 كتب وإصدارات

الصور على الحائط” للأديبة العراقية الأصل تسوينيت فتّال

nabil alrobaei2الروائية تسيونيت فتال تنتمي لعائلة عراقية الأصل هاجرت مع الكثير من العوائل العراقية، البلد الأم، بعد الهجرة الجماعية القسرية لهم عام 1951م، صدرت لها رواية (صور على الحائط) من داخل العراق وهذا فخر لنا وللأدب وللرواية العراقية .

تدور أحداث الرواية في بغداد في النصف الأول من القرن العشرين، أي عن الوجود اليهودي في العراق في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين قبل هجرتهم وتهجيرهم منها بعد أحداث الفرهود عام 1951م، تقوم الرواية على منظومة علاقات مركبة ومعقدة بين (نوريّه) بطلة الرواية، وبين أفراد أسرتها، وحاولت بطلة الرواية (نوريّة) جاهدة تحقيق أحلامها وطموحاتها رغم الصعوبات المأساوية الكثيرة التي واجهتها، وهي نفس المشكلات التي واجهت أبناء الديانة اليهودية التي اضطرت بسببها من أجل الحفاظ على بقائها، إلا أنها أخيراً اضطرت إلى مغادرة العراق .

هذه الرواية هي في السرد العراقي الحديث للروائية تسيونيت فتال التي ولدت خارج العراق، ولكن من خلال العودة بقصص والديها (ديزي ربيع وعزرا فتال) عن بغداد واهلها وعادات وتقاليد ابناء الديانة اليهودية صيغت تلك الذاكرة بروايتها (صور على الحائط)، نتيجة شوقها إلى العراق مسقط رأس والديها اللذان توفيا فجأة قبل عشر سنوات من الآن، والرواية هي اقرب للسيرة الحياتية لأبناء الديانة اليهودية .

الرواية تنم عن حنين الوعي والشوق لأرض الآباء والأجداد في استعمال المذكرات ودلالاتها تحديداً فيما يتصل بخطابات البوح والاعتراف وهي ظروف وأسباب دفعت تسونيت إلى توظيف ذاكرتها بوصفها قصاً يتناول حياة فتال تارة، والأحداث التي تشير إليها بمعزل عن الذات تارة أخرى .

ترجمة الرواية من قبل الأستاذ عمرو زكريا خليل التي حازت على صدى إعلامي كبير في وسائل الإعلام العبرية والعربية، وهي أول رواية عربية لرواية إسرائيلية تصدر في بغداد، لقد أصبحت الترجمة في العصر الحديث ضرورة حاسمة للانفتاح والتطور الذي يمكن لمجتمع ما أن يعيشه في مختلف المجالات التقنية والعلمية والاجتماعية والثقافية، بل أصبحت العنصرَ الحاسم في تحقيق مجتمع المعرفة، الذي يستطيع عبر امتلاك لغات عديدة تحقيق التنمية الثقافية والحضارية والعلمية، عن طريق الاطّلاع على ما ينتجه الآخرون . لم تعد الترجمة مجردَ مسألة أسلوبية ولغوية، بل صارت مسألة حضارية وثقافية، بدونها لا يمكن الانفتاح على الآخر ولا معرفة تاريخ الآخر، بقصد التعايش معه.

وفي لقاء مع المترجم عمرو زكريا خليل حول أهمية الترجمة قائلاً :" فيما يخص مستقبل ترجمة اللغة العبرية في مصر والوطن العربي أرى أن هناك ضرورة ملحّة لترجمة جميع ما يصدر في إسرائيل إلى اللغة العربية، ولا يجب أن تظل إسرائيل حتى اليوم مجهولاً للكثيرين، وعادة ما يسبب هذا المجهول خوفاً من شيء ليس بالحقيقي، أو إعطائه حجماً أكبر من حجمه . كما أن ترجمة الأدب العبري ستجعلنا نقف على المجتمع الإسرائيلي بجميع طوائفه ومكوناته وتسهم أكثر في فهمه في وقت السلم قبل وقت الحرب . لذلك على الدولة أن ترعى ترجمة اللغة العبرية إلى العربية وتعمل على تذليل العوائق التي تواجهها وأهمها حقوق النشر، حيث يصعب القيام بترجمة الكثير من الأعمال بسبب صعوبة الحصول على الموافقة بالترجمة."(1).

