حي شأنها في ذلك شأن التجارب الفلسفية المشابهة في بلاد الإغريق قبل أن تحصل على تحويلتها الأوروبية الخاصة.

أما أسباب موت الفلسفة العربية الإسلامية هي ذاتها الأسباب التاريخية التي أدت الى موت الفلسفة اليونانية في عهد المسيحية الأولى ومنع ولادة فلسفة مسيحية. وبكلمات طرابيشي (فما قتل الفلسفة مرتين في مسيحية القرون الأولى قتلها للمرة الثالثة في إسلام القرون المتأخرة: تسنين العقيدة القويمة. مصائر ص 82 م.س). ومع أن طرابيشي لم يوضح الجذر اللغوي لمفردة "تسنين" ولكننا نفهم المقصود بها من السياق العام لكلامه فهو يعيد بدايات " تسنين العقيدة القويمة" إلى أحمد بن حنبل في القرن الثالث الهجري أو بالأحرى (إلى الحركة التي قادها أهل الحديث وشريحة متعاظمة من الفقهاء تحت اسمه، والتي بلغت ذروتها المتشددة مع ابن تيمية (661- 728 هـ) والذي لقب بحق مجدد الحنبلية في القرن الثامن. ص 82 م.س)، رغم أن ابن تيمية لم يرحم حتى الغزالي "صاحب الضربة القاضية المزعومة ضد الفلسفة والفلاسفة" وكان – كما يقول طرابيشي - يوجه له الصفعات في كل كتاب من كتبه بمناسبة وبدونها حتى كتب (شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج فما قدر).

ولعل أبرز مرتكز يوضح المراد بهذه المدرسة الإجماعية هو قول ابن حنبل (ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية). أي أن الاجتهاد والإبداع والتساؤل الفردي صار حراما ممنوعا لأنه يعني الخروج على الجماعة والإجماع. ويربط طرابيشي على سبيل التأصيل والمشابهة بين هذه المدرسة العقيدية الحنبلية وبين عقيدة - أو قانون إيمان ( Crédo ) في اللاهوت المسيحي المعادي للفلسفة والذي تقدم الكلام عنه، ثم يأتي بنصوص أوردها فقهاء حنابلة منهم ابن أبي يعلى في " طبقات الحنابلة" قريبة كل القرب على قانون الإيمان الذي انتجه مجمع نيقا المسكوني لتقرير صفات المؤمن " بصحيح الإيمان". ثم يسجل طرابيشي ميزتين حاسمتين للمدرسة الحنبلية وهما إنها أكثر "سنية" أي أكثر تمسكا من غيرها بالعقيدة القويمة لأنها مدرسة حديث في حين كانت المدراس الأخرى كالحنفية والشافعية والمالكية تعتمد على الاجتهاد والقياس والترجيح. والميزة الحاسمة الثانية هي أن الحنبلية كانت مدرسة فقه وكلام معا بعكس المدراس الفقهية الأخرى التي كانت إما مدارس فقه كالحنفية والشافعية والمالكية أو مدراس كلام كالمعتزلة والأشاعرة.

فرق آخر يسجله طرابيشي بين الحنبلية وسواها وهو انها كانت تتوجه الى الجمهور العريض أو " العامة" بمفردات التراث بخلاف المدارس الكلامية كالمعتزلية والأشعرية التي كانت تتوجه وتخاطب النخبة المثقفة في المجتمع العربي المسلم ىنذاك. ولهذا كانت الحنبلية تجند دعاتها من صفوف المحدثين والوعاظ والقصاص الشعبيين وممن هم على صلة بالطبقات الشعبية العميقة وعلى هذا النحو امتلكت طاقة تعبوية لم تتح لأية فرقة سنية أخرى. ص 87. م.س). وبالنظر إلى واقعنا المعاش في القرن الحادي والعشرين يمكننا القول: إن الحركات السلفية التكفيرية المعاصرة ونسخها التيمية المستحدثة كالوهابية في زماننا ما تزال تنحو نحو المدرسة الحنبلية في توجهها إلى الطبقات الشعبية العميقة لتبني لنفسها حاضنة جماهيرية واسعة تساعدها على تحقيق وبناء هيمنة عقيدتها الشمولية الصارمة الواحدية.

في نهاية كتابه يلخص طرابيشي تاريخ ثلاثية الفلسفة والمسيحية والإسلام بالكلمات القليلة والبليغة التالية (ماذا حدث في هذا التاريخ " موضوع الدراسة"؟ العالم المسيحي وبعد انحطاط دام ألف سنة بدأ يتقدم. والعالم الإسلامي وبعد تقدم خمسة قرون طفق يتراجع. العالم المسيحي انتهى إلى ما بدأ منه العالم الإسلامي والعالم الإسلامي انتهى إلى ما بدأ منه العالم المسيحي... ونعتقد أن الموقف من الفلسفة أي من مسألة العقل في خاتمة المطاف هو من العوامل التي ينبغي أن تؤخذ بنظر الاعتبار، فالتقدم وبالتالي التأخر، هو أيضا، وربما أساسا مسألة عقل ومسألة عقليات. ولئن يكن العالم المسيحي غرق في ظلام الشطر الأول من القرون الوسطى فلسنا نستطيع أن نستبعد من شبكة السببيات طرد الفلسفة وحنى اللاهوت خارج المدينة المسيحية. ولئن يكن العالم الإسلامي قد خرق التحقيب التقليدي للقرون الوسطى وعرف في القرون الخمسة الأولى عصرا ذهبيا مشرقا فلسنا نستطيع أن نستبعد من شبكة السببيات أيضا إفساح مكان واسع للفلسفة كما لعلم الكلام في المدينة الإسلامية... هناك كانت قطيعة مع العقل وحتى مع العقل الديني وهنا اتصالية مع العقل بما فيه العقل الديني. ثم كان الانقلاب الكبير في التاريخ كما في الجغرافية. العالم المسيحي الذي انحسر غربا مع سقوط القسطنطينية أقلع باتجاه التقدم بعد أن فتح أسواره بدءا من القرن الثاني عشر أمام اللاهوت ثم الفلسفة. والعالم الإسلامي، الذي انحسر شرقا مع سقوط الأندلس ألقى مرساته في مستنقع التخلف بعد أن طرد خارج أسواره الفلسفة أولا ثم علم الكلام.... تحت ضغط جائحتين مدمرتين للحضارة هما الغزو الصليبي والغزو المغولي. ص 121 وما بعدها - مصائر م .س).

*لم أتوقف عند موقف الراحل طرابيشي من الحرب في سوريا لأنه خارج نطاق البحث، على أهميته. فالرجل لم يكتب سوى مقالتين حول الموضوع أراد أن تكونا متوازنتين وحذرتين ولكن بعض المعارضين من مثقفي المجموعات المسلحة قوَّلوا الرجل بعد وفاته ما لم يقله فزعموا كما يقول أسعد أبو خليل ساخرا منهم (أسرّ لنا ان طرابيشي أخبره عن معارضته لنظام الأسد، لكن صبحي الحديدي (وهو مؤيّد لـ«الثورة السوريّة» في مرثيّته في «القدس العربي» اعترف بأنه كان يختلف مع طرابيشي في الموضوع السوري. ولماذا الإيحاء عن مواقف لطرابيشي في موته وهو كان يتجنّب التعليق في حياته. مقالة لأسعد أبو خليل في الأخبار عدد 26 آذار 20116).

يبدو لي أن ضخامة كارثة القتل والتدمير خلال الحرب السورية صدمت المفكر الراحل ودفعت به الى العزلة والصمت والانطواء وربما قربته من رحيله الأبدي فكان آخر ما قاله قبل أيام من وفاته لجاره في الحي السكني صبحي الحديدي بلهجة حزينة وكأني به أراد أن يسجل احتجاجا قبل رحيله أمام أحد أنصار الخراب فقال لحديدي (لوين رايح بلدنا؟). فرد عليه الأخير، مازحا كما يزعم، بشعاره المستفِز مع كل هذا الدمار (رايحين عَ الحرية).

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

.............................

رابط يحيل الى الجزء الأول من "المقالة الأولى" من الدراسة:

http://www.almothaqaf.com/a/b8/926421

 

 

31 رضوان الحداويصدر حديثا للكاتب المغربي الأستاذ الباحث رضوان الحداوي في أواخر سنة 2017، كتاب بعنوان "دور الكتاب في التنمية والثقافة جامعة القاضي عياض مراكش أنموذجا" عن المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش. وتم تصميم غلاف هذا الكتاب من طرف المبدع أحمد عسافي من الإمارات، وتكلفت الأستاذة صباح القصير بالتصفيف والإخراج الفني. وأول حفل لتوقيع هذا الكتاب تم في رواق وزارة الثقافة والاتصال بالمعرض الدولي للكتاب والنشر 2018.

يتناول هذا الكتاب علاقة الكتاب بالتنمية والثقافة، الذي قسمه الكاتب إلى ثلاثة فصول أساسية حيث حدد في الفصل الأول مجموعة من المفاهيم التي لها علاقة بموضوع الكتاب، التنمية، الثقافة والجامعة، أما الفصل الثاني فقد تم فيه تشخيص واقع حال إنتاج الكتاب بجامعة القاضي عياض مراكش، ودور الإنترنيت في العزوف عن الكتاب الورقي، ومستوى القراءة عند الأساتذة، والمقارنة بين جامعة القاضي عياض مراكش وجامعة محمد الخامس أڭدال الرباط. كما هو معلوم لا يمكن الحديث عن إنتاج الكتاب دون مشاكل واقتراح بعض الحلول أيضا، ذلك ما بينه الأستاذ الباحث. وفي الفصل الثالث أبرز الكاتب دور الكتاب في التنمية البشرية والثقافة من خلال التنمية المعرفية والاقتصادية والاجتماعية.

جاء على غلاف الكتاب، إن مساهمة الجامعة في التنمية البشرية من خلال الاهتمام بإنتاج الكتاب كمجال هام يجب تقويته وجعله من الأولويات بالجامعة، لأنه كلما تقدم البحث العلمي فيها كلما تقدمت مراتبها وكونت أطراً جيدة ذات كفاءة تقوم على التطوير الكيفي للمعرفة الإنسانية التي تحتاج إلى جعلها في عمق كل تنمية اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية وبيئية، فمجال المراهنة اليوم وفي المستقبل هو المراهنة على البحث العلمي، واقتصاد المعرفة، واقتصاد الذكاء الذي لا تتم أي تنمية أو أي تطور بدونها. كما أن الكتاب يساهم في تحقيق بعد من أبعاد التنمية البشرية وهو تنمية قدرات الإنسان العقلية والفكرية الإبداعية وتنمية ثقافته وبناء رأسمال بشري قادر على مواكبة التقدم العلمي والحضاري، وباعتبار المكتبة المدرسية مكانا لتداوله فهي الأخرى تلعب دورا كبيرا في تكوين الشخصية الاجتماعية المنشودة التي ستدفع بالمجتمع إلى الالتحاق بركب الدول المتقدمة للوصول إلى هذا الهدف أي النهوض بالمجتمع، ومن الأساسي والضروري السهر على تكوين وبناء شخصية الطفل باعتباره الحجر الأساس لبناء المجتمع.              

جدير بالذكر أن الكاتب نشرت له عدة مقالات آخرها في مجلة الثقافة الجنوبية العدد السابع 2017.                

 

28 فرات المحسنعن دار نشر اوروك ميديا في ستوكهولم صدرت اليوم مجموعة الكاتب فرات المحسن التي يتحدث فيها عما تخلفه الحرب من تداعيات على النفس البشرية، حتى بعد ان تنتهي. هذه الطبعة جديدة ومنقحة وعلى غلاف الكتاب يلخص الكاتب طالب عبدالأمير موضوعتها بالنص التالي:

"من يسمل عين الحرب؟"

سؤال غير بديهي يستقبل به القاص فرات المحسن قارئ مجموعته القصصية هذه، متخيلاً الحرب، أي حرب كانت غولاً بعين واحدة، عين حاقدة لاترى غير الدمار.  

لكنه لاينتظر الجواب، فهو مدرك بأن ليس بمقدور احد منا فعل هذا، رغم بشاعة الحرب ودمارها للنفس البشرية. وهو واع لصعوبة ان يخرج المرء منها- لو استطاع ذلك، - دون ان يصاب بعاهة جسدية او نفسية.

إذاً هو يخبر القارئ بأن قصصه تتحدث عن الحرب، ليكون مستعداً لما سيلاقيه بين دفات الكتاب من ادوات ومظاهر وسياقات ثقيلة قاتمه تصنعها آلياتها وماتخلفه من دمار للبشر والمباني والمدن وغيرها. لكن القارئ لم يلتق بالحرب بمفهومها المادي الفيزياوي، بل بمعايشات أناس لوثتهمم وتركتهم منزوعي الارادة، وهم الذين لديهم ذكريات وأحلام لم يبق منها سوى صور من ماضي لايختلف، في كثير من الأحيان، عن بشاعة الحرب نفسها. فالحرب تأتي هنا في خلفية حيوات الشخصيات وتتجسد في ممارساتها وتصرفاتها كنتيجة لتأثيراتها على حياة كل منهم. بمعنى أن القاص يتناول الانسأن بآدميته، كبريائه وجبنه، خوفه واقدامه، وكل ما يتعلق باردانه من رياح الحياة ودوامتها.

حسيب شحادةبين دفّتي هذين الكتابين ستّمائة وخمس وخمسون صفحة؛ يبدأ القارىء رحلته الماتعة فيهما، ولا يضعهما جانبًا إلّا بعد الوصول إلى تمامهما. هاتان السيرتان، ذاتية وأدبية، فيهما من هذا اللون ومن ذاك اللون الكتابي، إضافة لمواضيع كثيرة هامّة تخصّ صلب نواحٍ عديدة من الحياة العربية في البلاد، ثقافيًا واجتماعيًا، قوميًا وسياسيا، بلاد الآباء والأجداد. السيرة الذاتية هنا تختلف كثيرًا عن السيرة الذاتية التقليدية، هنا لا يشعر القارىء بوجود الكاتب، عبد الله، لفظة الأنا لا وجود لها ولا تفاصيل عن ”ابنة الكلب“ التي كانت السبب في ميلاد السيرة. وينسحب الأمر ذاته بخصوص الكتاب الآخر. أمامنا عمل أدبي ومعرفي رفيع مبنىً ومضمونًا، ولا بدّ للجيل الصاعد بشكل خاصّ أن يقرأ، لا بل أن يدرس ما رصد فيهما حول فترة زمنية ليست ببعيدة، ولكنّها غير معروفة كما ينبغي بالنسبة لقطاع واسع من فلذات أكبادنا في الوطن الغالي.

فتحي فوزي محيي الدين فوراني، أبو نزار، ليس بحاجة لتعريف بالنسبة لأهلنا في البلاد أو لمتابعي أخبارها، ومن يقرأ سيرتيه لن يضيف لنفسه الكثير من المعلومات والتفاصيل الشخصية والعائلية، بل سيعبّ ويعبّ من نبع ثرّ من الأحداث، الأفكار، التجارب، الأشخاص، النظريات، وكلّ ذلك بلغة جميلة، سليمة، سلسة، وبأسلوب جذّاب. تعرفّت شخصيًّا إلى فتحي في أواخر سنوات ستينات القرن الفائت أيّام دراستنا في الجامعة العبرية في القدس، ومنذ ذلك الوقت وحتّى يومنا هذا لم نلتق إلّا مؤخّرًا عبر الهاتف والبريد الإلكتروني المتعثر. مع هذا أشعر بأنّي أعرف الكثير عنه بعد قرائتي للكتابين المذكورين، من مواقف وآراء وفلسفة حياتية ومساهمات إزاء العديد من القضايا المركزية للأقلية القومية العربية في البلاد. وفي تقديري، تتبوّأ مساهمته في تدريس اللغة العربية وآدابها في الكلية الأرثوذكسية في حيفا مدّة الثلاثة عقود ونيّف، أعلى درجات سلّم إنجازات الفوراني الصفدي الأصل. أقول هذا وفي ذهني حالة العربية، لا سيّما الدارجة، أو كما تسمّى العِرْبية، وموجات العبرنة والتعبرن المستمرّة التي تتعرّض لها منذ سبعة عقود. زد إلى ذلك، مؤلفاته الأخرى التي تُعنى بالعربية وآدابها مثل: الأخطاء الشائعة في اللغة العربية؛ امتحانات في قواعد اللغة العربية؛ أقواس، في النصّ الأدبي والثقافي وقواعد اللغة العربية؛ حكايات من تاريخ العرب القصصي؛ مختارات من الشعر القديم؛ مختارات من الشعر الحديث؛ مختارات من القصة القصيرة. في هذا السياق، كنت أطمح للمزيد من الكتابة عن عُصارة تجربة الفوراني الغنية في تدريس العربية، بعبارة موجزة عن فلسفته في هذا المضمار، من قبيل ما ذكره عن ملاحظة الأستاذ حبيب حزّان (١٩٠٦-١٩٩١) له في موضوع الإنشاء ”لا يجوز أن تجمع ”كما وواو العطف“، لأن كلًا منهما تفيد العطف“ (حكاية عشق، ص. ٦٦ في الأسفل)؛ والكلّ يعرف أنّ هذا الخطأ شائع في أيّامنا. هذه الملاحظة تذكّرني بما قاله الأستاذ المرحوم مطانس مطانس لنا في الصفّ الحادي عشر، على ما أذكر، في مدرسة ينّي ينّي الثانوية في كفرياسيف في بداية ستينات القرن العشرين؛ قال: ”الخزانة لا تفتح أبدًا“، أي حركة الخاء هي الكسرة لا الفتحة.

السيرة الذاتية تحتلّ المائتين وستّ وعشرين صفحة الأولى، من صفد إلى الناصرة، ٣٨٧-١٠٩؛ من الناصرة إلى حيفا، ١١٠-٢٢٦. القسم الأخير، إضاءات نقدية ص. ٢٢٧-٢٨٩، هو بمثابة آراء وانطباعات ما كتبه خمسة عشر كاتبًا في صحيفة الإتّحاد أمثال: حاتم عيد خوري، خالد تركي، عبد الخالق أسدي، محمد خليل، محمد هيبي، نبيه القاسم. هذه الكتابات ليست نقدية بالمعنى العلمي الدقيق للفظة.

