سوف عبيدأصدرت الدكتورة فـــوزيـــة الصــّفار الـــزاوق كتابا حول السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث من خلال كتاب ميخائيل نعيمة (سبعون) تناولت فيه بالدراسة والتحليل منهجية الكتاب وأساليبه الفنية وقضاياه الفكرية والفلسفية بالإضافة إلى مدى الصدق والتذكر وإلى حدود الإخفاء والتصريح فيه. فالكتاب من هذه الناحية يمثل إضافة في مجال دراسات الترجمة الذاتية كجنس أدبي مستقل.و قد أوردت الدكتورة فوزية الصفار الزاوق في الفصل الأخير من كتابها الصادر في تونس نصا لميخائيل نعيمة تحت عنوان (فلسطين مملكة يهودية) كان في الأصل ضمن كتاب (سبعون) لكنه لم يثبت فيه وانتزع منه ونشر لاحقا في أعماله الكاملة والنص يعود إلي سنة 1915 وقد نشره ميخائيل نعيمة بصحيفة (مرآة الغرب) في الولايات المتحدة الأمريكية عندما كان لا يتجاوز السادسة والعشرين من عمره ويقوم هدا النص الوثيقة على اعتقاد انكلترا في إمكان تأسيس دولة يهودية على أرض فلسطين لحراسة مصالحها في إفريقيا وأسيا وينبري ميخائيل نعيمة مرافعاعن الحق بكل قوة حاثا الرأي العام العالمي والعربي والفلسطيني على التحرك بسرعة ونجاعة قبل فوات الأوان ونحن عندما نقرا هذا النص من جديد بعد أكثر من قرن على نشره في أمريكا لا بد أن ندرك مدى وعي ميخائيل نعيمة بخطر القضية الفلسطينية من ناحية ونتبين مساهمة الأدباء العرب مند مطلع القرن في الدفاع عن قضايا الأمة العربية من ناحية أخري.

في مقال نعيمة نقرأ وثيقة تاريخية نقلها عن جريدة (البستاندرد الصبرانية) جاء فيها خاصة (أن اعتقاد الأمة الانكليزية يزداد من يوم إلى يوم ،هـﺫا ولا شك فيه أمر مهم للغاية وإذا خرج إلي حيز العمل فسيأتي أبناء امتنا وإخواننا في الدين لا سيما المضطهدين منهم في روسيا بنفع لا يقدر وكيفما كان الأمر فدخول تركيا في الحرب واقتسام أملاكها الذي لا بد أن يأتي عاجلا أو آجلا كما نوهنا في ما سبق، لا بد أن يحدث تغييرا حيويا في حالة الأمة اليهودية في الأرض المقدسة فليس لنا الآن إلا أن نصلي ونترجي بان هﺬا الانقلاب المنتظر سيضع أساسا جديدا لمستقبل مجيد لنا.

هذه الفقرة التي أوردها ميخائيل نعيمة تدل بوضوح على الاستشراف الخطير لدي الإستراتيجية ّالصهيونية في الاستفادة من موازين القوي في العالم وتهيئة التناقضات لصالحها ويسرد ميخائيل نعيمة بعد ﺬلك مواقف الأطراف الأخرى خاصة يهود أوروبا وأمريكا في إنشاء المملكة اليهودية ثم يتعرض إلي موقف المسيحيين ويتهجم على موقف انكلترا بعد ذلك قائلا انه من الغرابة أنها تدعي الدفاع عن الحرية وحقوق الضعيف ثم تقدم علي بيع مليون من الشعب الفلسطيني بأموالهم وأرزاقهم عبيدا لقبضة من شعب آخر غريب عنه جنسا ودينا ولسانا لأن دلك يوافق مراميها السياسية وينبه نعيمة إلى هﺬا الخطر عندما يري أن اليهودي سيشتري الأرض من الفلاح الفلسطيني ثم يملك أعنة التجارة والسياسة فيلعب بالفلاح المسكين الذي لا يقدر على مباراة اليهودي إذ كان في الصناعة أو في الزراعة أو في العلم أو السياسة. ويختم نعيمة مقاله كما يلي :

