nabil alrobaei2نحن نعيش اليوم زمن ظلامي دامس، تزامن معهُ الاضطراب والجهل وانتشار الخرافات، ومما زاد من ظاهرة القبور والمقامات المزيفة من انتشارها على ارض العراق، فضلاً عن اتخاذ هذه القبور ثراءً فاحشاً من المال النافع وجلب النذور والأضاحي والهدايا، ومما ساعد على الجهل والجشع لفئة باغية اتخذت من القبور المزيفة مصدر للمال والجاه وسعياً لرخاء الحال، فزاد الجهل والمرض، وزادت ظاهرة الغيب الخارجي فوق ذلك زيادة اصبح الحالمون بوجود مثل هذه المراقد لهم دورهم ومزاعمهم التي تزداد يوماً بعد أخر، فتقام لهذه القبور المزيفة والمزعومة المشاهد، وتنصب لها القباب ثم تسمى مزاراً للإمام الفلاني فيزار من قبل بسطاء الناس.

صدر عن دار قناديل لطباعة والنشر والتوزيع في بغداد للباحث عباس شمس الدين كتابه الموسوم والوثيقة المهمة تحت عنوان (معجم موجز للمراقد المزيفة والموضوعة والمنقولة والمجعولة في العراق)، هذا المعجم يشمل جميع مراقد الديانات المزيفة في بلاد الرافدين، الكتاب عبارة عن دراسة اعيان القبور المنتشرة على أرض العراق فأصبحت في الآونة الأخيرة ظاهرة القبور المزيفة في وسط وجنوب العراق ومنطقة الفرات الأوسط، ظاهرة طبيعية، كان زعماء هذه القبور المزيفة والمجعولة يتخذون من مزارعهم أو دورهم مقامات ومراقد للأولياء من خلال حُلم أو رؤيا في المنام تدل على مكان القبر، ويبدأ صاحب الدار بتبليغ اهله وعشيرته وبعض رجال الدين المقربين له عن هذه الرؤيا، فيبدأ الداعمين لهذا المرقد المزيف في دعم مزاعم هذا الرجل، فيبدأ بجمع التبرعات لبناء هذا القبر ويعلى عليه القبة ليتخذ صاحب هذا المرقد دكاناً يعتاش عليه هو واهله وعشيرته، ثم يبدأ الخلاف والصراع على عائدية ملكية القبر والمال الذي جناه منه هذا المدعي بين أفراد العائلة والعشيرة، وتبدأ رحلة الناس المغفلين والبسطاء بزيارة هذا الضريح وتقديم النذور والهدايا وفي بعض الاحيان اقامة الرحلات الاسبوعية لزيارة صاحب هذا القبر المزعوم ودعوته عند الله ليرزق فلان أو فلانة المولود الجديد، ويحل عقدة فلانة لتحمل من زوجها فلان ويرحم فلان ويشافيه من مرض السرطان وما شابه ذلك. حتى تجاوزت اعداد القبور والأضرحة والمقامات لأئمة أهل البيت والأنبياء والأوصياء المزعومة (600) مرقد ومقام.

لقد قام الباحث الجريء عباس شمس الدين بتقديم هذه الدراسة المهمة والوثيقة التاريخية من خلال متابعة هذه المراقد والمقامات والتأكد من صحتها أو زيفها، ومن خلال مراجعة المصادر المهمة والتأكد من صحة نسبها، ففي هذا الوقت الصعب والحرج الذي يمر على العراق من حرب داعش وانتشار الفساد الاداري والمالي في وزارات ودوائر الدولة وفي ظل انتشار التطرف الديني والطائفي وانتشار ميليشيا الاحزاب المتنفذة، من الصعب أن يصدر بحث أو مقال في هذا المجال، إلا أن الباحث الجريء شمس الدين قد طرح هذا الموضوع من خلال كتابه للتصدي وفضح هذه المزاعم من ذوي النوايا السيئة وممن اتخذوا هذه المراقد والمزارات والمقامات دكاكين وتجارة مربحة ليعتاش عليها ثراءً منقطع النظير في هذا الوقت الصعب.

يسيح بنا الباحث شمس الدين في كتابه هذا في مقدمة جميلة ورائعة وهو يبحث عن تاريخ طقوس ووسائل الدفن في عصور ما قبل الميلاد والعصور الاسلامية، وكيف كان الانسان في ذلك الوقت يدفن موتاه وطرق ووسائل الدفن. والسؤال المهم الذي طرحه الباحث شمس الدين في كتابه هذا حول هذه المراقد المزيفة والمزعومة، هو : (هل هذا قبر فلان؟ والكتاب برمته جواب بالنفي لكل من ورد اسمه في القائمة الطويلة التي زادت على ستمائة عنوان إلا في بعض الاستثناءات لا تتجاوز اصابع اليد الواحدة، فثمة شكوك محيطة بها كافية لمنع النفي المتخم بالطمأنينة).

كتاب المراقد المزيفة اعتبره الباحث شمس الدين معجم موجز للمراقد المزيفة والموضوعة والمنقولة والمجعولة في العراق، وقد زادت في الآونة الأخيرة بعد عام 2003م في مختلف اصقاع العراق عدداً كبيراً من اشكال القبور المزيفة، بما يشكّل في كثير من الأحيان ضرراً تاريخياً واساءة لبقية المراقد المعلومة والموثقة تاريخياً لأهمية مكانتها في المجتمع والتاريخ الاسلامي، فقد احصى الباحث في كتابه قبور (بنات الحسن بن علي) في منطقة الفرات الأوسط وجنوب العراق وقد تجاوز عددها (19) قبراً، علماً أن بنات الحسن بن علي هُنَّ (5) بنات فقط ولم يزور الامام الحسن بن علي ولا بناته ارض الرافدين، فضلاً عن اتخاذ مجلس محافظة بابل مدينة الحلة بعد عام 2003م اسماً آخر اطلق على مدينة الحلة وهو (الحلة عاصمة الامام الحسن المجتبى)، والسؤال الذي اطرحه، إذا الامام الحسن بن علي لم يزور العراق ولم يزور الحلة خاصة فكيف تم اتخاذ مثل هذا القرار في هذا الوقت من قبل مجلسها؟ هذا القرار اثار المجتمع الحلي واصبح  محل سخرية من قبل بعض الادباء والمثقفين والزائرين للمدينة، ويعتبر هذا القرار لحق بها  الضرر واصابها مثلما اصابها من ظهور قبور مزعومة ومزيفة في الآونة الأخيرة، بل أكبر بكثير.

اصبح انتشار القبور المزيفة في الآونة الأخير واتخاذها دكاكين ليعتاش عليها اصحابها من عمدية وقصدية ونية مبيتّة، واختراع شخصية وهمية لا وجود لها، أو دراسة اسم الشخصية من قبل اصحاب القرار للقبور المزيفة والاطلاع على انساب اهل البيت ليصبح قرارهم صائب في هذا المرقد المزيف. كان لانتشار هذه القبور من خلال احلام حلم بها اصحابها كأن يكون طفل أو طفلة أو زوج أو زوجة صاحب هذا الحلم ومن ثم الاعتقاد واليقين بصحتها، واحياناً ينتج تزييف للقبر من خلال تشابه الاسماء أو الصفات التي ادت إلى تحريف في موضوعة القبر، فتشابه الاسماء قد كثر في منطقة الفرات الاوسط، ولهم قبور معروفة مع اسماء شخصيات معروفة، مما ادّى إلى نسبة هذا القبر خطأً إلى شخصية الأشهر بينها، مثل قبر النبي يونس وقبر النبي ايوب وقبر النبي شيت وقبر النبي ابراهيم الخليل، أما قبور الأئمة فمنها قبر عمران بن علي وبكر بن علي واحمد ومحمد بن الحسن وعون واولاد الكاظم وشريفة بنت الحسن فحدث ولا حرج.

اصبحت انماط مشهورة في منطقة الفرات الاوسط وجنوب العراق، وفضلاً عن المعابد البابلية القديمة التي اتخذت منها مقامات كمقام رد الشمس ومقام الخضر ومقام زين العابدين ومقام الغيّبة، لكن ظاهرة القبور المزيفة لا نعلم متى بدأت وفي أي عهد، إلا انها ازدادت في الآونة الأخيرة، وفي ايران تنتشر ظاهرة (امام زادة) أي (ابن الامام) وبالخصوص في القرى البعيدة حتى قفز عدد هذه المراقد في إيران من (1500) مرقد في عام 1979م إلى حدود (8000) مقام ومرقد وزادت إلى (10700) في نهاية عام 2008م.

مع كل ما يمر به العراق من جهل وتخلف وتردي للواقع التربوي والصحي وتدني الواقع الاجتماعي نجد الحكومات المتعاقبة على العراق منذ عام 2003م قد تسامحت مع هذه الظاهرة ظناً منها انها توزع الكتلة المتدينة عددياً على اكبر عدد ممكن من المراقد، وأن لا تكون هناك نقاط تجمع كبرى يجتمع فيها الناس، لكن المزورين ومهاراتهم المتعاظمة في الوثائق جميعها زادت من ذكائهم وصار اختراع القبر الزائف وسيلة وحيلة مربحة يبحثون عنها في كتب الانساب عن اسم لإمام فيها لا قبر له، ثم ينسبوه إليه، مستغلين جهل الناس، فضلاً عن انتشار ظاهرة البناء على الموضع الذي يغسل فيه الميت الفلاني، او بناء قبة وضريح لمرقد السدرة الفلانية او واسطة النقل (التراكتور) التي انتشرت اخيراً باعتبارها تمنح المراد لمن يزور هذا (التراكتور)، فتزداد القباب وتتعدد القبور.

فهذا التمدد الخطير للقبور المزيفة فعلى اصحاب الشأن ولا سيما من القائمين عليه من مديرية المزارات والشؤون والأوقاف الدينية ان تتصدى لها وتحظرها وتزيلها، وتتحقق من مزاعم من اقامها، فضلاً عن مشاركة الآثاريين في هذا الشأن لأهمية الموضوع، والقيام بالتنقيب للتأكد من مزاعم هؤلاء المزيفون، ومن خلال العثور على القبور المزعومة كأن يكون الدليل القاطع قطعة رخامة أو حجر كتب فيها اسم وسنة الوفاة لصاحب المرقد ولإثبات نسبه، مما يستدعي التدقيق في هذه القبور المزيفة، والتتبع السيَّري لتاريخ صاحب القبر المزعوم، قد ينفي صحة النسب للقبر أو المقام، ومحاسبة القائمين عليها قضائياً، لأن هذه الظاهرة تعتبر خطيرة على تجهيل المجتمع وتخلفه ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرون.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

1174 enayat"سِفْر الخروج" ليهود البلاد العربية هو سفر مدوَّن بشكل منقوص، وهو وإن حظي في الأبحاث التاريخية والأنثروبولوجية في الغرب بمتابعة، فهو لا يزال حقلا مهجورا في الدراسات العربية. لكن النقص في هذا المبحث لا يقتصر على هذا الجانب، بل يتعدّاه إلى تخبّط الكتابة العربية في موضوع اليهودية واليهود، التي لم ترتق إلى مستوى المعالَجة العلمية، وقد كنّا أفضنا في الحديث عن ذلك في مؤلف بعنوان "الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري" صدر عن دار الجمل (2006). وموضوع رصد تراجع أعداد اليهود في بلاد العرب والإحاطة بأسبابه وتداعياته هو أحد المواضيع التي تسود فيها رواية غائمة مفادها أن الأمر عائد بالأساس إلى الهجران الطوعي والتهجير القسري، في حين أن الأمر أبعد من ذلك وتتداخل فيه جملة من العوامل الجانبية.

كتاب المؤرخ موريس روماني الصادر بالإيطالية "يهود ليبيا: من التعايش إلى الرحيل" هو محاولة لتجاوز الرؤى الاختزالية في المسألة، من خلال سعي صاحبه لإعادة بناء الوقائع الاجتماعية على أساس وثائق الأرشيفات والشهادات الحية بعيدا عن التقولات والأحكام الجزاف. عِلما أن موريس روماني يهودي من مواليد بنغازي، منذ 1978 يدرّس العلوم السياسية، من مؤلفاته: "حالات يهود البلاد العربية"، "العامل الإثني في السياسة الخارجية الإسرائيلية" و"قوى التغيير في الشرق الأوسط"، أسّس سنة 1981 مركزا متخصصا في تاريخ اليهود السيفارديم.

كتابة تاريخ الهجرة اليهودية

يحاول الكتاب تسليط الضوء على الدور الرئيس للاستعمار الإيطالي في ذلك الخروج، مشفوعا بتتبّع ما كان يعتمل في الساحة الدولية من صراعات انعكست آثارها على مختلف الشرائح الاجتماعية. إذ يقوم البحث على فكرة جوهرية مفادها أن رحيل شقّ واسع من يهود بلاد المغرب حصل تحت ضغط الفاشية والنازية لا سيما في تونس وليبيا. وضمن هذا الإطار يستحضر المؤرخ سلسلة من الوقائع لدعم فرضيته التاريخية. حيث يركز اهتمامه في الحقبة الفاشية في ليبيا، متتبعا السنوات الممتدة بين 1938، تاريخ صدور ما يُعرف بـ"القوانين العنصرية" في إيطاليا، و1967 تاريخ اندلاع الحرب العربية الإسرائيلية وما خلّفته تلك الأحداث من اضطراب في أوساط الجاليات اليهودية. مبرزا كذلك الدور الذي لعبته المنظمات اليهودية الأوروبية والأمريكية في تهجير يهود ليبيا، وحشد الحالمين للـ"عاليا" (الهجرة) نحو إسرائيل، ناهيك عن الإجراءات التنظيمية والتعليمية والصحية التي رافقت الترحيل، ثم في موضوع متصل يتتبع الكاتب حجم الاستيعاب والإخفاق في المجتمع الإسرائيلي بعد مرور قرابة نصف قرن على الهجرة.

يستهلّ المؤرخ كتابه بسرد تاريخ اليهود القديم في ليبيا. إذ تعود موجات الهجرة إلى أمد بعيد، أُولاها مع نزول الفينيقيين بالمنطقة، تلتها موجة أخرى إثر هدم الهيكل في أورشليم مع نبوخذنصر سنة 586 ق.م. كما يورد المؤرخ وثائق تتحدث عن تحوّل مدينة برقة إلى منفى لليهود مع تيطس الروماني خلال 71م، وهو ما نجد له صدى في مدونات المؤرخ فلافيوس جوزيف. لم يشكل الفتح الإسلامي لليبيا في فترة لاحقة تهديدا لتلك الديانة، وعلى العكس لقيت في أحضانه الأمان بوصفها ملة من ملل أهل الكتاب. تواصل ذلك الوضع إلى غاية الفترة العثمانية، فمع أواخر عهد الدولة العثمانية غدا 69 من أعيان اليهود الليبيين، من الحاخامات والقضاة والسفراء، ضمن المقرَّبين من الباب العالي، وحظي أتباع تلك الديانة بـ21 بيعة و21 يشيفوت (مدرسة دينية) و19 بيتا للصلاة تلبي حاجاتهم الشعائرية.

على مستوى تدوين تاريخ يهود ليبيا، الذي يفرد له المؤرخ فصلا على حدة، يورد أن ذلك بدأ مع ثلة من المؤرخين جلّهم من أصول يهودية، مثل حاييم زيف هارشبيرغ، وشلومو دوف غويتن، وميشال أبيتبول. قدّموا من خلال أبحاثهم حصرا لأعداد اليهود، حيث قارب العدد الجملي في بلاد المغرب في حدود العام 1948 نصف مليون نسمة، أدناه في ليبيا 36.000 يهودي وأعلاه في المغرب الأقصى 260.000، فضلا عن 140.000 في الجزائر، و 105.000 في تونس. من جانبه يعتمد المؤرخ روماني تقارير ووثائق متعلقة بالطائفة اليهودية، محاولا من خلالها تسليط الضوء على مختلف أصناف التناقضات التي ألمّت بالجالية مثل التعايش والتدافع، والاضطراب السياسي والازدهار الاقتصادي، والطابع التقليدي والمنزع الحداثي، فضلا عن آثار ظهور القومية العربية والحركة الصهيونية.

ووِفق إحصاء لمؤسسة "التحالف الإسرائيلي العالمي" (Alliance Israelite Universelle) ورد ضمن الكتاب، كان يقطن 14.000 يهودي بطرابلس سنة 1903 وألفان ببنغازي، في حين توزع 4.480 على المناطق المجاورة. وقد كانت الطائفة اليهودية في طرابلس تضم في صفوفها جملة من العناصر الأجنبية، حيث يورد القنصل الإيطالي تواجد 79 يهوديا هولنديا و44 نمساويا وقرابة المائة إسباني، بالإضافة إلى رعايا بريطانيين يهود قدموا من منطقة جبل طارق وآخرين من مدينة ليفورنو الإيطالية. والجلي في ما اعترى أوضاع الجالية اليهودية، مع مقدم الإيطاليين، تأثرها الواضح بسياسة المستعمر. فما إن حلّ الاستعمار الإيطالي (1911م) حتى هلّل اليهود لمقدمه بوصفه مخلصا من نظام الملل العثماني. ودفعت أجواء الدعاية إلى التعلق بسراب التحرر، على اعتبار ما سيترتب عنه من تحديث للبنى الاجتماعية المتردية وما سينعكس على أوضاع الجالية اليهودية. ودائما مع سنوات الاستعمار الأولى، فقد حاولت الحكومة الإيطالية "طلْيَنة" يهود ليبيا وجذبهم إلى نموذجها الحضاري، وحذا الاستعمار الإيطالي حذو الاستعمار الفرنسي في إغراء اليهود بمنحهم الجنسية.

الفاشية ويهود ليبيا

كان الحدث الأبرز الذي هزّ إيطاليا بعد الحرب الأولى متمثّلا في صعود الفاشية، وهو ما لم ينحصر أثره بالداخل بل امتدّ إلى المستعمرات في الخارج. فقد اتخذ النظام الفاشي إجراءات صارمة طالت أوضاع اليهود في المستعمرات. في مرحلة أولى بدت العلاقة ودية ثم اتجهت نحو التعقيد لتشهد في الأخير تأزما فعليا. وفي البدء تجنّب موسوليني الصدام مع اليهودية العالمية تفاديا لأية عواقب. لكن الباحث جيني برنارديني يذهب في تحليله لعلاقة الفاشية باللاسامية، إلى تأصّل العداء لليهود في الفاشية منذ نشأتها، إذ يمثل التناقض مع اليهود جوهرا ثابتا في الفاشية، بوصفها أيديولوجيا قومية ذات طابع إمبريالي على غرار مثيلاتها من الأيديولوجيات القومية الأوروبية.

يفيد موريس روماني أن التعامل الإيطالي مع اليهود، وعلى خلاف التعاطي الألماني، كان متقلبا ومراوغا. التقى موسوليني عديد القادة الصهاينة، مثل حاييم وايزمان وزئيف جابوتنسكي وناحوم غولدمان وناحوم سوكولوف، وأُبرمت الاتفاقيات بين الطرفين لتيسير هجرة اليهود نحو فلسطين. ودائما ضمن مناورات موسوليني، فقد طمأن أثناء زيارته ليبيا بين 12 و 21 مارس 1937 اليهود، وفي خطوة مماثلة أعلن نفسه مدافعا عن الإسلام، تلقى حينها "سيف الإسلام" هدية من قادة إحدى القبائل الليبية. ويأتي قرار إسداء الجنسية لليبيين ومنعها عن اليهود، في التاسع من يناير سنة 1939، ضمن سلسلة من المناورات السياسية التي اتخذها موسوليني.

كانت سنوات ما بعد صدور "القوانين العنصرية" عصيبة على يهود ليبيا، وتبعا للمستجدات الجارية انسحبت الإجراءات الجديدة على الطائفة اليهودية، زادها حدّة تحول شمال إفريقيا إلى حلبة للصراع بين قوات المحور والحلفاء، انحاز فيها اليهود إلى قوات الطرف الأخير.

النشاط الصهيوني وانخرام الوئام الاجتماعي

استمرّ الاستعمار الإيطالي في ليبيا 32 سنة، من 1911 إلى 1943، تخلّلتها ولحقتها أحداث غيرت مجرى أوضاع الجالية اليهودية. يفرد لها المؤرخ ثلاثة فصول من كتابه. فمع الحرب العالمية الثانية وبحلول الفيلق اليهودي التابع للجيش البريطاني بليبيا شاع حلم الهجرة إلى فلسطين واستُعدّ للغرض بأنشطة ثقافية واجتماعية احتذاء بالتجارب الصهيونية في فلسطين. وعلى ما يوضح روماني فقد توجّهت أنظار الحركة الصهيونية نحو ليبيا لإنشاء وطن قومي لليهود منذ عهد مبكر. التقى الزعيم الصهيوني تيودور هرتزل قادة يهود ليبيا على أرض القسطنطينية سنة 1892، حثّهم حينها على المشاركة في الأنشطة الصهيونية. ثم جرى تبادل المراسلات بين يهود طرابلس وبنغازي والمؤتمرات الصهيونية في فيينّا بين 1900 و 1904. كان النظر للمنظمة الصهيونية، من جانب يهود ليبيا، بوصفها أداة أوروبية لرفع المظالم التي قد يتعرضون لها، ثم غدت وسيلة لإدخال إصلاحات اجتماعية وتحسين أوضاع اقتصادية، وما كان يُنظر إليها كأداة سياسية لبناء دولة. هذا التغلغل الصهيوني المتدرج، على ذكر المؤرخ، تدعّم بزيارة هرتزل ليبيا في غرة يناير 1904، طاف خلالها بمدن طرابلس والزاوية وغريان وتغرنة لحشد الأنصار.

ولم يفتأ هرتزل، قبل وفاته، أن التمس السماح بإنشاء وطن قومي لليهود في برقة، من ملك إيطاليا فيتوريو إيمانويل الثالث، تلاها سنة 1912 تشكيل أول تنظيم صهيوني في ليبيا تحت اسم "أورا فيسمحا" (نور ومرح) بقيادة إيليا النحايسي، الذي اعتبر إحياء اللغة العبرية حجر الزاوية الذي ينبني عليه الانبعاث اليهودي، وشهدت السنوات الممتدة بين 1920 و1930 أنشطة صهيونية مكثفة داخل ليبيا، استطاع الصهاينة من خلالها إدخال تحويرات في التعليم التقليدي وخلق تعبئة ثقافية ورياضية وجمع تبرعات لفائدة الصندوق القومي اليهودي في فلسطين.

"القوانين العنصرية" وحلول الفيلق اليهودي ببرقة

بحلول العام 1937 حصل تحولٌ في السياسة الإيطالية، وبدأت حملة تستعر ضد اليهود في الصحافة والإعلام. ولم تأت سنة 1938 حتى صدرت "القوانين العنصرية" التي حظرت على اليهود ارتياد المدارس العمومية في إيطاليا وليبيا والجزر الإيجية، تبعها منع الزواج على الإيطاليين من غير الجنس الآري. وعلى مستوى سياسي تم طرد المنتمين اليهود للحركة الفاشية، وفي التعليم تم عزل كافة المدرّسين اليهود شمل المرسَلين إلى المستعمرات. بلغ التوتر أوجه أواخر الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات بإقامة محتشدات لليبيين ضمّت كذلك عددا من اليهود في جادو. خلّفت تلك الأوضاع ضغوطات دولية لعبت فيه المنظمات اليهودية العالمية دورا للسماح لليهود بالهجرة خارج ليبيا. ولم تأت سنة 1941 حتى حلّ بطبرق الفيلق اليهودي التابع للجيش البريطاني، مصحوبا بمدرّبين يهود. تمثّلت أعمالهم في افتتاح مدارس لتعليم العبرية وإسداء خدمات صحية واجتماعية وإنشاء معسكرات تدريب. ولعبت منظمات دولية يهودية مثل "المؤتمر اليهودي العالمي" و"الوكالة اليهودية" و"اللجنة اليهودية الأمريكية" و"الجمعية الإنجليزية اليهودية" و"التحالف الإسرائيلي العالمي" أدوارا مهمة في تبني قضايا اليهود الليبيين دافعة إياهم للهجرة نحو إسرائيل.

في الثالث والعشرين من يناير 1943 وعلى إثر دحر الإيطاليين من ليبيا حلّ محلهم البريطانيون. فعلى مدى قرابة نصف قرن شهد يهود ليبيا تبدل ثلاث سلطات: العثمانيون والإيطاليون والبريطانيون كل له قوانينه وسياساته معهم. لكن مع مقدم البريطانيين بات في صف اليهود حليف موثوق سواء في الداخل الليبي أو في طريق المهجر نحو فلسطين. في البدء كانت الهجرة مبادرة فردية ثم تحولت بين 1949 و 1952 إلى حملات منظمة وقانونية بوصفها تجري تحت مراقبة الانتداب البريطاني، وأثناء تلك الفترة هاجر معظم يهود ليبيا تقريبا باتجاه إسرائيل وإيطاليا، لقيت أثناءها الجالية اليهودية عقب سقوط الفاشية ترحيبا. لكن الفترة البريطانية في ليبيا تخللتها أحداث بين اليهود والأهالي مثل واقعة 1945، أوقعت انخراما في العلاقة بين مكونات المجتمع الليبي، تلتها أحداث 1948 التي جاءت تحت تأثير إعلان قيام دولة إسرائيل. لا يحمّل موريس روماني في هذه النقطة الطائفة اليهودية مسؤولية بتنكرها للوئام الاجتماعي وكأنه يبرئها مما حصل من أحداث.

يتناول الفصل الأخير من الكتاب تداعيات حرب 67 على يهود ليبيا، فقد تبقى إلى ذلك العهد زهاء خمسة آلاف يهودي، شملتهم موجة هجرة ضمن أزمة سياسية شاملة حلت بالمنطقة. وباندلاع ثورة الفاتح خلت ليبيا تقريبا من يهودها. لكن في مناورة من العقيد القذافي في أبريل 1993 أعلن مصالحة مع يهود ليبيا، شملت من يعيشون داخل الأرض المحتلة وبدأ الحديث عن تطبيع محتمل مع الكيان الإسرائيلي. كان المخطط يشمل إسداء تعويضات للمتضررين من الهجرة تخللته دعوة للتزاور من الجانبين. وبالفعل حلّ في يونيو من العام 1993 وفدٌ ضمّ 192 ليبيا بالقدس الشريف لقي حفاوة من قِبل وزير السياحة الإسرائيلي عوزي بارام. رتّب الزيارة حينها رافائيل فلاح، رئيس جمعية اليهود الليبيين بروما، بالتنسيق مع رجل الأعمال السعودي عدنان خاشقجي وياكوف نمرود أحد رجال الأعمال اليهود. وانتهت الزيارة بجولة خاطفة في المسجد الأقصى اعترضت عليها منظمة التحرير ومؤسسة الأوقاف بوصفها زيارة تطبيع مع الكيان الغاصب وأُبعد الوفد في التو عن الحرم الشريف.

تتمثل أهمية كتاب "يهود ليبيا: من التعايش إلى الرحيل" في حرص مؤلفه لبناء رواية تاريخية علمية في موضوع حساس تطغى عليه الأحكام الجاهزة. وإدراكا من المؤرخ موريس روماني لتناقض الرواية العربية والرواية الصهيونية في موضوع هجرة اليهود، حرصَ على انتقاد المزاعم والتقولات الطاغية في المبحث، مسلطا الضوء على الوضع الاستعماري المهيمن وما سببه من انخرام داخل بنى المجتمعات العربية، وهو ما انعكس سلبا على شرائحه الدينية المتنوعة.

 

الكتاب: يهود ليبيا.. من التعايش إلى الرحيل.

المؤلف: موريس روماني.

الناشر: كاستل فاكي (روما) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2017.

عدد الصفحات: 330ص.

 

د. عز الدين عناية - أستاذ جامعي تونسي مقيم في روما

 

1173 اhusanعن مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد- بيروت، بالتعاون مع دار التنوير، صدر ببيروت كتاب:

"إبستيمولوجيا السُّوسيولوجيا" تأليف: د. محمَّد حسين الرفاعي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1172 nabilبعد صدور الجزء الأول من كتاب “الفلسفة المبسطة – وقصص تعبيرية ساخرة ” بطبعة محلية في الناصرة، صدر في الولايات المتحدة وألمانيا كتاب الفلسفة المبسطة بجزأيه الأول والثاني، عن طريق دار نور للنشر.. والتي لها مقرين الأول في نيويورك والآخر في برلين.

المميز الأساسي لهذا الكتاب هو الدمج بين النصوص الفلسفية والقصص التعبيرية الساخرة، التي تعطي تفسيرا لمضمون النص الفلسفي.

الكتاب يوزع عبر شبكة الانترنت لدار نور للنشر:

 (https://www.noor-publishing.com)

يتناول الكتاب قضايا فكرية وفلسفية بمجالات متعددة، وقد بدا نبيل عودة بنشر حلقات الفلسفة المبسطة منذ نحو سنتين. ويعمل الكاتب حاليا على اعداد جزء ثالث جديد من الكتاب.

وكان الأديب، الناقد والمحاضر الجامعي (باريس) أفنان القاسم قد كتب مقدمة للكتاب جاء فيها: "فرض نبيل عودة نفسه على الشبكة العنكبوتية بسلسلة مقالاته “فلسفة مبسطة”، فهي سلسلة يتساوق فيها كل شيء، وهي لدقتها وثرائها موجز لا غنى عنه لكل من يريد الخوض في غمار الفلسفة، لأن التأمل هنا يتعدى حدود التجريد والأحكام الإشكالية إلى التحيين والتفعيل كمصطلحين فلسفيين يعنيان: التحيين جعل الشيء حينيًا أو حاليًا، والتفعيل النقل من القوة إلى الفعل. بناء على ذلك، أقام المؤلف وزنًا للأوليات في الفلسفة على أساس اليقينيات في السياسة (وغيرها)، فربطها بتجاربه في الزمن الحاضر، وبشكل أعمق بتجارب الزمن الحاضر. مثلاً العلاقة وجود-وعي (في النص وجود-مضمون والوعي هو مضمون الوجود)، يطرحها فلسفيًا كما يراها سارتر “الإنسان لا شيء إلا ما يصنع هو نفسه”، ويطرحها سياسيًا كما يراها نبيل عودة “أعضاء الحزب أو رجال الدولة لا شيء إلا ما يفعلونه من أجل أن ترتفع أسهم زعيمهم”. لكن أهم ما في الكتاب أنه يبقى أداة عمل لا غنى عنها، لتقديمه المعارف الأساسية بشكل مبسط، والمبسط بالمفهوم “النبيلي” يعني الدقيق، يعني كذلك توضيح المفاهيم، وعرض المسائل بشكل غير مشكوك فيه، لفائدة القارئ، عملاً بقول كانط “من يقرأ قليلاً يحفظ كثيرًا”.

النادر هنا، بالمقارنة مع كتب أخرى من هذا النوع، ما أدعوه ب “قصصية” الفلسفة، فالقلم المجرب الذي هو قلم نبيل عودة القصاص، يكسو كل موضوعة يتطرق إليها برداء قصصي تغلب عليه طرافة الأسلوب، وهو بهذا يعمل على تحرير الفلسفة من نظامها الصارم الذي تعودنا عليه".

 

الكتاب: الفلسفة المبسطة وقصص تعبيرية ساخرة، صدر الجزءان بكتاب واحد.

المؤلف: نبيل عودة – كاتب فلسطيني – مدينة الناصرة.

 اصدار نور للنشر (NOOR PUBLISHING) نيويورك - برلين (2017)

 

 

1171 majdiكيف خلق الانتحار الفكري الأزمة الإسلامية الراهنة

تنبع أهمية هذا الكتاب من أوجه عدة فهو يحاول أن يجد تفسيراً ليس فقط لصعود التيارات الإسلاموية الراديكالية في العقود الأخيرة، بل أيضاً لتراجع إنجاز المجتمعات المسلمة بعد فترات الإزدهار في المشرق والأندلس. وتنبع أهمية الكتاب أيضاً من النتيجة الرئيسية التي توصل لها فيما يتعلق بانتصار الأشعرية وهزيمة المعتزلة، ومن ثم إغلاق عقل المسلم

 

moamar habarكتاب "دلائل القبلة" لأبي علي المتيجي من علماء الجزائر في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري والحادي عشر الميلادي، تحقيق الأستاذة: نصيرة عزرودي، دار الهدى ،عين مليلة، الجزائر، السداسي الأول 2017، من 226 صفحة

يعتبر الكتاب من التراث الغزير الذي تفتخر به الجزائر وتعتز، والعالم الفقيه الميتيجي ولد في عهد القائد يوسف بن تاشفين وقد أخذ القائد بما جاء في الكتاب. وسبب تأليف هذا الكتاب هو الأخطاء التي وقع فيها علماء وفقهاء المغرب الأقصى في تنصيب القبلة منذ 4 قرون من تلك الفترة، وردّ على كبار المجتهدين موضحا لهم سوء تأويلهم لحديث سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مابين المشرق والمغرب قبلة"، مبيّنا لهم أن الحديث خاص بأهل المدينة دون سواهم، ومن أخذ به من غير سكان المدين فقد أخطأ.

والنقطة التي دفعت صاحب الأسطر لعرض الكتاب هي إصرار الكاتب وبقوّة ومن جميع الطرق على ضرورة الاجتهاد وأن الاجتهاد من الدين ، وقد اعتمد على جملة من أقوال المجتهدين مايدل على أن علماءنا كانوا مجتهدين ويحترمون المجتهد ويصرّون على الوصول إلى الغاية السّامية بالاجتهاد، وهذه هي النقطة التي أركزّ عليها كثيرا في عرضي هذا ويبقى الجانب الفقهي الدقيق لأهل الفقه يعودون إليه فيضيفون وينتقدون ويستفيدون ويعرضونها بالطريقة الاجتهادية التي تناسبهم وتناسب من يقرأ ويسمع وينتقدهم.

ومن زاوية أخرى يبيّن لنا الكتاب كيف أن الجزائريين بلغوا مبلغا عظيما في الاجتهاد في معرفة القبلة بوسائل تقليدية وعلمية وحساب وفلك وبدقّة متناهية جعلتهم روادا في هذا العلم والاجتهاد، ويكفي أن يعرف القارىء أنّ الكتاب ألّف في القرن الحادي عشر أي عمره الآن 10 قرون.

ويركز العالم المتيجي على أن: العالم لايحقّ له تقليد العالم والمقلّد لايحقّ له تقليد المقلّد، وسادتنا الفقهاء ابن يونس وابن عبد البر وابن حبيب يرون أنّه من صلى من غير اجتهاد في طلب القبلة فصلاته باطلة ولو كانت مكّة أمام وجهه ومثله في ذلك كمن صلى بغير وضوء، وذكر الإجماع على وجوب الاجتهاد في طلب القبلة، والمجتهد في استقبال القبلة لا يقلّد المجتهد في استقبال القبلة، وعاب بشدّة على علماء المغرب الأقصى لأنّهم لم يجتهدوا في استقبال القبلة وقلّدوا من قبلهم من العلماء في سوء تأويل الحديث، وعليه نقول: وبعيدا عن المسائل الفقهية التي تبقى من اختصاص سادتنا الفقهاء والأئمة رضوان الله عليهم، يبقى الاجتهاد مطلوب والتقليد مرفوض والأمة كانت عظيمة لأنّها كانت مجتهدة وزوال الأمم والحضارات بسيادة التقليد فيما لايجب فيه التقليد.

وجاء في صفحة 25:" فبالرغم من محاولات الفلكيين تصحيح الأخطاء حول اتجاه القبلة لكنهم اصطدموا بمواقف الفقهاء المتشدّدة فارضين رأيهم لأنّهم مدعّمون من قبل السلطة المرابطية". وعليه أقول: الخلاف بين الفقهاء وعلماء الفلك وغيرهم من العلماء هو خلاف بين أهل الاختصاص ويبقى من شؤون المختصين، لكن أن يستعين الفلكي أو غيره بالسلطان لفرض رأيه أو يستعين الفقيه بالسلطان لفرض رأيه فهذا هو المذموم  الذي لايليق بعالم الفلك أو عالم في تخصّص آخر ولا يليق بالفقيه، فالعلم يعلو العالم والفقيه والسلطان ولم يكن يوما تبعا للسلطان، ومن اعتمد على السلطان لفرض رأيه العلمي والفقهي فقد أهان العلم والعلماء والفقهاء.

ومما جاء في الكتاب وله علاقة بأهمية وضرورة الاجتهاد:

الآية الكريمة "ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام'، البقرة 149. و "... وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ  .."، البقرة - الآية 144 ، وهي عامة محكمة في أمر القبلة غير منسوخة الأصل. ص51-52

الاجتهاد من طرق معرفة القبلة. ص55

تكفّل الله بالقبلة ولم يتركها للنّاس لكي لايعطّلوا فرضها ويصعب عليهم البحث عنها فيظلوا. 56

التقليد يكون من عامي لعالم مجتهد وليس لجاهل مثله. 58

قبلة يقين هي التي اعتمد عليها سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. 67

 جامع بيت المقدس، وجامع الفسطاط، وجامع القيروان، كلّها قبلة إجماع التي أجمع سادتنا الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم. 67-68

لايجوز استعمال أخبار الآحاد المظنونة في القبلة. 71

لايجوز أن يسأل أهل الجهالة عن القبلة. 73

نقل عن العالم ابن يونس قوله: من صلى من غير اجتهاد في طلب القبلة فصلاته باطلة ولو كانت مكة أمام عينيه. 77

الاجتهاد في طلب القبلة وتحقيق سمتها فرض واجب. 83

من صلّى بغير اجتهاد فصلاته فاسدة كمن صلّى بغير وضوء. 83

إذا قدّم المصلي في طلب القبلة الأدلّة وصلّى إلى الموضع الذي دلّ عليه الدليل صحّت صلاته ولو أخطأ القبلة. 85

الإجماع على وجوب الاجتهاد في طلب القبلة وبطلان صلاة من لم يجتهد. 88

لاتقلّد الإمام في القبلة واجتهد في معرفتها والبحث عنها. 89

نقل عن سيّدنا الإمام مالك في المدونة قوله: إن صلى المريض إلى غير القبلة أعاد الصلاة ما دام في الوقت ويسعى من حوله ليوجهوه إلى القبلة، مايدل على أهمية القبلة ولا عذر في عدم التوجه إليها.90

يقول في صفحة 102 أنّ يوسف بن تاشفين وبعد 8 سنوات من تأليف هذا الكتاب أعاد مسجد قصره بما يناسب حقيقة القبلة.

من اجتهد من أهل العلم في البحث عن القبلة وتبيّن خطأه فصلاته صحيحة، ولا يجوز تقليد أهل الجهل ولا يقلّد العالم العالم. 105

من قواعد معرفة استقبال القبلة الوقوف على قبلة أقرب دولة معروفة لديها القبلة عن علم واجتهاد. 110

من تمكّن من الدلائل استعملها. 124

يرى الكاتب في صفحة 127 أنّه أعرض عن القول في الطرق الغامضة في الاستدلال بالحساب والهندسة واكتفى بما قدّمه من وسائل للوقوف على حقيقة القبلة وذكرها بالتفصيل الدقيق لمن أراد الرجوع إليها. 127

 الآية الكريمة "... وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... "  البقرة - الآية 150، "وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ..."، البقرة - الآية 144 ،  تحثّ على الاجتهاد في استقبال القبلة. 131

عموم الآية يبطل عموم الحديث "مابين المشرق والمغرب قبلة" 133. وكلاهما متناقضان من جميع الوجوه. 138

من اجتهد في طلب القبلة صحّت صلاته ولو كانت القبلة خلفه، ومن قلّد في صلاته ولم يجتهد في البحث عن القبلة فصلاته باطلة ولو كانت الكعبة بين يديه. 146

لكل بلدة قبلة وعلامة على قبلتهم تخصّهم دون غيرهم.

