565 ميادة المباركعن دار أمل الجديدة صدر للشاعرة المبدعة ميادة المبارك ديوانها البكر (لك .. تفاصيل المطر)، بتقديم الأديب ناظم ناصر القريشي،وقد احتفت الأوساط الثقافية بصدوره، وأقيمت دعوة عامة برعاية الملتقى الثقافي العراقي بحضور الشاعرة المبدعة على قاعة جواد سليم في المركز الثقافي البغدادي لتوقيع المجموعة ولاحتفاء بهذا المنجز المائز في أصبوحة كانت من أجمل ما يكون من حيث حضور الجمهور الغفير من الأدباء والمتابعين والنقاد والمداخلات والتعقيبات التي تخللتها، وقد أدار الجلسة باقتدار الروائي صادق الجمل.

وكانت الشاعرة قد نالت اهتماما ملحوظا من قبل مجموعة غير قليلة من الأدباء والنقاد العراقيين، فقد أثنى الشاعر جبار الكواز على ما في شعرها من (جمال لغوي مدهش يستوعب التجربة ويحيلها إلى رؤى عميقة من التوصيل) .

أما الشاعر سعد ياسين فقد قال عن هذا الديوان: (مع ولادة كلّ مجموعة شعرية أولى قد يولد شاعر أو شاعرة، و(لكَ .. تفاصيل المطر) المجموعة الشعرية البكر لميادة المبارك والتي وقعت لي نسخة منها .. أعلنت عن ولادة شاعرة تستطيع أن يكون لها وجود في خارطة الشعر العراقي وهي تستكمل أدواتها الشعرية بالتواصل الدؤوب مع اتجاهات الشعر ومنجزات رموزه الذين بنوا صرح القصيدة الحديثة بتألق في أرض وادي الرافدين ؛ وقراءة متبصرة عميقة لنصوص المجموعة قد تشي بالكثير بالتأكيد إلا أنَّني وبمرور سريع عليها لمست ظاهرتين في نصوصها الأولى : أنَّها تتحدث بصيغة الآخر كما في (سفيرة المرايا،وطوق الياسمين، ونزيفك أقحوان) وغيرهم؛ أما الظاهرة الثانية فهي : تماهي الذاتي بالعام، فهي تنطلق بصور شعرية جميلة عن الساكن في دمها وتزيدنا شوقا لمعرفته لكننا نكتشف أنه العراق ولهذا التماهي الجميل والنبيل أكثر من تأويل وبجرأة تشتغل ميادة المبارك على اللغة اشتقاقا مما يبعدها عن السائد والمألوف في كتابة النص الشعري) .

ووصف الأديب كريم عبد الله لغة شعرها بـ (لغة عذبة زاخرة بالجمال)، ووصفها الأديب رحيم المالكي بـ (سلم نبض الحرف والكلمة الماطرة بالنقاء)، ومن شعرها:

قبلَ الألفِ بصادٍ واحدةٍ

وباءٍ طويلةٍ

تختصرُ الحاء

ألف صباحٍ وصباح

ومن جميل كلماتها المنشورة: (الشعراء حين يرحلون يولد لنبض القصيدة ألف بيت شعر ورواية).

ومن الجدير بالذكر أن للشاعرة المبدعة ميادة المبارك 180 نصا شعريا، نشرت منها في هذه الديوان 54 نصا، وسيعقبه في المستقبل القريب ديوان آخر يضم مجموعة أخرى من نصوصها الجميلة .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

563 الدين والضمأ الانطلوجيلي قصة طويلة مع كتاب الدكتورعبد الجبار الرفاعي الدين والظمأ الأنطولوجي، ربما تروى لاحقا بحول الله.. ولكن هذا الكتاب الرائع، أحسب أنه قد نفخ فيه من روح الجمال والجلال، فأضحى مضيئاً بالأنوار.

تعود معرفتي بفضيلة الدكتور عبد الجبار الرفاعي إلى مرحلة ماقبل الماجستير والدكتوراه. فقد عرفته من خلال منشورات دار الهادي، ومركز دراسات فلسفة الدين، التي اعتنت بتجديد الفكر الكلامي والدرس الفلسفي.

ولعل كتاباته كانت سبباً في إقبالي على كتب العلامة الدكتور طه عبد الرحمن، فكانت كتبه مدخلا لكتب الأخير، كانت البداية مع كتاب طه عبد الرحمن في أصول الحوار وتجديد علم الكلام..إلى أن أسفرت عن كتابي "سؤال الدين في الغرب الاسلامي بين مشروعي طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري".

لم يهدني أحد إلى كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" سوى الله، فهو الوحيد الذي يعرف ما أشعر به تجاه الكتاب اليوم، وهو الوحيد الذي يعرف طبيعة الكتب التي من شأنها أن تروي الظمأ الانطولوجي في فكري ووجداني.

لما رمقت عيني الكتاب، وقلبت صفحاته الاولى، لأشم منه عبق العلم والعرفان . لم أساوم الكتبي كما هي عادتي في مباشرة طقوس القراءة. اشتريته فرحاً مسروراً، لتبدأ رحلة الابحار في ملكوت معارفه، وتجارب مؤلف الكتاب الوجدانية والمعرفية.

لا أخفي أن الكتاب لامس شيئا من فكري ووجداني، وكأنه يتكلم عن تجربتي. قليلة هي الكتب، التي تستطيع أن تفعل بالانسان أثراً هو أكثر من فعل السحر على المسحور.

كما أسلفت؛ لم أسمع بالكتاب من قبل، ولا سمعت بنقاده، ويطيب لي أن أنخرط في سلك كوكبة النقاد الأماجد، الذين نقدوا الكتاب، وأبدوا مشاعرهم نحوه.

قبل ذلك، لابد أن أهمس في أذن أصدقائي: أن حبي للكتاب وشخصية الكاتب، لاتعني اتفاقي مع كل آرائه، فلو فعلت ذلك لأغضبت نفسي، وأغضبت الدكتورعبد الجبار الرفاعي، فانا امرؤ يكره التقليد وينفر منه، بل أنا رجل يكره المقلدة كرهاً معرفياً إلى أبعد حدود، فجناية التقليد على العقل، أشد من جناية الجماعات المتوحشة على الانسانية والاسلام.

الدكتور عبد الجبار الرفاعي ممن يكره التقليد والاجترار، وحبه للنقد العلمي البناء يفوق كل حب. يصف الرفاعي النقد بقوله: "يهمني النقد، لأن تفكيري يخصبه ويثريه النقد .. النقد للتفكير كالأوكسجين للكائن الحي، إذ لا حياة للتفكير الحي من دون نقد .. وان كان يسود ثقافتنا تخويف من النقد، بوصفه هدماً وتقويضاً، كما ننعته على الدوام، وربما يتحوّل التخويف أحيانا إلى تخوين، من دون أن نعرف أن النقد هو الذي يبعث الروح في التفكير، وهو ما يكفل انبعاثه بعد موته، وتجديده بعد تبديده .. بتوقف النقد ينغلق العقل، ويتحجر التفكير، بل يمسي التفكير ضداً للتفكير".

النقد الذي أبديته لفضيلة الدكتور الرفاعي، يتعلق برأيه في شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد حمّل تراثه الممارسات المكرسة لظاهرة التوحش والعنف الديني.

يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي:

"لم يزل تراث ابن تيمية وسواه حاضراً فاعلاً مؤثراً، عبر دراسته وتدريسه، وتبني آثاره في البحث والكتابة والمناظرة، واتخاذه مرجعية للتقليد في التدين والسلوك... لا تغيب آثاره عن الكثير من المدارس والمعاهد والكليات المتخصصة بالشريعة والدراسات الاسلامية، سواء كانت تقليدية أو حديثة.. ولم يجرؤ معظم الباحثين في الاسلام المعاصر على الاشارة إلى ما ينبعث من آثاره من تكفير المختلف عقائديا وفكريا، والتنبيه إلى أن تراثه منجم معظم ما تشبعت به أدبيات الجماعة الاسلامية من السموم. بل تحمس بعض المفكرين في بلادنا العربية بالاعلان عن ضرورة العودة إليه، بوصفه أهم مفكر وفقيه ظهر في تاريخ الاسلام، وأي محاولة تقفز عليه أو تتخطاه، إنما تغامر بفقدانها أصالتها وافتقارها لتمثيل الامة والاسلام وحضارته". كتاب: "الدين والظمأ الأنطولوجي". ص157.

هذا هو النص الذي يمكن أن أجعله موطنا للنقد والنظر.. ليس دفاعا عن ابن تيمية بقدر ما هو دفاع عن حقوق المعرفة.. فمن حقوق العلماء علينا، أن ندب عنهم وننصفهم، أيا كانت وجهتهم الدينية والعقائدية. فهذا من العدل الذي تعبدنا القرآن به أكثر من غيره.. (إن الله يأمر بالعدل والاحسان)..النحل.

هناك جانب مشرق في تراث ابن تيمية حجبت أنواره الخصومات الكلامية والعقائدية التي خاضها ابن تيمية على جبهات متعددة، فهو فيلسوف ناقد لآراء ابن رشد والفارابي والغزالي ..بل ناقد لأرسطو وافلاطون. وهو منطقي حين يذكر المنطق باعتباره مقدمة للفلسفة والعلوم كلها. وكتابه "الرد على المنطقيين" شاهد بذلك، بل إن مقولاته النقدية لم يتجاوزها الشيخ علي آل كاشف الغطاء في "نقد الآراء المنطقية"، ولا السيد محمد حسين الطباطبائي وغيرهما من علماء الشيعة المناطقة، فقد عرف  الشيعة عند المدرسة السنية باهتمامهم الشديد بدروس المنطق والحكمة.

ابن تيمية مجتهد حين يذكر الاجتهاد والفقه، ومحدث ناقد للمتون حين تذكر الاسانيد والعلل، وهو مورخ ومستشرف لأحداث المستقبل كما تمليه السنن الكونية موازاة مع السنن التشريعية.

هذا الجانب المشرق المتمثل في زهده وورعه وتعبده لله تعالى بشكل لا يذكرإلا عند العباد و الزهاد الكبار. وقد سطر عماد الدين الواسطي شيئا من سيرته في رسالته الواسطية... وقد كان صاحب العماديات شيخا صوفيا و تلميذا لابن تيمية رغم أنه أسن منه... ومع كونه شيخاً للطائفة الرفاعية، عارفاً بكتب ابن عربي، والكتابة الصوفية بمختلف أطيافها.  فقد ذكره بأوصاف عظيمة لعلها تبرز الوجه العرفاني والمشرق لهذه الشخصية العلمية العظيمة.

لقد سررت كثيرا بمقال الدكتور عبد الجبار الرفاعي الموسوم: (لكل من الدين والفن والعلم سياقاته الخاصة)، وهو مقال رد فيه على نقد الدكتور ناظم عودة لكتابه، حيث اشار فيه إلى ضرورة مراعاة السياق في كل خطاب ومثاقفة .. ومنها سياق الدين من الوجهة الانطولوجية كما عبر عنها الكتاب.

ويمكن أن أقول للدكتور الرفاعي: نفس الامر ينبغي مراعاته في تراث ابن تيمية، فابن تيمية جاء في عصر هجمة المغول على بغداد ودمشق، ورحيله من حران صغيراً مع أبيه، جراء وحشية المغول، وترسخ ثقافة التقليد في المجتمع، وثقافة الاستبداد والظلم، كان حافزاً لهذا الرجل أن يمارس المعرفة من جهات متعددة... من الفقه إلى الفلسفة مرورا بالعرفان. يكفي أن الرجل توفي في سجن القلعة بعد أن ختم القرآن، مترنما مرات عديدة، نادماً عن انصرافه المعرفي نحو تفسير القرآن، وهو الذي فسر القرآن مرتين، وعمره 18 سنة، وكتب كتابه "تفسير آيات أشكلت"، إذ كان رأيه أن كتب التفسيرانها طافحة بالمكرر والاسرائيليات. لقد كان ابن تيمية مفتيا للحنابلة وعمره 18 وكان شيخ الحنابلة يفتخر بوجود مثله. فالسياق يقتضي مراعاة تطوره الفكري، فهو قاض وفقيه وفيلسوف. لقد كان القرافي من أوائل الناس الذين اشتغلوا ببيان تصرفات النبي عليه الصلاة والسلام وتنوعها. وهكذا ينبغي أن ننظر في كل فكر حينما ينسب لصاحبه..

قدرة ابن تيمية على أسلمة المعرفة تحتاج إلى وقفات...اشار اليها الدكتور الرفاعي من خلال حكاية البالسي المتوفى 718 هجرية. ابن تيمية غير مسؤول عما تقوم به الجماعات المتطرفة، ومن الظلم تحميله وزر كل عمل مشين تقوم به هذه الحركات. يكفي أن أشير إلى رسائل ابن تيمية في بيان علة قتال الكفار، وأنها لأجل الحرابة لا لأجل الكفر

ورأيه في رجوعه عن تكفير غلاة الشيعة والطوائف المنحرفة عقائديا... ورأيه المعتدل في المعتزلة.. إلى غير ذلك من الآراء التي تراكمت من خلال تجربته وحياته التي مازجت بين السياسة والفقه والعرفان والحكمة.

أخيرا أحب أن أختم ما سطرته من باب الانصاف والعدل لهذا الرجل، إذ يقول الدكتور عبدالجبار الرفاعي: "أتحدث عن ابن تيمية، ليس بوصفه متفرداً في ذلك، فإن مدونة علم الكلام والفقه في الاسلام لدى كافة الفرق والمذاهب لا تخلو من تلك المعتقدات والفتاوى".

ختاما: يبقى كتاب الدين والظما الانطولوجي أكبر هدية جعلها الله للمفكرين والانسانية.

 

د. حمزة النهيري – كاتب مغربي

 

بعد استعراض فصول الكتاب قراءةً، استوقفتني الكثير من الإشارات المهمة، وتحديداً ما ورد في مقدّمة الكتاب الذي يشكل جوهر ومحتوى الأطروحة عن التراث والنص وكيفية التعاطي معهما بروح الحداثة ومعطيات العلوم الحديثة، كاشفاً بإضاءات معرفية متعددة المصادر، في كيفية فهم النص وقراءته وتشخيص قدراته اللغوية في التماهي والتعاطي مع مفردات العصر، كحرية الرأي والمعتقد وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية واحترام الآخر، مضيفاً بذلك حلقة جديدة في سلسلة كتاباته ومؤلفاته التي تدور في فلك ذات المعنى، محاولاً وبالدليل العقلي والمنطقي استدعاء ما هو مضيء من التُراث وإلباسهُ ثوب الحداثة.. فجاءت المقدمة وبحق تعبيراً عن تلك التجليات والرؤى التي اشتغل ويشتغلُ عليها الباحث الروازق منذُ أكثر من عقدين من الزمن، محاولاً بسعيه الدؤوب سحب التراث الى ملعب الحداثة وإعادة احياءه وتنظيفه من الشوائب التي ألصقها السلفيون والمستفيدون به،.. مستفيداً من التراث وبعض شخصياته لاعتبارات قدسية وروحية، لإثبات صحة تلاقح التراث مع المعاصرة وتسويق افكاره التنويرية الحساسة جداً والجريئة جداً عبر هذه القنوات المعرفية.

إن هكذا اسلوب يتطلب دقة ودراية بالتأريخ وإحداثه، وقراءته قراءة جدلية متحركة وهذا ما شكل سمة مميزة ومتميزة في معظم مؤلفاته التي حملت اسماء مهمة من التاريخ الإسلامي والعربي، مثل الدكتور الوردي انموذجاً، الحسين يكتب قصته الأخيرة، نصوص نهج البلاغة، احمد الوائلي، وأخيراً كتابه الجديد الذي يحمل اسم الفقيه العربي آية الله الشيخ محسن خنفر، متخذاً منه إطاراً للصور التي يرسمها كيفما يشاء وشكلاً وقناعاً للمحتوى المراد تسويقه للقارئ.

فما ان هدأ الجدل والحوار عن طبيعة الإشكالية التي أثارها الباحث صادق الروازق عن الديمقراطية والدين في كتابه السابق (مقاربات إصلاحية في فهم الدين والذات.. الدكتور الوردي إنموذجاً) حتى فاجئنا بأشكال أخرى أكثر سخونة عن الإسلام الفقهي وإسلام الشريعة في كتابه الجديد بصفحاته الـ(286) وفصوله الـ(4) مستعرضاً فيه (سوسيولوجيا الزعامة) وتقاربها بقدر ما مع شخصية الفقيه العربي الشيخ (محسن خنفر) بأسلوب سلس ولغة اعتمدت ذاكرة التأريخ متجنباً الأساليب النمطية في كتابة أدب السيرة بآلية السرد والنقل لتفاصيل حياة الشخصيات ويومياتهم المنتقاة من بطون كتب التأريخ، إنه يحاكي شخصياته بآلية الجدل وروح الحداثة ويستدعيها بلغة العصر ويجادلها بمنطق الحاضر، فلا يقينيات ثابتة ولا نصوص فقهية خارج التأريخ، فالنصوص لدى الباحث الروازق تُبنى بلغة إحتمالية قائمة على المجاز والتأويل بما ينسجم ومعطيات العصر التكنولوجية وعصر الفضاء والإنترنت وهندسة الجينات، لغة لا تتنفس هواء الغرف المظلمة ودهاليز صناعة الفتوى المحرّضة للقتل والتكفير، هذا هو الاسلوب الذي اشتغل عليه الكاتب والباحث الروازق في كتابه الجديد حتى يستدعي شخصياته من التاريخ ومزج بها إلى مسرح الحياة المزيّنة بديكورات الحداثة كما فعل مع الشيخ محسن خنفر، حسب منطق الديالكتيك في قراءة الظواهر والنصوص، متحفظاً على النصوص الفقهية التي ما زالت تراوح خارج حركة التأريخ بإرادة السلفيين الذين يستفزهم الخضوع لإرادة منطق التاريخ على خلاف منهج الباحث الروازق الذي تعود في كل بحوثه ودراساته أن يخوض غمار الجدل والصراع في أكثر المواضيع دقة وأبلّغها خطورة في قراءة ونقد النص الفقهي وتفكيكه علمياً وموضوعياً حتى اكتشف غربته وغربة (صاحبي في هذا السفر) أو كما يقول في مقدمته (خمسون عاماً وأنا أفتش بين رجال الدين عن علي بن أبي طالب، فلم أجده!!!)

إن الكاتب تقدم خطوات على جرأته  التي ألفناها في بحوثه ومؤلفاته السابقة معتمداً ذات المنهج العلمي في التحليل والموضوعية التي اشتغل عليها الباحث في مؤلفاته (محنة شعب – سوسيولوجيا الدين والسياسة) (الحسين يكتب قصته الأخيرة) (أخلاقية الحوار) (مقاربات إصلاحية في فهم الدين والذات) رُبما يسأل سائل عن طبيعة الجراءة والأسلوب الذي تميز به الكتاب عن سابقاته من المؤلفات.

عن هذا الكتاب تحديداً تعامل الباحث الروازق مع منظومة الجزيئات التي تشكل البنية الحضارية للشعوب ببناءها الفوقي المتمثل بالتشريعات والقوانين والفتاوى، والبُنى التحتية ممثلة بالصناعة والخدمات، تعاملاً كليّاً وأيّ خلل أو نكوص سيترك أثراً سلبياً على بقيّة عناصر الخلق الحضاري ثقافياً وسياسياً واقتصادياً وفكرياً واجتماعياً. مما ينتج لنا أزمات وانهيارات في بنية الحياة الاجتماعية فتخلى البعض من رجال الدين عن مهامهم الارشادية (وانخراط الكثير منهم في عالم السياسة مما أودى الحال – بالعراق – من تعطيل مرافقه الحياتية اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، حتى باتت الأخيرة من أشد المخاطر انتهاكاً لحرمة الرابطة العائلية) إن هذه الإشارة الجريئة والصريحة الواردة في مقدمة الكتاب تشير بكل وضوح إلى رجل الدين الذي استبدل العمامة بقبعة السياسة وجعل من التفسير المبتسر للنص الديني أداة يبتز بها خصومه إن لم يكفرهم علناً وهذا سيؤدي إلى (حدوث أزمات كبيرة وكثيرة) مثلما (أن بعض الاجتهادات الفقيه تقف حائلاً أمام وحدة المجتمع وتماسكه، فليس من المعقول وفي بلد مثل العراق وما فيه من تعدد الديانات والطوائف والمذاهب، ان نجد في منظوماتها الفقهية وبالأخص (السنية والشيعية). فقهاً اقصائياً، الغائياً، تكفيرياً) ويواصل الكاتب نشر جرأته على صفحات الكتاب عمودياً وأفقياً فاضحاً كل أشكال الخراب والفوضى التي تتناسل في مؤسسات الدولة العلمية مفككاً ظواهر الخراب وأسبابها ونشوئها، فأنا كقارئ دُهشت وصُدمت (أن تنحى جامعة الكوفة العلمية الأكاديمية (الرسمية) مسار فقه التفريق والدخول في الصراعات الطائفية ومحاكمة أحداث التأريخ بشخوصه وهي سابقة خطيرة شهدتها صروح هذه الجامعة) وبكلفة قدرها (56) مليون دينار عراقي ولا تعليق لي سوى ما ورد في مقدمة الكتاب (هي محاولة لتعطيل حركية العقل والإنابة بالتكفير ويختم الباحث صادق الروازق كتابه قائلاً (هكذا فقه عند المدرستين السنية والشيعية لا يمكن له أن يبني مجتمعاً إسلامياً متماسكاً، ولا يمكن له ان يُشاع فيه الاستقرار والأمن) (إن بناء الدولة الحديثة لا يمكنها الاعتماد على الاجتهاد ذات الفقهية المتعدّدة).

 

قراءة بقلم الأديب: قاسم شاتي

 

558 صعود الاسلاميين(هل كانت هناك علاقة متينة تربط الفيس بالوهابية؟)

صدر حديثا كتابا يوثق للحركات الإسلامية وصعودها على رأس السلطة بانتخابات حرة في كثير من البلدان الإسلامية، وهو يحمل عنوان: "دليل السياسيين الاسلاميين" تأليف صبري الفرحان وهو كاتب من العراق، لكن ما فتئت الأوضاع تتغير وشهدت الساحة انحرافا سياسيا، نتيجة الإنقلابات وتوقف المسار الإنتخابي لفخ نصبه لهم صناع السياسة العالمية أو لتقاطعهم مع العلمانيين أو بعضهم مع بعض

الكتاب صدر عن دار المحجة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان  ويحتوى على 134 صفحة من الحجم المتوسط، وهو يضم تسعة فصول تحدث فيه صاحبه عن جماعة الاخوان المسلمين في مصر ومنظرهم المرجع سيد قطب، وتقاطعهم مع جمال عبد الناصر، ثم ظهور الوهّابية لينتقل إلى حزب الدعوة في العراق بقيادة باقر الصدر، ثم التيار الصدري وعلاقته بحزب البعث، كما ذكر الكاتب حزب التحرير في فلسطين 1953 بقيادة تقي الدين النبهاني والمواقف البطولية لأهل فلسطين وحديث عن ألأرض المباركة، الجماعة الاسلامية في باكستان 1941 بزعامة أبو العلاء المودودي، منظمة العمل الاسلامي العراق 1964 باشراف المرجع محمد مهدي الشيرازي، حركة أمل لبنان 1975 التي تزعمها السيد موسى الصدر.

و على مستوى الحكم والدولة، تطرق الكاتب إلى تجربة السودان الاسلامية عام 1983 م، وتجربة ايران الاسلامية 1979م، وتجربة طلبان الاسلامية 1996م، وما بين الحزب وتجربة الدولة، سجّل الكاتب صبري الفرحان اسم الجبهة الاسلامية للانقاذ FIS في الجزائر  ومسيرتها ما بين 1989 و1992م، ورغم أن اسم الفيس المحظور كان من بين الأحزاب التي لقيت اهتمام الكاتب، إلا أن اسم زعيمه الشيخ عباسي مدني الذي ما يزال يعيش في المنفى ويعاني من المرض، لم يأت ذكره ضمن الشخصيات الإسلامية البارزة التي ذكرها الكاتب على غرارالدكتور ابراهيم الجعفري، ابراهيم يزدي، حسن نصر الله، الداعية فتحي يكن، الدكتور محمد سعد الكتاتتي، الدكتور محمد مرسي، الدكتور محمود أحمدي نجادي، محمود المشهداني، نوري المالكي، وهذه الأسماء تأتي بعد نبيه بري الذي يعتبر أول شخصية إسلامية برزت في المعترك السياسي كما قال الكاتب، حتى أن صورة الشيخ عباسي مدني لم تكن ضمن صور الشخصيات التي نراها في غلاف الكتاب، حيث اكتفت دار النشر السالفة الذكر بنشر شعار الفيس فقط.

وهنا نتساءل هل كان ذلك من باب التحفظ ؟ أم أن اسم عباسي مدني سقط سهوا، أم مازال هناك من يعتقد أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ FIS كحزب إسلامي انتهى دورها ولم يعد لها وجود في الساحة السياسية ؟ رغم أن قادتها ما زالوا ينشطون بالبيانات ويعبرون عن مواقفهم إزاء ما يحدث، ويقدمون الحلول لإنقاذ الجزائر، وبخاصة في هذا المرحلة التي تستعد لفيها الجزائر للإنتختبات الرئاسية لسنة 2019،  والجدير بالذكر فإن الجبهة الإسلامية للإنقاذ مذ خروجها من السرية إلى العلن وظهورها في الساحة السياسية، لاقت أحداثها رواجا إعلاميا على كل المستويات، وكانت الصحف العربية قد أسالت الكثير من حبرها، لاسيما صحيفة الشرق الأوسط، والقدس العربي، مجلة المستقبل العربي وغيرها التي كانت تحلل ما يقع من أحداث في الجزائر، وكيف عرفت مرحلة من المراحل اتساع دوائر العنف في مجتمعات الدول العربية على غرار تونس، المغرب، السودان، مصر، الأردن وبالخصوص الجزائر التي عاشت مرحلة جد مكهربة ومشحونة بالتوتر والخوف، قبل مجيئ الربيع العربي، وكانت دوما تتابع تحركات الجبهة الإسلامية للإنقاذ (الفيس) وكيف صنعت الحدث السياسي بفوزها في انتخابات 1991، قبل أن يتوقف المسار الإنتخابي بسبب الإنقلاب عليها من طرف النظام الجزائري، حيث عاشت الجزائر مأساة دموية طيلة 10 سنوات أو أكثر، عرفت بالحرب الأهلية المسلحة، وسجلت خسائر مادية وبشرية، حيث خسرت أرواح المئات من أبنائها، جلهم إطارات يحملون شهادات عليا، وهي إلى الآن ترمم ما خربته العشرية السوداء، بعدما واجهت الإرهاب بمفردها، لكننا في الأخير نقرأ أن الكتاب ضم صور مراجع الشيعة فقط وعلماء بيت الحكيم، إن قلنا أن حسن البنا، وسيد قطب ومحمد مرسي الرئيس المصري المخلوع ليسوا شيعة؟

ما يهم في هذه الورقة هو أن الكتاب وثّق لحزب الفيس المحظور في الجزائر، بكل ما يحمله من حسنات وعيوب، رغم المصالحة الوطنية التي صوت عليها الشعب الجزائري، واصبح بفضلها ينعم في الأمن والإستقرار عكس ما كان عليه بالأمس، فمسيرة الفيس ما تزال إلى اليوم عالقة بأذهان الجزائريين وحتى المحللين، أو خصومه من اللائكيين والديمقراطيين، ولا أحد بإمكانه أن ينسى مسيرة السّلام التي قادها عناصر الفيس نحو الرئاسة في رمضان 1990 من أجل تحقيق دولة الإسلام في الجزائر، فكان بويعلي أول من يقود الحركة الإسلامية المسلحة ويقف ندا للند أمام النظام، ولا أحد ينسى معركة بن طلحة، كان الفيس أول حزب إسلامي في الجزائر تكون له قاعدة جماهيرية وفرض وجوده في الساحة السياسية، بعد فوزه في انتخابات 12 جوان 1990، بعدما منح له قاصدي مرباح الترخيص القانوني لدخول الإنتخابات بمساعدة مولود حمروش الذي كانت رغبته الوحيدة هي الوصول إلى الحكم، لكن هذا الأخير تغيرت مواقفه تجاه الفيس، البداية كانت باستفزاز عناصره وقادته، ثم اعتقال منتخبيه في البلديات والزج بهم في السجون، رغم وجود مطالب بإنشاء حكومة انتقالية من طرف المعارضة، أما الحزب الشيوعي أو كما يسمى بالطليعة الإشتراكية بقيادة الهاشمي شريف فكان مطلبه الوحيد حل حزب الفيس وسمّاه بالظلامي، ودعا إلى تدخل الجيش لحله.

لم يكن حزب الفيس وحده المعارض للسلطة بل كانت أحزاب أخرى تريد تغيير النظام، وأكثرها الأحزاب الديمقراطية واللائكية والتي شكلت فيما سُمِّيَ بمجموعة الـ: 7+1، وهي الأرسيدي، حركة "مجد" التي أسسها قاصدي مرباح، الحزب الوطني للتضامن والتنمية PNSD، حزب التجديد الجزائري PRA الذي كان نورالدين بوكروح ناطقه الرسمي، بالإضافة إلى الإتحادات ومنها الحركة من أجل الديمقراطية في الجزائر وغيرها، ويذكر أن بداية الإختلاف بين حزب عباسي ومجموعة 7+1 هو أن هذه الأخيرة رفضت فكرة الإضراب السياسي الذي دعا إليه الفيس، حسب التقارير، لم تكن بداية القطيعة بين الفيس والشاذلي بن جديد، وإنما في قضية تمويل الفيس من طرف السعودية، كانت الأمور هادئة نوعا ما، إلى أن ظهر إلى الساحة كتاب "العصيان المدني" لسعيد مخلوفي رئيس تحرير أسبوعية الهداية كان الفتيل الذي اشعل النار بين الفيس والسلطة الذي اتهمته بالتبعية المالية للسعودية، خاصة وأن مدعمي الفيس كاتنوا تجار يربطهم نشاط تجاري بآل سعود،  وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: هل كانت هناك علاقة متينة تربط الفيس بالوهابية؟، واتفاق بينهما لإحياء العصر الذهبي للنبيّ والخلفاء الراشدين، وهل كان الشيخ عباسي مدني متأثرا بالسلفية الجهادية؟، علما أن هذه الأخيرة كانت نتاج التطور الفكري الجديد الحاصل في تاريخ الإيديولوجية التكفيرية المعاصرة.

الملاحظون طبعا يستبعدون وجود علاقة بينهما، لأن لكلّ استراتيجيته في علاج المشكلات وله رؤية تختلف عن الآخر، إلا أنهم يحملون الرجل الثاني في الحزب علي بن حاج المسؤولية فيما آل إليه وضع الجزائر، عندما نادى بالجهاد، ما يجهله البعض أن الفيس ورغم أنه محظور، فهو يتابع الأحداث عن بعد، ولم يتوقف أبدا في مطالبة السلطات العليا بتكريس المبادئ والأسس التي بُني عليها العمل السياسي المؤسِّس للتيّارات الوطنية الأصيلة المتنافسة على خدمة الشعب والوطن والملتزمة بالعمل على تثبيت المقومات الوجودية لهذه الأمة، هذا ما جاء في بيان لهم صادر بتاريخ 18 نوفمبر 2018 خلال إحياء الذكرى الـ:19 لإغتيال الشهيد عبد القادر حشاني، حيث طالبوا بإعادة ملف اغتياله وإخوانة في سركاجي والبرواقية، وكذلك الذين ماتوا داخل حاوية الشاحنة اثناء تحويلهم من سجن تيزي وزو إلى سجن بلعسل بغليزان، ودعوا إلى تعزيز قيم الدفاع عن الوطن ومقوماته بالحسم في الهوية الوطنية ومواجهة سياسة الاستئصال والانفصال، العمل على ضمان تواصل الأجيال ومواجهة القيم التي تزيد من تكريس التنافر وتعميق الصراع بين شرائح المجتمع وذلك ببناء الشخصية الجزائرية.

 

علجية عيش

 

556 ريتا عودهحمل إلي البريد هدية من الصديقة الشاعرة ريتا عودة المقيمة في عروس الكرمل حيفا، وهو ديوانها الشعري الموسوم "مباغتًا جاء حبك"، الذي كان قد صدر عن دار الرصيف للنشر والاعلام- رام الله، وجاء في ١٦٠ صفحة من الحجم المتوسط، وضم بين طياته عشرات الومضات المكثفة والقصائد القصيرة جدًا، التي تعتبر  احدى الرياديات فيها، وفاضت بها روحها الشاعرية. إنها قصائد حب وسمفونيات عشق نسجتها بحروف من حرير بخيالها المجنح.

ومما جاء في كلمة الناشر على الغلاف الأخير للديوان: "مباغتًا جاء حبك هو ليس اسم ديوانها فقط، انما هي تلك المشاعر التي فاضت نهرًا من كلمات، حبرها دمع وتمرد، صمت وبوح وصرخة. فهي تنتقي كلمات تلبسها ثوب الفرح مرة أخرى في ثوب الفارس الذي يمتطي صهوة الشمس ويأتي في الزمن القادم".

وتتكىء قصائد الديوان على جمل شاعرية مكثفة خاطفة الدفقة الشعورية، وهو ما أصبح يعرف بالريتيات، تغلفها باحساس رقيق شفيف، وتلجأ إلى لغة الشعر المنثور، او قصيدة النثر، كلماتها بسيطة، فيها عذوبة وطلاوة، ولها نكهة خاصة، وفيها الكثير من المحسنات البلاغية كالاستعارات والأوصاف والتشبيهات، ونجدها دائمة البحث عن الأفكار والمصطلحات البسيطة ذات الايحاءات العميقة، صورها الشعرية مكثفة تعتمد على الايحاء وعنصري الخيال والمفارقة.

تقول ريتا في احدى ومضاتها الجميلة:

سأكون السفينة

وتكون بحري

ساكون الوردة

وتكون عطري

سأكون قصيدة

وتكون قافيتي

وتزفني إلى:

حلمي الأخير

***

صوتك خبزي اليومي

***

ضمني إليك

كما يضم شاعر

عجز بيت إلى صدره

***

ريتا عودة شاعرة قادرة ومتمكنة من اللغة، تسبح وتغوص في بحر الكلام، عاشقة للكلمة الجميلة الحلوة، لديها أكثر من حلم، تبحث عن رجل الحلم الذي رسمت له في مخيلتها وأحلامها الوردية ألف صورة وصورة، وهي دائبة البحث عنه، والسؤال هل ستجده يومًا؟؟!! في ظني لن تجده..!!!!

شكرًا لك ريتا عودة على هديتك، وكم استمتعت بقراءة نصوص الديوان فهي أشهى من نبيذ العنب الخليلي، مع خالص التحايا والتقدير.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

548 ميثم الجنابيفي هذا المقال استكمل القسم الاول من المقدمة مع انها كل واحد, ولكنني اضطررت لتقسيمها الى قسمين بسبب كبر حجمها. وأعيد هنا المقدمة العامة والشكلية للكتاب. فقد صدر هذا الكتاب عن (دار العارف) 2018. وعدد صفحاته 238 . وهو كتاب يستكمل سلسلة من الكتب صدرت عن الدار مثل كتاب (الزمن والتاريخ- نقد الراديكالية والأوهام "المقدسة")، وكتاب (تأملات فكرية حول الحضارة الإسلامية).

وينقسم هذا الكتاب الى قسمين، الأول وتحت عنوان (إرادة الروح)، والثاني (روح الإرادة).

ويتضمن القسم الأول ستة محاور وهي على التوالي:

- الصيرورة الروحية للإسلام،

- الإسلام - مجاز الحكمة الخالدة،

- الصيرورة الروحية للنبي محمد،

- النبوة- إرادة الحق،

- الجهاد والاجتهاد النبوي،

- القرآن- قراءة الأبعاد المتجددة للوجود الإنساني

اما القسم الثاني فيحتوي على أربعة محاور وهي على التوالي:

- الإسلام وفكرة التحدي التاريخي،

- إرادة البديل الشامل،

- النفي والبدائل،

- العقل الإسلامي الجديد).

 

من المقدمة

النبي محمد في الثقافة النظرية الإسلامية

عادة ما لا تثير الشخصية العظيمة رغبة في تصويرها والكتابة عنها إثناء حياتها، خصوصا عندما تكون صيرورتها الشخصية وكينونتها الفكرية والروحية نتاج صراع عنيف لا هوادة فيه. فهي في أفضل الأحوال مادة للنقد والتهكم والاستهزاء والسخرية، لكنه حالما يندثر وجودها الجسدي عندها تنبعث روحها التي لا يمكن مقاومتها إلا بروح أقوى. ولا يمكن لهذه الروح الأقوى أن تكون شيئا غير تمثل ما فيها أو استمرار لها أو نفي أعمق وأكبر لما فيها. حينذاك تتحول الشخصية التاريخية إلى شخصية ما فوق تاريخية، أو رمز هائل، ومصدر لا ينضب للتأمل والتفكر، وروح متسام، وفكرة بحد ذاتها. عندها يأخذ دبيب الاهتمام بكل حيثيات وجودها وحياتها وأفعالها وأقوالها إلى أروقة الوعي الثقافي. وقد كان نصيب محمد من كل هذه العملية كل ما فيها. اذ لا يخلو أي من علوم وفنون الثقافة الإسلامية من أثر له مباشر أو غير مباشر سواء بهيئة رمز أو مثال أو أنموذج أو مبدأ أو فكرة أو نمط حياة أو فكرة لاهوتية أو فلسفية أو صوفية.

ارتبط الإسلام منذ البداية بشخصية النبي محمد. وبغض النظر عن أن الدعوة الإسلامية لم تستمد حروفها من اسمه، إلا أن "المحمدية" تطابقت مع مفهوم الإسلام، على الأقل، عند الاتجاهات التي ادعت تمثيله الخالص. لهذا السبب عادة ما ترفض الاتجاهات السلفية، لأسباب دينية وثقافية، تسمية الإسلام بالدين المحمدي أو المحمدية. بحيث اعتبر البعض أن ما يميز الإسلام عن الديانات الكبرى (العالمية والوحدانية) هو انتماؤه للفكرة الوحدانية لا إلى دعاة الأديان ورسلها، انطلاقا من أن حقيقة الإسلام مرتبطة بمصدره وغايته لا بشخصيته الرئيسية. أما في الواقع، فإنه لا خلاف جوهري بينهما فيما لو جرى فهم هذه القضية بعيدا عن خلافات المذاهب الضيقة ونفسية العقائد المتحجرة. إذ لا يمكن عزل الصفات الجوهرية لإسلام الدعوة والرسالة و"السّنة" اللاحقة بمختلف تجلياتها عن شخصية النبي محمد ونموذجها الواقعي ومثالها الواجب. بهذا المعنى لا تناقض بين هذه الأسماء من حيث مضمونهما التاريخي والمثالي، أي أن "هرطقة" التسمية المحمدية هي من "بدع" العقائدية الضيقة. وإلا فيستحيل فهم حقيقة النبوة المحمدية ودوره التاريخي الفعلي فيها. فقد كان محمد مسلما بالقدر الذي عبّر في أعماله وغاياته عن جوهر الإسلام. ومع ذلك كان لشخصيته كيانها التاريخي المستقل. فقد جمعت في ذاتها وحدة المتناقضات من خيال وواقع، وفكرة وصراع، وماضي ومستقبل، مما أعطى لها إمكانية التحول إلى رمز مجرد ومستودع لا ينضب للوجود والاستمرار. وهو السبب الذي يفسر سرّ المنافسة التي لا تنتهي بين مختلف القوى في محاولاتها استنهاض أرواحها الغابرة في مواجهة تحديات "العصر". أما في الواقع فإنها لا تفعل إلا على مواجهة ذاتها.

 تقاسمت الاتجاهات الإسلامية شخصية النبي محمد ومفاهيمه بما يتطابق مع تصوراتها عما هو "جوهري" فيه. وهي عملية طبيعية مميزة لظهور وتطور الحركات الاجتماعية والسياسية والفكرية. وبغض النظر عما في هذه العملية من إمكانات خفية مثيرة للتناقض "الحي" مع بعض منطلقاتها الفكرية الأولية التاريخية، لكنها عادة ما تؤدي إلى نقل هذه التناقضات إلى ميدان الفكرة وتثويرها عبر صياغة الحلول الجديدة.

غير أن اشد الأفكار تجريدا، تأبى الارتماء أمام أقدام الخمول الاجتماعي والنفس الخاملة. لأنه يتحتم عليها آنذاك مواجهة مصيرها وتندثر وكأن شيئا لم يكن. إلا أن هذا المصير التعس من صنع الخيال السارح وراء إدراك حقيقة الوحدة المستترة خلف استمرار الوجود. وإلا فإن التطور الاجتماعي الثقافي سوف يفقد آنذاك ذاكرة التاريخ وأثرها بالنسبة لبلورة الوعي المتجدد، باعتبارها أهم مبررات وجوده. وقد واجهت هذه الذاكرة امتحانها الأول في التاريخ العربي الإسلامي بعد دفن جسد النبي محمد تحت حجارة المدينة. حينذاك ظهرت شخصيته في التساؤل الساذج عما إذا كان قد مات فعلا، وفي النفي الأكثر سذاجة لعدم موته، الذي تفوّه به عمر بن الخطاب. غير أن للسذاجة التاريخية قيمتها المعرفية. فهناك فرق بين السذاجة التاريخية والسذاجة المعرفية، رغم ارتباطهما بأواصر جزئية. فالسذاجة المعرفية متأتية من قلة المعرفة وتدني الممارسة العلمية والعملية، بينما عادة ما ترتبط السذاجة التاريخية بروعة الحدث وخطوبته.

محمد الخلافة الاولى

وتتميز هذه "المرحلة" التي امتدت منذ موت النبي محمد وحتى سقوط "خلافة الراشدين" بنظرتها اليه بمعايير المثال العملي الأخلاقي الرفيع، الذي يرتقي بمقاييس الوجدان والإيمان إلى مصاف المقدس.

فقد رفض عمر بن الخطاب فكرة موت النبي محمد. وهدد بقطع أيدي وأرجل من زعم بأن رسول الله قد مات، وأعتقد برجوعه كرجوع موسى إلى قومه. وبغض النظر عن صعوبة تحقيق بواعث اعتراضه (في حال افتراض صحتها) على فكرة موت النبي محمد، إلا أنها انطلقت في حوافزها المباشرة من التأثير الهائل لشخصية النبي على الجماعة والأمة الإسلامية الناشئة، أكثر من انطلاقها من الآيات القرآنية. فالمراجع التاريخية عادة ما تستند في تأويلها لرفض عمر بن الخطاب الاعتراف بموت النبي محمد، إلى فهمه المباشر للآية: "لكل أمة شهيد وأنت عليهم شهيد". وهو نفس المصدر الذي أعطى لأبي بكر إمكانية نقضها في كلماته الشهيرة: "من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، ثم تلاوته الآية (وما كان محمدا إلا رسول قد خلت من قبله الرسل). وهي الآية التي استغرب عمر من أن تكون "في كتاب الله".

غير أن هذه السذاجة التاريخية تبقى في نهاية المطاف من مصادفات الزمن. وما بدا مرفوضا للوهلة الأولى، سوف يعيد الكرّة من جديد وبقوة أعظم. فقد طرح عمر في رد فعله المباشر حدس القضية التي ستتجوهر في المعضلات الروحية والعملية الكبرى للأمة من الإمامة حتى الأخلاق، ومن النبوة حتى الولاية (الصوفية)، ومن الطابع الظني للفقه وحلوله الافتراضية حتى يقين الإيمان العقائدي، ومن الشريعة حتى الحقيقة. ولم تكن هذه العملية انعكاسا لرمزية المطلق بقدر ما كانت انعكاسا للأهمية التي شغلها النبي محمد في عالم الإسلام ومكوناته الحضارية.

