علي المرهجمن الكُتب المتأخرة لأستاذنا الدكتور حسام مُحيي الدين الآلوسي كتاب (الفن البُعد الثالث لفهم الإنسان) نُشر في بيت الحكمة ببغداد عام 2008. طرح الألوسي في كتابه هذا رؤية للفن بوصفه بُعداً ثالثاً للفهم يُناظر العلم والدين، إذ يعدَهُ شكلاً مُستقلاً من أشكال الوعي الأخرى.

ذكرني بهذا الكتاب صديقي الأحب د.عصام العسل بحوار دار بيننا حول فلسفة الجمال التي ينوي تدريسها لطلبة الدكتوراه في آداب المستنصرية.

دَعّمَ الآلوسي رأيه هذا بالاعتماد على مجموعة من الفلاسفة والمفكرين، أهمهم: كولن جوود وشارل لالو وسوزان لانكر وهربرت ريد وجورج سانتيانا وجورج تومسن، ومن دون الخوض بآراء هؤلاء الفلاسفة والمفكرين لأتركها لمن يرغب بقراءة الكتاب أقول أن الآلوسي: اعتمد على توظيف رؤاهم ومواقفهم المدافعة عن قيمة الفن في نقد موقف الوضعيين والوضعيين المناطقة وبعض الماركسيين، بل وحتى البراجماتيين باستثناء دوي الذي ربط الفن بالخبرة في كتبه (الفن خبرة)، إذ ربطوا قيمة الفن بالمعطى المباشر، أو "القيمة الفورية" بتعبير وليم جيمس في كتابه (البراجماتية)، أو في تهميش دور الفن في الماركسية بالقياس للعمل وتخوفهم من أن يؤدي الهيام بالفن والشعور باللذة الجمالية لتحجيم دور الإنسان في العمل، أو كما يرى الوضعيون أن البهجة في الفن تبعث على السعادة لكنها غير مُفيدة من الناحية العملية.

ليست مهمتي في هذا المقال شرح محتويات الكتاب ورؤية الآلوسي التي أختلف معه في كثير من المواطن، أولها اسهابه في شرح آرء المفكرين وغياب الوضوح في الرؤية بسبب كثرة الاستشهادات والتنصيص، ولا أهمية للكتاب سوى أن مؤلفه قد جمع بحرفية آراء حول قيمة الفن أو نقد هذه القيمة ولكنني حاولت مُشاركة أستاذي الألوسي في الدفاع عن القيمة الإنسانية والثقافية للفن التي ضيَع أصالتها في انهمامه برصف نصوص الفلاسفة والمفكرين.

لم أجد في أجوبة هذه المدارس في تهميش الفن أو رفضه ما هو مُقنع، لأنني أرى أن قيمة العلم فضلاً عن فائدته العملية إلَا أنها لا تنفك عن الشعور و"الاحساس بالجمال" فخذ مثلاً على ذلك وجود الكهرباء في حياتنا وهي نتاج علمي مُبهر له فائدة عملية جمَة، ولكن الشعور بقيمته الجمالية أجدى، ونحن العراقيين نستشعر "القيمة الفورية" للكهرباء بمعية شعورنا بالقيمة الجمالية، فبين انطفاء الكهرباء تارة وعودتها تارة أخرى نحن ننتقل بين شعورين هما: "اللذة" و"الألم" وكلاهما مفهومان جماليان، أحدهما قريب من ربطنا له بـ "القُبح" والآخر نهيم به لما يمنحنا من لذة جمالية وشعور بالسعادة، فضلاً عن منفعته العملية.

1034 حسام الالوسي

الفن يُعطينا مساحة للعيش في عوالم مُتخيلة وحالمة، وهذه العوالم هي التي منحت الإنسان العلمي دفقاً حيوياً وثقة أن بامكانه الكشف علمياً عن عوالم وتجارب بدَت في وقتها وكأنها ضرب من ضروب الخيال، فمن منَا كان يدَر في خُلده أنه سيستطيع في التوَ واللحظة التواصل مع الناس والفكر عبر فضاء المعلوماتية هذا؟. ألا يقترب هذا اليوم من عوالم السحر والشعوذة قبل زمن؟!.

الطاقة الخلَاقة في الفن هي التي تمنح العلم بعض من كسر نمطية التفكير المنطقي الصارم في العلوم التقليدية لنجد بعض من العلماء الحالمين يكشفون لنا عن علوم وعوالم جديدة.

خذَ مثلاً على ذلك أي نتاج تقني وعلمي في استخداماتك اليومية، كالسيارة أو الكرسي أو (السبلت) وغير ذلك كثير: هل يُمكن لعالم أن يُنتجه من دون وجود مصمم لشكله ليجد هذا المنتوج (مقبولية جمالية) في عوالم التنافس بين الشركات؟!، أظن أن الجمال هو الذي يختم عملية المخاض العلمي كي يُشترى ويُباع هذا النتاج!!.

ولا يفوتني أن أذكر أن الفن يخترق الدين وطقوسه وشعائره رغم أن كثيراً من المُتدينين يُعلنون رفضهم الصريح للفن، ولكني أخاطبهم بالقول: ألا تستلذ عزيزي المؤمن بسماع القرآن بصوت عبدالباسط، وهو صوت قيل عنه أنه من (ألحان السماء)؟، وألا تستلذ بصوت عبدالزهرة الكعبي حينما يقرأ مقتل الإمام الحُسين (ع)؟، ولك في باسم الكربلائي حينما يُنشد بصوته عاشورائيات ومأساة كربلاء، وهكذا هو محمد صديق المنشاوي حينما يقرأ القرآن، ينقلك لعوالم الرحمة الإلهية جمالياً، ولك مثال يُحتذى في ألحان بليغ حمدي للشيخ سيد النقشبندي مثل: (مولاي أنَي بباك قدَ بسطت يدي، من ليَ ألوذ به إيَاك يا سندي).

وفي الدروشة والطريقة المولوية فن وافتتنان بعشق الله والفناء فيه، والانقطاع عما سواه.

في بلاد الرافدين الموسيقى رديفة المعبد وهو سبب نشؤها ومنبعها، وفي المسيحية موسيقى القُدَاس التي أُستخدمت الغناء عبر (الكورال الجماعي) أو الغناء الفردي فيما سُمي بالموسيقى الدينية.

ولك في تشكيلات العظيم ميكيلانجلو النحتية: العذراء والسيد المسيح ونحت تمثال داوود وسقف كنيسة سيستاين...إلخ.

وطقوس الشيعة في عاشوراء في تنظيم المواكب وما سُميَ بـ "التشابيه" إنما هي أعمال فنية، أو (فن شعبي) يصلح أن نُسميه فن ديني.

وهكذا هو حال بقية الشعوب إنما تُعبر عن طقوسها وتوصيل مشاعرها الدينية عبر الفن.

لذا يُمكننا القول أن للفن قيمة مُضافة، فهو مجال يشترك فيه مع العلم ويُشارك أهله بتزيين نتاجهم واستحسان قبوله في المجتمع، وكذا الحال في الدين وطقوسه وشعائره، فهي مقبولة اجتماعياً حينما يُجيد أهلها التعبير عنها جمالياً في الإنشاد أو الرسم أو النحت.

لا يُمكن إنكار وجود فوارق شتى بين الفن والعلم، وبين الفن والدين، ولكنني أجد أن كلا المجالين: العلم والدين هما أكثر حاجة للفن لتحقيق المرام والقصد والغاية، ولا أجد للفن حاجة كبيرة لهما، وإن استعان بمعطيات كلا المجالين بعض الفنانين، فأنا أظن أن هناك امكانية لمقبولية وجود فن من دون الحاجة للتدين أو العلم، فقبل أن تشرق شمسي الدين أو العلم كان الفن موجوداً في الطبيعة وجمالها وبعد ذلك في حياة الإنسان البدائي حينما صنع آلاته بحكم الحاجة، فهي تصميم على غرار تشكيل بعبارة أستاذنا الكبير مدني صالح.

من جمال توصيف الخالق أنه خلق الكون مُتقن وتشكيل ليس على غرار تصميم كما هو الإنسان الفنان الذي يصنع تشكيلاته على غرار تصميم سبق.

"إن ربَنا زيَن السماء الدُنَيا بزينة الكواكب" (الصافات/6)، "ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيَناها للناظرين" (الحجر/19).

إن الله جميلٌ يُحبّ الجمال، والجمال هو الفن البُعد الثالث (المعرفي) الذي يعلو وينخفض بحسب النزعات الدينية والعلمية، فإن كانت "راديكالية" مُتطرفة وجدنا الجمال والفن وأهله بين فكي كماشة، فكٌ ديني مُتطرف، وآخر علمي، ولكن الفن بوصفه "قوة ناعمة" يخترق هاتين القوتين (الفكين) ليخترق (زردوم) الحياة بانسيابية خلّاقة لتجد أهل الدين وأهل العلم بعد تمعن يُعيدون له حضوره وبهاؤه..

 

ا. د. علي المرهج

 

منى زيتونيُعتبر الأستاذ الدكتور عثمان أمين رحمه الله من أهم أساتذة الفلسفة بجامعة القاهرة، ولعل العلامة المميزة لعثمان أمين أن محاولاته الفلسفية كانت ابنة مجتمعه وحضارته، ومتأثرة تمامًا بالفكر الإسلامي، رغم أنه قد ساهم في ترجمة بعض نفائس الفلسفة الغربية إلى العربية.

ويعد كتابه فلسفة اللغة العربية، الصادر عام 1965، ضمن سلسلة المكتبة الثقافية، التي كانت تصدر عن الدار المصرية للتأليف والترجمة، من أهم كتبه، رغم صغر حجمه.

ولدي نسخة من الكتاب في مكتبة والدي رحمه الله، قمت بتصويرها ورفعها على الجوجل درايف، ثم قررت مشاركتكم بأهم الأفكار التي أوردها المؤلف عن خصائص الفلسفة الكامنة في اللغة العربية.

يرى د.عثمان أمين أن خصائص الفلسفة الكامنة في طبيعة اللغة العربية هي:

المثالية الميتافيزيقية

يرى المؤلف أن من أهم ما يميز العربية أنها تنحو نحوًا من المثالية لا نظير له في أي لغة من اللغات الحية المعروفة.

والجمل الخبرية في اللغة العربية لا يُثبت فيها فعل الكينونة؛ فيُقال "فلان شجاع" وليس "فلان هو شجاع" أو "فلان كائن شجاع". فالإسناد في اللغة العربية هو إسناد ذهني يكفي فيه إنشاء علاقة ذهنية بين "موضوع" و "محمول" أو "مُسند إليه" و "مُسند" دون حاجة إلى التصريح بهذه العلاقة نطقًا أو كتابة، أي بلا رابطة حسّية.

يمكن الاستنتاج من ذلك أن اللغة العربية تفترض دائمًا أن شهادة الفكر أصدق من شهادة الحس، وأن الماهية متقدمة على الوجود. وهي فلسفة تعكس أن الفكر هو المقياس الذي تُقاس به الأشياء، وإطلاق الألفاظ في العربية يكون باعتبار ما يحصل في الذهن وليس باعتبار حقيقة الموجودات الحسية لأن إدراك الذهن للموجودات الحسية يختلف، كما ينبغي الإشارة إلى أن تقدم الماهية في العربية هو تقدم رتبة.

الحضور الجُواني

(الذات العارفة) أو (الأنا المفكرة) ماثلة في كل قضية صيغت صياغة عربية، وحضورها حضور روحي داخلي، يسري في الضمائر والأفعال الداخلية في بنية الألفاظ، دون حاجة إلى إثباتها بالوسائل الخارجية كالرموز والعلامات الظاهرة.

لا يوجد في العربية فعل مستقل عن ذات. نقول: اكتب، أو يكتب، أو تكتب الخ. بينما في اللغات الغربية الحية غالبًا ما تثبت الآنية أو الذات عن طريق التصريح بضمير المتكلم أو المخاطب أو الغائب. يقولون: "أنا أفكر" و "أنت تشك" و "هم يجادلون"، بينما يكفينا في العربية أن نقول: "أفكر" و "تشك" و "يجادلون" دون حاجة في كل مرة إلى إثبات الضمير.

ونلحظ في العربية أن حروف المضارعة تتقدم في أول الكلمة، كونها دالة على الفاعلين من هم، وما هم، وكم عِدّتهم. وتقديم حرف المعنى عند العرب، كما يقول ابن جني، لقوة العناية به، فقدّموا دليله ليكون ذلك أمارة لتمكنه عندهم.

وكذا الإضافة في العربية لا تحتاج إلى لفظ يشير إليها. يكفينا أن نقول "كلية الآداب" دون رابط بين المضاف والمضاف إليه، ولكن في اللغات الغربية لا بد من لفظ صريح يشير إلى الرابطة. يقولون بالإنجليزية Faculty of Arts.

وهنا أسجل ملاحظتي على تأثر اللهجة الشامية باللغة الفرنسية؛ حيث يُلاحظ في كلامهم إنشاء رابط متكلف لبيان الإضافة، فيقولون: "أبوه لمحمد" و "زوجها لسعاد"، وهو ما لا يُعرف في لسان العرب.

صدارة المعنى

اللغة العربية إذا كانت تُعنى بالألفاظ فذلك من أجل المعاني.

يقول ابن جني: اللغة العربية من أكثر لغات الأرض دلالة معنوية، بل إن الكثير من ألفاظ العربية قد فقد الدلالة الحسية. من أمثلة ذلك:

- الفعل "قضى" معناه "حكم"، والأصل فيه القطع الحسي.

- والفعل "عقل" معناه "فهم"، وهو مأخوذ من عقل الناقة، أي ربطها.

- والفعل "أدرك" الأصل فيه البلوغ الحسي، لكن يُقال: فلان أدرك القطار، أي لحقه.

- والفعل "بلغ" وُضِع أصلًا للدلالة على الوصول الحسي في المكان والزمان.

- الأصل في معنى "الفصاحة" قولهم: فصح اللبن، إذا ذهبت رغوته، ثم قيل فصح، بمعنى وضح.

- و "الرأي" أصله من "رأى" أي شهد بعينيه.

وصيغ الأفعال وأوزانها في العربية عامل من عوامل ثروة اللغة وقدرتها على الدلالة على فروق وظلال تنضاف إلى المعنى الأصلي، دون زيادة في اللفظ ومع الاحتفاظ بطابع التركيز الذي تميزت به لغة القرآن.

والعربية فوق ذلك أكثر اللغات قبولًا للاشتقاق، تتولد ألفاظها بعضها من بعض وكأنها كائن حي. يُعرِّف السيوطي الاشتقاق بأنه "أخذ صيغة من أخرى، مع اتفاقهما معنى ومادة، وهيئة تركيب، ليدل بالثانية على معنى الأصل بزيادة مفيدة لأجلها اختلفا حروفًا أو هيئة".

والاشتقاق في العربية يقوم بدور لا يُستهان به في تنويع المعنى الأصلي وتلوينه، إذ يكسبه خواصًا مختلفة، مما لا يتيسر التعبير عنه في اللغات الآرية إلا بألفاظ خاصة ذات معانٍ مستقلة. بذا تكون ألفاظ العربية متصلة ببعضها بأواصر قوية وارتباط حيوي، بينما تكون المفردات في غيرها آلية جامدة، منعزلة مفككة، في كثير من الأحيان لو عدم الاشتقاق.

والعربية تدل بالحركات على المعاني المختلفة، من غير أن تكون تلك الحركات أثرًا لمقطع أو بقية من أداة. فيكون ذلك في وسط الكلمة وأولها وآخرها: فهم يفّرقون بالحركة

- بين اسم الفاعل واسم المفعول، في مثل مُكرِم ومُكرَم.

- وبين فعل المعلوم وفعل المجهول، نحو: كَتَب وكُتِب.

- وبين الفعل والمصدر في مثل عَلِم وعِلْم.

- وبين الوصف والمصدر، في مثل فَرِحْ وفَرَح.

- وبين المفرد والجمع، في مثل أَسد وأُسد.

- وبين الفعل والفعل، في مثل قدِم وقدُم.

- وبين الاسم والاسم في مثل سُحور وسَحور.

الإعراب والإبانة

الإعراب هو الإبانة والإفصاح؛ وهو مصدر من "أعرب عن الشيء" إذا أوضحه وأبان عنه. يقول ابن جني إن أصل هذه الكلمة قولهم: العرب؛ وذلك لما يُعزى إليهم من الإعراب والبيان والفصاحة.

لمّا كانت العربية تتوخى الإيضاح والإبانة كان الإعراب إحدى وسائلها لتحقيق هذه الغاية، فكان إفصاحًا عن صلات الكلمات العربية بعضها ببعض، وعن نظم تكوين الجمل بالحالات المختلفة لها. بينما في اللغات الخالية من الإعراب يعتمد أهلها على القرائن اللفظية لفهم المقصود من المعاني، ولا مميز فيها بين الرفع والنصب والجر، وإنما يقوم مقامها إلحاق أدوات خاصة بذلك.

وحين قال رجل لأمير المؤمنين علي، كرم الله وجهه، من غير إعراب: "قتل الناس عثمان"، وكان العرب قد فسدت ألسنتهم بمخالطة العجم بعد الفتوحات، قال له أمير المؤمنين: "بيِّن الفاعل من المفعول، رضّ الله فاك".

رسم الظلال والألوان

العربية وافرة الألفاظ الدالة على الشيء منظورًا إليه في مختلف درجاته وأحواله ومتفاوت صوره وألوانه. من أمثلة ذلك:

- الظمأ والصدى والأوام والهيام، كلمات تدل على درجات من العطش.

- العشق والغرام والولع والوله والتيم، درجات متفاوتة من الحب تبين حالاته في نفوس المحبين.

ووفرة الألفاظ التي يعبر كل منها على درجة الشيء تضيف للعربية سمة أخرى وهي الإيجاز في اللفظ والتركيز في المعنى، دون الإخلال بما درجت عليه من الوضوح والتميز. فمما يميز العربية أن الحرص على الإيجاز والتركيز يكون مع دقة التعبير.

والكناية من أخص خصائص العربية التي يُقدم عليها المتكلم بها مع ثقته بفهم المخاطب، وتعطي ظلالًا للكلام.

وكما ذكر الثعالبي في "فقه اللغة"، قد تستعمل العربية حرفًا واحدًا يدل على معانٍ كثيرة، ويعبر عن أغراض متنوعة، مثال ذلك حرف اللام: منه لام التوكيد، ولام الاستغاثة، ولام التعجب، ولام المِلك، ولام السبب، ولام الوقت، ولام التخصيص، ولام الأمر، ولام الجزاء، ولام العاقبة.

الدعوة إلى الحركة والاتجاه إلى القوة

للكلام عند العرب سلطان وأي سلطان. والكلمة عندهم يُحسب لها دائمًا ألف حساب. كما أن العرب يؤثرون القوة والشدة على الضعف والرخاوة، ولغتهم جاءت لذلك معبرة عنهم.

يقول ابن جني في "الخصائص": "ألا ترى أن الابتداء لمّا كان آخذًا في القول، لم يكن الحرف المبدوء به إلا متحركًا؟ ولمّا كان الانتهاء آخذًا في السكوت لم يكن الحرف الموقوف عليه إلا ساكنًا؟"

فالعربية تمنع الناطق بها من النطق بالحروف الساكنة في أول الكلام؛ لأن تلك الفلسفة تفترض أن كل قول جاد ينبغي أن يكون بمنزلة الفعل، أو أن يُهيئ قائله أو سامعه للفعل المرتقب. والفعل يقتضي الحركة.

توخي الوعي والفهم قبل النطق والسمع والكتابة

يقول قاسم أمين في "كلمات": "في اللغات الأخرى يقرأ الإنسان ليفهم. أما في اللغة العربية فإنه يفهم ليقرأ: فإذا أراد أن يقرأ الكلمة المركبة من هذه الأحرف الثلاثة (ع ل م) يمكنه أن يقرأها عَلَمْ أو عِلْم أو عُلِم أو عُلِّم أو عَلَّم أو عَلِم. ولا يستطيع أن يختار واحدة من هذه الطرق إلا بعد أن يفهم معنى الجملة، فهي التي تعيِّن النطق الصحيح. لذلك كانت القراءة عندنا من أصعب الفنون".

ويرى د. عثمان أمين أن هذه ميزة تفرّدت بها لغتنا عن سائر اللغات، وأن العربية في ماهيتها وصميمها، لغة تتطلب من كل قارئ أو مستمع لها أن يكون واعيًا فاهمًا، قبل أن ينطق وقبل أن يسمع.

 

د. منى زيتون

 

علي القاسميصدر هذا الشهر عن منشورات القاسمي بالشارقة، الإمارات العربية المتحدة، كتاب جديد للدكتور علي القاسمي عنوانه "طرائف النوادر عن أصحاب المآثر"، ويقع في 220 صفحة من القطع الكبير، ويشتمل على 46 طرفة، ويزدان بطباعة أنيقة وبغلاف مجلّد.

وعند مطالعة التقديم القصير الذي كتبه المؤلِّف يتبادر لنا أن هذا الكتاب هو جزء ثانٍ من كتابه " طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات " الذي صدر في دار الثلوثية بالرياض، المملكة العربية السعودية، العام الماضي، لأنه يحمل التقديم نفسه، ويتبع المنهجية ذاتها.  ويلقي التقديم الضوء على نوع الكتاب وأسلوبه وأغراضه. ونص التقديم كالآتي:

" اقترح عليّ عددٌ من أصدقائي أن أكتب سيرتي الذاتية. ولكنني أحسب أنَّ السِّيَر الذاتية ينبغي أن يُسطِّرها عظام الزعماء وكبار المفكرين الذين أثَّروا في مسيرةِ التاريخ أو تطوُّرِ الحركات الفكرية، لتكون سِيَرهم دافعاً لطموح الشباب، وتصبح مُثلهم وأخلاقهم نموذجاً تحتذيه الأجيال الناهضة.

ولما لم أكُن من أؤلئك القادة، فإنني آثرتُ أن أكتب ما علق في ذاكرتي من طرائف عن كبار الشخصيات الذين أُتيح لي أن التقيهم والذين يستحقون الذكر، وفي الوقت نفسه ألقي بعض الضوء على معالم مسيرة حياتي.  بيدَ أنَّ هذه الذكريات لا ترقى إلى مصاف التاريخ الموثوق، بالرغم من حرصي على توخي الصدق، والأمانة، والموضوعية عند تدوينها؛ لأنَّها تعتمد على الذاكرة، ولم تستعِن بيوميّاتٍ دقيقة.  فالذاكرة ـ كما هو معروف ـ لا يمكن الركون إلى صوابها ودِقَّتها، فقد تصيبها الثقوب بمرور الزمن، وتتسرَّب إليها بعض الأوهام بسبب تفاعلها مع الأحداث المستجدَّة والخبرات اللاحقة.

في وسع القارئ الكريم أن ينظر إلى هذه الطرائف التي صغتُها بأسلوبٍ سردي، بمثابة حكاياتٍ أو قصصٍ واقعية فيها كثيرٌ من الحقيقة. والله من وراء القصد."

والكتاب يجمع بين السرد والأدب والسيرة والتاريخ والنقد. ولعلنا نقف على طبيعة الكتاب الحقيقية إذا قرأنا طرفة أو طرفتين من طرفه.

تحمل الطرفة الثانية العنوان " أبي يحتج لدى الدكتور عبد الرزاق محي الدين على شرحه بيتين لحاتم الطائي" ، ونصها كالآتي:

" لم أتشرف بالتتلمذ على الأستاذ الدكتور عبد الرزاق محي الدين إلا لساعة واحدة. جاء إلى صفنا في دار المعلمين العالية ببغداد لتعويض أستاذتنا الشاعرة الدكتورة عاتكة وهبي الخزرجي التي اضطرت إلى التغيُّب ذلك اليوم.

كان الدكتور عبد الرزاق محي الدين (1910 ـ 1983) من قادة الفكر  ومن أبرز الأدباء الشعراء في العراق في الثلاثينيات، وقد أنتخبه المجمعيون رئيساً للمجمع العلمي العراقي في أربع دورات حتى أقاله رئيس الجمهورية سنة 1979 لعدم مساعدته في منح عضوية المجمع لبعض أعضاء الحزب الحاكم غير المؤهلين لها. وقد توفّي الدكتور  بالسم إثر حفل دُعي إليه في القصر الجمهوري ببغداد، على حد قول كاتب سيرته في موسوعة الويكي بيديا.

ولد الدكتور محي الدين في النجف التي قدِمت إليها أسرته من جنوب لبنان قبل قرون عديدة واستقرت فيها واشتغلت في طلب العلم في الحوزة الدينية الحيدرية. وأصبح الدكتور محي الدين في شبابه من الشعراء المجدِّدين إلى جانب محمد مهدي الجواهري ( 1899ـ 1996) الذي لُقِّب بـ "شاعرالعرب الأكبر". أما في الدِّين، فقد كان محي الدين مجتهداً مصلحاً، إذ إنه كان من جملة الفقهاء الذين تجرأوا على تحريم التطبير (ضرب الرؤوس بالسيوف)، وضرب الظهور بالسلاسل، في يوم 10 عاشوراء تعبيراً عن الحزن على استشهاد الإمام الحسين.

كان الدكتور محي الدين يعبّر في قصائده ومقالاته عن آرائه التي تنبذ الطائفية، وتساوي بين الأديان، وتؤمن بالأخوة الإنسانية " وكلُّ بني الإنسانِ في الأرضِ إخوانُ" كما ورد في إحدى قصائده.  وذات يوم ألقى في حفل حضره الملك غازي بن فيصل (1912 ـ 1939) عاهل العراق (1933 ـ 1939) قصيدته التي مطلعها ( أيها الداعي إلى الوحدة فينا    فتح الله بك الفتح المبينا). فأعجب بها الملك ووجَّه وزير المعارف الذي كان يحضر الحفل معه، بابتعاثه لمواصلة دراسته العليا، فابتُعث إلى مصر للدراسة في كلية دار العلوم بالقاهرة، وهي كلية لا تختلف في مناهجها ودروسها وتركيزها على حفظ المتون عما في الحوزة العلمية في النجف. فحاز إجازتها سنة 1937، وعاد إلى العراق ليدرّس في دار المعلمين العالية. وفي عام 1944 عاد إلى مصر والتحق بكلية الآداب في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة اليوم) حصل على الماجستير بعد أربع سنوات بعد أن أنجز رسالة بعنوان "أبو حيان التوحيدي: سيرته وآثاره" بإشراف الشيخ أمين الخولي (1895 ـ 1966). لم أرَ في حياتي كلها رسالة أو أطروحة جامعية في الإنسانيات  بمثل متانتها وبلاغتها ودقة معلوماتها وروعة استنتاجاتها.

فقد أثبت فيها أن أبا حيان التوحيدي كان في إحدى فترات حياته المبكرة مصاباً بالوسواس القهري الذي يرافقه شعور بالغبن وظلم الناس له ومجافاة الوزراء وأصحاب الجاه، وفي تلك الفترة ألف كتابه في " مثالب الوزيرين"، ابن عباد " و "أبي الفتح بن العميد". وحتى عندما هجر أبو حيان بغداد في الفترة الأخيرة من حياته وطلب التصوف والزهد وانتبذ شيراز منفى له حيث توفّي، فإنه لم يتخلّص من الشكوى والإحساس العميق بالظلم له، وإنما تحول شعوره ذلك إلى عتاب يوجهه في كتابه " الإشارات الألهية " إلى الخالق عز وجل.

ويحلِّل محي الدين مؤلَّفات ابي حيان، كتاباً كتاباً وفصلاً فصلاً وفقرة فقرة، ليصل إلى أن أهماله من طرف الوزراء، ابن عباد وابن العميد وابن سعدان وغيرهم، ناتج عن حقيقة أن أبا حيان، على الرغم من ملكته اللغوية وحصيلته اللفظية وروعة أسلوبه آنذاك، فإنه ذو حظ ضئيل من النباهة واللبابة، ولا يمتلك ما يكفي من اللباقة واللياقة، لمخاطبة الوزراء وأصحاب الشأن، وخطب ودّهم والفوز بثقتهم.

وفي سنة 1956، نال محي الدين شهادة الدكتوراه من  كلية الآداب بجامعة القاهرة عن اطروحته الرائعة عن " المرتضى:  من سيرته وشعره" التي أشرفت عليها الدكتورة سهير القلماوي (1911 ـ19996) وناقشه فيها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين (1889 ـ 1973). وعاد إلى بغداد ليتولى تدريس الأدب العربي في دار المعلمين العالية ببغداد، ويصبح عضواً في المجمع العلمي العراقي ، ثمَّ يستوزر عدَّة مرّات في الستينيات في عدّة حكومات.

***

عندما كنتُ تلميذا صغيراً في المدرسة الابتدائية في بلدتنا الحمزة الشرقي، كان من عادة والدي أن يأتي بين الحين والآخر إلى مدرستي لزيارة المدير والالتقاء بالمعلمين، ويسألهم عن أحوالي، ثم يلتقي بي في فرصة الاستراحة، ليستفسر عما تعلَّمتُه ذلك اليوم. وعندما درستُ علم النفس التربوي فيما بعد، تبيَّن لي أن هذه الطريقة، تجعل الطفل يوجّه اهتماماً وعناية كبيريْن لدروسه. ولم يكُن والدي يتبع تلك الطريقة التربوية نتيجة اطلاعه على بحوث نفسية تربوية، بقدر ما كان ذلك تعبيراً طبيعياً عن حبّه لأطفاله وشغفه بالمعرفة.

ولم يتخلَ والدي عن ديدنه ذاك حتى بعد أن ألتحقتُ بدار المعلمين العالية في بغداد، أو الجامعة الأمريكية في بيروت، على الرغم من  بُعد الشقة ووعثاء السفر. فقد شرّفني والدي بدار المعلمين العالية ببغداد ذات يوم، وسألني كعادته عما تعلّمته ذلك اليوم. ولما كانت أغلبية دروسي باللغة الإنكليزية وآدابها التي لا يعرفها، فضّلتُ أن احدّثه عن درس اللغة العربية الذي تناول فيه الدكتور عبد الرزاق محي الدين بعض قصائد حاتم الطائي ( ت حوالي 46 ق.هـ./ 605م) بالشرح وتحليل معالمها البلاغية. واخترتُ بيتيْن هما:

سلي الجائعَ الغرثان يا أمَّ منذرِ        إذا ما أتاني بين ناري ومجزري

أأبســط وجهي إنه أول القِرى          وأبذل معروفي له دوني منكري

فسأل والدي:

ـ وكيف شرحها الدكتور؟

ـ قلتُ: يوصي حاتم الطائي زوجته بدعوة الجائع إلى الطعام، إذا جاءهم وقد نحر حاتم الطائي ناقةً، وأوقدَ النار لطهيها.

وإذا بوالدي ينتفض غاضباً قائلاً إن هذا خطأ فاحش. إنه إهانة لحاتم الطائي، واستهانة لجوده النادر الوجود. أين الدكتور عبد الرزاق محي الدين؟؟ (وهو لا يعرفه من قبل).

وبدت لي  غضبة والدي مثل انتصار لقريب له، ابن عم له مثلاً، تعرّض لهجمة وعدوان ظالميْن،  مع علمي أنه لا علاقة دم تربط الرجلين، فوالدي من عشيرة القواسم التي تنتمي إلى قبيلة الظفير، وحاتم الطائي من عشيرة بني طي التي تعود في أصولها إلى قبيلة شمر ، اللهم إلا إذا اعتبرنا أن القبيلتيْن تنتميان في جذورهما إلى سيدنا آدم، أبي البشر.

وأخذ والدي يردّد:

ـ أين الدكتور عبد الرزاق محي الدين؟؟ أريد أن أراه وأناقشه في هذا الشرح البعيد عن الصحة.

ونظراً لأني أعلم حقَّ العلم أن والدي لم يدرس في أيّة مدرسة رسمية، ولم يحصل على أيّة شهادة جامعية، فعندما ولد في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، لم تكن في قريته أية مدارس سوى الكتاتيب القرآنية التي تعلّم فيها، ثم واصل تثقيفه الذاتي بقراءة الكتب الدينية والأدبية حتى أصبح يُلقَّب بـ " ملا محمد بن الحاج عيسى". ولعله كان من بين المعدودين على رؤوس الأصابع في بلدتنا ممن يجيدون القراءة والكتابة، في حين أن الدكتور عبد الرزاق محي الدين حائز أعلى الدرجات العلمية، ومتمرِّس في علم الجدل، ومتضلع في فنِّ الحوار الأكاديمي، ومبرِّز في جميع المناظرات والمناقشات التي خاضها في المحافل العربية، ومتمكِّن من الشعر الجاهلي وأساليبه ومعانيه. لهذا كله، أشفقتُ على والدي ، وأجبت:

ـ من المحتمل جداً أن الدكتور غادر الكلية الآن.

قال والدي:

ـ لا بُدّ أن أراه. لنذهب إلى مكتبه.

هنا ازدادت خشيتي، وتفاقمت رأفتي بأبي وبنفسي، لأن أساتذة اللغة العربية وآدابها في دار المعلمين العالية كانوا يشتركون آنذاك في مكتب كبير ولكل واحد منهم منضدته. يا للمصيبة! يا للفضيحة! سيناقش والدي هذا العالم النحرير والأديب الكبير، وسيتلقى والدي ضرباته الجدلية القاضية بمحضر من جميع أساتذة الأدب العربي، ومنهم من يعرفه شخصياً مثل الدكتور محمد مهدي البصير (   1895 ـ 1974)، شاعر الثورة العراقية الكبرى ومؤلِّف كتاب " بعث الشعر الجاهلي"  الذي ابتعثه الملك فيصل الأول لدراسة الأدب العربي في جامعة مونبلييه في فرنسا، وعاد يحمل الدكتوراه سنة  1937، ليزاول التدريس في دار المعلمين العالية، وكانت زوجته الفرنسية لا تعينه  في الوصول إلى الكلية فحسب، بل تدرّسنا اللغة الفرنسية كذلك.

ونزولاً عند إلحاح والدي، اصطحبته إلى مكتب أساتذة اللغة العربية. وخيِّل إليّ أن عيون جميع المارة من أساتذةٍ وطلبةٍ كانت مصوبة إلى والدي، لأنه في سمته وهيئته وزيّه مثل طير غريب بعيد عن سربه. فقد كان يرتدي الملابس العربية مثل العقال والكوفية والبشت، وكانت له لحية في وقت كان الموضة تقتضي حلق اللحية والشارب، على حين أن جميع منتسبي الدار من أساتذة وطلاب وإداريين يرتدون الملابس الأوربية "دليلاً على تحضُّرهم وتمدُّنهم"، تماماً كما كان يفعل العلماء الأوربيون  في القرون الوسطى، واستمروا حتى اليوم (ومن بعدهم الأمريكيون) أثناء حفلات التخرّج الجامعي ، فقد كانوا وما زالوا  يرتدون الملابس العربية خاصة القَب والسلهام Cap and gown   تشبّهاً بعلماء الأندلس.

وفي طريقنا إلى مكتب الأساتذة، كنتُ أدعو الله في دخيلة نفسي أن لا نجد الدكتور عبد الرزاق محي الدين فيه. ولكن من الواضح، أن دعائي لم يُستجَب، إذ ما إن فتحنا باب المكتب حتى طالعنا وجه الدكتور محي الدين خلف منضدته الشخصية. سلمنا عليه وقدَّمتُ والدي إليه، فرحّب به هاشاً باشاً، وجلسنا على كرسيَّين بالقرب منه. بادر والدي الدكتور محي الدين بالسؤال:

ـ هل صحيح ما أخبرني به علي من أنك شرحت بيتي حاتم الطائي بهذا الشكل...؟

أجاب الدكتور بالإيجاب.

قال والدي:

ـ إن أبخل البخلاء، سيدعو الجائع الغرثان (شديد الجوع) إلى تناول الطعام معه إذا ما جاءه وقد نحر الجزور وأوقد النار لطهيها. أمّا حاتم الطائي، أكرم الكرماء وأجود الأجواد، فإنه يوصي أم منذر بدعوة الجائع إلى تناول الطعام حتى إذا جاء وكانوا ينحرونه هو (حاتم الطائي) ويجزرونه ويقطعون جسده إربا إربا، ويوقدون النار لإحراقه وتعذيبه. وهو يوصي أم منذر أنه إذا كان في تلك الحال الرهيبة أن تنوب عنه في دعوة الجائع إلى تناول الطعام، وترحِّب به كما لو كان حاتم في أحسن أحواله (مبسوط الوجه) ولا تذكر للضيف شيئاً عمّا يتعرَّض له حاتم من مكروه ومنكر وتعذيب، فهذا من مبادئ الضيافة (أول القِرى)، بل لا تذكر سوى الأشياء الحسنة عنه، لكي يُقبل الجائع على الطعام. وحاتم عادة ما يدعو الأضياف بنفسه، ولكنه في محنته  الافتراضية تلك، اضطر إلى رجاء زوجته أن تنوب عنه.

