 كتب وإصدارات

كشف المضمر في العلاقات بين التاريخ والحركات الاسلامية في كتاب: رهانات السلطة في العراق

علي لفتة سعيدلطارق الكناني

في كتابه الذي يحمل عنوان (رهانات السلطة في العراق/ حوار في أيديولوجيا التوظيف السياسي) الصادر عن مؤسسة المثقف ودار أمل الجديدة يحاول الصحفي طارق الكناني أن يسند التطلعات التي شهدها العراق مثلما أراد إسناد المعاناة المرافقة لهذه التطلعات من خلال إجراء حوار مع أحد المفكرين الذين كانوا مؤسسين سواء للمرحلة الماضية او المرحلة الحالية التي يمكن القول إنها باتت سريعة منذ سقوط النظام السابق عام 2003 وأن هذه التطورات في شقيها التطلع والمعاناة بات من الصعب التكهن بمخرجاتها ونهاياتها لإن البداية لم تكن واضحة وشابها الكثير من التشويش بدءا من تسمية ما يمكن ان يوصف حال العراق بما حصل من تغيرات في 9 نيسان عام 2003 الكناني يقول في مقدمة كتابه إنه (لا أحد كان يتوقع أن تنقلب أمريكا على الأنظمة العلمانية وتأتي بأنظمة دينية ثيوقراطية) خاصة وان أمريكا عانت حدثا تاريخيا قلب معادلة العالم أجمع بما حصل لها بما سمي أحداث الحادي عشر من أيلول والتي نفذتها القاعدة وهي جهة دينية او محسوبة على الدين.

كتاب الكناني محاورة مع المفكر ماجد الغرباوي وهو مفكر اسلامي ومؤسس ورئيس مؤسسة المثقف وهو من داخل المنظومة الاسلامية التي كانت تريد إسقاط النظام ولكنها أي هذه هذه المنظومة بأحزابها الاسلامية تحديدا تورطت في تطبيق قراءاتها للواقع العراقي وبالتالي حصل انهيار في المنظمات العراقية سواء منها الفكرية او الانتمائية او العقائدية وحتى المذهبية داخل البيت المذهبي الواحد. ويقول الكناني انه وجد في الغرباوي مفكراً بارعا متحرراً من قيود الحزبية والتخندق الطائفي بعيدا عن كل عقد الفوبيا أو عقدة الشعور بالاضطهاد ولذا فان كتابه يأتي من هذا الباب ليدخل معه في حوار بأسئلة مباشرة الكتاب تضمن 53 سؤالا حواريا مع الغرباوي الذي كان منتميا في بداية حياته السياسية إلى حزب الدعوة الإسلامية وهي منطقة فكرية مليئة بالأفكار لما كان مفكري الحزب الاوائل يمنحونه للشباب لأنها افكار (تمنح آفاقاً كبيرة للفكر الإسلامي المتحرر من قيود التبعية الدينية، فهو يناقش شتى مجالات الحياة والسلطة والاقتصاد ويرسم طريقا أكثر ثورية في بناء الدولة الإسلامية التي كانت حلم الكثيرين من الشباب أمثال الغرباوي) ويشير الى انه وجد الغرباوي (يسعى من خلال مشروعه الى ترشيد الوعي بعد تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، عبر قراءة متجددة للنص الديني تقوم على النقد والمراجعة المستمرة، كشرط أساس لنهوض حضاري، يساهم في ترسيخ قيم الحرية والتسامح والعدالة، في اطار مجتمع مدني خالٍ من العنف والتنابذ والاحتراب).

