 كتب وإصدارات

الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر

65 علي جواد الطاهرعلى الرغم من ترجمة الدكتور علي جواد الطاهر لأربعة كتب من اللغة الفرنسية إلى العربية، ومراجعته لعشرات الكتب المُتَرجَمة عن لغات غربية وشرقية إلاّ أن أحدًا لم يكتب عن هذا المضمار الحيوي الذي عُني به الراحل، وكرّس له جزءًا مهمًا من وقته الثمين إلى أن انبرى تلميذه النجيب، وصديقه الحميم، وزميله التدريسي لاحقًا الدكتور حسن البياتي ليكتب عنه بحثًا معمّقًا عنوانه "الدكتور علي جواد الطاهر والترجمة إلى اللغة العربية"، وبما أنّ الكاتب كان يساريًا آنذاك، وأنّ المكتوب عنه غير مَرْضي عنه تمامًا من قِبل السلطة الاستبدادية فقد رفض رئيس تحرير مجلة "المجمّع العلمي" نشر هذا البحث الأكاديمي المحكم لكن مجلة "آفاق عربية" أبدت استعدادها لنشره شرط اختصاره إلى النصف، بينما وافقت "الموسوعة الصغيرة" على نشره إن قام الباحث بتوسيع مادته بما يتناسب مع حجم الإصدار. وحينما سافر الدكتور حسن البياتي إلى اليمن للتدريس في جامعة حضرموت أخذ معه البحث لكن الحادث الذي أودى ببصره وقف حائلاً دون نشره، فتقادمت الأعوام عليه حتى عاود نشاطه الثقافي من جديد فطوّر البحث عام 2015 ووسّعه حتى أصبح كتابًا قائمًا بذاته يحمل عنوان"الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر" الذي صدر عن دار الفارابي في بيروت هذا العام. يتمحور الكتاب على تراجم الطاهر، ومراجعاته للكتب المترجمة، وآرائه النقدية في عملية الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية. ويتضمن الكتاب أيضًا وثيقتين خطيتين مهمتين، وصفحات استهلالية تسبق المقدمة، والأركان الخمسة التي يقوم عليها متن الكتاب، والخاتمة التي تشتمل على نتائج البحث، وتوصيات الباحث بمواصلة الكتابة عن هذا الصرح الترجمي كلما توفرت لديه مادة جديدة لم يقع عليها من قبل.

تكشف الوثيقة الأولى عن التواضع الجمّ للدكتور الطاهر الذي أرسل نسخة من كتابه "منهج البحث الأدبي" إلى تلميذه الأريب حسن البياتي ملتمسًا منه إن اتسع له المجال أو سافر إلى موسكو أن يحصل على كتاب نموذجي في منهج البحث، ويقارن بين الإثنين ليستدرك ما فاته في طبعة لاحقة. أما الوثيقة الثانية فهي كلمة تأبين للفقيد الراحل الذي غادرنا جسدًا لكنه ظل حاضرًا بيننا بفكره الثاقب، ورؤيته النقدية المتوهجة.

