 كتب وإصدارات

اشكالية الجوهر بين الخفاء والتجلي

قاسم جمعةليس من عادتي أن اكتب عن كتاب لا تكبرا أو غرور بل لاني أؤمن بأن القراءة تكون مفيدة عندما توظف في خدمة بحث مرتقب أو دراسة قيد الإنجاز فلذا تكون الرغبة في قراءة الكتب مدفوعة بقصد كتابة البحث وربما هي لوثة أكاديمية تحسب للوقت والجهد ثقلا كبيرا

لذا تنتابني احيانا رغبة ملحة للكتابة، لكنها تتوقف ريثما تشرع للبدء، وهي حالة تمر على اي مشروع للكتابة لا يرغب بأن ينقل ذهنه من حرية القراءة الى سلطة المكتوب؛ وقهر المفارقة التي ستحصل لحظة التنازل عن خياله وحريته امام معبد الكتابة وبالتالي تحوله من قارئ إلى مقروء .

لقد سعدت كثيرا بإهداء دكتور حسون فندي السراي لكتابه (إشكالية الجوهر في الفلسفة المعاصرة)، ولكني سارعت إبلاغه حالما تسلمت منه نسختي الممهورة بإهداء منه، باني افكر او اني فكرت حينها فعلا بعد قراءة كتابه مستقبلا، سوف اكتب عنه مقالا أو عرضا لمضامينه ..

ولاني بحسب ظنه مشاكس مدمر ومختلف عنيد في حقل الكتابه والتفكير الغير مألوف وهي شهادة كبيرة من كاتب ومفكر كبير مثل بروفسور حسون، الذي تربطني به علاقة، طالما شحنتها مناقشات مستمرة بيننا في مجال الفلسفة وخصوصا ما يعد اشكاليا وملفت للسؤال النقدي..

لم أكن اتوفر على الوقت الذي يسعفني على قراءة سفر فلسفي مهم، يصفه هو، بأنه معقد!. ولطالما انشغل السراي بمعشوقته (الفلسفة الحديثة) واشكالاتها العديدة فكتب بحوثا ودراسات مارست لعبة الظهور والتخفي ! فهو يكتب ويفكر خارج منطق الضوضاء والميديا المهووسة باستجابات جمهور غارق بما يعجبه هو، ولذلك فهو من جيل يكتب بصمت ويفكر بصمت لا يرتضي لنفسه سوى اهتمام بمشكلة هنا أو أشكال فلسفي هناك..

بل شغلته جوهرها المهم في الفلسفة تقصد (اقصد مشكلة أو إشكالية الجوهر) العنوان لإي رغبه إلا على مضض لأنه يعتقد أن الفلسفة الحديثة بثوبها المعاصر تحن لتاريخها العتيق والمعاصرة تسمى عنده الحديثة المتأخرة وهي تصنيفات يأخذ بها بعض من مؤرخي الفلسفة لاسيما وليم كلي رايت في كتابه تاريخ الفلسفة الحديثة

لكني اجد بتواضع كبير أن قراءتي لكتاب بروفسور حسون مهمه معقدة فضلا عن موضوعها لأنك امام كاتب يبحر بك في سماء اللفظ السديد والأكاديمية الصارمة والنص الرشيق والملاحقة المرهقة لعبارات الفلاسفة وكبار المتفلسفة المعاصرون بأسلوبه يحيل بمخيالك عوالم جماليات التلقي ويجعلك قارئ جيد لنص جميل لكن بشرط أن تتابع إيقاع نصوصه للنهاية فهو كاتب متمرس يهوى المشاكسة التي يصفني دوما بها أو التدمير الذي التفت إلى سره في بعض ما قرأ أو سمع لي في ندوات أو جلسات أو مؤتمرات