من هنا سطحية الفكرة الشائعة عن أن المؤمنين لم يتركوا أنفسهم يتأثرون بصورة محمد كما رسمها التاريخ الصادق، بل حل محلها منذ الوهلة الأولى الأسطورة المثالية للنبي، والتي اخذ علم الكلام على عاتقه مهمة رسمها باعتباره بطلا ونموذجا أعلى الفضائل. وعدم دقة هذه الفكرة لا تقوم فقط في تجنيها على علم الكلام ودوره في إبداع الصورة المثالية للنبي، التي تفتقدها كليا ما يسمى "بالسيرة النبوية"، بل وفي رفض الكلام لتقاليد الأسطورة عن النبي محمد منذ الوهلة الأولى. وإذا كان علم الكلام قد ساهم في رسم الصورة المثالية عن شخصية النبي، فإن ذلك لا يعني أسطوريتها الفكرية أو التاريخية. فالاختلافات الكثيرة بين آراء وصور المتكلمين عن النبي محمد هي الصبغ الفكرية المتعددة عن الشخصية الأولى للإسلام. فقد كان الكلام بمعنى ما نتاجا لظاهرة الدفاع عن عقائد الإسلام في مجرى احتكاكه بعقائد الأديان الأخرى. وتضمن منذ البداية عناصر إبراز عظمته وصحته بما في ذلك على مثال النبي محمد. ولم يعر لهذا القضية جل اهتمامه. لاسيما وانه نظر إليها بمعايير العقلانية المميزة لمراحله الأولى. إذ لم تكن "الأسطورية" فيه سوى المثال الرمزي لليقين العقلاني. ولا يغير من حقيقة هذه العقلانية وقيمتها افتقادها النسبي للتجانس، وذلك بفعل جوهرية النبوة في التقاليد الكلامية، باعتبارها جزءا من عقائد الإيمان. فالإيمان يفترض كشرط ضروري مثالية النموذج. من هنا كانت "أسطورة" النبي محمد و"مثاليته" الصيغة الضرورية لوعي الحقائق المتسامية. أما في الواقع، فإنه لا أسطورية فيها ولا مثالية. إذ لم يتعد الكلام في أحكامه الأساسية عن النبي محمد ما تناوله القرآن، الذي نظر بدوره إليه نظرته إلى التجلي "الرحماني" في الخلق الإلهي.

 إضافة لذلك كان من الصعب حينذاك توقع رد آخر. فالأسطورة يصنعها الانتصار حينا والهزيمة حينا آخر. وإذا كان الانتكاس النفسي لعمر بن الخطاب هو رد الفعل المباشر على "فقدان" الشخصية المركزية للأمة وتعبير عن حرفية الفهم الأولي لبعض آيات القرآن، فإن خمود العاطفة ونصوح العقل، سرعان ما أقنعاه بخطئه الشخصي وهفوته الفكرية. وإذا كان من الصعب الآن البحث في خلجات النفس المشتعلة في أعماق عمر بين الخطاب آنذاك، فإن رد فعله يعكس في بعض ملامحه الصفات المميزة له في مباشرته المتسامية وواقعيته الحصيفة، أي كل ما استعرضه في خلافته. ومن الممكن النظر إلى كلماته المشار إليها أعلاه باعتبارها "شطحا" تاريخيا عبّر فيه عن قوة الانتماء للأمة وبؤرتها الحساسة (النبي محمد)، لا "شطحا" فكريا كالذي نعثر عليه عند غلاة الفرق الإسلامية. ومن العبث البحث في كلمات عمر عن عناصر الغلو الأولى في تاريخ الفكر الإسلامي، تماما كما أن من الصعب تصور فقدانه للواقعية العميقة والعقلانية المتسامية (العملية).

 إننا نستطيع رؤية قوة الكلمة المحمدية في هذه الشطحات. فقد صنعت كلمات القرآن موضوعاتها وموضوعاتها المضادة. وكلاهما أصبح قابلا للأخذ والرد. وقد حوّله هذا الواقع إلى رمز، بحيث أصبح بإمكان القوى الاجتماعية أن تتخذ منه شعارا للمعركة، كما فعل هو نفسه في صراعه مع العرب الوثنية بتحويله الله إلى شعار للمعركة.

ولا يعني ذلك تطابق مضامين هذه الظواهر. بل يمكن القول بأن تأثير الشخصيات الروحية الكبرى ليس أقل تأثيرا من آلهتها. فهي تمثل في نموذجها الفردي أسلوب تصوراتها عن الله. إلا أن هذه الظاهرة تبقى من عالم المعتقدات الفردية والإيمان. أما انتماءها لعالم السياسة فهو جزء من عالم المصالح الجديدة، التي يفرضها منطق ومستوى الصراع الاجتماعي والثقافي وغاياته الملموسة. فالآلهة المحمدية في فعلها المباشر وغير المباشر في نشاط النبي محمد هي صيغة تجلي المطلق في فضاء الوجود الأول. لذا كان تأثيره اللاحق في صيرورة التقاليد الفكرية والسياسية والروحية استمرارا واقعيا للصياغة الأولى. بمعنى إن الحركات التالية يمكنها الاستناد مباشرة إلى شعار "الله اكبر" و"لا اله إلا الله"، إلا أن هذه المباشرة التي يفترضها الإسلام في نفي رهبانية الكيان الكنسي والوساطة الخالصة (المؤسساتية)، تبقى مباشرة في استمرارها، أي أنها لا بد وأن تستثمر صلاتها من خلال وحي النبي محمد. وهو المعنى المقصود بمقارنة شعارات المعركة الدائمة لدراما التاريخ والوجود. كما أنه السبب الذي يفسر بقاء الشخصية التاريخية العقلية للنبي محمد سارية حتى في اشد الصور الأسطورية غلوا. بمعنى استمرارها كالبرزخ الصوفي عن عالم المثال أو كتشكيلة مجردة قابلة للبناء المتعدد، أي كل ما نعثر عليه في التراث الفكري الاجتماعي السياسي الإسلامي في هذا المجال.

النبي محمد في آراء ومواقف المعارضة السياسية الاولى

وضع التراث الفكري والاجتماعي السياسي الإسلامي شخصية النبي بهيئة كيان يتراوح بين الشخصية (الملموسة) والفكرة (المجردة)، وربط أحيانا بينهما إلى درجة التطابق. وجرّده أحيانا إلى درجة حوّله فيها إلى فكرة أو مثال، وأنزله أحيانا أخرى إلى الواقع وجعله محكا للحق الشامل. ووجد ذلك انعكاسه في الحديث الموضوع :"إذا أنا مت، كانت وفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم"، أي أن التجربة اللاحقة للتطور الاجتماعي السياسي والحضاري حوّلته إلى مقياس طالما رفضه رفضا باتا في حياته. فقد رفض محمد بفعل وجدانيته الخالصة ووحدانيته الكلية أن يضع مقياسا لكل ما هو موجود أعلى من الله، باعتباره الوحيد الحق. وهي الفكرة التي سيجري صياغتها لاحقا بعبارة "الرجال بالحق لا الحق بالرجال".

 حوّل التاريخ الإسلامي النبي محمد إلى بؤرته الجوهرية، وينبوع ذاكرته الحية، ومرآة تأمله الذاتي. فالرجال تموت وتبقى أفكارها الحية. وإذا كانت الفكرة المحمدية هي كلمة الحي "القديم" التي ينفد مداد البحر دون نفادها، فأنى لهؤلاء الذين عوّدهم الإسلام على أن ينظروا لأنفسهم كذرات صغيرة تسّبح بحمده (في عالم الملك) أن يتخطوا حدود المطلق؟ إلا أن للتاريخ "منطقه" الخاص، الذي لا يتعدى مع ذلك تجارب أممه. وهي التجربة التي رفض عمر بن الخطاب نسبيتها الملموسة باعتبارها نهاية الجسد، وأقرّها أبو بكر بصيغة الأبدية المطلقة. بينما كان علي بن أبي طالب يعالجها من منطلق "في الله عزاء عن كل مصيبة"، بينما رأى العباس بن عبد المطلب (عمه) فيه علائم "الموت الهاشمي"، في حين تقّبل المؤمنون هذه النهاية بحزن لا يخامره فزع الطفولة وتحطم اليقين، واستقبلته أفواج عام الوفود، فيما يبدو، بروح تقاليدها القديمة، التي نطق بها في يوم ما شاعرها كعب بن زهير، في مدحه للنبي محمد نفسه (كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوما على آلة حدباء محمول). في حين ارتدت العرب المستسلمة. ولم يكن ارتدادها خال من طرافة فكرية. لقد استغربت موت نبيها الأكبر ووجدت الفرصة المناسبة للتخلي في آن واحد عن إسلامها وزكاتها وصلاتها.

كان لهذا الشرخ الفكري في الوعي الاجتماعي آثاره العميقة. غير أن استعادة الوحدة الاجتماعية السياسية للأمة الجديدة، كان يعني في نفس الوقت استعادة نوعية للشخصية المحمدية. فقد رفرف هو مع رايات المسلمين إلى جانب "الله اكبر"، وصاحب كل انتصار عسكري جديد تعظيم جلي لقدرته الروحية الخفية. وكان لا بد لهذه المعارك التاريخية أن تفرز إخفاقاتها، وأن توّلد في الأعماق اليائسة شعاع الأمل الروحي. وحالما تمت هذه المقدمة في مخيلة القوى الاجتماعية، فإنها تكون قد تحولت إلى بديهية ينبغي البرهنة عليها كل بطريقه الخاص.

وكانت هذه العملية، شأن كل العمليات الفكرية الأيديولوجية، أن تتشذب في مجرى تطورها وتتهذب أساليب مقالاتها. فإذا كان الأشعري على سبيل المثال، ينظر إلى الاختلاف الفكري للقوى الإسلامية على انه تفرقا إلى شيع وفرق بعد موت النبي محمد مع إبقائه الجميع في حيز الإسلام، فإن البغدادي ادخل الخلاف حول موت النبي محمد باعتباره أول الخلافات الفكرية بين المسلمين. فهو يقف عند الحد الذي يتناوله الشهرستاني لاحقا بأسلوب التحليل والمقارنة، الذي يكشف عن كيفية تحول القدرية إلى "مجوس هذه الأمة" و"المشبهة إلى يهودها"، و"الروافض إلى نصرانييها".

وبعض النظر عن المنهجية المؤدلجة للبغدادي في استعماله للحديث الموضوع عن "افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة" كلها في النار إلا فرقة أهل السنّة والجماعة، الذي يستهلكه الشهرستاني أيضا، ولكن ضمن منظومة تحليلية أعمق وتوجه اشمل، فإن غياب حصانة التحمس الفعلي لحقيقة الدوافع الاجتماعية السياسية والروحية القائمة وراء ظواهر الغلو، جعلته يبحث عن "مصدرها المعرفي" عند تخوم صراع "الرأي والنص"، أو فيما دعاه الشهرستاني "بشبهة إبليس" التي تشعبت منها "الشبهات السبع" المسطورة في شرح الأناجيل النصرانية الأربعة والتوراة اليهودية!

إلا أن الشتيمة الإسلامية بحق الروافض "النصرانية" لها خيالها التوليفي في تصورات وأحكام علم الكلام في موقفه من تأليه الفرد الذي رفضه النبي محمد رفضا قاطعا. فقد نسبت إليه مختلف المصادر الإسلامية، وصيته الأخيرة القائلة: "قاتل الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وقد فعل هو هنا بما يتطابق مع تصوراته عن نفسه، باعتباره رسولا للعالمين ومبشرا ونذيرا. لهذا اكتفى بقبر لا يرتفع ترابه عن الأرض. غير أن مفارقة التاريخ تقوم في أن من يحارب العلو الظاهري في الحياة ينبغي أن يخلد في الاعالي بينما "يَخلد" الباحثون عن العلو الظاهري في حضيض الازدراء.

ولهذه المفارقة مقوماتها التاريخية ومثولها الدائم في الواقع والوعي حتى "الوقت" الذي تنحلّ فيه تناقضات التاريخ وإبداعاته. فالعظمة الظاهرية هي أسلوب تمظهر الوعي السطحي والقوة الخشنة، أي كل ما لا صلة عضوية له بالحقيقة. من هنا تعرضها للزوال. إذ فيها سبب نقيضها. وإذا كان بإمكان "العظمة" الظاهرية أن تؤدي أحيانا دور المثوّر التاريخي للقوى الاجتماعية والطبيعية الكامنة، فإنها عادة ما تصنع نقيضها أيضا بأشكال يصعب حصرها. وفي مجرى هذه العملية تتكون معالم التاريخ. فالتذليل الحقيقي "لازدراء" التاريخ يمكن أن يحدث فقط من خلال تمثل وتمثيل الصلة الروحية الأخلاقية بالمطلق. أما النبي محمد فقد ذاب في الحركة التي بلور معالمها الأولية. فهو روحها المنّسقة السارية في كيان الوجود الروحي والمادي للإسلام. فهو مثال الحقوق المادية وسلطتها السياسية، وهو الخميرة الروحية لـتيارات الإسلام جميعا.

فالروافض الغالية هم أول من ساهم في "تنصير" النبي محمد. وافلحوا إلى الحد الذي جعلهم معزولين نسبيا عن ميدان العلاقات المادية. فقد صورت المغيرية (أتباع المغيرة بن سعيد) النبي محمد باعتباره المخلوق الأول استنادا واحتجاجا بالآية القرآنية "قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين". بينما نظرت المنصورية (أتباع أبي منصور العجلي) إلى النبي محمد باعتباره جزءا جوهريا من السماء، واعتبرت آل بيته السماء وشيعته الأرض. بينما أدخلت الخطابية (أتباع أبي الخطاب بن أبي زينب) مفهوم الناطق والصامت (الصيغة السياسية الأولية لمنظومة الظاهر والباطن) مما فسح المجال لبلورة منظومة الروحانية المقدسة للنبوة، التي شكل محمد التاريخي أحد تجلياتها. وأدى ذلك إلى نقل النبي محمد إلى مصاف الروح المطلق، الذي وجد استمراره في البيت العلوي تمثيلا بالآية: "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين". أما الغلاة الحلولية (وبعض النساك والمتصوفة كما يقول الأشعري) فأقّروا بحلول الروح القدس في محمد ثم في أئمة الشيعة، كما تنسب إلى الشريعي رغم حصره إياها في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين.

لم تكن هذه المقالات عن شخصية محمد النبوية مصادفة طارئة، بل تكونت من النسيج الأسطوري للهزيمة الاجتماعية، التي بحثت في أعماق الظلمة عن شعاع نوراني. وليس "الاتفاق الروحي" بين الغلاة في استلهامهم القرآن "المكي" نتاجا عفويا، بقدر ما كان تعبيرا عن وحدة المزاج النفسي الأخلاقي للقوى الاجتماعية التي صنعها تطور الدولة العربية الإسلامية، وحوافز تكوين اتجاهاتها. فقد رأت هذه الاتجاهات في هيئة الخلافة وأفعالها استعادة جديدة للسيطرة الجاهلية التي حاربها محمد. غير أن محمدا حارب في الجاهلية مثالها الوثني، بينما واجهت القوى الجديدة مهمة محاربتها بغلافها الإسلامي. لهذا كفّ محمد الواقعي عن أن يكون شخصيتها الملهمة. من هنا بحثها الدائم عن مثال مأساوي يعكس حالتها الواقعية (على بن أبي طالب والحسين بن علي). لقد كان محمد ضروريا لهرمية النسب والشجرة العائلية التي كان ينبغي بدورها أن تتحول إلى مثال نوراني، ما زالت لم تؤد حتى إلى تجنب سفك دماء أحفاده.

حينذاك أصبح محمد جزءا من النبوة، باعتبارها المنظومة الشرعية والمصدر الذي لا ينضب والمعيار الأمثل لتجديد المواقف من الإمامة الإسلامية (الخلافة). وفي هذا يكمن سبب غياب الجدل اللاهوتي عن شخصية محمد والنبوة في المراحل الأولى لعلم الكلام. فقد برزت هذه القضايا في وقت لاحق. إذ اندفعت آنذاك المهمات التي فرضها الواقع الاجتماعي والسياسي والحكومي، وانعكاسها في المواقف الفردية والجماعية كقضية الحكم والإمامة عند الخوارج، والجبر والاختيار عند الجبرية والقدرية، وقضايا العدل والتوحيد والمنزلة بين المنزلتين عند المعتزلة وغيرها.

إذ كان ينبغي للفكر الاجتماعي أن يتوسع ويتعمق ويتسامى إلى الدرجة التي يصبح معها قادرا على إعادة النظر بشمولية أكبر تجاه قضايا النبوة، أي كل ما يحوّلها وينقلها من ميدان التاريخ الواقعي إلى فضاء التجريد المثالي، أي من السياسة إلى الكلام والفلسفة والتصوف.

فإذا كان "الروافض" والغلاة بشكل عام، قد ارجعوا شخصية النبي محمد إلى مجرد صاحب الوصية الأولية، وأعاروا اهتمامهم الأساسي بأحفاده، فإن المعتزلة اقتصروا في جدلهم حول ما إذا كانت النبوة ابتداء أم جزاء. ولا يغير من ذلك شيئا اختلافاتهم مثل أن ينظر عباد بن سليمان إليها باعتبارها جزاء على عمل الأنبياء، بينما يعتبرها أبو علي الجبائي ابتداء رغم إقراره بكونها جزاء على عملهم. أو فيما إذا كانت الملائكة أفضل من الأنبياء أو الأنبياء أفضل من الملائكة وغيرها من المسائل، فان الحصيلة الفكرية تكشف عن عدم تحول النبوة إلى معضلة فكرية قائمة بحد ذاتها.

النبي محمد في علم الكلام

لقد تمايزت فرق الكلام بنوعية ومستوى وحجم اهتمامها النظري والفكري بشخصية النبي محمد. إذ لم يتحول، على سبيل المثال، إلى قضية فكرية أو عقائدية أو سياسية مستقلة في تقاليد الاعتزال والمعتزلة. بل جرى تذويبه، كما كان الحال عند من سبقهم كالمرجئة والقدرية والجبرية الاولى، في قضايا الروح الاخلاقي، وقضايا حرية الإرادة والطابع العقلي للأخلاق والقيم وغيرها من المسائل والقضايا. بينما تحولت النبوة إلى ضرورة جدلية في منظومات الكلام السنيّة. وعليها بنت صرح مقالاتها لدحض "فضائح" الفرق الأخرى. فعندما يتكلم البغدادي عن آراء أهل "السنّة والجماعة" وأركانهم الخمسة عشر، فانه يفرد الركن السابع لقولهم في النبوة والرسالة لإظهار قيمة النبوة المحمدية ورسالتها. فهو يسير في الطريق المعبدة للقناعة الإسلامية التقليدية عن فكرة انتهاء النبوة بالرسالة المحمدية، باعتبارها نسخا للشرائح السابقة. فقد اعترفت الشريعة الإسلامية عموما بشرعة موسى وعيسى ونفتهما في نفس الوقت. وبهذا يكون الأنبياء والرسل السابقون مجرد مقدمة للإسلام وتوابعه. فأهل "السنّة والجماعة" لا ينفون على سبيل المثال فكرة رجوع المسيح، إلا أنهم ينظرون إليه نظرتهم إلى عودة في "الصراط المستقيم" والعمل بشريعة الإسلام. وهي صيغة شاركتها اغلب فرق الإسلام. وفيها نعثر على تذويب الشخصية الواقعية لمحمد في آيات القرآن. بينما تحول القرآن إلى معجزته النبوية والدليل الحياتي للرسالة المطلقة، كما نعثر عليها عند ابن حزم الأندلسي. غبر انه وضع هذه الأفكار في مقولات الإمكان والواجب. فالفكرة القائلة بوجوب النبوة انطلاقا من وجوب الإنذار في الحكمة قبل مجيء الرسل، تظل بنظر ابن حزم مجرد إمكانية قائمة بذاتها. وتتحول حالما يبعث الله النبي إلى وجوب. غير أن هذه البراهين تفقد المقولات الفلسفية طابعها العقلاني وتحولها إلى مجرد صيغة "منطقية" للبنى اللاهوتية.

فالمقدمة الأولى التي ينطلق منها ابن حزم، في البرهنة على النبوة وضرورتها تقوم في الاعتراف بالقدرة المطلقة لله، التي يتطابق مضمونها مع فكرة "بلا كيف" الأشعرية. فالله لا يفعل شيئا لعلة، أي بخلاف كل ما هو موجود من أفعال الخلق. فالله اخرج العالم كله إلى الوجود بعد أن لم يكن بلا كلفة ولا معاناة ولا استعانة ولا مثال سلف ولا علة موجبة ولا حكم سابق قبل الخلق. بصيغة أخرى، إن القدرة الإلهية تتحول إلى كيان لا يستطيع العقل البشري الإحاطة التامة بها. وليس أمام البشر سوى مهمة التعامل مع واقع تحولها من الإمكان الإلهي إلى الوجوب الإنساني المباشر المتجسد في النبوة كما استعرضت نفسها مرارا في التاريخ لتستكمل ذروتها في النبي محمد. ولكنها إمكانية تختلف عن التصورات العقلانية عن الإمكانية الواقعية. فهو يرسم لنا جملة من الصور الواقعية عن النبوة حالما ينزل من سماء اللاهوت المجرد إلى أرضية الدراسة المقارنة (الواقعية والنقدية). فهو يقر بأن الممكن ليس واقعا في العالم وقوعا واحدا، أي انه لا يتجسد بصورة واحدة متماثلة. فالإمكانية قائمة ومعها الامتناع أيضا. فما هو مميز للرجال من ظهور اللحى في عمر 18 ـ 20 سنة ممتنع على الأطفال والصبيان في أعمار 12 ـ 14 سنة. وما هو ممكن للذكي من حل المشكلات الفكرية المعقدة ممتنع على البليد. غير أن هذه المقدمة السليمة تصبح جزءا ثانويا في "المنطق اللاهوتي"، انطلاقا من أن الله يختلف عنا اختلافا كليا (ليس كمثله شيء). لذا فإن ما هو ممتنع علينا غير ممتنع عليه. وتتجلى إحدى صيغ هذه الحالة في ظهور الأنبياء وتحولهم من حدّ الإمكان إلى حد الوجوب وكذلك في معجزاتهم. غير أن معجزاتهم في نهاية المطاف هي نتيجة لفعل الله، أي أن الله هو الذي رتّب كل شيء وأجراه على مجاريه بما ركّبه فيه من الطبائع. بهذا المعنى، فإنه لا فاعل على الحقيقة غير الله. وذلك لأن طبائع الموجودات قائمة بحد ذاتها لا يمكن للإنسان التلاعب فيها. وحالما تظهر هذه الإمكانية في حيز الوجود، كانقلاب الحجرة إلى ناقة أو إحياء الموتى وما شابه ذلك فانه دليل المعجزة. إلا انه هنا أيضا لا فاعل على الحقيقة إلا الله. وإذا كانت القضية بهذا الشكل وانه لا فاعل ولا خالق سوى الله، فينبغي أذن الإقرار بما هو منه، أي كل الحصيلة التي تلزم المرء بضرورة الاعتراف بأنه لا نبوة بعد محمد.

النبي محمد في الفلسفة الإسلامية

قد تكون الفلسفة الإسلامية هي الوحيدة من بين تيارات الفكر النظري والعقلي الإسلامي، التي لم يفرد أي من شخصياتها الكبرى ابحاث متخصصة بالنبي محمد سواء بهيئة كتاب أو رسالة أو مقال. وبالتالي، لم تدخل ميدان الصراع الديني العقائدي والمذهبي. وهي حالة مترتبة على خصوصية الفلسفة بشكل عام والاسلامية بشكل خاص آنذاك. وذلك لأنها تطرقت الى هذه القضية من خلال تناول إشكاليات العقل الايمان، وانماط ومستويات المعرفة. وحتى حالما تطرقت الى قضية النبوة كما هي، فإنها حاولت اختزالها في تصوراتها وتأملاتها وأحكامها الخاصة، أي البعيدة عن هموم العقائد اللاهوت. فالفكرة الجوهرية في علم الكلام التقليدي تستند إلى الإقرار بالمعجزات وخرق العادة. بينما نقلت الفلسفة تصوراتها عن النبوة إلى ميدان التحليل "الطبيعي" وبراهينه "المنطقية"، أي الإقرار "بالمعجزات" الطبيعية مثل سقوط المطر وهبوب العواصف ونزول الصواعق والزلازل وما شابه ذلك من "الخوارق"، باعتبارها نماذج حسية عن النبوة. ذلك يعني، إن معجزة النبوة لا ينبغي أن تتعارض مع قوانين الطبيعة ولا مع معطيات العقل السليم. وهي أفكار رفضها الغزالي في (تهافت الفلاسفة) وما قبله، لكنه اقرها بصورة مبطنة في مرحلته الصوفية.

فقد شغلت هذه القضية ذهن الغزالي لاعتبارات عقائدية، كما هو الحال في كتابه (تهافت الفلاسفة)، وليس لاعتبارات فكرية أخلاقية كما هو الحال في مرحلته الصوفية. لقد وضع أمام نفسه مهمة إعادة اللحمة العقائدية (الأيديولوجية) لكينونة الأمة الروحية الممزقة بالصراعات المذهبية والسياسية، والذي نعثر عليه في صياغته لمهمة الإصلاح كما بلور معالمها الأولى ومبادئها الأساسية في كتابه (إحياء علوم الدين). حينذاك وجد نفسه مضطرا للرجوع إلى المثال المحمدي بروحه الصوفي. فقد كان محمد (الإحياء) النموذج الأخلاقي للتخلق بأخلاق الله. حيث نراه في نموذج الشخصية المتضرعة والمبتهلة والمتزينة بمحاسن الأخلاق، بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وهو رحمة للعالمين وصاحب الأسماء العشرة (محمد، واحمد، والماحي، والعاقب، والحاشر، ورسول الرحمة، والتوبة، والملاحم، والمقفي، وقثم)، أي الإنسان الكامل الجامع أو قطب الصوفية.

النبي محمد في التصوف

إن فكرة الغزالي المذكرة أعلاه هي الصورة الأخلاقية للنبي محمد في نموذجها الصوفي الإنساني، التي جعلت منه دليلا على عدم "اكتسابه بحيلة تقوم بها القوة البشرية، بل لا يتصور ذلك إلا بالاستمداد من تأييد سماوي وقوة إلهية". ولم تعد المعجزة النبوية أسيرة التصورات والانطباعات والبراهين الحسية. عند هذا الحد بتشابه الغزالي مع ابن حزم. فالقدرة الإلهية ليست عاجزة عن خرق العادة مثل أن تخلق "في الحصاة حياة وقدرة"، إلا أن لخرق العادة مستويات ثلاثة، المستوى الحسي هو أولها وأدناها. فالشمس تؤثر بالمائعات تدريجيا بينما التسخين رأسا. من هنا استنتاج الغزالي عن أن المقصود بإمكانية تأثير الأنبياء شبيه بنسبة التسخين إلى الشمس. إلا أن هذه المقارنة هي حصيلة حاصل، لا علاقة سببية جوهرية لها بالبرهان. أما المستوى الثاني (العقلي) والذي يدعوه المتكلمون بدلالة الدليل على المدلول فهو الصيغة الوجودية واللاهوتية للمستوى الحسي. أما المستوى الثالث (الخيالي) فهو "لسان الحال" الذي يصير شاهدا محسوسا على سبيل التمثيل كرؤية النائم في النوم. غير أن ما يميز الأنبياء هو رؤيتهم ذلك في اليقظة. وقد بلور الغزالي المعالم الظاهرية لهذه الحالة في كتابه (المنقذ من الضلال) عندما أكد على أن خاصية النبوة لا تدرك كليا إلا بطريقة الصوفية، أي في مجرى العملية المعرفية الأخلاقية التي يقف أمامها الحس والعقل عاجزين عن رؤية كيانها الخاص، باعتباره موضوع ما وراء العقل أو المعرفة القلبية. وعندما حاول الغزالي البرهنة على النبوة فانه لم يستعمل مفهوم المعجزة بشكل عام والقرآن بشكل خاص، ولا المفاهيم المباشرة عن أهمية النبوة العملية، رغم أهميتها في منظومته الفكرية. وذلك لأنه نظر إلى هذه القضايا باعتبارها موضوعات الاحتكام المباشر للعقل، بينما العقل هو طور في أطوار إدراك الإنسان. والنبوة أيضا هي "طور يحصل منه عين لها نور يظهر في نورها الغيب وأمور لا يدركها العقل"، كما يقول الغزالي.

ذلك يعني، إن الغزالي لم يضع مفهوم النبوة بالضد من إنجازات الحس ومدركات العقول، بقدر ما يضعها في ميدان أرقى له أسسه الخاصة، ونماذجه المتميزة في عوالم الإنسان الحسية والعقلية. فالحس والعقل يستندان إلى الموجود المباشر ودليل البرهان والتجربة. في حين لا يخضع كل شيء للتجربة. وبالتالي، فإن هناك طرق أخرى غير الحسية والعقلية لإدراك النبوة. إضافة لذلك إن النبوة بالنسبة للغزالي ليست قضية فكرية مجردة. لاسيما وأن الجنس الخارج عن مدركات العقل في النبوة، هو أحد خواص النبوة كما يقول الغزالي. إذ تحتوي النبوة على خواص عديدة. كل ذلك يجعل منها كيانا هائلا لا يمكن فهم حقيقة إلا عن طريق الذوق الصوفي. في حين يكشف تدقيق معنى النبوة على القرآن والأخبار شخصية محمد باعتبارها التجسيد الفعلي الأسمى لدرجات النبوة. ذلك يعني، إن الغزالي يسير هنا ضمن تقاليد الصوفية في البرهنة على النبوة، أي انه سعى لليقين الذي يستحيل بلوغه بالأخبار والمعجزات التقليدية مثل قلب العصا ثعبانا وما شابه ذلك، لأنه قد يؤدي إلى مطابقة السحر مع بالنبوة.

إن لهذه الفكرة أساسها "المنهجي" في الطريق الصوفي. بمعنى تطابقها مع إلهام المعرفة الصوفية. بينما تتحول في الجانب العملي إلى مصدر ملموس للمثال المطلق في السلوك الصوفي، الذي ينبغي للمريد سلوك مقاماته من اجل بلوغ "مشكاة النبوة". حينذاك يصبح النظر إلى النبوة بعين النبوة الأسلوب الأمثل والأكثر يقينا للبرهنة عليها. ولا يمكن إغفال ما في هذه الفكرة المنهجية من قيمة عملية كبرى ومعنى متسام. وذك لتأسيسها إمكانية التأمل الدائم لمصدرها الحق (المشكاة النبوية)، باعتباره النبع التلقائي للمعرفة الصوفية في الذوق والمشاهدة. كل ذلك يجعل الشخصية المحمدية نموذجا يتآلف فيه الواقع والمثال، والتاريخ والمطلق في منظومة البدائل.

نقف هنا أمام ذوبان الشخصية النبوية في مختلف مدارس التصوف وشيوخه. حيث يتحول النبي محمد في آراء عبد القادر الجيلاني، على سبيل المثال، إلى الصوفي العملي "المحترف" الذي تقدّر معجزاته بألف معجزة، أكبرها القرآن. إلا أن الذوبان الفعلي لشخصية محمد التاريخية جرت فقط في المنظومات الصوفية التي حولته إلى ملح بحارها، كما هو الحال عند ابن عربي ومدرسته. إذ لم يعد محمد شخصية تاريخية ملموسة. حيث تفقد سيرته طابعها التاريخي المباشر، وتتحول ممارسته إلى رموز، وكلماته إلى مستودع للتأويل الدائم. انه يتحول إلى كيان ما فوق تاريخي بحيث يصبح كل ما في الوجود جزءا منه وتجليا له، كما يتطابق في نفس الوقت مع كل وجود. فهو العالم والمثال في مسيرتهما الدائمة، والنفس الناطقة من الإنسان عند مقارنته بالعالم، وغاية الوجود والروح. ومن ثم ليس محمد التاريخي إلا لحظة اللقاء الخاطفة بين المثال المطلق والوجود، التي لا تفقد أهميتها أبدا أمام عرش الحقيقة. انه الروح الذائبة في جسد الوجود النائم. كما انه إنسان الصوفية الكامل، الذي حاز درجة الكمال بتمام الصورة الإلهية في البقاء والتنوع في الصور وفي بقاء العالم. وهو الإنسان الذي سيشغل بؤرة الاستقطاب الجاذبة في تقاليد مدرسة ابن عربي، كما نعثر عليها عند عبد الكريم الجيلاني في "الإنسان الكامل"، بوصفها الصيغة المنظمة والمعقلنة لآراء أين عربي.

إذ ليس النبي محمد عند عبد الكريم الجيلي سوى قطب الزمان الصوفي، والقطب الواحد المتجلي بملابس عديدة في مراحل التاريخ المختلفة. انه اسم المثال المطلق ومسمى النبي التاريخي. انه النقطة التي يلتقي بها عالم المثال المطلق والوجود الفعلي للشخصية في لمحة تاريخية عمرها امتداد الزمن بين نهاية وبداية العدم الصوفي، أو بين الوجود الأزلي والحق السرمدي. حيث يتحول محمد إلى القوة الفاعلة للروح المطلق والمتجلية في ذرات التاريخ (الصوفي). كما أنه الحقيقة الباطنة لمظاهر التجلي الدائم للشيوخ. بهذا لم تعد ضرورة الشخصية المحمدية محصورة بالمعجزة والنبوة، بل بضرورة الوجود نفسه. انطلاقا من أن العالم لا يمكنه أن يكون "إنسانا كبيرا" دون التجلي الدائم للروح المحمدي.

ولم تقف هذه المفاهيم الصوفية عند حدود الأفكار المذكورة أعلاه، بل وتعدتها إلى نماذج غاية في التباين تأثر اغلبها بآراء الشيخ الأكبر (ابن عربي). ومن الممكن القول بأن الصفة المميزة للمدارس الصوفية اللاحقة تقوم في تحويلها المتزايد للشخصية المحمدية إلى مصاف النورانية المجردة. ولعل آراء ابن سبعين عن الشخصية المحمدية بوصفها كتلة نورانية مطلقة متعددة الجوانب تعكس النور الإلهي، مثال ساطع في هذا المجال. حيث تتحول النورانية المحمدية إلى حزمة أشعة لا تقبل التجزئة. فهي لا تحتاج في ذوق الصوفي إلى برهنة تاريخية عقلية. وذلك لأن "بيان البين هو تحرك في سلسلة الجنون الشخصي"، التي يسعى الحدس والذوق الصوفي لتذليلها كما يقول ابن سبعين. وتمسك ضمن هذا السياق، شأن الصوفية ككل، بالحديث المنسوب للنبي محمد: "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين". بمعنى انطلاقه من المطلق للمطلق. فالأزل المحمدي هو الأزل الإلهي. وبغض النظر عن التجريد الكامل هنا لشخصية محمد التاريخية، فإنها تعبّر في لغة التصوف عن واقعية مثالها المطلق باعتباره مثال الشخصية الصوفية.

أما الكتابات الصوفية المتأخرة عن النبي محمد، فقد كانت في اغلبها ابتذالا للمفاهيم الصوفية الأولية واجترارا فارغا خصوصا في كتابات المواليد النبوية، التي تخضع للسجع المفرط "لحبيب ربها العظيم". ومع ذلك لم يعن انتشار التصورات والنظم الصوفية سيادتها الكاملة في هذا الميدان. لقد شغلت دون شك حيزا كبيرا في الوعي الاجتماعي العادي، واختلف تأثيرها عن تأثير المدارس التقليدية السلفية في الموقف من الشخصية النبوية والتاريخية لمحمد. وتعرضت في نفس الوقت إلى هجوم تتراوح آثاره عليها من وقت لآخر. والتاريخ (بما في ذلك المعاصر) يكشف عن التوجه الدائم لاستعادة الصورة التاريخية للشخصية المحمدية من خلال محاولاتها الربط "الصحيح" للمعقول والمنقول، والسلف والمعاصرة في النظر إلى النبي محمد. ومن الممكن اعتبار ابن تيمية الحراني نموذجا جليا في هذا المجال.

النبي محمد في مراحل الانحطاط والسقوط الثقافي

استطاع ابن تيمية الدخول من جديد معترك الحياة السياسية في القرن الثامن عشر على يد الحركة الوهابية. وفي نفس الوقت استطاعت التقاليد الصوفية والشيعية توليد تيارات جديدة مثل البابية في القرن التاسع عشر. واستمدت الوهابية والبابية "حقيقة" الشخصية المحمدية من حصيلة التقاليد الإسلامية الفكرية السياسية السابقة. الأولى من خلال التوظيف المباشر للتقاليد الحنبلية، والثانية من خلال مزج التقاليد الصوفية والشيعية. لهذا جرى استعادة مظهر النبي محمد في الوهابية، وصورته المتخيلة في البابية.

وبغض النظر عن انعزال تقاليد هذين التيارين عن بعضهما البعض آنذاك، بل واحترابهما النسبي (بما في ذلك ما قبل ابن تيمية واستمراره ما بعد محمد بن عبد الوهاب)، فان الوهابية استطاعت أن تؤثر بصورة غير مباشرة على الحركة البابية. ولكنه تأثير خارجي لا علاقة له بتقاليد التشيع ونموه وتطوره وصراعاته الداخلية الفكرية الحديثة والمعاصرة. لهذا واجه كل منهما مصيره الخاص بما في ذلك في تنظيره وتجسيده لمثال الشخصية المحمدية.

انطلق محمد بن عبد الوهاب من الفكرة القائلة بأن محمد رسول الله وأن القرآن كتاب الله، وبالتالي لا شفاعة ولا واسطة بين الله والإنسان. وهو موقف حاول استعادت النموذج التاريخي العملي المباشر للنبي محمد عبر تحويله إلى معيار مباشر في ممارسات الوهابية الأولى. واتخذ ذلك مظهر ربط الإيمان المباشر به وبنبوته والعمل به والدعوة إليه والصبر على الأذى، أي استعادت الوسائل نفسها التي مارسها النبي محمد في صراعه ضد العرب الوثنية. ذلك يعني، إن المثال المحمدي يكتسب صيغته الشرعية الفعلية حالما يصبح مثالا للعمل من اجل التوحيد. ويصبح الصراع كما كان قبل ألف عام، صراع المسلمين ضد الكفار. لهذا طالب محمد بن عبد الوهاب أتباعه بالهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. ولهذا السبب أيضا وجّه مساعيه، متتبعا ابن تيمية، في محاربته زيارة القبور والأضرحة. رغم أن ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، لم يعارضا زيارة قبر النبي محمد وحج الكعبة، كما سيتهمهما به النقد المتحزب. لقد وقفا ضد زيارة الشفاعة والترجي والتوسل والتبرك. ولم يفعلا في الواقع، سوى أنهما تتبعا الصيغة التقليدية المباشرة لبعض أعمال النبي محمد. فقد سبق للنبي محمد وإن أدان بناء القبور الضخمة وزيارتها. واستند محمد بن عبد الوهاب إلى هذه الممارسة، وإلى الفكرة القرآنية القائلة بأن "المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا". وكتب في (كشف الشبهات في التوحيد) على أن التقّرب والاعتقاد لله فقط، لا يصح منه شيء لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل فضلا عن غيرهما. وليس من الصعب إدراك المضمون الاجتماعي الفعال آنذاك لهذه الفكرة، التي كانت موجهة ضد صوفية العوام وضد الاستبداد البشري. فقد كانت ترمي هذه الفكرة موضوعيا إلى استعادت نموذج الاعتدال المحمدي. فدين الله، هو "وسط بين طرفين وهدى بين ضلالتين وحق بين باطلين"، كما يقول محمد بن عبد الوهاب. فالتقرب من الأنبياء والأولياء والملائكة أو من الحجارة والعصا أفعال يكمل أحدهما الآخر. أما أهل زمانه "فيدعون مع الله اناسا من افسق الناس". لهذا السبب وجد نفسه مضطرا لمحاربة التقية، ومن ثم تطويع الشخصية المحمدية للدرجة التي تصبح شبيهة بمثال الخوارج. فهو لم يستشهد بفكرة "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه…"، بل عمل بفكرة إن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل. فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلما. إذ لم يبحث محمد بن عبد الوهاب عن ترتيب في الفعل، ولا عن ثغرة للتقية، بل عن وحدة الشخصية في العمل، التي وجد في النبي محمد مثالها الأول (الإسلامي). لذا بدت هذه الفكرة في أعين التقليديين المتحجرين آنذاك جديدة. وليس مصادفة أن يتهم زورا في الانتقادات الموجهة ضده حينذاك بتلفيق حكايات عن ولعه بتاريخ من ادعى النبوة كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي وطليحة وغيرهم. ووضعوا بينه وبين مسيلمة علامة المساواة بل لم يتورعوا من وضع حديث يقول: "سيخرج في ثاني عشر قرنا في وادي بني حنيفة رجل كهيئة الثور ولا يزال يلعق براطمه… يستحلون أموال المسلمين".

أفلحت الوهابية في بعث الشخصية السياسية للنبي محمد. وهو أيضا سبب سلوكها التقليدي "المحترف". وفي هذا التناقض كمنت إمكانية تحولها إلى حافز سياسي لحركات كثيرة حاولت استمداد مثال الشخصية المحمدية. لكنه استمداد حددت طابعه وأسلوبه أيضا التقاليد الفكرية الثقافية والاجتماعية السياسية. ولعل البابية أحد هذه النماذج الأصيلة في هذا الميدان. فقد حاول الباب (ميرزه علي محمد) تجسيد الفكرة العميقة التي أبدعها الفكر الصوفي، وبالأخص في مدرسة ابن عربي عن الكلمة المحمدية ومثالها المطلق. فتجلي الكلمة الإلهية المطلقة في الأنبياء لا يعرف نهاية ما زالت الصورة الجامعة لها قائمة في الإنسان الكامل. لذا حاول أن يجعل من "الباب" و"البيان" محمدا الشيعي وقرآنه المعاصر. فالشخصية المحمدية لا تنسخ هنا، بل تتجدد بثوب جديد، كما سبق لعبد الكريم الجيلي إن قال به في (الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل). بمعنى صيغة تجليه الروحي الحق وليس الجسدي.

دفعت البابية شخصية محمد الكفاحية بأسلوب يشابه شخصيته السنية الحنبلية في الوهابية. فالدرعية هي "مدينة" الوهابية، ومازندران هي "كربلاء" البابية. وعوضا عن قيادة النبي محمد تظهر قيادة الوهابية والبابية، وعوضا عن "أمة محمد" تظهر "أمة محمد الحقة" في الوهابية و"مملكة الفقراء" في البابية. إلا أن الهزيمة العسكرية التي منيت بها البابية قد أغلقت الباب برتاج البهائية! حينذاك جرى تذويب الشخصية المحمدية فأصبحت غائبة في وعي الروح المطلق. ولم تعد النبوة بنظر البهائية سوى "مرآة تنبئ عن الفيض الإلهي والتجلي الرحماني، التي انطبعت فيها أشعة ساطعة من شمس الحقيقة". أما النبي فهو "الفرد الكامل والفيض الشامل والنور الباهر، انه مرآة صافية لطيفة منطبعة فيها الصور العالية، تنبئ عن شمس الحقيقة وتفيض بها على سائر الأمم". أنها النبوة التي أراد مؤسس البهائية، بهاء الدين (ميرزا حسين علي بن ميرزا عباس) تنفيذها، ولكن في نموذج طوباوي كوسموبوليتي.

