 كتب وإصدارات

مراجعة كتب الفن المعاصر

khadom shamhodالفن خلق مع الانسان: يذكر صاحب كتاب ـالفن والمجتمع ـ ارنولد هاوزر ان الفنان هو الذي اوجد الفن، واشار ان الانسان القديم اخذ مجموعة من الاصباغ التي صنعها بيده ونقش على جدران الكهوف بعض مشاعره وتعبيراته عن البيئة الوحشية وحيواناتها المفترسة، وكان الدافع الاول على الاغلب هو اعتقاده بالسحر حيث يعتقد ان رسمه للحيوانات وهي مصابة بحرابه يسهل له صيدها واقتناصها فما عليه الا ان يخرج من كهفه ويقبض عليها . ومن ذلك الحين اصبح الفن ظرورة حياتية للانسان كالماء والطعام وقد ولد مع ولادته ونشأته . كما انه ليس هناك ماضي او حاضر للفن بل هو الانسان نفسه (وخلقنا الانسان في احسن تقويم) يعني اجمل واحسن هيئة واحسن ابداع فني . فالفن هو الجمال والجمال هو الفن . والجمال خلق رباني موجودا في الطبيعة وفي الانسان وفي كل شئ، فهو موجودا في الملبس والكلام والكتابة والعمارة وفي التصوير والادب والشعر والموسيقى والرقص وفي الطعام والشراب وغير ذلك .. كما ان الفن هو لون من الوان الثقافة الانسانية وهو نتاج ابداعي يخضع الى تقاليد وعادات الشعوب وبيئاتها الجغرافية ومناخها وارثها الحضاري .

معنى الفن في اللغة:

عندما نتصفح القاموس العربي نجد معاني لمفردات الفن والفنان . فالفن اشرنا الى معناه سابقا بشكل عام ومختصر . وفن: (فعل) ـ فننت، يفن (ضم على الفا) او يفن (كسرة تحت الياء) . فن الفنان: تفنن في فنه وما اتى به من ابداع . اما الرسم من رسم (فعل) من يرسم صوره او نحوها . كما يأتي الرسم بمعنى الاثر: رسم الدار يعني ما كان من آثارها لاصقا بالارض . النقش: نقش (فعل) ينقش نقاشا فهو نقاش على الحجر ونحوه، رسم او خط عليه بعمق .. نقش اسمه على شجرة او ضريح .. وجاء في احد الاحاديث المأخوذه عن كتاب صحيح البخاري (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب او صورة الا نقشا في ثوب) وهنا جاء النقش بمعنى الرسم .. رغم شكنا في صحة الحديث الا اننا نأخذ معنى مفردة النقش .

كما تطلق كلمة فنان على الحمار الوحشي: حيث يتفنن في العدو (الركض)

مفهوم الفنان من ناحية المصطلح العام:

الفنان في المفهوم المعاصر هو شخص مبتكر ومبدع ومخترع وصاحب افكار سابقة على عصرة وعادة ما تكون غريبة وبعيدة نوعا ما عن التقليد . وهو واسع في مخيلته ومشاعره واحاسيسه وهو مقدام وجرئ ..، ويعتبر ركيزة حضارية تقود الى التطور والتقدم . واتذكر قصة لفنان انكليزي يدعى وليم هوغارث ظهر في القرن الثامن عشر 1697ـ1764 اشتهر في رسومه الواقعية والساخرة في انكلترا واوربا واخذ الرسامون يستنسخون اعماله، فصدر قانون من البرلمان الانكليزي اسمه ـ قانون هوغارث ـ يعاقب كل من يستنسخ اعماله . ولهذا كان هذا الفنان رمزا حضاريا وثقافيا احدث تطورا هائلا في الفن الاوربي في ذلك الوقت . وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهر فنانون رواد اسسوا مدارس حديثة احدثت انقلابا وثورة وتمردا على التقاليد الفنية الكلاسيكية القديمة، واصبح لهذه المدارس منظرين ونظريات فكرية ومفاهيم فلسفية تبرر ظهورها ووجودها وفكرها ومنها ما ارتبط بالفكر الفلسفي الاغريقي والروحي الديني .و قد عم تأثير هذه المدارس العالم اجمع . وبالتالي هذه هي صفة الفنان الحقيقي ومميزاته وليس من الانصاف اطلاقها على كل من هب ودب بمجر مسك ريشة وقلم وخط ..

