 كتب وإصدارات

رحلة في كتاب معجم المراقد المزيفة في العراق

nabil alrobaei2نحن نعيش اليوم زمن ظلامي دامس، تزامن معهُ الاضطراب والجهل وانتشار الخرافات، ومما زاد من ظاهرة القبور والمقامات المزيفة من انتشارها على ارض العراق، فضلاً عن اتخاذ هذه القبور ثراءً فاحشاً من المال النافع وجلب النذور والأضاحي والهدايا، ومما ساعد على الجهل والجشع لفئة باغية اتخذت من القبور المزيفة مصدر للمال والجاه وسعياً لرخاء الحال، فزاد الجهل والمرض، وزادت ظاهرة الغيب الخارجي فوق ذلك زيادة اصبح الحالمون بوجود مثل هذه المراقد لهم دورهم ومزاعمهم التي تزداد يوماً بعد أخر، فتقام لهذه القبور المزيفة والمزعومة المشاهد، وتنصب لها القباب ثم تسمى مزاراً للإمام الفلاني فيزار من قبل بسطاء الناس.

صدر عن دار قناديل لطباعة والنشر والتوزيع في بغداد للباحث عباس شمس الدين كتابه الموسوم والوثيقة المهمة تحت عنوان (معجم موجز للمراقد المزيفة والموضوعة والمنقولة والمجعولة في العراق)، هذا المعجم يشمل جميع مراقد الديانات المزيفة في بلاد الرافدين، الكتاب عبارة عن دراسة اعيان القبور المنتشرة على أرض العراق فأصبحت في الآونة الأخيرة ظاهرة القبور المزيفة في وسط وجنوب العراق ومنطقة الفرات الأوسط، ظاهرة طبيعية، كان زعماء هذه القبور المزيفة والمجعولة يتخذون من مزارعهم أو دورهم مقامات ومراقد للأولياء من خلال حُلم أو رؤيا في المنام تدل على مكان القبر، ويبدأ صاحب الدار بتبليغ اهله وعشيرته وبعض رجال الدين المقربين له عن هذه الرؤيا، فيبدأ الداعمين لهذا المرقد المزيف في دعم مزاعم هذا الرجل، فيبدأ بجمع التبرعات لبناء هذا القبر ويعلى عليه القبة ليتخذ صاحب هذا المرقد دكاناً يعتاش عليه هو واهله وعشيرته، ثم يبدأ الخلاف والصراع على عائدية ملكية القبر والمال الذي جناه منه هذا المدعي بين أفراد العائلة والعشيرة، وتبدأ رحلة الناس المغفلين والبسطاء بزيارة هذا الضريح وتقديم النذور والهدايا وفي بعض الاحيان اقامة الرحلات الاسبوعية لزيارة صاحب هذا القبر المزعوم ودعوته عند الله ليرزق فلان أو فلانة المولود الجديد، ويحل عقدة فلانة لتحمل من زوجها فلان ويرحم فلان ويشافيه من مرض السرطان وما شابه ذلك. حتى تجاوزت اعداد القبور والأضرحة والمقامات لأئمة أهل البيت والأنبياء والأوصياء المزعومة (600) مرقد ومقام.

لقد قام الباحث الجريء عباس شمس الدين بتقديم هذه الدراسة المهمة والوثيقة التاريخية من خلال متابعة هذه المراقد والمقامات والتأكد من صحتها أو زيفها، ومن خلال مراجعة المصادر المهمة والتأكد من صحة نسبها، ففي هذا الوقت الصعب والحرج الذي يمر على العراق من حرب داعش وانتشار الفساد الاداري والمالي في وزارات ودوائر الدولة وفي ظل انتشار التطرف الديني والطائفي وانتشار ميليشيا الاحزاب المتنفذة، من الصعب أن يصدر بحث أو مقال في هذا المجال، إلا أن الباحث الجريء شمس الدين قد طرح هذا الموضوع من خلال كتابه للتصدي وفضح هذه المزاعم من ذوي النوايا السيئة وممن اتخذوا هذه المراقد والمزارات والمقامات دكاكين وتجارة مربحة ليعتاش عليها ثراءً منقطع النظير في هذا الوقت الصعب.

يسيح بنا الباحث شمس الدين في كتابه هذا في مقدمة جميلة ورائعة وهو يبحث عن تاريخ طقوس ووسائل الدفن في عصور ما قبل الميلاد والعصور الاسلامية، وكيف كان الانسان في ذلك الوقت يدفن موتاه وطرق ووسائل الدفن. والسؤال المهم الذي طرحه الباحث شمس الدين في كتابه هذا حول هذه المراقد المزيفة والمزعومة، هو : (هل هذا قبر فلان؟ والكتاب برمته جواب بالنفي لكل من ورد اسمه في القائمة الطويلة التي زادت على ستمائة عنوان إلا في بعض الاستثناءات لا تتجاوز اصابع اليد الواحدة، فثمة شكوك محيطة بها كافية لمنع النفي المتخم بالطمأنينة).

