 كتب وإصدارات

بين الطوباوية والأخلاق في كتاب الخوف من البرابرة (2) البربريّة والخوف

khaira mobaraki"إن الخوف من البرابرة هو الذي يُخشى أن يحوّلنا إلى برابرة السّوء الذي نتسبّب به لأنفسنا سيتخطّى السوء الذي كنّا نخشاه في الأساس..إن كل الارهابيين في العالم يعتقدون بأنّهم يتصدّون للإرهاب وأنّهم لا يقومون سوى بالرّد على عمل مروّع في السّابق "  تزفيتان تودوروف

ينطلق تزفيتان تودوروف من تحليل موضوعي يحاول من خلاله أن يقف عند الأسباب الحقيقية للصراع الذي سيولّد الشعور بالخوف ، ولعلّه اطراد منهجي يبرّر به مقولة الحقد في تطوره نحو تأجيج الصراع بمختلف أشكاله ينطلق من مواجهة كبرى بين الشرق والغرب لمدة تقارب العشرين سنة . ليشهد تطورات جديدة غابت فيها المواجهة والتصادم الشّمولي. وهذا الهدوء النسبي أفرز ثورة تكنولوجية حقيقية ساهمت في تعزيز الاتصال بين البلدان وهو ما أطلق عليه اسم " العولمة "  أثّر على العلاقات الدوليّة ، ليخلق ضربا من التّواصل بين "شعوب الكرة الأرضيّة " . قد يبدو لهذا التواصل بين البلدان والأشخاص مفاعيل إيجابية كما أشار تودوروف ، إلاّ أنّ ابتكارات تكنولوجيّة قد تصبح مصدر قلق وهو الوصول بسهولة إلى الأسلحة المدمّرة وخاصة المتفجّرات التي أصبحت في متناول أيّ كان فلا يحتاج الفرد سوى لهاتف محمول لكي يقوم بالتفجير. هنا تنشأ المخاوف من خلال تحليل الكاتب لأنّه ومن خلال قوله :" لم تعد هناك من حاجة لقوّة دولة لكي نُنزل بالعدو أفدح الخسائر ، ويكفي لذلك وجود بضعة أفراد مصمّمين ويمتلكون الحد الأدنى من الامكانيات الماليّة .." يؤكد أن هذه الثّورة من شأنها أن تسبّب صراعا بين الأقوياء والضعفاء يغذّي الحقد والثّأر الدّفينين النّاجمين عن الإذلال الذي مارسته هذه الدول على مدى عقود أو قرون طويلة. هو صراع بين الازدراء أو الشفقة وبين الشعور بالحسد والرفض لتعمّق هذه الثنائيات صراعا آخر بين التكنولوجيا والقوّة من ناحية والتّفوّق العددي والغضب من ناحية ثانية. والجدير بالذّكر أن الكاتب قد أقام خطابه على تحليل موضوعي يستند إلى العقل فينطلق من التاريخ ليقف عند الأسباب الموضوعية للخوف في ضرب من الاستقراء للواقع والأصح هو يحلل طبيعة المأزق التاريخي الذي يعيشه الغرب عبر متابعة طويلة ومتزنة  وليست غايته التأريخ بقدر ما هي الابتعاد عن التنظيرات الجافة والتّخيلات الخادعة ليلامس الواقع ويعيشه من الدّاخل . وهاهنا يدرس الاجتماعي للفرد والجماعة وما يحيط به من مثيرات اجتماعية. وكأنّه بذلك ينطلق من دراسة علميّة للإنسان ككائن اجتماعي ويهتم بالخصائص النفسيّة للجماعات ومتطلّباتها . لعلّه بهذا يشير إلى تصادم الذّات الفردية والجماعية أمام التّغييرات والتّبدّلات الحاصلة ببيان مقنع يلوذ به إلى التطورات الحاصلة وصيرورة التاريخ والثقافة وهذا ما يوصله إلى يقين وهو أنّه لا توجد ثقافة خالصة أو مختلطة  "فكل الثقافات مركّبة هجينة أو مهجّنة بما فيها الهويّات الفرديّة والجماعيّة كممثّل للثّقافة من جراء التواصلات الإنسانيّة".  هنا تطرح مسألة الغيريّة بعنف كيف ينظر كل طرف إلى الآخر؟ وهو أمر يراه مقترنا بالأهواء الانسانية  باعتبارها المحرّك للمجتمع استنادا إلى مقولة منتسكيو التي جاءت في كتابه روح الشرائع Lesprit des lois :"الفضيلة في الجمهوريّة ،والشّرف في الملكيات " وذلك ضمن مفهوم أطلق عليه "مبدأ الحكم" .فيؤكد من خلاله أن هوية هذه الأهواء هي هويّة متحرّكة تفرض خصوصيّة كل بلد لكنّها في الآن ذاته تمكّنها  من التحوّل والانتقال بسهولة من مجموعة إلى أخرى وهو بذلك يقترح تجمعا للعالم هو بالأساس تصنيف اشتغل عليه دومينيك مويزي في كتابه "صدام المشاعر" The clash of emotions  هذا التّجمع من أربع كتل : L appétit أو "الشّهية" وتتضمن مجموعة الدول الطامحة للوصول إلى مستوى من الرقي والغنى من إفادتها من العولمة ومن الاستهلاك ومن وسائل الترفيه (البرازيل واليابان والهند ..) .أمّا المجموعة الثانية فهي مجموعة البلدان التي يلعب فيها "الحقد " والاستياء دورا أساسيا Ressentiment  وتجمع الدّول العربيّة – الإسلاميّة التي لا تستطيع أن تخرج من حقدها على الغرب وهو حقد كما أشار تزفيتان تودوروف من طرف القادة العرب كذريعة لتجنب المشاكل الحقيقيّة . أمّا المجموعة الثالثة فهي التجمع الغربي وتتميز بالموقع الذي يحتلّه فيها "الخوف " La peur  الذي يأتي من المجموعتين : تخشى "بلدان الشهية " من سيطرتها الاقتصادية و"بلدان الحقد"   هجوماتها الإرهابية . وأخيرا الكتلة الرابعة "التّردّد" Indécis . بهذا التّصنيف يصل الكاتب إلى جوهر الإشكال وحقيقة الأطروحة التي يفسّرها وهي حق الدّول الغربيّة في الوقوف والتصدي لكل اعتداء يمس أمنها وقيمها التي اختارت أن تؤسّس عليها أنظمتها الديمقراطيّة وتواجه أي تهديد إرهابي . وهاهنا يتعاظم الخوف الذي يتحول من منظور تودوروف إلى  تبرير عقيم لتصرّفات لاإنسانيّة  حين تكون كل الوسائل مقبولة لإزاحة هذا الخوف . بهذا يعتبر أن الحرب ضد الإرهاب قد  برّرت العديد من الجرائم التي ارتكبت ضد الانسانية وخاصّة منها الشرعيّة التي تمّ اضفاؤها على التّعذيب من قبل الدّيمقراطيات الغربيّة ولا أدلّ على ذلك ما يحصل في سجني أبي غريب وغوانتنامو أو الاجتياح العسكري المنافي للقانون الدولي وقصف قرى المدنيين من وحي المفهوم الميكيافيلي "الغاية تبرر الوسيلة " . إنّه مبرر منظّري الاستعمار وهو نفسه الذي برّر له منظري التدخل باسم الإنسانيّة والحماية أو باسم الديمقراطيّة والحرّية ، كما ردّد جورج بوش وهو يحضر لغزو العراق " القول بالكونيّة يهدّد فكرة مساواة الشّعوب" بهذا يحذّر من أنّ "الخوف من البرابرة هو شعور يوشك أن يجعلنا برابرة" وهاهنا يتعمق في هذا الشعور الجامح الذي يتحوّل إلى حالة مرضيّة وخاصة ضد الاسلام والمسلمين لاعتبارات عدة تتجاوز التاريخ في صراعه مع المسيحيّة إلى ما هو أعمق وأخطر فالخطر "الذي يمثلونه ليس وهميّا . أخيرا شاءت الجغرافيا (أو الجيولوجيا) أن تمتلك هذه البلدان المسلمة أهم احتياطات الطاقة الموجودة في كوكبنا .