518 إيهاب حسنأهداني صديقي الشاعر صفاء ذياب صاحب دار شهريار في البصرة كتاببين من مؤلفات إيهاب حسن هما: (أوديب) أو تطور ما بعد الحداثة، وتحولات الخطاب النقدي لما بعد الحداثة، وعلى الرغم من حداثة دار شهريار في النشأة إلَا أن صاحبها الشاعر صفاء ذياب تمكن من وضع بصمة له ولدار النشر التي يترأسها يُمكن لنا أن نقول عنها أنها دار عراقية تمكنت بزمن قصير أن تكون مُشاركة في صناعة ثقافة تنويرية بأفق عربي ودولي.

هذان الكتابان من ترجمة السيد إمام، الأول هو مجموعة من الدراسات والحوارات عن فكر إيهاب حسن، والثاني من تأليف إيهاب حسن نفسه.

السيد إمام هو مُترجم وناقد مصري من أهم ترجماته هي ما قدمه للثقافة العربية من تعريف بنتاج المعماري و الأديب والمُفكر المصري الأصل، الأمريكي الجنسي إيهاب حسن.

ولد إيهاب حسن في القاهرة 1925، وسافر بعد تخرجه من الهندسة إلى أمريكا، ولكنه يقول" "لا أحب الهندسة، أحب الأدب"، فدرس الأدب الإنكليزي وحصل على الدكتوراه عام 1953، وبعدها درَس في العديد من الجامعات الأمريكي، له نتاج ومؤلفات عديدة، جُلَها تدور حول التنظير لفكر ما بعد الحداثة.

يعترف الفيلسوف الفرنسي ليوتار بمديونيته الفكرية لإيهاب حسن.

يهتم بكتابة المذكرات، كتب سيرته الذاتية وهو يؤمن بما يُجه له من نقد، لأن في النقد تقويم وتقييم، وكل ناقد حصيف إنما هو يُضيف للنص ولكاتبه من فيض قراءاته لأن كل كتابة فيها ذلك العنصر الذي هو الذات، والناقد هو الذي يُعيد انتاج الذات ويُضيف على نتاجها بعض من البهاء.

يرغب إيهاب حسن بالتدريس أكثر من رغبته في أن يُعرف ككاتب في ما بعد الحداثة. وإن كان لا يُصرح بكرهه "لأسلوب الكتابة المُتبع في الجامعة في الوقت الراهن.

لم يكن يوماً يهيم إنه بالتجريد لاختلاطها بالرطانة في كثير الأحيان.

الكُل يُريد أن يكون مُنظراً، ولكن التنظير في حال اقترانه بالتجريد وتغييب المعنى عند العامة والهامشيين إنما هو محض هُراء.

يستمتع بالحياة كما يستمتع في القراءة، حتى قال "أنا لا أقبع في حجرة مكتبتي. أنا أرتاد كل بارات ميلووكي وأذهب لمُشاهدة مُباريات باكرز لكرة القدم.

يعترف إيهاب حسن بأسبقية الرسام البريطاني (جون واتكنز تشابمان) في استخدامه للمصطلح ما بعد الحداثة، ولكنه استخدمه بشكل عشوائي في سبعينيات القرن التاسع عشر، وبعدها استخدمه مفكرون كُثر، منهم (أرنولد توينبي)، ولكن ما ميز إيهاب حسن أنه تمكن من يستجلي هذا المصطلح ويضع له أطره التي تبناها فيما بعد مفكروا وفلاسفة ما بعد الحداثة.

لقد وضع إيهاب حسن حداً فاصلاً بين ظاهرتين في الفكر هما (الحداثة) و (ما بعد الحداثة) في مقال له بعنوان (نحو تصور لما بعد الحداثة)، ووضع بعض التقابلات بين المفهومين.

ما بعد الحداثة هي إنتماء للحياة بمُتعها وتغيراتها، وإنتماء لـ "اللعب" والسُخرية، والتعددية، والنسبية، والانشغال في الهامش على حساب المركز.

سمات ما بعد الحداثة

ـ عدم التحديد، أو النسبية واعترافنا بصعوبة الحسم لأن "المُبهمات تتخلل أفعالنا، وأفكارنا، وتأويلاتنا، إنها تُشكل العالم".

ـ التشظي و (التفتيت). إن فكر ما بعد الحداثة يُشظي ولا يثق سوى في الشظايا...إنه يُضل الكناية على الاستعارة، والشزوفرينيا على البارانويا. ما بعد الحداثة إعلان حرب على الكُلية والنزعة الشمولية بكل تمظهراتها.

ـ هيام ما بعد الحداثة في الإنزياح وخرق النسق والخروج عن الأعراف والقوانين والقيم الموروثة التي رسمتها السلطة وأمعنت في المحافظة عليها.

ـ نزوع الما بعد حداثيين لاتخاذ سُبل التهكم والسُخرية المُباشرة وغير المُباشرة الذي تفرضه طبيعة اهتماماتهم بالهامش بتشكلاته الفوضوية الخرجة عن هيمنة المركز أو المتن الثقافي أو السياسي السائد.

ـ التهجين والعمل على خرق نُظم الكتابة أو العما رة، فيما أسماه إيهاب حسن "اختلاط الأساليب" المعهودة عبر تهجين أنماطها لكسر تنميط الشكل الراكس ضمن أنساق ألفنا الوثوق بها عُرفاً فصرنا نرى كل مُغاير لهذه الأنساق أو الأنماط وكأنه يُشكل تهديد لما درجنا عليه، وكأننا نرى أن الدارج في الكتابة والحياة هو الحقيقي وكل ما غايره هو غريب عنَا وهجين، لذا نجد الما بعد حداثثين ينصفون هذا الهجين والغرائبي.

ـ العبثية في فلسفة ما بعد الحداثة وفنونها في التشكيل والشعر والسرد مثلت جوهر مُنطلقات مفكريها بجنونهم ونزعتهم الجامحة لخرق الألوف، ليسعى كثير منهم للكشف عمَا هو مُدنس تأنف البشرية بنزعتها المُحافظة عن تقديره لهيامه في تبجيل المُقدس لشيوعه لا لأنهم وثقوا به بعد تفحص جدواه عقلياً أو عملياً، لذلك نجد إيهاب حسن يدعو لتجاوز نزعة التقديس ليس فقط في هيمنتها في الأوساط الاجتماعية والدينية، بل ونقد حضورها في الفن والكتابة والسياسة.

 

د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

 

صالح الطائيلطالما وقفت متحيرا أمام الكم الكبير من النصوص الإسلامية التي تنضوي على عنف همجي غير مبرر، لا يمكن أن يتساوق إطلاقا مع فهمي للدين الإسلامي، فأنا نظرا لكوني دائم البحث والتنقير والتقصي في جوهر العقيدة وأركانها وأصولها وفروعها وتطبيقاتها، كنت في كل مرة أنتهي من تأليف كتاب أو انجاز بحث أو مقال، أزداد يقينا وقناعة بأن روح السلام والتسامح والمحبة والوئام والتعايش في الإسلام تفوق ما هي عليه في الديانات الأخرى قاطبة، وأن قصص العنف والدموية والكراهية والغضب والاقصاء في النصوص الإسلامية أكثر من مجموع ما هي عليه في جميع الديانات الأخرى، ولطالما أرقني هذا التناقض الغريب، فمن المستحيل أن يجتمع النقيضان في كيان واحد، وهذا يعني ويؤكد أن أحدهما هو الصحيح والثاني مصطنع ومدخول على الأصل لا هو منه ولا يحمل من سماته ورؤاه شيئا.

إن عملية التمييز بين أصل الصورة النقي وظلها الباهت المشوه لا يمكن أن تتم بسلاسة ويسر نظرا لكم المرويات التي تدعم الظل المشوه من السعة والانتشار والشهرة بمكان؛ بما يجعله متفوقا على الأصل من حيث الشهرة والجمهور. وبالرغم من غرابة هذا التهافت إلا أن الاحتراب الذي وقع بين المسلمين أنفسهم بعد عصر البعثة مباشرة، كان أحد أهم روافد دعمه وتطويره وتحكيمه حتى بدا وكأنه هو الأصل. كما أن التكتلات الفئوية التي عادت إلى الظهور بعد وفاة النبي(ص) أسهمت بشكل كبير في تنميته والترويج له. وبمرور الأيام والسنين تحول ذلك الابتكار غير المحبوب إلى تراث تقوم عليه هيكلية الدين الإسلامي، وأصبح كل من يريد أن يعرف عن الإسلام شيئا أو كل من يروم الكتابة عن دين الإسلام يرجع إلى هذا الموروث تحديدا يستقي منه ما يبغي.

ولم تتم معاملة هذا الموروث بنوع من الخبث، ولم يستخدم سلاحا تسقيطيا في معركة التشهير إلا في العصر الاستعماري ما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حيث ولد المنهج الاستشراقي الذي انتقى أشد النقاط سوداوية، وسلط الأضواء عليها، وأمدها بالحياة بعد أن كانت ميتة.

إن توظيف مخرجات الاستشراق لخدمة النزعة الاستعمارية الحديثة، لم يمنع من توظيف المخرجات نفسها لأغراض أخرى، ولاسيما بعد تنامي الحركات التبشيرية التي بقيت منذ استحداث مجمع تبشير الشعوب عام 1622، ولغاية القرن الثامن عشر مجرد سعي باهت الملامح، فالتبشير الذي نشط في هذا القرن بسبب انفتاح ميادين جديدة في الجغرافية العالمية لم تكن متاحة قبل العصر الاستعماري الجديد، ولكي يحقق التبشير أغراضه، عمل على توظيف معلومات المستشرقين عقديا بعد أن وظفتها الحكومات عسكريا واقتصاديا، وفي هذه المرحلة بالذات بدأت حرب التسقيط الحديث بين الأديان، مدعومة بتنامي حجم الحركات العلمانية واللادينية.

516 قرفة

في هذه المعركة غير المتكافئة كان الإسلام مستهدفا أكثر من غيره، وكان نبي الإسلام عرضة للانتقادات، وكان المسلمون عرضة للتهجم والتطاول، ومع أن موضوع التهجم والتطاول غير المبرر ليس جديدا، إذ سمعنا وقرأنا وشاهدنا بأم أعيننا وجود مثل هذا التجهم الخلقي الضيق فاشيا عبر التاريخ، يُترجمُ تهجما وتطاولا، إلا أننا في كل مرة كنا نعثر فيها على قول من هذه الأقوال، كنا نجد له للأسف أصلا في تراثنا الديني، بُني عليه طنين تلك الطعون، هو الذي أطلق لها العنان لتظهر إلى العلن. وفي كل مرة كان يُساء فيها إلى عقيدتنا كان هناك بعض الأشخاص الذين ينبرون للدفاع، دون أن يتسلحوا بالعلم والعقل والمنطق والشجاعة، فيزيدون الطين بلةً والوضع تأزما، إلى درجة أن رايات الحروب الدينية بدأت ترفع في أماكن مختلفة من العالم يفور تحتها الغضب.

والذي أراه أن أسلم طريقة لامتصاص الغضب الأرعن المقابل، والمبنى على أوهام وهنات ما أنزل الله بها من سلطان، لا يتم بالرد على الموقف بمثله ولا باستخدام الآليات القديمة، ولا من خلال الهروب إلى الأمام بأدوات الأمس المتخلفة التي جمدت ورفضت التجديد، فذلك هو التخلي عن المسؤولية، وإنما يتم من خلال الاستنتاج العلمي والعقلي والمنطقي لتداعيات تلك النقاط التي توقفوا عندها بعد تفكيكها تفكيكا علميا سليما مقنعا، تتضح من خلاله الحقائق بما لا يعطي مجالا لمن في نفسه مرض أن يطعن بعقيدة الإسلام التي شوه مبانيها السياسيون الأوائل، وأعانهم السياسيون المعاصرون في الترويج لبضاعتهم الفاسدة .

لكن للأسف ليس من الصعوبة أن نجد أن الأسس التي وضعوها لنا بالأمس، وأمرونا بالسير عليها والتمسك بها وعدم مخالفتها، لا زالت تقود توجهاتنا المعاصرة اليوم، فنحن حتى في أشد المواقف خطورة نجد أنفسنا مساقين عنوة للاستعانة بتلك القواعد والقوالب الجاهزة التي وضعها الأقدمون؛ والتي تحول اغلبها اليوم إلى ديكور تراثي لا يمت إلى الواقع بصلة، ولكنه يرفض أن يغادر، لأنه مقتنع بأن له قدرة الإقناع، غير مدرك أن عالم اليوم تتحكم به العلوم المادية البحتة، عالم لم يعد فيه الحديث عن الغيب مقدسا كما كان بالأمس، ونحن في الوقت الذي نرفض فيه ـ جملة وتفصيلا ـ التخلي عن منطقيات وثوابت الأمس المقدس، علينا أن نطوع قدسيته لتتماشى مع العلوم المعاصرة، ما دمنا نؤمن أنه (حمال أوجه، ذو وجوه)، أليس ذاك ما قاله علي بن أبي طالب(عليه السلام) لعبد الله بن عباس(رضي الله عنه) لما بعثه للاحتجاج على الخوارج: "لا تخاصمهم بالقرآن فان القرآن حمال أوجه، ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة، فانهم لن يجدوا عنها محيصا".

وفق هذه الجدلية المنطقية اخترت الكتابة عن موضوع في غاية الأهمية، وهو قيام الصحابي زيد بن حارثة (رض) بغزو بني فزارة وأسر أمهم وربطها بين جملين وشقها، وحينما عاد إلى المدينة، خرج إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عجل وكان عاريا بالكامل، لا يستره شيء، يجر رداءه خلفه، ليهنئه بالسلامة، هذا الأثر الذي وظفه الملحدون للطعن بالإسلام، فرد عليهم مسلمون ردا باهتا زاد الطين بللا. الملحدون اتهموا نبينا (صلى الله عليه وآله) بأنه أمر جنوده أن يشقوا عجوزا إلى نصفين بأن يربطوها بين جملين! والمسلمون اعترفوا بوقوع الحادثة، ولكنهم وصفوا شق المرأة إلى نصفين بأنه كان إنسانيا.

أنا من جانبي ومن خلال البحث الجاد ومتابعة النصوص؛ لم أجد لاتهام الملحدين مسوغا، ولا لرد الإسلامويين مبررا، ولا للحادثة التي يتحدثون عنها أصلا، وهذا هو موضوع كتابنا الجديد الموسوم "الغزوة السادسة طبيعة العنف الإسلامي" الذي صدر عن دار ليندا السورية بواقع 244 صفحة، ولوحة غلاف من تصميم الفنان بسام الخناق، والذي فندت فيه تلك القصة السخيفة المبنية على كوم من الأكاذيب والسذاجة والغباء، والتي يمنع الجامدون على النص مجرد الحوم حولها، لا تفكيكها وتوهينها باعتبار أنها نص لا يجوز التقرب منه!

تجاوزت في كتابي هذا كل الخطوط الحمراء التي وضعوها، وتحدثت بصراحة مدعومة بالمنطق والعلم، وأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك.

 

صالح الطائي

 

عدنان عويدالجهاد في سبيل الحاكمية: يظل القتال أو الجهاد في سبيل حاكميه الله عند الإخوان كما يراه سيد قطب أمراً مشروعا ومقرراً من قبل الله عز وجل، وهو فرض عين على كل مسلم مؤمن عليه أن يؤديه بالشكل الذي يستطيع تأديته. وبالتالي فالجهاد ليس بحاجة لمبررات أدبية أكثر من المبررات التي حملتها النصوص القرآنية التالية كما بينها سيد قطب في كتابه :

(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بالآخرةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً*وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً*الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}(74ـ76).

وكذلك في قوله تعالى:.( وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ). (الأنفال- 40).

وكذلك في قوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31). (التوبة- 29-31).

إذاً هذه هي مبررات القتال عند سيد قطب، هذا القتال الذي يقوم على معطيات وشروط وأساليب قننها في كتابه معالم في الطريق حيث جاءت عنده وفق التالي:

أولاً : الجهاد (القتال) ليس حالة عرضية أو مؤقتة أو تهدف للدفاع عن النفس والمال والعرض أو الوطن. وإنما هو قتال دائم (مستمر) لا توقف فيه، هدفه الدفاع عن حاكميه الله والعمل على تطبيقها في كل زمان ومكان.

ثانياً: الجهاد هنا ضد كل ما يعيق تطبيق أمر هذه الحاكمية، بدءاً من جهاد النفس، وهو الجهاد الأكبر ضد كل ما يعيق في نفس وضمير وعقل المسلم المؤمن الوصول إلى الإيمان بإلوهية الله وتطبيق أوامر حاكمتيه، من جهة، ثم الجهاد ضد كل من يحاول أن يقف أمام الإيمان بهذه الإلوهية الحاكمية من الخارج، ممثلاً بعالم الجاهلية وما يتضمنه هذا العالم من سلطات للطاغوت أو نظريات معرفية أو علاقات اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية يراد فرضها بالقوة أو بدونها على الناس كافة، بغية إبعاد تطبيق منهج الله الذي جاء في كتابه المبين.

إن المؤمن المسلم يقاتل هنا كونه يؤمن بأن الله ابتعثه كي يخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. ومن ضيق الدنيا إلى سعتها. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. وإن الله أرسل رسوله بدينه إلى خلقه فمن قبله منا قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر. (1)

ثالثاً: الجهاد وحرية الإنسان: حيث يقول سيد قطب في الأسباب العميقة للجهاد بأنها تحقيق حرية الإنسان: إن من حق الإسلام أن يتحرك (أي يجاهد)، فالإسلام ليس نحلة قوم ولا نظام ولا وطن. ولكنه منهج لإله، ونظام عالم، ومن حقه أن يتحرك ليحطم الحواجز من الأنظمة والأوضاع التي تغل من حرية (الإنسان) في الاختيار. وحسبه أن لا يهاجم الأفراد ليكرههم على اعتناق عقيدته، إنما يهاجم الأنظمة والأوضاع ليحرر الأفراد من التأثيرات الفاسدة، المفسدة للفطرة، المقيدة لحرية الاختيار. فالإنسان لا يتلقى التشريع لحياته من العباد وإنما من الله فقط. (2)

رابعاً : (لا إكراه في الدين). يرى سيد قطب في هذه الآية موقفاً آخر يختلف تماماً عن الفهم السائد أو المنتشر عند من سماهم السذج، حيث يقول : من السذاجة أن يتصور الإنسان دعوة تعلن تحرير (الإنسان) في كل الأرض البشرية أن تقاتل باللسان والبيان فقط!!. إنها تقاتل باللسان والبيان فقط حينما يخلى بينها وبين الأفراد تخاطبهم بحرية، وهم مطلقو السراح من جميع تلك المعوقات التي تحد من تطبيق الحاكمية.. فهنا (لا إكراه في الدين)، أما حين توجد تلك المعوقات والمؤثرات المادية، فلا بد من إزالتها أولاً بالقوة، للتمكن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله، وهو طليق من هذه الأغلال. (3).

خامساً: أما مسألة القول بأن الإسلام يسعى إلى (السلم) ، فهذه الرؤية عند قطب مختلفة أيضاً في دلالاتها، عند الآخرين. فالإسلام حين يسعى إلى السلم لا يقصد ذاك السلم الرخيص في دلالاته، وهي الإيمان بالرقعة الخاصة التي يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية. إنما المقصود بالسلم، هو السلم الذي يكون فيه الدين كله لله، أي أن تكون عبودية الناس كلهم لله، وبالتالي فالقتال الذي أمر به الله هو قتال من أجل تحقيق هذه الغاية، وهذه الغاية لا يحد منها زمان أو مكان، أو أية ظروف أو معوقات مادية كانت أم روحية (4)

سادساً : الجهاد هنا يقوم على مستويين : المستوى لأول هو الجهاد بالبيان، والمستوى الثاني الجهاد الحركي.

أما جهاد البيان: فهو الجهاد الذي يقوم على نشر مفهوم الإلوهية بين الناس كافة من أجل تنقية نفوسهم من الداخل وإيصالهم إلى حالة الإيمان المطلق بهذه الإلوهية وتطبيق أوامرها دون تلكؤ أو اعتراض، وذلك بعد تخليصها من معطيات الجاهلية التي يعيشها الناس بكل معطياتها.

أما الجهاد الحركي: فهو جهاد (السيف) ضد كل من يحول دون الوصول إلى إلوهية الله (حاكمتيه) في كل زمان ومكان. وقد اتكأ سيد قطب في فهمه لحالة الجهاد الحركي هذا على (ابن قيم الجوزية) في كتابه " زاد المعاد " الذي حدد فيه أسس هذا الجهاد في التالي:

1- جهاد أهل الصلح وأهل الهدنة. حيث أقر فيه، بأن يتم لهؤلاء عهدهم، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خانوا العهد فعلى المسلمين مقاتلتهم.

2- جهاد أهل الحرب. وهو جهاد أمر به الله مقاتلة الكفار والغلظة عليهم بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان.

3- جهاد أهل الذمة. وقد أقر فيه مقاتلة أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام.(5) .

هكذا نرى من خلال قراءتنا لقضية الجهاد عند سيد قطب بان الجهاد واجب ديني (عقيدي) على كل مسلم مؤمن، وهو فرض عين يقاتل فيه المؤمن وفقاً لإمكانياته، قد يكون بالمال أو السلاح، ولكن ما يهمنا هنا، انه قتال للآخر مهما يكن دينه أو مذهبه أو عقيدته، طالما هو لا يؤمن أو يطبق مفهوم الحاكمية والإيمان بإلوهية الله. ومن هذا المنطلق تأتي راية الجهاد (السوداء ) بشعارها (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، هي الراية التي تحت مظلتها يتم القتال من أجل تحقيق (الحرية) التي تختلف في دلالاتها عن حرية الإنسان وعقله وتحقيق مصيره بيده كما بينا أعلاه، وإنما هي حرية الإنسان من كل ما يقف أمام تشبعه بالعقيدة الإسلامية وإلوهية الله وتطبيق حاكمتيه على هذه لأرض. إنها حرية من نوع آخر، حرية يراد بها تحويل عقل الإنسان وعواطفه وضميرية وكل ما يمت إليه بصلة من إنسان له أرض ووطن وقومية ومجتمع خاص به، إلى إنسان "عقيدي" فاقد لكل هذه القيم الحياتية، ومرتبط فقط بهذه العقيدة التي حددت له كل مسار حياته ومماته وما يصيبه من خير أو شر، بل وكيف يفكر، بشكل مسبق.. إنسان ليس له أية إرادة إلا إرادة الانتماء لعالم الغيب.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

..............................

المراجع:

1- سيد قطب – معالم في الطريق – مكتبة وهبة – القاهرة – دون تاريخ نشر. ص 57

2- المرجع السابق – ص80

3- المرجع السابق ص 66

4- المرجع السابق – ص66.

5- المرجع السابق ص55

 

515 شريعة الخطابةمن المفروغ منه أنَّ من لا يعرف المهاتما غاندي المتوفى سنة 1948م لا يعرف حقيقة الهند المعاصرة وتاريخها ونضالها من أجل الإستقلال عن الإحتلال البريطاني، ومن لا يعرف أبو الكلام آزاد المتوفى سنة 1958م هو الآخر لا يعرف حقيقة الهند المعاصرة، وهو الذي يمثل الوجه الثاني من عملة تحرير الهند، لكن العالم ذكر غاندي وأحياه وتجاهل أبو الكلام وأماته، وساهمت مقررات التعليم في البلدان العربية والإسلامية في طمس حقيقة نضال قادة المسلمين في تحرير الهند.

أبو الكلام آزاد المولود في مكة المكرمة وعاش حياته في الهند وتنقل في البلدان بين بغداد والقاهرة وغيرهما، وهو رئيس حزب المؤتمر الهندي لدورات عدة والذي كان يتزعمه غاندي، أولها سنة 1923م يوم كان عمره 36 عاما، وكان ممثلا عن حزب المؤتمر في مجلس الأمة الهندي ووزيرا للتعليم حتى رحيله.

أبو الكلام ولد تحت إسم محيي الدين أحمد بن خير الدين، ولكن أخذ كنيته لشهرته في الخطابة وتضلعه في الكتابة والتأليف، و"آزاد" أي الحر، لأن أبا الكلام آزاد منذ شبابه ناضل بلسانه وقلمه بالضد من الإحتلال البريطاني وكان يدعو الى الحرية، وكان حصانه في هذا المضمار الشاق لسانه، يتنقل في المدن الهندية يخطب هنا ويخطب هناك داعيا المجتمع الهندي بأطيافه إلى التحرر من ربقة الإحتلال، كان خطيبا مفوها صاحب قلم جذاب استاءت منه الحكومة البريطانية فوضعته تحت الإقامة الجبرية لسنوات أربع ونفته في مدن الهند البعيدة وسجنته لسنوات ولاحقته وأغلقت ما كان يصدره من صحف ومجلات أين حل وانتقل، مثل مجلة الندوة والوكيل والهلال وغيرها، ناهيك عن تفسيره "ترجمان القرآن" فسّر فيه خمسة عشر جزءًا من القرآن الكريم وهو في السجن، وأعظم ما كانت تخاف منه هو لسانه ومنطق خطابه، وبهذا العضو الصغير قاد بمعية غاندي الهند الى التحرر في بحر جماهيري فيه المسلمون أقلية وسط أكثرية هندوسية، وهو الخطيب المسلم الذي زرع الأمل في قلوب مليار إنسان في إمكانية التحرر من الإحتلال البغيض.

ولكن سحابة الأسى تخيم على القلب، فما فتئ العالم حتى يومنا هذا يتناقل اسم غاندي ويؤلف فيه العشرات بل المئات من الكتب وبلغات حيّة ومحلية، وبخل على خطيب نهضة الهند الكبرى، وواضع أسس مناهجها التعليمية.

تداعى إلى ذهني خطيب الهند وناطقها أبو الكلام آزاد وأنا أتصفح كراس "شريعة الخطابة" للمحقق الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر حديثا (2018م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 48 صفحة فيه مائة حكم في الخطابة وبضميمة 27 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري إلى جانب مقدمة وافية للناشر الأديب عبد الحسن الدهيني وتقدمة شافية للمعلق الغديري وتمهيد شاف واف بقلم المؤلف.

الخطابة رئة الكلام

في العادة يُنسب الكلام المسطور الى القلم أو المحبرة أو اليراع وما شابه ذلك من أدوات الخط وتقييد الكلام وتسجيله على الرقيم الطيني في غابر الأزمان وعلى جلود الحيوانات في أواسطه وعلى الورق المصقول في القرن الماضي وعلى الشاشة الضوئية (الإلكترونية) في حاضرنا الى جانب الورق، وأما الكلام الذي يطلقه اللسان فهو في واقعه رئة المقال والكلام عند محتشد المقام، وكما يستفيد العالم والمتعلم والجاهل من الكتاب المسطور فإن المجتمع يستفيد من الكتاب المنطوق وهو الخطابة أيما استفادة، على أن الكتاب المنطوق الأكثر تأثيرا ووسعة إن أحسن المتحدث بيان خطابه، ولهذا كانت لكل نهضة أو ثورة وعلى مدى التاريخ خطيبها ومتفوهها، فربما أخذ الناظم مقام الخطيب في التأثير على المجتمع أو الأمة بقوافيه التي يصدح بها في النوادي، وربما جمع الخطيب إلى كلامه النظم، فيأتي تأثيره مضاعفا، وربما جمع المتحدث بين النص المقدس والنص البشري، فيأتي البيان المنطوق أكثر وقعا على النفس والمجتمع، وأفضل من يمثل هذه  الطبقة هم الأنبياء الذين يلقون على الأمة آيات الله ووحيه، ولهذا إذا نظرنا الى دورهم في استنهاض الأمة وانتشالهم من براثن الشرك وظلام الجاهلية، فهم في حقيقة الأمر خطباء من الدرجة الممتازة، وهذا يعكس خطورة الخطابة ودورها في حياة الأمة، ولهذا ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع): (من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان الناطق يؤدي عن الله عزَّ وجل فقد عبد الله وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان)، وبتعبير الفقيه الكرباسي في التمهيد: "إن الخطابة كانت ولا زالت خطيرة لها تأثيرها المباشر على الجماهير وبالأخص إذا استخدم الخطيب أدواته الصحيحة، وتمكن من السيطرة على عقول الناس، وكان مسلَّحا بسلاح العلم والمعرفة، وموشَّحًا بوشاح التقوى والهداية، فإن كلامه سيكون نافذًا إلى القلوب والعقول، ويأخذ طريقه إلى السلوك والأفعال، ويبني بذلك مجتمعًا فاضلا".

ولا خلاف لدى علماء الدين والدنيا أن كل الكائنات الحية من عاقلة وغير عاقلة تتخاطب فيما بينها، ولكل مخلوق طريقته في التحاور وتبادل الكلام بين بني جنسه، وقد عبّر القرآن عن ذلك بقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) سورة الأنعام: 38، ولكن ما يميز الإنسان هو القدرة على التخاطب بطرق مختلفة وله أن يجدد مع الزمن ويبدع في وسائل التخاطب، وهذه الحقيقة يسجلها الفقيه الكرباسي بقوله: "إنَّ من نعم الله على عباده وعلى الإنسان بالذات والذي جعله أشرف مخلوقاته أن مكَّنه من التخاطب بالأسلوب الحضاري القابل للتطور دون سائر خلائقه الذين لم يحرموا من التفاهم فيما بين النوع الواحد".

والخطابة من حيث اللغة هي: "إلقاء الكلام على الآخر"، ومن حيث الإصطلاح كما يضيف الفقيه الكرباسي: "إلقاء الكلام على الجماهير لإيصال فكرة ما"، وبهذا المعنى فإن للخطابة أركانا أربعة هي: هي الخطيب، والمستمع، والمادة (الحديث)، والخطابة (عملية الخطابة)، ومن الأركان المساعدة والمؤثرة على عملية الخطابة المكان والزمان، حيث لهما مدخلية كبيرة في وصول الخطيب الى المراد من خطبته والتأثير على المتلقي بما يحقق الهدف من الخطابة ذاته، لأنها وإن كانت فنًّا وموهبة واستعدادًا بيد أنها رسالة، لأن الخطابة من أجل الخطابة نفسها هي تصنّع وافتعال في حين أن الرسالة المرجوة من الخطابة هي بحد ذاته عامل دفع للخطيب وعامل جذب للمتلقي، ولهذا يحدد الشيخ الكرباسي في الخطيب شروطا شخصية وموضوعية ذكرها بالتفصيل في الجزء الاول من كتاب "معجم خطباء المنبر الحسيني" الصادر عن المركز الحسيني للدراسات بلندن سنة 1999م، وفي الشريعة يشير إلى أهمها: "أن يكون عارفا بالذي يريد قوله، وأن يكون صادقا في حديثه، وأن يكون مفيدًا للناس".

ووفقا لما ذكر فإنه يقرر: "من يجهل أمرًا لا يجوز له أن يتحدث فيه ليوقع الناس في الخطأ"، لأن الحديث والخطابة على غير هدى وبيّنة مظلمة للمتلقي ولهذا: "إغواء الناس بأي شكل لا يجوز"، وإذا كانت الخطابة هي جزء من رسالة الأنبياء في هداية الأمة وبيان مصلحتها وتحذيرها مما يضرها، وهي كذلك لمن أحسن القول وقدّر المنبر واحترم عقله، فمن الخير أن لا يخوض الخطيب بما لا يعلم وبخاصة الخطيب الحسيني أو الداعية الإسلامي أو خطيب الصلاة، وأن لا يدعي العلمية والحذلقة في كل باب من أبواب المعرفة، لأن منبر الخطابة رسالة وتعليم، ومن ذلك تعليم المتلقي على أن لا يقول ما لا يعلم بل وأن لا يقول كل ما يعلم، فليس من العيب أن يتوقف الخطيب عن البوح بما لا يعلم، ولكن من المعيب أن يكذب، ومن الحكمة أن يسعى ليتعلم ما يجهله، وعليه: "لا يكفي في النقل وجود النص في كتاب، فإن كان على علم بعدم صحته، لا يجوز نقله"، ويستدرك الفقيه الغديري في تعليقته: "إلا إذا كان مؤلف الكتاب من الأعاظم في الموضوع ومشهور في التحقيق والدقة العلمية".

