علاء اللامييصدر قريبًا عن دارَي الرّعاة (فلسطين) وجسور ثقافيّة (الأردن) كتاب موجز تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربيّ الاسلاميّ، بقلم كاتب هذه السطور وسيكون الكتاب متوفرا في معرض بغداد الدولي للكتاب الذي سيبدأ في السابع من شباط الجاري ولغاية الثامن عشر منه، في جناح دار دجلة للنشر والتوزيع وسيكون متوفرا أيضا في مكتبات بغداد والضفة الفلسطينية المحتلة " توزيع دار الرعاة في رام الله" وفي مكتبات العاصمة الأردنية ومدن ومعارض دولية للكتب قريبا. هنا فقرات ضافية من مقدمة الكتاب للتعريف به وبمنهجيته المعتمدة:

***

ليس الصراعُ الحاليّ في فلسطين، وعليها، صراعًا دينيًّا تقليديًّا؛ بل يمكن القول إنّ العنصر الدينيّ هو أحدُ دوافعه ومفاعليه وتجلّياته في آنٍ واحد، ولكنّه لم يكن ولن يكونَ السببَ الأوحد والأهمّ. إنّ هذا العنصر الدينيّ، والثقافيَّ بشكّل أعمّ، يدخل ضمن مشمولات الحالة والواجهة التاريخيّة لهذا الصراع. فهذا الصراع، أساسًا، ومن حيث الجوهر، هو صراعٌ جغراسياسيّ، حضاريّ، عسكريّ، وثقافيّ (وضمنه الدينيّ)، بين الحركة الصهيونيّة الأشكنازيّة ودولتِها المفتعلة "إسرائيل" المدعومة غربيًّا من جهة، وبين الشعب الفلسطينيّ وحلفائه من الشعوب العربيّة والاسلاميّة وشعوبِ العالم من الجهة المقابلة. ولقد دخل العنصرُ الدينيّ والتاريخيّ ضمن مشمولات هذا الصراع، بدفعٍ وتأجيجٍ من طبيعة الحركة الصهيونيّة الدينيّة التوراتيّة التكفيريّة المعادية للأغيار (جوييم، أي الآخرين المختلفين دينيًّا)، ومن طبيعتها القوميّة العرقيّة المنسوبة زورًا إلى للعبرانيّة والعبرانيين الجزيريين "الساميين."

وعلى ذلك، فليس من الصحيح والعادل والأخلاقيّ إدانةُ لجوء الإنسان الفلسطينيّ، والعربيّ عمومًا، إلى استلهام إرثه الثقافيّ والدينيّ، في دفاعه عن مقدّساته وعقيدته ووطنه وتراثه الدينيّ الإسلاميّ والمسيحيّ والقوميّ العروبيّ،... ثمّ السكوتُ عن لجوء الحركة الصهيونيّة ودولتها ــــ القائمة أصلًا على مزاعمَ وخرافاتٍ دينيّة توراتيّة وقوميّة عبرانيّة مُفتعلة ــــ إلى اتّخاذ العنصر الدينيّ التوراتيّ رايةً ومنهاجًا وثقافةً لها، بل هي تطالب اليوم ضحيّتَها الفلسطينيّةَ بالاعتراف بدولتها دولةً يهوديّةً، ولليهود حصرًا، وانتهت أخيرًا إلى قانونٍ دستوريّ يقرّر أنّ إسرائيل دولة قوميّة يهوديّة، ولليهود حصرًا.[1]

لذا، بات من اللازم الإلمامُ بالجانب التاريخيّ والحضاريّ من جوانب هذا الصراع الشامل والمعقّد. ومن هنا تأتي هذه المحاولة المتواضعة لتقديم عرضٍ مبسّط ومكثّف لخلفيّات الخطاب الجوهريّة في الصدد التاريخيّ، بهدف كشف الطابع الخاطئ والمزيّف للخطاب المعادي، وتبيانِ تناقضاته وأكاذيبه، بأسلوبٍ لا يتخلّى عن الحياد العلميّ في مقاربته للحقائق، ولا يخفي انحيازَه الإنسانيّ لقضيّة الشعب الفلسطينيّ المظلوم وللحقيقة في آنٍ واحد.

إنّ موضوع تاريخيّة فلسطين القديمة، المتلابسة مع جغرافيّتها، قبل ظهور اسم "فلسطين" وبعده عَلمًا لهذه البلاد الجميلة، موضوعٌ شائكٌ ودقيقٌ ومعقّد، ولكنّه ممتعٌ وملهِم ومفيد ثقافيًّا ومعنويًّا. والواقع أنّ هناك جهلًا طاغيًا بأساسيّات هذا الموضوع حتى بين صفوف النخبة المثقّفة العربيّة أحيانًا. وإذا علمنا أنّ الموضوع إشكاليّ ومعقّد أساسًا بسبب طبيعته الذاتيّة التاريخيّة غير التجريبيّة تمامًا، فسنفهم أنّ الاكتفاءَ بالمعلومات والشعارات والكتابات السياسيّة والحزبيّة السطحيّة حول الموضوع هو نقطةُ ضعفٍ كبرى خطيرة نعانيها، نحن العرب، على هذه الجبهة المهمّة، جبهةِ الثقافة والإعلام.

سأقوم، عبر هذا الكتاب، بمحاولةٍ متواضعة، لمقاربة مجموعةٍ من الحقائق والصور التاريخيّة والجغرافيّة واللغويّة حول فلسطين القديمة، منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربيّ الإسلاميّ، في أمّهات المصادر القديمة والحديثة،[2] ومن ثمّ نسجِها في هذا الموجز التاريخيّ.

إنّ ما أقوم به هنا ملخّص مبسّط ومكثّف لتاريخ فلسطين، بدءًا من فجر التاريخ، فمرحلةِ الانتقال إلى العصر التاريخيّ، مع اختراع الكتابة في بلاد سومر (جنوب بلاد الرافدين في العراق القديم)؛ أيْ من العصر النحاسيّ الغسولي (3000 سنة ق. م) حتى حروب الفتح والتحرير العربيّة الإسلاميّة في القرن السابع الميلاديّ. وهذا الملخّص موجّه أساسًا إلى جيل الشباب، مثلما هو موجَّه إلى غيرهم من الباحثين عن الحقيقة. وهو استعراضٌ لن يتوقّف عند التفاصيل المعقّدة والمتشابكة إلّا ما ندر وكان ضروريًّا وذا صلةٍ بفلسطين.

إنَّ مركزيّة العلاقة بين فلسطين التاريخ البعيد والشديد التعقيد والثَّراء، وفلسطين الحاضر الصراعيّ الحاليّ مع الحركة الصهيونيّة ودولتِها العنصريّة "إسرائيل،" تُعطي دافعًا ومبرِّرًا قويًّا لوضع السياق التاريخيّ في مجراه الصحيح بين مكوّنات معادلة الصراع، وفي مقدّمتها جبهة التاريخ القديم الذي أُهمل كثيرًا من قبل الطَّرف الفلسطينيّ والعربيّ، الثقافيّ والسياسيّ، لشديد الأسف. وفي المقابل أوْلى الطرفُ الصهيونيُّ والغربيّ اهتمامًا خاصًّا ومركزيًّا بهذا المحور الصراعيّ من الموضوع، مُعتبِرًا أنّ السيطرة على مكوّنات تاريخ فلسطين القديم وتوجيهَه في اتجاهات محدّدة بهدف تسييد الرؤية والرواية الصهيونيّتين هي مهمّة المهمّات بالنسبة إليه. والواقع يقول إنّ الطرف الصهيونيّ قد نجح حتى الآن نجاحًا باهرًا في إنجاز هذه المهمّة، وفي وضع الرواية والرؤية الفلسطينيّتين والعربيّتين للتاريخ الفلسطينيّ القديم في الهامش وفي حالة دفاع غير مبرَّرة، هذا إنْ كان ثمّة وجودٌ أصلًا لهذه الرواية يتعدّى الوجودَ البدائيّ والرمزيّ؛ إذْ إنّ الثابت هو أنّ الطرف الفلسطينيّ والعربيّ مقصِّر في هذا الباب تقصيرًا محزنًا ولا يمكن تبريرُه، بل هو يشبه تركَ جبهةٍ قتاليّةٍ مهمّةٍ فارغةً أمام العدوّ خلال القتال.

إنَّ الارتباط التاريخيّ والمضمونيّ بين الرؤية الصهيونيّة الاستراتيجيّة، والروايةِ الدينيّة التوراتيّة، والمشروعِ السياسيّ المباشر لـ"إسرائيل" العنصريّة، أمورٌ علائقيّةٌ لا يمكن نكرانُها. وقد تفطّن إلى جوهرها كتّابٌ كُثر، لعلّ من أهمّهم الباحث والأستاذ الجامعيّ المتخصّص في دراسات الكتاب المقدّس، كيث وايتلام، في كتابه الحاسم: اختلاق إسرائيل القديمة.

يؤكّد وايتلام هذا الارتباط بأدلّةٍ كثيرة، لا يمكن دحضُها أو التقليلُ من أهميّتها. من ذلك قولُه إنّ إشارة وعد بلفور إلى الرابط التاريخيّ بين اليهود المشتَّتين في العالم بـ"أرض آبائهم" كان أكبرَ نصرٍ في مطلع القرن العشرين للصهيونيّة، ولزعيمها حاييم وايزمن، الذي أصرّ على أنْ يتضمّن وعدُ بلفور مثلَ هذه الإشارة، إيمانًا منه بأنّ التركيز على الجانب التاريخيّ "شرطٌ أساسٌ لنجاح المشروع  الصهيونيّ" ولضمان "عودة" اليهود إلى "أرض أجدادهم" (فكثيرًا ما كان وايزمن يردّد: "نحن لسنا بقادمين، بل عائدون").[3]

ويُضيف وايتلام، عارضًا أهميّةَ الببليوغرافيا المنجزة للتواريخ المهمّة لمملكتَي إسرائيل ويهوذا:

"إنّ تهميشَ تاريخ فلسطين القديم يمكن التدليلُ عليه من خلال الببليوغرافيا الممتازة للتواريخ المهمّة لإسرائيل ويهودا، كما ظهرتْ في بداية كتاب ميللر (Miller) وهيز (Hayes)، إذ توجد قائمةٌ تتضمّن خمسةً وستّين مرجعًا تعود إلى الفترة الواقعة من القرن الثامن عشر حتى أواخر القرن العشرين، بينما يوجد عنوانان فقط يعالجان تاريخَ سوريا وفلسطين... علينا أن نعي أنّ سيطرةَ اللاهوت هذه، وما لذلك من مضامينَ وأبعادٍ سياسيّة وثقافيّة، يجب أن تكون في أذهاننا كي نفهمَ كيف تمكّنت الأوساطُ العلميّةُ الغربيّة من اختراع إسرائيل القدوة، وإسكاتِ التاريخ الفلسطينيّ" [4].

ويستنتج وايتلام من ذلك استنتاجًا صحيحًا:

"هذا يعني أنّ التاريخ الإسرائيليّ، ويهوديّةَ الهيكل الثاني، اللذيْن كانا حكرًا على الدراسات التوراتيّة حتى عهدٍ قريب، يشكّلان في الحقيقة جزءًا من التاريخ الفلسطينيّ، بينما التاريخ الإسرائيليّ ــــ الواقع تحت هيمنة الدراسات التوراتيّة ــــ قد سيطر على المشهد العامّ لفلسطين إلى درجة أنّه أَسكت فعليًّا كلَّ مظاهر التاريخ الأخرى في المنطقة، من العصر البرونزيّ حتى الفترة الرومانيّة"[5].

إنّ المقارنة الدقيقة التي يجريها إدوارد سعيد، ويستعيدها وايتلام بحماس، بين ما فعلتْه الحركةُ الوطنيّة الفلسطينيّة في هذا الميدان، وبين ما فعلتْه حركاتُ التحرّر في الهند وأفريقيا وأستراليا، مهمّة جدًّا في هذا الصدد. فهو يقول:

"إنّ نموّ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة لم يؤدِّ إلى استرداد الماضي، كما حصل في الهند وأفريقيا وأستراليا. والمشكلة هنا تكمن في أنّ مفهومَ التاريخ الفلسطينيّ يقتصر على الفترة الحديثة، في محاولةٍ لتوضيح القضيّة الوطنيّة في مواجهة النفي والتشريد، كما لو كان التاريخُ القديم قد تُرك لإسرائيل والغرب. وكان إدوارد سعيد قد لاحظ في خاتمة كتابه لوم الضحيّة: البحث العلميّ الزائف وقضيّة فلسطين... أنّ فلسطين كانت وطنًا لحضارةٍ لافتةٍ للنظر لقرون طويلة قبل هجرة القبائل العبريّة إليها. ويبدو أنّ طبيعة هذه الحضارة وإنجازاتها تُذْكر في جملٍ قليلة، بينما فترةُ الهجرة الاسرائيليّة، وهي نظرةٌ عفا عليها الزّمن...، قد تُركتْ لإسرائيل من دون أيّ تعليق. ويركّز الباحثون على تاريخ فلسطين منذ الفتح العربيّ والاسلاميّ في القرن السابع الميلاديّ حتّى الوقت الحاضر. أمّا الفترة البرونزيّة المتأخّرة بالتحديد، حتى الفترة الرومانيّة، فهي بحاجة إلى استعادتها وإعطائها صوتًا في تاريخ فلسطين."[6].

هنا يمكن أنْ نسجّل أنّ بعض الباحثين العرب ــــ بدلًا من العمل على إنجاز هذه المهمّة الملحّة، مهمّةِ فصل التاريخ الفلسطينيّ القديم عن القراءة والكتابة التوراتيّة، وإنجاز مهمّة كتابة هذا التاريخ ككيان سرديّ تاريخيّ مستقل ــــ يهدرون جهودَهم في البحث عن فلسطين أخرى في إقليم عسير أو جبال اليمن في عموم شبه الجزيرة العربيّة! لسنا ندعو هنا إلى منع الباحثين من البحث في الميدان الذي يشاؤون، وبالمنهجيّات التي يفضّلون، ولكنّنا نتكلّم على تسلسل الأولويّات ومستوى خطورة المهمّات والسياقات والعناوين الخاصّة والمتضمّنة في هذا الميدان.

وقد يكون دالًّا ومفيدًا أنْ أسجّل أنّني كنتُ أمام إشكالٍ فنيّ ومنهجيّ في محاولتي وضعَ البنية النهائيّة لهذا الكتاب، والذي هو كما يقول عنوانُه "موجزَ تاريخ." وهذا يوجِب على مؤلِّفه التقيُّدَ بالبنية المدرسيّة التقليديّة، كما نجدها في الكتب المعتمَدة في هذا المجال. ولكنْ، لأنّ الكتاب ليس تدريسيًّا بحتًا، بل  موجّهٌ إلى القارئ العاديّ والمتخصّص في آن واحد، فقد انتهيتُ إلى أن يكون مصوغًا بأسلوبٍ مبسّطٍ شبهِ صحافيّ مع عناوين فرعيّة كثيرة، تشدُّ القارئ، وتُبعد عنه المللَ المتوقّعَ المتأتّي من الغرق في اللغة الاصطلاحيّة والتناول الأكاديميّ الجافّيْن.

أما من ناحية المدى الزمنيّ والتاريخيّ الذي تستغرقه مادّةُ الكتاب، فهو يبدأ منذ فجر التاريخ، من العصور الجيولوجيّة الجليديّة القديمة وعصر إنسان الهوموهابيل وعصر البليستوسين، ومرورًا سريعًا بالعصر الحجريّ القديم والعصر النحاسيّ الغسوليّ،[7] وحتى استكمال عمليّات الفتح والتحرير العربيّ الإسلاميّ في القرن السابع الميلاديّ. ولكنه لن يتوقّف مطوّلًا وتفصيلًا عند عهود فجر التاريخ والعصور القبتاريخيّة.

***

قبل أنْ نبدأ هذا الموجزَ التاريخيّ، أوَدّ تسجيلَ الملاحظات المنهجيّة التاليّة:

أبغي، أولًا، الإشارةَ إلى أنني سأستعمل المصطلحَ الذائعَ الصيت "الساميّة" ومشتقّاتِه على الرغم من التحفّظات العلميّة المهمّة والكثيرة عنه. فهو مصطلحٌ توراتيّ، ابتُكر واستُخدم لأوّل مرّة سنة 1770 من قِبل أعضاء مدرسة غوتنغن الألمانيّة للتاريخ، واشتقّوه من اسم "سام،" أحدِ أبناء نوح الثلاثة المذكورين في التوراة، ولم يعثر العلماءُ حتى اليوم على أيّ دليل نبْشيّ آثاريّ ملموس يَذْكر اسمَه مباشرةً أو اشتقاقًا.

أمّا نسبةُ ابتكار "الساميّة" إلى العالِم النمساويّ أوغست شلوتسر، كما فعل الباحثُ العراقيّ المتميّز الراحل د. فاضل عبد الواحد في كتابه من سومر إلى التوراة (ص 40)، وآخرون، فغيرُ دقيقة. وأما المصطلح الذي ابتكره شلوتسر فهو "معاداة الساميّة،"، وأريدَ له أنْ يعني معاداةَ اليهود واليهوديّة، وهي معاداةٌ كانت سائدةً في الغرب والشرق الأوروبيّ، على عكس التعايش السلميّ مع اليهود في العالم العربيّ والاسلاميّ. ولكنّ عبارة "معاداة الساميّة" أصبحتْ كثيرًا ما تُخلط زُورًا في عصرنا مع معاداة الصهاينة، الذين غزوْا فلسطين وشرّدوا شعبَها وأقاموا دولةً نوويّةً عنصريّة. وقد ابتكر شلوتسر هذا المصطلح بعد عقد تقريبًا من تاريخ ابتكار مصطلح "الساميّة" من قبل باحثي مدرسة غوتنغن. وهناك مَن يُعيد هذا المصطلح إلى فيلهلم مار، وهو صحافيّ ألمانيّ كتب كتيّبًا سنة 1879 ورد فيه هذا المصطلح.

أمّا مصطلح "اللغات الساميّة،" كما تزعم دائرةُ المعارف البريطانيّة، فقد كان أوّل من أستعمله هو شلوتسر أيضًا في بحوثه التاريخيّة سنة 1781. وجاراها في هذا الزّعم، وكرّره نقلًا عنها، الباحث إسرائيل ولفنسون، في كتابه تاريخ اللغات الساميّة، ثم انتشر هذا الرأي في كتابات الباحثين في الدراسات الشرقيّة. ولكنّ مصادر سريانيّة قديمة، كما يخبرنا المطران بولس بهنام، تدحض هذا الزعمَ، وتؤيّد أنّ هذه التسمية "قديمة جدًّا، يرتقي تاريخُها إلى ما قبل القرن السابع الميلاديّ،" وأنّ "أوّلَ عالم سريانيّ أطلق هذه التسمية على مجموعة اللغات الشرقيّة هذه هو يعقوب الرهاوي المتوفّى سنة 708م. وقد جرى العلماءُ السريان على أثر الرهاوي، فاستعملوا هذا الاصطلاح قبل شلوتسر بقرون كثيرة"[8].

إذًا، الواضح، والمتفق عليه إلى حدّ بعيد بين المتخصّصين، هو أنّ هذا المصطلح ("الساميّة" أو "الساميون") لا علاقة له بالمنهجيّات الحديثة وأدواتِها القائمة على أسس العلم التجريبيّ، كعلم الآثار والتنقيبات الأركيولوجيّة الموثّقة باستعمال الكاربون المشعّ والمخترعات الحديثة الأخرى، بل يقوم على الرواية الدينيّة التوراتيّة للتاريخ القديم. والتوراة، كما سجّل أغلبُ الباحثين والمؤرِّخين، بل بعضُ اللاهوتيين اليهود أيضًا، كتابٌ دينيّ لا يعوَّل عليه من حيث الرواية التاريخيّة، وخصوصًا روايته للأحداث التي سبقتْ مرحلةَ تدوينه بعدّة قرون. فتناقضاتُه ومبالغاتُه الفادحة لا تُعدّ ولا تحصى، ولعلّ من أشهرها "قصّة فكّ الحمار" التي وردتْ في سِفر القضاة (15/14 ــــ 16)، وخلاصتُها أنّ شمشون تسلّح بعظْمة فكّ حمار وضرب بها "الفلسطيين"[9] خلال المعركة فقتل منهم ألف مقاتل!

وكمثال آخر، ثمّة هجاءُ التوراة وشتائمُها ولعناتُها ضدّ بابل في مواضع كثيرة. بل يختلط الأمر بين أجمل أنواع المديح الشعريّ لهذه المدينة والعاصمة الإمبراطوريّة عهدَذاك، وبين الهجاء والذمّ والتجريم والدعاء بدمارها وإبادة سكّانها. لنقرأْ في التوراة هذا المديح الشعريّ الباهر لها: "بابلُ كأسُ ذهبٍ بيد الربّ تُسْكِرُ كلَّ الأرض" (سفر إرميا 50 ــــ 6)، وقد اقتبسه فردريك ديليتش في كتابه بابل والكتاب المقدّس (ص 32) في سياق امتداح التوراة لبابل، وشهادةً من التوراة على روعة بابل المتفوّقة وقوّتها في عهد نبوخذ نصّر، كما كتب، ولكنّه للأسف لم يكمل الاقتباس! فحين نكمل قراءةَ هذه الفقرة من سِفر إرميا، يتّضح لنا أنّ هذا السِّفر لا يمدح بابل بل يكشف جريمتَها الكبرى ويتوعّدها بالتدمير والإبادة: "بابلُ كأسُ ذهبٍ بيد الرب تُسْكِرُ كلَّ الأرض. ِمنْ خَمْرِها شَرِبتِ الشعوبُ. مِن أجل ذلك جُنّتِ الشّعوبُ." ولهذا يجب أنْ يعاقِبَ ربُّ الجنود، ربُّ يهوذا وإسرائيل، بابلَ هذه شرَّ عقاب حتى "تَكُون بَابِلُ كُوَمًا، ومأْوى بناتِ آوى، ودَهَشًا وصَفِيرًا بلا ساكِنٍ." ونقرأ أيضًا: "صَوْتُ صُراخٍ مِن بابِلَ وانحِطامٌ عظيمٌ مِنْ أرضِ الكلدانيّين، لأنّ الرَّبَّ مُخْرِبٌ بابلَ وقد أَباد منها الصَّوْتَ العظيمَ." فهل هذه مادة تاريخيّة أمْ شعريّة أمْ دينيّة؟ وأين يبدأ ما هو تاريخيّ وأين ينتهي الشعريّ أو الدينيّ؟

والواقع أنّ هذا المصطلح ("الساميّة") ومشتقّاته يُستعمل منذ القرن الثامن عشر، من قِبل الباحثين التوراتيّين وغير التوراتيّين، بشكل واسعٍ ونمطيّ، من دون التساؤل الفعليّ المؤدّي إلى قرار عمليّ بخصوصه عن محتواه وحيثيّاته التاريخيّة. وهم يستعملونه على جهة المجاز لا الحقيقة، وغالبًا بنوع من التواطؤ "البريء" أو الاعتياد، إلّا من طرف بعض المتعصّبين التوراتيّين الذين يتصرّف بعضُهم في الميدان البحثيّ بنوعٍ من الهيمنة والاستبداد، وبما يوحي وكأنْ لا بديل أكثر رصانةً وعلميّة له. ولهذا، فأنا أستعمله هنا من باب المجاز فقط. وزيادةً في التحفّظ والحيطة فقد وضعتُه بين مزدوجتين، واعتمدتُ المصطلح العراقيّ "الجزيريّة" و"الجزيريّ" بديلًا أكثر علميّةً له مع أنّه أقلّ شيوعًا. لكنْ، من أين جاء هذا المصطلح "الجزيريّ"؟

هذا المصطلح من ابتكار الباحث الآثاريّ العراقيّ الراحل، وأستاذ الحضارات القديمة في جامعة بغداد، د. فاضل عبد الواحد. وقد استعمله للمرّة الأولى في بحث له بعنوان "الأكديّون ودورهم في المنطقة" سنة 1979. وقد وافقه على ذلك، واستعمله من بعده، العلّامةُ الآثاريّ العراقيّ الراحل طه باقر، صاحبُ أنضج ترجمة لـ ملحمة جلجامش من الأكديّة إلى العربيّة مباشرةً، ومؤلِّفُ الأبحاث الكثيرة حول الحضارات العراقيّة والشرقيّة القديمة.[10] وما يقترحه كاتبُ هذه السطور هو تعديل طفيف لغرض تسهيل التأثيل الاصطلاحيّ واللغويّ ليكون "الجزيريّ" بدلًا من "الجَزْريّ" للدلالة على الشعوب والأقوام واللغات ذات الأصول المؤكّدة علميًّا في الجزيرة العربيّة، ولتفادي الخلط اللغويّ في النسبة بين جمع مفردة جزيرة (الجُزُر) المُرادة هنا، ومفردة "الجَزَر" غير المقصودة لفظًا وكتابة ومعنى...

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

..................................

[1] قانون الدولة القوميّة لليهود في "إسرائيل" (بالعبريّة: חוק יסוד: ישראל - מדינת הלאום של העם היהודי‎) قانون إسرائيليّ أساس، يُعرِّف "إسرائيل" دولةً قوميّةً للشعب اليهوديّ. أقرَّه الكنيست في 19 يوليو 2018، بأغلبيّة 62 ومعارضة 55 وامتناع نائبين عن التصويت.

[2] سيلاحظ القارئ أنني سأولي اهتمامًا منهجيًّا خاصًا، في الفصول الأولى من هذا الكتاب، بأحد الكتب التي صدرتْ في نهايات القرن الماضي، وهو كتاب ثمين وحاسم، رغم صغر حجمه، ويحمل عنوان: تاريخ فلسطين عبر العصور، للباحث الفلسطينيّ الراحل يوسف سامي اليوسف. هذا الكتاب موثّق علميًّا، وأقربُ إلى موجز لتاريخ فلسطين عبر العصور. وكان الراحل اليوسف قد وعدَنا، في مقدّمة كتابه، بأنّه سيعمل على كتابة تاريخ فلسطين الشامل مفصّلًا لاحقًا. ولكنّ الأجل، لشديد الأسف، لم يمهلْه للقيام بتلك المهمّة. ويبقى الأمل معقودًا على زملاء الراحل للقيام بتلك المهمّة الخطيرة والضروريّة لكتابة تاريخ علميّ وشامل ودقيق ومفصّل لبلاد فلسطين ــ وهو كتابٌ تخلو منه المكتبةُ العربيّة والعالميّة، وتمسّ إليه الحاجةُ، وخصوصًا لأجيال الشباب الفسطينيين والعرب عمومًا. وما كتابي هذا إلّا محاولة متواضعة على الطريق لتحقيق هذه المهمّة، ولا أزعم أنّه إنجاز كامل لها.

[3] كيث وايتلام، اختلاق إسرائيل القديمة (الكويت: دار المعرفة، ط1، 1979)، ص 11.

[4] المصدر السابق، ص 26.

[5] المصدر السابق.

[6] المصدر السابق، ص31.

[7] العصر النحاسيّ (The Chalcolithic Period): من اليونانيّة khalkos، وليثوس lithos  (حجر النحاس)، أو العصر النحاسيّ (Copper Age): فترة من فترات تطوّر الحضارات البشريّة، بدأ معها استخدامُ الأدوات المعدنيّة إلى جانب الأدوات الحجريّة. وتقع بين العصر الحجريّ الحديث والعصر البرونزيّ.

[8] المطران بولس بهنام، "الساميّة والساميون واللغة الساميّة الأم،" موقع American Foundation for Syriac Studies

[9] سأميّز دائمًا، في صفحات هذا الكتاب، بين "الفلسطينيّين" كاسم علَمٍ للشعب الفلسطينيّ المعاصر الحيّ، وبين الفلسطيين أو الفلسطة "الفلستيين،" وهم الشعب المهاجر إلى جنوب فلسطين من جُزر البحر الأبيض المتوسّط في العصور القديمة، وقد اندمج بسكّان فلسطين القدماء من الكنعانيين.

[10] د. فاضل عبد الواحد، من سومر إلى التوراة (القاهرة: دار سينا، 1996)، ص 9.

 

643 غسان منجدفي ديوانه الجديد " النوافذ لا تركع للرياح" والذي يحمل الرقم 7 الصادر في العام 2018 عن المركز الفني للطباعة والإعلان والنشر "cap" طرابلس لبنان ويقع في 95 صفحة من الحجم الصغير، يواصل غسان منجّد ثورته على الغربة من خلال إصراره على الكتابة والشعر والبقاء على تماس مع اللغة العربية رغم زمن الغربة الطويل في استراليا الذي يعانده، فنراه في الاهداء الذي خصصه لأمه فيقول: : ما كتبت كلمة إلا ورأيت أمي. تعيدني إلى الزمن الجميل… زمن أمي الجميل" (ص11) وكأن غسان يريد أن يجعل اللغة هي الوطن المستقرّ في فكره وشعره وأحاسيسه، وينقش على رصيف الليل خيبته كما يقول في ص13 لأن حلمه كوكب يمرّ مرور الكرام ص14. يواصل الشاعر سرده على هذا المنوال حين يقول: " أمدّ يديّ لأتلقى عنوان تشردي" ص14.

على الرغم من تعدّد العناوين في الديوان الموزّعة بين الوطن، الحنين، الأم، المرأة، الصداقة، الطفولة، الشهوة والحب الذي يأخذ الحيّز الأوسع من الديوان، لكن القارئ يدرك أن الشاعر لا يقطع حبل السرّة الذي يربط بين قصائده، ففي قصيدة أملاح تخرج من جسدها يقول: "فتذكّر أنه مجرد أملاح \ خرج بحره منه\ وإختفى "ص19.

وفي قصيدة الأنس الأخير  ص 20 يقول: كلُّ الذين مرّوا من هنا لم يؤنسوني  ويتساءل: هل إختفيت ولم يرني؟ أم إختفى داري ونساني؟

للمرأة حصّتها، فهي التي تُسكر كلماتها بخمرتها، ففي قصيدة سيدة النساء ص29 يقول: "كل شيء فيك يمطر خمراً" هذا الخمر الذي يحوّل الشاعر إلى زلزال صامت عندما يقرأ قصيدة نهديها حتى تنزف عيناه نهوداً، متأوهاً من وجع الذكريات إلى أن يراود الحنين فيقول : "أظن أن ساعة الحنين إلى \ زفاف الشمس حانت" ص 37. ومع ذلك يعود إلى نقائه حتى يراها تغسل عريها بماء الشمس ص 43.

يستعمل منجّد أسلوب التكثيف كأنه يريد أن يقتصد بالمساحة، لكن ذلك التكثيف يتفجّر في معاني قصائده التي تفيض على جوانب الديوان، حيث يشعر القارئ أنه أمام أشعار قوية بمدلولاتها وعمقها وسلاستها، فنراه يقول عن المرأة : " كم كانت إمرأة وهي ترشّ \ على شبابيك الشمس برق كحلها \ وتجعل من سريرها بحيرة غناء! ص 51.

في ص 54 يخاطبها قائلاً: " لي فيكِ نجمة لا تنطفئ \ لي فيكِ طفولة شاطئ \ لي فيكِ رئةٌ وأعضاء \ ولي فيكِ أغصان وأضواء…

ومن صوره التي لا يمكن إلا التوقّف عندها، عندما أصبح العشق عنده جنون يقول: "تضاء مصابيح جنوني \ عصير عطر إمرأة قتلها العشق… ص 57.

على هذا المنوال يواصل الشاعر، فيأتي بحمام الثلج ويجعله حارساً لنداه ص 63.

وفي قصيدة سؤال بلا جواب، يخاطب الشاعر حبيبته قائلاً: " لا تسألي السنابل عنّي \ أنا حقل يحمل تاريخ عينيكِ … ص 65

وفي قصيدة لك أنت يقول: "العشق كل العشق لك" ص 67.

في ص 78 يقول: " أضيئي عينيّ بلهيب النهود".

يواصل منجّد جنونه حتى أنه يريد أن ينتحل صفة شيطان: "دعوني أنتحل صفة شيطان/ لتكتمل مسيرة الإيمان" ص80.

وينتهي به الأمر مسافراً. ففي قصيدة إغتراب ص 86 يقول: "مسافر \ أول المكان \ جرح \ وآخر المكان بكاء \ وحلمه مكسور كشراعه \غريب عن غربته وخوفه يزداد يوماً بعد يوم متسائلاً: " هل سأولد خارج سور الدنيا". ورغم ذلك يصر على عدم الاستسلام او التراجع لان نوافذه لا تركع للرياح.

 

عباس علي مراد

 

635 فالح مهديصدر للباحث العراقي المقيم في باريس الدكتور فالح مهدي كتاب يعد من أكثر الكتب إثارة للسجال والنقاش الفكري والسياسي، بعنوان طريف " مقالة في السفالة، نقد الحاضر العراقي" عن دار سطور. وهو محاولة لقراءة الوضع الاجتماعي والسياسي للعراق المعاصر على ضوء نظرية المكان وتأثيره من الناحية الأنثروبولوجية والسيوسيولوجية،و التي عرضها المؤلف في كتابه السابق المهم " نقد العقل الدائري". عنوان الكتاب يدفع لتساؤلات كثيرة رغم أن الكاتب حرص على توضيح اختياره لمفردة السفالة وما معنى السافل لغوياً وقاموسياً في اللغة العربية والفرنسية والإنجليزية. ومفادها أن السافل، وهم كثر في المجتمع العراقي الحالي وأغلب السياسيين تنطبق عليهم هذه الصفة، هو الوغد والمنحط وعديم الشرف ونقيض العلو والرفعة والعلية والتسامي . ويبدو أن الباحث تعمد أن يكون لعنوان كتابه مفهوماً سياسياً وآيديولوجياً. وهو لايطمح أن يكون كتابه سرداً لتاريخ العراق المعاصر وإنما عملية تشخيص للداء، وهو ليس أكثر من محاولة تنظيرية لفهم سلوك الدونية والسفالة التي تحكمت في مسيرة العديد من الشعوب ومنها الشعب العراقي، على حد تعبير المؤلف، وهي حالة موجودة في كل المجتمعات، بما فيها المجتمعات المتقدمة والديموقراطية فهناك من هو رخيص ودوني فيها ومع ذلك يتحكم بمصائر ملايين البشر كما كان الحال مع هتلر في ألمانيا النازية .

لقد عرض الكاتب مقاربة مهمة لمفهوم العنف الذي يقف وراء شيوع ظاهر السفالة، بالمعنى الذي أراده المؤلف، في المجتمعات باعتبار العنف نشاط " حيواني" فاعل ومؤثر في السلوك البشري إذا ماتوفرت له التربة الملائمة التي تحتضنه وتغذيه لكي يهمين على حياة المجتمع ويقتل ما فيه من قيم ومباديء أخلاقية إيجابية.

حكاية العنف في العراق طويلة ومعقدة إلا أن الباحث ركز على تفاقم ظاهرة العنف البربري منذ انقلاب شباط الدموي عام 1963 والذي قام به حزب البعث الفاشي وجزء من منظومة العسكر في الجيش العراقي آنذاك. وبالفعل غاص الدكتور فالح مهدي في مفهوم ومعنى العنف وتحكمه بمصير بلدان كاملة لا سيما العراق الذي حكم بالحديد والنار خاصة في زمن الطاغية صدام حسين الذي حول العراق إلى دولة رعاع حيث تعاقبت عليه المحن النكبات والحروب ووسمته الكوارث فما يكاد يخرج من كارثة حتى يدخل في أخرى أشد وقعاً وتدميراً وعنفاً، وكأن لهذا البلد قدر مكتوب في أن يعيش وسط دوامة من العنف والقتل والتهجير والحروب والمعاناة.

بعد المقدمة توغل الباحث في مفهوم العنف من كافة جوانبه لا سيما اللغوية والقاموسية وباللغات الثلاثة التي يتقنها وهي العربية والفرنسية والإنجليزية، وتوصل إلى أن العنف مظهر من مظاهر الحياة رغم طابعه التدميري حتى لو كان يمارس بإسم القانون والشرع، وذلك عبر تاريخ البشرية منذ الحضارات القديمة إلى اليوم. والجانب الشرس لظاهرة العنف هو "العدوان" الذي هو أخطر تجليات العنف كما جاء في أدبيات علم النفس التحليلي. وهناك عدة أنواع للعنف "فهناك العنف الرمزي، والعنف الاقتصادي والعنف المرضي والعنف الطبيعي الذي يحدث جراء كوارث طبيعية كالفيضانات والأعاصير والصواعق والبراكين والعواصف الخ.. بعبارة أخرى إن للعنف زمن يمتد منذ فجر التاريخ، ولقد مرة حلقات العنف بفترات متميز من تاريخ البشرية كالحربين العالميتين وإبادة الجيش التركي لمليون أرمني والحقبة الستالينية الرهيبة التي تميزت بالقسوة والبطش باعتبارها شكل من أشكال من العنف الرسمي من قبل النظام الحاكم في الاتحاد السوفياتي والذي تسبب بموت ملايين الأوكرانيين جوعاً،وقتل اليابانيين لآلاف الصينيين وإبادة النظام الصيني للآلاف الفلاحين جوعاً وآلاف المثقفين في الثورة الثقافية وإبادة مليون شيوعي في أندونيسيا عام 1965 وإبادة مليون بنغلاديشي على يد الجيش الباكستاني سنة 1971 وإبادة نظام الخمير الحمر في كمبودياً بين 1975 و 1979 لمليون وسبعمائة مواطن كمبودي تحت يافطة معاداة الثورة وأخيرا يصل المؤلف إلى انقلاب 8 شباط السود سنة 1963 في العراق بمساندة وتوجيه ودعم المخابرات المركزية الأمريكية ما أدى إلى مقتل وإبادة وتعذيب آلاف الشيوعيين والوطنيين من العراقيين ممن لم يؤيد الانقلاب الفاشي الدموي. وهناك سياسة الحصار والتجويع والعقوبات التي فرضتها الحكومة البريطانية ضد شعوب بأكملها كما حصل للشعب الايرلندي سنة 1840 وضد الهند عندما امتنعت بريطانياً المحتلة للهند عن تقديم المساندة والدعم للفلاحين الهنود بين 1896 و 1902 ما أدى موت الملايين من الهنود جوعاً . وهذه تعتبر من الإبادات الجماعية. وللعنف تاريخ اسود حتى في فترة ما قبل التاريخ الذي تميز بالعدوانية الحيوانية كما سماها المؤلف. ولم ينس الباحث أن يعرج على عنف الأديان وارتكابها للمجازر باسم الله والدين. وفي الوقت الحاضر يجد العنف تربة خصبة في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال الجماهيرية وكلها مشتركة في ترويج العنف كالصحف والتلفزيونات والسينما والراديو الخ.. ومن رحم العنف نشأة ظاهرة الإرهاب كوسيلة للترهيب والوصول إلى الحكم والسلطة حيث تمت مصادرة القوانين والتشريعات، وتم تقويض مشروع الدولة من قبل حكام طغاة وقساة سلطويين أمسكوا بالسلطة بالحديد والنار وطوعوا المؤسسات العسكرية والأمنية لخدمة أهوائهم ونزعاتهم العدوانية وهناك أسماء لامعة في هذا المجال كصدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي والمؤسسة العسكرية في الجزائر الخ.. وهؤلاء مارسوا إرهاب الدولة بشتى الوسائل .ارتبط العنف أيضاً بإشكالية الهوية وبزوغ الدولة القومية وتوسع وامتداد الدوائر الهوياتية، وتجسدها بالهويات العرقية والمذهبية والطائفية والعشائرية .ففي كل المجتمعات، الرأسمالية، والاشتراكية أو الماركسية هناك ممارسات عنفية، كما يوجد ما اسماه المؤلف بــ " العنف فلسفياً " منذ الحقبة الإغريقية ومقاربات الفلاسفة الإغريق لهذا المفهوم ودور القوة في الدمار الذي يحدثه العنف، وكذلك في الفلسفات المعاصرة، في الغرب والشرق.

وفي إطار الموقف الفلسفي من العنف يستشهد المؤلف بموقف الفيلسوف الفرنسي باسكال ( 1623-1662) كما عبر عنه في كتابه " الفكر" وقال فيه :" أي وهم هذا الإنسان؟، أية حداثة؟، أي مسخ؟، أي فوضى؟ " حيث كان يرتبا بالسلوك البشري وينسب له قول :" من شدة خيبة أملي بالإنسان فضلت رفقة الكلاب". وهو نفس الموقف الذي أبداه الروائي الروسي الكبير دوستيوفسكي الذي لا يطمئن لسلوك الإنسان.

العمود الفقري للكتاب هو العراق المعلول كما وصفه الباحث، وهو ليس وصف للتاريخ السياسي للعراق فلقد كتب آخرون مايغني عن الاستفاضة والتكرار من أمثال حنا بطاطو وفالح عبد الجبار وعلي الوردي وسيار الجميل وعقيل الناصري ويوسف محسن وغيرهم ومن زوايا مختلفة وقراءات ومقاربات ثرية ومتميزة عن العراق المعاصر، كانت وما تزال مهمة لكل قارئ وباحث في هذا المضمار.

ينتقل المؤلف من التاريخ إلى الجغرافيا حيث أشار إلى ملاحظة ذات مغزى وهي إن العراق حكم من 1963 إلى 2003 من قبل أشخاص ينحدرون من نفس المنطقة التي كانت تسمى في العهد العثماني " سنجق الدليم" ولقد طغت في إدارة البلاد المعالم البدوية والعشائرية منذ عهد أحمد حسن البكر وصدام حسين وأصبحت السلطة ملك للعشيرة والعائلة وفق العرف القبائلي والعشائري السائد حيث تراجع الحس المدني وتدهور وخضع لما اسماه الباحث بــ " التصحر الثقافي" الذي طغى على العراق طيلة أربعة عقود.

هناك مراحل طبعت العراق المعاصر بسمتها وببصماتها وبطابعها، منذ العهد العثماني إلى اليوم. فبعد سقوط بغداد سنة 1258 سيطر الحكم المغولي والتركي على كامل أرجاء المنطقة وبضمنها العراق (عدا المغرب) وكانت الأقوام الرحل هي التي هيمنت وحكمت . ففي فترة " عثمنة " العراق حسب تعبير الكاتب، بين 1533 و 1920 تهاوى العراق وقسم إلى ثلاث ولايات تابعة للإمبراطورية العثمانية هي بغداد، والبصرة، والموصل. ومنذ ذلك الوقت دخل العراق في جحور الظلام ودبت فيه شرنقة الخراب، ابتداءاً من سقوط الحكم العباسي حيث تكالبت عليه أقوام متخلفة عنيف وشرسة من المغول والتركمان حيث فتكت بكل ما فيه من خير وجمال وأوغلت في التخلف والقسوة والبطش والعنف المجاني حتى انتشر فيه الفساد والخنوع والخمول والتكلس، حيث عزل العراق عن ركب الحضارة والتمدن وغرق في الجهل والخرافة والأمية والتخلف. فالاحتلال العثماني ألغى العراق من خارطة الدول الحضارية ذات التاريخ المجيد ثقافياً وفكرياً واقتصادياً لمدة تزيد على الأربعة قرون كانت سوداء معتمة ومظلمة. فالعراق سقط في براثن " العثمنة" وسادت فيه ثقافة الخرافات والجن والعفاريت، وهيمنة القيم البدوية، والغرب ولج عالم الحداثة والتطور من أوسع الأبواب، ولقد شخص علي الوردي انتشار ظاهرة " الشقاوات" في المجتمع العراق سواء في الفترة العثمانية أو الاحتلال الإنجليزي حتى أواسط الخمسينات من القرن الماضي . فالشقي مجرم وخارج على القانون من وجهة نظر السلطة، وبطل من وجهة نظر أبناء محلته ومجتمعه فهو لص وقاتل ويبتز الأغنياء ويفرض الأتاوات مقابل الحماية التي يوفرها لمن يحتاجها منه، وهو لا يختلف عن البدوي الذي يدافع عن قبيلته في الحق والباطل رغم الاختلافات الكثيرة بين سلوك الشخصيتين، وكلاههما يعكس ضعف الدولة وفقدان الأمن المجتمعي، إذ اقتصر عمل السلطة الحاكمة على جمع الضرائب بالقوة والعنف والتعسف وإرسالها إلى الباب العالي في عاصمة الإمبراطورية العثمانية اسطنبول. لكنها غائبة عن توفير الأمن أو الخدمات الاجتماعية و لا تهتم بأية مشروعات إصلاحية، كما أشار المؤلف.

يرسم الكاتب صورة شبه وردية عن العهد الملكي بين 1921 و 1958 وإنه حقق الكثير من الإنجازات الحضارية الحديثة في التعليم ووسائل النقل وفي نظام القيم والعادات ودخول معالم الثقافة العصرية الحديثة وظهور كتاب وباحثين وأدباء وشعراء كبار مثل الجواهري والسياب ونازل الملائكة وعبد الوهاب البياتي، إلى جانب أسماء متألقة مثل جواد علي وعلي الوردي وعلي جواد الطاهر وعبد العزيز الدوري وعبد الجبار عبد الله على سبيل المثال لا الحصر، لكنه نسي أن تلك الحقبة اتسمت بهيمنة الإقطاعيين والباشوات واحتكارهم للثروة والقوة والسلطة ومعاملة الفلاحين كعبيد بقسوة وانتشار الفقر والفاقة والعوز .

ويعتبر المؤلف أن الاحتلال البريطاني للعراق أدخل هذا البلد في حركة التاريخ وحيويته ويمثل إعادة ولادة العراق المعاصر، وحقق المستعمر البريطاني، كما يذكر المؤلف، عدد من الإصلاحات المدنية والمجتمعية في مجال العمران وبناء السدود والجسور والمدارس والمستشفيات الأمر الذي لم تفعله الإمبراطورية العثمانية طيلة أربعة قرون من سيطرتها على العراق وباقي دول المنطقة.

كانت المواطنة غائبة في المجتمع العراقي والولاء هو للدين والمذهب والطائفة والعشيرة والثقافة السائدة قائمة على الأسطورة والدين وبعيدة عن العلم والفكر والمعرفة الحديثة،باستثناء اليهود ومن بعدهم المسيحيين الذين كان لهم تماس مع العالم الخارجي وتمكن بعضهم من الولوج إلى قلب المعاصرة والتحدث بلغات أجنبية . فالملكية برأي المؤلف قدمت للعراق خدمات جليلة ووضعته على عتبة التاريخ والعالم المعاصر، وإن نوري السعيد قد أدى خدمات وفوائد جمة للعراق رغم كونه تابع لسيده البريطاني لكن ذلك لم يمنعه من إنجاز عدد كبير من المشاريع العمرانية، التي لم يذكرها المؤلف ولم يعط عنها بعض الأمثلة، وكذلك له دور في تطور الثقافة والعلم حيث تم، في عهده، إرسال بعثات تخصصية للدول الغربية أهلت الكثير من الباحثين الجادين لم يشهد العراق أمثالهم لمدة أكثر من ألف عام. ثم يعرج المؤلف إلى فترة الخمسينات من القرن العشرين وتفاقم الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي المتمثلين بالولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الأوروبيين الغربيين والإتحاد السوفياتي وحلفاؤه الأوربيين الشرقيين، ويؤكد المؤلف دون تقديم أي دليل على ذلك، أن الحزب الشيوعي العراقي زج نفسه في أتون ذلك الصراع الدولي ما يعكس عدم نضجه مقارنة بالحزب الوطني الديموقراطي، وإن أخطاء الحزب الشيوعي ساهمت بظهور وتنامي التيار القومي بجناحيه البعثي والناصري وإصرار هذا الأخير وحماسه لتحقيق الوحدة العربية ما أدى إلى حدوث كوارث في العراق. وبرأيي فإن هذا الطرح يتسم بالتعجل والتسرع في إطلاق الأحكام ويحتاج لمزيد من التمحيص والتدقيق التاريخي والتمعن في أسرار وحيثيات تلك الفترة أكثر لكي نخرج برؤية موضوعية غير متحيزة وغير ظالمة لهذا الطرف أو ذاك.

لقد صدمني الباحث وهو يكيل المديح لنوري السعيد الذي قدم الكثير للعراق، وعدم صموده أثناء تصديه " للصراع الطبقي الذي كان يردده الحزب الشيوعي كالببغاء، بل يكاد أن يتأسف على سقوط النظام الملكي ووصف التغيير الثوري بأنه انقلاب عسكري حدث في 14 تموز عام 1958 على يد حفنة من الضباط،ولم يرغب بتسمية ما حصل من تغيير جذري في بنية المجتمع العراقي " بثورة 14 تموز " التي قادها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم. ويقارن بين ماحصل لملك مصر فارق من توقير واحترام من قبل المجموعة العسكرية التي أسقطته بزعامة جمال عبد الناصر وتأدية الضباط العسكريين له التحية العسكرية وتوديعه بــ 21 طلقة مدفعين تكريماً له وهو يغادر على ظهر يخته الملكي المحروسة بينما تعرضت العائلة المالكة في العراق للقتل والسحل والإبادة والتنكيل رغم رفعها للرايات البيضاء والقرآن وانتهت العائلة بمجزرة دموية وأبيدت على نحو بربري بعيد عن قيم الشرف، وأنا أستخدم عبارات المؤلف لكني لا أتفق معه بما قاله فهل يعرف من هو المسؤول عن هذه الجريمة؟هل هو الحزب الشيوعي العراقي؟ هل هو الزعيم عبد الكريم قاسم قائدة الثورة؟ ومن الذي أمر بتنفيذها؟ لم يذكر المؤلف ذلك والحال إن الجناح القومجي البعثي العارفي في الجيش هو الذي يقف وراء هذه البربرية وليس الحزب الشيوعي ولا الزعيم قاسم.

