 كتب وإصدارات

التراث وإشكاليات التأويل

ماهر حميدقراءة نقدية في كتاب: التراث وأنساق الثقافة

يمثل كتاب التراث وأنساق الثقافة – قراءة في كتاب الأغاني، للدكتور رائد حاكم، أحد أهم المحاولات الجادة في ميدان الدراسات الأدبية الحديثة، ولاسيما  في حقل النقد الثقافي، خاصة وإنَّ قراءة التراث قراءة ثقافية وتحليل مروياته السردية تحليلاً بنيوياً قائماً على التأويلية "بوصفها تفسيراً للوجود – في- العالم معروضاً في النص"(1) سواء أكان الشعري أم النثري يتطلب قراءة معمقة وتأويلاً دقيقاً لنكشف من خلاله عن أهم الأنساق الكامنة وراء تكوين النصوص الأدبية وقراءتها على وفق موجهاتها الثقافية؛ لأن هذه " الموجهات على اختلاف قيمها المهيمنة، قد أدت أدوارها في تحديد فاعلية النصوص السردية بما يدفعها للاستجابة لقوة النسق السائد، فإن بمستطاع النصوص المنتجة تحت ضغط إعادة التوجيه أن تُحرّف مقولاتها الأولى وتغيّب غاياتها الأصلية"(2) وهذا ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح إعادة الإنتاج للمرويات السردية عبر رعاية " خصائصها النوعيّة تحت شبكة معقدة من التفاعل بين المرجعيات بكل مكوناتها وبين هذه النصوص، ليغدو النص بناءً على هذا التصور، منتجاً ثقافياً"(3) يمثل هوية الأمة بما يحمله من قيم وأفكار قد بنيت على أنساق مختلفة تبعاً لتعدد الأدباء والكتاب كلًّ بحسب ميوله الذاتية ومنطلقاته الإيديولوجية التي ينطلق منها نحو تحقيق وجوده عبر نقد الذات والآخر.

ولهذا نجد إنَّ قراءة التراث في ضوء النقد الثقافي تتطلب جهداً كبيراً من الباحث، ولاسيما أن هذا الحقل المعرفي يهدف " إلى تناول موضوعات تتعلق بالممارسات الثقافية وعلاقتها بالسلطة، وتهدف من ذلك إلى اختيار مدى تأثير تلك العلاقات على شكل الممارسات الثقافية، كما أنها ليست مجرد دراسة للثقافة، فالهدف الرئيس لها فهم الثقافة بجميع أشكالها المركبة والمعقدة وتحليل السياق الاجتماعي والسياسي، في إطار ما هو جلي في حد ذاته"(4)، فضلاً عن إنَّ كثيراً من المرويات السردية تكون عصية على التأويل؛ لِما تضمره من أنساق ثقافية متنوعة، ولِما تحمله من أوجه قرائية متعددة وتأويلية مختلفة، بعد أن تأتي ضمن مشروع ثقافي يمثل عصر من العصور مثل كتاب الأغاني، لهذا لا يمكن لنا أن نفهم أي مشروع ثقافي أو فني ما لم نفهم تشكيله الثقافي عبر منظومة معقدة من النصوص المتداخلة مع بعضها حيناً والمتقاطعة أحياناً أخرى، وهي تُقيم حوارها مع أنساق عصور إعادة انتاجها في هويات مختلفة(5) لذا يجد الباحث في كتب التراث نفسه أمام كم هائل من الهويات المتجانسة في هوية واحدة يصعب تحليلها مرة، في حين تكون عصية على التأويل مرة أخرى.

جاءت هذه الدراسة على أربعة فصول، يسبقها مقدمة وتمهيد، بين فيه مفهوم النسق الثقافي في المدونتين الغربية والعربية، ومن ثم النسق العام لكتاب الأغاني. بعد أن وضح لنا ماهية التراث وفاعلية النسق الثقافي ووظيفته.

ولكن قبل كل شيء إنَّ ما يؤخذ على هذا الدراسة هو إنَّها جاءت خالية من التصنيف الأجناسي للمرويات السردية الواردة في كتاب الأغاني، فلم يعمد الباحث إلى تصنيف المرويات على وفق أجناسها، الأدبية، وهي" قوالب عامة فنية تختلف فيما بينها- لا على حسب مؤلفيها أو عصورها أو مكانها أو لغاتها فحسب- ولكن على حسب بنيتها الفنية وما تستلزمه من طابع عام، ومن صور تتعلق بالشخصيات الأدبية أو بالصياغة التعبيرية الجزئية التي ينبغي ألا تقوم إلا في ظل الوحدة الفنية للجنس الأدبي"(6)، الأمر الذي أوقعه في إشكالية كبيرة، ولاسيما إنَّ قراءة الأجناس الأدبية كالخبر وما يندرج تحته من أنواع خبرية وتحليلها يختلف عن تحليل الحكايات والنوادر وتأويلها على وفق ما يندرج تحتها من أنواع أخرى ذات أوجه نقدية متعددة، وحمولات ثقافية مختلفة، وغيرها من الأجناس الواردة في الكتاب التي لم يجهد نفسه حتى في الإشارة إليها.

كان الفصل الأول: معنياً بتشكُّل النسق الثقافي عند الأصفهاني، بيّن فيه أهم السياقات والمرجعيات الأساسية التي أثرت في وعي المؤلف وأغنت تجربته الأدبية، فكان البحث "عن تشكلات النسق الثقافي عند الأصفهاني، هو بحث ورصد للتحولات والانتقالات المعرفية والثقافية عبر الزمن؛ لأن الموضوعات الأدبية تتبلور وتكتمل خصوصيتها عن طريق تراكم المعارف وتعاقب الأيديولوجيات داخل وعي المؤلف، ثم تتطور في شكل منظومة تداولية/ ثقافية تُشكل نسقاً يتعايش بشكل موازٍ مع هذه الموضوعات فتنتج الخطاب"(7)

وقد أحتوى على ثلاثة مباحث، عني الأول منها: بمرحلة التأسيس وتخلّق الأنساق، إذ كشف الباحث فيه عن تعدد المرجعيات الثقافية ومنها: (المرجعيات المكانية، والمذهبية، والقبلية، ومرجعية الأقران) وما لها من أثر في سلوك الأصفهاني وطبعه العام، ودورها في بناء ثقافته.

والثاني: مرحلة التأصيل واكتمال الأنساق، بين فيه إن الأنساق الثقافية التي تسود في  عصر معين ما هي إلا نتيجة للخطابات الثقافية المهيمنة في ذلك العصر تبعاً لإيديولوجيا السلطة الحاكمة. فضلاً عن التمازج الجنسي والثقافي، والازدهار الاقتصادي والمالي وكيف أثرا في تشكل الأنساق العامة، ليس في الدولة العباسية فحسب، وإنما في سياق الحضارة العربية الإسلامية بشكل عام؛ لأن الحقبة العباسية تعدّ تاريخياً الحقبة التأسيسية لهذه للحضارة الإسلامية، أو ما أطلق عليه الجابري " تكوين العقل العربي"(8)؛ لأن أكثر أعلام مرحلة التأسيس للثقافة العربية الإسلامية كانوا من الشعوب الأخرى، وإن ما يؤكد هذا هو سرعة ظهور آثارهم الموروثة وأنساقها الثقافية بشكل واضح في بنية هذه الثقافة وتشكيلها العام.

والثالث: مرحلة التمثيل والوعي الكتابي، يشكل التمثيل ممارسة سوسيوثقافية ؛ وذلك لعلاقته الوثيقة بالواقع الاجتماعي ورغبة الكاتب في إعادة إنتاج ما يحدث فيه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمثل ممارسة نقدية ؛ لأن الكاتب يعمد إلى التمثيل والأختلاق السردي من أجل تمرير خطابه النقدي المؤدلج لجهة على حساب الأخرى. ولهذا " ليس ثمة من خطاب بريء أو محايد، فكل خطاب ينشأ لغاية ما، من هنا جاء الصراع على احتكار الخطاب وضرورة، اخضاعه للمراقبة والإشراف المباشر من قبل السلطة، بحيث لا يُنتج إلا بعد أن يحرز شروطاً معينة، ولهذا فإن إنتاج الخطاب داخل كل مجتمع مراقب ومنتقى"(9)

وأما الوعي الكتابي فيمثل أعمق الاعترافات والبوح بالمسكوت عنه أو هو التجربة الجريئة؛ لأنه يعكس وعي الكاتب أو الشاعر بالنص/ الوظيفة النقدية والشعرية والتركيز عليها، ولهذا فهو يمثل القدرة التأملية إلى جانب القدرة على الإفصاح عن مكنونات الذات باستخدام الكتابة على نحو جوهري(10)

ولهذا نجد إن الكتابة في أي عصر من العصور على الرغم من اختلافها وتباين تقنياتها الأسلوبية وتعدد مستوياتها النصية، تجسد طموحاً ذاتياً يهدف إلى تشكيل منظومة رمزية مستقلة بذاتها، ولكنها لا يمكن أن تفهم بعيداً عنه، فضلاً عن ذلك إن الكتابة والتأليف يحكمها العقل والواقع(11) وعن طريق إعادة إنتاج الواقع تكون العلاقة بينهما تكاملية من جهة، وزئبقية مؤدلجة من جهة أخرى .

وكان الفصل الثاني بعنوان: النسق الاجتماعي- الهوياتي في كتاب الأغاني، كشف فيه عن صور الهوية الثقافية ذات الأنساق المتعددة فجاءت في ثلاثة مباحث حمل الأول عنوان نسق الذكورة، الذي أثبت فيه عبر نصوص الأغاني إنَّ الثقافة العربية كُتبت بوعي الرجل، أي على وفق نسق ذكوري قار، فأنطبع هذا النسق على واقع المجتمع العربي- بصورة عامة – الأمر الذي انعكس سلباً على المرأة التي حظيت بمكانة هامشية إن لم تكن دونية، على حساب مركزية الرجل وفحولته. والثاني نسق الاختلاف، أثبت فيه إنَّ صور المتعددة للهوية العربية (الذات) لا يمكن اكتشافها إلا من خلال كشف أو تعيين الآخر، وإنَّ هذا الاكتشاف لا يتم إلا عبر توسط المتخيّل والصور والتمثيلات السلبية التي كونتها الثقافة عن الآخر. والثالث نسق التناقض، كشف فيه عن ازدواجية الشخصية العربية بشكل عام، والملوك والحكام بشكل خاص، إذ أظهر هذا النسق أن خلافة بني أمية وبني العباس كانت تحيا نسقين، الأول: نهاري يتأطر بالحشمة والفخامة، والآخر ليلي يتغشى بالعبث واللهو والمجون، ولكن الأمر خلاف ذلك إذ نرى إنَّ النسق النهاري، ولاسيما في حكم بني العباس لا يختلف كثيراً عن النسق الليلي، إذ كانت أماكن اللهو والمجون ليس لها وقت يحددها وهذا ما تؤكده كثير من المرويات السردية  الواردة في كتب التراث العربي .فكان لكل نسق صوره المختلفة تبعاً لتعدد الهويات المشكلة لتلك الأنساق، والخاضعة لإيديولوجيا العصر في الوقت نفسه.

وقد جاء الفصل الثالث بعنوان: النسق السياسي – الديني، بين فيه أهم الأنساق الثقافية سواء أكانت المضمرة أم الظاهرة التي تضمنتها المرويات السردية الواردة في الأغاني كاشفاً في الوقت نفسه عن صور الإيديولوجيا المتحكمة في الإنتاج الأدبي للمؤلف، وهذا ما تؤكده المباحث الثلاثة التي تضمنها هذا الفصل إذ عني لأول منها بنسق الاستبداد، الذي بين فيه إنَّ الاستبداد ما هو إلا من الأنساق المتجذرة في الثقافة العربية، بعد أن يأخذ طابعاً نسقياً، يبدأ من السلطة الأبوية، ثم بشيخ القبيلة، وصولاً إلى الخليفة وما ترتكز عليه سلطته من معايير قمعية ثابتة، ودموية سائحة كان من أهم أسبابها الوصول إلى دكة الحكم السياسية والتمسك بها، الأمر الذي أوجد نوعاً آخر من الاستبداد الثقافي تمثل في تضخم الذات الفردية، التي تحاول الانعتاق من ذات الآخر عبر البحث عن إيجاد نسق الذات الذي أنتج لنا ما اصطلح عليه بـ(الفحل).والثاني بنسق الولاء، كشفت الدراسة عن كيفية الدور الوسيط الذي يؤديه هذا النسق بعد أن بدأ تعصباً قبلياً، وكيف إنه سرعان ما تطور ليصبح تعصباً مذهبياً / سياسياً/ إيديولوجياً، تبعاً للتحولات السياسية والثقافية والفكرية، الأمر الذي أنتج لنا خطاباً شمولياً، قد أصطبغ بصبغة جدلية أقرب منه ما تكون حجاجية، ولاسيما بعد أن أنتج هذا الخطاب في ظل إيديولوجيات الأحزاب السياسية المتصارعة، إلا إنه سرعان ما أصبح سلاحاً مؤدلجاً ضد الآخر المعارض. والثالث بنسق التمرد، إذ أثبت إنَّ هذا النسق ما هو إلا ردة فعل لأشكال الهيمنة السلطوية المؤدلجة لجهة على حساب الأخرى، فهو ناتج عن نسق الاستبداد، ولاسيما بعد أن تقوم السلطة بإقصاء الآخر عبر سحقه وتهميشه بأي شكل من الأشكال، وعلى وفق هذه الأنساق وما لها من حمولات إيديولوجية كان لها الأثر الكبير في توجيه المؤلف وجهة ثقافية.

وأما الفصل الرابع والأخير كان بعنوان آليات تمثل النسق الثقافي في كتاب الأغاني، كشف في هذا الفصل عن أهم الأساليب الأدبية أو الاستراتيجيات الفنية التي اعتمدها المؤلف في نقل وصياغة مروياته ضمن قوالب ثقافية متعددة الأشكال ومختلفة الأحجام فجاءت في ثلاثة مباحث عني الأول منها بالأصول النسبية والفنية، وأهتم الثاني بخطاب التحامق / الجنون، في هذا المبحث كشفت الدراسة عن طبيعة أحد أهم أشكال التعبير الأدبي عبر تمثيل الوعي الكتابي المبني على نسق مضمر يعمل على إزاحة اللامعقول السائد، في محاولة منه للكشف عن المسكوت عنه وبيان المقموع بعد البوح بما هو محرم بفعل الذات المقيدة والآخر المقيد لها. وأما الثالث فكان منصباً على النكتة الجنسية، وما تضمره من أنساق ذات حمولات إيديولوجية، كونها تمثل أحد أنواع التورية الثقافية المهمة التي يتوارى خلفها المؤلف لتمرير أفكاره الإيديولوجية لنقد الآخر وتحقيق نوع من التوازن الثقافي بطريقة فكاهية.

ثم جاءت الخاتمة ليبين فيها أهم ما توصل إليه البحث:

-  إنَّ نصوص الأغاني بمختلف أنواعها شفاهية كانت أو كتابية وعلى أي شاكلة جاءت سواء أكانت نخبوية أم شعبية، خاضعة لأنساق ثقافية عامة قد تركت آثارها الواضحة في هذه النصوص، لتقوم بعملية التمثيل الثقافي.

- عارضت الدراسة ما ساد في الدرس النقدي حول مذهب الأصفهاني الديني، حيث أثبتت أن ما يظهر من صبغةٍ أو نسبة معينة هو إلا بدافع مسايرة السلطة، وليس نابعة من عقيدته، وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من إنَّ المرويات السردية كانت بشكل أو بأخر خاضعة لإيديولوجيا العصر المتحكمة في ذات الآخر، الأمر الذي يدفعه بطريقة أو أخرى لإيجاد نوع من الإيديولوجيا المضادة لذات الأخر.

- كشفت الدراسة أن سبب التأليف الحقيقي للكتاب كان بدوافع إيديولوجية سياسية وثقافية، واجتماعية، وهذا ما كشفته كثير من الدراسات التي أهتم أصحابها بكتب التراث، فلم يقتصر الأمر على الأصفهاني فحسب، إن لم نقل إنَّ التراث العربي مسيس بالكامل، تبعاً للإيديولوجيات المتحكمة في الإنتاج الأدبي في كل عصر، الأمر الذي أوجد إيديولوجيات مضادة، فبدأ الصراع الإيديولوجي الذي ولد لنا صوراً ثقافية متعددة تبعاً لتعدد أشكاله واختلافها من عصر لآخر.

 

ماهر حميد

 ..............

الهوامش:

(*) ثمل هذه الدراسة قراءة نقدية في أحد أهم الدراسات الثقافية التي تناولت كتاب الأغاني، للكشف عن الأنظمة الثقافية التي بني عليها التراث العربي وبيان أوجه التشابه والاختلاف وصور إعادة الإنتاج للمرويات السردية وطبيعة تشكيلها العام.

(1) الوجود والزمان والسرد – فلسفة بول ريكور: 31.

(2) بلاغة التزوير فاعلية الأخبار في السرد العربي القديم: 5.

(3) المصدر نفسه: 6.

(4) مدخل إلى نظرية النقد الثقافي المقارن – المنطلقات- المرجعيات- المنهجيات: 14.

(5) ينظر: المصدر نفسه: 22، وينظر: بلاغة التزوير فاعلية الأخبار في السرد العربي القديم: 7.

(6) الأدب المقارن: 117.

(7) التراث وأنساق الثقافة- قراءة في كتاب الأغاني:33.

(8) ينظر: المصدر نفسه:35-52.

(9) التراث وأنساق الثقافة- قراءة في كتاب الأغاني:66-68.

(10) ينظر: المصدر نفسه: 69، و ينظر: تيار الوعي في الرواية الحديثة: 11، ومفهوم الوعي النصي في النقد الأدبي- دراسات ومراجعات نقدية:8.

(11) ينظر: التراث وأنساق الثقافة- قراءة في كتاب الأغاني: 74.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4726 المصادف: 2019-08-14 14:58:44