740 زينب(آكتب بدمك وستعلم حينها آن الدم روح).. نيتشه

حينما تكون التجربة عصيبة يكون تحربرها في وجه البياض روحا تمشي بتوآدة للحياة. هي كذلك سيرة ماوريسيو بيني المعنونة ب“ صباح الخير آيها المهندس، الصادرة عن دارLevel82 Publishing بباسانو ديل كرابا 2019. يحكي فيها الكاتب عن سنوات الحرب والجفاء التي هبت ريحها هنا في ايايطاليا في الامس القريب؛ ريح حصدت الارواح والامن والسلام وشرعت الابواب للفقر والجوع وجعلت العامة والخاصة يجدون ملاذهم في الهجرة بحثا عن حياة آفضل. يقول الكاتب صفحة 66:

“ كانت الوعود في مهدها منذ نهاية الحرب. وكانت الحياة العادية كلها مشاكل ترخي سدولها على الكل: تكاليف الحياة في ازدياد مضطرد، وامكانيات الحصول علر راتب في انخفاض متزايد. ملايين الاشخاص دون عمل؛ وامكانية اخراج ايطاليا من هذا الوضع الصعب آمر عسير. طرقت الحكومة حينها ابواب البلدان المحتاجة الى اليد العاملة: فقد توفر الهجرة النازحة للافراة مصدرا لدعم وانطلاق الاقتصاد الوطني باعادة تنظيمه. كانت آول اتفاقية تجارية تسهل عمل الايطاليين في الخارج قد تم توقيعها بين ايطاليا وبلجيكا في ماي 1946 لتعقبها آخرى بين ايطاليا وسويسرا سنة 1948 ومع المانيا سنة 1955“

هكذا عادة يكون مشروع اقرار الهجرة؛ وضع صعب يعقبه الاعداد للرحيل ثم النزوح. فلا احد يختار مشيئته ولا وطنه؛ لاآحد  يختار وضعه. تقرير الهجرة يكون مدفوعا بالظروف وتغذيه حكايات الاقارب والاصدقاء الذين هاجروا قبلا يقول الكاتب صفحة 74:

”عاد ابن خال امي جوفاني الى رونتزانو سنة 1961 لقضاء عطلة عيد ميلاد المسيح، كان يعيش في سويسرا منذ زمن بعيد. كلمة تمهد الطريق لاخرى: بذرة في الارض، وفكرة تطفوا الى السطح، تنبت وتزهر. بعد اشهر قليلة من زيارته يحصل ابي على عقد عمل…“

الا آن من رآى ليس حتما كمن سمع، تجرية الاغتراب تفتح للمهاجر عوالم لم يكن يعرفها، حياة في الهامش، وعلاقات لا تتعدى سقف المهاجرين والمحرومين مثلهم. فمن يحمل حياته على كتفه ويترك العائلة ودراء ظهره والذكريات، يترك الطفولة والعادات يفتح جرحه للحرمان وعلى العمل المتواصل كثمن لاغتراابه، ويطئطئ رآسه للصور النمطية التي قد تقف في طريقه ويواصل. يقول الكاتب صفحة 113:

” اصطدمت آحلامي النائمة مع الواقع المر حينما علمت آنه ممنوع على الشابات السويسريات انشاء علاقة صداقة مع الشباب الايطالي، لانه كان شائعا آن هؤلاء الشباب غير جديين في حالات بعينها ومن المحبذ تجنبهم“

قصة ماوديسيو ”صباح الخير ايها المهندس“ تصلح ان تكون قصة آي واحد منا، آو قصة كل واحد منا. فقرار الهجرة يكون دافعه اقتصاديا آو سياسيا آو آمنيا.. ويكون طريقه صعب وتبعاته آصعب. ما آقرب اليوم بالامس، فقد اصبحت ايطاليا اليوم وجهة للمهاجرين الفارين من ويلات الحرب والفقر والقهر منهم من يبحث عن سماء امنة ومنهم من يبحث عن مستقبل آمن ومنهم من يعبد الطريق ليصير يوما مهندسا. فهل من مذكر

 

زينب سعيد

 

742 محمد اعبازةكَمْ مَنزِلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفَتى .. وحَنينُهُ أبداً لأوَّلِ مَنزِلِ

ذلك بيتُ الشاعر أبي تمّام وهو يُعبّر عن حنينه وشوقه إلى مسقط رأسه ومرابع طفولته أمّا صديقنا محمد عبازة فحنينه لمدينته غمراسن التي اِفتتح كتابه حولها بهذين البيتين لشاعر من غمراسن هو أيضا من المتيّمين بها

كمْ مِنْ بــــــلادٍ كلّها مَــفاتــنْ * لكــنَّ قلبي حُبُّــهُ غُمــراسِـــنْ

فَباِسمِها مَعنى كريم النّــــاسِ * أكرمْ بِهمْ فكلّهُم مَــــحاســـنْ

والكتاب  صدر في الآونة الأخيرة في نحو ثلاثمة وخمسين صفحة مملوءة السّطور ومن الحجم المتوسّط ومُحلّى بصُور عديدة وبغلاف عليه صورة لأحد رسوم الكهوف البدائية الكائنة في أحد شِعاب غمراسن تلك البلدة الضاربة جذورها منذ أقدم العصور والمتربّعة في وسط الجنوب الشّرقي للبلاد التونسية وهي الآن أضحت مدينة فتغيّر فيها كلّ شيء تقريبا حتّى كادت يد الإنسان المعاصر فيها تطمس شواهدها التاريخية التي مرّت بها على توالي العهود فبدأ يتلاشى حتّى ما ظلّ راسبًا في ذاكرة الأجيال ناهيك عن القيم الأصيلة التي عُرف بها الغُمراسنيّ وهو ـ كغيره ـ قد زحفت عليه وجرفته قيم هذا العصر الاِستهلاكية...

وتَوَجُّسًا من أن تفعل مِمحاة النسيان والتلاشي فعلها اِنبرى محمد عبازة لإصدار هذا التأليف وكأنه يريد إنقاذ ما يمكن إنقاذه حفاظا على الذاكرة وكأنه أيضا يريد ردّ الجميل لموطنه الأصلي اِعترافا له بالفضل ووفاء للبيئة التي نشأ فيها في تلك الرّبوع وهو لئن صرّح بذلك في المقدّمة إلا أنه ما اِنفكّ يُذكّر بها عند كل سياق يتحدث فيه عن خصائص أهل غمراسن في محتلف فصول الكتاب الذي أهداه ـ وفاء وتقديرا ـ إلى السيّد حسن بن جمعة أوّل مدير تونسي لمدرسة غمراسن الاِبتدائية وإلى السيّد محمد الهادي صماط المعلّم الذي درّسه اللغة العربيّة وجعله يكتشف على صغر سنّه المسرح ومحتلف المعارف والفنون .

ـ 2 ـ

نصف الكتاب تقريبا مخصّص لتاريخ منطقة غمراسن من حيث اِشتقاق التسمية ومعانيها مع اِستعراض لمصادر تاريخية عديدة قديمة ومعاصرة تبحث في تاريخ الجنوب الشرقي التونسي فعاد حتى إلى هيرودوت اليوناني في وصفة لسكان شمال إفريقيا واِستنتج بعض الإلماعات الطريفة حول تسمية بعض القبائل في المنطقة غير أن صديقنا تجنّب عن قصد الخوض في المسائل العروشية كي يبتعد عن مختلف الحساسيات القبلية والجهوية وهو لم يفصّل الحديث في مكوّنات أهالي غمراسن أيضا تجنّبا للنّعرات التي كانت سائدة في وقت من الأوقات ويريد بذلك تجاوزها بعدم ذكرها أو حتّى الإشارة إليها لأنّ الظروف الحالية تتطلب المزيد من التلاحم والاِبتعاد عن كلّ ما يفرّق .

أما النّصف الآخر من الكتاب فهو وصفٌ وتحليلٌ لبعض مظاهر العِمران ولحياة التّرحال بين النواحي المحيطة بغمراسن حسب الفصول ثمّ تناول المؤلف المسكن واللّباس والمآكل والأفراح والأتراح والفلاحة والتعليم وغيرها من المسائل وخصّص حيّزا أكبر للهجرة نحو العاصمة تونس وبقية المدن والجهات في البلاد وكذلك نحو خارجها وخاصة نحو الجزائر وفرنسا وغيرهما مؤكدا على أهميّة حرفة الفطائر التي اِشتهر بها أهالي غمراسن ولاحظ أنهم أصبحوا يمارسون مِهَنًا أخرى فاِنتشروا مثلا في فرنسا وفرضوا عاداتهم الغذائية في محلاتهم على الفرنسيين .

ـ 3 ـ

كتاب غمراسن ـ جذور وأجنحة ـ كتاب تاريخ وحضارة ولغة وأدب وهو كتاب سيرة ذاتية أيضا بما فيه من ذكريات وشهادات شخصية وهذا ما يجعله يجمع بين الإفادة والإمتاع ويفتح مسائل عديدة قابلة لوجهات نظر أخرى وقد ضمّن الدكتور محمد عبازة عند اِستعراضه لبعض الآراء حول تاريخ الجنوب الشرقى من لدن مختلف المؤرخين والباحثين موقفه المخالف لبعض الأطروحات فبدا منتصرا لموطنه ومعتزّا باِنتسابه له ومدافعا عن خصائصه ومميزاته.

فالكتاب يُمثّل إذن إنجازا مُهمّا بما فيه من تجميع ومراجع وملاحظات يمكن أن تكون عتباتٍ لأبواب تفتح المجال على دراسات مختصة في نواح أخرى من  غمراسن وما حولها وفي حبّ الأوطان يتنافس المتنافسون....

 

سليم الحسني

 

رحيم زاير الغانمكتاب (حياة العلامة) للكاتب ماجد الحسن أنموذجا

يعد نص المدينة من النصوص البصرية التي تشدُّ المتلقي إليها، لما تمتلكه من خصائص معمارية في مجملها خطاب مديني، على اعتبار انه نتاج انساق الناس الثقافية، لتتمثل طرازاً معمارياً معبراً عن الأنساق الثقافية الشعبية، مشكلا معمار المدينة في تواشج نسقي، لترسيخ هوية المدينة في ضوء المعطى الآنف الذي برَّزَ لنا الثقافة المدينية الشعبية بعنوانها العريض، بعد وضع اللبنة الأولى لنموذج طراز معماري للبيوت فالأزقة، في ضوء نواميسٍ معمارية لايمكننا فصلها عن السلوك الإنساني المحض، في تماهٍ جلي بين سيميائية الطراز المعماري وتوجهات السلوك، التي انتجت الهوية الثقافية، مما اعطى للمتلقي اريحية التلقي والتأمل وانتاج المعنى.

ان مدينة العمارة (مدينة متصالحة مع نفسها وأهلها) بحسب ما جاء في كتاب (ماجد الحسن) الموسوم (حياة العلامة ــ محاولة لإدراك أنساق الثقافة الشعبية) محور معاينتنا في هذه الورقة، فالعمارة المدينة التي انشئت في القرن التاسع عشر، لم تنشأ  بلون او عرق واحد، بل مدينة متعددة الاعراق، منذ النشأة الأولى، فلا غرو ان يبدو نص المدينة متوحداً مع الطراز المعماري الذي درج عليه هذا النص، وما تسمية محلة (التوراة) التي تقع في قلب مركز مدينة العمارة إلّا دليل للألفة التي يسعى الناس للحفاظ على ديمومتها في هذه المحلة على سبيل المثال لا الحصر، وهذا سرٌّ من اسرار ألفتها وحميميتها التي فاضت على طبيعة المعمار، حيث البيوت هي الأخرى متماهية والسلوك الإنساني، اذ بدت متلاصقة حدَّ الاتكاء على بعضها، على الرغم من اختلاف المساحة أو التفاوت الطبقي بين الناس، حتى الواجهات التي بمجملها من الشناشيل تلتقي في جزئها العلوي كعلامة من علامات الألفة والحميمية التي شكلت نسقاً متوارثاً لأجيال، مُنتجة الاطر العامة لنواميس المدن، فللمدن نواميسها التي لا يمكن خرقها، بوصفها نتاج فعل إنساني حقيقي، والفعل نسق بحسب الفيلسوف (سبينوزا)، لذا عندما نقرأ نص المدينة يجب قراءة طرازه معمارياً وقراءة افراده سلوكياً، فهما من ينتجا الهوية الثقافية لسكان المدن.

أما العتبة لها امتداد علاماتي للألفة بين الناس، في انتاج لمعنى تصاعد  السلوك الإنساني، كونها بحسب الكاتب مكان للقاء والتحاور، الذي هو بحد ذاته سلوك إنساني لما فيه من ايحاء بحميمية المكان/ البيت، الذي يفيض على العتبة، فهي بعد كل ما تقدم، يمكننا عدها مكاناً لتجمع الصبية والفتيات للعب في طقس مديني قل نظيره هذه الأيام، أو مكان لتبادل بريد المحبة بين عاشقين الذي لو تكرر لعُد خرقاً نسقياً في وقتنا الحاضر، لا على طبيعة السلوك الإنساني الحياتي حسب، بل خرقاً لسلطة العالم الافتراضي الذي همَّش العواطف ودرجها ضمن منظومة افتراض الاحاسيس.

وبتقادم الزمن نلمح أفول بريق انساق المدينة الثقافية، لتقويض فعل الناس حياتياً، لينتج لنا خطاباً مدينياً مرتبكاً، كون مدينة العمارة اكتفت في تلقي الانساق الواردة إليها من دون فلترتها والتحقق من مدى تماشيها مع انساقها الشعبية التي شكلت خصوصيتها الاجتماعية وهويتها الثقافية، لتتشكل علامة الاغتراب المكاني، من خلال معمار البيوت المغاير للنسق الأصل، او واجهات المباني الهجينة، بعدما كانت مسيسة الصلة بثقافة المدينة.

نجد شاهدا حيا في زمننا الحاضر، إذ ان المستشفى الملكي/ الانكليزي آنذاك، وعلى الرغم من خلفيات المُنشِئ الغربي له، لكنه أُنشِئ برؤية الموّجه المعماري المديني بحسب طرازها المعماري، اي بذات خصائص المعمار المعبر عن هوية المجتمع العماري، على العكس تماما مما يبدو لمتلقي نص المدينة في وقتنا الحاضر حينما يقرأه، يتجلى له تداخل الطراز الصيني والتركي مع الطراز الأصل، في تشويه للنص الاصلي.

ومع ما تقدم لا نلمس فعلاً على ارض الواقع، يُمكننا ان نطلق عليه السلوك الإنساني لمجتمع العمارة قادرٌ على انتاج نسق ثقافي يعبر عن ثقافة المدينة الشعبية، لغياب الوعي الجمعي، لموروثها، ليعيش انسان الزمن الحاضر اغتراباً مكانياً، لتهجين طراز معمار مدينته بآخر لا يمت بقريب او بعيد لا نساقها الثقافية، فلا غرابة لو لم يدرك الجيل الحالي ثقافة ناس مدينة العمارة، فلا تواصل مع رؤى الاجداد، الذين دأبوا على انتاج ثقافة تعتمد الالفة في التعامل، او ادراك اهمية التحاور حتى، ويبقى السؤال: لماذا ننتج ثقافة القطيعة مع انفسنا وأهلنا، مع اننا ورثة من عمدوا الى خلق ثقافة الامتداد الانساني، بذات خيط حرير الالفة ورهافة السلوك النبيل في تقبل الآخر، بوصفه امتداداً لحضوره الإنساني، لا بوصفه الآخر الضد، في حرص على استدعاءٍ لألفة زمن يندرُ تكراره.

 

رحيم زاير الغانم

 

735 انجيل الطفولةيُعدّ أبرز إنجاز لمدرسة النّقد الإنجيلي الحديث، التي انطلقت مع ريتشارد سيمون (1638-1712م)، وهـرمان صامويل ريماروس (1694-1768)، ويوهان دافيد ميخائيليس (1717-1791)، كشْف الإسهام البشري في صياغة الأناجيل والرسائل ونزْع الطابع القداسي الوهمي عنهما. ولكن ينبغي أن نعي أن ما أثبته العلماء، عبر التمحيص والتدقيق والمراجعة، ليس ما تقرّ به الكنيسة، وهو ما خلّف تضاربا بين المنظور العلمي والمنظور الكنسي. كتاب "إنجيل الطفولة السرياني" الذي نتناوله بالعرض، والذي يُرجَّح أن أصله يعود إلى القرنين السادس والسابع، نسخته المعروفة هي النسخة العربية المنقولة عن أصول سريانية دُوِّنت في أواخر القرن الثاني عشر، وقد تم اكتشافها خلال العام 1967 من قِبل المستشرق الألماني هنري سيك. لذلك عادة ما يسمى هذا الإنجيل بـ"إنجيل الطفولة السرياني" أو "إنجيل الطفولة العربي". الكتاب الذي يعالج هذا السفر يتناول مسألة إشكالية في الدراسات النقدية الإنجيلية، تتمثل في دواعي إضفاء المشروعية على بعض الأسفار وسحبها من غيرها. حيث يعيدنا الكتاب الصادر بالإيطالية خلال العام المنقضي، مع صغر حجمه، إلى اللحظات التأسيسية المبكرة في الدين المسيحي، وإلى الأوضاع الحرجة بشأن مزاعم اكتمال سلسلة الأسفار المكونة للعهد الجديد وعددها الحالي 27 سِفرا، والمروَّجة من قِبل مجامع الكنيسة وبابواتها. فهل الأسفار المعتمَدة اليوم هي بالفعل متضمِّنة لتعاليم المسيح (عليه السلام) أم هي رواية من جملة روايات عدة أملتها خيارات لاهوتية ودواع ثقافية وإملاءات سياسية؟

يتوزع المؤلَّف الإيطالي الذي أعده جوفاني سانتامبروجيو على قسمين: القسم الأول يعرض فيه رأيه في الكتابات "الأبوكريفية /المنحولة" والثاني يتناول فيه فحوى إنجيل الطفولة من حيث مدى توافقه مع الأناجيل السائدة أو تعارضه. وفي القسم الأول الذي يحوز الجانب الأكبر من الكتاب يستعيد جوفاني سانتامبروجيو نقاطا رئيسة في تشكّل الديانة المسيحية، فالإنجيل الذي أتى به المسيح (ع) لم يُدوَّن في عهده، وقد شهد كغيره من الأسفار المقدسة السالفة رحلةً شفويةً ليست بالقصيرة، مثّلت المعين للأناجيل الأربعة السائدة (متى ومرقس ولوقا ويوحنا) فضلا عمّا نُسب لمن أُطلق عليهم الرّسل من أعمال ورسائل، وإن لم يرَ أصحابها المسيح (ع) ولم يجايلوه. وبين رحيل النبيّ وتدوين نصّه متّسَع من الزمن، قد يطول ويقصر بحسب الظروف. إذ يذهب الدارسون إلى أن إنجيل مرقس قد دُوِّن بين عامي 65 و 70 م، وإنجيل متّى ما بين 70 و 80 م، وإنجيل لوقا بين 80 و 85، أما إنجيل يوحنّا فقد تم الفراغ من تدوينه حوالي سنة 100 م.

ما يُثبِت أن التدوين قد انطلق مع الجيلين الثاني والثالث من أتباع المسيح، ولا وجود لشهود عيان بين من كتبوا الأناجيل الشائعة اليوم، كما أن كتبتَها لا يرتقون إلى درجة الحواريين ولا إلى مصاف الأتباع، وأقصى ما يمكن نعتهم به أتباع التابعين. في ظرف بدا فيه التحول بالنص المقدس من الشّفوي إلى المدوّن تعبيرا عن مسعى للتحوّل من مشاعية الإرث الكتابي إلى توكيل صفوة بأمره، تحتكر رمزيته. وقد خلّف ذلك المسار، من الشفوي إلى المدوّن، تراثا إنجيلياً متنوعا عُرف بالأدب الإنجيلي: قسْمٌ فيه حظي بـ"صفة القانونية"، أي المشروعية، وقسمٌ وُسم بـ"سمة الانتحال" أي الوضع، خضعت فيهما عملية التصنيف إلى عوامل عقدية وثقافية وإيديولوجية متداخلة. وللتوضيح عبارة "المنحولة" هي اللفظة العربية المستعمَلة مقابل اللفظة اللاتينية "أبوكريفية" (apokryphos) في نعت الأسفار غير المعترف بها، والتي تعني في الأصل "المخفية" وليس "المنتحَلة" أو "المنحولة". إذ عادة ما حامت ثلاثة شكوك حول هذا الصنف من الأدب: الجهل بالمؤلف والجهل بتاريخ التدوين والجهل بمكان التدوين.

يبيّن مُعدّ الكتاب جوفاني سانتامبروجيو أن جذور أزمة "القانوني" و"المنتحَل"، أو إضفاء المشروعية من عدمها، هي عائدة بالأساس إلى تأخر التدوين. فكان من الطبيعي أن يتداخل الإلهي بالبشري في الذاكرة الجماعية، وأن تتمازج الأخيولة والأمثولة والأرجوزة بالمأثور النبويّ والوحي الإلهي. وقد وصف إسرائيل ولفنسون (أبو ذؤيب) هذه الحالة التي ألمّت بالعهدين، القديم والجديد، قائلا: كانت العقلية السّامية منذ سالف أزمنتها تميل إلى قول الحِكم وإرسال الأمثال، لأنها تمتاز في كلّ أطوارها بالذّكاء والفطنة. وقد كانت هذه الحِكم تجري بين طبقات الشّعب وتنتقل بين أفراده يسمعها الصغير من الكبير، ويتعلّمها الأبناء من أفواه الآباء، إلى أن جُمع عدد وافر منها في الأسفار المقدسة. (تاريخ اللّغات السامية، 1929)

من جانب آخر يستعرض جوفاني سانتامبروجيو الأسفار "المنحولة"، مثل الإنجيل بحسب العبرانيين، وإنجيل المصريين، وإنجيل بطرس، وإنجيل مرقيون، وإنجيل توما، وإنجيل الطفولة لتوما، وقصة يوسف النجار، وإنجيل برنابا، ناهيك عن أسفار أخرى مثل أعمال بطرس، وأعمال أندراوس، وأعمال توما، وإنجيل الطفولة العربي، مبرزا مدى قربها من مضامين الأناجيل "القانونية" التي حظيت بقبول المؤسسة الدينية. ولمتسائل أن يسأل ما السر وراء هذه الكثرة في الأسفار المقدسة قبل أن ينزل قرار الفرز؟

البيّن أن تقليد الكتابة الروحية خلال القرون المسيحية الأولى قد شاع في فلسطين وما جاورها، وقد تميّز بطابع تعليمي عرفاني ما زال البحث التاريخي الراهن يميط اللثام عن خباياه من حين إلى آخر، أبرز ذلك اكتشاف 52 مخطوطة محفوظة في جرار، خلال العام 1945، في نجع حمادي بمصر، ضمّت وثائق تعود إلى بداية القرن الرابع الميلادي، من بينها إنجيل توما وإنجيل فيليبس. وكذلك اكتشاف لفائف البحر الميت التي تعود إلى الحقبة المتراوحة بين القرن الثاني قبل الميلاد ومنتصف القرن الأول الميلادي، فضلا عن الإنجيل المنسوب للحواري يهوذا سمعان الإسخريوطي (خائن المسيح كما يُعرف في الأوساط المسيحية) المكتشَف أخيرا وقد عُثر عليه شظايا ببني مزار بالمنيا بمصر عام 1970، تولى دراستها فريق مكون من تيم جول وماس سبيكترو وستيفن إيـمِل. حيث يشير تحليل البرديات المدوّن عليها بلغة قبطية أخميمية وبأحرف لاتينية، أن تاريخ التدوين يتراوح بين 220 و 340 م.

وعلى العموم يأتي ذلك التواري للأسفار المنعوتة بالمنحولة ضمن حملة إخفاء منظَّمة من الساهرين على الجماعة المسيحية الناشئة، أو جراء قسوة المطاردة الرومانية لأتباع المسيح، وما صاحبَها من تستر وتقيّة. فقد كانت حقبة القرون الأولى حرجة على أتباع السيد المسيح، إلى حدّ أنها عُرفت في التاريخ المسيحي بـ"عصر الشهداء".

يبيّن جوفاني سانتامبروجيو أن تعاليم المسيح في مرحلة الكنيسة البدئية كانت تراثا شائعا بين الجميع، وإنجيل الطفولة إحداها، إلى أن بادر رهط بتدوين تلك المأثورات كلّ حسب هواه، تحت مسوغات التبشير والتعليم، فكانت بمثابة المدونات الشخصية. وما كان لأيّ من هؤلاء المدوِّنين أن يدّعي فرادة نصه أو أصالة جمعه بما يفوق غيره؛ لكن هذا الوضع ما كان ليُرضي كوكبة المتنفّذين لاسيما مع بوادر تشكّلِ المؤسسة التي ترعى الدين وتصون الإيمان، وكان لابد من إقرار أسفار معتمَدة بين الجماعة الأولى.

يُبرِز مؤلف الكتاب ألاّ فرق، من منظور تاريخي أدبي، بين نصوص العهد الجديد القانونية والنصوص الأبوكريفية، ولكن ما يميز النوعين أن صنفا "غدا مقبولا" وآخر "غدا مرفوضا" بموجب أجواء التلقي التي أحاطت بالنصوص داخل المؤسسة بعد أن هجرت الجماعة المسيحية الأولى وضع النحلة إلى وضع الكنيسة، التي باتت تضفي الشرعية على النص أو تنزعها عنه وذلك منذ فجر القرن الثاني للميلاد. ففي الوقت الذي مثّلت فيه النصوص الشرعية السند للتعليم والتربية المسيحيين لم تحظ الثانية المستبعدة بذلك، وبقيت خارج المدوَّنة التعليمية المعتمَدة.

فمنذ البدء، أدرك آباء الكنيسة خطورة تعدّد الأناجيل، ممّا أملى محاولات للخروج من المأزق، طورا بإضفاء صدقية على بعض النصوص ونزعها عن غيرها، وآخر بمحاولة صياغة أسفار موحَّدة مستخلَصة من النصوص الحائزة على شرعية، كالذي قام به السوري ططيانس حوالي العام 175 م، مع ما عُرف بسفر الدياتسرون -Diatessaron-، أي "الرباعية"، بحسب المدلول الأصلي للكلمة، وهو أول ملخص قَدّم فيه صاحبه الأناجيل الأربعة (متى ومرقس ولوقا ويوحنا) ضمن رواية جامعة غير مجزأة. فمنذ تحول الإنجيل إلى أناجيل، وما رافقه من تقلّص آمال العثور على إنجيل المسيح الحقيقي الكامن خلف الأناجيل، دخلت المسيحية في مأزق، بشأن مشروعية النص المقدّس وصدقيته، فأي الأسفار يحوز تلك الأصالة؟

فكما يورد الكتاب يُنسب إلى البابا جلاسيوس (القرن الخامس) ضبط قائمة الـ59 عنوانا التي أمر بتجنّبها بوصفها نصوص هرطقة. مع ذلك  بقيت تلك النصوص متداوَلة بين شرائح واسعة لما تلبّيه من شغف لدى الناس. كما يُنسب لمايكل نيادر سورافينانسيس أول تجميع للأعمال الأبوكريفية في بازل (سنة 1564)، تبعته محاولة أخرى أكثر انتظاما ليوهان ألبار فابريسيوس بعنوان: "Codex apocryphus Novi Testamenti". والمتمعن في مختلف الأناجيل، "القانونية" منها و"المنحولة"، يلحظ تمحورها في مضامينها حول شخص المسيح (ع)، لذلك تميز جلها بالإجابة عن سؤاليْ من المسيح ومن أين جاء؟ مع ذلك بقيت منطقة ظلّ أو فراغات بارزة في تلك الأناجيل تمتد على مرحلة الطفولة المبكرة لعيسى (ع)، كان إنجيل الطفولة أبرز المنشغلين بها، حيث تدور أحداث الإصحاحات الأولى في هذا الإنجيل حول المغارة لتتحول الإصحاحات اللاحقة إلى كشف للقدرات الخارقة للمسيح وهو في المهد. كما نلحظ تركيزا في النص على سيكولوجية العذراء مبرزا مدوِّن السفر السمو الروحي لمريم، ولعل ذلك ما مهّد للانحراف نحو ما يعرف بالطقس المريمي في المسيحية الراهنة. فضلا عن أن الأناجيل الأبوكريفية تفوق القانونية في توضيح بعض النقاط الغامضة أو الواردة في القانونية مقتضبة. كما ساهمت الأبوكريفية، وإنجيل الطفولة السرياني إحداها، في ترسيخ معتقدات على غرار طقس عبادة العذراء مريم، منذ القرن الخامس الميلادي، في حين لم تقر الكنيسة الكاثوليكية ذلك سوى مع العام 1950.

استقرّ الحال في الرواية الكنسية الرائجة على الاعتقاد أن العهد الجديد وما تضمنه من أناجيل ورسائل، كتبها الله عبر كتبة بشر. لذلك يسود اعتقاد أن النص مشترك البناء، بين ملهَم إلهي ومحرَّر بشري، توسط بينهما الروح القدس، صاغه المدوِّن بأسلوبه ولغته وتعبيره. وقلَّ من المسيحيين من يعتقد أن النص موحى مبنى ومعنى، إلا بعض النِّحل الأصولية البروتستانتية المغالية في أمريكا. فقد صار ذلك من الخرافات التي لا يصدقها طالب مبتدئ في الدراسات الدينية المقارنة.

كان القديس أوغسطين (354-430 م) قد أشار في مؤلفه: " De consensu evangelistarum" (400 م)، إلى أن صياغة الأناجيل تعكس في مجملها ذكريات عامة، أكثر من كونها نظاما تاريخيا متناسقا وصارما، وأنّ أقوال المسيح ليست منقولة حرفيا دائما، بل صيغت بعناية لحفظ المعنى لا غير. وما تعود إليه الكنيسة اليوم من نص مقدس، فهو ترجمة يونانية أُثبِتت قانونيتها بعد مداولات جرت عقب المئوية الثالثة بعد الميلاد، وأن الترجمات الحديثة المتداوَلة بين الناس متحدرة من النص اليوناني وليس لها صلة بلسان المسيح وكلامه.

صحيح أن العهد الجديد هو مدوّنَة من جملة مدونات إنجيلية عديدة، مرّ بعديد التطورات تعلقت بمتنه، ولم يرس على شكل قار سوى في مجمع ترنت 1545 م، حيث حدّدت الكنيسة الكاثوليكية جردا نهائيا للكتب المقبولة من المرفوضة وأطلقت عليها اسم القانونية. لكن اليوم تحوم ريبة حول مقول المؤسسة وما أقرته، ومن هذا الباب جاء رد الاعتبار للمهمَّش، وجدَ دافعا في النزوع إلى ما هو غرائبي والميل إلى ما هو غنوصي. وأكثر ما يقلق "الأرثوذكسية" التي دعمت النص المشروع، هو عودة ما طمسته الرقابة وإثارة تساؤلات حول النصوص القانونية، من حيث روايتها للحدث المسيحي المبكر. فقد كان الغنوصيون والنِّحليون معروفين فقط من روايات خصومهم، ولكن بعد اكتشافات مدونات نجع حمادي، ولفائف البحر الميت، ووثائق المنيا، بدأت المسائل تُطرَح بشكل مغاير.

في خضم الجدل المتجدد في المسيحية بشأن "القانوني" و"المنحول"، يبقى الغائب الأبرز في تاريخ التدوين الكتابي هو إنجيل المسيح (ع).

نبذة عن معدّ الكتاب: جوفاني سانتامبروجيو هو كاتب وأستاذ جامعي إيطالي. أصدر مجموعة من الأعمال حول الفن المسيحي والأيقونات، منها: "بهجة الفصح"، "صورٌ مقدسة"، "الجنة والجحيم".

 

الكتاب: إنجيل الطفولة العربي.

إعداد: جوفاني سانتامبروجيو.

الناشر: منشورات مارييتي (جنوة-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2019.

عدد الصفحات: 78ص.