- معمر حبار

 

 

1169 hasanajmiأصدر الكاتب حسن عجمي كتاباً جديداً باللغة الإنكليزية بعنوان "نظريات فلسفية و رياضية في اللغة و الثقافة و المعنى "عن دار "إنكوال". يتضمن الكتاب تحليلات فلسفية لمفاهيم أساسية من خلال معادلات رياضية. مثل ذلك تحليل الكاتب للغة على أنها معادلات رياضية كتحليل الجملة الإسمية على أنها تساوي " مبتدأ + خبر " ما يسمح بتقديم و تأخير الخبر و المبتدأ فيُفسِّر لماذا قد يتقدم أو يتأخر الخبر و المبتدأ. من المنطلق ذاته، يُحلِّل الكاتب الجملة الفعلية على أنها " فعل + فاعل + مفعول به " ما يُفسِّر رياضياً تقديم و تأخير كل من الفعل و الفاعل و المفعول به فتتشكّل بذلك البنيات اللغوية المتنوعة في اللغات المختلفة. كما يحتوي الكتاب على تحليل للمعنى من خلال قِيَم الصدق المرتبطة بالواقع و شروط النطق المرتبطة بالناطق فيصبح المعنى مساوياً لقِيَم الصدق مضروبة رياضياً بشروط النطق ما يُفسِّر ارتباط المعنى بالواقع و بالإنسان معاً. أما الديمقراطية فتمسي بنظر المؤلّف معادلة رياضية بين إنتاج المعلومات و توزيعها بتساوٍ بين المواطنين ما يضمن المساواة و الحرية.                 

 

 

raed abdulhusanalsodaniبحلة قشيبة وطباعة فاخرة صدر عن دار (سطور) كتاب (وثائق ليست للبيع محطات من سيرة لم تكن ذاتية) لمؤلفه الاستاذ علي جالي بـ 309 صفحة، يتحدث عن ألم العراق وجراحاته، عن مجتمع وقع تحت سياط جلاد لم يشهد له التاريخ شبيها من قبل وقد فاق كل المستبدين والطغاة، وقد تعدت حماقته كل الحدود الانسانية والاجتماعية، وحتى الجغرافية فمن حرب دامت ثمان سنوات مع الجمهورية الاسلامية، إلى حملة دموية ضد كل يشك ولو شكا يسيرا في ولائه فضلا عن خصومه، فالحكم الاول على هؤلاء هو الموت، وقد أفرغ العراق من كل صوت معارض أو قلم مفكر اسلامي كان أم علماني، أممي أم قومي وفي مقدمتهم المفكر الاول السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه، ناهيك عن حملات التسفير والتهجير لمئات الالاف من الاسر بحجة تبعيتهم إلى ايران.ولما كان المستبد أي مستبد يتصف بالغباء فقد تصور إنه بهذه السياسة الهوجاء قد جفف منابع الفكر وقطع طريق النهضة، لاسيما بعد أن قمع انتفاضة آذار عام 1991المعروفة بالانتفاضة الشعبانية بكل قسوة وجبروت ناتجة عن اعطاءه الضوء الاخضر من الولايات المتحدة الامريكية بعد أن وجدت إن الخط القيادي في الانتفاضة تمثله الحوزة الناطقة .هنا دخل العراق في صراعات عدة، صراع مع الفقر نتيجة الحصارين، حصار السلطة على شعبها وحصار الامم المتحدة بقيادة الولايات المتحدة الامريكية على العراق، وصراع الامراض الفتاكة، وصراع الجدب الفكري، وضياع الآفاق أمام أبناء العراق وضياع مستقبل شبابه الذين اتجهوا إلى أعمال بعيدة كل البعد عن التحصيل العلمي ليسدوا حاجات عوائلهم ولو إن هذه الظاهرة بدأت بعد اشتعال الحرب مع ايران لكنها توسعت وازدادت شراسة أثناء الحصار، أو اضطرار الشباب الى الهجرة ليبحثوا عن لقمة عيشهم وارسال ما يستطيعون ارساله لأسرهم التي تتضور جوعا .هنا شعر حاكم العراق بالأمان مطمئنا بأن العراقيين قد انشغلوا عنه بلقمة العيش، ولا يعلم بوجود رجل يعرف مكامن العراقيين ويعي القوة المحركة لهم، مؤمنا بأنهم لا يختلفون عن الشعوب الاخرى في تطلعهم للعيش الكريم، وتطلعهم للنهوض ببلدهم في حال توفر من ينهض بهم ويقودهم لبر الأمان، وبر الأمان هنا، الوعي، ولا غير الوعي مهمة استند عليها وسار عليها هذا القائد، رمز الاصلاح الفكري، بل قل باني الاصلاح الفكري بعد جفاف طويل الذي اعتمد في مهمته النهضوية على الشباب أدواتا لهم وقواعد شعبية، فالشاب سريع الاستيعاب، خفيف الحركة، ويتحمل الامور الشاقة، وهل هناك أصعب من حمل مهمة النهضة والتبليغ بها والتبشير بانطلاقتها، وهذا الباني وحامل لواء النهضة هو المرجع والمفكر الميداني العظيم الشهيد السيد محمد الصدر، وهذا ما يحدثنا عنه علي جالي في كتابه الباحث عن أمل في مدينته المحاصرة والمنكوبة حتى في اسمها، مدينة الثورة التي حولها الحاكم الى اسمه فعرفت بمدينة صدام، لم يكن علي جالي وحده من يبحث عن هذا الامل فمعه كل شباب العراق، لكن لمدينة الثورة

1168 raed(مدينة الصدر) فيما بعد شأن خاص، لوقوعها في بغداد، وكثافتها السكانية، وتعد من المدن الولادة للكفاءات في الفن والرياضة والسياسة وحتى للشقاوات، إنها مدينة متميزة، يحدثنا علي جالي عن فرحته ببزوغ هذا الامل وانضمامه مع رفاقه الشباب في مسيرته واضطلاعهم بمهمة الدعوة اليه ودخولهم في جدالات حادة مع من كان يعارض هذا التوجه، وهنا دخل أبناء هذا الخط في حصارين وفي صراعين، صراع مع ابناء جلدتهم المعارضين والمناهضين وهذا كان أشد عليهم من صراعهم مع السلطة وأدواتها الجبارة التي لم تهنأ بهذا الظهور فحاولت احتوائه ففشلت وحاولت الابتزاز فخابت وجربت كل الطرق لكنها كانت مسدودة أمامها مما أدى بها الى اقتراف جريمتها الكبرى باغتيال أمل العراق ونجليه في 19/2/1999فنكب أصحابه من جديد لكنها نكبة الفرسان الذين لم يتهاووا ولم ينحرفوا عن هذا الفكر الخلاق الى فكر آخر، فكانت ساعة الصفر وهي ساعة الخلاص من حكم الطاغية بترتيب متقن مع بعض قطعات الجيش وبعض قوى المعارضة لكن لعدم الوفاء بما اتفق عليه أدى الشباب الصدري ما خططوا له بمفردهم وامكانياتهم البسيطة في الكوت بقيادة الشهيدين كاظم الصافي ورزاق كوكز وفي البصرة والسماوة، فصلها في كتابه الاستاذ علي جالي وقد كتابه بما يقرب من 26 صفحة من الوثائق، إنه جهد توثيقي رائع، مع لغة أدبية ساحرة،  وسرد جميل جدا، لكن لي ملاحظة: إن كثرة التقديم للكتاب يشتت ذهن القاريء فكنت أتمنى أن يكتفى بتقديم واحد وتمهيد للكاتب نفسه، وإن كانت مقدمة الاستاذ الكبير الدكتور سلمان كيوش تعبير عما اختلجته الاحاسيس باللغة التي نعرفها عنه وهي لغة لا يتقنها إلا سلمان كيوش لكن ملاحظتي لأجل الكتاب ليس إلا فثلاث مقدمات للاستاذ علي حداد والدكتور سلمان كيوش والاستاذ علاء البغدادي، وعلى ظهر الكتاب كلمة للشيخ صادق الحسناوي أعتقده أكثر مما يجب لكنها التجربة الاولى للمؤلف وقد يكون قدر ان الموضوع يستحق هذا أو أكثر، وهو كذلك .

 

رائد عبد الحسين السوداني

 

 

qasim madiشاعرٌ وقاص عراقي مغترب أول من طبع ديوانين من "شعر الهايكو" في المُغترب الامريكي "المصيفي الركابي" فراشات ملونة و"أطيار المواسم الأربعة"

شعر جديد يستند على مهارة جيدة، ويُكتَب بأسلوب سلس حتى أنه يجذب القارىء المتابع للأنشطة الثقافية والمعرفية، ويتواصل معه عبر مخاطبة الطبيعة والإنسان، بالرغم من أن هناك الكثير من الصيحات تعالت ضد هذا النوع من الشعر، وأعتبروه دخيلا ً على الثقافة العربية التقليدية، حتى أن البعض يصفها بأنها "قصائد غير مكتملة "والذي يتابع قصائد هذا الشاعر وهوغزير الانتاج حسب متابعتي له، ومن خلال ما يقوم به من نشر في الصحف الإغترابية وبعض المواقع الالكترونية وكذلك الصحف العربية حتى أثار الاعجاب والتفرد بما تحتوي قصائده من صور ومشاهد حية وموحية .

من طنين البعوض

تتكون " نوتات "

موسيقى الغسق .ص4

 يقول عنه الكاتب "فرج الخزاعي " يتميز المبدع العراقي " المصيفي الركابي " بشعر الهايكو من خلال إختزال المعنى، وبلاغة الكلمة عبر مفردات قلائل ينسجها بروائع العلم والمعرفة وإحتضان جميع الفلسفات التي أثقلت من كاهله ومشواره الإبداعي وكأنه فارس يجول بفرسه، وليس هذا فقط فهو يمتلك صورا ًممتعة وتشكل هاجساً لتفهم مشاعر الآخرين .

يرقص تودداً لأنثاه

طائر الماركيز

كأنه المجنون ص5

1170 iraqiوكان لتفاعله مع الوسط الأدبي والثقافي الأثر البارز في الفكرة والعاطفة المتدفقة في شعره الجديد الذي طرقه على مسامعنا في مغتربنا العاج بالشعر العمودي، الذي مازال الكثير هنا متمسك به وملتزم باستخدام كلام موزون ومقفى، والذي تعبنا منه ومن هذيانات هؤلاء الشعراء الذين لايواكبون العصر. ومايهمهم فقط نهايات القوافي ولا داعي لذكر الأسماء هنا، فقصيدة الهايكو عند "المصيفي الركابي" أجدها ذات فائدة أكثر وفيها من الموسيقى الشعرية الكثير بالرغم من قصرها وهي متلاحمة النسج كما عند الشعراء الكبار في عصر الجاهلية وبقية العصور وكذلك مترابطة المفردات وكأن كل مفردة من مفرداته متصلة ولا يمكن تفكيكها الا عند تحليل أنساقها بهدف الامسال بتلابيب المعنى وتشخيص دلالاته التي تتمظهر في معمارها وطبيعة تأثيثها وهنا عنصر التواصل بينالانساق الذي يوصل لاحقها بسابقها، وهو يصوغ قصائده في عدة موضوعات تلامس وجداننا وهذه الموضوعات لها اتصالات في حالات جمة من غير تنقل وانفصال فتبدو وحدة لغوية ولفظية وموسيقية متماسكة العناصر ضمن قالب شديد التكثيف، ان شعره الرصين أو لنقل هذه الحالات الشعرية تملك الدقة والرقة والسهولة وشرف المعنى، ومن الجدير بالذكر إلى أن المناخ الروحي الذي تنبع منه ثقافة أهم الشعراء الهايكوالكلاسيكيين ومعظمهم من الرهبان أما موضوعاتها فأن أشهر قصائد الهايكو تحكي عن تفاصيل وحالات يومية لكن من زاوية جديدة تجعل الحالة المألوفة جديدة تماما على مسامع المتلقي .1

في عتمة الظلام

وجه أمي

القمر ص5

فهذا المقطع يتكون من سبع كلمات موزعة على ثلاثة مقاطع، المقطع الأول" في عتمة الظلام "والمقطع الثاني " وجه أمي " والمقطع الثالث "القمر " وأنا أرى هذا الظلام الذي يحيطنا من كل مكان حتى يتبادر الى القارئ امكانية الفصل الكتابي، وبهذا يرسم لنا وصفة سوداوية لكن فيها أمل، لأن وحدة المعنى تتطلب من القارئ دمجها معا للوصول إلى المعنى الذي أراده "المصيفي " وان لحظة الأمل وجدت من خلال القمر، والأم وظهورها ساهم في بث روح جديدة لهذا الأنسان .

أطفالٌ جياع

يرقصون على أيقاع

بطونهم الخاوية ص103

والمصيفي الركابي أبرز منشوراته هي " بين الحقيقة والخيال "خواطر وتأملات، نيازك "مجموعة قصصية قصيرة جداً، فراشات ملونة" ديوان شعر هايكو" هواجس ثملة " ديوان شعر . أطيار المواسم الأربعة " شعر هايكو "

وتجدر الاشارة أن القاص والشاعر العراقي المغترب المصيفي الركابي كانت له مساهمة الى جانب ثلة من الادباء حيث تم إختيار نصوصهم ضمن مطبوع ضم في جنباته مساهمات 111 كاتب عربي صدر بعنوان قصص عربية قصيرة جدا ً صدر في القاهرة مؤخرا ً وهو كان قد أصدركتابين، في كتاب مع القاصة المغربية " زكية بوجديد، فضلا ً عن مطبوع مشترك بكتاب الكتروني "قصائد هايكو" صادرعن نادي الهايكو العربي.

 

قاسم ماضي – ديترويت

1167 ezadinصحيح أن حاضرة الفاتيكان دولة دينية، ولكنها دولة نشيطة على مستوى سياسي أيضا، وإن بدا هذا الدور مغمورا أحيانا، بدعوى الحرص على الفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي. ولعلّ ذلك ما حدا بستالين سابقا ليقعَ في تقديرات خاطئة حين تساءل هازئا عن عدد الوحدات العسكرية التي بحوزة البابا، لارتباط الفعل السياسي لديه بالقوة الجارحة وغفلته عما يستند إليه من قوة ناعمة أيضا. وإدراكا لهذا الدور السياسي والثقل الروحي لحاضرة الفاتيكان، نجد الكثير من الصحف الغربية تضمّ في طواقمها ما يعرف بـ"الفاتيكانيست"، أي المتخصص في الشأن الفاتيكاني، يتولى بالتحليل أنشطة الفاتيكان الدينية والسياسية. وفي كتاب إريك فراتيني المعنون بـ"السي آي ايه في حاضرة الفاتيكان"، الذي هو عبارة عن بحث مطوّل، يرصد فيه صاحبه ويتابع أنشطة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لثلاثة بابوات: البابا الحالي خورخي ماريو برغوليو (فرانسيس)، والبابا المستقيل جوزيف راتسينغر (بندكتوس السادس عشر)، والبابا الراحل كارول ووجتيلا (يوحنا بولس الثاني). فالولايات المتحدة تعي جيّدا ما لهذه الدويلة من تأثير في السياسة الدولية، وإن كان اتساعها لا يزيد عن أربعة وأربعين هكتارا. ولكن جيش الكنيسة الحقيقي هو جيش فريد، يضمّ في صفوفه أكثر من 400 ألف كاهن، و 760 ألف راهبة. كما تربط الفاتيكان علاقات دبلوماسية بـ177 دولة، وتشمل تحت إشرافها ثلاثة ملايين مدْرسة، وخمسة آلاف مشفى، ويضم "الكاريتاس" (دُور الإحسان)، 165 ألف عنصر بين متطوّع وعامل يقدمون خدمات لـ24 مليون نفر؛ وبالتالي فمن الطبيعي أن تخصص وكالة الاستخبارات الأمريكية جانبا من انشغالاتها لهذه الدولة.

إريك فراتيني مؤلف الكتاب الذي نتولى عرضه هو من مواليد ليما في البيرو، وهو جامعي يدرّس في جامعة مدريد، وقد سبق له أن نشر أكثر من عشرين مؤلفا في القضايا الأمنية والاستخباراتية، منها "المافيا: مائة عام من كوزا نوسترا"، و"العراق البلد المتقلّب"، و"أسرار حاضرة الفاتيكان"، و"غِربان حاضرة الفاتيكان". في مستهل كتابه يستعرض الأجهزة الرئيسة في حاضرة الفاتيكان المهتمة بالشأن السياسي، حيث تبرُز سكرتارية الدولة كجهاز رئيس يتكفل بترويج الأيديولوجيا السياسية للحبر الأعظم. فضلا عن ذلك، نجد "الدوائر التكوينية" (I Colleggi)، وهو جهاز تتمحور مهامه في تكوين الممثلين البابويين في الخارج. والغرض الأساسي للدوائر التكوينية هو التدريب السياسي لرجال الدين في روما ثم ترحيلهم إلى بلدانهم وتصعيدهم في التراتبية الكنسية بقصد التأثير في سير النظام السياسي العام.

في تناول فراتيني لمسألة الفاتيكان والاستخبارات الأمريكية، يوزّع كتابه على ثلاثة أقسام، كل قسم مخصص إلى بابا من البابوات الثلاثة، ثم يقسم القسم الواحد إلى مجموعة من المعنونات بحسب القضايا التي تتركز عليها الاهتمامات الاستخباراتية. مشيرا إلى أن الخط العام للسياسة البابوية يتبدل تكتيكه من بابا إلى آخر مع محافظة على الجوهر. يقول فراتيني حوّلت وكالة الاستخبارات الأمريكية الكرسي الرسولي وحشدا من الكرادلة والأساقفة والموظفين السامين إلى أهداف لعملها، لما يحظى به الفاتيكان من سلطة رمزية في العالم.

في القسم الأول المخصّص للبابا الحالي يُبرِز فراتيني أن تتبّع الشأن المتعلق بفرانسيس، من قِبل "وكالة الأمن القومي"، قد انطلق منذ انعقاد الكونْكلاف (مجلس الكرادلة الخاص بانتخاب البابا) وذلك عَقب الاستقالة المفاجئة لراتسينغر، حيث باتت كافة المكالمات الهاتفية الصادرة والواردة على الفاتيكان عرضة للتنصّت، وامتدت المراقبة لتشمل المعنيين بـ"الإيور" الذراع المالية للفاتيكان، بوصفه قطب الرحى الاقتصادي والمالي للكنيسة. وفي جمع المعلومات وتحليلها تعتمد "وكالة الأمن القومي"، وفق فراتيني، على أعوان نشطين في روما بحوزتهم تكنولوجيا متطورة، يعملون في مكاتب حصينة تابعة للبعثة الدبلوماسية، وبمقدورهم تخزين المعلومات عبر نظام الإشارات. ويورد فراتيني أن أعوان المخابرات في سفارة الولايات المتحدة لدى الكرسي في وسعهم التنصت على كافة الاتصالات في حاضرة الفاتيكان، سواء تلك الواردة عبر الهواتف النقالة أو "الوايرلاس" أو المارة عبر الأقمار الاصطناعية. مضيفا أن بمقدور الأعوان تحديد من يخاطب ومن يتلقى المكالمة وذلك بوساطة نظام "بريسم" المخصص للتجسس الرقمي، ناهيك عن مراقبة الحواسيب بمجرد أن يلج المرء الشبكة العنكبوتية. موضحا أن شركات غوغل وياهو وفايسبوك وميكروسوفت وآيبل وسكايب ويوتوب وآأول وبالتالك ودروبوكس، يربط جميعها تعاون وثيق مع وكالة الأمن القومي.

فأثناء التحضير لاختيار البابا الجديد، عَقِب استقالة راتسينغر، تحوّل المائة وخمسة عشر كردينالا إلى "بيت القديسة مارتا" خلْفَ كاتدرائية القديس بطرس للتشاور بشأن المرشَّح الجديد، وقد عمل الحرس السويسري، جندرمة الفاتيكان، على تعطيل كافة أنواع التواصل من وإلى بيت مارتا تفاديا لأي عملية تنصت وحفاظا على سرّية مداولات المجمع، لكن الحرس السويسري ما كان يعلم أن كافة الاتصالات الصادرة والواردة إلى الفاتيكان قبل ذلك اليوم، كانت عرضة للتنصت أثناء التجمعات العامة التي سبقت انعقاد المجمع.

وقد تطرّق فراتيني من جملة ما تطرق إليه إلى مسألة تغاضي البابا الحالي عن الدكتاتورية في الأرجنتين حين شغل منصب أسقف بيونس أيرس، وهي مسألة لا تزال مثار جدل، آخرها صدور كتاب في إيطاليا للوريس زاناتا "الكنيسة والدكتاتورية في أرجنتين برغوليو" يبرز أن الكنيسة كانت في قلب التاريخ الأرجنتيني، وقد باركت عسكريين ورعت ثوريين، ودعت للمسيحي الثوري وناجت الرب المناهض للثورات. ووفق ما يورده إريك فراتيني، اعتمادا على ما تفحّصه من تقارير استخباراتية، أن برغوليو لم يسلم من مظنّة التورط في الأحداث التي شهدها الأرجنتين خلال "الحرب القذرة" (1976-1983) بوصفه المسؤول الأول عن الكنيسة. فإدانة رجل الدين كريستيان فون فرنيخ، القسيس السابق في شرطة بيونس أيريس، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، تحشر برغوليو ضمن سلسلة المتواطئين. حيث أُدين فون فرنيخ بانتهاك حقوق الإنسان والتورط في تصفية معارضين والمشاركة في حالات تعذيب واعتقال. وعلى ما يورده فراتيني أن تورط الكنيسة الكاثوليكية في تلك الانتهاكات يمكن أن يضع البابا فرانسيس موضع تهمة وأن يؤثر على سلطته المعنوية والروحية. ولعل حالة فرانسيس في خضمّ الوضع الذي ألمّ بالأرجنتين يتلخص في قول أدولفو بيريز إسكويفال، الحاصل على جائزة نوبل للسلام سنة 1980، أن برغوليو قد خانته الشجاعة لمعاضدة الكفاح من أجل حقوق الإنسان، ولكنه ما كان متواطئا مع الدكتاتورية. يبدو هذا القسم مشحونا بالمعلومات "الاستخباراتية"، على ما يذكر فراتيني، لكنها في الحقيقة تظهر أحيانا من الأمور المتداولة في أوساط المهتمين بالشأن السياسي.

وفي القسم الثاني من الكتاب المخصص إلى جوزيف راتسينغر تحضر قضايا العالم الإسلامي بشكل بارز ضمن سياسة الفاتيكان، خصوصا عَقِب محاضرته الشهيرة في راتيسبونا (2006) وما خلّفته من قلاقل لِما تضمنته من اتهام صريح للإسلام بالعنف. وقد عبّر تقريرٌ صادرٌ عن السفارة الأمريكية في حاضرة الفاتيكان عن الاستغراب من انزلاق البابا المثقف إلى تلك المشاحنة وعدم تقديره عواقب ذلك، خالصا إلى أن البابا لم يكن أنيقا في كلامه، الأمر الذي يدفع الاستخبارات الأمريكية لأخذ التهديدات الموجهة إلى قداسة البابا على محمل الجد. ففي برقية صادرة من السفارة الأمريكية لدى حاضرة الفاتيكان في ديسمبر 2008 إلى وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس شرحٌ مفصّل للتعاون الوثيق مع حرس الفاتيكان بقصد تطوير السبل الأمنية الناجعة للمراقبة والحيطة.

من جانب آخر أَوْلى القسم المخصص لراتسينغر اهتماما لانشغال المخابرات الأمريكية بموضوع الحوار بين الأديان. وقد أُعدَّت في الغرض ثلاثة تقارير صدرت سنتي 2007 و 2009. يورد التقرير الأول أن البابا عَقب يومين من اعتلائه سدة بطرس أقدم على تنحية رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان الكردينال مايكل فيتجيرالد، بما يفصح أن البابا الجديد ما كان راضيا على أداء شخص "شديد" القرب من العالم الإسلامي، ليستبدله بالكردينال جون لويس توران المعروف بمواقفه المتشددة من الإسلام. مشيرا التقرير إلى أن الإسلام لا يزال ينضوي تحت المجلس البابوي للحوار بين الأديان، الذي يضم الهندوسية والبوذية والديانات الإحيائية، في حين تنضوي اليهودية تحت المجلس البابوي لتطوير الوحدة بين المسيحيين، والأمر فيه دلالة على موقع الإسلام في التصور المسيحي الغربي.

ودائما في نطاق الإحاطة بمفهوم الحوار، يورد فراتيني الآثار المترتبة عن زيارة العاهل الراحل الملك عبدالله للفاتيكان سنة 2007، رغم أن العربية السعودية لا تربطها علاقات دبلوماسية بالفاتيكان. أوضح التقرير تحمّس الملك للحوار وإن أعرب عن خصوصية المملكة وسط العالم الإسلامي، لكن الفاتيكان ألحّ من جانبه على ضرورة تيسير شؤون العبادة لمليون وستمائة ألف مسيحي يعيشون على أرض المملكة، ليتناول التقرير شعور البابا بالخيبة من نسق تقدّم الحرية الدينية ليس في السعودية فحسب بل في العالم الإسلامي. والملاحظ في عرض الباحث فراتيني لعديد القضايا إيثاره إيراد الوقائع كما رشحت من التقارير الاستخباراتية دون تدخل بالتعليق من جانبه أو إبداء موقف نقدي، ما يسقط الكاتب أحيانا في أسلوب سردي للأحداث، يجعل عمله شبيها بالحوليات.

كما يعبّر أحد التقريرين الصادرين سنة 2009 عن غلبة التوظيف السياسي لمقولة الحوار، فعلى إثر إرساء علاقات دبلوماسية بين الفاتيكان والجامعة العربية خلال العام 2000،لم تخلّف مذكرة التفاهم الموقّعة بين الجانبين أي مبادرة فعلية. من جانب آخر يُفصح التقرير عن التوظيف البراغماتي للحوار الإسلامي المسيحي، فعلى إثر حادثة راتيسبونا سعى البابا لامتصاص الغضب المتصاعد من العالم الإسلامي من خلال القيام بزيارة إلى تركيا، أوحى عبرها أنه لا يعارض انضمام تركيا إلى المجموعة الأوروبية، لكنه يحضّ الطرف المعني على مزيد ترسيخ قيم الحرية الدينية واحترام حقوق الإنسان، ويعلق إريك فراتيني قائلا إن المصالح الاستراتيجية للفاتيكان وتركيا وأمريكا حاضرة بقوة، فالكل يناور سياسيا حتى حاضرة الفاتيكان.

ودائما في نطاق ما يتعلق بالحوار، يقول فراتيني بشأن الزيارة التي كان البابا المستقيل يزمع القيام بها إلى الأردن وفلسطين، في مايو 2009، أن الجانب الأردني هدف بالأساس إلى تحريك النشاط السياحي، لا سيما وأن الأمير غازي قد استثمر في المجال السياحي في أطراف الموضع الذي شهد تعميد السيد المسيح؛ في حين كان الإسرائيليون بوساطة سفيرهم لدى الكرسي الرسولي يلحّون على أن يُشِيد راتسينغر علنًا بالحرية الدينية التي ينعم بها المسيحيون في إسرائيل وبما ليس لها مثيل في الشرق الأوسط.

من جانب آخر يتعرض فراتيني في القسم نفسه إلى مسألة هامة لدى الجانب الأمريكي بشأن تصريح البابا أثناء التحضير لانعقاد مؤتمر أساقفة إفريقيا في 2011 حول مشكلة مرض فقدان المناعة المكتسبة، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة، معتبرا أن مرض فقدان المناعة في إفريقيا لا يمكن تخطيه باللافتات الدعائية وبتوزيع العازل الوقائي، فذلك مما قد يفاقم الأزمة. وفي الواقع تتلخص مقاربة راتسينغر لمسألة انتشار مرض فقدان المناعة في إفريقيا في الإحجام عن الممارسة الجنسية والامتناع عن الاختلاط والوفاء داخل الأسرة، وهي الرؤية العامة للاهوت الكاثوليكي بشأن التصدي لهذا المرض. وفي التحاليل التي دبجها محللو وكالة الاستخبارات الأمريكية، ضمن التقرير نفسه، قدروا مدى خطورة تصريحات البابا في حثّه أساقفة إفريقيا على "عدم الاستسلام لقوانين السوق والسياسة المالية العالمية" واعتبروا ذلك مناهضا للهيمنة الاقتصادية الأمريكية، ما يضع البابا على نقيض خيارات الليبرالية الاقتصادية التي تسعى أمريكا جاهدة إلى ترويجها في أرجاء العالم، وربط محللو الاستخبارات ذلك بالتغيرات الحاصلة داخل الكنيسة الكاثوليكية التي تشهد تراجعا ملحوظا في أوروبا وتطورا بارزا في إفريقيا.

كما لا تغيب المسائل الأمنية عن هذا القسم من الكتاب، ففي تقرير مفصّل بعنوان "الفاتيكان يؤيد الرأي القائل بأن إيران لا تتعاون مع الوكالة الذرية" صادر عن السفارة الأمريكية بحاضرة الفاتيكان في شهر أكتوبر من العام 2010، تضمّن مواقف باولو كونفيرسي الأستاذ في الجامعة الغريغورية وأحد مستشاري البابا في المجال العلمي وإبراز دعم الفاتيكان اللامشروط للسياسة الأمريكية في ما تنتهجه من ضغوطات على طهران.

أما في القسم الثالث والأخير المخصص للبابا يوحنا بولس الثاني، فيستعرض الباحث فراتيني من خلاله تقريرا صادرا عن السفارة الأمريكية في الثالث عشر من سبتمبر 2002، يبرز فيه السعي الجاد للولايات المتحدة لكسبِ البابا إلى صفها أثناء التحضير لإسقاط صدام، بعد أن أعلن ووجتيلا معارضته للحرب واشترط في حال اللجوء إليها أن تكون تحت غطاء دولي. حيث يبيّن التقرير الاختلافات الجوهرية في مفهوم الحرب العادلة بين الفاتيكان والولايات المتحدة. ويستعرض فراتيني اعتمادا على جملة من البرقيات والوثائق المساعي الحثيثة للسفير الأمريكي جيمس نيكلسون لدى الكرسي الرسولي لإقناع المسؤولين في الفاتيكان بضرورة التعجيل بهجوم على العراق. حيث يورد فراتيني في إحدى فقرات كتابه ردّ المونسنيور فرانكو كوبولا، القاصد الرسولي إلى منطقة الشرق الأوسط، قبل شهر من اندلاع الحرب في العشرين من مارس 2003، عن سؤال طرحه الطرف الأمريكي مستفسرا عن الوضع العام في العراق النفسي والاجتماعي على إثر عودة المبعوث من زيارة قابل فيها صدام، قائلا: "هم متقبّلون للحرب وهو قدريون على عادة العرب".

في جانب آخر من هذا القسم من الكتاب يتعرض فراتيني إلى ما شهدته العلاقات بين إسرائيل والفاتيكان من تحوّل عميق إبان ووجتيلا. فبعد أن أعلن البابا سنة 1986 في خطابه في بيعة روما أن اليهود هم إخوتنا الكبار، وأن الكنيسة تستمدّ جذورها من تلك الزّيتونة المباركة التي طعّمت أغصان الزّيتون البرّي للأغيار؛ بعد خمس سنوات وتحديدا مع انعقاد مؤتمر السلام في مدريد، تلقى البابا صفعة قوية من إسرائيل برفض حكومة إسحاق شامير مشاركة الفاتيكان في المؤتمر بدعوى أنها لا تربطها علاقات دبلوماسية بالطرفين المتنازعين. والملاحظ عموما في الكتاب غياب التوازن بين الأقسام الثلاثة التي وزعت حسب الباباوات، هذا إضافة إلى أن مضامين بعض المعنونات تأتي سطحية، لكن ذلك لا يخفي صرامة منهج الكاتب في التعاطي مع الأحداث من خلال الوثيقة المخابراتية التي تبقى منيعة على كثير من الدارسين والباحثين.

 

الكتاب: "السي آي ايه في حاضرة الفاتيكان".

المؤلف: إريك فراتيني.

الناشر: سبيرلينغ و كوبفر (برشلونة-ميلانو) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2017.

عدد الصفحات: 570ص.

 

د. عز الدين عناية

...................

أستاذ جامعي تونسي مقيم بروما

 

 

ahmad alkhamisعن هيئة الكتاب صدرت أعمال الكاتب الكبير الراحل فهمي حسين القصصية، وهي ثلاث مجموعات: " أصل السبب"، و" حكايات ليست غريبة" و" علاقة بسيطة". قصص فهمي حسين بدأت في الظهور على صفحات جريدة " المصري" الناطقة بلسان حزب الوفد المعبر عن الحركة الوطنية قبل ثورة يوليو1952، ثم في مجلات وصحف أخرى. وإجمالا تكاد معظم القصص تتناول قضية الفلاح والأرض، تلك التي عالجها من قبل عبد الرحمن الشرقاوي باقتدار في روايته "الأرض"، ثم فجرها يوسف إدريس في " الحرام"، و" العيب"، وغيرهما. وقد كانت قضية الفلاح قضية مركزية في حياة ذلك الجيل في مجتمع زراعي اقطاعي بلغت نسبة المعدمين فيه من جملة السكان ثمانين بالمئة حسب د.رؤوف عباس. من هنا كان التركيز على معركة تحرير الفلاح وتقديمه بصفته البطل الأول في الأدب. وقد كان فهمي حسين فلاحا بسيطا ولد عام 1934بقرية بني حسين بمنيا القمح، وتفتحت عيناه على أوجاع الفلاحين وحياتهم، وظل مخلصا للتعبير عنهم حتى بعدما أنهى تعليمه وانتقل للقاهرة. وفي معظم قصص المجموعات الثلاث تتصدر القرية المشهد بصفتها المكان الرئيسي، وتتصدر هموم الفلاحين القصة أحيانا بنبرة ضاحكة وأحيانا بنبرة حزينة مؤلمة. في قصة " مشكلة عبد العال" من مجموعة " أصل السبب" يطرح الكاتب المبدع القضية كالتالي: في مجتمعنا هذا لا يستطيع الانسان أن يجمع بين الكرامة ولقمة الخبز، وإما كرامة مع الجوع، أو خبز بلا كبرياء. في القصة سنقرأ بسطوع مأساة الفلاح المصري كلها: الفقر، والبقرة الوحيدة التي تصبح عنده أغلى من كل شيء، لأنها مصدر ثروته الضئيلة ولقمة عيالهالوحيدة، وسنقرأ : الجهل والاعتقاد في ضرورة الثأر، ووضع المرأة التي يحلف عليها الرجل بالطلاق بل ويضربها  فتنصاع وتبكي في زاوية الدار. لقد قام شخص مجهول بقتل والد عبد العال، ويشتبه عبد العال في أحدهم مجرد شبهة لا يستطيع بناء عليها أن يأخذ بثأره منه. في تلك الأثناء يعرض عليه أحدهم أن يكلف شخصا آخر بقتل المشتبه فيه ولكن لأجل ذلك مطلوب ثلاثون جنيها. من أين؟ فقط عن طريق بيع البقرة الوحيدة. تلطم زوجة عبد العال، تسترحمه، لكنه يجد نفسه أمام المعضلة : هل يحتفظ بالبقرة فيضمن خبز أولاده ويفرط في كرامته كرجل قتلوا أباه ولم يثأر له؟ أم يثأر لوالده ويميت أطفاله جوعا؟!. نعم . لا يستطيع الانسان في بلدنا أن يجمع بين الكرامة والخبز. هكذا يضع فهمي حسين القضية، ويثور على هذا المجتمع الذي تصل فيه البطالة إلي نحو خمسين بالمئة، ويصاب فيه خمسون بالمئة من المصريين بالبلهارسيا من دون علاج، لهذا ما إن تقوم ثورة يوليو حتى ينضم إلي مبادئها، وحركتها، وعندما تقع النكسة يترك القلم والقصة ويحمل السلاح مقاتلا في الاسماعيلية دفاعا عن وطنه، وفيما بعد يلتحق بصفوف الثورة الفلسطينية، لا يفارقه خلال مسيرته شعوره العميق بالتضافر بين الموقف الوطني والأدبي. وحينما تقرأ قصص فهمي حسين، أو أي عمل أدبي آخر، بعد أكثر من نصف قرن من صدوره ، يصبح السؤال هو: هل صمد العمل للزمن؟ هل مازال العمل قادرا على إمتاع القاريء فنيا؟ أم أنه فقد سحره؟. كل قصص فهمي حسين تجيب بصوت واحد أن أعماله باقية، وعذبة، وتنطق كل سطورها بحرارة وصدق الكاتب، وتنطق أيضا بإدراكه العميق لمقتضيات فن القصة القصيرة، وتطويرها، وتلك كانت مهمة الرعيل الثاني من كتاب القصة بعد الآباء الكبار: يحيي حقي، وطاهر لاشين، والأخوين عيسى وشحاته عبيد، وغيرهم. وقد ضم الجيل الثاني أسماء لامعة مثل عبد الشرقاوي، وعبد الرحمن الخميسي، ومحمود بدوي، وسعد مكاوي، حتى ظهور عبقري القصة الحديثة يوسف إدريس. في إطار الجيل الثاني قام فهمي حسين بدوره كمبدع كبير حين خلص القصة من أطياف الرومانسية والأوهام السحرية فيما يتعلق بصورة الفلاح والريف وقضية الأرض ويسمعنا صرخة فلاح حقيقي : " حتة أرض" هي كل أمانيه لكي يحيا. كتاب وأدباء تلك المرحلة التي نبت منها فهمي حسين كانوا – كما يقول د. غالي شكري- في دراسة عن الكاتب: " يميلون في الأغلب نحو الراديكالية". نحن إذا أمام ثلاث مجموعات قصصية بديعة ، حية، وناطقة بأوضاع الفلاحين، وإزاء كاتب " ملتزم" بالمعنى الذي كان طه حسين يفهم به الالتزام، وهو الاختيار الحر للموقف، ثم كاتب قام بدور كبير في تطوير القصة القصيرة المصرية ليس فقط بفضل موهبته الساطعة بل وبفضل حرارة شعوره بما يكتبه. في 2004 ودع فهمي حسين الحياة على سريره في قريته التي ولد بها وبين الفلاحين الذين أخلص لهم. هكذا رحل الحكاء لكن بقيت لنا حكاياته.  

 

د أحمد الخميسي . قاص وكاتب مصري

 

 

husan sarmak2• الإبن يستذكر الأمّ بمقالة تُقطّع القلب: تقطرُ أَلَماً وحُزناً المقالة التي كتبها الأستاذ "مُلهم الملائكة" النجل الأكبر للأديبة العراقية الراحلة "إحسان الملائكة" (مواليد 1925)  التي غادرت عالمنا بصمت يوم الجمعة 13/نيسان/2010 ؛ تلك المقالة "وداع من كاتبة كانت أمّي" التي كتبها عقب رحيل والدته الأديبة المعتزلة والذي كشف فيها عن معاناة الأديب العراقي من المجتمع والدولة والحياة حتى وهو في عزلته وتبتله في محراب إبداعه حيث يقول :

(ألّفت [= إحسان الملائكة] كتاباً عن الفيلسوف المتصوّف التركي الإيراني "جلال الدين الرومي"، قدّمته إلى دائرة الشؤون الثقافية في بغداد عام 1985 واعتذرت الدار عن نشره لكون العراق آنذاك في حرب مع إيران وابن الرومي إيراني الأصل!! وفي العام ذاته قدّمت إلى نفس الدار ترجمة لرواية روسية تتناول حقبة الستينات في إحدى ضواحي موسكو، إلا أن الدار اعتذرت عن نشره (لعدم تماشيه مع مستوى العلاقات السوفيتية العراقية آنذاك!)  (1) .

هكذا تتلاعب بإرادة المُبدع الصادقة رياح السياسة الحقيرة اللعوب.