ثم يذهب الكاتب إلى ابعد من ذلك وهو يصف العهد الجمهوري بــ " حكم الأقلية" ويمثل هذا العهد الممتد من 1958 إلى 2003 برأي الكاتب البداية الفعلية للدمار الذي شهده العراق و لا زالت آثاره فاعلة . وأود أن أسأل المؤلف هل هذا هو كل ما رآه من العهد الجمهوري. وهل نسي أنه بفضل إنجازات هذا العهد، على الأقل في سنواته الأولى، أنه أتاح له ولأمثاله وأمثالي نحن الفقراء والمهمشين الحصول على التعليم المجاني والمساواة في كل شيء مع أبناء البرجوازية والأغنياء وما وفره لنا جميعاً من فرص لا تعد ولا تحصى من مساكن وتعليم وتشجيع على الإبداع ؟ قسم الباحث الدكتور فالح مهدي العهد الجمهوري إلى ثلاث فترات الأولى محصورة بين 1958 و 1963 أي أربع سنوات وهو فترة ممعنة في القصر كما وصفها المؤلف ومع ذلك قام الزعيم عبد الكريم قاسم بالتخطيط والعمل على إنجاز عدد هائل من المشاريع العمرانية والتربوية والثقافية بمساعدة عدد من المتمكنين والمخلصين والكفاءأت المخلصة فهل هذا ينطبق على ما نعرفه من سياسات الطغمة العسكرية الإنقلابية، وهل خروج العراق بقرار من الزعيم قاسم من حلف بغداد السيء الصيت سياسة غير حكيمة؟ ويعترف الكاتب أن غرض الحلف وهدفه الوحيد هو " الوقوف ضد المد الشيوعي" فهل هذه خصلة إيجابية تحسب للعهد الملكي ؟ وهل إنتشار الفكر الماركسي والبرامج المجتمعية الشيوعية ظاهرة سلبية ومد ينبغي صده ومكافحته؟ فهل يوجد " قائد انقلاب عسكري واحد في العالم لديه سلوك مثل سلوك الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم الذي وصفه المؤلف نفسه بأنه تميز بحبه للفقراء ومحاولة الرفع من شأنهم. وإحدى أهم محاولاته بناء مدن الثورة في كل أنحاء العراق للفقراء والكسبة، وتشييد دور الإسكان للموظفين الصغار من الفراشين والمضمدين والكناسين وعمال البلديات والمعلمين الصغار الخ.. فهو بحق رجل نبيل بتعبير المؤلف نفسه لكن سوء حظه أوقعه في ظروف شائكة بالغة التعقيد، ويقول الكاتب عنه أنه رجل عديم الخبرة بالسياسة فهو رجل عسكري تقلد منصباً سياسياً لم يمارسه من قبل وكان معه شخص كارثي عسكري طائفي مقيت هو عبد السلام عارف الذي حاول عدة مرات أن يقتل الزعيم أو يغتاله ومع ذلك عفا عن الزعيم النبيل ولم يصفيه جسدياً رغم حكم المحكمة العسكرية " محكمة الثورة" عليه بالإعدام ومحاولة اغتيال أخرى تعرض لها الزعيم قاسم على يد عصابة من البعثيين من بينهم آخر رؤساء العراق البعثي قبل إطاحة النظام على يد الأمريكيين وهو صدام حسين الذي اعترف بنفسه في أواخر أيامه أن قاسم رجل وطني نزيه ومستقيم لم يرتكب جرائم وسرقات، وبموته انتهت " أهم تجربة في تاريخ العراق منذ أكثر من ألف عام" بالتعبير النصي للمؤلف . ويورد الكاتب نصاً بالغ الدلالة على دناءة عبد السلام عارف فقال حرفياً مستنداً لنتيجة توصل إليها الباحث حنا بطاطو:" هناك إجماع على نزق عبد السلام عارف وسذاجته . فقد ذكر مصطفى علي، الذي كان وزيرا للعدل في حكومة عبد الكريم قاسم، رأياً يلخص الدمار الذي تعرض له العراق على يد عبد السلام عارف حين قال : " قاسم جاء بثورة عظيمة، ولكن جاء بفنائها معها، جاء بعبد السلام عارف" بل إن جمال عبد الناصر نفسه أعتبر عبد السلام عارف طفلاً والسبب يعود إلى حديث الرئيس عبد الناصر عندما التقى بعبد السلام عارف في دمشق في 19 تموز 1958 واشتكى له من قاسم، نقلاً عن فاضل الجمالي ' وزير الخارجية في العهد الملكي) فأجابه عبد السلام عارف بلهجة شديدة بعد أن رمى السكين والملعقة من يده بشدة على المنضدة وقال لعبد الناصر: هل تريد أن اقتله؟ طلقة بعشرين فلس"... والحال إن عبد السلام عارف برأي المؤلف أيضاً هو أحد الكوارث في تاريخ العراق المعاصر فهو نزق، انفعالي، طائفي فهو أول من أطلق على الشيعة العراقيين، وهم الأكثرية من السكان، صفة "الرافضة" حيث أماط اللثام عن وجهه الطائفي القبيح، نصيبه من الثقافة والتعليم متدني جداً، محدود الذكاء، وينتقل من فكر إلى أخرى تختلف عنها كلياً دون أية صعوبة". ولم يفت المؤلف الإشارة إلى دور جمال عبد الناصر التخريبي في العراق ولعبه دوراً غير مشرف وإجهاضه لمشروع بناء الدولة العراقية الحديثة.

يعود الكاتب إلى نغمة تعنيف الحزب الشيوعي العراقي ويتهم قيادته بأنها بعيدة عن الواقع العراقي فهل كان الشهيد سلام عادل بعيداً عن هموم المواطن العراقي واحتياجاته لا سيما فئات الفقراء والكسبة والعمال والفلاحين إذ اعتبر المؤلف ذلك خطأ لأن البلد ليس فيه صناعات وليس فيه رأس مال متطور وبدل أن يكون في الطليعة بين الأحزاب والحركات السياسية الفاعلة اعتمد على سياسة تأييد ومساندة الاتحاد السوفياتي واعتبر ستالين أب الشعوب المظلومة وأصبح طرفاً في الحرب الباردة الدائرة بين المعسكرين وهذه قراءة ليست دقيقة لا للواقع العراقي ولا لدور الحزب الشيوعي في صراع المعسكرين ولم يقف ذلك عائقاً أمام شعبية الحزب الشيوعي وقيادته لجماهير الكادحين وتأثيره في الشارع العراقي، كنت أتمنى من الباحث أن يتحلى بموضوعية أكبر ويطلع على أدبيات الحزب الشيوعي وتقييمه لتلك الفترة . يقول الدكتور فالح مهدي:" لقد ساهم الشيوعيون في تضخيم شخصية عبد الكريم قاسم، كما يقول المؤلف، وكانوا وراء شعار " الزعيم الأوحد" فهل نسي الكاتب أن عبد الكريم قاسم كان قد زج بالشيوعيين قبل غيرهم في السجون وترك القومجيين أحراراً يتحركون في وضح النهار؟ ثم يقول عن الزعيم قاسم أنه كان على قدر كبير من السذاجة والغموض وهذا تجني على شخص الزعيم فخلافه مع عارف يدل على معرفته بشخصية هذا الأخير وليس جهله به وبأنه لا يعرف شيئاً عن دواخل ذلك الرجل المختلف عنه في كل شيء، لكن مشكلته إنه كان طيباً ومسالماً حتى مع خصومه وأعدائه وعبارته الشهية " عفا الله عما سلف" لدليل على طيبته واستقامته ورجاحة عقله.

مر الكاتب بسرعة على فترة الأخوين عارف خاصة فترة عبد الرحمن عارف حيث سادت فترة من السلام المجتمعي رغم كون الرئيس عبد الرحمن عارف ليس رجل دولة، وقد انتعش الأدب والفن في فترته القصيرة رغم غياب المشاريع العمرانية والتنموية .

ثم ولج إلى فترة حكم البعث ووصفها بــ " البعثنة أو التوحش البعثي بين 1968 و 2003. وإنها البداية الفعلية لدمار العراق في العصر الراهن، أي بعد أن غدا العراق دولة معترف بها عالمياً. فمرحلة " البعثنة" أو تبعيث المجتمع عنوة وبالقوة والقسر لا تختلف في نتائجها السلبية والتدميرية عن مرحلة " العثمنة" . كانت بداية الانحدار بانقلاب شباط الدموي الأسود الفاشي الذي خططت له وكالة المخابرات الأمريكية السي ىي أ سنة 1963 وكان الشطر القومي من الجيش العراقي وحزب البعث هم الأداة المنفذة وكانت البداية الكارثية التي لم تستمر أكثر من تسعة أشهر قتل خلالها الآلاف، ونفذت عصابة البعث والحرس القومي حينها تصفيات جسدية بربرية وعمليات تعذيب تقشعر منها الأبدان بحق الشيوعيين والوطنيين الشرفاء والقوى السياسية المناصرة لهم، وهو النهج الذي سارت عليه الولايات المتحدة وذراعها الرهيب المتمثل بوكالة المخابرات المركزية لتصفية الشيوعيين أينما كانوا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي. ثم أعاد البعث وجزء من القوات المسلحة الموالية تنفيذ سيناريو الانقلاب العسكري ضد عبد الرحمن عارف سنة 1968 وكان يمثل نهاية الدولة العراقية وسقوطها وتشييد النظام الفاشي الدكتاتوري الدموي، وعلى الأخص بين عام 1979 و 2003 وهي الفترة التي اعتلى فيها صدام حسين سدة الحكم باعتباره الرجل الأول بعد أن كان يحتل لمدة عقد كامل موقع الرجل الثاني، وأصبح رئيساً للجمهورية بعد أن نحى بالقوة الجنرال العجوز أحمد حسن البكر وقام بتصفية رفاقه في الحزب الحاكم ممن نافسوه أو اعترضوا على زعامته المطلقة للدولة والحزب، وكانت الفترة الأكثر ظلاماً في تاريخ العراق المعاصر كله، وهي امتداد لفترات مظلمة كثيرة وسمت تاريخ العراق في الماضي والحاضر منذ الحجاج بن يوسف الثقفي المريض السادي والمماليك والعثمانيين، إلا أن فترة صدام حسين هي الأشد قسوة وظلامية حيث تمركزت السلطة بيد العشيرة والعائلة التي ينتمي لها صدام حسين .

تأسست الدولة العراقية الحديثة في عشرينات القرن الماضي بإرادة من المستعمر البريطاني وأدواته في المنطقة من الإقطاعيين ورؤساء العشائر وبعض فئات الجيش الوليد لكن العراق لم ينجح في تأسيس مجتمع مدني ناضج وحديث بل ظل المجتمع العراقي مكبلاً بالانتماءات العشائرية والدينية والمذهبية والطائفية والعرقية، أي ظل جزءاً من مجتمعات ما قبل الحداثة. على غرار عدد من دول ما سمي بالعالم الثالث، عدا تجربة الهند فلقد نجح الرواد من قادة الاستقلال في خلق مجتمع مدني متطور وتبني مفهوم الدولة العلمانية وأقاموا نظاماً ديموقراطياً حقيقياً رغم التحديات والفقر وصمدت الهند لتفرض نفسها كدولة متقدمة بين الأمم المتحضرة في العالم المعاصر. فيما بقي العراق مكبلاً بمجموعة من الأمراض البنيوية التي أعاقت تقدمه وسيادة القيم القبلية والعشائرية والبداوة فيه وتفشي الجهل والخرافة والأمية التي وصلت إلى نسبة 90% من الفلاحين وتجاوزت الــ 75 % من مجموع الشعب العراقي. فبالكاد بدأت بوادر تشكيل مجتمع مدني حديث وعلماني في زمن قاسم حتى أجهضت التجربة وتراجعت مع انقلاب 8 شباط الأسود الدموي والبربري واستمرت بالتدهور والتقهقر سيما بعد انقلاب تموز عام 1968 وكان نظاماً أكثر منهجية وخبثاً وقسوة وبطشاً وقدرة على التدمير، فتلاشى مفهوم الدولة الحديثة وحل محله مفهوم الدولة المافيوية وأغلب من حكم العراق من عام 1963 إلى يومنا هذا هم أشخاص غير أكفاء وبعيدين عن عالم المعرفة والذكاء والشرف حيث تمت تصفية أو إبعاد الشرفاء والكفوئين بأشد الأساليب القمعية. ولقد نجح نظام صدام حسين في تحقيق السقوط الفعلي لكل قيم الشرف والأخلاق منذ العام 1968 ووضع في مواضع القيادة أناس سفلة من أولاد الشوارع واللقطاء وعديمي الشرف المستعدين لتنفيذ أخس المهمات واستخدام الوسائل الدموية والقمعية واللجوء إلى أسلوب التصفيات الجسدية والاغتيالات وتعذيب الخصوم حتى الموت في المعتقلات الرهيبة. وكان أفضل من وصف فترة صدام حسين الرهيبة هو الكاتب المبدع زهير الجزائري في كتباه الموسوم " المستبد" وواصل زهير الجزائري في توثيق تلك الحقبة الرهيبة في كتابه " أنا وهم" إلى جانب كتاب عن سيرة صدام الحقيقية كتبه إبراهيم الزبيدي لأن هذا الأخير كان مقرباً من صدام وصديق طفولته في تكريت . لقد اتسمت طفولة صدام حسين بمزيج من العنف العائلي والعنف المجتمعي لذلك بات العنف جزءاً جوهرياً في شخصيته وكان العنف والقتل وسفك الدماء وسيلته لإثبات وجوده كما قال الدكتور فالح مهدي. فلقد كان العنف جزءاً من بنائه الذهني والنفسي فاستخدمه منذ بواكير حياته عندما قام بقتل أحد أقربائه وكان شيوعياً وشارك في محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم سنة 1959. ولقد ركز على هذا الجانب باحثون كبار مثل حنا بطاطو والمفكر الراحل فالح عبد الجبار الذي ذكر في معرض تحليله بهذا الصدد قائلاً:" كان للبلدات الريفية دور فريد في العسكر والسياسة العراقية.. فمن الجنوب العراقي جاء يساريون بارزون وراديكاليون بعثيون، أما الذين جاءوا من الغرب والشمال (العراقيين) السنيين فكانوا زعماء للإخوان المسلمين المحافظين، وللعروبيين والناصريين، وبعض المحافظين من الضباط الأحرار ذوي الميول القومية "، حيث يلاحظ أن معظم القادة القوميين ينحدرون من غرب العراق ومن مناطق ريفية بعيدة عن التحضر وكانوا يحتقرون أهل الجنوب والوسط ويعتبرونهم " شيعة وشروكية متخلفين" . لقد تمكن صدام حسين من الإمساك بدفة الحكم عن طريق الاستخدام المفرط للقوة والتنكيل والعنف المجاني وأدواته التنفيذية هم أفراد عائلته وأقاربه وعشيرته ولم يتوان عن منح رجل شبه أمي لا يعرف القراءة والكتابة تقريباً ولم يكمل مرحلة الدراسة الابتدائية رتبة فريق ركن في الجيش وعينه وزيراً للدفاع فكان صدام حسين بمثابة الوحش المفترس أو السفاح المريض البسيكوبات. ثم يتعمق المؤلف الدكتور فالح مهدي في مفهوم المفترس من وجهة نظر علم النفس ويعرض لنا السمات الأساسية للمفترس سواء أكان حيواناً أو بشراً.

فالإنسان المفترس لديه قدر على الثرثرة بدلاً من الفصاحة والطلاقة، ونرجسية مستفحلة وحب للذات مبالغ فيه، وبرودة مشاعر، ويخلو من الحس العميق المتمثل بالتعاطف مع الآخرين والقدرة على أن يتخيل نفسه في مكانهم، وهو بالطبع شخصية شريرة والشر متأصل فيه، تجد فاعليتها في احتقار الآخر، و هو شخصية غير اجتماعية ولا يثق بأحد ويشك بالجميع، حتى أقرب المقربين إليه، وهو لا يندم ولا يعتذر عما قام به من أفعل وممارسات مشينة، وهو اندفاعي غير قادر على التخطيط السليم، فهو سيكوباتي وإنسان مضطرب العقل مصاب بلوثة السيكوباثية أو داء الصفاقة كما وصفه علي الوردي، فهناك ضعف في تناسق ذاته و لا يبالي بما فعل في الماضي أو ما سوف يحدث في المستقبل و لايستحي من أفعاله، وكلها صفات تنطبق على صدام حسين . واستعرض الكاتب طفولة صدام حسين وتأثيرها على بناء شخصيته وكان مجبولاً على ممارسة العنف وفعل الشر ولم يتردد في قتل قريبه سعدون حمود ببرودة دم لا لشيء إلا لأنه ينتمي للحزب الشيوعي، وتحريض من خاله القميء خير الله طلفاح، فهو مريض نفسياً ومليء بالعقد التي تجذرت في نفسه منذ طفولته الباكرة، وتحول، عندما امتلك السلطة المطلقة، إلى شخص مفترس، حتى إنه تمكن من افتراس العراق برمته على حد تعبير المؤلف.

ولاستكمال اللوحة المأساوية للعراق يركز المؤلف الدكتور فالح مهدي على المرحلة الحالية التي يمر بها العراق في فصل بعنوان " الاحتلال الأمريكي وسقوط العراق" ويستشهد بمقطع من التمهيد الذي كتبه الكاتب فارس كمال نظمي في كتابه " أطلال دولة ... رماد مجتمع " والذي لخص فيه ما حدث ويحدث بعد عام 2003 وسقوط نظام البعث على يد الأمريكيين واحتلالهم للعراق :" إنه أوان تتهرئ الحياة اليومية في أي مجتمع بشري، حد انفراط العقد الاجتماعي، واندثار المعايير الجامعة، وانحطاط الوعي بالذات المشتركة، وتهشم الذاكرة الوطنية، وتفنن الهاجس المستقبلي، وزوال الذائقة الجمالية، وازدراء الجدوى من أي فضيلة، وازدهار ولع التنكيل بالآخر، وهيمنة العدمية السلوكية... حين ذاك تختفي الغايات كلها، ويصير الوجود العاقل محض فوضى بيولوجية لاستقواء اللحظة على الزمن، ولاحتفاء الخواء بالألم ولتجذر الموت في كل حياة" وهذا وصف مأساوي متشائم لما يحصل في عراق مابعد 2003 . ويمثل أيضاً الانتقال من رثاثة " البعثنة" إلى رثاثة النرجسية الثقافية الإسلامية بشقيها الشيعي والسني، القائمة على مخيلة ماضوية، لا تعير اهتماماً بالحاضر، ومريضة. لقد توهمت الغالبية الساحقة من الشعب العراقي، بما فيهم جزء كبير من مثقفي البلاد ومبدعيها، أن أمريكا جاءت لتحريرهم من ربقة النظام العبودي والاستبدادي الذي أقامه صدام حسين وإنها جاءت لتنتشلهم من الفقر والعوز الذي عانوا منه طيلة تلك الفترة اللئيم التي تمتد من سنوات الثمانيات إلى 2003 وهي متخمة بالمآسي والحروب العبثية المدمرة والتي اتسمت بفاشية تحولت مع مرور الزمن إلى صيغة مافيوية للحكم بقيادة القائد الضرورة الذي جاء به الأمريكيون ودعموه في حربه ضد إيران ومن ثم أغروه بغزو الكويت ومن ثم أخرجوه منها بالقوة وفرضوا على الشعب العراق الحصار والمقاطعة والعقوبات التي دفع ثمنها غالياً وعاش الحرمان والجوع والمرض بسبب الأمريكان وحلفائهم الأوروبيين والعرب. وضعوا للعراق عام 2005 دستوراً ملغماً ومتناقضاً كتبه أناس بعيدين عن الشأن القانوني وعديمي الخبرة في مجال القانون وكتابة الدساتير، وهيمنة الطائفية والإثنية في المجتمع بدلاً من مفهوم المواطنة، وفرض نظام المحاصصة الطائفية. وها نحن اليوم وبعد مرور ستة عشر عاماً على التغيير عن طريق الحرب والاحتلال من 2003 إلى 2019، ما زلنا نعيش حالة التراجع المأساوي والفوضى العارمة التي حولت العراق إلى دولة فاشلة. وأخيراً فهذا الكتاب يرسم لوحة متشابكة وعميقة لعراق مريض تسوده الفوضى والفساد وتموت فيه المواطنة وينتشر فيه العنف والتقهقر، وبمنهجية علمية وتعمق في المفاهيم النظرية وتعدد المصادر وثرائها، والنظرة الثاقبة للواقع العراقي في مختلف مراحله، في محالة لفهم الأسباب والتداعيات دون تقديم الحلول والمقترحات للخروج من هذا الواقع المأساوي. إنها عملية تشخيص سليمة لجسد مريض ومعلول إسمه العراق، من قبل مفكر وباحث موسوعي وأكاديمي كبير من طراز الدكتور فالح مهدي .

 

د. جواد بشارة

 

 

عبد السلام فاروقلم أشعر بالقلق ينتابني بسبب التملك والاستحواذ الذي شغل ثلاثة أرباع رواية "ياسمين" للكاتب "المصري الأصل -السويدي الجنسية" خالد موافي والصادرة  في طبعتها الثانية عن دار الحضارة العربية للنشر بالقاهرة العام 2019، إلا في الثلث الأخير منها، فالرواية علي خلاف ما فعل الكاتب الكبير بهاء طاهر في روايته "الحب في المنفي "،تبدو كتجربة حية لا تفتقر إلي  الرمزية، يجتاز الراوي خلالها الغرض الأساسي من مزج الماضي بالحاضر جامعا بين طرفي نقيض : الشرق والغرب، الحب والعاصفة المتقدة بالأحقاد التي مهما توارت لفترة سرعان ما تلبث أن تظهر مجددا في حياته أو حيواتنا جميعا .. بما يصاحبها من غرور وجشع وفجور في المجتمعات التي صرنا جزءا منها .

 بوسعك عزيزي القارئ أن تطالع أجزاء من هذه الوقائع والمشاهد التي يجيد الأوروبيون إخفاؤها عن بقية البشر الذين يعيشون في عالمهم المتظاهر بالرقي الحضاري والأخلاقي في إطار دولة القانون والرفاهية، حيث تنكسر إرادة الأفراد ويتعرضون للاضطهاد والتمييز من كل لون ونوع، فنشتاق إلي تحقيق السلام الذي وعدت، والحياة الكريمة التي بشرت بها التكنولوجيا الجبارة .

بطل هذه الرواية الدكتور صابر شاب مصري طموح يصل إلي الهناك ليصبح ألمانياً، ويتزوج وينجب ويستقر ويحفر لنفسه مكانا وعملا، ومع الأيام تصير موهبته أسطورة تتحرك .. تعززها قدراته الخلاقه واعتراف الآخرين بها، إلا أنها تحرك أيضا ما وغر في الصدور من أحقاد قديمة مطمورة تحت ذلك السطح القانوني الأملس، عندئذ تتحول حياته الهادئة المطمئنة إلي أثر بعد عين، فزوجته التي كان يظن أنها أقرب الناس إليه تغار من نجاحه الذي حققه في بلادها والثروة التي حاز عليها، وهي العاطلة من المواهب غير قادرة علي التعاطي مع أخلاقيات كانت تدعيها في الماضي، ههنا يبدأ الصراع القانوني المسعور بهدف واحد لا غير وهو تجريد صابر النابغة من الثروة وتركعيه، لكن أولاده لازالوا في سن صغيرة، كما أن ثروته ربما تشمل حتي أملاك العائلة في مصر البعيدة بحجة أنه يخفي مدخراته التي هي حقها وحق أولادها منه، فيتحول الدكتور صابر إلي إنسان خائر القوي،مستنفذ العزيمة،يبحث عن الخطأ الذي أقترفه وهو يدير معركته مع أم أولاده الألمانية التي اكتشفت بلا سبب واضح  أو مبرر موضوعي أن زوجها أقل من ناحية العرق، فهي كائن أبيض مسيطر متأثر بالنزعة العنصرية الجديدة – القديمة، تؤمن بتفوقها العرقي علي كل شعوب الدنيا، سواء كان ذلك حقيقيا أو مصطنعا .

ينحو الكاتب خالد موافي في هذه السردية الرومانسية الناعمة منحي دراميا آخر، أو لنقل إنه مهد لذلك من قبل في عجالة درامية شديدة الخصوصية والخصوبة، عندما يختار له القدر " ياسمين " الفتاة المولودة في ألمانيا ذات الأصول العراقية، فتاة عربية الجوهر والمسلك لم تؤثر فيها الغربة القهرية والرحيل، تسلك ياسمين خطا موازيا في رحلة إثبات الذات دون أن تفرط في هويتها، وكأنها تستشرف المستقبل المتوقع حينما تنشب الحروب ويحل الخراب في بلدها الأصلي، ولا يكون أمامها غير أن تسعي لجمع باقي العائلة من العراق ليكونوا مهاجرين أو لاجئين .. لكن المهاجر لا يأخذ معه الإرث الثقافي فقط، بل يحمل كذلك الخلافات العشائرية والفروق الطبقية في وطنه والتي لاتزال سببا في ألوان شتي من التعاسة والشقاء، يلتقي صابر وياسمين في تلك الغربة المختارة أو المفروضة عليهما، ولدي كلا منهما أمل في الخلاص من مشكلاته وفي بناء حياة جديدة .. فكيف يمكنهما تجاوز كل الرؤوس المتأرجحة بين عالمين: عالم غربي مرعب، وآخر  شرقي يزايد علي الخراب عاما بعد عام .. حتي أنه عاد نحو ألف عام للوراء .

يتوقف خالد موافي عند لحظة الصدمة أو الحقيقة والسؤال عما يمكن أن يحققه الفرد - أي فرد - بالعقل والإيمان بذاته في ظل ظروف معقولة نسبيا من الأمان النفسي والاجتماعي، وكأنه يلقي بيانه السياسي في هذه القصة دون أن يشعر القارئ بها، فها هي فكرة عمالة السخرة والهيمنة التي كنا نسمع عنها في الأزمنة الغابرة تتحقق حينما يكون أطرافها عربا أو مسلمين، وها هي الأيدلوجيات العنصرية لا تزال تجد صداها لدي المجتمعات الأوروبية الحديثة، وسوف نلاحظ ذلك عند متابعة الصحف ووسائل الإعلام بوجهها المتحفز والمتحيز بحيث أنها تجرح الآخرين وتؤذي مشاعرهم إما بالترويج المتعصب ضدهم أو عبر احتقار ثقافتهم،والعمل ضدهم في بلادهم الأصلية، بل و النيل منهم حينما يحضرون إليه موهومين بأن الفرص ستكون متكافئة وأن الفوز سيكون للموهبة المتفردة .

أما الفكرة المحورية التي تغلف رواية خالد موافي " ياسمين " فهي مشكلة أو بالأحري أزمة الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين في أوروبا ومدي علاقتهم بمجتمعاتهم الأم، وذلك عبر قصة رومانسية ذات بنية سردية سلسة وجذابة، تتناول مسألة اختلاف المذاهب بين المسلمين، واختلاف الثقافات والجنسيات الذي جعل الإطار الغربي يصبح حاضنة لابد منها، وهو إطار عام ذو سمات مادية تزيد من تعقيد الحياة، ولئن كانت نهايته سعيدة لكي تعطينا بعض الأمل في هذا العصر، فالأعالي التي ينشدها المؤلف .. تنتهي بما يشبه النهايات المفتوحة والتي حاول أن يقربها إلي النهايات السعيدة، وإن لم يقل ذلك صراحة، فالرياح رغم جبروتها وقسوتها تصل بالسفينة إلي بر الأمان بعد عدد من الأحداث القوية في نهايتها .... فماذا فقد الركاب، وهل حقا أن هذه النهاية تروقهم أم أنها اختيارات القدر / المؤلف التي لا سبيل إلي إجراء التعديل عليها أو التوافق معها ؟.

(صابر وياسمين).. إذن هما مثال أو رمز دال علي واحدة من قصص أبناء الجيل الثاني في الغرب هؤلاء الذين يعانون فعلا إزدوجية طاحنة صنعتها ظروف وأحداث ومشكلات تخرج من بطون التاريخ، بعضها يخالف توقعاتنا السطحية والبعض الآخر يسقط في الفخ.... وهذه قصة أخري ربما لم تكتب بعد .     

 

 د. عبد السلام فاروق  

 

جمعة عبد اللهلاشك ان الناقد يتميز باسلوبية واضحة، في دراساته وبحوثه النقدية، يتخذ منهجية في التحليل والتشخيص والتعريف بالنص الادبي المنقود . ويعمل في بحثه النقدي، على مواصفات أدبية وثقافية وفنية، في أطار الموضوعية، بقواعد واصول التعامل النقدي للنصوص . هذه المواصفات مكتسبة، من تجربته الطويلة في الساحة الثقافية والادبية، مما اكتسبته خبرة ناضجة في مخزونه المعرفي، في قدرته على دراسة وفحص محتوياته المضمونية والفنية للنص، في جوهر اكتشاف المضمون والمغزى التعبيري . . لذلك دراساته النقدية في التحليل، تعتمد على خزينه المعرفي وتجربته وخبرته الطويلة، وفطنته في اكتشاف محطات السلب والايجاب في النص، هذه المؤهلات التي يمتلكها، قادرة على التقويم في النقدي الموضوعي ورؤيته المنهجية الواضحة، ولاشك ساعده كثيراً في تحليل النصوص الادبية، بأنه مارس الاشكال الادبية وبرع فيها، في القصة والرواية والشعر، اضافة الى أنه كاتب سياسي، يطرح موضوعات حيوية وحساسة في الشأن العراقي . لكنه يكرس جهوده وانشغالاته بقضايا تناول النقد الادبي، كسبته براعة في اقتناص جوهر النص، بحاذقة التكثيف والتركيز، يقدم موضوعاته ودراساته النقدية، في اسلوب بسيط وسلس، لكنها تملك خلفية عميقة في الرؤية الثقافية والفكرية والفنية . ودراساته في هذا الكتاب القيم (أفق مفتوح) يكشف براعة الناقد الموضوعي، في ابحاثه النقدية، وقد قسم الكتاب النقدي (أفق مفتوح) الى ثلاثة محاور أساسية، هي في الجانب الروائي . وفي الجانب الشعر، وفي جانب موضوعات أدبية مختلفة، للنقتنص عينة من بعض هذه المحاور .

 × في رواية (فندق كويستيان) للروائي خضير فليح الزيدي . وهي تتحدث عن الوجع والمعاناة العراقي، في زمن الدكتاتورية، ونهجها الارهابي الخانق، تلك السنوات التي كانت عناوينها البارزة . الارهاب والحروب والحصار، وزنازين الموت والخوف ومصادرة الحريات وكرامة الانسان العراقي، الذي عاني ظروف الجحيم، والتنقل في المعاناة والبطش، مما تلاها فاجعة الاحتلال، وبروز امراض خبيثة اكثر من السابق . في الاحتقان الطائفي، وبروز الطائفية التي لعبت وتلعب في مصير العراق والعراقي، في الموت المجاني والفرهدة الاموال، وبروز عصابات الفرهدة من رحم الاحزاب الدينية الحاكمة، بهذه الاسلوبية النقدية، في كشف محطات الرواية، ليصل الى التحليل النقدي (حملت رواية (فندق كويستيان) هاجساً يبصر فيه كاتبها عراق الحروب، وعقله يزدحم بالشك حول مغزى النظريات والافكار والسياسيات، ان لم تتمكن من حسر ذلك النزوع الحيواني الذي يحول كل شيء الى أداة للقهر والقتل، فكأن فيه وحشة من العالم يستفز اعصابه ابداً وخوفاً، دائما من عدوان وشيك ما انفك يترقبه) .

× رواية (تسارع الخطى) للروائي المرموق (احمد خلف) . تكشف في محطاتها في التعبير السرد الروائي المتنوع، مدى التعسف الظالم الذي يواجهه الانسان الاعزل، في استباحة وانتهاك حريته ظلماً، ومدى احباطه من مميزات الحياة، بالهزائم والانكسارت والاحباطات المتوالية فوق تحمل طاقته، وتؤكد هذه المعضلات الفراغ الفكري في الواقع، وسيطرة عصابات الخطف والاستلاب على خناق الحياة، يؤشر هذا بالاندحار وتراجع الفكر، في الايديولوجية والسياسة، وفشل الحركات الثورية، وحل محلها العصابات الظلامية، التي سمحت في كسر عزيمة الانسان وجعلته يعيش في ازمة حياتية خانقة مع نفسه ومع المجتمع،  وتنطلق الرواية من هذه المنطلقات، في بحث قضية الانسان المنهزم والمحبط، في الاستبداد والاضطهاد وظلم القاهر، وخاصة بعد التغيير عام 2003، التي بها اصبحت حياة الانسان لعبة، تتحكم بها القوى الشريرة وعصابات الظلام، في دخول الانسان في مأزق حقيقي في كل جوانب الحياة، يقدمها الروائي (احمد خلف) في تداعيات متنوعة، وفي اسلوب سردي مرهف بدرامية الاحداث المتلاحقة، حتى دخول في كوابيس الاغتصاب او الخطف، وفي مطاردته من قبل قوى خفية وغير خفية، لكي يقع في شرنقتها الخانقة، واحداث السرد الروائي، لا تدع القارى يلتقط انفاسه، لذلك يشير الناقد في دراسته النقدية (يضعنا احمد خلف منذ البداية، امام حالة معقدة ووضع مربك في حوار خافت بين الفتاة والمختطف، أثناء الليل حين يزحف القتلة واللصوص نحو النوم، بأسئلة متلاحقة منها لا يجد لها جواباً، كان المختطف يسمع صوتاً في داخله، واصواتاً اخرى تنفذ اليه، وهي تحمل خلفها قصصاً، تحمل تراجيديا المظلمة، فتملكه شعور متأرجح يترقب ساعة الخلاص من الاسر، ومخاوف وشكوك في حقيقة نوايا الفتاة، لم يشأ المختطف أن يطوي الوقت في فك أسرار تساؤلاته حتى جاءه الصوت منادياً : لا تلتفت الى الوراء عليك ان تصغي الى تسارع الخطى) ويستخلص في النهاية (تسارع الخطى . كشف لواقع الدمار، لا تكتفي الرواية بعرضه، وانما في تحليله الى اشارات معرفية، على مستوى الذاتي بما يعنيه من وعي ومعرفة واحساس، وعلاقة وحلم ورغبات، انها مجاهدة للارتقاء بهوية) .

× رواية (جثث بلا أسماء) للكاتب إسماعيل سكران . تقدم في براعة متناهية، أخلاقيات أزلام النظام الفاشي المقبور، في شخصية النقيب (سامح) هو رجل الامن والنظام، المسؤول عن تعذيب السجناء السياسيين، اما تحويلهم الى مستشفى المجانين بأنهم مجانين، او رميهم في مقالع الازبال كجثث مجهولة الهوية . وكان هذا البلطجي (سامح) يد النظام الضاربة في البطش والتنكيل، في شخصية مازوخية . يكشف عنها الناقد بدقة (لم يكن سامح راضياً في اعماقه، عن عمله كلياً، من نفسه على تقبل واقعه العملي، متعللاً بأغراءات السلطة والمنح المالية، التي يغدقها عليه المنصب، فيتجاهل مثالبه، مهدئاً نفسه بالفاليوم نهاراً والخمر ليلاً) ولكن بعد سقوط وانهيار الدكتاتورية، فر مع الهاربين، فلا أثر لسامح لقد فر مع الفارين بأنهيار الدكتاتورية، ويستنج الناقد المحصلة النهائية للرواية فيذكر (لقد حاولت الرواية ان تصور مرحلة، هي من اخطر المراحل في تاريخ العراق الحديث، واكثرها قلقاً وسوداوية، وهذا سر ما لحق الشخوص في الروية من نهايات فاجعة، وهو ما يؤهل الرواية، كذلك ان تضاف الى سلسلة الروايات، التي تحكي الوجع العراقي عبر العقود الاخيرة من الزمن) .

× رواية (التيس الذي انتظر طويلاً) للروائي رياض رمزي . وهي تتناول شخصية الدكتاتور (صدام) وجنونه في حب العظمة، في تجنيد الاعلام وحشد طاقاته، في صرف الاموال الطائلة، لكي يضفي على شخصيته المريضة، صفات العظمة والقدسية، وفي استغلال امكانيات الدولة في هذا الشأن، حتى لم يسلم التاريخ والتراث الشعبي في اعلامه في خدمة الدكتاتور، وهي في حقيقة الامر ضياع الوطن، وتبديد الاموال دون وازع ضمير، كما هي الحال في تبديد حياة ارواح البشر بسهولة، في تراجيديا كوميدية، على شقاء ومعاناة الوطن، بالضبط كما يصفها الروائي في حصاده الروائي (التيس الذي انتظر طويلاً)، في اسلوبية تنتج قوة العبارة والوصف، في كشف اسرار الدكتاتور، ووضعها على المحك في اسلوب ساخر ومتهكم . كأنه بطل عالمي بدون منازع، ويقول الناقد في تحليله (تنتمي الرواية الى مكان واضح الملامح، فهي لا تبتعد عن هواء العراق ورياح السموم فيه، وفيضاناته وكوارثه، ومواجعه، وحروبه، وجوعه، وموته، وشتائه وقيظه، ومقاهيه وشوارعه : شارع ابطال الامة، وشموخ الوطن، بلادي الحبيبة، مطعم صخرة الوادي، مقهى حراس الوطن ... الحانات، الساحات، الملاهي، دور السينما، وعيد العزة القومية، التي تؤلف كلها لوحة خلفية لما يجري من احداث) ويضيف في استنتاجه (يحرص الروائي على متابعة المسار التاريخي لاحداث الرواية، بلغة اعارها الروائي اهتماما لافتا، كعنصر مهم من متطلبات السرد، لتأكيد القيم الجمالية في اللغة، انها مهارة رياض كل الاجادة، ليضع لنفسه موقعاً متميزا في هذا اللون، فتبدو الرواية كأثر فني في جمال العبارة والصورة ترتقي للغة الشعر) .

× رواية (ما بعد الجحيم) للاستاذ النقد الكبير حسين سرمك . . تطرح الرواية السؤال الكبير، ماذا بعد الجحيم في مأساة العراق ؟ يؤكد الناقد في تحليله النقدي (منذ اللحظة الاولى ينصب اهتمام حسين سرمك على خلق الجو المعادل للجحيم، شعرت بالخوف منذ تلك اللحظة أن اواصل القراءة بهذا المستوى من السرد . تولد لدي احساس قوي بواقعية الاحداث ومأساويتها . . وانا لا ازعم أني امتلك الشجاعة على تحمل تراجيديا جديدة .. فأتساءل مع نفسي الى أين سيمضي بنا سرمك) ويشدد في التساؤل (نحن ضحايا تراجيديات الكون ... ألا يكفي ما حل بنا .. وتحقق هاجسي الاول فعلاً ..... حين واصلت متابعة احداثها خطوة، خطوة، أنني احتاج الى لحظات توقف ... استراحة استطيع فيها ان استعيد توازني .. والتقط أنفاسي من شدة التوتر الذي تخلل الحوار والسرد في اجواء الرواية) ويستنتج من خلاصة هذا العمل الروائي الكبير (ملاحظة من عندي (كاتب المقالة) في سفرتي الاخيرة الى بغداد، كنت اتطلع شوقاً الى الحصول على نسخة من هذه الرواية، التي يقول عنها الناقد : (بأنها الرواية ابتعدت عن نمط روايات الحرب التقليدية) . ولكن مع الاسف لم اجدها في المكتبات في شارع المتنبي، يعني نفذت نسخها في البيع . كما قالوا لي ) ويستخلص في الرأي النقدي (والرواية تكشف عن موقف شجاع وجريء للكاتب حسين سرمك من الاحداث التي عصفت بالعراق . . هذا الموقف احد اهم عناصر نجاح الكاتب وموضوعيته واخلاصه لفنه ولذاته التي لم يساوم عليها سرمك على الرغم من الظروف الصعبة التي يعيشها الآن خارج وطنه ..... يرنو اليه منتظراً اللحظة التي يعود بها معانقاً أهله واحبته وأرضه) .

× المجموعة الشعرية (بروفايل للريح ..... رسم جانبي للمطر ... تنويعات على نصب الحرية) للشاعر القدير جواد حطاب . قصائد تربط الخيط بين نصب لحرية والانسان، في موضوعات فكرية مهمة في بناء القصيدة وتكوينها، يستخلص معالم الجحيم، التي يسير الانبياء على ماء، والانسان على لهب

يسير الانبياء على ماء

ونسير على اللهب

نتجرع الالم والمأساة والمعاناة القاسية، في الدماء النازفة، وايامنا الدامية التي دلفت الى الجحيم

تعددت الايام

الجمعة الدامي

الاحد ... الثلاثاء ..... السبت .. الاربعاء

امتلأ الاسبوع دماً

الآن بغداد باب واحد

باب ال آآآآآ آه

هذه ملحمة الالم والمعاناة للانسان، التي جسدتها ملحمة جواد سليم الخالدة(نصب الحرية)

لحظة حنطة على صاج النصب

رماني البرق

ومن حلمة دجلة

رضعت روحي

------------

لا لزوم للتكهن

ولا كمائن في المجهول

شعب .... يفك شفرة الطحين

شعب لا يوضع في البراد ...

ويتساءل الناقد (هل يمكن للزمن أن يكون قادراً على ايقاف مواكب الدموع والاحزان والتأسيات المكرورة، ينفلنا جواد من دائرة الموت الى وجود الحياة، في ولادة جديدة لا ينالها الزمن بنسيان) ويضيف في الحصيلة النهائية (بين الجوادين سليم والحطاب جغرافية مشتركة، شرنقتها واحدة، موثقة بحبال من الكلمات والحجر والبرنز والصاج، وثمة حقيقة اكدت وجودها الحي في تواصلها الزمني مع الحاضر، تواصلها الايحائي مع المستقبل، الحقيقة هي : إن الموت لم يستطع اغتيال نصب الحرية، وابداع جواد سليم، بل منحها القدرة على نحو الانتشار والتبرعم كأشجار الاساطير، هذه الملحمة الخالدة، ظلت تحكي تاريخاً وزمناً عبر العصور) .

بنهار مبتسم الكفين

عجنت رائحة الجوري

حناء لحيطان المتحف الوطني

× قصائد (رشدي العامل) كلمات تولد في معبد الجمال : الشاعر رشدي العامل . ينتمي الى جيل السياب، فهو الشاعر والانسان المناضل الجسور، الذي ينتمي الى تيار اليسار، لذا فأن قصائده فيه مذاق الكفاح الشرس للطبقات الشعبية الكادحة،  في نضالاتها المعبقة بالكفاح والدماء ومناطحة الحياة الظالمة دون هوان، فهو الحارس الامين في الدفاع عن الحق والعدالة ضد الظلم والاستغلال والاضطهاد، كما هو الحارس الامين لتوثيق المراحل العاصفة التي مرت على تاريخ العراق السياسي، والذي اتخذ من الشعر خطاب لمخاطبة الشعب

الشعر طريق مجهد

يبكي، ويجوع يغازل ربته في معبد

الشعر الاسود

عيد يكسر قيداً ...... طفل يتمرد

ويستنتج الناقد من منجزه الشعري (تظل قصيدة رشدي العامل، مفتوحة على آفاق متعددة بلا خطابة، ولا رومانسية نواح تتذرع بحساسية زائفة وحنان وجدان مكرر، بل صور شاسعة الافق، ذات ايحاء داخلي تتجدد بصور مدهشة، وتنمو مع كل مقطع جديد)

أنت لا يأخذك الحزن

على ما مات من اشجار ماضيك

ولا يفرحك القادم من عمرك

أنت اليوم حر

بين كفيك غصون الاسى

في عينيك أمطار

وفي صدرك سر

أنت لا ترتقب ما يأتي

ولا تبكي على ما مر

إن الدمع مر

ويشخص رموز الشاعر بقوله (إن رموز العامل في صوره الشعرية، هي مصائر الانسان في تطلعاته العليا، تأتي عبر أبنية شعرية داخلية الايقاع، منداة بطراوة الصور، رغم مأساوية الموضوع الفاجعة، لكن اغراس الورد في تلافيف من اجل ربيع الانسان الجديد، تتوهج في ثنايا غناء العامل المتعددة الاصوات، والشاعر يوحي بذلك أيحاءاً رائعاً)

وكان الموت، لن يطفأ في عينيك، ومضة

لن ترى أهدابك السود، عيونه

عبثا مخلبه يمتد

أو ترنو عيونه

لحقول الذهب الاصفر

في وجهك يا بيدر فضة

وبقية الموضوعات النقدية الاخرى، جديرة بالتوقف . انه كتاب غني، لا يمكن ان يستغني عنه المثقف والاديب، لانه يتوسم التحليل في النقد المعاصر

 

جمعة عبدالله

 

 

قراءة في كتاب مقالات في الفلسفة العربية الإسلامية

تعد الفلسفة من أكثر الموضوعات تعقيداً، لاسيما حين تقترن بالفكر العربي؛لأنها علم المعارف العامة بحسب ديكارت ، فضلاً عن أنها ولدت ولادة غير ممنهجة تبتعد عن التقانة، لتندرج وتدخل في مراحل ولادات عدّة، الأ أن الأنطباع الأول لدى الجميع انتمائها إلى (اليونانيين).

تتبع الناقد المرحوم (محمد مبارك) هذه القضية واشار إلى أشكالياتها، عن طريق تقسيم كتابه إلى محاطات أهتمت بالقراءة الملخصة ليوضح لنا ولادة الفلسفة .

فالفلسفة تشكل أهمية كبيرة في حياة المجتمعات، فهي صورة مهمة عند المجتمع،  بوصفها (العلم بالموجودات بما هي موجودة) .

وجاءت نظرتها إلى الإنسان نظرة عامة، وليست خاصة.

فالفلسفة تشكل أهمية في حياة الإنسان منذ نشأة المنهج العلمي الجدلي وتوثيقه في تاريخ المجتمع البشري الفكري، واشار الناقد  الى أهمية الفلسفة الفكرية للعرب آنذاك وكيف أسهمت هذه الفلسفة في بناء المنهج الجدلي.

ثم أنتقل إلى مناقشة أهمية العقل العربي ودوره ؛لأن –العقل العربي- ذو طبيعة تحليلية لاتقوى على اقامة النظم الفلسفية، ويؤكد  تبني العرب لموقف أرسطو في الفلسفة؛لأنهم اخذوا الكثير من تنظيرات اليونانيين.

ويؤكد على قضية جوهرية وهي: إن الفكر العربي الإسلامي لم يكن متبعاً "بل مبتدعاً . ومفكراً ومعللاً للكثير من القضايا "،وتقديم المعالجات لها عن طريق وعي تنظيري فاهم للقضية ؛لأنه المؤسس لها، فالفكر العربي الإسلامي الوسيط، شأن الفكر اليوناني القديم، وهو تأصيل من قبل الناقد إلى قضية الريادة الأولى للفكر العربي في المسائل والقضايا الفكرية.

وأشار إلى أن النزعة الفكرية الفلسفية  " نزعتان من الفكر: عقلية تقول: بجدارة العقل/ واخرى ترفض العقل...".

ويؤكد على أهمية الفكر العربي الأسلامي الذي بدأ بمقالات المتكلمين والمعتزلة ، في العدل، والقضاء، والعلم، والمعرفة، والايمان بيوم الحساب...، فالماديات وغير الماديات، أوالأدق (الحاجة) هي التي تجعل المجتمع الفلسفي والفكري العربي في دوامة التفكير والأنتاج؛ لأن الحاجة هي القضية الأساس في شغل الفكر الجدلي . 

فالفكر الفلسفي  عند المجتمع أولاً وعند الكاتب ثانياً قد تحول إلى وعي يشكل فائدة على الواقع المعاش،- كلما تطور الوعي نضجت الأفكار وزادت النتاجات الأبداعية  ولم تبَق هذه النظرة على وضعها الأول ، بل تلبست بالوعي المتطور المحيط بالإنسان؛ لأنها تحفز العقل على البحث العلمي المستمر، وتكشف الأوهام، فالعلم بحاجة مستمرة الى وعي فلسفي ؛ لأنها-الفلسفة- تهيء الجرأة للباحث في كشف المستغلق والممنوع والمحرم في قضايا البحث العلمي، وهي غاية العلم الأولى والأساس.

اضيف، مانظر من قراءة لهذا الكتاب -الذي لم نتلمس قراءته لولا زوجة الناقد الست الفاضلة والمربية (ست رضية)، التي سعت وبحرص على طبعه بعد وفاته، وافادة العلم وطالب العلم-، جاء عن طريق قراءة افكار الناقد التي وضعها بعد قراءات عدّة ، وتحليلات دقيقة لجملة كبيرة من الفلاسفة، وهذا هو منهج المرحوم في مؤلفاته .

 

بقلم : د. وسن مرشد

 

622 الحياو بعد الايمانيؤكد نقاد العقيدة الدينية المعاصرون والذين يُطلق عليهم "الملاحدة الجدد" بان ما يبدو من زيف في العقيدة الدينية يستلزم رفضا تاما لكل ما هو ديني. فيليب كيشر في كتابه الجديد، مع انه يؤمن بالرؤية العلمانية الكامنة وراء هذا المنظور النقدي، لكنه يسعى لتعزيز هذا الموقف تجاه اسس العقيدة الدينية باستجابة اكثر تعاطفا نحو الوظائف المختلفة التي يتم انجازها عبر الالتزام بالحياة الدينية. بعمل كهذا، هو يحاول عرض تفسير وضعي (غير معياري) للطريقة التي يمكن ان تقدّم بها الرؤية العلمانية مصادر حقيقية للمعنى والهدفية في الحياة.

وبالرغم من كثرة الكتب التي تجادل ضد الدين، الاّ ان القليل منها يطرح خيارا ايجابيا يحدد الكيفية التي يمكن ان يعيش بها الانسان بدون الحاجة الى العقيدة الدينية.هذا الكتاب يكون قد ملأ هذه الفجوة. الكاتب ينظر باهتمام الى الكيفية التي تستجيب بها العلمانية الى المخاوف والتحديات التي يواجهها الناس بما في ذلك قضية الاخلاق . هو يقارن حياة الناس العلمانية بحياة منْ يتبنّون العقائد الدينية . واذا كانت العقيدة الدينية هامة في الماضي فان الكاتب يستنتج بان التطور بعيدا عن الدين هو الآن ضروري. هو يرى هناك بدائل للحياة الدينية، حيث ان الاحساس بالهوية والجماعية اصبح يترسخ بنطاق واسع من المعطيات الثقافية التي ينتجها الشعراء وصناع الافلام والموسيقيون والفنانون والعلماء وغيرهم بدلا من الدين. الكاتب يؤكد ان قوة العلمانية الانسانوية (1) تشجع على إشباع الحياة الانسانية المبنية على حقائق اخلاقية.

هنا نكون نحن مع اول محاولة فكرية دقيقة لفهم عدد من القضايا الحيوية للموقف العلماني الانسانوي والذي عادة جرى تجاهله من قبل اولئك النقاد للحياة الدينية.