النبي محمد في التأليف الحديث

ومع تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين، بعد أن تعرض العالم الإسلامي لهزيمة تاريخية حضارية أمام الغرب الأوربي، لم يعد النظر بالشخصية المحمدية قضية دينية خالصة أو تأمل لاهوتي أو تكرار عقائدي ممل. ولم يعد تأثيرها أسير "علماء الدين"، بل تعداه إلى الميدان الواقعي، ولحد ما الحقيقي لنشاط النبي محمد. وأخذ مثال النبي محمد يشمل بتأثيره مختلف المذاهب الفكرية السياسية. ولكنه تأثير يجري في ظروف معاصرة. مما حدد بدوره ظهور توليفات فكرية متنوعة تجمعها في الأغلب ميتافيزيقية الشخصية المحمدية. فإذا كانت نماذج القرون الخوالي هي الصياغات الفكرية العقائدية والدينية الأيديولوجية و"التاريخية" عن محمد، فإن مثيلاتها المعاصرة عادة ما تسبغ عليه روح الماضي بلباس الحاضر. وهو أمر لا يجعلها كبيرة الاختلاف عن سابقاتها من حيث تمثيلها واستمرارها بتقاليد الماضي الضيقة، أي أنها لم تتعلم ولم تتقن بعد تذويبه الحقيقي في الوعي المعاصر وإشكالاته الجوهرية ومهماته العملية الكبرى.

الأساس النظري لكتابي (محمد رسول الإرادة).

اما كتابي هذا فيختلف بدوره عما اشرت إليه، رغم انه ينتمي الى وحدة الرؤية النقدية والمنهج الفلسفي. انه يجمع بين الرؤية التاريخية الواقعية، والنقدية العقلية، والنظرية الفلسفية. وبالتالي، فهو الكتاب الأول في الثقافة العربية والإسلامية في كيفية تناوله لشخصية محمد، والشخصية المحمدية، والنبي محمد والنبوة المحمدية، والرسول والرسالة الإسلامية. أما لماذا يحمل عنوان (رسول الإرادة)، فلأنه يستند الى فلسفتي التاريخية الثقافية، وبالأخص ما له علاقة بفكرتي المنهجية عما ادعوه بالمسار التاريخي ومنطق الثقافة والاحتمال العقلاني للبدائل. والمقصود بالمسار التاريخي هنا هو مسار التاريخ الطبيعي الذي يمر ويتحقق بمراحل سبع أساسية، الثلاثة الأولى "طبيعية" صرف، والرابعة والخامسة بينية، بينما (السادسة والسابعة) "ماوراطبيعية". وهي كما يلي:

- المرحلة الاثنية – الثقافية؛

- المرحلة الثقافية – الدينية؛

- المرحلة الدينية – السياسية؛

- المرحلة السياسية – الاقتصادية؛

- المرحلة الاقتصادية- الحقوقية؛

- المرحلة الحقوقية – الأخلاقية؛

- المرحلة الأخلاقية - العلمية.....

إن جميع هذه المراحل انتقالية، بمعنى أن التاريخ عملية مستمرة تحتوي على احتمالات متنوعة من الصعود والهبوط، لكنها لا تنفي مضمون القانون الطبيعي للتاريخ، بل تؤكده بوصفه احتمالا عقليا وإرادة حرة.

فالتاريخ الانساني هو تاريخ وعيه الثقافي ومن ثم تاريخ البدائل المرتبطة به، أي تلك التي تتبلور في مجرى ما اسميته بقانون التاريخ ومنطق الثقافة. أما قانون الثقافة فيجري من خلال فعل ونتائج أربع ثنائيات كبرى هي كل من:

- التشاؤم والتفاؤل،

- والفعل والخمول،

- والنفي والإيجاب،

- والعقل والوجدان،

إن تحقيق الانتقال من مرحلة إلى أخرى يجري بأثر فعل هذه الثنائيات وكيفية حلها لإشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي على مستوى الفرد والجماعة والأمة والدولة. ومن خلال هذه المكونات تجري رؤية الماضي والمستقبل. وبأثرها تتبلور معالم الرؤية النظرية والعملية عن الحاضر. ومن هذه المعالم تتولد بدايات الثقافة والحضارة المدركة بمعايير البدائل، أي كل ما يساهم في تكامل واكتمال التاريخ الذاتي. وذلك لان الرؤية المستندة إلى فكرة البديل، تفترض في تناقض التفاؤل والتشاؤم، والفعالية والخمول، والنفي والإيجاب، والعقل والوجدان، وحدتها بوصفها منظومة متكاملة للبدائل. ومن تعامل هذه المكونات (الثنائيات) النظرية والعملية مع الماضي والمستقبل يتبلور أسلوب وجود الحضارات وثقافاتها. وعادة ما يجري ذلك من خلال تحديد وتفاعل اتجاه التفاؤل، وفاعلية الإرادة، وكيفية النفي، ومضمون العقل.

أما المرحلة الدينية – السياسية (المرحلة الثالثة)، فهي المرحلة التي يجري فيها تحول الفكرة الدينية إلى الوعاء الأكبر للفكر ة الثقافية عبر دمجها بالفكرة السياسية. الأمر الذي يجعل من الفكرة السياسية فكرة شاملة لكل مرافق الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة. ومن ثم إنزال الفكرة إلى ميدان الإحساس والمادة. بمعنى استكمال دورة الوجود الطبيعي – الماوراطبيعي- الطبيعي. بحيث يتحول الواحد إلى قطب الوجود، ومن ثم إبداع المرجعيات المتكاملة في وحدة الفرد والجماعة والأمة، والثقافة والقيم، والدولة ونظامها السياسي. وهي المرحلة الأكثر تعقيدا من حيث البناء والاستمرار، وذلك لأنها تتوج مسار التاريخ الطبيعي عبر ربطه الكامل والشامل بالوجود الماوراطبيعي. وفيها فقط تتراكم قيم المطلق والمقدس والأبدي وأولويته لتصهر فيه كل القيم والمبادئ النظرية والعملية. كما أنها مرحلة صنع الأمة الثقافية والحضارة "الكونية". ومثالها في صيرورة وبقاء الحضارة النصرانية، والحضارة الإسلامية. وهي حضارات لا تنفي وجود "الأمة المحورية"، بل تذّوبها في "الأمة الثقافية" الجامعة. ولكل حضارة من هذا النوع صيرورته الخاصة المترتبة على كيفية تراكم "منطقها الثقافي" في مجرى حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي وتحقيقها عبر نوعية اتجاه التفاؤل، وفاعلية الإرادة، وكيفية النفي، ومضمون العقل.

إن المرحلة الدينية السياسية هي المرحلة الأكثر ديناميكية والأكثر عصية بالنسبة للمسار التاريخي للأمم. وذلك لأنها تمثل المرحلة التاريخية الثقافية الأولية الكبرى للانتقال إلى فكرة الواحد والوحدة والاحدية في كافة مستويات وميادين الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة والثقافة، مع ما يترتب عليه بالضرورة من بلورة مرجعيات قادرة على تذليل التفرقة والتشتت والشرذمة والوجود الساري بهيئة زمن الوجود والعدم. وخلافا لما قبلها، والتي عادة ما تربط بدايتها وصيرورتها بأساطير شتى، فان قيادة التحول التاريخي صوب المرحلة الدينية السياسية عادة ما يرتبط بشخصيات تحتوي على وحدة ومرجعية الطبيعي والماوراطبيعي، الإنساني و"الإلهي". من هنا بروز فكرة وشخصية النبي والنبوة، أي تلك القوة القادرة على صنع مرجعيات توحد فيها كل مكونات الوجود بوصفه منظومة "إلهية" و"مقدسة". وبالتالي تذلل تقاليد العنف والبطش في توحيد الأمم والاستعاضة عنه بقوة المثال والنموذج "المقدس". بمعنى أنها تنزع صوب التوحيد المتجانس بين الجسد والروح، الله والإنسان، العابر والأبدي، أي تحتوي على عناصر التقديس المبطن لما فيها، بوصفها القوة الظاهرة والباطنة لتوحيد الفرد والجماعة في أمة.

كل ذلك جعل من المرحلة الدينية السياسية (الثالثة) إبداعا هائلا بمعايير التوحيد والوحدة، ومن ثم صنع الهموم المشتركة والإبداع المشترك، بوصفه صراعا حادا أيضا. وشأنها شأن كل مرحلة تاريخية ثقافية كبرى تتسم بالتنوع. ومن ثم تتوقف خصوصيتها، التي تبلور لاحقا خصوصية الثقافة والحضارة، على كيفية صيرورة مرجعياتها المتسامية ونظامها العملي. فقد اتخذت في أوربا النصرانية هيئة الكنيسة الواحدة والوحدة، أي الصانعة للوحدة الروحية والجسدية والقيم. بينما اتخذت في الصيرورة الإسلامية وحضارتها قوة الله الواحد والجماعة والأمة والأصول الكبرى. (وشرح كل ذلك على نموذج النبي محمد في متن الكتاب نفسه....) (انتهى).

***

 

سرمد السرمديصدرت كتب ستانسلافسكي من الولايات المتحدة الأمريكية باللغة الانكليزية، والكتاب الاول كان بعنوان  My Life in Art عام 1924، والذي صدر باللغة الروسية عام 1926م أي بعد سنتين وبعنوان  Моя жизнь в искусстве، والذي ترجم الى اللغة العربية عن النسخة الانكليزية عام 1958م أي بعد 34 سنة وبعنوان حياتي في الفن الجزء الاول والثاني ترجمة دريني خشبة، وصدر كتابه الثاني بعنوان An-Actor-Prepares عام 1936م أي بعد 12 عاما من الكتاب الاول، والذي صدر باللغة الروسية عام 1938م أي بعد سنتين وبعنوان Работа актера над собой: Работа над собой в творческом процессе переживания: Дневник ученика، والذي ترجم الى اللغة العربية عن النسخة الانكليزية عام 1960م أي بعد 24 سنة وبعنوان إعداد الممثل ترجمة محمد زكي العشماوي ومحمود مرسي أحمد، والذي ترجم الى اللغة العربية عن النسخة الروسية عام 1983م أي بعد 45 سنة وبعنوان اعداد الدور المسرحي ترجمة شريف شاكر، كما استكملت الترجمة الى اللغة العربية عن النسخة الروسية عام 1985م أي بعد 47 سنة وبعنوان اعداد الممثل في التجسيد الابداعي ترجمة شريف شاكر، وقد توفي ستانسلافسكي عام 1938م أي بعد اصدار كتابه الثاني بسنتين، وتم ما بعد وفاته ب 11 سنة اصدار كتابه الثالث بعنوان Building-a-Character عام 1949م، ثم صدر كتابه الرابع بعنوان Creating-a-role عام 1961م أي بعد وفاته ب 23 سنة، ثم صدر كتابه الخامس بعنوان An Actor's Handbook عام 1963م أي بعد وفاته ب 25 سنة.

اصدر ستانسلافسكي كتابين بالروسية نقلا عن الانكليزية قبل وفاته، حياتي في الفن واعداد الممثل، اما الكتب التي صدرت باللغة الانكليزية ما بعد وفاته فعددها ثلاثة وهي اعداد الدور وبناء الشخصية ودليل الممثل، ومجموعها جميعا خمسة كتب منها اثنين فقط تم نقلها للروسية اي حياتي في الفن واعداد الممثل وتم الاصدار في حياته، و بعد وفاته لم تنقل الثلاثة كتب الاخرى الى الروسية، بل نقل اثنان منها الى العربية، ولما صدر اعداد الممثل باللغة الروسية بجزأين نتج عنه ترجمة للغة الانكليزية في ثلاثة اجزاء هي بناء الشخصية واعداد الدور ودليل الممثل، وجزأين باللغة العربية هما اعداد لدور وبناء الشخصية، وكلها عن الروسية، أي عن النسخة التي اصدرها ستانسلافسكي في حياته بعد ان صدرت الاولة بالانكليزية ونتج عنها اعداد الممثل باللغة العربية، بالتالي ان كتاب ستانسلافسكي الاول حياتي في الفن جاء جزءا واحدا باللغة الانكليزية وبعدها جزءا واحدا باللغة الروسية ثم جزأين باللغة العربية، اما كتابه الثاني فقد جاء على شكل جزأ واحد باللغة الانكليزية ثم جزأين باللغة الروسية ثم ثلاثة باللغة الانكليزية ثم ثلاثة باللغة العربية، مما يجعل عدد كتب ستانسلافسكي يختلف كلما اختلفت اللغة التي تصدر فيها، الا ان الاصل ان هنالك كتابين فقط لا غير لستانسلافسكي، اصدرهما بالانكليزية والروسية بنفسه وفي حياته، ولم يصرح فيهم عن وجود المزيد، كما يعلن في كتاب حياتي في الفن عن وجود كتابه الثاني اعداد الممثل.

أول كتاب لستانسلافسكي كان بعنوان حياتي في الفن My Life in Art، صدر عام 1924م من الولايات المتحدة الامريكية باللغة الانكليزية، تحت تصنيف سيرة ذاتية، وفي 586 صفحة 616 اضافة الى الصور، تألف الكتاب من 61 قسما، وتحت عنوان بداية النظام في القسم 48 صفحة 458 - 468:

 CHAPTER XLVIII: THE BEGINNINGS OF MY SYSTEM

يتحدث ستانسلافسكي في عشر صفحات تحديدا عن نظامه في فن التمثيل، لأول مرة.

قبل ان يبدأ الدخول بالقسم المختص من هذا الكتاب بنظام ستانسلافسكي ينشر اراءه حول فن التمثيل في الاقسام الاخرى، منها ما جاء في الصفحة 38:

 Let the artist live، let him be enchanted، disappointed، happy; let him suffer، love، and live through the entire gamut of human emotions، but let him at the same time learn to recreate his life and his emotions into art !.

حيث يؤكد على ان ينقل الممثل تجربته في الحياة الى فنه في اداءه التمثيلي، لكنه يذكر العكس في الصفحة 61:

  I was excited by the fact that I had an opportunity to act، to represent some one.   

فهو متحمس لتقديم شخص اخر من خلال التمثيل،  الا انه يتراجع في الصفحة 188:

But، having masked themselves، they are no longer afraid to show their faults and their virtues and can speak and--say what they could never afford to do in their own person and without a mask.

بقوله ان وضع الممثل لقناع الشخصية يمنحه فرصة في ان يعبر عن اخطاءه وفضائله، ويبرر ذلك حيث يقول في الصفحة 71:

 People are always attracted by what،they have not، and actors..often.use. the stage to receive there what they cannot، get in real life.

إن الناس تنجذب دوما لما ليس لديها وان الممثلين عادة ما يستغلون خشبة المسرح للحصول على ما لم يحصلوا عليه في الحياة، مع انه ينتقد هذا الاتجاه من قبل الممثل في الصفحة 189:

 It is a pity that all beginning actors، and I was a beginner myself at that time، dream only about playing lovers and heroes.

بقوله انه لامر مؤسف ان يحلم الممثل بادوار البطولة، الا انه يتراجع في الصفحة 182:

 the feeling of truth is the best awakener of emotion.

بقوله إن الاحساس بالحقيقة هو ما يوقظ المشاعر، ويبرر هذا الرأي في الصفحة 168:

 Craftsmanship teaches the actor how to walk on the stage and play. But true art must teach him how to awaken consciously his subconscious creative self for its superconscious organic creativeness.

بقوله ان المهارة في حرفة التمثيل تعلم الممثل كيف يسير على خشبة المسرح وكيف يمثل، لكن الفن الحقيقي يعلمه كيف يوقظ عن قصد الحدس اللاشعوري الفائق ليقوده للابداع، ثم يتراجع ليحدد ان دور الممثل على خشبة المسرح هو تمثيل الشخصية بقوله في الصفحة 189:

 all actors must be character actors، of course not in the sense of outer، but of inner characteristics. But even outwardly it is best for the actor to leave’himself at times . ... be different in every role.

يجب على كل الممثلين ان يمثلوا شخصيات ادوارهم ليس فقط من الخارج ولكن تمثيلا داخليا للشخصية ايضا ولكن حتى مع حالة التمثيل الخارجي يفضل ان يترك الممثل شخصيته هو في بعض الاحيان وكن مختلفا في كل دور تمثله، ويوضح ستانسلافسكي جلساته مع داشنكو في الصفحة 299:

 My first conference with Nemirovich-Danchenko، which had decisive importance for our future Theatre، began at ten in the morn­ing of one day and lasted till three in the morning of the next day. It continued without a break for fifteen hours، and perhaps even longer. There were many more conferences between us، conferences that did not last fifteen hours as our first one did، but eight or ten hours was our average.

استغرقت الجلسة الاولى من العاشرة صباحا الى الثالثة صباحا من اليوم التالي بدون توقف لمدة خمسة عشر ساعة او اكثر واستمرت هذه الجلسات ولكن لم تستغرق بمعدل ثمان الى عشر ساعات في الايام اللاحقة، وانتهى نقاشهم حول اخلاقيات فن التمثيل الى ما يقول في الصفحة 298:

 The poet، the actor، the artist، the tailor، the stage hand serve one goaL which is placed by the poet in the very basis of his play.

بأن الهدف من عمل الممثل وكل من في المسرح هو عرض فكرة المؤلف المسرحي، حتى انه حدد اسم المؤلف المسرحي الذي يقصده فيقول في الصفحة 351:

 Chekhov gave that inner truth to the art of the stage which served as the foundation for what was later called the Stanis­lavsky System، which must be approached through Chekhov، or which serves as a bridge to the approach of Chekhov.

أعطى تشيخوف تلك الحقيقة الداخلية إلى فن المسرح والذي كان بمثابة الأساس لما سُمي فيما بعد بنظام ستانسلافسكي والذي يجب ان يطبق من خلال تشيخوف او ان النظام يعمل كالجسر لتوجه تشيخوف، ويبرر اختياره هذا المؤلف المسرحي بالذات في الصفحة 351:

 Playing Chekhov، one is not forced to search for the feeling of truth، which is such a neces­sary element of the creative mood.

ان تمثيل مسرحيات تشيخوف تخلص الممثل من اجبار نفسه على البحث عن الحقيقة والتي هي عنصر ضروري في المزاج الابداعي، قبل ان يبدأ ستانسلافسكي بشرح نظامه في القسم المخصص له من هذا الكتاب يقوم بالاشارة في الصفحة 329:

 I will never be able to tell of all the details of the tortures and the joy s of our researches. I can tell of them in short and gen­eral outline only. I will explain the final result to which my labors brought me. Its details are the material of another volume than this.

الى ان هذا الشرح ليس مكتملا وان كتابهه الثاني سيحتوي على التفاصيل، في القسم المخصص لشرح نظام ستانسلافسكي والذي عنوانه THE BEGINNINGS OF MY SYSTEM، وحول تدريس هذا النظام في الصفحة 561-562:

 I established a system of classes in subjects that had never been taught in other schools before، the theory and practice of what is called the System of Stanislavsky، various exercises in the development of the feeling of rhythm not only in movement، but in the inner sensations and in sight، and so on.

يقول لقد قمت بتدريس موضوعا جديدا لم يسبق ان تم تدريسه في المدارس من قبل وهو نظرية وتطبيق ما سمي بنظام ستانسلافسكي متكون من مجموعة من التمرينات التي تطور الاحساس بالايقاع ليس فقط في الحركة بل الاحساس بالايقاع الداخلي، وفي تعريف النظام نفسه في االصفحة 483:

 THE SUPERCONSCIOUS THROUGH THE CONSCIOUS ! - That is the meaning of the thing to which I have devoted my life since the year 1906، to which I devote my life at present، and to which I will devote my life while there is life in me.

يقول ستانسلافسكي ان نظامه هو الوصول الى الحدس اللاشعوري الفائق من خلال الوعي، وان هذا هو هدفه منذ العام 1906م وقد كرس حياته للوصول اليه، وحول الهدف من نظامه في الصفحة 467:

 The feeling of truth، as one of the important elements of the creative mood، can be both developed and practised. But this is neither the time nor the place to speak of the methods and means of such work. I will only say now that this ability to feel the truth must be developed to such an extent that absolutely nothing would take place on the stage، that nothing would be said and nothing listened to، without a preparatory cleansing through the filter of the artistic feeling of truth.

يقول ان الاحساس بالحقيقة واحد من اهم عناصر المزاج الخلاق ويمكن لهذا الاحساس وهذا المزاج ان يتطورا من خلال التمرينات ولكن هذا الكتاب  يتسع للشرح المفصل عن الطرق والمعاني المتبعة لانجاز هذا العمل وساكتفي بالقول ان القابلية على الاحساس بالحقيقة يجب ان تتطور لدرجة ان لا شيء يوجد على خشبة المسرح او يقال او يسمع دون التحضير له من خلال الاحساس بالحقيقة، وحول الحاجة التي بسببها اوجد النظام يقول في الصفحة 483:

 We needed new bases and founda­tions justified by knowledge and the laws of nature. Each stone of these bases was created، tried، and cut through years of effort، and then went into the building of the so-called Stanislavsky System، which at present has already reached definite form.  

لقد كنا بحاجة الى اساس من المعرفة وقوانين الطبيعة وتم انشاءه وتجربته خلال سنوات من الجهد ثم اخيرا صياغته بما يسمى نظام ستانسلافسكي، ويؤكد هذا النظام ما يجب على الممثل كما يقول في الصفحة 465:

 The actor must first of all believe in everything that takes place on the stage، and most of all he must believe in what he himself is doing. And one can believe only in the truth. Therefore it is neces­sary to feel this truth at all times، to know how to find it، and for this it is unescapable to develop one's artistic sensitivity to truth.

على الممثل ان يصدق بكل شيء يجري على خشبة المسرح والاهم ان يصدق بما يفعله ولن يستطيع التصديق الا لو كانت حقيقة لهذا فمن الضروري ان يشعر بالحقيقة دائما ولكي يعرف كيف يجدها عليه ان يطور احساسه بالحقيقة، يؤكد ذلك ايضا في الصفحة 466:

 From the moment of the appearance of if the actor passes from the plane of actual reality into the plane of another life، created and imagined by himself. Believing in this life، the actor can begin to create.

من لحظة ظهور الممثل في هذا الواقع الذي اختلقه وتخيله بنفسه سيعتمد ابداعه على مدى تصديقه بهذه الحياة من على خشبة المسرح، لكنه فشل في تدريس النظام كما يوضح في الصفحة 529:

 my system cannot be explained in an hour or in a day even. It must be systematically and practically studied for years. It does good only when it becomes the second nature of the actor، when he stops thinking of it consciously، when it begins to appear naturally، as of itself. Time and patience were necessary for this، and I had neither.

لايمكن شرح نظامي في ساعة او يوم لانه يجب ان يدرس بالتمرينات لسنوات وسيكون مفيدا للممثل فقط حينما يصبح هذا النظام كعادة له أي حينما يتوقف عن التفكير في النظام حينها يظهر تأثير النظام طبيعيا فالوقت والصبر يوصلان لهذه النتيجة ولم يكن لدي أي منهما، كما ان النظام نفسه فشل بدليل كما يذكر في الصفحة 530:

 This is why I claim that my system has not yet shown any of its real results. Many learned to concentrate، but this only made them make all their old mistakes and made those mistakes display themselves more and more، perfected those mistakes، so to say.

استطيع ان ادعي ان نظامي لم يظهر أي نتيجة حقيقية لحد الآن فقد تعلم الكثير التركيز ولكن هذا جعلهم يكررون اخطاءهم السابقة بشكل اكثر وضوحا وكأن النظام جعلهم اقدر على اظهار اخطاءهم، وقد تراجع مستوى ستانسلافسكي نفسه في فن التمثيل بشهادة الممثلين الآخرين كما يوضح في الصفحة 527:

 For years، at all rehearsals، in all rooms and cor­ridors of the theatre، on the street، I preached my new artistic credo with enthusiasm، but -Without any success whatever. They listened to me with respect، they practiced a meaningful silence، walked away، and whispered to each other: “ Why has he begun to play worse himself ? He was much better off with out his theories، when he played simply، played without any monkey business about it، And they were right.

لسنوات طويلة وبكافة الاماكن من غرف لممرات المسرح للشوارع كنت مستمرا بالتحدث عن نظامي بكل حماس دون أي نجاح يذكر لقد استمعوا لي باحترام وتمرنوا بصمت دون معنى واضح وغادروا بعيدا وهم يتهامسون فيما بينهم لماذا اصبح ستانسلافسكي نفسه فاشلا في التمثيل لقد كان يمثل ببساطة وافضل قبل نظرياته التي تشبه التجارب المختبرية التي تجرى على القرود ولقد كانوا على حق فيما يقولون، وقد خسر ستانسلافسكي مكانته في فن التمثيل بشهادة الجمهور ايضا كما يوضح في الصفحة 527:

 As an actor who had changed for the time being his habitual work for the researches of an experimenter، I naturally receded. And this was noticed by all، not only by my comrades، — but by the spectators. It made me very anxious. It was hard for me not to change my steadfast new course، but I still managed to retain a small part of my actor’s and stage director’s authority .

حتى الجمهور لاحظ تراجع جودة فني كممثل وقت ما كنت منشغلا بالنظام لكني احتفظت بسلطة ادارة الممثلين والمسرح، ولم يتطور النظام رغم محاولاته كما يوضح في الصفحة 527:

 Nevertheless I continue to make my experiments، notwithstanding the fact that the majority of these experiments were incorrect .

مع ذلك استمرت تجاربي على الرغم من انها كانت غير صحيحة، ولم يستطع اقناع الممثلين بنظامه كما يوضح في الصفحة 527:

 My teaching was in its primary stages and was not accepted by the actors، for I had not yet found the right words that build a road not to the mind but to the heart of the actor، to his superconscious intuition . I tried to break a vent through the wall of my listeners’ indifference. At times I had to loss them.

كانت طريقة تدريسي غير مقبولة من قبل الممثلين ولم اجد الكلمات المناسبة التي تنفذ إلى قلوبهم قبل عقولهم أي إلى حدسهم اللاشعوري الفائق وقد حاولت كسر الجدار ما بيني وبين المستمعين في الاوقات التي افقدهم فيها، وكنتيجة لفشل النظام يوضح في الصفحة 528:

 my comrades reiterated obstinately:Let him play him self in his new way so that I may be persuaded.Then I will believe him and listen to him. Meanwhile I see that Stanislavsky played better before he became so learned.My obstinacy made me more and more unpopular.The actors worked with me against their wills. A wall rose between me and the com pany. For years our relations were cold.The actors found it hard to work with me.I found it hard to work with them.At that time I attributed this to their ill will، but now it is clear to me that the reason was altogether different، and that the only one to blame was I.

كان رفاقي يقولون دعه يمثل لنراه ونقتنع بما يقول الا ان تمثيله سابقا كان افضل بكثير ولقد اصبحت غير محبوب بين الممثلين وكانوا يعملون معي عكس ارادتهم وكانت علاقاتي بالممثلين باردة لقد وجدوا صعوبة في التعامل معي ووجدت صعوبة في العمل معهم ايضا وقد رميت اللوم على ارادتهم الضعيفة وقتها ولكني الان اعرف ان الملام يجب ان يكون انا فقط،

 

د. سرمد السرمدي

.......................

ملاحظة: الترجمة بتصرف، كما هو واضح.

المصدر: قسطنطين، ستانسلافسكي. حياتي في الفن، ترجمة ج.ج روبينز، ليتل، مطبعة براون، نيويورك، الولايات المتحدة الامريكية، 1924م.

  Stanislavski، Constantin. My Life in Art، translated by J.J. Robbins، Little، Brown and Company،New York، United States، 1924 

 

 

551 علي احمد الديريفرغتُ من مطالعةِ مخطوطةِ كتاب "لماذا نكفّر: ابن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن" للصديق د. علي الديري، وكتابُه هذا كأعماله السابقة يشدّ القارئ إليه بقوة ويفرض عليه أن يمضي معه حتى الختام، وألا يغادره إلى غيره إلا بعد أن يفرغ منه.

درستُ كتابَ "فصوص الحكم" في الحوزة، وطالعتُ كلَّ ما وقع بيدي من كتاباتٍ تشرح أفكارَ الشيخ محيي الدين بن عربي وأحوالَه ومكاشفاتِه وإشراقاتِه الروحية، ولكلّ شارحٍ من الشرّاح أسلوبُه وطريقةُ فهمه لنصوص الشيخ الأكبر، فمنهم من تماهى معه حدّ محاكاته بكلّ شيء، ومنهم من حاول أن يقدّم تأويلاتِه لما كتب في أفق رؤيته لله والإنسان والعالم، ومنهم من تورّط في سكب مقولاته في قوالب غُلاة المتصوّفة، ومنهم من سكبها في قوالب غُلاة الشيعة، ومنهم من وقع أسيرَ الأبعاد الجمالية في عباراته، ومنهم من فُتن بالأبعاد الرمزية لإشاراته، لكني قلّما طالعتُ كتابًا حاول أن يلخّص لنا الرؤيةَ التوحيديةَ للشيخ الأكبر بلغةٍ مقتصِدةٍ واضحةٍ تقترب من السهل الممتنِع، وتنتظم في سياقها المفاهيمُ المحوريةُ وما يتفرّع عنها بشكل منطقي. ولا تقود القارئ إلى منعرجات تفكير محيي الدين أو المناطق المبهمة فيه، وتقلل من الإحالة على رمزياته وإشاراته، وتبرع في اكتشاف ما بدّده وشتّته ابنُ عربي عمدًا مما يؤشرُ لكلّيات عقيدته، كما ينبه هو لذلك. إذ تعمّدَ ابنُ عربي الإبهامَ والغموضَ أحيانًا، لذلك حرص في بعض كتبه أن يتحدّث عن "عقيدة الخلاصة" في مواضع متفرّقة من كتاب واحد، فنجده يصرّح بذلك في الفتوحات المكية قائلًا: "وأما التصريح بعقيدة الخلاصة فما أفردتها على التعيين لما فيها من الغموض، ولكن جئت بها مبدّدة في أبواب هذا الكتاب، مستوفاة مبينة، ولكنها كما ذكرنا متفرقة". وهذا الضربُ من الكتابة المقتصِدة تتطلب فطنةً كفطنة الديري، وهي لا توهَب إلا لمن لم يتوقف عند العقل فقط، بل توغل في عوالم الروح أيضًا، فصار قادرًا على تذوّقِ مكاشفاتِ الشيخ محيي الدين والسياحةِ في معاني بحره العميق.

كتابُ الديري هذا يضعك مباشرةً في قلب عوالم معنى الحياة الروحية للشيخ الأكبر، بلا مقدماتٍ واستطراداتٍ وفائضٍ لفظي ومقتبساتٍ يترهل بها الكتابُ، ويضيع فيها القارئ في متاهات الكلمات.

اللافتُ في ما كتبه الديري عن المتصوّفة وبخاصة محيي الدين أنه تلخيصٌ واضح للرؤية التوحيدية للشيخ الأكبر، لأنه حاول أن يختصر علينا مسافاتٍ طويلةً نستنزف فيها سنواتٍ ثمينةً من شبابنا في دراسةِ فصوصِ الشيخِ الأكبر ومطالعة أعمالِه، فأنا أحدُ الذين خسروا مثلَ هذه السنوات، عندما كنتُ تلميذًا مولعًا بدراسةِ فصوصِ الحكم وفهمِهِ على متخصّصين في حوزة قم. وحتى اليوم أمضى بعضُ معلمي فصوص الحكم أكثرَ من اثنتي عشرة سنة في تدريس هذا الكتاب لتلامذته ومازال لم يفرغ منه، وهو كتابٌ لا يتجاوز نصُّه الأصلي، مجرّدًا من التعليقات والشروح، المائةَ وخمسين صفحة. وعلى الرغم من أن الديري لم يكن يومًا ما تلميذًا في الحوزة، ولم أعرف عنه أنه تلمذ على مثل شيوخها المتخصصين بابن عربي، لكن في كلّ مرة يفاجئني بفهمِه الذكي لابن عربي، وخبرتِه المتميزة في آثارِ المتصوّفة وأحوالِهم.

من قبل فوجئتُ بأطروحته للدكتوراه التي أرسل لي مخطوطتَها وطلب مني قراءتَها، مثلما فاجأني بعمله هذا اليوم، وأظن أن مفاجأتي تحيل إلى ما ترسّب في وعيي الباطن من حكايات نُلقّنها في مجالس المذاكرة في الحوزة، توحي لنا بأن ما ندرسه لا يمكن أن يفهمه أحدٌ بلا تلمذة مماثلة لتلمذتنا، بل إني سمعتُ قبل ربع قرن من صديق، كان تلميذًا يدرس "فصوص الحكم" في الحوزة عند أحد المدرسين، حُكمًا سلبيًّا على شرح د. أبو العُلا عفيفي للفصوص، إذ قال في سياق حديثه عن هذا الشرح: "إن أبا العُلا عفيفي لم يفهم الكتاب". ومن الطريف أني قبل ذلك بسنوات كنتُ أعرف بالتفصيل سيرةَ أبي العُلا عفيفي الفكرية وتكوينَه الأكاديمي الرصين، فقد تعلّمَ على أحد أبرز الخبراء في العالم بمحيي الدين، وهو أستاذه المعروف رينولد نيكلسون "1868 - 1945م"، الذي كتبَ أطروحتَه للدكتوراه تحت إشرافه في جامعة كامبريدج بعنوان: "فلسفة ابن عربي الصوفية" وناقشها سنة 1930م. وذلك ما أهّلَ عفيفي لأن يكون أبًا لجيل لامع من الأكاديميين العرب المتخصصين بالتصوّف وبابن عربي خاصة. كما قرأتُ شرحَ الدكتور عفيفي فرأيتُ كيف تمكّن أن يقدّم تفسيرًا علميًّا واضحًا لفصوص الحكم، يجعله في متناول كلّ دارس لديه إلمامٌ بألفباء التصوّف الفلسفي.

لذلك تألمتُ من الحكم السلبي لتلميذ الفصوص صديقي على شرح عفيفي، وإن كان مثلُ هذا الحكم ليس غريبًا عليَّ في بيئةٍ عشتُ فيها أكثرَ من أربعين عامًا تلميذًا وأستاذًا، وأعرفُ نرجسيةَ الفهم التي تتوالد في لاوعينا، نحن الذين نغوص في الكتب القديمة، ونمضي العمرَ في فضاء متونها وهوامشها، حتى نصلَ إلى حالةٍ لا نكاد نرى فيها أسلوبًا للتعليم متفوّقًا على أسلوبنا، أو نظن بأن منهجًا للفهم متفوّقٌ على منهجنا، ولا نعتقد بوجود فهمٍ موازٍ لفهمنا لهذه المتون التي ندرسها، فضلًا عن أن يكون متجاوزًا له.

لم يترك لنا الخبراءُ بابن عربي مدخلًا ميسرًا لدراستِه والتعرّفِ على رؤيته لله والإنسان والعالم، وهذا الكتابُ، على صغر حجمه، يوفر على المهتمّ بابن عربي الكثيرَ من الزمن والجهد اللذين يتطلبهما التعرّفُ على خلاصة لرؤيته المحورية، من خلال غوصِ المؤلف في أعماله العميقة، وملاحقةِ تفسيراتها وما كُتب عنه وعنها. هذا الكتابُ يمكن أن يكون مدخلًا أوليًّا لدراسةِ الرؤية التوحيدية للشيخ محيي الدين واكتشاف معالمها في آثاره المتنوعة، إذ استطاع الدكتور الديري أن يدلّنا على خارطةِ هذه الرؤية لدى الشيخ الأكبر، والتي يمكن أن تكون مُلهمة لحياتنا الدينية اليوم، ذلك أن الحياة الدينية وما يتشكّل في سياقها من قيم روحية وأخلاقية تولد وتتكّون في رحم الكيفية التي تحضر فيها صورةُ الله في الضمير.

الديري يدرك المحنةَ التي يعيشها المسلمُ اليوم، وكيف صار العنفُ والقتلُ لغةً يتداولها كثيرٌ من أبناء الإسلام الذين سقطوا في شراك الرؤية السلفية للتوحيد، وسجنت سلوكَهم الفتاوى المشتقّة من تلك الرؤية، فضاع في ضجيج تلك الرؤية صوتُ السلام والحق والعدل والإحسان والرحمة في القرآن. وكأن الإسلامَ لا يعرف أن يتحدّث لغةً أخرى غير العنف والقتل والموت. حرص الكاتبُ أن يدلّنا على الكنز المنسيّ للغة أخرى للإسلام يجهلها أكثرُ الشباب المسلم. لغة يمكن أن تؤسّس لتديّن يعرف أن يتكلّم لغةَ السلام والحق والعدل والاحسان والتراحم، ويعرف أن يتذوّق تجلياتِ الجمال الإلهي في الوجود. وما أشدّ حاجتنا لهذه اللغة بعد أن تفشّى في لغتنا الدينية كثيرٌ من الكلمات المسمومة.

تقديم لكتاب: "لماذا نكفّر: ابن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن". تأليف: د. علي الديري. الكتاب تحت الطبع. ننشر القسم الأول في هذا العدد، والقسم الثاني من التقديم في عدد قادم.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

..................................

تقديم لكتاب: "لماذا نكفّر: ابن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن". تأليف: د. علي الديري. الكتاب تحت الطبع. ننشر القسم الأول في هذا العدد، والقسم الثاني من التقديم في عدد قادم.

 

548 ميثم الجنابيالمقدمة: صدر هذا الكتاب عن (دار العارف) 2018. وعدد صفحاته 238. وهو كتاب يستكمل سلسلة من الكتب صدرت عن الدار مثل كتاب (الزمن والتاريخ- نقد الراديكالية والأوهام "المقدسة")، وكتاب (تأملات فكرية حول الحضارة الإسلامية).

ينقسم هذا اكتاب الى قسمين، الأول وتحت عنوان (أرادة الروح)، والثاني (روح الإرادة).

ويتضمن القسم الأول ستة محاور وهي على التوالي: 

- الصيرورة الروحية للإسلام،

-  الإسلام - مجاز الحكمة الخالدة،

-  الصيرورة الروحية للنبي محمد،

-  النبوة- إرادة الحق،

- الجهاد والاجتهاد النبوي،

-  القرآن- قراءة الأبعاد المتجددة للوجود الإنساني

اما القسم الثاني فيحتوي على أربعة محاور وهي على التوالي: 

- الإسلام وفكرة التحدي التاريخي،

-  أرادة البديل الشامل،

-  النفي والبدائل،

-  العقل الإسلامي الجديد).

تقديم عام للكتاب

يحتوي كتاب (محمد رسول الإرادة) على قسمين الأول ويحمل عنوان (إرادة الروح)، بينما الثاني يحمل عنوان (روح الإرادة). وبمجموعهما كل واحد. مهمة الأول تتبع الصيرورة الروحية لمحمد بمختلف مستوياته واتجاهاتها، بوصفها صيرورة الإرادة النبوية، أما مهمة القسم الثاني فتقوم في تتبع فعل الارادة النبوية لمحمد في تحقيق المبادئ الاسلامية في نواحي الحياة بمستوى الطبيعي والماوراطبيعي من اجل نقل العرب (ولاحقا المسلمين) الى المرحلة التاريخية الثقافية الجديدة (الدينية السياسية). وكلاهما كلّ واحد بمعايير التاريخ والحقيقة. فقد سبق وإن قمت قبل حوالي ثلاثة عقود بهذا العمل وانجازه في كتابين، الاول تحت عنوان (حياة محمد)، والثاني (تاريخ القرآن). وكلاهما كانا بالنسبة لي عمل واحد، أو على الأقل إن كل منهما يكمل الآخر. والأكثر مشقة بالنسبة للبحث ارتبط بكتاب (تاريخ القرآن)، بالأخص ما يتعلق منه بترتيب آيات النزول حسب زمنها. وليس مصادفة أن تقول الثقافة الإسلامية لاحقا، بأن ترتيب نزول آيات القرآن ليست اقل مشقة من إبداعه! وقد أنجزت هذا البحث لنفسي أولا وقبل كل شيء من اجل دراسة شخصية وحياة النبي محمد. وإذا كان كتاب (حياة محمد) قد ضاع تماما، فإن كتاب (تاريخ القرآن) لحسن الحظ قد بقيت منه ثلاثة دفاتر بحدود ألف صفحة. وفيما لو توفر الوقت لاحقا فسوف أعود إليه. وبمجموعهما كان الكتابان يحتويان على ست مجلدات كبيرة. وبالتالي، فإن كتاب (محمد رسول الإرادة) الذي اقدمه للقارئ بقسميه يمثلان اختصارا مكثفا جدا لما وضعته في (حياة محمد) و(تاريخ القرآن). لكنه يتمثل ما فيهما بمعايير وغايات أخرى مرتبطة بفلسفتي التي وضعتها في كتابي (فلسفة المستقبل) الذي سأقدمه للطباعة والنشر حالما انتهي من وضع اللمسات الاخيرة على كل ما فيه.

من المقدمة

إن الفكرة الجوهرية لهذا الكتاب تقوم في تبيان أثر الشخصية المحمدية في وضع أسس اللحظة التأسيسية للمرجعيات الثقافية المتسامية التي أدت إلى نقل العرب من المرحلة الثقافية الدينية إلى المرحلة الدينية السياسية، وما استتبعها من تأسيس لاحق للثقافة الإسلامية وحضارتها. وبالتالي الكشف عن انه كلما جرى الغوص في حقيقتها التاريخية كلما تعمّق البحث في حقيقتها الما فوق التاريخية. ومن ثم البرهنة على أثرها الجوهري في تحدي الوجود التاريخي بإرادة البدائل الكبرى. من هنا بقاءها الحي وقدرتها على الإلهام العقلي والروحي بوصفها شخصية تاريخية وما فوق تاريخية، أي كل ما جرى وضعه في مفهوم النبي محمد والنبوة المحمدية، والرسول والرسالة الإسلامية.

ذلك يعني إن الكتاب، يختلف اختلافا جوهريا عما هو سائد في اصناف الكتابة المتنوعة عن "السيرة النبوية". اذ ليس للكتاب علاقة بهذا الصنف من التأليف، بمعنى انه ليس كتابا عن "السيرة النبوية" و"حياة النبي محمد" بالمعنى المنتشر والسائد من الكتب التأريخية والعقائدية والوظيفية (التعليمية والتربوية والادبية والسياسية وما شابه ذلك).

انه كتاب فلسفي صرف يستند من حيث الأسس النظرية لفهم حقيقة الشخصية النبوية والرسالية لمحمد ودورها وأثرها التاريخي العربي والإسلامي والعالمي إلى فلسفتي التاريخية والثقافية. وبالتالي، فهو كتاب تفتقده المكتبة العربية والإسلامية، إذ فكلاهما لم يتمرسا بعد في فهم حقيقة الشخصية المحمدية بمعايير الفكرة النظرية بشكل عام والفلسفية بشكل خاص. لاسيما وانه الأسلوب الأدق من أجل ارساء أسس النظرة المجردة والمتسامية والواقعية في الوقت نفسه عن الشخصية المحمدية والنبي محمد نفسه. ومن ثم ازالة الصيغ المبتذلة والظاهرية عن "توظيف" المعلومات عنها وعنه، او "توظيفهما" هو من اجل "البرهنة" على رؤيتها العقائدية والعملية.

ان حقيقة الشخصية المحمدية بالنسبة لي تتطابق مع المعنى القائم في عبارة "عين الحقيقة". وهذه بدورها لا تحاج الى توظيف جزئي او مجتزأ، لأن الحقيقة لا تتقبل التوظيف. انها كافية بذاتها من اجل تنوير العقل والضمير الفردي والاجتماعي والانساني.