في حكاية عشق تسعة وأربعون بابًا بمعدل سبع صفحات في كلّ واحد منها مثل: هؤلاء علّموني: حبيب غطّاس، ميشيل حدّد، حبيب حزّان؛ صحيفة ”الاتحاد“ والقارىء الأوّل، رابطة الأدباء والمثقفين العرب، مجلة ”الجديد“، مجله ”الفجر“، ”جان هائم“ في شوارع الكرمل!، ”شهادات أكاديمية“ للبيع، عليكم نراهن .. ونحن متفائلون.

في ما يلي أُسجّل عبارات واستعمالات لغوية بالعربية المعيارية؛ أخرى بالعامية؛ عينة من السجع، عيّنة من الهفوات اللغوية والطباعية/الحاسوبية؛ ”سذ“ تعني سيرة ذاتية، ”حع“ اختصار حكاية عشق. أحيانًا ترد الكلمات العامية بين معقوفتين وأحيانًا بدونهما ولست أدري ما الفائدة من استخدام النقطتين .. في مواضع كثيرة وكذلك علامة التعجّب.

أ) المعيارية: (عن العربية المكتوبة جاء: سذ: قدس أقداس هُويتنا القومية، ١٩٢؛ حع: سيدة اللغات، ٢١، ٦٣، ٣٢٦؛ أجمل اللغات، ٤٧؛ معانقة ربة الجمال .. لغتنا القومية!، ٧٧؛ اللغة العربية الجميلة ..، ٢٤٩، ٣١٦، ٣٥٠، ٣٥٢؛ أذكر أنّ مثل هذه النعوت لا محلّ لها في الأبحاث اللغوية المعاصرة).

١) سذ: يهلّ الجواب ويحاول، ١٣؛ والتملّي من أحاديثهم، ١٣-١٤؛ تُفرَش الموائد الثقافية ..، ١٤؛ في جهات الدنيا الأربع؛ ١٨؛ عصافير تتقافز، ٢٤، ٤٢؛ البيوت الكانت عامرة، ٣٤؛ تحت زخّ الرصاص، ٣٨؛ البرد يقطّ المسمار، ٤٣، ٧١؛ صراخ يقطّع نياط القلب ..، ٥٣؛ تآمر عليه ذوو القُربى وذوو ”البُعدى“!، ٦٥؛ تموز الذي يغلي فيه الماء في الكوز؛ ونكنكن (لم أُصادف هذا الفعل من قبلُ) حول الكانون (الموقدة)، ٧٢؛ الخاء والضاد، خرّاط، أخرط، وملاحظة فوراني عن بعض النحاة والخبراء في الساميات أنّهما تتبادلان الأدوار أحيانا، هي مزحة وقد لا يفهم ذلك كثيرون. ٧٥؛ كريمة المحتد؛ عزّ نظيره..، ٨٤، ١٩٦؛ من القرن الغارب، ٩٧؛ وراحت تغذّ الخُطى، ١٣٦؛ تخرّجوا من معطف الكلية، ٢٠١، ٢١٤، ٢١٥، ٢١٦؛ يمزق نياط القلب .. وينعف الدماء لتغمر خارطة، ٢٠٦؛ في الوصول بوتيرة سلحفاوية! ٢٢٢؛ حسب الأبتثية، ٢٢٧.

٢) حع: تخبىء في عبّها، ١١؛ ينابيع ثقافية ثرّة نهلنا من مياهها الزمزمزية، ١١؛ والخارجة لتوّها من قاع الحرمان، ١٣؛ وعبّوا وعبّوا فما ارتووا، ١٨؛ حرث الكتاب حرثًا وقرأه من ألفه إلى يائه، ٢٨؛ نخلة باسقة قطوفها دانية، ٤٩؛ ولم أرَ في عيوب الناس شيئًا                   كنقص القادرين على التمام!؟، ٦١؛ فلا تترك الحروف عارية بلا نقاط، ١١٠؛ يعبّ عبد الله من هذا النبع الثقافي الثرّ، ١١٤، ٣٠١؛ تحت زخ الرصاص ..، ١١٦؛ زوّادتي الأبدية في مشوار العمر!، ١١٨؛ تخرجوا من معطف أخي نعمة الصباغ؛ ويعبّ من نبع المعرفة، ١٢٣، ١٢٦؛ أشكال الحروف المختلفة رأسًا ووسطًا وذنبًا، ١٣٨؛ هذا الرجل .. عزّ نظيره، ١٣٩، ٣١٢، ٣٣٨؛ يجمع المجد من طرفيه/أطرافه، ١٥٨، ١٨٥؛ القرن الهارب ، ١٦٠؛ يغذّ الخُطى، ١٦٠؛ جيل مدجج بالعزم والإصرار العنيد، ١٧٨؛ وعندما عزّت كتب التدريس، ١٩٩؛ فقنينة الشمع الأحمر - جابر عثرات الكرام، ٢٠٠؛ ملأى السنابل تنحني بتواضع                   والفارغات رؤوسهن شوامخُ، ٢٣٢؛ قد فاعت جحافل الجنّ، ٢٤١؛ من كل فجّ وصوب، ٢٤٢؛ عبارة جموحة تفيض كبرياء، ٣١٢؛ نمتطي صهوة القطار الأرضي الحديث، ٣٢١؛ لم يبق لنا ما نراهن عليه إلا العلم، ٣٥٢

ب) العاميّة:

سذ: وتسلبطوا على البشر والشجر والحجر، ٢٠، ٢٦؛ عرقسوس .. أسكيمو وشوكولاتة.. ٢٤، ١٠٧؛ وجع يخلع نيعك، ٢٧؛ ”ويدخنس“ الرجال تاركين الميدان إلى ”حميدان“، ٣٩؛ ”لبد“ في كمين صغير خلف سور يحيط بالبيت .. كنا نسميه ”المُحوّطة“، ٤٠؛ الدفاع عن الغلابى، ٤٦؛ ”راقة راقة“، ٤٨؛ أصابيع البُبُّو يا خيار، ٥٢، ١٠٧؛ وعلى الرأس ”مظلة“ اصطلح على تسميتها ”قبوعًا، ٥٥؛ وأما الثاني فعلقته سُخنة ..، ويأخذ يتلوّى ويلعبط، ٥٩؛ لا للثياب ”المُمزّعة“، ٦٥؛ الدنيا كبّ من عند الربّ ..؛ المزاريب تشقع .. وتملأ البراميل كروشها، ٧١؛ صراخه الصاعد من ”قراقيح“ القلب، ٧٤؛ أفتر شيف؛ تنظيف البايب (الغليون) بنكّاشة صغيرة؛، ٧٨؛ يشلع القلب، ٧٩؛ ينتفض ويتزعفل، ٨٥؛ يوشك أن يطقّ من القهرّ. ١٢٢؛ تصل ”مسطولًا“ من فائض التعب والإرهاق، ١٣٤؛ التي تنغل في هذه الغابة! ١٣٦؛ ”صافي يا لبن“، ١٤٤، ١٥٩ ؛ إخوات الشليتة!، ١٨٠؛ وينعف الدماء لتغمر خارطة، ٢٠٦.

٢) حع: الله يصبحكو ويربحكو، ١٨؛ الفتية على المكتبة .. ويقحفونها، ٤٧؛ صف العسكر طوط طوط؛ نصف كيلو قوقوز أبيض، ٢١؛ فيشلع العم يونان أذنه؛ “ولدناتهم”، ٥٠؛ فيغشغش الطلاب ضحكًا، ٥٢؛ من قراقيح القلب، ٥٣؛ وكيف ”نبحبش“ ..، ٧٣؛ ويا ديغول إطلع برّه .. الجزائر صارت حرّة، ٨٨؛ ويشلع أذنها، ٩٤، ٢٥٤؛ وجار الصالون .. ينغل نغلًا!، ١٠٠؛ ويطبّش الفخار الوطني بعضه بعضًا ..، ١٠٤؛ التي دحدلت ”أنكشارية“ الجنرال ومسحت فيهم الأرض، ١١١؛ وصافي يا لبن!، ١١٤، فلفّ بن غوريون ذيله و”سكسك“ .. وانسحب من سيناء!، ١٤٧؛ الذي خلص كازه ويحنّ للرجوع إلى صباه ..؛ وهل ستنجح الماشطة في ترميم الشعر العكش!؟، ١٥٠؛ ”الخرابيش“ المتشابكة، ١٦٠، ٢٣٤، ٢٦٦؛ من ”قاع الدست“ ، ٢٤٣؛ وطيّر ضبان عقله ..، ٢٤٤؛ ببلاش .. فهل رجعت بشيء غير العمى والطراش!؟، ٢٧٠؛ وحافته الصفنة، ٢٧١؛ قد “دشعوا” إلى المكتبات الكبرى والصغرى والأكشاك وقحفوا ما في المكتبات قحفًا ..، ٢٧٣؛ وطبّوه بدنًا ساخنًا وسطلوه سطلًا مبينًا، ٣٠٤.

ت) سجع:

١) سذ: فكدت أروح في داهية .. غير أنني قمت في عافية، ١٣؛ وتسلبطوا على البشر والشجر والحجر، ٢٠، ٢٦؛ ليس له قلب ولا ربّ، ٧٣؛ وتكاد روحه تنشلع وتنخلع وتنقلع من جسده، ٧٤؛ منفية منسية، ٨٦؛ ورحنا نعبّ نعبّ ولا نتعب، ٩٩؛ خط أنيق ورشيق، ١٠٢؛ وتنهض الأحساد والأحقاد والأوغاد من جحورها وأوكارها، ١٣٨؛ وتتجند جميع الخفافيش والبرابيش والعناكب والعراقب و”الأقارب“ والثعالب والذئاب والكلاب، ١٣٨؛ فارعًا دارعًا، ٢١٩.

٢) حع: عزّ فيه القريب والنسيب والحبيب، ٣٠؛ والتنقيح والتصليح والتصحيح .. والتشطيب والتبويب والترتيب؛ سقطاتنا وهفواتنا وهناتنا، ٣٥؛ أن نبتكر ونخترع ونبدع؛ ويكثر الغمز واللمز، ٤١؛ وتكون المطاردات والمدافشات والمجاحشات والملاكمات والمسبّات، ٤٣؛ فنعبّ نعبّ .. من كوثرها العذب .. ولا نتعب!، ٧٦؛ الغُربى … القُربى، ١٢٠؛ جنيّة شهية ..، ١٧٤، فمهرجانات الهزّ واللّز والمزّ والدزّ على أشدّها!، ١٨٣، سبب الفزع والهلع والمياط والهرج والمرج ..، ٢٤٢؛ القول الصريح .. في فن التطنيش والتكليح، ٢٦١؛ وكان أديبًا حبيبًا لبيبًا أريبًا، ٢٦١؛ استعدادًا لليوم الموعود .. وتحقيقًا للهدف المنشود، ٢٦٢؛ وبعد تجشّم مشاقّ السفر.. وركوب الخطر..، ٢٦٤؛ وكان ممتعًا ومثيرًا وأثيرًا، ٢٦٦؛ شهادات وبكالوريسات وماسترات ودالات وبروفات ..، ٢٧٥؛ شوقًا شبقًا يضوع عبقًا، ٣١٠؛ أجيال صاعدة واعدة، ٣٥٢؛ بـ”شلعة أذن“ نقدية أبويّة، ٣١٨.

ث) هفوات لغوية وقعت سهوًا:

سذ: وهناك يكون الهول الذي يَقِفُّ له شعر الرأس..، ٥٨؛ من أقاصي القطب شمالي، ٧٣؛ بإصبعين فولاذيين، ٧٤؛ هداة البال، ٧٩؛ يوشك أن يطقّ من القهرّ. ١٢٢؛ في هذا البيت الصغير ذو القلب الكبير، ١٧؛ ومن ثمَّ عمل بائع كتب متجوِّل، ١٤٧؛ غير أن أننا نرى، ١٥٥؛ العديد من الأصدقاء والكتاب والشعراء والمثقفون .. الذين، ١٥٩؛ بمستقبل أفضل للشعب الباقي وطن آبائه وأجداده، ١٨٩؛ يمحض إرادتنا ..، ٢١٩؛ واتختزال، ٢٩٢.

٢) حع: وابداوا من النقطة، ٣٣؛ حنّا إبزاهيم، ٥٧؛ بالجماهير الغقيرة ..، ٨٧؛ ومنارات المعرفة..، ٩١؛ وتمتلى جيب عبد الله، ٢٠١؛ ومعهم فقهاء الظلام أن أنه بات، ٢٥٣؛ إحدى القرى البعربية، ٢٥٦؛ جّرب، ٢٦٤؛ فضائح يقفّ لها شعر الرأس ..، ٢٧٦؛ سألوا أبا تمام: أيُّ قصائدك أحب إليك؟ فأجاب: كلّهم أولادي، ٣١٦؛ فإننا الواجب يقضي أن نتوقف لحظة..، ٣٣٩.

 

فتحي فوراني، بين مدينتين، سيرة ذاتيّة. لا ذكر لدار نشر. تصميم: ”مجد“ للتصميم والفنون، حيفا، ط. ١، ٢٠١٤؛ ط. ٢ مزيدة ومنقحة، ٢٠١٧. ٢٩٧ ص.

فتحي فوراني، حكاية عشق، سيرة أدبيّة. حيفا: دار المتنبي للنشر والتوزيع، ٢٠١٦، ٣٥٨ ص.

 

حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

 

22 تاريخ الوزارات العراقيةفي طبعة جديدة ومجلدة وأنيقة ومصححة صدر حديثا عن دار الرافدين في بيروت كتاب (تاريخ الوزارات العراقية) لمؤلفه المؤرخ السيد عبد الرزاق الحسني (1903- 1997م)، والكتاب يقع في عشرة أجزاء مع جزء خاص بالفهارس ؛ وقد جاء في مقدمة الكتاب الذي طبع بجهد كبير ومسعى طيب من قبل كريمة المؤلف الفاضلة أحلام عبد الرزاق الحسني قولها: (كان أهم ما يشغل تفكير الراحل والدي المرحوم السيد عبد الرزاق الحسني هو أن تتم طباعة هذا الكتاب بعد إضافات كثيرة نتيجة تواصل بحثه في الحصول على العديد من الوثائق والمستندات وهو على قيد الحياة، لكن شاءت الظروف وشاء القدر أن يرحل إلى دار البقاء قبل تحقيق حلمه هذا))(1) .

الكتاب كما هو واضح من عنوانه يتناول تاريخ الوزارة العراقية التي تناوبت الحكم في العهد الملكي بدءا من أول وزارة شكلت في 23 آب سنة 1921م، وانتهاء بآخر وزارة سقطت في 14 تموز سنة 1958م، وبسقوطها طويت صفحة الحكم الملكي في العراق، وهي حقبة مهمة دامت سبعا وثلاثين عاما، وقد بذل المؤلف الحسني جهودا كبيرة في توثيق تفاصيلها عبر مجموعة من مؤلفاته القيمة منها : العراق في ظل المعاهدات، والعراق في دوري الاحتلال والانتداب، والثورة العراقية الكبرى، وتاريخ العراق السياسي الحديث، وتاريخ الأحزاب العراقية، وتاريخ الصحافة العراقية، والأسرار الخفية في حركة سنة 1941 التحررية، وغيرها .

طبع هذا الكتاب كما يقول المعنيون سبع طبعات حتى سنة 1988م(2) لأهميته وحاجة الباحثين إليه، وكانت طبعته الأولى في الثلاثينيات، والثانية في الخمسينيات والثالثة في الستينيات، وظهر بطبعة بائسة ورديئة لدار الشؤون الثقافية في الثمانينيات، وقد بيّن المؤلف أهمية هذا الكتاب بأنه قد ضمّ (جميع المعاهدات والاتفاقات التي عقدتها الوزارات في مختلف الظروف وشتى المناسبات، ويصف الأحداث العامة التي مرّ العراق بها في بحر السنوات الأربعين المذكورة وصفا دقيقا مؤيدا بالوثائق ومدعما بالمستندات، لا يفارق صغيرة ولا كبيرة إلا ذكرها)(3).

وتوزعت أجزاء الكتاب على تشكيلات الوزارات العراقية، فبدأ الجزء الأول بالوزارة النقيبية الأولى التي تألفت في 25 تشرين الأول سنة 1920م، واستقالت في 23 آب سنة 1921م عند تتويج الملك فيصل الأول، وختم الجزء العاشر بالوزارة البابانية التي تألفت في 19 أيار 1958م، وانحلت بنهاية يوم 13 تموز 1958م، كما أضيفت وزارة الاتحاد العربي بين العراق والأردن التي تكونت في 19 أيار 1958م، وانحلت صباح يوم 14 تموز 1958م .

ولعل أهم ما ماز هذه الطبعة الجديدة وجود جزء خاص بالفهارس تضمن فهرسا بالأعلام، وآخر بالأماكن، وثالثا بالقبائل، وهي فهارس في غاية من الأهمية لتسهيل مهمة الباحثين والقراء عامة، لأن البحث العشوائي عن معلومة أو اسم علم أو مكان في كتاب بهذه الضخامة بلغ عدد صفحاته (5003) صفحات من القطع الوزيري ستكون كمن (يحرث في بحر)، كما أضافت الصور الشخصية لوزراء تلك الحقبة – وقد وضح الاعتناء بها - جمالا وبهاءً لهذا الكتاب القيم الذي طال انتظاره وأفرح صدوره الجميع .

 

جواد عبد الكاظم محسن

.................

(1) الحسني، السيد عبد الرزاق : تاريخ الوزارات العراقية، دار الرافدين، بيروت 2018، 1/أ .

(2) حمودي، باسم عبد الحميد : عبد الرزاق الحسني وموسوعته تاريخ الوزارات، جريدة الزمان، 12 نيسان 2016م .

(3) الحسني، عبد الرزاق : السيد عبد الرزاق الحسني وآثاره الكتابية بقلمه، مطبعة العرفان، صيدا (لبنان) 1972، ص12.

 

 

21 ذكرى لعيبيعن مركز الحضارة العربية للدراسات والإعلام والنشر / القاهرة صدر كتاب "للخبز طعم آخر" قصص، وهو المؤلف (12) للأديبة العراقية ذكرى لعيبي.

يقع الكتاب في 160 صفحة - قطع متوسط، ويضم (39) قصة، بين القصيرة والقصيرة جداً.

زُين الغلاف لوحة للفنان التشكيلي المهجري / حسين الجمعان

جاء الإهداء:

إليكَ.. أنتَ

ثم دهشة المطر

ونُقش على صفحة الغلاف الأخير، جزء من كلمة قالها الدكتور الناقد محمد الجزائري - رحمه الله- في حق القصة عندما نُشرت سنة 2002م:

حكمة تجربة

حين (تبتعد التخيلات، وتقترب الحقيقة) تبصق (آلام الذل) و(تتجاهل) صراعات السنين!

