ميثم الجنابيصدر حديثا عن دار المركز الاكاديمي للأبحاث (العراق - كندا) في طبعته البيروتية (2019) كتابي تحت عنوان (المختار: أسطورة التاريخ وتاريخ الأسطورة). وتتميز الطبعة بمستواها الفني الرفيع واستجابتها للذوق الجمالي والصحة (نوعية الورق وبنط الحروف ومسافة الاسطر). وعدد صفحات الكتاب 140 صفحة من القطع المتوسط.

تقديم عام

لقد كنت اخطط قبل عقود من الزمن بكتابة سلسلة من عشرة كتيبات تتناول نماذج للشخصيات الإسلامية الكبرى التي لعبت دورا مهما في تأسيس فكرة الحرية والصراع من أجلها. على أن تكون هذه النماذج شاملة للفروع الثقافية الأساسية للحضارة الإسلامية. بمعنى تناولها شخصيات من علوم وفنون الثقافة بحيث تشمل التاريخ والأدب والشعر وعلم الكلام واللغة والفقه والفلسفة والتصوف والموسوعات والسياسة. غير ان الحياة العلمية والشخصية عادة ما تفعل فعلها في تغيير أو تحوير الاهتمام المحدد دون أن تلغيه. ومع إنني لم استطع التفرغ بشكل تام لهذه المهمة كما اضعها هنا في هذا الكتاب، إلا انني تناولتها في عدد من كتبي، وبالأخص كتابي الذي صدر قي هذا العام من الدار نفسها تحت عنوان (الاشباح والأرواح) والذي تناولت فيها إشكالية المثقف والسلطة. وتناولت فيه أيضا شخصية المختار الثقفي ولكن بصورة مكثفة جدا، كما هو الحال بالنسبة لعدد كبير من الشخصيات الأخرى.

لقد احتل المختار موقعه الخاص في ابحاثي عن اشكاليات الحق والإمامة والحرية في الثقافة الإسلامية الأولية أو مرحلتها التأسيسية. وذلك لما له من أثر شبه مجهول في الوعي الثقافي العربي والإسلامي بهذا الصدد. ولم يكن ذلك معزولا عن الصراع المذهبي حول شخصيته من جهة، ولتقاليد السلطة الاستبدادية من جهة أخرى. لاسيما وأن السلطة السياسية في الإسلام هي استبدادية مطلقة بعد خلافة الإمام علي بن ابي طالب، والاستثناء الخاص لخلافة عمر بن عبد العزيز، والذي ينبغي أن يدرج، من وجهة نظري، في سلسلة "خلافة الراشدين" بعد إزالة عثمان بن عفان منها.

1150 المختار تاريخ الأسطورة وأسطورة التاريخ

لقد تضافرت هذه الأسباب، وبالأخص أثر السلطة في محاولات طمس مأثرته التاريخية السياسية والفكرية والثقافية الكبرى في تأسيس معنى وقيم الحرية والإرادة الفاعلة بالنسبة لتناول إشكاليات الوجود الإنساني. وليس مصادفة أن يجري وضع الكثير من الأحاديث "النبوية" الكاذبة عنه(!) بهيئة تنبؤات مستقبلية، هدفها تشويه سمعته وشخصيته. وهي تقاليد ما يسمى "بأهل السنّة والجماعة" المتميزة بغريزتها الكارهة لكل ما يتعلق بفكرة الحرية والنزعة الإنسانية والعقل السياسي الفعال. وينطبق هذا بصورة مبطنة على تقاليد التشيع (الإمامية خصوصا) أيضا، وذلك لأنه الشخصية التي احتلت من الناحية العملية موقع القائد الفعال في الصراع ضد الاستبداد الأموي. وذلك لأنه من خارج ما يسمى "بالعائلة المقدسة" والقبيلة القرشية.

إن المختار الثقفي من حيث شخصيته وكفاحه وموته هو فكرة وشخصية بقدر واحد. وإذا كان الشعار الذي رفعه "يا لثارات الحسين" ما زال يحتفظ بوهجه الداعي للقتال من أجل الحق، على جباه الشيعة أيام عاشوراء، فإن مضمونه لا علاقة له بالتمايز المذهبي والطائفي. لقد كان هذا الشعار يتضمن من حيث بواعثه وأسلوبه وغاياته في فكر المختار وسلوكه السياسي معنى الثأر من قتلة الحق. بحيث جعله شعارا لتأديب الخونة، أي أولئك الذي ساهموا بغدر الحسين واشتركوا في قتله ومأساة كربلاء بشكل عام.

لقد رفع المختار الثقفي هذا الشعار إلى مصاف الدعوة لفكرة الحرية الاجتماعية والسياسية، وتحرير المرء بوصفه التزاما شخصيا عمليا. فقد رفع شعار تحرير العبيد والموالي في حال اشتراكهم في الصراع ضد السلطة الأموية. وبهذا يكون هو الأول في التاريخ السياسي الإسلامي الذي اعتبر الحرية ليست هبة تعطى بل حق ينتزع. وهي حالة لم تكن معزولة عن طبيعة التحولات الاجتماعية البنيوية والأخلاقية في النظام الاجتماعي السياسي للخلافة. فقد انتجت ثقيف عدد من الشخصيات التاريخية المهمة. وأكثرها شهرة الحجاج الثقفي والمختار الثقفي. وأحدهما نقيض تام للآخر. انهما يمثلان طرفي الصراع الدائم بين الخير والشر، والحق وسلبه، والحرية والاستبداد. بمعنى ضمور النفسية القبلية وبروز وهيمنة الفكرة المجردة ونماذجها الواقعية وأساليب تجسيدها العملية. بمعنى وقوفنا أمام تحلل البنية القبلية التي وجدت تجسيدها في مختار للتاريخ ومحتار أمام السلطة المستبدة.

إن مأثرة المختار الثقفي التاريخية تقوم في تمثيله وتحقيقه للفكرة القائلة، بأن الأحداث الكبرى وتأسيها الواقعي في الفكر والمثال هي على الدوام نتاج عمل القوى الاجتماعية الحية. وهذه بدورها هي القوة الفاعلة في التاريخ وليس هيبة "العائلة المقدسة".

لقد كانت فكرة الثأر التي رفعها المختار الثقفي موجهة أولا وقبل كل شيئ تجاه النفس. ومن الناحية التاريخية السياسية والعملية كانت استمرارا وتكملة لحركة "التوابين"، أي تلك الحركة التي دعت للتوبة مما اقترفه أهل العراق من خطيئة في عدم نصرتهم للحسين بن علي وخيانته أيضا. أما المختار الثقفي فحاول الجمع بينهما ولكن بطريقة ومضمون آخر. وبالتالي، فإن تياره هو تكملة للتوبة الذاتية وتذويبها في شعار الثأر أيضا. بمعنى الجمع بينهما من أجل شعار الحق والعدل والحرية. وقد كان ذلك بالفعل احد أعظم وأعمق الشعارات السياسية والفكرية آنذاك بالنسبة للتحرر الاجتماعي وبناء الدولة والثقافة.

 انه التيار الاجتماعي السياسي المنظم الذي نفى واستكمل تمرد الخوارج، من خلال تمثله للمضمون الحقيقي للإسلام المحمدي: إسلام الجماعة المؤمنة بالحق والأمة العاملة بمعاييره. ومن خلالها التأسيس لمفهوم سلطة الأمة بنفسها لنفسها وليس للعائلة "المقدسة" والقبيلة القرشية أموية وعباسية وهاشمية محتملة وما شابه ذلك. وفي هذا تكمن قيمتها بالنسبة للمعاصرة.

إن الجوهري في الإسلام الفاعل الذي قدمه المختار والحركة المختارية هو ليس الشريعة وعقائد المذاهب والفرق، بل فكرة الحق والعدل والحرية بوصفها التزاما فرديا واجتماعيا وسياسيا وأخلاقيا. وفيه ومن خلاله يتلألأ فيصل الحكم الصادق بصدد طبيعة وحجم الالتزام الفعلي تجاه هذه القيم والمفاهيم العملية. كما انه يضع في الظروف العراق طبيعة وحجم الالتزام الفعلي للأحزاب الشيعية الحالية فيه. وهو حكم ومقارنة يشيران إلى أنه لا شيء عند هذه الأحزاب التي تتغنى وتطرب وتبكي وتتحمس وتأكل وتشرب وتنام باسم الحسين. بل نرى فيها تجسيدا لنقيضه. الأمر الذي يطرح مهمة الثأر منها.

إن الأحزاب الشيعية الحالية هي أموية جديدة. وهي استكمال للتيارات السنيّة الغالية والهمجية. ومن حيث المضمون يصعب التفريق بينهما بالمعنى الاجتماعي والأخلاقي. حقيقة إن التشيع السياسي العراقي لم يهبط بعد إلى مستوى الهمجية لكنه يقف على جرف هاويتها! 

ومن دون الخوض في مضمون الكتاب الذي يتناول مختلف جوانب هذه الشخصية الملهمة بالنسبة للعقل الحر والضمير الحي المهموم بفكرة الحرية، اكتفي بمقدمته فقط. ففيها استعرض بصورة مكثفة كل ما أريد قوله في الكتاب. وما وراءه من أبعاد اللغز التاريخي والثقافي الحي للمختار.

***

إن الرجال العظام تولد وتموت. وفي مجراها تعاني من أحوال مختلفة، تحب وتكره، وتتذكر وتنسى، وتصبر وتجزع، وتشتهي وتنفر، وتتحدى وتهرب. لكن هذه الأحوال تبقى في نهاية المطاف جزء من حياتها الخاصة. مما يجعل منها مادة للتأمل التاريخي، ونموذجا للمحاكاة السياسية، وذكرى للأساطير والحكايات، ولغزا للاهوت والأهواء، وعبرة للتعقل، واختبارا للمنطق. لكنها حالة تشير بدورها إلى أن أي من الصيغ المذكورة أعلاه لا يمكنها رؤية حقيقة الشخصية الكبرى بوصفها "مأثرة".

إن رؤية الشخصية الكبرى بوصفها مأثرة يفترض الانغماس في أعماقها الحرة والبحث فيها عن الأثر التاريخي فيما تقوم به وتفعل. لاسيما وأنها الحالة الواقعية لوجودها، والأسلوب الفعلي لإدراك حقيقة تأثيرها في التطور اللاحق للأمم والدول والثقافات.

إن حقيقة الشخصيات الكبرى هي أثر فعلي في وعي الذات القومي والثقافي. وما عداها مجرد ذكرى قابلة للنسيان أو الاستحداث بوصفها "بقايا حجرية" قابلة للتأمل. فكل شخصية غير قادرة على العيش والحياة بوصفها روحا في الأجيال المعاصرة وبمعاييرها، هي من متحجرات الماضي مهما كانت سمعتها وشهرتها. وهو السبب الذي يجعلنا نقرأ ونسمع مرات كثيرة عن خلفاء وسلاطين وقواد، دون أن يثير أي منهم قدرا ضئيلا من معاناة وعي الذات التاريخي أو الثقافي أو القومي أو الوجداني. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين رجال التاريخ وأزلام الزمن، بين مأثرة وأثر بلا مآثر. وذلك لأن رجل التاريخ هو مأثرة حية في وعي الذات القومي والثقافي، ومن ثم قابلة للتجدد والتوّسع والتعّمق والتفاعل مع إشكاليات المعاصرة.

وقد ميزت هذه الصفة شخصية المختار بن أبي عبيدة الثقفي، بحيث جعلت منه مأثرة عميقة أقرب ما تكون إلى منظومة حية في وعي الذات الروحي والأخلاقي والسياسي. مما جعل من آثارها حوادث ومواقف ونتائج يمكن تأملها في مجرى الصراع الاجتماعي والسياسي الحالي في العالم العربي والعراق خصوصا.

إننا نعثر في تاريخ المختار على تاريخ المفاهيم والقيم والمواقف بوصفها أحداثا حية معاصرة. كما يشير هذا العثور إلى أن ما عانى من أجله وقام به، وما أتخذه من مواقف، وما تعرض له من انكسار، ما زال يسري في تيار الزمن الحالي، لكي يتحول مع مروره إلى جزء من تاريخ وعي الذات. بمعنى انه مازال يعيش بكامل كينونته القديمة في مسار الأحداث الحالية. الأمر الذي يجعل من حيويته الفعلية طاقة مثيرة بالنسبة للمشاعر والأذواق والإدراك والمفاهيم والقيم والمواقف التي تتجاذب القوى الاجتماعية والسياسية في صراعها الحالي.

فقد كان المختار شخصية عراقية عربية إسلامية تتماهى في التاريخ مع آثاره ومآثره الكبرى. بحيث جعل ذلك منه قوة سارية في أعمق أعماق الفكرة الحرة، كما جعل منه أحد أجمل المساعي الجليلة من اجل الحق والعدالة، وأحد أصدق نماذج العمل من أجلها في ميدان الصراع الاجتماعي والسياسي. وقد يكون من الصعب بالنسبة للإنسان المعاصر أن يتحسس بصورة مباشرة طبيعة وحجم المعاناة التي كان يواجهها في ثنايا الوحدة والعزلة، وفي أوساط الحشود حالما تنظر إليه مسترقة السمع لكل كلمة ومتأملة معنى الإيماء والحركة في اليدين والعينين، لكنه يجبر العقل والضمير على رؤية ما فيه من نموذج مدهش لما ادعوه بالمثقف المجاهد. وهو مثقف سوف لن يفقد قيمته مع مرور الزمن لأنه جزء من تاريخ حي، هو تاريخ وعي الذات الثقافي.

فقد جسّد المختار في حياته وموته، أفعاله ومآثرها، أقواله وآثارها، ذاكرته وذكراه، حقائق الروح الأبدي ومرجعياته القائلة، بأن البقاء في التاريخ يفترض الذوبان في مجراه الحي. لكنه ذوبان جعل منه على الدوام قطرة منعشة وسيلا عارما، وهواء عليلا وعاصفة هوجاء، ودفئا لذيذا ونار محرقة، وترابا للقصور والقبور، أي مكونا حيا ومعاصرا، شأن كل الشخصيات الفاعلة في تاريخ وعي الذات. ويكفي المرء النظر إلى أحداث العراق الحالية لكي يحس ويدرك ويفهم قيمة المختار بالنسبة للعقل والضمير الحي.

 

ميثم الجنابي

 

 

1153 الامير عبد القادراشتريت الكتاب من بائع الكتب عبر رصيف وسط مدينة الشلف وأنهيت قراءته قبل أن أبرح مكاني، والكتاب هو: الأستاذ رابح خدوسي: "الأمير عبد القادر  في كتابات المؤرخين"، دار الحضارة، بئر توتة، الجزائر العاصمة، الجزائر، 1997، من 32 صفحة فكانت هذه القراءة:

1- جاء في صفحة 13 وتحت عنوان: "عبد القادر أميرا" أنّ الأمير عبد القادر رحمة الله عليه ورث الإمارة من أبيه و"تخلي أبيه عن الإمارة لفائدته"، وعليه أقول: الأمير عبد القادر لم يرث الإمارة بالمفهوم المتعارف عليه إنّما علماء وفقهاء وأعيان وكبار معسكر والمناطق المجاورة لها ألحوا على الأب محي الدّين الحسيني الهاشمي رحمة الله عليه أن يلح على الابن الأمير عبد القادر بقبول الإمارة فقبل الابن تحت إلحاح العلماء والفقهاء وطلب الأب هذا من جهة.

2- من جهة ثانية – في تقديري وحسب قراءاتي – الإمارة تعني في حالة الأمير عبد القادر القيادة وخاصّة قيادة الجيش لأنّه بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر وخيانة العثمانيين للجزائر وبيع أهلها وخيراتها للمحتل الفرنسي كان لزاما على الجزائر أن تختار قائدا عسكريا يواجه النهب والسّطو و الاستدمار الفرنسي. إذن لقب الإمارة يطلق في الحالة الخاصّة بالأمير عبد القادر على قيادة الجيش ومحاربة العدو والمحتل الفرنسي وليس الإمارة بمفهوم التوريث والبذخ هذا من جهة ثانية.

3- حين ضغطت فرنسا المحتلة على الأمير عبد القادر لجأ للمغرب ليحمي ظهره ويأمل في نصرة سلطان المغرب يومها، وحين رأى سكان المغرب الأخلاق العالية للأمير عبد القادر طلبوا منه وبإلحاح أن يكون سلطانا عليهم بدل السلطاني المغربي لكنّ الأمير عبد القادر بأخلاقه السّامية امتنع ورفض احتراما لضيافة السّلطان المغربي والعهد الذي قدّمه له بأن لا يخونه ولا ينافسه في ملكه. وحين هاجر الأمير إلى الشام طلب منه سكان الشام وألحوا عليه أن يكون سلطانا على العرب جميعا هذه المرّة عوض السلاطين العثمانيين  الذين كان المشارقة يومها يكنون لهم العداء بسبب ظلم وبطش سلاطين الدولة العثمانية فرفض الأمير عبد القادر  أن يكون سلطان العرب احتراما للسلطان العثماني وتقديرا له ورفضه منافسة السّلطان العثماني خاصّة وأنّ الأمير عبد القادر يملك من المواصفات الأخلاقية والجذر التاريخي والتعاطف الشعبي والأخلاق السّامية ما لا يملكه سلاطين الدولة العثمانية مجتمعين وهم يدركون هذا الفارق جيّدا حتّى أنّهم كانوا متخوّفين جدّا أن يكون ا أمير عبد القادر سلطان العرب بدل عنهم وهم يرون العرب تلتفّ حوله وتطلب منه أن يكون سلطانا عليهم.

4- جاء في صفحة 23 تحت عنوان: "الاستسلام" يتحدّث عبره عن استسلام الأمير عبد القادر، وعليه أقول: أشكر الأستاذ رابح خدوسي على الجرأة في استعماله عنوان "الاستسلام" لأنّي قرأت هذا العنوان لأوّل مرّة في حياتي – وفي حدود ما قرأت و أتذكر – لكن ألومه للاعتبارات التّلية:

5- الكتاب موجّه للأطفال وما كان ينبغي له أن يستعمل مصطلح "استسلام الأمير" وهو يخاطب الأطفال لأنّ الطفل لا يخاطب باستسلام قادته ورموزه.

6- طلب منّي منذ سنوات طلب أن أكتب عن الأمير عبد القادر للأطفال فكتبت وعرضت عملي على زميل أديب فصيح فنصح وشكر ثمّ عرضت عملي على زميل يكثر القراءة فقال لي حينها: عهدتك أن تنتقد الأشخاص والفكرة لكن رأيتك في هذا العمل تشكر وتثني على الأمير عبد القادر دون أن توجّه نقدا للأمير وقد قرأت لك وأنت تنتقد الأمير في بعض مقالاتك وكتاباتك كما تثني عليه، فأجبت ودون تردد: عملي هذا موجّه للأطفال ولا يحقّ لي أن أنتقد رمزنا وكبيرنا وأنا أقدّمه للصغار والمطلوب من الكبار أن يربوا الطفل على أنّ رمزه كان قائدا وفاتحا ونظيفا وفارسا وشجاعا وبطلا وعادلا وحين يكبر نقدّم له نقدنا للأمير عبد القادر ولغيره كما فعلنا من قبل معه ومع غيره.

7- استعمال الكاتب لمصطلح "الاستسلام" يوحي أنّ الأمير عبد القادر استسلم بمحض إرادته وأنّ من طبعه الاستسلام وهذا خطأ وقع فيه الكاتب وكان عليه أن يكتب مثلا : "الظروف التي دفعت الأمير عبد القادر للاستسلام" و "ظروف الاستسلام" وغيرها من الكلمات المعبّرة عن أنّ ا؟لأمير عبد القادر حارب مدّة 17 سنة وهو في زهرة شبابه وقد عرضت عليه الدنيا وجاءته حبوا وترجاه المستدمر الفرنسي وبعث له بثلاثة رسائل لإبرام الصلح ولم يقبل إلاّ في الرسالة الرابعة وهو الوحيد الذي أبرمت معه معاهدتين ولم يتوقف يوما عن الجهاد ومحاربة المستدمر الفرنسي لكن ضغوطا ضخمة وخيانات متعدّدة وموازين قوة لم تكن لصالح وتفوّق المحتل في العدّد والعدّة وانحصار الأرض التي يثبت عليها وينطلق منها وغياب الغطاء الذي يحميه من الخائن والعدو كلّها وغيرها عوامل ساهمت في استسلام الأمير عبد القادر رحمة الله عليه. إذن الأمير عبد القادر استسلم لكن الظروف التي ذكرناها وغيرها هي التي دفعته للاستسلام.

8- عاتبني زميل وهو أستاذ التاريخ بإحدى الجامعات الجزائرية استعمالي لمصطلح استسلام الأمير تحت ظروف ذكرتها في الأعلى وقال: بل هو طلب أمان. أجبت حينها: لا يطلب الأمان من عدو وطلب الأمان هو الصورة المعبّرة عن الاستسلام لكن بلفظ رقيق لطيف.

9- اعتمد الأستاذ على مرجع واحد مترجم إلى اللغة العربية والمراجع الأخرى كلّها من كتاب عرب وجزائريين، وعليه أقول: من الأخطاء الفادحة الاعتماد على المراجع الجزائرية والعربية دون المراجع الفرنسية والغربية في دراسة الأمير عبد القادر. والصواب – في نظري – الاعتماد على الجزائريين الذين عايشوا الأمير عبد القادر منذ صباه وشبابه وبداية الاحتلال الفرنسي، والاعتماد على الفرنسيين والغربيين الذين تعاملوا مع الأمير عبد القادر في السّلم والحرب والمعاهدة والسّجن، والاعتماد على العرب الذين تعاملوا مع الأمير عبد القادر  في الشام  ومساجد الشام والصلح بين المسيحيين ومجالسه مع علماء الشام وهكذا. وبهذا الجمع يقف المرء على مصادر جزائرية وفرنسية وغربية وسورية وعربية لدراسة شخصية الأمير عبد القادر من كلّ النواحي ومن زوايا مختلفة ودون استثناء.

 

 معمر حبار

 

عن دار الورشة للطباعة والنشر في بغداد صدر هذا الأسبوع الجزء الأول من كتاب "هوليــود بين عوالم المخابرات ودهاليز السياسة المظلمة - وثائق وأسرار.. دسائس ومؤامرات" ارجمة وإعداد الناقد الدكتور حسين سرمك حسن. يقع الجزء الأول من هذا الكتاب في (419) صفحة ويضم (15) فصلا جاءت على الشكل التالي:

1148 هوليود

(1). تمهيد: دعاية الشاشة ، هوليوود ووكالة المخابرات المركزية  - مقالات مختارة

(2). تدخّل وكالة المخابرات المركزية في هوليود : النشاط المبكر

(3). هنا 410 أفلام صُنعت تحت الإشراف والتأثير المباشر للبنتاغون

(4). وثائق تعرض كيف تروج هوليوود للحرب نيابة عن البنتاغون ووكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي - لقد أثرت وكالات الاستخبارات العسكرية الأمريكية في أكثر من 1800

(5). الأضواء ، الكاميرا .. والعمل السرّي: السياسات الخفية في هوليوود

(6). كيف استغلت وكالة المخابرات هوليود لتزيين العمل التجسّسي

(7). هوليود وتمجيد التعذيب: فيلم زيرو دارك ثيرتي وأوسكار "أفضل فيلم دعائي" – فيلم آرغو وتزوير حقائق التاريخ

(8). وثائق حكومية تكشف العلاقة بين وزارة الدفاع (البنتاغون) ومخرجي الأفلام في هوليود

(9). الإمبريالية الثقافية وإدارة الوعي: كيف تخفي هوليود جرائم الحرب الأمريكية

(10). صحيفة إندبندنت البريطانية: دور واشنطن في كواليس هوليود أعمق مما تتصوّر – البنتاغون دعم أكثر من 1100 مسلسل تلفزيوني !!

(11). قصف هيروشيما بالقنابل الذرّية يحصل على التجميل من هوليوود

(12) جائزة الأوسكار تُمنح لمنظمة الخوذ البيض الإرهابية

(أ) الأوسكار يذهب إلى تنظيم القاعدة؟ دعاية الحرب السورية تفوز بجائزة الأوسكار

(ب) إنسوا الأوسكار: إمنحوا فيلم الخوذ البيض جائزة ليني ريفينستال (النازية) لأفضل فيلم دعائي

(13). جيمس بوند (دانييل كريج) يزور مقر وكالة المخابرات المركزية !! لماذا ؟؟

"الانتحارات" الشهيرة في هوليود:

 (14) "انتحار" مارلين مونرو

أولاً- مَنْ قتل أسطورة السينما مارلين مونرو؟ (نظريات المؤمرة)

ثانياً- حصرياً: صور لم تُرَ من قبل لمارلين مونرو الحامل سرّاً ، التي أقنعت صديقتها المقربة أن إيف مونتان ، نجم فيلم "دعونا نعمل الحب" ، كان والد الطفل - وليس الزوج آرثر ميلر.

ثالثاً- معلومات مهمة عن مونرو من الباحث الأمريكي (ستيفن وايد)

رابعاً - رسائل لا تُصدّق بين جون كنيدي ومارلين مونرو اكتُشفت حديثاً

(15) كيف دمّر مكتب المباحث الفيدرالي حياة الممثلة جين سيبيرج وأوصلها إلى الانتحار؟

ومما ذكره سرمك في مقدمة الكتاب:

"في كتابي الأول عن فن السينما الجميل : "السينما .. فن الإبهار المميت" الذي صدر عن دار ضفاف في بغداد عام 2016 تحدّثتُ عن ولعي المبكر بعالم السينما العجيب ، وقدّمتُ تحليلا لستة افلام سينمائية حديثة مهمة. وكنتُ قد وضعتُ مخططا في ذهني يتمثل في إصدار جزء ثانٍ مكمّل للكتاب الأول ولم يكن في بالي وضع هذا الكتاب الذي بين يدي السادة القراء الأفاضل. فمنذ أن شاهدتُ فيلم "خزانة الألم The Hurt Locker" والنقد الذي كتبته عنه بعد مشاهدات كثيرة دقيقة والملابسات التي رافقت فوزه بجائزة اوسكار أفضل فيلم عام 2009 لم أعُد أُفاجأ بتدخلات وألعاب السياسة في تحديد الأفلام الفائزة بجوائز الأوسكار. فهذا الفيلم من إخراج المخرجة "كاثرين بيجلو" التي صارت ومازالت لحد الآن أول امرأة تفوز بجائزة الأوسكار لافضل مخرج عن فيلمها هذا ، دخل المنافسة ضد فيلم "أفاتار Avatar" لمخرج الروائع (تايتانك مثلا) جيمس كاميرون (زوج كاثرين بيجلو السابق – طلقها عام 1991) الذي كتبه وأنتجه أيضا وكان أغلب النقاد السينمائيين ومتابعي السينما يعتقدون وبثقة أنّ فلمه أفاتار سينال جائزة الأوسكار عن أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل مؤثرات صورية على الأقل ، لكن المفاجأة المثيرة للدهشة والصدمة للجميع جاءت حين مُنح فيلم حزانة الألم الحربي العادي المليء بالأخطاء جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وافضل مخرجة بعد أن رُشّح لتسعة جوائز أوسكار.