• مثقفة حالمة ترفّعت على الدُهُم

وحين نقول إنّ إحسان الملائكة كانت تعيش عزلتها فليس معنى ذلك إنّها كانت نرجسية متعالية منقطعة عن الحياة بل كانت كما يصفها مُلهم بدقّة وشفافية مؤثّرة :

(حالمة كبرى لم تبتعد قط عن جزئيات واقع الحياة اليومية لكنها لم تتقن قط فن مقاربة الناس ومخاطبة أصحاب القرار)  (2)  . وهذا الأمر (الحُلم والترفّع على الدُهُم مختصي الصغائر ومنهم من هو مِن أصحاب القرار)  كارثة في مجتمع يتدهور حثيثاً نحو الحيوانية والقطيعية بدءا من أعلى مستوياته.

• كتبت مُقدّمتي أوّل ديوان لنازك وأوّل ديوان لسليمان العيسى

لقد انحدرت إحسان من عائلة كان بيتها يُلقّب بأنه "بيت الأمّة العربية" ومن أب شاعر وطني قومي غيور هو صادق جعفر جواد الملائكة ومن أمّ شاعرة وضعت قضية فلسطين السليبة في مركز إبداعها ويشهد بذلك ديوانها: "أنشودة المجد" وهي سلمى عبد الرزاق "أم نزار الملائكة"، كما أنّها شقيقة الشاعرة الرائدة المُجدّدة الخالدة "نازك الملائكة" التي عُرفت أيضاً بكونها حالمة عظيمة مُترفّعة على دُهُم المجتمع والصغائر. كانت إحسان هي الوسيلة التي ساعدت الراحلة "حياة شرارة" في التقرّب من نازك وتأليف كتابها المهم عنها: "صفحات في حياة نازك الملائكة". وقلّة قليلة تعرف إنّ إحسان الملائكة هي التي تولّت كتابة مقدّمة أوّل ديوان لشقيقتها نازك الملائكة وهو "عاشقة الليل" (1947)، كما أنها هي التي كتبت مقدّمة أوّل ديوان للشاعر السوري المعروف "سليمان العيسى" وهو "مع الفجر" (1951)  (3) .

• رحلت ولم يُقم أحد مراسم الفاتحة على روحها

يصف مُلهم النهاية الأليمة لوالدته بالقول:

(ظلت تكتب في صحيفة "المدى" حتى منتصف عام 2009، وبعد أن انطفأ بصرها لم تعد تستطيع الإبداع، فانقطعت عن "المدى" وانقطعت "المدى" عنها. وتوالت النكبات والآلام على إحسان، فقد أصيبت في كانون الأول / ديسمبر عام 2009 بجلطة دماغية أقعدتها عن الحركة وعطلت حواسها، لتعيش بروحها الطرية المرهفة مثل ملاك. وفي مساء يوم الجمعة (23 نيسان/ أبريل 2010)  فارقت أمي الحياة، تاركة خلفها تاريخ طويل من الإبداع والألم و15 مؤلفاً غير منشور، ومذكرات مفصلة في 20 كراساً، تعد أرشيفاً أدبياً سياسياً اجتماعياً لستين عاماً صعبة من تاريخ العراق الحديث)  (4) .

ثم تأتي طعنة الختام الشعرية في القلب حين يحضر "المُثكل" حسب وصف جدّنا جلجامش الموفق للموت فيقول مُلهم :

(رحلت إحسان الملائكة ولم تقم على روحها مراسم الفاتحة، واكتفى اقرباؤها بمراسم عزاء صغير للسيّدات انتهى في السادس والعشرين من نيسان/ابريل 2010 ليخيّم صمت مطبق على الدار التي عاشت فيها أعوامها العشرين الأخيرة وتبقى النخلتان الهرمتان أمام نافذة مكتبها تذكران تأملاتها وآمالها وهي تقاوم تكلس وحدتها وعزلتها المُرّة)  (5) .

• كتبوا عنها 3 مقالات فقط!!

وقبل أيام، بدأنا في موقع "الناقد العراقي" الذي أشرف عليه استذكار الراحلة وإعداد ملف عنها فلم نجد سوى مقالة مُلهم الأصيلة عنها ومقالتين أخريين واحدة لتلميذتها وصديقتها الكاتبة "وقار هاشم" والأخرى حوار معها لعبد الجبار العتابي. أمّا المقالات الأخرى فهي تجتر المعلومات من مقالة مُلهم وتعتاش عليها. وفي هذا ما يكفي للتدليل على أيّ مدى وصل فيه احتقار الثقافة ورموزها الاصيلة في هذه البلاد التي هي القطّة التي تأكل أبناءها بفضل طايحين الحظّ من ساستها الحقراء والأراذل المعنيين بتمثيل مثقفيها والسهر على شؤونهم.

• 30 طبعة مُقرصنة لكتابها عن الرومي

رحلت إحسان الملائكة وسوف يُسدل – بل أُسدل – على حياتها وعطائها الستار. لقد صدر لها في حياتها : كتاب "أعلام الكتاب الإغريق والرومان." عن دار الشؤون الثقافية العراقية (2001)، وكتاب عن جلال الدين الرومي تقول عنه وبأسف إنّه :

(سِيرة موسّعة عن مؤلف ومبدع الثنوي جلال الدين الرومي (نُشر في بيروت والقاهرة وبغداد واعيد طبعه أكثر من 30 طبعة مُقرصنة، كما انتشرت نسخ الكترونية منه بشكل واسع على النت باسمين مختلفين (جلال الدين الرومي صائغ النفوس، وجلال الدين الرومي عاشق حتى النهاية)  (ص 7 من كتابها ملامح من الأدب السويدي)  (6) .

• كتابها عن بيكاسو في دار الشؤون منذ عام 2002!

(قدمت الى دائرة الشؤون الثقافية ببغداد مخطوطة كتاب عن الفنان الاسباني بابلو بيكاسو عام 2002، بقيت المخطوطة لدى دار الشؤون الثقافية حتى اليوم ونحن في عام 2010 ولم تطبع في كتاب  حسب قول مُلهم!) . (7)  وستضيع مخطوطاتها ومذكراتها وتُهدر مكتبتها ووثائقها مثلما ضاعت مخطوطات ووثائق ومذكرات ومكتبات العشرات من مفكري ومبدعي العراق الراحلين.

• بصيص أمل من دار ضفاف: كتابها عن الأدب السويدي المُعطّل منذ التسعينات

لكن يبقى ثمة بصيص من الضوء دائماً يأتي من المخلصين الشرفاء من المثقفين . فحسناً فعلت دار ضفاف (الشارقة/بغداد)  للطباعة والنشر حين تولّت مؤخراً طباعة ونشر كتاب أنجزته الراحلة إحسان الملائكة في التسعينات ولم ير النور إلّأ الآن من خلال هذه الدار مشكورة، وهو "لمحات من الأدب السويدي" (170 صفحة من القطع المتوسط)  والذي تصف المؤلّفة أهميته بالقول في مقدّمة الكتاب :

(دفعني للتأليف في موضوع الأدب السويدي، خلوّ المكتبة العربية، بحسب علمي من أية مؤلفات حسنة فيه. كان ذلك هو أيضا الدافع الذي حفزني في الماضي لتأليف ثلاث موضوعات مختصرات إحداها في أعلام الكتّاب الإغريق والرومان (نُشر في بغداد عام 2001 عن دار الشؤون الثقافية)، والثانية في سير الكتّاب الإنجليز، والثالث في مشاهير الكتاب الأتراك المحدثين)  (ص 7) . (8) .

وبتواضع وأخلاق علمية عالية تستدرك الكاتبة لتقول إنّها تعترف بأنّ مادة هذا الكتاب لا يمكن عدّها تأليفاً بقدر ما هو إعداد واختيار وتنظيم وترجمة. ومِنْ ثمّ فالآراء المبثوثة بين صفحات الكتاب ليست بالضرورة آرائي الشخصية ولا أنا مسؤولة عما قد يُلحظ فيها احياناً من شطط أو تطرف ربما لا يستسيغهما القارئ العربي)  (ص 7و8) .  (9)

تستهل الكاتبة متن كتابها بنبذة تاريخية موجزة عن تشكّل السويد دولة مستقلة منذ القرن السادس عشر وتغيراتها الدينية الحاسمة ثم الجهود المبذولة في مجال الثقافة السويدية (الكلاسيكية منها والمسرح بشكل خاص)  في عصر النهضة وخصوصاً في عهد الملكة كرستينا التي كانت متهتكة ثم تحوّلت إلى الزهد وانزوت في الفاتيكان.

• سِيَر 21 أديباً سويدياً

بعدها تبدأ الكاتبة بتقديم سِير 21 كاتبا وكاتبة ممن تركوا بصمات مهمّة ليس على خارطة الثقافة السويدية فحسب بل الثقافة العالمية أيضاً ومنهم : الأديب العالم كارل فون لينيه، شاعر المجون بيلمان، الشاعرة الديمقراطية أنا ماريا لينغرين، رائدة الرواية الاجتماعية فردريكا بريمر، الكاتب الأسطورة أوفست سترند بيرغ، الروائية العالمية سيلما لاغيرلوف، يلمار بيريمان، المخرج الشهير إنغمار بيريمان، هاري مارتنسون، كيرستين ايكمان، زارا ليدمان.. وغيرهم.

وقد وجدتُ في موسوعة الويكيبيديا أنّ ثمانية من أدباء وأديبات السويد قد مُنحوا جائزة نوبل (التي تضاءلت كرامتها بمرور الزمن بألعاب وسفالات السياسة الغربية والأمريكية)  بين عامي 1909 (سلمى لاغرلوف)  و2011 (توماس ترانسترومر)  وهم : سلمى لاغرلوف، فرنر فون هايدنستام، إريك أكسل كارلفلت (حصل عليها بعد وفاته)، بار لاغركفيست، نيلي زاكس، إيفند يونسون وهاري مارتنسون (مناصفة)، توماس ترانسترومر (10) . وقد ذكرت الملائكة سِيَر أربعة منهم في كتابها.

• مبتكرة شخصية "نيلز" الكرتونية حائزة على جائزة نوبل

ومن المعلومات الطريفة والمهمة هو ما ذكرته الملائكة عن قصة الشخصية الكرتونية "نيلز" التي سحرت أطفالنا (وسحرتنا) :

(من الغريب أن تنال رواية سيلما لاغيرلوف [أوّل أديبة سويدية تنال جائزة نوبل] "مغامرات نيلز"  شهرة طبقت أرجاء العالم، ونالت مكانة خاصة في نفوس جيل المشاهدين العرب الذي شاهدها كمسلسل على الشاشة الفضيىة في سبعينيات القرن العشرين، مع أنها كُتبت أصلاً لتحقيق هدف تربوي لتلاميذ المدارس السويدية الصغار، وهو تقديم المعلومات الجغرافية والتاريخية بصورة تُرضي أو تشبع خيالهم. تتلخص القصة في أنّ الولد "نيلز"، يعاقب على كسله، وعلى رفضه زيارة الكنيسة في الأوقات المحددة، يُعاقب بأن يُمسخ ويُحوّل إلى جِنّية عابثة، ويُكتب عليه، أن يَمتطي ظهر أوزة برية أنثى تطير به، وبصحبتها رفيقها الذكر، عبر بلدان العالم في رحلة طويلة، عقاباً للجنيّة  "" على أنّ رحلة نيلز الفضائية لا تبدو في عيون الصغار غير نزهة تحريرية رائعة، ومن الواضح أن ذلك كان أيضاً قصد المؤلفة، فالصبي نيلز إنّما تمرد، في الواقع على عقلانية عالم الكبار، حيث يجبر الأطفال على التقولب - في صورة محددة، لا يستطيعون تحملها أو هضمها. من هذا فالرواية تحتمل تأويلات متباينة بحسب وجهات نظر قرائها. ولا ريب أنّ موافقة ذكر الأوز الأليف لأنثاه في رحلتها الطويلة هو جزء من ذكريات سيلما لاغيرلوف نفسها. ورحلة الخلاص التي يقوم بها الصغير نيلز، لابد أن تكون رمزاً لحنين الكاتبة للتحرر من عزلتها الأليمة المفروضة عليها كأنثى، في المجتمع البشري الظالم ذي المقاييس المزدوجة التي تقيم هوة لا قرار لها بين الجنسين. لقد شاءت سيلما لاغيرلوف أن تحقق حريتها وخلاصها عن طريق خفقات أجنحة الفن". (ص 81 و82) . (11) .

تصوّر أديبة كبيرة حائزة على جائزة نوبل تكتب رواية للأطفال في حين "يترفّع" الكثير من كتّابنا عن الكتابة للأطفال برغم خطورة هذا الحقل الأدبي المهم وترى أدب الأطفال يتحوّل إلى عملية شكلية ولا تخصّصية ويتقلّص يوماً بعد آخر.

• مبدعان كبييران تعرّفنا عليهما مبكراً

وقد توقّفت طويلا عند سيرتي مبدعين كبيرين عرفناهما منذ وقت مبكّر: الأوّل هو "أوفست سترند بيرغ" الأسطورة الذي قرأنا الكثير من مسرحياته المترجمة مثل المس جولي، الأب، رقصة الموت، موسيقى الشبح، الطريق إلى دمشق، والغرماء .. وغيرها . كما عرفناه من خلال التحليل المهم الذي قدّمه لشخصيته ومنجزه كولن ولسن في كتابه الفريد "المعقول واللامعقول في الأدب الحديث". كما شاهدنا "الآنسة جولي" وقد حوّلتها الممثلة السويدية "ليف أولمان" (شريكة المخرج العظيم انغمار بيرغمان)  إلى فيلم سينمائي رائع قامت بإخراجه. والثاني هو المخرج إنغمار بيرغمان (الذي توفي في تموز من هذا العام)  والذي ترك بصمته في السينما العالمية من خلال أفلامه الشهيرة مثل "التوت البري" و "فاني وإالكسندر" و"الصمت". والإثنان (سترند برغ وبيرغمان)  قدّمتهما إحسان الملائكة بصورة وافية وممتعة.

• مكافأة القداسة في الثقافة .. وضريبتها

وتتساءل أخيراً : ما الذي جنته هذه الإنسانة (إحسان الملائكة)  من الكتابة والثقافة والإبداع ؟

وما هي المكافأة التي كانت تتوقّعها عن جهدها المُضني الذي أودى ببصرها، ومن المؤكّد أنّه – بالإضافة إلى قلقها وتوترها وإحباطاتها – كان سبباً مهماً في إصابتها بالجلطة الدماغية القاتلة ؟

ما الذي جنته ولم تكن تستطيع طبع كتبها على نفقتها الخاصة في بلاد صار من خرجوا علينا من بالوعات الحياة يتقلّبون على المليارات من الدولارات ؟

تجيب المبدعة إحسان الملائكة على هذا التساؤل بنفسها في مقدمة كتابها هذا فتقول :

(إنّ المكافأة الفريدة التي يمكن أن أجنيها من بذل هذه المجهودات المُضنية هي إطلاع القارئ العربي على مادة أدبية تاريخية ثقافية تجمع بين الفائدة والمتعة وتغنيه عن طول البحث وزيادة التعب)  (ص 7) . (12)

وهنا يتأكّد من جديد ما قلناه مراراً عن الطبيعة الملائكية السماوية للمبدع التي تتناقض مع الطبيعة الأرضية الحيوانية للسياسي. وعليه، فقد كان الطريق الذي اتبعته إحسان الملائكة في حياتها في الترفّع والعيش كما قال نجلها مُلهم: (حالمة كبرى لم تتقن قط فن مقاربة الناس ومخاطبة أصحاب القرار)  هو الطريق الإيماني الذي يحفظ كرامة المثقف وعزّة الثقافة برغم ضريبته الباهضة.

تحيّة للمثقفة القدّيسة "إحسان الملائكة".

 

الدكتور حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

..................

هوامش:

(1) و(2) و(4) و(5) و(7)  في رثاء الكاتبة العراقية إحسان الملائكة؛ وداع من كاتبة كانت أمي- مُلهم الملائكة- دويتشه فيله- 2010.

(3) . حوارٌ أخير مع الراحلة إحسان الملائكة- عبد الجبار العتابي- موقع إيلاف- 25/نيسان/2010.

(6) و(8) و(9) و(11) و(12) ملامح في الأدب السويدي- إحسان الملائكة- دار ضفاف (الشارقة/بغداد)  للطباعة والنشر- 2017.

(10) موسوعة ويكيبيديا

 

 

ali almirhigنشر الدكتور عامر حسن فياض رسالته للماجستير الموسومة "جذور الفكر الإشتراكي في العراق بين عامي 1920 و1934" في العلوم السياسية التي كتبها في عام 1978 تحت إشراف الدكتور عبدالرضا حسين الطعان، في عام 2014، في مكتبة النهضة العربية ببغداد.

ما يُميز هذا الكتاب أنه من أوائل الكتب والرسائل الجامعية التي تناولت جذور الفكر الإشتراكي، على أكثر من صعيد، لا سيما في كتابات أحمد محمود السيد وحسين الرحال أو على الصعيد الاجتماعي في صراع الفلاحين مع الإقطاع والشغيلة "العمال" مع أصحاب المصانع، أو في تعامل الطبقة المتنفذة من شيوخ قبائل وتجار وعسكر، وتحولات ولاءاتهم وفق مصالحهم الشخصية ومنافعهم المادية، فالكثير منهم قد تحول من ولائه المطلق للعثمانيين إلى إعلان تخليه عنهم وإثبات ولاؤه المطلق للبريطانيين، بعد وعود إحتلال لهم بتوسعة مناطق نفوذهم وسلطتهم وزيادة دعمهم المالي لهم طالما كانوا حلفاء موالين مُطيعين لحكومة بريطانيا العظمى. ولم يخرج عن طاعتهم كثير من رجال الدين وشيوخ العشائر والمُلّاك، سنةً وكرداً بالأغلبية، وبعض الشيعة، وإن كان جُل ثوار ثورة العشرين هم من أبناء الطائفة الشيعية المُضطهدة أيام العثمانيين، ولكن أغلبهم قد واجه الإنكليز، وبأسلحة بدائية، مثل "الفالة والمكوار"، وربما تكون هذه الثورة، هي النواة التي تشكل منها الوعي الفلاحي والعمالي الذي صار فيما بعد الثورة القاعدة التي بنت عليها أحزاب المعارضة وأهمها الحزب الوطني الذي أسسه الشخصية الوطنية المعروفة "جعفر أبو التمن، فسميّوا عند البعثيين "القومجية" فيما بعد طعناً في إنتمائهم العروبي بأصحاب الشينات الثلاث: "شيعي، شعوبي، شيوعي"!!.

1166 aliكانت سياسة الإنكليز هي تدعيم سلطة الإقطاع وشيوخ القبائل ودعم طبقة المُلّاك، فقد عاملوا رؤساء القبائل كموظفين، فقد زادوا نفوذ الشيخ محمود في السليمانية، كي يكون حاكماً عليها، ليجعلوا منه مُتحكماً بشيوخها ورؤساء قبائلها، فقَبل هو بهذا، فصار مسؤولاً أمامهم عن تأمين الأوضاع لهم، ولم يبخل البريطانيون بتقديم المساعدة والعون ل "عادلة خانم" والدة زعيم قبائل الجاف الكردية للوقوف إلى جانبها في تمزيق الحصار الذي ضربه الثوار الذين تزعمهم الشيخ " محمود البرزنجي" عام 1919.

أما الشيخ "علي سليمان" شيخ قبائل الدليم، والشيخ (فهد بيك) زعيم إمارة غزة، فقد حافظا على "إخلاص لا يتزعزع" كما يقول ولسن في كتابه "ميزوبوتوميا"، أما طالب النقيب، نقيب البصرة، فقد وصف ثورة العشرين "بأنها تمرد أثارته أهداف حاقدة ودوافع شخصية...".

وفي الوزارة الأولى إختار الإنكليز عبدالرحمن الكيلاني "كان يُمثلل أقصى الجناح اليميني للإقطاعيين العراقيين في عهد السلطان عبدالحميد الثاني...ثم أصبح مؤيداً للإنكليز بعد إحتلالهم للعراق".

أما الإشتراكية بوصفها رؤية وفكرة وحل، فقد بدأت بوادرها في الكتابات الأدبية عند محمود السيد والرحال وبعض اليساريين في تأكيدهم على دور المرأة وضرورة تعليمها، وعلى حرية الصحافة والرأي والفكر. وظهر هذا جلياً وواضحاً في شعر الزهاوي وكتاباته، عند الرصافي في شعره وكتاباته، وفي شعر الجواهري.

لكن الوعي الفكري والسياسي الواضح والجلي، بان وظهر في إطروحات اكامل الجادرجي وعبدالفتاح إبراهيم ومحمد حديد وعبدالقادر إسماعيل وحسين جميل "جماعة الأهالي" الذين تأثروا بآراء "الماركسيين الفابيين" أمثال "برنارد شو" من الغرببيين وبآراء "شبلي شميل" و "سلامة موسى" من العرب.

 

د. علي المرهج

 

 

hasan maysiralaminشخصية عراقية أصيلة، تنحدر من أب بغدادي وأم موصلية، تحمل من خلالهما خصالًا بغدادية وموصلية كريمة، فهي مزيج عراقي وخليط متجانس، فواح بالمحبة والإخلاص، يقطر من محياها الوفاء للعراق وشعبه، وللموصل وأهلها بشكل خاص بعد الذي أصابهم، وقد أجادت التعبير عن حبها الكبير ووفائها العالي لمدينة الموصل الحدباء وهي تنفض غبار الأسى والحزن وتنهض من كبوةٍ مرت بها وعاشتها في ثلاث سنين من ظلمة صعبة وظرف عصيب، حين أرسلت مهنئة بالتحرير والخلاص ومعبرة عن كم هائل من الأمل والتفاؤل السعيد والثقة المطلقة التي تمتلكها وتشعر بها تجاه أهل الموصل وقدرتهم على تجاوز محنتهم، حيث قالت :

(الموصل ... مدينة عريقة وجدت نفسها في منتصف الطريق بين مطرقة حاكم تخلى عن أداء الأمانة، ورعاع استباحوا كل مقدس فيها، وذوي قربى كان ظلمهم لها أشد وأعتى، فأضحت مدينة حائرة تقلب الطرف في سماء ربٍ رحيم ترجو أن يرفع عنها الغمة، ويعينها في تصديها لكل ظلمٍ أصابها، ثم اذا هي بكل جراحها، وعلى الرغم مما لحق بها من أذى أتى على كل جميل في تراثها وبناياتها وشوارعها، وبعد الذي أصابها بفلذات أكبادها وشهدائها، تستيقظ فتبث شعاعًا قد يبدو في بداياته وئيدا، لكنه لعمري حي في إرادة أبنائه، شيبًا وشبانًا، نساءً ورجالًا، انها الموصل أم الربيعين، والتي ستبقى أبدًا اسمًا على مُسمّى، حفظ الله الموصل وأهلها) .

إنها السيدة (غادة عبد العزيز حسون)، من مواليد بغداد عام (1971)، وهي أبنة أسرة  مُغرمة بالعلم والثقافة، فوالدها هو الأستاذ (عبد العزيز حسون)، أحد الرموز العراقية في ميدان الإقتصاد والفكر، الذين يواصلون نشاطهم بدأب في هذين المجالين، وعمها هو الإعلامي والإذاعي المعروف ونقيب الصحفيين العراقيين الأستاذ الأديب (فيصل حسون)، وهي خريجة (جامعة بغداد)، كلية الإدارة والاقتصاد قسم إدارة الأعمال عام (1992)، كانت تجربتها العملية الأولى بعد التخرج مباشرة هو العمل في شركة أهلية في بغداد حتى عام (1994) ثم سافرت إلى دولة اليمن نهاية العام ذاته، وعملت هناك في شركات خاصة ضمن اختصاصها في المحاسبة وإدارة الأعمال حتى عام (1996)، عادت بعدها إلى العراق وعملت في وظائف مختلفة في مجال اختصاصها، منها في شركات خاصة وفي البنوك والمصارف الأهلية في بغداد حتى عام (2002) .

غادرت العراق نهاية عام (2007) متوجهة إلى سوريا حتى عام (2008)، واستقر بها الحال في مملكة السويد منذ عام (2009) لتمارس عملها واختصاصها  في مصرف سويدي منذ عام (2010) وحتى الآن .

1429 maysir

تنتمي السيدة (غادة حسون) الى جيل المغتربين من الشباب والشابات المتنورين من الذين يعيش الوطن في عقلهم وقلبهم ويحاولون الإستفادة من تجربة وجودهم في المهجر، حيث تقول وهي تصف حياتها  في المهجر وبعيدًا عن الوطن الأم : 

(أجد من الإنصاف أن أذكر أن حالة الإغتراب التي يحس بها الإنسان حين يشد الرحال إلى أصقاع الأرض البعيدة، هذه الحالة تفتح لديه كذلك آفاقا واسعة وتغيير أنماط تفكير قائمة على القبول بالإختلاف، نعم، قد يبدو هذا الكلام مكررًا وعاديًا، لكنه حقيقي، ومن الصعوبة بمكان تطبيقه، فان تعلم أنك تختلف مع الاخرين في طريقة تفكيرهم ونظرتهم للأمور وتتقبل أن الاختلاف في الراي لا يفسد للود قضية كما يقولون، ليس أمرًا سهلًا، وهو تمرين مستمر، نمارسه كل يوم، يُصيبنا من خلاله إحباطات مختلفة، وتجتاحنا ردود أفعال وأفكار تُغّير فينا الكثير، لتتبلور فيما بعد القدرة على فتح آفاق عقولنا، والتفكير فيما صبناه من مدخلات في ما ورثناه من مُسّلمات وقوالب تفكير جاهزة أو اكتسبناها بفعل ذاتي عن طريق الإطلاع الشخصي)، وضمن هذا المنظور فهي تضع لنفسها ولأقرانها متجها سليمًا في تفاعلها مع الحياه فتقول (ما دمنا نتعلم شيئا جديدا كل يوم فنحن إذن نحيا كل يوم)، وتُعدها فلسفةً لها ومنهجًا للحياة .

عُرفَ عنها اهتمامها وشغفها بقراءة ومتابعة كل ما يتعلق بالشأن العراقي والعربي وهذا ما أنعكس على مشاركاتها القيمة في إبداء الرأي والتعليقات والتفاعلات مع ما يُنشر في الصحف والمواقع الألكترونية أو على صفحات الفيس بوك وكان لها حضور قوي ومتميز في التفاعل والتداخل مع غالبية المقالات التي ننشرها فيما يخص الموصل وآخرها في سلسلة الأقوال التي ننشرها الآن تباعًا .

نشرت مقالات عديدة في صحيفة الزمان العراقية تناولت فيها تجربتها في بلاد المهجر وفي مواقع الكترونية عديدة وعلى صفحتها النيرة على الفيس بوك، عكست في جل كتاباتها عن محاولاتها المستمرة في التعبير عن رغبتها الملحة في التخلص من القيود التي تحد من حرية التفكير، وهي ترى في الكتاب صديقًا مهمًا وملهمًا، وفي القلم تحديًا كبيرًا يستفزها كثيرا ويدفعها الى التعبير عما تحس به وتراه، وهي تؤمن كذلك بأن لكل منا رسالة في الحياة، يقضي أحدنا نصف عمره في البحث عنها والنصف الآخر في محاولة اللحاق بما لم يحققه، وتقول إن هذا هو ما يجعل للحياة قيمة .

كتبت عن الغربة والتغيير والاختلاف وعن الطبيعة وعن أوضاع المنطقة، وفي كل من مواضيعها تستنبط الدروس المأخوذة عن أي منها وتعطي الوصف الوجيز لها وتدعو لتجاوز النقيض وقبول الآخر .

نشرت بتاريخ (19/6/2017) في الموقع الأدبي للدكتور احمد الحَسُّو مقالًا عن الغربة بعنوان (اغتراب .. أم أفق جديد) ومما جاء فيه، قولها :

((نتعهد دوما بشرح معاناة الغربة وكل مساوئها ونستفيض في هذا الشرح حتى يضطر المستمع لتكرار قول، كان الله في عونك، ما يغيب عن ذهن الآخر وما يغفل المغترب ذكره هو الصورة الأخرى، التحديات التي تضعك أمام نفسك، تكشف لك مواطن ضعفك، جهلك، قلة اطلاعك، مسلماتك واحكامك المسبقة، لتكتشف عالمًا أكبر بكثير من محيطك الذي ألفته في بلدك وبين أهلك، تبدأ في اكتشاف عوالم جديدة، قد يفقدك هذا الاكتشاف لوهلة توازنك، ويضيع بوصلة اتجاهاتك، لكن سرعان ما تسترجع صلابتك وتبدأ في ترتيب أفكارك واستيعاب كل المستجدات ووضعها في ميزان عقلك لتفرز الخبيث من الطيب .

وأضافت تقول : (في الغربة تتعلم انك لست أفضل من الآخرين إلا بأخلاقك، وانك أن كنت تود البقاء على اتصال دائم بمجتمع متغير باستمرار، عليك أن تستوعب فكرة انك يجب أن تفتح ذهنك للتعلم المستمر والتطوير الذي تنتجه هذه العملية وهي التي تصنع منك إنسانا أفضل، في الغربة تكتشف انك بكل حقائبك التي أتيت بها محملة بموروثك واعتقادك وثوابتك، تكتشف انها كنز تنهل من ثرواته كل يوم ، يساعدك في البقاء على قيد الوعي، ويمنحك شعورًا بالثقة تكون في أمس الحاجة إليه غالبًا، الابتعاد عن المحيط الذي ألفته يجعلك ترى تفاصيل ماكنت تلتفت إليها بحكم أنها مسلمات أو بديهيات، تبدأ بالنظر إليها بعين الناقد المتفحص، تكتشف أحيانا ان بعض هذه التفاصيل هي في البعد أجمل، وتذهَل أحيانًا أخرى لقبح ما ترى، المهم أنك تتجرد في وقفتك مع نفسك وتحاول أن تكف عن خداعها) .

واسترسلت بالقول، يمنحك الإغتراب شعورًا غريبًا بالإستغناء، لأنك تحس أنك في حال ترحال دائم، لا جذور تربطك هنا، إحساس خادع، لكنه رغم ذلك مريح أحيانًا، لأنه يمنحك احساسًا بأن حملك أخف وأنك في كل وقت على أهبة الإستعداد للسفر، قد يكون من الصعب شرح معنى هذا، لكنه خليط من الإنتماء والّا انتماء، يشتد أحيانًا ويختفي أحيانًا أخرى .

أما عن التغيير، فهي تؤمن بقوة بأن التغيير هو الثابت الوحيد في الحياة ودائما ما تقول أن كل (ما/من) حولنا بضمنهم نحن في دوامة (تغيير مستمر) حين نعيش في عالم مثل عالمنا اليوم، في تسارعه المذهل، نكتشف في كل لحظة أن التغيير سمة طاغية في كل تفاصيل أيامنا، وحين ينظر كلٌ منا إلى عشرين عام خلت، سنرى جميعنا أن ما تركناه في الأيام من تغيير لم نكن نتخيل حدوثه، وقالت في أحدى مقالاتها، نحن اليوم لسنا نسخة عن آبائنا، كما أن أبناءنا لن يكونوا نسخة عنا، نحن نتاج ظروفنا البيئة التي نحيا فيها، إضافة إلى التأثير الكبير للعالم من حولنا، وحين نتحدث عن التغيير نجد ذلك جليًا في كل ما نعيشه وفي طريقة تفكيرنا ونضجنا مع تراكم الخبرات وهذا الذي يحكم قراراتنا التي نأخذها كل لحظة سواء بوعي أو من عدمه، أن ما يخيفنا أحيانا في هذا هو الإيقاع المتسارع وتراكم المعلومات التي نتلقاها يوميًا وإحساسنا بأننا لانهضم ما يحدث، هذا يظهر واضحًا في مقاومتنا لما يحدث أحيانا، وأخرى في خضوعنا له لعلمنا أننا يجب أن نكون (مع/ ضد) لكن بالتأكيد ليس خارج الحدث، والأهم في هذا كله، هو أن نفتح قلوبنا وعقولنا لنفقه أننا حين نتغير فنحن نتطور دائما كبشر وأفراد في مجتمعاتنا .

ومما قالته عن الاختلاف في الرأي، أنه شيء جميل، فنحن مختلفون، متفردون، لكل منا حقيبة مليئة بأفكار وتجارب وأحكام اكتسبناها من الحياة، والأجمل هو أن نفتح أبواب قلوبنا لنتعلم ونفهم، نتعلم (ممن/ مما) حولنا، ليس ضروريا أن نتفق، لكن المهم أن ننصت لتستوعب عقولنا فيما نسمع ونرى، إننا في كل يوم نتعلم (شيئا/أشياء) جديدة وهذا ما يبقينا أحياء، لكل إنسان منا جوانب جيدة وأخرى أقل جودة، لكن الخير مطبوع، فقط يلزم أن نبذل جهدا لنجد مفاتيحه في أنفسنا وفي من حولنا، نحن نتعلم من الأطفال كثيرا، اختلاف الأجيال إثراء كبير لنا، كما نتعلم من الكبار الحكمة ونأخذ خلاصة تجاربهم في الحياة، يقدمونها لنا بكل سرور، فقط ننصت ونفهم .

اتخذت من الطبيعة مثالًا حيًا في التعبير عن التغيير في الحياة حين شبهت فصل الخريف بها ( أي بالحياة) وقالت أنه فصل مثالي (الخريف)، حيث نرى أثر هذه السمة حين نستيقظ كل صباح لنكتشف حلة جديدة أرتدتها شجرة كانت خضراء بالأمس وبدأت أوراقها بارتداء ألوان جميلة إيذانًا بقدوم فصل جديد .

وتضيف، نحن نتعلم حتى من الزهور التي تنبت كل يوم، تشق طريقها في الصخور وفي طين الحدائق، وحين نتوقف عن التعلم، فإننا نفقد الرغبة  في الحياة، كما دعت في كتاباتها الى الوقوف بوجه الملل الذي يحول بيننا وبين قدراتنا على الشعور بجمال العيش في الحياة، فنحن نتعلم حتى ممن نختلف معهم كليًا، نتعلم من الجميع حتى لا نكرر نفس أخطائهم .

وعرجت في تغريدة أخرى لها نشرتها على صفحتها الفيسبوكية، على الأوضاع التي تمر بها المنطقة وبخاصة في العراق وسوريا وقالت ((إن ما يجري الآن سيسجله التاريخ بأحرف من دم، جريمة أخرى يشترك فيها العالم مرة أخرى لإبادة مدينة وتاريخ وثقافة وأجيال كاملة .

وتقول متسائلةً، حين ينتهي هذا كله، ماذا سيجني من يظنون أنهم المنتصرون؟ وهل تساوي كراسي السلطة الكريهة كل هذه الدماء وكل هذا الدمار الذي حل ؟، ماذا ننتظر ممن سيبقى حيًا بعد كل هذا، من رأى الناس من حوله يتساقطون كأوراق شجرة محترقة، وكيف سيُكمل حياته، وكيف يُنتظر منه أن يكون عاقلًا متوازنًا، يبني ويعمل ويُعمر بلدًا عاث في شرايينه الفاسدون)) .

ووفاءً لشخص هذه السيدة الأصيلة ولمشاعرها الفياضة بالحب وبكل الشعور النبيل الخالص ولكلماتها الصادقة تجاه الموصل والنابعة من حس قويم ودراية بالأحداث وبعد نظر فاحص وثاقب، وتقديرًا لمواقفها النبيلة ومشاطرتها أحزان البلد وأحزاننا وأتراحنا على ما حل بالموصل وأهلها في ثلاث سنين عجاف، فكان حقًا لنا وعلينا أن يكون حضورها المشرف ضمن السلسلة أعلاه وأن يُسجل اسمها في صفحاتها لتأخذ استحقاقها بكل شرف وتميز فيما سيسطره التاريخ عنها وعن شخوصها .

وبعد : لقد اخترت مقولتها كما في الصورة أدناه وهي جزء من رسالتها أعلاه، وهي صرخةً مدويةً بوجه من تولى أمر الموصل وقام على إدارة شؤونها والتي أرى أنها ترتقي لتكون مقولة يُسجلها التاريخ بحق قائلتها الفاضلة وهي لسان حال كل المحبين للعراق وشعبه الصابر المجاهد ولنينوى وأهلها بشكل خاص صدقًا وقولًا وعملًا، فهي تعكس وصفًا بليغًا لكل ما جرى ويجري على أرض الموصل الحدباء، أضعها أمامكم سادتي الأفاضل وأتمنى أن تروق لكم وتأخذ استحقاقها في مشاركاتكم وإبداء رأيكم السديد بخصوصها ولتكون مقولةً ثابتة وشهادةً رصينة صدرت من عراقية تتمتع بقلبٍ يُكنُ كل مشاعر الإنتماء والإخلاص والوفاء والشعور الصادق والنبيل على الدوام، وأود أن اؤكد للجميع ما سبق ان أشرت إليه سابقًا في أكثر من مرة إلى أنني وفي بحر ما أنشر من مقولات لست بها بصدد إظهار السِيّر البهية والتعريف بالشخصيات فالكل كرام ومعروفون ولهم بصماتهم المتميزة وحضورهم المشرف، ولكن وددت وأرجو التأكيد على مقولاتهم وتثبيتها كشهادة للتاريخ بحقهم وإظهارها وتوسعة نشرها والتي أطمح من الجميع من خلال ما أنشر منها تباعًا على التركيز على المقولة وأتخاذها عنوانًا عريضًا للنقاش وصب الإهتمام حول مضمونها وإبداء الرأي والإضافات حولها وهذه هي الغاية المرجوة من سلسلة الأقوال من أجل الموصل في محنتها ومستقبلها، شاكرًا تفضلكم ومتمنيًا للجميع دوام التوفيق والسداد وتقبلوا وافر الإحترام والتقدير .

 

حسن ميسر صالح الأمين

 

 

1165 ashrafالمجلس الأعلى للثقافة يناقش نصوص قالت له لأشرف الخريبي

صدر حديثًا عن مطبوعات المجلس الأعلى للثقافة .. نصوص قصصية بعنوان " قالت له " للكاتب.اشرف الخريبي ويعتبر هذا الكتاب هو الإصدار التاسع للمنشورات القصصية للكاتب بعد صدور روايتها سحر البحر  والكتاب يحتوى على عدد 150 صفحة جاءت جميعها مُتناولة حالات متنوعة ومتعددة لأبطال القصص تقدم حياتهم ومواقفهم من الحياة والعالم، تنوعت بين اللغة الشعرية والأحداث المتنوعة، يقول الكاتب أن رسالته من الكتاب هي بث الوعي لدي المتلقي بما هو إنساني لخدمة قضية المجتمع، ومن المقرر عقد أولى حفلات التوقيع في المجلس الأعلى للثقافة الذي يحتفي بالكاتب بمناقشة وتقديم الدراسات النقدية ضمن حفل التوقيع المقام السادسة مساء يوم 19-11-2017 ومن سطور الكتاب (أبحث في الكلمات، وسط بهاء الذِّكريات، حتى في تلك الليلة الأخيرة، والبحر هادرًا كان، تضربين فوق رأسي بالخرافات والتعاويذ، تقرئين البحر لي، والماء في غمرة الحزن يفيض عليَّ ضفتَيْن، يزرعك ثانية في أرضي العطش، لحنانك، أنظر حولي في توجُّس وريبة. كان يومًا خرافيًا بلا شمس ولا قمر، ولا شجر ولا ظلال، لا جدران ولا حزن، لا فرح، غير هروب وشرود، تشرد محصور في الظلال، جسد يتساءل عن حصار الروح \ روح تسأل عن حصار الجسد \ جسد برونزي \ نحاسي كآلة النفخ، كالتيه، كالصحراء ..عينان مثبتتان بلا قاع ولا مجري للعيون، فأظل شاردًا ساعات طويلة أبكي بلا وجع، أري كل شيئا نابتا في الذاكرة ..)