 

د. عزالدين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما

 

رحيم زاير الغانمان قراءة لكتاب (الإشكالية الثقافية- لخطاب ما بعد الكولونيالية) للدكتور محمد كريم الساعدي، تجعلنا في مواجهة الرؤى الغربية ممثلة بالاستشراق الأمريكي والمؤسسة الغربية، التي جاءت كردة فعل اتجاه الخطاب الثقافي الكولونيالي، كي تتمكن من إكمال المشروع عبر طرح نظريات ثلاث، عن المفهوم الكونيالي الجديد، (نظرية صِدام الحضارات، نظرية الفوضى الخلاقة، نظرية أحجار الدومينو)، موظفة إياها ضد الآخر الشرقي، خصوصا في المنطقة العربية، وتأتي أهمية القراءة هذه لما يطرحه الكتاب من جدلية الضد الثقافي لأفعال الكولونيالية الجديدة، جدلية تتناسب والمرحلة الحالية أو ما سبقها من مراحل، فالمشروع أثيري لامتلاكه مواصفة الجذر التاريخي، وهذا ما جعل الغرب يتنبه لعبثية الحرب العالمية الأولى والثانية والحرب الباردة، فهي لا ترتقي لصِدام الحضارات، ماداموا من جذر ديني واجتماعي ويحملون نفس الموروث، الذي يميزهم كأمة، ان نظرة فاحصة لرؤية الغرب/ الأمريكان، عن الحضارات الستة، (الغربية، الصينية، اليابانية، الهندية، الإسلامية، الإفريقية) نجد الغرب وضع الحضارة الإسلامية ومركزها العالم العربي طرفا في كل صراع مع الحضارات الأخرى، وبات من السهولة على المتتبع الوقوف على الإجراء الغربي، وكيف تمكن من توحيد صفوفه داخلياً كأمة غربية/ حضارة غربية، ورصَّ صفوف الحضارات الأربعة الأخرى لصفه، في عزل تام للحضارة الإسلامية، وعدها الحلقة الأضعف بحيث يمكنه تنفيذ مشاريعه المريبة عليها، متخذاً من مشروع (الشرق الأوسط الجديد) شماعة أو عصا للترويض كلما أحسَّ بتنامي دورها الريادي، من اجل تحقيق النهوض مستعينة بقدراتها البشرية وثرواتها الطبيعية، مما تقدم نكتشف خطورة المشروع الاقصائي الذي يتعرض له العالم العربي في عصرنا الحديث، على اعتبار أنَّه، يعدُّ صاحب التوجه الأخطر من بين توجهات حضارات الأمم الأخرى، لذا يجب العمل على عزله وإجهاض فرصه في الخروج من دائرة الصراع التي قدرها الغرب له، متخذين من تاريخهم الطويل مع الحضارة الإسلامية/ العالم العربي، من حروب صليبية رهانا أوحدا، لاستدرار مشاعر أكبر قدر من المؤيدين، على الرغم من أن الغرب عمل على ترسيخ الديمقراطية في شتى المجالات المؤسساتية الرسمية وغير الرسمية، كالانتقال السلمي للسلطة والدعوة لحياة حرة كريمة والدعوة لاحترام حقوق الإنسان، وتقبل الأخر، بغض النظر عن الجنس والعرق والنوع،  لكنه ظل يفكر بنفس الروحية القديمة، التي تتعكز على الدين أو على وتر الاثنيات المقيتة والخطر الداهم، وهذا ما شاب خطاب الساسة الأمريكان وقتنا الحاضر، على اعتبار أنهم شعب الله المختار وان عليهم مسؤولية تسيير أمور هذه الأمم، لافتقادها الرؤية والوجهة الصحيحة، معتقدين أن هذه الأمم لا تحتكم إلى العقل بل أنها تركن إلى الأساطير والخرافات لو فرضت عليها التحديات العمل الجاد، وعدم الركون إلى العقل، مهما تتفاقم المشكلات وتتوالى الخطوب، لذا نجد الغرب يعمل على تشويه صورة الحضارة الإسلامية/ العالم العربي، إمام الرأي العام الغربي/ الأمريكي، لا تردعه النتائج التي تحيق بالعالم العربي كوجود، مادام الهدف منه إدامة الصراع، تماشيا مع المشروع الغربي، في تغييب بيِّن لمشروع تواصل الحضارات، الذي يبدو شعارات للاستهلاك المحلي لا أكثر، يسقط عند حدود المصلحة الضَّيقة.

يعمد الساسة الأمريكان والمؤسسة الغربية، من أجل تحقيق المشروع إلى خلق أجواء ملائمة، لتأتي الخطوة الثانية، (نظرية الفوضى الخلاقة)، وهي نظرية تقوم على ثنائية الهدم والبناء، تهديم أسس الدولة والعمل على فقدان الهوية الثقافية واستشراء التخلف والجهل يصاحبه تنامي الفئوية والانتماءات الفرعية (القبيلة، الحزبية، الطائفة)، هذا ما تم تطبيقه في ، (العراق وسوريا وليبيا واليمن)، وقد نجد في العراق يد الأمريكان هي من عبثت بشكل مباشر، أما في سوريا وليبيا واليمن، كانت يدٌ الشعب من غيرت على الأرض ظاهراً، لكننا استشعرنا بعد حين يداً -إقليمية وعربية-، هي من قامت بدور البديل في تبني ما سُمي، (الربيع العربي)، قد لا نختلف على ضرورة التغيير، والكلّ مجمع على تحقيقه، وبحسب متطلبات المرحلة، لكن المشروع الغربي أتى بخلاف التوجهات،  لتنهار مجتمعات تلك الدول بعدما، أعلن المشروع عن وجهه التقسيمي، عندما أتاح الفرصة لخلق الفوضى التي أتت على وحدة تلك الدول وسيادتها وأمنها الداخلي، أن الإجراء الذي نفذته قوى التغيير الثورية كما تدعي،  تحول إلى مشروع يحمل بمضمونه سمة، (الفوضى الخلاقة)، مفضيا عن ملمحٍ  تدميري لبنى الدول المؤسساتية وطمس الهوية الثقافية لتلك البلدان، غير آبهة لعمقها التاريخي، حتى أننا نرصد تعاقبا للهدم من دون أن يأتي دورُ البناء، وهذا عائد لانفلات المشروع / الفوضوي/ غير المكترث، من ناحية ،وغير المنتمي لهذه الحضارة الإسلامية/ العالم العربي، من ناحية ثانية.

ممَّا تقدم نجد النظريتين تكرسان للفشل سواء على مستوى الصراع أو الفوضى، وهذا بالضبط ما شهده العراق من توالي الأزمات، على الرغم من كون الأمريكان راهنوا على النموذج العراقي في إحداث التغيير كونه المثال الذي يحتذى به ديمقراطيا، والإعلان عن دولة المؤسسات والحريات، لكن ما جرى في العراق من اقتتال داخلي، قد أخر هزة التغيير الارتدادية لفترة من الزمن، لكنها وصلت أخيرا، ليكتمل السيناريو المعد سلفا بتحقيق الإجراء، مستعيناً بالنظرية الثالثة، (أحجار الدومينو)، ليتهاوى النظام الجمهوري القائم في تونس تلته مصر وليبيا واليمن، جاعلين من نظرية أحجار الدومينو، القدرة على التغافل عن ممالك  موغلة في التهالك، إلا أن أحجارا من نوع أخر قد تجد الطريق سالكا لها بعيدا عن سلطة المشروع الغربي، وما لهذا من إشارة واضحة، ان المشروع الغربي، تحقق بمعونة داخلية.

 لذا من البديهي طرح أسئلة ملحة تحمل في طياتها جدلية الضد الثقافي في مواجهة الخطاب الكولونيالي: كيف يمكننا مواجهة هكذا مشروع كأمة عراقية أو حتى كعالم عربي من دون امتلاك مقومات المشروع الضد؟ وأن تمكنا من تبني ثقافة الدفاع عن محيطنا العربي متخذين من حضارتنا الإسلامية معينا على ذلك، هل نقف عند مستوى الدفاع؟ أم أننا نعمد إلى تأسيس مشروع يحمل صفة المبادأة؟ ،من أجل تقويض بُنى الحضارة الغربية ومن يرفع لوائها من ساسة ومفكرين غربيين و أمريكان، وهل أن المشروع العربي يحمل نفس المواصفة الغربية ذات التوجه الواحد، على الرغم ممَّا حلَّ بالعالم العربي من فقدان الثقة بين مختلف الأطراف، أم أنه يأتي بإبعاد ومفاهيم ورؤى الحضارة الإسلامية وأخلاقية الموروث العربي؟ فما كرس له الغرب من مشروع (الصراع والهدم)، أضحى مشروعا لا يعمل على الإطاحة بالأنظمة فحسب، بل أنّه يستهدف الهوية والدين والعادات والتقاليد واللغة ويحرص على هدم معالم الأمم وشواخصها التاريخية، ظناً منه بمسخ الشعوب، كي يتمكن من تطبيق مشروعه (العالم الجديد)، القاضي بتحويل الدول تابع للأصل الأمريكي معتمدا في ذلك على الأنموذج العراقي، متغافلاً عن الأزمة الكونية التي يمكن أن تنتجها هكذا مشاريع فوضوية!

 

رحيم زاير الغانم

 

معمر حبارراسلت زميلنا الشّاعر الأنيق محمد حراث صباح اليوم عبر الخاص قائلا: "السّلام عليكم..هدية الصباح.. سأذهب صباح اليوم لمكتبة "خياطي" لأشتري خصّيصا الكتاب الثاني لزميلنا الشّاعر الأنيق محمّد حراث..". فأجاب قائلا: " ويبقى الأستاذ معمر من الحائز على المقاعد الأمامية لقلبي. ننتظر نقدك".

اتّجهت بعدها مباشرة واشتريت كتاب: "في غيابات الحب"، دار خيال، برج بوعريرج، الجزائر، الطبعة الأولى، السداسي الأوّل 2019، من 70 صفحة، فكانت هذه القراءة:

أوّلا: محتوى الكتاب

1- الظروف التي تعيشها الجزائر من حيث غليان الشّارع لم تقف حاجزا أمام قراءة الكتاب، والسّباحة عبر شواطئه، والغوص في أعماقه. والقارئ المتتبّع يقرأ في كلّ الظروف ويكتب في كلّ الظروف، ولا يقف أمامه ظرف.

2- قرأت الكتاب على السّاعة 10 و35 دقيقة، وأنهيت قراءته على السّاعة 12 و 49 دقيقة، ولم أبرح مكاني حتّى أنهيت قراءة الكتاب.

3- جاءت مقدّمة الشّاعر على شكل رسالة للقرّاء، وأعترف أنّي لأوّل مرّة أقرأ مقدمة على شكل رسالة موجّهة للقارئ حين ذكر فيها: "فالسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته". وتحدّث في مقدّمته عن علاقة المرأة بالشعر في صفحة 5، وأصناف المرأة كأن تكون "الوطن، وربما تكون الخيبة، وربّما الحياة"، ثمّ راح يقسّم الأنثى إلى صور عديدة، والشعر "يصف لنا برقّته، تفاصيل المعادلة بين الرّجل ورفيقته الدّائمة".

4- القصيدة الأولى بعنوان: "أحببتك عبر البشرية"، وعبر صفحات 6-8. والقصيدة الثانية بعنوان: "لا تعبثي بالحبّ"، وعبر صفحات 9 -11، يعتبران بحقّ مقياسا للقصائد الأخرى من حيث القوّة، والفصاحة، والبلاغة، والصّلابة، والموسيقى، والكلمات المختارة، والموضوع المثير.

5- علّقت على هامش قصيدة "قمر يجالسني" وعبر صفحات 19 – 23، قائلا: " أشعر أنّها ليست بنفس قوّة القصيدة الأولى والثّانية". وعلّقت على هامش قصيدة " حين وقفت أمامها" صفحة 26، قائلا: "جميل، مثل القصيدة الأولى والثّانية من حيث القوّة والصّلابة".

6- استطاع الشّاعر محمد حراث أن يصف المرأة من حيث المظهر الخارجي وعمقها الداخلي بكلمات قوية حينا، وجميلة حينا آخر، لكنّها في غاية المتعة والأدب.

7- خاتمة قصيدة "أنفة لقاء" صفحتي 29 – 30، كانت في غاية الإبداع حين قال: " فلا عاش الفؤاد ليوم هجر.. ولا سارت بأوردتي دمائي".

8- وجاء في البيت الأخير من قصيدة "هديّة القدر" صفحة 32: " بشراك إنّ لك في القلب مملكة .. ودولة خضعت طوعا وما عصت ".

9- لم أفهم استخدام الشّاعر كلمة "وآمرها" في قصيدة "ما أحلانا أنا وأنت" صفحتي 33 – 34، وهو يتحدّث عن محبوبته. وكان باستطاعته أن يختار كلمة أرقّ وألطف تناسب الرقيقة التي يتحدّث عنها.

10- أبدع الشّاعر في البيت الأوّل من قصيدته "تراتيل الوداع" صفحتي 35- 36، حين قال: " تشجّع أيّها القلم الخجول.. وخبّرها بحبّ لا يزول". عجبت للشاعر وهو يصف حبّه بـ "هدية شاعر أضناه طول"، وهو الذي قال من قبل: "طوينا من ليالي الأنس عاما". هل مدّة عام توصف بالطول؟.

11- أحسن في قصيدة "اختيار" 39 – 42، حين قال: " وكنت لدى الشّدائد لا ألين .. وأمّا عندها فأقول مالي ". وأبدع حين قال: " أقول: هواك صيّرني حديدا.. فزيدي واضربي فلك امتثالي".

12- أعتقد أنّ الشّاعر لم يوفّق في اختيار أغلب عناوين قصائده، فهي إلى النثر أقرب، وفيها بعض الغلظة لا تناسب المواضيع الرقيقة التي تطرّق إليها، كعنوانه: "أنفة لقاء" صفحتي 29 30، وهل الأنفة مع الحبيب !. و "سيّدة الأخلاق" صفحتي 43 - 44. و "شهادة وإخلاص" صفحات 49 51. و "في حضرة ..." صفحات 52 – 55.

13- أبدع الشّاعر في قصيدة "في حضرة قاسية الفؤاد" صفحات 52 – 55، قال: " ولقد صبرت على المآسي جلّها .. إلاّ فراقك وحده أبكاني ".

14- استعمل الشّاعر كلمة عامية أجنبية وهي "شيفراته عقدت والقفل ما علما" في صفحة 58، دون أن يضعها بين قوسين أو شولتين لتظهر أنّها أجنبية، وهو الأديب الفصيح البليغ، الذي لا يحقّ لي أن أقول له: كان عليك أن تستعمل كلمة "رموزه" و "أسراره" مثلا.

15- استعمل الشّاعر عبر قصائد عدّة كلمات: قديستي، و كنيسة، و "حانة العشق"، وصلب، وهو يتحدّث عن محبوبته وتشبّثه بها. وأكتفي بالنقل دون التعليق.

16- عبارة الشّاعر: "لكنّها نطقت كأنّها صعقت"، عبر قصيدته: " أمل و قدر" وصفحات 60 – 66، كانت في غاية الجمال.

17- ثانيا: بكاء القارىء المتتبّع: يعترف صاحب الأسطر أنّه بكى وهو يتمتّع بالسّطور الأخيرة التي وردت في صفحة 65، وارتفع بكاؤه وهو يواصل المتعة عبر صفحة 66. وكانت قصيدة " بكاء و أمل" في غاية الجلال والجمال. وأجدني ودون شعور منّي أردّد مع الشّاعر قوله: "فالدّمع ذو صدق إذا ما اغرورقا" عبر قصيدته " ساديّة الهوى" صفحتي 14 – 15.

18- ثالثا: خاتمة الشّاعر: خاطب الشّاعر القارىء عبر صفحة 69، في آخر صفحة من كتابه، قائلا: " فقراءة بمعروف .. أو طيّ بإحسان". ويتمنى صاحب الأسطر أن يكون ممن قرأ بمعروف، ونقل بمعروف، وأعجب بمعروف، وانتقد بمعروف.

19- رابعا: نصيحتي لشاعرنا الأنيق محمد حراث: إن استطعت أن تكون أفضل مما كنت عليه في " في غيابات الحب"، فافعل ولا تتردّد، وأعلم أنّك المتمكّن وستزيدك الأيام رسوخا وعلوا. وإذا لم تستطع فلا تنزل عن مستوى " في غيابات الحب"، فإنّ لك في أعناق القرّاء والنّقاد أمانة وعهدا، وقد ألفوك في علياك فلا يحقّ لك أن تنزل عمّا أنت عليه الآن.

20- خامسا جمال طبعة دار خيال: من الاعتراف بالفضل القول أنّ الكتاب جاء في ثوب جميل بفضل ما قامت به دار خيال ببرج بوعريرج، الجزائر، من حيث جودة الورق، وسلامة الخطّ و وضوحه، والتوزيع الجيّد للقصائد وكذا الأبيات، وخلو الطبعة من الأخطاء المطبعية. هنيئا لدار النشر خيال على الإنجاز المحكم، متمنين للقائمين على الدار كلّ السّداد والتّوفيق في الطبعات القادمة، والمشاريع الآتية.

 الثلاثاء 28 جمادى الثانية 1440 هـ الموافق لـ 5 مارس 2019

الشاعر محمد حراث .. ديوانه غيابات الحب – معمر حبار

راسلت زميلنا الشّاعر الأنيق محمد حراث صباح اليوم عبر الخاص قائلا: "السّلام عليكم..هدية الصباح.. سأذهب صباح اليوم لمكتبة "خياطي" لأشتري خصّيصا الكتاب الثاني لزميلنا الشّاعر الأنيق محمّد حراث..". فأجاب قائلا: " ويبقى الأستاذ معمر من الحائز على المقاعد الأمامية لقلبي. ننتظر نقدك".

اتّجهت بعدها مباشرة واشتريت كتاب: "في غيابات الحب"، دار خيال، برج بوعريرج، الجزائر، الطبعة الأولى، السداسي الأوّل 2019، من 70 صفحة، فكانت هذه القراءة:

أوّلا: محتوى الكتاب

1-  الظروف التي تعيشها الجزائر من حيث غليان الشّارع لم تقف حاجزا أمام قراءة الكتاب، والسّباحة عبر شواطئه، والغوص في أعماقه. والقارئ المتتبّع يقرأ في كلّ الظروف ويكتب في كلّ الظروف، ولا يقف أمامه ظرف.

2-  قرأت الكتاب على السّاعة 10 و35 دقيقة، وأنهيت قراءته على السّاعة 12 و 49 دقيقة، ولم أبرح مكاني حتّى أنهيت قراءة الكتاب.

3-  جاءت مقدّمة الشّاعر على شكل رسالة للقرّاء، وأعترف أنّي لأوّل مرّة أقرأ مقدمة على شكل رسالة موجّهة للقارئ حين ذكر فيها: "فالسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته". وتحدّث في مقدّمته عن علاقة المرأة بالشعر في صفحة 5، وأصناف المرأة كأن تكون "الوطن، وربما تكون الخيبة، وربّما الحياة"، ثمّ راح يقسّم الأنثى إلى صور عديدة، والشعر "يصف لنا برقّته، تفاصيل المعادلة بين الرّجل ورفيقته الدّائمة".

4-  القصيدة الأولى بعنوان: "أحببتك عبر البشرية"، وعبر صفحات 6-8. والقصيدة الثانية بعنوان: "لا تعبثي بالحبّ"، وعبر صفحات 9 -11، يعتبران بحقّ مقياسا للقصائد الأخرى من حيث القوّة، والفصاحة، والبلاغة، والصّلابة، والموسيقى، والكلمات المختارة، والموضوع المثير.

5-  علّقت على هامش قصيدة "قمر يجالسني" وعبر صفحات 19 – 23، قائلا: " أشعر أنّها ليست بنفس قوّة القصيدة الأولى والثّانية". وعلّقت على هامش قصيدة " حين وقفت أمامها" صفحة 26، قائلا: "جميل، مثل القصيدة الأولى والثّانية من حيث القوّة والصّلابة".

6-  استطاع الشّاعر محمد حراث أن يصف المرأة من حيث المظهر الخارجي وعمقها الداخلي بكلمات قوية حينا، وجميلة حينا آخر، لكنّها في غاية المتعة والأدب.

7-  خاتمة قصيدة "أنفة لقاء" صفحتي 29 – 30، كانت في غاية الإبداع حين قال: " فلا عاش الفؤاد ليوم هجر.. ولا سارت بأوردتي دمائي"-

8- وجاء في البيت الأخير من قصيدة "هديّة القدر" صفحة 32: " بشراك إنّ لك في القلب مملكة -. ودولة خضعت طوعا وما عصت ".

9- لم أفهم استخدام الشّاعر كلمة "وآمرها" في قصيدة "ما أحلانا أنا وأنت" صفحتي 33 – 34، وهو يتحدّث عن محبوبته. وكان باستطاعته أن يختار كلمة أرقّ وألطف تناسب الرقيقة التي يتحدّث عنها.

10- أبدع الشّاعر في البيت الأوّل من قصيدته "تراتيل الوداع" صفحتي 35- 36، حين قال: " تشجّع أيّها القلم الخجول.. وخبّرها بحبّ لا يزول". عجبت للشاعر وهو يصف حبّه بـ "هدية شاعر أضناه طول"، وهو الذي قال من قبل: "طوينا من ليالي الأنس عاما". هل مدّة عام توصف بالطول؟.

11- أحسن في قصيدة "اختيار" 39 – 42، حين قال: " وكنت لدى الشّدائد لا ألين .. وأمّا عندها فأقول مالي ". وأبدع حين قال: " أقول: هواك صيّرني حديدا.. فزيدي واضربي فلك امتثالي".

12- أعتقد أنّ الشّاعر لم يوفّق في اختيار أغلب عناوين قصائده، فهي إلى النثر أقرب، وفيها بعض الغلظة لا تناسب المواضيع الرقيقة التي تطرّق إليها، كعنوانه: "أنفة لقاء" صفحتي 29 30، وهل الأنفة مع الحبيب !. و "سيّدة الأخلاق" صفحتي 43 - 44. و "شهادة وإخلاص" صفحات 49 51. و "في حضرة ..." صفحات 52 – 55.

13- أبدع الشّاعر في قصيدة "في حضرة قاسية الفؤاد" صفحات 52 – 55، قال: " ولقد صبرت على المآسي جلّها .. إلاّ فراقك وحده أبكاني ".

14- استعمل الشّاعر كلمة عامية أجنبية وهي "شيفراته عقدت والقفل ما علما" في صفحة 58، دون أن يضعها بين قوسين أو شولتين لتظهر أنّها أجنبية، وهو الأديب الفصيح البليغ، الذي لا يحقّ لي أن أقول له: كان عليك أن تستعمل كلمة "رموزه" و "أسراره" مثلا.

15- استعمل الشّاعر عبر قصائد عدّة كلمات: قديستي، و كنيسة، و "حانة العشق"، وصلب، وهو يتحدّث عن محبوبته وتشبّثه بها. وأكتفي بالنقل دون التعليق.

16- عبارة الشّاعر: "لكنّها نطقت كأنّها صعقت"، عبر قصيدته: " أمل و قدر" وصفحات 60 – 66، كانت في غاية الجمال.

17- ثانيا: بكاء القارىء المتتبّع: يعترف صاحب الأسطر أنّه بكى وهو يتمتّع بالسّطور الأخيرة التي وردت في صفحة 65، وارتفع بكاؤه وهو يواصل المتعة عبر صفحة 66. وكانت قصيدة " بكاء و أمل" في غاية الجلال والجمال. وأجدني ودون شعور منّي أردّد مع الشّاعر قوله: "فالدّمع ذو صدق إذا ما اغرورقا" عبر قصيدته " ساديّة الهوى" صفحتي 14 – 15.

18- ثالثا: خاتمة الشّاعر: خاطب الشّاعر القارىء عبر صفحة 69، في آخر صفحة من كتابه، قائلا: " فقراءة بمعروف .. أو طيّ بإحسان". ويتمنى صاحب الأسطر أن يكون ممن قرأ بمعروف، ونقل بمعروف، وأعجب بمعروف، وانتقد بمعروف.

19- رابعا: نصيحتي لشاعرنا الأنيق محمد حراث: إن استطعت أن تكون أفضل مما كنت عليه في " في غيابات الحب"، فافعل ولا تتردّد، وأعلم أنّك المتمكّن وستزيدك الأيام رسوخا وعلوا. وإذا لم تستطع فلا تنزل عن مستوى " في غيابات الحب"، فإنّ لك في أعناق القرّاء والنّقاد أمانة وعهدا، وقد ألفوك في علياك فلا يحقّ لك أن تنزل عمّا أنت عليه الآن.

20- خامسا: جمال طبعة دار خيال: من الاعتراف بالفضل القول أنّ الكتاب جاء في ثوب جميل بفضل ما قامت به دار خيال ببرج بوعريرج، الجزائر، من حيث جودة الورق، وسلامة الخطّ و وضوحه، والتوزيع الجيّد للقصائد وكذا الأبيات، وخلو الطبعة من الأخطاء المطبعية. هنيئا لدار النشر خيال على الإنجاز المحكم، متمنين للقائمين على الدار كلّ السّداد والتّوفيق في الطبعات القادمة، والمشاريع الآتية.

 

معمر حبار - الجزائر

 

 

نضير الخزرجيينبهر المرء عندما يدخل مزرعة ممتدة على طول البصر، حيث يرى الأشجار والأزهار والنباتات وأنواع الفواكه والخضار، وفي نهاية الحصاد تنزع الأشجار لباس الثمار والتربة فراش الخضار لتأخذ طريقها الى السوق وإلى المطابخ والأسمطة وأفواه الآكلين، وربما لو عاد المرء بعد موسم حصاد سيجد التربة نفسها قد زرعت بنوع واحد فقط من الخضار، وفي السنة التالية بنوع آخر من جنس واحد أيضا، وعندما تسأل المالك أو المزارع فيعطيك الغرض من زراعة جنس معين من الخضار بلحاظ سوق العرض والطلب.

فتنوع الحصاد دلالة على تنوع الغرض، فالأرض هي الأرض نفسها ولكن لها أن تعطي الفواكه بأنواعها والخضار بأنواعه، فما تتقبله التربة من سماد يأتي منه الحصاد.

وساحة الأدب النثري والنظمي هو صورة قريبة وربما مشابهة للأرض الزراعية المعطاء وما تنتجه من أنواع الخضار الغناء، وإذا اقتربنا الى حدِّ المماثلة فإن الأدب النثري هو في واقعه أشبه بهذه التربة، فالشاعر هو الشاعر كما أن التربة هي التربة، لكن الشاعر له أنْ ينظم قصيدة رثاء أومدح أو هجاء، فسوق العرض يملي عليه نوع العطاء الشعري، وهو ما يعبر عنه بالغرض الشعري وهو القصد وما انعقدت عليه النية لنظم القصيدة في المعني من ذات روح عاقلة وغير عاقلة أو زرع ونبات وجماد وحصاة، أو في ذوات الحسن والدلال أو الأحجار والاطلال، فمجموع الغرض يعرف في عالم النظم بالأغراض الشعرية، وهو الهدف والمراد، يُستبان من نوع المناسبة التي أنشأ فيها الشاعر وأنشد قصيدته أو من خلال طرق أبواب أبيات القصيدة والتعرف على من وما في الداخل، وبالطبع لا يظهر الغرض من أول بيت، بخاصة في القصيدة القديمة التي اعتمدت الغزل مدخلا لغرض شعري يريده الشاعر نتفهمه بعد أن يجتاز القارئ عتبة الغزل، وإلا فإذا أراد القارئ أو الناقد أن يستبين غرض القصيدة من أبياتها الأولى يفقد البوصلة فهي كلها من الغزل وليس هي بذلك، وهذا الأمر يدركه القارئ العربي الحصيف والناقد الأدبي.

وللشعراء حالات وأجواء يأتي نظمهم للقصيدة من المؤثرات الخارجية وما توحيه المناسبة، ولهذا تتعدد عندهم الأغراض الشعرية وإن كان الناظم واحدا كما هي التربة الخصبة واحدة، وهناك من الشعراء من يكثر من غرض واحد من الشعر نتيجة لظروف بيئية تحيط به ولسنوات طوال تجعل من شراع نظمه وشعره يتجه مع رياح الشاعر وخلجات نفسه الذاتية المتأثرة بالأجواء الموضوعية الخارجية، وهناك من الشعراء من أبدع شعريا فيما نحى فيه من مدح أو هجاء أو غزل أو وصف، ومن الشعراء من جمع الأغراض كلها أو بعضها، ولكن بالعموم فإن كل شاعر ينظم خلال حياته أنواع الأغراض الشعرية وإن اختص بغرض معين ربما لا يدرك الشاعر ذلك وإنما نتبينه من خلال جمع شتات قصائده في ديوان، في حياته أو بعدها، فتبدو لنا لوحة أغراضه الشعرية فنعرف أين زاد من لون هذا الغرض وأين قل.

الأغراض الشعرية وما يتعلق بها يناقشها الأديب المحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي في كتابه الحديث الصادر هذا  العام (2019م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 151 صفحة من القطع الوزيري، مستشهدا لكل غرض بقصيدة من نظمه، قدم للكتاب وعلّقه عليه الأديب العراقي الشاعر حسين محمد البزاز، مع مقدمة الناشر بقلم الأديب اللبناني الشاعر عبد الحسن الدهيني.

تاج الأغراض

عندما يرى الناظر لبستان أو حديقة واسعة في بيئة حارة كالبيئة العربية يجد نخيلا باسقة وتحت أفياء سعفات النخيل تصطف الأشجار بثمارها المتنوعة وعند أقدام النخيل يمتد الخضار بأنواعه، فالكل يتفيأ ظلال النخيل وإن كان لكل شجر ونجم شكله ونوعه، وهذا الوصف قد ينطبق الى حد ما مع الأغراض الشعرية، فالقدماء يعقلونها تحت ظلال الوصف، وبتعبير أبي علي الحسن بن رشيق القيرواني (390- 456هـ): "الشعر إلا أقلّه راجع الى باب الوصف فلا سبيل إلى حصره واستقصائه".

ولا يخفى ما في كلام ابن رشيق من صحة، ويعقب الأديب الكرباسي قائلا: (وفي الحقيقة أنه يمكن القول بأن أغراض الوصف تتنوع على الأقسام التي ذكروها فمثلاً المدح هو وصف الممدوح بما يليق أو لا يليق، والرثاء هو مدح الميت والرثاء إن وقع من النساء النائحات قيل له نواحاً، والغزل وصف جمال المعشوق بقسميه التشبيب والنسيب، وكذا الهجاء فإنه نوع آخر من الوصف السلبي، والحماسة فإنه وصف للمعارك، والفخر وصف للذات والمحتد وما إلى ذلك)، وإذا لفقنا بين قول ابن رشيق وفهم الكرباسي للغرض الشعري يصبح "الوصف" هو حجر الرحى والمحور الأساس للشعر، ولكن الكرباسي يعود ليفيدنا بالقول: (ومع هذا فقد يطلق الوصف كغرض من الأغراض فيما إذا كانَ إخباراً عن حقيقة كالطبيعة والأطلال والحيوان والنبات، وأما إذا لم يكن كذلك بل كان مجازاً أو تمثيلاً فيسمى بالتشبيه، وإن وقع بين الأصدقاء والإخوان سمي بالإخوانيات، أو حمل شكوى الحبيب والصديق قيل له عتاباً، والرد عليه اعتذاراً، وربما حمل السياسة أو الفلسفة أو الزهد أو النصح أو غيرها وعندها وصف بإحداها، وإن كان وصفاً لحرب كان حماسة، وإن كان وصفاً للأهل والعشيرة والذات سمّي فخراً، وإن كان وصفاً للخمر سمّي بالخمريات، وإن كان وصفاً للصيد سمّي بالطرديات، وإن كان وصفاً للمرأة كان غزلاً، فلو تناول الشكوى من فراقها والتشوق إلى لقائها سمي نسيباً، وإن كان وصفاً لجسمها فتركوا اسم الغزل عليها، وربما زادوا عليها التشبيب أيضاً، وإن كان وصفاً لحقيقة حال موافقاً لقانون الكون فحكمة، فالأغراض الشعرية لا تنحصر بما ذكروه ولا تخرج عن كونها وصفاً).

وفي تقديمه على الكتاب وتعليقه يشبّه الشاعر حسين البزاز الوصف بالخليج، وهو وصف جميل، حيث يقول: "وبما إنَّ الوصف هو الخليج الذي تصبُّ فيه كل الروافد الوافدة من الأعلى، فهو المحطة التي تستقبل كل أنواع الأغراض الشعرية... فالأغراض الشعرية الأصلية والرئيسية المألوفة لدى الشعراء في المجتمع العربي هي ذاتها التي نستعملها اليوم في الكتابة الشعرية زائداً ما استُحدثت من أغراض حديثة متنوعة والتركيز عليها بفعل الواقع المعاش".

وبالطبع خضع النظم كغيره إلى التطور والتنوع في أغراضه حسب تطور المدنية والحضارة، فالبيئة الصحراوية لها تطوراتها وكذا البيئة الجبلية، واقتراب حدود القرية من المدينة وامتداداتها لها أثرها على الشعر، وتداخل الشعوب والأمم له أثره الفاعل، وتطور وسائل الإعلام والإتصال له أثره العميق في خلق خلفية أدبية للشاعر، فلم يعد الشاعر حليس البيئة التي يعيش فيها ولذلك توسعت عنده الآفاق وتنوعت الأغراض الشعرية، ومن هنا يقرر الكرباسي: (إن تحديد الشعر في أغراض قد لا يكون صحيحاً إذ الشعر لا يقبل التحديد بهذا المعنى فالغرض عند الشاعر يتجدد، والحاجة عند الإنسان تتغير، والإبداع الأدبي يتطور)، وهي حقيقة ملموسة عند المقارنة بين الشعر في العصر الجاهلي على ما عليه في العصر الإسلامي إلى يومنا هذا، وهو ما نراه كما يضيف الشاعر البزاز: "في الشعر الوعظي والديني والتعليمي والأخلاقي والتصوفي والإشادي".

إذن للشعر أغراض كما يقول الشاعر الكرباسي، من بحر مجزوء الرجيز:

للشعر عند الناظمين أعراضُ *** ساروا بأهداف لهم وأغراضُ

وهي أغراض عبَّر عنها المقدّم بـ: "بيت القصيد" حيث: "ينطوي عليه الغرض المنشود في القصيدة".

آداب وأهداف

ولا يتعلق الغرض بالأدب النظمي، فهو شامل للأدب النثري أيضا، ولكنه أظهر في الشعر الذي يعتمد الوصف مما يُستبان منه معالم المراد والقصد والهدف، وبشكل عام فإن للأدب مقاصد عدة وتحت مظلة هذه المقاصد تتنوع الأغراض الشعرية.