إذا أراد القرّاء أن يعرفوا صدق العلاقة الإنسانية الراقية بين التلميذ وأستاذه فعليهم أن يقرأوا الصفحات الاستهلالية التي ترصد هذه العلاقة منذ العام 1954 حين تعرّف عليه في دار المعلمين العالية حتى يوم رحيله المفجع في 9 تشرين الأول 1996. وخلال أربعة عقود ونيّف من هذه العلاقة الحميمة مع أستاذه، وصديقه المقرّب وجد البياتي نفسه مهيئًا لكتابة هذا البحث لأسباب كثيرة أهمها قراءة كل ما كتبه الطاهر من أعمال منشورة، ومخطوطة باستثناء بعض المقالات والمراجعات النقدية التي تعذّر الحصول عليها بسبب التنقل والترحال بين المدن والأمصار بحثًا عن الطمأنينة والسلام الروحي. كما أن البياتي نفسه شاعر، وباحث، ومترجم وقد صدر له في حقل الترجمة فقط 15 كتابًا مترجمًا عن اللغة الروسية تؤهله لأن يخوض في هذا البحث الأكاديمي غير المطروق من وجهة نظره. جدير ذكره أن الدكتور علي جواد الطاهر لم يترجم إلاّ من اللغة الفرنسية لكنه ترك لنا كتابات نقدية رصينة، وإشارات، ومُتابعات، و "فواتات"، ووجهات نظر مختلفة خصّ بها آثارًا مُدونة منقولة إلى اللغة العربية من لُغات شتى كالإنكَليزية والروسية والألمانية والإيطالية والرومانية والأسبانية واليونانية والفارسية والسومرية، ولم تكن له معرفة إلاّ باللغتين الإنكَليزية والفرنسية التي درسها في باريس، إضافة إلى مشاهداته لعروض مسرحية مُترجمة أو مُعرّبة أو مُعرّقة أو مُعدّة عن نصوص مُترجمة يبدي أراؤه القيّمة فيها.

يقوم الصرح الترجمي على خمسة أركان رئيسة وهي "مباشرة الترجمة، والحثّ عليها، ومتابعة النتاج المترجم وتقويمه، ومراجعته، وطرح وجهات نظر عامة في عميلة الترجمة". يحيطنا الركن الأول من الكتاب، أي مباشرة الترجمة، بأن الطاهر قد ترجم أربعة كتب رئيسة إذا ما استثنينا أطروحته الموسومة "الشعر العربي في العراق وبلاد العجم في العصر السلجوقي" التي ترجمها عام 1956وأعتبرها البعض من قبيل "البضاعة المردودة". أما الكتب الأربعة فهي "مقالات" الذي صدر عام 1956. يتألف هذا الكتاب من خمس مقالات وهي على التوالي: "أ- جامعة باريس، تاريخُها وتنظيمها. ب- عن جامعة باريس. ج- الباب الضيّق، أو الدخول إلى جامعة باريس. د- مرحلة الليسانس لدار المعلمين بباريس. ه- مرحلة الدبلوم والتبريز([1]) من دار المعلمين العالية بباريس". المقالتان الأولى والثانية مأخوذتان من "دليل جامعة باريس" أما المقالات الثلاث الأخريات فهي تعود للمسيو باروس، المدرِّس في دار المعلمين العالية ببغداد. يؤكد البياتي بأن القارئ يشعر بالمتعة، ويحسّ بالراحة وهو يقرأ هذه المقالات وذلك "لسلامة لغتها، وسلاسة أسلوبها" وكأنها أُلفت تأليفًا، بل أن رائحة الترجمة تكاد تتلاشى فيها، وهذا ما يدل على أن الطاهر كان متمكنًا جدًا من عُدّته الترجمية. أما الكتاب الثاني فهو "الأبناء وقصص أخرى" ويضم ثماني قصص، واحدة منها تحمل عنوان "أم وابن" للكاتب الياباني جيران هيزاو، والسبع الأخريات لكُتّاب فرنسيين. وقد صدر هذا الكتاب عن اتحاد الأدباء العراقيين عام 1961، ثم أُعيد طبعه عن دار الشؤون الثقافية عام 1986، ثم صدر مُجددًا في الرياض عام 1990 بعد أن صحح فيه جملة من الأخطاء اللغوية. ويشير البياتي إلى أن الطاهر قد اختار هذه القصص الثماني من بين 300 قصة قرأها و 300 قصة أخرى تصفحها وكانت شروطه الأساسية هي "الجودة الفنية، وسير الحادثة، وعمق المضمون وجِدتهُ وحيويته" وقد جاءت الترجمة بأسلوب شاعري، جميل، وشفاف أقرب إلى الأصل.