 

 

raed jabarkhadom2هناك الكثير من الكتابات والدراسات المتناثرة هنا وهناك في مؤلفات الكتاب والباحثين، تتناول الثقافة العراقية والتاريخ والفكر العراقي الحديث، وأكثر ما نجد تلك الكتابات في مجال السياسة والتاريخ والأدب والاجتماع، ولكن الملفت للنظر أن هناك فراغاً كبيراً في مجال الدراسات التخصصية الثقافية والفكرية في العراق الحديث والمعاصر، وزهداً في الدراسات التي تعرض وتحلل وتفكك وتنتقد حجم ما قُدم من نتاجات وكتابات لمفكرين ومثقفين عراقيين طوال الفترة الحديثة، فضلاً عن تشريح المنظومة الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية وبيان التداخل بينها، وما أحدثته كل منظومة من تدخلات وتداخلات وتأثيرات في بنية الخطاب الثقافي والفكري والمعرفي العراقي، هذا ما نفتقده فعلاً على مستوى الدراسات والكتابات العراقية الاكاديمية والثقافية، ولكن ما قامت به الكاتبة العراقية الدكتورة فاطمة المحسن في كتابها (تمثّلات النهضة في ثقافة العراق الحديث) الصادر عن دار الجمل 2010، وبصفاحاته (455) صفحة، هو محاولة جادة وكبيرة وفاعلة أستطاعت من خلاله الكاتبة الأنتباه الى ذلك الفراغ في الوسط الثقافي العراقي، والتي حاولت في كتابها هذا أن تسد شيئاً من ذلك الفراغ وتعوض نقصاً معرفياً يحتاج له المثقف والقاريء العراقي في الوقت الحاضر، حقاً نحن بأمس الحاجة لمثل هكذا دراسات تسلط الضوء على المنجز الفكري والثقافي والمعرفي في العراق، وأن نعرف مكاننا ودورنا ضمن خارطة الثقافة العربية، وهل أستطاع المثقف والكاتب العراقي أن يكون فاعلاً ومؤثراً على الساحة كما أثر المثقف والكاتب العربي المصري والشامي سابقاً؟، وما مدى العلاقة الثقافية بين المنجز الثقافي والأدبي والفكري العراقي، والمنجز الثقافي العربي والتركي والايراني؟، وهل عبر الكاتب والمثقف العراقي عن آلام وآمال وطموح مجتمعه وواقعه وسعى الى تحقيق مشاريعه على أرض الواقع من خلال برامج ثقافية وسياسية واجتماعية واعية؟ وهل ساهم المثقف العراقي في النهضة الثقافية والفكرية العربية الحديثة وأين منجزه في هذا المجال، أم بقي متأخراً بعيداً عن تلك الأجواء؟، وما تأثير كلاً من السياسة والدين على تكوين منظومة الفرد والمجتمع العراقي، ومدى أنعكاس ذلك على طبيعة الخطاب الثقافي والفكري والمعرفي؟. كل تلك الأسئلة وأكثر حاولت فاطمة المحسن الأجابة عليها من خلال كتابها وموضوعاته الشيقة التي حاولت فيه أن تؤرخ للثقافة والفكر العراقي الحديث، لقرن من الزمان أو يزيد، وهي فترة نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين،  بعقلية الناقد، وعين الأديب، ومنهج الأكاديمي المتخصص والمتمكن من أدواته المعرفية ومصادره الثقافية.

1163 fatimaيتضمن كتاب تمثلات النهضة لفاطمة المحسن بفصوله التسعة، مادة ثقافية ومعرفية غنية، كشف عن وعي وخبرة وثقافة الكاتبة في القراءة والعرض والنقد والتحليل، اذ أنطلقت الكاتبة في الفصل الأول من الكتاب للتعريف بمفاهيم النهضة والثقافة وتمثلاتها في العراق الحديث، وما مدى الأقتراب من مفاهيم اليقظة والتنوير والتحديث والتجديد، بصورتها الغربية والعربية، وكيف أستفاد المثقف والمفكر العراقي توظيف ذلك، وما مدى حضور فكر النهضة العربية في كتابات ومنتجات المثقفين والادباء والمصلحين العراقيين. مستنتجة أن العراق قد تأخر عن فضاء وأجواء النهضة العربية الذي ساد في القرن التاسع عشر، وذلك بسبب السيطرة العثمانية على العراق، وذوبان السياسي والديني في الخط العثماني، رغم وجود صيحات ووقفات معترضة ومحتجة هنا وهناك، الا أن سيطرة نمط التفكير العثماني والتفكير الصفوي على أبناء المذهبين السني والشيعي، أو بالاحرى التفكير الطائفي هو المسيطر على عقلية الافراد والمجتمع العراقي، وكل فريق ينحاز لثقافة طائفته الدينية، وهذا ما أنعكس فعلاً ليس على التاريخ الحديث للعراق فحسب، بل وعلى التاريخ القديم منه والمعاصر، ولا زالت تلك التبعية سائرة المفعول وسائدة الى اليوم، وهذا ما جعل العراقي بعيداً نوعاً ما عن المنجز الثقافي العربي المحيط به، سواء النهضة العربية في مصر أو بلاد الشام. من خلال ما قام به محمد علي باشا من تحديث وعمران في مصر والشام، خلاف الانتكاسة والانحطاط الثقافي والمدني الذي ساد العراق ودول الخليج العربي، بسبب السياسات الدينية المنغلقة، ولغة العداء والصراع المذهبي بين أبناء الدين الواحد، وجعل العراق ساحة لعب وحرب للخطابات المذهبية والسياسية والدينية المتشنجة التي تفوح منها رائحة العنف والدم والتطرف والكراهية. وهذا بدوره ما أنعكس على الساحة العراقية برمتها، وعلى صياغة خطابها الثقافي والسياسي وألقى بضلاله على نسيجها الاجتماعي.

تسجل فاطمة المحسن تاريخياً تاريخين للنهضة العراقية الحديثة، الأول عام 1908، وهو العام الذي صدر فيه الدستور العثماني، الذي شكل بداية تأثر العراقيين بدعوة الدستور وشعاراته الحديثة التي تنادي بالحرية والمساواة والعدالة، تلك الشعارات الغريبة عن مجتمعاتنا وواقعها، وحداثة ظهورها وأنتشارها مع الفكر الغربي والثقافة الأوربية الحديثة، التي تبناها ودعا لها كتاب وأدباء عرب، من خلال ترجماتهم ورحلاتهم الي البلاد الأجنبية. والتاريخ الثاني الذي تذكره المحسن لولادة النهضة في العراق هو عام 1921، وهو تاريخ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وما قام به الملك فيصل الأول من أنجازات وتحديث على الجانب الاجتماعي والسياسي، معتمداً النمط الغربي البريطاني في تلك المسيرة. والمحسن لا تدور في فلك هذين التاريخين فقط، وانما تناقش غيرهما من تواريخ ولكن تجدهما الارجح من قبل الباحثين، وأن كلا هذين التاريخين المتقدمين يشيران الى حدث جذري كبير على الساحة العراقية، فالدستور العثماني الجديد الصادر 1908، يمثل من وجهة نظر عراقية، بداية النهاية لعصر الاستبداد العثماني والحميدي في العراق، معتقدين أن ذلك الدستور سيعطي للعراق والعراقيين حقهم المسلوب وسيجعلهم في مكان يليق بهم شأنهم شأن شعوب المنطقة، ولكن شيئاً من هذا لم يتحقق. والتاريخ الثاني عام 1921 هو حدث يشكل نقطة وعلامة فارقة في تاريخ العراق الحديث، وهو تأسيس الدولة العراقية الحديثة الذي طال أنتظارها، ولعل بذلك التأسيس يتحقق شيئاً لم يتحقق طوال الفترة السابقة، وهو الخلاص من السيطرة العثمانية وبناء دولة المؤسسات، ولكن للاسف فالعراق قد أنتقل من أحتلال عثماني الى أحتلال بريطاني، وما قامت به بريطانيا من مؤسسات وتحديث انما هو من أجل مصالحها وتحقيق مكاسب عظمى على مستوى العراق والمنطقة، ولكن بقيت مصالح المحتل واحدة لم تتغير، وهو نهب ثروات البلد وسرقة طاقاته وآثاره، وهو ما تحقق فعلاً على أيديهم.

وبقيت المحسن تتأرجح بين هذين التاريخين لزمن ولحظة النهضة في العراق، معللة ذلك بـ ( ان مظاهر النهضة العراقية، كما نظر فيها الدارسون، لم تعتمل في سياق زمني منتظم، الأمر الذي يسلط الضوء على جانب من جوانب تلك الحركة الهشة المترددة التي ترى في العامل الخارجي ما يساعدها على تبصر واقع التخلف الذي تعيشه) ص 42. من الكتاب.

الملاحظ على كتاب تمثلات النهضة لفاطمة المحسن هو دراستها التحليلية والنقدية للمنجز الثقافي بصورته الأدبية، شعراً وقصة ورواية، تلك البداية الثقافية المعروفة من خلال كتابات جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي ومحمود أحمد السيد، وما طرحوه وقدموه من موضوعات اجتماعية وسياسية وحياتية حول الواقع العراقي والمتغيرات والمؤثرات التي أحاطت به، محللة وكاشفة الكاتبة عن نمط التفكير لدى هؤلاء الكتاب والادباء وغيرهم، ولكنهم يمكن عدهم المدخل والمفتاح الأول والمهم للنهضة العراقية الحديثة، فهم قد عاشوا وعاينوا واقعين وأحتلالين وفترتين مختلفتين وشخصوا ذلك وسجلوه في كتاباتهم، كما أن النهضة الادبية كانت بداية الطريق للنهضة الثقافية في العراق، لأن طابع الواقع العراقي هو الصبغة الأدبية العاطفية والوجدانية والحماسية، التي أثرت في قلوب الناس وألهبت مشاعرهم، من خلال القصائد والخطب والكتابات الصحفية التي أستنهضت فيهم روح الثورة والاصلاح والتغيير، ولكن هذا قد ينطبق على الشعر ولا ينطبق على القصة والرواية التي تحتاج الى عقل متنور ومستوى فكري وثقافي واعٍ، وهو الذي عمل عليه محمود أحمد السيد في كتاباته القصصية والروائية، ناقداً الشعر والشعراء في تنصيبهم رواداً على النهضة الادبية في العراق وتسيدهم على المشهد الثقافي برمته، عاداً ذلك نوعاً من التقليل من قيمة النهضة ومحتواها الثقافي والفكري التغييري الكبير، ولا ننسى الدور الكبير للفكر الاشتراكي والتقدمي والتنويري الذي حمله السيد لمواجهة الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي العراقي السيء الذي عاشه الفرد والمجتمع العراقي لحقب طويلة لم تنفرج وتفرج عنه تلك المعاناة والازمات التي أحيطت به وأنهكته بشكل كبير.

وتسجل المحسن رأياً محترماً عن سبب بداية الأدب ومنه القصة بعد الشعر ليكون عاملاً مهماً في بناء النهضة في العراق، وهو أن (اشكالية القص العراقي هي في الأصل اشكالية فترة النهضة برمتها، واشكالية الأدب العراقي الذي مر بمرحلة التباس ربما لم يمر بها المصريون، لكون مصر أستطاعت أجتياز عقبات كثيرة لتبدأ التنوير على هيئة مباحث فكرية ومواضيع خاض فيها رجال الدين، والمفكرون الشوام الذين قصدوها وأقاموا بها.). ص242 من الكتاب.

من خلال تشريح المحسن لمشروع النهضة في العراق، لم تغفل العوامل والمؤثرات السياسية والدينية على بنية الخطاب الثقافي والمعرفي، بل عدت ذلك عاملاً قوياً وأساسياً في تكوين نمط الثقافة وشكلها السائد آنذاك، كما أن النمط الثقافي الديني التقليدي الذي كان سائداً في تلك الفترة ألقى بضلاله أيضاً على طريقة التفكير وعدم الخروج على ذلك النمط، الا من خلال بعض الدعوات الاصلاحية والنهضوية التي قادها كتاب ومثقفين ممن تلقوا دراستهم ومعارفهم خارج العراق، أو ممن تثقفوا ثقافة غربية تريد للواقع العراقي أن يحذوا حذوها. وقد عرضت المحسن للصراع الديني العلماني في الفكر والثقافة العراقية، وهو الصراع عينه الذي تعرض له الواقع العربي في زمن النهضة العربية الحديثة ولا زال الصرع بين الأثنين مستمر ومستعر حتى الساعة.

والجميل في كتاب تمثلات النهضة، ان المحسن قد سلطت الضوء أيضاً على الثقافة الشعبية، ولم تقتصر على الثقافة العالمة فقط، من خلال الفصل السابع (ص 259ـ 285) الذي أسمته الأدب الشعبي والنهضة، من خلال الاطلال على ما قدمه في بغداد الملا عبود الكرخي، من شعر وأقوال وكتابات صحفية، وما قدمه الحاج زاير الدويج في النجف من كتابات للشعر الشعبي والابوذية التي برع فيها لتسجيل معاناة الناس وقضاياهم اليومية.

ويبقى للفصل التاسع والأخير من الكتاب نكهته الخاصة والجهد الكبير الذي ختمت به الكاتبة دراستها القيمة والذي حمل عنوان الرواد (ص 325ـ 438) الذي تعرضت فيه لذكر نماذج مهمة من رواد الفكر والثقافة والاصلاح والنهضة في العراق، وما مدى تأثير هذه الأسماء على الساحة العراقية كل حسب مكانته وخطه الفكري الذي سار عليه، وأهم اسماء الرواد الذين عرضت لهم الباحثة هم (محمود شكري الآلوسي، هبة الدين الشهرستاني، أنستاس ماري الكرملي، معروف الرصافي، جميل صدقي الزهاوي، رفائيل بطي، محمود أحمد السيد)، فهؤلاء الرواد عكفوا على تقديم مشاريع ثقافية عراقية متباينة، كل حسب نمط تفكيره وثقافته وتوجهه الديني والسياسي والثقافي، فضلاً عن الجهود الفكرية والصحفية والسياسية التي تميز بها البعض منهم، فكانو رواداً للثقافة والفكر والسياسة، ولكل واحد منهم مشروع متكامل يمكن للباحثين والدارسين العكوف على قراءته ودراسته ومقارنته مع المنتج العربي والاسلامي.

لقد أستطاعت المحسن خلال صفحات كتابها أن تقدم الكثير من الموضوعات وأن تناقش وتحلل وتنقد الظروف التي مر بها المثقف العراقي، وأن تُقييم دوره وتبين مكانته بين كتاب النهضة العربية، وأن تصل الى نتيجة مهمة وهي أن للعراق نهضته الخاصة به، التي لحقت النهضة العربية الحديثة في مصر والشام، ويمكن ارجاع النهضة في العراق الى عدة مصادر شكلت وكونت نهضة العراق، فهناك المصدر التركي والايراني والهندي والعربي والغربي، فهي عوامل ومصادر أشتركت في صياغة نهضة العراق الحديث، على مستوى السياسة والثقافة والادب والفكر والمجتمع.   

ويبقى للكتاب قيمته الفكرية والثقافية والمعرفية الكبيرة، ويمكن عده من الدراسات المهمة ضمن العمل الاكاديمي والثقافي النسوي، ومدى حضور المرآة الكاتبة والمثقفة والاكاديمية ـ وان كان خجولاً ـ ضمن الخطاب الثقافي العراقي المعاصر، ويظهر في الكتاب الجهد والوعي الفكري والنقدي والفلسفي للكاتبة من خلال سياحتها الثقافية ومسحها المعرفي والنقدي وغوصها لكشف البنى الفكرية والثقافية لمنتجات وكتابات المثقفين والرواد العراقيين وأثرهم على الساحة الثقافية العراقية والعربية، وتكوين نهضة العراق الحديث.

 

د. رائد جبار كاظم. كاتب وأكاديمي من العراق. وأستاذ الفلسفة والفكر العربي المعاصر في الجامعة المستنصرية.

................................

ـ أعتمدت في كتابة المقال على كتاب تمثلات النهضة في ثقافة العراق الحديث. لفاطمة المحسن. ط1. منشورات الجمل. بيروت ـ بغداد. 2010.

ـ فاطمة المحسن. باحثة وكاتبة وناقدة وأكاديمية عراقية حاصلة على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة بودابست في هنغاريا عام 1986، عن أطروحتها الموسومة (التجديد في الشعر العراقي الحديث: سعدي يوسف انموذجاً)، تعيش المحسن حالياً في بيروت مع زوجها، الدكتور فالح عبد الجبار، عالم الاجتماع العراقي، الذين تشاركا معاً في تحمل معاناة وألم الغربة والحياة والثقافة، في المهجر خارج العراق لأكثر من ثلاثين سنة. وصدر مؤخراً للمحسن كتاباً بعنوان (تمثلات الحداثة في ثقافة العراق) عن دار الجمل أيضاً.                

إن الحديث عن الفكر يعني الاشتغال على منتجاته، وهُنا الحديث عن مجموعة نصوص وفي الوقت نفسه يعد النص رسالة من الكاتب الى القارئ فهو خطاب. فالاتصال بين الكاتب والقارئ يتم عبر النص. وبالنتيحة فإن المعنى سيشترك بتكوينه الكاتب الأول (الغربي) ومن ثم القارئ الأول (نصوص الفكر العربي) والقارئ الثاني للقراءة الأولى (كتاب صور الآخر في الفكر السياسي العربي المعاصر لـ محمد عطوان) والقارئ الثالث (كاتب هذه السطور) وصولاً الى ما لا نهاية من القراءات وهذه القراءات تخضع لعدة رؤى وليست رؤية واحدة. فما منهجية قراءة محمد عطوان في كتابه صوّر الآخر..؟

هناك قراءة تعمل عند حدود التلقي المباشر، وتجتهد في أن يكون هذا التلقي بأكبر قد ممكن من الامانة بأقل تدخل ممكن تبرز ما يُبرز وتخفي ما يخفي وهذه القراءة يقترب منها الكتاب رغم أنه لا يخلو من التاويل سواءً أكان بقصد الباحث أم من دون قصد. وهناك قراءة ثانية (وفق تقسيمات محمد عابد الجابري) تعي منذ اللحظة الأولى كونها تأويلاً، فلا تريد أن تقف عند حدود التلقي المباشر بل تريد أن تساهم بوعي في تشكيل وجهة نظر جديدة تتمثل باعادة بناء ذلك الخطاب، أما القراءة الثالثة فهي القراءة التشخيصية لمحاولة فهم طبيعة الخطاب، التي اقترب منها محمد عطوان أيضاً، فضلاً عن الشكل الاول من القراءة .

وبالنتيجة كل هذه القراءات أو كما يعبر عنه تحليل الخطاب وهذا ما اكد على استعماله الباحث في دراسته التي هي رؤية ونوع من التأويل، على الرغم من قربها من القراءة الأولى والثالثة والدليل على ذلك استعماله لمفاهيم جعل منها مدخلاً لأقامة شبكة العلاقات التي يسعى لتشكيلها، وهنا ربما يرى القارئ المختص إن الباحث قد اهمل موضوعات واختار أخرى والأخير محق في ذلك فلابد من ابراز جوانب والسكوت عن جوانب .

اشتغل الكتاب على وفق المحور الافقي أي وضع الفكر على مستوى واحد من خلال الاشتغال على المفاهيم، والاشتغال على المفاهيم بشكل افقي لا يعني التماثل بين الفكر العربي والفكر الغربي، بل الى ماهو عكسه احيانا، ذلك إن المنهج الافقي هو فكر الاختلاف وليس فكر الهوية الذاتية، وهذا ما أدركه المؤلف.

أما الحديث عن الرؤية التي تشكلت عن المنهج، فيمكن أخذ مفهوم العلمانية (وهو القسم الثاني من الكتاب) إنموذجاً. إن العلمانية من أكثر المفاهيم اشكالية في الفكر السياسي العربي كانت وما زالت تحتل مكاناً لا يستهان به، ومع محمد عطوان يتمثل حديثه عن العلمانية من خلال لحظات الكتابة المتمثلة بالآتي:-

اللحظة الأولى-لحظة التأسيس:-

تحدث فيها عن تمثل العلمانيين العرب للعلمانية على وفق القول بأن العلمانية فضاء لشراكة المختلفين، بدأها بالحديث عن خصائص الدولة المدنية، وهنا انتقالة الى شكل من اشكال العلمانية وهو الدولة المدنية، إذ يصبح الدين فيها دين مدني، ولكن يبدو إن الباحث قد انشغل بالاجابة عن سؤال الدولة المدنية أكثر من الاجابة عن العلمانية. (هنا على الاقل) في لحظة تأسيس الفهم .

اللحظة الثانية- تاريخية:-

الأولى/ ربط مطلب العلمانية بمطالب الاقليات الدينية، وهي بالنتيجة حاجة اجتماعية .

الثانية /التأثر بالمصادر الاشتراكية .

اللحظة الثالثة- اشكالية التبيئة أي تبيئة مفهوم العلمانية والعمل على نقله من سياقه الغربي الى سياق عربي آخر. استعرض فيه مجموعة من مواقف المفكرين العرب وهي ارشفة مهمة .

اللحظة الرابعة -العودة لفهم سياق العلمانية ضمن بيئتها من خلال الوعي بشروطها من خلال ربطها بالحداثة الاوربية، واشارته الى تطور الخطاب حول العلمانية .

اللحظة الخامسة - تمثل الاسلاميين العرب للعلمانية .

ويمكن القول إن قراءة محمد عطوان لصورة العلمانية في الفكر السياسي العربي كانت وفق ادواته ومجال بحثه، التي من خلالها تبيّن إن الفكر العربي قد اشتغل على سؤال من يحكم؟ وترك الاجابة عن السؤال الاكثر أهمية وهو كيف نحكم؟ واجابة السؤال الثاني تتعلق بالاجابة عن السؤال الآتي ماذا لو اطلع العرب على اصل جديد، فهل ستبقى القراءة القديمة نفسها أو ستُقدم قراءات أخرى؟ ماذا لو فهمت في سياق أكثر من الوقوف عند القول بأنها المثال العام للحياد؟

 

د. قيس ناصر راهي

 

 

1164 ohusanعن مكتبة ومطبعة الوسيم الحديثة بفلسطين – غزة، صدر للكاتب والشاعر المغربي إبراهيم أوحسين كتاب موسوم بـ "مدرس تحت الصفر"، مبرزا فيه أهم القضايا والتحديات التي يعني منها مدرسو الأرياف على وجه الخصوص، والمدرس على العموم، بتقديم شيق للدكتورة المصرية منى أبوبكر زيتون.

 الكتاب يقع في 175 صفحة من القطع المتوسط

نبذة عن الكتاب

 مدرس تحت الصفر" هو صورة حية نابضة لما آل إليه حال التعليم في معظم بلادنا العربية، فإن كنت مغربيًا أو مصريًا أو يمنيًا أو سودانيًا، فستشعر أن ما يتحدث عنه الكاتب يمس جزءً من واقعك، وليس بغريب عنك، حتى لو اختلفت التفاصيل. وأقول "جزء من واقعك"؛ لأن واقع التعليم في معظم البلاد العربية قد انقسم بين تعليم فاره يُقدَّم للقادرين على دفع مصروفاته، وتعليم حكومي لا يفي بالغرض غالبًا، وإن تفاوتت مستوياته بين مناطق بلادنا المختلفة، خاصة بين الحضر والريف.

الكتاب سيرة مدرس منذ أن أخذ القرار الصعب بالالتحاق بمعهد تكوين "إعداد" المعلمين، على خلاف رغبته، واستجابة لظروفه المادية الصعبة، وتمتد عبر سنوات، ليحكي لنا عبرها حال ذلك التكوين، ثم حال مدارسنا ومدرسينا في المناطق النائية، مازجًا ذلك بصراعاته النفسية بين أحلامه وآماله التي تبخرت أو كادت تتبخر بقبوله الوظيفة، وبين واقعه الأليم الذي أبى أن يخفف عنه ألم مفارقة تلك الأحلام.

لكن الكتاب على ذلك ليس من أدب السير أو التراجم، بل هو شكل فريد من أشكال الأدب، لا هو بالسيرة الخالصة، ولا هو بالوصف التقليدي للوقائع، ولعله أشبه ما يكون بـ "يوميات نائب في الأرياف" لكاتبنا الكبير توفيق الحكيم، التي وصف لنا فيها جزء من واقع الريف المصري مطلع القرن العشرين من خلال سرد بعض القصص التي كان الحكيم شاهدًا عليها أثناء عمله في السلك القضائي مطلع شبابه، وبعض تلك القصص كان يتعلق بالظروف المعيشية الصعبة التي اُضطر إلى التعايش معها في الريف، وبعضها الآخر والأهم كان يتعلق بالمنظومة الإدارية الفاسدة التي تفتقد القدرة على تحقيق العدالة المنشودة للفلاحين.

 

 

1159 fatimaصدرت رواية المؤلفة والكاتبة فاطمة المزروعي الجديدة التي حملت عنوان:" قصتي الأخرى" عن دار كتاب للنشر والتوزيع، وهي الرواية التي حققت جائزة الامارات للرواية لعام 2017 الرواية التي وصفها الناشر جمال الشحي بأنها إضافة للمنجز الأدبي الإماراتي، حاضرة في معرض الشارقة للكتاب، وقال الشحي: إن المؤلفة المزروعي ليست غريبة على الكتابة الإبداعية لكنها تعود اليوم بمنجز مبدع متشابك الأحداث ومتعدد الشخوص، وهو يحسب لها حيث وظفت قدراتها الكتابية لتعطي القارئ كل هذا الزخم من المواقف العجيبة والاحداث المذهلة، وأضاف أن رواية قصتي الأخرى حياة متكاملة تبدأ مع طفل منذ نعومة أظفاره وتنقلنا لمنعطفات وتحديات وصعوبات ومواجهة الموت مرارا والتغلب على الحزن المرير ولا يبقى إلا الأمل والشجاعة.. وأكد الشحي بأن "قصتي الأخرى" تختزل من الواقعية الشيء الكثير وهو ما يجعلها رواية مقنعة تلامس قلوب القراء.

يذكر أن فاطمة المزروعي، كتبت في عدة مجالات أدبية من الرواية إلى القصة القصيرة والشعر والمرح، وهي تعمل كرئيس لقسم الارشيفات التاريخية في الأرشيف الوطني التابع  لوزارة شؤون الرئاسة، كما أن لها مقالات في النقد والسينما والمجتمع وفي عامودها اليومي في جريدة الرؤية تتناول مختلف القضايا من السياسة إلى التربية والعلوم والثقافة، وشاركت في الكثير من الامسيات الثقافية والمؤتمرات العلمية وقدمت ورش تدريبية في القصة والرواية، كما تم استضافتها في العديد من البرامج الثقافية والاجتماعية وفازت بتسعة عشر جائزة في مجال الأدب والثقافة ومنها جائزة العويس لأفضل عمل  2013  عن رواية العتمة ، وجائزة الشيخة شمسة بنت سهيل للأدب والثقافة عام 2013 ابداعي وثقافي وجائزة الامارات للرواية عن رواية قصتي الأخرى لعام 2017

 

 

shaker faredhasan2"رواد التنوير في فلسطين" هو عنوان دراسة للكاتب والباحث الفلسطيني سعيد مضيه من اصدارات دار الثقافة الفلسطينية العام ٢٠١٦، وكانت صدرت بطبعتها الاولى عام ٢٠٠٨ عن مؤسسة الانتشار العربي، وهي صورة بانورامية للمقاومة الثقافية والفكرية والتربوية والدينية في فلسطين التاريخية، وتتحدث عن تسعة منورين فلسطينيين ساهموا في بلورة وتطوير الثقافة التنويرية على مشارف القرن العشرين، وارساء ثقافة وطنية مقاومة مناهضة للاستيطان والانتداب والاحتلال الصهيوني .

يعد الأستاذ سعيد مضيه صاحب الكتاب، أحد أهم الاصوات الثقافية والفكرية والاجتماعية التنويرية البارزة والمهمة في ميدان التورخة والعمل الثقافي والميداني الفلسطيني . فهو كاتب وباحث ومفكر مبدع ومؤرخ قدير، من مواليد بلدة حلحول قضاء الخليل العام ١٩٣٤، عمل في التدريس، وفصل من وظيفته، ولوحق من قبل النظام الاردني ثم من سلطات الاحتلال الاسرائيلي، وسجن مرتين في المعتقلات الاسرائيلية، وفي العام ١٩٧٨أبعد عن الوطن وعاد اليه في ١٩٩٤.

انضم مضيه للحزب الشيوعي الاردني وشارك في نضالاته الاجتماعية والسياسية والطبقية، وعمل في رابطة الكتاب الاردنيين كأمين سر ونائباً للرئيس، وهو حتى الآن قابض ومتمسك بفكره الايديولوجي والعقيدة الشيوعية، ومنخرط في الفعاليات والنشاطات الكفاحية ضد الاحتلال .

صدر له عدداً من المنجزات والكتب البحثية، وهي : " الثقافة الفلسطينية والممارسات الصهيونية، الاجتماعي والبيولوجي في الابداع الفني، ثقافتنا ومهمات المرحلة، الثقافة العربية في فلسطين، جدل الثقافة الديمقراطية، رمال في العيون " .

وله عشرات المقالات والدراسات والمداخلات السياسية والفكرية والتاريخية المنشورة في المواقع الالكترونية المختلفة .

يقع كتاب "رواد التنوير في فلسطين" لسعيد مضيه في i٢٩٣صفحة من الحجم المتوسط، ويهديه الى " مدينة القدس، مدينة النور والتنور، وستعود قريباً مدينة السلام "، ويستهله بالتأكيد على أن " ثقافة التنوير الحديثة ولدت في حضن المقاومة، وبداخلها تعمدت وصلب عودها "، ويجيب عن السؤال : ما هو التنوير بقوله: " التنوير حركة روحية ميزت مرحلة من النهوض العربي، استهلت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتواصلت حتى الحرب العالمية الاولى، أو بعد ذلك بسنوات، حين اخضعت الأقطار العربية لحكم الانتدابات بعد صدور وعد بلفور وافتضاح مؤامرة سايكس بيكو، فإدرك المثقفون المنورون ومن تابعوهم واقع الكولونيالية الامبريالية، وانتقلت برسالة التنوير الى ترشيد حركة نهوض شعبي للتحرر القومي " .

ويوضح مضيه أن المنورين اعتمدوا على نشر وبث رسالتهم التنويرية بالحث على انشاء المدارس واصدار الصحف والمجلات والمطبوعات والكتب الأدبية والثقافية والفكرية والاهتمام بالفنون الأدبية بمختلف الوانها وأجناسها .

ويتطرق سعيد مضية في كتابه الى الثقافة الوطنية الفلسطينية، ويشير الى كيف اتخذت الكنيسة الارثوذكسية موقفاً معادياً من المثقفين الارثوذكس، ويتوقف ايضاً عند بدايات ظهور ونشوء الحركة المسرحية في فلسطين .

ويفرد مضيه صفحات طويلة من كتابه ليقدم نبذاً عن سير الرواد التنويريين الفلسطينيين التسعة، الذين ساهموا وسعوا الى تطوير وتأصيل الفكر التنويري في ربوع فلسطين، فيتناول باسهاب حياتهم وأعمالهم ومؤلفاتهم ونشاطهم الثقافي المميز، ويتحدث بداية عن الباحث والناقد محمد روحي الخالدي، صاحب العديد من المؤلفات في مجالات التاريخ والعلوم والآداب، ثم بندلي الجوزي الذي كان اهتمامه منصباً على على التاريخ والعلوم والآداب والأبحاث، واشتهر بكتابه " تاريخ الحركات الفكرية في الاسلام "، ويعرج على المفكر والمربي الفذ خليل السكاكيني، الذي عشنا معه لحظات مع أرفع آيات الحزن على زوجته " سلطانة " وحزنه بفقد ابنه " سري "، والأديب البارع الذي ربط الأدب بالحياة، واهتم بدور المثقف في الحركة الوطنية، ودمج الكنيسة بالقضية الوطنية .

ثم يغوص في عالم نجيب نصار، صاحب صحيفة " الكرمل " التي ظلت طوال صدورها لسان حال الجماهير العربية والمعبر عن طموحاتها، ويلج دنيا خليل بيدس، احد اعلام السرد القصصي، وصاحب أول رواية فلسطينية هي " الوارث "، ومؤسس مجلة " النفائس العصرية " التي احتضنت الاقلام الجادة وكتابات المبدعين والمثقفين الفلسطينيين والعرب، ثم يتناول نجيب عازوري الذي لفت الانظار بوعيه المبكر، ودمج القضية القلسطينية بالقضايا العربية، وألف في هذا المضمار كتاب " يقظة الأمة العربية "، ويأتي بعد ذلك الى حياة الباحث التراثي توفيق كنعان، رائد البحث الفولكلوري الفلسطيني مبرزاً القيمة الوطنية لابحاثه في التراث، ويركز على مكانة محمد اسعاف النشاشيبي الأدبية والثقافية، الذي درج منذ صغره على حضور حلقات العلم والفكر التي كان والده يستضيفها في بيته، وكان يحضرها ويشترك فيها كبار العلماء، وتشهد مؤلفاته على أنه كان ذا ثقافة لغوية وأدبية وفلسفية وتاريخية عميقة، ولم يكن يفلت من بين يديه كناب في العربية الا وقرأه وحفظ منه وروى عنه، ولعل كتابه " نقل الأديب " شاهداً على عمق ثقافته وتبحره الواسع في حنايا كتب التراث الخصبة .

وفي النهاية يستعرض مسيرة الاديبة كلثوم عودة الحياتية والثقافية التي حفلت بالنشاط الثقافي، والتي تركت وراءها أعمالاً متنوعة في شكلها ومضمونها .

ان دراسة سعيد مضيه "رواد التنوير في فلسطين" تمثل انجازاً ومشروعاً بحثياً رصيناً ومهماً، ويشكل بادرة ايجابية لدراسة الحركة الثقافية والفكرية الفلسطينية، وهو يحصر بحثه في الفترة الممتدة من القرن التاسع عشر حتى مشارف القرن العشرين، ويعتمد خ نهج السيرة الثقافية والفكرية لأهم الاعلام والشخصيات الثقافية التنويرية الفلسطينية لكل واحد منها على حدة، وهي نماذج دالة على المقاومة الفكرية والعلمية والروحية لهؤلاء الرواد المثقفين الذين خاضوا التجارب الأدبية والثقافية وحققوا حضوراً وهاجاً في الثقافة التنورية المضيئة، واسهموا في رفد الفكر الفلسطيني بكتاباتهم في شتى أنواع الكتابة، وشاركوا في نشر وترسيخ ثقافة النور والضياء العقلانية .

وفي الختام، كتاب "رواد التنوير في فلسطين" غني بالمعلومات، ودراسة معمقة تستحق القراءة الواعية، فتحية للمؤلف الراقي الاستاذ الباحث الفلسطيني القدير سعيد مضيه، مع التمنيات له المزيد من الصحة والعافية والعمر المديد ليظل يثري مكتبتنا الفلسطينية باصداراته الجادة ودراساته الهادفة وابحاثه المفيدة، ودمت معطاء ومتميزاً .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

adnanhusan ahmadعلى الرغم من أهمية كتاب "العرب وصقليّة: ملامح الفن والثقافة" الصادر عن دائرة الثقافة بالشارقة للفنان والناقد التشكيلي موسى الخميسي إلاّ أنه يعاني من بعض الإشكالات المنهجية في التأليف مثل التوطئة، والهدف من البحث، والنتائج المستخلصة من الدراسة. ويبدو أن الخميسي قد اكتفى بالمقدمة الشيّقة التي كتبها الفنان منير العبيدي من دون أن يردفها بمقدمة المؤلف التي تكشف للقارئ عن ثلاثة معطيات أساسية لا غنى عنها وهي:  الهدف من كتابة هذا البحث، والطرق التي اتبّعها في مقارباته البحثية، والنتائج المُستخلصة التي توصّل إليها المؤلف في نهاية بحثه الذي عزّزه بعشرات المصادر والمراجع والإحالات المهمة التي أغنت متن البحث على الصعيدين الثقافي والفني على وجه التحديد.

كما تجدر الإشارة إلى أن توطئة الكاتب قد جاءت في نهاية الفصل الأول من البحث متداخلةً مع مادته التي تتحدّث على تاريخ صقلية خلافًا للتقليد المتبّع في أن يتصدر هذا المُوجز المكثّف فصول الكتاب برمتها لأنه يعطي فكرة عامة عن كل فصل على انفراد، كما يزوِّد القارئ برؤية الباحث لثيماته الرئيسة والفرعية التي يعالجها على مدار الفصول الستة التي تتقصى وجود العرب في صقليّة منذ عام 827 حتى عام 1091م، وتتلمّس بعمق أشدّ ملامح الفن والثقافة على مدى 264 سنة كمرحلة أولى، وما تلاها من قرون لاحقة لم تغب فيها شواهد ومؤثرات الثقافة العربية والإسلامية وفنونها المتعددة التي ظل بعضها شاخصًا حتى الوقت الراهن.

أطلقَ العرب على جزيرة صقليّة اسم "المثلث الذهبي" واتخذوا من مدينة باليرمو عاصمة لهم بدلاً من سرقوسه. زار الجزيرة الرحّالة والجغرافي المشرقي ابن حوقل، ووصف أسواقها، وحاراتها، ومساجدها التي جاوزت الثلثمائة مسجدًا. إنّ ما يهمنا في هذا الفصل هو "العنصر الصقلي" كما نراه اليوم "هو عبارة عن مزيج من شعوب الشرق بين يونانيين وكنعانيين وعرب وبربر ولا تينيين وجرمانيين حيث يبلغ عدد سكّان الجزيرة أكثر من ستة ملايين نسمة يتكلمون نوعًا من اللغة الطليانية المحرّفة التي تحمل أكثر من 1500 كلمة عربية"(ص25). ومثلما تمازجت الأعراق والشعوب ببعضها بعضًا تلاقحت الحضارات القديمة الأغريقية والرومانية والبيزنطية التي استوعبها العرب لينجزوا في خاتمة المطاف "فنًا مهجنًا" ظل قائمًا حتى القرن الثامن عشر. لم يقتصر تأثير الفن العربي والإسلامي على صقليّة وبعض المدن الإيطالية مثل فلورنسا والبندقية وإنما امتدّ إلى فرنسا وإنكَلترا، لكن حُكْم العرب لم يدم إذ انتزع النورمان السيادة منهم وعاملوهم معاملة حسنة لم تستمر طويلاً إثر النزوح اللومباردي من الشمال الإيطالي حيث أرتكبت بحقهم المجازر الأمر الذي أجبر بعضهم على الهجرة لكن البعض الآخر ظل متشبثًا بهذه الجزيرة. تُرى، ماذا حلّ بهؤلاء المسلمين؟ هل ضيعوا فجأة ملامح شخصيتهم العربية والإسلامية وذابو في المجتمع الجديد؟ أم دافعوا عن وجودهم في بلدٍ باتت تُحاصرهم فيه مختلف أشكال العنف والنبذ والكراهية؟

يتتبع الباحث في الفصل الثاني الفنون التشكيلية العربية في صقلية التي تعرضت للمسخ والتدمير على أيدي الرهبان الكبار الذين جاؤوا مع روجر الأول ولم يبقَ منها إلاّ النزر القليل على جدران بعض الكاتدرائيات، وبقايا القصور، والقلاع، والمتاحف المحلية. وبما أنّ الخميسي هو فنان وناقد تشكيلي قبل كل شيء فليس غريبًا أن يقارن بين ما يرسمه الفنان الصقلي بالفنان البغدادي في العراق أو الفاطمي في مصر، فقد ابتعد الفنان البغدادي عن التطابق مع الطبيعة مهملاً مراعاة النسب التشريحية الأمر الذي أفضى إلى لوحة مسطّحة لا عمق لها بعكس الفنان الصقلي الذي كان يراعي النسب المتوازنة ماعدا القدمين حيث يرسمهما صغيريتن قياسًا ببقية أعضاء الجسد. الالتقاطة النقدية الأخرى التي يقدّمها الخميسي في هذا الصددهي أن الفنان الصقلي، المتأثر بالمدرسة البيزنطية، مُولع بتجسيد الانفعالات النفسية عاكسًا حالات الفرح أو الحزن، والغضب أو الاسترخاء على وجوه الشخصيات المرسومة خلافًا للفنان البغدادي أو الفاطمي اللذين يرسمان وجوهًا جامدة تكاد تخلو من الانفعالات والمشاعر الداخلية.