وفي الواقع أن الخطابة هي محل محك للخطيب والمتحدث والسياسي في قول الحقيقة، وبعضهم قد يقدم الكذب على الحقيقة من أجل كسب عطف المتلقي والإستحواذ على مشاعره وأسر عقله وإيقاعه في حبائل كذبته، لأنه يدرك أن المتلقي بشكل عام لا يسأله عن مصدر معلوماته، وهذا من الإغراء بالجهل سعيًا لتفعيل مجلسه ولهذا يرى الفقيه الكرباسي أنه: "إذا تيقّن عدم صحة أمر ما، فلا يجوز له أن ينقله لأجل إثارة الناس والمستمعين، أو لكسب المال أو الجاه أو ما شابه ذلك"، وبشكل عام: "يجب أن لا يكذب الخطيب على الناس، ويجب أن يكون صادقا في كلامه، ولا يجوز بأي نحو كان أن ينقل الأكاذيب إلى الناس"، ويشدد الفقيه الكرباسي على المنبر الحسيني إذ: "لا يجوز أن يضيف الخطيب الحسيني ما ليس في تاريخ السيرة الصحيحة ليثير الناس ويجلب عواطفهم ليزدادوا بكاءً"، وذلك لخطورة المنبر والخطيب الحسيني وبتعبير الشيخ الغديري: (للخطيب وبالأخص الخطيب الحسيني منزلة عالية ومقام كريم ودور كبير في إرشاد الناس وسوقهم إلى ما يُرضي الرب العظيم، فيجب أن يتّصف بالعلم والمعرفة المطلوبة في العمل، وكذلك العمل بما يقوله وما ينقله إلى الآخرين).

السياسة وسوق الخطابة

لا تعد الخطابة حكرا على رجل الدين الذي تعتبر جزءًا من حياته الدعوية وعلى إمام الجمعة والجماعة، ولا على خطيب المنبر الحسيني، فالسياسي المحنّك في أغلب الأحيان هو الخطيب المحنك، وفي البلدان القائمة نظامها السياسي على الإنتخابات والتعددية السياسية، فإن الخطابة تظهر بصورة جلية في الفترة التي تسبق الإنتخابات النيابية أو الرئاسية، حيث تدخل عاملا رئيسا ومهمًّا في حسم رأي الناس لهذا المرشح أو ذاك، ولهذا يسعى الطامح السياسي الى امتهان الخطابة والإجادة فيها، وفي بعض البلدان الغربية يدخل المرشح في دورة خطابية مغلقة فضلا عن وجود لجنة استشارية تقدم له النصائح الضرورية في المادة أو المظهر الخارجي والأسلوب بما يساعده على جذب انتباه الجمهور وكسب تأييده، لا سيما وأنه سيستمع للمتنافسين وسيكون للمدركين منه قدرة التمييز والمفاضلة.

ومع احتدام هذه التنافس المشروع على كسب رأي الناس وبخاصة عبر منبر الخطابة، فإن الجانب الأخلاقي يفترض أن يكون حاضرا، ومن الأخلاق الصدق وقول الحقيقة وعدم الكذب أو الإفتراء أو التحامل على الخصم والمنافس بما ليس فيه، ولهذا جاء في المسألة 20 من شريعة الخطابة: "لا يجوز للسياسي أن ينقل أمورًا ليست بالصحيحة لكسب الأصواب"، وزيادة في التأكيد في المسألة 21: "لا يجوز أن ينقل السياسي أو غيره أمرًا يعلم بعدم صحته تجاه منافسه أو خصمه بغرض إسقاطه أو ترسيخ موقعه"، لأن السياسي الصادق هو الذي يريد مصلحة الأمة ويؤثرها على مصلحة نفسه أو حزبه أو تياره، ولهذا تقرر المسألة 37: "يجب على الخطيب السياسي أن يضع مصلحة الأمة نصب عينيه ويصلح قدر المستطاع، ولا يجوز له أن يكذب على الشعب لمصالح ضيّقة وشخصية".

ولطالما سمعت من الفقيه الكرباسي في المجالس العامة والخاصة تأكيده بعدم جواز السياسي والمعارض أن ينسب أفعالا وصفات للظالم أو الطاغية هي ليست فيه، صحيح أنه يريد بذلك إثارة الناس أو الإعلام بالضد من الحاكم الظالم، ولكن الخلق القرآني يحتم عليه أن لا يتجاوز الواقع، ويركز على ما في الظالم والطاغية من صفات ذميمة وما يقترفه من جرائم مشهودة، وإن سمع بشيء جديد عليه أن يتأكد منه ليقدح به في الإعلام وإلا فلا يصح، ولذلك جاء في المسألة 24: "لا يُبرر التأثير الحسن في نقل الأكاذيب، فلو أنه حاك قصة عن فرعون مثلاً وأنها في النهاية أصيب بكذا وكذا نتيجة أعماله كي يبعد الناس عن الظالمين، فلا يجوز"، ويؤكد في المسألة اللاحقة أن: "تهمة الفاسق والظالم حتى وإن كان فيها موعظة وعبرة للناس، فلا تجوز".

وفي الواقع انَّ ما يشير اليه الفقيه الكرباسي إنما هو خُلق القرآن وخُلق النبي الأكرم (ص) وخُلق الراسخين في العلم، فالقرآن الكريم الموحى من رب العزة سبحانه وتعالى في حواره مع المشركين والملحدين والمخالفين يقدم لقارئه في البدء صورة عن أفكارهم وآرائهم ومباني معتقداتهم ثم يبدأ بتفنيدها وضرب أسسها بعقلانية دون تحامل، وهو ذاته خُلق النبي محمد(ص) وأهل بيته الكرام(ع) وصحابته المنتجبين، ولهذا كان الإمام جعفر الصادق(ع) يحاور أصحاب الأفكار المنحرفة بالمنطق والعقل والدليل ويشجع أصحابه على ذلك، وهذا الخُلق هو ما يؤكده الفقيه الكرباسي في المسألة 22 في التعامل والتعاطي حتى مع العدو: (إذا كان عدوًا يجوز محاربته شرعًا، ولكن لا يجوز نسبة شي إليه لم يصدر منه لأجل كسب المزيد من المواقع أو التأثير في المجتمع الذي يخالفه)، وبإزاء هذا النهي: "لا يجوز للخطيب أن ينصاع لطلب أرباب المأتم على مدح الظالم أو الحاكم الجائر بأي شكل من الأشكال".

وكما لا يجوز الإنتقاص من المخالف بما ليس فيه، كذلك لا يحق للخطيب أو المتكلم نسبة شيء للمعصوم لم يقل به حتى وإن كان يريد بذلك التأثير على المتلقي وجرّه إلى ما يؤمن به، ولهذا: "لا يجوز نسبة رواية أو حديث أو سيرة إلى المعصومين (ع) ولم تصدر منهم أو لم يقوموا بها، وفيه إثم كبير، ويجب تعزيره مع الإمكان، ومبطل للصوم إذا صدر في نهار شهر رمضان"، وفي السياق نفسه: "مَن بالغ في كلام المعصوم (ص) أو في حقَّه أثِم"، وفي المقابل: "مَن انتقص من حق المعصوم(ع) أثم".

وحيث للمكان دوره في الخطابة، فينبغي أن يؤخذ في الحسبان مصلحة المتلقي فضلا عن مصلحة الشارع والزقاق والساكنين والسابلة وأصحاب المحلات والمتبضعين، من هنا: "يكره الخطابة في مكان يضيق على الناس شؤونهم كالشوارع والأزقة، إلا إذا كان يرضي الناس عامة، وربما حرم إذا عطّل عمل الناس".

إن ما أورده المحقق والفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي من أحكام في "شريعة الخطابة" فيها من الأمور المهمة محورها صلاح الأمَّة عامة، يلخصها قول الإمام علي بن الحسين السجاد(ع) وهو بجامع دمشق تحت أسر الحاكم الأموي يزيد بن معاوية: (يَا يَزِيدُ ائْذَنْ لِي حَتَّى أَصْعَدَ هَذِهِ الْأَعْوَادَ، فَأَتَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ لِلَّهِ فِيهِنَّ رِضاً وَلِهَؤُلَاءِ الْجُلَسَاءِ فِيهِنَّ أَجْرٌ وَثَوَابٌ).

وعودًا على بدء .. كم من خطيب انتشل الأمة من جهلها وقادها الى بحبوحة الإستقلال ورياض الحرية ضاع اسمه وزال رسمه!

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

محمد فتحي عبدالعالعندما زرتُ تدمرَ عروس الصحراء في رحلةٍ مدرسيّة، في مرحلة طفولتي الابتدائية. أتذكرُ كيف فُتِحت عيوننا مشرئبة لسّماء، وقد وقفنا بجانب معلمينا صاغري الأفواه أمام عظمة هذه الآثار والأوابد المذهلة. كانت زنوبيا في رؤوسنا الصغيرة تحلق أميرة عظيمة جميلة . تمرّ عشرات السنين وننشغل بأحداث الحياة وحكايا الواقع لأشاهد يوماً هذا المسرح التدمريّ العظيم وقد تعطر بدماء بعض الأبرياء وأنّ ما يسمى وحوش البشرية بدأت بتدمير وتخريب هذه اللوحات المدهشة وهذه الكنوز التاريخيّة وهي التي تغلبت على الزمن فجاءت شياطين الأرض لتدميرها ومحو ذاكرتنا وقتل تاريخنا العريق. من تحدت روما أيقظتها أصوات مطارقهم وأسلحتهم الفتاكة ورائحة دماء الأبرياء نهضت زنوبيا لترسل للعالم رسالةً تخبرهم أن أحفادها لن يخذلوها أبداً ستعود تدمر طفلة الصحراء الغافية في أحضان والدتها عشتار . بخوذتها المعدنية على ظهر فرسها تتجول بين أعمدة المدينة المنهارة دمعتان سقطت من عينيها اللتين تحملان سواد الليل. أحلامها منكسرة بأن تكون إمبراطورة روما ولكنّها تثق أنّها هزمت روما ولازالت الأجيال تعتبرها نشيد الدهر الأزلي وبانية روائع الأجداد في فن العمارة. تلفتت حولها أين معبد الشمس العظيم؟ وأين عربتها الذهبية؟ وأين جيشها العظيم الذي بلغ سبعين ألف مقاتل خاضت معهم وبرفقتهم أعظم الحروب مرتدية زي الفرسان برفقة قائد جيشها زَبدة لتصلَ إلى مصرَ وشواطئ البسفور وهو النيل العظيم يهمسُ لها أنّ جدتها كليوباترا تفتخرُ بها، وكم كانت تحملُ من أحلام جدتها وقد تفوقت عليها في الجمال وقوة الشخصيّة والحكمة وهي المثقفة التي تتقن عدة لغات، المولعة بدراسة التاريخ والفلسفة وقد قربت الفلاسفة من العرشِ أمثال لونجين.

سألت عن سنة ولادتها لانعلم بالتحديد سنة ولادتها

لا نعلم بالتحديد متي ولدت زنوبيا ملكة تدمر العظيمة ولو قيل أنها تولت الحكم (267م) كما أن اسمها الحقيقي وأصلها موضع خلاف بين الدراسات العربية ونظيراتها الأجنبية فقد زعمت المصادر العربية أن اسمها الزباء بنت عمرو بن الدرب بن حسان بن اذينة بن السميدع السميعة وبعض المصادر العربية ذكرتها باسم زينب وأن الزباء ما هو إلا لقب يشير إلى الجبروت والقوة فإنّ بعض الدراسات الغربية تنكر الأصل البدوي لزنوبيا وتذهب الي أنها سليلة أسرة ذات ثقافة هيلينية وأن والدها يدعى انطيوكوس وهو اسم يوناني يوحي بأصلها الغير عربي كان قائد الفرسان ...

الا أن المجمع عليه بكافة المصادر أنها كانت زوجة أذينة حاكم تدمر إحدى مدن الامبراطورية الرومانية والذي خاض حروبا ضروساً مع الفرس وعند اغتيال زوجها أذينة على يد المتمردين من جيشه. قررت أن تستكمل رحلة زوجها في توطيد دعائم وأركان مملكته الواقعة  في سورية فصارت الوصية على حكم ابنها الصبي بعد وفاة والده والمسؤولة عن تنشئته ...هذا يقودنا إلى تساؤل مهم بالتاريخ ..لماذا تكون الأم الوصية على حكم أبنائها الملهمه لهم دوما سلباً وايجاباً ولماذا هذا الاتصال الوثيق بين الأمّ ووليدها الجالس على كرسي العرش؟!! إنها غريزة الأمومة والتي يمكن ترجمتها عبر كيمياء الجسم فهرمون اوكسيتوسين المعروف بهرمون الترابط هو المسؤول عن تقوية العلاقة بين الأم وطفلها والذي يفرز بكميات كبيرة عند الولادة والرضاعة الطبيعية ...إنّ الأمر لا يتوقف عند هذا البعد الهرموني فجينات الأم هي التي تحدد مقدار ذكاء الطفل بنسبة ٤٠-٦٠ في المائة وليس الأب بحسب دراسة بريطانية قام بها باحثون في غلاسكو فالأمهات ينقلن جينات الذكاء لأطفالهن لأنّهن يحملن زوجين اثنين من كروموسوم اكس في حين يحمل الرجل كروموسوم اكس واحد فقط ...

ثمة تساؤل آخر لماذا تتفوق المرأة دوما في تحمل المهام المتعددة مقارنة بالرجل؟ لقد كشفت دراسة نشرتها مجلة رويال سوسايتي عن الهرمونات الجنسية هي الأعلى في النساء عن الرجال كما أنّ الأستروجين الهرمون الأنثوي له تأثير على الدماغ معززا السيطرة الإدراكية ويمنع الاستجابات غير السلمية .

نعود إلى زنوبيا وإدارتها الفريدة لمملكة تدمر والتي شهدت نشاطا اقتصاديا مزدهرا بحكم الموقع الفريد لمملكتها وسط سورية بين وادي الفرات والبحر المتوسط كما كان لديها جيشا مدربا ساعدها على التمدد خارج حدود سورية مستغله الاضطرابات السياسية داخل روما فأنفصلت بمملكتها عن روما استقلالا غير معلن ونجحت في السيطرة على مصر ولكن مع تولي اورليانوس حكم روما عادت روما إلى قوتها وبدا له أن اخضاع مملكة زنوبيا لابد وأن تكون في مقدمة أولوياته فخاض ضدها ثلاثة حروب ألحقت الهزيمة بها، و سيناريو النهاية لزنوبيا من الأمور المحيرة مع الصمت المطبق للآثار  المكتشفة لفترتها والتي لا تبوح بنهاية ملكة عظيمة سادت العالم القديم ...

إلا أن ظاهر الأمور قد تتبنى فكرة تسامح الامبراطور الروماني معها والا لما بقيت آثار مملكتها حتى اليوم متحدية الزمن بقسوتها. ورغم كلّ الأحداث تبقى زنوبيا سيدة وملكة ملكات الشرق القدوة للأحفاد في الحكمة ومحبة البلاد وتوثب المطامح لبناء دولة قوية تزاحم أقوى الممالك.

 

أستاذة راغدة شفيق محمود الباحثة السوريّة في علوم اللغة.

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصريّ.

 

510 كريم مرزة الاسدي18 - شعراء الواحدة وشعراء اشتهروا بواحدة . دار العيسى للطباعة والنشر والتوزيع - 222 ص النجف - 2017 م.

- رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية ببغداد 4168 لسنة 2017م.

19 - (إخوانيات وطرائف شعراء النجف، وشوقي وصحبه)، - دار الياسمين للطباعة والنشر - 180 ص النجف - 2018م.

- رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية ببغداد 3803 لسنة 2018م.

20 - قضايا شعرية...إملائية...لغوية....نحوية ...بلاغية)، دار الياسمين للطباعة والنشر - 318 ص

- النجف - 2018م .

- رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية ببغداد 3804 لسنة 2018م.

شعراء الواحدة وشعراء اشتهروا بواحدة

الفهرس

المقدمة

1 - المنخل اليشكري: إِنْ كُنْتِ عَاذِلَتِي فَسِيرِي

قصيدة فتاة الخدر

إِنْ كُنْتِ عَاذِلَتِي فَسِيرِي** نَحْوَ الْعِرَاقِ وَلاَ تَحُورِي

2 - دَوْسَر بن ذُهَيْل القُريْعيّ:

وقائلـةٍ مَا بالُ دَوسَرَ بَعدَنَــا ******* صَحَـا قلبُهُ مِنْ آلِ لَيْلَى وعنْ هِنْدِ

3 - دوقلة المنبجي / اليتيمة

رؤى جديدة وأسئلة مثيرة

هل بالطُّلول لِسائِلٍ رَدُّ؟***** أَمْ هل لها بِتَكَلُّمٍ عَهْـــــــدُ؟

4 - ابن زريق البغدادي

لا تعذليه واحدته، وعصره وقصته، رؤىً جديدة.

لا تَعــــذَلِيه فَإِنَّ العَــــذلَ يُولِعُـــهُ***قَد قَلــتِ حَقاً وَلَكِـــن لَيـــسَ يَسمَـعُهُ

5 - خُراشَة بن عمرو العَبسي:

أَبَى الرَّسْمُ بالجَوْنَيْنِ أَنْ يَتَحَوَّلاَ * وَقد زَادَ بَعْدَ الحَوْلِ حَوْلا مُكَمَّلاَ

6 - أبو ذؤيب الهذلي:

أَمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ * والدَّهْرُ ليسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ

7 - مالك بن الريب

مالك بن الريب يندب نفسه:

تقول ابنتيْ لمّا رأت طولَ رحلتي ** سِفارُكَ هذا تاركي لا أبا ليا

8 - حِطّان بن المُعَلَّى:

وإنّـمــا أولادُنــا بيننـــا ***أكـبــادُنـا تمشــي علــى الأرضِ

9 - الشنفرى: لامية العرب:

أَقِيمُـوا بَنِـي أُمِّـي صُـدُورَ مَطِيِّـكُمْ**** فَإنِّـي إلـى قَـوْمٍ سِـوَاكُمْ لَأَمْيَــــلُ

10 - بشامة بن حزن النهشلي

إنّا محيّوكِ يا سلمى فحيّينا ***وإنْ سقيتِ كرامَ الناسِ فاسقينا

11 - سحيم عبد بني الحسحاس:

عمــيرةَ ودِّعْ إن تجهَّزتَ غاديا *** كفى الشَّيبُ والإسلامُ ناهيا

12 - توبة بن الحمير:

نأتْكَ بليلى دارُها لا تَزورها ***وشــــــطّت نواها واستمَّر مريرُها

13 - الأحيمر السعدي:

عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذ عوى** وصوَتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ

 

14 - عروة بن أذينة:

إن التي زعمت فؤادك ملـّـها ***خُلقت هواك كما خُلقت هوى لها

15 - أبو الشمقمق:

برزتُ من المنازل والقبابِ** فلم يعسر علـى أحدٍ حجابي

16- أبو الحسن التهامي:

حكم المنية في البرية جـــارِ **** ما هذه الدنيا بدار قرارِ

إخوانيات وطرائف

شعراء النجف، وشوقي وصحبه

الفهرس

الباب الأولى

الفصل الأولى:التمهيد: ليس تعصباً، بل تراثاً كبيرا...!!!

الفصل الثاني: عصر بحر العلوم وكاشف الغطاء حتى معركة الخميس

الفصل الثالث : مسألة التحكيم:بحرالعلوم حكماً بين النحوي والنواب،والأعسم يقرض..!

الفصل الرابع: مساجلات شعريّة، ومعارك الخميس الأدبية

الفصل الخامس: بغداد والحلة تنهضان بعد عصر المرجعين بجيلٍ وجيلين.

الفصل السادس: حقبة العشرة، هل كانت مُبَشِّرَة ؟!!

الفصل السابع: السيد جعفر الحلي أشهر مشاهير الأخوانيّات والطرائف...!!

الفصل الثامن: الشيخ جواد الشبيبي "الكبير" مواقفه وطرائفه

الفصل التاسع: الشيخ محمد علي اليعقوبي والانتخابات العراقية ثم أخوانيّاته وطرائفه

الفصل العاشر: الصافي النجفي بين معانيه وجهاده وتشرّده

الباب الثاني

الفصل الأول: أحمد شوقي: شوقي إليه طفلاً..!!

الفصل الثاني: أحمد شوقي بين أم كلثوم وعبد الوهاب وبيني.

الفصل الثالث: شوقي وحافظ ومن حولهما - طرائف ومواقف.

الفصل الرابع: أحمد شوقي ومَنْ حوله - طرائف ومواقف.

قضايا

شعرية...إملائية...لغوية...نحوية...بلاغية

الفهرس

الفصل الأول: خمس قصائد وأغنية للمؤلف

قصيدة الشهيد: وَكُـلُّ صَخْرَةِ قَـاع ٍتَقْـذِفُ الزَّبَدَا

الدامغة: (أناتك لا تعجلْ عليَّ مُرائيا)

حنانيك لي بين الفراتين ِ أضلعُ

قصيدة للطالبي مهداة لكاتب هذه السطور تحت عنوان ( وميضٌ يرتل طاعته ) : حكايا أبي مِن سنبلِ النورِ تسطعُ

عاش العراقُ، ليبقى فوقَ مَـــــنْ وصفا

صرخاتٌ على عثراتٍ للتاريخ ... ولا نعرف ما الآتي

6 - أغنية إلى ليلى برقية ارتجالية !!

الفصل الثاني : قواعد كتابة الهمزة بجميع مواقعها والألف اللينة، وتعريفهما

الفصل الثالث

حروف العلة واللين والمد لغةً، ودورها في الشعر العربي

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة

الفصل الرابع: مسائل نحوية

أ - ما الكافة المكفوفة، ومشاهد نحوية أخرى

ب - المنصوب بنزع الخافض في الجملتين الفعلية والاسمية

الفصل الخامس

تطورعلم البديع حتى البلاغة...!!

الحلقة الأولى: البديات

الحلقة الثانية: بديات الصريع ودور ابن المعتز في ترسيخ (البديع)

الفصل السادس

من شعراء الواحدة أو اشتهروا بواحدة - المقنع الكندي: تحليل قصيدته

يُعَاتِبُنِي فِي الدَّيْنِ قَوْمِي وَإِنَّمَــا**** دُيُونِيَ فِي أَشْيَاءَ تُكْسِبُهُمْ حَمْدَا

نقدياً وبلاغياً وعروضياً

الفصل السابع

غزلٌ ونسيبٌ وتشبيب حتى الوصول إلى ابن زيدون

1 - الحلقة الأولى: المتنبي وخولته ...امرؤ القيس وفاطمته، وكعب وبردته استطراداً

2 - الحقلة الثانية: عروة بن أذينة والشريف الرضي والسيد جعفر الحلي

3 - الحلقة الثالثة: الحبوبي بكأسه، والجواهري بعريانته

الفصل الثامن

ابن زبدون: حياته شعره وولّادته

1- الحلقة الأولى: ابن زيدون عـاد يُبكيـنـا، والولادة لِمَن يشتهيها...!!

2 - الحلقة الثانية: ابن زيدون بين ابن عبدوس والولّادة،الخاطفُ والمخطوف...!!

3 - الحلقة الثالثة: ابن زيدون بين موقفٍ ضيّعهُ وشعرٍ أبدعهُ

ابن الرومي والبحتري استطراداً

4 - الحلقة الرابعة: ابن زيدون: يَجْرَحُ الدَّهْرُ وَيَأسُو

الفصل التاسع

الحصري القيرواني:(يـا لـيـلُ: الـصَّـبُّ مـتـى غَدُهُ؟)

مسيرة حياته ..قصيدته نقداً وتحليلاً

الفصل العاشر

السرقات الأدبية ما لها وما عليها ...!!

بين النحل وتوارد الخواطر ونظرية التأثر والتأثير

الفصل الحادي عشر

الإنسان بين عظمة الخالق وإجرام المخلوق

الفصل الثاني عشر

تقاريظ الشعراء، ومساجلاتي معهم، ومعارضاتهم لي

الفصل الثالث عشر

تكريم الأمة... التكريم الحقيقي

عينة (120 تعليقاً ومنشوراً) من التعليقات والمداخلات على الصحف والمواقع وشبكات التواصل لشعراء وأدباء عراقيين وعرب من بين آلاف غيرها.

..........................................

ستنقح هذه الكتب الثلاثة، وتطبع في بغداد أوفي قطر عربي آخر بإذن الله.

إصدارات المؤلف:

1 - ( وطني ...) - دار الوراق للنشر والتوزيع - قطع وسط - 192 ص - 1997 م، دمشق .

2 - (حصاد أيّام وأيّام ) - دار الوراق للنشر والتوزيع قطع وسط - 156 ص -1998م - دمشق 3 - (ملحمة وقصائد شعرية) - نشر ورسوم الفنان عيسى يعقوب - قطع كبير - 154 ص - 1999 م - دمشق .

4 - (للعبقرية أسرارها ...تشكّلها ...خصائصها...دراسة نقدية مقارنة) - دار فجر العروبة للنشر والتوزيع - دمشق 1996م - 208 ص - قطع كبير .

5 - (نشأة النحو العربي ومسيرته الكوفية ...مقارنة بين النحو البصري والنحو الكوفي) - دار الحصاد للنشر والتوزيع - دمشق - 2003م - 208 ص - قطع كبير .

6 - (تاريخ الحيرة ...الكوفة ... الأطوار المبكرة للنجف الأشرف) - النجف 2007 م - 336 ص - قظع كبير . (طبعتان، ونشر في دوريات أخرى)

7 - - ( شذرات من الأيام ...) - النجف 2012م - 270 ص - قطع كبير .

8 – ( كتاب العروض والقوافي والضرائر الشعرية ) 354 ص – دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع - عمان - 2015 م.

9 – الشذرات الباقيات – ما بين نشأة النحو وأسرار العبقرية والسرقات الأدبية والإشعاعات العلمية للحضارة العربية وتاريخ البصرة وأسرار الخلية. – 270 ص – دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع - عمان - 2015 م.

10– الديوان – قصائد موشحة بحزن العراق – مجلد 270 ص - دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع - عمان - 2015 م.

11 – شعر وشعراء – دراسات أدبية وقراءات نقدية - الجزء الأول - شعراء جاهليون وإسلاميون - 204 صفحة - دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع -عمان - 2015 م.

12 – شعر وشعراء – دراسات أدبية وقراءات نقدية - الجزء الثاني - شعراء عباسيون - 304 صفحة - دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع - عمان - 2015 م.

13 – شعر وشعراء – دراسات أدبية وقراءات نقدية - الجزء الثالث – شعراء معاصرون 256 صفحة - دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع - عمان - 2015 م.

14 - الهاشميات الديوان - 2 - قصائد عن آل البيت - 120 صفحة - النجف - 2015 م . دار العيسى للطباعة والنشر والتوزيع .

الكتب المعاد طبعها:

15 – نشأة النحو العربي ومسيرته الكوفية – مقارنة بين النحو الكوفي والنحو البصري - الطبعة الثانية – 250 صفحة - دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع - عمان - 2015 م.

16 - للعبقرية أسرارها ...تشكلها ... خصائصها ... دراسة نقدية مباشرة - الطبعة الثانية - 250 صفحة - دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع - عمان - 2015 م.

17 - (تاريخ الحيرة. . . الكوفة. . . الأطوار المبكرة للنجف الأشرف) - النجف 2007 م - مطبعة الفرقان - 336 ص – قطع كبير. استنساخ للطبعة الأولى 2015 م

18 - شعراء الواحدة وشعراء اشتهروا بواحدة . دار العيسى للطباعة والنشر والتوزيع - 222 ص النجف - 2017 م.

19 - (إخوانيات وطرائف شعراء النجف، وشوقي وصحبه)، - دار الياسمين للطباعة والنشر - 280 ص النجف - 2018م.

20 - قضايا شعرية... إملائية... لغوية.... نحوية ...بلاغية)، دار الياسمين للطباعة والنشر - 318 ص - 2018م - النجف.

المؤلف المخطوط:

21 - دعبل بن علي الخزاعي الوجه الآخر للشعر العربي.

 

كريم مرزة الأسدي

 

 

501 الخال واضرابهمن الدروس الأولى التي تعلمتها في مقتبل العمر وأنا أضع قدمي على أول السلَّم في عالم الكتابة، هو كيفية تدوير الكلمة الواحدة إلى كلمات متعددة الألفاظ متحدة المعنى أو قريبة منها، لأن القدرة على التدوير تعطي للكاتب مهارة تدوير الجملة الواحدة وتقليب كلماتها بسلاسة، أو ما يعبر عنها بالإجترار الأدبي تمثلا بالجمل الذي يأكل الطعام ويخزنه ثم يجتره لوقت حاجته، فعندما نقول: جاء الرجل، فنجتر الكلمة أو العبارة فنقول: قدم المعلم أو أتى الطالب أو حلّ الضيف أو أناخ البعير، وأمثال ذلك، فالكلمة الواحدة اختلفت في اللفظ ولكنها اجتمعت في المعنى وهو الحلول في المكان والقدوم والإتيان والإناخة وهكذا، وكنا نكثر من اكتشاف الكلمات المترادفة واجترار الجمل المتشابهة.

ولأن النفس ولعت بعملية المترادفات والإجترارات كنا نضع الأوراق في جيوبنا ونقوي الذاكرة عليها وبها نحسِّن من أسلوب الكتاب وتزويقها بالعبارات الأدبية المجترة، وكان معجم اللغة قائدنا في هذه المنافسة الأدبية يهدينا الى الجملة الأدبية تلو الأخرى، والسعادة تغمرنا عندما نجتر للجملة الواحدة عشر جمل أو أكثر، وكنا ندرك أن الإستغراق في هذا النوع من الممارسة الكتابية اليومية تصقل القلم والذهن فضلا عن الذاكرة، وكنا نكثر من حل الكلمات المتقاطعة في الصحف والمجلات لأنها تخدم الذهن وتشعل في الإنسان روح المنافسة مع الذات لاستحضار الكلمات ومترادفاتها وصنوها، وهذه الملكة لازمتني حتى يومك هذا، ويستحضرها الذهن عند الشروع بكتابة مقالة وما شابه.

ولا يخفى على ذي بصيرة أنَّ اللغة العربية وغناها تساعد الكاتب بشكل كبير وفاعل على خلق المترادفات في الكلمات واجترار العبارات والجمل المتشابهة أو القريبة في المعنى والمختلفة في التشاكل والألفاظ، أو ما يعرف بالمشتركات اللفظية، وهذا يظهر جليا في قصائد الشعراء التي تنتهي قوافيها بكلمات مشتركة الألفاظ مختلفة المعاني، أو ما يعرف في أحد أوجهه بالجناس، على ان المشترك اللفظي في بعض الأحيان أو أكثره أقوى من أدب الجناس نفسه، فمن الجناس الجَنّة بفتح أوله والجُنّة بضم أوله والجِنّة بكسر أوله، فالمعاني الثلاثة مختلفة بفعل الحركة وإن اتحد اللفظ، ولكن في المشترك اللفظي الأغلب أن يتحد اللفظ مع الحركة والتشكيل وتبقى للكلمة أكثر من معنى بل عشرات المعاني وقد تفوق الى أكثر من مائة معنى بل المئات كما في كلمة (الجمل)، وهذا ما يعطي الأديب بعامة والشاعر بخاصة مرونة ما بعدها مرونة في تطويع القافية ونظم القصيدة على منوال واحد مختلف المعنى بين بيت وآخر، وقد يحتاج القارئ وحتى اللبيب منهم إلى استخدام معاجم اللغة للوقوف على معنى البيت بخاصة إذا خلا من دالة أو علامة يهديه الى المعنى.