و الله لتلك أكبر جريمة ترتكبها انكلترا بل العالم كله إذا باعوا فلسطين وسكانها لليهود لمطامع سياسية أو ترهات دينية.و إذا أحبت انكلترا أن تجعل فلسطين مستقلة لغايات دولية فلماﺬا لا تجعلها كﺫلك تحت إدارة أهلها ولا خوف عليها من عصيان اليهود وتمردهم. هـﺬا ـ نص وثيقة ـ يجدر التوقف عنده.

فلسطين ممـلكة يهودية

” إن اعتقاد الأمة الانكليزية بإمكان تأسيس مملكة يهودية مستقلة في فلسطين تحت حماية انكليزية يزداد من يوم إلي يوم. هﺫا ولا شك أمر مهم للغاية وإذا خرج إلي حيز العمل فسيأتي أبناء امتنا وإخواننا في الدين – لا سيما المضطهدين منهم في روسيا- بنفع لا يقدر…..و كيفما كان الأمر فدخول تركيا في الحرب واقتسام أملاكها الذي لا بد أن يأتي عاجلا أو آجلا كما نوهنا في ما سبق لا بد أن يحدث تغييرا حيويا في حالة الأمة اليهودية في الأرض المقدسة. فليس لنا الآن إلا أن نصلي ونترجى بأن هﺬا الانقلاب المنتظر سيضع أساسا جديدا لمستقبل مجيد لنا

هذه فقرة من جريدة “البستاندرد العبرانية” وخذ لك ألف فقرة كهذه الفقرة ظهرت في الصحافة العبرانية وغير العبرانية في جميع أقطار العالم.

في دماغ من ترى هذا الفكر ونما ونضج ثم طار بالبرق من شرق الأرض إلي غربها ومن شمالها إلى جنوبها- لا ادري ولا يهمني أن أدري. هذه الحرب قد ملأت الأرض أنبياء ومفسري أحلام ، لكن نبي استقلال بني إسرائيل وعودتهم إلى أرض أجدادهم قد وجد لنفسه في الحال ألوفا بل ملايين من التباع بين العبرانيين وغيرهم لأن نبوءاته تحرك في بعضهم شعورا دينيا وتأتي الآخرين بمنافع سياسية واقتصادية.

بعض العبرانيين ينظرون إلى هذا الأمر من جهة دينية فيُسمعون أشعيا وارميا وحزقيال ودانيال يكلمونهم من وراء حجاب ثلاثة آلاف سنة أو أكثر يبشرونهم “بمسيا” المنتظر الذي سيقود شعب يهوﺬا المختار إلى أرض الميعاد ويجدد صهيون. وأنهم يرون في هذه الويلات التي تصبها السماء علي العالم في هذه الأيام يد الله تسطر على شواطئ الحياة كلمات لا يفهمها سواهم. ومعناها “إلي خيامك يا إسرائيل”. وإسرائيل يعد العدد ويسهل الطرق بكل ما وهبه اله إبراهيم واسحق ويعقوب من قوة الدهاء وما أعطاه من موهبة جمع المال ليلبي دعوة أنبيائه. وهو يري الآن صهيون ترتفع من بين أشلاء الجنود وخنادق الموت تزينها عظمة الأجيال ويكللها مجد داود وسليمان وتخفرها ملائكة العلي فيخر خاشعا ويمتلئ قلبه أملا وسرورا.