الأديب الكرباسي أحصى مجموعة من الآداب وتحت سقفها مجموعة من الأغراض، فكانت الآداب (5) على النحو التالي: أدب الثورة، أدب المرأة، أدب المناسبات، أدب الملحمة، وأدب التاريخ، وأما الأغراض المتداولة فكانت (22) على النحو التالي: الغزل، الرثاء، الهجاء، المدح، الزهد، الحكمة، الشكوى، الفخر، الأخلاق، الحنين، الوفاء، العتاب، الإعتذار، النهضة، التشبيب، الرجاء، الخيال، الوصف، الخمر، الخيانة، الطرد، والفكاهة.

في الواقع ليس للأغراض الشعرية من محددات وعناوين ثابتة، فهي قابلة للزيادة مع مرور الزمن، وكلما تقلصت المسافات المكانية بفعل التقنية الحديثة تقاربت الثقافات وتعددت حلقات سلسلة الأغراض الشعرية، كما إن تنوع العلوم التي يقف عليها الأديب الشاعر تعطيه مساحة أوسع في تنوع الأغراض والمقاصد، وهذا ما كان عليه العلماء في العصور الغابرة وإلى وقت قريب إلا ما قلّ منهم وندر في وقتنا الحاضر، فمعظم شعراء الماضي هم علماء وفقهاء وفلاسفة ومحدثون ومفسرون وأطباء وفلكيون ومؤرخون وعلماء تجريبيون، وو، وبعضهم يجمع هذه العلوم وغيرها كلها أو بعضها إلى جانب النظم، ومن الطبيعي من كان هذا شأنه تنوعت عنده الأغراض الشعرية وتشعبت.

وهو ما عليه المؤلف، وهو من الندرة، حيث جمع مع النظم الفقه والفلسفة والتفسير والتحقيق والتاريخ والأوزان والعروض وغيرها من العلوم النقلية والعقلية، فجاء الشعر عنده متنوع الأغراض، وقد أثبت في هذا الكتاب (27) نوعا من الشعر على النحو التالي: شعر الإبتهال، الإجتماعيات، الإخوانيات، الإستنهاض، التأريخ، الجناس، الحكمة، الحماسة، الديباجة، الرثاء، السياسة، السيرة، الشكوى، العتاب، العرفان، العلمي، الغربة، الغزل، الفخر، الفلسفة، المدح، المناجاة، الهجاء، الوجدانيات، الوصف، الوطنية، وشعر الولاء.

ومثل لكل نوع شعر بقصيدة وزاد في شعر التأريخ وشعر الجناس بقصيدتين لكل منهما فكانت (29) قصيدة، جاءت عناوينها على النحو التالي: إبتهال اليائس، عودة إلى الجاهلية، أتيت شاكرًا، إمام العصر، يا صنو الوفا وولف الصفا، شمس الضحى، ختام الجناس، الجناس المكتنف، لربي حكمة، صوت الهدى يعتلي، إستهلال، تجديد الذكرى، ما أشبه اليوم بالبارحة، ذكرياتي، ليلي نهار، بني بلدتي، عرفان العشق، سورة النبأ، الغربة، أوصدت باب داري، من فاطم أصلي، التوفيق، مهوى مالك، مناجاة التائبين، شمر الغدر، الهروب إلى الموت، العظمة، إحتلال الموصل، وعلي المرتضى علي.

نماذج دفّاقة

ومع أن التنوع في الأغراض الشعرية تكسب أبيات الشاعر مناعة وقافيته متانة، لكن التخصص في غرض أو مجموعة أغراض محدودة في واقعه مدعاة لإبداع الشاعر، لأن الذي يتحرك في دائرة ضيقة تتفجر عنده عيون القوافي وتتبدى طاقته الإبداعية وهو يظهر مكنون ما عنده من مهارة ليكون متميزا ليقف على عرش النظم، ويرى الأديب الكرباسي أن التخصص في الغرض هو مستقبل الشعر، بل يدعو اليه بقوله: (ولتقريب المعنى فإن الناظم باللهجتين الدارجة والفصحى عليه أن يختار أحدهما ليكون عطاؤه ونتاجه هو الأقوى في مجاله، والناظم بالفصحى مثلاً عليه أن ينظم حسب مواهبه ويختار إحدى الأغراض الشعرية فيتخصص بالسياسة وآخر بالغزل وهكذا، وهذا لا يعني أن تكون دراساته قاصرة على جهة معينة بل لا بد له أن يكون ملماً بكل النواحي إلا إنَّ عليه أيضاً أن يتخصص ليكون الأفضل وينتج الأفضل ويستهدف الأفضل).

وبعد شرح مستفيض لأغراض الشعر قديمها وحديثها ومستحدثها وما يمكن أن يستحدث في المستقبل يقدم لنا الشاعر الكرباسي من نظمه نماذج من الشعر وأغراضه ومقاصده، فعلى سبيل من "شعر الإخوانيات" من مقطوعة من أربع أبيات من بحر الكامل، يقول في أولها:

إنني أتيت اليوم شاكرًا لما *** قد سبقتني فكنت الشفيق والحما

قالها في 19/6/2000م كرد على مقطوعة شعرية تفضل بها الفقيه والشاعر العراقي الشيخ محمد جواد السهلاني (1911- 2008م) عند زيارته لندن، جاء في أولها:

شكرًا إليك أبا علاءٍ إنني *** مازلت أشكركم مدى الأيّام

وأبو علاء هي كنية الشيخ الكرباسي نسبة إلى نجله الأكبر.

ومن "شعر الإستنهاض" أنشأه في ذكرى ميلاد المهدي المنتظر (عج) في 15/8/1435هـ من بحر الرمل التام:

يا إمام العصر قُم فينا وعجِّلْ *** نحنُ جندٌ طوْعَ أمرٍ منكَ عجِّلْ

ومن "شعر الجناس" قصيدة من بحر الرجز المسدس كل بيت فيها مرصع بألماس الجناس الجميل، قال فيها:

جَنِّسْ جَنِيساً بِالجِنَاسِ الأَجْنَسِ *** مَجْنُوسُكُمْ جِنْسُ الجِنَاسِ المُجْنَسِ

ويختم القصيدة بالبيت الخمسين قائلا:

أَوْحَى بوَحْيِ الوَحْيِ وَحْياً بالوَحَى *** فَالوَحْيُ وَحْيِي حَيِّنِي حَيَّ الوَحَى

ومن "شعر الولاء" قوله من مجزوء المشترك:

عليٌّ في العُلا عليُّ *** عطاءٌ جاده العليُّ

لا يخى أن الأديب والمحقق الكرباسي يقدم في "الأغراض الشرعية" كشكولا جميلا من الأغراض الشعرية ونماذجها وبتعبير المقدّم الشاعر حسين البزاز: وفي الختام نود الاشادة بما قام به الشاعر من ذِكر نماذج من شعره الدفّاق في مختلف الاتجاهات، مما يمكن أن يكون مثالا واقعياً لمن ينظم الشعر في جميع الاتجاهات والأغراض دون التخصص بغرض معيّن كما عُرف عن بعض الشعراء.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

رحيم زاير الغانمإضاءة ثقافية لكتاب أ. د. محمد كريم الساعدي (الرد بالجسد وخطابات أخرى)،  متخذين من فصله الأول (الرد بالجسد على الحضور الكولونيالي) منطلقا لهذه الإضاءة، إذ نرى الساعدي يعمد إلى الكشف عن طبيعة الخطابين الكونيالي وما بعده، منطلقا من طبيعة التمثيل التي اعتمدها الغرب في السيطرة والاستحواذ على مقدرات بلدان العالم الثالث، بعدما رسَّخ ثقافة كولونيالية انتهجها العقل الغربي المصاب بداء المركز/ المسيطر، وما دونه هامش، فالقارة الأوربية ذات اللون الأبيض/ شعب الله المختار، ومن يأتي من بعدها مثل القارة الأسيوية فهي بربرية، أما القارة الأفريقية عدها بدائية، وهاتان القارتان، بحسب رأي الغرب، ليس بمقدورهما قيادة نفسيهما لذا توجب حضور المركز/ الغرب، في تهميش للهوية الاصلانية/ هوية الشعوب الخاضعة لنير سياسة التقويض.

لذا نجد الغرب عمد إلى طمس الهوية الثقافية للهوامش من خلال امتهانه للجسد عبر ثقافة عنيفة  رسمت ملامحها بقوانين صارمة، لم تفضِ إلا عن معاملة وحشية، في تجسيد لطبيعة السلوك الغربي بالمقارنة بالشعوب المهمشة، سلوكٌ سمتهُ القسوة في تثبيت أركان الممارسة الثقافية الكولونيالية، من اجل تحقيق أهدافٍ توسعية، من غير مبالاة للآثار السلبية التي يمكن ان تترتب على هذا الجسد، اعتقادا منها، كلما أوغلت في تغييب الهوية الثقافية للهامش كلما تكرس حضورها الكولونيالي، لذا حرصت على تسويق ثنائيات من شأنها تقويض الثقافة الاصلانية، كالأبيض الأوربي والأسود الأفريقي- (أو الأصفر الأسيوي، ان كانت العينة المحتلة أسيوية)- وكذا ثنائية الخير ويقابله الشر، العقل وتقابله البلادة، العمل ويقابله الكسل، والى ما لا نهاية من ثنائيات اعتمدها الخطاب الكولونيالي لترسيخ مركزيته.

قد لا نجد غرابة في الحضور الغربي/ المركز، قبالة تغييب الاصلانية/ الأفريقية أو الأسيوية/ الهامش، ما دام خطابه بجذر إغريقي، ضارب بعمق التاريخ، ولم تكن بدايته بالحروب الصليبية/ الإسلامية ولا في فترات الكولونيالية وما بعدها، إذن هو صراع من اجل التوسع والهيمنة والاستحواذ، مُسيرا بغريزة ثقافة المركز/ الغربي/ المهيمن، من اجل التمدد عبر جسور السيطرة الكولونيالية بذريعة قصور عقل شعوب العالم الثالث، غير مراعية لطبيعة العادات والتقاليد والهوية الثقافية الاصلانية التي يتحلى بها شعب هذا العالم، -الذي لو بقي على ما هو عليه لعانى آفة الانقراض- ولذا عمدت إلى طمس شعائره وطقوسه الشعبية التي تمثل ثقافته المحلية، وإبدالها بالثقافة الكولونيالية، في فصل بيِّن بين الدال/ الشكل، والمدلول/ المضمون، من اجل تفكيك هذه الثقافة الاصلانية والعمل على بعثها من جديد، لكن بنكهة غربية، فهي لا تحجب عن الشعوب ممارسة الطقوس والشعائر، بقدر إطلاقها لهذه الشعائر ولكن بذائقة المركز، حتى تُبقي على الهامش تابعا ذليلا لها، وتكمن الفائدة هنا، ان تستمر هذه الأجساد الملونة تشكو الضياع، لطالما استمر تقويض الهامش، بثقافة كولونيالية جديدة، لا تمت بصلة لهوية هذا الجسد الاصلاني.

ان الشعوب المغيبة/ الهوامش، لا يمكن لها الخلاص من التغييب، ما لم تستشعر هذا البون الشاسع بين الهوية الاصلانية والثقافة الكولونيالية، إذن لابد من حضور المغيب المفترض الوجود بحضوره المادي، وإحلاله محل المركز/ الغرب/ الكولونيالي، الذي لا يمكن للهامش عده مركزا، بل مركزا وهميا، وما حضور المغيب إلا حضور للمركز الحقيقي، وبذا يحضر كمركز أصلاني،  المعبر الواقعي عن الهوية الثقافية الاصلانية، على الرغم ممّا عمل المركز/ الغربي، المسيطر على طمسها، بجذره التاريخي والحاضر الكولونيالي وما بعده، ملقيا به خارج الدائرة الثقافية الاصلانية.

قد لا نجد الشروع بتقويض هكذا مشاريع بالأمر الهين، ان لم تعِ الشعوب/ الهوامش، ان لا وجود/ لا حضور لها، الا بتقوض المركز/ المسيطر، الذي حول جسدها ساحة لأهوائه ورغباته، لتطلعه الدائم إلى التمدد على حسابها، لذا يجب على هذه الشعوب ان لا تمنح الفكر الغربي، فرصة التنظير لغلبة العقل، قبالة بلادة شعوب العالم الثالث، التي تلتجِئ إلى السلوك الهمجي في فرض إرادة ما، أو  إلى تغييب العقل في هروب من المواجهة تستدعي كد ذهني ومعرفي معين، فلا تقدم عليه، وبذا لا تَنفذُ إلى بر الأمان، عندها لا تتحسر على جسدها الذي سيستباح مجددا، فالغرب بالجوار.

 

رحيم زاير الغانم

 

 

رحمن خضير عباسأصدرت السيدة حرير حسين كامل كتابا، تحت عنوان (حفيدة صدام). ويبدو أن اختيار العنوان كان موفقا من حيث التسويق. فالعنوان ذو جاذبية معيّنة، تستجدي فضول الكثيرين الذين يريدون أن يتعرفوا على هذا العالم، لرجل حكم العراق بالحديد والنار لفترة طويلة، واستطاع أن يدُخل العراق في صراعات عقيمة أدت إلى استنزافه وتدميره ثمّ تقديمه لقمة سائغة لغزو أمريكي مُهين ومدّمر .

واذا كانت الحفيدة (حرير) أرادت من خلال هذا الكتاب، تحسين وجه نظام جدّها وتلميعه، فأعتقدُ بأنّ جهودها غير ضرورية. لأن النظام (الديمقراطي) الذي تآسس بعد سقوط جدّها، قد ساهم بتحسين صورة نظام صدام، وجعل بعض العراقيين يترحمون عليه. وذلك من خلال تفتيت البلد ونهب إمواله، وتفشي الظواهر الشاذة التي جعلته في كفة عفريت طائفي وإثني، يجعل فكرة التشظي بدلا من التكتل. والانكفاء نحو العشيرة والمذهب والعقيدة بدلا من المواطنة. فعوضا عن الاستفادة من تجارب الماضي في العنف والإلغاء. صار سياسيو النظام الجديد يساهمون في مزيد من الفرقة والتدمير، مقتفين أثر جلادهم .

تبدأ رواية الاحداث ما قبل طفولتها. حيث زواج أمّها رغد من حسين كامل وهو القريب من العائلة والذي رفعه صدام من شخص مجهول، وفرد من أفراد الحماية، الى وزير لخمس وزارات ومنها التصنيع العسكري. بعد ذلك تتحدث عن ولادتها في بداية الحرب الايرانية الخليجية، والأمراض التي طاردتهم منذ طفولتها كمرض الربو .

هذه الحرب التي دمٌرت العراق لم تأخذ من الكتاب سوى ملاحظات باهتة عن (العدو الايراني) الذي لا تعرف عنه الكاتبة حرير، سوى أنه (عدو حاقد)، حارب بلدها لمدة طويلة. بينما القارئ كان ينتظر التصوّرات الخفية عند عائلة صاحب القرار، والتي فشلت الكاتبة في نقلها.

ومن خلال السرد لشخصيات الدائرة الحاكمة، تتحدث عن شخصية خالها عدي فتصفه بالورع وبأنه يصوم يومين في الاسبوع. وأنه يصلي وهو غير مسبل الذراعين، متشبها بصلاة الشيعة ! وحينما تستمر في الحديث عن عدي وطبيعة شخصيته ومزاجيته وتعنته، تنسى ورعه وإيمانه!، وتروي قصصا عن سلوكه، وهذه القصص تعبٌر عن حقيقته كشخص مريض ومولع بالقتل والسكر والعربدة.

ومن خلال السرد نكتشف خطورة شخصية عدي وأمراضه وجرائمه ومنها قضية قتل حنا كامل، وغضب صدام عليه، ونفيه إلى سويسرا. كل ذلك ويبقى عدي في نظر حرير بطلا ومتديّنا ! وهذا يفسّر أن هذه الكاتبة تخلو من المصداقية .

وكذلك شخصية قصي وإضفاء صفات البطولة عليه وعلى ابنه مصطفى. مع أنهم مجرد أطفال مدللين، عاشوا بكنف العنف والقسوة والحكم المطلق. ومارسوها حتى وكأن العراق ضيعة لهم.

في الفصول الاولى تتحدث حرير عن (جريمة) شرب المشروبات الغازية (البيبسي) مثلا،والذي منعهم جدّها صدام .لأنه يريدهم أنْ يعانوا كمعاناة الشعب العراقي !

ولكنها في نفس الوقت تتحدث عن قصور جدّها الكثيرة والمنتشرة إضافة الى البيوت السريّة. وكذلك قصور أولاده وقصور ساجدة وقصور أبيها وعمّها، كلّ ذلك الذي تحدثت عنه. وقد نسيت أنها ذكرت في بداية الكتاب أن جدها لا يمتلك عقارا واحدا مُسجلا باسمه!

من خلال سردها لما يحيط بها من أحداث صغيرة أو كبيرة، يكتشف القارئ أنّ أغلب ما يتداوله الشارع العراقي بصمت عن أسرار العائلة هو أقرب إلى الصحة. كسلوك عٰدي المتهور وعشقه للنساء وكذلك سهراته الليلية. وسلوك قصي الاجرامي في حق المعارضة ولكنها حينما تتطرق الى محاولة اغتيال عدي من شباب عراقيين. تتمسك بوهم القصة الرسمية التي تقول أن ملامح المنفذين إيرانية !

ومن خلال حكاياتها عن جدتها ساجدة، نكتشف أنها امرأة مولعة بالأزياء والمجوهرات والمصوغات الذهبية. ولا يهمها في السياسة سوى ذلك. كما أشارت الى طبيعة العلاقة غير الحميمة بزوجها الرئيس. وفي الوقت الذي فرض فيها النظام على نساء العراق، التبرع بالذهب للمساهمة في المجهود الحربي. كانت السيدة الاولى ترفل بأجمل مصوغات الذهب والعطور والأزياء.

كما تناولت قمع الانتفاضة من قبل أبيها (حسين كامل) الذي استطاع أن يخمدها بالحديد والنار. ثم تسترسل عن اشتراك عمّها (صدام كامل) ودوره (كجلاد) في التحقيق مع المشتبهين.

ثم تتناول هروبهم الى الاردن وانشقاقهم عن صدّام. وكيفية استدراجهم من قبل صدام وعدي للعودة الى الوطن بعد منحهم العفو الرئاسي . وكيف أن جدّها صدام سمح للعشيرة أن تقتل ابيها وعمّها في مجزرة السيدية، حيث تمت تصفية الجميع وازالة البيت من الوجود. وكيف انعكس ذلك علىى شخصيتها.

ولكنها مع ذلك تبقى معجبة بجدّها (القاتل لأبيها بعد اعطائه الأمان) وتعتبره نموذجا للنبل، وهذا يعكس للقارئ قسوة النظام وإجرامه حتى مع أفراد العائلة. فما بالك بسلوكه تجاه بقية أبناء الشعب العراقي؟

يتحدث الكتاب عن حزن أمها (رغد) ما بعد القتل. وكيف فرض الجد(صدام) على بناته أن يتزوجن من الأعمام الذين قاموا بقتل أزواجهنّ. وكيف جوبه ذلك بالرفض. ويحلو للمؤلفة حرير أن تسميهم ب (الحقراء). وهم الأعمام الذين قاموا بالقتل ومنهم علي حسين المجيد.

كما تروي لنا في الفصول الاخيرة من الكتاب، تداعيات ما قبل غزو العراق على العائلة وطبيعة القصف الذي يستهدف القصور الرئاسية وكيف كانوا يلوذون بين البيوت السرية والعلنية. ثم تذكر قضية قتل عدي وقصي من قبل الجيش الامريكي.

وتمرّ مرورا عابرا على قضية القبض على صدام، وتعتبر أن جدّها كان مُخدّرا حينما قُبض عليه في حفرة عاره ومن غير المعقول أنْ يسلّم نفسه .

واخيرا تتحدث عن رحلة هروب العائلة إلى الأردن عن طريق سوريا، حاملين معهم حقائب ما سمّته في كتابها (بالسيولة) ! وتعني طبعا ملايين الدولارات المأخوذة من خزينة هذا الشعب المُستباح.

وعموما فالكتاب لا يحمل للقارئ سوى معلومات رثّة. وقد كُتب بطريقة ساذجة لا ترتقي الى أن يستحق الطبع. كما أن الاسلوب كان مرتبكا مع محاولات الترقيع والتصحيح التي تبدو عليه.

ولكنه أول كتاب يُكتب من وجهة نظر عائلة دكتاتور العراق بعد سقوطه.

(حفيدة صدام) كتاب يلوذ ببريق عنوانه .

فقد قرأته بصفحاته ال ٢٧٦ ووجدته هشٌا ساذجا،لا يستحق تضييع الوقت، وذلك لأنه كُتب بعقلية طفلة مدللة، لا تمتلك أية رؤية سياسية أو فكرية أو حتى إنسانية، تنطلق من فكرة مفادها :

بإنّ جدها صدام حسين، هو أقرب الى الآلهة في الميثولوجيات القديمة. والتي تتصف بالقوة والبطولة والنزاهة والنبل، حتى حينما يحنث بعهده بالعفو عن أبيها، والذي يسمح أو يأمر بقتله بشكل وحشي وجلب رأسه إلى القصر الجمهوري!.

وهو بمجمله يعبّر عن هموم عائلة مترفة، لا يعنيها من الوطن سوى مباهجه.

 

رحمن خضير عباس

 

716 فتنة الكقراءةكتاب الناقد الأكاديمي الدكتور مصطفي بيومي أستاذ النقد الأدبي بجامعة المنيا " فتنة القراءة " نظرة فلسفية عميقة تسعي إلي استكشاف فحوي العلاقة بين النقد النظري والنقد التطبيقي، خاصة أن هناك ثمة فكرة سائدة في التداول النقدي تشتغل على عملية التمييز الدقيق بين النقد النظري والنقد التطبيقي، وتعزو إلى كل منهما خصائص معينة؛ فالنقد النظري يختص بوضع التصورات العقلية المترابطة التي تهدف إلى عمليات التأصيل لطبيعة الأدب وصياغة مفاهيمه الكلية وخصائصه النوعية ومناهج دراسته وتأويله، ومن ثم تكون الأساس (أو المرجعية) الذي يحكم الممارسة النقدية التطبيقية؛ أما النقد التطبيقي يقوم بمعالجة النصوص تحليلًا وتقويمًا وتفسيرًا أو تأويلًا من خلال التوجه المباشر إلى نص معين من النصوص أو إلى كاتب أو شاعر ما، أو إلى مجموعة من النصوص لاكتشاف الظواهر والتغيرات الأدبية، أو القضايا التاريخية والاجتماعية والسياسية المتصلة بالنصوص، أو الخصائص النصية والجمالية والبلاغية.

لا يطمئن الناقد الدكتور مصطفي بيومي كثيرًا إلى تلك القسمة الحادة التي تميز تمييزًا قاطعًا بين النظري والتطبيقي في الممارسات المتنوعة للنقد الأدبي حتى لو كانت القسمة تفرضها طبيعة القراءات أو التأويلات التي تستهدف إبراز نقطة أو نقاط معينة في الممارسة النقدية، منطلقا من سبب بسيط هو كيف نتصور نقدًا نظريًا دون ممارسات تطبيقية، وكيف نتصور أيضًا نقدًا تطبيقيًا دون إطار نظري مفاهيمي يحدد له الإجراء والمنهج.

هنا يذهب الدكتور مصطفي بيومي إلي القول بأن الأدب ينتج نقدًا على المستويين النظري والتطبيقي، مستوي يحدد طبيعته ومفاهيمه ومناهج دراسته وتأويله، ومستوي آخر يقوم بفاعلية التفسير والتأويل والحكم والتقييم.

ويضيف: ربما أتصور أن المستويين متلازمان في الممارسة النقدية، فلن يكون هناك نقد تطبيقي لا يخضع إلى وجهة نظر معينة، وإلا سيصبح التفسير والتأويل والحكم انطباعيًا وعشوائيًا لا يؤدى فاعليته بجدارة واقتدار، ولن يكون هناك نقد نظري يقوم بفاعليته النظرية دون ممارسات تطبيقية تدفعه إلى عمليات الفحص والمراجعة لسلامة التفسير ومبادئ التقييم والحكم، لينتج تصورات عقلية مترابطة تستهدف التأصيل للمفاهيم الكلية العامة التي يمكن استخدامها في دراسة الأدب.

لذلك أري أن كتاب  "فتنة القراءة" هو التحدي الفعلي للنظري والتطبيقي معا، خصوصا وأنه يتحرك من صك مصطلح فتنة القراءة الذي يشير إلى حال المفتون المعجب بفعل التأويل والتفسير أو هو حال الغواية والابتلاء بفعل التأويل والتفسير، لكن هذا الحال يعلن عن المزاوجة بين النظري والتطبيقي، معتمدًا على أن النصوص هي مجال منهجي يتم تجريبه فتبدو فيه فاعلية النظري والتطبيقي. تحرك التجريب المنهجي من البنيوية إلى التفكيك مرورًا بالتأويل التشخيصي وانتهاءً بالنقد الشارح، واستخدم النظريات المعاصرة لإعادة قراءة النصوص الكلاسيكية والحديثة على السوء. وبعد يري الدكتور مصطفي وهو محق في ذلك ، إن ما نرغب في كتابته لم تتم كتابته بعد، لأن سؤال الحقيقة قد تم إرجاؤه وتعليقه إلى الأبد.

بناء علي ذلك، يمثل فوز كتاب "فتنة القراءة" بجائزة (ساويرس الثقافية) حافزا كبيرا على مواصلة الإنتاج بروح متوثبة فعالة بما يمنحه من تقدير معنوي كبير للعمل في مجال الإنسانيات عمومًا ومجال النقد الأدبي على وجه الخصوص.

 

عبد السلام فاروق

 

714 فالح عبدالجباربعد عام كامل على رحيله نحاول أستذكاره من خلال فكره ومنجزه العلمي والبحثي والمعرفي، انه الدكتور فالح عبد الجبار (1946 ـ 2018) الذي يعد أحد الأسماء والاقلام الفكرية والثقافية العراقية الصادحة في عالم الثقافة والفكر وعلم الاجتماع والترجمة، فقد ترك لنا منجزاً فكرياً وثقافياً كبيراً، وكانت دراساته وكتاباته ومقالاته متناثرة هنا وهناك، بين كتاب ومقالة ومحاضرة وترجمة، أنه انسان فاعل بمعنى الكلمة، وانسان مناضل بالفكر والكلمة، غادر العراق عام 1978م  بسبب عدم قناعته بفكر حزب البعث وطروحاته الفكرية والسياسية، الذي لاحق وحاكم وسجن كل من لا ينتمي له، وبما أن عبد الجبار ينتمي للحزب الشيوعي العراقي، فهو معرّض للمطاردة ايضاً، وخشية من هذا المناخ السياسي والاجتماعي والثقافي المشحون غادر عبد الجبار العراق بحثاً عن عوالم حرة ومجتمع يحترم الانسان، فكان بحق يبحث عن عالم شبيه بالعالم المثالي الذي قرأه في أفكار الفلسفة الماركسية، ومن شد ما كان منسجماً مع أفكاره ومخلصاً لها آثر الهجرة والسفر على البقاء مكبوتاً أو مسجوناً في بلده.

كانت لندن، المحطة الأولى التي حط فيها عبد الجبار رحاله، حيث عمل أستاذا وباحثا في علم الاجتماع في جامعة لندن، مدرسة السياسة وعلم الاجتماع في كلية بيركبيك والتي كان قد حصل منها على شهادة الدكتوراه. وقد عمل سابقا محاضرا في جامعة ميتروبوليتان - لندن، متخصصاً بدراسة الفكر السياسي والاجتماعي في الشرق الاوسط، بينما كانت بيروت المحطة الثانية التي أقام بها وأستقر عبد الجبار، وأنشأ فيها معهد الدراسات العراقية وأصبح مديراً له، وقد كتب وألف وترجم الكثير من الدراسات والمؤلفات العربية والأنكليزية، وأغلب مؤلفاته تناقش قضايا في علم الاجتماع السياسي والديني والمدني وقضايا الحركات الاحتجاجية، ومن ثماره المبكرة في هذا المجال أطروحته للدكتوراه التي عنوانها عنوان (The Shiite Movement in Iraq)، الحركات الشيعية في العراق، التي جرت تحت اشراف الدكتور وعالم الاجتماع العراقي سامي زبيدة. ويقول عبد الجبار عن الكتاب انه وضع : (في لندن بين أعوام 1991ـ1998وقدم للنشر بعد هذا التاريخ، وكان يفترض صدوره عام 2002، لكن نذر الحرب الوشيكة على العراق حملت الناشر اللندني على طلب فصل جديد (هو المقدمة) لسدّ الفراغ. فكان أن تأخر صدور الكتاب الى ربيع 2003، وبالتحديد بعد غزو العراق...هذا الكتاب هو محاولة لفهم العلاقة بين المقدس والدنيوي في مناشىء حركات الاحتجاج الدينية في العراق، بمقارنة مضمرة في الأغلب، مع ايران، اعتماداً على الأدوات النظرية لسوسيولوجيا الدين، وعلى مناهج البحث الأكاديمية.)

 وقد تعرّض فيها عبد الجبار لدراسة الشيعة في تاريخ العراق المعاصر، من حيث الجانب الاجتماعي والسياسي والثقافي، وأوضح دورهم في تاريخ العراق وهويتهم وعلاقتهم بالهويات الدينية والثقافية الأخرى، منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة عام 1921 وحتى قيام الحكم البعثي في العراق، وما جرى من أحداث سياسية واجتماعية في تلك الفترة مع الشيعة، سواء الحرب العراقية الايرانية، أو حركة الاحتجاجات والانتفاضات التي قام بها الشيعة في جنوب العراق عام 1991م على سياسة النظام السابق. وقد نشر الكتاب بنسخته الانكليزية سنة 2003، بـ(391) صفحة عن دار الساقي في لندن. وقد قدم الدكتور سامي زبيدة له.

لقد تُرجم الكتاب الى اللغة العربية عام 2010م من قبل المترجم العراقي الاستاذ أمجد حسين، من مواليد 1932، استاذ الأدب واللسانيات والترجمة، وصدرت عن دار الجمل بعنوان (العمامة والأفندي، سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني)، بـ (590) صفحة.

يقول الدكتور سامي زبيدة في تقديمه للكتاب : (ان كتاب فالح عبد الجبار مساهمة فريدة، وقيمة في دراسة الاطار الحديث للتشيع في العراق، مجتمعاً وثقافة وسياسة. وهو يرسم لوحة أخاذة عن المشهد الشيعي بمؤسساته ومرجعياته، بشخوصه وأسره، وفئاته، وبأقتصاد الحياة الدينية، وحالات المد والجزر المالي فيها...ان وصف وتحليل الحركات السياسية الشيعية، ومنابعها الاجتماعية والفكرية هي بؤرة اهتمام الكتاب... ويحتل المؤلف موقعاً فريداً يؤهله للكتابة عن تاريخ العراق الحديث. فهو مشارك بارز في المشهد السياسي والثقافي، أولاً داخل بلاده، ثم شأن العديد من المثقفين الذين نجوا من التصفية، في المهجر. وأن معارفه وابحاثه علمية صارمة، لكنها لا تنبع من معطيات ارشيفية وثائقية فحسب، بل هي ثمرة ارتباط وثيق بالاحداث والشخوص والتيارات الفكرية، بل ان سردياته مشبعة بمعرفة حميمة بالتاريخ والسياسة في عموم المنطقة ما يضفي على البحث منظورا مقارنا، اما التحليل فانه ثري بالمعرفة النظرية الاجتماعية والسياسية. ان الكتاب أشبه بوليمة معرفية لكل دارس للعراق أو المنطقة، كما لكل قارىء عليم وفضولي.) العمامة والافندي. الترجمة العربية. ص 8

أما مضمون الكتاب فيناقش تاريخ شيعة العراق المعاصر، ودراسة ثقافة وحياة الشيعة ومركز ثقلهم في مدينة النجف، وتاريخهم الثقافي والسياسي والاجتماعي، أو بالاحرى تناول عبد الجبار الاسلام السياسي الشيعي وبيان مدى تقاربه مع حركات الاسلام السياسي عامة، والسني على وجه الخصوص، كما تعرض عبد الجبار لدراسة تاريخ الاحزاب الدينية الشيعية وشخصياتهم، امثال حزب الدعوة الاسلامية والمجلس الاعلى، ومنظمة العمل الاسلامي، وتعرض لدراسة بعض مراجع الدين المؤثرين في النجف والذين كان لهم الثقل في تاريخ شيعة العراق المعاصر، امثال السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد تقي المدرّسي والسيد محمد الحسيني الشيرازي، فقد درس فكرهم وونظرياتهم السياسية بالتفصيل. وعن هيكلية كتاب (العمامة والأفندي) فقد تكّون من خمسة أجزاء أو (أبواب) بفصول سبعة عشر، وقد ختم بخاتمة عرض فيها لأبرز النتائج التي خلص لها عبد الجبار من دراسته هذه.