وحتى لا نستغرق في شرح المعميات والمبهمات، فإن الشاعر الجزائري الدكتور عبد العزيز مختار شبِّين المقيم في العاصمة البريطانية لندن، سهّل علينا الدرب بكتابه الصادر حديثا (2018م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت تحت عنوان: (الخال وأضرابه في قوافي الشعراء على ضوء دائرة المعارف الحسينية للكرباسي) في 359 صفحة من القطع الوزيري.

قواسم لفظية ومجازات

إنّ القول بالمترادف اللفظي أو المشترك اللفظي، هو مذهب كثير من أصحاب اللغة والأدب، لكن المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي كما يؤكد الدكتور عبد العزيز شبين في مؤلفه الجديد، لا يرى ما يرون، فما يراه البعض مترادفا إنما هو من المجاز اللفظي المتحد مبنى والمنفصل معنى، وقد: (توصَّلَ من خلال دراسته لجذور اللغة العربيّة أن المُفردَةَ فيها لَمْ توضع إلاَّ لمعنًى واحد، ولا سبيل إلى القول بأنَّها وُضعتْ لأكثر من مغزًى سواءً بدأ هذا الوضع من عمل الإنسان، أو أنه بدأ منْ أعلام الأشياء، فعلى الأول –كما يرى– يكون الفعلُ مصدرًا للاشتقاق من حيثُ الوضْعُ، لا من حيثُ الصَّرْفُ، وشاهدُه في ذلك قوله: يقومُ المرءُ بفتح الباب فيُشتقُّ منهُ المفتاح، الذي هو آلةُ الفتح، وقدْ يكونُ الإسمُ الدَّالُ على الشَّيء مصدر الإشتقاق اللُّغوي في الوضع دون الصَّرفِ، كالأسد يُشتقُّ منه الفعلُ تأسَّدَ، ويراه راجعاً إلى طبيعة الوضع وظروفه، وهو في نظره يخضَعُ لحاجة الإنسان إلى تحديد ما يتعامل معه من الرُّموزِ، التي اصطُلح عليها بالأسماء والأفعال والحروف).

وللوقوف أكثر على التمايز القائم بين المشترك اللفظي والمجاز اللفظي، وعلى رأي المحقق الكرباسي من خلال استعراض عدد من مؤلفاته في اللغة والأدب والعروض، وبيان نماذج من القصائد في هذا الحقل، فإن الدكتور شبين استهل كتابه بمقدمة أدبية جميلة ليسري بنا في وهدأة الأدب إلى "تمهيد" أبان فيه "معنى الخال" موضوع الكتاب، واستوضح من بصيص ضوئها "تعريف القافية" ومن صخرتها عرج على "تعريف الشعر" ليدخل منه إلى فضاء الإشتراك اللفظي في القصيدة العربية ومثالها "كلمة الخال في الشعر الجاهلي"، وبعدها يسبح في فضاءات الأدب ليكشف لنا في سماء الفصل الأول عن "نظرة العلامة الكرباسي إلى الخاليات"، و"كلمة الخال في قوافي الشعراء"، وينتقل في براق أدبه الى الفصل الثاني مظهرا لنا "أضراب الخال في قوافي الشعراء"، والأضراب هو جمع الضرب وهو المشابه من النوع أو الصنف أو الهيئة، ومن حيث بدأ المؤلف عروجه يهبط إلى "الخاتمة".

كانت بداية إنطلاق فكرة هذا الكتاب هو صدور الجزء الأول من ديوان القرن الثاني عشر سنة 2009م لمؤلفه الموسوعي المحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي، وهو أحد أجزاء دائرة المعارف الحسينية التي تربو على التسعمائة مجلد صدر منها حتى يومنا هذا 125 مجلدا، وفيه مهّد لهذا الديوان بالحديث عن الإبداع الأدبي شعراء هذا القرن الذين نظموا في النهضة الحسينية وفي غيرها، ومن ذلك القصيدة الخالية وأمثالها وأضرابها وأشباهها، فعرّج على الأديب والمحق الشيخ سليمان بن عبد الله الماحوزي البحراني المتوفى سنة 1121هـ الذي أبدع في قصيدته الخالية وعليه سار الشعراء الناطقون باللغة العربية من كل حدب وصوب، حيث يقول من بحر الطويل:

علامَ سقى خدَّيكَ من جفنك الخالُ *** أمِنْ ربواتِ الدَّوِّ لاحَ لك الخالُ

وأسهرَ منك الطرفَ إيماضُ مَبْسَمٍ *** مِنَ الدَّوْرَةِ النُّورِيِّ أمْ أَوْمَضَ الخالُ

ونشر الخزامى نَبَّهَ الوَجْدَ منك أم *** مِنَ الشُّكَّرِي فاحَ البَنَفْسَجُ والخالُ

ويستمر الشاعر في قصيدته على النسق ذاته، وحيث يتحد اللفظ شكلا وتشكيلا مع اختلاف في المعنى، وهذا ما يبحثه الشاعر الجزائري في مؤلفه، منطلقا من هذا الجزء ومن المؤلفات الأخرى للأديب  الكرباسي من قبيل قصائده الخالية التي انتظمت في ديوان "الإيناس بلآلي الجناس" الصادر عام 2014م بتقديم وتعليق الشاعر شبِّين نفسه، والذي ضمَّ خمسين قصيدة على نمط الخاليات، استهدى بها المؤلف الذي يرى في المقدمة أن: (حديث الأدب فنون وألوان، منبعه من الإلهام رافدان: العاطفة والفكرة، ولهذين الرافدين مصادرُ تجلعهما ثرَّين على الدوام لا ينضبان، الحب والأخلاق والتأمّل، وفي كل مصدر من هذه المصادر تنبض الحياة الإنسانية، فتصفو أمامها المناهل، ويسمو في رؤاها الخيال مجنَّحا نحو معارج الكمال).

وحيث يظن القارئ أن القصيدة الخالية نظمها شاعرها في وصف الخال أو الشامة أو الوشمة في خد الحبيب أو الحبيبة فحسب، ولكنها في حقيقة الأمر نمط آخر من القصائد ذات أغراض مختلفة وإن اشتركت في المطالع الغزلية والحبِّية والتشبيبية، وبتعبير المؤلف: (لسنا من المؤمنين بنظرية الأدب للأدب بمعزل عن محيط الأديب، وما تمتزج فيه من مؤثرات نفسية ومذهبية واجتماعية وسياسية وفلسفية وتاريخية وحضارية، فأي عمل في مجال الآداب والفنون هو تراكم معلومات ومعارف)، ولهذا استخدم الأديب الكرباسي اللفظة الواحدة في أوجه كثيرة صاغ منها قصائده الخالية، وبتعبير المؤلّف: (اللغة هي وعاء يتفاعل فيه عاملا الشعور والقراءة، ممتزجين لتظهر اللذة في صورة مُحدثة، من نص أدبي شعرًا كان أم نثرًا).

من روائع الخال

لا يخفى أن أقرب معنى للخال هو أخو الأم، والخال هو مضرب مثل لهذا النمط من القصائد، على أن الخال هو لفظ واحد ينحدر من عليائه أكثر من مائة معنى، ومن مصاديقه "الشامة" كما في قول أمير المقاومة الجزائرية الشريف عبد القادر بن محيي الدين الجزائري الحسني المتوفى سنة 1300هـ من بحر الطويل:

خليليّ وافت منكم ذات خلخال *** تتيه على شمس الظهيرة بالخال

تميس فتزري بالغصون تمايلا *** تروح وتغدو في برود من الخال

لها منطق حلو به سحر بابل *** رخيم الحواشي وهو امضى من الخال

ويمضي الأمير الجزائري في قصيدته الخالية، فالخال الأولى: الشامة، والثانية: الخباء، والثالثة: السيف.

أو قصيدة الشيخ الكرباسي من بحر مسدس الرجز المقبوض، منها:

يا صاحبي صف لي معاني الخالِ *** أنت يا صاحباً للخال

زدني بيانًا أستزد منه فضــ *** ــلًا روحي موئلي يا خالي

منك الوفا أحلى من القربى حتى *** لو أتى من خالتي أو خالي

فالخال الأولى في صدر البيت: مفردة الخال، والثانية في العجز: الشامة، والثالثة: الصاحب، والرابعة: أخو الأم.

أو قول الشاعر اليمني الحسن بن أحمد عاكش المتوفى سنة 1289هـ، من قصيدة من بحر الطويل:

نسم الصبا هبت وقد لمع الخالُ *** فهزت غصون الروض إذ جادها الخالُ

وغنى هزار الروض شجوًا وصفقت *** أكف زهور الورد إذ رقص الخالُ

فهاج لمفتون الصبابة وجدهُ *** بساكن نجدٍ حيث حلَّ به الخالُ

فالخال الأولى في الصدر: البرق، والثانية: الغيث، والثالثة: الخاطر، والرابعة: الفارس

وهكذا يقدم الدكتور شبّين في الفصل الأول نماذج من الشعراء في "كلمة الخال في قوافي الشعراء"، وهي كثيرة غزيرة الألفاظ راقية المعاني تفتح للمتلقي فضلا عن الشاعر آفاقا في واسعة من التعاطي مع جناس الخال ومجازاته.

من أضراب الخال

والقصيدة الخالية في حقيقة الأمر النموذج الأبرز لهذا النمط من القصائد، وإلا فإن الشعراء تفننوا في استخدامات الكلمة ذات المعاني الكثيرة فوظفوها في قصائدهم فجاءت الأبيات متناسقة وجميلة يحتفظ كل بيت منها بساكن جديد يختلف عن الذي قبله وعن الذي بعده وإن تشاكلت وحدة الأبيات في ظاهر قوافيها، وهذا ما يقودنا إليه الدكتور شبين في الفصل الثاني (أضراب الخال في قوافي الشعراء) حيث يفيدنا قائلا: (أَضْرابُ الخالِ مِنَ المُفرداتِ الكثيرةِ في قوافي الشِّعْرِ، وهي من الجناس الوافي أو التام أو مَا يُسمّى بالمُشترك اللّفظي، وقَدْ حاولتُ انتخابَ بعضِ القصائد والمقطوعات ذات القوافي المُتّحدة لفظاً، والمختلفةِ معْنًى، وللبلاغيين فيه وقفاتٌ شرْحاً وبَحْثاً، إذ جعَلُوه نوعاً من أنواعِ الجناسِ الذي استوفى كلَّ شروطِ الشَّبَهِ والمطابقة).

ومن المفردات اللغوية التي وفرت للشاعر حرية نسج أبياته على هذا المنوال، هي العين التي لها أكثر من سبعين معنى، ومن ذلك الأبيات التالية من قصيدة الشاعر اللبناني عمر بن محمد ديب الأنسي المتوفى سنة 1876م من بحر الطويل الأول:

هواك دَعَا عَيْنِي تَفيضُ عُيُونُهَا *** وَدَاعي الهَوَى يَا هِنْدُ لَيْسَ سِوَى العَيْنِ

وَيَا رَبَّةَ الخَالِ الَّتي شَابَ عَارِضِي *** بِهَا وَغَرَامي السَّالِفُ العَهْدِ كَالعَيْنِ

صِلِي وَاذْكُرِي العَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا *** بِجِلَّقَ لاَ في بَعْلَبَكٍّ وَلاَ  العَيْنِ

فالعين الأولى: الينابيع، والثانية: الحاضر، والثالثة: قرية قرب مدينة مرعش جنوب تركيا، ولما كانت القصيدة من خمسين بيتًا، فإن الشاعر قدّم للعين خمسين معنى، يعطي للقصيدة جمالية بالغة.

ومن (رموز الحب) هي عنوان قصيدة للشاعر المؤلف من بحر الطويل الأول يخبرنا ما تخفيه العين فينشد:

خَبِرْتُ رُمُوزَ الحُبِّ مِنْ رمْشَةِ العَيْنِ *** هِيَ المُقْلَةُ النَّعْسَى لِقَلْبي كَمَا العَيْنِ

قَرَأْتُ بِسِفْرِ العَاشِقينَ قَصيدَةً *** تَخَيَّرْتُهَا حَسْناءَ مِنْ دُرَّةِ العَيْنِ

نَوَاظِرُنَا تَاقَتْ إِلَى رَوْضةِ الهَوَى *** وَأنْفُسُنا هَيْمَى إلى مَوْرِدِ العَيْنِ

فعين صدر البيت الأول هي العين الباصرة، وعين العجز: الجاسوس، والثالثة: الذهب، والرابعة: النبع.

هذا ولدين العجوز ميدانه في أضراب الخال كما لبرد العجوز حضوره، وهذا شاعر يخاطب نفسه، من بحر الوافر الأول:

ألا يا نفسُ وَيْحكِ لا تَجوزي *** على بيتِ المُخدّرةِ العَجوزِ

وَجُوزي أنْ تَجُوزي في مَجازٍ *** يَجوزُ جَوازُهُ عندَ العَجُوزِ

دَعي عَنْكِ المِراءَ ففيهِ كُفْرٌ *** وَدِينِكِ فَالزَمِي دِينَ العَجُوزِ

فالشاعر هنا يدعو النفس إلى الإمتناع عن حضور مجالس الخمارين وعدم تناول العجوز (الخمر)، لأن الجواز نحو المعالي سيكون عند العجوز (القيامة)، ويطالبها بعدم المراء وتتبع دين العجوز (المرأة المسنة) لأنه دين قائم على الفطرة السليمة والإيمان المباشر من غير طلب دليل وبرهان والتسليم لله في أوامره ونواهيه.

وهذا الشيخ يوسف بن عمر الحلبي المتوفى سنة 1024هـ، يخاطب البرد القارص، من بحر الوافر:

عَذُولِي لا تَلُمْنِي في هَواهُ *** فلستُ بسامِعٍ نَبْحَ العَجُوزِ

تَرُومُ سُلُوَّهُ منِّي بجهْدٍ *** سُلُوِّي دُونَهُ شَيْبُ العَجُوزِ

كلامُكَ باردٌ مِنْ غَيرِ مَعْنىً *** يُحَاكِي بَرْدَ أَيّام العَجُوزِ

وحيث يغتر المرء بذهاب فصل الشتاء دون أن يتعظ من برد قادم أخبرت به عجوز وحذّرت منه قومها ولم يلتفتوا لتحذيرها فأصاب غنمهم الموت، على أن الهائم في حب محبوبه في البيت الأول لم يسمع نبح العجوز (الكلب)، فهو يطلب رغد العيش وأنى له ذلك وشيب العجوز (الغراب) حاضر في سمائه يُسمعه تراتيل الأسى. فالشاعر وظَّف "العجوز" في ستين بيتًا ومعنى مختلفا مع لفظ واحد.

وهذا الفقيه السيد محسن بن عبد الكريم الأمين العاملي المتوفى سنة 1371هـ يحذرنا، من بحر الوافر الأول:

أتعملُ طولَ دهركَ للعجوزِ *** ولا تخشى غداً حرَّ العجوزِ

ثم يحيلنا إلى برد العجوز ويدعونا إلى الإتعاظ، قائلا:

فَلاَ تَغْتَرَّ وَيْحَكَ بِاللَّيَالي *** سترميك الليالي بالعجوزِ

وأيَّامُ الرَّبيعِ رَأَيْتَ فِيهَا *** فَكَيْفَ رَأَيتَ أَيَّامَ العَجوزِ

فالعجوز في صدر المطلع هي (الدنيا) وفي عجزه (النار)، وفي الثالثة تحذير من (الداهية)، وفي الرابعة (برد الشتاء) وقسوة برد العجوز وأيامها. والقصيدة المتكونة من 101 بيت ومثلها من المعاني المختلفة تظهر عظمة الشاعر وبراعته في تقليب الكلمة الواحدة بين يدى المعاني المختلفة، وحسب وصف المؤلف: (فطريقة توظيف المفردات هي التي تحدد للنص أبعاده الفنية، ومعالمه الفكرية، ويتضح أسلوب الشاعر من ازدواجية العلاقة التكاملية بين اللغة والذات الشاعرة).

وهكذا يواصل الدكتور عبد العزيز شبّين في هذا الفصل مخبرًا قراءه عن مماثلات الخال مع ضرب الأمثال لها من نظم الأديب الكرباسي أو نظمه أو نظم شعراء آخرين، وعليه نقرأ في هذا الفصل قصائد بديعة تنتهي قوافيها بالجناسات التالية: "النشء"، "غربه"، "صليبا"، "سكبا"، "صبابه"، "الغرب"، "الحاجب"، "البيت"، "الجث"، "همج"، "لمحا"، "ملاحا"، "وضح"، "الذيخ"، "واجد"، "الندى"، "فراقد"، "أعبد"، "وقودها"، "يدُ"، "العهدُ"، "النجدُ"، "وردُ"، "وعودي"، "العمود"، "خنذيذا"، "قدرة"، "وتيرة"، "سرُّ"، "نشرُ"، "الغمر"، "مدار"، "عواري"، "العصفور"، "المرمر"، "العجوز"، "جلس"، "حلس"، "العرش"، "البوص"، "غرض"، "قضى"، "العرض"، "العروض"، "وخطا"، "السمط"، "الجواظ"، الرِّيع"، "الوَتغ"، "صفا"، "عرف"، "الحق"، "الخيفق"، "الروق"، "طبق"، "العتك"، "أهلا"، "الهوجل"، "الهلال"، "العلجم"، "السَّنَهْ"، "ركن"، "جاني"، "الدِّين"، "العين"، "الوجه"، "سهوه"، "الوحي"، و"الكي".

وينتهي بنا المؤلف بخاتمة يأخذنا معًا في فضاء القصيدة وتطورها وتعدد أغراضها، وتحولها في فترات زمنية إلى: (صنعة لفظية بأشكالها وفنونها، لتصبح همَّ الشاعر وانشغاله الدائمين، بعد بحثه عن لقمة العيش وتأمين النفس)، على أن الخاليات وأضرابها هي من ضروب الشعر التي ساهمت في تحريك الركود الشعري كما يفيدنا الأديب الكرباسي، ومن مظاهرها الإيجابية بنظر الدكتور شبّين أن: (الخاليات أظهرت تلك النهضة الشعرية والأدبية في الشرق العربي عمومًا وفي العراق خصوصا، ومن قيمتها رغَّبت الأمراء في النظم على منوالها ورأينا هذا في شخصية الأمير عبد القادر الجزائري، الذي أعادت إليه روح الشعر ورتابته)، ولا غرو أن لطافة قصيدة الخال وشفافية أضرابه حاكية بذاتها عن هذه النهضة الشعرية.

 

د. نضير الخزرجي - الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

499 يهود العراقعن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة ، صدر كتاب يهود العراق ودورهم في نشأة التعليم وتطويره من العام (١٦٥-١٩٧٣)، للباحث نبيل عبد الامير الربيعي ، وضم الكتاب مقدمة وثلاثة فصول ، تناول الباحث في الفصل الاول الجذور التاريخية منذ عهد الإمبراطورية الآشورية الاخيرة ، أو ما يسمى بسبي ( سامريا ٧٢١) ، ولغاية هجرتهم القسرية الاولى عام (١٩٥٠- ١٩٧٤) ، في حين أحتوى الفصل الثاني على تاريخ المدارس الدينية اليهودية في العراق وضم ثلاثة مباحث تناول الباحث في المبحث الاول منه دور المدارس الدينية اليهودية في العراق للفترة من (١٦٥-١٨٣٠) ، والمبحث الثاني تاريخ المدارس اليهودية في العراق للفترة (١٨٣٠-١٨٦٣) ، وفي المبحث الثالث وضح فيه الباحث دور مدارس الأليانس وأثرها التعليمي والثقافي للفترة من (١٨٦٤-١٩٥١) . وتناول الباحث في الفصل الثالث دور مدارس الطائفة اليهودية في رفع مستوى التعليم في عهد الانتداب البريطاني للفترة من عام ( ١٩١٧-١٩٢٠) وضم في طياته أربعة مباحث ، تناول الباحث في المبحث الاول تاريخ مدارس يهود العراق في عهد الاحتلال البريطاني للفترة من (١٩١٧-١٩٢٠) ، والمبحث الثاني وثق الباحث نشاط مدارس الأليانس الأسرائيلية في العهد الملكي وتناول في المبحث الثالث نفقات ومصادر المدارس اليهودية ونشاط المنظمات الصهيونية في المدارس اليهودية . والكاتب والإعلامي نبيل الربيعي باحث متخصص في كتابة وأرشفة تاريخ الأقليات في العراق وهو من مواليد ١٩٥٨ وحاصل على البكالوريوس في الإدارة والاقتصاد وعضواً في أكثر من نقابة وإتحاد من ضمنها نقابة الصحفيين واتحاد ادباء بابل وصدر للربيعي عدة مؤلفات منها:

اليهود في العراق منذ السبي البابلي والآشوري في عام ٢٠١٣ عن دار الرافدين في بيروت

تاريخ الديوانية السياسي والاقتصادي والاجتماعي (ثلاثة اجزاء) عن دار الفرات ٢٠١٥

آنور شاوؤل - رحلة الأسى وهمسات للزمن - الحلة دار الفرات في الحلة ٢٠١٥

لمحات من تاريخ يهود العراق ( جزأين) عن دار الفرات في الحلة ٢٠١٦

أضواء على النشاط الصهيوني في العراق - عن دار الفرات في الحلة ٢٠١٦

تاريخ يهود العراق ( جزأين ) عن دار الرافدين في بيروت ٢٠١٧

معجم أعلام يهود العراق - دار الفرات في الحلة ٢٩١٧

الريادة في مؤلفات الدكتور عبد الرضا عوض . عن دار الفرات في الحلة ٢٠١٧

الدرة البهية في تاريخ مدينة الديوانية في الحلة عن دار الفرات في الحلة ٢٠١٧

على ضفاف الفرات - ذكريات أيام مضت وأنقضت .ًمذكرات عزت سامسون الصادرة عام ١٩٨٠ -مراجعة وتحقيق - عن دار الفرات في الحلة عام ٢٠١٧

الشيخ إبراهيم بن سلمان القطيفي آخر علماء الحوزة العلمية عن دار الفرات في العرق ٢٠١٨

يهود الخليج ( البحرين - عُمان- الكويت ) عن دار الرافدين في بيروت عام ٢٠١٨.

الاستاذ الربيعي من الباحثين الجادين والمحايدين في الكتابة وأرشفة تاريخ الأقليات رغم أن الطريق في هذا المجال لايخلو من صعوبات بعضها إجتماعي غير معرفي فضلاً عن نقص المصادر في هذا الاتجاه ، وهذا العمل الموسوعي والتاريخي مهم في أرشفة تاريخ العراق لان الامم لا تنهض أو تتقدم بلا معرفة بتاريخها .

يقع الكتاب في أكثر من اربعمائة صفحة وضم في طياته احصائيات متنوعة وجداول وصور عن يهود العراق في نشأة التعليم في العراق.

 

د. نصير الحسيني

 

498 كلام ليس يسركمالكتابة حرفة وموهبة وليست صناعة ولملمة إنها جمع وليست تجميعا ً كل هذا في كتاب "كلام ليس يسرًكُم" للشاعر والكاتب اللبناني "بلال شرارة" صرخة ذاتية من واقع مؤلم.

إنتابتني موجة من الحزن والقلق، ورحت أقرأ هذه المقالات بتأمل، وتهتُ في إزدحام ِالرؤى الكثيرة التي يحملها هذا الكاتب والشاعر الوطني"شرارة" والمتشبث بقضايا الأمة التي انحدرت إلى الدرك الأسفل " "من هذا التاريخ المرير نحو مزيد من الانكسارات والانقلابات والحريات الأسيرة " ص207

مقالات لها صدى واسع على قلبي وعقلي المغلف من عدة طبقات انكسارية، حتى لامستُ ما كنتُ أحلم به منذ نعومة أظافري، ويبدو أن "شرارة " قرأ كثيرا عن الفلاسفة والشعراء الذين سبقوه والذين عاصروه .

" كم أودُ لو أني لا شيء " ! " هل أنت .

 حتى أطلقَ قلمه الحر الشريف ليغني عن ليلاه وليل الآخرين في هذا الكتاب، عبر صهيل جواده الداخلي ليقول لنا أشياءَ كثيرة مغموسة بلوعة الحياة، حتى أدخلني في لمحات من صيرورة هذه الحياة التي هي هوية وجودنا.وبتنا نخاف الأشياء من مسمياتها .

"عندما كنت حيا ً تطوعت مع الثورة "

وأنا أجد ذلك الشاعر والكاتب "شرارة " القادم من لبنان، وهو منهمك بتوزيع إصداراته الخمسة لعام 2017 في قاعة بنت جبيل، أراد أن يقولَ الكثيرَ، لأنه يملك إحساسا ًمتفوقا بالناس والأمكنة، وهو قريب إلى أحبته من مدينة " ديربورن " وهم من الفارين من عذابات الوطن

" ورأيتُ الموتَ مراتٍ ومرات "ياما " طاردني القصف والرصاص " ص17

فوجدتُه يشكوعبر توقيع هذه الكتب وكأنه يحملُ في صدره الكثيرَ الكثيرَ من الهموم والمآسي، ليس لأنه شاعر بل هو صاحبُ قضية ٍ وصاحبِ القلم الحر .

"أنا مقتنع تماما بما أفتى به الشاعر الصديق الأستاذ "حسن العبد الله " من أني لا أحتاج أن يقدمني أحد "ص7

هذا الكتابُ يقع في 215 صفحة من القطع المتوسط، ومن نشر دار عالم الفكر في لبنان، هذه المقالات التي يطلُ من خلالها "شرارة " هي دروس معرفية واضحة لكل من يتابعه فيها من العتاب لمن يعرفه، وهو يرسل لنا رسائله وكأنه يقلّب صفحاتِ حياته التي عاشها في لبنان بلغةٍ رشيقة فيها الكثير من الشفافية، وكأنه يُفلسفُ حياته التي شيدّها بآهاتِ الحزن والألم

" أنا متعبٌ من حملِ كل عمري على كتفي " ص207

والكثير من ملامسة الروح العاجة بالصور الحياتية، وكان يمكن أن يتمَ تطويع مادة الكتاب الى نص روائي، لأن الرواية تمتلك طاقتها في السرد أو ما يسمى " بالحكي " وشخوصه هي الأمكنة والأزمنة، والرواية هي سرد نثري يصف شخصيات خيالية أو واقعية واحداثا ً على شكل قصة،  فهي كالشريط السينمائي فيها بداية وعقدة وربما حتى حلول لمشكلات العصر، أو ربما الحل متروك للقارئ كما شرارة في مقالاته .

 يقول الدكتور" وجيه فانوس" سر ُ وجود بلال شرارة في هذه المقالات كما جوهر تعبيره عن هذا الوجود  يكمنان في الانطلاق الدؤوب والمصر من صدقية ما يكشفه بلال شخصي وآني في حياته.ص12 كما يضيف قائلاً " مع ما يعانيه بلال ويعانيه ويعبر به، فعل انطلاق إلى حقيقة كبرى للوجود ص13

ومن هنا فهو"شرارة "الشاعر والكاتب يهرب من عالم الإنسان الذي أوصله إلى ما هو عليه الآن .وهو يستصرخ الوادي الذي يتأمله يوميا كثيرا فيجد الإنسان الآن قد تغير كثيرا، فظلت فضاءات الكلمات في مخيلته باقية متشبثة بأنها هي المحرك الأساسي للبناء والتغيير، فكان للكلمة دور في بناء المجتمعات في المواقف العصيبة والأزمات، فهو يخاطبهم واحدا واحدا، فهو الأديب الذي يملك عقلاً واعيا متسلحا ً ًبالوعي والإيمان بالهدف . ولهذا يصرخ بالذهاب الى الحجر والشجر ليقول هناك كلماته ربما يجد لها صدىً واسعا لتحقيق أهدافه الإنسانية

" أنا سأذهب الآن إلى الوادي، وأدعو أشجاري وأطياري إلى المشاركة في إستفتاء عام على الانفصال عنكم " ص208

فتتحول الكتابة عنده كما تلقاها إلى ممارسةٍ خلابة لعفوية تداعي الأسماء والموجودات والدلالات، ضمن إمكانيات شديدة الإنفتاح لتشكلات رؤيوية ومضمونية، حتى تجده هو المتصفح إلى أوراق حياتنا نحن أبناء البشر الذين نعيش هذا القرن.

" عاطفة متلاشية لحب عتيق يتكور في الظل والسكت " ص50

فهناك الكثير من الثيمات القيمّة التي عالجها "شرارة" منها قضية فلسطين، ولبنان، الأم، الوطنية، حب الآخر الوحدة لدى الكاتب، الغربة وغيرها من المشكلات والأزمات .

" لعل الأشد روعة في "المقالات " وقد يكون منطلق سر الروعة عند بلال شرارة الإنسان والكاتب والمناضل وحتى المواطن، أن تبقى "فلسطين " و "الأم "في كتابته، مباشرة أو مداورة، صنوان لا يفترقان .

بقى أن نذكر أن الكتاب يقع في 214 صفحة من القطع المتوسط، وكان قد صدر من دار نشر عالم الفكر في بيروت .

 

قاسم ماضي - ديترويت

 

حسيب شحادةموسى بن حيم، ألف مثل ومثل في العربية المحكية وبترجمة عبرية. القدس: أكّادِمون ١٩٩١، ٢١٦ ص.

A Thousand and one Palestinian Proverbs

משה (מוסא) בן חיים, אלף פתגם ופתגם בערבית מדוברת ובתרגום עברי. ירושלים: אקדמון, 1991, 216 עמ’.

الأمثال والأقوال المأثورة كما يذكر بن حيم (هكذا يكتب اسمه بالعربية أي: حايم أو حاييم) في مقدّمته هي ”ملح الكلام ومصابيح الأقوال“.  هذا الكتاب مُعدّ للقارىء العبري، لا سيّما الإسرائيلي بغية التعرّف على الشعب العربي، عاداته وطريقة تفكيره، على حدّ قول الجامع في المقدّمة. لبن حاييم كتاب بعنوان ”اللغة كجسر، لتعليم العربية المحكية“ (بالعبرية) وكتاب آخر بعنوان ”حكمة الثور، مجموعة قصص حول الثقافة العربية“ (بالعبرية أيضًا). موسى بن حاييم ولد في العراق، خرّيج الجامعة العبرية في موضوعي اللغة العربية وآدابها وتاريخ الشرق الأوسط، كان مسؤولًا عن شؤون المسلمين في وزارة الأديان، كما علّم العربية المحكية وعمل في مركز بوبر في الجامعة العبرية في الأولپان اليهودي العربي. قام بن حاييم بجمع هذا الكم الضخم من الأمثال، أكثر من الألف، وتحديدًا ١٠٢٦ مثلًا، في غُضون عمله طويل الأمد في الوسط العربي في البلاد، وقد عاونه على ذلك أربعة أشخاص. يعتبر بن حاييم واحدًا من الخبراء اليهود البارزين بالثقافة العربية.  هذه الأمثال والأقوال موزّعة على تسعةَ عشرَ بابَا مثل: آدم وحوّاء؛ الحبّ والأُخوّة والكراهية والحسد؛ أقوياء وضعفاء وأغنياء وفقراء؛ حياة الإنسان وعلاقته بالآخر؛ التربية والعلاقات بين أفراد العائلة؛ الطبيعة والعادة؛ الأخيار والأشرار؛ الموت والحياة باللسان؛ الصبر؛ اتّكل على نفسك؛ نصائح جيّدة، البخل والضيافة؛ الجيرة؛ عن هذا وذاك. ثلاثة الأبواب، ١٩، ١٦، ٩ التي تحمل هذه العناوين: عن هذا وذاك ص. ١٧٠-٢١٥، نصائح جيّدة، ص. ١٣٠-١٥٨ والطبيعة والعادة، ص. ٧٧-٩٦ تضمّ أكبر عدد من الأمثال وهو ٢٢٤، ١٥٤ و ١٠١ على التوالي.