هذا ما يراه ويقوله بعض العبرانيين. فماذا يقول المسيحيون؟

من بلاء المسيحيين وسوء حظ المسيحية انك تجد ألوفا بين تباع الناصري من الذين ينكرون تعاليمه وينكرونه إذ فصلت إنجيله عن أسفار موسي وإذا قلت لهم انه جاء ليس ليتمم نبوءة ﺬاك أو حلم هذا بل ليضع خمرا جديدا في وعاء جديد وليريح المستعين والثقيلي الأحمال. هولاء لا يرون في التوراة سوي حرفها الميت..لذاك يجهدون أنفسهم ليطبقوا كل حادثة جرت أو تجري أو سوف تجري على نبوءة ما من نبوءة من نبوءات أشعيا وإخوانه في الفن. ولو سألتهم رأيهم في الحرب الحاضرة لدلوك على العدد الفلاني من الكتاب الفلاني حيث تجد تفاصيل الحرب كلها بأسماء قوادها وحصونها وعدد جيوشها ومعاركها وأسبابها الخ. فهل تعجب إذ ا رأيت هولاء القوم قد تمسكوا بكل شرايين قلوبهم وفقرات أدمغتهم بهذا الفكر عن تجديد المملكة الإسرائيلية ويتولي شعورهم الديني ويبرهن لهم عن عظمة الله الذي يعبدونه.

أما بقية اليهود فبينهم من يقولون”صهيوننا واشنطون”.فيفضلون البقاء حيث هم.لكن أكثرهم يرون في نشر المملكة اليهودية حلا لمشاكلهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن يتصور ما لاقاه وما سيلاقيه اليهودي بين بقية شعوب الأرض من الهزء والاحتقار والاضطهاد لا يلومه إذ سعى بكل ما لديه من الوسائط ليعيش في بلاد يكون سلطانها ولا يخجل أن يتجاهر فيها بدينه وجنسه دون أن يعرض نفسه لمقت القوم أو ازدرائهم.

أما الأمم التي يساكنها اليهودي- لا سيما روسيا- فتعده بنيل هذه الأمنية تخلصا منه لا حبا به لأنه ضيف ثقيل في أرضها وعلى شعبها. وعدا ﺫلك فلانكلترا على الأخص غاية سياسية ذ كرتها الجرائد غير مرة وهي أن تبقي فلسطين المجاورة لأملاكها الاسوية والإفريقية تحت سلطتها فعلا إنما في يد شعب مستقل اسما لا خوف عليها منه لأنها تعرفه شعا تجاريا لا حربيا. ومهما عظمت سلطته المالية تبقي قوته الحربية صفرا بالنسبة لقوتها.

هكﺫا اتفق أقوياء هدا العالم ومديرو دفة سياسة الأرض، وهكذا سمعنا وسمعت جرائدنا. وهكذا.. سكتت جرائدنا وسكتنا. ربما تتم هﺬه النبوءة بعد الحرب وربما لا تتم. لكن الأمر الذي تم الآن هو أن العالم سيتناقل هذه النبوءة ويستحسنها. والظاهر أنه يسعى لتحقيقها ونحن صم لا نسمع وبكم لا نتكلم كأن هذا الأمر لا يعنينا على الإطلاق أو كأن هذا الأمر لا يعنينا على الإطلاق أو كان فلسطين قطعة من بلاد المغول أو جزيرة من جزائر الفيليبين لا جزء من البلاد التي ننتمي إليها. فلا أهلها أهلنا ولا بيت لنا فيها ولا مرقد عنزة.

أفمن خمول بعد هذا الخمول؟ أمن موت بعد هذا الموت؟

رأت بعض ممالك الأرض أن من صالحها أن تجعل فلسطين أرض قفراء لا عمار فيها ولا حياة. وكلما يجب لجعلها مملكو مستقلة أن تضع فيها بضعة آلاف من اليهود وتقيم عليهم ملكا وتقول لهم: “أحرثوا هذه الأرض وتنعموا بأثمارها وتكاثروا كرمل البحر”. لكن في فلسطين مليونا من البشر الذين ولدوا وشبوا فيها ودفنوا أجدادهم وأجداد أجدادهم. هم يدعونها وطنهم وليس لهم في العالم كله حيث يلقون رؤوسهم سوى في تلك البقعة من ارض الله. فيها رأوا النور وفيها يفارقون الحياة. تحت سمائها يحلمون أحلامهم وفوق تربتها يسيرون بهمومهم وأفراحهم وأشجانهم. أيديهم وأيدي أسلافهم من قبلهم بقرت وتبقر تربتها.عظامهم تغذي نبتها وعرق جباههم يسقي زرعها.فبأي شرع أو دين أو حق يجوز للانكليزي أو سواه أن يأتي بيهودي إلي ساكن فلسطين ويقول له : “أجداد هذا الرجل كانوا يقطنون في هذه البلاد من ألفي سنة. وهكذا فالأرض أرضه لأنه ورثها عن أجداده. أما أنت ففتش لك عن ارض غير هذه الأرض فقد تعديت على حقوق هذا الإنسان تعديا”- فهل قطن أجداد الانكليزي في كندا أو في استراليا أو الترنسفال أو مصر أو الهند أو غيرها؟ ومن أوحى له بحق الوراثة في تلك البلدان؟

