1211 enayatأن يدخل جمل في سمّ الخياط أهون من أن يدخل غنيّ ملكوت الربّ

عقِب اعتلاء البابا المستقيل جوزيف راتسينغر كرسي البابوية سنة 2005، بدأ معه تحذير من مخاطر تحوّل الكنيسة إلى مؤسسة دنيوية ربحية، على غرار غيرها من المؤسسات اللاهثة وراء تحقيق النفع المادي. وقد لخّص هرم القيادة الكاثوليكية موقفَه حينها في كتاب حِواري بعنوان "نور العالم"، عدّ فيه ما يجري هو حصيلة مسار سقيم انساق للتأقلم مع الثقافة اللائكية والتصالح مع روح العصر دون مراعاة خصوصية الكنيسة. فقد حالت صلابة راتسينغر الدغمائية دون أن يلوذ الرجل بالصمت، تقديرا منه أن ليس بوسع المرء أن يخدم الله والمال تبعا لما يرد في الإنجيل (متّى6: 24).

في الأثناء توالت الأصوات المحذّرة من الخط الدنيوي الذي بات متسرّبا داخل الكنيسة. وجاء ذلك من المقرَّبين من دوائر القرار في حاضرة الفاتيكان على غرار جان فرانكو سفيدركوسكي النائب الأسبق لرئيس تحرير صحيفة "أوسرتفاتوري رومانو" اللسان الرسمي للفاتيكان، وهو ما ورد بليغا وموجزا في كتابه "عودة رجالات الكنيسة" الصادر قبيل استقالة راتسينغر، والذي عدّد فيه المسائل العاجلة؛ وبالمثل من المتابعين العلمانيين للشأن الفاتيكاني على غرار فرانشيسكو بيلوزو مؤلف كتاب "مصرف البابا" الصادر أواخر العام الفائت، والذي يعيد فيه تفكيك سلطان المال داخل حاضرة الفاتيكان مبرزا خطورة ما يواجه البابا الحالي فرانسيس برغوليو من تحديات على غرار سلفه المستقيل.

في كتاب فرانشيسكو بيلوزو الذي نتولى عرضه يتمحور أساسا حول علاقة الكنيسة بالمال. والمؤلف هو خبير بالشأن الفاتيكاني من جماعة الكتّاب المعروفين في إيطاليا بالفاتيكانيسْتا، يتعاون مع العديد من المجلات والصحف المرموقة، ومن منشوراته "الربّ وحده" (لنداو 2007). حيث يحاول الكاتب تشخيص أعراض تلك الأزمة من خلال التطرق إلى أهم مفاصل النشاط المالي واختلالاته. يرصد في المحور الأول المعنون بـ"بندكتوس السادس عشر: الفاتيكان تحت الحصار" الدوافع التي حملت البابا الأسبق على الاستقالة، بوصف تلك المخاطر لا زالت تتربص بالبابا الجديد، مبرزا أن جوهر المسألة يتلخص في نفوذ بعض الأطراف المالية التي غالبا ما يعجز رأس الكنيسة عن إدخال أي تحوير على أنشطتها. وصحيح أن أزمة الكنيسة في العقود الأخيرة باتت مركبة، ولكن يبقى الجانب المتعلق بالمال أبرزها، فما انفكت قضايا الفساد المالي داخل حاضرة الفاتيكان تلقي بظلالها بوصفها إحدى المسببات للتوتر. ومن هذا الباب جاء اختيار فرانسيس برغوليو من قِبل "الكونكلاف" -مجلس الكرادلة المكلف بتعيين البابا- رغبة في إدخال تحوير على مراكز النفوذ داخل حاضرة الفاتيكان وتقليص الطابع الدنيوي الذي بات طاغيا. جاء البابا الجديد، أو جيء به، على أمل خوض إصلاحات داخل الكنيسة، وانهمكت آلة الدعاية حينها في تصوير برغوليو قدّيسا قادما من أقاصي المعمورة، أذكاها الرجل من جانبه بمظاهر تقشف لافتة، بدت في اختيار محل سكناه في دير القديسة مارتا المتواضع بدل القصر الرسولي الفخم، وما تبعه من انتقاء مظهر بسيط رفض فيه تقلّد الصليب الذهبي وحمل صليبا من حديد.

من أين تبدأ الإصلاحات داخل حاضرة الفاتيكان؟ يتساءل بيلوزو. موضحا أن خوض غمار ذلك، كما يقدّر البابا فرانسيس، يرتبط أشدّ الارتباط بتخفيف القبضة الإيطالية على كنيسة روما، في مسعى لتفكيك البيروقراطية المتجذرة والاستعاضة عنها بكفاءات من خارج. مبرزا الكاتب أن تلك المبادرات تجد دعما من جناح داخل الكنيسة يتطلّع إلى إصلاحات جذرية، مثل جواشيم مايسنر رئيس أساقفة كولونيا الأسبق، وروجيه ماهوناي رئيس أساقفة لوس أنجلس، وفرانسيس جورج رئيس أساقفة شيكاغو، وأنطونيو ماريا روكو فاريلا رئيس أساقفة مدريد. ففي تشخيص أعراض الأزمة التي تعرفها الكنيسة، ثمة رأي شائع يرتئي أن كوكبة رجال الدين الإيطاليين ولا سيما أعضاء "المؤتمر الأسقفي" يتحمّلون الوزر الأكبر في ما آلت إليه الأمور، جراء المحسوبية والمحاباة واستشراء البيروقراطية، وأن أي تحوير فعلي سوف ينعكس على "الكوريا رومانا"، عصب السلطة في حاضرة الفاتيكان الخاضع للهيمنة الإيطالية. وبالفعل مع البابا الحالي تم الشروع في ذلك التمشي بإبعاد عدد من الخبراء والمستشارين الماليين الإيطاليين وتعويضهم بآخرين من خارج إيطاليا، ينتمون إلى دائرة العلمانيين من الأوروبيين والأمريكان تعضدهم مؤسسات استشارية دولية. هذا التحوير الجريء يعوّل فيه البابا فرانسيس على "مجلس الحكماء" حديث الإنشاء، والمتكون من ثمانية كرادلة يتولون تشخيص الأدواء التي ترهق الكنيسة.

في المحور الثاني من الكتاب والمعنون بـ"المالية والكرسي الرسولي في زمن العولمة" يتطرّق الكاتب إلى تأخر اندماج حاضرة الفاتيكان في سياق التحديث المالي بفعل الطابع المتحفظ والسري الذي يميز معاملاته. ولكن أمام مخاطر العزلة اقتضت الأوضاع التلاؤم مع ضوابط المالية العالمية الهادفة إلى مقاومة غسل الأموال والتصدي للإرهاب. وجرى فتح جملة من الملفات التي تربط الفاتيكان ببعض الدول والبنوك في مختلف أنحاء العالم بقصد وضع حدّ للمعاملات القذرة، لا سيما وأن الفاتيكان أوشك أن يقع رهن عزلة مالية سنة 2012. لكن يبقى إصلاح "الإيور" المعروف في إيطاليا ببنك الفاتيكان، وهو الجهاز الاقتصادي الناشئ سنة 1942 بقصد إيجاد سند لدولة الفاتيكان الفتية، والعنصر الجوهري في إعادة الهيكلة المالية.

إذ لم يحل حولٌ على اعتلاء برغوليو كرسي البابوية حتى سارع بإنشاء سكرتارية للشؤون الاقتصادية، تتولى مراقبة ميزانية كافة القطاعات الإنتاجية التابعة للكنيسة سميت بـ"هيأة الاستعلامات المالية" (Aif). وهي عبارة عن جهاز رقابي مالي يعمل على شاكلة البنوك المركزية للحيلولة دون غسيل الأموال ولدرء الحصار المالي الذي يتهدد حاضرة الفاتيكان، لا سيما وأن هناك تهما بتواجد معاملات مشبوهة وأن الفاتيكان بات ملاذا لتدوير أموال متأتية بطرق غير شرعية. وقد أنشئت تلك الهيأة (Aif) في أعقاب سحب البنك المركزي الإيطالي ثقته من الكرسي الرسولي وما خلّفه ذلك من تتبعات متعلقة بالسيولة، ولذلك يذهب الكاتب في تفسير استقالة راتسينغر المفاجئة في 11 فبراير 2013 لارتباطها الوثيق بتداعيات أزمة الثقة.

كان توتر علاقة البنك المركزي الإيطالي بمؤسسة "الإيور" الراعية للأنشطة الاقتصادية حادثا جراء تدني شفافية المعاملات المالية، الأمر الذي دفع إلى تعطيل بطاقات الائتمان داخل دويلة الفاتيكان كإنذار أوّلي. وهو ما ترتّبت عنه حالة من الاختناق الاقتصادي، إذ يكفي أن نتصوّر طوابير زوار متاحف الفاتيكان، التي تُقدّر سنويا بخمسة ملايين زائر، والملزمة بالدفع نقدا؛ فضلا عن تعطل الخدمات المالية في كافة المؤسسات الأخرى مثل البريد والصيدليات ومحطات البنزين والمغازات. وهو ما استجابت له مؤسسات الإقراض الإيطالية بإيحاء من البنك المركزي، للتعامل مع مؤسسة الإيور كمصرف أجنبي. والجلي أن تراجع الثقة المالية في الكنيسة قد بدأ منذ مارس 2012 حين أدرج مكتب الدولة الأمريكي الفاتيكان ضمن قائمة الدول التي تشهد عمليات تبييض أموال.

في محور مكثف بعنوان "تعداد أموال الفاتيكان مهمّة مستحيلة" يتساءل فرانشيسكو بيلوزو عن موارد ثروة الفاتيكان، ويعود بالأمر إلى فترة توحيد إيطاليا (1871). حيث لم تجد الحكومة الإيطالية سبيلا لتطبيع علاقتها مع الكنيسة سوى بإبرام معاهدة لاتيران سنة 1929 التي وقعها من الجانب الإيطالي موسوليني "رجل العناية الإلهية" كما أسماه البابا، وهو ما حاز بموجبه الفاتيكان جملة من القصور التاريخية المتناثرة في روما وأحوازها، إضافة إلى هِبة مقدارها 1750 مليون ليرة ناهيك عن عائدات ضريبية تُخصم مباشرة من الدخل الفردي لعموم الإيطاليين، لا تزال سارية إلى اليوم تُعرف بـضريبة "ثمانية بالألف"، وهي الضريبة نفسها التي أُقرّت في ألمانيا، والمسماة بالـ"كيرشينستاور" والعائدة إلى اتفاق مبرم بين هتلر والفاتيكان سنة 1933، جرت دسترتها لاحقا في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

انتهى قسط من تلك الثروة التي حصل عليها الفاتيكان في مؤسسة "بروفيما" المالية السويسرية واستُثمر القسط الآخر في الصناعة الحربية الأمريكية بغرض مجابهة هتلر. ومنذ تلك اللحظة شرع الفاتيكان في دمج ثروته في الاستثمار الدولي عبر المشاركة بالأسهم والمضاربة. جعلت تلك الثروة الطائلة من الكنيسة صاحبة أكبر ملكية عقارية، ففي روما وأحوازها يبقى خُمس المحلات ملكا لمؤسسات دينية، حيث نجد 23 ألف عقار ومساحة ترابية تابعة لها. وقد بات في الراهن من الصعب ضبط عدد الأملاك بشكل حصري. ففي إيطاليا وحدها بلغت العقارات المملوكة للكنيسة، خلال العام 2003، 115 ألف عقار. ويحصي بيلوزو في القطاع التعليمي 8.784 مدرسة، منها 6.228 مدرسة أمومة، و 1.280 ابتدائية، و 1.136 ثانوية، و 135 مؤسسة جامعية وشبه جامعية، وخمس جامعات كبرى، وأكثر من 2.300 متحف ومكتبة. إضافة إلى 4.712 مركز رعاية طبية، تنقسم إلى 1.853 مشفى وبيت للرعاية الصحية، وعشرة مستشفيات كبرى، و111 من المشافي المتوسطة الحجم، و1.669 مركزا للرعاية الأسرية، و 534 مشفى عائليا، و 399 روضة أطفال، و136 نقطة مراقبة صحية و 111 مستشفى متوسط الحجم، و674 من الأصناف الأخرى. ومن جانب آخر تملك كنيسة روما 118 مقرا أسقفيا، و 12.314 أبرشية، و360 بيتا مخصصا للجماعات الدينية وألف دير، و504 من المبيتات يأوي إليها طلاب الدراسات اللاهوتية. وامتدت العقارات التابعة للكنيسة إلى عدة أنحاء في العالم فعلى سبيل المثال محلات "بولغاري" ومحلات المصوغ في "نيوبوند ستريت" في لندن موصولة بأملاك البابا، وكذلك المقر المحاذي لبنك "ألتيوم كابيتال" الواقع عند منعطف شارع "جايمس سكواير" و"بال مال". ففي هذا الحي الراقي في عاصمة الضباب تتركز سلسلة من العقارات التجارية تشرف عليها مؤسسة "بريتش غرولوكس" العالمية لفائدة الفاتيكان.

أهّلت تلك الثروةُ الكنيسةَ، وهو ما يورد فرانشيسكو بيلوزو نماذج منه، لتكون رائدة في مجال الاستثمار السياحي والعقاري والصحي والتعليمي، حتى أن "الإيكونوميست" البريطانية قدّرت أن كنيسة روما بوسعها زعزعة الاقتصاد الإيطالي في حال انسحابها من السوق المالية. إذ تحقق السياحة الدينية وحدها مداخيل قدرها خمسة مليارات يورو سنويا، بعدد نزلاء يبلغ أربعين مليونا. وفي كافة أرجاء التراب الإيطالي يسهر رهبان وراهبات على تسيير 250 ألف سرير لا تغطي الطلبات المتزايدة، ما دفع إلى تحويل العديد من الأديرة إلى فنادق وشقق للكراء.

في المحور الأخير المعنون بــ"مقاومة غسل الأموال والمال القذر" يستعرض المؤلف لحظات قلقة من تاريخ حاضرة الفاتيكان والمال، حيث يعيد تقليب صفحات التاريخ فيعود بنا إلى سنوات إفلاس بنك أمبروزيانو الكاثوليكي (1982) المورط في العديد من المعاملات المالية غير القانونية، وهو بنك خاص شديد الارتباط بالفاتيكان ومرتهن إلى مؤسسة "الإيور"، عُثر على مديره روبارتو كالفي مشنوقا في لندن، باتت تلك الأحداث تشكل جانبا من التاريخ المالي القذر للفاتيكان. حيث لعبت معاملات البنك المالية دورا بارزا في مساندة حركة سوليدارنوسك البولونية وعموم المنظمات التي تقف في وجه الشيوعية، فضلا عن دعمه المالي في أمريكا اللاتينية سواء للأنظمة السلطوية التي وقفت في وجه المعارضة اليسارية أو لمقاومة التنظيمات الثورية. في الأثناء يتساءل فرانشيسكو بيلوزو عن العلاقة الرابطة بين رسالة المسيح ومؤسسة مالية على غرار "الإيور" قادرة على المناورة في الأسواق العالمية وعلى التأثير على الخيارات السياسية للدول.

من جانب آخر يستعرض المؤلف ما تتعرض له الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة من نزيف اقتصادي منذ تفجر فضائح الاعتداءات الجنسية على القاصرين من قبل رجال الدين، الأمر الذي أجبر عددا من الأبرشيات على إعلان إفلاسها لتفادي تسليط غرامات مالية. وبحسب ما يورد بيلوزو نقلا عن تقرير "ميثاق حماية الطفولة والناشئة" الصادر عن المؤتمر الأسقفي الأمريكي في أبريل 2014، فقد دفعت الكنيسة أكثر من مليارين وسبعمائة مليون دولار من العام 2004 إلى العام 2013 تعويضات للمتضررين. وبلغت تفاعلات الاعتداءات على القاصرين حد قطع الحكومة الإيرلندية علاقاتها الدبلوماسية مع حاضرة الفاتيكان.

يتساءل المؤلف في آخر كتابه قائلا إن البابا الحالي الآتي من جنوب العالم يبدو حريصا على إيلاء المسائل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية اهتماما في رسائله البابوية وفي عظاته، فضلا عن انتقاداته المبطنة والعلنية للنظام العالمي عبر ما سماه "عولمة اللامبالاة"، فهل هي صحوة الكنيسة واحتواء لذلك الشعار الذي طالما رفعه لاهوت التحرر في أمريكا اللاتينية "أولوية خيار موالاة الفقراء" وإعلان عن انتهاء التحالف بين الكنيسة والرأسمالية؟

تبقى الميزة الهامة لكتاب "مصرف البابا" في توخي مؤلفه الأسلوب التوثيقي عند التطرق إلى المسائل المالية في حاضرة الفاتيكان بعيدا عن أي اتهام أو تهويل. لكن رغم أهمية مضمون الكتاب فإن الطابع الصحفي الذي توخاه المؤلف، حال دون إثقال الكتاب بالهوامش والإحالات، وهو أمر ضروري في بعض الأحيان، ولعل ذلك بهدف جعل الكتاب يسير القراءة على المختص وغير المختص.

 

الكتاب: مصرف البابا.. مالية حاضرة الفاتيكان بين الفساد والإصلاحات.

المؤلف: فرانشيسكو بيلوزو.

الناشر: مارسيليو نودي (مدينة البندقية) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2017.

عدد الصفحات: 220ص.

 

عزالدين عناية - أكاديمي تونسي مقيم في روما

 

 

sabah shakiraleghamاحتلت ما يسمى دولة العراق والشام الاسلامية (داعش) في عام 2014م محافظة نينوى بأكملها ومساحات شاسعة من محافظات صلاح الدين والانبار وديالى وكركوك، وكانت على وشك دخول بغداد،  فقامت القوات المسلحة العراقية بكل صنوفها والحشد الشعبي الذي تشكل على اثر فتوى الامام السيستاني بتحرير المناطق التي احتلتها داعش والذي استغرق اكثر من ثلاث سنوات، وكان من بينها مدينة الموصل التابعة لمحافظة نينوى .

 عن دار الفرات في الحلة صدر الكتاب الموسوم (العراق بعد تحرير الموصل ) للباحث اللواء الركن الطيار المتقاعد رياض البياتي والذي يحتوي على 119 صفحة من الحجم المتوسط، طباعة الكتاب غير جيدة لعدم وجود فواصل بين الكلمات وتقطيع بعض الكلمات الى مقاطع. الآراء التي وردت في الكتاب تمثل رأي شخصي وتحليل للأحداث التي وقعت والتي ستقع بعد تحرير الموصل  من وجهة النظر الشخصية  للمؤلف ومن خلال خبرته العسكرية وبتحليل استراتيجي دقيق، كما تضمن الكتاب استعراض تاريخي لبعض الحوادث التي حدثت في العراق وفي دول الجوار.

 الكتاب يحوي مقدمة وخمسة فصول وخاتمة، وقد ورد في المقدمة الاحتمالات المتوقعة بعد استعادة الموصل  منها ان داعش سوف يتحول الى حرب العصابات، وأن القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية سوف تتصارع للحصول على المكاسب والامتيازات، كما ان وصول الرئيس الامريكي ترامب الى السلطة والذي اكد بانه ماضي قدماً لاستعادة دور الولايات المتحدة الامريكية في العالم والذي انحسر لصالح روسيا الاتحادية، فذكر المؤلف في ص7 : (كل هذه العوامل يجب أن لا تغيب عن تحديد شكل العراق بعد معركة الموصل، لأنها سوف تكون مؤثرة في شكل العراق القادم ومستقبله السياسي، ويتعذر الحصول على صورة واضحة للموقف دون التعرف على هذه العوامل، ودراسة تأثيرها على المكونات العراقية).

 في الفصل الاول (الربيع العربي) فقد أستعرض المؤلف الكيانات السياسية التي تكونت بعد معاهدة " سايكس بيكو" التي ابرمت في العام 1917م بين بريطانيا وفرنسا وروسيا والتي تخلت عنها بعد ذلك، والتي شكلت بموجبها دول منطقة الشرق الاوسط ومنها العراق الذي وقع تحت الانتداب البريطاني، ثم تحول الى مملكة نصب عليها فيصل بن الحسين ملكاً، شهدت المنطقة سلسلة من الانقلابات العسكرية وخاصة العراق وسوريا ومصر، تحول العراق ومصر على اثرها من الملكية الى الجمهورية، التي عانت من التصدع الداخلي بعد هزيمة حزيران 1967م، الجيوش العربية نفذت سلسلة من الانقلابات العسكرية وكانت تنادي بالوحدة العربية وتحرير فلسطين، وكانت جميعها انظمة شمولية ديكتاتورية .

1210 iraq في أول ظهور للإسلام السياسي كان للإخوان المسلمين في مصر عام 1928م على يد حسن البنا، فلاقى مقاومة عنيفة لطغيان الفكر اليساري والاصطدام المبكر مع ثورة 23 يوليو في مصر، مما ادى الى مغادرة كوادره الى السعودية وقطر، التي كانت تدين بالفكر السلفي الوهابي .

أن احتلال العراق من قبل الامريكان في العام 2003م يصفه البعض بداية (الربيع العربي)، اعقبه في العام 2009م عندما ادت المظاهرات في تونس اسقاط نظام زين العابدين بن علي، ثم اعقبها الثورة الجماهيرية في مصر التي اسقطت نظام حسني مبارك، ثم اعقبها الثورة الدامية في ليبيا وبمساعدة فرنسا التي اطاحت بنظام معمر القذافي .

بعد سقوط نظام البعث في العراق من قبل الامريكان أوضح المؤلف في ص14 " عندها تمكنت الأحزاب الدينية بفضل نظام انتخابي تحول الى قانون من الحصول على أغلبية برلمانية، حيث تمكنت القوى الدينية من اقصاء كل القوى اليسارية والقومية والوطنية لتنفرد بالحكم ".

اما في مصر وتونس استطاع الاسلام السياسي من الوصول الى الحكم عن طريق الانتخابات وتمكن من اقصاء كل القوى اليسارية والقومية، ولكن الشعب في البلدين استطاع  وبمظاهرات عارمة من اسقاط نظام الاسلام السياسي في البلدين .

اما اسرائيل فقد توترت العلاقات مع تركيا بسبب حادثة السفينة التركية، برغم اعتذار اسرائيل، حاولت اسرائيل اعادة العلاقات الى شكلها الطبيعي مع تركيا، بسبب الفوبيا التي تنتشر في إسرائيل من خطر التهديد النووي الإيراني، بعد الاتفاقية النووية المعقودة بين ايران والولايات المتحدة الامريكية في عهد الرئيس اوباما، اضافة الى حجم النفوذ الايراني في العراق، وتسليح حزب الله في لبنان .

أما في الفصل الثاني (صراع القوى الكبرى) فقد استعرض المؤلف كيفية اعتناق ايران المذهب الشيعي على يد الصفويين، والعداء بينهم وبين العثمانيون السنة والذي دار معظمه في العراق فسبب دماراً وخراباً فيه، وقد استمر هذا العداء حتى بعد تشكيل الحكومة العراقية في العام 1921م، ولم تعترف ايران بالعراق كدولة الا بعد اسقاط الشاه للدولة القاجارية عام 1929م، استمر توتر العلاقات بين الدولتين العراقية والايرانية حتى عامة 1975م حينما تنازل فيها العراق عن حقه في السيادة على كامل شط العرب، وبعد الثورة الايرانية التي اطاحت بالشاه نشبت الحرب العراقية الايرانية والتي استمرت ثمان سنوات وقد ذكر المؤلف في ص30 (تمكن العراق الذي ساندته كل الدول العربية من تحجيم دور ايران في مشروعها لنشر الثورة الاسلامية) وهذا رأي شخصي للمؤلف. 

في هذا الفصل بين المؤلف تأثير ايران على بعض الاحزاب العراقية كالمجلس الاعلى الاسلامي، وتدخلها بالشأن العراقي بعد سقوط نظام البعث عام 2003م خدمتاً لمصالحها، وقد ذكر المؤلف في ص32: "إصرار ايران على اصدار قانون يحظر حزب البعث في العراق كان من اولويات ايران في العراق، حيث كان الايرانيون يعتقدون أن حزب البعث هو الخطر الاكبر على ايران"، وهو رأي شخصي للمؤلف لا يستند الى مصدر).)

لقد بين المؤلف العداء بين ايران والولايات المتحدة الامريكية وتأثيره على العراق عندما قامت ايران بتدريب عدة فصائل مسلحة وتجهيزها بالسلاح لمقاتلة الامريكان وكما ورد في ص35 " لم تكتفي إيران بهذه القوى فقد توسع نفوذها وشمل فصائل اخرى مسلحة دفعتها لقتال الامريكان في العراق، حيث انتهجت سياسات مركبة، حيث تتواجد في العملية السياسية من خلال اصدقائها في الحكومة، وفي الوقت نفسه قدمت الدعم التدريبي والتسليحي لجيش المهدي التابع للتيار الصدري في قتال الامريكان".

ذكر المؤلف ان حجم التبادل التجاري بين العراق وايران وصل ارقاماً كبيرة كما ورد في ص44 "كان العراق يستورد الكهرباء والمشتقات النفطية، ولم يتخذ أي اجراءات فعلية لبناء مصافي للنفط، كما ان التعثر في اصلاح قطاع الكهرباء كانت ايران المستفيد الاول منه، وتوقفت المعامل العراقية بسبب عدم توفر الطاقة الكهربائية والى التكلفة العالية للإنتاج، مما فسح المجال لدخول البضائع الايرانية التي غزت الاسواق العراقية ".

في الفصل الثالث (دولة كردستان) اوضح المؤلف بعد تحرير العراق من داعش فان الخطر الاكبر الذي ستواجه الحكومة العراقية هم الكرد بسعيهم الى الانفصال، وتكوين دولتهم المستقلة والذي كان مطروحاً ضمن معاهدة (سيفر) التي عقدت في 10 ايلول عام 1920م، وهذا يعني تفتيت الدولة العراقية، وقد أوضح المؤلف في ص57 " حيث لم يشهد التاريخ دولة كردية في أي مكان".

استعرض المؤلف علاقة الكرد مع الحكومات المتعاقبة بعد قيام الجمهورية، فذكر التمرد الذي حصل عام 1960م بعد عودة مصطفى البارزاني من منفاه في الاتحاد السوفيتي بعد فشل دولة مهاباد، والذي استمر الى اتفاقية آذار عام 1970م والذي بموجبها منح الكرد الحكم الذاتي، ولم يوافق الكرد على ذلك لعدم ضم كركوك الغنية بالنفط، فنشب قتال عام 1974م والذي انتهى بعد الاتفاقية التي عقدها العراق مع ايران والتي قبل فيها العراق بمشاركة ايران السيادة في شط العرب.

بعد اخراج العراق من الكويت عام 1991م من قبل التحالف الدولي استغل الكرد الفرصة وبمساندة القوات الامريكية شكلوا ادارة محلية مستقلة عن الحكومة العراقية، والتي استمرت الى عام 2003م بعد احتلال القوات الامريكية للعراق.

وبعد احتلال العراق من قبل القوات الامريكية كان للكرد دور باحتلال الموصل وتسليمها الى القوات الامريكية، كما تم الاستيلاء على اسلحة الجيش العراقي السابق وتسليح البيشمركة التابعة لهم، وقد اصرت على حل الجيش العراقي بمساندة الساسة الشيعة، كما تمكنوا من ادراج نص في قانون ادارة الدولة والدستور العراقي الذي اقر عام 2005م، (أن العراق عضو في الجامعة العربية متجاهلين حقيقة ان العراق بلد عربي عريق)، وكان الكرد ومنذ اليوم الاول للاحتلال كانوا يخططون للاستقلال عن العراق، كما وضع في الدستور مواد تعطي الحق للكرد باستخراج وتصدير النفط دون الرجوع الى الحكومة المركزية  في المادة 112، وفي المادة 114 سمحت للإقليم بمشاركة الحكومة المركزية بإدارة المنافذ الحدودية،  كذلك تم وضع المادة 140 التي تعطي الكرد حق ضم مناطق متنازع عليها وخاصة مدن كركوك وسنجار وخانقين ومناطق واسعة من سهل نينوى، وغيرها من المواد .

وبعد احتلال الموصل من قبل داعش في 10 حزيران عام 2010م قامت البيشمركة باحتلال كركوك وسنجار وربيعة وعدة وحدات ادارية من سهل نينوى  ووحدات ادارية من محافظتي صلاح الدين وديالى وضمها الى الإقليم .

أما في الفصل الرابع(المشروع العربي للعراق) فقد اوضح المؤلف أن أغلب العرب السنة  كانوا منخرطين في المشروع القومي العربي، والقسم الآخر منخرط  في مشروع الاخوان المسلمين، وبسبب الفشل الذي اصاب المشروع القومي العربي اتجه العرب الى المشروع الاسلامي وكما ذكر المؤلف في ص81 "من المنطقي أن الفرد العربي المسلم في احباطه من المشروع القومي أن يتجه الى المشروع الديني"، من الاحزاب القومية التي حكمة العراق حزب البعث، الذي ذكر المؤلف في ص81 "تحول منذ الثمانيات الى مؤسسة عسكرية إقطاعية بدلاً أن يكون حزب سياسي "، وبعد اخراج الجيش العراقي من الكويت في العام 1991م وقيام الانتفاضة الشعبية في وسط وجنوب العراق، استخدم النظام العنف والقسوة في قمعها للتغطية على فشله في الحرب مع التحالف الدولي، وبدلاً من معالجة الاوضاع استمر بمنهجه الطائفي متبنياً سنة العراق، الذين شغلوا ومنذ تشكيل الدولة العراقية المناصب العليا في الجيش والشرطة، فتم بعد الاحتلال الأمريكي حل الجيش وكل الاجهزة الامنية بقرار من بريمر الحاكم المدني للعراق، وهذا ادى الى انخراط اعداد كبيرة من العسكريين في التنظيمات الارهابية التي ظهرت بعد الاحتلال الامريكي للعراق، وكان اول هذه الفصائل هو تنظيم القاعدة الذي تشكل في المناطق السنية، وللتصدي لهذا التنظيم شكل الامريكان قوات الصحوات والتي استطاعت القضاء على تنظيم القاعدة، ثم ظهرت بعد ذلك ما يسمى دولة العراق والشام الاسلامية(داعش)،والتي استطاعت احتلال ثلث مساحة العراق متمثلة بمحافظة نينوى بأكملها ومساحات شاسعة من محافظات الانبار وصلاح الدين وديالى وكركوك وبابل .

بعد احتلال داعش للموصل قام الاهالي بتهجير المسيحيون وسلب بيوتهم، كما تعرض الايزيديون الى تهجير واسترقاق نسائهم وبيعهن في اسواق النخاسة، كذلك تعرض الشبك والشيعة الى ابادة جماعية، كذلك تعرض تركمان تلعفر من الشيعة الى تهجير الى محافظات الوسط والجنوب ومصادرة بيوتهم واملاكهم، والتي لا يرغب اغلبهم بالعودة الى تلعفر بعد تحريرها.

أما في الفصل الخامس (إدارة الرئيس ترامب) فقد اوضح المؤلف حال استلام ترامب قيادة الولايات المتحدة الامريكية، كانت سياسته مختلفة كلياً عن من سبقوه، وكان لا يخفي انه ضد سياسات الرئيس السابق (اوباما) وقد انتقده علناً في كثير من المناسبات، وكان مراراً يعلن معارضته لحرب العراق، وانه مع زيادة الدعم للعراق في حربه على داعش، وكان موقفه متشدداً مع ايران عندما قال في اجتماعه مع رئيس وزراء العراق (أنا لا افهم لماذا عقدنا اتفاقاً نووياً مع ايران، وربما نفهم ذلك في المستقبل)، كما انتقد سياسة بوش في العراق عندما قال (ما كان لنا أن نذهب الى العراق، وما كان لنا أن ننسب منه بعد ذلك، وانسحابنا خلف فراغاً كبيراً).

وفي الخاتمة أوضح المؤلف الاحتمالات المتوقعة بعد تحرير الموصل والقضاء على داعش في العراق في ص114 "الكرد استعجلوا عندما صوت مجلس محافظة كركوك على رفع علم كردستان على مباني المحافظة، ثم صوت على إجراء استفتاء لضم كركوك الى اقليم كردستان"، ثم اعقب ذلك قرار الحكومة الكردية اجراء استفتاء على استقلال كردستان، والذي رفض من قبل الحكومة المركزية ودول العالم والامم المتحدة، والذي سوف يؤدي الى دولة كونفدرالية كمرحلة اولى يتبعها استقلال كامل حال توفر الظرف . وبسبب وجود اقليات في محافظة نينوى فإنها قد تمضي الى تشكيل اقليم يضم مدينة الموصل وسهل نينوى ذو الغالبية المسيحية وقضاء تلعفر التركماني بسنته وشيعته . كما قد يؤدي الى تشظي السنة الى ثلاثة اقاليم، او تشكيل اقليم واحد، او الانضمام الى اقليم عربي كبير مع عرب الجنوب (الشيعة)، ولكون مناطق السنة قد دمر بناها التحتية، ومواردها الاقتصادية محدودة جداً، فهي غير قادرة على تلبية متطلبات سكانها. أما العرب الشيعة  فقد اوضح المؤلف في ص 116 "فهم يملكون كل المقدرات الاقتصادية، ولكنهم لا يمتلكون بنى سياسية ناضجة، مناطقهم تعمها فوضى الاسلحة، والولاء لدول الجوار" .

حذر المؤلف العراقيين في ص117 "الموقف معقد ولكنه متروك الى سكان العراق، إما أن يقرروا أن يصبحوا شعب تؤطره أهداف وطنية أو يستمروا مكونات سكانية لها هوياتها الفرعية دون هوية وطنية، وهو خطر كبير عليهم، يشجع دول الجوار أن تطمع بهم، وهو الخطر الأكبر على العرب شيعة وسنة " .     

 

  صباح شاكر العكام

 

 

1208 assanalassi000عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ صدرت المجموعة الشعرية « امرأة من زعفران » للشاعر الدانماركي من أصل فلسطيني "حسن العاصي".

« امرأة من زعفران » هي المجموعة الرابعة في مسيرة الشاعر الشعرية، وتقع في 188 صفحة من القطع المتوسط، متضمنة أربعة وأربعين قصيدة متنوعة بين شعر التفعيلة والشعر الحُرّ. قدم للكتاب الشاعر والناقد جوتيار تمر.

في ديوان « امرأة من زعفران » نجد أنفسنا بصدد قراءة ديوان وجداني تسيطر العاطفة فيه عَلَى مساحات كبيرة باعتبارها هي الحالة المحرِّكة والمسيطرة عَلَى الشاعر من خلال مواضيع تشغل فكره وإحساسه، وتدفعه دفعًا للتعبير عما يختلج فِي خُلده عَلَى شكل انفعالات ورؤى مختلفة تتشكل بحسب الحالة الوجدانية التي يشعر بها الشاعر فِي لحظتها، ومن العواطف ما يسمو بالنفس عشقًا وهيامًا فيتحول الشاعر من ناقل لمشاعره إِلَى مطرب يتغنى بكلماته ويجعلنا نستطرب عَلَى وقع كلماته ومشاعره.

والشاعر في هذا لا يتوقف عِنْدَ جغرافية أَوْ مذهب واحد للعواطف التي يريد إثارتها، لكونه يتعدى باستغلاله لمعجمه الدلالي والصوري أبعادًا كثيرة فِي التوظيفات العاطفية وتعددها من النواحي الأدبية، فتتجاوز العواطف فِي النص حدود الذاتية والآخر لتبحر فِي المدايات الأخرى، مما يعني أن مجموع العواطف الشخصية سواء كانت إيجابية أَوْ سلبية ؛ نجدها ترسم لنا مخططًا بيانيًا دلاليًا وصوريًا واضحًا حول المسارات التي يتخذها الشاعر كي ينفذ من خلالها إِلَى أعماق تجربته الوجدانية العاطفية...

ينقلنا الشاعر إِلَى عوالم البلاغة التي تتقد عشقًا ووصفًا وتصويرًا وإيحاءاتٍ، ويعيد إلينا البلاغة كأساس ترافقي لمسارات العاطفة الأدبية، فنعيش ذلك الزمن الشعري الذي كانت البلاغة هي المعترك الأساس فِي التطور الشعري، ولكن لأنه شاعر يعيش عصره ؛ نجده ينقل تلك التجربة بحداثية الصور التي يلتقطها ويبثها عبر قنواته الشعرية، فيمنح الواقع والانتماء مساحة تثبت حداثته وتثبت عراقته فِي الوقت نفسه...

استطاع الشاعر أن ينقل المتلقي إِلَى عوالم أخرى مليئة بالعواطف الجياشة والمتقدة، وعلى هَذَا الأساس ظهرت التجربة الشعرية فِي الديوان عَلَى أنها عميقة وملتحمة بالإحساس الدافئ والحميم فِي الوقت نفسه.

إنها نصوص يمكن للمتلقي أن يستشعر من خلال التدفقات الشعورية فيها قوة العاطفة وروعتها، وكذلك ثبات العاطفة واستمرارها فِي العمل الأدبي.

من قصائد المجموعة :

أَغْلالُ الغَرَام / الغِوايةُ الخَضْرَاء / حَالُ المُبْتَلَى بِالهَوى / أَمْسَيتُ عَاشِقًا / أَهْوى النِّسَاء

مَفْتُونٌ حَدَّ الظَمَأ / أَوْرَاقُ الشِّفَاه / حَقْلٌ بِلا جَسَد / بُسْتَانُ التُّوت / سُهْدٌ يَسْتَعْذِبُ الأَرَق

زَهْرٌ مُحَلَّى / ثَوْبُ التَّقَاسِيم / فَاكِهَةُ المَاء / قَطْفٌ لا حَصَاد / بِسجْنِ هَواكِ أَنَا أَخْتَال

شَيْخُ قَبِيلَتي / مَا اِسْتَطَعتُ صَهِيلاً / يَطِيبُ مَعَها الهَوى / زَهْرةٌ غَجَرية / مُقَامُ الاِحْتِرَاق

الشاعر في سطور:

• كاتب وشاعر دانمركي من أصل فلسطيني

• حاصل على ماجستير في الإعلام

• عضو اتحاد الصحفيين الدانمركيين

• عضو الإتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين

• عضو إتحاد كتاب الإنترنت العرب

• عمل سابقًا فِي تلفزيون كوبنهاجن وفي راديو منظمة إدفاد الدولية لمكافحة التمييز العنصري

• يعمل حاليًا باحثًا فِي قضايا اللجوء فِي الصحافة الاستقصائية

• الإصدارات :

- ثرثرة في كانون : قصائد. الدار البيضاء 2008

- خلف البياض : قصائد. القاهرة 2013

- أطياف تراوغ الظمأ : قصائد. شمس للنشر والإعلام، القاهرة 2016م

- امرأة من زعفران: قصائد. شمس للنشر والإعلام، القاهرة 2017

 

 

1207 enayatأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية الغربية. وتم التعاطي مع المسألة بشكل غلب عليه طابع الإثارة وافتقر إلى الروية. جرى في غالب الأحيان تصوير العالم العربي بمثابة فضاء طارد ومعاد لمكوناته الدينية غير العربية وغير المسلمة إمعانا في تجريده من رصيده الخلقي. والصورة فيها تلاعب فجّ لا تنصف المتضررين، مع حصول انتهاكات فظيعة بشأنهم في الفترة الأخيرة، ولا تردع الظالمين، بل تسيء إلى العرب أيما إساءة. هذا الكتاب الذي نتناوله بالعرض يأتي ضمن موجة الانشغال بأقليات البلاد العربية لاسيما منها المسيحية. وقد آثرنا عرضه نظرا لخطورة مضامينه، ولما يُعبّر عنه من مواقف تجاه التاريخ المشرقي عامة والواقع السياسي العربي راهنا، ولما يحوزه مؤلفه من موقع داخل حاضرة الفاتيكان. فهو من تأليف الكردينال فرناندو فيلوني، من مواليد 1946 بمندوريا الواقعة جنوب إيطاليا. الرجل يُعتبر من الوجوه البارزة لدبلوماسية حاضرة الفاتيكان، حيث شغل منصب القاصد الرسولي في العديد من المناطق خارج أوروبا، في إيران وهونج كونج والصين والفلبين والبرازيل، فضلا عن تقلّده مهام دبلوماسية في الأردن والعراق. بالإضافة إلى تولّيه مناصب حساسة في حاضرة الفاتيكان، حيث يشغل، منذ العام 2011، منصب مفتش أنجلة الشعوب، وهي أعلى الهيئات المعنية بالتبشير على نطاق عالمي.

يتساءل فرناندو فيلوني في مستهل كتابه عن مدى قدرة الوجود المسيحي في العراق على الثبات مستقبلا أم سيكون مصيره الاندثار على غرار الأقلية اليهودية؟ محاولا الإجابة عن ذلك السؤال من خلال إعطاء قراءة ذات طابع سياسي لما أحاط بالعراق خلال الحقبة الحديثة، وتأثير تلك الأوضاع على مسيحيي البلد. والكتاب يهدف بالأساس إلى بناء أواصر صلة بين الكنيسة العراقية والكنيسة الكاثوليكية، أكان ذلك في التاريخ القديم أم في التاريخ الحديث، ليخلص من خلالها إلى صياغة تاريخ للكاثوليكية في العراق. إذ لا يأتي الكتاب متابعة لتاريخ المسيحية في العراق بشكل عام، حتى وإن عاد المؤلف بذلك إلى رجالات التبشير الأوائل مع القديس توما والتلميذين عدي وماري.

يتناول الكردينال فيلوني في الفصل الأول من الكتاب تاريخ الجماعات المسيحية الأولى في العراق، مفسرا دواعي انعزال الكنيسة العراقية -على حد زعمه- التي تشكل مكونا هاما من مكونات المسيحية المبكرة الوارد ذكرها في (سفر أعمال الرسل2: 9). حيث يذهب إلى أن مسيحية القرون الأولى في العراق كانت خارج نطاق سيطرة روما والقسطنطينية، وقد كانت تلك الاستقلالية اللاهوتية ناتجة في البدء عن نهْل مباشر من الأصول المسيحية، وليس لأسباب سياسية وجغرافية، كون العراق في منأى عن الصراعات الجارية على ضفاف المتوسط. ليتابع المؤلِّف في الفصل الثاني الحديث عن تاريخ الكنيسة في العراق إلى حدود القرن السادس عشر، ويتخلل ذلك تناول الحضور العربي والمغولي والعثماني وذلك بدءا من منتصف القرن السابع الميلادي مبرزا مدى تأثير كل حقبة على الوجود المسيحي. ثم يركّز فيلوني في الفصل الثالث على حضور الكنيسة اللاتينية في أرض الرافدين، حيث يتناول مختلف أنواع التواصل طيلة الفترة المتراوحة بين القرن الخامس عشر والقرن التاسع عشر. ثم يخصص الفصل ما قبل الأخير إلى أحداث القرن العشرين، متناولا تاريخ العراق الراهن وما تخللته من اضطرابات سياسية طيلة الحروب التي خاضها نظام البعث وحتى احتلال العراق من قِبل الأمريكان وظهور ما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية داعش. لينتهي في الفصل الخامس والأخير إلى العلاقات الرابطة بين الكرسي الرسولي في روما والعراق.

ضمن الباب الأول ينطلق كتاب فيلوني بعرض عام للحضور المسيحي في العراق، يأتي غائما وغير دقيق في عديد المواضع لافتقاره إلى الطابع التحليلي واعتماده أسلوب السرد والحشو للأحداث، يهيمن فيها تصوير للمسيحية العراقية تصويرا يغلب عليه طابع الفتنة والهرطقة والحال أن تطور اللاهوت طبيعي أن ينشأ في ظل انشقاقات عقدية، وإن افتقر إلى سند سياسي على غرار السند الروماني الذي رافق المجامع المسكونية الأولى في الغرب. حيث لعبت السلطة الرومانية دورا فاعلا في عقد المجامع وفي قراراتها، مثل مجمع نيقية (325م) ومجمع القسطنطينية (381) ومجمع إفسس (431) ومجمع خلقيدونيا (451م)، وهي المجامع التي أرست أركان المعتقد الثالوثي. حيث تجري كتابة تاريخ مسيحيي العراق في كتاب فيلوني من منظور غربي، باعتبار كافة أشكال الحكم التي شهدها العراق تحت حكم الفرس، والعرب، والمغول، والعثمانيين، وإلى حين تشكل الدولة العراقية الحديثة هي أشكال احتلال مارست ألوانا من الضغط والقهر على الشخصية العراقية المسيحية. وهي قراءة قاصرة على إدراك طبيعة حلقات تاريخ المجتمع العراقي لتجعل الفرز على أساس ديني هو المقياس العام المحدد.

والجلي أن ثمة صفحة من تاريخ مسيحيي العراق أُسقطت من الخلاصة التاريخية التي حاول فيلوني تقديمها عن هوية العراق المسيحية. فلو عدنا إلى تاريخ البدايات نلحظ أن التهديد البيزنطي المستمرّ على المنطقة، ما كانت مسيحية العراق والشام، ممثلة في النساطرة واليعاقبة، قادرة على الصمود في وجهه، ولا بوسعها الحفاظ على كيانها وخصوصياتها الدّينية المستقلّة من دون حضور الإسلام، وهو الأمر ذاته الذي واجهه أقباط مصر. يقول ميخائيل السرياني في الشأن، وهو بطريرك السريان الأرثوذكس في القرن الثامن عشر، في مؤلّفه التاريخي الضخم: "لأن الله هو المنتقم الأعظم، الذي وحده على كلّ شيء قدير، والذي وحده يبدّل ملك البشر كما يشاء، فيهبه لمن يشاء، ويرفع الوضيع بدلا من المتكبّر. ولأن الله قد رأى ما كان يقترفه الرّوم من أعمال الشرّ، من نهب كنائسنا ودُورنا، وتعذيبنا بدون أيّة رحمة، أتى من الجنوب ببني إسماعيل، لتحريرنا من نير الرّوم... وهكذا كان خلاصنا على أيديهم من ظلم الرّوم وشرورهم وأحقادهم واضطهاداتهم وفظاعاتهم نحونا...". وهو تقريبا ما يلتقي فيه مع الحسن بن طلال في كتابه "المسيحيّة في العالم العربي" (1995)، حين يذهب إلى أن فترة حصول الانشقاق بين القسطنطينية وروما، كان قد مرّ على خضوع المسيحيين في مصر والشام والعراق للحكم الإسلامي قرابة أربعة قرون. وبقي، من بين هؤلاء المسيحيين، الملكانيون وحدهم في مصر والشام موالين لبيزنطة، وعلى علاقة موصولة بها سياسيا وكنسيا، كما كانوا من قبل. أما أتباع مذهب الطبيعة الواحدة (الأقباط واليعاقبة)، وكذلك النّساطرة في العراق، فكانت بيزنطة بالنسبة إليهم مصدر اضطهاد لا غير. ولذلك رأوا في الحكم الإسلامي خلاصا من جور بيزنطة، فأبدوا استعدادا للتعاون معه منذ البداية. وهناك من يشير إلى أن الموارنة كانوا في عداد المسيحيين الذين رحّبوا بحلول الحكم الإسلامي محل الحكم البيزنطي بالشام، خصوصا بعد أن صدرت قرارات المجمع المسكوني السّادس عام 680م، وتبع ذلك حدوث الافتراق الكنسي بين الموارنة، والملكانيين في أبرشية أنطاكية.

لا يخلو كتاب فيلوني من روح الهيمنة التي رافقت كنيسة روما ونزعتها للتمدد، ضمن ما يُعرف بالنزعة المسكونية، لإخضاع كنائس العالم. ولكن صراعات السّيطرة على سدّة التّراتبية داخل الكنسية ينبغي ألاّ تخفي أن حوادث الانفصال ومطالب الاستقلال لبعض الكنائس، التي قابلها تلويح بالحرمان واتهام بالهرطقة، ما كانت ذات صلة بالمفاهيم العقدية المجرّدة، بل بحثا عن تحرر سياسي من التحالف الوثيق بين العرش والمذبح (أي الدولة والكنيسة). لذلك عند مراجعة تاريخ الكنيسة لابد من الحذر من مصادرة الحقيقة المغيَّبة، التي غالبا ما طمستها نعوت البدعة، والهرطقة، والمنحولة، والأبوكريفية، وغير القانونية، وهي إقصاءات أيديولوجية لطالما وُظِّفت للطّعن في الأطراف المعارضة لإلغاء مشروعيتها، استدعتها الكنيسة المهيمِنة ضدّ من خالفها الرأي. وقد غرق فيلوني طيلة الفصلين الثاني والثالث في هذا الانحياز لكنيسة روما دون مراعاة خصوصيات كنائس الشرق، معتبرا كل ما لم يرُق للكنيسة الكاثوليكية بدعة، ولو كانت تلك العقائد معبّرة عن الواقع الشّرقي ورؤيته وتصوّراته للمسيحيّة. إذ اعتبَر صاحب كتاب "الكنيسة في العراق" المرقيين هراطقة، وهو خطّ لاهوتي دعا إليه بريلّوس البصري، من بصرى الشام، في الولاية العربية الرّومانية، خلال القرن الثّاني. وملخّص رأي صاحبه أن المسيح خال من أي مسحة إلهية في ذاته، ولا ألوهية إلاّ ألوهية الآب التي حلّت فيه. كما اعتبر الأريوسيين الموحِّدين -أتباع الكاهن أريوس، الذي عاش في بداية القرن الرّابع. م- هراطقة، وقد انتشر مذهبه في شمال إفريقيا وامتد إلى الشام والعراق، والذي عُقِد لأجله مجمع نيقية الشهير سنة 325م. والأمر نفسه مع الآشوريين، الذين عدّهم هراطقة، وهم نساطرة رفضوا المذهب الرّوماني وشقّوا عصا الطاعة. وتعود نسبتهم إلى ثيودوروس المصيصي، المدعو نسطور، وهو ينحدر من أسرة آرامية عربية نزحت إلى شمال الشّام من بلاد العراق، التابعة في ذلك العهد إلى الدّولة الفارسية الساسانية، وقد مات نسطور بعد خلعه في المنفى، في صحراء مصر الشرقية.

على العموم لم يكن تاريخ الكنيسة الرومانية في المشرق صفحة نقية كما يصوره فيلوني. فقد شاب العلاقة اضطراب لم ينته عند إكراه كنائس المشرق على الاعتراف بهيمنة روما، بل شرعت كما يرى جورج خضر، مطران جبل لبنان للرّوم الأرثوذكس، في تحوير لاهوتي أنشأت بموجبه كنائس تابعة، فكان من الآشوريين الكلدان الكاثوليك في العراق، ومن الأرثوذكس الرّوم الكاثوليك، ومن الأرمن الأرثوذكس الأرمن الكاثوليك، ومن السّريان الأرثوذكس السريان الكاثوليك ("مجلة المسرّة" بيروت، 2004، ص: 72-73).

وكما يورد فرناندو فيلوني بدأ التطلع مجددا إلى ربط كنيسة العراق بروما في الفترة الحديثة مع إنشاء مطرانية بغداد سنة 1632 وتشكيل أول لجنة رسولية في سوريا خاصة بالشرق الأوسط سنة 1762. كان الغرض البعيد من ذلك إيجاد سبيل لاختراق الدولة العثمانية النافذة وتحصين مسيحيي المشرق من مخاطر البروتستانتية. لتتطور مخططات الكنيسة الغربية في العراق في فترة لاحقة إلى رهان على المدرسة كأداة لخلق شخصية مسيحية عراقية مرتبطة بروما، وقد حاز اليسوعيون قصب السبق في هذا منذ العام 1931 من خلال بعث "الجمعية التربوية العراقية الأمريكية" التي خولت لها وزارة التربية العراقية إنشاء أول مدرسة، ستتطور في السنوات اللاحقة إلى ما يُعرف بـ"معهد بغداد" 1932 و"جامعة الحكمة" 1956. لكن الإشكال الماثل، أن تعليم الإرساليات التبشيرية في المشرق عامة ما كان دعما للطوائف المحلّية وربطا لها بواقعها وتعريفا لها بأصولها، بل هدفَ أساسا إلى ربط ولائها بالخارج. يصف جبران خليل جبران هذا الواقع الناتج عن تعدّد الولاءات الثّقافية والسياسية في مطلع القرن الفائت، ضمن كتاب "صفحات من أدب جبران" لنبيل كرامة (ص: 61-62)، قائلا: "في سوريا مثلا كان التعليم  يأتينا من الغرب بشكل الصّدقة، وقد كنّا ولم نزل نلتهم خبز الصدقة لأننا جياع متضوّرون، ولقد أحيانَا ذلك الخبز، ولما أحيانَا أمَاتنا. أحيانا لأنه أيقظ جميع مداركنا ونبّه عقولنا قليلا، وأماتنا لأنه فرّق كلمتنا وأضعف وحدتنا وقطع روابطنا وأبعد ما بين طوائفنا، حتى أصبحت بلادنا مجموعة مستعمرات صغيرة مختلفة الأذواق متضاربة المشارب، كل مستعمرة منها تشدّ في حبل إحدى الأمم الغربية وترفع لواءها وتترنم بمحاسنها وأمجادها. فالشاب الذي تناول لقمة من العلم في مدرسة أمريكية، تحول بالطبع إلى معتمد أمريكي، والشاب الذي تجرّع رشفة من العلم في مدرسة يسوعية صار سفيرا فرنسيا، والشاب الذي لبس قميصا من نسيج مدرسة روسية أصبح ممثلا لروسيا".

يتناول فرناندو فيلوني في القسم الأخير من الكتاب مسائل راهنة تتعلّق بمسيحيي العراق، خصوصا في ظل النزيف الديموغرافي الحاصل، حيث تراجعت نسبة المسيحيين من 5 بالمئة، أي بما يعادل مليون و 400 ألف مسيحي قبل الاحتلال الأمريكي عام 2003، إلى حوالي 2 بالمئة اليوم. والجلي ما يطبع مسيحيي العراق من تنوع طائفي: أرمن وآشوريين وكلدان وسريان، كما تخترق تجمعاتهم الإثنية تباينات مذهبية: أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت وإنجيليون، اعترف القانون العراقي باثنتي عشرة طائفة منها. ويبقى تمركز جلّ هؤلاء، قبل الأحداث الأخيرة التي شهدها البلد، في بغداد وأربيل والموصل. وكما يشير فيلوني، يبقى تكتل الكلدان يميل إلى الشراكة اللاهوتية مع الكنيسة الكاثوليكية، في حين ينحو تكتل الآشوريين إلى تشييد كنيسة عراقية محلية. وأما تكتل السريان، الأقل عددا من الكلدان والآشوريين، فهو ينقسم إلى سريان كاثوليك وسريان أرثوذكس؛ في حين الأرمن فهم إلى الكاثوليك أقرب. وعلى العموم فالملاحظ أن بنية مسيحيي العراق الاجتماعية ليست بنية عشائرية ما جعل تشكيل عصبية داخلية بينهم ضعيفا بقصد خلق نوع من التكتل الواقي، وهو ما أبقاهم عرضة للتهديدات بشكل مستمر. وإلى جانب مشاكل الداخل، تجابه كنيسة العراق مشاكل أخرى متأتية من الخارج تتمثل في الكنائس العابرة للقارات، وهي كنائس متمرسة بالتحكم في اقتصاد المقدّس على مستوى عالمي، على غرار الإنجيليات الجديدة والكنائس التقليدية الكاثوليكية والبروتستانتية، والتي تحاول ابتزاز المستجير بسلخه عن هويته. لا نقدّر أن كنيسة جريحة، كحال كنيسة العراق اليوم، في ظل تهديد حقيقي لوجودها، قادرة على رفع تلك التحديات بمفردها ما لم يحصل تكاتف ووعي بأن ثروة التنوع الثقافي والديني في البلاد العربية هي ثروة الجميع.

 

الكتاب: الكنيسة في العراق.. التاريخ والتطور والإرساليات التبشيرية من البدايات إلى الراهن.

تأليف: فرناندو فيلوني.

الناشر: مكتبة حاضرة الفاتيكان (روما-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2017.

عدد الصفحات: 255ص.

 

د. عزالدين عناية - أستاذ تونسي بجامعة روما

 

 

1205 bushraصدر عن دار ميزوبوتاميا ديوان (لن تشفى مني) للشاعرة والكاتبة بشرى الهلالي بواقع 176 صفحة. وتضمن الديوان مجموعة من النصوص منها: يومٌ.. هو انت وتبادل اسرى وغربة وشقاوة أرق ومناورة وسكة حلم وفي محراب عشقك وتعويذة غيابك والموت رميا بالحب ووتقاويم لكل الأزمان. وغيرها العديد من النصوص. ومما جاء في نص: صلاة عاشق:

لا ترفع صوتا بأنينك

لا احد يدرك عمق الجرح سواك

لا تحبس دمعك..

ساعة حزن

لكن..

خذ ركنا منعزلا

ان الحزن

للمكلوم عبادة

فلتنجز فرضك

دون رقيب.

أما القصيدة التي حملت عنوان المجموعة: لن تشفى مني:

اسمح لي أن أتلوا

بعضها من احزاني

على جبل ضياعك

أطلقت صرخة

ما كانت نداء استغاثة

بل بركانا

ينسف كل تضاريسك

ما ذنبي ان كنت بحارا بلا مرفأ!

مرسى.. لزوارق لا تهدأ

غواص ما مست قدمه

رمال الشاطئ

وكنوز البحر

كانت دوما في الأعماق

فكيف اغوص معك؟

وقد كتب عن المجموعة الشاعر محمد حسين آل ياسين قائلا: قصائد بشرى الهلالي مرايا مرطة الصفاء، تعكس التماعة روحها وخفقة بوحها الاصيل. كلماتها تغريد عذب، يأتيك من بعيد فيفصح عن صدق الانفعال وندائه المحبب. تأسرك حروفها بالمبهج المدهش، ثم تكتشف انه البراءة الاخاذة التي استطاعت بالهمس والشجن والانتظار ان تكسر قيد الرتابة وتنطلق بعفوية ساحرة دون تكلف ثقيل او تصنع فج. تجربة بشرى الهلالي تتحدث ببلاغة باسلة وسلاسة منسابة غير مكبوتة، ولكنها ممتنعة فتبوح بأسرار شعرها وشاعريتها وتتوجها موهبة غير متكررة لأنها ابتكرت باقتدار بصمتها الخاصة.

 

محمد عادل

 

 

1204 mahmodsaedضمن سلسلة سرد التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة صدرت رواية بعنوان: "هزائم وانتصارات" للقاص محمود سعيد.

تناولت الرواية إحداث شيقة ومثيرة لشاب من اهل الموصل اسمه سامر عاشها في فترة الثمانينيات حيث كانت الحرب العراقية الإيرانية فاستطاع مع نائب ضابط، من البصرة "ياسين" الهروب من الجبهة والذهاب إلى الشمال، حيث مكثا مدّة. لم يعجبهما البقاء فتسللا إلى دولة إيران ثم بدأا يتنقلان، فمن دولة إيران إلى باكستان الى بنكلادش والهند وتايلند والنيبال ثم التيبت. من خلال التنقل بدأا بتكوين علاقات ومساعدات للطلاب العراقيين بتزوير الهويات وموافقات للجوء وجوازات السفر، ثم اعتقل كلاهما، بحادثتين منفصلتين، فبرز اخلاصهما لبعضهما خلال الاعتقال، إذ لم يرتح أي منهما إلا بعد ان نجح في أطلاق صاحبه، وبعد لجوء ياسين الى الدينمارك، بقي سمير وحده، منغمراً في خدمة اللاجئين العراقيين وغيرهم، وصار لديه عدد من العلاقات العاطفية في هذه الدول.

وسرد القاص روايته بأسلوب سلس وشيق ومشوق لفترة متشابكة متقاطعة ومهمة للعراقيين آنذاك، فظهرت إمكاناته في وصف تأخذ سبق الصدارة كونها تتحدث عن أجواء يندر تكوين القارئ عنها أي تصوّر دون إن يحيا حثيثاتها، مما تضمنته المادة من موضوعات السفر والمعاناة والمخاطرات التي اجتازها البطل الأمر الذي يعطي المادة أو النص المقروء قيمة أدبية عالية.

وفي أحد مقاطع من سرد الرواية:

هتفت: ” أخبرتك من دون المئات لهذه المهمة وألا فهناك من هم أوسم منك اقرب إلى نفسي أتصدق إنني أحببتك”.