أمثال كل باب مرقّمة وكل مَثل مرتّب بأربعة أقسام: كتابة المثل بالرسم العربي القريب من الفصحى بدون تشكيل تقريبًا، وهذه المادّة تُمثّل لهجاتٍ فلسطينية متعدّدة، قروية، مدنية بدوية؛ نقحرة المثل بالحرف العبري مشكّلة وهنا تنكشف طريقة اللفظ؛ نقْل المثل إلى العبرية حرفيًا في الغالب الأعمّ، بدون تشكيل عادة وفي حالات التشكيل القليلة وقعت أخطاء مثل ص. ٥٣ رقم ٤٧، ص. ١١٥ رقم ٢٣؛ ص. ١٢٧ رقم ٥ (لفظة ”الليالي“ مذكرة بالعبرية)، وكان من المفروض إضافة المعنى المقصود بين قوسين مثل ص. ٩٨ رقم ١١ تُرجم الفعل ”طلع“ بـ ”خرج“ والمقصود ”اتّضح“؛ بعض الخلفية والتفسير وَفق اجتهاد الجامع وما سمِعه من الرواة.

أحيانًا يحاول جامع هذه الأمثال والأقوال، أن يأتيَ بما يقابلُها في تقديره بالعبرية، رغم الاختلاف بين اللغتين مثل: ”اللي بشاور المره مره“ وفي العبرية التلمودية ”كلّ من يسمع بنصيحة زوجته يقع في جهنم“ (ص. ١١) والفرق بينهما جليّ وينظر في الصفحات ١١ رقم ٤؛ ١٢ رقم ٨؛ ١٣ رقم ١١؛ ١٦ رقم ٢٦؛ ٢٦ رقم ٣٧؛ ٤٤ رقم ٧١؛ ٤٨ رقم ١٩؛ ٥٤ رقم ٥٠؛ ٧٨ رقم ٦؛ ٨٧ رقم ٥٣، ٥٦؛ ٩٨ رقم ٦؛ ١٠٠ رقم ١٨؛ ١١٩ رقم ٧؛ ١٢٠ رقم ١٤؛ ١٢٥ رقم ١١؛ ١٢٦ رقم ١٣؛ ١٣٢ رقم ١٢؛ ١٤٢ رقم ٦٣؛ ١٦٧ رقم ٦؛ ١٧٠ رقم ٣؛ ١٨٣ رقم ٦٧؛ ١٩٨ رقم ١٣٩؛ ٢١٤ رقم ٢١٧؛ ٢١٥ رقم ٢٢٣. ويلاحظ أيضًا أنّ بن حاييم عمِل جاهدًا للتنويه بأمثال شبيهة لدى شعوب أخرى مثل الهنغاريين، اليونانيين، الإنجليز، الأكراد، الروس، الآيسلنديين،  وينظر مثلًا في الصفحات والأرقام الآتية: ١٢/١٣؛ ١/٢٠؛ ٢٦/٦٢؛ ١٤/٩٩؛ ١٧/١٢٦؛ ١٢٣/١٥٢؛ ١٢٤/١٥٣؛ ٣/١٦٦؛ ١٠٨/١٩٢؛١٨١/٢٠٦.

عيّنة من الأمثال والأقوال المأثورة الواردة في هذا الكتاب بحسب ورودها:

الانثى ما بتشبع من الذكر والارض ما بتشبع من المطر.

الجوز رحمة ولو ما بيجيب فحمه.

همّ البنات للممات.

طنجرة ولقت غطاها.

المره من دانها بتسمن.

صح الها جوز قالت عنه اعور.

اذا دخل الفقر من الباب، طار الحب من الشباك.

بصلة المحب خروف.

الحيه عمرها ما بتصير خيه.

لولا الغيره ما حبلت النسوان.

العدو ما بصير حبيب إلا لما يصير الحمار طبيب.

صديق الكل ما له صديق.

ضرب الحبيب زبيب وحجارته قطين.

اجا مين يعرفك يا بلوط.

بالفلوس كل شي بتدوس.

افلس من يهودي بيوم السبت.

اذا انا امير وانت امير مين يسوق الحمير.

بيت الاسد ما بخلى من العظام.

طول ما الكيس مليان بكثروا الخلان.

لا فوقه ولا تحته.

اجت منك وما اجت مني.

اللي بطبل لك زمر له.

الجنازة حامية والميت كلب.

ما بجي من الناس غير وجع الراس.

مثل الشحمه والنار.

العتاب صابون القلب.

ربنا ما ساوانا الا بالموت.

شو احلى من الحلاوة، الصلح بعد العداوه.

البنت بلا اخلاق كشجرة بلا اوراق.

بتجيش المصايب الا من الحبايب.

ركبناه ورانا مد ايده ع الخرج.

كل شي اذا كتر رخص الا العقل.

اللي بسرق البيضه بسرق الجاجه.

الديك الفصيح من البيضة يصيح.

طبع البدن ما بغيره غير الكفن.

لسان ملس وقلب نجس.

بسكر من زبيبه.

عنزة ولو طارت.

قالوا للغراب ليش تسرق الصابون؟ قال: الاذى طبع.

تنين ما بشبعوا: طالب علم وطالب مال.

حاميها حراميها.

في الوجه خيه وفي القفى حيه.

الحيطان الها ودان.

كلمة بتحنن وكلمة بتجنن.

اجت الحزينة ت-تفرح ما لقتش مطرح.

اكل ومرعى وقلة صنعه.

الله بسدها من باب وبفتحها من بوابه.

كل قمحه مسوسه الها كيال اعمى.

اذا رجعت من السفر جيب لاهلك ولو حجر.

خيرها بغيرها.

بصلته محروقه.

طولة البال بتهد الجبال.

الارض ما بحرثها الا عجالها.

اشرب زيت وناطح الحيط.

اللي بده يسكر ما يعد الاقداح.

اللي ما بجي معاك تعال معه.

اللي بخاف الله لا تخاف منه.

اللي بستحي من اصله ما اله اصل.

امشي بجنازة ولا تمشي بجوازه.

بطن الانسان عدوه.

دور كثير بتشوف كتير.

زوان بلادك ولا قمح الغريب.

حط في الحرج.

يا نازل في البير احسب حساب الطلوع.

كل اللي بعجبك والبس اللي بعجب الناس.

لا تقول فول الا بعد ما تحط في العدول.

سكر بالمفتاح ونام مرتاح.

تغدى وتمدى تعشى وتمشى.

شاور الكبير والزغير وارجع لعقلك.

تشتريش سمك في البحر.

التوم قاتل السموم.

لاقيني ولا تغديني.

قعد الضيف ومد اجريه.

شعره من طيز خنزير بركه.

دار بلا جار بتسوى الف دينار.

انا خابزه وعاجنه.

احتجنا لليهودي قال اليوم عيد.

ارخص من الفجل.

اربعه ما بشبعوا: الارض من المطر والعين من النظر والدان من الخبر والمره من الذكر.

بين حنا ومنا ضاعت لحانا.

جاي يقيم الدين في مالطه.

هذا وجه الضيف.

زمان اول حول.

زغرها بتزغر كبرها بتكبر.

حماتك بتحبك.

حامل السلم بالعرض.

طاسه وضايعه.

طيزين بلباس.

الكلام الك يا كنه واسمعي يا جارتي.

كل واحد على دينه الله يعينه.

مش كل من نفخ طبخ.

ما حدا بقول على زيته عكر.

الماشي طير والقاعد حجر.

ما في اشي بلاش الا العمى والطراش.

عمرك شفت بس بلاعب فار؟.

بعمل من الحبة قبه ومن النمله جمل.

عيش كتير بتشوف كتير وبتسمع كتير.

غاب القط العب يا فار.

فرجاه نجوم الظهر.

في الحركه بركه والبطاله هلكه.

الضحك للانسان مثل السماد للبستان.

قالوا لليهودي حمل معنا، راح مسك رسن الدابه.

راح يكحلها عماها.

روح بلط البحر.

الشمس ما بتتغطى بعبايه.

تيتي تيتي مثل ما رحت جيت.

تلاته ما بتخبوش: الحب والحبل وركوب الجمل.

لا ريب في أنّ القارىء العربيَّ بعامّة والفلسطيني بخاصّة، سيجد بعض الاختلاف بين ما في هذا الكتاب وما يعرفه هو من أمثال، وقلِ الأمر ذاتَه بصدد تفسير الأمثال. على سبيل المثال، في شرح المثل الأوّل (ص. ١١) ”اقلب الجرة على تمّها بتطلع البنت لامها“ يكتب موسى بن حاييم ما معناه: المجتمع العربي التقليدي ليس حرًّا بما فيه الكفاية، ولا يمكّن الشاب من التعرّف على عروسه قبل الزواج، وعليه ينصح المثل بالتعرّف على والدة العروس إذ عادة ترِث البنت صفاتِ أمّها. وفي شرح المثل ”طنجره ولقت غطاها“ (ص. ١٥) يجد القارىء ما معناه ”وافق شنّ طبقة“ والمعنى المعروف ”انتهت المشكلة“. وفي شرح ”اكلها لحمه ورماها عظمه“ يقول المؤلف إنّ هذا المثال يقال عن ”رجُل تمتّع بزوجته الشابّة والجميلة وتركها عندما شاخت“ (ص. ١٢ رقم ٥ وانظر ص. ٨٩ رقم ٦٢؛ ص. ٩١ رقم ٧٨)، وهنالك مواضعُ كثيرة من هذا القبيل. أضف إلى ذلك هنالك هفوات في تشكيل النقحرة العبرية للأصل العربي مثل ص. ١٥ رقم ٢١، ٢٤؛ ص. ٢١ رقم ٧؛ ص. ٢٧ رقم ٤٠؛ ص. ٣٢ رقم ١؛ ص. ٤٤ رقم ٦٧؛ ص. ٦٢ رقم ٢٣؛ ص. ٧٣ رقم ٢٠؛ ص. ٨٠ رقم ١٨؛ ص. ٨٥ رقم ٥٠؛ ص. ١٢٧ رقم ٥؛ ص. ١٤٦ رقم ٨٩؛ ص. ١٧١ رقم ٧؛ ص. ١٨٥ رقم ٧٦؛ ص. ١٩٥ رقم ١٢٦؛ ٢٠١ رقم ١٥٥؛ ص. ٢١٠ رقم ٢٠١.

في بعض المواضع وقعت بعض الهفوات في ترجمة الأمثال إلى العبرية مثل: ”… ولا شاب يولعك“ نقل إلى العبرية بما معناه ”ولا شاب يسلّيك“، ص. ١٥ رقم ٢١؛ ”شاوِرهُن وخالفهُن“ ترجم إلى العبرية لضمير المخاطبين بدلًا من المخاطَب، ص. ١٩، رقم ٤٨؛ وينظر في ص. ٢١ رقم ١١؛ ص. ٢٨ رقم ٥؛ ص. ٣١ رقم ١٧؛ ص. ٣٨ رقم ٣٧؛ ص. ٤٤ رقم ٧١؛ ص. ٥١ رقم ٣٦؛ ص. ٥٢ رقم ٤٢؛ ص. ٥٦ رقم ٦٤؛ ص. ٦٦ رقم ١؛ ص. ٦٨ رقم ٨؛ ص. ٧٤ رقم ٢٢؛ ص. ٨٣ رقم ٣٣؛ ص. ٩٠ رقم ٧١؛ ص. ١٠٦ رقم ١٤؛ ص. ١٢٩ رقم ١٢؛ ص. ١٣٢ رقم ١٤؛ ص. ١٤٦ رقم ٨٩؛ ص. ١٧١ رقم ٥؛ ص. ١٧٩ رقم ٤٨؛ ص. ١٨٣ رقم ٦٤؛ ص. ١٩٠ رقم ١٠٠؛ ص. ١٩٦ رقم ١٣١؛ ص. ٢٠٥ رقم ١٧٣.

وأخيرًا، لا بدّ من الإشارة إلى وجود طبعة جديدة ومزيدة لهذا الكتاب، صدرت عن الجامعة العبرية عن طريق دار النشر ذاتها سنة ٢٠٠٤، وفيها ٥٠٧ ص. وفيها أكثر من ثلاثة آلاف وستمائة من الأمثال والأقوال المأثورة، وهذه الطبعة تستحقّ بحثًا منفردا للوقوف على مستجدّاتها.

 

عرض ومراجعة: ب. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

عدنان عويدطبيعة المنهج القرآني: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)

يعتبر المنهج القرآني عند سيد قطب قد حقق وجوده الفعلي لأول مرة في المرحة "المكية" من تاريخ حياة المسلمين كما بينا سابقاً. هذا المنهج الذي جاء أساساً لمعالجة قضية أولى وكبرى وأساسية في هذا الدين الجديد، هي قضية (العقيدة)، ممثلة في قاعدتها الرئيسة (الإلوهية والعبودية وما بينهما من علاقة). (1)

إن الله وفقاً لهذا المنهج، كان يخاطب الإنسان بما أنه إنسان يستوي فيه العربي مع العربي في كل زمان ومكان، كما يستوي فيه العربي مع غيره في كل زمان ومكان أيضاً. إنه إنسان "العقيدة" بغض النظر عن مرجعيته العرقية أو الوطنية. والعقيدة عنده قضية وجود الإنسان التي لا تتغير في هذا الكون، وقضية مصيره، وعلاقته بالكون وبهؤلاء الأحياء، وكذلك قضية علاقته بخالق هذا الكون وخالق هذه الأحياء.

يقول سيد قطب: عن هذا القرآن (المكي): بأنه كان يفسر للإنسان سر وجوده، ووجود الكون من حوله، كان يقول له من هو؟، ومن أين جاء؟، ولماذا جاء؟، وإلى أين يذهب في نهاية المطاف؟، ومن ذا الذي جاء به من العدم المجهول؟، ومن ذا الذي يذهب به، وما مصيره هناك؟.

كما كان يقول له: ما هذا الوجود الذي يحسه ويراه، والذي يحس وراءه غيباً يستشرفه ولا يراه؟. ثم من أنشأ هذا الوجود المليء بالأسرار؟، ومن ذا الذي يدبره ويجدد فيه ويغيره على النحو الذي يراه؟. وكان يقول له كذلك: كيف يتعامل مع خالق هذا الكون ومع عباد الله من أمثاله.

إذاً هذه هي القضية الكبرى التي يقوم عليها الوجود الإنساني، والتي حدد المنهج القرآني مساراتها كلها لهذا الإنسان الذي لم يعد له أي دور في كشفها أو كيف يتعامل معها، لأن كل شيء قد حُدد له بشكل مسبق وما عليه إلا الاستسلام والامتثال والتنفيذ لأوامر هذا المنهج.

بيد أن المسألة الأكثر أهمية عند "قطب" هي، أن الجيل الأول (المكي) قد استوعب هذه القضية الكبرى بكل معطياتها التي جئنا عليها، واستقرت استقراراً مكيناً ثابتاً في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان التي قدر الله أن يقوم هذا الدين آنذاك عليها وبها، وأن تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين. متناسياً قطب هنا بطبيعة الحال أن هذا الإنسان المثالي الذي جرده من كل خصائص الإنسان الواعي والحائز على حريته، هو ذاته من كان وراء الفتنة الأولى في الإسلام (مقتل عثمان)، و كان وراء الفتنة الثانية (حرب الجمل). وكان وراء حرب صفين وظهور الصراعات الدامية على السلطة، كما نسي تلك الاختلافات بين أفراد ذاك الجيل حول تفسير القرآن  وحتى خروج بعض الصحابة أو التردد عن طاعة الرسول، وغير ذلك من خلافات في قضايا العقيدة ذاتها التي اعتبرها "قطب" ذاك الدليل الذي على الإنسان أن يستسلم له كلياً، ناسياً أو متجاهلاً أيضاً مسألةعلى درجة عالية من الأهمية هنا، وهي ذاك الصراع الدامي بين أفراد هذه العصبة بسبب الخلاف بينهم حول جوهر العقيدة في مسائل مثل: هل الإنسان مسير كما قال القدرية المعتزلة، أم مخير كما قال الجبرية؟، وهل هناك تجسيد للصفات أم ليس كمثله شيء؟، وهل الخلافة بالوصية أم بالانتخاب.؟. وغير ذلك من قضايا خلافية ورثها لنا الجيل الأول لم نزل نعيش نتائجها الوخيمة حتى هذا التاريخ.

مسألة "الألوهية":

ثم ينتقل سيد قطب في هذا السياق إلى مسألة "الإلوهية" حيث يرى بأن حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تشتغل عليها الدعوة منذ اليوم الأول للرسالة، وأن يبدأ الرسول منذ خطواته الأولى بدعوى الناس أن يشهدوا: (أن لا إله إلا الله)، وهو بدعوته هذه يريد إقناعهم أو ترسيخ فكرة أن الإلوهية تعني " حاكميه الله"، التي تعني كما أشرنا في موقع سابق أنها نزع السلطة أو السلطان الذي يزاوله الكهان ومشايخ القبائل والأمراء والحكام، وإقرارها لله وحده، كونه السلطان الوحيد على ضمائر الناس وشعائرهم وواقعيات حياتهم ومالهم وقضائهم وأرواحهم وابدأنهم. أو بتعبير آخر إن (الألوهية ) ودور الرسول محمد (ص) في تطبيق دلالاتها  ممثلة بـ (لا إله إلا الله)، كما يراد لها، بان لا حاكميه إلا لله، ولا شريعة إلا لله، ولا سلطان لأحد على أحد إلا سلطان الله، وأن ما يقوله الرسول هو ما يريده الله ويأمر به: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}).- الحشر – 7.  وأن الجنسية الخاضعة لهذه الحاكمية هي (جنسية العقيدة)، التي يتساوى فيها البشر جميعاً تحت راية:(لا إله إلا الله).

إن الدعوة الإسلامية بصيغتها التي جئنا عليها كما يراها قطب، ليست دعوة اجتماعية ترمي إلى نشر العدالة فحسب، أو هي دعوة أخلاقية ترمي إلى الخلاص من الأخلاق الجاهلية  أيضاً، وإنما هي دعوة  دينية تتولى شؤون الحياة الإنسانية كبيرها وصغيرها، وهي تنظم حياة الإنسان  في الدنيا والآخرة وعالم الغيب. ولقد جاءت هذه الدعوة لتتعامل مع عالمه المادي وأعماق ضميره ودنيا السرائر والنوايا عنده .. إنها مؤسسة ضخمة هائلة شاسعة مترامية كما يراها قطب.(3) .

إن هكذا عقيدة تقوم على مقولة (لا إله إلا الله)، وتمتاز بهذه السمات والخصائص، لا يمكن أن تتحقق عبر الواقع ما لم تستقر في أعماق نفس وعقل الإنسان المعتنق لها، وهذا الاستقرار لا يأتي إلا مع استسلام النفوس لنظامها، وحتى قبل أن تمر عليه تفصيلاتها وتشريعاتها. فالاستسلام أو الامتثال والتسليم المطلقين ابتداءً هما مقتضى الإيمان.. وبمثل هذا الاستسلام  تتلقى النفوس فيما بعد كل تلك التفصيلات والتشريعات بالرضا والقبول، دون اعتراض أو تلكؤ عن أي شيء عند صدورها إلى المسلم .

أما القضية الأخرى من جانب هذا الدين كما يراها سيد قطب، فهي اعتبار المنهج الديني منهجاً حركياً، حيث يرى: ( بأن هذا الدين جاء ليحكم الحياة في واقعها ويواجه هذا الواقع ليقضي فيه بأمره...ويقره ..أو يعدله.. أو يغيره من أساسه.. ومن ثم فهو لا يُشرع إلا لحالات واقعة فعلاً، في مجتمع يعترف ابتداءً بحاكميه الله وحده.). (5).

فالدين عند قطب إذاً ليس نظرية  تتعامل مع "فروض" كما يقول سيد قطب، بل هو منهج يتعامل مع "واقع" وفقاً لحاكميه الله، وهذا يعني أن الدين يرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه الحاكمية أو يعتمد على أوامرها الواردة في (القرآن). وبهذا تُلخص مسألة الحاكمية هنا تطبيقاً وفقا للواقع الملموس المتحرك والمتبدل الذي وجدت حلوله بشكل مسبق في هذه العقيدة (الواقع للدين وليس الدين للواقع) . فالمجتمع عندما يقوم فعلاً كمجتمع إسلامي تكون له حياته الواقعية، وهذه الحياة تحتاج إلى تنظيم وتشريع، عندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظم وسن الشرائع لقوم مستسلمين أصلاً للنظم والشرائع المقررة بشكل مسبق في القرآن، ورافضين لغيرها من النظم. أما السلطان الذي يفرض تطبيق هذه الشرائع فهو العقيدة التي استقرت في قلبه وضميره ووجدانه واستسلم لها أصلاً . لذلك نرى سيد قطب في هذا الاتجاه يعيب على الذين يريدون من المسلمين أو غيرهم من الكفار أن يغيروا أو يجعلوا من العقيدة ومنهجها ما يداري أو يناقش أو يقارن معرفياً ما بينها وبين النظريات الوضعية (الجاهلية)، كي تلبي هذه العقيدة رغبات وقتيه لديهم أو في نفوسهم. فهذه الرغبات عند قطب، تشكل في حال قبولها هزيمة داخلية روحية أمام أنظمة بشرية صغيرة، يريدون منها صياغة نظريات وفروض تواجه مستقبلاً غير موجود. (6) . وبالتالي فإن الدعوة لإنشاء هذا الدين وفقاً لسيرته الأولى النقية، يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة حتى ولو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادة الميلاد بأنهم مسلمين، يجب أن يعلموا أن الإسلام هو (أولاً) إقرار عقيدة: (لا إله إلا الله)، بمدلولها الحقيقي، وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله، وطرد المعتدين على سلطان الله بإدعاء الحق لأنفسهم، وإقرارها في ضمائرهم وشعائرهم وأوضاعهم وواقعهم. (7) .

يقول سيد قطب في مسألة نشأة المجتمع المسلم وخصائصه معتمداً في ذلك عل كتاب "مبادئ الإسلام" لأبي الأعلى المودودي:  إن الناس محكومون بقوانين فطرية من صنع الله في نشأتهم ونموهم وصحتهم ومرضهم وحياتهم وموتهم، كما أنهم حتى في فطريتهم هذه محكومون بالقوانين الإلهية في حياتهم الاجتماعية،  و كذلك عواقب ما يحل بهم نتيجة لحركتهم الاختيارية. أي هم لا يملكون تغيير سنة الله في القوانين الكونية التي تحكم هذا الكون وتصرفه،. وبالتالي عليهم أن يثوبوا إلى الإسلام في الجانب الإرادي من حياتهم فيجعلوا شريعة الله  هي الحاكمية في كل شأن من شؤون حياتهم، تنسيقاً بين الجانب الإرادي في حياتهم والجانب الفطري. وتنسيقاً بين وجودهم  كله بشطريه هذين وبين الوجود الكوني. (8).

إن موقف سيد قطب من قضية حرية الإرادة كما جاءت هنا تذكرنا بموقف الأشاعرة من هذه المسألة في نظرية (الكسب)، التي تقول إن الله قد أعطى الإنسان حرية الاختيار والممارسة، إلا أن هذه الحرية مقدرة من عند الله بشكل مسبق في اللوح المحفوظ. وهذا هو الجبر بذاته وإقصاء حرية وعقل الإنسان.

يقول سيد قطب أخيرا في مسألة طبيعة المنهج القرآني: (إن التصور الإسلامي للإلوهية ، وللوجود الكوني، ولحياة الإنسان، هو تصور شامل كامل، ولكنه تصور واقعي إيجابي، وهو يكره – بطبيعته – أن يمثل في تصور ذهني معرفي، لأن هذا يخالف طبيعته وغايته، ويجب أن يتمثل وينمو في بيئة (طليعة)، وفي تنظيم حي، وفي حركة واقعية.. وطريقة في التكوين..) (9) .

إذاً إن ما يرمي إليه هنا سيد قطب هو وجود تنظيم (حزب) له حوامله الاجتماعية (الصفوة) المؤمنة إيماناً مطلقاً بالحاكمية، وتعمل على تطبيقها وتحمل مشاقها وعنائها وكل ما يمكن أن تتعرض له من الطاغوت وحياة الجاهلية المترسبة في نفوس الناس. وهذا التنظيم وصفوته هو حزب (الإخوان المسلمون). الذي يعوّل عليه  سيد قطب بناء الدولة الإسلامية أو المجتمع الإسلامي الذي أجد في توصيفه من قبل سيد قطب توصيفاً يقترب كثيراً من توصيف الشيوعيين لمجتمعهم الذي يحلمون بإقامته.. فسيد قطب يجد أن المجتمع الإسلامي المتفوق (الأممي)،  الذي لا يميز بين العربي  والفارسي والتركي والصيني والهندي والروماني والإغريقي والاندونيسي والأفريقي.. هؤلاء الذين سيجتمعون كلهم على قدر المساواة وبآصرة الحب، وبشعور التطلع إلى وجهة واحدة. فسيبذلون جميعهم أقصى كفاياتهم، ويبرزون خصائص جنسهم، ويصبون خلاصة تجاربهم الشخصية والقومية والتاريخية في بناء هذا المجتمع الواحد الذي ينتسبون إليه جميعاً على قدم المساواة، وتجمع بينهم آصرة تتعلق بربهم الواحد، وتبرز فيها إنسانيتهم وحدها بلا عائق، وهذا ما لم يجتمع قط لأي مجتمع آخر على مدار التاريخ.

أما الفرق بين هذا المجتمع الإسلامي المثالي المتصور من قبل سيد قطب والمجتمع الشيوعي المتصور من قبل الشيوعيين فهو المجتمع الذي يختلف فقط عدند سيد قطب بأن (الشيوعية تريد إقامة مجتمعها على أسس طبقية من جهة. ومن جهة ثانية هو مجتمع لا يبحث إلا عن الطعام والمسكن والجنس).. (10) وسيد قطب هنا في مسألة رفضه للمجتمع النظيف طبقياً - بغض النظر عن إمكانية إقامته أو عدمها – فهو ممن يؤمن بوجود الطبقات في المجتمع، وبوجود العبودية وما ملكت أيمانكم، وفرض الجزية على الموالي واعتبار المرأة ضلعاً قاصراً وغير ذلك من قضايا لا تتفق مع مفهوم العدالة والمساوة التي ينادي بها. إنه يتناقض في طرحه مع مسألة العدالة والمساواة المطلقة التي ينادي بها، أو إقراره بأن هناك عدلاً آخر في المنهج الإلهي الذي يطالب به يختلف عن عدل مجتمعات الجاهلية. أما قضية أن المجتمع الشيوعي الذي يقول عنه بأنه مجتمع لا يبحث إلا عن (الطعام والملبس والجنس)، فهذه مسألة فيها الكثير من التجني على التصور الشيوعي وما يريده من قضايا اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، بغض النظر عن فشل هذه التجربة في التاريخ.

هكذا نجد عند قطب هنا، التنظير المجرد  لبناء دولة فاضلة، لا ينتمي شعبها لأي مرجعية قومية أو وطنية أو فكرية وضعية كانت... التنظير لبناء دولة لم يزل شعبها أو إنسانها برأيه يعيش حالات من الجاهلية المشبعة بظلم الإنسان واستلابه وضياعه، تقوده سلطات جاهلية ظالمة، تحكم بأنظمة ونظريات تشرع لقوانين وتشريعات جاهلية. والحل الوحيد عند قطب كما بينا أعلاه، لخروجها من هذه المتاهة هو العودة إلى التمسك من جديد بالنهج الإلهي القائم على إلوهية الله (لا إله إلا الله)، الذي أقره القرآن في المرحلة المكية من حياة الإسلام، وبالركن الثاني من أركان الإسلام وهو شهادة ( أن محمداً رسول الله)، المعني بتبليغ هذه الحاكمية.

إن مرحلة الصحابة من الجيل الأول الذي اعتقد قطب ومن سار على نهجه وهماً، بأنهم قد تمثلوا هذا المنهج القرآني فكراً وممارسة بعد أن استلهموه واستسلموا له كلياً برضا، وتخلوا عن جاهليتهم وكل ما يتعلق بحياتهم المادية والفكرية السابقة، وجذروه في أعماق ضميرهم ووجدانهم وفكرهم، وجعلوا من حاكميه الله المصدر الوحيد الذي سيحدد لهم كل مسار حياتهم  حاضراً ومستقبلاً، وما تتخلله شؤون حياتهم الإنسانية كبيرها وصغيرها.. إن المنهج ذاته، أي – الحاكمية – هو ذاته سيظل قائماً إلى أبد الآبدين ينظم حياتهم في الدنيا والآخرة وعالم الغيب، وذلك عبر قيادة صفوة ممن وجدوا في أنفسهم القدرة على تمثل قيم الحاكمية والصبر على نشرها وتحمل تجسيدها في الواقع، وهم طليعة (الأخوان المسلمون).

يتبع في الحلقة التالية.

 

د.عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

.........................

الهوامش

1- - سيد قطب – معالم في الطريق – مكتبة وهبة – القاهرة – دون تاريخ نشر.  - ص 20

2- المرجع السابق-ص 32

3- المرجع السابق ص 33

4- المرجع السابق ص 35

5- المرجع السابق ص 35

6- المرجع السابق ص 47

7- المرجع السابق ص41

8- المرجع نفسه ص 41

10- المرجع السابق –ص 54

 

كاظم الموسوياراد المؤلفان التأكيد على أهمية مراكز الفكر  كلاعب أساسي في الديمقراطية إلا أنهما استمرا في سرد تشوش التعريف عند الأوساط الفرنسية، فأعادا تعدد الاسماء، للعنوان ذاته، معددين: خلايا التفكير، مختبرات الافكار، مصاهر الفكر، وغيرها. ووجدا في تعريف استاذ العلوم السياسية الأمريكي جيمس ماكغان لها بعض حل، حيث نقلا عنه رأيه; "مراكز الفكر تشكل جزءا من صميم المجتمع المدني وتعمل كمحفز للافكار والفعل المهم في الديمقراطيات الصاعدة والمتقدمة في العالم". وحاول المؤلفان أن يوفقا بين هذه التعريفات وما يتطابق معها في ثقافة المجتمع الفرنسي، ومن خلال وضع تسع سمات متميزة لها تعرفها أو تقربها، هي: مركز الفكر هو هيئة دائمة، ومتخصص بإنتاج حلول للسياسة العامة، وذلك بفضل طاقم متخصص متفرغ للبحث، ويؤمن ناتجا أصيلا من التفكير والتحليل والنصح، ورسالته أن يوجه إلى الحكام والى الرأي العام، وغير مكلف بإنجاز مهام حكومية، ويسعى بشكل عامل للإبقاء على استقلاليته الثقافية، ولا يرتبط بمصالح محددة، ولم تعد مهمته الأساسية تأهيل او منح شهادات، وأخيراً لعمله طموح ظاهر أو مخفي للعمل على مفهوم ما للخير العام بخلاف الهيئات ألتي همها الربح أو التجارة فقط (ص(60  . هذه السمات تتطابق مع كل التعريفات تقريبا، ومنها الفرنسية طبعا، الا أن الأوساط الفرنسية وضعت أمامها مهمات مباشرة لخدمة الاهداف منها في تخصصات مطلوبة وتقليدية في مدلول أو مسير المراكز  الفكرية. ورغم تاخر الاهتمام بها في فرنسا واوروبا عموما ظلت النماذج الانجليزية والامريكية هي الأبرز في المشهد أو على هذا الصعيد. وتوزعت الاهتمامات فيها حسب متطلباتها زمانيا ومكانيا. بل جرى تقسيمها إلى أربعة أنواع، هي: الاول، مراكز الفكر الجامعية، وهذه هي "الجامعات بدون طلاب" مثل المؤسسة الفرنسية للعلاقات الدولية في فرنسا، ومركز دراسات السياسة الأوروبية في بروكسل. والثاني، مراكز الدفاع وتنتج أفكارا وتوجيهات تنسجم بدقة مع مبادىء أساسية ومع محور تدليل اوليات قضية معينة، مثل مؤسسة ادم سميث في بريطانيا ومؤسسة هريتيج في واشنطن. والثالث، مؤسسة البحث بالتعاقد، وهي شبيهة بمراكز الفكر الجامعية ولكن اختلافها بموارد التمويل التي تأتي بشكل أساسي من عقود مع وكالات حكومية أو مصالح خاصة، كمؤسسة رند. والرابع، مراكز الفكر التابعة للاحزاب، وتتمتع باستقلال ذاتي وعملها مفيد للحزب المرتبطة به. وكلها في النهاية مصادر بحث ومخازن افكار مستندة على المواهب والخبرات والإعلام والاقناع والتقنيات الحديثة في إلزامية التواصل والاثر السياسي.