وحين نأتي لتحليل عنوان الكتاب بنسخته العربية نجده يختلف تماماً عن عنوان النسخة الأنكليزية، ولم يشر الكاتب ولا المترجم لا من قريب ولا من بعيد لهذا الاختيار في العنوان العربي (العمامة والافندي)، ولماذا لم يبق المؤلف على العنوان الانكليزي (الحركات الشيعية في العراق) عنواناً للطبعة العربية دون تغيير؟

وأفترض أن هناك عدة أسباب وراء أختيار عنوان (العمامة والأفندي) للنسخة العربية للكتاب وأهمها هي:

1ـ جانب التسويق والتشويق للقارىء والمتلقي وفق هكذا عنوان، اذ لو بقي عنوان الأطروحة الأنكليزية كما هي عنواناً للكتاب العربي لكان قرّاء الكتاب والاعلام الثقافي له أقل شيوعاً وأنتشاراً، لأنه يتناول فئة وشريحة دينية واجتماعية وسياسية محددة وهم الشيعة، وقد يكون قرّاء الكتاب ومقتنيه مقتصراً أيضاً على فئة محددة بعكس العنوان العربي المثير والجذّاب للقاريء العربي، والذي يوحي بأنه يحلل قضية الصراع بين طبقة (العمائم) وطبقة (الأفندية)، أو الصراع الديني العلماني في الاسلام، ذلك الأمر الذي لم يتناوله الكتاب ولم يتطرق له عبد الجبار في أطروحته.

وما يؤيد كلامي هذا وجهة نظر الدكتور علي عبد الهادي المرهج، الذي كتب مقالاً عن كتاب (الدولة: اللوثيان الجديد) لفالح عبد الجبار، فرأى أن هناك بوناً شاسعاً بين عنوان الكتاب ومضمونه، فـ(ما علاقة كاتب مثل فالح عبدالجبار هو في السياسة أقرب لما بيَنت و في علم اجتماع المعرفة هو أقرب لمدرسة (فرانكفورت النقدية) بآراء (توماس هوبز)؟. الجواب: هو أنه مُغرم باستعارة العنوان الأكثر جاذبية في عالم التسويق والبيع والشراء... تفحص الكتاب من ألفه إلى يائه وستجد أن هذه الاستعارة للعنوان مُقحمة على متن الكتاب، ولا تمهيد ولا مدخل يُبرر لنا من خلاله فالح عبدالجبار استعارته لرؤية فيلسوف يميل للدفاع عن التفرد في الحُكم.) د.علي المرهج. كتاب الدولة.. اللويثيان الجديد. موقع المثقف العربي. العدد: 4489 ـ 20/12/2018. 

2ـ أرى أن عبد الجبار انما يريد الاشارة في عنوان كتابه الى وجود نمطين مختلفين من أنماط التفكير هما : التفكير الديني، والتفكير العلماني، طريقة تفكير (أهل العمائم) وطريقة تفكير (الافندية)، والديني والعلماني في الحركات الشيعية في العراق، والتي ساعدت على قيام الفكر الشيعي العراقي، وتأثيرهما في السياسة العراقية الحديثة، وهذا مالم يفصل به القول، عبد الجبار في كتابه، ولم يشر الا للحركات الدينية فقط، وأشار اشارة بسيطة في مقدمة الكتاب لمؤتمر لندن والشخصيات السياسية المساهمة في المؤتمر التي ساهمت في تغيير نظام الحكم في العراق ما بعد 2003.

3ـ عنوان الكتاب (العمامة والأفندي) أعم مما جاء فيه من مادة بحثية، اذ أن الكتاب يتناول بالبحث الحركات الشيعية في العراق المعاصر، أما العنوان فقد كان أكبر وأعم ويوحي لقارئه أنه يتناول حركات الاحتجاج في العراق بين طبقتي (المشايخ وأهل العمائم) و (طبقة المثقفين والأفندية)، بين أتباع (المد الديني) وأتباع (المد المدني)، وهذا مالم يأتي عليه عبد الجبار، وهو ما كنا نتمنى دراسته وتناوله كقرّاء من قبل فالح عبد الجبار، العالم والخبير والمثقف بهذا الخصوص.  

4ـ هناك جهد كبير قد بذله عبد الجبار في دراسته هذه والتي أشاد بها مشرفها ومقدمها عالم الاجتماع العراقي الدكتور سامي زبيدة، والمطلّع على الكتاب يتلمس ذلك الجهد الكبير المبذول أيضاً، وقد أعتمد عبد الجبار على الدراسات السابقة له وأشار اليها في متن الكتاب، ولكن عنوان الكتاب قد مارس نوعاً من التعمية على القارىء، وأضاع على القارىء متعة القراءة والتخصص، وأوهم المتلقي أن الكتاب يناقش صراع (العمامة) و (الأفندي) في حركات الاحتجاج، ولكنه لا يناقش ذلك تماماً.

اذن ما جاء في عنوان الكتاب لا يتطابق تماماً وما جاء في مضمونه، وقد حضرت في الكتاب مناقشة أفكار وخطاب (العمامة) وغاب عنها بالكامل أفكار وخطاب (الأفندي)، وهذا مما يؤسف له ولم يتناوله عبد الجبار بالتفصيل، وكان الأولى بالمؤلف والمترجم أن يوضحا ذلك الاشكال في التسمية، ولماذا لم يتم اعتماد العنوان الأصلي بنسخته الانكليزية، وقد دفعتنا قراءة الكتاب لمحاكمة ونقد عبد الجبار على ما لم يقله في كتابه (العمامة والأفندي) من خلال العنوان، وليس على ما قاله وما قدمه من منجز بحثي وفكري مميز في دراسة تاريخ الحركات الشيعية في العراق. ولكنني أفترض ختاماً أن الدكتور فالح عبد الجبار قد أراد من دراسته هذه دراسة فكر (أهل العمائم) طبقة رجال الدين والمشايخ، من وجهة نظره كـ (أفندي)، علماني، ليبرالي، مثقف، يريد نقد المقدس الديني من خلال طروحاته المدنية. 

 

د. رائد جبار كاظم. استاذ فلسفة. الجامعة المستنصرية. العراق         

 

سعد الساعديدراسة نقدية لمجموعة .. صباح الخير أيّتها الحلة 

للكاتب / سليم جاسم الربيعي

يصدر قريباً عن دار المتن للطباعة في بغداد كتابنا الجديد وهو عبارة عن دراسة نقدية نحاول فيها الوقوف عند أهم التراكيب الابداعية والفنية في القصة القصيرة الواقعية النقدية كإنتاج أدبي انساني مهم وممتع حين تنطلق الكتابة معبرة عن الواقع بصدق وحقيقة، وبقدرة فنية للكاتب وما يريد قوله وايصاله الى المتلقي بشكل عام، سواء كان مواطناً عادياً، أو مسؤولاً حكومياً، لاسيما في نصوص:

(صباح الخير أيّتها الحلة) وعلى أي الاشياء كان تركيز كاتبها، وما هي أهدافه وغاياته .

فالبناء الشكلي العام، وحبكة السرد، والابطال بمختلف ما رسمته صورهم (شخصيات الحكاية)، وما رافق ذلك من متناغمات مسرح الاحداث، أضافة الى الوصف، وجماليته بأية صورة كان، كل ذلك جعلنا نقف لنقرأ ما جاء، وما كُتب، وكيف هو السرد المتتالي كمتن لاحق بعد كل عنوان، ثم نحلل ونكشف ـ كقراء قبل كل شيء ـ ما ورائيات الكلمات وكيف هي .  

منذ النظرة الأولى تذهب العينان بعيداً وهما تطالعان عنواناً متفائلاً يتصدر الاصدار الجديد: صباح الخير أيّتها الحلة للمهندس الحلي ورجل الاعمال الاستاذ سليم جاسم الربيعي، ومع ما يحمله عنوان الغلاف الأول من معنى، فانه يضيف اليه صورة جميلة لمدينة الحلة التقطت عام 1960 وكأنها لأحدى حدائق قصور الملوك أو النبلاء أيام القرون المنصرمة، ولو لم نكن شهود عيان على تلك الحـدائق وجمالها حينذاك، لقلنا أنها صورة لا يُراد منها إلاّ اضافة الجمـال للمطبـوع، مع صورة أخـرى أبهجت المدينــة بـعد الخراب الذي طـالها وهي:

لـ (BDC مول) الذي أعاد بعض نشوة الحياة لمدينة التاريخ المنسية؛ التي اختزلها الكاتب بكلمات في اول ما كتب  قائلاً:

(في وطني، ومنذ عشرات السنين، كان من أكثر القضايا أيلاماً واستنكاراً، هي العدالة المفقودة ..) ص6

بعد عدة سطور يضيف الكاتب أليها مقطعاً من كلمات لا تقلّ ألماً عمّا سبق:

(شعرت أنه من الواجب الملقى على عاتقي، هو الجهد بالقول بلا مواربة، ولا خشية لكشف المستور ولعنة الظلام لعل وعسى أن أساهم في فتح كوّة تنير الطريق، وتطرد اليأس وتزيح أرباب السحت الحرام وظلم العباد، وتخريب البلاد) ص7

اذن بالعودة للعنوان المفرح البهيج، نجد أننا أمام تباين في اللاحق الآتي من كتابات حزينة خلال ما يرويه كقصص واقعية وثائقية في سردها يحاول من خلالها القول:

دعونا أيّها الأخوة نبتعد عن الحزن فلقد اكتفينا .. وهذا ما أضفى على أن يكون اختيار عنونة النص العام يحمل جملة: صباح الخير، الدالّة فعلاً على أمنية السعادة المفقودة، والتي يسعى الى اعادتها كل الطيبين، ومنهم الربيعي.

اسلوبية الخطاب الاعلامي والسرد الحكائي الذي اعتمده الاستاذ سليم الربيعي انطلق من واقع حزين مُتعَب، قلّة من الكتاب يسيرون عليه من خلال تجميع افكارٍ، ومشاعر نفسية تصل حدّ الانفعال الوجداني لينطلق بها الكاتب، أي كاتب كان، الى مشروع كتابته بأسلوبه الادبي الذي يريد. من هناك يشتغل على وظيفته الانتاجية في اخراج ابداعه كمنجز أدبي، أو اعلامي ضمن الاهداف التي حددها مسبقاً كما هو حال كاتبنا في منجزه: صباح الخير أيتها الحلة، الذي جسده بكلمات توثيقية من أجل التاريخ، والانسانية على ما جرى في مدينته، ومنشأ طفولته وصباه، وشبابه، وآثار الزمن على مدينة الآثار الخالدة .

لا غرابة اذا وجدنا كلمات المأساة كثيرة في هذه المجموعة، تتناثر هنا وهناك، تارة تحاول ملء فراغات شاسعة، واخرى في محاولةٍ لإزاحة هموم متراكمة .

لقد عاد بنا الكاتب من جديد في كثير مما كتب الى السرد الجميل بعد أن ابتعدت عنه الكتابات المعاصرة والتجديدية اللاحقة التي تغرقُ بالرمزية الخانقة والسرد الممل أحياناً، وربما المكرر غالباً.

هنا وجدنا لغة سهلة من اجل ايصال رسالة اعلامية تبيّن للقارئ بلا عناء، ما تحمله تلك الرسالة من جراحات شتى، بصور شتى، تضمّنتها النصوص الداخلية .

ذكريات وسير ذاتية تضمّنها الكتاب، تلخص ما يسعى اليه الربيعي من المضي قدماً على طريق الوضوح، والاستقامة، والجرأة في قول كلمة الحق كما يذكر، هي الرسالة الواضحة لكشف الظلم، وتعرية الظالمين بعيداً عن ملذّات الدنيا الزائلة .

مهما كانت جمالية النص المكتوب حين ينطلق من الواقع، تكون صوره وألوانه أجمل بكثير من الخيال المحض، وهنا تجّلى الابداع بصورة واضحة لنا استمد الفكرة والبناء النصي من الواقعية الحقيقية، وهيمنت العناصر الواقعية بعيداً عن الرومانسية في كثير من المواقع كي يجسد الكاتب الحقائق مرّة على شكل قصة، وأخرى على شكل مقال يتضمن القصة وهو نمط جديد في الادبيات المعاصرة الحديثة التجديدية قلّة من كتب به، وبعضهم اسماه: المقال القصة.

وايضاً استطاع الكاتب أن يصوّر الخارج النفسي الانساني، اضافة الى الدواخل، والخلجات، والمشاعر، بدقة وبساطة مليئة بالثقة بما يحصل من تطورات علمية وحضارية، في معالجات وحلول، ونقد بنّاء، لحل مشاكل عالقة بالمجتمع بسبب الممارسات الخاطئة من قبل البعض، وأيضاً لإعادة اعمار ما يمكن أن نسميه حالة الخراب والفوضى من أجل الانسان الذي يعيش على هذه الارض، بعيداً عن المثاليات غير المنطقية لحركة المجتمع والاقتصاد ـ والتفاعل الاجتماعي .

اذن، من يتحكم في البناء المعرفي، والوعي الموضوعي، بكل دلالاته هو الواقع، بعيداً عن حدود الذاتية، وما تمليه على صاحبها من إفاضات، واضافات تقيد المسيرة الحياتية للعلاج، لاسيما في مجتمع يعاني من ويلات وآلام كثيرة، هزّته بشدة، وأرادت أن تضعضع كيانه من كل الاتجاهات، ومن هنا حسب ما نراه واقعياً، كانت انطلاقة الربيعي في السرد الواضح مع ما يحمل من الجمال .

 

بقلم: سعد الساعدي..

 

نضير الخزرجيلكل مجتمع وأمة وحضارة مجموعة مفاهيم تتقيد بها وتعمل على هداها وبها تتميز عن غيرها، وهذه سنة طبيعة في الحياة، لا تقتصر على المجتمع الصغير أو الأمة الكبيرة، وإنما هو أمر جارٍ في العشيرة وفي الأسرة وفي الفرد الواحد، لأن التميز حاجة فطرية يعمل لها صاحب الهمة ويتقاعس عنها فاقد العزيمة، وهذه واحدة من عوامل إختلاف البشر والمجتمعات والأمم، فهناك مجتمع عامل وآخر خامل، فالعامل يخترق الأعاصير ويجتاز الأعالي حتى يصل القمة، في حين أن الخامل يأنس بما عنده وإذا أخرج له الدهر من كنانته بعض أسهمه أوجد لنفسه المعاذير ورمى التقصير على القدر والقصور على الدهر ليخرج منها خالي الأثر، يرمي بكرة اللوم على الآخر ليحمي مرماه من ثقل القهر، وإذا نظر إلى الأعلى عادة بخيبة البصر، حيث تسلق الآخر قمة النجاح وهو في الدرج الأول من سلم الفلاح.

وإذا كان للتميز إيجابياته فله سلبياته، ذاتية وموضوعية، فمن الثانية قلق الآخر من نجاحه فيعمل على هدمه مستنفذا كل السبل والطرق كردة فعل من الفشل الذاتي في التميز، ومن الأولى طغيان المتميز بحيث لا يرى إلا نفسه وحتى لا يرتقي إلى مرتبته أحد يعمل على تخريب ما ينجزه الآخر ولا يتوانى عن استخدام كل الطرق والسبل ما أمكنه ذلك ليحافظ على تميزه.

وما الخراب الذي تشهده البشرية منذ آدم عليه السلام وحتى قيام الساعة إلا بسبب الفهم الخاطئ للتميز والتعالي على الآخرين تحت بريق الأنا المندكة بالنفعية الذاتية، وما الحروب الموضعية والإقليمية والعالمية التي شهدها تاريخ البشرية إلا واحدة من آثار التميز الخاطئ الذي يعطي لجهة الحق في التعالي على أخرى تحت وقع الجنس أو القومية أو المكان أو المعتقد.

فالطموح والسعي للتميز حالة فطرية مشروعة، ولكن التعالي على الآخر وترجمته الى عمل منظم لوأد الآخر وتخريب انجازاته، هو ما يتقاطع وأصل الحياة البشرية القائمة على التنافس البناء لإعمار الأرض، وهو ما حذرت منه كل المعتقدات والشرائع العقلائية.

وحيث يدعو الدين الإسلامي أتباعه الى التولي لما أمر الله به والتبري عما نهى عنه كواحدة من مراقي التميز، فإن الفهم الخاطئ للتولي والتبري قد يقود مجموعات الى مقاطعة الآخر وإظهار العداء له والعمل على محاربته، وهو ما لا يدعو إليه الإسلام بوصفه دين الرحمة للناس أجمعين، هذه الحقيقة الناصعة التي قد تغيب عن البعض يتابع المحقق الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي مسائلها في كراس "شريعة البراء" الصادر حديثا (2019م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 56 صفحة متضمنا 77 مسألة فقهية تناقش مفهوم البراء والتبري مع 74 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، سبقتها مقدمة للناشر ومثلها للمعلّق وتمهيد للكرباسي.

حصانة وتعايش

يمثل مفهوم (البراء) الخط الثاني لمفهوم (الولاء)، فلا يتحقق تيار الإعتقاد الصحيح إلّا بسالب البراء وموجب الولاء، وإلا يبقى مصباح الإيمان عاطلا ليس له قيمة ضوئية في سوق العبودية لله وطاعة أوليائه.

ولا يقتصر المفهوم على الدين الإسلامي، فلكل دين أسلوبه في التعاطي مع الآخر المغاير، لكن الثابت في الأول أن البراء يتوجه إلى مشهري العداء والعاملين على تقويض دين الله، وإلا فإن البراء لا ينبغي أن يفهم منه العداء للآخر، بل بالعكس أن الرحمة الإلهية والفطرة الإنسانية تقتضيان دفع الإنسان إلى إصلاح الأرض وإشاعة الخير بالتعاون البناء بغض النظر عن المعتقد والمذهب، ولهذا نزلت آيات الله تخاطب عموم البشرية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) سورة الحجرات: 13، من هنا يحدد الفقيه الكرباسي وهو يتطرق في التمهيد إلى معالم البراء أنه: "النفور والقطيعة كما فسّره اللغويون، وأما الفقهاء وأرباب الشريعة فقالوا بأن المراد به التمتُّع بحالة الإنزجار عن المعادي لله والرسول وما أنزل إليه وأوصيائه، والإبتعاد عنهم".

ويعود الكرباسي ليؤكد: "إن البراء والتبري لا يعني بشكل مطلق رفض الآخر، بل لكل مجاله وحقوقه وواجباته من موقعه .. وهذا لا يتطلب رفض التعامل مع الآخر وعدم التماس معه، ولكن ما دام يخالفك في العقيدة لا يمكن أن تميل إليه ميلة الولي الحميم، لأن ذلك يتنافى مع حالة الإنقياد للقيادة الصالحة ويؤول إلى التشرذم، كما لا يطلب منك العزلة عن الآخر والتجنب منه، لأنك مدعو إلى هداية الناس وإلقاء الحجج عليهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وإن الدين الذي نعتقد به رسالته عالمية ولكل البشرية"، ويزيد في المسألة رقم (17): "يجب مساعدة غير المسلم إذا كانت حياته في خطر إذا لم يكن محاربًا"، (وذلك بالوجوب الكفائي لو قلنا به لمكان الإنسانية) كما يعلق الفقيه الغديري.

فالحصانة المجتمعية الذاتية أمر على غاية في الأهمية تمارسها كل الشعوب والأمم، وهي لا تتعارض مع التعاون مع الآخر، بل كما يؤكد الفقيه الكرباسي: "لم ينه الإسلام عن التواصل مع الآخر (العدو) ولا الذي يخالفك في الرأي والعقيدة، بل الشيء المنهي عنه هو تمكين النفس والقرار والدولة والحكم إلى العدو، إلى الكافر الذي لا يبتغي إلا مصلحته، سواء كانت ثقافية أو إقتصادية أو غير ذلك، وأما سائر التواصل فلم يمنعه الإسلام أبدًا .. فإلاحسان والمعروف للكافر وغيره مطلوب، ولا تجوز الإساءة إليهم بأي شكل من الأشكال".

وفي العادة فإن الذي ينصب العداء للآخر بسبب وبغير سبب ويجتهد في هذا الأمر إنما هو يعبر عن نفسية مريضة وذات سيئة، وبتعبير الفقيه الغديري وهو يقدم لشريعة البراء: (إن العداء من الصفات الخبيثة الباطنية والتي تستقر في النفس ولا تفارقها، فالمتلبس بها تشتغل نفسه بأمور شيطانية وأعمال مضادة للموازين الإنسانية والملكات الفطرية التسليمية)، ومثل هذا كما يضيف المعلق يجب التبري منه وعدم موالاته لأن: (البراء عنه يتبع به أثر عميق في نفوس الآخرين، ولأجل ذلك عدّت البراءة من أعداء الله وأعداء الرسول (ص) وأعداء أئمة أهل البيت(ع) من الأسس الإعتقادية).

قلعة الإستقلال

ثبت بالتجربة أن القوات المحتلة يساعدها ضعاف النفوس من داخل البلد المحتل على تمكين المعتدي منه والإستحواذ على البلد وشعبه وخيراته ومقدراته، فمنهم من يدفعه جهله إلى أن يكون حصان طروادة للعدو المحتل، ومنهم من تأسره المادة ويزغلل عينيه أخضر الدولار، ومنهم المنافق والمتربص والمعبر عنه بالطابور الخامس أو الخلية السرطانية المتحفزة، فالعدو المحتل مهما أوتي من قوة وهيمنة لا يستطيع أن يحتل بلدا تماسك شعبه وأعطى رباط الولاء للقيادة الشرعية والحكومة المنتخبة، لأن من حتميات الولاء الصادق هو البراء الصادق من أعداء الوطن يترجمه الفعل الثوري والنضال الدائب لمواجهة العدو الغاشم، وحتى لو تمكن العدو من احتلال البلد، فإنه لا يستطيع أن يتأقلم مع شعب عقيدته البراء من الآخر المعتدي، وهو يدرك أنه أمام مواجهة حتمية مع غضبة الشعب.

وقد تسالمت الشعوب على رفع العلم في المدارس والمعسكرات وفي الطرقات والأماكن العامة كتعبير طوعي عن الولاء للوطن والبراءة من أعدائه، والخدمة العسكرية التي يُساق إليها المواطن يعبر عنها بخدمة العلم للدلالة على حماية البلاد والعباد والمعتقد يسوق الناس إلى الإنشداد إلى الوطن، وبتعبير الفقيه الكرباسي في التمهيد: (في الحقيقة كما ان التولي هو ضامن للوحدة الحضارية والرقي الواعد، فإن التبرِّي هو حصانة للأمة ودليل للإلتزام)، وهو في الوقت نفسه حصانة من إختراق العدو عبر ضعاف النفوس والخلايا النائمة (السرطانية المتحفزة) التي تعمل على نخر جدار الوطن وتمزيق نسيج الأمة.

والبراء في حقيقته معلم بارز من معالم كرامة الأمة وعزتها، لأن رفض الآخر المعتدي هو في حقيقته تعبير عن التمسك والولاء والإعتزاز بالذات دون تكبر أو تعال، فالأمة التي تتبرأ ممن يريد لها الويل هي أمة تدرك معنى الإستقلال والعيش بحرية، وكما يفيدنا الكرباسي في التمهيد بأن الحديث عن الإستقلال والسيادة في أخذ القرار هو في واقعه عين: "الحديث عن الكرامة والعزة التي يريد الإسلام أن تتحصن الأمة بها، فإذا كان التولي حصنا حصينا للوحدة الوطنية فإن التبري هو حصن حصين للإستقلال والكرامة، ففي التعادل السياسي بين هذين المفهومين تتحقق صيانة البلاد والعباد من الإحتلال الجغرافي والإحتلال الثقافي ونجنب الأمة والوطن من الخطر الذي يداهمنا".

من معالم البراء

قد يتساهل البعض في التعاطي مع مفهوم البراء، ولا يدرك أنها واقعة على الفرد المسلم موقع الوجوب العيني بوصفها عبادة عينية كما يؤكد الفقيه الكرباسي ومن ذلك أن: "التبرّي لا يتحقق دون قصد القربة إلى الله، وهو عبادة وفعله واجب وتركه حرام"، فهما أي: "التولي والتبري واجبان عينيان، ولا مجال للقول بأنهما واجبان كفائيان"، وعدم التكتم على ذلك إلا لضرورة ولهذا يعد: "الإظهار بالتبري واجب شرعي إلا أذا أوجب ذلك خطرا على حياته أو أهله أو مصالحه"، والمصالح كما يعلق الفقيه الغديري: (سواء كانت المصالح مادية أو إجتماعية أو أخلاقية أو عائلية وغيرها شرط أن لا تكون غير شرعية)، ولأنّ البراء عبادة فإن الغديري يضيف معلقا على نوعية الوجوب: (وذلك عينًا كما في العبادات كالصلاة والصيام إذا كان هناك مانع قوي للإظهار فيقتصر بالميسور لأنه لا يسقط بالمعسور)، ولعل أقل الإظهار هو بالقلب، وإن: "يجب إظهار التبري حيث إنَّ وجوبه لا يختص بالقلب بل في الإظهار والإنزجار، وهو تكليف شرعي إلا في حالة الخوف والإجبار والإكراه".

ويواصل الفقيه الكرباسي في بيان تفاصيل المسألة فيما إذا كان المسلم يعيش في بلده المسلم أو في بلد آخر تحكمه قوانين الشرق أو الغرب، فمادام البراء هو من الشخص المعادي المعلن لعدائه فإن الأمر سيان مع وجود بعض الجزئيات الخاضعة لحيثيات الزمان والمكان، ولذا فعلى سبيل المثال: "في الدول الغربية التي تعتمد فيها حرية المعتقد لا ينبغي الإنعزال عن الشعوب غير المسلمة إلا ذا كانت مراودتهم تضر بالعقيدة والسلوك غير الشرعيين"، ومع قوة العقيدة والعزيمة والتحصن الذاتي تعد المخالطة مسألة لها دورها الإيجابي ولا سيما إذا أحسن المسلم في عكس حقيقة الإسلام من خلال سلوكه وتعامله، لأن الآخر، إن كان معتقدًا بدين أو بلا دين، يرى في المسلم كتابا مفتوحا يقرأه كل حين، والأمر خاضع للمسلم فيما يرغب أن يقرأه الآخر عنه وفيه، إن أساء في التعامل والسلوك أساء إلى إسلامه والبلد القادم منه، وإن أحسن أفاد الآخر بأن وضعه على الطريق الصواب لقراءة الإسلام قراءة جديدة بعين مجردة من المؤثرات العدائية التي تبثها وسائل الإعلام والدوائر المعادية للإسلام، وبتعبير الفقيه الغديري معقبا: (ولكن من دون الولاء مع غير المسلمين، وذلك لا ينافي التعامل معهم في الحياة الإجتماعية كأفراد من البشر بل ويمكن أن يكون الإنعزال موجبًا لضعف الإسلام وعدم إنتشاره في تلك المجاميع فيحرم حينئذ).

فالسلوك هو المعيار، ومن هنا يتوجه الإمام السادس من أئمة المسلمين الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام بالنصيحة قائلا: (كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا، قولوا للناس حسنا، واحفظوا ألسنتكم، وكفوها عن الفضول وقبيح القول)، ومثله وصية الإمام الحادي عشر من أئمة المسلمين الإمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام: (اتقوا الله وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً جرّوا إلينا كل مودة وادفعوا عنّا كل قبيح).

ولا يقتصر الولاء والبراء على الآخر النوعي الضدي خارج محوطة بلد السكنى، بل يشمل الذي يعيش بين ظهرانيهم من منافق أو محارب، فكما لا يجوز إطاعة أو احترام أعداء الله والرسول (ص) وآله(ص) فإنه: "لا يجوز مجاراة المنافق واحترامه وموالاته"، لأن المنافق صاحب وجوه خداعة فخطره على وحدة المجتمع والأمة عظيم للغاية، وهو مرتع للمؤامرات الداخلية والخارجية، وهو مطية المحتل والقوى الغاشمة، من هنا يعلق الفقيه الغديري قائلا: (بل وجب التباعد عنه مهما أمكن في شؤون الحياة الإجتماعية لكونه أكثر ضررًا من الكافر والمشرك، ولذلك أمر الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وآله بالجهاد حينما قال: ]يا أيها  النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم[ سورة التحريم: 9).

ولأن البراء معلم للإستقلال ومدعاة للوحدة المجتمعية، فإنه لا يقع من المسلم تجاه أخيه المسلم، ولذلك: "لا يجوز تضعيف الأخوة الإسلامية وما يوجب التفرقة في إطار التشرذم وبراء أحدهم من الآخر"، وعليه: "لا يجوز أن يضيع المسلم حقّا من حقوق أخيه المسلم بأي شكل من الأشكال"، وإذا كان البراء من الآخر المعادي واجبا عينيا فإنه يحرم مقاطعة المسلم، ولهذا: "أي أمر عُرفي أوجب المقاطعة سواء في عيادة المريض أو المسافر أصبح حرامًا"، وأكثر من ذلك: "يحرم مقاطعة المناسبات الدينية في الأفراح والأتراح إذا تسبب ذلك إلى الإبتعاد عن الأجواء الدينية الموجبة للولاء والتعاطف مع المسلمين ومناسباتهم"، ولهذا فإن: "من مظاهر البراء، إحياء المناسبات ذات الطابع الذي يُظهر فيها التبري من أعداء الله ورسوله والأئمة والإسلام".

بالطبع لا يفهم من الوجوب العيني للبراء أن تظل الحلقة قائمة مُحكمة الشد حتى وإن تغير سلوك المعادي، ولذا: "إذا زال عداؤه سقط البراء، وإن تحوّل وليًّا حميمًا أصبح  الولاء له واجبًا"، وهذا هو في واقعه محور الولاء والبراء، فالإسلام ليس دينا مناطقيا ولا دينا قوميا، وإنما هو خيمة سقفها سقف الكرة الأرضية وطبقة أوزونها يستظل تحتها البشر تقيهم برد الجبت وحر الطاغوت، عمودها المبعوث للناس أجمعين وما أُنزل عليه: ]تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً[ سورة الفرقان: 1، وهو رحمة الله في أرضه وسمائه: ]وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ[ سورة الأنبياء: 107.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

قراءة في كتاب، فيفيان أمينة ياجي: من باريس الى أم درمان؛ حياتها وأعمالها. للدكتور مكي البدري

تمهيد  

يوم الأحد الموافق 3 نوفمبر 2018م أهداني البروفيسور حسن الحاج علي، رئيس المكتبة المركزية لجامعة الخرطوم، أهداني مشكورا، دعوة كريمة لحضور حلقة نقاش في منتدى الكتاب بمكتبة جامعة الخرطوم بالتعاون مع دار مدارك؛ ندوة مكرسة لعرض كتاب، عن حياة الكاتبة السودانية الراحلة، فيفيان أمينة ياجي: (من باريس الى أم درمان؛ حياتها وأعمالها) للدكتور مكي بشير مصطفى البدري. جاءت الدعوة مرفقة بنسخة من الكتاب الصادر لتوه، عن دار مدارك للطباعة والنشر. بغلاف كلاسيكي أنيق يحمل صورة الباحثة الفرنسية المولد السودانية الجنسية فيفان ياجي بالزي السوداني الأبيض بجانب بوابة خشبية شرقية أثرية مغلقة مفتوحة بالمناصفة!

وتلك صورة رمزية بالغة المعنى والدلالة في سياق العلاقة التاريخية بين الشرق والغرب الشديدة التداخل والاضطراب. وهذا ما سوف نشير اليه لاحقا.

 الكتاب من الحجم المتوسط في (170) صفحة موزع على جزئيين؛ الأول عن مسيرة حياة فيفيان أمينة ياجي، مقتطفات معروضة في (41) مبحثا. والجزء الثاني: عن أعمالها بعنوان: كتب ومقالات ومحاضرات وبرامج إذاعية. في (12) مبحثا. فضلا عن التمهيد والمقدمة والخاتمة والملاحق.   

على مدى ثلاثة أيام عكفت على قراءة الكتاب بسعادة غامرة، لاسيما وقد صادف هوى في نفسي، إذ وجدته في صميم انشغالي بموضوع الاستشراق والاستغراب في أعادة تأمل مشكلة العلاقة بين الشرق والغرب من منظور الدراسات الثقافية ما بعد الكولونيالية. فضلا عن كونه كتابا جديدا بالنسبة لي، وكل جديد للبالغ متعة! بحسب فرويد. فكيف وجدت الكتاب؟ وماذا وجدت فيه؟ وماهي خلاصة قراءتي له؟

 الكتاب جهد رائع بذله المؤلف مكي البدري وهو بالمناسبة تلميذ وفي للأستاذة فيفيان ياجي، إذ ينطوي العمل الذي قام به والمتمثل في (جمع وإعداد ودراسة) سيرة حياة الأستاذة الرحالة المثقفة الفرنسية السودانية فيفيان أمينة ياجي؛ 1930- 2011م على أهمية مركبة.

أولا: فهو من جهة قد أسدى خدمة جليلة للثقافة السودانية والعربية والإنسانية في حفظ وإشهار تحفة ثقافية رائعة كاد يطويها الإهمال والنسيان بسبب ضياع بعض نصوصها وتشتتها في إضبارات وقصاصات متفرقة. إذ إنه وقد جمع سيرتها الزاخرة بالعطاء والإبداع في هذا الكتاب فقد حفظها من الضياع.

ثانيا: يقدم هذا الكتاب فرصه ثمينة للباحثين والدارسين السودانيين وغير السودانيين للوقوف عند حقبة تاريخية حاسمة ومفصلية في مسار تاريخ العلاقة بين الشرق والغرب، بين المحلي والعالمي، بين الذات والآخر، بين الجنوب والشمال؛ حقبة المواجهة والدهشة والاصطدام مع الحداثة الغربية في أوج انتصارها، إذ إن واقعة الحداثة تعد بلا شك أعظم وأخطر حدث تاريخي في حياة الشعوب العربية الإسلامية والشرقية الحديثة والمعاصرة.