ـ “أكل ذلك الحب تمثيل”.

ـ نهضت: ” أصول عمل” تساءل مستغرباً: “يعني انك لم تحبني”.

ـ “بالطبع لا مهمتي اختيارك وأعدادك للعمل هذا لتأهيلك للمهمة”.

ـ هتف بغضب: “أنت أفعى” أكدت على كلماتها: “لا تاجرة قلت لك حين التقينا انا تاجرة كان يجب أن تفكر أن عملت معي ستلتقي أخريات يجدن أصول المهنة. سيتصرفن معك مثلما تصرفت أنا يقتضي هذا العمل ذلك لنبقى متماسكين انحن أطفال نحب ونكره ابتسم مستنكراً: “يالها من مهنة غريبة” قهقهت ساخرة “بل عادية أردت مساعدتك لأنقذك من حياة الصعلكة التي تعيشها” ابتأس “صعلكة””ماذا تعمل” بيع وشراء تجارة” قهقهت ثانية باستهزاء: ” هه، هه، اتسمي هذه تجارة؟ تخدع نفسك: “هه، هه، تجارة مئتا دولار راسمال! تجارة! فق من سبائك ياغبي”.

ـ “انا راضِ بها حتى اقف على رجلي واصل إلى أوربا”

مدت سبابها نحو انفه: “انت متسول” اغمض عينيه: “هذا سباب لا يليق بك” هتفت بما يشبه الصراخ: “ان لم تفعل اخرج حالاً”

ـ حدق به مرارة “لا ترفعي صوتك سأخرج”.

جاءت الرواية بـ 511 صفحة من القطع المتوسط وصمم الغلاف كريم سعدون.

 

رنا محمد نزار  

 

 

في العالم الغربي، هناك تقليد سنوي متعارف عليه، يقدمه بعض المعنيين بالشأن الفلسفي، يتضمن رؤية حول أهم الكتب الفلسفية التي اهتم بها القارئ العام-غير المختص بالبحث الفلسفي-، ومع نهاية العام الماضي 2017م، تابعت اللقاء الذي جرى مع استاذ الفلسفة البريطاني نايجل وربورتن(1) (Nigel Warburton) لمعرفة افضل الكتب الفلسفية لعام 2017م. وكان اختياره لاهم الكتب وفق مجموعة من الاسئلة، مثل: كيف ينبغي لنا أن نعيش حياتنا؟ كيف يمكننا مساعدة الآخرين بشكل افضل؟ ما معنى المعتقد الديني؟ وكانت هذه الأسئلة بمثابة معيار لأختيار الكتب التي  يهتم بها القارئ العام. وقد اعتمد هذا المقال على رأي نايجل، فضلاً عن بعض المواقع التي تُعنى بمعرفة افضل الكتب، مع اضافة بعض الشروحات عن الكتب ومؤلفيها لتكون اقرب للقارئ العربي من أجل التواصل لمعرفة ذائقة القارئ العام الغربي فيما يتعلق بقراءة النص الفلسفي، وقد توزعت اهتمامات القراء على قراءة النصوص الفلسفية الآتية:-

الكتاب الاول/ (الملحد والاستاذ، ديفيد هيوم وادم سميث، الصداقة التي شكلت الفكر الحديث)، لـ دينيس راسموسن(2) (Dennis Rasmussen) ، وهذا الكتاب من الدراسات القليلة التي تناولت صداقة هيوم وادم سميث التي استمرت لأكثر من عقدين ونصف من عام 1749م وحتى وفاة هيوم 1776م. إن هيوم يعتبر ملحداً وفق رأي راسموسن، إلا إن وربورتن يحاول القول بأن هيوم من الشكاك وليس من الملحدين، لأنه لم يكن يعتقد -أي هيوم- بأن هناك دليلاً مطلقاً على عدم وجود الله، رغم إن كتابه الذي نُشر بعد وفاته والمتضمن للحوارات المتعلقة بالدين الطبيعي، ذكر إنه يهدم معظم الحجج التقليدية لوجود الله. ومن المثير للاهتمام إن ادم سميث كما يوضح كتاب( الملحد والاستاذ) يمتلك العديد من المشتركات مع هيوم في موقفه من الدين، إلا إن سميث لم يصرح بتلك الآراء وكان هادئاً في تعامله مع المسائل الدينية، لهذا تمكن من الحصول على وظيفة اكاديمية- استاذ للمنطق والفلسفة الاخلاقية-، أما هيوم الذي اعترف الجميع بأنه كاتب محترف في المجال الفلسفي، إلا إنه لم يستطع الحصول على وظيفة اكاديمية بسبب ما عُرف به من موقف تجاه الدين .

إن هذا الكتاب وفق رأي وربورتن مثير للاهتمام، ففضلاً عما ذُكر سابقاً، فإنه يصف علاقة هيوم وسميث وكيف تبادلا الآراء حول الموضوعات الفكرية وتعليقاتهما على ما كتباه، كذلك تبادلهما للنصائح وتعاونهما من اجل تحقيق طموحاتهما الفكرية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد الى الحياة الشخصية كذلك.

وكانت موضوعات الفلسفة والاقتصاد وعلم النفس والتاريخ والسياسة، وحتى الموقف من صراع بريطانيا مع المستعمرات الاميركية حاضرة في مناقشاتهما، ويكشف الكتاب ايضاً عن مساهمة هيوم في الاقتصاد ومساهمة سميث في الفلسفة اكثر مما هو متعارف لدينا.

الكتاب الثاني/ يبدو إن النقاش المعاصر حول الدين ما زال حاضراً في كل مكان، فمازال الملحدون متمسكون بقناعاتهم، إلا إن هذا الامر لا يؤثر على قناعات المتدينين. وهذا ما يتبين مع الكتاب الثاني في قائمة افضل الكتب الفلسفية لعام 2017م، وهو (معنى الاعتقاد) لـ تيم كرين(3) Tim Crane) ). إن تصور القارئ العام عن هذا الكتاب يوحي بأنه كتاب فلسفي بامتياز، وإنه ليس اكتشافاً لحقائق أو معلومات جديدة، إنما تحليل لمجموعة معرفية موجودة، وهذا ما يثير الاهتمام. ولا يتضمن هذا الكتاب تقييم الدين أو الموقف منه، إنما ينظر في معنى المعتقد الديني ويوفر وسيلة لفهم النقاش الحالي ويقترح أيضاً المواقف الفعالة عملياً التي يفترض أن يتخذها الملحدون من ظاهرة الدين .

وقد استعمل كرين في كتابه (معنى الاعتقاد) مهارته الفلسفية ورؤيته الناقدة للالحادية الجديدة (ريتشارد دوكينز بشكل خاص)، ووفق رأيه، إن هدف معظم الملحدين الجدد هو نقد الدين بوصفه علماً للكون، إلا إن هناك هدفاً آخراً للدين ألا وهو الجانب الأخلاقي المستمد مرتكزاته من المبادئ العامة للعيش سوياً في الحياة العامة. وفي هذا الكتاب يرى كرين إن الملحدين الجدد يفتقدون للإجابة عن سؤال ما الدين؟ فالدين هو الشعور بالاحساس بالانتماء للمجتمع والاشتراك مع الآخرين في الممارسات والشعائر الدينية، لهذا فإن نتيجة الحوار الذي يحدث بين المتشددين من الملحدين الجدد مع المتدينين، غالباً، ما يكون في مقاصد مختلفة ولا يناقشون الشيء نفسه. ويشير الى إن عدد سكان العالم اليوم ما يقارب سبعة مليارات، ستة مليارات منهم متدينين- أي ينتمون الى دين سواءً أكان سماوياً أم ارضياً-، لذلك حتى لو كنت ملتزماً بالالحاد من الناحية النظرية سيكون عليك ايجاد طريقة للعيش مع المتدينين من الناحية العملية .

وإن خلاصة هذا الكتاب تقول: إن هناك مشكلاً اساسياً مع معظم الملحدين، إذ إن الدين ليس كما يتصوروه، فالملحدون يميلون إلى معاملة الدين بوصفه نوعاً من علم الكونيات البدائية، بالمقابل من تفسير الكون الذي يقدمه العلم، وتوصلوا من خلال ذلك الى القول  بأن المتدينين غير عقلانيين وخرافيين ومغرضين، إلا إن هذا الرأي من الدين غير دقيق. ويقدم كرين رؤية بديلة على أساس فكرتين: الأولى/ فكرة الدافع الديني أو الوازع الديني. والثانية/ فكرة الانتماء أي إن الدين يتضمن الانتماء إلى جماعة اجتماعية يشاركها في الممارسات التي تعزز روابط الانتماء. وبمجرد فهم هاتين الفكرتين بشكل صحيح، يظهر عدم كفاية فهم الملحدين للدين .

الكتاب الثالث/ لماذا البوذية صائبه (علم وفلسفة التأمل والتنوير) لـ روبرت رايت(4) Robert) (Wright. ينظر مؤلف هذا الكتاب الى البوذية وفق رؤية غربية علمانية، وكذلك من خلال خبرته العملية في التأمل. وهذا الكتاب خليط من مجموعة تخصصات، مثل: علم النفس التطوري، الفلسفة، علم النفس، والحكايات والسيرة الذاتية. يتفق هذا الكتاب مع الفكرة المركزية للبوذية، التي تقول بأنها فلسفة جوهرية تقوم على القول بأن الحياة تتضمن جميع أنواع المعاناة. والذي اضافه رايت في هذا الكتاب المقاربة بين البوذية وعلم الاحياء التطوري والقول بأن البشر قد تطوروا وراثيا، ويتوصل الى القول بأن التأمل البوذي لا يجعل من الافراد سعداء فحسب، بل يجعل من المجتمع افضل. ويشير في كتابه الى امكانية جعل الفرد افضل من خلال فقدان بعض التعلق بالذات والمصلحة الذاتية التي يمكن من خلالها جعل العالم افضل. وقد شرح رايت عملية تطور شكل الدماغ البشري، مع القول بأن العقل مصمم ليخدعنا في كثير من الأحيان، فإذا علمنا إن عقولنا يسيطر عليها القلق والاكتئاب والغضب والجشع فماذا نفعل؟ وهنا اعتمد رايت في اجابته على البوذية، التي ظهرت منذ آلاف السنين وليست من اكتشافات علماء اليوم. تعتقد البوذية إن المعاناة الإنسانية نتيجة لعدم رؤية العالم بوضوح، وتقترح التأمل علاجاً لهذا المشكل، فالتأمل سيجعلنا أفضل وأكثر الناس سعادة. وفي هذا الكتاب، يقود رايت القراء في رحلة فكرية، لمعرفة كيف ولماذا التأمل يمكن أن يكون بمثابة أساس للحياة الروحية في عصر العلمانية .

الكتاب الرابع/ لـ ماسيمو بيغليوتشي(5) (Massimo Pigliucci) وكتابه بعنوان: كيف تكون رواقياً؟ (الحكمة القديمة للحياة الحديثة). وقد وجد من الرواقية وسيلة مفيدة لتشكيل الحياة الفاضلة، التي هي فلسفة معنية بالتفكير كيف يكون الفرد انسانياً، والرواقية تبحث عن العيش بشكل افضل، وهي شكل من اشكال الصوفية القديمة أو فلسفة للعيش بحياة اكثر وفاء وتأمل وسعادة. امتاز الكتاب باسلوبه السهل جداً من اجل المساعدة الذاتية لقراءة الفلسفة، ويؤمن بيغليوتشي بامكانية تحسين حياتنا بشكل فردي، تماهياً مع الفكرة الرئيسة التي تقول: من خلال تحسن الافراد يتحسن العالم. وفي هذا الكتاب، يساهم بيغليوتشي في رحلة فكرية قوامها الاجابة عن الاسئلة الاتية:- من أنا؟ ماذا افعل؟ كيف ينبغي أن أعيش حياتي؟ ويعلمنا الكتاب أن نعترف بمشاعرنا ونفكر في أسبابها ونعيد توجيهها نحو كيف يمكن أن نكون سعداء. يستكشف بيغليوتشي الفلسفة الرواقية وامكانية تطبيقهاعلى حياتنا اليومية في البحث عن المعنى، مع نصائح وتمارين عملية من خلال التأملات .

الكتاب الخامس/ النفعية: مقدمة قصيرة جدا. وهذا الكتاب من تأليف الفيلسوفين النفعيين(6)  (كاتارزينا لازاري-راديكKatarzyna de Lazari-Radek ، وبيتر سنجر Peter Singer) والنفعية نهج فلسفي يهتم كثيراً بجعل العالم افضل، ولكن ليس بالضرورة من خلال التنمية الذاتية للفرد. ويقدم هذا الكتاب عرضاً شاملاً لأهم نظرية أخلاقية علمانية راهنة. وهو  جزء من سلسلة مقدمة قصيرة جدا التي تنشرها بعض الجامعات الغربية، والتي تباع منها ملايين النسخ في جميع أنحاء العالم .

د. قيس ناصر راهي

.....................

الهوامش

(1) يعد نايجل وربورتن (1962-؟) من الشخصيات الفلسفية المعنية بالكتابة الفلسفية للقارئ العام، وله في هذا المجال عدة مؤلفات، منها: الفلسفة: الاساسيات(1992م)الذي طُبع أكثر من ثلاث عشرة طبعة، كذلك كتاب (الفلسفة: الكلاسيكيات) (1998م)،  فضلاً عن كتاب التفكير من A الى Z (1996م)، وكذلك كتاب لمحة تاريخية عن الفلسفة (2011م)، فضلاً عن كتب اخرى مثل: الحرية مقدمة وقراءات، والفلسفة: دليل الدراسة الاساس. أما عن المقابلة معه فيما يتعلق بأفضل الكتب الفلسفية، فيمكن التعرف على تفاصيلها من خلال زيارة الموقع الآتي:

https://fivebooks.com/best-books/best-philosophy-books-2017/

(2) ينيس راسموسن: استاذ العلوم السياسية المساعد في جامعة تافتس في الولايات المتحدة الاميركية، ويدرس تاريخ الفلسفة السياسية والنظرية السياسية المعاصرة والفكر السياسي الأمريكي يركز في اهتماماته البحثية على التنوير وعلى فضائل ورذائل الديمقراطية الليبرالية ورأسمالية السوق. من مؤلفاته  الملحد والأستاذ: ديفيد هيوم، آدم سميث، والصداقة التي شكلت الفكر الحديث (مطبعة جامعة برينستون، 2017)، والتنوير البراغماتي: استعادة الليبرالية (هيوم وسميث ومونتيسكيو وفولتير)، (مطبعة كامبردج،2014م). اما عن عنوان كتابه باللغة الانجليزية، فهو:

The Infidel and the Professor: David Hume، Adam Smith، and the Friendship That Shaped Modern Thought  by Dennis Rasmussen.

(3) تيم كرين: يُعد من الملحدين. حالياً، يعمل استاذاً للفلسفة في الجامعة الاوربية المركزية، بعد أن عمل في جامعة لندن لمدة عشرين عاماً. في عام 2005م أسس معهد الفلسفة في جامعة لندن، وكان أول مدير له حتى عام 2008م، وفي عام 2009م انتقل إلى كلية الفلسفة في جامعة كامبريدج، وبقى فيها الى2017م. أما عن عنوان كتابه باللغة الانجليزية، فهو:

The Meaning of Belief: Religion from an Atheist’s Point of View  by Tim Crane .

(4) روبرت رايت، صحفي اميركي مختص بعلم النفس التطوري وتاريخ الاديان. عنوان كتابه باللغة الانجليزية:

Why Buddhism is True: The Science and Philosophy of Meditation and Enlightenment by Robert Wright .

(5) ماسيمو بيغليوتشي، دكتوراه في (علم الأحياء)، فضلاً عن دكتوراه فلسفة، تتوزع اهتماماته البحثية في الحقول الاتية: فلسفة العلم، فلسفة البيولوجيا، والعلاقة بين العلم والدين. أما عن عنوان كتابه باللغة الانجليزية، فهو:

How To Be A Stoic: Ancient Wisdom for Modern Living by Massimo Pigliucci.

(6) كاتارزينا دي لازاري-راديك، (1946-؟) أستاذ فلسفة الاخلاق في كلية الدراسات العليا.

أما بيتر سنجر، فهو أستاذ أخلاقيات البيولوجيا في مركز الجامعة للقيم الإنسانية في جامعة برينستون منذ عام 2005. أما عن عنوان كتابهما باللغة الانجليزية، فهو:

Utilitarianism: A Very Short Introduction by Katarzyna de Lazari-Radek and Peter Singer.

 

 

anwar almosawiعنوان مهم وشروحات اهم تناولها هذا الكتاب للدكتور فارس كمال نظمي، ولا يخفي علينا أن السيد نظمي هو كاتب وباحث في سيكولوجيا الشخصية والمجتمع والدين والسياسة، دكتوراه وماجستير وبكالوريوس علم نفس، وبكالوريوس هندسة مدني.

تناول الكتاب في مقدمته والتي لا تقل أهمية عن محتويات الكتاب، حيث جاءت المقدمة سريعة الإيقاع مركزة محملة بكل الجوانب التنشيطية للعقل، تاركة ورائها الاسلمة السياسية خاضعة ومرتهنة تحت إرادة الحقائق، فبان أفولها من أول صفحة.

إذ انه يصف نزعة الاحتجاج كونها استعدادا كامنا في الشخصية.

(اللحظة المفصلية التي اتضحت معالمها في أواسط 2010م. لحظة بدء العد التنازلي للأسلمة السياسية في العراق بكل ما أشاعته من وعي خضوعي وتدين زائف وخدر ارتهاني لدى الفرد العراقي خلال السنوات السبعة التي أعقبت الاحتلال الأمريكي. أما الوجه الآخر لهذه اللحظة المفصلية فكان البزوغ التدريجي للنزعة الوطنياتية بوعيها المعارض وممارستها الاحتجاجية القائمة على ثقافة المشاركة السياسية والمناداة السليمة بالإصلاح الجذري الهادف إلى التغيير الشامل لبنية النظام السياسي في نهاية المطاف).

خلصت المقدمة إلى الحتمية الدراماتيكية للانهيار الغرائبي المرتقب للسلطة الحالية.

من المهم أن اضع ملخص لبعض النقاط التي اعتبرها مهمة رغم أنى واثق جدا إن ما في دفتي الكتاب جميعه مهم على الأطلاق:

1- استند المؤلف على أبستمولوجية غرامشي في خيار "الكتلة التاريخية" ومن بعد أن وضع المقاربات العقلانية السيكو سياسية للحراك المدني الصدري والتقارب على المشتركات الوطنياتية بين الجهتين والتي خلص بها إلى التبشير بالكتلة الشعبوية مع أفول الاسلمة السياسية وتصدر الوطنياتية كهوية مدنية حتمية. إذ يقول المؤلف (الإصلاح الاجتماعي الفاعل في التاريخ الحديث كان على الدوام نتاجا لتلاقح الاتجاهات الإصلاحية الدينية الجريئة بالقيم التنويرية العلمانية، وصولا لإنتاج نمط أرقى من الدولة العاقلة).

2- قبل مسارات الاحتجاجات الحالية ومنذ الوهلة الأولى لبزوغ التنامي والوعي للفرد العراقي في عام 2010م ونتيجة لكثير من الظروف الموضوعية. أشار الكاتب إلى مرتكزات علمية في التنبؤ فيما يمكن أن يكون إذا شار إلى نظرية.

الحرمان النسبي Relative Deprivation

التي ترى أن إدراك الفرد بصرف النظر عن مدى موضوعية هذا الأدراك لانخفاض الموارد في حياته كالدخل والتعليم والصحة والخدمات والضمانات والمكانة الاجتماعية بالمقايسة مع موارد الأخرين يجعله يعتقد أو يشعر بحرمان أو استياء يدفعه للتحرك فرديا أو ضمن جماعة لاستعادة ما يظنه حقا له.

يخلص في مقال له في عام 2010 إلى الأهمية المتوقعة من العقلانية الشعبية المنبثقة من ضرورات الجدل السيسيولوجي لدى الفرد والمجتمع، والتي ستقضم شيئا فشيئا التراث الرجعي الظلامي اللاعقلاني الذي خلقته كل أنوع السلطة التي حكمت العراق طوال الخمسين عاما الماضية.

3- الجماهير الصدرية والتقارب المدني في نظر دكتور فارس كمال نظمي والذي يعتبره الفضاء العمومي المشترك، ويضع من خلاله الكثير من المقاربات السكيوسياسية والانطباعية عن ماهية هذا التقارب وجذرانيته لدى الفرد العراقي ومتلازمة "السلوك الاحتجاجي ونزعة الاحتجاج" وتطوراتها وما ينطلق منها نتيجة للظروف إلى الفضاء الخارجي، وما يترتب عليها من شعبوية جماهيرية طامحة لإحداث تغيير حقيقي في بنية الواقع المتهرئ. لم يكن البحث يخلو من وقفات نقدية لكلا الجانبين وإعطاء تفسيرات نفسية للتوجهات وأسبابها ومدى دقتها مشيرا إلى العمق في فلسفة الولاءات خاصة في أدبيات الجماهير التابعة للتيار الصدري.

4- البزوغ الحتمي لدولة وسلطة العقلانية الوطنياتية في مخيال الدكتور نظمي المستندة إلى قواعد نفسية وسياسية اتبع من خلالها أدق النظريات العلمية في هذا الاتجاه والتي قادته إلى التبشير بدولة المواطنة الحتمية حيث يذكر المؤلف (التاريخ البشري لم ينتقل في وعيه الحقيقي من عصر العبودية إلى عصر الحريات، إلا بتوهج الشعلة المدنية الصبورة التي حملها ملايين البشر عبر القرون دون أن تتلكأ أو تسقط.

5- نقطة التحول المنشودة في خيار الكتلة التاريخية لم يصفها بالمثالية لكنه يرجئ نقاط الاختلاف في الأيدولوجيات والمواقف إلى ما بعد تأسيس الهدف والحصول على دولة المواطنة إذ يقول (التناقضات أو التنافسات الأيدلوجية أو الطبقية بين أطراف الكتلة فيجري تأجيلها طوعيا وموضوعيا ريثما يتم إنجاز التحول من دولة المكونات المتناحرة إلى الدولة الوطنية الجامعة. إذ سيعود حينها الصراع الطبقي والايدلوجي والثقافي لإنتاج نفسه من جديد, ولكن ضمن ظروف جديدة تصبح فيها الثقافة السياسية السائدة اقرب إلى الطابع المدني من أي وقت مضى) إن هذا القول بالنتيجة يعزز الصلاحية للأنظمة الشرعية المدنية ويقوض ويسحب البساط من الأنظمة المدعية للديمقراطية وبغطاء الاسلمة السياسية وهو حسب وجهة نظري ارقى ما تصل به المجتمعات من التحضر والفكر العقلاني في إدارة شؤون الاختلافات الطبقية أو الايدلوجية فيما بينها أو كما يعبر عنها فرانسيس فوكو ياما في تبشيره نحو الليبرالية ومحاسن الأنظمة المدنية في كتابه نهاية التاريخ إذ يقول (الأنظمة الشرعية تملك رأس مالا من الإرادة الطيبة والتعاطف يدفع إلى الغفران عن أخطائها على أمد قصير, حتى ولو كانت أخطاء خطيرة, فكل خطيئة يمكن التكفير عنها رمزيا بعزل رئيس الوزراء أو بتغير حكومته. أما في الأنظمة غير الشرعية فالفشل يحدد ويسرع في الغالب انقلاب النظام نفسه).

6- يصف المؤلف اليساروية بشقيها الكامن في طبيعة الفرد العراقي والأخر المنبثق على شكل تجمعات أو أحزاب أو كتل يسارية واليساروية الاجتماعية ويعطي انطباعاتها الاستدلالية في النقد لليسار بشكله العام أو للتعضيد لفكرة اليسار المجتمعي والفردي وأسبابه ونتائجه المترتبة على تلك اليساروية الناقدة والمصححة للمسارات العامة أو الفردية.

7- ينقلنا الكاتب إلى مجالات واسعة في الأفق المدني اليساري منه أو اليمني وهذا التوسع يعطي نتائج مفصلية في التعاطي مع الشعبوية الاجتماعية الصدرية ومعززة لهذا الاتجاه بشقيه الاحتجاجي والتحالفي السياسي.

8- هناك نظرة ذات قاعدة تنبؤيه امتاز بها المؤلف في مقالاته الصادرة في عام 2010م إلى تقارب هذا التوجه المدني الصدري والمراهنة سيكولوجيا وسياسيا عليه في إنقاذ البلاد.

9- هنا أود إن اختم الحتميات التي فصلها وشرحها الأستاذ في كتابه المهم فيما يخص النزعة السلوكية الكامنة في الشخصية أو السلوك الاحتجاجي ودوافعه والنظرة اليسارية في تقويض البعد الميثولوجي "للإسلام السياسي" ونهاية هذا العصر بإرادة أكثر عقلانية وهوية وطنياتية دوافعها الأساسية ديناميكية الحركة الفزيائية في الطبيعة وفي الشخصية دون الاعتماد بشكل مطلق على تلك الديناميكيات وإعطاء أهمية للثوابت التراكمية وعياً وسلوكاً، لا فقط للقياسات الفيزيائية. في تأطير السلوك الاحتجاجي المعرف لدى المؤلف كونها ثقافي وطنياتي باحث عن هوية أصل أكثر مما هي باحثة عن فوارق طبقية واضمحلال وانتهاء أسطرت الدين وتآكله السياسي يوم بعد يوم.

والذي يقودني في نهاية المقال هذا إلى الحتمية التاريخية في سقوط المجتمعات التي تحوي على التناقضات الخطيرة في بنيتها العامة والناتجة من القدرية الدينية أو السلطوية التدينية السياسية والهيمنة على المؤسسات والهوية الفردية بشكل يجعل من هذا التناقض منظورا للعيان، وبالتالي فحتمية السقوط تكون وشيكة ويتم الاستبدال بمجتمعات أخرى (شعبوية يساروية) تنجح في ردم هذه الهوة وحلحلت التناقضات لتصبح اقل فارقا واقل خطرا. وهذا ما يسمى بالكتلة التاريخية.

 

أنور الموسوي

 

 

adnanhusan ahmadصدر عن دار المدى كتاب جديد للناقد السينمائي علاء المفرجي يحمل عنوان "أفلام السيرة الذاتية: تصوير المشاهير من زوايا مختلفة". يشتمل الكتاب على ثلاثة فصول رئيسة حيث يركِّز الناقد في الفصل الأول على معنى أفلام السيرة، ونظرة عامة إلى أهمّ أفلام السيرة التي أنتجتها السينما العالمية بما فيها السينما العربية. أما الفصل الثاني فيتضمّن عددًا من أفلام السيرة الحديثة لـ 19 مُخرِجًا سينمائيًا من بينهم سودربيرغ، إيستوود، توم هوﭘر وآخرين. فيما يقتصر الفصل الثالث على أربعة مخرجين استهوتهم أفلام السيرة وهم سوكوروف، سكورسيزي، أوليفر ستون ويوسف شاهين.

ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب النقدي أن ثيمة "السيرة البَصَرية" حاضرة في كل صفحة من صفحاته وكأنّ الناقد يجترح بنية معمارية رصينة في نص روائي محبوك وهذا دليل حِرصٍ على متابعة الثيمة والإمساك بتلابيبها على مدار الفصول الثلاثة التي تؤسس متن الكتاب. وحتى الاقتباسين اللذين استلفهما من أندريه موروا وبورخيس يدخلان في صُلب الثيمة ولا يشذّان عنها أبدًا، فالأول ليس مع قول الحقيقة كلها، وإنما مع الاكتفاء بجانبٍ منها، أما الثاني فينتصر إلى "حركيّة السينما" ولا يميل إلى السكونيّة في "ترجمة حياة شخص ما" أو الالتزام الحرْفي بسيرته الذاتية.

يُعرِّف المفرجي الـ Biographical movie بأنه "فيلم يُصوِّر ويُمسرِح حياة شخصية تاريخية مهمة من الزمن الماضي أو الحاضر. . . ويروي قصة حياة بدرجات متفاوتة من الدقة"(ص11)، ويمكن أن نضيف بأن هذه الشخصية تستعمل اسمها الحقيقي ولا تتوارى خلف اسم مُستعار. لا يشترط الناقد أن يكون هذا الشخص السيري مَلِكًا أو زعيمًا أو عالِمًا أو فنانًا حسب، بل يمكن أن يكون مجرمًا أو تاجر مخدرات أو شخصًا خارجًا على القانون لذلك تنوّعت أفلام السيرة الذاتية وجمعت بين الملحن، والطبيب، والمُخترع، والمُغامر، ورجل الدين، والبطل الرياضي وما إلى ذلك. جدير ذكره أن بعض هذه الأفلام يركّز على مراحل الطفولة والصبا والشباب، وبعضها الآخر يتناول إنجازات الشخصية السيرية بعد مرحلة النضج والبلوغ الذهني. أشار المفرجي إلى أن نابوليون بونابرت هو الشخصية السيرية الأكثر تجسيدًا على الشاشة الكبيرة دون أن يعزز هذه المعلومة بأدلة دامغة ثم يليها الرئيس لنكولن، والسيد المسيح، ولينين، وهتلر، وكليوباترا وبعض الملوك البريطانيين.

يتساءل المفرجي: لماذا تجذبنا السيرة؟ فيجيب لأنها "تُنقص من أسطورة الشخصية فتجعلك تراها على مستوىً إنساني أكثر في ضعفها وأخطائها"(ص19) وحينما نرى فلمَ سيرة  ذاتية فكإننا نرى عصرًا بأكمله، ونعيد اكتشاف التاريخ من جديد. ومع ذلك فثمة حياد غريب في بعض الأفلام مثل "المرأة الحديدية" لفيليدا لُويْد التي لم نتعرّف فيها على الطريقة التي تعاملت فيها ثاتشر مع الأزمة الاقتصادية و "صعود الشرّ" لكريستيان دُوغواي الذي تماهى الجمهور مع الجزء الأول من الفيلم لأنه يصور مرحلة الكفاح والإيمان الحقيقي لهتلر بقضيته، أما الجزء الثاني الذي ينصبّ على قسوة هتلر، وفظاظته، والبشاعات التي ارتكبها خلال فترة حكمه النازي فلم يتعاطف معه المشاهدون.

وفيما يتعلّق بأفلام السيرة العربية يتوقف المفرجي عند خمسة أفلام رئيسة أبرزها "الناصر صلاح الدين" ليوسف شاهين ويعدّه من أهمّ أفلام السيرة التي قدّمتها السينما العربية، كما يعتبر "عمر المختار" لمصطفى العقّاد أنجح أفلام السيرة بعد فيلم شاهين المذكور سلفًا، أما بقية أفلام السيرة العربية فهي تُقدِّم شخصيات مكتملة، خارقة للعادة، ولا تعاني من أي نقص خلافًا لاشتراطات السيرة الحقيقية التي تنطوي على نجاحات وإخفاقات على حدٍ سواء.

يتضمّن الفصل الثاني نماذج من أفلام السيرة لـ 19 مُخرجًا ناجحًا يتصف غالبيتهم بالصدقية كما هو الحال مع سودربيرغ الذي أنجز "تشي" وجاستن تشادويك الذي قدّم لنا تحفته السينمائية المعنونة "مانديلا طريق طويل نحو الحرية". وهناك مخرجون وقفوا على الحياد مثل كلينيت إيستوود في "جي إدغار" و فيليدا لُويْد في "المرأة الحديدية". وهناك مخرجون تعاطفوا مع أصحاب السير مثل أوليفر ستون في فيلميه عن "كاسترو" و "عرفات" اللذين نمّطتهم المؤسسة الأميركية وقدّمتهم للعالم كأشرار وقامعين. يمكن لأفلام السيرة أن تكون أداة كشف للحقائق المطمورة منذ عقود كما في فيلم "ساحة الأقمار الخمسة" لرينسو مارتينيللي أو "قضية ماتي" لفرانشيسكو روزي. ليس بالضرورة أن تتطابق القصة السينمائية مع حياة الكائن السيري فقد يأخذ السينارست فكرة ما ويعالجها بالطريقة التي يراها مناسبة كما فعل ديفيد سيدلر في "خطاب الملك" لتوم هوﭘر حينما ركّز على "التأتأة" ليجعل منها فكرة مهيمنة على مدار الفيلم، أو "فاليسا . . رجل الأمل" لفايدا الذي أخذ منه حادثة معينة ثم بنى عليها السينارست تفاصيل أخرى مشوّقة، ولم يقدّمه كأسطورة خارقة وإنما كإنسان عادي مُحاطًا بأهله وذويه ورفاقه العمال.

يرصد المفرجي بعض أفلام السيرة التي أُسندت فيها الأدوار الرئيسة إلى ممثلين عباقرة من طراز كولن فيرث في "خطاب الملك" وميريل ستريب في "المرأة الحديدية"، وإيدي ريدماين في "الفتاة الدنماركية" و "نظرية كل شيء" وفوريست ويتكر في "آخر ملوك أسكتلندا".

أما الفصل الثالث والأخير فيتمحور على مُخرجين استهوتهم أفلام السيرة إلى درجة الشغف وأولهم المُخرج الروسي ألكسند سكوروف صاحب الرباعية المعروفة التي تتحدث عن أفول عصر الدكتاتوريات حيث أنجز فيلم "مولوك" عن هتلر و"العِجل" عن لينين وستالين، و"فاوست" و"الشمس" عن الإمبراطور الياباني هيروهيتو وقد أسهب المفرجي في حديثه عن فيلم "الشمس" الذي يركز فيه المخرج على بضعة أيام من حياة الإمبراطور قبيل استسلام اليابان في الحرب.

لا يقل سكورسيزي ولعًا بأفلام السيرة عن سوكوروف ويكفي أن نشير إلى "ذئب وول ستريت" الذي يعتبر أنموذجًا للصنعة السينمائية التي جسّد فيها كاﭘريو شخصية جوردان بيلفورت وصعوده الخاطف ثم سقوطه المدوّي الذي أفضى به إلى السجن عن جرائم عديدة من بينها غسل الأموال، والاتجار بالمخدرات.

ربما يكون أوليفر ستون الأكثر شغفًا بهذا النمط من الأفلام السيرية فهو يسرد من خلالها تجاربه الشخصية، ففي فيلم "بلاتون" قال:"إنني أروي حربي والتجربة التي عشتها بنفسي"(ص124)، كما قدّم جورج بوش الابن في فيلم "دبليو" بأسلوب كوميدي لاذع يصل إلى حدّ السخرية. وفي فيلم JFK كان معنيًا في البحث عن الحقيقة، ولم يطرح سؤال من اغتال كنيدي؟ وإنما لماذا أُغتيل كنيدي؟ وتوصل إلى أن الاغتيال ليس فرديًا وإنما هو نتيجة لمؤامرة كبرى تعود أسبابها إلى نيّة كنيدي في الإنسحاب من فيتنام، وتبرّمه من دور أميركا في كوبا إضافة إلى دوافع أخرى لاتزال مجهولة.

لا شك في أن يوسف شاهين هو المُخرج العربي الأكثر اهتمامًا بأفلام السيرة فقد أنجز سيرًا غيرية وهي "جميلة"، "بونابرت"، "المصير"، "الناصر صلاح الدين" و "المُهاجر" وكلها شخصيات معروفة ومكرّسة في الذاكرة الجمعية العربية. أما سيرته الذاتية فقد جسّدها في أربعة أفلام مهمة لما تزل صامدة أمام تقادم الأعوام وهي "إسكندرية. . ليه"، "حدّوتة مصرية"، "إسكندرية كمان وكمان"و "إسكندرية . .نيويورك" التي صبّ فيها جام غضبه على أميركا التي تتحامل على العرب، وأشاد بالإسكندرية بوصفها مدينة للتسامح والتعايش بين الأديان.

لندن: عدنان حسين أحمد

nadeer alkhazrajiجيل بعد آخر يردد خطباء المنبر الحسيني وعموم الكتاب في الحقل الحسيني، حوادث تكاد تكون من كثرة التكرار على حدِّ المسلمات والمقدسات التي لا يمكن المساس بها أو التقرب منها حتى ولو على سبيل السؤال عن صدقيتها التاريخية، ناهيك عن صدقيتها الرجالية من حيث المتن والسند وسلسلة الرواة، ومع تقادم الزمن وكثرة المنابر وابتعاد عموم الناس عن القراءة من المظان، تكاد تكون كل معلومة جديدة يُمسح عنها غبار التاريخ، أو رؤية جديد يتم التوصل اليها يُشار إليها ببنان التهمة، وهو فهم مغلوط يصب في خانة التجهيل لاستدرار عواطف الناس حتى وإن كان على حساب الحقيقة التاريخية التي ترقى في بعض جوانبها إلى الحقيقة العقائدية، فيتم تقسيم الموالين إلى أحزاب وجبهات بعيدا عن الحقائق وما يفرزه العقل الإنساني.

واحدة من الأمور التي يتجنب قسم من أرباب الشأن التاريخي والمنبري المساس بها، هو بيان العدد الحقيقي للمعسكر الحسيني الذين حضروا كربلاء وتقلبوا على رمالها مضمخين بدمائهم، إن كانوا من أهل بيت النبوة من الهاشميين أو غيرهم من المسلمين الموالين الذين ثبتوا على الحق وهم يواجهون جيشا أمويا جرارا مصمما على استئصال شأفة أهل البيت عليهم السلام بعد أن فشل آباءهم في حرب الأحزاب للقضاء على صاحب البيت والرسالة المحمدية.

وحيث تزينت قصور بني أمية بقتلهم سيد الشهداء وتوشحت بيوت أهل البيت برداء العزاء، فإن التاريخ الإسلامي مازال إلى يومنا هذا يحفظ في سجله هويات الذين تهاووا بين يدي الحسين(ع) وهم يدافعون عن الرسالة الإسلامية، وكلما غاص الباحث في بحر التاريخ اكتشف لآلئ جديدة، وأماط اللثام عن وجوه نيِّرة كادت أن تغيبها سحب غرابيب.

وبعد مرور أربعة عشر قرنا على واقعة الطف، جاء رجل من أقصى الأرض يسعى داعيا إلى اتباع سبيل الرشاد المعرفي ليعلن للملأ وعلى رؤوس الباحثين والمحققين أن الرقم (72) الذي قدسته الأجيال على مرور العصور بوصفه عدد شهداء كربلاء ليس الا رقما تجمدت عليه العواطف الإنسانية وحالت دون البحث عن حقيقته، لينتهي به النداء المعرفي إلى أنَّ الرقم المقدس محصور بأنصار الحسين(ع) من الهاشميين فقط دون الأنصار من باقي العشائر والقبائل والأقوام، ولهذا أفرد ضمن سلسلة إصدارات دائرة المعارف الحسينية ثلاثة أجزاء أسماه (معجم أنصار الحسين .. الهاشميون) وألحق به ثلاثة أجزاء مثلها للحديث عن النساء اللواتي حضرن الواقعة، وانتهى به المطاف إلى أجزاء أربعة للحديث عن الأنصار من غير الهاشمين، صدر الجزء الأول من القسم الثالث سنة 1425هـ (2014م) في 395 صفحة من القطع الوزيري، ليلحق به الجزء الثاني الذي صدر حديثا سنة 1439هـ (2018م) في 445 صفحة من القطع الوزيري، صادر عن المركز الحسيني للدراسات بلندن، حيث يشكل هذه الجزء من حيث عدد الأجزاء المطبوعة خلال ثلاثة عقود من عمر الموسوعة الحسينية المجلد الحادي عشر بعد المائة من مجموع نحو تسعمائة.

أرقام مغلوطة

من المقطوع به أنَّ البحر كلما زاد عمقه ارتفعت وتيرة لهفة البحارة والمغامرين في كشف أعماقه وأسراره، بوصفها مناطق بكر غنّاء، وفي قاعها ما يسر الناظر من كل جديد من حيوان ونباتات وربما غنائم ومجوهرات.

ولعمري فإن المحقق الباحث عن الحقيقة حاله كحال البحار والمغامر يغوص عميقا في بحر التاريخ وقاعه بحثا عن المعلومة الصائبة وغربلة ما في اليد من معلومات قد تكون عند البعض ثابتة، لكنها على صخرة الحقيقة تتكسر كل أعواد المسلمات وقوارب المقدسات، لأن الباحث الواقعي إنما بوصلته الحقيقة يتحرك باتجاهها، والشيخ الكرباسي في هذا الجزء من الموسوعة الحسينية وفي كل أجزاء الموسوعة ينزع عن نفسه رداء المسلمات الجاهزة، فإما أن يُمتِّن من قواعدها وإما أن يفتت أسسها، من أجل بناء قاعدة معلومات جديدة متعكزا على أدوات البحث في العلوم العقلية والنقلية، من هنا فإن القارئ للجزء الثاني من (معجم أنصار الحسين.. غير الهاشميين) سيجد أمامه سلسلة من الأسماء لم يعهد في حياته أن تعرّف عليها.

وما يسمعه المرء في كل عام عن شخصيات طبعت بصماتها في كربلاء، إنما هو النزر القليل من الحقيقة العددية، ولعل النمطية التي اعتادت عليها المجالس الحسينية ساهمت بشكل أو آخر بطمس أسماء العشرات من الأنصار أو تزيد، حتى كاد الناس بمرور الزمن يتأقلمون مع الرقم (72) من شهداء كربلاء، وإذا ما أشار أحدهم إلى إسم من أسماء الشهداء لم تعهدها المنابر أو قصائد الشعراء، ساد الوجوم وعلامات الإستفهام، بيد أن المحقق الكرباسي، يفاجئنا في كل مرة بأسماء حفظتها كتب التاريخ وتناستها قوافي الشعراء ومجالس الخطباء وأقلام الكتاب.

من هنا فإنه وحسب تحقيقاته قفز بالرقم 72 شهيدا إلى نحو 250 شهيدا أو يزيدون، لكنه في الوقت نفسه لا يقطع بحتمية وجود هذا الشخصية أو تلك لمجرد ورود اسمها في ذلك الكتاب من المتقدمين أو في هذا الكتاب من المتأخرين، وإنما يتناوله بصورة مفصلة طبق القواعد الرجالية والحقائق التاريخية ليحكم بوجوده من عدمه، ولأن المؤلف له حظ موفور في علم الرجال فضلا عن الفقه والأصول وغيرهما من العلوم، فقد أدخل كل شخصية في مختبر التدقيق، ربما أثبت وجودهاوتأرجح في أخرى، ونفى ثالثة.

النقد المعرفي البناء

وحيث ذكر الكرباسي أسماء الشهداء الواردة في المصادر المتقدمة والمتأخرة كأسماء مجردة عن التحقيق كما فعل في باب "الحسين في سطور" أو باب "أضواء على مدينة الحسين قسم الشهداء"، فإنه من حيث التمحيص والإلتزام بما توصل إليه بنفسه يُرجع القارئ إلى باب "معجم أنصار الحسين"، ولهذا يقرر في التقدمة في هذا الجزء إنَّ ما ورد في البابين السابقين من أسماء: (لا يُعد مما نعتمده كلّيًا لأنه سبق في باب التحقيق والنقاش الذي محله هنا، فلذلك لابد من الإعتماد على ما سنورده هنا، وإذا ما تعارض مع ما سبق في ذلك الباب فيلزم الإعتماد على ما حققناه في هذا الباب).

وفي هذا السياق يتوصل إلى حقيقة مُرّة إذ: (بانَ لنا أن بعض مؤلفات الأعلام والذين كنّا نرى أنهم قد استوفوا حق التحقيق، كانوا في كثير من الأحيان رواة لما سمعوه من الخطباء أو اعتمدوا على مؤلفات لا يمكن الإعتماد عليها، ومع ذلك فإنهم لم يذكروا لنا مصادرهم التي اعتمدوا عليها إلا في مواضع قليلة، وبعد مراجعتها وجدناها خالية منها)، وهذا الأمر جعله يتوقف كثيرا حتى عند أفضل الكتب الرجالية، ومن هنا تأتي قيمة الأبحاث التي يوليها اهتمامه في عموم الموسوعة الحسينية، وربما جاءت بعض تحقيقاته تصحيحا لبعض المعلومات التي أوردها في أبواب أخرى يشير إليها بكل تواضع، لأنَّ الهمَّ الأكبر عنده هو التحقيق لا التأليف، لإيمانه العميق بالقاعدة العملية التي تقر بأنَّ كل محقق مؤلف وليس كل مؤلف محقق، ولهذا تكثر المؤلفات وتندر التحقيقات، ولأنَّ ما يقوم به هو عمل موسوعي مترامي الأبعاد المعرفية فإن التحقيق لازمة أساسية لهذا العمل الشاق.

وحيث تتساقط أوراق العواطف والمسلّمات أمام رياح التحقيق والدليل، فإن المؤلف في أكثر من موضع ينتقد الأساليب التي اعتمدتها بعض المؤلفات المتأخرة المجانبة لواقع التحقيق، وينتقد مؤلفيها رغم قداسة الأسماء لدى أصحاب المنابر والمجالس الحسينية ومرتاديها، وأكثر ما تزعجه عبارات يرددها أصحاب المؤلفات، من قبيل: "وقد ذكر أهل السير والمقاتل" من غير ذكر مصدر معتبر، مما يجعل المعلومة غائمة وربما مضللة، فيأتي الآخر وينقلها عن الأول ثم يأتي الثالث وينقلها عن الإثنين، ثم يأتي الخطيب ليرددها كمسلّمة ويبني عليها أحكاما شرعية لا محل لها من الواقع التاريخي ولا الشرعي، ويرمي الكرباسي بسهام النقد إلى متون عدد من الكتب والمقاتل التي يتداول قصصها أرباب المجالس، فيقول مثلا: (إن صاحب كتاب ... أتى بأمور ليست لها واقعية ونسبها إلى بعض المصادر وهي خليّة منها)، أو قوله: (وقد بالغ ... في كتابه ... في عدد مَن قُتل على يد فلان، وبما أنه تفرد بذلك وخرج عن المألوف فلم أورد ما ذكر).

منظومة في الأنصار

خلال تتبعي لمئات القصائد العمودية التي نظمت في النهضة الحسينية توزعت على أكثر من 25 مجلدا من أجزاء دائرة المعارف الحسينية وغطت حتى الآن المساحة الزمنية من القرن الأول الهجري حتى القرن الثالث عشر الهجري، لاحظت أنَّ جلَّ القصائد نُظمت في الإمام الحسين(ع)، وفي طيات القوافي يجد المرء ذكرا لعدد محدود من الشهداء يكثر الحديث عنهم في المجالس والمنابر، وهذا أمر طبيعي اعتادت عليه سجية الشعراء الذين يحلقون بقوافيهم فوق رأس صاحب النهضة الإصلاحية، وليس هذا نقصا، لكنه في الوقت نفسه يعكس قلة إلمام الشاعر برجال النهضة الحسينية من بني هاشم ومن غيرهم، وهو الآخر ليس نقصا في الشاعر لأن بساطه السحري هو الأدب وليس مركب التاريخ المحض أو علم الرجال وما يكتنفه من تعديل وتجريح والتثبت من وجود هذه الشخصية أو تلك.

وفي القرنين الرابع عشر والخامس عشر الهجري، صار التزام المنابر الحسينية خلال العشرة الأولى من شهر محرام بعدد محدود من الشهداء سببا إضافيا في محدودية قصائد الرثاء والمديح واقتصارها على هذه الأسماء دون غيرها، وهذا ما يعتبر نقصا في الشاعر والناظم الذي انساق إلى سياسة المنبر ومنهجية الخطباء، في حين يفترض أن يكون المنبر رهن إشارة الشاعر، ولهذا لم نلحظ في العقود الماضية تطورا كبيرا في المنبر الحسيني على صعيد الاستخدامات الأدبية والشعرية، فصار حبيس قصائد مكرورة.

المحقق الكرباسي بما يمتلكه من قدرة على النظم إلى جانب التحقيق والتأليف في حقول معرفية متنوعة، كسر هذه النمطية وعبر حاجز المألوف لدى الشعراء، فراح ينظم لكل من حضر واقعة كربلاء في المعسكر الحسيني من الهاشميين وغير الهاشميين من الرجال والنساء، ممن استشهد أو بقي على قيد الحياة قصيدة خاصة به أو بها، فجاء "معجم أنصار الحسين .. غير الهاشميين" توليفة رائعة بين دائرتي البحث الرجالي والأدب، فشكل المعجم تحفة معرفية أدبية رائعة.

وحسب متابعتي لما كتب عن النهضة الحسينية خلال ربع قرن، فإن الأديب الكرباسي بما أتى به في معجم الأنصار يمثل حالة فريدة، ولم يقتصر النظم عنده على الأنصار الذين قطع الرجاليون وأصحاب التاريخ بوجودهم في معسكر الحسين(ع)، بل تعداه إلى الشخصية التي تحوم حولها شبهات المشاركة في المعركة أو التي لم يقطع بوجودها في كربلاء، وجاءت القصائد في معظمها توثيقا للشخصية ودورها في واقعة الطف، وبالتالي فإن الكرباسي وفّر للمكتبة الأدبية خزينا كبيرا من النظم الحسيني الخاص بالأنصار يفتح الآفاق أمام تطور المنبر الحسيني في جانبه الأدبي والنظمي، باعتبار أن الشعر هو فاكهة المنابر والمجالس الخطابية، وهذه القصائد سيجدها القارئ الكريم في ديوان مستقل أسماه "سفائن الأمل في الحسين والقُلَل".

ويعتقد المؤلف أن السياسة الأموية ساهمت بشكل كبير في تضييع حقائق كربلاء ورجالاتها الذي بذلوا مهجهم دون الحسين(ع)، وهذا الشعور بالغبن والضياع الممنهج الذي أصاب معالم النهضة الحسينية كان حافزا لدى المؤلف للتنقيب عن التاريخ المغيب وتسقّط أخبار الشهداء، وقد عبّر عن هذا الألم في عدد من القصائد التي احتواها هذا الجزء من الموسوعة الحسينية، ومن ذلك قوله من بحر الرجز في شخصية قال بعضهم باستشهاده ولم يثبته آخرون:

إنْ غرَّبوا أو شرَّقوا في عدِّهم ... ما كان ذا إلا لهجر السؤددِ

مالي سوى القول الذي فيه الهدى ... تحقيق رأي من لدن مسترشدِ

وعن شهيد آخر يقول من بحر الرمل:

بعضهم قالوا مضى في كربلا يو ... م البلا ذا ممكن خذ لا تجادل

جلُّ أنصار الحسين المفتدى في ... نينوى غُيِّبوا فانظر وعادل

دَيْدَنُ الأعداء هجر الآل من تا ... ريخنا لا بد من كشف المحافل

وإذا كان الكرباسي أفرد في هذا الباب قصيدة لكل من حضر كربلاء من الأنصار، فإنه أفرد قصيدة لكل من بان حضوره من المعسكر الأموي، تشكلت من القصائد منظومة فريدة أسماها مبدئيا: "وقود سقر فيمن بكربلا عقر".

محاولة للفهم

يعتقد صاحب الموسوعة أن التعامل مع حوادث التاريخ يختلف نوعا ما عن التعامل مع المسائل الفقهية، وإلاّ: (لما بقي من التاريخ شيء، وما دام لم يتعارض مع العقل والشرع والعرف والعلم، فلا محيص من قبوله)، لكن النصوص التاريخية لا يمكن موافقتها كما هي، ولهذا يؤطر المؤلف قبولها في نقاط أهمّها: أن لا تخالف المعتقد، أن لا تخالف العقل، أن لا تخالف الطبيعة في وقت الحدث، أن لا يقاس زمن غابر بزمن حاضر ولا العكس، أن يكون لها قائل موثوق، أن لا تكون متناقضة مع نصوص ثابتة، أن تخضع لتحقيق أهل الخبرة شريطة أن يسلك المحقق منهج الوسطية، أن يترك الدليل يسوقه إلى الحقيقة، أن يكون شجاعا في البحث ولا يتأثر بالمنتقدين والبسطاء والمستأكلين بالشأن التاريخي، وأن يستأنس بكل الآراء الموافقة والمخالفة.

ووفق هذا المنهج تمكن المؤلف من استنطاق المراجع التاريخية والوقوف على أسماء أنصار الحسين(ع) في كربلاء، ودرسهم وفق الحروف الأبجدية.

 وإذا كان الجزء الأول من هذا القسم ضم شروحات عن العشائر التي شاركت في معركة كربلاء إلى جانب أسماء الأنصار مجردة عن التحقيق، فإن الجزء الثاني فيه تفصيل مستفيض ضم  الأنصار غير الهاشميين من حرف الألف إلى نهاية الجيم في 36 ترجمة رجالية ومعرفية، على النحو التالي: إبراهيم بن الحصين الأسدي، إبن عامر بن مسلم الأنماري، إبن مسلم بن عوسجة الأسدي، أبو عمرو النهشلي، الأدهم بن أمية العبدي، إسحاق بن مالك  الأشتر، أسد بن حارثة الكلبي، أسد بن سماك الخزرجي، أسلم بن عمرو التركي، أسلم بن كثير الأزدي، أشعث بن سعد الطائي، أمية بن سعد الطائي، أنس بن الحرث الكاهلي، أنيس بن معقل الأصبحي، بدر بن معقل الجعفي، بُرير بن خضير الهمداني، بشارة بن مقبل الكوفي، بشير بن عمرو الحضرمي، بكر بن حي التيمي، بُكير بن الحر الرياحي، پيروزان الفارسي، جابر بن الحارث السلماني، جابر بن الحجاج الكوفي، جابر بن عروة الغفاري، جبلة بن عبد الله الكوفي، جبلة بن علي الشيباني، جرير بن يزيد الرياحي، جعبة بين قيس الأنماري، جعيد الهمداني، جلاس بن عمرو الراسبي، جنادة بن الحارث الأنصاري، جنادة بن الحارث السلماني، جنادة بن كعب الأنصاري، جندب بن حجير الخولاني، جون بن حوي النوبي، وجوين بن مالك الضبيعي.

ولم يشذ هذا الجزء عن غيره من الأجزاء السابقة في احتوائه على مقدمة تقريظية لأحد الأعلام، وكانت هذه المرة شخصية سياسية مصرية مقيمة في المملكة المتحدة لها حضورها البارز في ساحة التقريب بين المذاهب هو الدكتور كمال توفيق الهلباوي، الذي أثبت في بداية مقالته: (إن المصريين بشكل عام سنيو المذهب ولكنهم شيعيو الحب لأهل البيت عليهم السلام جميعا. وهذا يظهر حتى يومنا هذا فى الاحتفالات والموالد والمناسبات، وخصوصا مولد الإمام الحسين، ومولد أخته السيدة زينب، ومولد الإمام على زين العابدين، وغيرهم من أهل البيت عليهم السلام، وعلى نبينا محمد جدهم أزكى الصلاة والسلام).

أما كيف للمرء أن يعرف أهل البيت(ع) يؤكد الداعية المصري الهلباوي: (والذي يريد أن يعرف قدر أهل البيت عليهم السلام فليقرأ قوله تعالى "قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى" سورة الشورى: 23، ويوازن فى عقله وقلبه قبل عاطفته بين ذلك المعنى، وبين تلك الجريمة البشعة التى حدثت فى كربلاء التى يقول عنها فارس المنابر عند أهل السنة الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله تعالى "كرب وبلاء"، ويقول عن كربلاء كذلك: "إنها معركة الشرف ومعركة العزة، وكان لابد للإمام الحسين عليه السلام أن يقاوم الظلم أيا كان نوعه .. طبعا الظلم من الطرف الآخر ... مهما قلنا ومهما قال فارس فرسان المنابر عن الإمام الحسين وأهل البيت فإننا لا نوفيهم حقوقهم).

وأثنى الدكتور كمال الهلباوي في نهاية المقالة على الموسوعة الحسينية بلحاظ: (إنَّ هذا العمل الكبير قام به المؤلف رغم الامكانيات المتواضعة ... وقد بذل جهودا مضنية لتوضيح سيرة أنصار الإمام الحسين عليه السلام من غير الهاشميين، فجاءت كاملة ومفيدة، وعلينا جميعا أن نعود إلى مثل هذه المصادر الغنية، زاد الله المؤلف آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي خيراً وبركة ونوراً وعلما وجزاه الله عنا خير الجزاء).

 

د. نضير الخزرجي - الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

diaa nafie2هذا كتاب مهم جدا في تاريخ العلاقات الروسية – العربية عموما وتاريخ العلاقات الروسية – العراقية خصوصا، وذلك لأن مؤلف هذا الكتاب الراحل فيكتور باسوفاليوك كان خبيرا كبيرا في شؤون الشرق العربي واللغة العربية والترجمة من الروسية الى العربية وبالعكس، وعاش سنوات طويلة في العراق واليمن ومسقط وسوريا وتدرّج في العمل بالسفارة السوفيتية ومن ثم الروسية في تلك البلدان كل هذه الفترة الطويلة اولا، وثانيا، لانه كتب هذا الكتاب على شكل سيرة ذاتية تفصيلية وليس كدراسة اكاديمية لاحداث سياسية معينة، اي انه كتب سطورا وصفحات لم يتوجه بها الى قارئ محدد، وانما كتبها على شكل خواطر ووصف لاحداث عايشها (..اعود مرة بعد اخرى الى احداث اعوام 1990 – 1991 . وها اني اجلس اخيرا لاقوم بوصفها، لكني لا اعرف متى سأستطيع نشرها. ان قول الحقيقة بصورة سافرة دائما محفوف بالخطر، والاكثر خطورة ما يتعلق بمنطقة الشرق الاوسط ...) ص. 23، ولم يسمح له القدر ان يكمل تلك الصفحات او يعدّلها او يصلحها او يشذبها او يجعلها ملائمة لهذا الطرف او ذاك، ولهذا فانها رسمت بشكل مباشر وطبيعي وغير مصطنع بتاتا وبصورة حقيقية وواقعية ومطابقة تماما لكل ما رآه وسمعه من كل العرب والروس الذين كانوا يحيطون به طوال هذه الفترة الطويلة، منذ سفرته الاولى للعمل مترجما في السفارة السوفيتية باليمن عام 1964 والى حين وفاته عام 1999 في موسكو، عندما اصبح وكيلا لوزارة الخارجية في روسيا وممثلا آنذاك للرئيس الروسي يلتسين لشؤون الشرق الاوسط .

يقع هذا الكتاب في 302 صفحة من القطع الكبير، ويضم في بدايته مقدمة خاصة بالطبعة العربية كتبها بوغدانوف ممثل الرئيس الروسي بوتين الى الشرق الاوسط ونائب وزير خارجية روسيا الاتحادية الآن، وهذه المقدمة بحد ذاتها تعني وتؤكد الاهمية المتميزة لهذا الكتاب، والقيمة الخاصة التي توليها الدولة الروسية الحالية لما كتبه باسوفليوك باعتباره (.. تصور شخصي عميق لرجل لم يفهم وحسب – بوضوح ودقة – تلك الاحداث، ولكنه بالدرجة الاولى عايشها بعقله وقلبه وروحه.) كما جاء في مقدمة بوغدانوف تلك . وكتبت ارملة المؤلف في بداية الكتاب ايضا كلمة أشارت فيها الى وقائع مهمة جدا حول الكتاب، منها، ان مخطوطة الكتاب (..بقيت فترة طويلة ملقاة على المنضدة ..بعد رحيل زوجي في الاول من اغسطس 1999 ..وعدت الى المخطوطة عام 2008 ..)، وتذكر، ان زوجها (..كان يشك هل بوسعه نشر ما كتبه ..).