اما في الثقافة الاوربية التي تميزت لحد الآن أكثر من غيرها في ميادين وعلوم دراسة الدين والأديان وفلسفة الدين واللاهوت، فإنها لم تنتج من وجهة نظري سوى ثلاثة كتب هي تعبير عن ثلاثة نماذج نظرية فكرية كبيرة في دراسة (حياة يسوع)، وضعها كل من هيغل ودافيد شتراوس وارنست رينان. فقد وضع هيغل الصيغة الأولية والصورة الاولى للنظرة الفلسفية ضمن سياق فلسفته عن التاريخ والفكر، كان الهدف منه "عقلنة" يسوع وتقديمه على انه تجل اسمى لتطور الروح. اما كتاب دافيد شتراوس فهو الصيغة النظرية الكبرى الاولية للرؤية النقدية التاريخية الدقيقة واظهار تناقض وخرافات التصورات السائدة، واللاهوتية منها بالأخص، عن شخصية وحقيقة يسوع المسيح. اما كتاب ارنست رينان فيسير ضمن سياق الأسلوب النقدي والمتفحص والعام لدافيد شتراوس، ولكن من اجل بناء الصيغة والصورة الأخلاقية المتسامية لشخصية يسوع المسيح.

الرمز والمثال والأنموذج

ليس هناك من شخصية في تاريخ الإسلام جرى تصوير ورسم وتتبع كل دقائق حياتها وأفعالها وأقوالها، بل وحتى خلجات نفسها إضافة إلى أصلها ونسبها وحيثيات وجودها من المهد إلى اللحد أكثر من محمد. ومع ذلك بقي لغزا بمعايير الفكرة اللاهوتية والعقلية أيضا، وذلك لأنهما كلاهما لم يكن بمقدورهما التعامل معه بمعايير الفكرة التاريخية الواقعية والعقلانية الفلسفية. بحيث جرى تغليف شخصيته بغشاء اللاهوت بدأ من الاسم وانتهاء بمعجزاته، التي لم يكن يقر بها، وذلك لأنه تعامل مع نفسه بوصفه إنسانا طبيعيا وبشرا بين البشر. فقد ابتدعت الروايات اللاهوتية الحوار الذي دار بين أبوه وبين بعض من قريش، حالما أطلق على وليده اسم محمد. فعندما سألوه ما هذا الاسم؟ ما هذا من أسماء آباءك! أجابهم: أردت أن يُحمَدَ في السموات والأرض! وهي محاورة ملفقة، لأنها تحتوي على "علم" مسبق بما سيكون عليه محمد. بينما كانت صيرورته الشخصية نتاج عملية معقدة، شأنها شأن حالات العظام في التاريخ الإنساني. إضافة لذلك أن اسم محمد متأتي من كثرة الخصال المحمودة في الرجل. وبالتالي، فإن لاسمه اشتقاقه الخاص من تقاليد العرب في اشتقاق الأسماء. فللعرب مذاهب عديدة بهذا الصدد كما تكلم عنها ابن دريد (223-321 للهجرة) في الرد على الشعوبية بصدد اشتقاق الأسماء العربية. حيث كشف وبرهن على البعد الواقعي والطبيعي في اختيار الأسماء عند العرب قبل الإسلام. فالأسماء العربية دوما ذات معنى، وليس اعتباطا أن تتبلور عبارة "اسم على مسمى". فقد اختاروا الأسماء بما يستجيب لظواهر الحياة ومتطلباتها. واسم محمد يدخل ضمن فكرة التفاؤل. فهناك تفاؤل على الأعداء يبرز في أسماء غالب ومقاتل، وهناك التفاؤل للأبناء كما في الأسماء مدرك وسالم وعامر، وهناك أسماء للترهيب مثل أسد وليث، وهناك أسماء للغلظ والخشونة مثل اسم حجر وصخر وهراوة. واسم محمد يدخل ضمن التفاؤل. فقد عرفت العرب اسم محمد. لكن الإسلام اللاهوتي حاول أن يعطي لاسم محمد معنى لاهوتيا صرف. بينما نرى قريش في مرحلة صراعها ضده تذم اسمه، بحيث تستعيض عن اسم محمد باسم مذمّم، كما في شعر أم جميل "حمالة الحطب":

مذمما عصينا

وأمره أبينا

ودينه قلينا!

شخصية النبي محمد في الكتب الإسلامية

بلورت الثقافة الإسلامية مختلف الصيغ النموذجية عن النبي محمد. بحيث ارتقى فيها إلى مصاف النبوة المتسامية، أو نبوة التشريع وخاتمة الشرائع والأديان. الأمر الذي جعل من التعامل معه بمعايير النبوة، كما بلورتها الثقافة الإسلامية في مجرى تطورها، ميدانا للاختلاف والاجتهاد، لكن المشترك فيها وبينها هو جعله نموذجا، ومثالا، ومرجعية مطلقة، وميزانا توزن به الأقوال والأعمال. بحيث لم تتورع الثقافة هذه نفسها، على الأقل في بعض تياراتها، من أن تبتدع أحاديث مزورة من حيث الصياغة لكنها معقولة من حيث المعنى كما نراه، على سبيل المثال، فيما ينسب إليه من قول: "إذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم، تُعرَض عليّ أعمالكم"، و"إني أوشك أن ادعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وأهل بيتي".

ففيهما نعثر على تضاد ولكنه معقول. فالصيغة الأولى تبرز شخصيته في أقواله وأفعاله التي تحولت لاحقا إلى "سنّة" متبعة، كما أنها تحتوي على أثره بوصفه فيصلا ومرجعا للأمة في كل ما تفعله وتنوي فعله. بينما الثانية تضع آل البيت والقرآن في مصاف واحد، وهو أمر يتعارض مع الفكرة الجوهرية لمحمد ألا وهي خلاصة التوحيد المجسّدة في القرآن. وقد كانت اجابة سفيان الثوري على سؤال متعلق بمقصود "آل بيتي" بعبارة: "أمة محمد" أو "أمة الاسلام"، يستجيب لحقيقة الفكرة المحمدية. مع ان الادق هو الرجوع الى آيات القرآن وخطبة الوداع. وينطبق هذا على ما يسمى بالسنّة النبوية. ففي حياته كان الصراع والخلاف ومختلف المواقف تقف وراء "نزول" الآيات. ذلك يعني، إن الجماعة والأمة لم تفكر بالسنّة. إنها كانت تنتظر على الدوام "نزول" الآيات القرآنية.

لكن مفارقة هذه الظاهرة تقوم في أن كتب "السيرة النبوية" بدأ من عروة بن الزبير (ت-93 للهجرة) مرورا بإبان بن عثمان (ت- 101 للهجرة)، وشرحبيل بن سعد (ت-121 للهجرة)، وابن شهاب الزهري (ت-124 للهجرة)، وانتهاءً بمحمد بن إسحاق (ت-151 للهجرة)، وبعدها أخذ منه وعنه ابن هشام (ت-213 للهجرة) في كتابه المشهور (السيرة النبوية) ولاحقا يضيف لها أو يتوسع في بعض جوانبها محمد بن سعد (ت-230 للهجرة) في (كتاب الطبقات)، هي تجميع كمي للمعلومات فقط.

إذ تحتوي هذه الكتب جميعا على خلط الواقع بالخيال. كما يجري رسم صورة واقعية وخشنة لحد ما عنه، على الأقل فيما يتعلق بالأحداث التي واجهها وتحداها وعمل من أجل تغييرها. وهي أعمال تخلو من اللاهوت والأسطورة، ومن ثم أقرب إلى الواقع، باستثناء بعض الحالات الملازمة والمترتبة على وعي المرحلة ونمط تفكيرها. ولا تشذ الكتب اللاحقة واختلاف مراحلها الزمنية والتاريخية عن الخروج على هذا النط السائد. وقد تكون الاضافة الوحيدة هنا هي بروز صنف الوظيفة العقائدية والعملية في بعض منها. ومن بين اكثرها سمعة وتوسعا بهذا المجال و"نموذجية"، هي كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، للقاضي عياض(ت- 544 للهجرة)، وكتاب "الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام، لأبي القاسم السهلي(ت- 581 لهجرة)، وكتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن قيم الجوزية (ت-751 للهجرة)، وكتاب "الفصول في اختصار سيرة الرسول"، لابن كثير (ت- 774 للهجرة)، وكتاب "عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير" لأبن سيد الناس (ت-734 للهجرة)، وكتاب "سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد" لمحمح بن يوسف الدمشقي الشامي (ت-942 للهجرة)، ومن بين اواخرها بهذا النوع من التصنيف تجدر الاشارة الى كتاب "إنسان العيون في سيرة النبي الأمين المأمون" أو ما يسمى بالسيرة الحلبية، لمؤلفها علي بن إبراهيم بن احمد الحلبي (ت1044 للهجرة، الذي اعتمد بدوره على مؤلفات سقته بهذا الصدد مثل كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض المشار اليه اعلا وغيره. اما الكتابات الحديثة العربية والاسلامية فهي الاخرى تصب في هذا المسلك العام. بمعنى انه لا جديد فيها،، وجميعا ينتمي من حيث الاسلوب والغاية والمنهج الى النماذج التقليدية المشار اليها اعلاه.

تقييم شخصية محمد عند الأغراب (الغربيين)

اما بالنسبة لدراسات والابحاث التي كتبت عنه في الثقافات غير الإسلامية، وبالأخص عند الأوربيين فقد اختلفت فيه الآراء والمواقف والأحكام. وفي اختلافاتها وتنوعها تعكس اولا وقبل كل شيء اختلاف مراحل الأحكام، ومستوى تطور المعرفة وتدقيق العلوم، ونوعية المناهج، إضافة إلى مختلف الصيغ الظاهرية والمستترة لانتماء الباحثين الديني والقومي والثقافي. وسوف اكتفي بالإشارة الى بعض الكتب "النموذجية" بهذا الصدد.

فقد اعتقد الفرنسي هنري ماسه(1886-1969) بأن انتصار الإسلام وظهور العرب على المسرح التاريخي كان بفضل محمد. وذلك لأنه اخرج بالإسلام العرب من حالة الجهل والتشتت إلى العلم والوحدة. وبالتالي، فإن محمد هو عبقرية دينية سياسية. بينما اعتقد المستشرق الروسي فاسيلي فلاديميروفتش بارتولد(1869-1930)، أن محمدا عبقري ليس لأفكاره الدينية، بل لوجدانه الديني. وذلك لأن أفكاره هي خليط من اليهودية والنصرانية، لكنه اقرب للأولى فيما يتعلق بالموقف من المسيح وفكرة الثالوث. بينما مثال المسلم الحق هو مثال المسيحي الحق. وهي أحكام مبنية على الفكرة المنتشرة آنذاك من أن الإسلام هو نسخة غير مباشرة لليهودية. ومن ثم تحتوي على مغالطات جوهرية. فالبديل الاسلامي الشامل والهائل الذي غير مجرى المسار التاريخي العالمي آنذاك كان نتاج منظومة نوعية جديدة. انه نفي لليهودية العنصرية وتاريخها اللاهوتي والأسطوري بوصفه زمن الغرائب. أما الفيلسوف الروسي الكبير فلاديمير سيرغييفتش سولافيوف فقد وجد في محمد عبقرية دينية. بينما اعتقد الهولندي رينهارت دوزي (1820-1883)، بأن محمد إنسان عملي وحالم، بوصفها حالة نادرة عند العرب. وهو حكم يحتوي على ما كان منتشرا بين المستشرقين والمستعربين الأوربيين عن وجود شخصيتين في محمد احدهما روحية والأخرى سياسية، ولاحقا مكية ومدنية. وهي فكرة مسطحة وتصنيفية بمعايير العلم التاريخي السائدة آنذاك. في حين اعتبر برنارد لويس محمدا شخصية استجابت للحاجات الاجتماعية والسياسية لعصره. بينما اعتبره البعض شخصية مظلمة لا يختلف عن مسيلمة الكذاب. أما الهنغاري اغناطيوس جولدتسيهر(1850-1921) فاعتبره أول مصلح في الجزيرة. في حين قال ارثور جون آربري(1905-1969)، بان الإسلام هو محمد. واعتقد بأن من الضروري دراسة الحالة الاجتماعية والثقافية والنفسية والأيديولوجية للعرب آنذاك، وكذلك دراسة القرآن والشعر الجاهلي لكي يمكن على أساسه تقييم شخصية محمد. وعموما، إن الإسلام قطع مسار التطور الطبيعي للعرب وقدّم نموذج جدي، وبالتالي، فإن الإسلام هو مرحلة ضرورية في تطور الوعي الديني في الجزيرة.

وقد شكلت تراجم القرآن احد المصادر المهمة لدراسة شخصية النبي محمد. وقد بدأت هذه الدراسات منذ وقت مبكر نسبيا في أوربا. فقط ظهرت أولى الطبعات إلى اللاتينية في سويسرا عام1543، ثم تلتها إلى الايطالية عام1547 (اندريه ارفابينه)، ثم للفرنسية عام 1633 (اندريه دي رير) وكذلك ترجمة اندريه دو بيه. ثم أخرى للاتينية عام 1649 وأخرى 1698 والتي قام بترجمته مراجي. وتعبر من الترجمات الجيدة نسبيا، وعنها قام بترجمته للألمانية نيريتيرا عام 1703. ثم ترجم للإنجليزية مرتان متتاليان الأولى ظهرت عام 1649 والثانية عام 1688. وللهولندية عام 1658 . وترجم للروسية مرات عديدة. ومن بين أوائل التراجم ما قام به بوستينكوف عن الفرنسية عام 1716 ثم فيريوفكن 1791 وبعده نيكولايف 1842 ثم كاظم بيك 1859 (عن العربية) وتبعها ترجمات عديدة حتى يومنا هذا.

وعلى اساس هذه التراجم وغيرها ظهر الاهتمام بما يسمى بالدراسات القرآنية، التي سلطت الأضواء على مختلف الجوانب المتعلق بالقرآن، من دراسة الكلمات وأصولها والعبارة وتركيبها، والصيغة المأثورة للغة العرب ما قبل الاسلام، وأثر البيئة والشعر والعرافة والكهانة وغيرها في بلورة الصيغة المعروفة عن لغة القرآن. ثم دراسة القرآن من الناحية التاريخية، بما في ذلك ترتيب سور وآيات القرآن بما يتناسب مع "نزولها" الزمني. وتباينت هذه الدراسات من حيث قيمتها بالنسبة لدراسة شخصية محمد، إلا ان هناك من بينها من اتسم بقدر كبير من المنهجية العلمية والبحث الأكاديمي الرصين، كما هو الحال بالنسبة لكتاب المستشرق والمستعرب الالماني الكبير تيودور نولدكه(1836-1930)(تاريخ القرآن) بستة أجزاء (1909-1938، بالألمانية)، وكتاب المؤرخ واللغوي الانجليزي كلير تيسدال (1859-1928) (المصادر الأصلية للقرآن) (1911، بالإنجليزية)، وكتاب ادوارد سيل (التطور التاريخي للقرآن) (1909، بالإنجليزية)، وكتاب ستانتون (تعاليم القرآن او بيان القرآن) (1919، بالإنجليزية)، وكتاب اغناطيوس جولدتسيهر (صحيح الدراسات الإسلامية القرآنية) (1920 بالألمانية)، وكتاب ريتشارد بيل (مقدمة لدراسة القرآن) (1952 بالإنجليزية).

أما الدراسات التي تناولت شخصية محمد بصورة محترفة، فإنها كثيرة ومتنوعة الأحجام والمستويات، لكنها لعبت دورا كبيرا في إرساء الأنماط الشكلية السيئة عن شخصية النبي محمد. غير أنه جرى تهذيبها مع مرور الزمن في مجرى دراسة حياة محمد وأفكار. واكتفي هنا بالإشارة إلى المهم من بينها والتي ترتقي إلى مصاف "النخبة المكتبية".

فمن الناحية التاريخية يمكن الإشارة إلى احد المؤلفات القديمة التي كتبها بيوتر الموّقر (ولد عام 1594)، الذي ألف كتابان، الأول تحت عنوان (سيرة النبي وحياته) والثاني (جدل بين مسلم ونصراني). وكلاهما مليئان بالتشويه والكذب. وقد كتب لهما مقدمة في وقت لاحق مارتن لوثر! وقد تأثر فولتير بهذا النمط من الكتابات الضعيفة بحيث نعثر على صداها في فكرته عن مطابقة الاسلام مع النزعة الجبرية والتعصب إضافة إلى كمية كبيرة من الاتهام الجاهل بحقه. لكنه غيّر رأيه بصورة معاكسة تماما وأصبح من المدافعين عن محمد تحت تأثير  كتاب غافييه (الفرنسي البروتستانتي الطريد) الذي وضعه عن حياة محمد استنادا إلى ترجمته الخاصة لتاريخ أبو الفدا (التاريخ) عام 1732. وضمن هذا السياق سار المستشرق الالماني يوهان ياكوب رايسكه (1716-1774) بعد ترجمته لكتاب أبي الفدا المشار إليه أعلاه. واستمر بهذا التقاليد شبه العلمية المستشرق الفرنسي الشهير انطوان ايزاك سلفستر دي ساسي(1758-1838).

أما في العصر الحديث فتجدر الإشارة إلى عدد من الكتب التي لعبت دورا كبيرا، ضمن سياق الدراسات الاستشراقية، عن رسم ملامح الشخصية المحمدية. فقد ظهر كتاب كوسين دي بيرسيفال(1795-1817) عام 1846-1848 عن (تاريخ الاسلام وحياة محمد) بثلاثة أجزاء. وتبعه أو تزامن معه كتاب ميولر عام 1858 بأربعة مجلدات ضخمة عن حياة محمد هي من بين أفضل الأعمال المكتوبة آنذاك بالإنجليزية وصدرت تحت عنوان (حياة محمد وتاريخ الاسلام منذ الهجرة، مع مقدمة خاصة بالمصادر الأصلية المتعلقة بسيرة محمد). وقد أعار ميولر اهتماما خاصا في كتبه للأبعاد السياسية في حياة محمد. ولحقه كتاب كويل س. (محمد والمحمدية) (بالألمانية 1889)، ثم كتاب مرجيليوث د.س. (محمد وظهور الاسلام) (بالإنجليزية) عام 1905.

كما تجدر الإشارة إلى كتابات ارنست رينان(1823-1892) وتحليله النقدي والتاريخي تجاه الاسلام ومحمد والتي سيقوم لاحقا بتحليلها والبرهنة على ما فيه من جانب عدد كبير من المستشرقين والمستعربين مثل النمساوي ألويس شبرنجر والالماني ثيودور نولدكه.

فقد اظهر ألويس شبرنجر (1813-1893) فيما وضعه بهذا الصدد عن احترام كبير للإسلام، لكنه يلتقي مع ميولر بنظرته إلى النبي محمد، باعتباره شخصية ليست مثالية. إضافة إلى البحث عن الجوانب "المظلمة" في حياة وشخصية محمد. ولم ير شبرنجر في محمد شخصية موهوبة، وبالتالي فإن انتصاره كان بفعل مصادفات وظروف حالفه الحظ فيها. بينما نراه يجد في عمر بن الخطاب الشخصية الفعلية والمؤسسة للإسلام. وعلى العكس من هذه المفاهيم تناول المؤرخ الاسكتلندي توماس كارليل(1795-1881) شخصية النبي محمد في كتابه الشهير عن العظماء والأبطال في التاريخ. وضمن سياق الدراسات النقدية التاريخية الدقيقة التي تناول في الكثير منها شخصية النبي محمد تجدر الإشارة إلى المؤرخ الالماني الكبير يوليوس فلهوزن (1844-1918)، الذي حاول تنقية التاريخ الاسلامي مما لصق فيه من انطباعات وأحكام ليست دقيقة. كما كتب كل من المستشرقين الألمان غوستاف فييل ((1808-1889) ونولدكه عن محمد بصورة عرضية ضمن سياق دراساتهم عن القرآن. واتسمت أبحاثهما بالتدقيق التاريخي الرصين والموثق، وبالأخص عند تيودور نولدكه الذي جرب هذا المنهج للمرة الأولى في أطروحته عن تركيب الآيات القرآنية، والتي طورها وعمقها وتوسع فيها لاحقا في احد اكبر وأعظم المؤلفات الأوربية عن تاريخ القرآن في كتاب الموسوعي الذي صدر تحت عنوان (تاريخ القرآن).

كما تجدر الإشارة إلى كتاب تور أندريه (محمد الإنسان في ورسالته وعقيدته) الذي ظهر للمرة الأولى عام 1918 بالألمانية ثم بالطبعة الإنجليزية عام 1936، وكذلك كتاب بيل، ر. (أصل الإسلام في بيئته النصرانية) عام 1928 بالإنجليزية، وكتاب سويتمان ج. (الاسلام واللاهوت النصراني) بثلاثة أجزاء (1945-1955) بالإنجليزية، وكتاب المؤلفان فيول ف.، وشنايدر (حياة محمد) بالألمانية 1955، وأخيرا كتابات واط مونتغومري واط (محمد في مكة) (1953) و(محمد في المدينة) (1956) وكلاهما بالإنجليزية. والأخير من بين أكثر الكتب موضوعية ودقة وتتبعا لحياة محمد العملية.

حقيقة النبوة المحمدية

النبوة ليست تكهنا بالمستقبل، بل استدراكا له بمعايير المطلق. كما أنها ليست نبوءة بالمستقبل، بل إدراكا له بمعايير الماضي. وهي ليست فعلا عابرا ولا كيانا طارئا، بل إرادة متحررة من رق الماضي والمستقبل، لأن أولها حق وآخرها حق. الأمر الذي يميزها عن النبوة الكاذبة والأنبياء الكذبة. تماما كما نقول فيلسوف حقيقي وآخر مزيف، ومفكر حقيقي وآخر مقلد ومبتذل، وشاعر فحل وشويعر وشعرور وما إلى ذلك.

وفي هذا تكمن حقيقة النبوة باعتبارها إرادة متسامية. لأن النبوة هي معاناة الحق. وليس مصادفة أن تظهر على خلفية الانحطاط المادي والمعنوي للشعوب والأمم، باعتبارها تحد ملهم للحياة. من هنا وحدة الحياة والموت في بدايتها، والانبعاث والقيامة في نهايتها كما لو أنها تستعيد في مظهرها معنى الحركة المطلقة للحياة، باعتباره صيرورة حرة تحددها جبرية الالتزام الفردي والجماعي تجاه النفس والآخرين.

الأمر الذي يجعل من النبوة معاناة الحق. مما يفترض رؤية المجاز فقط في أحكامها. بمعنى رؤية المعاني الروحية الخالدة لا العقائد الثابتة. إذ لا أمر جازم في النبوة غير دعوتها لتمثل الحق. وهو كيان متغير في الصور ثابت بالمعنى. الأمر الذي يستلزم النظر إلى القرآن، باعتباره كتاب الوحي النبوي، على انه نموذج وتجسيد وتحقيق لمعنى النبوة بوصفها معاناة من اجل الحق، والرسالة بوصفها تحقيقا لها في المواقف والقيم والأحكام. وبالتالي ليس القرآن بهذا المعنى سوى قراءة الأبعاد المتجددة للوجود الإنساني، والتي شكّل التوحيد نموذجها الأرقى.

فحقيقة التوحيد تقوم في كونه نظام الوجود الحق، أي نظام النسب المثلى، الذي يفترض بدوره إبداع التجانس التاريخي الدائم بين عوالم الملك والملكوت في جبروت الإرادة الإنسانية الفاعلة باسم الحق. وهي ذات النسب التي تكشف عن تجليها الفعلي في شخصية النبي محمد وجهاده التاريخي باعتباره اجتهادا وتحقيقا مرنا لنسب الملك (الإنساني - الطبيعي) والملكوت (الإلهي - المطلق) في الفعل الإنساني بوصفة إرادة دائمة للخير. الأمر الذي جعل من النبي محمد احد النماذج المثلى التي جسدت وحققت في ذاتها وأفعالها وإرادتها وغاياتها النسبة الحية لما ادعوه بالطبيعي والماوراطبيعي في الموقف من إشكاليات الوجود الكبرى.

ومع ذلك لا تخلو الأنبياء من أساطير في معتقداتها، لكنها أساطير رمزية، وذلك لأن جوهرها معاناة فردية، وغاياتها قيمة معنوية. لكن الامر يختلف حالما تنتقل إلى ميدان العوام. حينذاك تصبح شعوذة تقليدية، بحيث تتوحد في جوهرها وغايتها على تخدير العقل واستباحة الضمير. وقد كانت تلك على الدوام النتيجة الحتمية الملازمة لبلوغ المرحلة الدينية السياسية في الوجود والوعي حدودها القصوى، أي حالة الانحطاط المغلقة. ولكل حالة تاريخية ثقافية نموذجها الخاص في تجسيد وبلوغ المبادئ والغايات، كما أن لكل منها نهايته الحتمية ونموذج الخروج منها عليها ببدائل مستقبلية. وفي الحالة المعنية يفترض ذلك تحرير الأنبياء من النبوة اللاهوتية عير إرجاعهما إلى ميدان التاريخ الفعلي، بوصفهما محاولة من محاولات الإصغاء لصوت الحقيقة والاستماع إليها عبر معاناة الباطن الفردية.

وضمن هذا السياق أيضا يمكن فهم المعنى الحقيقي الكامن فيما أسميته بمحمد رسول الإرادة، أي حياة وفناء الشخصية المحمدية في الصيرورة التاريخية والكينونة الثقافية للعرب (والمسلمين)، التي لا تشكل النبوة فيها سوى أسلوبها العملي ونموذجها التاريخي. وقد كان الجاحظ على حق عندما قال بأن حقيقة الإنسان إرادة. والنبي محمد هو أولا وقبل كل شيء إنسان، وبالتالي فإن حقيقته إرادة، لكنها إرادة البدائل الكبرى. ومن ثم ينبغي قراءة وفهم ما في الكتاب ضمن هذه الرؤية المنهجية وهذا السياق التاريخي والثقافي لصيرورته وكينونته وديمومته أيضا.

ومن ثم يمكن التوصل إلى استنتاج مفاده، إن الكينونة التاريخية للأمة هي كينونة إرادتها. والإرادة هي ليست فقط ما تريده، بل وما تعيه بمقاييس الواجب التاريخي للوجود والمثال. فاقتران كينونتها التاريخية بصيرورة إرادتها المثلى يكشف عن ضرورة جهادها واجتهادها بمعايير وعيها الذاتي، أي بمعايير الكلّ الثقافي المتراكم في مجرى تجاربه المتنوعة من أجل تذليل الحدود الذاتية في تجاربها التاريخية. وفي الحالة المعنية تذليل الكينونة العربية لصيرورتها التاريخية الثقافية في المرحلة الدينية السياسية عبر نقلها إلى المرحلة السياسية الاقتصادية من خلال تذليل فكرة وحالة الهيمنة الظاهرية والباطنية لفكرة الأصول الدينية (اللاهوتية) في كافة مجالات الحياة ومستوياتها النظرية والعملية. 

شخصية محمد ودورها التاريخي

لكل مرحلة تاريخية تصوراتها وأحكامها عن الماضي. وللماضي هنا وقعه الخاص. فهو زمن عند الأغيار، وتاريخ عند النفس. والفرق بينهما كالفرق بين المسلم وغير المسلم حالما يقولان أن محمدا عبقري. ففي الحالة الأولى هو تمثل لحقائق الروح وتاريخ المعاناة الذاتية، بينما في الثانية هو حكم وتقييم مجرد. وينطبق هذا على كل مقولات ومفاهيم الوجود التاريخي للأمم. وذلك لأنها تبقى في نهاية المطاف مقولات ومفاهيم ثقافية صرف. واستخلاص الصرف منها يمكنه الاندماج في الفكرة المجردة للرؤية الإنسانية العامة وتجاربها حالما يرتقي الجميع إلى مصاف الفكرة الميتافيزيقية أو فكرة ما وراء الوجود الطبيعي المباشر.

شخصية محمد الفعلية

إن الشخصية الواقعية هي شخصية تاريخية. ومحمد واقعي فهو تاريخي. والصورة الأكثر صدقا هي القادرة على رؤية الصيرورة التاريخية والواقعية للشخصية، ومن ثم رؤية أفكارها ومواقفها وعقيدتها ضمن هذا السياق. فهو الأساس الضروري لبناء الصرح الفعلي لعالمها الذاتي. حينذاك فقط يمكن الكشف عما فيه من دهاليز وطرق قادرة على إيصال البحث فيها عما كان محمد نفسه يدعو إليه: الخروج من الظلمات إلى النور! بمعنى كيفية تراكم وتحديد مهمات وغاية التحدي للواقع التاريخي وشحذ الإرادة وعقلها الذاتي من اجل رسم ملامح وحدود البديل التاريخي.

لم يفكر النبي محمد ولم يضع أمام ناظريه ما ندعوه الآن بمهمات الحاضر والمستقبل، وذلك لأن المرجعيات الممكنة والمحتملة بالنسبة لنقل الأقوام والأمم إلى المرحلة الدينية السياسية تظل دوما محكومة بفكرة الواحد المتسامي والوحدة الخالصة لروح الجماعة النقية والتقية. وهي مرجعية قادرة على إبداع مختلف النماذج العملية الضرورية لحل المشاكل والقضايا التي تواجه الأمة والدولة. بمعنى أنها تمتلك الصيغة النظرية المجردة للاجتهاد النظري والعملي. الأمر الذي يجعل من تحرير الرؤية العلمية من غشاء العقائد الدينية واللاهوتية أسلوبا لإرجاع محمد الحقيقي وحقيقة محمد إلى أصل وجذر واحد، ألا وهو كفاحه الذاتي وبناء شخصيته في مجراه. وضمن هذا السياق يمكن القول، بأن المصدر الأكثر دقة لإدراك شخصية محمد وحقيقتها هو القرآن. وبالتالي، فإن إعادة ترتيب آياته بما يتوافق مع زمن "نزولها"، أي بما يتوافق مع ما أطلقت عليه الثقافة الإسلامية عبارة "أسباب النزول" سوف يساهم في رؤية شخصيته التاريخية والواقعية كما هي، ومن خلالها تتبين ملامحها ومعالمها الفعلية. وذلك لأن الرؤية الواقعية والعلمية الدقيقة هي أكثر "قدسية" من تقديس اللاهوت الأجوف.

 فالقرآن واحد من حيث آياته بوصفها استجلاء لمعاناته الفعلية في مجرى كفاحه من اجل التوحيد، وبالتالي لا يوجد قرآنا مكيا وآخر مدنيا. والترتيب الدقيق يصنع رؤية دقيقة، بينما عادة ما يؤدي الترتيب كيفما كان إلى إمكانية تصوير محمد كيفما كان. طبعا، إن هذه المهمة معقدة للغاية ولكنها ممكنة، على الأقل بالشكل الذي يجعلها أكثر قربا من الواقع، لكن المشكلة تقوم في أنها مهمة "محرّمة" بحيث تجعل من كل محاولة بهذا الصدد كفرا وإلحادا، مع أن جميع المعطيات والوثائق التاريخية وما هو مجمع عليه بين المسلمين يؤكد ويحقق الفكرة القائلة، بأن جمع القرآن وإخراجه بصيغته الحالية هو من عمل واجتهاد المسلمين الأوائل. 

محمد الإنسان والنبي

لقد جمع محمد بين الإنسان والنبوة، أو أن النبوة امتداد للإنسان فيه واستكمال له وتحقيق ما فيه من خصال وتجارب. إذ لم يتحول محمد إلى نبي بل صار إياه. والنبوة، شأنها شأن كل حالة نوعية في الاحتراف الإنساني لها مقدماتها وخصوصيتها. فالأنبياء كالعلماء والشعراء والفلاسفة والأدباء وقادة الحروب وأهل السياسة والدولة، لكل منهم خصوصيته وموقعه فيما ينتمي إليه وصار جزءا منه، وأثره في تقاليد احترافه وخارجها.

فالتاريخ الإنساني يعرف أنبياء قد يصعب حصر أعدادهم. فمنهم من مات واندثر بلا أثر، ومنهم من بقي ذكرى في العقول والأوهام، ومنهم من تشظى في أساطير وحكايات، ومنهم من يتلألأ في الماضي وذكرياته من أقوال وأفعال مأثورة، ومنهم من عمّر واستمر في رحيق الثقافة الروحية والفكرة الدينية، ومنهم من بقي فاعلا في عقول وضمائر الأمم، ومنهم من ارتقى إلى مصاف المرجعية المطلقة لإتباعه.

حقق النبي محمد بذاته صيغة ما أسميته بلوغ مصاف المرجعية المطلقة لاتباعه (المسلمين) مما أدى الى أن تقتطف هذه الصيغة من كل الأنواع الأخرى ما يمكّنها من تعزيز قيمتها المرجعية الروحية والفكرية الدائمة. لاسيما وأنها تغلغلت جميعا في مسام المعركة التاريخية الكبرى التي قادها في نقل العرب من الطور الثقافي الديني إلى الطور الديني السياسي، أي إرساء أسس الانتقال الأكبر والأعقد في تاريخ العرب ولاحقا المسلمين بمختلف أقوامهم وشعوبهم وأممهم. وهي العملية الثقافية الكبرى التي أسست للطابع الثقافي للقومية العربية والأمة الإسلامية ككل. (يتبع....)

*** 

 

543 مكرم الطلبانيكان مكرم الطالباني إحدى الشخصيات السياسية التي إلتقيتها بعد أسابيع من إنهيار النظام عام 2003، في حوار واسع نشر في جريدة القاسم المشترك، تحدث فيه الطالباني عن تداعيات الإحتلال الأمريكي للعراق، محذراً القوى السياسية من مغبّة المشاركة في المشروع الأمريكي في المنطقة، في ظل غياب مشروع وطني لهذه القوى، منبهاً بوعي كامل إلى حجم الكارثة المرتقبة، والنتائج الخطيرة لهدم مؤسسات الدولة، وغياب الأمن .

أستحضر تفاصيل هذا اللقاء بمضامينه ورؤاه حين أثبتت الأحداث اللاحقة صحة نبؤات مكرم الطالباني وإستشرافه للمستقبل، وبعد أن إطلعت على الدراسة الأخيرة التي تناولت سيرته الشخصية .

لم يكن الإنتماء الديني، ولا الإنتماء القومي، سبباً في تغيير أفكار وممارسات مكرم الطالباني، أو توقف قناعاته وقراءاته الأولى، منذ نجاحه متفوقاً على زملائه في إمتحان البكلوريا للمرحلة الإعدادية، على طلبة لواء كركوك عام 1942، ومن ثم طالباً في كلية الحقوق ببغداد، فسرعان ما تخلى عن (حزب هيوه) ذي التوجه القومي، متأثراً بأجواء النقاشات والحوارات الطلابية السياسية، التي شهدت تداول مفاهيم الماركسية والشيوعية، وبالأخص بين طلبة الحقوق، ومع أن مكرم معني بدراسة القانون، إلا ان الفكر السياسي والفلسفة، والإحساس العميق بهما، هما اللذان قاداه إلى أول معترك سياسي في المشاركة بالتظاهرات إثر إنتهاء الحرب العالمية الثانية .

(مكرم الطالباني ودوره السياسي والفكري في العراق)، رسالة ماجستير للطالب أحمد علي سبع الربيعي، صدرت بكتاب عن دار الشؤون الثقافية في بغداد مؤخراً (2018)، يأتي بمثابة إهتمام وعناية لدى الأوساط الأكاديمية بهذه الشخصية وسيرته السياسية والفكرية .

عمد الطالباني أن يخط لنفسه واقعاً (جديداً)، وإستجاب لما يحيط به من متغيرات ليشكل حضوراً يميزه عن سائر رفاقه منذ المرحلة الجامعية التي إلتقى فيها بمجموعة من الشباب الكرد: نافع يونس، عمر الشيخ، صالح الحيدري، جمال الحيدري وغيرهم .وبدأ يطّلع على جريدة الحزب الشيوعي العراقي (القاعدة)، وبقية الصحف السرية، وبقي مواكباً لما يصدر من كتب في الفكر الماركسي، وفي الوقت ذاته، كان تواقاً لمعرفة المزيد من الثقافة الغربية، ولاسيما انه يجيد اللغات العربية والكردية والإنكليزية والفارسية والتركية،مما فتح له آفاقا جديدة في الثقافة والآداب، فعززت ثقافته،ووسعت مدارك أفكاره .

إنضم الطالباني للحزب الشيوعي في حزيران 1945، وإقتصرت إتصالاته بالمكتب السياسي، عن طريق حسين محمد الشبيبي (صارم)، الذي ترأس الهيئة المؤسسة لحزب التحرر الوطني كواجهة للحزب، وكان مكرم ضمن الموقعين على طلب إجازة الحزب، وحقق مكرم أول حضوره المهني والسياسي، حين تولى مهمة الدفاع عن سكرتير الحزب الشيوعي ومؤسسه يوسف سلمان يوسف (فهد)، عام 1947 .

ليس من الميسور على الباحث عموماً والمؤرخ تحديداً، الكتابة عن شخصية ما، كتابة مستوفية كل شروط الموضوعية والكمال، إلا ان الباحث أحمد الربيعي إستطاع أن يبذل جهوداً إستثنائية، في دراسة هذه الشخصية الوطنية، وإجتهد في البحث عن المصادر، وواجه صعوبة ترجمة ( الكردية ) منها، بصبر ومثابرة، وإعتمد وثائق دوائر الأمن العامة، والتحقيقات الجنائية، والإستخبارات العسكرية، وبعضها غير منشور سابقاً، كما إلتقى العديد من الشخصيات السياسية، بما فيهم شخصية البحث، وأمدّته مذكرات السياسيين بمادة مهمة للإحاطة بتاريخ العراق الحديث .

إن اكثر المباحث المثيرة للجدل في الدراسة هي تلك التي تتعلق بدور الطالباني السياسي في الفترة مابعد إنقلاب 68،إذ تتوزع الدراسة على أربعة فصول،تناولت حياته منذ الطفولة، وتتبعت مختلف نشاطاته الفكرية والسياسية والوظيفية في مراحل زمنية متعددة .والمتابع بحيادية وموضوعية، (وأعني تحديداً عدم الخضوع لسلطة المزاج وشخصنة المواقف )، يستطيع ان يتوصل إلى جوهر مكرم الطالباني، كشخصية مدركة، واعية، منتمية إلى الحياة في مداها المتفائل، لذا ظل على الدوام ثابتاً بموقفه ومنهجه في حياته السياسية والمهنية، ولم يتخل عن إنتمائه، وهذا ما أثبته الواقع، على الرغم مما ناله من إتهامات وتشكيك في دوره السياسي، مصدرها الإختلاف والتباعد أو التقاطع مع المسارات الحزبية الملزم بالخضوع لها .

إن إحدى هذه الإشكالات أو أولها، انه يعدّ من الشخصيات المقرّبة لأبرزشخصيتين في النظام السابق بعد 68، هما أحمد حسن البكر، وصدام حسين، وأصبح مصدر ثقتهما، الأمر الذي أهّله للتفاوض مع ( البعث) في أكثر من مناسبة، وأن يكون وسيطاً بين الحزبين (الحليفين )، أو مع الأحزاب الكردية، في ظروف معقدة ومتأزمة بين هذه الأطراف السياسية، فنال قبولها جميعاً، لما يتمتع به من توازن في الموقف وحصافة في الرأي،وبعد نظرللواقع .

ان الحقائق الموثقة عن طبيعة اللقاءات،لاتشير الى أدنى موقف مساوم لمكرم مع مفاوضيه، بل على العكس من ذلك، كان شجاعاً وصادقاً وواضحاً،ويتمتع بإرادة فعالة، وموقف ثابت، كثيراً ما يصطدم بالخيبة وفي أكثر من حالة، وأكثر من موقع، غالباً ما يريد القول : ان الأهداف التي آمن بها، ظلت أهدافاً أشبه بالحلم، ولم تجد سبيلها للإنجاز، ولا موقعها الذي ينبغي أن تكون عليه، لتتحول في نهاية الأمر إلى قوّة معطّلة جامدة، مثيرة للخيبة، ومن ثم لليأس .

يشير الباحث إلى إحدى لقاءاته بصدام حسين، بعد أن لفظت الجبهة أنفاسها الأخيرة أوائل عام 1979، في مستهل اللقاء كان الطالباني يحمل جهاز تسجيل صغير،وضعه على الطاولة التي تفصل بينهما، إبتسم صدام متسائلاً: ماهذا ؟ فأجابه مكرم : أنكم تخفون واحداً مثله تحت الطاولة، وأنا أضعة فوقها .وفي مناسبة أخرى رفض دعوة للقاء صدام في قصره، كما توقف الباحث عند حالات إنسانية نبيلة، ونكران ذات، هي سمات يحملها المناضل في وعي يتعلق به، ويصرّ عليه، ويسعى من أجله . إن هذا المعطى يتجسد في أكثر من موقف لمكرم الطالباني، فحين كان معتقلاً في سجن نقرة السلمان، إستُدعي مخفوراً إلى بغداد لمقابلة وزير الداخلية صبحي عبد الحميد، بعد إنقلاب عبد السلام عارف على حكومة البعث في تشرين 63، كان الوزير عازماً على إطلاق سراحه والعفو عنه ليردّ جميلا سبق للطالباني أن قدّمه له، شكره وأجابه بالقول : إني تركت 6 رفاق لي في السجن من أبناء مدينتي كفري كنت سبباً في إنتمائهم للحزب الشيوعي، كيف أسمح لنفسي أن أتركهم ورائي ؟ تفهم الوزير هذا الموقف ووافق على إطلاق سراح مكرم ورفاقه .

هنا تكمن القيمة النبيلة لمواقف الإنسان، والمعنى الكامن في المواقف الأخلاقية، والمضامين الصافية لدى (السياسي )،وهو يخوض سلسلة مواجهات صعبة وملتبسة، متأرجحاً بين مأمول ومتخيل،وبين أهداف كرّس حياته من أجلها، لم تكن طوباوية، وإن لم تنجز على ارض الواقع العراقي، فما زال يعتقد أن هناك متسعاً من مغادرة حالة الإنغلاق، أو محدودية التفكير، وقسرية المواقف، والإرادات المقموعة، ويرى ان الأفكار البراغماتية ستجد لها نوعا من القبول والقناعات .

السياسة هنا لاتتعلق بالفكر السياسي ونظرياته فحسب، وإنما تتجاوزه نحو كيفية التعامل مع الآخرين،وتجربته بتقديري تختلف في بعديها النفسي والإجتماعي،وليس بوسعه أن يلزم الاخرين للتفكير بما يفكر به، وإتخاذ المواقف على قناعات مؤمن بصحتها، فالباحث في هذا النموذج من الشخصيات، عليه تجنب الوقوع في فخ المنظور الأحادي الجانب، أما أن يكون مع أو ضد، فهل نحن مطالبون الآن إيجاد أجوبة لأزمات الماضي، أم تغيير طريقة طرح الأسئلة ؟ إزاء المشكلات الكبرى التي تواجهنا .

في ضوء ما تقدم نستطيع القول ان هناك إتفاقاً على مكانة هذه الشخصية وأهمية عطائها، وإستعادة قراءتها الآن، ينبغي أن تعتمد البناء الفكري الذي تحفل به أعماله، وإنجازاته الباهرة في مواقعه الوظيفية،وحضوره المتميز فيها، وثراء تجاربه الإنسانية .

 

جمال العتّابي

 

544 امراة وخمسة رجالصدر عن دار الفرات للثقافة والاعلام في الحلة وضمن سلسلة تراث الحلة كتاب الدكتور عبد الرضا عوض الموسوم (امرأة وخمسة رجال)، يحتوي على 217 صفحة من الحجم الوزيري، الكتاب يعد وثيقة تاريخية لفترات مختلفة من تاريخ مدينة الحلة في القرن العشرين وهي مذكرات لامرأة هي نجاة نايف سلطان وخمسة رجال هم (الطبيب هاري سندرسن والطبيب محمد زاير الرشيد و ناجي شوكت وأحمد زكي الخياط وعبد الجبار الراوي) .