تلك (حكمة) القص، جاءت بها يمامة من وطن –الانتماء- إلى فضاء المعاناة، في السرد، هنا.. القص ماضٍ، كما هو السرد-دائماً- : (كان ياماكان في قديم الزمان..) ولكن بآلية سارد، أو ساردة، ينتقي الكلام نفسه من معجم حريته في التعبير أولاً، ومن خصال خصوصيته، وتجربته، ومعارفه المكتسبة!..لاكتابة، بدون جذور معرفية، ولا حكايا..

نعم: (تتعثر الهواجس بين الأقتراب من الحلم والخوف من الحقيقة) وهذه (حكمة تجربة) اكثر منها مقولة جاهزة تدخل نسيج نص سردي: (للخبز طعم آخر)! إذ(لا بد ان تواصل لعبة البؤس)- هكذا فعلت الساردة على لسان بطلة النص.

- تتنهد الهواء من فضلات البراكين/ تلوك فُتات التنهيدات/ و..تتعلق (بأذناب) الأغنياء، لأجل ماذا؟

!(تتساءل)- (لكي اصل الحدود)

- حدود من؟

- الحدود .. الأوغاد، لقد سرقوا أسناني!

تقول القاصة وأقول لها ولنا: (لقد سرقوا لساني !)- وأعمم- لقد سرقوا لساننا أيضاً أو.. كادوا ! وبالكاد يفعلون أكثر، فحرية القول متاحة، خارج بلدان العتم والقضبان، وإن بحدود قوانين الحماية!

 

 

13 سبارتاكوسفي إطار برنامج الترجمة، أصدر "مشروع كلمة" التابع لدائرة أبوظبي للسياحة والثقافة ترجمة جديدة من الإيطالية بعنوان: "سبارتاكوس" لأستاذ القانون الروماني ألدو سكيافوني، من ترجمة: أماني حبشي ومراجعة: عزالدين عناية. الكتاب لا يتناول أسطورة سبارتاكوس، ولكنه أقرب ما يكون إلى سيرته الذاتية، ففيه يقترب المؤلف من الوقائع والشخصيات. وقد حاول المؤلف من خلال تقديم سبارتاكوس كشخصية رئيسية أن يبرِز الإطار المحيط به، وهو ما يمكن أن يوضح للقارئ أسباب ما فعله. يبرز الكتاب خلفية تسيطر عليها ظاهرة قاسية ومركَّبة، ينغمس فيها بالكامل الحدث المعروض، وهي ظاهرة العبودية الرومانية. حيث يتناول الكتاب فترة سبعينيات القرن الأول قبل الميلاد، ليجول في أرياف ومدن وسط إيطاليا وجنوبها التي تحكمها روما، وانتشرت فيها تلك الممارسة المزعجة والعدوانية.

كانت العبودية في روما مؤسَّسة متكاملة، لم يكُن وجودها أساسيّاً فقط من الناحيتين الإنتاجية والاقتصادية، بل كان يلمس كل جوانب الخبرة المدنية والأخلاقية والانفعالية للمجتمع والحياة العائلية، للخيال والممارسات الجنسية، لوقت الفراغ، تماماً كما سيحدث بعد ذلك بألفي عام في جنوب الولايات المتحدة قبل الحرب الأهلية. الأرقام فقط يمكنها أن تعطينا فكرة عما كان يحدث: في القرن الأول قبل الميلاد، في إيطاليا، وتقريباً في الأعوام التي عاشها سبارتاكوس، كان ثلث إجمالي عدد السكان مكوَّناً من العبيد، ملايين من العبيد، خلافاً لأمريكا الرأسمالية والصناعية، التي كان يمكن أن تتميز بنماذج وبدائل أخرى عديدة. أما في الثقافة الإيطالية وفي حوض البحر المتوسط الروماني فكان من المستحيل التفكير في مجتمع يخلو من العمل الخدمي.

يتناول الكتاب أيضا حركات تمرد أخرى قامت ضد الإمبراطورية الرومانية في تلك الفترة، فبعد عشر سنوات من ثورة التراقي، وجدت روما نفسها أمام حركة تمرد كاتيلينا النبيل والبريتور السابق، الذي ضم إلى صفوفه شبان الأرستقراطية المُفلسين، وجنود سولا المُدمرين، والعبيد، وكان يقدّم نفسه كمحرض لعامة الرومان ويقترح عليهم إلغاء الديون ونفي الأغنياء، وانتهى به الأمر إلى الهزيمة مثلما حدث لسبارتاكوس قبله. عرض المؤلف في طيات كتابه الحركات المناهضة المتنوعة التي قامت لمقاومة الإمبراطورية. وسنتعرف أيضاً عبر صفحاته على توزيع القادة والقوات في تلك الفترة، وعلى عرض للجيش الروماني وقواته وتنظيمه، وكيف كان أقوى ما في الإمبراطورية.

وفي محاولة للتعرف على سبارتاكوس والغوص في عقله للبحث عن تفسير لتحركاته ودوافعها الحقيقي، يصحبنا سكيافوني للتعرف أيضاً على المجتمع الروماني لتلك الفترة، وعلى التحديات التي واجهته أثناء فترة توسعات، لا مثيل لها، لم يعرف كيف يتعامل معها جيداً، وشعب مقهور محروم من كل حقوق له. ولكننا نتعرف أيضاً على سياسة روما، التي استطاعت في حقبة أغسطس، بفضل قانون "العتق" أن تضمّ إلى صفوفها شعوباً أخرى، بأن تمنح العبيد بتحريرهم المواطنة الرومانية، وهو الأمر الذي ساعد في نهاية الأمر على توحيد صفوف الإمبراطورية.

الكتاب من تأليف ألدو سكيافونه، أستاذ القانون الروماني في المعهد الإيطالي للعلوم الإنسانية، وجامعة نابولي. له العديد من المؤلفات تُرجم بعض منها إلى لغات مختلفة منها: "دراسات في منطق القضاء الروماني"، "التاريخ والقدر" الذي تُرجم إلى الفرنسية، "إيطاليون بلا إيطاليا"، و"بيلاطس البنطي، لغز بين التاريخ والذاكرة"، وغيرها.

المترجمة أماني فوزي حبشي، مصرية مقيمة في المملكة المتحدة، سبق أن ترجمت عدة أعمال منها: "بندول فوكو" لأومبرتو إيكو، "ثلاثية أسلافنا" لإيطالو كالفينو، "أصوات المساء" لنتاليا جينزبورج، و"ملكات بمحض الصدفة" لشيزارينا كازانوفا وغيرها.

المراجع عزالدين عناية، أستاذ جامعي تونسي بجامعة روما، له أكثر من عشرين مؤلفا بين ترجمة وتأليف، كما صدر تحت إشرافه أكثر من خمسين عملا مترجَما من الإيطالية.

 

سبارتاكوس.. السلاح والإنسان

المؤلف: ألدو سكيافوني

المترجمة: أماني حبشي

المراجع: عزالدين عناية

الناشر: كلمة أبوظبي - 2018

 

 

12 محمد الندوريقراءة نقدية في كتاب جمالية الخط المغربي في التراث المغربي

تناول محمد البندوري في هذا الكتاب جمالية الخط المغربي ودورها في تغيير ملامح النصوص الأدبية في التراث المغربي، حيث تفاعل مع عدد من النصوص الجمالية المؤطرة بجماليات الخط المغربي. وقبل تناول أهم مضامين الخط المغربي انهال بالدراسة على أهم الإسهامات النظرية التي تناولت الخط العربي عموما والخط المغربي خاصة، ورصد أبعاده الجمالية وانفتاحه على المجالات والفنون الأدبية الأخرى، وذلك ليرصد من خلال أبحاثه العلمية مختلف العلائق الوطيدة بينها وبين الخط العربي من جهة، والوقوف على البعد الجمالي للخط المغربي ودوره في تحريك عملية الإبداع وقلب المفهوم السائد من جهة أخرى. وقد رام جهود العلماء وأدوارهم الكبيرة في ذلك، فعرض الكاتب آراء الجاحظ التي اتسمت بسمة إيجابية كونها رامت كل أشكال الخطوط والقنوات التواصلية، مما أسهم في التحولات التي عرفها مجال الخط، وأنتجت أبعادا جمالية مما تزخر به نظرياته، وقد تبلورت أساسا في الصيغ الجمالية والسبل المظهرية الإقناعية خصوصا وأن النصوص الشعرية قد كتبت بخطوط متفاوتة الجمال ومختلفة الشكل والنوع. فقد تطرق لبيان الخط واستثمره في البعد الجمالي وفي التواصل، وقرع سيميائية الخط وفق أنظمة رمزية وسيميائية في إشارة لأداء وظيفة البيان عن طريق الرؤية البصرية التي تحقق التواصل.

وفي نطاق المراحل التجديدية، فإن محمد البندوري قد تناول مشروع التأويل بالدراسة والتمحيص وتوصل إلى أن هذا المشروع قد ساهم هو الآخر في تثبيت بلاغة الخط وإرسائها، خصوصا مع ظهور مجموعة من المؤلفات التي خصبت المجال البياني والفلسفي والجمالي، فحازم القرطاجني قد لفت الانتباه إلى التماثل الحاصل في الإبداع الشعري وفي الفن البصري حين إشارته إلى العلاقة القائمة بين فن الشعر وفن التصوير، في حين نجد عددا من المؤلفات الأخرى منها المنزع البديع الذي يشكل حلقة مهمة في النقد والبلاغة تطرق من خلاله السجلماسي إلى علاقة الفن بالنفس أثناء العملية الإبداعية، وحد الشعر وعلاقته بالخطابة، والتخييل، وثنائية الصدق والكذب، والمحاكاة والتمثيل.. وكتاب ابن البناء المراكشي الذي طال إظهار العلاقة الكائنة بين اللفظ والخط والسمع. ورسم لذلك صورة مظهرية قوامها الحرف، إلى غير ذلك من المؤلفات الأخرى التي تحمل مجموعة من الأفكار والتصورات. هذا فضلا عن ظهور حركات فنية تهتم بمجال الكتابة تنميقا وتزويقا وجمالا. بالإضافة إلى إسهامات المنظرين المغاربة لجمال الخط أمثال أحمد بن محمد الرفاعي من خلال حلية الكتاب ومنية الطلاب، كإسهام مغربي تناول جمالية الخط وحسن الخط ومنافع الخط وأدوار الخط التواصلية. وقد أسهمت مجموعة من النظريات لمجموعة من النقاد المغاربة في لفت الاهتمام إلى مجال الكتابة الخطية بكل خصائصها الجمالية لصنع النظام والجمال الذي يغدو موضوعا بدلالات أخرى في مستويات متعددة، استنادا إلى ما يزخر به التراث المغربي من قيم خطية وجمالية تفعل فعلها في مختلف النصوص. فقد وعى النقاد المغاربة أولا بأهمية الخط، حين أدركوا خصائص لغته، ثم رسموا له ثانيا من خلال إسهاماتهم النظرية الطريق القويم، فوضعوا له جهازه المفاهيمي لبعث الجمال والبلاغة وارتياد عوالم التجديد في النصوص الشعرية والنثرية وغيرها. ويرجع الفضل في ذلك إلى التطور الحضاري الذي ساهم في اضطلاع المغاربة بعلوم مختلفة منها الهندسة والرياضيات والفلسفة والفن والزخرفة وغيرها، حيث تنوعت التصورات والأفكار. كما أن تأثير القرآن الكريم في بلاغة الخط كان واضحا، حيث يظهر بأن الأساليب الخطية بجمالياتها المتعددة قد ترعرعت في أحضان الآيات القرآنية الكريمة، إذ منها استمد المبدعون الصيغ الجمالية للخط التي ساهمت في تأثيث مختلف النصوص الأدبية، وساهمت فيما بعد في الوجود البلاغي الخطي البصري.

واستند محمد البندوري على أهم المنجزات الفنية/ الأدبية التي ارتبطت بالتحول الحضاري والتحول في ذهنية الإنسان المغربي التي انفتحت على الإبداع والتجديد والابتكار، واعتبرها إسهاما إضافيا أثر بشكل أو بآخر في تغيير المنحى السائد، حيث ظهرت نصوص جمالية تجديدية في الكتب وفي المعمار وفي كل الوسائل، مما أثرى الساحة الثقافية بتحولات إبداعية رائدة. وأكد محمد البندوري على أن هذه الجهود قد رسمت معالم الخط المغربي وقدرته على اختراق النصوص وتغيير ملامحها ودلالاتها. فكانت أحد أهم الأسس التي صنعت الخارطة الجمالية للتحول إلى البلاغة البصرية من منطلقات فنية، ارتبطت في عمقها بتصورات وآراء وأعمال ذات قيمة كبيرة في الثقافة المغربية العربية الإسلامية. وشكلت تحولا مباشرا إلى بلاغة مكتوبة بصرية، وتحولا في صياغة البعد الجمالي للخط، مما عمق من صيغ الإدراك لطبيعة العلامة الخطية، وعمق من الصيغ الجمالية للخط المغربي، في نطاق فلسفته الفنية، وفي نطاق أشكاله الجمالية التي كان لها أثر بالغ في توجيه العمليات الإبداعية نحو التجديد والابتكار. وكل ذلك وغيره كان له وقعه في المشهد الثقافي الخطي المغربي نقدا وتصورا وإبداعا، أخذ أسسه من هذه التجارب، لينتج نصوصا جمالية اتخذت صورا متعددة في التراث المغربي.

وفي ذ=ات السياق أظهر محمد البندوري العلاقة بين جمالية الخط وجمالية النص واعتبرها أحد المياسم التي طبعت الثقافة المغربية، حيث ظلت مختلف النصوص تمثل أمام القارئ في صيغ جمالية تنطوي على تساؤلات نقدية وبلاغية، وتستبطن مختلف المعاني والدلالات، على غرار ما يشكله الأسلوب الفني للخط المغربي في النصوص باعتباره أحد الركائز الهامة لإنشاء مساحة نقدية جمالية وبلاغية، وأحد المظاهر الفنية البصرية في التراث المغربي، يقوم على تطويع أدلته الخطية وفق تناسب فني مكون من اللون والحرف والرمز والتجريد والخامة. فضلا عن قدرته العالية لتطويع جوهر الشكل ككل للنصوص باستخدامات جمالية تروم المدركات البصرية لأشكال الحروف، فتعنى بتخصيص المرئي بموجب شكله الفريد، الذي يستند إلى الحقيقة التواصلية للخط، وحقيقته الجمالية، وحقيقة الأشكال الخطية التي تستوعب كل التفاعلات التي تنتج عن المكونات الجمالية والحس حركية للخط النابعة من استرسالاته وتدويراته وتقويساته وغيرها..

لقد عمل محمد البندوري على تثبيت هذا الموضوع بكل ما لفه من قيم تعبيرية وفنية وجمالية في المشهد العلمي والمعرفي والثقافي المغربي والعربي والعالمي باعتباره موضوعا جديدا وثريا ساهم في إخراج بعض النصوص إلى الواجهة الجمالية من منظور مخالف، يعتمد شكل الحرف مفردا ومتصلا، مما عمق من دلالاته في نطاق بلاغة جديدة استثمرت البعد الجمالي للخط المغربي بأنواعه المختلفة. وبذلك فأهمية هذه الدراسة تكمن فيما تم الكشف عنه من عوالم جديدة، وما تم التوصل إليه من نتائج.

ولقد اقتضت هذه الدراسة التي قام بها محمد البندوري في نطاق التحليل والتأويل الالتزام بمنهج يتلاءم مع طبيعة النصوص التي تمت دراستها، فاختار طريقا تسهل عملية الاختراق إلى الجوانب المبهمة في النصوص، لأنها نصوص غير عادية، ولأنها نصوص مبنية وفق أشكال جمالية وعلامات وصور وأنواع معقدة من الخطوط، الشيء الذي تطلب من محمد البندوري قراءة سيميولوجية بصرية لصور الحروف ولأشكال الخط المختلفة. وقد بذل جهدا في البحث عن نصوص متنوعة بغاية الحصول على معاني ودلالات تثبت جدية هذه النصوص بعيدا عن الترف البديعي. وبذلك فقد فرضت عليه طبيعة هذا الموضوع منهجا محددا للحصول على نتائج ذات أهمية.

وبناء على ذلك، اعتمد محمد البندوري المقاربة السيميوطيقية لسندرس بورس التي تتعامل مع الظواهر باعتبارها علامات وإشارات ورموزا وأيقونات واستعارات ومخططات. حيث إن دراسة الإنتاجات الإبداعية تتأتى من خلال منهجية سيميوطيقية تعتمد البنية، والدلالة والوظيفة. باعتبار أن السيميوطيقا تروم التفكيك والتركيب، وتحديد البنيات العميقة الثاوية وراء البنيات السطحية المتمظهرة إفرادا واتصالا وتركيبا ودلالة.

ولم يكتف محمد البندوري بذلك فقد امتد إلى آراء رولان بارث فيما يخص الصورة التي تتعلق باستخراج التمثلات التي تتحكم في القيم، حيث استطاع رولان بارث بدراسته لهذا النوع من العلامات تبيان السلطة المتحكمة في الصورة باعتبار البعد الإيحائي. فهو يرى بأن لغة الصورة تشتمل على علامات وقواعد ودلالات لها جذور في التمثلات الاجتماعية وغيرها. فالصورة بالنسبة إليه نسق سيميائي يشتمل على ثلاثة مكونات: الدال والمدلول والعلامة. وبالنسبة لعلاقتها بمجال الكتابة فهي علاقة تتحدد من خلال الوظائف التي يتبادلها النسقان من خلال عملية التجاور.