هذه المراكز تاسست وتطورت بعد الأزمات التي عصفت في أوروبا وامريكا، أو في العالم كله، والتي لم تعد الحكومات وحدها قادرة على إيجاد الحلول لها. وضع المؤلفان أربع مراحل أو فترات أسهمت فيها. هي قبل وأثناء وبعد الحربين العالميتين، الأولى والثانية، وفترة الصدمات النفطية في السبعينات، والرابعة بعد سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة. وتوسعت مراكز الفكر وازدادت نوعيا وكميا، ولعبت أدوارها واسعة في التحولات والمتغيرات الدولية. وتشابكت فيها الحكومات والشركات والمصالح الحكومية والخاصة والمشتركة واسهمت العولمة فيها ايضا. فحسب حسابات البروفسور ماكغان، "ثلثا مختبرات الأفكار الموجودة اليوم تأسست بعد عام 1970 واكثر من النصف منذ 1980 " وزاد عددها خمس مرات بين 1990-1970 ووصل عددها الى1500  مركز ومؤسسة في الولايات المتحدة، حسب دراسة ماكغان، وفي أوروبا كان انفجارها اكثر حداثة ولكن ليس أقل مشهدية. ورايا أن التعقيد المتصاعد للرهانات والتحولات السياسية اليوم، في عالم معولم، يحفز ويشكل مراكز الفكر (ص(109 وعن طريق هذا الرأي كشف المؤلفان الأدوار الفاعلة والخطيرة في تعميم المصالح الأمريكية والتغلغل السلبي ومحاربة المجتمعات الأوروبية الشرقية والتفاعل داخلها لإسقاط أنظمتها وحرف توجهاتها، تجسيدا لعدائها الايديولوجي. وهي كذلك من خلال العرض الموجز لاسماء وأدوار وتمويل هذه المراكز أو مسمياتها. كما وضحت تداخل الأهداف والمشاريع والمخططات فيها، وتعارضها مع قدرات المجتمعات وظروف التغيير والضغوطات المتصاعدة عليها، في السباق السياسي والتنافس الأيديولوجي والصراعات الفكرية والسياسية. مثلما لعب وما يزال التمويل المالي دوره في تخريب استقلاليتها وموضوعيتها وفوائدها الأساسية. مما جعل القفزات في نموها وتعددها واعدادها غير نافعة بما يخدم المصالح الوطنية والقومية، وهو ما قامت به بشكل خاص الشركات متعددة الجنسية والأمريكية منها. أو يمكن اعتبار ما قامت به لا يصب في تقدير وظيفتها الرئيسية في إدارة العلاقات والسياسات والتأثير على الرأي العام لخدمة مصالحه الأساسية. وفي قراءة تطورات الأوضاع ومراكز الفكر نقل المؤلفان اراءا متضاربة تركز على طبيعة الصراعات فيها وحولها بين المنتجين الأمريكي والبريطاني من جهة والأوروبي من جهة اخرى، وتجتمع أغلبها في ترويج الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق الحر. اي ان اغلبيتها تنحو باتجاه واحد، تنقصه الأصالة وتسوده المصالح السياسية الآنية والمستقبلية لحكومته. وهذا ما فضحه مفكران امريكيان معروفان، هما، جوزيف ستغلتز ونعوم تشومسكي في كتب ومقالات وتصريحات منشورة.

خلص الكاتبان بعد جولتهما السريعة على مراكز الفكر في مواقعها وأثرها فيها وتحليل فعاليتها في المناطق والبلدان التي تواجدت أو امتدت اليها، إلى أن مراكز الفكر تعيش توترات متنوعة دائما، بحسب رايهما، أبرزها التمويل المالي ولهذا فإن تنويع مصادر التمويل عامل إيجابي ومحفز أساسي لأهدافها وتطورها واستقلاليتها الفكرية، كما أن الأزمات والصراعات الدولية توفر البيئات الملائمة التي تحتاج إلى التوازن والموضوعية والنجاح لاماد اطول وآفاق أوسع مما يوفر الفرص لها والضرورة لاستمرارها أو تجددها أو العكس منها، وكذلك تشديد التنوع وتجدد الأفكار وقدرات البروز الاعلامي أو  البرهان على استثمار التقنية الحديثة ووسائل التواصل والانترنت بما يضيف لها ويعزز  الاحتياج اليها، ويعيد الى الأذهان الدور الفعال لمراكز الفكر، أو ما اصبح معروفا كذلك بعد تلك الفترة من التشوش، والإنتباه الى صحوة التعريف والتحديد ومواجهة التحديات أو الأزمات.

يبدو أن المؤلفين في كتابهما هذا حاولا إثارة الإنتباه لدور مراكز الفكر وأهميتها وفعاليتها في عالمنا المعاصر، مع تركيزهما على الحاجة اليها، وضرورتها في إلادارة والسياسة والعلاقات ومستقبل العالم، ومن خلال الكتاب تفهم الخطورة أو ماوراء ما قامت به بعض تلك المراكز في فترات محددة من أدوار مصيرية ومهمات كارثية على الشعوب والبلدان التي توجهت أو وضعتها هدفا لها. وهنا موضع الاهتمام أو الاعتبار، والمبادرة والاجتهاد. فليس كل شيء لامع ذهبا.

 

كاظم الموسوي

 

نضير الخزرجي

على عكس ما هو جارٍ في معظم دول الشرق ومنها الدول العربية، فإن التوظيف في الغرب قائم على المنافسة، فالشرقي يضع رجله على أول سلم الجامعة ويذهب تفكيره الى الوظيفة، وقد عُجنت في ذهنه متلازمة الشهادة والوظيفة، فإن اجتاز الجامعة ونال شهادتها يكون قد ضمن الوظيفة، وإن عجزت الحكومة عن استيعابه ندب حظه ونال من الحكومة ما تنال منها المعارضة السياسية وأسوأ.

وبالطبع فهو معذور في ذلك لأن ثقافة الشرق نشأت على الملازمة وتربى الطالب عليها، والدفع الأسري للطالب وهو في مراحله الأولى يسوقه بشكل عام باتجاه الحصول على وظيفة وتزويقها في مخيلته حتى تترسخ في ذهنه وتكون له دافعا على المواصلة، بلحاظ أن الوظيفة لها دورها الكبير في تذليل الصعوبات وهو في أول الطريق لتأسيس حياته الأسرية الخاصة.

لكن هذا الوضع يختلف في الغرب، لأن الطالب ومن غير الحاجة الى الدعم الأسري يسعى لنيل أفضل الدرجات العلمية وأرقى الشهادات الجامعية، لإدراكه بعدم ملازمة الشهادة للوظيفة، فتخرّجه لا يعني ضمان الوظيفة، فضلا عن نظام الوظيفة في الغرب يختلف بشكل كبير عما هو حاصل في الشرق، فالخرّيج في الثاني هو جزء من النظام الوظيفي الحكومي، وفي الغرب تستقطب دوائر الدولة الجزء اليسير من المتخرجين والبقية تستوعبهم الشركات الأهلية والقطاع الخاص، كما أن صعوبة الحياة في الغرب الرأسمالي يجعل العمل محط أنظار المواطن صاحب الشهادة أو من غيرها، فالحياة في الغرب درجات تحددها في كثير من الاحيان نوع العمل لا نوع الشهادة، لأن المكسب المادي في بعض الأعمال لصاحب الشهادة الدنيا أكثر وأكبر من صاحب الشهادة الجامعية والعليا.

ولكن لماذا تنجح الشركات في الغرب في استقطاب أفضل الطاقات، ولماذا يحاول المقدم على العمل الظفر بالوظيفة ما امكنه الى ذلك سبيلا؟

من خلال التجربة ومعاينة للواقع على ما عليه الشرق والغرب، نجد ان عامل التجانس بين فريق العمل وطاعة الطاقم لمدير العمل أو الموقع في مقدمة أسباب النجاح، ولأنَّ الأمر على غاية من الأهمية، فإن واحدة من عوامل المنافسة بين المتقدمين على الوظيفة الشاغرة وقبول هذا أو رفض ذلك هو معرفة بيان حجم قبولهم العمل ضمن فريق واحد متآلف يأخذ بإرشادات مدير العمل، حيث يخضع هذا السؤال لمقصلة خبير عمل مختص، كما أن التجربة العملية هي المعيار، فإذا فشل المتقدم للعمل أو العامل بعد المقابلة من اثبات قدرته على التجانس وطاعة المدير، فسيفقد عمله، لأن الوظيفة في هذه الشركات ليس زواجا كاثوليكيا كما في الشرق، وطلبات العمل جاهزة للحصول على البديل أو البدائل.

إذن عامل الإطاعة في مقدمة سلم النجاح والتطور، وهذه المسألة الحساسة يتابعها آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي بشامته الفقهية في كراس "شريعة الإطاعة" الصادر حديثا (2018م) عن بيت العلم للنابهين في 64 صفحة متضمنا (116) مسألة شرعية و(35) تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، مع مقدمة توضيحية للناشر وأخرى للمعلق وتمهيد مانع جامع للفقيه الكرباسي.

النفس محور الإطاعة

ليس من السهولة على الجنس البشري العمل ضمن فريق متجانس واتباع شخص بعينه، مع أن العقل البشري يحكم بقوة العمل المتجانس وأهمية إطاعة الإرشادات والعمل بالأوامر الدافعة أو الناهية، وهذا الواقع بمسيس الحاجة إلى ترويض النفس وتطويعها وهو أعظم الجهاد، وفي الحديث المروي عن الإمام علي(ع): "إن رسول اللّه (ص) بعث سرية، فلما رجعوا قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر، وبقي عليهم الجهاد الأكبر، قيل: يا رسول اللّه، وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس، ثم قال: أفضل الجهاد، من جاهد نفسه التي بين جنبيه".

إذن جهاد النفس هو الجهاد الأكبر، ومن استحقاقاته التواضع لما أُمر به الشخص عملا أو نهيا، والتاريخ مليء بالتجارب المرة، فحينما عصى المسلمون أمر النبي(ص) في معركة أحد وأعطوا السياق لأنفسهم دون نبيهم ونزلوا من الجبل طمعًا في الغنائم نزل بهم الموت والهزيمة الموضعية، وعندما تنكب المسلمون عن طاعة إمامهم في صفين حكمهم الطلقاء، وعندما تخلى المجتمع نفسه عن بيعته لسيد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين(ع) وقعت مأساة كربلاء وحكمهم طلاب الحكم وأذاقوهم حر النار، ولا زال موقد النار مشتعلا إلى يومنا هذا.

وعليه فالإطاعة مفتاح النجاح، وهي حسب ما أورده الكرباسي في التمهيد: (الإنقياد، وعند الفقهاء هي تطبيق أوامر الله والعمل بمقتضاها، وفي نواهيه بترك ما طلب من عباده تركه .. وإطاعة الله سبحانه وتعالى واجب عقلي وشرعي).

وطاعة الله تتحقق على وجه الأرض بطاعة من أمر الله بطاعته من الأنبياء والأوصياء بوصفهم خلفاء الله في الأرض، قال تعالى: (من يُطع الرسول فقد اطاع الله) سورة النساء: 80، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (هناك تلازم بين الإطاعتين لأنهما إطاعة واحدة، فإن إطاعة الرسول (ص) هي إطاعة لله جلّ وعلا، وإن إطاعة الله لا تتم إلا بإطاعة الرسول (ص)، فلا مجال للتفكيك بين الإطاعتين)، وليس التلازم مقتصرا على النبوة، فكل من أمر الشرع بإطاعته تدخل إطاعته في طاعة الله، وكما يقول الكرباسي: (فعندما نقول بوجوب إطاعة القاضي او المجتهد المقلَّد أو حاكم الشرع أو الوالدين أو الدولة أو غير ذلك، فإن جميع الإطاعات تعود إلى طاعة الله، لأن هذه الإطاعات لم تكن لها شرعية إلا بعدما أمر الله سبحانه وتعالى بها عن طريق الرسل والأنبياء).

والإنسان شاء أم أبى خاض للإطاعة والإرادة التكوينية، فهو لا يستطيع على سبيل المثال ان يعيش في الماء دون جهاز تنفس لان الله خلقه وأودع فيه جهازا تنفسيا ينجسم مع غاز الاوكسجين، وفي المقابل لا يستطيع السمك أن يعيش في الهواء الطلق لان الله أودع فيه جهازا تنفسيا ينسجم مع الاوكسجين المذاب، فليس للإنسان خيار في مخالفة الإرادة التكوينية، فلا يستطيع أن يدرأ عنه المرض أو الشيخوخة او الموت، ولكن له الخيار في الإرادة التشريعية، فله أن يطيع الله في أوامره ونواهيه وله أن يخالف، لكن النفس وما تأمره، إن خضع للنفس الامارة بالسوء خالف الإطاعة وإن جاهدها أطاع وظفر بنعيم الدارين، ومن الإطاعة الشرعية خيار أكل اللحم المذكى من غير المذكى او خيار تناول لحم الغنم أو الخنزير، فللإنسان خيار الإطاعة من عدمها فيأكل لحم الخنزير مخالفا فيؤثم أو يمتنع مطيعا فيؤجر.

والإطاعة كما يعبر عنها الفقيه الكرباسي هي: (عبادة، والعبادة تعني الإطاعة .. والعبودية لله تكمن في الإطاعة)، والعبودية هنا الحرية بل مبلغ الحرية ومنتهاها، وبتعبير المتصوف ابن خضرويه البلخي المتوفى سنة 240 للهجرة: (في الحرية تمام العبودية، وفي تحقيق العبودية تمام الحرية).

ونية العمل كما يشير الفقيه الكرباسي لها مدخلية مباشرة في الإطاعة التشريعية، فكل عمل صغيرا كان أو كبيرا إذا دخلت فيه النية الصادقة تحول إلى عمل عبادي يُثاب عليه الإنسان، وإذا رافق النية الإرادة تحقق في العمل الإطاعة الربانية، وعلى سبيل المثال كما يضيف الكرباسي: (فلو أن إنسانا كان جسمه نجسا فوقع في البحر فإن جسمه لا شك يطهر، بينما الذي عليه غسل الجنابة فلو لم يقصده ولو بقي في الماء يوما كاملا فلا يكون متطهرًا).

ومن لطف الله على عباده، أن الإنسان يستطيع ان يكسب من أي عمل يقوم به زيادة في العطاء الدنيوي والثواب الأخروي وبتعبير الفقيه الكرباسي: (إذا قصد التقرب إلى الله جل وعلا في جميع أعماله، من نوم وأكل وزيارة وأي شيء آخر بصدق) فإذا أكل بنية تقوية الجسم على عبادة الله كان اكله عبادة، وإذا زار صديقا أو عاد مريضا في الله كانت خطوات الذهاب والإياب عبادة.

الإطاعة ومفاصلها

قد يبدو اقتران الإطاعة بالجانب العقائدي إنحصارها بإطاعة العبد لربه وفي الإسلام لنبيه وإمامه على اختلاف المذاهب والمدارس الفقهية، ولكن في حقيقة الأمر أن الإطاعة عنوان متعدد المصاديق والأغراض، فإذا كان الرب مقطوع الإطاعة والنبي طاعته من طاعة الرب وطاعة الإمام من طاعة الرسول ورب الرسول، فإن الطبيب يصبح في بعض مراحل حياة المريض واجب الإطاعة والعمل بما يوصي، والمحلل السياسي والخبير الإستراتيجي له أن يأخذ موضع القيمومة ويكون تحليله نافذ الإتباع لمن له السلطة، وللإنسان المكلّف أن يتبع الفقيه والمرجع المجتهد في المسائل الفقهية والحياتية، ويصبح المحامي في قضية ما إماما وعلى موكله ان يتبعه في كل إستشارة ويطيعه ولا يخالفه، وهكذا شرطي المرور وشرطي النجدة، فضلا عن الأب والأم والزوج، بل تصبح الجمادات غير العاقلة محلا لطاعة العاقل فعندما تتحول إشارة المرور وهي جماد من خضراء إلى حمراء ليس للإنسان وهو يقود عجلته إلا أن يقف إطاعة للمصباح ونزولا لإرادة قانون المرور، وله أن يخالف إن شاء ولكن الغرامة والعقوبة ستلاحقه.

الإطاعة وانواعها واغراضها يتابعها الفقيه الكرباسي في مجموعة المسائل الفقهية، فالحكومة الشرعية والمنتخبة هي سلطة عليا على المواطن إطاعة مقرراتها النافذة، لأنَّ إطاعتها هو مرآة للعمل بالقانون واحترامه، وكما يقول الكرباسي: (يجب احترام النظام القائم واتباع الأوامر التي تأخذ صبغة القانون فإن مخالفة القانون بشكل عام محرّمة إلا إذا خالفت الشرع في مبادئها)، ولهذا: (إذا كانت الدولة شرعية، فلا يجوز بأي حال من الاحوال مخالفة القوانين في السرّ والعلانية) وكذا: (القرارات التي تصدر من مجلس الوزراء محترمة إذا كانت الحكومة شرعية وكانت في إطار القانون المتفق عليه في مجلس الوزراء)، وحتى عصيان اوامر الدولة إذا خالفت الشرع في مبادئها بحاجة عندها الرجوع إلى الفقهاء وأصحاب الشأن لبيان الموقف الشرعي والعملي، لأن الإطاعة من عدمها غير خاضعة لرغبات الشخص، والعمل بالقانون في ظل حكومة شرعية ومنتخبة هو بعينه الحرية الحقيقية وإلا ساد الفلتان الأمني الذي يعطيه البعض صفة الحرية وما هي من الحرية بشيء، لأن القانون أداة الحرية والحرية تحمي القانون لفرض سلطته وإرادته.

والمهندس أو المعماري يحتفظ بحق الطاعة والإتباع في الهندسة والبناء لمن ليس من شأنه الهندسة والبناء، فلا يصح البناء دون إستشارة هندسية، لأن المهندس والمعماري والطبيب والكهربائي وأمثالهم هم خبراء في دائرة عملهم، والوثوق بهم يقتضي إطاعتهم فيما يقدمونه من نصائح واستشارات نظرية وعملية، ولهذا على سبيل المثال كما يذكر الفقيه الكرباسي: (إذا كان الذي أمر به الطبيب الحاذق المختص مما يوجب تركه ضررًا للمريض حسب وصفه، فإن مخالفته محرّمة وإطاعته واجبة) باعتبار أن: (كلام الطبيب الحاذق المختص الصادق حجّة شرعًا)، ولا عبرة للمعتقد في مجال الإختصاص وإطاعة المختص، وعليه: (إذا كان الطبيب غير مسلم، ولكنه حاذق موثوق به فإن كلامه حجة ويجب إتباعه)، وهكذا في مناحي الحياة الأخرى، فالإختصاص هو المحور، إذ: (كل مختص يوثق بقوله فإنه حجة، فلو قال المعماري المختص أنّ هذا البيت ينهار خلال الأيام القادمة، فالبقاء في البيت يكون حراما).

وفي بيت الزوجية، فإن عنوان الإطاعة قائم بين الزوجين، فللزوجة أن تطيع بعلها فيما تبانت عليه الحياة الزوجية وتسالمت مثل حقوق الفراش، وله أن يطيعها إن هي رغبت، ولكن له ليس أن يجبرها على الطبخ أو كوي الملابس مثلا، إذ: (لا يجب على الزوجة إطاعة زوجها في غير الأمور الجنسية كالطبخ والخدمة وما إلى ذلك، وإن استحب لها ذلك برضاها)، وبتعبير الفقيه آية الله الشيخ حسن ارضا الغديري في تعليقته: (ولها الحق في مطالبة العوض حسب نوع العمل وكيفه، واستحباب التعاون مما لا يخفى فيه من الرجحان، ولا ينافي ذلك بمطالبة العوض المسمى)، ومن الإطاعة: (يجب على الزوج تلبية الرغبات الجنسية لزوجته) بل: (لا يجوز للزوج أن ينام منفصلا عن زوجته في كل ليلة من أربع ليال إلا برضاها، فإن خالف زوجته أثِم)، وبالطبع كما يضيف الفقيه الغديري في تعليقته: (إلا في الحالات الإستثنائية كالمرض أو ضيق المكان أو مانع إجتماعي أو عائلي ونحوه).

والإطاعة تتحقق في العامل والموظف بوجود مراقب العمل أو بغيابه، لأن احترام قانون العمل يفرض على الموظف والعامل والأجير والمستخدم المؤقت والدائم احترام شروط العمل وتطبيقها، لأن العمل يقابله الدفع المادي والإخلال بالشروط هو في واقعه سرقة للمال الخاص أو العام، ولهذا: (الأجير والعامل والموظف يجب عليه إطاعة مَن استأجره واستعمله ووظّفه أو أُمر بأخذ الأوامر منه، حسب الإتفاق في نطاق العمل)، وفي المقابل من حق العامل والموظف أن يخالف المشرف أو رئيس العمل فيما لو أمره العمل خارج نطاق الشروط، من باب الناس عند شروطهم، ولهذا: (إذا اتفق على عمل معيّن لا يجوز لصاحب العمل أن يأمره بأمر آخر، ولا يجب عليه إطاعته).

وتتأكد الإطاعة في المجال العسكري ففيها سلامة البلد وحماية للمجتمع وممتلكاته من العدو الخارجي، ومن مصاديق الإطاعة هي إطاعة الوالدين مسلمين كانا أو غير مسلمين، ولكن: (إطاعة الوالدين إذا كان فيها عمل محرم شرعًا فلا قيمة لأمرهما ونهيهما) ومن ذلك ما يقرر القرآن الكريم: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) سورة العنكبوت: 8، وفي مجال التقليد تعد: (إطاعة المجتهد الذي يقلّده المكلَّف واجبة في باب الأحكام التي له رأي فيها، إذ هو جزء من عملية التقليد).

ويعتبر إطاعة المخلوق لخالقه ومن أرسلهم من أنبياء وأوصياء قمة عنوان الإطاعة والعمل بها، فإطاعة الله واجبة وإطاعة الرسول(ص) واجبة، وإطاعة الإمام واجبة، وهذه الإطاعة تحددها الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) سورة النساء: 9.

وحقيقة الأمر أن الذي يأتمر بأوامر الله ونواهيه ويطيع النبي فيما أوحي إليه ويتبع هدي من انتدبهم النبي لقيادة الأمة، فإن من لطف الله ونعمه أن يهبه البصيرة لتأدية كامل الإطاعات الأخرى، ويعطي لكل ذي حق حقّه ويوازن بين الواجبات والحقوق.

 

د. نضير الخزرجي - الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

رائد جبار كاظمأضواء على كتاب (اللاهوت المزيف) لجعفر نجم نصر

بعقل نقدي أركلوجي، وبمنهج أكاديمي علمي رصين، وبطرح موضوعي شجاع وجرئ، وبقراءة سسيوثقافية، سسيوسياسية، سسيودينية مميزة، يطل علينا الصديق الدكتور جعفر نجم نصر(*) بكتابه الجديد (اللاهوت المزيف: الاسلام والسياسة وفخ الأيديولوجيا منظورات متعددة) الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي في لبنان بطبعته الأولى عام 2017، بصفحاته (408)، والذي يحمل من الموضوعات والافكار الساخنة والراهنة الشيء الكثير.

في الكتاب جهد ورؤى وأفكار وطروحات مميزة تناولها الباحث على طول خارطة كتابه، والموضوع الرئيس في كتابه هو (الاسلام السياسي) الموضوع الأشد سخونة على الساحة العربية والاسلامية والعالمية اليوم، ومحاولة قراءة هذا الخطاب بوجهات نظر مختلفة وفقاً للأيديولوجيات السائدة من قبل المثقفين والمفكرين والحركات الدينية والسياسية المنتشرة في العالمين العربي والاسلامي، أبتداءً من الحركات الدينية السلفية التي ظهرت في القرنين الثامن والتاسع عشر مع الوهابية والسنوسية والمهدية، ودعوات رموز الاصلاح الديني منذ رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الافغاني ومحمد عبدة مروراً الى القرن العشرين وأفكار حسن البنا والاخوان المسلمين وسيد قطب وغيرهم، أستمراراً للحظة الراهنة التي نعيشها في القرن الحادي والعشرين وما جرى من أحداث منذ حدث 11 سبتمبر 2001 في أميريكا وما شهدته المنطقة العربية والاسلامية والعالمية من عنف وارهاب وتطرف، نتيجة للخطاب الاصولي المتشدد الذي يعيشه العالم، أصولية دينية من جهة وأصولية سياسية م جهة أخرى، تشدد اسلامي وتشدد غربي، صراع المركزيات والارادات وليس صراع الحضارات والاديان والثقافات كما يدّعون.

أنطلق المؤلف منذ فصول كتابه الأولى ليوضح الأثر الكبير والسيء الذي تحدثه الايديولوجيا من توجهات مختلفة ومتشددة لدى من يتأدلج، والأيديولوجيا (فخ) كما يسميها، بل هي بئر عميقة لا يخرج منها من وقع فيها، ولا يدرك حجم خطورة هذا الفخ ولا يشعر بهيمنته عليه، فالشخص المؤدلج واقع تحت سحر كبير لا يشعر به أبداً، بل هو أشبه بالشخص المخدر أو الأعمى الذي يقاد الى حيث لا يدري، هو يدافع عن أفكار ومعتقدات قومه وجماعته وحزبه كمن يدافع الشخص عن عرضه وأرضه وماله، يستميت ويستقتل من أجل ذلك، ولا تأخذه لومة لائم مهما كان الثمن. وقد وقع في هذا الفخ جمع كثير من العامة والخاصة، تحت شعارات وعبارات وأفكار شتى، والشخص المؤدلج لا يؤمن الا بذاته وجماعته ولا يعرف الآخر أبداً، وهذا ما بدا في (خطاب الحركات الاسلامية وروادها) حين وجهوا الجماعات والمجتمعات الاسلامية للايمان بدينهم وأفكارهم والنيل من أفكار الآخرين ورفض فكرهم وحضارتهم (الآخر الغربي) أو (الكافر) من منظور بعض الحركات الاصولية المتطرفة، ومحاولة تصحيح مسار المجتمعات (الجاهلية) التي تعيش بيننا بلغة الإخوان المسلمين، وفرض الوصاية والحاكمية المطلقة على البشر، كحق يتفرد به الانسان المسلم على مجتمعه وعلى غيره من المجتمعات حسب الايديولوجية الاخوانية والحركات الاسلامية التي تؤمن بولاية الفقيه.

483 الاهوت المزيفلقد نجح الكاتب نجاحاً باهراً من خلال تحليل وتفكيك خطاب الحركات الاسلامية ورواد الاصلاح العربي الاسلامي (عصر النهضة العربي الحديث) ولحظة الالتقاء مع الآخر (الغرب) لحظة الصدمة وسؤال الهوية المركزي الذي أقض مضجع المفكر العربي الحديث، والذي يعد السؤال الأيديولوجي الأساس الذي هو (لماذا تقدم الغرب وتأخر العرب والمسلمون)، والذي تُرجم الى كتابات ومشاريع عمل مختلفة من قبل مفكري النهضة والذي توج بكتاب المفكر العربي شكيب أرسلان الذي يحمل نفس العنوان أو التساؤل المركزي للنهضة.

لقد أدرك المفكر العربي لحظة التفوق الغربي ولحظة الانحطاط العربي والاسلامي، منذ وطأ نابليون أرض مصر سنة1798م، لحظة لقاء التخلف والانحطاط العربي والاسلامي بالحداثة والنهضة الغربية، وعندها بدأ المفكر العربي محاولة استعادة الإرث التاريخي الكبير للحضارة العربية والاسلامية واحياها في الواقع السياسي والاجتماعي العربي الحديث. وكأن الأمر هو في استعادة التراث واحياء الماضي التليد، دون الالتفات الى الحداثة والمعاصرة ومقتضيات العصر وروحه.