إذن ما الذي دفعني إلى القفز فوق مخططي الذي أعددته وإصدار هذا الكتاب؟ السبب هو أنني صُدمت بالوثائق السرّية التي نشرتها مواقع ألكترونية مهمة والمعلومات المُسرّبة أخيرا في مقالات ودراسات لباحثين أمريكيين مختصين بفن السينما عن العلاقة الخفية بين هوليود ووكالة المخابرات المركزية CIA ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) وغيرهما من المؤسسات الاستخبارية والعسكرية الأمريكية ، ومقدار التأثير الذي تفرضه الأهداف والمصالح السياسية لصانعي القرار السياسي الأمريكي على مضامين الأفلام المُنتجة في هوليود والمسلسلات التي تعرضها الشبكات التلفزيونية المهمة وبرامجها. لقد بلغ التدخل حدا أن مدير وكالة المخابرات ليون بانيتا يقترح اسم الممثل الأسطوري آل باشينو كي يمثل دوره في الفيلم الخاص بمقتل إبن لادن : ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل Zero Dark Thirty ، وأن يقوم المكتب الخاص بالترفيه في الوكالة بحذف المشاهد في الأفلام وتغيير الحوارات وفرض تغييرات جذرية فيها مثل فيلم هالك Hulk و لقاء الآباء Meet the Parents (فيلم كوميدي معروف مثّله روبرت دي نيرو وبن سيلرز) والحديقة الجوراسية الجزء الثالث وغيرها ، وأن تُنتج أفلاما خاصة هدفها تشويه الحقائق التاريخية ، وأن تقوم نجمة مسلسل "ألياس" الشهير "جنيفر غارنر بتمثيل إعلان دعائي يدعو الشباب للتطوع في وكالة المخابرات!!

سيجد السادة القرّاء الكثير من المعلومات الصادمة المدعومة بالوثائق السرّية التي أُفرج عنها مؤخرا والتي تشوّه صورة هوليود وإبداعاتها التي كنّا نضنّها "بريئة" ومحايدة وهدفها هو إشاعة هذا الفن الرائع وقِيَمه النبيلة. هنا وثيقة تشير إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية أصدرت قائمة بأكثر من 300 فيلما في هوليوود ساعدت الوزارة في إنتاجها. ووثيقة أخرى تشير إلى أنه على التلفزيون فقط ، هناك أكثر من 1100 عنوان لمسلسلات تلفزيونية حصلت على دعم البنتاغون - 900 منها منذ عام 2005. وهناك وثيقة ثالثة نقول أنّ وكالات الاستخبارات العسكرية الأمريكية أثّرت في أكثر من 1800 فيلم!!)

وقد أهدى المؤلف كتابه إلى: الفنان الراحل عبد الخالق المختار أنموذجاً للفنان الملتزم والمواطن العراقي الغيور.

 

 كتب محرّر دار الورشة:

 

 

نبيل عودةقرأت قبل سنوات كتاب يحمل عنوانا مثيرا "تاريخ الله" كتبته صحفية انكليزية وهي بالمناسبة راهبة كاثوليكية سابقة، الكتاب مثير بما يطرحه، باستعراضه تاريخ الايمان برب واحد في اليهودية والمسيحية والاسلام، خلال ال 4000 الاف سنة الماضية من التاريخ البشري.

المؤلفة كارن ارميسترونغ، تقود القارئ الى اهم رحلة تاريخية في حياة البشرية، رحلة البحث عن الله. تتناول في كتابها تطور الفكرة الإلهية في تاريخ الشرية. وتستعرض نقاط الاتفاق والخلاف في الديانات التوحيدية الثلاثة، والتأثير المتبادل لكل دين على الدين الآخر.

الفكرة الجميلة في طرحها هو كيف تطورت الفكرة اللاهوتية بعيون سكان الأرض عن رب الجيوش القبلي، لقبيلة قليلة العدد الجالس بأعالي السماء، الى رب عادل رحيم بكل الديانات التوحيدية الكبيرة. وكيف أصبح من رب مخيف الى كيان مألوف، اصبحت له اعتبارات جديدة، وعلاقة جديدة نمت بينه وبين البشرية. حتى انه يمكن القول ان الله الجديد، المتحول من الله الرهيب، أصبح في خدمة البشرية.

تشير المؤلفة ان الله الجديد، لم تعد له صفات العدل والرحمة فقط، بل تحول ايضا الى خادم لأهداف سياسية واجتماعية واقتصادية في اخلاقيات وتفسيرات جماعات المؤمنين. طبعا تشير ارمسترونغ الى ان الفكرة اللاهوتية تصبح عتيقة مقابل الواقع الجديد المتضارب، بحيث تبرز افكار جديدة، تغير حتى فكرة الله القديمة نفسها.

يمكن القول بشكل عام، دون الاقلال من حق المتدينين باي ايمان يطابق ما نشأوا عليه، ان فكرة الألوهية هي احدى الأفكار الأكثر ضخامة في التاريخ البشري، وبنفس الوقت هي احدى أكثر الأفكار اشكالية ايضا. في مختلف الثقافات التي ظهرت في التاريخ البشري، فكر الانسان كيف يحدد مكانته غير الثابتة في عالمه، لذا خاضت البشرية طريقا طويلة ومثيرة للاهتمام من الروحانية إلى الألوهية. ومن يقرأ مثلا سفر التكوين التوراتي، او أي قصة خلق اخرى، دينية كانت ام وثنية، يلمس المكانة العظيمة والقوة الهائلة لفكرة الله في التاريخ البشري اللاهوتي. فهو خالق الانسان والأرض والبحار والسماء والشمس والكواكب والنبت والزرع الى آخره.  

ذلك الرب العظيم لم يكن له صور، ولم يخدمه رهبان او رجال دين، وشيئا فشيئا بدأ يبتعد أكثر وأكثر عن الانسان، وان الفكرة الإلهية بدأت تتلاشى من العقل البشري، لدرجة ان نسبة كبيرة من البشرية لم تعد تؤمن به، او انه اختفي كليا من حياتها. هذا قاد الكثيرين من الفلاسفة والمفكرين الى اسقاطه من تفكيرهم. وانكار كل القصص الدينية التي تطورت خلال ال 4000 سنة الماضية. ووصل الأمر بفيلسوف بارز هو الألماني نيتشه للقول ان "الجنائني قد مات" ويقصد الله.

طبعا الولوج للموضوع فيه الكثير من الألغام، لأن طرح فكرة ما بمجتمع يفتقد لحرية التفكير والتعددية الثقافية والفكرية، ليس سهلا، ولن يفهم انه طرح بإطار ثقافي ومعرفي وليس حثا على التخلي بما يؤمن به الشخص، انما عقلنة وتعميق للمعرفة.

استعرضت فكرة الكتاب (470 صفحة) باختصار شديد ودون توسع، والكتاب تحول الى أحد الكتب الأكثر مبيعا في العالم.

هذا يقودني الى رؤية أنه من غرائب الدين والايمان الديني، هو ان الله يُطرح بشكل مبسط، ان الصفات التي تلصق بفكرة الله هي صفات العدالة والرحمة وجنان الله للمؤمنين والعذاب والحرق للكفرة.

مثلا تُطرح جهنم بتفاصيل رهيبة، الحرق والعذاب وهناك تفاصيل كاملة عن اهل النار والنهاية البائسة لغير المؤمنين.

وتطرح الجنة، او ملكوت الله، بصورة تحمل الكثير من المغريات الجنسية، وكأن ما يهم الانسان من الجنة هو الجنس، والجنس ولا شيء غير الجنس. المسيحية لا تطرح الجنس بل تتحدث عن ملكوت الله للمؤمنين. تعبير لا يقول شيئا. الجنة هي العالم الآخر الذي سيعود اليه الصديقين، وهو مغاير من جهنم حيث يصل الخاطئين.

وفكرة الجنة بدأت مع خلق آدم وحواء، لكن الله اخرجهم من الجنة بسب خطيئة الأكل من شجرة المعرفة. أي ان الله ارادهم بلا معرفة وبلا تفكير.

يمكن القول ان فكرة الله هي فكرة سريالية تطورت مع تطور الذهن البشري ورغبته في فهم عالمه، والظواهر المختلفة التي تواجهه في حياته، فخلق الآلهة لكل ظاهرة، وغير وبدل وصاغ قصصا وحكايات عن الآلهة وصراعها واوجد رب الآلهة.. الخ.

ومن هنا نجد ان الديانات الوثنية لم تكتف بالخضوع لآلهتها الوثنية، بل جعلتها هي خالقة السماء والأرض والانسان والنجوم والشمس، بل صيغت الكثير من القصص التي ترجمت ونقلت للتوراة وكتب دينية اخرى.. مثل الطوفان وقصة موسى وبشارة المسيح وغيرها من القصص المركزية في الكتب الدينية التي مصدرها الديانات الوثنية.

ويبقى السؤال: هل ستبقى شخصية الله الدينية سائدة في عالم بدأ يكتشف كواكب تبعد عن كرتنا الأرضية الاف السنين الضوئية؟

 

نبيل عودة

 

علجية عيشتجمع الدراسات على أن ازدواجية اللغة كانت السبب في تخلف العرب العلمي والثقافي، الذي حال بينهم وبين التفوق والنبوغ، وكان أنصار اللهجات السوقية ودعاة تطوير العربية الفصحى من غربيين وعرب مستغربين هم من حركوا هذه القضايا، فزعموا أن العرب يقرأون ويكتبون بغير اللغة التي يتكلمون بها، هذا ما جاء في كتاب الدكتور محمد محمّد حسين في كتابه بعنوان "حصوننا مهددة من داخلها" والدكتور محمد حسين كما روي عنه، تعرض عدة مرات للإغتيال بسبب كتابه بحيث كشف حقيقة الغرب وما يخططونه لمحو الإسلام، كما رسم فيه صورة سوداء للعرب وغفلتهم عمّا يدس لهم من سموم غربية من أجل قتل الشخصية العربية ومحو مقوماتها وتدمير تفكيرها وتسميم ينابيع الثقافة فيها

الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى عام 1967 عن مؤسسة الرسالة، أعيد طبعه لثامن مرة عام 1983 عن نفس المؤسسة، لأهميته، ولعل إعادة قراءة هذا الكتاب يجعل القارئ يعيد النظر في كثير من المسائل التي ركنت في زاوية النسيان، ويقارن بما جاء في الكتاب والوضع الذي آلت إليه الشعوب العربية وهي تعيش الثورات والحروب الأهلية بسبب إهمالها القيم العربية والإسلامية الأصيلة وقد انتقد الدكتور محمد محمّد حسين في كتابه مواقف كثير من الكتاب، لاسيما المقالة المتعلقة بـ: "مستقبل الثقافة في المجتمع العربي" للدكتور كامل عياد، الذي انتقد الأديب طه حسين حينما تحدث عن "مستقبل الثقافة في مصر"،  وما جاء به كذلك عبد الرزاق السنهوري عن القانون المدني العربي، حيث دعا هذا الأخيرإلى تبديل الشريعة الإسلامية،  وتوحيد القانون المدني في سائر البلاد العربية (مصر، سوريا، لبنان،تونس، الجزائر، المغرب والعراق) كون هذه البلدان تمزج بين الشريعة الإسلامية والقوانين الغربية، ماعدا اليمن والحجاز اللتان تطبقان الشريعة الإسلامة قبل ثورة التغيير طبعا أو ما سمي بالربيع العربي أو ظهور داعش .

فالكتاب يدعو إلى مراجعة النفس، لعل وعسى تسترجع الأمة العربية شيئا مما فقدته من مقوماتها، فقد انتقد الكاتب دور جامعة الدول العربية، خاصة في الجانب المتعلق بترجمة الكتب الأجنبية إلى اللغة العربية، وتحدث عن مسألة الروحانية وعلاقتها بالصوفية التي حاربها بعض الكتاب عن جهل، وقالوا أنها مذهب غير إسلامي، وهي لا تخرج عن مفهوم الزهد الذي عرف عن بعض الصادقين من الصالحين في صدر الإسلام، كما أنها تتعارض مع التفكير العلمي القائم على المشاهدة الحسية والتجربة العلمية، ثم قضية التغريب westernisation والجماعات الداعية إلى بناء المجتمع من جديد أو بناء المجتمع الجديد من خلال هدم القديم، فكثير من الباحثين كما يشير الدكتور محمد محمّد حسين وقعوا في الخطأ عندما انكبوا على البحث في أمور الدين والعقيدة واللغة العربية باسم الدراسات الإسلامية، ما كشفه كتاب "حصوننا مهددة من داخلها" هو أن الدراسات الإسلامية تسمية أوروبية، فهي ترجمة حرفية للأقسام التي أنشاتها الجامعات الأوروبية لتضم دراسات تتعلق بالمسلمين في تاريخهم وآدابهم ومجتمعاتهم، بكل ما تتسع له هذه الكلمة من معاني الدين والعلوم والفنون والعادات والتقاليد والبيئة، الهدف منها خدمة المصالح الإستعمارية في تعاملها مع البلاد الإسلامية والمساعدة على التخطيط لها، ومن وجهة نظر الكاتب، وجب المقارنة أو التفريق بين الدراسات الإسلامية والعلوم الإسلامية، هذه الأخيرة هي علوم التفسير والحديث والفقه، وتقوم على أولويات لابد من تحصيلها منها حفظ القرآن، وبدون هذه الأولويات لا يمكن أن نبني دراسات إسلامية صحيحة، ولذا وجب على المتخصصين في الدراسات الإسلامية حتى لو كانوا غير مسلمين أن تكون لم أسس أولية حول الإسلام والكتاب المقدس للمسلمين ( القرآن).

يقول صاحب الكتاب أنه وجب اليوم أن تحاط العلوم الإسلامية بالعناية حتى لا تتعرض للإنحراف، لأن بعض الدراسات الإسلامية تساير الحضارة الغربية وهو ما حدث مع طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر، والذي أوقع الطلاب في الخطأ بل قادهم إلى الجهل،  وفقدوا الإعتزاز بشخصيتهم العربية، والدليل ما حدث في العشرينيات وأوائل الثلاثينيات فيما سمي بـ: "ثورة العمامة والطربوش"، أرادت جماعة من طلاب الأزهر أن تنسلخ من صفتها الدينية وأن تباعد بينها وبين من يربطها بهذه الصفة، وفضلت الطربوش على العمامة، وكثر الكلام عن لصحاب العمامة، وصعوبة اللغة العربية وفي الإزدواج الذي تعيش فيه الشعوب العربية، التي تفكر بلهجتها العربية وتكتب آدابها وعلومها بلغة أجنبية، وحدث ما حدث من اختلاف وخلافات حول النص القرآني، حينما نشرت إسرائيل مصحفا محرفا بين المسلمين في بعض البلاد الإفريقية في فترة من فترات الإضطراب والفتنة، لأن بعض المسلمين كانوا يعتمدون في قراءة القرآن على المكتوب دون الرواية أو كما سماها بعض العلماء بـ: "الوِجَادَة" .

في الكتاب سلط محمد حسين الضوء على بعض المصطلحات، مثل مصطلح العصور الوسطى  وقال أنه تعبير أوروبي يقترن في أذهان أصحابه بالتخلف والهمجية، والعصور الوسطى يقابلها عصر الرسالة المحمدية وكانت أزهى عصور الإسلام، وهم بذلك يريدون التشهير بأن الإسلام دين عنف واستعباد  وعصر ظلم وظلام، وفي كل مرة يرددون هذا الكلام، لأنهم يدركون أنهم في كل مرة يخاطبون جيلا جديدا غير الذي سمعهم من قبل،  ولكي يستمروا يعملون على ترقية أفراد عصابتهم إلى المناصب العليا ومراكز تسمح لهم ترويج دعاويهم، والسيطرة على الصحافة والإذاعة والتلفزيون والقنوات الفضائية، حيث استدرجوا الناس وبخاصة الشباب بتزوير الكلام وتحريفه، وتقويل ما لا تقوله المعارضة، وعرفوا كيف يخدعون االصيد بإخفاء الشراك.

 

قراءة علجية عيش

 

1119 بلحاجللدكتور أحمد بلحاج آية وارهام

عن مركز الكتاب الأكاديمي بعمان، صدر كتاب (الأبجدية الموازية  بحث في العلاقة  الجدلية بين دلالة الأبجدية على النفَس الرحماني وبين  دلالتها على مراتب الوجود) من  120 صفحة ،في طبعته الأولى 2019 للشاعر الدكتور أحمد بلحاج آية وارهام.

هذا الكتاب الذي يغوص فيه الباحث في الحرف باعتباره  نَفَساً رحمانيا تنبثق منه كل العوالم. ومما جاء في التقديم:" لما أمعنَّا النظرَ في الكون جابَهَنا السؤالُ: كيف نشأ؟ ولأيِّ غاية؟، وقد تضاربت آراءُ الفلاسفةِ والعلماء والمفكرين في الإجابة، واحتدَّ الجدَلُ والاختلاف بينهم، فكلٌّ منهم يعضِّدُ نظريته في نشأة الكون بدلائلَ تمتد عميقاً في البعد المادي، وتنأَى بإصرار عن البعد الروحي. ومن ثمة انقلبت إجاباتهم إلى ضَرْبٍ من التخمينات والظنون التي تُشْعِلُ الشكَّ أكثرَ ممَّا تُشعل اليقينَ، لأن عقولهم المجرَّدةَ انطلقت من مبدإِ عدم اليقين في الوسائل والغايات، فصارت إلى ما صارت إليه من تخبط وتضارب وتَنَافٍ.

أما الصوفية فهم على النقيض من ذلك، فقد انطلقت إجابتهم عن هذه الإشكالية من عقلانية مُؤَيَّدَة؛لها يقين في وسائلها، ويقين في نجاعة مقاصدها. فوقفوا على حقيقة نشأة الكون، وما فيه من العوالمِ وقوفَ الشخص أمامَ المرآةِ. وإذن؛ فالفلسفة لا جدوى منها في مقاربة الكون ما دامت لم تنفتح على تجارب صوفية ذات آفاق إنسانية لانهائيةٍ، ذلك أن ا تلك إذن هي القضايا التي انشغل بها هذا البحث– الذي أدرناه على فصلين، تسبقهما مقدمة، وتعقبهما خاتمة كذلك – بروح صوفية معاصرة، تنشد ربطَ الإنسان الذي تصحَّرَ وجدانه، وتَدَهًّرَ (= أي صار دَهْرَانِيًّا) عقلُه ، بالسماء، ليعود إليه الاخضرار، فيرى الحياةَ وسيلةً إلى حياةٍ أخرى أسعدَ وأبقَى، لانهايةً ما بعدها حياةٌ.)

انشعب الفصل الأول الذي كرَّسه الباحث للحَرْف باعتباره جسداً روحيا فائضاً من النفَس الرحماني؛ له فضاءاته وأسراره إلى أربعة مباحث:

- تناول أولها ماهيته الإبيستيمولوجية ومراتبه، والأمور الإلهية التي خرجت منه.

- وتعرَّض الثاني لفضاءاته ومرائيه من حيث صورتُه الجسدية وأقسامه ورُتَبُه.

- واستقلَّ الثالث بالحديث عن أسراره ورقائقه وطبائعه ومراتب أسراره.

- أما الرابع فقد انصبَّ على موازاته مراتب الوجود، وعلاقته بكل مرتبة في الحضرات الوجودية.

ويأتي الفصل الثاني ليتوجَّه الاهتمام فيه إلى الإنسان بوصفه آخر مخلوق في مراتب الوجود،فقد احتل المرتبة السابعة والعشرين في مراتب الوجود البالغة ثمانية وعشرية مرتبة بعدد حروف الأبجدية، ويُمثله حرف الميم.وقد أصَّلت الصوفية منظومة هذا الكائن،وبينت مراحل صعوده في مدارج العرفان، ليكون ملاذا للإنسانية في كل عصر. وتفرَّعَ الكلام فيه إلى ثلاثة مباحث:

- خصَّص أولها للسمات الطاغية على عصرنا هذا، فهو عصرٌ عاصفٌ، متميزٌ بالفراغ المُوَحِّدِ، والفلسفات المؤسسة لموت المعنى.

- وثانيها لجوهرة الحقائق بوصفها بوصلةً تُرشد إلى الغاية من المعرفة، وإلى مفاتيح الغيوب.

- *وثالثها للإنسان العرفاني المنفتحِ على عوالم الملك والملكوت والجبروت، الناظرِ إلى الوجود بعينٍ إلهية لَدُنِّيَّةٍ.حيث أبرز خصائصَه، وأهمَّ سماته.

وقد لفت انتباهنا أن كتاب "(الأبجدية الموازية  بحث في العلاقة  الجدلية بين دلالة الأبجدية على النفَس الرحماني وبين  دلالتها على مراتب الوجود)، موجود في المتاجر الإلكترونية  مثل موقع (جملون)، و (نيل وفرات.كوم) وغيرها من المواقع. بدون اسم الكاتب، بل كتب الناشر بأنه من تأليف (جماعة من المؤلفين) .

فهل هو نصب على اسم كبير في عالم البحث العلمي تحت ذريعة الربح، والقفز فوق الحقوق الأدبية للمؤلف؟ 

أم هذا هو منهج هذه الدار الكبرى مع مؤلفي الخارج من أجل الاغتناء السريع؟

نجاة الزباير

........................

الكتاب موجود في مدونة الشاعر (معراج الحروف)

https://ouarham.blogspot.com/

 

1146 اسس المساواة الانسانيةهذا الكتاب هو نسخة منقحة لست محاضرات للبروفيسور الايزلندي جيرمي والدن القيت في شباط عام 2015. موضوع الكاتب هو مساواة الانسان، وبالذات، الاسس الفلسفية لـ "المساواة الاساسية" التي تشترك بها كل المخلوقات البشرية والتي تمنحهم قيمة اخلاقية متساوية. هذا الموضوع ذو اهمية كبيرة للمجتمع المدني والسياسة والقانون، لكنه مع ذلك وكما يشير الكاتب (ص10-11) لم ينل الا قدر ضئيل من الاهتمام العلمي. في كتابه الثري هذا، يعلن الكاتب انه ليس من السهل تحديد ما يجعل الناس متساوين. الاختلافات بين الناس – في الشكل، القدرة، الدخل والسلطة، المكانة (ص4-5) هي واسعة الانتشار حتى في المجتمعات الحديثة التي تدّعي محاربة التحيزات والتمييز العنصري.

في إعلان الاستقلال الامريكي كتب توماس جيفرسون ان اقتراح "كل الناس خُلقوا متساوين" هو شيء بديهي. ومع ان الكتب الدينية لليهودية والمسيحية تقول ان كل الناس ينحدرون من آدم وحواء، لكن الادّعاء بالمساواة الانسانية ظل غامضا ولم يكن واضحا قبل القرن السابع عشر حيث جرت ولأول مرة معالجة الموضوع من جانب توماس هوبس، ثم التفكير العميق به من جانب جون لوك من أجل خلق صيغة للّيبرالية الكلاسيكية، ولاحقا اُعيد تفسير الموضوع وتوضيحه بواسطة عدد من المفكرين الذين يأتي على رأسهم عمانوئيل كانط.

الكاتب ومعه العديد من الباحثين يتعاملون مع سؤال المساواة ضمن تقاليد الكلاسيكية الليبرالية. هو لا يبدي اهتماما في توسيع النقاش ليشمل الاتجاهات اللاّغربية لفكرة المساواة، ولا يعالج الانتقادات الى الليبرالية كتلك التي طوّرها كارل ماركس والاشتراكيين الآخرين والنسوية وما بعد البنيوية ودراسات ما بعد الكولنيالية وغيرها. مفكر من طراز والدن في القرن الواحد والعشرين يجب على الاقل ان يعترف بالمحدوديات المتأصلة في مركزيته الاوربية وحماسه في احتضان الرؤية الليبرالية.

الكاتب، وضمن ما اختاره من نصوص، قام فعلا بعمل وصفي وتحليلي مثير للاعجاب. هو يبدأ بتحديد عنصرين متميزين يأتيان مجتمعان ليشكّلا المساواة الاساسية. الاول هو يسميه "المساواة الدائمة" continuous equality، وحيث لا وجود هناك "للفروقات والاختلافات الاخلاقية بين الناس كتلك القائمة بين الناس والحيوانات الاخرى"(30). الثاني "المساواة المتميزة" distinctive equality، وفيها يكون الانسان مساوي للآخر على اساس انه حقا يتميز عن الحيوانات الاخرى"(31). يخصص والدن اغلبية المحاضرة الاولى للدفاع عن المساواة المستمرة بالضد من جدال هاستنك راشدل الذي يدافع عن "العنصرية الفلسفية"(20-29). الكاتب يدرك بان القلائل بين قرائه يتعاطفون مع موقف راشدل. مع ذلك، هو يعرض موقفا منهجيا لا يرفض فقط "اللااستمرارية" في المساواة بين الناس، وانما ايضا يبني مخطط اولي في فهمه للطبيعة الانسانية. الناس كما يرى، هم ذو خصوصية ومتساوون في الخصوصية لأنهم يحوزون على "جهاز للفهم والحساسية"، "لا يختلف كثيرا من فرد الى آخر ومن سياق اجتماعي الى آخر" ويستلزم المقدرة على الاستماع للناس وفهم لمحات الحب والأمل والطموح والتوقعات بالاضافة الى الألم والخسارة والخوف والحرمان والهزيمة والأذلال والدمار وبطريقة تجعل هناك معنى لاولئك الذين يعيشونها"(33-34). ما اذا كان هذا كافيا للدفاع عن المساواة المتميزة يبقى سؤالا ينتظر الاجابة عليه في المحاضرة (6) . محاضرة (2) تضع الدعامات لفهم والدن للمساواة الاساسية. اولاً، هو يعالج التمييز الوصفي/الالزامي . هل المساواة الانسانية هي حقيقة تجريبية حول طبيعة الانسان بحيث يمكن استخدامها كاساس للتفكير الاخلاقي؟ ام انها مبدأ اخلاقي جرى تبنّيه بالعرف؟ يميل والدن نحو الرؤية بان "لا وجود هناك لمضامين حقيقية تفرض الايمان بالمساواة الانسانية"(57) طالما "لا شيء هناك في انسانيتنا المشتركة يفرض اي مبدأ اخلاقي"(59). بدلا من ذلك، "نحن نأتي للنقاش مع ايماننا باننا المساوي للآخر(65).في نفس الوقت، هو يصرعلى ان الفكرة الالزامية للمساواة يجب ان تعتمد على الحقائق حول الكائنات الانسانية بحيث توضح لماذا "مبادئنا بالمساواة الاساسية تنطبق على الناس (او ربما كل المخلوقات العقلانية) ولكن ليس على ابريق الشاي او الضفدع الصغير"(58).ثانيا، هو منشغل بـ "اطروحة متكررة"(95) تؤمن بان الاخلاق قد لا تعني ضرورة التعامل مع كل الناس باهتمام واحترام . بالنهاية يرفض والدن هذا الخيار، مستنتجا بان "المساواة الانسانية هي على الاقل توجيه اخلاقي ضروري"(82).

في المحاضرتين 3 و 4 يعرض الكاتب مخططه الذي ينطوي على تحديد قدرات او سمات انسانية خاصة تشكل اساس المساواة. هذه تتضمن العقلانية، المقدرة الاخلاقية، الرغبة الحرة، المقدرة على الحب. حقيقة ان شخص ما اكثر عقلانية من الآخر هو غير هام قياسا بما اذا كان الاثنان متساويين اخلاقيا، لكن حقيقة ان الاثنين يشتركان بخاصية الكائن العقلاني هي هامة جدا. وبنفس الوقت، يكون المقدار الذي فيه للفرد سمة خاصة او مقدرة ربما هام لأغراض اخلاقية اخرى. الاستخدام الاخلاقي التام للمساواة يتطلب مقدرة يسميها الكاتب بـ scintillation، والتي هي "الطريقة التي يتحرك بها انتباهنا الى الامام والخلف بين نطاق ملائم من الخصائص .. وخصوصيه مظهرها في كل حالة فردية"(157). في تلك الطريقة، الناس يمكن التعامل معهم كمتساوين، وبعمل كهذا "نحن نحترم المقدرات التي يمتلكونها والتي ستقود ممارستها حتما الى اختلافات في احترام الفرد"(168).