كتاب المراقد المزيفة اعتبره الباحث شمس الدين معجم موجز للمراقد المزيفة والموضوعة والمنقولة والمجعولة في العراق، وقد زادت في الآونة الأخيرة بعد عام 2003م في مختلف اصقاع العراق عدداً كبيراً من اشكال القبور المزيفة، بما يشكّل في كثير من الأحيان ضرراً تاريخياً واساءة لبقية المراقد المعلومة والموثقة تاريخياً لأهمية مكانتها في المجتمع والتاريخ الاسلامي، فقد احصى الباحث في كتابه قبور (بنات الحسن بن علي) في منطقة الفرات الأوسط وجنوب العراق وقد تجاوز عددها (19) قبراً، علماً أن بنات الحسن بن علي هُنَّ (5) بنات فقط ولم يزور الامام الحسن بن علي ولا بناته ارض الرافدين، فضلاً عن اتخاذ مجلس محافظة بابل مدينة الحلة بعد عام 2003م اسماً آخر اطلق على مدينة الحلة وهو (الحلة عاصمة الامام الحسن المجتبى)، والسؤال الذي اطرحه، إذا الامام الحسن بن علي لم يزور العراق ولم يزور الحلة خاصة فكيف تم اتخاذ مثل هذا القرار في هذا الوقت من قبل مجلسها؟ هذا القرار اثار المجتمع الحلي واصبح  محل سخرية من قبل بعض الادباء والمثقفين والزائرين للمدينة، ويعتبر هذا القرار لحق بها  الضرر واصابها مثلما اصابها من ظهور قبور مزعومة ومزيفة في الآونة الأخيرة، بل أكبر بكثير.

اصبح انتشار القبور المزيفة في الآونة الأخير واتخاذها دكاكين ليعتاش عليها اصحابها من عمدية وقصدية ونية مبيتّة، واختراع شخصية وهمية لا وجود لها، أو دراسة اسم الشخصية من قبل اصحاب القرار للقبور المزيفة والاطلاع على انساب اهل البيت ليصبح قرارهم صائب في هذا المرقد المزيف. كان لانتشار هذه القبور من خلال احلام حلم بها اصحابها كأن يكون طفل أو طفلة أو زوج أو زوجة صاحب هذا الحلم ومن ثم الاعتقاد واليقين بصحتها، واحياناً ينتج تزييف للقبر من خلال تشابه الاسماء أو الصفات التي ادت إلى تحريف في موضوعة القبر، فتشابه الاسماء قد كثر في منطقة الفرات الاوسط، ولهم قبور معروفة مع اسماء شخصيات معروفة، مما ادّى إلى نسبة هذا القبر خطأً إلى شخصية الأشهر بينها، مثل قبر النبي يونس وقبر النبي ايوب وقبر النبي شيت وقبر النبي ابراهيم الخليل، أما قبور الأئمة فمنها قبر عمران بن علي وبكر بن علي واحمد ومحمد بن الحسن وعون واولاد الكاظم وشريفة بنت الحسن فحدث ولا حرج.

اصبحت انماط مشهورة في منطقة الفرات الاوسط وجنوب العراق، وفضلاً عن المعابد البابلية القديمة التي اتخذت منها مقامات كمقام رد الشمس ومقام الخضر ومقام زين العابدين ومقام الغيّبة، لكن ظاهرة القبور المزيفة لا نعلم متى بدأت وفي أي عهد، إلا انها ازدادت في الآونة الأخيرة، وفي ايران تنتشر ظاهرة (امام زادة) أي (ابن الامام) وبالخصوص في القرى البعيدة حتى قفز عدد هذه المراقد في إيران من (1500) مرقد في عام 1979م إلى حدود (8000) مقام ومرقد وزادت إلى (10700) في نهاية عام 2008م.

مع كل ما يمر به العراق من جهل وتخلف وتردي للواقع التربوي والصحي وتدني الواقع الاجتماعي نجد الحكومات المتعاقبة على العراق منذ عام 2003م قد تسامحت مع هذه الظاهرة ظناً منها انها توزع الكتلة المتدينة عددياً على اكبر عدد ممكن من المراقد، وأن لا تكون هناك نقاط تجمع كبرى يجتمع فيها الناس، لكن المزورين ومهاراتهم المتعاظمة في الوثائق جميعها زادت من ذكائهم وصار اختراع القبر الزائف وسيلة وحيلة مربحة يبحثون عنها في كتب الانساب عن اسم لإمام فيها لا قبر له، ثم ينسبوه إليه، مستغلين جهل الناس، فضلاً عن انتشار ظاهرة البناء على الموضع الذي يغسل فيه الميت الفلاني، او بناء قبة وضريح لمرقد السدرة الفلانية او واسطة النقل (التراكتور) التي انتشرت اخيراً باعتبارها تمنح المراد لمن يزور هذا (التراكتور)، فتزداد القباب وتتعدد القبور.

