 كتب وإصدارات

عشتار والمجتمع الأمومي القديم

(كان تتبع الأم الكبرى (عشتار) يوغل بي زمناً إلى ما وراء حدود التاريخ حيث وجدت نفسي أودع النصوص المكتوبة ولا شواهد وعلامات تدلني سوى الأدوات الحجرية وأعمال الإنسان الفنية الأولى. وكان اقتفاء أثر قدميها (عشتار) على الأرض يأخذني في الاتجاهات الأربعة، حتى أقفل راجعاً إلى نقطة المبتدى).

في الفصل الأول من كتاب (لغز عشتار) نظرة موجزة عن ما قبل العصور الحديثة،منذ التحولات الأولى مطلع العصر البليستوسيني الذي امتد من عام 100.000ق. م إلى عام عشرة آلاف قبل الميلاد. وهي الفترة التي يمكن اعتبار الإنسان قد أحس بانفصاله الفعلي عن عالم الحيوان، وأدرك البيئة الطبيعية من حوله وكيّف نفسه.

تجاهها واتجاه تنظيم جهوده من أجل استغلالها لمصلحته. واصطلح على تسمية جملة التغيرات التي حدثت خلال هذه الفترة بالثقافة الباليوليتية، ثقافة العصر الحجري القديم. والتحول الثاني حدث في أواخر الألف التاسع وأوائل الثامن قبل الميلاد بتأثير جملة من عوامل حاسمة منها:

- الاستقرار في الأرض وبناء المستوطنات.

- اكتشاف الزراعة والبداية المنظمة لإنتاج الغذاء.

-تدجين الماشية.. الخ.

واطلق على هذه التحولات المهمة (الثورة النيوليتية) انتهت بظهور أولى المدن في تاريخ البشرية. وحدث التحول الثالث مع تكون المدن الأولى في وادي الرافدين الأدنى بتنظيماتها المدنية والسياسية والدينية المتطورة، وهو التحول الذي أطلق عليه اسم (الثور المدينية) والذي كان بداية لعصر ما زلنا نعيش فيه حتى الآن. أما آخر التحولات وأقربها إلينا المعروف باسم (الثورة الصناعية) في القرن التاسع عشر، والذي أحدث انقلاباً جذرياً في أساليب ووسائل الإنتاج، ولم يشر المؤلف إلى الثورة الجديدة في استعراضة للتحولات الكبرى في تاريخ الإنسان إلى العصر ما بعد الصناعي، عصر المعلوماتية الذي نعيشه الآن.

وبما أن الكتاب ليس مسرداً تاريخياً في مراحل نشوء وارتقاء الإنسان عبر مراحله التاريخية، فإننا نتجاوز تلك المراحل التي أتى عليها أكثر من باحث إلى أصل الكتاب، الذي يبحث في الوهة عشتار، الألوهة القديمة وأصل الدين والأسطورة. ونركز منه على المجتمع الأمومي وهو ما يهمنا من رصده رغم ضرورة معرفة تلك المراحل من رقي الإنسان عبر تاريخه الطويل والتي لم تحسم خصوصياته بعد، سوى الاتفاق على الخطوط العريضة لمراحل نشوئه وارتقائه عبر مراحل تطوره.

إذن الكتاب يبحث عن الأسطورة الأولى بدرجة أولى والمجتمع الأمومي الأول، وعشتار رمز هذا المجتمع فلنستمع إلى عشتار تتحدث عن نفسها:

 أنا الآول، وأنا الآخر/ أنا البغي، وأنا القديسة/ أنا الزوجة، وأنا العذراء/ أنا الأم، وأنا الابنة/ أنا العاقر، وأكثرهم أبنائي/ أنا عرس كبير لم اتخذ زوجاً/ أنا القابلة ولم أنجب أحداً/ أنا سلوة أتعاب حملي/ أنا العروس وأنا العريس/ وزوجي من أنجبني/ أنا أم أبي، وأخت زوجي/ وهو من نسلي.