هنا خيّل إليّ أنني لحظتُ ابتسامة خفيفة على شفتي الدكتور محي الدين الذي قلما يبتسم. وتغلّبت لديه في تلك اللحظة دبلوماسيةُ السياسي على جدلية العالِم الشاعر، فقال:

ـ شكراً، الحاج. أهنئك بهذا التأويل الجميل. وهو تأويل منطقي ومعقول جداً للأسباب التي تفضلتَ بذكرها. أما ما ذكرتُه أنا لعلي وزملائه في الصف فهو شرح لظاهر النص فقط، لعدم توافر الوقت.

هنا حمدتُ الله في ذات نفسي، وشكرتُ الأستاذ الكريم، ونهضتُ من الكرسي، إشارة لوالدي بالانصراف."

أما الطرفة رقم 43 فعنوانها " السياسي الدكتور عبد الهادي بوطالب يكتشف خطأ في الدعوة الملكية"، ونصها فيما يلي:

" تأسست المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (إيسيسكو) بالرباط في مايو/ أيار 1982، بوصفها وكالة متخصصة من وكالات منظمة المؤتمر الإسلامي (التي أصبح اسمها اليوم منظمة التعاون الإسلامي)، وهي منظمة دولية تضم حالياً سبعاً وخمسين دولة ذات أغلبية مسلمة.

افتتح العاهل المغربي الملك الحسن الثاني (1929 ـ 1999) مؤتمر الإيسيسكو التأسيسي، ونبّه في خطابه إلى ضرورة أن تعمل هذه المنظمة في التقريب بين المذاهب الإسلامية، وكأنه كان يتوقع أن يعمل أعداء الأمة على إثارة صراعات طائفية فيها. وقد أُسند الملك الحسن الثاني منصب المدير العام للمنظمة إلى الدكتور عبد الهادي بوطالب (1923 ـ 2009).

الدكتور عبد الهادي بوطالب من قادة الحركة الوطنية الذين كان لهم دور بارز في النضال من أجل استقلال المغرب. إضافة إلى كونه مفكراً وباحثاً مرموقاً. تخرّج مطلع الأربعينيات في جامعة القرويين بمدينة فاس، وهي أقدم جامعة في العالم لا زالت عاملة منذ تأسيسها سنة 245هـ / 859م.  وكان عميدها آنذاك العالِم الوطني الغيور محمد الفاسي (1908 ـ 1991)، الذي التمس من السلطان محمد الخامس (1909 ـ 1961) رعاية حفل التخرج، تأكيداً للذاتية المغربية في زمن الحماية الفرنسية. وكانت التقاليد الجامعية تقتضي أن يلقي الطالب المتخرِّج الأوَّل في الجامعة خطاباً في حفل التخرَّج. وعندما ألقى عبد الهادي بوطالب خطابه، أُعجب به السلطان محمد الخامس، فعيّنه مدرِّساً في المدرسة المولوية بالرباط حيث كان ابنه ولي العهد  الأمير الحسن (الملك الحسن الثاني فيما بعد) يواصل دراسته. ومن هنا توطدت علاقته بالملكين فأصبح مستشاراً لهما، إضافة إلى أنه صار منسّق البرنامج الدراسي في كلية الحقوق بالرباط لولي العهد سيدي محمد  بن الملك الحسن الثاني (الملك محمد السادس فيما بعد)، لأن بوطالب كان أستاذا بارزاً في كلية الحقوق في الرباط. وقد تسنَّم بوطالب مناصب سياسية ودبلوماسية عديدة مثل : وزير الخارجية، وزير التربية الوطنية، وزير العدل، وزير الإعلام، رئيس مجلس النواب، سفير المغرب في واشطن.

له ما يربو على 60 كتاباً باللغتين العربية والفرنسية، ومنها ما يُدرَّس في الجامعات المغربية مثل:

ـ المرجع في القانون الدستوري والمؤسسات الدستورية.

ـ النظم السياسية المعاصرة.

ـ ملامح الدبلوماسية العالمية.

أعدُّ  الدكتور عبد الهادي بوطالب من شيوخي، فقد صحبته قرابة عشر سنين عندما كان مديراً عاماً للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة واستخدمني فيها خبيراً ثم مديراً لإدارة التربية،  وسعدتُ بقراءة العديد من كتبه، وتعلّمتُ منه كثيراً، وكان يعاملني كولده، ورافقته في معظم مهماته الخارجية المتعلّقة بالمنظمة.

كان الملك الحسن الثاني يبعث به في المهمات الصعبة حاملاً بعض رسائله الخطّية أو الشفهية إلى بعض رؤساء الدول. أخبرني ذات مرة أنه حمل رسالة شفهية من عاهل المغرب إلى شاه إيران في أوائل السبعينيات عندما توترت العلاقات بين إيران والعراق، بسبب دعم السلطات الإيرانية لتمردٍ الملا مصطفى البرزاني، بالسلاح والعتاد والمال، وكادت الحرب تنشب بين البلدين.

عندما وصل أبو طالب إلى البلاط الإيراني كان عليه أن يستمع أولاً إلى شرح مطوَّل حول مراسِم وبروتكول مقابلة الشاه. وحينما دخل إلى صالة العرش، وجد الشاه ببزته العسكرية ونياشينه تغطي صدره وهو جالس على عرش عالٍ جداً. وعندما وقف أمام الشاه لإبلاغه الرسالة كان وجهه في مستوى جزمة الشاه.

قال الدكتور أبو طالب بالفرنسية التي كان الشاه يجيدها ما معناه إن أخاكم الملك الحسن الثاني يبلغكم أحرَّ تحياته وخالص مودَّته ويقول لكم أن إيران بلد إسلامي وعمقها المادي والمعنوي هو بقية البلدان العربية الإسلامية ومنها العراق، وإذا تعرّض العراق لعمل عسكري فإن المغرب يجد نفسه ملزماً، بمقتضيات ميثاق جامعة الدول العربية، بالوقوف إلى جانبه. ولهذا فإن أخاكم الملك الحسن الثاني يعتمد على حكمتكم وبُعد نظركم في حلِّ الخلاف بالطرق السلمية.

فأجاب الشاه بما معناه: إن ما ذكره جلالة الملك الحسن الثاني هو ما يجعلني أتردد في إنهاء الخلاف عسكرياً، وإلا ففي مقدوري أن أسحق العراق بأقل من أسبوع.

وهنا رفع الشاه قدمه اليمنى وضرب بجزمته قاعدة العرش لتأكيد كلامه، فاندفع الهواء الناتج من الضربة إلى وجه الدكتور أبو طالب.

وقال لي الدكتور : ومن تلك اللحظة كرهتُ الشاه.

[ ولعل رسالة العاهل المغربي تلك من العوامل التي ساعدت على عقد اتفاق الجزائر 1975 بين شاه إيران وصدام حسين نائب رئيس جمهورية العراق آنذاك، بوساطة الرئيس  هواري بومدين (1932ـ1978) رئيس الجمهورية الجزائرية (1965ـ 1978) ].

كان الملك الحسن الثاني يقول عن الشاه إنه من أصدقائه، " ولكنه ارتكب خطيئة التكبّر،  وقد لاحظتُ ذلك لأول مرة عندما أقام احتفالا ضخماً بمدينة برسيبوليس التاريخية، حيث أراد أن يتباهى بألفي سنة من التاريخ، ناسياً بضعة قرون من الإسلام، ذلك أنه في ذلك العهد لم تكن إيران مجرد موظن للثقافة والديانة الإسلامية، بل غدت مركز إشعاع للفكر والحضارة الإسلاميين. إذن فعندما رأيتُه يقيم جداراً من الصمت على الفترة الإسلامية ليظهر الأسطورة الآرية، احجمتُ عن الاستجابة لدعوته [ لحضور ذلك الاحتفال]."

ومع ذلك فإن وفاء الملك الحسن الثاني لصديقه شاه إيران، جعله يحاول إنقاذه من الثورة التي كان يخطط لها الإمام الخميني من منفاه في النجف، فأوفد مستشاره عبد الهادي بوطالب في مهمة سرّية لمقابلة الخميني ومحاولة إجراء الصلح بينه وبين الشاه، ووجَّهه بمقابلة الرئيس العراقي حسن البكر لتسهيل اجتماعه بالخميني. ولكن الاجتماع مع الخميني لم يتم، لأن البكر أخبر بوطالب أنه لا فائدة من الاتصال بالسيد الخميني لأنه سيغادر العراق بطلب منا، ولم يبق على موعد مغادرته سوى أيام معدودات.

وعندما اندلعت الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979، وطلب الشاه اللجوء إلى المغرب، كان الدكتور بو طالب من بين المستشارين الذين نصحوا الملك الحسن الثاني بعدم استقباله، ولكن شهامة الملك جعلته يستقبل الشاه.  وبعد وصول الشاه إلى الرباط، تلقى الدكتور بوطالب بطاقة دعوة ملكية لحضور وليمة عشاء يقيمها الملك الحسن الثاني تكريماً للشاه، فلم يحضرها.

فأخبر أحدهم الملك أن المستشار بوطالب لم يحفل بتلبية الدعوة  الملكية لحضور العشاء. فاستقدمه الملك وسأله عن السبب في عدم تلبية الدعوة:

فقال الدكتور بوطالب المعروف بحدّة ذهنه وسرعة بديهته:

ـ سيدنا، ثمة خطأ فاضح في الدعوة التي وصلتني.

فسأل الملك مستغرباً:

ـ وما هو؟

أجاب بوطالب:

ـ لأن النقطة الأولى في الدعوة تقول: السلام على الملكَيْن، وأنا عندي ملك واحد هو الملك الحسن الثاني فقط.

فتبسَّم الملك. "

وهكذا، فكتاب " طرائف النوادر عن أصحاب المآثر" يجمع بين المعرفة والإمتاع، على خطى كتب الطرائف والنوادر في تاريخ الأدب العربي.

 

ا. د. علي القاسمي

 

1011 جودت هشيارأصبح الادب الروسي منذ عصره الذهبي، في القرن التاسع عشر، شبيهاً بالدين، يحمل عبئًا، أخلاقيًا هائلًا، ومثل الفلسفة، أخذ على عاتقه التفسير الفكري للعالم المحيط، وتحول الأدب من ظاهرة فنية- جمالية الى كتاب الحياة . وكان ينظر الى الكاتب كنبي، او معلم للشعب قادر على التأثير في النظام القائم وتغيير المجتمع، . وهم يصغون باهتمام بالغ الى آراء الكتاب والشعراء، ويوجهون اليهم الأسئلة حول نتاجاتهم خلال اللقاءات، التي تجري معهم سواء في قاعات الأحتفالات أو في وسائل الإعلام

وثمة ظاهرة ملفتة للنظر في روسيا، نادراً ما نجدها في بلد آخر، على هذا النحو الصارخ، وهي أن الروس رجالاً ونساءاً، شيباً وشباناً، يقرأون الكتب والمجلات الأدبية بنهم لا نظيرله، ليس في البيوت والمكتبات العامة فحسب، بل في كل مكان : في وسائط النقل، وفي طوابيرالأنتظار في المتاجر. وفي المقاهي والحدائق العامة والمنتجعات . وكان الروس يتفاخرون عن جدارة بأنهم الشعب الأكثر قراءة في العالم . ولا تهدف القراءة عندهم الى تمضية الوقت أو التسلية، بل أن المثقفين منهم يعتبرون الكتب زاداً فكرياً وروحياً لا غنى عنه للأنسان . كما أن المناهج الدراسية في شتى مراحل التعليم تتضمن قراءة وتحليل أهم ما أنتجه الفكر الإنساني من آداب وفنون . والروس مغرمون بتشبيه معارفهم وأصدقائهم بأبطال القصص والروايات من حيث طبائعهم وملامحهم . وهم يتخذون الكتّاب والشعراء مثلاً في حياتهم الروحية، ويتابعون كل ما يتعلق بنتاجاتهم ويومياتهم ورسائلهم وعلاقاتهم الأدبية والشخصية، سواء الأحياء منهم أم الأموات . ويزورون المتاحف التي كانت يوما ما مساكن لهم،والتي تضم أعمالهم الأدبية المنشورة والمخطوطة ومسودات نتاجاتهم، ومراسلاتهم، وصورهم في مختلف مراحل العمر، وكل ما يتعلق بهم .

رحيل أي كاتب أوشاعر معروف على المستوى القومي يعد خسارة عظمى عند الروس، لأنهم يعتبرون الكاتب أو الشاعر معلماً للشعب. لذا فأن السلطة السياسية كانت وما تزال تتوجس من الكتاب كثيراً وتراقب أعمالهم .

الموت واحد وان تنوعت اشكاله

جرت العادة في روسيا عبر التاريخ أن يكون الشعراء من المعذبين في الأرض لأن الشاعر في روسيا هو أكثر من مجرد شاعر. لذا نتحدث أولاً عن تلك الفواجع، التي ألمّت بالشعراء الكبار

الكساندر بوشكين، أعظم شاعر روسي، على مر العصور، والرائد المؤسس للغة الروسية الأدبية الحديثة، تم نفيه مرتين، واصيب بجروح بليغة خلال مبارزة غامضة مع البارون جورج دي غيكّرن في 27 يناير 1837، وتوفي بعد ذلك ببضعة أيام .

ميخائيل ليرمنتوف، احد أهم الشعراء الروس بعد بوشكين. له العديد من الروائع الأدبية نثراً وشعرا . كتب وهو متأثر بمصرع بوشكين قصيدة احتجاجية رائعة بعنوان "مصرع شاعر"، هزت روسيا من أقصاها الى أقصاها . وحفظها ورددها المعاصرون مما أثار غضب السلطات التي قررت اعتقاله ونفيه إلى منطقة القوقاز . كانت حياته قصيرة خاطفة كالشهاب، حيث قتل خلال مبارزة مع نيكولاي مارتينيف في 27 أيلول 1841، عن عمر بلغ 27 عاماً. ويعتقد على نطاق واسع أن ليرمنتوف قتل برصاصة أخرى غير رصاصة مارتينيف . وعندما سمع القيصر نيكولاي الأول بمصرع الشاعر، قال شامتاً : " الكلب لا يستحق سوى ميتة الكلاب " . وثمة شكوك بأن بوشكين وليرمنتوف قتلا بأمر القيصر تحت ستار المبارزة .

اما فيودور دوستويفسكي فقد حكم عليه بالإعدام لنشاطه الثوري ضد النظام القيصري، ثم تم تخفيف الحكم في آخر لحظة الى السجن مع الأشغال الشاقة لمدة عشر سنوات، تلك السنوات التي راحت هدراً،من دون كتابة . ولا يزال سر موته المبكر لغزا

1011 جودت هشيار

الأدب الروسي في الفترة الإنتقالية

شهدت السنوات العشرين التي سبقت ثورة اكتوبر 1917 - وهي الفترة الإنتقالية من العصر الذهبي بمعطياته الفكرية والفنية الكلاسيكية الى عصر جديد بتياراته الحداثية وتنوعه الشعري والنثري، التي اصطلح على تسميتها ب"العصر الفضي" - إزدهاراً أدبيا تمثل في تيارات الحداثة والإتجاهات الأدبية المتنوعة وبخاصة في الشعر (الرمزية، المستقبلية، التصويرية، التكعيبية وغيرها) التي تعايشت وراحت تتنافس فيما بينها. واذا كان ثمة شيه إجماع بين مؤرخي الأدب الروسي حول بداية "العصر الفضي" وهي أواخر القرن التاسع عشر، فإن الخلاف ما يزال قائماً بينهم حول نهاية هذه الفترة التي يرى البعض أنها انتهت بوفاة الشاعر الكسندر بلوك وإعدام الشاعر نيكولاي غوميلوف عام 1921 (مؤسس مدرسة الأكميزم في الشعر الروسي، زوج الشاعرة آنّا أخماتوفا)، بينما يرى البعض الآخر ان هذه الفترة انتهت بإنتحار الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي في عام 1930 .

غالبية كتّاب "العصر الفضي" عارضوا النظام البلشفي وقرروا مغادرة البلاد الى اجل غير مسمى ولكنها أصبحت بالنسبة الى معظمهم هجرة بلا رجعة، حيث أنشأوا في الدول الغربية مراكز ثقافية، ودور نشر روسية، وأصدروا صحفا ومجلات للقراء الروس في مدن اوروبية عديدة ولا سيما في باريس وبرلين، وظهر في السنوات اللاحقة ما يسمى بالأدب الروسي في المهجر

الكتاب الأحرار والبلاشفة

وضعت ثورة اكتوبر عام 1917 في روسيا حداً للحريات الديمقراطية،لكنها لم تستطع أن تغيّر على الفورالحياة الثقافية، ومنذ عشرينات القرن العشرين، أخذت ظاهرة ثقافية جديدة تتبلور في البلاد، اطلق عليها مصطلح "الأدب السوفييتي" . وجرى تقييم االكتّاب من حيث موقفهم من السلطة السوفيتية،التي كانت تريد منهم الإشادة بالثورة، وإبراز مزايا النظام الجديد، مقارنة بالنظام الرأسمالي، وليس إنتقادها أو التحليق خارج السرب

وقد مارس النظام الستاليني ضد كل الكتّاب الأحرار الذين يحاولوا الحفاظ على حريتهم الداخلية ولم يستجيبوا لدعوات البلاشفة شتى صنوف الترهيب والترغيب والترويض والإغراء .

مات الشاعر الروسي الكبير الكساندر بلوك في عام 1920 بعد ان رفضت البلاشفة السماح له بالسفر الى الخارج لتلقي العلاج .

الشاعر سيرغي يسينين شنق نفسه في فندق ( انكليتير) في لينينغراد ( بطرسبورغ حاليا) يوم 31 كانون اول 1925 وهو في الثلاثين من العمر . ومنذ ذلك اليوم لم تنقطع التكهنات بضلوع ستالين في قتله، وهو الشاعر الأكثر شعبية والقريب الى قلوب الروس، الذين يحفظون شعره العاطفي المؤثر . وقد ترك في الغرفة التي شنق نفسه فيها قصيدة مكتوبة بالدم، لأنه لم يجد حبراً فجرح معصمه وكتب قصيدته، التي يقول فيها: " ليس جديداً في هذه الحياة أن نموت / وليس جديداً بالتأكيد أن نعيش ". وكان لرحيله،وهو في ذروة إبداعه الشعري أصداء هائلة في روسيا، فقد وصفه بوريس باسترناك قائلاً : " لم تلد الأرض الروسية مَن هو أكثر محلية، وأكثر عفوية، مَن هو أكثر وطنية وأفضل توقيتاً، مما هو سيرغي يسينين . وقال مكسيم غوركي :إن يسينين ما هو بالإنسان قدر ما هو كائن خلق من اجل الشعر حصرا. إما يفجيني يفتوشينكو فقال فيه: إن يسينين لم ينظم أشعاره بل كان يلفظها من أعماقه.

وعقب انتحاره انتشرت بين الشباب الروسي موجة من حوادث الإنتحار، فشنت السلطة حملة ضد ما سمي باليسينينية (بالروسية - يسينينشينا ). وما يزال انتحار الشاعر أو مصرعه الغامض مثار جدل بين الباحثين والمثقفين الروس .

كتب الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي قصيدة اثر انتحار يسينين يقول فيها : " في هذه الحياة ليس صعباً أن تموت / أن تصوغ الحياة أصعب بما لا يقاس ". ماياكوفسكي اطلق الرصاص على رأسه من المسدس المهداة اليه من مخابرات الكرملين . ويقول المنظر الأدبي الروسي البارز فيكتور شكلوفسكي : " ان ذنب الشاعر ليس في انه اطلق الرصاص على نفسه، بل أنه اطلقها في وقت غير مناسب " .

مكسيم غوركي مات في ظروف غامضة بعد رفض السلطة السماح له بالسفر الى الخارج لغرض المعالجة . ويقال انه جرى تسميمه، وان ستالين شخصياً كان ضالعا في قتله، لأن الكاتب الثوري الكبير كان مستاءاً مما يرى حوله من بؤس وظلم .

الشاعرة العظيمة مارينا تسفيتايفا، انتحرت في 31 اغسطس 1941. ولم يسترعي هذا الأنتحار الأهتمام، لأنه حدث في بداية الحرب الدموية بين الأتحاد السوفييتي والمانيا الهتلرية .. وكانت قصائدها ممنوعة من النشر حتى اواسط الخمسينات، وهي تحتل اليوم مكانة بارزة في الأدب الروسي وتحظى بمقروئية عالية، خاصة بين النخب المثقفة .شعرها مشبع بالعواطف الجياشة حتى الثمالة، وكم رأيت من شاعرات روسيات يقرأن شعرها وهن يذرفن الدموع .

- الشاعر اوسيب مندلشتام اعتقل بسبب قصيدة كتبها تحت عنوان " متسلق جبال في الكرملين " وتوفي في السجن. والشاعر كلوييف مات تحت التعذيب، اما الكاتبان المعروفان بيلنياك واسحاق بابل فقد حكم عليهما بالأعدام بتهم مفبركة بعد محاكمتين صوريتين ونفذ فيهما الحكم سريعاً

عندما نقرأ عن هذه المصائر التراحيدية نتذكر قول فولتير : " اذا كان لي ابن، لديه ميل إلى الأدب، فان العطف الأبوي يدفعني الى ان الوي عنقه "

كان ستالين يقرأ أهم الأعمال الأدبية المنشورة، ويشاهد المسرحيات، التي تحظى بإقبال جماهيري . وقد شاهد مسرحية "أيام توربين " من تأليف الروائي البارز ميخائيل بولغاكوف عدة مرات، حين عرض على المسرح الفني في موسكو، ثم أصدر حكمه القاطع: "هذه المسرحية سُخرية من النظام وبولغاكوف ليس مِنا ". مات بولغاكوف بعد تعاطي جرعة كبيرة من المورفين .

عندما قرأ كتب ستالين في عام 1931 مسرحية " في المخزن " للكاتب أندريه بلاتونوف في احدى المجلات الأدبية قال : " كاتب موهوب ولكنه وغد " وارسل الى ادارة المجلة رسالة وصف فيها المسرحية بأنها نتاج عميل لأعدائنا، كتبت من اجل تشويه الحركة الكولخوزية

في عام 1934 أنشأ ستالين (اتحاد الكتاب السوفيت) بعد حل كل الأتحادات والجمعيات الأدبية الأخرى. وفرض الإتحاد الجديد على جميع أعضاءه الألتزام بما يسمى (الواقعية الإشتراكية) وهو مصطلح عجيب - هل ثمة واقعية رأسمالية أو مسيحية، لتكون هناك واقعية إشتراكية ؟ . وكانت حصيلة هذه السياسة البلهاء هي التصفية الجسدية لـ(220) عضواً - أي أكثر من ثلث اعضاء المؤتمر التأسيسي للأتحاد - في السجون والمعتقلات خلال السنوات القليلة التي أعقبت المؤتمر.

ومع حلول اوائل الثلاثينات سيطرت الدولة على المطابع والصحافة وأغلقت دور النشر الخاصة، والغت كل الجمعيات الأدبية - التي كانت تضم آلاف الأعضاء وتصدر مجلات طليعية - وذلك بموجب قرار اللجنة المركزية للحزب بإعادة بناء الجمعيات الأدبية والفنية . وذلك تمهيداً للمؤتمر التأسيسي لإتحاد الكتّاب السوفيت الذي انعقد في أغسطس عام 1934، وقرر المؤتمر إعلان " الواقعية الإشتراكية " المذهب الأدبي والفني الوحيد المعترف به في البلاد،ومحاربة الإتجاهات (البورجوازية والشكلية) في الأدب والفن .

(الواقعية الإشتراكية) مصطلح غريب،وكأن ثمة في الأدب العالمي واقعية رأسمالية أو إقطاعية وقد أصبح هذا المذهب ملزماً لكل الكتّاب والشعراء والنقاد والباحثين والفنانين .

لعب المؤتمر دوراً سلبيا في الحياة الثقافية، وأسهم في تدميرالقيم الروحية والجمالية والتقاليد الأدبية للأدب الروسي. وأنتاب القلق والتوجس كتاباً مشهورين ومنهم اسحاق بابل الذي أعلن في المؤتمر مازحاً أنه ابتكر جنساَ أدبياً جديدا اطلق عليه جنس "الصمت" أي التوقف عن النشر الى أجل غير مسمى.

أصبح عامل البناء أو المنجم أو مصنع الصلب أو فلّاح التعاونية الزراعية، البطل الرئيسي الإيجابي في الأدب السوفيتي . وتم حظر نشر الأعمال الأدبية، التي لا تعكس توجهات الحزب الايديولوجية والصراع الطبقي وانجازات بناء الاشتركية..ولجأ العديد من الأدباء الى تناول الموضوعات التأريخية تهرباً من الحاضر الخانق .أو حرصوا على الإحتفاظ بنتاجاتهم الجديدة بعيداً عن الأنظار في ادراج مكاتبهم انتظاراً لزمن أفضل.

وبعد تصفية المعارضة داخل الحزب الشيوعي في النصف الثاني من الثلاثينات وهيمنة ستالين المطلقة على السلطة، تم تشديد الرقابة الأيديولوجية المتزمتة على المجلات الأدبية (السميكة)، وعلى دور النشر والمسرح والسينما، التي اصبحت كلها حكومية في عموم الإمبراطورية السوفيتية المترامية الأطراف. وبدأت الحملات الصحفية الظالمة ضد كل من يخرج عن الطاعة ويكتب ما لا يعجب السلطة .وشرع الحزب البلشفي بإتباع اسلوب الإشراف المباشر على الحركة الثقافية وادارة الأدب وتوجيهه.

وفي هذا الإطار جرى تهميش الكتّاب الذين لم يتحمّسوا للنظام الشمولي، وإختفى أي أثر للرأي الآخر، وتحول الأدب السوفيتي الى أداة لتخدير الوعي الجمعي وتضليل الجماهير وتعبئتها للتنافس على تنفيذ الخطط الخمسية في الأقتصاد بوتائر عالية .

كان الأدب المؤدلج يدعو الى التضحية بمباهج الحياة، وتحمل الصعوبات والظروف المعيشية، مهما كانت قاسية وبائسة في سبيل بناء " الجنة الشيوعية " الموعودة للأجيال القادمة . وان على الناس أن يعيشوا من أجل تحقيق هذا الهدف (النبيل)، ويتحملوا في سبيله، كل انواع الضيم والفاقة، لا أن يعملوا من اجل توفير متطلبات االعيش او يهتموا بحياتهم الخاصة .

لم يعد بوسع أي كاتب أن ينشر عملاً ابداعيا يعبّر عن عالمه الداخلي ورؤيته الخاصة للحياة، وعمّا يجول بخاطره، ويشعر به في نفسه . وادرك كل مبدع حقيقي أن الكتابة الأدبية أصبحت مهنة خطرة للغاية.

مصائر أفضل الكتّاب الروس في الحقبة السوفيتية –أولئك الذين يشكلون اليوم مجد وفخر الأدب الروسي الحديث – تراجيدية ومفجعة. فقد انتهت حياة العشرات منهم في ساحات الأعدام، وقضى الآف آخرين نحبهم في معسكرات الإعتقال والأشغال الشاقة في أقاصي سيبيريا من الجوع، والمرض وإنعدام الرعاية الصحية، وتكيّف المنصاعون لتوجيهات الحزب الأيديولوجية مع الوضع الجديد . ولم يتم ملاحقتهم او اعتقالهم، بل ظلوا يكتبون وينشرون في اطار المذهب المفروض عليهم، ولكنهم انتهوا ككتاب مبدعين ولم تعد لكتاباتهم قيمة فنية تذكر. وفي ظل هذه الممارسات القمعية، وتقييد الحريات العامة والخاصة، والمناخ الثقافي الخانق، استطاع جهاز المخابرات السوفيتية تجنيد أعداد غفيرة من الأصدقاء والمعارف المقربين من الكتّاب، للتجسس عليهم، وكتابة التقارير السرية عنهم حتى وإن كان هؤلاء الكتّاب، قد إختاروا الصمت الإجباري أو الإختياري،

ولم تقتصر تقارير المخبرين على أهل الأدب والفن، بل شمل كل العاملين في أجهزة الحزب والدولة. وقد تبين من الوثائق المنشورة بعد تهاوي النظام السوفيتي ان العدد الاجمالي لتقارير المخبرين عملاء الأمن السري قد بلغ حوالي اربعة ملايين تقرير .

وتتضمن لوائح اتهام الكتّاب من قبل المدعي العام، التي تليت خلال محاكماتهم، تقاريرسرية كثيرة كتبها مخبرون من أقرب الناس الى الكتّاب المتهمين . وهي تقارير عن أحاديث هذا الكاتب أو ذاك مع أصدقائه وزملائه في انتقاد بعض سلبيات الواقع السوفيتي

وبعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي وتقرير نيكيتا خروشوفوادانته لعبادة الفرد والمجازر التي حصدت أرواح ملايين الروس والسوفيت بضمنهم قادة كبار في الحزب والدولة، وآلاف العلماء والأدباء والفنانين، وإعادة الإعتبار لضحايا الستالينية .

كان الروائي الكسندر فادييف ولسنوات طويلة على رأس إتحاد الكتّاب، وكان مؤمنا بالأشتراكية،وشديد الأخلاص للحزب ولستالين شخصيا، ويؤمن بأن كل ما يفعله ستالين هو لخدمة المستقبل الإشتراكي للبلاد . وبعد المؤتمر العشرين للحزب في عام 1956، حين اتضح له الحقائق المروعة عن جرائم ستالين، لم يتحمل الضغط النفسي الشديد. وبات دائم القلق، معذب الضمير . ويتمنى أن يموت اليوم قبل الغد، فأطلق الرصاص على نفسه ليرتاح كما جاء في الرسالة الموجهة الى اللجنة المركزية للحزب، والتي كتبها قبيل إنتحاره

لجأ النظام السوفيتي منذ تولي ستالين مقاليد الأمور الى سياسة الترهيب والترغيب في التعامل مع الكتّاب، ففي الوقت الذي كان فيه الكتّاب الأحرارعرضة للأعتقال أو الإعدام أو النفي، ومنع تداول أعمالهم، وشطب أسمائهم وأي إشارة اليهم أينما وردت، في ظل حكم ستالين، لجأ النظام السوفيتي في عهدي خروشوف وبريجنيف الى اسقاط الجنسية السوفيتية عنهم وطردهم من البلاد أو ادخالهم الى المصحات النفسية والعقلية، كان الكتّاب المنصاعين للتوجيهات الحزبية يتم تكريمهم ماديا ومعنويا بمنحهم الجوائز الأدبية والأوسمة التقديرية والشقق السكنية ومنازل في الضواحي كمكاتب لهم بعيداً عن ضجيح المدينة. والأهم من ذلك انهم كانوا يحسبون على الطبقة الحاكمة المسماة " نومنكلاتورا " بإمتيازاتها الكثيرة في السكن الفاخر والمعالجة الطبية المتميزة، وابتياع ما يحتاجونه من سلع في متاجر خاصة، وتشر مؤلفاتهم بمئات آلاف النسخ ومنحهم مكافئات نقدية سخية للغاية، توفر لهم حياة رغدة، بعيدا عن شقاء ملايين الكادحين الذين كانوا يعيشون في منازل جماعية طويلة اشبه بعربات القطار مكتظة بالسكان حيث تخصص غرفة واحدة لكل عائلة، ويضطرون يوميا للوقوف في طوابيرطويلة من اجل الحصول على أبسط السلع والخدمات .

الكتاب والشعراء الروس في فترة " ذوبان الجليد "

خفت موجة قمع الكتّاب المغضوب عليهم في فترة "ذوبان الجليد" أي عهد نيكيتا خروشوف (1955- 1964) حيث تمّ فتح نوافذ في الستار الحديدي- الذي كان يعزل المعسكر الإشتراكي عن بقية العالم - وأخذت رياح التغيير تهب على البلاد، وبدأ التبادل الثقافي مع الدول الغربية، واتباع سياسة التعايش السلمي بين النظامين الأشتراكي والرأسمالي ولم تعد المحاكمات سرية كما كانت في عهد ستالين . ومع ذلك فأن العقل الأيديولوجي الجامد،لم يكن يقبل أي خروج على نمط الأدب الذي كانت تروج له الدعاية السوفيتية . وظلت أفضل الأعمال الأدبية حتى للكتّاب المشهورين حبيسة الأدراج في مكاتبهم، بعد رفض المجلات الأدبية السميكة ودور النشر الحكومية نشرها

قضية الشاعر بوريس باسترناك، الحائز على جائزة نوبل لللآداب في عام 1958 عن روايته " دكتور زيفاكو" ما زالت طرية في أذهان جيلنا . حيث تعرض الى حملة تشهيرية واسعة، أصبح بعدها انسانا محطما، وسرعان ما اصيب بسرطان الرئة الذي لم يمهله طويلاً، وتوفي في عام 1960 .

اما الشاعر جوزيف برودسكي فقد اعتقل بتهمة نشر اعماله في الخارج، وتم احتجازه في مستشفى للأمراض العقلية .ثم حكم عليه بالسجن مع الأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات . وفي 12 أيار 1972 طردته السلطات الى خارج البلاد بعد نزع الجنسية السوفيتية عنه . وهو شاعر موهوب نال جائزة نوبل لللآداب لعام 1987، وكان عمره آنذاك 47 عاماً أي اصغر أديب حاصل على هذه الجائزة الرفيعة .

في عام 1968 حين نشر ألكساندر سولجينيتسن روايتيه "الدائرة الأولى" و"جناح السرطان" في الخارج، وصفته وسائل الإعلام السوفيتية ب(الخائن) . وعلى اثر حصوله على جائزة نوبل للآداب في عام 1870، فصل من اتحاد الكتاب السوفييت، وفي عام 1974 نزعت عن الجنسية السوفيتية وطرد الى خارج البلاد .

قال سولجينيتسن خلال لقائه بأحد الكتاب الروس الرسميين: " انتم تعاتبونني لأن كتاباتي تنشر في المجلات السرية، ويجري استنساخها . والناس يقرأونها باهتمام، وتنتقل من عائلة الى أخرى،ولكن من منكم يستطيع ان يتفاخر ان كتبه التي تطبع على حساب الدولة بآلاف النسخ، تقرأ من قبل الجمهور وتنتقل من عائلة الى أخرى ؟ لا أحد . هل تعرف لماذا ؟. أنا أقول لك : لأنكم تكتبون حسب الإيعازات من فوق، ولكن الكاتب الحقيقي لا يكتب بإيعاز من أحد، بل بإيعاز من روحه وعقله وضميره

أدب عصي على الموت

هذه الأجواء الخانقة طوال عدة عقود، كانت كافية للقضاء على الإبداع الأدبي . ولكن الأدب الروسي كان عصياً على الموت . ففي أول فرصة سانحة - حين لم يعد شبح الموت أو الزج في السجون واقفا بالمرصاد لكل من يفكر بطريقة مغايرة، لا تتوائم مع التوجهات الحزبية- لجأ الكتّاب الروس الأحرار الى تجاوز الأشراف الحكومي على الأدب وإيجاد مسارات بديلة لنشر نتاجاتهم، لا تخضع للرقابة الرسمية، ومن أهم هذه المسارات :

1- سام ايزدات، أي (النشر الذاتي)، وهي كتب ومجلات كانت تطبع بأعداد قليلة على ورق رديء ورخيص في الأقبية بعيدا عن أنظار الشرطة السرية، وأحيانا من قبل مغامرين عاملين في المطابع الحكومية،وتوزع باليد على القراء الموثوق بهم، وتنتقل النسخة الواحدة، من يد الى يد الى ان تبلى تماماً . كانت مطبوعات (سام ايزدات) تنشر النتاجات الأدبية من نثر فني وقصائد شعرية، والمذكرات الشخصية، ودراسات في الفلسفة والتأريخ، التي لا تجد طريقها للنشر العلني، وتعيد نشر النتاجات المحظورة من قبل السلطة. وكانت مطبوعات " سام ايزدات " تعكس الأدب الروسي الحقيقي، بتنوعاته الفكرية والفنية، وأساليبه الأدبية المختلفة، وتناغمه مع الأدب العالمي المعاصر، وتلقى إقبالاً عظيماً،في وقت كانت فيه أطنان من كتب الأدب المؤدلج تتكدس في متاجر الكتب والمكتبات العامة بآلاف النسخ دون أن يهتم بها أحد من القراء .

2- تام ايزدات، أي (انشر هناك) ويقصد يه تهريب مخطوطات النصوص الأدبية والفكرية لنشرها في الدول الغربية وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية . وتم عن هذا الطريق نشر نتاجات عشرات الكتّاب والشعراء، وما زال جيلنا يتذكر الحملة الإعلامية السوفيتية ضد بوريس باسترناك حين فاز بجائزة نوبل في الآداب لعام 1958،عن رواية "دكتور زيفاغو" وما أعقب ذلك الفوز من إجراءات تعسفية ضده (الفصل من إتحاد الكتّاب، التهديد بالنقي الى خارج البلاد واجباره على اخلاء مسكنه العائد للدولة في قرية الكتّاب "بيريديلكينا")، وقد اضطر باسترناك الى رفض الجائزة . وكانت هذه الحملة الظالمة سببا في تردي صحته ووفاته في عام 1960 .

