 كتب وإصدارات

قراءة لكتاب: تجديد الخطاب الأخلاقي من منظور قرآني

- "المعروف منهج حياة"

- "القرآن الكريم كتاب يعني بالعمل أكثر مما يعني بالرأي"

محمد اقبال

نظرة سريعة على مؤلفات علم الأخلاق العام لعلماء الغرب تكفي لملاحظة الفراغ العميق بسبب صمتهم المطبق عن علم الأخلاق في القرآن الكريم. إذ أن هذه المؤلفات تذكر باختصار أو بإفاضة المبادئ الأخلاقية في نظر الوثنية الإغريقية ثم ديانتي اليهودية والمسيحية، ثم تنقلنا فجأة إلى العصور الحديثة في أوروبا، متجاهلة كل ما يمس النظام الأخلاقي في الإسلام. برغم أن العطاء القرآني في هذا الموضوع ذو قيمة لا تقدر، يفيد النظريات الأخلاقية سعة وعمقًا وتناسقًا، كما يفيد المشكلة الأخلاقية ذاتها في حل مصاعبها الدائمة والمتجددة. ولو أننا رجعنا إلى الكتب الأوربية التي تعالج الإسلام خاصة، فسوف نجد أن محاولات قد تمت خلال القرن التاسع عشر من أجل استخراج المبادئ الأخلاقية من القرآن، بيد أن إطار هذه المحاولات كان في الغالب محدودًا، إذ أغفل الجانب النظري من المسألة فلم يحاول أحد أن يستخلص من القرآن المبادئ الأخلاقية العامة فضلًا. وقد عرفت المكتبة الإسلامية نوعين من التعاليم الأخلاقية: إما نصائح عملية هدفها تقويم أخلاق الشباب واقناعهم بالقيمة العليا للفضيلة، وإما وصفًا لطبيعة النفس وملكتها، وتعريفًا للفصيلة وتقسيمًا لها، فهي كتب إنسانية محضة، لم يظهر فيها النص القرآني كلية، أو ظهر بصفة ثانوية. مما دعانا إلى تناول الموضوع من جديد، ومعالجته بمنهج علمي دقيق، من أجل تصحيح هذه الأخطاء، وملء الفجوة في المكتبة الأوروبية، وحتى يتمكن الغرب من أن يروا الوجه الحقيقي للأخلاق القرآنية.[1]

وبالمثل في الكتابات العربية نجد أن بعض شعب الإيمان لقيت من الدراسة ما جعلها قريبة المآخذ يسيرة العرض، بل لقد حُسبت الإسلام كله لطول ما توافر العلماء على خدمتها، وذلك كفقه العبادات وما تضمن من طهارة وصلاة وزكاة، وفقه المعاملات من بيوع وشركات ومعاوضات وغيرها..، إن هذه الجوانب من ديننا العظيم استبحر الكلام فيها، وبرز فيها أئمة مرموقون. أما الجانب النفسي والخلقي، فهو على جلالته مغموط الحق، ولم يلق العناية الدقيقة التي لقيتها الجوانب الأخرى. لماذا لا تؤلف كتب في الإخلاص والتوكل، والتقوى والأمانة، والصبر والحب، والتي فيها معان تعد من شعب الإيمان، أو هي من أركانه الركينة. وتحرير هذه المعاني وفق تفاسير مضبوطة، وشروح مستفيضة خدمة جلية للإسلام، فالأعمال الظاهرة من عبادة ومعاملة ما تصدق ولا تكمل إلا إذا اتسقت وراءها هذه المعاني الباطنة، وتخللت مسالك الفؤاد، ولذلك يجب أن تطرق موضوعاتها بكثرة ودقة. وميدان التربية الإسلامية في هذا العصر أحوج ما يكون إلى هذه الدراسات؛ فالتعاليم المدنية تأتي من كل فج، وتقتحم طريقها إلى الأشخاص. وإذا لم نحسن البناء الداخلي للنفوس ورفع الإيمان على دعائمه الفكرية والعاطفية كلها، فإن الأجيال الناشئة ربما شعرت بنقص في كيانها الروحي تسعى كي تستكمله من جهات أخرى قد تكون غير صادقة ولا تنقل الحقائق الإسلامية كما هي. إن الدين الذي نزل به الوحي هو الإسلام إن نظرنا إلى السلوك الظاهر والعمل البين، وهو الإيمان إن نظرنا إلى اليقين الباعث والعقيدة الدافعة، وهو الإحسان إن نظرنا إلى كمال الأداء والوفاء على الغاية عند اقتران الإيمان الواضح بالعمل الصالح. والإيمان إذا صح لابد أن بنتج العمل، والعمل إذا صح لابد أن يرتكز على الإيمان، والإحسان إذا صح لا ينشأ إلا من إيمان راسخ وعمل كامل، والإسلام لا يصح إلا بالروح الكامنة فيه، والوقود المحرك له أي الإيمان الحق.[2]