يتناول الكتاب عدة مواضيع كبيرة ومتشعبة جدا في تاريخ العلاقات العربية – الروسية بشكل عام، ولكن العراق يشغل المكان الاوّل في تاريخ تلك العلاقات، وذلك لان المؤلف عمل على مدى سنوات في السفارة السوفيتية في بغداد، ثم أصبح سفيرا لبلاده بعدئذ، وبالتالي فقد عاصر احداث العراق الجسيمة وتعايش معها . ان المواضيع التي يتناولها هذا الكتاب لم يسبق ان كتب حولها لا المؤرخ العراقي ولا المؤرخ الروسي، منها مثلا، الصورة التي رسمها باسوفاليوك لصدام حسين، ولنقرأ في ص. 25 ما يأتي – (كنت أنظر لصدام طيلة سنوات تعرفي عليه اي منذ بداية 1969، بهدوء. وبدوره تعامل معي بمودة . وعلى كل الاحتمالات ابتسم لي، وخاطبني باسمي، ومن وقت الى آخر ربّت على كتفي . ولكني في هذه المرّة في 25 يوليو 1990 لم أشعر فقط – وبشكل مفاجئ– بعدم ارتياح شديد تجاهه، وانما شعرت بالخوف منه. كانت عيونه في هذه المرّة مرعبة، ولاح فيها شرّ خارق للعادة . بعد ذلك أدركت انه في تلك الساعات بالذات تبنى أصعب قرار في حياته، وعانى من الشكوك، هل سينجو من العقاب على المغامرة الكبرى التي يخاطر بها) . او لنقرأ جملة اخرى حول صدام في ص. 28 – (.. وللأسف حتى أنا الذي عرفته سنوات طويلة، لم أقيّم فيه روح المغامرة المنحرفة التي لا تستأصل) . او لنقرأ هذه الكلمات في ص. 92 – (وأنا لست من محبي عبقرية ستالين كقائد عبقري، فضلا عن هتلر، ولكن خلفهما انتصارات عسكرية، اما صدام فخلفه فقط الهزائم او الانتصارات المشكوك بها، مثل النصر على ايران . وعلى العموم ان صدام كان (فذّا) بسطحيته، فهو لم يعرف اي شئ على مستوى مهني .... وأتذّكر حينما كان صدام يدرس (يقصد المؤلف عندما كان صدام يؤدي الامتحانات في كلية القانون بجامعة بغداد)، نشرت الصحف المحلية مقالاته حول .... دور حزب البعث العربي الاشتراكي وبناء الدولة والعلاقات الدولية . لقد كانت نقاشات مدهشة بتفاهتها وبسطحيتها وابتذالها) . او لنقرأ في ص. 94 – (اي كلام يمكن ان يدور عن اداء عمل مهني بشكل حسن اذا كانت الوسيلة الوحيدة – تمت بافضل تقاليد الستالينية – تعتمد على اغتيال الزملاء والرفاق). او لنقرأ في ص. 95 – (انه برز كشخصية فاشلة كبيرة ومتغطرسة بلا حدود). او لنقرأ في ص. 96 – (ان صدام وحش لا يمكن تدجينه) . او لنقرأ في ص. 101 – (..واؤكد بمسؤولية ان صدام ..لم يفهم شعبه ومزاجه وميوله الحقيقية ومستوى حيويته) . لقد كتب باسوفاليوك كل هذا الكلام في زمن صدام وحكمه، اذ انه توفي عام 1999 . ولا يمكن التوسع أكثر بالاستشهاد حول هذا الموضوع الذي لم يتبلور لحد الان لا في الوعي الاجتماعي الروسي ولا في الوعي الاجتماعي العربي ايضا، والامثلة على ذلك كثيرة جدا ويعرفها العراقيون اثناء اختلاطهم بالروس او العرب، ولا مجال في اطار هذه المقالة طبعا حتى الاشارة الى تلك الامثلة او اسبابها، بما فيها طبعا الفشل الذريع للنظام الطائفي الحالي في العراق . ان التقييمات الموضوعية للمؤلف حول صدام تجسّد فصلا صغيرا ليس الا في هذا الكتاب المهم، اذ توجد مواضيع اخرى كبيرة هناك، بل يوجد فصل باكمله في الكتاب بعنوان – (تأملات حزينة عن العراق ودكتاتوره وعن العلاقات السوفيتية – العراقية) من ص 88 الى ص 128 ، وهو فصل يحتاج الى دراسة معمقة بلا شك. اضافة الى ان باسوفاليك قد تناول في هذا الكتاب مواضيع تخص روسيا والاتحاد السوفيتي وبيروقراطية أجهزته وقادته والوضع في وزارة الخارجية الروسية وووو..

وبدل الخاتمة لهذا الكتاب توجد كلمة ليفجيني بريماكوف رئيس الحكومة الروسية السابق يتحدث فيها بكل حب وتقدير عن باسوفاليوك، وقد ذكرتني جملته عنه – (.. وعموما، علي ان أقول، اني لم التق طيلة حياتي مترجما متألقا من العربية مثله، لقد تمتع بموهبة خاصة كأنه اختفى خلال المحادثة التي يترجمها – وهيّأ للمتحدثين التصور بانهما يتحدثان بلغة واحدة، وبهذا بالتحديد يظهر المستوى الرفيع للمترجم)، أقول، ذكرتني هذه الجملة بمقالتي، التي كتبتها عن باسوفليوك في بغداد عندما سمعت بخبر وفاته عام 1999، واتصلت بالراحل أمير الحلو وكان آنذاك رئيسا لتحرير مجلة ألف باء وسألته – وبحذر – عن امكانية نشر تلك المقالة هناك، فأجابني أمير بشجاعته المعروفة بانه سيحاول باخلاص نشرها، ونشرها فعلا في الصفحات الاولى لمجلة ألف باء، وحازت تلك المقالة على اعجاب الاصدقاء كافة، ولا امتلك الآن نسخة منها مع الاسف، الا اني أذكر، اني تحدثت فيها كيف عملنا – باسوفليوك وانا – لثلاثة ايام في ترجمة المباحثات العراقية – السوفيتية الثقافية في عام 1972 بوزارة الاعلام، وكيف التقيت به صدفة في احدى الحفلات الموسيقية بعد فترة طويلة عندما اصبح سفيرا لبلاده في بغداد، ولم اقترب منه طبعا، ولكنه القى نظرة على الجالسين في القاعة وشاهدني، فرفع يديه تحية وهو يبتسم، واضطررت طبعا ان انهض واتوجه اليه، وقلت له بالروسية – (مساء الخير يا سيادة السفير) فقال لي مبتسما- (وهل نسيت اسمي يا ضياء ؟)، فاجبته – (لا طبعا يا فيكتور، ولكنك الان سفير) فقال لي ما معناه، ان المناصب لا تجعلنا ننسى الاصدقاء...

 الشكر الجزيل للدكتور فالح الحمراني، الذي اختار هذا الكتاب وترجمه عن الروسية بمهارته الدقيقة والعلمية المعروفة، وقدّم بذلك الى المكتبة العربية مصدرا مهما وكبيرا جدا من مصادر

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

1196 husanعن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) للطباعة والنشر ، صدر الحزء الخامس من "موسوعة جرائم الولايات المتحدة الأمريكية" (280 صفحة) التي يترجمها ويعدّها الدكتور "حسين سرمك حسن" .

وقد عرّف الناشر بهذا الجزء في كلمة حملها الغلاف الأخير جاء فيها:

" هذا الجزء وهو الخامس من موسوعة جرائم الولايات المتحدة الأمريكية التي تصدرها دار ضفاف يكمل المؤلف ما ختم به الجزء الرابع من كشف استخدام الولايات المتحدة للإرهاب "الإسلامي" لتمزيق الهند وبلقنة باكستان. وسوف يصدم الفصلان الثالث والرابع ذهن القارىء لما يتضمنانه من معلومات عن المذبحة التي سُمّيت "مذبحة الطريق السريع" حيث قامت القوّات الأمريكية بدفن 8000 جندي عراقي وهم أحياء بمحاريث فولاذية مُركّبة على دبابات إبرامز في 49 مقبرة جماعية. وتمّت ترقية الجنرال الذي أمر بدفنهم. كما يفنّدان كذبة "الحرب النظيفة" على العراق. وقد قال المراسل الحربي الأمريكي "ليون دانيال": "لماذا لم يكن هناك أي أثر لجثث الجنود العراقيين في ساحة المعركة؟ لأنّنا دفنّـاهم أحياء". كما يتناول السلوك الإحرامي لهنري كيسنجر الذي نتج عنه قتل مليوني إنسان في فيتنام وكمبوديا ولاوس بالقصف والغاز السام، وإسقاط التجربة الديمقراطية في بنغلاديش (1/2 – 3 مليون قتيل) وفي شيلي (3 آلاف قتيل و30 الف مُعتقّل ومُختفٍ)، وكيف كان راعي وباء الأيدز الذي ظهر في العالم واجتاح أفريقيا بشكل مفاجىء، وكارثة مدينة بوبال الهندية التي تُسمّى "هيروشيما الصناعات الكيمياوية التي راح ضحيتها 25000 مواطن هندي... ويكشف أسراراً خطيرة ومن مُحللين أمريكيين تثبت أن عملية قطع رأس المواطن الأمريكي "نيكولاس بيرغ" هي من العمليات السوداء لوكالة المخابرات المركزية.. ويختم بعرض سير موجزة للطغاة والديكتاتوريين الذين دعمتهم وتدعمهم أمريكا بكل إمكانياتها خلافاً لشعاراتها الديمقراطية. إنّهم الحلفاء غير الديمقراطيين لأمريكا الديمقراطية".

 وقد أهدى المترجم أجزاء الموسوعة :

"إلى "علي عباس"

الطفل العراقي البرىء الذي قتل الأمريكان الغزاة والديه وعشرة من أقاربه.. وبتروا ذراعيه - كما ثبت مؤخرا- بالأسلحة النيوترونية المُحرّمة التي حوّلت عائلته إلى فحم ورماد.

وإلى 8 ملايين مسلم قتلتهم الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد الإرهاب ..

وإلى 100 مليون إنسان في العالم قتلتهم الولايات المتحدة الأمريكية في سعيها لنشر ديمقراطيتها ودفاعها عن حقوق الإنسان ..

وإلى ضحايا الإرهاب الفعلي الأبرياء في لوكربي ومدريد وهجمات 11 ايلول المُفبركة والذين لا يزيدون على 5000 شخص.."

  

 

 

jawad abdulkadom2عن دار الرافدين في بيروت صدر حديثا كتاب (تاريخ التعليم في العراق) بأجزائه الثلاثة في طبعة جديدة أنيقة ومنقحة لمؤلفه المؤرخ والأديب الراحل عبد الرزاق الهلالي (1916- 1985م) وبمراجعة دقيقة من كريمته عالية عبد الرزاق الهلالي، ويعد هذا الكتاب من أوائل وأهم الكتب التي أرخت لبدايات وتفاصيل مرحل التعليم في العراق منذ الزمن الأول للحكم العثماني ومرورا بحقبة الاحتلال البريطاني وانتهاءً بقيام عهد الحكم الوطني .

تناول المؤلف في الجزء الأول من هذا الكتاب تاريخ التعليم في العهد العثماني 1638- 1917م، وبين في مقدمته أن المعلومات التي حصل عليها عن التعليم عند إعداده لفصول كتابه الشهير الآخر (معجم العراق) كانت معلومات (واسعة، حوت الشيء الكثير من الحوادث النادرة، والصور الطريفة، والأخبار الشائقة) جعلته يفكر في إصدارها بكتاب خاص، وحسنا فعل بذلك، وأضاف أن فصول كتاب التعليم (إن هي نتيجة مجهود فردي، وتتبع واستقصاء شخصي) .

مهد المؤلف لهذا الجزء من الكتاب بدراسة عن العراق العثماني وعلاقة العثمانيين بفكرة الخلافة، ونظام حكمهم، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن الولايات العراقية (بغداد والموصل والبصرة)، وملامح المجتمع العراقي، وأسس الدراسة العلمية، والمعاهد الدراسية، والكتاتيب، والمدارس في بغداد والموصل والبصرة والنجف الأشرف، وسياسة الإصلاح في العهد العثماني، والإصلاحات الخيرية والمدارس، والدولة العثمانية والتعليم الحديث، والعراق والمدارس الحديثة التي لم يباشر بإنشائها إلا في زمن المصلح الكبير مدحت باشا 1869- 1872م على الرغم من مرور ما يقرب من الثلاثين عاما على إنشائها في استنبول أو الولايات العربية الأخرى !!

1198 jawadوانتقل للحديث عن المدارس في الولايات العراقية معززة بالجداول، والتعليم والمدارس العسكرية، والأقليات والتعليم ومدارسها في العراق، والمدارس المسيحية الأجنبية، ومدارس الحاليات الأجنبية، والدراسات العالية في العراق، والدراسة خارج العراق، وإدارة شؤون المعارف .

أما الجزء الثاني فقد خصصه المؤلف للحديث عن تاريخ التعليم في عهد الاحتلال البريطاني 1914- 1921م، وقد ذكر في مقدمته حادثة مؤسفة عندما استحصاله لموافقة المسؤولين في وزارة التربية على قيامه بالبحث عن الأضابير القديمة في مخازن الوزارة فأخبروه إن لا وجود لها لأن (فيضان سنة 1946م قد أتلفها جميعا، ولم يعد لها وجود مطلقا)!!

ومهد المؤلف في هذا الجزء كما فعل في الجزء الأول بدراسة عن ملامح المجتمع العراقي في عهد الاحتلال البريطاني، وعن النفوذ البريطاني في بلاد ما بين النهرين قبل الاحتلال، ووقوع الاحتلال، وشؤون التعليم في ولاية البصرة 1915- 1918م، وشؤون التعليم بعد احتلال بغداد إذ دخلتها القوات البريطانية فجر يوم 11 آذار 1917م، فأعادت فتح المدارس فيها، وقد تولى الميجر بومن شؤون نظارة المعارف العمومية، ولما دخلت القوات البريطانية الموصل نظمت شؤون المعارف فيها كما هو الحال في المدن العراقية الكبيرة الأخرى، ووضعت المناهج للتعليم الابتدائي .

وتحدث المؤلف عن التعليم الثانوي، والتعليم النسوي، والتعليم المهني، والدراسة العالية، وإعادة فتح مدرسة الحقوق، وفتح مدرسة للصيدلة، واندلاع شرارة الثورة العراقية الكبرى في 30 حزيران 1920م، وتعطيل الدراسة في المناطق الثائرة، وتقديم الميجر بومن استقالته من نظارة المعارف العمومية لانتهاء فترة إعارته، ومغادرته العراق مطلع شهر آب من سنة 1920م، فشغل المستر ليونيل منصبه وكالة حسب قرار الحاكم الملكي العام .

وفي هذا العهد أسست مدارس أهلية جديدة في بغداد وكربلاء، وترجم قانون الكشافة، ووزع على المدارس، وأنشئت جمعية الكشافة العراقية، وانتقل المؤلف للحديث عن أثر السياسة البريطانية في العراق، وتشكيل الحكومة العراقية المؤقتة، وتعيين المستشارين لها، وكان أول وزير للمعارف في تلك الحكومة المؤقتة هو (عزت باشا الكركوكلي)، ولم يبق فترة طويلة في الوزارة فتركها  في 29/12/1921م إلى وزارة أخرى، وحل مكانه السيد محمد مهدي آل بحر العلوم، وهو من الشخصيات الكربلائية المعروفة، كما أورد المؤلف جداول إحصائية للمدارس في العراق للعام 1920- 1921م، وتحدث عن التعليم الصناعي، ودار المعلمين، وبداية البعثات الدراسية إلى الخارج، والمدرسة العسكرية .

أما الجزء الثالث من الكتاب وهو الأضخم حجما فيها، فقد خصصه المؤلف للحديث عن تاريخ التعليم في عهد الانتداب البريطاني 1921- 1932م، وذكر في مقدمته أنه باشر بكتابة صفحاته على الرغم من المرض الذي تعرض له (مرض الكليتين) برا بوعده في تكملة أجزاء الكتاب وكان ذلك سنة 1984م، وأن من مصادره (المركز الوطني لحفظ الوثائق) الذي له الفضل الكبير في حصوله على العديد من الوثائق الخاصة بالتعليم، وتليه (مكتبة وزارة التربية) التي وجد لديها التقارير السنوية التي كانت تصدرها وزارة المعارف عن سير التعليم في العراق، وقد أفادته فائدة كبيرة، فضلا عن المراجع الأخرى التي ثبتها في الهوامش وهي كثيرة .

وكما في الجزأين السابقين مهد المؤلف لفصول الكتاب بدراسة عن الدولة العراقية الجديدة، واختيار فيصل بن الحسين ملكا للعراق، وإقرار مجلس عصبة الأمم يوم 27/9/1924م بقبول الانتداب البريطاني على العراق، وإبرام المعاهدة العراقية البريطانية الأولى سنة 1922م، وانتخاب المجلس التأسيس الذي افتتح في 27 آذار 1924م، وإبرام المعاهدة العراقية البريطانية الثانية سنة 1926م بعد اعتراض بعض الشخصيات العراقية على المعاهدة الأولى لما تضمنته من بنود مقيدة للعراق، وموافقة مجلس عصبة الأمم عليها، وعقد المعاهدة العراقية البريطانية الثالثة سنة 1927م تحت ضغط الظروف السياسية الداخلية، وجددت هذه المعاهدة بأخرى سنة 1930م .

وكان أول وزير للمعارف في هذا العهد هو السيد محمد علي هبة الدين الشهرستاني الذي تولى الوزارة في 27/9/1921م (وزارة النقيب الثانية)، وتعاقب على هذا المنصب مجموعة من الوزراء وهم : الحاج عبد الحسين الجلبي الكاظمي، والشيخ محمد حسن أبو المحاسن، والشيخ محمد رضا الشبيبي،  والسيد عبد المهدي المنتفكي، ومحمد أمين زكي، وتوفيق السويدي، ومن الملفت للنظر أن الحاج عبد الحسين الجلبي تولى هذا المنصب الوزاري خلال هذا العهد فقط خمس مرات، كما اعتذر الحاج محسن شلاش عن توليه في الوزارة النقيبية الثالثة في 30/9/1922م لكثرة أشغاله التجارية .

وتحدث المؤلف عن الموظفين الانكليز الذين عملوا في وزارة المعارف وهم خمسة (المستر سمث، والكابتن فارل، والمستر كلن، والمستر رايلي، والمستر سمرفيل)، ورأي الوزراء المعنيين بهم، وتوقف عند المدارس الطائفية في الموصل، ودعوة وزير المعارف الشهرستاني لإنشاء مجلس للنظر في منهاج الدراسة، ومدرسة أبناء الشيوخ، ومباشرة ساطع الحصري العمل في وزارة المعارف، وسياسة المعارف في العراق، وتطوير دار المعلمين، ورفع مدة الدراسة، والمدارس الأهلية، ومدارس الأوقاف، والنشاط اللاصفي في المدارس، والتدريب العسكري فيها، والمدارس الأجنبية، والدراسات العالية، وكانت خمسة، هي : مدرسة الحقوق، ودار المعلمين العالية، وجامعة آل البيت، والكلية الطبية، ومدرسة الأركان.

وانتقل للحديث عن البعثات الدراسية خارج العراق، ولم تقتصر الدراسة في الخارج على ما أخذت ترسله وزارة المعارف من الطلاب، بل إن عددا من أغنياء البلاد أخذ يرسل بأبنائه إلى الخارج للدراسة على نفقته الخاصة، وأدرج أسماء من تضمنتهم تلك البعثات حسب السنين مع ذكر التخصصات، وأعطى نبذة مختصرة عن (لجنة مونرو)، أو لجنة الكشف التهذيبي، وهي لجنة أمريكية قدمت إلى العراق سنة 1931م برئاسة الدكتور بول مونرو لوضع خطة مثلى تنفذ تدريجيا من قبل وزارة المعارف، وقد باشرت اللجنة عملها حال وصولها، وقد رافقها الدكتور محمد فاضل الجمالي، وقدمت تقريرها إلى الوزارة التي قامت بطبعه سنة 1932م باللغتين العربية والانكليزية، وقد أشاد مدير اللجنة الدكتور مونرو في رسالة إلى وزير المعارف الحاج عبد الحسين الجلبي بإمكانية الدكتور فاضل الجمالي وقدرته (من جميع الوجوه على القيام من الوجهة الإدارية بتحقق كل توصية من التوصيات) التي قدمت، كما (يستطيع أن يقدم مشورة سديدة لتحقيقها كافة)، واقترح بصورة خاصة (أن يوجه إلى الدكتور عبء المباشرة بتطبيق التشكيلات الإدارية، ويحتمل أن يقوم بالوقت نفسه بوظيفة وكيل مدير التنقيب، حتى تتمكنوا من الحصول على رجل قدير مدرب) .

وأضاف المؤلف لكتابه أربعة ملاحق مهمة، هي دليل حفظ النظام والانتظام في المدارس الابتدائية، والكتاتيب أو مدارس الملالي، وأجوبة الأسئلة الموجهة لبعض المربين (الأستاذ عبد الرزاق إبراهيم، الدكتور داود الجلبي، الأستاذ صديق القادري، الأستاذ أحمد أمين، الأستاذ كاظم شكارة، الدكتور محمد صديق الجليلي)، وملاك وزارة المعارف في سنة 1920 1921م في عهد وزير المعارف السيد محمد علي هبة الدين الشهرستاني .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

 

1195 marimصدرت حديثا عن دار عدنان للطباعة والنشر والتوزيع بغداد - شارع المتنبي رواية النوارس المهاجرة.. رحلة الموت الرواية للكاتبة والشاعرة العراقية مريم لطفي الالوسي

تقع الرواية في 160 صفحة من القطع المتوسط، وهي تروي قصة عائلة عراقية تسكن في احدى محال بغداد ذات النسيج الاجتماعي الرائع الذي يضم تحت كنفه جميع الطوائف بعيدا عن الجنس واللون والعقيدة حيث تصحو تلك العوائل صباحا على الصوت الفيروزي ورائحة الخبز الحار والقيمر البغدادي الشهير.. تلك العوائل التي عاشت كجسد واحد من امد بعيد، ولكنها تصطدم بوباء الارهاب الذي يتفنن من اجل تدمير الحياة ..تقرر العائلة الهجرة عبر تركيا لتلتقي مصادفة بعائلة سورية عانت هي الاخرى الامرين للوصول الى نفس المكان للوصول الى جزر اليونان للحصول على لجوء في احدى دول الاتحاد الاوربي تلك الرحلة الشاقة التي صاغتها الكاتبة باسلوب سردي مميز، وقد ذكرت جميع التفاصيل  التي عصفت بالشارع العراقي والسوري من تفجير الى سلب الى مخيمات للوصول الى بر الامان..

1194 pics048صدر عن دار ومكتبة عدنان/ المتنبي- بغداد 2017، كتاب جديد للدكتور إبراهيم الحيدري المعنون "الثابت والمتحّول في الشخصيّة العراقية"، وهو دراسةُ سوسيولوجية للتغيرات البنيوية التي حدثت للشخصيّة العراقية خلال العقود الأخيرة حتى عام 2003.

لقد عانى العراق على مرِّ التاريخ  الكثيرَ من التسلّط والظلم والاضطهاد، الأمر الذي جعل الشخصيَّة العراقيَّة في مدٍّ وجزرٍ وتغيّرٍ وتذبذُبٍ، ومن أجلِ ذلك يصعُبَ الحديث عن السمات الثابتة للشخصيّة العراقيَّة في جميع المراحل التاريخيَّة. وعلى الرَّغم من ذلك توجد خصائص وسمات أنثروبولوجيّة واجتماعيَّة ونفسيّة، تكون قاسماً مشتركاً بين أكثر العراقيّين، تجمع الأَنَا والنحنُ في وحدة تكامليَّة. وإذا لم تكن هذه السّمات قَطعيّة ونهائيَّة، لا يمنعنا ذلك من تعميمها على أكثريّة أفراد المجتمع العراقيّ.

يحتوي الكتاب على مقدمة وثلاثة فصول: يتضمن الفصل الأول إشكالية الثقافة في العراق وعلاقتها الجدليّة بالشخصيَّة؛ لأهميتها الاستثنائيّة في هذه الظروف المعقّدة، التي يمرّ بها العراق بعد الرِّدَّة الحضاريّة، التي تعرّض لها في العقود الأخيرة، محاولين شرح مفهومات الثقافة وتعريفاتها المتعدّدة، ودور سياق التثقيف في التنشئة الاجتماعيَّة، وتأثيرها في بِنية الشخصيَّة، إلى جانب ما تلعبه الثقافة من دور مهمٍّ في تشكيل الذهنيَّة، ومنظومة القِيَم والمعايير وقواعد السلوك والعمل والتفكير وتأثيرها على الناحية المزاجيَّة. وإذا كانت الثقافة تمثّل الوجه الآخر للمجتمع، فتأثير المجتمع على الثقافة لا يقلّ أهميَّة. فالشخصيَّة لا تنمو ولا تتطور إلّا من طريق الحياة الاجتماعيَّة، بوصف الإنسان كائنًا اجتماعيّا، يتأثّر في الظروف الاجتماعيَّة المختلفة ويؤثّر فيها. كما يبحث المؤلف في العلاقة بين الثقافة والسلطة  والايديولوجيا وعسكرة المجتمع من قبل النظام السابق بحيث لم يعد المواطن سوى ذاكرة حربية لا غير.

وفي موضوع الشخصيَّة؛ قدّم المؤلف تعريفات عديدة لمفهوم الشخصيَّة، مركّزا في أحدث النظريات الاجتماعيَّة والنفسيّة المعاصرة، مثل: نظرية فرويد وأدورنو وأريش فروم وغيرهم. وكذلك على العلاقة الجدليَّة بين الوراثة والمحيط، وتأثيرهما على شخصيّة الإنسان، وعن أهمّ الدراسات والبحوث التي درست الشخصيَّة العراقيَّة والعربيّة، ولاسيّما دراسات عليّ الورديّ وجمال حمدان، مؤكدين على دور النظام الأبوي البطريركي في تشكيل العقلية العراقية المنقسمة على ذاتها وكذلك على مفهوم الشخصيَّة المتسلّطة كما جاء عند أدورنو، وعلى مفهومي الساديّة والمازوشية كما عند أريش فروم.

ويتضمن الفصل الثاني دراسة سوسيولوجية للشخصية العراقية ومعرفة سماتها الثابتة والمتحولة إضافة الى دراسة مقومات الشخصية وعناصرها المادية والمعنوية. وفي مقدمة الخصائص والسمات الثابتة نسبيا للشخصية العراقية انها شخصيّة حيّة وحضرية بنّاءة، وانفعالية مسالمة بطبيعتها، ولها قدرة على الصبر، وقدرة عالية على التكيّف مع الظروف. وقد بقيت الشخصية العراقية حتّى منتصف السبعينيّات من القرن الماضي في طريق تكاملها من حيث الاستقرار والثبات والتوازن بين مكوّناتها وعناصرها؛ بسبب التحديث والتقدّم الاجتماعيّ النسبيّ، الذي واكب تطوّر الطبقة الوسطى في العراق. غير ان التغيرات والتحولات البنيوية التي حدثت لها بسبب سياسة النظام الشمولي السابق وسلسلة الحروب المدمرة وأهوالها ومن ثم الحصار الجائر الذي كسر هيبة الدولة وشوّه شخصيّة الفرد العراقيّ وهيّأ لاحتلاله وإذلاله، أحدث خللا وانكساراً  في  الشخصية العراقية  وسبب جروحا سيكولوجية عميقة جعلها منقسمة على ذاتها الى واحدة متسلطة قمعية(سادية) وأخرى عاجزة نكوصية(ماسوشية).

وبالإضافة الى ثنائية التسلط والخضوع، فان من خصائص العقلية(الذهنية) العراقية هي انها عقلية ماضوية وذات نزعة تغالبيَّة جداليَّة وكذلك عقلية انفعاليّة مزاجيَّة ومغتربة. وباختصار هي عقليّة منقسمة على ذاتها تعوزها الفردانيّة والاستقلاليَّة الذاتية والتحرّر من الأنا والآخر.

ان التحولات البنيوية التي رافقت تأميم النفط وتزايد وارداته والانتقال الى الدولة الريعية حوّل الدولة الى مشروع سلطة للهيمنة على الفرد والمجتمع ومن ثم على الثروة والمعرفة والثقافة التي قادت الى عسكرة المجتمع وتطويع الافراد والمؤسسات وتحويلهم الى مجرد آلات بيد السلطة. وان ثنائية التسلط والخضوع تبقي العلاقة المتبادلة بين الفرد والسلطة محصورة في قدرة المتسلط على اشباع حاجات الخاضعين لسلطته, وهذا ما يقوي "استراتيجية" الهيمنة والخضوع. فبسبب الخوف والرهبة من التعرض لمزيد من القمع والقسوة يندفع الأفراد بقناعة او بدونها, الى تبني آيديولوجية السلطة والاقرار بشرعيتها, وهي بدورها توفر لهم فرصا للتعويض عن بؤسهم وحرمانهم بما تعرضه عليهم من وظائف وامتيازات, التي هي في ذات الوقت اعتراف رسمي بوجودهم وتقديرا ذاتيا بقيمتهم المفقودة, ويدفعهم الى الاندماج اكثر في التوجه الآيديولوجي والخضوع للسلطة والقبول بان يكونوا أدوات في خدمتها.

ويبحث الفصل الثالث في التغيرات البنيوية التي طرأت على الشخصية العراقية في العقود الأخيرة . مؤكداً على ان جرى في العراق ويجري من تغيّرات بِنيَويَّة هي بسبب التَّرِكة الثقيلة التي تركها النظام السابق التي جعلت العراق يعاني خرابًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا، وانهيارًا قيميًّا وأخلاقيًّا، فضلا عما عاناه ويعانيه من قمع وفوضى وتفكّك. وإنَّ ثقافة العنف والصراعات الاجتماعيَّة والنفسيّة التي تراكمت، بفعل الحروب والحصار والاستبداد  ثُمَّ الغزو الاحتلال، ستستمر لسنوات لا يعلم أحد بما ستخلّفه وراءها من آثار وخِيمة على المجتمع والشخصيَّة العراقيَّة.

    لقد ألقى الغزو والاحتلال عام 2003 حجرًا كبيرًا في البركة الراكدة، فعصف بها وحرّك أمواجها بقوّة، وجعلها تتلاطم يمْنةً ويَسْرة، وهو ما دفع بالترسّبات المطمورة في القاع إلى أن تطفو على السطح. ولهذا نستطيع القول: إذا كانت الشخصيَّة العراقيَّة قد انقسمت على ذاتها في العقود الأخيرة على واحدة متسلّطة قمعيّة وأخرى خاضعة نكوصيّة، فإنَّها أصبحت مفككة ومشوّهةً، وفقدت بذلك أغلب سماتها الأصيلة. وان الردة الحضارية التي أصابت المجتمع العراقي وأرجعته للوراء الى ما قبل تأسيس الدولة العراقيَّة، كانت لها نتائج وخيمة على الفرد والمجتمع وعلى مستقبل العراق.

abduljabar alrifai2تشتدّ الحاجةُ لدراسة الأديان ومقارنتها في الحوزات وكليات الدراسات الدينية، لأنها المعاهدُ المسؤولةُ عن التكوينِ العلمي والتربيةِ الدينية لتلامذتها، وتأهيلِهم لممارسة تدريس الدين وتبليغه والكتابة فيه، وإدارةِ الشأن الديني، وهي مهمات ذات أثر هائل في بناء الحياة الروحية والأخلاقية في المجتمعات، وكلّ تعصّبٍ أعمى في فهمِ الدين وتفسيرٍ عنيف لنصوصه المقدسة من شأنه أن يبدّد الحياةَ الروحيَة ويهدر الحياةَ الأخلاقية.

وكانت حوزةُ النجف سباقةً في العصر الحديث في التعرف على الأديان الابراهيمية، فقد كرّس الشيخُ محمد جواد البلاغي "1282 – 1352هـ" جهودَه لنقد اليهودية والمسيحية، بالعودة إلى التوراة والأناجيل والتنقيب عن التحريفات الغريبة عن الروح الوحيانية فيها. وعلى الرغمِ من ريادةِ البلاغي في تدشينِ هذا الحقل البالغ الأهمية في الدراسات الدينية، غير أن المنهج الكلامي هيمنَ على كتاباتِه، ففرض عليها أن تتحدث لغةَ المتكلمين، وتحاكي استدلالاتِهم ومحاججاتِهم على إبطالِ دعوى الخصم، لذلك لم تتحرر مقارناتُه للأديان الابراهيمة من منهج المتكلمين الدفاعي النقدي، فكان يُنقّب في نصوصِ الديانتين اليهودية والمسيحية عن المنحولِ والمحرّفِ واللامعقولِ.

لكن المسارَ الذي دشنه البلاغي توقف ولم يتواصل في الفترة اللاحقة، اثر عدة عوامل، لعل أبرزَها تغلبُ دراسة الفقه وأصوله على الدراسة والتدريس في الحوزة، والافتقارُ إلى التكوين في اللغات الأخرى، وما تعرض له رجالُ الدين والحوزة من تهجير وقمع وحصار جائر من نظام الحكم في العراق.

وفي حوزة قم استطاع صديقُنا السيد أبو الحسن نواب أن يؤسّس جامعةً للأديان والمذاهب، تتسع لدراسةِ وتدريسِ ومقارنةِ الأديان الابراهيمية وغير الابراهيمية، باعتماد كتبها المقدّسة ومدونات أتباعها، بل اهتم السيد نواب بالبحث عن متخصصين من رجال هذه الأديان خاصة، لتعليم كتبها ومدوناتها، فدعى مثلاً للتدريس يهودّياً ايرانياً متخصصاً في التلمود لتفسيره للتلامذة الذين يدرسون الأديانَ الابراهيمية في جامعته.

وهنا تأتي أهميةُ كتاب السيد وليد البعاج، وهو رجل دين ينبغي أن نحتفي بشجاعته، إذ يحاول أن يمضي لوحده في مغامرة قد تقلّص فرصَه مستقبلاً، لأن ما يؤثر في مصائر الدارسين ويفرض مكانتَهم الدينية في الحوزة هو تكثيفُ دراستهم في مجال الفقه وأصوله، وعدمُ تبذير أوقاتهم في أي مجال آخر.

ربما ينزعج من مبادرة البعاج بعضُ زملائه من رجال الدين، وهم يرونه يمضي عدة سنوات متفرغاً لدراسةِ عزرا، والتعريفِ بأهمية دوره كمؤسّس بعد النبي موسى للديانة اليهودية. غير أن السيد وليد كان يدرك أن مثلَ هذه الدراسة لم تعد اليوم هامشيةً أو ثانويةً، يضيعُ فيها عمرُ التلميذ كما قد يتوهمُ بعضُهم، ذلك أن كلَّ من يتخصص في دراسة الفقه وأصوله عليه أن يتعرف على فقه وأصول المذاهب الأخرى داخل ديانته، ويتعرف على شرائع الأديان الأخرى، والابراهيمية منها خاصة، وكيف أن اتساعَ حقل هذه الدراسات في الحوزة وكليات الدراسات الدينية من شأنه أن يضيء للدارسين المعانيَ الروحية والقيمَ الأخلاقية الكونية المشترَكة بين الأديان، ويبين أثرَ ذلك في وعي رسالة الأديان في العالم، وفتحِ قنوات التواصل والتفاهم بينها، بالشكل الذي يمكّنها من العيش معا في فضاء التنوع والاختلاف.

لم ينصرف الباحثُ في هذا الكتاب لنقد معتقدات اليهودية أو الردّ على مقولاتها المركزية، كما هو الحال في الكثير من كتابات دارسي الأديان من رجال الدين، بل كان مسكوناً بالتعرفِ عليها من كتبها المقدسة ومدوناتها، والكشفِ عمّا هو وحياني فيها، بوصف الأديان الابراهيمية تنتمي لعائلة إيمانية واحدة، لأنها تؤمن معاً بالله، وتتوحد في رسالة كونية مشتركة، وتقوم على قيم أخلاقية انسانية كلّية، وتستقي من منبع إلهي واحد، وإن وحدتَها تتّسع للتنوع، وتنوعها لا يتنكّر للوحدة.

الجميلُ في الكتاب أن المؤلفَ ظلّ يحاول، في موارد متعددة، التفتيشَ عن محطات اللقاء بين الأديان الابراهيمية - أو "الدين الابراهيمي" على وفق المصطلح الذي يفضله في تسميتها - ليكشفَ عن الجسور المشتركة بينها، ويُذكّر بالأبعاد الايمانية والمعاني الروحية والقيم الأخلاقية الكونية لهذه الأديان. ولم يهتم المؤلفُ بما ينبش ذاكرةَ حروب هذه الأديان، وما يختبيء في أرشيفاتها من كراهياتها. وكأنه في كلّ ذلك ينشد الكفَّ عن ثنائية أنا / أنت، والانتقال إلى الـ"نحن"، على وفق رؤية البابا فرنسيس في ترسيخ معنى "الـعائلة البشرية"، بوصفها مقصداً إنسانياً أسمى يكشف عن الغاية العظمى لكل الأديان.

وشدّد الباحثُ على ضرورة الارتقاء بالحوار بين الأديان، والانتقال به من الكلام المكرّر إلى اعتماد القيم الأخلاقية والانسانية، والبناء عليها بوصفها أسساً للبحث العلمي في دراسة الأديان والحوار بين أتباعها. وفي ضوء موقفه هذا رفض مواقفَ كلّ من يستخفّ بمعتقدات دين آخر أو يسفهها، وسوغ ذلك بأن التفكيرَ في كلّ ديانة يمتلك حججَه وأدلتَه وقناعاتِه داخل تلك الديانة، ولا تصحّ مناقشةُ هذه الحجج والأدلة والقناعات من دون أن ينخرطَ المناقشُ في أفق تفكير الديانة ويستوعبَ نصوصَها وتراثَها.

وفي محاولة منه إلى تطبيق منهجه الذي أوضح فيه أن كلَّ الآراء محتملةٌ، حسب منطق البحث العلمي، تنبه الباحث إلى أهمية إعادة المناقشة فيما اشتهر بين مفسري القرآن في قضية رفع النبي عيسى للسماء حيّاً، فأشار إلى بعض الآيات التي يمكن أن يستفاد منها احتمالُ موت عيسى، ثم رفعه للسماء بعد فترة.

وأود أن أشهد للكاتب بأنه بذل جهداً يستحق الثناءَ في أن يكون أكثرَ حياداً وأقلَّ تحيزاً، ما أمكنه ذلك، مع ضرورة التنبيه إلى أنه يصعب أن يظلّ الباحثُ محايداً في كل معالجاته، فكيف إن كان ذلك الباحثُ رجلَ دين، تشبّع بمناخات ديانته ونذر كلَّ حياتِه لها.

ولا أريد أن استقرئ المواردَ التي أصاب تفكيرَه فيها شيءٌ من الوهن أحياناً، واكتفي بالإشارة هنا إلى مثال واحد،كان فيه الكاتبُ وفياً لمخيلته أكثرَ من وفائه لمنهج البحث العلمي، عندما قام بمقارنة بين السبي البابلي لليهود والسبي الكربلائي. وهي مقارنةٌ متكلفة، تفشل حقائقُ التنقيبات الأثرية ومعطياتُ الجغرافيا التاريخية في التدليل عليها.

 

عبد الجبار الرفاعي

....................

* من تقديم لكتاب: "عزرا في الديانات الابراهيمية". تأليف: وليد البعاج. الكتاب تحت الطبع.

 

1193 enayat"البندقية بوابة الشرق" كتابٌ تاريخيٌّ مترجَم صادر عن "مشروع كلمة" في أبوظبي، يعيد بناء العلاقات التاريخية بين الشرق والغرب، استنادا إلى الشواهد التاريخية ووثائق الأرشيفات والإبداعات الفنية، بأسلوب رصين سلس. وهو من تأليف الإيطالية ماريا بِيا بيداني وترجمة المصري حسين محمود ومراجعة التونسي عزالدين عناية. الكتاب يوفّر أسسا متينة لتأصيل العلاقات المزدهرة بين جانبيْ العالم، من خلال عرض توثيقي مفصّل للصلات الرابطة بين المدينة العائمة، البندقية، والدولة العثمانية. عارضا التطورات التي أدت إلى قيام جمهورية البندقية والعوامل التي ازدهرت في ظلها الدولة العثمانية.

وباعتماد السرد الزمني لتطور العلاقات بين البندقية والدول الإسلامية، تذهب الباحثة الإيطالية إلى أن الدولة العثمانية، في الفترة التاريخية التي يغطيها الكتاب، كانت الممثل الأبرز للعالم الإسلامي. كما تعالج هذه العلاقة في العصور الوسطى، وهي الحقبة التي شهدت انتشار الإسلام وازدهار البندقية. تراوحت فصول الكتاب بين معالجة مظاهر الاتصال الأولى مع الشرق، والاهتمام بالدبلوماسيين والمبعوثين المشارقة، تلا ذلك حديث عن البنادقة في الشرق، فضلا عن نظير لذلك للمسلمين في البندقية. يلقي الكتاب الضوء على الكثير من التأثيرات الشرقية في ثروة البنادقة الفنية، ويحيط بأوجه التبادل بين الشرق والغرب، على الأصعدة التجارية والسياسية، وعلى الأصعدة الإنسانية أيضا، بما يؤسس لقراءة في التاريخ الحضاري جديدة وعميقة.

....

البندقية بوابة الشرق

تأليف: ماريا بِيا بيداني

ترجمة: د. حسين محمود

مراجعة: د. عزالدين عناية

الناشر: كلمة، أبوظبي 2017.

 

نبذة عن المؤلفة: ماريا بِيا بيداني، جامعية إيطالية متخصصة في تاريخ الدولة العثمانية وخبيرة في الأرشيفات. درّست تاريخ الدول الإسلامية، وهو المجال الذي تركزت فيه مجمل مؤلفاتها.

نبذة عن المترجم: حسين محمود، جامعي مصري يدرّس اللغة والآداب الإيطالية في القاهرة. صدرت له جملة من المؤلفات والترجمات.

نبذة عن المراجع: عزالدين عناية، جامعي تونسي يدرّس في روما، ترجم وراجع أكثر من خمسين عملا من الإيطالية لفائدة "مشروع كلمة" الإماراتي.

 

saleh alrazuk2في مجموعة (نوبات شعرية) لصالح الطائي الصادرة عن دار ليندا في السويداء بسوريا في خواتيم عام 2017، قراءة أفقية للمشاعر. ويمكن أن تقول إن هذه القصائد هي فورة وجدانية. أو بتعبير القاص المعروف قدري العمر إنها (حديث من القلب إلى القلب). وهو حديث بنبرة مرتفعة وصوت جهوري يصلح للمنابر والإنشاد. لذلك لا توجد في القصائد، التي يبلغ تعدادها (55) قصيدة، أحكام سلطانية أو مواقف للفذلكة والتأمل والتناقض مع حكمة الوجود أمام حكمة العدم. ولكن يتحكم بمجملها عدد من الخصال.

أولا- إنها قصيرة ومحكمة السبك. وأطول قصيدة في محور الموضوعات الوطنية لا تزيد عن 125 كلمة.

ثانيا- لا تحتاج لإعمال ذهن لفك ألغازها وحواشيها كما جرت العادة في الشعر الكلاسيكي الجديد أو شعر الحداثة. فالمعاني واضحة، وتعوم فوق الكلمات والعبارات. أضف لذلك سهولة المفردات. وأنت لا تحتاج لقواميس لا في الفلسفة ولا في اللغة لتفهم الأهداف والمدلول كما هو الحال عند أدونيس أو الجواهري على سبيل المثال.  فعلى الرغم من انتماء كل واحد منهما لعالمه يوجد ولع للتراشق بالأفكار الغامضة والكلمات الصعبة التي لا نستعملها في حياتنا العادية. ناهيك عن الرموز والإشارات العالمة التي يغلب توفرها في شعر أدونيس. وربما لا يوجد من كسر احتكار اللغة في شعر الحداثة غير حفنة قليلة وفي مقدمتهم محمد الماغوط. فلغته البسيطة لا تسقط في السذاجة، ويعوض عنها ما هو غير متوقع في علاقة المفردات ببعضها  البعض وبالصور والتراكيب. وهذا هو حال هذه الباقة من القصائد. إنها وجدانيات مبسطة وزاخرة بالنخوة وبالقدرة على الاتصال مع الوجدان العام لإنسان هذا العصر.

1192 salih

من ذلك قوله في مديح الحشد الشعبي:

فالحشد

قد رفع اللوا

والشعب هب جميعه

ومشى يطهر نينوى.(ص 25).

فقد كانت القصيدة متساهلة في اختيار المفردات لتسريع وتيرة الإنشاد والخطاب.

وقوله أيضا:

أفديك يا وطني الجريح

بأبي وولدي

والنسل. (ص 46).

ولاحظ هنا جمع ولد على ولدي وليس أولاد. واستعمال الفتحة مع السين في النسل لضرورة الموسيقا والإيقاع.

ثالثا- أنها رشيقة وسريعة الإيقاع. بمعنى أوضح إنها تخاطب الأذن مثلما تخاطب القلب. فهي تحشد المشاعر وتطرب أيضا. ولا أجد أي ضرورة لضرب مثال لأن سائر المجموعة مثال على هذه القاعدة الذهبية.

رابعا - ترادف شعر التفعيلة مع قصائد العمود كما هي الحال عند معظم إن لم نقل كل رواد الحداثة، ومنهم السياب ونازك الملائكة. وأعتقد أن هذا الموقف التوفيقي بين الأضداد ينم عن سلطة روحية لعراب الفنون عند العرب وهو الشعر.

خامسا- الجو العام للقصائد يستعمل أدوات النداء والتنبيه ربما لأن الخطاب موجه لجيل الأخوة والأبناء معا. أو لحقبتين هما الحاضر والمستقبل دون التفاتة حقيقية للماضي.  أما المضمون فهو تربوي بامتياز وعلى طريقة رواد التنوير والنهضة، وبالأخص أسلوب الترسل الذي خصص له أحمد أمين كتابه المشهور (إلى ولدي).  ومن القصائد التي تسير على هذا المنوال أذكر رسالة إلى ولدي (ص 31) و أمنية العراقي والأوغاد (ص 29)،  وناطور باب الجنة (ص 42)، ومن حقك يا ولدي (ص 48). ومع ذلك إن اللغة تخلو من المواعظ والإرشاد والنصيحة، وتقترب عمدا من النقد والتجريح والتسفيه.

مثلا يقول في قصيدة رسالة إلى ولدي:

اكفر بالأعياد

بالأرض

الجبل

الأوهاد. (ص 33).

ولتبرير موقفه يقول:

ما تسمعه يا ولدي

من قصص

وبطولات

أو أمجاد

هي أكذوبة مخمور (ص 33-34).

ولا يسعك أن لا تنتبه لنبرة النقد الذاتي والهجاء المباشر. ومن الأمثلة على ذلك قوله:

اليوم نحن أمة

نجانب الحق

وندمن الكذب (ص  38).

وقوله:

ونحن ناكرون

لا نشكر الكريم

ونكرم اللئيم (ص 39).

إلخ...

وتبقى لي إشارة هامة لا بد منها. أن هذه القصائد تنفخ بالنفير. إنها تستنهض الهمم، وتدغدغ الحواس الوطنية، وتدق على نداء الواجب، وتضع الانتماء للأرض وطبيعتها وإنسانها في المرتبة الأولى، وتفرض علينا أن ننتبه ونستيقظ، وأن نكون على أهبة الاستعداد.. بالعسكر (السلاح والجيش) وبالهوية (المطابقة بين الرؤية والإحساس أو بالتربية والتنشئة). ويختصر كل هذه العاطفة بعبارات مضغوطة ومقطرة وموجزة كقوله في قصيدة هزي إليك بجذع الوطن:

 سلاما لأرضك يا موطني

سلاما لصرحك

من مأمن (ص 36).

و لكن العدو أو الهدف في كل قصيدة هو نفسه. إنه الخطر الناجم عن العبث والفوضى. وربما ليس هذا غريبا على الشعر العربي المعاصر، وبالذات على موجات الشعر المعاصر في العراق. إنما الأمثلة السابقة كانت تدق طبول الحرب على بنية مركبة (أصدقاء في المبادئ وأنداد في الهوية مثل إيران)، أو أخوة في الهوية وأنداد في السياسة مثل سوريا. لقد كان العدو وهميا ومصطنعا وتخلقه إرباكات البروباغاندا.

والخلاصة. في قصائد صالح الطائي رؤية عامة وشاملة لمعنى العدو والهوية ولفلسفة الحرب. ويمكن اختزال كل شيء تحت عنوان واحد وهو عدونا الحضاري. والشواهد على ذلك كثيرة.

يقول في قصيدة  رتل تواشيح الهوى:

يا ما حضارات صنعت

وفيك  تاريخ ثوى (ص 26).

وفي قصيدة  يا أخوتي النيام  يقول:

يا غفلة يا أنت

والتاريخ يحكيك هوى (ص 42).

أو قوله في قصيدة أبحث عن فقيد اسمه وطن:

أبحث عن وطن

لا يشرب الدماء (ص 60).

إنها قصائد إنسانية، تنافح عن المبادئ وليس عن استراتيجية مؤقتة. وتدعو الإنسان للانتفاض على ما يكبل حرياته وما يسلب من وجوده أسباب السكينة والوئام والتراحم.  وبتعبير الدكتور رحيم الغرباوي في تقديم المجموعة: إن هذه الباقة من القصائد وعي يترك نفسه. ويتعالى على ذاته. (ص 13) وتعبير عن شعور داخلي صادق من الشاعر تجاه وطنه ومجتمعه وذاته.( ص 14).

 

د. صالح الرزوق

salam khadomfarajصدر بجزئين كتاب مهم في التأريخ المعاصر للمؤرخ الأستاذ رائد عبد الحسين السوداني.. والمؤلف ولد وترعرع ونشأ في مدينة الكوت وتشكلت ثقافته فيها وعايش اغلب الاحداث التي مر بها لواء الكوت (محافظة واسط) والتقى بالعديد من الشخصيات والرموز التي أثرت تأثيرا مباشرا او غير مباشر في صناعة الاحداث.. والتقى بأولاد واحفاد القدامى منهم وجادلهم وحاورهم.. كما استعان بالكثير من المراجع ودرسها دراسة مستفيضة وتفاعل معها سلبا وايجابا.. ومن مصادره وثائق معتبرة صادرة من جهات امنية في المحافظة ومنها مديريات التحقيقات الجنائية ودوائر امن في واسط وبغداد ومراكز شرطة..إضافة إلى  شهادات مكتوبة وشفاهية ورسائل ومذكرات منشورة وغير منشورة لسياسيين من الكوت ومن خارجها تتناول مرحلة تمتد من بدايات تأسيس الدولة العراقية ولغاية دخول القوات الأميركية بغداد عام 2003.. وبسبب ذلك وضع المؤلف عنوانا فرعيا لكتابه (المدينة بين احتلالين).. يعني بالأول الاحتلال البريطاني الذي أسفر عن تشكيل اول حكومة عراقية برئاسة عبد الرحمن النقيب.. ويعني بالثاني الاحتلال الأميركي الذي بدأ بما سمي بمرحلة بريمر ومجلس الحكم.. وانتهى بحكومة وبرلمان منتخبين انتخابا حرا وديمقراطيا وبرعاية أميركية واضحة..

في الفصل الأول من الجزء الأول يتناول المؤلف الفصول الأولى للحراك السياسي في العراق عامة وفي الكوت خاصة

ويقسمه لنوعين من الحراك 1/حراك سياسي ديني 2/وحراك علماني..

تميز الحراك الديني برفض المشروع البريطاني برمته ومقاطعة للانتخابات مما شكل قلقا لرجال الدولة الفتية ويأتي في مقدمتهم الملك فيصل وعبد المحسن السعدون وكان همهما التوقيع على المعاهدة العراقية البريطانية.. والحراك الديني المعارض ينتمي برمته الى رجال الدين الشيعة وكان تأثيرهم واضحا.. بل كبيرا.. اما الحراك العلماني فيتمثل بالحزب الوطني برئاسة جعفر أبو التمن والوطني الديمقراطي برئاسة الجادرجي وأحزاب أخرى كحزب الأمة والشعب وكما يقول الأستاذ السوداني بحق: ان كل تلك الأحزاب كانت ذات اعمار قصيرة ولم يكن لها غرس مؤسساتي..

وبين هذين الحراكين كان ثمة حراك عشائري مؤثر وفاعل.. والحراك العشائري كان حراكا سياسيا بكل معنى الكلمة.. وفي رأينا المتواضع [انه كان أبلغ تأثيرا وفاعلية ونضجا من الحراك العشائري في أيامنا هذه..(سلام)].. فطالما رفض قادة العشائر السياسة الضريبية العثمانية ودخلوا في معارك مع العثماني المحتل ووقفوا ضد التجنيد الاجباري وبعد ان تم طرد العثمانيين على يد الجنرال مود لم تغب العشائر عن الساحة ولم يغفل البريطانيون قوتها وتأثيرها..ورغم استقلالية القرار العشائري كانت العشائر بحاجة دائمة لحلقة وصل مع الحراك الديني تتفاعل معه وتوظفه لصالحها .. وينفرد رائد السوداني بقراءة نموذجية لنوعية الحراك العشائري يختلف تماما عن رؤية كل من درس تأريخ العراق الحديث.. إذا يقول.. [لا عجب ان تجد الزعيم العشائري وهو الاقطاعي بطبيعة الحال. تجده مرة مجاهدا ضد الاحتلال ومرة وزيرا او نائبا او عضوا في حزب علماني كعبد الواحد الحاج سكر وعلوان الياسري ومحسن أبو طبيخ.. كما انه ليس من العجيب ان تجد الشيخ بلاسم الياسين يشتري مطبعة لطباعة جريدة حزب مدني نكاية بحزب آخر.. او يتبرع بمال كثير لبناية مدرسة ثانوية.. ان الحراك العشائري وفق الأستاذ السوداني ممتد افقيا وعموديا على مساحة التأثير الاجتماعي.. والشيخ بلاسم الياسين (من الكوت) شأنه شأن بقية رؤوساء العشائر لم يستغن عن التفاعل مع الحراك السياسي فقد تبرع بأموال كثيرة لفقراء العراق رغم جبروته وإستغلاله لجهود الفلاحين... يقول المؤلف [لا أجد تداخلا في ان يكون رئيس العشيرة وبموقعه المالي (الإقطاعي) ان يكون سياسيا أيضا فالأرض سلاح سعى اليها السياسي فلماذا لا يسعى الرئيس العشائري الى السياسة ولديه أداة التأثير؟].. ص23.. لقد وصل الامر بالشيخ بلاسم (اليميني) ان يساعد الشاعر الجواهري(اليساري ) بمبلغ من المال.. !!كذلك فعل عبد الله الياسين (اليميني) بمساعدة ثوار فلسطين في الاربعينات.. ان هذا الازدواجية تعتبر غير مفهومة للمتابع من الخارج لكنها مفهومة لمن يعرف أسس التفكير السياسي المقترن بالدهاء الواعي إضافة الى المشاعر الحقيقية تجاه القضية الفلسطينية من جهة وتجاه أهمية الشعر سيما ان الجواهري قد امتدح الشيخ بلاسم بقصيدة رائعة مثمنا دوره في بناء مدرسة لأهالي الحي والكوت آنذاك..ومن المفارقات ان خصاما عميقا قد حدث بين الجواهري والياسين بعد ثورة تموز 58 بسبب انحياز الجواهري لقانون الإصلاح الزراعي .. بل وصل الامر الى قطيعة تأريخية بين عبد الكريم قاسم والجواهري بسبب التساهل في تطبيق قانون الإصلاح الزراعي ومجاملة الشيخ بلاسم من قبل السلطات على حساب الفلاحين المتضررين من عسف الاقطاع..

في الفصل الثالث يتناول المؤلف حصار الكوت الشهير والمعارك الباسلة مع الإنكليز وهزيمة طاوزند وهو القائد العبقري امام جحافل ثوار العشائر وقد نالت الكوت شهرة عظيمة جراء تلك المعارك والمواجهات وكتبت عنها الدراسات.. والمفارقة ان عشائر الكوت التي اتعبت العثمانيين أبان حكمهم وقفت مدافعة ضد الإنكليز معهم جنبا الى جنب!!

ورغم ان كل من المس بيل والدكتور علي الوردي وفؤاد جميل وغيرهم كثيرون عمدوا الى إعطاء صورة الانتهازي للعشائر..  ووصفهم بالمتقلبين يميلون حيث تميل الرياح مع القوي وتورد امثلة كثيرة اعتمدها الوردي.. لكن لرائد السوداني رأي آخر.. إذ يقول ان العشائر بقيت مصدر قلق وخوف للبريطانيين كما كانت بالنسبة للعثمانيين.. ويرى ان هزيمة الإنكليز في الكوت مرجعها صمود العشائر واندفاعهم والذي تفوق على دور الاتراك وبقي موقف العشائر من الإنكليز عدائيا صريحا في كل الأوقات.. ويورد اهزوجة طريفة للعشائر اثناء المعارك (شرناها وعيت باهيزة) وباهيزة منطقة تسكنها عشائر آل إزيرج وخفاجة.. يقول المهوال انهم  شاوروا باهيزة وكأنها سيدة عاقلة حكيمة في إمكانية التعاون مع الإنكليز وتسهيل مهمتهم.. فعجت وغضبت.. فما كانوا منهم إلا ان يطاوعوها ويمنعوا الإنكليز من العبور!!! ورغم جدية القول ان بعض هموم العشائر السلب والنهب والحصول على السلاح من خلال العصيان.. فإن للعامل الإنساني ومتطلبات الكرامة كانت من دوافع ذلك الصمود المذهل.. وملاحظتنا على فكرة الأستاذ السوداني.. ان كل الآراء.. (رأي المس بيل وعلي الوردي) تحمل جانبا من الصحة في بعض مفاصل النضال.. فالانتهازية موجودة والعقلانية موجودة (عند محمد الحبيب مثلا الذي أخذ درسا من هزيمة جيش الحبوبي في الشعيبة كما يبدو) والمصلحية الضيقة موجودة.. ولكن التضحية والمبدأية لم تكن غائبة أيضا.. فرؤساء العشائر قد يتوحدون في لحظة تأريخية معينة.. لكنهم ليسوا حزبا متجانسا ومنضبطا ومتوحدا على الدوام..

العلاقة بين الاقطاع والصرائف:

 في مقاربة دالة وعميقة يربط الأستاذ السوداني بين طبقة الاقطاع في الكوت وظاهرة انتشار بناء الصرائف (وهي بيوت من القصب بدائية تغلف بالطين شتاء) في كل من الكوت وبغداد.. ويعزو سبب الهجرة الى الظلم الفادح الذي أصاب الفلاحين حتى اوصلهم الى مرتبة الرقيق في العهد الملكي وامتد لا حقا ليحولهم الى جيل من الثوريين ساهموا في تأسيس الأحزاب الوطنية ومنها الحزب الشيوعي العراقي الذي يفرد له اكثر من فصل في تناول مفاصل كثيرة من نضاله وتضحيات كوادره وعوائلهم في الكوت خاصة وفي عموم العراق أيضا ويتناول بدايات التأسيس (وله رأي بهذا الصدد إذ يرى ان الأفكار الشيوعية موجودة في العراق والكوت قبل عام 34 عام تأسيس الحزب الشيوعي بكثير.. بل يرجعها الى عشرينيات القرن الماضي من خلال كتابات ونضال حسين الرحال ومحمود احمد السيد الروائي الرائد وامينة الرحال وغيرهم) والانشقاقات التي ضربته في الصميم ناهيك عن القمع المبرمج من قبل السلطات كافة سواء في العهد الملكي او في العهود التي تلت ثورة 58 وما سمي بالجمهوريات.

. يورد المؤلف مثالا على سؤال وجهه مسؤول بعثة صحية إنسانية لرجال الصرائف في بغداد وقد رأى أطفالهم يعانون من الامراض وسوء التغذية وسوء التهوية ويتناولون مياه واطعمة ملوثة ويلعبون في البرك الآسنة..  كان سؤاله. الم يكن البقاء في قراكم أفضل لكم من هذه الحياة الصعبة؟؟ فكان الجواب ان الحياة هنا على علاتها أفضل بكثير من العيش تحت ظلم الاقطاع واستغلاله!!!

ان الاقطاع كان يعمد الى اجبار الفلاح من خلال (الحوشية) وهم اتباع قساة القلب مسلحون بالهراوات والسكاكين او بالسلاح الناري يجبرون الفلاح على تسديد ما بذمته من ديون باهضة هي في الحقيقة جهده المسروق.. فوجد الفلاحون في صرائف مدينة الثورة والشاكرية والشعلة ملاذا لهم من بطش أولئك..

يعتبر الفصل الخامس من الجزء الأول من الكتاب افضل دراسة موضوعية ممكنة عن تأريخ الاقطاع في العراق . والكوت..ويتناول العلاقة بين رجال الحكم (وبعضهم اقطاعيون من الطراز الأول مثل رشيد عالي الكيلاني والوصي ووالده ).وياسين الهاشمي.. وبين رجال الاقطاع من رؤوساء العشائر. (مثل محمد الحبيب أمير قبائل ربيعة). والتعاون بينهم الى درجة المصاهرة والتخادم الاقتصادي والسياسي. ويرى الأستاذ السوداني ان للإنكليز مصلحة في رعاية وتنمية ظاهرة الاقطاع لإحداث شرخ بين رؤساء العشائر وتفتيت وحدتهم..من خلال دعم البعض على حساب البعض الآخر..

