 كتب وإصدارات

رسالة الفكر فى زمن العدوان

محمد ممدوحفى وسط  زحمة متراكمة من كتابات لا تساوى ثمن المداد، وفى زمنٍ بات العدوان فيه المعين والزاد، وفى ظل انهيار تام للقيم والروح واندثار الأخلاق والمبادئ، تأبى سنة الله إلا أن يقذف النور وسط تلك الظلمات، نعم .. النور قد يكون باهتًا فى غالب الأحوال، لكنها سنة الله، وإرادة الله، أن يأتى النور ليبدد وميضه حجب الظلمات وإن طال أمدها وتكاثفت أشعتها، فلا يمتلك الظلام القوة الدامسة على طمس النور ولو كان ضئيلاً .. إنه نور خرج من مفكر حر... مفكر يُذكرك بشيئين، الأول استمرار خيرية هذه الأمة لموعود النبى الكريم (ص) " الخير فىَّ وفى أمتى إلى قيام الساعة"، والثانى ميلاد نزعة الفكر المكسوة بالأدب كما كانت فى زمن الرقى الفكرى والأدبى والأخلاقى عند تلك القمم الشامخة بحجم العقاد والمازنى وتوفيق الحكيم، وعلى ذات القدر  ومن ذات الطراز يأتى مفكر مبدع فكرًا وأخلاقًا وأسلوبًا، ليمنح الإنسانية شارة أمل جديدة فى التخلص من بشريتها، فى تجاوز تلك المادية البغيضة، البحث عن كل ما هو علوى وقيمى وأخلاقى .. يأتى مجدى إبراهيم، المفكر الأديب، وهو أستاذ الفلسفة بجامعة العريش، ليغازل المثقفين والمفكرين وأنصاف الإثنين بكتاب لا أخاله إلا موازيًا تمامًا لـ" رأيت الله" للمبدع الراحل مصطفى محمود، ولـ " التفكير فريضة إسلامية " و "الله" و "أنا" للراحل المبدع عباس العقاد، إنها كتابات حُفرت فى وعى النفس، فى عمق ومضاتها، فى ريعان ذاكرتها وميعة صباها ... إنه البحث عن القيم المفقودة، الهدم والبناء، هدم السلبية والنرجسية والأنانية والأنامالية والإنعزالية البغيضة وسوءات  الأخلاق، وبناء الكلمة والصدق والوفاء ومنبع القيم الأصيلة، إنه "رسالة الفكر فى زمن العدوان".. ذاك العمل الفكرى الذى أخرجه للنور دار نيو بوك للنشر، والذى يُعد من مفاخر نشرها ومن أعظم ما نشرت لاسيما وقد اعتادت تلك الدار على النشر لكبار المفكرين بحجم د. عمرو شريف، ود. محمد عمارة، وغيرهم، ليأتى هذا العمل الجديد يحمل طرازًا جديدًا فكرًا وأدبًا، ليقدم للأمة صيحة جديدة نحو بناء التراث وفق هرم القيم، ونحو إستعادة الواطن عبر منظومة القيم أيضًا، فتلك هى الثورة التى يحملها ويحلم بها " رسالة الفكر فى زمن العدوان".

العدوان على القيم، العدوان على المبادئ، وكم تبلغ النفس حسرةً وألمًا عندما يأتى العدوان من دعاة القيم أنفسهم... من دعاة المبادئ ذاتهم، إنهم – ويا للأسف – يقولون ما لا يفعلون، ونسوا أنه كبُر مقتًا عند الله أن يناقضوا بأفعالهم أقوالهم، أن يهدموا بنيانًا لم يُعرفوا ولم يُشتهروا أمام الناس إلا على أكتافه، وإلا بدعوى أنهم بناته، فإذا هم الهادمون ... وإذا هم الناكسون ... وإذا هم المارقون..