أليس من الغرابة أن انكلترا التي تدعي أنها جردت سيفها في هذه الحرب دفاعا عن الحرية وحقوق الضعيف تقدم الآن فترتكب إثما كهذا الإثم بأن تبيع مليونا من الشعب بأموالهم وأرزاقهم عبيدا لقبضة من شعب آخر غريب عنه جنسا ولسانا لأن ذلك يوافق مراميها السياسية أو لاعتقادها بأن لليهودي حقا في فلسطين ورثه عن أجداده؟ وهذا في الحقيقة ما يحل بنا إذا تمكنت انكلترا من الجري بهذه الخطة- اليهودي سيشتري الأرض من الفلاح الفلسطيني ثم يملك أعنة التجارة والسياسة وهناك يلعب بالفلاح المسكين على هواه. وذلك شر من العبودية. وهل فلاح فلسطين قادر على مباراة اليهودي إذ كان في الصناعة أو في الزراعة أو في العلم أو السياسة؟ والله لتلك أكبر جريمة ترتكبها انكلترا بل العالم كله إذا باعوا فلسطين وسكانها لليهود لمطامح سياسية أو ترهات دينية. وإذا أحبت انكلترا أن تجعل فلسطين مستقلة لغايات دولية فلماذا لا تجعلها كذلك تحت إدارة أهلها ولا خوف عليها من سطوة الفلاح الفلسطيني أكثر مما عليها من عصيان اليهود وتمردهم.

أقول ذلك ثم أسال نفسي: ” ولماذا نلوم انكلترا إذا شاءت أن تبيع فلسطين وهي للان لم تسمع كلمة شكوى أو تذمر من الشعب الذي يدعو فلسطين وطنه وبيته؟”.

نعم. ولماذا نلوم انكلترا؟

هل من أخ فلسطيني يجيبني على هذا السؤال؟ ـ انتهى نص نعيمة ـ

و بعد: لكأن قلم صاحب المقا ل لم يجف بعد…فهل مازلنا نراوح الخطى في نفس المكان؟

 

سُوف عبيد

 

902 zilberbourgعن دار "وتاو" للنشر صدرت للقاصة الروسية الشابة أولغا زيلبيربورغ مجموعة قصص بعنوان (مثل الماء وقصص أخرى). ضمت المجموعة 52 قصة جديدة توزعت اهتماماتها بين علاقة الشرق بالغرب، وتأثير البيروسترويكا على المجتمع الروسي، وبالأخص بطرسبورغ وموسكو. بالإضافة لهموم الغربة وتمزق الإنسان الشرقي بين ثقافتين وحضارتين.

ولا تخلو القصص من إشارات لأزمة الشرق الأوسط وانعكاساتها على العالم. ودور الحرب الباردة في التأزيم وأزمة قناة السويس وعلاقتها بصواريخ كوبا وغزوة خليج الخنازير.

استعملت الكاتبة عدة أساليب للتعبير عن هذه المحاور. من أسلوب القصة القصيرة جدا والشاعرية والشفافة، إلى أسلوب السرد الواقعي بلغة قريبة من المحاكاة، وهي نفس اللغة التي تجدها في أعمال نابوكوف وبعده فلاديمير سوروكين وفالنتاين راسبوتين وسواهما من رموز الجيل الجديد.

