 كتب وإصدارات

فصيل البراغيث تجربة لا تنسى

صالح الطائيمجموع سمات الإنسان هي نتاج التجارب التي يمر بها خلال عمره، فالتجارب هي التي تُطبِّع الإنسان وترسم له مياسم مسير العمر، وبذا يكون لها الأثر الكبير في بناء شخصيته بما تضفيه عليها من مؤثرات قوة وخوف وفرح وحزن وذل وكرامة، فمن مجموع جزئيات التناقضات يولد الكل بهيئته المعروفة.

وتختلف التجارب عادة تبعا لطبيعة العصر، بل تختلف تبعا لطبيعة الجيل والسنة واليوم أيضا فهي مطواعة لها قدرة التشكل والتلون، ومتسلطة لها قدرة التأثير العميق؛ وكأنها تعمل على خلق توازن التكوين البنائي لدي الإنسان.

وقد شاءت طبيعة عصرنا الجاف القاسي الشحيح المضطرب الفوضوي أن تكون من سنخه؛ جافة قاسية فوضوية محملة بأطنانٍ من الخوف والخطر والألم والدمع والرهبة والترقب، وأطنانٍ من الخيبة والخذلان والهزائم المتراكمة والشعور بالوحدة الغريبة والانعزال والابتعاد عن كل ما يثير الشبهات تجنبا للقيل والقال وكثرة الاستدعاء إلى مقرات الحزب ودوائر الأمن والسؤال، بل وإعادة الأسئلة الراسخة في عقولهم، وكان كل ذلك مشوبا بالقليل من الأمل والكثير من التمني، وطيف من أحلام العصافير التي كانت تراود ساعات صحونا وتغيب عن مهجعنا.

1643  صالح الطائي

ومع أني أعرضت عن تذكر الكثير من تلك التجارب، وطويت دونها كشحا، وابعدتها عن حياتي وواقعي؛ لكي لا أعيد اجترار ساعات وجعها من جديد، فيصيبني الألم الذي تحملته خلال عيشي لها، إلا أن إلحاح الأصدقاء ألجأني إلى تذكر واحدة منها كانت قد قادتني إلى الموت، ومددتني على دكة الجزار في انتظار أن يشحذ سكينه ويهوي بها على شرايين قلبي، ثم شاء الله لي أن اجتازها ولكن بالكثير من الخسائر.

هذه التجربة هي اعتقالي للمرة الثالثة من قبل رجال الأمن الصدامي لمدة أربعة أشهر، وما مر عليَّ خلالها، وكيف أن رجال الأمن لم يكونوا يعترفون حتى بوجود الله تعالى، ولقد سمعت أحدهم بأذني وحق الله، يقول لمعتقل كانوا يعذبونه بالقرب مني؛ وهو يتوسل إليهم بحق الله أن يكفوا عنه:  الله مجاز، وهو لا يجرؤ أن يمر من هنا وحتى لو مر نعتقله ونعذبه معاك. ثم أتبع قوله بقهقهة طويلة لا تنم إلا عن غباء كبير.

اختصرت تلك الأشهر المعدودات بكتاب من مائة وثلاثين صفحة وأسميته: "فصيل البراغيث"، وهم رجال الأمن الذين كانوا يتقافزون من حولنا كالبراغيث حينما يبدأون حفلات التعذيب وبأيديهم الكيبلات التي تصافح أديم جلدنا فتفريه وتمزقه وتنثر الدم هنا وهناك ليرسم صورة سوريالية تحكي قصة توحش الإنسان. وحاولت بكل ما أوتيت من سعة صدر أن أُجمِّل الكثير من الأحداث الفرعية التي كان بعضها ساعة وقوعه أمراً تأنف الحيوانات عن الاتيان بمثله لبشاعته، وتجاوزت بعضها الآخر لأنه كان طائفيا بامتياز، ولا علاقة له بالوطنية والاخلاص للنظام، ونسيت بعضها الآخر.

يعتبر كتابي فصيل البراغيث من كتب المذكرات والسيرة الشخصية الجزئية التي تركز على مناسبة واحدة وتتفرع بالحديث عنها، وقد حاولت بداية أن استغل الفرصة لألمح إلى نتف من حياتي قبل وبعد الاعتقال إلا أني وجدت ذلك توسعا قد يخل بخصوصية الموضوع فاكتفيت بإيراد ما جادت عليَّ به ذاكرتي من أحداث ذلك الاعتقال.

يقع الكتاب بمائة واثنين وثلاثين صفحة من الحجم الصغير، اعتنت بإخراجه وطباعته دار ليندا للنشر في سوريا، وصمم صورة الغلاف واختار للغلاف لونه الأسود الفنان أنور رشيد. 

