 كتب وإصدارات

قراءة في كتاب: الفساد في العراق

1666  الفساد في العراقللاستاذ الدكتور قاسم حسين صالح

يزعمون ان وزيرا نام ليلة واحدة في فندق بستة الاف دولار، انا لا اعرف هذا الوزير ولا أدري شيئا عن أصله ولا فصله ولم يسبق لي ان التقيته الا مرة واحدة في الطائرة المتوجهة الى لندن. كان يجلس في الصف الاول كعادة أصحاب النفوذ في بلاد البعران، منتفخا مثل طاووس شفي لتوه من عاهة مستديمة، وحوله ثلاثة حرّاس كل واحد منهم بألف عين وألف اذن وألف لسان. لماذا ثلاثة حراس هذه المرّة؟ .في العادة يتقدمه ثلاثة عن يمينه وثلاثة عن شماله وضعفيهم خلفه، لابد ان يكون اختيار ثلاثة من جيشه الباسل لحكمة يخفيها.

ستة الاف دولار في ليلة واحدة كانت كافية لإطعام ستين عائلة متعففة لمدة شهرين. هذه ليست مزحة ولا حكاية من حكايات الف ليلة وليلة ولا قصة من قصص الخيال العلمي، ليلة واحدة على وسادة من نبات بحري نادر وقطيفة موشاة بالذهب الخالص، وعطر مسك من بطون غزلان الصحراء العربية وحساء بط بري جيء به من الاهوار، معجون بعرق الجياع في بلادي، وربما كانت هناك راقصة اسبانية تتلوى على دعاء معالي الوزير قبل ان ينهي صلاة العشاء والنوافل واثناء البسبسة على وقع هسهسة حبات المسبحة التي تلصف في الجناح المضاء بمصابيح خافتة من اجل ان لا يتعكر مزاج "المعالي" ويفقد قدرته على التفاوض في الليل.

عاش الوزير

مات الوزير

مثل هذا الصعلوك الذي خرج من مجرى البول مرتين، ونسي خلقه في زحمة الصراع على طريقة الديوك البرّية مع المناوئين، هناك ألف صعلوك وألف خائن وألف محتال  صاروا وزراء ونواب للشعب الذي أُشرب الافيون مع اللبن. قصور في بيروت وعمان ولندن ودبي ونيويورك وامستردام وبرلين وحتى في جزر القمر وجزر البطيخ، ملايين الدولارات في بنوك سويسرا وماليزيا ولبنان والصين ورومانيا وعربستان وطهرانستان وكندا ستان، أسواق ومولات وفنادق في كل اصقاع الأرض. منتجعات خاصة ودور عرض أزياء ومنتديات ليلية وراقصات شرقية، محلات لصناعة الذهب وصناعة الخزف وصناعة الكذب.

دخلوا عالم التجارة فكان الميدان الوحيد الذي يناسب مهاراتهم وشهاداتهم الجامعية والقابهم العلمية حتى برعوا فيه. تاجروا بجلودنا واعراضنا وشوارعنا ومدخرات أولادنا، باعونا للأغراب بفلس ونصف، باعوا حتى الأشجار والانهار والامطار. لم يبق شيء تحت الأرض ولا فوق الأرض الا غرزوا فيه خراطيمهم وامتصوه كما يفعل البعوض. هؤلاء الفاسدون من السياسيين السماسرة قلبوا موازين الحياة واغتالوا منظومة القيم، هدموا مدارسنا واحرقوا مزارعنا وزرعوا فيها الملح الذي صار ينهشها نهشا، واغلقوا مصانعنا حتى صرنا نستورد الماء من الكويت، (والكويت رغم كل حبي لها لا اعرف فيها نهرا ولا سهلا ولا جبلا وسماؤها لا تمطر الا مرة واحدة كل كذا سنة). اما الفجل والشلغم والطابوق فمن ايران ،والرز من الهند، واللبن والموز من الصومال، والفاكهة من الأردن وسوريا، والسيارات من كوريا، والاحذية والملابس ولعب الأطفال من الصين وتركيا وجزر القمر..ولولا هذه الدول لأصبحنا مثل متسولين على الأبواب مع أننا الدولة الأغنى في العالم.