المحاضرة الخامسة تبتعد عن النقاش الرئيسي لتركز على العلاقة بين الرؤية الليبرالية الكلاسيكية والرؤية اليهودية المسيحية. ورغم ان والدن يشير الى نفسه كمؤمن بالدين (177)، لكنه لايبدو يميل للايمان بالكشف الديني والانجيلي في دعم رؤيته. بدلا من ذلك، هو يؤكد، مقتفيا اثر كانط، بانه "لا سلطة دينية يمكنها ان تعطي اساسا للافكار الاخلاقية او الحقوق الاخلاقية"(181).

لسوء الحظ، هو لايبدو يدرك كم هو يثق بالرؤية المسيحية اليهودية ليدافع عن مبدأ المساواة المتميزة في المحاضرة (6). هنا يجادل الكاتب بان رؤيته في المساواة يجب ان تتضمن كل الكائنات الانسانية بما فيهم اولئك المعاقين جدا لدرجة يفتقرون فيها لبعض او كل السمات والقدرات التي تقوم عليها المساواة الاساسية، بينما في نفس الوقت يستبعد كل الحيوانات غير الانسانية. هو استخدم هذه الحركة الذكية باللجوء الى المفهوم التيليلوجي للطبيعة (237):الكائنات الانسانية التي تفتقر الى المقدرة على التفكير لأجل عمل خيارات اخلاقية انما تستحق مستوى الاحترام الانساني لأن افراد المخلوقات الذين ينتمون لهم لديهم امكانية تطوير تلك القدرات، بينما حتى أذكى الحيوانات اللاانسانية لا يمكنها ابدا تطوير هذه الامكانية. جماعات حقوق الحيوان تقف بالضد من هذه الفكرة .

ان فكرة، المساواة مع الآخر هي عقيدة موجودة سلفا، لكنها مع ذلك لاتزال ذات قيمة استطلاعية واسعة النطاق. يعرض المؤلف جداله بوضوح استثنائي خال من الرطانة. القرّاء المعتادون على الحجج الفلسفية سيكون الكتاب سهل الفهم. غير ان المؤلف يسعى ليكون مفهوما للجمهور العام وهو بهذا لم ينجح كثيرا. هو عادة يعتذر في التعامل مع المسائل الفلسفية والمنطقية التي هي اكثر ملائمة لفهم المتخصصين بدلا من الناس العاديين"(41) لكنه يندفع في حجج معقدة دون اعتبار لعدم امكانية غير المتخصصين في مسايرة الموضوع. هو يستخدم عبارات غير ضرورية مثل supervenienc باعتبارها "مفهوم تقني يُستعمل في الفلسفة"(61) لكنه لاحقا يستخدم عبارات اخرى وبدون تعليق مثل "epiphenomenal"(63) و "تيليلوجي"(237) والتي هي غير مألوفة لمعظم القرّاء غير المتخصصين.

والمشكلة الاكبر لدى الكاتب انه يستخدم القليل من الامثلة لتوضيح فكرته مقارنة بالكتب التي تضع القارئ العام نصب أعينها.

ورغم اهمية الرسالة التي يطرحها المؤلف، لكن هذا الكتاب لم يحقق اي تقدم في عقيدة المساواة اكثر مما فعل كانط قبل قرون عندما ميز بين الكائن الانساني كـ "جزء من نظام الطبيعة" ذو قيمة عادية والكائن الانساني "كفرد ممجّد فوق اي ثمن"(100). ولكن لاتزال مضامين الرؤية الليبرالية للمساواة كما يوضحها والدن هي هامة جدا وتستحق الانتباه. انها تأمر، على سبيل المثال، ان المرء لايجب ان يمنح اهمية اكبر لأخيه (بالمعنى الاخلاقي) اكثر من عدو قاس كهتلر الذي يُعامل باعتباره حائز على اعتبار وقيمة متساوية او كما ترى القديسة تيريزا بان الكلاب الأكثر وفاءا يُفترض ان تكون اقل قيمة اخلاقية من مغتصب الاطفال. هل هذه الرؤية مقنعة؟ الكاتب يجيب نعم ولكن فقط عندما نرغب ان تكون كذلك.

 

حاتم حميد محسن

...............................

كتاب جيرمي والدرون (المساواة مع الآخر:اساس المساواة الانسانية)، صدر عن مطبوعات Belknap عام 2017 في 280 صفحة.

 

1117 علي الشوكعلي الشوك مثقف رفيع، واسع المعلومات، كثير القراءة والاطلاع بالعربية والإنكليزية، ملم بمعلومات عصره، فهو بدون مبالغة كان من أثقف أبناء جيله. ما كتبه علي الشوك في التراث والحياة تصعب الكتابة عنه، ويصعب تلخيصه، لأنه أشبه بتغريدات بلابل متعددة منتشـــرة في بستان شاسع يمتد أفقا ليشمل عالمنا الشرق أوسطي كله، وعمقاً ليطوي تاريخنا المغرق في القدم. هذا الكـــتاب عــبارة عن منمنمة هائلة، مكونة من أجزاء لا تحصى، لا يظهر شكل أي جزء، إلا بوجوده مع أجزاء أخرى، لكي تظهر اللوحة المرجوة.

دهشة البحث

ليس هناك كلمة زائدة موضوعة في السياق، أو مرادفة لأخرى سبقتها لمجرد تحسين التعبير أو تزيينه، لتحقيق غرض بلاغي، فكل الكلمات جاءت لتبليغ معنى محدد، بدون زيادة أو نقصان، فعلينا فهم الكلمة في سياقها، وإن لم نفعل ذلك تفككت اللوحة وفقدنا متعة التملي في جمالها. وعلى سبيل المثال، لم أكن أعلم مطلقاً، أن كلمة «شعر» موجودة في لفظها نفسه، أو قريب منه، في لغات قديمة، بعيدة عن العربية، لأن كلمة شعر العربية من خواص لغتنا وحدها، لكن ظهر لي بعد قراءة الكتاب أن لها شبيه باللفظ والمعنى لا بلغة اخت للعربية حسب، بل في لغة بعيدة عن العربية جذرا وصوتا وتصريفاً وحروفاً، هي السومرية، فشعر تلفظ في هذه اللغة «شِر، وسِير» ونقشت في أقدم وثيقة عالمية، في الكتابة السومرية، وكلمة «شعر» تصبح : «شور» بالآرامية، و «شيرو» بالبابلية، وشمل معناها الغناء ثم تتحول إلى «شير» بالكنعانية، وبالعبرية، فـ «شير هشريم» هي نشيد الإنشاد، في العهد القديم، وهي «شور» باللغة السنسكريتية البعيدة عنا بعداً ساحقا، ومن يدرس جذور اللغات وأصولها سيجد اشتراكاً هائلاً بين أصول أقوام وأعراق لا يتوقعها، تكشف أخوة تتسامى عن الفرقة التي نعيشها الآن، وتسمو عن العداء الذي تأصل فينا وأراق دماءنا بغير حق ولا معنى. في اللوحات الآشورية صُوّر الشيوخ العرب الأسرى، الذين قاوموا الغزو، في غير لوحة، آنذاك كانت كل أمة تغزو كل أمة في العهود الفارطة، وكان ذلك طبيعياً، لكن من غير الطبيعي أن يطرب الملك الغالب إلى صوت الأسير المغلوب، وهو يغني ويعزف بشكل باهر، يأخذ بمجامع قلب آسريه، فيطلبون منه أن يزيدهم طرباً، ولعل هذه مفارقة مؤلمة جداً، فالأسير المشغول البال بأسره وسجنه ومصير عائلته، وظروفه اليائسة البائسة، عليه أن ينساها كلها، ويبدأ بالتفريج وإطراب آسره، خلي البال المطمئن إلى ظروف حياته.

أغنيات الحب والموت

«يعزو تشارلز دارون نشوء الأغنية إلى تقليد أصوات الحيوانات في موسم السفاد»، هذا الكلام يؤسس إلى أن أغاني الحب، كانت أقدم النماذج الموسيقية التي عرفها الإنسان. وتأثر بهذه النظرية فرويد وتلميذه جون الليغرو المتخصص في اللغات السامية، الذي يحاول تقديم تفسير جنسي للموسيقى والآلات الموسيقية، «فالقيثارة آلة العواهر، وحسب النبي أشعياء تكمن فيها قوة الإثارة الجنسية عند الرجال، فهو يخاطب امرأة في العهد القديم: خذي قيثارة طوفي في المدينة أيتها الزانية المنسية، أحسني العزف، أكثري الغناء لكي تُذكري».

لا يقتصر الكتاب على ذكر أخبار الموسيقى في الماضي والحاضر، لكنه يذكر أهم الملامح الحضارية عند شعوب الشرق كلها بدءً من اليونان وانتهاء بإيران، عارضا معلومات مهمة منتقاة، لا يستطيع غير المختص معرفتها، ويصعب على غيره العثور عليها

بدأ الشوك كتابه بالهلاهل كعلامة للفرح عند الشعوب القديمة وكيف تطورت، ثم أصوات التفجع، حيث كانت أول الأمر أشبه ببوق بشري للإعلان عن الموت، أو حادثة وفاة، وكيف تطورت كلمة «يبا» الآرامية التي تعني النفخ في البوق، وألفاظ أخرى في لغات متعددة إلى صيحة «يبووو» المتفجعة، ولعل أغرب ما نتصوره أن حاصدات القمح في سوريا قبل آلاف السنين كانوا يتفجعون على إله القمح القتيل، الذي يتصورونه يلقى مصرعه تحت وقع المناجل أثناء الحصاد. بدأ التفجع بعشتار وانتهى إلى هللوليا القداس المسيحي، لكن التفجع لا يبقى إلى الأبد، فهناك مناسبات مفرحة، تتطلب التعبير عن الفرح كالهلاهل، التي بقيت في شعوبنا حتى الآن، وهي «ترعيش اللسان ليطلق أصواتاً تتردد فيها مخارج حرف اللام، على نحو احتفالي يعبر عن الفرح والبهجة، ما يأتي مصداقاً لما قاله القديس أوغسطين في تعقيبه على المزمور الثاني والثلاثين في التوراة، «وهل هناك حديث إلى الرب في صمته أبلغ من هذه الـ»تهاليل»، إذ أن اللغة قاصرة عن الكلام عند سبحانه».

الموسيقى والحضارة

لا يقتصر الكتاب على ذكر أخبار الموسيقى في الماضي والحاضر، لكنه يذكر أهم الملامح الحضارية عند شعوب الشرق كلها بدءً من اليونان وانتهاء بإيران، عارضا معلومات مهمة منتقاة، لا يستطيع غير المختص معرفتها، ويصعب على غيره العثور عليها، فهو يذكر على سبيل المثال عشرات الآلات الموسيقية في العراق وأوصافها، ومن كان يستعملها، لكنه لا يسردها مرة واحدة، بحيث يدفع القارئ إلى الملل، بل يمر عليها على شكل دفعات حسب ورود موضوعها وأهميته، وفي صفحات أخرى من الكتاب نعرف أن الأطفال في مصر القديمة كانوا يتعلمون القراءة والكتابة والأغاني، و«صنفاً معيناً من الموسيقى، الأمر الذي أذهل أثينابوس الفيلسوف معترفاً بأن اليونانيين والبرابرة (غير اليونانيين)، كانوا يتعلمون الموسيقى على يد اللاجئين من مصر، وأن بإمكان المصريين اجتراح أصوات نادرة من آلات موسيقية قليلة الأوتار، رغم وجود آلات متطورة صناعة وتقنية وزخرفة عندهم، فهم يمتلكون أكثر من عشر آلات وترية فقط، وقد خلدت أغنية مصرية لأنها تعبر عن كدح الطبقات الفقيرة، وهي «أغنية الثيران» وشاعت خارج مصر وداخلها، لأنها من الأغاني الإنسانية التي تظهر البؤس اليومي المصري

أدرسوا الحنطة لأنفسكم أيها الثيران

أدرسوا لأنفسكم

القض علف لكم

والحنطة لأسيادكم

أجهدوا أنفسكم كثيراً

وفي نقش على قبر أمينحيت في طيبة، يظهر أول قائد فرقة أمام عازفين في التاريخ، وهو يضبط الإيقاع بكعبه الأيمن، ويفرقع بإبهاميه وسبابتيه إلخ.

العرب

وفي الأساطير العربية أن شخصاً عربياً «لمك» كان أول من صنع العود والدف والطبل، وأن اخته «دلال» صنعت القيثارة، وإشارة الأسطورة إلى أخته تثبت دور المرأة في الحياة من خلال الموسيقى عند العرب منذ القدم، فهي على قدم المساواة مع أخيها، وربما كان العرب أول شعوب العالم اكتشافاً للغناء من خلال الحداء، لكسر رتابة السفر الدائم على رمال لا تنتهي، ولا بد أنهم كانوا يقرنون الغناء بالتراتيل الدينية، الأمر الذي سرى إلى الإسلام، فقد منعت قراءة القرآن من دون غناء أو لحن، حتى الشعر كان يغنى، وعبارة «أنشد يقول» كانت ملازمة للكلام عن الشعراء. واشتهر (ابن مسجح) كألمع موسيقي في الجاهلية وصدر الإسلام، وتنقل بين سوريا وشمال الجزيرة واليمن وإيران، وأرسى أسس نظام موسيقى عربي صميم، مع إغناءات فارسية وبيزنطية.

من الرشيد إلى لوركا

أحب أن أذكر قصة شيقة وردت في الكتاب لأغنية عربية انسلت من قصر هارون العظيم، ووصلت الأندلس، فأثارت لا زوبعة وحسب، بل زوابع، وما زالت تدور كسحابة عطر فريد حتى الآن.. جاء الفضل بن الربيع «الوزير» إلى مجلس الرشيد، متأخراً، ثم شرح سبب تأخره لحدوث قصة ظريفة، فقد طلبت ثلاث نساء مقابلته، وكن بارعات، جميلات، ذكيات فتاه في ربوع قصصهن، ونسي وقته، وعندما جلبهن إلى المجلس، وجدهن الرشيد كما قال الفضل، فقال الرشيد فيهن ثلاثة أبيات اشتهرت، وتغنى بها الشعراء والمغنون:

مُلكُ الثلاث الآنســـات عناني

وحللن من قلبي بكل مـكان

ما لي تطاوعني البـرية كلها

وأطيعـهن وهن في عصـياني

ما ذاك إلا أن سلطان الهوى

وبه قوين، أعزّ من سلطــاني

فغنتها عُريب المأمونية، بإيقاع معين، أذهل من سمعها، وانتقلت من فم إلى آخر، في جميع أنحاء بغداد وبقية المدن، لا العراقية حسب، بل العربية كلها، وربما كانت أول أغنية توحّد العالم الإسلامي، قبل وجود الراديو والأجهزة الإلكترونية الأخرى، فقد ذكر أحد المورخين عن رجل حج مع الرشيد، آخر حجته، فسمع الناس يتناشدون الأبيات الثلاثة في كل مكان، ويستبدلونها بأخرى في المعنى نفسه واللحن:

ثلاث قد حللن حمى فؤادي

ويعطين الرغائب فــي ودادي

نظمت قلوبهن بخـيط قــلبـي

فهن قرابتي يـــوم التنادي

فمن يكُ حلّ من قلب محـلاً

فهن من النواظـــر والسواد

وذكرت القصيدة الأصلية في ألف ليلة، منسوبة إلى المتوكل، ثم قلدها شعراء الأندلس، ونظم الخليفة الأموي الأندلسي، المستعين بالله قصيدة على غرارها، فانتشرت القصيدة أيضاً، واستشهد بها الفيلسوف الصوفي محيي الدين بن عربي، في غير موضع، «الفتوحات المكية» في سياق حديثه عن الحب الصوفي والدوافع النفسية، أما ابن قزمان الشهير، فكتب قصيدة زجلية يذكر فيا الجاريات الثلاث مع تغييرالأسماء: عائشة، زهرة، مريم. ثم انتقلت هذه الصيغ إلى أوروبا بنفس صوفي أو رمزي فقد كتب دانتي أغنية من وحي قصيدة الرشيد:

ثلاث نساء راودن قلبي

كباقة من الورد يتربع في قلبها الحب

الذي هو سيد حياتي

بالغات الجمال،

أمرهن مطاع

إنني أقول ما في القلب

ولا يكاد الكلام يسعفني

ــ ربما يلاحظ القارئ عدم سلاسة القصيدة، لأنها مترجمة ــ

ربما كان العرب أول شعوب العالم اكتشافاً للغناء من خلال الحداء، لكسر رتابة السفر الدائم على رمال لا تنتهي، ولا بد أنهم كانوا يقرنون الغناء بالتراتيل الدينية، الأمر الذي سرى إلى الإسلام

وظهرت مجموعة من الأغاني الأندلسية تدعى كانسيونيرو دي بلاسيو ويرجع تاريخها إلى ما بعد طرد العرب من الأندلس «القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وهذه الأغاني على طريقة الزجل العربية، على غرار أزجال ابن قزمان الأندلسي، ولاحظ المستشرق الإسباني خوليان زيبيرا «1834- 1858» إن ما يعادل 85٪ من أغاني المجموعة كتب بهذه الطريقة الزجلية، من بينها الأغنيتان رقم 17- 18، وهما تذكراننا بأغنية هارون الرشيد في موضوعها:

أنا متيم في حب ثلاث عربيات

من حيّان:

عائشة وفاطمة ومريم

ثلاث من حيّأن:

عائشة وفاطمة ومريم

ثلاث من حيّان:

عائشة وفاطمة ومريم

ثلاث عربيات فاتنات

كن في طرقهن لجني الزيتونة

فوجدنها مجتناة

في حيّان:

عائشة وفاطمة ومريم

وجدنها مجتناة

فعدن مغشيات عليهن

ذابلات الألوان

في حيّان:

عائشة وفاطمة ومريم

ثلاث عربيات حسناوات

كن في طريقهن لجني التفاح

فوجدنه مجتنى

في حيّان:

عائشة وفاطمة ومريم

قلت لهن: من أنتن أيتها السيدات

يا من سلبتن حياتي؟

نحن مسيحيات بعد أن كنا عربيات

في حيّان:

عائشة وفاطمة ومريم».

أما آخر صيغة لهذه الأغنية القديمة، في سياق جولتها في شبه جزيرة إيبيريا، فقد عثرت عليها كارولينا ميكايلس في حالة رثة إلى حد ما، كما يقول خوليان ريبيرا، وهي اليوم ربما تكاد تلفظ أنفاسها في بلدة بارادا Parada في البرتغال. لكن الجواري الثلاث، هذه المرة، كلهن مسيحيات، وكلهن تحت اسم ماريا، وهذه هي آخر صيغة لأغنية ولدت في بغداد، قبل ألف عام، وانتشرت في العالم الإسلامي، ثم انتقلت إلى إسبانيا، ولحنها عذب جداً، ذو بعد غنائي جميل: (مي لا صول مي دو ري مي فا مي) تماماً على غرار الزجلية الرباعية. ولا بد أنها على إيقاع اغنية غريب المأمونية. على أن اللحن العربي كان يؤدى من قبل صوت واحد، بينما تغنى القصيدة الإسبانية على لسان جوقة. وقد استلهم جميع الموسيقيين الأوروبيين «في عصرنا الراهن» ممن حاولوا تقليد الألحان الشرقة هذه الصيغة.

حاول علي الشوك أن يبحث عن نهاية الأغنية العباسية، فوجدها لم تلفظ أنفاسها في القرية البرتغالية، ولم تتحدد أنفاسها في سمفونية مندلسون، وأوبرا ميير بير فقط، إذ كتب إلى مستعرب شاب هو خوسيه ميغيل من غرناطة، يستفسر منه عن مصير هذه الأغنية، بعد أن ذكر رحلتها في البلدان والعصور، فأجابه، «مؤكداً أن استقصائك عن هذه المعلومات كان ممتعاً إلى حد أن الموضوع اجتذبني أنا الآخر، فلها علاقة مع واحد من أكبر شعرائنا غارسيا لوركا. فهو يعتبر «الشاعر العربي الذي يكتب باللغة الإسبانية»، والمهم أن لوركا كان قد اهتم، هو الآخر بهذه القصيدة عن الآنسات الثلاث، وألف أو استرد لحنها هارمونياً، كما ترى في النص المدون بالنوتة الموسيقية، المرفق مع هذه الرسالة، وهكذا وصلت رحلة هذه القصيدة – الأغنية، إلى قرننا الحالي، على يد لوركا، وكلماتها رقيقة جداً، وهناك ترجمة إسبانية لأزجال ابن قزمان المشار إليها في كتاب خوليان ريبيرا، وفيها ذكر للأسماء الثلاثة المشار إليها، وهن عائشة، فاطمة، ومريم. وهو زجل مكتوب بلهجة الأندلسيين العربية يرجع تاريخه إلى 1078-1160، وهي السنوات التي تحدد عمر هذا الشاعر القرطبي الشهير، أعني ابن قزمان.

 

محمود سعيد - كاتب عراقي

 

1115 مالك بنبيأوّلا المقدّمة: بحثت عبر الكتب الأربعة:

 Malek BENNABI "mémoires d'un témoin du siècle : l'enfant. L'étudiant. l'écrivain. les carnets " Samar 2ème édition, 2006, Alger, Algérie, Contient 660 pages.

لأقف على موقف مالك بن نبي من فرحات عباس صاحب العبارة المشؤومة "أنا فرنسا" فكانت الخطوات التّالية:

1- بعدما أنهيت قراءة الكتب الأربعة المذكورة اتّجهت بعدها لبعض كتب مالك بن نبي التي تضم فهرس الأعلام لأقف على اسم فرحات عباس وأدعم به المقال فلم أجد أثرا لاسمه.

2- بين مالك بن نبي الذي ولد سنة 1905 وفرحات عباس الذي ولد سنة 1899 فارق 6 سنوات فقط أي من حيث العمر يعتبران أتراب ومن نفس العمر باعتبار الفرق قليل جدّا.

3- قمت بترجمة المقاطع المعنية وهي ترجمة لي باعتبار الكتاب لم يترجم لحدّ الآن.

4- لم أقف لحدّ الآن على موقف فرحات عباس من مالك بن نبي.

5- تحدّث مالك بن نبي أنّ فرحات عباس يريد لقاءه والتحدّث إليه لكن لم يذكر هل تمّ اللّقاء أم لا؟ ولا يبدو  - في حدود قراءتي – أنّه تمّ.

6- بعد كلّ انتهاء من ترجمتي للمقطع المعني أردفت الترجمة بعبارة: "أضيف" حتّى يتمّ التّمييز بوضوح بين النصّ المترجم من طرفنا وبين تدخلي الشخص وفهمي للنص المترجم.

7- رغم اختلاف مالك بن نبي مع فرحات عباس صاحب العبارة المشؤومة "أنا فرنسا" اختلافا جذريا في مواقفه السياسية تجاه الاستدمار الفرنسي ومدحه للمجرم ديغول بتاريخ: 1958.05.23 واعتباره مثالا للجزائر إلاّ أنّ مالك بن نبي ظلّ يناديه بـ: السيد فرحات عباس.

8- يذكر مالك بن نبي رحمة الله عليه نقده تجاه فرحات عباس بوضوح وجلاء وقناعة وثبات وعبر سنوات ودون تردد.

9- يتحدّث مالك بن نبي عن فرحات من زوايا أخرى كأن يقول عنه بصيغة الغائب: هذا زميل فرحات عباس، هذا هو الحزب الذي ينتمي إليه عباس، وغير ذلك من العبارات المشابهة حين لا يجد - في تقديري - الصيغة المباشرة أو لا يقف على الموقف الدال على الخطاب المباشر.

10- بعد مرور 30 سنة يلتقي مالك بن نبي بالعمودي صاحب جريدة "الدفاع" وهو أحد أعضاء الجمعية فيعاتبه بشدّة قائلا: لماذا منعت مقالي من النشر عبر جريدتك والذي أردّ فيه على فرحات عباس حين كتب "أنا فرنسا" مايدل على أنّ مالك بن نبي لم ينسى الواقعة ولا صاحب الواقعة ولا من منع مقاله الذي يرسم الواقعة.

11- دراسة الشخصية من زاوية واحدة إن لم تكن مجحفة فهي مبتورة غير صالحة ومالك بن نبي رحمة الله عليه تعامل مع فرحات من عدّة زوايا وعبر أزمنة مختلفة وفي داخل الجزائر وخارجها وضمن حالات متعدّدة ومن خلال الحاضر والغائب ومن مشاهدته الشخصية المباشرة وشهادات غيره.

12- بنى مالك بن نبي موقفه من فرحات عباس على جملة من المواقف والأحداث الشخصية والسياسية.

13- مالك بن نبي يعرف فرحات عباس حقّ المعرفة ومنذ كان طالبا.

14- حين يتحدّث مالك عن زعماء الجزائر ومنهم فرحات عباس يستعمل كلمة الزعماء والزعيم بين شولتين هكذا: "الزعماء" و "الزعيم" ما يعني أنّ مالك بن نبي لا يعترف بفرحات عباس على أنّه زعيم ونفس الشيء ينطبق على كافّة الزعماء يومها ويصف فرحات عباس بقوله ودائما بين شولتين بـ "المناضل الكبير" و "المناضل الجزائري الكبير" كدلالة على أنّه لا يعترف به على أنّه مناضل.

15- يرى مالك بن نبي أنّ موقف عبد الحميد بن باديس كان ليّنا وغير كافي تجاه فرحات عباس بعد نشر مقاله بعنوان: "أنا فرنسا" لذلك تكفّل شخصيا بالردّ على فرحات عباس.

16- بقي موقف مالك بن نبي من فرحات عباس طيلة حياته لم يتغيّر وعن تجربة ودراية ومعرفة عن قرب وطوال سنوات.

17- يستعمل مالك بن نبي قيادة الثورة الجزائرية بين شولتين هكذا "قيادة الثورة الجزائرية..." وهو بهذا يعاتبهم وينتقدهم ولا يعترف بقيادته ومنهم فرحات عباس.

أوّلا مذكرات الطفل: 1905-1930- صفحات: 43- 149

18- يصف مالك بن نبي فرحات عباس في صفحة 68 بقوله: يعتبر فرحات عباس من الجماعة التي استفادت بسبب ثراء والديها أو الظروف التي وضعتها الإدارة الاستدمارية كما هو الشأن لدى فرحات عباس. ( أقول: فرحات عباس لدى مالك بن نبي صنيعة الاستدمار الفرنسي فلا عجب إذن أن يقول "أنا فرنسا" ).

ثانيا: الطالب : 1930-1939- صفحات: 151- 290

19- تحدّث مالك بن نبي في صفحة 174 عن محاضرة زميله حمودة بن ساعي بعنوان: "لماذا نحن مسلمون؟" فلقي معارضة شديدة من طرف جماعة "العقلانيين" قائلين له: لماذا تعود بنا إلى الماضي المستقبل هو الذي يهمنا ثمّ عقّب مالك بن نبي قائلا: "قالها فرحات عباس بوضوح سنة 1936" (أضيف: تنكّر فرحات عباس لماضيه منذ مدّة طويلة. ومالك بن نبي في هذه الحادثة بقدر مايدافع عن صديقه حمودة بن ساعي فإنّه ينتقد وبقوّة فرحات عباس).

