كاظم الموسويعنوان اصبح متداولا ومعروفا بعد غموض وضبابية في الاسم والمضمون، او في الشرح والترجمة والأهداف. ولهذا اثار أسئلة وطرح نقاشا للوصول إلى الأهمية منه أو الجدوى فيه. ورغم كل هذا الجدل هناك اعتراف واضح بأهمية كبيرة لمهمات هذا العنوان Think tanks ودوره في رسم السياسات العامة أو المحددة وطرح افكار جديدة أو تداولها، وبروز تأثير واسع له في مخططات الحكومات والمؤسسات المتنفذة فيها والرأي العام. لعل الاهم فيه هو رسم صورة للحاضر والمستقبل، وتسهيل عملية التخطيط والتطوير أو البحث في سيناريوات العمل والاستهداف. فأصبح العنوان مؤسسات مؤثرة ومراكز بحث ومخازن افكار وسياسات وبرامج عملية واستراتيجية وترسم حياة شعوب ومصير بلدان. وبهذا المعنى استغل العنوان العام حسب أهداف أو مصالح الجهات التي تبنته. أو اشتغلت عليه. فمنها من قدم خدمات حقيقية للتطور والتقدم ومنها بالتأكيد تحول إلى كوارث وويلات على الشعوب والأمم.

في كتابهما المترجم الى العربية من الفرنسية بعنوان، مراكز الفكر، أدمغة حرب الافكار، كتب المؤلفان الفرنسيان ستيفن بوشيه ومارتين رونو، (وترجمه د ماجد كنج، ط1بيروت 2009) عن هذه المشاكل والإشكالات والقضايا وغيرها مما يشرح أو يفسر دورها ونشاطها وفعاليتها. ومن عناوين فصول الكتاب يمكن قراءة محتوياته. حيث يبتدا من الحرب الوقائية الى مجموعة ضغط الافكار، واعتبار الافكار- لاعبا جديدا في الديمقراطية الحديثة، ومراكز الفكر تولد على أنقاض الأزمات، واوروبا غير مجهزة لحرب الافكار، وفرنسا- افكار ولكن القليل من التاثير، ويختم بتصور المستقبل وخلاصة.

هذه المراكز لها تاريخها، ففي بريطانيا تاسست منذ نهاية القرن التاسع عشر، وفي أمريكا منذ بداية القرن الماضي، بينما في فرنسا واوروبا منذ عقدين أو ثلاثة من السنوات، مما يعطي لكل مكان وزمان أثره وفعله في التعريف في أهمية ما قامت به المراكز أو المخازن الفكرية. وقد حصل ما حصل منها فيما يتعلق بالدور السياسي لها، لاسيما في الولايات المتحدة الامريكية، التي لعبت دورا كبيرا في الحروب التي خاضتها قواتها. وعرفت أجهزة ومؤسسات لها مصالح وتأثير كيفية الاستفادة من نتائج هذه المراكز والمخازن. حيث كتب المؤلفان عن نشاط المراكز فيها، لاسيما في شن الحرب على العراق تحت حجة أسلحة الدمار الشامل، في الإعداد والتخطيط والاستهداف واقناع الرأي العام بما تبنت القيادات العسكرية والسياسية من قرارات وإجراءات. وذكر المؤلفان مثالا: "مشروع للقرن الامريكي الجديد"، PNAC الذي وضعه حفنة من المحافظين الجدد، المدعومين من مؤسسات من قطاع السلاح، كلوكهيد ومارتين، في شن الحرب على العراق، كحرب وقائية ضد دولة مارقة حسب تعريفهم لها. وقدم هذا المركز بعد عام من تاسيسه، اي في عام 1998 رسالة إلى الرئيس الأمريكي بيل كلنتون وضع فيها مخطط السيطرة ألامريكية على العالم، وتغيير الأمم المتحدة، واسقاط الأنظمة التي تراها مارقة.

وكان اثنان من بين منظمي المؤسسة هذه قد وضعا مخططا سابقا عام 1992 وقدماه الى وزير الحرب الأمريكي ديك تشيني، عن سياسة امريكا بعد انتهاء الحرب الباردة، استند تصورهما على المبادءة بالرد العسكري ضد كل قوة اخرى، أو منافس اخر، وتبؤ امريكا نحو السيطرة على العالم. وقفزت المجموعة هذه من المحافظين الجدد لقيادة مشاريع وافكار الإدارة الأمريكية للرئيس الجمهوري بوش الابن، الذي تبنى مخططاتها. وتوزع أركانها مواقع القيادة في رسم خارطة العالم السياسية والحربية والاقتصادية، من أمثال بول وولفتز، وجون بولتون وريتشارد بيرل ولويس ليبي ودوغلاس فيث وزلماي خليلزاد واضرابهم. وكانت هذه المجموعة نموذجا لإدارة المراكز والسلطات والسياسات والمخططات والعلاقات الدولية. وفي ما قاموا به رسم صورة لمراكز الفكر وعملها التنفيذي وخطورة الترابط بينها والحكومات أو أصحاب القرار السياسي والعسكري خصوصا. وحولوا هذه المراكز الى منتج أطروحات الرئيس الأمريكي في تهديد العالم وقواه حسب المصالح الأمريكية واعتبار الكرة الأرضية مساحة مباحة للولايات المتحدة الأمريكية. واعتماد نظرية باسم بوش الابن في الفوضى الخلاقة وانتقاء ما يناسبها من القانون الدولي وقواعد الحرب واحتقار للأمم المتحدة أو المصالح الأخرى للدول والشعوب. وتوزع المحافظون الجدد ايضا على تأسيس أو السيطرة على مراكز فكر، المشروع الأمريكي أو التراث وغيرها، وتوافقها في حدود ما حول غزو العراق وتدمير المنطقة، واصطفاف البنتاغون والرئيس بوش معهم في تنفيذ سياساتهم ومخططاتهم التي تزعم خدمة المصلحة الأمريكية. وفرزوا مراكزهم ومواقعهم فيها بصفتها اليمينية المحافظة الجديدة وتمكنوا من التغلب عمليا على غيرها من المراكز الليبرالية أو المستقلة بشكل ما. وأبرزت تلك الفترة خصوصا اثر الإتجاه والتيار الأغلب في المشهد السياسي والتواطؤ بينها وبين أصحاب القرار والمال والسلاح. كما بينت الخطورة الفعلية والتأثير الكبير لها ونموذجها الذي تميز بما به عن اقرانها في البلدان أو القارات الأخرى..

رغم تعدد المراكز والاتجاهات اعتمدت أغلبها في إعلاء دورها على تركيز القوة والإختيار والتدريب وتهيئة الكادر والعقل والخبرة والتمويل ووسائل الاعلام وابراز المصلحة الأمريكية على غيرها حتى في تجاوز ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. ومع أن القوى الليبرالية الأمريكية حاولت هي الأخرى أن تستثمر في مراكز الفكر وفي توظيفها ايضا وتمويلها بسخاء كما فعل جورج سوروس واضرابه الا أنها ظلت موازية أو متابعة أو مختصة في شؤون جانبية، كالأقليات أو التعليم وما شابه.

وباختصار كما انهى المؤلفان هذا السياق عن دور المراكز كمحرك لحرب الأفكار، كتبا بأنها برهنت كمراكز أفكار أن تأثيرها يمكن أن يكون مهما. وحالة الPNAC تظهر قدرة حفنة من "المفكرين" الملتزمين على تحديد الأجندة السياسية وتوفيق مفاهيم ورؤى العالم التي ستضع بنى العمل السياسي وتوسع عناصر النقاش السياسي العام، كما تطرحه مؤسسة كاتو الى درجة تغيير مصير بلد أو عدة بلدان (ص 53) ليخلص المؤلفان هنا إلى أن مراكز الفكر هي رهان أساسي للديمقراطية الحديثة!.

 

كاظم الموسوي

 

453 حنا بطاطوتُعد المسألة الزراعية في العراق من القضايا الرئيسة التي إهتمت بها الدراسات، ودار حولها النقاش بين ممثلي مختلف الطبقات والفئات الإجتماعية والسياسية، طيلة عقود من الزمن في تاريخ العراق الحديث، منذ تأسيس الدولة العراقية أوائل القرن العشرين، ونالت المسألة موقعاً إستثنائيا لما لها من أثر بالغ في مستقبل التحولات لتغييرات في التركيب الإجتماعي في الريف العراقي، وكانت ملكية الأرض والعلاقات الزراعية محوراً جوهرياً في النقاش، ولسنا نشك بأنه مازال قائماً ومستمراً .

وفق هذا السياق جاءت إطروحة حنا بطاطو (الشيخ والفلاح في العراق 1917- 1958) التي قدّمها لجامعة هارفرد الأمريكية لنيل شهادة الدكتوراه عام 1960، والتي صدرت مؤخراً في كتاب عن دار سطور البغدادية، بترجمة د. صادق عبد علي طريخم، وتقديم د.سلمان الهلالي .

إن القضية الجوهرية في البحث تتمثل في تتبع قضية حيازة الأرض في العراق، ودراسة الأسباب والقوانين التي حافظت على مصالح الأقطاعيين، وأصحاب النفوذ من الشيوخ في إقطاعيات واسعة جدا، فضلاً عن تثبيت سلطة الشيخ وما أعقبها من تطورات سياسية وإجتماعية وإقتصادية، وإعتُمد هذا المفهوم كقاعدة أساسية، عند الإشارة إلى العوامل التي أسهمت في تطور بنية إقطاعيات (الشيخ ) شبه الأقطاعية ومنها العامل الخارجي المتمثل بسياسة حكومة الإحتلال البريطاني منذ عام 1914، والتي تستمد قوتها من وجود مراكز قوى متعددة، ومحافظتها على توازن مناسب بينها . بإختصار شديد يمكن القول ان موضوعة الأرض (الملكية الخاصة)، هي أساس سلطة الشيخ، وهي مفتاح سلوكه السياسي والإجتماعي، ووظفت حيازة الأرض بأبشع ما يمكن من وسائل مادية للإبقاء على الواقع المتخلف .

حسناً فعل المترجم حين رفد المكتبة العربية بدراسة مضى عليها أكثر من خمسة عقود من الزمن، مركونة في مكتبات جامعة هارفرد، لم تتيسر للقارىء العربي قراءتها بلغته، سيما وان المنجز المهم لبطاطو (تاريخ الطبقات الإجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق) ماثل أمامنا بعلميته وموضوعيته الفائقتين، وبذل المترجم جهداً كبيراً في الشرح والتوضيح والتحقيق، معتمداً مصادر عديدة في ملء فجوات كثيرة تخللت الدراسة .ومعالجة بعض الإخفاقات فيها، وتقودنا هذه الملاحظة الى التنويه إليها، والتوقف عند بعض الإشكالات التي واجهت المؤلف والمترجم معاً .

إن أولى الإشكالات، تلك التي تتمثل في العنوان (الشيخ والفلاح في العراق)، الذي يوحي ضمناً، ان الدراسة ستعنى بعلاقة الشيخ والأرض في عموم العراق، وبإطاره الجيو- سياسي الذي تشكل بعد قيام الدولة العراقية أوائل القرن العشرين، إلا أن الإطروحة خلت من تقصي المسألة الزراعية في (شمال العراق)، سوى ملاحظات قصيرة وسريعة عن شيوخ الأراضي الجبلية، وإكتفى الباحث بالإشارة إلى بعض الأسماء التي أسهمت في المشهد السياسي لتاريخ العراق الحديث، كـ (محمود البرزنجي، وأحمد أغا البارزاني – ص 54)، فهذان الشيخان يمسكان بالقيادة السياسية والدينية لقبيلتيهما (ص35)، وركزت الدراسة على وسط وجنوب العراق، أو ما يعرف بمنطقة السهل الرسوبي، والأراضي الي تسقى سيحاً .

كما أن إختيار مفردة (الشيخ)، بما تحمل من رمزية، فإن لها أكثر من دلالة في البحث والمعنى، فإعتمد بطاطو المتداول في اللغة العامية، في إحالة منه لطبقة ملاكي الأرض من إقطاعيين، ورؤساء عشائر، وموالين للإنكليز، وللسلطة الملكية الجديدة .لذا نعتقد ان عنوان الإطروحة باللغة الإنكليزية، كان ضروريا أن يثبت في غلاف الكتاب الأخير، لنتجنب التأويل والوقوع في لبس تفسير المفهوم، وهو تقليد دأبت عليه البحوث الأكاديمية، وشرط تلتزم به الترجمات لإستشعارها بأهميته الحيوية .

وحصل كذلك مع تسمية الأراضي الأميرية بـ (الميرية)، المعروفة بالأراضي المملوكة للدولة، وأحسب ان هذه الملاحظة لاتفوت المترجم، في إستعمالها الصحيح الوارد في النص، رغم ما بذله من جهد متفحص في شرح العديد من المصطلحات، وتجدر الإشارة الى ان قانون تسوية الأراضي رقم 50 لسنة 1932، وما تلاه من قوانين، كانت خاتمة المطاف لنهب أراضي الدولة والفلاحين والمالكين ومتوسطيهم، ومنح هذا النهب الصفة القانونية الثابتة، بتنظيم سندات وسجلات الطابو على أساسه، بمعنى آخر هو تفويض الأراضي لمن تجاوز عليها بلا بدل، وبمساحات غير محدودة، وإنتزاع الأراضي المفوضة من المالكين الآخرين والزرّاع الفعليين، ومنحها لرؤساء العشائر .

كان يمكن للمترجم ان يقدم النص كما كتبه بطاطو دون تعليق أو شرح، إلا انه تلمس الطريق الصعب في الترجمة، فإنغمس فيها وإستعان بالمصادرللنفاذ إلى جوهر الدراسة، وتنفس إجوائها، وتأمل أبعادها، محاولاً الإضاءة والإستبصار، إلا ان محاولته تلك قادته الى التدخل في التوضيح والإضافة والتعديل،أو الإجتهاد بلسان الكاتب، وأحياناً يذهب إلى التأويل، كما ورد في (ص 181-182)، إذ يقول في هامش(2) : يريد حنا بطاطو أن يبين ان المهاجرين إلى بغداد لم يحصل عندهم ذلك التعاطف مع أتباع الحركة الوطنية والثورية ضد العهد الملكي بسبب الموروث السلبي الذي يحملونه ضد المدينة، والتي إرتبطت بذاكرتهم بالإبتزاز والسرقة والربا والإحتقار وغيرها . فتبدو المقاربة ضعيفة جداً بين ما توصل اليه بطاطو، وبين ما ذهب اليه المترجم هنا .لاحظ الفعل (يريد) !!!ولنا في هذا اللون من الترجمة أصول وتقاليد تستحق الصيانة والإثراء المستمر .

ولئن كان بمستطاع الدراسة أن تلتقط الصلات بين الشيخ والفلاح، ومحاولة الباحث النزوع الى التجديد في البحث بمناخه الخمسيني، غير انه تجاهل الكثير من المصادر العربية والعراقية تحديداً، وهي دراسات مهمة لأسماء معروفة في الإقتصاد الزراعي وتاريخ العراق، سيما بعد قيام الجمهورية الأولى عام 1958 .

وفي الدراسة خلط بين تسميات ومفاهيم، بين الشيخ والإقطاعي، وبين رجل العشيرة والفلاح، أو بين العشيرة والقبيلة، ومن التعسف أن يطلق بطاطو تسمية رجال العشائر على المهاجرين من الريف الى المدينة، وهم فقراء الريف من الفلاحين المعدمين، بما يحملونه من إرث تاريخي في التخلف والحرمان . الأمر الذي جعل من الهجرة ظاهرة إجتماعية خطيرة لنتائجها الكارثية على المجتمع المدني، والتي توّجت بخطوة إرتجالية وشعاراتية لبناء مدن كبيرة في أطراف العاصمة بغداد لمهاجري الريف، بدلاً عن تحسين الظروف المعاشية لهم، والنهوض بالواقع الزراعي على أسس علمية صحيحة ومتأنية .

وفي معرض وصفه لطبقة الشيوخ، يقول بطاطو: انها طبقة أمية إلى حد كبير (ص99 )، بينما يقول عن الشيخ موحان الخيرالله (من شيوخ الغراف) إنه كان مثقفاً، ولم يقدم لنا دليلاً على مستوى ثقافته، سوى انه ترأس المجلس العراقي للعشائر العراقية لدعم فلسطين (ص99)، وتؤكد الحقائق التي يدل عليها الواقع السياسي في العهد الملكي، على تمتع الشيوخ بإمتيازات كبيرة في مجلسي النواب والأعيان، وفي الحكومة، بغض النظر عن المؤهلات الدراسية والفكرية لهؤلاء .

إن إطروحة حنا بطاطو كانت الخطوة الأولى نحو التوسع والعمق، وحث الخطى إلى النضج المرتقب والأرحب، فإن تخللتها هنات هنا وهناك، فهي لا تشكل عامل إحباط وصمت، وقدر الناقد أن لايصنع سدودا تحرف التيار عن مساره الصحيح، فتجربة الكاتب والمترجم إضافة إلى الإبداع التاريخي المنجز.

 

جمال العتّابي

 

علي المؤمنتمثّل «منهجية المستقبلية الإسلامية - Methodology Islamic Futurism» أهم المخرجات العلمية لمشروع توجيه الرؤية الإسلامية نحو المعرفة المنهجية والأدوات العلمية. وهي تنقل الخطاب الإسلامي ومشروعه الحضاري من المنهج الايديولوجي الى المنهج العلمي، و ـ بتعبير أدق ـ هو الوجه العلمي لرؤية العقيدة في بناء الحياة الحضارية على كل الصعد.

وقد بدأ المشروع فكرةً ملحّة، على خلفية اهتمام معرفي متواصل بمنهجيات الدراسات المستقبلية، يعود الى مطلع التسعينات، وهي فترة عملي رئيساً لتحرير مجلة التوحيد الفكرية، وبالتزامن مع المشروع الأمريكي الذي أطلقه الرئيس جورج بوش في العام 1991 لبناء نظام عالمي جديد يستمر مائة عام، وهو نظام قائم على بحوث علمية واستراتيجية معمقة في مجال الاستشراف المستقبلي والستراتيجيا؛ فلم يكن المراد من هذا النظام صياغة خارطة سياسية جديدة للعالم وحسب، بل نظام يستوعب السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع والتعليم والقانون والعلوم التجريبية وغيرها.

وكان باكورة نتاجاتنا في هذا المجال كتاب "النظام العالمي الجديد: التشكل والمستقبل" الذي صدر في العام 1992، ثم عدداً من الدراسات الاستشرافية، فضلاً عن دعوات للباحثين ونخبة الأمة للاهتمام بالدراسات المستقبلية وضرورة أسلمتها، نشرتها في بعض الدوريات.

ثم تحوّل هذا الاهتمام والانتاج الشخصي إلى مشروع مؤسسة متخصصة بالدراسات المستقبلية في العام 1998، ولا سيما المستقبليات الإسلامية، حمل اسم "المركز الإسلامي للدراسات المستقبلية"، والذي تحملتُ مسؤولية إدارته ورئاسة تحرير إصداراته. فكان المركز حاضنة مشروع التأسيس لرؤية إسلامية نظرية شاملة لموضوع استشراف المستقبل ودراساته، و أسلمة مناهج الدراسات المستقبلية الغربية وآلياتها، وصولاً إلى اختيار منهجية مستقلة تتلاءم والنظرة الإسلامية. في بعديها الفلسفي والعقدي.

و لذلك كان المشروع ينطوي على بلورة أدوات مختلفة في التفكير، لنسمِّها ما شئنا: نظرية.. منهجية.. رؤية.. أو أية تسمية أخرى. وقد حملت هذه المنهجية اسم «المستقبلية الإسلامية - Islamic Futurism»؛ لتكون لصيقة بمضمونها.

وقد حظي المشروع برعاية العلامة المرحوم الشيخ مهدي العطار، وآية الله المرحوم السيد محمد حسين فضل الله، والعلامة الشيخ محمد علي التسخيري.

و بادرنا إلى الطلب من عدد من أبرز الرموز الفكرية العربية والإسلامية، للإشراف على المشروع العلمي للمركز. ولذلك؛ تشكلت هيئة علمية استشارية للمركز، من شخصيات تحمل اختصاصات متنوعة؛ كالشريعة والقانون والاجتماع والتاريخ والمستقبليات والفلسفة والسياسة والاقتصاد، كالدكتور جمال الدين عطية والدكتور أحمد كمال أبو المجد (مصر)، الشيخ وهبة الزحيلي (سوريا)، الشيخ محمد علي التسخيري والدكتور محمد علي آذرشب والسيد هادي خسروشاهي (إيران)، السيد محمد حسن الأمين والدكتور سمير سليمان والدكتور طلال عتريسي (لبنان)، الدكتور أحمد صدقي الدجاني و الدكتور منير شفيق (فلسطين)، الدكتور حسن مكي (السودان)، الدكتور طه جابر العلواني والدكتور عبد الجبار شرارة والدكتور عادل عبد المهدي (العراق)، الشيخ عبد العزيز الخياط (الأردن)، الشيخ عبد الهادي الفضلي (السعودية) وغيرهم. رحم الله الراحلين وحفظ الأحياء.

451 المستقبلية

وكان تفاعل نخبة المفكرين والمثقفين والباحثين والأكاديميين العرب والمسلمين، مع مشروع المركز وفكرته ومنهجه، مميزاً وملفتاً للنظر، مما شكّل دافعاً آخر للسير قدماً بكل ثبات وإصرار باتجاه تحقيق أهداف المشروع؛ برغم ضعف الإمكانات وضآلة أدوات العمل. وأحتفظ بأكثر من (500) رسالة وصلت المركز من هذه النخبة ومؤسساتها خلال السنوات الثلاث الأولى من العمل (1999 – 2001)، وهي تتضمن استعداداً للتعاون، وحثاً على مزيد الإنتاج؛ لأن المركز ـ كما كانوا يؤكدون ـ هو الأول من نوعه عربياً وإسلامياً.

وعمل المركز على تكوين قاعدة معلومات للمؤسسات والشخصيات العربية والمسلمة والعالمية المتخصصة أو المهتمة بموضوع الدراسات المستقبلية، في إطار خطة مخاطبتها والتعاون معها. وكان هذا العمل بذاته إنجازاً مهماً. ولم نفاجأ حين اكتشفنا أن الولايات المتحدة الأمريكية تضم أكثر من (1200) مؤسسة ومعهد وقسم جامعي؛ متخصص في الدراسات المستقبلية، فيما تضم أوروبا ما يقرب من (700) مؤسسة، بينها وكالات حكومية، كما هو حاصل في السويد. أما نصيب الدول العربية بمجموعها، فهو مراكز هامشية لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.

وقد شرع المركز الإسلامي للدراسات المستقبلية بتحويل خطة عمله العلمية والبحثية إلى نتاجات منشورة، فكان الإصدار الأول: دورية اتجاهات مستقبلية (Futuristics) الشهرية التوثيقية، ابتداءً من آذار 2000. ثم صدر العدد الأول من مجلة المستقبلية (Futurism) الفصلية في ربيع عام 2001، وهي محكمة متخصصة بالدراسات المستقبلية وقضايا الفكر الإسلامي المعاصر والمستقبلي.

وقوبلت مجلة المستقبلية بردود فعل داعمة كبيرة من أصحاب الإختصاص والاهتمام والمسؤولية؛ وبعضهم رموز فكرية شهيرة، فضلاً عن إشادات مؤسسات علمية عالمية ذائعة الصيت. ومن الشهادات الملفتة في هذا المجال ماقاله الفيلسوف المغربي البروفسور طه عبد الرحمن لطلابه في مرحلة الدكتوراه خلال محاضرته، وهو يلوح بالعدد الأول من مجلة المستقبلية: ( الأمة التي تريد أن تتقدم وتبني حاضرها ومستقبلها، تنتج هذا الفكر).

وفي المقابل كانت هناك ردود فعل باردة تجاه المشروع، حتى أن مرجعاً فكرياً كبيراً وصف موضوع المشروع بأنه «أدبيات ترفيّة». ربما لأن موضوع الدراسات الاستشرافية وعلوم المستقبليات هو موضوع بكر في الساحة العربية والإسلامية، وأن مركزنا هو الأول من نوعه على المستوى العربي والإسلامي.

ولا شك أن ضعف الوعي في موضوع الدراسات المستقبلية و ندرة المتخصصين والباحثين العرب والمسلمين فيه، و لا سيما الدراسات ذات المنهجية الإسلامية، كانا أهم المشاكل التي تواجهنا، لكن الذي كان يبعث الأمل ويزيد الاعتزاز بالمشروع هو انفتاح كثير من الباحثين على الدراسات المستقبلية الإسلامية، إلى الحد الذي جعلنا متفائلين ببروز عدد من الباحثين المستقبليين خلال بضع سنوات.

وبالفعل صدرت في السنوات اللاحقة مجموعة من الدراسات والكتب والأطروحات، وتحديداً في العراق وسوريا ولبنان، وقد استخدم كثير منها مصطلح «المستقبلية الإسلامية» والأدبيات الخاصة بفكرتها ومنهجيتها، وبينها أطروحة دكتوراه حملت العنوان والمنهجية نفسيها، ولكن كاتبها لم يشر إلى مشروعنا؛ رغم أن منهجيتنا (المستقبلية الإسلامية) شكّلت بنية بحثه، وقد اقتبسها حرفياً في الإطار النظري للأطروحة وبنائها المنهجي. وقد عذرنا  الباحث وغيره، لأن هدفنا هو نشر الوعي بالدراسات المستقبلية العربية والإسلامية، وأهميتها وضرورتها؛ وليس تسجيل ملكية فكرية أو براءة تأسيس منهجية فكرية، بالرغم من أن الأمانة العلمية تقتضي الإشارة إلى مصادر الاقتباس.

وخلال الفترة التي أعقبت تجميد المركز أعماله، وتحديداً بعد صدور العدد الثالث من مجلة المستقبلية في خريف العام 2004؛ ظلّ بعض المختصين والمهتمين يلحّون على ضرورة إعادة طباعة إصدارات المركز، ولا سيما مجلة المستقبلية، الأمر الذي دفعنا إلى اختيار مجموعة من البحوث والدراسات، وإعدادها للنشر مرة أخرى؛ لتصدر في أربعة مجلدات في العام 2017 عن دار روافد في بيروت. و قد حملت هذه الكتب العناوين التالية:

1- «أسلمة المستقبليات: محاولة علمية للإمساك بالمستقبل الإسلامي»

2- «المستقبلية الإسلامية: نحو منهجية إسلامية لبناء غدٍ أفضل»

3- «من المعاصرة إلى: الفكر الإسلامي واستدعاءات المستقبل»

4- «تجديد الشريعة: إمكانية معارف الشريعة الإسلامية على التحول».

ولعلها من أهم البحوث المعاصرة في مجال تجديد الفكر الإسلامي، وتعزيز الخطاب الإسلامي العلمي المعاصر، والتأسيس للمنهجية الإسلامية في استشراف المستقبل والاستعداد له ومحاولة الإمساك به، عبر وسائل التخطيط الاستراتيجي والاستشرافي.

 

د. علي المؤمن

 

نضير الخزرجيمن الذكريات التي تعلق في ذهن الإنسان وهو يسافر على خطوط جوية، نوعية الطعام وطيبته وطريقة تقديمه وتعامل المضيفين مع الراكبين، فإذا كانت المائدة لذيذة ومتنوعة ومتناسقة والبشاشة تعلو محيا المضيفين، فإن هذه الخاصية تكون كفيلة بأن تدعوه مرة أخرى للحجز على الخطوط نفسها ويشجع من حوله على ذلك، وهكذا إذا سافر الى بلد آخر، فإن مائدة الطعام وما يقدم في المطاعم هو الشيء الذي يبقى عالقا في ذهن المسافر.

وكلنا يدرك أن من عوامل نجاح أي مطعم او فشله هو نوع  الطعام وشكل المائدة وكيفية تقديمها، وليس المعيار في رخص المطعم أو كثرة الأضواء العاكسة، ولكن العبرة في حسن العرض والتقديم وسلامة المظاهر الخارجية من نظافة المطعم والعامل والطباخ والمدير وبشاشة العاملين وبخاصة الذين يباشرون التقديم، فهذه من الأمور الحساسة ذات الجاذبية في قلب الزبون، تجعله يتناول الطعام وهو في إنشراح تام، ويمني النفس بعودة أخرى في أقرب فرصة، وقد يصبح ماكنة إعلامية لهذا المطعم من حيث لا يشعر يشجع أصدقاءه وخلانه وأحبابه على زيارته والتذوق من مائدته، وبعض المطاعم تدرك أهمية التقديم والعرض فراحت تحرص على تشغيل الجنس اللطيف زيادة في اكتساب الزبائن.

وهكذا إذا قام شخص بزيارة لذي رحم أو صديق، فإن المائدة هي في مقدمة المعايير لبيان قوة نسيج العلاقة وضعفها، وفيما مضى كانت الأم التي تخطب لابنها تختار له من تحسن مائدة الطعام والشراب إلى جانب الصفات والمزايا الأخرى النفسانية والجسمانية، وكانت أم البنت تحرص على تعليم ابنتها قبل الزواج قواعد وحسن تنظيم المائدة وتقديمها وتزيينها وكيفية عمل الشاي أو تقديم القهوة، لأنّ الأم هي الأخرى مرّت بهذه التجربة وتدرك أن حسن الطبخ وتهيئة المائدة عامل جذب لزوج المستقبل ومحل رضا العمّة (أم الزوج)، وهو تطبيق للمثل الشائع (أقرب الطرق الى قلب الرجل وجيبه معدته)، على أن هذه الميزة في كثير من البلدان أصابها الخرم، ولم تعد ذات قيمة ولاسيما في المدينة التي أصابها ما أصاب البلدان من سيئات الحداثة، بالطبع لا نتحدث عن الجانب الشرعي، لأن الزوجة ليس من واجبها الطبخ ولها أن تأخذ الأجر عليه لولا حسن التبعل والتسامح من الطرفين، وإنما الحديث عن واقع التغيير الثقافي الذي شهدته المدينة بحلول الآثار السلبية للمدنية.

وكما هي المائدة عامل جذب للسائح والمسافر والزوج، فهي عامل دفع، وربما مجلبة للأمراض، ولاسيما أمراض المدنية الحديثة من سمنة وترهل وتفضيل مائدة السوق السريعة الغنية بالدهون المستعصية والكيمياويات المضرة على مائدة البيت الهنية الخلية من الدهون القاتلة والغنية بالفيتامينات، ولعل أول من يتضرر من تغيير ثقافة المائدة هم الأطفال الذي يصابون في تغذيتهم بمقتل، وأولها السمنة المفرطة التي تعتبر داء المدنية الحديثة.

مائدة تسر الناظرين

وإذا كانت المدنية الحالية وضعت مجموعة إرشادات للمائدة وتناول الطعام تقوم مدارس الغرب والشرق تعليمها منذ الطفولة، فإن الإسلام قاد الناس إلى مجموعة إرشادات في التعامل مع المائدة وحذّر من بعض العادات قبل أن يكتشف العلم الحديث أضرار ما حذّر منه الإسلام على الصحة البدنية والنفسية، ولما كانت تعاليم الإسلام في أوامره ونواهيه منسجة تماما مع الفطرة الإنسانية السليمة، فهو لم يدع صغيرة في حياة الإنسان ولا كبيرة إلا وأنار له السبيل، ومن هذا الباب دخل الفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي باحة التشريعات ليقدم في سلسة "الشريعة" ما ينفع الناس كل الناس، وحديثا (2018م) صدر عن بيت العلم للنابهين في بيروت كتيب "شريعة المائدة" فيه (116) مسألة فقهية بضميمة (36) تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، ليكون هذا الكتيب هو الرقم (62) مما صدر حتى الآن من مجموع نحو ألف كراسة تم تنضيد أكثر من (700) منها وهي تنتظر الطباعة تباعا حسب طلِّ سحاب المتبرعين وصبّهم.

ولا يخفى ما للمائدة من أهمية في حياة الإنسان فهي ملازمة له كتلازم الهواء، وقد أفرد لها الله تبارك وتعالى سورة كاملة سمّاها (المائدة) أودع فيها الكثير من موارد الحلال والحرام، كما جاءت التسمية في السورة مرتين وهي تتحدث عن النبي عيسى وحواره مع أنصاره الحواريين، بل إنَّ الإهتمام بالمائدة وما تحتويها من مواد مطبوخة أو نيّة طازجة، من معالم إنسانية الإنسان الذي سخر الله له كل شيء لراحته، وبتعبير الفقيه الكرباسي في التمهيد: (من فوارق الإنسان مع سائر مخلوقات الله التي تتناول الطعام أنه يمتاز بحبّه الجلوس عند تناوله الطعام والإعتناء بطعامه وتلونه، بينما الحيوانات تأكل ما وجدت أينما كانت)، وعلاوة على ذلك فإن من علامات طيبة المائدة هو قدرة الإنسان على تنويعها والإستفادة من مادة غذائية أو ثمرة بعينها في طبخ العشرات بل المئات من الأكلات المختلفة مثل الباذنجان، ولذلك تختلف على سبيل المثال المائدة الإسبانية عن المائدة الإيطالية، والصينية عن التايلاندية، والعراقية عن الإيرانية، والتركية عن  السورية، بل تختلف المائدة داخل البلد الواحد بين مدينة وأخرى رغم الإشتراك بالثمار أو الخضار نفسها، لكن موهبة الإنسان وابداعه تصيران الموائد مختلفة، ولا يمكن حساب عدد الأكلات على مستوى العالم، فهي بالآلاف، وكلما رجعنا بالزمان الى الخلف لوجدنا تقلص عدد الأكلات، أي أن تطور المائدة من تطور الإنسان وحسن ذوقه، ورغم ما نعرفه عن الشيخ الكرباسي من باعه الواسع في الفقه والتحقيق وموسوعته الكبرى (دائرة المعارف الحسينية) في نحو تسعمائة مجلد، لكنه في الوقت نفسه صاحب ذوق رفيق، وبتعبيره كما ورد في التمهيد وهو في معرض الحديث عن قدرة الإنسان في التنويع متحدثا عن ذكرياته أيام كان يسكن الشام: (هذا وقد تمكّنا من وضع لائحة طعام لمدة سنة كاملة لثلاث وجبات يومية: الفطور والغذاء والعشاء دون أن تتكرر واحدة منها، نعم قد تتكرر العناصر وتختلف التركيبات).

المائدة .. داء ودواء

من طبيعة الحياة أن يكون لكل حقل حزمة آداب وسنن يمشي على هداها المجتمع، وهي تدخل في إطار النظم والتنظيم وسلامة المجتمع والبيئة، وللمائدة آدابها، ولتناول الطعام سننه، ولذبح لحوم المائدة البيض والحمر آدابها، فمن المدنية والتحضر والصحة العامة أن يتم الذبح في مسالخ ومجازر خاصة وليس في الشوارع العامة وأمام أنظار الكبار والصغار، الذي فيه إلى جانب المضار الصحية إفساد للذائقة البصرية وخدش للشفافية الروحية، وإشاعة غير مقصودة للعنف، لأن الطفل الذي يسمح له أن يشاهد منظر ذبح الدجاجة أو الخروف أو البقرة أو نحر البعير، سيكبر وفي ذاكرته عملية الذبح والنحر التي لها أن تؤثر على سلوكه الظاهري بفعل المخزون الباطني، ناهيك عن النجاسة ونشر الأوبئة.

فسنن المائدة وآدابها في واقعها مجسات للإنسان للتعامل الحسن مع المائدة وما يدخل في جوفه، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (وبما أن الإسلام دين يسر ونظام ومصالح، فقد نبذ العسر والفوضى والمفاسد، وقد خلق الله لهذا الإنسان –الذي كرّمه في وجوه متعددة- أصناف الأغذية والأشربة بألوان زاهية تسرّ العينين وتهوى إليها النفوس، وبما أنه حريص على صحته فقد استثنى منها ما يضره، ونسبة هذه  المستثنيات إلى المباحات قليلة جدًا، لأنَّ كل شيء مباح للإنسان إلا ما استُثني، وبما أنه دين نظام فقد وضع له جدولا يبيّن فيه بعض الآداب والتعاليم ومنهجًا غذائيًا يبعده عما يضره ويحثه على ما ينفعه، فسُمِّي هذا المنهج بـ"آداب المائدة"، أكثرها يعد من المسنونات).

ومن شواهد التاريخ أن الأمراض في العهد الإسلامي الأول انخفضت بشكل واضح، ويعزى ذلك إلى تقيد المسلمين بسنن المائدة وآدابها، حتى إن الطبيب الذي أرسله المقوقس سلطان مصر هدية الى الرسول محمد (ص) تم الاستغناء عنه، وذلك وحسب ما جاء في السيرة الحلبية: 3/299 لعلي بن برهان الدين الحلبي المتوفى سنة 841هـ (1438م) (وقد قال بعضهم إن المقوقس أرسل مع الهدية –الحمار يعفور- طبيبا فقال له النبي (ص) ارجع إلى أهلك نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع)، وفي كتاب طب النبي: 3 كما أشار المحقق الكرباسي في التمهيد: (فبقي الطبيب برهة لم يراجعه احد في فنه، فسأل النبي(ص) عن سر ذلك، فقال صلى الله عليه وآله: "نحن قوم ..").