يرجّح الخميسي أن تكون الأعمال الفنية الفسيفسائية في قصر باليرمو من إنجاز فنانين عراقيين معتمدًا في ذلك على خلفيات اللون الواحد الذي كان سائدًا في مدينة الموصل آنذاك. امتدّ تأثير الفن العربي والإسلامي حتى إلى رداء  الملك الذي زيّنته عبارات مكتوبة بالخط الكوفي الصقلي مقل "أبقاه الله" و "جعل الله أيامكَ ولياليكَ مباهجَ متصلة"(ص95).

ينوّه الخميسي في هذا الفصل وفي مواضع أخرى من الكتاب بأن التأثير العربي في الجزيرة ليس إسلاميًا فقط وإنما هناك هناك فنانون ومعماريون وشعراء من ديانات أخر مثل المسيحية واليهودية والصابئة المندائية لديهم مساهمات جديّة لا تقل أهمية عن أقرانهم المسلمين وينبغي ألا يُغمط حقهم في الأبحاث والدراسات الأدبية والفنية والتاريخية.

يتناول الخميسي في الفصلين الثالث والرابع شعراء صقلية العرب الذين دبّجوا أشعارهم بحبر المدرسة العباسية، واستلهموا روحها حتى صارت الجزيرة قِبلة للمثقفين العرب بكل أديانهم وطوائفم، فقد هاجر عدد غير قليل من علماء اللغة والفقه إلى صقلية أمثال النحوي والشاعر القرطبي موسى ابن أصبغ، والعالم اللغوي سعيد بن فتحون، والحسن بن رشيق القيرواني وغيرهم الكثير.

ثمة أفكار جديرة بالمناقشة في هذا الفصل من بينها شيوع الأراجيز أو القصائد الروائية التي تتمحور على المعارك، وغزو المدن، والفتوحات الإسلامية. كما يرصد أوجه التشابه بين قصائد عمر بن الفارض وأشعار بترارك رغم أن نزعة الأول صوفية بينما كانت مضامين بترارك دنيوية بحتة. كان الشعراء العرب في صقلية حداثيين متتبعين خطى المجدد أبي نواس ومستلهمين روح العصر حتى أن المستشرق الإيطالي غابرييلي قال عنهم:"إن شعراء صقلية العرب نَحوا منحى الشعراء العباسيين وترسموا خطاهم"(ص146). ذلك لأن أشعارهم رجّحت المخيّلة على العقل، والطبع على الصنعة.

أورد الخميسي في الفصل الرابع نماذج شعرية لعشرين شاعرًا أبرزهم ابن حمديس الصقلي الملقب بشاعر الغربة والحنين، إضافة إلى شعراء آخرين لما تزل قصائدهم حيّة في ذاكرة محبّي الشعر العربي ومريديه.

يتمحور الفصل الخامس على سمات الفن العربي في صقلية الذي يتجلى في العمارة والزخارف والمخطوطات لكن الباحث يركِّز على العمارة بوصفها أبرز المعالم الإبداعية دون أن يقلل ذلك من أهمية الفنون الأخرى  مثل الرسوم الجدارية، والمنمنمات، والخزف، والسيراميك، والمخطوطات، وما إلى ذلك. وقد نبّه الباحث إلى تأثر بعض فناني عصر النهضة أمثال جيوتو وميساجو بالعديد من المظاهر المعمارية والزخرفية للفن العربي التي أدخلوها في سياق أعمالهم الفنية. كما توقف الباحث بعض القصور التي بنيت آنذاك مثل قصر القبّة، والمنصورية، والفوّارة.

يقتصر الفصل السادس والأخيرة على دراسة مفصلة لثلاثة معالم عربية وهي "إمارة باري"، ومدينة "لوتشيرة الإيطالية"، و "معبد مونرياله". ويبدو أنّ ما حلّ بالمورسيكيين في الأندلس قد وقع لأشقائهم في صقلية فثمة أوجه شبه كثيرة بين المدينتين اللتين كانتا بمثابة بوابتين تفضيان إلى القارة الأوروبية لكن ما حصل في صقلية أن فردريك الثاني قام باجتثاث 60 ألف عربي ووطّنهم بعيدًا عن أراضيهم وأن البابا إنوسانت الثالث قد أمر بتنصيرهم قسريًا الأمر الذي أفضى إلى ذوبانهم في المجتمع الصقلي.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

haseeb shahadaمفيد صيداوي، من عارة وعرعرة ريشتي. عرعرة: دار الأماني للطباعة والنشر والتوزيع م. ض. ط. ١، آذار ٢٠١٧، ١٣٣ ص.

الأستاذ والأديب مفيد إبراهيم قاسم صيداوي (١٩٥٠ـــ ) شخصية معروفة في المجالين التربوي-الثقافي والسياسي في البلاد. تعلّم المرحلتين الابتدائية والثانوية في عرعرة والطيـّبة والطيرة، ثم التحق بكلية منشه في الخضيرة لمدّة ثلاث سنوات، ثم حصل على شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها، وفي الإدارة والإرشاد التربوي من جامعة تل أبيب. برنامجه لمتابعة دراسته في إعداد أطروحة دكتوراة في ألمانيا، لم يخرج إلى حيّز التنفيذ. صيداوي هو المحرّر المسؤول ورئيس تحرير مجلة ”الإصلاح“ الشهرية، التي بدأت في الصدور في ٣١ آذار ١٩٧٠، وكان قد أسّس مجلة ”بواكير“ السنوية التي عاشت أربعة أعوام، وشارك في إقامة ”مسرح الشباب“ في بلده، وفي تأسيس ”اتّحاد الكرمل للأدباء الفلسطينيين“ في صيف عام ٢٠١٤، ومثّل المعلّمين العرب عن الجبهة في نقابة المعلّمين.

هذا الكتاب ذو الخمسة أبواب، وُلد بمناسبة إحالة الكاتب مفيد صيداوي للتقاعد، بعد قضاء ثمان وأربعين سنة في أداء رسالة التربية والتعليم، في مدارس وكليات متعدّدة، برطعة، عرعرة، شمال النقب، بيت بيرل، كفر قرع، أورنيم. يضمّ البابان الأوّلان، بلدي نثرًا وبلدي الكفاح، الفرح والحزن شعرا، أكثر من نصف صفحات الكتاب. في الباب الثالث ٦٣-٧٤ يدور الحديث حول المنتدى الثقافي في مدرسة عرعرة الثانوية وعيّنة من نشاطاته، والباب الرابع يحمل العنوان كتابات في معركة البقاء، في الدفاع عن عرعرة، عارة، بيوتها، معلميها ووحدتها الكفاحية، ٧٥-٩٦؛ والباب الخامس، في ذكراهم، بعض الكتابات عمن فقدناهم، ٩٧-١١٥. من مؤلّفات صيداوي أذكر هنا: شعراؤنا، الجزء الثالث - الصبّار- شعراء معاصرون من الجليل والمثلّث، ١٩٩٦ (صدر مؤخرًا: محمد علي سعيد، معجم الشعراء في فلسطين ٤٨، ١٩٤٨-٢٠١٦. الاتحاد العام للكتّاب العرب الفلسطينيين، ٤٨، ٤٥٢ ص.، من اللافت للانتباه أنّ هذا الإصدار لا يذكر ”الصبار“ للصيداوي!)؛ عبد الناصر والإخوان المسلمين، ١٩٨٨؛ بلدتي عرعرة، بمشاركة سهى مرعي (كتاب للطلاب)، ١٩٨٩؛ ثورة عبد الرحمن بن الأشعث، بحث تاريخي في عهد بني أمية، ١٩٩٦؛ كتابة على جدار الجامعة (مجموعة مقالات نشرت في صحيفة الاتحاد في السنوات ١٩٨٥-١٩٨٧)، ١٩٩٠؛  وفي مضمار الترجمة أذكر: أين بلوط لليئه غولدبيرغ وبسبوسة لحنه غولدبيرغ، ١٩٩٩.

بعض الملاحظات، استعمالات لغوية، سهو، وأخطاء لغوية

لفت انتباهي في قائمة الفهرس ص. ٧، مثلًا استخدام ”من صفحة 09 حتى 11“، ومن الأفضل كما هو مألوف كتابة: ٩-١١ إلخ.

والى الخريجين والذين حظيت بان اكرّمهم، خريجو الفوج، ٥

غياب همزة القطع في مواضع كثيرة

أما قبل ….، ٩

”في ذلك الحين“، حشو، ٩

… المعلّم في ذلك الحين كان يتمتّع بمركز اجتماعي، ”كان“ ساقطة في الأصل، ٩

حصلت على ستة حصص، ٩، ١١٧

أما المديرين فبعضهم علمني، ١٠

وهما التعليم بتفاني ووضعت ، ١١

دون ان يعرف ان لها تاريخ عريق وأنيق. ١٥

الداي أي القابلة، الموّلدة، ١٦

أصناف التين: الخضري، الخرطماني (غير معروف في لهجتي، كفرياسيف)، البياضي، ١٦

عجال البقر سرح منذ الصباح، ١٦

وبعدها نسمع ثغاء الماعز والنعاج تبدأ هي الأخرى بالثغاء، ١٧

من برقوق وعصا الراعي وأبو عباس الأصفر اللون (غير معروف في لهجتي، كفرياسيف)، ١٧

انا من الحارة الفيها النسوان رمز الشهامة، ٣١

ونلعب ع ملاعبها الغميضة والطممية (الطميمة غير معروفة في لهجتي، كفرياسيف)، ٣٢

فكلكم راع وكلكم مسؤول عنه رعيته، ٦٥

وكذلك دورة التاريخي والقيادي، ٦٧

واقع على اكثر من ”ظهرة“ أي تلة، ٨٢

تبلغ المسافة أحيانا 400 مترا، ٨٢

من أكثر والد واب وابن في هذا الحي! ٨٤

طبيعي الا نلتقي بجميع الإباء ولكن هذه الكلمات، ٨٤

ولكن امام إصرار الأهالي الحصول على حقوقهم، ٨٥

سواء أرادوا ذلك ام ابو. ٨٧

ففي تموز يستوي الكوز؛ ويا قريش ما عندك خبر ٨٨

لم يتجاوز 124 متر مربعا، ٨٨

التهديدات بالهدم اوكلنا محام للدفاع عنا، ٨٩

قصة 165 منزلا التي هدمت في عام 2009، ٩٠

قرر ان يقوم ولديه عبد الله وابراهيم بإعانته، ١٠٣

مستعد اقعد بخربوش بس تتعلموا، ١٠٤ (للفظة ”بسّ“ العامّيّة معانٍ عدّة: فقط؛ لمّا، يكفي، أمّا؛ وهنا وردت بمعنى: شرط أن، بشرط، شريطة أن).

يطفر … يتعصبن، ١٠٤

ولما كان الضرب أحد الوسائل التي مورست في مدارسنا، ١٠٦

شهادة البلوغ (البچروت)، ١٠٧

احبائي الفتيان الحلوين النغنوشين … البسامين، ١١٤

 

ب. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

 

1158 aliصدر مؤخرا عن مكتبة أشور بانيبال للكتاب المجموعة القصصية الأولى للكاتب والصحفي علي كاظم،، قصص من ذاكرة علي كاظم،، وتضمنت المجموعة التي تقع في 220 صفحة من الحجم المتوسط على 10 تدور أحداثها خلال فترة ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي .

جاء في الإهداء

الى زوجتي الحبيبة ....

التي رافقتني في هذه الحياة بحلوها ومرها وتحملت الكثير لأجلي وما زالت تضحي بالغالي والنفيس لترى الفرح والسعادة على وجوه أولادي في بلسم لغربتنا وبُعدنا عن الوطن .

قدم المجموعة الأستاذ زيد الحلي جاء في جزء منها (حين قراتُ له أول قبل ثلاث سنوات توقعت للأستاذ علي كاظم مستقبلا جميلا شاسع المدى في عالم الكتابة، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا مكتوب بتدفق ومتعة وانسيابية ذات عبق وضوع نفاذ يأسر قارئه بصدق معلوماته، ان الكتابة عند علي كاظم تحولت من هواية مزروعة في وجدانه الى ضوء يصل مداه الى مئات المتابعين له وتلك لعمري خصلة جديدة في مسار الكتابات الوجدانية على صعيد الإبداع السهل الممتنع فأصبح القلم حياته وعصافير أعشاشها ونغمات تسري في عنفوانه وعنصر تسليته الوحيدة).

بحقيقة الآمر وأنا اقرأ المجموعة القصصية او الجزء الأول من ذاكرة علي كاظم استرجع ما مر به العراق من حروب وأحداث وحصار اقتصادي غيرت تاريخ العراق الحديث، لذا نجد الكاتب يجسد هذه الأحداث من خلال شخصيات أبطال قصصه المفعمة بالألم والحزن والفراق وكذلك الهجرة بعدما أصبحت الأوضاع الأمنية والسياسية لا تطاق، وهذا ما استند عليه في جميع ما كتبه من واقع عاشه أبطاله في صراع دائم من اجل الحياة والحب ولقمة العيش وكذلك الهروب الى ملاذ امن خارج الوطن .

ومن الجدير بالذكر ان الأستاذ علي كاظم من مواليد بغداد 1961

تخرج من كلية الشرطة عام 1986

تقلد منصب مدير الأحوال المدنية لدة 14 عام

لعب لشباب نادي الشرطة عام 1980

هاجر الى سوريا هام 2005 ومنها الى السويد والد نمارك

عمل في مجلة النور التي تصدر في السويد

يعمل حاليا كصحفي في جريدة الزمان

عضو نقابة الصحفيين العراقيين

عضو الاتحاد الدولي للصحافة الرياضية

 

علي الزاغيني

 

 

1157 nabilصدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة 29-10-2017 كتابي الموسوم (الريادة في مؤلفات عبد الرضا عوض). الكتاب من الحجم الوزيري يتضمن (290) صفحة.أثناء متابعتي لكتابات ومؤلفات المؤرخ عوض وخاصة الكتابات الريادية في مؤلفاته، لها قيمتها التاريخية والفكرية، وتفصح في الجملة عن السمات الرئيسة لشخصية كاتبها، وتعمق بعضاً من هذه السمات لتضيء جوانب متعددة من حياته وسيرته التوثيقية لتاريخ وتراث مدينة الحلة، التي يمكن من خلالها النفاذ إلى أعماقه، لرصد مواقفه إزاء الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي للمجتمع الحلي، كما تكشف كتاباته عن النزعة الإصلاحية المتجذرة في أفكاره.

التاريخ أرشيفاً وملفات وصفحات طواها الزمن، كما إنها صفحات تعرض على الشهود بعد حين لتكنّ عبرًة وتوطئة للآخرين، وما عرفناه أنَّ التاريخ يسجل كل كبيرة وصغيرة وكل شاردة وواردة، وهو عرض أرشيفي دقيق، ولكن ما نريد من كشفه للآخرين، إننا لا نكشف الكبوات ورصد الزلات والعثرات، وإنما نكشف تجارب الآخرين ودورهم في توثيق هذا التأريخ، كما إنَّ بعض الشخصيات الفكرية والثقافية لم تحظ بمثل هذا الاهتمام من قبل المؤسسات والمنتديات الثقافية، رغم كون أدوارها وتأثيراتها في مجال اختصاصها، ليس بأقل تأثيراً من سابقتها من الشخصيات، في مجريات أحداث ذلك التأريخ وتطوراته.

إنَّ تدوين أحداث ذلك التاريخ وتطوراته وتقديم مادته للباحث محفوظة بمؤلفات مهمة تكون منطلقاً صحيحاً لدراسة علمية في ميدان اختصاصهم، يقف في مقدمة أولئك المؤرخين والمدونيين والباحثين والمحققين والموسوعيين المعاصرين الدكتور عبد الرضا عوض الذي انصبَّت جهوده بشكل رئيس منذ ستينات القرن الماضي وباجتهاد ذاتي منهُ على تدوين مفردات تاريخ مدينته الحلة وتاريخ العراق إبان العهود السابقة واللاحقة، ومنها العهد العثماني والملكي والجمهوري الأول والثاني والثالث، وعهد ما بعد التغيير عام 2003م، أو عهد الاحتلال الأمريكي، وما رافقه من بؤس وانحلال سياسي واقتصادي واجتماعي، وتدمير للبنية التحتية ومؤسسات الدولة كافة، والتدمير المعنوي والوطني لشخصية الفرد العراقي مدوناً يومياته في سفر (كلٌ يبغي حاجاته).

كما أن الباحث والمحقق عوض عاصر وتابع أحداث العراق فأثمرت جهوده عن العديد من المؤلفات المهمة التي تبحث في التاريخ والأدب والاقتصاد والتحقيق وتراجم الرجال، والتي تجاوزت مؤلفاته (41) مؤلفاً، بين التأليف والتحقيق، خصوصاً كتابه المعروف (الحوزة العلمية في الحلة، نشأتها وانكماشها الأسباب والنتائج 562هـ - 951هـ) والتي نال من خلاله درجة الدكتوراه، فضلاً عن أنهُ علماً من أعلام نهضة العراق في عصرنا الحديث، ذاع اسمهُ وانتشر في الأوساط الثقافية العلميّة والمحافل التاريخية والبحثية داخل العراق وخارجه، تمثل كتاباته وأسلوبه الصحفي الشيق، والتي تضمنت معلومات مهمة ومفيدة للباحث والدارس وتنوعت في مجال الأدب والثقافة والتاريخ والاقتصاد والسيرة الذاتية.

تمثل كتاباته في عرض المعلومات التي جذبت العديد ممن رجعوا إليها لتوثيق بحوثهم ودراساتهم، وقد شهد لهُ الباحث أحمد الناجي عندما صدر مؤلفه الأول (أوراق حلية من الزمن الصعب في القرن العشرين) بعد عام 2003م فكانت مقولته المعروفة في الوسط الحلي قال : عبد الرضا عوض كمن القى الحجر في ماء راكد([1])، فكانت معلوماته دقيقة وفريد في كتابتها، وهو معروف في مؤلفاته بأنهُ لا يكتب في مجال كتب فيه الآخرين، وهناك الكثير من المؤلفات والمقالات للمؤرخ عوض، ولا ننسى دورة الريادي في إصدار مجلة أوراق فراتية التي دخلت في عامها السابع، فضلاً عن دوره في تحقيق المخطوطات، وهناك (17) مخطوطاً قيد الانجاز قد تصدر في فترات لاحقة تخص الجانب الأدبي والتاريخي ووقائع الأحداث لمدينة الحلة.

ما احتوته مؤلفات الدكتور عوض، لكل مؤلف قصة وحيثيات كما ذكر لنا ، ومحتويات ومعلومات مؤلفاته مهمة وصعبة الحصول عليها عند تدوينها من قبل المؤلف نفسه، كما واكبَتها عوامل وظروف ساعدت على تدوينها والدوافع الكامنة وراء ذلك.

ومن خلال مطالعتي لمؤلفات الدكتور عوض وسيرته الذاتية ومنهجه في التدوين التاريخي وجدت نفسي أن أسلط الضوء على سيرة هذه الشخصية المهمة ومؤلفاته ومنهجه في التدوين التاريخي، فقد وثقَّ عوض أحداث التاريخ كونه باحثاً ومؤرخاً ومحققاً، عرفت فيه الإستقامة والنزاهة والعفة والغيّرة والشفافية والوداعة والتسامح وطيبة القلب المتناهية.

وتعد كتاباته من الأعمال المهمة الجامعة بين المتعة والفائدة، ويستطيع الباحثون أن يجدوا فيها نبعاً غزيراً من المعلومات المختلفة التي لا يجدونها في المصادر الأخرى، ذلك لأن المؤرخ عوض يتميز بالصدق في التوثيق، والأمانة في إبداء الرأي والكشف عن خبايا التراث الحلي، والعمق في الأعمال المعدَّة للنشر، لما ينطوي عليه من المصارحة والمكاشفة، بريئة من تهاويل النفاق، مما يمكن اعتماد مؤلفاته مصدراً موثقاً من المصادر المهمة لتاريخ المدينة.

قسمت مادة هذا البحث إلى فصلين وخاتمة، مهدَّ الفصل الأول سيرته الذاتية منذ الولادة والنشأة وتحصيله العلمي والحالة الاجتماعية، ودوره في التصدي لتغيير النسب من الأسدي إلى العباسي، أما الفصل الثاني فهو بحث ودراسة وتحليل لمؤلفاته التي تجاوزت الـ(41) مؤلفاً، فضلاً عن مقالاته في الصحف والمجلات المحلية والعربية وعدد الطبعات لهذه المؤلفات وأسباب التأليف للكتاب وحيثياته، كما قمنا بنشر التقاريض الشعرية لشعراء اعلام والتي تصدرت كتاباته.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

1156 jadanعن دار أمل العودة صدر نص مسرحي جديد يحمل عنوان (بطولة مطلقة) للشاعر الكردي السوري نوزاد جعدان وهي مسرحية شعرية تتألف من ثلاثة فصول، بواقع 96 صفحة . ورسم لوحة الغلاف الفنان الروسي أوليغ إسبينوف، وهو نص مسرحي حفري في الذات الإنسانية، يتلمس تناقضاتها وأحاسيسها في ضوء الحاجة للكتابة وللإبداع. ذات مبدعة تستقصي همومها وهواجسها بحثا عن لحظة اقتناص للفكرة وللمتعة، وحتى في تلك العلاقة الافتراضية الهلامية بين رجل وامرأة، تترصد المسرحية تلك العلاقات المركبة كاشفة خبايا ذواتنا المتشابكة بجرأة لافتة.

من الجدير بالذكر أن المسرحية وصلت إلى القائمة القصيرة في جائزة كاتب ياسين العالمية بالجزائر بدورتها الأولى، كما حقق الكاتب المركز الأول في جائزة الشارقة للإبداع العربي العام الماضي عن مسرحيته وطن شبه منحرف.

وتعد المسرحية المنتج الإبداعي الثامن الصادر لجعدان بعد ثلاث مجموعات شعرية " حائطيات طالب المقعد الأخير دار فضاءات "الأردن" و" أغاني بائع المظلات دار الفرقد سورية " و " سعيد جدا دار نينوى سورية " ونص مسرحي "وطن شبه منحرف عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة " ومجموعة قصصية

خزانة ترابية عن دار الياسمين الإمارات" ومختارات من الشعر العالمي

دار نبطي الإمارات " وأخيرا رواد السينما الهندية دار الياسمين الإمارات،

1154 enayatمؤلّف الكتاب الذي نتولى عرضه هو ياكوبو سكاراموتسي، وهو أحد المتخصصين الإيطاليين في الشأن الفاتيكاني، أي من طائفة الخبراء المعروفين باسم "الفاتيكانيست". والفاتيكانيست ليس إعلاميا معنيا بمتابعة الشأن الإخباري لكنيسة روما فحسب، بل هو أيضا متابع لسير أنشطة الحبر المقدّس ومراقب للتحولات الدينية وتداعياتها الاجتماعية، في ظل ما يربط إيطاليا وحاضرة الفاتيكان من تواشج. حيث يتناول كتابُ سكاراموتسي المعنون بعنوان رئيسي رمزي "الفاتيكان ورقصة التانغو" وآخر ثانوي توضيحي "الكنيسة في زمن البابا فرانسيس" واقعَ الكنيسة وتحدياتها في زمن البابا الحالي، وهي بحقّ كنيسة مأزومة لاحت أعراض ذلك جلية مع استقالة الحبر الأسبق وتخلّيه عن مهامه في أجواء درامية.

حيث يقسّم سكاراموتسي كتابه إلى محاور يبلغ عددها خمسة عشر محورا يردفها بحوارات مع شخصيات لاهوتية نافذة. تتصاعد قُدما في تغطية فترة البابا الحالي، بدءا من ظروف استقالة راتسينغر الفجئية التي يعتبرها سكاراموتسي الحدثَ الرئيس الذي صنع البابا فرانسيس، كونه ما كان مرشَّحا لقيادة سفينة بطرس، بل كان بابا الضرورة كما يسمّيه (ص: 15)؛ إلى محاولة الكاتب رصد استراتيجية البابا، عبر تلمّس المسارات التي سيقود الكنيسة صوبها في المرحلة القادمة. إذ صحيح أن كنيسة روما من أكثر المؤسسات الدينية الحذرة والمتريّثة، ولكن يبقى لكلّ بابا لونه الخاص في التعاطي مع مجريات أحداث العالم، والتي يبقى كلٌّ وقدراته في التوفيق في جرّ الكنيسة نحوها. فإن يكن البولندي كارول ووجتيلا هو البابا المناور واللاهوتي المسيَّس، لما قام به من دور فعّال في نخر الشيوعية، فضلا عمّا قام به من رحلات مكوكية عبر أصقاع العالم، بشكل فاق أسلافه، سبيلا للتبشير برسالة الإنجيل حتى تحوّل إلى صورة إعلامية معولَمة؛ فإن البابا المستقيل، الألماني جوزيف راتسينغر، قد طبعه طابع أكاديمي بارد دفعه للبحث عن بعث روح المسيحية العميقة، دون تعويل على الحضور الإعلامي المفرط على غرار سابقه، كون البيت الداخلي أوْلى من العالم الخارجي برسالة الإنجيل بعد أن تحوّلت الكنيسة إلى "سوبرماركت" ديني مفتقر للروح وفق توصيف سكاراموتسي (ص: 23). وفي الوقت الحالي تغلب على البابا الأرجنتيني فرانسيس ماريو برغوليو، الآتي من أقاصي العالم الكاثوليكي، صورة القدّيس المتدثّر بلباس الورع والتواضع في منسكه ومسكنه، باعتباره "ثَأْر كنائس الجنوب". فقد أبى منذ اعتلائه سدة البابوية السكنى في القصر الرسولي المنيف واختار بيت القديسة مارتا المتواضع، كما رفض تقلّد الصليب المذهّب وانتقى صليبا بسيطا من معدن زهيد، عنوانا لمسلك التقشّف الذي اختاره. فالرسالة البابوية الأولى لفرانسيس والتي خُصّصت للحديث عن الأزمة المالية والاقتصادية جاءت بعنوان: "العناية بالبيت المشترك"، حيث استلهم نصّه "كن مسبّحا" من مقول القديس فرانسيس الآسيزي في "نشيد الخلائق"، معتبرا أن الأمر لا يتعلق بمجرد طيبة ورأفة تجاه المعوِزين، بل لأن الفقير يذكّر بعالم سقيم. فأن يخصّص حبر الكنيسة الأعظم رسالة بابوية تعنى بالشأن البيئي والاقتصادي ما يشي بتحوّل في اهتمامات اللاهوت الكاثوليكي للخروج للعالم العلماني في ثوب جديد. وقد بدت ملامح هذا الخيار التصالحي الجديد على ما يورد سكاراموتسي (ص: 52) في تصريح فرانسيس غير المألوف "لست شيوعيا ولكني عرفت العديد من الشيوعيين الصادقين"، وهي تصريحات محرَّمة في زمن البابا ووجتيلا المناهض للشيوعية.

لاحقا يستعيد سكاراموتسي حدثَ استقالة البابا راتسينغر معتبرا أن أسبابها العميقة لا تزال تلقي بظلالها على الكنيسة في زمن البابا فرانسيس. فالاستقالة ما كانت شيئا عرضا أو أمرا هيّنا. ترك راتسينغر السفينة وهي تكابد أعتى العواصف المتمثّلة في الفساد المالي والفساد الخلقي، لذلك تبدو مهمّة البابا الحالي شائكة ومعقَّدة في الآن. فقد كان تخلّي الحبر الأسبق عن مهامه واختياره العزلة بعد أن داهمه اليأس، مع أنه من أكثر رجالات الكنيسة إلماما بشؤون البيت الفاتيكاني. كان قد سِيمَ راتسينغر كردينالا خلال العام 1977 زمن يوحنا بولس السادس، ثم دُعِي إلى روما خلال العام 1981 من قِبَل يوحنا بولس الثاني لتولّي مهام مجلس مراقبة العقيدة، أعلى المؤسسات الرقابية ووريث محاكم التفتيش، بوصفه مفتِّشا عاما للعقائد. تقلّد راتسينغر مهامه البابوية يحدوه أملٌ في تفعيل رؤاه اللاهوتية "النقية"، وكأنّ حال الكنيسة يحتاج إلى تعْميد وأنجلة جديدين. فكان يراوده حلم إعادة مَجْد التوماوية في زمن عصفت فيه الحداثة بالعديد من الثوابت حتى أوشكت أن تهزّ أبواب قلعة المحافظة العتيدة في روما، كما يلخّص سكاراموتسي الوضعَ. ضمن هذا السياق بدا المقصد الأعلى لاختيار راتسينغر مدفوعا بخوض إصلاحات جوهرية بعد أن استشرى فساد مريع زمن البابا كارول ووجتيلا. فكان راتسينغر مهووسا بالقيام بتحويرات عاجلة جراء ما يتهدد الكنيسة من مسخ حوّلها إلى مؤسسة شبه علمانية، منهَكة بالسلطوية والتفرد. وبفعل الخاصيات الدغمائية المتصلّبة لراتسينغر، وجد نفسه منساقا في مسار لاهوتي معزول، ما جرّه لمجابهة قوى مناوئة تتحكم بسير عجلة الفاتيكان.

فوِفْق الفاتيكانيست سكاراموتسي راتسينغر شخصٌ معتدّ برأيه وصعب المراس، ولكن نظرا لفشله في بلوغ ما يصبو إليه حاول الاستقالة في عديد المرات، مبررا ذلك بتسرّب "دخان الشيطان وسط الكنيسة" والمتمثل في ثلاث قضايا عصيّة:

- اعتداءات القساوسة الجنسية على الصِّبية، وهي فضائح مهينة أُثيرت خلال العام 2002 في الولايات المتحدة، ثم تفجّرت مجددا في إيرلندا خلال 2010 إبان فترته، وتبعت ذلك تنديدات عالمية بالفضائح في النمسا وبولندا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا والبلدان الإسكندنافية.

- استشراء الفساد المالي في حاضرة الفاتيكان. وهو ما أَجبر راتسينغر على توقيع تعهّدات للمجلس الأوروبي للحدّ من الأنشطة المالية المشبوهة عَقب رفضِه إلحاق الفاتيكان بـ"القائمة المالية البيضاء"، مما أثار ضدّه عاصفة هوجاء داخل الفاتيكان.

- تسلّطُ بعض أطراف الإكليروس على الكنيسة وتضخّم الجهاز البيروقراطي فيها، وهو ما يوشك كما أوضح ذلك في كتابه "نور العالم" أن يحوّلها إلى مؤسسة دنيوية رِبحية.

ووِفْق قراءة سكاراموتسي لشخصية راتسينغر فقد كانت تعوز الرجل الدبلوماسية لا سيما تجاه الأديان الأخرى، تجلى ذلك في خطاب راتيسبونا وما خلّفه من توترات مع المسلمين، وفي إهانة اليهود بعد عزمه على إحياء القُدّاس اللاتيني المتضمّن لدعوة صريحة لهم بالتحوّل للمسيحية، ناهيك عن رفعه الحرمان عن تنظيم اللوفابريين المعروف بتوجهاته اللاسامية، فضلا عن فسحه المجال لتطويب بيوس الثاني عشر البابا الإشكالي زمن "المحرقة اليهودية". فقد تبدو استقالة راتسينغر نابعة عن أزمة شخصية ألمّت به، والحال أنها تعبير عن أزمة بنيوية تخترق الكنيسة، تَوّجَها راتسينغر بانقلاب على ذاته وعلى الجهاز التنفيذي، الكوريا رومانا.

في مقابل ذلك يتعرّض سكاراموتسي إلى القضايا الرئيسية التي خيّمت على مداولات مجلس الكرادلة تحت قبّة كنيسة بطرس قُبيل اختيار البابا فرانسيس والمتمثلة في فساد القساوسة الأخلاقي، وما يُعرف بفضيحة "فاتيكاليكس"، أي تهريب الوثائق الخاصة بالبابا السابق من الفاتيكان، وإشكالية فساد "مؤسسة الإيور"، أي الجهاز المكلّف بالشؤون المالية في العالم الكاثوليكي بوصفها قضايا عاجلة. وقد كان يكفي لاختيار فرانسيس بلوغ سبعة وسبعين صوتا بيْد أنه حصد مئة صوت. فهو أول بابا من أمريكا اللاتينية أو كما يُسمّى داخل الفاتيكان "الوافد من العالم القصيّ"، من فضاء يضمّ 425 مليون كاثوليكي، أي ما يقارب أربعين بالمئة من كاثوليك العالم. والحال أن فرانسيس لم يكن خيارا لكرادلة أمريكا اللاتينية فعددهم لا يتجاوز 19 من ضمن 115 كردينالا في حاضرة الفاتيكان ممن يخوَّل لهم اختيار البابا، وخلال انتخابه كان يبلغ عدد كرادلة أوروبا 52 بالمئة من جملة العدد الجملي. فلا يمكن الحديث عن شعبية واسعة لماريو برغوليو (فرانسيس) في جنوب القارة الأمريكية، فالرجل كانت تربطه علاقات مشبوهة بالطغمة العسكرية في بلده (ص: 97)، ناهيك عن خصومته المتجذرة مع لاهوت التحرير. وليس بمعنى أن البابا يسفّه طروحات لاهوت التحرير في ما يدعو إليه من موالاة للفقراء، بل لأن برغوليو في سابق عهده ينحو نحو "لاهوت الشعب" المنقّى من الشوائب والأبعاد اليسارية والماركسية، وهو اللاهوت الذي أرسى أركانه اليسوعي خوان كارلوس سكانوني معلّم برغوليو وملهمه، وهو في الواقع لاهوت نشط في جنوب القارة للوقوف أمام إغواء لاهوت التحرير، مستندا إلى مقولات اللاهوتيين اليسوعيين كارل راهنر وهنري دي لوباك.

صحيح أن الصورة الرائجة أو المروَّجة من المكتب الإعلامي للكرسي الرسولي بالفاتيكان -Sala stampa- عن فرانسيس أنه بابا البسطاء، وقد ترافقت تلك الصورة بإحياء طقس تقبيل أقدام المساكين وغسلها بعد هجران الكنيسة لذلك، عنوانا للتواضع، ولكن ما هي الخطوط الكبرى لسياسة فرانسيس الدينية؟ يجيب سكاراموتسي إن كان لماريو برغوليو مسعى للتجديد فهو مدعو لإصلاح هيكلي للفاتيكان وليس لإضفاء جوهر جديد على المسار اللاهوتي، وقد عجز سلفه راتسينغر عن إتيان ذلك فاضطُرّ إلى الاستقالة. لذلك عزم البابا منذ اعتلائه كرسي البابوية على خوض إصلاحات عاجلة انتدب لها تسعة كرادلة مختلفي الجنسيات بقصد الاستعانة بهم، عُرف بمجلس الحكماء، وهو جهاز استشاري وفق "القانون الكنسي"، لذلك لا يعلّق المراقبون أملا كبيرا في إدخاله تحويرات فاعلة، ويعتبرون برغوليو من خلاله "لا يحرك سوى الريح" بوصفه وريث المحن، فالبابا يمرّ والكوريا رومانا (الجهاز التنفيذي في الكنيسة) باق.

يواصل سكاراموتسي رصد التحديات التي تواجه فرانسيس محلّيا ودوليا، مبرزا أن ثمة نفوذا للمؤتمر الأسقفي الإيطالي يرهق حاضرة الفاتيكان، وهو يفوق نفوذ كافة مراكز القوى الأخرى، ولذلك يتعذر على أي بابا التغاضي عن الوسط الإيطالي في القرارات الكبرى للفاتيكان. فالكنيسة الكاثوليكية ليست شركة متعددة الجنسيات، يتوزع النفوذ فيها بالتساوي، كما قد يتصوّر البعض، بل هي رومية إيطالية بالأساس وغربية الهوى. وتعامل أي بابا مع الحاضنة الإيطالية يعني مراعاة القوى العلمانية والسياسية، بوصف حاضرة الفاتيكان دولة داخل دولة. لذلك تجد البابا معنيا بالأوساط العلمانية في سعيٍ لكسبها وتفادي الصدام معها. فلا مراء أن حاضرة الفاتيكان قد فقدَتْ ارتباطها الأثير بالواقع العلماني الإيطالي منذ تراجع حزب "الديمقراطية المسيحية"، اليد العلمانية الضاربة لحاضرة الفاتيكان طيلة الستينيات والسبعينيات، ومنذ غروب شمس "الكردينال اللائكي" السياسي جوليو أندريوتي، بعد أن هيمن على السياسة الإيطالية على مدى نصف قرن؛ ولكن الكنيسة تسعى دائما للمحافظة على شعرة معاوية مع الواقع العلماني وهو ما بدا أخيرا في حوار البابا فرانسيس مع المفكر العلماني الإيطالي أوجينيو سكالفاري.

ذلك على نطاق محلي، ولكن على نطاق عالمي كيف تتبدى سياسة فرانسيس؟ يقول سكاراموتسي: السياسة العالمية للكرسي الرسولي لا تشهد تغيرات من بابا إلى آخر، بل يصحبها تلاؤم مع كلِّ قادمٍ جديد. فكلّ بابا مثلا يلقي بناظريه صوب المشرق وتحديدا نحو مهد المسيح (عليه السلام)، وإلى الأقليات المسيحية الرابضة في تلك البقاع لا سيما في ظل التوترات السياسية التي تعصف بالمنطقة. وقد بدت دبلوماسية الفاتيكان حذرة منذ اندلاع الربيع العربي تجلّى ذلك في مداولات مجلس أساقفة شمال إفريقيا، الذي شارك فيه أساقفة من تونس والجزائر والرباط ونواكشوط والقاصدان الرسوليان بطرابلس وبنغازي، فضلا عن أسقف مازارا دِل فالّو في صقلية، وذلك للتباحث بشأن الأوضاع الاجتماعية والسياسية للبلدان المطلة على أوروبا. وقد عقب ذلك عقد مركز الواحة الكاثوليكي في تونس، مطلع صائفة 2012، مؤتمر "الدين والمجتمع في مرحلة انتقال، تونس تسائل الغرب" بقصد تبيّن مسارات التوجهات الإسلامية التي تعتمل في المنطقة.

ولعل من اللحظات الحاسمة لكنيسة روما، كما يرى سكاراموتسي، سنة اليوبيل التي انطلقت في مطلع ديسمبر 2015 وتواصلت إلى غاية أواخر نوفمبر 2016، وقد كشفت عن تعكّر أحوال الكنيسة أكثر من تعافيها، وهي سنة تبشير ونشاط بامتياز للكنيسة الكاثوليكية، سعت من خلالها للتجدد والتوغل في النسيج الاجتماعي ليس في إيطاليا فحسب بل في كافة البلدان التي تشهد تجمعات كاثوليكية. ولكن اليوبيل كما يورد سكاراموتسي هو اختبار من جملة سلسلة من الاختبارات أمام البابا، فهو يراوده حلمٌ كسابقيه لزيارة موسكو بحثا عن مصالحة استراتيجية مع الأرثوذكسية، ناهيك عن تعذر سلوك طريق الحرير باتجاه الصين التي تشهد علاقاتها مع الفاتيكان توترا بفعل ما تصرّ عليه الصين كونه "حتى السماء ينبغي أن تكون صينية". وليست الأوضاع في أمريكا اللاتينية أفضل حالا فالبنتكوستاليون، الخصم المباشر للكنيسة الكاثوليكية، ينتزعون أتباع الكاثوليكية ويجلبونهم إلى أحضان المذهب المنافس.