 

صالح الطائي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة
الاستاذ الدكتور صالح الطائي المحترم
فصيل البراغيث
و فوج القمل
دُفٍعْتُ في زنزانه لا تكفي لنفر واحد فوجدت رجل كبير السن قياساً لحالي ورشيق حد الرشاقة
ابتسم ورحب وهلل...استغربت...فقال بابتسامة :
نتعارف بعد حفلة القمل....فطلب مني ان اساهم في (قصع) القمل الذي هرش راسه و ملابسه
بعد الحفلة والدرس الاول عرَّفني على نفسه قائلاً:
تعرف خليل ابو الهوب؟ قلت سمعت به
قال وفاضل الطويرني...قلت لم اسمع به
قال: انا فاضل الطويرني زميل ابو الهوب
ثم صار السمر على افعالهم وذكرياتهم ومواقفهم ولماذا هو هنا بعد هذا الوقت الطويل على اغتيال ابو الهوب
هذا حديث اخر طويل
.................................
لكم تمام العافية

عبد الرضا حمد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذنا الفاضل عبد الرضا حمد جاسم المحترم
حياك الله ودمت بألف خير
ثق أنك أحد الذين شجعوني على تأليف هذا الكتاب الذي يبدو أننا تشاركنا بعض أحداثه
تقبل محبتي واحترامي

صالح الطائي
This comment was minimized by the moderator on the site

حسنا فعلت وثقت المشاهد الاجرامية وما صاحبها من ظلم وتعسف وجور، لتفادي اي ترميم للذاكرة الموجعة، والتي مازالت تنزف بسبب جرائمهم. مبروك لك الصدور ابا ايمن العزيز وفقك الله لكل خير

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي وصديقي العزيز الأستاذ ماجد الغرباوي المحترم
تحايا ومحبة
أنا والله لا أرغب في الخوض في غمار تجارب قاسية مرت وأكل الدهر عليها وغص بها لأنه لم يجد ما يشرب ولكن إلحاح بعض الأصدقاء ألجأني إلى تذكر واحدة من محطات العمر القاسية آملا في أن لا تلجئني الظروف لأكتب عن تجارب أخرى ولو أن بعض أصدقائي يلحون علي لأوثق جريمة اختطافي على يد داعش وأعوانها
مرورك سرني أيها العزيز
شكري وتقديري وأمتناني لحضرتك

صالح الطائي
This comment was minimized by the moderator on the site

انه اضافة لسيرة الكاتب المشهود لها بالجدية و الثقافة و الدأب.
و يمكن اضافته لمجموعة الكتب التي اصدرها اصدقاء من حلب عن ايام كفاحهم و مشاهداتهم.
من هولاء كتاب لصديق هو فاروق نور الدين و حمل عنوان على درب الشوك.
لقد رحل الاستاذ نور الدين عن دنيانا و بقي كتابه في مكتبتي. مجرد ذكرى عن ايام مرت و لن تعود.
اهنى الدكتور الطائي على اصداره راجيا ان يجد فيه راحة من عناء المعاناة التي تترافق مع الكتمان و الصمت.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز الدكتور صالح الرزوق المحترم
مع كل مداخلة لحضرتك تتأكد لي نظريتي حول سعة أفقك العلمي بالرغم من كل الظروف القاسية التي مرت عليك
نعم أيها العزيز هي ذكرى عنت على بالي وحولتها إلى كتاب وإذا ما كنت قبل ذلك خائفا من تذكرها أن يوقض في داخلي ذكريات الأمس المرير فإن نشرها أشعرني براحة غريبة لم أشعر بمثلها طوال حبس الذكري
شكرا وألف شكر لحضرتك أيها العزيز

صالح الطائي
This comment was minimized by the moderator on the site

حسناً فعلت واديت الامانة في تدوين هذه الوثائق الهامة من المذكرات والسيرة الشخصية كأحد ضحايا اجهزة البعث الفاشية . في عقليتها الوحشية في انتهاك حقوق الانسان وقيمته . وتدون الصور الصارخة في اسلوب التنكيل والبطش من جراثيم البعث من البراغيث الوحشية . ان تدوين هذه المذكرات الهامة , هي جزء من التدوين التاريخي والوثائقي لجرائم حقبة البعث المظلمة , وفي الادانة لحكم البعث الفاشي . ان اصدار هذا الكتاب الهام لا يستغني عنه المثقف والدارس والباحث عن الحقبة المظلمة في زمن البعث , السيء الصيت والسمعة والبغيض والمنبوذ من الغيارى والشرفاء . اتمنى ان يحظى الكتاب بالاهتمام كوثيقة أدانة
تحياتي ايها الصديق العزيز , ودمت بصحة وعافية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الفاضل وصديقي الطيب الناقد الأستاذ جمعة عبدالله المحترم
أحسن الله إليك ولحضرتك جزيل الشكر والتقدير على ما تفضلت به.
اشعر بعميق أثر الدعم الذي تقدمه لمواضيعي
بارك الله فيك

صالح الطائي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5069 المصادف: 2020-07-22 16:20:12