 كتب وإصدارات

قراء في كتاب اجتماعية التدين الشعبي.. دراسة تأويلية للطقوس العاشورائية

nabil alrobaeiتعتبر الظواهر الدينية والممارسات الطقوسية انعكاس لعقيدة المجتمع، وهي سلوكيات تبحث عن طريقة جلد الذات وفق مفهوم التدين الشعبوي، والفهم الاجتماعي للتدين وفق نمط الطقوس العاشورائية التي تحدث في الأيام العشرة الأولى من محرّم، والتي أثرَّت هذه المشاهد على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لمناطق الفرات الأوسط والجنوب العراقي، والسبب هو الثقافة الشعبوية في تلك الطقوس من خلال تجديدها وتفاعل المجتمع المحلي مع الرموز المظلومة التي سفكت دمائها لقسوة الحكام في العهد الأموي، وقد انتقلت هذه الطقوس لاشعورياً من جيل إلى آخر وفق مفهوم قدسية الدين والتدين الشعبوي المقدس.

عن دار الرافدين في بيروت صدر للكاتب والباحث مهتدي رضا الأبيض كتابه الموسوم (اجتماعية التدين الشعبي.. دراسة تأويلية للطقوس العاشورائية) الذي يحتوي على (222) صفحة من الحجم المتوسط ذات الطباعة الراقية الخالية من الأخطاء الإملائية والطباعية. الكتاب يحتوي على مقدمة ومفاهيم للمصطلحات الهرمينوطيقا والتأويل، وقد قسم الكتاب إلى خمسة فصول، واحتوى الفصل الأول على الرؤية الكونية للممارسات الطقسية، أما الفصل الثاني يمثل نبذة تاريخية عن تاريخ الطقوس والشعائر، والفصل الثالث مثلَّ الثقافة السياسية والاقتصادية للطقوس العاشورائية، والفصل الرابع يمثل التأويل الثقافي للطقوس العاشورائية، أما الفصل الخامس والأخير فهو مخصص حول وصف الطقوس العاشورائية، ومن ثم يليها البوم الصور لمواكب هذه الطقوس.

الكاتب والباحث الأبيض في كتابه هذا يمتلك القلم الجريء في طرح مثل هكذا موضوع في هذا الوقت الصعب الذي قد يتعرض له الكاتب من قبل بعض الغوغاء باعتبار أن الكاتب قد مَسّ احد طقوسهم الثابتة دينياً. وفي هذا الوقت التي تهتم به الطائفة الشيعية بالطقوس العاشورائية وتعتبرها خط أحمر لا يمكن المساس بها أو انتقادها، يطرح الكاتب في ص19 موضوع سوسيولوجيا التدين الشعبي وفق عنوان الكتاب، إذ يقول (وقد تم توجيه العنوان من زاوية أخرى تتعلق بمفهوم السوسيولوجيا بسبب من الخلاف الحاصل فيما ينطوي عليه هذا المفهوم)، ثم يطرح الكاتب مفهوم التأويل وفق المفهوم العربي الإسلامي إذ يقول في ص22 (إن مصطلح التأويل تمت مداولته بين الفرق والمذاهب الإسلامية، فكل فرقة أخذت تجادل وتؤوّل النصوص الدينية حسب رؤيتها للعالم... لذلك نرى أن نصر حامد أبو زيد وعلي حرب وآخرين تبنوا التأويل للنقد الأدبي وفهم الدلالة والمعاني التأويلية عن الفرّق والمذاهب الإسلامية كقراءة جديدة أكاديمية).

1014 nabilلكن أجد أن الممارسات العاشورائية منها ما يكون شعائر ومنها ما يكون طقوساً، فضلاً عن أن الممارسات جوهرها شعيرة ولكن بعض أشكالها تعتبر طقوساً، لكن الإيمان عند الشيعة الإمامية له تجسيد ظاهري ومعنى باطني، فهي ليست نوعاً من أنواع الحدث وإنما هي وسيلة إعلاميّة تعبر عن أنواع الأحداث والتصرفات الاجتماعية، والبعض يعتبرها ممارسات ثقافية منها ديني ومنها اجتماعي، فالممارسات العاشورائية التي تظهر في الشوارع على شكل تظاهرات هي طقوس وليست شعائر، لأن تلك الممارسات دخلت على الشعائر الحسينية من الخارج، فمنها مسيحية أو يهودية أو هندية، فهي طقوس بدائية تمارس من اجل استمالة الأرواح العليا لجلب منافعها ودفع مضارها، أو من اجل الشفاعة وغفران الذنوب والهروب من الواقع والبؤس المؤلم، لذلك يتساءل الكاتب في ص31 ويقول (هنا ما زالت آثار الثقافة البدائية قابعة في لاشعورنا الجمعي؟ أم نحن ما زلنا بدائيين بامتياز؟ ومن المؤسف والمحزن أن نجد رجال الدين كباراً يؤلفون كتباً يحاولون شرعنة طقس التطبير، ويحولونه من طقس وثني وبدائي ودخيل إلى طقس شرعي، ويلصقونه بالشعائر الإسلامية).