20- تحدّث في صفحة 190عن: "زميله حمودة بن ساعي الذي ألقى محاضرته في الثلاثينات باللّغة العربية واعتبر الحدث منعرجا حاسما مايدل على أنّ الجيل الشاب من الطلبة أصبح يتحدّث باللّغة العربية بينما الجيل الذي سبقهم تنكّر للغة العربية. ثمّ أضاف مالك بن نبي: "وكان على فرحات عباس أن ينتظر الحملة الانتخابية - بعد 1945- ليتحدّث أخيرا للشعب الجزائري بلغته" (أضيف: اللّغة العربية لدى فرحات عباس هي وسيلة يدغدغ بها المشاعر ويضحك عبرها على الجزائريين لأجل الكرسي والحملات الانتخابية ).

21- بعدما تحدّث عن صعود الوطنية في ألمانيا وكيف أنّ هتلر اعتلى سدّة الحكم بتاريخ 30 جانفي 1933 قال معقّبا في صفحة 196: " في الجزائر، يوجد وجه آخر للوطنية بدأ يتشكّل. بن جلول وفرحات عباس يشيّدان في قسنطينة "فدرالية الناخبين" الوطنية الجزائرية تأخذ إذن ماقبل تشكيلها التاريخي بجناح عمالي مستعد أن يتحوّل إلى بورجوازية في باريس ومتعاون مع قسم من اليسار الفرنسي، وجناح بورجوازي مستعد أن يتعاون مع الاستدمار" (أضيف: الوطنية التي يريد فرحات عباس أن يتزعمها هي في الحقيقة الوجه الآخر للاستدمار الفرنسي لأنّ فرحات لايهمه غير الضحك على الجزائريين عبر الانتخابات التي تشرف عليها فرنسا وتكرّس بواسطتها للاستدمار).

22- قال مالك بن نبي في صفحتي 248-249: فرحات عباس ينشر مقاله بعنوان: "أنا فرنسا". "وأعترف أنّي لم أتلقى مثل هذه الصدمة منذ 5 سنوات. ابن باديس يرد على "الزعيم" في "الشهاب". حمودة وأنا اعتبرنا أنّ ردّ ابن باديس غير كاف وتكفّلت بكتابة مقال شديد اللّهجة. لأوّل مرّة في حياتي أقوم بولادة فكرية لأنّ ولادة مقال كان جديدا بالنسبة لي. وعنوت مقالي بـ "مثقفون أو مثيقفون - Intellectuels ou intellectomanes ". رأيت الخيانة السياسية يتم تحضيرها في الوطن بواسطة عصابة "الفدرالية". لم أكن أعلم بعد أنّ الصراع هو صراع فكري، وأنّه في الحقيقة لعبة داخلية حيث الاستدمار يظهر أنّه يحارب "أعداء فرنسا" الذين يقومون بتنويم الشعب الجزائري عشية صراع دولي. مقالي لم يكن ليوقظ النائمين، ولا ليزعج المقبلين على النوم. وولدت مقالي في ليلة واحدة حتّى أنّي حين أعدت قراءة المقال على زوجتي نهار الغد ونحن على مائدة الفطور قالت لي: "هذا المقال ليس لك، هذا إلهام !". أرسلت مقالي للعمودي على أمل أن ينشره وكنت أنتظر نشره بفارغ الصبر في جريدته "الدفاع" لكنّه لم ينشر. لماذا العمودي لم ينشر مقالي؟. (أضيف: يرى مالك بن نبي أنّ من قواعد الصراع الفكري أنّ الاستدمار الفرنسي يتظاهر أنّه يحارب "أعداء فرنسا" وقد كتبها مالك بن نبي بين شولتين أي في الحقيقة هؤلاء هم أحباب فرنسا ويقصد طبعا فرحات عباس وكلّ من وقف ضدّ مالك بن نبي في عدم نشر ردّه على فرحات عباس. واضح جدّا أنّ مقال فرحات عباس والمعنون بـ "أنا فرنسا" ترك صدمة لدى مالك بن نبي وأثّر فيه بشكل كبير إلى درجة كان يتلهف لرؤية مقاله الذي يرد فيه على فرحات عباس والصدمة التي تلقاها مالك بن نبي جرّاء رفض العمودي نشر ردّه لا تقل صدمة عن مقال فرحات عباس بحدّ ذاته. ويتضّح من ردّ ابن باديس اللّطيف على فرحات عباس أنّه خيّب ظنّ مالك بن نبي وزادت في الهوّة بين ابن باديس ومالك بن نبي وبين الجمعية ومالك بن نبي).

23- قال مالك بن نبي عبر صفحتي 251-252: بمجرّد مارأيت "العمودي" صاحب جريدة "الدفاع" يخرج من داخل "الفندق الكبير". ظهوره أخرج من صدري عدّة انطباعات لي قضية لابد من تصفيتها معه. يا سي العمودي، لم تنس مقالي الذي رفضت نشره وقلت ذلك بنبرة كلّها عتاب. أجاب العمودي: نعم رفضت مقالك الذي تنتقد فيه فرحات عباس وترد فيه على مقاله: "أنا فرنسا" لأنّي لم أكن أريد تحطيم الحياة السياسية لفرحات عباس. (أضيف: مازال مالك بن نبي يستنكر بشدّة على العمودي وهو من رجال الجمعية رفضه نشر مقاله وهو ينتقد العبارة المشؤومة لفرحات عباس "أنا فرنسا" بدليل أنّه اغتنم فرصة وجود "العمودي" وبعد مرور 30 سنة على الحادثة ليؤنّبه ويذكّره بسوء فعله حسب وجهة نظر مالك بن نبي. للتذكير فرحات عباس قال عبارته المشؤومة "أنا فرنسا" سنة 1936 وبن نبي الآن في سنة 1966 أي 30 سنة على مرور الحادثة).

ثالثا الكاتب : 1939-1954- صفحات: 291- 384

24- قال مالك بن نبي في صفحة 305: كان الحزب الفرنسي المحتل PPF سنة 1942 يتمنى  من أعضائه من الجزائريين الحلف على القرآن الكريم لكي يكونوا أوفياء لفرنسا والحزب حين زار اثنين من الجزائريين فرنسا وهما: بن جمعة الصديق السّابق لبن جلول وفرحات عباس وكذا الشيخ الزهواني شيخ الزاوية العمارية والآن يلعب دور "رئيس جمعية الزوايا" والحلف كان من اقتراح الشخصيتين  باعتبارهما أصدقاء Doriot  (أضيف: تعمّد مالك بن نبي عند ذكر الشخصيتين الجزائريتين اللّتين اشترطتا الحلف على المصحف لصالح فرنسا الاستدمارية أن يعلّق قائلا أنّ " بن جمعة الصديق السّابق لبن جلول وفرحات عباس" مايعني أنّ فرحات عباس له أصحاب من هذا النوع الذي يقسم على المصحف لأجل خدمة الاستدمار الفرنسي وهذا هو محيط فرحات عباس).

25- بعدما تحدّث مالك بن نبي عن سجنه لمدّة أسابيع في صفحة 320 وأنّه لم ينل حريته إنّما هو الآن في حالة إطلاق سراحه مؤقتا. تحدّث بعدها عن أنّ حزب فرحات عباس سيقيم مؤتمره وقال: " هذا الحزب الصاعد الذي يحتاج إلى دعم كلّ أمواج حزب الشعب PPA، المتحوّل حاليا إلى حزب MTLD، الذي ساد الوطن كلّه". (أضيف: مالك بن نبي حتّى ولو لم يذكر اسم فرحات عباس فإنّه يذكر عبر حزبه ويكرّر كلّما أتيحت الفرصة أنّ حزب فرحات عباس تبع لشعبية الأحزاب التي سبقته واستغلّ اسمها وكأنّه يريد أن يقول: لولا هذه الأحزاب ما كان لفرحات عباس شخصيا أن يكون له اسم ولا يستطيع أن يكوّن اسمه بمفرده لضعفه واتّكاله على غيره).

26- قال مالك بن نبي في صفحة 348 " التقيت بفرحات عباس بالصدفة في قسنطينة، وطلبت منه أن يساعدني كلّ شهر. و"المناضل الجزائري الكبير" يعلم جيّدا الجهد الذي بذلته لأطلب منه المساعدة ويعرف أيضا لمن أشكو حالتي، و وعدني بمساعدتي بمجرّد ما يعود من العاصمة... ثلاثة أشهر فيما بعد، أي بعدما ساعدني سي خطاب، فرحات عباس الذي التقيت به بالصدفة في المجلس الجزائري، يتذكّر بالصدفة حديثنا السّابق ويقول لي: فيما يخصّ الذي طلبته مني في قسنطينة، كان لابد من رؤية بومنجل. هذا هو كلّ الدعم الروحي والمادي الذي تلقيته، بعد ثلاثة أشهر من "المناضل الكبير" الذي لم يهتم بالكاتب والمفكر الوحيد الذي يعرفه "الوطن" الجزائري وهل استطاع أن يأكل من يومها. وهذا يذكرني بالمسرحية المشينة التي لعبها كلّ "المناضلين" لقبر حقيقة المناضل الكبير. (أضيف: يستنكر مالك بن نبي على "المناضلين" إخفاء حقيقة فرحات عباس عن النّاس باعتباره لا يعين الكتاب وأهل الفكر ويتظاهر أمام النّاس بكونه يعين الجزائريين وهو في الحقيقة عكس ذلك. ومالك بن نبي ينطلق من هذه الحالة التي تبدو شخصية ليبني موقفا سياسيا تجاهه وهو يثبت للنّاس هذا فرحات عباس و"زعيمكم" و"المناضل" الذي تعرفون ظاهره وتجهلون باطنه. ومالك بن نبي في هذه الحالة لم يفرّق بين حالة شخصية تتعلّق برفض فرحات عباس إعانة مالك بن نبي ومواقف فرحات عباس التي ظلّ ينتقدها مالك بن نبي طيلة حياته).

27- قال مالك بن نبي في صفحتي 348-349: " العجينة الجزائرية لا تعجن مثل فرحات عباس فقط بل تعجن أيضا مثل El-Hammamy وهو عالم من علماء الجزائر. (أضيف: يسترجع مالك بن نبي ذكرياته مع فرحات عباس بعد 30 سنة على مرورها وبمرارة وكأنّه يعيشها اللّحظة ويريد أن يقول إنّ الجزائر وإن أنجبت رجال سوء كفرحات عباس لا يقدّرون المحتاجين من أهل الفكر والإبداع مثلي مستغلين ظهورهم أمام النّاس زورا على أنّهم "مناضلين كبار" كذلك الجزائر ومن حسن حظّها أنّها أنجبت العلماء الأصفياء الذين يعرفون قدر العلم وأهله دون تلطيخ مسيرتهم الطاهرة بالكذب واستغلال حاجات النّاس ونفوذهم لغير الجزائر والجزائريين). ويقول مالك بن نبي: مهما يكن فإجابة فرحات عباس لم تكن مفاجئة لي ولا محزنة. لقد عشت مؤقتا على معونات سي محمّد خطاب. (أضيف: يريد مالك بن نبي أن يقول أنّ عباس فرحات هذا طبعه، يخلف الوعد، ولا يساعد الكاتب المفكر وهو الذي يتظاهر أمام النّاس بأنّه "زعيم" و "مناضل كبير").

رابعا: الدفاتر : 1958-1973- صفحات: 384- 619

28- جاء في صفحة 406 تحت عنوان: "الثورة وديغول بتاريخ": 1958.05.23: "أعلن السيد فرحات عباس بيانا في جنيف حيث نقلت الصحافة محتواه. وهو يندّد أولا بالطغمة التي استولت على الجزائر قائلا، في إجابة على سؤال صحفية، أنّ "رؤساء جبهة التحرير الوطني لا ينتظرون أيّ شيء". هذا موجّه للشعب الجزائري... ثم إنّ "الزعيم" لابد أن يرضي مسألة أكثر واقعية بالنسبة له: يمارس مدح ديغول. وفي هذا المدح يمرّر، ما بين الأسطر، كلّ العقيدة ( مراجعة ومصحّحة) للوحدة مع فرنسا. "الزعيم" يؤكّد أنّه " يعتبر ديغول مثالا لحركتنا الخاصّة بالمقاومة... يمكنه أن يضع حدّا لتحالف المصالح الخاصّة، بأن يقفز فوق اللّعب البرلماني العقيم، ويدشّن عصرا جديدا من التعاون على قدم المساواة مع الشعوب التي استدمرت". (أضيف: يصف مالك بن نبي فرحات عباس أنّه "الزعيم" الذي يمدح المجرم الجلاّد السّفاح ديغول ويعتبره القدوة والمثال، ومن هنا ينطلق مالك بن نبي في التعامل مع فرحات عباس طوال حياته).

29-  جاء في صفحة 408 تحت عنوان: "الزعماء" بتاريخ: 1958.06.16: "لو، أخبروني منذ 5 سنوات، أنّ السّادة فرحات عباس وأحمد فرنسيس سيذهبان للتحدّث باسم الثورة الجزائرية مع ممثلي الحكومات تونس والمغرب، وأنّ السيّد مصالي سيكون "العميل رقم 1"، كنت أراهن الذي اتّخذني هزء، لكن، بالضّبط، مع الثورة الجزائرية، نحن في أوجّ المهزلة. أرى كيف أنّ الشعب دون ثقافة هو لعبة كلّ الذين يريدون أن يعيشوا على حسابه". (أضيف: من شدّة الاختلاف لم يستطع مالك بن نبي تصوّر فرحات عباس غير الصفة التي رآها ويراها أمام عينيه والمتمثّلة في الضحك على الشعب الجزائري وموالاة فرنسا. هذه الصورة عن فرحات عباس من طرف مالك بن نبي ثابتة راسخة لم تتغيّر في حدود ما قرأنا لحدّ الآن).

30- جاء في صفحة 420 تحت عنوان: "زيارة إبراهيم مزهودي" وبتاريخ 1958.12.01: "هذا المساء، وبشكل غير متوقع كانت زيارة محمودي . كان برفقة T.C والشيخ صديق.. كان عمر مسقاوي معي في البيت وكان يعمل معي لإعداد كتاب " ميلاد مجتمع "... حدثني عن أبي، وزوجتي والأيام التي قضاها عندي في Luat-Clairet. وأثناء مغادرته، ضرب لي موعدا لتناول الفطور عنده يوم الخميس مع فرحات عباس الذي يبدو، أنه يريد أن يتحدث معي" . (أضيف: لم يذكر مالك بن نبي هل تحقّق طلبه أم لا؟ ولا يوجد عبر صفحات الكتب الأربعة المذكورة أعلاه أنّه تمّ اللّقاء لكنّ تعمّد ذكر أنّ فرحات عباس يريد لقاءه وهي ملاحظة صغيرة لكنّها تعبّر عن موقف مالك بن نبي من فرحات عباس الذي يذكره في الصغيرة والكبيرة وكأنّه يريد أن يقول: هو الذي طلب مقابلتي ولست أنا).

31- جاء في صفحة 440 وتحت عنوان: " بورقيبة – عباس" وبتاريخ: 1959.09.15: 440: "جاء بوضياف عيسى هذا المساء لزيارتي. تحدّثنا بخصوص رسالتي المفتوحة لإزنهاور- خروتشوف. وحدّثني عن سفره ورحلته إلى تونس وطرابلس. بورقيبة أغلق الحدود في وجه الإمدادات الجزائرية بزعم أنّه يقوم بحياد حسن بين الجزائر وفرنسا. في الواقع، هي ضغوط تمارس ضدّ خصوم فرحات عباس ضمن الحكومة الجزائرية المؤقتة". (أضيف: لم يذكر مالك بن نبي –لحدّ الآن- من هم خصوم فرحات عباس وتدل الحادثة على أنّ بورقيبة بتشديده ومراقبته على الحدود لمنع تدفق السّلاح للمجاهدين الجزائريين إنّما كان يقصد مساعدة فرحات عباس والضغط على المجاهدين الجزائرين وإلاّ ما معنى قول مالك بن نبي " هي ضغوط تمارس ضدّ خصوم فرحات عباس" ).

32- جاء في صفحة 444 وتحت عنوان: "منعرج جديد للثورة الجزائرية" بتاريخ: 1959.12.22: "بتاريخ 20 أوت 1956 كان مؤتمر الصومام بقيادة عبان رمضان. ونعرف جيّدا ماهو المنعرج الذي اتّخذته الثورة الجزائرية عقب هذا المؤتمر. وانظر الآن إلى مؤتمر جديد انعقد أيضا في طرابلس. ماذا سيقدم؟ لقد قام بتصفية رجال سبق للصومام أن وضعهم على رأس الثورة الجزائرية تحت اسم CCE. نتحدث عن وزير "العسكريين"، أي مكوّنين من قدماء قناصو الجيش الفرنسي. لكن نتيجة إيجابية تحقّقت إذن: فرحات عباس، أحمد فرانسي، الأمين دباغين، توفيق المدني، وبراهيم مزهودي لن يكونوا ضدّ "مجلس الثورة". ماهي المصالح التي تحقّقت إثر وضعهم على رأس الثورة؟ إنّه مشكل قيادة الثورة منذ 5 سنوات ! التّاريخ سيوضّح بلا شكّ هذا. هذه الخديعة الكبرى التي لم تكن غير "قيادة الثورة الجزائرية..." وستقول الحصّة الأكبر أنّ الاستدمار من وراء هذه الخديعة، بالنسبة للذين يظهرون والذين يستغلون الوضع مؤقتا". (أضيف: يفرح مالك بن نبي من طرد بعض الأشخاص من قيادة الثورة ومنهم فرحات عباس ويرى أنّ الثورة لم تستفد منه بل يستنكر ما هي الفائدة من وضع فرحات عباس على رأس قيادة الثورة وقد مرّ على اندلاعها 5 سنوات باعتباره يتحدث عن سنة 1959 مايدل على أنّ مالك بن نبي لم يتغيّر موقفه من فرحات عباس).

33-  جاء في صفحة 460 تحت عنوان: "نهاية فرحات عباس، تطهير جزائري." بتاريخ: 1961.08.27: "بعد قليل، على السّاعة 16و20 دقيقة، هاتفني Titi منذ قليل ليخبرني بالخبر الجديد الذي بثّته إذاعة لندن في السّاعة المحتملة التي كان فيها فرحات عباس يستقبل رسميا في المطار من طرف كمال الدين حسين". (أضيف: أعترف أنّي لا أملك تعليقا في هذه النقطة وأزعم أنّ مالك بن نبي يرى أنّ فرحات عباس ارتكب حماقة حين استقبل من طرف كمال الدين حسين باعتباره لم يكن مع علاقة حسنة مع عبد الناصر يومها وتبقى هذه رؤية مالك بن نبي وحدسه ولا أعرف هل صدقته الأيام أم كذبته بشأن فرحات عباس. وأزعم أنّ مالك بن نبي وهو يختار عنوانه "نهاية فرحات عباس" كان يأمل في أن تكون نهاية لفرحات عباس  مايدل على تدهور العلاقة إلى درجة أنّه – في تقديري- كان يتمنى نهايته).

34- جاء في صفحة 495 تحت عنوان: "الجهل والسياسة" بتاريخ: 1963.11.23: "كلّ حياتنا السّياسية تبنى على قاعدة هذا الجهل الذي يغيّر الطبيعة ويعقّم كلّ مؤسساتنا. قبل الثورة، ولدت وطنيتنا في أرض هذا الجهل ولا يمكنه إلاّ أن يتجسّد في مصالي الحاج. الثورة، ولدت طبعا في عمق هذا الجهل، لا يمكنه أن يقبل كقائد إلاّ فرحات عباس وكمنظّر إلاّ فرانس فانون. وبطولتنا التي ترتكز بدورها على قاعدة هذا الجهل، لا يمكنها أن ترضى بكلّ طموحاتها إلاّ بالاستقلال. بمجرد ما يكون هذا الهدف قد تحقّق، يصبح البطل دون هدف وما عليه إلاّ أن يبتلع مشروعه: أبطالنا يأكلون استقلالهم، أو يرمون من الزجاج إذا لم يحسنوا السباحة. وبعد استرجاع السيادة الوطنية، سياستنا لا يمكن أن تكون لها قاعدة سوى هذا الجهل الذي ننقله من جيل إلى جيل منذ قرون. وأفضل ما في سياسة ما بعد الثورة، هي بعض الشيء ككذب يمتد لبعض الشيء كصحن الزبدة". ( أضيف: يتحدّث مالك بن نبي عن قادة الثورة الذين قرّبوا فرحات عباس وكيف أنّه أصبح بطلا وهو لا يمكن مقومات البطل سواء في عهد الثورة الجزائرية أو بعد استرجاع السيادة الوطنية فهو بهذا يعيب على قادة الثورة الجزائرية سوء الاختيار كاختيارهم لفرحات عباس).

35- جاء في صفحة 512 تحت عنوان: "رثاء جون عمروش" بتاريخ: 1965.08.23: "نسيت أن أدوّن أثناء ذهابي لقسنطينة، أنّي تلقيت تكليف بمهمة من الوزير أحمد طالب لأمثّله في تدشين للنصب التذكاري لـ Jean Amrouche في إيغيل علي. طبيعيا، اندهشت أوّلا، لكن ما العمل؟ لا أريد أن أتسرّع في هذا الظرف. يبدو لي الأمر غريبا من إيغيل علي الذي له نفس يوم التدشين في مكان مقبرة "الشهداء". وكأنّنا ندخّر لكاتب "الظاهرة القرآنية" الشرف أن يرثي ملحد. انسحبت وأنا أعرض المشكلة في سياق التظاهرة المبرمجة من أجل "الشهداء" وإعادة ترتيب المشكلة. جون عمروش في مرحلة من مراحل التّاريخ الجزائري حيث المسمى السيد فرحات عباس (حيث لم أذكره بالإسم لكن الجميع فهم تلميحي وضحكوا) قال بأنّه عبثا بحث في رفاة المقابر الجزائرية دون أن يجد الوطن الجزائري. وبالغدر أجبت بالغدر". (أضيف: مالك بن نبي حتّى وهو بعد استرجاع السيادة الوطنية وفي 1965.05.23 يتذكّر بمرارة ما قاله فرحات عباس سنة 1936، ويستعمل عبارته "المسمى" وهو يتحدّث عن فرحات عباس لكنّه يضيف لها "السيد" ما يدل عن تأثره بالعبارة السيّئة السّمعة التي قالها فرحات عباس "أنا فرحات" وكأنّه يقول أنا الذي انتقدت فرحات عباس منذ سنة 1936 عن عبارته المشؤومة يطلب منّي أحمد طالب الإبراهيمي أن أحضر جنازة ملحد لأنّه لا يعقل أبدا ولو كنت فاعلا لما انتقدت فرحات عباس).

 

معمر حبار

 

كاظم الموسوييلخص المؤلف في فصل الخاتمة الذي يبدأ من صفحة 901 ما عرضه أو أراد الختام به ومن قراءته يتوضح تاثره بمثل ما أشار عن السياسة الأمريكية وأغلب السياسيين الأمريكان في تناقض الخطاب وتعارض المواقف. فيبدأها بالقول عن الحرب على أفغانستان واحتلاله وتدمير دولته بقرار من مجلس الامن الدولي. بينما الحرب على العراق لم تحصل على قرار دولي كما أشرنا واعتمدت الغزو ومن ثم الإحتلال على أسباب لخصها المؤلف بأربعة لم تثبت أو تحاكم اغلبها عمليا. ومن هنا تبدأ مأساة العراق الوطنية والعاملين في العمل السياسي الذين يرفعون شعارات لإنقاذه بالتخادم مع قوى إمبريالية عالمية، لها مصالحها واهدافها العدوانية وسياسات الهيمنة والسيطرة بلا أي حدود، وتطرح مواقف لفظية تدعيها أو توظف لها من ابناء البلدان التي ابتليت بها. كما حاول المؤلف شرح تجربته أو توصيفها، وهي صالحة لكل من دخل بمثل هذا المسار من المعارضين أو المعترضين الذين يتورطون في الرهان على دول خارجية وخطط تدمير بلدانهم وشعوبهم في غفلة منهم أو في وعي مريض.

تميز المعارضون المراهنون على غيرهم، بروح المبالغة المنفلتة، وهي ظاهرة عامة، لا تخص العراقيين وحدهم، وفقدان الرؤية الاستراتيجية في عملية التغيير وانهاء الاستبداد والدكتاتورية وبناء دولة القانون والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. ويمكنهم تسطير شواهد كثيرة على ما حدث وحصل قبل الغزو ودوافعهم في العمل السياسي المعارض لنظام وحشي في ممارساته واستبداده إلى درجة كبيرة لا تحتاج إلى توصيف خارجي له. ومهما قالوا عنه لا يضيف كثيرا لارتكاباته وخرقه أبسط الحقوق والالتزامات القانونية، وابرزها تمهيد الطريق لما آل إليه الوضع وما حدث فعلا. وهذه الظاهرة يجب أن توضع في المحاسبة القانونية والوطنية من جهة لدور المعارضة ومواقفها ورهاناتها والعواقب التي أدت إليها ممارساتها العملية، كما هو الحال للمسؤولين المباشرين، العراقيين والامريكان والمتخادمين معهم من كل الأصناف والالوان. ولعل ما كتبه المؤلف في عرضه للأخطاء الاستراتيجية صورة لما انتهى إليه الغزو والاحتلال. فرغم أنه مع الخطط الأمريكية الا ان الوقائع غيرت المجرى ووضعت الأمور بما حل في العراق. كما سجل المؤلف في صفحة 907 ":بالرغم من النجاح الكبير الذي حالف امريكا من ناحية أداء الحرب الا انها أخفقت في احراز أية نجاحات مهمة بعد الحرب، يعود هذا الإخفاق الكبير إلى عوامل متعددة ومتداخلة مع بعضها البعض ولكن السبب الرئيسي يعود إلى ارتكاب امريكا اخطاء جسيمة وقاتلة في إدارة الأمور بعد إسقاط النظام العراقي". فهل هذا الاستنتاج الواضح كان غائبا عن المراهنين على امريكا؟ وما هي مواقفهم من سياستها التي تخادموا معها في الوصول الى هذا الاستنتاج وتحديد الاخطاء وما هو المطلوب منهم حينها وفي أوانها، واين المصداقية في المعارضة والبديل المطلوب؟!. وبالتأكيد ثمة اسئلة كثيرة أخرى حاول الدكتور گوران الإجابة عليها وربما توضحت له، وتوصل إليها متاخرا، ولكن بعد خراب العراق، وليس البصرة، كما في الامثال.

فيرى في الأسباب الرئيسية التي أدت به إلى الوصول إلى عنوان كتابه، ما ذكره:" كان الخطأ الاول الأكبر الذي ارتكبته الولايات المتحدة الأمريكية هو تحويل مجرى الاستراتيجية المتبعة للحرب من التحرير الى الإحتلال وكانت هذه الخطوة وحدها كفيلة بزرع الشك وانعدام الثقة باسباب اندفاع الولايات المتحدة لإسقاط النظام العراقي. لقد مسحت هذه الخطوة وبجرة قلم كل المبررات التي كانت الولايات المتحدة تسوقها لإزاحة صدام من الحكم، بالاخص قيامه باضطهاد شعبه أو شن الحروب العدوانية على الشعوب والدول المجاورة وهما كانا السببان الرئيسيان اللذان يمسان المواطن العراقي بصورة رئيسية" (كما هو نصا في صفحة 908). ورغم هذا الوضوح حاول المؤلف تبرير  ما انتبه له، بقوله أكثر من مرة "كان المفروض..." وغيرها من التعابير الواضحة في هذا المجال. ورغم اعتباره الاحتلال وصمة إلا أنه في النص اعتبر مقاومته تمردا، وليس حقا مشروعا، كما أشار إليه في فقرة اخرى، مذكرا الأمريكان باحتلال البريطانيين للعراق في بدايات القرن الماضي والمقاومة الوطنية وثورة العشرين التي أجبرته على الرحيل.