لكني عندما باشرت بقراءة كتاب إشكالية الجوهر راودني احساس مباغت باني سوف اتيه بين جدران سميكة لنصوص تخنق القراءة ومتعنها لكني بعد أن قراءة لأول أسطر بحثه شدني الى عالمه وآسرني سحر بيانه الفلسفي فهو يتناول الجوهر الذي يهوى لعبة الظهور والتخفي او بعبارته الخفاء والتجلي وعليه تقع مهمة اثبات ذلك في نصوص كبار فلاسفة العصر كهيدجر وسارتر ورسل ووايتهيد وآخرين من فلاسفة الرفض للجوهر ومعطيات التعامل معه فهو يروم اثبات ان هولاء الفلاسفة يؤكدون ما يرفضون ويرفضون ما يؤكدون، فهي مهمة تاؤلية صعبة وطويلة ومعقدة من الناحية الزمنية المفتوحة للبحث، فضلا عن صعوبة تناول هكذا موضوع ليس من الهين تناوله، بسبب تقنيات بلاغية وموضوعية ترتبط به كموضوع يخص حقل الميتافيزيقا الشاق والاشكالي. والمراوغة التي أطلقها انا على عينات بحثه، فهم فلاسفة يرفضون الجوهر، لكن خطابهم منزلق في بيت الميتافيزيقا المهجورة من قبلهم، وهو ما يسميه بروفسور حسون المعيار المزدوج .ص٩

وتكمن جراءة الباحث فضلا عن ما ذكرت أعلاه إنه لم يقيد قلمه بمنهج محدد، والذي أسفرت رحلته الشاقة (عشرة سنوات) من البحث أن يؤمن أن محركه في البحث هو حب البحث ومطاردة فرضيات البحث بكل صورة منهجية متاحة .ص١١

لقد تبين بعد مغامرة نصية تتناول نسق ميتافزيقا كل نموذج حتى وإن كانت بالضد أو ترفض هذه المعطيات، فقد فكك نصها وحاول بشجاعة القارئ الحقيقي للنص بحسب امبرتو ايكو، أن يفضح التشابك الدلالي لنص كل مفكر أجاد لعبة الرفض والقبول لمصطلح أو مفهوم الجوهر في فلسفته التي طالما وضعت في خانة النصوص الرافضة لمشكلة الجوهر .

البحث جري بأسلوبه ونتائجه والمقاربات الدقيقة بين نصوص فلاسفة القرن الحديث (السابع عشر ما بعده) وبين فلاسفة القرن الواحد والعشرين (المعاصرون) فهو بحث يليق به كما عرفته يتقن اللغات (الإنكليزية و الفرنسية وربما لغات اخرى) ولست أبالغ فهو يذكرني بكبار الكتاب الذين علمونا أبجديات الفلسفة والحق يقال، فهو بحث شيق مكتوب بلغة رشيقة لا تغادر زوايا أو تخوم نصوص الفلسفة اي كانت محطاتها الزمنية، لقد جاء البحث وفق خطة منهجية طريفة تأخذ فلسفة كل مفكر وتحيط به بأسئلة من قارئ يجيد فك الطلاسم ويحلل شفرات النصوص بما قبلها وما بعدها ليصل إلى أن القول (المعاصر) له مصدر آخر يلوح من بعيد تجده حاضرا عند أفلاطون وارسطو أو ديكارت أو لايبنز أو كنت .

وهو يلخص ما يروم الوصول إليه بالقول " وعلى أية حال، من أحوال العرض والتحليل الذي قدمنا، فلم كدما شئت من توظيف المفاهيم المضادة لمعاقل الجوهر وأحفاده الذين لم يعودوا يتآمر، فإنك طالما كنت تفكر في أفق الميتافيزيقا محاولا توكيد : وحدة الوجود والمظهر (هيدجر) أو واحدة الظاهرة (سارتر) أو وحدة الكائن العضوي (وايتهيد) أو أصالة الحوادث ووحدتها (رسل)، فإنك واقع لا محالة في هذا الإشكال وهو انك ستجد نفسك في وضع تؤكد فيه ما رفضته وترفض فيه ما أكدته طالما كنت تقرأ، اضطرار، كذا وكذا، بما يدل على الجوهر معنى ودلالة ..."ص٢٠١.

 

د. قاسم جمعة

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

عرض جميل وقراءة طريفة للكتاب تمتع القارى ، شكرا لدكتور قاسم جمعة على هذا الاسلوب وجاذبيته.

د. علي رسول الربيعي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا دكتور علي الربيعي
على هذا الاطراء
تحياتي لك

د.قاسم جمعة
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4705 المصادف: 2019-07-24 04:36:48