وفي عام 1963، بدأت ملاحقة الشاعر جوزيف برودسكي، فاستدعي للتحقيق أكثر من مرة ووضع في مصحة عقلية مرتين. وفي عام 1964 وجهت إليه تهمة التطفل بحجة أنه لا يعمل، وحكم عليه بأقصى عقوبة، وهي العمل في منطقة نائية مدة خمس سنوات، فنفي إلى محافظة أرخانغيلسك، وبعد انتهاء مدة نفيه، تمّ حرمانه من الجنسية السوفيتية، وطرده الى خارج البلاد، حيث إستقر في مدينة نيويورك، وعمل محاضراً في جامعة مشيغان، ونال جائزة نوبل في الآداب لعام 1987، وجائزة الأكليل الذهبي الأميركية عام 1991 ..

وفي عام 1966 حكم على أندريه سينيافسكي بسبع سنوات، وعلى يولي دانيال بخمس سنوات بتهمة نشر أعمال أدبية بأسماء مستعارة في الخارج مسيئة الى سمعة البلاد وقد أثارت محاكمتهما ضجة في الغرب، وأصبحت بداية لحركة الإنشقاق في الإتحاد السوفيتي .

3- نتاجات الكتاب الروس في المهجر، التي كانت تتسرب الى داخل البلاد، وتستنسخ بأعداد كبيرة وتنتشر بسرعة فائقة . .

من المعروف ان ثمة ثلاث موجات من هجرة الكتّاب الروس الى الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، اولى هذه الموجات كانت عقب ثورة اكتوبر1917، واستمرت الى اواخر العقد الثالث، وهي أكبر الموجات، حيث شملت غالبية النخب المثقفة. والثانية كانت خلال سنوات الحرب السوفيتية – الألمانية وحتى منتصف عهد " ذوبان الجليد" (1941- 1960)، والموجة الثالثة الأخيرة كانت بين عامي (1986-1961) . وبلغت هذه الموجة ذروتها عندما سمحت السلطات السوفيتية بهجرة المواطنين اليهود الى اسرائيل . ولكن معظمهم استغلوا هذه الفرصة للهجرة الى بلدان أوروبا الغربية، والولايات المتحدة الأميركية

كانت السلطةالسوفيتية تراقب هذه المسارات الثلاثة بعين يقظة، وتتخذ اجراءات بحق الأدباء المتمردين على الرقابة الرسمية. ولم يعبأ الكتاب الأحرار بهذه الإجراءات التعسفية وواصلوا نشر كتاباتهم سرا داخل البلاد أو في الدول الغربية .

وقد تم التخفيف من الرقابة على المطبوعات، ومن ثمّ الغائها نهائياً في فترة "البريسترويكا"، ومنذ عام 1986 سمحت السلطات بنشر الأعمال الأدبية والفكرية، التي كانت محظورة طوال السبعين سنة الماضية من الحكم السوفيتي وسميت هذه الظاهرة " بالأدب المستعاد، أي نتاجات الكتّاب من ضحايا الأرهاب الستاليني، وتلك الأعمال الأدبية التي ظلت في أدراج مكاتب الكتاب البارزين، ولم يغامروا بتقديمها للنشر في الحقبة السوفيتية،، وكذلك أعمال الأدباء الروس في المهجر . وقد اتسعت هذه الظاهرة لتشمل نشرالوثائق الرسمية ذات العلاقة بالكتّاب المضطهدين والكثير من خفايا الحكم السوفيتي .

وبعد تفكك الإتحاد السوفيتي الى جمهوريات مستقلة، تمّ في الإتحاد الروسي، حل كافة دور النشر الحكومية وتأسيس دور النشر الخاصة، التي حولت الكتاب الأدبي الى سلعة في السوق، كما هو الحال اليوم في معظم بلدان العالم

 

د. جودت هوشيار

...................

يذكر أن كتاب: مأساة الكتّاب الروس للدكتور جودت هوشيار قد صدر حتوا عن دار الزمان في دمشق .

المحتويات

أدب عصي على الموت

مكسيم غوركي ... نهاية مأساوية لكاتب عظيم

آخر كلمات إسحاق بابل : دعوني اكمل عملي

الطريق إلى الموت والخلود: قصيدة ماندلشتام التهكمية بستالين

زوشينكو .. الساخر الحزين

حياة ايرنبورغ الصاخبة بين باريس وموسكو

في حضرة ناظم جكمت

الكاتب الذي ركعت مارلين ديتريتش لتحيّته

يفغيني يفتوشينكو: الشاعر في روسيا أكثر من شاعر

فاسيلي أكسيونوف : الرائد المؤسس للأدب الروسي المعاصر

الجيل الضائع في الأدب الروسي الحديث

مفارقات المشهد الأدبي الراهن في روسيا

هل مات الأدب الروسي ؟

عندما لا تقود المعاناة الى الحرية

التوظيف السياسي للأدب في روسيا

يوم في ضيافة تشيخوف

 

1005 تحرير الاسلامعنوان كتاب لفهمي جدعان يحاول فيه نقد فهم الإسلام عند المفكرين على اختلاف توجهاتهم بما فيهم أصحاب المشاريع الفكرية ليطرح رؤيته هو..

تحرير الإسلام من هيمنة القراءات أحادية التأويل والتفسير والعمل على تحرير الإسلام كي يعود لثابته بكونه دين جاء به نبي الإسلام (ص) لتحرير الناس من الوثنية والتقديس المجاني، فلا مقدس سوى الله والوحي، وغير ذلك إنما هي (جاهلية) ورثها العرب والمسلمون بتاثير البنى القرابية والقبلية التي كانت سائدة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، ولم يدعو لها النبي (ص)، بل فصل بين قوله الموحى إليه رسالياً وقوله بوصفه بشر (ما أنا إلّا بشر مثلكم)، وهذا النص فيه ترجيح ودعوة للتمييز بين حياة محمد (ص) كنبي وحياته كبشر!!.

يبني جدعان رؤيته وفهمه للإسلام على وفق مقولة ابن قيم الجوزية:"المقصود الشرعي للإسلام إقامة المصلحة ودرء المفسدة"، وبما أن الإسلام جاء ليكون دين العدل، فهو لا يتعارض مع أي نزوع عند جماعة ما يعمل أهلها بالعدل، لذا فكل دولة تتوخى العدل في سياستها مع أبناء المجتمع إنما هي دولة مقبولة بحسب القيم العُليا التي دعى لها الإسلام، اتساقاً مع "مقاصد الشريعة".

يُقسم جدعان العدل على عدة أصناف:

ـ العدل الكلامي: أي العدل المتعلق بأفعال الله وأنها لاعادلة لا ظُلم فيها، والعدل المُتعلق بأفعال الإنسان وأنها حُرَة على مذهب المعتزلة والقدرية ـ مُكتسبة على مذهب الأشاعرة، مُقيدة على مذهب الجبرية.

ـ العدل الفلسفي الأخلاقي: وهو جماع فضائل النفس عند الفلاسفة، الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدل.

ـ العدل الشرعي: الذي يتقوَم بمبادئ الحلال والحرام، ووتحقيق مكارم الأخلاق وفق قول النبي (ص) "إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق".

ـ العدل السياسي والاجتماعي، أو ما سُميَ في التراث بـ "السياسة الشرعية"، وهي تُعنى باصلاح العلاقات بين الراعي والرعية، وبتحقيق المصلحة العامة وتطبيق "مقاصد الشريعة".

وهنا لا يسعى فهمي جدعان للسير وفق مقولات السلفيين والاصلاحيين الذين يعملون على احياء التراث "الماضي في الحاضر"، وهو لا يعمل على توجيه بوصلة الفكر باتجاه (استلهام التراث)، بمعنى الافادة من القيم الإنسانية والدينية في التراث بما يجعلها في خدمة الحاضر ، وإن كان في هذا الفعل ما يخدمنا نحن المسلمين الذين نهيم عشقاً بالتراث.

في الآن ذاته ينتقد جدعان الكثير من مشاريع (إعادة قراءة التراث) عند زكي نجيب محمود، وتيزيني، والجابري، لذا نجده يكشف عن مجموعة وظائف للتراث أهمها:

ـ الوظيفة النفسية: فالتراث هو تراث أمة وهو يخدم المجتمع والأمة في توظيف الإرث الحضاري فيه ليكون مصداً وسنداً معنوياً ونفسياً لإرادتها المهزومة أو المغلوبة.

ـ وظيفة جمالية: لأن التراث العربي والإسلامي يصح وصفه أنه تراث جمالي، لأنه تراث أدب، وشعر، وفلسفة، وفن.

ـ وظيفة عملية: ففي التراث علوم وأعمال كانت خط سير للغرب كي يُعيد الوعي والتفكير في التنوير، ولا تخلو علوم اللغة والفقه والكلام من فائدة عملية اليوم وغداً.

يُبيَن لنا جدعان أن هُناك "مبدأ أساسياً مُشتركاً بين ما هو "مقاصدي" (إسلامي) وبين ما هو "علماني" مُتصلَب، هو مبدأ رعاية المصلحة، ليكشف لنا عن إمكانية الوصول لما أسماه "الاعتراف المُتبادل" بين حدَي المصطلح الذي يجترحه "علمانية إسلامية"، وهو مفهوم يجد له مسوغاته في الحدود التالية:

ـ اشتراك الفكرين في الدفاع عن العقل، فالعقل أساس المقاصد الشرعية، والعقل أداة المعرفة الأمثل عند العلمانيين.

ـ بناء الشرع على المصلحة وبناء النظام الاجتماعي في العلمانية عليها.

ـ في (الحيادية العلمانية) مقبولية للنزعة الدينية في حدود العقل، وهو أمر يقبله الدين وأصحابه المُعتدلين.

يقصد جدعان بـ "علمانية الحياد" أنها "علمانية مرنة" بعبارة (عادل ضاهر) في كتابه "الأسس الفلسفية للعلمانية"، وهي علمانية "إنسانية" غاية أصحابها تحقيق العدل والحرية والمساواة والالكرامة والحكم التمثيلي وطلب الخير العام، لذا يكون التأسيس وفق ما أسماه جدعان منطق "العقل المصلحي" قد نقترب من مقبولية مفهوم "العلمانية الإسلامية"، أو "الدين العلماني" بعبارة عبدالكريم سروش.

وفق رؤيته هذه يجترح جدعان مفهوم (ابداع التراث)، أي القول بـ "أن التراث دائم التشكل وإن جوهره في حراك مُستمر، أي أنه خاضع لعملية ابداع دائمة"، ليصل للقول أن "الحقيقة النهائية هي أنه لا شيء مُقدس في التراث (خارج الوحي)، لأن التراث قد ارتدَ إلى حدوده الطبيعية، أي إلى حدوده الإنسانية الخالصة".

 

ا. د. علي المرهج

 

محمد السعدي

كتاب: الهويدر قرية الالف لقب والالف شهيد         

مؤلف الكتاب هو الاستاذ حسين، كان يعمل مدرساً قبل أن أترك القرية وألتحق مع الثوار في الجبل العام ١٩٨٣، وكان محسوب على قوى اليسار وقريب جداً من الشيوعيين، وأيضا أخيه (سيد زيد) صاحب محل حدادة الوحيد في قرية الهويدر . عرفت لاحقاً أن السيد حسين علي مؤلف الكتاب ومن خلال تواصلي الدائم مع أبناء قريتي أصدقاء ورفاق وأهل والسؤال الدائم عنهم، أن السيد حسين ترك القرية منذ زمن وحط الرحال في العاصمة بغداد وأتخذ زاوية له في شارع المتنبي للعمل في مجال الثقافة والنشر والكتاب .

الكتاب أهدانياه رفيقي وصديقي خالد حسين سلطان / الشكر مع تمنياتي له بالعمر والراحة .

في البدء شدني عنوان الكتاب وبأستغراب (الهويدر قرية الالف لقب والالف شهيد) . في أهتماماتي المتواصلة حول القرية وأهاليها أعرف جيداً هناك تسميات مختلفة حول أسم القرية وقيامها، لكنها لم تتعدى العشرة ألقاب. أذن ماذا أراد السيد حسين من هذا العنوان؟. لهدف تسويقي من أجل الرغبة على شراء الكتاب أو هناك فعلاً تحوي تلك القرية على عدد تلك الالقاب، والتي لم أجدها على صفحات الكتاب .

القب الثاني والالف شهيد. القرية ومنذ مطلع الثمانينيات قدمت تضحيات كبيرة . بدءاً من الحرب العابثة بمصير البشر وسبقتها حملة البعث على الشيوعيين وقوى الاسلام وختمتها باحتلال العراق والحرب الطائفية، كان نصيب أهالي القرية كبيراً منها. أتصلت بصديقي العزيز الاستاذ عبد الكريم جعفر بأعتباره مؤرخاً ومتابعاً لاحوال القرية وتاريخها وأحد وجوهها البارزين عن عدد شهداء القرية (أن عدد شهداء القرية قد وصل الى ٦٠٠ شهيد) . ومن خلال قراءتي للكتاب والاطلاع على دفتيه . شدني الحنين الى تاريخ القرية وأهلها، حيث تمكن المؤلف في صفحات الكتاب البالغ عددها ٢٣٩ من القطع الكبير أن ينقلني الى تاريخ وشخصيات واحداث القرية بأسلوب أنسيابي ممتع من خلال الوقائع التي مرت على القرية الطبيعية والسياسية والاجتماعية منذ نشأتها الاولى عندما ألتف حولها نهر ديالى ليكون منها جزيرة وسط المياه ومحاطة ب (١٥٠) بستاناً كما جاء في صفحات الكتاب واسماء تلك البساتين وأصلها (مال دبي، الشكاكة، أم الدباديب)، المعلومات التي وردت في الكتاب نكأت جروحي القديمة حول القرية وأهلها في مشهد تراجيدي مؤلم بالنسبة لي، أعادني الى سنوات الطفولة ومعاقل الصبا ورائحة القداح وطلع النخيل .

وفي أحدى تلك الصور على دفتيه الكتاب شخصيات وأماكن وديوخانات ومواقع وطاكات . وذكر في ص ٣٧ من الكتاب (طاك بيت علي الشوربة والد كل من حسين والمقدم المناضل خزعل ورئيس العرفاء طالب (أبو سعد) كان موقعه في نهاية محلة الفضوة) , وهؤلاء هم خوالي أولاد جدي من أمي علي الشوربة، وأيضا في واحدة من صور الكتاب كنت ظاهراً بها أي في فترة بدايات نضوجي السياسي وتلمسي طريقه الوعر بصحبة رفاق وأهل وأحبه بعضهم رحل الى السماء، تلك الصور أعادتني الى ذلك الزمن الجميل وأثارت عندي شجون الشوق الى أمي وأبي الراحلين في زمن صعب من تاريخ العراق ولم أودعهما في رحلتهم الابدية . واحدة من ميزات هذا الكتاب في سلاسة تبويبه السهل حول تكوينات القرية وطبيعتها وأهلها وتاريخها وتقاليدها . ينقل الكاتب بأسوب سلس وبسيط في تطور دراماتيكي عن تكوين القرية وتطور الحياة بها من خلال لوحة واضحة وتاريخية عن أهم العوائل والعشائر التي سكنت القرية، ولم يترك حتى الذين تركوا القرية وعاشوا في العاصمة ومدن أخرى في المرور على حياتهم العملية وعلاقتهم بأهالي القرية لينقل حقيقة النسيج الاجتماعي المتواصل بين أهالي القرية رغم كل الظروف الصعبة التي واجهتهم في تطورات الحياة .

يصنف السيد حسين في كتابه مهن الناس في القرية أي عدد الاطباء، المهندسون، البقالون، العطارون، الشعراء، الضباط، الوزراء، مالكي المقاهي (القهوجية)، مالكي البساتين، القصابون، صانعو السلال، صانعو الريلات (العربنجية)، المختارون، حراس الليل (الجرخجية)، الشرطة، المحامون، نواب الشرطة، أطباء بيطرون، حكاويون، سائقو السيارات، الباعة المتجولون، منتجو القشطه (القيمر)، أصحاب المقاهي وعمالها , ملوك الفكاهة (النكتة)، الباعة المتجولون، جوامع القرية (سدنتها ومؤذنوها)، الملالي وقارئي القرآن، مراسيم عاشوراء، شرايع المياه ومعابرها، محلات القرية ومالكيها، الانهار المتفرعة من نهر الهويدر، الرياضيون في القرية، الخياطون، الحلاقون، القصابون، بائعي التبغ، ناقروا الطبول، بائعو المعجنات، المختارون، المدرسون، النجارون، الخ . فات عن ذهن المؤلف شريحة مهمة في الهويدر (المطيرجية) لهم طقوسهم الخاصة وأماكن محددة في تجمعهم اليومي أتخذوا زاوية مهمة في مقهى المرحوم (دردي) للقائهم اليومي حول برج الطيور، فهم جزء من ذاكرة القرية .

تعرضت القرية الى كوارث طبيعية والى أمراض فتاكة (الطاعون)، لكنها بقيت محافظة على طابعها العام ونسيج العلاقات القروية . ولم تكن في منأ عن أحتلالات البلد من عثمانيون وبريطانيون، وقد حاول البريطانيون في أحتلالهم للعراق الدخول لها لكنهم تلقوا مقاومة بطلة من أهالي القرية منعوههم من تدنيس أرضها الخصبة وقدموا شهيدين على مذبح الحرية . تعرضت في فترة الاحتلال الامريكي للعراق ما بعد ٢٠٠٣ الى هجمات وقصف مدفعي وثلاثة سيارات مفخخة ما بين منطقة السوق والحمام أودت بحياة عدد كبير من أهالي القرية ضمن سياقات الحرب الطائقية التي أذكاه الحاكم الامريكي (بول بريمر) لتحطيم نسيج المجتمع العراقي .

راح عن بال مؤلف الكتاب في كتابه دور الاحزاب في القرية ووجوهها البارزين وفي مقدمتهم الشيوعيين (محمد الدفاعي، طارق الطيار، الشهيد جاسم كساره) الخ، كانوا قوة غزيرة ومؤثرة ومهمة . والبعثيين الاوائل في القرية ورجالات القوى الاسلامية .

زارها ملوك وسياسين ملك فيصل الاول وقد فرش له السجاد الاحمر ونثرت حوله الورود، وزارتها المندوبة البريطانية (ألمسز بيل)، وتغنى بها وبجوئها وبفرتقالها وبحسنها شعراء ومغنيين .

يقول الشاعر القروي رشيد سليم الخوري في وصف قريته والتغني بها :

على جانبيها يسجد الحسن والسحر

                     وفوق رباها غرد الطير والشعر

وفي صبحها الضاحي يسامرني السهى

                   وفي ليلها الداجي ينادمني البدر

في ربيع العام ١٩٣٢ زار الموسيقار العربي الراحل محمد عبد الوهاب القرية وغنى على أثرها أغنية البرتقال وفي مطلعها : يللي زرعتوا البرتقال  آن الآوان يلله أجمعوه ؛

 

محمد السعدي

مالمو / تموز ٢٠١٩ .

 

جمعة عبد اللهللاستاذ عبدالرضا علي

قيثارة أورفيوس التي تصنع المعجزات في عزفها السحري والخلاب. حسب الميثولوجية (الاسطورة) الاغريقية. بأن (أورفيوس) الشاعر والموسيقي، أبن (ابولون) آلهة الموسيقى. وقد اهداه هذه القيثارة الساحرة، لتعزف على السائد والمختلف. كما اراد استاذ النقد الكبير (عبدالرضا علي) ان يعزف بقلمه السحري في السائد والمختلف في الشعر العراقي في كتابه النقدي، في الدراسات التحليلية والقراءات النقدية في النقد الرصين، في مجهر، التنظير والتطبيق، في تناول حقبة طويلة من تاريخ العراق الشعري والسياسي، في منهجية اسلوبية تجمع بين الاكاديمية والحداثة، في النقد الادبي الحديث. وهذا الكتاب النقدي، يعتبر جزء من المشروع الثقافي والشعري والنقدي، الذي دأب الاستاذ الكبير على ترسيخه وتعميقه في حركة النقدية الحديثة، في التناول بعمق الدراسة والتحليل والتشخيص والتفسير، في النظرة الشمولية في صياغات النقد واسلوب الطرح والمناقشة والتحليل الرصين في التمعن بعمق بالسائد والمختلف في الحركة الشعرية. في استنتاج خلاصات مهمة وموضوعية في البحث الجاد، من اجل الوصول الى الحقيقة وكشفها في منهجية الدراسات والقراءات النقدية. لذلك يحرث في اسلوبيته المنهجية من خلال اختيار قصائد شعرية المختارة، ووضعها تحت مجهر التنظير والتطبيق. (ان هذه القراءات النقدية التي احتفت بالسائد الرصين، وأشادت بما حققه من خلاصات، احتفت في الوقت نفسه بالنص المدهش المخالف الذي ناقش السائد الراكد، وخالفه، فضلاً على أنها قد دعت (ضمنياً) الى تجاوز حالات التقليد الفج، والاشتغال (والانشغال أيضاً) بالوجع الانساني الذي لا يتردد في يتعاطى مع الاسئلة الملحة، فالشعر رؤيا، وليس من شروط على فاعليته، والقراءة في السائد والمحتلف ستحفز العيون المغمضة (كما نزعم) على فتح الاجفان) ص8.. لذا نستطيع استخلاص خلاصات مهمة في نتائج السائد والمختلف في الحركة الشعرية في العراق، والمبادرات الحثيثة والمثابرة، في تطوير مقتنيات وتقنيات الشعر نحو الحداثة، في رؤية ابداعية حديثة،ان يكون الشعر يستجيب لحاجات ومتطلبات الواقع، في علاقة وثيقة لا منفصلة بينهما. وهنا يأتي دور النقد الموضوعي الهادف، الى تعمق الرؤيا ورؤى الشعر بالواقع ومتطلبته الملحة. لذلك جائت هذه الدراسات والقراءات التي حرثت في هذا الاتجاه، في ابراز ملامح وصور الشعر وحركته المتطورة،في تعاطي الصياغات بأشكالهما المتعددة والمتنوعة. في حثيثات الكتاب النقدي، يتناول بعمق، مراحل الشعر العراقي وارتباطه بالواقع وبالوجع الانساني، في تنوع الاغراض والاهداف القصدية المقصودة. لقد قسم الكتاب الى قسمين. القسم الاول اهتم بالدراسات والبحث العلمي والادبي، في التحليل في التنظير والتطبيق، وقد اشتمل على العديد من الموضوعات المهمة والحيوية، في مميزات القصائد الشعرية واغراضها المتعددة.

القسم الاول الذي اشتمل على الدراسات ومنها :

1 - عن الشعر في العراق في القرن العشرين / لمحة نقدية موجزة.

2 - الغموض والابهام في الشعر. ومفاهيم اللبس والالتباس فيهما

3 - الخيال الشعبي في الميثولوجيا العربية.

4 - حركة نقد الشعر في الموصل منطلقاتها واتجاهاتها / منذ نشأتها حتى العام 1992 م.

القسم الثاني القراءات:

أشتمل على العديد من القراءات التحليلية النقدية، لبعض قصائد ودواوين، للشعراء الذين ظهروا في الساحة الشعرية والثقافية بشكل بارز ومرموق، وتميزوا في الابداع الشعري المتألق، وامتلكوا سمات خاصة في منهجية اسلوبهم الشعري المتطور، في الصياغة، وكذلك في الرؤيا التعبيرية، منهم على سبيل المثال :

1 - شاعر الاشجار القدير الاستاذ سعد ياسين يوسف. في قراءة نقدية لديوانه الشعري. الاشجار لا تغادر أعشاشها.

2 - الشاعر الكبير يحيى السماوي في قصيدته (شجن من حجر)

3 - الشاعر الكبير الراحل صباح الانصاري (مصطفى المهاجر) قراءة نقدية لديوانه الشعري (بعد فوان ألأوان).

4 - تحليل نقدي لنص مختلف لقصيدة الشاعر القدير جواد الحطاب. قصيدة (منْ يأبه ؟!)

واود ان اعبر عن سعادتي بأن وجهة نظري النقدية تتطابق مع وجهة نظر استاذنا الكبير (عبدالرضا علي) في تحليله النقدي، لقصيدة الشاعر الكبير يحيى السماوي، في قصيدته (شجن من حجر) فقد جاء في تحليل استاذنا الجليل حول القصيدة (هذه واحدة من قصائد الاعالي في منجز القصيدة المدورة، وعلى من يرغب في التأكد من رأينا هذا ان يتمعن في صياغتها في البنية والموضوع، أو النسيج وفلسة النص) ص171. وجاء في تعليقي على القصيدة المذكورة، التي نشرت في صحيفة المثقف الغراء بتاريخ 24 - 7 - 2017، ما يلي (بأن القصيدة أمتلكت روحية التجديد بأرقى أشكاله واجناسه، في الصياغة والتكوين، وبراعة تطوير الصور الشعرية في براعتها في الشكل والمضمون والتجديد، الذي يحمل جمالية الابداع في التحديث الشعري، في شكل بارز في هذه القصيدة، التي اعتمدت على جاذبية أو مغناطيسية التدوير).

 

- الكتاب: قيثارة أورفيوس / قراءات في السائد والمختلف.

- المؤلف: د. عبدالرضا علي

- الطباعة: شركة العارف ش. م. م. للنشر والتوزيع

- الطبعة الاولى: عام 217

- عدد الصفحات: 224 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

 

سعدي عبدالكريمإمتياز أدبي في كتابة السّيرة الذّاتيّة

تُعدُ موضوعة كتابة (السّيرة الذاتيّة) أو (المُذكرات) من الأجناس الأدبية السّردية الصعبة التي يُمكن معها تسجيل جلّ الأحداث في حياة الانموذخ المُستهدف، وهي جنس أدبي عُرف بمرحلة متقدمة من تاريخ الأدب، فهو فن التدوين التراتبي التوثيقي (الزمكاني) التاريخي لمراحل حياة المُبدعين في شتى مخاصب الاشتغالات المعرفية.

وترتكز كتابة (المذكرات) او السيرة الذاتية على مجمل المعاني المنتصرة للأنموذج المُستهدف لتوافر العديد من المرتكزات التي تأتي في مقدمتها تأثر المُدوّن بالأنموذج، او لعلاقته المعرفية، والإنسانية الوطيدة به، او لأنه معكتف على دراسة حياته وصولا لتحقيق شغفه البيلوغرافي، واثبات قدراته الفاعلة والمتفاعلة مع ديمومة ملاحقة اللحظات المأساوية، والمضيئة التي تُسجل لصالح حالتيّ (المتعة + المنفعة) للمتلقي عبر ذلك الجنس الأدبي المرموق، او ربما يكون تلميذا نجيبا لذلك الانموذج الذي يتسامى في مخيلته الابداعية ليتمكن من الحفر في ذكريات حياته الغير معلنه، وهو شغف حقيقي يثير الانتباه، والدهشة، والتحفيز لما تحمله تلك المذكرات من ألغاز، ومخبوءات، وخفايا، وأسرار في حياة الأنموذج وتبقى المُحفزات، والحيّزات الفاعلة في هذا الأدب المائز تتكئ على جملة من المعاير الرصينة ومنها:-

1- الإلمام التام بمراحل حياة الأنموذج من خلال القراءة عنه، او اللقاءات الشخصيه معه، او مع المحيطين به من الأقربين بالإضافة الى القراءة الجديّة لمنتجه الابداعي.

2- تَحرَّي دقَّة المعلومات في النقل.

3- نقل الاحداث بعناية المؤرخ باعتبارها الركيزة المهمة في اثبات مصداقية الكاتب في البحث عن الحقيقة في حياة الانموذج.

4- التماهي مع فترات حياته ليتكمن من رصد الوقفات الغير مُعلن عنها وتقديمها لا باعتبارها أسرار ولكن باعتبارها من الحقائق التي اراد لها الانموذج الظهور الى العلن.

5- الاتكاء على اللغة القريبة في تدفقاتها من لغة القصّ.

6- الحرص الشديد على اقتران السَّرد بالواقعية، والابتعاد عن ما هو خيالي محصور في ذهن الكاتب.

7- الالتزام بقاعدة نقل المعلومة بأمانة ليس فيها شيء من اللَّبس، او تحريف، او تضخيم الحدث لصالح الانموذج او الكاتب.

8- اعطاء الانموذج حقه بالكامل في التذكير بمنتجه الابداعي.

9-  ملاحقة المعلومة اينما وجدت لتحقيق هدف الاحاطة بحياة الانموذج.

10- الافادة القصوى من ملازمات التحقيق المثالي في ربط المنتج الابداعي بـ(زمكانية) الحدث. 

992 مرافئ الذاكرة

وعلى ضوء ما تقدم من الافصاح عن المعايير في كتابة السّير الذاتية بقدر تعلقها بالحصر التوثيقي، بيد ان الحاجة تقتضي هنا الى بيان الفضل لكاتب هذه (المرافئ السماوية) التي جاءت حافلة بالميزات التدوينية العالية في ادب كتابة السّيراو (المذكرات)، ويمكن ليَّ ان اعدها من اجمل ما قرأت عن حياة الشاعر (يحيى السماوي) رغم ان الرابطة التي تربطني به هي رابطة من طراز التوأمة الرُّوحيّة، وعلاقة اعتقد بأنها ذات شأن سبعيني خلاق، وهو الأخ الاكثر قربا للنفس، والصديق الابهى توأمة للروح، ولكني برغم معرفتي المسبقة بمفردات حياة (السماوي) الأدبية، والفكرية، والسياسية، والحياتية بشكل عام، لكني حينما دلفت الى صومعة (لطيف عبد سالم) الذاكراتية، وجدتني لا اعرف شيئا البتة إلا اليسير، لأنه ادخلني في عالمه السّري السّحري الزاخر بالأحداث، والمفاجآت، ومفاتن التشويق، والثيمات الرئيسة المُتراصّة، والثيمات المحاذية حتى اكبرت فيه هذا الجهد التدويني المهيب.  

وعلى ضوء تتبعنا، وإطلاعنا على العديد من كتب السّير الذاتية  لكبار الادباء نجد ان من الضروري ان يتمكن كاتب السيرة من ادواته الفنية السردية، وتقنيته الاحترافية، والالتصاق المباشر مع الانماط الانموذجية لهذا الأدب ويتصدى عادة لهذا النوع او الفن الادبي كتاب الرواية او كتاب القصة، بمعنى اصحاب الرؤى السَّردية العالية من اجل الاحاطة الكاملة بمشروعية التنامي القصيّ، وتفاعل اشتراطات التساوق الحثّي للاحداث، وتوافر عنصر التشويق، وملاحق المفاجأة، ليبتعد قدر الامكان عن حدوث حالة من الملل عند المتلقي، والشعور بالضجر في تتابع ادوار حياة الانموذج، وقد احتاجت منذ القدم الى حاضرتنا الآنية امثال هذه الانموذجات في فن الكتابة الادبية الى جهود مضنية، ووقت كبير، وتوزيع استقرائي فخم، لكي تحتوى هذا الكم الهائل من الاحداث، والمراحل التي مرّ بها الانموذج المكتوب عنه، وذلك  التناقل العسير للوصول الى ارقى صورة مثالية حقيقية عميقة يخرج بها الكاتب لهذه السّير،  وعلى هذا الطراز فقد كُتبت السّيْر الذاتية عبر تسجيل مراحلها التاريخية بثلاث أنماط من التدوين:-

النمط الأول/ تكتب السيرة بأقلام أصحابها في حياتهم،

النمط الثاني/ تكتب السيرة بإملاء من أصحابها بتكليف كتاب آخرين يقومون بتدوينها في حياتهم،

النمط الثالث/ تكتب السيرة بقلم كتاب شغوفين بحياة الانموذج المبدع، لتدوين سيرته الذاتية بعد وفاته بأزمنة قريبة، او بعيدة، وهذه الكتابة برأينا هي اشق وأصعب نمط من انماط كتابة السّير الذاتية، لأنها تحتاج الى جهود مضاعفة في القراءة، والاستقراء، والتحقيق، والاستقصاء، والمراجعة، لإثبات الحقائق بغياب الانموذج.

بعد شوط من تعب السفر المُحبب من بغداد الى الكوفة ارسل ليَّ الاستاذ الاديب (لطيف عبد سالم) مُتفضلاً كتابه (مرافئ في حياة يحيى السماوي) الذي أبدع في نحت تنقلاته السّردية الممتعة، والتقاط صوره الحياتية المؤثرة، والكتابة بأسلوب رقيق وسلس، أمتاز بشفافية المُحبّ لسبر اغوار حياة الشاعر العراقي النبيل (يحيى السماوي) محاولاً الامساك بتراتبية  الأحداث عبر المراحل المتعاقبة التي مرّ بها المُستهدف الانموذج عبر رحلة حياة طويلة مضنية، وحافلة بالمأساة، والضّيم، والظلم، والحُبّ، وتمكن الكاتب من الوقوف في محطات غنية في مخاصبها الشعريّة والفكرية والإنسانية في حياة الانموذج مما جعلنا نقرأ بشغف بالغ، وبحضور ذهني فاعل في جسد الأحداث، وبإتقاد نافذ من خلال تزايد وتيرة الحصول على المعرفة من خلال المعلومة والوصول الى أعلى قيّمة من قيّم الاستجابة المُثلى لما ستؤول إليه الأحداث المتلاحقة في حياة (السماوي) ومنظومة تعاقب احداث حياته، ليأخذنا (لطيف عبد سالم) حيث البدايات الأولى وهو يستعرض في الفصل الأول من كتابه تاريخ مدينة السماوة منذ نشأتها السرمدية الاولى ابان العصر السومري وكأنه يذكرنا بحقيقة تاريخية دامغة، بأن الإنسان العراقي في حضارته الاولى هو الذي علم البشرية، كيف يُكوّر الحرف، ثم يدلف الى مكامن حياة المجتمع فيها، ويروي حكايات كثيرة نقلا عن ادباء ومثقفي هذه المدينة الساحرة عن الانموذج المستهدف في كتابه.

ولعل ما يميز كتاب (المرافئ) هو التفتيش عمّا يجول في ذاكرة الانموذج وكأنه يقتنص الصورة التاريخية من مخيلة (السماوي) في فصول الكاتب المتعاقبة ليُدوّن تلك الصورة بعناية المتمكن من حرفته عبر قلمه الساحر، ويأتي كلّ هذا عبر ذلك الجهد الكبير المضني الذي بذله الكاتب في استنهاض فعالية تقصي الحقائق، والميول الى تحقيق اكبر قسط من المصداقية الموثقة بالدلائل، وذلك التعب الفكري المرهق في ترتيب تلك الاوراق الموزعة على حقبات حياة (السماوي) بل والأصعب من هذا وذاك تتبع الآثار الزمكانية، والإبداعية للأنموذج ومديات تطابق النصّ الشعريّ الذي تم اخياره بعناية فائقة من قبل الكاتب مع سير الاحداث التاريخية، والسياسية، والفكرية، والانسانية، وبالتالي فهو جهد أدبي من الطراز الرفيع، وبغض النظر عن العناويين، فيمكن لنا ان نطلق عليه موسوم (السيرة الذاتية الساحرة) لأنها امتازت بذلك السّرد المتقن فنياً، وأبقانا ونحن شغوفون في تتبع ما دونه من سحر ذاكراتيّ متفرد، لقد امتاز الكتاب بنكهة مزدحمة بالأحداث وتقلباتها، وذلك التوافق، والتمازج الفاتن بين لغة السارد الواقعية الغير محملة بالزخارف اللفظية، والمحسنات اللغوية، والحشو الغير مستظرف في أدب السّرد المستظرف، فالحقائق الحياتية لا تقبل الحِياد عنها، لأن التاريخ كحقيقة ثابتة غير قابلة للتزيف، او المماراة، والمراءاة، أو المجازي في حيّزات السَّرد الخارجة عن الافعال الواقعية، وهذه التماثلات العاقلة التي يختارها الكاتب للولوج الى العالم السحري لفك شفرات هذه السيرة الملغمة بالتعقيدات، والمشفرة بالألغاز، والمحيرة في استقراء نواحيها المختلفة، ومشاربها الفكرية، والأدبية، والسياسية، والإنسانية.

لقد بذل الكاتب (لطيف عبد سالم) جهدا مائزا في تتبع آثار هذه السيرة الذاتية أو (المُذكرات) المثيرة للشاعر العراقي (يحيى السماوي) المُثقلة بآثار الغبطة احياناً، والمأساة في جلّ الأحايين، فهي حياة انحازت بالكلية لهموم الوطن، وتطلعات شعبه المشروعة بالحياة الكريمة، وانشغل في حيّز التراكمات الرئيسة التي مرّت به على مدى عقود حياته المُتخمة بالحرب، والحُبّ، والحزن، والرضا على حدٍّ سواء.