الفصل الاول من الكتاب يرسم الطبيعة الدقيقة للشك العلماني المتعلق بالدين. هذا الشك يبرز من الاختبارات الميدانية والتاريخية والسوسيولوجية المستمرة والمفصلة لمصادر الايمان بـ "المتجاوز"، كشيء وراء عالم الانسان المادي الذي نعيش فيه. هذه الدراسات تكشف بان العمليات التي قادت للتنوع بالعقائد الدينية حول المتجاوز من غير المحتمل ان تعطي دعما قويا للعقائد الحقيقية. كيشر يذهب للادّعاء بانها غير موثوق بها لدرجة ان جميع العقائد الدينية المتصارعة والمتفرعة هي زائفة (ص19). واذا كان هذا يعطي ارضية قوية لرفض العقائد الدينية فان الكاتب بـ "إلحاديته الناعمة" يترك الباب مفتوحا لإحتمال المتجاوز.. مستقبل العمل العلمي ربما يكشف عن بعض مظاهر الواقع بشكل مختلف كثيرا عن رؤانا الحالية التي نحتاجها لمراجعة مفاهيمنا. بالطبع، هذه الخاصية للواقع ستكون عرضة للتحقيق العلمي وهي لن تنل الفهم الكافي والواضح من جانب العقيدة الدينية. لكن احتمال وجود شيء ما منسجم مع دور المتجاوز لا يمكن استبعاده كليا. وما هو اكثر اهمية ان الالحادية الناعمة تترك بعض أشكال الالتزام الديني سليمة دون نقد: مثل تلك "الاديان المنقحة" التي ترفض المزاعم الثيولوجية، لكنها تجد قيمة في الممارسات والطقوس الدينية وهي تعترف بالدين كتعبير عن اشياء ذات قيمة عميقة. وكما سنرى، ان فحص هذه الرؤية الدينية يمكّن من نشوء حوار مثمر مع المنظور العلماني، وحيث التركيز يتجه نحو السؤال عن القيمة والاهمية الموجودة في حياة الانسان، والتحدي الذي يمثله هذا للمدافعين عن الرؤية العلمانية الانسانوية. قبل القبول بهذا التحدي، ينظر الفصل الثاني بالعلاقات الشائكة بين الدين والاخلاق. رغم ان هذا الارتباط كان شديدا لدى افلاطون، لكن العديد من الناس لازالوا يؤمنون بانه من خلال الالتزام بالدين سنعثر على تصور موضوعي حقيقي للاخلاق. طبقا لكيشر، هذه الرؤية لازالت مستمرة بسبب عدم وجود شخص يمكنه توفير بديل طبيعي يوفر بما يكفي العدالة لهذه الحاجة. اذا كان يتوجب لرؤية الكاتب العلمانية مواجهة هذا التحدي فانها يجب ان تنجح في الحديث عن القيمة الموضوعية. هنا يطرح المؤلف تفسيره الطبيعي بشكل اكثر تطورا في (المشروع الاخلاقي، 2011، مطبوعات جامعة هارفرد). هذا التفسير يعتمد على فكرة دارون الاساسية : الاضطراب في عدد معين من الظواهر يمكن التغلب عليه لو نتبنى اتجاها تاريخيا ونتسائل كيف نشأت وتطورت تاريخيا هذه المجموعة من الظواهر. السجل التاريخي للحياة الاجتماعية للانسان القديم يوضح عدم الاستقرار الناجم عن قدرتنا المحدودة لنكون متجاوبين مع حاجات الاخرين. هذا حسب المؤلف يقود لإرشاد اخلاقي اضافي على شكل اقتراحات معيارية لمعالجة هذه المواقف الشائكة من الصراعات الاجتماعية. التطور اعطانا الحاجة لنعيش سوية لكن مع استجابة محدودة لحاجات الآخرين.الاخلاق تطورت كطريقة لمعالجة هذه النواقص وبدأت كنوع من التكنلوجيا الاجتماعية. تمديد رؤية دارون الجينولوجية الى دراسة السلوك الاخلاقي الانساني يشجع على اجراء تغيير اساسي بالطريقة التي نفكر بها حول التقدم والموضوعية الاخلاقية. وبدلا من تحديد حقائق اخلاقية جديدة، يُنظر الى التقدم الاخلاقي كمشروع جماعة يسعى لتصحيح وتنقيح الشفرات الاخلاقية الموجودة. الناس يوصفون عادة كخالقين للقيمة، عندما يستجيبون للمواقف الشائكة التي يواجهونها والتي هي نتيجة الصراع المستمر بين الحاجات الاجتماعية وقدرتنا المحدودة للاستجابة للآخرين.

الفصل الثالث يتناول مستقبل الدين المنقح والتهديد الذي يمثله لعلمانية المؤلف الانسانوية. هنا هو يعرض وصفا اكثر دقة للوظيفة الجوهرية للالتزام الديني التي لا تستلزم قبول ادّعاءات عقيدية حول المتجاوز. بدلا من ذلك، انها تنظر لهذه العقائد باعتبارها تعطي نموذجا اخلاقيا للسلوك الانساني، حيث انها تُظهر قيما اخلاقية معينة كمُثل انسانية بمقتضى استقلاليتها عن الفعالية الانسانية. اختبار مثل هذا الموقف يكمن في مقدرته على توضيح كيفية تقوية هدف الانسان من خلال الايمان بالمتجاوز.الكاتب يجد صيغا متواضعة لهذا الموقف يسهل الدفاع عنها . هنا الايمان يعزز الحساسية الاخلاقية من خلال الاعتراف بان حياتنا الاخلاقية متصلة بشيء ما اكبر من انفسنا يمكّن من تبنّي التزام أعمق ويحقق الآمال بغايات المستقبل . هذا الايمان حين يقترح خيارات اخلاقية تغير حياتنا من خلال الوعي المتزايد بحاجات الاخرين، فهو بهذا يساعد في توضيح اهمية الوظائف الاجتماعية التي يقدمها الالتزام الديني.

الفصلان الآخيران يستجيبان للتحديات المتبقية التي يعرضها هذا التوضيح للالتزام الديني. ذلك يتضمن الرؤية بان الممارسات الدينية توفر الخيار الوحيد لإضفاء الاهمية بحياة الانسان المحدودة وادّعاءات المستقبل بان الدين يوفر ملاذا عاطفيا لشيء ما أعلى يمكّننا من حيازة ثراء وحماية اضافيين ضد الجانب المظلم من الطبيعة الانسانية.الكاتب يعترف بالاهمية الكبرى لهذه الخصائص لحياة الانسان لكنه يكافح لوضعها ضمن انسانيته العلمانية. هو يلاحظ ان الحياة الهادفة تنتج عن خطة مختارة طوعا وحيث يكون هناك معنى واضح للاهداف التي يُعتبر الكفاح لأجلها هاما، وحيث يكون هناك نجاح في انجاز تلك الاهداف. هو يضيف قيدا آخرا مهما وهو ان الاهمية المختارة طوعا وانفراديا التي نضفيها على حياتنا تعتمد على مقدرتنا للتماس مع حياة الاخرين. حياتنا تكتسب المعنى من خلال محاولاتنا الناجحة لحل المشكلة الاخلاقية المتعلقة بمقدرتنا المحدودة بالاعتراف بحاجات الآخرين. الكاتب يوافق بان الحياة الهادفة تتطلب ارتباطا بشيء اكبر ولكن يؤكد على ان هذا يمكن العثور عليه بالطرق المعقدة للتفاعلات الانسانية الممتدة وراء انفسنا. عبر التفكير بالطريقة التي تولّد بها الخصائص الاساسية للوجود الانساني مشاكل اخلاقية وحاجاتنا الممتثلة لمشروع اخلاقي عام، نحن نضيف ثراءا واهمية للحياة الانسانية. بينما لا توجد هناك مشكلة فكرية للعلماني في التعامل مع هدفية الحياة، تبقى هناك عدة مشاكل عملية تتعلق بالظروف السوسيواقتصادية التي تقيّد حاليا الكثير من حياة الناس. اخيرا، يعالج الكاتب الادّعاء بان رؤيته شديدة التفاؤل في تجاهل الجانب المظلم من طبيعة الانسان الذي يمكن تطويعه فقط عبر الانضباط الموجود في الالتزام الديني. استجابة لذلك، هو يختبر تفسيرين اثنين حول شقاء الحياة الانسانية مجادلا بان من خلالهما نستطيع التعلم كثيرا حول ما هو حقا ثمين ونفكر باهتمام كبير فيما يتعلق بتلك الظروف المطلوبة لبلوغ مثل هذه القيم.كتاب كيشر يحاول ان يضع بعناية ارضية وسطى ضمن النقاشات الاخيرة المتعلقة باسس العقيدة الدينية. بينما يشارك شكوك الملحدين حول المتجاوز، هو يريد مقاومة اي رفض سريع لكل اشكال الالتزام الديني. في رؤيته تبقى هناك وظائف اجتماعية وسايكولوجية حيوية تتم عبر الالتزام بالحياة الدينية والذي يعطي اهمية لحياة العديد من الناس لكنه لا يتطلب التزاما آخرا للارثودكسية الدينية المرفوضة من جانب النقاد العلمانيين. هو يريد ان يبين ان الانسانوية العلمانية لديها المصادر لإنجاز نفس هذه الانواع من الوظائف، حيث الاعتراف بمشروعنا الاخلاقي المشترك يعطي معنى ثريا لكفاحنا الانساني. الانسانيون العلمانيون و المصلحون المؤمنون الدينيون يجب، حسب اقتراحه، ان يعترف كل منهما بالآخر كتحالف. رفضهم المشترك للمزاعم الدينية يمكّنهم من إتخاذ موقف موحد ضد اولئك الذين يساوون الحياة الدينية بالايمان بالمذاهب المقدسة. الكاتب يقترب من الاعتراف ان محاولته لتعزيز رؤية علمانية ايجابية عن هدفية الوجود الانساني، تتحمل مخاطرة الظهور كمستبدل للحياة الدينية. هذا ربما يجعل من الصعب للافراد ذوي الذهن الديني ان يروا انفسهم كتحالف. جون ديوي له اتجاه مشابه يحاول نوعا ما اتباع ستراتيجية مختلفة. ديوي يوسع نطاق ما يُعتبر دينيا بالجدال ان اي موقف يعطي اهمية مستمرة وعميقة للحياة يُنظر اليه كدين. عبر تحرير المواقف الدينية من صيغها العقائدية، يضع ديوي "ايماننا المشترك" في حياة الجماعة كشعور يعبّر بوضوح عن الطقوس والمواقف الدينية .الكاتب يشترك بالكثير من هذه الرؤية لكن دفاعه العلماني عن هدف ومعنى الحياة الانسانية، الحياة بعد الايمان كما يشير اليها عنوان كتابه، يجعله وبلا قصد يبدو كما لو انه يستبدل المواقف الدينية بهذه الخيارات العلمانية.

 

حاتم حميد محسن

......................

الهوامش

* كتاب (الحياة بعد الايمان: دفاع عن الانسانوية العلمانية) صدر عن مطبوعات جامعة يال في اكتوبر 2014 بـ 200 صفحة

(1) يشير مفهوم الانسانوية Humanism الى رؤية عقلانية او نظام من الافكار يعطي اهمية كبرى للانسان بدلا من الدين او الاشياء المتجاوزة للطبيعة. الانسانوية هي موقف ديمقراطي واخلاقي يؤكد على ان الكائن البشري له الحق والمسؤولية ليعطي معنى وطابعا لحياته الخاصة. 

 

جمعة عبد اللهتبقى سنوات القحط والعجاف في عهد النظام الدكتاتوري، نقطة سوداء في تاريخ العراق السياسي. بما تحمل من معاناة شاقة، ووضع العراق تحت فكي نظام جائر وظالم ومستبد، لا يعير أهمية لكرامة وحقوق الانسان في ادنى شروطها الانسانية، وبين الحصار الاقتصادي الدولي الجائر والظالم. وبها تجرع فيها الشعب الحصرم والحنظل. هذه المذكرات والمدونات والمقالات، تحتفظ بكامل اهميتها وحيويتها، لانها تترجم حالة العراق المزرية والبائسة والتعيسة آنذاك. انها وثائق مهمة في تدوينها التاريخي والوثائقي. بقلم مثقف، اكتوى بنارها. وعاش مرارة شظف العيش في زمن القحط والمجاعة والفقر والارهاب الباطش. تترجم واقع العراق آنذاك أيام التسعينات من القرن الماضي. سنوات القهر والاستلاب، سنوات الاذلال والمهانة. بقلم عراقي كتبها بقلب متشضي بالجراح والالم. مقالات كتبت بمرارة المعاناة الحقيقية، وبصدق الاحساس القلم النزيه والصادق. حتى يزيل ركام من الضباب والتشويه والتزييف، الذي يمارسه ايتام النظام البعثي الآن، في تجميل صورة نظامهم المجرم والسفاح . ازاء الصورة التعيسة التي يقدمها حكم الاحزاب الدينية الطائفية في أسوأ حالة من السخف والمهزلة، قدموا أبسع صورة مشوهة وأسوأ بكثير من النظام الدكتاتوري، بل انهم سليل العقلية الدكتاتورية المغلقة، في استنساخ القبيح والمظلم والمتعسف بالاحتيال والخداع والفرهدة. هذه المذكرات تعتبر وثائق دامغة، في توثيق لجرائم النظام الدكتاتوري للجيل الجديد. مذكرات تروي عطش الباحث عن الحقيقة الدامغة. عن حقيقة بطش النظام الارهابي في سنواته العجاف، التي أكلت الاخضر واليابس واهلكت العباد والبلاد. تترجم معاناة العراق آنذاك، التي اكتوى بنارها الحارقة المواطن، بأنه اصبح عاجز عن توفير لقمة العيش لعائلته. وان الراتب لا يكفي لايام معدودة. فكان راتب الموظف المتدني جداً، مثلاً راتب الموظف على سبيل المثال، كان حوالي 5 آلاف دينار، او ما يساوي (2،5 دولار)، لا تسد لقمة العيش لايام معدودة. فكان المواطن يبحث عن عمل ثان، ومهما كان الارهاق والتعب والساعات الشاقة الاضافية. لذلك نجد الكوادر العلمية والادبية، ومنهم الاسر التعليمة واساتذة الجامعات، يمارسون اعمال شتى. مثل بيع السكائر والحاجات البسيطة، وفتح (بسطيات) في بيع الحاجات البسيطة توفر لقمة العيش المر لهم. أو تحويل سياراتهم الخاصة الى سيارات الاجرة. مما تفاقمت الازمة الاجتماعية الخانقة، بزيادة الفقر والمجاعة المتصاعدة، وبزيادة عنفوان الجريمة والسرقة والدعارة، التي اكتوى في  براكينها المتشضية الشعب المظلوم، الذي ضاق الاهوال، في مرارة الظلم والقحط. وليزيد من اثقال معاناتهم، مجيء الحصار الاقتصادي الدولي، الذي فر ض على العراق، نتيجة لنكبات النظام الطاغي وهزائمه المتتالية، وآخرها غزو الكويت، وتركيعه بسلسلة من العقوبات الشاقة،  وتكبيله بالقيود عقاباً له ، ولتزيد الطين بلة في تحطيم العراق تحت اثقال لا يتحملها، والامعان في معاناة الشعب يمارس النظام الشمولي،  اسلوب نهج الارهاب الفكري والسياسي، المفرض بصلابة ووحشية على الشعب. ان يتحول المواطن تابع ذليل ومهان. وشدد حصاره على الشريحة الواعية من المثقفين، في تدجينهم وتحويلهم الى خراف مطيعة بالتركيع المهان. فكان المثقف الشريف يعاني الامرين في لقمة العيش، في نظام باطش لا يرحم ومحاربة في الرزق اليومي، فكان يبحث لحفظ كرامته، في سفارات الدول العربية والدولية، باحثاً عن فرصة عمل، او مأوى للعيش فيها. وكان منفذ العراق الوحيد هو الاردن / عمان. في ايجاد فرص عمل حتى لو كانت شاقة ومرهقة، وحتى لو كانت ساعات طويلة من العمل المرهق والمتعب. ومنهم طائفة كبيرة من المثقفين وحاملين الشهادات العلمية والادبية. وكانت الهجرة والتشرد الى دول الاوربية والعربية، الملاذ الوحيد من مخاطر وعسف النظام. واصبحت الهجرة من العراق  المنقذ الوحيد، للتخلص من معاناتهم الشاقة، في توفير لقمة العيش خارج العراق. لذا فأن كتاب (مذكرات مثقف عراقي / اوان الحصار) يحمل وثيقة مهمة، لمعاناة الشعب ومعاناة المثقف الشريف، واسلوب البطش والتنكيل، وزج الكثير في السجون والمعتقلات. نتيجة تقارير حزبية وأمنية جائرة وظالمة. تكتب عن كل شاردة وواردة، تبحث عن اية شبهة بسيطة، أو زلة لسان، حتى المواطن صار يخاف من احلامه في البوح بها لعائلته واطفاله، قد تؤول عن مقصدها الاصلي، وتعتبر جريمة كبرى ضد النظام، او يتهم بجريمة، بأنه شخص مدسوس من الطابور الخامس. هذه كانت حقيقة الحالة والواقع المزري آنذاك. حتى الكاتب لهذه المدنات والمقالات، رغم انه من الاسرة التعليمية. لكنه يمارس عمل اضافي، لسد رمق شظف العيش لعائلته، في بيع الخبز، او بيع المعجنات الكعك يصنعها في بيته ويبيعها على ارصفة الشوارع، لكن داهمه الامن الاقتصادي للنظام الباطش، وامسكه كأنه متلبس في جريمة كبرى. بتوجيه السؤال في لهجة عنيفة متسلطة وجافة. كيف سمح لنفسه البيع على الارصفة ومن اجاز له ذلك، وكيف تجرا في خرق القانون، فأجاب بالجرأة متسائلاً:

(- ما شأنكم أنتم ؟ أما تروني ابيع سلعتي على باب الله؟

(- يبدو عليك أنك لا تفهم، وكرر السؤال :

(- من أعطاك الحق بالبيع هنا ؟

(- لاحد سوى الحاجة المرة. وأردفت قائلاً بعد أن بدأ الخوف يساورني.

(- أذاً سأغادر المكان وابيع في رصيف آخر

(- لا لا سنأخذك مع حاجياتك الى دائرة الامن (.....) ص24.

هذه حالة العراقي البائس في الرعب، او هذه حالة المثقف الشريف، الذي يرفض الانصياع لنظام ظالم وباطش بالارهاب. يرفض ان يكون من كلاب النظام النابحة في عواءها السخيف والهزيل، يرفض ان يكون ضمن قطعان الخراف الخانعة، التي يقودها وزير جاهل لا يفهم شيئاً من الثقافة، يلف حوله شحاذي المكافأت، في بيع كرامتهم وشرف قلمهم، بالارتزاق المذل والمهين، يبحثون عن فتاتات ترمى لهم، كالكلاب السائبة والجائعة، في تمجيد عظمة قائد الضرورة المجنون بشن الحروب العبثية والمدمرة، وفي اعلام دكتاتوري المزيف، الذي يغمط و يزيف التاريخ وحقائقه ووثائقه لصاح القائد الضرورة، النكرة، الذي كان بالامس ربيب الشوارع ومواخير الفساد.

وكذلك المذكرات تتناول ايضاً المعالم الثقافية المشرقة، المعالم الحضارية، التي كانت عنوان العراق المشرق، في  معالمها التي هي بمثابة نجوم تضيئ سماء بغداد بالثقافة والحضارة والفكر. مثل المكتبات والمقاهي والفرق المسرحية والنوادي والمراكز الثقافية المعروفة والمشهورة، التي تعج بالوافدين والزائرين. وكذلك يعرج في مذكراته ومقالاته، الى اساليب النظام الجائرة، في التهجير القسري وتشريد المواطنين، وسلب وسرقة اموالهم وممتلكاتهم ورميهم على الحدود، حفاة وعراة بحجة التبعية الى ايران، الى ممارسة النهج الوحشي ضد الاقليات العرقية والدينية والاثنية، وسلبهم حق العيش والوجود في العراق، بشتى الوسائل الارهابية والقمعية، حتى يهجروا العراق.

ويعرج الى حكم الاحزاب الدينية الطائفية بعد سقوط النظام البعثي، وكان البديل السيء الاسوأ ، كأنها تعيد استنساخ النظام الدكتاتوري، بصيغة دينية طائفية، بصيغة الاستمرار في هدم وتحطيم العراق، حتى لاتكون له شفاعة، في بدع جديدة في الخرافة والشعوذة والجهل، وتشديد حصارهم ضد المرأة في الانتهاك والسلب، وتحويلها الى بضاعة للمتعة الجنسية، بطرق احتيالية تتعكز على الدين والشريعة، في بيع النساء في سوق الرق والجواري، كما كانت سائدة في العصر الجاهلي، لكن بصيغة جديدة من الاحتيال بأسم الدين. مثل زواج المتعة والميسار. زواج المسفار. زواج المصياف. زواج (الوناسة) زواج (الكاسيت) يتم التفاهم في شريط الكاسيت. زواج التليفون، وغيرها من الكثير من المصنفات والاسماء المضحكة والهزيلة، وماهي إلا دعارة في الفجور والفسوق، بأسم الشريعة والدين، في أستغلال حالة الجهل والتأثير الديني عند البسطاء والسذج، بأن يسمح الاب لطفلته الصغيرة ان تتزوج، وهي لم تبلغ عمرها 10 اعوام ان تتزوج شرعاً تحت مظلة الدين والشريعة، وماهي إلا فوضى في ممارسة الدعارة والسمسرة في سوق النخاسة.

كما يعرج الى صناعة الفتاوى، التي تخرج من العقول المجنونة بالشبق والمتعة الجنسية والنكاح الهمجي ، فتاوى من عقول مشبعة بالكراهية والحقد الطائفي. ان تبرز في سمومها في الحكم الديني الطائفي، لتعمق خراب الحياة، بالفتنة والشقاق والخصام. لقد اصبحت هذه الفتاوى تجارة رابحة، يتعامل بها سماسرة الدين المزيفين، الذين لهم وجه لدعارة المعاصرة. ان يدلوا بقذارتهم ونفاياتهم الكريهة، في سموم الكراهية المتعصبة والمتطرفة، في العنف الدموي والاغتصاب والفرهدة. وما هذه الفتاوى للانسان الواعي والمثقف، إلا مثار الضحك والاستهجان والسخرية، في عقول مروجيها السذج والاغبياء والجهلة.

 وكما تعرج المذكرات الى السيد الخميني ووصوله الى العراق، وسكنه في النجف والاقامة فيها. وبعد انقلاب البعث عام 1968، اصبح السيد الخميني ورقة ضغط ضد نظام شاه ايران، بالدعم الكامل. وكذلك يتطرق الى مسألة سفره الى باريس، وانتصار الثورة الايرانية، ونشوب الحرب الطاحنة، التي شنها النظام البعثي ضد ايران، والتي طالت ثماني اعوام من المطحنة الدموية المدمرة.

ان هذه المذكرات والمدونات جديرة بالقراءة، في التوثيق. وتروي عطش الباحث عن الحقيقة.

 

جمعة عبد الله

 

618 الدين والاغترابصدرَ هذا الكتابُ خريفَ هذا العام، وبعد نشره بمدة قليلة أوشك على النفاد، وقد وردتني أسئلةٌ متنوّعة من قرّاء أحترمُ تفكيرَهم، أكثرُها يطلبُ المزيدَ من البيانِ والتدليلِ على الأفكار التي يتضمنها، إذ رأى بعضُهم أن شيئًا من أفكار هذا الكتاب تارةً تلتقي مع رؤى محيي الدين بنِ عربي وميراثِ التصوف الفلسفي، لكنها سرعان ما تخرجُ من جلبابه فتنقد بعضَ مقولاته، وترفض الطريقةَ الأكبرية المنسوبةَ إليه في التصوّف عندما تصنّفها رهبنةً سافرة؛ لانشغالها بتربية السالك على: العزلة، والصمت، والجوع، والسهر. وتلتقي أفكارُه تارةً أخرى مع آراء أولئك الذين يشدّدون على أن الدينَ ليس طارئًا في حياة الإنسان، لكنها تنتقد الحضورَ الطاغي لمؤسسات الدين، وتخطي المعرفة الدينية لحدودها، ومصادرتَها للعقل والعلم والخبرة البشرية، واستحواذَها على كلّ شيء.

الفكرةُ المحوريةُ في هذا الكتاب تؤكد أن الدينَ حاجةٌ وجوديةٌ، لذلك فرض حضورَه في مراحل التاريخ المختلفة، وإن كانت درجةُ هذا الحضور ومستوياتُه متعدّدة، تبعًا لمستوى وعي الإنسان ودرجةِ تطوره الحضاري. أوحت هذه الفكرةُ للبعض بأنها تؤسّسُ لتمديدِ المساحة التي يهيمن عليها الدينُ ومؤسساتُه، واستيعابِها لكلّ شيء في حياة الفرد والجماعة. لكن أفكارَ الكتاب لا تتفق مع ذلك، لأن فصولَه كلَّها ترسم للدين مجالَه الخاص، وتعلن خارطةَ تأثيره في الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان، وتشدّد على ضرورة ألا يتخطى هذه الحدود، وتطالب بتوخي الحذر من خروجه عليها، لأن لا قيمةَ لمعرفةٍ لا يعرفُ الدينُ فيها حدودَه. الدينُ لا يمكنه أن ينجزَ مهمتَه ما لم يتموضع في مجاله الخاص، وألا يتجاوز كونَه حاجةً وجودية، فلو تخطى حدودَه، واحتكر العلمَ والمعرفةَ والإدارةَ والدولةَ، يتحول إلى أداة للهدم لا للبناء، وتصعب جدًا إعادتُه إلى مجاله الخاص.

بعضُ التساؤلات التي أثارها قرّاءٌ أذكياء، لا يقبلون هذا المفهومَ للدين، بل يصرُّ عددٌ منهم على أن الدينَ كان ومازال عاملًا أساسيًا لتنويم العقل البشري، وهو المصدرُ لمختلف أشكال التخلف في مجتمعاتنا. هذه التساؤلات فتحت لي آفاقًا لاستئناف التفكير في أفكار هذا الكتاب من منظور نقدي، فوجدتُ ضرورةً لرفد الكتاب بمزيدٍ من الشرح والتحليل وترسيخ الأدلة، ما دعاني لإعادةِ ترتيب الفصول في سياق الإضافات الجديدة، والعملِ على إعادة بناء بعض الأفكار من خلال إثرائِها ببيان أوفى، وتعزيزِ القناعات بأدلة أخرى، والعملِ على ترميم ما يظهر للقرّاء من وهنٍ وثغرات، وإيضاحِ ما كان يلوح فيها من مفارقات، وإغناءِ الكتاب بثلاثة فصول جديدة، تعالج أفكارَه من مداخل أخرى، وتكشف عن خرائط صلاتها بغيرها من الأفكار التي تتحدّث لغتَها نفسَها، ورفدِ بعض فصوله بإضافات تفصّل ما هو مجمل، وتشرح ما هو مبهم، وتفصح عن الغموض الذي رآه قرّاءٌ نابهون في بعض عباراته، وتحاول أن تكشف الالتباسَ الذي يكتنف شيئًا من مصطلحاته.

اكتشفتُ أن الطبعةَ الأولى للكتاب لم تكن وافيةً بما أرمي إليه في كتاباتي كلِّها، على الرغم من حرصي في كلِّ ما أكتبه على التفكيرِ معهم بصراحة، والابتعادِ عن الحديثِ بلغة زئبقية، أو الاختباءِ خلف الكلمات، والتعبيرِ بأسلوب يتيسر للجميع فهمُه بلا لبس أو غموض، والكتابةِ بلغة صافية، يفهم القرّاءُ الأفكارَ فيها بلا سوء فهم، مهما كانت مستوياتُهم.

في مجتمعٍ تقليدي، الخروجُ على الإجماع في الكتابةِ وجعٌ، ونشرُ الكاتبِ لهذا النوع من الكتابة أشدُّ وجعًا. النشرُ يسوقُ الكاتبَ إلى محكمة القرّاء رغمًا عنه، وهي محكمةٌ تتطلّب كثيرًا من الإثباتات والحجج الصريحة؛ كي ينجو فيها الكاتبُ من الأحكامِ العاجلة، وغيرِ العادلة أحيانًا على كتابته، عندما يكون مضمونُ هذه الكتابة من الصنف الذي يتطلب دقةً وتدبرًا في القراءة.

أحترم حكمةَ رجالِ فكرٍ يكتبون كثيرًا، لكنهم لا يجرؤون على النشر، على الرغم من أني طالعتُ نصوصًا لامعةً بأقلامهم، ووجدتُهم يجتهدون في كتابة أفكارٍ غير مكرّرة. قلتُ لصديقٍ أستاذٍ جامعي مكوّنٍ تكوينًا أكاديميًا رصينًا، يكتب بالإنجليزية والعربية، لكنه لا يجرؤ على نشر أكثر ما يكتب، هل ألّفتَ كتابًا: فقال تحت يدي ثمانيةُ مؤلفاتٍ ناجزة، غير أني ربما لن أنشرها. فأجبتُه: إن نشرَ أفكارٍ خارجَ المألوف يحتاج ضربًا من شجاعةٍ تصير حكمةُ الحكيم قربانًا لها، بل يحتاج مغامرةً متهورة.

كلّ يوم أزداد قناعةً بأن العالَم اليوم تغيّره العلومُ والمعارفُ ووسائلُ التواصل والتكنولوجيا الجديدة، وتغيّرُ الحروبُ ومباغتاتُ التاريخ غيرُ المتوقعة أقدارَهُ ومصائرَهُ وخرائطَهُ السياسيةَ. ومازلتُ على قناعة أيضًا بأن الكتاباتِ الجادّةَ والأفكارَ الجريئة والكلماتِ الحيةَ يمكن أن تسهم بإيقاظِ بعض العقول من سُباتها. وإن كانت الكتابةُ الورقيةُ بكيفياتِها المتوارثة، ووسائلِ تداولها وانتشارها، تنهزم كلَّ يوم أمام الكتابة الرقمية، وما تمتلكه الحروفُ الإلكترونية من إغواء، من خلال إيقاعِها المتسارع والمتدفق، ومن فعلٍ سحري يأسر وعيَ المتلقي من حيث لا يشعر، بكلماتِها البسيطة وعباراتِها الوجيزة الخاطفة.

وسائلُ التواصل والنشر الإلكتروني خلقتْ عالمها الخاص، عالَما يتفوّقُ في حضوره على الواقع الذي نعيش فيه. في هذا العالَم الجديد يُعادُ بناءُ صلة الإنسانِ بالإنسان، والأشياءِ، والمعرفةِ، والحقيقةِ، والذاكرةِ، والزمانِ والمكانِ، والماضي والحاضرِ والمستقبل، على نحو يتبدّل فيه تعريفُ مفاهيم ظلت راسخةً في الثقافات البشرية لزمن طويل، وتحدث ولاداتٌ جديدةٌ لمصاديق العدالة والحرية والأمن والسلام وغيرِها من القيم الكونية، فالأمنُ المعلوماتي اليوم مثلًا هو مصداقٌ جديدٌ للأمن. كذلك يتبدّل تعريفُ مفاهيم اجتماعية واقتصادية وثقافية على وفق منطق العالم الرقمي، فالملكيةُ مثلًا تنتقل من امتلاك الأشياء المادية في نمط الإنتاج الماضي إلى امتلاك الأفكار في نمط إنتاج المعرفة، ويتبدّل تعريفُ رأس المال، فينتقل من رأسِ المال المادي المتمثلِ في أصول ثابتة إلى رأسِ مالٍ معرفي يتمثل في؛ تعليم، ومعلومات، وأفكار، ومهارات، وبرامج، وابتكار، وذكاء صناعي.

إعادةُ بناء صلات الإنسان بما حوله تنتهي إلى إعادةِ إنتاج نمطِ وجودِه في العالَم. نمطُ الوجود هذا يدعونا إلى أن نعرفَ الديناميكيةَ التي يتغيّرُ على وفقها العالَمُ، وكيف أن تحولاتِ الواقع لم تعدْ محكومةً بما كنا نعرفه من معادلات وعوامل تقليدية يتغيّر العالَمُ تبعًا لها.

ويأتي هذا الكتابُ رديفًا لشقيقيه السابقين: "الدين والظمأ الأنطولوجي"، و"الدين والنزعة الإنسانية"، وهو يتوخى غايةَ الكتابين نفسَها، وما تنشده موضوعاتُهما من إعادةِ قراءة النصوص الدينية في سياق الواقع اليوم، واكتشافِ متطلبات الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للمتدين، في عالَم يتسارع إيقاعُ التحوّل فيه. اللغةُ المشتركة التي تتحدّثها هذه الثلاثية هي "لاهوت الرحمة"، من أجل تخفيفِ وطأة "لاهوت السيف" الذي اشتدت قبضتُه على ماضينا أمس، ومازالت آثارُه فاعلةً في حياتنا حتى اليوم.

لقد كانت الفروسيةُ أعظمَ القيم وأشدَّها رسوخًا في حياة الفرد والقبيلة في الجزيرة العربية. لذلك تسيّدَ منطقُ الحرب عصرَ الفتوحات بعد البعثة الشريفة، وتشبّعت به القيمُ الدينية والحياةُ الاجتماعية والثقافية، ووقع التفكيرُ الديني في الإسلام في أسره، فتغلّب "لاهوتُ السيف" على "لاهوت الرحمة"، على الرغم من الحضورِ المهيمنِ للرحمةِ الإلهية في القرآن الكريم، وضرورة اعتمادها إطارًا مرجعيًا لتفسيره، إذ نرى بوضوحٍ أن معانيَ القرآن تنشد الرحمة، لكن  أهملها معظمُ المفسّرين، فتغلّبتْ في تاريخِ الإسلام لغةُ العنف على لغةِ الرحمة، وأهدر كثيرٌ من مفسري القرآنِ والفقهاءِ كلَّ هذا الرصيدِ الدلالي المكثَّف للرحمة، وصارت فاعليةُ دلالةِ آيةِ السيف في القرآن هي الحاكمة. وآيةُ السيف هي الآية الخامسة من سورة التوبة "فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ". ومع أن كلمةَ السيف لم ترد في القرآن، لكنّ المفسّرين سمّوا هذه الآيةَ بهذا الاسم. والغريب أن أكثرَ المفسّرين المشهورين ادعى أنها ناسخةٌ لكثيرٍ من الآيات التي تدعو للسلم والعفو والصفح والغفران والرحمة.

هذا الكتابُ يهدف إلى إيقاظِ الضمير الديني وتنبيهِه الى كثافةِ حضور الرحمة في القرآن، وقوةِ دلالتها بشكل لافت، وهو ما يلتقيه القارئُ في فصله الأول، الذي جاء بعنوان: "الرحمةُ الإلهية مفتاحُ فهمِ القرآن".

 

د. عبدالجبار الرفاعي

.......................

مقدمة الطبعة الثانية لكتاب: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي". يصدر الكتاب في بيروت الأسبوع القادم.

 

611 جواد بشارةصدر للباحث العلمي العراقي المقيم في باريس د. جواد بشارة مطلع العام  2019 عن دار المناهج في الأردن عمان ، كتاب بجزئين تحت عنوان " كون مرئي وأكوان خفية  ــ  نظرات في أطروحة الأكوان المتعددة" وهو عبارة عن رحلة شيقة وممتعة بين الأكوان  ومحاولة لفهم أسرار كوننا المرئي الذي لايشكل أكثر من جسيم  أولي بسيط في هيكيلية الكون المطلق الحي ومع ذلك لا يزال غامضاً ومغلقاً أمام أعين البشر خاصة في جوانب  تتناول لغز الأصل والبداية والمصير والنهاية المطروح منذ الثورة الكوبرنيكية إلى يوم الناس هذا، إلى جانب وجود مقاربات تتعلق بالألغاز الكونية الأخرى  كمسألة خلق الكون  وهل هو مخلوق أم أزلي،  ولو كانت له بداية فهل  نشأ بفعل ولادة ذاتية  عفوية أم نتيجة عملية تصميم مسبق على يد إله متسامي، يعتبره البعض العقل الواعي  المتعالي الذي يتحكم بكل شيء في الكون؟ ولقد تطرق الكاتب  إلى مختلف النظريات الكوزمولوجية المتداولة حالياً سواء التقليدية منها أم المتمردة وغير النموذجية ومن بينها نظرية الكون البلازمي  ونظرية الكون الثابت  أو كون الحالة المستقرة ونظرية الأكوان التوائم ونظرية الميتا كون  والكون النيوترينوي ونظرية الكون الهولوغرام الخ ...  ولقد تناول المؤلف بإسهاب  حالة الإنتقال من الفيزياء الكلاسيكية إلى الفيزياء الثورية وتساءل هل العالم الذي نعيش فيها حقيقي أم افتراضي؟ وماهي الجذور الفيزيائية لفرضية التعدد الكوني الميتافيزيائية؟ والعلاقة بين الرؤية العلمية للكون والرؤية الميثولوجية والثيولوجية للكون ومحاولة الفرز بين الكون النسبي والوجود المطلق من خلال معالجة معضلة الزمن والمكان أو الفضاء والزمكان كما قدمه آينشتين في نظريته النسبية العامة  بينما عاملته فيزياء الكموم باعتباره تركيبة أو كينونة رياضياتية ، بعبارة أخرى عرض حالة الصراع بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر بين دعامتي الفيزياء المعاصرة ألا وهما النسبية العامة وميكانيك الكموم. وهل الفضاء الخارجي محدود أم لامتناهي وكيف يدرك البشر سيرورة الكون المرئي وهل بإمكانهم استيعاب أطروحة الأكوان المتوازية ونظرية العوالم المتعددة؟ ماذا يوجد وراء أفقنا الكوني وأين تختفي 95% من مكونات الكون المرئي لأننا لانعرف سوى 5% من الكون الذي نعيش فيه؟ يأخذنا الباحث في رحلة داخل الكون المرئي من الفرادة الكونية اللامتناهية في الصغر إلى الكون الماكروسكوبي  المرئي باعتباره جسيم أولي صغير ضمن نطاق الكون المطلق لمواجهة اللانهاية في ما وراء الأفق الكوني في الكون المرئي. وسعي العلماء للعثور على النظرية الموحدة الجامعة والشاملة للكون المرئي ، أو نظرية كل شيء ، أي محاولة معرفة الواحد والمتعدد . وماذا لو كان الكون المرئي مجرد معلومة حاسوبية؟ أوبرنامج حاسوبي تتلاعب به كائنات عليا متفوقة تعيش في أكوان متطورة ، أي أننا جزء من مكونات مصفوفة عملاقة  ــ ماتريكس ــ ؟ ويكرس الباحث فصلاً كاملاً لمعرفة هل الوجود الكوني واقع أم خيال ، وهل هناك كون واحد أم عدد لانهائي من الأكوان، وماهو سر الحياة في الكون ؟ وماهي حقيقة الثقوب السوداء، هل هي حقيقة فيزيائية أم وهم افتراضي؟ وأخيراً يبقى الكون المرئي صامد أمام ألغازه. فما يزال الكون المرئي متخماً بالألغاز والغموض على الرغم من التقدم العلمي والتكنولوجي في مجال الرصد والمشاهدة والتلسكوبات المتطورة والمسابير التي تجول في أنحاء الفضاء الرحبة واكتشاف القوانين العلمية الجوهرية التي تسير الكون المرئي وتتيح لنا إمكانية فهمه وسبر أغواره وكشف أسراره. فالأسرار الكونية مستمرة في استفزاز أرقى العقول العلمية التي تبحث في المادة والطاقة،،والمكان والزمان،والأصل والمصير، فهل هذا الكون وحيد لا يوجد غيره في الوجود؟ وهل نحن وحيدون فيه كنوع عاقل وذكي حي؟ هل هناك فعلاً فرادة كونية نجم عنها حدث الانفجار العظيم البغ بانغ؟ وهل هناك شيء ما قبله؟ ما هو سر الزمن؟ هذه وغيرها من التساؤلات الكثيرة التي تعرض لها الكاتب في مؤلفات سابقة له  ويحاول أن يستكمل البحث فيها في هذا الكتاب الجديد.

في هذا الكون المرئي الذي نعيش فيها وندرسه الآن، هناك أجرام وأجسام مختلفة ومتنوعة تحمل أسماءً لم تألفها أسماعنا من قبيل: الكوازارات، والبوليسارات، والثقوب السوداء، والثقوب البيضاء، والثقوب الدودية، والمسعارات الكبيرة، والمسعارات الهائلة، السوبر نوفا والهيبر نوفا، والنجوم الحمراء والبنية والبيضاء والصفراء، أو الأقزام البنية والحمراء والبيضاء، والأغبرة والغازات النجمية وما بين النجمية، والمجرات والحشود المجرية، والنجوم والكواكب والأقمار، والنيازك والمذنبات، المحتويات ومضاداتها، الفرادة والتعددية،

فالنجوم ككل شيء في الكون المرئي، تولد وتنمو وتموت، وهذا أمر بات في حكم المؤكد اليوم. وتمر بمراحل من التشكل والولادة والتطور وأخيراً الاختفاء لكنها ليست النهاية في واقع الأمر بل بداية لحياة جديدة وولادة جديدة لنجوم جديدة وملحقاتها من كواكب وأقمار وحياة وحضارات

كان الفضاء الخارجي والكون المرئي ومحتوياته المنظورة والمرصودة هو الذي يشغل عالم ما فوق الذرة أي عالم اللامتناهي في الكبر، الذي تعاملت معه من كافة جوانبه، نظرية النسبية لآينشتين، ولكن عندما نقول اللامتناهي في الصغر فهذا يعني أننا ملزمون بالحديث أولاً عن العلم الذي يتعامل مع هذا المفهوم، وهو فيزياء الكوانتوم أو ميكانيكا الكموم، وهناك قلة من العلماء من تفهموا في بدايات القرن الماضي أسرار هذا العلم وما يترتب عليها من تغيرات في الرؤية العلمية للكون والمادة والطاقة وإعادة النظر في المسلمات العلمية السائدة.

لغز الأصل والبداية

هذا هو واقع الحال العلمي اليوم الذي يروي لنا حكاية صدور وظهور أو ولادة كوننا المرئي. فمسألة كيف نشأ الكون ومتى ولماذا وأين كانت وستبقى من أكثر الألغاز الكونية غموضاً وسحراً وجاذبية ولم يظهر حتى يومنا هذا تفسير علمي كامل وشافي عدا نظرية الانفجار العظيم أو الكبير البغ بانغ الذي لا يعرف أحد كيف حدث ولماذا وما هي حقيقته وماهيته وماذا كان يوجد قبله وكل ما نعرفه عنه بفضل نسبية آينشتين وفيزياء الجسيمات الأولية أو ميكانيك الكوانتوم أو الكموم هو أن المكان والزمان والمادة كما نعرفها بدءوا مع هذا الحدث الكوني الفريد من نوعه بالنسبة لنا نحن البشر.

فآخر الدراسات العلمية حول النماذج الكونية الممكنة، والتوسع والتمدد الكونيين، والتضخم الكوني الكبير،والموجات الثقالية، والخلفية الإشعاعية الأحفورية المنتشرة، وبوزونات هيغز،، والتعدد الكوني، كلها جاءت لتؤكد صحة ومصداقية وصلاحية هذه الفرضية أي نظرية الانفجار العظيم. وبالتالي هناك تنويعات وفرضيات أخرى تستحق التمعن فيها ودراستها بعمق خاصة فيما يتعلق بمسألة الأصل والبداية، مثل نظرية الأوتار الفائقة المتعددة الأبعاد، والإمكانية الكامنة بوجود عدة عوالم وعدة أكوان، وفرضية الأكوان المتوازية، والتي تتحدث عن عدد لانهائي من الأكوان المستقلة عن بعضها البعض، داخل تكوين لامتناهي الأبعاد، أبدي وأزلي وسرمدي، ليس له بداية ولا نهاية ممكنة و لا حدود، حي ومطلق، دائم الخلق والتطور الذاتي الداخلي،وكل واحد من مكوناته أو محتوياته من الأكوان المنفردة فيه، له خصوصياته وميزاته وقوانينه الفيزيائية الجوهرية، وثوابته الرياضياتية، وفي هذا الأفق فإن كوننا المرئي لا يمثل سوى جسيم أولي صغير أو لامتناهي في الصغر كحبة رمل في صحاري وشواطئ كواكب الكون المرئي برمتها، من بين مليارات المليارات المليارات المليارات من الأكوان، حيث لكل واحد منها زمنه الخاص كما لكوننا المرئي زمنه الخاص الذي بدأ افتراضياً مع حدث الانفجار العظيم كفرادة كونية قد تكون قد تكررت إلى ما لانهاية مع الأكوان الأخرى، قبل وبعد فرادتنا الكونية التي أوجدت كوننا المرئي.

وفي كوننا المرئي أو المنظور والقابل للرصد، توجد ملايين المليارات من المجرات التي يفترض أنها لها نظيرها أو أمثالها في الأكوان الأخرى الموازية أو المجاورة أو المتداخلة مع كوننا المرئي، وفي كل مجرة، مثل مجرتنا درب التبانة أو الطريق اللبني، توجد مئات المليارات من النجوم على غرار نجمنا المسمى الشمس وهو من النوع المتوسط وهناك ما هو أصغر منه أو أكبر بكثير، وفي المساحات والفضاءات الكائنة بينها في مسافات لا يتصورها العقل البشري توجد غازات وأغبرة كونية تتماسك فيما بينها بفعل الجاذبية الكونية أو الثقالة. وهناك عدد كبير وتنوع مثير من المجرات حسب شكلها وحجمها. فهناك المجرات الحلزونية أو اللولبية spirales، وهي الأكثر عدداً وتحتوي على كم هائل من الغازات وقرص مركزي شديد الكثافة وهي تدور حول نفسها حيث توجد نجوم شابة أو قيد الولادة إلى جانب نجوم شائخة أو على وشك الموت والانقراض. وهناك المجرات بيضاوية الشكل أو الإهليجية elliptiquesوأغلب نجومها هي من النجوم العجوزة وتحتوي على كميات أقل من الغازات الكونية والأغبرة الكونية، وهناك المجرات غير المنتظمة irrégulières وذات الأحجام العادية المتواضعة مقارنة بالمجرات الأخرى إلا أنها غنية بالنجوم الفتية أو حديثة الولادة. والحال إن مجرتنا درب التبانة أو الطريق اللبني هي من النوع الحلزوني وتضم داخلها أكثر من 200 مليار نجم ويفترض أن لكثير من هذه النجوم نظام شمسي على غرار نظامنا الشمسي الذي يحتوي على عدد من الكواكب الصخرية أو الغازية متفاوتة الأحجام والأعمار وتقع على امتداد 100000 سنة ضوئية وإن ما هو منظور منها يتحدد بــ 1000 إلى 3000 سنة ضوئية القابلة للرصد والمشاهدة بالتلسكوبات الحديثة المتطورة، والسنة الضوئية هي ما يقطعه الضوء بسرعة 300000 كلم/ثانية لمدة سنة من سنواتنا الأرضية.ويقع نظامنا الشمسي في أحد الأذرع الجانبية على أطراف المجرة أو ضواحيها، ويعتقد علماء الفلك والفيزياء الفلكية أن تصادم المجرات هي ظواهر أساسية وحتمية لظهور الحياة لأن التصادم الكوني الجبار فيما بينها يولد نجوم من نوع خاص خصبة من ميزاتها توليد كميات مهولة من الأوكسجين الضروري للحياة البشرية.

داخل كل مجرة هناك ما يعرف بالنظام الشمسي على غرار نظامنا، وهي منتشرة في كل أركان الكون المرئي أو المنظور والمرصود، حيث تتواجد المادة والغازات المتفاعلة، وفي بعض المناطق من المجرة تتركز المادة وتتصادم وتتفاعل لتشكل نوعاً من السدم أو الغماماتnébuleuses، بفعل تواجد الأغبرة والغيوم والغازات ما بين النجمية. وحسب آخر الحسابات الفلكية والكوسمولوجية، فإن نظامنا الشمسي ولد قبل 4.5 مليار سنة من إحدى تلك السدم البدائية بفعل تفاعلات نجمت ربما بتأثير إحدى إنفجارات المسعار الكبير السوبرنوفا حيث انهارت إحدى السدم على نفسها لتشكل قرصاً مركزياً يدور حول نفسه في تسارع مستمر أكثر فأكثر وفي قلبه تكون الحرارة وشدة الضغط والكثافة هائلة إلى درجة أدت إلى تشكيل نجمنا المسمى الشمس. وأثناء تشكلها لم تستهلك شمسنا كل المادة الأساسية التي تضمها فالمادة المتبقية خضعت للحقل الثقالي الشمسي ودخلت فيما بينها في تصادمات جبارة أدت إلى تشكل كويكبات تضخمت تدريجياً مع الوقت لتصبح كواكب هي التي نشاهدها في نظامنا الشمسي الذي نعرفه اليوم مع ملحقاتها من الأقمار، فبعضها صخري telluriques، كعطارد وفينوس أو الزهرة والأرض والمريخ، والبعض الآخر غازية، كالمشتري وزحل وأورانوس ونبتون وبلوتون، وهناك بين المريخ والمشتري حزام من الكويكبات التي تشكل الحد الفاصل بين الكواكب الصخرية والكواكب الغازية، وفيما وراء بلوتون هناك حزام آخر من الكويكبات الذي يشكل الحد الفاصل بين نظامنا الشمسي وما يأتي بعده، علماً بأن علماء الفلك والكونيات نزعوا صفة الكوكب من بلوتون واعتبروه كويكب لصغر حجمه فيما اعتبره آخرون كوكباً بمعنى الكلمة.

هل وجد الكون بفعل ولادة ذاتية عفوية

أم بعملية خلق إلهية، أي هل هو مخلوق أم أزلي؟

الاكتشافات الكوسمولوجية الكونية الحديثة والأجهزة المتطورة والتقدم التكنولوجي الهائل سمح للعلماء بالذهاب أبعد فأبعد في رحلة الزمن والغوص في الماضي السحيق إلى مايقارب بضعة أجزاء من مليارا المليار المليار من الثانية بعد حدوث الانفجار العظيم واللحظات الأولى في حياة الكون المرئي.