بحث الدكتور جعفر في كتابه قضية الاسلام والسياسة ومدى التداخل بين الاثنين وما لعبته الايديولوجيا من أثر في نمو الخطاب السياسي الاسلامي وتشدده، منذ وفاة النبي الأكرم (ص) وحدوث الانشقاق والانقسام الكبير بين المسلمين منذ حادثة السقيفة التي فعلت أفاعيلها في التاريخ الاسلامي ماضياً وحاضراً، (فلما رحل النبي الى جوار ربه ارتَدَت تلك القبائل وزعماؤها لامة حربها وخرجت تطلب السلطة حثيثاً، وتنافسوا وتدافعوا بسيوفهم ورماحهم كيما يرثوا نبيهم، وما كان لهم في ذلك من شرعةٍ أو منهاجٍ سابق، فأقاموا أول أحجار أدلجة الاسلام عبر رفع لواء السابقة لقريش فحسب، فدانت لهم بعض أحياء وقبائل العرب قسراً، وأندفعت قبائل أخرى نحو الردة عن اسلامها.)(1)

نعم شخّص المؤلف الخلل الكبير الذي أصاب البنية الاجتماعية العربية الاسلامية بعد وفاة النبي محمد (ص) وهذا ما أشار اليه الكثير من المؤرخين وعلماء الكلام وكتاب الفرق والملل والنحل، الا أن الدكتور جعفر يرى ان هذا الخلل قد أستمر الى ايامنا هذه يغذي فكرنا وثقافتنا وواقعنا الراهن (واذا كانت القرون الاسلامية الاولى قد مارس فيها بعض الفقهاء وعلماء الكلام، فضلاً عن بعض القوى السياسية المحسوبة على الخلفاء والسلاطين أدلجة الدين ضمن سياقات جدلية موضوعة (الامامة)، الا أن القرون القريبة أي القرنين التاسع عشر والقرن العشرين نجد أن جدلية الاسلام والسياسة أُعيد صياغتها بأدوات جديدة تتلائم والمتغيرات الكونية والمحلية التي أسهمت في رؤى فكرية جديدة، ولكنها على الرغم من ذلك ظلت مرتهنة بمشروع الادلجة الذي طحن العالم الاسلامي طحناً في صراعات فكرية لم تقف عند حدود الافكار فحسب بل تجاوزت ذلك عبر اقتتال دموي عصف بمجتمعات اسلامية كثيرة وما زال الى يومنا هذا).(2) الأيديولوجيا هي المحرك الأساس لمجمل الخطاب الديني الاسلامي الذي ظهر منذ عصر النهضة العربية الحديثة في خطابات مفكريها، في مواجهة الآخر (الغرب) المتفوق وفق طروحاته الجديدة وأيديولوجياته التوسعية المهيمنة على الساحة العالمية، وأن كان المؤلف يرى أن تفوق الغرب وتطوره وتقدمه انما هو بسلاح العلم والمعرفة، وحاول التحرر من سلاح الأيديولوجيا والتسلح بسلاح الأبستيمولوجيا ونقد الأفكار الأيديولوجية، الا أنني أرى أن الغرب يتحرك بدوافع أيديولوجية ايضاً لا تقل عن الآخرين من العرب والمسلمين، وبسبل وطرق معرفية وأبستيمولوجية مختلفة تستطيع من خلالها تحقيق هيمنتها ونجاحها وتفوقها على من تستطيع على وجه الأرض، فالعولمة مثلاً اليوم هي تنتسب للعلم والعالمية والمعلوماتية والمعرفة وثورة الاتصالات والتواصل، ولكن الهم الأيديولوجي حاضر بقوة في خطابها السياسي والثقافي والفكري، من خلال النظام الرأسمالي اقتصادياً والليبرالي سياسياً، فوظف الغرب اليوم المعرفة الى خدمة أيديولوجيته التي ينتصر لها. وقد سعى المؤلف الى التعمق في موضوع (علم اجتماع المعرفة) وبيان التداخل الكبير بين المنتج الفكري والمعرفي وبين الواقع المادي (الاقتصادي والاجتماعي والسياسي) للمجتمع، (فالمعرفة لها وظائف اجتماعية محددة تؤديها في داخل البناء الاجتماعي بأنساقه الاجتماعية كافة، ومما يعني ان المعرفة أنواع عدة ومن ثم تكون لها وظائف عدة في الوقت نفسه، اذ لكل معرفة معينة وظيفتها داخل المجتمع، وهذا ما تحاول كشفه (سسيولوجيا المعرفة).(3)

وقد أعتمد الكاتب في بناء أطروحته في كتابه على النظرية والفلسفة الماركسية في نظرته وقراءته لخطاب الإسلام السياسي، والباحث مؤمن أشد الايمان بما طرحه ماركس في المجال الاجتماعي والفلسفي والتاريخي، حيث يوضح ذلك الاعتماد وعلته بقوله : (سيحاول الباحث الاستفادة من النظرية الماركسية التي أكدت أهمية العامل الاقتصادي في احداث التغيرات الاجتماعية، واحداث ما يسمى بـ (الصراع الطبقي) (class conflict) وبروز الأيديولوجيا. فضلاً عن الاستفادة من طروحات علم اجتماع المعرفة...ان هذين الاتجاهين السسيولوجيين انما يحاول الباحث من خلالهما تفسير سبب ما يسمى بـ (الاسلام السياسي).(4)

ويذكرنا الكاتب هنا بالقراءة الماركسية في الفكر العربي للفلسفة الاسلامية والتاريخ الاسلامي، التي كانت مع حسين مروة والطيب تيزيني وعبد الله العروي وغيرهم من المفكرين، الذين درسوا المجتمع العربي والاسلامي وفق النظرية والفلسفة الماركسية، التي أكدت في فلسفتها على العامل الاقتصادي وعلى صراع الطبقات. اذ يرى مؤلف الدكتور جعفر ان للعوامل الاجتماعية والاقتصادية أثرها الكبير على صياغة خطاب (الاسلام السياسي) وهذا واضح جداً في قول الكاتب : (ان دعاة "الاسلام السياسي" يرتكزون على نموذج الدولة الدينية التي شكلها النبي في المدينة المنورة التي جمع فيها بين "الاقتصاد والسياسة والدين" وذلك في صراعهم مع "الدولة العثمانية" من جهة "في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين" ومع "الدول الاستعمارية" من جهة أخرى، أي بعد سقوط نظام الخلافة أي "الدولة العثمانية" اللذين كانا مستوليين على "الاقتصاد والسياسة". ومن ثم فان أطروحة ماركس "ليس وعي البشر يحدد وجودهم، بل أن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم"، تجد مكانها في تجليات "الاسلام السياسي" الذي هو وعي ديني ينبعث ويترسخ في المجتمعات العربية نتيجة المحددات الاجتماعية والاقتصادية.).(5)

ان تدافعاً أيديولوجياً واقتصادياً حدث بقوة داخل خطاب الاسلام السياسي، سواء في مواجهة الدولة العثمانية من جهة أو في مواجهة الدول الاستعمارية الغربية من جهة أخرى، وهذا التدافع سعى الى الاطاحة بالآخر وازاحته (لأجل الاستيلاء على مساحة الامتيازات التي يمتلكها.).(6)  هذا ما يراه الكاتب ويدافع عنه بقوة في كتابه.

والرؤية الجديدة التي يطرحها الدكتور جعفر في كتابه هي دعوته لتبني خطاباً فكرياً معرفياً من قبل المفكرين والمثقفين الاسلاميين، بدل الخطاب الأيديولوجي السائد في كتابات وطروحات هؤلاء المفكرين والكُتّاب، وتقديم (اسلام معرفي) بديلاً عن (الاسلام الأيديولوجي) الذي هدد وهدم مجتمعاتنا العربية والاسلامية قبل أن يحطم العالم الآخر ويهدده، فنحن المتضررين الأكبر من هذا الخطاب المقيت، الذي جعل العالم يتقدم علينا ويتخطانا بحداثته وتقدمه وتفوقه، بما أنتجنا نحن من خطاب أيديولوجي مقيت. ويتكئ المؤلف في عرض وصياغة مشروعه النقدي (الاسلام المعرفي) على مجموعة من المفكرين أمثال محمد أركون ومحمد ابي القاسم حاج حمد ومحمد مجتهد شبستري ومصطفى ملكيان وداريوش شايغان وعبد الكريم سروش، للخروج من النفق الأيديولوجي المظلم نحو آفاق أرحب من الأيديولوجيا. ولكن الدكتور جعفر ينتقد حتى تلك الطروحات النقدية ويبين صعوبتها ومصاعبها على أرض الواقع، لأن (الشروع في عملية كبرى كهذه انما يستدعي الخروج من وعلى اللاهوت الاسلامي برمته لا سيما القطاع المؤدلج منه بالدرجة الأولى...وبلحاظ تلك الطروحات يطل علينا الاسلام المعرفي الذي يسعى الى تأسيس أرضية لاهوتية جديدة، وذلك لتغيير رؤية العالم لدى حامليه، الذين يقدمون النقد والتجديد على التقليد والتعبد بالنص...فاذا كان الاسلام الأيديولوجي يهرب من محاكمة النصوص ونقدها وتشذيبها لأن حلمه الجوهري (السلطة) لا غير، فان أصحاب الاسلام المعرفي يسعون الى التغيير من (الداخل) ).(7)

 والرؤى النقدية في كتاب (اللاهوت المزيف) مبثوثة في ثنايا الكتاب وبقوة، ولكنني كم تمنيت لو أن الدكتور جعفر قد قدم لنا فصلاً أو مبحثاً أو خاتمة تحفظ حقه النقدي كباحث ومفكر في خطاب الاسلام السياسي، ليخرج لنا بموقف متميز يوضح لنا فيه رؤيته النقدية والحل الأمثل للخروج من النفق الأيديولوجي المظلم الذي يهدد وجودنا وحياتنا ومصيرنا في هذا العالم المليء بالنعرة الأصولية المتشددة دينياً وسياسياً، غرباً وشرقاً.

 وتذكرنا رؤية الدكتور جعفر نجم بالمشروع الفكري والاجتماعي للدكتور علي الوردي الذي أنطلق من المجتمع وقوانينه وما أفرزه من قضايا وأحداث سياسية وتاريخية واجتماعية لدراسة المعرفة والفكر لهذا المجتمع أو ذاك، كل حسب ظروفه الزمكانية وسياقه ونسقه التاريخي والاقتصادي، واذا كان الوردي قد أنطلق من المجتمع العراقي ودراسته، فأن جعفر نجم قد توسع في عينته ليشمل خطاب الإسلام السياسي في المجتمع العربي والاسلامي، ولكنه يقترب من آلية الوردي وأدواته، وهذا شيء لا يعيب على الكاتب وانما يضاف له، ويكفي مدرسة الوردي فخراً انها تنجب مفكرين ومثقفين وكتاباً مثل الدكتور جعفر نجم نصر، المفكر الذي يعي ما يكتب وينظّر له، بعقل نقدي أركلوجي مميز، والقريب والمتابع لإنجاز وفكر وثقافة هذا الرجل يدرك ذلك بوضوح، ويكفينا فخراً نحن في الأوساط الثقافية والاكاديمية العراقية والعربية أن نرى كاتباً صبوراً وناقداً يُقدم على حرث فكر وأرض مُلغّمة ومليئة بالمفخخات كـ (الاسلام السياسي)، ليكشف لنا زيف كم من الأفكار التي الفناها على مرّ التاريخ، والتي شحنت وغذت عواطفنا وحياتنا وتاريخنا وثقافتنا بأكاذيب زائفة جنى ثمارها تجار حروب العنف والعنف والكراهية، من خلال نشر الفكر التكفيري والفرقّي والطائفي الذي جثم على رؤوسنا وصدرنا سنين ضوئية لم نتخلص منه الى ما شاء الله، ما دامت (الأيديولوجيا) وليست (الابستيمولوجيا) والمعرفة هي من توجهنا نحو المسار، وهذا ما يجعلنا في عنف وتشنج وكراهية دائمة لا نخرج منها أبداً، لأن خطابنا المعرفي والفكري طارد لا يرحب بما هو خارج أيديولوجيته وقوقعته الفكرية.

        

د. رائد جبار كاظم. استاذ فلسفة. الجامعة المستنصرية. العراق

.............................

(*) باحث واستاذ علم الاجتماع في الجامعة المستنصرية ـ العراق. له عدد من المؤلفات في مجال الثقافة والاجتماع والعولمة وعلم الاجتماع الديني، ومهتم في مجال دراسة الفكر العربي والاسلامي المعاصر وخطاب الاسلام السياسي والحركات الدينية. ومن مؤلفاته كتاب مقدمة في انثروبولوجيا العولمة  وكتاب الانثروبولوجيا التاريخية وكتاب الذات الشيعية العراقية، رؤية نقدية،  وكتاب فصول في سوسيولوجيا الدين، ولديه قيد النشر كتاب (حصارات التأويل). فضلاً عن مشاركاته الكبيرة في المؤتمرات والندوات العلمية والفكرية الاكاديمية ومؤسسات ومنظمات المجتمع المدني ومراكز البحوث والدراسات.

هوامش

(1) د. جعفر نجم نصر. اللاهوت المزيف. ط1. مؤسسة الانتشار العربي. بيروت ـ لبنان. 2017. ص 14.

(2) المصدر نفسه. ص 15.

(3) المصدر نفسه. ص 163.

(4) المصدر نفسه. ص 143.

(5) المصدر نفسه. ص 198.

(6) المصدر نفسه. ص 208          

(7) المصدر نفسه. ص 364ـ 365.

 

      

475 ملاك العواميصدر حديثًا عن دار سوريانا بدمشق للصديقة الشاعرة السورية ملاك العوام، مجموعة نصوص شعرية تحت عنوان "ملحمة أرواح نقية"، وهي المجموعة الرابعة بعد "امرأة بلون ليلكي، من رحم الأمنيات، وترياق روح ".

تقع المجموعة في ١٣٠ صغحة من القطع الاوروبي، وصمم علافها الفنان جمال الأبطح، وتضم بين طياتها ٤٦ قصيدة  موزعة بين الغزليات والوجدانيات والوطنيات.

وتهدي ملاك مجموعتها الشعرية الى:

جياع الوفاء...

إلى القلوب التي تحب بنقاء

إلى الروح الساكنة روحي

زوجي توفيق

إلى كل امراة عرفت قيمتها بالحياة

وثارت على شرقية مجتمع

رآها وليمة مساء

إلى فلذات كبدي

رواد - ريان- سلاف- سلام

وكتب الأديب والناقد شاكر فريد حسن تذييلًا للمجموعة، فأشار إلى أن " ما يشد إلى قصائد العوام أنها صادرة عن روح شاعرية ونفس عاشقة هائمة وهادئة ذات سجية حية طيعة، دون صخب واضطراب، فالكلمات منتقاة عن دراية ومعرفة، وكل كلمة في سياقها الشعري وأبانت بكل وضوح وشفافية بعيدًا عن الافتعال والصناعة والتكلف، وشعر الفوضى الرديء ".

ملاك العوام تكتب نصوصها باسلوب الاقتراب من المعنى بكل صدق وعفوية، وبلا مواربة أو زخرفة، وهو الاسلوب السهل الممتنع، الذي يكشف عن كتابة جمالية يقع في ظلالها مزاج شعري خاص، أو كتابة المعنى.

ومن أجواء المجموعة :

قيثارة حب

...........

تراتيل ....

وترانيم .. بوح ملائكي

تنسيني ملامح الغربة بقلبي

ترسم لي على مرايا الروح

قيثارة حب.....

خبأت لك بصدري

وهج الشمس وضوء القمر .....

أبحرت في عينيك

لتكن لي  وطناً

لتكن شهقة ...

ابقت في رئتي روح الحياة.....

نبض فاضح  ينسيني اسمي

وتاريخي....

يا ألوان الفرح ...يا أنت

أسميتك

سيد وجودي...و توأم روحي

أسميتك ملاك عمري ....

ولهيب قدري

يا كل الاشياء من حولي

يا ابتسامة الفجر

يانشوة الروح

أحبك وانتظر البقية ...

نصوص " ملحمة أرواح نقية " مغلفة برومانسية واحساس أنثوي لشاعرة تجيد حياكة الأحاسيس والدهشه، وتدوّن ما تختلجه انفاسها الشعرية.

ومع الترحيب بالمجموعة، نهنىء الصديقة الشاعرة ملاك العوام، ونتمنى لها المزيد من التألق والزهو والابداع.

***

كتب: شاكر فريد حسن

 

473 امبراطورية الاشياءكتاب فرانك ترنتمان (امبراطورية الاشياء) عمل هام وملفت يشبه كتاب منهجي في تدريس التاريخ. انه يتوغل في تاريخ عدة دول ليرى كيف انتقلت السلع من مكان الى آخر. يجب ملاحظة ان الاستهلاك ليس فكرة جديدة وانما تطور بسرعة بفضل العصر الصناعي وظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية.

كيف تغيرت المواقف من الاستهلاك المادي على مر العصور؟ الكاتب يعرض تاريخا طموحا لهذا الموضوع بدءاً من القرون الوسطى وحتى الوقت الحاضر استوفى فيه الآراء المؤيدة والمعارضة للاستهلاك المادي. كارل ماركس اعتبر الاستهلاكية خطيرة اخلاقيا وربما آثمة. المجتمع الاستهلاكي الذي انتقده ماركس كان يتجسد بوضوح في محلات التسوق البريطانية مثل هارودس، حيث تأتي لحوم الابقار من الارجنتين والخمر من البرتغال والمنتجات الاخرى للتجارة العالمية التي وفّرت مستويات غير مسبوقة من "عبادة السلعة".

مصطلح الاستهلاكية consumerism وهو مشتق من اللاتينية،  ارتبط بالهدر او النفايات . بعد ماركس بقرن افترض الكاتب الايطالي ومخرج الافلام Pier Paolo Pasolini وجود عنصر فاشي في الاستهلاكية. ايطاليا الكاثولوكية كانت تتغير بسرعة في الستينات من القرن الماضي حسبما يذكر المؤلف. باسوليني صب جام غضبه على منتجات مثل العلكة والكوكا كولا والجينز وغيرها من سلع الموضة الامريكية.

لسوء الحظ باسوليني لم يستطع رؤية ان الناس الشباب سعوا دائما للتعبير عن انفسهم من خلال الارتباط العاطفي بالاشياء. الجماعات البريطانية ذات العلامات المميزة، الشركات الايطالية المتخصصة بالقهوة، مكائن الكاباجينو كلها تعمل بالضد من الطبقة الراسخة والامتثال. حاجات المستهلك تعمل احيانا على تجاهل وإضعاف الوضع القائم. عبودية الاطلسي كانت من الانظمة التجارية الاكثر كمالا في العصر الحديث. مؤيدو التجارة الحرة يميلون لرؤية الاستهلاك كتجسيد لحق الفرد بالخيار الاستهلاكي. وفق رؤيتهم الليبرالية الجديدة، انفاق النقود على السلع المادية يقوّي قيم الديمقراطية والازدهار للجميع. رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر "عرّابة الليبرالية الجديدة"، يذكر المؤلف انها سعت لتحطيم المواقف الماركسية المضادة للاستهلاكية. عندما قامت في مارس 1987 بزيارة الى موسكو السوفيتية مرتدية قبعة من الفرو، استقبلها الروس كسفيرة ترمز للحرية والثروة.

اما العناصر اليسارية الميول في الكنيسة الكاثوليكية استمروا بانتقاد "الاستهلاك الصريح" و اللامساواة في نمو المبيعات. البابا يوحنا الثالث والعشرون (اول بابا يفتح الكاثولوكية امام الجدل الماركسي) انتقد القيم الاستهلاكية في رسالته البابوية للسلام عام 1963 باعتبارها مضادة للروابط الاجتماعية. ومن جهة اخرى، احتضن العديد من المسيحيين الانجيليين في الولايات المتحدة  "انجيل الرفاهية"، حيث ان يسوع طرد صرافي العملة،  لكن التسوق قد يجلب شعورا رائعا في السعادة. كتاب ترنتمان ليس فقط عن التسوق. النصف الاول من الكتاب يسجل تاريخ "التقدم العالمي للسلع"منذ القرن الخامس عشر وحتى ظهور الاسواق في اسيا اليوم.

 من غير المدهش ان عبودية الاطلسي شغلت الكثير من الكتاب. من عام 1700 الى 1808، اصبح السكر (المنتج النهائي للعبودية البريطانية) مربحا جدا، لدرجة ان ازدهار موانئ العبيد الانجليزية مثل بريستول وليفربول كانت مشتقة من المتاجرة بما اطلق عليه المؤرخ سدني منز "الاغذية الدوائية الاستوائية". سفن العبيد الاستوائية تحمل السلع التجارية مثل البنادق والمواد المتفجرة التي تأتي من انجلترا الى افريقيا،  بعد ذلك تأتي بالعبيد من افريقيا الى الكاريبي،  واخيرا تجلب السكر والقهوة والقطن والرز والكحول مجددا الى انجلترا. انه من افضل النظم التجارية في العصر الحديث، حيث جسّد منحنى للعرض والطلب خال من العيوب.

الكتاب يؤكد الحاجة الى تقييم حقيقي وواقعي لحاجتنا للسلع والتضحيات التي نقدمها مقابل ذلك. يؤكد المؤلف على فكرة تقليل الحاجات،  والاستثمار في نوعية السلعة،  وفهم تأثير الاستهلاك على الكوكب الذي نعيش فيه.سنناقش هذه القضايا تباعا وفق تحليل الكاتب.

بيع العمل

منذ وقت طويل، سعى الناس لتلبية حاجاتهم. العوائل كانت مكتفية ذاتيا بما تصنع او تنتج. كان من النادر للعوائل ان تشتري اشياءا مصنوعة سلفا،  بدلا من ذلك، كان الناس يشترون مواد وتجهيزات وتعلّموا كيف يصنعون الاشياء فكانوا اقتصاديين في ما يستهلكون. ولكن لاحقا بدأ رب المنزل بدلا من انتاج ما يحتاجه، اتجه لبيع عمله لكي يستطيع شراء الكثير من السلع. هذا الامر تعزز بالتسويق والاعلانات وترسخ بواسطة الحكومة وببطاقات الائتمان وبمختلف الآليات التي تدفع ارباب المنازل للاعتقاد انهم ليس لديهم ما يكفي للاستهلاك.اما اليوم نحن نبيع وقتنا لأجل النقود، ثم نستعمل تلك النقود لشراء السلع. المشكلة اننا لا نعتقد اننا نمتلك سلع كافية، دائما نريد النوعية الأحدث وهذا خلق دورة لامتناهية. الاستهلاك اصبح اكثر اهمية من الانتاج.

العبيد وصناعة الاشياء الراقية

لو نظرنا الى قائمة السلع الحالية سنجد ان غالبيتها صُنع على اكتاف العبيد. من القطن الى القهوة الى الشوكولاته الى الذهب والبترول وبقية السلع كلها مواد بدأت من مستعمرات للانتاج للاسواق الكبرى. في البدء كانت بعض المواد مخصصة فقط للنخبة من الناس وكانت تُعرف بمواد الفخامة Luxury.ومع اتساع العولمة وزيادة تدفق السلع بدأت هذه السلع تصل الى الجمهور. الاسواق تطلبت انتاج واسع من هذه السلع وهو ما ادّى الى استغلال الناس للحصول على هذه المواد للاستعمال في المطبخ او للبيوت او للسيارات. ايضا من المهم ملاحظة ان العديد من المنتجات نشأت واستمرت تأتي من العالم المتطور بفعل سياسات التسويق الذكي، لكن لا مجال للشك ان اكثر المواد المفضلة تأتي من بلدان فقيرة . فمثلا اكثرية الشوكولاته تُزرع وتُحصد في غرب افريقيا وحيث تستمر عمالة الاطفال في زراعة الكاكو. كبرى شركات الشوكولاته مثل كادبري، مارس، نستل تستعمل 12% من الكاكو المنتج، لكنها لا تتحدث عن اصله.

حرية المستهلك

الاستهلاك لم يعد ضرورة للبقاء،  وانما حق في الحماية. المقدرة على امتلاك الخيار بما يُستهلك اعطى المستهلكين آمانا زائفا. الاختيار في الحقيقة خلق المزيد من النفايات، أخذ المزيد من الطاقة الذهنية. بدا الشعور به كنوع من الحرية، الخيار كبّل الناس بالشعور ان الامتلاك هو الاعظم اهمية وكبّلهم بالخوف من فقدانه.حتى بعد 11 سبتمبر طُلب من الامريكيين للذهاب لأعمالهم والاستمرار بالتسوق والسماح للاقتصاد بالعمل.

"نقد الاستهلاكية" يأتي من فريقين: الاول يرى ان اصل المشكلة  فشل اجتماعي واخلاقي. الناس باستمرار يريدون اكثر مما يحتاجون حقا، متحفزين بأصناف المنتجات واصحاب الاعلان والشركات وبرغبتهم في التمظهر وتقليد رؤسائهم. الثاني يرون "الاستهلاكية"كجزء من الافراط الكبير للنمو الاقتصادي الذي نجح بعد الحرب العالمية الثانية. لابد من تحرير المجتمعات الغنية من سحر النمو والعودة الى "صفر من النمو"ووقف الصعود المحموم في السلع المادية.احيانا كلا الرؤيتين تعملان سويا.

الائتمان والديون

الائتمان كان عاملا كبيرا في انفاق الامريكيين. إدخال نظام بطاقات الائتمان شجع رب المنزل على الشراء ثم الشراء. متوسط الامريكيين سعداء بإنفاق مدخولات الغد. الاشياء يتم شرائها عند اوقات التنزيلات وعند العروض بشراء سلعتين بسعر سلعة واحدة بما يشجع الافراط في الشراء. "اصحاب الاعلان يهتمون كثيرا بعناية النفس القلقة، هناك دائما منتج جديد قريب من المستهلك يعد بالمزيد من الاشباع والقناعة".الديون جعلت الفرد عبدا لمؤسسة الدين."التنزيلات، الكلمة السحرية، تفرغ جيوبنا، تسيء الى روتيننا اليومي، تسحرنا، تسّرنا، تخيب آمالنا".

الناس اصبحوا مدمنين على الائتمان، لشراء اشياء ليسوا بحاجة لها. الائتمان المريح يغذي عبادة التباهي والتجدد ولكن بنتائج كارثية.. "اشتر الان، ادفع لاحقا"جعلت الناس قصيري النظر وانانيين يسهل انقيادهم للمعلنين الذين يروجون فكرة ان المزيد من الاشياء يعني المزيد من احترام الذات . ما ورثناه من نفوس قانعة القي بها في الريح اثناء السعي نحو الاشباع. الكآبة اصبحت مبرمجة بالمعنى السايكولوجي والاقتصادي".

النفايات وفقدان التنوع الاحيائي

شهد القرن العشرون هبوطا حادا بالتنوع البيئي متراجعا عشرة الاف سنة من التاريخ.استهداف الشركات لمنتج نباتي معين متحديا الطبيعة لكي ينمو اكثر وبوقت اسرع يسمح بوصول المنتج الى طاولة الطعام بوقت غير طبيعي."ما نحمله للبيت في حقيبة التسوق يحمل معه الماضي المادي والمستقبل".اكوام النفايات هي تذكير بادماننا على الكثير،  فهي تذكير مستمر بالاشياء المصممة بنوع من اللامبالاة والتي لم تُصنع لكي تستمر. السلع المستعملة من العالم المتطور تنتهي لدى الدول الفقيرة التي تفتقر للتكنلوجيا والقوانين التي تمكّنها من اعادة استخدامها بشكل ملائم.التحدي الان هو ليس فقط الدول الغنية لديها مستويات عالية من الاستهلاك،  وانما الدول النامية بدأت اللحاق بالعالم المحدود الموارد مما خلق اضرارا بيئية كبيرة.

سرعة التغيير

 يلاحظ المؤلف ايضا في كتابه ان العالم احتاج لأربعة قرون لكي يزيد استهلاكه الى حد كبير،  لكن دول مثل الصين واليابان والهند احتاجت فقط الى ثلاثين سنة لتحقيق الزيادة في نموها وزيادة الطبقة الوسطى. انها فترة زمنية مدهشة لتحقيق الزيادة في الاستهلاك وما رافقه من تغييرات كبيرة في اجسامنا واسلوب حياتنا ونفاياتنا.

ماذا نستطيع عمله؟

جميعنا مستهلكون وجميعنا نشارك في نمو امبراطورية الاشياء، لكننا نستطيع فعل شيء ما عبر طرح الاسئلة التالية في كل مرة نستهلك فيها:

1- هل نحن حقا نحتاج هذه السلعة؟

2- هل نستطيع شراء هذه السلعة كنوع مستعمل؟

3- هل هي تستمر الى المدى الذي نريده؟

4- ما هي النتائج الصحية والبيئية التي تؤثر على صنع المنتج؟

الكاتب يمتنع عن اصدار الاحكام الاخلاقية. ولكن في النصف الثاني من الكتاب هو يبدو يسأل عن قيمة التجارة الحرة وعن الحركات الاستهلاكية شبه المسيحية في القرن العشرين. وفرة المستهلكين في الغرب خلق شعورا بالفضيلة عبر شراء شاي وقهوة اوكسفام(جمعية خيرية). المستهلكون المواطنون في الغرب لديهم الاستهلاك الاخلاقي الراقي بينما الاخرون لا يتمتعون في ذلك.

الكاتب في بحثه المعقد يسأل اذا كان مناخ الاصوليين الاسلاميين في النقاء والطهارة لا يمكن التوفيق فيه مع طوفان السلع الاستهلاكية. الهجوم على الكوكا كولا في ايران لم يلغ المشروبات الغازية وانما استبدلها بزمزم كولا وغيرها من السلع المستنسخة.

 

حاتم حميد محسن

.......................................

كتاب امبراطورية الاشياء:كيف اصبحنا عالما من المستهلكين للكاتب فرانك ترنتمان استاذ التاريخ في جامعة لندن، صدر عن دار بنجوين في 3 نفمبر 2016.

 

جعفر عبدالمهدي صاحبصدر حديثاً عن دار العارف – بيروت، كتاب بعنوان (نفحات نجفية) للأستاذ الدكتور محسن عبد الصاحب المظفر. في مؤلفه هذا يرى الدكتور المظفر، صاحب الإنجازات البحثية الكبيرة المعمقة، أن النجف مدينة للعطاء في ميادين الأدب والعلم والفقه وهي تفي في أكنافها علماء وكتاب، تزخر في الانتاج الفكري غير المنقطع، وهي مدينة قدسية تروي لنا حكايات الديانات (هذه إشارة من د. المظفر لاكتشاف مواقع أثرية لكنائس غمرتها رمال صحراء النجف، تلك المواقع التي كانت عامرة قبل العصر الإسلامي)، فالكتابة عن النجف لم تنته بعد، فكل من يكتب عنها سيواجه فيضاً من المعطيات تهبط من ذراها الشامخات التي لا تستطيع الكتب احتوائها ولا احصائها.

يتضمن الكتاب خمسة مباحث رئسية:

المبحث الأول: مؤسسات ثقافية نجفية (مؤسسة الأيتام في العراق، مؤسسة الجامعة الإسلامية للعلوم والمعارف، مركز الدراسات التخصصية في النجف الأشرف، جمعية منتدى النشر في النجف الأشرف).

وسنتوقف عند آخر عنوان فرعي في هذا المبحث ألا وهو الخاص بجمعية منتدى النشر (ص 45) التي تأسست عام 1935. ويأتي تركيزنا على هذا المبحث نتيجة لظهور الأفكار الإجتهادية المؤدية الى تجاوز الخط الحوزوي الكلاسيكي الذي قام منذ زمن الشيخ الطوسي في اربعينيات القرن الربع الهجري حوالي عام 1050 ميلادية. فنخبة من الشباب النجفي المتنور في النصف الأول من القرن العشرين، رأور ضرورة تطوير وتغيير منهجية أساليب وطرق تدريس العلوم الدينية وبالشكل الذي يتماشى مع متطلبات عصرهم. في مقدمة أولئك كان الشيخ محمد رضا المظفر والشيخ أحمد الوائلي والسادة محمد تقي الحكيم ومحمد جمال الهاشمي وهادي فياض وآخرون.

المبحث الثاني: معالم تراثية معمارية نجفية

وتضمن هذا المبحث ستة عناوين فرعية وهي: التطور المورفولوجي لساحة الميدان (باب الولاية) في النجف الأشرف خلال مائتي عام (1811-2012)، تاريخ الدفن في المدينة وظهور مقبرة وادي السلام، العبث بمدينة النجف عمل مرفوض، محلة المشراق في النجف بين التاريخ الجميل وزوال الذكرى، القيصرية الكتبية القديمة في النجف الأشرف، العكد اليهودي وعقد خانية.

وقد لفت نظري عنوان فرعي- فرعي في هذا المبحث حول مقبرة النجف المسيحية، يقول فيه المؤلف الدكتور محسن المظفر: " تذكر مديرية مفتشية آثار النجف أن التنقيبات عثرت على أكبر مقبرة مسيحية في العراق إذ أن أرض النجف ضمت قبوراً فرثية ومسيحية وإسلامية...وأن مساحة المقبرة المسيحية تبلغ 1416 دونماً ويسمى موضعها بـ (أم خشيم)وهي تبدأ من النجف الى المناذرة.

وقد عرفت بأنها مقبرة مسيحية بدلالة اللقى الأثرية التي تعود الى الفترة الفرثية والفترة الساسانية وفترة ما قبل الإسلام. وقبور هذه المقبرة الممتدة من أرض النجف وفي بعض أراض بحر النجف متشابهة، وأن عمر هذه المقبرة يبلغ حوالي ألفي سنة" (ص76).

حرص المؤلف أن يلفت أنظار المسؤولين والباحثين وأصحاب الشأن بضرورة السعي و التنقيب بمنطقة بحر النجف وهي تحتوي على أكثر من مقبرة ، لو أجري التنقيب فيها بصورة صحيحة يمكن أن يكتشفوا آثار " شيا " التي لم يكشف النقاب عنها بعد، وهي لا تبعد عن النجف سوى 10 كم باتجاه الطارات على طريق النجف – كربلاء. وهذه المنطقة فيها تلال قائمة تعود الى عهد المناذرة وتحتاج المنطقة الى مسح ميداني.