ومن الأمثلة عليها القصص التي تنتقد بها تجربة البيروسترويكا وانهيار الاتحاد السوفياتي.  كما في (دكتور ستيفا) و(الكمان المكسور) وغيرها. 

سبق للقاصة أن كتبت في أدب الرحلات ومن ذلك ريبورتاج مفصل عن أندلسيا (إسبانيا وماضيها الإسلامي العربي).

تعمل الكاتبة حاليا منسقة لمجلس إدارة الجمعية الثقافية في سان فرنسيسكو التي تستضيفها دار نشر معروفة هي (سيتي لايت). كذلك هي عضوة في هيئة تحرير مجلة (سرديات – ناراتيف) الأمريكية. وتعيش في الوقت الراهن في سان فرانسيسكو، الولايات المتحدة.

 

د. صالح الرزوق

نضير الخزرجيكقارئ هاو ولع بالأدب منذ نعومة أظفاره تعرفت على الشاعر الإيراني أبو الفتوح عمر بن إبراهيم الخيام (1048- 1131م) من خلال رباعياته التي تطير بالقارئ على بساط الهوى والهيام تقودها رياح الحكمة تارة ورياح الفكرة تارة أخرى، والنظر في ملكوت السماوات والأرض، وما تخفيه نفس الإنسان وكوامنه.

وكناشط ومراقب انتظم في العمل الحزبي والسياسي في أول سني البلوغ تعرفت على الصيدلاني والشاعر والمنجِّم الفرنسي ميشيل دي نوستردام (Michel de Nostredame) الشهير بـ "نوستراداموس (Nostradamus) (1503- 1566م) مع اندلاع حركة الشعب الإيراني عام 1978م بالضد من النظام الشاهنشاهي التي انتهت إلى قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979م، عندما راحت الأقلام تنبش في رباعياته للوقوف على تنبؤاته فيما إذا كانت الثورة الإسلامية جزء منها، فأثبت بعض ونفى آخر.

وحيث لرباعيات الخيام ترجمات متنوعة وبلغات مختلفة، وفي كل لغة ترجمات عدة مثل الترجمة العربية التي بلغت أكثر من عشرين ترجمة لشعراء من بلدان مختلفة مثل ترجمة الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي (1897- 1977م)، وترجمة الشاعر اللبناني أمين نخلة (1901- 1976م)، وترجمة الأديب المصري عباس محمود العقاد (1889- 1964م)، فإن لرباعيات نوستراداموس ترجمات كثيرة في لغات مختلفة وفي كل لغة أكثر من ترجمة.

وما يميز ترجمة رباعيات الخيام عن ترجمة رباعيات نوستراداموس، أن كلاهما خاضع لفهم المترجم لمفردات اللغة وتمكنه من اللغة وآدابها، وفي رباعيات الخيام يحضر المترجم بنفسه كأديب وشاعر ليفرض نفسه على الرباعيات فتشعر أنك تقرأ الأديب المترجم لا الأديب الناظم، وهذا ما يعطي للترجمات جمالية وتكشف في الوقت نفسه عن حجم شاعرية المترجم ومبلغ قدرته على السباحة في بحر القوافي، وأما في رباعيات نوستراداموس فإن الإسقاطات الزمانية والمكانية بما يراها المترجم أو يريدها أن تكون لها مدخلية كبيرة في الترجمة تبعا للغة التمويهية التي امتطى نوستراداموس صهوتها بما جعل تنبؤاته لها أن تصدق على هذا الحدث الكبير أو ذاك، أو أنها تعطي المرونة لدى المترجم في أن يلبس قميصها هذا الحدث او ذاك مما يشعرك أن التنبؤات لها صدقية أو قريبة إلى الواقع.