ثالثا: نعتقد أن هذا الكتاب المولد حديثا قد جاء في لحظته وفي سياق تبلور مخاض ما بات يعرف بالحركة الاستغرابية الجديدة التي أخذت تتبلور منذ بضعة سنوات في الدوائر الأكاديمية والثقافة العربية الإسلامية. فاذا كان الاستشراق هو الأسلوب الغربي لتعرف الشرق وبحثه ودراسته وفهمه وتصوره وتشكيله واختلاقه وتمثيله وترويضه وإحكام السيطرة عليه وامتلاكه، فإن الاستغراب بوصفه مشروعاً ثقافياً علمياً لمعرفة الغرب وتخيٌله وفهمه وتمثُله وتمثيله "من خلال بنيته المعرفية والثقافية، بوسائل علمية موضوعية " يختلف عن الاستشراق التقليدي ويتفق معه في جمله من النواحي والابعاد القابلة للرصد والمقارنة.

مما لا شك فيه أن الاستغراب سوف يفتح أفاقا واعدة في إعادة صياغة العلاقة بين الشرق والغرب على أسس عقلانية وأكاديمية إنسانية جديدة بما يعزز من قيم التسامح والتعايش والتفاهم والحوار بين الشعوب والثقافات والحضارات والأديان، بعد أن تحطمت الحواجز والحدود التي كانت في الماضي القريب تفصل بينها؛ بفضل ثورة المعلومات والاتصالات، في عالم بات شديد الانكماش والترابط والتداخل. إذ مع العولمة بأفقها التواصلي الفضائي الإنساني، لم تعد عبارة (الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا) جديرة بالمعنى والاعتبار، كما ساد الاعتقاد ذات يوم! بل أضحى التلاقي والترابط والتمازج والتأثير والتأثر بين جميع الجهات من ضرورات تدبير العيش والتعايش للحياة المشتركة في هذا الكوكب الدوار.  

رابعا: تعد أعمال، السيدة فيفيان ياجي، مناسبة متميزة للاطلاع على الصيغة النوعية الفريدة التي اكتسبتها العلاقة بين السودانيين والغربيين، منذ موسم الهجرة الى الشمال للروائي العظيم الطيب صالح، الذي كان له الفضل في إعادة صياغة شكل العلاقة بين الشرق والغرب الى صيغة جديدة غير نمطية البتة. وهو بذلك يدعونا الى إعادة النظر في الاستشراق من حيث هو الأسلوب الغربي لتعرف الشرق وبحثه ودراسته وفهمه وتصوره وتشكيله واختلاقه وتمثيله وترويضه وإحكام السيطرة عليه وامتلاكه. (ينظر، إدوارد سعيد، الاستشراق: المعرفة السلطة الإنشاء ص 31). إذ هو حصيلة خبرة تاريخية متراكمة لشبكة واسعة من الممارسات والعلاقات الثقافية والحضارية والمدنية، بين الشرق والغرب، بين الأنا والآخر، بين نحن وهم. هذه العلاقة التي نمت وتطورت عبر التاريخ في مسارات متقاطعة من الفهم وسوء الفهم، والشدة واللين، والحوار والصدام، والسلم والحرب، والندية والتبعية، والتكافؤ والهيمنة، والقوة والضعف، والتحدي والاستجابة، وغير ذلك من تجليات التوتر والاضطراب في جدل التماس والصراع بين الشرق والغرب، بين القوة والضعف منذ الاستشراق الأول المحمول على رؤوس الحروف الإغريقية الأكاديمية حتى الاستشراق الأخير المحمول على رؤوس الصواريخ البالستية الأوروأمريكية" (ينظر، قاسم المحبشي، فلسفة التاريخ في الفكر الغربي المعاصر: أرنولد توينبي موضوعا، ص 311). وسوف نلاحظ أنه من رحم الاستشراق الفرنسي والاستغراب السوداني الإنساني جاءت فيفان أمينة ياجي ونمى وازدهر مشروعها المعرفي الفكري الشرقي العربي الإسلامي.

ميلاد الاستغراب.. في موسم الهجرة الى الشمال

من الملاحظ ونحن نقرأ سيرة حياة فيفيان ياجي، أن طلائع النخب السودانية الموفودة للدراسة في الدول الغربية قد اجترحت نمطا جديدا من العلاقة بين الشرق والغرب، بين نحن وهم، فبدلا من نمط الاستشراق الروبنسوكروزي السكسوني الفرنكفوني النابليوني  الذي المح اليه فيلسوف التاريخ العراقي مدني صالح بقوله:" أن طامة العقدة الروبنسكروزية الفاتكة لم تصبح وباءً طاغياً ساحقاً ماحقاً لا يبقى ولا يذر إلا يوم شد الرحال سبعة رجال من أقطار عربية مختلفة إلى جامعة روبنسكروزية أوروأمريكية سايكسبيكوية مؤمركة فاجتمعوا هناك اجتماع المساكين تحت إشراف المسكين روبنسون كروزو المستشرق الملائي المنغلق المخدوع وتعارفوا فوجدوا أن أحدهم قد جاء ليكتب أطروحة في مسألة الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة وأن الثاني قد جاء ليكتب أطروحة في مسألة الخلاف بين الأمين والمأمون، وأن الثالث قد جاء ليكتب أطروحة في مسألة الخلاف بين الغزالي وابن رشد، وأن الرابع قد جاء ليكتب أطروحة في مسألة الخلاف بين المرابطين والموحدين، وأن الخامس قد جاء ليكتب أطروحة في مسألة الخلاف بين الأمويين والعباسيين، وأن السادس قد جاء ليكتب أطروحة في مسألة الخلاف بين الكوفيين والبصريين، أما السابع فقد مل قضايا المخالفة والتخالف والخلاف وبدل موضوعه من الأدب إلى الفقه، وتحول من مسائل الخلاف بين الملل والنحل والمذاهب والفرق فكانت الأطروحة بعنوان اتفاق الآراء في مسائل الاستنجاء، بدلاً من مسائل الخلاف بين جرير والفرزدق تحت إشراف المسكين بروفسور روبنسون كروزو نفسه" (مدني صالح، بعد خراب الفلسفة، ص 27).

 تلك الصورة النمطية للعلاقة بين الغرب والشرق  كانت علاقة بين ذات فاعلة وموضوع منفعل، بين من يرى ويتأمل ويكتب ويفسر وبين من يبُسط موضوعاً للرؤية والتصنيف والتقييد والحكم بين المستشرق الآتي من بلاد الغرب المزدهر، والشرق المتخلف الضعيف العاجز الذي ينتظر من يؤخذ بيده ويحييه، وهذا ما عبر عنه المستشرق الألماني (لودفيج هيرمان فون) بعد زيارته للجزائر وتونس عام 1835 بقوله: "إنهم يتحلون أكثر مَنا بمظهرهم وسلوكهم بهيبة الإنسان الفطري ويفوقوننا من حيث السجايا البدائية، لكنهم لظروف معينة ظلوا جاثمين عند أول درجة من سلم الحضارة، بالنسبة لغرائزهم الطبيعية التي لا يتورعون عن إشباعها بفظاظة بل قل بوحشية رغم رقة شمائلهم.. أصبحوا جنساً منتكساً قاصراً عن تحقيق أي نوع من النهضة أو عن بعث أي ضرب من ضروب الحضارة، ولا سبيل لحضارة إليهم إلا إذا أخضعوا لهيمنة المسيحيين". ويتساءل بكامل الدهشة، كيف يمكن لمملكة تونس أن تصبح لو آلت إلى الأوربيين من ذوي الخبرة والاجتهاد، إن في وسع هذه البلاد الخصبة أن توفر العيش والنعمة لستة أضعاف عدد سكانها، وينتهي إلى التصريح برغبته في حكم البلاد والعباد معلناً: "إنه ليس هناك مهمة أنبل وأجمل من تنصيبه من قبل القوى الأوربية إثر انهيار الإمبراطورية العثمانية ملكاً على شمال إفريقيا من حدود المغرب الأقصى إلى حدود برقة، وذلك إشفاقاً منها على هذا الربع المهمل" (مصطفى النفير، الامير في دولة القراصنة، مجلة الاجتهاد، ص 110-114).

على العكس من تلك الصورة النمطية للعلاقة بين الشرق والغرب جاء كتابنا الجميل هذا (من باريس الى أم درمان) بعكس اتجاه الاستشراق التقليدي؛ إنه استشراقا معكوسا. هنا يتم تبادل للأدوار، بين الشرق والغرب، فها هو ابن أم درمان القادم من قلب الشرق السودان طالب الدراسات العليا وتلميذ عميد الأدب العربي، طه حسين، المبعوث الى فرنسا لغرض الدراسات العليا، محمد أحمد ياجي، يغدو منذ وصوله باريس ذاتا فاعلة وجاذبة ومحور اهتمام ثقافي وعلمي واجتماعي لفتاة لا روشيل الأطلسية وطالبة الفلسفة الفرنسية المسيحية الكاثوليكية فيفيان غوغيه المولودة في لحظة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية عام 1930م وهي فترة حرجة في تاريخ أوروبا المعاصرة لم تشهد مثيلا لها في مجمل تاريخها.

من المؤكد أن طبيعة العلاقة بين السودانيين والقوى الكولونيالية واهمها الانجليز قد تميزت بملامح إنسانية على الضد من علاقة معظم الشعوب العربية بمستعمريها، إذ قلما نجد كتابات ما بعد كولونيالية كذلك الكتاب الذي إلفه الكاتب السوداني حسن عابدين بعنوان: (سودانيون وانجليز: الوجه الإنساني للعلاقة التاريخية، دراسة توثيقية في التاريخ الاجتماعي) تناول فيه بعض من أوجه وذكريات العلاقات الإنسانية بين الانجليز والسودانيين، فيما يشبه الحنين، من الطرفين طبعا. يمكن الإشارة الى نماذج من النصوص المعبرة عن المعنى. إذ أكد الكاتب أن للاستعمار الإنجليزي في السودان وجهين؛ وجه قاسي وظالم وقاهر وعبوس " أما الوجه الآخر للاستعمار البريطاني فقد أسفر عن قسمات وملامح الحنو والتعاطف والروح الرسالية ومنهج الوصاية على شعب يستحق ويحتاج ان ينتشل من وهده التخلف الحضاري الى اعتاب المجتمع الحديث وعتبات الدولة الحديثة عتبة تلو اخرى وتدرجاً وئيداً نحو التقدم والرفاهية...تلك كانت نوايا وسياسات حملها للسودان جيل جديد من الاداريين البريطانيين عند منتصف العشرينات وفي اعقاب"(ينظر، حسن عابدين، سودانيون وإنجليز، مدارك، 2016، ص45).

وكما هو معروف أن الأثر دليل على المؤثر! وأن تسأل مواطن جزائري عن الفرنسيين لا يمكن أن تجد جوابا مثل هذا الذي قاله شيخ سوداني في الإنجليز هاكم السوال والجواب: "سأل سائل الناظر بأبو نمر ناظر عموم قبائل المسيرية عن رأيه في الانجليز فقال: " نعم الانجليز كانوا حكاماً اكابر ولكن لم يكونوا متكبرين ينظروا للناس ويعاملوهم بكبرياء.. ولكننا كنا نراهم كبارا..." في سياق آخر يصف بابو نمر الانجليز وقد عُرف عنه محبتهم واحترامه لهم: " للإنجليز كما لنا نحن المسلمين باقيات صالحات ثلاث لا تغفل السنتهم عن ترديدها صباح مساء وهي: Please,Thank you,Sorry أي: من فضلك، شكراً، آسف.." وهكذا أوجز بابو بحكمته وفي كلمات قصار ابعاد المثلث الذهبي للثقافة الانجليزية: ثقافة الاستئذان، والشكر والاعتذار عن الخطأ.. " (ينظر، حسن عابدين، المرجع ذاته، موقع سودانيل يوم 03 - 12 – 2014).  وفي السياق ذاته تزخر مذكرات الإنجليز عن السودان وأهله بمواقف إنسانية بالغة السمو والرفعة كتلك التي كتبتها لممرضة ماري رولي والتي عملت في مستشفى الابيض عام 1947 فكتبت في مذكراتها تقول: " ان السودانيين كشعب محبوبون وأفراحهم ومسراتهم وإحساسهم بالمرح مُعْدىٍ للآخرين...انهم يغمرونك في كل مكان بحسن الاستقبال والكرم الاصيل ولا يهمني اين كنتُ في السودان فلم اشعر اطلاقاً بقلق تجاه سلامتي الشخصية..."

ومثل هذا جاء في مذكرات إنجليزي أخر، هو روبن كاتفورد وقد عمل في كل من تالودي ومريدي خلال 1946- 1955 يقول في مذكراته: " ...لا شيء ابداً يغْسِل ما علق في قلوبنا من حب للسودان ولأهل السودان..."(حسن عابدين، المرجع ذاته).

غرضنا من إيراد هذه الشذرات من مدونة علاقة السودان وأهله بالاستعمار الإنجليزي، هو البحث عن تفسير معقول لما تميزت به علاقات التزاوج بين الطلبة السودانيين الموافدين للدراسة في الدول الأوروبية وزميلاتهم الاجنبيات من مختلف الديانات والتخصصات، كما تطالعنا حكاية زواج الطالب السوداني محمد ياجي من الطالبة الفرنسية فيفيان غوغيه وما كان لها من نتائج رائعة على عدد من الأصعدة الواسعة كما سوف نلاحظ ادناه.

الزوجان ياجي وفيفيان في سياقها الحضاري العام

  لقد كان الانسان البرجوازي الاوروبي في عام 1900م انسانا سعيداً، فحياته المادية سهلة، وثروته مستقرة، وضميره طيب، ولا يتسع وقته للملل والقلق. بيد إنه ما أن تصرمت بضع سنوات من القرن الجديد، حتى قلب التاريخ للأوروبيين ظهر المجن، وانقضت المرحلة التي كان التاريخ يبدو فيها نهرا جميلا يغري بالرجوع الى أصله، ويبهج من يرمق جريانه وهو واقف على الشاطئ قرير العين! إذ ما أن تقرع الأجراس وتدوى أصوات المدافع في آب 1914م منذرة ببداية أول حرب عالمية كبرى، حتى يبدأ عهد جديد في حياة الانسان الأوروبي، الذي كان يسبح في زمان مشرق متجانس، يمضي فيه التاريخ بهدوء وتقدم صوب المستقبل الجميل دون اهتزاز أو توقف. لكن ما ان تبدأ القنابل والمدافع تدك "المدن الأوروبية المفتوحة واحدة تلو الأخرى، حتى تميد الأرض والتاريخ، تحت اقدام الانسان الأوروبي، ليهب مذعورا غير مصدق ما يراه. وهذا ما توحي به المقالة المفزوعة في جريدة التايمز اللندنية، إذا جاء بعد ساعات من بدء الحرب عام1914م في افتتاحيتها "ليس هناك أمة متحضرة على وجه الكرة الأرضية ترضي بان تقصف المدن الأمنة المفتوحة بالقنابل من الجو" (ينظر، قاسم المحبشي، مشكلة الانسان في الفكر المعاصر، الوجودية نموذجا ص 95).

وما إن لبثت تخرس أصوات المدافع في عام1918م، حتى تهتز أوروبا من أعماقها على إثر قيام ثورة عام1917م في روسيا – التي اعلنت نفسها (ثورة اشتراكية ضد الامبريالية العالمية) ومنذ تلك اللحظة تنفلق وحدة العالم الرأسمالي الى شطرين متخاصمين – الرأسمالي والاشتراكي.

وإذا أعتقد قادة الثورة الاشتراكية الوليدة لينين وستالين واقرانهم من أحفاد ماركس أن ثورتهم جاءت تعبيرا عن ضرورة حتمية لقانون جدل التاريخ وهي الحل الامثل والضروري للقضاء على تناقضات المجتمع الرأسمالي المتفاقمة والتي بلغت ذروتها في المرحلة الامبريالية، وهذا هو ما تنبأ به ماركس، ولم يفعلوا سوى ترجمة النظرية الثورية الى الممارسة الثورية، وعليه أصبح ماركس مجسداً، بل اجبروه على التجسد ليغدو روح عالمهم الحتمي الدوجمائي الجديد.

وعلى الضفة الأخرى من الدون الهادئ، في المانيا الطموحة كان ذرية نتشه – قادة الحزب الاشتراكي القومي الالماني (النازي) قد استحضروه (نتشه) من قبره بعد انقضاء ثلاثة وثلاثين عاماً على وفاته لينصبوه معلماً للكذب والعنف وليجعلوا منه نافخ الروح العصبية في العرق الألماني الأعلى الذي لا يحتاج الا الى ارادة القوة كي يسود العالم، وليتحقق حينذاك حلم نتشه بعصر الانسان الأعلى السوبرمان.

هكذا بدأ عصر انهيار الحضارة الصناعية الحديثة عندما جرى تجسيد وتجميد القيم الروحية الإنسانية الشفافة لماركس ونيتشه وهيجل في وقائع مادية ومشاريع تنفيذية في عالم الممارسة السياسية التي امتهنت الانسان والتاريخ ممعنة فيهما قتلاً وتمزيقاً. ويتساءل دلسول: كيف قيض لقيم أخلاقية وجمالية وروحية سامية " أن تخرج من ذاتها وتخونها وتتمكن من خلق الوحش الأكثر قذارة في التاريخ يقصد النازية". إذ ما لبثت تتشكل ملامح الدول الشمولية الثلاث – روسيا الستالينية والمانيا الهتلرية وايطاليا الموسولينية – جنبا الى جنب مع الأزمات الاقتصادية والسياسية الخانقة في أوروبا العجوز أعوام (1929 – 1931م) تلك الأزمة التي بدلت موازين القوى الاجتماعية بحيث سنحت الفرصة للطبقات الوسطى أن تستعيد ضربتها في الحياة السياسية الأوروبية محمولة على حصان الديمقراطية الليبرالية التي تحولت في لحظة مباغتة إلى دكتاتوريات مستبدة ومتوحشة قادت الشعوب الأوروبية الى الجحيم وأذاقتها سوء العذاب! 

في خضم هذه الاحداث الصاخبة كانت أوروبا تغلي على نار هادئة ولم يمض كثيرا من الوقت حتى كانت العواصم التاريخية الكبرى باريس ولندن وبرلين وموسكو تترنح تحت القصف العنيف للقنابل الفتاكة، ويهب مارد العالم الجديد (أمريكا) ليدهش العالم الجريح بمفاجئة مروعة عندما يلقي قنابله الذرية على هورشيما وناجازاكي في اليابان عام1945م لتكن ضربة السيف الحاسمة والخاتمة للحرب التي استمرت ستة سنوات من (عام 1939 الى 1945م) وراح ضحيتها أكثر من خمسين مليون انسان. وبدى الأمر وكأن نبوة (موتسيكو) – التي كتبها في غرة القرن الثامن عشر – قد تحققت إذ كتب في "الرسائل الفارسية" يقول: " إنني ارتعد فرقا من أن الأمر سيؤدى اخيرا الى الكشف عن سر تقني تنجم عنه طريقة أسرع لإبادة الناس ومحو الشعوب والأمم جميعاً" لقد برهنت الحرب على ادانة المدنية العلمية الصناعية، وعلى إفلاس الأخلاق العقلانية، وانتكاس حضاري لقيم التقدم والعقل والعلم والمال والنظام والليبرالية والدول العلمانية.. الخ.

 بيد إن عمق هذه الكارثة يتجلى في تلك الجروح الغائرة والعذابات الدامية التي استقرت في النفوس اليائسة الممزقة التي فقدت الثقة في المسيح والكنيسة والتعميد والانسان والعالم المستقبل وكل شيء. كتب المفكر الانساني "رومان رولان" بلغة حزينة: "انتهى عام وبدأ آخر، والقلب دام والعيون تمور بالدموع.. ويضيف: إنني لم اشعر بعزلة معنوية وجو خانق أثقل من هذا. أن ايماني بالأفكار التي أناصرها لازال قويا، ولكنني فقدت كل إيمان بالبشر والدول"

هكذا مما تقدم يمكن أن نخلص لأغراض موضوعنا الى القول: أن عصر فيفيان أمينة تاجي هو عصر استبد به الذهول الناجم عن تلك الكوارث المتلاحقة. وهذا هو الراي الذي كتبه مؤلف كتاب سيرة حياتها، مكي البدري، إذ قال: " بعد انجلاء الحرب، كانت الحياة غير الحياة، فقد انهارت كثير من القيم التي تربّت تلك الطفلة عليها، وفقدت كثيرا من المبادئ التي كانت مُسلِّمات وحقائق بديهية، ومضت في رحلة من البحث، لم تكن في حداثة سنّها تدرك كنهها، ولكنها كانت تحس أنها تفتقد شيئا ما ولا بد من أن تجده. وواصلت في باريس دراستها التي بدأتها في لا روشيل، وكان شغفها بالقراءة والاطلاع هو زادها في تلك الرحلة"(مكي البدري، من باريس الى أم درمان، ص25)

في هذا السياق الحضاري العام يجب النظر الى الطالبة الفرنسية فيقيان غوغيه التي أكملت دراسة الفلسفة عام 1947م والتي لفت نظرها الإشارة "المقتضبة الى الفلاسفة المسلمين في كتاب الطريق الى الفلسفة الذي افرد صفحة ونصف فقط لعرض الفلاسفة والعلماء المسلمين" (ينظر، مكي البدري، من باريس الى أم درمان، ص 32).

في الواقع لقد استطاع الكاتب القبض على أهم الدوافع التي حفزت تلك الشابة الفرنسية النابهة للاتجاه شرقا والبحث عن الخلاص من جحيم الحضارة الغربية المادية المتوحشة. لاسيما بعد أن أعلن نتشه اكتشاف العدم في قلبه وقلوب أهل زمانه! هاهي فيفيان، تمر بذات التجربة الوجودية الروحية التي مر بها نتشه الألماني قبلها، تجربة فقدان الأيمان بالمسيح والخلاص المسيحي كما سوف نلاحظ لتونا. إذ نعتقد أن ثمة عوامل كثيرة أخرى فضلا عن الحرب وسجن والدها كانت قد أثرت في شخصية فيقيان وجعلتها تبحث عن الخلاص في الشرق الروحي. من ذلك، تجربة تعميدها في السنة الحادية عشرة، التي خيبت أملها وفقدان الايمان كما كتب بنفسها " لعل خيبة الأمل تلك كانت هي الأساس الذي وسم حياتها ووجّه دربها في الطريق الذي اختطته لها العناية الإلهية. وتفاقمت خيبة الأمل تلك بنشوب الحرب العالمية، وسفر الوالد ضمن سلاح البحرية، وشظف العيش الذي عانت منه الأسرة، التي اضطرت للانتقال من لا روشيل إلى باريس، حيث كانت الأخت الكبرى تدرس الموسيقى، واضطرت الوالدة للعمل" (مكي المرجع ذاته ص 29). فضلا عن الاهتمامات الفلسفية لوالدتها وحكايات والدها الساحرة عن الشرق بعد رحلاته المتكررة من شمال افريقيا (مكي 23). فهي انسان ينتمي الى جيل ثورة الشباب والنزعة الوجودية والتمرد والضياع والاغتراب وما بعد الكولونيالية وحضارة الموجة الثالثة وما بعد الحداثة وسقوط الحكايات الكبرى.. الخ. كما كان لاهتمامها بالدراسات الاستشراقية وقراءتها لكتاب " سيرة الرسول محمد بعنوان: محمد: نابليون السماء" للمستشرق الفرنسي جان باروا أثر عميق في تحولها الروحي إذ اعترفت انها شعرت كأنما خرجت (من الظلام الى النور) بعد قراءته (ينظر، مكي، المرجع ذاته، ص34).  

على كل حال لابد لنا من الإقرار ونحن نتتبع سيرة حياة فيفيان الجدير بالاهتمام بان الدافع الأهم والعامل الحاسم في تحديد مصيرها في أحر المطاف كان وجود وحضور وظهور الشاب الأسمر الخلوق محمد أحمد ياجي في حياتها. وقد سرد المؤلف العلاقة بينهما من أول نظرة الى أخر لحظة من حياتهم الحافلة بالمواقف والاحداث والإنجازات الإبداعية: علاقة حب واحترام مسيجة بالمودة والوفاء النادر. (ينظر، مكي البدري، المرجع ذاته، ص45).

أنني من واقع تخصصي في الفكر الغربي المعاصر بشقية السكسوني والفرنكفوني اعتقد بان هذا الكتاب الصغير الجرم العظيم المحتوى إنما يؤسس لنمط جديد من الرؤية والتأويل والفهم للعلاقة بين الشرق والغرب، نمط يبحث في الممكنات المشتركة للتلاقي بينهما على الضد من الرؤية الصدامية التي سادت الفكر الحديث بصيغة (الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا) التي كتبها الشاعر الإنجليزي روديارد كبلينغ نهاية القرن التاسع عشر.

الزوجان ياجي؛ محمد أحمد ياجي المولود في أم درمان السودان من 1918- 1994م وفيفيان غوغيه المولودة في لا روشيل الفرنسية 1930-2011م، اثبتا بالتجربة والبرهان العملي الحي بطلان هذا عبارة الإنجليزي كبلينغ، وأكد تأكيدا حاسما امكان اللقاء بين الشرق والغرب، بل وجعله ذلك اللقاء خصيبا ومفيدا وخلاقا وزاخرا بأنبل المعاني والدلات الإنسانية الجديرة بالنماء والتنمية.

 ياجي وفيفيان: الشرق والغرب اللقاء والثمار

المثير للاهتمام أن ظاهرة زواج المبعوثين السودانيين للدراسة في الجامعات الغربية من زميلاتهم المتميزات علميا تعد ظاهرة ملفته وجديرة بالبحث والدراسة بما تحمله من دلالات بالغة الأهمية علي صعيد الدراسات الثقافية ما بعد الكولونيالية، إذ وجدتها ليست مقتصرة على ياجي وفيفيان كما كنت أعتقد واهما، بل تبين لي أن عدد واسع من المثقفين والعلماء والأدباء والأكاديميين والفنانين السودانيين والأطباء والمهندسين قد تزوجوا من اجنبيات وعاشوا معهن حتى أخر العمر، ومنهم  الروائي الطيب صالح الذي تزوج من الاسكتلندية جولي وانجب منها ثلاث فتيات هن (سارة وسميرة وزينب)  والعلامة عبدالله الطيب، الذي تشرفت بمعرفة زوجته الإنجليزية السيدة جريزلدا ويليم قبل أيام في الندوة المكرسة للعلامة عبدالله الطيب المصاحبة للمعرض الدولي السابع عشر للكتاب. والدكتور راشد دياب الذي تزوج من اسبانبة. والدكتور عبد الرحمن محمد سعيد الأكاديمي السوداني والذي عمل سفيراً للسودان في إيران متزوج من المانية كانت تسمى كريستينا ثم اسلمت على يده وسميت حميدة وانجبت له عدد من الاولاد والبنات. وكذا الدكتور بابكر عبد الله السيد وهو طبيب قلب مشهور متزوج من المانية اسمها إنيقا. والباش مهندس طيران سر الختم كمبال متزوج من طبيبة بولندية اسمها زجسلافا كونكوفسكا كمبال. وهناك حالات كثيرة مشابهة من الزيجات الناجحة لا يتسع المجال لذكرها هنا. ويرى الكاتب خالد موسى دفع الله أن (ألفنانة التشكيلية جريزالدا الطيب زوجة العلامة الراحل البروفيسور عبد الله الطيب في مقال لها بصحيفة الشرق الأوسط، قد زعمت من خلال معايشتها لتلك الفترة في بريطانيا، أن شخصية مصطفي سعيد هي مزيج بين ثلاثة شخصيات حقيقية عاشت بالقرب من الكاتب في لندن. وتقول جيرزالدا أن هذه الشخصيات هي: " د. سعد الدين فوزي وهو أول سوداني يتخصص في الاقتصاد بجامعة أكسفورد، حيث تزوج فتاة هولندية محترمة ومخلصة وليست شبيهة بالفتيات في الرواية، وحصل على درجة الدكتوراه في العام 1953، وعاد إلى السودان، حيث شغل منصبا أكاديميا رفيعا الى أن توفي بالسرطان عام 1959. ولكن قبل ذلك التاريخ في الخمسينات حصل عبد الله الطيب على درجة الدكتوراه من جامعة لندن في اللغة العربية وعيّن بعدها محاضرا في كلية الدراسات الأفريقية والشرقية بالجامعة نفسها، وقبلها بعامين تزوج من فتاة إنجليزية (هي الكاتبة نفسها)، ومرة أخرى ليست شبيهة بصور فتيات الرواية. إذا هنا مزج الطيب صالح الشخصيات الثلاثة: سعد الدين وحصوله على شهادة دكتوراه في الاقتصاد من أكسفورد والدكتور عبد الله الطيب وتعيينه محاضرا في جامعة لندن. أما الشخص الأكاديمي السوداني الثالث الذي اقتبس الطيب صالح جزءاً من شخصيته لتمثل الصفة الثالثة عند مصطفى سعيد -وهي الدون جوان، إلى حد ما- فهو الدكتور أحمد الطيب صديق الثلاثة ورفيقهم في الدراسة بالسودان وبريطانيا"). وبغض النظر عن حقيقة هذا الزعم والدحض فما يهمنا هنا هو الاشارة الى أن الطيب صالح وروايته موسم الهجرة الى الشمال قد افتتحا أفق جديدة للعلاقة بين الشرق والغرب، أفق أكثر رحابة وإنسانية وقيمة وفائدة وفي سياق ذلك الأفق الجديد يمكن رؤية وتعيين فيفيان أمينة ياجي بوصفة ثمرة يانعة للتلاقي قلبين وعقلين من الشرق والغرب، هما السوداني محمد أحمد ياجي والفرنسية فيفيان غوغيه، فكان أن أثمر هذا اللقاء الخصيب الجميل تلك الثمار اليانعة الرائعة التي نحتفي بها اليوم. والتي سيكون لها شأن عظيم على صعيد تخصيب وتنمية المعرفة الإنسانية ودفع حركة الاستغراب الجديدة.

وطالما وقد حاولنا أعلاه تأطير زواج ياجي وفيفيان في سياقه العام، فمن المهم استخلاص النتائج الملموسة المحسوسة من ذلك اللقاء كما تمخضت في الواقع العملي المباشر. إذ كان لهذا اللقاء الحميم بين رجل شرقي وسيدة غربية نتائج رائعة لم تكن بحساب أحد حتى هما ذاتهما، يمكن الإشارة الى أهمها:

أولا: المرأة في الغربة وطن! إذ كانت وستظل المرأة في كل زمان ومكان، هي الوجود الأكثر إنسية في الحضارة الشرية، أذ هي حواء من اسمها حاملة سر الحياة ونبضها، فحيثما توجد المرأة توجد الحياة الحانية، وبهذا المعنى نفهم رمزية وجود المرأة ودورها في أسطورة جلجامش، أول نص مكتوب في التاريخ البشري. وللمرأة لغة إنسانية عابرة للحضارات والأديان واللغات والثقافات، أنها لغة الحب والحنان والرفقة والعشرة والآنسة، الإنسانية الحميم. وربما اشتقت الصفة إنسانية من أسم (نساء) هن موطن وسكن الأنس والسلوى للكائن الذكر في كل زمان ومكان. ها هنا يمكن لنا البحث عن المفتاح السري في علاقة الشاب السوداني محمد ياجي القادم الى باريس لغرض الدراسات العليا مع الآنسة فيفيان غوغيه الفرنسية المهتمة في الدراسات الشرقية. فلولا انجذابهما لبعض لما أنجبا تلك التجربة الحياتية الفريدة الزاخرة بالثمار اليانعة. فكما وجد الشاب العربي الغريب في باريس قلب امرأة يحبه وروح نسوية تأنسه وحضن انثى ناضجة يضمه، وجدت فتاة فرنسا الباحثة عن الحقيقة والحب والأمان في هذا الشاب الشرقي الأسمر الفارع الطول الدمث الأخلاق، فارس أحلامها وحامل مشروعها الروحي والثقافي الكبير.

ثانيا: أثمر لقاءهما إنجاب طفلتين هما الدكتورة سكينة والمهندسة سلمى وتكوين اسرة سعيدة يضرب بها المثل في أم درمان." منذ أن وطئت قدما السيدة فيفيان أمينة، وقد اتخذت اسم أمينة اسما ثانيا لها بعد اعتناقها الإسلام، أرض السودان ودخلت في بيت أسرة زوجها بأمدرمان، وقعت في حب هذا البلد وتلك المدينة. وتقول عن تجربتها أنها خائفة من استقبال أهل زوجها لها لكونها غريبة أجنبية من بلد بعيد وثقافة مختلفة، ولكنها فوجئت، على العكس تماما، باستقبال فائق وحفاوة بالغة، ولم تبذل مجهودا في أن تصبح جزءا من الأسرة، بل الأسرة هي التي احتضتنها وجعلتها تحس أنها جزء لا يتجزأ منها"(مكي، المرجع ذاته، ص56)

ثالثا: نجاح عملي للزوج محمد أحمد ياجي الذي تدرج في عدد من المناصب الرفيعة في المجال الدبلوماسي، والسياسية حتى تقلد منصب وزير السلام، ولعل كل هذا النجاح لم يكون بمعزل عن الأثر الإيجابي للسيدة فيفيان أمينة التي كانت له خير شريكة في حياته. وبهذا المعنى نفهم فحوى المثل (وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة، والعكس صحيح، إذ مثل وجود محمد أحمد ياجي في حياة فبفيان حدث تاريخيا بالمعنى الحرفي للكلمة، إذ بفضل زوجها اعتنفت الإسلام، واكتسبت الجنسية السودانية وتعلمت اللغة العربية، وكتبت وترجمة عدد واسع من الكتب والمقالات، فضلا عن التحاقها في الهيئة التدريسية في الجامعات السودانية" من خلال عمل زوجها في وزارة الخارجية، تنقّلت السيدة فيفيان أمينة ياجي في مختلف أرجاء العالم التي عمل فيها زوجها سفيرا للسودان، في جدة وبغداد وفي الكونغو ونيويورك وواشنطن، ولكنها كانت دوما تحن للعودة إلى السودان، ولا تحس بانها في وطنها إلا عندما ترجع إلى ترابه وتعيش في وسط أهله. وقد كتبت مقالات عن بعض رحلاتها، ووصفت تجربة الحج وزياراتها للأماكن المقدّسة في الجزيرة العربية التي تركت في نفسها أثرا عميقا مس شغاف روحها وكتبت عنها كتابا وثّقت فيه تجربتها" (مكي، ص 65).