أما الكتابان المخطوطان فهما "السوط وقصص أخرى". تقع هذه المجموعة القصصية في 64 صفحة عدا صفحة العنوان. تعود هذه القصص التسع لسبعة كُتاب فرنسيين بينهم موﭘاسان، وأندره موروا، وبرنار كلاﭬل، وألفونس أليس، وقصة "مايتو فالكون" لـﭘروسبير مَريمهْ التي تُعدّ أول قصة مكتملة البناء في الأدب الفرنسي(1829)، أما بقية القصص فتوصف بالحكايات، وبحسب البياتي فإن الأسلوب الترجمي لهذه المجموعة القصصية يبدو أكثر تماسكًا، كما اختفت الأقواس التوضيحية، والعثرات اللغوية. وفيما يتعلق بالكتاب المخطوط الآخر فهو "الأدب الفرنسي في العصر الوسيط" لـﭘيير - جورج كاستكس، وﭘول سيرر الذي لم يرد ذكره لا كتابة ولا شفاها، كما أنه الكتاب الوحيد الذي ظل دون مقدمة بخلاف كتبه المخطوطة كلها. يتمحور هذا الكتاب المخطوط على الدراسات الأدبية الفرنسية، ويضمُ تاريخًا للأدب الفرنسي، ونصوصًا مُعلقًا عليها، وموضوعات للإنشاء الفرنسي، وهو يشبه إلى حدٍ كبير كتاب "المقالات الخمس" في طابعه المدرسي والتعليمي.

أما الركن الثاني فهو "الحثّ على الترجمة إلى اللغة العربية والإشادة بجهود القائمين بها" حيث اتّبع الطاهر كل الوسائل المتاحة له مثل الكتابة في الصحف، ومراسلة المترجمين الذين يتوسم فيهم القدرة على الترجمة، واللقاءات الشخصية، أو الاتصالات الهاتفية مستفزًا هممهم، ومستنهضًا قدراتهم الثقافية الكامنة بغية ترجمة النصوص الأدبية التي تساهم في تطور البلد، وتواكب ركب الأمم المتحصرة. كان الطاهر يلاحق المترجمين بكل ما أوتي من قوة وعزيمة ولم يجد غضاضة في القول:"كنتُ أركض وراء المترجمين لاهثًا. . . حتى كاد الأمل ييأس، والصوت يُبحّ". يرى الطاهر بأن توفّر الكتاب الأجنبي الصالح إلى جانب الكتاب التراثي الخالد يضمنان لنا تحقّق عنصرين أساسيين لنمو الشخصية الأدبية. ويعتقد بأننا كعرب أحوج إلى الترجمة منها إلى التأليف، فلاغرابة أن يدعو إلى استيراد الكتاب المُترجَم، ويصرّ على إخراجه بطريقة أقرب إلى الكمال. يتوقف حسن البياتي عند هاجس مُحبب لدى الطاهر وهو ولعه بالقصة القصيرة وكان يحلم بإصدار "مُعجم القصة القصيرة المُترجَمة" ويحثّ على ترجمة التراث العالمي لتلبية الحاجات الثقافية للقرّاء العراقيين والعرب. كان الطاهر ينتقد الترجمات التجارية الرديئة التي أثقلت كاهل لغتنا العربية وحمّلتها أكثر مما تحتمل. وكان يدعو إلى عدم التصرف بالمادة المُترجَمة وكأنّ المترجم هو العالِم الوحيد بأسرار اللغة، وصاحب الآراء المتفردة فيها. يتساءل البياتي مُستفهمًا إن كانت دعوة الطاهر قد حققت مرادها النبيل أم لا؟ فيجد الجواب عند الطاهر نفسه الذي أقرّ غير مرة بأننا قد بلغنا في الترجمة مبلغًا لا يستهان به، وقطعنا بها أشواطًا طويلة محمودة في مجملها، وصرنا نملك قدرًا صالحًا من الترجمات التي تجمع بين الجودة والتنوع لكنه يحثنا، في الوقت ذاته، على إسقاط الغثاء التجاري الصرف والإبقاء على النماذج الصالحة التي تتضاعف مع مرور الأيام. وقد أشاد الطاهر بعدد من المترجمين العراقيين أمثال جميل نصيّف التكريتي، وحياة شرارة، وجليل كمال الدين، وضياء نافع، وحسن البياتي الذي تألق في ترجمة روايتي "أولئك الذين تحت" و "زبد الحديد" وسواها من الكتب الرصينة الأخرى التي تثقّفنا علينا في أيام الصبا والشباب وكانت خير زادٍ معرفي لنا في سنوات الدراسة الجامعية التي تخصْصنا فيها بدراسة اللغة الإنكَليزية وآدابها.