وما من سُنّة أو خلّة أشار لها المعصوم، وبخاصة فيما تتعلق ببدن الإنسان ونفسيته إلا ولها جذر طبي، إن أحسن الإنسان التعامل معها أبعد نفسه عن دائرة الداء والنصب وإن أساء قرَّب إلى صدره أثقال المرض والتعب واحتاج إلى الدواء، ودفع البلاء أولى من رفعه إذا وقع، وبتعبير الكرباسي: (ذهب بعض الأصوليين في قواعد الفقه إلى أن الدفع أولى من الرفع بل إنَّ مرحلة الدفع مقدّمة على مرحلة الرفع فلسفيا، لأنك إذا تجنَّبت عما هو مضر لك تخلصت من آثاره التي ستلاحقك إن أنت قُمت به وتناولت ما هو ضار لك لتصل النوبة إلى القيام برفع تلك الآثار الضارة، ومن هنا جاء في المثل: "درهم وقاية خير من قنطار علاج")، ولهذا مثلًا: (يكره الأكل إلى حد الإمتلاء، وإذا وصل حدّ الضرر البالغ حَرُم)، لأن كل مباح إذا زاد ضرره انقلب حراما، وهي قاعدة عامة لها تطبيقاتها في كل مناحي الحياة، ولهذا يؤكد الفقيه الكرباسي: (يجب على الإنسان الأكل والشرب بمقدار الحاجة ولا يجوز الإمتناع عنهما إذا كان الإمتناع ضارًّا بحاله)، ومن هذه المسألة ينطلق الفقيه الغديري في تعليقته ليشير على حرمة الإضراب عن الطعام المميت: (وأما الذي يشاهد في المظاهرات والإحتجاجات السياسية أو الحقوقية أو الإجتماعية من الإمتناع عن الأكل والشرب فلا يجوز ذلك إذا كان يسبب الهلاك أو الضرر البالغ الخارج عن الطاقة، ويكفي فيه مجرد احتماله).

المائدة .. مرآة الكينونة

هناك مواضع ومواقع فيها يظهر معدن الإنسان وكينونته وما في داخله من سجايا وخصال حسنها وسيئها، ومنها مائدة الطعام، ولهذا لكل مجتمع أعرافه في التعامل مع المائدة والجالسين عليها، وتمثل المائدة مرآة لطباعه وأخلاقه، وقد جاء الإسلام ليؤكد على المظاهر الإيجابية ويعزز منها ويدفع بالمظاهر السلبية بعيدا وذلك من باب التكاملية في الآداب والسنن مصداقًا لقول الرسول(ص): "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

ولعل من أهم مظاهر المائدة التي يزيد فيها الباري من فضله ويسبغ عليها من نعمه وآلائه، هو التواضع فيها، ولذا: (يحرم الأكل في أواني الذهب والفضة)، أما: (الأواني المرصَّعة بالأحجار الكريمة لا إشكال من تناول الأكل فيها)، ومن التواضع عدم التفاخر بها وإن كانت مباحة، وبتعبير الفقيه الغديري في تعليقته: (إلا إذا كان جانب التفاخر يغلب ويُقصد لأجل إهانة الآخرين فيكره ذلك كراهة شديدة لو لم نقل بحرمته، ويمكن القول بالحُرمة بالحكم الثانوي).

ومن التواضع واحترام المائدة اختيار الجلسة المناسبة، ولذا: (يكره الأكل متكئا أو منبطحًا)، وحتى في هذه المسألة فإن صحة الإنسان مأخوذة في الحسبان ليس فقط المائدة ذاتها، وقد ثبت مما لا شك فيه أن الأكل في وضعيات غير مناسبة من غير عذر بدني تسبب أضرارا في الجهاز الهضمي وغيره من أجهزة البدن، وأما اتخاذ مثل هذه الجلسات على الطعام بوجود آخرين فهو يعبر عن قلة ذوق وعدم احترام.

ومن التواضع للمائدة: (يكره عزل مائدة العبيد والخدم عن مائدة صاحب البيت والمولى)، بل و:(يستحب أن يأكل الإنسان أكلة العبيد ويجلس معهم على الأرض)، وبالطبع كما يعلق الغديري: (ليس للأرض موضوعية وهي كمثال، والمقصود كونه معهم في مكان واحد)، كأن يكونا في مطعم ذي طاولة وكراسي، ومن سيرة أهل البيت(ع) أنهم كانوا أسوة في احترام المائدة، وقد ورد عن نادر خادم الإمام علي بن موسى الرضا(ع) كما في كتاب المحاسن: 624، للبرقي المتوفى سنة 274هـ: (كان أبو الحسن الرضا عليه السلام يضع جوزينجة –حلوى من جوز- على الأخرى ويناولني).

يجوز وما لا يجوز

تدور حياة الفرد اليومية بين الواجب والمستحب والحرام والمكروه وما بينهما المباح، وفي المائدة مستحبات ومكروهات توزعت في هذا الكراس على مسائل كثيرة، ومن ذلك: (يستحب إطعام وسقي المساكين والفقراء)، ويزيد الفقيه الغديري في تعليقته: (من دون فرق بين أصحاب الديانات وغيرهم أي من حيث القوم واللغة والبلد واللون وغيرها من الملاكات الجعلية غير الواقعية حيث الإنسانية يجمعها).

ومن الناحية الصحية: (يستحب غسل اليدين قبل الطعام، والأفضل أن لا يمسحهما بمنديل)، كما: (يستحب غسل اليدين بعد الطعام، والأفضل أن يمسحهما بمنديل)، ومن الصحة: (يستحب أن تصغّر اللُّقَم .. وألا يسرع في الأكل .. وإطالة الجلوس على المائدة .. ومضغ الطعام جيدا) وبالنسبة للشراب: (يستحب شرب الماء في النهار واقفًا وفي الليل جالسًا).

ومن أداب الوليمة بحضور الضيوف: (يستحب أن يبدأ صاحب الطعام أولا وينتهي من الطعام بعد الحاضرين)، وهو بذلك يكسر حاجز الخجل لدى الضيف بدءًا ويتيح له أن يأكل ما يشاء وفي أقصى مدة انتهاءً، وبالطبع للضيف كرامة، بخاصة إذا كان صاحب مقام علمي أو اجتماعي، ولهذا يعلق الغديري قائلا: (إلا إذا كان هناك شخص محترم تقتضي مكانته أن يقدمه صاحب الطعام للبدء في الأكل) والمسألة عرفية خاضعة لآداب الطعام في كل مجتمع.

ومن مكروهات المائدة: (الأكل على الشبع)، كما: (يكره الأكل في حال المشي) وفي بعض الأحيان تتحول الكراهية الى حرمة كما يضيف الشيخ الغديري في تعليقته: (وقد يحرم بلحاظ مكانة الشخص في المجتمع كالمرجع –الفقيه- ونحوه، وذلك يوجب الوهن له، وقد يسبب تشجيع مُقلِّديه على ذلك).

وعند اجتماع الخلان أو الضيوف على مائدة واحدة: (يكره النظر في وجوه الآخرين عند الأكل)، ولابد من احترام صاحب الدار: (إذا كانت الدعوة لها شروط لا بدّ وأن يلتزم بالشروط وإلا ردّها)، ومن الشروط: (إذا دُعي أحد إلى مائدة لا يجوز له أن يصحب غيره معه إلا إذا علم برضى صاحب المائدة)، ومن الشروط: (إذا وجّهت دعوة وذُكر فيها بعدم اصطحاب الأطفال، لا يجوز اصطحابهم).

وهناك مسائل كثيرة احتواها كراس "شريعة المائدة"، ولكن العبرة في العمل بهداها، وإلا فإن أكثر أمراضنا ناتجة من التهاون بآداب المائدة وسننها.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

443 تاريخ بني اسرائيلمن التَّاريخ الميثولوجي إلى الجغرافيا الهرمنيوطيقيَّة.. مُراجعاتٌ منهاجيَّةٌ في نماذج تاريخيَّة مُعاصرة.. مع ترجمة «وصف بلاد العَرَب قبل الميلاد»، لسترابو.. تأليف وترجمة: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْفي

- في طبعته الأولى، 2019، صدرَ عن (عالم الكتب الحديث)، بالأردن، كتاب جديد بعنوان "تاريخ بني إسرائيل وجزيرة العَرَب: من التَّاريخ الميثولوجي إلى الجغرافيا الهرمنيوطيقيَّة (مُراجعاتٌ منهاجيَّةٌ في نماذج تاريخيَّة مُعاصرة)، (مع ترجمة «وصف بلاد العَرَب قبل الميلاد»، لسترابو)"، للأستاذ الدكتور عبدالله بن أحمد الفَيْفي. 

- سيكون الكتاب في أسواق الكتب، ومعارض الكتب الدوليَّة، ومنها (معرض الرياض الدولي للكتاب، 2019).

- يرى المؤلِّف أن الاتِّكاء على «العهد القديم»، بوصفه وثيقةً تاريخيَّةً، بات محلَّ ارتيابٍ في الدراسات التاريخيَّة الحديثة الجادَّة منذ وقتٍ مبكِّر؛ لعِلَلٍ كثيرة، تتعلَّق بالنقد الأدنَى (الداخلي/ الفيلولوجي) لبِنية النصِّ، أو بالنقد الأعلَى (الخارجي)، من حيث مصداقيَّته التاريخيَّة.  فكيف يَصِحُّ، والحالة هٰذه، أن يُبنَى على مثل هٰذا النصِّ تصوُّرٌ تاريخيٌّ بديلٌ، أشدُّ تصادمًا معه فيلولوجيًّا وغير متسق مع المعارف التاريخيَّة؟!  ذٰلك ما لن يُنقِذ النصَّ تاريخيًّا، ليُخرِجه من طبيعته التخييليَّة الأُسطوريَّة، ولن يُمِدَّ التاريخَ بمنجَزٍ عِلْمِيٍّ يستحقُّ الاحترام، بمقدار ما سينزع إلى بناء أُسطورةٍ جديدةٍ على أُسطورةٍ عتيقة!

- في هٰذا الكتاب يناقش المؤلف نماذج من كتب المؤلِّفين المعاصرين في التاريخ، توالت أعمالهم على إعادة قراءة المواضع الواردة في «العهد القديم» وتأويلها، على أنها مواضع في (الجزيرة العَرَبيَّة).  وسبب اختيار هٰذه النماذج أنها الأقدم والأشهر والتأسيسيَّة في هٰذا الموضوع، وما سِواها عِيالٌ عليها.  وهي نماذج لحراكٍ تأليفيٍّ، ما زال مستمرًّا، بمآرب مختلفة، يتوارَى فيها العِلْم التحقيقيُّ ويتعالَى النزوع الإديلوجي. 

- تأتي أهميَّة هٰذه المراجعة-  فضلًا عن حقِّ العِلْم في إحقاق ما قام عليه الدليل وإبطال ما دون ذٰلك- من أن هٰذا التيَّار المتكاثف في نِسبة تاريخ (بني إسرائيل) إلى (جزيرة العَرَب) ما انفكَّ في مَدِّه، منذ ما يربو على رُبع قرنٍ من الصفحات والأحبار.  وتأتي أهميَّتها كذٰلك من حيث إن طائفة من تلك الدعاوَى تتعلَّق بمغالطاتٍ في ما يعرفه مؤلِّف هٰذا الكتاب.  بل هو- كما يقول- شاهدٌ على حيثيَّات الوجود التاريخيِّ لبعضه، المعاصرة له أو لآبائه وأجداده الأقربين، ممَّا يتَّصل ببيئته ومنطقته، بخاصَّة.  على حين تَشهد استقراءاتُ أولٰئك المؤلِّفين واستدلالاتُهم على جهلهم بكثيرٍ ممَّا يوردون حيال بعض الأماكن أو جُلِّها أو كلِّها.  فإذا أُضيف إلى ذٰلك كلِّه الصمتُ المريبُ من أهل التاريخ والآثار المختصِّين- من الأكاديميِّين وغير الأكاديميِّين- الذي لَفَّ هٰذا الصخبَ المحمومَ عبر السنين الماضية، بدا الصمتُ- كما يرى المؤلِّف- خيانةً، والركونُ إلى ما ركن إليه الصامتون مشاركةً في حفلة زارٍ، لا تُجْـفِل الشياطين بل تستحضرهم، عبر التاريخ والجغرافيا معًا!

- يقع الكتاب في ٦٤٦ صفحة.

- يتكون من 3 فصول، وملحق بترجمة «وصف بلاد العَرَب قبل الميلاد»، لسترابو، وفهارس فنية.

 

441 علي المؤمن«النظام السياسي الإسلامي الحديث»، عنوان يبحر فيه الأستاذ علي المؤمن لمقاربة إشكاليات بقدر ما هي معاصرة بقدر ما هي تحمل في طياتها جدليات متعددة تؤرق الباحثين والمثقفين في الأمة الباحثة عن خلاص آن له أن يأتي، وإذ تحمّل كاتبنا هذه المهمة برضى وشغف وإقبال فإن اندفاعه الأقوى إنما تشكل من خلال بحثه الدؤوب عن تقديم إجابات مقنعة وعملية ترفد وتحصن هذه التجربة الفريدة في عالمنا المعاصر، دون أن يعني ذلك تخليه عن العملية والموضوعية في مقاربته للأمور، فحياده العلمي ومحاولته تقديم الأمور من زواياها المتعددة مع غزارة استوجبت جهداً في تنوع المصادر وتكثيفها كماً ونوعاً، جعل الإطلالة أكثر شمولاً والمطالب أكثر وضوحاً.. ولعل ما يستكمل هذا المنحى هو سلامة الكتابة وانسيابها لتكاد تلتقط أنفاسك وتجهد في ترك القراءة مكرهاً.. وإذ كان الإمعان في قراءة هذا السفر مطلباً نحن بصدده، فإن أول الأمر هو الاعتراف بالتواطؤ مع كاتبنا لأسباب كثيرة قد يكون بين أولها وآخرها مشاطرته الرأي في اعتقال ولاية الفقيه ورؤيتها كنموذج إسلامي جامع يجب أن يحتذى، إضافة إلى كونها عملياً تشكل في واقعها القائم في الجمهورية الإسلامية في إيران تجربة حية متفاعلة مع مجتمعها وتحمل في طياتها القدرة على التجدد والاستمرار..

إلا أن هذا التواطؤ الإيجابي لن يمنعنا من مقاربة الموضوع مقاربة نقدية مفاهيمية تمخضت عن مجمل القراءة للكتاب ويمكن تحديدها بالآتي:

أولاً: عندما يطالعك العنوان الأساسي للكتاب «النظام السياسي الإسلامي الحديث» ينصرف الذهن إلى مبحث شمولي يطال الأنظمة الإسلامية (تجاوزا) أو على الأقل تجربة الإسلاميين منهم والتي لا تنحصر في إيران وإنما بشكل أو بآخر ترتبط بالتجربة السودانية.. ومع أن الأستاذ علي يستدرك الأمر في مقدمة كتابه حيث يحدد ما هو المقصود بالنظام السياسي الإسلامي الحديث ويحصر الموضوع في النظام السياسي للجمهورية الإسلامية في إيران.. إلا أن ذلك لا يرفع الالتباس بالكامل خاصة عندما يقع نظرك على العنوان الخارجي للكتاب.

ثانياً: يقدم السيد المؤمن في بحثه اسماً مستحدثاً لشكل النظام ويعتبره جديداً حيث يقول «فهو ليس نظاماً رئاسياً وإن كان رئيس الجمهورية هو صاحب السلطة وليس برلمانياً وإن كان البرلمان من السلطات الأربع المستقلة، إلا إنه نظام قيادي ويشرح في موقع آخر ميزة وسبب التسمية فيقول «نظام القيادي يتميز بكون سلطة القائد هي السلطة المحورية والأولى في الدولة وهي التي تشرف على عمل السلطات الثلاث (تنفيذية، تشريعية، قضائية) ويضيف النظام القيادي يمثل إضافة للنظم السائدة في مناهج القانون الدستوري والأنشطة السياسية.

لا شك أننا أمام شكل جديد ومختلف تماماً عما هو سائد من الأنظمة السياسية بأشكالها المختلفة وبالتالي نوافق الأستاذ المؤمن أن هناك إضافة للنظم السياسية والدستورية، لكن السؤال الذي ألح عليَّ وأنا أقرأ هل تعبر مقولة النظام القيادي بشكل كاف وتحمل كل الدلالات المطلوب قولها من خلال النظام الجديد؟! وكيف يمكن إبراز الصفات الكامنة لقوة هذا النظام وعكس إيديولوجيته؟! فالقول بقياديته للأسباب التي ذكرت سابقاً تشكل هوية مشتركة مع الأنظمة الرئاسية وإن اختلفت في التفاصيل لكنها تبقي إطارها العام، لذا فأنا أرى أن الكاشف الفعلي والذي يجسد فعلاً كل مقولات ودلالات النظام السياسي الإسلامي الحديث ويعطيه الحق في أن يكون جنباً إلى جنب مع النظم السياسية والمناهج القانونية والدستورية إنما تنبع من إعطاء شكل النظام اسمه الطبيعي القائم على أساسه أعني اسم نظام ولاية الفقيه وهو بهذا يتضمن النظام القيادي المشترك مع آخر ويبرز الخصوصية التي تجعله متفرداً ومتمايزاً ومستحقاً لوضعه القانوني والدستوري الجديد.

ثالثاً: يشكل الحديث عن الاقتباس محوراً أساسياً أن في الشكل أو المضمون ويورد الأستاذ مؤمن ما يلي إشكالية الاقتباس وهي إشكالية منهجية ترتبط بإمكانية الاقتباس من الفكر البشري سياسياً كان أم اجتماعياً أم اقتصادياً وما يحاول أن يؤكد عليه على الدوام أن الاقتباس في دوائره المطلوبة يتمثل في «محاولة اكتشاف آليات محايدة نافعة موجودة في الأنظمة الأرضية بغية أسلمتها واستخدامها في مساحات التفويض التشريعي والمتغيرات» ويضيف في مكان آخر «استفاد من الانجازات البشرية التي تمثل نتاجات نافعة ومحايدة مفرغة من الأبعاد الإيديولوجية وتحديداً في مجال الصياغات الفنية والآليات» وهو من خلا ما ورد وغيره الكثير من الشواهد والأدلة التي تخدم فكرة النص يتجه نحو محاولة العمل على فصل الآليات والصياغات الفنية عن مستواها العقيدي وتحديداً في المستوى الديمقراطي بحيث تصبح هذه التجارب المتراكمة التي كانت نتاجاً غربياً صرفاً وإبداعاً بشرياً مباحاً فصلها عن واقعها للاستفادة منها وأسلمتها، وهنا يطرح سؤال هل بالإمكان انوجاد هذا الفصل؟! خاصة أن ذلك يتساوق مع الحديث عن «محاولات التوفيق القسري بين النظام السياسي والأنظمة الأخرى والخروج بمسميات هجينة كالنظام الإسلامي الديمقراطي، الخ. تعني منهجياً إقحام عقيدة ورسالة سماوية ونظام ديني لتتواءم وتجارب تاريخية وأفكار اجتماعية بشرية. وحتى لو استثمر النظام الإسلامي بعض آليات تلك الأنظمة (الديمقراطية تحديداً) فلن يكون هناك مسوغ نظري وواقعي للتسمي بأسماء تلك الأنظمة أو إضافة أسمائها إلى النظام الإسلامي «وكذلك اعتبار الرأسمالية والليبرالية والديمقراطية أفكاراً ونظماً راقية... لكنها تبقى مفصلة على مقاس الغرب ولا يمكن تفصيلها علت مقاس آخر».

أليس القبول بآليات الديمقراطية هو الأخذ من تجربة الآخر المتكاملة والعمل على تطويعها وتوليفها أو بالأحرى أسلمتها، ومنطق التوليف يرفضه الكاتب ويحدده بالتالي «هناك فكرتان أو تجربتان بمستوى واحد من المقبولية والشرعية دون أن يكون أحدها مرجعية الآخر وتابعاً ودون وجود ثوابت ومتغيرات بل إن كل شيء خاضع لمعيار المتغيرات ثم تتم عملية التوفيق بين الفكرتين والتجربتين ليخرج الناتج هجينا».

فهل الآليات خارج إطار الفكر وهل فعلاً أن أجهزة وآليات العمل الديمقراطية لا علاقة لها بالفكر الذي تنتمي إلى تجربته بالكامل؟! وهل نحن أمام مأزق التهجين؟! وهل محكوم علينا أن نضع التوليف بالمعنى السالف فيصلاً بتاراً يلغي التداخل والاستيعاب والتمازح في التجارب الإنسانية؟! إزاء ممانعة التوليف وإشكاليات التقاطع والتضاد مع الأنظمة من ثيوقراطية وديمقراطية فإننا نلجأ إلى طرح أصالة الفكرة الإنسانية بمعناها الواسع ذلك أن هذه التجربة الممتدة من فجر التاريخ إلى الآن تشكل وحدة إنسانية تسعى نحو الأفضل وتستلهم حتى في أرضيتها موقع الاستخلاف التاريخي الذي جعل اللَّه الإنسان بالمطلق مؤتمناً عليه وإعطاء الأداء الأساس العقل لذا فإن انفكاك وتداخل التجارب الإنسانية واستيعابها لبعضها البعض والخروج بجديد كانت على الدوام هي المولد الأساسي لتقدم الحضارات وابتداع أشكال الأنظمة... من هنا يصبح الأخذ عن الديمقراطية أو أي نظام آخر إنما يتأصل في وحدته الإنسانية العاقلة المعطاة من اللَّه من خلال عملية استخلاف الإنسان وذلك يعطل مأزق التواصل ويصبح الحديث عن أن «الاستفادة من التجارب البشرية يحفظ للشريعة الإسلامية مرجعيتها في بناء النظام وخضوع كل فكرة لمعاييرها» وأيضاً كلام الشيخ شمس الدين في الآية الكريمة الذين يستمعون القول... هو القول المطلق الذي هو الفعل البشري والانجاز العلمي والممارسة والشكل التنظيمي وإنه كل إنجاز بشري في حياة الناس على الأرض وفي علاقاتهم في ما بينهم «في مكانه الصحيح وللمقاربة العملية وإذا ما وضعنا الأساس العقائدي للنظام الإسلامي في الجمهورية الإسلامية جانباً فإننا نلاحظ وبقليل من التدقيق أن شكل الأجهزة والآليات المتبعة هي بالكامل تتوافق مع خلاصة التجربة الإنسانية في شكل النظام والإدارة وإذا ما وجدنا اختلافات فهي طفيفة وموضوعية، فهل نستطيع القول أن كل هذه المباني آليات مجردة لا تمت إلى صلة بخلفياتها الفكرية وهل نكون واقعيين في ذلك؟! أم أننا نراها من الوجهة الإيجابية بحيث تصبح كل التجربة الإنسانية على قاعدة أصالة الفطرة مباحاً الاستفادة منها ضمن الحدود التي تراها الشريعة متوافقة معها؟!. وبهذا نخرج من حالة الاضطراب في التعاطي مع الفكر والإبداع البشري على المستوى النظام السياسي وما يتضمن من تفاصيل متنوعة.

رابعاً: في موضوع ولاية الفقيه فبالإضافة إلى دور الولي «الإمام يمثل الأمة ويرمز إليها قبل أن يمثل الدولة أما باقي المواقع في النظام الإسلامي فهو مؤسسات وأجهزة تعبّر عن موقف الإمام والأمة من منطلق كونها منتخبة من قبلها ووكيلة عنهما في تسيير حركة الدولة» المعروف والمتفق عليه في قيادة الأمة وتوليه مسؤوليات الإشراف على شؤونها، فإن ما نريد التركيز عليه هو دور الأمة وفعاليتها وموقعها فينقل السيد مؤمن عن الشيخ الزنجاني قوله أن «التجربة أثبتت أن النظام السياسي إذ أريد له الاستمرار فلا مناص من الرجوع إلى أصوات الشعب وعلى هذا الأساس فإن الانتخابات منبثقة من جوهر الإمامة ومنبثقة من التجارب الغنية وتمنح النظام الثبات مع أنه قائم على نظرية التنصيب التي تقود إلى الإمامة» وتتكامل في ذلك مع نظرية الإمام الصدر التي سماها «خط الشهادة والخلافة» وجمع فيها بين مبدأ ولاية الفقيه كاستمرار لولاية الرسول والإمام ومبدأ حرية الإنسان في الاختيار واجتماع المبدأين يعني اجتماع حاكمية اللَّه المفوضة إلى الإنسان المتمثل بالفقيه الشاهد، وبالإنسان أو الأمة الخليفة» وضمن هذين البعدين يرى الكاتب تمثل «دور الأمة بتفعيل ولاية الفقيه أي إنها من خلال بيعتها وطاعتها للفقيه الذي تختاره تعمل على تحويل ولايته من القوة إلى الفعل أي إنها لا تمنحه الشرعية فهي ليست مصدر سيادة الدولة والنظام لأنها لا تملك السيادة فمسار السيادة والحاكمية يبدأ من الأعلى».

هذا المسار يكشف عن موقع الأمة أو الشعب في نظام ولاية الفقيه الذي يعطي المشروعية التي تختص بالبعد القانوني للنظام والشريعة تعطيه البعد الديني من هنا يلعب الشعب دوراً أساسياً منذ اللحظة الأولى لانتخابه مجلس خبراء وانتخابهم الولي الفقيه وصولاً إلى كافة أشكال الانتخاب الأخرى وهو بالتالي شريك كامل الصلاحية بحيث لا تصبح كلمة «تفعيل ولاية الفقيه» تتناسب والدور الخطير الذي يقوم به في تثبيت الجمهورية الإسلامية وإكسابها المناعة والاستمرار تحت ظلال الولي الفقيه، وللتدليل على ما نرمي إليه نتساءل هل يمكن قيام نظام ولاية الفقيه بعيداً عن رضى الشعب واختياره لها فذلك يبقي النظرية في إطارها المجرد دون أي تطبيقات عملية... لذا فإن الشعب بهذا المعنى مقوم أساسي للنظام وهو ما نجد تعبيره في اعتبار الكاتب أن النظام السياسي الإسلامي يقوم على دعامتين أساسيتين هما ولاية الفقيه وشورى الأمة وهما في الوقت نفسه ضمان عدم تحول الحكم إلى حكم استبدادي.

والأستاذ علي المؤمن في خوضه هذا المجال مشكور أولاً لأنه أعطانا مساحة للقراءة المتصدية في هذا المجال، وثانياً لإتاحته لنا جميعاً أعمال الفكر وتوليد الأسئلة واستثارة النقاش فالشكر كل الشكر لكاتبنا الصبور ولمعهد الدراسات الرائد في هذا المجال.

 

بقلم: د. غالب أبو زينب

.........................

(*) المقال هو ـ بالأصل ـ بحث ألقاه الكاتب في الندوة التي عقدها معهد المعارف الحكمية في بيروت حول أطروحة "النظام السياسي الإسلامي الحديث" للباحث علي المؤمن؛ بتاريخ 31/3/2004.

 

74 majed200النص من نتاج مُبدعه، إن كان مُبدعه بشر مثلنا أو ما أوحى به المُبدع الأول لرُسله وأنبيائه، وسؤال الحقيقة هو سؤال الفلسفة في سعيها للبحث عن الحقيقة الضامرة خلف الوجود، أو في ميتا النص القُدسي، بل وحتى ميتا النص الابداعي للبشر.

في كتاب ماجد الغرباوي "النص وسؤال الحقيقة" جرأة قلَ نظيرها في البحث عن (المسكوت عنه) في تراثنا الإسلامي وتماهينا مع تفسيراته (الدوغمائية) وكأنها سُبل النجاة وسفينتها.

لا أدري لماذا يُحيلني الغرباوي في كتاباته ومنها كتابه هذا إلى تذكر كتابات (نصر حامد أبو زيد) لا سيما في كتابه (النص، السلطة، الحقيقة)، لربما لأنهما يشتركان في ذات الهم، ففي كتاب (أبو زيد) إشتغال على نقد القراءة الأيديولوجية (العقائدية) للتراث، وذات الهم في كتابات الغرباوي، وفي كتاب (أبو زيد) نزوع نحو تبني النزعة التاريخية، وكما عرفها أبو زيد أنها "تعني الحدوث في الزمن، حتى لو كان هذا الزمن هو لحظة إفتتاح الزمن وابتدائه، إنها لحظة الفصل والتمييز بين الوجود المُطلق المُتعالي ـ الوجود الإلهي ـ والوجود المشروط الزماني، وإذا كان الفعل الإلهي الأول ـ فعل إيجاد العالم ـ هو افتتاح الزمان فإن كل الأفعال التي تلت هذا الفعل الافتتاحي تظل أفعالاً تاريخية، بحكم أنها تحققت في الزمن والتاريخ، وكل ما هو ناتج عن هذه الأفعال الإلهية "مُحدث" بمعنى أنه حدث في لحظة من لحظات التاريخ"1 .

اشتغل الغرباوي على النص ومُشكلات السياق، وكذا الحال مع (أبو زيد)، فقد حاول الغرباوي الكشف عن الدال في النص الذي ظل يُستخدم في حقله الدلالي واللغوي الأصلي و"التاريخاني" بعبارة عبدالله العروي من دون المساس به، وكأنه نص لا يقبل التأويل، أو من غير المسموح لنا تأويله!.

شارك الغرباوي علي حرب في تمييزه بين النص والخطاب، فالنص بحسب علي حرب "لا يحمل دلالته في ذاته دلالة جاهزة ونهائية، بل هو فضاء دلالي، وإمكان تأويلي، ولذا، فهو لا ينفصل عن قارئه" (ص9، نقد الحقيقة).

"النص ـ بعبارة علي حرب ـ ينص على المعنى الجوهري الأصلي" (ص24، نقد الحقيقة)، و"الخطاب حجاب" (علي حرب: نقد النص، ص8) لأن "الخطاب يُمارس بطبيعته حجباً للواقع" (نقد النص، ص13)

كتب الغرباوي في نقد مرجعيات الفكر الديني في مُحاولة منه للعب على (المسكوت عنه) وكأنه لاعب سيرك يمشي على حبل شبيه بالأعراف، ألا وهو الخيط الرفيع الذي يمشي عليه بعض السالكين بين الجنة والنار، فم يُتقن منهم اللعب سيعبر ليكون من أهل الجنة.

مثل ماجد سينجو ونحن القراء الفقراء (المُشاهدين) نلحظ مهارته وقلوبنا تدق وكل منا يُخاطب نفسه بالقول: إنه سيقع، وحينما ينتهي العرض نجد أن الغرباوي سار على الحبل ولم يقع.

ربما يُنتقد وتلك من ميزات الكتابة المُميزة إن كان صاحبها مُتمكن من أدواته، ولا أظن أن هُناك من يختلف معي من الذين قرأوا كتابات الغرباوي فيقول غير ما أقول في أن الغرباوي ماهر في نقده وغوصه في مرجعيات الفكر الديني التي هي في الأصل مرجعياته.

يبحث الغرباوي في مقاصد الدين وغاياته، وينتقد توظيفه الرجعي (الآثم) وما يعيشه دعاة هذا التوظيف من العيش فيما أسماه الغرباوي "أوهام الحقيقة".

رغم أن الغرباوي يعترف بـ "أن لكل نص سلطته" إلَا أننا نجده مُتمرداً لا يرتكن لسلطة نصية بقدر ما يرتكن لسلطة العقل.

عودته للنص بوصفه نتاج معرفي يستمد منه رؤيته لفهم جديد يُقوض الفهم القديم أو السائد، لذا نجده لا يهمل النص حينما يؤسس الآخرون لهم سلطة يدعون أنها من أصل من أصول وجود النص.

لم يكن الغرباوي سوى قارئ للنص أو مُتلق يعي ما يقرأ، فضلاً عن وعيه بحيثيات نشوء النص وشروحه وهوامشه، لذا نجده يكتب في نقد النص بوصفه مُتلق واع يعرف أن قيمة النص تزداد أو تنقص بمقدار ثقافة ووعي قارئه.

إن كل فهم إرتكاسي أو نكوصي للنص إنما هو نابع من ثقافة القارئ (المُتلقي) وبيئته، وكذا الحال مع القارئ المُتلقي (التقدمي) وهنا نقصد بهذا المفهوم هو مقدار ما يمتلك القارئ من شغف في القراءة وقبول التنوع والإختلاف الفكري والعقائدي بوصفه إضافة معرفية لما تختزنه الأنا.

يُميز الغرباوي بين النص والخطاب، فالنص عنده "مُغلق على منطوقه مهما بلغ من ثراء في مداليله".

"وأما الخطاب، فمُتحرر نسبياً بما تقتضيه تقنيته، لكنه مُغلق حول رسالته، لا يُمكنه التلاعب بها، بل تقتصر مهمته على إقناع المُتلقي وترسيخ إيمانه".

وهنا نجد أن الغرباوي يرى أن مهمة الخطاب هي مهمة رسالية أو عقائدية، بل وحتى أيديولوجية، وينبغي لمن يؤمن رسالية الفكرة تصديرها والدفاع عنها لا نقدها وتحليلها.

أما النص فهو كما صرح بذلك من قبل أستاذنا حُسام الدين الآلوسي أنه نص (استاتيكي) وكل ما فيه من حيوية و "ديناميكية" إنما تأتيه من القارئ أو المُتلقي، فإن كان ذلك القارئ ذا ميول "دوغمائي" ستجد أن النص مُقفل لا مساحة فيه ولا قبول لكل مُختف أو مُغاير، ولكن إن كان القارئ (المُتلقي) يعيش في مُجتمع مدني ويمتلك ثقافة فيها قبول للآخر فستجد يفك إنغلاقية النص ليجعله ناطقاً بالمحبة والمودة والدعوة للتسامح والتعارف.

لا يدعو الغرباوي لنقد النص لأنه يرى أن النص القدسي عصي على النقد، ولكنه يدعو للكشف عن ثراء المعنى الظاهر للنص أو الكامن فيه.

حاول الغرباوي في كتابه هذا الدفاع عن حرية المُعتقد، ونقد الفهم الفقهي القاصر للنص.

يرى الغرباوي أن سبب ما نعيش فيه من بؤس وتخلف ثقافي وفكري إنما هو نابع من "إمعان المذاهب الإسلامية في تشويه معالم الدين".

إن الدين برأيه له حقيقة واحدة، ولكن سُبل الوصول لها تتعدد بعدد أنفاس الخلائق كما يقول ابن عربي.

لا يختلف الخطاب الديني عن الخطاب الطائفي أو المذهبي، لأن في طبيعة التكوين فيهما نفي واقصاء للآخر، والخطاب الديني ليس الدين، بل هو فهم الدين كما يرى (عبدالكريم سروش).

74 majed600

في باب الكتاب الثاني (النص والحقيقة) أحالني الغرباوي لكتابات علي حرب "نقد النص" و"نقد الحقيقة" ولا أدعي تطابقهما بقدر ما أرى تناغمها وإنسجامهما في تبني لازمة أثيرة في سمفونية النقد للنص والإنشغال في "سؤال الحقيقة".

فالغرباي يرى في الخطاب نزوع نحو تبني موقف عقائدي أو أيديولوجي ما والدفاع عنه والترويج له، فالخطاب فيه استحضار وتغييب، والنص أداة بيد من يرم استحضار أو تغييب.

يبحث الغرباوي في نص القرآن عن آيات بينات تدعونا للتعقل وتبني الإيمان وفق منطق عقلي برهاني، والجميل البهي في كتابه هذا أنه لم ينشغل بأقوال الصوفية والعُرفاء وصيغ كتاباتهم الإنشائية بقدر ما كان مُنشغلاً باثبات عقلانية النص الديني، أو ما قال عنه بأن "القرآن يطمح لإيمان برهاني"، ولا تقدير عندي لمقصده لأنني أعرف أن خطاب القرآن فيه مقبولية لمن آمن على الفطرة أو آمن وفق مُقتضيات الخطاب الجدلي، وهناك بعض من البشر خصهم القرآن بقولة "الراسخون في العلم" وربما يكون هؤلاء هم الفقهاء، أو ربما يكون الصوفية وبلحاظ الآية "وإدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" ومن يدعو لسبيل ربه بالحكمة هم الفلاسفة، وربما يكونوا هم من قصدهم النص.

"الناقد هو الوحيد القادر على تحدي النص في مراوغته"، والمراوغة يعني بها الغرباوي "مراواغات الخطاب الديني" و "تزوير الوعي".

الإيمان خطاب عاطفي بحسب ما يرى الغرباوي، ومهمة "القراءة التأويلية" هي الحفر في "اللامُفكر فيه" ونقد ما أسماه الغرباوي "قبليات الوعي التراثي" وتجاوز تداعيات "المُهيمن الرمزي" الذي ظل عقلنا يستكين لمعطياته، وأظن أن في رؤيته هذه توظيف لمفهوم (بورديو) (الرأس مال الرمزي)، أو الإفادة من توظيف أركون لمقولات (بورديو).

"إن أزمتنا الحضارية أزمة عقل أولاً، فنحتاج لتفكيكه واعادة تشكيله وفق مبادئ ومناهج مُنتجة للمعرفة والقيم الحضارية".

كان جرأة الغرباوي في تفكيكه وتحليله وهو الخبير بمُضمرات النص وتفسيراته الفقهية تتجاوز في جراءتها بعض من أطروحات المُناهضين لسلطة النص والقبول بنزعته التسليمية.

في كتاب الغرباوي هذا كشف وتعرية للخطاب بوصفه "وعي زائف" بعبارة الماركسيين، ليحفر في (المسكوت عنه) في النص بوصفه (بنية معرفية) همهما نقد الوعي السائد للانتصار للوعي العقلاني المُضمر الذي لا تروم تفاسير المُفسرين الكشف عنه، ولا فقهاء الأزمان المُتعاقبة يرغبون بذلك.

من ميزات نتاج الغرباوي (العقلنة)، ونقصد بالعقلنة هنا هي محاولة الغرباوي مُقاربة النص مع الواقع، أو (التفسير الواقعي للنص) للخلاص من يقينيات التفسير الفقهي للنص.

سؤال الحقيقة هو سؤال الفلسفة التاريخي، ولكن هل تمت الإجابة عنه؟، بالتأكيد ستكون إجابتنا (كلا)، لأن في حال وجود إجابة يقتنع بها البعض سيتحول سؤال الحقيقة من كونه سؤال معرفي ليصير جواب لتفسير نزوع أيديولوجي، وذلك ما يبغيه الغرباوي.