الكتاب يضم مقدمة ومدخل من أربعة فقرات الاولى عن الكتاب والفكرة والثانية عن الحلة ومكانتها والثالثة عن التعليم في الحلة والرابعة عن الطب في الحلة، وضم مذكرات ستة من الذين عملوا في الحلة خلال فترات مختلفة من القرن العشرين، وضم الكتاب ملحق لصور من مدينة الحلة .

أن أهمية المذكرات  كما ورد في ص 5 " الخروج بخلاصة ما دونته أقلام أناس شاءت الأمور أن يعملوا في هذه المدينة في مواقع مهمة، بعضهم لا يتعدى أن تكون كتاباته سيرة ذاتية، وبعضهم مر مرور الكرام على وجوده في الحلة " .

كانت اولى المذكرات للطبيب هاري سندرسن الذي شغل اول رئيس صحة في الحلة كما اصبح طبيب العائلة المالكة في العراق، في عام 1918 م وصل الطبيب سندرسن باشا الى العراق مع الجيش البريطاني عند احتلاله العراق، وفي شهر تموز من عام 1919 م عين كطبيب في مدينة الحلة، واثناء وجوده في الحلة اندلت ثورة العشرين في 20 تموز 1920 م، وفي أوائل شهر أيلول من عام 1920م نقل الى بغداد حيث عمل جراحاً مدنياً في المستشفى الملكي فيها، وفي شهر نيسان من عام 1923م اصبح سندرسن طبيب العائلة المالكة العراقية، كما عاصر احداث حركة مايس 1941م . ذكر سندرسن في مذكراته عن المدة التي قضاها في مدينة الحلة، ومن ابرز الاحداث التي ذكرها تأسيس المستشفى في بيت يعود الى موظف تركي كبير، وقد قام بتدريب بعض الاشخاص على التضميد والعمل بغرفة العمليات، ثم يروي سندرسن أحداث ثورة العشرين ومعركة الرستمية عندما استولى رجال من عشيرة بني حسن على الكفل، فتوجه رتل عسكري عُرف باسم (رتل مانجستر) نحو الكفل الذي توقف على بعد خمسة أميال من الكفل والذي هوجم من قبل العشائر الثائرة فدارت معركة عنيفة تكبد فيها الطرفان خسائر جسيمة، مما اضطر القوات البريطانية الانسحاب الى مشارف الحلة . بعد عدة ايام من معركة الرستمية اقتلع الثوار عدة أجزاء من سكة الحديد التي تصل الى بغداد، ثم اخذ الثوار بمهاجمة المقرات البريطانية داخل مدينة الحلة وخاصة السراي حيث كانت المستشفى في طابقه العلوي والذي استمر عدة ايام . باحتلال الكفل اصبحت الكوفة مقر الخلافة بالرغم من وجود حامية عسكرية فيها والتي كانت محاصرة وقد استخدم الثوار مدفع زنة ثمانية عشر رطلاً للدفاع عن الكوفة، وكانت اول اطلاقة من هذا المدفع قد اصابة السفينة (فاير فلاي) واغرقتها في نهر الفرات امام الكوفة . تم استعادة الحلة من قبل قوة عسكرية بريطانية قادمة من بغداد في نهاية شهر أب، وفي أوائل شهر أيلون نقل سندرسن الى بغداد .

المذكرات الثانية كانت للطبيب محمد زاير الرشيد الذي كان من مواليد العمارة سنة 1931م، تخرج من كلية الطب الملكية العراقية سنة 1957م ونسب للعمل كطبيب مقيم في مستشفى الحلة الملكي، وقد عاش أحداث ثورة تموز 1958م، ثم هاجر الى السويد في آب سنة 1959م،وقد ذكر في مذكراته التحول المفصلي من العهد الملكي الى العهد الجمهوري .

يصف الدكتور محمد زاير في مذكراته مستشفى الحلة الملكي (الذي استبدل اسمه الى الجمهوري بعد ثورة تموز 1958) وقد ذكر اسماء رئيس الصحة (الدكتور علي الحلي) ومدير المستشفى (الدكتور حسين هاتف العطية) وأسماء الاطباء والممرضين والممرضات والفنيين والاداريين والخدم وقد جلب انتباهه المعاملة القاسية وضرب الخدم من قبل الدكتور علي الحلي، كما ذكر اوجه الفساد والرشاوي التي كان يتقاضاها المضمدين والاداريين من المرضى .

ذكر الدكتور محمد زاير ما حصل بعد ثورة تموز 1958م ومقابلة وفد لواء الحلة للزعيم عبد الكريم قاسم، ثم تعينه ضابط أمن مستشفى الحلة الجمهوري، ثم يستعرض الانجازات التي قام بها في المستشفى، ثم نقله الى المستشفى الجمهوري في بغداد في آذار 1959م .

المذكرات الثالثة كانت لنجاة نايف سلطان التي ولدت في الموصل عام 1939م، وعملت سنة 1955م معلمة في روضة الاطفال ثم معلمة في مدرسة الفيحاء للبنات ثم معلمة رياضة في ثانوية الحلة للبنات .

تذكر نجاة نايف في مذكراتها ظروف تعيينها وانتقال عائلتها من الموصل الى الحلة واستقبالها من قبل عائلة حلية واسكانها معهم في بيتهم، ومساعدتها لإيجار دار سكن لعائلتها . كما ذكرت يومياتها في ثانوية الحلة للبنات والنشاطات الرياضية والسفرات التي اشتركت فيها وتعين اختها (معينة) بنفس المدرسة لتدريس اللغة الانكليزية .

  لقد تطرقت نجاة نايف في مذكراتها الى حدثين مهمين حصلا في مدينة الحلة، الاول هو مشاركة بنات الحلة لأول مرة في المظاهرات الطلابية التي اندلعت على أثر العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956م عندما أممت مصر قناة السويس، والتي كانت تنادي سقوط الحكومة وحياة جمال عبد الناصر وقد شاركت فيها اختها (معينة) وفصلت على أثرها من وظيفتها لمدة سنة كاملة . أما الحدث الثاني هو ما حصل في الحلة بعد قيام ثورة تموز1958م وزيارة عبد السلام عارف الى الحلة ولقاءه الجماهير في ملعب الادارة المحلية المجاور لثانوية الحلة للبنين (الملعب هو ملعب التربية وقد نقض في سبعينيات القرن الماضي وشيد على ارضه بناية المكتبة المركزية وبناية تربية بابل وبناية مديرية شباب بابل)، وذكرت الهرج والمرج الذي حصل اثناء القاء عبد السلام عارف كلمته والاشتباكات بالأيدي والعصي بين الشيوعيون والقوميين .

المذكرات الرابعة كانت لناجي شوكت الذي ولد في مدينة الكوت سنة 1891م، عمل نائب حاكم في محكمة الحلة سنة 1914م، ومتصرفاً للواء الحلة سنة 1923م، وكان ابرز حدث هو الانتخابات النيابية والتي قوطعت من قبل أهالي الحلة بتأثير فتاوي علماء الدين وقد تم ابعادهم الى بغداد، كان وكيل المجتهد في الحلة الشيخ محمد سماكة الذي كان يحرض الناس على مقاطعة الانتخابات، فتم اعتقاله ليلاً من قبل مدير الشرطة واركابه القطار وابعاده الى بغداد، وعلى أثر ذلك خرج اعداد كبيرة من أهالي الحلة وهم غاضبون من ابعاد الشيخ محمد سماكة وقد تجمعوا أمام بيت المتصرف، وفي اليوم التالي شكل وفد من وجهاء الحلة لمقابلة المتصرف وطرحوا عليه مطلبهم بعودة الشيخ محمد سماكة الى الحلة فتم أعادته بعد مرور اسبوع من ابعاده .

المذكرات الخامسة كانت لأحمد زكي الخياط الذي ولد في بغداد سنة 1898م، تخرج من مدرسة الحقوق سنة 1921م، عين متصرفاً للواء الحلة سنة 1935م، قام بإصلاحات متميزة في الحلة منها مشروع الماء الصافي للشرب وتنظيم البلديات والعناية بالصحة والتربية والتعليم ومحو الامية وانشاء جسر يربط محلة الوردية مع الجانب الكبير وتشييد سراي الحكومة تجمع فيه دوائر الدولة، وفتح الشارع الساحلي من متوسطة الحلة حتى مقام جعفر الصادق(ع) الذي سمي (شارع صفي الدين الحلي)، ومن الانجازات المهمة للمتصرف العناية بنادي الموظفين في الحلة وتزويده بمكتبة للمطالعة، وقد اثار انتباهه هو ارتياد الملازم عبد الكريم قاسم (الذي اصبح رئيس للوزراء بعد ثورة تموز 1958م) على نادي الموظفين وجلوسه لوحده منعزلاً . ومن المشاريع المهمة التي انجزها تأسيس منتدى لطلاب المدارس وتزويده بكتب وردهات العاب يقضون فيه أوقات فراغهم للنزهة والمطالعة، ومن اعماله في مدينة الحلة رفع الازبال التي تحيط بالمدينة وردم الحفر وتعديل الارض وتحويلها الى ملعب لكرة القدم، كما شيد ثلاث بنايات للمدارس واحدة في الجانب الصغير، والثانية في مقاطعة الكص والثالثة في ناحية المدحتية، وتشييد القرية العصرية (في منطقة الحصوة)، وبناء سجن في منطقة باب المشهد، وتشييد جسر على الفرات في منطقة العباسيات، كما أسس مطبعة أهلية واصدار جريدة (حمورابي) للصحفي عبد الحميد حسن، واصدار مجلة (الخمائل) لنوري شمس الدين ومجلة (الحكمة) لرؤوف جبوري . في منتصف عام 1935م افتتح المتصرف مشروعاً لمحو الامية في عموم أقضية ونواحي لواء الحلة لتشجيع الدارسين على تعلم القراءة والكتابة ومن مختلف الاعمار .

ومن اهم الاحداث التي ذكرها المتصرف في مذكراته هي جمع اسلحة من شيوخ عشائر الحلة (الشيخ عبد المحسن الجريان والشيخ موسى العمران) وتسليمها الى (فوزي القاوقجي) لعزمه تشكيل جماعات من المجاهدين للقتال في فلسطين، وزيارة الوفد اليماني الذي يتألف من القاضي محمد زيارة وزير القصر وسكرتيره القاضي أحمد ابو طالب الى مرقد الامام زيد بن علي بن الحسين (ع) في منطقة الكفل، وزيارة الوفد الاقتصادي المصري من التابعين لرجل الاقتصاد المصري (طلعت حرب) الى مدينة الحلة في طريقهم الى النجف . وفي ما يخص تعيين رئيس لبلدية الحلة فقام المتصرف بترشيح عبد الوهاب مرجان الذي اعتذر عن قبول المنصب فرشح الاستاذ شاكر الهلالي لرئاسة بلدية الحلة . ذكر المتصرف في مذكراته علاقته برشيد عالي الكيلاني والخلاف معه في ما يخص اراضي عزرا مناحيم دانيال في مقاطعة المهناوية بناحية سدة الهندية (لم يذكر تفاصيل الخلاف). ثم يذكر نبذه تاريخية عن انشاء سدة الهندية الاولى في سنة 1891م من قبل المهندس الفرنسي (شوندورفر) وبعد ان تصدعت أنشئت سدة الهندية الثانية سنة 1911م من قبل المهندس البريطاني (وليام ويلكوكس) والتي افتتحت سنة 1913م، وقام المتصرف بأنشاء جسر شمال السدة لمرور القطار المتجه الى كربلاء بدلاً من مروره فوق السدة . على اثر الاضطرابات العشائرية التي حصلت في لواء الديوانية وفيضانات نهر الفرات وصل الحلة قادماً من الديوانية ياسين الهاشمي رئيس الوزراء والذي تفقد فيها مرافق اللواء ومؤسساته واستقباله جمعاً غفيراً من رجال العشائر، كما استقبل في سراي الحلة جمعاً حاشداً من الناس واستمع الى مطالبهم . كما ذكر المتصرف في مذكراته انقلاب بكر صدقي سنة 1936م، والفوضى التي عمت الألوية العراقية ومنها لواء الحلة حيث عمت المظاهرات تؤيد الانقلاب، فقدم المتصرف استقالته الى رئيس الوزراء والذي قام برفضها، ثم نقل بعدها الى الكوت .

المذكرات السادسة فكانت لعبد الجبار الراوي الذي ولد في ناحية راوة عام 1898م، والذي كان احد ضباط الجيش العثماني الذي شارك في الحرب العالمية الاولى، ثم انضمامه الى الثورة العربية الكبرى في الحجاز عام 1917م، عين متصرفاً للواء الحلة في تموز 1937م، ومن منجزاته تشييد جسر ثابت يربط جانبي الحلة على النهر والذي وفر له الاموال اللازمة من بيع دار سكن المتصرف وبناية البلدية القديمة . كما تم شراء السجن القديم وشيد عليه سوقاً عصرياً للقصابين وباعة الخضر، كما تم شراء المدرسة الرشدية وتحويلها الى علوة لبيع الخضروات ومحلاً لبيع السمك فاصبح للبلدية مصدراً مالياً كبيراً، كما قام بردم مستنقع في الجانب الصغير وتخصيص ارضه للموظفين لبناء دور سكنية عليها، كما قام المتصرف بكري الأنهر لإيصال الماء لسقي المزروعات .

ثم جاء دور صاحب الكتاب – معلقاً ومحققاً – على تلك المذكرات، فقد عزز الكتاب بهوامش تعريف  للمناطق والاماكن وسير الاشخاص التي وردت في المذكرات مستنداً الى مصادر موثوقة، ومعلقاً على الاحداث التي حصلت في وقتها، ولأهمية ما ورد في الكتاب فكان جديراً بالقراءة .

 

صباح شاكر العكام

 

كاظم الموسويسبعون عاما على النكبة والمتغيرات في اسرائيل، عنوان كتاب جديد للكاتب د. فايز رشيد، (ولد عام 1950 في فلسطين، يعيش حاليا في الاردن، طبيب وكاتب سياسي، روائي، شاعر، وكاتب قصة قصيرة، له العديد من الأبحاث والمقالات المنشورة في عدة مجلات وصحف عربية مختلفة، والكتب المنشورة، كما أنه كاتب وباحث في الشؤون الاستراتيجية وهو من الخبراء في الصراع الفلسطيني العربي- الصهيوني الإسرائيلي، كما سجل في تعريف المؤلف). يضم الكتاب خمسة أقسام ومقدمة وخلاصة في 282 صفحة من القطع الكبير، ط1  عمان، 2019.

كتب المؤلف في المقدمة أنه أراد لكتابه هذا أن يكون مختلفا عما سبقه. حيث تعوّد على إرسال سبعة أسئلة الى الامناء العامين أو من ينوب عنهم من الفصائل الفلسطينية والعربية إضافة إلى سياسيين ومثقفين فلسطينيين وعربا، حول مسار الصراع مع العدو الصهيوني، يجيبونه عليها ويجمعها بكتاب، تتنوع فيه الرؤى واشكال الاجابات، رغم أنها جميعا تصب في مجرى استحالة قيام سلام من اي نوع مع هذا العدو المغرق في إجرامه ووحشيته ومذابحه. وقبل نهاية العام الماضي ارسل الى من بقي حيا من تلك الأسماء، إضافة إلى أخرى جديدة. طال الوقت ولم يستلم ردا سوى من ثلاثة مشكورين. "هذا رغم تذكيري للمعنيين ثلاث مرات. لكن للاسف لم يرد احد منهم، ولم يكلف نفسه عناء كتابة سطر واحد، يعتذر فيه عن الإجابة!.". هذا السبب دفع المؤلف إلى التركيز على المتغيرات في الداخل الإسرائيلي، وانعكاسها على مسيرة الصراع. وأكد أن متغيرات كثيرة حصلت خلال العقود السبعة المنصرمة."وادعي أن من يؤمن بإقامة سلام مع هذا العدو، ويراهن على ما يسمى بحل الدولتين أو حل الدولة ثنائية القومية أو حل الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة لم ولا يدرك حقيقة اسرائيل، ولا جوهرها ولا الى اين تسير المتغيرات فيها، وبالتالي لم يقرأ التاريخ ولا حقائقه، ولا يدرك العوامل الحقيقية المتعلقة بالصراع مع هذا العدو اللانمطي في التاريخ الاستعماري للشعوب."

من خلال عناوين الأبواب يمكن الاطلال على محتوى الكتاب، فالقسم الاول جاء بعنوان: حقائق الصراع بعد سبعين عاما، والقسم الثاني بعنوان: السعي الصهيوني لتحقيق "يهودية الدولة"، والثالث بعنوان: وعد بلفور... مئوية الوعد بشكل عام، وعنوات الرابع: عقلية الغيتو و"الحيوانات المفترسة"، والخامس والأخير: أجوبة ثلاث شخصيات عن نفس الأسئلة المعدة.

كل قسم من الكتاب تتوزع اهتماماته في قراءة المتغيرات والوقائع القائمة داخل الكيان الغاصب، وتثبت موقف الكاتب ومهمته في اصدار الكتاب. ولا يتردد في مناقشة ما صدر من العدو والرد عليه. مقدما عرضا فكريا نضاليا للتطورات والمنعطفات. فيلخص المتغيرات التي تبلورت خلال العقود الطويلة في أن المشروع الصهيوني للمنطقة العربية، وبفعل مستجدات واكبت تطور الصراع فيها، فشل في إقناع غالبية اليهود، وان استبداله من الإحتلال الجغرافي الى السيطرة الاقتصادية وبالتالي السياسية تعمق في أذهان اليمين الإسرائيلي وتأثيره. كما رأى أن التحولات الجارية داخل الكيان مذهلة في مضامينها، وكلها تشي بارتفاع نسبة الاصوليين بين اليهود إلى مستويات قياسية، مما يعني أن الكيان يتحول بسرعة الى التطرف والعنصرية والعدوانية.  ولاحظ تفنن الكيان الإسرائيلي في المزاوجة بين القوننة العنصرية والنهج السياسي، بمعنى الهيمنة الصهيونية بالقوانين العنصرية، والسعي لتحقيق الاعتراف الدولي والعربي والفلسطيني ب"يهودية الدولة". وأشار إلى المتغير الآخر في التحول العلني في موقف الولايات المتحدة الأمريكية في تعاظم تأييدها الكيان وعناصر خطتها للتسوية، وتبني الرواية الصهيونية دون تحفظ. هذه المتغيرات وغيرها فعلت فعلها في الصراع العربي الصهيوني وتطلبت المتابعة والوعي بها لمعرفة سبل المواجهة والتصدي والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال.

 بحث المؤلف في ايديوجية الكيان وفضح استنادها إلى الخرافات ومحاولات تكريسها في الوعي الشعبي والاشارة الى التحولات السياسية من جهة ومحاولات تأجيج او استثمار الصراع الديني من جهة أخرى. مؤكدا على ضرورة " اعتماد رؤية موضوعية تحليلية للتاريخ، والواقع، ومحاولة استشفاف للمستقبل بافق علمي بعيدا عن الشطح يميناً أو يسارا.."(ص (201

في الخلاصة انتهى الكاتب الدكتور فايز رشيد الى أن الكيان الإسرائيلي يسير بتسارع متزايد نحو ما بعد الفاشية وما بعد العنصرية، وان من سماته الإرهاب والعدوان وفرض ما يريده على الأرض، في إطار مخطط الأيديولوجية الصهيونية. وان وجود الكيان يتناقض مع السلام الحقيقي، وما يريده هو استسلام الفلسطينيين التام وقبولهم بقوانينه واولها "يهودية الدولة"، وتطبيع علاقاته مع الدول العربية مجانيا والإقرار بوجوده على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه والأمة العربية والإسلامية. وأستنتج الباحث أن انعكاس المتغيرات الإسرائيلية على حل الصراع هو في المزيد من التمسك بالاهداف الصهيونية، وإبعاد الحلول المطروحة، كحل الدولتين، أو الدولة الثنائية القومية، أو الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة، بمعنى عودة الصراع إلى مربعه الأول.

ناقش الكتاب مقولة "الديمقراطية الإسرائيلية"، مشيرا إلى هامش ديمقراطي لليهود الغربيين الاشكناز، وحرمان وانقاص كل هامش أو مجال لليهود الشرقيين، وتساءل بعد كشف سريع عن أوضاع العرب وما يعانونه فعليا، من حصار واضطهاد وتمييز وعنصرية، هل يتجرأ أحد ويقول دولة ديمقراطية؟، (ص 270 ( كما عرج الى أخطار الانقسام الفلسطيني وآثاره التدميرية على عموم القضية والحقوق. وواصل مطالبا "إجراء مراجعة شاملة، بخاصة لمرحلة ما بعد أوسلو، وإيجاد برنامج استراتيجي يأخذ بعين الإعتبار المتغيرات الإسرائيلية ومتطلبات مواجهتها، إضافة إلى انتهاج تكتيك سياسي يصب في المجرى الاستراتيجي. كما أن إعادة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية لتضم كافة الفصائل، واصلاح مؤسساتها، وإلغاء اتفاقية أوسلو وتداعياتها، وإنشاء الجبهة الكفاحية الوطنية العريضة، والأخذ بعين الاعتبار البعد القومي العربي لقضيتنا الفلسطينية، والتلاحم العضوي معه، في ظل توجه إنساني عادل نحو مؤيدي قضيتنا على الصعيد العالمي"(ص (272.

كتاب الباحث والمبدع الدكتور فايز رشيد جهد فلسطيني واضح ورؤية سياسية لباحث جاد في القضية الفلسطينية، وحرص لإنقاذها مما تتعرض له اليوم، ومواصلة البحث والقراءات من أجل القضية والكفاح الوطني التحرري والمستقبل.

 

كاظم الموسوي

 

عبد السلام فاروقالسيرة الذاتية عمل ينتمى لدائرة الأدب، رغم كونه تأريخاً للذات . وعندما تكون تلك السيرة هى سيرة حاكم، يغدو الكتاب سرداً لسيرة وطن لا مجرد سيرة اجتماعية .

هذا ما يفسر اهتمام القراء الكبير بكتابَى (سرد الذات)، و(حديث الذاكرة) للدكتور سلطان القاسمى . فى "سرد الذات" لغة بسيطة، وأسلوب سهل، وحكايات من فترة الصبا والشباب قبل تسلم المنصب الرسمى، وقبل إعلان الاتحاد الإماراتى فى مطلع السبعينات .. أى أن الإنجليز كانوا لا يزالون هناك، والنفط ما يزال محفوظاً فى باطن الأرض لم يرى النور بعد، كأنه كان ينتظر جلاء المحتل الجشع.

ورغم صفحاته التى زادت على 400 صفحة مزودة بالصور، أكد د/(سلطان القاسمى) أن 30% من الكتاب تم حذفه قبل الطباعة منعاً لإثارة ضغائن وأحقاد ومشكلات . ومن خلال وصف الأحداث التى مرت به فى طفولته وصباه وشبابه تلمس الاختلاف الكبير بين الإمارات اليوم والأمس . وتستشعر تأثير وجود المحتل فى إيقاف مسيرة الحياة الطبيعية لأى بلد، وفى الكتاب كلام عن دول أخرى عاش بها د/(سلطان) فى مراحل حياته الأولى مثل الكويت والبحرين وإيران والسعودية ومصر وقطر والهند . هذا ما تقرؤه فى ثنايا السطور، أما الأحداث فهى تأخذك ببساطتها فى عالم الحكاية بلا تكلف أو تعقيد .  ما يعنى أن تلك السرديات تنتمى جميعها إلى عالم الأدب، لأن عنصر الحكاية هو العنصر السائد . فإذا شئت البحث عن التاريخ بها وجدته ذائباً ممتزجاً بنسيج القصة .

معنى هذا أن كتاب (سرد الذات) يمثل ذروة تلك الثنائية بين الأدب والتاريخ فى حياة د/(سلطان القاسمى) . وإذا كان "حصن الشارقة" قد ضم طائفة منوعة من الوثائق والآثار التى تحكى تاريخ الشارقة، فإن كتابَى (سرد الذات) و(حديث الذاكرة) هما لاشك جزء من هذا التاريخ، ليس فقط لأنهما يحويان وصفاً دقيقاً لأحداث مرت بالإمارات من منظور أحد حكامها، لكن لأنهما يحويان أدباً . وتاريخ الأدب قد يراه البعض مقدَّماً على التاريخ السياسي .

كتاب (حديث الذاكرة) بأجزائه الثلاث يتناول أحداث ما بعد الاتحاد، وتسلم مقاليد الحكم فى الإمارة، وهو يختلف كثيراً عن كتاب (سرد الذات)، إذ تستشعر أن للتأريخ الرسمى حضور أقوى من الحضور الروائى .

رسم التاريخ بطريقة أدبية

أدباء كثيرون استهواهم التاريخ بسحره وغوامضه ودهاليزه التى تبدو كالمتاهة، فانجذبوا لهذا الحقل المغناطيسي فى محاولة منهم لكشف الأسرار أو تفنيد الأباطيل أو فض الغوامض أو تفسير المسكوت عنه . فلماذا اختار الأدباء التاريخ مادةً لهم ؟ وهل معالجة التاريخ بطريقة أدبية تخرجه من دائرة العلم إلى دائرة الفن ؟

التاريخ مادة شائكة من مواد العلم، وله منهجيات وطرق بحث مدروسة حرصاً  على المصداقية والشفافية والدقة وأمانة النقل والحياد، وهى أمور تتطلب من المؤرخ توافر مواصفات ضرورية أهمها قوة الذاكرة وسعة الإدراك وعدم التعصب أو الانحياز . كما تتطلب من الباحث التاريخى - وهو يختلف عن المؤرخ- منهجاً بحثياً سليماً، وتوثيقاً دقيقاً، مع قدرة استثنائية على تمييز صحة الحدث التاريخى من مقارنة المصادر وإدراك المتطابق والمتناقض . فهو مثل وكيل نيابة أمامه عدد من المتهمين، وهؤلاء المتهمين هم " كتب التاريخ" .

الأديب يختلف عن كل هذا، فهو ليس مؤرخاً . إنه يتجاوز مرحلة الباحث إلى مرحلة أعلى منه هى مرحلة الناقد . وبمجرد أن يتبنى كاتب التاريخ وجهة نظر خاصة يتحول إلى كاتب مغرِض ويتلقى من النقاد اتهاماً مباشراً بالانحياز وربما بتزييف التاريخ . هذا ما أقام الدنيا ولم يقعدها عندما كتب طه حسين كتابه (فى الشعر الجاهلى)، لأنه وصف التاريخ من زاويته الخاصة ولم يكتفى بمجرد سرد الحدث أو التعليق عليه .

لكن الأدباء من كُتّاب التاريخ لا يمكن وضعهم فى سلة واحدة . فمنهم من يتناول التاريخ بطريقة سردية، لكنه يستخدم الأدب فقط لتيسير المادة وإعطائها نكهة محببة، والأديب له دور هنا فى إسالة المادة التاريخية الصلبة وتليينها لتصير طيّعة فى يد المتلقى . ومن هؤلاء الأدباء (جورجى زيدان) فى التاريخ الإسلامى، و(أحمد أمين) فى السيرة، و(عباس محمود العقاد) فى العبقريات .

أدباء آخرون هم روائيون فى الأصل، حاولوا مزج الخيال بالتاريخ ليربطوا الأحداث بعضها ببعض ويصوغوا لنا رواية تاريخية مكتملة الأركان فنياً وتراثياً . وظل العيب اللصيق بها أنَّ فيها من الخيال أكثر مما فيها من الحقائق الدامغة . وهؤلاء هم من نقلت عنهم السينما أفلامها التاريخية . ولعل من أشهر الروائيين الذين كتبوا روايات تاريخية (على أحمد باكثير) بروايته الشهيرة "واإسلاماه" التى تحولت إلى فيلم سينمائى ومسلسل تليفزيونى، وله روايات ومسرحيات تاريخية كثيرة أخرى . ومنهم أيضاً (نجيب محفوظ) فى رائعته الشهيرة "كفاح طيبة " .

صنف ثالث من أدباء التاريخ تستهويهم لقطات تاريخية محددة، فيحاولون إبرازها للتذكرة بها . وهى كتابة لا تخلو من الغرض الخاص والمغزى المقصود . وفى العادة يكون الغرض تربوياً يهدف فيه الأديب إلى تقديم فناً قِيَمياً أخلاقياً . ومن هؤلاء (عبد الحميد جودة السحار) فى روايات السيرة، ود/(سلطان القاسمى) فى المسرح التاريخى .

التاريخ لا يستغنى عن الأدب، فالعلم يحتاج لعرضه بطريقة فنية تجتذب القراء . وربما ندرك قيمة التناول الأدبى للتاريخ عندما نقارن بين كتاب (سيرة ابن هشام) وبين كل الكتب التى جاءت بعده من كتب السيرة . هنا ندرك أن هناك كتباً مرجعية يقرأها الخاصة والمثقفون، وكتباً أخرى يستطيع عموم الناس قراءتها بسهولة ويسر .

تداخل أم توازِى أم تضاد ؟

فى حين يبحث التاريخ عن الحقائق، ويوثق الأحداث، ويصف الوقائع بجمود وحياد . فإن الأدب يسعى لفهم ما وراء الحقائق، ويمتطى الخيال، ويصف الواقع وصفاً انطباعياً لا حياد فيه .. فهل الأدب هو نقيض التاريخ ؟

هناك ما يدعم هذا الزعم بشدة .. فالتاريخ علم، والأدب فن . والتاريخ ثابت، والأدب دائم التغير والتحول . التاريخ جامد صلب جاف، والأدب مرن طيِّع كالماء . التاريخ حقائق ووثائق ومستندات، والأدب خيالات ورؤى وتجليات . التاريخ مصدره الذاكرة، والأدب مصدره القلب والعاطفة . ما يعنى أننا أمام ضدين لا يلتقيان . وأن سهم الأدب يسر عكس اتجاه التاريخ .

لكن التاريخ نفسه يثبت أن اتجاه الأدب هو نفسه اتجاه التاريخ . وأن الأدب مؤشر حسّاس جداً لحركة الحضارات . وأن الفن هو الانعكاس الحقيقي لازدهار واضمحلال الدول فى مسارها التاريخى . ما يعنى أن السهم يسرى فى اتجاه واحد، وأن مسار الأدب والتاريخ أقرب إلى التوازى .

غير أن المشترَكات التى تجمع بين الأدب والتاريخ تجعل من توصيف العلاقة بينهما أمراً محيراً . فكلاهما نابع من مصدر واحد وهو الحدث أو الخبر، وهما يستقيان مادتهما من الواقع المعاش وحركة الحياة اليومية . وكلاهما له هدف تنويري واحد هو استبصار القيمة المجردة من خلال سرد الصراع الإنسانى . وكلاهما يشترك فى عنصر الحكاية والسرد القصصى . فإذا كانا يشتركان فى المصدر والمغزى وطريقة التناول، فماذا بقى بينهما من التناقض ؟!

 

عبد السلام فاروق

 

535 تاملات فكريةالمقدمة: صدر هذا الكتاب عن (دار العارف) 2018. وعدد صفحاته 200 . وهو الكتاب الثاني من سلسلة كتب صدرت عن الدار (العارف). ويحتوي هذا الكتاب (تأملات فكرية حول الحضارة الإسلامية) على مقدمة، وسبعة ابواب وأثنين وعشرين فصلا، يتناول فيها مختلف الجوانب والقضايا المنهجية والتاريخية والفكرية السياسية والفلسفية والثقافية المتعلقة بمختلف جوانب وإشكاليات ومستويات الحضارة الإسلامية. ومع ذلك فإن الكتاب ليس "منظومة" من هنا عنوان (تأملات فكرية..)، أي أن مضمونه ومهمته تقوم في كل ما يمكنه إثارة الذهنية الفكرية والفلسفية والعلمية والتاريخية من اجل المساهمة في تأسيس الرؤية العلمية والنقدية الضرورية لإرساء أسس ما ادعوه بالمرجعيات الكبرى والضرورية لتحصين ومرونة الانتماء المخلص للفكرة العربية الثقافية.

ذلك يعني، إن اثارة اشكاليات الحضارة العربية الإسلامية لا علاقة له بالتاريخ العادي أو اضاءة بعض أو مختلف جوانبه، بل في إثارة الرؤية المنهجية والفلسفية من اجل تكامل الوعي التاريخي بمعايير الرؤية الثقافية والعلمية. فهو الأساس المنهجي لصنع كينونة الانتماء الأصيل والوعي الذاتي العميق، بوصفه المقدمة الضرورية في المرحلة التاريخية التي يمر بها العالم العربي والإسلامي ككل، أي مرحلة الانتقال من الطور الديني السياسي إلى الطور السياسي الاقتصادي في تطور الدولة والثقافة والقومية. ومن ثم فليس المقصود "بالإسلامي" هنا سوى الصيرورة التاريخية الثقافية لوعي الذات القومي العربي. وبالقدر ذاته يمكن أن يكون كذلك بالنسبة لجميع القوميات والأمم الإسلامية. اذ تكمن في هذه الإشكالية وحلها المقدمة الضرورية لتذليل حالة التخلف والانهيار المعنوي والوعي الثقافي المستلب.

فإذا كان فقراء العقول كفقراء البدن، يبحثون عن لقمتهم في مزابل الجهل والعقائد الميتة والأوهام، فإن العقول الكبيرة والحية تبحث في ذاتها من اجل ذاتها. وينطبق هذا على كافة ميادين المعرفة، بما في ذلك معرفة الحضارة وأصولها وخصوصيتها وقيمتها بالنسبة لوعي الذات الثقافي. فالحضارة ليست كيانا متحجرا و"تراثا" للماضي، بل هي الكينونة الذائبة في وجودنا المعاصر. أنها المكون الجوهري للذات القومية والثقافية، والمادية والروحية لبقاء وفاعلية القيم والاذواق. وذلك لأنها حصيلة معاناة تاريخية كبرى للروح والجسد الثقافي في مساعيه المتنوعة من أجل حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة. من هنا قيمتها الحية بالنسبة لوجودنا المعاصر، بما في ذلك بالرجوع اليها. وفي هذا الرجوع وكيفيته تتوقف "حقيقة الحضارة" بشكل وعام وحقيقتها الذاتية بالنسبة لأقوامها.

إن الحضارة القديمة لا تحل إشكاليات وقضايا المعاصرة، لكنها تؤسس لإرساء أسس الثقافة الذاتية الحية، أي لكيفية بناء منظومة المرجعيات النظرية والعملية المعاصرة. وهي قضية منهجية مجردة ومستقبلية عملية بقدر واحد. فالخلافات الحادة بين احفاد الحضارة الإسلامية، بغض النظر عن أقوامها وشعوبها ومذاهبها، يشير الى ان الثقافة المعاصرة لم تصل بعد إلى "الاجماع" حول إشكاليات الحضارة الإسلامية والمفاصل العامة والكبرى في تاريخها الذاتي. من هنا اختلاط وصراع المواقف الحادة، التي نرى الآن امثلتها ونماذجها اللاعقلانية والدموية. الأمر الذي يكشف عن جوهرية الوعي الثقافي العقلاني والعلمي بالنسبة للتراث الثقافي المتبلور ضمن مرجعيات الحضارة الإسلامية.

اضافة لذلك، إن ما يميز تاريخ الإسلام هو فاعلية العنصر السياسي والأخلاقي العملي فيه. وقد بلورت هذه الخصوصية الكثير من مدارسه ومفاهيمه وقيمه الفاعلة لحد الآن في الفكر الاجتماعي والسياسي. فهي الحضارة الوحيدة من بين حضارات الماضي التي تتميز بروح سياسي فاعل ومتوحد بما في ذلك في خلافاتها اللاعقلانية. من هنا يمكننا القول، بأن الصراع السياسي والفكري الكبير والعميق والدامي في مجرى صيرورة الدولة (الخلافة) والثقافة قد صنع سبيكة الموقف السياسي من النفس والحضارة الإسلامية نفسها. كما ان إشكالاتها تثير حمية ومزاج وذوق ووعي "الشعوب الإسلامية" قاطبة. بينما لا نعثر على هذه الحالة المادية والمعنوية في الحضارات الأخرى التي اعتنقت البوذية أو النصرانية، بوصفها اديانا عالمية. وليس في هذا الواقع فضيلة أو رذيلة أو أيما حكم قيمي آخر، بقدر ما انه يشير الى خصوصية الحالة الثقافية التي لازمت نشوء وتكون وتطور وتكامل الحضارة الإسلامية. اذ لا جامع سياسي، على سبيل المثال، في النصرانية لأن وحدتها الأولى صودرت من جانب الكنيسة وليس الدولة. ونفس الشيئ بالنسبة للبوذية. إذ لا نرى اجماعا أو تعاطفا وجدانيا وسياسيا بين الشعوب التي تعتنق البوذية. والسبب يكمن في انعدام تاريخ الوحدة السياسية والثقافية، على خلاف النصرانية والإسلام بشكل خاص. فالتاريخ الإسلامي هو تاريخ الوحدة. والصراع فيه كان يجري داخل الوحدة الثقافية والروحية والدينية. من هنا بقاء أثر الحضارة الإسلامية وجوهريتها في الوعي التاريخي والثقافي للشعوب التي تعنقه. خصوصا اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان نتاج الحضارة الإسلامية هو ملك الجميع، وأن الجميع شارك بصورة فعالة في ارساء أسسها وبناء خصوصيتها. الامر الذي حدد بدوره اندماج أثرها ومآثرها في الوجدان الشعبي والتاريخي لهذه الشعوب جميعا.

كل ذلك حدد وسيحدد لعقود أو ربما لقرون قادمة قضايا وإشكاليات الجدل حول مضمونها وأهميتها وقيمتها وكيفية فهم ابداعها الذاتي وأثرها في التاريخ العالمي. وهي قضايا وإشكاليات العالم الإسلامي أولا وقبل كل شيء. لكنها في نفس الوقت قضايا واشكاليات الصراع الثقافي العالمي. إضافة إلى تباين الرؤية الثقافية واختلاف مناهجها. من هنا تنوع واختلاف فهم هذه القضايا والإشكاليات، الذي لا يخلو من أثر السياسة والتقاليد الثقافية فيه. وهو اختلاف متنوع وذو آثار مختلفة. من هنا مهمة تأمل هذه القضايا لما لها من أثر كبير بالنسبة لإرساء أسس الرؤية العقلانية والعلمية الثقافية تجاه ما فيها وقيمتها بالنسبة للحاضر والمستقبل.

ففي هذا الكتاب يجري تناول بعض الإشكاليات النموذجية لفكرة وتاريخ الحضارة بشكل عام والإسلامية بشكل خاص، لما لها من أثر مهم بالنسبة لحاضر العالم العربي ومستقبله. ففي الباب الأول (اشكاليات الحضارة الإسلامية) يجري تناول مختلف القضايا مثل قضية (موت الحضارة وبقاء الثقافة) و(تقاليد العقل الثقافي وبدائل الرؤية المستقبلية) و(اللغة ولغة الروح الثقافي) و(وفلسفة الحضارة ووعي الذات الثقافي والقومي) وغيرها من القضايا التي خصصت لها سبع فصول. وفيها حاولت الكشف عن ان اندثار الحضارات السابقة لا يعني موتها، بل ذوبانها في نسق التاريخ الحي لتراث الأمم، أو تظل تسري بطرق وأشكال ومستويات يصعب حصرها، لكنها تبقى تحدد على الأقل نفسية وذهنية أقوامها حتى في تلك الحالات التي يجري نفي بقاياها بمنظومة حضارية جديدة وشاملة. ومن الممكن رؤية ذلك على مثال تراث الرافدين (العراق والشام)، وتراث مصر وفارس واليونان والرومان، أي تلك الحالات التي ميزت تطورها اللاحق بانقطاع كبير عن جذورها الأولية بسبب انتقالها الخاص من المرحلة الثقافية الدينية إلى المرحلة الدينية السياسية. ومع ذلك يمكننا أن نلمح ونرى بوضوح بقايا الشخصية العراقية السورية والمصرية والفارسية واليونانية والرومانية في مختلف جوانب الحياة ونمط الذهنية والنفسية الفردية والاجتماعية. ومن ثم أثرها الخاص في تاريخ الثقافة اللاحقة، وفِي الحالة المعنية أثرها في صيرورة وتطور الثقافة الإسلامية في الخلافة، والنصرانية القروسطية في أوربا.

وقد توصلت الثقافة الإسلامية نفسها في مجرى تطورها إلى إدراك هذه الحقيقة، بل وتحويلها إلى فضيلة. بمعنى إدراك خصوصية الأقوام في عالم الإسلام، واعتبار تنوعها رافدا حيويا بالنسبة له، أو ما ندعوه الآن بفضيلة التنوع والتعدد الثقافي. غير أنها اتخذت في عالم الإسلام الثقافي بعدين: الأول ويصب في مسار الوحدة الثقافية الكبرى ويغني مرجعياتها الثقافية المتسامية، أما الثاني فيقوم في إبراز الفضيلة المتراكمة في الشخصية التاريخية والثقافية للأقوام والأمم.

بينما تناولت في الفصل المتعلق بتقاليد العقل الثقافي وبدائل الرؤية المستقبلية الإشكالية الفلسفية المتعلقة بماهية وأثر "العقل الثقافي" في تاريخ الأمم والحضارات. وبرهنت على أن لكل مرحلة تاريخية ثقافية كبرى عقلها الثقافي بحكم هيمنة مرجعياتها الفكرية والروحية الخاصة. فالعقل الثقافي الأوربي القروسطي النصراني يختلف اختلافا كبيرا عن العقل الثقافي الاسلامي رغم إنهما كلاهما نتاج المرحلة الدينية السياسية في التطور التاريخي. وينطبق هذا على كافة المراحل الأخرى وعقولها الثقافية. اذ لا يتشابه العقل الثقافي الأوربي الحديث والعقل الأمريكي والروسي والصيني والهندي، رغم إنهم يمثلون ويتمثلون المرحلة السياسية الاقتصادية في التطور التاريخي، وذلك لأن كل منهم أبدع منظومة مرجعياته الفكرية والروحية الكبرى بما يتناسب ويستجيب لكيفية حل إشكاليات وجودهم التاريخي في الانتقال من المرحلة الدينية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية. فالعقل الثقافي هو الصيغة التي تستجيب لمرجعيات الثقافة الكبرى وتبدع بمعاييرها ومقاييسها الموافقة لمرحلة تطورها التاريخي. الأمر الذي يشير إلى أن العقل الثقافي هو عقل تاريخي له حدوده الخاصة، ومن ثم لا يحتوي على صيغة مطلقة أو شاملة إلا لحملته فقط، اي انه لا يحتوي على حقائق مطلقة للجميع. والبعد الوحيد الذي يحتوي على قيمة شبه مطلقة وشاملة في العقل الثقافي للأمم هو العقل المنطقي العلمي بوصفه إبداعا إنسانيا عاما، وذلك لأنه يتمثل حقائق الوجود الإنساني كما هي، على خلاف ما غيره من تأثير جلي أو مستتر للمصالح والأهواء والعادات والتقاليد.