وفي الفصل السادس عرض لكل إمارات الكوت القبلية وعشائرها (زبيد وربيعة وشمر) ورؤساءها عجيل السمرمد ومحمد الحبيب وادوارهم في كل من معركة الشعيبة وثورة العشرين.. ثم الأدوار السياسية بعد تشكيل الحكومة الأولى وما تلاها من حكومات .... وثمة مساحة أيضا لدور الكرد والكرد الفيلية في السياسة وفي المجتمع..

الحزب الشيوعي العراقي:

 يتناول الفصل السابع نشأة وتأريخ الفكر الشيوعي والحزب في العراق وتأثير ثورة أكتوبر في روسيا على مجمل الحراك العالمي.. واهمية كشف بنود معاهدة سايكس بيكو من قبل البلاشفة على الوعي لدى الشبيبة في البلدان العربية.. ويفرد المؤلف مساحة كبيرة لدور حسين الرحال الذي يعتبره حنا بطاطو اول ماركسي في العراق وامينة الرحال التي تعتبر اول سيدة شيوعية وكل ذلك في عشرينيات القرن الماضي.. ويشير الى أهمية قراءة رواية محمود احمد السيد(الذي يعتبر رائد الرواية والقصة العراقية ) والموسومة بـ (جلال  خالد)..والتي سرد فيها تجربة الرحال في الهند وأوربا واطلاعه على الفكر الاشتراكي (السوشيلست) كما كان يطلق عليه آنذاك وقبل الاتفاق على ترجمة محددة للمفردة..وقد وصل الامر إلى إصدار اول صحيفة ماركسية (الصحيفة ) من قبل الرحال وجماعته.. كل ذلك كان إرهاصا بتشكيل الحزب الشيوعي العراقي..

أثمر حراك الماركسيين والمثقفين التقدميين المنضوين سابقا في حزب جعفر أبو التمن (الحزب الوطني) عن تشكيل ماعرف فيما بعد بالحزب الشيوعي عام 1934 ومن بين اهم قادته عاصم فليح ويوسف سلمان (فهد)..وفي شهور قليلة استطاع الحزب من تعبئة المظاهرات والإضرابات العمالية والتغلغل بين صفوف الفلاحين في كل من البصرة وبغداد والناصرية والعمارة وكان للكوت القدح المعلى في هذا التنظيم حيث انتشرت خلاياه في  مدينة الكوت وقضاء الحي معقل الشيخ بلاسم الياسين.. ومن ابرز الشيوعيين في الحي والكوت هاشم جلاب.. وعدنان يوسف الغربان وجليل الأطرش (وعطا الدباس وعلي الشيخ حمود اللذين اعدما لدورهما في انتفاضة الحي الشهيرة..ويورد المؤلف وصفا مؤثرا لساعة اعدامهما والذي تميز بشجاعة نادرة حيث نصبت المشانق في نفس المكان الذي كانت تنطلق منه التظاهرات (ساحة الصفا) وقد ارعبت رباطة جأش المعدومين جلاديهما وخصوصا الشهيد علي الشيخ حمود الذي توجه الى الجمهور مبتسما..الجمهور خيم عليه صمت الانتظار الرهيب وعندها صاح بصوت مدو : الشعب ما مات يوما/

وأبدا لن يموتا.. إن فاته اليوم نصر/ففي غد لن يفوتا...!.. ثم هتف.. المشانق لا ترهبنا. انا سعيد لأني اموت وضميري نقي..لقد شنق قبلنا كثيرون ونشنق نحن الان..لكن الفكرة التي نحملها ستبقى ولن يستطيعوا شنقها.. ثم هتف بصرخته المستقبلية: الوداع ياجماهير الحي الابطال.. ليسقط نوري السعيد وحلف بغداد والفناء للإقطاعيين..)..

يتحدث المؤلف وبإسهاب عن العوامل المؤثرة في انتشار الفكر الشيوعي في الكوت والحي وبقية مقاطعات اللواء.. منها الظلم الفادح لرجالات الاقطاع وتواطؤ السلطة الملكية معهم..وجود سجن الكوت الشهير وسجن قادة الحزب الشيوعي فيه لفترة ليست بالقصيرة ..ووجود فهد وزكي بسيم بين السجناء وبعضهم من الأهالي المتعاونين مع الحزب.. وانتفاضة سجن الكوت.. واعتمد المؤلف على شهادات لعزيز الحاج وباقر إبراهيم وجاسم الحلوائي.. وهم من القادة البارزين في الحزب والذين تسنموا مسؤولية التنظيم في الكوت لفترات متباينة.. ان تنامي الوعي الوطني والطبقي الذي ساهم فيه الشيوعيون المؤسسون أثمر عن بروز كوادر صلبة ونادرة المثال.. وكم تأثرت وأنا أقرأ نبذة عن نضال ابنة الكوت الرائعة الفنانة زينب (فخرية عبد الكريم) التي أغنت الذائقة العراقية بأدوارها في السينما والمسرح.. لقد قضت زينب بعيدة عن وطنها ومدينتها..  ومن الفصول المهمة التي تضمنها الكتاب/ الفصل الحادي عشر وبعنوان سجن الكوت وقد تضمن  محاور عدة منها / فهد في الكوت / عبد الجبار وهبي يتحدث.. باقر إبراهيم كان في السجن /

ويتناول الفصل الثاني عشر انتفاضة الحي ودور هاشم جلاب في التنظيم.. ومن الفصول المؤلمة فصل مراقبة حتى في النوم. وتقارير امنية تطلب إيقاف المراقبة والملاحقة لوفاة الشخص المعني..

ولم يهمل المؤلف الانشقاقات التي حصلت في الحزب وتأثيرها على التنظيم في الكوت. وكما يبدو ان تنظيمات الكوت كانت الأكثر تأثرا وتأثيرا في تلك الانشقاقات.. واهمها انشقاق مجموعة راية الشغيلة في الخمسينات والتي أحدثت شرخا في التنظيم لم يعالج الا بعد استلام سلام عادل سكرتارية اللجنة المركزية.. وخط جماعة آب.. والذي وجد بعد اعدام سلام عادل..  وقد حدث انشقاق رابع ومهم بقيادة عزيز الحاج وعرف ما سمي بالقيادة المركزية والتي رفعت شعار الكفاح المسلح متأثرة بأفكار جيفارا وماو تسي تونغ.. ويفرد المؤلف صورة باهرة لبسالة معين النهر الذي قاوم السلطات بسلاحه البسيط حتى قتل. وكم تمنيت لو عرج المؤلف الى موقف شقيقة الشهيد المغدور حياة النهر (ام سامر) والتي رثته بأجمل قصيدة نشرت في وقتها في جريدة التآخي.. مما كلف الجريدة الحصول على إنذار من وزارة الإعلام.. ويستمر المؤلف بسرد الاحداث حتى يصل الى ما سمي بالجبهة الوطنية واستمرارالمراقبة والتنكيل والقتل بكوادر الحزب سواء في الكوت او في العراق..

يتناول الجزء الثاني من الكتاب المقدمات التي سبقت ثورة 14 تموز 58 وتشكل جبهة الاتحاد الوطني والتي ضمت حزب الاستقلال والوطني الديمقراطي والشيوعي والبعث.كما تناول تأثيرات كل ذلك على الحراك السياسي والاجتماعي في الكوت .. وثمة قراءة لتشكل تنظيم الضباط الاحرار ودوره في اسقاط الملكية وما تبعها من انهيار الاقطاع وضرب جبروته من خلال قانون الإصلاح الزراعي.. ويتناول الفصل المعنون بـ (رجال واصلوا المسير) مسيرة الحزب الشيوعي في العراق والكوت من خلال شهادات ومذكرات ووثائق التحقيقات الجنائية والشرطة.. ويتناول أيضا  الانشقاق المصطنع الذي افتعله عبد الكريم قاسم في الحزب عند إجازته حزب داود الصايغ باعتباره الحزب الشيوعي في حين ان تنظيم الصايغ تنظيم هيكلي هش لا يتجاوز عدد منتسبيه بضعة انفار.. ويتناول أيضا الانشقاق الذي حدث في الحزب الوطني الديمقراطي وتشكيل جناح محمد حديد المنشق عن جناح الجادرجي.. ثم انهيار وتجميد الحزب بعد انقلاب شباط وضمور قوته تماما.. وانتهاء حزب الاستقلال بوفاة زعيمه  محمد مهدي كبة.. ويتناول الكتاب حركة حسن سريع التي كادت ان تطيح بحكومة البعث الأولى في عام 63... وحسن سريع نائب عريف منتم للحزب الشيوعي العراقي وقد تم إعدامه وكانت رباطة جأشه مضرب الامثال.. وقد قال بالحرف الواحد للقاضي الذي سخر من رتبته.. نحن لم نتحرك بثورتنا لكي نصبح رؤساء جمهورية.. بل لتخليص الشعب من حكمكم الفاشي.. ويتناول المؤلف عشرات بل مئات التصفيات الدموية التي طالت كوادر الحزب في العراق والكوت والتغييب والملاحقة لعوائل المشمولين بالتصفيات..  وقد كان لمحسن الرفيعي مدير الاستخبارات في زمن عبد الكريم دور سيء في تضليل الزعيم ولفت الأنظار الى خطر الشيوعيين مما سهل مهمة البعثيين والقوميين في الإطاحة بقاسم وقد كوفيء على ذلك بتعيينه متصرفا (محافظا) للواء الكوت فيما بعد..

يتناول الكتاب أيضا قضية الحرس القومي وتشكله بعد انقلاب شباط.. واهم المساهمين بتأسيسه في الكوت..  ومحاولة اغتيال قاسم التي رتبها فؤاد الركابي في الشهور الأولى للثورة وحركة الشواف وملابساتها والتحول التدريجي في دوائر الامن في العهد الجمهوري صوب الاصطفاف مع الرجعية التي عادت مؤثرة وجرى الاقتصاص من الشيوعيين الذين ساهموا يقانون الإصلاح الزراعي.. وقد بين المؤلف ان معظم من انتمى للبعث وللتيار الناصري في العراق والكوت انما انتموا لتضرر مصالح اباءهم الاقطاعيين فاختار الأبناء أبرز خصوم الشيوعيين (البعث) وتلك ملاحظة جديرة بالدراسة.. ويتناول الكتاب بشيء من التفصيل انشقاق عزيز الحاج وتشكل حزبين متخاصمين أحدهما يدعو للكفاح المسلح بقيادة الحاج والأخر يدعو للتريث وانتظار نضج الأحداث بقيادة عزيز محمد.. وقد انهار جناح عزيز الحاج المسمى بالقيادة المركزية للحزب الشيوعي بعد اعتقال أهم قياداته.. ويتناول الكتاب أيضا ما سمي بالجبهة الوطنية التقدمية وانخداع جناح عزيز محمد (اللجنة المركزية) بوعود البعث مما أدى لكشف تنظيماته وقواعده كلها للأجهزة الأمنية فكانت الضربة مميتة للحزب عام 78 وقد نال تنظيم الكوت الجزء الأكبر من التصفيات رغم بطولة كوادره وصمودهم.. ويتناول الكتاب أيضا ما سمي بخط آب بشيء من التفصيل معتمدا على مذكرات اهم رموزه باقر إبراهيم ومحاولة الحزب التقرب من سلطات عارف والانضواء للاتحاد الاشتراكي العربي تقليدا لما فعله ماركسيو مصر مع عبد الناصر.. لكن التجربة فشلت وعاد خط آب الى صفوف اللجنة المركزية..

يتناول الفصل السادس من الجزء الثاني بدايات تشكل الخلايا الأولى لحزب البعث في العراق والكوت وأهم رموزه.. والبعثيون الأوائل ومن انتمى للحرس القومي.. وثمة ملاحظة جديرة بالدراسة والاهتمام اتفق فيها تمام الاتفاق مع الأستاذ السوداني وهي ان الكثيرين ممن انتمى لحزب البعث كان  انتماؤهم رد فعل ضد الشيوعيين وقانون الإصلاح الزراعي الذي أضر بمصالح الاقطاع..وبعض من ادعى الانتماء للبعث او التيار القومي انما  إنتمى في الحقيقة لبقايا نظام نوري السعيد.. ولم ينتج البعث مفكرين افذاذ او مناضلين أشداء إلا ما ندر.. كان فيهم المخلص لعقيدته والنزيه.. ولكنهم قلة تراجعوا عن االتنظيم عند اكتشاف البعد الدموي في سياسات البعث.. ويتناول المؤلف بشيء من التفصيل الانشقاقات التي طالت البعث وما عرف بـ (البعث اليسار..) المقرب من البعث السوري.. والبعث اليمين (جناح البكر ـ صدام) وما جرت من تصفيات بينهما.. ويتناول أيضا الروابط السرية بين انقلاب شباط والمخابرات الأميركية بإعتراف علي صالح السعدي امين سر القطر حينها.. ويتناول وبالتفصيل أيضا تنظيمات البعث في مدينة الكوت وضواحيها واهم الكوادر البعثية فيها.. ودور محمد محجوب القيادي البعثي فيها (محمد محجوب عضو قيادة قطرية ووزير أعدم عام 79 خلال محاكمات قاعة الخلد الشهيرة). ويتناول الكتاب أيضا عملية إغتيال عارف السعدون البعثي القديم بأمر من صدام لشجاعته وقوله الحق امامه وتلك قصة طويلة مثبتة في الكتاب..

ويتناول الكتاب أيضا جريمة تسفير المئات من العوائل الى ايران بجريرة الانحدار القومي وكونهم من الاكراد الفيلية.. وتلك وقائع أحدثت شرخا في النسيج الاجتماعي لأهل الكوت.. وافتقر التسفير الى ابسط مباديء حقوق الانسان وكان بحق مجموعة جرائم بشعة...

ويتناول الفصل السادس أيضا حركة القوميين العرب في الكوت والعراق وأبرز رموزها عبد الاله النصراوي وحامد الجبوري وامير الحلو.. اما في الكوت فيعتبر جليل ياسر من أبرز كوادرها وقد اعتقل عدة مرات من قبل حكومة البعث الأولى والثانية.. ومن أبرز رموز الحركة سلام احمد الذي خطط لمحاولة انقلابية فاشلة.. وقد تحولت الحركة الى الماركسية ولها علاقات مع الجبهة الشعبية الديمقراطية الفلسطينية (جماعة نايف حواتمة).. اما الاتحاد الاشتراكي العربي الذي أسسه عارف فقد كان هيكليا تلاشى تأثيره مبكرا.. وتعتبر الحركة الاشتراكية العربية الأطول عمرا فما زال رئيسها عبد الاله النصراوي موجودا في ساحة العمل السياسي رغم ضعف تنظيمه الواضح..

في الفصل السابع يتناول المؤلف بدايات التأسيس لحزب الدعوة الإسلامية في العراق والكوت.. ويميل الأستاذ السوداني إلى الرأي القائل ان سنة التأسيس الحقيقية هي سنة 59.. وهنا اجده متفقا مع أطروحة السيد طالب الرفاعي في كتابه الأمالي.. ومن أبرز رموز حزب الدعوة في الكوت محمد عبد الهادي محبوبة وفالح الشلاه وعبد الأمير السبع وهادي جبار سلوم.. وقد سبقت الدعوة تنظيمات صغيرة تعتبر مقدمات لهذا التنظيم منها(المسلمون العقائديون) والفاطميون..

لكن تأثير الدعوة كحزب فاعل ومقلق للسلطات لم يبدأ الا في نهايات السبعينات حيث اكتشفت السلطات سعة قواعده الشعبية.. سيما بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران...

يتناول الفصل الثامن نشأة الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق والكوت ودور الزعيم الملا مصطفى البارزاني وإبراهيم احمد وجلال الطالباني ومن اهم رموز الحزب في الكوت حبيب نوري جباري واحمد البرزنجي وعبد الاله هدايت سعدي.. وحسن سهراب.. ويتطرق المؤلف الى انتقال العديد من كوادر الحزب من الكوت الى جبال كردستان وانضمامهم للبيشمركة بعد انهيار اتفاقية آذار.. لكن اتفاقية الجزائر الموقعة مع شاه إيران أطاحت بكل آمال أولئك الرجال ودفعوا اثمانا باهضة من استقرارهم وراحتهم بل قدموا شهداء وضحايا في حين تركتهم قياداتهم تائهين حائرين..

كتاب الأستاذ السوداني سفر مؤلم من اسفار النضال العراقي.. وجدت فيه وأنا أطالع كل حرف وكل كلمة وكل صفحة دماء ودموع أبناء شعبي واخوتي في الكوت والبصرة والناصرية والعمارة وبغداد.. وكل شبر من ارض العراق...

ملاحظاتنا:

الانطباع الأول عند الانتهاء من قراءة الكتاب وجدت ان المؤلف الأستاذ السوداني قد بذل جهدا متميزا في سرد تأريخ الكوت السياسي والإجتماعي منذ بدايات الاحتلال البريطاني للعراق والكوت بل رجع قليلا الى الأيام الأخيرة للعثمانيين ودورهم في إدامة زخم التخلف والجهل ومنع انبثاق الشعور الوطني العراقي وانعدام الخدمات والسياسة الضريبية الخانقة..ولم يكتف بالسرد التاريخي الموثق بل اعتمد التحليل الموضوعي لمجريات الاحداث بحيادية وعمق..

ثمة مبررات موضوعية لتحول بعض رؤساء العشائر من العداء للإنكليز الى التعاون معهم ومع حكومة فيصل منها خيبة امل محمد الحبيب امير ربيعة على سبيل المثال من اندحار جيش الحبوبي في معركة الشعيبة وكان مشاركا فاعلا فيها.. لكنه تحول بعد ذلك الى الامتناع عن المشاركة في ثورة العشرين بل التعاون مع الإنكليز مما حقق له مكاسبا اقتصادية ضخمة...

في حين ان بعض الرؤساء بقوا يشكلون قلقا للإنكليز وهنا يختلف المؤلف مع كل من المس بيل وعلي الوردي في إطلاق صفة الانتهازية لدى الرؤساء وتعميمها.. وفي مورد حديثه مع احد احفاد الشيخ عجيل السمرمد امير زبيد نتعرف على الرفض المستمر لكل العروض المغرية من قبل الإنكليز. اما موقفه المحايد في ثورة العشرين فمرجعه الى تقدير القوة القاهرة التي يمتلكها الإنكليز وكان له رأيا في تأجيل الصدام حتى تقوى شوكة العراقيين.. وقد استوقفتني ملاحظة من قبل أحد أبناء السمرمد بقوله ان آل السمرمد بقوا محايدين من حكومة البعث الأولى والثانية.. فلم يقاوموها ولم يساندوها.. في حين ان التأريخ يقول ان البعث قد استقطب من عائلة السمرمد بعض رجالاتها كاعضاء مهمين ومؤثرين ومنهم صلاح السمرمد الذي تسلم مسؤولية قيادية في الاتحاد الوطني للطلبة وهو تنظيم بعثي. وكان الشخص الثالث بعد كريم الملا ومحمد دبدب..  وهناك عضو قيادة فرع كربلاء في الثمانينات لا يحضرني اسمه الكامل لكنني أتذكر جيدا انه قد اغتيل من قبل عضو من اعضاء حزب الدعوة (معلم مفصول لأسباب سياسية) واسمه كريم وقد تم إعدامه ونشر الخبر في الصحف الرسمية وقتها..  وكل ذلك لا ينال من مكانة العائلة نضاليا واجتماعيا.. ولكنا أردنا تصويب ملاحظة الأستاذ السوداني التي استقاها من وريث هذه العائلة الكريمة..

عند ذكر اسم أولى السيدات اللواتي عرفن بالشيوعية ورد اسم سعدية الرحال.. ما اعرفه ان امينة الرحال هي اول سيدة اعتنقت الماركسية في العراق..  تلتها (نعيمة) زوجة ذنون أيوب القيادي الشيوعي والقاص الشهير..

اعتمد المؤلف على أكثر من سبعين مصدرا من المصادر المهمة ومنها كتاب حنا بطاطو وكتاب عزيز سباهي ومذكرت الجواهري وبهاء الدين نوري وباقر إبراهيم وجاسم الحلوائي وفريق الفرعون ومحمد سلمان حسن وقد منح هذا الاعتماد الكتاب صورة مشرقة لما تعنيه الموضوعية والدقة في تناول الاحداث..

في المقدمة التي كتبها الدكتور محمد تقي جون للجزء الثاني ثمة ذكر لصحيفة شيوعية تناولت مسألة التفكير بإسقاط حكم عبد الكريم قاسم من خلال انقلاب شيوعي.. ان هذا الموضوع تم تناوله بشكل سري للغاية من قبل سلام عادل مع بعض الضباط العسكريين وكان الاتفاق ان لا غدر مع عبد الكريم قاسم ابدا..لكن الانتهازي يونس الطائي رئيس تحرير جريدة الثورة وكان يدعي انه قاسمي الهوى والاتجاه كتب مقالة مثيرة ضد الحزب الشيوعي منددا بفكرتهم  ومقارنا بما حصل لكيرنسكي في الاتحاد السوفيتي.. قائلا إنه زعيم الشعب الخالد لا كيرنسكي العراق. وكانت مقالة مليئة بالتضليل والتحريض ضد الشيوعيين مما ألب الزعيم على الشيوعيين وجعلته يتحسب لكل حركاتهم وأهمل مراقبة القوميين والبعثيين فأطاحوا به.. وكوفيء يونس الطائي بعدم محاسبته او محاكمته..رغم قربه الشديد من دائرة قاسم..

في اعتقادي ان كتاب الأستاذ رائد السوداني (تأريخ الكوت السياسي) يعد مصدر مهم لكل من يتناول الموضوع لاحقا ويعتبر افضل وأهم كتاب صدر عن الكوت خلال هذا القرن، والقرن الذي سبقه....

 

سلام كاظم فرج

 

 

qusay alsheekaskarحين أقدّم لكتاب من تأليف الدكتور صالح الرزوق يحمل عنوان "جدلية العنف والتسامح دراسة في المشروع الإصلاحي لماجد الغرباوي" فإني اعرف جيدا أني أجد نفسي بين دارس قدير وأديب في الوقت نفسه هو الدكتور رزوق وبين صاحب مشروع أومنظّر وأديب هو الأستاذ ماجد الغرباوي لذلك عليّ من باب الموضوعية أن أوجز قدر الأمكان بما يعنيه الإيجاز من معان جليلة في جمل قليلة تليق أن تصف كتابا من كتب الدارس الباحث د صالح الرزوق.

لقد اعتدنا أن نطالع في دراسات النقاد والباحثين من حيث اهتمامهم بالمنهج التفسيري على حساب المناهج الاخرى وفي ذلك عقدة وأيما عقدة دافعها التستر على عيب المؤلف وعجز الناقد أو الباحث. والذي لفت نظري في هذا الكتاب أن المؤلف لا يقف مفسرا فقط شأن بقية الدارسين بل يقارن ويستنتج ويستبطن. لقد شرح لنا في مواضع وفسر ثم قارن بين فكر الغرباوي ومَنْ قبله أمثال محمد عبده والكواكبي ورشيد رضا وقاسم امين ثم استنتج أن الثلاثة الأول كانوا تنويريين لأنهم لم يقدموا حلولا ناجعة في حين أن هناك تقاربا بين خط قاسم أمين ومنهج الغرباوي من هذا ندرك جيدا أن الغرباوي هو إصلاحي حيث أن الإصلاحي يدعو للتغيير من خلال معالجة القضية أما التنويري فهو لا يصطدم وقد لا يجد حلا للمشكلة[1]

والحقّ أن المشكلة التي تناولها السيد الغرباوي هي قضية معقدة وحساسة تتمثل في كون الدين هو محورها الاساس حيث أشار الباحث الرزوق إلى أن هناك ثلاثة محاور عمل عليها الغرباوي في ترسيخ منهجه وهي:

- تجديد الفكر الديني.

- تحرير المرأة.

- وإنكار العنف ورفضه.

والحق إن هناك اساسيات في الدين يتفق عليها الجميع بخاصة في الدين الإسلامي وهي التوحيد والنبوة والقرآن والصلاة والصيام والحج.. أي الاصول والفروع التي يؤدي إنكار أحدها هدم الدين نفسه وتلك محاولة لم تقم من اي من المهتمين في الحقل الديني سواء الذين سماهم د. الرزوق بالتنويريين أمثال الكواكبي والإفغاني. أو من دعاهم بالمجددين كالسيد ماجد الغرباوي.

واللافت للنظر أن عمل الغرباوي وجهوده تنصبّ على ما نتمسك به نحن من إرشادات دينية وتوجيهات جعلها تزمتنا من حيث ندري أو لاندري بمثابة الأصول وتلك المعاني تتعلق بمسألة الديمقراطية والدين[2] أولا وقبل كل شيء. مع العلم أن الدمقراطيين الغربيين والإصلاحيين العرب لم يمسوا ثوابت الدين ولا علاقة لهم بها.إن جهود هؤلاء توجهت إلى قضايا فرعية تمثل أغلبها في الاقتصاد والمعاملات و لنا مثال واضح حول هذين الحقلين بقضية الإرث وإرث المرأة والزواج والطلاق وحق التعليم، وتولي المناصب، وولاية الأمر على المرأة.

1 salih

ومن خلال اطلاعي على بعض مؤلفات الباحث الغرباوي وكتاب د. الرزوق هذا الذي بين يدي أدركت أن البحث في الدعوة إلى التجديد تستند بالدرجة الأولى إلى عنصر الزمن الذي التفت إليه قبل أكثر اربعة عشر قرنا الإمام علي ع حين قال كما يروى عنه "لا تعلموا أبناءكم  على عاداتكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم " ذلك العامل الذي يؤثر سلبا أو إيجابا في قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية. إن ثوابت الدين سواء الأصول أم الفروع لا يمكن أن تتأثر بحركة الزمن .لا أحد يدعو إلى التغيير في مفهوم التوحيد وجوهر الصلاة والصوم بل لا أحد يسأل لِمَ جاءت صلاة المغرب بثلاث ركعات أوالظهر بأربع  أو لم وجب أن تُقرَأ  سورة الحمد في كل صلاة كما لا نجدمن يطالب ان يتقلص رمضان إلى عشرة  ايام أو يصبح أربعين يوما هذه ثوابت يقرها الدارس د. صالح الرزوق والباحث الغرباوي، لكن هناك الكثير في الأوامر – من غير الثوابت- يمكن أن يطرأ عليها التغيير بخاصة المباحات بعض هذه المباحات تتعلق بقوانين محلية مثل مسألة تعدد الزوجات، الزواج من المباحات وتبدو القضية مباحة في الدين الإسلامي ومحددة بأربع[3]. إن قضية الزواج وملك اليمين وردت في باب المباحات التي يمكن أن تناقش حيث أن المجتمع أصبح أكثر تعقيدا في العصرالراهن. الزواج مسؤولية يحتاج إلى متابعة واهتمام ومراقبة بل إن القدرة المالية  لم تعد تكفي وحدها لذلك ظهر في العراق قانون الأحوال الشخصية عام 1959 الذي يبيح زواج الرجل بامرأة اخرى شرط موافقة الزوجة الأولى وفي هذا العام صدر قرار من البرلمان التونسي بمنع تعدد الزوجات.والحق إن تلك الإجراءات وفق وجهة نظري أو  نظر الإصلاحيين أمثال د. الرزوق والغرباوي هي لا تمس جوهر الإباحة الذي هو الزواج بل في تقنينه وتنظيمه وجعله بجزئياته مواكبا للعصر ومتكيفا مع حركة المجتمع.

ولكي نعزز رأينا نستطيع أن نضرب مثلا آخر ورد في القرآن هو ملك اليمين أو الرق. لم يحرم الإسلام الرق لكنه لم يشجع عليه، وهو من باب المباحات، لنفرض الآن أن هناك حربين – لا قدر الله _ وقعتا الأولى بين دولة باكستان السنية والهند والحرب الأخرى بين دولة إيران الشيعية والولايات المتحدة الأمريكية من حيث الدين يحق للباكستان أن تعد الجنود الهنود أرقاء تبيعهم أو تطلب فدية عنهم أو يكونون عبيدا عند الجنود الذين أسروهم وكذلك تفعل إيران زد على ذلك أنه في غير الحرب لو أن تاجرا من الجزيرة العربية ذهب إلى بلد فقير ووجد عائلة هناك تبيع ابنها فمن حقه أن يشتريه ليصبح عبدا له أو ان شخصا اشترى من تايلند عدة نساء وصحبهن إلى بلده ليكن أماء له خادمات يمارس معهن الجنس ذلك الأمر، في الحالات السابقة، لم يمنعه الدين  لكن الأمر أصبح من ا لمحظورات لأن هناك قرارا امميا يمنع الرق.

إذن هناك منع وامتناع في دائرة المباحات التي درسها لباحث الرزوق من خلال مؤلفات الغرباوي إذ جئت في مقالي الموجز هذا لأوضحها وأعقب عليها حيث نجد المنع يتجسد في الشكل التالي:

أولا إجراءات من قبل الدولة نفسها تحدد مباحات الدين الرسمي للدولة نفسها سواء منعا أو تقييدا إذ يبقى المباح كما أمر به الدين كالزواج مثلا والتقييدأو المنع يأتي في تفصيلاته[4]، والإرث الذي يحق فيه للأب أن يحرم أحدأبنائه منه لكنهلا يحق له أن يساوي بين ابنته فيه وابنه [5]

ثانيا إجراءات أممية تمنع المباح كما هو في الرق وملك اليمين الذي أباحته الديانات التوحيدية الثلاث وجاءت قرارات الأمم المتحدة لتمنعه، وقد وجدت شبيها لذلك في الفكرين الشيعي والسني، عند الشيعة العمل في " الباب الثاني"ويتجلى الأمر في مسألة قطع يد السارق إذ يرى الشيعة أن قطع اليد يأتي بعد خمسة وعشرين شرطا، وعند السنة أيضا وإن لم يعلنوا عن ذلك لكن الدول السنية – باستثناء السعودية فقط وداعش- لا تمارس قطع يد السارق عملا بالباب الثاني وتكتفي بسجنه فقط.

الواقع إن هناك أمورا حيوية وجادة طرحها الكاتب والمصلح السيد ماجد الغرباوي في مؤلفاته ثم جاء الباحث القدير الدكتور صالح الرزوق ليناقشها ويحللها ويمهد لها بدراسة تاريخية واجتماعية موثقة في كتابه القيم" جدلية العنف والتسامح دراسة في المشروع الإصلاحي لماجد الغرباوي" وهو كتاب جدير بالقراءة لا يمكننا أن نفيه حقه في مثل هذه العجالة بل أترك ذلك للباحثين والمختصين في هذا الحقل.

 

د. قصي الشيخ عسكر

...............

[1] في الأدب يذكِّرنا قول د. رزوق عن الفرق بين التنوير والإصلاح بمحاولة الزهاوي حين كتب قصيدة من البحر الطويل مختلفة حرف الروي فهو تنويري ظن المشكلة في العروض أما السياب فهو إصلاحي لانه غير في نظام العروض والتفعيلة.

[2] حاول المرحوم  د. مصطفى جمال الدين وهوعالم دين معمم وباحث وشاعر أن يدعو في ثمانينيات القرن الماضي إلى نظرية ذات ثلاثة اضلاع هي: العروبة والإسلام والديمقراطية، وهذا نجده في مقدمة ديوانه الضخم المطبوع حينذاك في دمشق، لكن الشاعر جمال الدين لم يدخل في تفصييلات وشروح عن تلك النظرية بل هي أقرب ما تكون إلى فكرة أو رأي مطروح.

[3] هذا للناس أما الأنبياء فيستثنون من القاعدة تلك فلهم خصوصية مثل داوود وإبراهيم ومحمد عليهم السلام. وأظن أن اليهود منعوا أنفسهم من حيث القانون وليس الدين  تعددالزوجات في القرن الثالث عشر تمشيا مع  قوانين الدول الأوروبية التي يعيشون بين مجتمعاتها  كما إن هناك طائفة صغيرة مسيحية في الولايات المتحدة تقر تعدد  الزوجات ويستثنيها القانون الأمريكي.

[4] مع ذلك نجد الكثير من المسلمين يتحايلون على قوانين الدول الأوروبية التي منحتهم الأقامة والعمل والتجنس تلك القوانين التي وقعوا عليها كأن يتزوجوا من مثنى وثلاث خفية دون أن يسجلوا ذلك خشية من العقاب وأغرب من ذلك أن بعض علماء المسلمين في مصر وغيرها من الدول السنية افتوا بإباحة  زواج المتعة للمسلم المقيم في دولة أوروبية منمسلمة وغير مسلمة!

[5] كنت قد ناقشت في الدنمارك مع شيخ دين متنور فقال إن الرجل ياخذ الضعف وعليه أن يبني بيتا وينفق على زوجته والبنت تاخذ نصف الحصة وعندماتتزوج يبني لها زوجها بيتا ويصرف عليها فهما متعادلان لكن هذا كان في الماضي الآن هناك فرص عمل للمرأة وقضية الضمان الاجتماعي وامور أخرى كثيرة !

 

saleh altaei2صحيح أن بداياتي كانت أدبية بحتة، وأني قرأت الكثير من النتاج الأدبي العراقي والعربي والعالمي، وكتبتُ مقطوعات شعرية، ومقطوعات أدبية أخرى، استحسنها أساتذتي وأصدقائي، إلا أن تحولي إلى البحث في الشأن الديني، أبعدني كثيرا عن الأدب؛ إلى درجة القطيعة، أو قريبا منها بقليل، بعد ان شعرت أنني بحاجة ماسة إلى قراءة أفكار ورؤى المذاهب الإسلامية والأديان الأخرى، لأتمكن من الإلمام بالمواضيع التي سأكتب عنها، فوجدت نفسي أخوض بحرا لجيا لا قرار له، تتلاطم امواجه فتقطع الأنفاس، ولا يكفي العمر كله للإلمام بجميع جوانبه.

ثم بعد أن بدأت بالكتابة فعلا في الفكر الديني، وبعد أن أصدرت مجموعة من مؤلفاتي، تعقدت أموري أكثر، فتخليت كليا عن جميع أنواع الترف الأدبي، لأتفرغ كليا لمجال تخصصي، مع أني كنت أشعر بجذوة أدبية تتأجج في داخلي، تستعر أحيانا، فتدفعني مرة لأصوغ كتاباتي بأسلوب أدبي مستخدما الطباق والجناس والبلاغة، ومرة لأكتب مقطوعات شعرية سرعان ما أمزقها، ربما لأني أشعر بأنها دون المستوى المطلوب، ولا تملك قدرة مجاراة ما ينتجه الشعراء.

1189 saleh

ثم بعد أن أصدرت كتابي الثلاثين، وبعد ان أنهكتني القراءة والمتابعة والبحث، وجدت ثمة فسحة أدبية، كنت حينما ألج إليها في دقائق الاستراحة من الكتابة، أشعر من خلالها بنوع من القوة وتنشيط الفكر وتجديد الذاكرة، ونفض الكسل، وهذا ما شجعني على المتابعة حتى بدون إرادتي، حيث كنت أحيانا أتخلى عن القلم، واترك الموضوع الذي بين يدي لأدندن مع نفسي كلمات تشبه الشعر أو هي قريبة منه، وقد استمرت هذه الحال مدة من الزمن، أنجزت خلالها خمسة كتب أخرى، فشعرت أني قدمت مشروعي، ولم يبق سوى تقديم النتائج التي يكفي أن تحتويها أربع او خمس كتب أخرى، بمعنى اني أصبحت قريبا من سن التقاعد، ولكن حبي للعمل وممارستي للكتابة على مدى أكثر من أربعين عاما، أبيا أن اتخلى كليا، مع اني كنت أشعر بالوهن والتعب وربما العجز، فابتدعت طريقة جديدة وهي أنني حينما أشعر بمقطوعة شعرية تطرق عليَّ باب خلوتي وكأنها نوبة من نوبات التيه في المجهول، أبادر فورا إلى كتابتها لأعود إليها في أوقات راحتي، أشذب أغصانها، وأحسِّن كلماتها، وأتعامل مع اوزانها ومعانيها وموسيقاها.

في هذه المرحلة بدأت أعرض مقطوعاتي على بعض أصدقائي الشعراء مثل الدكتور محمد تقي جون والدكتور رحيم الغرباوي، فكانوا ينقدونها ويقومونها ويقترحون إبدال بعض الكلمات وحذف بعض الأبيات، لتتحول تلك المشاريع البسيطة بين ليلة وضحاها إلى قصائد ممكن أن ترى النور وتعلن عن نفسها دونما خوف ولا وجل.

هنا ارتأيت أن أجمعها وأطبعها، فجمعتها وطلبت من الأخ الدكتور الفنان مصدق الحبيب أن يصمم لي لوحة الغلاف، ومن ثم أرسلتها إلى دار ليندا في سوريا، لتخرج مجموعة أنيقة من 56 قصيدة في 159 صفحة تزين غلافها لوحة المبدع الكبير مصدق الحبيب.

أما بعد ذلك، بعد أن تم توزيع المجموعة، فأنا لست موقنا أني سأجازف بإصدار مجموعة أخرى، مع أن مادتها متوفرة تقريبا. لكن ربما سيساعدني على اتخاذ القرار النهائي موقف أصدقائي من الشعراء والنقاد الذين ارسلت لهم نسخا من المجموعة ووعدوني بالكتابة عنها بأقلام محايدة. 

 

صالح الطائي

 

 

عن دار المناهج للنشر والتوزيع في عمان ــ الأردن، صدرت الطبعة الورقية للمجلدات الثلاثة الأولى من الموسوعة الكونية الميسرة تحت العناوين التالية: " الكون أصله ومصيره" و" الكون الحي بين الفيزياء والميتافيزياء " و" الكون المطلق بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر"، وستليها خلال السابيع القادمة في بداية عام 2018، المجلدات الثلاثة اللاحقة تحت عناوين : " الواقع الظاهر والواقع الخفي في الكون المرئي" و" كون مرئي وأكوان خفية ــ نظرات في نظريات تعدد الأكوان " و" الكون المتسامي" . إلى جانب صدور كتاب " إله الأديان وإله الأكوان" قبل ايام عن دار نشر ميزوبوتاميا في العراق شارع المتنبي .

1186 jawad2

في كتابه الأول : " الكون اصله ومصيره"، يكاد لم يترك د. جواد بشارة نظرية أو افتراضا علميا أو حتى خرافة إلا وطرقه في هذا الكتاب الغني عن الكون. ولعله واحد من خير ما تم تقديمه باللغة العربية عن موضوع لا يتسم بالتعقيد والسعة فحسب، ولكنه مثير للجدل أيضا في كل مفصل من مفاصله.

والدكتور بشارة كاتب مرموق وذو خبرة طويلة في التأليف، ولكنه اثبت في كتابه هذا انه كاتب علمي من الطراز الرفيع ويستحق عمله أن يحظى بالثناء، حتى ولو اختلفت معه، أو وجدت مبررا لنقده.

فتلك هي طبيعة العلم، على أي حال، في موضوع ما تزال البحوث بشأنه في أولها.

ولقد جعل د. بشارة من عمله هذا مرجعا مبسطا وشاملا، من دون أن يضحي بالقيمة العلمية لمادته. وهو عرضها ليس من اجل أن يقدم "فتوى علمية" محددة، وإنما من اجل أن يضع أمام قارئه معظم النظريات والافتراضات والخرافات التي عالجت موضوع الكون وفهمنا له.

ولن يسع القارئ إلا أن يغرق به، ليس بفضل غناه المعرفي، ولكن بفضل لغته الرشيقة أيضا، والتي كشفت بحد ذاتها عن كاتب عميق الإطلاع.

وهو يفتح بهذا الكتاب أبوابا كثيرة لمعارف يكاد الكثير منا لم يسمع بها. كما انه إذ يثير أسئلة لا حصر لها تقريبا، إلا انه لا يترك قارئه حائرا دون أجوبة، وردود مضادة لها، إلا إذا كان العلم نفسه عاجزا.

يقول المؤلف في توطئته للكتاب:

إن أغلب الناس يعيشون أيامهم، ويقضون أعمارهم دون أن يفهموا العالم الذي يعيشون فيه. فمن النادر أن يفكر أحد بآلية تكون ضوء الشمس وأسبابه، في حين أن هذا الضوء هو العنصر الأساس للحياة على الأرض. ولا يفكر بالجاذبية التي تجعلنا ملتصقين بالأرض ولا نطير في السماء، ولا بالذرات التي تتألف منها المادة والتي نتكون نحن البشر منها أيضاً والتي يغدو استقرارها سبباً في وجودنا. ولا ينتبه أحد عادة إلى الطبيعة ولا يتساءل دائماً لماذا هي على هذا الحال، وهل يمكن للزمن أن يعود القهقري، وهل يمكن للنتيجة أن تسبق السبب والمعلول يتقدم العلة، وهل هناك حدود للوعي البشري والإدراك الإنساني والمعرفة البشرية؟ ناهيك عن التفكير بالثقوب السوداء وجغرافية الكون وطبيعة مكوناته، وما هو أصغر مكون مكتشف للمادة وهل هناك ما هو أصغر منه، ولماذا نتذكر الماضي وليس المستقبل، وكيف نفسر النظام الكوني القائم والعلم يقول أنه نشأ من الفوضى والعدم، وأخيراً وليس آخراً لماذا يوجد الكون؟ وهنا يقتحم المرء نطاق الماورائيات ومجال الميتافيزيقيا، ويلج المنطقة المحرمة التي تتحدث عن الله أو غيابه، ومحاولة الإجابة على تساؤل آينشتين: هل كان لدى الله الخيار في خلق الكون؟ وحاول العلماء من بعده سبر فكر الله وسر تفكيره.

ويبدأ المؤلف من طرح الأسئلة من أولها: ما المقصود بالكون؟

ويقول ان الكون، بلا شك مفهوم واسع ومعقد ولكن ما نقصده هنا هو المكان والزمان الموجودين في الفضاء الخارجي والقابلين للمراقبة والرصد والمشاهدة والخاضعين للقياس ولقوانين طبيعية وفيزيائية جوهرية، دون أن يكون فيه عناصر مطلقة، أي هو ذلك الجزء المرئي والملموس والمكون من مجموعة من الأكداس والحشود من المجرات الصغيرة والكبيرة، القريبة والبعيدة جداً، والتي تعد بالمليارات، وفي كل مجرة هناك مليارات النجوم والكواكب وغيرها من الأجرام والغازات والأغبرة الكونية. وما شمسنا سوى نجم صغير ومتواضع من بين 200 مليار نجمة في مجرتنا درب التبانة وحدها وربما أكثر من ذلك بكثير فهذا مجرد رقم تقديري، وكوكبنا ليس سوى حبة صغيرة ملحقة تدور في فلك الشمس من بين مليارات الكواكب السيارة التي يعج بها الكون، ولا تزيد عن جزء من مليار من قطرة ماء مقارنة بكميات مياه البحار والمحيطات في الأرض برمتها. ينبغي أولاً استعراض التطورات الأخيرة للكون وجذورها التاريخية. فموضوع ولادة الكون أو بدايته كانت موضوع نقاشات عديدة ومعمقة، وكان هذا الموضوع حكراً على الأديان، لاسيما الأديان السماوية المنزلة التي تتفق فيما بينها على صيغة أن الكون ولد في لحظة محددة في ماضي ليس بالبعيد ويترتب على ذلك ضرورة وجود "العلة الأولى أو السبب الأول" الذي يفسر وجود الكون. وقد قدرت الكنيسة الرسمية، استناداً إلى ما ورد في الكتب المقدسة، أن الكون ولد قبل خمسة آلاف سنة من ميلاد السيد المسيح كما جاء في سفر التكوين في العهد القديم، وهو الأمر الذي يختلف جوهرياً وكلياً مع التواريخ التي يقدمها علماء الآثار إلا إذا لجأنا إلى ما يمسى برمزية الأرقام والتواريخ وأن اليوم لا يعني بالضرورة اليوم الأرضي الذي نعرفه. سبق لفلاسفة كبار أن تصدوا لموضوع الكون مثل أرسطو وبطليموس وعمانويل كانط في كتابه "نقد العقل المحض" المنشور سنة 1781. وقد أشار عمانويل كانط إلى أنه قد يكون للكون لحظة بداية إلا أن هناك زمن لا نهائي سبقه وكان موجوداً قبله ومستقلاً عنه سماه بالزمن المطلق، أما زمن الكون منذ لحظة ولادته فهو الزمن النسبي. وقد علق القديس أوغسطين على تساؤل بهذا الصدد وهو: "ماذا كان يفعل الله قبل خلق الكون؟" فرد بسخرية: "ربما كان يحضر الجحيم للذين يطرحون مثل هذا السؤال".

وجاءت نظريات الفيزياء الحديثة لتقدم أجوبة تقريبية ونسبية ونظرية للبت في أصل الكون وعمره ومصيره منذ بدايات القرن العشرين أشهرها نظرية النسبية لآينشتين وما تلاها. وحدثت انعطافة تاريخية سنة 1929 عندما اكتشف العالم إدوين هيوبل Edwin Hubbleظاهرة توسع وتمدد الكون مما يعني أن محتويات الكون كانت قريبة لبعضها البعض في الماضي السحيق الذي يعود إلى 10 أو 20 مليار سنة وكانت كثافة الكون لامحدودة الأمر الذي أعاد موضوع عمر الكون وولادته إلى طاولة البحث العلمي البحت. ومن هنا برز مفهوم أو مصطلح الانفجار العظيم Big Bang، عندما كان الكون لا متناه في صغره ولا متناه في كثافته. وإذا قبلنا وجود "حالة" ما قبل الانفجار العظيم، ثابتة ومستقرة للكون، فهذا يعني بنظر القديس أوغسطين أن هناك كائنا خارج الكون هو الذي فرض عملية التغيير والحركة التي نشأت أياً كان شكلها وتسميتها لأنه لم تكن توجد أية ضرورة فيزيائية للتغير بدون محفز أو حافز عملي نسبه أوغسطين إلى الله. ثم جاءت النظريات العلمية في الفيزياء الفلكية لتقدم البديل العلمي للطرح والتفسير الثيولوجي أو الديني. وستكون هذه الأطروحات والمواضيع هي محتوى الكتاب مطروحة باختصار وتبسيط شديد قدر الإمكان لتكون أقرب للفهم والاستيعاب من قبل الجميع.

كما صدكتاب للكاتب والباحث العراقي المقيم في باريس منذ عقود طويلة الدكتور جواد بشارة كتاب علمي آخر عن دار المناهج للنشر والتوزيع في عمان ــ الأردن تحت عنوان " الكون الحي بين الفيزياء والميتافيزياء" الذي يأتي تتويجاً لبحث طويل ومضني استخدم أسلوب التبسيط العلمي، كرسه المؤلف لموضوع الكون ودراسته من كافة جوانبه وقد تكلل هذا الجهد في بصدور الكتاب الأول للكاتب تحت عنوان "الكون أصله ومصيره " الذي صدر سنة 2011 وأعقبه بكتابه الثاني الذي نحن بصدد عرضه اليوم ليكمل مشواره المعرفي وتقديمه بلغة سهلة وسلسة ومفهومة من قبل كافة مستويات القراء حتى ممن لم يمتلك خلفية علمية أو دراسات جامعية عليا أو متخصصة. تناول الباحث في كتابه الموسوعي هذا كافة المسائل الجوهرية المتعلقة بهذا الموضوع وكان تركيزه على الكون المرئي المرصود والموجود مادياً والذي نعيش فيه، والذي قام بدراسته بالتفصيل في كتابه الأول، ومن ثم حاول تجاوزه في هذا الكتاب لينطلق إلى آفاق أوسع وأبعد تتعدى اللا نهايات . فبعد أن محص موضوعة الكون المرئي تساءل بجرأة هل هو حقيقة أم وهم وقد كرس الفصل الأول لهذا السؤال ومن ثم عرج على الموضوع الأهم الذي يؤرق البشر ألا وهو الزمان الذي عده المؤلف اللغز الأهم في الكون المرئي، أي أنه ناقش موضوعة الزمان كما هي وكما نعرفها في إطار وحدود الكون المرئي المرصود في فصل كامل . ثم عاد ليبحث في أعماق هذا الكون المرئي واسراره في مقاربة جديدة حملت عنوان الكون المرئي بين البداية المفترضة والنهاية المجهولة . ولم ينس المؤلف التطرق إلى تطور الفيزياء وعلم الكون من نيوتن إلى آينشتين ويعالج موضوعات جديدة على القارئ العربي تمس المادة السوداء والطاقة المعتمة التي قد تكون سبباً في نهاية الكون بينما هي اليوم تقف وراء تفسير توسع وامتداد الكون كما يعتقد الكثير من العلماء الذين تناولهم المؤلف وناقشهم وعرض نظرياتهم. وفي خضم هذا الهم العلمي تقصى الكاتب مشكلة الوجود الانساني ونشأة الحياة وهل هي مقتصرة على الأرض أم يمكن أن تتواجد في أماكن أخرى في الكون المرئي وركز على علاقة البشر بالحضارات الكونية الأخرى المتقدمة علينا من خلال فصلين عن سر الاتصالات بين البشر والكائنات الفضائية الأخرى ومعادلة نحن البشر والآخرون في الفضاء الخارجي. ناقش كتابه الأول نظرية الانفجار الكبير من جميع جوانبها في حين نراه يتناول في كتابه هذا النظريات التي أعقبت نظرية الانفجار الكبير مع مايلزمها من معادلات ولغة رياضياتية قد تكون صعبة على بعض القراء. وتساءل بعد ذلك هل سيكون للكون المرئي نهاية وكيف ستكون تلك النهاية. لذلك أخضع الكون المرئي لرؤيتين تقليدية وتجديدية ليخلص إلى أن الكون المرئي ليس سوى مكون ميكروسكوبي بسيط من مجموعة لا متناهية من الأكوان وفق نظرية تعدد اكوان التي سيثبت العلم صحتها قريباً كما يعتقد الباحث . خاصة بعد كشف بعض ألغاز الكون المرئي التي لا تزال إلى حد الآن مستعصية على فهم وإدراك البشر في الوقت الحاضر. ولم ينس الكاتب مناقشة الأسئلة الجوهرية للكون المرئي ومعرفة ماهو ممكن وماهو مستحيل في فيزياء الغد ومن ثم إلقاء نظرة معمقة للكون المرئي قبل الانتقال إلى فيزياء ما بعد آينشتين اي فيزياء القرن الحادي والعشرين والبحث عن النظرية الموحدة والجامعة والوحيدة للكون المرئي لكشف ما فيه من غرائب وعجائب وتفسير كل ما يجري فيه من أجل الوصول إلى نظرية الكون الحي المطلق الواعي الذي يحتوي كل الموجودات والذي ليس له بداية ولا نهاية ولم يخلقه أحد بل هو خالق لكل شيء فكل شيء موجود في الوجود هو جزء منه ومن مكوناته الجوهرية بما في ذلك الحياة والوعي اللذان ليس سوى مظهر من مظاهر الكون الكلي الحي. كون الله الحي، أم كون الألغاز؟ الكون، ينكشف للمرة الأولى من مختلف أبعاده على يد هذا الباحث المتميز الذي يتسم بسعة المعرفة ولا يوفر جهدا من اجل أن يقدم أوسع خدمة ممكنة للقارئ. ولهذا السبب جاء كتاب الدكتور جواد بشارة ليس غنيا بتغطيته للنظريات العلمية وأحدث المستجدات على صعيد المعارف الكونية فحسب، بل انه كان فسيحا الى درجة انه شمل كل شيء، حتى انتهى الى كتاب يناهز نحو 750 صفحة، وذلك في دلالة على طبيعة وعمق الجهد البحثي الذي قدمه المؤلف. وفي الوقت نفسه، فان الموضوع مثير وشيق لكثرة الألغاز التي حاول الباحث الكشف عن تفاصيلها والمعارف المتصلة بها. بل انه لم يوفر حتى أكثر الألغاز إثارة للاستغراب. مع ذلك، فان المقاربة العامة للكتاب ظلت علمية ومنفتحة على أحدث التطورات، وآخر المعلومات التي قدمتها المختبرات ومراكز الرصد وكبريات مؤسسات الأبحاث الأوروبية والأميركية. وسيجد القارئ ان هذا الكتاب الملفت بحجمه، ملفت أكثر بسعة الإطار المعرفي الذي ينطلق منه. يقول المؤلف: "حينما نتحدث عن الكون فإننا إنما نتحدث عن أنفسنا وعن وجودنا ومصيرنا ومعتقداتنا، وكلما أوغلنا في البحث عن أسراره، تنتصب أمامنا مزيد من الألغاز والتحديات والتساؤلات، خاصة وأن بعض العلماء يعتقد جازماً أن ما نعرفه عن الكون ليس سوى جزء لا يذكر من الحقيقة الخفية التي تغلفه، وأن الجانب المرئي والمادي من هذا الكون، ليس سوى خلية من مليارات المليارات المليارات من الخلايا الأكوان، الدائمة الخلق والتجديد، كمثل الخلية البشرية في جسم الإنسان". وينقل المؤلف القول إن أحد كبار فلاسفة الدين المسيحي سئل: "ماذا كان الله يفعل قبل خلق البشر، أجاب الفيلسوف ورجل الدين المسيحي الشهير: "أنه كان يعد جهنم لمن يطرح مثل هذه الأسئلة". وكل ما فعله كتاب "الكون الحي"، هو انه قدم كل الاجوبة الممكنة على الكثير من تلك الأسئلة التي كان الله يعد جحيمه لمن يسألها. لقد ناقش الكاتب كل المسائل العالقة في علم الكون والفيزياء النظرية وعلى رأسها المسائل الخمسة التالية التي شكلت وتشكل التحديات الرئيسي التي تواجه الفيزياء النظرية اليوم فالتحدي الأول يتمثل بحل معضلة الثقالة الكمومية أوالكوانتية والتوصل إلى صيغة تجمع وتوحد بين نظرية النسبية العامة لآينشتين ونظرية الكم أو الكوانتا لتصبح نظرة واحدة ووحيدة يمكنها أن تقدم نفسها كونها النظرية الكاملة لتفسير الطبيعة . التحدي الثاني يكمن في حل المشاكل الأساسية أو الجوهرية لميكانيك الكم أو الكوانتا وذلك عن طريق إعطاء معنى للنظرية في حالتها الآنية أو كما هي عليها وضعها اليوم أو ابتكار نظرية جديدة يكون لها معنى مقبول ومتفق عليه. التحدي الثالث يتمثل بمحاولة توحيد الجسيمات المادية والقوى الجوهرية للطبيعة وعليه ينبغي تحديد فيما إذا كانت مختلف الجسيمات والقوى الفيزيائية يمكن أن تتوحد في نظرية واحدة تفسر كل شيء وذلك باعتبار الظواهر تجليات لكينونة جوهرية واحدة. التحدي الرابع يتجسد في قضية الضبط وشرح كيف يتم اختيار قيم الثوابت الحرة في النموذج القياسي أو المعياري لفيزياء الجسيمات ويكون الاختيار في الطبيعة. وأخيراً حل مشكلة الألغاز الكونية المتبقية مثل تفسير ومعرفة ماهية المادة السوداء أو المعتمة والطاقة الداكنة أو المعتمة ومعرفة كيف ولماذا تم تعديل الجاذبية أو الثقالة في المستويات الكبرى وبتعبير آخر أكثر عمومية محاولة تفسير سبب امتلاك الثوابت الكونية في النموذج المعياري للكوزمولوجيا، بما في ذلك الطاقة المعتمة أو الداكنة، للقيم الرياضياتية المعروفة اليوم . والتي سوف يطورها بالتفصيل في كتابه القادم كما صرح لنا بذلك.

ففي كتاب الكون الحي بين الفيزياء والميتافيزياء، رحلة يغوص فيها المؤلف معنا في أرجاء الكون الحي.

فالكون، ينكشف للمرة الأولى من مختلف أبعاده على يد باحث متميز يتسم بسعة المعرفة ولا يوفر جهدا من اجل أن يقدم أوسع خدمة ممكنة للقارئ. ولهذا السبب جاء كتاب الدكتور جواد بشارة ليس غنيا بتغطيته للنظريات العلمية وأحدث المستجدات على صعيد المعارف الكونية فحسب، بل انه كان فسيحا الى درجة انه شمل كل شيء، حتى انتهى الى كتاب يناهز نحو 750 صفحة، وذلك في دلالة على طبيعة وعمق الجهد البحثي الذي قدمه المؤلف.

وفي الوقت نفسه، فان الموضوع مثير وشيق لكثرة الألغاز التي حاول الباحث الكشف عن تفاصيلها والمعارف المتصلة بها. بل انه لم يوفر حتى أكثر الألغاز إثارة للاستغراب.

مع ذلك، فان المقاربة العامة للكتاب ظلت علمية ومنفتحة على أحدث التطورات، وآخر المعلومات التي قدمتها المختبرات ومراكز الرصد وكبريات مؤسسات الأبحاث الأوروبية والأميركية.

وسيجد القارئ ان هذا الكتاب الملفت بحجمه، ملفت أكثر بسعة الإطار المعرفي الذي ينطلق منه.

ويقول المؤلف: "حينما نتحدث عن الكون فإننا إنما نتحدث عن أنفسنا وعن وجودنا ومصيرنا ومعتقداتنا، وكلما أوغلنا في البحث عن أسراره، تنتصب أمامنا مزيد من الألغاز والتحديات والتساؤلات، خاصة وأن بعض العلماء يعتقد جازماً أن ما نعرفه عن الكون ليس سوى جزء لا يذكر من الحقيقة الخفية التي تغلفه، وأن الجانب المرئي والمادي من هذا الكون، ليس سوى خلية من مليارات المليارات المليارات من الخلايا الأكوان، الدائمة الخلق والتجديد، كمثل الخلية البشرية في جسم الإنسان".

وينقل المؤلف القول إن أحد كبار فلاسفة الدين المسيحي سئل: "ماذا كان الله يفعل قبل خلق البشر، أجاب الفيلسوف ورجل الدين المسيحي الشهير: "أنه كان يعد جهنم لمن يطرح مثل هذه الأسئلة".

وكل ما فعله كتاب "الكون الحي"، هو انه قدم كل الاجوبة الممكنة على الكثير من تلك الأسئلة التي كان الله يعد جحيمه لمن يسألها.

وبمناسبة صدور كتابه الثالث تحت عنوان " الكون المطلق بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر" عن دار المناهج للنشر والتوزيع في عمان ــ الأردن، ألقى الدكتور جواد بشارة محاضرة جريئة تحت عنوان " الله بين العلم والدين من منظور عقلاني . في الندوة التي نظمها المنتدى العراقي في باريس قبل بضعة أشهر بعد صدور كتابه بطبعته الورقية والذي حمل عنوان :" الكون المطلق من اللامتناهي في الصغر إلى اللامتناهي في الكبر" في نهاية ديسمبر 2017، افتتح الباحث الدكتور جواد بشارة محاضرته بمقولة عزيت إلى العالم الفيزيائي العبقري الشهير ألبرت آينشتين في بدايات القرن العشرين تقول: الدين بدون علم أعمى والعلم بدون دين كسيح، وهو ما يبرر اختياره لعنوان هذه المحاضرة الله والكون جدل العلم والدين، ومن ثم أضاف شهادة من تاريخ الصراع الكنسي مع العلم من مشاهد محاكمة العالم الكبير غاليلية غاليله على يد محاكم التفتيش من خلال اعلان غاليلو غاليله الأليم وتراجعه تحت تهديده بالموت عن موقفه أما طغيان وجبروت الكنيسة وهو يقول: أُمرتُ من قبل هذا المجلس المقدس ـ المجلس الكنسي البابوي ـ بالتخلي كلية عن الرأي " الكاذب" الذي يؤكد مركزية الشمس وثباتها، كما أمتنع أيضاً عن التمسك والدفاع عن تعليم ونشر أو بث تلك النظرية الكاذبة أو الزائفة بأي شكل من الأشكال وأنكر وألعن وأبغض كافة الهرطقات والأقوال الخاطئة، إن كانت أقوال أخرى، أو دعوات أو طائفة تخالف قول الكنيسة المقدس". لكنه ردد مع نفسه بحزن شديد وهو يعود لزنزانته :" ومع ذلك إنها تدور" أي الأرض التي رفضت الكنيسة حركتها واعتبرتها ساكنة في مركز الكون.