كان جُل هم الغرباوي في كتابه هذا هو مُلاحقة سؤال الحقيقة وتشريح استفهاماته، كي لا تضيع في راكد القول، بقدر ما يُصيره أسئلة أخرى تستفز العقل النقدي وتفضح مراواغات النص.

رغم أن الغرباوي يرتكن بكتابه هذا لدحض الحجة بالحجة العقليق، وهو كتب في في تعلم طُرق (الحجاج)، إلَا أنه يرغب بأن يكون قوله شبيه برمية هدَاف في مرمى الخصم.

الخصم عنده ليس هو الحكم، لأنه يُفكك مقولات الفكر الديني بوصفه حكماً لاخصماً، فهو من نمت معرفته داخل فضاء هذا الفكر، ولا زال يعشقه ويرغب بالانتماء له، وإن صنفه من لا يفقه بأنه خارج عن النسق الموروث في تبني المُعتقد والدفاع عن مذهب.

ميزة الغرباوي أنه لا يخشى نقد ما سُميَ بـ "الخطوط الحمراء"، فهو يشتغل في الكشف والتعرية لخطاباتها لا لأنه يروم الكشف عن زيفها الضامر في أقوال وكتابات أصحابها، بل لأنه مُحب للحكمة، لذلك نجده يهيم في نقد الوعي (اللاتاريخي) السائد في فهم المُقدس سعياً منه لتصحيح مسار (المعرفة الدينية) وتجاوز أسطرته في المخيال (الشعبوي) والتغني بـ (اللامعقول الديني) لجعله مُنساباً ومُتسقاً مع الفهم (التاريخي) للنص في زمانيته ومكانيته.

لم يكن كما ظن بعض مُنتقدي الغرباوي أنه يبغي التقليل من قيمة المُقدس والديني في الإسلام (السُني أو الشيعي) اللذن نالا حظهما من نقد (الغلو) في دفاعهما الأعمى عن مُتبنيات يرتكنون إليه من دون دليل عقلي.

في كتابات الغرباوي جرأة المُفكر والكاتب الحُر الناقد للتمذهب بكل توجهاته المؤسطرة والمؤطرة، إسلامية كانت أم دينية مُغايرة، لأنه يرى أن جُلَ من يدَعون التدين لا يهمهم دين الله بقدر ما تهمهم مذاهبهم.

ما يخلص له الغرباوي في كتابه (النص وسؤال الحقيقة) هو أن كُل مُتبنيات التفسير الفقهي للدين إنما هي من مُتبنيات الفُقهاء، فلم يكن مُحمداً سوى بشر (وما أنا إلَا بشر مثلكم)، فكفى بنا فقداً لأنسنتنا ورمي أنفسنا ببراثن الجهل والأسطرة، ولنكف ولو قليلاً عن خُرافاتنا وإمعاننا في تجهيل من لا يعرف مضامين (النَص).

لينتهي بنا أن سؤال الحقيقة محاولة للتنشيط الفكر لا الاتيان بأجوبة جاهزة (مُعلبة)، وسيبق سؤال الحقيقة من مرامي من ينحو نحو الفلسفة، ولكن هذا لا يعني أن من ينحو نحو الإيمان أن يتخلى عن مساعي (النَص) في التماهي مع العقل وموافقته، وإن كان الإيمان أمراً شخصياً، فلا يعني ذلك تخلي العقل النقدي عن سعيه في كشف وتعرية المقول التسليمي المؤسطر (الخارج نصي) كما يفهمه دُعاة العقيدة من الذين لايقبلون سوى بتقبل النقل كما يراه من وثقوا به من أصحاب الدراية والرواية.

إنه استقالة العقل التي لا تنسجم وسؤال الحقيقة الذي يرنو للكشف عن زيف الخطاب ومراوغته في تجميل القول لخداع الآخرين من الذين لا يفقهون البنية اللغوية والحجاجية، بل وحتى البرهانية للنَص.    

 

 - الكتاب: النص وسؤال الحقيقة .. نقد مرجعيات التفكير الديني

- تأليف: ماجد الغرباوي

- 304 صفحات، حجم كبير

- الطبعة الأولى: 2018م

- إصدار مؤسسة المثقف – استراليا، ودار أمل الجديدة – سوريا

 

ا. د. علي المرهج – استاذ الفلسفة في الجامعة المستنصرية

.......................

1ـ نصر حامد أبو زيد: النص، السلطة، الحقيقة، المركز الثقافي العربي، بيروت ـ لبنان، ط1، 1995، ص71.

 

رائد جبار كاظمتعيش المجتمعات العربية والاسلامية المعاصرة حالة من الجمود والتخلف والركود الفكري والعلمي والمعرفي، الا ما ندر من صيحات حداثوية بسيطة هنا وهناك، واذا وجدنا بعضاً من مجتمعاتنا تمارس الحداثة في مجالات الحياة اليومية والبيت والمؤسسة فان ذلك لا يتعدى تلك الحدود ولا يمس العقل والتفكير بشيء، فتفكيرنا تقليدي بامتياز وعقولنا لا تتجرأ على طرح الأسئلة والنقد والتفكيك، لوجود موانع وتابوات تعيق التفكير وتحرمه، فأغلبنا يغادر التفكير الفاعل ويعيش التفكير المنفعل، نسلك طرق ببغاوية في طريقة تفكيرنا ونقلد الآباء والأجداد في ذلك الطريق.

لقد استطاعت المجتمعات الأوربية والغربية الحديثة الخروج من نفق الظلام والجمود والركود من خلال تغيير نمط التفكير السائد في مجتمعاتها، مما ساعدها على دخول عالم الحداثة والتجديد بشكل منتظم وسليم، أي ممارسة الحداثة والتحديث في نفس الوقت، على مستوى الفرد والمجتمع، مما جعل عملية الاصلاح والتغيير تمارس يومياً كسلوك فردي وجماعي يضمن النجاح للجميع، سواء في المؤسسة السياسية أو الاجتماعية أو التربوية والتعليمية أو الدينية، وهذا ما جعل لحظة الحداثة الغربية لحظة واقعية معاشة لا مجرد صيحات وشعارات فارغة يرفعها دعاتها بصورة فردية هنا وهناك. ولذلك كانت ثورة الاصلاح والتغيير في الغرب منذ قرون ثورة اصلاحية عامة شملت جميع المجالات الفكرية والحياتية والمؤسساتية والدينية والمعرفية، ثورة أقترنت بالنقد والتقويم والتفكيك، وهذا ما أدى الى نجاح تلك المجتمعات عملياً ورقيها وتقدمها في مجالات عدة بخلاف مجتمعاتنا العربية والاسلامية التي ترزح تحت أقدام الظلم والتعصب والكراهية والتخلف والجهل، مجتمعات لا تريد مغادرة تلك الأزمنة المتعفنة، وما يشجع على ذلك هو هيمنة السلطة السياسية من جانب والسلطة الدينية من جانب آخر، وبتزاوجهما وسطوتهما معاً على الفرد والمجتمع يحصل ما لا يحمد عقباه على أرض الواقع، وهذا ما لاحظناه على مر التاريخ البشري لكثير من المجتمعات، في حين أن العالم الغربي اليوم يسير بمنأى عن ذلك التفكير وتلك الهيمنة بنسبة ما تختلف عن طبيعة مجتمعاتنا المتشنجة، وهذا ما تكفله الحرية والتعبير عن الأفكار والآراء بصورة نقدية حرة لا تخضع لسلطة القمع والاستبداد والقتل والتعذيب.

74 majed600

ومن خلال تلك الأجواء الحداثوية والغربية الحرة نجد دعوات فكرية نقدية وثورية واصلاحية حرة ومتحررة تصدر من عقول مفكرين ومثقفين وكتاب عرب ومسلمين تنفسوا وعاشوا الحداثة بشكل يومي في الغرب، على مستوى البيت والمجتمع والمؤسسة والحياة والتفكير، وعلى أساس ذلك يحاولون نقل تلك الأجواء والأصداء الحرة الى مجتمعاتنا العربية والاسلامية، من خلال طرح مشاريع فكرية وثقافية تجديدية تحاكي الغرب وطريقته في التفكير والسلوك والنقد والثورة، ومن هذه الشخصيات والاسماء الفكرية المجددة يبرز المفكر والمثقف التنويري ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف العربي في أستراليا، وهو مفكر اسلامي تجديدي اصلاحي يبرز على الساحة الثقافية العربية والاسلامية اليوم، وذلك من خلال مشاريعه الفكرية الجديدة وطروحاته الفكرية المتنورة وكتاباته النقدية الجريئة، التي تحاول تفكيك التراث ونقده بآليات عقلية وفكرية حداثوية أقتبسها من محيطه وبيئته التي يعيشها في الغرب اليوم، وما كان للغرباوي أن يمارس النقد والتفكيك والتحليل والدعوة للإصلاح والتغيير لولا أجواء الحرية والحداثة والتغيير التي يتنفسها يومياً وهو في أرض الغربة، غربة عن وطنه وأرضه وأهله ومحبيه، ولكنه أستطاع بفكره ونقده وصبره تحويل تلك الغربة الى وطن، وتحويل هذا الوطن الى مؤسسة حرة وحيوية فاعلة يستظل فيها جمع من الكتاب والمثقفين والمفكرين التنويريين الذين يؤمنون بقيمة النقد ونقد النقد، والايمان بالآخر كقيمة الايمان بالانا والذات، وهذا ما أستطاع الغرباوي العمل عليه وتكريسه في مشروعه الفكري التنويري من خلال مؤسسة المثقف العربي الرائدة، التي استطاع من خلالها الغرباوي نشر طروحاته الفكرية من جانب، وتسويق فكره وكتاباته من جانب، وتأثيره على الكتاب والمثقفين من جانب آخر، وهذا ما يحسب له بصورة واضحة جداً، اذ كان بحق مؤسسة في رجل، واستطاع تجسيد تلك المؤسسة والافكار والنشاطات في سلوكه اليومي والثقافي ويشهد على ذلك الكثير، هذا من جانب غربة الوطن والمكان الذي أستطاع كسره وتجاوزه وتشييده لوطن يليق به ويعشقه، أما من حيث غربة الزمان والتاريخ، فأن الغرباوي لم يحاول الهروب من تاريخه وتراثه العربي والاسلامي والتمسك بتاريخ غربي جديد يريد تقليده وتمجيده، ولكن تاريخه ظل يرافقه طوال حياته منذ اللحظة الأولى لتشكيل وعيه وثقافته الى يومه هذا، ولكنه والحق يقال والذي يتضح من خلال سلسلة طروحاته وكتاباته الفكرية أنه نظر لذلك التاريخ والتراث بعين ثانية غير التي كان ينظر بها اليه وهو يعيش في البلاد العربية والاسلامية، فالفرد منا حين يفكر ويكتب يكون أسير المكان والزمان الذي يعيش فيه ولا يستطيع تجاوزه والقفز عليه بجرأة وجدية.

لقد استفاد الغرباوي من الأجواء الفكرية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي يعيشها في مجتمعه الغربي وحاول الاستفادة من تلك الأجواء للتفكير بهدوء في نقد المنظومة الفكرية والدينية الاسلامية ومحاولة تهذيب وتشذيب الكثير من الافكار والآراء التي علقت في فهم تراثنا، ونزع القداسة مما لا يستحق التقديس، وكشف الأقنعة والزيف المحيطة بكثير من النصوص والمعتقدات، وتعرية الخطاب الديني والسياسي، وبيان مدى التشابك الحاصل بين الأثنين لعقد الصلة بينهما لتحقيق المزيد من الهيمنة والتسلط، وتحقيق عوائد وأرباح طائلة من تصالح السلطتين معاً، وهذا ما أدى الى وجود دكتاتوريات فكرية وثقافية ودينية لا تقل عن الدكتاتوريات السياسية الحاكمة، بل للأولى قصب السبق في تأييد ودعم دكتاتورية الحكام والاحزاب والسلطات الحاكمة، من خلال تقديم سند ديني وشرعي لاستبداد الحاكم والسلطة السياسية المهيمنة، وقد لعب وعاظ السلاطين دورهم الكبير على مر التاريخ لتحقيق ذلك الهدف المقيت.

لقد عمل الغرباوي في العقود الأخيرة من فكره وحياته على زيادة مستوى النقد والثورة على الخطاب الديني والسياسي المهيمن على الساحة الاسلامية، وذلك من خلال مؤلفاته الكثيرة في هذا المجال، ونذكر منها على سبيل المثال : (اخفاقات الوعي الديني) و (الضد النوعي للاستبداد) و (جدلية السياسة والوعي) و(مدارات عقائدية ساخنة) وفي كتابه الأخير (النص وسؤال الحقيقة، نقد مرجعيات التفكير الديني)، وغيرها من الكتابات، وفي هذه الكتب والحوارات نجد الحضور الكبير للمشروع النقدي للغرباوي، والذي يفكك فيه الكثير من قضايا التاريخ والتراث والدين والسياسة والأيديولوجيا والمعرفة، ويكشف عن مستوى التحريف والتزييف في مستوى الوعي الديني للجماهير، من خلال سلطة الفقهاء وزيف التراث، والمنهج اللاعلمي السائد في سرد الروايات والنصوص وفي معالجة الافكار. وهناك وعي جديد ومتقدم في كتابات الغرباوي الأخيرة تختلف عن وعيه السابق في كتاباته الأولى، وهذا ما يلاحظ على فكره وكتاباته المتأخرة. 

وفي كتابه الأخير (النص وسؤال الحقيقة) لا يختلف الغرباوي عن سابق مؤلفاته ومنهجه وطروحاته، بل جاء الكتاب ليكمل مسيرته ومساره في عملية النقد والتفكيك الجريء الذي مارسه على نصوص وقضايا تراثنا الاسلامي، ويعمل الغرباوي على معاملة التراث الاسلامي عامة (بشقيه السني والشيعي) معاملة واحدة، بل تجده يُشرّح الفكر الشيعي قبل تشريحه للفكر السني، كي لا يؤخذ عليه أي نظرة للتعصب أو للنيل من تاريخ وتراث غيره، بل ويعمل على كشف عورات التراث الشيعي بقوة، ويعري الخرافات والأسطرة الموجودة في تراثه وتاريخه المشحون بالكثير من العثرات والمثالب.

يهدف الغرباوي في كتابه هذا الى وضع خط فاصل بين ما لله من (دين) وما للبشر من (فكر ديني)، وتحقيق الفصل بين الأثنين ولا يجوز الخلط بينهما وتشويه الأثنين معاً بأن نعطي ما لله للبشر، وما للبشر لله، وهذا ما أدى الى تشويه النصوص والافكار والتاريخ والتراث، وتم منح القدسية للكثير من الأفكار ورجال السياسة والدين مما وصل الامر الى حد الالوهية، وهذا ما أدى الى الغلو في الكثير من الأفكار والمعتقدات، والخروج عن الحد، كما في قضية الولاية التكوينية التي تطرف فيها الفكر الشيعي بشكل كبير ليتم منح الائمة صلاحيات مطلقة يشاركون الله في صفاته وأعماله، أو في تطرف الفكر السني في تقديس الصحابة، أو الهبوط بصورة الله الى مستوى الانسان، ففي الفكر الشيعي تم أعلاء مرتبة الأئمة الى مستوى الاله، وفي الفكر السني تم هبوط الاله الى مستوى الانسان، وهذا ما أدى الى تشويه الكثير من الافكار من خلال التلاعب بالنصوص وتفسيرها وتأويلها حسب متبنيات ومرجعيات الفقيه وأيديولوجيته، يقول الغرباوي : (المشكلة ليست في الدين كوحي الهي، وايمان يثري التجارب الروحية، بل في تحري مقاصده وغاياته وتوظيفه، وفهم دور الانسان في الحياة، وقيمة العقل في تطوره حضارياً. فثمة فهم أفقد الدين بعده الايجابي، وقدرته على تهذيب النفس وتنمية روح التقوى وكبح دوافع الشر. سببه فهم مبتسر لا يميز بين القضايا المطلقة والقضايا النسبية في النصوص المقدسة. ولا يميز بين الدين والفكر الديني، ويصر على تجريد التراث من تاريخيته والاذعان لسلطته وأحكامه). الغرباوي. النص وسؤال الحقيقة. ص 7.

ويعمل الغرباوي كما قلنا الى بيان قيمة النقد في كشف الحقيقة وتعددها، والعمل على ملاحقة المرجعيات والمصادر المعرفية والأيديولوجية لقارئ النص، فلا يوجد نص بريء ـ بعبارة التوسير ـ  فكل نص وقراءة وفهم وتأويل ذلك النص له أيديولوجية متبناة من قبل صاحبه، ولذلك يقول الغرباوي:  (ان نقد النص هو تعبير آخر عن سؤال الحقيقة، وهذه هي احدى مهام الكتاب وهو يلاحق مرجعيات التفكير الديني بحثاً عن مضمراتها، لفرز ما هو نسبي، وفضح مراوغات النص وتقنياته في وجود الحقيقة، لاستعادة الوعي واعادة تشكيل العقل وفق نظام معرفي يرتكز للدليل والبرهان في معارفه وعلومه، من أجل نهضة حضارية نستعيد بها انسانيتنا، ونستنشق رحيق الحرية، بعيداً عن سطوة التراث، وأسطرة الرموز الدينية) الغرباوي. النص وسؤال الحقيقة. ص 9                       

ان محاكمة النصوص والتراث بعقل نقدي متحرر قد يعجب جماعة ويرحبون به، ولكنه قد يزعج جماعة آخرين ويقلقهم، وبالتأكيد المجدد يرحب بالتجديد، والتقليدي والمحافظ يرفض ذلك تماماً، مدعياً أن كل منهج تجديدي حداثوي لا ينسجم ونقد الدين ومرجعياته، وكيف يتم نقد اللاعقلي بمنهج عقلي، وأدوات المنهج الحداثوي علمانية لا تتفق ومنهج الدين وافكاره ورجاله، هكذا يتم معاداة كل منهج أو مشروع نقدي يريد تغيير ادوات المنهج وتوعية الناس بكل ما هو جديد من العلوم والمعارف، وهكذا يكثر الظن السيء بين اتباع المنهج والفكر التقليدي تجاه أي تحديث يمس الحياة والدين والواقع. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فأن رجال الدين والناس يتعاطفون مع الكثير من الافكار التي ينتسبون وينتمون لها ومن الصعوبة اقناعهم بخطأ البعض من هذه الافكار، لأنها في عرفهم وعقولهم مسلمات ويقينيات مطلقة لا يمكن التشكيك بها، وقد أيد مقولاتهم تلك روايات تاريخية مهمة صدرت عن أئمتهم ورجال دينهم ومذهبهم وهي مطلقة لكل زمان ومكان فكيف تكون على خطأ وتتعرض للنقد والتضعيف؟ متناسين أو معادين لمسألة تاريخية النص وزمكانيته، من خلال ايمانهم بمطلقية الاحكام وعالميتها.

لعل الغرباوي والكثير من المفكرين المجددين على الساحة العربية والاسلامية يتعرضون للنقد والطعن والرفض من جهة المحافظين والمنتفعين من عامة الناس ورجال الدين، وتلك مأساتنا في واقعنا التقليدي المتردي، ولكن ستثبت الايام والسنوات القادمة ثبات الافكار الجريئة وصدقها وتهافت الكثير من الافكار التقليدية التي تخشى النقد والتجديد وتعاديه.  

من الأهداف التي سعى الغرباوي الى تحقيقها في تأليف كتاب (النص وسؤال الحقيقة) ما  يأتي:

1ـ محاولة النقد والاصلاح في منظومة الفكر والمعرفة والتراث الاسلامي والكشف عن النزعة الأيديولوجية السائدة في خطاب الفكر الديني الاسلامي.

2ـ محاولة تشكيل العقل الاسلامي وفق نظام معرفي يخضع لسلطة العقل والبرهان وبعيداً عن نزعة الأسطرة والتخريف الديني والفكري.

3ـ ملاحقة مرجعيات التفكير الديني بحثاً عن المضمر والخفي وراء تلك المرجعيات والنصوص، وبيان ما هو نسبي في معرفة وقراءة النص والحقيقة و(فضح مراوغات النص وتقنياته).

4ـ فهم متجدد للدين، من خلال الغوص في أعماق الظواهر الاجتماعية والدينية، والبنية الثقافية والمعرفية، بعقل نقدي وموضوعي متحرر من نزعة القداسة وسلطة اللامعقول، لبيان الوجه المشرق من الدين، وبناء مجموعة من القيم الانسانية المحترمة بين الشعوب والأمم.

5ـ زعزعة اليقينيات والمسلمات الدوغمائية التي يتمسك بها الفقيه ورجل الدين لدعم فكره ومعارفه، وإعطاء الاهمية للفرد وعقله في محاكمة الكثير من الافكار من دون خضوعه لهيمنة الروايات والتاريخ والمؤسسة الدينية المؤدلجة.

6ـ رسم صورة واضحة لدور النص وخطورته على وعي الفرد والمجتمع، كمرجعية معرفية وثقافية للعقل الديني، (فثمة مصفوفة يقينيات لا دليل على صدقيتها سوى روايات موضوعة).

هذا ما سعى اليه الغرباوي في كتابه ذي الصفحات (304) وفصوله الستة عشر، الصادر عن مؤسسة المثقف في استراليا ودار أمل الجديدة في سوريا عام 2018. وفق منهج نقدي تجديدي يحاكم النصوص والافكار ويكشف عن ما وراء النص وما قبله من أيديولوجيا وسلطة في بنية المنظومة الفكرية والمعرفية والدينية الاسلامية.

والمأخذ على رواد التجديد ـ ومنهم الغرباوي ـ أنهم يحرثون بأرض بكر في مجتمعاتنا المنفعلة من خلال مناهج معرفية وفلسفية عقلية متقدمة، لا تنسجم وعقول ونفوس الكثيرين من المتلقين والمخاطبين، أي عدم وجود الأهلية المناسبة لتقبل هذه الرؤى والافكار المتقدمة، فالعامة يحركهم من يستغل عواطفهم ومشاعرهم الطيبة البسيطة من المنتفعين من جهلهم وبساطتهم، ويحذروهم من مخاطر الحداثة والتجديد، ويؤلبون هؤلاء البسطاء والعامة على الافكار الجديدة ومواجهة تلك الآراء بالعنف والتطرف والارهاب.

وما يؤخد على رواد التجديد الديني الاسلامي ايضاً، منذ رفاعة الطهطاوي والافغاني وعبده واقبال الى يومنا هذا من المفكرين المعاصرين، أنهم يكتبون في فضاء فكري وسياسي واجتماعي غير الفضاء الذي يعيشونه ويحيونه، فالحرية الفكرية والاجواء الاجتماعية والسياسية وقيم التسامح والمحبة والاحترام والمدنية في الغرب هي غير التي عندنا من قيم، ولذلك فالمجدد والمفكر التنويري عندنا كثيراً ما يقع ضحية النقد المتعسف وفريسة الطعن والتشويه، وهذا ما يؤدي الى اغتراب المثقف وعزلته عن المجتمع تارة، وأن يكتب بلغة مغايرة عن المجتمع تارة أخرى.    

لقد أراد الكثير من رواد التجديد العربي والاسلامي نقل مجتمعاتنا الى مصاف الدول المتقدمة في الوعي والفكر، ولكن نسي هؤلاء أن طبيعة مجتمعاتنا تختلف تماماً عن المجتمعات الغربية في عاداتها وتقاليدها وثقافتها، هذا من جانب، ومن جانب آخر الاصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي والمعاشي قد طال الغرب وواقعه ومؤسساته منذ عصر النهضة الأوربي، أما نحن فنعيش حالة من التخلف والانحطاط والفقر والمرض على كافة المستويات، فالفكر مرهون بواقعه ومجتمعه، فكيف نتقدم ونزدهر ونتحضر من دون وجود أرضية مادية مناسبة تؤهلنا لذلك الرقي والصعود بين المجتمعات والأمم المتقدمة.

وما أخشاه من مشاريع التجديد وعليها هو الخوف من محاولة فرض المفكر المجدد لأيديولوجيته على عقول الناس وفرض وصايته وهيمنته عليهم والوقوع في فخ الأيديولوجيا بدلاً عن الخروج منه، تحت ذريعة وصاية المثقف وسلطة النص وممارسة الحداثة والتنوير وتخليص الناس من الأوهام والاصنام، وهذا ما يعمل على مواجهته والاذاعة له أعداء التجديد في مجتمعاتنا اليوم، وتحت ذرائع شتى ومنها محاولة الدفاع عن المقدس والحفاظ عليه، ومن الخطاب الفكري التجديدي الذي يؤجج الجماهير ويلهب حماسهم تجاه المفكرين، دون اعتماد منطق الحوار والنقاش الحر الهادئ، وتلك هي مشكلتنا المستمرة، لا توجد مناطق حرة ومتعددة لممارسة النقد والوعي، ولا توجد مناطق ثالثة ورابعة خارج منطق أرسطو الذي يهيمن علينا، وعدم اعتماد منطق العلم في تحليل ومناقشة الافكار، وهذا ما يعمل عليه الغرباوي في كتابه من خلال بيان الأوجه المتعددة للحقيقة وليس الوجه الواحد المنفرد، ومواجهة (اليقين السلبي) كما يسميه، بمنطق متعدد الحقيقة والقيم. 

 

د. رائد جبار كاظم - أستاذ فلسفة / الجامعة المستنصرية

 

299 عبدالجبار الرفاعي

 في خمسينيات وستينيات القرن الماضي سادت في العراق نزعة وجودية تستمد كثيراً من رؤاها وسلوكيات أصحابها من نزعة سارتر الإلحادية، وكامو في دعوته للتمرد في كتابه "الإنسان المُتمرد"، ولم تنل الوجودية المؤمنة مُتمثلة بجبريل مارسيل وسورين غيرغيجارد حظها في التأثير في ذلك الوقت، لكن يبدو أنها اليوم بدت أكثر حضوراً في كتابات كثير من مؤلفات أصحاب الفكر من العراقيين، وقد تجلت بأبهى صورها في كتابات د.عبدالجبار الرفاعي، لا سيما في كتبه: "مقدمة في السؤال اللاهوتي" و"الدين والنزعة الإنسانية" و"الدين والظمأ الأنطولوجي". وخاصة كتابه الأخير "الدين والاغتراب الميتافيزيقي" الذي تحدث فيه عن معنى كون الدين حاجة وجودية، قائلا: (الحاجةُ الوجوديةُ تعني أن الإنسانَ هو الكائنُ الوحيدُ الذي لا يكتفي بوجوده الخاص، لذلك يظلّ يعمل كلَّ حياته على تكثيف وتوسيع هذا الوجود كيفيًا وكميًا، أو رأسيًا وأفقيًا، لأن ذاتَه في حاجة تظلّ تلازمه كلَّ حياته، وتتمثّل في فقره الوجودي، لذلك يطلب وجودُهُ الاستغناءَ والخلاصَ من هذا الفقر، ولا يقف توقُه لإغناء وجوده عند حدّ. الدينُ منبع إشباع هذه الحاجة الوجودية، وعندما يفشل الكائنُ البشري في استيفاء هذه الحاجة يتعرّض للظمأ الوجودي "الأنطولوجي". ومن هذه الحاجة الأبدية يتوالد الظمأُ الوجودي المزمن، المضمَرُ تارةً والمعلَنُ تارةً أخرى، والذي يحاول الإنسانُ إرواءَه بوسائل عدة). كما خصص الرفاعي الفصل الحادي عشر من كتابه هذا للحديث عن: "الدين بوصفه حاجة وجودية"، وكيف يصاب الإنسان بإغتراب، عبر عنه بـ "الاغترابِ الميتافيزيقي" عندما لا يشبع هذا الحاجة الوجودية، فكتب: "يفتقرُ الإنسانُ في وجوده المتناهي المحدود إلى اتصالٍ بوجودٍ مطلق غنيّ لا نهائيّ لا محدود، وعندما لا يتحقّق له مثلُ هذا الاتصال الوجودي يسقطُ في الاغترابِ الميتافيزيقي. والاغترابُ الميتافيزيقي يعني أن وجودَ الذات البشرية وكمالَها لا يتحقّقان ما دامتْ مغتربةً في منفى عن أصلها الذي هو الوجود الإلهي". وأشار إلى أن هذا النوع من الاغترابِ لا يرادف تفسيرَه عند هيغل وفويرباخ وماركس وفرويد.

يحاول الرفاعي تجاوز مقولات نُقاد الفكر الديني، أو المُنغلقين على تفسير أحادي للدين، عبر سعيه للنظر إليه على أنه حاجة وجودية، كما يحتاج الإنسان للارتواء بعد عطش، وللغذاء بعد جوع، فإنه يحتاج الدين ليُزيل عن نفسه بعض من تصحرها المتأصل جغرافياً، وجفاف ينابيع المحبة عنده عبر استلهامه لما في الدين من نزعة إنسانية، وعلى الرغم مما في هذه الرؤية من شاعرية وهيام في مقولات الصوفية القائمة على الوجد و "الإنوجاد" وبُعدها عن توجهات أصحاب النزعة العقلانية النقدية، إلَا أنها تبقى تحظى بقبول كبير في وجدان من يهيمون بحب الله كي يستحضروا أسماء الله الحُسنى "الرحمن الرحيم" وغيرها من الأسماء التي تدعو للمغفرة والمحبة، في محاولة تنحو منحىً إنسانياً فيه إعلان وإضمار يحمل في طياته نقداً للتفسير الفقهي والكلامي المُنغلق للدين.

أظن أننا في خضم الهيجان والعاطفة الجياشة في الارتماء بأحضان الدين الطقوسي والشعائري، وفورة العُنف المُتأسلم نحتاج لفكر من هذا النوع يكتب صاحبه رؤاه وهو مُتصالح مع نفسه ومع الآخرين ومع الله مثل د.الرفاعي، وكم حاولت أن أسلك طُرقه في توزيع المحبة ونثرها كما يفعل هو، فلم أستطع، فأنا أستلذ بطعم محبته وهو على ما يبدو يستلذ بمُشاكستي، فأنا في نفسي نزوع نحو "التمرد" وهو يحمل في نفسه رايات بيضاء وحُلم صوفي يعشق الله بطريقته، فهو لا يرى الله في التقشف والزهد والنوم على الطرقات والأرصفة، فأنت قد تجد الله في قلبك حينما تصدق في محبتك لنفسك وللآخرين وإن خالفوك في رؤيتهم وتصورهم لله والوجود من دون مُمارسة عُنفية.

لم يكن منذ عرفته بنقد الآخرين، لأنه لا يظن أن الإنسان الفرد مقياس الأشياء جميعاً كما ذهب إلى ذلك (بروتوغوراس) فيلسوف السفسطائية، إنما مقياس الأشياء هو شعورك بها والانتماء لها بمشاعر فيها فيض من المحبة، لأنه لا يرى في الله سوى مُرادف لأنسنة يرتضيها كل بني البشر على ما بينهم من اختلاف ديني أو مذهبي أو قومي.

رغم أن الرفاعي يرى أن العقل الفلسفي عقل كوني، إلّا أنه يجد في العقل العرفاني ملاذه الحقيقي في طمأنينة النفس وثقتها بهبات "المُطلق" محاولاً تجاوز ميتافيزيق العلم الذي أوقعت (الوضعية المنطقية) به نفسها لتغادر منطقة مهمة من مناطق (الإنوجاد) الإنساني بالقفز عليها أو تجاهلها رغم حضورها المؤثر في حياة المُجتمعات، فليس بالعلم وحده يُبنى الإنسان، إنما لنزوعه الجمالي والأخلاقي والجمالي تأثيره الواضح والبيّن في بناء شخصيته.

لم ينشغل الرفاعي في مرحلته الوجودية هذه بالتدين الظاهري، ولا بنزوع بعض رجال الدين في (إزداواجية) خطابهم في حال مقارنته بسلوكهم الظاهري في أوساطهم الداخلية غير المنظورة للمتدين البسيط.

"لغة الدين" تكون أثرى حينما تتجسد "كلمة الله" في لغة بشرية، ولا يعني هذا اقتراب البشر من مرام الحقيفة الإلهية، إنما تشكل (كلمة الله) وفق مضامين بشرية رغم إمكانية مُفارقة التأويل والتفسير البشري للمقصد الأسنى إنما هو بعث جديد ل "لغة الدين"، لأن "لغة الدين" (تشي بالعبارة عندما تعجز الاشارة، والتلميح عندما يتعذر التصريح).

 

د. علي المرهج. "أستاذ الفلسفة في كلية الآداب في الجامعة المستنصرية".

429 كلام النصكتب من قبل نصر حامد أبو زيد كتابيه: "مفهوم النَص، دراسة في علوم القرآن" و "النَص، السلطة، الحقيقة"، وقد كان كتابه الأول مُختصاً في دراسة النص القرآني وطُرق تأويله، ولكنه أشار لعلاقة الاتصال اللغوي بين مُرسل ومُستقبِل، بل إن "حركة الفهم وفك شفرة الرسالة تتزامن مع عملية البث من جانب المُرسِل" (ص89) ليؤكد أن عملية فهم النصوص لا تبدأ من قراءة النَص، بل تبدأ قبل ذلك من الدوال الربطة بين الثقافة التي تُمثل أفق القارئ وبين النَص.

في كتابه "النَص، السلطة، الحقيقة" يؤكد أبو زيد على ضرورة اكتشاف دلالة النص من خلال تحليل مُستويات السياق" (ص91).

للمجاز والاستعارة في النص دور في تعددية القراءة والفهم، الأمر الذي يؤدي إلى تعددية الدلالة والنزاع حول الحقيقة، بسبب حضور التأويل الذي يُثري النص، ولكنه في الوقت ذاته يفتح أفقاً آخر سواء أكان هذا الأفق أفق رحابة أو أفق إنغلاق في الرؤية والفهم.

حاول علي حرب في كتابيه "نقد النَص" و"نقد الحقيقة"، أن يُغيب النص ليجعله نتاج كتبه مؤلفه وغادر ليضعه بين يدي قراءه، لذا فإن "كينونة" النَص عنده إنما تكمن في نقده وتفكيكه لاستكشافه من جديد، وتلك ميزات النصوص التي تصمد ولا تتهافت عبر الزمن، وقيمة هذا النَص في ما يُضمره لا في ما يقوله عبر قراءة "تُحوله من مُجرد إمكان إلى فعل معرفي مُنتج" (ص20، نقد النص). "فالقراءة نشاط فكري/ لغوي مُولد للتباين، مُنتج للاختلاف" (ص5، نقد الحقيقة)، النص مرآة القارئ، وكل نص جدير بالقراءة إنما هو نص يُثري قارئه، ولا يحمل (في ذاته) دلالة جاهزة ونهائية.

 إن كل فهم ارتكاسي أو نكوصي للنص إنما هو نابع من ثقافة القارئ (المُتلقي) وبيئته، وكذا الحال مع القارئ المُتلقي (التقدمي) وهنا نقصد بهذا المفهوم هو مقدار ما يمتلك القارئ من شغف في القراءة وقبول التنوع والإختلاف الفكري والعقائدي بوصفه إضافة معرفية لما تختزنه الأنا.

يعتقد أبو زيد أن "الأيديولوجي يُمثل عصب الرسالة، إنه يطغي طُغياناً حاداً على المعرفي"، وهذه الرؤية تبدو جلية في النصوص الدينية والدعائية.

لا تتحقق نصية النَص ـ بحسب ما يرى أبو زيد ـ إلَا من خلال فعل القراءة ذاته" (ص110).

في طرحه المُغاير لما ذهب إليه أبو زيد وعلي حرب يُحاول الناقد ياسين النصير في كتابه "كلام النَص" طرح رؤيته المُستمدة من تجربته في قراءة النصوص ونقدها، فتسعد برؤيته هذه وإن كُنت من الذي له القدرة على حفظ الأقوال الجميلة المُكتنزة في المعنى والمبنى، فلك أن تجعل من رؤية النصير وتجربته بمثابة (عتبات) تُمكننا من فهم النَص بوصفه عملاً تتحكم به ثلاث مُستويات، أو "تكوينات" كما أسماها.

يُشبه النصير النَص بالشجرة، "فالشجرة نَص مؤلف من جذر وجذع وأغصان، سيكون الجذر، وهو التكوين غير المرئي، حاضراً الجذع والأغصان، ويكون الجذع هو اليومي والمُباشر للرؤية والحي في حياتنا اليومية، هو النص المرئي المقروء، الذي نُباشره بحواسنا، ويكون استقباله مُتجسداً كصور ذهنية واعية، بينما تكون الأغصان وفروعها وثمارها، التأويلات التي تنتج عن القراءة، الثمار التي تنفتح على القراءات والرؤية والاستثمار".

يشتغل النصير في "كلام النَص" على ثلاث مُفردات أساسية: الكلمة، الجملة، العبارة، بوصفها فضاءات عائمة قبل دخولها النَص، ثم على طرق تشكلاتها ودلالاتها خارج النص، ومن ثم كيفية بنائها داخل النص.

يُحدد النصير ثلاثة أشكال لـ "كلام النَص" هي:

1ـ كلام النَص الذي يسبق الكتابة، أي مرجعيات النص.

2ـ كلام النَص الذي يُمثله الكلام المكتوب، وهو كينونة النَص التي تتشكل عند مُنتجه من قراءة وتأويل وتأمل واستبصار.

3ـ كلام النص الذي تُتجه القراءات، وهو النص حينما يُحلق خارج هيمنة الرؤية التي أراده المؤلف له.

النص فضاء سواء أكان هذا الفضاء واقعياً، أو مُتخيلاً، أو افتراضياً.

لم يهتم النصير بفضاء النص الداخلي بقدر ما كان مُهتماً بتشكيلات النص الإبداعية فضائياً، لأن "اللغة في النَص فضائية بحد ذاتها".