مراجعة كتب الفن المعاصر:

هناك احيانا فهم خاطئ لمفهوم الفنان من قبل غالبية الكتاب والنقاد الذين تصدروا للكتابة عن الفن وانتاج الفنان في عالمنا العربي، فاصبح كل شخص يرسم منظرا او طبيعة صامته او موضوعا اجتماعيا او فنا حديثا مهما كان ذلك الشخص، فانهم يطلقون عليه فنانا مبتكرا وفريدا بالمعنى الاصطلاحي العام الذي اشرنا اليه سابقا ويدون في كتب الفن وينشر . ؟؟؟ ناهيك على ان الفن الحديث ليس له قواعد للنقد كما كان في العصر الكلاسيكي حيث ان كل رسام اصبح يرسم ما يشاء وما يتذوق من شتى صنوف وانواع الاساليب والافكار . بمعنى ان اكتشاف الفن الحديث وما بعد الحداثة حطم كثير من الاطر والحدود والقيود القديمة ودعى الى بناء رؤية تعبيرية جديدة في كل قطاعات الفن بشكل حر .

ولهذا لو اردنا ان نفهم الفنان بالمعنى الاصطلاحي العام وليس اللغوي الذي اشرنا اليه سابقا وما حدث من تغيرات وتحولات فنية وفكرية في القرن العشرين لوجدنا انه يحتم علينا مراجعة غالبية الكتب الفنية العربية التي كتبت عن الفن والفنانين العرب .و ربما نخرج غالبيتها من المكتبة العربية . هذه الكتب كتبت بطابع عاطفي وليس عقلي موضوعي، كما يطغي عليها طابع الاطراء والسفسطة والثرثرة الادبية التي نراها في كتب الادب خاصة رويات بعض الكتاب المصريين .. يضاف الى ذلك ان هؤلاء الكتاب كأنهم لم يقرأوا عن تاريخ الفن ومدارس الفن الحديث ورواده او ان الاموال والتعصب القومي او الفكري قد حجب الحقيقة عن عقولهم .. ولهذا انا شخصيا اشك في ما كتب عن الفن العراقي المعاصر منذ نشأته الى اليوم واقترح اعادة النظر في الكتابة عن الفن بشكل موضوعي وعقلي وليس عاطفي .

اساتذة ام فنانين:

من المعروف ان الطلبة العرب في بداية القرن العشرين قد درسوا الفن الاوربي الحديث في باريس وروما ولندن وبرلين وموسكو وغيراها، وان بعض البلدان الاوربية اسست اكاديميات في الدول العربية لدراسة الفن الاوربي بعد استعمارها كما حدث في مصر عام 1898 والمغرب والجزائر 1906 . ثم عاد هؤلاء الطلبة بعد ذلك الى اوطانهم واسسوا معاهد واكاديميات فنية تدرس المناهج الاوربية الحديثة، كما حدث للاستاذ فائق حسن الذي اسس معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1939 . وبالتالي فقد ظهر في بلداننا اساتذة اعتنقوا المذاهب الفنية الاوربية واساليبها الحديثة واخذوا يدرسونها الى الطلبة العرب . وهكذا عمت وانتشرت المدارس الاوربية في عالمنا العربي . ولهذا نحن عندنا اليوم اساتذة ورسامين وليس فنانين حسب المفهوم السابق سواء كان في العراق او مصر او سوريا او المغرب او غيرها .. وهذا ما دعى المفكر والمؤرخ العربي الدكتور عفيف البهنسي بالقول ان المدرسة الوحشية التي تزعمها ماتيس هي نتاج تأثيرات الفن الاسلامي . وان بول كلي سبق الرسامين العرب في استخدام الحرف العربي . كما ذكر الاستاذ المؤرخ المصري زكي محمد حسن انه يتعذر القول بوجود فن عربي وانما هناك فن اسلامي ... وبالتالي اصبح الرسام العربي اليوم مقلدا ومستنسخا للمدارس الاوربية الحديثة واصبح عاجزا عن ابتكار وتأسيس مدرسة لها مميزاتها وهويتها الخاصة وفلسفتها ونظرياتها الفكرية التي تدعم وجودها كما هو حاصل في المذاهب والتيارات الاوربية الحديثة . . تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3983 المصادف: 2017-08-01 13:15:31