وبعد عرضه لما حل في العراق وما يسميه باخطاء، يشير إلى أن "نتائج هذا الخليط العجيب من الاخطاء أن انتهت العملية، بدلا من أن تكون عملية تحرير العراقيين من نيران ابشع نظام توليتاري عرفوه في التاريخ الحديث ( لتتبعها بناء صداقة حقيقية ومتينة واستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية على غرار ما حدث بين أمريكا وألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية) لتتحول  العملية إلى مزيج كريه من الاحتلال من قبل قوة عظمى وحكم دكتاتوري من قبل شخص اجنبي أرعن وجاهل ومغرور مثل بريمر والذي مارس كل خطيئة ممكنة بحق العراقيين" ص915-914 .

الاخطاء الاستراتيجية التي وصفها المؤلف وحملها للسياسة الأمريكية وادائها في العراق شملت العراقيين وخاصة المعارضين المراهنين عليها،  وهذا الموقف يصح على تاطير الصورة كاملة، إذ أن من حملوا هذا الاسم أو وضعوا فيه، لا يعفيهم من الإخفاقات والفشل في اتخاذ القرارات السياسية الجريئة والصائبة. "كان هناك عجز واضح لدى بعض أو أكثرية قيادات المعارضة العراقية في فهم تفاصيل وديناميكية السياسة الأمريكية وكيفية صنع القرار الأمريكي ودور مؤسسات الفكر والرأي العام في الضغط باتجاه رسم السياسات وكذلك دور المؤسسات التشريعية..." (ص917 ( وينتقد عمل المعارضين أو بعضهم في وقوعهم تحت تأثير وهيمنة بعض المؤسسات التنفيذية الأمريكية دون غيرها... والامتثال لتوجيهات هذه الجهات لحرف وضع القرارات الصائبة التي تصب في المصلحة الوطنية العراقية"!.

ما كتبه في ختام الخاتمة يقدم أدلة خطيرة على مزاعم المعارضة وادعاءاتها، إذ "كان هناك انعدام واضح للرؤية السياسية الوطنية الصحيحة عند أكثرية الكيانات السياسية ومعظم الشخصيات السياسية المشاركة في مجلس الحكم وكان يتم تغليب التمثيل المناطقي والانتماء الطائفي أو الديني أو القومي الضيق على المصلحة الوطنية العليا...."!. وغيرها من الأحكام الكاشفة والمقررة هنا لما توصل إليه المؤلف في عنوان كتابه، وصمة الإحتلال.. بل جريمة الإحتلال التي لا تتقادم مسؤولية المرتكبين لها.

هل الخاتمة نقد ذاتي ومن المسؤول بعد.. لكل ما حدث وحصل وآل إليه وضع البلاد والعباد؟!.

 

كاظم الموسوي

 

1108 ابن العربيتشير بعض الكتابات أن الأمير عبد القادر الجزائري كان متأثرا جدا بعالم الكلام الصوفي محي الدين ابن العربي، الذي جسّد وحدة المذاهب والأديان من خلال ما له من أثر على الفكر الإسلامي (سُنّة وشيعة) وعلى الفكر الإنساني بتعدد دياناته (الإسلام والمسيحية واليهودية وحتى الوثنية)، وسر قوة الفكر الصوفي الأكبري الذي يكمن في رمزيته وفي مجالات التأويل التي يفتحها على العقل والقلب معا

اختلفت الكتابات بين الإسم الصحيح لهذه الشخصية الصوفية، بعضهم يقول أن اسمه ابن عربي، وآخرون يضيفون له لام التعريف فيتحدثون عن الصوفي محي الدين ابن العربي، الذي احتل الصدارة في عالم التصوف، وما له من تأثير لظروف عامة وخاصة، يعرفها عالم اليوم، عالم ما بعد الحديثة، إلا أن بعض الكتابات تقول أن هناك شخصية أخرى وهي تعود للقاضي المالكي أبو بكر بن عربي، إلا أننا في مذكرات الأمير عبد القادر وهي عبارة عن سيرة ذاتية كتبها الأمير عبد القادر في السجن سنة 1849 صدرت المذكرات عن دار الأمة الطبعة السابعة 2010، حيث نجد في الصفحة 61 قد ورد في هامش الصفحة حديث ابو القاسم بن محمد البلوي القيرواني المعروف بالبرزلي عن ابن العربي وذكر اسم أبو بكر بن العربي الأشبيلي قاض من حفاظ القرآن، عندما سأل هذا الأخير الغزالي في مسألة تقليد الشافعي وكان مذهب المقلد مخالفا لأحد الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة، ولم يذكر اسم محي الدين ابن العربي، وهذا ما يؤكد على وجود خلط بين الأسماء، كما نراه في كتاب الرباط والمرابطة للدكتور فهد سالم خليل الراشد، إذ يقول في الصفحة 22: " يأبى ضيف الشام ويقصد به الأمير عبد القادر إلا أن يقضي هجرته الأخيرة بدمشق في نفس الدار التي أقام بها شيخه الأكبر ابن عربي (بدون لام التعريف) قبله بستة قرون أين عاش وقُبِرَ، علامة على حياة استثنائية لرجل استثنائي...الخ.

ما يهم هنا هو مسار العالم الصوفي محي الدين ابن العربي، فقد لقب الشيخ محي الدين ابن العربي بالعديد من الألقاب، فكثيراً ما يدعوه مريدوه بألقاب التعظيم والتبجيل مثل سلطان العارفين، وإمام المتقين، ومربي الشيوخ والمريدين، وابتداءً من القرن العاشر الهجري، بعد أن فتح السلطان سليم الأول دمشق سنة 922 للهجرة وأمر بتشييد مسجد الشيخ محيي الدين وبناء ضريحه إلى جانبه، أصبح ابن العربي يُعرف باسم الشيخ الأكبر، كما كان هذا العالم الصوفي محل شدٍّ وجذب بين الأتباع والخصوم فكان محل نقد إلى درجة التكفير، وقد كان الشيخ ابن تيمية من اشد خصوم ابن العربي، حيث حكم عليه بالكفر والزندقة، ولا شك أن من تتلمدوا على يده هم كذلك محل شك واتهام، لاسيما فكرة التشيع، خاصة وأن ابن العربي لم تكن لها علاقة مع البلاط الموحدي، فاضطر إلى الهجرة من المغرب إلى المشرق.

 فقد دار جدل قوي بين ابن تيمية وابن العربي حول العديد من المسائل وكان ابن تيمية يرد على ابن العربي برسائل حول فكرة "الولاية"، واختلافهما حول إن كانت الفصوص هي الفتوحات، لدرجة أن ابن تيمية اتهمز اين العربي بالكفر والزندقة، لأنه قال أن الكون خيال في خيال، تشير بعض الكتابات ومنها ما جاء به ساعد خميسي في دراسته حول المفكر الصوفي ابن العربي بعنوان: "ابن العربي المسافر العائد"، أن المجاهد الشهير الأمير عبد القادر الجزائري من أبرز تلامذة وأنصار ابن العربي في العصر الحديث، وكان حلم الأمير ان يدفن بجوار معلمه ابن العربي، وقد تحقق له ذلك، حسبما جاء في هذه الدراسات فالأمير عبد القادر من الذين تأثروا بابن العربي وعملوا على إحياء فكره وتجربته الصوفية، ودراساته لاسيما كتابه "فصوص الحكم"، الذي ادعى أنه تلقاه من النبيّ (ص) في رؤيا وأمره أن يخرج به إلى الناس، حيث يقول: فإني رأيت رسول الله في مبشرة رأيتها في العشر الأواخر من محرم سنة سبع وعشرون وستمائة بمحروسة دمشق وبيده (ص) كتاب وقال لي: هذا كتاب "فصوص الحكم خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فحققت الأمنية وأخلصت النية بلا زيادة ولا نقصان.

 وكان الأمير عبد القادر يدعو معلمه ابن العربي بـ: سيدنا وينزل نفسه إلى أقل مرتبة إعلاءً لمرتبة ابن العربي، وكلما ورد اسم ابن العربي على لسانه إلا وأضاف عبارة: رضي الله عنه، بحيث رفعه إلى مرتبة الصحابة، يقول صاحب الدراسة أن من أهم ما قام به الأمير عبد القادر الجزائري تجاه شيخه محي الدين ابن العربي أنه قام بنشر "الفتوحات المكية" وهو الكتاب الذي حققه عثمان يحي، وقد أهداه هذا الأخير إلى الأمير عبد القادر الجزائري، وجاء في هذا الإهداء: "إلى ربّ السيف والقلم الأب الروحي للثورة الجزائرية الخالدة، الأمير عبد القادر الجزائري ناشر الفتوحات المكية لأول مرة.

 كما عمل الأمير عبد القادر بتعاليم ابن العربي، حيث ظل وفيا للشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي ابن عليوة مؤسسة الطريقة العلاوية بمستنغانم، فكان كما وصفه بعض مفكري الإسلام من أعظم أولياء الله المسلمين لأنه اتبع تعاليم شيخه ابن العربي، كما سعى الأمير عبد القادر لبعث مدرسة أكبرية عربية في عهده، وكرس حياته كلها لهذا الغرض حتى تعيش أفكار ابن العربي في إطارها الزماني والمكاني، إلا أننا نقف على عكس ما جاء به ساعد خميسي في الصفحة 25 من نفس الكتاب، بأن ابن العربي كان يعدُّ عبد الله بن بدر الحبشي اليمني أقرب تلامذته إليه وأحبهم إلى قلبه، فقد كان بدر الحبشي الصاحب المخلص والرفيق الملازم لإبن العربي منذ أن لقيه بفاس، وقد أهداه كتاب الفتوحات المكية، في حين يقول في صفحات سابقة أن كتاب الفتوحات المكية أهداه محقق الكتاب عثمان حي للأمير عبد القادر، كما يعد صدر الدين القونوي من اقرب تلامذة ابن العربي، وقد تعلق به ابن العربي كثيرا.

 ولعل ذلك يعود إلى نجاح القونوي في نشر صوفية ابن العربي في الوسط الشيعي، الملفت للإنتباه أن الذين دافعوا عن ابن العربي (الفكر الأكبري) من الشيعة ومنهم عبد الرزاق القاشاني، السؤال الذي وجب ان يطرح هو كالآتي: هل تأثر الأمير عبد القادر بفكر ابن العربي؟، لدرجة أنه تمنى أن يدفن بجانب الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي وقد تحقق حلم الأمير عبد القادر بحيث دفن بجانب ضريح ابن العربي (1807-1883)، وهو ما لم يتحقق للكثير من مشايخ التصوف الذين تمنوا مجاورة ضريح شيخهم ابن العربي، وبالعودة إلى أن الأمير عبد القادر تتلمذ على يد الصوفي ابن العربي وأنه تأثر به كما جاء في الصفحة 42 من الكتاب، فهذا يطرح كثير من التساؤلات، خاصة وأن ما جاء في مذكرات الأمير عبد القادر، لا نجد أنه تتلمذ على يد الصوفي ابن العربي، وأن هذا الأخير كان من مشايخ الأمير.

 ففي الصفحة 50 من مذكراته، جاء بأن الأمير عبد القادر أخذ عن والده التفسير والحديث والفقه والنحو وأصول الدين، وأن والده أخذ كل هذه العلوم والمعارف من مشايخ آخرين منهم شمس الدين اللقاني شيخ المالكية بالقاهرة، له شرح المنظومة الجزائرية في العقائد، والشيخ علي الأجهوري من علماء الحديث والقائمة طويلة، ونقرأ ايضا أن الأمير عبد القادر أخذ جوهرة البيان والمنطق عن بعض علماء وهران كالشيخ محمد بن نقريد والشيخ بن جلول وغيرهم، وأخذ جملة العلوم التي حصلها من علماء فاس كالشيخ عمر الفاسي والمسناوي، والفقيه الزروالي والشيخ إدريس العراقي، ما يمكن استنتاجه أن الأمير عبد القادر الجزائري تاثر فعلا بشيخه ابن العربي، فحمل عنه رداء الصوفية، فكانت له دلالات الرؤية الكمالية التي يحملها للعالم كله، كما ـاثر بالشيخ الدرقاوي الذي كان يمثل العين النابضة بالحياة الصوفية، وقد تم له ذلك على يد الشيخ محمد بن مسعود الفاسي وارث السجادة الشاذلية.

 

علجية عيش

 

صالح الرزوقفي مستهل كتابه (الأدب والتكنولوجيا)* يؤكد الدكتور حسام الخطيب أن الأدب العربي الكلاسيكي كان سباقا في التنبؤ بالاختراعات الحديثة، وأن ما يشاع عن التنافر بين العلم والأدب مسألة ليس لها رصيد. فالعرب لم يحتكموا للبداهة أو السليقة فقط في التعبير الأدبي وإنما اهتموا بما يسمونه الصناعة أوتحسين القول. وكان الجاحظ في طليعة من أسس لعلاقة بين الجانبين. فالعرب ينقحون أشعارهم، وكان المتنبي أهم من شرح العاطفة والبديهة بالحكمة، بالإضافة إلى أن قصائده تبدو وكأنها حدس باكتشافات علمية متأخرة، من ذلك مديحه لسيف الدولة، فقد كان غنيا بصور عن سلاح يضرب من الجو ويساند الغزو البري وسلاح الدبابات. هذا غير ما جاء على لسان النابغة من وصف لضوء يتحدى سلطة الليل كما لو أنه الكهرباء. ويسمي الدكتور حسام الخطيب هذه الظاهرة بالومضات التي تستشرف تطورات المستقبل (ص59)، مع أن كل ذلك لا يخالف القاعدة الذهبية التي ترى أن الفن يحرر الروح من قيود المنطق البارد. لقد ورد ذكر الطير الأبابيل التي تقصف الجيش البري في سورة الفيل التي سبقت المتنبي بحوالي 4 - 3 قرون. وبنفس السياق يمكن النظر للثور السماوي والأسد المجنح وغير ذلك من رموز الحرب التي وردت في الأساطير المبكرة. ولم تكن الحساسية الشعرية في القرن العشرين بعيدة عن هذا التصور. فأمير الشعراء أحمد شوقي شبّه الطائرة بالنحلة وصوتها بهزيم الرعد ونواح العاصفة. ولا يغيب عن الذهن وقوف الشعراء في الشرق والغرب مع عجائب الطبيعة. ومن هؤلاء هرمان هيسة مؤلف (رحلة إلى الشرق) و(سدهارتا). وملخص أعماله، إن شئت الحقيقة، مجرد بحث مستمر عن تغلغل الظاهر في الباطن. وأضيف إليه جون أشبري أمير شعراء أمريكا في القرن العشرين. فقد استعمل أسلوبا سرياليا ليعبر عن انحرافات البشرية وخروج الإنسان من مداره الأصلي باتجاه آفاق مجهولة، إن لم تستعبده، فهي خطر داهم على نقائه ونظافته. . وأساسا الشعر مجرد خيال يعتمد على تشبيه المعروف بغير المعروف. والأدب بالأصل مجال خصب للتوقعات وللخيال المفهوم، لأنه لا يعقل أن تتخيل شيئا لا يمكن تخيله، وأي نشاط ذهني هو جزء من العمالة الإنسانية كما رأى غارودي ولوكاتش في عدة مناسبات. وكما قال عمار علي حسن: أصبح الخيال هو القوة الناعمة التي نحل بها مآزقنا الوجودية، إلى أن نحقق وعيا مختلفا بقضايا المصير.**

إن العلاقة بين الاكتشافات والخيال علاقة ديالكتيكية. ولا تستطيع أن تحدد من سبق من. و مع الدكتور حسام حق أن النص يوثر مثل الواقع الذي ينتجه، فالنص في النتيجة هو من نتاج الواقع بشقيه الذهني والعملياتي، ولذلك لا مفر للخيال من أن يتصور ما تحتاج له البشرية من أدوات ووسائط. وأن تضمن هذه الأدوات لنفسها مكانا في مخاض الحياة الأدبية. وإذا شجع اكتشاف النار العقل على تطوير نفسه فمن باب أولى أن تشجع الروبوتات الإنسان على اكتشاف وقته الضائع واستغلاله بمزيد من التخيل. وقد رأى هابرماز، في منعطف القرن السابق، أن البنية التحتية تؤثر وتتأثر بالبنية الفوقية، فالديالكتيك نشاط مركب. وعليه إن الفانتازيا المعاصرة غير متشيئة كما يبدو لأول وهلة، وهي تحمل قدرا لا يستهان به من الذاتانية وترقية العامل البشري إلى مستوى القدرات الخارقة. ويكتنف هذا الاتجاه روح رومنسية تؤله البشر وتربط كل الموجودات والخفايا بهم. مما يدل على وجود نزوع معاكس للتكنولوجيا، وهو أنسنة الجماد، أو ابتكار إنسان تكنولوجي، يصنع الروبوت ليخدمه. إن إنسان المستقبل، كما هو مؤمل، سيكون صناعة إنسانية، وليس نتيجة خلق إلهي. ورغبة الإنسان في أن يحل محل الخالق مهذبة حتى الآن، لكنها في الوعي الباطن تنمو وتفرض نفسها باستمرار. وفيما أعتقد إن العودة إلى مركزية الإنسان هي هدف هذه الألفية التي نتعايش معها. وكما يقول الدكتور حسام: إن أهل الأدب سبقوا العلماء والتكنولوجيين في تصور الاختراعات. ويذكرنا بقصص السير والملاحم الشعبية، وفي المقدمة (ألف ليلة وليلة) وما حفلت به من صور عن إنسان يطير وغبار ذري وأبواب أتوماتيكية تفتحها ببصمة الصوت وغير ذلك. ويمكن لك أن تضيف قصص المعجزات والخوارق التي تخللت سيرة الأنبياء والصالحين. ولدينا منها كم هائل بدأ مع روايات السيرة والإسراء والمعراج، وانتهى بكتابات سعيد جودة السحار وشريكه سيد قطب. ولكن الغريب في الأمر أن الأسلاف قدموا رؤية مبتكرة لعجائب المخلوقات، بينما اكتفى الجيل الحالي بالمحاكاة والتكرار. لقد أغلق سيد قطب على نفسه دائرة ضيقة من معجزات الأنبياء، وسقط في فراغ نفسي، وقدم لنا صورا مسطحة تنقصها الحياة والحركة.

وتبقى الإشارة لأدب الخيال العلمي. فقد تحول من اجتهادات خجولة إلى ظاهرة. وكان متعدد الأساليب والأشكال. ومنه قصص النبوءات المبكرة مثل أعمال هـ. ج. ويلز وجول فيرن. أو ملاحظات ليوناردو دافنشي المدونة في دفتر يومياته. فهي بالمصطلحات الفنية الحديثة قصص قصيرة جدا أو خواطر أدبية. وتغزو أسواق الكتابة في الوقت الحالي روايات اكتشاف الفضاء والدايستوبيا، وهي تعبير متشائم عن الفتوحات الخارقة للعلم. فالإنسان بطبعه كائن فرويدي. ودراما الخير والشر تتحكم بالأفراد والمجتمعات. هذا غير الأدبيات التي اهتمت بالماضي السحيق وفترات ما قبل التاريخ المكتوب. ولا أحد يمكنه تجاهل الأعمال المتميزة عن بدايات البشرية وأسباب اختفاء الديناصورات والكائنات العملاقة، أو نهاية عصر الأمومة والدخول في فظاعات وشرور الصراع على الأم. فألغاز المستقبل ليست أهم من ألغاز الماضي الدارس، ويكفي التذكير باجتهادات كلود ليفي شتراوس وداروين وزمرة من أدباء التشويق من نوع أجاثا كريستي وغراهام ماسترتون. وإذا كانت أعمال المستقبل يحدوها الخوف والرعب من الموت وما بعده فإن أعمال الماضي وبدايات البشرية ترمم هذا الرعب وتستأنسه وتحاول ترويضه. ثم إنها بالمقاييس العلمية تعتبر جزءا من الواقع لأنها لا تتنبأ ولكن تتعامل مع موجودات أو خبرات قديمة. لكن هذه التجربة لا تزال لدينا في المهد. وأول ما يرقى للذاكرة تجارب الدكتور مصطفى محمود في ثنائيته المبكرة (العنكبوت) و(رجل تحت الصفر). لقد قدم فيهما قراءة خيالية لأسباب العنف عند الإنسان العربي، مع محاولة للتفسير والتبرير، وبطريقة مبسطة لا تبتعد كثيرا عن حبكة ريبورتاجات همنغواي. ويجب أن لا ننسى المحاولة المعكوسة لعبده جبير في روايته (تحريك القلب). وهي رواية صناعية. ولا أعلم على وجه الدقة إذا تأثرت بـ “فرانكشتاين” ماري شيللي. فهي تختار للحبكة شكل ريبورتاج يتخلله سيناريو أو فيلموغرافيا. وتبدأ من وصف مشاكل قلب الشخصية الرئيسية لتصل إلى مشاكل قلب المجتمع الرازح تحت إرادة العسكر والتكنولوجيا. ومثله قصص (الصعود إلى نبتون) لعبدالحليم المدني. فهي توازي ما بين كسر قانون الجاذبية الأرضية وارتياد المجرة وبين كسر حدود واقعنا السياسي البائس المحروم من الحنان والحافل بالخسارات. وعليه إن رسالة أدب الخيال العلمي المعاصر لدينا لا تزال غير فنية، ويحركها هدفان: الأول تربوي والثاني ذهني. وأكاد أقول ذهاني، لأن كل شيء مقسوم بين أوهام الماضي وغموض المستقبل. ولا أعتقد أن لهذه الأعمال المتفرقة أية صلة بالتراث. فتجربتنا الأدبية تقتصرعلى االشعر والخيال الشعبي. وإذا كانت هناك أعمال قريبة من المعنى الفني للسرد فهي على علاقة بنفسها. ولا توجد وصاية لها على التجربة المعاصرة. إنما من منطق عريض إن (رسالة حي بن يقظان) لابن طفيل تدخل في هذا الباب. وقل نفس الشيء عن (منطق الطير) لابن العطار. أو (المنقذ من الضلال) للإمام الغزالي. وعموما كان أدب المتصوفة محاولة في الرؤيا ومجالها هو المطلق الذي يهتم بمشاكل المستقبل أو أقله اندماج المتناهي باللامتناهي. فاللوحات القلمية التي رسمها النفري وابن عربي ترسم وجوها لا يمكن مقارنتها إلا مع وجوه بيكاسو ولوتريامون. إنها محاولة مبكرة لإسقاط الفكرة على الصورة ولاعتبار الإنسانية مجرد روح هائمة في أرجاء تخيلاتها الذاتية. وخلال ذلك قدمت تفسيرات نفسية لواقعنا الجاف المحكوم بقانون الندرة. لقد كان الوعي الباطن يلغي نفسه بنفسه، منذ أيام العلقات، وعلى وجه الخصوص عند امرئ القيس، وابتداء من المعتزلة وبعدهم أدباء الأندلس أمثال ابن حزم انتقلنا لأسلوب المواجهة مع الذاكرة، وتصويرها بشكل أنقاض أو خرائب تضع القارئ في متاهة ذهنية، بحيث لا يعرف كيف يبدأ وأين ينتهي. باختصار كان عقلنا العربي، كما يقول الدكتور حسام، مدينا لذاكرته الخيالية التي قادت خطاه (ص79).

وهذا لم يتوقف عن حدود الفكرة ووصل إلى أدوات ووسائل الكتابة أيضا. فنحن عرفنا في تراثنا قبل اختراع الإنترنت الهايبر تكست (النص المفرع) والهايبير ميديا (النص متعدد الوسائط). وفن الشرح والحواشي يماثل الهايبر تكست. لقد كان النص عند العرب كائنا حيا له دلالات متطورة (ص196)، وقد تعددت أشكال الشروح والاستدراكات، وقاد ذلك لتجاوز بنية السطر والتعاقب واعتماد تفريعات ونوافذ، وكان المتن يتصل بالشرح بشكل إطار حول النص وكأننا أمام حاسوب أو نوافذ متداخلة. ومن أهم الأمثلة على ذلك (منهاج الطالبين) للإمام يحيى بن شرف النووي و(نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج) للشافعي. والناظر للمتن والتعليقات يشاهد تشكيلات هندسية يمكن قراءتها بصريا أيضا. وقد تطورعن ذلك فن الغرافيك الإسلامي والتصوير بالحروف. وشهد هذا الفن قفزة هامة في فترة الخلافة العثمانية بسبب تجريم التصوير والاعتماد على التشكيل بالحروف والصور غير العاقلة كالنباتات والجماد. وهذا يعني أن للقصيدة المرئية المعاصرة عراب أو أب شرعي. لقد بدل الشعر العربي المعاصر من ترتيب الحواس الخمس. فوضع الأذن مكان العين. والأنف مكان الأذن. بمعنى أنه أناط مهمة عضو بغيره. وهذا الترتيب الغريب بعيد كل البعد عن الفوضى. فهو يهتم بالحالة النفسية قبل أن يهتم بالمرئيات. ويساعدنا على اكتشاف أنفسنا. مثلما فعل الفنان الغرافيكي قبله بالحروف. لقد اكتشف العرب سخافة الواقع المرآتي وأهمية تفجير الطاقات الداخلية. هذا غير (رسالة الغفران للمعري). فقد سبقت جويس في استعمال الفلاش باك وتيار الشعور. وعموما إن الاطناب والاستطراد من أهم مواصفات البلاغة العربية. حتى أن عمود الشعر العربي يقوم على القفز من مستوى في المشاهدة والتعبير إلى مستوى آخر. فالمركزية الشديدة ظاهرة حديثة في التفكير البشري. وقد ظهرت على يد المذهب الطبيعي ولاقت حتفها مع موت الواقعية الاشتراكية. وترتكز حاليا فلسفة القصيدة التفاعلية على هذا المبدأ، فهي تضيف للنص المكتوب العديد من الصور والمشاهد المتحركة والتي تحتاج لاستعمال أساليب متعددة الوسائط، وهذا يفترض إلغاء أساليب التصوير القديمة. ومن الأمثلة على ذلك جماعة "إلى" (علي رشيد وكيتا باردول في الفن التشكيلي، وعادل حوشان في الشعر والقصة). إنهم يقطعون مع السابق للتأسيس لمنعطف لا يخلو من النبوءات والتبشير بقيم مختلفة.

ان التكنولوجيا لم تلعب أي دور في تطوير الأشكال والموضوعات الأدبية و لكن على الأرجح غيرت من فلسفة وفكرة الأدب، بلغة أوضح نقلت دارات التواصل الأدبي و أشكال التعبير من مستوى فردي إلى مستوى جماعي، وأصبح التأليف في عصر الثورة الرقمية عملية ذاتانية (وعي باطن جماعي لذات شاملة). وعلى هذا الأساس قسم الدكتور حسام أنواع القراء إلى متصفح ومتفاعل ومشارك. وهذا يفتح المجال أمام ثورة في طرق الكتابة. وبالنتيجة يجب أن نتوقع أنواعا بديلة في كتابة النصوص كالنص الذكي أو نصوص الخبرة. والمقصود بها شكل من أشكال الكتابة الذكية التي يملأ بها الحاسوب الفراغات ويصحح الأخطاء ويقترح البدائل أو المرادفات.