"اللغة كائن مُتحرك، وهي نتاج اجتماعي يؤسس بها الإنسان مُجمل علاقاته الحياتية".

"حائك الكلام" هو "الحائك الكوني"، "راو كوني" مُختص بنسج الحكايات الصغرى لتصبح عند البشرية "حكايات كُبرى" بحسب ليوتار، وكلما كانت الحكاية كُبرى كُلما امتلأ الفضاء بالتأويل، والمؤلف هو من يمتلك اللغة الموجهة كخطاب لهدف ما، فالمؤلف هو من يُعيد انتاج وتنظيم كلام حائك الكلام.

النص بحسب ما يرى النصير "لغة فضائية"، ناقلة للموجود والمُتخفي، ولا شيء غير اللغة تُعيَن وجوده كفضاء، بل أن لغة تأليف النَص هي رسالة مُركبة، غامضة، بحد ذاتها، فهي لا تعني تأليفاً لكلام يفهمه القُرَاء سابقاً، إنما تعني أن التأليف كلام يُساعد القُرَاء على استحضار مخزونهم اللغوي، التأليف حافز والحوافز لا تأتي إلَا بوجود حدث غامض يتطلب حلاً على رأي (بروب).

قيمة الكلمة أو الجملة أو العبارة وانص الذي ألف هذه التكوينات إنما يكمن تحسسها في فضاء القول الذي تآلفت فيه، لذا ينبغي على المؤلف أن يُراعي فضاء الكلمة والجملة والعبارة الداخلي والخارجي، بل والفضاء الذي تتموضع فيه هذه التكوينات.

ما يُميز كتاب النصير هذا "كلام النص" أنه لا يشتغل على المركز بقدر ما يشتغل على الهوامش، أو (المسكوت عنه) في فضاء انتاج النص وتعالقه المحيطي اجتماعياً وثقافياً ودينياً وسياسياً واقتصادياً، بل وميثولوجياً، فلكل نص في إنتاجه أو في قرائته بعد ميثولوجي يرنو له المؤلف ويُفسره القارئ ويؤوله بحسب منظومته (الفكروية) = (الأيديولوجية)، أو (الأبستيمولوجية) = (المعرفية) للكشف عن معان خفية تكشف عنها الطاقة الإبداعية للقارئ الذي ينفي "لغة النَص" لينتج لغته هو بحسب مقدار ما يمتلكه من ثقافة ووعي جمالي (ليبرالي) مُنفتح، أو (دوغمائي مُنغلق).

لكن النصير يستعين برؤية (نورثروب فراي) في كتابه "تشريح النقد، كي يُخلص النص من سطوة الفهم "الأرثذوكسي" المُنغلق بإيمانه أن "النقد يستطيع أن يتكلم، في حين كل الفنون خرساء".

ومن سمات النقد الواعي للنص أنه يفهم لغة النص وفنونه، لأن "لكل فن جملته ذات التراكيب الخاصة بنوعيته، ولا يُمكن أن تتشابه جُملة القصة القصيرة وجُملة القصيدة أو الرواية وجملة المسرحية أو جُملة اللوحة الفنية، أو المقطوعة الموسيقية...إلخ.

يؤكد النصير أن "النص هو الكتابة المُفكِرة، والكتابة تعني خلقاً جديداً للتفكير، فليس ثمة نص نهائي، كل النصوص (الإبداعية) هي ابتداء، واستهلال، ودائماً ما نضعها نحن القراء موضع النقد والشك ومُسائلتها، بل وفي أحياناً كثيرة مُحاكمتها.

"الكتابة هي نَصية النَص"، وهي "ترياق" بعبارة (جاك دريدا) وليست سُماً. "النص هو حدَ كينونة الفاعلية التأويلية".   

 

د. علي المرهج

 

 

 

نضير الخزرجيما من مجموعة بشرية على وجه البسيطة، صغيرة كانت أو كبيرة، إلا ويحكمها القانون، إن كانت في إطار قبلي أو عشائري أو مناطقي أو قومي أو عرقي أو ديني، أو في الإطار العام في ظل سلطة حاكم تنظم حياة الجميع وتنظر إليهم بعين واحدة، فالقانون أو التشريع هو المظلة التي يستظل تحتها الإنسان تحميه من عاديات الزمان ومن تقلبات الأهل والخلان وما ليس في الحسبان، والقانون هو المنظم للحياة وبه يستبان الخيط الأبيض من الخيط الأسود من فجر الحقيقة والواقع.

وليس القانون وسريان التشريع وقفا على بني الإنسان وإنما هو حكم الله في كل ما خلق، قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) سورة الأنعام: 38، وهذه حقيقة ظاهرة للعيان، قد لا يدركها الإنسان البسيط، ولكن العلماء الذين يدرسون عالم المخلوقات على إيمان كامل بأنَّ لكل فصيلة مخلوقة من غير الإنسان قوانينها، وحتى قولنا (قانون الغاب) هو في واقعه قول مجازي في مقابل قانون المدنية، وإلا فإن السباع يحكمها قانونها الذي أودعها الله فيها.

وما من مجتمع إلا وهو بمسيس الحاجة الى تشريع ينظم حياته، وقد ينظم هذا القانون ويجري أحكامه حاكم عادل أو يجريه حاكم ظالم مع الإختلاف في الأدوات لأنه لابد للأمة من حاكم يدير أمورها، وبتعبير الإمام علي(ع) في ردّه على الخوارج الذين رفعوا شعار: "لا حكم إلاّ لله": (لا بدَّ للناس من أمير بَرٍّ أو فاجرٍ يَعملُ في إمرته المؤمنُ، ويَستمتعُ فيها الكافر، ويُبلِّغُ اللهُ فيها الأَجَلَ، ويُجْمَعُ به الفيءُ، ويُقاتَلُ به العدُوُّ، وتأمنُ به السُّبُلُ، ويُؤْخَذُ به للضَّعيف مِنَ القوي حتى يستريحَ بهِ بَرٌّ ويُسْتَراحَ مِنْ فاجرٍ) وفي نص آخر: (حُكْمَ الله أنتظرُ فيكم. أمّا الإمْرَةُ البَرَّةُ فَيَعْمَلُ فيها التقيُّ، وأمّا الإمْرَةُ الفاجرةُ فَيَتَمَتَّعُ فيها الشقيُّ إلى أنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ وتُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ) نهج البلاغة: خطبة 40، وقراءة متأنية لمراحل سقوط حاكم أو سلطة ومجيء آخر ننعته فيما بعد بالظلم والطغيان، نلاحظ أن هذا الطاغية أو المجموعة الإنقلابية تستفيد من تخلخل القانون أو غيابه وضعف العدالة أو انعدامها، في الإستحواذ على الحكم وقد تتقبل الأمة التي سئمت من الحاكم السابق ويئست من الإصلاح، الوضع الجديد حتى وإن جاء على بحر من الدماء لأنها تبحث عن تطبيق القانون مهما تكن الأداة المنفذة، والحاكم الجديد يعرف أين مربط الفرس من المشكلة فيعطي للأمة في بادئ الأمر مرادها وإن على مضض، ثم تكتشف طغيانه بعد أن يكون قد أمكن نفسه من كل السلطات، ووقع الفأس في الرأس.

ويُعرف النظام السياسي الناجح بمدى تطبيقه للقانون مدنيا كان أو إلهيا، وإن القانون المدني السليم في معظمه لا يتعارض مع الشريعة حتى وإن كان من بنات عقل الإنسان، لأن العقل البشري السليم لا يتعارض مع الفطرة، وقوانين الشريعة متجانسة تماما مع الفطرة، فالخير خير والشر شر وهما أمران عقليان يتقبلهما كل كائن بشري مهما كانت معتقداته الدينية، فالسرقة شر والعطاء خير، وإزالة الأذى عن الناس في الطريق العام خير ومزاحمتهم فيه بما يؤذيهم شر، والجمال والزينة المتشاكلة مع الفطرة السليمة خير والشذوذ الجنسي المتعارض مع الفطرة السليمة شر، وهذا في كل أمور الحياة. 

تشريعات نافذة

وفي الشرع الإسلامي فإن المعصوم هو المفسر والقرآن الناطق لما أنزله الله من آيات لتنظيم حياة الإنسان في كل صغيرة وكبيرة، ولمّا كان الإمام الحسين(ع) من روضة المعصومين الناطقين بالقرآن، فإن قوله وفعله وتقريره حجة، وقد شرع الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في باب (الحسين والتشريع الإسلامي) من موسوعته الفريدة (دائرة المعارف الحسينية) في استنطاق النصوص والروايات الصادرة عن الإمام الحسين(ع) أو المنسوبة له واستخراج الأحكام الشرعية منها، وحديثا (2018م) صدر الجزء  السادس من الحسين والتشريع الإسلامي في 460 صفحة من القطع الوزيري عن المركز الحسيني للدراسات بلندن، وهذا الجزء يمثل المجلد رقم (114) الصادرة حتى الآن من نحو 900 مجلد في ستين بابا من أبواب المعرفة المتحورة كلها حول النهضة الحسينية المباركة.

وحيث ضم الجزء الرابع وقسم من الجزء الخامس من (الحسين والتشريع الإسلامي) في باب الفقه كتاب الطهارة، وحيث ضم بقية الجزء الخامس كتاب الولادة، فإن الجزء السادس هذا ضم كتابي الجنائز والتجمّل.

وتوزعت أحكام كتاب الجنائز على العناوين التالية: الجنائز، غسل السقط، غسل الميت المُحْرِم، تغسيل الميت المُحْرِم، الدعاء على القبر، دعاء المقابر، شق الجيب وتوابعه، الشق والخمش والدعاء بالويل، النياحة، حكم النياحة، قيام المؤمن لجنازة المخالفين.

فيما توزعت أحكام كتاب التجمّل على العناوين التالية: التجمّل، الخضاب بالسواد، الخضاب بالحناء والوسمة، الخاتَمُ والتختُّم، التختُّم باليد اليسرى، نقشُ الخاتَم، التختم بالعقيق، الخزُّ، لبس الخزّ، الشهرة ولباسها، تغطية الرأس، الحجاب، الفراش، أثاث المنزل، مراسم العيد، وزينة العيد.

وفي كل هذه المسائل والأحكام صرف المحقق الكرباسي جهدا فقهيا ورجاليا وحديثيا لاستخراج الأحكام الإسلامية من النصوص الحسينية وتيسيرها للفقيه والمتعلم ولعامة الناس، وبيان الموقف الشرعي للمذاهب الإسلامية القائمة اليوم من هذه المسألة الفقهية أو تلك. 

تنُّور المشاعر

تتكور داخل الإنسان كتلة مشاعر وأحاسيس تعلو محياه مرة وتؤول الى مستقرها مرة وأخرى، وإذا فار تنُّورها تجاوزت تقاسيم الوجه من فرح أو حزن الى أعمال وافاعيل مستعينة بالجوارح، كأن تدمع عين الإنسان من شدة الفرح أو يطير جذلا ويرقص خلافا لما عليه هيئته وشخصيته في ساعة الصفا والطمأنينة، أو يترك شلال الدموع تجري بغزارة لهول المصيبة ووجعها، ويترك العنان ليديه تشق جيب لباسه أو يطلم على الرأس والصدر والوجه ويخمش الوجه وقد يزيد على ما ليس من طبيعته، وبخاصة لدى الأنثى ذات المشاعر الجياشة والأحاسيس الرهيفة.

وأكثر ما تستعمل الجوارح عند حالات الحزن لفقد عزيز من نسب أو سبب، حيث تهيمن على المفجوع شحنات شديدة القصف والعصف على صدره وفؤاده.

ولكن يا ترى ما هو الحكم الشرعي في مثل هذه المواقف؟ وهل للإنسان أن يترك بوابة مشاعره دون مصارع وأقفال؟

هذا التساؤل المشروع يجيب عليه الفقيه الكرباسي في "كتاب الجنائز" عند تعرضه للنصوص الحسينية  المتعلقة بهذا الباب.

ولعلَّ من أجلى علامات الحزن الشديد على الفقيد هو شق الجيب أي طوق الثوب وفتحة الصدر، فإذا ما جاشت المشاعر عند المهموم عمد الى شق جيبه إشعارا للآخرين بعمق الغم الذي خيم على صدره وغوره، وهي عادة قديمة لدى العرب تطرق إليها الشعراء، من ذلك قول طرفة بن العبد الوائلي المتوفى نحو سنة 60 قبل الهجرة مخاطبا ابنة أخيه، من بحر  الطويل:

فإن متُّ فانعيني بما أنا أهله *** وشقِّي عليَّ الجيبَ يا ابنة معبد

ومن مظاهر الحزن الشديد خمش الوجه وجرحه بأظافر اليدين حتى يسيل الدم، وحلق الشعر أو نشره وفتح جديلته إيذانا ببدء الحزن، ومن ذلك إشارة الشاعر المخضرم لبيد بن ربيعة العامري المتوفى سنة 41 للهجرة مخاطبا ابنتيه، من بحر الطويل:

فقوما وقولا بالذي تعلمانه *** ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعرا

ومن مظاهر الحزن الويل على النفس والدعوة للموت والهلاك، ومن ذلك قول الأعشى ميمون بن قيس الوائلي المتوفى سنة 7 قبل الهجرة، من بحر البسيط:

قالت هريرةُ لمّا جئت زائرها *** ويلي عليك وويلي منك يا رجُلُ

ومن مظاهر الحزن الثبور على النفس والدعوة لفنائها، ومن ذلك قول النابغة الذبياني زياد بن معاوية المتوفى سنة 18 قبل الهجرة، من بحر الكامل:

تعلّمْ أنه لا طير إلا **** على متطير وهو الثبور

فالجوارح الظاهرة حاضرة عند الأحزان، وهو تعبير بشري عن مساحات الحزن وأعماقها، لكن الإسلام جاء وهذّب الكثير منها وشذَّبها، بوصف الموت حق به قهر الله عباده وهو محطة لابد منها نحو الحياة الأبدية، وهو حاكم على الكل بلا استثناء، قال تعالى لحبيبه محمد (ص): (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) سورة الزمر: 30، وقوله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) سورة النساء: 78، وهنا يتابع الفقيه الكرباسي النصوص الواردة عن الإمام الحسين(ع)، من ذلك وصيته عليه السلام لشقيقة زينب الكبرى عليها السلام: (أُخيّة إني أقسمت عليكِ فأبرّي قسمي، لا تشقّي عليَّ جيبا، ولا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تدعي عليَّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت)، وقد ناقشها من حيث السند والدلالة وأفاض فيها بخاصة وقد وردت في مسألة شق الجيب على الميت كما أشار الكرباسي طائفتان من الروايات، طائفة ناهية في ظاهرها وطائفة مبيحة، وقد ذهب الفقهاء في هذا المجال أربعة مذاهب، الأول: عدم جواز الشق في غير الأب والأخ، والثاني: جوازه للنساء مطلقا وحرمته للرجال، والثالث: المنع مطلقا، والرابع: الجواز مطلقا، وينتهي الفقيه الكرباسي الى القول: (فالجمع -بين الطائفتين من الروايات- والعقل لا يمنعان من إظهار المصاب بالشكل الذي لا يضر الإنسان نفسه .. وربما قلنا بجواز الشق على كل من عظّمه الإسلام، وهذا لا يعني جوازه في ذكرياتهم السنوية ومنها في ذكرى يوم عاشوراء من كل سنة، بل هو مختص بالنعي في وقته وإن تأخر نعيه بعد حين، وعليه فلا يجوز الشق في إحياء مجالس العزاء للمعصومين عليهم السلام، نعم يجوز الشق بعنوان آخر فيما إذا وقع ضمن مسرح أو فلم أو أمثال ذلك لشخص الممثل دون غيره).

أما بالنسبة إلى خمش الوجه بالأظافر: (فهو الآخر قد دلت عليه الروايات الناهية ولم نجد هناك في الروايات المجيزة ما يدل على جواز الخدش او الخمش بل الذي دل عليه جوازه هو شق الجيب أو الثوب ولطم الخد، وأما الخدش أو الخمش فهو محرم فلم يدل دليل على جوازه لا عند الإمامية ولا عند غيرهم).

وحاصل الأمر من كل هذا كما يذهب إليه الفقيه الكرباسي: (إن الدعاء بالويل والثبور غير مرغوب فيه شرعا، وأما البكاء والحزن بشكل عام ما لم يخرج عن حدّه المتعارف هو أمر لم ينه عنه الشرع الشريف، وإن كان الصبر بالطبع أفضل لمن هو قادر على ذلك). 

زينة المرء

هناك فهم خاطئ يسيطر على البعض بأن تقرب العبد إلى المعبود يستدعي عدم الإهتمام بالمظهر الخارجي من ملابس نظيفة وزينة وتعطر وتمشيط شعر الرأس واللحية، غير آبه لمؤدى قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ) سورة الأعراف: 31- 32.

وفي المقابل هناك من يأخذها عريضة مرة وطويلة مرة أخرى ولا يبالي بالعرف الإجتماعي العام فيتخذ لنفسه زينة شهرة وتفاخر بين الناس وبخاصة في مجال اللباس، غير مكترث لمفهوم الزينة والتجمل والمظهر الحسن، وهذا الذي لا يرتضيه العرف ويرفضه الشرع الذي ينظر الى المصلحة المجتمعية العامة، والمراد بلباس الشهرة معًا كما يؤكد الفقيه الكرباسي: "هو الثوب الذي يحب مرتديه أن يبرز نفسه بين الناس عبر ما لبسه ليُذكر بذلك، بل ويتفاخر به، والذي يوجب التبختر والتكبر .. وكذلك مما فيه الفخامة والعظمة والتجبر".

ويعد لباس الشهرة والتفاخر من الأمور المبغوضة التي تخل بالميزان العام للمجتمع، لأن الله كما يحب أن يظهر المرء نعمته عليه بين الناس بالمظهر الحسن لا يرتضي له أن يتصنَّع التميُّز على الآخرين بالمظهر الخارجي محاولة منه لتسليط الضوء عليه، وهو يدخل في باب التكبر والتبختر ويبعد عنه محبة الله كما في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) سورة النساء: 36، ولذا يرى الفقيه الكرباسي أنه: (يكره كراهة شديدة إرتداء ثوب الشهرة) لما ورد عن الإمام الحسين عليه السلام: (من لبس ثوبا يشهره، كساه الله يوم القيامة ثوبا من النار) أو قوله عليه السلام: (من لبس مشهورا من الثياب أعرض الله عنه يوم القيامة)، فالغلظة في الكراهة يُراد منها في واقع الأمر حماية المجتمع ممن يريد أن يخل بسلامته، فليست هناك حرمة، ولذا يضيف الفقيه الكرباسي: (لم أجد خلافًا بين الفقهاء في كراهة ارتداء لباس الشهرة سواء عند الإمامية أو عند المدارس الاخرى، فليس هناك من دليل من الكتاب على حرمة ذلك إلا العموميات أو مفهوم بعض الآيات من ذم حب الشهرة وذم المتكبرين الواردة في المقام).

كما لا تعارض بين الزهد والنظافة والتطيب، بل من الزهد الواقعي أن يكون الزاهد نظيفا على الدوام، فكما يحافظ على وضوئه تعبدا يحافظ على نظافته زينة وتعبدا، وليس أزهد على وجه الأرض من النبي محمد(ص) الذي كان الطيب لا يفارقه، وهو القائل: "إنَّ الله طيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ ونَظيفٌ يُحِبُّ النظافة"، بل ويؤكد على كل ما فيه مصلحة الإنسان والمجتمع ومظهرهما الحسن، وقد ورد عنه صلوات الله عليه: "حسِّنوا لباسكم وأصلحوا رحالكم حتى تكونوا كأنكم شامة من الناس"، وفي الحديث النبوي: "إن اللّه جميل ويحب الجمال".

ومن الجمال والزينة صبغ الشعر للرجل بالسواد، والخضاب بالحِناء وأمثالها من الصبغيات، ومن الجمال حجاب المرأة، ومن الجمال زينة العيد، ومن الجمال أثاث المنزل بخاصة إذا كان هو من مهر المرأة، ومن الزينة المحببة التختم بالعقيق.

وعلى ذكر الزينة والتطيب بالاستناد الى مرويات الإمام الحسين(ع)، يضع المحقق الكرباسي مائزا بين مفاهيم المراسيم والطقوس والشعائر: (فالمراسيم: فهي جمع المرسوم وهي تعني المكتوب والمتعارف القيام به في عرف مجتمع من المجتمعات .. ويعبر عن هذا النوع من المراسيم في المصطلحات الإجتماعية الحديثة بالطقوس أيضا، وإذا ما أيدتها الشريعة الإسلامية السمحاء أخذت طابعا إسلاميا، فإن كان عباديًا قيل له شعيرة والتي يمكن إدخالها تحت الآية الكريمة: "ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب"- سورة الحج: 32-، وإذا لم تكن تلك العادة عبادة أُطلق عليها المرسوم، وإذا لم تعترض عليها الشريعة الإسلامية كانت مباحة بمعنى أنها جائزة الفعل أو الترك أي على الأقل ليس فيها حزازة أو ملامة، ومن تلك الطقوس الدينية: التنظيف، والتطهير، والتطييب، ولبس الملابس الفاخرة، وتقديم التبريك والتهاني، وتقديم الهدايا، وأمثال ذلك). 

جمالية الموسوعة

ومن الجمالية في كل جزء من أجزاء دائرة المعارف الحسينية، أن مؤلفها الكرباسي يزينه بمطالعة لأحد أعلام الأمة يقدم فيه رأيه في الإمام الحسين(ع) ونهضته المباركة وفي عموم الموسوعة الحسينية وخصوص الجزء الذي يطالعه ويقدم له، وقد تزين الجزء السادس من (الحسين والتشريع الإسلامي) بمطالعة باللغة الألبانية للأستاذ الحاج فولنيت ميرجا (Shejkj Haxhi Vullnet MERJA) وشهرته الشيخ عباس، رئيس جمعية فيلادي (Kryetar i Shoqates FILADI) في العاصمة الألبانية تيرانا، الذي يؤمن بأنه: (على الرغم من تقسيم المسلمين إلى مذاهب وتيارات ومدارس فقهية مختلفة، لكنها ترى مجتمعة بأن حب الإمام الحسين بن علي(ع) هو حب الله استنادا الى الحديث النبوي المتواتر: حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا)

وعن النهضة الحسينية أكد الاستاذ ميرجا: (إن النهضة الحسينية لها أبعاد مختلفة من دينية وأخلاقية وإجتماعية وإنسانية، وهي على المستوى البشري ترمز الى الحرية والإستقلال والعدالة والرشاد بغض النظر عن الأمة واللغة والعرق واللون).

ولأن هذا الجزء من الموسوعة في كتاب الجنائز يتحدث عن البكاء، فإن رئيس جمعية فيلادي الألبانية يتساءل بحرقة: لماذا نبكي الحسين(ع)؟ ويجيب: إن كل حركة تعبوية وفعل نهضوي يسعى إلى إقامة العدل يستدعي إظهار المشاعر والحب والحقيقي، ومن هذه المشاعر ذرف الدموع على سيد الشهداء الذي قدّم كل ما يملك من أجل رسالة السماء، ومن كان هذا شأنه حري أن تذرف لمأساة كربلاء الدموع لترابط العَبرة بالعِبرة).

وحري لمن وظَّف كل ما يملك وأوقف جوارحه وأنفاسه الصاعدة والنازلة من أجل توثيق النهضة الحسينية عبر "دائرة المعارف الحسينية" أن يقف له العالم إجلالا وتعظيما.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

422 الجنونصدر مؤخراً كتاب بعنوان (الجنون قبل الطب النفسي)، عن دار (أوديل جاكوب Odile Jacob)، وهو كتاب تشارك في كتابته عدد من المؤلفين، وذلك بإدارة الطبيب النفسي - العصبي Neuropsychiatre (بوريس سيرولنيك Boris Cyrulnik)، والطبيب العصبي (باتريك لوماركي Pierre Le Marquis)، بالإضافة إلى ثمانية مؤلفين آخرين. قام أحد البرامج الإذاعية لراديو (فرانس إنتير France Inter)، وهو برنامج (الرأس المكعب La tête au carré)، بإستضافة سيرولنيك ولوماركي للكلام عن ذلك الكتاب ومواضيعه وذلك في شهر أيلول من عام ٢٠١٨.

وهذه ترجمة لأهم ما جاء في تلك الجلسة الحوارية.

عن الجسد والنفس، وعن أخطاء ديكارت وفوكو

في بداية الحلقة يُسأل بوريس سيرولنيك (لماذا هذا الرجوع للجنون قبل الطب النفسي؟)، فيجيب بأن الجنون أثار اهتمام البشر منذ القدم، من نبوخذنصر (ذكر ذلك الملك حرفياً)، بل حتى الفترات السابقة مثل فترة المتحجرات، إلى يومنا هذا، ولم نعرفه تعريفاً نهائياً. فنحن نعرفه دائماً حسب أدوات زماننا، ففي فترة التي غلب فيها الاعتقاد بأنه تلبس للأرواح قمنا بالبحث عمن تسبب في ذلك من سحرة مثلاً، وفي فترة ساد فيها الإعتقاد بأن الجنون هو ذنب ومعصية قمنا بمعاقبة المرضى، ثم بعد إبتكار الآلات ذاتية التحرك والساعات بتنا نقول أنه إختلال في تعشّق عتلات الدماغ ومسنناته، وكان لتطور الكيمياء السبب في أن ندخل حركة السوائل وتفاعلها في تفسيرنا له، وبقدوم عصر الكهرباء فسرنا الجنون بإضطرابات الشحنات، ونحن الآن في عصر الحاسوب وها نحن نفسر الأمر بأنه مشكلة في الإتصالات ما بين الخلايا العصبية. وبعد كل هذا، فإن الجنون هو ليس حالة واحدة، بل هو متنوع وغير متجانس. وربما أن أهم ما توصلنا إليه اليوم هو الإصلاحات التي ينادي بها مثلاً كتاب الطبيب النفسي (بيير-ميشيل لوركا Pierre-Michel Llorca) الذي هو بعنوان (طب نفسي: الحالة الطارئة  Psychiatrie: L’état d’urgence)، والذي يشرح فيه أن الخطوة التالية يجب أن تكون الإصلاحات التي على سياسيينا الأخذ بها، وإحداها هي الكف عن التفريق بين الطب العام والطب النفسي، فقد تبين لنا أن ديكارت قد كان مخطئاً حين قال أن النفس والجسد هما شيئان منفصلان ولا يتواصلان مع بعضهما بسبب كونهما من مادتين مختلفتين. نعم، إن ديكارت مخطئ، فالنفس والجسد جهاز واحد، ولتوضيح ذلك لنأخذ مثال الجهاز التنفسي، فهو يعمل على نقل الأوكسجين وهو مادة غازية، عبر القصبات الهوائية والرئتين وهما مكونان من مواد صلبة، إلى مادة محمولة في الدم الذي هو مادة سائلة، واختلاف خواص هذه المواد لا يعني أنهما من الغير الممكن تشكيلهم لجهاز واحد. ويرجع سيرولنيك بعد هذا المثال للطب النفسي ويقول بأن هناك تشذرم في الحلول المقترحة لمعالجة المرض النفسي، فذلك يقول إنه عضوي وعلينا علاجه عضوياً، ليجيبه الآخر بأنه نفسي ومعالجة الأمر يأتي من (التحليل النفسي)، وينبري الثالث ليقول بأنه إجتماعي، ويجب مقاربته من خلال علم الإجتماع. 

بعد تلك البداية ينتقل النقاش للحديث عن عدد من الأمور اهمها إقبال طلبة الطب على هذا التخصص، والمصطلحات الطبية المستخدمة في الطب النفسي وتغيرها، والتفريق بين الطب من جهة والطب النفسي من جهة أخرى، وتفسير مرض الصرع عبر التاريخ، والعلاج بـ(ثقب الجمجمة)، واستخراج (حجرة الجنون).

ثم يعرض البرنامج بعد ذلك فقرة بصوت ميشيل فوكو وهو يقول بأن القرن السابع عشر كان بمثابة المفصل في التعامل مع المجانين، فقبل القرن السابع عشر كان المجانون يعيشون أحراراً، وموجودون في المجتمع الذي يحفتي بهم بحفلات، وكان للمدن مجانينها المعتنى والمحتفى بهم، وكان لهم مكانتهم في الأدب ومثال على ذلك رواية دون كيشوت، وفي الرسم ومثال على ذلك لوحات بروغل وجيروم بوش، لكن بقدوم القرن السابع عشر، تغيرت الحالة الاقتصادية وبرزت البرجوازية وتغيرت القيم الاقتصادية فصار ينظر للمجنون بصفته مبذر للنقود وغير منتج لها، فابتكرت المستشفيات وتم سجنه بها.

يطلب بعد ذلك من سيرولنيك التعليق على ما قاله فوكو، فيجيب بأن المؤرخين الأنگليز والأمريكان والإيطاليين يعارضون ما يقوله فوكو في ذلك الشأن، وبأن باريس في تلك الفترة، أي في حوالي سنة ١٦٥٦، وهي الفترة التي تحدث عنها فوكو بصفتها المرحلة الفاصلة، وأسماها بـ(عصر الإنغلاق الأكبر l’epoque du grand enfermemnt)، كان يعيش في باريس حوالي ٢٠٠,٠٠٠ نسمة، ومنهم ٤٠,٠٠٠ مشرد، وكانت العلاقات التي تحكم هؤلاء المشردين عنيفة، فأتى افتتاح المستشفيات النفسية رحمة على سلامة المرضى المشردين، ثم يقول سيرولنيك بأن المستشفيات النفسية أصلاً قد وجدت في بلاد شرقية مثل سوريا التي قام بزيارة مستشفاها ورأي أنها بعيدة عما يمكن وصفه بالسجن ففيها حدائق ونافورات، وتقول المصادر أن الكادر العامل فيها كان يؤسس مع المرضى علاقات طيبة، وهو ما يمكن تشبيهه بنوع من العلاج النفسي.

عن العنف

وبذكر العنف يطرح المذيع سؤالاً قائلاً بأننا اليوم في عام ٢٠١٨ ما زلنا نريد تفسير من الأطباء النفسيين عن هذا العنف الذي يستشري في الشوارع من هجوم بالسكين، أو شخص يسوق سيارة فيصدم أناس أبرياء، فهل يصح وصف من يرتكب هذه الأعمال بأنه مجنون، أو أنه انتابته نوبة جنون؟

وفي اجابته يرجع سيرولنيك لكتاب للطب النفسي كتب سنة ١٩٠٣، (لم يوضح عنوانه سوى أنه قال أن من كتبه إسمه (بالريه) ولم نجده في الانترنت)، وكان الإرهاب في تلك الفترة مسيحياً، فقد كان هناك مسيحيون يتعصبون متحمسين يحملون سكيناً، أو عصا حديدية، ويقومون بفعل ما يسميه الأمريكيون ليومنا هذا بالـ(أموك Amok)، وذلك يعني أنهم يبدأون بالقتل ولا يتوقفون إلى أن يتم قتلهم وهم عارفين بمصيرهم حين بدأوا بسلوكهم ذاك. كان أولئك أناساً عاديين، ساخطين وهائجين، وتفسير (بالريه) في كتابه في ١٩٠٣ كان بأنهم: « نفسيات ضعيفة يفقدون الصواب لأن هناك من يدفعهم للتعصب والتحمس»، واليوم نستطيع القول نفس الشيء تماماً عمن يقوم بالهجوم بالسكين. وفي بداية الأمر كان هناك قصد سياسي لهذا السلوك، وهو شيء قادم من الشرق الأدنى، ويقوم تقنيون عالون بتوجيه هذا الأمر متحكمين بالخطاب العام، وهذا هو الإرهاب. وأن هناك بسطاء، تعيسون، وحيدون، بلا تعليم، يجري تحميسهم وجعلهم متعصبين بهذا الخطاب فيحملون سكيناً أو يقودون سيارة لكي ينفذون.

يرجع المقدم ليسأل: (هل هم مجانين؟)، فيجيب سيرولنيك: كلا، أظن أنهم أناس بلا تعليم، جرى استخدامهم بواسطة آخرين يعملون على تحميسهم.

يستأنف سيرولنيك شرح ما قاله سابقاً بإكتشاف العلوم العصبية منذ حاولي ٣٠ سنة بأننا حين نترك طفلاً معزولاً حسياً، مثل بسبب موت الأم، أو الحرب، فإن هذا العزل يؤدي إلى عدم تحفيز الفصين الجبهيين من الدماغ وبالتالي انكماشهما، وإلى تضخم في الأميجدالا في الوقت نفسه، التي هي مركز للإنفعالات الغير محتملة. وبذلك يصير الطفل غير قادراً على التحكم بسلوكه، وتسوء قدرته على إقامة علاقات إجتماعية، وهو ربما ما نراه مثلاً يجسد لنا في فلم الويسترن الأمريكي (الرجل المتوحش The Stalking Moon).

عن المملكة الكاذبة للشياطين

ثم يتوجه المقدم لبيير لوماركي وسؤاله عن السحر والسحرة وعلاقة كل ذلك بالطب النفسي فيجيب لوماركي بالحديث عن جون فير  Jean Weir (١٥١٥-١٥٨٨)، الطبيب الذي كان معارضاً لما كان يسمى بـ(مطارة الساحرات) من قبل الكنيسة، ومناداة جون فير لاعتبار الساحرات مريضات نفسياً، ومقولته: « لا استطيع القول ان الشيطان غير موجود لكنه ليس هو من يتسبب في هذه الحالة المعينة »، وكان فرويد يعتبر كتابه من أجمل الكتب في الطب النفسي التي كتبت، ويمكننا، كما يقول لوماركي، أن ندخل لفصول هذا الكتاب ونقراها من الإنترنيت، والكتاب بعنوان (المملكة الكاذبة للشياطين Pseudomonarchia daemonum).

عن الهارمونيكا الزجاجية والتنويم المغناطيسي

ثم يتوجه مقدم البرنامج بالسؤال الى بيير لوماركي مستفسراً منه عن ذلك الفصل من الكتاب الذي يتكلم عن الموسيقى، وبالذات عن الهارمونيكا الزجاجية. فيخبرنا لوماركي أن هذه الآلة قام بإبتكارها بنجامين فرانكلين، مستوحياً فكرتها من تلك الأصوات التي تصدرها كؤوس الكريستال حين تكون مملوئة للنصف بالماء، وحين نحرك طرف إصبعنا على حافتها العليا. وسرعان ما سحرت الهارمونيكا الزجاجية الناس في وقتها، وأعجب بها موزارت واستخدمها في بعض تأليفاته، وما يهمنا أن (مسمر)، مبتكر التنويم المغناطيسي كان يستخدمها في جلساته. ثم منع استخدام هذه الآلة لتسببها، حسب ما أدعو وقتها، بحالات إسقاط مبكرة لدى النساء، وبنوبات صرع، ونوبات سعار لدى الكلاب (يضحك المتحاورون).

ثم يجيب لوماركي عن سؤال إن كان (مسمر) دجالاً فيقول بأنه أولاً طبيب، وفي الفترة التي عاش بها كان أحد مباحث الطب المهمة يتمثل بدراسة تأثير الكواكب على الجسد والنفس، فمثلاً كان يظن أن كوكب زحل يسبب الحزن، وكوكب المشتري يسبب الفرح، فكانت رسالة تخرج (مسمر) من كلية الطب وقتها بعنوان (تأثير الكواكب على الصحة). فلم يكن غريباً بعد هذا أن يستخدم مغناطيساً لعلاج المرضى، وكان يقدم خدماته مجاناً للفقراء، وبسعر مضاعف للأغنياء الذين كان عليهم الإنتظار طويلاً لدورهم، هذا علماً أن مسمر كان غنياً ويعيش في قصر كبير في ڤيننا، وكان صديقاً لموزارت الذي استضافه في قصره حين كان عمر موزارت بعمر الثانية عشر، ودامت علاقتهما بعد ذلك بالمراسلة. ورجوعاً لقصته مع التنويم، فإنه ذهب مرة لجلسة علاج وكان قد نسى المغناطيس، فلم يصرح بذلك للمرضى وقام بالجلسات بإستخدام يديه فرأى أن لها نفس أثر المغناطيس ففسر ذلك بكون الجسم الحي يحتوي كذلك على شحنات كهربائية، ولذلك فلا بد أن الشحنات في يديه هي من صححت إضطراب الشحنات في جسد المرضى.

وبذلك يستنتج لوماركي أن مسمر لم يكن دجالاً، بل أنه اكتشف لنا الطب النفسي-جسمي، والعلاج بالإيحاء من غير أن يعرف هو ذلك.

ثم يكمل قصة مسمر الطريفة في هجرته وذهابه لباريس وإعجاب ماري انطوانيت به، وقلق لويس السادس عشر منه. وقيام لويس السادس عشر بتكوين لجنة علمية لتجيب على تساؤلين، الأول هو هل أن التنويم المغناطيسي يعمل حقاً؟ والثاني هو إن كانت له فائدة ترجى؟

وكان بنجامين فرانكلين، الذي كان في وقتها يشغل منصب سفير الولايات المتحدة الأمريكية في فرنسا، من أعضاء اللجنة بالإضافة إلى العالم الفلكي (جان سيلفان بايي Jean Sylvain Bailly)، والكيمياوي (أنطوان-لوران دو لافوازييه Antoine-Laurent de Lavoisier)، والطبيب (جوزيف إيجنياس جيوتن Joseph Ignace Guillotin)، وعالم النبات (أنطوان-لورون دو جوسيو Antoine-Laurent de Jussieu)، وقاموا بتجارب وكان استنتاجهم أن التنويم ينجح في تنويم رجل من كل خمس رجال، لذلك هو لا يعمل. وأنه خطر لأن الكثير ممن سيستخدموه سيكونون من الرجال المتمتعين بـ(طاقة حيوانية)، وبأنهم سيستخدموه على نساء. فكان منع التنويم في فرنسا، ذلك المنع الذي لم يستمر فقد أتى شاركو بعد ٦٠ سنة من ذلك وأعاده للتطبيق في مستشفى السالباتريير وبحضور فرويد.