وبذلك، ومن خلال جمالية الحروف المغربية وبنياتها وغاياتها التداولية وما تختزنه من مقومات فنية دقيقة تشكلت في كل عناصر التراث المغربي، رصد محمد البندوري مجموعة من النصوص الجمالية في المخطوطات المشحونة بالألغاز والرموز والإشارات والعلامات المخزونة في أشكال الحروف، فوقف من خلالها على ما شكلته من جماليات، وهي تحمل أفكارا عميقة وثقافة موشومة بالصيغ الجمالية والدلالية والتداولية.. وهو ما سهل الكشف عن مواطن الابتداع وتقصي بعض المجاهل، خصوصا وأن العديد من القضايا الجمالية والتعبيرية في شقها البصري، بكل تقاطعاتها المتنوعة في التراث المغربي، المتموقعة أساسا في الحرف المغربي في نطاق القراءة الجمالية والنقد الفني والبلاغي؛ ما زالت في عداد المجهول ولم يتم الالتفات إليها جماليا. منها جمالية الخط المغربي في المصاحف الشريفة، ومنها النصوص بالخط المسند المغربي وبالخط المغربي المبسوط وبالخط المغربي المجوهر وبخط الثلث المغربي، ومنها بعض النصوص الأدبية المرتبطة بالتشكيل، ومنها بعض النصوص الأدبية التجريدية.. وهي لا تزال مواد خصبة تطرح تساؤلات عدة تحتاج إلى إجابات وتعميق البحث للكشف عن أسرارها في نطاق ما تصنعه من إبدالات بصرية ذات أهمية، وما تقتنصه من دلالات من خلال الإسهامات النقدية للعلماء والنقاد العرب والمغاربة القدامى والمحدثين بآرائهم وتصوراتهم وإنتاجاتهم الفريدة، التي شكلت أبعادا فنية وقيما جمالية وبلاغية اختلفت في عمقها، وفي الكيفية التي تجلت بها باختلاف التصورات والآراء التنظيرية والتطبيقية، لكنها توحدت كلها من حيث المبدأ الذي يقوم على معالم الجمال وبلاغة الخط، وبلورة مسار جديد قياسا بالوضع السابق للخط والنصوص. وبذلك لامس محمد البندوري نصوصا معزولة في التراث المغربي بشكل عام، وتفاعل مع الكتابات الخطية الغريبة واستنطقها جماليا وبلاغيا، وتوصل إلى إنتاج دلالات جديدة ومعاني فريدة من خلال تطور آليات البحث الجمالي. كما أن تفاعله دراسيا مع جمالية الخطوط في المصاحف القرآنية الشريفة له أهمية بالغة ومجال سبق لمحمد البندوري في هذا المنحى الجمالي، خصوصا وأن التعامل كان مع مصاحف نادرة ذات صيغ جمالية فريدة، وذات قيمة عالية، إذ أن ذوات السلاطين المغاربة قد تدخلت في العمليات الإبداعية الشكلية بشكل مباشر، وأنتجت جماليات تاريخية كانت في طي الكتمان أو المجهول. وقد كان لهم اتصال روحي غذى المنحى الجمالي للخط فأنتجوا مصاحف قرآنية شريفة من الطراز الرفيع تعبق بالجماليات، وقد أظهر محمد البندوري أن منها ما كتب بالخط المغربي المجوهر بالذهب والفضة على خامة من الحرير الملون بالأخضر بصيغة تشكيلية دقيقة، وهو جمال سابق وفريد في التراث المغربي والعربي والإسلامي، ومنها ما نظمت حروفه بصريا حيث جمع بين أفصح الحروف بأحسن تأليف بصري. وعلى إثر ذلك، فإن التفاعل السيميائي مع هذه الإنتاجات أفرز نظرية جديدة تتعلق بالنظم البصري للحروف القرآنية، وقد أعطى هذا التوجه لبنة بصرية جمالية في توجيه المنحى البصري نحو قيمة الدلالة، وفي توجيه قيمة المعاني واحتوائها لروحانية الخط وإعجازه.

   ويبدو أيضا بأن محمد البندوري هو الأول من تفاعل مع نصوص نثرية من نوع المسند المغربي، وهذا له أهمية كبرى في البحث والدراسة عربيا ودوليا، خصوصا وأن هذا الخط له طقوس خاصة، ولا أحد يستطيع الاقتراب منه لصعوبة قراءته، ولتعقيداته الكبيرة. لأن حروفه تصل حد الطلسمية. وقد استجلى محمد البندوري العديد من المعاني من تلك النصوص المسندية ودلالاتها.

وتعامل كذلك مع الخط المغربي المجوهر، حيث شكلت الرسوم والزخارف المكتوبة في النصوص شكلا تركيبيا جماليا دالا على معاني. وهو ينبني على ارتقاء مجال الكتابة فنيا إلى مستوى التشكل بحرية في الفضاء. ويعد هذا النموذج أسلوبا خطيا جماليا حرا في التعبير، فكل رسم أو خط مغربي مجوهر أو علامة، له دلالة خاصة في تلك النصوص، كما أن كل العناصر تؤدي في حالة تركيبها معاني دقيقة، باعتبار أن حروف الخط المغربي المجوهر تؤدي وظيفة عمل تجريدي وفق معنى وغرض معين. فإذا كان المعنى في حد ذاته فكرة مضمرة، فإن شكل الحرف المختلف والمتنوع وطريقة وضعه في النص وطريقة توجيهه يعبر عن أداء المعنى، وعن استمراريته، وبذلك يأخذ موقعه التواصلي في النصوص، باعتباره إنتاجا فنيا حابلا بالمعاني وبالدلالات.

واعتبر محمد البندوري الأشكال الخطية الزخرفية أنموذجا مغربيا فنيا جماليا تحكمه سلسلة من العلائق المتناغمة والروابط العميقة بين الثقافة العربية والثقافة الأمازيغية، مهيكلة وفق الصورة المرسومة بحرية أدبية وفنية، ويعزز ذلك رقة المساحات وتقسيمها بين ما هو زخرفي أمازيغي، وبين ما هو خط عربي منظم، وبين ما هو خط مشكل، وبين الإطارات واتجاهات الوحدات الخطية والزخرفية. تتبدى فيها الغرابة، وقد اعتمد أساسا في بنيتها من حيث الدراسة على خط الثلث المغربي والخط المجوهر المغربي والزخرفة المغربية الأمازيغية الأصيلة، وقد استطاع محمد البندوري أن يستخرج من أشكالها الجمالية معاني ودلالات من خلال تحقق تلك الأشكال.

وبخصوص التشكيل الدائري الذي بنيت عليه القصائد الشعرية المغربية يرى محمد البندوري أنه قد وظف الخط المغربي والأندلسي بطرق تقنية وفنية جديدة، فتفرد باستعاراته المجازية والبصرية التي تستلهم الفضاء والكواكب وجمالية الأشكال الخطية واللونية والزخرفية. فقد تم وضع هذا الشعر وفق نسق تشكيلي هندسي يتخذ من التصوير ومن التجريد مادة ممزوجة ببعضها البعض، فتتخذ بعض الأشكـــال الحروفيـة والمنمنمات أدلة أيقونية تتماثل مع موضوع واقعي تستند عليه. فضلا عن تكوين حروف مفردة داخل الفضاء، وبذلك نحصل على نتائج مهمة تتكون من المعاني والدلالات الجديدة المتعددة.

أما التشكيل المستطيل بالخط المغربي الأندلسي، والثلث المغربي، فهو يقدم الفاعلية الإبداعية، وإثبات القدرة على تركيب نص مغاير من خلال تحقق الأشكال الحروفية في الكتابة بجمالية وبلاغة، تثبت وجودها الفعلي المتأصل في التاريخ البلاغي العربي الإسلامي. فالتشكيل الخطي لهذه النصوص الشعرية المستطيلة ليس مجرد مظهر تزييني خارجي بقدر ما هو بنية تواصلية مستمرة في الوجود تتحقق مظهريا كما تتحقق في المعنى الأصلي. وبذلك فقد ساهمت في توليد دلالات جديدة تتماثل مظهريا مع المضمون الباطني.

وبذلك توصل محمد البندوري إلى أن التشكيل المستطيل العميق قد شكل وجودا قيميا في الواقع الجمالي للخط المغربي في مساحات نصية مكثفة تمتد على طول الجدران بزخارف ومنمنمات وأشكال خطية مغربية جمالية ذات معاني ودلالات تداولية وتواصلية وعظماتية تتماثل مع المعنى ومع الغرض المدحي. وقد تم إثبات قدرتها التأثيرية المباشرة في تعبيرية النص الشعري البصري.

أما الأشكال الخطية في السكة النقدية والجداريات، فقد توحدت من حيث الإيحاءات الرمزية والدلالية، وقد كشف محمد البندوري من خلال عمليات التحليل والتأويل عن ارتباط المضامين بأغراض روحية، وثبت من خلال البحث أن تلك الرموز لم توضع عبثا وإنما بدلالات محددة. وقد دل التوافق من خلال التشابه بين الرموز في الجداريات والسكة النقدية عن مقصديات روحية ترسخت في الذهنية المغربية. وقد تمخضت عن هذه الأشكال دلالات ومعاني.

وقد شكلت هذه العمليات التجاورية من جهة والتداخلية من جهة ثانية بين جمالية الخط والنص حلقة هامة لاستجلاء جمالية الخط المغربي الصحراوي، في نطاق الحدود السياسية المغربية، واستجلاها محمد البندوري من خلال الوثائق والشواهد والمراسلات الموسومة بالخط المغربي الصحراوي التي كتبت بأنامل المبدعين الصحراويين المغاربة. إن مجموعة من المراسلات التي تمت بين الملوك المغاربة وبين أعيان الصحراء منها على سبيل الذكر لا الحصر مجموعة الرسائل التي تمت بين شيوخ وأعيان الصحراء والملوك العلويين كرسالة القائد ابراهيم التكني إلى السلطان مولاي عبد الرحمان المؤرخة في فاتح ذي القعدة 1263هـ ورسالة الشيخ ماء العينين إلى السلطان مولاي عبد العزيز، والوثائق التي نشرها العالم والشاعر الأستاذ ماء العينين لابارس في بحثه الذي قدمه في ندوة البيعة والخلافة، والوثائق التي نشرها العالم الجليل محمد المنوني رحمه الله.. وغيرها من الوثائق والنصوص الأدبية والدينية والقصائد الشعرية المختلفة كأشعار الشيخ ماء العينين وغيرها. ومن خلال تلك الوثائق الصحراوية ووثائق أخرى قارن محمد البندوري فيما بينها حيث تبدت مجموعة من التطابقات من حيث الجماليات ومن حيث الخط ومن حيث الشكل تفصح عن علاقة التجاور بين الخط المغربي المجوهر والخط المغربي الصحراوي مما يدل على الوحدة الثقافية والسياسية المغربية.

وفي سياق آخر فقد اختلطت بعض المفاهيم في المنظومة الحروفية المغربية لدى العديد من الدارسين والباحثين، واستتبع ذلك بناء مجموعة من المعلومات على أسس خاطئة، فخلطوا بين المسند المغربي والمسند الحميري، وخلطوا بين خط الزناتي وخط الزمامي، وخلطوا بين (الخط العثماني) الرسم العثماني والخط المغربي المبسوط، فأخذ بتلك الأخطاء العديد من الباحثين وعامة الناس فشاعت الأخطاء حتى أصبحت حقيقة لدى البعض. وقد قام محمد البندوري بتصحيح ذلك من خلال مجموعة من المقاربات والمقارنات، ومن خلال تقديم صور لشواهد مادية لإثبات صحة ذلك أو نفيه.

 

مراد مربوح - باريس

 

7 آمال عواد"الْمَطَر" قِصَّةُ الشَّاعِرِ الْأَدِيب وَهيب نَدِيم وِهْبِة، أُصْدِرَتْ مُتَرْجَمَةً بِاللُّغَةِ الإِنْجليزِيّةِ عَنْ دَارِ الْهُدَى لِلطِّبَاعَةِ وَالنَّشْر وَالتَّوْزِيعِ- كُفر قَرْع، في شَهْر آذَار مَارْس عَامَ 2018، ترْجَمَهَا الْمُتَرْجِمُ وَالْأَدِيبُ الْبَاحِثُ "مَحْمُود عَبَّاس مَسْعُود"- أَمْرِيكَا، وَرُسُومَاتُ الطَّبْعَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْعِبْرِيَّةِ الْإِنْجلِيزِيَّةِ لِلْفَنَّانَةِ "سُهَاد عَنْتِير طَرَبِيه"، وَبِدَعْمٍ مِنْ مُؤَسَّسَةِ "أَكُوم"، جَاءَ فِي 46 صَفْحَة.

كِتَابُ "الْمَطَر" مُصَوَّرٌ مِنَ الْقَطْعِ الْمُتَوَسِّطِ، جَاءَ في 94 صَفْحَةٍ، 42 صَفْحَة لِلنَّصِّ الْعَرَبِيِّ، وَ52 صَفْحَة لِلنَّصِّ الْعِبْرِيِّ، وَلِلْمَسِيرَةِ الْإِبْدَاعِيَّةِ لِلْمُؤَلِّفِ، وَالرَّسَّامَةِ، وَالْمُتَرْجِمَةِ بْرُورْيَاهورفيتس، أُصْدِرَتِ الطَّبْعَةُ الْأُولَى عَامَ 2015، عَنْ دَارِ الْهُدَى لِلطِّبَاعَةِ وَالنَّشْر وَالتَّوْزِيعِ/ كُفْر قَرْع، وَتَمّتْ قِرَاءَةُ النَّصِّ الْعَرَبِيِّ الْمَسْمُوعِ عَامَ2017 بِصَوْتِ "عَبِير شَاهِين خطيب"، وَقِرَاءَةُ النَّصِّ الْعِبْرِيِّ بِصَوْتِ "نَتَاي شِسْلِر" عَامَ 2017.

"الْمَطَر" عَمَلٌ إِبْدَاعِيٌّ رَاقٍ، بِعَنَاصِرَ أُنْثَوِيَّةٍ طَاغِيَةٍ، وَبِلُغَةٍ فَنِّيَّةٍ مُشَوِّقَةٍ جَاذِبَةٍ طَيِّعَةٍ، وَشِعْرِيّةٍ لَا تَخْلُو مِنْ تَشْبِيهٍ وَاسْتِعَارَةٍ وَجُمَلٍ مُبْتَكَرَةٍ، وَبِلُغَةٍ عَمِيقَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِالْخَيَالِ الْعِلْمِيِّ!

"الْمَطَر" قِصَّةٌ لِلشَّبِيبَةِ وَ"أَدَبِ الْعَائِلَةِ"، حَيْثُ تَشْمَلُ الْكَوْنَ، وَتَرْفُضُ لُغَةَ الْحَرْبِ وَالدَّمَارِ، وَتَدْعُو إِلَى تَجْدِيدِ الْحَيَاةِ بِلُغَةِ الْحُبِّ الْمُتَجَدِّدِ، مِنْ خِلَالِ ابْنَةِ الْعَاشِرَةِ رَبِيعًا، الّتِي تَتَّحِدُ مَعَ كُلِّ عَنَاصِرِ الطَّبِيعَةِ، كَيْ تَتَجَدَّدَ الْحَيَاةُ!

"الْمَطَر" قِصَّةُ رِحْلَةٍ إِلَى الْفَضَاءِ الْخَارِجِيِّ، وَمُحَاوَلَةٌ لِلتَّحْلِيقِ الْخَيَالِيِّ "بَيْنَ الصُّحُونِ الطَّائِرَةِ وَرَجُلِ الْفَضَاءِ الْقَادِمِ إِلَيْنَا"، مَا بَيْنَ وَاقِعٍ وَخَيَالٍ، وَمَا بَيْنَ أُسْطُورَةِ وَإنْجَازٍ عِلْمِيَّ، وَمَعًا نُحَلِّقُ عَالِيًا فِي السَّمَاوَاتِ، وَفِي رِحَابِ الْعِلْمِ وَأَرْجَاءِ الْعَالَمِ!

فَهَلْ نَجْمَعُ لِلْأَرْضِ، مَا يَمْنَعُ عَنْها وعنَّا حَرْبًا عَالَمِيَّةً قَادِمَةً؟

وَهَلْ مِنْ بُرُوقِ سَلَامٍ؟

هَلْ مِنْ رُعُودِ خَلَاصٍ؟

هَلْ مِنْ مُفَاجَأَةٍ صَادِمَةٍ؟

وَهَلْ لِبَطَلَةِ الْقِصَّةِ الصَّبِيَّةِ "سَارَة"، أَنْ تُنْقِذَ الْعَالَمَ؟ كَيْفَ؟ مَتَى؟

قِصَّةُ "الْمَطَر" تَحْمِلُ رَسَائِلَ حَالِمَةً، لكِنَّ "الْحَيَاةَ لَا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ حُدُودِ التَّفَاؤُلِ، بَلْ عِنْدَ الرَّغْبَةِ الْمُطْلَقَةِ فِي الْعَمَلِ"! ص33.

إِنَّ أَقْدَسَ الرَّسَائِلِ الْإِنْسَانِيَّةِ تَبْدَأُ مِنَ الْوَالِدَيْنِ:

مِنْ خِلَالِ تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تَدْعَمُ الْخَيْرَ، وَتَحْتَرِمُ حُقُوقَ الْأَطْفَالِ وَالْأَيْتَامِ وَالْأَرَامِلِ وَالْعَجَائِزِ، وَفِعْلِيًّا، وِفْقَ الْعُقُودِ الدُّوَلِيَّةِ، وَتَحْتَرِمُ الْآخَرَ وَالْمُخْتَلِفَ، وَتَحْلُمُ بِحَضَارَةٍ كَوْنِيَّةٍ تَتُوقُ إِلَى نَسْلٍ جَدِيدٍ قَارِئٍ مُثَقَّفٍ مُحِبٍّ مِعْطَاءٍ، وَبِجِيلٍ يَدْعُو لِرِعَايَةِ الْأَيْتَامِ وَالْمُحْتَاجِينَ، لِلتَّعَايُشِ بَيْنَ الشُّعُوبِ، لِلسَّلَامِ، لِلْعَدْلِ، لِلْحُرِّيَّةِ، لِلْمَحَبَّةِ، لِلْإِنْسَانِيَّةِ، وَتَدْعُو لِزَرْعِ ثَقَافَةِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى نَظَافَةِ الْإِنْسَانِ، وَسَلَامَةِ كَوْكَبِ الْأَرْضِ مِنَ التَّلَوُّثِ الْبِيئِيِّ، وَمِنَ الْأَمْرَاضِ.

"الْمَطَر" قِصَّةٌ تَدْعُو إِلَى طَرْقِ بَابِ الْخَيَالِ الْعِلْمِيِّ لِلْيَافِعِينَ، لِتَوْسِيعِ آفَاقِهِ، وَفِكْرِهِ، وَخَيَالِهِ، وَاخْتِرَاعَاتِهِ مُسْتَقْبَلًا.

"الْمَطَر" قِصَّةٌ تَدْعُو إِلَى طَرْقِ بَابِ التَّرْبِيَةِ الصَّالِحَةِ، وَالْأُبُوَّةِ الْكَرِيمَةِ، وَالْأُمُومَةِ الطَّاهِرَةِ الْوَاعِيَةِ فيقول: "يَحْمِلُونَ تَاجَ الشَّمْسِ، وَمَنَارَةَ الْمُسْتَقْبَلِ، وَأَغْصَانَ السَّلَامِ، وَرَايَاتِ الْفَرَحِ"!

فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَبْتَعِدَ الْعَالَمُ عَنِ الْإِرْهَابِ وَيَتَوَحَّدُ، مَا بَيْنَ النَّصِّ وَالرُّسُومَاتِ؟ مَا بَيْنَ الْأَلْوَانِ وَقَلَمِ الرَّصَّاصِ؟ مَا بَيْنَ الْبَلَاغَةِ وَالْمَجَازِ؟

وَمِنْ أَجْمَلِ مَا وَرَدَ فِي قِرَاءَةِ الْإِعْلَامِيِّ الْأَدِيبِ نَايِف خُورِي لِقِصَّةِ "الْمَطَر":

إِنَّ هذَا الانْسِيَابَ مَعَ الْقَارِئِ فِي إِبْدَاعِيَّةِ "الْمَطَرِ"، سَرْعَانَ مَا يَحْمِلُكَ عَلَى عَرَبَتِهِ الْمُطَهَّمَةِ، وَيَسِيرُ بِكَ فِي الْغَابَاتِ، وَفَوْقَ السُّهُوبِ، وَيَبْلُغُ بِكَ أَعْلَى الْقِمَمِ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ مَعَكَ سَاقِطًا كَالْمَطَرِ، عَلَى أَرْضٍ عَطْشَى إِلَى السَّلَامِ، وَإِلَى الْأَمْنِ، وَالاسْتِقْرَارِ وَهُدُوءِ الْكَوْنِ.

مَنْ هِيَ بَطَلَةُ قِصَّةِ الْمَطَرِ الَّتِي تَتَجَدَّدُ بِهَا الْحَيَاةُ؟

إِنَّهَا "سَارَة" ذَاتُ الاسْمِ عَلَى الْمُسَمَّى، وَالَّتِي تَبْعَثُ السُّرُورَ وَالْفَرَحَ وَالابْتِهَاجَ فِي الْقُلُوبِ، وَالَّتِي تَكْتَشِفُ وَجْهَهَا النَّازِلَ مِنَ السَّمَاءِ نُزُولَ الْوَحْيِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ.

وَمَنْ هُوَ الرَّجُلُ الطَّائِرُ الْخَيَالِيُّ؟ وَمَا هُوَ دَوْرُهُ؟

إِنَّ الرَّجُلَ الطَّائِرَ هُوَ الرُّوحُ الْهَائِمَةُ الَّتِي تَقِفُ بِالْمِرْصَادِ لِضَمَائِرِ الْبَشَرِ.

إِنَّهُ الضَّمِيرُ الْمُتَحَرِّكُ الَّذِي يَدْعُو إِلَى الْإِخْلَاصِ وَالصِّدْقِ، وَيَحَثُّ عَلَى الْعَمَلِ وَالْجهْدِ، وَعَدَمِ الْخُمُولِ وَالْكَسَلِ.

إِنَّ الرَّجُلَ الطَّائِرَ لَا يَحْقِدُ وَلَا يَكْرَهُ، بَلْ هُوَ رَسُولُ سَلَامٍ وَوِئَامٍ، مَبْعُوثُ وُدٍّ وَصَدَاقَةٍ، مَنْدُوبُ تَقَارُبٍ وَحُسْنِ جوَارٍ.

 

آمَال عَوَّاد رضْوَان

 

 

shaker faredhasan2عن مؤسسة سوريانا، صدر للشاعرة السورية المتألقة ملاك نواف العوام، مجموعة شعرية بعنوان"من رحم الأمنيات".

تقع المجموعة في ١٢٠صفحة، وضمت مجموعة من النصوص الشعرية والنثرية المنوعة، وصمم غلافها الفنان جمال الأبطح.

وجاء على الغلاف الأخير للمجموعة:"تطلق الكاتبة في هذه النصوص فراشاتها الحالمة بسحر الكلمات التي تطير بأجنحة الفرح، تجول بها حالمة فوق مطارح كثيرة لتعزف على أوتار القلوب همسات أسطورية المعالم يظهر فيها الحب الذي تزينه أزرار الياسمين الني تسور شرفات القصائد.

وطليقة هي ملاك العوام في نصوصها التي تنبعث من رحم الأمنيات تعلن فيها معارك العشق السرمدية لنلبس معها النشوة ونحلق معها الى أبعد مدى، تعانق الشمس بشوق الأصابع لنلمس معها النور البهي أما البقية فهي تأتي كما تردد دائمًا".

ملاك العوام شاعرة ملهمة وحساسة غزيرة الانتاج والعطاء، تعانق الياسمين وترويه بنبض الوفاء، وهي القصيدة، والحلم، والذات، وهي الوجع والاحساس، الحب هويتها، والوطن علاقتها الفارقة، أغراضها الشعرية متنوعة بالقصيد الغزلي العاطفي والوجداني والوطني، وحين نقرأ نصوصها نشعر بأننا أمام حالة شعرية خاصة، فهي تكتب بسلاسة ورقة وعذوبة، دون تكلف أو تصنع، فتلامس عواطفنا ومشاعرنا، وتسمو بنا، وننبت على شواطئهًا زهورًا، وتنثر في قصيدتها عبق الأعماق.

فللصديقة الشاعرة المبدعة ملاك العوام، أجمل التهاني والتبريكات بصدور مجموعتها الشعرية، على أمل أن تواصل رحلتها الأدبية وعطائها الغزير والثر، وتتحقق أمنياتها بالفرح والسعادة في وطن الحب والوفاء والحرية، والى الأمام.

 

شاكر فريد حسن

 

 

5 العراقيون في زمن الأزماتصدر الكتاب الرابع والثلاثون للدكتور قاسم حسين صالح، ويتضمن ثلاثة اقسام يقدم في قسمه الأول تحليلا من منظور علم النفس والاجتماع السياسي للأزمات التي يعيشها العراقيون بعد التغيير،

وتناول القسم الثاني بعنوان (حسينيات).. تحليلا سيكولوجيا للزيارات المليونية والقيم الحسينية ومخاطر تطبير الاطفال في عاشوراء،

فيما قدم القسم الثالث تحليلا سيكولوجيا لكل من شخصية الدكتور حيدر العبادي وشخصية دونالد ترامب،

وملحق خاص بقراءة سيكولوجية في كتاب المخابرات الامريكية (استجواب الرئيس صدام حسين).

1الأديب الشاعر د. سعد الحداد من الأساتذة الذين كان ومازال دأبهم نشر الثقافة وتوضيحها وتبيانها، فأحيا المخزون من التراث الذي لم يرَ النور، وأثرى المكتبة العراقية التاريخية والأدبية بعشرات المؤلفات والدراسات والتحقيقات المهمة التي لا تعرف عنها الأجيال المعاصرة إلا أسماء مؤلفيها وربما حفظوا من الشعر البيت أو البيتين من شعراء الأمة .

و ديوان الشاعر الخليعي المتوفى في القرن السابع الهجري أحد هذه المخزنات المركونة على الرفوف حيث جمع الشيخ محمد بن طاهر السماوي (ت 1370 هـ) ستاً وأربعين قصيدة، فوقعت بيد المحقق منذ القرن الماضي لكن الاسباب السياسية حالت دون اخراجها الى النور، وأضاف عليها مستدركاً بقصائد أخرى،أشار لها في الديوان .

وها هو اليوم بين ثنايا المؤلفات التراثية الشعرية يشع نوراً بقصائد الشاعر وأمانة من خطه وإخلاص من حققه .

توصل المحقق الى تحديد عصر الشاعر واسمه ونسبه الصحيحين، ليغلق باب الآراء الدخيلة بذلك الصدد. وأيضاً وصفه لنا . وحدد القرن الذي عاش وتوفي فيه .

وهذا نسبه كما قاله الاستاذ المحقق (أبو الحسن جمال الدين علي بن عبد العزيز بن أبي محمد بن نعمان إبن بلال (الخِلَعيّ) الخفاجي النسب، الموصلي، الحلّي، الحائري).

وقال د. سعد : أوقف الشاعر الخليعي شعره في مديح ورثاء النبي المصطفى وآل بيته الأطهار (عليهم السلام). فوصف بشاعر أهل البيت.

اعتمد المحقق في دراسته وتحقيقه لهذا الديوان على المنهج العلمي الدقيق، ليكون عونا للباحثين عن الشاعر(الخِلَعيّ) الخفاجي .

وانفرد بذكر القصة المشهورة عن الشاعر، مشيراً الى المرجع الوحيد الذي ذكرها . وناقش آراء بعض المصادر ثم طرح رأيه بالأدلة .

أما شعر (الخِلَعيّ) فقد صنّف المحقق كل قصيدة الى بحر الشعر الخاص بها مع التركيز على الجانب الذي انتهجه الشاعر في قصائده مع ضبط النصوص الشعرية . وشرح وفسّر لنا المفردات اللغوية،وبيّن الاختلافات الواردة في روايات الشعر، مع توثيق أغلب الروايات التي أشار إليها الشاعر الى مصادرها برقم الصفحة والجزء.

وعلق في الهوامش بما يناسب روح النصوص الشعرية . وترجم للأعلام الوارد ذكرهم في الديوان مع القيام بترقيم القصائد .

وذكر المصادر التي ذكرت بعض القصائد من الديوان، وفهرس قصائده حسب القافية لكل قصيدة .

ومن جميل صُنعه أنه أشار قصة البيتين الشهيرين المنسوبين للشاعر الخليعي وهما:

إذا شئتَ النَّجاةَ فَزُرْ حُسيناً ..... لِكَي تَلْقَى الإلهَ قَريرَ عَينِ

فإنَّ النارَ لَيْسَ تَمَسُّ جِسْماً ..... عَليهِ غُبارُ زوّارِ الحُسينِ

وراح يفند رواية القصة بأسلوب علمي بل عمد الى جمع تشاطير وتخاميس لعدد من الشعراء مصنّفة حسب القدم في النظم لهذين البيتين .

إنَّ هذا الانجاز الأدبي الشعري وبالجهود الكبيرة التي بذلها استاذنا د. سعد الحداد هي أحد الكنوز الحلية بشكل خاص وعراقية وعربية بشكل عام وإسلامية كعموم . وتضاف الى انتاجاته السابقة التي صدر منها :

- ذخائر المآل في مدح المصطفى والآل، دراسة وتحقيق، بابل، 2000م.

- موسوعة أعلام الحلة، الجزء الأول، بابل، 2001 م.

- وثائق من ثورة العشرين، تحقيق، النجف، 2002 م .

- أسفار المحبة – ديوان شعر – النجف، 2002 م .

- محمود حسان مرجان – حياته وأدبه – النجف، 2002 م .

- العودة الميمونة – شعر ونثر – بابل، 2006 م .

- الحسين في الشعر الحلي – تراجم وقصائد – النجف، 2007 م .

- مراقد الحلة الفيحاء – الجزء الأول – النجف،الطبعة الأولى، 2007 م .

- أخبار وشعر المساور بن هند العبسي وعبد الله بن سبرة الحرشي، النجف 2008 م. .

- السيد محمد علي النجار – سيرة وشعر – النجف، 2008 م .

- ظرافة الأحلام في النظام المتلو في المنام، تحقيق،إيران، 2008 م .

- عازف الحرف – شعر ونثر – تحرير، بابل، سنة 2008 م .

- أرجوزة في الفرق بين الظاء والضاد، تحقيق مشترك، النجف، سنة 2008م.

- ديوان الحاج عبد محمد صالح – جمع وتقديم، النجف، سنة، 2008 م .

- نشر العلم في شرح لامية العجم – تحقيق مشترك – النجف، سنة 2009 م .

- ديوان الشهيد الشيخ محمد آل حيدر – جمع وتقديم – إيران، سنة 2009 م .

- الشعائر الحسينية – الأثر والأهمية – النجف، سنة 2009 م .

- تراجم شعراء بابل في نصف قرن (1960- 2010) بابل،ط1، 2011م .

- ديوان الحلة - أنطولوجيا الشعر البابلي المعاصر،النجف،ط1، 2012 م .

- الإمام الرضا (ع) نفحات من سيرة عطرة ـ تحقيق ـ بابل، 2012م .

-   انطولوجيا القصة البابلية، النجف، ط1، 2013م.

- ديوان السيد صالح الحلي، صنعة، بيروت، 2015م.

- تلخيص فهرست المصنفين، ابو القاسم المحقق الحلّي، تحقيق، قم، 2016م.

- الكلمة الشافية بين علي معاوية، تحقيق،كربلاء، 2016م.

- قيثارة الماء، ديوان شعر، دمشق،2017م.

- الغصن الرطيب من شعر السيد الخطيب، تحقيق، بابل، 2017م.

- سلسة ديوان الشعر الحلي ( صدر منها الى الآن 10 دواوين شعرية حلية محققة ).

وأخيرا لا يسعني غير الدعاء الى الاخ الغالي والاستاذ المبجل الاديب الشاعر د. سعد الحداد بالتوفيق والسداد .

 

بقلم/ مجاهد منعثر الخفاجي

 

 

alaa allami2لذكرى جورج طرابيشي في ذكرى رحيله الثانية

قبل أيّام حلّت الذكرى الثانية لرحيل الباحث العربيّ السوريّ جورج طرابيشي (تُوفّي في 16 آذار 2016). وفي هذه المناسبة، سأقرأ معكم بشكلٍ نقديّ كتابَه المهمّ، مصائرُ الفلسفة بين المسيحيّة والإسلام، تحيّةً لذكراه ولمنجَزِه العلميّ الكبير والرياديّ.

اخترتُ هذا الكتاب لأنّه في اعتقادي من أهمّ الكتب التي ألّفها طرابيشي. وتنبع أهميّتُه من أنّ الباحثَ الراحل تصدّى فيه لمقولاتٍ ومفاهيمَ متأثّرةٍ، إلى هذه الدرجة أو تلك، أو مشتقّةٍ، مباشرةً أو بشكلٍ غير مباشر، من الفكر الاستشراقيّ الأورومركزيّ، المناوئِ للثقافة والحضارة الشرقيّة عمومًا، وللمنجَزِ العربيِّ الإسلاميّ منها خصوصًا، ولا سيّما في مضمارَي الفلسفة والعلوم.

هنا قراءة في مقدّمة الكتاب وفصله الأوّل.

خلاصةُ المقولة الاستشراقيّة (ونسختِها العربيّة) التي يفكّكها طرابيشي بدراية، وينقدها بشكلٍ جذريّ، هي أنّ الإسلام قد كان السببَ في تأخّرنا، نحن العربَ المسلمين، في ميادين الفكر والعلوم والفلسفة؛ وأنّ المسيحيّة قد كانت السببَ في تقدّم الأمم الأوروبيّة الغربيّة. وقد عبّر عن هذه الخلاصة باحثون غربيّون عديدون، من أبرزهم إرنست رينان؛ وآخرون عربٌ مسلمون، من بينهم محمد عابد الجابري وأحمد أمين وعبد الرحمن بدوي (مع تسجيل طرابيشي تقديرَه العالي لجهودهم الكبيرة في سُوح الفكر والثقافة). ومؤدّى هذه "المتلازمة الثنائيّة" التي مثّلها الجابري أوضحَ تمثيل هو ـــ بكلمات طرابيشي ـــ محاولةُ إقامةِ مقارنةٍ ضدّيّةٍ بين العقل الأوروبيّ المسيحيّ "المتحرّر" والعقل العربيّ الإسلاميّ "المتخلّف" في تعاملهما مع الفلسفة بصفةٍ عامّة، ومع المنظومة الأرسطيّة بصفةٍ خاصّة.

يقتبس طرابيشي الفقرةَ الآتية من كتاب الجابري، تكوين العقل العربيّ، لتوضيح هذه الفكرة:

"أمّا في الثقافة العربيّة، فلم يكن قد تمّ الاعترافُ بالمنظومة الأرسطيّة بنفس الصورة التي اعتُرِف بها في أوروبا المسيحيّة، لأنّ سلطةَ المرجعيّة الدينيّة في الثقافة العربيّة لم تكن بحاجةٍ إليها، لا إلى منطقِها ولا إلى علومِها، كما كانت في حاجةٍ إليها السلطةُ المرجعيّةُ المسيحيّة: الكنسيّة... هذا عن أسباب تخلّف المسلمين. أمّا عن تقدّم غيرهم، وبالضبط عوامل النهضة الأوروبيّة، فترجع بدورها إلى نوعيْن هما: الموروثُ اليونانيّ المسيحيّ من جهة، والموروثُ العربيّ الفلسفيّ والعلميّ من جهةٍ ثانية. أمّا الأول فيتمثّل، بكيفيّةٍ خاصّة، في عنصريْن: نضال الكنيسة ضدّ الغنوص (= العقل المستقيل) نضالًا متواصلًا طوال القرون الأربعة الأولى من ظهور المسيحيّة، ما كانت نتيجتُه إقصاءه بصورةٍ تامّةٍ من حظيرتها. وقد استعانت الكنيسةُ في نضالها ضدّ هذا الغنوص، وكذلك في نضالها ضدّ البِدع الأخرى، وفي المناقشات اللاهوتيّة حول العقيدة المسيحيّة ذاتها، بـ’المعقول العقليّ‘ اليونانيّ، وفي مقدّمته المنطق، ما جعل العقلَ الكونيَّ يبقى حاضرًا باستمرارٍ في الفكر المسيحيّ" (ص 348 ـــ 349).

يصف طرابيشي رؤية الجابري هذه بأنّها مانويّةٌ، لا تقبل إلّا الأبيضَ والأسود؛ وبأنّ صاحبَها يعيد إنتاجَ ذلك الشقِّ من الإيديولوجيا الاستشراقيّة الذي ما فتئ يسعى ـ في سياق المركزية الإثنيّة الأوروبيّة ـ إلى تكريس وعيٍ تاريخيّ كاذب.

لكنْ على الرغم من دقّة العرض الذي يقدّمه طرابيشي لفكرة الجابري، فإنّه قد لا يخلو من الانتقائيّة وتوسعة المضمون بشكلٍ قسريّ؛ فالجابري يتكلّم في الفقرة المقتبسة عن "المنظومة الأرسطيّة،" لا عن السردية الفلسفيّة اليونانيّة ككلّ. غير أنّ تحفّظي عن استنتاجات طرابيشي سيَضْعف بالتأكيد حين نواصل قراءةَ ما كتبه الجابري في هذا الخصوص.