إن كتابة السيرة الذاتية ليست مهمة توثيقية بلوغرافية فحسب، بل هي مشروع تسجيل فترات حياة تزخر بالتدفقات الحسيّة، وتأجج المشاعر الوجدانية، ومحاولة إثبات معنى المأساة، وتدوين المذكرات باعتبارها نسق من انساق التعبيرعن حيواتنا، ونمط ممتع من انماط الكتابة، وهو فعل انساني يُذكرنا بأنفسنا في الماضي، ويذكرنا بشجاعتنا الاستثنائية التي واجهنا بها صعوبات الحياة التي مرّرنا بها، ويؤكد في اثبات ما ذهبنا اليه نحن برأينا بما قاله (فرانس كافكا):-

(في دفتر مذكراتك، تجد تلك المواقف التي مررت بها وتعتقد اليوم أنك قد لا تنجو منها لو حدثت، لكنك فعلت، بل وكتبتَ عنها، إننا نزداد حكمة بتذكر أنفسنا في الماضي، وتذكر كل ما مررنا به وواجهناه بكل شجاعة)

وهذا يؤكد بطبيعة المعنى المترتب على الفحوى الاستنباطية الى ما ذهبنا اليه بأن كتابة (المذكرات) او السيرة الذاتية عن الانموذج المبدع، تحتاج الى قدر كبير من الشجاعة في مواصلة البحث، والاستقصاء، والفضل في  في مشروعيتها عندما لا تُكتب بقلم صاحبها، بل تُكتب بقلم ممشوق مثل قلم (لطيف عبد سالم) الذي يعرف كيف يوثث فضاء مشهده (السّيروي) لأنه احترف مهنة المصاعب (الصحافة) ونجاعة محاولاته وفق ميوله الاستقصائية، والجري خلف المعلومة، وكان بالأساس يكتب القصة، ويفقه فن السّرد، ومهندس عرف كيف (يهندس) الثيمة الرئيسية، والثيمات المجاورة ويجملها بالمقطع الشعري الذي زين معمارية بنائيته السردية متزامنة مع الأحداث لذا اجد نفسي ومن وجة نظري النقدية بأن كتاب (مرافئ في ذاكرة يحيى السماوي) من اجمل ما قرأت من مذكرات في الاعوام المنصرمة، وعلى المستوى الشخصي باعتبار ان الشاعر (السماوي) تربطني به علاقة وطيدة امتدت الى قِدم الحرف، واعرف عن حياتيه الكثير، وكتبت عنه كتابيَّ النقديّ الموسوم (البثّ الحسيّ والفكري في القصائد الوامضة للشاعر يحيى السماوي) لكني عندما قرأت هذه الكتاب، اكتشفت بأنني لم اقرأ تاريخ السماوي جيدا، رغم اننا نطلق على بعضنا الكنية المُحببة ألينا (توأم الروح).

أشدُّ على يدكَ ايها الصديق الجميل، والقاص الرفيع (لطيف عبد سالم) على هذا الجهد المُنير، لأنه حقاً إمتياز ادبي في كتابة السيرة الذاتية، والذي أعده سيناريو فيلم يحتاج لمن يكتبه، ويحتاج ايضاً لعين ذات رؤية اخراجية مبصرة ليقوم بإخراج هذا العمل الى النور موثقا بشريط سينمائي، يحكي قصة هذا الشاعر النبيل، والثائر النجيب، والعراقي الصميم (يحيى السماوي). 

  

سعدي عبد الكريم/كاتب وناقد وسينارست

 

1000 انوار صوفيةأحسنت الأستاذة الفاضلة الدكتورة نبوية العشاب غاية الإحسان إذ نشرت كتابا من كتب أبيها الأستاذ العزيز المحترم عبد الصمد العشاب عنوانه "أنوار صوفية وإشراقات ربانية لعلماء وصلحاء المغرب"(1).

لقد قدمت الدكتورة نبوية العشاب – حفظها الله – بهذا العمل أنموذجا لما ينبغي أن يكون عليه البرّ بالوالد المشتغلِ بالعلم بعد أن ينتهيَ أجلُه في الحياة الدنيا، فأعدّتْ كتابه، ونسّقتْ موادَّه، وأخرجته إلى دنيا التداول والنشر ليستفيد منه الباحثون المهتمون بموضوع التصوف، فيا ليت العلماء والباحثين يُرزقون جميعا بأولاد كبنت الأستاذ الجليل سيدي عبد الصمد العشاب رحمه الله تعالى، إذن لاطمأنوا على تراثهم العلمي، ولاستفاد القراءُ والمهتمون بأعمالهم في حياتهم وبعد مماتهم.

المضامين

يضم هذا الكتاب الجديد للأستاذ العشاب مواد غنية يمكن إدراجها في ثلاثة محاور هي: التعريف بالتصوف، والترجمة لبعض أعلام المتصوفة بالمغرب، ومختارات من الكتابات الصوفية المغربية.

1- تعريف التصوف

يحتاج الناس كلما اختلط عليهم الصالح والطالح، وتكاثر من حولهم الادعاء وقلَّ الصفاء، إلى مَن يُذكرهم بالحق تذكيرا. ولما كان مجال التصوف من المجالات التي كثر فيها الأدعياء، وتضاربت فيها الأقوال جيلا بعد جيل، فقد صار من المفيد التذكيرُ حينا بعد حين بمفهوم التصوف الحق حتى يميز الناسُ بينه وبين غيره تمييزا ويُطهّروا أفهامهم تطهيرا.

لذلك عرّف المؤلف التصوف، مع كثرة ما له من تعريفات، فقال: «التصوف هو استسلام المخلوق لخالقه وإلقاءُ مقاليد أموره إليه. وأصل التصوف الانقطاع عن لهو الحياة وملاذها إلا ما أحلّ الله لعباده من الطيبات»(2)، وهو تعريف يرتكز على أمرين هما القول والعمل، الاعتقاد والسلوك، أي اليقين التام في الله تعالى وتفويض الأمر إليه، والعمل وَفقا لما شرعه الحق سبحانه ائتمارا بأمره واجتنابا لنهيه.

ويلاحظ على هذا التعريف أنه لا يُدخل في التصوف حرمانَ العبد مما أحلّه الله له من الطيبات، وهو بذلك ينظر إلى قول الله عز وجل: (قلْ مَنْ حَرّمَ زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) [الأعراف/ 30]، وهذا ما غفل عنه الذين جعل أدخلوا في التصوف حرمانَ العبد من طيبات الحياة الدنيا.

والواقع أن مفهوم التصوف شغل الباحث على امتداد صفحات كتابه، فكان عند ترجمته لبعض الأعلام يجلي تعريفاتهم للتصوف ولعدد من المفاهيم المتصلة به، ويبرز تمثُّلهم لمعنى التصوف في سلوكهم، وذلك للإسهام في مزيدِ بيانٍ لمعنى التصوف الحق حتى ترغب القلوب فيه وترغب عن سواه.

ففي ترجمته للشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني يورد فهمه للزهد قائلا: «وكان يرى أن الزهد الحقيقي هو في خروج الدنيا من قلب الإنسان لا من يده، ولذلك كان لباسه جميلا وأنيقا»(3).

ويقول في ترجمته للشيخ عبد السلام بن ريسون: «إن الذي يطالع في حياة هذا الرجل الكبير يرى أنه كان بعيدا عن دعوى الولاية كما ادعاها غيرُه، وبعيدا أيضا عن ادعاء الكرامات والرؤى، وإضفاء القداسة على شخصه، رغم أن الحوافز لادعاء ذلك كثيرة (...) ولكن ابن ريسون كان فقط تقيا محبا لله ولرسوله، وأعطاه الله القبول في قلوب الناس»(4).

ويذكر في ترجمته للشيخ أحمد زروق أنه «يلحّ في كتابه "عدة المريد الصادق" على التمييز بين التصوف الحقيقي كما هو عند أقطاب التصوف، وبين التصوف الذي يمارسه الأدعياء»(5)، وينبه على أن الشيخ زروق «يفضح بدَع المتصوفين ويردُّهم إلى طريق الحق المبين»(6).

ويستطرد في حديثه عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي  إلى بيان الفرق بين معنى خاطئ للفقير عند بعض المتصوفة وبين معناه الصحيح كما يشرحه ابن عطاء الله السكندري(7).

ثم يختم تلك الوقفات الدالة بمقالة سماها "معنى التصوف عند أصحاب الشأن"(8) ذكر فيها تعريفات للأئمة والشيوخ علي بن أبي طالب، وعلي بن موسى الرضا، وأبي الحسن الشاذلي، وأحمد زروق، وأحمد بنعجيبة، ومحمد بن التهامي كنون، وأبي مدين الغوث، وهي كلها تعريفات تقدم التصوف خاليا من الشوائب التي علقت به في مختلف العصور على نحو ما ابتغى المؤلف تقريره منذ الصفحات الأولى لكتابه.

2- تراجم لمتصوفة مغاربة

ترجم الأستاذ العشاب في هذا الكتاب لثلاثة عشر علما من أعلام التصوف والصلاح بالمغرب، وهم: أبو عمران الفاسي (ت430هـ)، والمهدي بن تومرت (ت524هـ/ 1129م)، وأبو العباس السبتي (ت601هـ/ 1204م)، وأبو الحسن الشاذلي (ت656هـ/ 1259م)، وابن الحاج الفاسي (ت737هـ/ 1336م)، وابن زغدان التونسي (ت882هـ/ 1477م)، وأحمد زروق (ت899هـ/ 1493م)،    وعيسى بن محمد البطيوي (كان حيا عام 1040هـ/ 1630م)، ومحمد البوزيدي (ت1229هـ/1814م)، ومحمد الحراق (ت1261هـ/ 1845م)، وعبد السلام بن ريسون (ت1299هـ/ 1882م)، والمختار الكنتي (من رجال القرن الثالث عشر الهجري)، ومحمد بن عبد الكبير الكتاني (ت1327هـ/ 1909م).

أفرد المؤلف كلا من هؤلاء بترجمة مستقلة تخبر عن حياته، إلا ثلاثة أعلام هم المهدي بن تومرت وأبو العباس السبتي اللذان وردت ترجمة كل منهما في ذيل نص من نصوصه الصوفية (ص20 وص23-25)، والمختار الكنتي الذي ذُكرتْ ترجمته في فقرة من دراسة تعريفية بمخطوطه "الكوكب الوقاد في ذكر فضائل المشايخ وحقائق الأوراد"(9).

يحرص ذ.العشاب حرصا ملحوظا على ذكر تاريخ وفاة كل مترجم له، إلا إذا تعذر معرفة ذلك كما في ترجمة محمد بن عيسى البطيوي إذ اكتفى بالقول إنه «من رجال القرن السابع عشر الميلادي بمنطقة الريف»(10)، وأورد قول الدكتور حسن الفكيكي عن هذا المتصوف إنه كان حيا سنة 1040هـ 1630م، وذلك لفقدان تاريخ يحدد زمن الوفاة.

ولا شك في أن الحرص على تحديد وفيات الأعلام ينطوي على رغبة في التأريخ لحركة التصوف بالمغرب عبر مختلف العصور، وتلك فائدة من الفوائد التي يخرج بها القارئ من بين صفحات الكتاب.

ويلاحظ المتأمل في "التراجم العَشابية" لأعلام الصوفية بالمغرب أن صاحبها يحرص حرصا على تضمينها بعض الأخبار والمعطيات كلما توفرت له. وأذكر فيما يلي ثلاثة أمور حفلت بها تراجم الكتاب:

- أولها: إبراز تميز المترجم له بين أهل التصوف داخل المغرب أو خارجه. ويتخذ هذا الأمر صيغا متنوعة من بينها:

أ/ سرد جملة من أخبار المترجم له وصفاته تبين علو منزلته وشرف مكانته، كقوله عن الشيخ محمد الحراق: «وتفوق على أقرانه بل وعلى بعض شيوخه، فكان بحرا زاخرا في العلم، وجبلا راسخا في المعرفة. واجتمعت عنده الإحاطة بعلوم الشريعة والأدب والتصوف، فكان في مقدمة العلماء الفقهاء ونابغة من نوابغ الأدب، ومن أكابر شيوخ التصوف ورجال التربية الروحية، وتتلمذ له كبار العلماء..»(11).

ب/ إيراد أقوال لعدد من مشاهير العلماء يشيدون فيها بالمترجم له ويذكرون مكانته. مثال ذلك ما ورد في ترجمته للشيخ عبد السلام بن ريسون من أقوال لأحمد الرهوني حيث وصفه بـأنه كان «كعبة القصاد، وكهف الرواد، وملجأ المضطرين، وحصنا حصينا للاجئين»(12) وللشيخ إدريس الفضيلي إذ وصفه بأنه «كان رحمه الله كثير الأوقاف والصدقات، فعالا للخيرات...حبَّس جميع ما ملكت يده داخل تطوان وخارجها على الضعفاء والمساكين وابن السبيل»(13) وللشيخ التهامي الوزاني الذي حَلاه بأنه «كان أعرف الناس بالحياة كما هي، إلى لطف أدق من نسيم السحر، ودماثة خلق لم تُعرف إلا للأفذاذ القلائل»(14).

ج/ تسمية جملة من تلاميذه والآخذين عنه ليُعلم قدرُه وعُلوُّ شأنه في العلم والتربية، وخير مثال لذلك قولُه عند الترجمة للشيخ أبي الحسن الشاذلي إنه «استقر بمصر ما بين القاهرة زمنا والإسكندرية زمنا. وتزوج ووُلد له أولاد وبنات. وكان يجلس للتدريس بمدرسة الكاملية فيتحلق حوله كبارُ العلماء بالقاهرة أمثال العز بن عبد السلام، وابن دقيق العيد، والحافظ المنذري، وابن الحاجب، وابن الصلاح، وابن عصفور»(15).

فهذه ثلاث صيغ اعتمدها المؤلف لتحقيق مقصد من مقاصد عمله، وهو بيان تميز رجال التصوف بالمغرب، وإظهارُ فضلهم على العالم الإسلامي، وهو ما ذكره في الصفحات الأولى لكتابه إذ قال: «ونحن لا نذكر مسيرة رجال التصوف بالمغرب فهم كثيرون جدا، ولكننا سنشير إشارات تاريخية إلى أن الإشعاع الصوفي بالمغرب تخطى حدود الوطن ليشتهر رجال منهم على مستوى المشرق العربي والعالم الإسلامي»(16).

- ثانيها: إبراز الجانب العَملي والبعد الإصلاحي في حياة المترجم له، وهذه إشارة تتكرر في كثير من تراجم الكتاب، كقوله في ترجمة المهدي بن تومرت إنه «لما عاد إلى المغرب شمّر عن ساعد الجد لنشر الوعي بوحدانية الله بين الناس»(17) ، وعن أبي العباس السبتي إن مذهبه «كان مذهبا لخدمة المجتمع»(18) ، وعن محمد بن عبد الكبير الكتاني إنه «سافر إلى الحج، والتقى بأبرز زعماء العالم الإسلامي في وقته، ثم عاد إلى المغرب في عام 1322هـ 1904م مقتنعا بفكرة الإصلاح الاجتماعي والديني»(19) ، وعن ابن الحاج الفاسي إنه ألف كتابه "المدخل" «في تربية المجتمع وبيان البدع التي اشتهرت بها بعض المجتمعات الإسلامية»(20)، وعن أحمد زروق إن «عمله في إصلاح المجتمع يتجلى في محاربة الشعوذة والتدجيل»(21)، وعن أبي الحسن الشاذلي إنه «كان يعيش مع الناس ويخوض غمار حياتهم كما يخوضونها ويستعمل منها ما أحله الشرع ويجتنب ما نهى عنه»(22).

إن هذه الإشارات ونظائرها داخل الكتاب تؤكد ما ذكره المؤلف من أن «تصوف صلحاء المغرب [اقترن] بالقول والعمل»(23)، فالمتصوفة المغاربة مصلحون اجتماعيون، وليسوا رهبانا معتزلين في الزوايا لا يعلمون من أمر الناس والحياة شيئا. بل إن بعض شيوخ التصوف المغاربة لم يكونوا يقتصرون على تربية نفوس المريدين وتخليتها من أمراضها، ولكن الواحد منهم كان يقرن ذلك «بالعمل الجليل الذي قامت عليه رباطات الجهاد المعروفة منذ أن وطئت أقدام المحتلين والغاصبين أرض المغرب»(24) ومن هؤلاء مولاي بوشتى الخمار (ت977هـ/ 1569م) الذي كانت له «طريقة ومريدون يتميزون بأنهم فرسان ورماة يركبون الخيل مثنى مثنى، بحيث يجعل كل راكب ظهره إلى ظهر صاحبه، ويخوضون المعارك بهذه الطريقة»(25).

- ثالثها: ذكر جوانب من معاناة المترجم له وما تعرض له من ضروب الكيد والمكر والحسد والظلم، فنقرأ، مثلا، في ترجمة سيدي محمد الحراق عن منافسيه الذين حسدوه «وسعوا للتخلص منه وإخلاء مجالس العلم بفاس من وجوده، فأشاروا على السلطان مولاي سليمان بانتدابه للقيام بالوظائف الشرعية بالمسجد الأعظم بتطوان (...) لإبعاده عن فاس»(26)، ونقرأ عن كمين نصبه له حساده في تطوان إذ «أوصوا امرأة كانت مشهورة بالفجور أن تترصد له بباب مقصورة مسجد العيون عند خروجه للخطبة والصلاة يوم الجمعة، وعرضت عليه مسألة شرعية تريد الجواب عنها من الشيخ، فأمرها الحراق أن تنتظره بباب المقصورة حتى تنتهي صلاة الجمعة ليعطيها جواب مسألتها، وفي هذا الوقت بالذات كان مدبرو المؤامرة قد جمعوا الناس أفواجا ليشهدوا على الفقيه شهادة الزور، وتولى قاضي تطوان ومعه قائدها جمع تلك الشهادات المزورة ووجهها القائد إلى السلطان مولاي سليمان»(27).

كما نجد في تراجم أخرى ذكرا لمحنة الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني(28)، وتحامل معاصري ابن زغدان عليه(29)، وتعرض أبي عمران الفاسي لمحنة(30)، وتعرض أبي الحسن الشاذلي لمكائد ابن البراء(31).

وأرى أن عناية المؤلف بهذا الجانب في حياة بعض المتصوفة تبتغي أمرين:

أحدهما تأكيد أن رجال التصوف بالمغرب كانوا يخوضون في قضايا الإصلاح، ولم يكونوا من الذين يلقون شؤون الناس وراءهم ظهريا، ولولا خوضهم في جوانب الإصلاح لما أُوذوا. والأمر الثاني: الإشارة إلى أن طريق الإصلاح ليس سهلا ميسورا، وأنه لا بد فيه من مكابدة ومعاناة، وتلك سنة الله في الخلق وأمرٌ مشاهَد على مر الأزمان وتوالي الصلحاء المصلحين.

3- مختارات من أدب المتصوفة

لم يرد المؤلف أن يقدم لقرائه التصوف المغربي في تراجم رجاله فحسب، ولكنه ارتأى أن يعرفهم بهذا التصوف في نصوصه أيضا، فقدم نماذج من الكتابات الصوفية للمغاربة شعرا ونثرا.

- فأما شعرا فقد اختار رائية سيدي محمد الحراق، وتائية سيدي محمد البوزيدي، وتائية سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني.

- وأما نثرا فنقف على تسبيح للمهدي بن تومرت، ودعاء ومناجاة لأبي العباس السبتي. إضافة إلى أبيات وفقرات مبثوثة في نصوص التراجم.

وقد أحسن المؤلف صنعا بجمعه بين التراجم والنصوص؛ وذلك لأننا نقرأ أحيانا – في كتب التراجم المعاصرة خاصة – عن بعض الأعلام فنجدها تسمو بهم وتُعلي قدرهم، ثم نقرأ ما كتبه أولئك الأعلام فنجدهم لا يسمون في نصوصهم سُموَّهم في التراجم، أو نقرأ أحيانا نصوصا لبعض الناس، ثم نجد بعض كتب التراجم تغمطهم حقَّهم وتعطيهم دون ما يستحقونه من تقدير.

لذلك كان جمعُ ذ.العشاب في عدد من مواد كتابه بين التراجم والنصوص مفيدا جدا؛ لأنه يمكّن القراءَ من معرفة العَلم في حياته ونصوصه، فتكتمل عندهم الصورة. كما يبين لغير العارفين أن رجال التصوف هم أهل علم وأدب وليسوا جُهالا اعتزلوا الناس وزعموا أنهم أكثر منهم ذِكْرا وعبادة.

شخصية المؤلف في كتابه

لم يكن الأستاذ عبد الصمد العشاب، في هذا الكتاب، محض جامعٍ لأخبار الرجال من بطون الكتب، مُرتِّبٍ لها كما يفعل بعض كتاب التراجم من المعاصرين إذ "يأخذون كلاما من هنا وكلاما من هنا ليقولوا هذا كتابنا".

كلا، لم يسلك أستاذنا هذا "المسلك السهل". وإن الناظر في مواد كتابه يرى من خلفها ملامح من الشخصية العلمية المستقلة لسيدي عبد الصمد العشاب رحمه الله تعالى، سواء في تراجمه أم في تعليقاته على المختارات الأدبية. وأنا أذكر أهم ما يُجلّي شخصيته العلمية في الملاحظات الآتية:

- أولا: لا يكتفي الباحث سيدي عبد الصمد العشاب بجمع الأخبار وترتيبها لصناعة ترجمة للعلم، بل يحقق القول في بعض الأخبار ويبين وجه الصواب فيها. ولنقرأ مثالا لذلك قوله عند التعريف بصاحب "الكوكب الوقاد في ذكر فضائل المشايخ وحقائق الأوراد": «الشيخ سيدي المختار بن أبي بكر الكنتي مؤلف الكتاب يتصل نسبُه بعقبة بن نافع الفاتح المشهور، وذكَره الأديبُ النّسّابة أحمد بن الأمين الشنقيطي في كتابه "الوسيط في أدباء شنقيط" وأنكر بعضُهم هذه النسْبة مُدَّعينَ أن (كنت) هُمْ مِنْ أمية فلا صلة لهم بعُقبة، وبالرجوع إلى نسَب عقبة نجده كما يلي: "عقبة بن نافع بن عبد القيس بن لقيط بن عامر بن أمية" وهو نسَبٌ متفق عليه عند ابن حجر العسقلاني في الإصابة وأبي الحسن عز الدين الجزري في أسد الغابة»(32).

فانظر إلى رَدّه على مَن أنكر نسبة الشيخ المختار الكنتي إلى عقبة مستندا إلى أن (كنت) من أمية وأمية لا صلة لهم بعقبة، فقد رجع أستاذنا العشاب إلى "الإصابة" و"أسد الغابة" للتحقيق، ولم يُسلم بما قاله بعضُ الناس.

- ثانيا: يفسر المؤلف ما ذُكر عن بعض الأعلام من كلام ينتقص من قدْرهم، وذلك كقول البقاعي عن ابن زغدان التونسي «إنه فاضلٌ حسَن الشكل لكنه قبيح الفعل أقبل على الفسوق، ثم لزم الفقراء الوفائية، وخلب بعض أولي العقول الضعيفة فصار كثير من العامة والنساء والجند يعتقدونه مع ملازمته للفسوق..»(33)، فقد قال ذ.العشاب في تفسير هذا القول وبيان أسبابه: «وأنا أرى أن هذا التحامل على ابن زغدان أتى من أمرين:

أولهما: الدعاية السيئة التي أشاعها عنه أبناء أبي الوفا (شيخ الطريقة الوفائية) لأنه تميز عليهم.

والأمر الثاني: هو حسد معاصريه، وكم من علماء راحوا ضحية هذا الحسد. نسأل الله السلامة من الحسد»(34).

- ثالثا: يتوقف عن الحكم في بعض القضايا إلى أن تظهر معطيات جديدة. ويجد القارئ ذلك عند حديث ذ. العشاب عن شروح الصلاة المشيشية وظهورها خارج المغرب قبل ظهور شروح مغربية لها وسبب ذلك، إذ قال بعدما ذكر ما عرف من شروح للمشيشية مرتبة ترتيبا تاريخيا: «هذا التصنيف هو تقريبي بناء على ما وقفت عليه. وهو تصنيف يحيلنا على معطيات أخرى غير الأقدمية التي أشرنا إليها. فهناك مثلا وصول صدى المشيشية إلى تونس قبل التعرف عليها بالمغرب (أقصد بذلك تناولها بالشرح من طرف العلماء)، لأنه بعد ابن زغدان نجد عالما هو الخروبي الطرابلسي الذي ألمعنا إليه آنفا، وأما في المغرب فكان أول تعرف على التصلية المشيشية في بداية القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي، فهل هذا مرده إلى أبي الحسن الشاذلي تلميذ ابن مشيش الذي عرّف بشيخه في تونس ثم بمصر بعد ذلك، وبقيت التصلية المشيشية غير معروفة في المغرب حتى بداية القرن العاشر الهجري. لا مجال للبث في هذا الأمر إلا بعد ظهور دراسات جديدة في الميدان»(35). فهنا توقفٌ عن إصدار الحكم وانتظارٌ لظهور دراسات جديدة في الموضوع كما يليق بكل باحث يحترم نفسه وقراءه، فلا يتسرع في إطلاق أحكام لم تقم على صحتها أدلة كافية.

- رابعا: يبحث في دواعي تأليف بعض النصوص التي كتبها المتصوفة ولا يكتفي بذكر عناوينها. وذاك ما يجده القراء عند حديثه عن "حزب النصر" لأبي الحسن الشاذلي ومنه قوله "اللهم أهلك أعدائي وحسادي ومن أراد هلاكي ومضرتي كما أهلكت قوم نوح وقوم لوط..."، فقد علّل ذ. العشاب كتابة هذا الحزب قائلا: «يبدو أن حزب النصر هذا هو من تأثير ما وقع للشيخ أبي الحسن بتونس وإبلاغ حسَدته السوء به إلى أولياء الأمور بمصر»(36).

- خامسا: ينتقد نسبة نصوص إلى بعض أعلام التصوف. وأقصد هنا انتقاده نسبة "حزب الدائرة" للشيخ أبي الحسن الشاذلي، يقول: «وللشاذلي [ولعله مما نُسب له] حزب يسمى حزب الدائرة، وهو مبني على خاتم الشاذلي المروي من طريقين: طريق أبي  العباس المرسي وطريق شهاب الدين ابن الشيخ أبي الحسن. ولهذا الخاتم خواص [تدخل في باب الخرافات] وشكل الخاتم دائري بها أسماء عربية وأعجمية لها خواصها وأسرارها، والأسماء التي فيها ليست بلسان عوالم الملك والملكوت، ولا بلغة من لغات العالمين، وإنما هي لغة جبروتية يذكر الله بها في روض من رياض جبروته، وأنه قد جمع فيها علم الأولين والآخرين. وكتابة هذه الأسماء في شقف والدهن بمائها يشفي من أمراض جلدية كثيرة. فهذا الحزب ليس من نفَس أبي الحسن»(37).

فقد ردَّ نسبة هذا الحزب المذكور في مخطوط "في ذكر خاتم الإمام الشاذلي"، وأبطل نسبته إليه استنادا إلى أن ما به من حديث إنما هو خرافات كان الإمام الشاذلي من أبعد الناس عنها وأكثرهم تعلقا بالكتاب والسنة.

- سادسا: يقارن بين نصوص بعض المتصوفة باحثا عن المشترك بينها، وذلك كالذي يجده القراء في حديثه عن تائيتي محمد بن عبد الكبير الكتاني ومحمد البوزيدي واشتراكهما في معنى الاستغراق في محبة الله(38) ، فقد أبرز ذ.العشاب ذلك ونبّه على أن هذا المعنى «هو نفسه الذي أرّق العابدة الزاهدة رابعة العدوية حين قالت:

راحتي يا إخوتي في خلـوتي     وحبيبي دائما في حضرتي

لم أجد لي عن هواها عوضا     وهواه في البرايا محنتي

حيـثـما كـنت أشـاهد حسـنه      فهو محرابي إلى قبلتي

وهو نفس المعنى الذي عناه الفقيه الزاهد سيدي الأمين الروسي الحسني شيخ الطريقة الدرقاوية بالقصر الكبير»(39) في بعض تضرعاته.

- سابعا: لا ينتصر المؤلف للنصوص الأدبية لمتصوفة المغرب انتصارا أعمى، ولكنه ينظر إليها بعين المحكتم إلى معايير الجنس الأدبي الذي تندرج ضمنه، فليس كون النص لمتصوف مغربي مسوغا لعده نصا جيدا محكما، ولكن العبرة بتمثل النص لشروط الجودة الفنية. لذلك ألفينا الرجل يشيد بقصائد لبعض المتصوفة، كما يصف أشعار بعضهم بالتكلف، كقوله في ترجمة ابن زغدان: «أورد له [محمد بن عبد الرحمن السخاوي] من بقية من تكلموا عنه أربعة أبيات من شعره وهو شعر متكلف كما سنرى..»(40).

وهذه النظرة الموضوعية للمؤلف كانت موجِّهة له في غير هذا الموضع من كتابه، عاصِمة إياه من التعميم في الحكم، وذلك كقوله مميزا بين الزوايا وأدوارها: «إن آفة الطرق مريدوها الجهلاء، فعندما يسيطر هؤلاء تنحرف الطريقة عن اتجاهها الصحيح، وهذه آفة تسربت إلى أتباع كل المناهج الصوفية، وهو الأمر الذي أدى تاريخيا إلى محاربة بعض الطرق الصوفية وأتباعها عندما استغلها الاستعمار لتنفيذ مخططاته في الشعوب المغلوبة على أمرها. ولكن لا ننسى مع ذلك أن بعض الطرق كان لها الفضل في قيادة حركة التحرير ومحاربة الدخلاء في المشرق والمغرب»(41).

فلا تعميم في الحكم ولا تحيز بدافع الانتصار للبلد ورجاله حقا وباطلا، وإنما التزامٌ بقول الحق سبحانه: (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى) [الأنعام/ 153] وقوله عز وجل: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى) [المائدة/ 09].

تلكم نظراتٌ في هذا الكتاب المفيد للأستاذ الجليل سيدي عبد الصمد العشاب رحمه الله تعالى، تكشف أن الرجل كان منشغلا ببيان المفهوم الحقيقي للتصوف وتخليصه مما علق به، ساعيا لإبراز الجانب العمَلي والبعد الإصلاحي في حياة أعلام التصوف بالمغرب، راغبا في كشف تميز الإنتاج الأدبي والعلمي لمتصوفة المغرب وصلحائه؛ وفي ذلك كله ما يُظهر ملامحَ من "النبوغ الصوفي المغربي في العالم الإسلامي".

 

أبو الخير الناصري

......................

الإحالات:

(1) صدر عن مطبعة سليكي أخوين، طنجة، ط01، 2018م.

(2) أنوار صوفية وإشراقات ربانية لعلماء وصلحاء المغرب، لعبد الصمد العشاب، ص09.

(3) نفسه، ص42.

(4) نفسه، ص84 باختصار.

(5) نفسه، ص90.

(6) نفسه، ص89.

(7) نفسه، ص96.

(8) نفسه، ص111- 113.

(9) نفسه، ص47- 58.

(10) نفسه، ص76.

(11) نفسه، ص30.

(12) نفسه، ص84.

(13) نفسه، ص84- 85.

(14) نفسه، ص85.

(15) نفسه، ص92- 93.

(16) نفسه، ص11- 12.

(17) نفسه، ص20.

(18) نفسه، ص25.

(19) نفسه، ص44.

(20) نفسه، ص69.

(21) نفسه، ص87.

(22) نفسه، ص94.

(23) نفسه، ص09.

(24) نفسه، ص16.

(25) نفسه، ص16.

(26) نفسه، ص30- 31 باختصار.

(27) نفسه، ص31.

(28) نفسه، ص43.

(29) نفسه، ص67.

(30) نفسه، ص73.

(31) نفسه، ص92 وص103.

(32) نفسه، ص47- 48.

(33) نفسه، ص65.

(34) نفسه، ص67.

(35) نفسه، ص59- 61.

(36) نفسه، ص103.

(37) نفسه، ص104- 105.

(38) نفسه، ص35.

(39) نفسه، ص35.

(40) نفسه66.

(41) نفسه، ص106.

 

995 سماء بغداد القرمزية(عندما تبدأ الحرب، يفتح الجحيم أبوابه).. مثل بولوني

(أن الحرب العالمية الأولى أفقدت الحياة قداستها، ودلت على سفالت الأجهزة السياسية).. البرت إنشتاين

ان الصراعات الدولية التي كثيرا ماتنتهي باشعال نار الحرب، ما هي إلاّ لعبة من لعب قوى الشر والعدوان، لتنفيذ مشاريعها التآمرية  في الغزو وفرض هيمنتها على دول مستقلة ذات سيادة  وحرمان اهلها من العيش الحر الكريم ومن الأستفادة من ثرواتها والخيرات الطبيعية التي تمتلكها .

ومن احدى التجاوزات الكثيرة في تأريخنا المعاصر، ما قامت به دول تدّعي الديمقراطية والحرية وكل الشعارات البراقة، الفارغة من كل محتوى انساني، وفي مقدمة قوى الشر هذه، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية  وحليفاتها  في شن أكبر هجوم شرس وبربري  على العراق، ضاربين عرض الحائط كل الأعراف والقيم الأنسانية، ليحولوا زرقة سماء بغداد بحقدهم ودناءتهم ووحشيتهم الى سماء قرمزية ...

فـ (سماء بغداد القرمزية) هذا الكتاب المهم الذي نقله من الروسية الى العربية الأخ الدكتور فالح الحمراني، هو في الحقيقة بصمة شهادة عن تأريخ جريمة حرب ارتكبها مجرمون، لم يتحلوا بأدنى صفة انسانية، ولا أي وازع من ضمير، فكتاب (سماء بغداد القرمزية) هو شاهد عصر على  الروح الشريرة التي حولت البلاد الى ارض يباب، وعاثت فيها الفساد، وانتهكت حق الحياة والعباد.

فمؤلف الكتاب رجل  دبلوماسي مرموق وخبير في شؤون الشرق الأوسط، عمل في مختلف بلدانه على مدى سنوات طوال من حياته، ومنها العراق، قبل الحرب العدوانية عليها، واثناءها، وتعرف عن قرب على القيادة السياسية في العراق وعلى رئيسها صدام حسين، وتضمن الكتاب على ايضاح شخصية صدام حسين من قِبَل مؤلف الكتاب (فيكتور باسوفاليوف) الذي يؤكد فيه على ذلك في ص 26 (جرت أول لقاءاتي بصدام حسين في اعوام 1969-1970 حينما رافقت فيدوتوف الذي كان قائما بأعمال السفارة السوفيتية بالعراق، حيث زار صدام حسين لمناقشة القضية الكردية التي كانت حينها ملحة .

كانت تلك الفترة بدايات ترقّي صدام في المناصب، ومازال بوسعه حينها الأصغاء للآخرين .

ولاح لنا أن صداما مهتم فعلاَ باستماع الحقيقة من هذا الدبلوماسي الروسي الحازم الأشقر (علاوة على أننا كنّا مستعدين جيدا للمحادثة) وخلال المحادثة اشتبك فيدوتوف في جدل مع صدام، لأنه كان يعتقد أن بوسعه توجيه تقييمات نقدية لسياسة البعثيين العراقيين الداخلية، وغالبا ما مشى بتقيماته على حد السكين الحاد، وفهمت بعد ذلك، أننا وعلى خلفية طبع صدام الحقود والأنتقامي، خضنا في الواقع لعبة خطرة، وسرعان ما انقطعت هذه اللقاءات.. وصفوة القول أن لقائي ذاك بالرئيس العراقي أثار قلقي) .

ومن هذا المنطلق ربط الكاتب (فيكتور باسوفاليوف) ومن خلال معايشته للواقع العراقي، ومعرفته بالحكومة العراقية، وبرئيسها صدام حسين، كل الأحداث المأساوية التي حلّت بالعراق وإعطاء قوى الشر والعدوان الطامعين بخيرات العراق  وتحت قيادة امريكا (الشيطان الأكبر) كما وصفها الأمام الخميني  أنذاك، الفرصة في الأنقضاض على هذا البلد المستقل وذا السيادة .

ووقع العدوان الآثم على العراق، شعبا وأرضا، وبكل وحشية.

ويحتوي الكتاب على مقدمة خاصة بالطبعة العربية في ص 5، لممثل الرئيس الروسي الى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نائب وزير خارجية روسيا الأتحادية ميخائيل بوغدانوف " لقد كُتِبت الكثير من المؤلفات الجيدة والمثيرة للأهتمام حول الأحداث التي شهدها العراق في أواخر الثمانينات – وبداية التسعينات من القرن العشرين .

وتثار حتى الآن حولها مناقشات ساخنة وجدالات حادة . ومع ذلك، ان الكتاب الذي بيَدَي القارئ العربي، لافت للنظر في كثير من النواحي، ويكتسب أهمية خاصة ..."  .

فالكتاب الموسوم بـ (سماء بغداد القرمزية) في الحقيقة والواقع، هو احد الوثائق التأريخيةالمهمة عن العراق، وما تعرض له من عدوان بربري شرس، وعلى مرأى ومسمع من العالم، ضاربين بأبشع وجه، واقذر يد كل المبادئ والقيم الأنسانية عرض الحائط، وبذرائع هم صنعوها  كوسيلة تغطية لمآربهم وغاياتهم، ذلك العدوان المتوحش بكل ما للكلمة من معنى، وكعادتهم  المتأصلين عليها، هو  الوصول  الى الهدف الأساسي  في الهيمنة والأستعباد واركاع الشعوب وإذلالها ...!

وبذلك يضيفون صفحة دموية أخرى الى سجلات تأريخهم المجبول على الجريمة، والمنقع بالدم  والنتن بالآثام والخطيئة.