وفي حوصلة عامة لأوضاع الكنيسة زمن فرانسيس، يقول سكاراموتسي: ليست هناك أسرار حملها معه راتسينغر في استقالته، على غرار أسرار البابا يوحنا بولس الأول الذي بقي على سدة بطرس ثلاثة وثلاثين يوما ورحل في ظروف غامضة، ولكن كل ما هو جلي أن ثمة أزمات متوارثة داخل الكنيسة، هناك من يتكيف معها وهناك من تخونه القدرة في ذلك. فهل سيسعف البابا فرانسيس، سليل الرهبنة اليسوعية، إرثه اللاهوتي وقد مزج في دراسته بين اللاهوت والكيمياء والأدب وعلم النفس، وهو ما تجلى في شخصية وجدانية تحبّذ النوادر وتميل إلى الأدب والمسرح الغنائي وتغريها رقصة التانغو؟

 

الكتاب: الفاتيكان ورقصة التانغو.. الكنيسة في زمن البابا فرانسيس.

المؤلف: ياكوبو سكاراموتسي.

الناشر: ديللازينو (مدينة بولونيا الإيطالية) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2015.

عدد الصفحات: 175ص.

د. عزالدين عناية

 

 

1153 salehالشيخ الحكيم عبارة ألفناها في موروثنا، حتى كأن أجدادنا قصروا الحكمة على من شاخ من البشر، وانحنى ظهره، ويبست عروقه، وعركته تجارب السنين، وأوغل في تقصي صفحات القديم، وتجشم عناء السفر في تجارب البشر، وصاحَبَ المعاناة والقهر،  وسكن وديان المعرفة؛ إلى أن شاخ قلبه ورأسه وخارت قواه، فلم يعد قادرا على نقل خطاه، واكتفى بنقل رؤاه التي أدهشتهم بعباراتها الفخمة ومعانيا الضخمة وموادها الدسمة.

وعلى مر التاريخ كان الحكماء نادرة، فهم أقل كثيرا من جميع أنواع البشر الآخرين من حاملي المعرفة، وخائضي الجدال، وصولا إلى طالبي العلم، ثم البسطاء والسذج والعامة. أما حكمتهم فتعالت عن الإسفاف والهزال؛ الذي تداوله الناس لتشهد لهم بالتوحد والتجرد والنبوغ.

كان ذاك يوم كانت المعلومة أعز من لبن العصفور وأندر من الغراب الأبيض، تُقطع لأجلها الوهاد، وتُنهك الجياد، أما اليوم في زمن الحاسوب والانترنيت فقد اجتمعت كل كتب ومكتبات الدنيا ووضعت بين أيدينا ننهل منها نبوغ العلم وسماحة الحلم وجميل الشمائل وحتى الصواعد والنوازل، ويعني هذا أن عبئا ثقيلا رفع عن كاهلنا فبسطت أمامنا أرض البحث والكتابة كما لم تكن في أي يوم من أيام الدنيا السالفة.

بمثل هذه العطاءات فُتحتْ أبواب المعارف أمام الراغبين لينهلوا منها ما يحبون، فيكتبون ويدونون ما يرقى لأن يتماهى مع حكمة الأولين في سالف السنين، ولم يعد مستغربا أن يقابلنا فتى غريرا أو شابا عزيزا وهو يجترئ حكمة متعالية تُظهره أكبر من عمره بعشرات السنين، فهو ليس على الإبداع بظنين.

من بركات هذا العطاء، برز شباب يستحقون الثناء، كان عاصم غازي الأديب الواسطي اللبيب صاحب الخلق الرفيع، والحرف البديع واحدا منهم، انبرى ليسطر لنا (أبجدية صراع) غيمة تنث ندى وربيعا في سماء حياتنا تمتد على مدى (82) أيقونة دهشة تصيبك بالحيرة إلى حد الانبهار والتعجب، بل إن بعض جملها تشعرك برعشة وكأنك تقف على أرض يهزها الزلزال، لتُساقط رطبا جنيا على حبال الغرابة، في الأقل هذا ما شعرت به عند أول لقاء لعيوني مع صفحاتها، وكيف لا أهتز دهشة، وأنا أغوص في وجدان نصه الباذخ:

وحالما انتهت المعركة

وبدأت راياتنا ترفرف

كان نصف بنطال صديقي

يرفرف أيضا

بعدما كان قد منح ساقه عكازا للوطن

لا تكترث يا صديقي فشموخ النخيل يتطلب ساقا واحدة!!

كيف لي أن أشعر بهدوء البال وأنا أكاد أسمع حشرجات ذاك الفتى الغريق الذي قال عنه:

لا تضعوا الثلج على جثمانه

فقد رحل غريقا

أخشى أن يذوب الثلج ويغرق ابني مرة أخرى

هكذا أوصتهم والدة الغريق في المغتسل

قبل أن تغرق بماء عينيها!!

لقد اقتنص عاصم غازي لقطات حياتية غريبة التوصيف ممكنة التوظيف ليحولها إلى نصوص تشعر بسخونتها حينما تقع حروفها على عينيك:

أمنيتي أن نكون كالآخرين

علم بلادي يُرفع لنفتخر به

لا أن يلف جثامين أولادنا

في كل صباح

أعيدوا العلم إلى وظيفته

فمكانه فوق الساريات

لا فوق الجثامين

لقد مزج عاصم بين كينونة الموجودات ووحدة الكون ليعبر عن قلقه الدفين واعتراضه السري على ما يدور من حوله:

وكلما لمحت الخطوط تشوه سطحيهما

استغرب تضاريس جدارنا وجبين أبي

أيعقل أن للفقر معولا؟!

لم يقف عاصم عند تلك الأيقونات التي رسمها بعناية عاشق وصبر حكيم، بل سرح خياله في باقة من (المفاهيم) التي أراد من خلالها أن يعبر عن مشاعره التي هي مشاعر جيل كامل من شبابنا الذين حولتهم المأساة إلى حكماء. وقد وجدت ضمن مفاهيمه قوله:

الشهداء نجوم تدفن نفسها خشية السقوط

الحرية أن تكون قادرا على الصراخ دون أن تتهم بالجنون

التسامح عكازنا الذي فقدناه فسقطنا

التابوت شجرة أماتها العطش فانتقمت لنفسها من الإنسان

المنافق ثعبان استطاع التأقلم على العيش بطبيعة بشرية

السلام رغيف وعائلة وسقف

الموت أن لا تحيا كما تحب

صدرت هذه النصوص عن دار أس ميديا العراقية بغلاف جميل من تصميم سرمد محمد، بتسع وتسعين صفحة من حجم نصف أي فور، وهي باكورة انتاج هذا الشاب الواسطي.

أنا لا أتمنى التوفيق والنجاح فحسب لأديبنا الشاب عاصم غازي، بل أتمنى معه أن يحافظ على هذا الرقي الباذخ أو يقدم ما هو أفضل، وأملي كبير به لأنه شاب طموح واعد، وقد تحول إلى أنموذج لشباب آخرين.

 

صالح الطائي

 

 

nabil alrobaei2الروائية تسيونيت فتال تنتمي لعائلة عراقية الأصل هاجرت مع الكثير من العوائل العراقية، البلد الأم، بعد الهجرة الجماعية القسرية لهم عام 1951م، صدرت لها رواية (صور على الحائط) من داخل العراق وهذا فخر لنا وللأدب وللرواية العراقية .

تدور أحداث الرواية في بغداد في النصف الأول من القرن العشرين، أي عن الوجود اليهودي في العراق في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين قبل هجرتهم وتهجيرهم منها بعد أحداث الفرهود عام 1951م، تقوم الرواية على منظومة علاقات مركبة ومعقدة بين (نوريّه) بطلة الرواية، وبين أفراد أسرتها، وحاولت بطلة الرواية (نوريّة) جاهدة تحقيق أحلامها وطموحاتها رغم الصعوبات المأساوية الكثيرة التي واجهتها، وهي نفس المشكلات التي واجهت أبناء الديانة اليهودية التي اضطرت بسببها من أجل الحفاظ على بقائها، إلا أنها أخيراً اضطرت إلى مغادرة العراق .

هذه الرواية هي في السرد العراقي الحديث للروائية تسيونيت فتال التي ولدت خارج العراق، ولكن من خلال العودة بقصص والديها (ديزي ربيع وعزرا فتال) عن بغداد واهلها وعادات وتقاليد ابناء الديانة اليهودية صيغت تلك الذاكرة بروايتها (صور على الحائط)، نتيجة شوقها إلى العراق مسقط رأس والديها اللذان توفيا فجأة قبل عشر سنوات من الآن، والرواية هي اقرب للسيرة الحياتية لأبناء الديانة اليهودية .

الرواية تنم عن حنين الوعي والشوق لأرض الآباء والأجداد في استعمال المذكرات ودلالاتها تحديداً فيما يتصل بخطابات البوح والاعتراف وهي ظروف وأسباب دفعت تسونيت إلى توظيف ذاكرتها بوصفها قصاً يتناول حياة فتال تارة، والأحداث التي تشير إليها بمعزل عن الذات تارة أخرى .

ترجمة الرواية من قبل الأستاذ عمرو زكريا خليل التي حازت على صدى إعلامي كبير في وسائل الإعلام العبرية والعربية، وهي أول رواية عربية لرواية إسرائيلية تصدر في بغداد، لقد أصبحت الترجمة في العصر الحديث ضرورة حاسمة للانفتاح والتطور الذي يمكن لمجتمع ما أن يعيشه في مختلف المجالات التقنية والعلمية والاجتماعية والثقافية، بل أصبحت العنصرَ الحاسم في تحقيق مجتمع المعرفة، الذي يستطيع عبر امتلاك لغات عديدة تحقيق التنمية الثقافية والحضارية والعلمية، عن طريق الاطّلاع على ما ينتجه الآخرون . لم تعد الترجمة مجردَ مسألة أسلوبية ولغوية، بل صارت مسألة حضارية وثقافية، بدونها لا يمكن الانفتاح على الآخر ولا معرفة تاريخ الآخر، بقصد التعايش معه.

وفي لقاء مع المترجم عمرو زكريا خليل حول أهمية الترجمة قائلاً :" فيما يخص مستقبل ترجمة اللغة العبرية في مصر والوطن العربي أرى أن هناك ضرورة ملحّة لترجمة جميع ما يصدر في إسرائيل إلى اللغة العربية، ولا يجب أن تظل إسرائيل حتى اليوم مجهولاً للكثيرين، وعادة ما يسبب هذا المجهول خوفاً من شيء ليس بالحقيقي، أو إعطائه حجماً أكبر من حجمه . كما أن ترجمة الأدب العبري ستجعلنا نقف على المجتمع الإسرائيلي بجميع طوائفه ومكوناته وتسهم أكثر في فهمه في وقت السلم قبل وقت الحرب . لذلك على الدولة أن ترعى ترجمة اللغة العبرية إلى العربية وتعمل على تذليل العوائق التي تواجهها وأهمها حقوق النشر، حيث يصعب القيام بترجمة الكثير من الأعمال بسبب صعوبة الحصول على الموافقة بالترجمة."(1).

جاء في حديث للروائية فتال حول روايتها (صور على الحائط) قائلة : "بعد ثلاث سنوات من البحث نجحت وتمكنت من العودة ولو بصورة افتراضية إلى مرحلة طفولة ومراهقة والداي في بغداد . من خلال صفحات الكتاب يمكن أن نسمع صراخ الأطفال الذين يتعلمون السباحة في نهر دجلة، وصيحات التجار في سوق حنوني (حنون) وأصوات الرجال المدخنين الجالسين في (المقاهي) يلعبون الطاولي والدومنة . نسمع أصوات الصلوات تنبثق من "مدراش زلخة" وكنيس "الصلاة الكبيرة" الذي يظهر في روايتي بكل مجده . يمكنك أن تشم رائحة الشاي والسمك المسكوف، والعنبة بالصمون والكشري . وتستطيع ان تتمشى في الأزقة الضيقة والمتعرجة في الحي اليهودي القديم وتتمتع بجمال نهر دجلة وبحدائق أشجار النخيل . في الفترة التي كتبت فيها كتابي اطلعت على الأعمال الأدبية للأدباء اليهود العراقيين الذين كتبوا باللغة العربية أمثال أنور شاؤول، سمير نقاش، يعقوب بلبول، سلمان درويش، مير بصري وشموئيل موريه . خلال العام الماضي قرأت أيضا كتبا دراسية لباحثين عراقيين تتعلق باليهود العراقيين أمثال : مازن لطيف، نبيل الربيعي، د. خالدة حاتم علوان، وسأبدأ بقراءة كتاب كاظم حبيب (يهود العراق والمواطنة المنتزعة) العراق كان بالنسبة لأهلي، وايضا بالنسبة لأجيال كثيرة من أفراد عائلتي وطنا حبيباً، وبعد الفراق منه بقى في قلوبهم شعور الحزن والالم من حيث انهم تعرضوا للاضطهاد وعوملوا كغرباء . العبارة “لا يسمح له بالعودة” – يعني “روحة بلا رجعة” المطبوعة في وثائق سفرهم حرقت قلب والدي طيلة السنوات لأنها كانت تعني انه لن يتمكن أبداً من العودة إلى بغداد لزيارة المكان الذي ولد ونشأ فيه و لن يتمكن أبداً من زيارة قبور أفراد الأسرة، بعد سقوط نظام صدام حسين كان لابي بصيص من الأمل بأنه سوف يتمكن ويعود لزيارة بغداد، لكنه للأسف الشديد توفي بعد بضعة أشهر. أنا آمل أن يأتي اليوم الذي أستطيع أن ازور بغداد وليس بشكل افتراضي فقط كما ورد في روايتي."(2).

الرواية فتال من خلال روايتها قد ساعدت على الإيضاح لما حصل لأبناء الديانة اليهودية في العراق من اضطهاد وتعسف منتصف القرن الماضي فهم ممن اشتركوا في بناء العراق، وبرزوا في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والفنية والأدبية قبل أكثر من 2500 عام، وكل هذا وقد اسقطت الجنسية العراقية عنهم ومضايقتهم من قبل الحكومات المتعاقبة حتى تمكنوا من الهرب بعدة سبل ووسائل للنفاد بجلدهم مع عوائلهم من وطن عاش بين ثنايا روحهم.

 

 نبيل عبد الأمير الربيعي

..................

المصادر

1-  عمرو الصيفي . حوار على موقع الفراعين نيوز مع المترجم عمرو زكريا بعنوان (حوار خاص مع عمرو زكريا حول ترجمة الرواية العبرية “الصور على الحائط” للروائية العراقية الأصل تسيونيت فتال). بتاريخ 20 اوغسطس 2017.

2-  لطيف. مازن. حوار في جريدة العالم البغدادية يوم الثلاثاء المصادف 17/ أيار/ 2016. تحت عنوان (الروائية تسيونيت فتال تقلب صورها على حائط الحي اليهودي في بغداد).

 

 

1420 fadilصدر للمؤلف الكاتب بسام فاضل عن دار امجد ثلاثة كتب (كتاب عن القضية الجنوبية ورحلة الثورة التحررية الجنوبية، روايتان ادبيتان).

الكتاب الأول تحت عنوان ودنه ثورة: عرب الجزيرة يحجون عدن .

الكتاب يهدف الى التعريف بالازمة اليمنية شمالا -جنوبا وقرائة متانية لابعادها وجدورها التي تعتبر القضية الجنوبية ابرزها وتبلورها حتى اصبحت ثورة شعبية عارمة .

توصيف الثورة الجنوبية والتعريف بها ونضجها وكذاك مراحل اخفاقاتها وقوتها .

مسار حركة الاحتجاجات الجنوبية خلال فترة تعتبر ازهى المراحل بين عامي2013م و2015م وابرزها وتسليط الضوء عليها اعلاميا (قوة وضعف) الى اندلاع الحرب وغزو عدن من قبل تحالف صالح -الحوثي في 24مارس 2015م.

-ساور الوطن العربي شك في مقدرة الجنوبين على التعريف بانفسهم وهويتهم التي توارت مع اعلان الوحدة اليمنية مع الشمال في 22مايو 1990م واحقيتهم في استعادة دولتهم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وساد فهم خاطى لمطلبهم العادل والشرعي واعتبر ذلك ضرب لمفهوم القومية العربية وهنا نبين ان القومية العربية لاتعني فرض الوحدة بالقوة ونبين عدالة مطلب الجنوبيين الذي لا يضر اطلاقا بالهوية العربية بل يعتبر عامل توازن وامن للمنطقة برمتها .

التعتيم الاعلامي الجائر ضد قضية شعب الجنوب من قبل وسائل الاعلام العربية والنظاميه وتحريفها لمفهوم الثورة تحريف خاطى يصب في مصلحة  نظام صنعاء وقوى الارهاب بشقيه الديني والسياسي والتمذهب الديني والطائفي .

الكتاب الثاني

 رواية ادبية تحت عنوان  "عـــــــزيز" وتذهب شخصيتها لكشف واقع متضارب بين واقع يهدم الانسان واخر ينمي معارفه حتى تظطرب الشخصيه جراء ذلك الذي يبداء على شكل مبالغة في الحب الاسري للابناء وفيها .

تدلل الأسر أبنائها دلال يبقيهم تحت السيطرة الابوية حتى يتيقن الأبوان أن ولدهما يستطيع مواجهة سبل الحياة والانتصار على متاعبها وشقاوتها .

عزيز كان مثال لدلال الابوة القاتلة التي تحولت إلى مأساة تسببت في ضياعه في مجتمع تتحكم به نزوات القات والتظاهر الكاذب .

تحكي القصة عن عزيز المرح الجميل في مظهره وشخصيته القوية التي تحولت الى النقيض بفعل عادة المجتمع اليمني(الشمالي- الجنوبي) في تناول القات منذ سن الصغر ضاف أليها الإدمان على الحبوب المخدرة والشمة التي انتشرا مع فجر الوحدة اليمنية .

يرى عزيز ماسي الحرب حرب الوحدة التي حلم بها فتهون عليه حياته وتأثر به تأثير مباشر فيقرر التيه حيث يجد خاتمته من دون أن يشعر بنتائج تصرفاته لوقوعه تحت تأثير الإدمان على القات والحبوب المخدرة .

في القصة ترى جوانب مضيئة اسهمت في تقوية شخصية عزيز وترى الجوانب التي تسببت في هدمها الى ان وصل به الحال الى نهاية كتلك التي يتسبب بها تأثير القات, موجود وغير موجود حي وميت فلا هو له اثر يذكر ولا هو عرف له قبرا يقطع الشك باليقين حيث ترتاح أسرته من عناء البحث  .

الكتاب الثالث رواية ورد نيسان

عمل روأي يصور الحرب الماساوية التي شهدتها ساحة جنوب اليمن وعدن بالذات وأطراف الجبهات التي تصب اليها وذلك التعجرف والتبديد في الطاقات البشرية والمادية من قوى الشر والخراب في أعالي اليمن -صنعاء- التي جعلت من الحرب مصدرا للفخر والترزق وفرض السيطرة على شعب الجنوب والمعارضين في الشمال .

إذ لم تكتف هذه القوى من سيطرة عسكرية خلال عشرون عاما مارست فيها كل وسائل التدمير الممنهج فاتبعته بمحاولة أخرى خلفت دمارا هائلا أصابة الأرض والانسان كيستها بمبررات طائفية سمجة وتكشفت ذراعا يوخز العروبة في ظهرهاوياجج عداوتها وتبعيتها للقوة العسكرية الايرانية الفارسيه التي انطلت عليها خدع التغطرس وفكر الاستحواذ مبتعدة كل البعد عن تعاليم ديننا الاسلامي الحنيف متخذة من الدين ستارا ليس إلا لتمرير مخططاتها .

 

moamar habarقرأت مذكرات لجزائريين وغربيين وفرنسيين حول الثورة الجزائرية وبالإضافة إلى ملاحظات سبق ذكرها عبر مقالات صاحب الأسطر التي عرضت الكتب فإنّه وفي هذا الشهر وبعد أن قرأ الكتب أدناه استوقفت القارىء المتتبع الملاحظات التالية :

هناك فرق بين اليوميات التي ترسم اللّحظة وفي تلك اللّحظة بعض النظر عن طبيعة الرسم والمذكرات التي ترسم الأيام والعقود الغابرة وقد بلغ المرء 70 و80 من عمره.

تتميّز المذكرات التي تكتب في أواخر العمر وفي الشيخوخة بالصدق والوفاء والصرامة والتواضع والبعد عن الأحقاد لأنّ صاحبها لايطمع في أحد ولا يخاف من أحد وترمي إلى التسامح ورصّ الصفوف.

عيب المذكرات التي تكتب وصاحبها في 80 من العمر أنّها تفتقر للدقّة وعدم القدرة على تذكّر التفاصيل كلّها ونسيان بعض الأسماء، وقد لاحظت ذلك جليا في  كتاب:

BENACHENOU Mohamed Seghir «  Liberté J’ écris Ton Sang , Rescapé de l’enfer de la guerre de libération »،

 وكتاب: "مذكرات من الونشريس، المجاهد محمد الصغير نمار، من أجل أن تحيا الجزائر"، فقد اشتكى كلّ منهما ضعف الذاكرة وصعوبة استحضار بعض الأسماء من أشخاص وأماكن وتواريخ، وطلب كلّ منهما العذر من القارىء إن لم يستطيعا تلبية مايصبو إليه من معلومة كاملة دقيقة، ومرد ذلك أن كلاهما تجاوز 80 عاما.

تتميّز اليوميات في حينها بالحدّة والعفوية والصدق لكن يطلب من المتتبّع النّاقد أن يقارن بين يوميات المعني ومذكراته إن كتب مذكراته في أواخر عمره ولا يعتمد على اليوميات فقط فقد يكون المعني غيّر رأيه بعد مرور الزمن وذكر في مذكراته التي كانت في أواخر أيامه عكس ماذهب إليه في أوائل أيامه، وقد لاحظت ذلك في كتاب "العفن" لمالك بن نبي فهو كتاب امتاز بأنّه حادّ الطبع قاسي المزاج عكس الكتب والصفحات التي دوّنها في أواخر حياته فقد اتّسمت ببعض "الرقة" تجاه نفس الشخصيات التي انتقدها بشدّة كما حدث مع عبد الحميد بن باديس الذي أثنى عليه وعلى تفسيره سنة 1964 فيما أتذكر وهو الذي انتقده من قبل كما جاء في كتاب "آثار عبد الحميد بن باديس" لعمار طالبي، فوجب في هذه الحالة قراءة اليوميات ومقارنتها بآخر ما ألّفه الرجل حول الفكرة أو الشخص لتكتمل الصورة بوضوح.

الكتب التي ألّفها أصحابها من جزائريين حول الثورة الجزائرية وهم في سنّ متقدّم من العمر تتطابق بشكل كبير من حيث الصدق وقول الحقيقة مع الكتب التي ألّفها الفرنسيون حول الثورة الجزائرية ورسم وحشية الاستدمار الفرنسي وهمجية المحتل وعنصرية الفرنسيين إبّان الاحتلال وتعاون الحركى مع العدو في نهب البلاد واحتقار العباد، ويكفي قراءة كتاب:

PIERRE VIDAL – NAQUET

« LA TORTURE DANS LA REPUBLIQUE 1954 – 1962 » ،

ومقارنة الكتاب بمذكرات الجزائريين أعلاه فقد تطابقت وجهات النظر في تقديم صورة صادقة رغم أنّه لم ير أحدهم الآخر ولم يقرأ أحدهم للآخر حسب ما هو مبيّن في الكتب الثلاث، لكن قول الحق جمع الثلاثة دون أن يدري أحدهم بالآخر أو يشعر أحدهم بالآخر.

المطلوب الآن أن يسعى المرء لكتابة يومياته في حينها خاصة وأنّ الوسائل توفّرت وتعدّدت وأصبحت سهلة متوفرة، وإذا استطاع فليكتب مذكراته وهو في 70 و80 من عمره فيجمع بين اليوميات والمذكرات وذلك خير مايقدّمه المرء لنفسه وأمته وحضارته.

معمر حبار -  الشلف - الجزائر

 

 

zakia kherhomعاش الكاتب أرلنغ كاغا فترة شهرة طويلة في النرويج. كان محاميا حصل على شهادة الدكتوراه في الفسلفة، وفاز على رانولف فينس في أوائل التسعينات ليصبح أول شخص يصل إلى القمم الثلاثة" القطب الشمالي، القطب الجنوبي، وجبل ايفرست. أسس أيضا دار نشر تدعى "كاغ فورلاغ في عام 1996. والتي تنشر اليوم مئات من الكتب ويبلغ حجم مبيعاتها سبع مليون جنيه استرليني في السنة. أرلنغ كاغا كاتب ومستكشف وناشر وجامع للقطع الفنية ووالد لثلاث مراهقات.

أمضى أرلينج كاجّا المستكشف القياسي خمسون يوما بعيدا عن جنس البشر، وحيدا في القطب. يقول في كتابه "فلسفة المكتشفين" : "السكون في القطب الجنوبي أكثر عمقا ، هنا للصمت صمت يُصمته. يمكن أن يسمع  ويرى بوضوح أكثر من الأصوات الأخرى. في البيت صوت الراديو مفتوحا على الدوام، كما رنين الهاتف لا يتوقف، وضجيج السيارات التي تمرّ، أصوات عديدة بالكاد أسمعها. لكن هنا في القطب الجنوبي، عندما لا تكون الرياح يكون الصمت أكثر سكونا  عن ذلك الذي في البيت. في مذكراتي كتبت بعد ستة وعشرون يوم، هنا الصمت صاخبا أحسّه وأسمعه. في هذا المشهد اللاحدودي كل شيء يبدو لا نهاية له. تلك المساحات الصامتة لا تبدو مرعبة ولا تشعرك بعدم الاطمئنان بل مريحة للنفس. في البيت بالكاد ألاحظ ما يجري من حولي، لكن هنا أصبحت  منجذبا لذلك السحر الخرافي لدرجة أنني  أصبحت جزءا لا يتجزّأ من المكان، ذلك الصمت أمسى خليلي، أستطيع الإصغاء اليه وكلي شغفا." ليس الكثيرين من سنحت لهم الفرصة لقضاء ايام عديدة في وحدة منعزلة عن العالم والبشر وخصوصا في مكان موحش ونائي كالقطب الجنوبي." أحد أهداف الرحلة الإستكشافية إلى القطب الجنوبي، أن تكون معزولا طوال مدة الرحلة لمدة خمسين، ستين أو سبعين يوما. اضطرّ أرلنغ كاغا من قبل الكفيل وشركة الطيران أن يأخذ معه  الراديو. آخر شيء فعله على متن الطائرة رمي البطاريات.  لم يكن من الصواب  التخلي عن الراديو خارجا على الجليد. لذلك حمله معه في الزلاجة طوال ألف وثلاثمائة كيلومتر. حينها حصل على العزلة التّامة التي كان يتوق إليها.

في هذا الكتاب التأملي يكتشف القارئ محطات مثيرة للدهشة عن قوة السكون ومدى أهمية الانعزال عن العالم أحيانا، سواء في عمق غابة ، أو وأنت تأخذ دوشا أو على حلبة الرقص. يقول أرلنغ كاغا يمكن للمرء تجربة السكون المثالي إذا كان يعرف إلى أين ينظر، ومن خلال نمو المعرفة الذاتية والامتنان، والتساؤل. وأن يأخذ المرء  نفسا عميقا ثم يستعيد للولوج بنفسه إلى السكون. حينها سيجد قطبه الجنوبي في مكان ما من حوله. في كتابه الذي يحمل عنوان " تجربة المكتشفين" يقول: "خلال جميع الأيام التي تلت ظلت تلك الطبيعة على ما هي عليه. لكن ما تغير مع الوقت هي علاقتي بها. خلال ثلاثة أسابيع  لم أر ولم أسمع  إشارة واحدة للحياة. لا إنسان، لا حيوانات ولا طائرات. تركت حوالي خمسمائة كيلو متر ورائي، وكان حوالي ثمانمائة كيلومتر أمامي عليّ قطعها.  لم يعد الجليد والثلج أبيضا ، ولكن يتخلله لمعان من اللون الأصفر والأخضر والأزرق، وعديد من ظلال مختلفة من اللون الأبيض. بدلا من التفكير في أن المسطح مسطحا، أدركت بالتأكيد أن المسطح أيضا يتضمن اختلافات ومناطق شكلية صغيرة والتي تُشاهد من قريب كأعمال فنية و تدرّجات من الألوان تستحق التركيز عليها. عظمة المناظر الطبيعية والألوان من الثلج يجعلني سعيدا. وتلك المساحات المسطحة جميلة أيضا كما الجبال.  تعلمت أن اللون الأزرق هو لون الشعر، الأبيض يرمز للنقاء، والأحمر للحبّ ، والأخضر للأمل، ولكن هنا لا يبدو هذا التصنيف طبيعيا. ما ترمزه الألوان يرجع لي. هي الآن جميعها ترمز للشعر، وللنقاء وللحب والأمل. غدا قد يرمز الأبيض والأزرق إلى العاصفة والصقيع."

يقول ارلنغ كاغا : "لقد نسينا كيفية التعامل مع الصمت. نشعر بالقلق والتوتر إذا لم يحدث شيء. ثم نحمل الهاتف المحمول، ونتحقق من الأخبار من وسائل الاعلام الاجتماعية، والبحث في الجوجل عن  أي شيء.  نحن في طريقنا إلى الجنون  ". "جون فوس" يتحدث عن الخوف من الصمت لأن الصمت يتطلب منك أن تتساءل. يقول أرلنغ كاغا أن الأمر يتعلق بالخوف، الخوف من التعرف على الذات بشكل أفضل. من السّهل التركيز على الخارج، في حين على نفس القدر من الأهمية  التركيز على الأفكار. ويطرح ثلاث اسئلة في كتابه: ما هو الصمت؟ وأين هو؟ ولماذا الصمت مهما؟ ثم يستطرد قائلا أن الصمت لغة الحكماء والسكوت لغة الجبناء. الصمت رياضة فكرية تحفظ التوازن وتجعل المرء يعود الى ذاته الداخلية بعيدا عن الأفكار المتزاحمة داخل عقله. ثم يشرح الفرق بين لغة الصمت التي هي عكس لغة الكلام، وحين تتعطل هذه الأخيرة تبدأ لغة الصمت، التي تختلف عن السكوت. فالصامت يستطيع الرد لكنه آثر عدم الرّد، بينما الساكت قد يكون جبانا أو ليس لديه شيء يقوله أو فقد الحجة. أو أن الشخص مقترف لخطأ فأعلن الاستسلام بالسكوت.

في القرن السابع عشر، كتب الفيلسوف بليز باسكال، " أن الناس لديهم من القواسم المشتركة أنهم لا يستطيعون الجلوس من غير فعل شيء." وهذا السلوك أصبح اليوم ظاهرا بقوة من ذي قبل. نتوقع حدوث أمور كما نتوقع الإجابة لما نقوم به، ونعيش ضغطا في عقولنا تجعلنا معرضين لأمراض ، كما أفكارنا تصبح مشوشة ونصبح عاجزين على اتخاذ قرارات سليمة في حياتنا ورؤيتنا للأمور بمنظار سليم.

أشترت دار بنجوين للنشر الحقوق الأنجليزية للكتاب " الصمت في زمن الضجيج" لأكثر من مليون دولار، وهذا يدل على ان المهتمين باقتناء الكتاب كاهتمامهم بالبحث عن الصمت الذي يفقدونه في حياتهم. في بيان صحافي، قال ميغيل أغيلار، نائب بينغين راندم هاوس في مدريد: "أصبح من الواضح بشكل متزايد أن الضجيج هو مرض أساسي في المجتمع الحديث. الصمت هو بلا شك جزء من حل المشكلة ".اللجوء للصمت ويركن الإنسان إلى نفسه نصف ساعة من غير التفكير في شيء والسماع الى موسيقى هادئة أو صوت المطر والعصافير أو موج البحر. ذلك مفتاح سلام النفس والجسد والروح.

يقوبل الكاتب ارلنغ كاغا أن الصمت مهم بالنسبة له وانه لا يزال يستخدم الطبيعة للعثور عليه؟ يحب المشي في اتجاه واحد حتى يحصل على الهدوء، تاركا كل الالكترونيات في البيت.

 

زكية خيرهم

 

1151 inayatشكَّلت المافيا إحدى أبرز ظواهر النفوذ والسيطرة والجريمة عبر مراحل تاريخ إيطاليا الحديث. وقد بلغت الظاهرة شأوا بعيدا إلى أن باتت جزءا لا يتجزأ من انشغالات الخطاب السياسي والقضائي والأمني، في التعبير عن أوضاع التوتر، أو الفساد، أو النفوذ غير المشروع. فقد ظهرت كلمة "مافيا" أوّل ما ظهرت سنة 1863، في كوميديا شعبية في صقلية بعنوان "مافيوزيو فيكاريا"، لاقى العرض حينها نجاحا منقطع النظير واستحسانا بين الناس. محاولة العثور عن أصل دلالي للكلمة باءت بالفشل إلى حدّ الراهن، رغم مساعي عدة لإعطائها تفسيرا مضبوطا ودقيقا. لكن وبشكل عام، تبقى كلمة مافيا متعددة الدلالة متغيرة المضمون، بحسب السياق والوضع ومقاصد الاستعمال. وهي على ما يوحي استعمالها في اللهجات العامية في جنوب إيطاليا شكلٌ من أشكال ممارسة القوة واستغلال النفوذ، وهي سلوكٌ سياسيٌّ مشين أيضا أو تكتّلٌ مصلحيّ فاسد، وبعبارة موجزة هي مظهر من مظاهر العمل غير القانوني واقتراف الجريمة بشكل منظّم. بات للكلمة حضور في الجدل السياسي، وفي التحقيقات القضائية، وفي العروض السينمائية أيضا، للحديث عن الأوساط المتنفذة في إيطاليا بشكل عام، وامتدّ ذلك إلى الولايات المتحدة منذ بداية توافد المهاجرين الإيطاليين نحو أمريكا.

كتاب "رهبان الكنيسة ورجالات المافيا.. تاريخ علاقة المافيا بالكنيسة الكاثوليكية" هو من تأليف أستاذ علم الجريمة إيسايا سالِز، المتخصص في تاريخ المافيا. وهو يدرّس في جامعة سور أورسولانا في نابولي، كما شغل عدة مناصب سياسية في حكومة رومانو برودي (1996-1998). سالِز له مجموعة من المؤلفات في المجال، منها: "عصابات الكامورّا" 1988، "الجنوب في زمن اليورو" 1998، "طرقات العنف" 2007 الفائز بجائزة الكتاب في نابولي. كُلّف المؤلف بصياغة عدة مواد تتعلّق بالجريمة، والجريمة المنظمة، وعلم الإجرام في موسوعة تريكاني الإيطالية. في كتابه الذي نتولى عرضه يركّز سالز بالخصوص في علاقة المافيا بمؤسسة الكنيسة، حيث يعالج موضوعا يبدو عنصراه الأساسيان (المافيا والكنيسة) على طرفي نقيض، بوصف الأولى تجمّعا إجراميا لا يراعي حرمة للقانون والثانية مؤسسة تختزن رصيدا خُلقيا، وتعدّ نفسها وصية على الميراث الروحي. يُشرّح المؤلِّف الصلات المصلحية الرابطة بين ظاهرة الجريمة، التي تمثّلها المافيا، ومؤسسة الدين التي تمثلها الكنيسة الكاثوليكية. وإن يبدو الأمر على شيء من التباعد في المخيال الاجتماعي، بين قطب الجريمة المافيا، وما تختزنه من رمزية للفساد والعنف، وإرث الخُلق الديني المتلخص في الكنيسة، بوصفها أهم الوكالات التربوية للعموم، فإن الأمر ليس على تلك الشاكلة في الوسط الإيطالي، فلطالما تآلف المدنَّس مع المقدَّس وتكاملت الأدوار، كما يقول الباحث إيسايا سالِز (ص: 66).

يعتمد الكاتب على مدى محاور الكتاب الخمسة الأساسية (ما مبرر صمت الكنيسة المطبق على مدى سنوات؟؛ العقلية المافياوية وتواطؤ بعض رجالات الكنيسة؛ أشداء في الخطيئة متسامحون مع المخطئ؛ غياب تسليط عقوبة الحرمان على رجالات المافيا) منهجَ التحليل الثقافي الاجتماعي لأجهزة الكنيسة في دعمها للتشكيلات المافياوية وفي مساندتها، وذلك من خلال تتبّع ظاهرة الجريمة في إيطاليا بوجه عام.

ضمن إجابته عن سؤال: ما المافيا؟ وبعد تعريفها أنها تركيب إجرامي خاضع إلى بناء هرمي لأشخاص يعملون بوسائل غير قانونية لتحقيق مصالح، يعتبر إيسايا سالِز أن حصول ازدواجية في الموقف من ظاهرة المافيا، من جانب المحلّلين والكتّاب الإيطاليين، هو ناتج عمّا ترسّخ من ضبابية تجاه ذلك التنظيم منذ بدايات نشوئه. ويعود الباحث إيسايا سالِز بازدواجية ذلك الحكم والنظر للمافيا إلى الكاتب الإيطالي الماركيزي روديني، سنة 1875، الذي ميّز بين مافيا شريرة وخسيسة وسافلة، لا تراعي خُلقا في عملها، ومافيا نبيلة وشريفة تحتكم في أنشطتها إلى مرجعية معيارية، ليصلَ بنا إلى تصريح الفقيه القانوني الإيطالي الشهير فيتوريو إيمانويلي أولاندو، سنة 1925، في قوله: "أعلن أني مافيوزي وأنا فخور بذلك!"، على اعتبار أن جانبا نبيلا في المافيا لا ينبغي طمسه. وصحيح أن المافيا ثقافة ونمط عيش وليست تنظيما جامدا وثابتا، بل مجرد شِلل صغيرة الحجم قوية الفعل، تميزها علاقات زبائنية في ممارسة الجريمة، تخلو، وبأي شكل، من الروابط الإثنية بعكس ما تُصوَّر عليه أحيانا. فالتنظيم المفترض ليس سوى بنية علاقات شبه عائلية مميزة للمجتمع التقليدي، وهي نوع من تجمع البزنس العائلي.

ويخفي التآلف الذي سعى إلى إبرازه إيسايا سالز في كتابه، بين المافيا والكنيسة، موقفا غير معلَن من كلتيهما تجاه الدولة، يبلغ أحيانا حدّ المعاداة والخصومة مع المؤسسة الرسمية. وهو توتر في العلاقة ليس وليد الراهن، بل يضرب بجذوره في فترة التوحيد وبناء إيطاليا الحديثة. وهو ما انعكس على تقليص نفوذ الكنيسة وحصرَها داخل حيز ترابي في حاضرة الفاتيكان في مدينة روما. في هذا السياق جاء تشكيل لجنة برلمانية، سنة 1963، لتقصّي تحديات المافيا للدولة الإيطالية.

منذ العام 2010 حصل تحول في خطاب الكنيسة الكاثوليكية تجاه المافيا. أصبح الموقف أكثر وضوحا وبدون إيماءات، أي بخلاف ما كان معهودا. كان مستهل ذلك التحول الوثيقة الصادرة عن المؤتمر الأسقفي الإيطالي حول الموضوع، التي ورد فيها: "على مدى العقدين الأخيرين، طورت التنظيمات المافياوية، التي رمت بجذورها في كامل التراب الإيطالي، مصالحَ اقتصادية... نعود مجددا وبقوة إلى إدانة هذا "السرطان" المهين للكرامة البشرية... فالمافيا هي التجلي الأكثر درامية للشرّ والخطيئة. وضمن هذا السياق يصعب تفسير الأمر كونه مجرد تعبير عن تديّنٍ مشوَّهٍ، ولكنه شكل فظّ لرفض تعاليم الرب: المافيا هي بنية خطيئة".