فطرابيشي يقول إنّ فحوى "الوعي التاريخيّ الكاذب" في السرديّة الغربيّة هي أنّ المسيحيّة النازحة غربًا ـــ من فلسطين الشرقيّة ـــ انفتحتْ على ما انغلق دونه الإسلامُ "الآسيويّ،" ومن هنا تقدّمُها وتأخّرُ الإسلام. وهو يرى أنّ رؤيةَ الجابري هذه، المشتقّةَ من الرؤية الاستشراقيّة في اعتقاده، "وعيٌ إيديولوجيٌّ لاواعٍ ولانقديّ،" يصادم الحقيقةَ التاريخيّةَ في مقدّمتيْن يَصْدر عنهما:

1) وجود سلطة دينيّة إسلاميّة عادت الفلسفةَ واستغنت عن الموروث العقليّ اليونانيّ.

2) مقاطعة السلطة المرجعيّة الدينيّة في الثقافة العربيّة الإسلاميّة للمنظومة الأرسطيّة وللمعقول العقليّ اليونانيّ؛ وهذا ما يزعمه الجابري حين يعرِّف الحضارةَ الإسلاميّةَ بأنّها "حضارةُ فقه."

لكنّ الواقع هو عكسُ ذلك تمامًا؛ فالفقهاء أنفسُهم لم يقاطعوا أو يعادوا كلَّ المعقول العقليّ اليونانيّ. الغزالي في المشرق العربيّ، وابنُ حزم في المغرب، مثلًا، تزعّما مشروعًا مرموقًا لتبيئة المنطق الأرسطيّ إسلاميًّا. ثم إنّ أهمَّ ما يميِّز السلطةَ المرجعيّة الدينيّة في إسلام القرون الأولى هو عدمُ اقتصارها على سلطةِ فقهاءَ معادين لعلوم الأوائل، إذ وُجدتْ إلى جانب هذه السلطة سلطةُ متكلّمين عقلانيّين متحرِّرين سبقوا لاهوتيّي مسيحيّة العصور الوسطى اللاتينيّة إلى توظيف الفلسفة في خدمة اللاهوت (ص 9 وما بعدها من مقدّمة كتاب طرابيشي، مصائر الفلسفة بين المسيحيّة والإسلام).

ويمكن أن نسجِّل هنا أنّ طرابيشي، في نقده لمقولة الجابري عن "حضارة الفقه،" يتقاسم وإيّاه، بشكلٍ لاإراديٍّ تقريبًا، تحسُّسَهما (غيرَ المبرَّر) من "الفقه،" مفردةً ومضمونًا؛ ذلك لأنّ هذه المفردة تقترن عادةً عندهما (وعند غيرهما) بالخطاب الدينيّ السلفيّ المحافظ. غير أنّ هذه المفردة أوسعُ من ذلك بكثير. فالفقه في دول الحضارة العربيّة الإسلاميّة ليس أكثرَ من منظومة القوانين والتشريعات القضائيّة والجنائيّة، بالمعنى الوظيفيّ والمفهوميّ. وهي منظومةٌ متنوّعة إلى درجة التناقض، وهي في حالات موثّقة عديدة تلتفّ على النص الدينيّ وتبتدع طرقَها الخاصّة لتطويعه ــ ــ بل لإخراجه من الجزء المحافظ في المنظومة القانونيّة النافذة. وعليه، فلا جدوى من التحسّس الزائد منها، ولا سيّما أنّها لا تصدر عن مؤسّسةٍ دينيّةٍ رسميّة، وإنّما عن أفرادٍ خاض أغلبُهم في العلوم الأخرى، بما فيها الفلسفة والفلك والتأريخ والاجتماع. فالفيلسوف العقلانيّ ابن رشد، على سبيل المثال، بدأ حياتَه واستمرّ لأعوام عديدة فقيهًا، وتولّى القضاءَ مرّتين في أشبيلية وقرطبة؛ ومثلَه كان عالمُ الاجتماع التاريخيّ ابن خلدون، الذي كان أيضًا فقيهًا وقاضيًا على المذهب المالكيّ في مدينة تلمسان.

وقبل أن ينهي طرابيشي مقدّمةَ كتابه، يدعو قارئه إلى نسيان رؤية الجابري إلى الموضوع، ويبدأ بعمليّة تفكيكٍ دقيقةٍ للعلاقة الثلاثيّة بين المسيحيّة والإسلام والفلسفة في سياقاتها التاريخيّة والمعرفيّة.

***

يبدأ طرابيشي الفصلَ الأول من كتابه، وعنوانُه المعبِّر هو "المركزيّة الأوروبيّة والصراع على تاريخ العقل،" بعرض مقدِّمات المشكلة قيد الدرس، وهي بروزُ المركزيّة الأوروبية العنصريّة "الإثنيّة،" وجعلُها موضوعَ تاريخ الفلسفة العالميّ مركزًا لصراعٍ أنثروبولوجيّ. فالحضارة الأوروبيّة الغربيّة اعتبرتْ نفسَها حضارةً للعقل المطلق، وفي ضوء هذه القراءة النرجسيّة ـــ على ما يضيف طرابيشي ـــ أعاد الأوروبيُّ المركزيُّ قراءةَ هذا التاريخ.

ويرى طرابيشي أنّ نقطةَ البداية المركزيّة في هذه القراءة هي محاولةُ "تغريب" العقل اليونانيّ (والأفضل في رأيي "غربنة،" Occidentalisation، أيْ جعله غربيًّا). ويلتقط طرابيشي أوّلَ مُصادرةٍ في هذه القراءة الأورومركزيّة، وهي محاولةُ فصل "العقل اليونانيّ" عن إطاره التاريخيّ والجغرافيّ، مع أنّه من حيث الهويّة الجغرافيّة شرقيٌّ متوسطيّ. وهكذا جرى فصلُ هذا العقل عن منابعه وروافده، وأُلحق بالغرب الأوروبيّ، علمًا أنّ هذا الأخيرَ لم يُسهم قطُّ في تغذيته بقطرةٍ واحدةٍ كما يقول طرابيشي ــ ــ وهو في ذلك مصيب.

صحيح أنّ نهرَ الفلسفة اليونانيّة صبّ ابتداءً من القرن الثاني عشر الميلاديّ في نهر الفلسفة الأوروبيّة الغربيّة، ولكنّه كان قد مرّ بما يسمّيه طرابيشي "تحويلةً فلسفيّةً شرق أوسطيّة." وهذه التحويلة العربيّة الإسلاميّة بدت خرقًا للاحتكار الغربيّ لامتياز "التفكير بالعقل في العقل وحده." وقد تولّى الاستشراقُ الغربيّ وتوابعُه الشرقيّة إغفالَ تلك "التحويلة" أو تشويهَها أو تقزيمَها.

ثمّ يتوقّف طرابيشي عند مساهمة إرنست رينان (1823 ــــ 1892)، وهو أحدُ روّاد المركزيّة الإثنيّة الأوروبيّة، ومهندسُ أسطورة "تفوّق الجنس الآريّ ودونيّة الجنس الساميّ" في القرن التاسع عشر. وقد أنكر رينان وجودَ فلسفة عربيّة بقوله المشهور:

"من العسف أن نطلقَ اسمَ فلسفة عربيّة على فلسفةٍ لا تعدو أن تكون استدانةً من اليونان، وما كان لها أيُّ جذرٍ في شبه الجزيرة العربيّة... وبدلًا من أن تكون نتاجًا طبيعيًّا للروح الساميّ، فقد مثّلتْ بالأحرى ردَّ فعلٍ من عبقريّة فارس الهندوآريّة على الإسلام الذي هو الإنتاج الأكثر خلوصًا للروح الساميّ" (رينان، التاريخ العامّ والمقارن للّغات الساميّة، ص10).

إنّ قراءةَ رينان هذه، القائمةَ على الركيزة العرقيّة اللغويّة، تحمل تناقضَها الداخليّ كما يلحظ طرابيشي. فهي:

"إذ ترمي الفلسفةَ العربيّةَ بأنّها ’مكتوبةٌ بالعربيّة ليس إلّا،‘ تتجاهل أنّ الفلسفة اليونانيّة نفسَها ما كانت يونانيّةً بالمعنى الإثنيّ للكلمة بقدْرِ ما كانت مكتوبةً باللغة اليونانيّة ... وإذا كان رينان يلاحظ أنّه بين الفلاسفة والعلماء الموصوفين بأنّهم عربٌ ما كان ثمّة وجودٌ تقريبًا إلّا لواحدٍ من أصلٍ عربيٍّ هو الكنديّ، بينما كان سائرُ الآخرين فُرسًا أو ممّا وراء النهر وإسبانًا ومن أهالي بُخارى وسمرقند وأشبيلية، فإنّنا نستطيع أن نلاحظَ بدورنا أنّ أكثرَ الفلاسفة والعلماء الموصوفين بأنّهم يونانيّون ما كانوا يونانيّين ولا من أهالي أثينا وشبهِ جزيرة الأتيكي، وأنّ أثينا نفسَها لم تنجب سوى فيلسوفيْن اثنيْن هما سقراط وأفلاطون، وأنّ معظمَ الفلاسفة الأثنيّين كانوا على حدّ تعبير نيتشه من ’الأغراب‘. وإذا كان العِرقُ، كما يفترض رينان، مقولةً فلسفيّةً، فكيف يمكنه أن يصنِّف عشراتِ الفلاسفة من ذوي الأصول السوريّة والمصريّة الذين كتبوا فلسفتَهم باليونانيّة في عِداد الجنس الآريّ؟ ولماذا تَحْضر اللغةُ في الحالة اليونانيّة ويغيب العِرق؟ ولماذا تُستذكَرُ لفلاسفة الإسلام أصولُهم الإثنيّة وتُنتسى لفلاسفة اليونان الأصول ذاتها؟"

هذا التناقض الفاضح في الرؤية الرينانيّة لم يَمنعْ دعوى "العدميّة الفلسفيّة الإسلاميّة" ـــ كما يسجِّل طرابيشي ـــ من أن تجدَ لها أنصارًا بين المفكّرين العرب أنفسِهم. ومن هؤلاء، مثلًا، أحمد أمين، الذي لا يتردّد في الجزم بأنّ فلاسفة الحضارة العربيّة الإسلاميّة، من أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد، كانوا "كالمفوَّضيّة اليونانيّة في البلاد الإسلاميّة!"((1)

أمّا عبد الرحمن بدوي ـــ على ما يكتب طرابيشي بعد أن قوَّم إيجابيًّا مساهماتِه الفكريّةَ في المشهد الثقافيّ العربيّ ترجمةً وتأليفًا ـــ فقد غالى في دعوى "العدميّة الفلسفية الإسلاميّة" إلى حدّ تحويره حديثًا موضوعًا على لسان الرسول محمّد ليقول "إنّ الفلسفة وُلدتْ في ديار الإسلام غريبةً وماتت غريبةً!" بل إنّ بدوي يُصدر حكمًا قاطعًا بأنّ "الفلسفة منافية لطبيعة الروح الإسلاميّة، لذا لم يقدَّرْ لهذه الروح أن تُنتج فلسفة." (بدوي، التراث اليونانيّ في الحضارة الإسلاميّة، وكالة المطبوعات في الكويت، ط 4، 1980، ص ز).

وأمّا الجابري، بحسب طرابيشي، فإنّه، على الرغم من احتجاجه الصارخ على اللاساميّة الرينانيّة المعمَّمة، يعود إلى تبنّيها "إبستمولوجيًّا،" ويعيد إخراجَها في صورةٍ عنصريّةٍ جغرافيّةٍ خاصّة. فالجابري لا ينْكر أنّ نهرَ الفلسفة اليونانيّة قد قام بتحويلةٍ شرقِ أوسطيّة، ولكنّه يضيف أنّ العقل اليونانيّ البرهانيّ قد تعرفن (نسبةً إلى العرفانيّة)، وتهرمس،(2) بقدْرِ ما تمشرق، ولم يقيَّضْ له أن يستعيدَ عقلانيّتَه إلّا بمقدار تمغربه (من المغرب) بعد طولِ تخبّطٍ في مستنقع "اللاعقلانيّة المشرقيّة،" وبعد أن أعاد تكوينَ نفسه في لحظةِ تأسيسٍ ثانية في المشروع الثقافيّ المغربيّ الأندلسيّ ــ ــ على ما تجسّد في نقديّةِ ابن حزم، وعقلانيّةِ ابن رشد، وأصوليّةِ الشاطبي، وتاريخيّةِ ابن خلدون. الجابري هنا، كما يلاحظ طرابيشي بصواب، يشتقّ نسخةً استشراقيّةً خاصّةً وجهويّةً في رؤيته الإقليميّة العرقيّة عن رؤية رينان: فالإقليم "المغربيّ الأندلسيّ" عند الجابري كالعِرق "الهندوآريّ" عند رينان، وهو مقولةٌ فلسفيّة صالحة (من وجهة نظر الجابري) للتفريق بين "مشرقٍ عربيٍّ لاعقلانيّ ومغربٍ عربيٍّ عقلانيّ." ولكنْ إذا كان المشرقُ قد استعصى على العقلانيّة، كما يزعم الجابري، فإنّ المغرب لم يستعصِ على اللاعقلنة. دع عنك أنّ المشرق والمغرب لم يكونا أكثر من جهتين جغرافيّتين في وحدةٍ حضاريّةٍ شديدةِ التداخل والاندماج؛ ومثلما نجد عقلانيّين في المغرب، فإننا نجد نظراءَ لهم في المشرق، والعكس صحيح. وهو ما يعني أنّ التفريق الذي يأخذ به الجابريّ ملتبس، وقد ينطوي على نوازع قطريّة مغاربيّة أكثر منها نقديّة عقلانيّة. صحيحٌ أنّ رؤية رينان أكثرُ صراحةً في مركزيتها الإثنيّة الأوروبيّة المعادية للشرق وللحضارة العربيّة الإسلاميّة، ولكنّها تقوم على المرتكزات الإيديولوجيّة الإثنيّة ذاتها التي اشتقّ منها الجابري رؤيتَه القُطْريّة والجهويّة. فرينان يقول مثلًا، بحسب اقتباس طرابيشي، إنّ المسيحيّة:

"هاجرتْ من البداية إلى القارّة المركزيّة للجنس الآريّ: أوروبا. ومن ثم لم تبقَ، كما بدأتْ، ساميّةً خالصة. فقد أخذتْ من الجنس الهنديّ ـــ الأوروبيّ بقدْرِ ما أعطته. وعلى الرغم من عدائها البدئيّ للعقل الفلسفيّ، فقد انتهت إلى أن تكون حاضنتَه. وفي المقابل، فإنّ الإسلام اضطَهد على الدوام العلمَ والفلسفة، وقد انتهى به الأمرُ إلى أن يخنقَهما، بل إنّه قتلهما قتلًا. ولولا الفُرس لما وُجدتْ قطّ فلسفةٌ في الإسلام. فقد عَرفتْ فارس كيف تطالب بحقوقها كأمّةٍ هنديّةٍ أوروبيّة، وكيف تخلق لنفسها في قلب الإسلام فلسفةً وملحمةً وميثولوجيا…" (رينان، محمّد وأصول الحكم، ضمن: الأعمال الكاملة، مجلّد 7، ص 183، اقتبسه طرابيشي في مصائر، ص 19).

هنا يُخرج رينان بلادَ فارس من عالم التخلّف واضطهادِ الفلسفة، الذي وصم العالم العربيّ الإسلاميّ؛ في حين أنّ الجابري يُخرج منه المغربَ والأندلس ويمنحهما نوعًا من الأفضليّة، ذاتِ المذاق الأورومركزيّ، على مقياسٍ جهويّ مغربيّ أصغر.

هناك تنويعاتٌ أخرى بمضمونٍ مماثلٍ لرؤية رينان، يستعرضها طرابيشي في هذا الفصل. ومنها ما نجده عند المستشرق الهنغاريّ غولدزيهر، الذي حشد الكثيرَ من المقتبَسات للتدليل على سلبيّة أهل السنّة القدامى من علوم الأوائل، ومنها الفلسفة. ونجدها أيضًا عند ديلاس أوليري، الذي يرى أنّ المسيحيّة "يهوديّةُ الأصل ولكنّها نمت في جوٍّ من اليهوديّة الهيلينيّة وناسبتْ ميولَ الفكر الهلينيّ مناسبةً تامّةً... وقد جاء المنبعُ الرئيسيّ للمادة العلميّة والفلسفيّة إلى العرب عن طريق النفوذ المسيحيّ والكنيسة المسيحيّة" (مسالك الفلسفة، ص 53 و 54). والواقع أنّ هذا الكلام لا علاقة له بالعقليّة النقديّة العقلانيّة التي يتسلّح بها، في العادة، مؤرِّخُ الفلسفة. ثمّ إنّه لا يصمد أمام أكثر الأسئلة شيوعًا وبدهيّةً من قبيل:

- هل كان النفوذُ المسيحيّ والكنسيّ في العالم العربيّ الإسلاميّ هو السبب في بروز الفلسفة العربيّة الإسلاميّة الهاضمة للفلسفة الإغريقيّة، أم العكس؟

- أوَليس من حقّ العرب المسلمين أن يُباهوا أوروبا المركزيّة بكونهم سمحوا للمسيحيّة بأن تحوزَ هذا السهمَ الكبيرَ من الفعّاليّة الحضاريّة البنّاءة في مضمار الفلسفة والعلوم ضمن إطار دولةٍ عربيّة إسلاميّة؟

- وهل نجت الفلسفةُ اليونانيّة في طورها الوثنيّ من الاضطهاد الدينيّ المسيحيّ بعد تنصّر الإمبراطورية الرومانيّة في عهد قسطنطين؟

- وإلى أيّ مدًى يمكن التعويلُ على حفر الخنادق بين العوالم الحضاريّة القديمة، كالعالم العربيّ الإسلاميّ واليونان التي تقع جغرافيًّا في نطاقه؟

- وهل صحيحٌ أنّ الإسلام وقف من التراث اليونانيّ، وخصوصًا الفلسفة، موقفًا مغايرًا لموقف المسيحيّة الأولى منه؟ ولو صحّ هذا الزعم، فكيف نجح عالمُ العرب والإسلام في إنتاجِ ما أنتجه من فلسفةٍ وعلوم؟

يمكننا الاتفاق سريعًا مع طرابيشي في قوله إنّ هناك ضبابًا إيديولوجيًّا كثيفًا يلفّ تاريخَ علاقة الفلسفة بكلٍّ من المسيحيّة والإسلام. أمّا حين يتصدّى للإجابة عن هذه التشكيلة من الأسئلة، فهو يَعِد بتفادي الدفاع الإيديولوجيّ عن المساهمة العربيّة الإسلاميّة في نهر الفلسفة، وبتفادي رفض وجود أيّة مساهمةٍ كهذه في الوقت عينه. كما لا يفوته أن يلاحظَ العواملَ الفاعلة في خلفيّة هذه المواقف من علاقة الحضارات والعوالم بالفلسفة والعلوم، ومنها العاملان الدينيّ والنفسيّ. وبصدد العامل النفسيّ يسجّل الباحث:

"أنّ أوروبا، التي هي بلا ماضٍ ماجدٍ، تجد نفسَها ملهوفةً إلى اختراع ماضٍ مثاليّ ’نموذجيّ،‘ مسوقةً إلى ذلك بحاجةٍ نفسيّةٍ ضاغطة لا تقلّ إلحاحًا عن تلك التي تُحيج العربَ والمسلمين، والعالمَ الثالثَ عمومًا، ممّن لا حاضر لهم، إلى التشبّث بوهمِ ماضٍ مثالي." (مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام، ص 23).