يقول "مارسيل" ليس الإسلام دينًا فقط، بل هو حياة جديرة أن تحيا في الوقت الحاضر، وكلمة religion الغربية لا تعبر إلا جزئيًا وبشكل غير كامل عن المفهوم الإسلامي لكلمة دين الغامضة المعنى والمجهولة الأصل الوضعي في العربية. فقد تعني كلمة دين في الإسلام الحقيقة والعرف والتصرف السوي والموقف السليم، وتجمع بمعناها الواسع الإيمان والإسلام والإحسان. فقد بين الله في رسالته إلى الناس الحقيقة والشريعة ومكارم الأخلاق، فالحقيقة تتصل بالعقل، والشريعة بالإرادة، ومكارم الأخلاق بالوجدان. والصلة بين عناصر هذه التعاريف الثلاثة الأساسية وثيقة لا تنفصم عراها، يؤكد ذلك أركان الإيمان، وهي الإيمان بالله ورسوله وما أنزل إليه والكتب التي انزلت من قبل والملائكة واليوم الآخر. ويميز الربط بين طرف الإيمان المبدئي وطرفه النهائي طبيعة الإسلام الخاصة، وهي أنه توحيدي أخروي، يعزز وحدانية الله فيه.[3]

يشكل الخلق الإسلامي جزءًا لا ينفصل عن الدين الذي هو في نظر السنة طريقة التعامل مع الآخرين، ولن نحكم إلى أي مدى هو مطبق ومحترم في أيامنا، فقد قال محمد عبده أن حياة المسلمين أصبحت في الوقت الحاضر مظاهرة ضد دينهم. فقد يكون ضعف الإيمان وانحرافاته مماثلة في الواقع لما قد تكونه الرذائل المناقضة للفضائل المتعلمة من الله والنبي محمد، وهي رذائل تسيئ إلى المسلمين، فساد العقيدة والجهل الفكري، والظلم والاستبداد، والخيانة، والغش والمخادعة حتى حيال الله. ويعتبر المنظور الخلقي العام تبعًا لجوهر الدين نفسه، وإذا كانت المحبة أهم الفضائل الإلهية في المسيحية، فإن الأفضلية في الإسلام هي الإيمان. فالسبيل في المسيحية إلى الخلاص هو الزهد، وفي الإسلام السبيل في التقى والتقيد بالقانون، باعتبار أن الخلاص للقاعدة رفع المؤمن معنويًا وروحيًا، ويبدو أن هذا الفرق الجوهري هو السبب في عدم فهم الغرب للخلق الإسلامي الذي قد يخيل لهم أنه أميل إلى التمسك بالشكليات، ولما كان المسيحي يعتنق دين المحبة أي دين التضحية، فإنه يتوهم اكتشاف نوع من الحصر في نظام الوصايا العملية القرآني. وتختلف نظرة المسلم اختلافًا شديدًا مع تلك النظرة، فهو يرى أن أساس حياته الخلقية برمتها كامن في قرار حر وعقلاني باحترام القانون، لا في بذل جهد فرداني. وبالإجمال تبقى قضية الفرد الكبرى أن يبحث عن اندماجه في النظام الأكمل للعالم، وأن يحظى به، فالخير هو التوازن، والشر هو عدم التناغم، وهما مثبتان محددان في القرآن، يهدفان إلى حفظ حقوق الله وحقوق الإنسان، وهكذا ينبغي أن يجد كل إنسان نصيبه في التناسق.[4]