لقد ظهرت كتاباتهم أمام الناس بلا روح، بلا نبض، بلا صدق، ظهرت باهتة وباردة كمشاعر أصحابها، بل ظهرت سوداء داكنة كلون المداد الذى كتبت به، فلم تنبى تلك الكتابات بقدر ما هدمت، ولم تساهم فى بناء الوعى أو تحقيق الغاية من الثقافة والكتابة بقدر ما أضلت ونافقت وهللت للكذب وأسست ورسخت للنفاق، بوعى أو بغير وعى، بأجرٍ أو بغير أجر، المهم أنها نفذت الجريمة أخلاقيًا وفكريًا على المستوى الثقافى..

أما على المستوى الأخلاقى والسياسى فحدث ولا حرج .. بُعدان كلاهما أمَّر من الآخر .. هوان عربى واستفحال صهيونى .. انهيار فى منظومة القيم العربية تسبب فى إنهيار القوى العربية  سياسيًا وأخلاقيًا، يقابله على الجانب الآخر حرب صهيونية قذرة لا تعترف بقيم أو أخلاق، ولا تقيم وزنًا للمجتمع الدولى .. إنها رسالة الفكر فى زمن العدوان .. العدوان على الضمير ذاته...على القيم...على مبادئ الفطرة النقية التى ارتضاها الخالق سبحانه لهذا المخلوق، ففى الوقت الذى ينشغل فيه بنو خير أمةٍ أخرجت للناس بخلافاتهم البنذاتية، تأتى إسرائيل وبنو صهيون ليزيدوا من مستوطناتهم على الأرض العربية جغرافيًا، ويسخروا العلم لصناعة الميكروبات والفيروسات لإضرار الجيران من بنى العروبة أخلاقيًا، ويتوصلوا إلى أخطر الأسلحة النووية والكيماوية سياسيًا .. إنه زمن العدوان بحق، فأى فكر يصلح فى ظل عدوان على الإنسانية، فى ظل ثورة ضد الإنسانية .. ضد الله ذاته ... ضد المبادئ والقيم العلوية، ضد بارئ الإنسانية .. هكذا تسير موضوعات " رسالة الفكر فى زمن العدوان " مناضلة لأجل تلك القيم، باحثة عن مضمون هذا الدين وجوهر رسالته العالمية، متذرعة بأخلاق صوفية يتمتع بها مفكرها، ليُضفى على كتاباته رونقًا من الأصالة والحيوية والإنفعالية، تأتى فى رحاب من الصدق فى التوجه والعزم فى حمل الهموم، وكم امتزجت تلك الموضوعات بالأدب، وكم سيقت فى رشاقة العقاد الأدبية، إلا أن ذلك لا يفُت أبدًا فى وحدتها العضوية، بل تسير كلها فى وحدة موضوعية... وحدة يمكن أن نطلق عليها عنوان " بناء منظومة القيم " أو " ثورة الوجود الإنسانى " إنما تحمل عبق المعانى الإنسانية مع عمق الوجود الفكرى، مصحوبًا ذلك كله برونق الأدب وجزالة عباراته .. هكذا تقرأ " من أقلامكم سُلط عليكم" .. "من القرآن نستمد القيم الكبرى" .. "مداد ملعون " .. "أقلام غير مسئولة" ... " زمن القيم الساقطة "... " عام الهوان العربى " .. " الوحدة العربية أو الكارثة" ...

تلك هى بعض موضوعات تلك الرسالة الفكرية التى تحارب وتناضل لبناء منظومة قيم علوية فى زمن لا يناضل إلا بالدبابة والبندقية، دعوة العقل فى زمن اللامعقول، دعوة الفكر فى زمن غطرسة القوة، هذا هو الواقع، وذاك هو المأمول، وما بين الواقع والمأمول تأتى موضوعات هذا الكتاب باحثة عن الوجود الإنسانى فى ظل عالم يأبى أن يتجاوز مرحلة البشرية بطينيتها وماديتها قيد أنملة.