لكن يرى الدكتور حسام أنه لم يكن بمقدور خيالنا الأدبي أن يجاري التيار الكاسح للاختراعات الحديثة في العالم. ومثل هذا القصور نجم عن حالة التراخي والسلفية والجمود التي ورثناها بعد عدة قرون من الاستعمار والتخلف. فقد دخلت التكنولوجيا إلى بلادنا مع الاستعمار. ولذلك هي هدف للشك والريبة حتى لو أنها ساعدت على التنوير والنهضة. إن للتكنولوجيا دور هضم وابتلاع مثل الاستعمار تماما. والخوف من ضياع الهوية الوطنية في عصرالعولمة من أعتى التحديات التي تواجه الإنسان المعاصر. ولا أعتقد أن التكنولوجيا جزار أو سفاح يحمل سلاحا فتاكا ضد أصالة الإنسان وانتمائه. بل هي مستوى تجريدي آخر من الرموز،. ويمكن دائما تصنيف الرموز في نوعين: فطرية وهي جزء لا يتجزأ من شخصية الإنسان في كل مراحل تطوره، ومكتسبة بواسطة نظام المعرفة. والحقيقة إن مجال عمل السيميولوجيا هو في تحييد لغة الاستعمار. وكما أرى إن العولمة داء لا بد منه، وإلا ابتلينا بداء فتاك آخر وهو العزلة التي تتسبب بالاغتراب والحصار. ويتخذ هدف رفع الحواجز بين الشعوب عدة أشكال، منها العولمة في الغرب والأممية في الشرق. هذا غيراتساع رقعة الإسلام السياسي، فهو أيضا له ثقافته التي تختبى وراء أقنعة علمية لتهرب من لفت الانتباه للبرنامج الاجتماعي الذي تفكر به. لقد بدأت العولمة من إرساليات التبشير ثم الترحال أو الهجرة. ومهما تعددت الأسباب إن الثقافة أساسا، بلغة لاكان، الآخر الذي بواسطته نكتشف أنفسنا. وهي مثل اللغة والقانون تنبه الوعي الباطن للرموز التي نعبر بها عن أفكارنا. إن الثقافة الواحدة تلغي نفسها للتأكيد على المعنى المبهم للموت وعلى ألغاز الحياة المتواصلة. ولنأخذ اليابان على سبيل المثال. فكاتب مثل كازو إيشيغورو يكتب باللغة الإنكليزية عن تقاليد وأخلاق اليابان، وبأسلوب يغلفه الحنين والحزن والتفجع. في حين أن كاتبا مثل هاروكي موراكامي يكتب باللغة اليابانية عن الإنسان اللامنتمي أو اغتراب العولمة. وكأن النزوح كان يتم في الداخل بينما الوعي يأخذ موضعه في الخارج. وهذه معضلة جوهرية لها علاقة بالاستاطيقا أكثر مما لها علاقة بالتكنولوجيا. فالذهن يعنى بوقته المفقود وليس بحقيقته فقط. ولذلك لم تكن التكنولوجيا وحدها تفاجئ الكاتب بالاختراعات الحديثة. ولكن الكاتب كان يفاجئها بمطالبه وتخيلاته.

وكما ورد في الخاتمة إن زيادة عدد مستخدمي الحاسوب أدى للتوسع في أمرين اثنين. الأول زيادة رقعة الحوار بين الأدب والتكنولوجيا. والثاني زيادة دور التناص وانتشار الكتابة التكوينية التي دخلت في مرحلة الثورة أو الانقلاب بسبب نمو العقلية الحاسوبية بدلا من الذاكرة والبديهة والتدوين. (ص240). ويطيب للدكتور حسام هنا التمييز بين العلوم والتكنولوجيا. فالطرف الأول برأيه أقرب للطبيعة، والثاني أقرب للإنسان. بمعنى أن العلوم ذات هدف عام ورسالة تؤثر بالحضارة، بينما التكنولوجيا ذات هدف عاجل يؤثر بالأفراد وأسلوب حياتهم. ويبدو أن فلسفة الدكتورحسام كانت مع تفكيكية دريدا وليس مع حفريات فوكو، ومع التكهن وكدّ الذهن وليس مع الاستدلال. وأخيرا، لا أرى أي إمكانية لتأكيد فكرته أن البيولوجيا تتوسع على حساب الفيزياء. فعلم الخلية والمورثات يحتاج لتفسير فيزيائي، والبيولوجيا في أبسط تعريفاتها هي لغة الحياة لتفسير سلوك المادة. وهذا يعني أنها كيمياء فيزيائية. ولو لا معارفنا باستجابة جدار الخلية ومحتوياتها للاجهادات، ولولا تقدم علم العدسات، لما أمكن تحقيق أي تطور في الهندسة الوراثية، والتي هي، برأي جيل دولوز، منعطف أساسي في فهم قضايا الوجود والحركة.

 

* الأدب والتكنولوجيا وجسرالنص المفرع. 326 ص. مطبوعات رام الله. 2018.

** الخيال السياسي. سلسلة عالم المعرفة. 2017. الكويت. ص11.

 

صالح الرزوق

جامعة حلب/ 2019

 

 

1100 ديدالوسللاستاذ الناقد عبدالرضا علي

تتميز الطريقة المنهجية لاستاذنا الجليل، في اسلوبية مبتكرة وخلاقة، في طريقة التعليم والتدريس، التي يتبعها في هذا الكتاب القيم في دراساته وبحوثه في علم العروض وفلسفتها، في موسيقى الشعر، والايقاع في القصيدة. بأبسط الطرق التطبيقية المشوقة والممتعة، في التذوق الجمالي في الايقاع الشعري. لاشك ان بعض الطلاب والمتعلمين وحتى الشعراء (الاقدمون والمعاصرون)، يشكون من مشكلة الوزن وضبط العروض الشعرية، لذلك تصاحبهم بعض المعوقات في الاخلال في العروض وتطبيق الوزن الشعري في القصيدة.

في هذا الكتاب يتناول  دراسات تطبيقية مع الشرح والتفسير والتحليل والتوضيح، في فلسفة العروض والايقاع الموسيقي الشعري، ويقدمها في  اسلوبية منهجية فذة ومبسطة، في طريقة التدريس والتعليم والتطبيق، بطريقة فنية خارقة، او بطريقة الديدالوسية، التي تخلق من الصعب سهل، ومن الممل مشوق وممتع. هذه طريقة التي عرضها في هذا الكتاب القيم، وطريقته السهلة وفذة في فلسفة علم العروض،  وتقديمها في اسلوب سهل ومشوق وممتع ولغة جميلة ومبسطة، في عروض موسيقى الشعر و الايقاع الموسيقي، وضبط النغم في القصيدة، بطريقة تعليمية مبسطة من خلال التطبيقات والامثلة، التي تزيل الصعوبة والابهام والمعوقات، في الاخلال في ضبط الوزن والايقاع.  وتسهيل الفهم في العلاقة بين الايقاع الموسيقي والايقاع الداخلي، والضبط الوزن الشعري، واعطاء الاهمية في الصوت المفردة النغمية أو اللحن الغنائي في المفردة، وطريقة التعليم في تجاوز الاشكالات الكثيرة التي تواجه الطالب والمتعلم والدارس، وحتى المواهب الشعرية الشابة، التي تريد ان تشق طريقها في الابداع الشعري المتمكن، لكن تواجه صعوبات في ضبط الوزن والايقاع واللحن الموسقي في الشعر، وحتى في المفردة الصوتية، التي لها نغم ولحن صوتي، بهذه الطريقة التعليمة الفذة في تبسيط الاشكالات، ورفع بعض الصعوبات، من خلال امثلة تطبيقة مختارة بذائقة ادبية رفيعة، وفي تقديمها بطريقة تعليمية استاذية بارعة . لذلك ان هذه الطريقة السهلة في تقديم  علم العروض، او في فلسفة العروض، تختلف بشكل كبير. عن التي تقدمها الكتب المدرسية، بطريقة الجافة والمملة وجامدة، دون ذائقة ابداعية في التقديم، وكذلك في طريقة التعليم والتدريس، التي يواجه فيها الطالب والمتعلم بعض الصعوبات والابهام والغموض وحتى الضجر والتأفف. من الطريقة الاكاديمية الجافة، ولم تسهل على الطالب والمتعلم والدارس  على الفهم،بل  تخلق بعض الاشكاليات  في ضبط الوزن. ضبط الايقاع الموسيقي. ضبط الايقاع الداخلي، ضبط الصوت النغمي والغنائي للمفردة الشعرية. لذلك يقدم طريقة سهلة، في كيفية تجاوز الاخلال والخلل  في الايقاع. فأن هذا  الكتاب مهم جداً لمتذوقي الشعر عامة، وكذلك الشعراء الشباب. يجدون الطريقة المثلى في تبسيط الصعوبات، يجدون طريقة التطبيق المشوقة والممتعة. لذلك يجدون الفرق الشاسع، في طريقة تقديم، بين الكتب المدرسية الجافة بدون ابداع متمكن،  بشكل اكاديمي جاف، حتى تخلو من  الرغبة والتشويق في التعلم. وبين طريقة استاذنا الجليل، التي يقدمها بشكل مشوق بحيث تحل الكثير من الاشكالات والصعوبات، وتخلق الرغبة عند الدارس والمتعلم. ان يبدع في الطريقة الاستاذية المنهجية في اسلوبها الحديث المبتكر والخلاق  في التقديم، كمعلم ماهر يخلق في ابداعه التدريسي والتعليمي بروحية بارعة في احترافيتها الاستاذية. مثلاً على سبيل المثال طريقة تعليم البحور الشعرية في الكتب المدرسية،تقدم بطريقة الحفظ  مثل المحفوظات المدرسية (الدرخ) دون شرح وتفسير مشوق. مثلاً البحر الطويل يقدم كالاتي. ونفستقديم  بقية العروض او البحور الشعرية اخرى، بهذه الطريقة الحفظ او الدرخ

      فعولن          مفاعيلن             فعولن              مفاعيلن

    // 0/ 0        //0/0/0              //0/0             //0/0/0

والطريقة المتذوقة في التقديم. تعتمد على الايقاع الموسيقي والايقاع الشعري، وايقاع صوت المفردة بلحنها الغنائي او جرس صوتها، بطريقة تضبط الوزن بابسط توضيح مشوق في الايقاع الجميل لموسقى الصوت والمفردة واللفظ والتي تبدأ بقاعدة المتحرك والساكن (/0) في توافق في الايقاع والصوت، تؤدي وظيفتها السمعية، وتؤثر في السامع بأيقاعها الجميل، او طريقة لحنها الجميلة. ترضي أذن السامع بطريقة مشوقة في الابداع في التقديم، لانه هناك قاعدة حتى السهل اذا لم يعرف يقدم نفسه بطريقة مشوقة وجذابة يصبح صعباً جداً للفهم. فكيف الحال في علم العروض. لذلك استاذنا الجليل يختار الطريقة الديدالوسية نسبة الى (ديدالوس) المهندس والفنان الخارق والفنان الماهر الاغريقي، الذي يقدم التصاميم وطريقة التطبيق الصنعة، بالابداع الخارق ويحقق نتائج مذهلة، يعني يخلق من المتاهة حقيقة. مثلاً عندما سجنه ملك كريت (مينوس) مع ابنه (ايكاريوس) في قلعة محصنة، ابتكر طريقة الطيران بأجنحة الريش الملصوقة بالشمع، ونجحت الطريقة في الطيران، واوصى ابنه بعدم الاقتراب من اشعة الشمس، لانها كافية لاذابة الشمع، ولكن ابنه اغرته اشعة الشمس مما ذاب الشمع وتفتت الريش وسقط  في البحر، بينما أبيه  (ديدالوس) وصل الى جنوب ايطالية جزيرة(صقلية) يعني فكرة الطيران سبقت عباس بن فرناس بالآف السنين. والمثال الآخر. في حرب الطروادة التي طالت عشرة اعوام، دون ان يتمكن احد الطرفين المتحاربين  من التغلب على الاخر وتحقيق النصر، ولكن اليونانيين خطرت لهم فكرة (ديدالوس) عندما صنع الحصان الخشبي الى ملك كريت (مينوس) فطبقوا فكرة في صنع الحصان الخشبي، وحققوا الانتصار. بهذه الروحية الفكرية والفلسفية يقدم استاذنا الجليل، طريقته في التعليم والتطبيق من خلال الامثلة الكثيرة في الكتاب، التي تحمل مقاطع من قصائد الشعراء (الاقدمون والمعاصرون) بذائقة ادبية وشعرية فذة. ومحاولة ايصال فهم علم العروض وفلسفته، والايقاع الموسيقي في الشعر، وطريقة ضبط الايقاع  وضبط الوزن الشعري. في اسلوب مشوق وممتع. في بساطة متناهية من خلال الامثلة التطبيقية. في توضيح مشوق  يزيل الالتباس والخلل واشكالات الكثيرة. وقد اشتمل الكتاب على خمسة بحوث او دراسات تطبيقة في هذا الجانب. في العروض والايقاع الشعري في موسيقى الشعر. وهي:

1 - المكررات اللفظية معياراً وزنياً

2 - محاولات في الابتداع

3 - الايقاع الداخلي في القصيدة التفعيلة

4 - الخلل العروضي

5 - أشكالية الايقاع في موشح (كَلَّلِي ياسحبُ). 

  اتمنى ان يلتفت  انتاه المشرفون  في  وزارة التربية والتعليم العالي. ان يضعوا  هذا الكتاب القيم والمهم ضمن المناهج التعليمية المدرسية. حتى يسهلوا امور كثيرة على الدارس والمتعلم والطالب. حتى نتخلص عن بعض المناهج التعليمة المملة والجافة، والتي تخلق اشكالات شتى، يضطر الطالب في البحث عن الكتب التعليمية المبسطة والسهلة في المكتبات العامة، وهذه مشكلة عويصة تواجه الطلبة والدراسين والمتعلمين. وهذا الكتاب لاستاذنا الجليل سهل وممتع، لذلك اتمنى ان يأخذ طريقه الى المنهاج التعليمية في وزارة التربية والتعليم العالي. عند ذلك كما يقولون، ضربنا عصفورين بحجر واحد

لانأخذ احدى دراساته المشوقة في التطبيق والامثلة.

  الايقاع الداخلي في القصيدة التفعيلة:

لاشك ان المسألة العروضية في الايقاع الداخلي للقصيدة، يتوقف على ضبط الايقاع والوزن، في توافق صوتي أي (توافق صوتي بين مجموعة من المحركات والساكنات، تؤدي وظيفة سمعية،  ويؤثرُ فيمن يستجيب له ذوقياً، وهذا التوافق، قد ترتضيه أُذن دون اخرى، قيبقى ايقاعاً ليس غير، لان الايقاع العام يرتبط بالتوافق الجماعي لا الفردي) ص57 ولكن تبقى مسألة حيوية هي  معيار علم العروض، ضبط الايقاع الداخلي والوزن، ولكن هذه  تعتمد على اشياء وخصائص معينة في القصيدة، منها  تجربة الشاعروخبرته، ومدى قدرته على ضبط الصياغة بالايقاع والوزن، مدى شعوره واحاسيسه تجاه النغم الشعري، او لحن الايقاع، مدى قدرته في تقديم قصيدة مكتنزة في الصياغة الفنية والتعبيرية. بكل تأكيد هذه البراعة في القصيدة تختلف من شاعر الى آخر. تختلف في الضبط وعدم الاضطراب والخلل في الايقاع الداخلي، ومدى تقبل النعم الداخلي وصوت النغم للمفردة الشعرية، وهي علاقة متداخلة ومتجانسة، بين الايقاع الشعري والايقاع الموسيقي. و ينطبق هذا  على الشعر الشطرين والشعر التفعيلة او الشعر الحر. ويستخلص استاذنا الجليل خلاصة النتائج التطبيقية. في تحليل الخلل والاضطراب والاشكال  في الايقاع والنغم الصوتي، ويجد ان المعايير الايقاعية والوزنية التي يصوغها الشاعر، هي مسألة ابداع وذوق وتوافق في الايقاع، في مميزاتها الاسلوبية. واجمل جملة ملاحظات مهمة في دراساته التطبيقية، التي توصلت اليه النتائج وهي:

 اولاً - التكرار: يلعب التكرار في القصيدة الحرة (التفعيلة) دوراً مهماً، في تثبيت ايقاعها الداخلي، وهذا التكرار يأتي في عدة مستويات عديدة، ولا يمكن حصرها حصراً كاملاً، وانما يمكن اختيار اكثر شيوعاً في التجارب الشعرية.

1 - تكرار كلمة واحدة في الشطرين تصبح قافية. ويذكر الكثير من الامثلة التطبيقية، التي يقدمها بتذوق جمالي  وفي توضيح مبسط. ونختار هذا المقطع من المقاطع الاخرى

   للعراق المحارب كلُّ الكلامِ

  عن الحرب كل الكلامِ

  عن السلم كل الكلامْ

  فالسلام العراق الذي نعرفه،

والعراق السلامْ

هكذا يوضح صيغة التدوير بكلمة (الكلامْ) الساكنة وهي القافية، بدليل كلمة (السلامْ) في الشطر الثاني، أي كلمة التكرار هي التي قادت الى أتخاذ حرف الروي.

 بهذا التوضيح المبسط في لغته الواضحة في الفهم التعليمي.

2 - تكرار كلمة او اكثر في اول السطر مع الاحتفاظ بالقافية، وهذا المستوى من التكرار يفيد التأكيد على ايقاع الكلمة ذاتها، لانه لا يكتفي بالايقاع العام للقصيدة، ولا بالموسيقى التي تضيفها القافية (حرف الروي)، وانما يلجأ الى التكرار في اشاعة الايقاع في الصيغة الشعرية.. نختار قصيدة الشاعر محمد جميل شلش

   سلاماً ياعراق.... من زاخو الى البصرة

 سلاماً ياعراق الثائرين ومعقل الثورة

 سلاماً ياعراق السلم،تحميه، وتفتح للهوى صدره

3 - التجنيس الكامل: هو مستوى آخر من مستويات التكرار. اذ تكرر اللفظة فيه باكثر من معنى، حتى يصير هذا التكرار ايقاعاً لازماً للايقاع العام، في سبيل اجهار وتضخيم الايقاع الداخلي. ويذكر الكتاب امثلة تطبيقية على شتى اغراض الشعر في هذا الجانب. ولكن أختار مثال تطبيقي على الغناء العراقي المعرف ب(الابوذية) التي قدمها في براعة التشويق. وهي اسلوبية جميلة في تقديم الامثلة المشوقة في الذوق الرفيع، التي تختلف عن الامثلة في الكتب المدرسية الجافة. لذلك اختار هذه القصيدة من (الابوذية):

  كفاها منية النفس كفاها......... (كفى يكفي)

  يتوق الورد للعطر كفاها......... (كفمها)

  اذا أومأت يوماً كفاها............ (كفاها / مثنى كف)

  لصارَ الصخرُ أزهاراً  شذية

ثانياً: التدوير:

وهو على مستويين:

المستوى الاول: التدوير المقفى، ويعد التدوير ظاهرة من ظواهر   القصيدة العراقية الحديثة، ونختار قصيدة الشاعر يوسف الصائغ:

آه..... يا امرأة اعطتني في منتصف الليل

 شهادة ميلادي

أي امرأةٍ تملكُ أن تعطيني الساعة

أوراق أستشهادي

أو تسمح لي، لحظة موتي، وأن أتحسس دفءَ مشيمتها

واشم عبير بلادي

المستوى الثاني: التدوير السائب

والمقصود به التدوير الذي ينتهي بنهاية القصيدة. ونختار قصيدة الشاعر كريم جيخور:

هل كنت أحلم أن أكون ملكاً

هل كنت أنتمي الى احدى سلالاتهم ؟؟؟

بالطبع لا

فأن جدي السابع عشر كان إمَّا فلاحاً بلا ارضٍ

او راعيا من دون قطيع

أو كان ينتمي الى تنظيمات عروة بن الورد

أو مجموعة تأبط شراً الانتحارية

أو كان عاشقاً ليس لديه أوراق

لكتابة رسائل الغرام

مع هذا

إنه الآن ينام سعيداً في قبره الخرب

لأن أحد أفراد سلالته وهو أنا بالتأكيد

قد أصبح شاعراً يتجمع على ابوابه  الملوك

 

 جمعة عبدالله

 

 

كاظم الموسويبالعودة للعنوان الكبير، وصمة الإحتلال وصناعة الفشل، واسرار وخفايا الحملة الأمريكية لإسقاط صدام، يطلع القاريء على محاولات المؤلف في الكشف والسرد والعرض كما رآها هو وفي إطار مشاركته في مجموعة عمل عراقية، نشطت في برنامج عملها مع برامج وخطط امريكية، خاصة بعد مجيء الحزب الجمهوري للبيت الأبيض وقيادة ما سمي بالمحافظين الجدد لإدارة ابرز الأجهزة والمؤسسات التنفيذية الأمريكية. ولهذا سنتجاوز الفصول الخمسة الاولى، 260 صفحة من الكتاب، لنصل إلى ما يتصل مباشرة بالعنوان، رغم أهمية صفحات التاريخ التي استعرضها المؤلف،  والتي قد يناقش فيها ايضا، الا أن السير إلى العنوان المباشر يعطي معلومات إضافية للفترة التاريخية وللقاريء المتابع.

اهتم المؤلف بإبراز الصراعات الداخلية، سواء داخل المؤسسات الأمريكية أو فصائل المعارضة العراقية، وكشف طبيعتها وتاثيرها على العمل السياسي، والعلاقات الأمريكية العراقية، من جهة وعلى نشاط مجموعته وباقي القوى العراقية المعارضة من جهة اخرى. مشيدا بعلاقة مجموعته لأبرز عناصر المحافظين الجدد الذين استلموا مواقع مهمة في مؤسسات الإدارة الأمريكية والسياسات التي تمكنت مجموعته من الاستشارة بها والدفع إليها. واضعا في الخلافات والصراعات وتفرد قيادات أو رهان صلات او تخادم أسباب الفشل أو صناعته. ولعل هذه الانقسامات والصراعات التي يمكن تسميتها وتقسيمها الى الداخلية والخارجية من أهم أسباب ما وصل إليه المؤلف والمشروع الأمريكي. وهي خلافات وقناعات وممارسات لها نتائجها على ما حدث ويحدث في العراق، عرضها المؤلف أو وثقها بالاسماء والتاريخ والنتائج، وفيها أو عليها أسئلة وتساؤلات، تبدأ بكيف ومَن ولماذا ولا تنتهي بكل ادوات الاستفهام. وتركز على مرحلة من تاريخ العراق ودور كل طرف ممن أراد أن يكون في إطار المشهد العام في العراق.

مثلا ذكر المؤلف في صفحة 492 "كانت إحدى تداعيات عداء الخارجية ووكالة المخابرات للتعاون مع عراقيي المنفى هو موضوع تشكيل حكومة عراقية مؤقتة والتعاون العسكري والامني والسياسي معهم. وفي آذار 2002 رجعت هذه الفكرة إلى الصدارة بمبادرة من بول ولفويتز حيث أقترح أن يتم إعداد دراسة حول تدريب العراقيين لمساعدة القوات الأمريكية أثناء الحرب ومن ثم قيامهم بواجبات حفظ الأمن وكذلك فكرة تشكيل حكومة عراقية مؤقتة تستلم السلطة بعد الاطاحة بالنظام". ثم كتب في ص500 "ختمت رايس (مستشارة الأمن القومي) التقرير بالقول المتناقض بأن امريكا  يجب أن تدخل كمحرر ولكن رجعت للقول بأنه يجب على امريكا أن تقود السلطة في العراق في البداية، بالرغم من أن العراقيين سيرون هذه الخطوة كاحتلال امبريالي جديد، حسب تعبيرها". وهذا أمر يلفت الإنتباه، ولم يحلل سياسيا أو يسلط ضوء اوسع عليه بسبب  نتائجه الكارثية، أو نقد وتفنيد الخطط التي أضرت بمصالح الشعب العراقي الاستراتيجية ونهب ثرواته، وتحميل المسؤولية القانونية والتاريخية للجهات التي أقدمت أو ارتكبت ما آل إليه الوضع والأحداث. رغم أن الصفحات وثقت بعض مواقف داخلية وبالاسماء ولكنها ظلت في مجالها أو محيطها غير المؤثر اساسا.

حاول المؤلف التأكيد على وجود صراعات داخل المؤسسات الامريكية، وبالمقابل صراعات داخل المعارضة العراقية، في صفحات أو فصول عديدة من خلال المواقف والرهانات والارتباطات الخارجية، (ص 634 مثلا وما بعدها) وفيها صور ومشاهد عن تحضيرات وتخادمات ورغبات سهلت الغزو والاحتلال وكشفت النوايا والتوجهات. وفي كل الأحوال تم غزو العراق واقرار احتلاله. وهو ما ثبته الكتاب في فصوله، أو يومياته وما آلت إليه الأوضاع في العراق. لاسيما بعد استلام السفير بول بريمر مهامه في السيطرة على العراق، وتصريحه خلال مقابلة مع التلفزيون البريطاني في 29 حزيران 2003 "نحن نسيطر على المشهد ونحن سنواصل فرض رغباتنا على هذا البلد" (ص727 ). وفعلا حكم بريمر احتلال العراق بقراراته وبمشاركة او رضا المتعاونين معه أو مع أسياده. ورغم الخلافات بين الأطراف السياسية الا ان الوقائع تشهد وتوصم. وهو ما سرب ونشر في8  تشرين الثاني بالتفاصيل عن أعضاء مجلس الحكم في جريدة واشنطن بوست، "حيث قالت بأن معظم أعضاء المجلس لا يحظرون الاجتماعات النصف أسبوعية ولا يعرفون ما يقوم به وزراؤهم وهم غافلون عن القوانين التي تم تشريعها وان أعضاء المجلس عينوا اقرباءهم كوزراء حيث أن مسعود بارزاني عين خاله هوشيار زيباري كوزير وجلال طالباني عين عديله لطيف رشيد كوزير وان اياد علاوي عين قريبه نوري البدران وأحمد الجلبي عين قريبه علي علاوي كوزير للدفاع ومحمد بحر العلوم عين ابنه أبراهيم كوزير للنفط ونصير الجادرجي عين قريبه هاشم الشبلي كوزير للعدل بينما عين غازي الياور ابن عمه عبد الباسط تركي وزيرا لحقوق الإنسان" (ص(826 . ومع كل هذا اختصر المؤلف في الخاتمة وجهة نظره الشخصية أو رغبته في مسار أو سير الأحداث وكيف اصبحت وصمة وانتهت الى الفشل.

ختم المؤلف برسم صورة تراجيكوميدية في صفحة 898 عن المقرر والمفروض أن تقام مراسم احتفالية في بغداد في 30 حزيران بمشاركة الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني لتسليم السلطة إلى العراقيين وتاجيل اجتماع قمة حلف الناتو السنوية ليتسنى للرئيس الأمريكي الحضور، بينما ما حصل هو تسليم بريمر رسالة التنازل  عن السيادة الى رئيس المحكمة العراقية العليا في طقوس سرية دامت 10 دقائق فقط في مكان سري. ومن عمان التي وصلها بطائرة سي 130 كتب إلى زوجته فرانسيس يخبرها بأنه "سالم وحر وفي طريقه إلى البيت". وسجل المؤلف "أنهى بريمر بذلك حكمه العراق الذي تسبب بمآس ستبقى آثارها السيئة لأجيال عديدة قادمة"(ص898). من هذا الحكم وما ضمته الصفحات العديدة عن المسؤوليات وما حدث وجرى في العراق والضحايا الأبرياء ومحنة الحرب وتوابعها وتداعياتها، تبرز أسئلة أخرى مثل مَن يتحمل المسؤولية واين هي العدالة والقانون الإنساني الدولي،  وحقوق الشعب العراقي وهل تكفي الإدانة اللفظية؟.