يرتكز الركن الثالث على "متابعة النتاج المُترجَم وتقويمه" ففي الأقاصيص المترجمة أسهم الطاهر بترجمة أقصوصتين من اللغة الفرنسية، بينما شارك آخرون بترجمة ثلاث قصص من الألمانية والإنكَليزية والفارسية مع مقدمة طويلة كتبها الطاهر بنفسه حيث قدّم في الصفحات العشر الأخيرة منها عرضًا تقويميًا للأقاصيص الخمس متابعًا إياها بطريقة علمية، ومثمِّنًا جهود القائمين بها من دون أن ينسى الإشادة بالمؤسسات والجهات الناشرة. يرصد الطاهر النتاجات الأدبية والفنية المنقولة إلى اللغة العربية من لغات شتى ويعرّف بها إما بواسطة كتابة مقالة فنية أو إبداعية ذات نكهة انطباعية قد تبقى نابضة بينما يُنسى الأثر المُتَرجم، وإما على شكل تعريف ببليوغرافي كاشفًا ما فيه من عيوب وهفوات لغوية وأسلوبية وطباعية وفنية وترجمية وتاريخية وما إلى ذلك ثم يجري التصويبات اللازمة، ويتحقق من الأخطاء بالرجوع إلى المصادر، والعودة إلى الكتاب بلغته الأصلية ليقابل النص المُترجَم بالأصل، ويقوم أحيانًا بنقل "الفوات" كأن تكون سطورًا أهملها المترجم لسبب ما فيترجمها كما فعل مع كتاب "مقالة في النقد" لغراهام هُو، ترجمة محي الدين صبحي عن اللغة الإنكَليزية.

يعود اهتمام الطاهر بالأدب المترجم إلى عامي 1938 و 1939، أي في بداية مرحلته الثانوية حيث وقع بصره في المكتبة العامة في مدينة الحلة على كتاب "من حديث الشرق والغرب" للدكتور محمد عوض محمد فراح يقرأ ويستمتع متلذذًا بما يحتويه من "مقالات طريفة تستهوي القارئ بما فيها من جديد مادة ومنهجًا ولغة". وإذا ما توخينا الدقة استنادًا إلى الطاهر نفسه فإن الأثر الأجنبي المترجَم الأول الذي قرأه إنما يعود إلى السنة الأولى مرحلة الدراسة المتوسطة 1934-1935 هو "خواطر حمار" للكونتيس دي سكير، ترجمة حسن الجمل، ورواية "هيرمن ودروتيه" لغوته ترجمة محمد عوض محمد وسواها من الكتب والمجلات الأدبية مثل "الرسالة" المصرية التي دأب على قراءة القصص العالمية التي يترجمها الأستاذ أحمد حسن الزيات. ثم يتواصل الثناء ليشمل مترجمين من طراز سليمان البستاني الذي ترجم الإلياذة، وسامي الدروبي الذي عدّه الطاهر "حالة نادرة في تاريخ الترجمة عندنا"، ومحي الدين صبحي، ويوسف إبراهيم جبرا، وعزيز ضياء، ومترجمي مسرحيات "كريولان" و "الإنسان الطيّب" و "غاليليو" التي أخرجها الراحل عوني كرّومي، فقد كان الطاهر مولعًا بمتابعة المسرحيات المترجمة التي تُعرض آنذاك منوّهًا بجيّدها، ومُنتقدًا الهابط منها. كما أشاد بجهود عدد من المترجمين العراقيين أمثال الدكتور إحسان فؤاد، والأستاذ جودت بلال إسماعيل، والأستاذ حسين عارف دون أن ينسى الإشادة بدور النشر العراقية والعربية مثل "دار المأمون" و "دار الشؤون الثقافية" و "الدار الوطنية"، و "دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة" و "دار الملايين" و "لجنة التأليف والترجمة والنشر المصرية" وسواها من دور النشر العربية المعروفة. وفي السياق ذاته صدر للطاهر كتاب يحمل عنوان "فوات المترجمين" يضم متابعات تصويبية تناولت أكثر من ثلاثين مؤلَفًا مترجمًا، قسم منها منشور والقسم الآخر مخطوط وهي تكتظ بالرؤىً النقدية، والتقويمات الإيجابية من بينها دراسة بعنوان "هل قرأت طيور الشمس؟" التي ترجمها حسن البياتي، ونالت إعجاب أستاذه الطاهر الذي أثنى على براعة تلميذه في الترجمة المتقنة التي تنقل روح النص الأدبي وتمنحة نكهة تأليفية وكأنه كُتب بالعربية وليس باللغة الروسية.