واليوم يتوجه تياران علميان بخصوص أصل المادة. فبعض الباحثين والعلماء يعتقدون أن ولادة الكون هي ثمرة لخلق ذاتي عفوي، في حين يعتقد البعض الآخر أن الولادة الكونية قد تم تنظيمها من قبل قوة مهيمنة عليا متفوقة وبارزة هي التي تتحكم بكل شيء وتنظم كل شيء، من اللامتناهي في الصغر إلى اللامتناهي في الكبر.فمنذ بضعة عقود تقدمت الأبحاث والتجارب العلمية في مجال علم الفلك والفيزياء الفلكية والفيزياء النظرية وبخطوات عملاقة حققت إنجازات ونتائج باهرة. فالأجيال الجديدة من المراصد والتلسكوبات الأرضية والفضائية ومركبات التقصي الفضائية والمسبارات المتقنة والمتطورة أكثر فأكثر والتي أرسلت إلى الفضاء الخارجي، أتاحت للعلماء اليوم فرصة دراسة الكون المرئي على نحو أكثر دقة. وكان أحد أهم أهداف العلماء هو اختراق الزمن والعودة إلى الماضي السحيق للكون المرئي بغية الاقتراب أكثر ما يمكن من لحظة الانفجار العظيم البغ بانغ الذي يفترض أنه كان وراء ولادة الكون المنظور الذي نعرفه وندرسه ونعيش فيه. فبدراسة وتحليل مكون الكون البدائية الأولية في الدقائق الأولى لنشأة الكون، سيكون بوسع الخبراء والمختصين فهم الآليات الخارقة والميكانيكيات المذهلة الفاعلة التي قادت إلى هذه الولادة السماوية الغامضة جداً واللغزية دوماً. ومهما كان الأمر فإن المعطيات الأخيرة التي أخضعت للدرس والتحليل والحسابات الرياضية من قبل علماء الفيزياء والرياضيات وعلماء الفلك تلمح إلى أن القوى المهولة التي تحررت وانطلقت مباشرة بعد الانفجار العظيم كانت تخضع لقوانين فيزيائية غاية في الدقة والانضباط. ففي الثواني الأولى يبدو أن كل شيء كان معداً ومفكراً به ومحسوباً بدقة متناهية ومنظماً على نحو يتخطى القدرة البشرية. ولو كان هناك أي تعديل، مهما قل شأنه وصغرت قيمته، واختلف مع القوانين المحركة للكون في بداياته الأولى والمكتشفة علمياً، لكان من المستحيل أن تتشكل النجوم والكواكب والأنظمة الشمسية ولجعل من الخيالي التفكير بظهور الحياة التي نعرفها. وإزاء هذه الحقيقة والتشخيص، رأى عدد من العلماء في ولادة الكون على هذا النحو علامة على وجود مبدأ خالق وراء الفعل الولادي. فحسب أقوال هؤلاء العلماء، فإن هذا الضبط الفائق التصور للإعدادات والعوامل الفيزيائية اللازمة لحظة حدوث الانفجار العظيم، لا يمكن أن يكون ثمرة للصدفة، بل لا بد من وجود قوة عظمى ما وراء ذلك هي المسؤولة عن هذه النشأة ولم يتردد البعض في تسميتها بأنها الله. فهو خالق أو مهندس أو عالم رياضيات خارق كلي العلم هو الذي أعد وضبط كل هذا العدد من الثوابت الرياضية والفيزيائية والمعادلات الحسابية السماوية أو الكونية التي تتصف بالدهاء والنقاوة والتي من شأنها جعل الكون المرئي قابلاً للتطور إلى الوضع الذي هو عليه الآن والذي نعرفه علمياً اليوم أي من نقطة البداية البدائية إلى ما يقرب الكمال. ومن الملفت للانتباه أن عدد من العلماء ممن درسوا الانفجار العظيم وتعمقوا فيه ينتمون لهذه المدرسة الفكرية، بدءاً من بو ديفيز ومروراً  بمكتشفي الإشعاع الحراري الكوسمولوجي عالم الفيزياء آرنو آلان بنزياسArno Allan Penzias المولود سنة 1933 والذي حاز مع زميله العالم روبرت وودرو ويلسون Robert Woodrow Wilson على جائزة نوبل للفيزياء سنة 1978 على اكتشافهما للأشعة الخلفية الأحفورية الكونية المنتشرة التي أحدثت ثورة في مجال البحث العلمي في الفيزياء المعاصرة خاصة حول الانفجار العظيم ودوره وآثاره، حيث إن هذه الأشعة الأحفورية الغارقة في القدم تعطي فكرة واضحة عن الكون كما كان عليه حاله بزمن قصير جداً بعد انبثاقه عقب الانفجار العظيم أي حوالي 380000 سنة بعد البغ بانغ، والحال إن هذه الأشعة الأحفورية الكونية الخلفية المنتشرة تظهر تنوعاً طفيفاً في درجة الحرارة والكثافة حسب الاتجاه مما يتيح لنا الحصول على كم هائل من المعلومات عن الكون الفتي وعن محتوياته السابقة واللاحقة والحالية. ولم يخف بنزياس رؤيته الكوسمولوجية التي تستند على فكرة وجود مبدأ خالق يتجاوز مداركنا. فعلم الفلك يقودنا إلى حدث خارق فريد من نوعه وهو كون خلق من لاشيء، وهو كون يتميز بتوازن مذهل ومثالي تام في قوانينه الفيزيائية التي تقود حتماً إلى ظهور الحياة تعبيراً عن إرادة خفية ضمنية وكامنة أو خارقة للطبيعة على حد تعبيره.

انفجار عظيم ينطوي على مفاهيم صوفية غامضة

منذ القرن السابع عشر ومحاكمة غاليلوغاليله من قبل محاكم التفتيش سيئة الصيت التابعة للكنيسة الكاثوليكية، اشتدت المعركة بين، الرؤية العلمية البراغماتية العقلانية المادية، والرؤية الدينية الغيبية الخرافية، بشأن ولادة الكون وأصله ونشأته وتطوره. حتى إن بعض العلماء وجد في حدث الانفجار العظيم آثراً أو علامة على وجود خالق قدير وضعت له عدة أسماء ومواصفات. فعالم كونيات مثل جورج إليسGeorge Ellis، حاصل على جائزة تمبلتون سنة 2004، يعتقد أن مثل هذا الضبط الدقيقة للغاية لقوانين الكون المرئي يشبه الإعجاز ويقول بهذا الصدد:" إن حالة نظام وضبط مذهلة نجمت أو نتجت في قوانين الكون المرئي، جعلت ظهور الحياة ممكناً. وبعد أن تحقق ذلك بات من الصعب عدم استخدام مفردة المعجزة دون أخذ موقف بشأن الوضع الأنطولوجي الوجودي للعالم". وهناك بالطبع عالم الفيزياء الأمريكي الشهير جورج سموت George Smoot، المختص بالكونيات والفيزياء الفلكية، والحائز على جائزة نوبل للفيزياء سنة 2006 (مشاركة مع العالم جون ماذرJohn c. Mather )، لاكتشافهما طبيعة الجسم الأسود و التباينanisotoropie في الخلفية الإشعاعية الكونية الأحفورية المنتشرة. وكان هو الذي نطق بهذه العبارة الشهيرة " كأنني أرى وجه الله " التي أحدثت ضجة في الأوساط العلمية، والتي نطق بها سنة 1992 بعد أن شاهد أقدم وأكبر بنية للكون البدائي بعد مرور 380000 سنة على الانفجار العظيم البغ بانغ:"إن ما هو معروض أمامنا هو البذور الأولية للبنى الكونية الحالية والتي نعرفها كالمجرات وحشود المجرات. إنها الطيات في نسيج الزمكان الباقية منذ فترة الخلق. فبالنسبة للذهنية الدينية فإن الأمر هو كما لو إنها ترى وجه الله". أما الصيغة المعاصرة لمثل هذا الموقف والمفهوم الكوسمولوجي فلم يتوقف الأخوة بوغدانوف عن ترديده في كتبهما وتكراره بالتفصيل لإبراز فكرة بأن مجمل القوانين الفيزيائية التي تدير الكون المرئي وتسيره بما فيها الحياة والطبيعة قد تمت على يد خالق مجهول الهوية. وفي كتابهما "الله والعلم" الذي ألفاه بالاشتراك مع الفيلسوف الفرنسي جون غويتونjean Guitton، أكدا بأن من الممكن تناول الكون والتعاطي معه باعتباره بمثابة رسالة معبرة في شفرة مرمزة سرية، نوع من الكتابة الهيروغليفية الكونية التي بدأنا بالكاد بفك رموزها" إن هذه الشفرة الرياضياتية التي صاغها عقل رياضي ومهندس مجهول مدونة في نسيج أو لحمة الكون الأولي أو البدائي، كما يقول الأخوة بوغدانوف ويواصلان القول بأن مصير الكون في مليارات المليارات من السنين القادمة يبدو أنه مسجل على نحو مشفر مسبقاً في الإشعاعات الأولى الأصلية. إن هذه الرؤية في الحتمية الكونية الصلبة، طورها العالمان الأخوة بوغدانوف في كتبهما اللاحقة. ففي كتاب "وجه الله"تتلخص فرضيتهما بأنه في اللحظة صفر من الانفجار العظيم، فإن كل المعلومات اللازمة والضرورية لولادة الكون وتطوره كانت موجودة ومسجلة على شكل معلومات رقمية، غمامة من الأرقام والأعداد الرياضياتية دبت فيها الحياة فجأة مع الطاقة الهائلة المتولدة إثر ذلك من جراء الانفجار الأولي البدئي. كما هو الحال مع الشفرة الوراثية عند الكائن البشري والتي تمنحه الميول الدقيقة والصفات والملامح الوراثية منذ الولادة، وبالتالي يفترض الأخوة بوغدانوف وجود كود أو شفرة كونية مماثلة أولية تختزن وتضم كافة القوانين الفيزيائية التي ينبني عليها الواقع على غرار المعلومات الرقمية المحفورة على قرص حاسوبي والذي لا يخرج للحياة والفعل على شكل موسيقى وصور وأفلام ومشاهد، إلا بعد إدخاله في جهاز قراءة الأقراص أو الحاسوب وتتحول المحتويات الموسيقية والفيلمية المشفرة على شكل رموز إلى واقع مسموع ومرئي وما أن ننتهي من هذه العملية يخرج القرص من بيته ويترك عالم الأصوات والصور والطاقة ليعود إلى العالم الرقمي حيث المعلومات تظل مخزونة ومحفورة فيه. بعبارة أخرى يمكن أن نطرح على أنفسنا السؤال : ماذا كان يوجد قبل حدث الانفجار العظيم؟ وهو يعادل سؤال ماذا كان يوجد في القرص الرقمي الحاسوبي قبل وضعه في الجهاز وتفعيله بواسطة الطاقة الكهربائية؟ على افتراض أننا نجهل ما يوجد في القرص من محتويات مشفرة رقمية سابقة. فالمحتويات موجودة لكنها على شكل شفرة ومعلومة رقمية.

الخلق الذاتي العفوي للكون المرئي:

بالرغم من التعقيد المذهل للكون عند لحظة طفولته المتلعثمة الأولى، فإن هناك عدد كبير من العلماء من يدافعون عن فرضية أخرى مغايرة ومناقضة تماماً لفرضية الخلق الرباني، وهي فرضية لا تسمح بتدخل خارجي خارق من قبل كينونة فائقة متعالية.فبالنسبة لهذه المدرسة من التفكير العلمي المحض، فإن ولادة الكون المرئي هو حدث طبيعي تماماً ومستقل، أي حدث ذاتي عفوي. فمنذ أجزاء الثانية الأولى للانفجار العظيم كانت دفقات البلازما الساخنة الأولى للكون الوليد قد شكلت نوى ذرات الهيدروجين، ومن ثم أعقب ذلك حدوث تفاعلات نووية متعاقبة بسرعة مهولة إعجازية. فخلقت كافة العناصر الأولية الجوهرية في بضعة دقائق. وبعد مرور 380000 سنة انبثقت أولى الذرات المادية المعروفة اليوم، وهذا الحدث من الضخامة والفرادة، فهو يتجاوز حدود إدراكنا واستيعابنا وفهمنا البشري البدائي فهل يتطلب ذلك أن نرى ضرورة وجود مبدأ أعلى أو كينونة خارقة وخالقة؟كلا بالطبع، هكذا يجيب العلماء المدافعين عن الفرضية المضادة لفرضية الخلق الرباني.

تزعم العالم البريطاني الفذ ستيفن هوكينغStephen Hawking، تيار دعاة الخلق الذاتي العفوي للكون المرئي، وأعرب عن ذلك بصراحة في كتابه "التصميم العظيم، هل هناك مهندس كبير في الكون؟" Y a-t-il un grand architecte dans l’Univers ?، وأكد في كتابه المهم هذا أن الكون ليس بحاجة لأية مساعدة خارجية ولا لأي تدخل إلهي ليولد ويتطور. ويستند بذلك على مبدأ الحتمية الكونية، déterminisme cosmique، بفعل قانون الثقالة أو الجاذبية الكونية الشامل، يمكن للكون المرئي أن يلد نفسه بنفسه انطلاقا من لا شيء، أي عملية الخلق الذاتي العفوي. وتعزى هذه الفكرة بالأساس للعالم الفرنسي لابلاس Laplace 1749-1827، صاحب مبدأ الحتمية الكونية. وكان قد صاغ كتاباً مهماً عن قصة الكون لنابليون، وسأله الامبراطور الفرنسي بعد أن أشاد بأهمية المؤلف وكتابه:"لكنني لم أجد الله في كتابك هذا" فرد عليه لابلاس "يا سيدي الله مجرد فرضية لا حاجة بي إليها في رؤيتي للكون وقصته وتاريخه وتطوره". فلو عرفنا حالة الكون في أية لحظة معينة في الحاضر، عندها سيكون كلاً من مستقبله وماضيه حتميين علمياً ومقررين بفعل القوانين الفيزيائية. وهذا الأمر يستبعد أية إمكانية لحدوث معجزة أو تدخل إلهي. ويجدر بنا القول إن هذا الرأي يمثل جوهر وأساس نمط ومنطق التفكير العلمي في كافة العلوم الحديثة والمعاصرة وأحد أهم الأسس والغايات التي ينطوي عليها كتاب ستيفن هوكينغ. فأي قانون علمي لن يكون قانوناً و لا علمياً إذا كان مرهوناً بإرادة وتدخل إلهي وتنزع عنه هذه الصفة بغياب العلة الأولية. ولكن كيف يفسر ستيفن هوكينغ دقة وتنظيم القوانين الفيزيائية الموجودة منذ اللحظات الأولى لولادة الكون المرئي؟ يجيب ستيفن هوكينغ على ذلك ببساطة هي أن كوننا المرئي ليس سوى واحد من بين عدد لا نهائي من الأكوان. فقبوله ودعمه لفرضية تعدد العوالم أو نظرية الأكوان المتعددة ـ عدد لا متناهي من الأكوان المتوازية والمتداخلة التي يوجد لكل واحد منها قوانينه الفيزيائية الخاصة عندها لا يمكن طرح مشكلة الاحتمالية والصدفة. وعند ذلك لا يجب اعتبار الانفجار العظيم كحدث كوني فريد من نوعه ووحيد أنجب كوناً مثالياً وحيداً، وإنما كحدث عادي مبتذل يحدث في كل لحظة مثله بأعداد لا متناهية في كل مكان وزمان،وبالنسبة لكوننا المرئي فإن حدث الانفجار العظيم ليس سوى حدث كوانتي أو كمومي événement quantique عفوي استنفذ كافة السيناريوهات الممكنة عند ولادته ليقع على السيناريو الذي نعرفه بقوانين الفيزيائية الجوهرية الملائمة له. وعن الانفجار العظيم قد تنبث أكوان لا تعيش أو تستمر وتنهار في الثواني الأولى من ولادتها وبعضها يستمر بضعة دقائق فيما يتطور البعض الآخر من العوالم على مدى بضعة مليارات من السنين، وهناك من بين هذه الأكوان المحظوظة، ككوننا المرئي، من له قوانين تسيره وتمده بالحياة تشبه أو تختلف عن قوانين كوننا المرئي، لذلك فإن أنواع الحياة في الأكوان الأخرى قد تكون مشابهة للحياة في كوننا أو مغايرة ومختلفة عنها تماماً، لا تستند على عنصر الكاربون والبروتين والأوكسجين وغير ذلك. لذلك فإن ظهور عالمنا أو كوننا المرئي ليس حالة شاذة فريدة من نوعها ووحيدة، بل صاحبته حالات لا تعد ولا تحصى، وكم لا نهائي من الاحتمالات ليس كوننا المرئي سوى واحدة منها أي إن الأمر بمثابة لعبة اللوتو أو اليانصيب الكونية.

وهكذا فإن نظرية تعدد الأكوان multivers اعتبرها الباحثون المعاصرون، لا سيما جيل الشباب منهم، في النصف الثاني من القرن العشرين والعقدين الأولين من القران الواحد والعشرين، التفسير المنطقي المقبول والوثيق الصلة بولادة كوننا المرئي. ولقد وضح ذلك ستيفن هوكينغ في كتابه التصميم العظيم في فصل حمل عنوان النظرية أم M-Théorie، والتي عرفت إعلامياً بنظرية كل شيء Théorie du Tout، وهناك الكثير من المرشحين المدعين حمل لواء نظرية كل شيء أو النظرية القصوى التي تجمع بين نسبية آينشتين وميكانيك الكموم أو الكوانتوم. ومن شأنها أن تقدم الأجوبة على كافة التساؤلات المهمة والجوهرية لا سيما سؤال الأصل وعملية الخلق والولادة لكوننا المرئي. فبالنسبة لهذه النظرية فإن كوننا المرئي، ليس فقط كونه ليس وحيداً فحسب، بل إن كثير من الأكوان الأخرى غيره انبثقت من لاشيء، وهو ليس اللاشيء الذي نعرفه نحن البشر العاديين، وإنما هو مفهوم آخر تطرق له المؤلف في كتابه بالتفصيل. أي أنها ظهرت من دون تدخل من قبل كائن علوي خارق، أو إله ديني غامض.

إن هذه الأكوان المتعددة تستمد وجودها على نحو طبيعي من القوانين الفيزيائية وتمثل توقعات علمية. فلكل كون منها عدة قصص وتواريخ ممكنة ويمكن أن يحتل عدداً من الحالات المتنوعة بعد مدة طويلة من ولادته، وحتى إلى يومنا هذا. والحال أن الكثير من تلك الحالات لا تشبه في شيء الكون الذي نعرفه ونعيش فيه اليوم وهي حالات قد لا تحتوي على حياة في داخلها أو على حياة من نوع مختلف عن الحياة التي نعرفها. البعض من هذه الأكوان يتيح إمكانية ظهور حياة عاقلة فيه قد تكون شبيهة بحياتنا وظهور كائنات تشبهنا. وفي نطاق هذه الأكوان العديدة، فقط نختار ما هو ملائم ومتوافق مع وجودنا. ورغم ضآلتنا وتفاهتنا بالنسبة لعظمة كوننا المرئي أصبحنا في عداد أسياد عملية الخلق. هناك بالطبع كائنات متنوعة ومختلفة ومتباينة في درجة تطورها زمنياً وتكنولوجياً يزدحم بها كوننا المرئي في كافة المجرات التي يصل عددها إلى مئات المليارات، وداخل مجرتنا درب التبانة التي تضم00 2 مليار مجرة على أقل تقدير،وفي كل نجم تقريباً هنا نظام شمسي وكواكب تدور حول النجم وأقمار ملحقة بالكواكب على غرار نظامنا الشمس الذي يحتضن حضارتنا البشرية. حاول علماء الفلك والفيزياء الفلكية تقديم بعض الإجابات الأنيقة ثقافياً وفكرياً لمسألة بداية الزمن الحساسة، التي قد تعني أو تنطوي على مفهوم عملية الخلق الأولي الأصلي.

يرتأى العالم ستيفن هوكينغ أن نعيد النظر في مفهومنا للزمن للإجابة على هذا التساؤل على حافة أو حدود العلم والفلسفة والميتافيزيقيا. ويلجأ في ذلك إلى الميكانيك الكمومي أو الكوانتي. فكما إن النسبية وحدت بين المكان والزمان، في كينونة واحدة أسمتها الزمكان espace-temps، ما يزال الزمان يتصرف بمعزل عن المكان ويتميز عنه بالنسبة لنا نحن البشر، فإما أن يكون له بداية أو هو موجود منذ الأزل دائماً. ولكن ما أن ندخل التأثيرات الكمومية أو الكوانتية في النظرية النسبية، ففي بعض الأحيان الحرجة أو الشاذة، يكون الإلتواء والتحدب أو الإنحناء من الحدة بمكان يجعل الزمان يتصرف كأنه بعد مكاني إضافي رابع للأبعاد المكانية الثلاثة المعروفة. ففي الكون المرئي البدائي بكثافته الهائلة حيث كان يدار في آن واحد من قبل قوانين النسبية العامة والكوانتوم أو الفيزياء الكمومية التي كانت تتعايش جنباً إلى جنب حيث كان يوجد أربعة أبعاد للمكان ولا يوجد الزمن الذي نعرفه الآن. وهذا يعني أننا إذا تحدثنا عن "البداية" للكون المرئي فنحن نقوم بتمليص وتفليس مشكلة عويصة ودقيقة. فمفهومنا وفهمنا للزمان والمكان، كما هما الآن، لا ينطبق على الحالة البدائية الأولى للكون لأن الزمن الذي نعرفه اليوم لم يكن موجوداً على هيئته الحالية آنذاك. وقد يفلت ذلك عن مستوى فهمنا وإدراكنا المألوف لكنه لا يجب أن يغيب عن مخيلتنا ولا عن رياضياتنا. وفي كل الأحوال، لو تصرفت الأبعاد الأربعة في ذلك الكون المرئي الوليد باعتبارها أبعاد مكانية فماذا سيكون الأمر بالنسبة لبداية الزمن؟ يقول ستيفن هوكينغ أننا لو جمعنا بين النسبية العامة وفيزياء الكموم أو الكوانتوم فإن مسألة ماذا كان يوجد قبل بداية الكون سيكون لا معنى لها أو تفقد معناه كلياً. فلو فهمنا وأدركنا أن الزمن يتصرف كمكان فسوف يتيح لنا ذلك أن نقترح رؤية بديلة حيث سيزيح ذلك أي اعتراض أشيب بخصوص بداية الكون المرئي وبداية الزمان، والاعتماد كلياً على قوانين الفيزياء دون اللجوء إلى أية قوة إلهية غيبية. فالكون البدئي خضع لعدة احتمالات من التطور والتوسع والتمدد على عكس ما نتصوره ونعتقده ولم يقم باختيار وحيد أدى إلى إيجاد الكون الذي نعرفه اليوم، بل إن الكون البدائي جرب، حسب ستيفن هوكينغ، عدة سيناريوهات وسلك عدة طرق مختلفة بعضها توقف فجأة واختفى في العدم والآخر ثابر قليلاً ثم انهار والبعض الثالث استمر متخذاً عدة أشكال فيزيائية ليس كوننا المرئي الحالي سوى واحداً منها. بينما يعتقد الأخوة بوغدانوف أن هناك زمن ما قبل الانفجار العظيم سمياه بالزمن المركب والزمن الخيالي ويحسب بأعداد مركبة وخيالية وليس الأعداد والأرقام التي نعرفها.أما زمن كوننا المرئي فهو نسبي، بدأ مع لحظة الانفجار العظيم وهناك زمن مطلق هو زمن الكون المطلق الذي يضم العدد اللانهائي من الأكوان والذي لا بداية له ولا نهاية فهو أزلي أبدي سرمدي وهو الوجود ذاته ولا شيء موجود سواه.

إذن فالفرضية التي بوسعها أن تخرجنا من المأزق وتحل كافة التناقضات البادية ظاهرياً ومعضلة الجمع بين النسبية والكمومية وغيرها من الألغاز والمعضلات والأسرار الغامضة، والحل الذي يمكن أن يوفق بين المدرستين، مدرسة الخلق الذاتي والخلق الرباني،هي اعتبار أن الكون المرئي مجرد جسيم أولى على غرار جسيمات المادة الأولية في كوننا المرئي نفسه، ضمن عدد لانهائي من الجسيمات – الأكوان المكونة بدورها لمحتويات الكون المطلق الحي الدائم التطور وإعادة البناء إلى الأبد مثل الجسم البشري الذي فيه خلايا ومحتويات تتجدد كلما شاخ جزء منها ليعوض بخلايا جديدة فالأكوان الجسيمات تتفاعل فيما بينها لتنتج أكواناً جديدة باستمرار بطرق مختلف منها الانفجار العظيم الذي ولد كوننا وبالتأكيد هناك عدد لانهائي من الانفجارات العظيمة التي أدت إلى انبثاق أكوان جديدة لكل واحد منها ميزاته وخصائصه وقوانينه، ومثلما يحصل عند موت النجوم ومن جثثها تولد نجوم جديدة كما يحدث في كوننا المرئي فهي عملية مستمرة، وفي هذه الحالة يتم الاستعاضة عن الله الذي قدمته الأديان على نحو مشوه وقاصر وخرافي، بكون مطلق أو وجود مطلق لانهائي أبدي وأزلي وسرمدي لم يخلقه أحد وهو في حالة تطور ذاتي لمكوناته من الأكوان الجسيمات الأولية التي لها عمر محدد أي ولادة وتطور وشيخوخة وموت وولادة ثانية كما هو الحال في محتويات كل كون على حدة مثل كوننا المرئي وفي هذا الوجود المطلق لا يوجد زمن، أي ليس هناك ماضي أو مستقبل بل حاضر دائم فقط والزمن في الأكوان المتعددة هو نسبي له أشكال وماهيات مختلفة في كل كون- جسيم.

تصدت مختلف النظريات والنماذج الكونية أو الكوسمولوجية، لموضوع ولادة وتطور كوننا المرئي، وكان أكثرها شيوعاً في الأوساط العلمية المتخصصة هو نموذج البغ بانغ أو الانفجار العظيم. الذي وقع قبل نحو 13.8 مليار سنة حيث كانت هناك طبيعة مجهولة تسببت في عملية القدح التي أثارت عملية الخلق للكون المرئي وللمكان والزمان، لكن تعبير البغ بانغ يشمل رؤى مختلفة إذ توجد على الأقل ثلاث نظريات متنافسة تحت نفس الغطاء تقترح سيناريوهات متميزة وممكنة على الأرجح. كما أن هناك نماذج كوسمولوجية أخرى تطرح توجهات أخرى لتفكير جديد لشرح الأصل الحقيقي للكون المرئي.

 

 

نظرية الأكوان التوائم

La théorie des Univers Jumeaux:

تجدر الإشارة هنا في ألأوساط العلمية الفلكية والفيزيائية الفرنسية، إلى النموذج الكوسمولوجي الكوني الثنائي القياس الذي صاغه وقدمه عالم الفيزياء الشهير جون بيير بتي Jean Pierre Petit، وهو مفهوم عرف بتسميته الشعبية الشائعة نظرية الأكوان التوائم. ويتعين علينا أن نتذكر كذلك أن فرضية وجود أكوان ثنائية "لكل كون توأم أو قرين " قد طرحت سنة 1967 من قبل عالم الفيزياء السوفيتي أندريه زاخاروفAndreiSakharov، والمقصود به تقديم الكون على أنه مثل المرآة لكون آخر خفي كون الظل واللذان يتصلان ببعض فقط بواسطة الثقالة أو الجاذبية. إن أتباع نظرية الأكوان التوائم، يركزون على حقيقة أن هذا النموذج الكوسمولوجي يفسر سبب الوجود الضعيف أو شبه الغائب للمادة المضادة في كوننا المرئي، في حين أنها كان يجب، من الناحية المنطقية، أن تتجاور وتتعايش بنسبة متساوية مع المادة المكونة لكوننا المرئي. وفي سياق افتراض وجود "كون ــ مرآة" لا ندركه و لا نشعر به، يمكننا أن نتخيل بأنه مكون في جزئه الأعظم من المادة المضادة كما تحدثت بذلك عدة كتب ومؤلفات منها كتاب جون بيير بتي المعنون:" لقد أضعنا أو فقدنا نصف الكون On a perdu la moitié de l’univers" وحاول العالم جون بيير بتي أن يشرح للجمهور العريض كيف يمكن أن يكون شكل ومظهر هذه المادة المضادة للمادة المألوفة في كوننا المرئي وهي المادة التوأم لمادة كوننا لكنها غير مرئية بالنسبة لنا نحن البشر وتشكل معظم مكونات الكون التوأم لكوننا المرئي أي الذي هو مرآة لكوننا المرئي. عن هذا الكوكب القرين يسلط تأثير ثقالي طارد أو نابذ على المادة من قبل مادة مضادة يمكن رصدها بالأشعة تحت الحمراء infrarouge. و لا يوجد في الكون التوأم أي جرم سماوي والحياة فيه مستحيلة وهو مكون فقط من الهيدروجين والهليوم. ولقد لوحظ أن الوسط العلمي التقليدي لا يهضم فكرة وجود الكون التوأم أو الكون الموازي univers parallèle المماثل أو المناظر تماماً لكوننا ولكن بالمعكوس، ويرفضون الاعتراف بهذا النموذج لأنه يقدم رؤية مختلفة على نحو راديكالي متطرف للتطور الكوني ويعرض الكثير من المفاهيم المكرسة في النموذج المعياري للمراجعة والطعن، مثل ثبات سرعة الضوء ووجود مادة وطاقة سوداء أو مظلمة أو معتمة في الكون المرئي. و لا بد أن نذكر بأن العالم السوفيتي أندريه زاخاروف والعالم الفرنسي جون بيير بتي وغيرهم، تلقوا رسائل من جهة مجهولة تحتوي على معلومات علمية غاية في الدقة والجدية يعتقد أنها من أناس جاءوا من كوكب خارج الأرض يسمى أومو وهم الأوميين، ووضعوا فيها محتويات نظرية الأكوان التوأم والأكوان الموازية التي استند عليها زاخاروف وبتي لصياغة نموذجيهما الكونيين

مقاربة أخرى لأطروحة تعدد الأكوان

Multivers

لم يكن هناك من مخرج للتخلص من تناقضات النموذج المعياري للكون البغ بانغ، وإمكانية التوصل إلى النظرية الموحدة النهائية التي سوف تجمع بين النسبية الآينشتينية والميكانيك الكمومي أو الكوانتوم، سوى العودة إلى فرضية تعدد الأكوان، فمنهم من يقول أن البغ بانغ أنجب كوننا المرئي وحده ولكن هناك عدد لا محدود من البغ بانغ الانفجارات العظيمة حثت وما زالت تحدث من الأبد وإلى الأزل، وهناك من يقول أن الانفجار العظيم أنجب عدد لا محدود من العوالم والأكوان و ما يزال هذا الأمر يحدث في المناطق البعيدة جداً خارج الأفق الكوني لكوننا المرئي. فماذا لو كان كوننا المرئي حقاً واحد من بين عدد لا نهائي من الأكوان المستقلة عن بعضها البعض؟هذا هو المفهوم الذي اقترحه بعض العلماء وقالوا بوجود حيز مكاني لانهائي الأبعاد يكون هو الهيكيلية أو البنية التي تضم العدد اللانهائي من الأكوان التي يكون لكل واحد منها قوانينه الفيزيائية الخاصة به وثوابته الكونية. وبالتالي فإن كوننا المرئي، بشساعته الهائلة، ليس سوى ذرة غبار أو أصغر أي مجرد جسيم أولي داخل محيط كوني مطلق تكون باقي الأكوان فيه أيضاً مجرد جسيمات أولية مكونة له كما تكون الجسيمات الأولية كوننا المرئي. وهناك العديد من النماذج للأكوان المتعددة، كل واحد منها يستند على نظرية فيزيائية علمية. أحدها تنبأت به وتوقعته فرضية التضخم الكوني المفاجئ والذي تحدث عنه العالم آندريه ليند ووصفه بأنه التضخم الدائم الأبدي والفوضوي inflation éternelle chaotique، وهو يعتقد أن الكون المطلق يتمدد برمته على نحو دائم وأزلي ولكن في بعض مناطقه، وبفعل تصادمات وتفاعلات، تحدث انفجارات عظيمة بغ بانغ، على غرار الانفجار العظيم في كوننا المرئي، تؤدي إلى انبثاق أكوان أخرى مشابهة أو مغايرة لكوننا المرئي، والأكوان الناجمة عن هذه العملية تتمدد بدورها وتتصادم مع غيرها مولدة انفجارات عظيمة أخرى وهكذا دواليك. وتحدث هذه العملية وتتكرر على نحو أبدي دائم ومستمر إلى ما لا نهاية داخل ما أسماه آندريه ليند الكون المتعدد الدولابي multivers – gigogne، قد تبدو هذه الرؤية ثمرة لخيال جامح لبعض العلماء، إلا أن التطورات الأخيرة التي شهدتها نظرية الأوتار الفائقة يمكن أن تعزز مثل هذه الرؤية المتجاوزة لكل الحدود الإدراكية للبشر. كما يمكننا الحديث عن وجود الكون المتعدد الكمومي أو الكوانتيmultivers quantique. عالم الفيزياء العبقري الراحل هيوغ إيفريتHugh Everett، اقترح نموذجاً لكون ينقسم إلى فرعين متمايزين في كل مرة يحدث فيها حدث كمومي أو كوانتي يؤدي إلى حدوث تراكب في الحالات،بتعبير آخر، في كل مرة يحدث فيها حدث كمومي أو كوانتي ينقسم الكون الجديد على نفسه إلى عدة نسخ، وكل واحد منها يضم في طياته واقعاً مغايراً للآخرين. وعلى خلاف الكون المتعدد التضخمي، تمتلك عوالم هيوغ إيفريت المتعددة نفس القوانين الجوهرية ونفس البنى الرئيسية الكبرى لأنها كلها ولدت من رحم الكون المطلق الأساسي وورثت عنه نفس الخصائص الفيزيائية caractéristiques physiques، ومن هنا فإن جميع السيناريوهات الممكنة يمكن أن تحدث بمعنى أوضح، إن الفرد في الكون أ يكون طبيباً، لكنه في الكون ب قد يكون ضابطاً وفي آخر مهندساً وفي رابع يكون مجرماً الخ.. يصيغ علماء آخرون إمكانية وجود كون متعدد ذو ميزات أو خصائص رياضياتيةpropriétés mathématiques، ويلجأون لمعطيات نظرية الأوتار، وتقول هذه النظرية أنه يوجد، إلى جانب الأبعاد المكانية الثلاثة التقليدية والبعد الزماني الرابع في الكون المرئي العادي الذي نعيش فيه، هناك تسعة أبعاد أخرى إضافية لكننا لا نراها لأنها في غاية الصغر ومطوية على نفسها في المستوى الميكروسكوبي المجهري لكنها ضرورية ولا غنى عنها للنظرية، ولا أحد يفهم لحد الآن لماذا تكون هذه الأبعاد الإضافية مطوية على نفسها، ولكن يمكننا أن نتخيل أكوان أخرى مكونة من عدد متعدد من الأبعاد المكانية أو الزمانية المطويةdépliées، ويقر العلماء أن هذا المجموع من البنى الرياضياتية الممكنة من فضائله الأساسية أنه يشرح على نحو راديكالي ما أسماه العالم الحائز على جائزة نوبل للفيزياء أوجين فاينرEugene Wigner، " الفعالية غير القابلة للشرح أو التي لا يمكن تفسيرها للرياضيات في العلوم الطبيعية l'inexplicable efficacité des mathématiques dans les sciences naturelles"وإذا كان كوننا المرئي مجرد إحدى البنى أو الهيكيليات الرياضياتية الممكنة فلا داعي للدهشة بأن المعادلات الرياضية يمكن أن تصفه على غاية من الدقة. وعلى أية حال فإن نظرية الأكوان المتعددة، وإن كانت افتراضية إلا أنها تشكل اليوم أحد سبل البحث التي يتعذر تجاهلها أو تفاديها وتجذب إليها أكثر فأكثر علماء الفيزياء الفلكية astrophysiciens.

التكوين الكوني الغامض

من الواضح أن اليوم الذي يستطيع فيه الإنسان أن يفك شيفرة الألغاز الكونية الكبرى لا سيما تلك التي تتعلق بأصله وولادته وتطوره، لم يأتي بعد ولم يحل وقت سبر أغوار الكون المرئي الغامضة والمجهولة وعلى رأسها الزمان الذي ما يزال يحتفظ بكامل أسراره فما بالك بما هو قبل هذه الولادة المفترضة للكون المرئي ونقطة بدايته التي نسميها بالفرادة الكونية السابقة لحدث الانفجار العظيم البغ بانغ. وعلى الرغم من التقدم الحاصل في مجال علم الفلك والفيزياء الفلكية في العقود الأخيرة في نهاية القرن العشرين والعقدين الأولين من القرن الواحد والعشرين، إلا أن سعينا لمعرفة الأصل لم يتكلل بالنجاح بعد ولم ينته فسوف نحتاج للمزيد من الحسابات والمعدلات التي تدور في رؤوس الباحثين والعلماء على أمل التوصل في يوم ما إلى فك الشفرة الكونية المستعصية ومعرفة الولادة الحقيقية للكون المرئي أو الأصل الحقيقي في خلقه فالوقت أمامنا طويل ونحن نبحث ونتجول ما بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر.

ولكن حتى قبل أن نفك طلاسم كوننا المرئي تجرأ البعض من علمائنا في الذهاب إلى أبعد منه، والتعاطي مع فرضية كونية اعتبرت في الماضي القريب من حيثيات الخيال العلمي لكنها باتت اليوم أكثر فأكثر تحوز على الاعتراف بها كنظرية علمية وهي نظرية التعدد الكوني. وهي نظرية استفاضت في شرحها روايات وسينما الخيال العلمي وافترضت إمكانية التواصل بين العوالم من خلال الطرق الكونية المختصرة المسماة بالثقوب الدودية.

العقل الجامح:

كان أول من خاض في هذا المجال العلمي الوعر هو عالم الفيزياء الأمريكي ذو العقل الجامح هيوغ إفريت سنة 1957 وغامر بمستقبله المهني وسمعته عندما كرس لموضوع التعدد الكوني أطروحته للدكتوراه ومات غريباً وشبه مجهول من قبل العامة من الناس دون أن يرى حلمه يتحقق وتكون نظريته هي المعمول بها في العشرين سنة الأولى من القرن الحادي والعشرين ويعمل عليها العديد من العلماء الشباب الذين أوفوه حقه، كالعالم ماكس تغمارك والعالم أورليون بارو وكريستوف كالفارد وبريان غرين وستيفن هوكينغ وغيرهم كثيرون على سبيل المثال لا الحصر. وتتلخص الأطروحة بمسلمة افتراضية ممكنة تقول أن الكون هو أوسع بكثير من كوننا المرئي الذي نعتقد أننا نعرفه، ويتجاوز قدرتنا على التفكير والإدراك والاستيعاب. فالكون المطلق هو كون حي مكون من عدد لا متناهي من العوالم ـ الأكوان ـ الجسيمات. لكل واحد منها خواصه ومزاياه وقوانينه وشكله وتركيبته وواقعه الخاص به، أي لكل واحد منها واقع ممكن هو البديل لعدد لامتناهي من الواقعات الممكن حدوثها داخل كل كون، مرئي أو غير مرئي. وهو افتراض مذهل لكنه بات مقبولاً من قبل عدد كبير من العلماء. وبات الوسط العلمي اليوم جاهزا لتقبل هذه الفرضية التي تقول بوجود عدد لامتناهي من الأكوان المتوازية أو المتجاورة أو المتداخلة، وذلك لأن الدراسات والأبحاث الجديدة المتقدمة في مجال الفيزياء الكمومية أو الكوانتية أتاحت فرصة اكتشاف أن قوانين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر يمكن أن تكون مختلفة عن القوانين التي تدير وتسير وتحكم واقعنا الفيزيائي. وفي وقت مبكر في خمسينات القرن الماضي، تخيل هيوغ إفريت كون حي وذكي وواعي ينقسم على نفسه فرعين متمايزين في كل مرة تقوم فيها حادثة كمومية أو كوانتية بوضع الواقع في حالة تراكبية وهو الاقتراح العبقري الذي وضعه إيفريت لحل مفارقة قطة شرودينغر الشهيرة. فمع افتراض وجود تعدد كوني، وإن كل كون ينشطر على نفسه إلى فرعين مع كل حادث كمومي أو كوانتي مثل حادث قطة شرودينغر، لن نعتبر هذه القطة في حالة تراكب على اعتبار أنها حية وميتة في آن واحد وهو أمر مستحيل. والحل الذي تقدم به إيفرت هو أن الكون برمته الذي تعيش فيه القطة إبان التجربة الفكرية الكمومية أو الكوانتية، قد إنقسم إلى فرعين تكون القطة في أحدهما حية وفي الآخر ميتة. ومن هنا اعتقد هيغ إفريت أنه في كل مرة يقع فيها حادث كمومي أو كوانتي تظهر عدة نسخ للكون في كل واحد منها واقع مغاير، وكل السيناريوهات الممكنة تحدث. ففي كل مرة نتخذ فيها قراراً يؤثر على مصيرنا ومستقبلنا، لأن مثل هذا القرار يمكن أن ينجم عنه عدة نتائج وانعكاسات ممكنة تحدث كلها ولكن ليس في نفس الكون بل في أكوان أخرى نسخة عنه. فلو قررت ألا أخوض امتحانات الباكالوريا فقد أكون مجرد عامل بسيط في معمل أو جندي في سوح القتال أو قاتل أو سجين محكوم بالسجن المؤبد، قد أكون فقيراً معدماً أو غنياً أو تاجر مخدرات الخ من الممكنات المفترض المترتبة على عدم خوضي لامتحانات الباكالوريا أما العكس أي أن أحصل على الباكالوريا فذلك سيعني ربما أنني أدخل كلية الطب واصبح طبيباً مشهوراً أو مغموراً، أو أكون مهندس أو عالم أو مدرس، لأنها كلها ممكنة بشرط أن أكون حاصلاً على شهادة الباكالوريا، ولكل حالة أو نتيجة مفترضة يحصل الأمر ولكن في كون آخر موازي للكون الذي أعيش فيه. عالم الفيزياء دافيد دويتش من أنصار نظرية العوالم المتعددة الكوانتية أو الكمومية، عاكف حالياً على تصميم كومبيوتر، حاسوب، كمومي أو كوانتي بوسعه أن يعطي الدليل القاطع على صحة نظرية إيفريت حول تعدد الأكوان.

جاءت نظرية الأوتار، وبعدها تطويرها إلى نظرية الأوتار الفائقة، لتعزز أطروحة تعدد الأكوان وتؤكد الوجود الكامن أو الخفي لعدة عوالم حية. واعتبرت هذه النظرية أن الجسيمات الأولية المكونة للمادة مستوعبة داخل بنية أصغر منها هي الأوتار اللامتناهية في الصغر حيث يتوافق كل ذبذبة من ذبذبات تلك الأوتار مع أحد الجسيمات الأولية وإن للفضاء عدة أبعاد إضافية إلى جانب تلك الظاهرة والملموسة التي نعرفها ونشعر وندركها بحواسنا أي الطول والعرض والارتفاع والزمن. وفي الحقيقة فإن عدد الأبعاد في هذه النظرية هو أحد عشر بعداً، عشرة منها مكانية وواحد زماني. سبعة منها غير مرئية وغير قابلة للكشف والرصد لأنها لامتناهية في الصغر ومطوية على نفيها. ولفهم واستيعاب هذا المفهوم يمكننا أن نتخيل الأمر وكأنه عبارة عن حزم من القش الرفيع جداً، كل قشة هي ثنائية الأبعاد. ولتحديد نقطة في الفضاء الكائن بين حزم القش، من الضروري معرفة مكان أو موقع النقطة على طول القشة وأين تقع في البعد الدائري للقشة ـ لأن حزم القش مختلطة ومتداخلة ومحدبة أو مقوسة أو دائرية ـ ولكن لو كان نصف قطر القشة لامتناهي في الصغر مثل العناصر المتواجدة في المحيط الكمومي أو الكوانتي، فسوف لن نلاحظ البعد الدائري وتبدو القشة لنا أحادية البعد كالخط المستقيم، نفس الشيء بالنسبة للوتر اللامتناهي في الصغر فالأوتار في هذه الحالة تمثل الأبعاد المنطوية الخفية. لذلك فإن إحدى نتائج نظرية الأوتار الفائقة هي أن كوننا المرئي ليس وحيداً بل هو جزء من نسيج أو إطار كوني هائل trame cosmique، يحتوي في داخله على مليارات الأكوان الأخرى. ولقد حاول بعض العلماء كمكمة أو تحديد كمومية quantifier هذه العوالم الكامنة كما فعل العالم ليونارد سيسكيند الأستاذ في جامعة ستنافورد في كاليفورنيا، الذي قدر وجود 10500 إمكانية ممكنة لأكوان أي رقم عشرة متبوعاً بخمسمائة صفر، ولو تقبلت الأوساط العلمية على نحو قطعي أطروحة التعدد الكوني والأكوان المتوازية والمتجاورة والمتداخلة فذلك لأنه هذه الأطروحة لا تمس و لا تشك بصحة، بل ولا تعارض النسبية العامة لاينشتين. فالعوالم غير متصلة ببعضها البعض وكل عالم يمتلك خصائصه وسماته وميزاته الخاصة وقد يكون واحد أو أكثر من بينها من يمتلك الظروف والشروط الملائمة واللازمة، على غرار كوننا المرئي، لظهور الحياة الذكية والعاقلة فيه. ولكل كون عدد من التواريخ الممكنة ويمكن أن يحتل عدد من الحالات المختلفة بعد فترة طويلة من خلقه أو ولادته أو انبثاقه منذ البدء ولغاية اليوم. والحال أن أغلب الحالات لا تشبه حالة كوننا المرئي الذي نعرفه وندرسه ونعيش في داخله وتفتقد للحياة في داخلها، ومنها حفنة فقط من الأكوان التي تسمح لكائنات مثلنا أن تظهر وتعيش فيها كما يفترض ستيفن هوكينغ.

قد تكون فرضية الأكوان المتوازية المفتاح لفهم الانفجار العظيم البغ بانغ، فمفهوم الأكوان المتوازية تفسير لغز الدقة المتناهية للثوابت الجوهرية التي تدير الكون المرئي وتتحكم به. فكيف يمكن أن نفسر أن الكون المرئي، ومنذ لحظة ولادته، يمتلك تنظيماً وضبطاً خليق بأن يكون ميكانيك قياسي أو معياري للدقة؟ومن هنا أعتبر عدد من العلماء أن يكون مثل هذا الإتقان والكمال perfection ليس وليد الصدفة لذلك يعزون هذا الضبط السماوي الدقيق للغاية إلى عقل وذكاء كوني علوي فائق ومتسامي. والحال إن نظرية الأكوان المتوازية تتعاطى مع الأمور بطريقة مغايرة معتبرة عملية خلق الكون المرئي بمثابة حدث كوانتي أو كمومي فالكون المرئي لم يكن كاملاً بل غدا كاملاً فيما بعد، أي بعد أن استكشف كل الطرق الكمومية أو الكوانتية الممكنة. لنتخيل هذا السيناريو: في لحظة وقوع الانفجار العظيم ووجه الكون الوليد بعدد لا متناهي من الاختيارات. وعليه أن يقرر قيمة الثابت الثقالي أو ثابت الجاذبية constante de gravitation، و كتلة الإلكترون الخ.. وبالتالي، وحسب فرضية هيوغ إفريت، بات على الكون الوليد عند كل اختيار أن ينقسم إلى فرعين أو أكثر وفي كل فرع يختار قيمة معينة ممكنة ومختلفة عن القيمة الأخرى في الكون أو الفرع الكوني الآخر، لذلك نشأت عدة أكوان لا متناهية العدد متوازية مع بعضها البعض تتصف كل واحد منها بصفات ومزايا وخصائص وثوابت وقوانين جوهرية معينة خاصة بها. الغالبية العظمى من هذه الأكوان عاقرة عديمة الحياة أو غير قابلة للاستمرار ولا تظهر فيها حياة عاقلة. فبعضها يحظى بقوة جاذبية هائلة ومكثفة جداً أو بتفاعلات كهرومغناطيسية ضعيفة جداً، عندها تنهار على نفسها في نوع من الفوضى الكونية العارمة، بينما تفلح كمية قليلة من تلك الأكوان في العثور على القيم الملائمة وتكون صالحة لانبثاق الحياة العاقلة والذكية في داخلها، وهذا هو حال كوننا المرئي وهو واحد منها، أي أن هناك أكوان أخرى موازية له مثله تعج فيها الحياة الذكية العاقلة. وبتبني هذه الفرضية، لم يعد ضبط الثوابت الجوهرية أمراً إعجازياً، و لا حاجة لإقحام مهندس كبير علوي يقوم بدور الخالق للكون على حد تعبير ستيفن هوكينغ. وهذا العالم رسم هذا السيناريو لعملية ظهور وولادة كوننا المرئي الذي خضع في بداياته لمختلف الاحتمالات التطورية في تطوره وتوسعه، وحسب هوكينغ، تبنى الكون الوليد عدة طرق مختلفة بعضها توقف بسرعة وتبخر في العدم، أو في الخواء، بينما واصل بعضها الآخر طريقه تحت أشكال فيزيائية متنوعة. ومع هذه المقاربة الجديدة، عن أصل الكون المرئي، يتعين التعامل مع ولادة الكون المرئي باعتبارها حدثاً كوانتياً أو كمومياًévénement quantique، ذاتي وعفوي، بحث وجرب واستكشف كافة السيناريوهات الممكنة لحظة انبثاقه للوجود. فالكون التعددي هو مجموع الأكوان الممكنة، ما يشبه عدد لامتناهي من الفقاعات الغازية التي تتشكل في الماء المغلي أو في كاس الشمبانيا، وهي فقاعات كثيرة العدد تظهر وتختفي وكل فقاعة هي بمثابة كون مصغر mini-univers تتقاطع وتتصادم وتفنى وهي ما تزال بعد ميكروسكوبية الحجم. إنها تمثل أكوان بديلة ممكنة لكنها عديمة الأهمية لأنها لا تبقى طويلاً لكي تتطور وتخلق داخلها مجرات ونجوم وكواكب، عدا عن الحديث عن ظهور حياة عاقلة وذكية. البعض من تلك الفقاعات – الأكوان يثابر ويستمر في النمو والتطور والتوسع وبإيقاع متسارع وتشكل الفقاعات البخارية التي نعرفها ونرصدها. وهي الأكوان المتوسعه دوماً كما يصفها ستيفن هوكينغ. ويضيف قائلاً:" إن الترجرجات والتقلبات الكمومية أو الكوانتية الأولية في اللحظات الأولى تقود إلى خلق هذا العدد الضخم من العوالم التي في طور التشكل والوجود المادي الملموس والتي يمكن العثور على آثارها الباقية في خارطة الأشعة المكروية الأحفورية الخلفية الكونية المنتشرة من خلال تحليل التنويعات المجهرية والاختلافات الطيفية في درجات الحرارة ــ التي تقل عن واحد بالألف من الدرجة ــ والتي يعود زمنها لحدث الانفجار العظيم البغ بانغ. فالبصمات الحرارية المختلف في تلك الأشعة هي آثار ومؤشرات باقية على الاختيارات المختلفة التي قام بها الكون البدئي الوليد قبل استقراره على اختياره النهائي الحالي في كوننا المرئي، ما يترك الباب مفتوحاً لتصوراتنا عن الأكوان المتعددة التي نتطور داخلها دون عي منا ودون أن نعي أو نعرف ذلك.

