 كتب وإصدارات

الفتح التجليلي في مجوهر حميد الخربوشي

145 حميد الخربوشيقراة في كتاب التجليل في الخط المغربي - المجوهر الجليل أنموذجا

لقد حبا الله تعالى الخط العربي بمكرمات الجمال والقدسية، فكُتبت به الآيات القرآنية بأشكال اتخذت أبعادا جمالية متنوعة بتنوع الخطوط، ومنها الخط المغربي المجوهر الذي اتخذ صبغة جمالية خاصة في المنظومة الخطية المغربية، واتسم بالفرادة لشكله الجمالي وصغر حجمه المطاوع للمظاهر الجمالية من انحناءات وتدويرات وتقويس واسترسال.. وبالرغم من ذلك فقد ظل على مر التاريخ يخضع للبعد الوظيفي المتمثل في الرسائل السلطانية وعناوين الكتب وبعض ما يقتضي السرعة، وظل المجال الفني المرتبط بالتشكيل غائبا، شأنه في ذلك شأن التقعيد والتقييد والضبط.

وإن من أبرز الخطاطين المغاربة المعاصرين الذين اعتنوا بهذين الخاصيتين الغائبتين على مر التاريخ هو الأستاذ الخطاط حميد الخربوشي الذي يرجع إليه الفضل في تحقيق التجليل في الخط المغربي المجوهر ثم وضع أقصى ما يمكن وضعه من هندسة قويمة لتأصيل هذا الخط وإعطائه المكانة العلمية اللائقة به.

ولا شك أن لمركز الكويت للفنون الإسلامية دور في بعث هذا الإنتاج الجديد والجدير بالأهمية: إنه كتاب العصر: " التجليل في الخط المغربي – المجوهر الجليل أنموذجا، الجزء الأول في تأصيل القواعد. إنها بادرة تنم عن حكمة وبلاغة وهندسة وعلمية ومعرفية الأستاذ الخطاط حميد الخربوشي. فقد شكل هذا الكتاب الذي صدّره مركز الكويت للفنون الإسلامية دعما منه لحركة التجديد والتطوير في فنون الخط العربي، وقدّم له الدكتور أدهام حنش عميد كلية الفنون والعمارة الإسلامية بجامعة العلوم الإسلامية العالمية بالأردن، دائرة مهمة في تطعيم مجال التأصيل للخط المغربي المجوهر بالخصائص التي ترفع هذا الخط إلى مصاف خطوط الصفوة ضمن الخطوط العربية التي لها شأن تقعيدي وضوابط محكمة. وبذلك فقد حظي هذا الكتاب بعناية فائقة؛ إذ كان محل اهتمام هذه الرموز بسبب قيمة الكتاب وخصوبة مادته المعرفية وتقديمه مادة جديدة في الساحة الخطية المغربية والعربية.

ولعل في هذا كثير مما يدعو لدراسة محتوى هذا الإنجاز التاريخي، الذي يجمع بين النظرية والتطبيق، وذلك لما يتمتع به المبدع حميد الخربوشي من مؤهلات ثقافية ومعرفية وما يؤهله من قدرات علمية وإمكانات فنية، جعلته يستحضر الأسس الممارساتية إلى جانب المادة العلمية وهو الخطاط المغربي البارع في تجليل المجوهر، والباحث المقتدر الذي خبر حيثيات الخط العربي في مختلف تجلياته واطّلع على العديد من خبايا وأسرار الخط العربي والمغربي. الشيء الذي مكّنه من طرق هذا العمل الإبداعي الخالد بنوع من الموازنة بين النظرية والتطبيق ليقدم صورة استيطيقية جليلة للخط المجوهر المغربي؛ قام من خلالها الباحث حميد الخربوشي بعمليات التفكيك والشرح والتحرير، ليدجج ذلك بالتطبيق العلمي والممارساتي عن طريق مقاربة علمية مَتَحَت من المجال الهندسي مقوماته الأساسية ومن التجليل كل مظاهر الجمال، ليعلن ميلاد باكورة جديدة استثنائية في تاريخ الأبحاث الخطية المغربية. وهي تُحسب لهذا الباحث المجد الفطن النابغ الفذ.

وهو بعمله هذا؛ يقدم خدمة جليلة ليس للخط والخطاطين فحسب؛ وإنما للإسلام والمسلمين قاطبة، بفضل ما تزخر به تجربته العالمة، وخبرته القويمة، وما تتميز به شخصيته من طاقة فاعلة، مكّنته من وضع المسالك الأساسية لهذا الكتاب بمنهجية علمية محكمة، قدّم من خلالها تسلسلا بديعا من المدخل إلى المقاربات التحليلية لنقاد وخطاطين وجماليين من العالم العربي، مرورا بكراس تضمّن تشريح الحروف في حالة الإفراد والحروف المركبة بمنطق الشكل الهندسي المربع / المعين. ومعرّجا على تقييم استشرافي طرح من خلاله بعض البدائل المنهجية لتدليل الصعاب وتجاوز بعض إشكاليات التقعيد في الخط المغربي.