قال حينها أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان، بلا شرعية الحرب على العراق، وأكد مثله النائب العام البريطاني في رسالته إلى رئيس الوزراء البريطاني كما عارض البرلمان البريطاني والشوارع العالمية. أن المأساة لا تنتهي بالقول أو التعبير عنها إذ لابد من المحاكمة لها، ولعل ما أورده المؤلف من توثيق  يقدم دليلاً، أو بعض دليل وشهادة.

 

كاظم الموسوي

 

1100 ديدالوسصدر هذا اليوم الثلاثاء 27 آب 2019 م، عن دار العارف للمطبوعات في بيروت كتابنا (وصايا ديدالوس، دراساتٌ في موسيقى الشعر وما إليها) وضمَّ بين دفَّتيه أوراقاً في فلسفةِ العروضِ، من مكرَّراتٍ لفظيَّة، ومحاولاتٍ ابتداعيَّة، وإيقاعٍ داخليٍّ، وخللٍ عروضيٍّ (عند بعضِ الشعراءِ : قدامى ومعاصرين) وما إليها، وقد وطَّأنا للكتابِ بقولنا :

(لا يختلفُ ناقدانِ واعيانِ في أنَّ الدراساتِ النقديَّةَ في فلسفةِ العروضِ هي دراساتٌ مرغوبٌ عنها في هذه الحقبةِ من الزمن الذي شاعتْ فيه كتابةُ النصوصِ المفتوحة، وكثُرَ فيه أدعياءٌ يطلقونَ على أنفسهم صفة شعراء، فضلاً عن أنَّ المتلقينَ لهذه الدراسات قلَّـةٌ، وإن كانوا من النابهينَ، لأنَّها تُعنى بالتطبيقِ الرياضيِّ الفاحصِ الدقيقِ، إلى جانبِ أنَّ دارسي الأساليبِ الأدبيَّةِ يضعونها ضمنَ دراساتِ الشكلِ، وليس ضمن دراساتِ المضمون.

ولعلَّنا لا نجانبُ الصوابَ إذا ما قلنا : إنَّ الكثيرينَ من أساتذةِ الجامعاتِ العربيّةِ، وبخاصَّةٍ المتخصِّصينَ منهم في تاريخِ الأدبِ، والدراساتِ النقديَّة لا يرغبونَ في اعتلاءِ مضمارها، إنْ لم نقلْ : إنَّ وفاضَهم خالٍ من هذا العلمِ، واشتغالاته الدقيقة.

وعلى الرغمِ من كلِّ هذه المثـبِّطاتِ، والمصدَّاتِ المانعة، فإنَّ رغبتنا في تأصيلِ القولِ في بعضِ فرضيَّاتِ العروضِ، وما استقرأناه من محاولاتِ ابتداعٍ للأوزانِ الجديدة عند بعضِ النابهين من شعراء التجديد في عصر النهضةِ، وما تلاهُ من تحديثٍ عند روّادِ حركة الشعر الحرِّ، قد قوَّى لدينا الرغبة في نشرِ ما دوَّناه بين المتلقينَ الكرام بضمِّهِ بين دفَّتي كتابٍ يدعو الشعراءَ تحديداً إلى معاينةِ ما تمَّ من ابتداعٍ وزنيٍّ، وتجنّبِ المبالغة في التجريب، والابتعادِ عمَّا تثيرُهُ المغامرةُ غير المحسوبة من إشكاليَّةٍ تزري بالنصِّ الفجِّ، وتعرِّضُ الفارسَ المغامرَ إلى السقوطِ عن الجوادِ حينَ لا يأخذُ بوصايا المجرّبين ممّن سبقوهُ، ولا يلتزمُ بها.

من هنا جاءت تسميتنا لهذا الكتابِ بـ (وصايا ديدالوس) التي وردت في الأسطورة  اليونانيَّة (ديدالوس وإيكاروس)، وملخصها: أنَّ ديدالوس كان فنّاناً ماهراً، وذا قدرةٍ على الصناعةِ، وكانَ يُقيمُ في (كريت) على عهدِ ملكها (مينوس)، فطلب هذا الملك من ديدالوس بناءَ متاهةٍ معتمةٍ معقّدة المداخل ليحبسَ فيها مخلوقاً عجيباً، فقام ديدالوس ببناءِ هذه المتاهةِ، وتمَّ حبسُ ذلك المخلوق المشين فيها، لكنَّ ديدالوس ارتكبَ خطأً حين ساعد عشيقَ ابنةِ الملك على الهروب، فغضب الملك، وحبسَ ديدالوس وابنه إيكاروس في تلك المتاهة، وسدَّ منافذها بجندهِ، لكنَّ ديدالوس استطاعَ أنْ يصنعَ له ولابنه (إيكاروس) أجنحةً، وقرّرا الفرارَ بها، وأوصى ديدالوس ابنه قبل التحليق قائلاً : إذا طرتَ منخفضاً أثقلتْ الرطوبةُ جناحيكَ، وعندها ستسقطُ في البحرِ، وإنْ حلَّقتَ عالياً أذابت الحرارةُ شمعَ جناحيكَ،... طرْ بجانبي، وسوفَ تسلم.

غيرَ أنّ (إيكاروس) نسيَ نصيحةَ والده حين انتشى بالطيرانِ، فاستهواهُ الارتفاعُ، فعلا في السماءِ حتى اقتربَ من الشمسِ الحارقةِ، فذابَ الشمعُ العطرُ الذي يلصقُ الريشَ بعضه ببعضٍ، فهوى في البحرِ¹ .

ولعلَّ وصايا ديدالوس المتشحة بالتورية المقصودة، والترميز الذي قد يلقي المعنى في النفسِ بخفاءٍ محسوبٍ يفيدُنا هنا في مجالِ التجريبِ، وابتداعِ الأوزانِ، والحدِّ من المبالغة في الخروجِ عليها، وارتكابِ الكسور.)

آملينَ أنْ يجدَ القارىء الجاد فيهَ إجاباتٍ عن الأسئلةِ الملحَّةِ التي تعاطاها نقَّادُ العروضِ، ودارسوه.

 

عبد الرضا عليّ

 

حاتم جعفرعن دار كنعان للدراسات والنشر، صدر للشاعر العراقي المعروف رياض النعماني كتاب أسماه مقام الفيروز، وأكاد أجزم بأنه كان موفقا في إختياره عنوانا كهذا، لما تضمنه من إيقاع ووقع مريحين، محببين من لدن المتلقي. حاذرَ (رياض) أن يسميه ديوان شعر بل ذهب الى ما أعتبره نصاَ مفتوحا، ومن يدخل ويجول في ثنايا الكتاب سيكتشف ذلك ومن غير عناء. وفي حالة كهذه یكون عن قصد أو دونه قد (تحرر) أو لنقل نجح في التخلص وفي فقرات واسعة منه من سلطة النقد والرقيب المتزمت، التقليدي النزعة والميل، خاصة إذا ما راح هذا النوع من متذوقي الشعر ورواده ومحبیه، (نابشاً) في التفعیلة والوزن وما تقتضیه ضرورات الشعر وشروطه.

وإذا ما كان لنا من رأي يضاف الى ما تمَّ ذكره، ففي الكتاب وبعد التوقف والقراءة المتأنية ما يمكن قوله عن وضوح في الحهد، من حيث إختياره وتوظيفه لطبيعة المفردات، فهي شفيفة، عذبة، وربما بالغ في (نعومتها) ورقتها، ولا أرى في ذلك من ضير أو غرابة، فلكل كاتب الحق في أن يستمد مفرداته من قاموسه الشخصي، الذي نما وكبر معه وباتوا على صحبة دائمة. لكن وعلى ما يبدو ولكي لا يغمط حق الكاتب وعندما إختلى بقلمه، راح مراعيا مقتضى النص وسطوته واتجاهاته ومناخه أيضا. جامعا وعلى راحة يديه وبإسترخاء عالٍ  بين فنَّين أو شكلين من الكتابة، قاطفا وكيفما يروق له من هذه الزهرة ومن تلك، وهذا وعلى ما أظن، يُعدٌ من بين أحد شروط الكتابة الناجحة.

إذن لم يحتر رياض كثيرا، فبدا كما الذي حسم أمره مبكرا وليستقر وكما سبق القول على شكلين من الكتابة، بين تلك الكلمات الموزونة التي تعشقها اﻷذن اﻷمارة بالذوق الرفيع وتطرب وتجنح اليها حين تغنى، وبين ذلك النوع من الكتابة والمسمى نثرا، حيث لا قافية ولا سجع ولا من حضور لميزان الفراهيدي، غير انّا وفي هذه الحالة، علينا أن لا يأخذنا الإعتقاد بعدم وجود ضوابط لشكل الكتابة اﻷخير، بل ستجد القارئ مدفوعا وبتساؤل مشروع: الى أين سيفضي بنا نصٌ كهذا؟ وأي الدروب التي ينبغي علينا سلكها، كي نصل الى ما ينتويه الكاتب. بمعنى آخر سيبقى صاحب النص تحت سلطة ومن نوع ما ومهما تفنن أو تنوعت وتعددت أساليبه. عموما وإذا كان لنا من قول فإنَّ اجمل النصوص ما كُتِبَتْ نثرا وتشم منها رائحة الشعر، وشعرا تحسه قريبا وصديقا حميما للنثر، وأبهى أشكال الكتابة مَنْ نجحت في أخذك الى مديات بعيدة، حالمة، حيث الراحة والمتعة، حتى بلوغ الغاية المرتجاة.

أحيانا، (الملاحظة هذه بالذات تتمحور حول كتابه اﻷخير حصرا) وحين يشعر رياض بأنه في حرج من انسيابية الكتابة وتدفقها وفي دقة التعبير أيضا عما يجول بخاطره من أفكار، ستجده مضطرا للجوء الى أحد اﻷساليب التي ما إنفك الكاتب، أي كاتب من الإستعانة بها والركون اليها والمتمثلة بالسرد التفصيلي، والتي قد تصل بالقارئ الى ما يشبه حالة من الملل، خاصة من قبل أولئك الميالين والباحثين عن الإختصار والتعبير المركز عن أية فكرة، الاّ انه وفي كل اﻷحوال فحل كهذا يُعتبر مخرجا مشروعا ومبررا، وقد يجد له صدى إيجابيا من قسم آخر من القراء. وإذا أردنا التوقف عند اﻷسباب التي تجعل منه (أي من الكاتب) متعثرا في كتابته، فأمر تفسيره على ما أظن ليس بالصعب، فمن غير المعقول أن تتوفر له ذات الشروط التي تجعل من منتجه على سياق واحد ونسق واحد ومرضي عنه أيضا، أو سيؤدي  الهدف المعول عليه، وبذات الرشاقة والكفاءة المنتظرة، بل ان بعض من الزلل إذا ما سمّيناه كذلك ربما سيأتي بالفائدة على المتلقي، فقد يدفعه للتوقف طويلا عند النص وربما ستجده معيدا قراءته، ولكن هذه المرة من زاوية أخرى وعين أخرى ومن منطلق نقدي، وهنا لا أتحدث عن أي قارئ بل عن ذاك الذي ينبغي للكاتب أن يحسب له حسابا.

.....................

بعد أنف من تقديم فلا بأس من الإستشهاد ببعض نصوص رياض والتوقف عندها، ففي مفتتح كتابه يقول:

خارج على سلطة النص،

خارج من جملة الحد الى المطلق

في الذرى التي تواجه

اللاشيء

واﻷبد

نحو الضراوة والرذاذ.

 بهذه الكلمات المكثفة الدلالة والتي يفتتح بها كتابه، سيدعوك رياض للذهاب معه الى فضاءات رحبة، بحثا عن الحرية وبكل ما تحمل من دلالة ومعنى، فهو الرافض للقيد ومن أي مكان أو جهة أتى. وكي لا ينحسر التفسير في إتجاه واحد فعبارته السابقة لها أكثر من بُعد، فهو العاشق وهو المتمرد السياسي وهو المتصالح مع الوسط الرافض لكل أشكال القمع.

وفي جملة مباغتة وهو يواصل نصه ستقف طويلا ليبهرك القول وبصورة شعرية لافتة:

انه ياقوت يسهر في ماء الرمان.. ياله من هطول فريد.

وفي ذات الصفحة، سيعلن عن إحتجاجه وبلغة لا تخلو من العتاب والملامة:

قُلْ لي أيها الجديد الذي لم يأتٍ بعد.. ماذا تقول؟

ماذا أقول لنص الحاضر؟

بأي شيء أعد السريرة

والسر

بغير هذا الخراب؟

ثم يمضي الشاعر متسائلا:

فأين المنفذ؟

.........

ليعود مجيبا على رفضه وصرخته اﻵنفة:

كل شيء هنا حطام،

ضواري حاسرة، وبعمائم تطارد النية والسؤال.

عند هذه العبارة ستتضح الصورة أكثر، فهو يتحدث عن وطنه المبتلى بالقادم من مجاهيل التأريخ ومعارك يثرب والحامل معه ثأرا طال أمده حتى تجاوز الخمسة عشر قرناً.

ضاعت على رياض الطرق والدرابين المحببة اليه، ففي كل مرة ومع كل عودة من مغتربه، سيجد الكثير من اﻷمكنة وقد طالها الحيف والتغيير، لكنه سيبقى يحن اليها، فهي المبتدى وهي مرجعه اﻷخير:

لي ظل يغفو على عتبات البيوت في حارات

تضيق،

وتضيق

وتضيق حتى تكاد تُمحى من فرط النسيم وعذوبة الظل.

إذن هو لم يفقد اﻷمل، وسيظل يلهج بإسم إحدى المدن المحببة اليه:

يا شآم

      يا شآم

         يا شآم

حتى يصل بك وبثقة راسخة ورغم كل المآسي التي تمر بها، أملا في أن تنهض وتقف على رجليها، شامخة،  قوية، بجذورها الراسخة وبصلتها باﻷرض التي أنجبتها، وأن تتفتح أزهار ياسمينها من جديد:

وستولدين.. ايتها الشام وستكبرين

هو متفائل إذن رغم كل الجراح الغائرة، وسيرى في اﻷفق ألوان طيفها السبعة:

المجد للمفاجئ

المجد للذي يباغت عصره.

لكنه سوف لن يخفي إحتجاجه ورفضه لبعض النظم الحاكمة، المتسلطة، والتي ما انفكت تستحضر التأريخ ومن أنذل أبوابه:

هذا الوله بالماضي الميت،

      هذا التقدم الذي

     يرجع للوراء

عبادة الكهوف، وأزمنة الظلام

والغبار

      والخرافة

            والنواح

                وتقمص الذلة

                     وعصور السبي اﻷولى .. كم ترهقني

هذا العداء للمستقبل أدار الوجه

الى القفا.

وكي تكتمل الفكرة ونمضي فيما ذهب اليه الكاتب، فموقفه مما يجري لم يبنَ على فراغ، فعنده من اﻷسباب كثيرها ومنها على سبيل الذكر:

الظلمة المهددة، المخيفة والدم والخراب

ينتظرون الشرق.

هو جرس إنذار إذن، أراد إسماعه لمن في أذنه صمم:

الى أين يمضي الطاعون بهذه الجموع؟

بعد هذا الفناء ...

    أي فناء ينتظرنا؟

           الولايات

                الولايات

                     الولايات

          ولاية الدم

              ولاية الفجيعة

                 ولاية بغداد

                    ولاية المحن

                       ولاية الرقة

                             ولاية الطاعون والفناء.

  انه لا يتحدث عن بشر بكل تأكيد فالفرح والسعادة لا يستويان ولا يلتقيان بمن تدجج بالحقد وبالكراهية:

كيف يبتهج المرء وهو يحمل سكيناً؟

  وربما يصف حالة عاصمته بغداد وهي تأنٌ تحت ضغط وتأثير إحتلالين، ما جاء منها من خارج الحدود وكانت له الكلمة الفصل في رسم خطوط خرابها. وَمَن تولد من داخلها وطابت له لعبة القتل المجاني والإرتباط الرخيص وتوزيع الولاءات و(إهدائها) الى خارج الحدود، فأينما ولَّيت وجهك ستصطدم بجيوش من العبث والحثالة وووو، وهنا يتسائل عَمَّنْ صنعها وَمَنْ يقف ورائها وفي أي المطابخ تمَّ إعدادها:

ماذا تقول هذه الكانتونات

التي صنعتها قوة السلطة التابعة

ماذا تقول هذه الجدران العازلة

والأنفاس التي تمتد وتمتد.

لذا ضاقت الطرق كما ضاقت العبارة، فراح مستعينا برائحة العشق ورائحة العطر التي تركها هناك يوم كان صبيا. قال في سره لا تخطأ يا رياض فلا زالت تلك النخلة الباسقة دليل خطواتك الواثقة، ولسوف لن تضيع أو تفقد صلة الوصل بمن تُحب وتهوى:

من أين أمضي الى بيتي،

         والجدار يغلق المدى والهوى

أما وإنَّكَ سألت عن شجرة الرمان فهي لا زالت طرية، رغم محاولات العبث التي طالتها. هم لا يعشقون الحياة فلا تقلق، هم لا يعشقون الحياة فلا تحزن:

كيف يتمكن الكائن من قتل شجرة رمان

ريّانة بالندى وحرير النهار الجميل

                                 واﻷغاريد؟

دعك من هذا كله، فقد مرَّ من قبلهم الكثير من الغزاة، وما عليك الاّ أن تعيد صياغة الخلق والجمال. (لا أخفيكم سراً فقد أصغى رياض لنصيحتي) فراح ممسكا قلمه من جديد:

والآن ...

وقد خُلق

أمن نور

أم من دمع وفجيعة؟

ما زلتُ، وأنا في ذروة لحظة التقهقر

أحاول مزج البوذا

بيسوع،

بغيفارا...

في الهزيمة أواصل دفاعي اليائس عن كلمة الإنسان

وإنقاذ رايته من التلوث

سلطتي.. كل هذا الحب

                 ولن أنحني

                       أو أخون.

هنا سيدفعك صوته الإحتجاجي الى التساؤل: مَنْ يقف وراء هذا الخراب؟ مَنْ عاثَ في السلالة الطيبة، سلالة الطين وروح كلكامش وشريعة الحق التي سنها أجدادنا الأولون، مَنْ يتحمل وزر هذي الجريمة وضحكة تلك الطفلة التي أسكتتها طلقة عابرة، طلقة غاشمة:

الى مَنْ أتوجه بصرختي الكونية هذه؟

الكل إشترك في الخطيئة، ... الخالق

والمخلوق

   أين المنقذ؟

    كلما خُلق كائنٌ.. كي يخلق الخلق الخلاق الجديد

تتنادى لذبحه الطوائف

                   والعشائر

                   والظلمات السرية للعالم (الحر)

                                              الرهيب.

بعد هذا التصاعد في وتيرة الحماسة حتى بلغ الذروة في وجعه، سيجد رياض نفسه أن لا مناص ولا مفر من الهدأة وإن قليلا، وخير مَنْ يستعين بها لراحته هي حبيبته، لذا راح مصغيا لها كذاك الذي أراد حفظ قواعد العشق عن ظهر غيب:

حبيبتي .. تلقي عليَّ وصايا شعرها الراكض في الكستناء

وتعيد في حضرته فضاء اللغة الى حليب الغمغمة اﻷولى،

ولكن، هل حفظَ الدرسْ، إذن لنقرأ ما كتبه الشاعر:

عرفت اﻵن كيف تكون التقوى

فرساً في جسد ورط البرق بزهر المشمش والصيف، وأمر

لا يعرفه الاّ الراسخ في اللوز.

وفي معادلة ملفتة يحاول فيه الكاتب صياغة نموذج انساني، قد يمثل بالنسبة له مثالا ناجحا، سيستعين به في سبر مسالك الحياة وكيفية فهمها والتصدي لمصاعبها، ولعلها تعكس طريقته في التفكير أو لنقل النموذج الذي يسعى اليه ويستقي منها معارفه وأسلوب حياته، لذا تجده جامعا ثلاث شخصيات، لعبت دورا مصيريا في جر الكثير من الشعوب نحو إقتفاء أثرها والسير على خطاها وإن أتت من مشارب مختلفة:

ما زلت وأنا في أعلى التقهقر

أحاول مزج البوذا

بيسوع

وغيفارا

 ستلمس من كاتبنا أيضا، تلك الضربات والإستعارات الصوفية وما يرافقها، والتي يروق لقسم كبير تسميتها بالشطحات، لذا وأثناء التوقف على عدد من صفحات الكتاب، ستظهر أمامك بعض العبارات الصارخة، التي تؤشر الى مدى تأثره بالفكر الصوفي وتلك النزعات السامية التي تميّزهم عن غيرهم. ومن بين ذلك على سبيل المثال، سنجد بعض الإستخدامات وأظنها جاءت في أماكنها وفي توقيتاتها المناسبة:

هو النور إذا استوى على العرش

.............

أنوار حديقة مولاي

(السهروردي)

................

أخبرني أين أنا

ﻷدلني علي

إذن فالحلاج كان حاضرا في نص رياض، مثلما حضر بشر الحافي ومعروف الكرخي والجنيد البغدادي وجلال الدين الرومي وغيرهم الكثير.

وخير ختام في نص رياض المفتوح، ما عطَّرَ به كتابه برائحة المسك، رائحة حبيبته بغداد، لِمَ لا وهي حاضرة الدنيا وشاغلة الناس، وستعود الى أهلها وإن بعد حين، وسنعزف لها أغاني المجد، أغاني الحياة:

من أين لبغداد كل هذا الضياع، والظلام، والرماد والخراب

                والجروح

                         والألم.

 

حاتم جعفر

السويد ـــ مالمو

 

كاظم الموسويهذا عنوان كتاب من تأليف الدكتور گوران طالباني، وعنوانه الفرعي، اسرار وخفايا الحملة الأمريكية لإسقاط صدام، صدر اواخر عام 2018 عن الدار العربية للعلوم ناشرون اللبنانية، في جزأين في 966  صفحة من القطع الكبير. وهو عنوان ملفت للإنتباه، في معناه ودلالته، وفي دور مؤلفه، واضعه ومقدمه للناس بعد تجربة وممارسة أوصلته إليه. حيث لا يتفاجا القاريء بعد القراءة للكتاب، عرض التجربة، بما انتهى إليه مؤلفه، أو اشترك مع غيره في الوصول اليه، وصمة الإحتلال وصناعة فشل السياسة الأمريكية خصوصاً. إذ لا يختلف اليوم على وصمة الإحتلال، اسما وفعلا، ولكل من اوصل البلاد اليها، من مهد الطريق أو يسر السبيل أو أسهم في التخطيط والتنفيذ، وصولا إلى الصدمة/ الوصمة ومن ثم اكتشاف الفشل والخيبة وما أنتج بتأثيرها من دمار وخراب وضحايا، مازالت سباباتها مرفوعة تلعن وتطالب بالقصاص لها، لشعب ووطن.

وضع المؤلف في تقديمه مبررات اختياراته، وانشغالاته التي نقلته من اختصاصاته العلمية الطبية المتفوق بها إلى السياسة والعمل التنظيمي، رغم أنه ابن عائلة حزبية يسارية تاريخيا. ولخص الفصول التي ضمها في كتابه، شهادته. وسرد في تقديمه الأسباب التي أوصلته الى تسجيل هذه الصفحات للتاريخ. وفي الفصول الثلاث عشرة تفاصيل كثيرة عن تلك الفترة وما سبقها وصولا اليها، وعودة إلى ماض واستمرار الى حاضر أسهم بدور له فيه، اي انه حاول في هذه الصفحات تسجيل مرحلة تاريخية له فيها شهادته.

اختصر ما أورده في فصوله في المقدمة ايضا، إذ تناول في الفصل الاول التاريخ الحضاري العميق لبلاد الرافدين الذي كان مهد الحضارات البشرية الأولى والذي انبثق منه مقومات التقدم البشري اللاحق. وتناول في الفصل الثاني التاريخ العربي الإسلامي على العراق وبضمنه تأثير الدولة العثمانية في خمسة قرون كاملة. حيث "يعتقد المؤلف بضرورة سرد هذه الخلفيات الحضارية والتاريخية المهمة من أجل فهم الواقع العراقي ورؤية الأحداث العراقية من هذا المنظور المهم". وفي الفصل الثالث كتب عن إعادة تأسيس العراق الحديث بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية والتعقيدات التي رافقت الحدث وما تركته على العملية السياسية والدستورية في الدولة المتشكلة، "فهي الدولة الوحيدة في العالم التي تشكل فيها الجيش قبل الدولة نفسها بثمانية أشهر". واستمر الفصل في الكتابة عن تعاقب الحكومات التي توالت على العراق حتى الغزو الاخير. أما الفصل الرابع فتناول الحروب التي أشعلها نظام صدام حسين والممارسات الاستبدادية والأسلحة الكيمياوية التي استخدمها في عمليات الانفال واستمرارها في قمع الانتفاضات الشعبية، في جنوب الوطن أو شماله. وتابع في الفصل الخامس "تعافي صدام ونظامه خلال السبعينيات بالرغم من جرائمه وشنه حربين كبيرتين على جيرانه", وتطرق إلى الأسباب الرئيسية لذلك بدءاً بعدم فاعلية قوى وأحزاب المعارضة العراقية وانقساماتها على نفسها وتبعيتها للقوى الإقليمية وميوعة المواقف الدولية. وسرد في الفصل السادس أحداث تشكيل المؤتمر الوطني العراقي وتشابك العلاقات في التسعينيات. وتطرق إلى "كيفية اقتصار علاقات أحزاب المعارضة بالأجهزة الاستخباراتية لمختلف الدول واعتماد صيغة العلاقات السرية"،

واحداث الحرب الكردية الداخلية وشرذمة العمل العراقي المعارض. مستخدما مصطلح احتلال في استنتاجه، " التي أدت إلى احتلال اربيل والانحسار شبه الكامل للمعارضة واشتداد أزمة الثقة بين القوى العراقية".  وشرح الفصل السابع حالة الإنهيار والإحباط شبه الكامل التي هيمنت على القضية العراقية بعد الانتكاسات والاخفاقات التي نكبت بها في منتصف التسعينيات. وواصل شرح نشاط مجموعة صغيرة من العراقيين لإحياء العمل المعارض على أسس ومقومات جديدة. وهي المجموعة التي عمل المؤلف ضمنها وسماها بمجموعة المؤتمر ودورها في ترك العمل السري الى علنية العلاقات مع أصحاب القرار في المؤسسات الأمريكية.

أما الفصل الثامن فتناول صعود الحزب الجمهوري الى الحكم في الولايات المتحدة، و"استلام بعض الشخصيات المهمة التي كانت قريبة جدا من مجموعة المؤتمر، (حيث قامت المجموعة بمعاونتها في رسم سياسات الحزب تجاه القضية العراقية)." واسهب الفصل التاسع في شرح تطورات الأحداث خلال السنة التي سبقت الحرب، كما يسميها المؤلف، على الأصعدة المختلفة.  أمريكيا حول الصراع بين الدوائر التي لها خططها في التغيير والتحولات، وعراقيا داخل اوضاع المعارضة والنظام. وهو ما ذكره الفصل العاشر، في تفاصيل الأحداث في الأيام الأخيرة قبل الحرب، وما دار بين معسكرين في القرار السياسي، وسير العمليات العسكرية عموما، ومواقف بعض الأحزاب العراقية من التطورات والمستجدات. وتناول الفصل الحادي عشر ما سماه المؤلف، العراق " المحرر" المحتل من قبل سلطة التحالف، وظهور بوادر هيمنة المجموعة الأمريكية المعارضة لاستلام العراقيين السلطة في المرحلة الانتقالية، وتحويل "عملية التحرير (التي أعلنها الرئيس الأمريكي في بداية العمليات الحربية) إلى عملية احتلال ليعيد الامريكان بذلك الخطأ نفسه الذي ارتكبته بريطانيا قبل ثمانين عاما، واعتبرها المؤلف النقطة الحاسمة في فشل المشروع الأمريكي.