عن الثورة الفرنسية والمجتمع المريض

ثم يتكلم سيرولنيك عن الإعدامات التي طالت بعض أعضاء لجنة لويس السادس عشر بعد الثورة الفرنسية وكيف أن كراهية النخبة كانت في روح تلك الحقبة من الزمن، فقد مل الناس من هؤلاء النخبة الذين يدرسون أموراً غير حرفية أو صناعية، فمثلاً كانت من المباحث التي كثير ما تفتح في السوربون هي هل كون الملائكة إناثاً أم ذكوراً. وامتداداً لذلك الرفض في بحث أمور نخبوية صار التركيز على الجسد كمادة للفحص الطبي، وصار بعض التعديل للطب العصبي والنفسي.

ووجه أحد المستمعين سؤالاً للخبيرين قائلاً: (هل يمكن اعتبار أن المجتمع مريض، وأنه يقوم باحتجاز بعض الناس الذين يخرجون عن المألوف من العادات في المستشفيات النفسية؟). يجيب سيرولنيك على هذا السؤال بأنه لكل إنسان فرادته بالطبع، وحقه في أن يكون مختلفاً، وذلك بسبب لغته وتاريخه وطفولته. أما من نطلق عليهم صفة مجانين مع عدم قدرتنا على أحتواءهم بتعريف واحد، فهم من يملكون حالة عقلية لا نستطيع نحن التوصل إلى فهمها، يخيفوننا فنسميهم مجانين، ونغلق عليهم. ثم يستدرك سيرولنيك قائلاً بأن الأصح قولاً، أننا كنا سابقاً نغلق عليهم، فليس هذا هو الحال يومنا هذا، فقد تحسنت الخدمات التي تقدمها المستشفيات وعلى سبيل المثال، قبل إختراع الأدوية المضادة للذهان كان من يدخل للمستشفى النفسية لا يخرج منها في ٩٢٪ من الحالات، بينما أننا اليوم نرى أن ٥٠٪ من مرضى الفصام الذين يدخلون للمستشفى يخرجون منها ولن يعودوا لأخذ العلاج مدى الحياة، رغم جسامة هذا المرض. ثم يكمل أنه نعم أحياناً قد يصح وصف المجتمع بالمجنون، ويعطي مثالاً يوضح فيه كيف أن القيم المجتمعية السائدة والظرف الراهن في وقت معين هي التي تحكم على طريقة معاملتنا للبشر، ففي وقت الحرب، يقول سيرولنيك، يقلد المجتمع من يحمل شخصية مضادة للمجتمع (سيكوباث) بأوسمة الشرف، لكنه يعود في وقت السلم، ليزج بهؤلاء في السجن. 

وهكذا يتنهي اللقاء مع الطبيبين، ويشكرهما المقدم.

 

ترجمة: سامي عادل البدري

......................

رابط الحلقة الإذاعية عبر الإنترنيت:

https://www.franceinter.fr/emissions/la-tete-au-carre/la-tete-au-carre-12-septembre-2018

 

416 محمد عطوان(صور الآخر في الفكر السياسي العربي المعاصر)

تتعدد صور الآخر(الغرب) بتعدد طرق التماس والاحتكاك به، فمنها ما هو إيجابي نافع، مثل بعض مُعطيات الاستشراق، في تحقيقه للتراث العربي والإسلامي، أو في دراساته النقدية للتراث، بكل ما فيها من تجاوز على بنية التراث القُدسية في الوعي والمخيال العربي والإسلامي، وهنا يشرح لنا د.محمد عطوان ماهية الاستشراق بوصفه "الجُهد التمثيلي الذي يصنعه المُستشرقون الغربيون عن عالم الشرق" (ص39)، وما كان يشغل بال المستشرقين هو الإسلام الذي إمتد جُغرافياً في الشرق، حتى وصلت حضارته وصلت إلى أوربا.

صور الآخر الاستشراقي

يشتغل محمد عطوان على تمثل صورة الآخر بين الغرب والشرق، وتبادل الأدوار في تمثل هذه الصورة، وتبادل الأدوار بين من هو "أنا" ومن هو "آخر"، ومن دون الدخول في تاريخية نشوء الاستشراق التي استطرد بها محمد عطوان ودوافعه من دون حسم الإجابة عن قيمة الدوافع بوصفها من مُمكنات نشوء الاستشراق ونقد الفكر الاستشراقي والتقليل من قيمته، والدوران في فلك أطروحة إدوراد سعيد في كتابه "الاستشراق" وربطه له بالاستعمار أو الكولنيالية، لأنه يذهب إلى ما ذهب إليه إدوارد سعيد من أن الاستشراق قد صاغ صورة عن الشرق، لم نستطع نحن العرب تجاوزها أو كسر أُطرها، فلم يستطع الشرق بناء صورة حقيقة له من الواقع الذي يعيش فيه، إنما بنى تصوره عن ذاته عبر وسائل التمثيل التي رسمها الآخر عنه، ولأن الغرب هو المُهيمن فكرياً وسياسياً وعسكرياً، فقد تمكن من جعل الشرق تابعاً له، وبنى رؤية صيَرها هو له، على أنه نوع بشري أدنى من حيث التكوين العرقي، أو من حيث التكوين الفكري (العقلي)، وهي طريقة من طُرق الإستعمار الذكية في الهيمنة على الشعوب المُستعمرة، والعمل على إقناع الشعوب المُستعمرة بالحملات الاستعمارية بوصفها "بديلاً مُغرياً عن واقع الهيمنة العُثمانية" (ص69).

كان محمد عطوان ذكياً في كشفه وتعريته لأساليب الاستعمار ليس في الخداع الخطابي فحسب، وإن يكُن هذا الخداع جُزءاً من "اللُعبة اللغوية" التي يستخدمها الاستعمار، كي يخدع بها الآخر (المُستعمَر)، ولكنه يكشف عن مقدرة تميز بها المُستعمرون هي تغيير الأسماء واستبدالها بأسماء أخرى جديدة، لا لغرض تغيير الإسم بمُسمى آخر، فإن كان هذا هو الغرض، فهو نوع من العبث، والحاذق الذكي لا يُحب قضاء الوقت بالعبث، إنما كان الغرض من تغيير الأسماء فيه ذكاء وسعي جاد لتغيير الدلالة أو محو للإسم السابق، وبناء وعي مفهومي تلعبه دلالة الإسم الجديد وظيفياً وأيديولوجياً في النشىء القادم، وهذا الأمر قد أفادت منه أنظمة الحُكم ما بعد الكولنيالية التي سُميت بـ "الوطنية" التي غيرت أسماء كثير من الشوارع والمُدن، فخُذ مثلاً على ذلك مدينة الثورة، فهي قد سُميت بهذا الإسم لأن من أنشأها الزعيم عبدالكريم قاسم بعد ثورة 14 تموز، وبعد أن تمكن نظام البعث من الإنقلاب على حُكم عبدالكريم قاسم، وبعد مُدة من تزعم صدام لقيادة الدولة، بعد إزاحته لأحمد حسن البكر، سُميت مدينة الثورة بمدينة صدام، وبعد إسقاط صدام، ولأن أغلبية سُكانها من الفُقراء الذين كانوا من مُحبي المرجع الأعلى مُحمد مُحمد صادق الصدر، سُميت بمدينة الصدر، ولربما سيتغير إسمها بعد تغير شكل الحُكم!، ومشكلة هذه المدينة الصابرة أن كل نظام حُكم إنما ينشغل بتغيير إسمها لا بتغيير واقعها نحو الأفضل!.

لقد كان أستاذي الكبير مدني صالح يُخبرني أن واحدة من مشاكل العرب، أنهم يهتمون بالإسم دون المُسمى، فستجد أن (للمُرحاض) أسماءٌ مُتعددة، وعُذراً على سوء إختياري للمثال، لكنه بقصد، ولكنك ستجده هو ذاته بكل ما فيه رغم تغيَر الإسم، ولكن المُسمى واحدٌ، ولكنك في الغرب، ستجد أن تغيَر الأسماء مُرتبط بتغيَر المُسمى.

نلحظ تردد محمد عطوان في قبول فكرة الربط بين الحركة الاستشراقية والتبشير، أو رفضها، لأنه يرى مرة "إن مُوجهات الاستشراق إن لم تكن سياسية، فإنها ذات طابع علمي في الغالب، ولا سُلطان للعمل الكنسي على مشاريع الغرب السياسية في تلك المرحلة" (الكولنيالية) (ص53)، وأخرى يرى فيها أن "ثمة علاقة بين الحركة الاستشراقية وبعض أطرافها، وبين عملية التبشير أيضاً" (ص53).

يعتقد محمد عطوان أن "القوى الاستعمارية اعتمدت على الاستشراق في تمرير طموحاتها في التوسع، ولكن لا يعني هذا أن الاستشراق أفاد من الاستعمار في أنشطته الميدانية" (ص54) (!)، وعلامة التعجب من عندنا، لأن محمد عطوان يعلم بأهمية أطروحة إدوارد سعيد، وهي تقوم على الربط بين الاستعمار والاستشراق وتبادل الأدوار في الخدمة، فالاستشراق بحسب إدوارد سعيد يُشتق من علاقة التقارب بين بريطانيا وفرنسا في الشرق، وهو استراتيجية تعمل على تكريس فكرة التفوق الغربي، وهذا لا يعني أن لا فعل وإبداع فكري للمُستشرق، كل حسب اختصاصه، إلَا أنه يسير بخط مواز وتفعيل إيجابي مع مقولة (رينان) في تأكيده على تفوق العقل الآري على العقل السامي.

وضع محمد عطوان مبحثاً عن (الاستغراب) (73)، ذلك المشروع الذي مات وهو في مرحلته الجنينية كما أحسب وأظن، ومن المُفكرين العرب الذين اشتغلوا على التنظير لهذا المفهوم هو حسن حنفي في كتابه "علم الاستغراب"، وأظن أن حنفي ومن سار على خُطاه إنما كان شغوفين في اجتراح المفاهيم على غرار تصميم سبق، ولكنهم لم يعوا أن الاستشراق ليس اجتراحاً لمفهوم، إنما هو منظومة فكرية عمل عليها مُفكرون ومؤسسات من شتى دول الغرب، وهو دراسة ومُعايشة وفهم لماضي الشرق وحاضره وتشكله الأنثربولوجي وتنوعاته الاجتماعية، بقصد الهيام بسحر الشرق، وفق وصف زكي نجيب محمود "الشرق الفنان"، أو وفق سعي لاستعماره واستثمار ثرواته.

أما الاستغراب، فهو دعوة وعظية من مفكر يأمل بتحقيق نهضة عربية وإسلامية تبدأ بفهم الذات وتمظهرات الآخر، ألا وهو حسن حنفي. وأظن إن كانت هناك مُحاولة لفهم الغرب نستطيع ادراجها ضمن مفهوم الاستغراب" هي مُحاولة الطهطاوي في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، لأن فيها رؤية ومُعايشة حقيقية للحياة والفكر الفرنسي، ومحاولة الإفادة من علومهم وثقافتهم ونُظمهم، وهو ما تنبه له محمد عطوان في (ص79)، مُتفقاً في ذلك مع حسن حنفي في كتابه "مُقدمة في علم الاستغراب".

ما يُميز محمد عطوان في كتابه هذا هو جلده وصبره وسعة قراءاته، لأنك تجده يعلم بمُحددات موضوعه وبتنقلاته الفكرية ومصادر بحثه المعرفية.

حاول المؤلف أن يُبين دور محمد أركون في نقد الاستشراق في اجتراحه لمفهوم "الإسلاميات التطبيقية" وهو مفهوم وضعه أركون كي يكون ضداً نوعياً للاستشراق = "الإسلاميات الكلاسيكية" أو الدراسة (الفيلولوجية للتراث).

صور الآخر العلماني

في قسم الكتاب الثاني الذي وسمه بعنوان (صورالآخر العلماني)، بتصور للعلمانية على أنها رديف للمدنية، كونها "تمنح الطوائف والأديان في المُجتمع الواحد فُرصاً مُتساوية للعيش، والشعور المُشترك بالمواطنة" (ص91)، ليتفق مع محمود إسماعيل بتجذيره للفكر العلماني من داخل التراث، مُستعيناً بمقولات المُعتزلة، ودعاة العلم الطبيعي التجريبي من عُلماء الطبيعة المُسلمين ونزوعهم التجريبي.

ولكن مُشكل الثقافة العربية المُعاصرة أنها تُحاول تحويل الصراع الاجتماعي السياسي بحسب عادل ضاهر "من مجال الواقع إلى مجال النصوص، يتحول العقل معه إلى تابع للنص، وتتحدد مُهمته في استثمار النص لتبرير الواقع أيديولوجياً" (ص105).

تناول الكاتب رؤى الجابري ونقده لاستخدام مفهوم العلمانية (بفتح العين) في الثقافة العربية رغم ما يشي به هذا المفهم من حمولة لا يتقبلها التدوال المرجعي لها في تاريخ الثقافة، فيُحاول الجابري، أن يضع بديلاً لها هو العقلانية، أو الديموقراطية، في مُحاول جادة منه لتجاوز التداول السلبي لمفهوم العلمانية، لأنه يرى أن مُشكل المُجتمع العربي ليس مُشكلاً مُرتبطاً بفصل الدين عن الدنيا، أو عن السياسة، لأن اإسلام لا يخضع لسلطة كهنوتية كما هو الحال في المسيحية وأوربا، ولكن مُشكل المُجتمعات الإسلامية والعربية هو الديموقراطية.

كذلك عرج على آراء سمير أمين وبرهان غليون وعزيز العظمة، ليصل إلى نتيجة مُتفقاً فيها مع جورج طرابيشي، مفادها: أن مُشكل العلمانية ليس الإسلام في ذاته على أنه يُعارض العلمانية، إنما المُشكل الأساس هو في الدول العربية والإسلامية التي تحتاج للدين لتؤكد مشروعيتها (ص115).

كان لموقف الإسلاميين الرافض للعلمانية حصتهم في الكتاب، ومن كلا المذهبين (السني) و (الشيعي)، وكلاهما في الأغلب الأعم ينظران إلى العلمانية بأنها نزعة مادية لا دينية، أو أنها تعني "الحُكم بغير ما أنزل الله، ومن ثم فهي نظام جاهلي بعبارة الأخوان المُسلمين، وأن أي قبول بالعلمانية إنما هو برأي أنور الجندي "تنصل الدولة من الشريعة الإسلامية" (ص121) ومن طبيعة الإسلام بعبارة القرضاوي "أن يكون قائداً لا مقوداً، وسيداً لا مسوداً، فهو كلمة الله العُليا" (ص123)، لأن "الإسلام يقود الحياة" كما يقول محمد باقر الصدر، فـ "الإسلام دين ودُنيا"، ولا "رهبانية في الإسلام" أو كما يقول الندوي "ربانية لا رهبانية" وهذه الربانية تعني أن أحكام الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، ولا شبه بينها وبين الشريعة المسيحية بوصفها شريعة أقرب للرهبانية.

ولكن هناك بعض المفكرين الإسلاميين يرى أن الإسلام يفصل بين السلطتين الروحية والزمنية، وكان من أوئل هؤلاء هو علي عبدالرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحُكم"، وتبعه فيما بعد خالد محمد خالد في كتابه "من هنا نبدأ"، وكلاهما عدَ النبوة رسالة روحية جاءت لهداية الناس وإتمام مكارم الأخلاق، فهي "نبوة وليست مُلكاً".

صور الآخر الأيديولوجي

في القسم الثالث من الكتاب يستعرض محمد عطوان تمثلات الآخر أيديولوجياً، وحضور نزعاته الأيديولوجية في الفكر العربي والإسلامي، ومحاولة تقليدها أو إعادة إنتاجها وفق مُتطلبات الواقع العربي والإسلامي، وأهم هذه النزاعات الأيديولوجية ذات الجذور الغربية الفاعلة في الصراع الأيديولوجي العربي، هي: القومية، والليبرالية، والماركسية.

القومية

بدأت أولى بوادر الوعي القومي العربي بالظهور كحركة مع إمعان دولة الخلافة العثمانية في سياستها الإقصائية للعرب، ومُمارستها لسياسة "التتريك"، فكان لهذا الفعل رد فعل، تمثل بتنامي الوعي القومي العربيوإظهار بعض النُخب الفكرية ذات التوجه العروبي استيائها من سياسة الدولة العُثمانية، وقد "تشكل أول جُهد فكري قومي عربي مُنظم يحث على تشكيل حركة قومية في عام 1875، قبل أن يرتقي السُلطان عبدالحميد بسنتين" (ص144).

وقد كان لبعض الطلبة الذين درسوا في الكلية البروتستانتية السورية ببيروت دور رائد في نشر هذا الوعي، وبعدها توالت الدعوات عند الكثير من النُخب العربية، سواء أكانت مسيحية الأصل أم كانت إسلامية، وهناك أكثر من مُبرر لظهور مثل هكذا تيار، ساعد في ظهوره ظلم الدولة العثمانية للعرب، ودعم الكولنيالية الحديثة، ووجود مُبررات له مُستمدة من التاريخ المُشترك واللغة المُشتركة التي شكلت العامل الأهم في تكوين هذه الحركات، وفي الإسلام ما يُبرر القبول بهذه الفكرة "كُنتم خير أمة أخرجت للناس"، وهناك كثير من المُفكرين العروبيين والقوميين من لا يعتقد بوجود تعارض بين العروبة والإسلام بوصفه دعوة عالمية، ومنهم شبلي العيسمي في مقاله "لا تناقض بين عروبة الإسلام وعالميته"، ولكن كثير من مفكري الإسلام السياسي من السلفيين ينتقدون هذه الفكرة، ويجدون فيها تقليل وتحجيم لدور الإسلام بوصفه رسالة كونية.

لذلك فالقومية هي نزعة أيديولوجية غربية المنشأ، جاءت نتاج تطور تاريخي طبيعي، ولا يُمكن مُقاربتها مع القومية العربية التي لم تكن سوى ترديد أو إعادة صياغة لمقولات غربية، ولكن من دون إدراك حقيقي لمُمكنات تحققها وفق التطور التاريخي العربي الإسلامي.

الليبرالية

يرى المؤلف أن بذور الليبرالية قد بدأت بالظهور في منتصف القرن التاسع عشر، سماها بـ "الليبرالية المُزدحمة بالتناقضات الذاتية"(ص161) من فرط حيرة المفكرين الإصلاحيين بين الدفاع عن قيم التراث، والإعجاب بقيم الحداثة الغربية الجديدة، فكان الطهطاوي يروم نقل بعض مظاهر التجربة الغربية "الفرنساوية" في التقدم العلمي والسياسي والحضاري، وتبيئتها وفق معادلة الموازنة الحضارية بين تقدم حضاري عربي إسلامي (الماضي) وتقدم حضاري غربي (الحاضر)، فحاول التقريب بين مفاهيم غربية حداثية ومفاهيم عربية تراثية، مثل تقريبه بين مفهم الحُرية والدستور، بالعدل والإنصاف، بما يشي سعيه بتعسف اتبعه الطهطاوي، وحصر وتقييد لمفاهيم ذات حمولة من تراث وحضارة ناهضة لها قيمها وفهما الخاص للحُرية والعدل وتفسيرها بمفاهيم منظومة تراثية آفلة، الأمر الذي أوقعه هو وبقية مُفكري الإصلاح ممن أعجبوا بالتجربة الغربية الحداثية مثل خير الدين التونسي، أو محمد عبده أو الكواكبي.

ولكننا نجد في كتابات قاسم أمين "تحرير المرأة" و "المرأة الجديدة" رغم أنه يُدرج ضمن مدرسة محمد عبدة ما يُظهر لنا بوادر وعي ليبرالي مُتقدم، ومحاولة جادة لـ "تكييف الليبرالية بالشرع"، وإن أظهر محمد عطوان أن هذه المحاولة قد تمثلت بالطهطاوي (ص162)، ولكنني أرى أن الطهطاوي كان أقرب لأن يكون مُثقف السلطة الواعي، فهو نتاج البعثة الأولى لولي النعم (محمد علي باشا) كما يُخاطبه الطهطاوي، وهو يميل لتفسير مُعطيات الحداثة بالتراث، ويبني قناعة لدى القارئ أن كل نتاج هذه الحضارة إنما هو موجود أصلاً في ديننا، وأن سبب تأخرنا هو عدم معرفتنا لأمور هذا الدين، وهو ذات الرأي الذي يذهب له الأفغاني ومحمد عبده والتونسي، وجميعهم يُحذرون المجتمع من قراءة الفلسفة، إلَا بعد التمكن من علوم الشريعة والفقه، وأنا أجد أن لا ليبرالية من دون فلسفة، ولا وجود لفلسفة من دون حياة ليبرالية، فحتى مفهومي الفلسفة الإسلامية والفلسفة المسيحية، إنما هو تعبير فيه تقييد، ويُطلق للتمييز إجرائياً، لمعرفة بيئة أو جُغرافية هذا الوعي الذي نشأت فيه الفلسفة، لأن الفلسفة حرة، لا دين لها.

ربما يكون الكواكبي أكثر قُرباً من وعي الليبرالية الحداثي في نقده للاستبداد، وربطه أسباب الجهل وتخلف المجتمع في التربية وخراب البلاد اقتصادياً وعُمرانياً وسياسياً بسبب الإستبداد بشقيه الديني والسياسي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى نجد أن الكواكبي لا يرمي التخلف على شماعة الآخر، إنما هو يكشف عن بنية المُجتمع الضامرة، أو المسكوت عنها في زمنه، ألا وهي الاستبداد بوصفه نظام شرقي، يحكم حياتنا الاجتماعية والسياسية، فالأولى بنا نقد الذات قبل نقد الآخر، ولكن محمد عطوان ذكره في سياق ذكره للماركسية وبدايات معرفتها في الفكر العربي! (ص172).

تمثل الليبرالية حداثياً

رغم أن محمد عطوان يضع عنوان "تمثل الليبرالية براجماتياً" (ص165) إلَا أنني أرى أن هذا العنوان مُقحم بالقياس للعنوان الذي وضعته أنا بديلاً عنه، أولاً لأن البراجماتية تيار فلسفي أمريكي مُعاصر، له خصوصياته، وأسباب ظهوره في الثقافة الأنكلوسكسونية، وثانياً لأن جُل المُفكرين الذين تناولهم محمد عطوان في مبحثه هذا هم أقرب للإتجاهات المادية والمدرسة التطورية، مثل سمير مراش، وشبلي شميل، وإن تغاضى عن ذكر بُطرس البُستاني، وفرح أنطون، الذي ذكره في سياق بداية التعرف على الماركسية في الفكر العربي الحديث!، ولم يُميز كما أظن محمد عطوان بين التأثر بالإشتراكية عند أنطون وبين تأثره بالماركسية.

وغاب إسماعيل مظهر، وسلامة موسى، اللذان هما من أقرب مُفكري النهضة للفكر الليبرالي، ومتبنياته، على ما بينهما ما إختلاف في الطرح، فهما من أوائل من دعوا لتبني الفكر العلمي بنزعته التطورية، ومن أوائل من تأثروا بالنزعة الاشتراكية الاجتماعية الأقرب للنزعة الليبرالية في دعوتهما لتحرير المرأة، وحرية الفكر.

توقف محمد عطوان عند أطروحات طه حسين، وأحمد لطفي السيد، وبسطور قليلة مرَ على ذكر جميل صدقي الزهاوي.

فقد ذهب هؤلاء للدعوة للحذو وفق الأنموذج الغربي والحياة الأوربية، وجعلها مثالاً نقتدي به للخلاص مما نحن فيه من تخلف وسطوة النزعة الماضوية ذات المنحى الغيبي "اللاعقلاني" والذهاب مذهبها في الحُكم، والسير مسيرها في الإدارة، وطرق التشريع أو القانون، وقد ذهب طه حسين في كتابه "مُستقبل الثقافة في مصر" إلى القول "أن مصر تنتمي إلى العالم ذاته (الأوربي)، الذي يجب الأخذ عنه والاقتداء به، وما مشرقية مصر، إلَا هي شيء من التاريخ القريب، وإن إنتمائها الغربي مما يضرب جذوره عميقاً في تاريخها"، وقد استمد طه حسين رؤيته هذه من دراسته في فرنسا وإعجابه المُفرط بالحضارة (الفرنكفونية) المُختلفة جملةً وتفصيلاً عن الحضارة الأنكلوسكسونية بطابعها التجريبي والبراجماتي، والبراجماتية هي امتداد في كثير من أطروحاتها لرؤى المدرسة النفعية الأنكليزية عند بنثام وستيوارت مل سواء في نزوعها نحو التجريبية، أو في نزوعها نحو البحث عن "القيمة الفورية" بعبارة وليم جيمس، المتأتية من تبنينا لقضية أو مسألة ما، بما فيها المسألة الدينية، "فما هو نافع، فهو صادق، وما هو صادق فهو نافع" بعبارة وليم جيمس في كتابه "البراجماتية" الذي أهداه لجون ستيوارت مل فيلسوف النفعية.

ولكن لربما في آراء لطفي السيد اقتراب مما يُمكن أن يُسعف محمد عطوان في القول بتمثل الليبرالية براجماتياً، لأن لطفي السيد يدفع باتجاه "التوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة الأمة"، أو ما أسماها محمد عطوان "الليبرالية المدموغة بوعي نفعي" (ص167)، لأن لطفي السيد يرى "أن أعمال الناس وأفكارهم تحوم حول أصل واحد، هو المنفعة" (ص167).

وعلى ما يبدو أن محمد عطوان قد تنبه إلى أنه قد ذهب بعيداً بالقول بوجود ليبرالية عند أصحاب التيار التراثي الماضوي بنزعتهم التجديدية، أو عند أصحاب التيار الحداثي بنزعتهم التغريبة، لذلك نجده ينقد بعض مُتبنياته في نهاية بحثه حينما ذهب إلى القول: أن جميع هؤلاء المفكرين، قد كتبوا في الحُرية، "لكنها لم تكن أسماء ليبرالية في الواقع،...بيد أنهم لم يكونوا ليتبنوا مبادئ الليبرالية كنسق مُتكامل، وعلى ذلك لا يصح تصنيف كل من يكتب في الليبرالية ليبرالياً" (ص170).

وكان يُمكن لمحمد عطوان أن يُدرج آراء زكي نجيب محمود وتبنيه للوضعية المنطقية، وآراء عبدالرحمن بدوي وزكريا إيراهيم في تبنيهما للوجودية، ومحمد عابد الجابري في نقده للعقل العربي، ضمن تمثل الليبرالية عربياً، وأكثر ما يُمكن أن تنطبق على آرائه أن توصف بأنه ليبرالية هو فؤاد زكريا الأكثر خلاصاً من نزعة النمذجة...إلخ، ولكنه قد قصر جهده في الفكر النهضوي العربي الحديث في هذا المبحث.

التمثل العربي للماركسية 

لا أعرف لماذا بدأ كتابته في هذا المبحث بالإشارة إلى علمانية فرح أنطون ودفاعه عن الاشتراكية، ومن ثم انتقل للإشارة للكواكبي في نقده للاستبداد، ودفاع الكواكبي عن ما أسماه "قضية الإشتراك العمومي المُنظم"، ولو كان عنوان مبحثه هو التمثل العربي للاشتراكية لصحت البداية، لأنني أرى وبصياغة منطقية (أن كل ماركسية هي اشتراكية، ولكن ليست كل اشتراكية ماركسية، فلربما نجد جذوراً للاشتراكية في كل تراثات الشعوب، وماضيها القريب والبعيد، لكنها ليست ماركسية، لأن الماركسية هي التفسير المادي للتاريخ، والماركسية، هي المادية الديالكتيكية، والماركسية هي كما يرى أصحابها نظرية علمية، والماركسية هي دفاع عن دكتاتورية "البروليتاريا"، ولا أظن أن في الفكر العربي الحديث ما تنطبق عليه بعض من هذه المُتبنيات وليس كُلها، ولا أجد في فكر فرح أنطون العلماني، ولا في فكر الكواكبي الاصلاحي ما يُسوغ لنا إدراجهما كتمهيد للقول بالتمثل العربي للماركسية.

لا أخوض بتاريخ دخول الشيوعية في الوطن العربي، ولكن بداية الوعي الحقيقي بها هو بعد الثورة البلشفية (1917)، ففي فلسطين تأسس عام 1919، وفي 1920بمصر، وفي لبنان وسوريا تأسس عام 1924، ثم في العراق عام 1934، والسودان عام 1946.

ركز محمد عطوان في مبحثه هذا على كتابات عبدالله العروي،  وإلياس مرقص، ومهدي عامل، وبعض من إشارات عن كريم مروه، وهؤلاء يُدرجوا من ضمن المُفكرين العرب المُعاصرين، ولكنه في مباحثه أو فصوله السابقة كانت نماذجه هي مُختارات من مفكري النهضة العربية!.

وضع مساحة للحزب الشيوعي العربي والعراقي بوصفه نوعاً من أنواع تمثل الماركسية أيديولوجياً، وإن تكن تابعيتها هذه للماركسية الأممية قد أضعف من استقلاليتها، لا سيما في تبنيها للأنموذج السوفيتي أو ما أسماه علوان "الشيوعية المُسَفيتة"، نسبة إلى الإتحاد السوفيتي، مُتفقاً في ذلك مع كريم مروة في بحثه "البحث عن المُستقبل"، ومع ياسين طه حافظ في كتابه "حول بعض قضايا الثورة العربية"، ومأخذ عطوان على الماركسيين العرب أنهم "لم يأخذواد= خصوصية الوضعية التاريخية العربية في الحُسبان، وبدت ماركسيتهم مُقحمة على التجربة المحلية العربية" (ص186).

صورة الآخر الاستعماري

في القسم الرابع والأخير يضع لنا عطوان تفصيلاً لعلاقة الأنا بالآخر عبر تمثل صورة الآخر الاستعماري، ولا شك ستكون بدايته مع القرن التاسع عشر مع دخول نابليون لمصر وبداية الحملة الفرنسية لمصر، التي شكلت وعي النهضة العربية، ولن أخوض في تفاصيل الحملة وخطابات نابليون للمصرين واستدرار عواطفهم عبر ادعاء تبني للإسلام، وتصويره للوجود الفرنسي على أنه وجود من أجل التحرير لا من أجل الاحتلال!، ورغم مساوؤ هذا الوجود أو الإحتلال إلَا أنه يُعد إحتلالاً إيجابياً بالقياس لأفاعيل الإحتلال البريطاني السلبية في الدول التي إحتلتها وأعلنت الوصاية عليها، وقد جلب نابليون معه أمهر المهندسين والجيلوجيين والآثاريين والمعماريين والإداريين والمُتخصصين في العلوم العسكرية من أجل خدمته، ولكن هذا الأمر إنعكس إيجاباً لخدمة المصريين فيما بعد.

وكان للبريطانيين حضور استعماري في القرن التاسع عشر في مصر، والعراق، وفلسطين، والجزيرة العربية" (ص205)..

من مشاكل الاستعمار المُستدامة هي "ترسيم حدود واختراع دول" (ص210)، وتفصيلات أفاعيل البريطانيين في أرض العرب تعرفونها، فمنها اتفاقية سايكس بيكو، ومنها وعد بفور، ومنها تقسيم جغرافي مُصطنع لحدود وهمية بين الدول العربية، بل ومنه وضع تنصيب لملوك، واختيار لساسة يحكمون هذه الدول المرسومة حدودها في الوهم!، فكان الكاسب هم الصهاينة من اليهود والخاسر وإلى يومنا هذا هُم أبناء فلسطين!. فأسس لنا البريطانيون في جسد خريطة الوطن العربي دولة دينية (راديكالية)، الأمر الذي جعل البريطانيين ومن ساعدهم من مُدعي التمدين والليبرالية محط سُخرية وتهجم إلى يومن هذا، فكيف يُمكن لدولة تؤمن بالعلمانية وبالنهج الديموقراطي وبفصل الدين عن الدولة أن تبني دولة تقوم على أساس عرقي وديني؟!. لا شك أن وجود دولة قومية لليهود ستظل وستبقى من خطايا الاستعمار، وهي صورة التمثل الحقيقي للتطرف الديني والعرقي الذي لا زال الغرب يُدافع عنه بكل عُهر. إنه وصمة عار في جبين الديموقراطية ورديفتها الليبرالية. 

 

د. علي المرهج – استاذ فلسفة

 

409 جوتيار تمرصدر عن دار تموز: تموزي للنشر والطباعة والتوزيع كتاب (امراء في الدولة الايوبية) للكاتب الكوردستاني جوتيار تمر، ويضم الكتاب سيرة اربعة امراء استلموا مناصب مهمة وخطيرة في الدولة الايوبية، ولقد جاء في مقدمة الكتاب:

حين تحدثت عن احدى القبائل الكوردية في كتابي "الكورد القَيمُرية" التي برزت في العهد الايوبي وتبوأت مكانة عالية ضمن التشكيلات الادراية والعسكرية والسياسية داخل الدولة وقتها وبصورة مباشرة اكدت ان تأسيس الدولة الايوبية وظهورهم كانت ضرورة ملحة، فقد شكل الأيوبيون ركيزة أساسية للتاريخ الكوردي في أواخر القرن السادس الهجري وحتى منتصف القرن السابع الهجري/ الثاني عشر والثالث عشر الميلادي، فبعد انضمامهم الى معسكر نورالدين زنكي، واستلامهم لمهام إدارية وعسكرية كبيرة  التف حولهم الكثير من الأمراء الكورد، كما التحقت أغلب القبائل والزعامات القبلية الصغيرة بهم، وتبوؤوا مناصب عسكرية مهمة ضمن التشكيل العسكري الذي كان يقوده الأمير اسد الدين شيركو بن شادي (ت 564هـ/ 1169م)، وقد مهد الأخير بدوره ببروز العديد من زعماء تلك القبائل الكوردية، الذين شاركوا معه في حملاته على مصر، كما كان لاستلام ابن اخيه صلاح الدين الأيوبي (567- 589هـ/ 1171-1193م)، مقاليد الوزارة في مصر من بعده، أهمية  كبيرة واثر واضح على الصعيدين الإسلامي بشكل عام، والأيوبي بشكل خاص، وذلك لانضمام اعداد اخرى من الأمراء الكورد إلى صفوف الجيش الأيوبي في عهده ، وشكلوا قوة عظيمة في وجه التحديات التي تعرضت لها الدولة الإسلامية وقتها من قبل الصليبيين من جهة، والمؤامرات التي تحاك ضد الأيوبيون من جهة أخرى.

ومع بروز تلك القيادات الكوردية من الامراء وزعماء القبائل كانت نظرة الدولة الايوبية عميقة ومعاصرة للاحداث، فقد ادرك الملوك من البيت الايوبي ان الاعتماد على الكورد فقط سيشكل عائقاً امام امتدادهم نحو المناطق الاخرى، وكذلك ستكون تحركات القبائل غير الكوردية من العرب والتركمان خطراً ملموساً على امن وسيادة الدولة، فضلاً عن ان هناك بحق امراء لهم باع طويل في الامور السياسية والادارية، كما ان لهم قاعدة قبلية واسعة يمكن باسناد بعض المهام الحساسة اليهم كسب ثقة تلك القبائل وتلك القاعدة، وسواء أكانت الخطوة هذه هادفة ومحققة لطموحات البيت الايوبي، ام انها كانت السبب وراء الانهيار السريع لهم، فان الملوك الايوبية قاموا منذ بدايات تأسيس دولتهم باسناد بعض المهام الخطرة والحساسة الى امراء غير كورد، ساهموا بشكل واخر في توسيع المدارك السياسية للدولة من جهة، واعطوا زخماً عسكرياً وقوة من جهة اخرى امثال الامير جهاركس الصلاحي وجمال الدين بن يغمور وشمس الدين لؤلؤ الذين شكلوا علامات فارقة في تاريخ الدولة الايوبية من الناحية العسكرية والقوة التي تميزوا بها، وكذلك من الناحية الادارية التي استطاعوا من خلال سير الاحداث كسب ثقة السلطات الايوبية، بحنكتهم السياسية، ونفاذ بصيرتهم، وقوة حضورهم في الاحداث، وفي الوقت نفسه كان هناك امراء اخرين امثال زين الدين الحافظي كانوا وباء على الملوك والدولة حتى ان امثالهم اثاروا تساؤلات كثيرة حول المعايير والمقاييس التي يتبناها بعض الملوك والامراء المسلمين  بصورة عامة وقتها في اختيار وزرائهم وامرائهم.

ومع ذلك لايمكن انكار الدور المهم الذي لعبه هولاء الامراء في سياقات ادارة الدولة من جهة، وفي اضفاء روح التشارك من جهة اخرى، فالايوبيون كانوا كورد هاجروا من مناطقهم الى الشام ومصر، وشكلوا دولة على اراضي غير كوردية، بالتالي فان الاستعانة ببعض الامراء من تلك المناطق كان له اهمية قصوى في تغيير السياسة المتبعة تجاه غير الكورد ضمن الدولة الايوبية، وكذلك في ارساء مبدأ التعايش السلمي على اسس متينة قائمة في الاصل على الانتماء الديني، وبتلك الصورة شكل الأيوبيون انعطافة مهمة وكبيرة في التاريخ الكوردي على وجه الخصوص، والإسلامي بصورة عامة خلال العصور الوسطى الإسلامية.

