 كتب وإصدارات

بلاد الأندلس.. الفردوس الضائع

ازدهرت الحضارة الاسلامية في الاندلس ثمانية قرون تحديدا من عام 711م حتى سقوط آخر القلاع العربية في غرناطة عام 1492م. و كانت الاندلس  قبلة للعلم يتوافد عليها الباحثون والعلماء من كل بقاع الارض واصبحت من الطرق المهمة التي عبرت منها العلوم العربية ، والحضارة العربية الاسلامية الى عموم اوربا . لقد تركت الامة الاندلسية اثارا واضحة في اسبانيا فأنشأت المدارس والمكتبات في كل بقعة من بقاع الاندلس وترجمت الكتب المختلفة، وبرعت في اللغة و الادب والطب والعلوم, وهذا  دليل قاطع على أن الحضارة العربية الإسلامية في اسبانيا لم تكن عابرة فقد وجدت لتبقى.

لقد حكم المسلمون  معظم انحاء شبه الجزيرة الايبرية (اسبانيا والبرتغال) قرونا واستطال حكمهم في جنوب اسبانيا تحديدا وكان نظامهم مبنيا على نشر الحضارة الاسلامية ونقل معارف العلوم الى جميع اوربا فاصبحت الاندلس  قبلة للعلم يتوافد عليها الباحثين والعلماء من كل بقاع الارض .  لقد كان الفتح العربي لأسبانيا حدثاً حضارياً مهما و بعد الفتح أمتزجت حضارات سابقة كالرومانية والقوطية التي كانت موجودة في شبه الجزيرة الايبرية  مع الحضارة العربية الاسلامية، ونتج عن هذا المزج والصهر حضارة أندلسية مزدهرة أثرت في الحياة الأوربية وتركت آثاراً عميقة مازالت تتراءى مظاهرها بوضوح حتى يومنا هذا. لقد مرت قرون طويلة على زوال العرب المسلمين من اسبانيا الا ان مأثرهم البطولية واثارههم بقت  تطل على الاراضي الاسبانية في جلال وكبرياء وتحكي في صمت مهيب قصة مجدهم وشجاعتهم  وحضارتهم في الاندلس.

لم ينقطع  التاثير القوي للحضارة الاسلامية  في اسبانيا  حتى في العصر الذي اخذ فيه نجم الوجود العربي الاسلامي في الأفول  وتضاءلت  رقعة الاندلس وانحصرت في حدود مملكة غرناطة  التي كانت  تتمتع  بحضارة رفيعة على الرغم من خوضها المعارك والقتال  مع الاسبان .نجد اليوم الكثير من الاثار  الهندسية والزخارف العربية  في كثير من الصروح والكنائس  الاسبانية  وفي مختلف جوانب الحياة في اسبانيا . ولابد لنا ونحن نتحدث عن الاثار الاندلسية ان نتحدث عن تراث الاندلس الفكري الذي ابقت عليه يد الزمن الى يومنا هذا  فقد ورثت اسبانيا  عن الامة الاندلسية  تراثا فكريا   فمكتبة الاسكوريال الملكية في مدريد شاهد على وجود نوادر الكتب  الاندلسية  التي ورثتها اسبانيا من العرب المسلمين تلك الكتب بمثابة كنوز في مجال الادب والفلسفة والطب  والهندسة والفلك والفقه وعلوم الدين والقران

لقد تركت الامة الاندلسية  اثارا واضحة في اسبانيا و فأنشأوا المدارس والمكتبات في كل بقعة من بقاع الاندلس وترجموا الكتب المختلفة، ودرسوا العلوم الرياضية والفلكية والطبيعية والكيمياوية والطبية و لا ريب أن أثر اللسان العربي في اللغة الأسبانية يعد من أهم أثارها العربية وأكثرها خلوداً في الأندلس، وهو الدليل القاطع على أن الحضارة العربية الإسلامية في اسبانيا لم تكن عابرة فقد وجدت لتبقى،لقد  دام الوجود العربي الاسلامي في  إسبانيا مدة ناهزت الثمانية قرون فاللغة الأسبانية تحتوي اليوم من المفردات العربية أكثر من أربعة آلاف كلمة من غير اشتقاقاتها ولمختلف ميادين الحياة  الزراعية والهندسة المعمارية والاقتصادية والادبية والعسكرية  والعلمية  .إن انتشار  مفردات اللغة العربية إلى اليوم داخل اللغة الإسبانية لدليل على عمق التأثير العربي والإسلامي في اوربا و شاهد على حضارة عظيمة أسسها المسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية.