ضمن محور "غياب تسليط عقوبة الحرمان على رجالات المافيا"، يتضح أنه في نطاق سياسة الكنيسة عادة ما يرد استعمال سلاحين متنوعين لتقريع المذنبين ومجازاة المحسنين: الحرمان كعقوبة تُصلَّت على العصاة والمذنبين ونقيضه التطويب، الذي يرتقي أحيانا إلى حدّ التقديس، أي رفع الشخص إلى مقام القداسة لفائدة الخيّرين والمحسنين. الأول يلحق المرء في حياته والثاني يناله بعد مماته. وفي ما يتعلّق بسلاح الحرمان الذي غالبا ما شهرته الكنيسة في وجه المنشقين والمناوئين، لم يثبت استعمالها ذلك السلاح ضد أي من رجالات المافيا المعروفين، وسكتت عن ذلك الإجراء على مدى عقود. لكن إضفاء التطويب حصل أن وظفته الكنيسة في ما يتعلق بالمافيا، ولأول مرة خلال العام 2013، عندما طوّبت أحد الضحايا، رجل الدين الكاهن بولييزي، واعتبرته شهيدا مكرَّماً. مع أنه سبق أن سقط جملة من رجال الدين ضحايا للمافيا، تغاضت عنهم الكنيسة خشية توتير علاقتها مع أباطرة المافيا المتنفذين على غرار ما حصل للراهب بيبينو ديانا.

خلال العام 2014، وفي نطاق تحمّس البابا فرانسيس برغوليو إبان توليه رئاسة كنيسة روما سعى لتطهير حاضرة الفاتيكان ممن أطلق عليهم تسمية الغربان، أي كل من تورّط في الفساد الأخلاقي والمادي. وامتدت حملته حينها إلى حدّ تلويحه بتسليط الحرمان على رجالات المافيا في عظة ألقاها في مدينة كالابريا عاصمة المافيا الإيطالية في الراهن، في قوله: "لا تربط زعماء المافيا صلة بالرب، لأن سوط الحرمان مسلَّطٌ على رقابهم"، فكان فرانسيس برغوليو أول بابا يقطع شعرة معاوية مع جماعات المافيا، ويعلن عن تحول موقف الكنيسة من الفساد صراحة. فلطالما تعامل اللاهوت المسيحي مع عناصر المافيا بشيء من التهوين والتبسيط والحذر، بوصفهم خراف الكنيسة الضالة الذين ينبغي ردّهم إلى القطيع. يتساءل الكاتب عقب عظة البابا تلك، هل تغير شيء في سياسة الكنيسة وفي فينومينولوجيا المافيا؟ فالكنيسة تعرض نفسها بوصفها مؤسسة تمقت الفساد وترفض العنف لكنها تتغاضى دائما عن التنظيمات الإجرامية العنيفة.

والواقع أن ما حصل من ترابط وتشابك للمصالح بين بنية المافيا ومؤسسة الكنيسة يعود إلى فترة متقدمة في السياسة الإيطالية، انطلقت مع فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ذلك أن التحول الفعلي الذي حدث مع سنوات الخمسينيات للمافيا، وهو تشكّل نوع من الوفاق السياسي المصلحي بين أطراف سياسية مقرَّبة من الكنيسة وأرباب المصالح والأعمال، تركز في باليرمو وامتد إلى مناطق أخرى في الجنوب. انجر عنه نوع من الغطاء السياسي الذي تمتّعت به المافيا من قِبل حزب الديمقراطية المسيحية المهيمن على الساحة السياسية، مما وفّر بيئة ملائمة لتفريخ العديد من الأصناف المافياوية "كوزا نوسترا"، "إندرانغيتا"، "الكامورا"، "ساكرا كورونا أونيتا". حيث بقيت المافيا، على مدى عقود ولازالت، بنية خدمات، مفتوحة عبر عدة قنوات على عالم السلطة الرسمية. والكتاب لا يتّهم الكنيسة بمساندة المافيا أيديولوجيا، بل يتّهمها بمعاضدتها ماديا. فعلى ما يرصد سالز ثمة تناغم بين العقلية الجنوبية والسلوك المافياوي، ذلك أن الأقاليم الأكثر التصاقا بالتقاليد الكاثوليكية (الممتدة من صقلية وصعودا إلى نابولي) هي التي شهدت ميلاد أصناف المافيا الرئيسية في إيطاليا وتطورها، وقد تم ذلك الربط بين الثقافة والمكان أن مجمل المتهمين بالانتماء إلى الأوساط المافياوية غالبا ما كانوا يعلنون التزامهم الكبير بالتعاليم الكاثوليكية. لكن ينبغي ألا نغفل أن مجمل التحليلات التي ربطت بين الجنوب والدين والمافيا وألحت على ذلك بشكل مفرط قد وردت من كتّاب يساريين. نجد من بينهم ثلّة من الكتّاب المعروفين مثل سيموني غاتو وميكيلي بانتاليوني وليوناردو شاشا، يحفزهم في ذلك الربط التواطؤ الحاصل لحزب الديمقراطية المسيحية المهيمن في ذلك العهد والمافيا. حولوا بمقتضاه الكنيسة وذراعها السياسية، حزب الديمقراطية المسيحية، إلى "مؤسسة خطيئة"، كما يقول لاهوت التحرير.

يستعرض الكاتب آراء عدة ذهبت في تحليلها لظاهرة الجريمة المافياوية أن التنظيم قد وجد بيئته الاجتماعية المناسبة للتطور في الجنوب الإيطالي، لكونه تشكيلا إجراميا تقليديا. فالانضمام إلى المافيا يشبه الالتحاق بتنظيم ديني، يقتضي ولاء تاما وقسما، يماثل التعميد لدخول الكاثوليكية. ولذلك يرى الكاتب إيسايا سالِز مجافاة جملة من القراءات السوسيولوجية الصواب في تقييمها لظاهرة المافيا والنظر إلى هذا التشكيل الإجرامي،كونه يسير نحو الانقراض بسير المجتمع نحو التحديث والعصرنة. وهو بخلاف ما يلاحظه سالِز من ازدياد تشعب شبكة المافيا وتمددها، حيث باتت تتواجد في قطاعات عدة وتعمل في مجالات جغرافية أبعد، كما تبدلت أشكال أنشطتها، أو لنقل استفادت من الحداثة أكثر مما تضررت منها. يدعم ذلك تقسيم المافيا إلى صنفين: تقليدية يتمحور هدفها في البحث عن الوفاق أكثر منه في جني الأرباح، وبالتالي فهي مافيا شرفية أكثر منها مافيا مصلحية؛ وهناك مافيا حديثة، أي مافيا أعمال، مهووسة بسبل تكديس الثروة ومشغولة بالتوغل والتحكم في الأوساط التي يمكنها الإسهام في تكديس تلك الثروة.

وعلى ما يرصد سالز يمتد عمر التنظيمات المافياوية في إيطاليا إلى حدود مئتي سنة، فهي متجذرة في عمق بناء إيطاليا الحديثة. ومن هذا الباب فإن اجتثاث الجريمة المنظَّمة في إيطاليا هو أمر في غاية الصعوبة والتعقيد. فليست المافيا مجرد أنفار، بل هي ثقافة ومؤسسة لصنع الجريمة متكاملة الحلقات، ولذلك تعذرت هزيمة المافيا وإن حصل تحجيم وتطويق لها عبر الزمن، كما حصلت أشكال من الهدنة والمصالحة والتوبة أيضا. ويقدّر نسبة اقتصاد الجريمة، على غرار المتاجرة بالسلاح وصنعه، وترويج المخدرات، والمتاجرة بالبشر (مومسات) بنسبة تفوق العشرة بالمئة من الدخل الوطني الإيطالي (ص: 46). صحيح أن هناك مختصين كبارا في مقاومة المافيا وفي التصدي للجريمة المنظمة في إيطاليا يعملون دائما على تفكيك تلك التجمعات المافياوية وتفتيتها، ولكن سرعة تشكل التجمعات المافياوية مجددا واستئناف أنشطتها، يكشف عن تواجد ثقافة سائدة وحاضنة اجتماعية مناسبة للجريمة في العقلية العامة. ويمثل السلوك المافيوي وفق الكاتب شكل حضور المجتمع الصقلي، على جميع الأصعدة.

وفي نطاق ما عُرف بتصدير المافيا، نالت التنظيم شيئا من الاهتمام من قِبل باحثين أمريكيين في الولايات المتحدة في نهاية القرن التاسع عشر، نظروا فيه إلى المافيا بوصفها منظمة سرية على صلة بمؤامرة خارجية لم تخل من اتهام الحكومة الإيطالية حينها في رغبتها للتخلص من الأشرار الخطرين. كما رصدت بعض الأبحاث الطابع المافياوي والسلوك غير القانوني المستشري بين فئة المهاجرين الإيطاليين نحو أمريكا، لكن انتقادات توجهت إلى محاولة تجريم جالية بأسرها، كون السلوكات غير القانونية التي رافقت المهاجرين الأوائل إلى الولايات المتحدة هي تجاوزات معتادة للجاليات المهاجرة قبل الاندماج.

 

الكتاب: رهبان الكنيسة ورجالات المافيا.. تاريخ علاقة المافيا بالكنيسة الكاثوليكية.

المؤلف: إيسايا سالِز

الناشر: روبتّينو (كاتنزارو-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2016.

عدد الصفحات: 336ص.

 

 

jawad wadi2مبادرة وفاء مائزة يقوم بها الكاتب العراقي أحمد شاكر سلمان بإصداره (دراسة حياتية فنية مختصرة عن حياة وفن المقام العراقي في العصر الراهن) أسماها "حسين الأعظمي سفير المقام العراقي"، أراد الكاتب من خلال كتابه هذا، أن يقدم شهادة وفاء لهذا الفنان المبدع كبادرة اعتراف لما يقدمه الدكتور الأعظمي من خدمات جليلة لفن المقام العراقي الخالد، أداء وبحثا ونبشا في الذاكرة، قبل أن تتضاءل أو تخبو اشراقات هذا الوجد العراقي الذي يشكل هوية وبطاقة تعريف يتفاخر بها كل العراقيين، خشية أن يطال المسخ هذا الجانب من التراث العراقي كما زحفت يد الخراب لمفاصل إبداع عديدة، كالسينما والمسرح والموسيقى وغيرها من العثرات التي يعيشها الابداع العراقي برمته، في زمن النوائب التي لا حصر لها.

تعددت أسفار وجهود الباحث الدكتور حسين الأعظمي في العقود الأخيرة بتعدد مواهبه وانجازاته المتميزة لوفائه وعشقه الفاتن لما يكتب ويبحث ويقدم خدمات جليلة لفن المقام العراقي الذي بقي هو الموروث الوحيد الذي لم تصله معاول الهدم والتشويه مقارنة ببقية الفنون الأخرى بسبب الزحف الظلامي الذي أخذ يعشعش في مفاصل الحياة العراقية، سعيا حثيثا ومتواصلا من لدن الباحث للحفاظ على أصالته ونقائه، ليظل علامة عز ومفخرة فنية وتراثية بارزة وخالدة لكل العراقيين الذين يتعاظم ابتلاؤهم يوما بعد آخر بسبب تعاظم الخراب وما يتعرضون له من مسخ وتقزيم لبلد كان فيما مضى يمطر إبداعا وعلما ورخاء، لتبزغ هذه الاشراقات التي بإمكانها أن تزيح الظلمة عن حياتنا التي ابتلت بكل رث وفاسد، وهكذا جهد مبارك يساهم في أن يحيي الأمل الذي أخذ يتلاشى تدريجيا، لتتحول أرض السواد، ارض الخير العميم، إلى صحارى وأراض جديبة، في كل المناحي والتفاصيل.

من هنا يأتي هذا الجهد الكبير للفنان والباحث الأعظمي بارقة أمل تجللها أياد بيضاء بارتعاشات العشق الطاهر، مندوفة بمياه نهرينا الخالدين، دجلة الخير وفرات النقاء والعذوبة المقدسة. ليظل كل من اختلطت دماؤه بهذين الرافدين الخالدين، مخلوقات ندية تزخر بالعطاء والخير والمحبة، وأجدني أن المبدع الأعظمي يستحق وبجدارة هذه التوصيفات لعطائه المتواصل والذي يمدنا دائما بالأمل والاشراقات والوفاء الدائم، ليظل يمتح من تراثه الخالد ليقدمه على طبق من الفتنة والهيبة المباركة، بإضافات ننحني لها اجلالا لتميزها النادر، من شأنها أن تخلق مسارات جديدة تلون المشهد الإبداعي العراقي برمته بألوان زاهية تزيح تلك الغيوم الكالحة التي باتت قدرا لعينا يلازمنا في حلنا وترحالنا.

كنا وما زلنا قريبين ومتابعين لهذا الصوت الجاد والمبارك منذ أواسط السبعينات، حين بدأ رحلة الاسراء وبعشق باذخ مع المقام العراقي، فنا وأداء وتراثا وانتماء، بفيض صوفي، ليوظف كل هذه التفاصيل في خدمة المقام العراقي ويحدث نقلة كبيرة ونوعية ابتعدت عن المألوف لا بمعنى القفز على ما سبق من منجزات، بل بإضافات مهمة ورؤيا إبداعية واكاديمية محكّمة، الأمر الذي جلب انتباه واهتمام كل من له علاقة بهذا التراث العظيم.

وأنا اتابع وأقرأ واكتب عن مؤلفات الدكتور الأعظمي، أجدني مأسورا بطريقة التناول العلمية بدراسات مختبرية، من شأنها أن تخلق خزانا معرفيا وتوثيقا علميا وفنيا للمقام العراقي، وسعيه الحثيث بخلق جغرافيا المكان والزمان وتفاصيل الوجود، بتلازم تاريخي، بحضور الزمان والمكان بطريقة موثقة، لتكون ابحاثه مرجعية وارشيفا لا يتعب المتابع في الوصول اليها والوقوف عليها وبسهولة شديدة، واعتقد شخصيا من خلال اقترابي من منجز الباحث، بأنه جنّد نفسه بوضع خريطة عمل وتبويبات وبرمجة علمية وبتناول فني وأكاديمي بجهود كبيرة ومضنية، حين بدأ بالكتابة في مؤلفه الأول "الطريقة القندرجية في المقام العراقي واتباعها" الذي تشرفت بالكتابة عنه، لتتبعه إصدارات رائدة تناولت طرق المقام وادائه منذ زمن الرعيل الأول من الرواد، كتعبير وفاء للمقام ومطربيه وباحثيه وعشاقه. والجدير بالملاحظة أن الفنان الأعظمي ومن خلال دراساته وابحاثه، شديد التعلق بجغرافية المكان وزمانه، حيث ولد وترعرع ودرس وتعلم المبادئ الأولى من خلال العتبات التي دفعته ليلج عوالم المقام لتأثيرات المحيط وبتعلق شديد الآصرة، وهذا ما نلاحظه بقوة في جل مؤلفاته، فلا غرو أن يظل شديد الوثوق بصباه ومراحل شبابه، حين نتبين أنه كان أحد أبطال العراق في المصارعة، وهذه سمة قد لا يعرفها العديد من العراقيين، دون أن يتردد بتفاخره بهذه المرحلة الهامة من حياته، لنشاركه ذات الاعتزاز وبمحبة غامرة، وهو يتفاخر بمرحلة صباه، بحنين صوفي،  وهو يحبو في كنف اعرق المدن العراقية، تلك هي مدينة الأعظمية العتيدة بتاريخها وناسها وانجازاتها ورجالاتها الخالدين بعطائهم في شتى مجالات الابداع والتميز، وبانتماء وطني صادق لبلدهم العراق العظيم.

شخصيا، ككاتب وشاعر ومترجم بمنجز لا بأس به، أنا شديد الاعجاب بهذا الفنان المبدع، ومما زاد اعتزازي به، حين شرفني هو وفرقته المصاحبة له،  المكونة من الراحل سامي عبد الأحد وعازف العود الكبير علي إمام وبقية المرافقين للفرقة،  بزيارة ظلت محفورة في وجداني، في شقتي المتواضعة بمدينة أسفي المغربية أواسط التسعينات، فكانت أمسية فنية باذخة بامتياز، وقتها لم أكن اعرف بأنه زيادة عن كونه مقرئ مجيد للمقام العراقي باقتدار، بأنه باحث اكاديمي من الطراز الأول، فزادني شرفا أن انجز ثلاث قراءات لثلاثة من كتبه الرصينة، وهنا اجدد اعجابي به وأنا اتناول هذا الكتاب الجديد الذي وأنا اضيء بعض جوانبه، من تأليف الكاتب المتميز الأستاذ أحمد شاكر سلمان، كلفتة وفاء لما يستحق منا جميعا، الدكتور الأعظمي من عظيم اعتراف بجميله علينا بتقريبنا اكثر لفننا الخالد، نحن محبيه، قارئا كبيرا للمقام وباحثا ثريا وراصدا متميزا لهذا الفن العراقي الأصيل.

قبل أن الج عتبات هذا الكتاب الذي هو سيرة ذاتية لفناننا وباحثنا الكبير، بودي أن احييه بقوة واعتبره جنديا معلوما لا مجهولا جنبا الى جنب لكل العراقيين الشرفاء الذين يخطون أروع ملاحم البطولات بدمائهم الزكية لطرد عفونات العصر من ظلاميين قتلة ويقدمون أروع البطولات، فلا غرو أن اعتبر الدكتور الأعظمي وطنيا اصيلا لا يبتعد كثيرا عن المقاتلين الأشاوس، حين أجده وبتفان متعاظم جنديا مقاتلا بأدواته الخاصة ليخط بمداده المبارك صفحات من الشخصية العراقية وتراثها الخالد ليحافظ على اصالة العراقي ويطرد الغبش الذي يطال تراثه البهي، شأن المقاتلين الذين ما فتئوا يلقّنون أعداء العراق دروسا في البطولات الوطنية الكبيرة، لذا فلكل مقاتل أدواته وحماسه وجهده، وباحثنا الأعظمي مقاتل من طراز خاص.

الكتاب من الحجم الكبير يتوزع على 430 صفحة تتصدر غلافه صورة بورتريه جميلة للفنان الأعظمي بطباعة انيقة، وكعهدنا دائما بالكتب السابقة للباحث الأعظمي، فان كاتب السيرة ومؤلف الكتاب وشح الكتاب بمجموعة كبيرة من الصور تتناول حياة المبدع الاعظمي في العديد من مراحله العمرية في شتى مجالات العطاء، صور منفردة أو صحبة زملاء وباحثين وأساتذة وموسيقيين أضفت على الكتاب رونقا جماليا باذخا تخفف على القارئ أعباء القراءة وتنشّط جهده الذهني في مواصلة تتمة الكتاب لما يتضمنه من مفاجئات تجعل من المستحيل على القارئ ان يترك تتمة القراءة دون ان يظل مرتبطا بصفحاته، لبساطة تناوله وتعدد المحطات التي توضح كثرة الأنشطة والفعاليات والشخوص والامكنة وغيرها، وهذه فطنة نحيي الكاتب عليها. والكتاب من اصدار مطابع الأديب البغدادية.

يفتتح الكاتب اهداء كتابه ل" الأساتذة البارعين: عبد الوهاب الشيخلي/ عادل الهاشمي/ يحيى ادريس... تقديرا لجهودهم الفائقة والمتواصلة، في تعريف وتثبيت وتوثيق الفن العراقي، مقاما وغناء وموسيقى... أهدي كتابي هذا." والاهداء مرفق بصور الأشخاص المذكرة أسماؤهم أعلاه.

دون ان ينسى الكاتب تقديم كلمة شكر وثناء لكل من قدم له يد العون والمشورة والمعلومة في انجاز هذا الجهد المشكور، ويذكر مجموعة من الأسماء بحضورها الفني والأكاديمي والشخصي والقريبة من الباحث وفن المقام العراقية.  

يتوزع الكتاب على بابين طويلين، الباب الأول يتضمن ثلاثة فصول والباب الثاني يحتوي على أربعة فصول، مضافا لذلك: الاهداء/ شكر وثناء/ قصيدة... "وحسينُ المقامِ يبقى حسيناً"/ صورتان للجسر العتيق (الأئمة حاليا) ثم المقدمة"

اعتمد الكاتب على مصادر عديدة ومراجع لا حصر لها لتعينه على توثيق سيرة الفنان والباحث الكبير حسين الاعظمي، ثم وهنا ما ينبغي الإشارة له وباعتزاز مجموعة الصورة الكثيرة والرائعة التي تزين دفتي الكتاب، الامر الذي يمنح القراءة لذة كبيرة ومتعة فائقة ويجعل القارئ يقف على محطات هامة من تاريخ المقام ورواده وباحثيه وعازفيه ومحبيه، وتغطية وافية لسيرة حياة الفنان الاعظمي منذ مراحل صباه حتى محطة تسيّده على عرش المقام العراقي اليوم، مؤديا وقارئا وعارفا وباحثا بوفاء نادر، وهذا ما تابعناه واطلعنا عليه وكتبنا عنه في مؤلفاته السابقة، ليؤدي خدمة لا تقدر بثمن للمكتبة العراقية وهذه الجهود البحثية تضفي للمكتبة العراقية وتحديدا في فن المقام العراقي مراجع يعود اليها الدارس والقارئ والمحب العراقي حين ينوي الاقتراب من هذا الفن الباذخ، اطلاعا ومعرفة وسعة افق، ليتحول الى مستمع متميز يحقق له الاطلاع على هذه الكتب وبالتالي تتحقق له متعة الانصات بوعي فائق التهذيب والمعرفة.

يستشهد الكاتب بكلمات اعتراف صادقة عن لسان الفنان الاعظمي وكأنه بوح واعتراف طقسي بوفاء نادر مع الذات:

"إنني اجتذب الناس بصورة غريبة...! فامتلك رضاهم ومحبتهم وقبولهم...! والله يشهد أنني صادقٌ معهم في كل شيء، في الباطن والعلن..."، إنه اعتراف مطول يريد أن يعتبرها الأعظمي سجية وخصلة حميدتين، ونحن نعرف من خلال متابعاتنا الممتدة لعقود لهذا الفنان المتميز، أنه صادق فيما ذهب اليه من اعترافات إنسانية موجعة ومؤثرة، ليبعد عنه الالسن الذربة التي لا هم لها سوى المتابعات الرثة للناس وهم لا في العير ولا في النفير.

إنها كلمات نقية وصادقة تعبر عن حالات التوحد الصوفي مع الذات والآخر، بصفاء روحي وسعي ايماني قوي لطرد اية شوائب حياتية قد تُستغل من لدن من به مرض ورثاثات لا حصر لها.

يقول المؤلف عبر استرساله الكلام عن الفنان والباحث الاعظمي:

(حسين الاعظمي، علامة مشرقة في مسيرة المقام العراقي، جديرة بأن نقف عندها... نتأملها ما وسعنا الى ذلك سبيلا... فسيرته الفنية السائرة بلا هوادة، تعد تجربة مقامية نادرة تدعو الى الفخر والإعجاب... توكّلَ على الله سبحانه وتعالى واعتمد على ذاته، وشق طريقه بنفسه، فاذا هو نسيج وحده في دنيا المقام العراقي...)

هذه شهادة واضحة وصريحة لعصامية الفنان الاعظمي، وسعيه الحثيث في الحفر في دهاليز هذا الفن الخالد، ببذله جهدا كبيرا وصبرا لا يستهان به، وبوعي قد تحمّله رغم الصعاب الكثيرة، ليخرج لنا كنزا أكاديميا رصينا بوضع بوصلة دقيقة التوجه، وبالتالي يضعنا نحن المتابعين لهذا الفن العزيز على الطريق السوي، بعيدا عن الاسفاف والاقحام غير المرغوب فيهما، لينير طريق الانصات والمعرفة العلمية، لتتضاعف متعة تعلقنا بهذا الفن الخالد.

والجدير بالذكر أن الفنان الاعظمي صحبة كاتب السيرة الأستاذ سلمان، قد عملا معا لإزاحة الغبار عن محطات حياتية عديدة لمسيرة الفنان الاعظمي منذ صباه وحتى يومنا هذا، وما اختزنته الذاكرة بعرض صور لا حصر لها توثق حياة هذا الفنان، رغم ملاحظاتي وتحفظي على نشر بعض هذه الصور التي تثير لدي المواجع، سوى صورة أرشيفية واحدة حركت وجدي بقوة واعادتني عقودا الى الوراء، تلك الصورة التي تضم مجموعة من الشباب المتميزين في رياضة المصارعة في نادي الاعظمية الرياضي، يتوسطهم طيب الذكر الأستاذ وليد إبراهيم الاعظمي، الذي أعدمه النظام فرية آنذاك، حيث كان المدير العام للشركة العامة للمشروبات الغازية، حينها كنت اعمل في هذه الشركة، وكانت لهذا الشهيد مواقف نبيلة، حيث وقف معي في منع محاربة بعض شذاذ الآفاق لي كوني كنت منتميا لحزب يساري ليس على وفاق مع حزب البعث، وكانت مواقفه النبيلة دليل على نضج ووعي هذا الرجل، ولكنه سرعان ما تم تعيينه محافظا لكركوك، و لتطاله يد القتلة، ليتم إعدامه ظلما وعدوانا اسوة ببقية الحزبيين من رفاقه الاخرين الذين كانوا يعارضون سياسة التفرد والاقصاء، وابعاد الطيبين. الرحمة الواسعة لهذا الانسان العراقي الأصيل. 

ومما يدعوني للتساؤل وانا اتصفح الصور الكثيرة في الكتاب، لم اعثر على أثر يذكر لصديقي المصارع والمدرب المعروف في المصارعة السيد خلدون عبدي، الذي كان يعمل معي في شعبة المشتريات الخارجية في الشركة المذكورة، له اعبق الذكر.

ان فناننا الاعظمي كان بطلا للعراق في المصارعة 1970/1975 وهذه محطة هامة قد لا يعرفها محبوه ومتابعو إنجازات الفنية والأكاديمية.

لا ينبغي أن نترك هذا الكتاب الذي يعتبر توشيحا وعرفانا لما قدمه الدكتور الاعظمي، دون أن نقدم نيابة عن الشخصية المحتفى بها، اعطر التحايا واصدق التبريكات مقرونة بالعرفان والمحبة للمؤلف السيد احمد شاكر سلمان، مباركين له هذا الجهد الكبير في انصاف من يستحق التكريم، وفناننا وباحثنا الأعظمي جدير بكل تقدير وعرفان بالجميل.

    

 جواد وادي

    

  

1150 ashعن (ملتقى العشرة كراسي الثقافي) الذي أسس حديثا في مدينة الحلة الفيحاء صدر العدد الأول من مجلته التي حملت أسمه (العشرة كراسي)، وهي مجلة فصلية ثقافية عامة كما جاء في ترويستها، وتقع في 194 صفحة من القطع الكبير .

تضمن العدد كلمة افتتاحية بقلم رئيس التحرير قال فيها (بدأنا مشوارنا الثقافي الجديد ونحن نتلمس صفحات هذا الوليد "العشرة كراسي" بعد أن تركت مجلة "أوراق فراتية" فراغا كبيرا في الساحة الثقافية البابلية بتوقفها عن الصدور)، وأوضح أن مهمة هذه المجلة (هي توثيق ودعم للمشهد الثقافي والإبداعي البابلي خصوصا والعراقي عموما)، ودعا في نهاية كلمته (إلى تبني الخطاب الثقافي الوطني الذي يأخذ بأيدينا إلى بناء مجتمع مزدهر بعد خراب في المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي) .

ووزعت محتويات المجلة إلى أبواب، وكان أولها باب البحوث والدراسات، وكتب فيه طارق الكناني (مدارات عقائدية)، والدكتور علي التميمي (أحزاب السلطة)، ورياض البياتي (أنابيب الغاز الكبرى)، والدكتور عبود الحلي (اللغة العربية وتحدياتها)، وفي باب شخصية العدد كتب الدكتور سعد الحداد عن (السيد محمد علي النجار)، وقد وصفه بـ (فاكهة المجاس وعطرها)، وفي باب ذاكرة كتب جواد عبد الكاظم محسن عن (خليل اسكندر) كما رآه، وفي باب قراءات كتبت الدكتورة أسماء غريب عن (همسات العصافير)، والدكتور عبد الرضا عوض عن (التدني الفكري في المراكز البحثية)، وجعل من المحور الشعري في (موسوعة الحلة الحضارية) أنموذجا لما قصد، وكتب نبيل الربيعي (ومضات من وقعة عاكف) .

أما في باب الشعر فنشرت قصيدتان؛ الأولى بعنوان (وصمة الترك) للشاعر على الحمداني، والثانية (أرجوزة العشرة كراسي) للشاعر مضر النجار)، وتلا ذلك الأبواب الثابتة للمجلة، وهي أخبار ثقافية، وإصدارات حديثة، وإصدار دار الفرات للثقافة والأعلام، وفي رحاب دار الفرات وهي الجهة الراعية لهذا الملتقى الثقافي، وآخر الكلام بقلم مدير التحرير، وقد ختم به محتويات هذا العدد، وقال فيه بأن المجلة وقد (أشهرت هويتها الفصلية وجدواها التواصلي ومهامها الفكرية جديرة باهتمام المثقفين وهم يرفدون بعطاءاتهم الثرة في المشهد الثقافي الوطني وصولا لأعمامها عبر صفحاتها لتكون خير مفصح عن تطلعات جديدة لدور المثقف العراقي في راهن إشكالي حقا) .

من الجدير بالذكر أن هيأة تحرير المجلة تتكون من رئيس التحرير الدكتور عبد الرضا عوض ومدير التحرير جبار الكواز وسكرتير التحرير نبيل عبد الأمير الربيعي والتنضيد الطباعي علي عبد الرضا عوض والمراجعة اللغوية عبد الأميرخليل مراد، بينما تكونت هيأتها الاستشارية من الأستاذ الدكتور المتمرس محمد كريم الشمري، والأستاذ الدكتور يحيى المعموري، والأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي، والدكتورة أسماء غريب، والدكتور المهندس نصير علي الحسيني .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

 

balkis alkaysiصدر في عمان بالأردن هذا العام 2017 كتابي الذي عنوانه "التوحّد العالم بنظرة أخرى" بمئتين وخمسين صفحة. لقد قلت في التمهيد لذلك الكتاب: على الرغم من أن البوادر الأولى لعوق التوحد ظهرت في أوروبا قبل أكثر من قرن، وإن الأوروبيين تعاملوا معه منذ نهاية العقد الأول للقرن الماضي وشخصوه وكتبوا عنه المقالات بدء ا ً من الأربعينيات ثم شكلوا الاتحادات والمنظمات والمؤسسات التي تدافع عن حقوق المتوحدين وتدعمهم وتحث الحكومات على تبنيهم وتأسيس المدارس الخاصة بهم ووضع برامج متقدمة تناسب قدراتهم الذهنية وتطورها بشكل ملحوظ، أقول بالرغم من كل ذلك نجد انفسنا نحن العرب متخلفين جدا في هذا المجال ولانملك الخبرة الكافية للتعامل معه، فالمتوحد في بلادنا يمكن أن يضيع  وبالإمكان المحافظة عليه وتطويره لو توفرت له الظروف الخاصة مع التأكيد التام أن نسبة هذا العوق آخذة بالازدياد عقدا بعد عقد إن لم نقل سنة بعد أخرى.

وقد وضّحت في التمهيد عن حال التجارب بيننا وبين الدول الأوروبيّة المتقدمة وبين تجاربنا وكذلك الفارق الزمني بين تأسيس اتحاداتنا ومؤسساتنا ومدارسنا ومراكزنا واتحادت الأوروبيين ومؤسساتهم فهم قد سبقونا في التجارب بأكثر من ثمانين عاما وفي تشكيل الاتحادت والمؤسسات الخاصة بالتوحّد بخمسين عاما ثم هناك الفرق بين نظرتنا ورؤياهم لعوق التوحد إنه في أوروبا عوق ذهني ويعدّه مجتمعنا نوعا من الجنون أو المناخوليا وهذا يدلّ على عدم الدقة في اختيار المصطلحات الخاصة بحقل نفسي طبّي اجتماعي.

ثمّ تأتي بعد ذلك المقدِّمة التي تحدثت فيها عن تعريف التوحد ونسبته في العالم فقد جاء التعريف بأنّه : يمكن أن يعرف التوحد  بأنه: اضطراب في نمو الدماغ يتسبب عنه ضعف التفاعل الاجتماعي عند الفرد والاتصال ويقتصر على سلوك متكرر وتلك علاماته التي تظهر على الطفل قبل أن يبلغ سن الثلاث سنوات.

بتعير آخر: هو اضطراب بايولوجي في المخ يعوق المهارات والاتصالات الاجتماعية.

تشبيها له بطيف الشمس spectrumويطلق الأوربيون على التوحد كلمة أو وصف " الطيف "

المتعدد الألوان وهذا الوصف علمي أكثر مما هو شاعري لأن التوحد يتكون من عدة أفراد  ليس  هناك من حالة تشبه الحالة الأخرى فكل حالة تختلف اختلافا واضحا عن أية حالة أخرى لكن مايجمعها كلها هو التوحد مثل الطيف الشمسي المتكون من ألوان أساسية كل لون لايشبه الآخر لكن مايجمعها هو الضوء.

أمّا عن النسبةفي دول العالم فهي تختلف من دولة إلى أخرى وفق إحصاءات تلك الدول. إنّ بعض الدول لا تعنى الإحصاءات الدقيقة في المجالات والحقول الصحية والنفسية في حين نجد بلدانا مثل بريطانيا والدنمارك والسويد والنروج والولايات المتحدة الأمريكية تعطينا أعدادا مضبوطة صحيحةللمتوحدين إذ تبغي من جراء ذلك تقديم المساعدات والخدمات والمنح النقدية لهم  والجدير بالذكر أن الكتاب الذي ألّفته عن التوحد كان من المفروض أن يطبع قبل ثلاث سنوات وقد ذكرت فيه النسبة الرسمية في بريطانيا والدول الأخرى وقدعرفت من خلال متابعتي السنوية واهتمامي بالموضوع أن النسبة زادت في بريطانيا عما كانت عليه سابقا وهذا يشير ايضا إلى ازديادنسبة المتوحدين في بقيّة أنحاء العالم.

يأتي الفصل الأوّل وعنوانه تاريخ التوحّد وقد تتبعت فيه تاريخ التوحد والمصطلح الخاص به فقد كان الأوروبيون انفسهم قبل أكثر من قرنين ينظرون إلى هذا العوق نظرة خرافية إذ تدلنا المصادر القديمة إلى وجود حالات من التوحد ترجع إلى ماقبل عام 1747 في بريطانيا فتذكر أن هناك صبيا له من العمر 12 عاما  كان يعاني من توحد وفقدان مشاعر صعب وقد عد الصبي حينذاك ممسوسا أي به لوثة من الجنون وتسكنه أرواح خبيثة وأشباح شيطانية وقد تم الاقتراح على أن يموت خنقا، أما قضية المتوحد هيوج بلير فقد كشفت تفاصيلها عام 1747 وارتبطت بالمحكمة القانونية حين التمس أخو المصاب من المحكمة حكما ليكسب الإرث وقد تم له ماأراد، وهناك شخص آخر يدعى أفيرون ظهرت عليه علامات التوحد في العام 1798 وهو من التوحد الصعب وقد عالجه طالب طب اسمه جين إثيارد وفق برنامج سلوكي صمم لمساعدته وحمايته  من المجتمع عبر إقناعه بالتأمل.

أما المصطلح التوحد autism فترجع إلى الجذر اللاتيني autismus وقد أطلقه العالم السويسري يوجين  بلولـر الذي كان قد حدد سابقا مفهوم الشيزوفرينيا عام 1911 وكلمة التوحد اللاتينية آوتزم اشتقت اشتقت أساسا من الإغريقية autos وتعني نفس أي الإعجاب بالنفس أي إعجاب المريض بنفسه لتقابل الهوس الذاتي فتعني من حيث العموم الاضطراب الذي لايطاق.

1148 balkisأما الفصل الثاني فقد حمل عنوان أسباب التوحد وفيه ذكرت وجهات النظر المختلفة  فهناك من يرى أن أصل التوحد هو سبب جيني يرجع بالأساس إلى الكروموسومات، فالطفل الذي يولد غير نمطي أو وفق مانطلق عليه في اللغة العربية خطأ منغولي الشكل يرجع السبب في شكله إلى وجود كروموسوم زائد في سلسلة الكروموسومات لكن ماهو الخلل في الكروموسومات عند المتوحد لاسيما أن المتوحد يبدو من حيث الشكل طبيعيا مثلنا؟ هناك من يقر بخلل ما لكن ليس بشكل مؤكد وهناك من يرى أن السبب يرجع إلى عوامل وراثية أو اسباب كيمياوية منها أن يكون أحد الوالدين قد تعاطى دواء ما لفترة طويلة  إلا أن هناك احتمالات في ذكر بعض الأمور التي يمكن أن تكون مسببات أو عوامل مساعدة في التوحد مثل التدخين من قبل النساء الحوامل والإدمان على الكحول والمخدرات وبعض المضادات الحيوية.

كما تذهب بعض التخمينيات إلى تصورات أبعد تتمثل في تغير البيئة والمناخ والتلوث المحيط وانبعاث الغازات وغيرها من العوامل البيئية المحيطة، وهناك بعض البحوث التي ترى في المطر المستمر ومراقبة التلفزيون طويلا من أسباب التوحد إذا كان عند الشخص استعداد وراثي للتوحد كما أورد ذلك بحث

وكان الفصل الثالث بعنوان السمات المتركة بين التوحد وعوقين آخرين هما:  هناك نوعان العوق تشترك في بعض المظاهرن فعلينا أن نفرق بينها لكي لانقع في اللبس وهذان العوقان هما:

أولا: عوق الأسبرجر: وهي عوق ذهني قريب من التوحد وأحيانا يصعب الفصل بينهما في البدء لكن العبء في ذلك يقع على الإخصائي.

ثانيا selective mutism =sm

وهو عوق يترجم بمصطلح ( البكم الانتقائي) ويعرف بأنه ضطراب نفسي فيه الشخص عادة مايكون قادرا على الكلام وغير قادر ونحن هنا نترجم المصطلح بكونه عوقا وفق مايراه الأوروبيون المختصون فهم يقفون من التوحد والبكم والانتقائي والأسبرجر على أنها عوق وليست مرضا لذلك يمكن أن يفهمها القاريء العربي على أنها أمراض والبكم الانتقائي هو عبارة عن ظاهرة بكمة تصيب الطفل وتستمر معه إلى الكبر وترافقه طول حياته وسميت اتقائية لأن المصاب بها لايتكلم مع الجميع بل مع شخص واحد فقط كما إنه يختلف عن الأخرس كون الأخير لايعني ضررا في المخ بل لأسباب لامجال  لذكرها في هذا الكتاب.

وقد ذكرت في الفصل الرابعدرجات التوحد وهي فق عنوان الفصل: درجات التوحد

ينقسم التوحد وفق الدرجات التالية :

الدرجة الأولى التوحد البسيط وهو أرقى تلك الدرجات ويمكن في هذه الحالة أن يعتمد المتوحد على نفسه وإن كان ذلك بحدود أو أن ينبغ في موضوع كما في مراقبة حركة الطائرات في المطار أو في الرسم مع ذلك يقى عند هذا الشخص نقص في الجوانب الأخرى ثم الدرجة المتوسطة أخيرا الدرجة الصعبة

ويمكن أن يصنف التوحد أيضا وفق مايرافقه من تشخيصات وهي:

1- توحد فقط ليس معه أي تشخيص لعوق آخر.

2- توحد يرافقه عوق آخر كالتخلف مثلا ومثل هذا التوحد يطلق على المصابين به  أي مجموعة المتخلفين.