يختص الركن الرابع بـ "مراجعة النتاج الأدبي المُتَرجم إلى اللغة العربية" حيث كُلِّف الطاهر بمراجعة كتابين وهما "تشيخوف" لهنري ترويا، ترجمة خليل الخوري، و "قصيدة النثر: من بودلير إلى أيامنا" لسوزان برنار، ترجمة زهير مغامس، وقد أعجب المترجمان بمراجعة الطاهر، وملحوظاته القيّمة، وتصويبه للهفوات التي ارتكبوها في أثناء الترجمة. وفي مقدمة الكتابين نلمس إعجاب المُترجمَين بالطاهر، وبجميله، وجدوى مراجعته، وملاحظاته العديدة التي أضفت رونقًا جذّابًا على الكتابين المُترجمَين. يقول المترجم خليل الخوري عن أمانة الطاهر ودِقته العلمية:"فقد تتبع في مراجعته الترجمة كل كلمة وحرف في النصّين، وكان لملاحظاته أثر كبير في تسديد هفوات كثيرة". فيما أشاد الدكتور زهير مُغامس بجهود الطاهر قائلاً: "لابد لي أن أتقدم بالشكر الجزيل والامتنان إلى الأستاذ الفاضل والعلامة المرموق الدكتور علي جواد الطاهر للملاحظات القيّمة التي أسداها لي عن طيب خاطر، وتفضّله بمراجعة النص العربي الذي ما اتخذ شكله الأخير إلاّ بفضل جهوده الخيّرة". أما القسم الثاني من هذا الركن فيشتمل على مراجعة 27 كتاباً مترجمًا عن الفرنسية والإنكَليزية والروسية حيث انتقد المراجعين الذين لا يستدركون الأخطاء قبل وصولها إلى القرّاء. وهذه الكتب هي "زولا" لمارك برناد، ترجمة غالية شملي، و "بحوث في الرواية الجديدة" لميشال بوتور، ترجمة فريد أنطونيوس، و "النقد الجمالي" لأندريه ريشار، ترجمة هنري زغيب، و "الرومنطيقية في الأدب الفرنسي" لـ ف.ل. سولنيه، ترجمة أحمد دمشقية، و "كتّاب فرنسة اليوم" لبيير ده بوادفر، ترجمة جميل جبر، و "المعقول واللامعقول في الأدب الحديث" لكولن ولسون، ترجمة أنيس زكي حسن، و "دراسات معاصرة" المؤلَف من قسمين يضم الأول أربع مقالات ترجمها جودت بلال إسماعيل، والثاني مقالتين لخصّ فيها إحسان فؤاد كتاب تولستوي "ما هو الفن؟" فيما لخصّ حسين عارف في الثانية كتاب "اللاتراث استحالة مطلقة". أما الكتب العشرون فقد نشر الطاهر مراجعاته لها في عددين من مجلة "عالَم الكتب" السعودية، تسعة منها نُشرت تحت عنوان "تسعة كتب مترجمة. . . وملاحظات" أما الثانية فقد انضوت تحت عنوان "أحد عشر كتابًا مترجمًا وملاحظات". يتضمن هذا الركن عددًا من الآراء المهمة في عملية المراجعة الترجمية فقد أصبحت موضة تزيّن أغلفة الكتب المترجمة الأمر الذي يخالف اشتراطات المراجعة ليخون المُراجع في خاتمة المطاف المؤلف والمترجم والقارئ معًا، كما يخون قبل هؤلاء الثلاثة الأمانة العلمية التي نفترضها فيه.