 

406 الزهاوي مسرحياتميَّز الدكتور علي محمد هادي الربيعي بدعم المكتبة العراقية والعربية بعناوين جديدة غير مطروقة سابقاً من قبل الكُتّاب والباحثين، وصدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام لهذا العام (2018م) في مدينة الحلة كتابه الموسوم (الزَّهاوي مسرحياً)، رصد الربيعي فيه دور الشاعر والفيلسوف جميل صدقي الزهاوي (1863م-1936م) في مجال المسرح، ونحن نعرف أن الزهاوي كان شاعر العقل ومعري العصر، وكان وفيلسوفاً ومحدثاً، إلاّ أن الدكتور الربيعي أثبت بالدليل القاطع إن الزهاوي كان مسرحياً من خلال أحد النصوص المسرحية للزهاوي.

نقدم لمحة موجزة عن حياة الدكتور علي الربيعي : فهو من مواليد مدينة الحلة عام 1967م، حاصل على شهادة البكلوريوس فنون مسرحية عام 1989م، وشهادة بكالوريوس آداب تاريخ عام 2000م، وحاصل على شهادة الماجستير في تاريخ وأدب المسرح عام 2001م، وشهادة الدكتوراه في فنون مسرحية عام 2004، شغل الوظائف التالية : رئيس قسم المسرح في كلية الفنون الجميلة/ جامعة بابل (2009م-2013م)، وعميد كلية الفنون الجميلة/ جامعة بابل (2013م-2017م). له أكثر من (12) مؤلفاً في مجال تاريخ الأدب والمسرح العراقي، واسهامات اليهود والمسيح في المسرح العراقي، والمسرح المدرسي في الحلة وتاريخه في العهدين الملكي والجمهوري.

استهل الدكتور الربيعي كتابه بمقدمة بَيَّن لنا فيها أن كتابه هذا كان (من المفترض أن يظهر قبل مدة طويلة من الآن)، فقد عقد الربيعي منذُ سنين أو ما يزيد على ذلك إلاّ أن انشغاله بعمل آخر قد استبقى الكتاب في أدراج خزانته، إلاّ أنه عقد النيّة مؤخراً على إخراجه إلى فضاء القراءة ولم يعدِّل فيه أو يضيف شيء عليه بل بقي على الصورة أو الهيأة التي كتبه فيها في المرة الأولى.

حملَ الكتاب ثلاث فصول، الأول منها خصص لحياة الزهاوي وآرائه الإصلاحية والتحديثية والأسباب والدوافع التي تقف ورائها، ففي ص17 يذكر الربيعي قائلاً : (لقد عاش الزهاوي في حقبة تعالت فيها الأصوات الداعية إلى الإصلاح والتحديث في النظم السائدة، فقد بدأت عجلة الحياة تأخذ مجرى معاكساً، وبدأت مظاهر الحضارة تصل إلى الشعاب والأودية العكرة، وبدأ الناس يتطلعون إلى كلِّ ما هو جديد بعدما تلمسوا مباهج المستحدث وجنوا فوائده). كان الزهاوي صريحاً في طرح أفكاره الحداثوية من خلال ثلاث لغات كان يقرأ بها (العربية والتركية والفارسية)، وبجرأة شاعر وفيلسوف يدعو الأمة إلى الابتعاد من الأفكار السلفية المقيتة والتطلع نحو الإصلاح والحداثة. ولعل التعدد اللغوي والتنوع الاثني في حياته، كان له بعض الأثر في تكوين شخصيته التي تجاوزت الانغلاق والتعصبات القومية والفئوية.

أما الفصل الثاني من الكتاب، فقد سلط الدكتور الربيعي الضوء على دأب الكتاب المسرحيون منذُ ظهور المسرح في العراق في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وحتى نهاية العقد الثاني من القرن العشرين على أهمية المسرح والنص المسرحي، ففي ص23 يذكر الربيعي قائلاً: (على الرغم من أهمية هذه المسرحيات كونها تشكل اللبنات الأولى في صرح المسرح العراقي، إلاّ أنها بقيت تفتقر إلى مقومات بنائية، وأخرى فكرية تحديثية تساير المسرحية المكتوبة في بلاد الشام ومصر في ذلك الوقت، إلاّ أن الحال تبدل مع تشكل الدولة العراقية الحديثة في سنة 1921م إذ أصاب الثقافة العراقية ومنها المسرح حراك عنيف قائم على التبدل والإحلال). من هذا يتبين لنا أن الكُتّاب المسرحيين بدأوا يصححون مسارهم ليتماشى مع مسار اقرانهم من المسرحيين العرب، وأخذوا ينشدون التحول والإحلال في مسرحياتهم، ومن نتائج التحول التحديثي ظهر لنا كُتّاب مسرحيون جُدد آمنوا بقضايا العراق الجديد، وتقدم في مقدمتهم جميل صدقي الزهاوي في مسرحيته (ليلى وسمير) الصادرة في صفحات الجزء العاشر من مجلة (لغة العرب) في بغداد عام 1927م.

تضمنت المسرحية دعوة الزهاوي الاصلاحية من خلال مسرحيته هذه، ووجد في المسرحية وسيطاً يبث فيه دعواته الإصلاحية فضلاً عن شعره ودواوينه ومقالاته التي سطرها في المجلات المصرية والعراقية، ويذكر الربيعي في ص33 قائلاً: (أحسب أن الذي قاد الزهاوي إلى ولوج المسرح والكتابة فيه أمران، أحدهما خارجي والآخر داخلي، فعلى الصعيد الأول، فإن المسرح بدأ صوته يعلو في العالم العربي وأخذت الأقلام الحُرة والمثقفة تتدافع للتأليف فيه وفي مصر بشك ملحوظ، وإن زيارة الزهاوي لمصر سنة 1924م وإقامته مدَّة من الزمن هناك جعلته يشاهد العروض المسرحية ويبدي فيها رأياً... أما على الصعيد الداخلي، فإن الزهاوي أراد أن يعود مرة ثانية إلى عرض موضوعات وآراء عصرية حديثة آمن بها في العقد الأول من القرن العشرين، ودافع عنها طويلاً)، لذلك وجد الزهاوي في نفسه هوى إلى الكتابة في هذا المجال. كما كان للحقبة الزمنية التي تميزت بها العاصمة بغداد بحراكها الفكري والسياسي والاجتماعي وما شهده العراق من صدور الدستور لعام 1908م والهرج والمرج السياسي في العقد الأول من القرن العشرين كان الدافع لكتابة الزهاوي في مجال المسرح، لتبيان سخطه على الولاة العثمانيين في المسرحية، فصور مفاسدهم وهم ينهبون خيرات البلاد.

مسرحية ليلى وسمير مسرحية حوارية بين شخصيات تدير الاحداث الدرامية بين (سالم بك) وولده (سمير)، وقد رسم الشخصيات المسرحية وبنائها وخصوصاً الشخصيات النسائية منها (ليلى ووالدتها وصلّوحة وابنتها)، فقد افلح الزهاوي في تصوير الشخصيات والاحداث الدرامية بشكل انسيابي، إلا أنه وقع في خطأ كبير أنه جعل طوب أبو خزامة شخصية مسرحية وثبتها في قائمة الأسماء، يذكر الربيعي في ص49 قائلاً : (في حين أنه مدفع يرد ذكره على لسان الشخصيات، وهذا الخطأ الذي وقع فيه الزهاوي يعطينا انطباع بأنه كان يعتقد بأن أي شخصية يرد اسمها في متن النص هي شخصية مسرحية).

أما في الفصل الثالث من الكتاب فقد نقل الدكتور الربيعي نص المسرحية كما هو عليه مستنسخاً من (مجلة لغة العرب) بشكل منضبط كما جاء في المجلة، الذي مضى على نشره تسعة عقود من تاريخ 1927م، وهي مدة كفيلة بأن يجعل منه نصاً نادراً وعزيز المنال، والكثير من قراء المسرح والمهتمين بهذا المجال لم يتسن لهم قراءته أو الاطلاع عليه، فكان الدكتور الربيعي السباق في تسليط الضوء على هذا المجال الذي طمرته الأوراق والكتب ونسيان الكُتّاب لهذا النص المسرحي.

وختاماً نقول الكتاب يعتبر دراسة وثائقية لرحلة ماتعة في تاريخ المسرح العراقي، وجهد مائز يستحق الثناء والاعجاب، فقد تناول الدكتور الربيعي فيه تاريخ النص المسرحي للراحل الزهاوي، لإعلاء راية الأدب والمسرح، مستعرضاً محطات ممتعة من حياة الزهاوي وتاريخه الأدبي والفكري الاصلاحي والمسرحي.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

74 majed200يدخل كتاب: النص وسؤال الحقيقة - نقد مرجعيات التفكير الديني (1) للمفكر الإسلامي ماجد الغرباوي في مضمار موجة التنوير الثانية التي بدأها الكواكبي وتابع معها علي عبدالرازق وآخرون. فهو لا ينكر الوحي ولا الكتاب المقدس (القرآن) كما هو حال صادق جلال العظم وطيب تيزيني ومحمد أرغون مثلا*، ولكنه يشكك بطرق انتقال وتداول الأفكار الدينية، وبهالة التقديس التي أضفاها أنصار الظاهراتية في التفكير والتفسير. بمعنى أنه يحتفظ بالعقل الإسلامي في موضعه من تاريخنا الروحي والحضاري،  ولكن في نفس الوقت يدعو للالتفاف حول تنظيم الأفكار وأدواتها وأساليب إنتاجها.

* الأحاديث الموضوعة

ويبدأ من ضرورة إعادة التفكير بما ينسب للرسول من أحاديث وأفعال. ويؤكد إن الجانب الأسطوري من أي قائد روحي يكون مفيدا أحيانا لأغراض التعبئة، ولكنه يتحول مع الزمن لعبء يمنعنا من التطور وإدراك الواقع. ولهذه المشكلة عدة جوانب أهمها: الوضع والإضافة أو الاختلاق. وسوء الفهم. فالنص لا يرتبط آليا بمعناه والعلاقة بينهما ليست أتوماتيكية وتخلو من المشاعر والخلفيات. والذي يبدأ بالوحي يجب أن ينتهي بالعقل. أو كما قال بالحرف الواحد: لنعرف الواقع لا بد من معرفة الحقيقة (ص9). ولا يتردد لحظة واحدة عن مهاجمة القراءة السكونية. فالحقيقة ليست مطلقة وأمامنا طرق لإدراكها. حتى أن الشخص الواحد قد يختلف مع نفسه. ولنأخذ الإمام الغزالي على سبيل المثال. فقد بدأ من الفلسفة وانتهى إلى التصوف. ومثله المفكر مطاع صفدي فقد  انتقل من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. وكان لمثل هذه التحولات نتائج حاسمة بدلت وجه العالم. فتحالف ستالين مع هتلر لم يصمد أمام المعطيات وانقلب لحرب دموية ومدمرة قسمت أوروبا لمعسكرين.

* تأويل النص

يحدد الغرباوي شروط معنى أي مدونة بثلاثة عوامل أساسية هي: مؤلف النص، والسياق، والقارئ (أو المتلقي بلغة دو سوسير). ولكنه ضمنا يشير لشرط رابع وهو علاقة اللغة باللغة. أو ما يسميه فوكو (التمثيل المضاعف). فالكلمة لها قيمة بسيطة أو تركيبية، وهذا يتحدد بواحد من إثنين، شاقولي وهو عنصر متبدل حسب الاستعمال، وأفقي وهو ما اصطلحنا عليه.  ولنأخذ كلمة نص الإنكليزية Text  فقد تطورت من كلمة  نسيج  اللاتينية   textus. وإذا فتحت معجم فاولير على أية صفحة لا على التعيين، لتكن ص614، ستجد أن كلمة talus  لها معنى يدل على كاحل، وجاء من اللاتينية. ومعنى يدل على منحدر، وجاء من الفرنسية (2). وللعرب خصوصيات باستعمال اللغة أيضا. ولا سيما بعد منعطف القرن العشرين ودخول الصناعة ومنتوجاتها لحياتنا. إن الإشارة، حسب تعبير فوكو، داخل المعرفة. وتنطوي على فكرتين: إحداهما عن الشيء الذي يمثل غيره، والأخرى عن الشيء الممثل. وطبيعتها تقوم من تحريض الأولى للثانية (ص180)(3). وهو ما يسميه لاكان في علم النفس بالآخر الحقيقي والآخر المزعوم. ولهذا السبب هناك ميول قوية للتفريق بين حالتين من حالات المدونة، وهما: النص والخطاب بحيث يختص الأول باحتكار الحقيقة (ص21)، ويختص الثاني بأساليب توصيل الحقيقة (ص22). وأهم ما في هذا التمييز أنه يأتي من خارج الثنائية الكلاسيكية، ويضيف إليها تحصيل حاصل الجدل الهيغلي. ولذلك نحن لسنا أمام خيارين فقط لفهم المدونة. وإنما لدينا خيار ثالث، أو منفذ نجاة يخفف من غلواء التعصب والتمسك الأعمى بحرفية الكلام. وكما ورد على لسان الغرباوي: النص بحد ذاته عديم الأهمية إن لم تفهم ما بين السطور (ص31).

* الفراغ التشريعي

ومن هذا المدخل يبدأ الغرباوي بمناقشة مسألة "منطقة الفراغ التشريعي". وتعني  كل موضوع لم يرد فيه حكم شرعي (ص34). وحسب هذا المفهوم يقسم مصادر الدين الإسلامي لنص مقدس ولتفسير هو نتيجة للجهد البشري (ص34).  ولكن يجب علينا أولا أن نثبت صحة هذه النصوص وأنها موجودة وثابتة فعليا. ويضرب لنا مثلا حول هذه المشكلة وهو عدد الأحاديث التي رواها أبو هريرة. فهي تبلغ 5374 حديثا مع أنه لم يرافق الرسول غير عامين. فكيف تسنى له رواية هذا العدد الكبير ومن المعروف عن النبي صمته وقلة حديثه (ص28). لقد تحولت حالة أبي هريرة لبالون اختبار سياسي في وقت مبكر من عمر الصراعات على الدولة. ويمكنني القول إنه تحول لما يشبه وزير إعلام أو ناطق رسمي باسم اتجاه من هذه الاتجاهات المتحاربة. وتذكر كتب السيرة أن عدد مريديه بلغ ما ينوف على ثمانمائة. ويمكنك التفكير بما تفعله هذه الشبكة بعد أن تتوسع بمتوالية هندسية. لقد كانت الأحاديث والمرويات بمثابة أناجيل تعيد بناء السيرة النبوية. وهذا يعني أن ما ورد فيها هو الرواية الإسلامية لواحدة من أكبر السرديات المعاصرة. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: ما علاقة هذه المروية بالواقع الإسلامي؟.

إنها علاقة شائكة وتحمل أوضار وشوائب المعاناة والشك وضرورة التجديد. لكن للأسف كان الرهان على التجديد هو في نفس الوقت رهانا على استعادة الماضي لا نقده وتفكيكه. ولذلك تدين الدراسات والبحوث الحالية للصبغة القاتمة التي ورثناها في الناحية العسكرية من الخليفة عمر، وفي الناحية الإعلامية من أبي هريرة و الصحاح، وفي الوضع الإيديولوجي أو بيان خطاب الدولة والدستور من ابن تيمية. ويعزى للأخير مبدأ الوسطية في الإسلام.

ومثل هذا الرضوخ الأعمى للماضي وأشباحه قادنا للاختلاف مع أنفسنا، وعدم الاعتراف بمنطق صراع الأجيال، واستبداله بتوريث الأفكار وحقنها دون مواءمة بشروط تعمل من فوق التاريخ. وأدى ذلك في النهاية، كما يقول الغرباوي، للمصادرة على حرية الرأي، وتوسيع نطاق المحرم والممنوع (ص41)، حتى أصبحت الحياة مجرد سلة للممنوعات والمكروهات أو حزمة عقوبات نفرضها على أنفسنا. ولكن حتى في مسائل الحلال والحرام دبت خلافات استوجبت إصدار فتاوى إما تذكي من شعلة الخلاف أو أنها تبرر أساليب الإدارة والحكم.  ويرى الغرباوي أن شعار التسامح لم يكن رادعا للاضطرابات الاجتماعية. بمعنى أنه لم يلعب دوره كمهدئ أو دواء ناجع. بالعكس استغلته كافة الأطراف لأغراض دعائية. وأشد ما يأسف عليه المرء في سياسات الشرق الأوسط أنها تفرز باستمرار حلولا عسكرية لقضايا المجتمع المدني، وتزيد من سعار العداوة والبغضاء. وكل ما جنيناه في النتيجة شعارات دون رغبة أو إرادة بالتطبيق. وأوضح مثال على ذلك تصريح لوليد جنبلاط. فقد أعلن أن حزبه يهدف لتوفير مؤسسة لأتباع الخيار الاشتراكي على الساحة اللبنانية. لكن الواقع (والكلام لا يزال لجنبلاط) أنه تحول لكيان خاص بالدروز. ويبدو لي أن النزوع العشائري والطائفي هو الذي يعمل شاقوليا في بنية معظم أحزابنا. حتى أننا أضفينا على الطوائف والمذاهب صفات سياسية. وقد تحول ذلك بمعجزة من معجزات التخلف إلى اعتبار انتفاضة الزنج والقرامطة من بين الحركات التي تبشر بالفلسفة المادية. بينما هي في حقيقة الحال محاولة لفك الالتزام بمركز الخلافة ثم محاولة الاستيلاء عليه. إنها انقلابات عسكرية بلا أي محتوى إيديولوجي، إلا إذا اعتبرنا الانتماء العرقي إيديولوجيا. ويمكن مقارنتها مع الانقلاب الفاشل الذي قاده سبارتاكوس، أو الانقلاب الذي وضع المماليك على رأس السلطة في مصر حتى عام 1952. لقد كانت الغاية مختلفة تماما عن ثورة الضعفاء التي قادها بنو هاشم ضد أغنياء قريش. وبنقد الفكر اليومي (والتعبير لمهدي عامل) ستلاحظ ارتفاع وتيرة التأليب والتعبئة على أساس المذهب. حتى أن الحلول الدولية لنزاعات الربيع العربي لم تكن تخلو من فيدراليات على أساس الطوائف. وأتساءل: أين ذهبت جهود وثمار حركات التحرر التي قادت المنطقة بعد نكبة فلسطين وحتى عام 2010. أين تبدد خطابها المدني والدولاتي، ولماذا تبخر مثل الكحول بعد أول نسمة هواء؟؟. وما هي الآلية التي تسببت بسقوط تلك الحركات وتعريتها من ثيابها البراقة ونياشينها، ولماذا اختفت الطبقة المتوسطة وسقطت إلى أسفل لتوفر الوقود اللازم لهذه الانتفاضات؟.

إن التوازنات التي تتحكم بمصيرنا السياسي ومستقبلنا يمكن أن تجد أثرها أيضا على تسليح الجيش. فالعتاد في الخليج أمريكي، بينما هو في سوريا إيراني وروسي. ويمكن أن تفهم من هذه الصورة طبيعة التنافر بين البلدين. إنه يدل، شئنا أم أبينا، على واقع الحرب الباردة وتطوراتها ومآلها، ولا يعكس رغبات أو ميول الشارع. وقد عبر الغرباوي بشكل بليغ عن هذه الظاهرة حين ربطها بسلطة الدولة. فالنشاط السياسي لدينا تحتكره نخبة لا تزيد على 5% وما تبقى إما يتعايش مع ظروف المعارضة أو العمل في الظلام.  وهذا يفسر لماذا توجد للنص الواحد عدة قرءات. فكما للإدارة السياسية أحكام ونقاط ارتكاز، للمعارضة أيضا مرجعيات تعيش وتتطور في عزلة تامة عن السلطات. والمشكلة أن الطرفين يعتمدان على سياسة الاتجاه الواحد ونبذ الحوار والتعصب، وبلغة الغرباوي: على الإيمان والتسليم لا على الدليل والبرهان (ص61). وهذا لا ينتج معرفة علمية كما يقول أيضا (ص61)، وإنما لا معقولا دينيا (ص62) أو قيادات وزعامات سياسية خارقة. ويلعب هذا التوجه دورا هداما لأنه يوظف الانتماء باتجاهين: داخلي لتعميق الأواصر، وخارجي للتحريض على الخصم (ص56). ولذلك نحن لدينا عدة مجتمعات في قالب اجتماعي واحد. وخطوط العزل ليست طبقية ولا سياسية، وإنما تحركها خيوط المذهب والمصلحة. وكل جماعة تتكفل بإنتاج نصوصها.

74 majed600

* حدود المعنى

وهنا لا بد من توضيح.

للنص عندنا سلطة توازي معنى الحقيقة كما يقول الغرباوي (ص61)، والمدخل لعالم الحقائق يكون عن طريق حراستها بنصوص جاهزة، مسبقة الصنع، وموجهة لخدمة جانب من الفكرة، وليس الفكرة كلها. لكن لأغراض الأمانة العلمية ولتنظيف الدين من الشوائب لا بد من الانتباه لمحددات تبدل المعنى أو المبنى أو كليهما في النصوص الدينية، وهي:

1- مقولات البنية المعرفية في بدايات تشكل الوعي عند الأفراد. فهي تصورات ومفاهيم تستمد وجودها من أعماق البنية المعرفية ويستحسن قراءتها بضوء معارف وتصورات العقل الجمعي (ص62).

2 – دور الوسيط أو المتلقي لأن الحقائق التراثية غير موضوعية، ولا يوجد لها طريق غير النص (ص63).

3 – الخلفيات الثقافية. وهي قبليات مكتسبة وتبدل من طبيعة إدراكنا لفضاء المفهومات في البنية المعرفية للأفراد والجماعة (ص67).

وأصلا حض القرآن، لتلافي هذه التحديات، على الإيمان البرهاني واستعمال العقل ومتابعة الأدلة وعدم التوقف عند الانقلابات الثقافية لتدارك الشكوك والمتغيرات (ص67).

إنه من الضروري التمييز بين الشريعة باعتبارها جملة أحكام وروحها التي هي الأهداف الأساسية للدين (كما يقول شكري المبخوت). وتنزيل الأحكام في التاريخ للنظر فيها باعتبار الأهداف وتحولات المجتمع مسألة ملحة بحيث يجري تطبيق المبدأ الأصولي القائل بأن الحكم يدور مع علته إيجابا وسلبا. ولنأخذ دور ميراث المرأة كمثال. فعلة الإنفاق على العائلة كانت هي الموجب وراء الحكم، وهو إسناد انتفى بدليل ما نشهده في الواقع، وعليه صار تبديل الحكم دون نقض للإسلام ممكنا. لأنه يحافظ على شرط تحقيق العدل والمساواة(4).

وعلى هذا الأساس يعرّف الغرباوي الحقيقة على أنها ما يطابق الواقع بدليل حسي أو برهاني دون الدليل الحدسي أو الظني ما لم تكن مقدماته يقينية (ص69) إلا الحقيقة الدينية فهي نسبية وتستمد صدقيتها من النص، وتتوقف على إذعان المؤمن وشروط تحقق النص وسلامته من التحريف أو الوضع (ص70). وهنا تواجهنا مشكلة النص الديني. فهو جزء خاص من التراث، ولا تجوز مساءلته، لكن هذا لا يمنع إمكانية إدخالات ظنية عليه، كما حصل بعد إضافة النقطة والهمزة للكتابة.  وقد سبق للغرباوي أن تناول إمكانية التصحيف في القرآن وضرورة الإجماع عليه بثبوت الأدلة، مع التدخل كلما اقتضى الظرف بالشرح والتفسير. ومن الأمثلة على ذلك قتل من أذعن. وهذا غير ممكن لأن الأساس في الإسلام هو التسامح والمغفرة وتوسيع أبواب التوبة.  وربما المقصود هو قتل النوايا الشريرة أو منعها. فالتعبير مجازي إذا لم نكن جاهزين للاعتراف أن الكلمة الصحيحة ليس "اقتلوهم" ولكن "أقيلوهم".  وكل ما حصل هو التباس في التنقيط.       

يمكن لأي إنسان نبيه يتحلى بقدر قليل من الذكاء أن يلاحظ تراكم المعرفة ثم انفصال أساليب الإدراك عن المعاني. فالفكرة تحتاج لنظام للتوضيح والتعبير والتداول، ومع التقادم تتحول إلى تراث. وهذه هي أول مراحل تشكيل العلوم. ثم نبدأ بالمرحلة الثانية، وهي تأويل ما لدينا من مخزون معلومات وأنباء وحوداث. ويمكن في بناء المعارف ثم في إدراكها أن تحصل تحولات، وستكون بالتدريج مسؤولة عن إلغاء حقيقة واستبدالها بحقيقة بديلة. حتى أن معاني الرموز يمكن أن نعقلها بطرق مختلفة، تبعا للمرحلة التاريخية وأساليب التداول المتبعة.

وبهذا الخصوص تكلم الغرباوي عن الهالة التي نعزوها لشهيدين من شهداء الإسلام على حد تعبيره وهما سيد قطب وباقر الصدر. فكلاهما من موقعه أسس لوعي حركي معارض، وكلاهما لفظ أنفاسه الأخيرة بعد محاكمة صورية وقرار بالإعدام (ص87). لكن لم يوضح الغرباوي لماذا استشرت شهرة قطب وبقيت سمعة الصدر محدودة ضمن جيوب صغيرة. لقد تحول قطب لأسطورة نضالية ولرمز، ولا يمكن أن يدانيه أحد فيما وصل إليه غير غيفارا. ولحد ما تروتسكي. وأستطيع أن أضع قطب بين التروتسكيين الإسلاميين لأنه بدأ من فكرة مجسدة، وانتهى بمجموعة أوهام روحية وميتافيزيقية تحيط بها هالة من النور الساطع، إن لم نقل شعلة مضيئة تحرق من يقترب منها. لماذا يكون سيد قطب من المبشرين بجنة تتخيلها المعارضة الإسلامية.  ولماذا يتحول اسمه لصورة إسلامية وكأنه سيزيف مسلم يدحرج صخرة العقيدة والإيمان، بينما يسدل ستار غير شفاف على أطروحة الصدر؟.

أعتقد أن النهاية التي كتبتها ظروف المنطقة لعبد الناصر ثم صدام يمكن أن تفسر لنا ذلك. لقد خرج عبد الناصر من السلطة بجنازة وطنية، بينما لا يعرف أحد مكان دفن صدام بالتحديد. وصفة زعيم وطني لا شك هي غير صفة طاغية ودكتاتور. وحتى إذا تساوت الشخصيتان من ناحية الحقيقة السياسية، فالرمز المرتبط بهما له سياق تأويل آخر، ناهيك عن أن السنة من يخطط لتعويم سمعة قطب، بينما الشيعة هم المسؤولون عن الصياغة النهائية لشخصية الصدر. وكما هو واضح للحركات السنية إمكانيات دعائية أقوى، وتفرض نفسها بعدة أساليب جهادية. في حين أن راعي الشيعة وهي إيران عجزت عن طرح بديل اقتصادي إسلامي، وعادت بعد 9 سنوات من المعاناة إلى الاقتصاد العالمي وحركة السوق بمسحة شرعية بسيطة جدا (كما يقول الغرباوي بالحرف الواحد) (ص87). فقد تراجعت إيران عن أسلمة العلوم الإنسانية واستسلمت لمنافسيها من الدعاة للعلوم الإنسانية الغربية (ص87). ويذكر مثلا عمليا على ذلك وهو انسحاب رضا داوري أردكاني من المشروع. وبعده بقليل حسن روحاني. وعلى هذه النتيجة يبني موقفه من نفي مطلقات الوعي الديني أو الثقافة الدينية. فهي نشاط اجتماعي مرموز، ويحمل كل نكهات ومقويات الأجنحة السياسة الداعمة أو المناوئة. وهذا برأيه يعكس مشكلة البشري والإلهي. فقد تساوى قطب مع الصدر من ناحية إلهية، لكن بشريا رجحت كفة قطب، وتحولت لأسطورة نكتب على هديها تاريخ صراع الإسلاميين مع السلطات. وإن لم نحاكم آلية ترويج هذه الصور النضالية (بين قوسين) سنقدم حسابا مشوها ومنحازا لمعنى الحقيقة (ص88). وإذا كانت هذه هي الصورة حيال مشاكل عاصرناها جميعا، فما بالك لو أنها عن مشاكل تراثية من فترات مبكرة في تاريخ الإسلام. لماذا لا نتوقف عند خروج طلحة مثلما نتوقف عند مقتل عثمان، وكلاهما من الصحابة الأوائل؟..

يجيب الغرباوي عن هذا السؤال أوتوماتيكيا بقوله: إن الصراع كان في سياسة الدين وليس في الدين بحد ذاته. ولذلك كان الجناح السياسي المنتصر والأقوى هو الذي يحدد من يستمر ومن يطويه النسيان (ص88).

إن حالة سيد قطب تعكس مشكلة المصادرة على الحقيقة بأمر إلهي يستند على وساطة بشرية أو على الإفهام وتفريعاته، وبلغة أوضح على الاجتهاد وما بني عليه. ودعوته لتجديد الدين وإصلاح العباد هي بطريقة من الطرق دعوة إلى الحداثة بدورتها العضوية المغلقة وبمركزيتها العدمية والمعادية للحس التاريخي. وكما يقول أرنست غيلنر: إن نشأة أي إيمان ديني تنطوي حكما على توجهات حداثية تعيد تفسير علاقة الإنسان بالإله (ص19). أو بلغة أوضح: تعيد إنتاج النص وتركيب السردية مع تحديد التزامات جديدة (ص20). لكن غيلنر سرعان ما يحذر من استغلال الدين لغايات غير دينية، ويعتبر أن الطقوس هي احتفالات الغاية منها زيادة ولاء الفرد لجماعته (5). وربما كان أفضل مثال لهذه الفكرة هو احتفالات رأس السنة الميلادية. فمع أنها مناسبة خاصة بالسيد المسيح لكن تحتفل بها كل البشرية بغض النظر عن العرق أو الدين. وشعارات هذا الاحتفال موحدة، ولا سيما شجرة الأرز دائمة الخضرة وبلورات الثلج التي تنهمر عليها. مثل هذه اللغة العالمية هي رسالة مشفرة فقدت معناها الديني ودخلت في اللاوعي الجمعي كإشارة على حالة نفسية تشمل علاقة الإنسان بنفسه أكثر مما تدل على علاقته اللامتناهية والغامضة بالسماء. وإذا نظرنا لشجرة عيد الميلاد من زاوية دينية، إنها رمز توراتي ولم يرد ذكرها في القرآن. بالعكس، عند المسلمين توجد إشارة للنخيل وكثبان الرمل، وليس للمرتفعات والأشجار التي صنعت منها شعوب المتوسط سفنها التجارية والحربية. ولذلك يمكن القول إن اللاشعور الجمعي هو الذي هضم صورة أو تناساها لمصلحة صورة أخرى لها رواسب في الذاكرة الحضارية. بمعنى أن الواقع تغلب على الحقيقة وتخطاها.

* النظرية والتطبيقات

لقد كانت الغاية من الدعوة هي إنجاز شرطين: وضع حد لحياة التنافس على الموارد، وتحرير الضعفاء من هيمنة من أهم أقوى منهم بالسيف والثروة. ويمكن القول إن الإسلام حاول تقديم حلول ناجعة لثلاث مشاكل أساسية: الأولى حالة التنازع بين القبائل. والثانية قبول وصاية الأجانب أو الإمبراطوريات المجاورة. والثالثة ما يعرف الآن باسم التفاوت الطبقي، أو إن شئت التفاوت في الاستفادة من الثروات والمصادر. ولكن بعد تراكم مجلدات من الفتاوى والتشريعات، وبعد اكتشاف منابع النفط والثروات المعدنية، نبدو أبعد ما نكون عن الحل. ولا نزال نعاني من الثلاثي السابق ذكره. فاقتصاد الدول الإشتراكية قاد بلاده إلى الإفلاس وأنهكها بالحروب الداخلية. بينما اقتصاد الدول الإسلامية الغنية ارتكز على رضا واستحسان المستثمرين. وحتى في ظل الهدوء النسبي بلغت نسبة الفقر في السعودية  25%. وهناك أكثر من أربع ملايين سعودي من أصل 20.5 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر(6). في حين وصلت نسبة العاطلين عن العمل أكثر من 12% بين الذكور، وأقل بقليل من 33%  بين الإناث(7).

وإذا نظرت لواقع الحركات الإسلامية المعاصرة سيخيفك مقدار التراجع في الأهداف أمام شهوة التملك والسلطة. ولم تنج من هذه المجزرة الإسلامية النصوص المقدسة وكل ما يبنى عليها. فالفتوى بالأصل أن تعود للنص، يعني أن تفهمه (ص137)، وترفع ما يبدو متعارضا بين نصوصه (ص137). والفتوى بالتعريف هي: رأي الفقيه المستند إلى دليل (ص137). لكن إذا نقبت في التشريعات الدينية ستكتشف بكل سهولة انحيازها لمصلحة الواقع السياسي والاجتماعي (ص137). ومنها نشأت ظاهرة الحيل الشرعية التي تبرر ما هو في أساسه حرام أو لا يجوز، حتى أن التشريعات تحولت لقيود تكبل يد الإنسان. ففتاوى ابن تيمية طبعت في 20 مجلدا مع أن آيات الأحكام في القرآن بمجموعها هي 500 آية فقط (ص140). لقد تراكمت الفتاوى وتشكلت بنتيجتها حياة شرعية موازية للحياة التي نعيشها. وبعد الربيع العربي وانتشار ظاهرة الإمارات الإسلامية أصبح لدينا تشريعات غايتها استباحة المسلم في عرضه وماله، والتقييد عليه بكل شيء إلا بشبهة التكفير والردة. والمشكلة أن هذا التطور في الأحكام والتشريعات لم يقابله تطور في الموارد والتحضر. ولذلك يدعونا الغرباوي لا لفحص التشريعات، التي تتوالد كل دقيقة وساعة، ولكن للتثبت من آليات الإفتاء. فالفتوى تعبر عن وجهة نظر الفقيه حتى لو ارتكزت للنصوص. فهذا الارتكاز استظهاري استحساني وليس صريحا ولا مطلقا على حد قوله (ص144).

ومن أبرز عيوب الاجتهادات والفتاوى الحديثة:

- الانتقائية: فقد استبعدت أكثر من 60 آية تدل على التوسعة والرحمة وركزت على آيات السيف والتكفير. وقد ناقش هابرماز مشكلة الانتقاء التي تأتي بين طورين من أطوار السرد التاريخي. وهما الطفرة في التفكير وتثبيت هذه التحولات المنتقاة (انظر كتابه: ما بعد ماركس).

- الجمود: فالكلمات محدودة لكن المعاني مفتوحة ولا نهائية.  ولنأخذ كلمة سيف على سبيل المثال فهي تدل في معجم المعاني على أداة حربية وعلى ساحل البحر.

- إهمال السياق: وعدم ربط اللاحق بالسابق. وهذه مشكلة تسبب التسرع وأحيانا التهور والنقصان. كما في تفسير معنى القوة في آية (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة). فقد جاء بعدها ومن رباط الخيل. وعطف عدة الحرب على عدة الحرب ينتفي مع بلاغة وحكمة القرآن.

*الإسلام والحداثة

وبالنتيجة أصبح لدينا كم غير مسبوق من الأحكام السياسية التي جردت الدين من تاريخيته (ص144). لقد وضعتنا هذه التشريعات أمام أنفسنا وبمواجهة عدة تحديات لا يمكن إلا أن تتسبب للصورة والمرآة بشيء من التنابذ، فهي تشريعات توائم بين التراث والحداثة، وكأنهما علة ومعلول، أو طور يمهد لطور آخر من نفس الظاهرة. لكن الحقيقة هي شيء آخر. فالتراث هو ابن شرعي لمرحلته التاريخية، ولا يمكن تطعيمه أو تغليفه بمشاكل العصر الراهن. إنه موجود للإستئناس والقياس. ولكن ليس للتوليد منه حصرا (وهذه الحالة الإشكالية هي شرط مسبق ومعرفي عند مفكر إسلامي مثل طه عبد الرحمن)(8). فالمقاومة برأيه هي جزء من هوية مستمرة لا تعرف الانقاطعات أو التبدل. والحداثة ليست بالتخلي عن التراث ولكن بالسعي الدؤوب نحو الكمال. والحكمة من الفصل الحقيقي لا تكون بتفريق الأشياء ولكن بإنجاز آلية التكامل بينها (ص39). وحداثة المسلمين ليست حداثة غربية لأن الغرب حامل لمجموعة من الآفات بينها الفردانية والانفاصلية والمادية (ص42).

إنه من الطبيعي أن لا نعمد لأسلمة الحداثة، فهي من نتاج حضارة أخرى لها شرطها وظروفها، ولكن هذا ليس دليلا على الانتفاء وإنما اللزوم. وبلغة الغرباوي أيضا: لقد سقطنا (بسبب الهوية) في تناقض مروع ونجم عنه قلق حضاري يثبط العزيمة (ص154). وعلى ما أعتقد نحن لم نتخذ أي موقف من الماضي أو الآخر. وعلى الضد من ذلك، كنا نفكر بأنفسنا فقط، ونسعى لإيجاد طريقة للخلاص، وهذا هو الطابع العام لمعركة رواد التنوير في موجتين أساسيتين: الدفعة الأولى التي واكبت نهايات الحكومة العثمانية واختارت مصر لتنشط منها. واختارت تحرير اللغة من تركة العصر الوسيط (عصر الانحطاط العربي أو الإسلامي كما هو معروف) و تدعيمها بنظريات تدين لمنطق الكشوفات العلمية. والدفعة الثانية التي واكبت البيروسترويكا وسقوط الاتحاد السوفياتي (الزلزال السوفييتي بلغة حسنين هيكل). وكان رموز هذه الحركة من جيل الشباب، وقد نشطوا من عدة مراكز. والسبب برأيي مفهوم وواضح، فالحداثة التي بشر بها الرواد كاننت بحاجة لإعادة نظر وتوسع وتنقية، وبضوء من إنجازات فلسفة ما بعد الحداثة. وحتى هذه اختلطت بمصطلحاتها ووجهات نظرها مع ما قدمته اتجاهات ما بعد الكولونيالية. والفرق بين الجيلين مثل الفرق بين فلسفة الهجرة والنفي أو الخروج من المكان. فالهجرة فلسفة إلغاء، بينما المنفى فلسفة ترابط، لأنها تكون غنية بمشاعر النوستالجيا والرغبة النظرية بالعودة. وإذا كانت الثقافة الإسلامية هي الشعار الذي رفعه الجيل الأول، فالثقافة الغربية (تحرير وديمقراطية) هي شعار الجيل الحالي. وفي الحالتين يوجد فراغ بين الموضوع وأساليب علاجه. فالهداية ليست ذاتية، وتحمل إشكالات التجديد من مسافة (في المكان من الخارج، وفي التفكير من الأعلى).