الخروج من فردوس الاندلس، عبارة طالما ترددت على ألسنة شعراء الأندلس، وهم يقصدون بالخروج: خروج أخر سكان البلاد الأصليين (الأسبان) للمسلمين من الأندلس"الجنة" التي هي عندهم قطعة من جنة الله في أرضة قد شغلت طبيعة الأندلس الشعراء الأندلسيين، فأقبلوا عليها وهاموا بها. وفتنوا بطبيعتها فتنة لا يعادلها إلا اعتزازهم بشعرهم، ذكروا الأندلس ومحاسنها، ووصفوا الربيع ومقدمه، والأنهار والأشجار والرياض والأزهار، وتحدثوا عن ورودها وأشجارها، وما يتصل بها من غدران وأنهار، وتحدثوا عن ومحاسنها والربيع وبشره، فتن الشعراء بجمال بلادهم، ومحاسن، طبيعتها، وأكثروا من التغني بمناظرها الفاتنة، وعبروا عن مدى هيامهم بها، حتى ادّعى الشاعر ابن خفاجة أنها الجنة، منْ دخلها، فقد حُرمت عليه النار،إذ يقول:

يا أهــل أندلس - لله دركمُ -

ماءٌ و ظلٌّ و أشجارٌ و أنهارُ

ما جنــة الخلد إلا في دياركمُ

ولو تخيرتُ هذا كنت أختارُ

لا تتقوا بعدها أن تدخلوا سقراً

فليس تُدخل بعد الجنة النارُ

جميل أن تكون الأندلس قصيدة تأتي من المستقبل، ولكن الأوروبيين يقولون إن الأندلس حسب مفهوم الغرب كانت مستعمرة عربية -إسلامية، عن هذه المقولة الغربية، يعتقد الكثير من الباحثين والمختصين في مجال التأريخ الاندلسي ، أن الأندلس وما بناه العرب فيها من حضارة هي المحاولة الأولى والأخيرة من تاريخ الإنسانية لأن العرب عندما ذهبوا إلى الأندلس لم يكونوا محتلين بل إنهم أقاموا فيها وجعلوا منها وطنهم الأول والأخير ، لأن الإقامة على أرض الأندلس نتجت عنها حضارة عظيمة انتقلت منها الحضارة الإغريقية العربية إلى أوروبا. فيها العرب لم يكونوا محتلين للأندلس ولم ينهبوا ثرواتها وخيراتها وينقلوها إلى بلدان أخرى بل كانت وطنهم ونتج عن وجودهم هناك مزيج حضاري عجيب وسحري. دور بناء الحضارة العربية في الاندلس لم يقتصر على العرب وحدهم ، بل كافة الأقوام الذين كانوا ينتمون إلى بلدان مختلفة وإلى أديان مختلفة. لقد كان  تعاون حضاري إنساني حقيقي – لاول مرة في التاريخ-  أنجزه العلماء والمفكرون والشعراء وحدهم بعيدا عن السياسة التي كانت مشغولة بصخبها وعنفها في ذلك الوقت. مثلا، كانت الجامعات في غرناطة وفي قرطبة وفي إشبيلية ملتقى لعلماء من كافة بلدان العالم وإن حركة الترجمة التي نشطت في تلك السنوات قد لعبت دورا كبيرا في مسار الحضارة العالمية سواء على مستوى العلوم الإنسانية أو على مستوى التكنولوجيا والعلوم. لذا عمدنا عند اعدادنا لهذا الكتاب ، أن نفتح نافذة صغيرة على فردوس الاندلس من معالم اثرية وشخصيات وتراث فكري ، تلك أرض الاجداد لكي نقف أمام هذه الأطلال ، التي طالما اشعرتنا بالفخر والمجد تاره وبالحزن والأسى تاره بين ماض مجيد وحاضر مؤلم بين أحلام وأمال والام و لكن بعد ذلك كان هناك الحزن و البكاء على تاريخ ومجد وحضاره أشرقت على الأنسانيه وانارت ظلمتها 800 عام.

 

اعداد و ترجمة : أ.م.د. غيداء قيس أبراهيم

م.د. شذى اسماعيل جبوري

م.م. محمد هاشم محيسن

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3817 المصادف: 2017-02-16 02:14:56