60 tariq2

ويضع الكناني تبريرا لهذا الحوار الذي توزع على خمسة محاور لاصطدام المواطن بحقائق يصعب معها تفسير نظرية الحاكمية في الفكر الإسلامي وإن (بعض الحوارات التي تجرى مع أعضاء حزب الدعوة أو الدعاة الأوائل في هذه الفترة من الهذر السياسي الذي يتردد وسط أجواء تفتقر إلى الصراحة ونكوص في تطبيق النظريات الاسلامية التي كانت تدعو لها الاحزاب الاسلامية) ولهذا فان الكناني اراد من خلال الحوار مع الغرباوي ان يصل الى معرفة اسباب هذا النكوص وان يضع نقطة جدل بعيدة عن التبريرات خاصة وان الغرباوي يواصل الفكر في مشروعه منذ 33عاما الذي يريده واعيا وله دور ثقافي يرتبط بالثقافة والحركات الاسلامية وهو يريد بحسب الحوار تحرير الدين من سطوة الفقهاء والتفسيرات الطائفية المتحيزة والفصل بينه وبين السياسة والتوظيفات الأيديولوجية المخلة بهدف الدين ووظيفته الأساسية في الحياة وبالتالي فهو يقدّم فهما آخر للدين، يتقاطع مع فهم الأحزاب والحركات الإسلامية التي تجد في الدين وسيلة ناجحة لبلوغ أهدافها السياسية. الحوار الذي اجراه الكناني مع الغرباوي كان الهدف منه الوصول الى نقطة شروع ان الفكر الانساني المتحرر من  التبعية الدينية والمذهبية والايديولوجية هي الواجب الاسمى للتخلص من ضجيج الفكر الذي يكرّس الطائفية والاحتراب وان يضع الحقائق التي اريد لها أن تغيب في وهم السلطة (ممن هم في السلطة عن الفكر الجمعي للمجتمع العراقي محاولين اسدال الستار عن حقبة مفصلية وتجربة حقيقية لطريقة بناء الدولة في فكر الأحزاب الإسلامية بكل انتماءاتها وفشلها في صياغة شكل الدولة الذي تم طرحه وفق النموذج الاسلامي والذي تم التنظير له عبر حقبة زمنية طويلة) في المحور الاول الذي حمل عنوان (الحركة القومية في الوعي السياسي العربي) كان الحوار يدور حول مصر والاقباط والشعور القومي والاصل العربي والانتماء الديني..وكانت هناك تسعة أسئلة منها عن أسباب وراء انتعاش الحركات الأممية في العراق، على العكس من مصر، وكذلك ما اسماء (محنة الأقباط) التي يؤكد فيها الغرباوي (أن معاناة الأقباط دفعت بإتجاه تبنّي القومية العربية، كملاذ للتخلص من الفوراق الدينية والاجتماعية) وكذلك سؤال عن الدين والقومية. ويؤكد الغرباوي (هناك أكثر من سبب وراء تشبث شعوب المنطقة بالقومية العربية في القرون الثلاثة الأخيرة، خاصة في مصر وبلاد الشام، بسبب سياسة الاضطهاد التي كانت تتبعها السلطنة العثمانية ضد غير المسلمين، باعتبارهم وفقا للفقه الإسلامي أهل ذمة فتنطبق عليهم أحكامها) ليصل الغرباوي الى قوله (تبقى حقيقة تاريخية، هناك أكثر من دافع وراء تبني غير المسلمين لواء القومية العربية من خلال جمعياتهم وأحزابهم، خاصة في سوريا ولبنان..ووضع الكناني سؤاله الرابع تحت عنوان (نكوص الشعور القومي لدى الاقباط في مصر سكان مصر الأصليين.. فيجيب الغرباوي انه (تمت السيطرة على جميع الاحتكاكات، بفضل الوطنية والشعور المصيري المشترك، والاحتكام للعقل.. وكان السؤال الخامس (الإرث الحضاري) والذي تمحور حول تفسير ضياع الارث القومي للمسيحيين المصريين) ويشير الغرباوي أن هناك (تداعيات التجاور بين المسلمين وغيرهم في ظل سلطات جائرة، طبّقوا عليهم سياسة قاسية، إستمدت روحها من أحكام صدرت في زمان الرسول لمعالجة واقع محدد، فكانت أحكاماً تخص ذلك الواقع، ليس لها إطلاق لتشمل فتوحات الخلفاء والسلاطين المسلمين، الذين وظفوا كل شيء لتمدد سلطتهم. من هنا انحسر عدد الأقباط إلى عشرة بالمائة 10% من سكان مصر فقط. فخلفاء المسلمين وسلاطينهم فرضوا عليهم الجزية في مقابل الدفاع عنهم) في حين كان السؤال السادس حول ان كان الشعور القومي في مصر يخص فئة من المصريين؟ ويوضح الغرباوي (هناك أكثر من دافع للتشبث بالقومية وأن التشبث بالقومية العربية كان ردة فعل ضد التغريب الذي تشبث بالقومية المصرية بدلاً من القومية) الكتاب حافل بالاسئلة التي تجاور ما ذهبنا إليه وعناوين اسئلة من مثل (الصدمة الحضارية) عن تشبث المصريين بالقومية العربية وكذلك سؤال التحولات الدينية الكبرى) والذي اختص عما إذا كانت مصر غيّرت معتقداتها لأكثر من مرّة فضلا عن سؤال (القومية والتبشير)عما إذا كان هناك غمز في أهداف القوميين العرب وممن حمل هذه الشعارات ولو بطرف خفيّ إضافة الى سؤال (مصر والتشيّع) والذي اريد به كشف من ان المصريين يمثلون الجانب المعتدل والمسالم لدى الأمة الإسلامية وحمل الكتاب محورا ثانيا بعنوان (أيديولوجيا التوظيف السياسي/أسئلة المعارضة والسلطة في العراق والذي تضمن 14 سؤالا تطرقت الى (الكفاءة والسلطة) والذي تركز عن صلاحية كفاءة الاشخاص الذين يتعرضون للاضطهاد السياسي سواء كان الاعتقال والتعذيب أو النفي أو التخويف والإرهاب لتسلّم مقاليد الحكم في البلاد بعد نجاح حركاتهم أو إنقلاباتهم؟. وكذلك سؤال (ثقافة العنف) حول عقدة الشعور بالاضطهاد وامراض الفوبيا لمن يستلم الحكم وسؤال (الصمت الدولي) حول  تشريع عالمي في حجب هؤلاء عن تسنم السلطة وتكريمهم بشكل يليق بهم دون أن يتم تسليطهم على رقاب الناس وسؤال (الموقف الأمريكي) وقيام امريكا بجمع كل المعارضين وسلمتهم العراق على طبق من ذهب وكذلك سؤال (منطق التبرير) وكان حول النظرة الحزبية الضيّقة هي من منعت الإنتباه إلى تصرفات رفاق النضال... وأن منطق التبرير مازال قائماً عند الكتل السياسية مثلما هناك سؤال (الخيانة العظمى) حول ما اسماه مباردة المناضل باستعداء دول أجنبية وتحريضها على إحتلال بلاده حتى يتسنى له هو أن يستلم مقاليد السلطة وهل كان هذا التصرف ينضوي تحت عنوان الخيانة العظمى؟ أم الوطنية؟.. أما سؤال (الرصيد الشعبي) حول ما اذا الشعب تخلى عن المعارضة كلياً سواء كان خوفاً أو تملقاً أو تأييداً للسلطة وإن المعارضة فقدت عمقها الشعبي والوطني وماذا فعلت المعارضة بحيث خدشت ضمير الشعب وأضطرته للتخلي عنها؟. ان الاسئلة الكثيرة في هذا المحاور كانت محاولة للاجابة عن ما الذي حصل في العراق وهل فشلت الاحزاب التي عارضت صدام في ترتيب البيت العراقي وان هناك ازدواجية في شخصيات السياسيين وان هناك إخفاقا في النضال الحركي وعن موقع إيران من منطق الدولة وكذلك النديّة وتهافت القوى في المصالح في المحور الثالث من الكتاب (المواقف السياسية وتداعياتها) تركزت الاسئلة عن (خيانة الشعب) وفسح المجال لحزب البعث من التسلط وكذلك (الدبلوماسية الفاشلة) وتطرقت الاسئلة في هذا المحور الى (سوريا والرعب السياسي) وكذلك (الفتوى الدينية) عما اذا كان هناك (الشعور الوطني) وسؤال (براءة الدماء) مما قدمت الاحزاب من شهداء المحور الرابع حمل عنوان (الانهيار وتداعيات الفساد) وبدا بسؤال (الانهيار الداخلي) وكذلك (الفتوى والفساد) فضلا عن سؤال (رجل الدين والفساد) وما اسماه كذلك في سؤاله (الولاء الجريح) و(منطق الثأر) فيما كانت اسئلة المحور الخامس الذي حمل عنوان (الدولة في الفكر الإسلامي) قد تركز على (إدارة الدولة) وسؤال (صدقية النظام الإسلامي) سؤال (وحدة المرجعيات الفكرية) وكذلك (نظريات الحكم).

