المثقف - كتب وإصدارات

وثائق علي جالي التي ليست للبيع

raed abdulhusanalsodaniبحلة قشيبة وطباعة فاخرة صدر عن دار (سطور) كتاب (وثائق ليست للبيع محطات من سيرة لم تكن ذاتية) لمؤلفه الاستاذ علي جالي بـ 309 صفحة، يتحدث عن ألم العراق وجراحاته، عن مجتمع وقع تحت سياط جلاد لم يشهد له التاريخ شبيها من قبل وقد فاق كل المستبدين والطغاة، وقد تعدت حماقته كل الحدود الانسانية والاجتماعية، وحتى الجغرافية فمن حرب دامت ثمان سنوات مع الجمهورية الاسلامية، إلى حملة دموية ضد كل يشك ولو شكا يسيرا في ولائه فضلا عن خصومه، فالحكم الاول على هؤلاء هو الموت، وقد أفرغ العراق من كل صوت معارض أو قلم مفكر اسلامي كان أم علماني، أممي أم قومي وفي مقدمتهم المفكر الاول السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه، ناهيك عن حملات التسفير والتهجير لمئات الالاف من الاسر بحجة تبعيتهم إلى ايران.ولما كان المستبد أي مستبد يتصف بالغباء فقد تصور إنه بهذه السياسة الهوجاء قد جفف منابع الفكر وقطع طريق النهضة، لاسيما بعد أن قمع انتفاضة آذار عام 1991المعروفة بالانتفاضة الشعبانية بكل قسوة وجبروت ناتجة عن اعطاءه الضوء الاخضر من الولايات المتحدة الامريكية بعد أن وجدت إن الخط القيادي في الانتفاضة تمثله الحوزة الناطقة .هنا دخل العراق في صراعات عدة، صراع مع الفقر نتيجة الحصارين، حصار السلطة على شعبها وحصار الامم المتحدة بقيادة الولايات المتحدة الامريكية على العراق، وصراع الامراض الفتاكة، وصراع الجدب الفكري، وضياع الآفاق أمام أبناء العراق وضياع مستقبل شبابه الذين اتجهوا إلى أعمال بعيدة كل البعد عن التحصيل العلمي ليسدوا حاجات عوائلهم ولو إن هذه الظاهرة بدأت بعد اشتعال الحرب مع ايران لكنها توسعت وازدادت شراسة أثناء الحصار، أو اضطرار الشباب الى الهجرة ليبحثوا عن لقمة عيشهم وارسال ما يستطيعون ارساله لأسرهم التي تتضور جوعا .هنا شعر حاكم العراق بالأمان مطمئنا بأن العراقيين قد انشغلوا عنه بلقمة العيش، ولا يعلم بوجود رجل يعرف مكامن العراقيين ويعي القوة المحركة لهم، مؤمنا بأنهم لا يختلفون عن الشعوب الاخرى في تطلعهم للعيش الكريم، وتطلعهم للنهوض ببلدهم في حال توفر من ينهض بهم ويقودهم لبر الأمان، وبر الأمان هنا، الوعي، ولا غير الوعي مهمة استند عليها وسار عليها هذا القائد، رمز الاصلاح الفكري، بل قل باني الاصلاح الفكري بعد جفاف طويل الذي اعتمد في مهمته النهضوية على الشباب أدواتا لهم وقواعد شعبية، فالشاب سريع الاستيعاب، خفيف الحركة، ويتحمل الامور الشاقة، وهل هناك أصعب من حمل مهمة النهضة والتبليغ بها والتبشير بانطلاقتها، وهذا الباني وحامل لواء النهضة هو المرجع والمفكر الميداني العظيم الشهيد السيد محمد الصدر، وهذا ما يحدثنا عنه علي جالي في كتابه الباحث عن أمل في مدينته المحاصرة والمنكوبة حتى في اسمها، مدينة الثورة التي حولها الحاكم الى اسمه فعرفت بمدينة صدام، لم يكن علي جالي وحده من يبحث عن هذا الامل فمعه كل شباب العراق، لكن لمدينة الثورة

1168 raed(مدينة الصدر) فيما بعد شأن خاص، لوقوعها في بغداد، وكثافتها السكانية، وتعد من المدن الولادة للكفاءات في الفن والرياضة والسياسة وحتى للشقاوات، إنها مدينة متميزة، يحدثنا علي جالي عن فرحته ببزوغ هذا الامل وانضمامه مع رفاقه الشباب في مسيرته واضطلاعهم بمهمة الدعوة اليه ودخولهم في جدالات حادة مع من كان يعارض هذا التوجه، وهنا دخل أبناء هذا الخط في حصارين وفي صراعين، صراع مع ابناء جلدتهم المعارضين والمناهضين وهذا كان أشد عليهم من صراعهم مع السلطة وأدواتها الجبارة التي لم تهنأ بهذا الظهور فحاولت احتوائه ففشلت وحاولت الابتزاز فخابت وجربت كل الطرق لكنها كانت مسدودة أمامها مما أدى بها الى اقتراف جريمتها الكبرى باغتيال أمل العراق ونجليه في 19/2/1999فنكب أصحابه من جديد لكنها نكبة الفرسان الذين لم يتهاووا ولم ينحرفوا عن هذا الفكر الخلاق الى فكر آخر، فكانت ساعة الصفر وهي ساعة الخلاص من حكم الطاغية بترتيب متقن مع بعض قطعات الجيش وبعض قوى المعارضة لكن لعدم الوفاء بما اتفق عليه أدى الشباب الصدري ما خططوا له بمفردهم وامكانياتهم البسيطة في الكوت بقيادة الشهيدين كاظم الصافي ورزاق كوكز وفي البصرة والسماوة، فصلها في كتابه الاستاذ علي جالي وقد كتابه بما يقرب من 26 صفحة من الوثائق، إنه جهد توثيقي رائع، مع لغة أدبية ساحرة،  وسرد جميل جدا، لكن لي ملاحظة: إن كثرة التقديم للكتاب يشتت ذهن القاريء فكنت أتمنى أن يكتفى بتقديم واحد وتمهيد للكاتب نفسه، وإن كانت مقدمة الاستاذ الكبير الدكتور سلمان كيوش تعبير عما اختلجته الاحاسيس باللغة التي نعرفها عنه وهي لغة لا يتقنها إلا سلمان كيوش لكن ملاحظتي لأجل الكتاب ليس إلا فثلاث مقدمات للاستاذ علي حداد والدكتور سلمان كيوش والاستاذ علاء البغدادي، وعلى ظهر الكتاب كلمة للشيخ صادق الحسناوي أعتقده أكثر مما يجب لكنها التجربة الاولى للمؤلف وقد يكون قدر ان الموضوع يستحق هذا أو أكثر، وهو كذلك .

 

رائد عبد الحسين السوداني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4087 المصادف: 2017-11-13 02:46:28