 كتب وإصدارات

اساس المساواة الانسانية.. قراءة في كتاب جديد

1146 اسس المساواة الانسانيةهذا الكتاب هو نسخة منقحة لست محاضرات للبروفيسور الايزلندي جيرمي والدن القيت في شباط عام 2015. موضوع الكاتب هو مساواة الانسان، وبالذات، الاسس الفلسفية لـ "المساواة الاساسية" التي تشترك بها كل المخلوقات البشرية والتي تمنحهم قيمة اخلاقية متساوية. هذا الموضوع ذو اهمية كبيرة للمجتمع المدني والسياسة والقانون، لكنه مع ذلك وكما يشير الكاتب (ص10-11) لم ينل الا قدر ضئيل من الاهتمام العلمي. في كتابه الثري هذا، يعلن الكاتب انه ليس من السهل تحديد ما يجعل الناس متساوين. الاختلافات بين الناس – في الشكل، القدرة، الدخل والسلطة، المكانة (ص4-5) هي واسعة الانتشار حتى في المجتمعات الحديثة التي تدّعي محاربة التحيزات والتمييز العنصري.

في إعلان الاستقلال الامريكي كتب توماس جيفرسون ان اقتراح "كل الناس خُلقوا متساوين" هو شيء بديهي. ومع ان الكتب الدينية لليهودية والمسيحية تقول ان كل الناس ينحدرون من آدم وحواء، لكن الادّعاء بالمساواة الانسانية ظل غامضا ولم يكن واضحا قبل القرن السابع عشر حيث جرت ولأول مرة معالجة الموضوع من جانب توماس هوبس، ثم التفكير العميق به من جانب جون لوك من أجل خلق صيغة للّيبرالية الكلاسيكية، ولاحقا اُعيد تفسير الموضوع وتوضيحه بواسطة عدد من المفكرين الذين يأتي على رأسهم عمانوئيل كانط.

الكاتب ومعه العديد من الباحثين يتعاملون مع سؤال المساواة ضمن تقاليد الكلاسيكية الليبرالية. هو لا يبدي اهتماما في توسيع النقاش ليشمل الاتجاهات اللاّغربية لفكرة المساواة، ولا يعالج الانتقادات الى الليبرالية كتلك التي طوّرها كارل ماركس والاشتراكيين الآخرين والنسوية وما بعد البنيوية ودراسات ما بعد الكولنيالية وغيرها. مفكر من طراز والدن في القرن الواحد والعشرين يجب على الاقل ان يعترف بالمحدوديات المتأصلة في مركزيته الاوربية وحماسه في احتضان الرؤية الليبرالية.