رابعا: ما حققته السيدة فيفيان من نجاح اجتماعي وثقافي وعملي في السودان. إذ " عرفها طلاب اللغة الفرنسية في جامعات السودان المختلفة، فقد درس على يديها الكثيرون في جامعة الخرطوم وجامعة أمدرمان الإسلامية وجامعة النيلين، وغيرها، كما عرفها الناطقون بالفرنسية في السودان وخارجه بكتاباتها وترجماتها في مجالات الإسلام والتاريخ والسودان والمسرح، وبمشاركاتها في المؤتمرات وبرامجها في القسم الفرنسي بالإذاعة السودانية في هذه المجالات. ويتجاوز نشاطها الجم وحبها للسودان وأهله جميع هذه المجالات ليشمل كل من عرفتهم أو درّستهم أو زاملتهم لتغدق عليهم مودّتها وعلمها وعطائها بلا من ولا حدود ومن خلال مشاركتها في الحياة الاجتماعية، هذا فضلا عن فيضها العلمي والأكاديمي" (مكي البدري، ص13).

خامسا: ما إنجزته الراحلة فيفيان من أعمال فكرية في الأدب والأنثروبولوجيا الثقافية والدراسات الاستشراقية والترجمة والفقه واللغة والسيرة والتراث ومنها الاعمال الآتية:

كتاب، الدين المقدس: ذكريات من الحج. الخليفة عبد الله حياته وسياسته، رسالة دكتوراه. والأحاجي السودانية، وقصتان لتوفيق الحكيم. والأربعون حديث النوويية. وجوه من الإسلام. رجال من المهدية، الخليفة عبد الله والأنصار الأوائل، وسلاطين الظل، وأصحاب الرسول، الفارس الأسود. والفقه الإسلامي. وغير ذلك من الكتب والترجمات التي منها كتاب "التوحيد" لمحمد بن عبد الوهاب، وكتاب "الطراز النقوش ببشري قتل يوحنا ملك الحبوش" لإسماعيل عبد القادر الكردفاني، وكتاب تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته. لنعوم شقير وإيزيس، لتوفيق الحكيم، والشلوخ، ليوسف فضل، المقاومة الداخلية للحركة المهدية، محمد محجوب مالك، ونبتا حبيبتي لهاشم الصديق، وريش النعام لخالد المبارك، والمك نمر لإبراهيم العبادي. وغير ذلك الكثير من الأعمال التي أنجزتها الرحلة الحاجة نيفيان يرحمها الرحمن الرحيم.

سادسا: نجاح للدين الإسلامي الحنيف، تمثل في أقدام المسيحية الكاثوليكية فيفيان غوغيه الى التخلي عن ديانتها المسيحية الأصلية ودخولها الإسلام برغبة وحماسة ذاتية مثيرة للأعجاب والاحترام، وبذلك كسب الإسلام إضافة نوعية جديرة بالقيمة والأهمية، فضلا عن أن ذلك الاختبار وعملية التحول الروحي للسيدة فيفيان من المسيحية الى الإسلام، قد تمت بسلاسة ورحابة وسماحة وتفاهم ووعي تام. وقد لفت نظري موقف الراهبة المسيحية في الكنيسة الأنطونية التي قصدتها المحتارة فيفيان في أحد الأيام وروت لها أصابها من مشاعر الحيرة والقلق الوجداني في بداية اضطرام رغبتها في اعتناق دين الإسلام وما كان ينتابها من شكوك وخوف من اتخاذ هذا القرار البالغ الخطورة والحساسية في حياتها، إذ يعد قرارا مثل هذا من أخطر القرارات التي يمكن أن يتخذها الانسان في كل زمان ومكان كما نعلم. ذهبت فيفيان لتستشير الراهبة الأنطونية في هذا القرار والاختيار المتمثل بترك دينها التي ولدت عليه واعتناق دين آخر، لا تعرف عنه الكثير! فماذا قالت لها الراهبة الطيبة اليكم ما قالته بالحرف الواحد، قالت الراهبة: (ما أهمية الدرب مادام يقود الى قمة يوجد فيها الرب) ينظر، مكي البدري، المصدر ذاته، ص 40).

 الا تلاحظون معي أن تلك العبارة انما تمثل قمة التسامح الديني وتنطوي على معاني ودلالات إنسانية بالغة العمق والأهمية فيما تفتحه من أفاق ممكنة للحوار والتفاهم والتعايش بين الديانات والثقافات والحضارات في عالمنا المعاصر الذي بات في صيغته المعولمة شديد الضيق لاستيعاب الصراعات الدينية المقدسة كما كانت عبر التاريخ الماضي. وما أرق الدين وسماحته في قلب فيفيان وراهبتها! ورغم أن فيفيان أعلنت إسلامه على السنة المحمدة الشريفة، الا إنها حافظت على سماحتها الروحية تجاه المخالفين من الشيعة والمذاهب الأخرى، إذ تحول سنيتها وزوجها من زيارتهما للأضرحة و((المقدسات)) الشيعية في العراق (الكاظمية، وكربلاء، والنجف، والكوفة، وسامراء وغيرها) إذ كتبت عن تلك الزيارات بلغة محايدة وبعين أنثروبولوجية مثقفة.

وفي تعليقها على عاشوراء ومأساة كربلاء اعترفت فيفيان أنها شعرت أن "مأساة كربلاء باقية في ذهن كل فرد من أولئك الناس.. وكأنما الإمام الحسين لم يُقتل عام 680ميلادية بل بالأمس"(ينظر، مكي البدري، ص73)      

سابعا: لعل الخلاصة الجديرة بالقيمة والاعتبار من كتاب مكي البدري، عن سيرة حياة الزوجين ياجي وفيفيان، -أو هو بالأحرى سيرة حياة فيفيان وأعمالها وحدها، وكان حضور زوجها المرحوم محمد أحمد ياجي، في النص بحكم الضرورة الزوجية فقط- أقول ربما كانت خلاصة الخلاصة لهذا التجربة المدونة تكمن في طبيعتها النوعية المتفردة، في ظاهرة شبكة العلاقة الاستشراقية الاستغرابية المنتجة، إذ وقفنا عند زوجين من حضارتين مختلفتين،  فيفيان فرنسية صارت سودانية الجنسية تعلمت اللغة العربية لغة القرآن واعتنقت الدين الإسلامي، وفكرت وكتبت معتزة ومفتخرة بهويتها الافريقية العربية السودانية بحماسة وحب وحمية، واثرت بما كتبته وانجزته- طوال حياتها في مختلف مجالات الفكر والثقافة- المعرفة الإنسانية عامة والعربية والوطنية السودانية خاصة، ومحمد ياجي، سوداني عربي مسلم تعلم اللغة الفرنسية وتمكن من التفاهم مع زوجته الذي كون معها أسرة سعيدة بملامح عالمية. وكما هو معلوم أن امتلك لغة ثقافة من الثقافة يعني بالنسبة للفرد الإنساني امتلاك عقليين في جسد واحد. وهكذا كانت ثمار تلاقين الزوجان ياجي وفيفيان، نتائج عظيمة الشأن، وغير قابلة للنسيان، وستظل تنمو وتزدهر مع السنين والإيام. ويحق للراحلة فيفيان أن تفتخر بذاتها اليوم في حضرة الغياب ولسان حالها يقول: ها أنا معكم وفيكم وبينكم، ومن غير الممكن نسياني، وقد صرت رمزا ثقافيا كبيرا من رموز وطني السودان والرموز خالدة لا تموت! فإذا كان جسدي وضمير غائبان، فقد تكفلت ضمائر أخرى، فأنا في جميع الأفواه لغة عالمية، وأنا في مئات القلوب والأذهان أنتصب فضولاً قابلاً للنماء والاتساع، فأنا لست موجودة بعد في إي مكان، أني موجود أخيرا في كل مكان. ودمتم بخير وسلام

ملاحظات شكلية في الكتاب  

أولا: على أهميته واناقته- أقصد الكتاب موضوع القراءة-  وجودة دار النشر التي أصدرته، مدارك، وصاحبها الأديب المثقف الصديق العزيز، الياس فتح الرحمن، الذي تشرفت بمعرفته منذ ستة أشهر، اسمحوا لي أن اخبركم بأنني رصدت عدد من الأخطاء الطباعية المتكررة في مختلف صفحات الكتاب يمكنني الإشارة الى نماذج منها هنا، مثلا في صفحة 8 (كاونت) وهي (كانت) وفي صفحة 22 كتبت كلمة (تز وجت) متباعدة الأحرف! وفي صفحة 29 (عُنمدت) والمقصود (عُمدت) وفي صفحة 90 (الجزور) والمقصود (الجذور) وفي صفحة 131 (تارخيهية) والمقصود (تاريخية) أو (مهتهم) والمقصود (مهمتهم) وفي صفحة 137(مؤلنّف) والمقصود (مؤلف).  مثل تلك الأخطاء الطباعية رصدت قرابة 58 حالة في الكتاب، أتمنى تداركها مع خالص التقدير والاحترام. 

ثانيا: لاحظت أن بعض الجمل والفقرات الواردة في الكتاب تحتاج الى إعادة تدقيق وتعديل في الصياغة من قبيل الجملة التي كتبت هكذا (ويقال إن للبحر قوة جذب هائلة لا يستطيع من استنشق عبيره واعتاد لسانه على تذوقه.. الخ) صفحة 23. أعتقد أن هناك كلمة ناقصة هي (مقاومتها) وكذلك الجملة التي بدأت السطر (وشقيقتها جاكلين كان لها اهتمام كبير بالأدب والموسيقى والسفر حول العالم) وسط صفحة 27. كما أن عبارة (نزق الشباب) وردت الصفحة 39 لا اعتقد إنها تفسر حقيقة دوافع فيفيان ورغبتها الانضمام الى أحزاب اليسار حينذاك، والمسالة أعميق وأكبر من كونها مجرد نزق شباب! لاسيما ونحن نعلم أن ثورة الشباب الأوروبي عام 1968م كان لها نتائج حاسم على صعيد تطور أوروبا اللاحق، إذ يعدها البعض علامة فارقة في مسار الحضارة المعاصرة.  

 

ثالثا: اثناء قرأتي للكتاب لفت نظري، فقرة تقول: أن الباحثة الراحلة فيفيان ياجي، في تحضير اطروحتها للدكتوراه عن الخليفة عبد الله المهدي قد "استندت في عملها بصفه أساسية الى وثائق المحفوظات (الأرشيف) المتعلقة بالمهدي. وتقدر هذه الوثائق بنحو خمسمائة ألف وثيقة، خصص ثلاثون الفا منها للخليفة عبد الله" (ينظر، مكي البدري، المرجع ذاته، ص129-130).

كما هو واضح أن ثمة مبالغة في تقدير عدد المصادر المُطلع عليها في التحضير للدكتورة، إذ أن الرقم نصف مليون وثيقة عدد كبير جدا بالنسبة للمدة الزمنية المخصصة لمدة إنجاز أطروحة الدكتوراه، ومن واقع الخبرة العملية والتغذية الراجعة قلما يتمكن طالب الدراسات العليا الباحث الأكاديمي المجتهد من المرور والاطلاع على عشرة ألف وثيقة من المصادر والمراجع المتصلة بموضوع بحثه بشكل مباشر أو غير مباشر! فكيف بالأمر حينما يفوق العدد عن مئة ألف وثيقة؟!  هذا لا يعني باي حال من الأحوال أنني هنا اشكك بقدرات الباحثة الراحلة السيدة فيفيان ياجي، التي لا غبار عليها ونزاهتها ابدا! فربما كانت تعني ما تقوله لاسيما في ظل الإعلام الجديد والانترنت الساحر، بقدر كوني أود التأكد من صحة هذه المعلومة وقد ظننتها خطأ في كتابة الرقم، إذ ربما يقصد خمسين ألف وثيقة؟        

ختاما:

في ختام هذه الرحلة الشائقة في فيفيان ياجي وعوالمها الثقافية والفكرية الرائعة ماذا بوسعي قوله؟ أكرر شكري وامتناني العميق للأستاذ الدكتور حسن الحاج رئيس المكتبة، كما أحيي واشكر مؤلف الكتاب الدكتور مكي البدري، اشكرهما على منحي هذه الفرصة الطيبة التي جعلتني أطل على واحة ثقافية ومعرفية جديدة في حياتي، فلولاهما لكنت بقيت على جهلي بحكاية السيدة فيفيان ياجي وأرثها الفكري الزاخر بالإبداع والعطاء، فضلا عما فتحته لي قراءة هذا الكتاب من نوافذ موازية للأطلال على المدونة الثقافية الفكرية السودانية الجديرة بالأهمية والقيمة والاعتبار، بما تمتلكه من كنوز حضارية وثقافية معرفية بالغة القيمة والحيوية في علمنا الراهن. عالم العولمة الشديد التداخل والتواصل، الذي نشعر اليوم وأكثر ما أي وقت مضى باننا كنا نجهله، ولا خير لنا من بذل المزيد من الجهد لكي نتعرف على عالمنا وأهله وثقافاته.

وكما هو معلوم أن الآخر مرآة الذات! وقبل إطلاق أي حكم نافذ على مجتمع آخر لا بد أن يبلور الباحث موقفا واضحا قدر الإمكان تجاه مجتمعه نفسه. وسرعان ما سيكتشف أن الطريق الوحيد لتحقيق كشف المحجوب عن الذات إنما يتم بالدراسة (المقارنة) لذاته في أثناء انهماكها برصد الآخرين، وبأن يعي أنماط التشوهات التي ينطوي عليها هذا الموقف بالضرورة، فرصد الآخرين وتأويلهم هو الوسيلة الناجعة إلى رصد الذات.

وهذا هو بالضبط الشعور الذي شعرته به أنا الآن وهنا في لحظة انهماكي بقراءة كتاب الدكتور مكي؛ إنه موقف وعي الذات في لحظة اصطدامها بذات أخرى، ونقصد بالذات هنا المستويات المتعددة من الهوية الشرقية الآسيوية الافريقية العربية الإسلامية لتاريخية والحضارية الجهوية والإنسانية، إذ اشعر الآن بعد قراتي لكتاب حياة الراحلة فيفيان ياجي بأنني لست كما كنت قبل قراءتها، صرت انساناً أكثر مما كنته. وكل ما أتمناه الآن هو أنني قد تمكنت من قراءة الكتاب وفهمت ما تيسر من فحواها، واستطعت أن انقل اليكم أيتها الآنسات والسيدات والسادة، الحضور الكريم، لمحة واضحة عما قرأته في هذا الكتاب الجميل!  وألا يكون جهدي قد ذهب سدى! ودمتم بخير وسعادة. وللسيدة الراحلة التي جمعت هنا المرحومة فيفيان ياجي ألف رحمة ونور تغشاها في مثواها في ملكوت الرحمن الرحيم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

ا. د. قاسم المحبشي، أكاديمي من جامعة عدن.

 

محمد السعدييشير ماتس إيكمان في كتابه حول أغتيال رئيس وزراء السويد (أولف بالمه) اليساري النزعة والاشتراكي الهوى بعد ثمانية أيام من العثورعلى جثة ماجد حسين عبد الكريم مقطعة ومرمية في شارع بالعاصمة السويدية . أولف بالمه الذي كان وسيطاً دولياً في مهمة أنهاء النزاع العراقي الايراني في العاصمة السويدية (أستوكهولم) وممثلاً شخصياً لرئيس هيئة الامم المتحدة ولاعب أساسي في الملف الفلسطيني الشائك، فبعد ساعات من لقائه بالسفير العراقي محمد سعيد الصحاف المعروف لاحقاً (أبو العلوج)، عقب إحتلال قوات المارينيز للأرض الوطنية العراقية وموفق مهدي عبود القائم باعمال السفارة العراقية والمتهم بالتخطيط لاغتيال الضابط العراقي ماجد حسين والذي عين سفيراً للعراق في باريس بعد ٢٠٠٤ ولمدة تسعة أعوام، وعندما زار هوشيار زيباري وزير الخارجية العراقي السابق العاصمة السويدية في عام ٢٠٠٧ . طلبت منه الجهات السويدية الامنية عبر القنوات الدبلوماسية بالمساعدة بغلق هذا الملف عبر تسليمهم موفق مهدي عبود أحد المتهمين في أعمال قتل وتجسس على الاراضي السويدية، أو تشكيل لجنة مشتركة من خبراء أمنيين مختصين عراقيين وسويديين لأستجوابه في بغداد . سارع هوشيار زيباري الى تحرير خطاب الى وزارة الخارجية العراقية بنقل موفق من سفارة العراق في فرنسا الى منصب مسؤول دائرة أمريكيا الشمالية والجنوبية والبحر الكاريبي في مبنى وزارة الخارجية العراقية وما زال الى يومنا هذا، يشغل هذا المنصب، وحاولت الجهات السويدية بأستجوابه عدة مرات عن ما حدث عبر وسطاء، لكنه كان يستغرب من السؤال والاستفسار والتظاهر بعدم معرفته وبدون أي تعاون عراقي واضح حول ملف هذه القضية . تختزن ملفات السويد في أضابيرها حول شخصه وسلوكه تهمة التحرش الجنسي رغم أنه متزوج عدة مرات أحداهن (جهينه ناصر) أخت القاص العراقي موفق خضر . تمكن بعد أحتلال العراق أن يحشر نفسه مثل عشرات غيره مع طابور جيش من الخونة والمتعاونين مع المحتل ضد بلدهم، فذهب ضمن لجنة أعمار العراق وأعادة بنائه التي سرقت البلد ودمرته تدميراً. وحسب رواية الباحث (ماتس إيكمان) في كتابه الذي صدر في نهايات ٢٠١١ مهمة من بغداد، والذي أثار الآن أهتماماً واسعاً على صفحات تواصل العراقيين وأهتمامهم . يقول تمكنت المخابرات العراقية من تجنيد شرطة سويدية لصالح تحركاتها المشبوهة في أستهداف العراقيين المعارضين لسياسة النظام والهاربين من جحيمه، وكان واحد من هؤلاء يشغل مفوضاً في أجهزة الشرطة السويدية (هانس ميلين / Hans Melin)، ويعمل في قسم حساس جداً في قضايا اللجوء في السويد، بل هو مسؤول قسم خطير جداً أستغله بتقديم تقارير الى محطة المخابرات في مبنى السفارة العراقية حول القادمين الجدد والهاربين من العراق أسمائهم وعناوينهم في العراق وفحوى أدعاء أقوالهم في التحقيق أثناء طلب اللجوء ومنافذ خروجهم وطرق وصولهم . وقام شاب عمره ٢٤ عاما ً أسمه (صلاح سليمان) يعمل ضمن جهاز المخابرات العراقية والده كان ضابط كبير أصبح فيما بعد سفيراً للعراق في دولة (سريلانكا) بدعوته لزيارة العراق مع زوجته بل رافقفهم من العاصمة السويدية (أستوكهولم) الى العاصمة بغداد . وفي بغداد توفرت له سيارة وسائق يدعى (سمير جعفر) أيضاً ضمن جهاز المخابرات ورافقوهم لمدة عشرة أيام في المدن (الموصل، كركوك، بابل، أربيل) أضافة الى العاصمة بغداد في حسن ضيافة مبالغ بها مع هدايا ورعاية كبيرة، ورداً على تلك الزيارة قام سمير جعفر (أبو جعفر) بزيارة السويد وجمعته لقاءات وجلسات مع مستر هانس وعائلته، وفي ملفات التحقيق السويدية رفض مستر هانس أمام المدعي العام في أروقة المحاكم السويدية بأي لقاء بسمير جعفر في بغداد قد حصل . ووجهت المحكمة السويدية له عدة تهم تتعلق بالتجسس والتعاون مع المخابرات الامريكية  (CIA) والمخابرات الروسية (KGB) لكن محاميه طعن بجميع تلك التهم، لكن هذا لم يساعده في تبرئته من حكم القضاء فحكمت عليه المحكمة العليا أربعة سنوات سجن بتاريخ ٢٣ أيار العام ١٩٧٩قضى منها ثلاثة سنوات سجن وخرج بعد أن قدم محاميه طعن في القرار . فالمحكمة العليا نزلت الحكم عليه الى ثلاثة سنوات بتاريخ ١٨ أيلول من نفس العام، فاطلق سراحه في حزيران العام ١٩٨١ بسبب حالته الصحية التي تدهورت في السجن وتوفى عام ١٩٩٣ في العاصمة السويدية . واحدة من الأدعاءات التي قدمها محاميه الى هيئة المحكمة الوضع النفسي لمستر هانس وهو جالس في مكتبه ينتابه الضجر ويحتصر نفسياً من شكل مكتبه ولون جدران غرفته . في نفس هذه الفترة من عام ١٩٧٩ ألقت المخابرات الاسرائيلية في (تل أبيب) قبل مغادرته، على شخص سويدي يدعى (Steg bergling) يعمل في المخابرات السويدية لكنه أيضاً متعاون ويعمل لصالح المخابرات السوفيتية (KGB) وفي التحقيق كشف لهم خطة الدفاع السويدية تجاه تحركات السوفيت، مما أجبر السويديين بتغير هيكلية وخطة الدفاع والتي كلفتهم الملايين من الدولارات في تغير هيكلتها وخططها .  وفي مشهد درامي تقع صدفة عينين الموظفة السويدية في السفارة العراقية على ثمة أوراق مرسلة من دائرة الشرطة الى السفارة العراقية تتضمن عدة أسماء من القادمين الجدد من العراق أو دول الجوار الى السويد طلباً للجوء وبحثاً عن الأمان . فقدمت تبليغ رسمي الى الجهات المعنية وأعتقل وتعرض للتحقيق عدة أشخاص. وبعد شهرين من تلك الجريمة عين الصحاف سفيراً للعراق في (إستوكهولم) . وقد لعب دوراً في محو أثار الجريمة بقتل الضابط ماجد حسين، وكافأ مادياً السويديين الذين تعاونوا مع المخابرات العراقية في نشاطاتها المحمومة على أرض السويد . والعراق كان يمتلك سلاح المال حيث مكنه تجنيد ناس وشراء ذمم لمصلحة أجهزته في ربوع العالم، حتى تمكن لسطوة أمبراطوريته المالية أن يشتري مواقف دول وصحف . مازال ملف أغتيال ماجد حسين مفتوحاً في أروقة المخابرات السويدية (سيبو Säpo) رغم مضي فترة طويله عليه ويعتبر من الملفات الشائكة . والسويد لاترغب بغلقه قبل ما تكشف الجناة الحقيقيين والمتعاونين معهم والمتسترين . وحاولت في السنوات الاخيرة من العمل المتواصل حوله في كشف حيثيات وتفاصيل الجريمة في الاسماء والوقائع والشهود، لكنها تصطدم بعدة معوقات هو عدم الوصول الى الفاعلين وسكناهم، أنهم يختبئون بواجهات سياسية وبأسماء مستعارة وعناوين سرية .

 

محمد السعدي - مالمو

 

 

700 ازمة التنوير العراقيالكتابُ الذي يطالُه النقدُ يمكث في ذاكرة الكتابة.كاتبُ الكتاب المنقود محظوظٌ، وكتابُه أيضاً محظوظٌ. النقدُ هو الرافدُ الذي يغدي الكتابةَ ويخصبها، ويتكفلُ خلودها عبر التاريخ. وربما يمسي كتاب "أزمة التنوير العراقي" للأستاذ فلاح رحيم من هذا النوع من الكتب، فهو فضلاً عن عاصفة النقد الذي أثاره لحظة صدوره على صفحات الفيسبوك، تناوله أكثرُ من كاتب بالنقد، وأخيراً خصه الأخ الدكتور علي عبدالهادي المرهج بمقالة نقدية، نشرها في صحيفتي "المثقف" و"العالم الجديد".

وقتُ صدور الكتاب وجدتُ من الضروري تبجيل الكاتب والثناء على جهده، لمعرفتي بثقافته الواسعة، وأخلاقه المهذبة، وعدم انفعاله في الكتابة، على الرغم من عدم اتفاقي معه في كل ما انتهى إليه من آراء ونتائج. لذلك نشرت على صفحتي في الفيس بك صورةً لغلاف الكتاب، مع هذا النص: "النقدُ هو ماء الحياة لكل فكر يريد لنفسه أن يواصلَ البقاء على قيد الحياة... شكراً فلاح رحيم على هذه المحاولة النقدية الجسورة لما يفكر به ويكتبه أصدقاؤك قبل غيرهم، شكراً فلاح رحيم لأنك الرائي الذي رآنا من موقع كان يتعذر علينا أن نرى أنفسنا منه، شكراً لأنك وضعت فكرنا في أفق لم نتنبه اليه... شكراً حسن ناظم على رعاية هذا المنجز، والحث على انجازه وتبنيه في اصدارات سلسلة دراسات جامعة الكوفة".

وكنت قبل ذلك كتبتُ مجموعة ملاحظات نقدية على الفصل الذي خصصه في كتابه لنقد كتاباتي، وبعثتها له قبل طباعة الكتاب، عندما تكرم بإرسال هذا الفصل قبل صدور كتابه، ولم أكن متحمساً لنشرها، لولا ترقب أصدقاء أحترمهم لموقفي من قراءة الأخ فلاح رحيم ونقده، ولولا اثارة النقاش مجدداً حول هذا الكتاب الجاد. فرأيت من المناسب المساهمة بالاحتفاء بجهود الكاتب، عبر توسيع دائرة النقاش في مباحثه، لذلك وجدت من المناسب أن أنشرها اليوم للقراء الكرام.

ملاحظات نقدية

1- جاء في هذا الفصل: (إن الرفاعي، بالرغم من كل ما يبدو للوهلة الأولى من ابتعاده عن دوره الحوزوي باتجاه مواقع التنوير، يبقى أمينا للحوزة والتقليد كما سنرى لاحقاً. نجد في كتابه "مبادئ الفلسفة الإسلامية" الذي يحتوي على مقدمة ودروس في الفلسفة الإسلامية، فصولاً عن "منهج الدرس الفلسفي عند العلامة الطباطبائي". وتكمن أهمية هذه الفصول في العلاقة الفكرية الخاصة التي تربط الرفاعي بالطباطبائي، وفي قناعته بأن أسس البحث الفلسفي عند الطباطبائي تصلح كمرتكزات ومنطلقات أساسية لصياغة منهج ملائم في دراسة الفلسفة الإسلامية. وهذه الأسس كما أرى هي المنهج الذي اعتمده الرفاعي في مجمل مشروعه اللاحق).

الجواب: العلامة الطباطبائي كان أحدَ أعظم ذوي البصيرة المُلهِمين لروحي وأخلاقي وعقلي. الطباطبائي رسّخ اهتمامي بالفلسفة، وأسهمَ بتراجعِ اهتمامي بأصول الفقه والفقه وعلم الكلام، وفكّكَ ما ترسّبَ في ذهني من مواقفَ كلامية وفقهية مناهضةٍ للتصوّف الفلسفي والعرفان النظري،كما نبّهني إلى الأهميةِ الاستثنائية لمنجزِ محيي الدين بنِ عربي، ودورِه الرائدِ في بناء أسسٍ نظريةٍ للتصوّف الفلسفي. فمثلاً يقول الطباطبائي فيما نقله عنه تلميذُه مرتضى المطهري: "لم يستطع أحدٌ في الاسلام أن يأتي حتى بسطر واحدٍ من أمثال ما كتبه الشيخ محيي الدين بن عربي"[2]. الطريفُ أني تردّدتُ عند ترجمةِ هذا القولِ، الذي وردَ في هامشِ شرحِ منظومةِ السبزواري في الفلسفة لمطهري، وهو الشرح الذي ترجمتُه، ونُشر عدة مرات في 4 مجلدات قبلَ ربعِ قرن.

على الرغم من النكهةِ العرفانيةِ في حياة الطباطبائي الروحية والأخلاقية، وانعكاسِ العرفان النظري على تفسيرِه للقرآن وكتاباتِه الأخرى، لكنه لم يذهبْ بعيداً عن سقفِ تفكيرِ المتكلمين والفقهاء، لأنه مع نقدِه الشديدِ لمدونة المتكلمين، إلا انه لم يؤسّسْ لنا رؤيةً توحيديةً بديلةً لرؤيتِهم، بل إنه عمل على دعم رؤية لا تقطع مع الرؤية الكلامية، كما نقرأ في المرحلة الثانية عشرة من كتابيه: "بداية الحكمة، ونهاية الحكمة"، التي خصّصها لبحثِ "الالهيات بالمعنى الأخص"، وحاول أن يوظّفَ بعضَ أدلة فلاسفةِ الإسلام وجدالاتِ متكلميه في دعم بناءِ الرؤيةِ التوحيدية للمتكلمين الإمامية.

لقد غادرتُ الرؤيةَ التوحيديةَ للمتكلمين، كما شرحتُ ذلك في مقالتي الجديدة: "الرؤية التوحيدية لعلم الكلام والتصوف الفلسفي"[3] ، التي حاولت فيها أن أخلصَ لفكرةٍ تتلخص في أن انسدادَ آفاقِ التفكيرِ الديني في عالم الاسلام يعودُ للأسوارِ المقفلة التي صنعتها الرؤيةُ التوحيديةُ للمتكلمين، وما ابتنى وتوالدَ على أساسها من أصولِ فقهٍ وفقه. وقدّمت رأياً يذهب إلى أن رؤيةَ المتكلمين تؤولُ إلى ما أسميتُه "الاغتراب الميتافيزيقي". الاغترابُ الميتافيزيقي تُستلَب فيه كينونةُ الكائنِ البشري، ولا يتخلّص منه الإنسانُ إلّا ببناءِ صلةٍ وجوديةٍ ديناميكيةٍ بالله[4].

2- وجاء في هذا الفصل: (إن كتاب "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين" ينطلق من الإطار النظري الذي وفره السيد الطباطبائي للرفاعي ليحاول، بقوة ذلك الإطار، حلّ إشكاليات الكبوة الأيديولوجية للدين الحق. والكتاب لهذا السبب ينمّ على روح باحث صبور واثق بإمكان الجدال البناء وإقامة التركيبات الصاعدة نحو الحلّ. أما كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" فتسوده روح فردية منسحبة من العالم ومشاكله، مكتفية بالوجود الإلهي المكتفي بذاته عن كل أدران الدنيا وصراعاتها).

الجواب:  لقد تغيّر فهمي للدين، فلم أعد أفهمه بالمعنى الكلامي والفقهي، وجاء ذلك كمحصلةٍ لتجربةِ حياةٍ دينية طويلة تمتد الى ما يقارب النصف قرن، ومن التموضعِ في التراثِ، والدراسةِ والتدريسِ في الحوزة لأربعين عاماً، ودراسةِ ومطالعةِ الفلسفة والعلوم الانسانية الحديثة.كنتُ أعتقدُ أن الدينَ يفسّرُ نفسَه، ويفسّر كلَّ شيء في العالم، ولا يخضع هو أو الظواهرُ التي ينتجها لتفسيرِ مناهج ومفاهيم العلومِ والمعارفِ البشرية، وأنه لا حدودَ خاصة للديني ولا حدودَ خاصة للدنيوي، فكلُّ ما هو ديني دنيوي وكل ماهو دنيوي ديني. كان الدينُ في مفهومي يتكفّل بكلّ ما يحتاجه الانسانُ في العلم والعمل، وهو لا غيره الحلُّ لكلّ مشكلاته.كنت أعتقد أن الدينَ يعطي الانسانَ الجوابَ النهائي لكلّ سؤال مهما كان، سواء كان في الدين أو الدنيا، ويغطي الدينُ كلَّ تفاصيل الحياة، فكلُّ المعارف والعلوم والفنون والآداب تستمد حقيقتَها أو مشروعيتَها من الدين، هو الذي ينظّم كلَّ شيء يتصل بالدولة والاقتصاد والادارة وغير ذلك. بمعنى أن كلَّ شيء خارجَ الدين ليس حقيقياً، أو على الأقل ليس مشروعاً.

لم أنسحبْ من العالم، كما لم تنسحبْ من العالم كتابتي في "الدين والظمأ الأنطولوجي"، وإنما اكتشفتُ قبل أكثر من ثلاثين عاماً أن للديني حدودَه الخاصة وللدنيوي حدودَه الخاصة، فلو تخطّى الدينُ حدودَه لانقلب سمّاً بعد أن كان ترياقاً، ولو طردَ الدنيوي الديني لانتهى إلى نتيجةٍ مشابهة.

في كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" شرحتُ هذه الفكرةَ ببياناتٍ متنوعة، وأوضحتُ فهمي للدينِ، ووظيفتِه في ضوءِ هذا الفهم. أشرتُ في مقدمة الكتاب إلى ما أنشده، فقلت: "يرمي هذا الكتاب إلى عزل المسارات عن بعضها، إذ إن كلَّ شئ يفتقد غرضَه حين يتم استعماله خارجَ سياقه. كثيراً ما يقع الخلطُ بين مفهوم الدين وبين توظيفه خارجَ وظيفته الحقيقية. هكذا يفرغ التوظيفُ الدينَ من مقاصده ويهدر غاياتِه وأهدافَه، بل غالباً ما ينقلب استعمالُ الدين خارجَ مقاصده إلى الضد منها، كما يفضي استعمال كل شئ خارجَ سياق وظيفته إلى نفي غرضه".

الكتابُ حدّد وظيفةً أنطولوجيةً للدين، وهذه الوظيفةُ تبتني على ما انتهيتُ إليه من أن المعارفَ والعلومَ والفنونَ والآدابَ لا تستمدّ حقيقتَها من الدين، مثلما لا تستمد مشروعيتَها منه، وهكذا الحالُ في ما ينظّم كلَّ شيء يتصل بالدولة والاقتصاد والادارة في الحياة، بعد أن اكتشفتُ أنها تقع خارجَ مهمة الدين، وأن الذي يتكفل بذلك هو العقلُ وتطورُ الوعي والمعرفة وتراكمُ الخبرة البشرية. حاولتُ أن أقدّم فهماً للدين يتخلص فيه الدنيوي من الديني، أي تتخلص المعارفُ والعلومُ والفنونُ والآدابُ والسياسةُ والاقتصادُ والادارةُ من أن تغدو ديناً. ويتخلص الديني من الدنيوي، أي يتخلص الدينُ من الأيديولوجيا. لعل الذي انسحب من العالم هو تفسيري الجديد للدين، وتحديدُ مجاله بإرواء الظمأ الأنطولوجي، وما يترتب على إرواء الظمأ الأنطولوجي من آثار أراها ضروريةً لإيقاظ الحياة الأخلاقية وإيقاد الحياة الروحية[5].

3- وجاء في هذا الفصل: "يصمت الرفاعي في كل إشاراته إلى المشروطة عن مناقشة الظروف السياسية الداخلية والدولية التي أجهضت المشروع ويكتفي بمواقف رجال الدين منها. وهو جزء من تهميش السياسة في مشروعه كما أجادل هنا".

الجواب: الاشارةُ للمشروطة وردتْ في سياق دور مرجعية النجف في المشروطة في دراسة تتناول: "مفهوم الدولة في مدرسة النجف من النائيني إلى السيستاني". وبيان كيفية تعريف فقهاء النجف للدستور والدولة، ولم تكن الدراسةُ في مقامِ الحديثِ عن المشروطةِ وعواملها، ومناقشةِ الظروف السياسية الداخلية والدولية التي أجهضتها. ولكي لا يستغرقَ البحثُ في الاستطراد اكتفيت بمواقف الفقهاء في النجف منها.

700 ازمة التنوير العراقي

4- وجاء في هذا الفصل: ("اختزال الدين إلى أيديولوجيا: لاهوت التحرير عند علي شريعتي وحسن حنفي". وأول ما يستوقفنا في هذه المقالة أن الرفاعي يورد ثلاثة ممثلين لتيار لاهوت التحرير هم: علي شريعتي وحسن حنفي ومحمد باقر الصدر، فيكرس مقاله للأولين، بينما يحجم عن التطرق إلى الصدر).

الجواب: عنوانُ المقالة اقتصر على حنفي وشريعتي، أما الصدر فوردت اشارةٌ اليه في بداية المقالة. ووردتْ إشارةٌ في مقدمة كتاب الدين والظمأ الأنطولوجي إلى التفكير الديني الايديولوجي، ونصها: "أبدى بعضُ قراء هذا الكتاب امتعاضَهم من نقدي لأدلجة الدين لدى المرحوم علي شريعتي. ولم أجد إلاّ القليلَ من القراء النابهين التقط ما يهدف اليه نقدي لشريعتي، إذ اتخذته نموذجًا لنقد وتفكيك الأدبيات الاسلامية المسكونة بأدلجة الدين. انما درستُ شريعتي هنا بوصفه مثالاً شديد التأثير والاغواء لاتجاهٍ في التفكير الديني الايديولوجي اجتاح عالَمَ الاسلام الحديث والمعاصر".

5- وجاء في هذا الفصل: "يتكرر ذات الالتباس في علاقة الرفاعي مع المفكر المصري حسن حنفي الذي يتأرجح تناول الرفاعي لفكره بين مدح سابغ، وقدح عنيف غاضب".

الجواب: يُفترض أن يتطورَ وعيُ الكاتب اليقظ تبعاً لتطور مطالعاته ومراجعاته وتأملاته وتفكيره. انتقل وعيي عبر أكثر من محطة، ومر عقلي بحالة كأنها "الناسخ والمنسوخ"، فكانت بعض الرؤى الجديدة تتوالد في تفكيري وهي تنسخ رؤى سابقة. في بداية مطالعتي لحسن حنفي حرّرني من سيد قطب، وأغواني أسلوبُه في الكتابة، لكني استفقتُ بعد مدة قليلة على حقيقة أن حنفي في اللحظة التي يحرّرني فيها من سجن قطب يسجنني هو في سجنه الأيديولوجي. وفي الفصل المذكور تفصيل ذلك.

المدحُ السابغُ يعود للمرحلة الأولى في الاطلاع على كتابات حنفي. وما تم توصيفُه بـ"القدح العنيف الغاضب"، إن كان يصح الوصف، يعود للمرحلة التالية. لا أدرى إنْ كان في ما كتبتُه قدحاً عنيفاً، لكني أعرف أن طريقتي في الكتابة حذرةٌ، بل يمكن وصفها بـ"الخائفة". هذه الكتابة تهتم بانتقاء الكلمات الهادئة غير الجارحة، وتعمد لاستبدال ماهو شديد منها بالأقل شدّة. ربما تبالغ بالمدح، لكنها تخضع لمراقبة ومراجعة ما قد يكون قدحاً، وكلُّ مراجعة تترسم مبدأَ: "الكتابة فن الحذف والاختزال"[6]، كل ذلك حذراً من أن ينفلت القلمُ في القدح بعنف غاضب، ويتخطى حدود الأخلاق.

6- وجاء في هذا الفصل: "من مظاهر التباس العلاقة أن الرفاعي يقدم مؤهلات شريعتي بطريقتين مختلفتين، فتارة يقدمه على أنه "خبير في علم الاجتماع الديني ومقارنة الأديان." م. ن. ص222 ، وتارة يؤكد أن تحصيله من جامعة السوربون تمثل في ترجمة وتحقيق كتاب، ينفي عنه هذه الصفة".

الجواب: علي شريعتي هو من يذكر ذلك عن تكوينه الأكاديمي، إذ نقرأ في أعماله يقول بأنه: "خبير في علم الاجتماع الديني ومقارنة الأديان". لكن شهادة أهل موطنه من الخبراء الايرانيين تقول ما لا يتطابق وما قاله هو. فبعد مطالعة واسعة لكتابات باللغة الفارسية للباحثين الايرانيين الذين كتبوا عنه، من أصدقائه وغيرهم، اكتشفتُ أنهم يجمعون على أن شريعتي: (في عام 1964 ناقش أطروحتَه في التاريخ، التي تناولت ترجمةَ وتحقيقَ كتاب "فضائل بلخ"، لصفيّ الدين البلخي بإشراف: جيلبرت لازارد)[7]. لذلك كتبتُ في أحد هوامش الفصل الخاص بعلي شريعتي من الدين والظمأ الأنطولوجي مايلي: (الشائع أنّ المرحوم د. علي شريعتي متخصّصٌ في علم الاجتماع والأديان، بينما راجعت كلّ الكتابات الّتي دوّنها باحثون إيرانيون متخصّصون عنه، واعتمدوا على شهادات معاصرين له في الجامعة، واطلعتُ على وثائقه الشخصية، كذلك اطّلعتُ على مصوّرات وثائق خاصّةٍ به نشرت بالفارسية، فلم أعثر فيها على ما يشير إلى أنّه متخصّصٌ أكاديمياً في علم الاجتماع والأديان. لكنّ الغريب أنّ آثار شريعتي وردت فيها عباراتٌ تؤشّر إلى تخصّصاتٍ متعدّدةٍ له، مثلا يقول: (دراستي في علم الاجتماع"، مجموعه­ی آثار ج 31: ص 316. "دراستي وتخصّصي في تاريخ علم الاجتماع"، مجموعه­ی آثار ج 28: ج 57. "دراستي في علم اجتماع الدين"، مجموعه­ی آثار ج 28: ص 71. "دراستي وتدريسي في تاريخ الأديان"، مجموعه­ی آثار ج 26: ص 15. : "بوصف تخصّصي العلمي هو في علم الاجتماع الديني، وهذا التخصّص منسجمٌ مع عملي، فإنّي أسعى لتدوين نوعٍ من علم الاجتماع؛ المرتكز على الاسلام والمصطلحات المستوحاة من القرآن  والحديث". اسلام­شناسی، ص 23).

7- وجاء في هذا الفصل: (سأتوقف عند مقالة طريفة نشرها الرفاعي مؤخراً في مجلة الكوفة الأكاديمية وتناول فيها المفكر الإيراني المعروف حسين نصر. قراءتي لهذه المقالة ترى فيها غلبة القرين "شريعتي" على ذات الرفاعي المتملصة من قبضته، فهو ينتقد آراء نصر القريبة من آرائه هو "الرفاعي" من منطلق أقرب إلى مواقع شريعتي وحنفي).

الجواب: آراءُ حسين نصر ليست قريبةً من آرائي، كما ان مسيرةَ حياةِ نصر ليست قريبةً من مسيرة حياتي. نصر سليلُ أسرة أرستقراطية، وهو أرستقراطي أيضاً، كانت أسرتُه تعيش على الدوام قربَ الملوك "الشاهات". أنا ابنُ فلاح، أقف على الضدّ من الإقطاع بكلّ أشكاله، وأمقتُ كلَّ أشكال الحياة الأرستقراطية، ولا يمكن أن أقبلَ كلَّ أشكال السلطات المستبدّة. تولى حسين نصر رئاسةَ المكتب الخاص لفرح ديبا، التي أصبحت ملكةَ إيران عندما غادر زوجُها محمد رضا بلادَه أيامَ الثورة 1978 – 1979. طالعتُ أعمالَ نصر بالفارسية، وقرأتُ رسائلَ ودراساتٍ عن فكرِه وحياتِه، فلم أجد في فكرِه وحياتِه ما يشبهني.

يدعو نصر للعلم المقدّس، كما يصطلح عليه هو وجماعةُ "اتجاه السنّة"، أو "دعاة التقليد" (كما ترجمتها حضرتك) Traditionalists . العلم المقدّس مصطلح غائم ملتبس، وقد كتبتُ أكثرَ من مقالة في نقدِ هذا المفهوم، ونقدِ المرتكزات الأخرى لرؤية هذه الجماعة الغريبة والغامضة للعالم والعلم والفلسفة والفنون والآداب، وكيف تمتزج فيها رؤية مفتونة بسحر مقدس لكل ما في العالَم، وموقف سلفي متحجر من التراث، ومناهضة عنيفة للحداثة ومكتسباتها، عبر استعارة نقد مفكري ما بعد الحداثة الغربيين للحداثة.

8- وجاء في هذا الفصل:(يعترض الرفاعي على منهج حسين نصر من مواقع شريعتي، فهو "أي نصر" يقف ضد الحضارة  الحديثة والصيرورة التاريخية ويلغي مهمة النقد للموروث).

الجواب: ليس بالضرورة أن ينطلق كلُّ نقد، لمن يمجّدُ كلَّ ما في التراث، ويقفُ على الضدّ من الحضارة الحديثة والصيرورة التاريخية، من مواقع شريعتي. في ضوء هذه المعادلة يلزم أن تنفردَ كتابةُ كلّ كاتب بكلّ شيء فيها. هل ينطلق كلُّ ناقد من موقع غيره عندما ينقد فكرةً أو ظاهرةً أو نصاً ينقده غيرَه؟!

ينطلق موقفي النقدي للتراث من موقعِ خبرةٍ شخصية تشبعتْ بمناخات التراث، بعد أن استهلكتْ سنينَ طويلةً من عمري.كذلك ينطلق موقفي النقدي لموقفِ حسين نصر وجماعتِه الرافضِ للصيرورةِ التاريخية ومكاسبِ العلوم والمعارف الحديثة، من موقعِ خبرة شخصية بها. ومن الطبيعي أن يلتقي هذا الموقفُ مع كلّ ما هو قريب منه، سواء صدر عن شريعتي أو عن أيّ مفكر آخر.

9- وجاء في هذا الفصل: "لا يخفي هذا الاعتراض التطابقات المباشرة بين الرفاعي في مآله ما بعد الأيديولوجي ونصر".

الجواب: أظن أن التنقيبَ عن الأشباه والنظائر في كلمات وأفكار الكاتب القريبة أو المطابقة لغيره، وإنْ كان على الضدّ منه، يقودنا لجمع الأضداد، فقد نعثر لدى الغزالى في "تهافت الفلاسفة" على بعض الكلمات والأفكار والمقولات التي تتطابق مع "تهافت التهافت" لابن رشد.

10- وجاء في هذا الفصل: "وأترك للقارئ الحكم إلى أيّ الاثنين يميل الرفاعي في هذه الفقرة؟ الطريف أن ميله إلى شريعتي، وهو ما أراه، يستند إلى موقف الأخير السياسي المناوئ لظلم الشاه! أي أن الرفاعي يمجد نضال شريعتي ضد الشاه، على حساب حسين نصر الذي هادن الشاه، بالرغم من أنه صنو له في معاداة الأيديولوجيا".

الجواب: لا ترسم المعتقدات والأفكار حدود علاقاتي ولا تفرض أحكامها على عواطفي، أحاول التمييز بين الإنسان بوصفه إنساناً، ونمط معتقداته وأفكاره. المواقف الأخلاقية للمرء هي الأصل في بناء علاقاتي. أن يكون الإنسان أخلاقياً هو ما يتحكم بعواطفي ويفرض عليها الاعجاب والانجذاب لذلك الإنسان.

إن كنتُ غادرتُ تفسيرَ شريعتي وفهمَه الأيديولوجي للدينِ ووظيفتِه، لكن روحَه الإنسانية ومواقفه الأخلاقية وهمومه النضالية كانت وما زالت تأسرني، شريعتي كان مناهضاً  لكلِّ ألوان الظلم والاستبداد والإقطاع والأرستقراطية. ربما يستغرب القاريءُ من أني بكيتُ أكثر من مرة، وأنا أكتبُ عن نقدِ المنحى الأيديولوجي للدين في فكره، بعد أن طالعتُ سيرةَ العذاب المؤلمة لنضال شريعتي وسجنه الانفرادي، التي دونتها بلوعة وألم، زوجتُه بوران شريعت رضوي[8].

وعلى الرغم من أني مؤمنٌ بالله ووحيه ونبيه، لكن أسرني الموقف الإنساني لماركس، عند مطالعتي تبرعه بكلّ ميراثه من أبيه البالغ 5000 فرنك ذهبي للثوار، في وقت كان لا يجد فيه ما يغطي نفقاتِ علاج بناته، وإيجار بيته في حي سوهو الشعبي بلندن[9].

ويمكن مطالعة مقالتي في رثاء عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي صديقي المرحوم كامل شياع، الأخلاقي المثقف، الذي قلما نعثر على مثاله اليوم، والتي نشرتها بعنوان: "كامل شياع: متصوف خارج الأديان"[10]. أتضامن مع كل إنسان أخلاقي ومواقفه الإنسانية، ولا يهمني الاختلاف في الدين أو الاعتقاد أو رؤية العالم أو الثقافة أو الانتماء أو الجنس.

11- وجاء في هذا الفصل: (محاولة تحرير السياسة من الأيديولوجيا ونقلها إلى جهة الأساس الأنطولوجي. لقد لاحظنا في مناقشة دراسة الرفاعي عن "مفهوم الدولة في مدرسة النجف" أنه بذل جهداً تركيبياً كبيراً لاستخلاص تركيبة تحافظ على النجف حاضنةً أنطولوجيةً عابرةً للطارئ والتصادفي والمتغير من دون أن يفرط بدور بنّاء لها على مستوى السياسة).

الجواب: لم يردْ في هذه الدراسة توصيفُ النجف بالحاضنةِ الأنطولوجية العابرةِ "للطارئ والتصادفي والمتغير". الصوابُ أن النجفَ كانت وما زالت حاضنةً للفقهِ والرؤيةِ الكلامية الإمامية. وحضورُ الفلسفةِ والتصوفِ والعرفانِ كان وما زال عابراً وهامشياً في حوزة النجف.

المفهومُ الأنطولوجي للدين الذي تحدّث عنه كتابُ "الدين والظمأ الأنطولوجي" يستقي مادتَه من التصوف الفلسفي، كما تحدثت عن ذلك في: "الرؤية التوحيدية لعلم الكلام والتصوف الفلسفي".

12- وجاء في هذا الفصل: (تمادى فيها الرفاعي دون تحوط في منح المرجعية الدينية دوراً سياسياً يتجاوز الحدود التي تحفظها عابرة للزمان والمكان، كما ورد في العنوان "لنلاحظ هنا أيضاً أن الرفاعي عاب على جماعة السُّنة نفيهم المكان والزمان كما ورد آنفاً!").

الجواب: لم يردْ منحُ المرجعية الدينية دوراً سياسياً عابراً للزمان والمكان، بل وردَ في كتابي "الدين والظمأ الأنطولوجي" مايلي: "الحوزة واحدة من مؤسسات المجتمع، تطورها لا ينفصل عن الاجتماع البشري المتنوع الواسع، فهي ليست خارج الزمان والمكان الأرضيين، وليست عابرة للتاريخ الإنساني، وتغيير المجتمعات البشرية لم يعد محكوماً بالأساليبِ والوسائلِ الموروثة...". والمرجعية كما نعرف هي قمة الهرم الحوزوي.

13- وجاء في هذا الفصل: "منطقة الأنطولوجيا بوصفها ماثلة في المرجعية الدينية والإيمان الفطري يهدد أسس مشروع الرفاعي في النأي عن السياسة والتحصن في قلعة الأنطولوجيا... يحتوي المقال على أدلة أخرى على هذا الجمع الذي يتنافى مع النظر إلى المرجعية على أنها فوق السياسة".

الجواب: لم تردْ أيةُ عبارة في كلّ كتاباتي تؤشر إلى أن الأنطولوجيا ماثلةٌ في المرجعية الدينية، أو أن المرجعيةَ تمثل منبعاً للإيمان الفطري.كذلك لم يصف المقالُ المرجعيةَ على أنها فوقَ السياسة، وإنما تحدّثتُ عن كيفية معالجة مفهوم الدولة في المدوّنة الفقهية لحوزة النجف. ولو كانت الحوزةُ فوقَ السياسة فلماذا تفكر في التكييف الفقهي للدستور كما فعل النائيني في "تنبيه الأمة"، أو التكييف الفقهي لنظام الحكم والسياسة كما فعل شمسُ الدين والصدر، وحتى السيستاني الذي تحدّث عن نظامٍ للحكم لا يتطابق والدولة الدينية قال بذلك طبقاً لتكييف فقهي.

14- وجاء في هذا الفصل: "يصمت الرفاعي عن المرحلة اللاحقة للثورة الإسلامية في هذا المقال".

الجواب: عنوانُ المقالة ينصّ على التاريخ الذي يغطي الفترةَ السابقة للثورة. العنوان هو: "أزمنة التحديث في ايران 1979 -1800: تحقيب أولي". المقالةُ مقدّمة في مؤتمر" اتجاهات التجديد والاصلاح في الفكر الاسلامي الحديث". مكتبة الاسكندرية، مصر "19- 21 فبراير 2009". وكان المطلوبُ فيها هذه المدة. مع العلم أن كتابَ "إنقاذ النزعة الانسانية" تضمن مقالةً أخرى تغطي الفترةَ اللاحقةَ للثورة الإسلامية، إذ تناولتْ جدالياتِ التفكير الديني بعد الثورة: 1979-2005.

15- وجاء في هذا الفصل: "المشاغل الجديدة بعد الثورة تجمع في ثناياها الأفق الأنطولوجي مع الباعث الأيديولوجي... بصعود نجم المشاغل الأنطولوجية بعد الثورة بحسب قناعة الرفاعي أنه قد جادل إلى أن مكانة شريعتي قد تضاءلت بعد الثورة وصعد نجم شايغان ونصر".

الجواب: في فصل علي شريعتي من كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" جرى تصنيفُ اتجاهات التفكير الديني في إيران على أربعة اتجاهات، لكن لم يردْ في هذا التصنيف توصيفُ أحدِها بـ"الأنطولوجي"، ولم يتم توصيفُ مشاغل أحدها بـ "المشاغل الأنطولوجية". نعم ربما عبر قراءةٍ متأنيةٍ نعثر في أعمالِ بعض الاتجاهات على ما يشي بشيء من فهمٍ أنطولوجي للدين، لكن الكاتبَ لم يكن مقتنعاً بانطباقِ المشاغلِ الأنطولوجية على تفكيرِها وأعمالِها.

16- وجاء في هذا الفصل: (الجمع بين هيغل وكيركغارد في مجمل مشروع الرفاعي فهو ما يدعو بالفعل إلى العجب، وسأجادل هنا، اعتماداً على مفهوم "مرحلة المرآة" أنه مظهر من مظاهر أزمة الحدود المضطربة بين الأيديولوجي والأنطولوجي في مرآة الرفاعي... حضور هيغل بقوة في منهجه. لكن فيلسوف الوجودية المؤمنة سورين كيركغارد حاضر بالقوة نفسها في كتاباته...كأن الرفاعي يكتب بمزاجين يتقلب بينهما بقلق كيركغاردي مفهوم).

الجواب: محيي الدين بن عربي من المعلمين الكبار الذين تعلمتُ منهم أن الايمانَ حقيقةٌ حيّةٌ يتذوقها القلب، كما شرحَ ذلك وأوضحَه كيركغارد بشكل آخر بالتفصيل. لكن لم أتفاعلْ مع تشاؤم ِكيركغارد وقلقِه واضطرابِه وتذمّرِه الدائم، وكأنه روحٌ مسكونةٌ بكوابيسَ مزمنة. أما هيغل فهو فيلسوف عظيم، ولاشك في أن نظامه الفلسفي أعمقُ وأثرى وأوسعُ من فلسفةِكيركغارد اللانسقية. لا أتذكر أن فلسفتَه انعكست على آثاري، أو ظهرت اقتباساتٌ من سلّة المقولاتِ والمفاهيمِ الغنية لديه في كتاباتي. نعم ربما ترسب ذلك في لاوعيي، فظهر شيء منه في كتاباتي.

17- وجاء في هذا الفصل: "ومما يربك القارئ أن الرفاعي يمنعه من تصنيفه متصوفاً".

الجواب: يهمني في التصوف الفلسفي رؤيتُه التوحيدية المتفردةُ بمعالجة الاغتراب الميتافيزيقي للكائن البشري. وأنفرُ من تصوّف الخلاص الفردي الذي يُخرِجُ الفردَ من العالم، ويعبث بحياته.

18- وجاء في هذا الفصل: "يحدث هذا المنعطف في النص عندما نصل في الحكاية إلى تجربة الرفاعي السياسية وانتمائه في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي إلى حزب الدعوة الإسلامية، ثم ابتعاده نهائياً عن التنظيم في منتصف الثمانينات... كما ينقطع السرد عندما يصل الرفاعي إلى تجربته في الحوزة العلمية. يلزم الرفاعي الصمت حيال هاتين التجربتين المحوريتين".

الجواب: "نسيان الذات" في كتابي الدين والظمأ الأنطولوجي ليس إلا محاولة مختصرة لتدوين السيرة. تجربةُ الحزبِ والحوزةِ أرجأتُها للسيرة المفصلة التي أحاولُ تدوينَها بهدوء مستقبلاً.

19- وجاء في هذا الفصل: "تردد أصداء العديد من التيارات الفكرية المعروفة بالغرب".

الجواب: يتعلم الكاتبُ من كلّ قراءاته للأعمالِ الأصيلة للفلاسفة والمفكرين الكبار. وهذا ما تقوله لنا جينالوجيا الأفكار، فقد ظلّ أفلاطون وأرسطو مُلهمَيْن للفلسفة والفكر البشري في مدرسةِ الاسكندرية والفلسفةِ في أوروبا العصر الوسيط وفلاسفةِ الاسلام، وما زلنا نستمع لأصواتهما في الفلسفة حتى اليوم، وهكذا كان غيرُهما، ممن جاءَ بعدَهم من الفلاسفة. ومن أوضح ما قرأتُ في ذلك قولَ دوستويفسكي: "كلنا خرجنا من معطف غوغول"[11].

20- ومما جاء في هذا الفصل: (تأطير التجاور المتنافر في مشروعه بين الاحتفاء بالتقليد وبالفرد المستوحد على حد سواء لن يتحقق من دون عودة أخيرة إلى السيد الطباطبائي. يميّز الطباطبائي في كتابه أصول الفلسفة بين الإدراكات الحقيقية والإدراكات الاعتبارية... الرفاعي يتحرك مدفوعاً بالمحنة التاريخية العراقية التي ظل شاهداً عليها من مستوى التنظير الفلسفي للعقيدة "الإدراكات بنوعيها" إلى مستوى الأنطولوجيا نقيضاً ومفنداً للأيديولوجيا، وصولاً إلى عزل الدين عن السياسة وحصره في نطاق محدود ضمن اختصاصات المرجعية الدينية، وهو أقرب إلى ما اتّفق على تسميته في الغرب "خصخصة الدين").

الجواب: أعجبتني هذه الالتفاتة الذكية، التي عملت على توظيف بارع على آثاري، للتمييز الذي أقامه الطباطبائي بين الإدراكاتِ الحقيقية والإدراكاتِ الاعتبارية، وتطبيقِها على مفهوم دين الأنطولوجيا ودين الأيديولوجيا في كتاباتي، ولم أكن منتبهاً إلى ذلك في كل ما كتبته. وهي التفاتة عميقة، لكنها تتطلب المزيد من النظر والتأمل، وأظنها أخطأتْ مرماها في التطبيق.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

.................................

[1] ملاحظات نقدية على فصل: "عبد الجبار الرفاعي ومعضلة القرين"، في كتاب: "أزمة التنوير العراقي". كتبتُ هذه الملاحظات وأرسلتها للأستاذ فلاح رحيم قبل صدور كتابه.

[2] مرتضى المطهري، شرح المنظومة المبسوط، قم، مؤسسة البعثة، 1413 هـ، ج1: ص 184-185.

[3] هذه المقالة هي الفصل 13، ص 257-283 من الطبعة الثانية لكتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، اصدار: مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، 2019.

[4] للتعرف على ما أعنية بمفهوم "الاغتراب الميتافيزيقي" تراجع الطبعة الثانية لكتابي الجديد: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، فصل 13.

[5] من أجل وضع الأفكار الواردة هنا في السياق الذي تنتظم في اطاره، نحيل إلى رؤيتنا وما خلصنا إليها في مفهومنا للدين وحدود المجال الذي يتحقق فيه في حياة الإنسان، ومديات كل من الديني والدنيوي، والتي شرحناها بأبعادها المختلفة وتنويعاتها المتعددة في ثلاثية مؤلفاتنا:  1. الدين والنزعة الإنسانية. 2. الدين والظمأ الأنطولوجي. 3. الدين والاغتراب الميتافيزيقي.

[6] نشرت مقالة بعنوان: "الكتابة بوصفها فن الحذف والاختزال". أغسطس 2015، على الرابط:

http://www.mominoun.com/articles/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%A8%D9%88%D8%B5%D9%81%D9%87%D8%A7-%D9%81%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B0%D9%81-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D9%84-3031

[7] راجع: متينی، جلال. ايرانشناسی س 5:ع 4، ص 835 - 899. س 6:ع 2، ص 377 - 441. رهنما، علی. مسلمانی در جستجوی ناکجا آباد، ص 235 - 238. هاشمی، محمّدمنصور. دين انديشان متجدد: روشنفکری دينی از سروش تا ملکيان. 115. جعفريان، رسول. جريانها وسازمانهای مذهبی سياسی ايران 1320 - 1357. تهران: نشر علم، 1391 = 2013، ص 712.

[8] انتقلت إلى رحمة الله بوران شريعت رضوي زوجة المرحوم علي شريعتي، بتاريخ 15-2-2019 عن عمر يناهز 84 عاماً.

[9] قرأتُ ذلك في كتاب جاك أتالي: "كارل ماركس أو فكر العالم: سيرة حياة".

[10] نُشرت هذه المقالة في عدة صحف، ويمكن مطالعتها على هذا الرابط:  http://www.al-nnas.com/ARTICLE/is/16kml.htm

[11] وتنسب هذه العبارة أيضاً إلى تورغينيف.

كاظم الموسويهؤلاء بعض النماذج، هم: الكسندر ادلر، كارولين فوريست، محمد سيفاوي، تيريز بلبش، فريدريك انسل، فرانسوا هزبورج، فيليب فال، برنارد هنري ليفي. ويجادل كل واحد بفصل خاص به. مبينا برأيه… لماذا أصبح هذا المثقف مزيفا؟!

الكسندر آدلر كاتب مرموق، “قاص رائع” يتمتع بموهبة مدهشة تجعله يملك القدرة على الكلام والتطرق ببراعة إلى الشؤون الدولية كافة دون ملاحظات مكتوبة، هكذا كتب عنه، ولكنه يعاني من هياج الذاكرة، وإحراج مقابله أو المحاور معه، وهو يروي الأحداث وكأنه كان شاهدا مباشرا عليها. واعترف باسكال عن ادلر بأنه في الحقيقة موهبة حقيقية مضيعة، فذكاؤه وذاكرته وإمكاناته، كان من الممكن أن تصنع منه أحد أكبر مثقفي عصرنا. ليته فقط أحاط مواهبه الهائلة بقدر أكبر من النزاهة ومن الدقة (ص78). ولكن كيف يستفيد من كل ذلك في الصعود إعلاميا؟! ومثله بهذا الذكاء يعرف من أين تؤكل الكتف، كما يقال في المثل العربي.

أما كارولين فوريست، فسجل عنها، أنها امرأة شابة علمانية ويسارية تتصدى بعنف لأولئك الذين يهاجمون بوش وشارون دون أن تدافع عنهما علنا. واصفة المهاجمين بالحمقى المفيدين للإسلام المتطرف. وهي تقود معركتها بالطبع باسم العلمانية والدفاع عن حقوق النساء والأقليات الجنسية، وفي اللحظة نفسها تمتطي معركة أخرى توافقية، محاربة اللاسامية، العنوان المقبول إعلاميا، والمرشحة دائما للمشاركة في البرامج التي تتناول موضوع “التطرف الإسلامي” الذي يهدد اليهود وإسرائيل أيضا. (ص80). أضاف عنها أنها نالت جائزة الكتاب السياسي على كتابها “إغواء الظلامية”، وبعد استضافتها في برنامج شارلي ابدو الأسبوعي، ارتفعت أسهمها، فوظفت في لوموند، وفرانس 24، وفرانس كولتور، وفرانس انتر. ووظائف أخرى لا تعين فيها بشهادتها الجامعية وحدها. أي أنها استفادت من زيفها في التوظيف الزائف أو المتحكم فيه الزيف السائد.

وتأتي أهمية محمد سيفاوي، في المقدمة التي وضعها لكتاب كلود مونيكيه، “غزة الكذبة الكبرى”، كتب: “أصر على القول، بوضوح ودون مواربة، بأنني، في الحرب الدائرة بين إسرائيل وحماس، أؤيد الجيش الإسرائيلي في صراعه المشروع ضد هذه المنظمة الإرهابية التي تحركها تلك الأيديولوجية الفاشية التي هي نظرية الإخوان المسلمين. وسأعبر عن أسباب هذا الموقف بأوضح ما يمكن: أنا مسلم، ديمقراطي وعلماني، أنتمي إلى اليسار، ومنفتح جدا للقضية الفلسطينية، وفوق ذلك شديد التمسك بحق هذا الشعب في أن يكون له دولة سيدة، حرة ومعاصرة، ديمقراطية ومزدهرة”. بهذا النص وضح بونيفاس موقفه من سيفاوي، الذي استخدم ما ذكر في الصعود الإعلامي والترويج للزيف الذي يسود وسائل الإعلام عموما. كونه عربيا ومسلما ينتقد الإسلام ويدافع عن إسرائيل!

وتستغل تيريز دلبش منصبها الرسمي في وكالة الطاقة الذرية الدولية في كتاباتها إضافة إلى أعمال أخرى في ترويج السياسات اليمينية، خصوصا فيما يتعلق بدعم الموقف الأميركي من الطاقة النووية الإيرانية. وسجل المؤلف عنها، بعد تبريرها لحرب العراق بموجب وجود أسلحة لم تكن موجودة، تحث تيريزا دلبش على إنزال ضربات بإيران. التي تزعم أنها تقترب منذ سنوات من امتلاك السلاح الذري. ولكن بما أنها تحسن التعبير عن نفسها بقوة، وبما أن وضعها يفترض توفر معارف حقيقية لديها، فإن أحدا لا يعترض عليها، ولا يجرؤ أحد أن يذكرها بأخطائها السابقة، تستطيع “خبيرتنا” الاستمرار في تقديم حملاتها الغربية باعتبارها تستند إلى ملاحظة الوقائع لا إلى قناعات أيديولوجية قابلة للنقاش. والحال أبعد من أن يكون كذلك. (ص107).