لم يأت القرآن فقط لتذكير الناس بالعقل السليم، ولإعادة الخلق القويم بينهم، فليست رسالته الوحيدة هي تعزيز الرسل السابقين والربط بين دعواتهم بسياج الوحدة والتصديق عليها، بل القرآن يقصد الإنسان حيث يكون وإلى أي جنس ينتمي، وذلك حين يوجه نداءه إلى العقل والذوق السليم والشعور الإنساني النبيل. وإذا كان القرآن بعيدًا عن أي عامل خارجي قد أثر بصفة دائمة على عقول جد مختلفة فلابد أن يكون ذلك راجعًا إلى ما له من جاذبية خاصة بتوافقه الكامل مع أسلوب الناس الفطري في التفكير والشعور. وباستجابته لما تتطلع إليه نفوسهم في شؤون العقيدة والسلوك، وبوضعه الحلول الناجعة للمشكلات الكبرى التي تقلق بالهم. وبمعنى آخر لابد أنه ينطوي على ما يشبع حاجاتهم إلى الحق والخير والجمال بما يجمع من صفات العمل الديني والأخلاقي والأدبي في آن واحد. ويستند القرآن في أغلب الأحيان على الشعور العام القادر على التمييز بين العدل والظلم وبين الخير والشر ليؤسس نظامه الخلقي، ويعتمد عليه في تعريف فكرته العملية، والتي تدور في معظمها حول المعروف والفعل الحسن. ونظرًا لأن الحاسة الطبيعية التي يلجأ إليها القرآن ليست بنفس القدر عند كل الناس، ولا بالقوة والفاعلية لتلزمهم بالخضوع لقاعدة السلوك، فقد اقتضى الأمر وضع منهج كامل في التربية، وبجوار الحاسة الخلقية وهب الله الإنسان الذكاء والعقل، فإن غاب هذا الشعور الحيوي عن الخير والشر، تبقى فكرة الواجب العام أو المتعارف عليه عالميًا، وهذا هو جوهر مفهوم المعروف.[5]

لماذا مفهوم "المعروف"

تُرجم معنى "المعروف" في العلوم الإنسانية إلى مجموعة من النظريات السلوكية والأخلاقية –دون الإشارة إلى المصطلح صراحة- وهو أساس في الحكم والقضاء إذا ركزنا على مرادف المعروف "بالعرف" السائد في مكان ما، وانصرف الناس إلى هذه النظريات الغربية، دون الالتفات إلى  تاريخية موقع هذا المعنى وترجمته في القرآن الكريم. ونحاول هنا إعادة لهذا لمفهوم تأصيله، ونستدعيه إلى واقعنا وتعاملاتنا اليومية، لنحاكي الغرب في استخدامهم لهذا الأسلوب والمنهج، والذي ساهم في تقدمهم وتعاملاتهم الأخلاقية المتحضرة، مما يجيب على تساؤل يدور في المجتمع الإسلامي، لماذا الغرب متقدمون والدين لديهم ليس أساس للحياة، بينما نحن نعاني من الجهل والتخلف والدين عندنا مكون أساسي في الحياة؟؟ والإجابة واضحة، وهي أننا لم نترجم الدين إلى سلوك وأخلاق، اكتفينا بأركان الإسلام، من صلاة وصوم وزكاة وحج بيت الله، وأغفلنا المنهج الذي نسير عليه، والمذكور جملة وتفصيلًا في كتاب الله "القرآن الكريم".

يقول كيفين رينهارت أن القرآن الكريم يشتمل على مفاهيم حياتية، تفتح مجالات لأسس التعامل سواء على مستوى فردي أو مستوى مجتمعي، فهو لا يعطينا أنماط فكرية أو مفاهيم نقف عندها وحسب، بل يفتح آفاق جديدة للتفكير. ويؤكد غلى أن "المعروف" مفهوم شامل، وهو المصطلح الأفضل ليساعدنا على فهم طبيعة العلاج الأخلاقي القرآني، وفي الترجمة الانجليزية لا يوجد مصطلحات كافية لفهم هذا المصطلح الهادف للتقييم الأخلاقي، إذا إنه يشتمل على معنى كل ما هو حسن، والمعاملة الجيدة الطيبة مع الآخر، ويقترن بالإحسان، وعادة ما يترجم إلى كلمة "طيب" Kind ، والتي تترجم في حد ذاتها على أنها مجرد فعل طيب، وهي غير كافية لوصف المفهوم، لذا يفضل استخدامه في لفظه العربي "المعروف".[6]