كل ذلك يكشف عن الأثر العميق لتقاليد الماضي الثقافية في بلورة العقل النظري والعملي بما في ذلك في كيفية مواجهة إشكاليات الوجود التاريخي للأمم والبدائل المستقبلية. وعندما ننظر الآن إلى واقع العالم العربي فإننا نقف أمام تشوش هائل في الرؤية والبدائل. والسبب الجوهري لكل ذلك يقوم في أن الذهنية الثقافية بشقيها النظري والعملي لم تنف تقاليد الماضي بالشكل الذي يستجيب لمتطلبات المعاصرة والمستقبل. من هنا ثقل الماضي وتقاليده الميتة وهيمنتها شبه التامة على عقول الخواص والعوام. وهذا بأجمعه النتاج الملازم لكون العالم العربي والإسلامي عموما ما زالا في حالة الانتقال من المرحلة الدينية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية. من هنا الأثر الحاسم للأفكار والعقائد القديمة في النظر إلى الحاضر والمستقبل. اذ لا تستطيع أية منظومة فكرية قديمة العمل بمعايير المعاصرة. إن قيمتها الفكرية تكمن فقط في قدرتها على شحذ وتوسيع الرؤية الثقافية للعقل النظري. بينما الإقرار بهذا النمط من التفكير يؤدي بالضرورة إلى تقديس الفكرة وعصمتها، ومن ثم تحجير التفكر وإيقافه عند حدود العتبات المقدسة لتجارب تاريخية عابرة.

من هنا عقم الجدل الفكري والبحث النظري الذي يميز محاولات البحث عن نماذج فضلى في الماضي أو اعادة ترميم بعض جوانبها او "استلهام" ما فيها بما فيها ومن ثم علها نموذجا يتماهى مع الحقيقة والمستقبل، مثل البحث في المعتزلة عن أساس ومصدر للعقلانية العربية الحديثة، أو النظر إلى ابن خلدون كمصدر لفلسفة التاريخ العربية واستنتاجاتها السياسية المختلفة، أو جعل الأشعرية عقيدة الإسلام المثلى، او البحث في الدين الاسلامي ومصادره بما في ذلك القرآن عن صيغة تأويلية "عصرية" وما شابه ذلك. وبالتالي يمكن التوصل إلى استنتاج يقول، بأن أية محاولة تسعى لاستمداد مشاريع المستقبل من الماضي محكوم عليها بالفشل. وذلك لأنها تودي إلى انهماك نظري وعملي فيما لا فائدة فيه. كما انه أسلوب لا يفرّق بين تحويل التراث الفكري القديم إلى عنصر من عناصر وعي الذات الثقافي، وبين جعله مصدرا للبدائل العقلانية الحديثة. فالأول هو جزء من تمثل الماضي، بينما الثاني هو تأسيس للبدائل، والذي لا يمكن بلوغه إلا عبر معاناة حية ومعاصرة في استلهام الرؤية المستقبلية.

وحدد ذلك بدوره مهمة تحليل العلاقة بين انساق اللغة وتطورها الذاتي ولغة الروح الثقافي. وقد تطرقت في الكتاب إلى هذه القضية ضمن إشكالية الزمن والتاريخ، التي تناولت الكثير من جوانبها في كتابي السابق (الزمن والتاريخ- نقد الراديكالية والأوهام "المقدسة") المنشور عن (دار العارف) نفسها. وانطلقت بصدد هذه القضية من الفكرة الفلسفية العامة القائلة، بان الحياة كالتاريخ، كلاهما من جذر واحد ألا وهو الصيرورة المحكومة بالوجود والعدم. أما عدم إدراك هذه الحقيقة أو العجز عن إدراك حقيقتها فانه عادة ما يؤدي إلى البحث عن قوة خارجهما للبرهنة على إنهما مجرد أطراف في معادلة الغيب أو الإرادة الإلهية للقضاء والقدر. ومهما يكن من أمر هذه المعادلة العصية على حدود المنطق وقواعده، إلا أن جذورها عاجزة عن سقي المعرفة العلمية كما هي، من هنا رجوعها، حالما تصطدم بقضية يصعب إدراكها بمعايير التاريخ الثقافي، إلى ما قبل بداية الإدراك العلمي لوجود الأشياء والظواهر، اي إلى عالم الأسطورة والخرافة. فالتاريخ هو ليس سريان الزمن في وجود الأشياء، بل هو إبداع المنظومات العقلانية وتنشيطها الدائم في ترتيب وتنظيم وتحسين الوجود الإنساني على مستوى الدولة والمجتمع والجماعة والأفراد. وهو بهذا المعنى ملازم لوجود الأمم الكبرى، تماما كما أن الحضارات الكبرى لا تصنعها إلا أمم ثقافية كبرى. وليس مصادفة ان تبقى فقط الحضارات التي مازالت أبجديتها اللغوية والثقافية سارية المفعول، بينما اندثر الآخر أو انحصر ضمن حدود ضيقة قومية أو دينية.

إن علاقة اللغة، بوصفها أداة منطقية ووجدانية، بالروح الثقافي هي علاقة صميمية. والتفريق بينهما أو عزلهما يؤدي الى اغتراب شامل وغبي وموت بطيء للعقل والوجدان. وليس مصادفة ان تصبح الثقافة العربية المعاصرة مقبرة تتجول فيها أشباح الثقافة الأوربية وترقص على عظام وحطام إرث هائل لم يدركوا من قيمته الثقافية شيئا، وذلك بسبب كمية ونوعية الاستلاب الثقافي الهائل والذي افرغ شخصياتهم من كل شيء باستثناء الإثارة والاستثارة المميزة لمن دعتهم الثقافة الإسلامية فيما مضى بأهل الرسوم من العلوم، اي ما يعادل الآن معنى أنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين. وهي حالة مخزية ومأساوية بقدر واحد وذلك لما فيها من غرابة تقوم في أن النقاد هم أصل البلية في التقليد!!

ثم جرى تناول الأساليب والمدارس الكبرى والمناهج المتنوعة والمختلفة فيما بينها بصدد ماهية الحضارة الإسلامية وحقيقتها وقيمتها وأثرها في الحاضر وأهميتها بالنسبة للمعاصرة والمستقبل. حيث جرى تناول نماذج أساسية عامة من مختلف المدارس والمناهج الاستشراقية القديمة والحديثة، وكذلك مختلف الشخصيات الفكرية الإسلامية الحديثة والمعاصرة بتياراتها المتنوعة.

ان الحصيلة العامة التي توصلت اليها بأثر هذه "التأملات الفكرية" والتي تجمع بين الدراسة والتحليل والنقد إلى أن للحضارة الإسلامية أثرها الوجودي في الكينونة الثقافية للعالم العربي والإسلامي. وسوف تبقى مأثرتها التاريخية أحد المصادر الجوهرية في البحث عن البدائل الفعلية للتطور التاريخي للعالم العربي. بمعنى قيمتها وأهميتها وفاعليتها في تمتين وعي الذات التاريخي والثقافي والقومي، وكذلك مّده بالطاقة الثقافية العقلية والوجدانية. وهنا تكمن حدود وظيفتها التاريخية المعاصرة.

فالحضارة الإسلامية من حيث مفاصلها وعناصرها وشخصياتها ومنظوماتها في مختلف الميادين بما في ذلك تأسيس وتفعيل مرجعياتها الثقافية الكبرى أو منظومات مبادئها المتسامية هي النتيجة المترتبة على تجربتها التاريخية في المرحلة الدينية السياسية. بينما يفترض قانون التطور التاريخي تذليل وتجاوز مرجعيات الماضي وأصولها الفكرية بأنماط أخرى تستجيب للمرحلة الجديدة في التطور التاريخي الثقافي المعاصر.

اضافة لذلك، إن ما يميز المرحلة المعاصرة الحديثة في التطور التاريخي العالمي هو اضمحلال وتلاشي الفكرة الحضارية نفسها. بمعنى، أن العالم المعاصر لا يمكنه بناء "حضارة خاصة". إن الشيء الوحيد الذي يمكن للعقل المعاصر تأمله والتخطيط له محكوم بمنطق البدائل العلمية والتكنولوجية. وبالتالي، فإن "العقل الثقافي" للأمم الحديثة التي ولدت من رحم أو أرحام الحضارات الكونية السابقة، بما في ذلك الإسلامية، يقف أمام مهمة التخطيط الذاتي بالنسبة لرؤية الإمكانيات الواقعية الذاتية والعمل من خلالها وعبرها لتجاوز المرحلة الدينية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية. وفي هذه العملية تضمحل فكرة البديل الحضاري وتتحول إلى فكرة الصيرورة الثقافية الحديثة والمستقبلية.

لقد تلاشت فكرة الحضارة وبدائلها، ولم يبق منها غير زمن الأسلاف الذي يمكن دمجه وتذويبه في التاريخ المستقبلي. وذلك لأن الحضارة تنتهي بانتهاء المرحلة الدينية السياسية. ومن ثم لا يمكن نشوء حضارات جديدة بالمعنى السابق والتقليدي للكلمة. فعندما نتأمل التاريخ الفعلي لنشوء وتطور الحضارات القديمة، فإننا نقف أمام حقيقة تقول، بأن هناك مرحلتان في التاريخ البشري يمكن ان تنشأ فيهما الحضارة وهي المرحلة الثقافية الدينية والمرحلة الدينية السياسية. ففي الاولى تهيمن فكرة التنوع المحكوم بالمركز السياسي والثقافي، بينما تهيمن في الثانية فكرة المركز الجامع والمانع لغيره في كل شيء. اما المرحلة السياسية الاقتصادية فأنها تفكك مرجعيات الانعزال والإبداع المنفرد. وبالتالي انتقال التاريخ من المرحلة الطبيعية إلى الماوراطبيعية. وهنا يبدأ ما أدعوه بتاريخ الاحتمال العقلاني للبدائل. وهي متنوعة وهائلة، لكنها محكومة بالوحدة النشطة والتأثير المتبادل بين ما ادعوه بقانون التاريخ ومنطق الثقافة القومية.

***  ***  ***

 

نبيل عبدالامير الربيعيصدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل كتابي الموسوم (يهود العراق ودورهم في نشأة التعليم وتطويره (165م – 1973م).. (دراسة تأريخية)، الكتاب يتضمن أكثر من 400 صفحة من الحكم الوزيري. وهو عبارة عن دراسة تاريخية عن مدارس يهود العراق الدينية والتعليمية منذ عام 165م ولغاية عام 1973م عندما تم اغلاق آخر مدارسهم في بغداد مدرسة فرانك عيني وتأميمها من قبل حكومة البعث.

تجمع المصادر أن نتيجة وعي اليهود المبكر الثقافي والتربوي خلال العهد العثماني ولأهمية المدارس، فقد أسست «جمعية الاتحاد الإسرائيلي» مدرسة الأليانس ببغداد ونظمت مناهجها على غرار المدارس الابتدائية الأوروبية، وظلت «الأليانس» المدرسة الوحيدة لليهود في بغداد حتى عام «1912م» حيث نشطت حركة التعليم عندهم.

أما التعليم النسوي فقد بدأ سنة «1893م» بافتتاح مدرسة تهذيب للبنات اليهوديات وسميت عند افتتاحها مدرسة «الأليانس» للبنات. وفي وقت لاحق قام التاجر «اليعازر خضوري» بتشييد بناية خاصة بها أطلق عليها اسم «مدرسة لورا خضوري للبنات» أحياء لذكرى زوجته «لورا» وجرى افتتاح هذه البناية في نوفمبر «1911م» أيام الوالي أحمد جمال بك، وبلغ عدد طالبات هذه المدرسة سنة «1913م»، «600» طالبة.

اهتم أغلب أثرياء يهود العراق بإنشاء المدارس الحديثة، وكان بين اولئك السيد ألبرت ساسون ومناحيم دانيال ورفقة نورائيل، وقد سمح لغير اليهود بالانضمام إلى مدارسهم من المسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء.

لقد تم فتح العديد من مدارس الأليانس في عموم العراق. ففي عام 1903م فتحت أول مدرسة في البصرة، وفي عام 1907م فتحت في الموصل، وكذلك عام 1910م فتحت مدرسة في العمارة، وفي عام 1920م قرر اليهود تدريس مادة التاريخ اليهودي في المدرسة لأول مرة. وقد خرَّجت هذه المدارس العديد من الشباب الذين تبوؤوا دوراً بارزاً في المجتمع العراقي.

ازداد عدد اليهود الذين أنهوا دراستهم الابتدائية في المدارس اليهودية والحكومية، حتى أنه بدى أن نسبة الأميين من الذكور كانت صفراً، وبين الإناث كانت غير مرتفعة، ونتيجة لازدياد عدد خريجي المدارس الابتدائية ولافتتاح مدارس ثانوية إضافية، ازداد أيضاً عدد خريجي الثانوية من اليهود، وقد أبدى البريطانيون اهتماماً بالغاً بالمدارس اليهودية عند احتلالهم للعراق، فعملوا على زيادتها ودعمها مادياً والاهتمام بها.

من خلال هذه المقدمة التاريخية لمدارس أبناء الديانة اليهودية في العراق، نقول إنها قد أدت دوراً مهماً في أرساء المبادئ والأهداف التربوية، مما كان ليهود العراق الدور الكبير في مشاركتهم في بناء مؤسسات الدولة العراقية المختلفة، مما يؤكد على التعايش الحقيقي فيما بينهم وبين أبناء الشعب العراقي.

تم تقسيم الكتاب إلى ثلاث فصول، احتوى الفصل الأول على الجذور التاريخية ليهود العراق منذٌ عهد الإمبراطورية الآشورية الأخيرة عندما أخضع الملك الآشوري تجلات بلانصر الثالث «745 - 727 ق.م» قسماً من مملكة إسرائيل لنفوذه وما يسمى بسبي «سامريا 721 ق.م»، ولغاية هجرتهم القسرية الأولى عام 1950م/1951م، والثانية والأخيرة عام 1974م.

أما الفصل الثاني فقد احتوى على تاريخ المدارس الدينية اليهودية في العراق، فقد تضمن ثلاث مباحث، المبحث الأول يمثل دور المدارس الدينية اليهودية في العراق للفترة «165م-1830م»، والمبحث الثاني تاريخ المدارس الدينية اليهودية في العراق للفترة «1830م-1864م»، والمبحث الثالث وضحَ دور مدارس الأليانس وأثرها التعليمي والثقافي للفترة «1864م-1951م». فضلاً عن توضيح الملاحظات المهمة حول مدارس اليهود في الولايات العراقية، ومصادر تمويل مدارس الطائفة اليهودية، والنشاطات اللامنهجية، والامتحانات المدرسية، ودراسة الأرقام الإحصائية لأعداد الطلاب في مدارس يهود العراق، فضلاً عن دورهم في مجال الدراسة خارج العراق.

والفصل الثالث احتوى على دور مدارس الطائفة اليهودية في رفع المستوى التعليمي والثقافي في عهد الاحتلال والانتداب البريطاني للفترة «1917م- 1920م»، وقد تضمن أربع مباحث، المبحث الأول احتوى على تاريخ مدارس يهود العراق في عهد الاحتلال البريطاني للفترة «1917م-1920م»، والمبحث الثاني وثق نشاط مدارس الأليانس الإسرائيلية في العهد الملكي، والمبحث الثالث بحث عن نفقات ومصادر تمويل المدارس اليهودية، ونشاط المنظمات الصهيونية في المدارس اليهودية، والأجور الدراسية، ومناهج الدراسة ومفرداتها، وملاكات المدارس اليهودية، والامتحانات الفصلية والنهائية، والمكتبات المدرسية. أما المبحث الرابع، قد احتوى على دور أبناء الديانة اليهودية في مجال الدراسات العليا، منها : مدرسة الحقوق، والمدرسة الطبية، والبعثات الدراسية خارج العراق، وأخيراً الخاتمة والملاحق والصور.

وعلينا كباحثين في مجال تأريخ الأقليات والأثنيات في بلاد الرافدين، من خلال الاعتماد على مصادر ومراجع متنوعة، وبسبب عدم توافر الوثائق فقد اعتمدت على المصادر الأجنبية والعربية والصحف والمجلات فكانت كثيرة ومتنوعة، وقد تمَّ الإشارة إليها في نهاية الكتاب.

أخيراً أقدم جزيل شكري إلى كل من الأصدقاء أ. د. علي محمد هادي الربيعي لرفده لي بالمصادر المهمة التي كانت لي المعين في توثيق تاريخ التعليم للطائفة اليهودية في العراق. والشكر موصول للدكتور خضر سليم البصون لرفد الباحث ما تحمله ذاكرته من مدرسة فرنك عيني، والسيدة وئام أنور شاؤول، والسيدة نيران سليم البصون، والسيدة ليندا عبد العزيز منوحين، والأستاذ سامي دلال، والأستاذ عماد عزرا صالح ليفي، لتزويد الباحث بالصور التاريخية لمدرسة التعاون الإسرائيلية، ومدرسة شماش، ومدرسة فرنك عيني، وبعض الوثائق حول أساتذة مدرسة فرنك عيني. وأخيراً اتمنى أن ينال الكتاب استحسان القارئ، ولا أدعّي أني وصلت بلوغ الكمال في الكتاب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

528 التعليمفي إحدى ساعات الوعي عبّر أديب وسياسي عربي عن كبير أسفه وحزنه لأنه خلال فترة المعارضة انشغل بمواجهة النظام السياسي وراح ينظم الشعر المعارض وانصرف عن التعليم الجامعي أو التعليم العالي، وبعد وصول المعارضة الى الحكم وسقوط النظام زادت مشاركاته في الفعاليات السياسية والأصبوحات الثقافية والأمسيات الشعرية والإنتصار للخط الذي ينتمي إليه وصار لسان حاله وبلبله وغرّيده، وعاش سنوات تحت تأثير هذا الواقع المغري، ولمّا كانت فترة المعارضة مهما علا شأنها وتعالى شأو المعارض فيها لا تحتسب عند الإشتغال في دوائر الدولة ما لم تكن الشهادة حاضرة، عاد يعض بنان الندامة لانشغاله ثانية في الدفاع عن الخط السياسي الذي ينتمي إليه مبتعدا عن مواصلة التعليم والحصول على شهادة جامعية تليق بمركزه الإجتماعي والأدبي، ويضمن لأسرته حياة مادية مريحة.

وهي ندامة ما بعدها ندامة، وإن كان قطار التعليم لا يتوقف عند محطة عمرية معينة، ولكن للشهادة الجامعية اعتبارها وللتوظيف شروطه، وإذا كان النادم قد أفصح عن مكنونه على رؤوس الأشهاد، فإن هناك الكثير من أمثاله لاذ بصمت الحملان واستعاض بعضهم عن ذلك باقتناص شهادة مضروبة أو ابتياعها، ندامة قد لا تنفع النادم بعد مضي قطار العمر ولكنها بالتأكيد ذات فائدة كبيرة لمن اعتبر بها وتحصّ بالتعليم والشهادة إلى جانب العمل والنضال، والشاطر من اتعظ بالندامة المنطوقة ونال الظفر.

هذه الندامة المختومة بلسان النصيحة الأبوية، قادتني الى المثل الفارسي: (گليم تو أز آب بكشيد بيرون)، أي إسحب بساطك من تحت الماء، وهو مثل جميل سمعته من المحقق الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، وهو بدوره سمعه من والده الفقيه آية الله الشيخ محمد أبو تراب علي الكرباسي قبل أكثر من ستين عاما، فالمثل كما يقول المحقق الكرباسي ردده والدي على مسامعي عندما كنت في العاشرة من عمري، وهو في مقام التشجيع لي على طلب العلم بأن أسحب بساطي من تحت الماء أو قبل أن يبتل، أي دعوة مبكرة على التعلم والإحاطة بالعلوم الضرورية والوقوف عليها والإجتهاد قبل أن يسرقه الزمن ويظل محتاجا الى سؤال الآخرين، وعندها لا ينفع الندم.

فالعاقل هو من يسحب بساط العلم من تحت مياه الجهل أو قبل أن يبتل بها، وهذا المثل وندامة السياسي والأديب ارتفع غبارهما من ميدان الفكر وأنا اتابع كراس "شريعة التعليم" للفقيه آية الله الشيخ محمد الصادق الكرباسي الصادر حديثا (2018م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 48 صفحة من 75 مسألة إلى جانب 25 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري وبضميمة مقدمة الناشر وتقدمة المعلق وتمهيد المؤلف.

 

خذوهم صغارا

العنوان أعلاه من الشعارات التي ترفع من اجل استنهاض الهمم ابتداءً من المراحل العمرية الصغيرة، يرفع كواجهة في الشأن الرياضي وفي الشأن الفني وفي غيرهما، وأبرز مكان لهذا الشعار الراقي هو التعليم، وفي الأثر: "العلم في الصغر كالنقش في الحجر"، وحيث يبقى أثر الحجر ونقوشه يبقى أثر التعليم في الصغر ودروسه، فالتعليم هو التلقين والتدريس والتدريب، وفوق كل هذا هو تربية وخُلق، ولهذا نجد الوزارة التي تهتم بالطلبة تسمى في غالب الدول العربية والإسلامية بوزارة التربية والتعليم، فالتربية مقدمة على التعليم، والعلم في مآله ينشد مصلحة الفرد والأمة، فالعلم الدنيوي فيه خير الدنيا والعلم الأخروي فيه خير الدنيا والآخرة، والتربية في واقعها تنشد خير الإنسان في حاضره ومستقبله، وكما أنّ التربية عملية مستمرة غير موقوفة على زمن كذلك التعليم الذي يقفز على حاجز الشهادة الجامعية، فمفردة التعليم من باب "تفعيل" والدال على النشاط المستمر والمتواصل والدؤوب، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم من مهده حتى لحده، وفق المأثور النبوي: (أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد).

الفقيه الكرباسي في شريعة التعليم يضعنا منذ البداية على السكة السليمة من أجل تعليم سليم ومعلم حاذق وتلميذ مجد ومنهاج قويم، بلحاظ أن التعليم كما في المسألة الرابعة من الشريعة له أربعة أركان هي: المعلم، والمتعلم، والموضوع (العلم)، والوسيلة، ولما كان التعليم كما يفيدنا الكرباسي: "هو إلقاء العلم والمعرفة إلى الآخر"، فسلامة التعليم تتطلب معلما على خلق ومعرفة حتى يدخل ما يلقيه في قلب المتلقي ولا سيما الصغير الذي ينظر إلى المعلم نظرة خاصة ربما تفوق النظرة إلى الأب، وإذا كان الأب هو معلم الإبن ومدرسه ومربيه فلا شك أن النظرة إليه هي نظرة تقدير وتقديس فضلا عن الإحترام، والكثير من العلماء نبغوا في مدارس الآباء، ومن طبيعة الأب رغبته الملحّة في أن يرى ابنه أفضل منه فيودعه علمه ويحرص على تربيته لإيمانه بأن راية العلم ستبقى من بعده عالية.

والعلم هو الضد النوعي للجهل، وحيث يكون الجهل ظلاما فالعلم نور، وبتعبير المؤلف في التمهيد: "والجهل مكمن التعاسة ومنطلق الفتنة والفساد، وإذا ما أريد بأمة القضاء عليها عملوا على إفشاء الجهل فيها، عندها يسود الإنحراف والفساد"، والطاغية إنما يصبح طاغية مستغلا جهل الأمة، والأمة الجاهلة أمّة مستغفلة يمكن أن يقودها مدَّعٍ حاسر أو معمم جاهل فيستخف قومه كما استخف فرعون قومه فأطاعوه، وعلى النقيض من ذلك كما يؤكد الفقيه الكرباسي: "إن العلم والمعرفة وجه الحضارة التي تفتخر بها الأمم فكلما كثر العلماء كانت الأمة في مرقى للحضارة والتقدم".

الأخلاق أولا

وحتى يأتي التعليم أكله، فإن المؤلف يرى في التمهيد أن أمورا ثلاثة قادرة على النهوض العلمي وهي: حب العلم والمعرفة، وحب المعلم للمتعلم وبالعكس، وحب نشر العلم وإشاعته، وإذا اجتمعت هذه الأضلاع شكلت مثلث التقدم والرقي والرفاه وفي زواياه المشرقة يعلو شأن الأمة، إذ: "بهذا الحب الثلاثي يجد العلم مكانه في صدور المؤهلين للمعرفة، وتزكى العقول الطامحة للتطور وتنوّر القلوب العاشقة للفضيلة، وتنتشر معها السعادة"، وبتعبير الفقيه الغديري وهو يقدم للكراس: (إن العلم كالمصباح في الليل وله دور الهداية وتنوير الطريق إلى المطلوب إراءةً وإيصالا، والذي يتحمل مسؤولية التعليم هو الذي يستحق أن يسمى بالهادي والمرشد، فلعملية التعليم مكانة عظيمة، وكذلك المتعلم فله شرف لا يُقاس بغيره).

ولأن رسالة المعلم هي رسالة النبي والمصلح، فإن الكرباسي في المسألة السادسة يشترط في المعلم: "أن يكون واثقا مما يقوله أو يلقيه أو يكتبه، وأن يكون خلوقًا، وأن يكون صادقًا، وأن يكون مؤهلًا للتعليم"، ولأن مقام المعلم على مرتبة عالية من الخطورة يقرر أنه: "يجب أن يكون المعلم متحليًا بأقل مراتب الاخلاق لدى التعليم، ويحرم خلافة إذا ترك آثارًا سيئة على الطالب"، وفي هذا السياق: "ما كان من الاخلاق مؤثرا في التعليم بشكل لا يترك آثارًا سلبية بالغة فمستحب، وأما إذا كان سوء الأخلاق يسبب أثرًا سلبيًا كان محرّماً، وخلافه واجباً".

ربما يعتقد بعض الكتبة في الشرق أن الحديث عن العلم والأخلاق، هو حديث قديم، أو حديث متعلق بالمدارس الدينية والحوزات العلمية ولا يشمل المدارس الحديثة التي تقدم العلم مستشهدًا بالتطور العلمي الكبير الذي شهده العالم الغربي العلماني، بيد أنَّ هؤلاء لا يدركون حقيقة قائمة في الغرب، وهي أن المعلم أو المعلمة بخاصة في مدارس الروضة والإبتدائية لا يستطيع أن يلتحق بهذا السلك ما لم يقدم صحيفة أعمال أمام دائرة التعليم، وصحيفة الأعمال هذه تأتي مباشرة من دائرة الشرطة وهي بمثابة حسن سلوك وبراءة ذمة من أي جنحة أو جريمة، وعلى ضوئها يقبل المعلم أو يرفض، ولا ينتهي القبول بالسنة الأولى من تقديم براءة الذمة، وإنما تطلب البراءة بين فترة وأخرى، وإذا ارتكب المعلم جنحة أو جريمة فمصيره الطرد من دائرة التعليم، لأن عقلاء الغرب على دراية تامة بأن الأخلاق عملية فطرية، والمعلم أو المعلمة نموذج حي للسيرة الحسنة، ولهذا تختلف وسائل التعامل بين المعلم والتلميذ بين الشرق والغرب، فالأول يستعمل العصا إن أخطأ الطالب أو عصى، والثاني استعاضها بالكلمة والنصيحة أو الحرمان المؤقت من اللعب في فترة الإستراحة وأمثال ذلك من العقوبات غير البدنية.

ولا يعني لزوم الأخلاق أن يكون المعلم مسلما، لأن الدين ليس شرطاً في التعليم، والأخلاق مسألة عقلائية وإن اختلفت حدودها بين بلد وآخر، ولهذا يرى الفقيه الكرباسي أنه: "لا يشترط في المعلم أن يكون مسلمًا، كما لا يُشترط في المتعلم أن يكون كذلك"، كما: "لا يُشترط في المعلم العقيدة أو العدالة أو البلوغ أو ما شابه ذلك إلا ما يؤثر في التعليم"، نعم: "يُشترط في المعلم أن يكون عارفًا بالمادة وحاذقًا" ويشترط فيه: "أن لا يكون مخادعًا ليفي بالغرض المطلوب منه"، على أن الإسلام كما يعتقد الفقيه الغديري في تعليقته شرط في بعض العلوم من قبيل: (إذا كانت المادة ترتبط بالدين كعلم الكلام وتفسير القرآن والحديث مثلا فينبغي أن يكون المعلم مسلمًا، ولا يشترط ذلك في المتعلم)، ربما لهذا الشرط دوره في المدارس الدينية وخاصة في البلدان الإسلامية أو في المهاجر المسلمة، ولكن قسم الدراسات الإسلامية في الكليات والجامعات الغربية تجاوز هذا الشرط، فهناك اساتذة في علم الكلام وعلم الأديان وعلم الحديث والتفسير وهم على غير دين الإسلام، لكن الحرفية والمهنية مكنتهم من التدريس.

ثنائية مفروغ منها

لا يستطيع المرء مهما أوتي من مال أن يدرك قيمة العلم، فصاحب المال لا يمكن أن يكون عالما دون ان يسعى سعيه فيجمع الى جانب المال العلم، وصاحب العلم له أن يأتي بالمال بما أوتي من علم، فالعالم الحقيقي غني النفس وإن عصفت الرياح في جيوبه وأركان بيته، وصاحب المال أسير المال لا يشبع، ومن وصايا الإمام علي(ع) لأحد حوارييه: (يا كميل بن زياد العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، المال ينقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق).

وعند العلم يسقط ميزان المساواة ويعلو قبان العدالة، فالعامل يجهد بعضلاته ليكسب مالا، والعالم يجهد بفكره ليكسب مالا، ولكن ما يكسبه العامل معشار أو أقل من ذلك مما يكسبه العالم، فلا تتحقق المساواة بين الإثنين، بل إن المساواة هنا هو الظلم بعينه، إذ لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون والجهد العضلي ليس هو المعيار وإن كان عاملا مساعدا في تقدير أجر العامل.

وفي هذا المقام يؤكد الفقيه الكرباسي في التمهيد وعدد من المسائل على أهمية المعلم واحترامه لعلمه وقدسية التعليم، وما يأخذ من أجر نظير تعليمه هو حق مشروع، بل وعلى دوائر التعليم دينية كانت أو رسمية أن تحيط المعلم والمدرس والأستاذ برعايتها وتكفيه ماديا حتى لا تثنيه مشاكل الدنيا عن رسالته التربوية والتعليمية، ولكن في الوقت نفسه يؤكد الفقيه الكرباسي أن المعلم: "إذا كان غرضه من التعليم تحصيل المال وعدم الإكتراث بالتعليم حرُم ذلك"، وعليه فإن: "المال الذي يتقاضاه حرام إذا لم يقم بالتعليم بالشكل المطلوب"، وكذلك: "إذا قام من ليس بأهل للتعليم يأثم بذلك"، من هنا: "إذا أبرم المعلم عقدًا مع إدارة المدرسة ولم يكن أهلًا لذلك فما يحصل عليه من الأموال حرام عليه"، ويستطرد الفقيه الغديري معلِّقًا: (وقد يشترك في الإثم مَن كان بيده القرار في الإدارة، بمكان عدم الدقّة في الموضوع والتغافل في التحقيق عن الصلاحية للعاقد)، من هنا: "إذا لم يكن المعلم عارفًا وحاذقا فإنه يضمن الوقت الذي أهدره من الطالب"، ويضيف الفقيه الغديري معلقا: (وقد يتوجه الضمان على الإدارة).

وهذه الخاصية لها أهميتها في نجاح التعليم أو هبوطه، بل وفي كثير من الأحيان يعتبر انخفاض مناسيب نتائج الطلبة مؤشرا على هبوط التدريس وقلة باع الكادر التعليمي فردًا أو جمعًا وضعف في الإدارة، ولهذا تحرص عدد من الدوائر التعليمية الفاعلة على إقحام الكادر التعليمي في دورات تعليمية تكميلية أو ورشات عمل للإطلاع على أفضل السبل لإنجاح المشروع التعليمي، وعدم التحجر على المواد والمناهج والمقررات التعليمية، كما أن اللقاء الدوري بين الكادر التعليمي وأولياء الأمور له دور كبير في تحسين التعليم، لأن ولي أمر الطالب سيقف عن قرب على مستوى المعلم من جانب ومستوى ولده او ابنته وتنكشف لديه مواضع الخلل والنقصان لدى الطالب فيعمل على سدّها ما أمكنه ذلك.

والمال الجامد كالماء الآسن يضر ولا ينفع، ويمكن لصاحب المال أن يحرك ماله او ما عليه من حقوق في تطوير التعليم، ولذا: "يجوز صرف الحقوق الشرعية لترويج العلم وتأسيس المدارس والمعاهد والجامعات ومراكز للدراسة والتحقيق، بل إنها وجه من وجوه صرف الحقوق الشرعية"، بل وقد يتحقق الوجوب على أصحاب المال عند حصول النقص في التعليم، ولهذا يرى الفقيه الكرباسي أنه: "يجب على القادرين فتح مراكز للتعليم والدراسة بكل مراحلها وصورها وبالأخص العلوم الشرعية ثم العلوم الحياتية كالطب"، ويمكن للقادرين كما رأينا الصرف على التعليم من الحقوق إلى جانب التبرعات، أو الوقف عليها وفيه خير الدنيا والآخرة، بل ومن عوامل نجاح المؤسسات الربحية في الغرب أنها توفر جانبا من عائداتها أو من الضرائب المستحقة عليها لتوفير منح دراسية مجانية، لإدراكهم قيمة العلم والتعليم.

ورغم أهمية العلم والتشجيع عليه، فهناك في العلوم محظورات، لا يصح تعلّمها إلا بشروط قاسية من قبيل السحر إذ: "تعلم السحر لأجل إبطاله جائز وعليه أن يتقيد بذلك"، او التنويم المغناطيسي لأغراض غير محمودة، نعم: "تعلم التنويم المغناطيسي إذا كان مجرد التعليم جائز، أما الممارسة فحرام إلا في حالات الإضطرار كالمعالجة الطبية المنحصرة فيها"، ولذلك: "كل ما كان تعليمه محرّما فالأجرة عليه محرّمة"، وكذلك: "إيجار المكان لتعليم المحرمات محرّم والأجرة محرّمة"، وبشكل عام فإن: "كل الوسائل المتاحة في التعليم ونشر العلم جائز استخدامها إلا لعارض محرّم".

في الواقع إن شريعة التعليم وأمثالها من الشرائع تمثل توجها حضاريا للتنوير المعرفي الفقهي الحياتي وبتعبير الفقيه الغديري في مقدمته: (قلّ ما شاهدت في الكتب الفقهية البحث عن أحكام التعليم على ضوء الكتاب والسنّة، وكذلك بالنظر إلى المباني المعمولة بها لدى الأعاظم من الطائفة في المجالات الفقهية، وللمحقق الخبير آية الله الدكتور الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي حفظه الله حظ كبير في إبداع المباحث وبيان الأحكام عن مواضيع ذات أهمية كبرى في حياة كل مؤمن بل وفي المجتمع  الإنساني بشكل عام).

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

حسيب شحادةالقواميس العربية-الفنلندية وقاعدة "شيء خير من لا شيء"

شهِد العَقْد الأوّل من القرن الواحد والعشرين نشاطًا معجميًا ملحوظًا بين اللغتين الفنلندية والعربية، ومن الصعوبة بمكان تعليل هذه الظاهرة اللافتة للنظر هنا في بلاد الشمال، إذ لا عدد ناطقي العربية القاطنين في فنلندا والمقدّر ببضعة آلاف قد تزايد بشكل بارز ولا عدد طلاب العربية من الفنلنديين في الجامعة الوحيدة التي تدرّس ”عن“ العربية والدراسات الإسلامية قد تزايد في الفترة المذكورة بأي شكل كان. أضف إلى ذلك أنّ حجم وطبيعة العلاقات التجارية والثقافية بين العالم العربي وفنلندا لم يطرأ عليه تغيير جذري. وبالرغم من هذا الواقع، نقول إنّ صدور مؤلفات في المعجمية الثنائية المذكورة يضلّ بادرة خير من الناحية البحثية اللغوية البحتة، فاللغة بمثابة مرآة للمجتمع وثقافته. مثل هذه المعاجم ضرورية ومرحّب بها في كل وقت لا سيما إذا كانت مرتكزة على أسس الصناعة المعجمية الحديثة نظريًا وتطبيقيًا ولا نصيبَ للهواة في هذا المضمار.

من المعروف أنّ هذه البادرة جاءت متأخرة وغير ناضجة، إذا ما علمنا أنّ بداياتٍ متواضعةً لتدريس العربية في فنلندا في جامعة توركو، تعود إلى ثلاثة قرون تقريبًا وأنجبت البلاد مستشرقين وباحثين مرموقين أمثال بيتر فورسكال (1732-1763) وجورج آوغست ولين (1811-1852) وإدوارد وسترمارك (1862ـ1939) والباحثة الانثروبولوجية هيلما (حليمة) غرانغفيست (1890-1972) وآبلي ساريسالو (1896-1986) واللغوي الفذّ يوسّي تنلي أرو (1928-1983) وإلى المعاصرين الأستاذين إركي سالونن وهيكي پالفا.

لا ريب أن الدكتور المهندس الفلسطيني، تيسير سليم خليل، الذي عاش في روسيا وفي فنلندا سنواتٍ عديدةً كان له قَصَب السَّبْق في إعداد معجم فنلندي - عربي يضمّ خمسة وثلاثين ألف كلمة موزّعة على 441 ص. وصدر هذا القاموس عام 2004 في عمّان (لا ذكر لسنة الطباعة، ISBN 952-91-4340-0). ويذكر أنّ اهتمام السيد خليل بإعداد مثل هذا المعجم قد بدأ قبل ذلك، ففي العام 1992 صدر له بعمّان أيضا قاموس فنلندي-عربي أصغر، 234 ص. من الحجم الصغير وفيه اثنا عشر ألف لفظة. يقينًا كان السيد خليل جريئًا في مشروعه هذا وديدنه ”شيء خير من لا شيء“ ولا بدّ من بداية مهما كانت متواضعة، وكانت بدايته تلك عبر اللغة الروسية التي يجيدها، فنلندي روسي عربي.

وفي العام 2006 صدر في فنلندا قاموس فنلندي عربي جديد أعده السيد لقمان عباس الذي يعمل ترجمانًا ويعيش في فنلندا منذ أكثر من خمسة عشر عاما وبين دفتيه 344 ص. وثلاثون ألف كلمة. تلاه في بدايات عام 2007 المعجم العربي الفنلندي الرابع وهو الأكبر حجمًا والأطول مخاضًا من حيث الإعداد، ما يقارب العقد من السنين، تأليف السيد السفير المصري الأسبق في هلسنكي، محمود مهدي عبد الله (نعت في بعض المقالات بالفنلندية بـ” الدبلوماسي الذي وقع في حبّ اللغة الفنلندية”)، 1316 ص. مشتملة على ستة وأربعين ألف كلمة. أشرف على هذا القاموس الذي روّج له إثر صدوره كثيرًا في فنلندا وفي جمهورية مصر العربية، أستاذ اللغة العربية بجامعة هلسنكي السيد هيكّي پالڤا وساهم في إنجاز المراحل الأخيرة من القاموس ثلاثة أشخاص، فنلنديان ومصري. وكان كاتب هذه السطور قد نشر عرضًا مفصلًا لهذا القاموس في العديد من الصحف العربية الإلكترونية وملخصًا بالفنلندية وللراغب في قراءة ذلك البحث في محرّك غوغل عن: قاموس فنلندي عربي حسيب شحادة وينسحب الأمر ذاته بخصوص مراجعتي لقاموس السيد عباس.

وفي بداية العام 2008 صدر قاموسان ثنائيا اللغة: قاموس عربي-فنلندي للسيدة مارية الهلالي، طالبة مغربية الأصل وتعيش في فنلندا، 952 ص. ويضمّ أكثر من ثلاثين ألف كلمة، وقاموس فنلندي -عربي-فنلندي للسيد إلياس حرب، لبناني الأصل ويعمل منذ سنوات كثيرة ترجمانًا في فنلندا وفي قاموسه هذا زهاء خمسة وثلاثين ألف لفظة معروضة في ألف صفحة تقريبا.

ارتأيت كعادتي أن أقدّم عرضًا نقديًا لمثل هذه المعاجم، وهنا يأتي دور هذا القاموس الأوّل من نوعه: عربي-فنلندي. ثمة أمور ومواصفات معيّنة كثيرة وهامّة ينبغي البتّ فيها جيدًا قبل الشروع في إعداد أيّ معجم ثنائي اللغة. يُذكر أنه حتى ستينات القرن العشرين، اتّسمت صناعة المعاجم بالطابع التجريبي المبني على خبرة واضعي القواميس في الماضي، إلا أنّ الوضع الآن جد مختلف نتيجة التطور الملحوظ في علم اللسانيات المعاصر، لا سيّما في علم المفردات. (أنظر مثلا: على القاسمي، علم اللغة وصناعة المعجم. بيروت 2004، ومسائل في المعجم لإبراهيم بن مراد والمعجم العربي: بحوث في المادة والمنهج والتطبيق لرياض زكي وصناعة المعجم الحديث لأحمد مختار عمر). انطلاقا من ذلك نقول: إعداد معجم ثنائي اللغة يتطلّب أكثر بكثير من معرفة اللغتين معرفة لا جدال فيها؛ مصادر الإعداد ومنهاجه؛ قواميس سابقة، وفي هذا المجال لا أحد من معدّي المعاجم الثنائية الفنلندية العربية يذكر سابقه، وكأنّ الجميع يبدأ من الصفر ولا وجود لمحاولات ترجمية تراكمية ذات شأن؛ قراءات نصوص تخصصية؛ حوسبة المعجم؛ طبيعة المادة المنتقاة؛ منهاج الجمع والتبويب؛ حدود القاموس؛ كيفية عرض المفردات وتبويب المعاني وفق أسس لغوية معيّنة؛ لمن معدّ هذا القاموس؟ مستويات اللغة وعصورها؛ طبيعة تبيان القواعد ومدى ذلك؛ الاختصارات المستخدمة؛ النقحرة والتأثيل؛ الأمثلة ووسائل إيضاح أخرى.

يمكن القول إنّ إعداد مثل هذه المعاجم اللغوية يُشبه إلى حدّ ما عملية الترجمة من لغة إلى أخرى من حيث توفّرُ ثلاثة شروط أساسية في المترجم الناجح، كما هو معروف منذ العصر العباسي على الأقل. إجادة لغة الأصل ولغة الترجمة ومعرفة كنه الموضوع المنقول. نضيف إلى هذه المقولة أنّ التأكيد يجب أن ينصّب بالأساس على اللغة المنقول إليها، إذ لا نكشف سترًا إذا قلنا أنّ هناك مترجمين كُثر يترجمون إلى لغات أمهاتهم كتبًا كثيرة من لغات لا يتكلّمونها البتّة. بعبارة مقتضبة مفسّرة، إذا ترجم أستاذ فنلندي القرآن الكريمَ إلى الفنلندية، فهذا لا يعني بالضرورة أنّه متمكّن من العربية من الناحية التطبيقية، قراءة وحديثا وكتابة. في الترجمة هناك سياق يساعد على إيجاد المقابل الملائم في اللغة المنقول إليها، والاتّكاء على ترجمات سابقة وبلغات أوروبية معروفة، أمّا في القاموس، فعلى جامعه أن يأتي بجميع المعاني الممكنة وَفق السياقات الممكنة. أضف إلى ذلك البون الشاسع ما بين اللغتين والثقافتين العربية والفنلندية من جهة، وشُحّ المصادر والمؤلّفات المترجمة من الواحدة للأخرى مباشرة. هناك مثلا الكتاب العالمي ”سنوحي المصري“ لميكا ڤالتري  (١٩٠٨-١٩٧٩) بالعربية إلا أنّ الترجمة اعتمدت الترجمة الإنجليزية وهي بحاجة إلى تقييم علمي.