فريدريك انسل، رجل ذو نفوذ، هكذا عنون المؤلف الفصل، وواصل القول عنه إن انسل دائم الاستشهاد بمعلمه فلاديمير جابوتنسكي، وكان قائدا للمنظمة المتطرفة بيتار، ويتستر عليها، وبالمقابل يصيب بالدوار من كثرة الألقاب الجامعية التي يصفها والتي لا وجود لها في الواقع. ومع ذلك يقدم نفسه بوصفه خبيرا محايدا وموضوعيا في القضايا الاستراتيجية والمتعلقة بالشرق الأوسط دون أن يوجد من يراجعه في ذلك. ولا يتورع انسل عن تقديم نفسه بروفيسورا في حين أنه كان يحضر رسالة الدكتوراه حول القدس بإشراف ايف لاكوست لا أكثر (ص110).. وبمثل هذا الادعاء والقابلية عليه يتمتع انسل بفرصته في الإعلام الفرنسي وعرض الموقف الصهيوني المهيمن.

شكل فرانسوا هزبورج باعتباره دبلوماسيا بحكم التأهيل، جزءًا من الفريق الصغير الذي كان يعمل على قضايا الدفاع في الحزب الاشتراكي قبل 1981 ولديه قدرات فكرية كبيرة، استغلها في إبراز نفسه، حتى بعد خروجه من وزارة الدفاع وتحمل مسؤولية العمل في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، الذي مقره لندن، وله صلات قوية بالولايات المتحدة الأميركية. فبدأ في تسويق نفسه في انتقاد المواقف الفرنسية التقليدية على الصعيد الاستراتيجي. ولخص أخيرا المؤلف موقفه من الخبير الذي بقي يردد أنه كانت توجد أسلحة دمار شامل في العراق مبررا حربا “وقائية” وراح بعد ذلك يدعو لشن عمليات عسكرية في إيران بهدف منعها من امتلاك السلاح النووي، خاتما رأيه بتساؤل: كيف نفسر أخطاء فرانسوا هزبورج؟ هل مجرد أخطاء في التنبؤ أم تشير إلى الرغبة في خداع الرأي العام، بشكل متعمد؟ (ص128). هذا “الخبير” يعرف اتجاهات الرياح الأميركية ويضع خبرته في خدمتها، ولهذا يوضع في واجهة الإعلام المتأمرك والمأجور.

وفيليب فال، الصحفي الغاضب والنصير الشرس للحرية والمعادي للسلطات القائمة، كما يقدمه أصدقاؤه، كان صحيحا في السابق، ولم يعد كذلك. ويرى المؤلف فيه أنه يحاول الاستفادة من هذه الصورة المنتمية إلى الماضي، في إخفاء ما آل إليه، من تحول إلى “عضو محكمة تفتيش يريد إقصاء ومطاردة الكفار الذين لا يشاركونه أفكاره، أو وهو الأسوأ، الذين تجرؤوا وأظهروا علنا مخالفتهم للعقيدة التي يدافع عنها”(ص129). ويعلق على ما كتبه على غلاف كتاب له، بأنه نوع من ابتذال المبتذل الذي لا يفتقر إلى الابتذال. ويشير إلى عزلته عن زملاء عمله وعن عدم كفاءته للمنصب الذي عين به. ويختم بونيفاس رأيه في فال، بأنه يعرف في أعماقه بأنه يدين بنجاحه لصفقاته الصغيرة على حساب النزاهة الفكرية.

وأنهى بونيفاس هذه النماذج بزعيم المزيفين، برنارد هنري ليفي، كما سماه كنموذج مثالي “المزيف” المطلق، ووحدة القياس النموذجية. الذي أبدع النموذج الأصلي وجعل منه مرجعية. بنى مسيرته على إدارة الأكاذيب دونما خجل. إلا أنه يقدم نفسه مع ذلك بوصفه النموذج المثالي للمثقف المؤثر في عالم الأفكار، والمخلص للقضايا الأكثر نبلا… ويضيف المؤلف: يعتبر ب هـ ل مثقفا ينير الحقائق للجمهور في حين أنه مضلل إعلامي، يعتبر شخصا عميق الالتزام بالأخلاق في حين أنه يجسد الوقاحة والاستخفاف. يعتبر مدافعا لا يلين عن الحرية في حين أنه مكارثي فتاك. يعتبر مناضلا عالميا في حين أنه فئوي ضار (ص143). هذه بعض صفات يستخلصها باسكال من حياة هذا النموذج، ويواصل تعريته من خلال ممارساته كمكارثي فرنسي، في محاربة الفكر ومهاجمة المفكرين، حتى القول “في الوقت المعاصر، لم أر أحدا أساء إلى الحياة الثقافية وإلى الجدل الديمقراطي، مثلما أساء ب ه ل. إنه بالنسبة لي بن علي عالم الميديا، هو مدلل بصدق أحيانا، وبتذلل في معظم الأحيان، من قبل من هم في السلطة، ومرفوض على نطاق واسع من قبل الرأي العام، ويحاول إسكات كل من يعارضه. وهو قيصر وسائل الإعلام كافة (ص153)، وملك التقليد، والوارث لثروة كفته البحث عن وسائل عيش كغيره، أضاف لها ارتباطاته الكثيرة والعميقة التي وفرت له أيضا مساحات أوسع مما يتصورها. ولا يمانع من ازدراء الوقائع لضرورات برهانه، كما كتب عنه بيير نورا. وآخر ما سجله المؤلف عنه، أنه “أول عملية غش قام بها هي حتما كونه أراد أن يكون فيلسوفا وأن يقدم بهذا اللقب، لكنه لم يدرس الفلسفة إطلاقا، وليست الفلسفة هي الشيء الذي يعيش منه” (ص157).

هؤلاء نماذج فقط حسب باسكال بونيفاس، كم واحد من أمثالهم لم يكتب عنه، وما خطورتهم على الثقافة والحوار والديمقراطية والتغيير؟ أسئلة كثيرة تبقى وتطلب الإجابة اليوم وغدا من أجل احترام الوعي والحقيقة والتاريخ والإنسانية.

 

كاظم الموسوي

..........................

* الكتاب من ترجمة روز مخلوف، نشر دار ورد، دمشق، ط2013,1

 

جاسم العايف(جناحان من ذهب)* ضمت خمس عشرة قصة قصيرة، وفيها يسعى القاص (أحمد ابراهيم السعد) لبناء سردي يتشكل في الغالب بطريقة درامية، معتمداً صوت (السارد الواحد)، والمحيط بكلية وتفاصيل القصة، وعبر تقنية التلاعب بالزمن، وتراكم الأحداث، ومستخدماً عناصر التشويق وملاحقة المتغيرات المحيطة بالقصة والنأي عن رتابة السرد، ويلجأ في، بعضها، لتقنية الـ(سيناريو السينمائي)، كما في قصة (محرقة القصب) وحوار المرأة وكاتب العرائض، والذي يصغي له بانتباه، ويسرده الصبي المرافق لأمه:

"...في الورقة التي أمامه بدأ يسمعنا ما يكتب:

- أني المواطنة...

قالت أمي: زكية هادي جابر ..

- أرجو التفضل بالموافقة على تعيني عاملة خدمة في مدرسة ..

- الشهامة الابتدائية.

- وذلك لحاجتي الماسة للعمل كوني..

- أرملة" ؟!.

696 جناحان من ذهب ويعمد، القاص، لاستخدام (الفلاش باك)، كونه ضمن تقنية (السيناريو السينمائي)، لإسقاط الوعي الشقي - للصبي - على ذلك المشهد، ويتابع -الصبي- الشرور والآثام التي تبدو في عيني وحركة كاتب العرائض، وهو يقبض على يد امه، ويلمحه يضغط بقوة على إصبعها، عندما يمسك ابهامها ويبصمها على الطلب، ويثق - الصبي - دون شك، بنواياه لاستباحتها بـشراهة عينيه، ووجهه الذي يتحول الى قرص من المغناطيس، تشكه مجموعة لا ترحم من الدبابيس، تجاه أمه، الشابة والارملة، في ذات الوقت، وهي تسعى للتغلب باستقامة ونبل، على مصاعب وقسوة حياتها اليومية، وارثها الثقيل، وتجاوزهما عبر البحث عن نقطة بيضاء في ايامها السوداء، للعمل في مدرسة ابتدائية تحمل اسم (الشهامة)، ونلاحظ هنا المفارقة في اسم المدرسة والوضع الذي عليه (الأم - الشابة - الأرملة)، وتعامل كاتب العرائض (الفحولي - المتوحش) معها بصفتها فريسة وغنيمة سهلة، في محاولة منه لاصطيادها. وفي قصة (حقائق متقاطعة) يبني القاص قصته لإيصال الرؤى والأفكار باستثمار تسلية لعبة (الكلمات المتقاطعة)، المعروفة في الكثير من الصحف والمجلات، من خلال تقطيع القصة إلى مشاهد أفقية وعمودية كـ: " أفقي- كان معروفا بالحلم- عمودي- من أسلحة المسلمين- أفقي- من شهداء الحب- عمودي- سلاح معكوسة". كما احتوت (جناحان من ذهب) بعض القصص والتي يمكن اعتبار مشاهدها المتعددة، بمثابة ثيّمات وبناءات لقصص قصيرة جدا. ثمة في "جناحان من ذهب" تراكم لهموم اجتماعية مضنية من خلال القراءة اليومية لأرث وأوضاع شخصيات حقيقية، غير متخيلة وتنتمي غالبيتها، لعالم القاع العراقي وهمومه، التي لا حد لها، مع الاهتمام بالبيئة الجنوبية ومكوناتها المخربة عبر الحروب العبثية المتعاقبة، وفي بعض القصص تتداخل الأجناس الأدبية النثرية فيما بينها بحكم العملية الإبداعية، ورغم ما تتمتع به القصة القصيرة من تفرد في الكتابة بسبب البناء السردي واللغوي. قصص (جناحان من ذهب) استفادت بشكل ما من الشعر، والسينما عبر اهتمام القاص بالمشاهد القصصية المتسارعة، والبناء السردي شديد الإيجاز، وكذلك الذهاب الى تقنية (السيناريو السينمائي)، اضافة لطرحها المواضيع الاجتماعية بالتشابك مع الجوانب الإنسانية، وكذلك السرد المتنامي، مع انه يحدث ان يحتوي على نصائح وحكم بما يشبه (الكولاج) في الفنون التشكيلية، والتي تبدو لا علاقة لها بسياقات موضوعة القصة، مع معرفتنا بتداخل الأجناس الفنية والأدبية النثرية فيما بينها بحكم العملية الإبداعية، ورغم ما تتمتع به القصة القصيرة من دقة لابد منها، في البناء السردي واللغوي، إلا أن (جناحان من ذهب) بكليتها استفادت - بشكل ما - من تداخل الفنون، عبر اهتمام القاص باللغة السردية، والإيجاز الذي يحمل حبكة قصصه. وثمة فيها لغة فنية شفافة وتصل أحيانا إلى تخوم قصيدة النثر، مع تشذيبها من الزوائد، والسعي للاقتصاد اللغوي، دون التفريط بالضروري منه، لخلق دلالات وبؤر محددة تتبلور عبر زمان ومكان القص. وسبق ان صدرت لـ(السعد) مجموعته (الجرح) عن دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد، وحصل على بعض الجوائز القصصية ومنها جائزة وزارة الثقافة - بغداد- الخاصة بالأبداع، عن روايته (وهن الحكايات)، واختير مع مجموعة من القصاصين العراقيين والعرب ضمن (انطولوجيا القصة العربية) والتي صدرت باللغات الرومانية، والإنكليزية، والعربية.

 

جاسم العايف

...................

وزارة الثقافة - دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد.

 

690 الجنابيالمرحلة التأسيسية.. كتاب جديد لميثم الجنابي

صدر حديثا عن دار المركز الاكاديمي للأبحاث (العراق-كندا) في طبعته البيروتية (2019) كتاب (الاستشراق والاستعراب الروسي) (المرحلة التأسيسية). وعدد صفحاته 205 من القطع المتوسط. ويحتوي الكتاب على ثلاثة أبواب بسبعة فصول. وضمن كل فصل مباحث.

والمهمة الأساسية لهذا الكتاب تقوم في تتبع التطور التاريخي والثقافي والمعرفي والمنهجي للاستشراق الروسي بشكل عام والدراسات الإسلامية والاستعراب بشكل خاص. كما إن الاهتمام فيه موجه أساسا لما اسميته بالمرحلة التأسيسية، على أمل استكماله لاحقا بكتاب ثاني هذا العام أتناول فيه تحليل مختلف انجازات الاستشراق والاستعراب في المرحلة السوفيتية وحتى اليوم.

ومحتوياته كما يلي:

الباب الأول: المرحلة التأسيسية في الاستشراق الروسي

الفصل الأول: الاستشراق وإشكالية الهوية الثقافية

الفصل الثاني: المرحلة التأسيسية في الاستشراق الروسي ومدارسه الكبرى

روسيا "الغربية" وبوادر الدراسات الاستشراقية

نشؤ وتطور التقاليد العلمية ـ الأكاديمية

"الاطراف" و"المركز" في تقاليد الاستشراق والاستعراب

مدرسة موسكو وصيرورة المركز السياسي ـ الثقافي

مدرسة قازان- مركز ثقافي ديني

مدرسة بطرسبورغ ـ صيرورة المركز الثقافي السياسي.

الباب الثاني:البحث عن المخطوطات وأثره في تطوير الاستشراق الروسي

الفصل الأول: أثر المخطوطات العربية - الإسلامية في إرساء اسس الاستشراق

الفصل الثاني: أثر المخطوطات العربية - الإسلامية في تطوير الدراسات العلمية

الفصل الثالث: تاريخ التراجم الروسية للقرآن وأثرها على الدراسات العربية والإسلامية

الفصل الرابع: تراجم القرآن المعاصرة الى اللغات القومية للمسلمين

الباب الثالث أعلام الإسلاميات والاستعراب في روسيا

الفصل الأول: أعلام المرحلة التأسيسية

خرستيان فرين  (1772 – 1851)

بوريس ايفانوفيتش دورن ( 1805 – 1881 )

أسيب ايفانوفيتش سنكوفسكي (1800 – 1858)

الفصل الثاني: أعلام المستعربين المسلمين في روسيا

شهاب الدين المرجاني (1818 – 1889)

إسماعيل كسبرينسكي(كسبرالي)(1851-1914)

زكي وليدوف(1890 – 1970)

الفصل الثالث: أعلام النضوج العلمي للإسلاميات والاستعراب الروس

كريمسكي اغافانغل يوخيموفتش (1871- 1921)

بارتولد، فاسيلي فلاديميروفتش (1869-1930)

كراتشكوفسكي، اغناتاي يوليانوفتش (1883-1951)

690 الجنابي

من المقدمة

إن المسار التاريخي للأمم اقرب ما يكون إلى الفتنة واللغز حالما يرتقي إلى مصاف الكونية أو العالمية. وذلك لأنه يضعها أمام إشكاليات لا تحصى، لعل أدناها هو إعادة النظر الدائمة في انجازاتها التاريخية والثقافية، وأعلاها هو اثر هذه الانجازات بالنسبة للتماهي الفعلي مع حقائق الهوية القومية. فالأقوام الصغيرة اقرب ما تكون إلى صيرورة لم تكتمل أو كينونة مرمية على قارعة التاريخ العالمي تتدحرج مع العابرين والنازحين والغزاة والفاتحين. وهي حالة لا تخلو من البؤس والمأساة لكنها تبقى جزء من مسار التاريخ الإنساني في محاولاته للبحث عن كمال.

وتختلف القضية بالنسبة للأمم التي صنعت في مجرى معاناتها الخاصة إمبراطورياتها الثقافية. حينذاك عادة ما يختلط الدم بالمداد، ومنهما تكتب قصائد الشعر ونثر الفكر. وهي عملية تبدع، على قدر ما فيها من إدراك ذاتي للمقدمات والغايات، تصوراتها عن النفس والآخرين. وهي تصورات تتمثل بصورة واعية وتلقائية معاناة الأمم في تأسيس وعيها الذاتي. وهو وعي متنوع المستويات والاتجاهات والميادين، عادة ما يتشكل من خلال رؤية مركزية النفس في التاريخ العالمي أو تأسيس تمايزها أو تميزها أو نمط إبداعها الخاص ضمن تجارب الأمم. وهي حالة يمكن الكشف عن خصوصيتها حالما ندرس أو نتأمل الإبداع الثقافي للأمم الكبرى في التاريخ العالمي. فالإبداع الرافيديني (العراقي – السوري) القديم عادة ما كان ينظر إلى نفسه باعتباره مركز العالم، بحيث تحولت بابل لاحقا إلى "باب الله" الثقافية الكبرى في استجلاب أنظار الأمم وعقولها وأفئدتها. وهكذا بقيت مصر، بما في ذلك في لغة العوام إلى اليوم "أم الدنيا". ولاحقا جعل الإغريق من لغتهم معيار الحكم على "بربرية" الأمم ومدنيتها. والشيء نفسه يمكن قوله عن الرومان. وقد تكون الثقافة العربية الإسلامية هي الوحيدة من بين ثقافات العالم القديم التي أضافت إلى مركزيتها المحكومة بفكرة التوحيد إبداع "الأوائل والأواخر" أي القدماء والمعاصرين في فلك الإبداع الإنساني الحر عبر مقارنة نفسها بهم. لكنها أبقت على مكة مركز وبؤرة الجذب الروحي الكوني، وتركت للجسد والعقل الإسلامي حرية الانتقال والمغامرة المحكومة بقوة المعقول والمقبول في تجارب النوع الإنساني. لهذا نراها تتكلم عن خصوصية العرب اللغوية والبيانية، وخصوصية الفرس في الأدب والسياسة، وخصوصية الإغريق والروم في العلم والفلسفة، وخصوصية الهنود في الشعوذة والإبداع الساحر. وهي مقارنات إنسانية الطبع وثقافية المحتوى، لكنها تشير رغم كل الإمكانيات القائمة في التأويل من اتفاق واختلاف وتعارض وتضاد وتدقيق وتمحيص، إلى قوة التأثير الخفي للمركزية الثقافية في فرض رؤيتها على النفس والآخرين.

إن فعل المركزية الثقافية في فرض تصوراتها على النفس والآخرين ليست إلا الوجه الآخر لتلقائية النمو الذاتي للثقافة. الأمر الذي يجعل من أدق وأعمق التصورات والأحكام والقيم والمقارنات الثقافية محدودة بمعايير التجارب الذاتية للأمم. بمعنى أنها تبقى، رغم كل دقتها الممكنة، جزء من معاناة الأمم في بناء ذاتها، وجزء من عمل الثقافة في تهذيب وتوسيع مدى معاييرها، وليست جزء من المنطق المجرد. لكنها تبقى على خصوصية الثقافة القومية. وهي خصوصية وثيقة الارتباط بكيفية حل إشكاليات الوجود الطبيعي والمارواطبيعي للدولة والمجتمع والفرد والوعي الذاتي. وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى "الاستشراق" على انه الصيغة الثقافية التاريخية لبناء الوعي الذاتي للأمم "الغربية". وبالتالي فانه يحمل تصوراتها الذاتية بوصفها معاناة خاصة في إدراك النفس والآخرين. من هنا محدوديته الذاتية وقيمته التاريخية بوصفه إبداعا ثقافيا. وبالتالي فان حدود المنطق فيه هي حدود خصوصية الثقافة القومية. من هنا تنوع وتباين "الاستشراق" بالنسبة لتاريخ الثقافة الأوربية وشعوبها المختلفة، وتمايز روسيا بهذا الصدد.

إن لروسيا تجربة خاصة في "الاستشراق" تستمدها من كونها هي نفسها "شرقية" بمعايير الرؤية الغربية الأوربية التقليدية. و"غربية" بمعايير الرؤية الشرقية التقليدية. وهو الأمر الذي جعل منها "حلقة ثقافية" من طراز خاص طبع موقفها من "الشرق والغرب" بشكل جعلها اقرب إلى "اللغز" منه إلى المنطق. وليس مصادفة أن يقول شاعرها الكبير توتشيف بان روسيا لا يمكن معرفتها بالعقل! بل يفترض العقل الإيمان بها! ولم يقصد هو بذلك خروج روسيا عن حدود الاعتدال والمنطق العقلي، بقدر ما أراد القول، بأن التصورات التقليدية في الغرب والشرق عن روسيا لا يمكنها أن تكون دقيقة، لأنها "غربية" أو "شرقية" بينما روسيا هي "شيء آخر" سيحصل لاحقا على تسمية الاوروآسيوية، أي السبيكة الخاصة لتلاقي أوربا وآسيا. وهي سبيكة لم تكن معزولة عن الجهود الكبرى "للمستشرقين" و"الاستشراق".

فقد ظهر الاستشراق والاستعراب الروسي بالارتباط مع نشوء وتطور الدولة الروسية بشكل عام والإمبراطورية بشكل خاص. وهو أمر طبيعي. فالتوجه الشرقي للدولة الروسية هو الذي جعلها من حيث الأصول الأولية دولة كبرى. بمعنى إن تطورها وتوسعها الجغرافي والبشري أرتبط من حيث الجوهر على حساب الأراضي الآسيوية. وقد اكتملت هذه الصيرورة في مجرى قرنين من الزمن بعد تحرر روسيا من السيطرة التترية والاستيلاء على مدينة قازان عاصمة التتر عام 1552. عندها أخذت روسيا بالتمدد الشرقي بصورة عاصفة. أما تمددها الغربي فقد ظل محدودا. لكن التوسع الغربي الأكبر جرى منذ بداية القرن الثامن عشر بأثر السياسة التي اتبعها بطرس الأول (1672-1725) بفتحه "نافذة" على أوربا، ومن ثم توسيع وتشجيع الانتماء الثقافي الأوربي. عندها أخذ الاهتمام بالشرق يتحول تدريجيا من المهمات العملية وأغراضها السياسية صوب المهمات الثقافية. ولا تخلو هذه المهمات من توجه وأغراض سياسية، إلا أنها عادة ما تنحلّ وتذوب تدريجيا في التجارب التاريخية والثقافي للأمم الكبرى. الأمر الذي نلاحظه على المسار العام لظهور وتطور الاستشراق والاستعراب الروسي.

ومع ذلك يتميز الاستشراق الروسي بخصائص ذاتية تجعله يختلف اختلافا كبيرا عن مثيله الأوربي. ومن بين أهم هذه الخصائص تجدر الإشارة إلى اثنتين منها، الأولى وهي أن روسيا في مجرى توسعها وتطورها تحولت إلى دولة أوربية- آسيوية، والثانية اشتراك الشعوب الآسيوية في علم الاستشراق نفسه. مما أدى إلى صنع سبيكة قوية تتوحد فيها الرؤية الروسية وتقاليدها الثقافية بالتقاليد الثقافية للشعوب الآسيوية. ومن ثم تحول الاستشراق إلى جزء من تاريخ الوعي الذاتي للإمبراطورية الروسية بمختلف شعوبها وأقوامها وأممها. مما طبع اتجاه ومباحث المستشرقين الروس بطابع ثقافي خاص. ونعثر على ذلك بوضوح في الاختصاصات الكبرى للاستشراق الروسي الذي تمحور من حيث الجوهر حول الإسلاميات والاستعراب، أي حول الدراسات الإسلامية والعربية. وبالتالي المساهمة العلمية العميقة في توسيع المدى الثقافي للتأثير المتبادل داخل الامبراطورية الروسية وخارجها. وليس مصادفة أن يكون المؤسسيين الكبار للاستشراق الروسي قد عاشوا وتعايشوا في مرحلتين أو حقبتين كبيرتين في التاريخ الروسي، الحقبة القيصرية والسوفيتية. وفي كليهما نعثر على تواصل متجانس بسبب احتكامه في الأغلب إلى الرؤية العلمية والثقافية الروسية المنفتحة، أي التي تخلو بتاتا من نفسية وذهنية الاستعلاء وما شابه ذلك مما كان يمكن رؤيته في تاريخ وتراث الاستشراق الأوربي. من هنا القيمة العلمية والثقافية للاستشراق الروسي الذي ساهم في بعث التراث الإسلامي والعربي. وقد كانت تلك أيضا الصفة الملازمة للاستشراق في المرحلة السوفيتية. إذ بغض النظر عن هيمنة واستحكام الرؤية الأيديولوجية الصارمة، سار الاستشراق في طريق "معبد" يقوم فحواه في البحث عن "الجوانب التقدمية" و"المستنيرة" و"الإنسانية" التي تناهض الدين والمعتقدات الدينية واللاهوت. من هنا اهتمامه بشخصيات وتيارات دون أخرى. وليس مصادفة أن تحتل الفلسفة الإسلامية والتيارات العقلانية كالمعتزلة والشعراء والأدباء الكبار والمؤرخين الحيز الأكبر من اهتمام البحث العلمي. بينما جرى رمي كل ما لا يدخل ضمن هذا المسار في سلة المهملات المخصصة "للفكر الرجعي" و"المتخلف". مع ذلك ظلت المرحلة السوفيتية في الاستشراق هي الأكبر والأعمق والأوسع في انجازاتها. وهو ما سأتناوله في كتاب لاحق مكمل لهذا الكتاب.

***   ***   ***

ميثم الجنابي

 

 

محمد السعديماتس إيكمان.. صحفي سويدي وباحث مختص بقضايا الشرق الأوسط وتحديداً العراق وقضاياه . شاع صيته مؤخراً في وسائل الأعلام والتواصل الاجتماعي وتناقل المعلومة عقب صدور كتابه الذي يحمل عنوان (مهمة من بغداد) (På uppdrag från baghdad) .

الكتاب يتناول حقبة مهمة ومرحلة حرجة من تاريخ السويد وحساسية العلاقة بين جمهورية العراق والملف الأمني حول قضايا الاجئيين العراقيين والمخابرات على حد سواء منذ مطلع السبعينيات . في صباح يوم ٤ أذار العام ١٩٨٥، أستيقظت السويد والسويديين على جريمة قتل مروعة، هزت الرأي العام، حيث تشهدها أرض السويد لأول مرة، هزت وسائل الاعلام وحيرة المعلقيين ودوخت المحللين عبر شاشات التلفزة وأروقة المحاكم والتي ما زالت تبحث عن أدلة وشهود لأنهاء هذا الملف الخطير . في صبيحة ذلك اليوم عثرت الشرطة السويدية عبر مخبر عارض بوجود حقيبتين سوداوتين متروكتين في منطقة (سودرتاليا) في جنوب العاصمة السويدية (أستوكهولم) . لتجد الشرطة في داخلهما أكياس بلاستيكية لاشلاء أنسان مقطعة بعناية وخبرة الى ٤٨ قطعة حسب وصف المذيع السويدي المذهل لوقع الجريمة . أنها جثة رجل ضابط الاستخبارات العراقي ماجد حسين عبد الكريم، الذي فر من العراق عام ١٩٨٣ متجهاً الى مملكة السويد طالباً اللجوء السياسي حسب أتفاقية (جنيف) المعمول بها وضمن أتفاقيات الدول الموقعه على لائحتها القانونية والانسانية، أراد أن يكون بعيداً عن أيادي وعيون وخطورة الجهاز الذي ينتمي له، هكذا كان معتقداً من خلال تصريحه الأول للصحف السويدية (سفينسكا داغبلادت)، مهدداً بهز وفضح أربعة خلايا مخابراتية تعمل على أرض السويد ونشاطهم التخريبي وشبكة العلاقات داخل أوربا، وتفاصيل لقاء مناحيم بيغن رئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق مع برزان التكريتي عندما كان مديراً للمخابرات وقصة ضرب المفاعل النووي العراقي (تموز) في منطقة الزعفرانية أطراف العاصمة بغداد العام ١٩٨١من قبل سرب من الطيران الاسرائيلي يضم ١٨ طائرة حربية بناءاً على معلومات حول المكان وهيكلة بنائه وزواياه قدمها لهم عملائهم من الفرنسيين، الذين كانوا يعملون في موقع المفاعل الذري، والطيران الذي خرق أجواء دول مجاورة وعطل كل الرادارات عبر الحدود الاردنية الى العاصمة بغداد منطقة (سلمان باك) ليحقق مهمته في تدميره، كان المقتول ماجد حسين حاضراً وشاهداً على هذا اللقاء وهدد بكشف تفاصيله الى وكالات الانباء العالمية ودوائر أستخباراتية . وفي خطوة أستباقية قام النظام العراقي في بغداد بحجز زوجته وأطفاله الثلاثة وسيلة للضغط عليه من أجل عودته الى العراق أو تحييد موقفه في ألتزام الصمت، لكنه لم يعير أعتباراً لذلك التهديد أو حتى لم يأخذه على محمل الجد . أثارت عملية قتله وطريقتها الهلع والخوف بين صفوف العراقيين على أراضي مملكة السويد والدول المجاورة، الذين هربوا من العراق بسبب قمع النظام وسياسته وحروبه . ودب الهلع والخوف بين أوساط العراقيين وتذمرهم من برودة الموقف السويدي الرسمي في أتخاذ الاجراءات الرادعة والسريعة في حمايتهم من نشاط رجال المخابرات العراقية، مما زاد من توجساتهم الأمنية، وأضطر قسم غير قليل منهم ترك الاراضي السويدية الى دول مجاورة، وقسم أخر أنتقلوا وغيروا عنوانيهم وألقابهم الى مدن سويدية أخرى بعيداً عن متناول أياديهم وهواجس الرعب والخوف تطاردهم في أبسط تفاصيل حياتهم .

أستند إيكمان في كتابه الذي يحوي ٣٤٠ صفحة على وثائق المخابرات السويدية (سيبو / Säpo) وعلى ملفات وزارة الخارجية السويدية بهذا الشأن تحديداً (الشأن العراقي) . ستة وسبعون صفحة من الكتاب مكرسة للتغطية على أغتيال ضابط الاستخبارات ماجد حسين عبد الكريم وتفاصيل تنفيذها وتداعياتها والتي ما زالت طاغية على المشهد الأمني السويدي . وذكر الكاتب ماتس معاناته بعدم تجاوب المعنيين بهذا الملف من الجانب العراقي حيث خاطب عشرين جهة رسمية ومدنية ولم يتلقى جواباً واحداً مما أحزنه كثيراً، لهذه اللامبالاة، بعيداً عن المسؤولية الاخلاقية والتاريخية والقانونية .

 

السويد كمركز قرار وعلاقات دولية كانت تغض النظر عن نشاطات المخابرات العراقية على أراضيها رغم معرفتها الكاملة والمؤكدة بالتضيق والتجسس على حياة العراقيين ومسببة لهم هلع وخوف في منظومة علاقاتهم وحياتهم الطبيعية أرتباطاً بالمصالح السويدية (الاقتصادية) . تنظر السويد لمصالحها الاقتصادية بعين الاعتبار وتضعها في الاولوية، حيث لها عدة شركات تعمل بالعراق وخبراء ومستشارين فلا تريد تفرط بتلك الميزات والهبات على حساب ضمان حياة جمهرة من الناس الهاربين من جحيم نفس تلك الاجهزة . الدول والانظمة بكل أنماطها وشكل حكمها لا يهمها الا مصالحها وأجندتها الخاصة . في نهاية السبعينيات أصبحت السويد من المحطات المهمة للمخابرات العراقية وثقل دبلوماسي وعلاقات أقتصادية وتجارية، كان معمل الأسمنت في مدينة (مالمو) الجنوبية أعتماده الاساسي على التصدير الى العراق، وعندما تأزمت العلاقات في السنوات الاخيرة بين البلدين وضعف التبادل التجاري والاقتصادي بينهما، ومن أولويات أسبابها الحرب والحصار أغلق هذا المعمل وتحولت أرضه الى عمارات سكنية للساكنيين، وشهدت العلاقات والزيارات المتبادلة على مستويات عالية جداً، حيث زوجة النائب صدام حسين زارت السويد مرتين، وكان يفترض واحدة من المرات أن تلتقي بزوجة الملك (كارل السادس عشر كوستاف)، لكن يبدو سفرة مفاجئة لزوجة النائب (ساجدة خيرالله طلفاح) الى لندن لموعد مهم مع طبيب حال دون ذلك، وفي العام ١٩٧٩ تقاطر الى مملكة السويد عدد من القادة البعثيين والوزراء محمد عايش وزوجته ومحيي الشمري مشهدي وعائلته وتجولوا في المدن السويدية في أهتمام رسمي وزاروا العاصمة الفلندية (هلسنكي) . وفي عودتهم الى بغداد ذبحوا على مسلخ قاعة الخلد الشنيعة بسيناريو معد مسبقاً بأخراج فاشل ومفضوح أنها مسرحية (المؤامرة) راح ضحية عرضها ٢٣ وزيراً وقائداً حزبياً أنها مساعي في السيطرة على الحكم وتصفية حسابات . فاغتيال رجل الاستخبارات ماجد حسين عبد الكريم نتاج تلك الارباك في العلاقات العراقية / السويدية وعلى ضوء مساحتها الخضراء تتحرك أجهزة المخابرات بحصانات دبلوماسية، وحسب وثائق وملفات جهاز المخابرات السويدية (سيبو / Säpo) لحين سقوط نظام صدام حسين على يد المحتلين الامريكان عام ٢٠٠٣ يوجد حوالي مئة منتسب للاجهزة المخابراتية العراقية يعملون على الاراضي السويدية . والبعض منهم عاد وتعاون مع الوضع الجديد في العراق تحت عباءة الغطاء الطائفي وأجندة المحتل الامريكي .

 

محمد السعدي – مالمو