ومن ثم فقد أثرنا التركيز على مفهوم "المعروف" لأنه مفهوم شامل وعام، فهو أعم من المودة والحب، وبالالتزام به ستصل إلى درجة الإحسان، ثم إلى تزكية النفس، التي هي من القيم العليا. ويتضمن "المعروف" المعاملة الحسنة لمن تحبه ولا تحبه، ولا يرتبط بالعاطفة المتقلبة وفقاً لأهواء النفس، بل هو سلوك ينطوي على الاحترام وعدم الإساءة حتى لمن أساء إليك. وهذا ما نحتاج إليه في تعاملاتنا اليومية، ونحتاجه أكثر في الحفاظ على العلاقات الإنسانية، واستدامة الحياة ولو انتهت مشاعر الحب بينك وبين أقرب الناس إليك، ستبقى المعاملة الحسنة. إن دائرة المعروف والمنكر لا تقتصر على الأفعال والأقوال لتكون مقتصرة على دوائر الأحكام الشرعية التقليدية من عبادات ومعاملات، بل تتسع لتشمل كافة أبعاد الوجود الإنساني بما يشمل عقائد الإنسان ومشاعره. ولا تقتصر على الجانب الفردي في حياة البشر بل تتوسع لتضم باقي الجوانب التي تتعلق بالاجتماع الإنساني أو الجانب الاجتماعي، بل أكثر وأوسع لتشمل كل نواحي حياة الإنسان وعلاقاته.

فمما لا شك فيه أننا نعيش أزمة فيما يتعلق بالأخلاق والقيم، والأزمة الأكبر في تبرير هذا الانهيار تحت شعارات رنانة تجد صداها لدى البعض ممن يرغبون في الحرية المطلقة، والأنانية في استخدام هذه الحرية لحد إيذاء الغير معنويًا، سواء بالتعدي على معتقداته وقيمه الخاصة، أو اتهامه بالتخلف والرجعية. وتجد هذه الشعارات صدى لدى البعض –والذي أظنه النسبة الأكبر- ممن يفتقدون القدوة والمنهج الصحيح الذي يسيرون عليه، بشرط أن يحاكي هذا المنهج واقعهم، ولا يتحدث عن عالم يوتوبي مثالي. وفي كل الحالات نحن نتعامل مع إنسان بكل مكوناته المعرفية والعقلية والسلوكية، التي تنعكس في صورة معاملات. والقرآن الكريم بين لنا جملة وتفصيلًا مناهج عدة لنسير عليها، وتكون أسلوب حياة، سواء فيما يخص العبادات بين العبد وربه، أو المعاملات بين البشر، بل وأيضًا العلاقة بين الإنسان وسائر الكائنات الحية الأخرى والكون.

عندما ضل الإنسان طريقه لعدم معرفته بهذا المناهج، وانفصل الخطاب الديني السائد عن حياة الإنسان وواقعه، فكان من الضروري إعادة طرق باب القرآن الكريم، والنظر فيه بشكل أكثر عمقًا، بوصفه دليلًا ومرشدًا ينير الطريق من جديد، ويطرح حلولًا لما يعانيه المجتمع من مشاكل وأمراض اخلاقية، ويضع له أسس ومبادئ يسير عليها، بما يتوافق مع التغيرات المتلاحقة التي تفرز ظروف وأوضاع جديدة متباينة. إن القرآن الكريم كتاب تعبدي وتعليمي، والهدف منه ليس فقط القراءة والحفظ، بل أنه أعم وأشمل، فهو منهج متكامل للحياة، وقاعدة معرفية تهدف لتغيير الاتجاهات وأسلوب التفكير، وتوجيه السلوك، واكتساب مهارات لكيفية التعامل مع الواقع ومشكلاته. نحن في حاجة إلى إعادة قراءته بشكل مختلف، ليفتح لنا آفاق جديد للتدبر والتفكر، وهو ما وجهنا إليه الله عز وجل في كثير من الآيات التي تحث على التفكير واستخدام العقل، بالإضافة الى اكتساب القيم والأخلاق.