تستهدي البحوث في الكتاب بنظرية البؤرة الواحدة، لاحظ وصف عشتار، ويشير الباحث إلى ضرورتها لتحديد منطلق الدراسة، على اعتبار إن البؤرة الحضارية قدمت الأسس التقنية والمادية الأولى في نشأة وانتشار الحضارة فيما بعد، ونظرية البحث تقوم على نشوء ديانة مركزية واحدة وأسطورة أولى في العصر النيوليتي، أثرت بشكل مباشر على الأشكال الدينية والأسطورية لدى جميع الثقافات اللاحقة.. وما يعزز هذه النظرية نجده في تشابه الأساطير الأساسية لدى شعوب العالم القديم، ويؤكد على الألوهة المؤنثة من خلال المكانة الاجتماعية للمرأة في تلك العصور. والصورة المرسومة في ضمير الجماعة، لعبت دوراً كبيراً في رسم التصور الديني والغيبي الأول وفي ولادة الأسطورة الأولى. وهو ما يؤكد عليه في بحوث لاحقة. عشتار (إيزيس) تقول عن نفسها:

(أنا أم الأشياء جميعاً، سيدة العناصر وبادئة العوالم، حاكمة ما في السموات من فوق وما في الجحيم من تحت، مركز القوة الربانية، أنا الحقيقة الكامنة وراء الإلهات، عندي يجتمعون في شكل واحد وهيئة واحدة. بيدي أقدار أجرم السماء وريح البحر وصمت الحجيم. يعبدني العالم بطرق شتى وتحت أسماء شتى، أما أسمي الحقيقي فهو (إزيس) به توجهوا إليّ بالدعاء). في المجتمع الامومي القديم.

وهو ما يسميه الباحث بلغز عشتار، أي تعدد الأسماء، والبحث عن (لغز) عشتار في الوقت ذاته بحث عن المجتمع الامومي الأول والديانة الأولى والطقوس الأولى.

إن نظرية (البؤرة الواحدة) أو البؤرة الحضارية الواحدة يمكنها أن تجد ما يبررها في النصوص القديمة، لا سيما ما وصلت منها الحضارات القديمة المكتوبة، ولكنها بالرغم مما قد تختصره على البحث من جهد لا تكفي لتفسير الأصول الدينية والأسطورية الأولى. ونظرية (البؤرة) التي انطلقت منها الحضارة الأولى وثم انتشرت في بيئات أخرى، تعارضها الكثير من الأبحاث التي تحاول أن تثبت أن هناك حضارات عديدة متزامنة في مناطق جغرافية مترامية البعد، يصعب تصور انتشارها من بؤرة واحدة، لاستحالة انتشارها بالوسائل القديمة للانتقال والترحال. وإذا سلمنا بنظرية (البؤرة الواحدة) كما يشاء الباحث، فإنها ربما تصح على بقعة جغرافية محددة تتيح الوسائل القديمة للتنقل من انتشارها، وهو ما يركز عليه البحث من خلال الحضارات القديمة الأولى التي نشأت في وادي الرافدين والحضارة السورية القديمة.

إن الإقرار بالمجتمع الامومي القديم، إقرار بمركزية الأم باعتبارها مصدر الخصب في الطبيعة قبل اكتشاف مصدر الخصب الآخر: (الأرض) وهو ما سمي ضمن مراحل الإنسان ونشوئه باكتشاف الزراعة. فالبحوث تقوم على مركزية ذات محور ثابت ومنه تنطلق في بحوث أخرى سواء مراحل التطور اللاحقة أو انسلاخ المجتمع الأمومي من مركزية ثانية محورها الرجل. وهناك أراء طريفة ولكنها حقيقة عما جاء عن المجتمع الأمومي، فالرجل في المجتمع الأمومي لم يكن أبداً دور التابع وبوأ الرجل المرأة مكانتها احتراماً لها لا خنوعاً وحين نأتي على ذكر ما نقله مؤرخ اليونان ممن احتكوا بأقوام كانت تعيش أواخر عصر الأمومة أو سمعوا بأخبارها، إن رجال تلك المجتمعات كانوا أفضل فرسان عصرهم على الإطلاق، وكانت بطولاتهم وتضحياتهم في المعارك مضرب المثل، ويأتي على ذلك أرسطو ويؤكد في كتابه (السياسة) هذه الحقيقة كظاهرة شمولية عندما يقول إن أغلب الشعوب العسكرية الميالة إلى القتال هي شعوب منقادة إلى النساء. ويذكر الباحث إن المرأة رغم طبيعتها المسالمة تسلك سلوك اللبوة الكاسرة حين يتعرض أشبالها للخطر..

وكلن المجتمع الأمومي ينتهي عبر تاريخه الطويل بانقلاب كبير قام به الرجل، ويتسلم دقة القيادة من المرأة مؤسساً للمجتمع الذكوري البطريركي.