إن ما اكتشفه الإنسان قد أحدث ثورة في التصور البشري للكون بواسطة الحدس الفيزيائي والتجارب الفكرية والتطبيقات العملية والصياغات الرياضياتية الصارمة، إلى جانب التجريب والرصد والمشاهدة والمراقبة. وكشفت له تلك التطورات والإنجازات العلمية والتكنولوجية، أن المكان والزمان والمادة والطاقة تحتوي على سجل من السلوكيات الخفية لا تشبه أي مما تمكنا من رؤيته على نحو مباشر وملموس.

فالدراسة المعمقة لاكتشافاتنا الحديثة بفضل الأجهزة المتطورة، تقودنا إلى معرفة ما ستكون عليه الانعطافة الحاسمة لفهمنا للأشياء والتحقق على نحو قاطع من أن كوننا المرئي ليس هو الكون الوحيد الموجود، لذا فإن دراسة الواقع الخفي هي السبيل لاكتشاف وإثبات حقيقة تعدد الأكوان. بيد أن التعاطي مع هذه المستجدات العلمية يتطلب منا أن نتخلى عن طريقة ونمط تفكيرنا التقليدية المريحة والمألوفة بغية الانفتاح على آفاق غير معتادة وغير متوقعة يستحيل تصورها أو تخيلها.

كون عادي وميغا كون وجيغا كون وميتا كون  و كون مطلق وماذا بعد؟

في فترة ما كانت مفردة" كون " تعني كل ما هو موجود ومرئي ومعروف وملموس و لكنها لا تشمل غيره مما لا نعرفه، لأن أكثر مما هو موجود يدخل في باب الخيال والميتافيزيقيا والغيبيات. وفيما بعد ظهرت مجموعة من الأبحاث والنظريات غيرت معنى " ألكون " وصارت المفردة تعتمد على الظروف السائدة، وصارت في بعض الأوقات تشمل كل شيء بالمطلق. أي صار المقصود بالمفردة ينطبق على الواقع الظاهر والواقع الخفي، وبجانب ذلك انتشرت مصطلحات تسللت للساحة العلمية مثل العوالم المتوازية والأكوان المتوازية والميغا – كون و الميتا – كون والأكوان المتعددة وغيرها من المرادفات لوصف كل ما يحيط بنا في كوننا المرئي وكذلك الأكوان الأخرى المفترض وجودها.

قد تتوسع مداركنا يوما ما على نحو كافي يسمح لنا بالإجابة على كل التساؤلات المتعلقة بمفاهيم الإطلاق والتعددية في الكون المرئي وما وراءه أو حوله أو متداخلاً معه.

كانت أول مغامرة علمية عسيرة للغوص في العوالم المتوازية حدثت في سنوات الخمسينات من خلال البحث في بعض جوانب الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، والتي صيغت لتفسر بعض الظواهر التي تتعلق بالذرات والجسميات ما دون الذرية. فكما هو معلوم إن الميكانيك الكمومي أو الكوانتي أحدث شبه قطيعة مع التقليد العلمي للميكانيك الكلاسيكي بفرض مسلمة تقول أن التكهنات والتوقعات والتنبؤات العلمية لا يمكن إلا أن تكون " إحتمالية". فقد نتمكن من حساب فرص وقوع هذا الحدث أو ذاك، إلا أننا لا نستطيع التأكيد أيهما حدث بالفعل، وكان هذا التغيير الراديكالي الذي زعزع القناعات السائدة والفكر العلمي السائد منذ مئات السنين، مذهلاً في حد ذاته. وهناك جانب آخر لم يجلب الانتباه ويتعلق بالسببية أو بــ " لماذا " حصول هذه الإمكانية وليست تلك من بين عدد لامتناهي من الإمكانيات والتوقعات، بالرغم من الدراسات والأبحاث المضنية والدقيقة التي أجريت لسنوات طويلة في النظرية الكمومية أو الكوانتية، وما أفرزته وقدمته من معطيات تؤكد صحة تكهناتها الإحتماليةprédictions probabilistes. فلم ينجح أحد من العلماء الفطاحل في تفسير لماذا يتحقق احتمال واحد من بين عدد كبير ممكن من الاحتمالات القائمة، وربما تتحقق كافة الاحتمالات ولكن في أبعاد وزمكانات وأكوان موازية خفية. فعندما نجري تجارب، وعندما نتقصى أسرار عالمنا، فإننا سنلتقي فقط بواقع واحد مادي ملموس و غير قابل للبحث. وبالرغم من مرور أكثر من قرن على الثورة الكمومية أو الكوانتية، لا يوجد إجماع أو اتفاق بين علماء الفيزياء حول توافق وتساوق هذه الحقيقة الأولية مع التعبيرات الرياضياتية للنظرية الكوانتية أو الكمومية.

وعلى مر السنين، كانت هذه الثغرة في فهمنا للأشياء قد ألهمت العديد من الافتراضات والمقترحات، وكانت هي الأكثر مدعاة للدهشة هي فكرة إن المفهوم المتعارف عليه والمألوف والذي بموجبه يكون لأي تجربة حل واحد لا غير لم تكن فكرة دقيقة ومضبوطة أو صحيحة. فرياضيات ومعادلات الميكانيك الكمومي أو الكوانتي توحي بأن كل الاحتمالات والنتائج المتوقعة ممكن أن تحدث وكل حل أو نتيجة تحدث في كونها الخاص بها والمتميز عن غيره من الأكوان. فلو توقع أو تكهن حساب رياضي ما لجسيم أنه يمكن أن يكون في هذا المكان أو في مكان آخر في نفس الوقت، فهذا يعني أنه يتواجد بالفعل في مكان معين في الكون الأول لكنه يتواجد في مكان آخر في الكون الآخر. بعبارة أخرى يمكننا أن نتصور وجود نسخة أخرى عنا تراقب نتيجة التجربة وتحدد موقع الجسيم عندها بمكان يختلف عما حددناه نحن للجسيم في كوننا. وكل واحد منا يعتقد، وهو على خطأ بالطبع، أن واقعه هو الواقع الحقيقي الوحيد. والحال أننا عندما نفهم أن الميكانيك الكمومي أو الكوانتي يتحكم بكل الصيرورات الفيزيائية، من الاندماج الذري في قلب الشمس إلى النبضات العصبية المسؤولة عن التفكير البشري، ندرك أنه يسلك طريقاً هو بالنسبة لإدراكنا المحدود قد لا يكون موجوداً، في حين أنه واحداً من بين عدد لا متناهي من الطرق أو الاحتمالات، بيد أن كل طريق أو لنقل أن كل واقع ـ يكون مخفياً عن أي واقع آخر وهم كثر. إن هذه المقاربة الغريبة والجذابة التي تقوم بها النظرية الكمومية أو الكوانتية، للعوالم المتعددة، قد استقطبت اهتمام عدد كبير من الباحثين والعلماء في العقود الأخيرة، إلا أن جل أبحاثهم كشفت لنا عن جوانب عويصة وشائكة لهذه النظرية الغريبة فهناك اعتراضات كثيرة عما قدمته هذه النظرية بعد مرور أكثر من قرن على ظهورها بالرغم من ثبات صحة العديد من الأفكار والفرضيات النظرية التي وردت فيها بينما اعتبر البعض الآخر أن الصيغة الرياضياتية للنظرية ليست متماسكة بما فيه الكفاية رغم جمالها وأناقتها.

لو تيقنا من إن الفضاء يمتد إلى ما لا نهاية، كما افترض ذلك عدد من العلماء الكبار، وهو افتراض يتوافق مع نتائج مشاهداتنا ورصدنا ويوجد في قلب نماذجنا الكونية، فيحق لنا أن نتخيل أن هناك فيما وراء الأفق الكوني المرئي والمرصود، وهو بعيد جداً ويمتد لمليارات السنين الضوئية، أكوان أخرى قد يكون جز منها نسخة عنا لكنهم يعيشون واقعاً آخر لا يتطابق مع واقعنا الظاهر الذي نعيشه هنا في كوننا المرئي أو المنظور.

سوف نحتاج في مسيرتنا هذه للكشف عن الواقع الخفي أن ندرس بعمق واقعنا الظاهر ونغوص في أعماق الكوسمولوجيا ونتقصى حقيقة النظرية التضخمية والنظرية الانفجارية والتي تفترض حدوث تضخم مفاجئ وهائل في الفضاء اللامتناهي للكون الوليد في لحظاته الأولى مما أدى إلى نشوء أو ولادة نسخة موازية عنه تقبع الآن في ما وراء الأفق الكوني لكوننا المنظور أو المرئي. ولو ثبتت صحة التضخم الكوني الهائل كما أشارت إلى ذلك نتائج الرصد الحديثة بفضل تلسكوبات فضائية متطورة جداً، فإن الانفجار الذي ولد وأوجد منطقتنا أو كوننا في الفضاء اللامتناهي لم يكن حالة وحيدة وفريدة ومعزولة بل حالة عادية تحدث في كل وقت أي أن هناك عدة انفجارات عظيمة وعدة أكوان تولدت وما زالت تتوالد إلى ما لا نهاية، في المناطق اللامرئية والبعيدة جداً في الفضاء اللامتناهي، وكل واحد من تلك الأكوان يمتلك فضاءه الخاص به والممتد في الزمكان الخاص به داخل فضاء مطلق لا متناهي مما يعني وجود عدد لانهائي من الأكوان والعوالم.

ولإضفاء المسحة العلمية الجادة والرصينة لا بد من الاستعانة بنظرية الأوتار الفائقة والنظرية أم M ونظرية كل شيء، والنظرية الموحدة والجامعة لكافة النظريات ومتابعة آخر المستجدات الناجمة عن مشاهدات تلسكوباتنا الفضائية وتجاربنا المختبرية في مصادمات الجسيمات المتطورة. وأخيرا لو تمكن الإنسان من قوانين الكون المرئي الجوهرية وتحكم بها فهل بإمكانه أن يخلق كونناً مصغراً أو ميكروسكوبياً في المختبر بعد توفير الشروط التي كانت موجودة لحظة ظهور كوننا المرئي بعد الانفجار العظيم؟ هذا ما سندرسه في سلسلة من الدراسات المعمقة والمبسطة لسبر غور الواقع الظاهر والواقع الخفي في الكون المرئي وفي الأكوان اللامرئية.

 

 مما يتألف معظم الكون

 أو ما هي مكونات الكون المرئي أو المنظور؟

تُجيب عن هذا السؤال آميليساتونغAmelie Saintonge:

لفترة طويلة من الزمن، اعتقد الفلكيون أن معظم الكون مؤلف من المادة العادية (التي تُعرف بالمادة الباريونيةmatière baryonique أو"Baryonicmatter") وهي نفس نوع المادة التي تُكون كل شيء موجود على الأرض وفي النجوم الأخرى (البروتونات، النترونات والالكترونات). على أية حال، وُجد حالياً أن هذه المادة تكون قسماً صغيراً فقط من المادة الموجودة في الكون.

من خلال قياس حركة المجرات والنجوم الموجودة داخل المجرات، تمكن الفلكيون من تحديد وجود مادة لا يُمكننا رؤيتها. عرفوا ذلك لأنه وعلى الرغم من عدم قدرتنا على رؤيتها، إلا أنهم يستطيعون قياس تأثيراتها الثقالية على النجوم والكواكب. تُعرف هذه المادة بالمادة المظلمة أو السوداءla matière sombre ou noire (Darkmatter). وهناك شيء آخر أيضاً يُكون معظم الكون ويُشار إليه بالطاقة المظلمة L'énergie sombreـ  Darkenergy طبيعة الطاقة المظلمة لا تزال غير معروفة بالكامل ولكن نعرف أنها تتصرف بشكلٍ مختلف كلياً عن المادة العادية. يُعتقد بأن لهذه الطاقة تأثيراً معاكساً للجاذبية وبالتالي تساهم في توسع كوننا.

تكشف أحدث القياسات المتعلقة بالخلفية الكونية المكروية المنتشرة عن الأقسام النسبية التي تُساهم بها كل مركبة. تنص أفضل التقديرات على أن الكون مكون من 4% مادة باريونية عادية، 23% مادة مظلمة و74% طاقة مظلمة.

ملاحظة: أحدث القياسات القادمة من مهمة تلسكوب بلانك الفضائي  تنص على أن الكون يتكون من 68.3% طاقة مظلمة، 4.9 مادة عادية باريونية و26.8 مادة مظلمة. كما أن قيمة ثابت هابل بلغت 67.15 بخطأ يصل إلى +/- 1.2 كيلومتر لكل ثانية لكل ميغابارسيك.

هل العالم الذي نعيش فيه حقيقي أم افتراضي؟

لو قيض للبشر إمكانية السفر إلى تخوم الكون المرئي أو المنظور الذي يعيشون فيه، فهل سيكتشفون أن الزمكان ممتد ومستمر إلى ما لانهاية أم إنه سيتوقف عند نقطة محددة تشكل حدوده القصوى؟ أم أنهم ربما يعودون من حيث لا يعلمون إلى نقطة إنطلاقهم كما كان حال السير فرانسيس دريك الذي قام بجولة حول الأرض؟ يبدو أن هاتين الإمكانيتين أو الافتراضين يتواءمان ويتوافقان مع نتائج مشاهداتنا ورصدنا الفضائي، واللتان تمت دراستهما باستفاضة على مدى عقود طويلة، والحال أن الدراسات المعمقة والتجارب المختبرية والفكرية أو الذهنية والأبحاث المتخصصة أشارت إلى إمكانية أن يكون الكون لانهائي وليس له حدود.

يفترض بعض العلماء أنه فيما وراء الأفق الكوني لكوننا المرئي توجد مجرة هي نسخة طبق الأصل لمجرتنا درب التبانة وفيها نظام شمسي هو نظير لنظامنا الشمسي بنفس عدد كواكبه ومنها كوكب هو توأم لكوكبنا الأرض ويوجد على ذلك الكوكب أو الأرض الثانية نفس القارات والناس والحيوانات الموجودة على كوكبنا وهناك نسخة توأم لي ولك ولكل واحد منا يعيش على هذه الأرض ويقومون بنفس ما نقوم به من أعمال ونشاطات وربما يوجد عدد لامتناهي من الأكوان المتشابهة كقطرات الماء. فمن المحتمل أن يكون الشخص الذي يشبهني أو نسخة مني يكتب نفس هذه السطور في إحدى نسخ الأرض وآخر يكون قد أكمل تأليف هذا الكتاب وآخر متوقف عن الكتابة للراحة وآخر قد يقوم بعمل آخر ولديه تخصص آخر غير الكتابة الخ.. حيث من المستحيل إحداث اتصال بين تلك الأكوان والأراضي المتعددة إلى ما لا نهاية، وإذا كان الكون المرئي لامحدود السعة فإنه بالضرورة سيحتوي على عدد لامتناهي من العوالم المتوازية، بعضها يشبه تماماً عالمنا وبعضها يختلف عنه كلياً. وعند مواصلة رحلتنا لاستكشاف تلك العوالم المتوازية يتعين علينا قبل ذلك أن نفهم أساسيات وجوهر علم الكون "الكوسمولوجيا"وعلم البحث عن الأصول وتطور الكون باعتبار كل شامل ومطلق.

الواقع في كون لانهائي

سبق أن قلنا أننا لا نعلم ما إذا كان الكون منتهي أو لامنتهي ولهاتين الإمكانيتين مكانها في النماذج النظرية وتتوافقان على العموم مع نتائج الرصد والمشاهدات والحسابات الفلكية حتى الأكثر اتقاناً ودقة وقبولاً. من الصعب التحديد في الوقت الحاضر حول أيهما الأكثر علمية من الأخرى. ففي الفضاء المنتهي قد يقوم الضوء القادم من النجوم والمجرات البعيدة بقطع مسافات شاسعة ويدور حول الكون المرئي عدة مرات ويمر بعدة انكسارات وانعكاسات قبل وصوله الى تلسكوباتنا الأرضية.ونفس الشيء عندما تتعاقب الصور المنعكسة من مرآة لأخرى بعد أن يقطع الضوء عدة دورات فلكية ليقدم لنا تعاقبا صوريا للنجوم والمجرات. ولقد بحث علماء الفلك عن صور متعددة لنفس المصدر ولكن بلا طائل. إذ لا يكفي ذلك بحد ذاته لإثبات أن الفضاء الكوني لا متناهي. إن هذا الإشكال يوحي بأنه إذا كان الكون المرئي محدوداً وذو نهاية فإنه قد يكون من الشساعة بمكان بحيث لن يكون للضوء الوقت الكافي لكي يقوم بدورة كاملة حول هذا الكون. وهذا بذاته يشكل تحدياً تجريبياً أمام العلماء. فحتى لو كان الكون المرئي محدوداً فإنه كلما كان شاسعاً أكثر كلما يغدو شبيهاً بكون لا منتهي وغير محدود.

أياً كان الأمر فمما لا شك فيه أنه في وقت ما، غائص في عمق الزمن، كانت المجرات مضغوطة في حيز مكاني غاية في الصغر وغاية في السخونة. وإن مشاهداتنا الحالية لمعدل التوسع الكوني وتحليلنا النظري لمتغيراته على مر الزمن،تتيح لنا أن نقدر مقدار ما انصرم من الزمن منذ الفترة التي كان الكون فيها داخل حبة غاية في الكثافة،وهي الفترة التي سمحنا لأنفسنا باعتبارها فترة البداية، وإن الكون، سواء أكان منتهياً أو غير منتهي، محدود أو لا محدود، فإن آخر التقديرات العلمية تقول لنا بأنها تقدر بـــ13.8 مليار سنة هي عمر الكون التقديري المفترض اليوم.

قد تكون هناك أهمية ما من معرفة ما إذا كان الكون منتهياً أو لا منتهي، محدوداً أو غير محدود، ففي حالة كونه محدوداً، ولأننا ندرس الكون لفترات زمنية ساحقة في الماضي، فمن البديهي تخيل المكان ـ الفضاء برمته في حالة تقلص وإنكماش أكثر فأكثر. وحتى لو تعطلت الرياضيات وانهارت الحسابات الرياضية في الزمن صفر، فلا يوجد شيء يمنعنا من التفكير والتعامل مع كون عندما يكون موجوداً في لحظات أقرب فأقرب للزمن صفر وفي حيز مكاني أصغر فأصغر. في حين لا معنى لمثل هذا الوصف في حالة أن يكون الكون لانهائياً. فلو كان المكان / الفضاء حقاً لامتناهياً فهذا يعني أنه كان كذلك من الأزل وسيبقى هكذا إلى الأبد. ولو نظرنا إلى التوسع بالاتجاه المعاكس فإن محتواه سيكون مكبوساً أو مضغوطاً أكثر فأكثر، وإن الكثافة تكون مرتفعة وتزداد أكثر فأكثر. بيد أن حجمه الكلي يبقى لانهائياً فنصف اللانهائي بقى لانهائياً كما تقول القاعدة الرياضية. ولو اقتربنا من اللحظة صفر في كون لانهائي فسوف نحصل على كثافة أقوى وأكبر في كل نقطة في حين إن الامتداد المكاني للكون يبقى لا نهائياً.

إن مشاهداتنا ورصدنا العلمي للكون المرئي لا تسمح لنا بالحسم بين كونه منتهياً أو لا منتهي، محدوداً أو غير محدود، فإن العديد من علماء الفيزياء والفلك يفضلون فكرة الكون اللامحدود. وعلينا أن ندرك إن لمعرفة كون الكون المرئي محدوداً أو غير محدود، تداعيات وتبعات جوهرية وانعكاسات مؤثرة على طبيعة وماهية الواقع. ولو اقتنعنا بهذه الحقيقة فسوف نجد أنفسنا في عالم هو واحد من بين عدد لامتناهي من العوالم.

الجذور الفيزيائية لفرضية التعددية الكونية الميتافيزيقية

للدماغ البشري حدود إدراكية معروفة لدينا اليوم وقدرة تصورية تستند على الشواهد المرئية والملموسة بيد أن هناك ظواهر عديدة لا يمكن الركون فيها إلى قدرة الدماغ باعتبارها لا تدخل ضمن ما يعرف " سبق وأن رأينا مثله أو هناك ما هو موجود مثله déjà vue بل هي ضمن ما يمكن تصنيفه بشبه المستحيل الذي يتعذر رؤيته أوما لم نره قط jamais vue فعلى سبيل المثال لا الحصر عندما تقوم بوصف مكان ثلاثي الأبعاد لأحدهم يمكن أن يبذل جهداً لتخيله لأنه يملك رديفاً تخيلاً في دماغه محدداً بالأبعاد المكانية الثلاثة، ولكن عندما تحدثه عن مكان فيه أحد عشر بعداً مكانياً كما تقول بذلك نظرية الأوتار الفائقة، فإن الدماغ البشري يعجز عن ترجمة ذلك إلى صورة هندسية مألوفة. لذلك ليس من السهل على الإنسان الحالي تقبل نظريات فيزيائية علمية تتحدث عن تعدد العوالم وتعدد الأكوان والأكوان المتوازية رغم اعتماد النظريات الفيزيائية على حسابات رياضياتية ومعادلات رياضية وأدلة علمية وفرضيات علمية قابلة للبرهان التجريبي. حتى آينشتين بدماغه الخارق والمتقد وقدرته التخيلية عجز عن تقبل ذلك خاصة فيما يتعلق بموضوع الثقالة الكمومية.

حاولت نظرية الأوتار الفائقة توحيد القوى الجوهرية الكونية الأربعة بغية تقديم حل لمعضلة الثقالة الكمومية من خلال افتراض وجود وحدات بنائية مادية أصغر مما هو مكتشف لحد الآن وفق نظرية الغشاء théorie de Brane وافترضت أن الكينونات الأولية المكونة للمادة هي أوتار مفتوحة أو مغلقة تتذبذبن ووفق ذبذباتها تتحدد طبيعة وخصائص الجسيمات الأولية التي نعرفها مثل البروتونات والنيترونات والالكترونات لكن هذه النظرية لم ترق إلى مستوى نظرية كل شيء الجامعة والشاملة لكل النظريات القائمة والتي تفسر كل شيء في الكون المرئي أو المنظور. كرس كثير من العلماء جهودهم وأبحاثهم طيلة سنين عديدة وهم يعملون على معادلات رياضية معقدة بغية العثور على المقابل الرياضياتي للنظرية الفيزيائية الأكمل ذات الأحد عشر بعداً حيث سيتم بفضلها إثبات أن كل النظريات السائدة تكمل بعضها بعضاً. وبالتالي افترضوا أن مادة الكون كلها متصلة ببعضها البعض ببنية واحدة أو بنسيج واحد هو الغشاء الكوني كما قالت بذلك النظرية م théorie M.

المشكلة التي واجهت العلماء هي هل تسري قوانين الكون المرئي أو المنظور فقط في الأبعاد الثلاثة المنظورة والمرصودة للكون المرئي أم يمكن تطبيقها على الأبعاد غير المرئية المفترضة؟ فالجاذبية أو الثقالة مهمة وأساسية في اللامتناهي في الكبر لكنها مهملة أو شبه معدومة في اللامتناهي في الصغر كما كان يعتقد العلماء في القرنين الماضيين لكن عالمة الفيزياء ليزار أندال عملت على إيجاد تفسير منطقي ومقبول لهذه المسلمة التي تقول بضعف الجاذبية مقارنة بالقوى الثلاثة الأساسية أو الجوهرية الكونية الأخرى في المستويات اللامتناهية في الصغر، وخاضت في محاولات رياضياتية معقدة ووضعت معادلات عديدة فوجدت أن الجاذبية أو الثقالة تتسرب من غشاء آخر في البعد الحادي عشر إلى كوننا المرئي مما يعني أن وجود غشاء آخر يدل على وجود كون آخر غير مرئي قد يكون موازياً أو متداخلاً مع كوننا المرئي لكن اكتشافها هذا أثار فزع زملائها الفيزيائيين لأنهم يخشون الخوض في الفرضيات الميتافيزيقية أو الماورائية وعلى الأخص صعوبة تقبل أطروحة وجود أكوان أخرى، بيد أن علماء نظرية الأوتار أقروا بصحة هذا الاستنتاج خاصة أولئك الذين يبحثون عن كيفية نشأة الكون وأصله.

إن تقبل فكرة وجود أكوان أخرى تفرض علينا أن نتقبل ماهية أخرى للمكان الذي يوجد فيه كوننا المرئي أو المنظور وهو المكان الممتد إلى ما لا نهاية حيث بإمكانه أن يستوعب عدداً لا متناهياً من الأكوان- الجسيمات. فكل كون مثل كوننا ما هو إلا جسيم أولي لامتناهي في الصغر في هذا المكان المطلق الذي يشكل الكون المطلق. وهناك نسخ متعدد لكوننا و نسخ لنا نحن في العديد من تلك الأكوان الأخرى مثلما يوجد شبيه لكل واحد منا طبق الأصل عنه بعدة نسخ فيكرتنا الأرضية بل في كوننا نفسه. هذا في ما يتعلق بالمكان والأمر ذاته ينطبق على الزمان فهو ليس كما نعتقده بمثابة سهم يسير باتجاه واحد وبانتظام وبإيقاع منتظم أمد الدهر من الماضي إلى المستقبل مروراً بالحاضر. إنه صيغة أخرى للمكان، بمعنى آخر يمكن أن يتحول الزمان إلى مكان والعكس صحيح حسب النظرية النسبية لآينشتين. وهناك قانون في هذه النظرية يقول بتباطؤ الزمن مع السرعة فكلما ازدادت سرعة الشيء تباطأ الزمن بالنسبة لهذا الشيء وهو ما يعرف بمفارقة التوأم، ومفادها لو أن شقيقين توأمين بنفس العمر أحدهما استقل مركبة فضائية تسير بسرعة هائلة قريبة من سرعة الضوء لفترة زمنية قصيرة لنقل شهر أو سنة أو بضعة سنوات معدودة، فعند عودته إلى الأرض يكون قد مر عليه فترة الرحلة فقط أي أسبوع أو شهر أو سنة، أي هو لا يشيخ سوى أسابيع أو أشهر أو بضعة سنين،في حين يكون قد مر على شقيقه التوأم مقابل الأسابيع بضعة سنوات ومقابل الأشهر عشرات السنين ومقابل السنوات القليلة عدة قرون، ويكون هذا الشقيق الذي بقي على الأرض قد مات وترك أحفاده أو أحفاد أحفاده ليلتقوا بشقيق جدهم التوأم وهو بزهوة الشباب. مثلما تقول النسبية أن كتلة الشيء تغدو صفراً عند بلوغها سرعة الضوء وفي حالة تجاوز حاجز سرعة الضوء وهي 300000 كلم في الثانية، فسيكون بإمكان هذا الشيء السفر والترحال عبر الزمن والعودة للماضي أو الذهاب للمستقبل.

من هنا نستطيع القول أن مفردة كون بمفهومها النسبي أعلاه، لا تشمل مجمل ماهو فيزيائي وميتافيزيائي في الوجود اللامحدود. وفي نفس الوقت لايوجد سبب يدعونا للإعتقاد بعدم وجود شيء ما خارج حدود كوننا المرئي المفترضة، كما هو حال المحيط الممتد حيث لا ترى السفن الطافية فوقه ماذا يوجد وراء الأفق الخاص بها، ومن المعقول والمقبول أن نفكر ونعتقد بأن الفضاء لا ينتهي و لا يتوقف عند حدود كوننا المرئي الاعتباطية والنسبية.

وبالإمكان وضع تعريف آخر لمفهوم الكون ليشمل، ليس فقط كل ما هو مرئي أو قابل للرصد والمشاهد والقياس اليوم، بل وكذلك كل ما سيكون ممكنناً اكتشافه في المستقبل البعيد و غير المنظور، بل ويمكننا القول أن مجموع الفقاعات ـــ الأكوان التي تكون فيها القوانين الفيزيائية مماثلة لما يوجد في كوننا المرئي،تدخل في تعريف الكون univers، الذي يبقى، مع ذلك، نسبياً.

فى عام 1954, كان هناك مرشح للدكتوراة من جامعة برنسيتون اسمه هيوغ إيفيرت جاء بفكرة جذرية تقول: أنه توجد أكوان متوازية, بالضبط تشبه كوننا. كل هذه الأكوان على علاقة بنا, فى الواقع وهي متفرعة منا وكوننا متفرع أيضاً من آخرين.

خلال هذه الأكوان المتوازية, حروبنا لها نهايات مختلفة عن ما نعرف. الأنواع المنقرضة فى كوننا تطورت وتكيفت في الأكوان الآخرى. فى أكوان أخرى ربما نحن البشر أصبحنا فى عداد المنقرضين.

هل الأكوان المتوازية فعلا ً موجودة؟ بعض النظريات فى الرياضيات والفيزياء أعطت دليلا ً يدعم مثل هذه الإحتمالات.

هذا التفكير يذهل العقل ولحد الآن ما يزال يتعذر فهمه. الأفكار العامة عن الأكوان أو الأبعاد المتوازية التى تشبهنا ظهرت فى روايات وأفلام الخيال العلمى. لكن لماذا يقوم فيزيائى شاب ذو مستقبل بالمخاطرة بمستقبله المهنى عن طريق تقديم نظرية عن الأكوان المتوازية؟

بنظريته عن الأكوان المتوازية, كان هيوغبت إفريت يحاول الإجابة عن سؤال صعب متعلق بفيزياء الكموم أو الكوانتوم: لماذا تتصرف الأجسام الكمية بشكل غير منضبط؟ إن المستوى الكمىومي هو أصغر ما اكتشفه العلم حتى الآن. دراسة فيزياء الكموم بدأت فى عام 1900, حينما قدم العالم ماكس بلانك هذا المفهوم لأول مرة إلى المجتمع العلمي.

العوالم المتعددة لفيزياء الكموم.

(حسب نظرية العالم هيوغ إيفيريت فإن وقوع أي حدث عشوائي معناه أن احتمال من ضمن عدة احتمالات أخرى قد وقع... مما يؤدي بنا إلى القول أن الاحتمالات الأخرى قد تكون وقعت في أكوان موازية لكوننا... أي أن ھناك كون لكل احتمال من الإحتمالات المتوقعة)

خصائصه: شبيهه بخصائص المستوى الثاني.

الافتراضات: وحدوية الفيزياء.

الأسانيد: 1- دعم تجريبي للفيزياء الوحدوية.

2- النموذج الأبسط رياضياً.

قطة شرودنغر فى الوضع الفائق

المستوى الرابع: تراكيب رياضية أخرى.

خصائصه: معادلات الفيزياء الأساسية مختلفة.

الافتراضات: الوجود الرياضى = الوجود الفيزيائى.

الأسانيد: 1- التأثير غير المعقول للرياضيات فى الفيزياء.

إنّ موضوع تعدد الأكوان هو واحد من أكثر الموضوعات المسبّبة للخلاف في الفيزياء، وقد زاد الخلاف الآن بعد الإعلان الكبير عن اكتشاف أدلة على تموّجات بدائية في الزمكان تعود للإنفجار العظيم، مما يدعم نظرية كوزمولوجية تُدعى التضخم، ومعها يعتقد بعض العلماء بأنّ كوننا هو واحد من ضمن أكوان كثيرة هائمة كفقاعات هوائية داخل زجاجة المشروب الغازي. نقاد فرضية تعدد الأكوان يعتبرونها فكرة غير قابلة للدراسة والفحص، بل وبالكاد تعتبر علم حتّى.جاءت الأخبار الأخيرة من تصوير (BICEP2) في القطب الجنوبي، حيث تمّ الكشف عن آثار في الخلفية المكروية الكونية والتي تعود لما بعد وقت قصير جداً من الانفجار العظيم، والتي تبدو أنها موجات الجاذبية. اعتُبر هذا الاكتشاف مهم جداً، ولكن علماء الفيزياء ينوهون إلى أن التّأكيد من تجارب أخرى مازال مطلوباً.

لو تمّ تأكيد هذا الاكتشاف، فسيعتبر دليل مباشر على نظرية التضخم، والتي ترجح بأنّ الكون تضخم بشكل هائل في أول جزء من النانوثانية بعد ولادته، مما قد يفسر العديد من الخصائص لكوننا، كحقيقة أن الكون يظهر على نحو سلس، حيث تتوزع المادة بشكلٍ متساوٍ في جميع الإتجاهات.

التضخم قد يشير أيضًا أنّ ما نعتبره الكون – كل شيء نراه بأقوى التلسكوبات- يُعتبر زاوية بسيطة من الفضاء، حيث توقف التضخم عن العمل مما سمح بتكثف المواد، وتكون النجوم والمجرات، وتطورت الحياة. لكن في أي مكان آخر، وراء الكون الملاحظ أو المرصود والمرئي، أي فيما وراء الأفق الكوني لكوننا المرئي، قد لا يزال الكون المطلق في تضخم مع فقاعات كونية جديدة تتشكل كلما توقف التضخم في مكان ما.

الكثير من عمالقة الفيزياء اليوم يميلون لهذه الفكرة، مثل آلان غوث وأندرية ليند، رواد نظرية التضخم. بالإضافة إلى الفيزيائي المرموق فرانك ويلكجك الحاصل على نوبل في 2004، فيقول: "أنا أعتقد بأنّ تعدد الأكوان هو نتيجة طبيعية لأفكار التضخم، لو بإمكانك إنشاء كون من بذرة صغيرة جدا، فبإمكان أكوان أخرى أيضا أن تتكون من بذور صغيرة. لا يبدو أن شيء فريد في الحدث الذي نسميه بالإنفجار العظيم. إنه حدث يمكن إعادته ويمكن حدوثه مرة وأخرى وأخرى.إلى ما لا نهاية."

والأهم من ذلك كله هو التطبيقات العملية لفيزياء الكموم أو الكوانتا في مجال البحث العلمي وفي حياتنا اليومية، كموضوع الليزر واستعمالاته المدنية والطبية والعسكرية الذي جرى تطويره من سنوات الستينات في القرن المنصرم، إلى جانب تطبيقات مستقبلية مثل الكريبتوغرافية أو التشفيرية والترميزية والانتقال الفوري الآني تيليبورتيشن والحاسوب الكمومي أو الكوانتي ومختلف الأدوات والأجهزة الالكترونية الحديثة كالهاتف الذكي والجي بي أس GPS أي محدد الأماكن عبر الستلايتات أو الأقمار الصناعية والتصوير الشعاعي الطبي الخ.. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن اللامتناهي في الكبر حيث لابد من عرض وشرح للنظرية النسبية لآينشتين وما أعقبها من نظريات على يد علماء فطاحل من طراز ستيفن هوكينغ وليونارد سيسكند ونظريات من نوع النظرية أم ونظرية الاوتار الفائقة وغيرها، والتي تبحث في المستوى الماكروسكوبي أي النظام الشمسي والنجوم والمجرات والأكوان الأخرى والأبعاد الكبيرة.

 

 

604 Sharifأعلنت دار نشر "أنباوند كونتنت" (UNBOUND CONTENT) في نيو جيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية صدور الترجمة الإنجليزية لديوان "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية" للشاعر المصري شريف الشافعي، وهو الجزء الأول من تجربة شعرية متعددة الأجزاء للشافعي بعنوان "الأعمال الكاملة لإنسان آلي"، كانت قد صدرت خلال السنوات الماضية في أربع طبعات عربية.

تقع الترجمة في 260 صفحة من القطع الكبير، وقد أنجزها الدكتور عمرو الزواوي، مدرس اللغويات والترجمة في قسم اللغة الإنجليزية بكلية التربية جامعة الإسكندرية، وتضم إلى جانب النص الشعري مجموعة من الدراسات النقدية حول تجربة الشافعي، بأقلام نقّاد وباحثين ومبدعين عرب، منهم: الشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا، الكاتب الجزائري سليم بوفنداسة، الشاعرة اللبنانية الراحلة صباح زوين، الكاتب اللبناني الراحل الدكتور جورج جحا، الشاعرة السورية لينا شدود، الشاعر السعودي محمد خضر الغامدي، الكاتب المغربي عبد المنعم الشنتوف، الكاتب المصري الدكتور عادل بدر، إلى جانب حوار صحفي مع الشافعي أجرته صحيفة "الأهرام ويكلي" بالقاهرة.

كان الشافعي قد وقّع عقد نشر الكتاب في أثناء مشاركته في "مهرجان بريدج ووتر الدولي للشعر" (BIPF)، الذي انعقد في يناير 2017 بمقر جامعة بريدج ووتر في ولاية فيرجينيا الأمريكية، بحضور حوالي 80 شاعرًا من الولايات المتحدة ودول متعددة، من بينها مصر. وقد وقعت العقد عن دار "أنباوند كونتنت"، مؤسستها الشاعرة والناشرة الأمريكية أنماري لوكهارت.

عن صدور "إنسان آلي" بالإنجليزية في يناير 2019، وإتاحته عبر موقع "أمازون" العالمي لتسويق الكتب، قالت الناشرة أنماري لوكهارت: "تحمسنا للكتاب كونه غير تقليدي في فكرته وإخراجه، يسعى إلى استكشاف الإنسانية من خلال التكنولوجيا والغوص في تأملات البشر والروبوتات على السواء". وأشارت أنماري إلى حفاظ دار النشر على التنسيق غير المألوف الذي ظهر به الكتاب في طبعته العربية، وذلك "احترامًا لرؤية المؤلف، وحرصًا على إتاحة جدلية بصرية لثيمة العمل: العلاقة بين الحقيقة والعوالم الافتراضية".

ونوّهت صفحة موقع "أمازون" العالمي لتسويق الكتب بانفتاح النص الشعري "إنسان آلي" على تصورات متداخلة تتعلق بالإنسان والآلة والحب والحياة من أجل طرح القضايا القديمة والمعاصرة بأسلوب مبتكر. وكانت تجربة "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" قد اختيرت في وقت سابق للتدريس في جامعة "آيوا" الأمريكية، ضمن منهج قسم الكتابة الإبداعية، ووصفتها إدارة الجامعة بـ"إضافة حيوية إلى قصيدة النثر العربية"، و"نقطة التقاء حميمة بين الإبداع الورقي، والإبداع الإلكتروني".

من جهته، صرح الشاعر شريف الشافعي بأن صدور الطبعة الإنجليزية من "إنسان آلي" إضافة إلى رصيده تعادل إصدار ديوان جديد، طالما أن هناك قراء جددًا سيكون بإمكانهم مطالعة العمل والتفاعل معه ورقيًّا وإلكترونيًّا.

وأشار الشافعي إلى أن الطبعة العربية للكتاب، التي كان يُفترض أن تصدر في القاهرة عن إحدى دور النشر المصرية بالتزامن مع صدور الطبعة الأمريكية قد توقفت، بسبب إخلال الناشر بشروط العقد، وقال الشاعر: "هذا هو الفرق بين الناشر الغربي الأمين الذي يحترم اتفاقاته ومواعيده، ونظيره المصري الذي يتنصل من عهوده بعد توقيع العقد، مكتفيًا بالدعاية والتقاط الصور، ثم يتراجع عن إتمام النشر ويتهرب من دفع التعويض، وسيكون للقضاء كلمته بالتأكيد لتمكيني من حقوقي وتعويضي عن الضرر".

يُذكر أن "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" مجموعة مؤلفات شعرية مكتوبة كلها بلسان "الروبوت" الثائر، الذي يشذّ عن قوانين رفقائه من الحواسيب المبرمجة، فاضحًا سوءات عصره الغارق في التسليع والميكنة والتقنية، وباحثًا عن ذاته الإنسانية المفقودة، النابضة بحرارة، رغم كل شيء، تحت جليد الحياة الرقمية. وعلى الرغم من ضعفها وتلاشيها، لا تزال هذه الذات تحلم بإمكانية استردادها فردانيتها وخصوصيتها، وتمردها على آليات السوق وإيديولوجيا التنميط وتوحيد حركة الروبوتات (البشر) وفقًا لقواعد صارمة، وبرمجيات لا يديرها إلا الريموت كونترول في يد القوة المهيمنة.

كان الجزء الأول من "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" قد صدر بالعربية في ثلاث طبعات ورقية: كإصدار خاص (القاهرة 2008)، وعن دار تالة السورية (دمشق، 2009)، وعن دار سندباد للنشر (القاهرة، 2010)، كما صدر في طبعة إلكترونية عن مجلة "الكلمة" اللندنية (2011). وصدر الجزء الثاني من المتتالية الشعرية بعنوان "غازات ضاحكة" عن دار "الغاوون" اللبنانية (بيروت، 2012).

شريف الشافعي، من مواليد مدينة منوف في عام 1972، وقد صدرت له ثمانية دواوين، منها: "بينهما يصدأ الوقت" (القاهرة، 1994)، "الألوان ترتعد بشراهة" (القاهرة، 1999)، "كأنه قمري يحاصرني" (بيروت، 2013، دار الغاوون)، بالإضافة إلى ديواني: "هواء جدير بالقراءة"، و"رسائل يحملها الدخان" (باللغتين: العربية والفرنسية) عن دار "لارماتان" الفرنسية (باريس، 2014، 2016، ترجمة منى لطيف).

أصدر الشافعي كتابًا بحثيًّا بعنوان "نجيب محفوظ.. المكان الشعبيّ في رواياته بين الواقع والإبداع"، عن "الدار المصرية اللبنانية" بالقاهرة في عام 2006، وقد شارك في ملتقيات ومهرجانات شعرية دولية عدة، منها: مهرجان "لوديف" الدولي للشعر بفرنسا في 2014، مهرجان الشعر العالمي في جامعة "بريدج ووتر" بالولايات المتحدة الأمريكية في 2015 و2017، مهرجان "آسفي" الدولي للشعر بالمغرب في 2013، مهرجان الشعر العربي في صور بجنوب لبنان في 2016، مهرجان الجنادرية بالسعودية في 2017، وغيرها.

ينقسم نص "الأعمال الكاملة لإنسان آلي1" (البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية)، إلى مائتي محاولة للبحث عن نيرمانا، حيث تظهر نيرمانا،  بتيماتها المتعددة، في جميع المقاطع، جنبًا إلى جنب مع الأنا المتحدثة بلسان الإنسان الآلي. وقد تم ترقيم محاولات البحث من 1 إلى 200 كعناوين للمقاطع، وإلى جوار كل رقم صورة لمفتاح البحث الإلكتروني الشهير (SEARCH)، الذي يتم النقر عليه عند إجراء بحث إلكتروني على الإنترنت من خلال محرك ياهوو أو جوجل.

في "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية"، على حد ما يرى الشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا: "لا ركون أبدًا إلى نقطة في الفضاء، وإنما تسبق الذات المتحدثة نفسها، تسبق الاحتمالات والحنايا وتقترب رويدًا رويدًا من الشأن العام، وتطل من الفردي، من المفرد، على عالم من الكثرة".

في الجزء الأول من "الأعمال الكاملة لإنسان آلي"، هناك "200 محاولة عنكبوتية لاصطياد كائن منقرض" (نيرمانا)، ويوضح محرك ياهوو على الإنترنت أن نتيجة البحث عن مفردة "نيرمانا" (Nirmana) هي نتيجة سلبية تمامًا. فكأن الباحث عن نيرمانا، عن الأخرى أو عن ذاته أو عن المفقود (المنقرض) عمومًا، يدرك منذ البداية أنه لن يعثر على ضالته، لكنه يستمر في بحثه رغم ذلك، طالما أن هذا هو المسلك الوحيد الذي يعني التشبث بالحياة.

تقول عبارة الإهداء: "إلى الهواء الفاسد، الذي أجبرني على فتح النافذة". هذه النافذة، أو جسر الخلاص من سوء التهوية، كما يوضح الشاعر شريف الشافعي، قد تكون نافذة حقيقية للإطلال والاكتشاف بشكل مباشر، وقد تكون نافذة إلكترونية (Window) للبحث الإلكتروني، تمامًا مثلما أن "200 محاولة عنكبوتية لاصطياد كائن منقرض" قد تكون محاولات للاصطياد المادي المباشر بمساعدة شبكة خيوط العنكبوت، وقد تكون محاولات افتراضية للاصطياد بالاستعانة بخطوط شبكة الإنترنت العنكبوتية، أي بالاستفادة من تقنيات العصر والملكات المتطورة للروبوت البائس، التائه بين ماضيه وحاضره، والمتشكك في مستقبله المرهون بعثوره على نيرمانا! كذلك، فإن "الأصابع الذكية" التي تطارد نيرمانا، قد تكون رامية إلى تحسسها مباشرة بحاسة اللمس، وقد يكون ذكاؤها الصناعي،الآلي،هو سر نجاحها في تحديد موقع نيرمانا.

ومن خلال رحلات البحث عن نيرمانا، يرسم الروبوت صورة بانورامية لذاته ولعصره في آن، ويضع يده على أبرز المستجدات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية الخ، التي قادت الإنسانية إلى هذا المصير البائس، حيث لا مكان للفرد في معمعة سحق الجموع، وحيث تتم ممارسة كل الأمور والشرور بحساب: الاحتلال والقتل بحساب، الإنتاج والاستهلاك بحساب، المواليد الجدد بحساب، التربية والتعليم والتثقيف بحساب، العمليات الحسابية نفسها بحساب، الخ. وفي مثل هذه الأجواء الجافة القاسية، التي تتم فيها ترجمة كل عناصر الوجود، كل القيم والأخلاقيات، إلى حسابات وأسعار وأرقام، تمتزج رغبة الروبوت في الوصول إلى نيرمانا بالرغبة في مخالفة القوانين الخانقة، كل القوانين، حتى تلك القوانين التي ليست من صنع البشر. وتأتي علاقة الشاعر، الروبوت، بنيرمانا متذبذبة على مدار المقاطع كلها، فهو قد يتشكك في وجودها في بعض المقاطع، ويغلب عليه الظن أنها من بنات أفكاره، وقد يراها بوضوح مع الآخرين في مقاطع أخرى، وقد يراها وحده دون سواه، وقد تمكث معه فترة ثم تختفي، وقد يدرك آثارها أحيانًا ولا يدركها هي، وهكذا تبقى نيرمانا هي اللغز الأبدي الذي لا حل له.

وفي النهاية، وبعد الدوران دورة شمسية كاملة، بعدد أيام السنة الميلادية، يتيقن الباحث أن اصطياد نيرمانا العارية، الحقيقة المجردة، هو بمثابة القبض على الدخان، ومع ذلك، فقد يكون الفشل المتكرر أو "أم الهزائم" هو نقطة البداية من جديد، مثلما أنه نقطة النهاية.

وفي "الأعمال الكاملة لإنسان آلي2" (غازات ضاحكة)، المكتوب بلسان الروبوت المتمرد ذاته، تستدعي التجربة الغاز المعروف بالغاز المضحك أو غاز الضحك (أكسيد النيتروز)، وهو غاز يؤدي استنشاقه إلى انقباض عضلات الفكين، وبقاء الفم مفتوحًا كأنه يضحك (دون بهجة حقيقية بطبيعة الحال)، وكان يستخدم في حفلات الأثير المرحة (نسيان الألم)، والآن صار يستخدم في التخدير، خصوصًا في جراحات الأسنان والفم.

وتأتي لوحة الغلاف في السياق ذاته، حيث يضحك وجه بارد (يتخذ هيئة شاشة كومبيوتر) ضحكة آلية مصطنعة، وذلك في مواجهة الضحكة الإنسانية الصافية (الابتسامة الأورجانيك، بتعبير إحدى القصائد). وعلى ظهر الغلاف هذا المقطع: "لستُ صاحبَ مواهب استثنائيّةٍ/ صدِّقوني/ أتدرون: كيف عرفتُ/ أن هذه اللوحةَ لوحةٌ زائفةٌ؟/ لأنها ببساطةٍ لَمْ تكتشفْ/ أنني لحظة نظري إليها/ كنتُ إنسانًا زائفًا".

يتحرر الآلي في "غازات ضاحكة" من سطوة نيرمانا (أيقونة الجزء الأول: البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية)، منخرطًا في (حالات إنسانية) متتالية ومتشابكة في آن، ينشد فيها الطزاجة والبدائية والدهشة والصدق، ويتطور الإبصار الكشفي لديه مع تتالي المقاطع إلى رؤية كلية شاملة، وفلسفة شفيفة تغلف النص.

الحالة الأولى، كما يشير الشاعر شريف الشافعي، هي حالة الألم (معسكر السوس في ضرس العقل الإلكتروني)، وتؤدي إلى البحث عن مسكّن أو علاج. تليها حالة التخدير (استنشاق الغازات)، بما فيها من ابتسامات بلاستيكية (بلون القطن الطبي)، وتواصل باهت مع الآخرين (من الزوار المعقّمين). ثم تأتي حالة غيبوبة الآلي، وفيها تتضح هلوسات وأحلام الإنسان الطامح إلى التخلص من برامج التحكم، والارتداد إلى صورته الطينية، والانطلاق الحر نحو جاذبية الأرض، والتحليق في السماء. ثم حالة الموت (الموت في الهواء الطلق: هواء طلق)، التي تجسد انتصارًا لإرادة الحياة الحقيقية لدى الإنسان الحقيقي على قوة أجهزة الإعاشة الجبرية للإنسان الآلي في المستشفى.

ويظل شعاع الأمل يداعب المشهد، حيث تنظر (المرآة المتهشمة) إلى طيف الإنسان الحقيقي، فإذا بها (ترى كلَّ شيءٍ، ويعود العالَمُ). ثم يأتي المقطع الختامي بحصاد اكتمال رحلة الرفض والتمرد، حيث فهم كيمياء الوجود، وصيد الجوهر، وامتلاك الماهيّة. 