ولقد تناول المحاضر النظريات العلمية المتعددة، من فجر القرن العشرين إلى اليوم، لتفسير الكون والخلق والنشوء وأصل الحياة والكون، من خلال محاور مركزة بدأها بمقدمة تاريخية عامة عن خلفية الصراع الفكري بين الدين والعلم بخصوص عملية الخلق. ثم تناول الباحث موضوعاً حساساً وممتعاً لخصه بعنوان:" الكون بين الأطروحة العلمية والأطروحة الدينية، تطرق فيه لرؤية الأديان كما وردت في الكتب المقدسة المساوية والوضعية لمسألة أصل الوجود ونشأة الكون منذ الحضارات القديمة في سومر وبابل مروراً بظهور الأديان المنزلة وأطروحتها عن الخلق الإلهي المباشر كما عرضتها التواراة والأناجيل والقرآن، وما يقابلها من طرح علمي مادي بحت حيث تبلورت الرؤية العلمية بهذا الصدد منذ أواخر القرن السادس عشر إلى أوائل القرن الحادي والعشرين، منذ نظرية كوبرنيكوس وكبلر وغاليليو الى آينشتين وستيفن هاوكينغ مروراً بنيوتن . وكان محور الندوة الثاني قد حمل عنوان:" الإنسان بين إله العلم وإله الدين وخوفه من المجهول" والذي استعرض فيه الباحث كافة نظرية أصل الحياة وتطورها على الأرض وفي أرجاء الكون المترامية الأطراف منذ فجر الإنسانية إلى يوم الناس هذا. كما ركز الباحث الدكتور بشارة على مفهومي المطلق والنسبي وأشار إلى أن كل شيء في العالم نسبي عدا سرعة الضوء فهي ليست مطلقة بل ثابتة لا تتغير في محيط الأرض ونظامها الشمسي وربما في بعض مجرات الكون المرئي فحسب ولا وجود للمطلق إلا في الفكر الثيولوجي وهو الله، وهي نفس الرؤية تقريباً في الساحة العلمية حيث كل شيء نسبي إلا الكون الكلي فهو المطلق الوحيد. وذلك من خلال سلسلة من المفاهيم والمقولات المتصارعة من قبيل هل الكون أبدي، سرمدي وأزلي وغير مخلوق أم العكس، وهل هو ثابت وساكن أم متغير ومتحرك، وهل الكون مخلوق من أجل الإنسان أم العكس ومن هو الأسمى بينهما وفي هذا تتعارض الرؤيتان الدينية والعلمية أيضا. فالدين يتناول أسئلة تقع خارج نطاق العلم كما يقول الباحث الدكتور بشارة، ويشير إلى أن الدين يسأل عن السبب ــ أي عن لماذا ــ وذلك بافتراض وجود هدف خفي لايعرفه أحد سوى السماء ومن يسكنون فيها، في حين يسأل العلم عن الكيفية أو الطريقة ــ الكيف ــ ولا يعتمد العلم على فكرة وجود هدف خفي في الطبيعة لذلك ترك هذه المهمة للدين والفلسفة.

لقد ركز المحاضر الباحث الدكتور جواد بشارة على حقيقة وهي أن الأبحاث والتجارب التي تجرى والأسئلة التي تطرح في مجال الفيزياء النظرية وعلم الكونيات، تملك القدرة على تغيير فهمنا ونظرتنا للعالم من حيث بنيته وتطوره والقوى الأساسية أو الجوهرية التي تسيره وتحركه وتقودنا إلى معرفة طبيعة المادة والطاقة المكونة له، سواء أكانت مرئية أم مظلمة أو سوداء، إذ أن التفكير بالعلم وبالطريقة العلمية من شأنه، كما يقول الباحث، أن يقدم تصوراً علمياً وليس خرافياً للكون وما فيه، فالعلم يؤثر هنا، باعتباره انعكاساً موثوقاً به للعالم الخارجي والقواعد التي تحكم العالم المادي، بعبارة أخرى، يأتي العلم هنا كآلية منهجية للبحث وتقصي الحقائق وكشف قوانين الطبيعة عن طريق التجربة والملاحظة أو المشاهدة والرصد والتحليل وإعمال العقل والوعي للتأمل والمقارنة والشك بغية الوصول إلى اليقين. وعلى النقيض من ذلك فإن كافة الأديان تؤمن بوجود قوة غيبية ما ورائية تستدعي الإيمان بها بلا قيد أو شرط وهي القوة الإلهية الخارقة والفائقة للبشر، يلزم طاعتها وعبادتها باعتبارها الخالقة والحاكمة للكون وما فيه . ولذلك فالدين من وجهة النظر الميثولوجية هذه، هو عبارة عن مجموعة من المعتقدات المتعلقة بمسببات الكون وطبيعته والهدف منه والغاية من خلقه، على يد قوة خارقة، سامية متعالية فائقة للبشر، وبالتالي ينطوي ذلك على الطاعة والإذعان للشرائع والطقوس التعبدية، ووضع قواعد أخلاقية تحكم العلاقات الإنسانية يلزم الخضوع لها وتطبيقها لاعتبارها شرائع منزلة لاخيار للبشر في التعامل معها سوى تقبلها على علاتها وتنفيذها حرفياً من هنا يمكننا القول على حد تعبير المحاضر، أن الأساليب والأهداف والمناهج الخاصة بكل من العلم والدين مختلفة جوهرياً، فالعلم يتناول الحقيقة المادية في حين يتناول الدين الحاجات والرغبات البشرية الاجتماعية والنفسية .

ومنذ بداية المحاضرة تحددت الخطوط العامة للمقاربة من خلال سؤال ما هو الله؟ وما هو الكون؟ ومن الذي سيقودنا باتجاه حقيقة كل منهما، العلم أم الدين؟

وبعد التعاريف العلمية والقاموسية التي قدمها الباحث لكل من العلم والدين، قال : ومنذ أن بدأ الإنساني البدائي يعي ويفكر ويتساءل، نشأت في عقله الفكرة الميثولوجية الغيبية أو الماورائية التي تبلورت إلى صيغ وعقائد أو معتقدات دينية، ولم يكن العلم قد ولد بعد للتعامل مع التساؤلات الوجودية التي طرحها الإنسان على نفسه وما يزال يطرحها إلى يوم الناس هذا. وأردف قائلاً " تقول الأسطورة الدينية، نقلاً عن أحاديث نبوية، توراتية وإنجيلية وقرآنية، أن الله مجد العقل واعتبره أثمن وأفضل ما خلق من الخلق أجمعين، ولكن ماهو العقل؟ إنه ملكة التفكير الموجودة في الدماغ البشري، وهي القادرة على الإدراك والاستدراك، التفكير والتأمل، الفهم والاستجابة، التحليل واتخاذ القرار. وتقول الدراسات العلمية أن العقل البشري الأولي أو البدائي راقب الطبيعة وظواهرها وتأمل فيها، واهتدى إلى اختلاق الأساطير، وصدقها، وأخضع نفسه لقدرات مكوناتها ومواصفاتها وخصائصها الخارقة.

استعرض الباحث الجذر التاريخي لنشوء التفكير الديني عند البشر حيث كان أجدادنا في حقبة ما قبل التاريخ البشري، في العصر الحجري وما قبله، في فترة ما عرف بالإنسان النياندرتال، أول من صدم بظاهرة الموت، وأول من بادر إلى دفن الأموات بصحبة طقوس ابتكروها، وكانوا مرعوبين من الموت وفقدان الأحبة دون أن يدركوا لماذا يموت الإنسان خارج دائرة الصراع من أجل البقاء حيث يمكن أن يسقط بين أنياب وحش مفترس، أو ضحية لكارثة طبيعية أو حادث ما. ما نعرفه اليوم عن تلك الحقب هو أن البشر كانوا يضعون في قبور ذويهم من الأموات، عدداً من الأدوات والأسلحة البدائية والملابس والأطعمة الضرورية للاستمرار في " رحلة ما بعد الموت" لمساعدتهم على اجتياز مغامراتهم الغامضة والخوض في اللغز الكبير الذي ينتظرهم فيما وراء جدار الحياة. وكان ذلك بمثابة تجسيد لأمل ميتافيزيقي. وقد تم اكتشاف آثار تدل على ذلك في مغارات منتشرة في ربوع أوروبا وآسيا ولكن علماء الانثروبولوجيا لا يعرفون الكثير عن أساطير إنسان النياندرتال. من الواضح أن هؤلاء البشر الأوائل صمموا أو ابتكروا نظاماً معيناً من المعتقدات يوفر لهم نوعاً من الاطمئنان والسكينة، يقنعهم بأنهم يمكن أن يقهروا الموت أو يتغلبوا عليه دون أن يفلتوا منه، وذلك بالذهاب إلى ما وراء الموت. وهذا يعني أنهم توصلوا إلى أن عالمهم ليس عبثي أو فوضوي بل هو عالم محكوم بقوى غيبية غير مرئية، ومنظمة، وحيث يمكن للإنسان، بطريقة ما، وببعض الممارسات، التعرف عليها، وربما تطويعها لخدمته. واعتقد أنه يمكن أن يناشد تلك القوى عن طريق ممارسات تدل على خضوعه وانصياعه لها كتقديم القرابين، حيث تم العثور على آثار لتلك الطقوس في الكهوف والمغارات المكتشفة مؤخراً ويعود تاريخها إلى 250 ألف سنة قبل الميلاد. إن خوف البشر من ظواهر الطبيعة الغامضة جعلهم يبحثون عن حلول لتلك الألغاز في قصص نسجوها وصرنا نسميها اليوم أساطير.

فالأساطير قديمة بقدم الإنسان نفسه كما يقول خبير الأساطير جوزيف كمبل. والأساطير حية في الأذهان والعقول إلى يوم الناس هذا، وتشكل الأسس والدعائم التي تستند إليها جميع الأديان المعاصرة، السماوية منها والأرضية، وتمنحها قوتها وتأثيرها على عقول البشر، منذ آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وبوذا إلى أنبياء العصر الالكتروني اليوم. الأسطورة كما نوردها هنا ليست مرادفاً للفنتازيا أو الحكاية الخرافية، أو هي تلك التي تتضمن أكاذيب وقصص مختلقة، بل على العكس، هي تعني هنا، بتعريفها الكلاسيكي المستمد من جذرها الإغريقي، "الكلام"،légende لكنه كلام يتم التعبير عنه بسلطة وقناعة لا تقبل الجدل أو الدحض. الأسطورة حسب كمبل تكشف لنا كيف نكون بشراً، وتكشف لنا أهم ما في أعماقنا من حقيقة. وإن قوة الأسطورة تكمن في التفسيرات غير المحدودة التي يمكن أن تعطى لها، وفي قوة رموزها وكناياتها ومجازاتها وامتداداتها الشمولية التي تربطنا بجوهرنا وبأهم ما في أعماقنا بطريقة يعجز معها المنطق والعقل وحدهما القيام بذلك. وحسب هذا التعريف، يتعين على الأديان أن تقوم أو تبنى على الأساطير إذا أرادات أن تقول للإنسان شيئاً جوهرياً. وبهذا المعنى يمكننا أن نقول أن قصة المسيح أسطورة حتى لو كانت موجودة كحقيقة تاريخية لكنها اتخذت أبعاد الأسطورة. الموت هو الذي دفع الإنسان للتفكير، والخوف منه هو الذي حثه على البحث عن حماية منه عبر الآلهة والأديان والقوى الخفية.

عندما أعلن الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه سنة 1885 عبارته الشهيرة" لقد مات الله " فهو يعني أن الله لم يكن موجوداً في الواقع، وليس أنه وجد ومات، بل يقصد موت فكرة الله أو الوجود الإلهي في أذهان البشر، في فترة ساد فيها الفكر العقلاني وبزغ فيها عمالقة الفكر العالمي في القرنين التاسع عشر والعشرين كماركس وداروين وفرويد وجيمس فرازير ولودفيغ فيورباخ وبرتراند رسل وسبينوزا وديكارت وروسو وجان بول سارتر وبالطبع نيتشه. فهذا الأخير اعتبر فكرة الله قديمة مستهلكة من قبل الأديان السماوية وليست سوى أثر من الماضي، وهو ماضي ليس علمياً قطعاً، تجاوزته الإنسانية في عصر الثورة الفكرية والصناعية التي بدأت منذ أواخر القرن السابع عشر. وبعد أن دخل العالم مرحلة التحولات الجوهرية والثورات الفكرية والعلمية والتكنولوجية، ارتفع مستوى التعليم والتربية وترسخ مفهوم حرية التعبير والمعتقد وتوفرت شروحات وتفسيرات مادية لألغاز الوجود بالطرق العلمية وفقدت الأديان بريقها وقدرتها على الإقناع، واختفى تألقها، ومعها خفتت صورة الله في رؤوس البشر، وعادت نغمة الصراع بين الدين والعلم

والحال أننا نعيش اليوم في مطلع القرن الواحد والعشرين حالة معاكسة فلم يتقهقر الإله أمام تلك الهجمة المادية ـ العلمية. فبالرغم من الانجازات التكنولوجية والعلمية في الألفية الجديدة التي خلفت عصر الأنوار ما يزال الدين، والنزعة الروحانية، يعيشان حالة من الازدهار والعودة المظفرة التي عرفت إعلامياُ بالصحوة الدينية. ولو كان نيتشه وأترابه يعيشون هذه الظاهرة لقالوا أن عودة الله للحياة هي انتصار للجهل على العقل لأنهم مقتنعون أن الوعي الديني والإيمان الروحي والعقيدة الإلهية مبنية على الشعوذات والأوهام والخرافات والغيبيات والماوراءيات، وإن البشر يتعلقون بفكرة الإله لأنهم يفتقدون الشجاعة والقوة لمواجهة هذا العالم اللامتناهي بدون الله. ولا أحد من العقلانيين يمكن أن يشكك بصدقية هذه البديهية. الحقائق تدفعنا للتفكير بأن الجذور العميقة للأديان تكمن في التجربة الصوفية والصيغة التواصلية الرهبانية مع العالم اللامادي وغير المرئي والذي هو ليس بالضرورة غير علمي. فكل الأديان السماوية والوضعية تشترك بما يسمى باليقظة الروحية لدى مؤسسيها تجاه المطلق الخالد. فالنفس البشرية لم تفتأ تبحث عن المطلق وتسعى للإجابة على تساؤلات وجودية وفلسفية جوهرية عميقة من قبيل" أين ولماذا وكيف ومتى"، وذلك منذ أن ظهر الإنسان على وجه الطبيعة وسيستمر إلى نهاية الدهر. تقول نظرية ذكرها دوغلاس آدمز في كتابه الممتع " مطعم في تخوم الكون":" لو حدث أن اكتشف أحد ما بماذا يفيدنا الكون ولماذا هو موجود وماهو سره الحقيقي فإن هذا الكون سيختفي على الفور وسيحل محله كون آخر أكثر تعقيداً وغموضاً واستحالة في كشف أسراره. وتقول نظرية أخرى أن هذا الأمر سبق أن حصل بالفعل في تاريخ الوجود. والفكر الصوفي يبحث دوماً عن " سر الأسرار" ولو كشف هذا السر فسيختفي موجده". فالكون غامض وعصي على الفهم والكشف، حتى مع كل التقدم العلمي والتقني والتكنولوجي الذي حققه الإنسان على الأرض. ولا يوجد مفهوم أكثر غرابة وعسراً وعدم قابلية للتفسير من تأكيدات المتصوفة على "وجود آخر" أكثر واقعية من واقعنا المادي لكنه موجود على صعيد آخر، وفي بعد آخر،غير مرئي من قبلنا، وهو عالم متسامي، ومصنوع من مادة غير المادة التي نعرفها. فالكشف العلمي البشري المحدود والقاصر سمح لنيتشة بالقول بموت الله على يد العلم وهو يقصد به الله الخالق للعالم والكون الذي جاء ذكره في التوراة والإنجيل والقرآن، ولكن لا يوجد في نصوص العلم أو في منجزات العقل البشري ما يدحض وجود واقع آخر موازي لواقعنا يشبه الواقع الافتراضي كما توحي به نظرية الكوانتا أو " نظرية الكموم" البالغة التعقيد والغرابة. والذي يعرف بلغة العلم والفيزياء الكونية بالكون الموازي. أما عن أصل الحياة فقد تقدمت الأديان بنظرية الخلق الإلهي الجاهز من خلال قصة آدم ورد عليها العلم بنظرية التطور والانتخاب الطبيعي لتشارلز داروين، التي أثارت الكثير من الجدل والسجال والردود والاعتراضات والطعون. وتقول نظرية فنتازية ثالثة أن الحياة بكل أشكالها وألوانها وتنوعها هي من صنع كائنات بشرية لكنها غير أرضية، أو تشبه البشر وأقدم منا بـ 60 مليون سنة، ومتقدمة علينا بملايين السنين، تعيش في كوكب بعيد جداً، الحياة فيه تشبه إلى حد بعيد الحياة في الجنة التي وصفتها الكتب السماوية المقدسة. جاءوا إلى الأرض في بعثات استكشافية عدة مرات، ويمتلكون تكنولوجيا مذهلة تجعلهم بمثابة الإلهة في نظر البشر، ولديهم قدرات لا محدودة، متمكنين إلى حد الكمال من تقنية الاستنساخ البشري الفوري وتقنية الحامض النووي الـ ADN أي الجينات الوراثية والهندسة الوراثية، ويجوبون أرجاء الكون بسفن فضائية متطورة جداً لا يتصورها بشر ولا يمكنهم تخيل قدراتها وإمكانياتها، تطوي المسافات التي تحتاج لملايين السنين الضوئية، برمشة عين، نجحوا في تغيير الظروف المناخية على الأرض القديمة الجدباء، وأوجدوا النباتات والمياه والأوكسجين ووفروا شروط وظروف نشوء الحياة وتطورها بعد تجارب عديدة استغرقت آلاف السنين، وتسمى تلك الكائنات "الإيلوهيم"، وقد ورد هذا الإسم في التوراة، ورئيسهم يدعى يهوه، أي الله باللغة العبرية، ومعارضه الرئيسي، ولكن بصورة حضارية جداً، كائن يسمى إبليس لم يكن موافقاً على تلك التجارب التي قادت إلى خلق البشرية على الأرض . وقد اختار الإلوهيم من بين البشر نخبة من العقلاء والمتميزين أي الصفوة التي يمكنها قيادة بني البشر العاديين وفرض القيم الدنيوية والاجتماعية والأخلاقية التي من شأنها خلق تماسك المجتمعات وتوازنها وسميت تلك النخبة بالأنبياء والأولياء والعلماء والأقطاب، الذين أنيط بهم مهمة قيادة وتنظيم مجتمعاتهم وأقوامهم وفق جملة من القيم الاجتماعية والأخلاقية المحددة بدقة. بيد أن هناك حضارات وكائنات كونية أخرى زارت الأرض وأجرت اتصالات مع قلة مختارة من بني البشر، وساعدتهم على تطوير أنفسهم وتعليمهم تدريجياً أسرار التكنولوجيا الحديثة، ونحن مدينون لهم بما أنجزناه نحن البشر من تطور تقني وعلمي منذ أربعينات القرن الماضي. وكان علماء مشهورين على اتصال بشكل مباشر أو غير مباشر بتلك الحضارات الكونية كآينشتين وزاخاروف، وجون بيير بتي، وبفضلهم نجح الإنسان في تطويع الذرة وفلقها والحصول على طاقتها والتمكن من تكنولوجيا الرقائق الالكترونية والكومبيوترات والألياف الضوئية أو البصرية والتقنيات السمعية البصرية كالراديو والتلفزيون والسينما والفيديو والانترنت والهواتف المحمولة ورحلات الفضاء وكشف شيفرة الـ ADN والهندسة الوراثية وعملية الاستنساخ الحيواني والنباتي والبشري وغيرها من التقنيات المعاصرة والمستقبلية التي أحدثت طفرة في التفكير والفهم الإنساني ورؤيته للعالم والكون. وفي نهاية محاضرته أجاب الدكتور جواد بشارة على أسئلة الحضور فكان رده على سؤال حول هل خلق الله أشياء أخرى قبل خلقه للكون، فاستشهد المحاضر بمقولة للقديس أوغسطين عندما وجه إليه سؤال مماثل حو ماذا كان يفعل الله قبل خلقه للخلق فرد القديس أن الله كان يحضر جهنم لأمثالك ممن يطرحون مثل هذه الأسئلة. وشرح لأحد الحضور الفرق بين علم الفلك وعلم الكون، وعلى سؤال أين المسلمين من علم الكون؟ أجاب المحاضر أن المسلمين برعوا في السابق، لا سيما في العصر العباسي في عهد الخليفة المأمون، بعلوم الفلك والطب والرياضيات والكيمياء وذكر أسماء إبن رشد وإبن سينا وإبن الهيثم والرازي والخاورزمي وإبن حيان، وما قدموه من مساهمات علمية جبارة عندما كان الغرب الأوروبي في حالة سبات ولكن انعكست المعادلة اليوم للأسف. كما تطرق المحاضر بناءا على طلب لأحد الحضور لموضوع احتمال وجود كائنات وحضارات كونية أخرى ذكية ومتطورة وربما أكثر تطوراً منا نحن سكان الأرض من الناحية العلمية والتكنولوجية وكان رد المحاضر بالإيجاب واستعرض عدداً منها كما قدمتها كتب وأبحاث ومقالات منتشرة ومعروفة في الغرب.

 

 

1186 jawadعن دار ميزوبوتاميا في المتنبي في بغداد ــ العراق، صدر كذلك كتاب "إله الأديان وإله الأكوان: بحث في نشأة الإلوهية والأديان" للدكتور جواد بشارة، وتناول أخطر مسألة يواجهها الإنسان ويبحث عن إجابات عنها منذ فجر الإنسانية إلى يوم الناس هذا، ألا وهي: هل من البديهي، ونحن في نهاية الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين، قرن العلم والتكنولوجيا، أن نؤمن بأطروحة غيبية ماورائية أقرب للخرافة منها للواقع والحقيقة، حول أصل الكون والإنسان والحياة؟ أم نتبنى بلا نقاش أو تردد الأطروحة العلمية التي لم تقدم لنا لحد الآن رؤية موحدة شاملة وناجعة عن هذا السؤال الوجودي الخطير؟ فعندما يسأل سائل: هل تؤمن بنظرية الانفجار العظيم التي اعتبرها العلماء بمثابة الصيغة المتفق عليها لولادة الكون؟ أو هل تؤمن بالله وبأنه الخالق للكون والحياة والبشر وباقي المخلوقات بإرادة ربانية وبطريقة تخرق قوانين الطبيعة، بطريقة كن فيكون، كما وردت في النصوص الدينية التي أضفيت عليها القدسية لأنها أعتبرت منزلة من السماء وتحتوي كلام الله عن هذا المضمون وبالتالي لايسمح بمناقشتها أو التشكيك فيها؟ لا يصح أن يطرح السؤال بهذه الصيغة لأنه خطأ علمي ومفاهيمي. فالإيمان حالة من الاعتقاد الذاتي غير مرهونة بعوامل ومعطيات خارجية فالمرء يؤمن أو لا يؤمن بغض النظر عما يتوفر لديه من معلومات وحقائق ومعطيات، فأغلب رؤاه موروثة، إلا إذا حرر عقله من قيود المسلمة الإيمانية وفتح عقله للمناقشة والتفكير والتأمل بغية التوصل إلى حقيقة ما، تدعم موقفه بتقبل أو عدم تقبل الحالة الإيمانية. فالمقاربة العلمية لا تفضي إلى موافقة أو عدم موافقة، بين المعطيات المكتسبة والنماذج أو التنبؤات والتوقعات والتكهنات العلمية وبالتالي لا يوجد شيء إسمه "إيمان" في مثل هذه المقاربة العلمية، بل توجد نظريات وعمليات رصد ومشاهدات وتجارب ومواجهات علمية وفكرية ونقاشات وتساؤلات وشكوك وسجلات ومراجعات وطعون واختبارات ومقارنات بين مختلف المعطيات . من هنا كان يجب أن يصاغ السؤال كالتالي: هل تتقبل فكرة أن نموذج البغ بانغ، الانفجار العظيم، هو الذي يتوافق على نحو أفضل مع مجمل المشاهدات ونتائج الرصد المتوفر والموجدة حالياً ؟ وسوف يرد الوسط العلمي بغالبيته الساحقة، وأنا منهم بالطبع، بنعم على مثل هذا التساؤل، أو الصيغة التبسيطية المختزلة، لكن ذلك لا يعني أنها إجابة ثابتة ودائمة لا تتزحزح ولا تتغير في حال توفر معطيات جديدة تدحضها، في حين أن الطرح الثيولوجي الثاني يطرح نفسه ممثلاً لحقيقة أزلية أبدية دائمة وثابتة لا تتغير مهما طال الزمن وفي كافة الأزمان والعصور والأماكن. فالعلاقة بين العلم والدين، قد ولدت الكثير من الكتابات والدراسات والأبحاث، وأسالت الكثير من الدماء وأزهقت الكثير من الأرواح، في حين أن هاتين المقاربتين لا يجب أن يتصادما لأنهما يتحركان في حقلين مختلفين من التفكير . فمن الجانب الديني هناك مسألة تتعلق بقيم ترتبط بالسلوك الحياتي واليومي ولها علاقة بالمعنى الذي نود إعطائه للوجود وللعالم ومسيرته . أما في الجانب العلمي فهناك مسائل عقلانية ترتبط بالرؤية لتعقيد العالم وتركيبته على كافة المستويات الزمانية والمكانية مشفعة بتنبؤات نظرية قابل للدحض بالتجربة والاختبار والانجازات التكنولوجية وتبعاتها. فهناك من بين العلماء من هو في آن واحد عالم ومؤمن متدين ولا يجد غضاضة في ذلك، وأنا لست من بين هؤلاء بالطبع، لكني أعرف الكثير منهم ولدي معهم نقاشات مستفيضة بيد أن هناك بعض العقول الظلامية التي تريد خلق الغموض والتنافر بين العلم والدين لغايات مبيتة وفرض قراءة دوغمائية للتساؤلات العلمية وتفسيرها بمقتضى قناعاتهم الثيولوجية فهم يحتقرون ويهينون القدرة الخلاقة عند البشر التي تجلت منذ قرون عديدة من التطور والبحث الدؤوب . وسواء تعلق الأمر ببوزونات هيغز أو الجزيئات والجينات الوراثية والحامض النوي، أو مستقبل النحل أو تكون الصخور والكواكب والنجوم والمجرات والمادة العادية والمادة السوداء أو المظلمة والطاقة المعتمة أو الداكنة، والموجات الثقالية أو المتطلبات الرياضياتية والتنظيرية لنظرية الاحتمالات الخ...، فماذا يمكن للمقاربة الدينية أن تفعل إزاء كل هذه المواضيع التي لا ناقة لها فيها ولا جمل كما يقول المثل لا توجد مصداقية ما للتأمل والتفكير الديني في هذه المواضيع؟ ومن جانبه لا يمكن ولا يحق للعلم، وخاصة علم الطبيعة والفيزياء والكوسمولوجيا، أن يحشر أنفه بمسائل أخلاقية وروحانية ويريد معرفة طبيعة الخير والشر ومعنى الحياة والنشاط اليومي البشري وممارسة الطقوس والشعائر الخ..، فهذه الأمور يمكن أن نجد لها مقاربات وأبحاث ومساهمات عند الدين والفلسفة وعلم الأخلاق والثقافة والحقوق وعلم النفس الخ... بعض وسائل التعبير خلقت حالة من الخلط، المتعمد أو غير المقصود، بين الأصل الميتافيزيقي للكون وواقعه العلمي، فلندع كل طرف يتقبل ما لديه من مقاربة بهذا الصدد ولا يؤثر أحدهما على الآخر ففي نهاية المطاف تبقى القضية مسألة شخصية محض. العلم لا يبحث عن لماذا، أي أسباب حدوث الشيء عموماً في حين يبحث في الكيف والطريقة التي تم بها نشوء ذلك الشيء، أما الدين ففي العموم هو الذي يتعاطى مع الكيف، ويهتم بالجانب السببي والغايات.

وقع الدين في تناقض وخلق مفارقة عجيبة، فهو من ناحية يضفي الصفات الإطلاقية على الله الخالق، وفي نفس الوقت يقزمه وينزله إلى مستوى المخلوقات كما ورد في الكثير من النصوص الدينية المأثورة، التوراتية والكنسية والإسلامية. وللخروج من مأزق التجسيم لا بد من مفهوم يتعالى على الفكرة التي تهيمن على تفكير البشر، وكان ذلك المفهوم هو " التسامي" أو " الذات المتعالية". وهي الصفة التي يتحلى بها إله سبينوزا وكذلك التي أطلقتها الأديان السماوية التوحيدية المنزلة، على الله الكلي القدرة، لكنها شوهت صورته من خلال مفاهيم التجسيم والعقاب والثواب والآخرة والحساب والاهتمام بتفاصيل الحياة اليومية للبشر ولكل إنسان على الأرض وفي الفضاء منذ لحظة الولادة إلى مابعد الموت، والتي فرضتها المؤسسات الدينية  ورجال الدين، وهذه وظيفة تنقص من تسامي وسمو هذا الإله. لكنها من الناحية العلمية الصرف أو المحضة، صفة أو ماهية كونية تنطبق على الكون الحي المطلق اللامتناهي، الأبدي والأزلي والسرمدي، لأنه يجسد الوجود المطلق لكل ما هو موجود ولا وجود غيره، باعتباره كياناً مكوناً من عدد لا متناهي من الأكوان، التي تشكل بالنسبة له، جسيمات أولية لمكوناته المادية وغير المادية، أو من مواد وماهيات ومكونات نجهلها وليست لدينا أية فكرة عنها، وما كوننا المرئي سوى جسيم أولي، لا متناهي في الصغر، من تلك الجسيمات الأولية الكونية التي تشكل بمجموعها، إلى جانب مكونات أخرى لانعرفها، ماهية الكون المتسامي الحي العاقل والخالد والمطلق، والدائم الحركة والتجدد إلى ما لا نهاية. لقد وصلت حدود معرفنا باللامتناهي في الصغر في كوننا المرئي إلى حد الأوتار والبرانات والكواركات وبعض الجسيمات الأولية ما دون الذرية لكننا لا نعرف لحد الآن ما هو أصغر منها، وقد يكون الأصغر هو ذلك الذي يخترق طول بلانك ويقود إلى أكوان أخرى. في حين تحددت معرفتنا باللامتناهي في الكبر بالكون المرئي الذي نعيش فيه ولا نعرف ماذا يوجد وراءه أو خارجه، أي خارج الأفق الكوني المرئي، سوى فرضيات علمية نظرية والحال إنه لايتعدى كونه أحد الجسيمات الأولية اللامتناهية في الصغر بالنسبة للكون الحي المطلق المتسامي، في إطار تعدد كوني لامتناهي. وقد أحتوى الكتاب على توطئة ومقدمة وخمسة عشر فصلاً وخاتمة، بدأ من صراع المفاهيم وقصة هذا الصراع على مر التاريخ بين العلم والدين، حيث استعرض الكاتب الكون في العقيدة المسيحية الكاثوليكية والعقيدة اليهودي والعقيدة الإسلامية. والتنافس القائم بين الفلسفة والدين والعلم بخصوص فكرة الإله، والتركيز على ملحمة الخلق الإلهي المباشر وصورة اله والكون في الإسلام والفرق بين الإله الأرضي والإله السماوي، والتمييز بين الرؤية الخرافية والرؤية العلمية للوجود ومعضلة إدراك الواقع وعلاقة البشر بباقي الكائنات الفضائية مما استدعى التطرق إلى مفارقة فيرمي الشهيرة حول الكائنات الفضائية المتطورة الموجودة في الفضاء الخارجي داخل مجرتنا درب التبانة أو خارجها، كما تناول موضوع جدلية العلم والدين من موضوع الإلوهية وتحدث عن الأصل العلمي للكون ونظرية الأوتار الفائقة وأطروحة تعدد الأكوان والفرق بين الزمان النسبي والزمان المطلق ونظرية الكموم أو الكوانتوم التي هي في الحقيقة أغرب من الخيال والاستفاضة في موضوع النماذج الكونية من منظور علمي، وأخيراً عد سيناريوهات عن نهاية ومصير الكون المرئي ومحاولة لاستعراض الأسئلة الجوهرية .

adnanhusan ahmadصدر عن دار E-Kutub بلندن كتاب "حفلة لثائرة .. فلسطينيات يكتبن الحياة" إعداد الروائية هيفاء زنكَنة، وتقديم الناقدة فريال غزّول. يضم الكتاب نصوصًا مفتوحة لثماني كاتبات فلسطينيات مُحرَّرات من الأسر، والتاسعة لم تمرّ بمحنة الأسر وهي الشاعرة والمترجمة روز شوملي مصلح.

هذا الكتاب هو ثمرة ورشة للكتابة الإبداعية التي أقيمت على هامش احتفالية فلسطين للأدب أشرفت عليها الروائية العراقية هيفاء زنكَنة التي عانت هي الأخرى من تجربة السجن وكتبت عنها غير مرّة ويكفي أن نشير إلى روايتها المعروفة "في أروقة الذاكرة" التي تعتبر نموذجًا مثاليًا لأدب السجون في العراق.

يكشف التمهيد الذي كتبتهُ زنكَنة أسباب عزوف المُحرَّرات الفلسطينيات من السجون الإسرائيلية عن تدوين تجاربهن الشخصية والجماعية، وتعتقد أن البعض منهن ربما تعرّضنَ إلى تجارب مهينة أساءت إلى كرامتهن وسمعتهن الأمر الذي يدعوهنَّ إلى لزوم الصمت، وتناسي الذكريات المؤلمة القديمة. كما تعتقد أن صعوبة اللغة العربية قد تقف حائلاً أمام الكتابة الإبداعية أو حتى التدوين الذي يهدف إلى توثيق هذه الأحداث المُفجعة التي مرت بها السجينات الفلسطينيات، إذ تخشى الكثيرات منهن الوقوع في أخطاء لغوية قد يُنتقدنَ عليها لأن غالبيتهن لم يمارسن الكتابة الأدبية من قَبل لكن المشرفة على الورشة شجعتهن على خوض هذه التجربة، وحفّزتهنَ على الكتابة الإبداعية التي تنطوي على حبكة جيدة، ولغة متوهجة، وبناء فني رصين يجتذب المتلقين ويدفعهم لقراءة نصوصهن الأدبية والاستمتاع بمضامينها ومقارباتها الفنية على حدٍ سواء.

أما الناقدة فريال غزّول فقد صنّفت هذا النمط من الكتابة بـ  Nonfiction creative writing الذي يعني"القصة الإخبارية التي تجمع بين الخبر والسرد الأدبي"(ص11) وهو توصيف دقيق لأن القصة الإخبارية تشتمل على الأقصوصة، والنص المفتوح، والرسائل، واليوميات، والاستذكارات وما إلى ذلك من كتابات حميمة تحاول السيطرة على الذاكرة المراوغة التي قد تكون ضحية للخطأ والتصحيف والنسيان.

يمكن اعتبار النص المفتوح الذي كتبته نادية الخياط قصة قصيرة وذلك لتوفره على اشتراطات النص القصصي الناجح الذي يتوفر على ثيمة جيدة، وحبكة قوية، ولغة مُعبِّرة لا تخلو من الصياغات الجميلة، والومضات الشعرية التي يستقر بعضها، في الأقل، في ذهن القارئ وهو يتتبع الحدث القصصي منذ بدايته  وحتى جملته الختامية. تتناول القصة ثيمة إنسانية وهي إنجاب "سميحة" لبنتها البِكر "ثائرة" في سجن إسرائيلي، وسوف تتحول هذه الطفلة الرضيعة إلى الحدث الأبرز في القصة، خصوصًا وأنها سريعة في كل شيء، في النُطق، والمشي، والتعلّم، فلاغرابة أن تكتشف بحدْسها الداخلي أنها تعيش في معتقل مُعادٍ لكل السجينات بمن فيهن أمها وعمتها وجدتها اللواتي زُج بهن جميعًا في هذا السجن المعزول نسبيًا عن العالم الخارجي. ولعل وجود الطفلة "ثائرة" وهي تلعب في الممر القريب من غرف السجينات هو الشيء الوحيد الذي يكسر رتابة الروتين اليومي الذي تعيشه الأسيرات على مدى سنوات طوالا، وسوف يشعرن جميعًا بالأسى حينما يكتشفن أن هذه الطفلة على وشك أن تغادر السجن بعد إتمامها السنة الثانية بحسب قوانين السجون الإسرائيلية. وهذا هو مكمن المفارقة في هذه القصة الناجحة، فبدلاً من أن تفرح السجينات لتحرر هذه الطفلة من الأسر يشعرن جميعًا بالخوف كلما اقترب موعد خروجها فهي أجمل ما لديهن في هذا السجن اللعين.

تعتبر "رقصة المطر" لمَي الغُصين من أنضج نصوص هذا الكتاب، وهي قصة قصيرة أيضًا وليست نصًا مفتوحًا لأنها تتوفر على ثيمة، وتصعيد درامي ملموس، ونهاية فنية جدًا تتحول فيها السجّانة إلى مجرد سجينة لا غير! وأكثر من ذلك فإن النسق السردي لهذه القصة ينطوي على أبعاد بروكسيمية Proxemics  تدرس المساحات التي يتركها المتحدثون فيما بينهم، وربما يستعمل بعضهم وسائل الإتصال غير القولي مثل اللمس، والشمّ، وحركة الجسد، والإيحاءات الكامنة وراء اللغة، ودور الزمن في الإتصال. قصة "رقصة المطر" مكتوبة بضمير المتكلم التي تسرد لنا حكايتها بشغف واضح حينما تقول:"تلمس قطرات المطر وجهي. . أستنشق رائحتها. كم هي زكية رائحة التراب المبتل بالمطر! تلعب الذاكرة لعبتها فتأخذني إلى أيام مضت"(ص93) ثم تذهب القاصة إلى وصف السجن وصفًا دقيقًا يبدأ بـ "الفورة" أو ساحة السجن التي يصعب تحديد شكلها ثم تصف غرف المعتقل المكوّن من طابقين، وسلّم جانبي يفضي إلى بوابة مُغلقة، وغرفة المراقبة التي تجلس فيها السجّانة لتراقب السجينات دون أن يرفّ لها جفن. أما أعلى الساحة فثمة سياج وشبك قد وضع لكي يمنع السجينات من التحليق أو ليحجب أشعة الشمس من الوصول إليهن.

حينما خرجت الراوية إلى الساحة لتقف تحت قطرات المطر الأولى توهجت لغتها فقالت:"لامست قطرات المطر النديّة روحي قبل أن تبلل جسدي، وبدأت الورود تتفتح بداخلي. اشتدّ هطول المطر، بدأت بالركض لأجد نفسي خارج حدود الزمان والمكان"(ص94). ثم سمعت وقع خطوات وراءها وبدأن يركضن جميعًا  ويحلقنَ بفرح طفولي حتى تحررنَ من سطوة المكان المغلق، وأصبحنَ أكثر حرية من السجّانة التي شعرت لحظتها بأن السجينة الوحيدة رغم امتلاكها مفاتيح الأبواب الخارجية، وهنَّ الطليقات رغم أنهن محكومات مدى الحياة! أما النهاية الفنية لهذه القصة فتكمن في تصوير البراعم الجميلة التي نمتْ، وأزهرت، وتشامخت حتى اخترقت الشبك لتشعر بحريتها في الفضاء الجديد الذي لا تسوّره القيود، ولا تخنقهُ الأسلاك الشائكة.

اشتركت الكاتبة والشاعرة روز شوملي بنصين في هذا الكتاب، الأول يحمل عنوان "عودة منقوصة"وهي "قصة إخبارية" كما تذهب غزّول لأنها تصوِّر الخبر بأسلوب أدبي متميز وهذا ما يتضح للقارئ منذ الجملة الاستهلالية التي تقول فيها: "ربع قرن مر، وأنا أحمل قذى الغربة مثل عصا تجلدني ولا تكتفي"(ص61) وحينما تقرر العودة لزيارة أهلها ووطنها الذي حُرمت منه على مدى 23 سنة يموت والدها قبل وصولها بيومين فتؤجل أمها موعد الدفن، وحينما تواريه الثرى، وتصل ما انقطع بينهما يتوجب عليها المغادرة لتصبح هذه العودة منقوصة فعلاً.

أما النص الثاني الذي كتبته شوملي فهو "يوميات من حصار رام الله"وقد التزمت فيه الكاتبة مجمل الاشتراطات التي يجب أن تتوفر في فن "اليوميات" الذي انطلقت فيه من الخاص إلى العام، فبعد أن أوضحت لنا تأثيرات الحصار على أسرتها انتقلت إلى حصار المقاطعة وهي مقرّ الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي صمد بوجه الحصار وخرج منتصرًا ليكون، كعادته، قدوة للجميع في الصبر والتحدي والصمود.

تحتاج الكاتبات الست الأخر اللواتي لم يكتبن نصوصًا أدبية من قَبل إلى قراءات مكثفة، وورش عمل إضافية، وتجارب حياتية تحفز على فعل الكتابة الإبداعية، ولعل اكتشاف موهبتين أو أكثر من بين كل ثماني كاتبات هي نتيجة مشجعِّة حقًا تعد بالكثير من النتاجات الإبداعية إذا ما تصورنا أن عدد الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي قد بلغ 7000 أسير بينهم 54  إمرأة و 400 طفل فلسطيني بحسب وزارة الأسرى، ولابد أن يكون بين هذا العدد الكبير منْ يمتلك موهبة الكتابة ليدوِّن لنا معاناة الأسرى في السجون الإسرائيلية، وأن يكتبوا بأنفسهم تجاربهم الشخصية لا أن يكونوا موضوعًا يكتب عنه الآخرون كما يذهب الشاعر الراحل محمود درويش.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

1184 aliصدر مؤخراً عن دار الرافدين كتاب "الراوي والمروي له والقارئ" لمجموعة مؤلفين، ترجمه عن الفرنسية بشار سامي يشوع* .

ما يُميز هذا الكتاب أنه من الكتب القلائل التي تُرجمت عن النظرية السردية عن اللغات الأجنبية عموماً وعن اللغة الفرنسية على وجه الخصوص.

حاول المُترجم في مُقدمته للكتاب أن يُسلط الضوء على نتاج جيرار جينت الناقد الفرنسي الذي وضع نظرية في السرد حدد بها مستويات السرد الثلاث: الحكاية والقصة والسرد، وقد إعتمد المترجم على كتاب جينت "(Figures 111) (أشكال 111) الصادر 1972 والمترجم 1999، ولجينت كتابان سابقان "أشكال "11 الصادر عام 1969، و قبله "أشكال 11) الصادر عام 1966.

حاول جينت التمييز في نظريته السردية في تقنيات كتابة أشكال السرد الثلاث بين الكاتب والراوي والشخصية، في تأكيد منه على ضرورة الفصل بين الأشخاص الحقيقيين الذين يُشاركون في عملية التواصل، أي "الكاتب والجمهور" وبين الشخصيات المُتخيلة الذين يظهر لنا تواصلهم في النص "الراوي والمروي له". فالكاتب هو الشخص الحقيقي الذي كتب الشكل السردي، أما الراوي، فهو الشخص المُتخيل في الشكل السردي الذي يروي ويتحرك ويُحرَك بنية النص السردي الداخلية التي رسم حدودها كاتب النص، ولذلك فمهما حاولنا تمثل وجود هذه الشخصية المُتخيلة "الراوي" في الواقع، إلَا أن وجودها يبقى وجودا تصوري أكثر منه وجود حقيقي.

في المُقابل يُميز جينيت بين "المروي له" داخل الشكل السردي وبين القارئ الحقيقي أو الواقعي، فمثلاً في حكايات "ألف ليلة وليلة" نجد هناك راو هي شهرزاد ومرويُ له هو شهريار، وكلاهما شخصيات مُتخيلة داخل النص الحكائي. ولذلك يُمكن تسمية الراوي الحقيقي بأنه "الراوي الخارج حكائي" والمروي له الحقيقي بأنه "مرويُ له خارج حكائي".

لربما يتبادر لذهن قارئنا سؤال هو: هل يُمكن أن توجد هناك أوضاع أُخرى يكون فيها المؤلف والراوي والشخصية في هيئة واحدة؟،

الجواب: نعم كما هو في أعمال السيرة الذاتية، وحين ذاك يُسمى "سرد (إسترجاعي)" يسترجع به الشخص الحقيقي شريط الذاكرة ليُصيغ حياته نثراً، فيه الكثير من الواقعية، لأنه يتكلم عن شخصيته الحقيقية وحياته الفردية، ولكنها في الوقت نفسه ينبغي ألًا تفقد بنيتها الشعرية بحسب جينيت التي تقتضي عدم مُغادرة المؤلف للبناء التخيلي لسرديته، ومحاولته في الوقت ذاته تفعيل مُخيلة القارئ، خُذ مثلاً على ذلك "المنقذ من الضلال" للغزالي، أو "إعترافات" للقديس أوغسطين" أو "إعترافات" لجان جاك روسو، أو "حياتي" أحمد أمين، أو "سيرة حياتي" لعبد الرحمن بدوي.

في الجزء الأول من الكتاب نجد محاولات تطبيقية لما تقدم طرحه في بعض الأعمال السردية، والتي تحاول إظهار تماهي القارئ مع "المروي له" المخاطب "أنت"، وكذلك تماهي القارئ مع أنا "الراوي"، وكلا الصيغتان "الأنت" و الأنا" لا يتحقق التماهي بين "المروي له" و "الراوي" إلَا حينما يكونان في حالة الإصغاء والإدراك الواعي لتحولات الشخصيتين المُتخيلتين داخل النص السردي.

يخوض الكتاب في سرديات بلزاك، ومن دون الدخول في تفصيلات ناقد بلزاك، فذلك أمر نتركه لمن رغب بقراءة الكتاب، إلَا أنه ينتهي مُخاطباً

قارئ بلزاك بالقول: "يجب على القارئ الحقيقي أن يجد لنفسه مكاناً إزاء المروي له المُتحرك: فهو يتماهى مع مروي له لكي يبتعد بمسافة عن مروي له آخر، وإن ولج لموضع الشريك المتواطئ مع الراوي، فسيرى أنه إبتعد قليلاً عن رُتبة التلميذ الجاهل"، لذلك نجد في سرديات بلزاك "نزوعاً نحو قارئ نموذجي، يستطيع التعامل مع النص بالشكل الذي يُعيد بنائه".

يُنهي المترجم كتابه بدراسة له بدراسة لرواية "موبي ديك" للروائي الأمريكي الإنكليزي الأصل "هيرمان ميلفل التي صدرت في عام 1851، هي رواية تتحدث عن قُبطان يُدعى "أهاب"، له قدم خشبية يتكأ عليه، رجل شديد، كان يهوى صيد الحيتان ليستخرج منها الزيت، لأن هذا الزيت غال الثمن، فإنطلق ومعه مجموعة الصيادين، ولكنهم لم يعلموا أن غاية "أهاب" لم تكن صيد الحيتان كما يرومون، إنما هي للإنتقام من الحوت الأبيض الذي تسبب بفقدان ساقه، وقد أطلق عليه أسم "موبي ديك"، وبعد قضاء ثلاثة  أيام بلياليها في البحر يجد القبطان ضالته، ليكشف "ميلفل" عن صراع الإنسان مع الطبيعة اللانهائي، ليقضي الحوت "موبي ديك" على كل أفراد المركب من البحارة، ولم يبق منهم سوى إسماعيل الذي يجد له تابوتاً يختبئ به، فيكون هذا التابوت طوق النجاة له.

كان إسماعيل هو "الراوي" الذي يروي "موبي ديك" روايته على لسانه، فقد كان أحد البحارة الذين ذهبوا مع "أهاب" على متن السفينة "المركب"  "بيكود" التي جابت البحر لإصطياد الحيتان، لكنه إكتشف أن هم "أهاب" لم يكن مُنصباً على صيد الحيتان، إنما همه الحقيقي كان مُنصباً على صيد الحوت الأبيض والإنتقام منه.

 حاول المترجم بدراسته لرواية "موبي ديك" إظهار "الهوية المزدوجة" بين "الراوي" والمروي له"، فمرة يكون إسماعيل هو "الراوي" وأُخرى يكون هو "المروي له". ولكن "الراوي في رواية "موبي ديك" لا يتواجد في حقيقة الأمر إلَا في داخل النص،... (لذلك)، فالتمييز بين القارئ والمروي له مُناظرٌ للتمييز بين المؤلف والراوي، ولكن القارئ هو الحقيقي الحي الذي يُمسك الكتاب بين يديه، وليس للمروي إلَا وجود نصي" "مُتخيل".

يروم المُترجم التمييز بين "السرد الراديكالي" الذي يستبعد "المروي له" داخل الشكل السردي، وبين السرد المُعتدل" الذي يجعل هناك مساحة لحضور وفاعلية "المروي له" وللمُتلقي "القارئ الحقيقي" ليكونا فاعلين، الأول في النص السردي المُتخيَل بوصفه حضور لازم للـ "الراوي" "المُتخيَل"، والثاني بوصف حضوره لازم ومكمل للإعتراف بالمؤلف لمنح سرديته حضورها الحقيقي، ليتحقق فعل التواصل "المُتخيَل" بين "الراوي" و "المروي له" داخل النص السردي، وأيضاً ينبغي أن يتحقق فع التواصل "الحقيقي" بين "المؤلف" "السارد الحقيقي للنص، والمُتلقي "القارئ الحقيقي للنص"، وشرط وجود "السارد المُعتدل" يكمن في مقدار قدرته في جعل القارئ "الخارج نصي" مُتماهياُ مع "المروي له".

وما يُميز "السرد حكائي "نصي" عن "المُتماثل حكائياً" هي المسافة الزمنية الفاصلة بين فعل السرد والأحداث المسرودة، تخلق هذه المسافة "هوية مُزدوجة" للراوي: الأولى، هوية الذي يعيش أحداث ومراحل قصته بوصفه شخصية، والثانية، أكثر نضوجاً منها، هوية الذي يحكي القصة".

 

د. علي المرهج

.....................

ـ الراوي والمروي له والقارئ: مجموعة مؤلفين، ترجم عن الفرنسية: بشار سامي يشوع، دار الرافدين، بغداد، بيروت، ط1، 1918. الكتاب من القطع المتوسط، عد صفحاته: 76. 

* المترجم: أستاذ الأدب الفرنسي المساعد في كلية الآداب في الجامعة المستنصرية. يُترجم عن الفرنسية، له ترجمة لكتاب سلطة التفاؤل لآلان لوي مك جينيس، صدر أيضاً عن دار الرافدين، بفداد/بيروت، ط1، 2017. وله بحوث ودراسات في الأدب الفرنسي.

 

 

 

mohamad taqijonالحمدُ لله الذي جعل اللغة العربية لغتنا الأولى في المعاش، والتفكير، والعبادة. وقد أتيح لي أثناء الخدمة العسكرية التعايش مع فيليي بغداد وخانقين وجلولاء وسواهم، فألممت باللغة الفيلية الماماً جيداً. ثم أصبحتْ في مجال اهتمامي حين كتبتُ في الشأن الفيلي.

تعدُّ الفيلية أفضل اللغات الكردية غناءَ مفردات، وجمالَ عبارات، ومرونةَ تشكيل، وتراث أدب. وتضم لهجات كثيرة يوصلها بعضهم إلى سبع عشرة لهجة. وهي لغة منسوبة إلى أرض (فهلة) المتمثلة بالمناطق الحدودية بين العراق وإيران، فسميت (الفهلوية)، وسمي أهلها (الفهلويين). ومع التطور اللساني قلبت الهاء ياءً فسميت (الفيلية) وسمي أهلها (الفيليين).

اتخذت اللغة الرسمية من قبل الدولة الميدية والأشكانية. وكانت – حسب قول ياقوت الحموي وابن النديم - اللغة الرئيسة ضمن اللغات الخمس الرسمية للدولة الساسانية: الفهلوية والدريَّة والفارسية والخوزية والسريانية؛ اذ كان يتكلم بها الملوك. وكانت سائدة في العراق قبل الفتح الإسلامي.

 بمجيء الإسلام اتخذت الفيلية لغة للدواوين، لأنَّ الفتح وقع في أراضي الفيليين، وهم الموالي الأوائل. وقد حدث خلط كبير فنسب الكثير مما للفيليين إلى الفرس. واستمرت الفيلية لغة للدواوين في صدر الإسلام والعصر الأموي، حتى جاء العصر العباسي فسادت الفارسية بعد أن صار الفرس شركاء العباسيين في صنع الدولة.

 ومبكراً تغلغلت مفردات كثيرة من الفيلية في اللغة العربية مثل: ديوان، رستاق، طسوج، جام، تخت، وصيغ مثل: كيفية، ماهية، روحاني، نوراني. وفي خطب الإمام علي () صيغ فيلية مثل (رباني) في قوله:" الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع".

 بسيادة الفارسية أفل نجم الفيلية سياسياً، ولكنه بزع في الأدب حين تفرغت الفيلية للشعر. وقد أثبتت جدارتها في التعبير عن المشاعر الشخصية والدينية (العرفانية). وظهر بابا طاهر عريان في القرن الرابع قمة شعرية فيلية في رباعياته الرائعة المعروفة بـ(الفهلويات)، وهو أول شاعر كردي كبير على الإطلاق. وظهر بعده شعراء فيليون كبار مثل: ملا أحمد باطي، خاناي قوبادي، فقي طيران، وظهرت نتاجات خالدة في الشعر الفيلي كتبت باللهجة الگورانية (الفيلية) التي أصبحت لغة الشعر الكردي قاطبة، واستمر الشعر يكتب بها حتى العصر الحديث، فقد اتخذت لغة الأدب والمراسلة من قبل الدولتين البابانية (في السليمانية) والاردلانية (في دهوك) في القرن التاسع عشر، وبظهور السورانيين أصبحت اللهجة السورانية المستحدثة لغة الشعر بدل الفيلية.

تفترش اللغة الفيلية مساحة واسعة في إيران والعراق؛ في ايران تتركز في الوسط والجنوب الغربي لإيران، وما يقابل ذلك في العراق من الوسط والجنوب الشرقي إلى ضفاف دجلة. وتتركز في بغداد، وديالى، وواسط، وبابل.

 ومنذ ترسيم الحدود بين إيران والعراق عام 1929م انقسم الفيليون رسمياً إلى فيليين عراقيين، وفيليين إيرانيين، وهذا أعطى للفيلية العراقية سمات خاصة تميزها عن الفيلية الإيرانية. وهذه السمات حددتها طبيعة حياة الفيليين العراقيين ومعايشتهم للعرب؛ واهم صفاتها أنها أصبحت في أكثر المناطق ولاسيما الوسط والجنوب للاستهلاك الحياتي فقط دون الأدبي والعلمي، وهذا أفقدها الكثير من مفرداتها وأساليبها ذات الطابع الكمالي والجمالي. وبسبب الامتزاج الحياتي مع العرب، تركت الفيلية كلمات وعبارات فيلية كثيرة حلت محلها كلمات وعبارات عربية. وبعض الجمل الفيلية كأنها ترجمة أمينة لجمل عراقية محلية. وصارت الفيلية في كثير من تراكيبها كجمل الأفعال المتعدية، والمضاف والمضاف إليه تبنى على القواعد العربية.

 ومثلما تأثرت الفيلية بالعربية والعراقية الدارجة، فانها أثرت بالمقابل في العامية العراقية في مفردات مثل: (مردانه) بمعنى (مرجلة)، وهي من (مه‌رد) الفيلية بمعنى رجل، ومصدرها الفيلي (مه‌ردايه‌تي) . و(صرماية) بمعنى رأس المال، من (سه‌رمايه) الفيلية بالمعنى نفسه. و(طرشي) من (ترش) التي تعني بالفيلية الحامض. و(بقچة) للبستان الصغير، وهي بالفيلية (باغچة) بمعنى البستان الصغير، و(چمچة) بمعنى مغرفة الطعام، وأصلها فيلي هو (كه‌مچه) وتعني مغرفة الطعام الصغيرة، وفي العامية العراقية (عايشين بصايتك) فـ(صاية) أصلها فيلي هو (سايه) بمعنى ظل، فيقولون (ده سايه‌ي خوت بژيمن = عايشين في ظلك).  ويصيحون على القط (پشت) وهي مأخوذة من (پشيا) (قط) بالفيلية. ويقولون للتحفيز (عفية) وهي مأخوذة من الكلمة الفيلية (عافه‌رم). ويقولون (عنده تنگ) واللفظ العربي الصحيح (عنده ضيق)، وهي مأخوذة من الفيلية (تنگ) وتعني ضيّق. ويقولون في العامية العراقية للبنت النادرة والشاطرة (چيوانية) والكلمة منقولة من الفيلية في وصف البنت التي تحمل على عاتقها واجبات البيت، فيقال لها (كێنو)، و(كێنو باوكي) أي شاطرة أبيها. ويقولون عامياً (الكروة) وهي كلمة فيلية (كرێ) وعربياً الاجرة. ويضيفون لصاحب المهنة مقطع (چي)، فيقولون: (فيترچي)، (عبايچي)، (أوتچي). وهو اقتراض من الفيلية مثل: شكارچي: صياد، كه‌موته‌رچي: مطير الطيور، شاگرده‌چي: صانع. واللغة العربية الفصيحة تضيف لصاحب المهنة (الياء) مثل: حمامي، ساعاتي، بستاني.

كما أخذت العراقية الدارجة من الفيلية عبارات كثيرة منها: (طحت وراه) أي تعقبته، مأخوذة من الفيلية (كه‌فتم دمۆي) بمعنى تعقبته وحرفيا (سقطت وراءه = طحت وراه). وعبارة (لا تاكل قهر) والعربية الصحيحة تقول (لا تحزن)، وهي مأخوذة من الفيلية (خوصه‌ت نه‌خور) بمعنى لا تحزن، وحرفياً (قهر لا تأكل). ونقول بالعامية العراقية (بطنه تمشي)، واللفظ العربي لهذه الحالة هو (إسهال)، و(بطنه تمشي) ترجمة حرفية لـ(زگي دچي) الفيلية التي تعني الإسهال. وغير ذلك كثير.

ظلت الفيلية في وسط وجنوبي العراق محافظة على وجودها النسبي بمجمعات عرفت بـ(عگد الأكراد) في بغداد والكوت والحلة وغيرها. وكانت مقبولة من الشارع العربي، إلا أنَّ محاربتها من البعثيين وقمع الفيليين واتهامهم بالتبعية الإيرانية، جعلها تنكفئ في البيوت الفيلية. ومع الإرهاب الحكومي اختفت حتى من البيوت، فلم يعد الأب يعلّم أولاده الفيلية لغة الأجداد خوفاً من النظام عليهم، حتى اندثرت أو كادت عدا المناطق التي أغلبيتها من الفيليين، كالكفاح وأبو سيفين في بغداد، وخانقين، ومندلي، وجلولاء، والسعدية، وغيرها.

إنَّ الظلم الذي يقع على الإنسان ظاهر ومرئي، بينما الظلم الأقسى الذي يطول اللغات غير ظاهر ومرئي، وقليلا ما ينتبه عليه. فقد اجبر (تل) البريطانيين على التحدث بالفرنسية بعد الاحتلال الفرنسي لبريطانيا، وغيّرت الانكليزية لصالح الفرنسية بمقدار 60% . وفرض الانگليز لغتهم على الهنود بعد احتلالهم الهند. وعملت الدول الاستعمارية: بريطانيا وفرنسا واسبانيا على محو اللغات الأفريقية المحلية وجعل لغاتها البديل منها. واستطاعت فرنسا فرض الفرنسية على الجزائر ردحاً من الزمن جعل الجزائر تعاني من اجل إعادة اللغة العربية إلى الوجود. وهذا وقع بشكل اقسى مع اللغة الفيلية فنسيت في الوسط والجنوب، فالفيلي اليوم لا يعرف خمس كلمات فيلية، وإذا نطقها ينطقها خطأ. ولهذا السبب عملت على جمع اللغة الفيلية رفعا للظلم الواقع عليها من البعثيين، ولكونها لغة عراقية أصيلة.