كل هذه الضرورات تقريبًا لم تلق اهتمامًا يُذكر في القواميس الثنائية الفنلندية العربية التي صدرت حتى يومنا هذا. في مقدّمتها القصيرة بالفنلندية والعربية، لا تقول السيدة الهلالي الكثير عن خصائص قاموسها ومنهجية إعداده، اللهمّ إلا بعض التعميمات التي لا يعوّل عليها كثيرًا مثل: جاء القاموس لتلبية حاجة الوافد العربي والطالب الفنلندي للغة العربية والتأصيل لأعمال مستقبلية حول المشترك بين الثقافتين العربية والفنلندية؛ والقاموس في تقدير المعدّة مساهمة لبناء جسر بين اللغتين والثقافتين العربية والفنلندية. هاتان الغايتان لصالح العربي الوافد من جهة ولطالب العربية الفنلندي من ناحية أخرى لا تسيران جنبًا إلى جنب، ولذلك تستوجبان إعدادًا دقيقًا وشاملا قبل التطبيق. على سبيل المثال، لا وجود لأيّة معلومات عن الفنلندية لا في المقدّمة ولا في الملحقات ولا في المتن، ذكر تفاصيل صرفية مثلا. لا ذكر بالمرّة للمصدر أو المصادر المعجمية العربية التي اعتمدتها المعِدّة. قد يكون: الرائد، معجم لغوي عصري رُتبت مفرداته وَفقا لحروفها الأولى، تأليف جبران مسعود، بيروت ط. سابعة 1992 واحدًا منها.

وهناك إثبات لقائمة بالاختصارات المستخدمة في المعجم وعددها تسعة وأربعون، وهي معروضة وَفق الأبجدية الفنلندية مرّة ووَفق العربية كرّة أخرى وذكر ”القرآن“، أساس العربية، غائب في حين وجود تنويه بالعهدين القديم والجديد. ومثل هذه الاختصارات هنا بأغلبها الكاسح، على الأقلّ، لا طائل تحتها، فما الداعي والمنفعة من ذكر المختصر “جغ” أي جغرافيا إثر ذكر اسم بلد مثل ”فلسطين“. ويلاحظ المتفحِّص وجود بعض الاختصارات المستعملة مثل ”مص“ أي مصدر و”ج“ أي جمع و”ريَا“ أي “رياضة” و”محك“ أي محكية، المقصود كلمة دخيلة أجنبية و ” ميت“ و”فل“ و “صف” (؟) إلا أنّها لم تثبت في القائمة المذكورة. ومن ناحية أخرى، يعثر المتصفِّح على اختصارات في متن المعجم مغايرة لما ورد في قائمتيه المثبتين في صدره مثل ”تا“ بدلا من ” تار“ أي ”تاريخ“ و”مسي“  بدلا من ”مس“ أي مسيحي و”عسك“ بدلا من ”عس“ أي عسكري، ويلاحظ عدم إبقاء فراغ كاف بعد الفاصلة. وحبّذا لو أكثرت السيدة الهلالي من استعمال إشارة الضد أو العكس# واكتفت بإيراد صيغة الماضي فقط من الأبنية فعّل وحتى استفعل أي ، II ـ X إذ أنّ صيغة المضارع ثابتة؛ وفي بعض الحالات أدخلت المعدّة المغربية عيناتٍ من الاستعمال العربي في بلادها الأصلية مثل مِنجرة بمعنى مبراة ونوّار أي شهر أيار والوزير الأول أي رئيس الوزراء، بطاقة التعريف أي بطاقة الهوية وإشهار أي دعاية وغشت أي آب؛ وأحيانا تسلّلت بعض الألفاظ العامية مثل ”بوّس“ أي ”قبّل“  ”وطاب“ المريض أي ”شُفي“ و”حفّض“ الطفل. ومما يجدُر ذكره إدخال بعض الكلمات والتعابير الحديثة مثل: غرامة تهديدية؛ كلب ذئبي؛ غليظ الذهن؛ فرْنج يفرنج، ومكْنن يمكنن؛ وفِلاكة؛ وقَنبل يُقنبل؛ ومنضح منضحة.

وما لفت نظري أيضًا إيراد الرأي القائل بأنّ من لا يعمل هو وحده المعصوم عن الخطأ، وبدوري أضيف أن مثل هذا القول لا حاجة له في عمل أكاديمي عصري حيث سُبل تفادي الأخطاء والهَنات على أنواعها وأجناسها كثيرة جدًّا بفضل التقدّم التقني الذي ننعم به. بعبارة مغايرة، شيء أحسن من لا شيء في الصناعة المعجمية أو الأبحاث العلمية الراهنة، يتوقّف على جودة هذا الشيء، ففي اعتقادنا شيء سيّء ومضلِّل ليس أفضلَ من لا شيء لأن استئصال الأخطاء الراسخة دونه خرْط القَتاد وفي هذه الحالة من الأفضل البداية من الصفر غلى قاعدة مدروسة راسخة.

والقاموس قيد المراجعة جاء وَفق حروف أوائل الكلمات (لا ذكر للأصوات الأجنبية پ وڤ وچ بثلاث نقط وكذلك لحرف ”لا“، رقم 29) وليس كما هو معتاد حسب جذور الألفاظ، إلا أنّ هذا النهج لم يراع بحذافيره في الترتيب الداخلي (أنظر مثلا ص. 150, 154). يُعتبر المعلم بطرس البستاني (1819-1883) العلم البارز من أعلام النهضة العربية الحديثة، أوّل من ألّف قاموسًا عربيًا مبوَّبًا وَفق الأحرف الأبجدية، وذلك لمساعدة الموظّفين في الوزارات المختلفة الذين لا يتوقون لمعرفة صرف العربية ونحوها. من نافلة القول أنّ لمثل هذا الترتيب الأبجدي وجه إيجابي وهو سهولة إيجاد الكلمات دون التفكيك والرجوع إلى أصولها، إلا أنّ السؤال الوجيه هل هذا الترتيب مفيد وناجع وملائم لطالب اللغة العربية في الجامعة؟ الجواب بالنفي طبعًا، إذ على هذا الطالب تعلّم صرف العربية وَفق فلسفة الجذور الثلاثية (ثم الرباعية والخماسية) وأوزان الفعل، الخمسة عشر وما يدرّس في الغرب عادة العشرة الأولى باستثناء التاسع، إفْعلَّ. ونضيف إنّ فلسفة السنخ في المدرستين اللغويتين العربيتين الأساسيتين، البصرة والكوفة منطلقة من الفعل الثلاثي أو المصدر. ويتساءل المرء ما المقصود بالضبط من ”دراج أكثر الكلمات استعمالا...“؟ ما مِعيار شيوع الاستعمال لدى السيدة الهلالي؟ هلِ استندت إلى أبحاث إحصائية حول نسبة شيوع مفردات معيّنة في أنماط لغوية معيّنة قديمة أو راهنة وما هي؟

وقعت في هذه المقدّمة القصيرة بعض الهفوات والأخطاء في النقحرة والنحو ولا نذكر هنا الأسلوب مثل ”..لأن بعض الأفعال تحمل معانٍ مختلفة حسب حركة عين الفعل المضارع“، وينظر في الصفحات: 909, 931. وفي نهاية القاموس ملحقات تشمُل مواد مختلفة الطول والقِصر تحت عناوين مثل: جمل مفيدة، كالتحايا وطلب المساعدة وإشارات وإرشادات وأسئلة عامّة وفي مكتب العمل وعند الطبيب وعند طبيب النساء وأيّام الأسبوع وكم الساعة والأرقام والتقويمات ومجموعة من الأمثال الفصيحة في العربية وما يقابلها أو تفسيرها بالفنلندية (بناءً على أي مصدر؟) تعدادها قرابة المائتين مبوّبة وَفق الحقل الدلالي دون الإشارة إليه ووفق الترتيب الأبجدي لأوّل حرف في المثل أو القول السائر ومن هذه الأمثال: الأذواق والألوان لا تناقش؛ والسؤال أهذا مثل عربي أصيل أم دخيل من الفرنسية؛ الكلام الجارح لا يدمي!؛ اصطاد في ماء عكر، وينسب هذا القول السائر لمصر مع أنه عام في اللغة المكتوبة وهو عادة ”الاصطياد في المياه العكرة“؛ جزار ويتعشى باللفت (مغربي)؛ تُعرف الشجرة من ثمارها، أليس هذا مثل إنجليزي ومقابله العربي قد يكون: تخبر عن مجهوله مرآتُه والأمر ذاته ينسحب على: أما ترى الماء بتكراره في الصخرة الصماء قد أثر؟ ذهب السمهى، أهذا مثل شائع سيصادفه الدارس الفنلندي للعربية؟ الفأر المستعجل يقع في فم القط؛ في ص. 922 ما الصلة بين الصحّة والنقش على الحجر؟ وبعد إيراد الأمثال هناك لمحة عن بعض مبادىء اللغة العربية بالفنلندية تليها قائمة بالعربية والمقابل الفنلندي لقرابة مائة وخمسين اسم دولة واسم عاصمة كل منها والنسبة لهذه الدولة، وهنا أيضا ألا تكفي قائمة تضم بعض الأقطار العربية والأجنبية؟ في مثل تفاقم مثل هذه المواد يغدو القاموس لا قاموس ولا موسوعة بالتعريف السليم. ثمّ يحُِقُ لسائل أن يسأل ما الفائدة من إيراد صيغة النسبة النظرية لبعض البلدان مثل ”أروغوايي“ فهي، كما يعلم كل ناطق بالضاد، غير مستساغة وغير مستعملة (لم يأت غوغل إلا بنتيجتين، أنظر “طوغو” وحسنا صنعت المعدّة بإبقاء خانة النسبة فارغة)؛ ”قمُري“ أمستعملة أو جزر قُمري أو ببساطة شخص من جزر القُمر؟

وَفق هذا الترتيب الأبجدي لأوائل الكلمات يحتلّ حرف الألف المرتبة الأولى من حيث العددُ، أكثر من مائة وخمسين صفحة، ومثل هذا المنهاج قد يفيد سائحًا أو عاملا لمدّة محدودة لتحقيق بعض التفاهم وتسيير بعض الأمور البسيطة والملحّة، إلا أن الطالب الجامعي والوافد العربي المثقّف بحاجة إلى معجم يستند إلى أصول الصرف والنحو العربيين. نهج ألفبائي خارجي كهذا يضع ” سائل“ من ”سأل“ و”سائل“ من ”سيل“ مع بعض وكأنّهما واحد وشتّان ما بينهما.

هناك عدّة مآخذ أساسية على هذا المعجم، ولا بد من التنويه بها بالعناوين التالية: أخطاء لغوية طباعية وسهو قليلة مثلا ص. 187, 291, 682, 702, 682, 782، 844, 909 وإملائية مثلا ص. 891 وكذلك بالإملاء الفنلندي، مثلا ص. 917, ( في اللغة الأصل، العربية؛ نقحرة) مثلا: 541, 931, 936, 947, 948, 949؛ عدم دقّة ومحدودية في تعداد معاني اللفظة العربية؛ لا منهجية ثابتة في ذكر المفرد والجمع والجنس في الشقّ العربي وقلِ الشيء ذاته بخصوص الجمع بالفنلندية وطريقة تصريف الأفعال والأسماء؛ مشكلة طبيعة وحجم ما أُدرج من كلمات وما أُهمل لم تحظ بعناية كافية؛ هناك العشرات من الألفاظ الغريبة، في تقديرنا، والتي وجدت طريقها إلى المعجم وأخرى شائعة في نظرنا وأهملت؛ نحن نتكلم هنا عن اللغة العربية المكتوبة ولا مجال لإدخال أيّة عامية من مئات العاميات العربية؛ تكرار (ينظر مثلا في: 10, 22, 23, 31, 33, 38, 61, 65, 165, 191, 325, 326, 478, 542, 650).

والآن إلى بعض العيّنات من الأمثلة: وقعت أخطاء كثيرة جدًّا في النحو، التشكيل لا سيّما في تنوين الممنوع من الصرف (diptote) وفي الصرف ولن أذكر التصحيح إلا أحيانا واكتفي بالإشارة إلى مواطن الخطأ: أخمُصُ؛ أداءُ خِدْمةً؛ بِمَحْضِ إرادَتَهُ؛ أُرْز؛ أرمِني؛ أزاحَ الثلج من الطريق؛ أمراض معديّة؛ انخفضَ السعرِ؛ انخلع كتفه؛ بشكلٍ أفضلٍ؛ برمَ عَقْداً؛ براهينٌ؛ بِنْصَر؛ توابيتٌ؛ بُخُور؛ مِسيحِ؛ تحاسيرٌ؛ حامل بمعنى حبلى وليس حاملة؛ تراويحٌ؛ طوابعٍ؛ مواعيدٍ؛ حار يحير (ص. 327)؛ قِرار؛ تَرَسانة وليس تِرْسانة؛ مفاتيحٍ؛ حذاء بكعب عالي؛ إيابٌ لا إيّاب (ص. 431 وفي ص. 151 صحيح)؛ جمع ”مأوى“ مآوٍ وليس مَآوى (ص. 752)؛ معهد عالي (ص. 808)؛ المرأةٌ (ص. 816)؛ حتى يرجعُ الدرّ في الضرع؛ سخا يسخُ؛ شَعرية؛ سورة الصافاتٌ؛ ضاق ذِرْعا والصحيح ذَرعا؛ طباشيرٌ؛ طماطمٌ؛ عبايات؛ عناوينٌ؛ تخذير موضعي؛ وزراءٌ؛ هدير بدلا من هديل الحمام وهديل مذكورة بعيد ذلك ص. 874؛ وَهَبَ يَهِبُ؛ وَهّم يُوهِمُ؛ ياسمينٌ؛ رَبِحُ اليانصيب؛ سارق سرّاق؛ شهادة شواهد (ص. 549).

وهناك مأخذ رئيسي آخر متعلّق بالدقّة والشمولية والترتيب في انتقاء المقابلات الفنلندية للألفاظ والعبارات العربية، مثلا عبارة ”ثوم معمّر“ المستعمل في قاموسي محمود مهدي عبد الله وماريا الهلالي؛ في قاموس تيسير خليل: بصل أخضر( لا وجود لها في المعاجم العربية العادية وهي غير شائعة وقد يفهم العربي العادي أن ذلك نوع من الثوم يعيش طويلا ولا حاجة لزرعه كل عام كالثوم العادي الخ. في الواقع كل من عاش في فنلندا وزرع حبوب هذه النبتة الصغيرة المتكاثفة في حديقة بيته وأكل منها يعرف أن المقصود هو بصل أخضر ذو أوراق نحيفة وخضراء يستعملها الفنلنديون إما للزينة على وجه الساندويتشات المالحة وإما في إعداد الصلصلة فالعادة لديهم عدم تناول أوراق البصل الخضراء. وتُدعى هذه النبتة بالفنلندية ruohosipuli والمعنى الحرفي ”بصل الحشيش“ ربّما لدقّة الأوراق كالحشيش. وإليك قائمة مختارة تندرج تحت عنوان المأخذ المذكور: الأجوف واوي أو يائي ولا وجود لألفي فالألف منقلبة إمّا عن واو أو ياء؛ الأريز هو الصقيع وليس البرْد؛ جمع أفعى أفاعٍ لا أفاعي؛ جمع بطاقة الشائع هو بطاقات وليس بطائق؛ أتمّ دراسته شيء و jatkaa opintojaan ، تابع، استمر في الخ أمر ثانٍ؛ هل البهار أكلٌ؟ لماذا ”إبراهيم“ ”دين“ بين قوسين؟ لا يكفي القول إن “حالك” معناه “شديد السواد”؛ إِصْبع لا أُصبع؛ صفار البيضة لا أصفر البيضة؛ أصمُّ لا أصمٌّ؛ جادة ليست بالضبط “طريقا” tie؛ القول إن معنى ”أيّان“ ”متى“ million، يجانب الصواب والاستعمال فأيّان اسم شرط زماني يجزم فعلين واسم استفهام أيضا؛ ”تاقة“ غير شائعة أوّلا وليست libido أي ”شهوة جنسية“ ثانيا؛ المقابل العربي لـ palovakuutus هو مثلا: تأمين من خطر الحريق أو تأمين ضد الحريق/الحرائق وليس ”تأمين الحريق“ وهي ترجمة حرفية للفظة الفنلندية! وقلِ الأمر ذاته بصدد ”التأمين الصحي“ وليس ”تأمين المرض“ ؛ اعوجاج العظام ليس بالضبط riisitauti، كُساح قد يكون أقرب للصواب ؛ تبغدد لا يعني السكن في بغداد فقط بل انتسب إليها وتشبّه بأهلها وتكبّر؛ ”تجلّد“ ليس من ”الجَلَد“ أي الصبر فقط بل ومن ”الجليد“؛ هناك فرق واضح بين ”تحت أمرك“ و kaskysta ؛ تَخْت ج. تُخوت ليس فرشة patja؛ ترجمة ج. تراجم غير ترجمات؛ ”الترخيم“ ليس فقط حذف مثل ”يا صاحِ“ بدلا من صاحب؛ التزلج على الجليد أفضل من التزحلق؛ الثرثار و puhelias مختلفان فالأوّل فيه مَسحة جلية من السلبية أما الثاني فحيادي؛ ثمَّ يعني هناك وليس عندها sillion؛ جمع ثمرة ثمرات وثِمار هو جمع الجمع ولا ذكر لهذا الجمع البتّة في المعجم كلّه؛ ثوب أثواب ليس قُماش kangas ؛ في العربية يُقال: شاهد عِيان وليس شاهد عين/عيون (قارن ص. 641, 642)؛ الغاب والغابة ليسا مترادفين؛ الغثيان ليس pahoinvointi أي توّعك؛ الغداء ليس وجبة الظهر فحسب بل والفطور أيضا؛ الفصاحة لا تقتصر على الحديث؛ القفا ليس العنق بل مؤخرته، الكُفتة ليست اللحم المفروم jauheliha بهذه السذاجة بل طبق عربي معروف من كرات أو أصابع اللحم الهبر المفروم مع البصل والبقدونس مقلية قليلا، شرائح من البطاطا المقلية قليلا ووضع كل هذا في صينية بالفرن للإنضاج؛ مفهوم ”الكوخ“ لا يُعطي أي تصوّر حقيقي لـ mökki أي البيت الصيفي الواقع عادة في الريف وبالقرب من البحيرة واليوم فيه عادة الكثير من وسائل الراحة المنزلية؛ اللبن ليس حليبا في كلّ الشرق الأدنى؛ النَحْويّ ليس باحث النحو بقدر مؤلِّف فيه؛ النديم ليس كل صديق ورفيق عادة بل المنادم على الشراب؛ نشرة أخبار ليست من التلفاز فقط؛ نشر (دين) ليس ”القيامة“ ylösnousemus؛ النشيد ليس مقتصرًا على النشيد الوطني hymni؛ النضيدة ليست في الغالب فرشة بل وسادة واللفظة غير شائعة في نظرنا؛ النُعاس غير النوم؛ لا يقال ”نقصت الأسعار“ بل هبطت؛ ليس جمع ”أحمر“ حُمرا دائما بل حمراء أيضا؛ أحقّاً ”أحسنت“ تُعطي نفس معنى hieno homma ؟؛ نهارك سعيد لا تعني بالضبط ”مرحبا“؛ نوّن لا تعني وضع حركة طويلة في نهاية الكلمة؛ نوّه معناه أيضا أشار، ذَكر؛ الهدنة لا يمكن شرحها بـ”سلام معقود“ إذ أنّها وقف حرب لأجل مسمّى؛ هل ”الاشتياق“ هو دائما ”مشتعل“، palava kaipaus؛ أعمى القلب لا يعني بالضرورة من لا يتعلّم oppimaton؛ إغريقي هو يوناني قديم؛ أهل البادية ليسوا أهل الريف maalaiset؛ علم البديع ليس القدرة على التكلّم؛ البشير ليس نبي الإسلام فقط؛ أجامَع ووقع في حب و rakastella واحد؟؛ جُبنة بيضاء و rahka مختلفتان ولعلّ أقرب لفظة عربية ”خثارة اللبن“؛ جُبن ذائب، لا أدري ما هذا بالضبط بدون الأصل الفنلندي sulatejuusto! وأقرب مقابل عربي قد يكون ”لبنة“؛ لماذا “”حيزبون“ شتيمة؟؛ ”سائر“ ليس دائما بمعنى ”الكل“؛ خراء و ulosteet مترادفتان ولكن بمستويين مختلفين؛ العربي المسيحي لا يُخطىء في التمييز بين ”الخوري“ و”القسّيس“؛ المنخل يختلف عن الغربال وهو عدّة أنواع كالضابوط والفاروط؛ يقال ميلادي ويكتب الحرف م بعد ذكر السنة ولا يقال أو يكتب ”بعد الميلاد“؛ وظيفة لا تعني فقط ما ذُكر؛ تفسير الاستعمار غير دقيق؛ الإعراب ليس تصريفا؛ ناصري ليس نسبة للناصرة فقط بل ولعبد الناصر أيضا؛ الشخص السائل هو الذي يطرح سؤالا وهو المستعطي أو المستجدي أيضا؛ علم الصرف لا يقتصر على تصريف الأفعال؛ لحم أبيض هو لحم الخنزير أيضا؛ ألا يُقال عادة في العربية الأدبية المعاصرة: زميل في الدراسة وليس أخ في الدراسة، حالة الطقس بدلا من أخبار الطقس، جعله أخضر بدلا من أخضر، أعفي فلانا من المسؤولية بدلا من أخلى ...؛ استدان منه شيئا وليس أدان منه شيئا؛ أذاب ليس نقع liuotta؛ المقابِلات الفنلندية للعبارة ”أغرب عن وجهي“  ليست بنفس المستوى الاجتماعي: haivy, ala vetaa, painu hiiteen؛ وليحاول القارىء إيجاد هذه العبارة في المعجم؛ توت الأرض أم توت أرضي وفراولة؟؛ أجام يجوم يعني  يبحث عن etsia ؟ أمن فرق بين ”صحيفة” و”جريدة”؟ كلام جزل هو كلام فصيح متين لا كلام جميل؛ الجزمة  تركية الأصل: çizme  لا تعني ببساطة ”الحذاء“ بل كما يعلم الجميع نوعا مطاطيا خاصا ذا ساق طويلة؛ يقال ”أحمر الشفاه“ لا ”حمرة الشفاه“؛ ألا نقول بالعربية ”النشّال“ بدلا من ”سارق الجيوب“ وهذا نقل شبه حرفي من الفنلندية taskuvaras.

مأخذ آخر قد يندرج تحت ” ألفاظ حوشية“ بالنسبة للمثقف العربي اليوم وهاك بعض الأمثلة: آكل الخضَر والشائع نباتي؛ امتحان ولوج الجامعة بدلا من اللفظة العادية ”دخول“؛ اسم عائلي أم اسم العائلة؟ امتحش بمعنى احترق؛ باقول بمعنى muki وهو فنجان بعروة/أذُن إلا أن الباقول بدونها؛ بَلْغاريا؛ بنّ مسحوق، بنْك ج. أبناك؛ بيع بالتجزئة أي بالمفرّق؛ بَيوع بمعنى بائع جيّد؛ حرف التاج؛ دار التبار بمعنى جهنم؛ تُبّان بمعنى”المايوه“ أي بالفنلندية uimapuku وحرفيا بِذلة السباحة؛ أبّ بمعني العشب؛ ثُؤاط بمعنى الزكام؛ ثاقل بمعنى الثقيل؛ تِرْفاس أي نوع من الفطريات؛ تقطيع الشراب بمعنى تخفيفه؛ لم لا يُذكر الجمع الشائع لثَدْي وهو أثْداء بدلا من المهجور ”ثِدِيّ“؟ يوم غيوم أي غائم؛ ثلاج بمعنى بائع البوظة؛ ثوم قصبيّ و talvisipuli ماذا يفهم كل من العربي والفنلندي منهما؟ فها يفهو بمعنى سها يسهو وليس نسي ينسى (ص. 678)؛ كُريضة؛ لجة السماء؛ ملعقة شاي وملعقة حساء أهذا استعمال عربي أصيل أم كلمات مترجمة من اللغات الأجنبية ولا مكان لها في الأسلوب العربي الجيّد فالعربي يقول ملعقة صغيرة وأخرى كبيرة ولا حاجة لذكر أي سائل بعدهما؛ جزّر العشب؛ جازىء بمعنى راضٍ؛ سافر عنه المرض، أهذا استعمال عربي شائع؟ يقال: سافرت عنه الحمّى عادة؛ أشعة فوْبنفسجية؟ خطأ شائع في العديد من المعاجم الثنائية إدخال ما يقال بلغة أجنبية إلى العربية بغض النظر عن أن هذه الجزئية لا وجود لها لدى العرب، مثلا يقال في العديد من اللغات عند تناول الطعام bonne apetite وبالفنلندية hyvaa ruokahalua إلا أن العربية لا تستخدم مثل هذا النمط المؤدّب من التعامل بل يتمنّى الشخص الصحّة والعافية ويقول هنيئًا مريئًا للآكل بعد دعوته للمشاركة في تناول الطعام. لذلك ”شهية طيبة“ هي نقل حرفي ولا مقام لها هنا.

ويؤخذ على هذا المعجم أيضًا عدم إدراج الكثير من الكلمات والتعابير الأساسية مثل: آه؛ لا شكر على واجب؛ تشكّر؛ الأضحى؛ المولد النبوي؛ أثلج صدره؛ أجمعُ؛ احتياجات خاصة؛ حوسبة؛ احتسب؛ احترز؛ أحرى؛ أقلّ من؛ بصل أخضر أما البصل الأحمر فمذكور؛ من نافلة القول؛ قهوة أهلا وسهلا وقهوة مع السلامة وقهوة سادة، نعيمًا، العاقبة عندك؛ الحاسوب رغم وجود المختصر ”حا“؛ حاشا وكلا؛ ”فتح“ أي حركة التحرير الفلسطينية بدلا من ”حتف“ التي تعني الموت؛ فسطاط المدينة؛ قاب قوسين أو أدنى؛ لات، فعل لازم ومتعدٍ؛ جاب يجوب؛ أعماق؛ عنديات الخ الخ. ويشار إلى أنّه في بعض الأحيان كان المنطلق معكوسًا أي من الفنلندية إلى العربية مثل فرشاة الأظافر وغسل الظهر، بيت ريفي، بيت مستقل، تاج السنّ، بصل أحمر، غرفة التدخين، رجل الثلج؛ لحم الثور.

أجل إنّ صناعة المعجم ثنائي اللغة جدّ شاقة وتحتاج إلى أكثر بكثير من معرفة اللغتين عمليا، إنّها عِلم قائم بذاته له مبادؤه وأصوله وطرقه! وتندرج هنا مواضيع كثيرة مثل: نوع المعجم؛ الهدف المنشود ولمن هو معدّ؛ طرق وأنواع الترتيب المعجمي؛ سعة المعجم؛ التأصيل الاشتقاقي؛ شكل المعجم؛ جمع المادة وتبويبها؛اختيار المادّة المعجمية، طرق الشرح والتسلسل الزمني والعام والخاصّ؛ اختيار الوحدات المعجمية؛ البنط والترقيم والرموز والاختصارات.

 

عرض ومراجعة:  أ. د. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

526 ميثم الجنابيصدر هذا الكتاب عن (دار العارف) 2018. وعدد صفحاته 198. وهو الكتاب الاول من سلسلة كتب صدرت عن الدار سوف استعرضها من خلال عرض المحتويات والمقدمة او بعض منها. بينما يبقى استكمال قراءة النص للقارئ.

يحتوي هذا الكتاب (الزمن والتاريخ (نقد الاوهام الراديكالية و"المقدسة") على تعريف بالكاتب والكتاب على الغلاف، ومقدمة، وستة ابواب بواحد وعشرين فصلا. هي على التوالي:

المحتويات

المقدمة 5

الباب الاول: مسرح الزمن الإمبراطوري ودراما التاريخ الفعلي للأمم   11

الفصل الأول: سيناريو "النظام العالمي الجديد" أم إمبراطورية الفوضى؟        11

الفصل الثاني: أنشودة الإمبراطورية الخربة والسيناريو العراقي  19

الباب الثاني: في نقد الراديكالية السياسية    29

الفصل الأول: طوفان الزمن الراديكالي وبداية التاريخ العقلاني   29

الفصل الثاني: صعود وهبوط الراديكالية السياسية 37

الفصل الثالث: الراديكالية السياسية وتبذير التاريخ 41

الباب الثالث: المرايا المتكسرة للزمن الراديكالي   49

الفصل الاول: الطائفية السياسية: عقيدة الأفق المسدود     49

الفصل الثاني: الراديكالية السياسية للغلاة الجدد!   55

الفصل الثالث: راديكالية الغلاة الجدد والارهاب السلفي    69

الفصل الرابع: الغلو السلفي والحروب الدينية       83

الباب الرابع: الراديكالية السياسية وتبذير الرأسمال التاريخي     103

الفصل الاول: إشكالية الزمن والتاريخ في ثروة الأمم      103

الفصل الثاني: زمن السلطة وتاريخ الدولة  109

الفصل الثالث: الزمن الراديكالي وتهشيم بنية الوعي التاريخي للدولة والأمة     115

الفصل الرابع: الخروج على منطق التاريخ القومي         119

الباب الخامس: أوهام الزمن "المقدس" وأحلام المستقبل   123

الفصل الاول: أوهام الزمن "المقدس"       123

الفصل الثاني: النقد العقلاني لأيديولوجية الأوهام "المقدسة"       127

الفصل الثالث: أوهام الأيديولوجيا وأحلام التاريخ  143

الباب السادس: نهاية الزمن السائب وبداية التاريخ الفعلي 147

الفصل الاول: نهاية زمن الأوهام وبداية التاريخ الواقعي  147

الفصل الثاني:  زمن الزيف وتاريخ الأصالة        151

الفصل الثالث: نهاية الزمن الطائفي 155

الفصل الرابع: نهاية الزمن "العرقي"       163

الفصل الخامس: الزمن الطائفي والتاريخ العربي  171

 

من المقدمة

 إن تاريخ الأمم الكبرى هو دراما شنيعة الوصف ومأساة لا تتناهى إليها العبارة، ويعجز الفكر أحيانا عن تصوير خلجانها، لأنه عادة ما يتيه في تأمل الآفاق النائية لمحيطها. وهي المقارنة التي تقذفها الطبيعة في ترابط خلجانها وبحارها ومحيطها، بوصفها الوحدة المفككة للقرب والبعد عن الجسد. وقد يكون هو السبب الذي جعل ويجعل الخلجان اقرب إلى الروح والجسد. كما انه الاشتقاق غير المرئي لكلمة خلجان البحر وخلجات الضمير. وكلاهما يبوحان بعبير الذاكرة وعواصف الهيجان الخفية. ومنهما تتموج مشاعر اللوعة وتمنيات الاقتراب. وكل منهما يدفع بما فيه إلى سواحل الروح والجسد. وتقترب هذه الظاهرة من التاريخ حالما يكون نتاجا لحركته الذاتية. وضمن هذا السياق يمكن فهم سر الصعود والهبوط العنيفين فيه بوصفها العملية الملازمة لقوة الروح والجسد الفتية.

فالتاريخ يبرهن على أن اشد المراحل مرارة بالنسبة للعقل النقدي والضمير الحرّ هي تلك التي تختلط فيها دماء الأبرياء برياء الساسة ونزواتهم التي لا تكترث بشيء غير السلطة والجاه. ولا حول في هذه الحالة ولا قوة لغير الدجل والاستعداد للانغماس فيه بفعل تغلغل الرذيلة في الوعي والإرادة. وعادة ما تستفحل هذه الحالة زمن الانقلابات الحادة وغياب فكرة الدولة والقيم الاجتماعية في الفكرة السياسية. عندها تتكثف جميع القيم في بؤرة مستعدة لقبول مختلف أصناف الرذيلة والانغماس فيها. ويصبح الفعل والفاعل مجرد دوران في فلك التطويع المتفنن للغريزة. إذ لا عقل يحكم السلوك ولا حدود تحكم الإرادة!

وحالما يصبح هذا النموذج الصيغة الأكثر انتشارا وسيادة في الوعي والممارسة السياسية، حينذاك تصبح رعشة الجسد المرتوية من لذة السفاح، وطعنة السكين، ومطالبة الدائن بدينه، ومواجهة النتائج المخيبة، وانتظار الأمل المفرح، أمورا متكافئة. وذلك لأن التباين في المشاعر والمواقف يفترض تكامل الرؤية وإدراك الأولويات. فإدراك وتحسس حمرة الخجل وصفرة الوجل يفترض تباين المشاعر تجاه النفس والعالم المحيط. لكنه تباين محكوم بتمايز العقل والوجدان وترابطهما في الإرادة الإنسانية، أي كل ما يهّذب ويشّذب القيم الأخلاقية ويرفعهما إلى مصاف المنظومة العملية القادرة على توجيه السلوك الفردي والاجتماعي صوب إدراك أولوية المصالح العامة والفعل بموجبها. وتشكل هذه الأخلاق من حيث الجوهر مضمون الأخلاق السياسية بوصفها أخلاق إدارة شئون المجتمع والدولة بالشكل الذي يضمن الحد الأدنى من تراكمهما بمعايير الدولة والمصالح القومية العليا.

لكننا حالما ننظر إلى واقع العراق الحالي وسلوك الخواص والعوام، أو النخب والجمهور، فإننا نقف أمام حالة تختفي معها اشد المفاهيم والقيم جلاء، كما لو أننا نقف أمام الفكرة التي بلورتها الفلسفة الإسلامية القائلة، بأن سبب خفاء الله هو لشدة ظهوره. وهي الحالة التي "يحققها" العراق ونخبه السياسية والمجتمع عموما، بحيث يصعب رؤية الانحطاط فيه لشدة انتشاره وظهوره. وفي هذا تكمن فيما يبدو مرارة المرحلة وضرورتها في الوقت نفسه. بمعنى أن العراق والعراقيين ينبغي أن يمروا بطريق الآلام لكي يكون بإمكانهما التفريق بين دفئ النار وحريقها. فالتحولات العاصفة التي تمس الأمم ما هي في الواقع سوى الوجه الظاهري لما يجري في أعماقها من تغيرات فعلية. وقد سبق وأن صور ابن عربي هذه الفكرة قبل قرون عديدة عندما قال، بأن ما يجري هو استعداد لما فينا، فما اثّر فينا غيرنا. وحالما ننقل هذه الفكرة من دهاليز الباطنية المتسامية إلى ميدان الحياة السياسية الخشنة، فإنها تبدو حكما اقرب إلى البديهة.

لكننا نعرف جيدا بأن البديهة في ميدان السياسة ليست ذاتها في العلم والمنطق، مع أن السياسة لا تقل منطقية عن غيرها. إلا أن الذي يعطي للسياسي المغامر إمكانية تجاوز أمورها البديهية هو أن نتائجها ليست مباشرة بالضرورة. مع أنها تحتوي في كل فعل على نتائجه الملازمة. فالاستبداد مهما طال بسبب "منظومة" العنف والإكراه المقننة يؤدي بالضرورة إلى الانهيار والخراب.

غير أن التاريخ السياسي يكشف عن أن البديهيات في ميدان الحياة السياسية قد تكون أمور اقرب إلى الفرضية. وتشير هذه الحالة أما إلى واقع التخلف الشامل أو الانحطاط الشامل. وفي ظروف العراق الحالية، نعثر على تداخل وتضافر الاثنين. لكنها حالة لا تخص العراق فقط، إلا أنها تتميز في ظل ظروف الانتقال من التوتاليتارية إلى الديمقراطية بنزعة مخربة وهوجاء. وسببها الجوهري يقوم في ضعف وفقدان البنية التحتية للدولة الشرعية وتقاليدها السياسية، وانهيار المجتمع المدني وسيادة الرخوية في كل جزيئات وجوده الفعلي، وخراب الثقافة العامة. والحصيلة هو فقدان أو تشوه الفكرة الوطنية والقومية ومرجعيات تأسيسها الواقعية والعقلانية. وفي ظل هكذا ظروف يصعب تصور صيرورة النخب بشكل عام والسياسية بشكل خاص في غضون فترة قصيرة.

 إضافة لذلك أن تاريخ الأمم والدول يبرهن على أن البديهيات السياسية النظرية لا تغير شيئا من ذهنية ونفسية رجال السياسة المغامرين دون القضاء على مقدمات وشروط الانتهاك الممكن للبديهيات في السياسة العملية. بعبارة أخرى إن الإمكانية الرادعة في البديهيات السياسية تصبح واقعية فقط عندما تصبح السياسة علما، وعندما تكون الممارسة السياسية جزء من رؤية عقلانية ذات أبعاد إستراتيجية معبرة عن مصالح الدولة والمجتمع. وتبدو هذه النتيجة جلية للعيان على خلفية التاريخ العراقي الحديث، وبالأخص تجربة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية.

إلا أن تأمل تجربة العراق بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية تكشف عن أن بديهيات التاريخ السياسي العراقي ما زالت معضلة وإشكالية في وعي النخبة السياسية الحالية في العراق، كما نراه في استمرار زمن الخروج على قواعد المنطق السياسي وقواعد المصلحة الاجتماعية والوطنية. بمعنى أن النخب السياسية والأحزاب لم تتوصل بعد إلى إدراك الحقيقة القائلة، بأن العمل من اجل المصالح الكبرى والعامة هو أيضا الضمانة الكبرى والأقوى للمصالح الخاصة والجزئية. أما عدم إدراك هذه البديهة والعمل بموجبها فهو مؤشر تام على انعدام الرؤية العقلية والعقلانية للفكرة السياسية. وأن مضمون السياسة عند الأحزاب والنخب هو العيش بمعايير الغريزة والجسد. بمعنى عدم استفادتها من تجارب التاريخ العراقي الحديث العامة منها والخاصة.

يبرهن تاريخ الدولة العراقية الحديثة على أن الخروج عن منطق الفكرة العامة هو سرّ خرابه الشامل. فقد وضعت الدولة العراقية الحديثة لبنات الفكرة العامة عن الدولة (الوطنية) لكنها سرعان ما جرى تخريبها بفعل تغلغل الطائفية السياسية المبطنة وتحولها إلى الفكرة الحاكمة في بنيتها ومؤسساتها. مما جعل منها دولة سلطوية. وفي هذا كان يكمن تراكم العناصر الراديكالية في الفكر والممارسة. فالفكرة الجزئية تولد الراديكالية. والراديكالية تعيد إنتاج الفكرة الجزئية وتجعلها منظومة "شرعية".

فعندما نتأمل تاريخ العراق العام والخاص في مجرى صيرورته الحديثة في القرن العشرين، فإننا نقف أمام انقلابين حادين فيه. الأول وهو سقوطه في بداية القرن العشرين تحت السيطرة البريطانية، والثاني سقوطه تحت السيطرة الأمريكية في بداية القرن الحادي والعشرين. ذلك يعني إننا نقف أمام تكرار السقوط كل مائة عام. بمعنى أن تاريخه بلا تاريخ، بل مجرد زمن، أي بلا تراكم ولا حكمة. مما يعكس واقع ما أسميته بغياب الفكرة العامة، التي تجعل من القوى الجزئية أيا كان شكلها ومحتواها دودة تنخر أعماقه الباطنة بحيث تجعله صلب المظهر خاوي الباطن، كما نراها بجلاء على مثال وحالة سقوطه السريع والمريع تحت ضربات الغزو الأمريكي الأخير.

وإذا كان سقوطه الأول نتاجا طبيعيا لغياب الفكرة الوطنية المستقلة بسبب جزئية وجوده في السلطنة العثمانية، فإن سقوطه الأخير كان النتيجة المترتبة على فقدان الفكرة الوطنية العامة بسبب الطائفية السياسية، أي القوى الجزئية التي حولت العراق إلى جزء من مصالحها الضيقة. بعبارة أخرى، لم يكن "تحريره" من السيطرة التركية ووقوعه تحت "الانتداب" البريطاني في بداية القرن العشرين، ثم "تحريره" من السيطرة الصدامية ووقوعه تحت الاحتلال الأمريكي في بداية القرن الحادي والعشرين، سوى التكرار الفج للحقيقة القائلة، بأن ما حدث آنذاك وما يحدث الآن هو "استعداد لما فينا"، ومن ثم "فما اثّر فينا غيرنا". وهو استعداد محكوم بغياب الفكرة الوطنية العامة، أي بغياب مرجعياته الذاتية الكبرى. وبالتالي، فإن الأمل الفعلي يقوم في إمكانية تذليل القدرة الخفية القائمة في ما يمكن أن يولده هذا "التكرار" من استعداد على امتثال نفسية الإحباط.

فالإحباط لا يحل مشكلة. وخاتمة الحياة الموت، بوصفه "الملجأ" الأبدي لانتظار الجميع. تماما كما أن وحدة الوجود والعدم هي الدورة الأبدية لنشوء الكائنات واندثارها. وفي حالة تطبيقها على الوعي السياسي العراقي، فإن سرّ هذه الدورة الخربة يقوم في وقوعه الدائم في أسر نفسية وذهنية الصراع وتقاليده الدموية، أي في دوامة فارغة. وبالتالي، ليس هذا الكتاب سوى محاولة إضافية لما كتبته بهذا الصدد من اجل توسيع وتدقيق الرؤية الفلسفية البديلة للوعي السياسي الحالي، وكذلك من اجل تأسيس منهج للرؤية العلمية يهدف إلى تذليل ما ادعوه بنفسية وذهنية الخراب وتقاليدها الراديكالية السياسية (والحزبية). 

إن مهمة هذا الكتاب تقوم في تفسير ما جرى ويجري في العراق والعالم العربي باثر هيمنة الفكرة والتقاليد الراديكالية وأوهامها العادية و"المقدسة" بطريقة تتجاوز "الفكر السياسي" التقليدي. بمعنى أن مهمته المنهجية علمية تنويرية، ومهمته العملية تحرير الفكر من الخضوع للأحزاب السياسية، ومن توحيدهما العمل على إرساء أسس التفكير العلمي بوصفه منظومة متجانسة. انها مهمة المستقبل والأجيال الجديدة. فالأحكام السياسية عرضة للتغير والتبدل. وكذلك الحال بالنسبة "للكتب السياسية". وهو أمر طبيعي وعادي. إذ لا شيء سريع التغير والتبدل أكثر من الأحكام السياسية ونتائجها. بينما المهمة الكبرى تقوم في إرساء أسس التقاليد العلمية الرصينة والعميقة والواقعية في تناول كل ما جرى ويجري من أجل تأسيس المستقبل. وبالتالي، فإن تداخل اشكاليات الواقع العراقي والعربي لا ينفي التمايز الفعلي بينهما فيما يتعلق بخصوصية هذه الإشكاليات، لكنها واحدة ضمن سياق إشكالية الزمن والتاريخ، التي اتناولها بالبحث والنقد وتأسيس البدائل.

فالعراق الحديث والمعاصر بحاجة إلى مسح شامل وتحليل مؤسساتي طويل ومديد من اجل أن يبلغ التفكير والفكر السياسي مستوى الوعي الذاتي وإدراك حقائق الأشياء كما هي. وهذه بدورها مهمة رجال العلم والأكاديميين ومؤسسات المعرفة والثقافة والمدرسة والتربية والتعليم والحياة المدنية وليست مهمة الأحزاب وأزلام السلطة ومختلف "السياسيين" اللذين كشفت، بما في ذلك السنوات اللاحقة على سقوط الدكتاتورية الصدامية، عن طابعهم الهش. والسبب هو هشاشة الزمن العراقي وانعدام تاريخ المؤسسات فيه.

ذلك يعني، إن العراق بحاجة إلى إعادة تأسيس شاملة، بوصفها مهمة العراقيين أولا وقبل كل شيء. ولا يمكنها أن تكون شيئا آخرا غير تلقائية التطور الذاتي. ويستحيل تحقيق ذلك دون تأسيس وإرساء أسس ما ادعوه بالمرجعيات الذاتية الكبرى، التي لا تصنعها قوى عابرة، ولا تؤسس لها قوى طائفية أو أقليات قومية لأنها جميعا قوى جزئية. وفي هذا تكمن بديهية سقوط العراق. كما تفترض بديهية صعوده الإدراك الواعي والتحقيق العملي للفكرة القائلة، بأن البديل الفعلي لحالة السقوط يقوم في إرساء أسس ومنظومة المرجعيات العقلانية للأفكار العامة الكبرى.