من أجواء (الأعمال الكاملة لإنسان آلي1) نقرأ هذه المقاطع المتفرقة (على لسان "الروبوت")، وهي تمثل محاولات متكررة لإجراء بحث إلكتروني (سيرش) عن "نيرمانا"، وحصيلة البحث دائمًا "صفر":

لَمْ أكن محتفظًا بقدْرٍ كافٍ من التركيزِ

ربما بسبب آلام الظهرِ،

التي زادت حدَّتُها مع طول فترات الجلوسِ

في المكتب وفي المنزل

لذلك أخطأ إصبعي في نَقْرِهِ لوحةَ المفاتيحِ

كتبتُ "Normal" بدلاً من "Nirmala"

هنا ابتسم مُحَرِّكُ (Yahoo) بحنانٍ مفرطٍ

نساءُ الأرض كلهن زُرْنَنِي في تلك الليلة

طيورُ الزّينةِ كلها دَاعَبَتْ مُخِّي بلطْفٍ

كان أمرًا محرجًا حقًّا

أن أتثاءب عدة مراتٍ

بل أنام فعلاً

قبل أن أوزّعَ الحلوى على ضيوفي

مع أن الكَرَمَ من كروموزوماتي الوراثيّةِ!

*     *     *

مثلما تحضرينَ بسهولةٍ في ضميري

(الذي لا محلَّ له من الإعرابِ)

على ظهر أحدِ الأفيال الْمُسَالِمَةِ،

تتسرَّبين أيضًا بسهولةٍ في مسامِّ جِلْدِي المتشقِّقِ

تتشَّرَبُكِ ذرّاتي المترابطةُ

المتعطّشةُ إلى التحلُّلِ

في الجيرِ الحيّ

*     *     *

راقتْ لي مدفأةُ الفحمِ

ورائحةُ البخورِ القادمةُ من عند الجيرانِ

فَضَّلْتُ تأجيلَ قَلْيِ السمكِ إلى المساءِ

كي لا يحرقَ الزيتُ المتطايرُ

فراشةً هائمةً في قفصي الصدريِّ

*

تَوَقَّعْتُ حُلْمًا بديعًا في تلك الليلةِ

خصوصًا بعد أن قررتُ النوم بدون عشاءٍ

وبدون غطاءٍ

*

بالفعل

طَلَعَتْ نيرميتا من الشَّرْنقةِ

وراحتْ تُطقْطقُ عُنقَها بدلالٍ عدة مراتٍ

وأنا أُصَفِّقُ لها بحرارةٍ

*     *     *

أقودُ سيارتي منذ عشر سنواتٍ

 ببراعةٍ حَسَدَتْنِي عليها الطُّرقُ

*

المفاجأةُ التي عانَقَتْنِي

أنني فشلْتُ في اختبار القيادةِ،

الذي خَضعْتُ له خارج الوطنِ

*

الضابطُ أخبرني

أنني أطلْتُ النظرَ إلى المرآة

صَارحْتُهُ بأنني معذورٌ في الحقيقةِ

كانت نيرمانا جالسةً في المقعدِ الخلفيِّ!

*

رغم عدم حصولي على الرُّخْصَةِ

شَعرْتُ بسعادةٍ لا تُوصَفُ

لأنني تَمَرَّنْتُ على قيادة ذاتي

في المشاوير الاستثنائيّةِ

*      *      *

تتمنّى ساعةُ القلبِ

لو تُخْطِئُ التوقيتَ مرةً واحدةً

فتدقّ دقّتينِ مثلاً

في تمامِ الواحدة!

*

هذا ليس معناهُ أنني أرغبُ في امرأتينِ

- حاشا -

الله يشهدُ أنني مصابٌ بالتُّخمَةِ من النّسَاءِ

كلّ ما في الأمر،

أنني أودُّ طَمْأَنَةَ نيرمانا

أن كواكبَ المجرّةِ، وإلكتروناتِ الذّرّةِ

من الممكنِ ألا تنتظمَ في دورانِها

*      *      *

يَعرفُ الهاتفُ أنها هِيَ

فيخجل من حرارتهِ المرفوعةِ مؤقَّتًا

وينبض بحياةٍ

لا تتحمَّلُها أسلاكُ أعصابي

 

نيرفانا

"صباح الخير" من شَفَتَيْها كافيةٌ جدًّا لأتساءلَ:

"كيف سأتحمَّلُ رائحةَ البشرِ أمثالي

 بعد أن غمرني عِطْرُ الملائكةِ؟!"

*

"تصبح على خيْرٍ" من عينَيْها صالحةٌ جدًّا

لزرع الفيروس اللذيذِ في عقلي الإلكترونيِّ الْمُنْهَكِ

وَمَحْوِ خلايايَ السليمةِ والتالفةِ

*

لماذا لَمْ تظهرْ نيرفانا

في الصورةِ الديجيتال التي الْتَقَطتُها لها؟

وهل حقًّا أنا عندي هاتفٌ؟!

*      *      *

لستُ بحاجةٍ إلى ارتيادِ الفضاءِ

بعد أن امْتَلَكْتُ أكثرَ من ألفِ فضائيّةٍ

في حجرة نومي

(ربما هذه الفضائياتُ هي التي امْتَلَكَتْنِي

وَأَسَرَتْ آدميَّتي بصورها المتلاحقةِ)

*

لا أزالُ بحاجةٍ إلى ارتيادِ "نونا"

والغوصِ في أنسجتها ببذلةِ الفضاءِ

بعد فشلِ الطَّبَقِ والدّيكودر

في التعامل مع إشاراتِها القريبةِ والقويّةِ

*      *      *

أحضرُ عادةً مسابقاتِ الجمالِ

للتأكُّدِ من أن الذي أبحثُ عنه ليس موجودًا

*

أحضرُ عروضَ الأزياءِ

للتأكُّد من أن العُرْيَ التامَّ لا يزالُ أفضلَ

*

أحضرُ جولاتِ المصارعةِ

للتأكّدِ من أنني الألَمُ الذي يفوق احتمالَ البشرِ

*

أحضرُ المناسباتِ العائليّةَ

للتأكد من أن هناك أيامًا

بطعمِ فصولِ السّنةِ الأربعةِ

*

أَحْضُرُ حَفْلاتِ توقيعِ نيرما كُتُبَها الجديدةَ

للتأكّدِ من أنني كتابُها القديمُ جدًّا!

*      *      *

الجلبابُ الأخيرُ،

الذي نَزَعْتُهُ عن حبيبتي الْمُسَمّاةِ "نتيجة الحائطِ"

أصابَنِي بِأُمِّ الْهزائمِ

حيثُ ذَكّرنِي بـ365 يومًا من الفشلِ

حاوَلْتُ خلالها اصطيادَ نيرمانا العاريةِ

***

د. عبد السلام فاروق

 

جاسم العايفترجم هذا الكتاب، ونشر في أكثر من عاصمة عربية، وألهب الخيال لسنوات مضت، وإذ يعاد طبعه من قبل دار(المدى)*، فلا يعني، ذلك حثّاً للخيال، قدر ما يعني استعادة ذلك الموقف والمصير الإنساني الفاجع والمؤرق، الذي يتشابه كثيراً مع مصائر مئات الآلاف من العراقيين المغدورين والعراقيات أيضاً، كما ويتشابه فيه القتلة كذلك، بغض النظر عن الزمان والمكان . فإذا كان الفاشست قد سلبوا حياة (يوليوس فوتشيك) الصحفي والقاص والفنان، فان ورثتهم وفي زمن عشناه وعاشه غيرنا ولازال ممتداً، منذ إعصار 8 شباط 1963 وفواجعه الدموية، فأنهم قاموا ويقومون بذات الأفعال أو بالأدق تجاوزوها كثيراً، وهم الورثة بلا منازع لكل ما هو دنيء وخسيس ومهين في التاريخ. فإذا كانت (جوستافو تشيكلوفا) زوجة (فوتشيك) ظلت تبحث طويلاً عن جثة زوجها، بلا جدوى، فإن الآلاف من العراقيات والعراقيين، لا زالوا حتى اللحظة يسعون للبحث وبكل الوسائل المتاحة في كل مدن وقصبات العراق التي تطفو على المقابـر الجماعية، وسيظل سجلها مفتوحاً ولن يغلق قطعاً، ولم يجدوا غير بقايا عظام بشرية مفتتة، وجماجم لأطفال رضع وصبيان وشباب وشابات وعجائز وشيوخ، ثقبها رصاص الموت الصدامي، وحل بدلا عنه، في سنوات قريبة جداً منا رصاص القتل أو الذبح وبالتلازم مع الحقد الديني- الطائفي - السياسي،على مجرد الاسم، الذي يحمله الإنسان دون اختيار منه، أو منطقة السكن، وبعضه لا زال مستمراً للقصاص من العراقيين دون ذنوب أو آثام وحتى خطايا. والقليل من أولئك العراقيين المنقبين والمنقبـات مَنْ حالفه الحظ حينما فاز أو سيفوز، بعلامة باقية ـ صدفة ـ من عزيز أو حبيب، ابن أو أخ، زوج أو أب، صديق أو رفيق.

في شوارع (براغ) عام1943، يسرع رئيس تحرير صحيفتــي (رودي برافو) و(تفوريا)، القائد الشيوعي، الشاب (يوليوس فوتشيك) متخفيــاً بهيئـة، عجـوز أعـرج، ليدخـل منزل صديقه الحميم (جيلينيك) حيث الأصدقاء والصديقات، والرفيقات والرفاق، وينغمر معهم في بهجة الصداقة والوفاء، والعمل السري والتحدي، وقبل مغادرته تصرُّ ربة المنزل على أن يشرب الشاي النادر في ذلك الوقـــت، ليطــرد عن جســده النحيــل برودة وصقيع(براغ)، عندها يقتحم (الفاشست) المنزل. كان بإمكانه المقاومة وإطلاق النار من مسدسه،أو حتى الانتحار، إلا انه نظر لأطفال العائلة، والذين سيقتلون عند أي بادرة منه للمقاومة، وإزاء صراخ ورعب الأطفال والنساء، قرر الاستسلام . لم يكشف عن هويته الحقيقية، وهو المطارد والمتخفي بهوية منتحلة،ولكن أنى لهم اكتشافها؟. قاموا بتعذيبه، فلم يتمكنوا منه واستمروا طويلا في ذلك، وبكل الوسائل:"هل انتشر النور أم ما زالت الظلمة جاثمة ؟. لم تجب النوافذ، والموت يأبى القدوم حتى الآن.. فالضربات تسقط الآن متقطعة، ما بين فترات طويلة، وما عاد الأمر سوى روتين"، وبعد أيام متصلة بالليالي، مغلفة بالوحشة والآلام والتعذيب بحده الأقصى: " لقد استغرقت طويلاً أيها الموت حتى تأتي" . في لحظـــات الصفــاء الإنساني والتقــاط الأنفــاس المغلف بالكبــرياء والتحدي، وبصدق المصير الشخصي الفاجع،يتوجه (فوتشيك) إلى والدته ووالده، وزوجته وابنته، ورفاقه، وكل معارفه، بأن لا يرتبط الحزن لديهم بمصيره وباسمه: "إذا كنتم تعتقدون أن بوسع الدموع أن تغسل تراب الأسى، فلتبكوا إذن، ولكن لبرهة لا غير، ولسوف تسيئون لي لو وضعتم ملاك الحزن والأسف على قبري". مع تواصل التعذيب، يعتقدون انه انتهى (فتكرموا) عليه بشهادة الوفاة؟!. وحينما فحصه طبيبهم، مزّق الشهادة مؤكدا لفرق التعذيب: "أن له روح حصان"!!. بعد أسابيع، غدا هيكلاً عظمياً ناتئاً وحين قدموا له حساء يوم الأحد لم يستطع تناوله:" ذلك أن لثتي التي سُحقت تماماً، لا تمكنني من مضغه، وبلعومي يرفض ابتلاع أية لقمة مهما كانت لينة"!؟. في ليل المعتقل، وفي وحشة الزنزانة الانفرادية وبردها، وإزاء محاولتهم تدمير جسدك، ودحرك بضعفه ورهافته، مَنْ ترى سيناجيك..!؟ ليغدوَ نديمك.. قوة الروح .. نداء الحرية العذب والتي لا أسوار أو حدود لها، أم بوحها العلني والخفي تارةً، مَن غيرهما ومَنْ سيقدم إليك ويناديك..!؟. سجان فاشستي (ببدلةS - S)؟. أم صاحب البدلة الزيتوني، ومسدسه (طارق)؟. أم المخبر السري؟. أم الملثم الطائفي وكاتمه؟. أم الموت الذي لا بدلة أولون له؟.بعد يأسهم منه تماماً، حُمل على نقالة إلى مكان أسوأ، نحو قصــر (بينسيك)، شبيهه (قصر النهاية)، الذي تناسلت في العراق، منه أماكن عدة ولا حصر لها. كان مطوقاً بالحرس والبنادق، والمسدسات. في أوراقه التي هرّبها من السجن، والتي غدت مادة الكتاب، يخاطب (فوتشيك) الذين سيجتازون المحنة، ويطالبهم بعدم النسيان وجمع بيانات الضحايا، لأن الحاضر سيكون ذكرى، وان كل الضحايا بشر لهم أسماء وقسمات وآمال وأحلام وتطلعات إنسانية مشروعة وبسيطة جداً. وقبل النهاية يكتب وصيته: " لم املك غير مكتبتي، وهذه دمرها الفاشيست". ويتحدث عما كتب في السياسة وعن دراساته في الأدب والفن والمسرح وقصصه ومخطوطاتها التي صودرت، ثم يتوجــه بحب كبيــر للشاعــر التشيكي اللامع (جان نيــرودا)، مع اختلافه فكرياً معه، ويرجو المؤرخ الأدبي والذي سيأتــي، حتماً، في المستقبــل: "أوصي بمحبتي لـ (جان نيرودا) انه أعظم شعرائنا ممن ظلوا يستشرفون المستقبل أبعد منا". ويكتب بحس إنساني وفني متألق عن تفاصيل كبيرة وصغيرة، عـن حياة السجن والسجناء، والرفيقات، والرفاق، وعن السامري، والشمام، وكوكلار، وروسلر، و(هذا) وعن (أنجيليكا) والتي كانت تعمل خادمة في يوم ما، وظلت تتمتع بالأناقة والبهاء والتألق والصفاء،حتى وهي تسيرُ فجر يوم ربيعي إلى الشنق حتى الموت، ومدير السجن الوحش ونقيضه، الأب (سكوبا) التقي الطاهر الورع، الذي مرت بين يديه وعبر رداءه الكهنوتي مئات الرسائل السرية، التي لم تُكتشف والذي يعرف كيف ومتى وأين يبث العزيمة والصلابة وتستطيع نظراته الأبوية المُخلصة، الصادقة، العميقة، الحانية، أن تمنح القوة والعناد، أنساناً ما يوشك أن ينهار من اليأس، والذي يدرك ذلك ويعرفه برهافة حسّه وخبرته. عندما يوقــن (فوتشيك) أنهـم غــداً، ومـع الفجر سيعدمونه، يكتب:" أقترب دوري من نهايته، هذه النهايــة، لم اكتبها بعــد وهو أمر لا اعرفه تمامــاً، لم يعد دوراً، بل الحيــاة، وفي الحياة ليس هناك متفرجون .. الستارة تنسدل .. أيهــا الناس .. لقد أحببتكم .. كونـوا يقظين"!!.

 

جاسم العايف

...............................

*ترجمه مصطفى عبود - وقدم له فخري كريم- عام 1978 - منشورات دار الرواد- بغداد، وتم توصيفه تحت مسمى (ريبورتاج). بعدها مباشرة غادر (مصطفى) العراق، وأستقر في براغ، ثم توفى ودفن فيها بتاريخ 30 تشرين الثاني 1985. منذ أواسط الخمسينيات عرف بمساهماته الجادة في المشهد الاجتماعي - الثقافي العراقي, وبعد 8 شباط 1963 أمضى سنوات في (نقرة السلمان). وتميز بنشاطه الثقافي المتنوع بعد الربع الأول من عقد السبعينيات. ترجم ونشر في دمشق عام 1981 (عاصفة الاوراق) لـ(ماركيز)، وترجم كذلك (حول الدور القيادي للماركسية.. في السياسة الثقافية) لـ(جورجي اتزل) - منشورات مركز الابحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي.

 

محمد سعيد صمدي"رسالة راهب فرنسا ورد القاضي أبي الوليد الباجي عليها"، تأليف: يونس إمغران

إن من جميل الاحتفاء بالجديد في عالم النشر والبحث العلمي، هو الانتقاء الموفَّقُ لِما يصدر للناس في بحر لُجِّي من الإصدارات والسرديات، وفي هذا الصدد أصدر الباحث الطموح يونس إمغران باكورة أعماله التي تندرج ضمن تراث أدب الجدل والحوار بين الأديان في الفكر العربي الإسلامي. والمتتبع الباحث في تراث الحوار الديني يجده يحبُل بالمادة العلمية الغزيرة التي صُنِّفت في أقطار وظروف شتى، ما بين الرسائل القصيرة والمصنفات الطويلة؛ لنتأمل هذا السبب الذي دفع قسيسا لتأليف كتاب في التبشير والدعوة للمسيحية:" تذكر بعض المصادر والبحوث أن الكنسية الهولندية اتهمت القسيس النصراني الهولندي(هوكو كروتيوسHugo Grotius) بالتهجم عليها، فنبذته عنها، وحكمت عليه بالحرمان والسجن، مما حدا بهذا القسيس إلى تأليف كتاب يبرئ فيه ساحته عما اتهمته به الكنيسة من الارتداد عنها، فألف كتابا نظمه شعرا باللغة الهولندية: حقيقة الديانة النصرانية"[1]

 والتأليف[2] الذي نقدمه اليوم للأستاذ الباحث يونس إمغران" دراسة تحليلية تاريخية مقارنة بين عقائد النصرانية والإسلام" لنصين فريدين عبارة عن رسالة بابوية من راهبٍ فرنسي لأحدِ أمراء الأندلس والعالمِ الفلكي، حاكمِ سرقسطة المقتدر بالله بن هود السرقسطي (ت473هـ)، والنص الثاني رسالة الردِّ التي كُلِّفَ بها عالمٌ نِحريرٌ مُبَرَّز هو أبو الوليد سليمان الباجي الأندلسي (403 ـ 473هـ).

وكما قال صاحب الكتاب ليس الهدف هو نشر الرسالتين وتعميم فائدتهما؛ فقد نشرتا سابقا، إلا أن الكاتبَ شُغِف بعلم مقارنة الأديان وأليات التناظر والمحاججة فآل على نفسه أن يُعيد إحياء هذين النصين ووضعهما تحت مشرحة المختبر التفكيكي التحليلي، ليخلُص إلى" جدوى الاهتمام بعلم مقارنة الأديان، والدروس التي يمكن استخلاصها من مقاربة الجدل الديني القديم في ظل تطوره اليوم منهجا ورؤية وغاية، وعن الآفاق التي ينبغي للعالمين الإسلامي والمسيحي التفكير فيها لإنهاء حالات التوتر والمواجهة بينهما فكريا ودينيا وعسكريا."[3]  

وهكذا قسم الباحث عمله إلى بابين، تناول في الباب الأول الجدل بين التاريخ والدين، مع اهتمام خاص بالجدل الديني في الأندلس خلال القرنين الرابع والخامس ونظرة أوربا المسيحية القروسطية للدين الخاتم الإسلام، وخص الباب الثاني للقراءة التحليلية للرسالتين ومنهج كل واحد منهما في الكتابةِ والردِّ والإفحامِ، على اعتبار أن هذا اللون من الكتابة والتحبير يقتضي امتلاك آليات ضبط منطلقات الآخر/ المخالِف ومرجعياته ومقولاته ومعجمه لإفحامها واحدة واحدة، وعدم التغاضي عن المتناقضات والمصطلحات الدقيقة الموظَّفة ذات المعنى الاصطلاحي المحدَّد والذي لا يجوز تفويته في التضليل والتلبيس والتغليط خاصة لعامة الناس.

لهذا كان التناظر والمحاججة في أدبيات الرد على المبشرين مما يتصدى له ذوو الكفاءة والرسوخ والتجربة والأدب اللائق؛ وهو ما تُنْبِئ به مطالعة كتبهم ورسائلهم. يقول أبو الوليد في طالعة رسالته وهو يرد على الراهب الفرنسي الذي عاود كرَّة التبشير لحاكم سرقسطة:"... وقد كان ورد علينا قبل هذا كتابك... فقصدنا الرفق والتأنيس لك، وكان ذلك أفضل ما روجع به من تُرجى عودتُه وتُنتظرُ إنابته وفيأته، فإنما يُستعمل الإغلاظ لمن يُتَيَقَّنُ عناده ويتبين إصراره ولم يُرجَ انقياده؛ ونحن نرجو أن نرفعك عن هذه المحطة... ولما تكررت علينا رسائلك ووسائلك تعيَّنت علينا مفاوضتُكَ..."[4] وبما أن المشافهة والمواجهة أبلغ من الكتابة والمراسلة فإن أبا الوليد تمنى للراهب أن يصل بلدة سرقسطة قصد مقابلته شخصيا لبناء الفهم الصحيح، وإزالة التلبيس يقول:" ولوددنا أن الله ــ بفضله ــ يُيَسر لك الهجرة إلينا والمثول لدينا، فتسمعَ الكلام على حقيقته في معاني هذه الألفاظ، ونقيم وجوههنا واستعمالها على ترتيبها، وتسمع الكلام الإلهي على الحقيقة، كلام رب العالمين..."[5]

وهنا تستوقفنا ملحوظة قمينةَ الذكرِ والاستحضار، وهي أن الرسالة التبشيرية موجهة لأمير سرقسطة وهو مَن هو في السياسة والحكم وعلوم الفلك، ومع ذلك أسند الأمر لأهله وانتقى لهذه المَهَمَّة من رأى فيه كفاءة الرد وقوة الجواب أبا الوليد الباجي، هذا الرجل الذي يقول عنه صاحب الكتاب الأستاذ يونس إمغران:"ويعد القاضي أبو الوليد الباجي من أشهر رجال المذهب المالكي في المغرب والمشرق، وأكثرهم شرحا وتبسيطا لأصول هذا المذهب وقواعده... ولعل مكانة الباجي في العلم والقضاء رشحته لأن يلعب دورا في إصلاح ذات البين بين حكام الطوائف بعد عودته من رحلته المشرقية العلمية، غير أن هذا الدور لم يأتِ أكله بفعل الدرجة العالية التي كانت عليها إمارات الطوائف من الفوضى والاضطراب والتناحر"[6]

نفهم من هذا أن الباجيَ كانت يتصدى لأصعب المَهمات وأعقدها لِمَا كانت تتميز به شخصيته العلمية والتواصلية، وللمكانة التي حظي بها ببلاد الأندلس بخاصة.

إنني أدعو القارئ الكريم لمطالعة هاتين الرسالتين اللتين كُتِبتا في القرن الثامن الهجري وبالضبط سنة 785هـ، للوقوف القريب على مكونات الرسالتين ومادتيْهما والفوارق التي سيستنبطها القارئ كما وكيفا. كما أن دراسة الأستاذ الباحث يونس إمغران تتميز بمقاربة تحليلية لكلتي الرسالتين، حيث أعملَ فيهما نظرَه ونقدَه بناءً على ثقافة شرعية وأدبية(لغوية) وعَقدية ضرورية أهَّلتْهُ لاقتحام حقل الحوار بين الأديان، ودفع تسويق الأوهام في دروب هذا الميدان.

 

قراءة وتقديم: الدكتور محمد سعيد صمدي

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بطنجة

..........................

[1] محمد السكاكر محقق كتاب منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب لعبد العزيز بن مُعمر(ت1233)1/67. طبع في جزأين/ط2/1999/ الرياض/ مطابع الناشر العربي.

[2]  صدر في 258 صفحة من الحجم المتوسط/ الطبعة الأولى 2018/مطبعة سليكي إخوان/طنجة

[3] رسالة راهب فرنسا: 21.

[4] رسالة راهب فرنسا: 218

[5] نفسه: 220

[6] نفسه: 141

 

عبد السلام فاروقكتاب جديد يفسر أسباب نجاة "بشار الأسد"

بعد قرابة ثمانية أعوام من الدعوات للإطاحة بالرئيس السوري، سلم وزير الخارجية البريطانية جيريمي هنت، للمرة الأولى، بأن الدعم الروسي للنظام السوري يعني أن بشار الأسد سيظل في السلطة.

وسبقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي صرح في ديسمبر الماضي عن سحب ما تبقى من القوات الأمريكية في سوريا وقوامها ألفا جندي، تاركا الأسد في السلطة ووجودا عسكريا إيرانيا كبيرا فاعلا في سوريا.

عدد من الدول العربية، سلمت أيضا بأن الأسد نجا من حرب أهلية استمرت ثماني سنوات وأعادت- أو تستعد لإعادة- فتح سفاراتها في دمشق. على رأس هذه الدول السودان والإمارات والبحرين والكويت وموريتانيا.

لكن هل بشار الأسد، الوحش الذي طالب الغرب يوما بقطع رأسه، ظل في السلطة فقط بسبب الدعم الذي يتلقاه من روسيا؟

استمرار قبضة الأسد على السلطة تؤكده جقيقة أخرى أعلنها ترامب حين قال في أوائل يناير الجاري أن إيران "تفعل ما يحلو بها في سوريا". واعتبر ترامب أن سوريا ليست ذات نفع بالنسبة للولايات المتحدة "لأننا نتحدث عن رمال وموت، ولا نتحدث عن ثروة طائلة".

لكن الكاتبين المصريين "أشرف علام وصلاح صابر" يقدمان صورة أكبر ويعرضان لعوامل أخرى تفسر بقاء الأسد في السلطة في كتابهما الصادر باللغة الإنجليزية بعنوان

"Assad's survival: The Symbol of Resisting the Arab Spring".

أو "بقاء الأسد: رمز مقاومة الربيع العربي" باعتباره الرئيس الوحيد الباقي في السلطة من بين خمسة رؤساء شهدت بلادهم ما يسمى بثورات الربيع العربي وهم رؤساء تونس ومصر وليبيا واليمن.

الكتاب الصادر عن دار "لمار للنشر والتوزيع" يقدم إجابة عن سؤال رئيس: ما هي العوامل التي سمحت ببقاء نظام بشار الأسد رغم الحرب الأهلية التي استمرت كل هذه السنين؟ 

وللإجابة عن هذا السؤال، درس الباحثان كلا من بنية النظام السوري من الداخل والسياق الإقليمي والدولي. وخلص الباحثان إلى عدد من العناصر المحلية والإقليمية التي مكنت بشار من البقاء في السلطة.

على المستوى المحلي، استمر بشار في التعويل على دعم جماعات المصالح والمجموعات الطائفية. فقد واصل أغلبية العلويين دعمهم لبشار. كما أن قوات الأمن والجيش كانت تقف في الصدارة دفاعا عنه.

وظلت عائلة الأسد في السلطة لأسباب من بينها التضامن بين أفرادها لا سيما بوضع نفر منهم في مراكز السلطة.

في المقابل كانت قوى المعارضة السورية منقسمة بشدة ولم تظهر وحدة في هدفها ولم تكن تكن تحت قيادة موحدة. كما أن تنوع المعتقدات الدينية والجماعات العرقية في المجتمع السوري تسبب في حال من التفتت وأثر سلبا على الانتفاضة السورية. كما أن مسألة التدخل الأجنبي عمقت الخلاف السني الشيعي.

وارتكبت الانتفاضة السورية عددا من الأخطاء فهي لم تمنح الأقليات فرصة الانضمام وهو ما جعلها تصطف مع نظام الأسد. كما كون بشار مجموعة منتقاة باختياراته للمناصب الرفيعة، اختارهم بعناية من الدائرة الضيقة لعائلته علاوة على مؤيديه من الشيعة.

علاوة على ذلك، فإن النظام التراتبي للحكومة كان له دور حاسم في استمرار النظام السوري ذي القبضة الحديدية. وبناء على الخصائص الشخصية لقائده، كانت تصدر كثير من قرارات النظام السوريولا أدل على ذلك من أن السمات الشخصية لبشار انعكست على إدارة الصراع وحولت الانتفاضة السورية إلى حرب أهلية.

إقليميا، استفاد نظام بشار من الانقسامات وحال عدم اليقين بين دول المنطقة تجاه الوضع في سوريا. فدول الخليج انتقدت جملة بشار على خصومه السنة، في حين أن دولا عربية أخرى كانت كارهة للضغط على بشار ومتخوفة من مآلات ذلك على سوريا.

الآن وبعد قرابة ثماني سنوات، زالت الأخطار الرئيسة من على رقبة النظام السوري. لكن على الرغم من هذا التمني لم ينته الصراع في سوريا بعد وما زال ثلث البلاد خارج سيطرة النظام.

إن الفرضيتين اللتين وضعهما الباحثان ثبت صحتهما. فقد طور نظام بشار خبرة في التعامل مع الضغوط المحلية والدولية سمحت له بتحمل ضغوط الحرب الأهلية.

وكان السياق الإقليمي والدولي في حال من التفتت والافتقار إلى العزم والحسم لا سيما في الإدارة الأمريكية ما سمح للأزمة السورية بأن تطول دون تسوية في الأفق لأكثر من سبع سنوات. ولم يكن الفائز الوحيد من ذلك في نهاية المطاف وبوضوح إلا بشار الأسد.

 

عبد السلام فاروق

 

74 majed200المهيمن الرمزي: في الفصل الخامس من الباب الثاني يتطرق الباحث الغرباوي إلى مسألة (المهيمن الرمزي) في النص التراثي، وهي مسألة على درجة عالية من الأهمية والخطورة معاً، على اعتبارها تشكل البعد السياسي في الخطاب التراثي منذ وفاة الرسول حتى اليوم. ممثلة في قضية الإمامة والخلافة. متكأً في رؤيته هذه على مقولة للشهرستاني في كتابه (الملل والنحل)، حيث يقول: (وأعظم خلاف بين الأمة هو خلاف الإمامة، إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان.). (33). وهو الخلاف الذي مزق الأمة كما يقول الباحث، وقطع أشلاءها، حتى ضمرت معالم الدين، وتعددت قراءاته وفهمه تبعاً لهذا الانقسامات. علماً أن هذه الانقسامات والصراعات لم تزل حتى هذا التاريخ تحكم سلوكهم وثقافتهم وموقفهم من الحياة والدين معاً. بل وستبقى الفرقة الناجية بعد أن اكتسى هذا الصراع لباس الدين، وانقلبت وجهته من صراع سياسي على السلطة إلى صراع ديني، بكل مفرداته الطائفية والمذهبية، كدليل على صحة هذا الصراع أولاً كونه مشروعاً ضد من حرف الدين برأي كل فرقة اتجاه الأخرى، وثانياً كدليل على احتكار الحقيقة عند من يدعي الحقيقة من هذه الفرق، مهما تظاهر المختلفون وعقدوا الندوات لتجاوز هذا الخلاف في عصرنا الحاضر. وبناءً على هذه المعطيات سيظل النقد العقلاني وحده هو من يستطع مواجهتها وتحطيم بنيتها الملغومة بكل مبررات الصراع وعرقلة تقدم هذه الأمة وإعادة بنائها من جديد على أسس الدولة المؤسساتية والمواطنة، أو ما يمكن تسميته بالدول المدنية.

كما يتطرق الباحث في هذه الفصل إلى مسألة (الرسالة والسلطة) محاولاً أن يبين عجز الدين بكل ما يحمل من قيم إنسانية نبيلة أن يحطم سلطة العشيرة والقبيلة، التي باسمها تجلت إشكالية من هو الأحق بالخلافة، فقبيلة قريش وانتساب الرسول لها، أخذت السلطة أو الخلافة لها. وباسم الدين نفسه فيما بعد انشقت قريش إلى بيوت وكل بيت يدعي بأنه هو الأحق بها، كالبيت الأموي والعباسي والعلوي. وهكذا يتبين لنا كيف أن السلطة بُررت دينياً وبالنص الديني، وباسم الدين نفسه ظهرت الصراعات الطائفية والمذهبية، وكل الحروب التي بدأت مع حروب الردة وصولاً إلى الحروب التي تجري اليوم على الساحة العربية في العراق واليمن وسورية. وإن الإسلامي السياسي المعاصر نفسه في أحزابه وفرقه قام على الدين والحاكمية الله بدل حاكمية الكفر الوضعية. (34).

النص وأدلجة الخطاب:

في الباب الثالث من الكتاب يتناول الباحث والمفكر الغرباوي قضية (النص وأدلجة الخطاب) حيث يرى هنا: بأن (الطقوس ممارسة رمزية تجري في أجواء خاصة، تعبيراً عن مشاعر تضيق بها اللغة، فتلجأ إلى حركات وإيقاعات، ترافقها انفعالات رمزية، تعطي للحدث قيمة قدسية، وهي إحدى تجليات الروح الاجتماعية عند الإنسان، ابتدأت عفوية، ثم مع مرور الأيام اكتسبت دلالات دينية واجتماعية وثقافية، وراحت تؤدي وظيفتها من خلال رمزيتها وايحاءاتها. ثم ترسخت بقوة حضورها، وحجم التفاعل الشعبي والرسمي معها. وهي في أحد أبعادها الدينية ملاذ خلاص، والمعنى الذي يضفي الطمأنينة والاستقرار النفسي، ويعمق شعور الانتماء.). (35).

يقوم الباحث هنا بتفكيك حمولة هذا المفهوم إلى مفرداته الروحية والاجتماعية والبيسكولوجية، وإلى دلالاته وأهدافه وتأثيراته على الفرد والمجتمع عندما يوظف أيديولوجيا من قبل السلطة، أو من قبل قوى اجتماعية محددة تجد فيه مصالحها، أو إلى تنوع الطقوس ورمزيتها لدى الشعوب. وذلك يأتي كله في مطالب عدة حازها هذا الفصل مثل: (العمق الروحي للطقوس) و(الآثار الدلالالية للطقوس) و(الخطاب الطقوسي) و(الطقس والمعبد)، حتى يقف أخيراً في هذا الباب عند (طقوس عاشوراء) وما لها من دلالات سياسية واجتماعية ومذهبية، دون أن يغفل ما لبعض الطقوس من تأثيرات على اللحمة الاجتماعية والوطنية، كونها تحمل بين طياتها روح التمايز عن الآخر، ومحاولة استفزازه، وهذا ما جعل الباحث يطلق على مثل هذه الطقوس إسم: (طقوس الكراهية). (36).

في الفصل السابع من الباب الثالث يبحث المفكر الغرباوي في (أدلجة الخطاب). فبعد أن يعرف الأيديولوجيا على أنها (منظومة أفكار ومفاهيم منحازة يراد بها تفسير جميع الظواهر، وإعادة صياغة الواقع وفق قناعاتها وتصوراتها كحقائق ثابته لا يمكن التراجع عنها.). (37). إلا انه منذ البداية يحاول أن يفرق ما بين الأيديولوجيا كموقف معرفي ذا بعد إيجابي على اعتباره علم الأفكار ودراسة مساراتها وتطورها والأهداف التي ترمي إليها الأيديولوجيا ممثلة بحواملها الاجتماعيين. وبين الأيديولوجيا في بعدها السلبي عندما تتحول النظريات إلى بنى فكرية مغله على نفسها مفارقة للواقع المعيوش ومتعالية عليه، وعاملة دائماً على لي عنقه كي ينسجم معها.

وبعد أن يبين الباحث خطورة الأيديولوجيا في اتجاهها السلبي على المتلقي، عقلاً وسلوكا في بعد العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، كونها تقوم على اعتبار الحقيقة واحدة ومطلقة وليست نسبية، الأمر الذي يساهم في خلخلت البنية الاجتماعية وفرض صراعات بين مكونات المجتمع غالباً ما تعمل على تدمير الأخضر واليابس، وهذا ما يجعلنا نؤكد في المحصلة على إدانة الأيديولوجيا السلبية في أي صيغة كانت، وضعية ام دينية، من هذا التشويه للحقيقة وممارستها في الواقع. نقول: بعد تناول الباحث لهذا الدور الذي تتركه الأيديولوجيا السلبية على المجتمع، ينتقل الباحث لدراسة الأيديولوجيا الدينية، مركزاً على مسألة (مرونة النص الديني)، فمرونة النص الديني الذي اتكأت عليه الأيديولوجيا قد فتحت آفاق النص على التفسير والتأويل تبعاً لتعدد المقاربات الفكرية والعقيدية، ولتأثر قراءة أي نص بقبليات المقاربة وقدرة القارئ على استنطاقه وتأويل كما يقول الباحث. وهنا يعود بنا الباحث مرة أخرى إلى العقل النقدي ودوره في إعادة قراءة النص والأيديولوجيا معاً بحيادية، والبحث في حمولتهما عن القضايا الايجابية التي يتقبلها العقل ومصالح المجتمع، محاولاً بهذا العقل النقدي إقصاء كل القضايا اللاعقلانية التي تحاول الايديولوجيا السلبية الاشتغال عليها من الناحية الأسطورية كانت أو الخيالية أو التحريضية التي تساهم في خلق الفتن والصراعات داخل مكونات المجتمع وتغييب مصالح الناس. وبالتالي ضرورة العمل من خلال النص القرآني ذاته على تعزيز كل ما يساهم في ترسيخ السلم الأهلي، والتسامح والمحبة والوحدة الوطنية ونبذ الطائفية والمذهبية كما بشر بها النص التراثي العقلاني. (28).

إن هذا الموقف العقلاني النقدي، ينسحب على بقية مفردات هذا الفصل أيضاً مثل: (الموقف من الآخر).ص (29).

أما في مطلب (جاهلية المجتمع): فيتناول الباحث في هذا الجانب كتاب سيد قطب (معالم في الطريق)، نقداً وتفنيدا. إن كان على مستوى الموقف الأيديولوجي الذي يعتبر فيه قطب أإن الواقع للدين وليس الدين للواقع، حيث يريد قطب هنا أن يجعل من أيديولوجيا الحاكمية نصاً مقدساً صالحاً لكل زمان ومكان، وعلى الواقع أن يرتقي للنص دائماً، مع رفض لأي فكر أخر وضعي يضعه الإنسان من عنده للوصول إلى الحقيقة. كما ينتقد الباحث وفق هذا العمق النقدي مواقف قطب في مسائل الجهاد والطليعة المسلمة المعول عليها تفسير النص والعمل به .. الخ. (30).

النص وفتاوى الفقهاء:

في الفصل الثامن من الباب الثاني للكتاب يتناول المفكر الغرباوي النص وفتاوى الفقهاء، مبيناً في البداية مفهوم الفتوى وعلاقتها بالنص حيث يقول: (إن علاقة النص بالفتوى علاقة مرجعية، وما الفتوى سوى فهم للنص وتطبيق لكلياته. ورفع ما يبدو متعارضاً بين نصوصه، وتحديد ما هو عام وخاص ومطلق ومقيد. وما أخذ من أحكامه على نحو القضية الحقيقية أو الخارجية، وتحديد شروط فعلية الحكم وموضوعه. والتمييز بين الأوامر والنواهي المولوية والإرشادية. هذا من حيث علاقتها بالنص. وأما اصطلاحاً فيراد بالفتوى رأي الفقيه المستند إلى دليل. حيث يعمل رأيه في استنباط وبيان الحكم الشرعي بناءً على مصار التشريع المعترف بها عندهم.) (31). أما مصادر التشريع فهي الكتاب والسنة والاجماع والقياس كمصادر أساسية عند السنة، إضافة للمصادر الثانوية كالاستحسان وسد الذرائع والمصالح المرسلة وقول الصحابي وغير ذلك. علماً أن للشيعة مصادر تشريعهم أيضا إضافة للقرآن والحديث المتواتر والمشهور المتعالق بآل البيت، هناك ما روي عن علي وآل البيت .

بيد أن ما يميز الباحث هنا هو موقفه العقلاني من هذه المراجع من حيث مشروعيتها وصدقها وطريقة الحصول عليها، ومن المناهج المتبعة للحصول على الحكم من خلالها. وهو في المحصلة يؤمن بدور العقل النقدي في تحليل هذه المرجعيات أو المصادر، فالعقل عنده هو الحكم في ذلك، ولكنه ليس العقل الذي يعمل على تثبيت النص كما يفعل الأشاعرة، وإنما النص الذي يحكم على النص من حيث صحته او خطئه ومدى استجابته لقضايا الواقع، وهذا كله يرجع عنده إلى جوهر النص الديني المقدس وهو القرآن.. فكثيراً ما يعود الباحث في عرضه لرؤيته العقلانية هذه إلى الآيات القرآنية التي تقر بالعقل والتطور والتبدل في هذه الحياة، إي إلى النص الديني بعد أن يفتح على كل مخزونه المعرفي الذي يسمح بمواكبة التطور والتبدل في حياة الإنسان. وعلى ذلك فالدين أو النص الديني عنده ليس ثابتاً أو جامداً ووثوقياً، بل هو متحرك في دلالاته، وقابل لمجاراة قضايا العصر. (32).

وعل هذا الموقف العقلاني من النص التراثي يطرح الباحث أسئلته المشروعة هنا وهي: من أين اكتسبت فتوى الفقيه سلطتها ومشروعيتها؟. ومدى علاقتها بالنص المقدس تحديداً. وهو يعتبر هذه الأسئلة محرمة ومسكوت عنها في جميع المذاهب الإسلامية. (33).

فعلى هذه الأسئلة يبين الباحث كيف أخذ النص الفقهي قدسيته أيضاً وتحول إلى مقدس راح الناس ينجرون وراءه كالأنعام. ويقول المفكر الغرباوي: إن الفقها اعتمدوا في تحقيق شرعية فتاواهم على قول مشهور مفاده: (ما من واقعة إلا ولله فيها حكم.) وهذا يتنافى مع صريح القرآن كما يقول الباحث: (اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً.) سورة المائدة الآية 3. ولكن من يطلع على تفسير الآية عند الباحث يرى أن الباحث يؤكد تلك المقولة التي اعتمد عليها الفقهاء في اعتبار القرآن أو الدين لم يفرط في شيء. هذا مع اعترافنا للباحث في إقراره بأن المصالح الأنانية الضيقة لدى الناس هي التي دفعتهم لوضع أحاديث كاذبة على لسان الرسول، وهي التي دفعتهم لتأويل النصوص القرآنية كما يشتهون.. وبالتالي التلاعب بالنص المقدس كما يريدون. وهذه المسائل كلها يتناولها الباحث وبشكل دقيق في مطالب هذا الفصل مثل: (سلطة الفقيه) و(يقينيات الفقيه)، (أسباب تفاقم الفتوى) و(أسيجة القداسة). (34).

النص وميثيولوجيا التراث:

في الفصل التاسع يقف الباحث عند مسألة النص وميثيولوجيا التراث، حيث يقول: إن للتراث فهم بشري يمكن تفكيكه وتحليل مكوناته، أو مقولاته، لكن الضرورات المرجعية للمذاهب المتصارعة نأت عن النقد والمراجعة والتشكيك، عندما احاطته بأسيجة مثيولوجية (أسطورية) ورسخته في اذهان الناس عبر هذه الأسطورية والغرائبية. وبذاك حولته إلى أيديولوجيا متعالية على الواقع حازت على التعالي والوثوقية والقداسة بعد أن جردت التراث من بشريته وتاريخيته.

إن هذا الموقف من الثقافة التراثية الذي رمز الأحداث وأسطرها ومنحها القداسة، خلق حالة لا شعورية تجاه الحداثة ومعطياتها، فمع عملية الانحياز هذه نحو الماضي ضد الحاضر، فقدت المعرفة العقلانية حضورها ومكانتها أمام الايمان والتسلم المطلق .. فالمعرفة العقلانية لا تقوم عند الباحث إلا على الشك للوصول إلى اليقين، والشك لا يمكن أن يستكين ويهدأ إلا مع نسبية الحقيقة، فالحقيقة لا تعطى كاملة، بل هي تقوم دائماً على معرفة ناقصة، والشك هو من يساهم في خلق استمرارية البحث عنها: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي). البقرة 260.

إن العقل العلمي القائم على البرهان والاستدلال والاستنباط والاستقراء، هو المنطلق الأساس عند الباحث للوصول إلى الحقيقة المعنية هنا بصدقية النص التراثي من جهة، وهو المنطلق الأساس أيضاً في الوصول إلى الايمان الحقيقي بهذا النص بعد الكشف عن كل دلالاته الإنسانية أو مقاصده الخيرة التي هي في الأساس جوهره وهدفه .

إن كل ما جاء في هذا الفصل لا يخرج في قراءته أو دراسته ونقده عن عملية البحث والنظر وفقاً للمنهج العلمي الذي يتكئ عليه الباحث، وهو المنهج القائم على البرهان ورفض الاستسلام للواقع أو الفكرة معا. وهذا نجده هنا في مطلب (قوة حضور النص) التراثي لدى كلا المذهبين الشيعي والسني معاً. حيث استطاع الباحث أن يقدم أدلة قاطعة على وجهة نظره وموقفه المنهجي العلمي تجاه ما جاء من أوهام وأساطير وإطلاق في الرأي والممارسة، فرضتها قوة النص وحضوره. محاولاً الاثبات في المنهج ذاته، أن التراث تراكم بشري، ينفع في دراسة العقل وتطوره تاريخياً، وهو نتاج محترم لا يتعالى على النقد والمراجعة، وليس لديه أية سلطة معرفية، ولا يستطيع أن يكون مصدراً معرفياً إلا بحدود. والغرباوي في موقفه الرؤيوي هذا يصل بنا إلى درجة عالية من النقد العقلاني للتراث، فهو لم يسخف التراث ولم ينل من مكوناته سخرية أو استهزاءً، بل هو يريد الوصول بنا إلى أن كل ما جاء في هذا النص التراثي هو من جهة شكل أو درجة من درجة تطور العقل العربي والاسلامي في تلك المراحل التي وجد أو أنتج فيها هذا النص عبر سيرورته التاريخية، وهو نص لم ينكر الباحث أيضاً بأن السياسة والمذهبية والمصالح الأنانية الضيقة أدخلت فيه الكثير من الكذب والتزوير والتشويه للحقيقة. من (35).

النص وشرعية السلطة لأليات التأسيس:

في الباب الرابع من الكتاب يبحث المفكر الغرباوي في طبيعة النص وشرعية السلطة لأليات التأسيس. حيث يقول: إن ثمة أسباب ودوافع وراء تدفق النصوص والروايات في القرون الأربعة الهجرية الاولى، ويأتي في مقدمتها إشكالية مشروعية السلطة أو أزمة مشروعية السلطة، ممثلة بالدولتين الأموية والعباسية، اللتين اشتغلتا على ظلم الناس والاستهتار بمصالحهم، واضطهاد كل من يعارضها، والعمل على تصفيته جسدياً أفراداً كانوا أم جماعات. وعلى أساس هذا الاضطهاد استمرت الخلافة. فهذا الخلافة الأموي ممثلة هنا بـ "مروران بن عبد الملك" على سبيل المثال لا الحصر، يقول مخاطباً رعايا الخلافة: (أما بعد فلست بالخليفة المستضعف، ولا الخليفة المداهن، ولا الخليفة المأمون، ألا أني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم...ألا أن الجامعة (القيد) التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي والله لا يفعل أحد فعله إلا جعلتها في عنقه، والله لا يأمرني بتقوى الله أحد بعد مقامي هذا إلا قطعت عنقه.) (36). وعلى هذا الأساس استمرت ولاية السلطان مباركة من مشايخ السلطان الذين شرعوا ولاية الفاسق منهم، ومن يأتي بالغلبة، وأن الخليفة لا يسأل يوم القيامة ولا يحاسب، وأنهم سكتوا على فساد الحاكم ودعارته، واعتبروا الرضوخ للحاكم المستبد أمراً أقره الله كونه خيراً من الوقوف ضده وحدوث الفتنة بين المسلمين.

كل هذه المبررات وجدوا لها أحاديث عن الرسول وروايات وإن استطاعوا تفسير النص المقدس لمصلحة الحاكم لما توانوا في ذلك. وعلى هذا الأساس رسخت أيضاً هذه النصوص التراثية تاريخياً ونال بعضها صفة التقديس، كأقوال وأحوال أهل السلف والصحابة الذين قيل فيهم بأنهم كالنجوم بأي منهم اقتدينا اهتدينا.

يحاول البحث في هذا الباب أن يبين إشكالية السلطة ما بين الشورى والنص من جهة، وما بين الملك العضوض الذي كرسه معاوية من جهة ثانية، معطياً الكثير من الأمثلة والأدلة على هذه القضية التي ظلت محط صراع مادي وفكري بين المسلمين طوال تاريخ الخلافة الإسلامية منذ السقيفة حتى سقوط الخلافة. وما جرى من قمع وتشويه للحقيقة الدينية من أجلها.

ولا يفوت الباحث أن يقف من الناحية السياسية عند النظريات السياسية التي وضعت عبر تاريخ الخلافة حيث قسمها إلى:

1- النظرية الثيوقراطية، التي تحيل السلطة إلى أمر متعالي عن الواقع وخارج نطاق البشر، وتشمل:

آ- الطبيعة الإلهية للحكام.

ب – الحق الإلهي المباشر.

ج – الحق الإلهي غير المباشر.

2- النظريات الديمقراطية. التي تحيل مرجعية السلطة إلى الشعب. (37).

وعلى هذا الأساس تأتي دراسة الباحث في كل مفردات هذا الباب هي للنظر في طبيعة السلطة الاستبدادية عبر الخلافة الإسلامية، وآلية عملها وحواملها الاجتماعيين وشرعية وصولهم إليها، وبالتالي الصراعات والدسائس والمؤامرات التي حيكت حولها وداخلها، وتوظيف النص الديني المقدس وأدلجته من أجلها.. وغير ذلك نجده في مفردات هذا الباب ونصوصه مثل: (النص والتاريخ) و(الدين والسلطة)، (الإسلام السياسي). و(رواية الإمامة أو الخلافة في قريش. والتطور التاريخي لهذه الرواية)، و(من بدل دينه فاقتلوه)، و(تاريخية النصوص)،. و(النص ومراوغات المفهوم)، و(مفهوم الخلافة)، و(مصداقية القداسة)، و(مفهوم الخلافة)، و(مفهوم الرشد)، و(الدلالات السلبية لمفهوم الخلافة لدى الدولتين الموية والعباسية)، و(مفهوم العصمة)، و(الألقاب)، (38).

النص واتجاهات المعارضة:

في الباب الخامس من الكتاب يقف الباحث والمفكر الغرباوي عند النص واتجاهات المعارضة. فهو يرى أن وضعية النص التراثي بالنسبة للمعارضة السياسية لا تختلف في الحقيقة عن وضعيته عند القوى السياسية الحاكمة. حيث يقول في هذا الاتجاه: إن ما جرى على النص من تزوير وتأويل وتفسير ساهم في إعادة صياغة هذا النص بصورة تخدم مصالح القوى السياسية المعارضة، وذلك كله جرى منذ وفاة الرسول مروراً بالخلافتين الأموية والعباسية، وصولاً إلى سقوط الخلافة الاسلامية.