ورغم عدم وجود قرائن عن تفاصيل كيفية انتقال المجتمع من الأمومة إلى الذكورة، إلا أن هناك أسطورة إغريقية يقول الكاتب تعكس جانباً من ذلك الصراع الذي ينتهي بانتزاع الرجل حقوق المرأة بقيادة المجتمع. ففي صباح أحد الأيام، وقبل أن يطلق على مدينة أثينا اسمها المعروف، أفاق أهل المدينة على حادث عجيب. فمن بطن الأرض نبتت في ليلة واحدة شجرة زيتون ضخمة لم ير لها مثيلاً من قبل، وعلى مقربة منها انبثق من جوف الأرض نبع ماء غزير لم يكن هناك. وقد أدرك الناس أن وراء ذلك سرا إليهاً ورسالة آتية من الغيب. فأرسل الملك إلى معبد دلفي يستطيع عرافته الأمر ويطلب منها تفسيراً، فجاءه الجواب إن شجرة الزيتون هي الآلهه أثينا وإن نبعة الماء هي الآلهة بوسيدون. وإن الإلهين يخبران أهل المدينة عن أي من الاسمين يطلقون على مدينتهم، فجمع الملك كل السكان واستفتاهم في الأمر، فصوتت النساء إلى جانب أثينا وصوت الرجال إلى جانب بوسيدون، ولما كان عدد النساء أكبر من عدد الرجال كانت الغلبة لهن، وتم إطلاق سم الآلهة أثينا على المدينة. وهنا يغضب بوسديون ويرسل مياهه المالحة العاتية فيغطي أراضي أثنيا وتتراجع تاركة ملوحتها التي حالت دون زراعة التربة وجني المحصول. ولتهدئة خواطر الآله الغاضب، فرض رجال المدينة على نسائها ثلاث عقوبات: لن يتمعن بحق التصويب العام بعد اليوم. لن ينسب الأولاد إلى أمهاتهم بعد اليوم بل لإبائهم ولن تحمل النساء لقب الأثينيات ويبقى ذلك وقفاً على الرجل.

هذه الأسطورة المكتوبة تؤرخ لانتزاع الرجل حقوق المرأة المدنية والاجتماعية في التاريخ الإغريقي. وهي لذلك مرحلة مهمة من مراحل انحدار المجتمع الامومي أو بقاياه.

ولكن الباحث يؤكد بأن المجتمع الأمومي لم يتبدد بحلول المجتمع الأبوي. واستمرت كثير من قيمة سائدة في بعض المجتمعات القديمة إلى فترة متأخرة من تاريخها. ففي المجتمع المصري القديم ظلت الثقافة الأمومية واضحة عليه طيلة تاريخية الذي استمر قرابة أربعة آلاف سنة. وكان كرسي الملك ينتقل عبر سلسلة النسب الأمومي لا النسب الأبوي فكل أميرة وراثة طبيعية للعرش. لذلك كان على الفرعون الجديد أن يتزوج من وارثة العرش لتثبيت حقه فيه.

وفي إحدى صكوك الزواج في الألف الثالث قبل الميلاد، يقول الزوج لسيدة المستقبل زوجته كما اورده الباحث فراس السواح : (منذ اليوم- أقر لك بجميع الحقوق الزوجية، ومنذ اليوم لن أفوه بكلمة تعارض هذه الحقوق، لن أقول أمام الناس بأنك زوجة لي، بل سأقول بأنني زوج لك، منذ اليوم لن أعارض لك رأياً، وتكونين حرة في غدوك ورواحك دون ممانعة مني. كل ممتلكات بيتك لك وحدك. وكل ما يأتيني أضعه بين يديك).

ويقدم المجتمع الإسبارطي كذلك في مطلع عهده صورة عن استمرار حق الأم في فجر الحضارة اليونانية، والأعمال التشكيلية التي وصلت من فترة ازدهار الحضارة الكريتية، الموطن التقليدي للثقافة الأمومية، كانت في غالبيتها تجد في المرأة موضوعاً رئيسياً لها. إضافة إلى رسوم وتماثيل الأم الكبرى التي لم يعبد الكريتيون سواها طوال تاريخهم القديم.

وعند جذور الحضارات جميعاً من اليابان شرقاً إلى مجتمعات الهنود الحمر غرباً، عثر الباحثون على الأساسات الأمومية التي قامت عليها المجتمعات الذكورية الحديثة، والحقيقة إن فهم الثقافة الأمومية بقيمتها ومبادئها، نقطة انطلاق لفهم الآلهة الأم محور الكتاب: عشتار في الألوهة المؤنثة، لأنها كانت بالنسبة لإنسان العصور القديمة الآلهة الأولى وربما الوحيدة. قبل اندثارها نهائياً وظهور المجتمع الذكوري البطريركي.

 

قيس العذاري

...........

الكتاب: لغز عشتار

المؤلف: فراس السواح

إصدار: دار الكندي، الطبعة: الأولى- دمشق 1994

نشر المقال في مجلة : الكاتبة اللندنية "الشهرية" العام 1997

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5058 المصادف: 2020-07-11 02:27:43