المبحث الثالث: مؤلفات نجفية

تناول الدكتور المظفر في هذا المبحث أربعة مؤلفين وهم:

1- السيد صدر الدين القبنجي وكتابه (الإسلام واشكاليات الحداثة).

2- عادل رؤوف وكتابه (حصارات علي – النجف تعتاش على الموتى).

3- الأساذ الدكتور جعفر هادي حسن البزوني وعرض لثلاثة من كتبه: (الدونمة بين اليهودية والإسلام) و(كتاب الحسيديم) و(قضايا وشخصيات يهودية).

4- الأستاذ الدكتور جعفر عبد المهدي صاحب وكتابه (الربيع العربي الملغوم من دايتون الى الاعتداء على الكعبة – استشراف مستقبلي لمجرى الأحداث في الوطن العربي).

وفيما يتعلق بالشخصية الأولى السيد صدر الدين القبنجي، حيث ذكر سيرته الذاتية ومؤلفاته مع عرض مستفيض لكتابه الإسلام وإشكاليات الحداثة ص 163- 170. فتم استعراض فصول الكتاب الثمانية. والذي أثار انتباهنا تعريفه للحداثة على أنها " نظرة فلسفية شاملة للعلم تنطلق من اعتبار الإنسان الفرد- في فكره وإرادته – هو المطلق الذي لا يجوز إخضاعه لأية سلطة أخرى ". سوى أن إرادة الإنسان الفرد كثيراً ما تحركها تأثيرات الهوى والنزعات الغريزية التي تفقد اختيارها للصحيح، الأمر الذي يتطلب (العقل الشاهد) وهو عقل الأنبياء والرسل كعقل هو الأكثر معرفة والأنقى ذاتاً (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراًونذير)...انتهى نص السيد القبنجي.

فالمؤلف رجل دين، ومن الطبيعي أنه يخوض غمار موضوع فلسفي وفق طرق تحليل تتناسب مع الطبيعة الذهنية لرجال الدين الذين غالباً ينهون بحوثهم بالاستشهاد بالنصوص المقدسة. فهو يذكر أن الحداثة هي " نظرة فلسفية شاملة للعلم" ليعود في زبدة قوله الى النص الديني الذي يستند الى اليقين الإيماني غير الخاضع للتحليل الإمبريقي Empirical Analysis، وهنا يكمن جوهر اعتراضنا على المنهجية التي يتبعها رجال الدين "الروحانيين" عندما يتناولون البحث في حقول معرفية تتطلب حتمية استخدام منهجية البحث التجريبي .

وفي رأينا يتمحور مفهوم الحداثة حول التطور المستمر الذي شهده العالم في نمط الإنتاج المعرفي والثقافي والتقني والاقتصادي ذلك التطور الذي انطلق من ثلاث محطات كبرى أثرت بشكل كبير على حياة الإنسان ونمط تفكيره، وهي:

أولاً- الثورة الفرنسية وتراكمات الأحداث اللاحقة التي كرست مفهوم الحرية وحقوق الإنسان وبناء الديمقراطية.

وثانيا – الثورة العلمية والتطور التقني في مختلف المجالات.

وثالثاً- شيوع الفكر الاقتصادي الليبرالي وتبني نمط الانتاج الواسع Mass Prodection.

ومما تقدم أن مفهوم الحداثة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بظاهرة التغير البنيوي والقيمي للكائن البشري، في حين أن الفكر الديني يعتمد أصلاً على تقديس النصوص وقفل باب الجدل بشأن الكرامات والقدرات التي لا تخضع للتمحيص الكمي العلمي أو المنطقي.

أما الفصل الثالث من كتاب السيد القبنجي فقد تناول (نقد مباديء الحداثة) وتتفرع منه ثلاثة مباحث الأول في نقد مبدأ الذاتية والثاني نقد مبدأ العقلانية والثالث نقد مبدأ العدمية. ومؤلف الكتاب وضع عند نهاية كل مبحث خلاصة تعتمد في قوامها على النصوص المقدسة أيضاً وخصوصاً آيات من القرآن الكريم والتي هي تخضع فقط لسلطة الإيمان أكثر مما هي نتاج بحث علمي بالمعنى الأكاديمي ووفق طرق البحث المعتمدة methodology .

وجاء الفصل الرابع بعنوان (الأسس العلمية للحداثة) والذي نراه متناغماً مع الاستنتاجات النهائية التي توصل إليها المؤلف من خلال الإحتكام الى النص القرآني الذي لا يقبل الجدل وفق النظرة الإيمانية المطلقة غير الخاضعة للتمحيص الإمبريقي.

وخصص المؤلف الفصل الخامس لنقد الحداثة، حيث ينتقد ببراعة أسس الحداثة العلمية، وهو ركز على محدودية المعرفة وأن اليقين الاستدلالي غير المباشر هو الذي يحكم معظم معلوماتنا، وأن الدين يرفض اعتبار الطبيعة عمياء ويرفض التفسير المادي وهو يستشهد بالعديد من الآيات القرآنية الكريمة. ويركز السيد القبنجي على أن الإسلام يهتم بالحقائق المادية نحو السعادة ولكن القضايا الاعتبارية – في رأيه- أكيدة فالإنسان يميل فطرياً باتجاه التمسك بعالم الميتافيزيقا ويحرص على ربح الحياة الأبدية.

وتناول الفصل السادس نظرية المعرفة Epistemology وركز الحديث على جزئية "الاهتزاز المعرفي" وقارنها بنظرية المعرفة في الفكر الإسلامي وهي، كما قال، معرفة ثابتة وأخرى متحركة وأن الوحي والعقل مصدران مهمان لها. لقد جعل الأستاذ القبنجي فكرة هذا الفصل مدخلاً للفصل السابع الذي تطرق فيه الى مباديء الفكر الإسلامي: التوحيد والنبوة والميعاد وعلى أن الإسلام منظومة فكرية متكاملة يجيب عن كل أسئلتنا عن الإنسان والكون وعن الأرض وما عليها.

ويأتي الفصل الثامن والأخير ليثير موضوعاً يتعلق بموقف كل من الفكر الحداثي والفكر الإسلامي من الدين ص 179. ونستغني عن استعراض محتوى هذا الفصل لوضوح فكرة الفصل من عنوانه. ولكن رغم معرفتنا بأن معظم مفكري الحداثة ليسوا من الملاحدة أعداء الأديان بالإضافة الى علمنا بأن الحداثة تقوم على مباديء كثيرة من أهمها مبدأ تمايز القيمة Value Differentiattion أي تمايز المجالات، وهو يعني لكل مجال معرفي استقلاله القيمي، فلا يمكن الحكم على الاقتصاد بقيم لا تنتمي لمجاله كالقيم السياسية، أو الحكم على الفلسفة بقيم كيمياوية، فعند الحديث عن السياسة يجب أن يكون ضمن القيم السياسية وكذلك الحال عند تناول القضايا الدينية.

والأستاذ الدكتور محسن المظفر يذكر بأن " الكتاب بجملته فلسفي سهل القراءة واضح العبارة وكأنه معداً ليقرأه كل الناس والمهم فيه أنه مؤثر لما فيه من قوة الاقناع في مجالي الدحض والإثبات فمن الضرورة قراءته لأنه حقيقة يزود القاريء بالكثير".

وينتقل الدكتور المظفر الى الشخصية الثانية عادل رؤوف وكتابه (حصارات علي – النجف تعتاش على الموتى). ومع الأسف الشديد لم يقدمه، المؤلف الدكتور محسن المظفر، للقراء، واستعرض الكتاب على شكل قراءة نقدية رغم ضخامته (624 صفحة) مع توقف مستفيض في عرض الفصل الثالث عشر الذي جاء تحت عنوان (علي المقابر) ص 172.

ولابد من الرجوع مجدداً الى عنوان المبحث الثالث من الفصل الثالث في النفحات (مؤلفات نجفية)، هكذا هو العنوان الذي أوقعني بتورية لم استطع فك طلاسمها، فهل الدكتور المظفر يقصد بعنوان المبحث الثالث (كتابات عن النجف)؟ أم يقصد (كتب لمؤلفين نجفيين)؟ فالمؤلفون الأربعة ثانيهم كما يبدو يحمل أسماً مستعاراً وهو شخصية مجهولة (عادل رؤوف) أما الثلاثة الآخرين فهم من أبناء المدينة (السيد صدر الدين القبنجي ود. جعفر هادي البزوني ود. جعفر عبد المهدي الحسناوي).

لم استطع معرفة السيرة الذاتية للمدعو عادل رؤوف حتى بواسطة محرك "الگو گل" فلم أفلح في العثور على تاريخ ومحل ولادته.

ويذكر الدكتور المظفر بأن مؤلف كتاب حصارات علي عندما يصف أهالي النجف بانهم يعتاشون على الموتى فانه قد اتكأ على ما قاله أحد الشيوخ للتندر والتفكه ص 180:

 واردات بلادي جنائز  وصادرات بلادي عمائم

بعدها يستمر الدكتور المظفر وهو يفند طروحات الأستاذ رؤوف حيث يستعرض واقع النجف الاقتصادي الذي يتطلب معرفة الدور الوظيفي لمؤسسات المدينة وتحديد أساسها ألاقتصادي والذي يعني بصورة عامة نشاطاتها المختلفة التي تجذب دخلا ً إلى سكانها من الأقليم، والمسماة بالنشاطات الأساسية . وأن ألنسبة بين نوعي النشاطات الاساسية وغير الاساسية تعطي صورة عن درجة المدينة الحضرية إذا كانت نسبة غير الأساسية لغير النشاطات ألأساسية 1/2 فمعنى ذلك إن العاملين في الثانية ضعف الأولى وإن المدينة حضرية ذات أعمال أساسية .

 وقد قدم الدكتور المظفر دراسة عن الأساس الإقتصادي للنجف معتمداً على طريقة جان ألاكسندر التي بنيت على مقدار دخل المدينة ونفقاتها وهي تأخذ بعدد العمال أو إجورهم , هي طريقة أقرب الى الواقع (كتاب مدينة النجف الكبرى / د . محسن المظفر) وتنص على أن المؤسسة التي عمالها 100 عامل , وأن منهم 70 % يقدمون خدمات لسكان المدينة بلا تصدير فهم غير أساسيين وعليه أن الباقي 30% يقدمون خدمات لسكان الإقليم ويحققون تصديرا ً ثم جلب منافع للمدينة من إقليمها فهي اذا ً أعمال أساسية وأن العمال أساسيون. وأن البحث عن النجف من خلال عشرات الجداول والفرز لكل الحرف والخدمات تبين أن 49.3% هم عمال أساسيون يجلبون دخلاً للنجف من خارجها وأن 50.7% من العمال غير أساسيين يقدمون خدماتهم لسكان المدينة .

 إن المدن مدينة في وجودها الى نمط علاقاتها وبخاصة اذا كانت علاقات دينية , لكنها بمرور الزمن تتحول الى مدن تجارية واحيانا صناعية مع الحفاظ على طابعها الديني .

 ويستمر الدكتور المظفر في الحديث عن الوظيفة الدينية للنجف حيث كانت في عام 1947م في مقدمة الوظائف التي تجلب دخلا ً للمدينة ثم تليها الوظيفة التجارية ثم الصناعية . وفي الأعوام 1957-1973م تقدمت الوظيفة الصناعية وغدت الوظيفة الأساس التي تجلب دخلا ً للنجف من إقليمها مما عزز نموها الحضاري والعمراني تلتها الوظيفة التجارية وتأخرت الوظيفة الدينية الى المرتبة الثانية , ومع هذا تعد الوظيفة الدينية منشطا ً للوظائف ألأخرى، ص 183.

إما في عام 2010م فأن الدراسة التي قدمها الدكتور محسن المظفر قد أثبتت أن الأساس الإقتصادي للنجف تمحور عند الوظيفة التجارية تلتها الوظيفة الصناعية وقد تراجعت الوظيفة الدينية الى مستوى متدني إذ غدت قدراتها على جلب عوائد بمستوى قريب الى المرتبة الرابعة .(كتاب : مدينة النجف / عبقرية المعاني وقدسية المكان أ .د . محسن المظفر) . إذا إؤكد على أن مدينة تقرب لأن تكون مدينة مليونية كالنجف لا يمكن أن يعتاش أهلها على الموتى . والمؤكد إن العاملين في الشؤن الدينية بمختلف أصنافها هم في حال متوسط أو فقير وهم نفر قليل لا يوازي العاملين بالصناعة ولا العاملين بالتجارة ولا حتى العاملين بالزراعة , لأن العمل بالخدمات الدينية ليس متاحاً لكل الناس إلا الذين حذقوا به وحتى الدفن عمل مضني لايستطيع أي راغب بدخول مركبه إلا أولئك الذين توارثوا العمل وإعتادوا عليه .

 يورد المؤلف في صفحة 463 عنواناً هو " وادي السلام والتأسيس الروائي القسري "

 وهنا أذكر ما أورده الدكتور المظفر في كتابه" مقبرة النجف الكبرى " بإختصار وهو أن الشيعة اعتمدوا على روايات ألأئمة الأطهار وكلها روايات صحيحة لا غبار عليها تنص على جواز نقل الموتى , وأذكر هنا ما أورده العلامة الأميني (رحمه الله) (لقد كثر اللغط حول هذه المسألة من أناس جاهلين بمواقع الأحكام حسبوا أنها من مختصات الشيعة فحسب، أن الشيعة متوافقون مع أهل المذاهب ألاربعة من جوازنقل الموتى لأغراض صحيحة إلى غير مجال موتهم قبل الدفن وبعده مهما أوصى به الميت أو لم يوص به) . ألمالكية تجوز نقل الموتى قبل الدفن وبعده , والحنابلة ترى بجوازه اذا كان الى بقعة مشرفة , والحنفية لا تعارض النقل عند أمن رائحة الميت الى بلد آخر ليدفن فيه , إما الشافعية فقد قالت بحرمة نقل الميت الى بلد آخر ليدفن فيه وقيل أنهم قالوا يكره نقل الميت إلا ان يكون بقرب مكة او المدينة او بيت المقدس أو بقرب رجل صالح , وأذا أوصى بنقله إلى ألأماكن المذكورة لزم تنفيذ وصيته" .

 ويناشد الدكتور المظفر (مؤلف كتاب حصارات علي) بقوله: أعلمك عن حصارات الإمام علي (ع) الحقيقية وحصارات محبيه أذكرها لك كالتالي :

الحصار ألأول / أن الإمام علي عند قرب منيته أوصى بالدفن في ظهر الكوفة في الموضع الذي يرقد جدثه الشريف فيه وطلب عقب موضع دفنه مخافة دولة بني أمية , فقد ورد في "كتاب الصواعق المحرقة " إن الأمام علي (ع) أول إمام أوصى بأن يخفى قبره لعلمه بما سيكون الأمر من بعده .

 الحصار الثاني / ولما عرف قبره وكشف عن موضعه , سكن العلويون وكثير من محبي الإمام حوله لرعايته وحمايته من عبث أعداءه.

الحصار الثالث / تسوير مدينة النجف بستة أسوار متتالية لحماية المدينة وقبر الإمام من المحاولات الوهابية التي تغير كل حين لهدم قبره الشريف .

الحصار الرابع / حادثتا الوهابيين في مهاجمة النجف وكانت الحادثة الإولى القيام بهجمات على الحرم الغروي المقدس وكانت الهجمات كل مرة تؤدي الى قتل اعداد من الناس في خارج السور لأن الوهابيين لا يجدوا لهم طريقا ً بعد غلق السور بوجوههم وكانت اول حادثة للوهابيين عام 1216هجرية وكانت على كربلاء ثم القدوم الى النجف لتدميرها , ثم أرسل الوهابيون سرية لنهب مشهد الامام علي (ع) وهدم قبته واخذ ما فيها من اموال لكن السرية التقت باعراب البصرة فقاتلوهم وهزموهم ص 175.

 اما الحادثة الثانية فهي هجوم الوهابيين لنفس الاغراض في هجماتهم السابقة ولكن السور ووقوف النجفيين بوجههم ومحاولتهم نقل خزائن الامام الى بغداد ساعتذاك وبرغم وجود السور كانت النجف تحاصر من قبل الوهابيين كل مرة بهدف هدم قبر الامام عليه السلام (انظر كتاب ماضي النجف وحاضرها للعلامة المحقق المرحوم الشيخ جعفر باقر ال محبوبة طبعة1958م ص 324-328).

وخلاصة رأينا في الكاتب والكتاب، أننا لا نعرف سبب تحامل الأستاذ عادل رؤوف على مدينة النجف وهجومه بشكل جمعي على أهلها وذلك أن صيغة التعميم السلبية مرفوضة في كل المعايير، فيجوز لي مثلاً أن أقول: أهل بعلبك طيبون، ولكن لا يحق لي القول: أهل بعلبك سيئون.

ما هكذا تورد الإبل يا أبن رؤوف.

ويأتي الدور للشخصية الثالثة العلامة أ. د. جعفر هادي حسن، إذ يستعرض الدكتور المظفر حياته وانجازه العلمي ص 185، فيقول عنه: بأنه عرف الدكتور جعفر منذ 48 عاماً معتمراً العقال والكوفية متمثلاً بزي قبيلته. جاهد ليرتقي مراتب العلم درجة ثم أخرى متسارعاً فيحصل على الليسانس والماجستير في اللغة العربية وآدابها من جامعة بغداد، تم تعيينه في جامعة البصرة ثم سافر الى بريطانيا وبدأ من جديد ليتخصص باللغات السامية ويحصل على البكلوريوس والماجستير والدكتوراه من جامعة مانشستر. نشر العديد من الدراسات والكتب، منها هذه الكتب الثلاثة التي استعرضها الدكتور المظفر وهي:

كتاب فرقة الدونما بين اليهودية والإسلام 1988.

كتاب اليهود الحسيديم

كتاب قضايا وشخصيات يهودية

ويذكر الدكتور جعفر في كتابه الأول فكرة المسيحانية في اليهودية كمدخل للتعرف على فرقة الدونما إذ يدور الكلام حول فكرة المسيح المخلص، رغم أنها لم تذكر في التوراة، فوضع اليهود صفات محددة للمخلص وشروطاً لظهوره، ذلك الظهور الذي سيقودهم منتصرين الى عصر ذهبي.

وأخذ اليهود يعدون أنفسهم لظهوره ولكنه لم يظهر مما جعل بعضهم يضع تبريرات لتأخر ظهوره.وظهر بعض اليهود الذي يدعي كل واحد منهم بأنه المسيح المخلص أو الممهد له (شبتاي صبي) مؤسس فرقة الدونما كان واحداً منهم.

وذكر الدكتور جعفر اليهود الذين ادعوا أنهم المسيح المخلص قبل شبتاي صبي، أولهم ثيودوس عام 44 م وقطع رأسه القائد الروماني، وادعى يهودي آخر في مصر عام 52 م وهزم من قبل الرومان. وظهر شمعون باركوخيا 132م وأختفى أثره فيما بعد. وادعى يهودي في كريت عام 448 م بأنه موسى ودليله شق البحر فأمر أتباعه دخول البحر فدخلوا وغرقوا واختفى النبي. وفي عام 645 ادعى يهودي بظهور السيد المسيح فالقي القبض عليه وصلب.

وادعى يهودي من العراق عام 720م بأنه المسيح وغيّر في أحكام اليهود ولما سأله هشام ابن عبد الملك الأموي عنمدعاه فأجاب بأن دعوته تضليل لليهود. وادعى موسى الدرعي من فارس عام 1127م ثم هرب الى فلسطين. اليهودي اليمني 1172م ادعى انه المخلص ومثل أمام الوالي وقال أن دليله سيرجع في حالة قطع رأسه وقد قطع رأسه ولم يرجع. وظهر ابراهام أبو العفية عام 1291م، وبعده جاء أشكنازي من ألمانيا وآخرون على نفس المنوال.

وقد تطرق الدكتور جعفر هادي الى قائمة طويلة من الأدعياء ومضامين ادعاءتهم وحركاتهم ومواليهم، وشرح تفاصيل واقع اليهود، وحجم البلوى التي عمت عليهم، بحيث أخذوا يصدقون الخرافات ويبحثون عن أي مخلص مهما كان ساذجاً في دعواه.

وبعد هذه المقدمات التوضيحية يقسم المؤلف كتاب الى جزأين:

الجزء الأول: شبتاي صبي مؤسس فرقة الدونمة المولود عام 1626م في أزمير، ويتطرق الباحث فيه الى ولادته ونسبه وأفكاره وتنقلاته وطروحاته وتجمع أتباعه. وإعلانه بأنه المسيح المخلص، ويربط المؤلف واصفاً احتفالات اليهود بظهور المخلص ومدى استعداداتهم للسفر الى فلسطين حيث عم التصديق بشبتاي في تركيا وهمبورغ وامستردام ووبولندا وغيرها حتى لدى يهود سوريا ومصر. وعندما توجه الى اسطنبول خرج الصدر الأعظم لاستقباله مع المستقبلين من أجل القاء القبض عليه ومثوله أمام السلطان العثماني، فتم حبسه في إحدى الجزر وبعدها مثل أمام السلطان الذي قال له سنوجه عليك وابلاً من السهام فإن نجوت فانك المسيح المخلص، عندها انهارت معنويات شبتاي واعترف للسلطان بانه حاخام فقير. وفي النهاية دعاه السلطان للإسلام فأسلم، وسمي محمد أفندي وعين حارساً، ونفر اتباعه عنه بعدما ثبت بأنه دجال وليس المسيح المخلص.

 

الجزء الثاني: فرقة الدونمة، والتي أطلق عليهم الأتراك تسمية الدونمة للدلالة على أتباع شبتاي الذين تظاهروا بالإسلام وبقوا على يهوديتهم سراً.

كتاب الحسيديم:

تناول الدكتور المظفر الكتاب الثاني للدكتور جعفر هادي حسن الحسيديم وهي تعني الإحسان ص 193، وهو اسم لجماعة من اليهود تزعمهم حاخام اسمه، بعل شم طوب (1700 – 1760)، وذلك في القرن الثامن عشر، وهم يهود ارثودوكس، لغتهم (اليدش) وهي خليط ن الألمانية والعبرية. واليوم يشكلون جماعات كبيرة العدد في الولايات المتحدة وإسرائيل وأوربا الشرقية، وهم مؤثرون لكثرة عددهم وامكانياتهم المادية وعلاقتهم بإسرائيل. ويضم كتاب الحسيديم 316 صفحة تناول فيها كل ما يتعلق بهذه الطائفة اليهودية. ويعد هذا الكتاب من الكتب النادرة في اللغة العربية لعدم تناول الباحثين العرب هذا المضمار.

كتاب قضايا وشخصيات يهودية: يضم الكتاب بين دفتيه 335 صفحة. فيبدأ العلامة د. جعفر هادي حسن التعريف بالجماعات والتنظيمات اليهودية مثل الحيريديم (المرتعدون) وفرقة اليهود القرائين، ويهود أثيوبيا (الفلاشا)، واليهود اليسوعيون (المسيحانيون)، والعبرانيون الإسرائيليون، وفرقة اليهود التبشيرية، نطوري فارتا، ومعارضتها للصهيونية وإسرائيل، الحسينديم والسناريم (يشبهون الحركة الصهيونية بالنازية)، والسفارديم والاشكناز داخل إسرائيل، واحتفال اليهود بالسنة العبرية الجديدة، والمهاجرون الروس في إسرائيل. ويفرد المؤلف عنواناً حول المنظمات اليهودية تبحث عن قبائل بني إسرائيل الضائعة لتهجيرها الى إسرائيل. والقسم الأخير من الكتاب ص 211 خصصه المؤلف أربع شخصيات يهودية بارزة وهم:

بندكت سبينوزا، (من رواد الفلسفة العقلانية في القرن السابع عشر)

أوريل داكوستا، ويعتقد (أن يهودية التوراة هي ليست يهودية الحاخاميين).

يوسف ناسي، و(مشروعه في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين في القرن السادس عشر).

يعقوب كلنزكن، (يرى بأن مقومات الأمة اللغة والأرض وليس الأفكار الدينية).

 

وينتقل البروفسور المظفر في نفحاته النجفية الى الشخصية الرابعة، أ. د. جعفر عبد المهدي صاحب (كاتب هذه السطور) وليس من المناسب أن أذكر وصف الدكتور المظفر لشخصيتي وأترك ذلك للذي يقع النفحات بين يديه، وأرى المؤلف قد أكثر في الإطراء وذلك بدافع حبه للعلم والبحث العلمي، فهو مشكور وصاحب فضل ومشكور على الإختيار أولاً والإطراء ثانياً.

فبعد أن سرد سيرتي الذاتية توجه نحو ذكر تخصصي في ميدان البحوث والتأليف في الشأن البلقاني فعدد مؤلفاتي البلقانية تحديداًوهي:

كتاب الصرب الأرثدوكس الطائفة المفترى عليها، طرابلس دار النخلة، 1997.

كتاب مشكلة كوسوفو، طرابلس، دار النخلة، 1998.

كتاب راشكا سنجق، طرابلس، دار النخلة، 2000.

كتاب الرئيس السجين، الزاوية، دار شموع الثقافة، 2003.

كتاب تفجير بؤر الصراع في البلقان،الزاوية، دار شموع الثقافة، 2003.

كتاب معاهدة دايتون، الزاوية، دار شموع الثقافة، 2003.

كتاب ألبان مقدوني، طرابلس، دار النخلة 2005.

وأشار الدكتور المظفر الى الكتب التي هي تحت الطبع، وقد انجزت فيما بعد ورأت النور وهي:

كتاب دايتون وأخلاق العولمة، النجف الأشرف، مكتبة الميزان، 2013.

كتاب كوسوفو فلسطين – نظام الأزمات، للدكتور الصربي دايان ميروفيتش، ترجمة الدكتور جعفر عبد المهدي صاحب، النجف الأشرف، مطبعة الميزان، 2013.

الربيع العربي الملغوم من دايتون حتى الإعتداء على الكعبة، الديوانية، دار نيبور 2014.

وذكر الدكتور المظفر أربعة كتب منهجية وفلسفية صدرت لي أثناء فترة ترأسي لقسم الدراسات الفلسفية والعقائدية بجامعة الزاوية الليبية. بعد ذلك أشار الى أن فخامة رئيس جمهورية صربيا تومسلاف نيكوليتش قد أصدر مرسوماً جمهورياً عام 2013 في منحي وسام الجدارة الفضي تثميناً لنشر الثقافة وخدمة الإنسانية حسبما جاء بالمرسوم في الأسباب الموجبة لإصداره.

ثم استعرض فصول الكتاب الثلاثة:

الفصل الأول: تجليات الربيع العربي.

الفصل الثاني: العرب والبلقان من التجربة نحو التمحيص.

الفصل الثالث: مقاربات العرب – دايتون

استعرض الدكتور محسن المظفر فصول الكتاب بشكل عميق ومفصل وهو بذلك يدل دلالة واضحة على أنه قاريء متعمق ومتمعن ومتقص للحقائق في قراءته، إذ لاحظنا في نهاية قراءته لكل فصل أو عنوان فرعي مبدياً رأيه بحصيلة ما قرأ، هكذا هو العلامة الجليل الدكتور محسن عبد الصاحب المظفر.

على سبيل المثال، جاء في ص 223 من (النفحات) في تقييمه الفصل الأول من (الربيع العربي الملغوم) قوله:

" يتناول الكتاب كثيراً من الأحداث والمواقف السياسية بأسلوب سلس وعرض ممتع، وجاء متضمناً ثبتاً للأعلام الواردة أسمائهم بالكتاب على أساس من التعريف بهم تعريفاً واضحاً كما اعتمد فيه على مصادر قيمة أجنبية وعربية".

أما حصيلته من قراءة الفصل الثاني (العرب والبلقان من التجربة نحو التمحيص) وردت في ص 220 من (النفحات) قائلاً: " ويدرج الباحث استهلالاً جاء فيه اعتباره أزمة البلقان ليست بعيدة عما يحدث في المنطقة العربية، وأن أحداث كلا الجانبين تنتهي الى دفع (الإسلام السياسي) للظهور على المسرح لإقاعه في المصيدة،وذلك لأن زج العامل الديني غربية، فمن جهة يبرّز الغرب الإسلاميين المتطرفين، ومن جهة أخرى يظهر نفسه مدافعاً عن الإسلام والإنسانية حتى تخيل العرب أن حرب البلقان هي حرب دينية ضد المسلمين وعلى وجه الخصوص أحداث البوسنة 1991 وحرب كوسوفو 1999. الأمر الذي يدلل على أن العرب يتحركون وفق ما يمليه عليهم الإعلام الغربي، وأنتقد المؤلف كل البحوث التي وصفت أحداث البلقان بروح من العاطفة الدينية، لأن الباحث هو الأعرف بلغتهم والدارس لمؤلفاتهم، والأكثر معرفة بشؤونهم، والميداني في معرفة الحقائق من أفواه الناس، وقد أورد تفصيلات مستفيضة عن هذا الشأن... إن المؤلف يروي لنا بالأحداث والوصف المسهب لكل الحالات في مسألة يوغسلافيا وتمزيقها، لا يمكن إيراد كل شيء هنا عنها ولذا جاء الكلام بنقاط رئيسة.".

وينتقل الدكتور المظفر لقراءة الفصل الثالث من الكتاب (مفارقات العرب – دايتون) حتى يصل الى حقيقة مفادها " أن المؤلف يكشف على أن نهاية ثورات الربيع العربي كانت مجيء الإسلاميين غير القادرين على بناء نظم سياسية (حسب رأي المؤلف) وأن المصيبة هي استدراج الغرب لوقوع العرب في الفخ المرسوم لهم في الأقطار كافة تلك التي حصل فيها الربيع العربي.

ويشير الدكتور المظفر الى الاستشراف الوارد في الكتاب (دول الخليج على الدور) وينقل النص الوارد ص126 " سوف نرى أن الموجة الأولى من الربيع العربي ستنتهي وتبدأ الموجة الثانية ...إذ سيأتي الدور الى شبه جزيرة العرب يلتهمها الربيع العربي الثاني، فمن مفارقات الدهر تقوم نظم محافظة بمساعدة ورعاية وتبني الثورات في بلدان أخرى!!!".

وينتهي عرض الدكتور المظفر لكتاب (الربيع العربي) بمقطع ص 227 يقول فيه: " إن الكتاب رائع في مفرداته ومتغيراته يظهر قدرة المؤلف على الربط بين هذه المتغيرات التي كانت قد جرت في دول البلقان والتي تحدث اليوم في البلدان العربية والإسلامية، ثم إيضاح ما جرى للأمة العربية في الماضي وما يجري لها اليوم، وموقف أمريكا والناتو من كل ذلك كفاعليين أساسيين بين مجتمعات مصابة بالغفلة. أن المؤلف يربط ويحلل ويقارن في موضوع شائك صعب.

 المبحث الرابع: (ملامح اجتماعية وفنية نجفية)

في كتابه (النفحات) يذكر البروفسور المظفر نجوم ورواد المسرح النجفي، صادق الأنصاري وعلي المطبعي وإحسان التلال ص 231. نقول وأي نجفي عاش خمسينيات القرن الناضي ولا يعرف صادق القندرجي؟ أنه علامة مضيئة لانطلاق فن التمثيل في مدينة النجف. فيقول عنه د. المظفر: " كان القندرجي يؤلف جانباً مهماً من الحياة النجفية وخاصة في الخمسينيات من القرن العشرين، وقد اعتاد على إقامة مسرحه في العراء في الشارع وحتى في الزقاق وفي البيوت. فالحياة النجفية لبساطتها وطبيعة مجتمعها يومذاك كانت تتأثر بهذا النمط من المسرح المشفوع بالقصائد الحسينية والمنولوجات الساخرة الناقدة للوضع الاجتماعي والسياسي، غير أن القندرجي لو عاد اليوم أو لو ظهر مثيل له واتبع طريقته لما أضحك الناس لما هم فيه من حياة صاخبة ومشغوليات حضارية معقدة". وذكر المؤلف شخوص المسرح العاملين مع القندرجي، كاظم البحراني (أبو جوده) والحاج حسن الترجمان ومحمد غلوم وياس خضر القزويني (المطرب النجم ياس خضر) وأحمد برميل.