***

ويبقى الإنجازُ الفكريّ والمعرفيّ للراحل جورج طرابيشي، وخصوصًا في ميدان قراءة التراث العربيّ الإسلاميّ، مهمًّا وراهنًا وعميقًا، بمقدارِ ما هو أصيلٌ ومنفتحٌ على التساؤلات، وبمقدار ما يحاول (وبشكل جادّ) النأيَ عن الانحياز المسبّق والقراءات الإيديولوجيّة السائرة على خطى الاستشراق الأورومركزيّ وجوهرِه العنصري المعادي لحضارات الشعوب الأخرى خارج المتروبول الغربيّ.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

....................

(1) أعتقد، بالمناسبة، أنّ طرابيشي حمَّل مقولةَ أمين أكثرَ ممّا تحتمل من شحنةٍ إيديولوجيّة سلبيّة، في حين أنّها تجري مجرى الوصف الإنشائيّ غير الموفّق.

(2) من الهرمسيّة اليونانيّة التي تؤمن باللاهوت القديم، الذي هو أساس كلّ الديانات وتعتمد التسامحَ والاعتدال.

 

 

1278 majedالجزء الاول / تأليف : د. ماجد احمد الزاملي

الارهاب باعتباره ظاهرة اجرامية اوسلوك منحرف عن قواعد السـلوك الاجتماعي السائدة في المجتمع ،وذلك تأسيسا على ان السلوك الاجرامي ليس مجرد واقعة يجرمها القانون فقط، ولكنه سلوك يصدر من انسان يعيش في بيئة معينة ووسط مجتمع معين ،ومن ثم فهو سلوك اجتماعي منحرف ،لذلك فان دراسة اسباب ودوافع الارهاب يعطي التفسير لهذه ا لظاهرة وبالتالي فان تفسيرهذه الظاهرة ينطبق عليه مايقال عن تفسير الظاهرةالاجرامية بصفة عامة حيث ان الجريمة ترجع الى بل تنبع عن مصادر عديدة متنوعة ومتشابكة ومعقدة. والإرهاب لايقتصر على دولة دون أخرى أوعلى منطقة معينة دون غيرها ،بل انه يضرب في كل مكان ،ويستخدم كافة الأسلحة الممكنة ،مستفيداً إلى حد كبير من التقدم العلمي في مجال التقنية والاتصالات. وظاهرة ألإرهاب ليست فكرة لها طبيعة قانونية فقط,وإنما هو واقع سياسي واجتماعي في كثير من الدول مستمدا مصدره من جوهرالمفاهيم السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه. ومن منظور العدالة الجنائية، تساعد سياسات وقوانين مكافحة الإرهاب التي تستند إلى حقوق الإنسان في تعزيز ملاحقة الأفراد المتورطين في أعمال إرهابية أمام القضاء وإدانتهم وفقاً للإجراءات المقررة قانوناً. كما تساعد في تحقيق تناسق النصوص القانونية وعدم تضاربها والتي تطبقها مختلف المحاكم الوطنية، مما ييسر التعاون الدولي. وبالمقابل، تبين أن التساهل في موضوع حقوق الإنسان يؤدي إلى تآكل سيادة القانون والى تقويض فعالية أي تدبيرلمكافحة الإرهاب. و المجتمع كما يهمه عقاب المتهم والقصاص منه حال ثبوت الجرم في حقه، يهمه أيضاً ألا يطول العقاب بريئاً. لذا فقد توجب حال تنظيم الإجراءات الجنائية - في دولة القانون مراعاة مصالح المجتمع في صونه من الإجرام والحد من تفاقمه ،وبين حقوق وحريات الأفراد. وحال بلوغ هذا التوازن يمكن القول بأن التنازع بين حق الدولة في العقاب وحق المتهم في الحرية الفردية أصبح تنازعاً ظاهرياً يعبر عن وجهين لعملة واحدة.

منع الجريمة لايتوقف على ما تقوم به الدولة من اجراءات لمعاقبة مرتكبها,انما ايضا بما يقدمه اليها المجتمع الدولي من دعم ومساندة وتنمية قدرتها الاقتصادية وتحسين اوضاعها السياسية وتحقيق الحريات الاساسية والديمقراطية وحماية حقوق الانسان وحرياته الاساسية الراسخة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان ووضع استراتيجيات اجتماعية لحماية الاقليات المعرضة لخطر الارهاب بسبب اصلها العرقي اومعتقداتها الدينية ومكافحة اتجاهات قيم التعصب وتنفيذ الدول لالتزاماتها في تطبيق الاتفاقيات الدولية لدعم سيادة القانون الدولي وزيادة فعاليتها بغية استقرار الحكومات والدول وعدم تنصلها من التزاماتها الدولية بالتذرع باية اعتبارات اوتقاليد. من جانب اخر ليس كل استخدام للقوة والعنف وما يؤدي اليه من اثارة الخوف والفزع والرعب هو ارهابا.مع تتطلب مواجهة الإرهاب التعامل مع التحديات التي تمليها دولة القانون، ومتطلبات الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان. وهي تحديات تنبعث من مبادئها مضافا إليها قيم العدالة. ولهذا احتلت جريمة الإرهاب جانبا مهما من مسؤوليات النظام القانوني. وقد ارتكزت هذه المسئولية في القدرة على التوازن بين متطلبات المبادئ الأساسية للقانون والديمقراطية وحقوق الإنسان وإعلاء قيم العدالة،ومتطلبات مكافحة الإرهاب في منع الجريمة أوالعقاب عليها. ولم تعد التحديات القانونية لمواجهة الإرهاب قطاعا منفصلا عن غيرها من التحديات، بالنظر إلى أن عالمية حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية أصبحت جزءاً لايتجزأ من قيم المجتمع الدولي بحكم الشرعية الدستورية في دساتير مختلف الدول، مما جعلها إطاراً لايمكن تجاوزه لمواجهة الإرهاب بكافة وسائله أيا كان التكييف القانوني للإرهاب. وهو مايجعل التحديات القانونية في مواجهة الإرهاب ركنا أساسيا في المواجهة الشاملة للإرهاب على اختلاف أنواعها وأبعادها. مازال الإرهاب يزدهر في بيئات تستمر فيها ممارسة العنف والفساد برعاية الدولة ومن دون عقاب، خصوصاً في الأماكن التي لاتزال فيها التوترات الإثنية والدينية واللغوية قائمة والتي تتفاقم فيها المظالم بين الفئات الاجتماعية، وحيثما يؤدي عدم احترام سيادة القانون إلى خلق مناخٍ من الظلم. وتشمل العوامل التي يمكن أن تساهم في هذه الظروف الانتهاكات المرتبطة بالصراعات المستمرة منذ أمدٍ طويل دون حل؛ والتمييز الإثني والقومي والديني؛ والإقصاء السياسي والتهميش الاجتماعي الاقتصادي؛ جميعا تشكّل مناخا للجريمة والإفلات من العقاب. ويمكن لجميع هذه العوامل أن توفر أرضية للكراهية والتطرف أمام الأفراد الذين يمكن أن يواصلوا ارتكاب أعمال إرهاب عنيفة. وكما أكد الأمين العام خلال المناقشة المفتوحة التي أجراها مجلس الأمن بشأن التعاون الدولي والتطرف العنيف في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2014، فإن المشاكل تزداد تفاقماً عند ما تكون جهود مكافحة الإرهاب غير محددة الأهداف على نحوٍ كافٍ وعندما تشعر مجتمعات بأكملها أنها تقع ضحية انتهاكات لحقوق الإنسان تُرتكب باسم مكافحة الإرهاب. إننا نعتقد أن الإرهاب مفهوم قانوني ذو بعد سياسي، وأن انعدام الرغبة في الوصول إلى تعريف موحد يعكس حقيقة الوضع السياسي العالمي إضافة إلى المكاسب التي استطاعت الدول الصغيرة أن تحققها في ظل نظام تعدد الأقطاب كتعريف العدوان مثلا الذي أصبح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين أمرا يصعب تحقيقه في ظل سياسة القطب الواحد، وتظهر الأزمة الأمريكية الأخيرة خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، مدى صحة هذا الاستنتاج، فالرغبة الواضحة لدى الولايات المتحدة الأمريكية هي فقط إنشاء تحالف دولي تقود به العالم لخدمة مصالحها ، كانت تخطط لها منذ زمن بعيد، مستفيدة من أعمال إرهابية لم يقم الدليل القاطع على ارتكابها من جهة معينة، لتشن حربا حقيقية ضد شعب سحقته حروب مستمرة منذ أكثر من عقدين من الزمن(ألأفغاني). لذلك يمكننا أن نؤكد مرة أخرى على أن إتهام النازيين للمقاتلين الفرنسيين إبان الاحتلال الألماني لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية بأنهم إرهابيون لم يغير يوما من أن هؤلاء كانوا ولازالوا بنظر الجميع مقاتلي حرية، وينسحب الوضع بصورة أكثر وضوحا، نظرا للتأمر الدولي على مناضلي الحرية داخل فلسطين، لبنان،العراق والصومال وغيرها من بلدان العالم، وكما إن إتهام البريطانيين لليهود يوما بأنهم إرهابيون لم تتردد بريطانيا عن إمدادهم عسكريا وبشريا بألآف اليهود الذين سمحت لهم بالهجرة إلى فلسطين، على الرغم من اقترافهم لكل صور الإرهاب، حيث لم يثنهم يوما هذا الإرهاب عن متابعة مسيرتهم، فذهبوا يعيثون في الأرض فسادا حتى أسسوا دولة كيانهم الغاصب في جزء من فلسطين، واحتلوا الباقي من أراضيها بالإضافة إلى أراضي عربية أخرى في مرتفعات الجولان السورية وصحراء سيناء المصرية، وباتوا يقترفون يوميا وفي كل الأراضي العربية كل أنواع الجرائم الدولية ومنها الإرهاب،وذلك دون حسيب أورقيب. وليس من المبالغة القول إن مصطلح الإرهاب أصبح يعني في أوساط الإدارات المتعاقبة في الولايات المتحدةالأمريكية، معاداة الولايات المتحدة، كما تحددها السلطة التنفيذية الأمريكية وحدها، وعلى الرغم من ذلك، فإن واضعي السياسة الأمريكية يرددون صدى هذا التفكير بقوة حينما يرفضون الفكرة القائلة بأن من يعتبر إرهابيا من وجهة نظر أحدهم، يعتبر بطلا أومناضلا في سبيل الحرية من وجهة نظر أخرى.(وأخيرا لأ بد أن نقول إن صعوبة الإتفاق الدولي على تعريف الإرهاب يقودنا إلى نتيجة مفادها أن عملية مكافحة الإرهاب تنبع بالضرورة من وحي التعريف بالإرهاب وبالتالي فإن المكافحة الدولية للإرهاب وفي غياب مفهوم جاد ترضى عنه شعوب العالم، تبقى نسبية، بل عديمة الجدوى، وفي مجتمع دولي تتضارب فيه المصالح بشكل كبير ويتم تباين كبير بين وضع شمال متطور يغزو الفضاء، وجنوب متخلف وفقير يصارع من أجل البقاء، ومادامت شعوب بريئة تقتل، وقرارات أمريكية تصدر باسم الأمم المتحدة، وأخرى ملحة تمنع، وانساق فكرية وتعليمية محلية تعدّل وتلغى، وأموال شخصية تجمّد لمجرد الإشتباه بها بذريعة مكافحة الإرهاب سوف تظل هذه الظاهرة حتى وجود عدل شامل وعام يحفظ لكل بلدان العالم دون استثناء أمنه او استقراره او رفاهيته اوعيشه حياة كريمة مستقرة.

وهذا الجزء 319 صفحة من الحجم المتوسط ثلاثة فصول وسيصدر الجزء الثاني خلال الشهور الثلاثة القادمة .

وبالله التوفيق

 

 

1276 enayatيندرج مؤلَّف الكاتب الإيطالي بييترانجيلو بوتافوكو ضمن مؤلفات المهتدين الجدد إلى دين الإسلام، وهو ليس كتابا كلاسيكيا عن رحلة اهتداء ديني، كما دأبت العديد من السِّير التي حبّرها لفيف من المتحولين نحو عالم الإسلام؛ بل هو مؤلَّف يروي كيف يرى المعتنق-المنتمي لهذا الدين، ابن الواقع الغربي العلماني، عالمَ الإسلام اليوم، الذي بات منتسبا إليه ومنفعلا بأحداثه وإلى حدّ ما معنيا بمصائره. فليس خطّ التحول نحو الإسلام في الغرب الحديث فاصلا سطحيا، لأناس حيارى وجدوا ضالتهم في سحر الشرق كما يروج عادة، بابتذال للظاهرة المركّبة وتسطيحها؛ بل هو دربٌ عسيرٌ وإدراك عميق، سلكته شريحة في الغرب منها قامات فكرية عالية لعلّ أبرزهم رينيه غينو وهنري كوربان وروجي غارودي. فأية مصاعب وأية تحديات يلقاها هذا "المهاجر الروحي" في طريقه؟ لا سيما في حقبة عاصفة يعيشها المهتدون الجدد، متّهَمين بموالاة أجندات أجنبية، أو محسوبين على دول مارقة وتنظيمات متطرفة عابرة للقارات، تجد ملجأ في فضاءات متوترة من العالم الإسلامي، ولا سيما في المشرق العربي، كما نرى اليوم في بلاد الشام وما جاورها.

إذ يدعو العنف المتفجر في البلاد العربية وبلاد الإسلام عامة، إلى تأمل فكري رصين بعيدا عن الإسقاطات المغرضة التي تتحكم بمقاربة هذه الظاهرة والمتراوحة بين الاتهام والتأجيج، ذلك ما تناوله قسمٌ واسع من كتاب بوتافوكو المعنون بعنوان استفزازي "فظاعة السراسنة"، ولفظة السراسنة في معناها الغربي الغائم تعني العرب والمسلمين على حد سواء؛ فضلا عن طرحه إشكالية معنى أن تكون مسلما غربيا اليوم. حيث يتساءل الكاتب منذ مطلع كتابه أين يسحب العنفُ العبثيّ العالمَ الإسلاميَّ وقرآنه المجيد يؤكد بصريح القول: "من قتلَ نَفسًا بِغير نَفسٍ أَو فَسادٍ في الأرضِ فَكأنّما قَتل الناسَ جميعًا"؟ أوَمَا زال معنى لهذه الآية في ظلّ تزاحم تأويليات العنف المستندة إلى نصّ مقدس، وقد تضاربت الفتاوى وتزعزت الثقة في المرجعيات؟ وهل أفلس الشرق من أولياء الله ودعاة اللاعنف ليتحول إلى مرتع لتجار السلاح ومروّجي الفتن ولم يبق سوى مجيء المسيح الدجال (برنار ليفي وفق قول الكاتب) لينقذ الشرق من تيهه. فقد بلغ هولُ التناحر مستوى متقدّما، بات يأتي على الأخضر واليابس، الأئمة والمصلين، المستأمنين والمستجيرين، حتى لكأن الصراع المحتدم في العراق وسوريا صراع أبوكاليبسي، أخروي، كما تصوّرُه رسالة يوحنا في العهد الجديد وفق بوتافوكو. واقعٌ يشبه دورة الفتنة الأبدية، كلّما خرج المرء من واحدة انكبّ في أخرى أشدّ وطأة.

يصدّر الكاتب كتابه بحديث الفسيلة النبوي الشهير، حديث الغرس والأمل والحياة، حتى على عتبة الرحيل إلى العالم الآخر بين يدي الحكم العدل. ثم يعرّج على ذلك في متن الكتاب، فالأمة المستأمَنة على رسالة الإسلام والإيلاف، صار ضحاياها بالألوف ولاجئوها بالملايين، فأي شيء يعتمل داخل الوعي الديني حتى تحول التديّن إلى مشكلة كونية، يتناقض فيها المثال مع الواقع تناقضا صارخا؟ ومن هذا الجانب يفصح الكاتب عن تحدّ واقعي يواجه أتباع هذا الدين من أصول غربية بشأن سؤال العنف، كيف يفسرون لبني جلدتهم من الغربيين ما يحدث، وهل ما زال إقناع الناس أن الإسلام لغويا من السلم والسلام له معنى؟ فالحجّة صارت مردودة والإجابة صارت متعذرة على قائليها، لا سيما والواقع ينفي ما ينبس به المرء، أمام الضخّ الإعلامي الهائل الوارد على الناس من الشبكة العنكبوتية ومن الخلوي ومن شتى أصناف وسائل التواصل. فهل يَقدر العربي أن يقول للغربي إن الإسلام دين سلام؟ يصبح محل سخرية للجمهور لو قالها في تلفزيون أو في محفل أو فوق منبر، فحتى أحباء الثقافة العربية من الغربيين باتوا في ورطة من أمرهم مما دهى العرب. ليس من الهين كما يقول بوتافوكو أن يكون المرء مسلما في زمن يتعرض فيه عالم الإسلام إلى تفجير من داخله، من أبنائه، ومن حماته، ولا سيما من حاضنته العربية بشقيها السني والشيعي. يردّد المؤلّفُ القول المشهور في أوساط المهتدين: أحمد الله أني عرفت الإسلام قبل أن أعرف المسلمين.