وقد اعتمد في استشرافه لعملية التقعيد على مقاربة جديدة، ومعايير جديدة، بغية الكشف عن حجب الجمال المخفي في الخط المغربي المجوهر، والذي لا يساعد القلم الدقيق العادي ذي السن الواحد من الإفصاح عنها. وهو جانب يؤسس لرؤية جديدة في التفاعل مع الخط المغربي المجوهر بل وإنها في الوقت نفسه رؤية فنية تتقاطع مع تكوين التجليل في مساحات علمية تمكّن الخط المغربي من الاستيزاد في قوته الجمالية وتؤهله للممارسة التقعيدية؛ إنها دراسة علمية حققت ضرورة حتمية لطالما تطلع إليها المغاربة منذ عقود.

إن ما أسفرت عنه جهود الخطاط الأستاذ حميد الخربوشي من تحقيق لأهداف تنظيرية علمية وتطبيقية على الخط المغربي المجوهر؛ هو مؤشر عن التعبير الجمالي الذي يخضع لسلطة الضبط والتقييد ويُمأسس لجمال الحرف ويُخضع الممارس لضبط ذلك الجمال بمقاييس علمية وسلطة هندسية تسمح بإنتاج المعنى الجمالي للحرف المجوهر. إنه بناء عملي في غاية التميز، ولا غرابة في ذلك فالخطاط الأستاذ حميد الخربوشي يعي جيدا معنى الصور الجمالية والأشكال الخطية والتركيبات الفنية لذلك أخضع الموضوع برمته إلى نسق جمالي متكامل عن طريق الدراسة والتفكيك والتشريح ثم التحرير في ارتباط وثيق بالأسس الجمالية وما تكتنزه المادة التراثية المغربية من مقومات حضارية تؤثر في فعل التقعيد. وهو أمر في غاية الأهمية. يقول حميد الخربوشي: "وحينما نتكلم عن مسألة التقعيد فإننا نتكلم عن تجميع وحصر كل الصور والأشكال الخطية (المتوفرة في المرسوم الخطي المجوهري) ضمن برنامج نسقي يسمح لها بإنتاج المعنى الجمالي ويفتح أمامها باب التنوع والإبداعية في ذات الوقت"[1] إن الرجل يشتغل وفق الشروط العلمية والموضوعية الصرفة، وهو ما يتيح له أن يجسد الفعل التقعيدية بمرونة وحنكة ومراس يستحضر كل الأساليب الجمالية في الخط المغربي المجوهر؛ لأن تحديد سمات الجمالية في الخط المغربي المجوهر لا تتحدد في الشكل العام فقط، وإنما في مختلف الأساليب ليستخرج الباحث أقصى ما يمكن الحصول عليه من المعاني ويحققه من أنواع الجمال.

وليدخل الأستاذ الباحث والخطاط الأنيق حميد الخربوشي في صلب المادة التقعيدية تسلح بعُدة من المستلزمات الأساسية وتمكن من سبر حروف العديد من الكتب والمؤلفات، لأنه أمام بحث علمي يعتمد المنهج الشكلي لتفعيل أهم خطوات هذا الإنجاز الذي ينهال على التجليل دراسة وبحثا لترشيد الرؤية البصرية والحسية نحو الجمال المجوهري المغربي. إنه تفاعل يأخذ بعين الاعتبار تبسيط الطريق والأخذ بالمسلك المنهجي والبيداغوجي الذي يسهل اكتسابه. وليزيد من التبسيط رام المؤلف استجلاء بعض المفاهيم لمعالجة بعض الالتباس كما هو الحاصل في مفهوم الخط الذي يقترن بمفهوم الكتابة. وقدّم بعض المعارف حول ماهية المجوهر وخصائصه مسترشدا بسيل من الوثائق التي يستشهد بها، والتي تغذي المجال المعرفي والعلمي والتاريخي. وهي وثائق متنوعة؛ لكنه ركز على مخطوطات الفترة العلوية لما حققته هذه الحقبة التاريخية من تطور في فن الخط. فرسم تنظيريا ومعالجة قوامة السطر في المجوهر، ووضعية الحروف في مفصولها وموصولها، ومبادئ تكوين العمل الخطي الإبداعي. ثم طرق بحنكة وعلم باب الكتلة الحبرية حيث يهيمن الحبر الأسود على البياض الذي يشكل فيه المجوهر العادي نسقا كتابيا مبنيا بناء سطريا دقيقا.[2] والمؤلف يعطي بذلك المعلومات الخطية الوفيرة المتكاملة التي تمتد حد صياغة مكونات تجربة مجوهرية مغربية عربية تنبئ بفلسفة خطية ذات بعد تاريخي عريق، يعتمد الخط المجوهر الدقيق الذي تهيمن عليه الأحبار بسوادها الحالك، وهو ما يثير الدهشة في المؤلف وهو لا يخفي إعجابه بالرغم – حسب قوله – أن المخطوطات لا تتوفر على أدنى شروط التجليل المعروفة بحسن التشكيل في الخطوط العربية العريقة التي نالت حظها من النمو والتطور.[3] وقد رصد إشكالية التجليل في الخط المغربي وبين بعض الإشكالات التي طالت الأقلام وأشكالها.

وبذلك تتبدى خبرة المؤلف الفردية ومراسه الخطي في المجوهر، التي تشكل رؤية إنتاجه المعرفي والفني، ليرسخ لها مكانا لائقا ضمن خارطة الخط العربي في العالم الإسلامي؛ فقد دلل طرحه بالبحث في الآلة الفاعلة على حد تعبيره. وقد رسم لها الشكل الهندسي الذي كانت عليه، وأعزى كتابته الدقيقة إلى النساخين والخطاطين الذين لم يستحضروا مفهوم التجلية بما هي عليه حاليا. والأستاذ حميد الخربوشي يريد أن يبرر هذا الحلقة المفقودة في تاريخ الخط المغربي عموما وليس في المجوهر فحسب؛ ولذلك قدم مشهدا نظريا رائقا حول كيفية انتقال الحروف من دقيقها إلى جليلها مستعينا بتشبيه لتقريب القارئ من الصورة التي يحسها المؤلف ويريد نقلها بكيفية يتشربها الخطاط أو القارئ بنفس الكيفية. وهو يمهد للدخول في الأشكال الهندسية المتنوعة التي تتقيد بالمقاييس الدقيقة والضوابط العلمية اللائقة. فرسم صورا هندسية وأخرى تقريبية ليمكّن القارئ من قراءة حروف المجوهر بشكل مبسط يسهل تناوله. فتناول عددا من الحروف مفردة ومركبة ووضعها في موازين وقياسات تخص المجوهر الجليل، ثم ركب كلمات غاية في الجودة والجمال، وهي تفصح عن عبقرية المبدع الباحث حميد الخربوشي الذي يرجع له الفضل في السفر جليا بالخط المغربي المجوهر نحو آفاق علمية ومعرفية وفنية جديدة. وهذا ينم عن حسه الفني وثقافته العلمية التي شكل بها حيزا مهما في الوضع الحروفي المغربي وألبسه قيمة جمالية جديدة لتعد بنية خطية متكاملة رائدة في الظرف الراهن، وإذا كان تصوره العميق يقوم على هذه الأبحاث والصياغة الرائقة عن علم وخبرة، فإنه كذلك فتْح علمي وفني ارتشف من التراث الحضاري المغربي، وأخذ منحاه من محيطه الجغرافي المغربي الأصيل. ولأن الباحث أدرك مجمل المقاصد الجمالية التي تلف الخط المغربي، ولأن الخط المغربي كذلك « يتمتع بإمكانات هائلة وأسرار وجماليات غير متناهية، بما حمله بأشكاله الحروفية ورموزه الإيحائية من مضامين عميقة »،[4] جعلت منه بؤرة خصبة للتناول بطرق إبداعية بحثة.

ولقد أبدع الأستاذ الباحث حميد الخربوشي بخاصة في مجال دراسة الخط المغربي المجوهر؛ وهذا من نباهته وحنكته وخبرته؛ فقد أحاط بكل جوانب الخط المغربي المجوهر من الدقيق إلى التجليل وأبرز جمالية هذا الخط في سبق تاريخي، حقق خلاله الباحث نتائج مهمة لما يمتلكه من مفاهيم جمالية متعددة، جعلته يحظى بالأولوية في تدبير شأن الخط المغربي المجوهر. ولا غرو في ذلك، فهو الباحث المتمرس، والممارس الفذ الذي يقدم بين الحين والفين أعمالا مجوهرية غاية في الإبداع والجمال. بل ويسهم في تعميق صيغ الجمال وتجديده في مختلف أعماله. بمنطق يرتكز على الجمال المغربي في أصوله وتقنياته. حيث يغيّر في كل حين في المقاييس الجمالية والبلاغية، قياسا بالمعاينة البصرية التي تعتمد الواقع المرئي للكلمات والعبارات والنصوص التي يعالجها الخطاط حميد الخربوشي، مخصصا بذلك مساحة جمالية من الأعمال ومن الدراسة العميقة في مكونات الحرف المغربي المجوهر والتي رامت إثبات جمالية المبنى والمعنى، في كتاب مغربي فريد.

 

د. محمد البندوري

...............................

[1] التجليل في الخط المغربي، حميد الخربوشي، ص 21

[2] التجليل في الخط المغربي، حميد الخربوشي، ص32

[3] نفسه، ص 34

[4] د. محمد البندوري" جماليات الخط المغربي في التراث المغربي – دراسة سيميائية ". منشورات مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال، المطبعة والوراقة الوطنية- مراكش. 2016، ط1. ص: 113.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4301 المصادف: 2018-06-15 03:13:46