ولذلك أجد أن دعوة الغرباوي لتخفيف القيود على العقل النقدي ومحاصرة عقل المحاكاة لها ما يبررها، لأن التراث نتاج بشري وليس له أي سلطة معرفية (ص162) حتى لو كان هذا التراث من المقدسات. وبهذا المعنى يسأل نفسه: لماذا نقتدي بسيرة وعهد الخلفاء الراشدين؟. ومن جعلهم مثلا أعلى في السياسة والحكم، ومعيارا للفضيلة والحكمة؟. هل ذات النموذج العملي لسلوكهم؟ أم الخطاب التنزيهي الذي تلى حقبتهم؟.

* الإسلام والسياسة

لقد كانت فترة الخلفاء الأربع فترة دموية مضطربة تخللها أكبر كم من الجرائم السياسية والاغتيالات والحروب في سبيل السلطة. وهذا البحر من الدم لا يمكنه أن يكون هو التفسير العملي المفيد لأحكام القرآن. وإذا كنا نعزو للخلفاء فضيلة توسيع الدولة وحراسة التركة التي تركها لنا الرسول فهم أيضا مسؤولون عن التحسس الذي نعاني منه وعن نموذج الاحتكام للسيف ليس لنشر الدين وحراسته وإنما لاغتصاب السلطة بطريقة حرق المراحل. فالظروف لم تكن ناضجة لتأسيس خلافات وإمارات حينما أصبحت الكلمة للسياسة وليس للدين، أو للإسلام الأموي لا النبوي. والأهم من ذلك أن الخلافة شأن سياسي، بينما النبوة شأن ديني، وصلاحيات الخلفاء بالتوافق. لكن صلاحيات النبي ربانية وإلهية (ص197). ولا يمكن جعلها لغيره إلا بنص صريح واضح وهذا غير موجود (ص198).

ويندرج نفس المنطق على مفهوم العصمة، ولا سيما خصوصها في أهل البيت. فكيف يكون ذلك مع انقطاع الوحي، والخلل في الإسناد لا تعالجه العصمة، ولذلك يجب النظر لهذه المسألة في إطار اللامعقول الديني (ص206). وتأتي في درجة تالية مشكلة الألقاب مثل الحاكم بالله وسيف الله، ثم العناوين مثل نهاية الأصول ونهاية الدراية ونهاية الفقه (ص207). وهذا يذكرنا بعناوين حديثة مثل: موت المؤلف وموت الإيديولوجيا والإنسان الأخير. إنها ألقاب وعناوين ذات إيحاء رمزي وبلاغي. وبسهولة تستطيع مقارنتها مع ألقاب وعناوين كانت شائعة قبل التوحيد وفي العصر الوثني مثل فارس بني عبس (عنترة)، الملك الضليل (امرؤ القيس)، الفتى القتيل (طرفة)، و(جمهرة أشعار العرب) وما شابه ذلك. فهي بنود غير فقهية ولكنها جزء من الذهن المجازي عند العرب. والغاية منها الاستيلاء على القلوب البسيطة بمكياجات لغوية معدومة من أي سند إلهي أو شرعي. وهو ما يسميه الغرباوي: سلطة النص على الوعي حتى لو أن الحقيقة تجافيه وتعارضه (ص208). فالوحدة الدينية ليست مشروطة بالوحدة السياسية (ص212). وكل هذا الخراب كان يمكن تجنبه باعتماد نظام غير ثيوقراطي وتعددي يضمن للمسلمين فرصا متكافئة في إدارة شؤونهم. إن الإنسان بحاجة لتعبئة وخلق فرص لتنشيط العقل، حتى لا يتعلم الكسل الذهني وتموت روح المبادرة والابتكار لديه. ويمكن للدين أن يلعب هذا الدور إذا توفر له إطار سياسي مناسب. وكما ورد في مناقشة الغرباوي لمشكلة الغلو (التعصب) إن الفهم الخاطئ للثواب والعقاب والصبر والتسليم يقود للحد من التغلب على الواقع. ثم يستشهد بمقولة ماركس المعروفة: هكذا يتحول الدين إلى أفيون (ص243).

ومع أن هذا الكلام لا غبار عليه، لكن منعا لسوء الفهم، لم يكن ماركس ضد الدين بحد ذاته، وإنما ضد أساليب تعبئة الدين. فقد مهد لتلك العبارة المجازية بقوله: إن التعاسة الدينية هي احتجاج على التعاسة الواقعية، والدين زفرة الإنسان المسحوق، وروح عالم لا قلب له،  كما أنه روح الظروف الاجتماعية التي طرد منها الروح.

ومثلما نحن نجد فرقا بين الولاية الدينية والتولية السياسية، هناك فرق بين محاربة الدين والتعامل معه كنظام تفكير بشري يستند لسلطة لدنية (افتراضية).  فالماركسية كانت تقرأ قوانين الصراع بين طبقات المجتمع ومنهم رجال الدين (الإكليروس). وهي تجد أن إلغاء السعادة الوهمية التي تتوفر في الأديان هو المدخل لصنع السعادة الفعلية. إن معركة ماركس كانت مع ظروف الإنتاج المجحفة والأوهام المرافقة لها بصور ترفيهية رخيصة لا تساعد على تبديل واقع البؤس والحرمان. وهذا ينطبق على أي بيئة غير متوازنة سواء كان الدين موجودا أو غير موجود.

لقد كانت كل الروايات الأساسية في التاريخ هدفا للتجريح أو المبالغة. ولم تنج الماركسية من مؤاخذات مضحكة وتدعو للشفقة (بتعبير فراس السواح). ومثلها الرأسمالية، فهي بنظر كل حركات التحرر في العالم الثالث مصدرا للشر ولاستعباد واسترقاق الإنسان. ولكن المبالغة دائما تكون بالنص وليس في الحقيقة. فكل نظام لديه حسناته وسيئاته.

ويثبت الغرباوي هذه الفكرة من خلال الصور والبورتريهات التي رسمتها المذاهب لشخصية النبي. فقد وجد فرقا أساسيا بين ما ورد في الآية والرواية. كانت الآيات تؤكد على بشريته، في حين أن الروايات تعزو له العلم بالغيب وتميل للمبالغة وترفعه لصفات أسطورية (ص287). حتى أن الرواية صادرت على الآية، وبلغة الغرباوي حصرتها (اشترطت التمهيد للآية بالرواية). وهذا لا يختلف شيئا عن النكتة الماركسية المعروفة: أن هيغل جعل التاريخ يمشي على رأسه. والمنطق يعطي الأولوية لكلام الوحي لا للتفسيرات والشروح التي تترتب عليه.

ولذلك يتحتم علينا التدقيق في هذه الروايات. وإذا كانت من بين الأحاديث يجب التثبت من صحة صدورها، ثم مراعاة قواعد إضافية للتأكد من فعلية الأحكام وصحة المضامين (ص291).

ويختتم الغرباوي كتابه باقتراح عملي.

أن نقرأ النص ونعقله أولا، ثم نعود لمصادره. ففي زمن النقد الرجالي ورواية الآحاد لا تستطيع أن تضمن أن الإسناد ليس مزيفا. وكما قال جون ماكوري في كتابه (الوجودية): الوجود الحقيقي يفترض فك الارتباط مع الواقع الزائف والمشوه والذي هو نتيجة لاتفاقات يبرمها العقل الجمعي وانحرافاته (ص178)(9)..

 

كتاب: النص وسؤال الحقيقة.. لماجد الغرباوي

د. صالح الرزوق

....................................

هوامش:

1- منشورات دار الأمل الجديدة في دمشق، ومؤسسة المثقف العربي في سيدني. 2018/ 308ص.

2- Fowler’s Modern English Usage. Guild Publishing. London. 1985 

3- الكلمات والأشياء. فوكو. ترجمة بإشراف مطاع صفدي. مركز الإنماء القومي. بيروت. غاليمار. باريس. 1990.

4- شكري االمبخوت. الثورة الثقافية الثانية في تونس. ضفة ثالثة. 16 يونيو، 2018.

https://www.alaraby.co.uk/diffah/opinions/2018/6/15/%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3

5- أرنست غيلنر. ما بعد الحداثة والعقل والدين. ترجمة معين الإمام. دار المدى. دمشق. 2001.

6- مقالة في العربي الجديد لعلاء البحار. خريطة الفقر في السعودية تتّسع إلى 4 ملايين مواطن... وثروات النفط للأغنياء. مال و ناس. ص 12-13،عدد 19-8-2017.

https://www.alaraby.co.uk/economy/2017/8/19/%D8%AE%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AA%D8%B3%D8%B9-%D9%88%D8%AB%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7-%D9%84%D9%84%D8%A3%D8%BA%D9%86%D9%8A%D8%A7%D8%A1

7- السعودية.. مملكة الفقر.

https://www.al-sharq.com/article/20/08/2017/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%85%D9%84%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D8%B1

8- طه عبد الرحمن. الحداثة والمقاومة. معهد المعارف الحكمية. بيروت. 2007.

9- جون ماكوري. الوجودية. ترجمة إمام عبدالفتاح إمام. عالم المعرفة. الكويت. 1982.

* يجدر بنا تصنيف حركات التنوير في موجات. أول موجة هي التي مهدت للتخلص من سياسة الإمبراطورية العثمانية،  وثاني موجة هي التي تدعو للتخلص من حكم العسكرتاريا الوطنية (جنرالات المكاتب) لأن دورهم انتهى بانتهاء شعار تحرير كامل الأراضي الفلسطينية ومبدأ الكفاح المسلح. وضمن هذه الموجات توجد تيارات: أدبية (تهتم بتجديد اللغة والأسلوب)، وفكرية وحركية (وتهتمان بعلاقة المجتمع مع الحضارة والسلطة). وغني عن القول أن تأملات قاص وروائي مثل طه حسين، ستقود لتأملات كاتب مثل سعد محمد رحيم. بمعنى أن الليبرالية الوطنية ستقود المعركة باتجاه وطنية ليبرالية. وترتيب المفردات هنا يدل على أولوية في الاهتمامات. فالتيار الأول استعار أدواته من الغرب (طه حسين معروف باسم ديكارت العرب)، في حين أن التيار الثاني كان مهموما بتحرير أدواته من أي شبهات غربية. ولذلك كان اتجاه السهم متعاكسا. في أول حالة من الموضوع إلى الذات. بينما في الحالة الثانية من الذات إلى الموضوع. ولكن المشكلة الأساسية هي دائما في فرز التنوير من الإصلاح. وهنا تبدأ مشكلة التدين والخلطة العجيبة لمفهوم الإجبار في التكافل الاجتماعي مع المطالبة بمزيد من الحريات في مجال الحياة المدنية.  

 

405 سعيد نفاعهذه هي الرواية الأولى للكاتب سعيد نفاع، ابن قرية بيت جن، المتربعة على سفوح الجليل الاعلى، وعضو الكنيست الأسبق، التي كانت صدرت عن دار "الأماني" في عرعرة، لصاحبها الكاتب الاستاذ مفيد صيداوي، الذي أخذ على عاتقه مهمة اصدارها كأمانة وضعها سعيد نفاع في عنقه، قبل ان يدخل السجن، وقدم لها بكلمة نقتطف منها: " سعيد نفاع كاتب يضع هموم شعبه وهم السلام العادل أمامه وفي مخيلته، وهو بدون شك يضمن هذه الهموم في أدبه الذي اطلعنا عليه، وفي هذه الرواية التي هي اولى رواياته... وفي هذا الكتاب يبدأ بكتابة النص الروائي ويدخله من اوسع ابوابه ".

وكان قد صدر لسعيد نفاع مجموعتان قصصيتان هما: "سمائية البوعزيزي "، و"رسالة مؤجلة من عالم آخر".

ويتناول سعيد نفاع في روايته "وطني يكشف عريي" واقع الأقلية العربية الفلسطينية في البلاد، ونسيج العلاقات بين مركباتها، وكيف يكون الحب والعلاقات الحميمية في مجتمع تسوده وتقتله المظاهر الفارغة، وينخره سوي الخيانة.

وهي تعري هذا المجتمع من خلال بطلي الرواية " راشد " و" أنس البكري "، وتطرح المسألة النسوية وما تعانيه المراة من اضهاد وقهر مزدوج وظلم المجتمع الذكوري، ويتجلى موقفه الايجابي المساند للمرأة، وتاكيده على ان المجتمع لن يتطور ويرقى دون مشاركة المرأة على قدم المساواة.

وما يميز الرواية جماليتها وفنيتها وتناسقها وشخصياتها الواقعية وصدق طروحاتها ولغتها القريبة من لغة الناس.

 

كتب: شاكر فريد حسن

علي القاسمي"تاريخ الأمة الحقيقي إنما هو تاريخ تمدُّنها وحضارتها، وليس تاريخ حروبها وفتوحها"

جرجي زيدان في كتابه "تاريخ التمدُّن الإسلامي"

لا يجد الباحث المؤرِّخ إلا النزر اليسير من الإشارات إلى حضارة الحيرة التي ازدهرت في العصر الجاهلي؛ بل حتى العصر الجاهلي نفسه لا يلقى إلا القليل من الاهتمام، فنحن لا نعرف عنه إلا الشعراء الذين برزوا في أواخره، خاصة أصحاب المعلقات. ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن بزوغ شمس الإسلام الساطعة بوصفه حركة إنسانية عالمية، غطت على القناديل الثقافية التي سبقته في المنطقة العربية. وحتى دراسات الباحثين في عصر الورق للشعر الجاهلي وشرحهم للمعلقات، كان الهدف منها بصوة غير مباشرة، فهم معاني غريب القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. إضافة إلى أن منهجية التدوين التاريخي التي طوّرها الأخباريون العرب بفضل مناهج الجرح والتعديل في علم الحديث، قد نضجت في وقت بُعد فيه العهد بحضارة الحيرة وانشغل المؤرخون المسلمون بتدوين تاريخ الممالك الإسلامية الكثيرة العدد المترامية الأطراف.

وقد سعدتُ مؤخراً بالاطلاع على كتابيْن قيّميْن حول حضارة الحيرة للأديبة الباحثة الدكتورة نزهة بوعياد، أستاذة التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء ورئيسة شعبة اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بعين الشق، وهما:

الكتاب الأول، ديوان شعر في ملوك المناذرة: جمع وتصنيف وإحصاء

الكتاب الثاني، إمارة المناذرة: أول مُلْك عربي بالحيرة، دراسة تاريخية.

وهما من منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بعين الشق. وللباحثة كتاب ثالث يتعلّق بحضارة الحيرة كذلك هو:

ـ الخطاب الشعري في بلاط المناذرة: دراسة تحليلية لأهم الأغراض الشعرية.

وإذا كان الكتاب الثالث ينتمي من حيث الأساس إلى مجال النقد الأدبي، فإن الكتابين الأولين يتعلقان بصورة مباشرة بحضارة الحيرة. ويسعدني أن أعرّف بهذين الكتابين باختصار:

الكتاب الأول:  ديوان شعر في ملوك المناذرة:

399 نزهة بوعبادتكمن أهمِّية هذا الديوان الشعري الذي صنعته الأديبة الباحثة المقتدرة الدكتورة بوعياد في كونه المصدر الأساس لدراستها التاريخية في كتابها الثاني " إمارة المناذرة ". فتدوين التاريخ العلمي يحتاج إلى وثائق مكتوبة . وهذه الوثائق المكتوبة لم تكن متوافرة خلال العصر الجاهلي بسبب انتشار الأمية بين العرب. وتعود أسباب هذه الأمية إلى أن "الكتابة الألفبائية" التي يمثّل فيها كلُّ رمزٍ مكتوبٍ صوتاً أساسياً من أصوات اللغة، لم تكُن قد اختُرعت إلا قبل فترة قصيرة من ذلك العهد؛ فقد توصل إليها العقل الفينيقي حوالي 1050 ق.م، فنال الفينيقيون " مجد اختراع الكتابة الألفبائية" كما يقول المؤرخ الروماني بليني، اعتماداً على " الكتابة المسمارية" التي ابتكرها السومريون قبل سنة 3000 ق.م. ؛ وكانت لم تكتمل أدوات الكتابة الألفبائية بعد؛ كما أن الورق لم يُخترَع بعد، فكانوا يكتبون على الورق البردي في مصر، وهو قليل الانتشار، أو يكتبون على جلود الحيوانات في جزيرة العرب بصعوبات كبيرة.

 بيدَ أن العرب كانوا يعوِّضون عن أمّيتهم بقدرتهم على الحفظ، خاصة الشعر الذي يسهل حفظه بفضل أوزانه وقوافيه. أضف إلى ذلك، فإن لكل شاعر مشهور راويةٌ أو أكثر من أبناء قبيلته، يرافقه في حلّه وترحاله، ويحفظ عنه كل ما يوحي به إليه جنُّ عبقر.

ونظراً لندرة الوثائق التاريخية عن حضارة الحيرة التي ازدهرت مدّة تناهز ستمئة عام وتعاقب على إمارتها ما يقرب من خمسة وعشرين ملكاً، فإن الدكتورة بوعياد اختارت أن تتخذ من الشعر الذي قيل في ملوك المناذرة، مصدراً لدراستها التاريخية حول ازدهار الحيرة الثقافي، والاقتصادي، والعمراني، وتفاعلها الحضاري مع غيرها من الدول في المنطقة، والصراعات السياسية التي كانت تجتاحها. ولكي تكون مراجعها موثوقة متكاملة، قامت بصنع هذا الديوان المؤلّف من جميع القصائد التي قيلت في ملوك المناذرة.

يشير الأستاذ الأديب الدكتور محمد بلاجي في مقدمته التي كتبها لهذا الديوان، إلى أن ابن سلام الجمحي قد ذكر في كتابه " طبقات فحول الشعراء" أن النعمان بن المنذر كان يحتفظ في قصره بديوان يضمُّ قصائد فحول الشعراء في مدحه وأهل بيته. ولكن هذا الديوان مفقود لم يصلنا. ولهذا فقد صنعت الدكتورة بوعياد هذا الديوان من جديد.

ولفظ " ديوان الشعر " في اللغة العربية مشترك لفظي يدل إما على مجموعة قصائد لشاعر واحد مثل " ديوان المتنبي"،وإما على مجموعة قصائد تشترك في موضوعة واحدة، مثل " ديوان الحماسة" لأبي تمام. وصناعة الديوان بالمعنى الثاني ، يتطلب جهداً في جمع القصائد من مصادر شتى متفرقة زمانياً ومكانياً. وإضافة إلى ذلك اضطلعت الدكتورة بوعياد بما يأتي:

1ـ ترتيب الأشعار ترتيبا تاريخياً من الأقدم إلى الأحدث،

2ـ ضبط الأشعار بالشكل التام،

3ـ تحديد غرض كل نص شعري، ووزنه العروضي،

4ـ شرح المفردات والعبارات في الهوامش،

5ـ إعداد جداول إحصائية للأشعار حسب أغراضها: المدح، أو الهجاء، أو غيرهما. وتضم هذه الجداول :

أـ جدول بأسماء الملوك اللخميين وزوجاتهم الذين قيلت فيهم الأشعار، وأسماء الشعراء من أصحاب الدواوين وممن لا دواوين لهم.

ب ـ جدول لشعر المدح الذي قيل في الملوك اللخميين وفيه أسماء الملوك، وأسماء الشعراء وقصائد المدح، وقصائد المدح والاستعطاف.

ج ـ جدول لشعر المدح بكل أنواعه: المدح الخالص، والمدح والاستعطاف، والمدح والاعتذار، والمدح والقول في مرض، والمدح والتهديد، والمدح والتحريض. ومجموع أبيات القصائد في كل نوع، والمجموع الكلي هو 692 بيتاً..

د ـ جدول لشعر الهجاء بكل أنواعه؛ ومجموع أبياته 355 بيتاً.

هـ ـ جداول لكل ما قيل من شعر في الأغراض المختلفة، وتضم اسماء الملوك، وأسماء الشعراء، والغرض كالاعتذار والاستعطاف، والتحريض، والرثاء، والتحذير والإنذار، والتحدي، والوصف والتشبيب؛ ومجموع الأبيات 471 بيتاً.

ثم جدول عام يبين مجموع الأبيات في جميع الأغراض يبلغ 1518 بيتاً.

ويختتم الكتاب الذي يقع في 145 صفحة من القطع الكبير، بفهارس متعدِّدة مثل : فهرست الشعراء، وفهرست المصادر، وفهرست الموضوعات.

وقد يتساءل المرء عن دواعي هذه التفاصيل، وتكمن الإجابة في دقة الباحثة وشموليتها، وكذلك في كون هذا البحث في الأصل أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في الآداب.

ومن هذه الجداول يتبيّن لنا أن الأشعار قيلت في الملوك التالية أسماؤهم:

المنذر بن ماء السماء، المنذر بن المنذر بن ماء السماء ( الملقب بالأسود)، عمرو بن المنذر بن ماء السماء (عمرو بن هند)، قابوس بن المنذر، النعمان بن المنذر.

أما الشعراء أصحاب القصائد فهم (بالترتيب الألفبائي):

الأعشى ميمون، أوس بن حجر، الحارث بن حلزة، الحارث بن ظالم، حجر بن خالد، الربيع بن زياد، الرهال العجلي، زهير بن أبي سلمى، سويد بن الخذاق الشني، طرفة بن العبد، عبد قيس بن الخفاف التميمي، عبيد بن الأبرص، عبيد الله بن قيس الرقيات، عدي بن زيد العبادي، علقمة الفحل، عمرو بن ثعلبة الطائي، عمرو بن كلثوم، عمرو بن ملقط الطائي، قيس بن جروة، لبيد بن ربيعة،مالك بن نويرة، المتلمس الضبعي، المثقب العبدي، المرقش الأصغر، الممزق العبدي، المنخل اليشكري، النابغة الذبياني، يزيد بن الخذاق.

وهكذا نرى أن هؤلاء الشعراء الثمانية والعشرين يضمون فحول الشعر الجاهلي.

ولكي نأخذ فكرة تقريبية عن صنعة هذا الديوان، نضرب مثلاً من أول قصيدة ومن آخر قصيدة فيه . ففي الصفحة 11 من الكتاب، نجد أول قصيدة وتعالجها الباحثة بالشكل التالي:

" َـ ما قيل من قصائد في المدح الخالص :

1ـ مدح الأسود بن المنذر(3):

+قال الأعشى الكبير يمدح الأسود بن المنذر في قصيدة مطلعها (4): [الخفيف]

طـ ما بُكاءُ الكبيرِ بالأطلالِ  وسُؤالِي، فَهَلْ ترُدُّ سؤالي؟

والتي يمكن تقسيمها على الشكل التالي:

من البيت 1 ـ 17: الوقوف على الأطلال وتذكُّر الحبيبة.

من البيت 18 ـ 36: وصف الناقة وهي في طريقها إلى الأسود.

من البيت 37ـ 75: مدح الأسود بن المنذر.

37ـ لا تَشَكّْيْ إليَّ وانتجِعي الأسْـــ     ــوَدَ أهلَ النَّدى، وأهلَ الفَعالِ (5)

38ـ فرعُ نبعٍ يهتزُّ في غُصُنِ المجْـ    ــدِ غزيرُ النَّدى شديدُ المِحالِ  (6)

... إلخ. "

أما آخر قصيدة في الديوان فهي:

" ما قيل في المتجرِّدة (723)

ـ قال المنخل اليشكري في قصيدة مطلعها (724) [ مجزوء الكامل]

إن كنتِ عاذلتي فسيري   نحو العِراقِ ولا تحوري

والتي يمكن تقسيمها على الشكل التالي:

ـ من البيت 1 ـ 12 : يخاطب الشاعر عائلته ويريدها أن ترافقه إلى العراق، وأن لا تسأل عن معظم ما عنده من مال بل تسأل عن كرمه وجوده وحسن أخلاقه وقوته وقوة فوارس قومه الذين تقر عينه بهم، كما تقر عينه بالنساء اللائي يعاتبهن ويجري في الهوى معهن.

ـ من البيت13 ـ 24: وصفه لمبادلته الحب مع إحداهن، ووصفه لحال سكره وصحوه، وتشبيبه بهند.

13 ولقد دخلتُ على الفتا     ةِ الخِدرَ في اليومِ المطيرِ

14 الكاعب الحسناء ترْ      فُلُ في الدَّمَقْسِ وفي الحريرِ(725)..

15 فدفعتُها فتدافَعَـــتْ      مَشْيَ القَطــاةِ إلى الغديـــرِ ( 726)

16 ولَـثِمتُها فتنفَّســـتْ      كَتَنَفُـــسِ الظَّبيِ البَهـــيــرِ (727)

....إلخ.

خاتمة:

وإذا نظرنا في هذين النموذجين والتعليقات عليهما في الهوامش ندرك بوضوح حجم الجهود التي بذلتها الباحثة الكريمة لجمع أشعار الديوان من المصادر والمراجع المختلفة، ودقتها في التعريف بالأعلام، وشرح المفردات. وهي تستحق بذلك الشكر من الحيرة وأهلها وجميع محبي الأدب العربي وتاريخ الحضارة الإنسانية.

الكتاب الثاني: إمارة المناذرة أول مُلك عربي بالحيرة، دراسة تاريخية

400 نزهة بوعباديقع هذا الكتاب في 145 صفحة من القطع المتوسط. وإذا كان صغيراً في حجمه، فإنه كبير في قيمته وأهميته، فهو يسلط الضوء على فترة حوالي500 سنة من تاريخنا العربي قبل الإسلام، لم تنل حظها من اهتمام المؤرخين.

صورة الغلاف:

أول ما يلفت نظرنا في هذا الكتاب غلافه، فهو يضمُّ لوحةً منمنمةً فنية من القرن الخامس عشر الميلادي، وردت في مخطوطة " خمسة " لنظامي بريشة بهزاد، تصوّر لنا ـ بمنظور عجيب وحركية آسرة وألوان خلابة ـ بناء قصر " الخورنق " في مدينة الحيرة الذي يقال إنه استغرق عشرين عاماً بأمر من النعمان بن امرؤ القيس ملك الحيرة (390ـ 418م ) الذي بلغت الإمارة في عهده شأوا عالياً من السمو الثقافي، والرفاه الاقتصادي، والتقدم العمراني.

لقد نال هذا القصر شهرة عالمية، وذاع خبره في كثير من البلاد، حتى أُطلِق اسمه على كثير من المعابد والقصور الفخمة المحصَّنة. كنتُ، ذات مرة، مع بعض أعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة في زيارة للكرنك بالأقصر في مصر، فسألني عالم اللغة الدكتور تمام حسان ما إذا كنتُ أعرف أصل تسمية " الكرنك"؛ وعندما أجبت بالنفي، قال إنها " الخورنق" من العراق.

التقديم والمقدمة:

في تقديمه للكتاب، أشار المؤرخ الدكتور محمد رزوق إلى النقص الموجود في المصادر التاريخية حول إمارة الحيرة، ولهذا فإن المؤلفة استثمرت المصادر الأدبية لتسدّ " ثغرة كبيرة في تاريخنا العربي"، وتمكنت من إعطائنا صورة محددة عن هذه الإمارة " تختلف عن الصورة التي عرفناها سابقاً".

وفي مقدمتها، أكدت المؤلّفة ما ورد في التقديم بقولها إن صناعتها لديوان الأشعار التي قيلت في المناذرة اقنعتها " بأن الشعر هو وثيقة جاهلية لن أقول عنها فنية فقط، بل وثيقة تاريخية أيضاً أرَّخت وتؤرخ لماضٍ عريق لا يمكن تجاهله أو تناسيه "، وأن عنايتها بالشعر العربي القديم هو الدافع الأول وراء الدراسة التاريخية لإمارة الحيرة.

مدينة الحيرة ومكانتها في العراق:

في القسم الأول من الكتاب، تتناول المؤلِّفة الفاضلة مدينة الحيرة من حيث تسميتها، وتأسيسها، وموقعها وتركيبتها السكانية. فتشير إلى أن الحيرة، لغةً، تعني التردُّد ، كما تعني الإقامة في المكان والتجمّع فيه. ويُطلق لفظ " الحيرة" كذلك على بعض التجمعات السكانية في الوطن العربي، مثل بلدة "الحيرة" الواقعة بالقرب من مدينة الشارقة في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وتقع " الحيرة " العراقية على بعد ثلاثة أميال من مدينة الكوفة، وتمرُّ بها فروع من نهر الفرات، ما أكسب هواءَها رقة، وماءَها عذوبة، وأرضها خصوبة، فكثرت فيها النباتات والبساتين. ويقول الأخباريون إن نبوخذ نصر ملك بابل (605ـ 562 ق.م.) باني الجنائن المعلّقة فيها، هو الذي أسس الحيرة، وأن المناذرة، الذين ينتمون إلى قبيلة لخم إحدى قبائل تنوخ، هاجروا إليها من جنوبي اليمن، بدءً من نهاية القرن الميلادي الأول، بسبب انهيارات سد مأرب، وأن الملك الحميري تبع أبو كرب (ت 430م) ترك فيها بعض جيشه في إحدى غزواته.

وأهل الحيرة خليط من القبائل البدوية العربية التي كانت تلتمس أسباب الحياة، لها ولإبلها وماشيتها، في المناطق الخصبة. وهكذا فالحيرة ضمت قبائل متعدد من القحطانية والعدنانية مثل لخم، وأزد، وحمير، وطي، وكلب، وتميم. وكانت تلك القبائل تعتنق نِحلاً دينية كثيرة: فمنهم الوثنيون، والصابئة، والمجوس، واليهود، والنصارى، النسطوريون واليعاقبة، وغيرهم.

وكان لانتشار النصرانية في الحيرة أثرٌ في إلمام أهلها بالآرامية التي كانت غالبة في دراسات الكنيسة اللاهوتية وما يتصل بها من العلوم، التي كانت تكتب بالخط النبطي المتأخرالذي تولَّد منه الخط العربي قبل الإسلام.

ملوك الحيرة:

ومن الناحية السياسية، كانت الحيرة عاصمة مملكة المناذرة، نسبة إلى أسماء ملوكها. وعندما استطاع أردشير بن بابك، سنة 230م، تكوين الدولة الساسانية وإعادة توحيد الإمبراطورية الفارسية بعد تقسيمها إلى دويلات من قبل الإسكندر المقدوني، أخذ يبسط سلطانه على الكيانات السياسية المجاورة، ومنها مملكة المناذرة التي أخذت تحرس التجارة الفارسية، وتحفظ حدودها، فنالت استقلالا ذاتياً.

تخصّص المؤلِّفة الفاضلة القسم الثاني من كتابها القيم لملوك المناذرة: قوائم اسمائهم، وسني توليهم الحكم، وعلاقاتهم بالقبائل العربية والإمارات المجاورة لهم، وأثرهم في حياة العرب الجاهليين أدبياً وثقافياً.

ويختلف الأخباريون في عدد ملوك الحيرة ومدَّة حكمهم، فمنهم من يعدّهم خمسة وعشرين ملكاً حكموا في مدة ستمئة وثلاث وعشرين سنة وأحد عشر شهرا؛ ومنهم من ينقصهم لعشرين ملكاً حكموا مدة خمسمئة واثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر. وقامت الباحثة الفاضلة بإعداد التشجيرات المختلفة لحصر أسماء أولئك الملوك طبقاً لرواية كلِّ أخباري: الطبري، الدنيوري، اليعقوبي، المسعودي، ابن رشيق القيرواني. وتعرِّف بكلِّ ملك يرد اسمه في إحدى الشجرات. وتنتهي إلى ما يأتي:

"حياة الملوك اللخميين في الحيرة يمكن النظر إليها انطلاقاً من طورين:

الأول، بدأ مع عمرو بن عدي إلى تولية ملوك كندة الإمارة في الحيرة.

والثاني، بدأ من استرجاع المنذر بن ماء السماء الحيرة من أيدي كندة إلى تولية آخر ملوكهم الأقوياء النعمان بن المنذر.

أما ما بعد هذا الطور الثاني، فقد تولى الفرس مهمة تعيين الحكام الفارسيين لإدارة حكم الحيرة. وفي هذه المرحلة ذكر بعض الأخباريين تولية المنذر بن النعمان بن المنذر لمدة ثمانية أشهر، وكان آخر ملوك الأسرة اللخمية حيث انقرض أمرهم مع زوال ملك فارس بقدوم الجيش الإسلامي بزعامة خالد بن الوليد وفتح الحيرة."

الحركة الثقافية في الحيرة:

ازدهرت حركة ثقافية أدبية في الحيرة وصار لها إشعاع حضاري على ما حولها من البلاد. وتضطلع الدكتورة بوعياد بتحليلٍ علميٍّ موضوعيٍّ لأسباب ذلك، فتردُّه إلى أن مملكة المناذرة استفادت من علاقاتها الوثيقة بالفرس وبالرومان معاً. فسياسياً كانت مرتبطة بالإمبراطورية الفارسية، ودينياً كانت تدين بالنصرانية التي يتبناها البيزنطينون . كما انها اشتركت في حروب ضد البيزنطينيين، وأستفادت من الاحتكاك بهم عسكرياً وتجاريا، في تعلُّم اللغات وفي اكتساب المعارف في العمارة والطب وترجمة بعض العلوم الإغريقية. أضف إلى ذلك التنافس بين إمارة المناذرة في العراق وإمارة الغساسنة في الشام، ورغبتهما في التطوُّر والتفوّق.

علاقة الحيرة بالقبائل العربية:

بعد تحليل عميق للبيئة العربية في شمال جزيرة العرب، تجد الباحثة الفاضلة نوعين من البيئة:

ـ الأولى، بيئة بدوية معظم أهلها من القبائل البدوية التي كانت تتنقَّل طلباً للماء والكلأ، وتعيش على تقاليد الغزو والنهب فيما بينها، ولا تخضع إلا لتقاليد القبيلة.

ـ الثانية، بيئة مدنية تخضع لإمارة مستقلة، مثل إمارة المناذرة في العراق، وإمارة الغساسة في الشام.

فعلاقة إمارة الحيرة بالبيئة الأولى يمكن تلخيصها في قيام الإمارة بدور الوسيط بين تلك القبائل المتناحرة أحياناً، ودور المشرّع للمواثيق والعهود بينها، ودور المدافع عن ممتلكاته وحدوده.

المناذرة والغساسنة:

أما العلاقة بالبيئة الثانية ، أي العلاقة بين المناذرة والغساسنة، فكانت تخضع لمصالح الدولتين العظميين: الساسانيين والبيزنطيين. وتقول المؤلّفة الفاضلة: "فلما كان المناذرة الدرع الواقي للفرس والغساسنة المانع الحاجز للروم، كان طبيعياً أن تنشأ مثل هذه العلاقة القائمة على المناوشات والحروب."

وبطريقة غير مباشرة تنبّه المؤلّفة الفاضلة إلى مقولة " ما أشبه اليوم بالبارحة". فدولة المناذرة ودولة الغساسنة دولتان عربيتان، فالأولى يعود أصلها إلى لخم اليمن، والثانية يعود أصلها إلى أزد اليمن. ولكن هاتيْن الإمارتيْن دخلتا في صراعات دامية وحروب طاحنة دامت قروناً عديدة، ليست في مصلحتهما، ولكن في خدمة أسيادهما من الفرس والبيزنطينيين .

وتسرد المؤلفة الفاضلة بأسلوب شائق ماتع، بعض تفاصيل هذه الصراعات، التي تدمي القلوب أسفاً وحسرة على الأرواح العربية التي أزهقت من أجل مصلحة المستعمِر.

أثر المناذرة في الحياة العربية الثقافية:

ويتناول القسم الأخير من الكتاب تأثير الحيرة في الحياة العربية الثقافية والأدبية، فتلخصه المؤلِّفة الفاضلة بقولها:

" كانت إمارة الحيرة أقوى الإمارات العربية، وأطولها عمراً، وأكثرها استقراراً، وأبلغها تأثيراً على عرب الجاهلية، سواء على مستواها الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو العمراني، وهي مستويات تداخلت فأدت إلى نهضة أدبية كان لعرب الحيرة ولأمرائهم فيها أبلغ تأثير في إذكاء قرائح الأدباء والشعراء على وجه الخصوص؛ وهي نهضة أدبية ارتكزت على عوامل متعددة يمكن حصرها في الازدهار الاقتصادي، والعمراني، والصراع السياسي."*

استنتاج وخاتمة:

كان التاريخ في بداياته، وحتى لدى كثير من المشتغلين في التاريخ حالياً، يقتصر على سرد الأخبار أو ذكر الوقائع أو وصف الحوادث الماضية في تسلسلها الزمني فقط. ولكن إذا أُريد للتاريخ أن يكون علماً له تطبيقاته المستقبلية، فيتوجَّب عليه أن لا يكتفي بالسرد أو الإخبار، فذلك ما كان الأخباريون العرب القدامى يفعلون. [في المغرب يُقال الإخباريون، نسبة إلى المصدر " الإخبار" أما في المشرق فيُقال الأخباريون، نسبة إلى الاسم "الأخبار"] (1) ، بل ينبغي على المؤرّخ اليوم تحليل الحوادث والوقائع، وتفسيرها، وتعليلها، والوقوف على أسبابها ونتائجها، والبحث بعمق عن الدوافع والقيم والعوامل والقوانين الكونية والفكرية المؤثرة في حركة التاريخ والمؤدية إلى صناعة الوقائع والأحداث. فالتاريخ لم يعُد مجرَّد أخبارٍ مرتبةٍ ترتيباً زمنياً، بل وسيلة لفهم الماضي، وتدبُّر الحاضر، والتنبؤ بالمستقبل.