اعتمدتُ فيه على معايشتي للفيليين، والسماع لكبار السن، والاطلاع على التسجيلات في النت، واستشارة المثقفين الفيليين، وافدت قليلا من كتاب (مقترح للكتابة باللهجة الفيلية) للأستاذ (هيوا زندي) لأنه يخلط الفيلية بالگرميانية، ومن كتب سورانية مثل (الشامل لتعليم اللغة الكردية) لـ(نور الدين مردان) لوجود مشتركات بين السورانية والفيلية.

أقدم هذا الكتاب المتواضع في تعليم الفيلية للفيليين غير العارفين بلغتهم، وللعراقيين من العرب والقوميات الأخرى، إذ يجدر بالفيلي معرفة لغته، وبكل عراقي الإلمام بها بدرجة معينة لكونها لغة عراقية أصيلة. متمنياً أن تملأ فراغاً علميا واجتماعيا. وهي لفرط سهولتها تفتح الباب لمتعلمها ليتعلم الانگليزية، واللهجات الكردية الأخرى، واللغة الفارسية، لأنها لغات من عائلة واحدة وتشتغل على الآلية نفسها.  

يقع الكتاب في (250) صفحة، ويشتمل على أكثر من (3000) كلمة وجملة فيلية. وقد راجعه الأستاذ (عبد الواحد جمعة فيلي) وهو من المثقفين الفيليين البارزين. واني انتظر الدعم المالي لطبعه ليوزع مجاناً على أوسع مجال لتعميم فائدته.

 

أ.د محمد تقي جون الحسني

 

 

ali almirhigهو مفكر لبناني مسيحي ولد في مدينة طرابلس اللبنانية في عام 1847م. في عام 1879م وتوفي عام 1922([1]). هاجر إلى الاسكندرية  بحثاً عن حرية الفكر المغيبة في بلاده أيام السلطان عبدالحميد. إطلع على أفكار فلاسفة التنوير لا سيما أفكار (جان جاك روسو) و(جول سيمون)[2] و(كارل ماركس)، فتشرب آراءهم الديمقراطية والإشتراكية فأعجبه مناخ الحرية في كتاباتهم. في هذه الفترة أسس مجلته "الجامعة" التي أصبحت منبراً للتعبيرعن آرائه الاجتماعية والسياسية وما طرحه هؤلاء الفلاسفة من أفكار تنويرية.

أهم أعماله:

ـ مقالاته في مجلة الجامعة وتأسيسه لها، ومقالاته في جريدة صدى الأهرام وجريدة الأهالي وكلها صدرت في مصر.

ـ ابن رشد وفلسفته.

ـ أعماله الروائية: الدين والعلم والمال ـ الوحش، الوحش، الوحش ـ أورشليم الجديدة أو فتح العرب بيت المقدس، ومريم قبل التوبة، وثلاثيته "نهضة الأسد، وثبة الأسد، فريسة الأسد"[3].

ـ أوديب ملكاً (مسرحية) لسوفكلس (ترجمة)ـ الساحرة (مسرحية) لسوفوكلس (ترجمة). وترجم رواية "إبن الشعب" لديماس حينما سافر لأمريكا في عام (1903)، (وهناك عاود إصدار مجلته "الجامعة" بعد أن بلغت سنتها الرابعة)[4].

المسرحيات التي من تأليفه: (مصر الجديدة)، (أبو الهول يتحرك)، (السلطان صلاح الدين)، (بنات الشوارع وبنات الخدور).

أكد على حقوق الأقليات، لا سيما المسيحية منها، وحقها في المواطنة الذي غيبته السلطات العثمانية. وهو من العلمانيين الذين يدعون إلى وحدة المجتمع الشرقي على أساس المواطنة وليس على أساس الدين.

عروبي الهوى ومن الذين مهدوا لولادة فكرة القومية، في محاولة منه لمواجهة الفكر الديني الذي كانت الدولة العُثمانية الممثلة له، وهي المثال الأسوء آنذاك للدولة التي تُدير مؤسساتها وفق تبني الرؤية الدينية، لا سيما في تبنيها للخلافة الإسلامية والحكم بإسمها، في الوقت الذي كان الفساد يدُب في جميع مفاصلها.

كان في الجهة المقابلة فكرياً له، والمُعارضة أيضاً لسياسة الدولة العُثمانية هو جمال الدين الأفغاني، ولكنه كان يرى أن الحل لمشكل النهضة يكمن في العودة لمنابع الإسلام الأولى "القرآن والسنة النبوية والعصر الراشدي" الذي مثل عنده وعند جُل "زُعماء الإصلاح" حل لمُشكل النهضة، إذ أكد على ضرورة تأسيس الجامعة الإسلامية، وأيده تلميذه محمد عبده الذي رأى أن سبب تأخر المسلمين هو "عدم معرفتهم لأمور دينهم" فأكد على ضرورة التجمع أو توحيد العرب والمسلمين ليكونوا أخوة تجمعهم رسالة الإسلام السمحاء. وقد كان لآراء عبد الرحمن الكواكبي تأثيرها الواضح بوصفه إمتداد لمدرسة الأفغاني وعبده حينما ذهب الى القول بإمكانية الدمج بين الإسلام والعروبة.

أما فرح أنطوان فإنه يؤكد على  ضرورة وحدة المجتمع الشرقي وتكوين المجتمع القومي الذي يسمح  للأقليات لاسيما المسيحية التي هو جزء منها، ان تأخذ حقها في بناء الدولة على أساس المساواة في المواطنة. وهذا لايتم باعتقاده في دولة تُؤطر إدارتها بصبغة دينية واحدة، لأن مثل هكذا نوع من الحُكم سيؤدي حتماً للتنازع بين الأديان والمذاهب المتواطنة أو المُتعايشة على أرض واحدة وسيكون التعصب الإختلاف والتصارع مصير هذه الجماعات المحتوم.

يرى أنطون بأن الإحتكام للعقل لا الدين، هو الذي نستطيع من خلاله بناء الإنسان، والأجدر ألَا تعلو سلطة أُخرى مهما كانت قيمتها على العقل، لأننا بالعقل وحده نستطيع فهم ما يُحيط بنا، وبالعقل نفهم العالم وكل ما فيه من أنظمة. ولكنه مع ذلك لا يُنكر قيمة الأديان والتأكيد على ضرورة إحترامها، فلكل دين مكانته عند مؤيديه، وينبغي تقدير تبني هؤلاء المؤيدين لرؤيتهم الدينية عند المُخالفين لهم، إلَا أن هذا لا يعني بأي حال من الأحول جعل الدين، أي دين سماوي كان أم وضعي يُسير حياة جميع المواطنين على إختلاف دياناتهم ومُعتقداتهم ومذاهبهم.

كان فرح إنطوان من دُعاة الإعتماد على العلم في كل الأمور حتى في مجالات التفسير الديني.

آمن بالاشتراكية ودعا إلى تطبيقها حتى لو إستدعى تطبيقها المُنافحين عنها إلى إستعمال القوة والعنف (!!) وتجد في ذلك غلواً عنده لا يختلف في غلوه عن السلفيين الراديكاليين، فإستخدام القوة والعُنف ليس هو الحل ولن يكون، وإن كان، فإنه لا بد وأن ينتهي بعد حين بمجرد ضعف دُعاة القوة الرامين لمسك السلطة أو حينما يُمسكون بها.

إن المشكلة التي واجهها فرح أنطوان والتي كانت أساس كل ما كتب وقدم من أفكار وآراء ومبادئ هي مشكلة الأقليات الأثنية والدينية في الشرق العربي، تلك الأقليات التي كانت تحاول جاهدة الإنتماء إلى كيان سياسي واحد يجمعها مع الأكثرية الإسلامية على قدم المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية بهدف مواجهة إجتياح الحضارة الغربية للشرق على المستوى الفكري والسياسي والاجتماعي والعسكري على السواء. وقد أشار الدكتور خليل سعادة - أحد أصدقاء فرح أنطوان في خطبة القاها بمناسبة حفل تأبين لذكرى أنطون ـ إلى أهمية المشكلة واجتماعاته مع بعض المفكرين السوريين والمصريين التي دارت حول شقاء الشرق وخموله وعلله وعلاجها بالقول: "كنا نتمنى في هذه الاجتماعات إتحاد الشعوب الشرقية وتضامنها لنزع نير الغرب عن أعناقها. وكنا نتمنى التعويض عن الجامعة الإسلامية بجامعة شرقية عامة تزول منها النعرة الدينية حتى يتسنى لكل الشعوب الشرقية الانخراط فيها".

وكان يواجه المشكلة بشقيها الأساسيين. فمن جهة كان يجب مقاومة الإستعمار الغربي وتدخله في شؤون الوطن العربي وثانيهما رفض الجامعة الإسلامية القائمة على أساس الدين التي تحول دون إنتماء جميع الأقليات الدينية. ولا يمكن الوقوف بوجه الغرب إلا بالاتحاد والتضامن حتى بدأ بنشر مجلة الجامعة انطلق من شعارين: الله، الوطن، ثم الإتحاد والإرتقاء.

وقد جاءت فكرة الوطن عند فرح أنطون لتتوج عملية الإتحاد والتألق والتجمع لقوى الأمة في مواجهة العدو المشترك، وإذا كان الوطن يشكل الرابط السياسي والقانوني والمادي، فإن الله يشكل الرابط المعنوي والروحي الذي تقوم عليه أخلاق الأمة كما تقوم عليه مبادئ الثقة، الحق، المساواة والواجب. فمن واجبات الإنسانية الدفاع عن الوطن وحب الوطن جزء من الإيمان ورباط يربط عناصر الأمة والوقوف بوجه الغرب يدعو إلى النظر إلى الأمام وعدم الانغلاق والتقدم والتطور للإنسانية وبناء المدنية القائمة على العقل والعلم والتكتيك ويجب تماسك الإسلام والمسيحية وكأنهم كالبنيان المرصوص.

أهم مُنطلقات فرح أنطوان الفكرية:

ـ احترام الأديان: فالجوهري في الأديان هو مجموعة المبادئ الاخلاقية التي تدعو إلى الفضائل والخير. وهذا ما تشترك به الأديان جميعاً. أما العرضي فهو مجموعة التشريعات والقوانين التي يجب أن تخضع لسنة التطور. لذلك نجده يدعو لتفسير عقلاني للنصوص الديني غير خاضع لهيمنة رجال الدين وجعل العلم طريقاً لمعرفة الله.

لقد إبتعد فرح أنطوان عن الخوض في المسائل الدينية وحاول قدر الإمكان عدم الإنزلاق في مسألة رفض الدين أو الدفاع عنه، كون الدين ليس بحاجة للدفاع. يقول أنطون في مقدمة الباب الثالث: "نحن لم ندافع عن دين ولا عن علم وإنما ندافع عن مبدأ. أما الدين فهو في غنى عن دفاعكم والأديان هي سلم مدنية الشعوب وروح حياتها الأدبية لا تحتاج إلى دفاع لأن ذلك (أي الدفاع عنها) بمثابة دلالة ضعفها".

وكذلك رد على محمد عبده الذي دافع عن الدين الإسلامي وعقائده بتفريقه أو تمييزه بين الدين بكونه مجموعة المبادئ والقيم الروحية والفضائل السامية القائمة على الإيمان بالله وبين تقاليد الدين التي يسهر على تطبيقها رجال الدين.

فالمبادئ الدينية منزهة عن كل شائبة فهي تهدف إلى إنهاض الشعوب ورفع مستواها الحضاري والفكري والأخلاقي وهي أساس الأخلاق والفضائل والنتيجة منها فضيلة لا رذيلة وهي فعل الخير والتقوى وليس القتال والفساد بين العقائد والأحزاب لإصلاح شأن البشر. أما من يُسيء إلى الدين بأقوال وأكاذيب وباطل كرجال الدين الذين لديهم مصلحة أو لا يفهمون فتقوم بتعطيل قوى الإنسان فالأديان تواجه خطر زحف مجتمع الشرق نحو الغرب ومجتمعهم وبذلك يجب التآخي والتعاضد ورفض الخصومة بين الأديان، فهما شقيقان. ومن منافع الأديان يصبح العقل ضروريا للحفاظ على مبادئ الدين وخلاص المجتمع.

ـ الإيمان بالعقل: ينطلق في بحثه من مسألة العقل. فالعقل في هذا الزمان لا يعرف حداً لبحثه ومتى وضع له حد فإن ذلك بمثابة خنقه وقتله، فالعقل هو وسيلة يمكن بواسطتها للإنسان الوصول إلى الحقيقة وهو إمكانية بشرية لا يمكن إيقافها عند حد دون ممارستها الكاملة.

لا يعني إيمان فرح أنطون هذا بالعقل وحقائقه الدعوة إلى نفي الأديان ومُعارضتها، لأن العقل والدين يهدفان إلى الغرض نفسه، وهو إصلاح الشعوب وتوجيهها نحو الوئام والفضيلة والتقدم. إلَا أن الدين متى ما إنتقل إلى حيز الممارسة تتعرض مبادؤه إلى مزالق تُخرجه عن خطه السويَ، لأن المُمارسة الدينية ذات بعد روحي فرداني، أو يرتبط بتحقيق مصالح الجماعة المُنتمية إليه، أو بمصلحة الجماعة المُتصدرة للدعوة للممارسة السياسية بإسم الدين، وهذا يعني إختلاف المصالح والأهواء بين دُعاة دمج الدين بالسياسة، وكل منهم يروم القيادة وفق فهمه للدين أو المذهب الذي ينتمي إليه، وحينذاك سيكون الدين عرضة لأوحال السياسة، لا سيما حينما يتخذ منه البعض ستاراً لتحقيق أغراضهم. وهنا يأتي تنصيب العقل رقيباً على تلك الممارسة ورادعاً للأخطاء. وهنا يجب الإهتداء بنور العقل للتسامح وتبني الموقف العقلاني الذي يُعيد للإنسان رُشده، لأن الله ميَز الإنسان عن باقي الكائنات الحية بالعقل. والتسامح بغة العقل التي ينبغي أن تسود بين المُتدينين.

أما الشك عند فرح أنطوان فهو من ثمار العقل. فالشك طريق لتحقيق التسامح قبل أن يكون طريقاً في الشك المنهجي وفقاً للكوجيتو الديكارتي بتأكيده على قاعدته الأولى في الشك القائلة: ألَا أُسلم بشيء على أنه حق ما لم يتبين ليً أنه كذلك. أو"مسح الطاولة" وبناء المعرفة من البداية منذ أن كان العقل "صفحة بيضاء" بلغة جون لوك. إن لغة العقليين والتجريبين على ما بينهما من إختلاف في إتخاذ طريق الوصول للحقيقة، سواء أكانت عن طريق العقل أم عن طريق التجربة، إلًا أن ما يميزهما هو أنهما فلسفتان شكيتان، يدعوننا إلى إعادة تقييم كل معارفنا القديمة والشكل يقيمتها المعرفية والعلمية.

مع الشك صار التسامح ضرورياً لكشف الحقائق وصحتها القائمة على البرهان العقلي "الإستدلال" أو على المشاهدة والتجربة "الإستقراء". مما سبق تأتي أهمية العقل الذي نستطيع من خلاله اتوصل إلى الحقائق لأن التحديث لا يكون فقط بالممارسة التأويلية للنصوص الدينية، ولكن يكمن في الممارسة العقلانية الذي يساعد في نقد المجتمع ومحاولة تغييره تغييراً جذرياً بما يتناسب والثورات العلمية والسياسية التي حصلت في أوربا.

ـ العلم قاعدة العمران والتربية طريق التمدن:

يطرح أنطون حول (مسألة العلم) وجهتين متكاملتين هما:

ـ وجهة تنظيم المجتمع.

ـ وجهة العمران والتقدم.

فمن الوجهة الأولى يعرض للحالة الإنسانية التي دعت إلى نشوء الدين والعلم. ففي طفولة الإنسانية نشأ الدين فيها لتدبير شؤونها الروحية والزمنية. وكان العلم في بدايته مقصوراً على الأقوال الجدلية. وهذا يعني عنده أن عملية التطور والتقدم الاجتماعي لا تكمن ليست في الإيمان بالله والعمل بمقتضى المبادئ والقواعد الدينية، إنما تكمن في إعمال العقل في جميع العلوم والفنون والمجالات وتطبيق النتائج العلمية على متطلبات الحياة والعمل عليها. وإذا كان يرجى في المستقبل وصول الشر إلى محطة الكمال وتأليف وحدة لهم فهذا الوصول لا يكون الا بالعلم. وقد رفض فرح أنطوان المبادئ المادية وأكد أن الدين هو دين الفضيلة ورفض إضطهاد الأديان ومعتقداتها  وقد أكد أن لكل من الدين والعلم جانبه وعالمه، فعالم الدين هو الروح وتجلياتها، وعالم العلم هو الطبيعة وتجلياتها، فآلية العلم هي العقل، لأنه مبني على المشاهدة والتجربة أو الإستدلال، لأنه مرتبط بالطبيعة محاولاً فهمها والسيطرة عليها بلغة فرنسيس بيكون، لفه تقلباتها ومُتغيراتها. أما الدين فآليته القلب أو الروح، لأنه مرتبط بالعاطفة والسماح والفضيلة. وكلاهما نافعان وضروريان للإنسانية.

أما عن التربية فيقول: "أبواب الإصلاح في الشرق ثلاث: التربية، والبيئة، والتربية البدنية والدينية"[5]، فالتربية على الفضيلة هو أساس التربية الدينية، والإهتمام بالصحة والعافية هما أساس التربية البدنية، وهاتان مقولتان كانتا الأس الذي بنى عليه هربرت سبنسر رؤيته للفلسفة التربية. والأهم في رؤيته لأثر البيئة في التربية هو أن الإنسان إبن بيئته كما يُقال، فإذا كانت البيئة التي يعيش فيها بيئة يحكمها التعصب ويُسيَرها رجال الدين وهم المشرفون على تربية النشأ، فإن مصير هذا النشأ الإنحراف والتطرف لا محالة.

ـ فصل الدين عن الدولة:

هذا المبدأ هو أساس المبادئ الثلاثة الأولى، والسبيل الوحيد إلى تحقيقها في المشاركة ببناء الحضارة العربية وانتمائهم إلى الأمة العربية.

وهناك خمسة أمور رئيسة طرحها، تدعو إلى الفصل بين السلطتين الدينية والمدنية.

والأمر الأول أهمها: إطلاق الفكر الإنساني من كل قيد خدمة لمستقبل الإنسانية، و تحقيق هذا الأمر يقتضي الفصل بين الدين والدولة وكذلك كما يقتضي الفصل بين مُعطيات العلم ومُعطيات الدين، ولا يعني هذا إنكارأو نقض وجود بعض نقاط للتلاقي بين الدين والدولة أو بين الدين والسياسة، ولكن التلاقي في بعض الأمور لا يعني باي حال من الأحول التطابق في المهام وفي إتباع الطريق ذاته للوصول للفضيلة أو للحقيقة، لأن الغرض الذي جاءت من أجله الأديان يختلف عن غرض الحكومات، فغرض الدين السير وفق مُتطلبات المثال ببُعده المطلق، أما غرض الدولة "الحكومة" فهو التعامل السير وفق مُتطلبات الواقع ببُده المُتغير.

والأمر الثاني: هو الرغبة في المساواة بين أبناء الأمة مساواة مطلقة وعدم النظر لعقائدهم ومذاهبهم ليكونوا أمة واحدة.

الأمر الثالث: إنه ليس من شؤون السلطة الدينية التدخل في الأمور الدنيوية، لأن الدين يدخل دائرة القلب. أما تنظيم المجتمع والسيادة فهو من شؤون الساسة الذي لا يُشترط بهم معرفة أمر الدين بأبعاده الشرعية، إنما المطلوب منهم معرفة فقه السياسة وفلسفة السلطة وفق مقدرة العقل البشري الذي يتعامل مع السياسة بوصفها فن الممكن.

الأمر الرابع: هو ضعف الأمة وإستمرار الضعف فيها إلى ما شاء الله ما دام الدمج مستمراً بين السلطة المدنية والدينية. وإذا وقعت الأمة بيد رجال الدين فستبقى ضعيفة وغارقة بالجهل والعجز.

الأمر الخامس: هو إستحالة الوحدة الدينية وهذا أمر غاية في الأهمية، وهو من أكبر وأكثر الأسباب التي دعت إلى الفتن والاضطرابات في الإسلام والمسيحية. ولا يمكن أن تتوحد المجتمعات لإختلاف عقائدها ودياناتها والطوائف، فكل المجتمعات تختلف دياناتهم. ولا سبيل إلى صهرها في مذهب واحد وإلى هذا تُنسب كل الحوادث الدموية التي حدثت فيما بين الديانات[6]، وهذا ما حصل في التاريخ في أماكن مختلفة. ولكن النتيجة السيئة كانت واحدة، وهي انقسام المجتمع الواحد وحروب دينية طائفية ومشارفة هذا المجتمع على الانهيار دون أن تتم الوحدة الدينية فعلا.

وبناء على الأمور الخمسة يستنتج أنطون أنه: "لا مدنية حقيقية ولا تساهل ولا عدل ولا مساواة ولا أمن ولا ألفة ولا حرية ولا علم ولا فلسفة ولا تقدم في الداخل إلا بفصل السلطة المدنية عن الدينية ولا سلامة للدول ولا عز ولا تقدم في الخارج إلا بفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية"، "فشر الظلم ظلم رجال الدين"[7].

 

د. علي المرهج - أستاذ فلسفة

....................

[1]ـ ينظر: حول أفكار فرح أنطون المدونة في المتن أعلاه المصادر التالية: فرح أنطون: المؤلفات الروائية، دار الطليعة، بيروت ــ لبنان، ط1، 1979. تقديم أدونيس العكرة. وكذلك فرح أنطون: ابن رشد وفلسفته، دار الطليعة، بيروت ـ لبنان، تقديم أدونيس العكرة، وحول حياة أنطون يُنظر: أسامة بركات: فرح أنطون وأثره في الفكر القومي العربي المعاصر، دار بولاق، عمان ـ الأردن، ودار الفارابي، بيروت ـ لبنان، ط1، 2003، ص35ـ40.

[2]ـ جول سيمون: (1814ــ 1869) فيلسوف روحاني فرنسي، وكان رجل سياسة تولى وزارة الثقافة العامة في حكومة الدفاع الوطني التي تشكلت عام 1870في باريس برئاسة الجنرال تروشو. فعمد أنطون إلى نشر سيرة حياته ورؤاه الفسفية والاجتماعية على صفحات مجلته (الجامعة) لا سيما في دفاعه عن المرأة وحقوقها. ينظر: فرح أنطون: الأعمال الروائية، مصدر سبق ذكره، ص6.

[3]ـ  مارون عيسى الخوري: في اليقضة العربية: الخطاب السوسيوسياسي عند فرح أنطون، دار جرس برس، بيروت ـ لبنان، ط1، 1994، ص95ـ110.

[4]ـ يُنظر: سمير أبو حمدان: فرح أنطون وصعود الخطاب العلماني، دار الكتاب العالمي،، بيروت ـ لبنان، ط1ـ 1992، 27ـ31.

[5]ـ أسامة بركات: فرح أنطون وأثره في الفكر القومي العربي المعاصر، ص37.

[6] ـ  يُنظر: فرح أنطون: إبن رشد وفلسفته، ص144ـص147.

[7]ـ فرح أنطون: المصدر نفسه، ص78.

 

 

abdullah alfifiإن السؤال المنهاجي الذي يستفزُّه ذلك البحث الجادِّ المتفرِّد الذي أنجزه (الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن ناصر المانع)، تحت عنوان «على خُطا المتنبِّي (دَرْسُ طريقِ هروب أبي الطيِّب المتنبِّي من الفسطاط إلى الكوفة)»، (الرياض: كرسي المانع لدراسات اللغة العربيَّة وآدابها، 2017)»، هو:

المتنبِّي جغرافيٌّ أم شاعر؟ 

أ يهدف الشاعر عادةً إلى تقرير الحقائق والوقائع والمواضع الجغرافيَّة، أم إلى تصوير مشاعره بالكلمات، وقفزات خياله بالعبارات، والتطريب بهذه وتلك؟

إن أبا الطيِّب- وإنْ كان قد مَرَّ بتلك الطريق التي رسمها مؤلِّف «على خُطا المتنبِّي» أو بقريب منها، كما هو معلوم من أخباره ومن شِعره- لا نستطيع الجزم أن كلَّ ما قاله يماثل خطَّ سيره، كما تقوله لنا وثيقةُ رحَّالةٍ أو تقريرُ جغرافي.  فالرجل يظلُّ شاعرًا، قد يستدعي ذِكر مكان لإيحائه التعبيري، أو لتساوقه مع صياغة بيت، وما ينبغي أن يؤخذ قوله مأخذ قول الإخباري؛ وليست تلك بغايته، ولا هي بصناعته، وإنما قد يوظِّف أسماء الأماكن لشِعريَّتها، وربما على السماع، لا أكثر.  فإذا أضيف إلى هذا ما عُرِف عن أبي الطيِّب من الإدلال بمعارفه، والمباهاة بعِلْمِه، والمفاخرة بذاته، والمغالاة في وصف نفسه، ازدادت مشروعيَّةُ التحفُّظ على تفسير ما يورد في شِعره على أنه يعبِّر عن حقائق جغرافيَّة أو تاريخيَّة خَبِرَها واقعيًّا بالفعل.  ولهذا يمكن أن نسأل، مثلًا: لماذا قدَّم المكان المُسمَّى (الكِفاف) على (كَبْد الوِهاد)، إنْ كان قد مَرَّ بالأخير أوَّلًا، حسب رسم الباحث لطريقه؟  أذلك للضرورة الشِّعريَّة؟  لقد كان بإمكانه القول:

رَوامي الكِفافِ ككَبْدِ الوِهادِ  * *  وجارِ البُوَيرَةِ وادي الغَضَى

ليُفيد، بإضافته كاف التشبيه قبل الاسم «كَبْد الوِهاد»، مرورَه بكَبْد الوِهاد أوَّلًا، دون أن تؤدِّي ضرورةٌ شِعريَّةٌ إلى مخالفة الواقع المكاني.  وما يليق بشاعرٍ بحجم المتنبي أن تقف ضرورةٌ وزنيَّةٌ دون أن يقول ما يريد كما يريد.  وها نحن هؤلاء نجد له المخارج العَروضيَّة، لو أراد ترتيب الأماكن حسب مواقعها في شَمال الجزيرة العربيَّة.  وكذلك في قوله:

ومَسَّى الجُمَيعِيَّ دِئداؤُها  * *  وغادَى الأَضارِعَ ثُمَّ الدَّنا

فقد كان يُفترض أن يشير إلى (الأَضارِع) قبل (الجُمَيعِي)؛ لأنه متقدِّم في مكانه، وَفق خريطة الباحث.  وقد علَّل الباحث، (ص170)، هذا التقديم والتأخير بضرورة الوزن.  لكن لو تأمَّلنا لما وجدنا هنا ضرورةً أصلًا؛ فقد كان بإمكان الشاعر أن يقول:

ومَسَّى الأَضارِعَ دِئداؤُها  * *  وغادَى الجُمَيعِيَّ ثُمَّ الدَّنا

أو

وغادَى الأَضارِعَ دِئداؤُها  * *  ومَسَّى الجُمَيعِيَّ ثُمَّ الدَّنا

فالوزن (المتقارب) لا يختلُّ، قدَّمَ الشاعر أو أخَّر، ومَسَّى أحد هذين الموضعَين أو غاداه. 

لقد جاءت القصيدة في وزنٍ من أسهل الأوزان على الشعراء وأكثرها غنائيَّةً، وإنْ لم يكن الشاعر «متنبِّئًا».  وهو وزنٌ مِطواعٌ للتعبير عن موضوع القصيدة، من جهة، مصوِّرٌ حركة الإبل والخيل، بين مِشْيَة الخَيْزَلَى والهَيْذَبَى، من جهةٍ أخرى.  كما أن القافية على رويِّ الألف قد جعلت القصيدة تبدو كأنها من الشِّعر المرسَل؛ لأن هذا الرويَّ- وإن كان جائزًا اتِّخاذه رويًّا، ما لم يكن للمدِّ- هو في العربيَّة في جُملةٍ من أكثر مفرداتها، يأتي في الفعل: «مضَى»، مثلًا، والاسم «الهَيْذَبَى»، والمصدر «غِنَى»، والحرف «ذا، وها، لا».  وقد يكون أيضًا ذا أصلٍ واويٍّ أو يائيٍّ أو ألفيٍّ.  ولهذا فتلك أسهل تقفية على الإطلاق؛ حتى إن القارئ يكاد لا يشعر بالقافية في القصيدة، للِين الرويِّ، وسكونها، وتنوُّع الحرف قبلها بتنوُّع كلمات القافية.  ولو كان أبو الطيِّب كـ(أبي العلاء المعري)، في حساسيَّته الموسيقيَّة المفرطة، للزم ما لا يلزم، كي يُسنِد رويَّه بالتزام حرفٍ قبله.  فلا ضائقة وزنيَّة بقيت أمام المتنبِّي، إذن، ولا تقفويَّة، ولا ضرورة لشاعرٍ بعد هذه البسيطة الإيقاعية، التي تُشبه دماثة الصحراء وانبساطها أمامه.  ومن هنا، فلو ابتغى أبو الطيِّب ترتيب أسماء المواضع حقًّا، وَفق مواقعها الجغرافية، لتأتَّى له ذلك بيُسر، كما مثَّلنا آنفًا.

لذا ما ينفكُّ التساؤل قائمًا عن مرور الشاعر حقيقة بجميع المواضع التي أشار إليها في قصيدة فراره من (مِصْر)، وبالترتيب نفسه المذكور في دراسة الباحث.  بل أكثر من هذا: التساؤل عن مدى معرفة أبي الطيِّب بتلك المواضع، ما دامت المادةُ التي بين أيدينا لا تعدو قولَ شاعر.  وممَّا يؤكِّد هذا إشارةُ الشاعر إلى (عُقدة الجَوف)، على أنها موردُ ماء، في حين أن عُقدة الجَوف هي (أبارق)، كما ذهب إلى ذلك (حمد الجاسر)، وهي التي عناها أبو الطيِّب.  وهذا المكان لا ماء فيه ولا كلأ، بل هو صحراء قاحلة، كما ذكر الباحث! (ص173).  ولو صحَّ أن عُقدة الجَوف هي (دُوْمَة الجندل)، كما ذهب إلى ذلك الباحث، لكان السؤال: كيف شربت إبل المتنبي «بماء الجُراويّ» وهي في عُقدة الجَوف، أو دُوْمَة الجندل؟:

إِلى عُقدَةِ الجَوفِ حَتّى شَفَتْ  * *  بِماءِ الجُراوِيِّ بَعضَ الصَّدى

لأن الجُراويَّ يصبح وراءها حين تصل إلى دُوْمَة الجندل!  ثمَّ كيف رجع الشاعر حين وصل إلى الجُمَيعِيّ، وهو موضعٌ على حدود (العراق)، إلى الأضارع، وهو مكان يقع قبل دُوْمَة الجندل؟!  ليقفز من هناك فجأة إلى (أعكُش)، في العراق:

ومَسَّى الجُمَيعِيَّ دِئداؤُها  * *  وغادَى الأَضارِعَ ثُمَّ الدَّنا

فَيا لَكَ لَيلًا على أَعكُشٍ  * *  أَحَمَّ البِلادِ خَفِيَّ الصُّوَى

  لا تفسير لهذا كلِّه، إلَّا بالتسليم بأن الشعراء يقولون ما لا يفعلون، وأنهم في كلِّ وادٍ يهيمون، ومَن يتَّبعهم مِن البُلدانيِّين، محتكمين إلى أقوالهم، هم الغاوون! 

من أجل هذا، كنتُ وما زلتُ، أرى في البحث في شِعريَّة الجغرافيا ما هو أجدى من الانشغال بالجغرافيا الواقعيَّة عينِها(1)؛ يقينًا بأنه يكمن وراء اختيار الشاعر للأسماء ما هو أبعد من ظاهر معناها، إنْ لم يكن في وعي الشاعر فهو بلا ريب في وعي النصّ.  من حيث إن منهاج التمسُّك بواقعيَّة الإشارات الشِّعريَّة المطلقة لا تنحصر خطورة نتائجه أحيانًا في إفقار شِعريَّة النصّ، بتحويله إلى محض وثيقةٍ واقعيَّةٍ، بل قد تتجاوزه إلى تمزيق النصِّ إربًا في سبيل التحقيق الجغرافيّ؛ لأن أسماء الأماكن، هي- قبل كلّ شيء- مفرداتٌ شِعريَّةٌ، يصرِّفها الشاعر وَفق مقتضياته الدِّلاليَّة، من فنيَّة أو رمزيَّة، كحالِ كلِّ ما تَحوَّل عن طبيعة الواقع إلى طبيعة الفن.  وفي هذا ما يجيب عن حَيرة الحائرين: أين (وادي القُرَى) المقصود في قصيدة المتنبي؟ وأين (وادي المياه)؟  وما علاقة أحدهما بالآخَر؟  وإلى أين كان ينوي المتنبي التوجُّه؟  لقد كان المتنبي ينوي التوجُّه إلى الشِّعر وحده!  وتلك أسئلةٌ جغرافيَّة، لا محلَّ لها في الشِّعر، في حقيقة الأمر، ظلَّت تتردَّد لدى الدارسين مع الشعراء حين يتناولون بشِعرهم المواضع!  وسبب الحَيرة أن هذه المفردات تَرِد على ألسنة الشعراء لأسباب فنيَّة تخييليَّة، لا علاقة لها بالواقع بالضرورة، في حين يُصِرُّ البُلدانيُّون على نفي طبيعة النصِّ الشِّعري ووظيفته، ليجعلوا منه وثيقةً جغرافيَّة.  وهو ما كان قمينًا أن يُفسد قراءات الشِّعر من ناحية ويُفسد كتب البُلدان المتكئة على الشِّعر من ناحية أخرى. 

وأمَّا الاحتجاج بما جاء في خبر هروب المتنبي، فأغلب الظنِّ أن ذلك الخبر بُنِيَ على ما وردَ في شِعر المتنبي نفسه، وكثيرًا ما كانت القصص الإخباريَّة تُبنَى على القصائد في تراثنا العربي، منذ قصة (المهلهل/ الزير سالم) إلى خبر هروب (أبي الطيِّب المتنبي).

-6-

ختامًا، يُلحظ أن المؤلِّف ربط بين قِصَّة هرب المتنبي، بما أضفيت عليها من لمسات خياليَّة، وقِصَّة هجرة (النبي، صلى الله عليه وسلَّم).  لكن الأقرب من هذا إلى الاحتمال الربط بين تلك القِصَّة وقِصَّة نَبِيٍّ آخر، هو (موسى، عليه السلام)، وهروبه من (فرعون مِصْر)!  غير أن عملَ الباحثِ القيِّمَ نفسَه لم يخل من تعظيم أبي الطيِّب والدهشة لإفلاته من براثن (كافور الإخشيدي)!  وإنْ كانت لا تبدو في مثل هذه الحادثة درجةٌ عُليا من الغرابة، فضلًا عن الإعجاز أو الخوارقيَّة.  فأمثالها تحدث في كلِّ زمانٍ ومكان، حتى في عصرنا هذا، على الرغم من تقدُّم وسائل المراقبة وسرعتها غير المسبوقة في التاريخ.  وإنما يستدعي الأمر درجةً من الفطنة والتضليل والأعوان، وهو ما توافر لأبي الطيِّب.

 

أ‌.      د. عبد الله بن أحمد الفيفي

.....................

 (1)  وهو ما يَلمحه بعضُ القدماء، على نحوٍ ما، ولاسيما باضطراب العلاقة بين أسماء الشِّعر وأسماء الجغرافيا، يُنظر مثلًا خَبَر (ابن المناذر): (الأصفهاني، (2008)، الأغاني، تحقيق: إحسان عبّاس وإبراهيم السعافين وبكر عباس (بيروت: دار صادر)، 18: 130- 131).

 

 

1183 mudafarصدر في العاصمة اللبنانية بيروت، عن دار جيكور كتاب الاعجاز الصرفي بين التوهم والادعاء، لمؤلفه (أ. م. د. ليث داود سلمان). ويتناول الكتاب إشكالية هامة تتعلق بموضوعة الاعجاز الصرفي.

تمحورت إشكالية فهم النص القرآني في فهم و إدراك النَّـصِّ، فكان محوراً للبحث والدراسة، للدِّرَاسَاتِ اللغَوِيَّةِ وَالبلاغية؛ التي نَشَأتْ فِي أحضان النَّص الْقُرْآَني، فقد أثار نزوله حركة فكرية لدى المؤيدين والمعارضين عَلَى حد سواء، وكانت البدايات فِي عصـر الرسول حين كَانَ يمارس دوراً تفسيرياً لبعض الآيات مُجيباً أو معلقاً أو شارحاً، وقد نهي الرسول«ص» عن تدوين غير الْقُرْآَن خشية التباسه بغيره، فروي عن علي بن أبي طالب«ص» «ما كتبنا عن النَّبي«ص» إلا الْقُرْآَن»، فكانت علوم الْقُرْآَن تنتقل مشافهة، لعدم حاجة العرب فِي ذَلِكَ العَصـر إِلَى تَفْسِيْرٍ مُدَوَّنٍ كَونه قَد نَزَلَ بِلُغَتِهم، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ إبراهيم:4، ولاعتقادهم أنَّ الله تكفل حفظ القرآن، ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ﴾القيامة: 16-17، إلا أنَّ الحال تغيرت بعد اتساع رقعة الدَّولَةِ الإِسلَامِيَّةِ، وَكَانَ لَابُدَّ أَنْ يَتَعَلَّم العربية غير العرب ولاسيما أن بعض العبادات تشترط «العربية»، كالصَّلاة، وجعل الله من «التِّلاوة» عبادة يتقرب بها المُسلم إِلَى ربه، فلم يكن أمام غير العرب من سبيل إلا تعلم الدين ومعرفته الَّتِي لا يمكن أن تتأتى إلا بضبط اللسان، فصارت معرفة الدِّين مرتبطةً بمعرفة العربية، وظهرت هَذِهِ التوجهات واضحة، حين بدأت السَّليقة العربية تضعف، وظهر «اللحن»، وتفشى بين الألسن، بفعل الاختلاط وظهور اللحن عَلَى ألسنة النَّاس حتى وصل الأمر إِلَى القرآن الكريم، فظهرت محاولاتهم لتدارك هذا الأمر، فكانت جهود الأوائل تفسيرية تأويلية، تهدف إِلَى فهم «النَّص القرآني» مُتِخذين من أحاديث الرسول«ص» فِي تفسير بعض الآيات، وسار من بعده عَلَى هذا النهج بخطى حذرة، ورسم حدود الممكن والممتنع في التَّعامل مع النص القرآني، وتعددت الدِّراسات، وَشَملتْ أغلب جوانب القُرآنِ، فقرئ نحوياً في كتب إعراب القرآن، ولغوياً في كتب المجاز والغريب، ودلالياً في كتب المعاني والتأويل، وقرئ صوتياً في كتب القراءات، وقرئ بلاغياً، ولا يكاد يخلو حقل من حقول المعرفة إلا ونجد أن الدراسات تناولت النص القرآني على ضوء ذلك الحقل المعرفي.

وظَهَرت المُحاوَلات الأُولى للتَّدوين فِي القَرنِ الثَّاني الهجري، وكانت هَذِهِ المُحاولات لِكشف دلالات النَّصِّ القُرآني وأبعاده، وفهم غريبه، ومعانيه، وبدأ العلماء بتدوين شـروح الْقُرْآَن، فظهرت لدينا جهود العلماء فِي الحفاظ عَلَى اللغة من اللحن فكانت مصنفات لـ«عبدالله بن إسحاق الحضـرمي «ت117هـ، عيسى بن عمر «ت149هـ، أبو عمرو بن العلاء «ت154هـ، الخليل بن أحمد الفراهيدي «ت170هـ، عمرو بن عثمان بن قنبر المعروف بـسيبويه «ت180هـ.، يونس بن حبيب «ت182هـ، علي بن حمزة الكسائي «ت189هـ، النضـر بن شميل «ت202هـ، الفراء «ت207هـ، «مجاز القرآن» لأبي عبيدة «ت210هـ، أبو عمر الشيباني «ت213هـ، عبدالملك بن قريب _ الأصمعي «ت213هـ، أبو زيد القرشي «ت215هـ، و «مُشكل القرآن لابن قتيبة» وتلتهم «أسباب النزول لابن المديني، وفي النَّاسخ والمنسوخ لابن سلام، وفي غريب الْقُرْآَن للسجستاني،...».

ويوجز المؤلف رؤيته بقوله: (ظل هذا المناخ المعرفي الذي تسمو به العقيدة، وتتدفق لديه المطالب العلمية، أشبعت الذات من تطلعاتها، وبدأت بوادر التصنيف تشمر عن سواعدها، وأخذت لغة التأليف تجود بقرائحها، ونالت الإلهيات في العقيدة والكلام – لضـرورتها الوجودية وحاجة الإنسان إليها – كثيراً من البحث والتنقير، وحازت العلوم القرآنية قصب السبق فيها؛ لأنّها متفرعة على الوجدانيات والمدركات العقلية. ومن بين كثرة المقاربات تعددت القراءات في تفسير القرآن وبيان إعجازه. ولا يخفى أنّ مفهوم الإعجاز مقدم على التفسير من جهتين:

الأولى: إنّ مشروعية القرآن تثبت من طريق البرهان بلغة الإعجاز ولسان التحدي.

والثانية: إنّ تفسير القرآن وبيان مقاصده يخضع للإطار الداخلي في المنظومة الدينية. أمّا الإعجاز فهو يعمل على ترسيخ الإطار الداخلي وتقرير مطالبه، ويشتغل على مديات خارجية أوسع تؤدي آلية حجاجية وفاعلية إقناعية في عملية التداول والتواصل؛ لكي تكون الحركة الفكرية في امتدادٍ متوازٍ مع توسع بيضة الإسلام بل إنّ سبيل الإعجاز إلى الإقناع أبلغ من غيره؛ لأنّه يبسط الدليل الجلي على موائد التفكير، ويعرض البرهان على الأذهان..

ولاقترانه بأسس العقيدة ومبادئ النبوة تسارعت إليه الهمم، وتسابقت إليه فارعات القمم، فتعاطوه عقيدة محكمة؛ لتقرير مطالب النبوة وتأكيد مجاري التنزيل، لكونه لسان القرآن المتحدث عن جوهره اللطيف، ومنبته الرصيف، وبوابة فهمه الهادية إلى مراتبه العالية. وقد نمت هذه المفردة في ظل أحضان البحث الكلامي الذي يبتغي معاينة مسائل التوحيد بمبصـرات حجاجية ولغة إقناعيه في تقرير الحقيقة. ولما كانت النبوة شأناً ربوبياً في التدبير والتقرير، ظهرت الحاجة إلى منطق الاستدلال وصناعة البرهان، حتى يكون التلقي ناجعاً في استنزال المطالب إلى الأذهان.

ومما كشفته المراحل السابقة أنّ طريق الإيقان يكون بفلسفات تداولية، تناسب الأفق المعرفي الذي يرزح تحته الأشخاص، وبمبتنيات حجاجية تسانخ الثقافة الرائجة التي تؤلف منظومتهم الفكرية؛ ليكون صـراط الحجة ناظراً إلى تلك الصناعة المألوفة، وقاصداً في الغلبة إلى تقويض ذلك المبنى الثقافي والتسامي عليه. فكان باب التَّحدي ونهج المعارضة أداة فاعلة في الاستجابة والقبول.

لقد حظي مفهوم الإعجاز – في مؤداه – بمزيد من العناية، وشديد من الاهتمام، حتى غدا التعاطي له من أولويات البحث والتنقير في كل عصـر ومصـر؛ إذ إنّه مقترن بالكتاب الإلهي الخالد، الذي لا تنضب معانيه، ولا تنفد مراميه، وهو فرع حياة القرآن وسر ديمومته، ومن تمثلات بعده الغيبي في عالم التكوين، قد تجلى بفلسفة محكمة تعاين الواقع وتشخص العين، وتناسب مستويات الإدراك المتفاوتة؛ لذلك لم تتجافَ عنه العقول، ولم تتنكر له البصائر.

إنّ هذه الاستراتيجية الغيبية المؤثرة في ذوي اللبّ والنهى مكنت الأجواء لتأسيس المفهوم ببعده المعرفي القار في الثقافة الإسلامية؛ كونه أداة طولى في بسط وجوده الفلسفي إلى ثقافات الشعوب الأخرى. ولكن بعد طول مسير، وأزمان من النظر والتدقيق أضرّت به عوادي الدهر، وحرّفته غواشي البشر، فخرج عن مجاله، وأبعد عن مقامه.

إنّ الجُرح المتقدم يمثل سؤال المعرفة الذي يروم هذا العمل إطلاقه، والإفصاح عن مكنوناته. وبمعنى: إلى أيّ مدى يمكن لمفهوم الإعجاز أنْ يوسع حدوده ويكثر نجوده ؟

أهو منفتح على شعب المعرفة ومدركات الفكر – يقترن بمفاهيمها ويتوغل إلى ميادينها – أم هو مأسور إلى منزعه ومأنوس بمنبته ؟

أقول:

لقد تحركت البواعث القدسية لدى ثلّة من الباحثين والدارسين – نشداناً لذلك الكمال المطلوب، وبحثاً عن متممات الجوهر المفقود الذي تقصده الذات في وجودها – وتعمقت الدوافع الكمالية؛ لاستدعاء مفهوم الإعجاز من منطقة اشتغالاته ومجاري معالجاته إلى محل يسمح له أن يؤدي دور الوظيفة الاقناعية في كل ميادين المعرفة، فتتكاثر أغصانه وتتكاثف أفنانه، فيتحصّل لدينا إعجاز فلكي في قبال ما يطرحه العلم الحديث من تنويرات في علم الفلك، وإعجاز طبي يضاهي الاكتشافات التي يضعها العلم المعاصـر بين أيدينا، وإعجاز عددي، وإعجاز كيميائي وإعجاز فيزيائي وهلم جرّا.. وأكثر من ذلك، فقد جُرّ هذا المفهوم إلى حقول موضوعية، لا يصنع معها مركباً معرفياً، يقبله العقل، ويرتضيه الذوق؛ إذ ثمة فسحة كبيرة بينها، تمنع ائتلاف المعنى، وتحظر تلاقي المغزى، كالإعجاز التاريخي والإعجاز الخطي، والإعجاز النحوي والإعجاز الصـرفي وغيرها.

إنّ تلك المحاولات سعت جاهدة بحثاً عن الكمال في مقارباتها، ولكنها أخطأته وفوّتته، لأنّها فرضيات وادعاءات لا تلامس جوهر الحقيقة، ولا تقترب من لوح الواقع، اتخذت من الزعم سبيلاً إلى المجازفة، ومن الارتياب سبباً إلى المغامرة، فرامت استنطاق المفاهيم بمرجعيات ذاتية فردية مشبعة بموروثات أحادية تلائم أذواق مسلك معهود في الثقافة، ولا سيّما من حُظرت أفكارهم على التقليد والتقديس.

وبأثر من تلك الصيحات الفارعة، ومن ذلك التهلهل في نسيج العلم، والتهرئ الناقع في نظام المعرفة، توقدت فكرة المشروع، وتثورت البواعث لديّ.. فكان العمل يعاين تلك الاتجاهات بعين الفحص والتنقيب، ويواكب مسارهم في جنبات النقد والتدقيق؛ كونها إسهامات أنجزت لتخطي عتبات الفكر، وتبلورت لتجاوز تخوم المنهج العلمي.

وقد مهد المؤلف لكتابه بمدخل نظري لحركة المفاهيم في منطقة اشتغال أهل اللغة وأصحاب المعجمات؛ لأنّه يمثل الإطار البنيوي في صناعة المصطلحات وتحديد وجهتها المعرفية، وأتبعته بقراءة فكرية لمساراتها عبر تعقب المفهومين لدى أرباب كلّ فنّ وقوفاً على المراحل التي مرّ بها المفهوم قبل أنْ يستقر به الحال مصطلحاً، وقبل أنْ يلملم مسائله؛ ليكون علماً مستقلاً، فيكون القارئ على وعي بالمفاهيم، وتفقه بحدودها، من المنابع الأساسية التي تشكل فيها إلى أن غدا فناً، له حدود وتخوم..

وهنا يكون القارئ قد استقرت به نوى التحديد، واستقلت له جهات التشخيص، وتجلت له المفاهيم بإطلالة السفور والوضوح. ورافق هذا النظر بعض القراءات النقدية والوقفات التحليلية التي تناقش الحدود وتحاور الرسوم – في ضوء المضمار الذي تتحرك فيه – وتتعقب الآراء، سواء أكانت للعلماء أم للباحثين، التي لحقها الأفن وأدركها الوهن، قاصداً إلى ذلك قصداً، ولا سيما في مفهوم الصـرف – الذي اُتخذ جهة في الإعجاز – لكي أبصـر القارئ أنّ هذا المفهوم لم يثبت علماً، له موضوعه ومسائله إلاّ متأخراً، وهو ميدان فسيح للأخذ والردّ، وفيه مساحة كبيرة من الخلافات والاعتراضات ما يجعل حلبة النقد فيه مديدة. ووقفت على التجليات اللفظية للمفهوم بصورتيه: الصـرف والتصـريف، وأثر ذلك في عملية التأسيس. وهذا بدوره يقود إلى مسألة جوهرية قد ابتنى عليها البحث، هي: إنّ هذا الفن لا يمكن أنْ يجود بقيم كمالية ولا بخصال جمالية، تؤهله أن يكون محلاً لتحرير مفهوم الإعجاز!!

وقد كان هذا المدخل المعرفي فصلاً مميزاً للتعرّف على ماهية المفاهيم المطروحة في الثقافة الإسلامية، الذي كان الإعجاز من أبرز مفرداتها.

ثم تخلص المشروع إلى المحور الثاني، وهو محور مهم، أراد به الباحث أن يعرف القارئ على أضرب الإعجاز في منظومتنا الحجاجية، فعمدت إلى تتبع الأقوال، والآراء، لا على نحو الإحصاء الدقيق والاستقراء الفتيق، لكي أجلو المديات المسموح بها التي حُددت من لدن العلماء، وما يمكن أن يقبل الإطراء منها، وما يلحقه النقد والتجريح فيها. فكانت الغلبة من بين تلك الأضرب للنظم مع اختلاف يسير فيما يقترن به، أو ما هو من شؤونه. وهو تفسير، لا يرتضي كاتب هذه الأسطر سواه؛ لأنّه يتناغم مع الفن الذي كان رائجاً عند العرب في زمن التحدي والمعارضة، وفي ضوئه اعترف أهل الفصاحة وذوو البلاغة بالسبق والفضيلة له...

ومن جهة أخرى أنّ كل الأوجه التي ذكرها العلماء إلى جنب هذا الضرب لا تعدو أن تكونَ أمارات كاشفة من تدفقات ذلك النظم العجيب الذي يدجّ في النص القرآني كله..  وقد فرّعت على ذلك أمراً مهماً، وهو التعرض – بلا إطالة – للاتجاهات النائية والقراءات الواهية التي أتى أصحابها على شرعنتها ونمذجتها، وهي مساعٍ تزيد المثالب، ولا تضفي المناقب، وتقرب المستهجن ولا تدني المستحسن، قد ألحقتها بأضرب الإعجاز؛ لتكون مرآة كاشفة عن الثابت والمتغير في ذلك المفهوم، فيُشخص في ضوئها المنزلقات التي ابتليت بها الثقافة الإسلامية بعد أعوام من الازدهار والانتعاش، وهنا يكون المتلقي قد وقف فعلياً على معطيات الفكر الإسلامي في صناعة مفهوم الإعجاز وتشخيص أضربه. وهذه الأسفار المستحضرة والمادة المستعرضةـ على ثقلها وكثافتها في المحور المتقدم ـ أراها تزيد من فاعلية الإقناع وتدعيم الحجة في تحديد الأطر المعرفية والمنتجات الثقافية لذلك المفهوم في تلك العصور. ولضيق المقام عن الإتيان على جميعها تفصيلاً، وتعاطيها تدقيقاً، حددت المحور الثالث بالإعجاز الصـرفي، ليأخذ التبيين بغيته، والتفصيل بنيته، فعرضت الفكرة الرئيسة، وأشهر من تبناها واعتنقها، مصوباً سهام النقد إليه بوغر الصدور ووجم النفوس، وقد أرسلت النظر في الجزئيات وعمدت الخوض في الدقّيّات من أجل القراءة النقدية الفاعلة في تتبع بصمات الشحن غير الإيجابية.

ولم يكن الإجراء الذي نثثته، ولا النقد الذي نقشته يقاصص الأشخاص بتحامل عاطفي أو تأثير وجداني، يدفعه الحسد العلمي، ويحدوه النبض الباطني. وكذا لم ابتغِ هوس العقيدة أو وكس الفضيلة. ولكن قادني القبيل وساقني الدليل لبعثرة نسيج الادعاء – الذي تعهّده نفر من المؤلفين والباحثين – وزحزحة وشائجه، وثني عزائمه، حتى تكون العقيدة بمأمن من مقاربات المتطفلين، ويكون القرآن في عصمة من لوث المغالين ومناوشات المتعصبين الذين لا يتعاطون إلا قشور المعرفة وزبد التفكير؛ لذا جاءت قراءاتهم سقيمة مضحكة، سفيهة مترحة، تزيد أعداء الدين والملّة سخرية واستخفافاً، وتمدّهم بالقوة والمنعة، ولا سيّما ونحن نعيش عصـر ازدهار العلوم التجريبية والمعارف التي يقوم عودها على الحسّ والمشاهدة، وتتنكر لما هو كائن فيما وراء المادة، فتجعله ضرباً من اليوتوبيا..

 

جواد المظفر

 

 

1182 enayatصدر عن الدار العربية للعلوم في بيروت كتاب بعنوان "الدين في الغرب" للكاتب عزالدين عناية الأستاذ بجامعة روما-إيطاليا. والكتاب هو إطلالة على نظام اشتغال العقل الديني الغربي وعلى نمط سير مؤسّسة الكنيسة. يضمّ سلسلة من الدراسات تراوح بين المقاربة التاريخية ذات المنزع التحليلي، والرؤية السوسيولوجية ذات المنحى التفسيري. يتابع المؤلف من خلاله تمظهرات الفعل الديني سيما لمّا يتمأسس الدين ويغدو مؤسسة تنشد النفوذ والهيمنة. ففي تلك الرحلة للدين من الشعيرة، إلى الفكرة، إلى المؤسسة، ثمة ضبابية في التصورات العربية يصحبها قصور في معالجة مسائل الواقع الغربي متأتية من نقص أدوات المتابعة ومحدودية الإلمام بقضايا المسيحية المعاصرة. والغرب الديني ممثَّلا في كنيسته الكبرى الكاثوليكية، ومختلف أنواع الإنجيليات الجديدة، وسائر الكنائس البروتستانتية والأنغليكانية، تبرز حاجة ملحة في الراهن إلى متابعة مساراته وتوجهاته وتحولاته، بموضوعية وعلمية، لِما لها من عميق الأثر في بلاد العرب، خصوصا وأن تلك المواقع الدينية تساهم مساهمة فعالة في بلورة الرؤية السياسية الغربية نحو العرب.

من هذا المنظور فالكنيسة، وبوصفها مؤسسة مركّبة، فهي قوة فاعلة ونافذة في كثير من البلدان، لا يضاهي حضورها حضور أي مؤسسة دينية في العالم، برغم الواقع العلماني المحتضن لها. وتبعا لهذا الدور ليس الغرب هيمنة سياسية، أو نفوذا اقتصاديا صرفا، يخلو من أبعاده الدينية، بل هو مركّب متنوع تُشكِّل الرؤى الدينية جانبا مهمّا من مكوناته وهو ما حرص الكتاب على إبرازه.

المؤلف عزالدين عناية أكاديمي يدرّس في جامعة روما. صدرت له مجموعة من الأبحاث والترجمات منها: "الأديان الإبراهيمية" 2013، "نحن والمسيحية" 2010، "الاستهواد العربي" 2006، "السوق الدينية في الغرب" 2014، "الفكر المسيحي المعاصر" 2014، "علم الاجتماع الديني" 2011، "علم الأديان" 2009.

 

الكتاب: الدين في الغرب

المؤلف: عزالدين عناية

الناشر: الدار العربية للعلوم (بيروت)

سنة النشر: 2017

 

 

raed jabarkhadom2من المؤسف أن تظل الدراسات والكتابات العلمية والثقافية والمعرفية حبيسة المكتبات والرفوف والأنترنيت، دون قراءتها وتحليلها ونقدها، وتعريف القرّاء والمثقفين والمهتمين بها، فالكتب والدراسات لم تؤلف لتركن أو تموت أو تهمل، وانما لتحيا وتعيش وتثمر أفكاراً وآراءاً ومشاريعاً من أجل الاصلاح والتغيير والتنوير، والا لو لم تكن كذلك فلا قيمة لها ولا أهمية ولا ضرورة، فهذه هي الغاية العظمى للكتابات الجادة والفاعلة، والمثقف والقاريء اللبيب يستطيع أن يكشف الجيد من الكتب والكتابات من رديئها وسقيمها، ووظيفة الدارسين والباحثين والاكاديميين الكشف عن الجيد من هذه الكتابات والتعريف بها والاشارة الى جهد كتابها ومناهجهم في القراءة والعرض والتحليل، من خلال أعتماد آليات نقدية ومنهجية أكاديمية علمية جادة في ممارسة تلك القراءة والكشف عن ظاهرها وباطنها، دون ممارسة الطعن والتشويه والنيل من المؤلفين ومنتجاتهم المعرفية. ونقطة مهمة نود تسليط الضوء عليها والدعوة لها وهي ممارسة الترويج العلمي والمعرفي والاعلام الثقافي، فكل شيء في عالمنا يخضع للترويج والاعلان والاعلام، فلماذا لا يخضع الكتاب والمنجز الثقافي والمشاريع المعرفية لذلك العمل أيضاً، لزيادة الوعي ونشر المعرفة والتثقيف بين الناس، فعالمنا المعاصر عالم تقني ومعلوماتي وتواصلي، وشعار الامم والشعوب المتقدمة (المعرفة قوة)، وهذا ما نسعى اليه ونتمناه وندعو له في مجتمعاتنا العربية المتأخرة عن ركب المدنية والحضارة العالمية.

نود هنا في هذا المقال تسليط الضوء على دراسة أكاديمية في مجال الفلسفة للاستاذ الدكتور علي المرهج(*) في كتابه (النص الرشدي في القراءة الفلسفية العربية المعاصرة)، وكيفية قراءة المرهج لتلك القراءات العربية لأبن رشد، مع بيان قراءته ونوعها أيضاً. ولابد من الاشارة الى أن الدكتور عامر عبد زيد، استاذ الفلسفة في جامعة الكوفة، كان قد عرض للكتاب في مقالة له نشرها في موقع الحوار المتمدن عام 2007،(1) وهي أشارة وقراءة مبكرة للكتاب قام بها عبد زيد، وهو باحث جاد وفاعل ديدنه كشف الجديد من الدراسات وتسليط الضوء على المنجز الثقافي والمعرفي في العراق، وهذا ما نحاول السير عليه والدعوة له، في مجال الثقافة والنقد الفلسفي والمعرفي.

خارطة كتاب النص الرشدي للمرهج(2)، بصفحاته (269) الصادر عن دار الهادي بطبعته الأولى سنة 2005، تتألف من مدخل وأربعة فصول، حيث تناول المدخل موضوع اشكالية الاتباع والابداع في القراءة الفلسفية العربية المعاصرة. وتناول الفصل الأول النص الرشدي بين الفكر الفلسفي اليوناني والفكر الاسلامي. أما الفصل الثاني فتناول النص الرشدي في القراءة العلمانية. بينما تناول الفصل الثالث القراءة الدينية للنص الرشدي. والفصل الرابع والاخير قدم لنا القراءة الأبستمولوجية للنص الرشدي.