فالأنسان هو الذاكرة، والذاكرة هي الأنسان، وما تركه لنا وللتأريخ  مؤلف  كتاب (سماء بغداد القرمزية) فيكتور باسوفاليوك، هو نبضات وجدانه الحية النابضة بالحقيقة الأنسانية الرافضة للجريمة والنزعة العدوانية التي لا يقبلها النفس الأنساني الحر الشريف .

فالكتاب يحتوي على الكثير من الحقائق الجلية التي دونها كاتب عاش بشاعة الحرب الظالمة على العراق عن قرب، لا كما تناولها آخرون عن بعد وعن نقل مشوه، لا يبرز الوجه الحقيقي للجريمة والمجرمين.

فالظلم الذي وقع على العراق والعراقيين  لم تمح آثار عاره، وألمه في نفوس الأجيال، ويبقى  ما دامت الشمس تشرق والأرض تدور في فلكها ...!

والأخ الدكتور فالح الحمراني بترجمته  هذا الكتاب، إنما هو أغناء حقيقي للمكتبة العربية، لما يحتويه من حقائق تكشف ما لم تتناوله الكتابات الأخرى عن مأساة الحرب العدوانية الشرسة والبربرية على العراق.

ومن هنا استطيع القول أن الخراب الذي عم البلاد، وأنهار الدم  ودموع اليتامى والأرامل والثكالى هو المِداد الذي سيُكتب به تأريخ الجرائم التي أُرتكبت بحق العراق والعراقيين، وفي الوقت ذاته ان الدم والدموع سيشتعل بآهات وحسرات المظلومين، لتحترق به عروش الظلمة والطواغيت، وكل قوى الشر في العالم التي تضطهد الأنسان وتسحقه من أجل اطماعها التوسعية، وستشرق شمس الحرية لتبدد الظلام الذي صنعه اللصوص والقتلة .

 

الدكتور ابراهيم الخزعلي - موسكو

 

 

سعيد الحسين عبدليردا على مقاله: ليبيا التي لم يرها المنصف وناس

"يختلف المتعلم عن الجاهل بقدر اختلاف الحي عن الميت".

أرسطو

يأتي مقالنا هذا ردا على ما قرأته في مقال سالم الكبتي عن كتاب المنصف وناس:"ليبيا التي رأيت..ليبيا التي أرى" حيث استوقفتني جملة من الملاحظات كان علينا من باب الحيادية العملية والموضوعية أن أكتبها لا دفاعا عن المنصف وناس بل التزاما واحترما لضوابط الكتابة والتأكيد على أن الباحث عندما يتوصل إلى جملة من الحقائق بعد قراءات نظرية معمقة وبحوث ميدانية مضنية وشاقة لابد من الأخذ بها واحترماها والرد عليها بأسلوب أكاديمي تتوفر فيه أدنى درجات الموضوعية والحيادية والابتعاد قدر الإمكان على الأفكار المسبقة والمشحونة بالعدائية نتيجة أحقاد دفينة لا نعلم مبررها كتلك التي لمسناها في مقالة سالم الكبتي.

لما قرأت العنوان الذي أورده سالم الكبتي بصيغته تلك: "ليبيا التي لم يرها المنصف وناس" في بوابة الوسط بتاريخ 6 ماي 2018. كنت أتصور أن الأمر يتعلق بانتقادات تساهم في تطوير بعض الأفكار التي توصل لها الكاتب مع توضيحها وفق سياقاتها المنهجية والنظرية العلمية، مما يساهم في قراءة موضوعية للمجتمع الليبي الذي عمل عالم الاجتماع التونسي المنصف وناس على دراسته سنوات طوال توجت بعديد الأعمال باللغة الفرنسية والعربية. فهذا هو الأصل في المعرفة التي لا يمكن أن تتطور إلا في سياقات النقد والرصانة العلمية والتواضع الذي هو من شيم العلماء والباحثين المتمرسين. ومثل هذه الطبائع يعرفها كل القراء والكتاب الذين يعرفون المنصف وناس سواء بصفة مباشرة أو عـبر كتاباته أو حتى بروزه الإعلامي. فعلى عكس هذا المنحى لمست لغة غريبة في ما كتبه سالم الكبتي مشحونة بنبرة التعالي والحقد أحيانا أخرى بل يتطاول في أحيان كثيرة عن المنصف وناس ويتهمه بالعمالة للغرب الفرنسي..هنا بدأت ألاحظ المفارقة بين العنوان الذي كنت أخاله منذ البدء تعليقا رصـينا مدعم بالحجج

والبراهين والتأسيسات النظرية ومتن "المقال" الذي كتبه الكبتي.

في هذا السياق وقبل أن أوضح بعض المزالق الخطيرة التي وقع فيها سالم الكبتي أردت أن أشكره على أن مثل ما أورده في مقاله هو في الأصل أحد أبرز مظاهر التعطل الفكري الذي أصاب منطقتنا العربية خاصة تلك التي لم تعرف سبيلا للحرية ولمعنى النقد البناء وعاشت سنوات طوال تحت هيمنة الاستبداد. ومثل هذا المقال هو من نوع المقالات التي يرد منها أصحابها البروز في الساحة الفكرية فلا يجدون سبيلا لذلك إلا ارتداء جبة الحقد الأعمى والكراهية مطلقين العنان لأهوائهم أن يقولوا كلاما يفتقد أدنى شروط الموضوعية، وهو ما سنأتي إلى تبيانه في الملاحظات التالية:

استهل سالم الكبتي مقالته بكلام عبثي متهما المنصف وناس وكل الكتاب التونسيين بأنهم ضحايا إسقاطات المدرسة التاريخية الفرنسية:" إلا أن السيد وناس كثيراً ما يرتكب التباسات ويقع في تشويشات قد لا نجد لها عذراً فيظل يخلط ويفسر ويحلل وفقاً لإسقاطات المدرسة التاريخية الفرنسية التي تطبقها في الغالب المدرسة النخبوية التونسية" فهل يعلم السيد الكبتي أنه منذ كتب ابن خلدون المقدمة والعرب لا يحسنون حتى تطوير وفهم ما ورد فيها وظلوا في قطيعة مع المعرفة، فساد التكلس الذهني وتعطلت ملكة العقل.. كان وضعنا في المنطقة العربية الإسلامية أشبه بما حصل لأهل الكهف لما ناموا واستيقظوا فوجدوا الدنيا غير الدنيا.. وهنا بالضبط أردت أن ألفت انتباهكم فقط إلى ما حصل من ثورة فكرية في أوروبا وفرنسا على وجه الخصوص، حيث كان منشأ علم الاجتماع مع الجيل الأول من عمالقة الفكر الفرنسي وخاصة أوغيست كونت ودوركايم..وفي هذا السياق أود أن أشير بكل لطف إلى السيد الكبتي أنه في سياق المعرفة لا بد أن تحل الموضوعية محل العاطفة، والولاء للمعرفة بدل الولاء للايدولوجيا المفرقة، والرصانة العلمية عوض الانسياق وراء الشعارات الفضفاضة التي وراءها مآرب شتى..وخلاصة ذلك كله أن المدرسة السوسيولوجية الفرنسية هي مدرسة من بين المدارس المتعددة التي ساهمت في إثراء الفكر الإنساني. وأظن أنك لو اطلعت على ما يُدرّس في الجامعة التونسية للاحظت انفتاح التونسيين على مختلف المدارس الأخرى  والباحث وحده من يقرر حسب خطة بحثه وأهدافها ومنهج دراسته أي المدارس يختار ويحق لأي كان أن ينتقده بناء على نتائج الدراسة وبلغة البرهنة  بعيدا عن الإسقاطات المفرغة من محتواها الموضوعي.

هذا ويواصل الكبتي تهجمه بلغة تستبطن التهكم من خلال قوله:" لكنني أشعر في كتاباته بنوع من محاولة الأستذة علينا وتعليمنا تاريخنا، وذلك أمر يصعب عليه كثيراً، لقد حدث هذا في غياب مؤرخينا وكتَّابنا الذين انشغلوا بأمور أخرى.." فعن أي أستذة تتكلم أستاذنا الجليل..الكاتب منصف وناس كان يرفض بشدة أن يناديه طلابه بالدكتور بل ويعرفه جمهور الطلبة والباحثين من داخل تونس وخارجها بأنه المثل الذي يحتذى به في التواضع واحترام الآخرين بل أكثر من ذلك أني أعرف الرجل أشد المعرفة حتى أنني سمعته في أحد محاضراته يعبر عن حبه لليبيا مثل حبه لكل شبر من هذا الوطن العربي الذي يتألم لحاله كحال أي مثقف ملتزم... بل ويعبر عن ذلك من كل جوارحه التي تفيض شوقا وحبا وعشقا لليبيا وأهلها..فلكونه يستخدم مناهج بحثية يحتمي بها ليبرر استنتاجاته عن الوضع الليبي تتهمه أنت بأنه "يمارس الأستذة" بل وتذهب للقول بأنه "أمر يصعب عليه كثيرا" وكأنك تناوره في حلبة للملاكمة.. فغريب أسلوبك هذا سيد كبتي والأكثر غرابة هو كيف تحكم على رجل أنفق ما يزيد عن نصف عمره وهو يدرس المجتمع الليبي لتأتي أن وتختلق له تعلات واهية من أجل المس من منزلته العلمية والتي لم ترتقي لتصوراتك المشحونة بالكراهية والعجز.. نعم أقول العجز، فقط  لأنك لم تقدم لنا قراءة نقية موضوعية للواقع الليبي على خلاف ما توصل له المنصف وناس مما جعلك تطلق العنان لعبثيتك أن تتهكم وتخلط الحسابات دون أن تكون لك الجرأة أن توضح عمن يقف وراءك ووراء هذا الدور التي يستحيل على مثقف يحترم الثقافة والعلم أن يتقمصه، وأضنك لا تخالفني الرأي إذا قلت أن مثل هذه الأدوار لا تزيد واقعنا العربي إلا قتامة، خاصة عندما تتهجم على رجل معروف في كل المنطقة العربية وحتى في الساحة الأوروبية بأنه مسكون بجنون الوحدة العربية وكل أعماله تصب في هذا المضمار بما فيها كتابه هذا الذي حاولتم تقديمه فبان عجزكم على فهمه.

تعود مرة أخرى بنفس الأسلوب التهكمي فتقول:" فما معنى أن يهتم السيد وناس وأمثاله بالكتابة والاهتمام بالموضوع القبلي في ليبيا والتخليط فيه والتحليل الخاطئ بصدده، وكذا ما يتصل بالأقليات ويترك ما لديهم في تونس من موضوعات تستحق نفس الكتابة". غريب ما تقول فعلا: فهل أن المعرفة التي تعلمتها تقول بأن ليبيا كموضوع معرفي حكر على الليبيين فقط؟ ولسوف أترفع عن طرح سؤال من نوع لماذا لم تبادر أنت بمثل هذا العمل مادمت ترى نفسك القادر على فهم المجتمع الليبي خاصة وأن عالما مثل المنصف وناس الذي يتكلم زهاء 4 لغات كتابة ونطقا وترجمة وفي رصيده أكثر من 16 كتابا فضلا عن الدراسات والمقالات والمحاضرات حتى في أشهر الجامعات الأوروبية ناهيك عن ترأسه لأكبر مؤسسة بحثية في تونس.؟ ثم هل اطلعت أصلا على كتابات المنصف وناس الذي اشتغل على الواقع التونسي والجزائري والمغاربي والليبي وهو القائل في مستهل أحد كتبه" المغرب العربي جزء من ذاتي"

السيد الكبتي، أعتقد أن ترفعك على مثل هذه التصورات التي تتبناها يعتبر أحد المنافذ الأساسية لتقدمنا. فعشق المعرفة ومغامراتها أبعد ما يكون عما تنطق به ويا ليتك تنفعنا بدراسة عن الواقع التونسي فلا تتصور كم سنرحب بالفكرة ونكون لك شاكرين. أما أن تستشيط غضبا من كون المنصف وناس يدرس الواقع الليبي وتزعم أنه يعلمك دروسا فهذا ما لا يمكن تقبله.

لكم تألمت لما تحسست دهشتك وحيرتك بل وصدمتك وأنت تستغرب مستهجنا من كون المنصف وناس جمع هذا العدد الهائل من الوثائق حول المجتمع الليبي حيث قلت مستشهدا بكلامه:" جمعت المعلومات والوثائق وكونت المكتبة المتخصصة 2000 كتاب متخصص في ليبيا وأكثر من 3000 وثيقة عن المجتمع الليبي" مرة أخرى تحاول أن تخلق ذرائع واهية لن يصدقها إلا ضعفاء القوم الذين يدعون معرفة من بعض مقالات هنا وهناك  أو معطيات "فيسبوكية" جاهزة. أما أولئك الذين اكتووا بحب المعرفة وصخروا حياتهم ومالهم وصحتهم للمعرفة فنراك تتعجب من جمعهم هذا العدد الهائل من المراجع وهو في الحقيقة أمر يسير لمن يتقن دروب البحث العلمي ويتقن مناهجه.. فأنت من ناحية تستغرب من جمعه هذا العدد الهائل من المراجع فضلا عن الزيارات الميدانية والملاحظات والمقابلات ولكن في نفس الوقت تناقض نفسك فتقول:" في غياب الحقائق والأمانة العلمية وعدم التدقيق يحشر نفسه في أمورنا بجهل وسطحية ودون موضوعية ويظل يلف ويدور دون أن يصاب بالدوار حول الصراعات القبلية والتقسيمات ويفتي من دماغه، ويحوم حول موضوع البربر ويتركهم قريباً من أنفه في تونس ويطالب بحقوقهم عندنا" وهنا تبرز روحك المتوترة أكثر وهي مجهدة من خلق الذرائع الواهية التي أرهقتك حتما في كتابة هذا المقال الشيق جدا الذي حفزني أن أعقب عليه، إذ رغم العدد الهائل من المراجع التي جمعها المنصف وناس والتي شككت فيها تقول في "غياب الحقائق والأمانة العلمية" ثم تواصل في شطحاتك فتقول" يحشر نفسه" بل وتواصل في تواضعك ورفعة أخلاقك فتقول" ويظل يلف ويدور دون أن يصاب بالدوار" بل وتغامر في خلق نوع من الفتنة وتقول بأنه يتكلم عن البربر في ليبيا ولم يتكلم عنهم في تونس لتعبر عن جهلك العميق عن أحد أبرز المفاهيم الرئيسية في علم الاجتماع وهي "التغير الاجتماعي" و"سوسيولوجيا الدولة" وهي لعلمك من المسائل التي اختص بدراستها المنصف وناس وأضنك لو قرأتها لارتويت منها وأدركت الفارق بين ما حصل لبربر تونس ونظيرهم الليبي خاصة في ظل اختلاف طبيعة الدولة والمجال لا يتسع هنا لأشرح الفكرة، فقط أحيلك إلى كتاب المنصف وناس "الدولة والمسألة الثقافية في تونس" ففيه إجابة لحيرتك التي أراها مصطنعة من أجل غاية في نفسك يدركها كل ما يقرأ مقالك هذا ويقارنه بحقيقة الكتاب والمستوى العلمي الذي بلغه المنصف وناس.

تكلم السيد سالم الكبتي عن كتاب المنصف وناس" ليبيا التي رأيت ليبيا التي أرى ..محنة بلد" وكأنه سب وقذف لليبيا وشعبها الطيب الذي لا تفصله عن شعب تونس سوى حدود استعمارية. ليصور المنصف وناس أنه ذلك المتعالي عن ليبيا وهذا ما يؤكد عدم فهمه للكتاب أصلا، خاصة وأن المنصف وناس بيّن بما فيه الكفاية القدرات الهائلة التي تتمتع بها ليبيا بل وفصّلها في أكثر من موقع في هذا الكتاب وغيره من الكتب الأخرى والأعمال الأخرى وفق خطته البحثية. ومثل هذا العمى الفكري الذي حال دون فهم كاتب المقال للكتاب جعله يزيد في حدة جرأته على الكاتب ليقول:" كان لدينا الكثير والكثير لكنه على طول ليبيا التي رآها لم ير في حسبانه إلا الجهل والتخلف والصراعات القبلية والجهوية، وظل يهرف بمصطلحات الهجوم العلمي والابستمولوجيا والسيولوجيا وغير ذلك من الكلام، ويعتقد في أعماقه بأن ليبيا وادٍ غير ذي زرع!"

أملي أن يعيد السيد الكبتي قراءة الكتاب ويتبحر فيه لا ليعدل عما كتب لأن عالما في مرتبة المنصف وناس لا أظنه يعير اهتماما لمثل هكذا قراءات موجهة كالتي وردت في المقال الأضحوكة.. بل فقط من أجل أن يستفيد من حصيلة 20 سنة من البحث حول المجتمع الليبي لعل ذلك يساعده أن يفك بعض المغاليق الفكرية التي تساعده على فهم المجتمع الليبي ويساعده على إصدار من هذا الحجم قد يضمّنه انتقاداته لكتاب المنصف وناس:" ليبيا التي رأيت ليبيا التي أرى" لأن النقد مطلوب في نهضة الأمة العربية وفق فكر المنصف وناس وهو القائل:" العلم قدر كل المجتمعات..العلم خلاص من الجهل والغموض.. ولا علم إلا في فضاء تسوده الحرية".

 

بقلم د. سعيد الحسين عبدلي، جامعة قرطاج، تونس.

 

جمعة عبد اللهأعتقد ان هذا الكتاب يحمل مواصفات ابداعية، غير تقليدية في أدب السيرة الحياتية. اذ يقدم لنا لوحة بانوراما متكاملة الجوانب، في تناول السيرة الحياتية وصياغاتها، التي يلعب بها دوراً بارزاً ومهماً، الزمان والمكان، في التحليل والاستعراض والاستقراء. في عواملهما محتوياتهما ومجرياتهما، في التأثير على حياة الشاعر السماوي. منذ الولادة، حتى تألقه على قمة هرم القصيدة العربية، في تجربته الشعرية الفذة، المرتبطة بعوامل البيئة، من محيط العائلة الى محيط بلدته الام (السماوة) الى الارتباط العضوي في المناخات السائدة. الاجتماعية. الثقافية. السياسية. والدينية، في سيرة حياة الشاعر يحيى السماوي، وبشكل مباشر في بلورة موهبته الشعرية. هذه المرتكزات دفعته الى الوسط الثقافي والسياسي. كموهبة شعرية واعدة، تحمل الكثير من الابداع، في تجربته الشعرية وانضاجها بالتطورات النوعية المتلاحقة، مرفقة في العلاقة الوثيقة، بمحطات الشاعر، سوى كان داخل الوطن، او كان في خارجه، في ديار المنفى والغربة والاغتراب. يقدم لنا الناقد (لطيف عبد سالم) الخط البياني الصاعد والمرتبط. بين الحياة ومقاطع المختارة من شعر السماوي، التي تحمل مواقف حياتية جريئة وصلبة. اي ان الناقد اختار، مواقف حياتية بارزة تعكسها تلك المقاطع الشعرية المختارة كمرآة لتلك المواقف الحياتية، برؤية وتمعن، لتعطينا الصورة الكاملة لمواقف الشاعر، الحياتية والشعرية. المرتبطة بحبه الصوفي في عشق الوطن. لانه لا يستطيع التنفس، إلا برئة العراق، والناس والانسانية، والحب الفياض الى الفراتين والى بلدته (السماوة). التي يقول عنها (اذا كان العراق أبي، فأن السماوة أمي) ص29. هذا طغيان في الحب الذي يمتلكه ويربطه روحياً ووجدانياً الى الواقع. وترسم الابعاد الحقيقية للمواطنة المتفانية بحب الوطن والانتماء اليه قلباً وقالباً، بالتعايش الانساني على جناح المحبة والعشق للوطن، بالارتباط العضوي في صيرورة. بين الحب والوطن (الوطن هو الجسد، والحب هو الروح) لتجسد قوس قزح للمواطنة الحقة. والدليل دخوله في معترك النضال السياسي وهو مقتبل العمر، وعانى الارهاب والاضطهاد والتنكيل الى حد اقترب منه الموت، وكان على بعد لحظات منه. في وسائل البطش والقمع والتعذيب، لكن هذه الوسائل المدمرة، تزيده عناداً واصراراً وثباتاً، في حب الناس،والانتماء روحياً الى طبقة البسطاء والكادحين، كمناضل يساري، وهي تهمة قد تقوده الى المجهول في حياته،بالقول من شاهد عيان من احد اصدقائه. قال (أن الشاعر يحيى السماوي يساري مناضل، ينتمي لطبقة البسطاء والكادحين. عانى الكثير في زمن البعث الفاشي، في أقبية السجون، ليحب الناس أكثر واكثر) ص121. لذلك كرس حياته لخدمة الوطن والدفاع عنه، امام ماكنة الارهاب والموت. ولم يتهاون بروحه الوثابة في عشق الوطن والدفاع عنه. في تكريس وترسيخ روح المواطنة المتفانية. فمرة قال له احد الاصدقاء، حين تلقى الخبر، بأن آل الموت للنظام البعثي بأعدامت صهره، فقال له هذا الصديق العربي (ما الذي يغويك بالعراق، والوضع فيه ينبئ عن أنه سيغدو مستنقعاً؟ فأجبته: اذا أصبح العراق مستنقعاً. فأنني سأتمنى ان يمسخني الله ضفدعاً، لاعيش فيه) ص84. هذه المفاهيم الوطنية والانسانية لحب الوطن، وضاقت به السبل أما آلة الارهاب والبطش. ولم يجد سوى طريقة الى الهجرة والمنفى والغربة والاغتراب. وليزيد قوة وتصميماً ان يكون شعره صوتا مدوياً، للوطن والناس والسماوة، التي يطلق عليها (السماء التاسعة)، وحياته في المهجر والغربة، تحولت ان يكون صوتاً شعرياً، مرتبط بروح الوطن وعذاباته. للناس ومعاناتهم. ان يكون صوتاً شعرياً ناطقاً بأسم الوطن، جسدها في دواوينه الشعرية الكثيرة. بالدفاع عن محنة الوطن الذي اصبح يعني الموت والاذلال والرعب. يعاني من الحروب العبثية المهلكة. يعاني شقاء وقسوة الجوع والضياع. ليكتوي بنار هذه المعاناة (اذ عاش السواد الاعظم من شعب العراق، سنوات عجافاً بلا أمل. بعد أن جعلتهم السياسات الحكومية الهوجاء، في مواجهة قاسية مع الفقر مدقع، وجوع ومرض أطال أمده. حتى اصبح مزمناً، وادهى من ذلك أن ثروات البلاد لاينعم بها أهلها) ص211. ويستمر الحال الى الاسوأ بمجيء المحتل الامريكي، ليدنس ارض وتربة العراق. ويمزق خيمة الوطن، يمزقها الى خيمات مبعثرة وممزقة ومميزة لكل حزب وطائفة. ويضع شراذمه. ان يحكموا العراق، ويقسموه الى منطقة صفراء، تعيش جحيم الحياة. ومنطقة خضراء تعيش النعيم والرفاه والرخاء. هذا الوضع الجديد المتسم بالفوضى والظلم. اعطائه الوزن والقيمة الوطنية والانسانية. ان يجهر بصوته الشعري المدوي، عاقداً العزم على مواصلة المقاومة والتحدي. حتى ان يستقر العراق ويكون منطقة واحدة خضراء لكل العراق (حين يصبح الوطن كله منطقة خضراء، حتى يعم الامان لكل العراق وليس المنطقة الخضراء وحدها. حين نرى اللصوص الجدد في قفص المحاكمة) ص227. ويبقى على الدوام صوتاً شعرياً وطنياً وانسانياً، بالحلم والامل للعراق وكل العراق.

992 مرافئ الذاكرة

موهبة الشاعر الشعرية :

ان بواكير الموهبة الشعرية ظهرت منذ الصغر، وهو في الدراسة الابتدائية. اذ تسنى له الاطلاع والقراءة على الكتب الشعرية والادبية بما هو متوفر من مكتبة العائلة، ثم تطورت موهبته الشعرية، في نظم القصائد، وتبلورت اكثر هو طالب في المدرسة الثانوية، وتوجت في اصدار ديوانه الشعري الاول (عيناك دنيا) عام 1970، وتبعها اصدار الديوان الثاني، وهو في اول سنته في كلية الادب في الجامعة المستنصرية (قصائد زمن السبي والبكاء) عام 1971. واصبحت موهبته الشعرية الناضجة، تحظى بالاهتمام. ويشارك في مهرجانات الشعر، ويحصد جوائزها. ويلفت أنتباه اساتذة النقد الكبار اليه، ومنهم الاستاذ العلامة الراحل (علي جواد الطاهر). استاذ النقد الحديث، الذي زف َ البشرى، بمولد شاعر واعد بالموهبة المتألقة (وهو الطالب يحيى عباس السماوي) ويصعد في سلم المجد الشعري. وبعد سنوات طويلة من التألق الشعري، ويصرح استاذ النقد الكبير (عبدالرضا علي) بقوله (يحيى السماوي شاعر كبير جداً. ومن يريد ان يتعلم تذوق الشعر، والوقوف على صناعة الخيال، واقتناص متعة الرؤيا الخلاقة، والاطلاع على النسيج المثير في الاداء والتوصيل ومعرفة ماهية السهل الممتنع، عليه ان يقرأ شعر السماوي، فهذا الشاعر واحد من الذين يعجنون اللغة عجناً، فيصوغ منها ما يشاء من الجمان، ويقدمه للمتلقي على طبق من ماس) ص174. وفي قدرته الفائقة على توظيف واستغلال الموروثات. وربطها بالواقع الراهن. ان الغربة والاغتراب اعطته الزخم الكبير، في تمرس عطائه الشعري الخلاق، في توظيفه لحاجات الواقع والانسان والوطن، ان يجعل الحلم والامل، حقيقة واقعية يبني عليها الامال. ان بناء النص الشعري شهد تطورات وتحولات نوعية في منجز الشعري للسماوي الكبير، فتح آفاق لا محدودة للقصيدة العربية (أن العطاء الشعري للسماوي الكبير، يستمر بتوهجه المضيء، والمشبع بالدهشة والابهار، ويظل صياداً متمرساً في حقل الجمال الشعري. في اصطياد المفردات اللغوية لاجل اضافتها الى قاموسه العشقي، بعدما يدخلها في مختبر الولادة والانبعاث، ليبث فيها روحاً جديدة من ديناميكية الابداع، بغية جعلها مشحونة بالطاقة والقوة والقدرة، في الاداء والتعبير، نابضة بفاعالية الخلق والحركة الايحائية والرمز الدال، والفعل التعبيري المدهش، هذه سمة الابتكارات الخلاقة، التي تعد أعمدة أساسية في بناء الاسلوبية الشعرية الحديثة، التي يتميز بها السماوي. وجعلته يتربع على قمة الشعر الابداعي الحديث بشكل مرموق. فالسماوي يحمل صفة النحات والرسام والعالم اللغوي، والمتمكن في البراعة الشعرية والمتخيل الشعري، بآفاقه الواسعة التي ليس لها حدود... ان الخلق الجديد للمفردات التي دس فيها الروح النابضة في الانبعاث الجديد. تملك القدرة الابداعية على اعطاء وهج تعبيري جديد وخلاق. فالسماوي لديه القدرة الهائلة في جعل المفردات اللغوية واللفظية، عجينة لينة سهلة الانقياد والانصياع والمطاوعة.) ص124. لذا أن لغته الشعرية، تمتلك الحلاوة والطراوة،(لاجل ان يشكل فيها مفردات تعبيرية غير مطروقة ومألوفة في القصائد الشعرية، التي تملك قوة التأثير في الواقع المحفز بالاثارة والاستفزاز، في سبيل ايقاظ الحواس المحسوسة وغير المحسوسة، بجرسها الرنان في آذن الذات العامة. اذ ان هذه المفردات بثوبها الجديد، تملك الدهشة الباهرة في الصدى الرنان، مثل المفردات العشقية التي ادخلها لاول مرة في الرؤى الشعرية، كمفردة (صوفائيل) حكيم العشق. كمفردة (عشقائيل) وحي العشق، في مملكة الحلمية للعشق، واستخدامها في توظيف جمالي غير مسبوق في القصيدة الشعرية) ص125. لذلك ربط الحلم بالجمال بالامل، لكي يشعر بكامل حريته في القصيدة (وجدت نفسي في الشعر. فالشعر هو المرض الوحيد، الذي أسأل الله في مساعدتي، كي لا أشفى منه، ولسبب جوهري، هو أنني امارس حريتي إلا على الورق، لانه المنديل الوحيد القادر على تمسيد جرحي ومسح دموع قلبي) ص314.

هذا هو السماوي الكبير، عسل الشعر الاصيل. وأصبح مزار لطلاب الدراسات العليا، والبحوث العلمية والادبية، فطلاب الدراسات العليا، الماجستير والدكتوراه، يتهافتون على دراسة تجربته الشعرية العملاقة.

واعتقد ان كتاب (مرافئ في ذاكرة يحيى السماوي) يلبي الطلب. كمرجع ومصدر مهم لاغنى عنه، يلم بتجربة السماوي.

ولابد من الاشارة المهمة : المقدمة الرائعة التي قدمها استاذ النقد الكبير (حسين سرمك) في صدر الكتاب. اعتقد أنها أنموذج الدراسة والنقد الموضوعي الرصين، الهادف الى الحقيقة.

 

الكتاب: مرافئ في ذاكرة يحيى السماوي

المؤلف: لطيف عبد سالم

الطبعة الاولى: عام 2019

تصميم الغلاف: أمينة صلاح الدين

الاصدار والطبع: دار تموز / ديموزي. طباعة. نشر وتوزيع / دمشق

عدد صفحات الكتاب: 320 صفحة

 

 جمعة عبدالله

 

 

 

نضير الخزرجيمنيرة ميرزا.. فيما بعد الدكتورة منيرة ميرزا، إمرأة بريطانية مسلمة ولدت في مدينة أولدهام (Oldham) شمال انكلترا لأبوين جاؤوا إلى المملكة المتحدة مهاجرين من باكستان.. هذه المرأة المسلمة المولعة بثقافة التعايش السلمي بين الثقافات والأديان في عاصمة متعددة الثقافات مثل لندن ظلت الصحافة البريطانية لأسابيع عدة تلاحقها بوصفها المستشارة الثقافية لعمدة لندن بوريس جونسون (Boris Johnson) للفترة 2008- 2012م، وزير الخارجية فيما بعد وربما رئيس وزراء بريطانيا القادم بعد استقالة تيريزا مي (Theresa May).

منيرة ميرزا (Munira Mirza).. ذات الثلاثين ربيعا حينما أصبحت مستشارة ثقافية لعمدة العاصمة لندن عام 2008م، كانت وراء أول وأهم قرار اتخذه العمدة في 7/5/2008م أي بعد أيام من انتخابه، وهو حظر تناول المشروبات الكحولية في وسائل المواصلات العامة من قطارات وحافلات نقل الركاب ابتداءًا 1/6/2008م ولا زال ساريا حتى يومنا هذا ويُعاقب على من يكسر الحظر بالغرامة وربما المحاكمة والسجن.

كان بالإمكان أن يمر القرار دون أن تغمز وسائل الإعلام من قناة المستشارة الثقافية لو أنها لم تكن باكستانية المحتد والأرومة ولم تكن مسلمة الهوية رغم أنها غير محجبة، لكن الصحافة ظلت تلاحقها عبر متابعة القرار وحيثياته وكان الهجوم منصبا كله حول ما إذا كان توجه مستشارة العمدة وحظر الكحول قام على خلفية دينية باعتبار أن الإسلام يحظر تناول الكحول كليا وفيما إذا كانت المستشارة انصاعت إلى صوت الإسلام قبل أن تأخذ بنظر الإعتبار واقع المجتمع البريطاني الذي يبيح الخمر ويجد المواطن على رأس كل شارع وحارة خمارة، لكنها بلباقتها وثقافتها استطاعت أن تفحم الأقاويل ويمضي الحظر.

وكل يوم بشكل عام استقل المواصلات العامة من قطار وحافلة في الذهاب والإياب بين العمل والمنزل، حيث لا خمر ولا مخمورون كما كان الوضع قبل الأول من حزيران يونيو 2008م، أتذكر قرار بوريس جونسون واستشارة الدكتور منيرة ميرزا الرائعة التي وفرت الأمن المجتمعي داخل وسائل المواصلات العامة من أناس كان يأخذ بهم الخمر مأخذا إلى أحداث الضجيج والإزعاج الذي كان يتطور في بعض الأحيان إلى خناقة والإعتداء على الركاب وسلب راحتهم.

قرار لازال أهل لندن ينعمون بآثاره الطيبة، تذكرته وأنا أتابع ما كتبه الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في كتيب "شريعة البلديات" من مهام ومسؤوليات واقعة على العمد ورؤساء البلديات والمحافظين تجاه المجتمع وصلاحهم وراحتهم، والكتيب الذي ضم 47 صفحة صدر حديثا 2019م في بيروت عن بيت العلم للنابهين، ضم 75 مسألة فقهية تتناول مسألة البلديات ودورها مع 19 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري مع مقدمة للناشر وأخرى للمعلق إلى جانب التمهيد الذي وضع فيه الفقيه الكرباسي الخطوط العريضة للمسائل الفقهية المتعلقة بالبلديات.

مهام وخدمات

المجلس البلدي عنوان عام طابعه الخدمي، تتوسع مسؤولياته وتضيق حسب النظام الإداري والسياسي لكل بلد، قد يأتي بالتعيين وقد يأتي بالإنتخابات، وقد يكون على مستوى ناحية أو قضاء أو محافظة، ومنه تتفرع منه مجموعة دوائر خدمية تتسع حلقاتها أو تضيق وفقًا لحجم البلد والسكان، ولاسيما وإن البلدية من حيث اللغة تنتسب الى البلد، فكل ما يُنسب الى البلد يُقال له (بلدي)، ومنه المجلس البلدي الذي يتولى رعاية شؤون العباد ضمن الحدود الإدارية.

وليس بلد بغنى عن مجلس محافظة أو مجلس محلي أو مجلس بلدي وإن اختلفت التسميات والمسؤوليات، وكلها تدخل في باب إدارة شؤون الأمة وبتعبير الفقيه الكرباسي في التمهيد: (إن المدنية والحضارة اقتضتا على نظم أمور البلاد والعباد، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته للحسن والحسين عليهما السلام: "أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم").

ولأن المدنية تطورت من القرية الصغيرة إلى البلدة وإلى المدينة وإلى المحافظة ثم المقاطعة، فكان لابد من تنظيم أمور المجتمع حتى تصان الحدود ويأخذ الميزان موقعه، ويعرف كل إنسان موضعه من الحرية الذاتية والحرية الموضوعية التي يشترك فيها الجميع دون أن يعتدي أحد على أحد، حيث يجري البلد بساقي الحرية والقانون، وكلما احترم المجتمع الحريات المدنية وانصاع إلى القانون تمثلت فيه معاني القيم والشهامة والرجولة واقترب من جوهر الحياة وحقيقتها بوصف حسن المعاملة مبلغ الإنسانية، والإناء ينضح بما فيه.

والمجلس البلدي ليس إطارا إداريا فوقيا إنما هو مندك في المجتمع، بخاصة وإن بعض المجالس في بعض الديمقراطيات تأتي عبر صناديق الإقتراع، أي أن الجماهير أوصلت من ترى فيهم الخير إلى هذا المجلس أو ذاك، وهو ما يشير إليه الفقيه الكرباسي في التمهيد حيث أصبح المجلس المحلي أو البلدي: (مؤسسة إجتماعية كبرى لها اعتبارها في حالات السلم والحرب، وقد أخذت شرعيتها من الأهالي الذين فوّضوا شؤونها إليها ووضعت لها قوانين وأنظمة بحيث أصبحت سلطتها كبيرة ولعلها الأكبر في البلدة ولها قدرات واسعة، وهي بالطبع تابعة إداريا لاحدى الوزارات التي هي السلطة التنفيذية ليكون المجلس البلدي وسيلة من وسائل التنفيذ).

ولأن المسؤوليات الواقعة على عاتق المجلس البلدي كبيرة تخص كل صغيرة وكبيرة من حياة أهل البلدة الواحدة، فإن قطر دائرتها تقصر أو تتسع حسب النظام الإداري المسنون والمعتمد، ولكنها في المجمل تشترك جميعها في تنفيذ مهام ومسؤوليات على علاقة مباشرة بحياة المجتمع، وقد أشار الفقيه الكرباسي في التمهيد إلى خمسة وعشرين مهمة ومسؤولية، من قبيل: (وضع البنية التحتية للبلدة) و(المحافظة على نظافة البلدة) و(مراقبة إقامة المنشآت)، و(وقاية الصحة العامة)، (وتشجير البلدة وطرقها)، و(تنظيم العمران ومنع البناء العشوائي)، و(مراقبة المواد الغذائية والإستهلاكية وفق المعايير الصحية)، و(مراقبة حركة السوق ومراقبة الأسعار والموازين والمكاييل والمقاييس، ومنع السرقات واستغلال الناس) أي منع الإحتكار، و(بناء الملاجئ والأماكن الخاصة بأيام العُسر والحرب والمداهمات أو الكوارث الطبيعية والمفتعلة من قبل الأعداء)، و(تسيير النقل الداخلي والخارجي)، و(الحفاظ على الأملاك الخاصة والعامة)، و(حماية الأبنية الأثرية وبناء المتاحف والحفاظ على تراث الأمة)، و(الإشراف على الانتخابات العامة والخاصة كما هو المعمول في بعض الأنظمة)، و(الإستفتاء على الضرائب وتنظيمها حسب النظام المتبع مع مراعاة العقائد الدينية والقوانين المرعية)، و(تشجيع النشاط الثقافي والرياضي والإجتماعي والديني والإقتصادي)، و(إقامة دار للعجزة والأيتام والمستشفيات والمستوصفات والبصريات وما إلى ذلك من المرافق)، و(السهر على تطوير البلدة).