وحين يرتفع سعر الوقود أو فاتورة التدفئة المنزليّة،فإنّ الشعور بالتبعيّة إزاء من كانوا خاضعين سابقا هو إحساس مزعج"  وهذا الأمر ضاعف من الشعور بالحقد لنكون إزاء ما يسمى الكزينوفوبيا (كره الأجانب) الذي يشكّل برنامج الحد الأدنى لأحزاب اليمين المتطرّف كأن يصرّح فيليب ديوانتر رئيس حزب "المصلحة الفلامنكيّة ": "الاسلام هو العدو رقم واحد ليس فقط في أروبا وإنّما في كل العالم الحر " وتترافق هذه الكزينوفوبيا مع ما يسمى الإسلاموفوبيا ليقترن الخوف والحقد في علاقة جدليّة . من هنا تظهر رؤية الكاتب وبرنامجه النقدي . هو نقد ذاتي يتصل بأخلاقية التحليل الموضوعي لقضايا تتصل بالعلاقة بين الذات والآخر. وخاصّة مشكلة الغرب مع العالم الإسلامي التي تتمثل في في إصراره على إسقاط تجربته الحضاريّة على الآخر . في هذا السّياق يحذّر المؤلف من تبعات هذه الأحكام كقوله : "أي شخص يحمل هذا الاعتقاد يصبح خطيرا عندما يقرّر أن على العالم بأسره أن يستفيد من مزايا مجتمعه وتجربته التّاريخية المحدودة في الزمان والمكان ، وأنه مدعو إلى غزو بلدان أخرى إن لزم الأمر من أجل إمدادها ببشائر التقدم والرّخاء ". هنا ينتقل تودوروف من موقع المفكّر صاحب النّظريّة إلى موقع السياسي صاحب الموقف . ليرفض بذلك السّياسات العنيفة لدول العالم الحر في التعامل مع دول معادية ونفوذها المتعاظم داخل دوائر صنع القرار وهذا لن يمثّل خطرا على الدّيمقراطيات الغربية فقط بل يتجاوزها إلى العالم بأسره . فخيارات الولايات المتحدة لا تختلف كثيرا عن تلك التي كانت ستتخذها بلدان عديدة أخرى ...فهي متحفّزة للشر والهجومات من ورائه لأنّها تحتلّ على الصعيد العسكري موقعا متميّزا . "إنّ ترسانتها المدمّرة هي بما لا يُقاس أضخم من كلّ البلدان الأخرى : ..إنّ كل البلدان تخشى ردّة فعل الولايات المتحدة..فالمواصفات الرّائعة للتكنولوجيا العسكريّة التي تمتلكها ،هي التي تجعل منها البلد الأشد خطرا-على الآخرين وكذلك على نفسها ،ذلك أنّ أسلحتها النوويّة يمكن أن تعرّض للخطر حياة الكرة الأرضيّة " (تزفيتان تودوروف الخوف من البرابرة :ما وراء صدام الحضارات ص14) . بهذا هو يشدّد على ضرورة إعادة النّظر في مفهوم "العدو" نفسه مشيرا إلى خطورة ما يفكّر به الغرب يقول هنتنغتون : " الكراهية جزء من صميم إنسانيّة الانسان ، ولتجديد هويّتنا وإذكاء مشاعرنا سنكون في حاجة إلى أعداء ". بهذه الطريقة يدمّر الغرب نفسه فيسقط في البربريّة حين يعلن المؤلف حقيقة المعنى في خضم "معمعمة" من المصطلحات المتشابكة المعنى ليركّز على مفهوم "البربرية" فيقوم بمماثلة منهجيّة تاريخيّة يربط من خلالها بين وصف دوائر غربيّة للحضارة الإسلامية بأنّها "بربريّة " وبين مفهوم البرابرة في عهد اليونان وهو إطلاق الاسم على كل من لا يتحدّث اللغة اليونانيّة ، لينتهي إلى أن المركزيّة الغربيّة تعتبر أن كل من يتجاوز القيم الغربيّة يدخل دائرة "البرابرة"  وهاهنا يرفض رأي الفيلسوف كلود لفي شتراوس  حين اعتبرها حالة انسانيّة ويؤكّد على وجود البربريّة فيحددها بمحدّدات مختلفة تتجاوز التنظير إلى ملامسة الواقع الموضوعي فالبربريّة برأيه هي حالة نفي إنسانيّة الآخر تتحقّق حين تعتقد مجموعة بشريّة ما بأنها تجسّد التّمدّن والإنسانية وترفض الاعتراف بتجربة الآخر وهذا ما يوقعها في شرّ الانغلاق على ذاتها وهو مؤشّر رئيسي في حالة "البربريّة " بهذه الطريقة يدمّر الغرب نفسه ، ليكون جزءا من الثقافة "البربريّة" التي يخشاها ويزعم أنه يريد القضاء عليها .

يتبع ....

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4039 المصادف: 2017-09-26 05:45:59