 إن أجابات الغرباوي تحتاج الى وقفة وتأمل في جانبيها النظري والتحليل فضلا عن المنهجية التي اتبعها في إجابته مثلما برع الكناني في تبويب الاسئلة التي وزعها على محاوره الخمس والتي حاول من خلال البحث عن اجابة على سؤال التاريخ والحاضر والربط بين السياسة والدين والهوية والانتماء وكذلك الواقع والمذهبية.

 

علي لفته سعيد - روائي وكاتب

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

أتقدم بجزيل الشكر والاحترام للروائي المبدع الاستاذ علي لفتة سعيد، لقراءته الشاملة لكتاب: (رهانات السلطة في العراق .. حوار في أيديولوجيا التوظيف السياسي). وهو حوار الأستاذ طارق الكناني مع ماجد الغرباوي حول الوضع السياسي في العراق قبل وبعد سقوط النظام السابق، وقد اشتمل على مذكرات ومواقف مهمة من خلالها يمكن للقارئ معرفة خلفية ما حصل بعد السقوط. كانت قراءة الاستاذ علي قراءة واعية، توقف فيها عند مفاصل الكتاب، وبيان حدود الرؤية الفكرية والنقدية فيه، وبهذا تكون قراءته اضافة مهمة. اكرر شكري واحترامي . ودمت بسلام

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

تصفحت المقال على عجل و سأقرأه بتمهل لاحقا.
انتبهت لمشكلة القومية العربية. لم يعد لها ارض خارج الغرف الباردة و مكيفة الهواء. و هذا لا يعني اننا فقدنا الحس بالانتماء. لكن يمكن ان احيل لتفكير ادوارد سعيد و جيل الليبرالية الجديدة المؤمن بعلاقة انسانية و هادئة مع عالم متعدد الشرائح و التوجهات.
مرت الدولة العباسية بهذا المنعطف. و دخلت في شكل لامركزي للحكم مع الاعتماد على العنصر غير العربي في جهاز الدولة.
و لكن كانت المشكلة في الافساد الممنهج و المنظم و ليس في طريقة الهضم و الدمج و الاستيعاب.
اعتقد ان الليبرالية الجديدة ايقظت شكلا مختلفا من اشكال التفكير المناهض للهيمنة و الاستعمار. و المومن بالتفاهم و حل المشاكل سلميا.
و اذا كانت القراءة المعاصرة لا تعطي هذه الموجة اي مصداقية. فإن الزمن هو الكفيل بتخفيف النزوع للعنف و تعويم لغة العقل و المنطق و مصالح البشرية.
شكرا..

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

وبودي ان اضيف عن العروبة انها حاملة للاسلام. و لم يحدث العكس. ان اتى الاسلام الى العرب من غيرهم و وضعهم تحت مظلته.
و صعود الافكار القومية و الوطنية في اوروبا اثر ايضا. لقد كان للتنازع على المنطقة و على سلطة العثمانيين اثر عميق في توجيه روح اليقظة عند العرب.
شكرا مرة ثانية.
هنا لا بد من شكر كاتب المقالة على حسن تتبعه و تبويبه لغهم افكار الكتاب بشكل عادل وواضح و يساعد على التركيز و التواصل.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5070 المصادف: 2020-07-23 12:49:50