اختلفت الآراء حول الكيفية التي نبدأ بها للتعامل بالمفاهيم القرآنية مع العلوم الإنسانية، هل نبدأ بعرض القضايا الاجتماعية على القرآن، أم الاستعانة بالمفاهيم القرآنية والبدء بالتنظير، وهو ما تناوله البعض تحت مسمى "أسلمة العلوم ألاجتماعية". ولكن هل ينحصر هدفنا في مجرد أسلمة العلوم، أو إثبات أن القرآن شمل كل هذه النظريات؟ الهدف الأساسي الذي يجب وضعه نصب أعيننا، هو ترجمة معاني القرآن الكريم والمفاهيم التي يشتمل عليها إلى أسلوب حياة، ومناهج لحل القضايا الاجتماعية والإنسانية. إنما نهتم هنا بالترجمة الفعلية للمفاهيم القرآنية على أرض الواقع، وتحويلها لأخلاقيات وسلوكيات يمكن تطبيقها، بالاعتماد على الخلفيات النظرية التي تؤطر لكيفية هذا التطبيق ومنهجيته وأساليبه ووسائله، والعقبات والتحديات المتوقعة، ووضع حلول وبدائل لتخطيها. وهدفنا ليس تحسين أو تصحيح صورة الإسلام بعد انتشار الحركات التي ادعت إسلاميتها -وفي الحقيقة هي تعمل ضده مبادئه- بل نهدف لتحسين نوعية حياة الإنسان من خلال الاستعانة بالمنهج القرآني. وهو ما يحقق رسالة الإسلام، والتي أجملها نبينا محمد صل الله عليه وسلم في حديثه الشريف "إنَّما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ"[7].

ومن هذا المنطلق لنا أن نختار بين طريقتين: الأولى، اختيار القضايا التي تثير جدل، أو تؤرق المجتمع بشكل مُلح في اللحظات الآنية، وعرضها على القرآن، الثانية، التركيز على مصطلح قرآني، واسقاطه على الواقع بمشكلاته وقضاياه، الاجتماعية والتربوية. وفي كلتا الحالتين سوف نتعامل مع القرآن الكريم ليس فقط بوصفه كتابًا يشمل نظريات وأطر معرفية وأخلاقية وفلسفية يمكن اللجوء إليها، والاستناد على مبادئها للتعاطي مع هذه القضايا، ومن مميزات المنهج القرآني أنه يعالج جذور المشكلات، ولا يقتصر فقط على عرضها ظاهريًا.

يجب فقط أن نُجيد عرض القضية أو المسألة المجتمعية على القرآن الكريم، ونبدأ بتحديد المفهوم، ثم الانطلاق بين ربوع الآيات القرآنية لبيانه وتحليله، ورصد السياقات التي ورد فيها، للخروج في النهاية بمعان متعددة لهذا المفهوم. ولدينا أنواع من القراءات للمفاهيم عبر ربوع القرآن الكريم، منها القراءة بأسلوب كوني يربطها بمعطيات الكون والزمان والمكان، أو أسلوب موضوعي يربطها بالمفاهيم المترادفة لها والمكملة في المعنى، وغيرها من الأساليب المتبعة في منهجية تفسير المفاهيم القرآنية.

وبالنظر إلى واقعنا الحالي ومتطلباته، والرجوع إلى القرآن الكريم لمقابلة هذه المتطلبات ومواجهة التحديات القائمة فيما يخص بناء الإنسان الأخلاقي والقيمي، وجدنا أحد المناهج الذي يعد من وجهة نظر الكاتبة الأنسب لمواجهة هذا التحدي، ألا وهو "المعروف". وحين نتعمق في دراسة هذا المفهوم القرآني، نجد أنه يشتمل على منظومة خلقية وتشريع قرآني إلهي، فهو متعدد المعاني والأهداف، ففي الوقت الذي يصلح لأن يعبر عن الكلمة الطيبة البسيطة، نجده يضع قاعدة صارمة أيضًا للتعامل في بعض الحالات التي تتضمن أحكام شرعية، لذا فهو العلاج والأسلوب الأمثل لعصرنا هذا. وبالتدقيق لوحظ أن المفسرون الاوائل لم يتعمقوا في وصف أو شرح مفهوم المعروف، لأنه لا يحتاج إلى توضيح أو التركيز عليه، ولعل اختلاف الوقت والظروف والمشكلات هو ما جعلنا نحن نحاول فهم المصطلح كما قصده القرآن وقت نزول الوحي، بغرض انزاله على واقعنا الحالي بما طرأ عليه من خلل واضطراب اخلاقي وقيمي. ولكن توجد بعض المحاولات التي تناولت "المعروف" في أعمال ركزت على الجانب الأصولي المقارن بين فهم الفقهاء والمفسرين لدور المفهوم في عملية الحسبة، وهذا في أعمال محدودة للغاية، وتتسم بالنظرية والتخصص الأكاديمي. لكن لم يتناوله أحد من الجانب الاجتماعي والتربوي الذي أثرنا أن نركز عليه في هذا العمل، وهذا لنؤسس للمفهوم أن يصبح ثقافة متكاملة وليس مجرد سلوك وأفعال، بل يكون منهج وأسلوب حياة وفكرة.

يستند هذا العمل إلى مبدأين رئيسين:

إيجاد حلقة وصل ما بين العلوم الشرعيَّة والعلوم الإنسانيَّة، ولا سيما علوم النفس، والتربية، والاجتماع، ويتحقق هذا من خلال:

استنباط المضامين التربويَّة والاجتماعيَّة من القرآن الكريم.

الاستعانة بالمنهج للقرآني للتعامل مع المشكلات الاجتماعيَّة.

اكتشاف آفاق لاستبدال المفاهيم السلبيَّة المرتبطة بالأسرة بمفاهيم إيجابيَّة من داخل المنظومة القرآنيَّة.

تأمل الكاتبة أن يحقق هذا الكتاب الغرض منه، ويكون إضافة يتحقق منها التراكم المعرفي، ويكون جسرًا ما بين العلوم الشرعيَّة والعلوم الاجتماعيَّة، وما بين علماء الدين والواقع المعاش لأصحاب المشكلات الاجتماعيَّة. وقد حاولت أن يكون هذا العمل مركز بقدر الإمكان، خال من الإسهاب، وبلغة يتسنى للجميع الإطلاع عليها والاستفادة منها، فهو موجه للأكاديميين، والمتخصصين، والعامة. وهو جزء من الإنتاج المعرفي "لمبادرة المعروف منهج حياة"، وهي مبادرة تستهدف نشر سلوك المعروف بين الناس، عن طريق بناء القيم والأخلاق لتنعكس على التعاملات بين بعضهم البعض، متجنبين النصح أو الوعظ المباشر.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء:

الجزء الأول: يركز على منظومة الأخلاق الإسلامية كما وردت في القرآن الكريم، ونختص منها مفهوم "المعروف"، محاولين إلقاء الضوء عليه كمنهج أخلاقي قرآني، وتجلياته.

الجزء الثاني: يركز على عرض لتطبيقات وصور المعروف لاستعادة عدد من الأخلاق المجتمعية الغائبة، وكيفية يمكن التأكيد عليها من خلال هذا المفهوم والقانون الأخلاقي.

الجزء الثالث: المنهج القرآني (المعروف) للتعامل في الحياة الأسرية متمثلة في منظومة الزواج والطلاق، والقضايا المرتبطة بهما وكيف يمكن استخدام المعروف كمنهج ومبدأ أساسي بداية من اختيار الزوجين لبعضهما البعض، مرورًا بالحياة الزوجية، وصولًا إلى الطلاق وما بعد الطلاق، وفي الخاتمة، تضع الكاتبة خريطة للحياة الزوجيَّة بالاستناد إلى منهج "المعروف".

 

د. سوسن الشريف

.....................

[1] محمد عبد الله دراز، مختصر دستور الأخلاق في القرآن، ترجمة: محمد عبد العظيم علي، (الاسكندرية: دار الدعوة، 1996) عن رسالته للدكتوراه نوقشت عام 1947، وطبعت على نفقة الأزهر عام 1950.

[2] محمد الغزالي، الجانب العاطفي من الإسلام، (القاهرة: نهضة مصر، 2003).

[3] مارسيل بوازار، إنسانية الإسلام ، ترجمة: عفيف دمشقية، (بيروت: دار الآداب، 1980).

[4] المرجع السابق.

[5] المرجع السابق.

[6] A. Kevin Reinhart, What we know about Maruf, Journal of Islamic ethics, Koninklijke Brill NV, Leiden, 2017.

[7] رواه البخاري في "الأدب المفرد" رقم (273).

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4661 المصادف: 2019-06-10 03:48:35