فهذا التمدد الخطير للقبور المزيفة فعلى اصحاب الشأن ولا سيما من القائمين عليه من مديرية المزارات والشؤون والأوقاف الدينية ان تتصدى لها وتحظرها وتزيلها، وتتحقق من مزاعم من اقامها، فضلاً عن مشاركة الآثاريين في هذا الشأن لأهمية الموضوع، والقيام بالتنقيب للتأكد من مزاعم هؤلاء المزيفون، ومن خلال العثور على القبور المزعومة كأن يكون الدليل القاطع قطعة رخامة أو حجر كتب فيها اسم وسنة الوفاة لصاحب المرقد ولإثبات نسبه، مما يستدعي التدقيق في هذه القبور المزيفة، والتتبع السيَّري لتاريخ صاحب القبر المزعوم، قد ينفي صحة النسب للقبر أو المقام، ومحاسبة القائمين عليها قضائياً، لأن هذه الظاهرة تعتبر خطيرة على تجهيل المجتمع وتخلفه ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرون.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

احسنتم وللكن اذا كانت المرجعيه تشجع هذا لزياده ادخل المادي فمذا عسانا ان نقول

وليد البصري
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذ وليد البصري. هذه هي الحقائق يجب ان يطلع عليها المجتمع العراقي.

استاذ وليد البصري.
This comment was minimized by the moderator on the site

طالعت الكتاب رغم اني اتفق مع كون المراقد المزيفة و المجعولة اصبحت ظاهرة خطيرة اليوم لكن هناك الكثير من المراقد الثابته تاريخيا و نفيها يحتاج الى اثباتات و التي يفتقر اليها الكتاب مجملا و يكتفي الكاتب بنفيها دون دليل علميز

صالح المصلح
This comment was minimized by the moderator on the site

الحسن بن علي حسب قولك لم يزر العراق اذن من كان مع الامام علي عيه السلام اثناء حكمه في الكوفة واين كانت خلافة الحسن بن علي بعد استشهاد الامام علي واين اصيب الامام الحسن في فخذه في الحادثة المشهورة كونو منصفين في طروحاتكم ان الامام الحسن اشترك في كل المعارك التي خاضها والده في العراق كالنهروان وغيرها من المعارك الى ان تنازل عن الحكم لمعاوية بعد حادثة التحكيم ورجع مع عائلته الى المدينة المنورة

ابو اكرم الحسناوي
This comment was minimized by the moderator on the site

هل يوجد علويه اسمها رسل تابعه او بنت الام الكاظم (ع)

رسل
This comment was minimized by the moderator on the site

شوف عجب العجاب في مناطق الجنوبية من القبور الوهميه والدعايات التي تنشر حولها من الخير والبركات حتى تأتي الناس لتزور وتعطي النذور… مثل الامام المجهول وفي الاونه الاخيره اتضح ان مجموعة من شاربي الخمر كانو يذهبون هناك ليشربوا النبيذ (( العرق)) في احد الايام جالسين وقبل ان يشربوا جأ البعثية لهم فقاموا بدفن الخمر .. شسوون هنا قال لهم هذا طفل ميهول (( مجهول)) دفنا هنا… فبنوا قبه وقامو يترددون علية ليشربوا الخمر… و اصبح الان امام وتزوره الناس بناء كبير وقبة.……. . المشكلة الكبيره ان الدوله تدعمهم من قبل الوقف الشيعي.. هذه هيه الطامه الكبرى. … ويوجد غيره الكثير في منطقتنا

muslim
This comment was minimized by the moderator on the site

اريد ان. اعرف صحة ثبوت قبور الحسين والعباس وعلي هل فعلا هي كما هي ام ايضا متهمة بالتزوير

احمد
This comment was minimized by the moderator on the site

اؤيد ماقاله الاخ ابو اكرم الحسناوي من كون الحسن عليه السلام موجود هو وعائلته طيلة فترة حكم ابيه في الكوفة الى ان وقع التحكيم واجبر على التنازل الى معاوية فرجع الى الحجاز بأهله
يبقى دعوة وجود ذرية له تم دفنهم بالعراق هذا بحث اخر يحتاج الى تحقيق بشكل مستقل لكل دعوة على انفراد
شكر الله الجميع لما فيه خدمة الحقيقة وخصوصاً الاستاذ عباس شمس الدين لانه قد كثرت الدعوات الباطلة لأغراض معلومة ومن الضروري توعية الناس كي تبتعد عن التجهيل الخرافي كما اشكر الاستاذ نبيل عبدالامير الربيعي على العرض الذي قدم به هذه الدراسة القيمة إلا فيما ذكره من عدم وجود الامام الحسن عليه السلام في العراق طيلة حياته وجل من لا يخطأ

طالب سريبت لطيف الربيعي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4092 المصادف: 2017-11-18 00:58:30