وتحت عنوان فرعي (المسرح النجفي اليوم) بدأ حديثه مع النجم المسرحي الأستاذ علي المطبعي والهموم التي تواجه مسيرة المسرح في المدينة. والأستاذ المطبعي نجم من نجوم المسرح النجفي وهو من مواليد 1957، تخرج من كلية الفنون الجميلة عام 1980، حصل على جائزة أفضل نص مسرحي عن مسرحية الجدار عام 1992، وجائزة أفضل نص مسرحي 2008 عن مسرحية ماذا حصل ليلة السقوط؟ وعدد المؤلف 22 مسرحية كتبها الأستاذ المطبعي. وعندما سأله المؤلف عن عن المسرحيين المبرزين في النجف اليوم؟ فأجاب أنهم عديدون ولكن أبرزهم هم الفنانون مهدي سميسم وإحسان التلال وناظم زاهي ووأموري حبيب ويوسف الكلابي ومحسن الرماحي وهلال الكعبي وهيثم الربيعي ودخيل العكايشي.

وانتقل المؤلف في تناول سيرة الفنان إحسان التلال (رحمه الله)، فهو نجم من نجوم الفن المسرحي النجفي المبرزين جال في مسارح بغداد منذ بداية التسعينيات وذاع صيته بين الأوساط الشعبية وكان مبتغاه محاربة الدكتاتورية ومناهضة الحرب فوصل مستوى إبداعه الى أنه ينظم القصيدة الطويلة موظفة للمسرح أي أنه يحول القصيدة الى مسرحية وهذا في الشأن المسرحي إبداع لا يضاهيه إبدع. الفنان التلال نجفي المولد والنشأة، ولد عام 1963، والده الأديب الشاعر علي التلال. وكان أ.د. محمد حسين الأعرجي صديق والده، وتوقع له يوم كان صبياً أن يكون أديباً أو فناناً معتبراً. وكان الدكتور الأعرجي غالباً يسمع صاحبه هذه العبارة " انتبه لولدك يا أبا إحسان فأنه اما أن يكون شاعراً أو ممثلاً". وبالفعل أن جدية ونباهة التلال جعلته شاعرا وممثلاً ناجحاً. ونبغ التلال في كتابة النصوص المسرحية الراقية الى درجة تناول نصوصه العديد من طلبة الدراسات العليا في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد وجامعة بابل في أطاريحهم لنيل شهادة الدكتوراه أو الماجستير. وأهم الدراسات التي قدمت عن مسرحيات التلال هي اطروحة الدكتوراه التي قدمتها الطالبة السعودية الأصل لؤلؤة عبد الرحمن لجامعة السوربون عام 2002 والموسومة (أدب خارج العراق وداخله). وعدد المؤلف المسرحيات التي مثلها التلال على مسارح بغداد والنجف.

وتضمن المبحث ايضاً عناوين فرعية تتعلق بالحياة الفنية في النجف،فرقة النجف للثقافة والفنون، المسرح في النجف مكاناً.

 ويعرج المؤلف بالكتابة عن العباءة النجفية وصناعة وشائج الصوف وغزلها وحياكتها يدوياً. بعد ذلك يخصص المؤلف عنوانا للأطعمة النجفية الشهيرة وطرق تحضيرها، ص 276، حلاوة الدهين، والفسنجون، والقيمة النجفية الشهيرة، والآش. ثم ينتقل الدكتور المظفر للكتابة عن در النجف فيعرفه ويعدد أنواعه (الدر اللماع، الدر النفطي، الدر الحسيني، در أبو شعرة) ثم يأتي الحديث عن جمع الدر وجليه ومراحل إعداده وصياغته وحركة بيعه وشرائه، ودر النجف في الشعر.

وتحت عنوان النجفيون والشعائر الحسينية ص 295 يتحدث عن إقامة المآتم ولبس السواد، ووصف لمواكب العزاء، والمشي على الأقدام للزيارة. والنقطة الأخيرة في البحث الرابع فيها يستعرض الدكتور المظفر وظيفة النجف الدينية الإقليمية كاسهامات وضاءة في الحضارة الإنسانية.

 المبحث الخامس والأخير: (شخصيات نجفية)

تناول الدكتور المظفر أربع شخصيات هم السادة حسن القبنجي وجواد شبّر والدكتور حسن عيسى الحكيم وتومان عدوه ص 383.

كتاب (نفحات نجفية) للبروفسور دكتور محسن المظفر، لذيذ ممتع بمادته ومحتواه، شيق في طرحه، علمي في مناقشاته وحججه. يحتاجه كل باحث يرم معرفة النجف كصرح مدني عمراني أو معرفة تاريخها أوطبائع وعادات وتقاليد أهلها وطبيعتهم الاقتصادية والاجتماعية.

هنيئاً لنا بالدكتور المظفر،الرجل المعطاء وصاحب العديد من الانتاجات العلمية الرصينة، والوفي لمدينته التي أنجبته ووفي لعراقنا العزيز.

 

عرض: جعفر عبد المهدي صاحب

أوسلو – مملكة النرويج

 

 

465 شريعة الاسرفي كل مجتمع أو أمّة، هناك حكام وقادة وولاة أمر عقلاء يُشار إليهم بالبنان، ينحون باتجاه صالح المجتمع، يريدون خيره وفلاحه، فيعملون على تأمين حدوده بإقامة علاقات موزونة وطيبة مع دول الجوار، في المقابل هناك متهورون ومتعطشون لكل ما يخالف الطبيعة البشرية يسعون إلى توريط البلد مع الجيران وإشعال الميدان بالحروب لمطامح شخصية أو مطامع وأجندات أجنبية.

فالفريق الأول يعمل بميزان العقل ومصلحة الأمَّة، والثاني يعمل تحت نار الرغبة الجامحة في إشباع الغرائز بعيدًا عن حياة المجتمع وممتلكاته، ويشترك العقلاء مع طلاب الحروب في الرغبة في تسليح البلد، لكن العقلاء يبغون من ذلك تحصين المجتمع وتقوية ثغوره من باب خلق الجهوزية العسكرية لردع أي اعتداء خارجي أو التفكير بالإعتداء، عملا بوصية السماء: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) سورة الأنفال: 60، في حين يعمل طلاب الشهرة والحروب على خلق الجهوزية لدى صنوف العسكر تحيّنا للفرص وشن الحروب، وبالطبع لا يعدم هؤلاء الحيلة في استخدام وسائل الإعلام والضحك على الذقون وإيهام الشعب بأن الحرب هي من صالحه.

وحين يعلو صوت الرغبة والعدوان يخرس صوت العقل ذاتيا، وإن سُمع صوت هنا أو هناك تم ردعه بالنار والحديد تحت مقصلة الخيانة العظمى، ولا يدرك طلاب الدنيا خطورة الحروب على الواقع والمجتمع، وأول ضحايا الحرب هم الجنود الذين يقعون في شباك الأسر، وقد دلّت تجارب الحروب السابقة والحالية، أن الجنود الذين يقاتلون دون رسالة أو هدف، يتحينون الفرص للإنتقال الى الجبهة الثانية من الحرب وتسليم أنفسهم للنجاة بأرواحهم، وهذا ما شاهدناه بأمِّ أعيننا أثناء الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثمان سنوات (1980- 1988م)، وأثناء حرب إخراج القوات العراقية من الكويت سنة 1991م، وأثناء الحرب الأمريكية على العراق عام 2003م، فحكم حزب البعث في بغداد الذي عول على حربه مع إيران في إسقاط تجربة الثورة الإسلامية، أدرك فشله في كل معركة كبرى تنتهي الى عشرات الآلاف من القتلى والأسرى، وأدرك التجربة نفسها مع الكويت والتجربة ذاتها مع أمريكا رغم أنه كان يظن أن القوات الأميركية ستقف على أسوار بغداد لأكثر من ستة أشهر وعندها تنهار قواه وتخور، ولكن الذي شاهده العالم كله من على شاشة التلفاز وبالنقل الحي أن قوات الحرس الجمهوري التي كانت تحرس بغداد انهارت خلال أقل من 48 ساعة من وصول قوات الحلفاء على أطراف العاصمة، لأن الشعب فضلا عن الجيش العراقي أدرك أن هذه المعركة ليست معركة بلد مع قوات غازية وإنما هي معركة صراع إرادات وتطويع لحاكم حاول الخروج عن حلبة اللعبة السياسية المرسومة له.

وفي كل حرب فالأسرى هم في مقدمة الضحايا والخسائر، ولكن كما للحروب قواعد أثناء الإشتباكات تبانت عليها الأمم، فللأسرى قواعد في التعامل معهم تسالمت عليها المجموعات المتقاتلة منذ التاريخ السحيق وحتى يومنا هذا، وابيان الموقف الشرعي من الأسرى، صدر حديثا (2018م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت للفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي كتيب "شريعة الأسرى" في 48 صفحة ضمّ مائة مسألة شرعية مع ثمان عشرة تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري.

الكرامة المهدورة

ما من نهضة فكرية أو عقائدية أو رسالة دينية إلا ويكون الإنسان محورها، لأن بوصلة كل التعاليم الإنسانية والسماوية متجهة نحو الإنسان نفسه، بلحاظ أنَّ الإنسان هو الأصل في هذه المعمورة، وقد جاء الإسلام ليبين حقيقة الموقف من الكائن الحي بقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) سورة الإسراء: 70، فالآية صريحة في التكريم وجلية في التفضيل.

والأسر في الحرب هو النوع الضدي للكرامة الإنسانية، وحيث يفقد الأسير حريته يفتقد التفضيل موقعه، ولا سيما في العهود الجاهلية، حيث كان الأسير يفقد كل خصوصياته وأولها حق الحياة، فيما كانت المرأة والطفل يستعبدان.

ولأن قوانين الحياة التي تتبعها المجتمعات المتناحرة تتراوح بين المنطقية واللا منطقية من وجهة نظر الوحي، فإن السماء التي كرّمت الإنسان تعاملت على مراحل مع العادات والقوانين المتعارضة مع ذات الإنسان وكرامته، رغم أن الإسلام المنتصر على شرك قريش وما حولهم من القرى والمنفتح على الآخر حتى كان الناس يدخلون في دين الله أفواجا، يتيح له أن يفرض تعاليمه بالقوة وبالآن، لكن المرحلية هو القانون الذي ساد، وتشذيب سيئات الماضي هو الحاكم على الأمة، وخضعت مسألة الأسرى لهذا القانون الإسلامي الإنساني، فلم يعد قتل الأسير هو مبلغ مراد حاكم الشرع وإن كان هذا من حقه ضمن سياقات الحرب في تلك الأزمان، لأن الأصل في الإسلام هداية الناس إلى الدين الحق والحكم مجرد وسيلة لا هدف، وبتعبير الفقيه الكرباسي في التمهيد: (إن الأسر وما يليه من العبودية ليس قانونا حضاريا شرّعه الإسلام والتزم به وهو يتنافى مع روح وجوهر الإسلام، ولكن بعد إلقاء النظر بعين باصرة يلاحظ أن الإسلام إنما أقرّه لأنَّه أقل ضررًا .. فالأسر ليس ممدوحا بنفسه في الإسلام وإنما هو أفضل الطرق لمعالجة الأمور لدى إندلاع الحرب).

فلم يأت الإسلام بقوانين الأسر كما هو لم يبدأ بحرب أبدًا، وكل الحروب في عهد الرسول(ص) التي نافت على الثمانين حربًا إنما هي لصد العدوان، ولم تكن هناك مجازر ومذابح، وفتح مكة شاهد بارز على ذلك، من هنا فإن أرقام شهداء المسلمين وقتلى المشركين والكفار في كل الحروب الأولى لم تتعد في أكثر الفروض الأربعمائة بعد الألف من الضحايا، أي في كل حرب نحو 18 شهيدا وقتيلا، وهو رقم ضئيل للغاية إذا ما قورنت بالحروب الأخرى التي سبقت العهد الإسلامي الأول والتي تلت، وهذه الأرقام تعكس حقيقة الموقف الإسلامي الذي جسده المعصوم بقوله: (أريد حياته ويريد قتلي).

فالأسر لم يكن هو خيار الإسلام كما لم يكن القتل خياره إذا فرضت عليه الحرب، ولكن لما كان هو الرائج، فإنه الإسلام أعمل خياراته الإنسانية، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (فجاء الإسلام دين الرحمة فاختار أفضلها وأقلها شدة، ثم هذّبها وأطّرها بأطر حضارية لمعالة الأمر ثم دعا إلى القضاء عليها بوسائل مختلفة) وفيما مضى كان (السارق إذا لم يثبت عليه الجرم استُرق .. وفي الجاهلية كان الغريم يؤخذ في قبال دَيْنِه ويأسره ويستعبده الدائن) وهذا ما تم حظره، إذ: (جاء الإسلام ليحرّم كل أشكال هذا النوع من الأسر ومن ثم  العبودية، وقد أقرّ الإسلام نوعا واحدًا منها، ألا وهو الأسر الذي يتم من خلال القتال والذي لا زال مستمرًا إلى يومنا هذا).

وإذا ما وقع الجندي في الأسر، كان فيما مضى أمام خيارات: القتل أو العفو أو الفداء أو السجن أو  الإستخدام، ويرى الفقيه الكرباسي أنَّ تفعيل خيار الإستخدام وتشغيله، هو ما يمكن استخلاصه من ممارسات عهد الرسول(ص)، ويؤيد هذا المنحى ما فعله الرسول(ص) مع أسرى بدر من المشركين، فعن عبد الله بن عباس الهاشمي المتوفى سنة 68هـ، (كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله (ص) فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة).

وفي تحليله لمسألة الإستخدام، يرى الشيخ الكرباسي أن ذلك يعود بفوائد عدة للأسير والسلطة، فمن جانب: لا يكلف الأسيرة الدولة ماديا وأمنيا كما الحال لو تم حبسه أو نفيه أو فرض الإقامة عليه، كما لا تزهق روح الأسير، ولا تعطل قدراته وخبراته وما يمتلكه من مواهب وكفاءات، ويُستمال الى العقيد الإسلامية بالحكمة والموعظة الحسنة، فضلا عن العائد المادي عند الإستخدام.

وبالطبع هذه الرؤية الحضارية التي تجعل الأسير حاضرًا في الحياة اليومية لا تنسجم مع قوانين الأسر المتعارف عليها اليوم، ولا يعني أنَّ الحكومات تتقيد بما تعاهدت عليه من قوانين دولية، وقد تعرض الأسير في حروب القرون والعقود الأخير الى التجويع والتعطيش ناهيك عن تعذيبه وقتله، كما حصل في حروب البلقان في نهاية القرن العشرين الميلادي.

حقوق مدنية قائمة

هناك تلازم بين الواجبات والحقوق، فمقابل كل حق واجب وبالعكس، ولكن هل يسقط هذا الحق إذا وقع الجندي في الأسر؟

تختلف الإجابة من بلد لآخر ومن زمن لآخر، ورغم تطور القوانين الدولية المتعلقة بالأسرى نتيجة مخاضات الحروب المحلية والإقليمية والعالمية، فإن التباين لا زال قائما مع احتفاظ القوانين بفاعليتها أو هكذا ينبغي أن تكون، ولهذا تجد بعض البلدان تستعبد الأسير وبعضها تعامله بالحسنى وبعضها تزيد على ذلك.

وبغض النظر عن التعاطي الإيجابي او السلبي مع قوانين الأسرى الدولية، فإن الحقوق لا تلغى، وفي النظام الإسلامي كما يشير الشيخ الكرباسي: (مصرف الأسير على بيت المال)، ولا علاقة للمزايا الشخصية بهذه الصرف، وكما يؤكد الفقيه الغديري في تعليقته: (سواء كان غنيًا أو فقيرًا، بدويا أو مدنيا، مقاتلا أو مساعدًا، وطنيا أو أجنبيًا، رجلا او امرأةً).

ومما للأسير: (لا يحق أنْ يُسجن الأسير إلا في حالات خاصة وبأمر خاص من الحاكم، بل ويصبح في عيلولة مالكه وهو مطلق سراحه)، ومن واجب المسؤول عليه: (أن يطعمه ويسكنه ويلبسه بما يليق، وتطبيبه أيضا)، وهذه من سنن الإسلام وهي سيرة النبي (ص) وأهل بيته (ع) الذين وصفهم القرآن: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) سورة الإنسان: 8، ومن الحقوق: (لا يجوز تكبيل الأسير وشدّ يديه ورجليه بالسلاسل) وخاصة بعد سحبه من ساحة المعركة ووضعه في مكان آمن، بل من الحقوق: (يجب إسكان الأسير ما يقيه الحرّ والبرد وإطعامه وسقيه وإكسائه وعلاجه والترحم عليه).

وللشأنية قبل الأسر مكانها في نظام الأسر، ولذا: (تلاحظ مكانته قبل الأسر، فلا يُتعامل مع أبناء الملوك ونسائهم معاملة غير لائقة)، وبتعبير الفقيه الغديري في تعليقته: (بل ولا يبعد القول بوجوب ذلك بمكان حرمة الإنسان وحفظ حقوقه الوجودية في الدين الإسلامي الحنيف)، وفي الأثر أن رسول الله (ص) أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يُقدِّمونهم على أنفسهم عند الغذاء، وكان صلوات الله عليه ينادي في جموع المسلمين: (استوصوا بالأسارى خيرًا).

ومن المفارقات ونحن في القرن الواحد والعشرين الميلادي، أنَّ جيوش بعض الدول كانت ولا زالت تجوب العالم لشن الحروب وخلق الأزمات والفتن واستعباد البلدان وهي تحمل يافطة الحرية والديمقراطية، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (وكان الغربيون يجوبون سواحل القارة الأفريقية ويصطادون الأفارقة وبيبعونهم في الدول الغربية ويبيعونهم ويتاجرون بأثمانهم وبذلك بنوا اقتصادهم وثروتهم)، وفي الوقت الحاضر أصبح استعباد البلدان اقتصاديا والسيطرة على ثرواتها ومحاصرتها عبر تحريك القطعات البحرية العسكرية او التهديد بشن حرب، هو الصورة الأوضح من صور أسر المجتمعات بكاملها والتحكم بلقمة عيشها وفرض سلاح المقاطعة الإقتصادية على هذا البلد أو ذاك.

محظورات وممنوعات

في الواقع أن الأسير قبل أن يأخذ صفة الأسر كان مقاتلا، ومثله النساء والأطفال كما عليه الأمر في العهود السابقة، والنساء والأطفال قبل نشوب الحرب وخلالها كانوا رعايا وبعد الأسر يأخذون صفة السبايا، وهم لهم حقوقهم كما للأسير، وبتعبير مصطلح الفقهاء كما يثبت الكرباسي: (كل مَن قُبض عليه في دار الحرب سواء كانوا مقاتلين بالمباشرة أو من ذويهم، وبذلك يكون نساء وأطفال المحارب من الأسرى، واصطلحوا على تسمية النساء والأطفال بالسبايا، والأسر شُرِّع في الإسلام كأحد الخيارات الفضلى المطروحة).

وحينما تكون للأسير حقوق، وتتفاوت أدوات التعامل معه يظهر حينها من يحترم ومن لا يحترم، وفي الوضع الطبيعي، فإن المواطن يخضع لمزايدة الحاكم والمسؤول فيعدل هذا ويظلم ذاك، فكيف والحال مع من يفقد أهلية المواطنة، فالظلم يقع عليه لا محال، ولهذا كما وضع الإسلام ضوابط للأسير وحقوقه، نبه الى المحرمات والخطوط الحمر، ومن ذلك: (يحرم حرق الأسير مهما كان دوره في الحرب والقتال)، و(يُحرم المُثلة بالأسير حتى وإن كان محكومًا بالقتل).

ولا يخفى أنَّ عددًا غير قليل من مسائل الحرب والأسر التي يناقشها الفقهاء لها علاقة مباشرة بحرب المسلمين مع المشركين والكفار، لأن مفهوم الأسر والسبايا يتحقق مع المشركين، واما الحروب بين فئات المسلمين أو بين دولتين مسلمتين فإن عناوين الأسر والسبي تختلف كليا، فليس هناك أسرى أو سبايا بالمفهوم الشرعي، وهذا ما كان عليه نهج الإمام علي(ع) في حروبه مع الناكثين والقاسطين والمارقين، وإن كانوا قد بغوا على إمام زمانهم وولي أمرهم، وأما في الوقت الحاضر فإن أسرى الحروب يخضعون لقوانين تبنتها الدول، ومثلما جاء في مقدمة الناشر: (شهد القرن العشرون الميلادي إبرام عدة اتفاقات دولية بيّنت أهم ملامح معاملتهم، وكيفية معالجة أوضاعهم، مثل اتفاقية جنيف لعام 1929م، وقد اختتم القانون الدولي بتطوره في شأن معالجة أوضاع أسرى الحرب بالإتفاقية الثالثة من اتفاقيات جنيف المنعقدة سنة 1949م، ثم جاء البروتوكول الإضافي الأول سنة 1977م، وبموجب هذه النصوص القانونية يتمتع أسرى الحرب بحماية كبيرة)، وإذا ما احتلت دولة بلدًا آخر، فإن حماية البلد وشعبه وممتلكاته من مسؤولية الدولة المحتلة، كما نصت عليها بنود الأمم المتحدة.

إن هذه الكراس الذي يمثل الكتيب رقم 63 الصادر حتى الآن، من مجموع ألف عنوان تم تنضيد اكثر من 700 منها، هو جهد فقهي ومعرفي (يستحق الشكر والتقدير، وفيه جانب استفادة علمية واسعة) كما يؤكد الفقيه الغديري عند تقديمه له، وهو باب يرجو طارقه أن تستفيد منه البشرية على طريق إشاعة السلام والحرية تحت ظلال القانون واحترامه.

 

د. نضير الخزرجي - الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

454 شوقي مسلمانيلا، الشاعر والمفكّر الزميل شوقي مسلماني لا يخطىء لغوياً، فهو مرجع في الأدبيّات وقواعدها، ولذا توقّفت طويلاً أمام كتابه الجديد "عندما ينظر الله في المرآة" وتساءلت: هل الله ينظر في المرآة ليرى نفسه؟. تساؤلي انطلق من أمرين: الأوّل هو حبي لله وإيماني بأنّ الكون ابتدعه خالق يدعى الله وليس الاحتكاك الذرّي، والثاني أنّ الجمال هو إله الحبّ، وأحبّه أيضاً حتى ثمالة العشق، وإذا بشوقي الذكي، المبدع، يجمعني والقرّاء بالله والمرآة، أي نحن الذين خُلِقنا على صورته ومثاله، ولكي أتأكد من صوابيّة شوقي بأنّ الله ينظر فينا نحن المرآة لخلقه، فقد ولجتُ إلى مضامين الكتاب، وهي مختارات من الشِعر الأسترالي ترجمة الكاتب "البوهيميّ" شوقي، ومنها الى إنسانيّتي وإنسانيّتك، الى زهرتي وزهرتك، الى واقعي وواقعك والى حالتي وحالتك. وكي لا يُفسّر توصيفي بالبوهيميّة أنّه انزلاق، فإني أعتبر المؤلّف مسلماني من أهمّ من حمل قلماً في الأوقيانوس الأوسترالي، جامعاً بين ملامح الشرق ورقيّ الغرب، محدّثاً يحاكي ماضيه ورومانسياته، وجدليّاً يشاكس ويقارع ويحترم منطقيّة العالم الجديد. شوقي أمير الشعراء قال: "قم للمعلّم وفّه التبجيل"، أمّا شوقي مسلماني فيقول: قم للشِّعر وفّه التبجيل. أمّا نحن فقد قمنا وقرأنا في كتبه التي صدرت له منذ العام 1991، وفي كتاباته التي ساهمت "النهار" في تزيين صفحاتها بها منذ عقود من الزمن، فلعقنا معه جراحاً، ومزمزنا جمالاً، وانتقدنا أخطاءً، ورفضنا عنصريّة، ورسمنا بريشة الكلام موقفاً. وفي النهاية وقفنا لهذا الشاعر والأديب، ورفعنا قبّعتنا احتراماً. كيف أنسى أنّ شوقي المتعصرن شعراً وآفاقاً في الآداب، ظلّ "رجعياً" رفيعاً في علاقته مع الجذور من خلال مزامير "ضيعجيّة" نشرها في كتابه عن مسقط رأسه بلدته وحبيبته "كونين" التي يمكنها، كما نحن، أن ترفع رأسها به. أن نقرأ الشعر الانكليزي بالعربية فهذا فتح ليس بجديد، ولكنّ الجديد فيه هو الأسلوب الذي يخصّ شوقي ترجمةً بالأبعاد أكثر من النصوص، ما أعطاه رونقاً بالإبتعاد عن الكلاسيكيّة المملّة وتضمينه الروحانية "الريتمية" الشرقيّة أي الإيقاع. وفي "الوجود الوجود الوجود" مثلاً، يقفز شوقي فوق رتابة المناسبة، فنشعر معه بمجّة سيكارته وكأنّها عبير ليس فيه أفيون، ونحتسي كأس نبيذه فنشعر أنّ رحيقه ليس كحولاً ولكنّه أشبه بالأحاسيس التي تطال أمبراطوريّات تبحث عن مصالحها. قد أكون مُحرَجاً بالكتابة عن شوقي بفعل الصداقة المزمنة، العتيقة والمتجدّدة دوماً بالكلمة. لكنّي أعترف بصراحة أنّي حين أقرأ شوقي أضع علاقتي الشخصيّة به في ثلاّجة، لأعود الى مفكّرتي، أبحث عن كلمة موضوعيّة، مجرّدة و"نيوتريّه" أي مستقلّة، لأكتب فيها عن هذا الشاعر العصامي الذي أوجد لنفسه مكانة في الشعر، وهو حلم يحاول البعض ترجمته الى واقع، ويعتقدون أنّهم حقّقوه، في حين أنّهم يفشلون حيث هو نجح. من هنا أعود الى العنوان والأبعاد، وأستندُ الى قصيدة "إشارات" لأدرك فوراً أنّ إله شوقي ليس هو إله آخرين، إلهه ينظر الى المرآة بشِعر، أي بجماليّات وأبعاد، بفراغ ملأه أحلاماً، بشمس لا تعرف الغياب، بعصور تستعيد ذاتها في إبداعاتها، بأعياد لا تلبس ثياباً سوداء بل مرقّطة كضحكة طفل، وبكتّاب لا يمتهنون الكتابة لأنّها موهبة، وجماليّات تمكّن شوقي مسلماني من امتطاء خيلها، فأتى بمولوده الجديد فارساً نحبّه من خلال الصفحات الـ 193 التي حملت توقيعه ونتاجه وإعجابنا.

 

كتب أنور حرب

 

457 الإيزيديةالأيزيدية هي الجماعات التي تؤمن بـ(أيزي) و(طاووس ملك) و(ئيزي) هي الأرواح المجردة والطاهرة المسؤولة عن الكون وإدارتها .

الإيزيدية ديانة ترجع للألف الثالث قبل الميلاد وهم من بقايا أقدم المعتقدات السومرية - البابلية القديمة، وهي ليست تبشيرية.

هنالك ثلاثة آلهة وهم يعتبرون الأركان الأساسية في هذا الدين وهم: شيخ شماس (طاووس ملك) وهو ممثل الإله على الأرض ويشكل شكل الشمس حينما يفرش الطاووس ريشه. ويعتقد بأنه إمتداد لإله الشمس (أوتو) بالسومرية و(شماس) بالبابلية. الشيخ سن وهو اله القمر ويعتقد بانه إمتداد لإله القمر (نانا) بالسومرية و(سين) بالبابلية. والشيخ آدي.

تعتبر الإيزيدية أقدم من الزرادشتية وليست إمتداد لها على الرغم من وجود عادات وتقاليد متشابهة.

وأن الإيزيدية تعتمد على التراث الديني الشفاهي (علم الصدر) في ممارساتها الدينية.

الهوية الإيزيدية هي عبارة عن منظومة كاملة تبدأ من الأسماء التي يحملها/تحملها الرجال والنساء ماراً بالعادات والتقاليد الاجتماعية والمراسيم والطقووس الدينية والمحرمات والقصص والأساطير وعلم الصدر ونوع الملابس وطرازها وكيفية تعامل الرجال مع شعر الرأس والوجه والمعتقدات حول الكون والخليقة والملائكة والبشر والطوفان وأهم التقاليد الإجتماعية_الدينية ألا وهو "الطبقات الدينية" ومسألة الزواج الداخلي، كل ذلك يشكل الهوية الأيزيدية.

فكرة طاووس ملك..

لقد لاقى الأيزيديون حملات إبادة مستمرة من فرق متطرفة نتيجة إعتقادها بأن الأيزيديين عبدة شيطان ولكن حقيقة الأمر أن نظرة الأيزيدية للشيطان هي نظرة مختلفة تماماً عن باقي الديانات فلا وجود للشيطان في معتقد الأيزيدية وإن فكرة الخير والشر مصدرها واحد وهو الإله. أما الفرق الدينية الأخرى فتعتقد بوجود مصدر للشر يتمثل في الشيطان، الحية، عنكَار.

- في التوراة فأن الحية هي التي أغرت آدم وحواء لأن يأكلا من تلك الشجرة ويقر الكتاب بأن الحية هي الأكثر حيلة بين الحيوانات البرية التي خلقها الرب، وإن الرب لم يعاقب الحية على فعلتها بإدخالها الى النار بل تذكر النصوص بأن الرب قال للحية: ملعونة أنت وتمشين كل حياتك على بطنك ومن التراب تأكلين. ولكن الحية في المعتقدات الإيزيدية هي تمثيل للخير إذ تذكر القصص الإيزيدية بأن الحية هي التي أنقذت نوح من الغرق عندما وضعت ذيلها في ثقب حدث للسفينة.لذلك يقدس الأيزيديون الحية وهي منقوشة في مراقدهم المقدسة وخاصة على الباب الرئيسي لمرقد (الشيخ آدي) في جبل لالش. وتقول الإيزيدية بوجودصورتين على باب الجنة إحداهما لطير الطاووس والأخرى للحية.

- في الإسلام فإن إبليس/الشيطان هو الذي أغوى آدم وحواء للأكل من الشجرة. أما رؤية الإيزيدية في هذا الخصوص فهم يتحدثون عن الملاك عزازيل الذي رفض أن يسجد لغير الله فقال الله لماذا لم تسجد فأجابه عزازيل لأنك أمرتنا أن لا نسجد لغيرك وانا من نور وآدم من تراب فكيف يسجد النور للتراب ؟ لذلك عرف الله انه اذكى الملائكة ولم ينسى مشيئته فكافئه بجعله رئيساً للملائكة (طاووس ملك). وهذه الفكرة موجودة لدى بعض الجماعات الإسلامية مثل بعض المتصوفيين الإسلاميين الغزالي، الكيلاني، الإمام المقدسي، الحلاج والمفكر صادق جلال العظم.

ولا ينطق الإيزيديون بكلمة الشيطان ويعتبر ذلك في عرفهم كفر ومسبة لملاكهم بل خروج عن الدين.

ويعتبر المسلمون من أكثر الجماعات تطرفاً تجاه الإيزيدية وتجاه ملاكهم طاووس ملك.

- أما عنكار فهو اله الشر عند الزرادشتية (انكارمانيو) .

 

هيام علي

....................

المصدر: كتاب الدين الإيزيدي للمؤلف خليل جندي، تقديم سعد سلوم