مسؤوليات تضامنية

يمثل المجلس البلدي أو المحلي إن جاء بالتعيين أو بالإنتخاب الأذن الواعية التي ينبغي أن تتلقى طلبات الناس واحتياجاتهم حتى يستقيم عود الحياة وتأخذ الأمور مجراها الطبيعي، ولأن المجلس على التماس مباشر مع المجتمع، فإن المسؤولية متبادلة في الأخذ والعطاء والواجبات والمستحقات، فالطاقة الكهربائية على سبيل المثال من مسؤولية الدوائر المحلية توفيرها للمنازل والمعامل والمصانع والحقول والمزارع وأشباهها، ولأنها صناعة وإنتاج فيفترض بالمجتمع أن يقابل الأخذ بالعطاء، فلا يمتنع الناس عن الدفع مقابل ما توفره السلطة المحلية، كما ليس من المسؤولية الاستيلاء على خطوط الطاقة الكهربائية بطرق ملتوية والإستفادة منها دون مقابل، وهكذا الأمر مع الماء والغاز وأمثال ذلك من الخدمات التي ينبغي للسلطات توفيرها للمجتمع، على أن بعض الدول تتولى فيها شركات كبرى توفير مثل هذه الخدمات.

وإذا كان من واجب السلطة المحلية توفير الخدمات كافة، في المقابل يفترض بالسكان احترام القوانين، ولهذا يرى الفقيه الكرباسي أنه: (من الواجب الشرعي التزام الأهالي بالقوانين المحلية للمجلس البلدي إذا كانت شرعية غير مقيّدة للحريات الشخصية وغير المزاحمة للحرية العامة)، ولا يقتصر الأمر على البلد المسلم، ولهذا يضيف الفقيه الغديري معلقا: "وفي البلاد غير الإسلامية يجب على المسلمين الالتزام بقوانينها، بما تقتضيه قاعدة الإلتزام ما دامت لا تُضاد أصول دينهم الحنيف" فقاعدة (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم) سارية على الناس في التعامل مع قوانين المجالس المحلية التي تنشد تنظيم حياة البلد بما فيه صالحهم إن كان البلد مسلما أو غير مسلم، لأن الدين المعاملة، فمن باب أولى ينبغي بالمسلم الذي يعيش في بلد تحكمه أنظمة غير مسلمة أن يظهر قدرًا من المسؤولية واحترام القوانين المرعية حتى يقدم صورة طيبة عما يؤمن، فالناس بما تراه أكثر مما تسمعه.

ويرى الفقيه الكرباسي أنَّ تأمين الحياة الكريمة للمجتمع من مسؤولية المجلس بالإعتماد على: (الموارد المقررة بالدستور الشرعي من الثروات الطبيعية التي هي ملك الأمّة ضمن النظام الذي تقرر في موارد الدولة)، فالأصل عدم وجود الضرائب إلا في موارد حددها الشرع من خمس وزكاة، ولكن إذا لم تستجب نماء الثروات لكل متطلبات المجتمع فإنه كما يؤكد الفقيه الكرباسي: (يجوز لحاكم الشرع إنماء صندوق المجلس البلدي من أموال التركات والخمس وسائر الحقوق الشرعية وصرفها على المياتم والمقابر والمستشفيات وإنشاء الطرقات والجسور وحماية الناس من الكوارث، وإنقاذهم من آثارها وأمثال ذلك).

وهنا يفتح الفقيه الكرباسي آفاقا جديدة لصرف الأخماس في موارد هي بمسيس حاجة المجتمع وإخراج صرفها من الحالة النمطية التي اعتاد عليها المخمّسون على قلتهم مع كثرة من تقع عليهم واجب إخراج نماء أرباحهم وتجارتهم!

بالطبع قد لا تتوفر لدى المجلس البلدي كل ما يجب صرفه على البلد من موارد مالية، ولأن العملية تضامنية تشاركية بين المجلس والمجتمع بخاصة في مجال الخدمات فإنه: (يجوز لحاكم الشرع في موارد النقص أن يفرض على أهالي مدينة معينة بعض الماليات حسب الضرورة للقيام بخدمة الأهالي ودفع المكاره عن المدينة)، على أن للشيخ الغديري في تعليقه على المسألة وجهة نظر مغايرة وإن كان المؤدى واحدًا، فوضع الضرائب: "ليس من شؤون الحاكم الشرعي، وهو من وظائف وصلاحيات المجلس وللحاكم الإذن بذلك أو منعه، إذا كان يخالف الشرع".

ومن موارد فرض الضريبة كما يضيف الفقيه الكرباسي: (يجوز لحاكم الشرع أن يشرعن للمجلس البلدي بأن يؤخذ من كل مستخدم لطريق أو جسر بعض المال لتأمين العوز الحاصل بسبب إنشائه)، وهو ما نراه رؤي العين ونلمسه في عدد غير قليل من بلدان العالم التي تشهد السلامة في شوارعها والنظافة في أرصفتها، فالشوارع مستوية وسليمة بفضل الضرائب المستحصلة من السكان نظير الخدمات المقدمة، والأرصفة سالكة للمارة والراجلة من حواصل الضرائب، بل ويحرص السكان الحفاظ على سلامة الرصيف والزقاق والشارع حيث يتملكهم الشعور بمسؤوليتهم تجاه ما يدفعون إليه ولأجل الضريبة المالية الشهرية أو السنوية.

وتتعزز المسؤولية المتبادلة في البلدان التي يأتي فيها أعضاء المجلس البلدي أو المحافظة بالإنتخابات، ومن شرف المسؤولية فإن: (على الذين ينتخبون أعضاء المجلس البلدي أن يختاروا أهل الصلاح والقدرة ويتجنبوا المصالح الخاصة والتصنيفات الحزبية أو الإنتماءات القومية أو الدينية)، وحيث يتقوى نظام البلد بالانتخابات فإن ضمان تقديم الخدمات واستمراريتها يتعزز بالرجال الصالحين، وتأمين هذا الضمان من مسؤولية المجتمع، فالثمرة الطيبة من نتاج البذرة الصالحة، وحيثما اختار المواطن أرضا صالحة وبذرة طيبة نال خيرهما، عملا بقوله تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) سورة الأعراف: 58.

في الواقع إن المسائل الفقهية التي يستعرضها الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي فيها إضاءات فقهية كثيرة تضع الحاكم والمحكوم على طاولة المسؤولية المتبادلة، حيث يكون الإختيار الحسن لعضو مجلس البلدية أو المحافظة أو المجلس الوطني دلالة على وعي المواطن ومسؤوليته، ويصبح الجميع مصداقًأ للمأثور النبوي الشريف: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

صبحة بغورةتضمنت إصدارات دار النشر اللندنية E- kutub” " لعام 2019 كتابا هاما للشاعرة والقاصة والكاتبة الصحفية الجزائرية صبحة بغوره تحت عنوان "مراجعات حول حديث السياسة مع الفن والأمن والتاريخ " تناول الكتاب على مدى 255 صفحة مجموعة متميزة من المقالات انطوت مواضيعها على ثراء خاص ليس لأنه يشكل سجل أفكار ورؤى ومقاربات لكاتبة وأديبة جزائرية مرموقة بل لأنه يمسك بجوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية من زوايا مختلفة ليقدم من خلالها تحليلات موضوعية، هادئة، وعميقة، تستلهم من تجارب الأمم وحياة الشعوب سر المغزى وعمق المعني، ودلالة العبرة وخلاصة الدرس.

أنه كتاب قضايا تكاد تكون شغلا شاغلا لكل يوم، نعيش مفارقاته أو نمسك بجمراته أو نعاني من عواقبه، وما من قضية تناولها هذا الكتاب إلا وكتبت بقلم حار يكاد يكون صاخبا حتى لو حافظ على هدوئه لو أن يلاحظه القارئ لو أنه نظر إليه من خلال ما يعنيه من آثار صاغتها الكاتبة بعدما استخلصت الأفكار من تاريخ الشعوب وبلورتها، وصاغت المرئيات التي انتقتها لتمثل المحاور الرئيسية في علاقة السياسة بالفن والأمن والتاريخ، وحسنا استهلت الكتاب بتناولها معنى ومفهوم الكتابة السياسية في حد ذاتها ومكانتها كقوة ناعمة باعتبارها تتبع الفعل السياسي من حيث مواكبتها لمهامه التاريخية، ثم ساقتنا الكاتبة بين الرواية السياسية والمسرح السياسي إلى عوالم الرومانسية السياسية وفن رسائل الأزهار بدون كلمات وبروتوكولات الهدايا الدبلوماسية، لتنقلنا بعدها بسلاسة موضوعية إلى الحديث الناعم عن الحضارة بين الفلسفة والفن، وإبراز الدور السياسي والاجتماعي للفن، والسياسة في ميزان الأخلاق، وحدود حرية الإبداع، وتحرير الرسائل بين عفوية التعبير والمهارة الأدبية، وأدب الرحلة كسيرة مروية لإنسان غير مستقر، ومدلول الأماكن في الشعر والرواية.

إنه كتاب حوار مع السياسة، عندما تتحاور السياسة مع كل شيء، تارة لتطغى، وتارة لكي تعثر على الطريق. ومن خلالها أرادت الكاتبة إظهار مدى استغراق السياسة في المجالات الفنية الحساسة والقضايا الأمنية الهامة والمواقف التاريخية الحاسمة تجاه المسائل السياسية الحرجة بأسلوب جذاب ومشوق، فحققت ما أرادته في تمهيدها، فكان التأكيد على أن العلاقة بين السياسة وبين كل مجالات الحياة نلمس أثرها كحقيقة راسخة في كافة مظاهر النشاط الإنساني، وهي علاقة أزلية ستبقى ما بقي الإنسان لأنه بالأساس فاعلها ولأنه المتأثر بها، لذلك استعرضت الكاتبة نخبة من الموضوعات المتعلقة بالثقافة لسياسية وقدمتها بشكل أكاديمي نافع للمتابعين ومفيد في بحوث طلبة المعاهد والكليات ومعدي البحوث الجامعية، ويلبي في نفس الوقت شغف الإطلاع وحب المعرفة لدى المهتمين بالثقافة بشكل عام، فانطلاقا من تحديد ماهية المسؤولية السياسية وضعتنا الكاتبة أمام تحديات طبيعة المناورات السياسية، ومسؤولية الرؤية السياسية بين دواعي الوضوح ومسببات الغموض في بروز المظاهر السلبية للرداءة السياسية والتوحد السياسي والاستنساخ السياسي، وصولا إلى إثبات أن تحول المشاركة السياسية إلى مجرد مشاهدة سياسية فقط تمثل في حد ذاتها جريمة سياسية، تقتضي النظر بإمعان في قضايا الأمن الفكري والأمن الاقتصادي.

يضاف هذا الكتاب إلى الرصيد الفكري الإنساني لما يحتويه من قضايا دولية وعالمية تعرضت لها موضوعاته بعمق بعيدا عن الترف الفكري كالعولمة وحديث الحوارات، والبعد الدولي والعالمي لدور الدبلوماسية البرلمانية، وقضايا الأمن الفكري ومفهوم التلوث التاريخي، وأبعاد ودواعي المصالحة التاريخية، ثم ينعطف بنا نحو قضايا أكثر تعقيدا من خلال بحث سبل ضمان مكانة أمن التنمية بين مشقة إقامة علاقات الثقة الدولية وبين تعثرات مسار السلم العالمي، ومفهوم التفاوض، والنظام العالمي بين صراع التعددية والأحادية القطبية، وجهود الإغاثة الدولية بين التسييس والتحديات، وأهمية تحديد معايير جودة الإعلام.

يجسد الكتاب بشكل مميز للغاية حزمة مترابطة من الانشغالات صاغتها الكاتبة صبحة بغورة أفكارا قلقة هي عصارة تأملات عميقة لواقع بنية سياسية واجتماعية تسودها ثقافة لا تقبل على الإطلاق النقد في مسطح تفكيرها،صاغتها بأسلوبها الخاص في الكتابة المتعدد الأبعاد والمتنوع الجوانب والذي يدور في كل الاتجاهات الفكرية ويتجاوز الحدود المتشابهة، وبين خيبة الأمل والقلق ساقتنا إلى فراغ رهيب ولكن إلى حين ميسرة فوضعتنا بين حقيقة الموت الفكري والاندثار العقيدي والمذهبي الجاثمة، وبين أمل الحياة الباقي وهي تدرك جيدا أنه لم يعد الوقت مناسبا للحديث عن الخطاب الجنائزي نحتفل فيه بجلد الذات،بل جعلت الكتاب إعلان بصوت قوي أن الفرصة الحقيقية ما تزال قائمة لتجاوز حالة الغيبوبة السياسية التي أدت إلى التصحر السياسي والسبات الإعلامي بعد ان صار الإعلام موجها اكثر من شارحا وموضحا،وما تشكل بينهما من تيه ثقافي أدى إلى تناسل الأخطاء يعاني فيه مثقف السلطة ومثقف المعارضة على السواء من قلق الوجود ووجع الهوية وآلام الهم الإنساني، وإذ لا توجد إيديولوجيا مسبقة على الواقع فلا واقع بلا إيديولوجيا، والمثقف المستقل هو ناقد وصاحب فكر نقدي حر. تلكم كانت تأملات في المحطات الرئيسية التي توقفت عندها صبحة بغورة في رحلة سفرها ممتطية قلمها بحثا عن ما يمكن توظيفه لترميم وإعادة الإصلاح البنيوي العربي عبر ترسيخ مفاهيم تدعو لاستخدام العقل لا إغفاله.

تمثل موضوعات الكتاب وقفة تستنبط من وجاهة الفكرة مدى عمق المعنى وحجم واتساع دلالة الدرس لاستفزاز الإرادة وتحفيز الهمم وشحذ العزم لأنها ليست مجرد كلمات تواجه بها الكاتبة الامتحان الأزلي في رحلة البحث الدائم عن الخلود، بل من أجل البحث عن الحياة الحقيقية بكل أبعادها الحيوية، لذلك تضمن الكتاب الكثير من التقاطعات في سياق السعي من أجل التدقيق في الوقائع الممزوجة بإشباع القيم الإنسانية في المتعة الفكرية الراقية مع الاستفادة من التجارب. تؤمن الكاتبة صبحة بغورة بحتمية التطور لتجنب فوضى التغيير الذي يشابه في واقعه صعوبات عملية عبور سفينة مضيق الانتقال بالسلطة إلى بحر الاستقرار السياسي، وذلك من خلال رؤيتها الشاملة والواضحة لمحاور الكتاب وانطلاقا من نهجها الموضوعي السليم، فتراها في وسط ظلمة التخلف تتسع عيناها لترى عكس ما يراه الآخرون أو ما يراد لهم أن يروه فتغرق في أفكارها لترسم خارطة طريق في حاجة لوضع معالم تحدده، تبين بدايته ونهايته وتميزه وتدل عليه فتشير إلى اتجاه السبيل الصحيح إليه، فألمس أمامي حكمة التطور السلمي المتدرج عبر المراحل ومن خلال الحوار والمشاورة وفي ظل الحضور الجليل الذي ينمو فيها مثل طوفان الرغبة للفكرة بالحضور في الكلمات، وبروحها المليئة بالمعاني والصور لفجر البدايات ولعوالم أخرى من الحقول الواسعة للأحلام، لقد زرعت الوعد ولم تضيع الطريق برغم تعرضها لأحداث تدور باللونين، بين التشاؤم والاستبشار بين الخيبة والرجاء فمنحت الكتاب بعدا إنسانيا وروحا من التعايش، ثم أكسبت أفكارها غناء بالدلالات والإيحاءات فاستفزت فينا قوة التمسك بالحياة، وأثارت بنفوسنا الغيرة الحميدة على الوجود، لقد تصدت بشجاعة لمؤامرات مواجه المستقبل بالماضي المقدس لتفجير الصراع الثقافي ولتقويض تحديث العقل بإثارة الحديث عن تلك المعضلة المفتعلة بين دعوات التمسك بالتراث والتشكيك في جوهر دواعي التطلع للحداثة، إنها تعيش الحاضر مثقلة بتراكمات الماضي وبهموم المستقبل وغموضه ولكنها تعي تماما ثقافة عصرها وتتحرك بواسطتها مرشدة ومعلمة، لقد أسست لسياسة أن ترى التباينات في كل جهة حتى تتمكن من بناء تقدير موقف صحيح وجعلها من روافد النجاح ومنبع القوة ومصدر النصر، فتحدثت عن التراث بكل ما يحمله من دلالة تاريخية وحضارية وإستراتيجية قوية في ماضي الأمة وحاضرها، ومنها وجدت نقطة انطلاقتها المحمومة نحو التشديد على ضرورة إعادة إحياء التغييبات الثلاثة عن الوعي العربي، العلم وقوة سلاح المعرفة والثقافة باعتبارها آلية بحث واستقصاء ونقد، والتراث كحافظ على الهوية والأصالة، والتضامن كشرط أساسي للوحدة الوطنية وكحائط الصد القوي أمام محاولات التقسيم، وكم من مرة تم إخراج صراعات من طبيعتها السياسية لتعد حروبا طائفية وعنصرية.

إن الكتاب وثيقة هامة تضعنا أمام إشكالية الوعي بالوجود وسؤال الكينونة الملح في هذا الوعي، ومع ذلك يشعرنا بالإشراقات الأولية حتى قبل أن تدخل في نطاق وعينا، وعندما نقرأ الكلمات وهي تتناسخ وتنسخ الزمن تستيقظ فينا حواسنا فندرك حجم القوة التعبيرية المصحوبة بطاقة غامرة تبلغ ذروتها في تأكيد مطلق يمكن اعتباره البصيرة، لقد تمكنت الكاتبة ببراعة الواثق أن تتحول في محاور الكتاب المتميزة إلى فضاء يحتوي بدفء كل العناصر وما بينها من علاقات، وأن تمنحها المناخ الذي تفعل فيه ليكون هو نفسه المساعد على تطوير بناء المشروع الجمعي الذي سبق أن جمدت الأحداث المؤلمة نشاطه وشلت المؤامرات الداخلية والخارجية حركته حتى لم يعد له ذلك الوجود الفاعل في الحياة والمؤثر في سيرورة المجتمع، بل وتمكنت باقتدار من رسم الملامح الرئيسية للمشروع المؤسسي في نفس الفضاء الذي صنعته الأحداث بعدما لم يعد له وزن وفقد الكثير من قوة الجاذبية، وأن تواجه في نفس الوقت بروح الواثق من سمو الهدف ونبل المقصد وشرف الوسيلة تحديات وسائل إعلام غدت مؤسسات اسطورية مهيمنة على الفضاء العام ولها القدرة المطلقة في صياغة الواقع وصناعته وتوجيه حركته نحو أهداف تصنع في غرف السياسيين .

نخلص من جملة هذه التأملات إلى أن حاجة الكاتبة وتطلعها إلى واقعية سياسية في التعامل مع متغيرات المشهد السياسي قد جعلتها فريسة لمصدومة في جوانب عديدة من واقعها في خضم رحلة استعراضها الطويلة للوجع أمام قرابين الألم سواء خلال ترصد تتابعها على مسرح الحياة،أو في اجتهادها في توصيف الأحداث بدقة حتى أخرجت الحقيقة من صمتها، لقد سافرت بنا بعد معاناة في مسار متسلسل إلى عدة نهايات صادمة دون أن تتخلى عن حمل بعض أفكارها أحلاما يافعة بعضها لم تتحقق بعد، تسلمها بكل حذر لمن يقدر على حمل المشعل، وفي نفسها شيء من التوجس تجاه جدلية العلاقة بين نظام الأفكار الذي تجاوز مجرد التباين المعبر عن التعددية والاختلاف بمعنى التنوع، إلى ملامسة حدود التناقض ثم التضارب، وبين شروط النهضة، إذ يخشى أن ينحرف دور بعض الأطراف فتخرج مساهمتها عن كونها جزء من الحل إلى جزء من الأزمة .

اشرأبت الكاتبة صبحة بغورة في كتابها "مراجعات في حديث السياسة مع الفن والأمن والتاريخ" نحو حزمة نور من الأمل في أبهة المفكر لتعبر عن ذات باحثة عن وجودها، ذات ترصد ما حولها من مشاهد تراجيدية وتلم بتفاصيلها الدقيقة حتى تمتزج ذاتها المتعبة مع تشظيات المحيط لتقدم ما يلهم الناس للتوقف والشعور والتفكير والعمل من خلال بحثها المخلص الذي اتخذت له خلفية تبدو داكنة لتفسر ماضي التخلف الحضاري ثم تجعلها منطلقا لاستنطاق الواقع بكل ما يحمله من تناقضات،ولتغوص بعدها في وجدانيات بأسلوب واقعي لتوصيف كل مقاييس العمل الجمعي المؤسسي الناجحة، وتكون موضوعات الكتاب في مجموعها تفعيلا للتكامل المعرفي والانطلاق الحضاري، باستعراضه الحيادي للمعوقات وللمفعلات لتشكيل ملمح للتطوير الحضاري،كما أنه معين جيد للبحوث الاستقرائية للمسار المتأرجح بين التألق والتقلص في ترسيخ الهوية ومواجهة التحديات المعاصرة،ومع ذلك يبقى العمل النقدي أمر لازب لمن رام الترشيد الهادف والتمحيص الجاد.

* صبحه بغوره: متزوجة وأم لثلاثة أطفال، تعود بداية نشرها للأعمال الأدبية شعر وقصة قصيرة إلى عام 1999 في معظم الصحف والمجلات الجزائرية ثم اتجهت لتولي مسؤولية تحرير وإعداد صفحة يومية تعنى باهتمامات الأسرة وقضايا المرأة وعالم الطفل في الصحف اليومية "الصباح الجديد" و"النهار" و"الشروق" وأثرت صحيفة " الحقائق" الأسبوعية بعمود الرأي الشهير "فضفضة" ثم انتقلت سريعا لنشر الشعر والقصة القصيرة في الصحف والمجلات العربية السعودية والقطرية والكويتية والإماراتية والبحرينية والعمانية واللبنانية والسورية والمغربية والعراقية... ثم اتخذت الكاتبة صبحة بغورة منحى آخر باتجاهها إلى كتابة المقالات خاصة المتعلقة بالثقافة السياسية والقضايا التربوية في المجلات العربية المتخصصة حيث نشرت عشرات المقالات حول الثقافة السياسية في مجلة "الدبلوماسي"السعودية التي تصدر عن وزارة الخارجية السعودية،ومجلة "الأمن والحياة " التي تصدر عن جامعة نايف للعلوم الأمنية، ومجلة " آراء الخليج " الصادرة عن مركز دراسات الخليج، وقد أصبحت هذه المقالات مراجع مدرجة بالمستودع الرقمي في العديد من الجامعات الجزائرية في ولايات المسيلة وتلمسان، وبالجامعات العربية في السعودية ومصر والسودان والأردن والكويت والبحرين ..

صدر للأستاذة صبحه بغوره ديوانين شعر بعنوان "إمراة أنا" وآخر "لأني أحب" احتويا على عشرات القصائد الشعرية التي تكشف بكل كبرياء عن مكنونات المرأة العاطفية،وتبوح بوحا جميلا بأسرار أنوثتها عندما تحب، هذا إلى جانب مجموعة قصصية بعنوان " وخزات على جراح مفتوحة " صدرت عن مجلة " الرافد" الإماراتية احتفاء بإسهامات الكاتبة صبحة بغورة على مدى سنوات طويلة في إثراء صفحات المجلة بإبداعاتها الأدبية وتضمنت هذه المجموعة القصصية أعمالا توصف "بالمؤلمة" لأنها تناولت بعمق الجوانب الإنسانية والاجتماعية لإفرازات واقع مأسوي خلال فترة مريرة،وللكاتبة العديد من الحوارات الصحفية المنشورة حول تجربتها في مجال الشعر والقصة ونظرتها إلى قضايا الثقافة العربية، وحصلت على تكريم خاص من المرصد الجزائري للمرأة الهيئة الاستشارية لأكاديمية المجتمع المدني بالجزائر عرفانا لما قدمته في حقل تخصصها.

وتصدر دار النشر اللندنية " أي ـ كتب" الكتاب بالشكل الورقي والالكتروني، وتتولى وكالة " أمازون" الأمريكية توزيع النسخ الورقية، أما النسخ الالكترونية كل من" غوغل بوكس" و" كيندل" و "بلاي ستور" ويمكن شراء النسخة الالكترونية عن طريق الرابط الموجود بصفحة المؤلف في موقع linked in الذي ينقله مباشرة إلى صفحة الشراء عن طريق "باي بال "

 

علي محمد صدقي – إعلامي مصري

 

988 الحلقة المفقودةكتاب ترجمته ترجمة بهية الأخت الغالية الأستاذة خالدة حامد لمؤلفه: ديفيد كوزنز هوي.

الكتاب بخمسة فصول: الأول: نقد الهيرمونيوطيقا: دونالد هيرش، والثاني: طبيعة الفهم: هيرمونوطيقا هانز جورج غادامر الفلسفية، وكان الفصل الثالث بعنوان: النص والسياق، فيما كان عنوان الفصل الرابع: الحقيقة والنقد، أما الفصل الخامس ، فكان موضوعه هرمس والعلاقة بين الهرمسية والتأويل بوصف التأويل (الهيرمينيوطيقا) مُشتقاً من لفظ الهرمسية، نسبة إلى هرمس، وهرمس هذا هو أحد آلهة الإغريق (الإله، النبي، الحكيم)، (مُثلث العظمة) "العاطفي، والمادي، والعقلي"، يتداخل فيها ما هو غيبي (إيماني) مع ما هو (مادي) طبيعي، ليتواشج مع ما هو (علمي)، يتادخل تكوين الوعي الهرمسي السحري (الباطني) والغيبي الديني مع الفلسفي والعلمي العقلي والنظري المُجرد (التأملي) الذي تتداخل فيه النظرة العلمية مع النظرة الفلسفية ببعدها العقلاني والهيام بمُعطيات (التجربة الدينية) الفردية ليلتقي فيها (الروح الكُلي المثالي) مع (الروح الجزئي الواقعي) بعبارة هيجل ليختط فيها ماهو (ميثولوجي) أسطوري مع ما هو (فلسفي) أو (علمي).

الحلقة النقدية هي تسمية موازية لمدرسة (فرانكفورت) تأثر روادها برؤى كبار الفلاسفة والمفكرين على رأسهم: هيجل (المثالي)، وكارل ماركس (المادي)، وفرويد (عالم التحليل النفسي) فضلاً عن تأثرهم بأطروحات (ماكس فيبر) و (جورج لوكاتش).

يصح وصف فلسفة أصحابها بأنها (فلسفة اجتماعية)، والأصح أنها (فلسفة تطبيقية) تسعى لتوظيف مقولات الفكر المادي والمثالي لفهم ما هو معيشي وواقعي وردم الهوة أو الفجوة بين نمطي الفكر السائدين (الرأسمالي) الفرداني المُفرط، والاشتركي (العام) المفرط ليستعين أصحابها بمقولات (سيجموند فرويد) في التحليل النفسي، ليجعلوا منها (بيضة القُبان) في معادلة التوازن بين النزوع نحو (الفردانية) المُفرطة، والنزعة (العمومية) المُستغرقة في الدفاع عن (روح الجماعة) ونسيان نزوع الذات الفردية نحو (حُب الذات) والتميَز.

ركز (دونالد هيرش) على البُعد النفسي للمُتلقي أزاء النص، الذي يجعلنا نضيع في فضاء تعدد المعنى أو ما أسماه "بلبلة التأويلات"، وهو هنا يحمل التلقي على محمل حسن، ولكنه سيبقى فهم ـ لربما ـ فيه اقتراب من قصد المؤلف ولكنه ليس شرطاً أن يكون هو ما يرومه كاتب النص أو المؤلف، لذا نجده يُفرق بين (الفهم) و (التأويل) لأن الفهم اقتراب من قصد المؤلف، بينما التأويل هو اعتقاد الشارحين أنهم قد اقتربوا من قصد المؤلف، فالمعنى عند (هيرش) ثابت، والدلالة أو (الإحالة) مُتغيرة، أي أن المعنى هو ما أراده المؤلف، بينما (الدلالة) هي قابلة للتأويل، فالمعنى يبقى ثابتاً رغم تغيَر الأحوال ومرور الأزمان.

أخذ (هوركهايمر) على عاتقه التعريف بأهمية (النظرية النقدية) بوصفها (فلسفة تطبيقية) غايتها تحقيق (العدالة الاجتماعية) خارج هيمنة (الراديكاليين) من دُعاة الاتجاهين سابقيَ الذكر، لأن كل منهما يدَعي (وصلاً بليلى)= (الحقيقة) ويُنظَر دعاة كل إتجاه على أنهم أمسكوا بلُبَ الحقيقة وجوهرها، ولكن (ليلى في العراق مريضة)!، وهذا هو حال الحقيقة، كما هو حال ليلى، ولكن من يدَعون وصلاً بها أصحَاء، لأنهم لا يرون ليلى بقدر ما يرون (توهامتهم) في (الكهف الإفلاطوني) على أن الظلال حقيقة، ولكنها ظلال ليلى، وليست ليلى = (الحقيقة).

التنوير هو ادَعاء الوصل بليلى، لذلك تبنى فلاسفة (مدرسة فرانكفورت) تهديم النظرة التقليدية للتنوير المبني فلسفة وفكراً على الإيمان بقدرة العقل العلمي (التقني) على إدراك كُنه الحقيقة، أو الوصول لليقين المعرفي والعلمي عبر الوثوق بمعطيات العقل وناتجه (التقنية) التي لم نجني منها (وصلاً بليلى) = (الحقيقة) بقدر ما جنينا من نزوعنا التنويري الوثوقي هذا من "تشيؤ" للعقل الإنساني.

تلك مهمة تبناها (هربرت ماركيوز) في نقده لليقينيات عقل التنوير بوصفهها رؤية ذات بُعد واحد في كتابه (الإنسان ذو البعد الواحد)..

لم يقبل (أدورنو) بسيادة (عصر التنوير) والقبول بأطروحات فلاسفته بوصفها الحل الأمثل لمشكل الخلاص لمسيرة المجتمع باعتمادنا على مُعطايات العقلانية بطابعيها (التجريبي أو العقلاني)، لأن اليقين مشكلة تأصلت في كلا الاتجاهين، فكل اتجاه يدَعي أصحابه أنهم قد مسكوا بتلابيب الحقيقة.

ربط (هابرماس) بين المعرفة والمصلحة في كتابه الذي يحمل العنوان ذاته (المعرفة والمصلحة) وكأنه يُعيد لنا انتاج مقولة فيلسوف البراجماتية الأشهر (وليم جيمس) في مرادفته المشهور بين المعرفة والمنفعة، فبعبارة (وليم جيمس):"ما هو نافع ىفهو صادق، وما هو صادق فهو نافع

التأويل عملية فهم بحسب غادامير، فأي تأويل يُراد له أن يُسهم في الفهم، أن يكون قد فهم ما يُراد تأويله.

يهتم التأويليون بتاريخية المعرفة

في هذا الكتاب سعي لتجاوز الفهم النسبي للنص المؤول، فكل فهم مُرتبط بمدى قُدرة المؤول في إدراكه لـ "صحة التأويل" وموضوعية الفهم من خلال إحياء مفهوم "قصد المؤلف".

في الفصل الثالث النص والسياق محاولة جادة لتوضيح العلاقة بين النص والسياق عبر قراءة لنتاج (دريدا) في كتابه (الكراماتولوجيا)، وتمييزه بين منطوق الكلام وأثر الكتابة بتاكيده على استقلالية الكتابة.

أما (بول ريكور) فيُميز بين (وظيفة الكلام) الاحالية و (وظيفة النص)، ليؤكد أن وظيفة النص لا تعني تأويلاً للحوار فحسب، بل، في الوقت نفسه تعني تأويلاً للاحالة، فلا وجود للنص من غير احالة ما.

يعتقد غادامير أن الفهم ظاهرة لسانية، بينما نجد هابرماس يؤكد على الأبعاد الاجتماعية للمعرفة مثل علاقات القوة وبنية العمل، ليُقدم لنا نظريته في "الفعل التواصلي".

لذا فإن النظرية الهيرمنوطيقية كما يتبناها فلاسفة (الحلقة النقدية) لا تجعل النقد مُستحيلاً - كما جاء في الفصل الربع (النقد والحقيقة) - بل سيجد اصحابها في التأمل الهيرمنيوطيقي مجالاً يُمهد للنقد وأصحابه ممارسة ورؤية للحقيقة بعيون باصرة.

 

ا. د. علي المرهج

 

محمد السعديقرية الهويدر: التي ولدت فيها وقضيت ثلث عمري، الذي تجاوز الستين بين درابينها الطينية وعلى تخوت مقائيها العتيقة وبين أهلها، هاجرتها مجبراً، لكنها لم تفك عني رغم مرور تلك السنيين في المهجر، وما زالت تعيش في تفاصيل حياتي اليومية في عطر الذكرى والناس والدربونه والنهر والمقهى والارهاصات . حيث لايمر يوماً الأ ويهاجمني شريط الذكريات عن طيبة ناسها ورائحة قداحها وطينة نهرها وميائه الرقراقة الزلال ولمعة النحاس للون المشاريب على أكتاف نسائها وهن عائدات من شريعة نهر ديالى محملات بمشاريب المياه وملفعات بتلك العباءات السود . شريط الذكريات يمر بي الى عتبة بيت تلو عتبة وسحنات وجوه ساكنيه وطيبتهم ومميزاتهم وأسمائهم، أواصل حلمي الى كل دربونه وعكد، بدءاً من القلعة الى الدوزة الى منطقة الحمام أميل يساراً الى دكان أبي المجاور الى باب الحمام الاهلي الجانبي مدخل سيدات وشابات الهويدر المبجلات بالخجل والجمال الهويدراوي، يطوف بي تلك الحلم الى بيتنا العتيق الفاصل بين عكديين الحميدية والجبان، أهيم بحنين بين بيوت الحميدية ويلفعني نسيم هواء بستان أم الهري الى فروع أم البنات عابراً الى درابين الممدية وذكرى صديقي الشهيد ثامر البغدادي في المطلاع، وصولاً الى فروع الجرد والفضوة ومروراً بمنطقة الجامع ومقهى كامل السعدي (أبو عيسى)، الى الشيخ دكل وإطلالة شريعة نهر ديالى والعبور بالكفه الى قرية السبتية.

تلك الذكريات، قفزت الى ذهني، حالما مسكت يدي تلك الكتاب وقبل تصفحه والنظر الى دفتيه، صورة الغلاف أبكتني بذلك الماضي العتيق من خزين طفولة وذكرى ومسيرة . (الهويدر قرية الالف لقب والالف شهيد) .

الهويدر: قرية قديمة وعريقة ومهمة تقع شمال مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى بمسافة خمسة كيلو مترات بطريق مبلط . وقد أنشأت هذه القرية سنة ١٩١٠ ميلادية، وقد أختلفت التسميات حولها مابين أصل فارسي مأخوذ من (هودار) أي مجمع الهواء، وقيل أن أسمها تركي جاء من الهواء العذب . وروي عن البعض أن أصل أسمها يعود الى كلمة (هودرو)، عندما مر الإمام علي أبن أبي طالب بجيش جرار فيها، وخاطب جيشه أن يهودرو في أحدى بساتين القرية تسمى (مال كاوري)، طلباً للراحة والآمان والتي تطل مباشرة على نهر ديالى مقابيل مدينة بعقوبة الحديثة (بعقوبة الجديدة / خان الوالوه سابقا)، في الجهة الثانية من نهر ديالى . وقبل خروجي بسنوات من القرية، كانت بستان (مال كاوري) وشاطئها الجميل ملتقانا اليومي مع الصديق عدنان الانصاري وفي مشهد سحر أختفاء ضوء الشمس من على ضفاف الشاطيء تجرنا الاحاديث ببطء الى الافراح والاوجاع والمعاناة في عراق مقبل على تداعيات خطيرة .