إن هذا الكتاب رغم صفته الإنسانية ورسالته الأخلاقية التى يحملها على عاتقه فى شخص مؤلفه، يدل – كما أسلفت – على استمرار خيرية هذه الأمة، ووجود أدباء ومفكرين بها مهمومين بقضايا الإنسانية فضلاً عن قوميتهم العربية ووطنيتهم المصرية، كما يبث بما تناوله من قضايا مصيرية روح الجندية المخلصة فى أقلام المثقفين وفى قلوب المهمومين بقضايا هذا الوطن، إنه بمثابة رسالة تباشر قلوبهم .. اطمئنوا .. هدئوا من روعكم، فلا زال بعض المفكرين أحياء الضمائر، ويا لها من حياة، تلك التى يسيطر عليها الضمير وتغذوها مبادئ الأخلاق.. لا زال هناك أحرار يكتبون من وحى ضميرهم لا من وحى جيوبهم، من وعى ضميرهم لا من وعى حاجتهم، من قلب إيمانهم لا من قلب توجهاتهم السياسية أو الأيديولوجية، وفارق كبير بين النقيضين، بين الكتابة بوحى الضمير، أو الكتابة لاستجلاب الرزق، الكتابة بوحى الضمير تعنى قول الحق دومًا، أما الكتابة بحثًا عن الرزق فلا تخلو من النفاق أبدًا، وشتان بين الإثنين.

إذن ليطمئن المخلصون من أبناء هاتيك الأمة، فلا زال أحرار الفكر يكتبون، ولا زالت للأقلام جنة، وأى جنة، جنة تفيض بالمشاعر وتعشق القيم وتبذل لهما النفس والنفيس، لم يضع الخير أو يزول، ولن يندثر وجود أمة ترعى للإنسانية حقها أبدًا، فذاك وعد الله سبحانه، ليبقى الوجود وجودًا إلى أن تشاء المشيئة وتتدخل الإرادة.

لقد ألهب "رسالة الفكر فى زمن العدوان " مشاعرى، بالقدر ذاته الذى أثق أنه سيُلهب قلوب المثقفين والمهمومين بقضايا الوطن القومية، ومن ورائها قضايا الوجود الإنسانية، إنه بمثابة مراجعة لأحوال الإنسانية بأسرها، مراجعة لتصنيع السلاح، للكذب، للنفاق، للذين يصعدون على سلالم غير مشروعة ليأخذوا ما ليس لهم، لأولئك الذين يتاجرون بالقيم  باسم القيم، بالدين باسم الدين، يقلبون الحق باسم الحق، ويغدرون بالإنسانية باسم الإنسانية.

هكذا تجلت إرادة الله فى وميض نور يضئ الطريق للسالكين فى هذا الكتاب، ليفتح الباب على مصراعيه أمام الباحثين عن عودٍ حميدٍ للقيم الإنسانية أو لأولئك الذين يظنون انقطاع الخيرية، ليغلقوا أبواب اليأس وليفتحوا أبواب الأمل، لذا أوصى بقراءة هذا الكتاب، فقد انتهج منهجًا فكريًا لا أظنه جديدًا، ولكنى أظنه أصيلاً، أظنه بعثًا لمنهج الصدق والصادقين بعد رقدةٍ فى التراب طويلة، بثًا لروحه بعد الهرم، إنه سيفتح أبواب الأمل، ومن ثمَّ العمل نحو بناء منظومة قيم جديدة من ناحية، ثم نحو إعادة بناء المجد العربى من ناحية ثانية، ثم إعادة لفت الأنظار إلى الإنسانية المعذبة من ناحية ثالثة، لذا فإن هذا الكتاب يُعد مشروعًا فكريًا ذا ثلاث جبهات أعلن الحرب عليها كلها، وما كانت لتستكين أو تهدأ حتى يأتى نصر الله لتلك القيم على تلك الجبهات الثلاث، أما متى هو، فقل عسى أن يكون قريبًا، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

 

د. محمد ممدوح عبد المجيد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4924 المصادف: 2020-02-28 01:51:20