لا شك أن أبن رشد عقل فلسفي مميز، ولفلسفته أثر كبير على الساحة الثقافية العربية والاسلامية والعالمية، ولنصوصه الفلسفية أهمية كبرى في بناء نظام معرفي وفلسفي نقدي وعقلاني مميز جذبت نحو فلسفته الكثير من الكتاب والدارسين والمفكرين، وهذا ما يتضح في حجم الدراسات والمؤلفات التي كُتبت عن أبن رشد والاهتمام بفلسفته ومنهجه الفكري، ويكفيه فخراً أنه قسم الفلسفة العربية والاسلامية الى مرحلتين وكان الفيصل بينهما أبن رشد، مرحلة ما قبل أبن رشد ومرحلة ما بعده، ولعل الوهن الفكري والفلسفي قد أصاب الواقع والثقافة العربية والاسلامية فيما بعد أبن رشد، ليأتي الدور العالمي للثقافة الأوربية ونهضتها للاهتمام بالفكر والمعرفة والفلسفة عموماً، وقراءة أبن رشد وتبني أفكاره ومنهجه وطروحاته تحديداً، من خلال شروحاته لأرسطو، وأن كان (أفرويس) الذي هو أبن رشد كما يسميه الغرب لاتينياً، قد شغل مساحة كبيرة في الفكر الأوربي، فهو قد شغل مكانة مميزة أيضاً في الدراسات العربية والاسلامية، في المشرق والمغرب، وان كان المرهج يرى أن الاهتمام بأبن رشد عربياً كان بسبب أهتمام الغرب به، فنحن لا نلتفت الى شيء الا بعد أن نرى من يشير الى منجزنا وتراثنا وثقافتنا ويقوم بدراسته، وتلك عقدة معرفية أصُبنا بها، فأن كان مغني الحي لا يُطربنا فقد يُطرب غيرنا، وحين يُطرب الغير نتمسك به وندعو له، لأنه أطرب غيرنا فلعله يُطربنا، وتلك عقدتنا المستديمة في ذاتنا المعرفية والثقافية.

لقد كشف المرهج في دراسته عن قراءات متنوعة ومتعددة آزاء النص الرشدي، أنطلقت تلك القراءات من أيديولوجية القاريء وتوجهاته الفكرية، ولذلك حدد المرهج ووضع ثلاث قراءات لأبن رشد، بمختلف توجهاتها داخل هذه القراءات، وهي :

1ـ القراءة العلمانية.

 2ـ القراءة الدينية.

3ـ القراءة الأبستيمولوجية.

وقد حدد المرهج سمات وخصائص ومنطلقات هذه القراءات، وأوضح معالمها وروادها وتوجهاتهم.

 فالقراءة الأولى (العلمانية) التي مثلها جمع من المفكرين العرب المعاصرين، ضمن التوجه العلماني، المادي منه أو القومي، كما هي مع فرح أنطون والطيب تيزيني ونايف بلوز، التي قاست أبن رشد وفق توجهاتها وجعلته يقترب من العقلانية والعلمانية والمادية. وتتحدد رؤية هذه القراءة كما يذكرها المرهج في تسعة منطلقات والتي نوجزها في : (3)

1180 ali1ـ أرسطية أبن رشد، وبالتالي عقلانيته وواقعيته.

2ـ تقديم الفلسفة على الدين، أو العقل على النقل.

3ـ مادية أبن رشد، في مسألة قدم العالم وأزليته.

4ـ علمية أبن رشد وعقلانيته.

5ـ التأسيس لفصل الدين عن الدولة، من خلال تلك العلمية والعقلانية.

6ـ تغليب الجانب الانساني على الجانب اللاهوتي في فلسفة أبن رشد.

7ـ تخلي أبن رشد عن الجانب الديني في فلسفته وصبغها بنزعة علمية.

8ـ عالمية أبن رشد، من خلال طلبه للحقيقة اينما كانت، وأحد رواد الفكر التويري كما أعتمدته أوربا اللاتينية.

9ـ حصر الاخلاق بمفهوم الاخلاق الطبيعية وبما تقتضيه العلاقات الانسانية.

اما فيما يتعلق بالقراءة الثانية (الدينية) التي ذهب اليها جمع من المفكرين ومنهم محمد عبده ومحمود قاسم ومحمد عمارة وغيرهم، فقد جعلت أبن رشد في خانة الفلسفة الدينية والقرآنية، وسحبته الى الفكر الديني والى ساحة التوفيق بين الفلسفة والدين، كما صرح أبن رشد في أكثر من مؤلف له عن علاقة الحكمة بالشريعة، وجعل الاولى الأخت الرضيعة للثانية، وهذا ما صرح به في كتاب (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال)، وغيرها من مؤلفاته، وتنطلق القراءة الدينية هذه من المنطلقات الآتية كما نوجزها وهي:(4)

1ـ فلسفة أبن رشد دينية أو قرآنية.

2ـ عقلانية أبن رشد عقلانية دينية تجعل الفلسفة خادمة للدين (اللاهوت).

3ـ غلبة الجانب الميتافيزيقي والروحي في فكر أبن رشد وأقترابه من المتصوفة القائلين بوحدة الوجود العقلية.

4ـ توفيقية أبن رشد بين الحكمة والشريعة، ومقصود الشرع هو مقصود الحكمة أيضاً.

5ـ حكومة الفيلسوف حكومة شرعية، لا لأنه فيلسوف بل لأنه متنفقه في الدين ويعرف قوانين التأويل التي تجيز له فهم القرآن بما تقتضيه الحكمة والبرهان.

6ـ نقد أبن رشد للفلاسفة المسلمين عامة وللغزالي خاصة من خلال اعتماده على فكر اسلامي بعيد عن فلسفة أرسطو، أو هو أنتصار للرشدية الاسلامية على الرشدية الارسطية.

7ـ حصر الأخلاق بالتعاليم الدينية وتجاوز مفهوم الاخلاق الطبيعية.

8ـ احلال الميتافيزيقا محل العلم، والعلم في خدمة الميتافيزيقا.

اما فيما يتعلق بالقراءة الثالثة (الأبستمولوجية)، تلك التي قام بها المفكر العربي محمد عابد الجابري وتقترب منها كثيراً قراءة ماجد فخري ومحمد عاطف العراقي وحسام الآلوسي، كونها قراءة معرفية، وقراءة الجابري الأبستيمولوجية يصفها المرهج بأنها قراءة (حيادية)، فهي قراءة تقترب من القراءة العلمانية في أشياء، وتقترب من القراءة الدينية في أشياء أخرى، ولكنها ليست توفيقية، وهي قراءة ليست بريئة أيضاً، وأن كانت ذات منهجية علمية، لأنها وقعت في الجانب الأيديولوجي من جانب والعرقية والعنصرية من جانب آخر، ومنطلقات القراءة الابستمولوجية تتلخص في : (5)

1ـ فكر أبن رشد فكر أبستمولوجي فلسفي علمي لا فكر ثيولوجي ديني.

2ـ نقدية أبن رشد وتبنيه للبرهان، وتجاوزه للخطاب البياني والجدلي والعرفاني، لأنه خطاب معادٍ للعقل والبرهان.

3ـ أرسطية أبن رشد والتي تعني عقلانيته، وأستبعاد أي أثر للافلاطونية المحدثة في فلسفته.

4ـ الفصل بين الفلسفة والدين والذي يعني أيضاً الفصل بين الدين والدولة.

5ـ الربط بين السياسة والاخلاق بالعلم.

ويرى المرهج ان هذه القراءات لم تكن بريئة أو محايدة، وانما وضعت أبن رشد في قالبها الفكري وصاغته وفق أطرها الفكرية، ووقعت تحت قيد التقديس للتراث، فـ (القراءات الثلاث التي تعرضنا لها على الرغم من الاختلاف فيما بينها وأختلاف مشاربها الاانها ما زالت تحمل تلك النظرة التقديسية للتراث بما فيها القراءة الأبستتيمولوجية التي غضت الطرف عن الكثير من نقاط الضعف في فلسفة أبن رشد ... ان جميع القراءات كانت الأيديولوجيا هي المحرك الرئيسي للفعل المعرفي فيها بما في ذلك القراءة الابستيمولوجية التي حاولت أن تخفي ذلك الجانب في قراءتها الا أنه يعلن عن نفسه بين اللحظة والأخرى وذلك ما بدا واضحاً في قراءة الجابري.)(6)

وموقف المرهج النقدي من المفكرين العرب في القراءات الثلاث للنص الرشدي تتلخص فيما يأتي: (7)

1ـ بالنسبة للقراءة العلمانية فأنها أثبتت مادية أبن رشد، الا أنه رفض ذلك وذهب للقول بمثاليته، كما ان أصحاب القراءة العلمانية لم يكن هدفهم أبن رشد بقدر ما كان همهم تقرير أهمية الغرب وضرورة تبني طروحاتهم في الفكر ونبذ التراث، وكأن أبن رشد قد مثل لهم تلك الركيزة التي من الضروري الأتكاء عليها تدعيماً لموقفهم وخروجاً من سلطة التراث، لأنها مبرر للتخلي عن التراث من التراث نفسه. وبالتالي فالمرهج يميل الى القول بمثالية أبن رشد لا ماديته، ولاهوتيته مقابل وحاولة اثبات العلمانيين مادية أبن رشد، وكذلك فأبن رشد ـ من وجهة نظر المرهج ـ ذهب الى دمج الفلسفة والدين مقابل قول العلمانيين بفصل الفلسفة عن الدين.

2ـ بالنسبة للقراءة الدينية لأبن رشد فأن المرهج يتفق معها بقولها بمثالية أبن رشد لكنه لا يميل الى القول بأن فلسفة أبن رشد فلسفة دينية أو قرآنية، لأن النص الرئيس الذي أشتغل عليه أبن رشد هو النص الفلسفي الأرسطي لا القرآني، الا أنه في الوقت نفسه لا يريد أن يخرج عما يقتضيه النص القرآني أو تقتضيه الشريعة. وبالاضافة الى ذلك فالقراءة الدينية ـ من وجهة نظر المرهج ـ كانت مشغولة بهاجس اسمه المستشرقون، سواء بالتبني أو النقد، والذي يستشعره القارىء ان طريقة الدفاع عن أبن رشد تبدو ضد أبن رشد أكثر منها لصالحه، وتقلل من أهمية طروحاته.

3ـ أما بالنسبة للقراءة الأبستيمولوجية فيرى المرهج انها على الرغم من التزامها بالجانب المعرفي الا أنها بقيت مغرمة بالعقلانية الغربية، واثبات مركزية العقل الأوربي وهامشية العقل العربي. كما انها لم تلتزم بالمنهج الابستيمولوجي بصورته الغربية كما هو مع باشلار وفوكو، فأبستيمولوجيا الجابري تتبنى الدعوة الى رشدية عربية معاصرة ضمن ما تقتضيه توجهاته الأيديولوجية التي تريد أن تثبت أرجحية العقل المغربي على العقل المشرقي، من خلال النظام النسقي الذي وضعه الجابري أو ثلاثيته المعرفية، (البيان والعرفان والبرهان)، والتي حاول أن يحشر فكر المشرقيين في نظامين هما "البيان" و "العرفان" أما المغاربة فقد خصهم الجابري بـ "البرهان"، وبعد هذا وذاك فالمرهج يرى أيضاً انه على الرغم من نقد الجابري في قراءته الأبستيمولوجية للبيان ودعوته للبرهان، الا أنه صاغ خطابه الفكري والمعرفي بلغة بيانية عالية ذات شكل جناسي، وتغلب على لغته المسحة الخطابية أكثر من البرهانية.    

قراءة علي المرهج لفلسفة أبن رشد:

الدراسة القيمة التي خلص لها المرهج ليس في قراءته لمن قرأ أبن رشد من المفكرين العرب المعاصرين فحسب، وانما للقراءة الموضوعية والفلسفية الدقيقة التي قرأ فيها فلسفة أبن رشد، وهو جهد كبير قام به في الفصل الأول من الكتاب قبل أن يذهب للقراءات العربية للنص الرشدي، وتلك كانت مهمة ومعاناة شاقة مارسها الكاتب في قراءة فلسفة أبن رشد وقرّاءه، فهي قراءة تأويلية تكاملية وشاملة ذهب اليها المرهج ليكون أميناً ومدركاً لكل ما قاله أبن رشد وما قام به القراء من الباحثين لنقد وتحليل فلسفة أبن رشد، وأرى أن قراءة المرهج لأبن رشد في كتابه لا تقل أهمية عن القراءات التي قدمها في فصول كتابه، وهي قراءة وضعت أبن رشد في مساحات فكرية وفلسفية متنوعة، من يونانية أفلاطونية وأرسطية وأفلاطونية محدثة، الى اسلامية مشرقية بين كلامية وعرفانية ودينية، يقول المرهج واصفاً فلسفة ومنهج وطريقة ولغة أبن رشد : (أصبحت فيه لغة أبن رشد الفلسفية تقترب أو تكاد تكون لغة لاهوتية يحكمها علم الكلام والفلسفة المشرقية الاسلامية)(8)

وهذه قراءة مشرقية بحتة تضع أبن رشد في خانة فلاسفة المشرق الكبار ومنهجهم المثالي الذي يقترب من الدين ويوفق بين الفلسفة والدين، شأنه شأن الفارابي وأبن سينا والغزالي، الذين تركوا أثرهم على أبن رشد رغم نقده لهم، من خلال اعتماد منطق أرسطو وطريقته في التفكير، فهو لا يختلف عنهم الا بالتأويل، وهو الطريق الذي دخل من خلاله أبن رشد لنقده للفلاسفة، (فباستطاعتنا القول أن نزعة أبن رشد العقلية هي نزعة أسترضائية تبرر للعقل حركته بالقدر الذي يسمح به الشرع بوصف عدم التعارض الموجود بينهما، وبوصف دعوة الشرع للتعقل والتفلسف والانفتاح على الآخر، ما زال هذا الآخر هو الذي بيده مفاتيح الحكمة، لذلك شرح أبن رشد أرسطو ولخص الضروري من المعرفة العلمية في فلسفة أرسطو، وكان جل همه نقل فكر أرسطو في وقت دعوته الى معرفة علوم الغير، ولكن في الوقت نفسه أضفى على فلسفة أرسطو بوعي أو بدون وعي فهماً يمكن أن نسميه رشدياً نتيجة قراءته للفكر الاسلامي الكلامي وشراح أرسطو والفارابي وأبن سينا فضلاً عن التزامه النص الديني.) (9)

ولعل البعض وجد في فلسفة أبن رشد نزعة علمانية ومادية، كم ذهب أصحاب القراءة العلمانية، فسحبوا أبن رشد الى ساحتهم وأضفوا عليه مسحة علمانية، ولكن موقف المرهج من ذلك يتضح بقوله ان أبن رشد : (جعل هناك مساحة أوسع للشريعة أو فتح مجالاً أمام السلطة الشرعية لتكون قيمة على السلطة الحكمية، بوصف انها تستمد سلطتها من السماء، وبالتالي شمولية هذه المعرفة على المعرفة العقلية، بل ان المعرفة النبوية تحتوي ضمناً المعرفة الحكمية، ولهذا فأبن رشد في الوقت الذي يبدو عليه نصه دعوة للانتصار للفلسفة، نراه يجعل من الفلسفة تابعة للشريعة، على الرغم من انه يُقِصُر في بعض مواضيع الشريعة على ما يتعلق بالأخلاق وتدبير الناس والفضيلة، الا انه جعل الشريعة تحتوي على الطريقين "النظري والعملي").(10)       

وبالتالي فأن فلسفة أبن رشد وفق منظور المرهج، لم تستطع الخروج من النسق الفلسفي المشرقي رغم نقده للفلسفة المشرقية، وأعتماده العقل والبرهان، ونقده للخطاب الجدلي والبياني، فـ (ان أبن رشد فيما يخص الشريعة واقع تحت تأثير الغزالي، بل ولا يريد هو الخروج عن منظومة الغزالي الشرعية، الا بما تقتضيه الشريعة نفسها في الدعوة لأستخدام العقل، والعقل لا يبحث الا بما يجيزه قانون التأويل الشرعي، وبهذا تكون المنظومة الأرسطية بخدمة المنظومة الغزالية عند أبن رشد والتنظير لها من جديد ووضعها في اطار يسمح لها للخروج من التصوف والعرفان الى العقل والبرهان وفهم الطبيعة لا بما يقتضيه قانون العادة، بل بما يقتضيه قانون السببية الذي لا يتعارض مع ادراك الذات الالهية، اذا لم يكن هو المؤيد لها على ضوء ان لكل سبب مسبب وصولاً الى مسبب الأسباب الذي تريد الشريعة اظهار فاعليته وبأنه الوجود الحق.)(11)

فأبن رشد قد تم تصويره في المغرب وتحديداً من قبل محمد عابد الجابري، بانه رائد العقلانية والبرهان والتنوير، وانه قدم الفلسفة على الدين، وبالتالي تخلصه من القيود الدينية والتحرر من النزعة اللاهوتية، ولكن المرهج يرى خلاف ذلك، ويرى (ان أصالة أبن رشد الفلسفية تكمن في هذه النقطة أي الربط بين ما هو كلامي وما هو فلسفي والأرتقاء بالكلامي لأجل أن يكون فلسفياً، والنزول بمستوى الفلسفي الى مستوى الكلامي، وذلك ما يتبين أكثر حين البحث في المشكلات الأخرى التي عالجها أبن رشد.) (12)

ويبطل المرهج القول الذي ذهب اليه مجموعة من الباحثين حول أرسطية أبن رشد الصرفة، وهو ما يميز أبن رشد في عقلانيته على غيره من الفلاسفة، الا أن المرهج يرى ان أبن رشد قد وظف أرسطو توظيفياً يقترب من الشريعة، وهناك فرق بين الفلسفتين، (ففلسفة أبن رشد ليست نفسها فلسفة أرسطو، فهي على الرغم من أقترابها من هذه الفلسفة بشكل كبير الا انها تختلف عنها بنقاط جوهرية، مثل مسألة ايمانه بعلوم الأنبياء التي لم يمر عليها أرسطو. ومسائل صفات الله وأسماء الله هذا فضلاً عن مشكلة الألوهية نفسها، فالمعالجة الرشدية تكاد تختلف بشكل كبير عن أرسطو، فضلاً عن مشكلة العالم، فقد أقترب أبن رشد مرة من المثالية، ومرة من الصوفية، ومرة من الكلاميين، وبالتالي مرة من اللغة القرآنية، وتصور الذات الالهية ومشكلة الخلف، تصور يسمح به النص بنفس القدر الذي يسمح به تأويل النص الأرسطي في ضوء النص القرآني. وبالعكس، أي تأويل النص القرآني في ضوء توجهه الى أرسطو.) (13)

وبالتالي نستنتج من قراءة المرهج ان أبن رشد مشرقي الهوى والفلسفة بامتياز في فلسفته رغم انه ابن المغرب، وبالتالي لا يمكن عد أبن رشد الا تابعاً أو أبناً شرعياً للمشرق، رغم كل المحاولات التي سعى لها الكثير من المفكرين العرب، ومنهم الجابري الى بيان استقلالية أبن رشد عن المشرق وعدم تبعيته له، فيبقى أبن رشد ذلك الفيلسوف الذي سار على النهج العربي الاسلامي وعلى خطى الفلاسفة المشرقيين رغن نقده لهم الا انه تأثر بهم وداخل بين فكره وفكرهم، ولم ينفصل عن منظومة المشرق الميتافيزيقة والعرفانية والمثالية. وأما قول الباحثين بمادية أبن رشد وعلمانتيه انما هي دعوة غربية بامتياز، وهي توظيف غربي لأبن رشد أو أبن رشد في عيون غربية، وهذا الذي كنا نتمناه من المرهج في دراسته، سواء في كتابه هذا او في دراسات قادمة وهو الكشف عن قراءات المستشرقين لأبن رشد، فهي قراءة تحمل الكثير من المعلومات والموضوعات، وهي التي ربما تكون الدافع الرئيس التي وجهت وحركت رواد القراءة العلمانية لأبن رشد بأن يقراؤه بعيون علمانية، وأن ينسحب الى ساحتهم وأن يغضوا النظر عن كثير من التوجهات الدينية والاسلامية والمثالية والكلامية التي ذهب اليها أبن رشد في فلسفته، والتي كشف بعض ملامحها ومعالمها الدكتور المرهج في دراسته هذه. وقراءة المرهج التأويلية هذه قراءة منفتحة لم تغلق الابواب ورائها وانما دعت الباحثين والدارسين لتقديم رؤى وأفكار وقراءات معرفية للفلسفة الاسلامية عموماً ولفلسفة أبن رشد تحديداً، وهي قراءة أستطاعت أن تتبع منهجية أكاديمية في تحليل القراءات العربية الفلسفية للنص الرشدي من خلال كشف المضمر من الخطاب المعرفي والثقافي والغوص في أعماق أنساق تلك القراءات المتعددة وبيان الدافع الذي كان يوجه قراءات الدارسين وكشف الأيديولوجي من الأبستيمولوجي في قراءة النص الرشدي في الفكر الفلسفي العربي المعاصر. 

د. رائد جبار كاظم. كاتب وباحث أكاديمي. واستاذ الفلسفة المساعد في الجامعة المستنصرية.

......................

(*) الاستاذ الدكتورعلي عبد الهادي عبد الله المرهج. كاتب وباحث أكاديمي من العراق. أستاذ الفلسفة والفكر العربي المعاصر في قسم الفلسفة ـ كلية الآداب ـ الجامعة المستنصرية. له اضافة الى الكتاب أعلاه مجموعة من الكتب والبحوث والمقالات، منها كتابه عن الفلسفة البراجماتية ودراسة فيلسوفها ومؤسسها بيرس. وكتاب علي الوردي وآراؤه المنهجية والفكرية (مشترك). وكتاب الإصلاح والنهضة، دراسة في إمكانات ومعوقات الإصلاح في الواقع العراقي، (مشترك). اضافة الى البحوث والدراسات الأخرى والمقالات في مجلات وصحف عربية وعراقية ومواقع ألكترونية متعددة.

...................

(1) ينظر: د. عامر عبد زيد رابط المقال في الحوار المتمدن : http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=100387                                                      

(2) ينظر : للفائدة رابط كتاب النص الرشدي في مكتبة نرجس. http://www.narjes-library.com/2016/08/blog-post_346.html.

(3) ينظر: علي عبد الهادي عبد الله. النص الرشدي في القراءة الفلسفية العربية. ط1. دار الهادي. بيروت ـ لبنان. 2005. ص 15ـ16. 

(4) ينظر: المصدر نفسه ص 16 ـ18.

(5) ينظر: المصدر نفسه. ص 19ـ20.

(6) المصدر نفسه. ص 249.

(7) ينظر: المصدر نفسه. ص 249 وما بعدها.

(8) المصدر نفسه. ص44.

(9) المصدر نفسه. ص 51.

(10)  المصدر نفسه. ص52ـ53.

(11) المصدر نفسه. ص 56.

(12) المصدر نفسه. ص 60.

(13) المصدر نفسه. ص 63.

 

 

 

abdullatif alaniيقع الكتاب في 237 صفحة طبع في بيروت عام 2017 اشتمل الكتاب على ستة فصول وأهداء ومقدمة . حيث تم أهداء الكتاب الى شباب العراق ابطال الطبقة الوسطى الذين هم نصف الحاضر وكل المستقبل الواعد المشرق بأذن الله تعالى .

أحتوى الفصل الاول مدخل نظري ومفاهيمي عرف فيه الطبقة الوسطى مبيناً حدودها وطبيعتها وخصائصها ودورها الوظيفي في المجتمع . بيما ركز في الفصل الثاني على العوامل الداخلية والخارجية التي أدت الى نشأة الطبقة الوسطى في العراق . مبيناً جذورها ومراحلها وتطورها في العراق . واهتم الفصل الثالث بعوامل النهوض والسقوط ودورها في تطور الطبقة الوسطى في العراق، مقسماً هذه المرحلة الى خمسة مراحل، اطلق على الاولى المرحلة الذهبية اي مرحلة التألق وقد حددها تاريخياً بــ (1950 – 1980)، وسمى المرحلة الثانية بدايات التردي بسبب الحرب العراقية – الايرانية  (1980- 1988 ) ثم انتقل الى المرحلة الثالثة وهي مرحلة الحصار الخانق (1990-2003) وتداعياتها، اعقبتها المرحلة الرابعة مرحلة الانحطاط – الاحتلال الامريكي المباشر (2003- 2011) واخيراً المرحلة الخامسة مرحلة محركات التدمير الذاتي - اي مرحلة مابعد الاحتلال 2011 ومابعدها - .

1181 iraqوبين لنا في الفصل الرابع اشكالية الدين والدولة والمجتمع في العراق تناول في هذا الفصل جذور علاقة الدين بالدولة عبر تاريخ وحضارات العراق . ثم تسائل هل نحن ضد الدين؟ مبينا صعوبة موجة المد الديني والأصولية في التاريخ المعاصر . متسائلاً عن حدود الدين والدولة في المجتمع المدني . منتقلاً الى اشكالية الدين في العراق . ثم تسائل ثانية هل الاسلام دين أم دين ودولة؟ مبيناً لنا الطبقة المتدينة في العراق . خاتماً لنا هذا الفصل بالنتائج المستخلصة عن علاقة الدين بأدارة الدولة والمجتمع في العراق .

اما الفصل الخامس فقد وضح لنا اهمية الطبقة الوسطى وقضايا اخرى مقارنة . ذاكراً لنا العلاقة بين الطبقة الوسطى بالسلطة في العراق وطبيعتها . منتقلاً الى اشكالية ظاهرة العسكرة في المجتمع العراقي، مبينا لنا مزايا الطبقة المزيفة في العراق . ومؤكداً على دور المرأة العراقية في الطبقة الوسطى ومحددتها .

اما الفصل السادس فقد أوضح لنا المؤلف رؤيته متسائلاً ما العمل – رؤية مستقبلية معرفاً الرؤية مركزاً على عملية صراع منظومات القيم مبيناً طبيعة الصراع البناء في منظومات القيم ومن خلال هذه الامور مجتمعة بين السيد المؤلف ان شريحة الطبقة الوسطى تمثل العمود الفقري والرافعة لنهضة معظم الدول المتقدمة وهي القائدة لبقية الشرائح الاجتماعية في المجتمع الى المستقبل والاتجاه الصحيح . وذلك بسبب ما تتمتع به من وعي وعقلانية وهي الشريحة الاكثر انتاجاً مادياً وفكرياً وهي صمام الامان لمعظم الدول المتقدمة كونها المصد لكثير من الصدمات والمطبات والمنعطفات التي تتعرض لها حيث تعمل على تخفيفها .

وان وجود هذه الطبقة وتشكيلها مقترناً بتشكيل المجتمع والدولة المدنية . وعن طريقها يتم تحويل السلطة وعناصر القوة الى مفاصل المجتمع . حيث كان لها دورها المتميز في العصور التي مر بها العراق . والذي انعكس تأثيرها في منظومة القيم وبدايات النهوض والتقدم . وبسبب هذه الطبقة فقد شهد العراق مرحلة استقرار شاع فيها النظام الذي أدى الى سيادة المدنية والسلم والاستقرار الاهلي .

ويشهد العراق اليوم دولة ومجتمع حالة من الانحطاط بسبب غياب دور هذه الشريحة وتهميشها . ومن ثم يؤكد الباحث على ضرورة ان تأخذ هذه الشريحة مكانتها في المجتمع والدولة وتستفيد من زمام المبادرة للقيام بمسؤولياتها التاريخية في النهوض بأعباء المرحلة القادمة . لأنها الشريحة الوحيدة القادرة لأن تأخذ مكانتها كي تعمل على صياغة رؤية واضحة للمجتمع والدولة .

الحقيقة انه جهد متميز وواعد يضع المؤلف لنا من خلاله رؤية نظرية شاملة حول امكانية تفعيل الدور السياسي للطبقة الوسطى في العراق . من اجل المساهمة في صياغة مستقبله وضمان تقدمه .

تحية اعجاب وتقدير للمؤلف على الجهد الرائع الذي ينم عن احساس وطني وشعور مخلص لهذا البلد المعطاء بلد البطولة والامجاد العراق العظيم .

د. عبد اللطيف العاني - استاذ متمرس بغداد

 

ali almirhigمُصطفى عبدالرازق، مفكر مصري له حضوره المميز في تاريخ الفكر العربي، ولد في مدينة بهنسا عام 1885 في الصعيد الجواني، من عائلة لها باع طويل في العلم والدين والسياسة، وتوفيَ في عام 1947.

تعلم قراءة القرآن منذ صغره، وتتلمذ على يد أكابر مشايخ الأزهر، وعُرف بكثرة إهتمامه بقراءة الشعر وكتابته، كان مُجيداً لعلوم الأدب والنحو وأصول الفقه والتفسير والبلاغة.

كانت له علاقة تلمذة ليست مُباشرة بالشيخ محمد عبده، فقد كان صديق والده، إذ كان والده أحد أعضاء المجلس النيابي، وقد إلتقى فيه والد مُصطفى في المدة التي أُختير فيها الشيخ الأستاذ مُفتياً للديار المخصرية في عام 1889.

كان مُصطفى عبدالرازق شديد الإعجاب بمحمد عبده، ولم يترك مقالً ولا خطبةً ولا كتاباً للشيخ إلَا وقرأها وبذل جُهداً في إدخارها وفهمها، فقد ترجم فيما بعد رسالة التوحيد لمحمد عبده للفرنسية، وقد طُبعت هذه الترجمة في باريس عام 1925.

 قال في أُستاذه محمد عبده شعراً بعد عودة الأخير من فرنسا:

إقبل عليك تحيةٌ وسلام      يا ساهراً والمسلمون نيامُ

وقد كتب حينما مات الأستاذ الشيخ محمد عبده في عام 1905 شعراً يقول فيه:

إن قلباً صافياً بالود حيَاً    صدَعته بموتك الأيامُ

كان في هذه الحياة رجاءٌ  قد دفناه يوم مات الإمامُ

كان مُصطفى عبدالرازق شافعي المذهب، عُرف عنه التواضع والتسامح والكرم والإيثار، يؤمن بقول الشافعي "قولي صحيح يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب".

في عام 1908 تجاوز إمتحان مدرسة القضاء، ولكنه لم يستمر في القضاء، فبعد عام إستقال من المدرسة، وقرر السفر إلى فرنسا، ليتعلم اللغة الفرنسية، ويحضر بعض دروس الفلسفة في السوربون.

بقيَ في فرنسا حتى عام 1912، تعلم فيها اللغة، فعرف الفلسفة الغربية والفرنسية في جامعة ليون حينما حضر دروس الأستاذ غوبلو، وحضر دروس عالم الاجتماع دورغهايم، وتولى هو في كلية ليون تدريس اللغة العربية.

بعد عودته لوطنه مصر إستمر ينشر مقالاته في صحيفة "الجريدة" التي كان يترأس تحريرها المفكر الحُر أحمد لُطفي السيد، وهي الصحيفة الناطقة بإسم "حزب الأمة" آنذاك، ثم توالت مقالاته في مجلة "السفور"، وكان لنشره في هذه المجلة دلالة واضحة على ميوله التحررية.

إنتمى إلى الحزب الديموقراطي الذي فاوض سعد زغلول مؤسس حزب الوفد، إلَا أنه لم يتفق مع مرامي سعد زغلول في طريقته في التعامل مع الإحتلال البريطانيز وبعد ذلك أُختير بناءً على رغبة السلطان فؤاد الأول عام 1920ليكون مٌفتشاً بالمحاكم الشرعية.

في عام 1927 إنتقل لجامعة "فؤاد الأول" = "جامعة القاهرة" فيما بعد، ليعمل فيها أستاذاً، ومن ثم أُختير عضواً في مجلس إدارة الكتب المصرية.

في عام 1935 مُنح لقب الأستاذية في الفلسفة، وبعدها بعامين مُنح لقب البكوية من الدرجة الثانية.

بين عام 1938ـ 1940، عُين وزيراً للأوقاف المصرية، وبين عامي 1941ـ 1942 شغل أيضاً منصب وزير الأوقاف.

في عام 1941 مُنح رُتبة الباشوية، وبعده تم تعيينه شيخاً للأزهر.

في عام 1946 تم إختياره أميراً للحج.

في 15 من شهر فبراير من عام 1947 ذهب للأزهر كعادته، ثم عاد لمنزله فتغدى ونام القيلولة، ثم إستيقظ، فتوضأ وصلى، وأخذ يلبس ثيابه، فشعر بهبوط وإعياء، فأوى إلى فراشه، ودُعَ الطبيب لإسعافه، فحضر، ولكنه وجد قضاء الله وقدره قد نفذ، ولا مرد لققضاء الله، فتم دفنه بمقابر الإمام الشافعي.

كان من مُحبي صوت أم كلثوم، "فأم كلثوم نعمة من نعم الدنيا" (ص445، من آثار مصطفى عبدالرازق).

كان يرى أن النزاع بين دُعاة التدين من لابسي العمامة ودُعاة المدنية من لابسي "الطربوش"، إنما هو صراع لا أصل له في التاريخ مصر الفرعونية، لأن "العمامة العربية، قد دخلت مصر على يد الفتح العربي الإسلامي، فإتصلت بالروح الديني (عند المصريين) من أول يوم. وأما "الطربوش" التركي فهبط إلينا من رؤوس المُتسلطين لباساً رسمياً للجنود والموظفين، فهو رمز التسلط والحُكم". (ص452، المصدر نفسه).

كان من أنصار حُرية المرأة، ولكن وفق مُقتضيات ما يُتيحه الشرع وتأويله من منح المرأة لحقوقها التي أقرها الشرع الإسلامي الذي يقتضي تمسك المرأة بأمور دينها وإحترامها للزوج ولحُسن الذوق والكرامة والمحافضة على الفضيلة، لا وفق رغباتها العصرية في تقليدها للمرأة الغربية وإتباعها لها في محاسنها وخطاياها.

كان يؤمن بحُرية التدين، فقد صادق شاباً هندياً كان زميلاً له في السفر، فأحبه فشعر إتجاهه بمحبة غامرة وكأنهما صديقان  كم يقول: "منذ زمان، وإن لم تجمعنا رابطة جنس ولا لغة ولا دين" (ص446، المصدر نفسه).

إهتم بالفكر الفلسفي ببعده البرهاني، بوصفه فكر من بنية التدين العقلاني الذي لا إختلاف في مضامينه ومراميه عن مرامي الفكر الديني الأصيل وغاياته، وإن كان يرى أن أصالة العقل العربي وإبداعه إنما هي كامنة في علوم اللغة وأصول الفقه وعلم الكلام والتصوف، مؤكداً رأيه هذا في كتابه المعروف "تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية".

الحرية عنده أصل في الدعوة الدينية، لأن الدين عنده تسامح وقبول، والدين القيم هو الدين الذي يقبل التعدد على قاعدة "لا إكراه في الدين"، وبالتالي فالحرية الدينية تُجوزها الديانات والشرائع، والحرية الفكرية والسياسية حق طبيعي ومُكتسب، ولا حق لمُختلف أو مُغاير سلبه، والقوانين هي التي تكفل الحُريات، والناس متساوون أمام القضاء، لأن "الحُرية هي طبيعة إنسانية لا ينبغي لنا قهرها" لذلك دعى مُصطفى عبدالرازق إلى إحترام الحُريات الفكرية والسياسية، لأن في الحُرية خيرٌ في الإنسانية جمعاء، فهي السبيل الحقيقي لشعور الفرد بإنسانيته، وهي السبيل الأمثل لشعور الإنسان بقيمته في العمل والعامل المساعد له في تعظيم ثقته بنفسه، فلإنسان الحر هو الإنسان المُريد الذي له القُدرة على الإختيار، فالإنسان من دون إرادة هو كائن ناقص، لأنه لا يستطيع قضاء مراميه وغاياته ومقاصده، من دون الإستعانة بآخر، والآخر، ربما يكون السلطان القاهر. ولكنه بإستعانة من مثل هذه قاصر، ولحرية الإنسان التي أرادها الله له جاحد وناكر.

فـ "الذين يخدمون الحُرية الفكرية ـ برأي مُصطفى عبدالرازق ـ هُم خُدام الحق وأنصاره، فإن العقول المُستعبدة لا تسموا إلى جلال الحقيقة وجمالها".

وإن الذين يفكون العقول من أغلالها إنما يُمهدون لها السبيل إلى الحق، والدين من أسمى حقائق الوجود.

حيى الله خُدَام حُرية الفكر وإستقلاله وزادهم تثبيتاً وتوفيقاً، وجزاهم عن الدين وعن العلم خيراً". (ص502، المصدر نفسه).

 

 الكتاب: من آثار مُصطفى عبدالرازق، من القطع الكبير.

تصدير: علي عبد الرازق.

تقديم: طه حُسين.

منشورات: وزارة الثقافة بمصر: الهيأة العامة لقصور الثقافة، القاهرة ط!، 2014.

عدد الصفحات: 502.

 

د. علي المرهج

  

 

moamar habarمن حسن حظّ القارىء المتتبّع أنّه يقرأ ويقارن حتّى ولو لم يشر إليها صاحب الكتاب عمدا، ولمعرفة هول الاستدمار الفرنسي المفروض على الجزائر وكيف حوّل كلّ عزيز  ثمين يملكه الجزائري إلى زهيد يباع بأبخس الأثمان، عليه أن يقف على حقيقة الاستدمار من أهله وأصحابه، ومنهم الكتاب الذي انتهيت من قراءته البارحة في انتظار أن أقدّم قراءة بشأنه:

ALGERIE D’AUTREFOIS  DESCRIPTION DU VOYAGE EN ALGERIE", DE FRITZ PERNOD DE COUVET EN L’AN 1866 », Présenté par M Docteur Mustapha Makaci, Thala Editions, Alger, Algerie, 2013, contient 80 pages.

جاء في صفحة 13، أنّ ثمن حصان جيد سنة 1866 أي السنة التي زار فيها الجزائر كان يساوي 400 فرنك، وثمن العجل يساوي 80 فرنك، بينما ثمن البغل يتعدى عادة 1200 فرنك. ومعنى هذا الكلام أنّ الجزائري وهو يملك ثروة كالحصان تحوّلت بفعل الاستدمار إلى سلعة لاتساوي شيئا لأنّ الحصان أمسى سلعة غالية لايقربها الجزائري  بل أمسى عامل نظافة للمستدمر الفرنسي يرعى أحصنته التي هي في الأصل أحصنة عربية جزائرية أصيلة لم يحلم بها نابليون والذين احتلوا الجزائر.

وحين زار الكاتب الفرنسي باتنة ودائما في سنة 1866 يقول: أهديت لي أرض بمساحة 15 هكتار وتحتوي على مياه كثيرة وبستان بـ 1300 فرنك، وأضاف: لأبين لكم أنّ سعر الأرض ليس مرتفعا. وعليه أضيف: وكان عليه أن يقول: سعر الأرض في الجزائر زهيدا جدا ، لأنّ الجزائري إبّان الاستدمار الفرنسي لم يعد باستطاعته خدمة الأرض لأنّها مكلّفة من حيث الضرائب التي يفرضها عليه المستدمر الفرنسي لذلك تخلى عنها للمستدمر المحتل، وقد سمعت لأحد المؤرخين الجزائريين هذا العام عبر الإذاعة الجزائرية، أنّ الجزائري كان يخاف من النيران إن أتلفت حقله لأنّه حينها سيدفع ثمن الحريق رغم أنّه ليس السبب بل كان من المفروض أن تعوّض الخسائر الفادحة التي ألحقت به، فهو في كلّ الحالات يرهقه الاستدمار بالضرائب. وحدّثني شيخ طاعن في السّن فقال: "يٙاوْلِيدِي، كنّا ندفع بٙتِيتٙةْ الهْوٙا " أي ضريبة الهواء حين ينثر الجزائري القمح في الهواء لتمييزه واستغلاله.

ويمكن للقارئ الآن أن يقارن بين سعر البغل بـ 1200 فرنك وسعر 15 هكتار بـ 1300 فرنك أيام الاستدمار الفرنسي ليعرف مدى الظلم والإجحاف الذي ألحق بكل عزيز ثمين يملكه الجزائري ليتحوّل إلى تراب لا يساوي شيئا ويتحوّل في نفس الرخيص الذي يملكه المستدمر إلى لؤلؤ وذهب يباع بأغلى الأثمان.

والمثال الثاني سبق أن ذكرته في مقال لي بعنوان: "الجزائر كما يراها بيار لوتي"، بتاريخ: الإثنين 23 جمادى الأول 1438، الموافق لـ 20 فيفري 2017 أثناء عرض كتاب:

DE PIERRE LOTI « LES TROIS DAMES DE LA KASBAH », EDITIONS DU LAYEUR, 96 PAGES..

باعتباره زار الجزائر أوّل مرّة سنة 1869، وخلال سنوات 1869-1880، وتحدّث عن الذهب الذي يزيّن المرأة الجزائرية لكنه لايساوي شيئا وتبقى حاملته الجزائرية فقيرة رغم كميته الكبيرة جدا، وسيطرة اليهود على سوق الذهب والفضة والمال وتبعية الجزائريين لهم بسبب الفقر المفروض عليهم من طرف نهب الاحتلال والاستدمار الفرنسي".

 

معمر حبار

 

 

1178 enayatشهد الفكر اليهودي إبان الفترة الحديثة تحولات جذرية تغيرت على إثرها براديغمات النظر للذات وللعالم، وذلك مقارنة بما ساد طيلة الفترة القديمة الموسومة بسيطرة الرؤى التلمودية وهيمنة شروحات الأحبار، أو كذلك بما ساد على مدى الفترة الكلاسيكية المتأثرة بأجواء الحضارة العربية الإسلامية، ولا سيما التأثر بالجدل العقائدي والمذاهب الكلامية وبوادر تشكل رؤى "الاعتزال" اليهودي، التي بدت ملامحها مع ابن عزرا الغرناطي (ت. 1167م) والسّموءل بن يحيى المغربي (1130-1174م) وموسى بن ميمون (1135-1204م)، إلى أن تلقّفها باروخ سبينوزا مع بداية التحول الفكري اليهودي الحديث خصوصا في كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة". غير أن الصرامة العقلية المبكرة لسبينوزا، في زمن مازال فيه الفكر اليهودي محكوما بطابع المحافَظة، كلّفه طردا من الجماعة السيفاردية بوصفه خارجا عن الملّة. في حين جاءت براديغمات النظر التي طبعت الفكر اليهودي الحديث متأثرةً بأوضاع العالم الأوروبي، وبقضايا التنوير، وفكر الحداثة، وأجواء العلمنة والبحث عن اندماج في المجتمعات الحديثة، وانعكست تلك المؤثرات على رؤى المفكرين اليهود وعلى علاقتهم بالإرث الديني.

في المؤلف الجماعي الذي أشرف على إعداده أدريانو فابريس، أستاذ الفلسفة الأخلاقية في جامعة بيزا الإيطالية وصاحب المؤلفات المتنوعة عن سِير الفلاسفة اليهود المعاصرين، محاولةٌ لرصد هذه التحولات الحديثة. يستعرض المشاركون حشدا من المفكرين اليهود المحدثين، ممن جمع بينهم النهل من مرجعية تراثية يهودية (التوراة والتلمود والقبالة بالخصوص)، وهو ما انعكس في تأملاتهم المتماثلة أيضا. لكن الاشتراك والتماثل المشار إليه بين هؤلاء المفكرين لا يعني أحادية النظر، بل هناك "تعددية فكرية" وتنوعا في النظر بينهم. نجد من بين هؤلاء مارتن بوبر، وفرانز روزنفيغ، وفالتر بنيامين، وليو شتراوس، وحنة أرندت، وهانس جوناس، وفلاديمير جانكلفيتش، وإيمانويل ليفيناس. فقد عاش سائر هؤلاء الفلاسفة اليهود في القرن العشرين، القرن الخاطف والتراجيدي، كما يسمى، لِما أثقلته من أحداث جسام. حيث يُخصّص الكتاب مبحثا لكل من هؤلاء الفلاسفة لعرض أهمّ أطروحاتهم وتأثيرها العميق في الأوساط اليهودية وفي الفكر العالمي؛ إضافة إلى قسم ثان من الكتاب عالجت فيه مجموعةٌ أخرى من المشاركين قضايا محورية شغلت الفكر اليهودي المعاصر، مثل قضية العقلانية، والخلاص، والمسيحانية، والمحرقة، والعلمانية، والتأويل، وجدل الأصالة والمعاصرة. الكتاب بقسميه يتطلع إلى عرض شامل لأهمّ قضايا الفكر اليهودي المعاصر، انتدب لها المشرف مجموعة من الفلاسفة ممن عايشوا أحداث القرن الماضي، وممن كانت لهم إسهامات معتبَرة في تطوير الفكر اليهودي، وأردف ذلك بمراجعات لأهمّ القضايا التي شغلت العقل اليهودي.

يتميز الفكر التأملي الشاغل لسائر فلاسفة اليهود من الحقبة المعاصرة بتقاطع قضايا الدين، المستوحاة من تراث ضارب في القدم، مع أوضاع اليهود المضطربة والمتقلبة، في زمن شهدت فيه اليهودية انعتاقا وتغربُنا، تخلّصت فيه تقريبا من سماتها الشرقية، وباتت محتضَنة داخل الواقع الغربي، تعيش إشكالياته وتنهل من معين أفكاره التي بات يتقاسمها جمعٌ واسع من المفكرين.

ولا شك أن معدّ الكتاب قد غفل عن مفكرين يهود بارزين انتموا إلى الحقبة المعاصرة، مثل أرنست كاسيرار، وكارل لويث، وجرشوم شولام، وأرنست بلوخ، وأندريه نيهير، وجاك دريدا، جاء موضوع الدين لديهم باهتا أو منعدما. وقد برر أدريانو فابريس اختياره بأن عملية الدمج ضمن "الفكر اليهودي في القرن العشرين" لا يكفي فيها التحدر من أرومة يهودية، بل يقتضي المؤلَّف، وعلى وجه الخصوص، أن تشكّل اليهودية عامل إلهام في أعمال الكاتب وحافزا لتأملاته وهو الشرط الحاسم في الاختيار. ومن هذا الباب تم إيثار كتّاب دون غيرهم، ممن شكّلت أصولهم عاملا قويا في التأثير في فكرهم. وقد توزع هؤلاء الكتاب على ثلاثة فضاءات: ألمانيا عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى، وأمريكا على إثر التحاق جموع واسعة من المفكرين والكتّاب والفنانين اليهود بالعالم الحر درءا للاضطهاد، وفرنسا بعد اجتيازها محنة الحرب العالمية الثانية واختيار عدد من المثقفين الإقامة والعيش في أحضانها.

يتساءل معدّ الكتاب أدريانو فابريس عن مدى مشروعية القول بـ"الفكر اليهودي"، وما دلالة هذا المفهوم؟ وهل تواجد حقا فكر يهودي مغاير لأنماط فكرية وفلسفية أخرى؟ وإن تواجد فعلا فكر يهودي فما هي خاصياته المميزة؟ وما هي حدود اتصاله وانفصاله مع الفكر الغربي عامة؟ غير أنه يذهب وببساطة إلى أن فحوى الكتاب يتعلق بمجرّد تأمّلٍ صيغ من قِبل مفكرين من أصول يهودية، كان التشبّع بالفكر الغربي والانشغال بالمصير اليهودي والخلفية التراثية بيّنا لديهم، وهم على غرار نظرائهم ممن ينتمون إلى تقاليد دينية وثقافية أخرى. ولم يحبّذ معدّ الكتاب اختيار نعت "اللاهوت اليهودي" أو "الفكر الديني اليهودي" لمؤلَّفه، برغم الحضور البارز للبُعد الديني لدى هؤلاء الفلاسفة في القضايا المعالَجة، خشية الزيغ بمقصد الكتاب، كون "اللاهوت" أو "الفكر الديني" يمتح كلاهما من تقليد ديني محدد، ويجدان مرجعيتهما التأصيلية في النص المقدس، في حين الفكر اليهودي، وإن تبنى رؤى دينية فهو يبدو أكثر تحررا وانفتاحا في إرساء علاقة جدلية مع قضايا الفكر وإكراهات الواقع. كما يشرح صاحب الكاتب مبررات عدم اختيار تعبير "الفلسفة اليهودية" بوصفها نهجا تأصيليا داخل التقليد اليهودي. فالبيّن أن مفهوم الفلسفة اليهودية صيغ من قِبل سلومون مونك (1859م)، وقد أَطلق تلك التسمية على التأمل العقلي المتبلوِر في الحقبة الوسيطة، واعتماده الفلسفة الإغريقية لتفسير الوحي وتأويل النص المقدس، في نطاق البحث عما بين العقل والنقل من اتصال. والواقع أن هذا التيار قديم في الفكر اليهودي، برز مع فيلون الإسكندري إبان الفترة الهيلنستية، وتطور لاحقا من ابن ميمون في الحقبة الأندلسية، وهو ما بلغ نضجه مع سبينوزا في كتاب "الأخلاق" (1677م).

شكّل البحث عن الانعتاق شاغلا من شواغل الفكر اليهودي المعاصر. فقد تواصل النظر للانعتاق في مطلع الحقبة الحديثة ضمن أبعاد صوفية تجلّت في مفهوم المسيحانية، التي باتت تشكّل أطروحة خلاص واعدة للفرد وللجماعة. هذا وشهد الحس المسيحاني تأججا في ملحمة سبتاي زيفي (1665-1667م)، وهي من الملاحم الكبرى التي هزت العالم اليهودي، لما اختزنته من تهويمات ووعود لم تعرف فتورها سوى باهتداء صاحبها إلى الإسلام.

والمسيحانية كتيّار رؤيوي شكّلت في مدلولها الانعتاقي مراجعة عميقة داخل التاريخ اليهودي، اختلطت فيها النزعات الباطنية بالتأملات الفكرية بحثا عن هوية جامعة على أنقاض الشتات. فقد اُعتبر انعتاق اليهود بمثابة الوعد الإلهي المرتقب، وصارت فضاءاتُ الغربة فضاءات التحقق والتطور لهذا المسار. غدت فرنسا الحديثة الأرضَ المقدسة، وإعلانُ حقوق الإنسان بمثابة الوصايا العشر، والعالم الجديد تجسدا لأورشليم التوراتية. لم ينشأ ذلك النظر عرضا، بل جاء جراء تأويلات واستنباطات طورها حاخامات بحثا عن تلاؤم مع العالم الجديد. في البدء عارضت جل القراءات مزاعم الانبعاث في فلسطين والتأسيس ليهوذا بقيادة مسيا يتحدر من سلالة بيت داود النقية والطاهرة، باعتبارها خيارات وهمية تفتقد إلى الواقعية.

وفي أحضان تلك الحركة المسكونة بنزعة طوباوية، تشكلت حركة التنوير الأفكلارونغ (الاستنارة)، نحَتْ صوب تأملات واقعية، وهي حركة تنوير قادها جمعٌ من المفكرين بقصد تعاط عقلاني مع الموروث الديني ولسحبِ اليهود نحو الحداثة وإخراجهم من حيز المنبذ (الغيتو) الذي بات يأسر عقولهم وإن غابت الأسوار. فالغيتو الأكبر الذي ناضل ضده الفكر العقلاني اليهودي، خلال الحقبة المعاصرة، هو الغيتو المنتصب في وعي اليهودي وفكره. مثّل حينها ظهور "علم اليهودية" _Vissenschaft Judentums_، مسعى جادا من قبل حركة قراءة التراث لبناء وعي علمي بتاريخ اليهود الديني، بقصد تخليص اليهودية من ثقل اللامعقول والأسطورة الطاغيين، وما كان ليتحقق ذلك المسار في غياب التواصل مع المنزع التنويري السائد في الغرب، الساعي إلى ضبط كافة إيقاعات الحياة داخل أطر عقلية ومعايير علمية. حيث نلحظ رغبة لدى عديد المفكرين اليهود لتورخة الدين والتراث، سواء باعتماد منهج النقد التاريخي في معالجة المرويات، أو بجعل النظر إليها محكوما ببُعدٍ عقلي، بمنأى عن كافة تبريرات اللامعقول.

هرمان كوهين يقول في مؤلَّفه "أخلاق الإرادة المحض": "يهوديتي في علاقة عضوية مع قناعاتي العلمية.. لم أوكل مسار وعيي اليهودي إلى غريزة التماهي بمعتقد أو سلالة ما؛ بل بالعكس إلى الصرامة الفلسفية، في نطاق ما تيسر لي، وإلى النقد التاريخي، لأنهما أنارا لي السبيل" (ص: 71-72).

فقد كان الخلاص اليهودي في مدلوله البدئي مشوبا بمنزع صوفي ومدلول باطني، بيْدَ أنه ساد جدل معمّق في الفكر أساسه سؤال محوري: هل على اليهودي أن يتدخل في التاريخ ويساهم في صنعه أم يقتضي الحال أن يتمركز خلاصه في الروح؟ في البدء خلص ذلك الجدل إلى تمحور النظر للتاريخ ضمن أطر ثلاثة: أن الخلاص يأتي بشكل إعجازي، وأنه يتمخض عن عالم طوباوي، وأن المسيا (المخلّص) يأتي في أعقاب أبوكاليبس كارثي. لكن تلك القناعات عصفت بها تحولات شهدتها الساحة الغربية، تمثلت في احتدام موجة العداء لليهود مع اللاسامية، حيث بلغ المقت الأوروبي مداه في ما عُرف بالمحرقة. هذه المجريات المستجدة دفعت إلى تطور رؤى سياسية باتت ترى في الصهيونية سبيل الخلاص الموعود، وإن تواصلت معارضة ذلك مع تيارات أورثوذكسية رأت في قيام دولة لليهود، في غياب المسيا الحقيقي، هو ضربٌ من الخيانة والتنكر لليهودية.

وما كانت نداءات العودة إلى صهيون، "العام القادم في أورشليم"، لتلقى قبولا في أوساط اليهود لولا حصول انقلاب في قناعة كثير من الحاخامات، باتوا يرون الخلاص سياسيا وليس روحيا كما سلف. عندها تزاوج الوعي السياسي (الصهيونية السياسية) بالوعي الديني (الصهيونية الدينية) واشتركا معا في السير صوب أورشليم. جرى التقليص من غلواء الخلاف المستحكم بين الطرفين، المتدين والعلماني، بإرساء ما يشبه الصلح البراغماتي بين الثنائي، ومن هذا الباب كان البعد الديني حاضرا في الصهيونية حتى وإن لم تُتَح له فرصة القيادة.

بقي المنزع التأويلي في اليهودية حاضرا إلى حدود الحقبة المعاصرة، حيث أن جمعا واسعا من المثقفين اليهود ومع إيمانهم بسطوة المقولات الدينية، على شاكلة مارتن بوبر، أو ملاحدة عتاة، مثل أرنست بلوخ، قد جمعت بينهم رابطة رومانسية موحّدة في معاداة الرأسمالية، وتقاسموا رغبة عارمة في تشييد مجتمع جديد، تتجسّد فيه مملكة الرب على الأرض، مملكة العدل والحرية. نجد الفيلسوف الروسي نيقولاي برديائيف يذهب مذهبا داعما يلتقي فيه التأويل الديني مع العالم الراهن، مرتئيا أن البروليتاريا في مذهب كارل ماركس هي إسرائيل الجديدة، وهي شعب الله المختار، المحرِّرة والمشيدة للمملكة الأرضية الموعودة، وما الشيوعية سوى شكل معلْمَن للعهد الألفي اليهودي. حتى أن المفكر ميكائيل لوفي يتحدث عن تجانس خفي ومضمر بين المسيحانية اليهودية واليوطوبيا الفوضوية، أدى إلى تحالف وثيق تحققت نبوءته فوق أرض فلسطين.

التحول الكبير في الفكر اليهودي، الذي يرصده الكتاب، تدشّن مع التطورات السياسية الكبرى التي هزت أوروبا في أعقاب تضييق الخناق على اليهود مع اللاسامية والتي بلغت مداها مع حدث المحرقة. دفعت تلك الأوضاع إلى طرح تساؤلات عميقة في أوساط الإنتلجنسيا اليهودية التي ركنت إلى فكر الحداثة والعقلانية والعلمانية. بدأ الحديث عن "أوسشويتز"، رمز المحرقة، من أمريكا في أوساط المثقفين اليهود ممن رحلوا عن ألمانيا وتحلقوا في البداية حول مدرسة فرانكفورت ثم لاحقا في النيو سكول للأبحاث الاجتماعية في نيويورك. فقد كانت حنة أرندت وهانس جوناس وهربرت ماركيوز من الطلاب المباشرين لهايدغر، المهندس البارز للعقل الألماني الحديث الذي بات متهَما بالتنكر للعقلانية وموالاة الآلة النازية. طُرحت تساؤلات كبرى عن فحوى تلك المفاهيم في ظل واقع الفرز المفروض على اليهود. فقد اعتبر أدورنو وهركهايمر معتقل "أوسشويتز" ليس نتاجا لانحدار العقل ولكنه تضخم للعقلانية الأداتية. وقد لعبت حنة أرندت دورا مهما في محاكمة العقلانية الألمانية في ضوء ما حدث في "أوسشويتز"، وكانت من أوائل من أثار قضية ما جرى في "مصانع الموت"، بغرض تفهم المجزرة المصنّعة عقليا (ص: 265).

من جانب آخر تطارح الفكر اليهودي مسألة الألوهية والشر. ففي محاضرة ألقيت عام 1984 تساءل هانس جوناس عن "مفهوم الألوهية بعد أوسشويتز"، وعن أفول الدين وعن صمت يهوه؟ إجابته مغايرة عن إجابة أدورنو أو أندرس، ليس في جعبته نفيٌ لوجود الرب، بل إعادة تفكير في حضوره من خلال المصادر القبالية. فالمحرقة لا تمثل سقوطا مفاجئا في البربرية، بل بالأحرى هي الجانب الخفي، والانعطافة الجدلية للحداثة.

 

الكتاب: الفكر اليهودي في القرن العشرين.

إعداد: أدريانو فابريس.

الناشر: كاروتشي (روما) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2017.

عدد الصفحات: 343ص.

 

عزالدين عناية - أكاديمي تونسي مقيم بإيطاليا

 

 

abdullah alfifiأَلا  كُــلُّ مـاشـــِيَةِ الخَــيْزَلَـى  * *  فِـدا كُــلِّ مـاشـــِيَةِ الهَــيْـذَبى

لِتَعـلَـمَ مِـصرُ ومَـنْ بِالعِــراقِ  * *  ومَنْ بِالعَـواصِمِ أَنِّي الفَـتى

وأَنِّـي وَفَـــيْــتُ وأَنِّــي أَبَــيْــتُ  * *  وأَنِّـي عَـتَوتُ على مَنْ عَـتا

وما كُـلُّ مَـنْ قـالَ قَـولًا وَفَى  * *  ولا كُلُّ مَنْ سِيْمَ خَسفًا أَبى

ولا بُــدَّ لِـلـقَــلْـــبِ مــِن آلَـــــةٍ  * *  ورَأيٍ يُـصَــدِّعُ صُــمَّ الصَّـفَـا

ومَـنْ يَـكُ قَـلْــبٌ كَـقَـلْـبي لَـهُ  * *  يَـشُقُّ إلى العِــزِّ قَلبَ التَّوَى

وكُــلُّ طَــــريــقٍ أَتـــاهُ الـفَـــتَى  * *  على قَدَرِ الرِّجلِ فيهِ الخُـطا

-2-

ما أهمية مثل هذا البحث الذي أنجزه (الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن ناصر المانع)، تحت عنوان «على خُطا المتنبِّي (دَرْسُ طريقِ هروب أبي الطيِّب المتنبِّي من الفسطاط إلى الكوفة)»، (الرياض: كرسي المانع لدراسات اللغة العربيَّة وآدابها، 2017)»؟

إنه كتابٌ في الأدب، والنقد، والرِّحلة، والتاريخ، والأعلام، والمَواطن، في آن.  فضلًا عن أن مغامرة الباحث قد سيقت في سردٍ قصصيٍّ،  ذي أسلوبٍ أدبيٍّ ماتعٍ آسِر.

وإذا كان ممَّا يثير الإعجاب في هذه التجربة مثابرةُ الباحث وشغفُه بموضوعه، والجهدُ المضني الذي بذله، فإن ممَّا يثير الإعجاب أيضًا توظيفه علاقاته في سبيل البحث العلمي، مستنًّا سُنَّة أبي الطيِّب في توظيفه علاقاته في سبيل هروبه.  وكذا يثير الإعجابَ حقًّا التعاونُ الرائع الذي حظي به الباحث، والذي قلَّما تحظَى به المشاريع البحثيَّة في عالمنا العربي.