يزخر هذا الركن بمقترحات عديدة، فالدكتور الطاهر يشترط في ترجمة كتاب متنوّع الموضوعات، متعدِّد المؤلفين من قِبل مترجمين متعددين ذوي اختصاصات متعددة تستطيع أن تصل بالكتاب المترجم إلى درجة مُرضية جدًا وقريبة من الكمال. يلتفت الطاهر التفاتة مهمة بشأن أسماء المؤلفين وضرورة الاتفاق على رسمها بشكل موحّد. ويورد أمثلة عديدة منها أن بعض المترجمين يرسم اسم Shelley بلامَين (شيللي) وصحيحه بلامٍ واحدة، و Appollo بلامَين أيضًا وصوابها بلامٍ واحدة مشدّدة (أوﭘولّو)، ويكتب مترجم آخر اسم George بهذه الطريقة "ﭼورﭺ" والصواب هو (جورج). أليس من الغريب أن نختلف كعرب على اسم Graham فنكتبه بأربعة رسوم مختلفة وهي (جراهام) في مصر، و (غراهام) في الشام، و (قراهام) في تونس، و (ﭬراهام) في الجزائر. يتساءل الطاهر : لماذا لا نستعير من الأمم الشرقية حرف الـ G ونكتب كَراهام بكاف ذي خطّين ونتبناه كحرف مُقترض من لغات مجاورة؟ كما يجب الاتفاق على حروف أخرى مثل (الـﭘاء) P و (الـﭬاء) V و "الـﮊاي) Zh وكلها بثلاث نقاط كي نضع حدًا لهذه الالتباسات الصوتية المربكة. ويورد أمثلة أخرى في القراءات الخاطئة لأسماء معروفة مثل Ronald Barthes الذي يُلفظ رولان بارثس حينًا، وبارث حينًا آخر بينما يلفظه أبناء جلدته رولان بارت، وهذا الأمر ينطبق على Corneille الذي يرسمه اللبنانيون من دون نقاش كورناي بينما يلفظه الفرنسيون كورني، كما يرسمون Molière موليار وهو عند أهله مولير، وهناك أمثلة كثيرة يمكن العودة إليها في الركن الرابع من هذا الكتاب المعرفي الشيّق.

