 كتب وإصدارات

نوم الغزلان .. فصول على هامش السيرة الذاتية للقاص الفلسطيني محمد علي طه!

shaker faredhasan"نوم الغزلان" هو احدث اعمال الكاتب والقاص الفلسطيني محمد علي طه، والصادر  عن دار "الشروق" رام الله - عمان، وهو "ليس رواية ولا سيرة ذاتية ولا سيراوية، وانما هو فصل على هامش السيرة الذاتية - كما يقول محمد علي طه في "اول الكلام" .

محمد علي طه، الميعاري المولد والنشأة والطفولة والاصل، وكابولي الاقامة والسكن، اشهر من نار على علم، فنجمه ساطع، وهو حكاء وراو ماهر من الدرجة الاولى، ومن ابرز واهم كتاب السرد القصصي والروائي الفلسطيني في الداخل، واحد اعلام ورواد القصة القصيرة والرواية الفلسطينية، ومن المؤسسين لأدب القصة في ثقافتنا الفلسطينية داخل الحصار .

انه كاتب قصصي يتمتع بالحس الانساني والادبي المرهف الصادق، التزم بالواقعية، مسكون بقضايا الوطن والهم والجرح والمصير الفلسطيني، ولم ينس جدوره الميعارية، وحافظ على خاصيته الريفية، ويقول رأيه وموقفه ويعبر عنه بكل وضوح دون مواربة وتزلف وخوف، وبجرأة واقدام .

وفي كل اسبوع ومع انبلاج الصبح كل يوم احد نلتقي محمد علي طه في زاوية " صباح الخير " على صفحات " الاتحاد " السنديانة الفلسطينية الشيوعية الباقية والراسخة، رغم كل الصعاب .

تحظى كتاباته ذات النكهة الفلسطينية، بالاهتمام النقدي والبحثي في الداخل والخارج، وكتبت ونشرت عن أدبه العديد من المقالات والمتابعات والأبحاث والاطروحات الاكاديمية، ومن اهم الكتب التي صدرت عنه كتاب " محمد علي طه، راودته الكلمات وراودها " للكاتب الناقد نبيه القاسم .

رلعل محمد علي طه هو الكاتب والأديب الفلسطيني الأكثر قراءة لدى الناس وجمهور القراء المهتمين بالقصة والرواية، وذلك بفعل اسلوبه القصصي الراقي، الأخاذ، الجاذب، الساحر، القريب من الذائقة الشعبية والأدبية، ولغته الحية، الصافية، وكلماته الانيقة المدهشة، التي تمس القلب والروح وتلامس الوجدان الفلسطيني .

وما يميز كتابة محمد علي طه روح السخرية، والالتصاق بالبيئة الريفية وحياة القرية الفلسطينية والهموم والآلام والمعاناة اليومية للناس البسطاء العاديين، وتنبعث منها رائحة فلسطين وعبق زعترها ونرجسها وسنديانها وميراميتها ونعنعها، وعبير اشجارها وزهورها البرية ونباتاتها الشتوية والربيعية، ووديانها ومروجها وسهولها  وجبالها وينابيعها وعيون مائها وبيادرها وطوايينها وخوابي بيوتها وطينها ومراعيها الخضراء وقطعان غنمها وغزلانها .

وهو يقدم شخصياته في نماذج اجتماعية وانسانية حية وواقعية .

وفي " نوم الغزلان " يحكي محمد علي طه، وكما عودنا دائماً باسلوبه المشوق ولغته الشعرية والادبية الجميلة السلسة الانسيابية، فصولاً عن طفولته وبواكيره وبداياته وملاعب صباه وأيام المراهقة والشباب، وعن النكبة والتهجير والتشريد القسري والحكم العسكري البغيض، ونضالات شعبنا، والحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية، ويروي يومياته الثقافية والسياسية والدراسية، وذكرياته صداقاته العميقة التي ربطته مع الكثير من رجالات الادب والشعر والفكر والثقافة والسياسة، من ابرزهم محمود درويش، توفيق زياد، سميح القاسم، راشد حسين، اميل توما، اميل حبيبي، توفيق طوبي، علي عاشور، احمد دحبور، يحيى يخلف، عز الدين المناصرة، محمود امين العالم، نجيب محفوظ، لطفي الخولي، ممدوح نوفل، الياس خوري وسواهم .