وهذه القرية كانت قد تكونت بسبب عوامل الطمي التي حصلت لنهر ديالى بعد أن تغير مجراه، وهي عامرة بالبساتين ومزارع الفرتقال والرمان والتمور بأنواعه المختلفة . وكانت حمضيات قرية الهويدر مضرباً لأمثال الطراوة ولذة طعم برتقالها، ونظراً لهذه المكانة في جزيئات الاقتصاد العراقي، أستضاف المرحوم كامل الدباغ في برنامجه الشهير (العلم للجميع) من كل يوم أربعاء مساءاً على قناة العراق الرسمية أحد مزارعيين القرية المرحوم (أبو علي) ليتحدث عن عدد أنواع وأصناف الفرتقال في بساتين القرية وبجهود من مزارعيها في تطوير عدة أنواع من خلال القاح والتطعيم . في السنوات الاخيرة باتت محاصيل القرية تعاني من مشاكل متعددة أبرزها الاهمال والتقصير بعدم مكافحة الآفات الزراعية وشحة المياة من خلال عدم جدولته وتنظيم سيره في جداول الأنهر الساقية . فأضطر العديد من الفلاحين الى تجريف المئات من الدونمات وتحويلها الى أراضي سكنية بسبب العوامل التي ذكرناها أدت الى تراجع في الانتاج الزراعي وعدم جدواه المادي .

وكان للعنف الطائفي بعد أحتلال العراق أيضاً أثره السلبي على الانتاج، حيث تعرضت العديد من البساتين الى العطش وأنقطاع مياه عنها، أضافة الى كثرة الأوبئة والامراض التي أصابت أشجار الحمضيات .

قرية الهويدر: تصلح أن تكون مصيف سياحي تستقطب السواح لطبيعة جوؤها وموقعها الجغرافي وسط مياه نهر عذب ومحاطة ببساتين النخيل والحمضيات، وأن الشاعر المعروف (الملا عبود الكرخي)، ذكر في أحدى قصائده الشعبية برتقال الهويدر . وقد زارها فيصل الأول ملك العراق وحظي بأستقبال أهلها تقليداً للاعراف الاجتماعية في الهويدر في أحترام الزائرين والحفاوة بالضيوف . زوارها التقلديين أو المارين على مقاهيها ومطاعمها هم ضيوف على أهالي القرية، وهذا تقليد توارث عبر سنيين قيامها، وعندما يجلس الضيف على تخوت القرية وبدون معرفة سابقة ويطلب (شاي)، ينادي أحد الجالسين القريبين منه كلمة (وره)، بمعنى حسابه واصل، وحتى الذي قام بهذه الخطوة وأذا كان لم يمتلك فلساً فعلى مالك المقهى يتحمل (وره) أبن قريته .

في العام ١٩٨٣، وعندما أجبرتني الظروف على ترك القرية وأهلها الطيبيين، كانت القرية تحتوي على قرابة ١٢٠٠ بيت ويبلغ عدد سكانها نحو ثمانية الاف نسمه جلهم من العرب لهم تقاليدهم العشائرية وعاداتهم الاجتماعية وخاصة في الشعائر الدينية أيام محرم عاشوراء.

الهويدر: تعد قرية صغيرة حصرها نهر ديالى بمنفذ وحيد يربطك بمركز المدينة وقد تبدو للمشاهد كجزيرة وسط المياه ومحاطة بكثافة البساتين . وقد أستغل الارهابيين نتاج الاحتلال والعملية الطائفية في أستغلال هذا المنفذ الوحيد للقرية في تنفيذ أعمالهم الارهابية تجاه أهالي القرية من قتل وقصف وحصار، وراح ضحيته أبن أخي المرحوم باسم (نوار)، بعمر ١٧ عاماً متصدياً بصدره البريء الرصاص الغادر تجاه أهالي قريته .

وتعرضت القرية وأهاليها الى عمليين أرهابيين بطرق السيارات المفخخة أودت بحياة شريحة واسعة من أهالي القرية ظلماً وعدواناً . وطيلة قيام القرية تعرضت الى أكثر من مرة الى تدمير طبيعي أثر فيضانات نهر ديالى، لكن بقيت ملامحها طاغية ومعالمها واضحة وحافظت على تكوينها الطبيعي (القروي)، رغم الخراب الذي أصابها من أثر الفيضانات وهجمات النحر الطائفي .

تمسك أغلب الهويدراويون بطابعهم الشيعي الحاد والذي وصل أحياناً الى مستوى التقوقع في أيام الحرب الطائفية رغم قرب القرية من المركز بعقوبة . أمتازت قرية الهويدر بالزراعة ونخيلها المتميز وجمال طبيعتها وصفاء نهرها وطيبة أهلها . وخرجت القرية رموز أدبية وسياسية تركوا بصماتهم على مكانة القرية . أمثال طلعت الشيباني وزير أقتصاد حكومة ١٤ تموز ١٩٥٨ أول حكومة وطنية في العراق، وأيضا خزعل علي السعدي القائد العسكري والسياسي، وعلي عباس ططو عالم عراقي قتل في ظروف غامضة والشاعر أحمد حسين البياتي وأخرون . تكاد تكون نسبة اللامية ضئيلة جداً . عام ١٩٨٠ أقدم النظام العراقي على جريمة كبيرة، سادتها أجواء الرعب والحيف الذي لحق بالناس . ففي جو إرهابي أقدم على تهجير مايقارب ١٥٠ مواطناً قروياً الى الجارة إيران بحجة التبعية الايرانية أستعداداً للحرب القادمة والتي طالت ٨ سنوات حرقت اليابس والأخضر، ومن أجل تصفية حساباته وخلافاته السياسية والدفاع عن البوابة الشرقية، فكان العدد الاكبر منهم ينتمون الى العراق وحاملي الجنسية العراقية القديمة ومنهم وليس قليلاً من أعمدة النظام في القرية، هجروهم قسراً بعد أن أختطفوا شبابهم من ذويهم وغيبوهم في غياهب السجون، فقد هجروهم بعد أن جردوهم من كل ممتلكاتهم الشخصية وأفذاذ أكبادهم، البعض من هول الصدمة ماتوا على الحدود حنيناً للعراق وأهله، في هذه الاجواء المربكة والصعبة هب أهالي القرية لشراء ما تركوه من بيوت وبساتين وبأتفاق الجميع لتكون أمانة عند عودتهم، وفعلا عادت بعد عودتهم مع رحيل الدكتاتورية عن المشهد السياسي العراقي ومجيء الاسلام السياسي المتخلف تحت حراب الامريكان . في العام ١٩٨٨ وصلت الى إيران (طهران .. قم .. مشهد)، بعد أن نجوت بأعجوبة من أخر أنفال حكومي سبق قرار أيقاف الحرب العراقية الايرانية، والتقيت ببعض العوائل من أهالي القرية، الذين هجروا وجدتهم يتلوون حنيناً للعراق وأهالي قريتهم ويذرفون الدموع على تلك السنوات، ولفت أنتباهي خطوة النظام الغبية أن أبناء العديد من تلك العوائل قد أنخرطوا في التنظيمات والمليشيات التي تقاتل مع الجيش الايراني ضد العراق، صدام حسين ونظامه أعطى للايرانيين قوة عسكرية ضاربة جراء همجيته المدمرة والبعض منهم عادوا في حكم العراق بعد أحتلاله ورحيل النظام . وقد سبق هذا الفعل الهمجي حملات إعتقال واسعة في العراق شملت تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي والتفريط بالجبهة وتنظيمات حزب الدعوة وعناصر القوى القومية ورفاقهم في مجزرة قاعة الخلد عام ١٩٧٩ . للتفرد في الساحة السياسية العراقية وتكريساً لعقدة الحزب الواحد .

 

محمد السعدي - مالمو

 

 

987 المراة والقرانبقي عنوان النظر والتجديد في التراث الديني من أبرز العناوين التي تتحرك في فضائها مشاريع وأعمال عدد من الباحثين من دعاة الإصلاح والنهضة، ولا تزال قرأتهم قائمة في تكشيف المرجعيات الإسلاميَّة، بمقرراتها واداواتها، وفك التباساتها التاريخية مع معطيات الزمن الذي ولدت فيه وأثرت به وتأثرت، لتنمية وإرساء معطيات ونصوص ورؤى حضارية تنسجم مع تحديات الزمن الراهن، المتدفق بكل عناصر التغيّر والسرعة.

والموقف من المرأة كما يرى الدكتور عبد المجيد الشرفي يعد اليوم أفضل معيار يمكّننا من تصنيف المفكرين والمشتغلين بالمعرفة الدينية، ومعرفة مدى بقائهم عالة على بعض القدماء من الذين يكرّسون التمييز الذي كانت النساء ضحيته، أو انخراطهم في مقتضيات عصرهم بالنسبة إلى سائر القضايا. وهذا المعيار هو الدليل في الحكم على المصداقية التي يمكن أن يتمتع بها أي موقف، باعتبار أن حقوق الإنسان كل لا يتجزأ ولا يجوز اختزالها. فإذا وجد من ينبذ الأحكام الفقهية التفصيلية التي تفرق بين المسلمين على أساس الانتماء المذهبي –مثلًا- ثم وجدتهم يقرّون بفرض أحكام فقهية ولدت ضمن الاشتراطات التاريخية بتعللات واهية، فلا نستبعد أن ذلك النبذ منقوص ومعتل، يحمل في طيّاته تناقضًا داخليًا، وأنه غير مبني على أساس متين.(1)

وقد شهد المسار التاريخي لموضوع المرأة سجالات فكرية حادة في داخل الوسط الديني، في العصر الحديث من رفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده، وقاسم أمين، والطاهر الحداد ومرتضى مطهري، ونصر ومحمد مهدي شمس الدين وو.  وقد تمخضت عنها اتجاهات معرفية متعددة، يمكن حصرها في ثلاثة، لنتلمس من خلالها مشروع الأستاذ ماجد الغرباوي في مقاربته لهذه القضية الحرجة، وأين يمكن أن يصنف؟ وما هي أبرز محدداته وأدواته؟

وبإيجاز، فان هذه الاتجاهات الثلاثة، هي:

أولا: الاتجاه التقليدي النصوصي (الأصولي):

ومن أبرز معالمه الحفاظ على أصالة المعارف والتعاليم الإلهية، ومواجهة جميع الأفكار التي تستعين بالمعارف والمنهجيات الحديثة في فهم وتفكيك التراث الديني. فؤلاء يقدسون الماضي. حتى ان بعض اتجاهاته المفرطة، تعتقد أن الله يريد حفظ الظروف الموضوعية والعلوم والفنون التي كانت موجودة في ذلك العصر، ويعدون كل التحولات اللاحقة بعيدة عن المجتمع الإسلامي المرجوّ. (2)

الاتجاه الثاني: الاتجاه الكلامي (العقلاني):

وهو اتجاه برزت فيه شخصيات كبيرة في القرن العشرين كالشيخ محمد عبده، ومحمد رشيد رضا، ومحمد حسين الطباطبائي، ومرتضى مطهري، ومصطفى السباعي، وغيرهم، وقد ركز هذا الاتجاه نشاطه على صعيدين(3):

أحدهما: تقديم صياغة علمية داخلية لموضوعات المرأة غلبت عليها، سمة إعادة إنتاج من دون تغيير في النتائج غالبا، أي إعادة صياغة وتشكيل للنظم المفاهيمية مع الأخذ بعين الاعتبار ثبات النتائج.

ثانيهما: تقديم تفسيرات عقلية للنتائج المفروغ منها، يمكنها عقلنة معطيات النصوص، أي تقديم تفسيرات لقضايا الحجاب وعلاقته بالحرية، وتعدد الزوجات وعلاقته بالحقوق وو. وقد ساعدت التركيبة الذهنية – الاجتماعية في المجتمعات الإسلاميَّة، على نجاح هذه التفسيرات ومعقوليتها لدى الرأي العام، وهو ما قد ينذر بفشل الديمومة، نتيجة التغيرات التي حدثت في العقديين الأخيرين.

الاتجاه الثالث: الاتجاه الفقهي الحضاري:

 وقد تبلور هذا الاتجاه في كتابات الشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله، والشيخ يوسف صانعي، والشيخ مهدي مهريزي، والشيخ مجتهد الشبستري، غيرهم. ويحكي عن نمط من التفكير والتعاطي مع النص (القرآن والصحيح من السنة) المحتكم إليه في القراءة والتأويل، تمثل في أمرين(4):

الأمر الأول: آلية الحفر خلف الجانب الصدوري للنص، وهو أمر يتسنى في السنة الشريف، ويستحيل في القرآن الكريم. إن هذا الحفر الذي يهدف إلى تقويض النص من خلال نفي صدوره، وجد لنفسه في هذا الاتجاه فرصة ملائمة جدًا. والسبب في ذلك هو ان مجموعة تصورات اجتماعية عن المرأة لم يعمد الفقهاء والمتكلمون المسلمون السابقون إلى تحقيقها اتكالًا على الوضع العام في الوعي والعقل الجمعي المسبب عن بنية خاصة للمجتمع القديم.

الأمر الثاني: إلية تكوين قراءة جديدة للنص تدخل في الحساب التاريخي، والمكسب الذي سيتحقق حينئذ يقوم على محاولة عزل النص عن الواقع الاجتماعي الحالي من خلال وصله ببنى وهيكليات اجتماعية – سياسية سابقة لم يعد بالإمكان تحققها اليوم.

هذه هي أبرز الاتجاهات الدينية التي عاشت السجالات الفكرية لوضع المرأة الحقوقي والحضاري، وقدمت تصورتها وقناعاته فيه، ولكل منها كما شاهدنا أدواته المعرفية وسماته وتجربته.

ومن ثَّم، نعود ونسأل أين يمكن أن نصنف مجهود وعمل ماجد الغرباوي من هذه الاتجاهات من خلال كتاب (المرأة والقرآن) ؟ علمًا ان كتابه عبارة عن حوار أجرته معه الدكتورة ماجدة غضبان، وكان الحديث في عمق التشريع وفلسفته ومرجعياته وأصوله، والواقع ودلالاته في النص وفهم النص. مع النظر في المنهج البحثي والعقل الاجتهادي الإسلاميَّ في محاولات التأصيل والتعميق.

ويبدو لنا من خلال المطالعة انّه ينتمي إلى الاتجاه الحقوقي الحضاري، الذي يسعى إلى قراءة مضامين الأدلة الشرعية من جديد، وفك النصوص من اشتراطاته الزمانية. ويمكن تلمس أبرز أدواته في الفهم والتفكيك والمعالجة بالاتي:

أولًا: التفريق بين النص وفهم النص وتفسيره، فهو يرى ان القداسة أو الحجة الشرعية-كما يسميها- لا تتجاوز القرآن والصحيح من السنة، وحتى هذا السنة فبعضها تدبيري (أو ولائي، تقتضيه المصلحة العامة)، والآخر مطلق يحمل على نحو القضية الحقيقية. فهو يقول: (اذاً الحجة الشرعية هي الكتاب المبين والحديث الصحيح الذي يفسّر النص "في تفصيلاته التشريعية وبعض جوانبه". وما عدا ذلك يقبل النص الديني أي تفسير ضمن ظرفه وشروطه. ولا شك ان النفوس الذكورية والاعراف والتقاليد، لعبت دورا في تفسير النص لصالح الذكر ضد الانثى، وهي تفسيرات وليدة عاداتها وتقاليدها وفهمها، وليست بحجة علينا. ويجب ان يكون لنا تفسيرنا ضمن ظرفنا التاريخي. وهذا الكلام لا يعني الشمول ابدا، فهناك كثير من التفاسير الموضوعية، لكن قد نراها تجافي المرأة على خلفية فهم المفسّر، ومبناه في توثيق الروايات، ومدى قبوله لها. او مدى تأثّره بالتراث او بواقعه. او بسبب خلفيتنا نحن، واختلاف الزمان، ورؤية الرجل مطلقا للمرأة ودورها في المجتمع. فالقياس هو القرآن وليس قول المفسر او الفقيه، ومتى ما انتابنا الشك في اقوالهم نعود للقرآن نستنطقه كي نتعرّف على الحقيقة.."(5) وعلى ذلك فهو يرفض النصوص والتفسيرات التي تصف النساء بناقصات العقول، أو ما ينسب  للإمام علي(ع) من : " كن من خيرهن على حذر"

ويعتقد انها نشأت في ظروف سياسية خاصة، كحرب الجمل وخروج السيدة عائشة على الإمام علي (ع) وتزعمها لجماعة من المسلمين. (6) ووفقًا لذلك لا يمكن أن يشكل ذلك مدركًا للأحكام الشرعية أو لرسم صورة عن المرأة. نعم هي رأيٌ سياسيٌ شخصيٌ، لا رأيٌ اجتماعي عام تبنى عليه الأحكام.

ثانيًا: ان حصر مقاصد الله بالدلالة الحرفية للنص، وعدم مراعاة الدلالات الأخرى كالدلالة العقلية أو الدلالة المقاصدية، أو الدلالة الواقعية (التاريخية) قد أثر سلبا في تفسيرها، وجرد النصوص من قرائن مهمة قد تقلب العام إلى خاص، أو المطلق إلى مقيد والعكس صحيح. وعليه، فان الحل يكمن في تتبع المجتهد واستقرائه لجميع الدلالات الداخلية والخارجية لخلق وعي أعمق وأشمل للنص.

ثالثًا: من خلال إيمانه بلزوم فهم الأسبقيات والقبليات التي ينطلق منها المجتهد في معالجاته فانه يرى ان الفرضيات المعرفية المسبقة عن هوية المرأة وقدراتها هي من أثرت بشكل كبير في استنباط العديد من الأحكام المتعلقة بالرجل والمرأة. فيقول في ذلك: "لا إشكال في ان الحس الذكوري هو بوصلة الفهم والتفسير لدى بعضهم.. فكانت الذكورية حائلًا بينهم وبين التفسير والقراءة الصحيحة، حتى ان بعض الآراء الفقهية ما زالت قاصرة وقد تصنف جائرة بحق المرأة، وسببها كما تقدم النظرة الذكورية." (7)

رابعًا: فحصه للنصوص وإعادة قراءة مضامين الأدلة لا تمنعه من قبول مسوغات فكرية قدمها علماء الإسلام بخصوص تعدد الزوجات- مثلًا-، وصلته بالحقوق من أجل مجتمع نظيف، عفيف، ما دامت هذه المسوغات أو العلل لا تصطدم مع الواقع الضاغط بضرورياته ، مثل: كون الرجل لا يكتفي جنسيًا بزوجته، أو أن زوجته لا تطيقه جنسيًا، أو ان التعدد قد يساعد في القضاء على مشاكل العوانس، وقلة الرجال بسبب الحروب، أو الأرامل في ريعان الشباب، ونحو ذلك. والتعدد عنده من حقوق المرأة وليس الرجل فقط.

خامسًا: من الأدوات المنهجية عنده هو معيارية الفهم القرآني، وحاكميته على مجمل النصوص الأخرى، ولا يتأتى ذلك إلَّا من خلال النظر إلى القرآن ككل لا إلى جزء منه فقط.

وتشير الدراسات القرآنية الحديثة إلى ما يقارب من مئتي آية تتناول المرأة وعلاقتها بالرجل. ومن هذه النقطة في ينطلق إلى رفض الآراء التي تجيز زواح البنت بتسع سنوات!! معتمدًا على علامات البلوغ التي ذكرته النصوص كـ " بلوغ الحلم "، أو " بلوغ الرشد " فلا يمكن استفادة إطلاق الحكم بتسع سنوات من دون أن تكون حائضًا وبمستوى الرشد.

سادسًا: تحت عنوان "الإسلام والرق" يكشف ماجد الغرباوي عن أبرز أدواته المعرفية وهي التمييز بين الأحكام التدبيرية الزمنية التي تصدر من النبي (ص)، وبين الأحكام التبليغية التعبدية، فكما ان النبي يمارس أحكام التبليغ فانّه يمارس أحكام الولاية العامة في إدارة شؤون المسلمين، وهذه الأخيرة توقيتية لا تلزم المجتمعات اللاحقة. وعليه، فان أحكام الرق ومشروعيته إذا كان لها ما يبررها في ظروف وقواعد الصراع التاريخي، فان هذه القواعد قد تبدلت بعد أن اتفقت جميع المجتمعات على نبذ الرق بإشكاله المختلفة.

وأخيرًا، من حقي أن أسجل ملاحظة نقدية يمكن أضعها بصفه سؤال أمام منهج وتعاطي الأستاذ ماجد الغرباوي في تفريقه بين النص وفهم النص، وقد ذكرتها في كتابي:" مسألتان شائكتان في قضايا المرأة " وهي: ان معالجة القرآن لقضايا المرأة هل قائم على أساس تكويني في طبيعة المرأة بحيث يتصف بالثبات، أم قائم على أسس وحيثيات اجتماعية متبدلة ؟ وبالتالي يخضع النص القرآني للتبدل في معالجاته؟.

 

سُميَّة إبراهيم الجنابي/ باحثة إسلاميَّة.

الحلة/ العراق.

.............................

(1) ينظر: عبد المجيد الشرفي، عبثية الصراع المذهبي، كتاب: الصراع المذهبي فصول في المفهوم والتاريخ، الناشر: جامعة الكوفة، الطبعة الأولى- بيروت-2018م، 65.

(2) ينظر: الشيخ محمد تقي سبحاني، شخصية المرأة – دراسة في النّموذج الحضاري الإسلامي، ترجمة: علي بيضون- شاكر كسرائي، الناشر: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي- الطبعة الثانية - 2013م، 29-33.

(3) الشيخ حيدر حب الله، المرأة في الفكر الإسلامي المعاصر، الناشر: دار الهادي- بيروت، 2008م، 14.

(4) الشيخ حيدر حب الله، المرأة في الفكر الإسلامي المعاصر،12.

(5) المرأة والقرآن- حوار في إشكاليات التشريع، الناشر: العارف للمطبوعات، الطبعة الأولى- 2015م، 16.

(6) ينظر: المرأة والقرآن- حوار في إشكاليات التشريع، 24.

(7) ماجد الغرباوي، المرأة والقرآن- حوار في إشكاليات التشريع، 25-26.

 

سعيد الحسين عبدليحول الكتاب والكاتب: كتاب "نبض الخاطر" لئن اعتبره المؤلف من صنف السيرة الذاتية فإنه تجاوز هذا الحد كثيرا فكان أقرب ما يكون لأسلوب عبد الله ابن المقفع في كليلة ودمنة ووفيا لأسلوب غرامشي في النقد والالتزام بقضايا المجتمع. هو كتاب فاق حجمه بالقياس العددي 66 صفحة فكان أكبر بذلك بكثير لما نتأمل في القضايا التي طرحها والتي امتدت على 13 مشهدا سنأتي على توضيح مدارات اهتمامها.

صدر "نبض الخاطر" عن دار أطلس للنشر والتوزيع للكاتب صلاح هاشم وهو الكاتب الذي يحمل في رصيده أكثر من 16 كتابا فضلا عن المقالات والدراسات، هو أستاذ التنمية والتخطيط بجامعة الفيوم في جمهورية مصر العربية.

محتوى الكتاب:

يتكون من مستهل و13 مشهدا تعبر عن المعيش المصري كما عايشها الكاتب في المجتمع الذي ترعرع فيه: الله، القدر، الحياة، الموت، الحب، الصداقة، الأم، الوطن، العدل، الحرية، العلم، الفقر والفساد. فمثل هذه العناوين تكاد تكون هي نفسها مشاغل كل إنسان في البيئة العربية وليس فقط مصر. فالكاتب هنا جاب بذاكرته المفعمة بالحب والألم في آن واحد في كل أرجاء مصر،  إذا يقول " لقد كنت أمينا في نقل أفكار ومشاعر الذين تزاملت معهم عبر حياتي الماضية كما كنت أمينا في رصد أوجاعهم التي عجزت ألسنتهم آنذاك عن التعبير عنها، كما كنت حريصا على أن أنقل ملاحظاتي في سياسات الحكومات فيما يتعلق بتعاملاتها مع قضية الفقر وهموم الفقراء، أملا في تغيير سياساتها إلى الأفضل، من أجل دولة قوية تقوم على السلام والحوار العادل بين الحكومة وبين الشعب."

فهو بذلك  نقل آلام الناس ومعاناتهم وصوّر كل ذلك في شكل مسترسل وعفوي بعيدا عن لغة الخطابة الزائدة والتحرر قدر الإمكان من ضبط الكتابة التقليدية التي تستلزم إثراء النص بشواهد من دراسات أخرى. فكان المتخيّل والرؤية الثاقبة كفيلتان بالنسبة للكاتب صلاح هاشم لرسم معانات الناس الفقراء والفئات الهشة وحتى تلك الهامشية والتي سماها بلغة الملفوظ الشفوي التي نبتت فيها.

هذا الكتاب فيه مراوحة بين لغة الوجدان والعقل..الوجدان لما يكون الكاتب جزءا من معانات النــــــاس الذي كان هو نفسه واحدا منهم وجعلته وفيا، متحمسا لمناصرتهم، يعتبرهم جزءا من ذاته..ولكن سرعان ما تتراء لغة العقل والعلم والحال أنه المتخصص في مجال التنمية والتخطيط فتراه بين الفينة والأخرى يُنزّل تلك المشاهد وفق سياقاتها المعرفية متحمسا لضرورة جعلها في أولويات الإصلاح والتنمية حتى أنه يعتبر أن مقاومة الفقر هو أولوية مطلقة من دونها لا يمكن تحقيق التنمية والقفزة المصرية، ولذلك يقول:" لن تتوقف أنهار الفقر عن التدفق إلا إذا تبنت الدولة سياسات تحفز الفقراء على العمل والإنتاج، وتحفز الحكومة على تطبيق العدل، وتكف أيدي المسئولين عن الفساد"

هذا الكتاب عالج مفهوم الإنسية المصرية، الإنسية باعتبارها أبلغ المفاهيم المستخدمة في الحقل السوسيولوجي العربي كما نقرؤها في كتاب بوحديبة الموسوم بـــ"الإنسية في الإسلام" وخاض فيه جملة من المفاهيم المغلوطة في مجتمعنا العربي كتلك التي تناولها صلاح هاشم خاصة في مشهد القدر والله.." إذا أردت أن تكون إنسانا فليكن لك قلب تملؤه مراجيح الأطفال، وعقل تسكنه حكمة الشيوخ...داووا مرضاكم بالحب، فإن الحب "صدقة العاشقين"..و"زكاة" الغلابة والمساكين" ليؤسس بذلك إلى فلسفة الحب باعتبارها المنقذ من الموت بعيدا عن كل معاني الثقافة الصفراء التي مست حتى التمثل للدين وتعاليمه  والحياة والموت،  ولأن الإنسان هو الإنسان والله واحد فإن الكاتب عمل على تقويض النظرية القائلة بأن الاختلاف الديني يزرع الاقتتال بين الناس ويكون مبررا للتباغض وإحداث الفرقة في الجسم الاجتماعي مما يهدد السلم:" هل جربت "الحب" يا ولد ..هل تذوقت حلاوته؟ ..هل جربت أن يكون قلبك"معلّق" على صدر الحبيب..إذا غضب"الحبيب" لا تنام..ولا تنام حتى يرضى..لم يكن "محمد" والمسيح متخاصمين بل كانا أخوين متحابين في الله ، غزا" المسيح" العالم بتعاليمه المحبة، غزا الإسلام العالم بتعاليم التسامح.." .. وبصيغة متهكمة أحيانا وبلغة الحكمة في مواقع أخرى يتطرق إلى آفة الإرهاب الذي نخر الجسم العربي ومنه المصري مبرزا أن الإسلام هو دين حياة وليس موت. وفي هذا السياق بقي وفيا لنفس المنهج الإرشادي:" عودوا إلى ربكم ببعض "لقيمات" في بطن جائع، و"ابتسامة" في وجه مهموم، و"مسحة" يد على رأس يتيم..(...) الدين واسع، وكل يأخذ منه على قدر فهمه، وكل يأخذ منه على قدر طاقته..وكل يحصل منه على قدر إيمانه..الله رحيم يا سادة..فلماذا لا نصبح رحماء مثله..؟ "

هذا الكتاب عبارة عن مغامرة في التفكير الجديد من أجل نقل مشاغل المجتمع وتصورات أفراده ألمح فيه الكاتب إلى ما يجب أن يكون. فبرزت لغة الحكيم والوطني المخلص فهو على حد تعبير غرامشي ذلك المثقف الملتزم. ولعل ذلك هو مبرر "جنون" الدكتور صلاح بحب وطنه: " وطني الحبيب ..أنا لست بعيدا عنك إلى هذا الحد..فقط بيننا "بحر" هائج تسكنه الثعابين..(..) مصر بلد عظيم.. فلا تعيشوا بداخلها "أقزام"..(...) مصر أقوى واكبر من سكانها..لا تقبل أن يحكمها ضعفاء، أو يسكنها دهماء.." هذا الحب كما فهمته في روح الكاتب هو أنه أن يريد أن يدرأ عن مصر كل ماهو معيب مثبّط لنمائها وخاصة الفقر الذي هو الشغل الشاغل للكاتب صلاح هاشم  خاصة من خلال انتصاره لفئة الفقراء ويدعوا بكل جرأة إلى تجاوز بعض مضامين التراث البالية والتي كلما استعرضها بصيغة التهكم إلا وأعقبها بحكم ونصائح  كقوله :"علمونا في المدارس أن الجهاد في سبيل الله يكون بقتل النفس، ونسموا أن يعلمونا أن الجهاد الأعظم في "احيائها":" ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا "..نحتاج مجددا لإعادة هيكلة التعليم الديني في إطار قراءة سليمة للقرآن والسنة..بعيدة عن الغلو والتشدد..فلسنا بحاجة لــ"ضحايا" جدد لــ"فهم" ديني مغلوط.. " وهنا تبرزه نداءاته الجريئة للإصلاح  داعيا إلى التجديد في ظل عالم شديد التحول من أجل بلوغ  المنشود وتحقيق الرخاء لأنه حسب قوله" الشيء الوحيد الذي يجب أن تموت من اجله هو الوطن..فإذا عاش الوطن عاش فيه جميع من تحب..وإذا ما احترق..احترق الوعاء الذي تنصهر فيه مع من تحب.. (...) حينما يريد الله لنا النهضة سوف يمنحنا الإيمان بالعمل، ويحبب إلينا الصلاة في الحقول، والذكر على تروس ماكينات الإنتاج، ويرزق المسئولين سعادة العمل في حب الوطن، وليس في بناء أمجاد شخصية.. "  ومثل هذا الأمر  عمل على تفكيكه في كتابه الموسوم بــ "الفقراء الجدد".

هذا الكتاب هو إثراء للمكتبة العربية  لأنه كتاب الإنسان العربي المنشود بعيدا عن كل إسقاطات الايدولوجيا وليس هذا بغريب عن فكر الكاتب صلاح هاشم الذي كان لي شرف لقائه والاستمتاع بمحاضراته في تونس فهو لا يكل ولا يمل من الدعوة إلى التجديد ونبذ الثقافة الصفراء ثقافة الموت، فالإنسان والمجتمع والتجديد ثالوث مكون لفكر الكاتب كما فهمناها في نبض الخاطر.

  

بقلم:  د. سعيد الحسين عبدلي

أستاذ باحث في العلوم الاجتماعية، جامعة قرطاج، تونس

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن يمر علينا نبأ وفاة أستاذنا الدكتور "إمام عبد الفتاح إمام" في يوم الثلاثاء الماضي – الموافق 18/ 6/ 2019، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر أو وقفة أو تسليط الضوء على شيء من منجزات هذا المفكر والفيلسوف العظيم، فهو بلا شك يمثل أحد النجوم الكبيرة المتلألئة في سماء الفلسفة خلال أكثر من نصف قرن، حيث يمثل مفكراً أصيلاً وعالما كبيراً . كان يمتلك الكثير من عمق المعرفة وجدية الأدوات المنهجية، فهو يمثل صاحب مسيرة طويلة وممتدة في تاريخنا الثقافي، فله أكثر من مائة وعشرين كتاباً بين مؤلفاً ومترجماً في الفلسفة والعلوم الإنسانية، وهو لا يكاد يتحدث عن تلك المسيرة إلا ويشير إلي الدور الذي لعبه في حياته الدكتور زكي نجيب محمود، فهو من أبرز تلاميذه، وأحد من تولوا التعليق على فكره في الفكر العربي المعاصر. له مساهمات فكرية ذات أثر واسع في الأوساط الثقافية المصرية، وقدَّم إلى المجتمع الثقافي عدد كبير من المترجمين والباحثين.

والدكتور إمام عبد الفتاح إمام ابن عالم أزهري تعلم اليقين المطلق منذ صغره، لكنه في سن الشباب انتقل إلي الجدل وإلي الفلسفة وأحب هيجل كثيراً، وقد سئل ذات مرة لماذا اخترت الفلسفة؟ فأجاب الدكتور إمام عبد الفتاح  قائلا :" بأن التطور الطبيعي للتربية والنمو والتعليم جعلني أختار الفلسفة لفترة مبكرة جدا من شبابي، وهي فترة التعليم الثانوي، فقد كان مقررا علينا كتابا في الثانوية كتاب "دروس في تاريخ الفلسفة " ليوسف كرم والدكتور أحمد فؤاد الأهواني، لكن توسع ذهني وأفقي عندما التقيت بكتابين اشتريتهم من سور الأزبكية ـ الكتاب الأول اسمه ضجة في صف الفلسفة لجورج حنا وقد شدني العنوان كشاب حيث تثيره الثورات والضجيج فأعجبني الكتاب جدا وقرأته أكثر من مرة، والكتاب الثاني وهو الملل والنحل للشهرستاني وهو كتاب شهير في الأديان لكنه يقتلعني من جذوري حيث أعطاني نماذج أخري من الملل والنحل غير الإسلام، وهو عالم جديد، حيث إن هذين الكتابين قد شدوني جدا إلي الفكر بصفة عامة وعالم الفلسفة بصفة خاصة ولذلك أحببت الفلسفة لأنها تعمل العقل وتجعله يفكر .

نما الدكتور إمام عبد الفتاح إمام وترعرع في بيئة محافظة دينية، حيث يقول عن والده بأنه :" كان أحد علماء الأزهر، وكان يدرس في المدارس الأولية، ثم أصبح ناظراً للمدرسة، وهذا نفعني في أكون نشط في القراءة والكتابة، وكان أبي يعشق الأدب، وقدر ورثت عنه مكتبة كبيرة في الشعر والأدب وهو نفسه كان يقرض الشعر، وكان يكتب كتيبات صغيرة في مدح الرسول وفي استقبال رمضان، وعشنا فترة طويلة في منطقة الحسين، وكان أخي الأكبر مني، وكان والدي يأخذنا معه في صلاة الفجر بالحسين .

وعن كيفية انتقاله من البيئة الإسلامية الخالصة إلي الجدل الهيجلي، قال الدكتور إمام عبد الفتاح إمام :" المفارقة لم تكن كبيرة بالصورة التي تعتقدها، لأن هيجل عنده حقيقة كبري أيضا  وهي تنمو وتتشكل علي مدار التاريخ، يعني الفلسفة عند هيجل لا توجد شئ اسمه الفلسفة اليونانية مطلقة لا الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وأرسطو، لكنها تشكلت في فلسفة مسيحية، والفلسفة المسيحية واليونانية تشكلا في الفلسفة الحديثة، وبالتالي فالفلسفة تتشكل وتنمو، وهنا وجدت الفكرة الهيجلية أفادتني جداً في فهم تطور الفلسفة حيث لا يوجد انقطاع لكن هناك تطور ونمو .

ويستطرد فيقول :" إن اهم ما في هيجل أن الفكر لديه متحرك وليس لديه السكون، فالسكون هو الموت، فالفكر عند هيجل الفكر متطور وتطوره راجع إلي اصطدامه بفكر آخر، ولذلك المجتمع الذي لا يوجد فيه فكر آخر، مجتمع ميت، وهذا أمر خطير جدا علي المجتمع، لأن المجتمع الذي لا يوجد فيه فكر سوي فكر واحد فأعلم أنه هو فكر الحاكم المستبد، وهذا خطأ جدا جدا وضار بالمجتمع نفسه، فهيجل عنده النمو الجدلي، حيث النمو يصطدم بالآخر ويصطدم بالضد والتناقض، والأثنين – القضية ونقيضها – يظهروا في مركب جديد .

ولد الدكتور إمام عبد الفتاح بالشرقية عام 1934، ثم حصل علي ليسانس الآداب من جامعة القاهرة بتقدير جيد جداً عام 1957، ثم نال درجة الماجستير من آداب القاهرة وموضوعها: "المنهج الجدلي عند هيجل" بتقدير ممتاز عام 1968، ونال درجة الدكتوراه من آداب عين شمس وموضوعها تطور الجدل بعد هيجل بمرتبة الشرف الأولى عام 1972.  قام بالتدريس بجامعة القاهرة وعين شمس، والمنصورة، والزقازيق.. إلخ وجامعة الكويت، وطرابلس، وكلية الدعوة الإسلامية- وجامعة سبها بليبيا. - أشرف وناقش على كثير من رسائل الماجستير والدكتورة. وأنتدب لمناقشة رسالة دكتوراه في الجامعة التونسية.

كما ألف مناهج الفلسفة التي تدرس لطلبة المرحلة الثانوية في مصر، وأشرف وناقش العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه، كما أشرف على سلسلة "أقدم لك" بالمجلس الأعلى للثقافة، وعلى ترجمة موسوعة كوبلستون في تاريخ الفلسفة الغربية وترجمة بعض أجزائها. أصدر ما يقرب من مئة كتاب ما بين تأليف وترجمة ومراجعة. ومن أشهر مؤلفاته: : المنهج الجدلي عند هيجل مدخل إلى الفلسفة أفكار ومواقف تطور الجدل بعد هيجل (3 أجزاء) كيركجور، رائد الوجودية، جزءان هوبز فيلسوف العقلانية الطاغية عدة طبعات الأخلاق والسياسة معجم ديانات وأساطير العالم الفيلسوف والمرأة (سلسلة في ثمان أجزاء) سلسلة المرأة في الفلسفة تطور هيجل الروحي دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل؛  وغيرها.