فقد كان اللوم -في ما مضى- على الغرب الذي يعرض صورة فجّة مغرضة عن الإسلام، ولكن ما يفعله مسلمون بمسلمين، وما يفعله عرب بعرب هو أشد ضراوة وأدهى فتكا. في حادثة "شارلي هبدو" في فرنسا، التي عبّرت عن عمق هذه التراجيديا، رجلٌ يطلق النار ويكبّر وحارس يخرّ صريعا وهو يلهج "الله أكبر"، إنها تناقضات الإسلام المهاجر اليوم، الذي لا يدري أين يتموقع، فالقاتل والمقتول أوروبيان، عربيان، جزائريان، وُلدا وشبّا في فرنسا على دين الإسلام، شريف الكواشي القاتل وأحمد مرابط القتيل. اختلطت السبل نحو الجنة على الإسلام المهاجر، وهي سمة تطبع كما يقول بوتافوكو الإسلام الغربي، فهو سطحي، استعراضي، رومانسي، في علاقته بالجذور، لم يتشكّل فيه الشهود الحضاري الواعي، فلا يزال "المهاجر/المواطن" مشدودا إلى الخلف، مهووسا بالمنبع، في مسلكه وفي منسكه، منفعلا بما يجري في بلاد الإسلام دون بلوغ تعال رؤيوي. لقد تعرّض علماء اجتماع عديدون لمسألة "الإسلام الغربي" أو "الإسلام في الغرب"، أمثال الإيطاليين إنزو باتشي وستيفانو أليافي في العديد من الأبحاث، التي تناولت ظواهر الإسلام المهاجر وقضاياه. بدا جليا أن شقّا واسعا من المسلمين، من مواليد الغرب، ما فتئ يعاني رهقاً. ففي خضمّ الدمج القسري أو الاندماج الطوعي بقي التديّن، بمعناه السوسيولوجي، دون إعادة تشكيل عقلانية. فعلاً نواة الدين هي مربط الفرس في ذلك السجال الدائر. ويخلص الباحثان إلى أن التحرر الرؤيوي مرهون أساسا بتطوير الإسلام الديناميكي المتجذر في بناه الاجتماعية وفي سياقه التاريخي الغربي. فليست أوروبا فحسب أمام هذا الاختبار الحضاري، بل الجموع المسلمة المتواجدة داخل حاضنتها طرف رئيس في هذا التحدّي.

يقول بوتافوكو بِتنا نرى عددا هائلا من المسلمين قتلى بأيدي مسلمين، فالصراع في الإسلام وعلى الإسلام على أشده، كل له تأويليته المسقطة على الدين، والمفروضة بمنطق القوة لا بقوة الحجة، والتنافس ما عاد داخل عالم الإسلام بين الأفكار، بل بين أشكال العنف المختلفة، إذ الحدود التأويلية باتت غائمة، مائعة، بين مقترفي العنف وضحاياه. علامَ يتقاتلون؟ ذلك السؤال المحيّر الذي يطرحه الإنسان الغربي العادي والبسيط والمتابع لأحداث العالم. حتى بات العنف الواردة أنباؤه من ديار الإسلام خبرا رتيبا باهتا، يقابَل بلا مبالاة وبرودة جراء تكرره وعبثيته، لا سيما وقد أضحى لا يدخر موضعا، الكنائس والمساجد والأسواق والتجمعات الأهلية، فهو عنف أعمى بلا رسالة ولا مقصد ولا غرض. وحتى الزمان فقدَ قداسته، لا رمضان ولا عاشوراء، لا عيد ولا مأتم، فهل ما زال لدلالات الأشهر الحرم في التصور الإسلامي معنى؟ بالفعل في الزمن الحالي افتقد العنف العربي مرجعيته وغدا عبثا ارتداديا يستهدف الذات. يلخّص بوتافوكو حالة المتقبّل الغربي للمعلومة والخبر الواردين من البلاد العربية بقوله: تحوّل الخبر الوارد من البلاد العربية إلى مشتقات جذر "قتل"، ليس بما يروّجه الخصوم عنهم، بل بما يفصح به الإعلام العربي عن واقعه، مما حوّل الخوف من العربي أمرا غريزيا لدى الغربي، حرفًا ولونًا وملبسًا، لكن البترول العربي يبقى شهيا ومحروسا وآمنا.

وفي سياق الحديث عن الواقع الراهن يقول الكاتب، يشتكي السوريون من تناسي العالم لهم ويستصرخون الضمائر الحية في الغرب لمدّ يد العون، ويبيّن قائلا وهل أبقى العالم الإسلامي ضميرا للبشرية حتى تتعاطف مع قضاياه؟ فاللاجئ السوري في المخيال الغربي ما هو إلا فائض عنف، وهو بقايا لفوضى عارمة متشظّية تشبه آثارها الإشعاعات النووية، التي ينبغي التوقّي منها بشتى السبل، وإن لزم حصرها في الداخل إلى ما لا نهاية، هكذا بات الغرب أمام قضايا العالم الإسلام خاليا من الشعور الإنساني النبيل. فالسراسنة كما يعي المخيال الجمعي عادوا مسلَّحين مجددا بأدوات التقنية وأشكال التواصل الحديثة الموظَّفة أساسا لتمديد رقعة العنف. فالكتاب فيه تعرية قاسية لواقع العرب اليوم، نرصده في كافة ثنايا فقراته، مع أن الكاتب يتوجه بمقوله إلى قارئ غربي، من منظور مسلم غربي لا يتوانى عن التصريح بانتمائه إلى شيعة آل البيت.

ثم في موضع لاحق من مؤلّفه يتناول بوتافوكو بالتحليل والتوضيح مسألةَ المسلم الغربي والإرهاب التي باتت مطروحة. إذ يبدو المسلم الغربي الذي يعود إلى أصول غير أوروبية، أي إلى أصول مهاجرة، هو الأكثر عرضة للانجذاب نحو العنف لما يلقاه من رفض داخل الغرب، فهناك معاناة لا ينبغي التستر عليها. لكن الفرنسي والإيطالي والإنجليزي القحّ يبدو أبعد عن الوقوع في شراك ذلك الإغواء، ويبدو في منأى عن تلك التعبئة النفسية القسرية. أمّا القوقازي أو الأوروبي البلقاني فهما الأكثر وقوعا ضمن دائرة الإغواء لما يختزنه المرء في لا وعيه من قهر واضطهاد. لكن الدعاية تتلاعب أحيانا وتعرض كل أشقر هو غربي، فالدعاية طرف فاعل في الحرب المتفجرة اليوم. والإعلام الغربي بدوره يتلاعب بورقة الغربيين الملتحقين بالجهاد في سوريا. أحيانا للحدّ من ظاهرة التحول الديني التي باتت جلية في غرب يشهد انكماشا دينيا وفتورا روحيا. فهناك طرف في الغرب متربص بالإسلام الغربي، يتقفى عثراته، يتشابك فيه اليمين مع الكنيسة الغربية التي تقلقها حالات الانسلاخ الداخلية.

يفصح الكاتب عن قناعاته الشيعية في أكثر من موضع في ثنايا كتابه، إذ تبدو إيران من منظوره الدولة الإسلامية الوحيدة تقريبا التي تملك استراتيجية ثقافية هادفة في العالم الغربي. فالعديد من البلدان العربية، ولا سيما البترولية منها، حاولت خلق استراتيجية ثقافية من خلال المال بشراء الكراسي في الجامعات الغربية لكن الكراسي تلك تبدو منفصلة عن الناس وبعيدة عنهم. لذلك تبدو وكأنها لابتزاز الشرق أكثر منها للحوار الحقيقي مع الشرق، تستعملها بعض البلدان مطية لشراء الدكتوراوات الفخرية أكثر منها سبيلا لصنع حوار فاعل مع الغرب، ويضرب مثلا عن ألوف الغربيين الذين يتعطشون لتعلّم العربية ولكنهم لا يجدون المساعدة من أي طرف في ذلك. ويرى الكاتب، كان النظر للثورة الإيرانية مع اندلاعها رجوعا للأصل، للذات، وذلك قبل أن يدخل الثوار والثورة دهاليز الدعاية والدعاية المضادة، وقبل أن يشرع باب الإسلاموفوبيا على مصراعيه. فبعد وعي ملوّثٍ بعالم الإسلام، دام قرونا، نظر الغرب بعين ملؤها التصالح مع عالم الإسلام، بدا ذلك حين تابع الغرب بشغف مراسلات المفكر الفرنسي ميشيل فوكو عن الثورة الإيرانية، التي كان يكتبها في "كورييري ديلا سيرا" الإيطالية، فالعالم فيه متنفس للروح، ما كان الخميني مشيطَنا بل حَمْلا، كان ربانيا في زمن طغت فيه المادية والعدمية حتى النخاع. لكن تلك المحطة أُغلِقت وكانت منطلقا لفوضى عارمة. وفي قراءة بوتافوكو للمشهد الشرق أوسطي في ظل التحولات السياسية التي تخترق هذه المنطقة تبدو إيران قد حققت مناعتها، أو أنتجت مناعتها منذ "الثورة الخضراء"، لكن سوريا التي بقيت مغلقة تأخر فيها الإصلاح، غدت جسدا بدون مناعة منذ أن استولى العسكر عليها ومنذ أن دخلت حكم آل الأسد الأبدي فتحولت إلى خزان للتناقضات. فالماضي يعانق الحاضر، واستراتيجية اسكندر ذي القرنين القديمة التي تقول "من يريد فارس يتوجّب عليه المرور بسوريا" تبدو حاضرة اليوم لوصول الغرب لاستيعاب إيران، وهو تحليل من منظور بوتافوكو ميتافيزيقي، فما يحدث في سوريا تجربة عسيرة تضع العالم الإسلامي بأسره في موعد مع العصر الألفي ومع واقعية الاستراتيجيا السياسية.

لقد غدا الإسلام كابوسا في المخيال الغربي، يتلقفه الكتاب والأدباء بالتحليل والفهم. ففي الرواية السريالية "خضوع" أو "استسلام"، أو بالإحرى "إسلام" لميشيل هولبيك الصادرة سنة 2015، يتحدث صاحبها في فصل استشرافي من فصولها، كيف ستصوّت فرنسا الديمقراطية مكرَهة في صراعها مع "الجبهة الوطنية" اليمينية إلى محمد عباس، مرشح الإخوان المسلمين سنة 2022. ذلك مصير فرنسا السياسي بمنظور استشرافي، فرنسا بلغت أوج أزمتها التي سبق أن نبّه منها رينيه غينو في كتابه "أزمة العالم الحديث"، أو بالأحرى عبدالواحد يحيى بعد إسلامه، بأسلوب رمزي باطني، لا زال يشدّ من يغويهم التفسير الباطني والرمزي لأحداث العالم. فالشرق يبقى عميقا كما سبر غوره هنري كوربان، صاحب الخيال الخلاق، وما الغرب سوى منفى للميتافيزيقيا. فـ"المفتاح الهرمنطيقي" لعلماء الشرق القدماء بوسعه أن يقدّم جوابا عن مصائر الإنسان المعاصر الذي باتت تلفه الظلمة وغير قادر على رؤية ذاته، إنه منفى المنفى، كما يصف الحالة في مؤلّفه "دورات الزمن والغنوص الإسماعيلي".

وتحت عنوان "المعرفة بحر والجهل محيط"، ينتقد بوتافوكو الآلة الغربية الإعلامية بقوله: يروّج الإعلام الغربي أن العالم الإسلامي رافض للمسيحية، حتى أن المرء يدان في إيران بمجرّد الإشارة بعلامة الصليب، كما اعتاد النصارى فعل ذلك عند المرور بمصلّى أو كنيسة، لكنه يستدرك، "الكاتيكيزم" (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية) قد سهرَ على ترجمته إلى الفارسية علماء دين من حوزة قم ومن الجامعة الغريغورية الكاثوليكية في روما، وكلاهما مرجع لاهوتي وديني في العالم الشيعي والعالم الكاثوليكي، ثمة رغبة في التلويث عبر الدعاية لا تهدأ ولا تفتر.

 

فظاعة السراسنة.

المؤلف: بييترانجيلو بوتافوكو

منشورات: بومبياني، ميلانو-إيطاليا

سنة النشر: 2018

عدد الصفحات: 208 ص (اللغة إيطالية).

 

عز الدين عناية - أكاديمي تونسي مقيم في إيطاليا

 

 

ahmad fadelكيف كانت كلمات بعض الروايات العظيمة سببا في الشفاء من فقدان الشهية كتابة / بيل موني ترجمة / أحمد فاضل

الكاتبة والناقدة الإنكليزية لورا فريمان عرفت بنشاطها الثقافي المميز من خلال كتاباتها في الصحف والمجلات الإنكليزية المرموقة كمجلة، سبيكتاتور، تايمز، صنداي تايمز، ديلي تلغراف، صنداي تلغراف، أبولو، عالم التصميمات الداخلية، ستاندبوينت وملحق التايمز الأدبي، وقد تم إدراج أعمالها في القائمة القصيرة لكاتبة العام لهذا العام في جوائز British Press Awards، درست تاريخ الفن في جامعة كامبريدج وتخرجت منها عام 2010.

تقول في كتابها "علاج القراءة" الصادر حديثا عن دار نشر (ويدينفيلد ونيكلسون) بلندن العاصمة أنها كانت تعاني من فقدان الشهية عندما كانت تبلغ من العمر 13 عامًا – الآن هي تبلغ من العمر 30 عاماً - حيث قالت في كتابها الذي هو أشبه بسيرة ذاتية لحياتها أنها :

" بدأت تشعر أن هناك شيئًا خطأً لا يمكن إصلاحه في جسدها فوجدت في كلمات الروايات العظيمة مساعدة حقيقية ساعدها في التغلب على مشاكل فقدان الشهية التي عانت منه كثيرا، ويعرف القراء الذين يتسمون بالعاطفة أن الكتب منقذة للحياة فالأفلام المثيرة والرومانسية يمكن أن تنقلك بعيداً عن آلامك، في حين أن أعظم الأدبيات يمكن لها أن تطمئنك على أن كل شيء قد يثقل على حياتك يمكن التغلب عليه، كان هذا أمر جديد بالنسبة لي وأنا أعاني وقتها من فقدان الشهية عندما أصبت به للمرة الأولى ما جعلني أعيش في عزلة بائسة، ففي أحد أيام الصيف كنت متخوفة من بدء الفصل الدراسي الجديد، شعرت أن هناك شيئا خطأ لا يمكن إصلاحه في جسدي، من هنا بدأت دوامتي مع الجوع والبؤس، هذا هذا هو هوس فقدان الشهية الذاتي الذي اعتقدت أن الطبيب سيقوم بتشخيصه حيث قال لوالدي إن الشفاء قد يستغرق عشر سنوات " .

وتشكل الصفحات الأولى من هذا الكتاب بيانا حيا لما كانت تشعر به فريمان من فقدان الشهية خاصة " الجوع والبؤس "، لكنني لم أجد شيئا من البؤس هنا فقد كانت الكاتبة تهدف إلى وصف كيف أصبحت الكتب دليلاً على تغلبها لذاك الداء، ولكن بعد مرور ثلاث سنوات على التشخيص كانت تقول إنها كانت أسابيع من الموت ونجت بفضل تمريض أمها وصبرها، وبعد سنوات من الأكل بما فيه الكفاية عثرت فريمان في العشرينات من عمرها على مذكرات سيغفريد ساسون " رجل صيد الثعالب " وإن قراءة الكيفية التي دس بها البيض المسلوق والكاكاو كانت تزرع في مخيلتها فكرة أن " الطعام الدافئ والمخلوط يمكن أن يؤدي إلى حياة أكثر ثراءاً من المتوسط الذي كنت أعيش فيه ".

ثم انتقلت إلى ديكنز ورأت أنها تتوق إلى " أن تغمس ملعقة صغيرة في حساء وجبات ديكنز"

ومن الغريب أن كلمات الروايات العظيمة حققت شيئًا لم تستطع جميع الأمهات من تحقيقه وفريمان تدرك أنه لا توجد فضيلة أخلاقية في الجوع الذي سبب لها عجزًا لسنوات .

فريمان ترافقنا من خلال كتابها في رحلة مبهجة حيث تصف لنا ما حظيت به فيرجينيا وولف من متعة تناولها لمنتجات الألبان وهي نفسها على الأرجح كانت تشكو أيضا من قلة الشهية وذهابها لتناول أشجار الفاكهة والهليون والفطر، فكم هو غريب هذا الكفاح مع وجود كل هذه الوفرة من الغذاء مع توجيهها رسالة في كتابها هذا تقول فيه لمن يشكو من قلة الشهية : " استمروا " .

 

عن / صحيفة ديلي ميل اللندنية

 

 

1275 duabصدر مؤخّرا كتاب "أخلاقيات مهنة التدريس بين الواقع والمنشود"، وهو كتاب جماعي يظمّ مجموعة من الأعمال البحثيّة هي بعض ثمرات ندوة علميّة دوليّة أنجزها المعهد العالي للدراسات التطبيقيّة في الإنسانيات بالمهديّة بالاشتراك مع جمعيّة الإبداع الثقافي والجمعيّة التونسيّة للجودة في التربية، حول موضوع "أخلاقيات مهنة التدريس بين الواقع والمنشود" وذلك طيلة أيّام 10 و11 و12 أفريل 2017. والتي دارت أشغالها حول المحاور التالية:

1- التّربية والأخلاق : المفاهيم والإشكاليات

2- مرجعيّات مهنة التدريس

3- المدرّس النّموذج في التصورات القديمة والحديثة.

4- تشكّل الهويّة المهنيّة للمدرّس

5 – مهنة التّدريس في تونس :التّاريخيّة والخصوصيّة

6 – العلاقة بين مهنة التدريس والجودة في التربية.

ويضم هذا الكتاب بحوثا متنوّعة تذهب في شعاب من القول شتّى وتجسّد اهتمام أصحابها بالشأن التربوي ومسألة التعليم ومهنة التدريس وأخلاقياتها تحديدا. فنحن في رحاب مداخلات شغلها الشاغل البحث في صورة المدرّس أو المعلّم أو الأستاذ أو المربي. . وهي صورة قد نتوهّمها ثابتة ولكنّها في حقيقة الحال متحوّلة بتحوّلات الزمان والقيم.الأمر الذي أفضى إلى الحديث عن معالم المدرّس العصري في مقابل المدرّس التقليدي. هذان المدرّسان يتقاطعان في جملة من الثوابت ولكنهما يختلفان في جوانب أخرى يمليها حال الوقت، وهو ما يستدعي إعادة النظر باستمرار في تكوين المعلمين والمدرّسين مواكبة لروح العصر وتحوّلاته على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي ومراعاة لتبدّل الأنساق الثقافيّة والوجه في ذلك أنّ العمليّة التربويّة لا تنحصر في تلك العلاقة المباشرة القائمة بين معلّم ومتعلّم وإنّما هي محفوفة بالعديد من الملابسات المعقّدة والمؤثّثات التي تتصل بالوسائل والمناهج والأطر بجميع أشكالها.