فماذا لو تواصلت بحوثٌ مثل هذا البحث؟  وكم كانت ستضيء آفاق تراثنا، في هذا العصر الذي تيَّسرت فيه أمور لم تكن ميسورة في الماضي؟  ثمَّ كيف لو صُوِّرت هذه الرحلة البحثيَّة سينمائيًّا؟  للجمع بين التحقيق العِلْمِي الرَّصين والصورة الحيَّة، كي تشمل الرسالةُ في استهدافها جميع شرائح المتلقِّين، في عصر الصورة الحيَّة، إذ قد تُصبح الثقافة الورقيَّة جزءًا من التاريخ، ولو بعد حين.

-3-

يلفت النظرَ في بعض طريق المتنبِّي تعرُّجُها الغريب.  فهل كان ذلك للتَّضليل؟ 

ما الذي جعله، مثلًا، يذهب شَمالًا من (كَبْد الوِهاد) إلى (رأس الصوان)، في (الأردن)، ثمَّ يعود جنوبًا إلى (البويرة)؟  تُرى أكان متردِّدًا في وجهته؟  أم ربما كان ينوي العودة إلى (الشَّام) من جديد، لكنه عَدَل إلى (العراق)؟  وهو القائل:

وأَمسَــتْ تُخَـــيّــِرُنـا بِالنِّـقــابِ  * *  وادي المِياهِ ووادي القُرَى

وقُلنا لَها أَينَ أَرضُ العِراقِ  * *  فَقـالَـت ونَحنُ بِتُـربانَ: هــا

أم ذلك قول شاعر، يشرِّق فيه ويغرِّب، ويذهب شَمالًا وجَنوبًا، في رسم لوحات خواطره، لا بقول البُلدانيٍّ، يُراعي الأبعاد والجهات والمسافات والترتيب؟

تساؤلاتٌ يثيرها خطُّ السير المرسوم في الخريطة المرافقة لكتاب «على خُطا المتنبِّي». 

-4-

فإذا توقَّفنا عند بعض الأماكن التي توقَّف عندها الباحث، كانت لنا الملحوظات الآتية:

لعلَّ (نَجْه الطَّير)، ذلك المكان الذي شغل الباحثَ كثيرًا، تصحيفٌ عن (نَجْع الطير)، وقد آن تصحيحه باسم المكان المعروف اليوم في (سيناء).  ولا ضرورة لتصوُّر أن الاسم حُرِّف صوتيًّا من «نَجْه» إلى «نَجْع»، كما ذهب الباحث (ص104- 105).  على أن ما استدلَّ به من كلام (الأربلي، جواهر الأدب في معرفة كلام العرب) لا يبدو فيه دليل؛ فالإربلي إنما تحدَّث عن قلب الهمزة عينًا أو هاء، في كلمة «أما»، لا عن قلب الهاء عينًا بصورة عامَّة.  وتلك لغة في (أما) وحدها، ولم يذكر أنها في كلِّ الكلمات، أو كلِّ الحروف الحلقيَّة.  فالأقرب إلى الاحتمال، إذن، أن الاسم قديمًا وحديثًا: «نَجْع الطَّير»، وإنما صحَّفه الكَتَبَة!

وكذا القول في (الشَّغُور)، جَنوب بلدة (السليمانيَّة)، شَمال شَرق (سكاكة)، بمنطقة (الجَوف).  فقد أبان الباحث أنْ لا وجود لماء في المكان الذي ذكره الشاعر سِوَى ماء يسمَّى (المُغُور) أو (المُقُور).  ولا أدري لِمَ لَمْ يذهب الباحث إلى فرضيَّة أن الاسم القديم الشَّغُور إنما هو تصحيف: المُغُور أو المُقُور، المعروف اليوم، بل ذهب إلى أن اسمه تحوَّل اليوم إلى المُغُور أو المُقُور؟ (ص206).  ذلك أن ما بقي على ألسنة الناس هو أوثقُ ممَّا كُتِب قديمًا، مع ما يعتوره من احتمال التصحيف، أو الجهل بالاسم الحقيقيِّ في منطوق أهالي المكان.

ولقد كان في البحث اللغوي عن أسباب تسمية المواضع مرجِّحٌ في مدى صحتها.  فـعبارة «نَجْه الطَّير» تعني: زجر الطَّير.  فما علاقة هذا التعبير بالمكان؟  وربما كان لاسم «المُغُور» علاقةٌ بلون التربة في المكان الذي سمِّي به؛ فالمَغْرَة: الطين الأحمر.  في حين أن المَقْر: نوع من نبات الصَّبِر أو الصَّبَّار.  أمَّا الشَّغُور- الذي تواردت كُتب اللغة والبلدان على أنه موضع في البادية- فربما كانت له علاقةٌ ببُعد مائه عن الطريق؛ ذلك أن العرب يقولون: «أَشْغَرَ المَنْهَلُ واشْتَغَرَ»: أي صار في ناحية من المَحَجَّة.(1)  فأيُّ هذه أقرب إلى الرُّجحان، حسب طبيعة المكان؟  هذا مبحث كان يمكن أن يمثِّل مدخلًا للترجيح؛ لأن أسماء المواضع لا تُطلَق اعتباطًا غالبًا، ولا يكفي الاعتماد فيها على أقوال البلدانيِّين الملتبسة والمتضاربة في كثيرٍ من الأحيان.

على أن الباحث يورد بعض جدله حول الأماكن على افتراض قد لا يصحُّ أحيانًا، ذلك الافتراض أن الشاعر مرَّ بالمكان الذي ذَكَرَه بالضرورة، وأن الأماكن التي يذكرها مواردُ ماء، وأنه وردَ ماءها!  وهي افتراضات لا دليل عليها من نصِّ الشاعر في بعض المواضع. وقد يكون المكان المشار إليه جبلًا لا ماء.  من هذا ما جاء في ردِّ الباحث قولَ (موزل): إن الشّغُور جمع (شغار) و(شغير)، وهما موردا ماءٍ شَمال غَرب (الجَوف). (ص195).  في حين أن الشاعر لم يقل إنه مرَّ بالمكان أصلًا، أو استقى منه، بل إنه لاح على طريقه:

ولاحَ لَها صَوَرٌ والصَّباحَ  * *  ولاحَ الشَّغُوْرُ لَها والضُّحى

بل ليس ثمَّةَ ما يدلُّ على أن المكان الذي عناه الشاعرُ منهلُ ماء، بل ربما كان جبلًا، كما ذهب إلى ذلك (حمد الجاسر). (ص206).  ثمَّ ألا يمكن أن تكون بعض الموارد خارج طريق المتنبي إلى الكوفة؟ وهو ما قاله اللغويُّون في معنى المنهل الشَّغُور، أي البعيد عن الطريق.  فيردها المرءُ ثمَّ يعود إلى طريقه.  أي أن المواردَ التي يُفترض أن أبا الطيِّب استقى منها ليست دائمًا على طريقه، ضربة لازب.

أمَّا قول المؤلِّف، (ص274): إن تسمية (دُوْمَة الجندل) مشتقَّة من «الدومة» أو «القُبَّة» الصخريَّة هناك، فمخالف لتعليلٍ آخر قديم، راجح، وهو أنها سمِّيت باسم أحد أبناء (إسماعيل بن إبراهيم)؛ فمن أبنائه: (قيدار)، و(دُوْمَة)، و(تيماء).  والاسمان الأخيران ما زالا معروفَين إلى اليوم، بـ(دُوْمَة الجندل) و(تيماء).  جاء في (العهد القديم، سفر التكوين)(2): «وهذِهِ مَوَالِيدُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي وَلَدَتْهُ هَاجَرُ الْمِصْرِيَّةُ جَارِيَةُ سَارَةَ لإِبْرَاهِيمَ. وهذِهِ أَسْمَاءُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ بِأَسْمَائِهِمْ حَسَبَ مَوَالِيدِهِمْ: نَبَايُوتُ، بِكْرُ إِسْمَاعِيلَ، وقِيدَارُ، وأَدَبْئِيلُ، ومِبْسَامُ، ومِشْمَاعُ، ودُوْمَةُ، ومَسَّا، وحَدَارُ، وتَيْمَا، ويَطُورُ، ونَافِيشُ، وقِدْمَةُ.»

[وللقراءة في هذا الكتاب بقيَّة]

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفيفي

.........................

(1)  انظر: الجوهري، الصحاح؛ الفراهيدي، العين، (شغر). 

(2)  25: 12- 15.

 

 

hasan maysiralaminغصن كثيف الثمر لشجرة باسقة، عميقة الجذور، وارفة الظلال، ضمن بستان دائم العطاء مداد البصر، غزير الإنتاج وفير الغلة، ملؤه أزهارٌ معبقةً بالطيب والسلام والتآخي والمحبة والتسامح، ذلك هو بستان شركائنا في الوطن وفي أحزانه وأفراحه، أبناء المكون المسيحي الأوفياء، سليلي أولى الحضارات وأقدم النصوص، اخواننا وزملاؤنا في الدراسة وفي العمل وفي البناء والإعمار وفي التضحية لأجل الوطن والدفاع عنه، ذلك البستان الذي أحتضن العراق بقلبة وجوارحه، وهذا الغصن الذي أسكن نينوى وأهلها حداق العيون، خدمها فأخلص لها، وأبدع في الوفاء والإعتزاز والإشادة بها، كتب لها شعرًا فاصدق القول لها، ونثرًا فأجاد، وتغنى بأمجادها ومآثرها فكان نِعمَ ما قال فيها، حبًا لها وتعلقًا بها، إنه الشاعر والكاتب والإعلامي (الدكتور بهنام عطاالله)، مواليد سهل نينوى في منطقة قره قوش (بخديدا - بالسريانية  – والتي تعني - بيت الله، وباللغة التركية تعني الطائر الأسود) عام (1956)، درس مدارسها الإبتدائية والمتوسطة وأنهى دراسته الثانوية عام (1975)، وتخرج عام (1979) حاصلًا على شهادة البكالوريوس من جامعة الموصل، كلية التربية، قسم الجغرافيا .

عُيّنَ  مدرسًا في ثانوية (تل عبطة التابعة لقضاء الحضر) لمدة (3) سنوات، وفي عام (1982) أدى خدمة العلم (الخدمة الإلزامية) فألتحق بكلية الضباط الإحتياط دورة (34) وتخرج منها ضابطًا مجندًا برتبة (ملازم ثاني) عام (1983) واكمل الخدمة العسكرية في جبهات القتال في شمال العراق وشرق البصرة حتى عام (1987) حيث التحق بالدراسات العليا في جامعة الموصل وحصل على شهادة الماجستير بتخصص علم الخرائط عام (1989) .

عاد (بعد حصوله على شهادة الماجستير) لإكمال ما تبقى من خدمته العسكرية برتبة (ملازم أول) في مديرية المساحة العسكرية (الشعبة الأولى) في بغداد حتى تسريحه منها عام (1990) .

تم تعيينه مدرسًا في معهد إعداد المعلمين في نينوى حتى عام (1996)، ثم واصل دراسته لإكمال دراسته العليا ضمن قنوات المتميزين وحصل على شهادة الدكتوراه في فلسفة علم الخرائط من جامعة الموصل - كلية التربية - قسم الجغرافيا عام (1999) .

باشر عمله في التدريس بعد حصوله على شهادة الدكتوراه في معهد اعداد المعلمات في نينوى وتولى في الوقت ذاته إلقاء المحاضرات على طلبة الدراسات العليا في كلية التربية - جامعة الموصل ضمن تخصص تصميم الخرائط، ثم انتقل للتدريس في معهد اعداد المعلمين في الحمدانية عام (2013) وكذلك في معهد الفنون الجميلة للطلبة النازحين في أربيل بعد احداث النزوح عام (2014) وحتى الآن .

ناقش العديد من الرسائل العلمية لنيل شهادتي الماجستير والدكتوراه في (تخصص علم الخرائط) في كلية التربية، قسم الجغرافيا في جامعة الموصل، كما انه شارك في عضوية لجنة تصميم خارطة العراق والوطن العربي والعالم في مديرية تربية محافظة نينوى عام (2006) . 

بالإضافة إلى أعماله التدريسية فهو عضو في الجمعيات والإتحادات التالية (الإتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين، إتحاد الأدباء والكتاب السريان، الإتحاد الدولي للصحافة، الإتحاد العالمي للصحافة في بروكسل (بلجيكا)، الإتحاد الدولي للأكاديميين العرب في الدانمارك) .

1442 hasan

بدأ نشاطه وعمله في المجال الأدبي والثقافي وفي الكتابة والنشر منذ مطلع السبعينيات من القرن المنصرم، حيث ظهرت موهبته في الأدب عمومًا والشعر خصوصًا منذ وقت مبكر وهو لما يزل في المرحلة الإبتدائية من خلال درس الإنشاء والتعبير وحفظ الأناشيد والشعر ومن خلال مكتبة البيت المتواضعة ومكتبة الصف آنذاك في مدرسة (قره قوش الأولى) حيث بدأ بقراءة الكتب والقصص الموجودة في المكتبة فضلًا عن دواوين الشعر لقدامى الشعراء والمعاصرين وأستمر به الحال في المرحلة المتوسطة حيث قرأ عددًا من الكتب الأدبية المتوفرة في مكتبة الثانوية فضلًا عن مشاركته في المهرجانات الشعرية التي كانت تقام في المدرسة، ثم أتجه لكتابة القصيدة العمودية وكانت أول قصيدة كتبها بعنوان (الربيع)، اما اول قصيدة  كتبها في الشعر الحر فكانت بعنوان (البحث عن الأرض) وتم نشرها في جريدة (الرسالة) الموصلية العد (161) عام (1972) وهي أول قصيدة تنشر له في حياته وكان هذا بفضل تشجيع ومؤازرة  مُدرسه في مادة اللغة العربية الشاعر الراحل الأستاذ (معد الجبوري - رحمه الله)، ثم قام بعدها بسنوات بكتابة قصيدة النثر .

نشر العشرات من البحوث والدراسات التاريخية والجغرافية والنقدية والثقافية، فضلًا عن النصوص الشعرية في العديد من الصحف والمجلات العراقية والعربية والأجنبية، وترجمت بعضًا من نصوصه الأدبية والشعرية إلى اللغات الإنكليزية والكردية والسريانية والهولندية .

شارك بالعديد من المهرجانات الأدبية والشعرية منها (اغلب المهرجانات الشعرية التي كانت تقام في ثانوية قره قوش منذ العام (1972 وحتى عام 1975)، (مهرجانات جامعة الموصل منذ منتصف السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي)، (مهرجانات المربد الشعري السنوي في بغداد)، (مهرجانات جمعية اشور بانيبال الثقافية في بغداد في تسعينيات القرن الماضي)، (مهرجان القوش الثقافي السنوي ومهرجان بخديدا للإبداع السرياني من عام 1995 لغاية 2001)، (اغلب المهرجانات الشعرية التي اقامها منتدى الحمدانية الأدبي من عام 2000 وحتى 2003)، (مهرجان شعري في اتحاد الادباء والكتاب في سوريا - دمشق عام 2007)، (مهرجانات البيت الثقافي في الحمدانية للأعوام من 2004 وحتى 2014)، (مهرجان المركز الثقافي العراقي في لبنان عام 2015)، (اغلب مهرجانات اتحاد الأدباء والكتاب السريان خلال مرحلة النزوح عام 2014 وما بعدها)، (مهرجان تكريم الناقد العراقي الراحل شوقي يوسف بهنام لمناسبة صدور كتابه عن الشاعر الفلسطيني احمد دحبور في القنصلية الفلسطينية في اربيل عام 2016)، (مهرجان أكيتو في أربيل عام 2017) .

شارك في عشرات المؤتمرات الثقافية منها (مؤتمر المسرح في الموصل في كلية الفنون الجميلة عام 2002)، (جميع المؤتمرات الأدبية التي أقامتها المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية في اربيل)، (جميع المؤتمرات الإنتخابية لإتحاد الأدباء والكتاب العراقيين والسريان، (مؤتمر المسيحيين في العراق الآن وفي المستقبل المنعقد في مقر الإتحاد الأوربي ببروكسل (بلجيكا) عام 2016) .

شارك في العديد من المؤتمرات والمهرجانات والندوات الشعرية وتولى رئاسة عددًا منها والتي عقدت داخل العراق وخارجه منها (رئيس منتدى الحمدانية الأدبي للفترة من عام 2001 وحتى 2003)، (رئيس اتحاد الأدباء والكتاب الكلدان والسريان في العراق من الفترة من عام 2004 وحتى 2007)، كما تولى رئاسة تحرير العديد من الصحف والمجلات السريانية وأشرف ثقافياً على البعض الآخر، منها (رئيس تحرير جريدة (قالا بخديدا)  (صوت بخديدا) الثقافية منذ حزيران 2003 وحتى الآن)، (رئيس تحرير مجلة (موتوا عمايا) المجلس الشعبي بالعربية والسريانية للفترة من عام 2010 - 2014)، (رئيس تحرير مجلة (الإبداع السرياني) الثقافية منذ عام 2007 وحتى الآن)، (مدير تحرير جريدة سَورا (الأمل) بالسريانية والعربية)، (أحد مؤسسي جريدة (صدى السريان) ورئيساً لتحريرها لسنوات عدة)، بالإضافة إلى قيامه بإعداد حلقات إذاعية لبرنامج (شاعر وقصيدة) والبالغ عددها (36) حلقة، تم إذاعتها عبر إذاعة صوت السلام من بخديدا في قره قوش، ويشغل الان منصب مدير تحرير جريدة (سورايا) الصادرة بالسريانية والعربية والكردية في أربيل، كما له العديد من المقابلات التلفزيونية والتحقيقات الصحفية وتزخر صفحته الفيسبوكية بالعديد منها .

أصدر العديد من المجاميع الشعرية منها (فصول المكائد  - شعر - عن سلسلة نون الأدبية رقم (13) عام 1996)، (إشارات لتفكيك قلق الأمكنة - شعر - عن مكتب النور للطباعة في الموصل عام 2000)، (مظلات تنحني لقاماتنا - شعر - عن مكتب الفادي في الحمدانية عام 2002)، (هوة في قمة الكلام - شعر - عن دار نشر في اليونان -  أثينا عام  2008)، (هكذا أنت وأنا وربما نحن - مجموعة شعرية - عن دار تموز  للطباعة والنشر في سوريا - دمشق عام 2012) .

ومما تجدر الإشارة إليه أنه الآن بصدد إصدار مجموعته الشعرية الجديدة بعنوان (الظلام مر من هنا) قريبًا وباللغتين العربية والسريانية (تحت الطبع)، وهي سفر من تدوين لمرحلة الظلام الداعشي التي عاشها منذ النزوح وحتى التحرير .

قام بتأليف وإصدار الكتب الأدبية والثقافية والتاريخية التالية (إضاءات في الشعر والقصة - دراسات ومقالات نقدية - عن دار الارجوان للطباعة في الموصل عام 2002)، (النشاط المسرحي في قره قوش - البدايات وآفاق التطور - عن مكتب الفادي في الحمدانية عام 2002)، (الضفة الأخرى - دراسات ومقالات نقدية إنطباعية -  من منشورات جمعية الثقافة الكلدانية في اربيل عام 2005)، (من أعلام بخديدا - إبراهيم عيسو - حياته وآثاره الأدبية والصحفية عن مطبعة شفيق في بغداد عام 2008)، (سفر بخديدا الثقافي - موسوعة بخديدا الثقافية - الجزء الأول -  مشترك مع الأب لويس قصاب - عن مطبعة شفيق في بغداد عام 2009)، (مشكلات إدراك الرموز الحجمية في الخرائط الموضوعية عن مطبعة شفيق في بغداد عام 2011)، (وهج القصيدة يقظة الذاكرة - مقالات وانطباعات وقراءات نقدية - عن دار تموز  للطباعة والنشر في سوريا - دمشق عام 2012) .

ورد اسمه في موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين لمؤلفه الدكتور (عمر الطالب رحمه الله) عام 2008)، وكذلك في معجم المؤلفين السريان لمؤلفه الدكتور (صباح نوري المرزوك)  - أربيل عام 2013)، وفي اكثر من (10) كتب من تأليف كبار المثقفين والأدباء في العراق ، كما وصدرت (7) كتب تناول فيها عددًا من الأدباء والمثقفين إعداد دراسات تحليلية ونقدية بناءه وكذلك تسليط الأضواء عن تجربته الدكتور بهنام الشعرية .

حصل على عددٍ من التكريمات والجوائز العينية والشهادات التقديرية من عشرات المؤسسات الثقافية والعلمية والبحثية .

تمكن وبكل جدارة من الربط الكبير ما بين تخصصه العلمي وهواياته الشعرية والأدبية حيث يُلاحظ من خلال متابعة أغلب نصوصه، الكم الكبير من المصطلحات الجغرافية والخرائطية، التي أستطاع أن يوظفها في قصائده، بل حتى عناوين البعض من قصائده تنحى هذا المنحى، ذلك الربط الذي رصده ووقف عنده الكثير من النقاد، من الذين تناولوا تجربته الشعرية بالبحث والتحليل، بحيث بلغت الكتب النقدية التي صدرت والممتدة لفترة أكثر من أربعة عقود (6) كتب نقدية لأكاديميين متخصصين، ولعل خير من رصد هذه الحالة هو الكاتب والناقد الأستاذ (معن عبد القادر ال زكريا) في دراسته النقدية المعنونة (عندما تكون المظلات استسقاء لمطر لا يأتي) المنشورة في كتاب (تضاريس شهوة الإنحناء) لمؤلفه ومعده الناقد العراقي الراحل شوقي يوسف بهنام والصادر عام (2006)، حيث أحصى فيها أهم المصطلحات الجغرافية والخرائطية المستخدمة في مجموعة واحدة فقط هي (مظلات تنحني لقاماتنا) الصادرة عام (2002) .

ومن اهتماماته الاخرى بالإضافة إلى الرياضة والرسم هي المسرح، فهو يُعد أول من كتب عن مسرح بخديدا واصدر كتابًا عنه كما ذكر في أعلاه، كما وثق لمسرح سهل نينوى وكتبت بحثًا مطولًا بعنوان (المسرح السرياني في سهل نينوى ... مسرح بخديدا أنموذجًا) وقد نشر في مجلة شانو (المسرح) التي تصدر في السليمانية، علاوةً على تمثيل مسرحية شعرية له بعنوان (الطائر البشير) لفرقة مسرح قره قوش للتمثيل وعرضت على الهواء الطلق في دير السريان عام (1997) والتي أخرجها الفنان داؤود بابا .

قال في جوابه على سؤال في احدى المقابلات الصحفية عن أمنية يتمنى تحقيقها فأجاب : (ان أمنياتي هي أن يعم الامن والأمان بلدنا العراق وان يعود شعبنا في سهل نينوى الى سهلهم الأخضر ليُعمروه مجددًا بعد سقوط دولة الخرافة الداعشية التي أحرقت الأخضر واليابس ومحو أفكارها الجهنمية) .

أدلى بتعليق قيم أرسله على الخاص تعقيبًا على المقال المنشور على صفحتي الفيسبوكية بتاريخ ( 8/7/2017) بعنوان (وتلك الأيام نداولها بين الناس)، والذي ذكرتُ في احدى فقراته : (نحنُ جميعًا نتطلع لأن تكون المرحلة القادمة هي مرحلة أمان وإعمار وإزدهار لنينوى والموصل بأي طريقة أو وسيلة كانت ولكن ضمن السياقات الصحيحة التي لا تفقد للموصل وأهلها ما يستحقون ويُجذر إنتمائهم للعراق وأهله فبعد أن فشلت الطائفية التي زرعها من زرعها في نفوس البعض من العراقيين وأنتقلت إلى نينوى والموصل بغباء مدقع في سياسة من كان يحكمها ويدير شؤونها وقتئذ وفشلت كل محاولات الأقليم والتقسيم وغيرها وتسعى الآن جاهدةً وبكل ما أوتيت من قوة لتعود لتتصدر المشهد السياسي لنينوى وبنفس تلك الروح الطائفية والتصريحات التي كانت السبب فيما حل بالموصل من كوارث وويلات .. الخ) قائلًا في جزء من رسالته أعلاه وفي احدى مضامينها :

(لقد كانت موصلنا كحديقة مزدهرة تحتوي على أطياف مختلفة من الشعب العراقي، وستبقى كذلك لان ما حصل للموصل، أم الربيعين كان كارثة بكل المقاييس، وعلى الرغم من ذلك فإن أهل الموصل خاصةً، والنينويون عامةً عازمون على بناء ما دمره الأشرار، ومحاربة الفكر الدخيل، نتمنى للشباب أن يأخذوا دورهم في البناء والتعمير والقيادة بعد الآن وفي المستقبل، وعدم السماح للوجوه السابقة التي كانت سببًا في سقوط نينوى والموصل بيد الظلام من العودة للعمل مرة اخرى) .

ووفاءً لشخصه الكريم ولمشاعره الفياضة بالحب وبكل الشعور النبيل الخالص على ما حل بالموصل وأهلها في ثلاث سنين عجاف، وحيث أن سلسلة الأقوال من أجل الموصل في محنتها ومستقبلها التي ننشرها تباعًا تشمل كل ذي موقف مشرف وكلمة صادقة وموقف نبيل في أرجاء المعمورة وبغض النظر عن الهوية أو الجنس أو الديانة أو القومية، فكان حقًا لنا وعلينا أن يكون حضوره المشرف ضمن السلسلة أعلاه وان يُسجل اسمه في صفحاتها ليأخذ استحقاقه بكل شرف وتميز فيما سيسطره التاريخ عنها وعن رجالاتها .

لقد اخترت مقولته الصدق وكلماته الحق كما في الصورة أدناه والتي عبر بها أفضل تعبير عن حقيقة الشعب العراقي العظيم عامةً واهل نينوى ومكوناتها والموصل وساكنيها وكذلك الشباب الواعي والمندفع بكل حرص وتفانٍ لخدمة الموصل ومساعدتها على النهوض من كبوتها، أولئك الذين لم ولن تغيرهم الظروف وتثنيهم عن مبادئهم الرصينة والمجبولين عليها رغم كل الأهوال والأحداث القاسية التي مرت عليهم ورغم كثرة أصحاب الفتن وعديد أبواق الطائفية ودعاة التفرقة وغيرها من المسميات، أضعها أمامكم سادتي الأفاضل راجيًا إثراء الموضوع بآرائكم السديدة حول مضمونها لتكون شهادة لقائلها الفاضل ولتغدوَ حكمة من رجل محبٍ ومخلصٍ و وطني غيور على العراق وشعبه وعلى نينوى ومن فيها أجمع وليسجلها التاريخ القادم شهادةً قيمةً لشاعرٍ ورجل نبيل وعالمٍ عامل، متأملًا تفاعلكم القيم ومسجلًا عظيم الشكر والإمتنان للشخصيات التي تواكب ما ننشر بكل حرص وسرور، وفق الله الجميع لما فيه خير العباد والبلاد وتقبلوا وافر الإحترام والتقدير .

 

حسن ميسر صالح الأمين

       

 

 

1176 aliصدر  حديثا عن دار أور للطباعة والنشر والتوزيع للكاتبة والصحفية عدوية الهلالي كتابها الأول والذي حمل عنوان (لأنني امرأة) يقع الكتاب ب 132 صفحة من الحجم المتوسط واحتوى الكتاب الذي صممت غلافه الزميلة رفيف الفارس  على 54  مقال (حكايات نسائية جدا) كتبتها خلال السنوات الماضية .

جاء في الإهداء

الى روح أمي .. ونساء أخريات قد يجدن ملامحهن ... في حكاياتي .. عدوية

قدم الكتاب الأستاذ حسب الله يحيى،جاء في جزء منه (حبرها دائم الخضرة، وأوراقها دائمة النقاء، ومابين الحبر الحي وبياض الأوراق، علاقة حميمية تشغل عوالم ورؤى كاتبة دؤوبة، حريصة على انتقاء من محن ومشكلات وعوالم بنات جنسها .

هذه الكاتبة التي ترصد وتراقب وتمتحن نفسها والنساء اللواتي تعرف أوجاعهن جيدا، تجد ان واجبها المقدس لا يكمن في كتابة تزوق وتجمل وتغلف الأشياء بما تتمنى وترجو وتأمل بل يعنيها ما هو موجع وقلق ومهان كذلك في حياة نساء تعرفهن وتتفاعل مع همومهن .. من هذا العالم التي تدور دائرته في شؤون المرأة، تدون عدوية الهلالي هذا الكتاب).

عندما تصفحت الكتاب وقرأت ما بين الأسطر وجدت ان الكاتبة عدوية الهلالي قد نقلت بكل موضوعية وحرفية مشاكل وهموم ومعاناة المرأة العراقية وما قاسته خلال حياتها، وهي بالفعل تنقلنا من حالة الى أخرى وتسرد حكاياتهن بكل عفوية بدون تزييف الحقائق او تحاول خلط الأوراق من اجل الخروج بحكاية ولكنها هنا تنقلنا حيث المعاناة والصبر من اجل الوصول الى بر الأمان وتوفير لقمة العيش، فقد تطرقت الى جميع مستويات المرأة الاجتماعية والثقافية والتي حاولت من خلال ما سطرته ان تنقل هموم ومشاكل وطموح المرأة وأمنياتها وأحلامها التي ربما تصطدم بجدار المجتمع من جهة ومن جهة أخرى بالظروف السياسية والاقتصادية والأمنية التي عصفت بالوطن، لذا نجدها كتبت عن المرأة المثقفة وعن أحلامها وكما كتبت قصص حب عاشتها بطلات حكايتها من خلال تجاربهن المريرة .

هذا وقد توقيع حفل توقيع كتاب الهلالي (لأنني امرأة)  في قاعة نازك الملائكة في المركز الثقافي البغدادي في شارع المتنبي بحفل اقامته دائرة العلاقات الثقافية في وزارة الثقافة  بحضور واسع من المثقفين والأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي وعدد من وسائل الإعلام، وقد تحدثت الكاتبة والصحفية عدوية الهلالي عن عملها وتجربتها الصحفية في العديد من الصحف والمجلات وما وجدته من مساندة ودعم وتوجيه  بالشكل الذي ادى الى نجاحها واستمرارها بالعمل الصحفي، وكما شهد حفل توقيع الكتاب  عدد من المداخلات التي  أشادت بتجربة الهلالي الصحفية وبكتابها الأول وفي نهاية الحفل تم تكريمها بشهادة تقديرية منحتها دائرة العلاقات الثقافية في وزارة الثقافة .

عدوية الهلالي في سطور

كاتبة وصحفية عراقية، بكالوريوس لغة فرنسية، عملت مسؤولة لأقسام المنوعات والتحقيقات والمرأة  في صحف (الاتحاد والنهضة والمدى والمواطن والعراق والنور  والناس) ومجلات (الأسبوعية وشبابنا ونرجس والمرأة  وقوارير) كما ظهرت لها تحقيقات ومقالات عديدة في وكالات محلية  (وارفين ونينا) وصحف عربية مثل البيان الإماراتية والشرق الأوسط والإخبار اللبنانية والوطن القطرية .

نشرت لها مقالات وقصائد مترجمة عديدة في مجلات وصحف عربية عديدة .

نالت العديد من الجوائز منها

جائزة أفضل تحقيق صحفي في العراق من نقابة الصحفيين العراقيين عام 1997  جائزة أفضل عمود في مسابقة كلية الإعلام عن عمودها  اليومي (مجرد كلام) عام 2005

 جائزة أفضل قصة قصيرة جدا عن قصتها (دم منعش) في مهرجان النور الدولي للإبداع التي أقامته مؤسسة النور للثقافة والإعلام عام 2012

 جائزة أعلى نسبة متابعة لمقالها (خيانة الكترونية) من وكالة تكلمي  التي تعني بشؤون المرأة عام 2016

 جائزة أفضل مقال عن عمودها مجرد كلام في مسابقة الإبداع التي إقامتها النقابة الوطنية للصحفيين عام 2016

 جائزة أطوار بهجت للإبداع الصحفي من منتدى الإعلاميات العراقيات في اليوم العالمي لحرية الصحافة عام 2016

 جائزة تقديرية من وكالة الصدى الدولية عن مقالها الأسبوعي بين السطور عام 2016.

سيصدر لها  قريبا كتاب يضم مختارات من مقالاتها السياسية والاجتماعية يحمل عنوان (كلام في السياسة)

حرصت على تصوير هموم  الوطن والمواطن في مقالاتها السياسية والاجتماعية كما غاصت في أعماق المرأة لتعكس أدق مشاعرها الإنسانية وتتناول أهم قضاياها الاجتماعية .

 

علي الزاغيني

 

1173 اhusanوإستنهاض تساؤل العلم بالمجتمع والإنسان في المجتمعات العربيَّة لمحمَّدحسين الرفاعي

ضمن مشروع [إستنهاض تساؤل العلم بالمجتمع والإنسان] في المجتمعات العربية، تأليف: د. محمَّدحسين الرفاعي، صدر حديثاً، عن مركز دراسات فلسفة الدين- بغداد- بيروت، بالتعاون مع دار التنوير، الكتاب الثاني بعنوان "إبستيمولوجيا السُّوسيولوجيا: في إستنهاض تساؤل العلم بالمجتمع والإنسان في المجتمعات العربية". يعلن الرفاعي منذ المقدمة أن الكتاب يقع ضمن تساؤل المفهوم العلمي، وبناء المفهوم العلمي، وإعادة بنائه، في المجتمعات العربية. وهكذا، يبني الكتاب، في كليَّته، تساؤلَ المفهوم، من جهة كونه، هذه المرة، لا يأتي إلينا من بلدان العلم في الغرب فحسب، بل يؤخذ، على أرضية إبستيمولوجية، في بلداننا العربية، من أجل إعادة بنائه، وإعادة بناء مضامينه ومنظوراته النظرية. وفي الإجابة عن وظيفة الكتاب العلمية، يقدم محمَّدحسين الرفاعي الآتي:

"في الحقيقة، ضمن مشروع [إستنهاض- تساؤل- العلم- بالإنسان والمجتمع] في بلداننا العربية، يكون هذا الكتاب الجزءَ الثاني من الثلاثية التي من شأن بناء أرضية إبستيمولوجية لتناول المعرفة العلمية الآتية إلينا من بلدان العلم. فإذا كان كتاب "إشكالية التراث- والحداثة في الفكر العربي المعاصر: مقدمة نظرية في قراءة المعرفة السوسيولوجيَّة الآتية إلينا من بلدان العلم في الغرب (دراسة في إبستيمولوجيا السوسيولوجيا"، يتناول الإشكالية بوصفها عقبة معرفيَّة في وجه [إستنهاض- تساؤل- العلم]، وإذا كان يذهب، أولاً وفوق كل شيء، لأنْ يرسم معالم الطريق المؤدية لتجاوز العقبة، فإن هذا الكتاب، يأتي بعد لحظة الوعي التي من شأن الكتاب الأول ان ينجزها. ماذا يعني ذلك؟ إنَّهُ يعني هذا: يأتي هذا الكتاب، في اللحظة التي تلي لحظة الوعي التي بُنيت(بعد الإنتهاء من الجزء الأول من الثلاثية) بواسطة تجاوز العقبة المعرفية الأساسية في وجه التفكير العلمي، في بلداننا العربية. إنه الجزء الثاني من ثلاثية المشروع المعرفي الذي نطلق عليه تسمية [إستنهاض- تساؤل- العلم] بالإنسان والمجتمع، عَبر [إبستيمولوجيا السوسيولوجياThe Epistemology of Sociology]، في بلداننا العربية، بعامَّة".

←لماذا الإبستيمولوجيا في تناول المعرفية السوسيولوجية؟ ولماذا ضمن تساؤل العلم، وفيه، ومن أجله؟ لأنَّهُ حينما يكون العلم، تكون الإبستيمولوجيا؛ وحينما تكون الآيديولوجيا، تكون الإبستيمولوجيا، وحينما يكون الفكر تكون الآيديولوجيا؛ حينها، وحينها فقط، تحصل الإبستيمولوجيا على: 1- الموضوع الذي من شأنها الأخص: إنَّه الوجه الآيديولوجيِّ في أي معرفة في علوم الإنسان والمجتمع؛ 2- والموضوع الذي من شأنها الخاص: حقل ميدان من ميادين العلم؛ 3- والموضوع الذي من شأنها العام: حقل العلم بعامَّة؛ 4- والموضوع الذي من شأنها الأعم: حقل المعرفة بعامّة.

← كما أن الكتاب يتضمن ستة فصول مختلفة، تقع كلها في لحظة بناء حقل "إبستيمولوجيا السوسيولوجيا" في البلدان العربية. وهي، في كل مرة، تبني، وتعيد بناء حقل الفهم الخاص بتلقي المفهوم العلمي.

يتناول "الفصل الأول: الإبستيمولوجيا: تفكير في المعرفة العِلميَّة الحديثة" طبيعة وكيفية الممارسة الإبستيمولوجية، وخصوصيتها. ويقدم وعياً بالمضمون النظري، والمنظور النظري الخاص بالإبستيمولوجيا، التي من شأن علوم المجتمع والإٍنسان، في كل مرة. وتأتي في الفصل الأول، ماهية الإبستيمولوجيا، بعد بناء التساؤل عنها، على الوجه الآتي:

"...على من يسلك طريق التفكير، المؤدية إلى فهم العلم الحديث، التوقف عند المحطات التالية:المحطة الأولى: لا توجد معرفة علمية من دون دورة إنتاجية.المحطة الثانية: تتحدد الدورة الإنتاجية للمعرفة العلمية، بواسطة ذات الباحث من جهة، وبواسطة الموضوع المعطى من جهة أخرى.المحطة الثالثة: حسب الإتجاه المعرفي التي تنخرط فيه الدورة الإنتاجية للمعرفة العلمية، يكون الموضوع المعطى إما العلامات الخارجية التي يراها الباحث ويشاهدها ويلاحظها ويشعر بها(خارج الموضوع هو الموضوع)، وإما ماهية الموضوع وكنهه وحقيقته التي تجر الباحث إلى معرفة ما يكمن فيه من حقائق(داخل الموضوع هو الموضوع).المحطة الرابعة: تُضبط العمليات في الدورة الإنتاجية لصناعة المعرفة، عن طريق العلاقات والروابط المتبادلة بين عقل الباحث، وبين حواسه، من جهةٍ، وبين الباحث والموضوع من جهة ثانية، وبين ما تنتجه العلاقات والروابط المتبادلة بين عقل الباحث وبين حواسه، وبين الباحث والموضوع، وبين مؤسَّسة العلم، من جهة ثالثة".

← يتضمن الفصل الثاني: "فكرة النقد، وفكرة النقد المضاد، وبناء الفهم بممارستهما" الآتي:

"من جهة كون المفهوم في كل مرة كلٌّ، فإن هذا الكل (مفهوم النقد) الذي يخاطبنا من صميم ذاته، بعد وعينا للتصور الأداتي له في حقل العلم، والذي يبقى مع ذلك أداة غايتها أن تُحدِث وتَفعل حركة في النظريات والمناهج العلمية، يصبح كذلك(كُلاً) يضع نفسه في موقع أمام الوعي والفهم والإدراك، في تلك اللحظة التي يلتفت فيها الإبستيمولوجي(عالِم الإبستيمولوجيا) إلى: أولاً: كلُّ مفهوم مُكوَّنٌ من مكونات محددة ترسم معالم عالمه النظري الخاص به، وتُعَيّنُها.ثانياً: يمكن النظر إلى أي مكوَّنٍ من المكونات على أنَّه مفهوم له مكونات ترسم معالم عالمه الخاص.ثالثاً: لا يمكن النظر إلى الصيرورة الداخلية الخاصة بالمفهوم، إلاّ بالنظر إلى صيرورته الخارجية التي تخص علاقته بالمفاهيم الأخرى. رابعاً: يتم النظر إلى الصيرورة الداخلية للمفهوم، والصيرورة الخارجية العائدة إليه، في لحظة معرفية واحدة. بكلمة أخرى، إن فهماً يعتمد الإبستيمولوجيا يقتضي أربع لحظات مقترنة وضرورية في التعرف إلى المفهوم.وعليه، يتطلب النقد - المفهوم، من حيث كونه كُلاًّ، علاقة حرة به، ينفتح فيها العقل عليه وينتشر فيه، بعد أن يكون قد وعى ماهية حقل العلم، من حيث هو مؤسسة، من أجل التخلُّص منها وبالتالي تجاوزها، من جهة، وبعد أن يكون قد وعى وظيفته ودوره في التأسيس: إذ إنَّ ما يؤسّس شيئاً، ينبغي عليه ألاّ يكون مؤسَّساً من قبل الشيء عينه، من جهة أخرى.

← ويقدم الفصل الثالث: "ممارسة الإبستيمولوجيا:كتاب "بنية الثورات العلميَّة" لتوماس كون وفكرة الثورة العلمية"، الفكرة الأساسية الآتية:

"...لمجرَّد أن يقدم النموذج الإرشادي (البرادايم Paradigm) العلم العادي على أنه هو العلم، ويحدد معالمه، ولمجرَّد أن تكون صورة البحث العلمي التي يقدمها النموذج هي الصورة الوحيدة – الممكنة – المتاحة للبحث العلمي، ولمجرَّد وجود قواعد عامّة ضابطة ومقيِّدة للبحث العلمي، ولأن ممارسة تلك القواعد، وتطبيق ذاك الإلتزام، هي الممارسة العلمية، ولأنَّ نتائج البحث العلمي، أي بحث علمي، ضمن العلم المأطر بنموذج إرشادي، متوقعة سلفاً، ولأنَّ الأسئلة المطروحة في العلم المأطر بالنموذج الإرشادي أسئلة لا تُطرح إلاّ بعد صياغة إجاباتها المتوقعة من خلال النموذج، فيعني كل ذلك، ومع إجتماعه دفعة واحدة، ويقول بوضوح وجلاء إن عقبة إبستيمولوجية تحول دون الإنتقال إلى نموذج إرشادي آخر، وتقف في الوقت نفسه، في وجه تقدم العلم. ما هي هذه العقبة؟ هي العلم العادي المأطر بنموذج إرشادي يقدم نفسه، على أنه هو العلم، ويحول دون تقديم أي فهم آخر، على أنه هو العلم. العلم هو أنا.. وكل ما عداي ليس علماً.. هكذا يقول لنا العلم العادي".

←تحت عنوان "الإبستيمولوجيا والمعرفة السوسيولوجيَّة الحديثة- نموذج: التأويل في فهم الوجود المجتمعيّ- سوسيولوجيا الفهم عند ماكس فيبر" يقدم الفصل الرابع ممارسة ماكس فيبر للسوسيولوجيا على النحو الآتي:

تقوم سوسيولوجيا فيبر على وضع العقل داخل الظواهرالمجتمعيَّة(والنظر إليها على أنها كليّات).. وبما أن الظواهر المجتمعية تختلف، في كل مرة، عند الإنتقال من ظاهرة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر، ومن خصوصيَّة مجتمعيَّة إلى خصوصيَّة مجتمعيَّة أخرى، ومن محسوسٍ مجتمعيٍّ إلى محسوسٍ مجتمعيٍّ آخر، ومن فعلٍ مجتمعيٍّ إلى فعلٍ مجتمعيٍّ آخر، فيعني ذلك، إن الخصوصية: [خصوصية الشيء-كـ-موضوع] تضرب في جذور طبيعة المنهج؛ وبما أن المنهج، لا يوجد، ولا يظهر، ولا يمكن أن يُستخرج، إلا بعد حضور الموضوع، و[قيامه- إزاء- ذات الباحث- في- ترك الموضوع يتجلى فيها: (في ذات الباحث)]، لكل هذه الأسباب، تعني السوسيولوجيا [سوسيولوجيا الموضوع- في- خصوصيَّتِهِ- الكامِنَةِ- في- فهمِهِ]. وعليه، تمثل لحظة التعرف إلى السوسيولوجيا، لحظة تالية للحظة معرفة الموضوع(لأن ذات الباحث تُقدم على أنَّها مِن موضوع البحث، وفيه)، من جهة؛ومن جهة أخرى، تعتبر لحظةُ التعرف إلى السوسيولوجيا لحظةً تسبق لحظة التعرف إلى المنهج(لأن العقل في المنهج يجيب عن التساؤل كيف أبحث في الموضوع؟ بعديّاً، أي بعد اللحظة التي، فيها، يتعرف العقل على الموضوع، والعلم).

←يتضمن الفصل الخامس: "الفكر العربي المعاصر وتساؤل الهرمنيوطيقاممارسة إبستيمولوجية من أجل الهرمنيوطيقا في الفكر[I]" كيفية بناء التساؤل العلمي في العلاقة بين الدين، والنص الديني، من جهة، وبين الواقع المجتمعي، والقبليَّات التي من شأن التساؤل عنه، من جهة أخرى. إنه يقدم الآتي:

"إنَّما التساؤل عن الدين في وجوده المجتمعيِّ، علميَّاً، لهو تساؤل يتطلب أرضيَّةً لقيامه. في التساؤل عن الدين في وجوده مجتمعيَّاً، لا يمكن الحديث إلاّ عن الدينيِّ كما هو ضمن الواقعيِّ، يتجلّى: 1- تلك الوظائف المجتمعيَّة التي يؤديها الدين، ومن ثُمَّ 2- الدينِ بوصفه مؤسسة مجتمعيَّة تبني وتعيد بناء المجتمعيِّ، كما تُبنى ويُعاد بناؤُها بواسطة المجتمعيِّ، على أرضيَّةٍ من بناء الحريَّة الأصليَّة التي من شأن الفكر الإنساني بعامَّة.. وفي حال كهذه، لا يمكن إلاّ أن نأتي بالعلم إلى حقل التساؤل الذي من شأنه. وإنما التساؤل العلمي عن الدين في تعالقه بالواقعيِّ- المجتمعيِّ قد حصل على إجابة له منذ زمن طويل؛ نجدها عند إميل دوركايم، ماكس فيبر، كارل ماركس،...، وأخيراً عند يورغن هابرماس. وما هو جديد في التساؤل، ليس إلا هذا:التساؤل عن الدين في وجوده مجتمعيَّاً في البلدان العربية؛ وما يسمح بقيام هذا التساؤل القديم، مرة أخرى، وأخرى، هو الماهية الأصيلة للتساؤل، وبناءه وإعادة بناءه، بشأن الموضوع ذاته. ولكن ما هي تلك الماهية الأصلية للتساؤل؟ إنها بناء [التساؤل- في-كل- مرة]. [في- كل- مرة] هذه تكتسب مبرر وجودها من الواقعيِّ، ولكنها لا توجد في الواقعيِّ، أي إنها لا توجد في الموضوعيَّةِ الأولى التي من شأنه".

←يتضمن الفصل السادس: "الفكر العربي المعاصر وتساؤل الهرمنيوطيقاممارسة إبستيمولوجية من أجل الهرمنيوطيقا في الفكر [II]" كيفية بناء التساؤل العلمي في العلاقة بين الهرمنيوطيقا، من جهة، وبين الواقع المجتمعي العربي من جهة أخرى. إنه يقدم الآتي:إنَّ [الذهاب- إلى- النص]، محمولٌ بإشكالات Problems، وإشكاليَّات Problematics، يضعها [الواقعيّ- المجتمعيّ] في [الذهاب- الآتي- من- النص]. لأنَّ الذهابَ إلى النص، في الهرمنيوطيقا، ليس ذهاباً من أجل النصّ، بل هو ذهاب، على الدوام، من أجل البنى المجتمعيَّة الأساسية الثلاث: سياسة، ثقافة، وإقتصاد، وتلك العلاقات والروابط بينها. تلك التي ينوجد ضمنها [الكائن- الإنسان]. إنّهُ ذهابٌ يأتي؛ إنَّهُ إتيانٌ يذهب في كل مرَّة يحدث. وإنَّ أي ضرب من ضروب الذهاب إلى النص، عَبر تجاوز [الواقعيِّ- المجتمعيِّ] ونسيانه، لهو تراجعٌ إزاء تساؤل الهرمنيوطيقا. إنَّهُ إنسحاب التساؤل وإتيان الإجابات الجاهزة لفرض سلطتها على الواقعيِّ- المجتمعيّ. بيد أن الهرمنيوطيقا [على- الضدِّ- من- الإجابات- الجاهزة]. وإنَّها تحدث في تلك اللحظة التي تكون البداهات في موقع التساؤل والمسآءلة.. ولهذا، ضمن هذا لا يمكن الحديث ولا يقوم النقاش إلاّ في البداهات وعنها. لماذا؟ لأن البداهات، في حقل العلم في بلداننا العربية، لا توجد بعدُ؛ ولأنَّ العلم لا يقوم إلاّ بعد وجود البداهات التي من شأنه، وبعد التسليم بها، فالمخاطرة هنا ليست أكثر من هذا:محاولة بناء البداهات، وقيام تساؤلات بشأنها من أجل بنائها. وهذا، لأن التفكير الذي يقوم على أرضية الحريّة، في بلداننا، ليس إلاّ [على- الضدِّ- من- السائد- في- مجمله]، يكون.. وهذا لا يكون إلاّ بعد فهم السائد، بعمق، بوصفه ناتجاً عن / ومنتِجاً لـ [العقبات المعرفيَّة- المجتمعيَّة] في تناول تساؤل الهرمنيوطيقا.

← تقع مهمة الكتاب الإبستيمولوجية، بوصفه الجزء الثاني من المشروع الفكري- المعرفي للرفاعي، ضمن هذا:

يتناول هذا الكتاب، في ضرب هو الأعمق من تناوله، موضوعات الإبستيمولوجيا؛ ولا يقف عند هذا الحد، بل يذهب إلى تناول موضوعات المعرفة السوسيولوجية التي تأتي إلينا، بالإبستيمولوجيا؛ فهل يحيط بها كلها؟ لا بالتأكيد. إن أي إحاطة بالمعرفة العلميّة لهو إدعاء فارغ؛ وهو ليس خارجاً عن وهم الوحدة. فإذن ماذا يقدِّم هذا الكتاب؟ إنَّه يقدِّمُ تمعُّناً في عمليَّة تلقي المعرفة العلمية الحديثة في علوم المجتمع والإنسان، من قِبَل الممارسة العلميَّة في بلداننا العربية؛ يكشف هذا التمعُّن الأرضيةَ التي تقوم عليها كل المعرفة السوسيولوجية في بلداننا العربية.

هكذا، فإن هذا الكتاب ذاهب إلى أن يضع، إبستيمولوجيَّاً، الأسس لبناء، وإعادة بناء، حقل العلم في بلداننا العربية.

وعليه، إنَّما المسألة الأساسية فيه تتضمن تناول الأرضية التي تقوم عليها المفاهيم، ويقوم عليها تناول المفاهيم في بلداننا العربية؛ وفوق ذلك، إن الكتاب هذا يتناول تناول المفاهيم، ويتناول كيفية تناولها من قبل العلماء والمفكرين والأساتذة الجامعيين والطلاب والقُرّاء والكُتّاب العرب.

 

مصطفى ناصر

 

1175 hatamهل ان الحرية الفردية منسجمة من حيث المبدأ مع النظام الحالي المرتكز كليا على سن القوانين؟ قد تبدو هذه رؤية راديكالية لكننا بالطبع، لايمكننا انكار هذه الرؤية . ربما تكون الرؤى الراديكالية احيانا اكثر فائدة من التسويات التوافقية التي تعمل على إخفاء المشكلة بدلا من حلها.

الباحث القانوني برونو لينوي عرض نقده الثوري لمؤسسة التشريع في سلسلة من المحاضرات عام 1958، نشرها عام 1961 في (الحرية والقانون)(1). اطروحته هي ان العمليات القانونية التراكمية السابقة، او القانون العرفي،هي كافية لتزويد المواطنين بقواعد قانونية. وفق رؤية لينوي،ان القوانين التي يسنّها المشرع هي غير ضرورية وهي في الحقيقة مؤذية. انتقاداته للعملية القانونية تنطبق بقوة اكبر على البيئة الحالية التي تُخصّص فيها الكثير من سلطات المشرّع في كتابة القواعد القانونية الى الوكالات التنظيمية.

محتويات الكتاب

يتألف الكتاب من قسمين :

الحرية والقانون

يبدأ بمقدمة ثم ثمانية فصول كالتالي:

الفصل الاول اي حرية؟

 الفصل الثاني الحرية والقيد

الفصل الثالث الحرية وحكم القانون

 الفصل الرابع الحرية ويقين القانون

 الفصل الخامس الحرية والتشريع

 الفصل السادس الحرية والتمثيل

 الفصل السابع الحرية والرغبة العامة

 الفصل الثامن تحليل بعض الصعوبات.

استنتاج

القسم الثاني:القانون والسياسة ويتألف من:

1- القانون كإدّعاء فردي

2- القانون والاقتصاد اثناء العمل

3- الاتجاه الاقتصادي للسياسي

4- التصويت مقابل السوق

يجادل الكاتب ان القانون يمكن ان ينشأ على اساس التعامل مع كل موقف بشكل منفصل اعتمادا على الظروف الخاصة. في كل حالة تتخذ فيها المحكمة قرارا،تكون مهمتها ايجاد المحصلة التي تنسجم الى ابعد حد مع القيم الاجتماعية. هذه العملية كما يرى المؤلف هي عملية اكتشاف.

كل من الرومان والانجليز اتفقوا على فكرة ان القانون هو شيء ما يُكتشف اكثر مما يُشرّع وانه لا احد لديه من القوة الكافية لتجسيد ارادته  بقانون ملكية الارض (لينوي ص11).

الكاتب فحص  قيمة اضافة القانون العرفي الى التشريعات. استبدال التشريعات بتطبيق طوعي لقواعد غير قانونية للسلوك امر لايمكن الدفاع عنه مالم يثبت ان الاخيرة هي غير مؤكدة او غير كافية ام انها تخلق بعض الشرور التي يمكن للتشريع تجنبها مع الاحتفاظ بمزايا النظام السابق(ص14).

ومع تضخم السياسة،اصبح من الصعب قبول فكرة ان المشرعين يمثلون الناس ككل. كتب لينوي:

.... كلما تضاعف عدد الناس الذين يحاول احد تمثيلهم في العملية القانونية،وكلما زاد عدد القضايا التي يسعى لتمثيلها،كلما تضاءل معنى كلمة "تمثيل" في الاشارة للرغبة الحقيقية للناس(ص10).

يدّعي لينوي ان مشكلة الحسابات الاشتراكية تنطبق على التشريع. فكما يفتقر المخطط المركزي الى المعلومات التي تبرز في السوق، يفتقر المشرع ايضا الى المعلومات التي تبرز في القضية القانونية.

.... لا احد من المشرعين يستطيع بذاته دون تعاون مستمر من جميع الاطراف ذات العلاقة تأسيس قواعد تحكم السلوك الحقيقي لكل شخص ضمن العلاقات اللامتناهية بين جميع الافراد . 

لايمكن لأصوات الرأي العام ،ولا الاستشارات ان تضع المشرعين في موقع تقرير هذه القواعد اكثر مما يستطيع  خبراء الاقتصاد المخطط حين تُناط بهم مهمة اكتشاف الطلب الكلي والعرض الكلي لجميع السلع والخدمات. باختصار،.... النظام القانوني المرتكز على التشريع يشبه بدوره الاقتصاد المركزي الذي تُصنع فيه جميع القرارات الملائمة  بواسطة عدد محدود من الخبراء، تكون معرفتهم بكامل الموقف محدودة جدا و احترامهم لرغبات الناس يكون محدود ايضا.

بداهتنا تخبرنا ان التشريع الذي يتم عبر كتابة القواعد القانونية ،يزود المواطنين بحالة من التأكد. نظريا،التشريع يرسم لنا حدودا دقيقة حول ما هو قانوني وما هو غير قانوني. مقابل هذا،يرى ليوني انه في التطبيق، يخلق التشريع عدم التأكد لأن القوانين يمكن ان تتغير بسرعة وبدون سابق انذار. الشركة التي تخطط في ظل مجموعة واحدة من القواعد  ستصبح بلاربحية في ظل تشريعات جديدة.

يقين القوانين، او الصيغ المكتوبة،يشير الى الظروف المشروطة  بامكانية استبدال القوانين الجديدة في اي لحظة بقانون لاحق. كلما كانت عملية صنع القوانين اكثر حدة وتسارعا ،كلما اصبحت امكانية استمرارالتشريعات الحالية أقل احتمالا . كذلك،لاشيء  يمنع قانون مؤكد – بالمعنى المذكور اعلاه،من ان يُستبدل بشكل لامتوقع بقانون اخر اقل يقينا من القانون السابق(ص80).

بالطبع،في الولايات المتحدة اليوم،ومع وجود الوكالات التنظيمية المنفذة للوظيفة التشريعية،اصبحت عملية صنع القوانين اكثر كثافة وسرعة مما في ايام ليوني. شركات تمويل العقار السكني او شركات التامين الصحي يمكنها القول ما اذا كانت تعمل في بيئة من اليقين اليوم.

لازلنا في شك من امكانية عمل  النظام القانوني بكفاءة اليوم بدون التشريع والوكالات المنظمة. المجتمع اليوم معقد جدا من حيث كمية وانواع التفاعلات التي تحدث بين الناس.

يختلف النظام القانوني عن نظام السوق لأن النظام القانوني هو ميدان للخلافات. لو كنت بحاجة لشخص ما لتصليح السيارة ،سادخل ميدان السوق. ثم نتفق انا والميكانيك على السعر وكلانا نذهب سعداء: سيارتي تُصلّح والميكانيك يستلم اجره. الاجراء يستلزم قناعة متبادلة. ولكن افرض ان سيارتي لاتزال لا تعمل جيدا عندما اذهب للميكانيك لإلتقاطها، هنا الميكانيك يدّعي انه يستحق الدفع ،بينما انا ادّعي غير ذلك. الان سنكون في حالة من الخلاف . النظام القانوني يأتي هنا لتوفير طريقة عادلة لحل مثل هذا الخلاف.

في العصور الوسطى كان عدد التغيرات في  التفاعلات الانسانية قليل جدا. حجم السلع والخدمات كان قليلا مقارنا بما نراه اليوم. التخصص لم يتطور بعد والجزء الاكبر من الانتاج يتم داخل المنزل. في هذه البيئة البسيطة نسبيا كانت عدد الخلافات قليلة وتطبيق السوابق كان واضحا جدا.

اليوم  وبسبب الزيادة السريعة في التخصص والتجارة ،برز عدد كبير من مصادر الخلاف. حل كل واحد من هذه الخلافات عبر المحاكم وتفسير السوابق يكون مكلفا ومحبطا ومستهلكا لكثير من الوقت. ربما بدون قوانين رسمية وقواعد منظمة سننفق موارد مفرطة تستلزمها الدعاوي. عندما تكون اليوم نسبة النفقات القانونية من الاقتصاد كبيرة ،فستكون تلك النفقات اكبر لو اعتمدنا فقط على القانون المبني على اساس دراسة كل حالة على الانفراد.

تحدّي آخر هو ان العديد من تفاعلاتنا اليوم تستلزم اكثر من طرفين . فمثلا،وجود عيب في تصميم  السيارة سيؤثر عل عشرات الآلاف من المشترين وليس فقط على مشتري واحد. هذا بدوره يخلق مشكلة المساومة الكوسية (نسبة الى الاقتصادي كوس) المتعلقة بالزبائن ذوي العلاقة،الذين لا تشكل لهم  القضية القانونية حلا مقبولا. تعليمات تصميم السيارة قد تمنع هذه الحالات من الظهور، هذه التعليمات يمكنها تقليل كلفة الاجراءات في الاقتصاد.

بالطبع،حتى لو كان هدف المشرعين والوكالات التنظيمية هو تقليل الخلافات الاجتماعيىة والاقتصادية المتعلقة بالدعاوي،فان المحصلة تشير الى شيء مختلف تماما . السؤال العملي هو ما اذا كان ليوني صائبا في اننا سنكون احسن حالا عند الاعتماد فقط على الدعاوي الطارئة.

 

..................

الهوامش

(1) كتاب (الحرية والقانون) هو أهم عمل للفيلسوف الايطالي برونو ليوني، صدر اول مرة عام 1961 في 249 صفحة.ثم طُبع عدة مرات،في عام 1991 و 2011.ولد الكاتب عام 1913 حيث عاش حياة ديناميكية معقدة ومكثفة كباحث ومحامي وتاجر وموسيقي وكمدافع قوي عن مبادئ الحرية الفردية. كان بروفيسورا في النظرية القانونية ونظرية الدولة في جامعة بافيا،توفي عام 1967 وهو في ذروة عطاءه.