جاء في حديث للروائية فتال حول روايتها (صور على الحائط) قائلة : "بعد ثلاث سنوات من البحث نجحت وتمكنت من العودة ولو بصورة افتراضية إلى مرحلة طفولة ومراهقة والداي في بغداد . من خلال صفحات الكتاب يمكن أن نسمع صراخ الأطفال الذين يتعلمون السباحة في نهر دجلة، وصيحات التجار في سوق حنوني (حنون) وأصوات الرجال المدخنين الجالسين في (المقاهي) يلعبون الطاولي والدومنة . نسمع أصوات الصلوات تنبثق من "مدراش زلخة" وكنيس "الصلاة الكبيرة" الذي يظهر في روايتي بكل مجده . يمكنك أن تشم رائحة الشاي والسمك المسكوف، والعنبة بالصمون والكشري . وتستطيع ان تتمشى في الأزقة الضيقة والمتعرجة في الحي اليهودي القديم وتتمتع بجمال نهر دجلة وبحدائق أشجار النخيل . في الفترة التي كتبت فيها كتابي اطلعت على الأعمال الأدبية للأدباء اليهود العراقيين الذين كتبوا باللغة العربية أمثال أنور شاؤول، سمير نقاش، يعقوب بلبول، سلمان درويش، مير بصري وشموئيل موريه . خلال العام الماضي قرأت أيضا كتبا دراسية لباحثين عراقيين تتعلق باليهود العراقيين أمثال : مازن لطيف، نبيل الربيعي، د. خالدة حاتم علوان، وسأبدأ بقراءة كتاب كاظم حبيب (يهود العراق والمواطنة المنتزعة) العراق كان بالنسبة لأهلي، وايضا بالنسبة لأجيال كثيرة من أفراد عائلتي وطنا حبيباً، وبعد الفراق منه بقى في قلوبهم شعور الحزن والالم من حيث انهم تعرضوا للاضطهاد وعوملوا كغرباء . العبارة “لا يسمح له بالعودة” – يعني “روحة بلا رجعة” المطبوعة في وثائق سفرهم حرقت قلب والدي طيلة السنوات لأنها كانت تعني انه لن يتمكن أبداً من العودة إلى بغداد لزيارة المكان الذي ولد ونشأ فيه و لن يتمكن أبداً من زيارة قبور أفراد الأسرة، بعد سقوط نظام صدام حسين كان لابي بصيص من الأمل بأنه سوف يتمكن ويعود لزيارة بغداد، لكنه للأسف الشديد توفي بعد بضعة أشهر. أنا آمل أن يأتي اليوم الذي أستطيع أن ازور بغداد وليس بشكل افتراضي فقط كما ورد في روايتي."(2).

الرواية فتال من خلال روايتها قد ساعدت على الإيضاح لما حصل لأبناء الديانة اليهودية في العراق من اضطهاد وتعسف منتصف القرن الماضي فهم ممن اشتركوا في بناء العراق، وبرزوا في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والفنية والأدبية قبل أكثر من 2500 عام، وكل هذا وقد اسقطت الجنسية العراقية عنهم ومضايقتهم من قبل الحكومات المتعاقبة حتى تمكنوا من الهرب بعدة سبل ووسائل للنفاد بجلدهم مع عوائلهم من وطن عاش بين ثنايا روحهم.

 

 نبيل عبد الأمير الربيعي

..................

المصادر

1-  عمرو الصيفي . حوار على موقع الفراعين نيوز مع المترجم عمرو زكريا بعنوان (حوار خاص مع عمرو زكريا حول ترجمة الرواية العبرية “الصور على الحائط” للروائية العراقية الأصل تسيونيت فتال). بتاريخ 20 اوغسطس 2017.

2-  لطيف. مازن. حوار في جريدة العالم البغدادية يوم الثلاثاء المصادف 17/ أيار/ 2016. تحت عنوان (الروائية تسيونيت فتال تقلب صورها على حائط الحي اليهودي في بغداد).

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4071 المصادف: 2017-10-28 01:30:30