3- توحد مركب أي مع حالتين مثل توحد مع تخلف بالإضافة إلىحركة مفرطة

وأشرت في الفصل الخامس إلى المثلث لعقلي فلو أخذنا  لو أخذنا أي عقل طبيعي لوجدناه يحتوي على ثلاث نقاط رئيسية تشكل المثلث المتكامل الذي يسبب فقدان أي  ضلع من أضلاعه خللا في حياة الإنسان، والنقاط الثلاث هي:ضلع اللغة وضلع الخيال وضلع الاتصال إن أي خلل في أحد أضلاع المثلث يمكن أن يحدث خللا عقليا لاسيما أن ذلك الخلل ينطبع في سلوك الشخص  تجاه نفسه والآخرين.

ويعنى الفصل السادس بالكلمة والمعنى فيحمل عنوان " زراعة المعاني"  وقد ذكرت أن المتوحد يولد طفلا طبيعيا من حيث الشكل ليس هناك من علامة تدلك على عوقه عند الولادة كما إن فحص السونار في أثناء  الحمل يشير إلى جنس الطفل ولا يدل على كونه متوحدا قط أما من الداخل أي داخل دماغ الطفل فيمكن للعلماء أن يشبهوا الفرق  بين المتوحد والطبيعي بتشبيه العقل البشري عامة بالحقل أو التراب، إن معاني الكلمات في العقل الطبيعي مثل البذور الموجودة في التراب إذا أردتها أن تنمو فما عليك إلا أن تسقيها بالماء أما عقل المتوحد فيشبه التراب الخالي من أية بذرة في هذه الحالة يجب عليك أن تزرع البذور أولا في هذا الحقل ثم تسقيها لكي تنمو، من هنا تكمن الصعوبة لأن عملية زرع الكلمات تكون في ذهن خال.

ثم جاء الحديث في الفصل السابع عن " اكتشاف المتوحد" إذ أعود لأذكِّر  أنّه من سن 0 إلى سن 3 سنوات تحدث في هذه الفترة أشياء كثيرة تخص الطفل منها قدرته على الكلام واللعب والسلوك الطبيعي والحزن أو الفرح، وأهم مايميز المتوحد خلال تلك الفترة الآتي:

نقص  المقدرة اللغوية: أي عدم مقدرته اللغوية، فهو لايستطيع أن يكون جملا مفيدة وجمله متعثرة أو غير مفهومة وأحيانا ينطق كلمات مشوشة لامعنى لها.وويتجسد نطقه بالصفات التالية:

لجلجة أو مقاطع سمعها ،الصدى: ترديد آخر كلمة سمعها من شخص، حركة الجسد وتتكون من الرمش بالعين، اهتزازات الرقبة، حركة الكتفين، تجهم الوجه، فتح الفم. والحركة المفرطة أي  عدم استقراره لوقت قصير في مكان محدد أما المناطق المفتوحة مثل الشوارع والمنتزهات فهي تشكل خطورة كبيرة عليه خاصة حين يفلت من رقابة الوالدين.

ولدينا أيضا إطاعة الأمر : إن الطفل الطبيعي يطيع أمر الأب والأم من أول مرة ولعله يرفض أن يطيع من أول مرة فمن ثاني مرة وهو الحد الأعلى أما المتوحد فهو لايستجيب للطلب وإن استجاب فبعامل الخوف لا الطاعة وهناك اللعب الجماعي فالطفل المتوحد لا يساهم في اللعب الجماعي.

وفي الفصل الثامن دار الحديث عن " إيذاء النفس"  إن جرح البدن من قبل المتوحد يشمل:ضرب الرأس.صفع أو ضرب البدن.عض أجزاء من البدن مثل اليد.إيذا العين عبر النقر أو الوخز أو أية حركة أخرى.جر الشعر بقوة.

أما السلوك العدواني فقد خصصت له الفصل التاسع والسلوك العدواني هو سلوك عنيف موجه ضد أناس آخرين فيما يخص الأفراد الطبيعيين يصنف السلوك العدواني من قبل الشخص تجاه آخرين في إطارين: سلوك عدواني ذو عنف شفوي ذو كلمات قاسية احتقار شتائم تهديد إلخ...وسلوك عدواني بدني استخدام اليد الرجل آلة حادة ....الخ

أما المتوحد فيشمله الصنف الثاني لأن عامل اللغة ينقصه ولكون الكلمات مزروعة في ذهنه بالتدريب والتكرار فهو لايدرك حقا أبعادها الضمنية والرمزية. إن بعض الأطفال المتوحدين لديهم الكثير من الماشكل مع الأطفال الآخرين أو الكبار الذين يجدون صعوبة في فهم الآخر المتوحد لسلوكه غير المتوقع المفاجيء لنا فيخافون منهم ويتساءلون لم فعل هذا الطفل مثل هذا الفعل.

إن هناك تساؤلا في الفصل العاشر " ماذا بعدالكشف" لتوضيح السؤال أقول: وأخيرا تكتشف العائلة أن طفلها متوحد وهذا ماأكده المختصون وبان من أنماط السلوك التي وضحناها من قبل.

فماذا بعد الكشف؟

وكيف تستقبل الخبر ؟

فعلى الأم سوف يقع العبء الأكبر،وما عليها إلا أن تتناسى أنها أم وتهيء نفسها لأن تكون ممرضة ومربية ومعلمة أكثر من كونها أما لأن العبء الأصعب سوف يقع عليها بلا شك،وهذا ماسجلته حالات التوحد الكثيرة.

إن مهمة الأم صعبة لكن جهودها بالتأكيد سوف تثمر في المستقل عن تصحيح كبير في مسار طفلها المتوحد إلى درجة أنها قد تكون متعبة من الناحية الجسدية لكنها سعيدة بعملها ونتائجه المثمرة.

لاشك أن هناك أسئلة مهمة نضعها في الحسبان ألخصها من الفصل الحادي عشر المتوحد وهي أسئلة ملزمة لنا من أجل أن نساعد المتوحد وأنفسنا لنقترب في فهمنا منه ومتطلباته، والأسئلة هي:من  ماذا أين متى

فما يخص كلمة " من " هو أن المتوحد غير قادر على الاعتماد على نفسه بل هناك أناس يساعدونه فمن الضروري أن يعرف من هؤلاء لأن المتوحد لايستوعب الآخر لكنه يربط بين الأحداث والأشخاص، هناك طفل رآى والده ينزلق قبل أن يصعد الحافلة التي توقفت لتقله فهو يربط دائما بين والده الذي سقط " من " الذي له علاقة به والحافلة دائما.

وتأتي الإجراءات الاحترازية في الفصل الثاني عشر مفصلة وهي: الرائحة، 1-رائحة الجسد 2- الضوء 3 ـ الضوضاء 4 ـ اللون 5 ـ ترتيب الأثاث وإخراجه .

وقد أدرجت في الفصل الثالث عشر أنماط سلوك الفوضى عند المتوحدين وهي  السلوك المشين الخارج عن الأعراف والتقاليد والذوق.ففي التصرف العنيف قبل أن يبدأ المتوحد سلوكه العنيف هناك إشارات يفهمها المختصون والأبوان تدلهم إلى ماسيأتي في اللحظة القادمة منها على سبيل المثال لا الحصر :

1 ـ تغير نبرة الصوت.

2 ـ تغير في الوجه مع ميلان للاصفرار.

3 ـ تكرار لكلمات محددة قد تكون مفهوهة  أو غير مفهومة سريعة وغير مترابطة.

ثم يبدأ العنف: الركل .الهجوم على الأشياء. مهاجمة الافراد. إيذاء النفس...

وورد في الكتاب منخلال الفصل الرابع عشر " نمطان للسلوك" فئتان: النمط الأول الشائع مانطلق عليه الاضطراب  المعترض ويندرج تحته ربع المتوحدين 1/4 ، والنوع الثاني الأكثر شدة ولحسن الحظ الأكثر ندرة وهو المسمى اضطراب " فوضى " التوصيل.

أما البرنامج العام الذي ورد في الفصل الخامس عشر فيعني الخطوات المنهجية التي علينا

مراعاتها بصفتنا آباء وأمهات لننتقل من النظرية إلى التطبيق العملي ويمكن أن يتحقق في :

توفير الهدوء التام للمتوحد وهي مسألة تخص التشويش الذهني الذي يعاني منه.

رفع كل مايمكن أن يسبب له أذى في البيت وهذا أمر يتعلق بالسلامة نجد بعض العوائل التي تثبت جهاز التلفاز في الحائط بمستوى عال وبعضها يستبدل صحون المطبخ بأخرى من البلاستك يمكن تحمل الأمر حتى يتم ترويض المتوحد.

النظام في البيت وذا شأن يتعلق  بالتقليد. إن المتوحد يقلد الرديء والجيد فلو تشاجر أخ طبيعي للمتوحد مع أخته الطبيعية وأدى الأمر إلى الصفع فمن الممكن أن يتخذ المتوحد من الضرب والركل عادة تترسخ فيه ولو عرف أن أخاه بال في فراشه لفعل ذلك من باب التقليد عندئذ نحتاج إلى جهد إضافي آخر لنجعله يتخلى عن هذه العادة.

وتحدثنا عن الفصولالأخرى وهي: السادس عشر إلى التاسع عشر عن: برنامج العطلة،القصة والتمثيلية،في التجارب العملية،التعليم بالموسيقى والرسم.وهنك فصل : استطلاعات وفصل خاص بالمتوحد العربي.

ثم تأتي الخاتمة التي تلخص نتائج هذه الدراسة وندعو فيها كذلك المجتمع العربي إلى الاستفادةمن تجارب الدول الأوربية وجهودهافيهذا المضمار.

وفي الختم نودّ الإشارة إلى أن الدراسة تلك ضمت عددا من الملاحق المهمة والجداول البيانية والرسومات التي تساعد القاريء العربي وتزيده خبرة وتجربة في التعامل مع حالات التوحد التي  توليها الدول المتقدمة اهتماما كبيرا وتسخر لها كل إمكاناتها العلمية والمادية.

 

الدكتورة بلقيس القيسي - المملكة المتحدة

 

 

ali almirhigلم أجد في دفاع شلايرماخر عن الدين سوى قراءة حالمة، المتمنى فيها أشد حضوراً من الواقع، فليس في الدين، إن رام شلايرماخر في دفاعه عنه، غير رؤى حالمة بأن نكون نحن بنو البشر مفارقون لطبيعة خَلقنا، كي ينتفي الصراع.

ولا أُخفيكم سراً أنني لا زلت لا أعرف مقصد شلايرماخر في دفاعه عن الدين، وأي دين يقصد، هل هو الدين السماوي؟ أم هو الدين الوضعي؟، وهل ديانات الشعوب غير التوحيدية هي من مرامي مقصده في الدفاع عن الدين؟ أم أنها تقع خارج منظومته الدفاعية.

لأن لُب الحياة الحقيقية عنده مُتجسدة في الدين، بوصفه المحرك الحيوي الدائم لصيرورة حياتنا، لأن وجوده مُتجذرٌ فينا، وهو الذي يمنح وجودنا كينونته.

وإمعاناً منه في تأكيد قراءته الحالمة للدين وفاعلية حضوره الإيجابي نجده يرى أن مغزى الدين توسيع أُطر المعرفة، "لأن فكرة الدين حُرة"(ص125)، فأينما يشع نور الله في قلب مؤمن، فتيقن أن "روح الله" الحُرة قد نشرت ضياءها في آفاق العالم الرحبة. لأن وجود الإنسان محكو بنظام ديني منذ ولادته!!. وهذا يعني "أن لا مناص من الحاجة لفهم الدين، بوصفه الوحيد القادر على أن يُقدم لنا فهماً مُتكاملاً للوجود من دون تشريحه أو تقطيع أوصاله" (ص130)، ولا أعرف كيف تسنى لشلايرماخر التوصل لهذا الحكم الذي أقصى فيه ضمناً حاجتنا للعلوم الطبيعية والرياضية؟ التي لا تنسجم مع الدين كثيراً لا في مُقدماتها ولا في نتائجها، وما أعرفه أن الدين كوجود نصي وتفسيري قد تراجع أمام مقولات العلم، رياضياً كان أم تجريبياً. وصار كثير من رجال الدين يميلون لربط الدين بالعلم بعد أن وجدوا ألّا قبول اجتماعي لهم في الإصرار على رفض مقولات العلم، وبعضهم آثر الإيمان بأن للدين ميدانه وللعلم ميدانه، وربما يلتقيان في المقصد والغاية، طِبقاً لقول ابن رشد في كتابه "فصل المقال": " أن الشريعة حق والحكمة حق، والحق لا يُضّاد الحق، بل يوافقه ويشهد له".

لم أجد في قراءة "الفقيه" أو "الصوفي" الحالم شلايرماخر ما هو قريب من متبنيات ابن رشد في الربط بين "الحكمة والشريعة"، إنما كانت أقواله مقولات صوفي حالم لا يرى في الدين سوى أنه "أفضل طُرق الإتصال بالحياة" (ص134)، وأي دين يقصد؟ وكيف يكون الدين أفضل طُرق الوصول للحياة؟، فهذا مما لا جواب واضح عنده.، فهل يمكن لنا أن نقول أن الفقيه الذي يفم الدين من داخله هو في تدينه مساوٍ للصوفي الذي فهم الدين من داخله أيضا، لأن شلايرماخر لا يؤيد "فهم الدين من خارجه" (ص125) رغم إختلاف طُرق الوصول، فالفقيه له متبنياته القُدسية التي سلح نفسه بها وفق وعي لغوي وتنزيلي للنص، والصوفي له مُتبنياته الخارج فقهية، والمتسلحة في الوعي الجواني للنص، وبقراءة بسيطة نُدرك أن شلايرماخر في دفاعه عن الدين هو أقرب للفهم الصوفي الحالم للنص، ولكن ما هو حال الفقيه المتآلف مع التفسير الفقهي للنص؟ وما هو حال العالم الطبيعي الذي يُضيف معنى وتفسيراً للوجود لا يبدو أنه من داخل النص القُدسي، وربما يتناقض معه في كثير من تجلياته التجريبية والمخبرية؟.

بقيّ شلايرماخر أسير رؤيته للدين ببعده الصوفي الحالم وتعريفه للدين بأنه غور الفرد الحدسي في ذاته، ليجعل من الدين قريباً من الفن يرتبط أحدهما بالآخر بوشائج قوية لها دلالاتها الروحية، وإن يكن "الدين ليس الفن، ولكن الإثنين يتوازيان على مستويات شتى" (ص144).

إن الدين عن شلايرماخر "فلسفة الإنسان التي ترتفع إلى مفهوم تعامله مع العالم...بوصفه أغنى مصادر طاقة (هذا العالم) وأكثرها عناية به، كونه "قوة أبدية وهو جوهرة وتعويذة تُزّين الوجود وتحميه" (ص145-146).

إن رؤية شلايرماخر الحالمة للدين هذه جعلته لا يرى في الدين سوى أنه تشريع لقبول التنوع والإختلاف، لأنه هو الذي "يمنحنا قدرة على أن نرى الآخر كرؤيتنا لذواتنا، أن تعاطى مع شرعية وجودنا عبير ما نُضفيه على الآخر من شرعية للوجود" (ص152). ولا أعرف كيف تسنى لشلايرماخر الوصول لهذه النتيجة التي تُعارضها طبيعة الدين، أي دين، بأنه من توصل لإدراك كُنه الحقيقة المطلقة، وتأسف دُعاته بأقل تقدير على أن مُخالفيهم لم يُدركوها!!.

والأغرب من ذلك كله أن شلايرماخر يرى أن: "الطيف الكهنوتي مجتمع، يُمكن أن يُوصف بالنظام المتكامل، إذ لا وجود لطبق أرسقراطية مُستبدة فيه، وحيث كل إنسان يكون هو القائد وهو المجتمع على حدٍ سواء" (ص157) !!. ليُزيد الطينة بِلّة بتساؤله المُدهش: أين هي روح الفتنة والإنقسامات، التي تتحدثون عنها وتتعاملون معها كما لو أنّها نتيجة حتمية لا تنفلت عن شِراكها الأديان"؟.

وكأن شلايرماخر يجهل صراع المسيحية مع اليهودية، وصلب المسيح. وكأنه يجهل ما سُميّ ب "الحروب الصليبية" بين المسلمين والمسيحيين، وربما تناسى معارك "الفتح الإسلامي"، فهذه كلها وغيرها لا تُعّدُ مؤشراً أن هناك فتنة أثارها دُعاة الدين ومتبنيه.

ومع كل ما أشرنا يُصر شلايرماخر على أن "الدين وحده القادر على منح الإنسان قوة قبول الحياة في أصى درجات إنحدارها... و الكهنوتي عنده واضح في تعبيره، مُشرق في دلالاته، وفي كيانه كله" (ص160)، وربما قصد في لفظة الكهنوتي نفسه الحالمة، وربما نفس ابن عربي أو إسبينوزا ومن سواهم ممن يحلمون بأن يكون الدين فكراً إشراقياً يُزيل قتامة الحياة ليجعل من الكهانة حرية في العبادة خارج المُتصور المُتعارف عليه في الكهانة بوصفها دراية وعلم وتعليم لبني البشر على أن طُرق الوصول لله بعدد أنفاس الخلائق كما يقول ابن عربي.

لتكون المؤسسة الدينية الكنسية، بمرامي وجودها الحقيقي، ضامن للُحمة الإنسانية، وداعية حقيقية لِلَم الشمل لا تفريق الجمع.!!

ليُنهيّ شلايرماخر كتابه "في الدفع عن الدين ضد مُحتقريه" بالقول: "ما أجمل أن تتعرفوا على الدين من الحاجة لإستفتاء العقل ومدونة الفلسفة" (ص191)!! لأن "الدين نقطة مركزية لدوران وجودنا، إنه نقطة التلاحم بين الفاني والأبدي (ص197).

وأختم قراءتي لكتاب شلايرماخر وفق تحولت ومتغيرات الحال العراقي بالقول: صار الدين قسيماً لنا نحن العراقيين بين وجودنا المدني وحضور الدين ببعده الطائفي أو الداعشي، ولا حول لنا وقوة إلّا بالنقد الممنهج.

 

علي المرهج

 

 

1147 sarmakعن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) للطباعة والنشر، صدر قبل أيام، الجزء الرابع من موسوعة جرائم الولايات المتحدة الأمريكية التي يعدّها الباحث الدكتور حسين سرمك حسن والتي أصدرت الدار منها حتى الآن ثلاثة أجزاء.

وضم هذا الجزء (298 صفحة) الموضوعات التالية :

(1) الجيش الأمريكي المتطوّر يرفع أنقاض التفجير عن صدر فييرا دي ميلو بحقيبة نسائية يدوية !!!! من فجّر فندق القناة وقتل ممثل الأمم المتحدة في العراق فييرا دي ميلو؟

(2) كذبة عملية إنقاذ الجندية جيسيكا لينش تكشفها جيسيكا نفسها : أطباء مستشفى الناصرية الشرفاء أنقذوني وتبرعوا لي بدمهم.

(3) كيف كان الأمريكان والبريطانيون يفجّرون السيارات المفخخة في العراق ليحصدوا أرواح المدنيين ويشعلوا الحرب الطائفية؟ حادثة الإرهاب البريطاني في البصرة نموذجا.

(4) من كان وراء الهجوم على الصليب الأحمر في بغداد؟

(5) هكذا فبركت المخابرات الأمريكية فيديو قطع رأس الصحفي الأمريكي  "جيمس فولي"

(6) من قطع رأس جيمس فولي ؟ أسرار جديدة

(7) من يصدّق مثل هذه التفاهة ؟ شخص مٌقبل على قطع عنقه يتصرّف بمثل هذا الهدوء والسكينة ؟ حقائق عن فبركة الـ CIA لفيديو قطع رأس ستيفن سوتلوف

(8) هل اغتصاب وحرق الطفلة عبير الجنابي وعائلتها أقل من قطع رأس جيمس فولي المفبرك؟ ، هل السناتور الإرهابي جون ماكين مخرج أفلام قطع الرؤوس؟ 

(9) كيف نقلت الولايات المتحدة الأمريكية إرهاب القاعدة إلى قلب أوروبا (البوسنة وكوسوفو ومقدونيا) ؟ تحالف الولايات المتحدة مع قادة الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات

(10) الولايات المتحدة الأمريكية  راعية الإرهاب في الشيشان

(11) ملاحظات أولية عن دور الولايات المتحدة في دعم وتنشئة الإرهاب "الإسلامي" في الهند

حمل الغلاف الأخير كلمة الناشر التي عرّفت بمحتويات هذا الجزء وجاء فيها :

(في هذا الجزء وهو الرابع من موسوعة جرائم الولايات المتحدة الأمريكية يأخذنا الباحث في رحلة موسوعية جديدة تكشف للقرّاء معلومات خطيرة عن السلوك السياسي التدميري للولايات المتحدة الأمريكية الذي كانت آثاره التخريبية المخيفة ومازالت تكتسح العالم كلّه، فيواصل كشف ما هو مخفي من عملية قتل/اغتيال السيّد فييرا دي ميلو ممثل الأمم المتحدة في العراق التي تناول قسما منها في الفصل الأخير من الجزء السابق (الثالث). ومن كذبة عملية انقاذ المجندة جيسيكا لينش من قبل القوات الأمريكية الغازية والحرب النفسية الهائلة المليئة بالأكاذيب التي ترتبت عليها والكيفية التي كان الأمريكان والبريطانيون يفجّرون بها السيارات المفخخة في العراق ليحصدوا أرواح المدنيين ويشعلوا الحرب الطائفية (حادثة الإرهاب البريطاني في البصرة وتفجير مقر الصليب الأحمر في بغداد أنموذجين لذلك)، ومروراً بالكيفية التي فبركت بها المخابرات الأمريكية فيديو قطع رأس الصحفي الأمريكي  "جيمس فولي" والصحفي "ستيفن سوتلوف".. و جريمة الجنود الأمريكان البشعة في اغتصاب وحرق الطفلة العراقية "عبير الجنابي" والمعلومات التي تكشّفت عن دور السناتور الأمريكي جون ماكين في عملية فبركة أفلام قطع الرؤوس البشعة تلك.. ووصولاً إلى الدور الأمريكي في نقل إرهاب تنظيم القاعدة إلى قلب أوروبا (البوسنة وكوسوفو ومقدونيا) وتحالف الولايات المتحدة مع قادة الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات في يوغوسلافيا بعد تدميرها وتفكيكها ودورها في زرع بذور الإرهاب في الشيشان ورعايته لتدمير روسيا، ودعم وتنشئة الإرهاب "الإسلاموي" في الهند لتدميرها وتمزيق جنوب آسيا وبلقنة باكستان).

حمل الغلاف الأول لهذا الجزء صورة لجنود أمريكيين يلتقطون صوراً تذكارية مع رؤوس مقطوعة وجثث لمواطنين فيتناميين، في حين حمل الغلاف الأخير صورة لجندي أمريكي يلتقط صورة تذكارية مع شهيد عراقي قام بقتله.

هذا الجزء من الموسوعة والأجزاء الثلاثة السابقة متوفّرة الآن في مكتبة ضفاف في شارع المتنبي في بغداد.  

 

 

ali almirhigلا يوجد في محاولة شلايرماخر للدفاع عن الدين ما هو مختلف عن كل لاهوتي يعيش في برجه العاجي ليحلم في بناء مدينته الفاضلة التي حلم ببنائها الفلاسفة الطوباويين، أمثال إفلاطون في "جمهوريته المُثلى" أو الفارابي في رؤيته ل "المدينة الفاضلة" أو القديس أوغسطين في كتابه "مدينة الله"، وإن إختلفوا في طرق الوصول لها.

فكان جُل هم شلايرماخر هو بناء الدين وفق فطرة البشر بميلهم للتدين (ص77) لأن الدين عنده " مدخلٌ لكل الصور التي تفتح أبوابها على الحقيقة والوجود والبعد اللانهائي" (ص79)، ليستمر شلايرماخر في قرائته للدين ببعده الرومانسي في محاولة منه لفصل البعد القدسي للدين عن متبنيات العقل البرهاني، لأن أبعاد الدين مُتحققة في الفن وقريبة من "نغم موسيقى مُقدسة" (ص81) بطابعها الوجداني والعاطفي "الرومانسي" الذي يُرَحِل الروح والجسد لمنطقة التسامي والورع والتقوى، لأن مُقتضى الدين مخاطبة الروح والقلب والذات التي تُنميها المعتقدات الدينية والمشاعر المقدسة، وبصورة شعرية لها بريق الرومانسية وحرارتها الوجدانية يجد شلايرماخر في الدين ومعتقداته بأنها "الأجمل والأعبق بين كؤوس وتيجان زهور ألحياة وبراعمها، لأنه لا يرى في الدين غير حياة ملؤها "التجدد والنضارة والإنتماء لنقاء مناخات الفردوس، تلك التي لا تطالها تقلبات الفصول" (ص87). وكأن الدين عنده شبيهٌ بالوسط الذهبي عند أرسطو في إعتداله وفي تجاوزه للإفراط والتفريط.

لرومانسية الدين حضورٌ وأثر في تصور شلايرماخر له ودفاعه عنه، فالدين يعني عنده " أن نُحب روح العالم، ونبتهج لمشاهدة صنيعها" (ص89) لأن الدين قيمة جمالية لا تختلف عن سواها من قيم الجمال الأخرى، لذلك إنصب هم رسل الدين على مخاطبة وجدان البشر لا عقولهم فقط.

لذلك نجد شلايرماخر يُركز على الربط بين الشعر والدين، فقد كان لإنسان مُتمركزٌ حول قناعته بقدراته العقلية وبإيمانه بقدرته الذهنية في السيطرة على الطبيعة، ولكن العمق غير كافٍ عنده لإدراك البُعد الجواني للحقيقة الكامن خلف ظواهر الطبيعة، وإن كان كل ما في الطبيعة من "نظام" يشي بوجود منظم لها مفارق لوجودها المُدرَك.

كان الإنسان وما زال يرنو لمعرفة المجهول في قادم حياته ويحلم بحياة أخرى بعد إنقضاء حياته في هذا العالم، لذلك تجد أغلب البشر مشدودين للمقدس المتعالي. إنه "النسيج المقدس" (ص95) بعبارة شلايرماخر، الذي بقينا نُنشد وجوده علّنا نحصل على حياة هانئة في دنيانا، وإن لم نحصل عليها في هذه الحياة، فهي الُبتغى والأمل في حياة أسعد وأجمل رسمها لنا الدين وصورها بأفضل ما ترتجي الأنفس وتهوى.

لأن شلايرماخر يرى أن "الدين هو الوحيد القادر على تحقيق عالمية الإنسانية" (ص106)،.

ولم يُخبرنا شلايرماخر أي دين يقصد هو الذي يُحقق "عالمية الإنسانية". هل هو دين سماوي من الأديان السماوية الثلاث؟، أم هو الدين الوضعي، كما هو عند الزرادشتية أو البوذية أم الهندوسية، أو كما هو عند الكاثوليك أم عند البروتستانت، أو كما هو عند المسلمين، سنة كانوا أم شيعة، أو عند اليهود، موسويين معتدلين أم صهاينة!!.

ولا أعرف كيف تسنى لشلايرماخر أن يصل لهذه النتيجة التي لا تؤيدها وقائع التاريخ، لا في صَلّب رجالات الدين اليهود للمسيح، ولا مؤشر لها في الفتوحات الإسلامية، ولا في ثورة الإصلاح الغربي ضد هيمنة "الإكلوريوس الديني".

لذلك أرى أن شلايرماخر في كتابه هذا لم يرتقِ ل "فهم الفهم" بعبارة "غادامير" وبقي يدور في "فهمه للفهم"، بأبعاده الذاتية و "الأنوية" التي تجعل من النص أسير فهم أُحادي، هو فهم القارئ له وفق رؤاه وثقافته المفارقة ربما لمرامي النص. ولأن بنية شلايرماخر الثقافية ذات أفق رحب في نظرته الإيجابية للدين بوصفه رؤية تخييلية، لأن في الخيال خروج عن تصورنا للعقل وتبعيضيته ليجد منرام في الدين رحابة أنه رؤية وجدانية تتضامن مع الرؤية الحدسية لتخيل عالم رومانسي له وجود في أخيلة الحالمين من شتى بقاع الدنيا.

 

 

1146 obaydiصدرت مؤخرا عن دار "قناديل للنشر والتوزيع" في بغداد رواية جديدة بعنوان: "كم أكره القرن العشرين – مُعَلَّقة بلوشي" للروائي عبدالكريم العبيدي. تقع الرواية في "442" صفحة من القطع الكبير، وجاء على غلافها الأخير: "كثيرا ما أذلني اليأس من مرارة التجوال، داخل أزقة غدت عزوفة عن تقبُّل أي احساس يداهمني من خارج خوائها. شاخت البصرة يا "بالاچاني"، غادرت ماضيها رسميا بلا رجعة، وتحولت نهاراتها الى مترادفات مبهمة، قبيحة الوجوه، وفاقدة للوضوح أيضا. لم يعد فيها ما يستوجب التمعن أو يستحق أيّ رثاء. لقد بدا الأمر وكأن بصرةً قديمةً تنزاح، مفسحة لمعاول الخراب رسم ركام دورة جديدة من ويلات أواخر القرن العشرين.

تدور أحداث الرواية في ثمانينيات القرن الماضي ابان الحرب العراقية الايرانية وتأخذ بحياة أبطالها القلقة وهم من الفتيان المهمشين المكتوين بمحرقة الضياع بين نيران المعارك وعدمية الحياة التي نهبتها الحرب وسرعة التحولات في خضم القصف المدفعي الايراني الذي أجبر مئات الآلاف من عائلاتهم على التهجير بعيدا عن مدينتهم البصرة جنوبي العراق، كما تتابع تحولات عائلة عراقية بصرية بلوشية وما حصل لها جراء الحرب والتهجير.

نقرأ من الرواية:" كنت أروم اللهو في دواخلهم بعد استفحال الخراب بي. الخراب أم بداية الجنون؟ وكنتُ بأمسِّ الحاجةِ إلى تشريعٍ دنيوي يُبرِّئ رعبي المهول من القزم الذي لا يراه أحدٌ غيري، ومن هربي المصدوع إلى ما تحتِ خط الضياع، فهذا التراجع المستمر في جدوى الهرب، يُطلقُ، في كل مرة، ما لا يحصى من النبوءات عن انهيار وشيك سأتعرض له حتما، وهذا أمرٌ لا ينبغي الاستخفاف به بعد الآن. لابد أن أقر بهزائمي، بموت "رواء" في دمي. لم يعد العقل أعدل الأشياء توزعا بين الناس يا "ديكارت". العقل هنا، في هذه المدينة المجنونة، هو أساس الخراب، بيت الداء المسكون بالجن، النخل الذي "شاص" مبكرا، وبات في أعنفِ نوباتِ شكوكك يا "ديكارت"، مسؤولا على أول ضربةِ معولٍ في فوضى هذه الحواس ". 

وسبق للعبيدي أن أصدر روايتين سابقتين هما ضياع في حفر الباطن التي تحولت الى مسلسل درامي بثلاثين حلقة كتب السناريو له الروائي أحمد سعداوي وبُث من على شاشة "العراقية" قبل أعوام، ورواية الذباب والزمرد التي كتب عنها الكثير من النقاد والروائيين.

 الروايتان تدور أحداثهما في خضم الحرب والحصار القاسي سيء الصيت الذي فرضته قوات التحالف بقيادة أميركا، وهو ما تجسد في أحداث الروايتين وأطوار حياة شخوصهما الموجعة، وقد لاقت الروايتان اهتماما كبيرا من النقاد والقراء العراقيين معا، كما تناولتهما كتب نقدية بحثية ودراسات. ومن أبرز هذه الكتب هو كتاب:"War and Occupa in Iraqi Ficton " للدكتورة اكرام المصمودي والصادر باللغة الانكليزية عن احدى دور النشر في لندن.

 

بغداد- خاص

 

 

1143 aliصدرت مؤخراً ترجمة لكتاب الفيلسوف الألماني (شلايرماخر) "عن الدين - خطابات لمُحتقريه"، ترجمة الصديق أسامة الشحماني ومراجعة الأخ العزيز د.عبد الجبار الرفاعي. فكان لهما الفضل في أن يتعرف العرب على هذا الكتاب المهم.

إن أهمية هذا الكتاب تنبع من طبيعة موضوعه و المرحلة الزمنية التي كتب بها شلايرماخر هذا الكتاب. فقد تعرض الدين لموجة إنتقادات واسعة بعد النقد الذي وجهه له فلاسفة القرن الثامن عشر لا سيما هيوم في موقفه من المعرفة الميتافيزيقية ونقدها لأنها معرفة غير خاضعة للتجربة و لا يمكن التحقق من صدقها أو كذبها.

هنا إنبرى شلايرماخر للدفاع عن الدين ضد مُحتقريه، وإن لم يستسغ الرفاعي لفظة مُحتقريه، لأن "كلمة "الإحتقار" تستبطن معنى الإزدراء والإمتهان، والإهانة والتوبيخ، وتشي بمضمون لا يخلو من تسلّط...وهذه المعاني لا تلتقي ومعنى "مثقف" ولا تليقُ به"، وكان الأجدى أن يستخدم كلمة "مُنتقديه" (ص13).

ولكني أرى أن شلايرماخر كان يعي إستخدامه لهذه اللفظة، لأن الدين كان وصار فعلاً محطة لتحقير مُتبنيه في القرن الثامن عشر الذي إنبرى جُلّ مفكريه للإنتقام من سلطة الدين ورجاله "الإكليريوس" الذين كانوا سبباً أساسياً في تمادي السلطة وإحتقار الشعب، فكان لهذا الإحتقار رد فعل "إحتقاري" مساوياً له، وهو شبيه بحالنا اليوم نحن العراقيين، فكثير من رجال الدين والساسة من المنتفعين في تجهيل الناس بإسم الدين ولد إحتقاراً لكثير من رجال الدين وربما نال هذا "الإحتقار" الدين نفسه أو بعض من مقولاته.

إنصبت محاولة شلتيرماخر على ضرورة فصل الدين عن العقل، وهذا لا يعني عنده أن الدين مخالف للعقل، إنما هو يرفض تبرير الدين بمقولات العقل أو العلم، كما يرفض الدفاع عن العلم بقسر مقولات الدين ذات الطابع الروحاني والأبعاد الصوفية لصالح العقل برؤيته التبعيضية والتجزيئية التي تصلح لتفسير حدث ما في زمان ما، ولا تصلح لتفسير رؤية كونية للعالم بأسرهلم يكن كتاب شلايرماخر هذا كتاب عقلي للدفاع عن الدين، بقدر ما كان كتاباً رومانسياً يحاكي الروح قبل العقل. فكان شلايرماخر "ينتقد في كتابه هذا إدخال العقل باحة الدين"، كما يؤكد المترجم (ص18)، فقد دعى ضمناً وصراحة "إلى فهم الدين من داخل الدين نفسه"، ولربما يعترض مُعترض وهل كان لنا نحن العراقيين من مُعاناة سوى أن يُفهم الدين داخل الدين؟ وهل كان مُتطرفوا السنة أو الشيعة يفهمون الدين من خارج الدين؟.

وما يُنقذ شلايرماخر من هذا المأزق هو ربطه الدين بالفن أولاً، فهو ينظر للدين بوصفه تجربة روحية تتوق للجمال والمحبة.

وما يُنقذ شلايرماخر من هكذا مأزق هو إيمانه بتعددية الفهم للدين، وهذا أمر يرفضه السلفيون والمتطرفون من السنة والشيعة، لأن كلٍ منهما يعتقد بأنه هو من ركب سفينة النجاة وأدرك سبيل الخلاص!!.

مهمة شلايرماخر في هذا الكتاب توجيه خطابات للمثقفين الذي يحتقرون الدين، لأنهم"متوافقون على أن لا إغراء جديداً في تقصي متون الدين..." (ص26)، لأن جُلّ المثقفين في القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، "يستخفون بكل أشكال الثقة باخبرات والمعارف الدينية" (ص27) و يُنكرون على الدين طابعه الزُهدي، وكأن شلايرماخر لا يرى في الدين ورجالاته ما أحدثوه في أوربا من مصائب وصراعات دموية وحروب راح ضحيتها الآلاف إن لم نقل الملايين بين البروتستانت والكاثوليك، أو ما سُميت حرب الثلاثين عاماً في القرن السابع عشر، وكلا طرفيّ الكنيستين عدّها حرباً مُقدسة، كما هو حال كثيرُ من السنة الذين يرون في داعش ممثلاً لهم في حربهم مع الشيعة "الرافضة"!!، والحال نفسه يَنطبق على الشيعة الذين ينظرون للحشد كله على أنه مُقدس، فهي حرب المقدس ضد المقدس!!.

وفي محاولة ذكية من شلايرماخر للدفاع عن الدين وبعض رجالاته المحترمين من الكهنة، نجده يُحاول أن يُشبه "الكاهن الحقيقي" بالفنان البارع، "المُتمكن من تمثل المنطق السماوي الأبدي وعرضه بإسلوب يبعث في الموضوع نفحة من المُتعة والثقة ويجعله مصدراً لا يَنضب، ومُرتكزاً تقوم عليه جل الطروحات الكُبرى. إنه الواعظ التواق لإيقاظ البذرة النائمة الباعثة للصورة الإنسانيو، ولإشعال جذوة الحُب للمطلق اللامتناهي وتحويل الحياة إلى شكل من أشكال التواصل معه...هذا هو "الكهنوت العالي" الذي يَكشف عن جميع الأسرار الرووحية..." (ص35).

أعتقد أن الإنسان يرى نفسه في تدينهه وإعتقاده إلّا ما يرغب بتصوره، أو بتبنيه له، فإن كان خيراً لا يرى في تدينه غير الخير له وللآخرين، وإن كان شريراً فلا نأمل منه خيراً لا له ولا لمُخالفيه، وإن كان مُرائياً، فالدين سلاحه يُطيعه في مراميه.

ولأن شلايرماخر لا يروم سوى خير الدين وتنقية قلبه من حقده وأحقاد "مُحتقريه"، فقد أخذ على عاتقيه أن يتحدث في كتابه هذا عما يحتاج الدين من تصحيح للفهم المغلوط له (ص38).

في خطابات شلايرماخر كثيرُ من الوعظ، قليل من التدليل للدفاع عن الدين بوصفه بنية أخلاقية مُتماسكة في مُحاولة لا أجدها موفقة للربط بين الدين والأخلاق، ص50 - 52).

يُحاول شلايرماخر الربط بين الدين والمحبة و "تأسيس وجدان الإنسان على قاعدة المحبة" (ص59). في محاولة منه للإيهام بأن هناك علاقة ضرورة بين ما هو ميتافيزيقي (لاهوتي) وبين ما هو أخلاقي، لأنه يعتقد بإرتباط هذين الجانبين بالدين في وحدة الموضوع، (ص60)، وإن كنا نجد في تأكيد شلايرماخر في الربط بين ما هو ديني وبين ماهو أخلاقي ربطاً تعسفياً لدمج ما هو أخلاقي بما هو ديني، والعكس صحيح عنده، ولكننا لا نجد مبرراً عقلانياً مُستساغاً لهكذا ربط.

لكن لشلايرماخر مخرج لمأزقه هذا عبر ربط الدين بالفن، لأنه يعدُ التدين ضرباً من الفن، (ص70)، لأن الدين عنده "مدخل لكل الصور التي تفتح أبوابها على الحقيقة والوجود والبعد اللانهائي"، (ص79).

وملاذ الفن والدين الوجدان والعاطفة، لأنها من "المباني الأساسية التي تُشيّد عليها مباحث الدين، وهي بهذا المعنى أحد أهم مصادر تكوين إدراك روحوالعالم..."(ص94).

 

جعل شلايرماخر من الدين "اللبنة الأساساسية لتشييد محبة الآخر"(ص95).