وأما عن ترجماته فقد عددا كبيرا من الأعمال من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية. كما يُعد الدكتور إمام عبد الفتاح صاحب مدرسة في الترجمة ؛ حيث قام بمراجعة ترجمات عديدة لمترجمين واعدين برزوا فيما بعد من أمثال ممدوح عبد المنعم وحمدي الجابري وكمال المصري وفاطمة الشايجي (الكويت). وقد أُثيرت شكوك بشأن صحة نسبة كل هذه الترجمات إلى الدكتور إمام عبدالفتاح، و ذلك بسبب التفاوت الواضح في جودتها ودقتها ورصانتها، علاوة على نشر كم هائل من النصوص المترجمة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً (بيد أن هذه الملاحظة الأخيرة مردود عليها بكونه متفرغ تماماً للعمل بالبحث والترجمة والتأليف ويكاد لا يرى الشارع إلا في أضيق الحدود). ومن أهم الأعمال التي ترجمها الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام ما يلي: فلسفة التاريخ، هيجل، أصول فلسفة الحق، هيجل، ظاهريات الروح، هيجل، محاضرات في تاريخ الفلسفة، هيجل، استعباد النساء، جون ستيوارت مل، الوجودية، جون ماكويى، موسوعة العلوم الفلسفية، هيجل...الخ.

يضع الدكتور إمام عبد الفتاح إمام اهتماما واضحا لفكرة الديمقراطية والاستبداد، وكان ذلك واضحا في كتابه الأشهر الطاغية وكتاب السياسة والأخلاق دراسة في فلسفة الحكم ويبرر اهتمامه بذلك فيقول : لأن هذا الاستبداد والدكتاتورية هي سبب تخلفنا وانا أؤمن إيمانا كاملا مع جان جاك روسو القائل " عندي أن كل شئ يرتد في النهاية إلي سياسة "، حتي الأخلاق فالبعض يقول بأن سبب تخلفنا الأخلاق، لا بل سبب تخلفنا نظام الحكم لأن نظام الحكم هو الذي يوجد الأخلاق، فالاستبداد قتل للحرية وبالتالي قتل للعقل ويقول الدكتور إمام عبد الفتاح إمام أن كتاب الطاغية أخذت في كتابته سنوات طوال ولولا ظروف العالم العربي ما كان لهذا الكتاب أن يخرج إلي النور لأنه جاء عقب حرب الخليج الأول، وأنا كنت أيامها في الكويت وأهل الكويت فرحوا به لأنني كنت أعطي أمثله بصدام وهو الوحيد الذي بإمكاني أن تتوفر لدي حرية نقده وأي حاكم أخر لا فأخذت أتحدث عن الحاكم العربي المستبد في شخص صدام أو أحدد القذافي وأحيانا أحدد عبد الناصر .

ونقرأ في كتابه "الطاغية.. دراسة فلسفية لصور الاستبداد السياسي"، حيث يستهل كتابه بإهداء قال فيه: “الى الذين يعانون من ظلم الطغيان ووطأة الاستبداد ويتوقون الى الخلاص.. الى الذين يشعرون أن الحرية هي ماهية الانسان، إذا فقدها، فقد وجوده معها ..”. الى الذين يؤمنون أن أحدا منا ليس معصوما من الخطأ، ومن ثم يتقبلون الرأي الآخر برحابة صدر وسعة أفق”.

في مقدمة الكتاب يؤكد د. إمام أنه ما لم يحصل المواطن على حقوقه السياسية كاملة غير منقوصة، وعلى نحو طبيعي، فلا تكون منة أو هبة، أو منحة من أحد، بل يعترف المجتمع أن للفرد حقوقه الطبيعية وكرامته، بل قداسته من حيث هو إنسان فحسب، بغض النظر عن أي شيء آخر مما يحيط به سوى أنه إنسان، فلا شأن لدرجة الفقر أو نوع العمل الذي يؤديه أو جنسه ذكرا أو أنثى، أو ظروفه الأسرية- لا شأن لهذه الأمور كلها بأن يكون لكل فرد من الناس إنسانيته الكاملة التي يعترف بها مجتمعه على نحو طبيعي، بحيث ينحل الصراع بين السيد والعبد الذي أشار اليه  هيجل، من تلقاء ذاته، فيعامل على أنه غاية في ذاته وليس وسيلة لشيء آخر، “أقول إنه ما لم ينل المواطن حقوقه كاملة: حقه في الحياة الآمنة، وفي أن يملك، وفي أن يعتنق ما يشاء من آراء وأن يفكر ويعبر عن أفكاره بحرية وأن يعمل العمل الذي يهواه وأن يشارك مشاركة فعالة في حكم نفسه عن طريق المجالس النيابية .. الخ، فلن يؤدي واجباته على نحو طبيعي- أعني بالتزام داخلي ينبع من ذاته، بل سيؤدي ما يؤديه منها بسبب الخوف من العقاب” والخوف هو المبدأ الذي يرتكز عليه حكم الطغيان والاستبداد كما أشار مونتسكيو ” – بحيث تظهر كل الرذائل في سلوكه إذا أمن شر العقاب : فلا مانع من أن يكذب، ويسرق وينافق ويغش ويخون .. الخ كلما سنحت له الفرصة !

ثم جعل الباب الأول على ثلاثة فصول: الأول: فيما يتعلق بفلسفة السلطة وضرورتها تفاديا للفوضى الصادرة عن اختلاف الأفكار والعقول، وبالأخص السلطة السياسية التي تتنفذ في شؤون الناس، وحين استخدام القوة وتجاوزها لنيل الأطماع بسبب انتهاء سلطة القانون وانتقال السلطة من مرحلة السلطة المجردة إلى مرحلة السلطة الشخصية التي يشعر أنه يملكها يتجاوز القهر المادي إلى الاعتماد على عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وتاريخية، ومن ثم ظهرت نظريات تبرر للحاكم تصرفاته وجوره الثيوقراطية والتعاقدية والتطورية.

والفصل الثاني: بين الطريق إلى تأليه الحاكم شيئاً فشيئاً وخطوة فخطوة عبر تطورٍ لنظريات الحكم وساق في ذلك تأليه الحاكم في مصر القديمة في المملكة الفرعونية وصفاته، ثم ساق الطاعة البابلية متحدثا عن خطواتهم في ذلك، ثم الحال في فارس وإطلاقهم لقب ملك الملوك على إمبراطورهم وما أدى إليه، ثم عرج إلى ذكر الصين واعتقادهم أن الإمبراطور يستمد سلطته من السماء، ثم ذكر الاسكندر وتأليهه نفسه واعتقاد أن ما يقره الملك هو عادل أبداً.

والفصل الثالث: ذكر عائلة الطغيان، وبدأ بذكر معنى الطغيان، وأول من أطلق كلمة طاغية على ملك، مؤرخاً للمصطلح وجوده وتطور استخدامه، وذكر سمات الطغيان لدى طغاة الإغريق، ثم ذكر الاستبداد وإطلاقاته عند اليونانيين، وبين أوجه الشبه بينه وبين الطغيان، ثم ثلَّث بالديكتاتورية مبيناً المصطلح من حيث هو روماني الأصل ذاكراً تاريخ ظهوره، ثم عقب بالشمولية أو مذهب السلطة الجامعة كشكل من أشكال التنظيم السياسي المذيب لجميع أفراد ومؤسسات وجماعات المجتمع، وذكر أبرز خصائصها، ثم ذكر السلطة المطلقة التي لا يحدها حد من داخلها وبين تاريخ ظهور هذا المصطلح، ثم ذكر الأوتوقراطية وأنها تعني الحاكم الفرد الذي يجمع السلطة في يده، ثم ختم بالمستبد المستنير أو العادل وبين تاريخ ظهوره وبين بعد ذلك الأقوال في الحضارات والأديان باختصار في الموقف من الطاغية.

وشرع في الباب الثاني: صورتان للطاغية في الفلسفة اليونانية: جاعلاً الفصل الرابع: معبراً عن الطاغية في صورة الذئب، فذكر لقاء الفيلسوف أفلاطون مع أشهر طاغية ديونسيوس وسفره إليه ثم مع ابنه وسفره إليهما كمخاطرة وما وقع له من مؤامرة على بلاط الطاغية ويأسه من إصلاحه في رحلاته الثلاث، مستنتجاً عدة نتائج مستفادة، ثم صنف الدساتير إلى أصناف مبيناً قول أفلاطون وتقسيمه لذلك، وشرح كل صنف، ثم ذكر الطاغية الذئب ومكوناته وأنه لا يفرق بين المواطنين إلا يعتد أحداً صديقاً، ثم ذكر شخصية الطاغية ورغباته وحياته وأعوانه ونفسه، ليختم بذلك الفصل..

وجعل الفصل الخامس في الطاغية في صورة السيد، فبدأ بذكر نشأة الدولة كونها هي النواة الأولى لبناء المجتمع، مثنياً بنشأة السلطة وعرج إلى علاقة السيد والعبد والزوج وزوجته كتشبيه للسلطان والرعية، ثم ذكر ثالثاً أشكال الحكم وقسمه إلى قسمين صالحة وفاسدة وتحت كل قسم أنظمة مختلفة، ثم ذكر بعد ذلك الطاغية وأنواع الطغيان، واختلاف الطغيان عن النظام الملكي، وقارن بين الملك والطاغية وكيف يحتفظ الطاغية بحكمه، ثم ذكر خاتمة بعد هذا التفصيل لنظرية أرسطو عن الطاغية، وأورد أخيراً ثلاث ملاحظات..

ثم شرع في الباب الثالث: الطاغية يرتدي عباءة الدين: جعل الطاغية في العالم المسيحي فصلاً سادساً، مبيناً فيه انفصال فكرة الروح التي ركز عليها المسيح عليه السلام عن أي عقيدة سياسية، بمعنى آخر: الحياة مملكتان سماوية وأرضية، كانت الحياة في بداية المسيحية تتطلع إلى السماوية أكثر من الأخرى، حيث الأولى متعلق بها الروح، والثانية متعلقٌ بها الجسد، وعليه فما وقع على الجسد من رق أو أذىً أو نحو ذلك فلا حرج، وأما الروح فهي ملك للمسيح، من هنا تعلق الطغاة بهذه الفكرة، وأن السلاطين الكائنة هي مرتبة الله، وبهذا أضفيت القداسة على الحكم الاستبدادي، إلى أن ضعفت الإمبراطورية الرومانية وتطورت الكنيسة دخلت في إضفاء الشرعية الدينية على الحكم، وكان رضاها هو الآمر الناهي، فصار الحكام الذي نصبته هو سيف الله في الأرض، ثم ذكر البروتستانتية والطاغية، ورجعيتها وتبرير استبداد الطاغية للناس، وذكر بعض الآراء في ذلك..

ثم انتقل إلى الفصل السابع: وسمه بـالطاغية يرتدي عباءة الدين في العالم الإسلامي، وبدأ بتمهيد ذكر نماذج مشرق في صدر الإسلام في مجالات شتى، ثم فرق بين الواقع والمثال في النظام الإسلامي وثنَّى بتشخيصه الخلافة الراشدة وأنها قامت على بذور ديمقراطية ودرج في الكلام عنها حتى انتقل إلى انتقالها من الخلافة إلى الملكية المستبدة على أن الأمويين أخذوا الحكم عنوة مناقشاً ذلك كله، ثم عرج إلى ذكر الطاغية العباسي يقصد السفاح، والخلافة العباسية، ثم ختم الفصل بست نقاط مستنتجة..

وأخيراً بدأ بالباب الرابع: فرار من الطاغية ... وفيه الفصل الثامن في أوروبا الديمقراطية، وقانون الرجل المحار الذي يعني نفي المواطن الذي يشعر الشعب بأنه خطر عليه، ذاكراً تجربة الحصانة من الطغاة في أثينا، وثنى بذكر الديمقراطية المباشرة في أثينا أيضاً، حيث تتولى جمعية شعبية سلطات البرلمانات كاملة، مع وقوع البلاد في أخطاء في فهم الديمقراطية المباشرة، ثم ذكر استئناف المسيرة في العصر الحديث ويعني بذلك انتعاش الديمقراطية في عصر النهضة ذاكراً بعض التفاصيل الحادثة آنذاك، مدعومة ببعض الآراء، التي تمنح الحرية لكل الإنسان، ثم ختم الفصل بإسهامات شتى للفلاسفة في مسيرة الديمقراطية تصب على أرض الحرية والمساواة بين الناس دون تمييز بين لون ولا جنس..

وفي الفصل التاسع: الطغيان الشرقي بدأ بظاهرة التوحيد بين الحاكم والشعب حيث يصبح الكل في واحد وأنه هو المنقذ الأوحد، ثم فسرها، وثنى بذكر طبيعة العبيد كتفسير لطغيان الشرق، مناقشاً بعض النظريات الفلسفية، وختم الفصل بخاتمة أوجز فيها الآثار السيئة التي يخلفها الطاغية في شعبه، وكيفية التخلص منها، خاتماً بذلك الكتاب في رحلته العميقة الغور..

وقال د. إمام إن القضية الأساسية في حياتنا هي قضية الطاغية الشرقي أو “الحكم الاستبدادي – بصفة عامة- ذلك الوحش المستقر في أغوار اللاوعي الجمعي في بلادنا! مشيرا إلى أنه ليس ثمة قضية أخرى أولى منها بالتفكير والكتابة والتحليل والبحث عن علاج.

وتابع د. إمام: “كنتُ أسكن في الشارع الرئيسي بمدينة أكسفورد وهو شارع ضيق إذا قورنت مساحته بكثافة السيارات التي تعبره كل يوم، ووقعت حادثة ذات صباح ” كان حريقا في أحد المحلات التجارية استدعى وجود سيارات الاطفاء، مما أحدث ارتباكا في تدفق المرور ” وتوقف السير في أحد اتجاهي الشارع، فاصطفت السيارات في طابور لا تستطيع العين أن تصل الى نهايته ..

ومع ذلك لم تخرج سيارة واحدة عن هذا الطابور الطويل لتسير في الاتجاه المقابل – رغم أنه لا يوجد رصيف ولا حجر واحد يمنعها من ذلك – وسألت نفسي: لمَ يلتزم المواطن على هذا النحو العجيب؟! وكانت الاجابة التي لم أتشكك لحظة واحدة في صدقها: الديمقراطية!

نعم الديمقراطية العتيقة في انجلترا التي أعطت لكل مواطن حقه وكرامته وقيمته وإنسانيته، فأصبح من الصعب عليه أن ينتهك حقوق الآخرين، لأن القوم سوف ينظرون اليه في هذه الحالة باحتقار شديد لسلوكه الشاذ الغريب!”. وخلص د. إمام الى أن الأخلاق مرتبة على النظام السياسي وليس العكس. وتابع د. إمام عبد الفتاح إمام: “تأمل أي حكم استبدادي في أي مرحلة من مراحل التاريخ، تجد انتشارا لجميع الرذائل لا تخطئه العين العابرة: الجبن، الخوف، النفاق، الكذب، الرياء، المداهنة، عدم الاخلاص في العمل، ومحاولة الافلات من القانون بشتى السبل!”

وقال د. إمام إنه في النظام السياسي السيئ يتم تحويل الشعب الى جماجم وهياكل عظمية تسير في الشارع منزوعة النخاع، شخصيات تافهة تطحنها مشاعر العجز والدونية واللاجدوى!

وأما عن تفسير الطغيان الشرقي، فقد قال د. إمام إن هناك محاولات كثيرة لتفسير الطغيان الشرقي والأسباب التي جعلت الحاكم الشرقي يبتلع كل شيء في الدولة والاستسلام العجيب من جانب المواطنين لهذا الضرب من الحكم الذي انفرد به الشرق، فذهب البعض الى القول إن الشرقيين هم بطبيعتهم عبيد يعشقون الطغيان ويستمتعون بالقسوة ويخلقون الطاغية إذا عز وجوده.

والسؤال : كيف يمكن التخلص من الطاغية؟

يؤكد د. إمام أنه لا سبيل أمامنا للتخلص من الطاغية سوى بفعل ما فعله الغرب بالفرار الى الحكم الديمقراطي ونتمسك به ونحرص عليه، مشيرا الى أن الديمقراطية ممارسة وتجربة إنسانية تصحح نفسها بنفسها، ناصحا برفع شعار: “أفضل علاج لأخطاء الديمقراطية هو المزيد من الديمقراطية!”.

وردا على سؤال: “الشعوب المتخلفة لا تستطيع أن تحكم نفسها بنفسها حكما ديمقراطيا صحيحا؟

قال د. إمام: كل ذلك مردود عليه بسؤال: “وما البديل؟” والجواب هو: “البديل هو حكم الطاغية أو المستبد أو الديكتاتور أو ما شئت من أسماء، وإذا كانت الديمقراطية ممارسة، فإننا سوف نبدأ بعد أن يحكمنا الطاغية عشرات السنين من البداية، من الصفر!

والديمقراطية الناقصة أو العرجاء خير ألف مرة من حكم الطغيان، ولقد جربنا نحن في مصر هذين النظامين وكانت الهوة بينهما شاسعة”.

وفي ختام هذه القراءة يمكننا القول بأن هذا الكتاب غنيّ بالأفكار والتفصيلات والتوضيحات حول شتى جوانب مسألة الطغيان، وتكمن أهمية الكتاب في تناوله لمسألة “الطغيان” من الجوانب الفلسفية والتاريخية والاجتماعية والنفسية، والمؤلف لا يكتفي بالطرح والمناقشة النظرية لهذه المسألة، وإنما يسقطها على الواقع، ويتبيّن ذلك من خلال إيراده للعديد من الأحداث والوقائع والمجريات القديمة والمعاصرة، وهناك سلبية نذكرها : وهي عدم تطرّق المؤلف إلى “الطغيان في الخطاب الفكري العربي المعاصر” ذلك أنه بالرغم من عدم وجود مؤلفات كثيرة في هذا الصدد ولكن توجد كتابات معاصرة تتناول الطغيان والاستبداد عبر دراسات وأبحاث منشورة في الصحف والدوريات العربية.

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول تحية وفاء وعرفان واحترام لهذا الأستاذ الجليل الذى لم تستهويه السلطة، وظل معدنه أصيلًا لامعًا لا يصدأ أبدًا، فهو ذلك الذي كان متربعًا على قمة أساتذة الفلسفة الحديثة والمعاصرة في الوطن العربي، رغم محنة ضعف سمعه وبصره نتيجة الكر والفر بين صفحات الآلاف من الكتب والدراسات والمقالات التي تعامل معها الدكتور إمام عبد الفتاح فى رحلة أكاديمية فريدة كانت أدواته فيها هي الذكاء المشتعل والنظرة الحكيمة والبصيرة الواضحة والرؤية الشاملة.. فلقد كان رحمه الله صاحب قلب كبير، وعاطفة جياشة، وكبرياء لا ينحنى، ونفس تعلو فوق كل الصغائر. رحم الله أمام عبد الفتاح بما قدم لنا ولغيرنا من إسهامات مجيدة فى الفلسفة الغربية والعربية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

980 سليم بطييكاد الكاتب والباحث د. علي محمد هادي الربيعي يجعل جهده البحثي مقصوراً على الأدب المسرحي العراقي، فضلاً على كتابات ثرَّه وانيقة نشرت في المجلات والصحف العراقية في مجالات ثقافية مختلفة.

لقد امتاز الربيعي بأسلوب جميل في البحث والكتابة، ولغة رشيقة انيقة، تحلق بك في اجواء جميلة، وتنقلك من هذا الواقع الحياتي المؤلم، إنه يكتب برومانسية حالمة، تجعلك تجد في الحياة بعض ما تستحق أن يعيش من أجلها الإنسان واضعين في الحسبان قساوة الظروف، وانهيار القيّم النبيلة وتصدعها، وأثر الخيبات الحياتية، والانتكاسات التي مني بها المجتمع العراقي، إن لغة الربيعي الأنيقة والرومانسية جاءت نتيجة قراءاته المعمقة في كتب التاريخ والأدب المسرحي ومصادره، فضلاً على روحه الرهيفة الشفيفة الحالمة.

إن محبة د. علي الربيعي لأدب سليم بطي المسرحي ونتاجه المعرفي، جعلهُ يجد في بطِّي ايقونة، يتوجه إليها بالاحترام والتقدير، لذا رأيناه يذب عنهُ عاديات الزمن في البحث والكتابة.

عرفت الأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي المولود في مدينة الحلة باحثاً حصيفاً محلقاً، ومدوناً وموثقاً لتأريخ المسرح العراقي منذُ اهتمامه الجاد في هذا المجال، ذا نفسٍ طويل في البحث والتدقيق والتوثيق، نشر بعض مؤلفاته في مجال تاريخ المسرح العراقي منها : (تاريخ المسرح في الحلة، الخيال في الفلسفة والأدب والمسرح، المسرحيات المفقودة، محمد مهدي البصير رائد المسرح التحريضي في العراق، اسكندر زغبي زجالاً ومسرحياً، مسرحيات نعوم فتح الله سحار المفقودة، المسرح المسيحي في العراق، اسهامات يهود العراق في المسرح، شالوم درويش وجهوده في فضاء المسرح العراقي، أنور شاؤل وجهوده في المسرح العراقي، ثورة الزنج في المسرحية العربية، وكتابه الأخير سليم بطي فتى المسرح العراقي) ، كما عرفته باحثاً دؤوباً في الأدب والثقافة، ولا أدل على دأبه وقوة شكيمته في البحث والتنقيب عن النصوص المسرحية لفتى المسرح العراقي سليم بطِّي.

الدكتور علي الربيعي لهُ نفس طويل في البحث الذي يحتاج إلى صبر ومطاولة ومصاولة، والغوص في بطون المصادر والمراجع والمظان بحثاً مصوباً بكثرة التنقل والتوقل، ومراجعاً، ذلك على النسخة الأم التي غالباً ما تكون الأقدم تاريخياً، وقد اعتمد في أكثر مؤلفاته على الصحف اليومية التي هي أكثر دقة في التواريخ ونقل الأحداث ومواعيد اقامة المسرحيات، ومثال ذلك كتابه الأخير سليم بطِّي فتى المسرح العراقي، الذي اعتمد على الصحف والمجلات في تأليفه. لقد قرأت واستقرأت بمتعة وشغف، وأكثر من قراءة واحدة، الكتاب الذي امضى الدكتور الربيعي أكثر من سنة في كتابته.

في كتابه الأخير موضوع البحث (سليم بَطِّي فتى المسرح العراقي) الصادر عن اتحاد الأدباء والكتاب السريان في العراق/ اقليم كردستان هذا العام، ويقع في 405 صفحة من الحجم الوزيري، ويبدو أن الكتاب الذي جاء خِلّواً من دار الطبع أو الطبعة والفهرست، وهذا من ضرورات النشر وأولياته، فضلاً عن خِلّوا الكتاب من عنوان الفصل الرابع وقد يكون قد سقط سهواً، يذكر الدكتور الربيعي حول معاناته لتوثيق السيرة الذاتية لسليم بطِّي وهو شقيق الصحفي رفائي بطي، مع العلم أن رفائيل بطي في مذكراته (رفائي بطي ذاكرة عراقية) من اعداد وتحقيق فائق بطِّي لم يذكر عن سليم بطي أي شيء برغم أن سليم بطي كان يكتب في جريدة البلاد وفي باب الفنون، حتى توصل الربيعي بالاتصال بباهر سامي رفائيل بطِّي ليدلي له بالمعلومات عن عم أبيه سليم بطِّي وعن ابنائه الذين ما زالوا يعيشون منتشرين في اقطار الأرض.

كانت صعوبة البحث في توثيق تاريخ سليم بطي المسرحي والروائي بالنسبة للدكتور الربيعي بسبب عدم توفر تلك النصوص المسرحية المطبوعة والمخطوطة في المكتبات العامة والخاصة، فقد أخذت من وقت الربيعي السنوات في البحث على وقع ضالته ففي صفحة 8 من الكتاب يذكر الربيعي قائلاً : "تحقق لي أن وجدت نصٍ لمسرحية (تقريع الضمير) في أكداس من الكتب العتيقة عند بائع للكتب المستخدمة في شارع المتنبي.. وبعد سنوات أخر من التفتيش عثرت على نص مسرحية (الأقدار) في كدس من الكتب على قارعة شارع المتنبي، والنص المطبوع الثالث حصلت عليه من خلال بحثي في أعداد مجلة الحاصد، فقد نُشرَ فيها. أما النص المطبوع الرابع (طعنةً في القلبِ) فلم أحظ به برغم أنني انفقت في البحث عنه سنوات طويلة، وبقي عصياً على الوجود وربما في قابل الأيام ينفرج لنا الأمر ونحصل عليه".

هناك نصوص ثلاثة مخطوطة ألفها سليم بطِّي في مجال المسرح وقدمها في وقته على خشبة المسرح هي مفقودة منها (ضحيا اليوم) و(المساكين) و(خدمة الشرف)، والمسرحية الوحيدة التي ظفر بها الدكتور الربيعي هي مسرحية (ضحايا اليوم) التي وجدها في خزانة المرحوم الأب الدكتور بطرس حداد في كنيسة مريم العذراء في الكرادة الشرقية في بغداد صفحة 9.

قسم الربيعي كتابه (سليم بطِّي فتى المسرح العراقي) على خمسة فصول وملاحق، الفصل الأول حيث اعتنى بحياة الراحل قائلاً في ص16 :"سليم بن بطرس بن عيسى بن عبد النور بطِّي المولود في مدينة الموصل سنة 1908م من أسرة مسيحية الديانة، كان والده يعمل حائكاً وكانت الاسرة تعاني من عسر الحال وشظف العيش، فهي تضم خمسة أبناء" ، كان تسلسل سليم الثالث بين أشقاءه ، إذ أكمل سليم بطي دراسته الابتدائية في مدرسة مار توما للبنين في الموصل ، وانهى دراسته الاعدادية في سنة 1927م ، يذكر الدكتور الربيعي في صفحة 19 قائلاً: "ووجد نفسه مرغماً على أن يعمل لإعالة نفسه بعد أن بقي لسنوات طويلة يعتاش على شقيقه (رفائيل بطي)، وأغوته الصحافة وأخذ يكتب في صحيفة (البلاد) في باب الفنون والأدب، وكان يترجم المقالات ويكتب النقد الفني، وبدأ يكسب قوته من عمله، ثم انتقل؟ إلى العمل الحكومي حيث عيِّن موظفاً في مديرية التقاعد العامة في بغداد، وبقي يعمل فيها حتى وفاته في بيروت في الرابع عشر من شهر ايلول سنة 1953م".

أما الفصل الثاني من الكتاب فقد احاط الدكتور الربيعي بمنجز سليم بطِّي في فضاء النقد المسرحي، وقد بذل الربيعي الجهد الكبير في جمع كل ما كتبه بطِّي في هذا المجال، حتى تم نسخ نقوداته على الهيئة نفسها التي حلت بها في مظانها، فقد كتب سليم بطِّي مقالاته النقدية في الصحف العراقية ومنها جريدة البلاد تحت اسم خفي (كين) وفي أحيان أخر يوقع باسمه الصريح، يذكر الدكتور الربيعي في صفحة 35 قائلاً :"وما يميز مقالاته انها تلابس الموضوعات المكتوب عنها بشكل لا يضاهيه في أحد من النقاد في ذلك الوقت. فهو قد اشتغل في المسرح ممثلاً ومخرجاً ومؤلفاً، واتقن تقانة تامة معارف المسرح وسبر اغوارها، وعندما بدأ بكتابة النقد المسرحي ترشحت كتاباته عن دراية ومهنية عالية... وآخر مقالة نقدية له كانت تحت عنوان (مسرحية توتو – فرقة فاطمة رشدي) التي نشرها في جريدة البلاد بعددها 736 في 20 تشرين الثاني 1946".

أما الفصل الثالث فقد احتفى بدراستين مهمتين كتبهما سليم بطي في علوم المسرح معارفه، نشرتا في جريدة البلاد العدد 190 بتاريخ 25/6/1930 وفي مجلة الحاصد العدد 9 بتاريخ 25/6/1936، في وقت لم تكن جذور للفن المسرحي وتغلغله عميقاً في العراق. ونسخ الدكتور علي الربيعي هاتين الدراستين نسخاً مقابلاً، ووضع لها الحواشي الذي اراد من ورائها أن يزيد من ثرائها، كانت الدراستين عبارة عن مقالتان طويلتان كتبهما بطي ونشرهما بسلسلة حلقات في جريدة البلاد ومجلة الحاصد، يذكر الدكتور الربيعي في صفحة 112 قائلاً :"وأحسب أن الذي دفع بطِّي إلى كتابة هاتين الدراستين هو واقع المسرح العراقي في وقته... فجاءت الدراستان لتردما الفجوات التي قابلت وتقابل المسرحيين في مسالكهم، وتنتشلا المسرح العراقي من واقعه المسطح، وتؤشر عوامل النهوض والارتقاء بفني التمثيل والاخراج". وقد جاءت الدراستين نتيجة لما تراكم عند الراحل سليم بطِّي من خبرة ميدانية وشخصانية خاضها في مجال المسرح المدرسي في فرقة مدرسة التفيِّض الأهلية، كما عمل ممثلاً ثانوياً في فرقة جورج أبيض أثناء زيارة الفرقة إلى العراق سنة 1926م، وعمله كممثل مع الفرقة الوطنية بوصفه أحد مؤسسيها سنة 1927م، فضلاً عن اطلاع بطي المباشر على اداء عزيز عيد مع فرقة فاطمة رشدي في زيارتيها المتكررتين إلى العراق سنة 1929م/ و1930م، والتعرف على آخر مستحدثات المسرح، ومشاهداته للعروض المسرحية العراقية، كل ذلك اكسبه دراية وخبرة فنية عالية، فضلاً عن نبوغه بوصفه مبدعاً.

وقد حملَ الفصل الرابع من الكتاب المقالات الصحفية التي لاحقت سليم بطِّي ومنجزه المسرحي بالدراسة والتحليل والنقد، وهذه المقالات كتبت بأقلام أدباء وصحفيين مجايلين لهُ، لكن هذه المقالات حفظت منجز سليم بطي من المسرحيات التي ضاعت أخبارها، وتعد صفحات مجهولة في مسرد المسرح العراقي، كما بحث الدكتور الربيعي عن منجز الراحل بطي المخطوطة والمفقودة من خلال اعلانات الصحف عن منجز بطي المسرحي ونشاطات الفرق المسرحية العراقية.

فقد نشرت مجلة الحاصد في عددها السادس بتاريخ 4/6/1936 مقالاً حول مسرحية بطي  (خدمة شرف) التي مثلت من قبل فرقة بابل يوم الخميس الموافق 28/5/1936 برئاسة محمود شوكت وعضوية جميل عبد الأحد وابراهيم معروف ونعيم الجواهري وغيرهم من الممثلين، التي تم تقديم عروضها في بغداد والبصرة والعمارة. كما نشرت جريدة البلاد بعددها 590 الصادرة بتاريخ 9/6/1935. أما مجلة الحاصد فقد نشرت دراسة قدمها الاديب والناقد شالوم درويش حول مسرحية بطِّي (طعنة في القلب) بعددها 31 الصادر بتاريخ 26/11/1936، لكن لم يرق لسليم بطِّي ما كتبه الناقد شالوم درويش، فقام بالرد عليه بمقال مطول وجهه إليه بعنوان (طعنة في القلب – رد المؤلف على الناقد) التي نشرتها مجلة الحاصد بعددها 33 الصادرة بتاريخ 10/12/1936. ثم علق على مسرحية (طعنة في القلب) الناقد عبد الله رمضان.

وقد نشرت دراسة حول رواية بطي (المساكين) التي مثلت على مسرح الف ليلة في جريدة العالم العربي العدد 5419 الصادرة بتاريخ 14/7/1945. وقد قامت بدور (ترفة) الفنانة المعروفة السيدة نظيمة ابراهيم، وكان النقاد ستأملون لها مستقبلاً باهراً في التمثيل على المسرح وفي السينما.

أما الفصل الخامس من الكتاب فقد خُصص للنصوص المسرحية التي ألّفها الراحل سليم بطِّي وحظيت بثلاثة نصوص مطبوعة ونص مخطوط واحد، ونسخت هذه النصوص من قبل الباحث د. الربيعي على الهيأة نفسها التي حُررت بها، وقد زاد عليها الباحث تعليقات وحواشي من وراء وجودها. ثم اتبع الدكتور الربيعي الكتاب بملاحق ثلاثة لأثراء الكتاب وتثبيت معلومات مجهولة ذات صلة بموضوعاته.

إلا أن الراحل سليم بطِّي مع كل ما كتبه حول المسرح من تأليف ونقد مسرحي، لم يغب عن الحضور في فضاء القص العراقي، بل كان مساهماً فيه بمائزة فكتب القصة مبكراً، يذكر د. الربيعي في صفحة 24 من الكتاب قائلاً :"فقارئ قصصه سيجد انما عالجت موضوعات أخلاقية وتربوية، وعادات سيئة استحكمت في العديد من العائلات العراقية، مثل الخيانة والإدمان والزنا والقتل والسرقة والاغتصاب وغيرها. وكان يعرض هذه الموضوعات من خلال سلوكيات الشخصيات المتضادة، لينتصر في الأخير "إلى السلوك القويم الذي يعده المثال الذي يُحتذى به، ومن قصصه : (قلب صخر) نشرت في جريدة الوطن العدد 86 سنة 1929م،  و(الزوج السكير) نشرت في جريدة البلاد العدد 4 سنة 1929م، و(ضحية رأس السنة) نشرت في جريدة البلاد العدد 45 سنة 1930  و(تحت ستار الظلام) نشرت في جريدة الاخبار العددان 12/ 14 لسنة 1931، و(في العرس) نشرت في جريدة البلاد العدد 35 لسنة 1929، و(الأثر الدامي) نشرت في جريدة البلاد العدد 123 سنة 1930،  و(تقريع الضمير) نشرت في جريدة البلاد العددان 133/ 134 لسنة 1930، و(ضحية) نشرت في جريدة البلاد العددان 200/ 202 لسنة 1930، و(المهاجر) نشرت في جريدة التقدم العددان 213/ 214 لسنة 1930، و(في النادي) نشرت في جريدة الزمان العددان 277/ 278 لسنة 1930، و(تحت ستار الظلام) نشرت في جريدة الاخبار العددان 12/ 14 لسنة 1931،  و(هو الحب) نشرت في جريدة الاخاء الوطني العدد 1 لسنة 1931، و(اميليا) نشرت في جريدة الاخاء الوطني العددان 3/ 4 لسنة 1931، و(صياد النساء) نشرت في مجلة الحاصد العدد 32 لسنة 1932، و(غرام عذراء) نشرت في جريدة الاخاء الوطني العدد 291 لسنة 1932، و(الزوجة العذراء) نشرت في مجلة الحاصد العدد 35 لسنة 1933، و(قلب مكلوم) نشرت في مجلة الحاصد العدد 3 لسنة 1936، و(بنت الطحان) نشرت في الاديب العدد 1 لسنة 1946، و(صادجة) نشرت في الاديب العدد 2 سنة 1946" . كانت جميع قصص سليم بطِّي التي نشرها في الدوريات العراقية راكزة على تصور موضوعات اجتماعية واخلاقية.

اسند الكاتب والباحث الربيعي لدعم كتابه بوثائق مصورة لصور الراحل سليم بطِّي ولصور صحف نشرت اعمال بطي المسرحية والقصصية والنقدية في ذاك الوقت. الكتاب وثائقي جميل يدل على أصالة محتد، ووفاء يجعلنا نتوسم الخير في كاتب وباحث سيخلف ويواصل الدرب من بعد الجيل الذي سبقه، وإن الجهد الذي بذله الربيعي لا يذهب بين يدي الله والناس.

وأنت إذ تقرأ هذا الكتاب لتعجب من موسوعية الأديب الباحث علي الربيعي ودراسته الجميلة، وأنا اقرأ هذه الدراسة القيّمة، كنت ألمس شكوى الدكتور من قلّة المصادر وكثرة اشغاله الوظيفية التي تهدر ايامه، فإن الباحث الربيعي كان له مع كل كتاب يصدر حديثاً قد ألمَّ بجميع أبعاده.

أرى هذا الكتاب أروع ما كتب عن حياة فتى المسرح العراقي سليم بطِّي الذي صور فيه الصورة الحية لا السرد الجاف لبعض الأحداث في حياته.

أكتب هذه القراءة تقديراً لشخص الكاتب والباحث د. علي الربيعي، لهذا القلم الثَّر الأنيق، الذي قدم لنا هذا العطاء الوافر في دروب ثقافة المسرح العراقي، واضعاً في الحسبان أن يكون هذا الكتاب مرجعاً مهماً في تاريخ المسرح العراقي.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي