 كتب وإصدارات

نساء القصور على مرّ العصور (3): ملكة ملكات المشرق

محمد فتحي عبدالعالعندما زرتُ تدمرَ عروس الصحراء في رحلةٍ مدرسيّة، في مرحلة طفولتي الابتدائية. أتذكرُ كيف فُتِحت عيوننا مشرئبة لسّماء، وقد وقفنا بجانب معلمينا صاغري الأفواه أمام عظمة هذه الآثار والأوابد المذهلة. كانت زنوبيا في رؤوسنا الصغيرة تحلق أميرة عظيمة جميلة . تمرّ عشرات السنين وننشغل بأحداث الحياة وحكايا الواقع لأشاهد يوماً هذا المسرح التدمريّ العظيم وقد تعطر بدماء بعض الأبرياء وأنّ ما يسمى وحوش البشرية بدأت بتدمير وتخريب هذه اللوحات المدهشة وهذه الكنوز التاريخيّة وهي التي تغلبت على الزمن فجاءت شياطين الأرض لتدميرها ومحو ذاكرتنا وقتل تاريخنا العريق. من تحدت روما أيقظتها أصوات مطارقهم وأسلحتهم الفتاكة ورائحة دماء الأبرياء نهضت زنوبيا لترسل للعالم رسالةً تخبرهم أن أحفادها لن يخذلوها أبداً ستعود تدمر طفلة الصحراء الغافية في أحضان والدتها عشتار . بخوذتها المعدنية على ظهر فرسها تتجول بين أعمدة المدينة المنهارة دمعتان سقطت من عينيها اللتين تحملان سواد الليل. أحلامها منكسرة بأن تكون إمبراطورة روما ولكنّها تثق أنّها هزمت روما ولازالت الأجيال تعتبرها نشيد الدهر الأزلي وبانية روائع الأجداد في فن العمارة. تلفتت حولها أين معبد الشمس العظيم؟ وأين عربتها الذهبية؟ وأين جيشها العظيم الذي بلغ سبعين ألف مقاتل خاضت معهم وبرفقتهم أعظم الحروب مرتدية زي الفرسان برفقة قائد جيشها زَبدة لتصلَ إلى مصرَ وشواطئ البسفور وهو النيل العظيم يهمسُ لها أنّ جدتها كليوباترا تفتخرُ بها، وكم كانت تحملُ من أحلام جدتها وقد تفوقت عليها في الجمال وقوة الشخصيّة والحكمة وهي المثقفة التي تتقن عدة لغات، المولعة بدراسة التاريخ والفلسفة وقد قربت الفلاسفة من العرشِ أمثال لونجين.

سألت عن سنة ولادتها لانعلم بالتحديد سنة ولادتها

لا نعلم بالتحديد متي ولدت زنوبيا ملكة تدمر العظيمة ولو قيل أنها تولت الحكم (267م) كما أن اسمها الحقيقي وأصلها موضع خلاف بين الدراسات العربية ونظيراتها الأجنبية فقد زعمت المصادر العربية أن اسمها الزباء بنت عمرو بن الدرب بن حسان بن اذينة بن السميدع السميعة وبعض المصادر العربية ذكرتها باسم زينب وأن الزباء ما هو إلا لقب يشير إلى الجبروت والقوة فإنّ بعض الدراسات الغربية تنكر الأصل البدوي لزنوبيا وتذهب الي أنها سليلة أسرة ذات ثقافة هيلينية وأن والدها يدعى انطيوكوس وهو اسم يوناني يوحي بأصلها الغير عربي كان قائد الفرسان ...

الا أن المجمع عليه بكافة المصادر أنها كانت زوجة أذينة حاكم تدمر إحدى مدن الامبراطورية الرومانية والذي خاض حروبا ضروساً مع الفرس وعند اغتيال زوجها أذينة على يد المتمردين من جيشه. قررت أن تستكمل رحلة زوجها في توطيد دعائم وأركان مملكته الواقعة  في سورية فصارت الوصية على حكم ابنها الصبي بعد وفاة والده والمسؤولة عن تنشئته ...هذا يقودنا إلى تساؤل مهم بالتاريخ ..لماذا تكون الأم الوصية على حكم أبنائها الملهمه لهم دوما سلباً وايجاباً ولماذا هذا الاتصال الوثيق بين الأمّ ووليدها الجالس على كرسي العرش؟!! إنها غريزة الأمومة والتي يمكن ترجمتها عبر كيمياء الجسم فهرمون اوكسيتوسين المعروف بهرمون الترابط هو المسؤول عن تقوية العلاقة بين الأم وطفلها والذي يفرز بكميات كبيرة عند الولادة والرضاعة الطبيعية ...إنّ الأمر لا يتوقف عند هذا البعد الهرموني فجينات الأم هي التي تحدد مقدار ذكاء الطفل بنسبة ٤٠-٦٠ في المائة وليس الأب بحسب دراسة بريطانية قام بها باحثون في غلاسكو فالأمهات ينقلن جينات الذكاء لأطفالهن لأنّهن يحملن زوجين اثنين من كروموسوم اكس في حين يحمل الرجل كروموسوم اكس واحد فقط ...

ثمة تساؤل آخر لماذا تتفوق المرأة دوما في تحمل المهام المتعددة مقارنة بالرجل؟ لقد كشفت دراسة نشرتها مجلة رويال سوسايتي عن الهرمونات الجنسية هي الأعلى في النساء عن الرجال كما أنّ الأستروجين الهرمون الأنثوي له تأثير على الدماغ معززا السيطرة الإدراكية ويمنع الاستجابات غير السلمية .

نعود إلى زنوبيا وإدارتها الفريدة لمملكة تدمر والتي شهدت نشاطا اقتصاديا مزدهرا بحكم الموقع الفريد لمملكتها وسط سورية بين وادي الفرات والبحر المتوسط كما كان لديها جيشا مدربا ساعدها على التمدد خارج حدود سورية مستغله الاضطرابات السياسية داخل روما فأنفصلت بمملكتها عن روما استقلالا غير معلن ونجحت في السيطرة على مصر ولكن مع تولي اورليانوس حكم روما عادت روما إلى قوتها وبدا له أن اخضاع مملكة زنوبيا لابد وأن تكون في مقدمة أولوياته فخاض ضدها ثلاثة حروب ألحقت الهزيمة بها، و سيناريو النهاية لزنوبيا من الأمور المحيرة مع الصمت المطبق للآثار  المكتشفة لفترتها والتي لا تبوح بنهاية ملكة عظيمة سادت العالم القديم ...

إلا أن ظاهر الأمور قد تتبنى فكرة تسامح الامبراطور الروماني معها والا لما بقيت آثار مملكتها حتى اليوم متحدية الزمن بقسوتها. ورغم كلّ الأحداث تبقى زنوبيا سيدة وملكة ملكات الشرق القدوة للأحفاد في الحكمة ومحبة البلاد وتوثب المطامح لبناء دولة قوية تزاحم أقوى الممالك.

 

أستاذة راغدة شفيق محمود الباحثة السوريّة في علوم اللغة.

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصريّ.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4470 المصادف: 2018-12-01 01:52:42