في الفصل الثاني عشر شرح المؤلف الدور الرئيس للحاكم الأمريكي بول بريمر في "صناعة الفشل وقراراته الاعتباطية وفشله في كل شيء ابتداء من معالجة الوضع الأمني واستئناف الخدمات العامة ودوره في تعثر وتشويه العملية السياسية من جهة وانتهاء باستخفافه بالأحزاب السياسية وقادتها". وتناول تأسيس مجلس الحكم وتفاصيل أعماله. بينما تناول الفصل الثالث عشر حيثيات وتفاصيل انتقال السلطة إلى العراقيين بأمر من واشنطن فرض على بريمر، وتعيين مندوب امريكي لتسريع النقل ومراقبة بريمر، وكذلك ممثل للأمين العام للأمم المتحدة. كما تطرق إلى "بعض الأحداث كاعتقال صدام والهجوم على الفلوجة ومحاولة اعتقال مقتدى الصدر، وعرقلة التحقيق في برنامج النفط مقابل الغذاء وفضيحة ابو غريب "، وانتهى الفصل بخروج بريمر من العراق، " الذي برع في صناعة فشل المشروع الأمريكي في العراق".

ووعد المؤلف بوثائق مهمة وصور لم يتمكن من نشرها بسبب حجم الكتاب، إلى إصدارها منفصلة لإكمال الصورة وتوثيقها.  وختم بعد هذه الصفحات بأن كتابه محاولة "لعرض الأحداث والحقائق الكاملة"، ومنها " الأسباب الحقيقية لفشل المشروع الذي كان مؤملا أن يكون البداية لبناء العراق الجديد وهي أسباب معقدة ومتداخلة ناشئة من قرارات أمريكية قاتلة من جهة ومن مواقف غير صائبة واخفاقات كبيرة من القيادة العراقية التي فشلت في فهم الواقع السياسي الأمريكي والدولي".

 

كاظم الموسوي

 

رفيف الفارسمن إصدارات مؤسسة النور للثقافة والإعلام في مالمو، وطباعة ونشر وتوزيع دار تموز / ديموزي في دمشق، صدر هذا الأسبوع كتاب (يحيى السماوي قصيدة على كتف وطن ـ بعض من سيرة حياة وقصيدة) إعداد وتحرير الشاعرة رفيف الفارس ..

كتب مقدمة الكتاب شيخ النقاد، الناقد العربي العراقي الكبير أ. د. عبد الرضا علي، ووطّأ له في مقدمة ثانية الأديب أ. أحمد الصائغ . 

1099 يحيى السماوي

تضمّن الكتاب دراسات وبحوثا كتبها أدباء ـ عراقيين وعربا ـ منهم أ. د. عبد الرضا علي، د. صالح الرزوق، د. حسن فتح الباب، د. عبد العزيز المقالح، أ. راضي المترفي، أ. لطيف عبد سالم، أ. عبد اللطيف الأرناؤوط، أ . عبد الستار نور علي، أ. أنطوان القزي، د. مقداد رحيم، أ. رفيف الفارس .

يقع الكتاب في 184 صفحة من القطع المتوسط، وقد صممت غلافه الشاعرة رفيف الفارس .

 

 

جمعة عبد اللهكثيرة هي الكتب النقدية، التي تتناول هذا الصنف الادبي الهام والمهم، في الدراسة والبحث والتحليل والتشخيص، لانه ادب حيوي في الحياة السياسية والثقافية والفكرية، واستاذ النقد حسين سرمك . يتناول هذا الجانب، في اسلوبيته المتميزة والمنفردة في الوسط الادبي، يعتمد على ثنائية التحليل والتشخيص والتفسير، تحمل براعة جمالية النقد الفذ، وبراعة توظيف علم الطب النفسي في التحليل السايكولوجي، اي انه يتعمق في الحالة السايكولوجية، في فك شفرة النص الادبي، ورؤيته المتعددة الجوانب والاغراض . في البحث في جوانب ألادب السجون . هناك معادلة او بديهية، كلما زاد العسف والاضطهاد والارهاب . زادت السجون والزنازين والسراديب بالزوار الجدد، بل بالامتلئ الخانق، وهي جزء من نهج ممارسة العنف والارهاب السياسي والثقافي . وبالتالي أننا امام لوحة في الصراع غير المتكافئ وغير المتوازن، بين الجلاد والضحية، الاول يستخدم الهجوم الوحشي والسادي، والثاني يحاول الدفاع بما امكن، وهو في فم الذئب الكاسر والضاري . يحاول جاهداً بعدم السقوط في فم الذئب الوحشي . لذلك تجربة السجون غنية عن التعريف، في الازمنة المتسلطة بالقمع والبطش والتنكيل، في سبيل اخماد نهائياً،  الرأي الحر والمعارض . واعتقد ان الوعي المكتسب ينبغي ان يعرج عن أدب السجون، ليعرف معنى الانتهاك ومصادرة الحياة بكل بساطة . في افعال مهلكة يتجرعها السجين، الذي يجد نفسه امام بشاعة الجلاد الذي يلعب بحياته ومصيره وفق ما يرغب ويشتهي . وهذا الادب يأتي نتيجة المعاناة الحقيقية في تجربتها الفعلية، وعندما يكتب لسجين السياسي الحياة، يكشف تجربته المرة في حياة السجون الظالمة والزاخرة بالباطش والانتهاك، يجسدها في اشكال مختلفة من صنوف الادب التعبيري . ليمزق السكوت ازاء الانظمة القمع الوحشية، ويكشف اسلوبها الاخلاقي ونهجها في البطش . هي تجربة شباب يضحون في زهرة حياتهم وعمرهم في سبيل المبادئ والوطن، في سبيل رفع الحيف والظلم عن الشرائح الكثيرة في المجتمع، حيث تعيش حالة الحرمان والتجاهل والاهمال . وتجربة السجون، هي كتابات متنوعة للذين تعرضوا الى العسف والعنف داخل غرف التحقيق وسراديب الجحيم والموت . في نهج ارهابي فظيع في تكميم الافواه، والخضوع الى السلطة الدكتاتورية الظالمة . بأنها لا تعترف بالمعارض السياسي، تعتبر المعارضة والرأي الحر، جريمة بحق الدولة والنظام، تعتبر المعارضة السياسية خيانة للوطن والقانون . لذلك تبيح لنفسها ممارسة الوحشية والتنكيل، وتهشيم السجين السياسي بكل انواع التعذيب السادي، لذلك يتعرض السجين الى معاناة فوق طاقة تحمله، كما يتعرض الى شتى الامراض والجوع، بحيث تكون حياته أسوأ بكثير من الحيوانات السائبة في البراري . لذلك فأن أدب السجون صرخة احتجاج مدوية، ضد الانظمة القمعية والباطشة والظالمة، التي تفرط بالعنف بالسادية المطلقة، حتى يكون السجين هيكل عظمي او شبح انسان، فاقد الوعي والذاكرة . بحيث الاخ السجين لا يستطيع ان يتعرف على شقيقه السجين ايضاً، هذه البشاعة التي تحدث في سراديب الجحيم تحت سطة الحكم الدكتاتوري، ويطرح الكتاب امثلة كثيرة في هذا الجانب . نأخذ منها: هناك سجين سياسي انتقل من سراديب بغداد الى سراديب اخرى، وكان هناك سجين في حالة يرثى لها، في هيئة مزرية جداً، نحيل مثل الهيكل العظمي، عيونه غائرة، وجلده ملتصق بعظامه، ولحيته طويلة تصل الى ركبتيه، رائحته قذرة ومقززة، او انه شبح انسان . اراد سجين اخر ان يستفسر منه عن شقيقه السجين في سراديب بغداد، اذا كان يعرف أسمه، او سمع عنه بأنه مازال حياً، وكانت المفاجأة بأن الذي يكلمه هو شقيقه . وكم حدثت للاستاذ حسين سرمك، لم يتعرف على شقيقه المناضل حامد سرمك حسن . لم يتعرف عليه بسبب التعذيب والتجويع في السجن السياسي، في مديرية الامن العامة في النجف عام 1994، من هنا تأتي اهمية كتاب (من أدب السجون)، ودائما استاذ النقد يتحفنا في براعته النقدية الفذة، في الاختيار والتصنيف، في دراساته النقدية لادب السجون . ربما يكون هذا التصنيف قلما نجده في الكثير من الكتب النقدية حول ادب السجون، التي تختص بجانب واحد على الاكثر الروايات، او على جانبين في حالة نادرة . بينما كتاب استاذ النقد حسين سرمك، اختار خمسة اصناف في دراساته للنصوص البارزة في صنوف الادب وهي: المسرح . الشعر . القصة القصيرة . الكتب . الرواية . موزعة بذائقة ادبية ونقدية فذة . لانأخذ بعض العينات من الكم الكبير، الذي يحتوي الكتاب الذي قسم الى ثمانية فصول:

1 - المسرح: نتناول بايجاز مسرحية الكاتب شاكر خصباك . مسرحية (الشيء):

وهي عمل مسرحي متمكن وكامل في تقنياته المسرحية والدرامية . تتناول حياة ومحنة السجين داخل زنزانة السجن للسجين السياسي . تتكون من ثلاثة فصول:

الفصل الاول: مكان داخل السجن وتدور حوله الاحداث، في الصراع بين الجلاد الذي يمثل السلطة بالباطشة واساليبها في صنوف التعذيب التي تجري في غرف التحقيق، في مناخ ارهابي متكامل، والضحية هي شرائح الشعب بكامل قطاعاتها في المجتمع العراقي . فقد اختار الكاتب 12 من المهن التي تمثل مجمل شرائح المجتمع، وهي اشارة بليغة بأن السلطة الاستبدادية هي موجهة او عدوة لكل شرائح المجتمع العراقي، التي تتعرض الى الانتهاك السادي والبشع في زنازين السجون .

الفصل الثاني: يمثل تكيف السجين السياسي مع الظروف القاهرة، بعدما اشبع جسده بسياط الجلاد، بعدما اشبعت روحه في الحروب النفسية، لغرض التهشيم والاحباط، حتى يصيبه اليأس والتشاؤم .

الفصل الثالث: شموخ السجناء امام القهر الانساني، ووقوفاً اجلالاً واحتراما وبكل خشوع الى الذين يساقون الى حبل المشنقة لتنفيذ حكم الاعدام، يصاحبونهم بالحناجر المدوية والاناشيد العزم والثبات، مع الموسيقى المدوية، وهي تلاحق السلطة الباطشة بالخزي والعار . وانه لا يمكن كسر الارادة في الامل في الانتصار أو الانفراج، بأن من المستحيل ان الشعب يموت ويقهر، فأنه يمهل ولا يهمل، وان طريق النصر آتٍ لا محالة .

2 - الشعر: نختار من الشعراء الذين ضمهم كتاب من أدب السجون . الشاعر المبدع الكبير محمود بريكان . في قصيدته (أغنية حب من معقل المنسيين) موجهة الى شقيقته (سلوى) يناجي ويبوح لها حالة السجن والسجين . والصراع من اجل البقاء:

" في اقبية المنسيين ...

لا صوت هناك، وما في الليل سوى الحزن

نام السجناء ونام أخوك، ولكني ...

أرق أتامل أغلالي ..

واصارع أبسط آمالي .

وافكر فيك، وبما أصنع بعد سنين

 اذ أخلع أثواب السجن . . "

................................

" سلوى لم نلتقِ قبل

 ولم ارَ منك سوى شبحك

وحكايات تروى عن نبلك

عن مرحك أصغي لاخيك،

صديقي واخي في سجني

وقسيمي في سجني

.........................

" يا سلوى في الصمت المكتئب

يا سراً في صدري، وخيالاً نوريا .

يتوهج في أقصى التعب

يا حباً لا يعقل ..

يا شعراً لا ينسى

3 - القصة القصيرة: نختار من جملة القصص القصيرة، التي تناولها الكتاب في التحليل والدراسة، نختار قصة (النافذة) للاديب حامد فاضل .

وهي نافذة الوحيدة في السجن، التي تربط السجناء بالعالم الخارجي، المحيط في دائرة السجن . ومن خلالها يسمع اناشيد السجناء، في نشيجهم المجنون ليسمعهم الخارج، يصدحون بروح التفاؤل . كان هناك مجموعة اطفال تلعب كرة القدم قرب النافذة، وبذلك النافذة بنت علاقات وشيجة بين السجناء والاشبال، في التواصل والكلام وبث الرسائل بينهما . حتى السجناء عرفوا اسماء الاطفال واحداً وحدا . وحين يغيب احد الاشبال عن اللعب، يسألون عن سبب الغياب . هذه العلاقة الحميمة مع الاطفال ربطتهم بفرح بالعالم الخارجي . وهذا خرق لقانون السجن الاساسي، هو الحجز والانعزال التام عن العالم الخارجي، لكي تتحطم معنوياتهم النفسية وتتهشم بالانكسار والاحباط، حتى يصابون بالياس والتشاؤم . ولكن النافذة زرعت فسائل الامل برفع المعنويات النفسية . لذلك حجزت الشرطة جميع الاطفال، ولم تخرجهم من الحجز، إلا بعد اخذ تعهد من أبائهم بعدم العودة في اللعب قرب النافذة . وكما قاموا بأغلاق النافذة بالطابوق والاسمنت . وسيجوا محيط السجن بالاسلاك الشائكة . حتى تمنع الاقتراب من السجن . ولكن حالما تناهى الى سمع الاطفال، بترحيل السجناء الى سجن (نقرة السلمان) . اصطفوا الاطفال على جانبي رصيف الشارع يحيون السجناء بكل احترام واجلال . حتى اختلطت حناجر السجناء والاطفال معاً، في أناشيد العزيمة والامل والنضال والتحدي.

4 - الكتب: التي تتحدث عن تجربة وسيرة الكاتب خلال معايشته الحقيقية في السجن . يجسدها بعدما يكتب له الحظ النجاة والبقاء في الحياة، قبل ان يتفسخ داخل السجن، او يشمله حكم الاعدام العشوائي .

ونختار في هذا الجانب كتاب الاستاذ ضرغام الدباغ . في كتابه بعنوان (قمر ابو غريب كان حزيناً) يكشف معاناته المريرة والقاسية في السجن . ينطلق في ذكر مذكراته القاسية في سنوات العجاف . سنوات تقريباً اكثر من 15 عاماً من المعاناة، وكان حكم عليه بالاعدام، ولكن خفض الاعدام الى المؤبد، وكل جريرته، او (المضحك / المبكي) كان في جلسة صداقية في بيت استاذ جامعي، وفي جلسة السمر جاء على ذكر مقالة سياسية تشير بأنها ضد النظام الدكتاتوري . وكانت السبب السجن والاعتقال، وفتحت باب الجحيم في الاعتقال المتواجدين في بيت الاستاذ الجامعي، ومارس بحقهم ابشع صنوف التعذيب الوحشي، في الممارسات الهجينة والهمجية، كأنهم كانوا يعدون الى انقلاب عسكري !! وليس جلسة صداقة خطرت باحد المتواجدين ذكر المقالة السياسية ضد النظام . وكانت ممارسات في انواع شتى من صنوف التعذيب، في عمليات الضرب القاسية التي تزهق الارواح، وحفلات الشتائم والاهانات التي لا تنتهي، حتى يخجل منها اولاد الشوارع السائبين . حتى دون اثبات التهمة على المعتقل . ويكشف في مذكراته حول السجون، بأنها تحولت الى اماكن رهيبة لا تطاق بوحشيتها السادية، والتي تغص بالالاف من العراقيين . يعانون جحيم الموت والحياة، في فظاعات يرتكبها الجلادون بقسوة ووحشية، وبشكل مدمر، في الانتهاك ومصادرة الحقوق والحرية الانسان . فقد منع من السفر والالتحاق مع عائلته المقيمة في المانيا (زوجته وطفليه) . وكان يشغل نفسه بتعليم اللغة الالمانية للسجناء . ويبين في فصول الكتاب، الروح المعنوية في السجن الرهيب، بروح التماسك والتجلد والاعتزاز بالنفس، والاحتقار الى الجلاد الذي يمارس البطش والتنكيل . روح الامل التي تزغرد في وجدان السجناء بالانفراج والانتصار على السلطة الدكتاتورية . وبعد هذه السنوت الطويلة من القهر والمعاناة اكثر من 15 عاماً التي كان يحسبها بالدقائق والساعات والايام والاسابيع والاشهر والسنين  . افرج عنه ليخرج مبتسماً في انتصاره على الوحش السلطة، الذي يصبح كالقنفذ الذليل والمهزوم (عفواً استاذ هذه الاوامر مفروضة علينا) لذلك ما يؤكده في فصول كتابه، اشياء خارقة (اتمنى كل قارئ ان يطلع على هذا الكتاب المهم) يؤكد الروح العاشقة للحياة عند السجين السياسي . رغم المعاناة واوجاعها المريرة . وكيف تتم بناء الصداقات والثقة والاحترام المتبادل، حتى في اقسى الظروف الحرجة وخطيرة، كيف يجابهون الموت، بكل شموخ ورجولة، ويذكر المواقف البطولية للكثير من الاسماء التي وردت في الكتاب، واعتلت حبل المشنقة . وكيف كانت اللحظات الاخيرة قبل تنفيذ حكم الاعدام، وهم يقفون بكل شجاعة وبطولة واقدام، حتى تهز عنجهية الجلاد المتغطرس، ان يكون في موقف الذليل والمخزي . ان الكثير من وردت اسمائهم وهم يتقدمون الى حبل المشنقة في وجوه باسمة تستهزئ بالجلاد، والكثير يرفض غطاء الرأس، هذا الشموخ العالي، هم حقاً جنودا مجهولين للوطن، في مواقفعم الجسورة . ان كتاب الاستاذ ضرغام الدباغ . حين يتلقفه القارئ بالقراءة، يخرج عن طوره بانفعال وغضب، ويقول: يا ألهي ما هذه الوحشية السادية، وما هذه البطولات الشامخة التي تتحدى الجلاد .

5 - الرواية: المبدع الراحل يوسف الصائغ، في روايته (المسافة):

تعتبر هذه الرواية عمل أدبي متكامل باصنافه وانواعه . من الاسلوبية الروائية، الى العمل الدرامي والمسرحي، الى العمل الفني والسينمائي . وتتحدث عن اشياء الحياة والواقع الحيوية في شمولية، باصنافها، السياسية والثقافية والفكرية، وتطرح جملة افكار متنوعة في مجالات عديدة، تحرث هذه الافكار في حواريتها وهواجسها القلقة في مضامين، فكرة البطولة والخيانة . فكرة جبروت القوة . فكرة السقوط والمعاناة في الزمن الخطأ، التي تخلق محنة ومعاناة للمثقف في زمن العنف الثقافي . الذي يقول عنه في احدى قصائده، التي تعبر باصدق تعبير عن محنته الذاتية المريرة:

ما هذا زمني

ما هذا زمن الشعر ولا هذا زمني

هذا زمن مسدود

يخرج منه الدود

وصار الشعراء قروداً فيه

والعشاق يهود

باركيني بيديك الحانيتين

وامنحيني غفرانك يا وطني .

هذا زمن (جورج أورويل) التي جسده في روايته المشهورة (1984)، هذا زمن الستالينية في الاخ الكبير، مالك البلاد والعباد، الفاعل والناهي (أنا الدولة والدولة انا) . هذا زمن العتمة والظلام، التي ترسم بريشة جلاد . في الاستبداد والبطش والتنكيل، حتى يكون الانكسار والاحباط ناموس الدولة . هذا زمن الامتحان الصعب في البطولة والخيانة . كما تجرعها (رجب أسماعيل) بطل رواية (الشرق الاوسط) الذي تحمل اصناف من العذاب الوحشي والسادي، لمدة خمس سنوات عجاف ومريرة في جسامة الارهاق، لكن جسمه ورحه لم تتحمل اكثر من ذلك، لذلك تهشم كالزجاج المهشم، ووقع على البراءة . هذا زمن الخطأ في البراءة والخيانة . كما جاءت في قصيدة الشاعر الكبير بدر شاكر السياب .

 (أني اعجب كيف يمكن ان يخون الخائنون

 أيخون الانسان بلاده

إن خان معنى ان يكون

 فكيف يمكن ان يكون ؟)

مسؤوله الحزبي يلوح له ببطاقة العضوية الحزبية، في الحزب الشيوعي العراقي، ويطلب منه ان يحفظها كحدقة عيونه كأمانة مناضل جسور، وان يصون لقب رفيق حتى لو ضحى في حياته، نفسه المسؤول الحزبي يقدم براءته من الحزب في وجه بشوش وباسم . أين البطولة والخيانة ؟ وكيف تكون شكل الخيانة، حتى تساقطت خلايا الحزب كالشجرة في الخريف القارص . (رفيق دبر أمرك !!) . والانسان مثل يوسف الصائغ . تنقل تسعة سنوات عجاف، من سجن نقرة سلمان، الى سجن الحلة، وعانى التشتت والمعاناة، ولم يتحمل سجن البعث، ضمن الانهيار السياسي العام من القمة الى الاسفل . هذا التشتت لا يعني خيانة في انتماءه للوطن . لا يعني التخلي عن حب وهوية الوطن . والتي عبر عنه في احدى قصائده .

أنا لا انظر

من ثقب الباب

الى وطني

أنظر من قلب مثقوب

وأميز

بين الحب الغالب

والحب المغلوب

لذلك ان رواية (المسافة) تعبر عن معاناته الذاتية، في البحث عن الذات، عن الهوية، عن الانتماء، هذا يعني ان الروائي تكلم عن ذاته لذاته، في زمن عواصف الازمات

 

 جمعة عبدالله

 

 

1095 ربمافي ديوانه المعنون (ربما) المنضد ب ١٠٦ صفحة ب عدد ٢٦ قصيدة موزونة والحائز على جائزة الشعر للشباب التي أقامها اتحاد الأدباء والكتاب في العراق..

أخذ الشاعر حسن سامي من الشعر الموزون الوزن والكبرياء والاعتزاز بالذات ومن قصيدة النثر الفكرة وبساطة المفردة فجمعها في خلطة واحدة لتتلائم قصائده مع روح العصر دون التضحية بأصل الشعر العربي. والجهد كبير وواضح في اعداد هذه الخلطة التي بدت متجانسة تماما دون إرباك أو نشازات وهو أمر يحسب للشاعر الشاب في ديوانه الثاني إذ سبقه ديوانه (الحاملون بريد النخل) وهذا إنما يؤشر لموهبة فطرية مع اجتهاد في القراءة والدراسة والمتابعة لصقل هذه الموهبة الشعرية المميزة والتي تبشر بشاعر يملك أدواته ويحسن تطويعها.

وقد غلبت روح القصيدة العربية الموزونة بكبريائها واعتزازها على كل القصائد من أولها إلى آخرها في المجموعة دون أن تستثني منها واحدة سواء ما يتعلق بالشاعر نفسه أو بمن حوله من أشخاص ذكور وأناث وأمكنة كمدينته البصرة أو بلاده العراق بشكل ظاهر أو مبطن. حتى ليشعرنا بصبغة ولو طفيفة من نرجسية (ربّما)_ وهو عنوان المجموعة _إيجابية نتمنى أن لا تنمو فتتغلب لتتجاوز الكبرياء والاعتزاز بالذات وربما هو متأثر بالشاعر المتنبي ببيته المشهور (الخيل والليل والبيداء تعرفني .. الخ) لكن بما يتوافق مع عصرنا الحالي..

والمفارقة أن وردة النرجس حاضرة وبقوة في مجموعته ونحن نعرف أصل هذه الوردة وارتباطها بالنرجسية فقد أهدى مجموعته إلى ابنته الصغيرة (نرجس) وذكرها في قصيدة (ربما احلق على متن وردة) ص ٤٩ وقصيدة قل هل اتاك حديث النرجس ص ٣٧. واشتق منها فعل تتنرجس في قصيدة آخر شهقات المينا.. و (ربما) هو لم يقصد هنا غير زهرة النرجس بجمالها وطيب رائحتها لكنه فتح لنا باب الاحتمالات دون أن يشعر ب (ربما) ..

ولو تتبعنا القصائد من أولها لاكتشفنا ذلك في

القصيدة الأولى

هكذا تكلم علي شريعتي

 

في زحمة اللاشئ وحدي عارفٌ

أتلو أناي الى (أناي) مفسِّرا

ص٨

لا لون يحكيني

لأني خارجٌ عن فكرة المألوف.. لستُ مؤطرا

ص٩

قصيدته الثانية

هروب إلى ماوراء الكون

 

هربت

من لعنة التحجيم

من لغتي

إلى فضاء عن التأطير منفلت

ص ١٠

 

قصيدته الثالثة

مما لا يُحكى

 

يتحدث عن حال جيله .. فيقول بتميز رغم التأسف

 

إلى الهوامش منفيون وا أسفي

كأننا ولِدنا خارج القوس

ص١٥

 

قصيدته الرابعة

نبوءةُ عاشقٍ مرقّطٍ

 

جندي عراقي يخاطب أخيه في السلاح

 

فغدا ستدمِنُك القصائدُ نغمةً

لولاك كلُّ الاغنياتِ

تُعطّلُ

ص ٢١

 

قصيدته الخامسة

وصايا لا تشبه الشعر

 

عبارة عن سلسلة من أفعال الأمر يوجهها لنفسه عبر توجيهها إلى الآخر أهمها

 

وامنح جيادك صولة

واربأ بنفسك زاجرا

 

كن صوت من خلقوا الصدى

لا تخش فاهاً فاغرا

 

ص ٢٤

 

قصيدته السادسة

القصيدة بلا عنوان... لأن العناوين لا تكفي

 (إلى أكرم الأمير) صديقه الشاعر الذي رحل مبكرا يقول

 

تَرجّل

عن حياة دون معنى

لأنّا من عراق ليس منّا

ص ٢٥

 

قصيدته السابعة

ماتسرب من ذكريات الجلنار

 

يصف امرأة

 

تهاطل الدرّ

من احداقها شغفا

به النبيات تُغري نزوة القمر

 

ص ٢٩

 

قصيدته الثامنة

آخر شهقات المينا

 

يخاطب محبوبته

 

أضيفي الى النجماتِ شيئا مؤنثا

فلولاك حتى البدرُ

بدرٌ مدلَّس

ص٣٦

 

قصيدته التاسعة

قل هل اتاك حديث النرجس

 

تقول صغيرتي:

 

أنا

الأخطاء تكبرني كثيرا

هل الألعاب تُحسب من ذنوبي؟!

 

ص ٣٧

قصيدته الحادي عشر

من مذكرات نهر أسمر

 

يصف مدينته البصرة

 

خيول للغزاة تموت فيها

لتبقى قيد وحدتها السروج

 

ص٥٥

 

وهكذا لو اتممنا بقية القصائد حتى نصل إلى آخرها

 

قصيدته السادسة والعشرون

إليها أولا وأخيرا

 

مجازاتي القديمة محض كذب

وقبلك يا _ أنا _ الشعر_ ادعاء

 

ص ١٠٤

 

نلاحظ أناه حاضرة وبقوة حتى عند محبوبته..

***

منتهى عمران - البصرة / العراق