وهذه النظرة العلمية للتاريخ هي التي أدت إلى ظهور النظرية " التاريخية" القائلة بأن الأمور الحاضرة والأوضاع الراهنة ناشئة عن التطوُّر التاريخي، ولا يمكن تبديل نتائجها ولا فهمها على حقيقتها إلا بدراسة تاريخها. فهنالك قوانين علمية عامَّة، كونية وفكرية، تحكم سير الوقائع التاريخية وتطوُّر الجماعات الإنسانية على مر الزمان. ونجد جذور تلك النظرية لدى العلامة ابن خلدون (ت 808ه) في " المقدمة". فهذه المقدمة تتضمَّن القوانين التي تتحكّم في الأحداث والوقائع التي سردها ابن خلدون في تاريخه " العِبر" فقد تطرق في " المقدمة" إلى قوانين التطور التي يسير عليها تحوُّل المجتمعات البشرية من البداوة إلى الحضارة، والقوانين التي تتحكم في قيام الدول وسقوطها. وما تسميته لتاريخه بـ " العِبر"، إلا نتيجة إدراكه العميق لإمكان الاستفادة من أحداث الماضي في مستقبل حياتنا. ولهذا فهو يقول في "المقدِّمة" : " التاريخ يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم... حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك." (2)

يفرّق المؤرخ المفكِّر المغربي الدكتور عبد الله العروي في كتابه " مفهوم التاريخ"، بين " الأرّاخ " والمؤرّخ"، فالأول يضبط التواريخ للأحداث، أما الثاني فـ " يسجل الأحداث في حال حدوثها، يحلِّلها على حالها، يعطي أسبابها الظاهرة، يستطلع نتائجها التي لا زالت خفية، ثم يتابع الحركة مقارناً في كل لحظة المتوقَّع بما يتحقق فعلاً"(3). [ يُلاحظ أن هذا المفكِّر العبقري اشتقّ كلمة "أرّاخ" على وزن (فَعّال) الذي يُستخدَم عادة لأصحاب المهن اليدوية مثل: خدّام، شغّال، زبّال، عتّال، حمّال، نجّار، صبّاغ، إلخ. ، على حين أن "مؤرِّخ" على وزن ( مُفعِّل) الذي يُستعمل عادة لأصحاب المهن الفكرية مثل: مفكِّر، محقِّق، مُفسّر، مُحدِّث، مُنجِّم، مُحلِّل، إلخ.]

إذن، لا يتوقف عمل المؤرِّخ على جمع الأخبار وغربلتها وتمحيصها، وترتيب الوقائع والأحداث ترتيباً زمينا، بل عليه أن يستنبط القوانين الكونية التي تحكّمت في تلك الأحداث والتي ستتحكم في وقوعها في المستقبل.

والقانون العلمي هو قاعدةٌ تعبِّر عن علاقاتٍ ثابتة بين ظواهر الأشياء التي نعرف أحكامها منه. ولا يتضمَّن القانون العلميُّ أحكاماً إنشائيةً تشير إلى ما يجب أن يكون، بل أحكاماً وجوديةً تشير إلى ما هو كائنٌ فعلاً. فالقانون هو قاعدة توحي بها الملاحظة وتوكّدها التجربة(4). واكتشاف القوانين العلمية التي تصف الظواهر الطبيعية وتفسِّرها، تيسِّر للإنسان فهم العالم الذي يعيش فيه، بحيث يكون مقبولاً لديه، أو معقولاً، أي يتقبّله عقله. ولاكتشاف القوانين الطبيعية غايتان: وصف الظاهرة وتفسيرها.

وللقانونِ العلميِّ خصائصُ رئيسةٌ ثلاث:

1) الشمولية، أي أنه لا يقتصر على وصف حالة جزئية أو واقعة فريدة، بل يصف جميع الحالات الجزئية التي تنتمي إلى صنف واحد.

2) الشرطية، أي أنه يُصاغ في صورة " إذا... إذن". بمعنى أنه يخبرنا: إذا توفرت شروط معينة، وظروف محددة، إذن سيحصل كذا وكذا.

3) التنبؤية، أي القدرة على التنبؤ بالمستقبل عند تطبيق القانون على الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية التي يشملها(5) .

 

وتنضوي هذه الخصائص الثلاث تحت مبدأ القوانين (مبدأ الحتمية) الذي ينصُّ على أن العِلل نفسها ينتج عنها حتماً معلولاتٌ واحدة، في الظروف نفسها، وتحت الشروط ذاتها. أي أن مبدأ القوانين يقرّ بوجود نظام كليٍّ واحد في العالم، وهو نظام دائم ثابت لا يشذّ عنه شيء في الزمان ولا في المكان.

ومعروف أن علم المستقبل (أو المستقبليات أو الدراسات المستقبلية) الذي تطوَّر في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، والذي يختص بالمحتمل والممكن والمفضَّل في المستقبل، ينبني على خصائص القوانين العلمية وحتميتها. فهو يرمي إلى تصوُّرِ وضعٍ مستقبلي مع سيناريوهات للحالات الطارئة المحتملة، بناء على عبرة مستخلصة من الماضي، ودراسة التطورات الراهنة على المستوييْن العالمي والإقليمي، واستخدام نماذج رياضية، واستثمار الإمكانات الحاسوبية. وهذا هو الأساس في الدراسات التي يكتبها بعض كبار المؤرخين والاقتصاديين الأمريكيين عن قرب انهيار الإمبراطورية الأمريكية، بناء على القوانين المستخلصة من التاريخ حول قيام الإمبراطوريات وانهيارها (6).

لقد ألّفت الدكتورة نزهة بوعياد كتابها " إمارة المناذرة " في الحيرة، بالاعتماد على مبادئ علم التاريخ. فقد جمعت أخبارها من مختلف المصادر الأدبية والتاريخية والمعجمية، ومحّصتها وغربلتها، وحللت الوقائع، وبحثت عن الأسباب والعلل التي أدت إليها. فمثلاً هجرة اللخميين إلى العراق، سببها انهيار سد مأرب؛ وعلة اختيارهم الحيرة تكمن في موقعها الجغرافي وخصوبة أرضها وطيب هوائها؛ وتركيبة سكان الحيرة المتنوعة تعود إلى انتجاعها من طرف القبائل البدوية التي تبحث عن الماء والكلاْ لأنعامها؛ وسقوطها تحت التأثير السياسي للإمبراطورية الفارسية ناتج من جوارها جغرافياً لهذه الدولة القوية التي تريد من إمارة الحيرة التعامل مع القبائل البدوية وحماية حدود الدولة الفارسية؛ وازدهار الإمارة الثقافي والاقتصادي والعمراني، نابع من تشجيع امرائها للثقافة، والاستفادة ليس من العلوم الفارسية فحسب، بل كذلك من البيزنطينيين بفضل الاحتكاك بهم تجارياً وعسكرياً ولغوياً؛ وهكذا دوليك. فتحليل الوقائع وتعليلها وتفسيرها كانت من أدوات البحث الموضوعي التي استخدمتها الباحثة الفاضلة بمهارة واقتدار.

وقد تضمّنت دراستها التاريخية قوانين ونتائج يمكن أن تستفيد منها الأمة العربية في راهنها ومستقبلها. فالدكتورة نزهة بوعياد قد رضعت الوطنية وحبَّ أمتها من أسرتها العريقة ذات النضال الطويل من أجل استقلال المغرب. بيدَ أن لباقة الدكتورة ولطفها وبراعتها اللغوية جعلتها تعرض تلك القوانين باستخدام التلميح لا التصريح، واستعمال الإشارة لا العبارة، ، بحيث يدرك القارئ اللبيب المغزى من الكلام؛ وهذا ما يقتضيه فنّ السرد الراقي، فالسرد لا يقتصر على القصة والرواية والمسرحية، بل على التاريخ كذلك.

ومن أهم هذه القوانين التي ألمحت إليها المؤلِّفة:

القانون الأول: تقسيم الأمة إلى دويلات صغيرة يؤدي إلى ضعفها وتخلّفها. ويستشف القارئ ذلك بوضوح من رواية أوردتها حول خطة الاسكندر المقدوني الذي تغلّب عسكرياً على الإمبراطورية الفارسية، فقام بتقسيمها إلى دويلات صغيرة وعيّن ملكاً على كل دويلة لا يأبه إلا بمصالحه، بحيث لا تقوم لتلك البلاد بعدها قائمة.

القانون الثاني (وهو مقلوب الأول): إن وحدة الأمّة تؤدي إلى ازدهارها ورفعتها. ويدرك القارئ ذلك من تفسيرها لتمكُّن الدولة الساسانية الفارسية من بسط نفوذها على الكيانات السياسية المجاورة لها ومنها إمارة المناذرة، وذلك لاستطاعة آردشير بن بابك، سنة 230 م، توحيد دويلات الإمبراطورية الفارسية، ما أدى إلى تعاظم قوتها، وعلو شأنها.

القانون الثالث: إذا كانت دويلات الأمة تحت نفوذ دول أجنبية، فإنها ستقاتل بعضها بعضاً، عندما تتعارض مصالح الأجانب. ويفهم القارئ الكريم هذا القانون من تفسير الدكتورة بوعياد للحروب الطاحنة بين المناذرة والغساسنة، على الرغم من أنهم من أصل واحد (اليمن)، ويتحدثون بلغة واحدة (العربية)، ويدينون بدين واحد (المسيحية آنذاك). ولكن المناذرة كانوا تحت التأثير الفارسي والغساسنة كانوا تحت التأثير البيزنطي، وعندما تتعارض مصالح البيزنطينيين والفرس، تندلع الحرب بين الغساسنة والمناذرة.

القانون الرابع: إن المنازعات بين الكيانات العربية المختلفة تؤدي إلى ضعفها وتسيُّد القوى الأجنبية عليها. وإذا كانت الباحثة الفاضلة قد أوضحت صحّة هذا القانون من خلال الخلافات المستمرة بين القبائل العربية، وكذلك بين المناذرة والغساسنة، في العصر الجاهلي، ما أدى إلى تسلّط الفرس والبيزنطينيين على العرب، فإن هذا القانون قد أثبت صحّته في العصور اللاحقة. فالمنازعات بين الممالك والإمارات العربية أواخر العصر العباسي خلال القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين شجَّع الحملات الصيــلبية (1096 ـــ 1291م) وأدى إلى احتلال الصليبين الأماكن المقدسة في الشام وإقامة دويلاتهم . وعندما استطاع صلاح الدين الأيوبي (1138 ـــ 1193م) توحيد الممالك العربية في مصر والشام والحجاز والعراق، سرعان ما تغلّب العرب وسقطت ممالك الصليبين في الشام تباعاً.

وأثبت هذا القانون صحته في حالة المنازعات المستمرة بين ملوك الطوائف في الأندلس في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، واستعانة بعضهم بالإسبان على محاربة بعضهم الآخر، ما أدى إلى استيلاء الإسبان على الإمارات العربية الواحدة تلو الأخرى حتى سقط آخر المعاقل العربية في غرناطة سنة 1492 م، وانتهى الوجود الإسلامي في الأندلس بعد أن دام حوالي ثمانية قرون من الزمن.

 ومن تطبيقات هذا القانون ما حصل في الخليج العربي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين. فقد أدت المنازعات المستمرة بين العمانيين، والسعوديين، والقواسم، والبحرانيين، واستعانة بعضهم بالإنجليز ضد بعضهم الآخر، إلى تدخلات الإنجليز وعدوانهم المتواصل على العرب حتى تمكنهم من استعمار هذه المنطقة العربية، كما أوضح ذلك الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في كتابه القيم " القواسم والعدوان البريطاني 1797 ـــ 1820) " (7).

القانون الخامس: إن تشجيع التعليم والثقافة يؤدي إلى تطور اجتماعي واقتصادي وعمراني. وقد شجع الملوك المناذرة الثقافة والمعرفة والترجمة وأغدقوا العطاء على الشعراء فكان بلاطهم ملتقى الشعراء من جميع أنحاء البلاد العربية. وقد أثبت هذا القانون صحته في التقدّم الذي أحرزته الأمة الإسلامية في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، بفضل تشجيع الخلفاء العباسيين ـــ خاصة المنصور وهارون الرشيد والمأمون ـــ التعليم والثقافة والآداب، فكانوا يجزلون العطاء للعلماء والشعراء والمترجمين.

وهذا القانون هو محور "تقارير التنمية البشرية" التي يصدرها سنوياً البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة منذ سنة 1990 والتي يؤكد فيها إن تقدُّم الدول يعتمد على إعطائها الأهمية القصوى للتعليم والصحة.

ويمكننا أن نضيف قانوناً سادساً وهو مقلوب القانون الخامس، ولو أن الدكتورة لم تتطرق إليه لعدم علاقته بموضوعها في تلك الفترة وهو:

القانون السادس، إذا أردتَ تأخّر البلاد وتفكيكها، فعليك بتدمير ثقافتها المشتركة القائمة على لغتها الموحِّدة التي تعدُّ وسيلة أداة الاندماج الاجتماعي وأداة النفاذ إلى مصادر المعرفة وتراكمها. ولهذا فإن الغزاة في كل عصر يقومون أولاً بإحراق المكتبات أو إغلاقها وتعطيل المدارس وازدراء المثقفين وأهل العلم، كما فعل المغول عند اجتياحهم بغداد سنة 1258، وكما فعل المستعمِرون الفرنسيون عندما احتلوا الجزائر سنة 1830، وكما تفعل بعض حكومات الدول المتخلّفة التي تهمل التعليم والصحة، وتوقف بناء المدارس والمصحات.

وهذه القوانين معروفة متداولة في ثقافتنا العربية الإسلامية التي عبّرت عنها بالأمثال والحِكم والأقوال السائرة. فالقانونين الأول والثاني، مثلاً، عبّر عنهما معن بن زائدة ببيت شعر ذهب مثلاً وهو:

    تأبى العِصيُّ، إذا أجتمعن، تَكسُّراً    وإذا افترقن، تكسَّرت آحادا

وختاماً، لقد أنتجت لنا الدكتورة نزهة بوعياد دراسة تاريخية علمية عن إمارة المناذرة في الحيرة، وكلنا أمل في أن انشغالاتها الأكاديمية العديدة تسمح لها بالإيفاء بالوعد الذي قطعته على نفسها في مقدمة الكتاب، عندما عبّرت عن رغبتها في أن يكون فاتحة سلسلة من الكتب تتناول الإمارات العربية في العصر الجاهلي كإمارة كندة وإمارة الغساسة، وهكذا ستوفّر للباحثين مادة علمية دسمة عن أهم الكيانات السياسية العربية في العصر الجاهلي، وتعمّق من فهمنا لأحوال ذلك العصر.

 

بقلم : الدكتور علي القاسمي

 ...................................

الهوامش

( ملاحظة: إن الهوامش من 3 إلى النجمة *  هي أرقام الهوامش في النصوص الأصلية في الديوان، أما بقية الهوامش من النجمة إلى آخر الهوامش فهي هوامشي)

3ـ الكامل في التاريخ لابن الأثير، 1/ 326، الأسود: هو لقب للمنذر بن المنذر بن المنذر بن ماء السماء.

4ـ ديوانه، ص 283ـ 295، والأبيات 37ـ 75 في ديوانه 289ـ 295.

5ـ انتجعي: اقصدي، الندى: الكرم، الفعال: الأعمال الجيدة 

723ـ  المتجرّدة ، كما جاء في الأغاني، 21/6: اسمها ماوية، وقيل: هند بنت المنذر بن الأسود الكلبية، وهي كما جاء في الشعر والشعراء، ص 255: امرأة النعمان بن المنذر وكان للنعمان منها ولدان، كان الناس يقولون إنهما من المنخل.

724ـ الأصمعيات، ص 58 ـ 61.

725 ـ الكاعب: البادي ثديُها، ترفل: تختال، الدمسق: الحرير الأبيض.

726 ـ القطاة: واحدتها القطا وهو نوع من الطير، الغدير: قطعة من الماء يغادرها السيل.

727 ـ البهير: من البهر وهو ما يعتري الإنسان عند السعي الشديد والعدو من النهج وتتابع النفس.

- نزهة بوعياد. إمارة المناذرة، ص 111.

(1)    د. علي القاسمي (المنسِّق) وآخرون. المعجم العربي الأساسي ( تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1989)

(2) ابن خلدون. مقدمة ابن خلدون (بيروت: الكتاب العربي، ب ت)

(3) د.عبد الله العروي. مفهوم التاريخ ( بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط 5: 2012)، ص 44.

(4) د. جيمل صليبا. المعجم الفلسفي ( بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1982)

(5) د. محمود فهمي زيدان. " قانون" في الموسوعة الفلسفية العربية (بيروت : معهد الإنماء العربي، 1986)

(6) Nail Ferguson. The Rise and Fall of the American Empire ( Penguin, 2005)

(7) د. سلطان بن محمد القاسمي. القواسم والعدوان البريطاني 1797ــ 1820 ( الشارقة : منشورات القاسمي، 2013)

 

من خلال كتاب "السرد النسائي العربي بين قلق السؤال وغواية الحكي"1 للدكتورة سعاد الناصر

يعرف الدرس النقدي، النص النقدي بكونه حالة وسطى، بين الأدب والعلم، نظرا للصرامة والجدية اللتين يتطلبهما. كما أنه يكتب بلغة مختلفة عن لغة الإبداع. فيها الكثير من أدوات النقد . فهي ذات خصوصية، بصفتها لغة تكتب عن لغة أخرى. ويفصل الدكتور شوقي ضيف، النصوص التي تتكون انطلاقا من النص الإبداعي: لتتفرع قراءات متعددة له، إلى:

ـ النص الأول: وهو النص الإبداعي،

ـ النص الثاني: وهو نص منجز حول قراءة في النص الأول . أي نص ينبني عبر استنتاجات أفرزتها قراءة الناقد للعمل الإبداعي الذي

يمثله النص الأول.

ـ النص الثالث: وهو منتوج قراءة في النص الثاني، أي كتابة نقدية أخرى، حول النص النقدي الأول، أو ما يصطلح عليه لدى أصحاب النقد الحديث وعلى رأسهم " تودوروف " ب " نقد النقد .

كما يضيف الدكتور شوقي ضيف: أن هناك نص رابع لنقد النقد، يولد عبر قراءة رابعة، للكتابات النقدية المتعددة حول الأثر الأدبي . وتعرف الناقدة يمنى العيد، مفهوم القراءة النقدية أنها " نقد ينتج معرفة بالنص.. تمكن من يمارسها من أن يكون له حضوره الفاعل في النتاج الثقافي في المجتمع. أي من أن يكون معنيا بالحياة التي تنمو وتتغير حوله، فيساهم ه ـ من موقعه في المجتمع ـ في تطويرها".

وكتاب " السرد النسائي العربي، بين قلق السؤال وغواية الحكي"، هو نتاج قراءة ونقد، أفرزت نصا ثانيا حول النص الأول الإبداعي، الذي هو في الحقيقة، ليس نصا واحدا، بقدر ما هو ستون نصا . الكتاب من تأليف الدكتورة سعاد الناصر ـ أم سلمى ـ، ويقع في مائتي وعشر صفحات"210". تقودك صورة واجهة غلافه، نحو وجود أنثوي، تجسده نظرات فاحصة . متراوحة بين السماء والأرض. وهذا ما يجعلك تدرك كقارئ ـ عند آخر صفحة منه ـ أن صورة الغلاف هذه، لها دلالتها بين دفتي الكتاب، غير أنها تشبه جبل جليد، يخفي أكثر مما يبدي.

تنتمي الدكتورة سعاد الناصر إلى فئة النقاد الكتاب.حيث لها عدة مصنفات.كتاباتها تحكمها فلسفتها الخاصة في الفعل الأدبي، وفي الحياة. كتبت الشعر، والقصص والرحلات، ومجالات مختلفة أخرى. وقد أقر تودوروف أن: " الأدب متصل بالوجود الإنساني، وأنه خطاب موجه نحو الحقيقة والأخلاق."2. والكاتبة، بمرجعيتها العلمية ومنهجها الفكري، تقدم للقارئ، من خلال مؤلفها هذا، نموذجا من النقد المعرفي. وذلك بتقصيها مكونات نصوص إبداعية، من جنس السرد الأدبي،كتبت بأقلام نسائية، وكذا موضوعاتها وآليات اشتغالها وتشكيلها. وهي نصوص متصلة بوجود نسائي/إنساني، مبحر في البحث عن سؤالي "الحقيقة والأخلاق".

وظفت الناقدة مجموعة من المواضيع المعرفية، الخاصة بالحضور النسائي، كوجود فعلي، تاريخيا وحضاريا وفكريا، سواء في "المدخل" الذي يمثل أولى وحدات مؤلفها، بعد "التوطئة"، التي سخرتها المؤلفة لبصم كتابها بالهوية النقدية، مصرحة بهذا الخصوص قائلة: "... أراهن على إثارة مجالات متعددة، تفسح الحضن للمساءلة والتأويل في إطار الدرس النقدي"3. وهذا فعلا، ما سنكتشفه في ثنايا نصوصها الاستقرائية، حيث سنجدها قد تسلحت بجملة من المصطلحات النقدية كمفاتيح لقراءتها، منها السرد، والحكي، والجمالية، وبلاغة الزمن السردي، وتجليات الوصف، والوعي والفكر الجمالي...

وفي إطار رهانها هذا، تناولت الكاتبة عينات من الإبداعات السردية النسوية، من زاوية كونها أعمالا تجمع بين المتعة الأدبية والرسالة الأخلاقية. فقدمت لنا عملا عن " تجربة نقدية"، تسردها أنثى أخرى، لها رصيدها من الإلمام بشؤون الإبداع والنقد الأدبيين من جهة، وبالتاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي للمرأة، بكل مراحله وقضاياه ومؤثراته. قبل أن تقف عند مرحلة أخرى عنوتها الكاتبة ب: " مرحلة انعتاق الذات الأنثوية "، وفيها التقطت بعين الباحثة/الناقدة حالة " أنثى تكتب عن ذاتها". وهي قراءة تتشابك سياقاتها بين الذاتي من حيث تجربة الكتابة النقدية، ونسبة الوعي بقضايا المرأة، وزاوية النظر التي تقف عندها الكاتبة، والموضوعي من حيث المخزون المعرفي، وامتلاك أدوات القراءة النقدية.

نحتت الدكتورة سعاد الناصر، آليات بحثها الفنية،و شيدت هيكلة قراءتها، ابتداء من اختيارها لنقطة انطلاقها الأولى، في عملية قراءتها للنصوص المختارة. حين بدأت تطبيقاتها المفاهيمية، على مجموعة سردية نسائية، ذات حمولة أنثوية تاريخية، راسخة في الذهنية النسائية والرجالية على حد سواء وهي مجموعة " شهرزاد تبوح بشجونها " . وهو اختيار ينم عن توجه في القراءة، يروم البحث عن المشتركن بين أديبات عربيات، من جنسيات عربية متنوعة، هن كاتبات المجموعة.و عن رأي الكاتبة في هذا الاختيار:" شخصية شهرزاد التي حققت طموح انعتاق الذات الأنثوية في التراث العربي."4 ص 55

قدمت الدكتورة سعاد الناصر، في الفصل الأول من كتابها، عرضا كرونولوجيا لتموقعات المرأة، الاجتماعية والثقافية والسياسية، عبر أزمنة التاريخ العربي . وبطرحها ـ في الفصل الثاني ـ لمحور " فتنة المصطلح"، المتعلق بما يسمى لدى البعض من الأدباء ب " الكتابة النسائية " ـ وهو مصطلح تتحفظ منه الأديبات العربيات ـ تصر الكاتبة على تصنيف مؤلفها في خانة المؤلفات النقدية، التي تجيب على السؤال الأساس للنقد . وتثير في نفس الوقت، مسألة نقدية، لا زالت مصدر جدل في الأوساط الثقافية والأدبية والنقدية، منذ الخمسينات من القرن الماضي. والحقيقة أن الكاتبة، تمكنت من ملامسة النصوص السردية النسائية المختارة، من موقع أكثر قربا، وفرته لها صفتها الأنثوية، التي مكنتها من التقاط إيحاءات السرديات المقروءة، الخاصة بخبايا الأنثى الدفينة . وقد أوردت في هذا الشأن، شهادات لأديبات وآراؤهن حوله،كالناقدة يمنى العيد، والأديبة السورية غادة السمان والقاصة المغربية خناثة بنونة.5، وجميعهن يرفضن التسمية.

الكتاب يعد قراءة في المنجز السردي لستين كاتبة عربية، من بينهن مغربيات . انطلقن في مسارهن الإبداعي من العام إلى الخاص، من قضايا الوطن والطبقية، والقضية الفلسطينية الى القلق النفسي الفردي، وإثبات الذات. يؤطرها التزام منهجي، لا يمكن تجاهله، في شقيه التنظيري والتطبيقي. وبوحداتها ومنطقيتها النسقية. استدلت المؤلفة لكل محور من محاور قراءتها، بالاستدلالات التي تناسبه. وثقت استنتاجاتها بمقاطع من النصوص المقروءة، لتؤكد رؤيتها الأدبية والأخلاقية. ضمنت كتابها، حقيقة كل يجسد تجربة نسائية في الكتابة عن ذات الأنثى.كما توحي لنا مضامين قراءتها للتجارب المعتمدة، أن ملامح منهجها تمتح من المنهج الاستدلالي، الذي من أسسه أن " الانسان يفعل وفقا لما يرى فيه الأنفع" . وهو منهج يعمل به في الرياضيات والقياس، وأيضا في العلوم الانسانية والاجتماعية، ومن ركائزه الأخلاقية أيضا:" أن كل إنسان يبحث عن السعادة".

مكنها هذا المنهج ـ الذي يبدو أن المؤلفة قد سلكته، من تفكيك البنيات الشكلية والفكرية، التي تنبني عبرها تلك النصوص، فقسمتها إلى مفصلين: الأول مفصل اختارت له عنوان: التشاكل الأنثوي في السرد النسائي، وقد فككته ـ هو الآخر ـ إلى محاور ثلاث هي:

ـ المستوى الطيني: وتعرفه الكاتبة:" أنه المستوى الذي تختزل فيه أنثوية المرأة في جسدها... إلى أن تقول:.. فتتكرر وتتشابه المعاني الدالة على كل ما يحوم حول اعتبار المرأة متعة جسدية لا ينظر اليها الا عبر جسدها"6 ص 88

ـ المستوى الروحي: ومما تسوقه المؤلفة في شانه: " ...و تضع المتلقي ازاء محكي ينتشل المراة من وظيفتها الجسدية الى وظيفة روحية محضة...7" ص 100

ـ المستوى المتوازن: ونورد مقولة للكاتبة بصدده:" من الصعب بمكان الحفاظ على توازن الذات الإنسانية دون التشبث بالقيم . فلا إنسانية دون قيم . ولا حضور جسدي في ظل غياب روحي، إلا عند الانغماس في الطين اللزج . ولا حضور روحي في ظل تغييب رغبات الجسد، ومتعه المادية المشروعة."8 ص 107

تقصت المؤلفة في مفصل "التشاكل الأنثوي في السرد النسائي " قضية " الحقيقة والأخلاق"، التي أشرنا إليها في البداية بنص تودوروف . وهي قراءة اهتمت بسلم القيم لدى إبداع سردي نسائي، خاص بعينات من الأديبات العربيات من مختلف المشارب والتوجهات.

المفصل الثاني، اختارت له عنوان التشكلات الجمالية في السرد النسائي. وفككته إلى أربعة محاور هي:

ـ جمالية العنوان: وتحته تدرج المؤلفة قراءتها في عتبة عناوين الأعمال السردية موضوع كتابها، ملخصة استنتاجاتها قائلة:" ويمكن القول من خلال هذه العينة من عناوين السرد النسائي، أنها تحمل في أغلبها طاقات تخييلية وانزياحات دلالية .. وتأويلات متعددة تشد القارئ وتحثه على المتابعة والتأمل." 9 ص 129

ـ بلاغة الزمن السردي: وتتحرى المؤلفة،عن هذا العنصر البنائي في التشكيل السردي في الأعمال موضوع القراءة، نأخذ عينة رواية "عزوزة" للأديبة المغربية الزهرة الرميج، حيث تقول المؤلفة:".... فالأحداث ترتد إلى البداية لتسم زمنها بالدائرة المؤطرة للرواية والحاملة للكثير من المعاني.......فرغم دورة الزمن ووصوله إلى النهاية فهي ما زالت تفرض حضورها الآسر."9 ص 146

ـ تجليات الوصف: بعد تعريفها لمصطلح الوصف قديما وحديثا، وإشارتها إلى وظائفه الجمالية والتقنية في النصوص، قدمت في نهاية المحور الخاص به، صورة عن استعمالاته في النماذج، نقدم هنا مقتطفا عنها " فتح ـ وتعني الوصف ـ آفاقا متخيلة لتقريب الأحداث وإضاءة أعماق بعض الشخصيات، من أجل التأثير على المتلقي، وإقناعه، وإمتاعه أيضا، لأنه يتصل بذاكرة المبدعات، ورؤيتهن ومواقفهن، بشكل لا يمكن الاستغناء عنه." ص 158

ـ الوعي الفكري والجمالي: وقد اختارت المؤلفة ان تتناوله من باب "النقد الأدبي" . وهو الباب الذي منه ولجت إلى قراءة نصوصها. تقول بهذا الخصوص: " والذي يهمنا في هذا المجال، هو الاستفادة من مفهوم" تيار الوعي في النقد الأدبي"، وأشارت في هذا السياق إلى تاريخ ظهور مصطلح " تيار الوعي في النقد الأدبي"، أسفل الصفحة. ومن تطبيقاتها لهذا المصطلح، ما أوردته الكاتبة عن استقراء الوعي الفكري الجمالي في " حواريات الإنسان والبحر" لنافدة الحنبلي من الأردن، في قولها:" نجد أن النص نوع من الاستجابة الواعية للدعوة إلى النظر في ملكوت الله سبحانه وتعالى، وسعي إلى كشف التناقضات التي يعيش فيها واقعنا والغربة التي يعانيها الإنسان المتمسك بدينه في عالم يسوده القهر، والظلم، والفساد، وتفسخ العلاقات." 9 ص 162

علقت الأديبات العربيات في شراك " غواية الحكي"، بعد أن حيرهن قلق السؤال، واختلفت بهن سبل البحث عن ينابيع الأجوبة . منهن من هرولت . ومنهن من مشت بتؤدة في مسلك روحاني وحيد الاتجاه . ومنهن من أمسكت بأسرار الكتابة المتوازنة، " المتصلة بالوجود الإنساني، الموجهة نحو الحقيقة والأخلاق." فجاء كتاب "السرد النسائي العربي، بين قلق السؤال وغواية الحكي"، تخطيطا لخرائط خطوهن. حيث صاغت مؤلفته ـ من خلالها ـ نصها النقدي الممتلك لشروط وجوده كاملا، من مصطلحات نقدية، ومفاهيم تحليلية وتأويلية، ووحدات متوالية ممنهجة. وثقته بفقرات من النصوص السردية المقروءة. كما لم يفتها أن توثق استنتاجاتها، بشهادات بعض النقاد والأدباء، التي تؤيد مواقفها من النصوص المقروءة، ووجهة نظرها، سواء تعلق الأمر بأشكالها البنائية، أو بمضامينها وبإيحاءاتها التأويلية .

 

بقلم: الزهرة حمودان

  

398 الرمز والمسرحصدر حديثاً عن دار المجتبى الجزء الاول من كتاب (الرمز والمسرح) للكاتب والباحث العراقي صباح محسن كاظم، يقع الكتاب ب 195 صفحة من الحجم الكبير،

الاهداء

(الى ارواح شهداء الحرية بالعراق وكل مكان بالعالم)

 المقدمة بقلم المفكر المسيحي انطوان بارا

(أهديك سلامي واتمنى لك الصحة الدائمة والتوفيق في رسالتك الاعلامية، ولاسيما وانك تغرف حبر قلمك في دواة اهل البيت الكرام عليهم السلام وتسترشد بسيرتهم العطرة في مؤلفاتك وخاصة كتابك المقبل الذي اخبرتنا عنه.

فلك الجزاء والبركة من الرموز العظيمة التي اوقفت قلمك لإبرازشمائلها النبوية وخصالها الرسالية، وهذا لعمري هو الذخر والوديعة الفكرية والقلادة الايمانية، التي يفتخر الكاتب الذي لايتحرك قلمه الا للحق، فمن هو الاجدر من اهل البيت اصحاب هذا الحق المبين .

قواك الله ببركة نجوم اهل البيت الكرام وان شاء الله سوف يسددون خطاك فيما تسعى اليه من مشاريع فكرية لإعلاء مناقبية اهل البيت عليهم السلام، ودمتم بخير وبإنتظار كتبك .

كذلك كتبت المقدمة  الدكتورة حسنية حويج من جامعة البلقاء / الأردن، جاء في جزء منها (في هذا الكتاب بشارات ان يعمم هذا العمل وإن كانت بذوره الاولى محددة المنشأ، وهذا ما نرجو ان يتم بفضل الله وعلى ايدٍ أخلصت محبتها لأهل بيت رسول الله .

وحيث ان للمسرح رسالة سامية ومهمة عظمى كما وجدت في هذا الكتاب الذي استعرض فيه مؤلفه عشرات المسرحيين، وهو جهد يشكر عليه  وأرجو أن يكون في ميزان حسناته وأن يسير على نهجه الخيرين ممن نذر نفسه لخدمة هذا الدين، والحمد لله ان جعل سيرة اهل البيت فواحة عطرة يُستلهم منها ما يضئ دروب الحياة .

كتب المؤلف الاستاذ صباح محسن كاظم التمهيد والمقدمة  نحاول ان ننقل اليكم جزء منها (ثمة ضرورة قصوى تقتضي دراسة العروض المسرحية بعد فسحة الحرية، وفضاءات التعبير بلا قيود بآفاق رحبة عن المسكوت عنه، والمتجاهل، والمهمل في التاريخ العربي، رغم تأثريه البالغ بحركة التاريخ , وصيرورة الأحداث، وتشكل الوعي الجمعي، مراجعة تلك العروض المسرحية , او الاصدارات المسرحية، يحقق الدراية  بالتحولات الثقافية، ومدى فاعلية المسرح بالتأثير بالجمهور  واستقطاب المتلقي ..

لقد انطلقت بعد الحرية بمدن العراق المختلفة العروض المسرحية التي تناقش قضية كربلاء الخالدة، لذلك حاولت في الجزء الاول من كتاب (الرمز والمسرح) تقصي ودراسة بعض تلك العروض التي اقيمت بالعاصمة، او بمسارح المدن المختلفة، وعرض الكتب، والمسرحيات المطبوعة  بالعراق، والوطن العربي التي تهتم بمسرح التعزية، وسيتبعه الجزء الثاني بمواكبة تلك العروض، والاصدارات عند الحصول على تسجيلات فديوية لمهرجانات الطف التي قدمت بمدننا المختلفة، في مسارح النجف وبابل وبغداد، فضلا عن العروض العربية التي تناقش نهضة سيد الشهداء .

لقد استعنت بآراء ومؤلفات اهم النقاد العرب في مجال المسرح من الاكاديمين والمختصين .. في كل سفرة لعاصمة  عربية ما حاولت الحصول على كتب المسرح لدعم الافكار والرؤى لهذا الكتاب .

تضمن الكتاب ثلاث فصول 

الفصل الاول: وفيه ثلاث ابواب

الباب الاول: الرمز بالادب – ورمز الحرية رمز الشهادة في الانسانية

الباب الثاني: الرمز والتضحية

الباب الثالث: تراجيديا  الطف والعروض المسرحية الجادة

الفصل الثاني: وفيه ثلاث ابواب

الباب الاول : المسرح الحسيني من التنظير الى التطبيق

الباب الثاني: رمز الشهادة في ضمائر الادباء

الباب الثالث: النص المسرحي والخطاب الاجمالي

الفصل الثالث: وفيه ثلث ابواب

الباب الاول: الرمز ورسالته الانسانية

الباب الثاني: المسرح التاريخي واهمية الرمز في العرض المسرحي

الباب الثالث: الرمز الحسيني بمسرح التعزية والرسائل الجامعية

من الجدير بالذكر ان المؤلف حاصل على شهادة  بكالويوس تاريخ من جامعة بغداد 1984-1985 ، عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين

عضو نقابة الصحفيين العراقيين

عضو اتحاد المؤرخين الدولي

عضو الموسوعة الحسينية بلندن

عضو موسوعة رجالات الشيعة في بيروت  للسيد عبدالله شرف الدين

وردت سيرته العلمية في اليوكبيديا العالمية

عضو اتحاد كتاب الانترنت العراقيين

منح شهادتي دكتوراه من اوزبكستان  مصر

صدرت للمؤلف الاستاذ  صباح محسن كاظم

1- الامام علي (عليه السلام) نموذج الانسانية 2009

2- فنارات في الثقافة العراقية – دراسات نقدية ج 1

3- مقام الامام علي  في ذي قار – 2010

4- الاعلام والامل الموعود  - 2011

5- فنارات في الثقافة العراقية – الكتاب الثاني - 2012

6 - العلامة التراثية في الازياء السومرية رموز وخبايا  - 2013

7 - فاطمة الزهراء والمرأة المعاصرة -   2016

8- راهب بني هاشم وسجون الطغاة – 2016

9 - فلسفة الانتظار والتمهيد للظهور  المهدوي – 2016

 

علي الزاغيني