*** 

 

525 حامد الحماديعن دار "لامبيرت الأكاديمية" في ألمانيا صدر كتاب للأستاذ الدكتور حميد الحمادي باللغة الإنكليزية وعنوانه :"قواعد الإضافة في العاميتين الإنكليزية والعربية: دراسة البنية الدلالية والنحوية العميقة من منظور العاميات في اللغة".

يتبنى الكتاب طريقة الاستقصاء اللغوي المقارن. واختار صيغ "الملكية" في العامية الإنكليزية، وصيغ "الإضافة والإلحاق" في العامية العراقية – لهجة البصرة. واستفاد كثيرا من دراسات "نحو الحالة" التي وضعها الباحث الكبير تشارلس فلمور في الفترة الواقعة بين 1968 و1969.

يحاول الباحث الحمادي تطوير نموذج فلمور ويبين بالأمثلة التشابه بين الإنكليزية والعربية في مستوى البنية والدلالة في الجمل أو في التراكيب العميقة. ويشير لدور شومسكي في شرح وتفسير العموميات اللغوية. ويلاحظ على البحث جدته وتفرده، بسبب التطبيقات التي أجراها على لغتنا العربية المحكية. يتألف الكتاب من مقدمة في المصطلحات. ثم خمسة فصول نظرية وتطبيقية. وينتهي بخاتمة تبين الاستنتاجات والتوصيات فضلا عن اقتراح عدد من المشاريع للبحو ث القادمة. ومن الإضافات معالجة ما دأب عليه النحويون التقليديون العرب والمستشرقون من لبس في تسمية تركيب ’الإضافة‘ ومحاولة إصلاحه. كما تمت محاولة إصلاح وتطوير ما ورد من ّ معالجات غير مكتملة للغوي فلمور في حالة ’التملك‘ في النحو. والدكتور حامد الحمادي أستاذ في جامعة البصرة باختصاص نحو ولغة مقارنة. وحصل على المؤهل الأكاديمي في الألسنيات من جامعة إدنبرة في المملكة المتحدة.

علاء اللاميأدناه، قراءة سريعة في كتبٍ لثلاثة باحثين عرب، من القائلين بالجغرافيا التوراتيّة العسيريّة واليمنيّة، وهم زياد منى وأحمد عيد وفرج الله ديب. وسنبدأ بكتاب منى، جغرافية التوراة - مصر وبنو إسرائيل في عسير، الذي يُمكن اعتبارُه امتدادًا تطويريًّا لكتابات كمال الصليبي.

يصف منى مساهمتَه بأنّها "تندرج في إطار التهذيب العلميّ لجغرافيّة التوراة، ويرتكز بالطبع في المقام الأول على موضوعة الأستاذ الصليبي." (1)  وعليه، فإنّ ما قلناه عن كتابات الصليبي، في دراسةٍ أخرى، ينطبق من حيث الجوهر على كتاب منى؛ والسبب هو أنّ الكتاب الأخير يقوم على الاستراتيجيّة التأليفيّة ذاتها، وعلى المضمون والآليّات والحيثيّات نفسها. ومع ذلك، فهناك نقاطُ تمايزٍ مهمّة في التفاصيل، وثمّة أفكارٌ تطويريّة لنظريّةٍ أضافها الصليبي وانفرد بها منى. من ذلك:

ـــ لم يحصر منى بحثَه بعسير، بل مدّه أحيانًا إلى اليمن، وعالج عدّة أمور ضمن الجغرافيّة اليمنيّة. ومن الأمثلة على تلك المعالجات موضوعُ الملكة سبأ والنقش المعنيّ. كما اهتمّ بما سمّاه إقليمَ "مصر في جزيرة العرب."

ـــ اهتّم منى أكثر من الصليبي بالآليّات الفيلولوجيّة، أي التي تعتمد علمَ فقه اللغة المقارن، ومنها ظاهرةُ القلب والاستبدال الحروفيّ في المفردات، واستخرج بواسطتها عددًا من الفرضيّات والاستنتاجات، ومنها: مفردةُ "كرع" ومقلوبُها "ركع،" وظاهرةُ القلب في "طين" إلى "صين،" و"نصع" إلى "نزع." ومن التخريجات التي توصّل إليها الكاتب اسمُ النبيّ إسحق بالعربيّة: فصحق يأتي بالعبريّة بمعنى ضحك، وقال إنّ رديفه بالعربيّة ينبغي أن يكون "الضحّاك" أو "فيّاض،" وكلاهما اسمُ علمٍ مشهود في جزيرة العرب قبل الإسلام.(2) كذلك اسمُ نوح الذي يعود في العبريّة إلى شت أو شيتا، من "إست" التي تعني القاعدة والأساس؛ وتأتي بمعنى أنّ نسل آدم ونوح يعود إلى شيتا، لا إلى لقين الذي نفاه إلهُ التوراة إلى أرض التيه. وضمن هذا النمط التحليليّ يكون رديفُ اسم "موسى" بالعربيّة، الذي يعني في العبريّة المنتشل، هو المُنقذ.

ويتوقّف منى عند العلاقة الجغراسياسيّة والحضاريّة بين جزيرة العرب ومصر الفرعونيّة من جهة، والعراق القديم من جهةٍ أخرى. وينتهي الى استنتاج مهمّ: "من غير الصحيح استبعادُ أنّ فراعنة مصر حاولوا التأثيرَ على جزيرة العرب أو السيطرة عليها؛ لأنّ ذلك كان سيعطي غريمَهم البابليّ أو الآشوريّ الدائمَ التطلّع نحو التوسّع فرصةَ قطْعِ الطرق التجاريّة المارّة بالإقليم" (ص 62) ــ ــ وهذا كلامٌ منطقيٌّ ومحتمل الصّحة، ولكنّ التمادي فيه، وتحويلَ التأثير والسيطرة فترةً من الزمن إلى اندماجٍ حضاريّ بين الإقليميْن لن يكون دقيقًا تمامًا.

وفي إطار العلاقة بين مصر والجزيرة العربيّة، يتوقف منى عند "قائمة مجدو،" وفتوحات الفرعون توحتمس الثالث، ويحاول قراءتها وفق منهجيّته الفيلولوجيّة، فتتحوّل كلمة "العرين" الواردة باللغة الهيروغليفيّة لتكون من دون تصويت "عرتن،" التي يموضعها منى في ثلاث مناطق في عسير. وهناك أيضا "قدش،" التي اعتُبرتْ توراتيًّا خربة قدس، شمال فلسطين على نهر العاصي؛ فالباحث يرجِّح أن تكون "الكدس" في رجال ألمع، أو أخرى في تهامة والزهران. أمّا كلمة "مكت،" تل المتسلّم، التي تُعتبر توراتيًّا مجد، فالباحث يرجّح أن تكون مكّة المكرَّمة، "مكت."(3) وهذه أمثلة قليلة من كثيرة، يقال بصددها ما يقال بصدد كلماتٍ كثيرةٍ أخرى عالجها منى، وسابقُه الصليبي، ولكنّها تعاني مقتلًا منهجيًّا، وهو فقدانُها السياقَ التاريخيّ والسندَ الآثاريّ ــ ــ دعْ عنك نقاطَ ضعفٍ أخرى.

وفي نقاش منى لقائمة الشعوب التي تذكرها التوراةُ، وسيرًا على نهج الصليبي، يستنتج أنّ الكوشيين في الحبشة، وأنّ الذين غزوْا أو سيطروا على أجزاء من الحجاز واليمن وعسير هم من الكوشيين العرب، ويسمّيهم "عربَ الجنوب." ودليلُه هو ما ورد من ذكر الأغنام والجمال والخيم التي غنمتْها مملكةُ يهوذا. والسؤال هنا: هل كانت الجمال والغنم والخيم حكرًا على العرب عهدَ ذاك؟! ألم يكن العبرانيون وغالبيّةُ شعوب الشرق تعيش حالةَ البداوة، إلّا مَن استقرّ لعدّة قرون على ضفاف الأنهار الكبرى كالنيل والرافديْن، فأصبحوا مجتمعاتٍ زراعيّة؟ أمّا شعب كنعان، فيقول عنهم إنّ المقصود بهم عربُ الجنوب لا فينيقيّو بلاد الشام ــ ــ(4) ودليلُه ضعيف جدًّا؛ فهو يخلو من المقاربة التحليليّة الصوتيّة نفسها، على ضعفها. وهو يقول على الصفحة نفسها "إنّ سكّان الساحل الشاميّ لم يطلقوا على أنفسهم اسم ’الكنعانيين‘ بل كانوا يعرِّفون أنفسَهم باسم ’أهل صور‘ و ’أهل صيدا‘ و’أهل جبيل‘. أما مسألة الكنعانيين فهي مسألة معقّدة وأتجنّب الخوضَ فيها الآن" ــ ــ وهذه حجّة ضعيفة جدًّا لأنّها تنطبق على جميع شعوب العالم، التي يُسمَّى أهلُ المدن فيها بأسماءِ مدنهم، لا بأسماء انتماءاتهم اللغويّة أو القوميّة.

وأخيرًا، فإنّ المنهجية التي يعتمدها الراحل الصليبي، ومن بعده الباحث منى، لا يمكن إدراجُها ضمن "النقد التوراتيّ،" أي الذي يستهدف التوراةَ من مواقع نقديّة جذريّة تكشف عن كون أسفاره القديمة متناقضةً وخرافيّةً ولاتاريخيّةً. وإنّما هي كتاباتٌ إصلاحيّة، تروم تصحيحَ قراءة التوراة. وهذه "التصحيحيّة" تعني، ضمنًا، اعترافًا بصحّة التوراة التاريخيّة، أيْ بكونها كتابًا تاريخيًا يُعتدّ به كلِّه في جميع الأحوال والظروف وهذا أمرٌ مناقضٌ لأسس المدارس النقديّة التوراتيّة.

إنّ هذه الكتابات، وإنْ شكّكتْ في عددٍ من مقاطع التوراة، فتشكيكُها صوتيٌّ وفيلولوجيّ. إنّها أقربُ إلى أن تكون مدرسةً تستهدف بناءَ جغرافيةٍ تاريخيّةٍ جديدة للتوراة، بدلًا من السائدة منذ قرون. غير أنّ هذه المدرسة في التحليل، على الرغم من نقاط ضعفها الأكيدة والخطيرة، تفتح البابَ واسعًا على موضوعٍ تجب الكتابةُ فيه باعتماد مناهجَ لا تقتصر على المقابلة اللغويّة والصوتيّة فقط، بل تبحث موضوعَ علاقة جزيرة العرب كلّها، وتكشف دهاليزَ ذلك التاريخ المديد الذي ما يزال يخبّئ الكثيرَ من المفاجآت.

والحقيقة أنّ هناك الكثير ممّا يقال في هذا الصدد، وخصوصًا من النوع المدعَّم بالأدلّة الآثاريّة البابليّة والآشوريّة والفرعونيّة. وهذا ما قد يؤدّي الى فتوحات جديدة في العلوم القريبة من حقول التاريخ القديم، بما فيها العلومُ التوراتيّة النقديّة، ولكنْ من دون الاعتماد الأوحد على الفيلولوجيا والإتيمولوجيا المقطوعةِ الجذور عن التاريخ الحقيقيّ القديم والحديث.

***

 ننتقل الآن إلى كتابات الباحث فرج الله صالح ديب، وهو من مواليد جنوب لبنان، وله مؤلَّفات عديدة عن اليمن والتوراة وكمال الصليبي. لكنْ يؤسفني أنّني لم أحصل على نسخة من كتابه الأهمّ، التوراة العربيّة وأورشليم اليمنية. ولذلك سأكتفي بإدراج مقتبسات من قراءة جيّدة لهذا الكتاب بقلم صقر أبو فخر (مجلة الدراسات الفلسطينيّة، العدد 27، صيف 1996، ص 235)، بالإضافة الى قراءة في كتابه الذي في حوزتي: اليمن وأنبياء التوراة.

يكتب أبو فخر أنّ كتاب ديب يهدف "إلى البرهنة عن أنّ مسرح الحوادث التي ورد ذكرُها في التوراة كان في اليمن، ولا سيّما في محيط صنعاء بالتحديد؛ وأنّ التوراة هي، في الأصل، ذات منشأ عربيّ تمامًا؛ وأنّ القبائل التوراتيّة القديمة التي انتقلتْ من التحضّر إلى البداوة، بفعل التصحّر، اندثرتْ أو اندمجتْ بقبائلَ وشعوبٍ أُخرى، أو نَزَحتْ إلى أماكنَ مختلفة، فحملتْ معها حكاياتِها وأسماءَ رجالها التي جرى إسقاطُها، في ما بعد، على مواقع ومواضع متعدّدة في بلاد الشام، ولا سيّما في فلسطين."

نفهم من هذا المقتبس أنّ الاستراتيجيّة التأليفيّة لديب لا تختلف من حيث الجوهر عن استراتيجيّة الصليبي ومنى وآخرين، بل لا تختلف من حيث المنهجيّات والآليّات التحليليّة ذاتها. وهذا ما نفهمه أيضًا من المقتبَس الطويل الآتي من قراءة أبو فخر:

"فهو [ديب] لم يجادلْ قط في تاريخيّة النصّ التوراتيّ، على الرغم من إقراره بأنّه عبارةٌ عن زجليّات شفاهيّة عاشت في أفواه الناس طويلًا قبل أن يجري تدوينُها لاحقًا. ثم إنّه يكتفي باستخدام طريقة المقابلة اللغويّة وتطويعِ أحرف التصويت في الأسماء للوصول إلى جذرٍ أو صيغةٍ لفظيّة يمكن إقرانُها بأحد المواقع الجغرافيّة في اليمن. إنّ هذه النظريّة، الخطرة فعلًا، يَلزمها عدّةٌ بحثيّةٌ متكاملة كي تصل عمليّةُ الاستدلال والإثبات إلى غايتها العلميّة القصوى. ولا بدّ من أن تتضافر لهذه المهمّة خمسةُ علوم، بل خمسُ طرائق معًا، وهي: الآثار، والجغرافيا، والتاريخ المدوَّن، والتاريخ الشفهيّ، واللغة. وواقعُ الحال أنّنا في كتاب التوراة العربيّة وأورشليم اليمنيّة أمام طريقة واحدة فقط يستخدمها الكاتب، هي طريقة المُقابلة اللغويّة التي يعمَد إلى إسقاطها على الجغرافيا. إنّ الاعتماد على اللغة فقط، ثم إسنادَها بالجغرافيا، يمدّنا بآراء مختلفة في هذا المجال، ومتضاربة في أكثر الأحيان، وذلك فيه تعسّفٌ كبير. كما لا يمكن الركونُ إلى هذه النتائج إلا إذا أنْجدتها الأحافيرُ واللُقى والنقوش. وحده علمُ الآثار يُمكنه أن يَحسم، إلى حدّ كبير، الجدلَ والتناقضَ والاضطرابَ والبلبلة. فلو اتّخذنا مدينةَ الناصرة مثالًا على ذلك، فإنّ معظم المصادر تعتبرها المدينةَ التي وُلد المسيحُ فيها قبل ألفيْ عام. وهذا يعني أنّها كانت آهلةً منذ عشرين قرنًا على الأقل. غير أنّ الحفائر فيها لم تُثبت، حتى الآن، أنّ الناصرة كانت آهلةً إلّا منذ ٨٠٠ عام فقط. لذلك، فإنّ العلم مضطرّ إلى الشكّ في قصّة مولد المسيح في الناصرة... وهكذا، فلكي تكون النتائج التي توصّل ديب إليها يقينيّةً وعلميّةً وتاريخيّةً في آن، فإنّ على الحفائر أن تؤكّدها، فتبرهن أنّ هذه القرى ذات الأصل التوراتيّ (من ناحية التسمية) كانت آهلةً حقًّا في التاريخ المفترض لظهور قبائل التوراة. والحال أنّ الكتاب لا يفصح عن ذلك بتاتًا، بل إنّه لا يستخدم علمَ الآثار ومكتشفاته في اليمن في جملة وسائله المنهجيّة."

ممّا تقدّم في قراءاتي، أجدُني متفقًا مع أبو فخر في استنتاجاته وتحليلاته. وسيكون من المفيد أن نلخّص طريقةَ عمل الباحثين المتقدمّة أسماؤهم، بالإحالة على مقتبس طويل آخر من قراءة أبو فخر:

"سأتعسّف قليلًا في المقارنة، وإنْ كان لا يوجد في هذا التعسف ضيمٌ أو ضيْر. فقد حدّد الدكتور الصليبي أكثرَ من ٩٠ في المئة من الأسماء الواردة في التوراة على خريطة عسير ونجران.  وأثبت الدكتور منى ٣٤٩ موقعًا توراتيًّا في المنطقة ذاتها تقريبًا. وها هو الأستاذ فرج الله ديب يؤكّد، بيقينٍ عالٍ، أنّ الأسماء التوراتيّة موجودة في اليمن بلا ريب؛ فهو مقتنع، مثلاً، بأنّ قرية محنايم التوراتيّة موجودة في اليمن باسم آل مَحْن جنوب ردّاع، في حين أنّ الدكتور الصليبي يجعلها في القنفذة بنجران، واسمها هناك أم مناح. ويخبرنا الدكتور الصليبي أنّ صُور التوراتيّة هي زور في نجران، وأرواد هي رواد في عسير، وأنّ الجليل يقع جنوبَ الطائف، وحرمون هو حمران في الحجاز، والفرات هو فرت، ومصر هي المصرمَة في عسير الداخليّة، وأريحا هي يرحو، وجبل نبو أو جبل موسى هو جبل نبوة، وأنّ أسباط إسرائيل الاثني عشر، من رؤوبين حتى بنيامين، هم الآن في الحجاز؛ في حين أنّ هؤلاء أنفسهم، وغيرهم الكثير من المواقع والرجال والأسباط حتى جنّة عدْن وبلاد نَوْد والأنهر الأربعة، موجودون الآن لا في عسير، بحسب الدكتور الصليبي، بل في اليمن، بحسب الأستاذ ديب. وبما أنّ الموقع نفسه لا يمكن أن يكون موجودًا في اليمن والحجاز في الوقت عينه، فقد حرنا أيّما حَيرة..."

إنّ أبو فخر، عبر هذه المقارنة، محقّ من الناحية البحثيّة في أسئلته وتساؤلاته هذه. لكنْ يصعب الاتفاقُ معه في أمرين. الأوّل في ما يُفهم منه من تعويلٍ أوحد على "الأحافير،" أيْ ما يقدّمه علمُ الآثار. وهذا التعويل لا يفي بالغرض، وهو في حاجةٍ إلى العلوم الأخرى القريبة، التي قدّرها أبو فخر في بداية قراءته بخمسةٍ على الأقل. والأمر الثاني هو ما خلص إليه في نهاية قراءته حين قال: "إنّ قراءة النصوص التوراتيّة في ضوء جغرافية اليمن محاولة جريئة وفريدة ومُمتعة، ولا شكّ في أنّها قدّمتْ أساسًا معرفيًّا أوّليًّا يحتاج إلى الكثير من الجهد لإعلائه وإكسائه وإتمامه. وهذه ليست مهمّة الأستاذ فرج الله صالح ديب وحده، إنّما هي مهمّةٌ جبّارة تحتاج إلى جهد متضافر من أهل الاختصاص والخبرة. وإنّ ما فعله الأستاذ فرج الله هو أنّه فتح الأبوابَ ومهّد السبل. وفي هذا ريادةٌ وفضلٌ كبير ومكرمةٌ لا تضاهى." هذه الخلاصة تبدو لي ذاتَ منحًى مجاملاتيّ، بعيدةً عن شروط البحث العلميّ الصارمة. فأيُّ بحث هذا الذي يكون أساسُه قائمًا على المقابلات اللغويّة الفيلولوجيّة العشوائيّة؟ وأيّ أبواب بحثيّة سيَفتح إذا كان الأساسُ البحثيّ ناقصًا، أو خاطئًا، أو قائمًا على الأوهام؟ ولكنّني اتفق مع أبو فخر في أنّ محاولة ديب، وقبله الصليبي ومنى واللاحقون لهما، لا تخلو من متعة المغامرة البحثيّة وجرأة التحدّي بهدف الاكتشاف.

ننتقل الآن إلى الكتاب الثاني للباحث ديب، اليمن وأنبياء بني إسرائيل: هل جاء المسيحُ إلى صنعاء؟، الذي يعتبره مؤلِّفُه "استكمالًا لأطروحاتنا في أنّ التوراة عربيّة، وأنّ أورشليم يمنيّة." ويركّز على ما قدّمه علمُ الآثار في الكيان الصهيونيّ ممّا سمّاه "تسفيهًا لنظريّة أرض الميعاد في فلسطين." ولكنّ أحدًا من العلماء الإسرائيليين لم يسفِّه جغرافيّةَ التوراة في فلسطين، وإنّما حاولوا استخدامَ انعدام الأدلّة الآثاريّة الواضحة على أنّ التوراة كتابٌ خرافيّ وليس تاريخيًّا. كما شكّكوا في مكانة أورشليم ـــ القدس، وفي علاقتِها بالسرديّة اليهوديّة العبرانيّة، وبشخصيّات توراتيّة كبرى، بينهم أغلبُ أنبياء بني إسرائيل وملوكِهم المشهورين. ولكنّهم، وخصوصًا في كتاب فنكلشتاين وزميله سلبرمان، التوراة اليهوديّة مكشوفةً على حقيقتها، قدّموا مكتبةً هائلةً من الأدلّة الآثاريّة الموثّقة لتكون دليلًا يؤكّد فلسطينيّةَ الجغرافيا التوراتيّة. وهذا ما فشل دعاةُ الجغرافية التوراتيّة اليمنيّة والعسيريّة في إنجاز واحدٍ في المائة منه، ولم يقدِّموا أثرًا أركيولوجيًّا واحدًا يُسندون به تحليلاتِهم الفيلولوجيّة.

لم يعثر فنكلشتاين وزملاؤه على أدلّةٍ تُثبت وجودَ الشخصيّات المهمّة الواردة في التوراة؛ أدلّةٍ كتلك التي أثبتتْ مثلًا أنّ سرجون الأكديّ ملكٌ حقيقيّ، بدليل المسلّة الحجريّة التي تخلّد أعماله. إنّ ما قدّمه علمُ الآثار، وخصوصًا على يد علماء إسرائيليين ذكرهم ديب، لم يسفِّهْ موضوعةَ "أرض الميعاد" كموضوعةٍ دينيّةٍ وردتْ في التوراة، ولم يسفِّه فلسطينيّةَ الجغرافيا التوراتيّة، بل شكّك الباحثُ الإسرائيليّ في أن تكون أورشليم ــــ القدس الحاليّة هي أورشليم التوراة، وذلك لعدم العثور على أدلّة آثاريّة حاسمة في هذا الصدد. هناك فرق كبير، إذن، بين تسفيهٍ حقيقيّ يطاول تاريخيّةَ التوراة والأنبياء الوارد ذكرهم فيها، ويطاول طبيعةَ أورشليم ــــ القدس، من جهة؛ وبين تسفيهٍ يزعمه ديب، ويطاول الجغرافيّةَ التاريخيّة للتوراة ككلّ من جهة ثانية.

أمّا قول ديب إنّه يفعل ذلك بهدف نقض الإيديولوجيا الصهيونيّة حول أرض الميعاد، فهو قول ملتبس تمامًا، لأنّ هذا النوع من "النقض" ينطوي ضمنًا على الاعتراف بجوهر الوعد التوراتيّ حول أرض الميعاد؛ فكأنّ مَن ينقضه يقول لزاعميه: "أرضُكم الموعودة ليست هنا بل في عسير أو اليمن!" إنّه المنطق المغلوط ذاته الذي ينطوي عليه كلامُ منتقدي الصليبي، من كتّابٍ سعوديين وغير سعوديين، لأنّهم اعتقدوا أنّه يسهِّل مهمّةَ الحركة الصهيونيّة في الاستيلاء على عسير أو اليمن؛ وهم بهذا، يوافقون ضمنًا، على مزاعم الصهاينة في فلسطين، وكأنّهم يقولون لهم: "عسير لنا، فابحثوا عن وطنكم حيث أنتم!"

إنّ نقض الإيديولوجيا الصهيونيّة لا يتمّ على طريقة رمي الرضيع مع ماء الغسيل القذر، وإنّما بالبحث العلميّ الموثّق والمُعتمِد على العلوم التجريبيّة وغير التجريبيّة ذاتِ المساس بحقول التاريخ والأنثروبولوجيا، وبعيدًا عن "الخبطات" الإعلاميّة. لنقرأ التفاصيل التي يطرحها الباحثُ في مقدّمة الفصل الأول؛ فهي تختزل ما عنيناه في ملاحظاتنا السالفة: "أرض الميعاد وخطأ إسقاط جغرافية التوراة على فلسطين. فبعد تحقيق مجلة تايم بتاريخ 18/12/1995 بعنوان ’هل التوراة واقعٌ أم خيال؟‘ جاءت مجلة لو نوفيل أوبزرفاتور الفرنسيّة عدد 18 في  24/7/2002 لتنشر تحقيقًا على امتداد عشر صفحات بعنوان ’الطوفان، إبراهيم، موسى، الخروج، التوراة الحقيقة والأسطورة..." فحتى من خلال هذه الفقرة الصغيرة، يتبيّن لنا أنّ ديب يُحاول خلط فرضيّته البحثيّة، التي خلاصتُها "خطأُ إسقاط جغرافيّة التوراة على فلسطين،" بالتحقيقات الصحفيّة عن موضوع آخر تمامًا، هو خرافيّة التوراة وبعض الشخصيّات والأحداث الكبرى في التوراة (كإبراهيم، والطوفان،...). فهل هذا الخلط من الأمانة العلميّة في شيء؟

ولا يقتصر الأمر على العناوين، بل نجده مبثوثًا في الاقتباسات أيضًا. مثلًا، الاقتباسات التي أوردها ديب عن مقابلةٍ مع فنكلشتاين تتحدّث عن عدم العثور على أدلّة آثاريّة تؤيّد تاريخيّة التوراة في فترات معيّنة في فلسطين، ولا يعني كلامُ فنكلشتاين تأييدًا لجغرافيّة التوراة اليمنيّة أو العسيريّة التي يقول بها ديب وغيرُه. لقد كان علمُ الآثار الإسرائيليّ يبحث عن أدلّة تدعم روايات التوراة عن الأحداث المهمة والشخصيات الكبرى التي تحدث عنها، وفنكلشتاين يعترف في المقتبس الذي أخذه عنه ديب بأنّ النصّ التوراتيّ كُتب أوّلًا عند نهايات مملكة يهوذا، أيْ في حدود القرن السابع قبل الميلاد، وأُكمل خلال فترة السبي في بابل بعد ذلك، وخلال العودة الأولى من بابل في القرن السادس ق.م، كما يقول فنكلشتاين لاحقًا. ويخلص من ذلك إلى القول الآتي: "إنّ قسمًا كبيرًا من التوراة كان دعائيًّا وأسطوريًّا. أمّا القسم الذي كُتب من التوراة في زمن يوشيا، فكان بهدف دعم مملكة هذا الأخير، وليس المقصود ــــ كما يؤكّد فنكلشتاين ــــ عدمَ تطابق الآثاريّات في المحيط، في مصر وآشور، مع نصّ التوراة وأنّ النصّ التوراتيّ اليوشاويّ كان مبتدَعًا كلّيًّا. ذلك أنّ التاريخ ينفع في الإيديولوجيا، وكان على كاتب النصّ الإشارة إلى أساطير مبنيّة حول أبطال سابقين انتقلتْ أخبارُهم من جيل إلى جيل."

إنّ فنكلشتاين، كما يتضح من هذا المقتبس، في وادٍ، وديب وزملاءه في وادٍ آخر. فالأوّل يشكّك في تاريخيّة التوراة، ويشتبه في أنّه كتاب إيديولوجيّ كتبتْه سلطاتُ الملك يوشيا في فلسطين، ويهدف إلى دعم الملك والمملكة بأساطير توراتيّة سابقة. ولا علاقة لهذا الكلام بما يريد ديب إثباتَه أو مقاربته، وهو نقض الجغرافيا الفلسطينيّة لتاريخيّة التوراة والعبرانيين. وجميع المقتبسات التي جاء بها ديب هي على هذا المنوال.

أمّا حين ينتقل ديب إلى نفي وجود أريحا الفلسطينيّة الألفيّة، فهو يكتب: "لا أثر لأريحا التي دمّرها يشوع." ثم يقتبس ما كتبه الصحافيّ جان لوك بوتييه، ومفادُه أنّ علماء الآثار بحثوا عن أثرٍ للحصون التي دمّرها يشوع بأبواقه فلم يجدوا، ولهذا فإنّ مدينة يرخو (أريحا) لم تكن موجودةً في القرن الثامن ق.م.(5) وعلى هذا يُسارع ديب، بكلّ خفّة، إلى البحث عن أريحا في اليمن، ليجد اسمَ قرية هناك يُشبه اسمَ أريحا صوتيًّا!

وحقيقة الأمر أنّ أريحا الفلسطينيّة واحدةٌ من أقدم مدن العالم، وقد تأسّستْ في موضع من المواضع النطوفيّة القديمة(6) زهاء العام 8000 ق.م، واستمرّت المرحلةُ الأولى من وجودها نحو ألف سنة. بلغ عددُ سكّان أريحا آنذاك ألفيْ نسمة، ومساحتُها ثلاثة هكتارات، وكان حولها سورٌ يحيط بها. اندثرتْ أريحا الأولى أواسط الألف الثامن، ومرّت بمرحلة فراغ حضاريّ حتى العام 7300 ق.م، ثمّ عادت إلى الظهور من جديد. أما الحياة الدينيّة فيها، فكانت شديدة التطوّر زهاء العام 5000 ق.م، إذ اكتُشِفَ فيها معبدٌ يرقى إلى ذلك العام، فضلًا عن تماثيل تمثّل الأب والأمّ والابن ــ ــ ما يعني أنّ الأُسرة كانت قد استقرّت إلى حدّ بعيد في الألف السادس ق.م.(7) ويستعرض يوسف اليوسف تاريخَ أريحا من العصور "القبتاريخيّة"(8) إلى العصور التاريخيّة، مع كافّة التفاصيل والمكتشفات والأدلّة المادّيّة الآثاريّة. فأين كلامُ ديب وزملائه حول أريحا اليمنيّة أو العسيريّة، من أريحا الفلسطينيّة ذات الثمانية آلاف سنة قبل الميلاد، بعد كلّ هذا التوثيق المدعَّم أركيولوجيًّا؟

إنّ ما يقوم به ديب وزملاؤه ــــ مع وافر الاحترام لجهدهم العمليّ وحقّهم المطلق في الاجتهاد ــــ هو، علميًّا، على النقيض ممّا قام به بعضُ الباحثين الإسرائيليين الذين استهدفوا تاريخيّةَ التوراة القديمة وأثبتوا خرافيّتَها وخياليّتَها. فقد قام ديب وزملاؤه بتأكيد تاريخيّة التوراة وحقيقيّتها حين أكّدوا وجودَ شخصيّات توراتيّة مشكوك في تاريخيتها وحقيقيّتها ولكنّهم زعموا أنّ وجودها لم يكن في فلسطين بل في اليمن أو عسير.

***

ننتقل الآن إلى كتاب أحمد عيد، جغرافية التوراة في جزيرة الفراعنة (1996). إنّ قراءة هذا الكتاب نقديًّا عمليّة مربكة في ضوءِ ما يطرحه، وبالطريقة التي يطرحُه بها؛ إضافةً إلى انعدام أيّة معلومات عن مؤلِّفه واختصاصه ودرجته العلميّة وأبحاثه الأخرى في هذا الميدان (الطريف أنّ هناك شيئًا من المعلومات عمّن كتب مقدّمةَ الكتاب التي لا تتجاوز نصفَ صفحة). ولم نعثر على أيّ مقالات لكتّابٍ كتبوا عن هذا الكتاب، باستثناء صفحةٍ على الانترنيت تُدعى "يمرّس" أعادت نشرَ الكتاب مختصرًا، ومُعدًّا من قبل شخص آخر، وبطريقة بدائيّة (9)

ومن ناحيةٍ أخرى، فالكتاب يضمّ حشدًا هائلًا من المعلومات من الفترة الفرعونيّة لا يمكن أن يخوض فيها شخصٌ غيرُ متخصّص في العلوم التاريخيّة والإناسيّة والآثاريّة. ولكنّ قراءته ليست سهلةً لغير المتخصّصين، ولا للمتخصّصين الذين يفرّقون بين التأليف المنهجيّ والتكديس العشوائيّ للمعلومات بهدف البرهنة على فرضيّةٍ ما.

ولنبدأْ من البداية. فبعد المقدّمة القصيرة للدكتور أحمد الصاوي، من كلّيّة الآثار بالقاهرة، ينشر المؤلِّف أقوالًا لكتّاب آخرين، ليوحي بصحّة توجّهات كتابه العامّة، ومنها: أنّ الفراعنة عربٌ ساميّون، بعكس رعاياهم؛ وأنّ الجغرافيا التوراتيّة هي في اليمن لا فلسطين. ثمّ يوجِّه تحيّةً إلى الباحث الهولنديّ توماس طومسون، صاحب كتاب التاريخ القديم للإسرائيليين، الذي تسبّب في طرده من منصبه التدريسيّ.

بعد ذلك تطالعنا فقرةٌ قصيرة بعنوان "أرض الوعد،" ويقتبس فيها المؤلّفُ من التوراة بعضَ ما تعلّق بأرض الميعاد. ثم يكتب الخلاصات الآتية: "في رأينا أنّ النبي سليمان... لم يكن ملكًا مستقلًّا، ولم يكن لبني إسرائيل مملكةٌ حكموها باستقلالٍ عن الفراعنة. فقد كان سليمان واليًا للبلاط الملكيّ الفرعونيّ." ويقتبس من الاصحاح الثالث من سِفْر الملوك الأوّل عن صعود فرعون، وأخْذِ "جاذر" وإحراقِها بالنار، وقتلِ الكنعانيين الساكنين في المدينة، وإعطائها مهرًا لابنته امرأةِ سليمان. وما إنْ يغلق المقتبَسَ حتى يسجِّل أنّ جاذر "بلدة على ساحل حضرموت."(10) وفي الفقرة التالية، وعنوانُها "تانيس ــــ أواريس ــــ بر رعمسيس،" يعرض عيد آراءَ بعض المؤرِّخين، ويقول إنّهم استقرّوا على أنّ هذه الأسماء الثلاثة تشير إلى مدينة واحدة. ثم يخلص إلى أنّ تانيس هي:

"نيس تا الهيروغليفية = أرض. ونيسا، جبل من بلاد حاشد غربيّ عفار، يفصل بينه وبين عفار وادي ثعلان. وعفار جبل في كحلان بالشمال الشرقيّ من حجّة باليمن. ونيسا، أيضًا، عزلة من ناحية المغربة من أعمال حجّة باليمن. ونيسان، بالنون اليمنيّة، عزلة من ناحية الحدا وأعمال ذمار باليمن."((11)

نحن، من جديد، إزاء تخريجاتٍ فيلولوجيّة لا يضبطها أثرٌ أركيولوجيّ، أو تحديد تأريخيّ دقيق لأسماء المدن والمواقع اليمنيّة المذكورة، ولا تسلسلٌ زمنيّ.

ويفرد الكاتب فصلًا خاصًّا لأصل المصريين، وفيه يعلن أنّ الفراعنة عرب، مسجِّلًا أنّ هذه الفكرة "حقيقةٌ سجّلها المسعودي، وردّدها الطبري، وأكّدها الفراعنةُ في نقوشهم ومتونهم،" مقتبسًا تنسيباتٍ ارتجاليّةً، تكرّرها المصادرُ القديمة، نقلًا عن الموروث في الذاكرة الجماعيّة ما قبل مرحلة التدوين العربيّ، وعن "الإسرائيليّات" التي شاعت بعد صدر الإسلام، ولا يسندها سندٌ حقيقيّ. ومن ذلك ما اقتبسه عن الطبري ويقول فيه: "ولد سام عابر وعليم وأشوذ وأرفخشذ وولاوذ وإرم وكان مقامه بمكّة، ومن ولد أرفخشد الأنبياء وخيار الناس والعرب كلها والفراعنة بمصر،" أو كاقتباسه التالي عن الطبري، في معرض كلامه على عروبة إبراهيم وعروبة الحضارة الفرعونيّة: "وعن الطبري عن سعيد بن جبير قال: لما حملتْ حوّاء في أول ولد ولدتْه حين أثقلتْ، أتاها إبليس قبل أن تلد، فقال: يا حوّاء، ما هذا الذي في بطنك؟ فقالت: ما أدري. فقال: من أين يخرج من أنفك أمْ من عينيك أمْ من أذنك؟ فقالت: لا أدري..."(12) فهل يمكن تصنيف هذا الكلام ضمن البحث العلميّ؟

أمّا الأدلّة من النقوش الفرعونيّة التي تؤكّد عروبةَ الفراعنة، فلا نجد سوى اقتباسات من الهيروغليفيّة، مقروءةً بطريقة خاصّة بالمؤلف، ولا تبتعد كثيرًا عن الطريقة العشوائيّة في التحليل الفيلولوجيّ، كقوله إنّ الفراعنة سمّوا أنفسَهم على الآثار "روث" (أو لوث، أو لوت، أو لود...)، ومعناها عندهم أصلُ البشر، الأمرُ الذي يُؤكّد (في زعمه) عروبةَ الفراعنَة وساميّتَهم، وأنّ جذورهم من الجزيرة العربيّة ــ ــ هكذا بكلّ بساطة، وبخلطٍ لا يستقيم علميًّا، بين معطيات الأركيولوجيا والتاريخ والفيلولوجيا.

والخُلاصَة التي ينتهي إليها عيد هي أنّ الفراعنة ليسوا مصريين؛ فالفراعنة ساميون والمصريون حاميون. وفي موضع آخر، يؤكّد الكاتب أنّ أصل الفراعنة هم العماليق بعد أن نزحوا من اليمن إلى شمال الجزيرة (اليمامة) وإلى مصر، وأنّهم نقلوا معهم أسماءَ الأماكن التي كانوا يسكنونها في اليمن، وكذلك معتقداتهم وأديانهم.

وهناك أمثلة كثيرة تدلّ على طريقة الكاتب التأليفيّة، وهي أمثلة لا تحتاج إلى تعليق أو مناقشة، لانعدام جدّيّتها البحثيّة. ولو أنها قيلت بطريقة دقيقة، من خلال منهجيّة بحثيّة صحيحة، لكان من المُمكن الاستفادةُ منها ومناقشتُها وتحليلها. 

ومع ذلك، فكتاب عيد لا يخلو من الالتماعات والنصوص المكتوبة بنوع من الحِرَفيّة والأكاديميّة هنا وهناك، بما يجعلها قابلةً للنقاش العلميّ، وخصوصًا في معرض كلامه على الدولة القديمة في جزيرة العرب، وعلى الهكسوس، ورحلة الحاجة إيثيريا إلى الأرض المقدسّة، التي يزعم الكاتب أنّها في اليمن. لكنْ على الرغم من أنّ المؤلف أكّد في إحدى فقراته السالفة رفضَه للصهيونيّة ولمزاعمها التوراتيّة في فلسطين، فإنّ ما يلفت هو تطرّقُه المتعجّل إلى الحديث الذي نسبه ابنُ إسحاق إلى أمّ هانئ، إحدى زوجات النبيّ محمّد، حول "الإسراء والمعراج،" بما يؤكّد ــــ من وجهة نظره ــــ أنّ رحلة النبيّ قد تمّت إلى بيت المقدس في اليمن، لا إلى بيت المقدس في فلسطين، وعلى اعتبارٍ يُصرِّح به المؤلِّف، وهو أنّ شمال اليمن يدعى الشام، وذلك من دون أن يوثّق كلامه أدنى توثيق. بل استنتج عيد من متن الحديث أنّ رحلة الرسول "كانت إلى الجنوب مرورًا بضنكان إلى بيت المقدس في اليمن." (13) وكلامُ عيد هنا غير صحيح أبدًا من الناحية الجغرافيّة؛ فضجنان شمال مكّة. والواضح أنّ الكاتب قرأ الاسم خطأ فتحوّل في قراءته من "ضجنان" كما ورد في جميع المصادر الإسلاميّة إلى "ضنجان." وعلى افتراض أنّه يقصد "ضجنان" وأنّ خطأً مطبعيًّا وقع عند كتابته الاسم، فهذا الاستنتاج الذي يطرحه مغلوط تمامًا. والدليل أنّ اسم "ضجنان" يأتي بمعنيين. الأول جبل ضجنان، شمال مكّة، وفي الطريق منها إلى المدينة ("رُوِي عن عُمَر أنّه أَقْبَل حتى إذا كان بضَجْنانَ، قال: هو موْضعٌ أو جَبَلٌ بين مكّة والمدينة").(14) والثاني، "ضجنان حَرَّة ـــ أيْ أرض ذات حجارة سوداء ــــ شمال مكّة... تُعرف اليوم بحرّة المحسنية." ((15)

كان ينبغي للباحث عيد أن يتفادى الوقوع في هذا الخطأ الإملائيّ الصغير الذي تحوّل إلى خطأ علميّ ومنهجيّ، وربما لامس ما هو ثقافيّ وسياسيّ، تحت وطأة تحّمسه لِما ظنّه اكتشافًا علميًّا، خصوصًا وهو يُعلن في كتابه عن مواقفه الحضاريّة السليمة المناهِضة للحركة الصهيونيّة ودعواتها الضالة المضلِّلة. ورغم ذلك، فإنّ ما طرحه الباحث يبقى اجتهادًا قابلًا للأخذ والردّ والتصويب والتخطئة، ولا يُمكن تحميله أكثر ممّا ورد فيه ضمن نطاق حريّة البحث العلميّ وإبداء الآراء.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي.

.......................

* نص مكثف من دراسة طويلة لعلاء اللامي، ضمن كتاب يصدر قريبًا بعنوان:  نقد الجغرافية التوراتيّة العسيريّة واليمنيّة ودراسات أخرى.

[1] - زياد منى، جغرافية التوراة: مصر وبنو إسرائيل في عسير (بيروت: دار رياض الريّس، ط 1 ، 1994)، ص 16.

[2] - المصدر السابق، ص 33.

[3] - المصدر السابق، ص 71.

[4] - المصدر السابق، ص 105.

[5] - فرج الله ديب،  اليمن وأنبياء التوراة: هل جاء المسيح إلى صنعاء ؟ (بيروت: دار رياض الريّس)، ص 19.

[6] - نسبة الى وادي النطوف، شمال غرب أورشليم القدس.

[7]  ـ يوسف سامي اليوسف، تاريخ فلسطين عبر العصور، ص 20.

[8]  ـ "القبتاريخيّة" مصطلح من مبتكرات هادي العلوي، ويعني به "ما قبل التاريخ،" على اعتبار أنّ العصر التاريخيّ بدأ مع ابتكار الكتابة المسماريّة في إقليم سومر جنوب العراق.

[9] -موقع يمنيّ: yemeress.

 [10] - أحمد عيد، جغرافية التوراة في جزيرة الفراعنة (القاهرة: مركز المحروسة، ط 1، 1996)، ص 13.

[11] - المصدر السابق، ص 16.

[12] - المصدر السابق ص 34.

[13]- المصدر السابق، ص 19.

[14] - مرتضى الزبيدي، تاج العروس، مادة ضجن.

[15] -موسوعة السيرة، معجم الأماكن ، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف السعودية على الانترنيت.