أما الركن الخامس والأخير فيتمثّل بـ "طرح وجهات نظر عامة في عملية الترجمة" وهي آراء وأفكار مُستمدة من تجربته الشخصية الطويلة، وخبرته الواسعة التي تجمع بين البحث والنقد والترجمة. الترجمة في نظره "عامل أساس في حضارات العالم" وفيها إضاءة السبيل لأخذ العِبرة، والإفادة من تجارب الآخرين. والترجمة عنده لغة وفن واستعداد أيضًا، ولابد أن يمر العمل المُترجَم على آخرين للتنبيه على ما فيه من اعوجاج في عبارة، أو سهو في مصطلح، وآثار ملل تفضي إلى ترجمة ركيكة ممجوجة. كما أن المراجعة، من وجهة نظره، هي نوع من النقد لأنها تجنبنا الكثير من الضلال. ويشدّد الطاهر على أن المترجم ينبغي أن يمتلك ناصية اللغتين، المترجَم منها والمُترجَم إليها، ويفضّل أن يكون اختصاص المترجم في نوع واحد من التأليف لأنه يقلل كثيرًا من ارتكاب الأخطاء الترجمية. ويدعو إلى ضبط الترجمة وصياغة العبارة السليمة التي لا تخدش الأذن العربية المرهفة. لا يحبّذ الطاهر الترجمة الحرفية وإنما يدعو إلى الدقة التي تعني الالتزام بروح النص في لغة المصدر، ويشدّد على أهمية الحفاظ على أسلوب الأثر الأدبي في لغته الأصلية على أن لا يتقيد المترجم ببناء الجملة في لغة المصدر لأن ذلك يؤدي إلى فقدان الجملة العربية أصالتها، ويحذر بقوة من غلبة صوت المترجم على صوت الكاتب الأصلي، واحتمال طمسه، وكأنّ تجربة النص الأدبي هي تجربته الشخصية، وهو لا يحبذ النقل من لغة وسيطة إذا أمكنَ النقل من اللغة الأم. يحرص الطاهر على الأمانة العلمية في الترجمة وقد تذمر وثارت ثائرته عندما قرأ ترجمة "النفوس الميتة" لكَوكَل لما تنطوي عليه من تشويه وتعثّر وقصور في اللغة المترجم إليها، وطالبَ بترجمة عربية جديدة وأمينة لـ "النفوس الميتة". كما دعا إلى الأمانة والدقة في ترجمة العنوان لأن المترجم الذي يخطأ في ترجمة عنوان الكتاب لا يستطيع أن يقنع القارئ بصحة ترجمة الكتاب نفسه. وكان يندِّد دائمًا بالمترجمين التجاريين ويؤكد على أهمية العناية الدقيقة بترجمة المصطلحات، والعنوانات، والمفاهيم، والمسميات، والأمثال، والأقوال المأثورة وما إلى ذلك. ولم يحبّذ الطاهر أن يزيد المترجم من عنده كلمة لا موجب لها كأن يقول "معركة الأسلوب والشكل" بينما لا يوجد في الأصل إلاّ كلمة أسلوب Style كما في كتاب "الرومنطيقية في الأدب الفرنسي" لسولنيه، ترجمة أحمد دمشقية. أو يترجم كلمة بغير معناها كأن يقول (حملة) بدل (استفتاء) أو (استقصاء)، و (بطن باريس) بدل (قلب باريس) وهكذا دواليك. خلاصة القول إن الدكتور حسن البياتي قد وفا بوعده، وبرّأ ذمته من الدَين الذي طوّق عنقه على مدى عشرين عامًا أو يزيد. كما قطع وعدًا على نفسه بأنه سيظل مهتمًا بالدكتور علي جواد الطاهر، هذا الصرح الترجمي المحبب إلى نفسه ووعده بأن يكتب عنه مادام قلمه قادرًا على المواصلة والاستمرار فجذوة الكتابة والإبداع والبحث لم تنطفئ في روح هذا الرجل البصير الذي يمتلك بصيرة ثاقبة تعدنا بالكثير من الكتب، والأبحاث، والدراسات، والتراجم من اللغتين الإنكَليزية والروسية.

اختار الدكتور حسن البياتي خاتمة موفقة لهذا الكتاب حينما اقتبس أكثر من فكرة للكاتب والمترجم ألستير ريد يقول فيها:"إن الترجمة المثالية تشبه نافذة نستطيع أن نرى النص الأصلي من خلالها" وأن المترجمين البارزين هم "سفراء الكلمة غير المعترَف بهم، والمبعوثون الثقافيون الذين يتجازون الحدود اللغوية بسهولة"([2]). وبالفعل كان الطاهر نافذة مشرعة على الآداب الأجنبية، وكان سفيرًا ثقافيًا فوق العادة ليس في الترجمة حسب، وإنما في النقد، والدراسة الأدبية، والبحث الأكاديمي الرصين.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

......................

[1] - التبريز: امتحان رسمي غايته اختيار مدرّسي التعليم الثانوي ويُشترط في المتقدم للاشتراك فيه أن يكون حاصلاً على الليسانس والدبلوم(ح. البياتي)

[2] - مجلة الثقافة الأجنبية، العدد الثالث، سنة 1988، ص 136-139.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4259 المصادف: 2018-05-04 13:37:59