إن كل ذلك جرى من أجل تبرير الوصول إلى السلطة، أو دعم بقائها. وهذا الذي جرى على النص استطاع في الحقيقة أن يساهم في خلق وعي كاذب، راح ينتشر كالسيل الجارف عند اطراف المعارضة، كما راح يتجذر شيئاً فشيئاً في وعي وسلوكيات الناس الذين تحولوا إلى شيع وفرق ومذاهب، اتخذت من الدين ذاته هذه الوضعية الاجتماعية المأزومة والملغومة بكل أشكال التناقضات والصراعات والكره والحقد بين مكوناتها، وصولاً إلى تأسيس الفرقة الناجية وامتلاك الحقيقة المطلقة التي على أساسها قامت حروب راح ضحيتها الكثير من المسلمين منذ صراع السقيفة حتى اليوم. كل هذه القضايا نجدها قائمة أيضاً في مضامين مفردات هذا الباب مثل: (اتجاهات المعارضة)، و(عناصر المعارضة الناجحة).، و(الاتجاه التنظيري – لدى المعارضة)، أو (النص وفتنة الشعار)، و(النص والتأصيل الكلامي – علم الكلام القديم). (39).

النص والغلو:

في الباب السادس يتناول الباحث النص والغلو. حيث جاء تعرف الغلو عنده بأنه: المبالغة والخروج عن الحد... والتعصب والتطرف والارتفاع.. وفي التاريخ الإسلامي لازم مغالات الناس بأنبيائهم ورموزهم حد التأليه عند البعض بشكل مباشر أو غير مباشر. وهو في بعض معانيه أيضاً سلب بشرية الإنسان ومنحه قدرات خارقة. (40). هذا وقد بين الباحث أيضاً الموقف الحقيقي للدين من الغلو، وهو موقف رافض له بناء على نص الآية: (لا تغلوا في دينكم غير الحق). (وما جعل عليكم في الدين من حرج).

إن هذا الغلو جاء أساساً كما يرى المفكر الغرباوي للتعبير عن مواقف تخدم قوى اجتماعية محددة سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية. والغلو اشتغل عليه كتاب التاريخ الإسلامي مثلما اشتغل عليه الفقهاء وعلماء الكلام، وهو لم يترك مسألة في حياة المسلم إلا وكان له حصة فيها. لذلك نجده في التشريع وفهم العقيدة، الأمر الذي أوجد من يقف ضد هذا الغلو من فقهاء وعلماء دين. فالكثير من مصادر التشريع الفرعية كسد الذرائع والمصالح المرسلة والاستحسان وغيرها، كلها جاء خدمة للخروج من هذا الغلو. وكذلك التأكيد على أن الأصل في الأشياء الإباحة. وتغير الأحكام بتغير الأحوال .. الخ.

إن كل هذه المصادر التشريعية جاءت أصلاً لهذه الغاية. هذا وقد اتكأ الذين يمارسون التطرف (الغلو)، أو ممن يدعون إلى تشغيل العقل ومراعاة خصوصيات تطور أحوال الناس في مواقفهم الفكرية على النص التراثي بشكل عام، والنص المقدس بشل خاص، من خلال البحث في الآيات المحكمات الواضحات التي تدعوا إلى التسامح والمحبة وقبول الرأي والرأي الاخر، أو الأخذ بالآيات المتشابهات التي غالباً ما أولت وفسرت من قبل الذين في قلوبهم زيغ .

في المحصلة في هذا الباب ومفرداته، لا يخرج الباحث في موقفه المنهجي العقلاني الذي يشتغل عليه، من الاستناد على العقل وحريته وعلى العلم وقوانينه وطرق وصوله إلى الحقيقة عبر الاستنتاج والقياس والاستدلال والبرهان إلخ. فالباحث هنا يعمل بجهد عال المستوى في تقصي أسباب هذا الغلو ومراجعه وأسبابة ونتائجه المدمرة على الدين والدنيا معاً، مؤيداً في ذلك كل من حارب الغلو في تاريخنا الإسلامي وعلى مستوى الطوائف والمذاهب والفرق.، مبيناً بالمثال النتائج المدمرة في التاريخ الإسلامي لهذا الغلو.

نجد كل ذلك في مفردات هذا الباب مثل: (الغلو والنص.)، و(اتجاهات الغلو المذهبي)، و(الغلو السني)، والغلو الشيعي والولاية التكوينية.) (41).

معرفة الروايات) في التراث العربي الإسلامي:

في الفصل الساس ذاته وهو الأخير في كتابه، يقف الباحث الغرباوي عند مسألة على غاية من الأهمية أيضاً وهي (معرفة الروايات) في التراث العربي الإسلامي، حيث اعتبرها تمثل قوام مرجعيات التفكير لدى المسلمين، لأنها تكتسب أهمية كبيرة لدى المتلقي. كما يرى الباحث مرجعيات التفكير هذه، ليست سوى نصوص متراكمة تتحكم بمرجعيات الوعي وضبط أداء العقل، لذا يجد الباحث من الضروري والمناسب إضافة ضوابط علمية لتمييز الصحيح من الغلط في هذه الروايات للتخلص من ثقل التراث وتبعات النصوص، وذلك بسبب ما حققته هذه النصوص لنا من إرهاق، وخاصة الأحاديث الصحيحة منها قبل الضعيفة، لأن النصوص في ثقافة المسلمين تمثل مرجعية نهائية لجميع تفصيلات حياتهم. بدءاً من النظر إلى الطبيعة في كيفية خلقها وإلى نجومها وكواكبها، وصولاً إلى النظر في حياة الفرد والمجتمع من إدارة أمور حياتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وصولاً إلى دخول بيت الخلاء. وهنا يقدم في هذا الفصل الكثير من الأدلة والوثائق على ما جاء إليه في هذا الاتجاه من حيث سيطرة النص التراثي بشكل عام والمقدس منه بشكل خاص على حياة العرب والمسلمين حتى اليوم بكل مكوناتهم الطائفية والمذهبية. وهذا ما نجده في مفردات هذا الفصل مثل: (شواهد الوضع)، (مناهج التوثيق)، و(حجية السنة)، وأخيراً في (القيمة المعرفية) (42).

في نهاية الكتاب يصل الكاتب والباحث والمفكر الغرباوي إلى نتائج على درجة عالية من الأهمية في كيفية التعامل مع التراث وما هي القضايا التي يجب على الباحث أن يتكئ عليها كي تخرج الأمة من هذا المأزق التراثي والتاريخي معاً، وذلك من خلال المنهج العلمي الذي أشرنا إلى العديد من مفرداته عند قراءتنا السريعة لهذا الكتاب، والتي أهم ما فيها هو اعتماد العقل وبرهانه أولاً، ثم الدليل القائم على الشك والاستنتاج والاستقراء والاستدلال ثانياً. فالغرباوي بالرغم من محاولة ابتعاده عن البعد الطبقي في قراءة التراث إلا أن تركيزه على العدل والمساوة والمحبة والتسامح من خلال إعادة قراءة النص التراثي يدخله هذا التركيز بهذا الشكل أو ذاك في البعد الطبقي. وانطلاقاً من موقفه هذا، فهو يقول: لا يمكن الوثوق بنص تاريخي سوى القرآن الذي تعهد به جميع المسلمين، على أن يقرأ ضمن شروطه التاريخية ومنطقه الداخلي، ومنهجه في المحكم والمتشابه من الآيات، ومعرفة تاريخ الآية وأسباب نزولها وظروفها، وما علاقتها بالهدف الأساس من الدين وبخلق الإنسان. ثم ما رسبته الروايات والأحاديث من مفاهيم كرست الجهل والتخلف وروح التنابذ والانقياد والتبعية، وشوهت معالم الدين وهدف الإنسان في الحياة. وهذا كله يتطلب إعادة النظر في منظومة القيم المعرفية والأخلاقية، وجميع قَبْلِياتِ الفرد ويقينياته بما يتيح تأسيس العقل بأسس جديدة. (43).

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

.......................

المرجع.

1- النص وسؤال الحقيقة – نقد مرجعيات التفكير الديني، تالف ماجد الغرباوي، الطبعة الاولى 2018 إصدار مؤسسة المثقف العربي، سيدني – استراليا. نشر وتوزيع دار الأمل الجديدة، دمشق سورية: ص7.

2- المرجع نفسه ص8.

3- المرجع نفسه. ص 8.

-4 المرجع نفسه.ص 9.

5- المرجع نفسه .ص 13.

6- المرجع نفسه. ص13.

7- المرجع نفسه. ص13.

8- المرجع نفسه . ص 13.

9- المرجع نفسه. ص 13.

10 – المرجع نفسه. ص 15.

11- المرجع نفسه. ص 16.

12- المرجع نفسه. ص 16.

13- المرجع نفسه. ص 16.

14- المرجع نفسه.ص 18.

15- المرجع نفسه.ص 19.

16- المرجع نفسه. ص 20.

17- المرجع نفسه.ص 22.

18 – المرجع نفسه. ص 23.

19- المرجع نفسه. ص 33.

20- المرجع نفسه. ص 35.

21- المرجع نفسه. ص من 40 إلى 43.

22- المرجع نفسه.ص من 43 الى 48.

23- المرجع نفسه. ص من 49 الى 56.

24- المرجع نفسه. ص 56.

25- المرجع نفسه. ص. 59 وما بعد.

26- المرجع نفسه.ص 64.

27- المرجع نفسه.ص 65.

28- المرجع نفسه. ص 67.

29 – المرجع نفسه.ص 72.

30- المرجع نفسه. ص 72.

31- المرجع نفسه. من ص 76 الى 78.

32- المرجع نفسه. ص 79.

33- المرجع نفسه. ص 83.

34- المرجع نفسه. من ص 79 الى 102.

35- المرجع نفسه. ص 105.

36- المرجع نفسه. نت ص 105 الى 122.

37- المرجع نفسه. ص 123.

38- المرجع نفسه. ص 124.

39- المرجع نفسه. من ص 128 الى 133.

40- المرجع نفسه. من ص 133 الى 134.

41- المرجع نفسه. ص 135.

42- المرجع نفسه. من ص 135 الى 139.

43- المرجع نفسه. ص 139.

44- المرجع نفسه. من ص 139 الى 150.

45- المرجع نفسه. من ص 150 الى 160.

46- المرجع نفسه. ص163.

47- المرجع نفسه. من ص 165 الى 2006.

48- المرجع نفسه.من ص 167 الى 184.

49- المرجع نفسه. من ص2007 الى 236.

50- المرجع نفسه. ص242.

51- المرجع نفسه. من ص 237 غلى 286.

52- المرجع نفسه. ص 297.

53- المرجع نفسه.296.

 

عبد الحسين شعبانحين قرأت باقة المقالات الموسومة: "الزمان تتجول في بلد الكنائس والمتاحف والمشاهير" للدكتور أحمد عبد المجيد المنشورة يوم 25 أيلول/سبتمبر2018 (الحلقة الأولى) و7 تشرين الأول /اكتوبر (الحلقة الثامنة) عن أرمينيا، غبطته كثيراً وذلك لخمسة أسباب:

أولها- لقلمه السيّال والنافذ، فقد كتب بلغة إعلامي متمرس وبأسلوب صحافي باهر، مقدماً نظرة عميقة وشاملة في بعدها التاريخي والسسيولوجي والثقافي والفني وبلغة سلسة وجملة أنيقة، لدرجة جعلنا نشاطره في تلك الرحلة الأثيرة وكأننا كنّا معه في الحدائق والساحات والشوارع والمعالم التاريخية.

وثانيها- كاميرته الدقيقة، فقد قدّم لنا مشاهداً رائعة وصوراً مؤثرة كانت قريبة منّا لدقة التفاصيل وعمق المعاني، بحيث كنّا نرى ما وراء الصور، خصوصاً عنايته باللون وكتلة الضوء والظلال، وتلك حرفة الروائي مثلما هي حرفة الفنان التشكيلي، فلم يهمل شاردة أو واردة إلّا وجاء عليها وتلك مُكنة إذا امتلكها الصحافي أصبح قادراً ليس على تقديم الحقائق والوقائع والأخبار، فحسب، بل امتلاك دربة  القص وأسلوب السرد والمخيال الذي يتمتع به الروائي مثلما يتميّز به الرسّام.

وثالثها- لطريقته الناعمة في عرض الحقائق التاريخية بما فيها من قسوة أحياناً، فقد كتب بعين المؤرخ وجاء على أهم التفاصيل وتوقّف عند بعض المحطات، فكشف لنا خفايا وخبايا لم نكن لنطلع عليها خلال زيارة سريعة أو قراءة لكتاب أو معرفة بصديق أو صديقة. ولم يكتفِ بالمشاهدة، بل رجع إلى المصادر والمراجع ليطعّم سرديته بمعلومات ليس من السهل الحصول عليها دون البحث المضني، ويعود ذلك لخلفيته الأكاديمية.

ورابعها- لعقله السسيولوجي، فهو لم يكتفِ بالسرد التاريخي والواقع العملي، بل نظر إلى المعطيات الاجتماعية والتناقضات الموضوعية والذاتية وأخضعها إلى مخبره السسيولوجي وتحليلاته الاجتماعية مستفيداً من ثقافته السياسية أيضاً، وهكذا عرض علينا تاريخ وحاضر أرمينيا وما تعرّض له الأرمن خلال القرن ونيّف الماضي، ولاسيّما المجازر التي عاشوها، محاولاً قراءة الواقع والتاريخ من خلال النقد مركّزاً على المشترك الإنساني والتعايش والتكامل بين الأمم والشعوب. ولم ينسَ أن يتحدث عن بعض خصائص الأرمن وشجاعتهم ودقتهم ووفائهم وهو ما لمسناه في علاقاتنا معهم، سواء في العراق أم في سوريا أم في لبنان أم في أوروبا.

وخامسها- لذوقه الفني والأدبي، حيث أطلّ على الفنون والآداب في أرمينيا، وكان ذلك جزءًا من سرديته وكأنه يكتب نوتة موسيقية من وحي المكان، فحيثما تذهب تسمع الموسيقى الأرمينية وخاجادوريان يصدح بسمفونياته الجميلة وكأنه يتسلل بين ثنايا سطور أحمد عبد المجيد.

لقد وضعت سردية الأستاذ أحمد عبد المجيد حول أرمينيا بصمة جديدة في أدب الرحلات حين عزز المشاهدة المباشرة والإطلاع بالاختلاط والتفاعل، بتوسيع مدارك القرّاء والتعرف على حياة شعوب وأمم من خلال الجسور والقنوات الإنسانية، وقد كانت رحلته ممتعة ومثيرة على نحو يجعل القارئ مستعداً للقراءة دون توقف، بل لا يريد لتلك السردية أن تنتهي.

*****

حين أتذكّر يريفان، أستعيد زيارتي إلى أرمينيا لحضور مؤتمر دولي في العام 2010 وكان بصحبتي طيلة أيام المؤتمر الصديق الليبي علي زيدان الذي كان أحد معارضي نظام معمر القذافي والذي شارك معنا في اجتماع للدفاع عن منصور الكيخيا وإجلاء مصيره حين اختطف العام 1993 في القاهرة، وبعد عام ونيّف من زيارتنا أصبح رئيساً لوزراء ليبيا بعد الإطاحة بالنظام، حيث تم الكشف عن مصير الكيخيا الذي اختطف من القاهرة ونقل إلى طرابلس وتوفي في العام 1997، وكنت قد كتبت عن تلك الحادثة المروعة كتاباً بعنوان:" الاختفاء القسري في القانون الدولي - الكيخيا نموذجاً"، لندن، 1998.

وبالعودة إلى أرمينيا فقد كنت قد كتبت عن زيارتي لها مقالة في صحيفة العرب القطرية، الإثنين 19 أبريل/نيسان 2010 وأجد في هذه المقالة ما يمكن أن يفيد القارئ تعاشقاً مع سردية أحمد عبد المجيد البديعة، وهي مقاربة من ذات الأرضية التي انطلق منها وإن كانت بحبر آخر وتلك هي الرؤية الإنسانية المتعددة، وحين طلب مني تقديم كتابه الممتع والشائق هذا، أعدت قراءتها فوجدت فيها مادة يمكن إضافتها إلى سرديته.

*****

" يُطلق على أرمينيا وعاصمتها يريفان بلد الورد والشمس، فالزهور تنشر عطرها في كل مكان، والشمس لا تغيب عنها مدة 340 يوماً من السنة. وهذا البلد الذي كان ضمن السلطة السوفيتية منذ مطلع العشرينات تمكّن من إحراز الاستقلال في العام 1991، والانضمام إلى الأمم المتحدة العام 1992.

ورغم مآسي الأرمن والمجازر التي تعرّضوا لها تاريخياً، فبلدهم يجسّد الفرح والجمال ويُعرف بـ "المتحف في الهواء الطلق" لكثرة التماثيل التي تنتشر في الشوارع والساحات العامة والمنتزهات والحدائق التي تطوّق وتتغلغل فيها، كما ترسم صخور يرفان صورة المدينة الوردية، لاسيّما في مركزها الرئيسي. ويقرّ الأرمن ويعترفون بفضل الكاتب المعروف والمخلّد خاجادور أبوفيان لاكتشاف اللغة الأرمينية الجديدة، وذلك في القرن التاسع عشر.

كأن العالم كلّه قد تواطأ على إسدال الستار على المجازر التاريخية التي تعرّض لها الأرمن طيلة ما يزيد عن قرن من الزمان، ولعلّ مؤتمر ديربن (جنوب أفريقيا) العام 2001 حول العنصرية والذي كان لي شرف المشاركة فيه عضواً في اللجنة التحضيرية الخاصة بالعالم العربي، قد استعاد مسألة اعتذار المستعمرين عن ما تسبّبوه من آلام وأذى للشعوب المستعمَرة، ناهيكم عن أعمال الإبادة والقمع والاضطهاد، الأمر الذي شجع الأرمن وجهات دولية لأغراض مختلفة مطالبة تركيا بالاعتذار.

ورغم أن الأرمن في إطار الدولة العثمانية كانوا يعيشون مثل غيرهم من الشعوب والأمم والأديان، لاسيّما ما يصطلح عليه بـ "الأقليات"، والمقصود بذلك المجاميع الثقافية الإثنية والسلالية والدينية واللغوية، وغيرها إلّاّ أن ما حصل لهم منذ العام 1895 على يد السلطان عبد الحميد ولاحقاً على يد طلعت باشا وأنور باشا وصولاً إلى المجزرة الكبرى في العام 1915، واستمراراً حتى العام 1922، يعتبر الأسوأ في تاريخ أرمينيا.

وإذا كان الحديث عن التاريخ ضرورياً فالهدف هو الاستفادة من عبره ودروسه وتقييمه، ولعلّ هذا الأمر لا يستهدف أي إساءة لتركيا، لاسيّما بعض مواقفها الايجابية من القضية الفلسطينية، فهذا الأمر شيء والبحث في التاريخ شيء آخر، وفي تاريخ كلّ أمة ثمة نواقص وثغرات وعيوب وارتكابات لا بدّ من الإقرار بها والاعتذار عنها.

كانت أولى المجازر ضد الأرمن هي المجزرة التي ارتكبت في العام 1895، وراح ضحيتها عشرات الآلاف منهم، وفي العام 1909 كانت مجزرة أدنه هي الأبشع حيث سقط فيها الآلاف أيضاً، أما مجزرة العام 1915 فقد كانت الأسوأ على الاطلاق، وقتل فيها على نحو جماعي مئات الألوف من الأرمن بعد أن تم تجنيد الرجال للحرب العام 1914 بدون سلاح، وللقيام بأعمال خدمية، ثم بوشر بقتل المتميّزين من العلماء والأطباء والكتاب والمثقفين وأصحاب الاختصاصات، والأكثر من ذلك كان كل شيء قد تم بصمت ودون احتجاجات تُذكر.

 وخلال الحرب وما بعدها حصلت مذابح كثيرة منها معركة الجزء الشرقي التي حصلت في 26/5/1918 وراح ضحيتها الآلاف أيضاً، واستمرت المجزرة حتى العام 1922، ولكن بتواطؤ أكبر هذه المرة، حين انضمت أرمينيا إلى الاتحاد السوفييتي الذي كان يرغب في تسوية علاقته مع تركيا، فتمّ التنازل للأخيرة عن جبال آرارات الشهيرة وأصبح نهر أراكس عند أقدام سلسلة الجبال هو الحدّ الفاصل لأرمينيا وتركيا، كما تقول الرواية الأرمنية.

وما تزال الحدود بين تركيا وأرمينيا مغلقة، إذْ لا يمكن الوصول إلى تركيا من أرمينيا إلاّ عبر جورجيا التي تربطها بأرمينيا علاقات متميّزة، وما تزال علاقة أرمينيا بروسيا جيدة جداً، مثلما هي علاقتها طيّبة مع إيران.

ظل الأرمن يعانون بصمت ويكبتون مشاعرهم، ولعلّ مشكلة الجيل الثالث ما تزال مستمرة حتى اليوم، حيث تراه يبحث في بطون التاريخ والكتب عن أقارب أو أجداد له وعن كل خيط يربطه بالماضي، إذْ أن السياسة والمصالح الدولية لعبت دورها، فلم يرخّص لهم باستعمال كلمة الجنيوسايد (الابادة الجماعية) الاّ في أواسط الستينات، رغم مجازر الاناضول وفان وأرضروم وساسون وديار بكر وغيرها، إلى أن تم بناء مجمع رمزي للضحايا في العام 1965 في يريفان، علماً بأن الأرمن ساهموا بتفان وإخلاص في "بناء الاشتراكية"، وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية أرسلوا نحو نصف مليون جندي دفاعاً عن "الاتحاد السوفيتي" السابق.

سألت مرافقتي الجميلة " أرمينه" هل لديكم نستالوجيا (حنين) إلى الماضي،  رغم أنها لا تتذكّر شيئاً عنه لأن عمرها 31 عاماً، فأجابت أن الكبار وحدهم هم من يعيش على الذكرى لأن حياتهم كانت سهلة وظروفهم الاجتماعية بسيطة وبعض المستلزمات مؤمنة، والغالبية أقرب إلى الكسل منها إلى الإبداع والمنافسة الفردية المشروعة، فضلاً عن شحّ الحريات والنظام الشمولي.

مرافقتي قالت بعد سؤالي عن الجمال الأرميني أن الأرمينيين بسبب الاختلاط والتزاوج اكتسبوا بعض الملامح الجديدة، فبعد أن كان الشكل الغالب للنساء قبل عقود من الزمان هو: الشعر الأجعد والقوام الأشقر والأنف الكبير والعنينين الزرقاوين، أصبح اليوم أقرب إلى خليط جميل ومتجانس من تعاشق ملامح وأمم وحضارات وثقافات متنوعة، ولعلّ ذلك ما أعطى هذه الملاحة للوجوه المشرقة.

***** 

لا أدري لماذا تذكّرت شخصيتين عراقيتين أثيرتين الأولى هي الجواهري الشاعر الكبير الذي كان يتغزّل بالكونياك الأرميني (آرارات -وأصل الكلمة أشوري) وأتذكر أنه في كل مرّة يتذوقه كان يقارن ذلك بالكونياك الفرنسي (كورفازية أو نابليون)  ولم يكن قد عرف بعد أنواعاً أخرى مثل الريمي مارتين أو Hennessy X O أو غيرها . وكان الجواهري يعتبر الكونياك أرارات من نوع الـ 7 نجوم، في حين أن الأنواع الأخرى أحسنها برتبة 5 نجوم .

وكان يدعونا عامر عبدالله وأنا لتناول كأس صغير قبل الظهيرة لفتح الشهية كما يقول حيث اعتدنا القيام بزيارته مرات عديدة قبل الظهر، وبالمناسبة فالكونياك آرارات كان يفضّله رئيس الوزراء البريطاني الشهير ونستون تشرشل على غيره، وكان ستالين الزعيم الروسي قد أهداه عدّة صناديق منه. وبالمناسبة فمعمل آرارات تم بناؤه العام 1877 وهو أرميني – فرنسي. وكان مؤسسه نيرسين تايربان.

أما الشخصية الثانية فهو آرا خاجادور أحد ابرز القيادات العمالية النقابية الشيوعية في العراق، وظل بُعده الوطني متميّزاً رغم حنينه للماضي واعتزازه بقوميته الأرمنية، لكن أمميته جعلته يغضّ النظر عن ارتكابات السلطة السوفيتية، ناهيك عن اعتقاده أن قضية الأرمن لا يمكن حلّها الاّ بتحقيق الاشتراكية، وقد ظلّ هذا القائد الشيوعي العراقي الذي يعيش في براغ يرفض الاحتلال الأمريكي لبلده حتى وفاته في 4/12/2017.

ثمة أسماء أرمنية كانت مؤثرة عالمياً وذات شهرة كبيرة، من أبرزها وأهمها على الاطلاق هو الموسيقار آرام خاجودوريان، الذي ينتصب تمثاله أمام دار الاوبرا، ولا أدري لمَ قفزت الى ذاكرتي سمفونيته الشهيرة رقصة المبارز sword، وقد يعود الأمر الى مشاهدتي لتمثال أم ارمينيا (وهي تحمل سيفاً كبيراً دلالة على أنها أمٌ مقاتلة) حيث نُصب هذا التمثال في المكان الذي كان ينتصب فيه تمثال ستالين الذي أزيح العام 1956 بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي، بعد أن قدّم نيكتا خروشوف تقريره الشهير الذي كشف فيه عن المجازر التي ارتكبها ستالين.

أما الاسم الثاني فهو انستاس ميكويان نائب رئيس مجلس السوفيت الأعلى، وأتذكّر زيارته إلى العراق العام 1959 والاستقبال الذي حظي به من جموع غفيرة وهي تهتف: ميكويان أهلاً يا هلا بهاي جيّتك ... كل الشعوب حيّيتك.. أهلاً. وقد أخبرني آرا خاجادور إنه التقاه في مبنى السفارة بطلب خاص منه. وميكويان هو شقيق  آرام ميكويان مصمم طائرة الميغ الشهيرة مع اليهودي غوريان.

أرمينيا التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي السابق لم تسلم من المشاكل حتى الآن، ولم تتخطّ عتبة الماضي بسهولة، وما تزال الكثير من التحديات تواجهها، ففي الفندق الذي أقمت فيه وكانت الاجتماعات الأساسية للفيدرالية الدولية لحقوق الانسان تنعقد فيه، واجهتنا تظاهرة تندّد بأعمال القمع واغتيال عدة نشطاء في آذار (مارس) 2009، وقد بادرنا للمشاركة فيها، الأمر الذي أغضب بلدية مدينة يريفان التي ألغت حفل العشاء المقام على شرف المؤتمر. وبالمناسبة فالفيدرالية الدولية كانت تعقد مؤتمرها الـ 37 وهي منظمة حقوقية تأسست العام 1922 في باريس وتضم عضويتها 155 منظمة من 115 بلدا.

قبيل إعلان استقلال أرمينيا عانت من حروب وتعرّض الأرمن إلى عقاب جماعي قرب باكو (أذربيجان) ودامت الحرب 4 سنوات، حتى تم وقف إطلاق النار العام 1992 بين وأذربيجان وناغورا كاراباخ (الذي يتمتع باستقلال واقعي De facto ويبلغ عدد نفوسه 170 ألف نسمة).

الدولة الجديدة التي كانت جزءًا من الصراع العثماني - الفارسي أصبحت جزءًا من الدولة السوفييتية، وهناك أجزاء منها في تركيا، واجهت كوارث طبيعية غير قليلة، فبعد أن اشتهرت بالصناعات الكيماوية تعرّضت لزلزال ضخم راح ضحيته 25 ألف ارميني وذلك في 7/12/1988، مثلما عانت من حروب، وتعاني حالياً من بطالة ومن قلّة الأجور والموارد، إذ أن الحد الأدنى لا يتجاوز 200 دولار في الشهر، الأمر الذي يجعل التنمية تحت مخالب كثيرة منها الفساد المالي والإداري والتهديدات الخارجية والشعور بالقلق إزاء المستقبل. ولكن أما آن الأوان للاعتراف والاعتذار للأرمن لما تعرضوا له تاريخياً.

أ.م.د.عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

بيروت في 15/10/2018

....................................

مقدمة لكتاب الدكتور أحمد عبد المجيد المعنون : يوميات أرمينيا (بلد الكنائس والمتاحف والمشاهير)، الأنس للطباعة والنشر، بغداد، 2018.

 

 

حسين سرمك حسنملاحظة: رحل اليوم عَلَمٌ من أعلام الطب النفسي في العراق، أخي وصديقي ورفيق دربي؛ الدكتور محمد رشيد العبودي، أقدّم هنا مقالتي التي كتبتها قبل سنوات عن كتابه المهم "وجهة نظر نفسية"

أعتقد أن علينا أن نحتفي بأي كتاب يصدر عن الجوانب النفسية للحياة العراقية مادام علم النفس يواجه بهذا الإهمال على المستويات الرسمية والشعبية. ونحن نفهم حساسية الناس عندنا، ومقاوماتهم – resistance النفسية، قادة ومقودين، تجاه علم يعتقدون أن همّه الأكبر هو كشف المستور في شخصياتهم وفضح العوامل المستترة التي تحكم سلوكهم. ينطبق هذا الإهمال على الموقف العربي من علم النفس  تصوّر مشروعا مهما مثل المشروع القومي للترجمة يترجم ثلاثة كتب عن علم النفس من بين 169 كتابا في الجوانب الأدبية. إصرار على إبقاء ثقافتنا "شعرية" عرجاء كما كان يقول الوردي قبل خمسين عاماً .

وكتاب الدكتور "محمّد رشيد العبودي" "وجهة نظر نفسية" (99 صفحة) يكتسب أهمية مضافة من خلال أنه يتناول الوضع العراقي الملتهب والمتفجر في عامي 2008 و2009 وما رافقها من أحداث جسيمة هزّت أركان المجتمع العراقي ومزّقت مقوّمات شخصية المواطن العراقي الممزّقة أصلا. وقد اعتمد الكاتب أسلوب المقالة، هذا الجنس الأدبي المُهمل نسبيا في الثقافة العراقية خصوصا في عهود غلبت عليها الديكتاتوريات وسطوة الرقيب التي يستطيع الشعر الإفلات منها بفعل رمزيته وتسقط المقالة في قبضته بسبب مباشرتها كما يرى الكاتب. وقد اتبع الكاتب أسلوبا بسيطا في عرض معطيات علم انفصل قبل قرن ونصف عن أحضان الفلسفة واحتفظ إلى الآن بجوانب من قاموسها الصعب ومصطلحاتها. كما يُحمد للكاتب قصر مقالاته، فثلاث مقالات فقط من مجموع (45) مقالة امتدت لثلاث صفحات، وذلك يشجّع إقبال القارىء على قراءتها، هو الذي عوّدناه على "المعلّقات" المقالية. وقلت في أكثر من مناسبة إن كونك مثقفا يعني قدرتك على تقديم أكبر عدد من الأفكار باقل عدد من الكلمات. ولكن هيهات في مجتمع الخطاب فيه يجري في المجالس والدواوين منذ الطفولة، ومنْ يتحدث يشعر بنفسه "شيخا". عالج المؤلّف موضوعات وظواهر حسّاسة بعضها ينخر في جسد مجتمعنا منذ قرون، وأخرى "جديدة" سبّبها احتلال الخنازير الأميركان لبلادنا، وما خططوا له من قلبٍ ومسخٍ لقيم إيجابية كانت راسخة، ونشرٍ لقيم سلبية مقحمة، وإيقاظ أخرى ممسوخة كانت نائمة. وقد عبّرت عناوين المقالات في كثير من الأحيان عن هذه الإنشغالات مثل: إدمان السلطة، الفرهود، عقدة الدونية، شهوة الحكم، النفاق الوظيفي، هل كل العراقيين لصوص؟ الشخصية العراقية، الديمقراطية الكسيحة، وغيرها الكثير. وهي من سمات المقالة الناجحة أن يكون العنوان "مفتاحيا" يهىّء القارىء لما سيرد في متنها. والمقالة الأم في هذا المجال هي مقالة "التكيّف" (ص 53).

571 محمد العبادي

(الراحل الدكتور محمّد العبودي – اختصاصي الطب النفسي)

ومن سمات العبودي الأسلوبية في أغلب المقالات، السخرية الهادئة إذا جاز الوصف. وهي سمة تناسب المزاج العراقي. وقد تصاعدت في بعض المقالات لتصل إلى مستوى الكوميديا السوداء. خذ مثلا ختام مقالة (العلاج بالألم):

(إني أقترح عليكم أن تقرصوا أرجلكم بشدة مؤلمة بأصابعكم - لأننا لا نملك كهرباء نصعق بها أنفسنا – كلما تحدّث نائب متحذلق أو سياسي متشدّق في التلفاز حتى ينتهي من كلامه أو تتورّم أرجلنا من شدّة القرص. أنا واثق إن كررناها عدة مرّات سنشفي أنفسنا ونتحرر من أوهامنا وأصنامنا وتتضح لنا الرؤية أكثر فأكثر حيث سنشعر بالإنزعاج والألم كلّما استمعنا بعدها إلى هؤلاء المتحذلقين، وسوف لن نسير خلفهم بعد ذلك ابداً.

تحذير: إن كنتم من مدمني التلفاز فحذاري (كذا !) من شدّة القرص لئلا تصاب أرجلكم بالغنغرين وستحتاجون عندها إلى بتر أرجلكم. لا سمح الله – ص 63).

وفي ختام مقالة "الديكتاتور":

(أتمنى من السياسيين العراقيين أن يقرؤا هذه المقالة أو يستعينوا بصديق لمن لا يُحسن العربية – وحتى الذين يعتقدون بأن وجودهم مكسب وطني، وأن قراراتهم تنزل بها ملائكة السماء. فلا مجال هنا أبداً للدكتاتورية خصوصا ونحن خبرناها ودفعنا حياة الملايين ثمناً لدرس غال جدا، ولن يغسل أدمغتنا كل صابون الحصة التموينية المباركة – ص 20).

أو ختام مقالة (الشخصية العراقية):

(لقد أُحيط العراق بظروف قاهرة كثيرة ساهمت في حفر ملامح حادة لدى العراقيين وصبغتهم بصبغة لا أعتقد أن لها مثيلا حتى لدى جيراننا، لأنها ببساطة صبغة (عراقية) أصيلة من زمن نبيّنا إبراهيم (ع) وإلى الآن. وهي بالتأكيد ليست الصبغة التي صُبغت بها المدارس والمستشفيات الحالية التي تتساقط ما إن تجف وبقدرة قادر وبعد أن تكون قد التهمت جميع أموال الميزانية الإنفجارية. سبحان الله – ص 48). 

572 وجهة نظر نفسية

(غلاف كتاب الدكتور محمد العبودي: وجهة نظر نفسية)

وبرغم أن واجب الكاتب الأساسي هو بحث الظاهرة والإمساك باسبابها ومظاهرها وليس علاجها إلا أنه لم يبخل بطرح معالجات مهمة في ختام أكثر المقالات تصلح للدراسة من قبل الجهات المعنية إذا كان لديها وقت لقراءة كتاب دكتور محمد. مثل مقالات الفرهود، والخانع العدواني، والنفاق الوظيفي، وآفة الحمايات الشخصية، وداء الإنتصار، التقمّص، ألا من يشتري كرسيّاً بدم.. وغيرها.

ومن أهم ميزات العبودي هنا هي أن النظرة الإحترافية لم تجعله متعاليا أو باردا أو نتاجا لرؤية غربية في علم النفس. هو إبن هذا التراب الطاهر؛ عارف بقيمته وأسراره، ونتاج مبارك لهذا الشعب المقهور العظيم. وهذه الروح هي التي جعلت محمداً يقدّم استنتاجات عصية على البحوث الغربية، كما هو الحال في مقالة (أضواء على مسح الصحة النفسية) التي تحدّث فيها عن دوره كرئيس لفريق مسح الصحة النفسية في العراق، والذي جرى بين عامي 2006 و2007 أي في ذروة محنة العراق، وهو مسح كبير أجري بإشراف منظمة الصحة العالمية، وقد استمرت عملية مناقشة النتائج لمدّة سنة ونصف، وثار الخلاف حول نتئجة إصابة العراقيين بـ (اضطراب عقب الكرب الرضحي أو اضطراب ما بعد الصدمة) أي – posttraumatic stress disorder حيث جاءت النتائج مخالفة للتوقعات العالمية عموما والغربية خصوصا، فقد  كانت متدنيّة قياسا للدول السبع والعشرين التي شملها لمسح. وقد طُرح حل توفيقي يرى أن معاناة الشعب العراقي من الإضطهاد لعقود طويلة أكسبه نوعا من (المرونة) أو (الحصانة) جعلته يتقبل المصائب. ولكن محمد يطرح عاملا آخر يعكس وعيه المحلي الوطتي. وبالمناسبة فهذا العامل  يقوّض وجهة نظر غريبة أخرى طرحها في مقالة سابقة حول عدم وجود شخصية عراقية.

ومن الغريب جدا أن يرفض باحث نفسي متمرس وجود مصطلح اسمه (الشخصية العراقية) خصوصا وقد صارت دراسة الشخصية القومية فرعا ومنهجا معروفا، كما أن هذا يعني تساوي الهندي مع العربي مع اليوناني، وبإمكاننا نقل الشعوب من مكان إلى آخر واستبدالها حسب قاعدة الأواني المستطرقة. راجع (مقالة الشخصية العراقية ص 47). 

وفي استهلال مقالة "الفرهود" قال الكاتب إنه لم يجد تفسيرا لغويا لمعنى كلمة "فرهود". وفي الكثير من المعاجم هناك معنى للجذر "فرهَدَ" وسيفاجىء الكاتب أن يجد أنه: اسم علم مذكر واسم أسرة عربي، معناه: الغلام الممتلئ، الحسن، ولد الأسد، ولد الوعل. أو هو فارسي بفتح الفاء، معناه: السعيد، المحظوظ. وقد تُفتح فاؤه بالعربية. فرهد - فرهدة: فرهد الفتى: حسُن وجمُل وامتلأ، عدا حتى جهِد. فرهدت نفسُه : ضاقت " فرهدت نفوسهم من شدّة الحرّ ".

وقال: لا أدري إن كانت شعوب الأرض المقهورة ستسلك نفس سلوك الفرهود لدينا عندما تحين لحظة خلاصها أم أنه مفهوم عراقي (ص 10). وأقول إن الفرهود هو ظاهرة سلوكية مرفوضة لكنه ليس مفهوماً عراقياً، فقد حصل حتى في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في السنوات الأخيرة. وقبل أيام حصل الفرهود في جمهورية "مالي" في الحرب الأخيرة. لكن ما يُحسب لمحمد هو توسيع النظرة، فنحن نقف بعد الإحتلال أمام فرهود من نمط جديد كما يقول:

(إنه فرهود السلطة هذه المرّة وليس الشعب. نعم فرهود السلطة الذي يتمثل في فرهود توزيع المناصب والمسؤوليات الحكومية، والفرهود في تقسيم العراق إلى مناطق نفوذ لأحزاب وعوائل وعشائر، والفرهود في إطلاق النعوت السامية كالشهداء والأبطال على القتلة والسرّاق، وغيرها من طرق لم يألفها الفرهود من قبل)(ص 10).

ومثال غريب هذا الذي ضربه المؤلف عن أن ستة من أصل عشرة رؤساء وزارات في "إسرائيل" تركوا مقاعدهم قبل أن تنتهي مدة ولايتهم. مقارنا ذلك بما ورد في دستورنا "البديع" كما يصفه من سماح بتكليف رئيس الوزراء أكثر من مرة (مقالة شهوة الحكم ص 15). وأتمنى على كل الكتاب وضع اسم "إسرائيل" اللقيطة بين قوسين أو ذكر اسمها الدقيق وهو الكيان الصهيوني. ثانيا هل عزّت الأمثلة لتصبح التجربة الديمقراطية في هذا الكيان الإرهابي قبلتنا مثل ذاك النائب الأرعن الذي راح يكافح الإرهاب في تل أبيب، وثالثا لم تكن استقالة رؤساء الوزراء الصهاينة مرتبطة بالزهد بالسلطة بل بالخلافات حول الطريقة المثلى لذبح العرب واقتطاع القدس وتوسيع الإستيطان. 

ومن الغرائب الأخرى هي أن العبودي يقول في مقالته (لماذا نحن الوحيدون في العالم الذين نقتل أطباء بلدنا؟) إن السفير الألماني ببغداد طلب مقابلته ذات مرة كطبيب نفسي عراقي. وفي اللقاء ظهر أن هذا السفير حديث عهد بالخدمة في العراق ويبحث عن علماء اجتماع ونفس ليتعرف على شعبنا عن كثب. (المهم – كما يقول الكاتب – أنه سألني سؤالاً أحرجني كثيراً وهو: لماذا الناس هنا يقتلون ويختطفون الأطباء، وهم يعرضون خدماتهم الإنسانية للجميع وليس لطائفة واحدة أو مجموعة محدّدة؟ - ص 51). ويقول محمد إنه لم يجد أي إجابة مقنعة. وأنا أقول له إن هذا السفير إما أنه غبي وهذا غير ممكن، أو أنه يمثّل دور الحمق. فلم يبق أحد لا يعرف دور الجهات الأجنبية في تصفية العقول العراقية. وكان من الممكن للعبودي إحالة السفير "الدمث" كما يصفه إلى ما نشرته صحيفة الغارديان البريطانية الموثوقة عن تسلسل الإختصاصات التي يجب تصفيتها في العراق من قبل الموساد وكان المهندسون الزراعيون – تصوّروا المهندسين الزراعيين!- في التسلسل الخامس حسبما أتذكر . وإذا كان المسلحون العراقيون متوحشين ولا يقدّرون قيمة الطبيب منقذ الأرواح فيقتلونه في عيادته أو الشارع لأن الطبيب معروف للجميع، فكيف تسنى لهم أن يبحثوا عن عناوين ومساكن ذوي الإختصاصات النووية الدقيقة لقتلهم؟ في مثل هذه المواقف يقول رجل الشارع العراقي الرائع لسيادة السفير الألماني: (علينه؟ .. مو حتى ثلج ﮘلّينه!)؟ .

ومن الغريب أيضا أن نجد مقالات تدين التوجهات القومية بل تسفّه فكرة القومية العربية. صحيح أن السياسات "القومية" للنظام السابق للإحتلال أضرّت ضرراً فادحاً بالشعب العراقي بل حتى بالقومية العربية. لكن القومية حقيقة عالمية، فكم جمهورية اصبح الإتحاد السوفيتي السابق على أسس قومية؟ الآن بلجيكا مرشّحة للتجزئة، وهناك مشكلة إقليم الباسك وكتالونيا في إسبانيا وغيرها في فرنسا. ولا أدري ما معنى أن ينزل القرآن بلسان عربي مبين، إذا لم نكن مستعدين للإقرار بوجود أمة لها مثل هذا اللسان؟ (إفتتاحية مقالة عقدة العروبية مثلا – ص 68).         

وفي مقالة (عبد الكريم قاسم) لم أكن أتوقع من باحث نفسي مجيد مثل الدكتور محمد أن يسير مع موجة المديح من دون تذكّر الطبيعة المرضيّة لشخصية الزعيم الراحل. فأن يحيّى أي كاتب مقالة أو صحفي أو باحث سياسي سلوك الزعيم الزاهد وبساطته وينبهر بهما شىء، وأن لا يلتفت الباحث النفسي العلمي للسلوك المرضي المدمّر للزعيم شىء آخر. فالعلم يعلو على العواطف والإنفعالات. 

ولم تكن كل مقالات الكتاب لها علاقة بعلم النفس أو الطب النفسي، ولم تكن أحاديث نفسية خالصة؛ قسم منها كان في دائرة علم النفس الإجتماعي، وقسم آخر يعود إلى علم الإجتماع و حتى الإنطباعات السياسية المباشرة مثل مقالات: كيف تنجح المصالحة الوطنية، وقشرة الموز، وعقدة العروبية، و1+3، ومحنة المرجعية مع الساسة وغيرها.

وقد حفل الكثير من المقالات بأخطاء لغوية كثيرة بعضها يتعلق برفع الفاعل ونصب المفعول به. ولا أستطيع تحديد سبب لذلك لأن محمدأ، وحسب معرفتي به، يمتلك المقومات اللغوية الكافية.

اختصاصي النفس يستشرف ولا يتنبأ:

ويقنعنا جهد الدكتور العبودي هذا أيضا، وإلى حدّ كبير، بالخدمة المتميزة التي يمكن أن يقدّمها عالم النفس والطبيب النفسي كاستشاري للقيادات السياسية والمؤسسات الرسمية وخطط التنمية والنماء الإجتماعي ومعضلاته وغيرها، من خلال دراسة المشكلات من ناحية شخصيات وسلوك الأشخاص الفاعلين فيها، وبناء "توقّعات" علمية دقيقة قد تفاجىء الكثيرين، لأن مقتربها مغاير لم يعتادوا عليه، فيعدونها خطأ وكأنها "نبوءة". خذ على سبيل المثال لا الحصر مقالة (داء الإنتصار) التي أشار فيها إلى حقيقة نفسية ترى أن تحقيق إنتصار كبير مميّز تعاونت عليه ظروف قد تكون أكبر من إمكانات جهة ما، قد تدفع هذه الجهة إلى محاولة تحقيق انتصارات في مجالات اخرى معقّدة وغير ممكنة، فتشكل بذلك مصيدة لها، وأحياناً مقتلاً. وكأنموذج تطبيقي يتحدث العبودي عن أن الإنتصارات الأمنية في مجال الإستقرار الداخلي وفي مجال توقيع اتفاقية سحب القوات المحتلة وقبولها شعبياً بعد مفاوضات صعبة وطويلة، قد رفعت الرصيد الشعبي للسيد رئيس الوزراء. وما استشرفه العبودي هو:

(هذه النجاحات ربّما – أقول ربّما – ستدفع السيّد المالكي إلى اتخاذ قرارات حاسمة ودراماتيكية ندفع نحن ثمنها لاحقاً. إن هذه النجاحات ستثير حتما حفيظة المنافسين الأقربين أو الأبعدين وتدفعهم إلى إيقاع الأذى به، وهو كما يبدو لن يستسلم بسهولة وسنقع نحن البسطاء بين حانة ومانة. ولو قرأ البعض هذه المقالة لقالوا لا داء انتصار ولا هم يحزنون، إنّه الحسد ليس إلّا. وأنا لا أجد ضيرا من قبول هذا التفسير، فالأمر سيان سواء كان انتصاراً أم حسدا، فالإثنان هما داء واحد إلا أن المتضرّر من الحسد يبدو وكأنه ضحية، وهو ربّما ليس كذلك، لأنه ربّما لا يكون الحسد إلا كونه هو داء الإنتصار بعينه. نعم، الأمر يدور حول شعور بالغرور وبالقدرة الزائفة التي تدفع الفرد الى اتخاذ قرارات اخرى خاطئة او متعجلة فيخسر من جراء ذلك. ولكي لا يلوم الفرد نفسه- وكعادتنا نحن في القاء الخسارة في رقاب غيرنا- يلجأ الى الحسد والحاسدين في تبرير خسارته ولا يلوم نفسه لقراراته المتعجلة وغير المدروسة – ص 49و50).

ثم يؤسس على هذا التحليل العلمي نصيحة موضوعية جديرة بالتأمل يقول فيها:

(اني ادعو السيد رئيس الوزراء المحترم الى الانتباه لأنّي أرى بوادر داء الإنتصار في محنته على سيماء بعض مستشاريه المقرّبين، وأكاد أرى أنياب أعدائه تلمع في بعض الفضائيات والمقالات، وأنصحه بأن يحترس وأن يحمل في جيبه دائما أم سبع عيون أو أم سبعة وسبعين أو سبعمية وسبعة وسبعين لدرء شر عيون الحاسدين. وكان الله في عوننا نحن العميان – ص 50).

إن هذا دليل وشاهد على مقدار الخدمات الكبيرة التي يمكن أن يؤدّيها المستشار  النفسي للجهات الرسمية التي توظّف خبراته. لكنها خدمات تثير حساسيات شخصية وحتى مقاومات جمعية. ولا أعلم لماذا لم يكمل الأخ محمد مشواره المهني كمستشار وطني للصحة النفسية في وزارة الصحة العراقية. وحسب معلوماتنا المتواضعة لا يوجد اي مستشار نفسي لدى اي مسؤول عربي. لأن المسؤول العربي يفهم في كل شيء والحمد لله. وادعاؤه هذه "القدرة الكلّية – omnipotence" بيجعله مهيئاً في أغلب الأحوال للوقوع في مصيدة "داء الإنتصار".

الصرخة المُنتظرة :

أما مقالة (إرجعوا أيّها الأوروبيون إلى عوائلكم)، فهي صرخة كانت مكتومة في نفوس الكثيرين، أطلقها الدكتور محمد العبودي في حين عجز أو خجل أو جبن الكثيرون عن إطلاقها، وتتعلق بمقدار صلاحية العراقيين ممن اكتسبوا الجنسيات الغربية الأوروبية والأمريكية خصوصا، للتصدي لقيادة البلاد بعد الإحتلال. يصرخ محمد العبودي بكل جرأة صرخة حق هادرة :

(أحسّوا أنهم ابتعدوا عن مخالب الأخطبوط الصدّامي، وهم يوقّعون أوراق اكتساب الجنسية، ولكن فاتهم شيء آخر هو أنهم وقّعوا على شهادة وفياتهم العراقية ! نعم، إنهم أصبحوا كزملائهم الذين استشهدوا في سجون الطاغية؛ شهداء ولكن في الغربة – ص 82).

ثم يمسك بالمفارقة المضحكة المبكية :

(المفارقة المضحكة المبكية أن شهداء الغربة عادوا إلى الوطن بعد سقوط الصنم وجدرانه المخيفة، وهم يحملون بين جنباتهم أوراقاً لم يجدوا من يستطيع قراءتها، كما أنهم لم يفهموا ما يقوله سجناء العراق. وهيهات لهما ذلك فهما عالمان لا يلتقيان إلا في عالم الخلود. فأنّى للطير أن يفهم ما تقوله السمكة! عاد وترك حياته وعائلته وجاء مرعوباً لازال يحمل نفس الخوف الذي اصطحبه معه عند الهجرة، فجاء مختفيا خلف جوازه الأوروبي ومحميا في المنطقة الخضراء، لا تربطه بهذه الأرض غير ذكريات مقتضبة لعالم لم يعد كما كان أبداً. لقد تعلّم أن المال في الغربة وطن، فحرص على أن يعبّ منه ما استطاع إليه سبيلا. ولأنه عاش في بيئة يحرص فيها المرء على سلامته كثيراً، تراه لا يكاد يغادر المنطقة المحمية غير مجازف يحمل عائلته معه، فهو قادم للخطوط الأمامية من الجبهة، وواجبه تجاه عائلته الصغيرة أن يبقيها هناك بعيدا عن الشمس والمفخخات حيث الكهرباء والماء نعمتان لا يثمنهما أحد في أوربا – ص 82 و83).

وحين تكمل صرخة العبودي الختامية :

(المشكلة تبدأ عندما يريد أن يحكم هنا ويدير شؤون الرعية، وهو لا يكاد يفهم شيئا مما يقولون. نعم إنهم بحاجة لمن يقول لهم رحمكم الله يوم هاجرتم، وكتب في صفحتكم أنكم شهداء المهجر، فلا تفسدوا ما كُتب لكم، وعودوا إلى عوائلكم فأنتم أوربيون حلّت فيكم أرواح عراقيين شرفاء استشهدوا هناك في المهجر – ص 83).

لا تستطيع إلا أن تختم حديثك بالقول : تحية للدكتور محمد رشيد العبودي .  

ملاحظة ختامية مؤلمة:

يعاني الأخ الدكتور محمد رشيد العبودي، هذا الكفاءة النفسية الماهرة، هذه الأيام، من مرض خطير أصاب جهازه العصبي وأعجز أطرافه العليا والسفلى، وهو طريح الفراش الآن، وحيدا كعادة كفاءات هذه البلاد من أبنائها المخلصين. وقد شاهدت بنفسي قوة إرادته وروحه الشجاعة، وهو يواجه هذا المرض الخطير، فيكون بذلك، هو ذاته، الأنموذج المشرّف، لما تحدّث عنه، عن صبر العراقيين وتحمّلهم المُعجز.

 

 الدكتور حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

 

551 علي احمد الديريوجدتُ هذا الكتابَ يحاولُ أن يعيد قراءةَ نصوص الشيخ محيي الدين في سياق مختلف، وكأننا معًا نفكر بطريقة متقاربة، فأنا أيضًا منذ ثلاثين عامًا ضقتُ بـ "تحجير" اللاهوت الصراطي للرحمة الإلهية، لذلك عملتُ على إعادة قراءة بعض نصوص التصوّف الفلسفي، وفي مقدمتها أعمال ابن عربي، من أجل بناء رؤيةٍ للتوحيد لا تكرّر رؤيةَ المتكلمين، ولأول مرة أنشر نموذجًا لتفكيري هذا قبل سنة، على الرغم من أن بذورَ الفكرة توالدتْ في ذهني قبل أكثر من ربع قرن، وتطورتْ ونضجتْ قبل سنوات حتى ارتسمت في ذهني ملامحُ صورتها الكاملة، لكن الإعلانَ عنها تأخّر إلى العام الماضي عندما نشرتُ صورةً أوليةً لها في مقالة، ثم شرحتُها بتفصيلٍ أكثر وتنويعاتٍ أشمل في كتابي الجديد: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، الذي صدر أخيرًا ببيروت.

فقد تناولتُ في أحد فصوله كيف تخفق الرؤيةُ التوحيديةُ للمتكلمين في رسم ملامح الصورة القرآنية لله، وكيف تمكّن محيي الدين بنُ عربي وبعضُ أعلام التصوّف الفلسفي من بناء رؤيةٍ توحيديةٍ تضيء الملامحَ التي يرسمها القرآنُ لصورةِ الله، ويتطلب اكتشافها قراءة تغور في طبقات المعنى المكتنز فيه. كذلك تحدّثتُ في فصل آخر عن الرحمة الإلهية بوصفها مفتاحًا دلاليًّا لفهم المنطق الذاتي للقرآن، بوصف الرحمة تهيمنُ على مضمونه وتتحكمُ بتوجيه بوصلة دلالاته. وكيف كان الشيخ الأكبر وفيًّا للقرآن في بناء صورة الله، فصاغ رؤيتَه التوحيديةَ في قراءة أخرى لآياته، قراءة تخرج على القراءة الحرفية للآيات، وتبرع في عبور القشرة اللفظية للكلمات التي لم يغادرها أكثرُ المفسّرين إلى خزائن القرآن وجواهره. ولا يمتلك مفاتيحَ خزائن القرآن إلّا من يمتلكُ موهبةً استثنائية وبصيرةً روحية كموهبة وبصيرة الشيخ الأكبر. وذلك ما ألمح إليه الشيخُ بقوله: "فجميع ما نتكلم فيه في مجالسي وتصانيفي إنما هو من حضرة القرآن وخزائنه".

قرأتُ كتابَ الديري بشغف، وأمتعتني قراءتُه، ولا أشكّ في أني تعلمتُ منه مثلما تعلمتُ قبله من كتابات مماثلة، فالأثرُ الجميلُ الذي أطالعه أعيش معه أحيانًا وكأني أتذوّق مائدةً شهيةً بعد جوع شديد. أكثرُ الكتابات التي أتذوّقها هي ما تكون مرآةً أرى فيها ملامحَ من صورتي، وأستمع فيها إلى نغم من صوتي، وأقرأ فيها شيئًا من مفاهيمي، وتعكس آفاقَ رؤيتي للعالم. لقد كنتُ مع هذا الكتاب كأني ومؤلفَه نعزف معًا لحنًا على قيثارة واحدة، لحنًا جميلًا لا نسمع فيه إلّا نداءَ الأرواح.

إن المنجز الأهم للشيخ الأكبر وكل أعلام التصوف الفلسفي تمثل في انتاج رؤية للتوحيد تحدد للدين وظيفته كحاجة وجودية لن تستغني عنها هوية الكائن البشري بوصفه موجودًا، ولن يكون هذا الكائن قادرًا على اشباعها إلّا عبر الصلة الوجودية بالحق، هذه الصلة التي تظهر بأنماط متنوعة تتنوع بتنوع الأديان. ولم يفكّر ابنُ عربي أو غيره من متصوفة الإسلام في وضع الدولة تحت وصاية الدين كما فعلت جماعاتُ الإسلام السياسي، أو وضع الدين تحت وصاية الدولة كما فعل فقهاء السلطان. كما شدد الشيخُ محيي الدين بن عربي على أن الطاقةَ الروحية للدين تكمنُ في فاعليته وأثره الكبير بتفجيرِ قدراتٍ كامنةٍ لروح الكائن البشري، وبعثِ وترسيخِ إرادته، بشكلٍ لا يتأتى للعقل وحده فعلُ كلّ ذلك، ويحقق الدينُ ذلك لما يتلفّع به من سحرٍ ميتافيزيقي. ويعود الفضل إليه في الكشف عن تنويعات هذا السحر الميتافيزيقي للدين، وبيان الحياة الروحية والقيم الأخلاقية في القرآن الكريم، وانقاذ المعرفة الدينية من تقنينات المتكلمين والفقهاء الصارمة، وما تنتجه تلك التقنينات من سلطة معرفية وتسلط يبدّد الطاقة المعنوية للدين ويطفئ جذوتَه الخلاقة.

لم ينشغل محيي الدين بنُ عربي ببناء نظرية للثورة انطلاقًا من العقيدة، كما فعل لاهوتُ التحرير في الكنيسة، ومن قلده واقتفى أثره في عالم الإسلام، المولع بتحويل الإسلام إلى أيديولوجيا للنضال والمقاومة المسلحة، وانما أعادَ الشيخُ الأكبر الدينَ إلى مجاله الروحي والأخلاقي، واهتم ببناء رؤيةٍ توحيدية لا تستنسخ الرؤيةَ التوحيديةَ للمتكلمين بفرقهم المختلفة. لم تُكره هذه الرؤيةُ المختلفَ في المعتقد على اعتناق دينها، ولم تفرض عليه نمطَ اعتقادها. وقدمت فهمًا عميقًا للتنوع في الاعتقاد بوصفه تنوعًا لصورِ الله في مختلف الأديان، وانعكاسًا لتجليات أسمائه وصفاته المتنوعة في العالم.

299 عبدالجبار الرفاعيمن مدونة علم الكلام والفقه تمكنت جماعاتُ الإسلام السياسي اشتقاق فهمٍ للدين يختزلُ كلَّ أهدافه في إنتاجِ دولة دينية، وفقًا لقراءة "كلامية فقهية"، وتفسيرٍ سياسي لنصوصه، لكن لم تسمح مدونةُ التصوّف الفلسفي والرؤيةُ للعالم التي رسمها ابنُ عربي ومن ترسّم نهجَه بذلك، لأنها اهتمت بالكشف عن الأبعادِ الغيبيةِ المتنوعة للدين، وتمحور بحثُها حول ايقاظ سحره الميتافيزيقي. لذلك لم تعثر الأدبياتُ التي أنتجتْها جماعاتُ الإسلام السياسي على رافدٍ يغذّي مراميها في هذه المدونة، فخاصمتْها وتعاطتْ معها بتجاهلٍ وفهمٍ مبتذل ساذج، وحثّتْ أتباعَها على الابتعاد عنها، إلّا أنها عثرتْ في مدونة علم الكلام والفقه على ما تنشده من أحلام تأسيس دولة دينية "كلامية فقهية"، تنفي المختلفَ في الدين، ولا تسمح بحرية الضمير الديني، وتسوّغ إعلانَ التفوق على أصحاب المعتقدات الأخرى، وتشرّع للتعاملِ معهم "أحكامَ أهل الذمة" التي هي على الضد من حق كل مواطن في الاعتقاد، وتفرض على مواطنيها من غير المسلمين التزاماتٍ وواجباتٍ تختص بهم، لا تُفرض على غيرهم من المواطنين المسلمين، ورأت من حقها أن تعلن الحربَ على آخرين وتسوّغ قتلَهم، إن كانوا من غير ذوي الذمة.

وأودّ تذكيرَ الصديق علي الديري وكلَّ من يهتمّ بالكشف عن القيم الروحية والأخلاقية والجمالية المُلهِمة في ميراث المتصوّفة إلى أني نبهتُ أكثرَ من مرة إلى أن تراثَ التصوّف سيفٌ ذو حدين، وذلك يفرض على الباحثِ أن يتنبه للثغراتِ في كتب المتصوّفة والوهنِ الذي يتغلغل في طياتها، وأن يتعاطى بيقظة مع آثارهم، فهي اجتهاداتٌ بشريةٌ وليست نصوصًا مقدّسة. وليعلم أن شيوخَ التصوّف بشرٌ تورّطَ مريدوهم في تقديسِ آرائهم وتوثينِ سلوكهم وتحويلِ شخصياتهم إلى أصنام. وتمادى المريدُ في سجن نفسه بعبوديةٍ طوعيةٍ لشيخه، وتعالتْ تعاليمُ الشيخ في وجدان الأتباع فصارت سجنًا لهم، بنحو صار المريدُ يرضخُ لها حدّ محو شخصيته ونسيان ذاته، وانتهت إلى تكبيلِهم وشلِّ حركتهم.

على الباحث في نصوص التصوّف أن ينتبه إلى أن تراثَ المتصوّفة لا يمكن استئنافُه كما هو في عالمنا اليوم، لأنه كأيّ تراث آخر صنعه البشرُ ينتمي للأفق التاريخي الذي وُلد فيه، وهو مرآةٌ للعصر الذي تكوّن فيه، إذ ترتسمُ في هذا التراث أحوالُ ذلك العصر ومختلفُ ملابساته. وهو تراثٌ يتضمن كثيرًا من المقولاتِ المناهِضة للعقل، والمفاهيمِ التي تعطّلُ إرادةَ الإنسان وتشلّ فاعليتَه، وتسلبه حريةَ العودة إلى عقله واستعمال تفكيره النقدي. وأن بعضَ أنماط التربية الروحية التي يعتمدها التصوّفُ العملي تسرف في ترويضِ الجسد، وتتنكّرُ للطبيعة البشرية، باعتمادِ أشكالٍ من الارتياض الذي يكون الجسدُ فيها ضحيةَ الجوعِ والسهرِ والبكاءِ والعزلةِ والصمتِ، فهذه الأساليب من أهمّ أركان تربية السالك لدى أغلبهم. ومثلُ هذا الارتياض العنيف طالما فرضَ على المتصوّف الانسحابَ من المجتمع والانطواءَ على الذات، وقد يفضي أيضًا إلى أمراض نفسية وحتى أخلاقية. لذلك ينبغي أن نتعاطى مع مفاهيم التصوّف بيقظة، وأن نحذر من تقليدِ أحدٍ من أعلام التصوّف في سلوكه أو نتقمص حياتَه الخاصة، وألا نقع في أسرِ أفكارِه مهما كان.

ومع كلِّ ذلك نقرأ في مؤلفات التصوّف الفلسفي ما لا نقرأه في غيرها من تراثنا، فهذه المؤلفات لا تفتقر إلى رؤًى يمكن أن تصير منطلقاتٍ لما يتطلبه عصرُنا من فهمٍ للدين ينبثق من رسمِ صورةٍ بديلةٍ لله، يضيئها السلامُ والحق والعدلُ والإحسانُ والرحمةُ والمحبةُ والجمالُ. ولا أظن أننا، خارج إشراقات صورة الله هذه، نستطيع أن ننتج تديّنًا يداوي جروحَ أرواح شبابنا الذين اختنقوا في تديّن متوحش، ويحمي مجتمعاتنا من القتل العبثي، وينقذ أوطاننا من الانهيار.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

.........................

القسم الثاني من تقديمنا لكتاب: "لماذا نكفّر: ابن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن". تأليف: د. علي الديري. الكتاب تحت الطبع. نشرنا القسم الأول من التقديم قبل أيام، وكان بعنوان: محيي الدين بن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن.

 

عدنان عويدماجد الغرباوي باحث في الفكر الديني، ومتخصص في العلوم الشرعية والإنسانية، يسعى من خلال مشروعه الفكري هذا إلى ترشيد الوعي عبر تحرير العقل من سطوة سلبيات التراث وتداعيات العقل التقليدي، وذلك عبر قرأة متجددة للنص الديني المقدس بشكل خاص والنص التراثي بشكل عام، تقوم على النقد والمراجعة المستمرة، من أجل فهم متجدد للدين، كشرط أساس لأي نهوض حضاري يساهم في ترسيخ قيم الحرية والعدالة والمساواة، بغية التأسيس من وراء ذلك إلى إقامة مجتمع مدني خالٍ من العنف والتناحر والاحتراب. وهذا ما يجعله من أحد كبار مفكري النهضة في تاريخنا الحالي الذين يشتغلون على الفكر النهضوي العربي، من خلال تركيزه على نقد الفكر الديني، والتسامح، والعنف، والحركات الإسلامية، والمرأة والإصلاح والتجديد. وهي من القضايا الأكثر أهمية وحساسية في الخطاب الفكري السائد حالياً.

صدر للغرباوي العديد من الكتب وبطبعات متعددة، منها:

إشكاليات التجديد، والتسامح ومنابع اللاتسامح، وتحديات العنف، والضد النوعي للاستبداد، والشيخ محمد سعيد النائيني، والحركات الإسلامية.. قراءة نقدية في تجليات الوعي، وجدلية السياسة والوعي.. قراءة في تداعيات السلطة والحكم في العراق، والنص وسؤال الحقيقة، والشيخ المفيد وعلوم الحديث، وترجمة الدين والفكر في شراك الاستبداد، وتحقيق كتاب نهاية الدراية في علوم الحديث.

كما صدرت عنه مجموعة من الدراسات والبحوث والكتب تتعلق في فكره ودور هذا الفكر في إمكانية تجديد النص التراثي وإعادته إلى طريق الصواب. أي طرق تحقيق النهضة.

بوب الكاتب والمفكر الغرباوي كتابه بستة أبواب، وستة عشر فصلاً، والعديد من المطالب في كل فصل من فصول الكتاب.

أما عناوين أبواب الكتاب فهي:

الباب الأول:النص والخطاب .. المفهوم والدلالة.

الباب الثاني: النص والحقيقة.

الباب الثالث: النص وأدلجة الخطاب.

الباب الرابع: النص وشرعية السلطة – الآليات والتأسيس.

الباب الخامس: النص واتجاهات المعارضة.

الباب السادس: النص والغلو.

قراءة اولية في مضمون الكتاب:

تطرق الكاتب والمفكر الغرباوي في مطلع كتابه عن أهمية الجهود الفكرية والفلسفية التي طُرحت على الساحة الفكرية العربية من أجل معالجة التفكير الديني والعقل التراثي. وما تمتعت به هذه البحوث والدراسات من حيوية في المناهج، وطرح الأسئلة واختراق الممنوع واللامفكر فيه، حيث شكل ما اشتغل عليه هؤلاء تراكماً معرفيا ورغبة في ترشيد الوعي، بغض النظر عن اتفاق الغرباوي أو عدمه اتفاقه مع ما كتب في هذا الاتجاه، مسترشدا كدليل على هذا الموقف أو الرأي مما كُتب، من حالة الجدال الذي دار بين عبد الله الجابري في كتابه مشرع (العقل العربي)، ورد جورج طرابيشي ونقده لمشروع الجابري في كتابه (نقد نقد العقل العربي). (1).

منذ البداية يؤكد الغرباوي بأن مشكلة التخلف عنده لا تعتبر في الدين كوحي إلهي. ولا لكونه إيمان يثري التجارب الروحية. بل المشكلة في تحري وفهم مقاصد هذا الدين وغاياته ووظيفته. وبالتالي دور العقل في الاشتغال على توظيف هذا الدين خدمة للإنسان ومصالحه في حالات تطوره، والوقوف ضد الفهم الوثوقي الاستسلامي من هذا النص التراثي، والمناهج الفكرية الجمودية واللاعقلانية التي تعاملت مع هذا النص عبر التاريخ الإسلامي حتى جردته من إيجابياته، لعدم تمييز من اشتغل على هذه المناهج بين الثابت والمتحول فيه، وبين الخاص والعام، وبين الايجابي والسلبي، وبين النسبي والمطلق. وهذا ما ساهم في تجريد النص من مقاصده الحقيقة المشبعة بالقيم الإنسانية النبيلة وتاريخيته، ثم تحويل ما توصل فهمهم له من النص الترثي بمجموع مفرداته إلى أيديولوجيا دوغمائية تسلط السيف على عقول ورقاب المختلف. (2)

كما يؤكد الكاتب والباحث على علاقة الفكر في حالات تطوره بالإشكاليات القائمة .. دون أن يبين طبيعة هذه الاشكاليات، عدا إشكالات الفكر الديني ومرجعياته ومناهج التفكير فيه، حيث يقول بأن مرجعيات التفكير الديني ليست سوى مصفوفة تتولى عملية التفكير وإنتاج المعرفة. ومن خلالها يفسر ظواهر الأشياء ويفرز الحق عن الباطل حتى لو كانت هذه الروايات ضعيفة وهي الأكثر قدرة على تزييف الوعي وتكريس الجهل والأمية. مستغلين قوة بيان النص المرجع ومجازيته الموظفة داخل النسق اللغوي، إضافة إلى تعدد الاحالات المرجعية وقدرتها في السيطرة على عقل القارئ او المتلقي للنص، وهذا ما يعطي النص صرامة وقوة ليس من السهولة اختراقه وتفكيكه ثم إعادة تركيبه. إن كل ذلك يعطي النص الترثي قداسته وصلابته وعدم القدرة على نقده أو مراجعته أو تعديله. (3)

إن الاشتغال خارج وعي المتلقي في مثل هذه الحالة يعني بالنسبة للباحث والمفكر الغرباوي، أن الفرد سيتأثر بالنص الملقى عليه، وهذا يتطلب إعادة دراسة النص بالضرورة إعادة معرفية والقدرة على التفكيك والتنقيب ومراعاة قابليات المتلقي، وكيفية وعيه للنص، ومدى تأثير البيئة الثقافية عليه. وهذا ما قام عليه كتاب (النص وسؤال الحقيقة.. نقد مرجعيات التفكير الديني).(4)

وظيفة الكتاب: (يمثل مشروعاً نهضوياً لاستعادة وعي الفرد بعد نقد العقل الديني ومرجعياته المرتهنة لقدسية التراث وأوهام الحقيقة التي ابتعدت عن المناهج العلمية والكشوفات الحديثة، وكذلك الحفر بعيداً في بقع معرفية مستبعدة ومهشمة تقع ضمن المتواري واللامفكر فيه. وبالتالي مدى مطابقة البنية المعرفية لهذا النص التراثي والمنهج الذي اشتغل عليه رجال الدين تاريخياً للعقل وللواقع معاً.

إن هدف الكتاب في المحصلة هو الطموح لرؤية مغايرة وفق مبادئ عقلية متحررة من سطوة الخرافة والأسطورة وأوهام الحقيقة بإسم المقدس من أجل فهم متجدد للدين كشرط أساس لأي نهضة حضارية لهذه الآمة المفوّته حضارياً، قد يساهم في رسم ملامح عالم جديد يطمح للحرية والعدالة والمساواة، ضمن إطار مجتمع يرفض العنف وإقصاء الاخر .(5)

في الباب الأول من الكتاب (النص والخطاب – المفهوم والدلالة)، وعبر كل عناوين فصوله وأبوابه يبدأ الفصل الأول من الكتاب بتعريف النص بشكل عام لغة ومجازاً، حيث يأتي النص لغة عند الغرباوي على أنه: (ما لا يحتمل إلا معنى واحداً أو لا يحتمل التأويل) أي هو كما يشير إليه علم الفقه بأنه: (ما كان نصاً في معناه، في مقابل ما كان ظاهراً). (6)

اما النص اصطلاحا او مجازاً فهو عنده: (ما تعددت دلالاته بتعدد قراءته وتأويلاته المتعددة).

فالنص هنا ثري في دلالاته أو ايحاءاته، ويتوقف الكشف عن هذه الايحاءات إن كان في الظاهر او المخفي او المضمر بناءً على مرونته وأسلوبه في التعامل معه. أي المنهج المتبع في قراءة النص. فالنص ليس أكثر من حقل معرفي قابل للحرث والتنقيب المعرفي في أعماقه .

أما السلطة فهي عنده لغة: (تأتي من التسلط والسيادة، والحكم ويراد بها اصطلاحا، السلطة المعرفية). (7). كما يراد بها هيمنة النص ومحدداته حينما يحتكر الحقيقة أو جزءاً منها. ضمن آلية التفكير وإنتاج المعرفة سواء كان النص موافقاً للواقع أم لا، المهم قيمة النص الذي يتعامل معه المتلقي بغض النظر عما يحمله هذا النص من أوهام وحقائق مطلقة يخضع لها عقل المتلقي. (8)

يؤكد الكاتب والمفكر الغرباوي على أن المراد بحثه أو التركيز عليه هنا، هو النص الديني خصوصاً، والروايات الموضوعة. ومدى تأثير الظروف المحيطة بالنص والمتلقي معاً على سلطة النص، وكيف أثبتت النصوص والروايات الموضوعة سلطتها حاضراً رغم تأريخيتها وتقادمها الزمني؟.(9)

أما أهم العوامل أو العناصر المؤثرة بالنص والتي يستمد منها سلطته، فهي متعددة ومختلفة قوة في تأثيرها النسبي من قارئ لآخر، وعلى هذا الأساس يجد الغرباوي أن النص يستمد سلطته ومركزتيه وتأثيره من مؤلف النص أولاً وأسلوب الخطاب ومضامينه). (10). كما يرى الغرباوي في الوقت نفسه إمكانية إهمال مصدر النص عندما يتعلق بمسائل أخلاقية ما دامت هذه القيم إنسانية مطلقة، كقولنا (النجاة في الصدق). ولكن لا يمكن تجاهله عندما يتعلق الأمر في حالات التعدد القيمي بين أصحاب الحضارات والديانات والثقافات المختلفة، فالقضية هنا نسبية. كما لا يمكن تجاهل مصدر النص عندما يؤسس لأية سلطة دينية كانت أو سياسية أو ثقافية أو معرفية. لآنه المعني بتحديد مستواها، فيكون المصدر هنا جزءاً من النص ذاته. كآية قرآنية أو حديث. كقول الحديث (الخلافة في قريش)، أو (إن الإمامة نص وتعيين) حيث ترتب على هذين النصين تأثير على مجرى التاريخ وصراعاته بين السنة والشيعة لم تزل حتى اليوم قائمة. (11)

إن ما يدلي به النص القرآني أو الحديث أو أي فرمان سلطوي، يعتبر عند الباحث الغرباوي إلزاميا إذا كان يتعلق بقضايا ذات طابع سلطوي. وما عدا ذلك فيعتبر النص حتى لو كانت هذه مصادره فهو نص إرشادي لا أكثر.

أما بالنسبة للنص وأهمية مصدره في عصرنا الحالي، فيجد الباحث أن مسألة التطرق للمصدر منذ العقد السابع من القرن الماضي، راحت تخف، وخاصة مع أدب وفلسفة وفن ما بعد الحداثة. حيث بدأت تطرح نظرية موت ا(المؤلف). (12). بل أننا نرى في نظرية الواقعية الجديدة في صيغتها الأمريكية برأيي هي من أخذ يمثل هذا التوجه المعاصر الذي أشار إليه الغرباوي، حيث تأخذ هذه المدرسة الحداثوية النص من مصدره وتقوم بنقد مضمونه دون التطرق إلى كاتبه. فما يهمها هنا هو دلالات النص وليس مصدره أثناء نقده. فيكون النقد أقرب للموضوعية والحيادية.

أما الأكثر خطورة هنا بالنسبة للنصوص كما يراها الباحث، فهي النصوص التي تخاطب العواطف الإنسانية أكثر من مخاطبتها عقولهم. كونها خطابات تعبويه تثويريه طقوسية تلهب حماس المتلقين من قوى اجتماعية معينة. كالخطابات الطائفية والأيديولوجية أو الاحتفالية سياسية كانت أم دينية (13)

إن النص كما يقول الغرباوي يظل: (مستغرقاً في صمته. يخفي دلالاته وأسراره ورمزيته، لا تستنطقه سوى القراءة الموغلة في نقدها وتفكيكها لتراكم طبقاته المتوارية. والنص الميتافيزيقي يخشى فضيحته المعرفية حفاظا على سلطته وهيمنة مفاهيمه). (14)

والنص الديني يرتكز في أدائه وسلطته على بنيتين هما: ظاهرية تستمد وجودها من تعدد دواله، وأسلوبه اللغوي كلمة وتعبيراً ومجازاً ورمزاً وتمثيلاً، وبنية مضمرة يرتكز عليها النص لتمرير ما يريده دون البوح بها.

74 majed600

أهمية قراءة النص ودلالات هذه القراءة:

يقول الباحث والمفكر الغرباوي: (لا توجد سلطة للنص ومصدره خارج فعل القراء، والمتلقي هو الذي يخرجها من القوة إلى الفعل من خلال منظومته المعرفية القابعة خلف قابلياته ويقينياته). (15). والمؤمن أو من يمتلك عقلاً تراثياً يخضع للنص الديني المقدس أو لنصوص مشبعة بالغيبيات، (أساطير وكرامات وغيرهما) دون مراجعة أو نقد، إنما هو يستسلم له، في الوقت الذي نجد المحايد والمتمتع بعقل برهاني يقرأ النص المقدس وغيره من نصوص التراث قراءة تحليلية وتركيبية، ويتوغل فيه معتمداً على العقل والمنطق والاستنتاج والاستقراء والقياس الجمعي. والسبب في وجود هذين الموقفين هو درجة وعي وثقافة المتلقي، وطبيعة المنهج الفكري الذي يشتغل عليه، والبيئة والعادات والتقاليد والشعائر والطقوس والخطاب الديني والنفسي والتراثي والظروف التربوية التي يعيش فيها، إضافة إلى طبيعة ودرجة وعيه واستعداده لتقبل ما يقدم له من نصوص دون أي رد فعل نقدي.

ينتقل الباحث بعد ذلك إلى دراسة النص والخطاب: حيث يأتي عنده الخطاب: (مخاطبة بين طرفين، وحديث موجه يحمل رسالة بقصد إقناع المتلقي بها مباشرة أو عبر تقنيات لغته أو أساليب تعبيره،. ساعياً لفرض سلطته على مشاعر المتلقي.). (16)، معتمداً عبر حوامله على المتلقي وظروفه ودرجة وعيه وثقافته وانتمائه الديني، أو الطائفي والمذهبي، .. الخ . وهو يتكئ على علاقاته بالعلوم الأخرى من أدب وفن وموسيقى وغناء وأخلاق ورموز.. الخ. والخطاب التراثي عادة هو خطاب قراءاته كما يقول الكاتب مواربة ومليئة بالرمزية والأسطورة المجردة العابرة للزمان والمكان، ويسلم نفسه بسهولة للمتلقي الحاذق.

أما الخطاب الأيديولوجي فهو خطاب تعبوي يقوم على إثارة مشاعر المتلقي، والتغلب على وعيه من أجل تحقيق أهدافه أو رسالته. وبالتالي نجاح الخطاب العلمي يعتمد على الاستدلال والبرهان والقياس المنطقي والاقناع، كما يعتمد على ثقافة واسعة وموقفاً منهجياً صارما لا يدخل العواطف والأهواء. (17)

وتظل المشكلة قائمة عند الباحث بالنسبة لعلاقة العقل بالخطاب. حيث يجيب عن هذه العلاقة بقوله: (كما أن الخطاب يتحرى وعياً ملائماً لدى المتلقي، كذلك العقل يطمح في خطاب ينسجم مع ثقافته وقابلياته، وبناءً على ذلك تنشأ علاقة جدلية بين الخطاب والعقل..).(18)، كل منهما يغني الاخر من أجل التأثير على المتلقي. فالنصوص وخاصة التراثية منها التي يعمل الخطاب على إغفال مرجعياتها ويتعامل الناس معها كحقائق ثابته، نهائية ومطلقة، تساهم في توجيه العقلين المتلقيين الفردي والجمعي وتستنزف طاقاتهما، كما تستنزف طاقات حواملهما الاجتماعيين وثرواتهم وتعطل جهدهم الحضاري وتعمق الشعور بالتفوق والعزلة والتعالي وكراهية الآخر المختلف.

من هنا يأتي النقد العقلاني كي يعري النص والخطاب معاً ويفضح دورهما وأهدافهما.

النص وحرية النقد:

في الفصل الثاني من الباب الأول يتطرق الباحث إلى (النص وحرية النقد). وهي قضية على درجة عالية من الأهمية والحساسية لما لها من نتائج تدميرية علي وعي الحامل الاجتماعي للخطاب وعلى المتلقي معاً. فالغرباوي يعالج مسألة قدسية النص (قرآن وحديث) ومدى قدرة نقده أو تعديله أو مراجعته. فالنص المقدس يفرض نفسه على الفقيه بشكل خاص ويقيد إمكانيات النقد العقلاني لديه. فالفقيه يعتبر النص عنده حالة مقدسة، وكل الذي يستطيع عمله هنا هو إعادة تفسير النص وتأويله كما ورد في العقل التراثي. وإذا كان النص القرآني يفرض قداسته ورهابه على الجميع، فإن المشكلة هنا تكمن بالحديث، وكتب التاريخ تبين كيف وضع الحديث خدمة للسلطة السياسية الحاكمة وخاصة في العصرين الأموي والعباسي حتى عصر التدوين. فالحديث في العقل التراثي وحتى في عقلنا المعاصر هو نص مقدس كما يقول الباحث متكئاً هنا على نصوص قرآنية (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب). (سورة الحشر الآية 7.). (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ). (النساء – الآية 59.). وبالتالي (ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.). وعلى هذا الأساس فعقل الفقيه يظل هنا عقلاً مغلقاً غير قادر على الخروج من قدسية النص وسحره. وهذا سينعكس سلباً على الخطاب وتأثيره اجتماعيا وسياسياً وقيمياً وأخلاقياً ونفسياً، وعلى المتلقي أيضاً الذي غالباً ما يدخل في صراعات دامية مع الآخر المختلف معه في مرجعياته الفقهية. (19).

القراءة والسلطة:

يريد الباحث أن يقول في هذا الاتجاه بأن للنص التراثي المقدس سلطته على الفقيه أو المفكر أو المفسر، وهو محكوم بقداسته. على عكس القارئ المتحرر من قداسة النص، حيث يتعامل معه بشكل محايد، وهو قادر أن يعيد قراءته من جديد، واخضاعه لمختلف المناهج الحديثة والمعاصرة تفكيكاً وتركيباً ونقداً بغض النظر عن قائله بغية الوصول إلى فتح كل دلالاته الإنسانية والوصول إلى مقاصده المضمرة أو المسكوت عنها بعقلية حيادية. هذا وقد جئنا على هذه المسألة في موقف سابق من قراءتنا للكتاب. (20).

الموقف من الحريات:

يتناول الباحث في هذا الفصل ايضاً الموقف من الحريات. فثمة أسئلة يطرحها الكاتب تتوقف عليها حدود حرية الاعتقاد والتعبير في الإسلام. مثل هل الدين يعتبر نموذجاً نهائياً، يصادر حرية الرأي والاعتقاد والتعبير؟. ويفرض رؤية أحادية تلازمه مدى الحياة؟. أم الدين نسق قيمي يستجيب لمتطلبات الزمان والمكان ويتجدد مع كل قراءة له في شروطها الموضوعية؟.

يقول الباحث الغرباوي مجيباً على اسئلته بأن الإسلاميين (وأعتقد يقصد السلفيين السكونيين منهم)، من فقهاء ومفكرين يقولون في الرأي الأول. حيث يعتبرون أن أي قراءة أو مراجعة أو تعديل على أي ضرورة من ضرورات الدين، أو النص التراثي هو خروج على قيم الدين وأسس عقيدته. وبالتالي من يقوم بذلك هو زنديق أو كافر أو محرف لنصوصه.

أما الكتاب الإسلاميون والمحايدون بشكل عام، فيقولون عكس ذلك، بناءً على نصوص القرآن بالذات، وهم فقهاء وعلماء علم الكلام الذين آمنو بالعقل ودوره في قراءة النص الديني وتفسيره وتأويله.. (21). فهم يعترفون بأن في القرآن آيات محكمات (بينات) وآيات متشابهات (غامضات / متشابهات). والله نهانا عن الأخذ بها، مثلما نهانا عن تأويل النص القرآني كونه وحده هو الذي يعلم تأويله.. كما آمنوا بأن الدين للواقع، وبالتالي علينا أن نخضع دلالات النص ومقاصده الخيرة لهذا الواقع في حالات تطوره وتبدله، ولم يكن الناسخ والمنسوخ في القرآن إلا تأكيداً على ذلك. كما قالوا بأن (الأصل في الأشياء الاباحة) وبالتالي علينا أن لا نحرم ما حلل الله ولا نحلل ما حرم)، والحياة دائما تطرح علينا الجديد من الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية امتحاناً للنص المقدس، ولا بد من النظر فيها وفقاً لمقاصد الدين العامة وليس وفقاً لموافقة هذه الظواهر مع ظواهر عصر السلف الصالح. لقد أراد الله في سورة الكهف أن يعلمنا أن كل شيء يتغير ويتبدل، ولكن تظل المقاصد الإنسانية العامة في الدين ثابته، كحق الحياة والرأي والعقيدة والدفاع عن العرض والأرض والمال. وكل ما يتعلق بذلك من مفردات التطبيق والوصول إلى تحقيق هذه المقاصد، هي من اختصاص الإنسان.. كونها شؤون حياة، والناس أدرى بشؤون دنياهم كما يقول حديث الرسول الكريم.

النص وخطابات النفي:

في الفصل الثالث ذاته يشير الباحث هنا إلى تعدد الخطابات الموجهة للجمهور، دينية وغيرها، ولكن الهم الذي يركز عليه الباحث هنا هو الخطاب الديني. هذا ويعتبر هذا الخطاب من أهم الخطابات التي تساهم في التأثير على المتلقي، وخاصة مع تطور الوسائل التي يستخدمها هذا الخطاب، بعد أن تطورت وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة ودور المواقف السياسية في توظيف هذا الخطاب على الوعي الجمعي، فإضافة لوسائل إعلام الدولة ومؤسساتها الدينية، هناك منابر المساجد وحلقات الذكر والمناسبات الدينية، ومواقع التواصل الاجتماعي على الأنترنيت وغير ذلك الكثير. فالعقل الجمعي هنا تؤثر فيه الكلمة، حيث يصبح للكلمة سحرها وللرواية مفعولها، فلكل مكان قدسيته ودوره في تأثير الخطاب، حتى يتعذر على المتلقي تمييز وفرز الضعيف من هذا الخطاب نصاً أو رواية بفعل روحانية الأجواء وتأثير الكلمة على العقل الجمعي الذي هو جاهل بالأصل، وبالتالي هو يتعامل مع الخطاب بعاطفته أكثر من عقله، خاصة وأن الواعظ يعتمد على روايات أسطورية في الغالب، يصعب عليه تحديد مرجعياتها، فيعطي كما يقول الباحث إشارات بسيطة لإقناع المتلقي بما يقال له، وغالباً ما تكون هذه الاشارات لها مرجعية مقدسة في النص التراثي، لا يمكن الشك في مصداقيتها. وهي بالغالب ذات طابع مذهبي، وهي أيضاً مصادر شوهت الدين في الحقيقة وقسمت المسلمين وأضعفت انتماءهم للدين الحقيقي، دين الوحدة والمحبة والعدالة والمساواة واحترام الرأي والرأي الآخر وغير ذلك من مقاصد إنسانية يدعو إليه الدين. (22).

خطاب التنافي:

على هذا الموقف المذهبي والفرقي في الخطاب التراثي الديني، يبرز مفهوم الفرقة الناجية كما يقول الغرباوي، فالمذاهب والفرق في الحقيقة تكفر بعضها، وتصنف من هي الفرقة النارية، ومن هي المرضى عنها يوم الحساب، وعلى أساس هذا الموقف يدخل المجتمع والعقل الجمعي معاً في صراعات تعمق الاختلاف والتفرقة والكره والضغينة، وهذا ما حدث عبر التاريخ، حيث لم تزل الصراعات الدينية القائمة على مفهوم الفرقة الناجية حتى الآن. وعل هذا الأساس راح الكاتب انطلاقاً من هذه المواقف التراثية العدائية يعمل على إعادة قراءة النص الديني نفسه (قرآن وحديث)، إضافة لدراسة كتب من اشتغل على هذا النص المقدس من فقهاء وعلماء كلام مرتبطين بهذه المذاهب والفرق لتبيان مواقع الكراهية والحقد فيها اتجاه المختلف، وتبيان المقاصد الحقيقية للدين، كما جاء في كتابه (التسامح ومنابع التسامح) وغيرها من كتبه التي أشرنا إليها في بدء هذه الدراسة.(23).

الباب الثاني: النص والحقيقة:

في الباب الثاني من الكتاب يتناول الباحث موضوعاً على درجة عالية من الأهمية والحساسية معاً، وهو موضوع (النص والحقيقة)، حيث (يعتبر النص الديني طريقاً للحقيقة، وكاشفاً لها. وهو يستقل بوجوده وكينونته وقيمته. بينما تتوقف صدقية النص على دليله ومدى كاشفيته).(24) وعلى هذا المنطلق تكون مصداقيته أمراً عقلانياً عندما يرتبط بالواقع. أو يرتبط بصحة المصدر أو المرجع كالحديث المتواتر مثلاً. أما عندما تكون صدقية النص الديني قائمة على الظن، فغالباً ما نجد من يرفضه في الوقت الذي نجد فيه أيضاً من يأخذ به من باب التدين. وهذا ما نجده عند فقهاء السنة مثلاً، فالحديث الظني عند ابن حنيفة لا يعتد به كثيراً، بينما هو عند الحنابلة حتى ولوكان ضعيفاً له مصداقيته المطلقة، وهو عند ابن حنبل أهم من الرأي. وإذا كانت قضية القبول أو الشك أو الرفض، واردة في قضايا الشريعة عند المتدينين، فهي غير مقبولة في العقائد، كما يقول الباحث. أما عند الباحث العقلاني المحايد. فالحقيقة نسبية مالم يبرهن على صحتها الواقع.

إن المنهج الديني في تقصي الحقيقة لا ينتج حقيقة كاملة، فالحقيقة تظل نسبية مالم يبرهن عليها. وما دامت مقررة سلفاً في ذات النص، فهو منهج قائم على الايمان والتسليم لا على الدليل والبرهان. (25).

الحقيقة والايمان:

يقول الباحث في هذا الاتجاه: (ثمة نتيجة مهمة تترتب على ثقافة المتلقي وقابلياته في وجود الحقيقة النسيبة). (26) . بل إن النتيجة هذه تترتب على درجة إيمان المتلقي والظروف المحيطة به، والموقف المذهبي والسياسي الذي ينتمي إليه. ومع ذلك فوحدة الايمان لا يمكن أن تشكل دليلاً على صدق الايمان ومطابقته للواقع. بل تكشف عن بنية العقل ومشتركاته في مدى صدق هذه القضية أم لا. فالإيمان المشترك لا يدل على مطابقته للواقع. بل تحتاج صدقيته كما أشرنا أعلاه إلى أدلة وبراهين. وهذا ما يؤكد الفهم العقلاني للآية الكريمة. (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) الفرقان – 73.

إن القرآن في جوهره يحث على البرهان والنظر وتحكيم العقل واستدلالاته. (27).

الحقيقة الدينية ونسبية الهداية:

ما أكد عليه الباحث إذن، هو أن إطلاق الحقيقة بشكل عام يتوقف على مدى مطابقتها للواقع ووجود الأدلة وبراهين حسية وعقلية عليها.

أما الحقيقة الدينية فتستمد وجودها من إيمان الفرد ومستوى وعيه وثقافته التي تختلف باختلاف منشئها. ومع ذلك هي نسبية باستثناء ما دل الاستنتاج المنطقي على وجود خالق لهذا الكون. وكل ما عدا ذلك كعوالم الغيب والمعاد . والكرامات. ويقدم الكاتب الكثير من النماذج الروائية دعماً لموقف الفكري والمنهي هنا. (28).

إن إيمان الباحث بنسبية الحقيقة، يدفعه لتأكيد نسبية الهداية. والهداية عنده (تعني الإرشاد. هديته أي أرشدته. دون تحديد الغاية او القصد) .(29). وقد جاءت الهداية في النص الديني مطلقة (إهدنا الصراط المستقيم)، وهي توحي بدلالات خطيرة في الكثير من مواقعها في العقل التراثي. كقول الحديث: (فإنما أصحابي مثل النجوم، فبأي اقتديتم اهتديتم). فالرواية هنا أعطت مصداقية تصل إلى درجة العصمة للبشر، والنص القرآني لم يمنحها لأحد. وعلى هذا الأساس جاء الموقف السلفي من التراث فيما بعد، حيث اعتبرت المرحلة التاريخية للصحابة هي مرحلة مقدسة وصادقة بكل ما فيها فكراً وممارسة، وبالتالي كل جديد يخرج عن معطيات هذه الفترة هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وهذا الموقف القائم على الهداية المطلقة نجده عند الشيعة أيضاً عندما اعتبروا أن الولاية بالنص اولاً، وإن آل البيت معصومون ثانياً.

الحقيقة العقائدية ودور التراث في ترسيخها:

بقول الباحث والمفكر الغرباوي لقد لعب التراث دوراً هاماً وخطيراً في تشييد وبنا الهيكل العام للمسألة الطائفية والمذهبية الدينية بشكل عام، والإسلامية منها بشكل خاص. حيث انتشرت وبعمق في بنية السلطة والمعارضة معاً. (30).

إن النص القرآني واضح في مقاصده العقيدية والتشريعية. فهي مقاصد عامة ترتكز كما بينا في موقع سابق على الايمان بالله وكتبه ورسله واليوم الاخر ونشر العدل والمساواة وإحقاق الحق في الدفاع عن العقيدة والأرض والعرض والنفس والملكية. بيد أن هذا النص عبر وجوده التاريخي راح يؤول ويفسر وفقاً لمصالح السلطة والمعارضة معاً، وهنا راح النص يميل في دلالاته كما يريده ألذين في قلوبهم زيغ. حيث لم يتوان الكثير من الذين اشتغلوا على الدين أن يضعوا الكثير من الأحاديث التي تمجد هذا الخليفة أو ذاك، أو هذه القبيلة أو تلك. بل إن الكثير من الآيات القرآنية راحت تؤول وتفسر للخدمة ذاتها. بل تفاقم الأمر عند بعض المذاهب إلى اعتبار قول الإمام ذاته نصاً مقدساً (العصمة) لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه. وعلى هذا الأساس يركز الباحث على أهمية إعادة قراءة التراث ونقده والعودة به إلى مربعه الأول بعد أن استطال وأصبح وسيلة أكثر من كونه غاية تهدف إلى مقاصد الدين الحقيقة. وعلى هذا الأساس خصص الباحث عنوانا خاصاً بأهمية النقد العقلاني ودوره في الوصل إلى حقيقة التراث وغربلته من كل الشوائب التي علقت به تاريخياً بسبب مصالح الفئات الحاكمة أو المعارضة معاً. (31).

ونظراً لخطورة التأويل في النص التراثي يركز الباحث على خطورة هذه المسألة منطلقاً من منهجه الفكري العقلاني النقدي الذي يعتبر أن القراءة التأويلية للنص تقيم علاقة جدلية بين معرفة النص ذاته بكل حمولته ودلالاته، وبين القارئ لهذا النص، أو المؤول لهذه الحمولة المعرفية ودلالاتها. وعبر هذه العلاقة لا يستطيع النص التراثي أن يحافظ على مركزيته وقوته وسيطرته ومعرفته المطلقة، وإنما أمام سلطة معرفة القارئ أو الناقد تنهار هذه السلطة المركزية للنص، وتتفتت كما يقول الباحث الغرباوي، وبالتالي أمام هذا التحطيم لمركزية النص المعرفية، تتشكل معارف جديدة ربما تناقض تلك المعارف الكامنة في النص أو جزءاً منها بما يتفق ومصالح المؤول والمتلقي معاً وفقاً للمرحلة التاريخية المعيوشة. وهذا هو دور النقد في الحقيقة للنص التراثي ووظيفته. فالنقد العقلاني المحايد وحده هو الذي سيعيد قراءة النص التراثي وتخليصه من كل الشوائب التي علقت به تاريخيا، من أوهام وأساطير واحتكار للحقيقة وتقديس، وبالتالي تحرير كل العلقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية وخاصة في شقها الديني المتعلقة به.(32).

يتبع في الحلقة القادمة

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

 

566 فالح عبدالجبارعنوان كتاب للدكتور المرحوم (فالح عبدالجبار)، وكعادته شغوف بالعنونة، ولكنك حين (المُقاربة) بين استعارته لعنوان كتابه هذا من الفيلسوف (توماس هوبز) ستجد البون شاسعاً.

وضع (هوبز) عنوان كتابه (الليويثيان) لتنظيم العلاقة بين السلطة التنفيذية (الحاكم) والشعب، ليكون مفهوم (العقد الاجتماعي) هو الفيصل بينهم كونه الضامن للحقوق والواجبات، فللحاكم حق اتخاذ القرار وفق العقد بينه وبين الشعب، وللشعب حق فسخ العقد، ولكن الشعب مُلزم بالستجابة لقرارات السلطة لانه هو من وضع ثقته بها، فتخلى عنها ويولي الحاكم سلطة اتخاذ القرار، وعليهم (الشعب) أن يتحملوا مسؤولية منحه الثقة به وبقراراته.

(اللويثيان) هو حيوان أسطوري يجمع صفات حيوانات عدَة، كلأفعى والتمساح والتنين والحوت.

يرمز (هوبز) باستعارته هذه إلى أن من يمتلك السلطة لإدارة الدولة له حق اتخاذ القرار ولا مقدرة للشعب بعد منحه الثقه على منعه من اتخاذ قراراته ولو كانت ظالمة، فقط هو الله من يستطيع وربما القضاء عليه.

ومن قرأ لفالح عبدالجبار سيعرف أنه ماركسي التكوين، وبعد التحول هو أقرب في السياسة لجماعة (الديموقراطية الاشتراكية) أو (الديموقراطية الاجتماعية)، وبحدود للـ (الاشتراكية الفابية)، وليس من مُقضيات القول تفصيل المقال، ولكنني أظن أن فالح عبدالجبار يهيم بجماليات العنونة لكُتبه لجذب القارئ ومُراعاة دور النشر في الترويج.

وإلَا بنظرة لا تحتاج إلى تبصر، سيتبادر إلى ذهنك إن كُنت قارئاً في الفلسفة وعلم اجتماع المعرفة لتتسائل:

ما علاقة كاتب مثل فالح عبدالجبار هو في السياسة أقرب لما بيَنت و في علم اجتماع المعرفة هو أقرب لمدرسة (فرانكفورت النقدية) بآراء (توماس هوبز)؟.

الجواب: هو أنه مُغرم باستعارة العنوان الأكثر جاذبية في عالم التسويق والبيع والشراء.

وليتحملني من هو مُعجب بآراء فالح عبدالجبار السوسيولوجية وأنا مثله مُعجب به، ولكن (الاختلاف لا يُفسد في الود قضية) ـ كما يُقال ـ فلا يستبق القول ويُصادر رأيي من دون تفحص لقولي هذا.

حينما نستعير عنواناً لفيلسوف كبير مثل (توماس هوبز) نرغب بتوظيفه علينا أن نضع مُبررات لاستعارتنا هذه، فإما أن تكون مُبرراتنا للدفاع عن تبنينا لهذا العنوان وفق منهجية مقبولة في الاستعارة والتوظيف، أو أننا نروم (تبيئةً) لهذا المفهوم تنسجم وواقعنا الموروث ومُحيطنا الاجتماعي والبيئي وتحولاته السياسية والاجتماعية أو المعرفية بأقل ما هو مطلوب.

تفحص الكتاب من ألفه إلى يائه وستجد أن هذه الاستعارة للعنوان مُقحمة على متن الكتاب، ولا تمهيد ولا مدخل يُبرر لنا من خلاله فالح عبدالجبار استعارته لرؤية فيلسوف يميل للدفاع عن التفرد في الحُكم ليوظفها مُفكر في تأسيسه ماركسي، وفي خاتمته أقرب للاشتركيين الديموقراطيين كما ذكرت.

عندي تفصيل يطول..وسأفرد له بعض من القول...

 

د. علي المرهج