الكاتب، وضمن ما اختاره من نصوص، قام فعلا بعمل وصفي وتحليلي مثير للاعجاب. هو يبدأ بتحديد عنصرين متميزين يأتيان مجتمعان ليشكّلا المساواة الاساسية. الاول هو يسميه "المساواة الدائمة" continuous equality، وحيث لا وجود هناك "للفروقات والاختلافات الاخلاقية بين الناس كتلك القائمة بين الناس والحيوانات الاخرى"(30). الثاني "المساواة المتميزة" distinctive equality، وفيها يكون الانسان مساوي للآخر على اساس انه حقا يتميز عن الحيوانات الاخرى"(31). يخصص والدن اغلبية المحاضرة الاولى للدفاع عن المساواة المستمرة بالضد من جدال هاستنك راشدل الذي يدافع عن "العنصرية الفلسفية"(20-29). الكاتب يدرك بان القلائل بين قرائه يتعاطفون مع موقف راشدل. مع ذلك، هو يعرض موقفا منهجيا لا يرفض فقط "اللااستمرارية" في المساواة بين الناس، وانما ايضا يبني مخطط اولي في فهمه للطبيعة الانسانية. الناس كما يرى، هم ذو خصوصية ومتساوون في الخصوصية لأنهم يحوزون على "جهاز للفهم والحساسية"، "لا يختلف كثيرا من فرد الى آخر ومن سياق اجتماعي الى آخر" ويستلزم المقدرة على الاستماع للناس وفهم لمحات الحب والأمل والطموح والتوقعات بالاضافة الى الألم والخسارة والخوف والحرمان والهزيمة والأذلال والدمار وبطريقة تجعل هناك معنى لاولئك الذين يعيشونها"(33-34). ما اذا كان هذا كافيا للدفاع عن المساواة المتميزة يبقى سؤالا ينتظر الاجابة عليه في المحاضرة (6) . محاضرة (2) تضع الدعامات لفهم والدن للمساواة الاساسية. اولاً، هو يعالج التمييز الوصفي/الالزامي . هل المساواة الانسانية هي حقيقة تجريبية حول طبيعة الانسان بحيث يمكن استخدامها كاساس للتفكير الاخلاقي؟ ام انها مبدأ اخلاقي جرى تبنّيه بالعرف؟ يميل والدن نحو الرؤية بان "لا وجود هناك لمضامين حقيقية تفرض الايمان بالمساواة الانسانية"(57) طالما "لا شيء هناك في انسانيتنا المشتركة يفرض اي مبدأ اخلاقي"(59). بدلا من ذلك، "نحن نأتي للنقاش مع ايماننا باننا المساوي للآخر(65).في نفس الوقت، هو يصرعلى ان الفكرة الالزامية للمساواة يجب ان تعتمد على الحقائق حول الكائنات الانسانية بحيث توضح لماذا "مبادئنا بالمساواة الاساسية تنطبق على الناس (او ربما كل المخلوقات العقلانية) ولكن ليس على ابريق الشاي او الضفدع الصغير"(58).ثانيا، هو منشغل بـ "اطروحة متكررة"(95) تؤمن بان الاخلاق قد لا تعني ضرورة التعامل مع كل الناس باهتمام واحترام . بالنهاية يرفض والدن هذا الخيار، مستنتجا بان "المساواة الانسانية هي على الاقل توجيه اخلاقي ضروري"(82).

في المحاضرتين 3 و 4 يعرض الكاتب مخططه الذي ينطوي على تحديد قدرات او سمات انسانية خاصة تشكل اساس المساواة. هذه تتضمن العقلانية، المقدرة الاخلاقية، الرغبة الحرة، المقدرة على الحب. حقيقة ان شخص ما اكثر عقلانية من الآخر هو غير هام قياسا بما اذا كان الاثنان متساويين اخلاقيا، لكن حقيقة ان الاثنين يشتركان بخاصية الكائن العقلاني هي هامة جدا. وبنفس الوقت، يكون المقدار الذي فيه للفرد سمة خاصة او مقدرة ربما هام لأغراض اخلاقية اخرى. الاستخدام الاخلاقي التام للمساواة يتطلب مقدرة يسميها الكاتب بـ scintillation، والتي هي "الطريقة التي يتحرك بها انتباهنا الى الامام والخلف بين نطاق ملائم من الخصائص .. وخصوصيه مظهرها في كل حالة فردية"(157). في تلك الطريقة، الناس يمكن التعامل معهم كمتساوين، وبعمل كهذا "نحن نحترم المقدرات التي يمتلكونها والتي ستقود ممارستها حتما الى اختلافات في احترام الفرد"(168).

المحاضرة الخامسة تبتعد عن النقاش الرئيسي لتركز على العلاقة بين الرؤية الليبرالية الكلاسيكية والرؤية اليهودية المسيحية. ورغم ان والدن يشير الى نفسه كمؤمن بالدين (177)، لكنه لايبدو يميل للايمان بالكشف الديني والانجيلي في دعم رؤيته. بدلا من ذلك، هو يؤكد، مقتفيا اثر كانط، بانه "لا سلطة دينية يمكنها ان تعطي اساسا للافكار الاخلاقية او الحقوق الاخلاقية"(181).

لسوء الحظ، هو لايبدو يدرك كم هو يثق بالرؤية المسيحية اليهودية ليدافع عن مبدأ المساواة المتميزة في المحاضرة (6). هنا يجادل الكاتب بان رؤيته في المساواة يجب ان تتضمن كل الكائنات الانسانية بما فيهم اولئك المعاقين جدا لدرجة يفتقرون فيها لبعض او كل السمات والقدرات التي تقوم عليها المساواة الاساسية، بينما في نفس الوقت يستبعد كل الحيوانات غير الانسانية. هو استخدم هذه الحركة الذكية باللجوء الى المفهوم التيليلوجي للطبيعة (237):الكائنات الانسانية التي تفتقر الى المقدرة على التفكير لأجل عمل خيارات اخلاقية انما تستحق مستوى الاحترام الانساني لأن افراد المخلوقات الذين ينتمون لهم لديهم امكانية تطوير تلك القدرات، بينما حتى أذكى الحيوانات اللاانسانية لا يمكنها ابدا تطوير هذه الامكانية. جماعات حقوق الحيوان تقف بالضد من هذه الفكرة .

ان فكرة، المساواة مع الآخر هي عقيدة موجودة سلفا، لكنها مع ذلك لاتزال ذات قيمة استطلاعية واسعة النطاق. يعرض المؤلف جداله بوضوح استثنائي خال من الرطانة. القرّاء المعتادون على الحجج الفلسفية سيكون الكتاب سهل الفهم. غير ان المؤلف يسعى ليكون مفهوما للجمهور العام وهو بهذا لم ينجح كثيرا. هو عادة يعتذر في التعامل مع المسائل الفلسفية والمنطقية التي هي اكثر ملائمة لفهم المتخصصين بدلا من الناس العاديين"(41) لكنه يندفع في حجج معقدة دون اعتبار لعدم امكانية غير المتخصصين في مسايرة الموضوع. هو يستخدم عبارات غير ضرورية مثل supervenienc باعتبارها "مفهوم تقني يُستعمل في الفلسفة"(61) لكنه لاحقا يستخدم عبارات اخرى وبدون تعليق مثل "epiphenomenal"(63) و "تيليلوجي"(237) والتي هي غير مألوفة لمعظم القرّاء غير المتخصصين.

والمشكلة الاكبر لدى الكاتب انه يستخدم القليل من الامثلة لتوضيح فكرته مقارنة بالكتب التي تضع القارئ العام نصب أعينها.

ورغم اهمية الرسالة التي يطرحها المؤلف، لكن هذا الكتاب لم يحقق اي تقدم في عقيدة المساواة اكثر مما فعل كانط قبل قرون عندما ميز بين الكائن الانساني كـ "جزء من نظام الطبيعة" ذو قيمة عادية والكائن الانساني "كفرد ممجّد فوق اي ثمن"(100). ولكن لاتزال مضامين الرؤية الليبرالية للمساواة كما يوضحها والدن هي هامة جدا وتستحق الانتباه. انها تأمر، على سبيل المثال، ان المرء لايجب ان يمنح اهمية اكبر لأخيه (بالمعنى الاخلاقي) اكثر من عدو قاس كهتلر الذي يُعامل باعتباره حائز على اعتبار وقيمة متساوية او كما ترى القديسة تيريزا بان الكلاب الأكثر وفاءا يُفترض ان تكون اقل قيمة اخلاقية من مغتصب الاطفال. هل هذه الرؤية مقنعة؟ الكاتب يجيب نعم ولكن فقط عندما نرغب ان تكون كذلك.

 

حاتم حميد محسن

...............................

كتاب جيرمي والدرون (المساواة مع الآخر:اساس المساواة الانسانية)، صدر عن مطبوعات Belknap عام 2017 في 280 صفحة.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4762 المصادف: 2019-09-19 02:23:45