وهو يخصص في كتابه فصلاً كاملاً يتحدث فيه عن ذكرياته مع الرئيس الفلسطيني الرمز ياسر عرفات .

كما يطوف محمد علي بنا في جولاته وزياراته وسفراته الى مصر والاردن وتونس واليمن وسوريا والبحرين والنمسا وكوبا وروسيا والصين  وكندا، فنشعر وكأننا جزء من هذه الرحلات والجولات والمشاركات الثقافية في المؤتمرات والمواسم الادبية .

في " نوم الغزلان " نقرأ قصة فلسطين، وسيرة البقاء والكفاح والتحدي والمواجهة والتمسك بالارض حتى الجذور، وصيانة الهوية والحفاظ على اللغة والتراث، ونعرف اكثر أن فلسطين هي فلسطين الباقية الراسخة في عمق ووجدان كل فلسطيني،  وكل طفل يحبو،  وكل مقاوم بالحجر والمقلاع، وكل مهاجر ومشرد في مخيمات البؤس  والجوع والالم والشقاء يحلم بالعودة، فلسطين الذكرى والذاكرة والبقاء والحياة والغد الجميل، رغم العواصف والرياح العاتية التي مزقت اوصال الوطن، ورغم تقلبات الزمن، وما جار عليها من ظلم تاريخي وقهر دائم ومتواصل واحتلال ظالم .

محمد علي طه في " نوم الغزلان " يتقلب على جمر الرواية الفلسطينية، مقتحماً اللغة الشفافة الموغلة في الصدق العفوي، وسرد السهل الممتنع، في شتاءات ماطرة وعاصفة، وحنين لاهب، ليحظى بربيع بديع دافئ، وتنتصر الحكاية في غد سعيد اكثر اشراقاً وجمالاً واخضراراً .

" نوم الغزلان "هي الذاكرة الفلسطينية الحية التي يجب أن تسجل في سفر التاريخ الفلسطيني، وهي اضافة نوعية مميزة للرواية الشفوية الفلسطينية التي يجب أن تعرفها الاجيال الفلسطينية الجديدة، انها ايقونة ادبية كتبت بحروف من نار ونور، جمعت  في طياتها كل العناوين والدلالات الانسانية والجمالية والمعاني العميقة لفلسطين الرمز والتاريخ والشعب والوطن والقضية والتراجيديا المتواصلة والنكبة المستمرة .

ويسود حكايات محمد علي طه اسلوب سردي حكائي صاف، قربته من نفوس لباقة ولياقة مبدعنا المعهودة في السرد، بلغة شفافة ندية وعذبة فيها الجزالة والفصاحة والبلاغة والبديع والوصف الشاعري الجميل، ونلمس عمق انسانية وفلسطينية محمد علي طه وصدق تجربته، التي ينساق معها انسياق اللحن المفرد في السمفونية المتناغمة، فيبدو في حزن واسى وشجن على الماضي اللي راح، وتطغى عليه الذكرى، وطن وحبيبة وجمال، يتقاذفه الشوق والحرقة، فيحن حنين الملتاع، ويلجأ الى نشوة الحواس، ويفيق منها متعباً باحثاً عن درب الخلاص، وهو يعي ويدرك ويعلم تماماً أن طريق الحرية ليست مفروشاً بالورود، وانما يحتاج للتضحية والكفاح المقننن والنضال المثابر الدؤوب .

تحية لك يا أبا علي، يا عاشق فلسطين بكامل زهوها وجمالها وقداستها، السيدة الابدية التي تستحق الحياة والوجود، وتجعلنا مثلها نستحق الحياة، وكما قال سيد الكلمة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش " على هذه الارض ما يستحق الحياة " .

 

بقلم : شاكر فريد حسن       

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4044 المصادف: 2017-10-01 04:19:42