لذلك تعتبر الطقوس العاشورائية ناجمة عن الشعور بالذنب لمقتل الإمام الحسين، وإن الظلم الذي انتفض من اجله الحسين ما زال موجوداً إلى يومنا هذا، مما اتخذ من الطقس العاشورائي حفلاً تكرارياً تقليدياً من اجل الثواب والغفران للذنوب.

فضلاً عن مساهمة جملة من العوامل التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في جعل التديّن الشعبي بعد الحرب العالمية الثانية موضوع رهان اجتماعي/ سياسي، أسهم هذا الوضع في تطوير مسار بناء مفهوم (التديّن الشعبيّ) علمياً وسياسياً، أي عندما يدخل السياسي في الديني فحتماً سيخضع للرؤى الكونية الدينية لأدلجة الدين للنهج السياسي من خلال سيطرة السياسي وكتل الإسلام السياسي على عقلية أبناء المجتمع العراقي، وهذا ما حدث بعد عام 2003م، وترويج نظرية الطاعة العمياء كمبدأً راسخاً في عقول المجتمع بفضل أفكار الفقهاء ورجال الدين.

لذا يؤكد الكاتب مهتدي الأبيض في كتابه هذا في ص93 يقول (فإن التديّن الشعبيّ المتمثل بطقوس عاشوراء في العراق يحمل دلالات سياسية وثورية واضحة جداً، وذلك لاختزال الذكرى الحسينية لفاجعة كربلاء كلَّ المبادئ والقيم الثورية التي كرّسها صاحب الذكرى، لذلك جاء إحياء الطقوس العاشورائية مكتنزاً بدلالات سياسية كثيرة لم ترق لمزاج السلطات على مرّ العصور).

فالعراقيون ينظرون إلى الدولة التي تدين بمذهبهم كأنها المنقذ لهم وليست دولة احتلال وانعكس هذا الأمر على الحكومات اللاحقة، إذ أحكمت حكومة البعث السيطرة على كل أنماط الطقوس الدينية الشيعيّة والسنيّة وصولاً إلى مرحلة المنع للطقوس الشيعية التي كانت عن وحدة الجامعة الشيعية الممتدّة بين بلدين متحاربين قديماً هما الدولتين العثمانية والفارسية. وبعد عام 2003م وهو عام التغيير السياسي الذي حصل في العراق وكان السبب في صعود النخبة السياسية الشيعية أكثر من مرَّة لسدَّة الحكم، هو قيام السلوك الانتخابي على أساس طائفي، وهذا السلوك السياسي بطبيعته خاضع للرؤى الكونية والإيديولوجية الدينية المترسخة في عقلية الفرد المتدين.

يذكر الكاتب الأبيض في ص50 من كتابه العلاقة بين الوعي والطقس يقول (والجدير بالإشارة أن هناك علاقة عكسية بين الوعي والطقس، فكلما ارتفع وعي المجتمع قلَّت ممارسة الطقس، وكلما هبط وعي المجتمع كثرت ممارسة الطقس)، ثمّ يتساءل الكاتب ويقول : لماذا؟، ويجيب (إن المجتمع الواعي هو مجتمع يمتلك أفراده الثقة بالنفس والشعور بالمسؤولية، وهذا يؤدي إلى العمل الصالح وتحقيق الطموح والأهداف، وبالتالي يحقق الرضا والحياة لأفراده، ويحقق الرضا للسماء والأرض والتاريخ، ويسعى إلى تحقيق الجنة الأرضية قبل السماوية، مثل هذا المجتمع لا يحتاج إلى طقوس فهو يتمسك بثوابت الدين فحسب).

وهذا ما يترتب عليه التمسك بالطقوس الانفعالية في المجتمعات البدائية والمضطربة، لأن المجتمع البدائي أو المضطرب يكون انفعاله أعلى من وعيه، والتضامن الاجتماعي أعلى من الفردية، مما يؤدي إلى الفساد والضغوط النفسية والنقص الوجودي ولعنة السماء ولذلك يستوجب ممارسة الطقوس من اجل الشفاعة والغفران.