سماسرة السياسة من الفاسدين تحولوا الى دويلات تشبه دويلات الاندلس قبل سقوط غرناطة، لكل منهم غرفة يحتمي بها وسرير محشو بالدنانير، ومزاليج أبواب لا تصمد حتى امام الريح ولكنها منيعة على الشعب الذي تركوه يتجادل ويتقاتل نيابة عن عمر وعلي.

هل كان الدكتور قام حسين صالح منصفا عندما اتهم لصوصنا الاشاوس بأنهم خلقوا لنا نظاما هو الأفشل والأفسد في التاريخ؟. الاحداث والأرقام والتواريخ التي عرضها في كتابه المثير للجدل هذا، التحليلات والتفسيرات التي ساقها لنا كانت كافية لان تنتزع قلوبنا وعقولنا وتتركنا مثل عابر سبيل تائه في ملكوت الله.

 الخراب الذي تحدث عنه الكتاب في تحليلاته السوسيو- سايكولوجية المعمقة (وهو الخامس والثلاثون للكاتب) يذكّرنا بتحليلات دوركهايم عن الاغتراب والانتحار قبل قرن ونصف من الان.

على طريقة فولتير وروسو وهيوم كان د. قاسم حسين صالح يقرع لنا أجراس الخطر، يكتب عن رغيف خبز الفقراء الذين يبحثون عنه في المزابل والنفايات والبسطيات، وكان يبكينا ويبكي لنا ويبكي معنا من اجل شارع الرشيد الذي لم يبق منه سوى الاعمدة. يذكرنا بالشوارع والحدائق والمشافي التي كان يرتادها الناس ويحكون عن ازهارها ورذاذ امطارها وزرازيرها التي كانت تأتينا للمؤنة والدفء ثم استبدلتنا ورضيت ان تتعايش مع الزمهرير احتجاجا على جدبنا وقحطنا وبخلنا.

الكشف الذي احدثه عن عورات بلادنا السياسية، لم يحرك فينا ساكنا، واجراس الإنذار التي أطلقها لم توقظنا، لأننا تعودنا على الاجراس والمنبهات والانذارات، وصرنا مثل الطرشان-العميان في الاساطير الهندية.

مازلت متفائلا، فهذا البلد دخلت في عينيه عواصف ترابية على طول التاريخ وعرضه ولكنه ظل مبصرا، ظل مبصرا مثل نسر جريح تمالئت عليه النسور والغربان، اتعبوه وانهكوه واستلبوا كل قواه وكل عزائمه ولكنه سيبقى مثل طائر العنقاء يدس نفسه في الرماد ليتجدد كلما أصابه الوهن، ثم ينهض مرة أخرى كما لم ينهض من قبل. قدره ان يكون قامة بين القامات وليس حجرا على الطريق.

الكتاب  صادر عن دار الكتب العلمية ويقع في (223) صفحة تتضمن (42) موضوعا تتنوع بين التوثيق بالارقام لحجم ما سرق من العراق خلال( 2003 - 2018 )من مصادر عالمية وشهادات لمسؤولين سياسيين وقضاة واعضاء في لجان النزاهة،واخرى تحليلات سيكولوجية لشخصيات قادة متهمة بالفساد، وثالثة ساخرة تقارن بين لصوص بغداد في هذا الزمان والعياريين زمن هارون الرشيد تثبت ان "لصوص ايام زمان كانوا اصحاب قيم فيما لصوص هذا الزمان بلا ضمير"..وأخرى تنقلك الى شارع الرشيد ترى فيها المؤلف راكبا (ستوته!) بعد ان صار خرابا. 

 انا شخصيا لا انصح بقراءة هذا الكتاب لأنه يوجع مثل وخز على أطراف الأصابع، يوجع مثل سياط جلاد فقد الإحساس بوخز الضمير، ويوجع مثل آلام المسيح ومثل حجم مأساة الحسين.

 

الدكتور فجر جودة النعيمي

(*) أستاذ علم الاجتماع – لندن

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5074 المصادف: 2020-07-27 03:36:22