أما لو عدنا إلى تاريخ شهر عاشوراء في الجاهلية كما يذكر الكاتب في ص71 (كانت تعتبر عاشوراء يوماً دينياً فتصومه، وفي هذا اليوم كانوا يحتفلون، ويعيّدون، ويكسون الكعبة، فتظهر علامات التديّن ويمارسون الطقوس، وعلّلوا ذلك أن قريشاً أذنبت ذنباً في الجاهلية فعظم في صدورهم، وأرادوا التكفير عن ذنبهم فقرّروا صيام يوم عاشوراء، فصاموا شكراً للإله على رفع الذّنب عنهم). وهذا ما ذكره العلامة محمود شكري الآلوسي البغدادي في كتابه (بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب) الجزء الثاني الصفحة 288، وقد عللوا قريشاً سبب صيامهم هذا اليوم، أنه كان قد أصابهم قحط ثم رفع عنهم فصاموا شكراً، فضلاً عن أن المؤرخ جواد علي يشكك في هذا اليوم ويعطي جملة من الأسئلة الاستفهامية منها أن هذا اليوم هو صوم عاشوراء لدى اليهود وهو صيام كفارة واستغفار عندهم، ويظهر أن الرواة أقحموا اسم قريش في صيام عاشوراء لإثبات أنه كان من السُنّن العربية القديمة.

ثم يسرد الكاتب الأبيض حول واقعة عاشوراء واستشهاد الحسين في العصر الأموي ، وتبدأ الطقوس بعد ذلك ليوم عاشوراء في العهد العباسي والدولة البويهية ومن ثم الدولة الصفوية حتى عهد الاحتلال البريطاني والملكية والجمهورية، وهو توثيق وفق مصادر تاريخية لما لهذا اليوم من أهمية لدى أبناء المذهب الشيعي العراقي.

من الواضح أن التديّن الشعبي قد انقلب إلى موضوع رهان سياسي/ ايديولوجي، فالسلطات الرسمية عملت في الحكومات اللاحقة في العراق بعد عام 2003م على توظيفه لمقاومة الطرف الآخر، كما وظفته لتجييش الشعور الديني العام وتعبئته لخدمة أهدافها السياسية. فالسلطة السياسية أو القوى الشيعية التي أسهمت في حكم العراق تدرك أنّ هذا الاستعراض الشعبي يعد أهم مصادر قوتها ومسوغات بقائها، وفي الوقت نفسه فإن المجتمع الشيعي يدرك أيضاً أنّ وصول هذه القوى للسلطة يمنح هذه الممارسات والطقوس بقاءها وديمومتها، والدليل على ذلك في ممارسات طقوس عاشوراء من كل عام تجد هناك منصات تابعة إلى أحزاب سياسية تقوم باستقبال المواكب العاشورائية لتوظيف الظاهرة نحو غايات سياسية، وهي الورقة الرابحة لصعود هذه الأحزاب لسدّة الحكم، مما حول العراق بدل من اتخاذ من ثورة الحسين ومبادئ الإصلاح لمحاربة الفساد والظلم، بل أصبح من الدول الأوائل في الفساد المالي والإداري، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن تلك الشعائر والطقوس قد أفرغت من محتواها تماماً وأخذت توظف توظيفاً سياسياً من اجل مصالح ذاتية وطائفية.

أما في الفصل الأخير من الكتاب يصف الكاتب مرحلة الطقس العاشورائي واستعراضه في شارع المواكب في كل مدينة عراقية، ومن نماذج هذا الطقس منها (طقس التطبير، طقس الزنجيل، طقس التشابيه)، أما المقررات الخاصة بتنظيم المواكب فهي (هيئة الشعائر الحسينية، رابطة خدمة الحسين)، ويوضح الكاتب أهمية هذه الطقوس والمقررات في كتابه هذا.

من هذا نستنتج أن الكاتب وبقلمه الجريء قد سلط الضوء على هذه الظاهرة وتاريخها وما مرَّت به من ظروف المنع قبل عام 2003م وعلاقتها وصلاتها بظواهر أخرى حدثت في القرون الوسطى في المجتمع الأوروبي، وتحليل الظاهرة تحليلاً اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، مما أدت به هذه الظاهرة التي اكتسبت خصوصيتها في الكم والنوع المؤثر تأثيراً اجتماعياً والمتكرر سنوياً بعد عام 2003م، والمتجدد في آن واحد عند الأجيال المتلاحقة، فتظهر في حياة الفرد الشيعي عندما تقوم بتحديد صورة العلاقة بينه وبين المقدس والطقوس اليومية، من خلال مقدس يومي متسامي بتجربته الدينية ليكون ممثلاً أوحداً وحقيقياً لمقدسٍ متعالٍ، وحشد وتعبئة السكان والمجتمع لممارسة هذه الطقوس قبل بدء موسمها لضمان استمراريتها لفترات طويلة جداً خلال السنة، مما أدى إلى سكوت المؤسسة الدينية وإجبارها على أتباع منهج الصمت والسكوت عن الكثير من الارتباطات الدينية لهذه الطقوس وتبريراتها الاجتماعية، مما أحدث هوَّة كبيرة وعميقة بين الوظائف الأساسية للدين الإصلاحي وتنامي ظاهرة التدين الشعبي الطقسي في المجتمع.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3860 المصادف: 2017-03-31 13:19:02