بالطبع لم يكن نوستراداموس بدعًا من المنجمين والضاربين بالرمل ولم يكن هو رائدهم، فقد سبقه كثيرون في عصور سابقة، وفي العصر الجاهلي المتصل بالعصر الإسلامي اشتهر أكثر من واحد في هذا المجال بما يعرف بالكهنة والسجاعة، الذين كانوا يخفون التنبؤات المزعومة في أبيات شعرية غير مفهومة أو كلام مقفى غير موزون شعريا فكل من يقرأه يفهمه على سليقته أو ما يرغب هو في فهمه وإن كان خلاف المراد ولا مراد له أصلا، وإذا عجز المرء عن فهم المراد نسبوه إلى قلب الشاعر وبطنه فيقال: (المعنى في قلب الشاعر) أو (المعنى في بطن الشاعر)، والقلب لا العقل ميال إلى هذا المعنى والمراد وإلى ذاك، والبطن دون العقل حمال ذو أوجه كبكرة خيوط التفت على نفسها أو كمعركة اختلط حابلها بنابلها.

وحيث تفاجأ عرب الجاهلية بما جاء به النبي محمد (ص) من قرآن موحى فيه قراءات للماضي ومبشرات للمستقبل وما بعد الحياة الدنيا رموه بالكهنة والسجاعة.

ومن أجل فهم الشعر على حقيقته وسجع الكهانة ونصوص القرآن الموحى والفروقات الشاخصة، ينقلنا الفقيه المفسر الشيخ محمد صادق الكرباسي في رحلة معرفية أدبية وقرآنية إلى فهم المراد وذلك عبر تفسيره النظمي للقرآن الكريم المسمى: (المختوم في التفسير المنظوم) الخاص بالجزء الثلاثين من القرآن الكريم (جزء عمَّ) الصادر حديثا (2019م) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن وبيت العلم للنابهين في بيروت في 459 صفحة من القطع الوزيري.

نظم التفسير لا القرآن

عندما تفاجأ عرب الجزيرة العربية بأدب القرآن الكريم ووحي السماء، رموا رسول الله محمد (ص)، بالكهنة والسجع والشعر رغم علم أهل مكة أن محمد بن عبد الله (ص) الذي عاش بين ظهرانيهم أربعين عاما قبل أن يعلن دعوة الإسلام لم يكن شاعرا ولا كهانا ولا سجاعا، لأن من عادة العرب أن تحتفي بالشاعر وتفتخر به على رؤوس الأشهاد ولم يكن النبي محمد(ص) منهم، ومن عادة العرب أن تذهب الى الكاهن يخبرها عن الحاضر والمستقبل، ولم يكن النبي محمد(ص) منهم، ولم يُعرف عن النبي أنه من السجاعين الذين يبطنون كلامهم المقفى أحاجي ونبؤات، واشتهر بينهم منذ نعومة أظفاره بالصادق الأمين.

فاتهام رسول الإسلام بهذه الأمور الثلاثة إنما هي وسيلة من لا حيلة له على معارضة ما جاء به من وحي السماء، وكبار القوم وشعراؤهم وخطباؤهم يدركون هذه الحقيقة وإنما أطلقوا التهمة ليضلوا بها عامة الناس وعوامهم ولكي يحافظوا على مكتسباتهم من عبادة الأصنام والشرك بالله، ولهذا كان منطقهم كما يصورهم القرآن: (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) سورة الصافات: 36، لكن القرآن الكريم ردّ عليهم بلسان الرسول الأكرم(ص): (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ. أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) سورة الطور: 30، وحيث عجزوا أن يأتوا بالقرآن أو بعشر سور أو بسورة واحدة خاطبهم بأن يأتوا بحديث مثله: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) سورة الطور: 33- 34، ولأن القرآن فريد نوعه فإن التحدي قائم حتى يومنا هذا لكلا الثقلين: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) سورة الإسراء: 88.

الفقيه الكرباسي يمهد في تفسيره النظمي للجزء الثلاثين من القرآن الكريم بجملة موضوعات ذات علاقة بالشعر والسجع والتقفية والكهانة، فيتابع العلاقة بين (السجع والتقفية) و(السجع بين الرفض والقبول)، و(القرآن والشعر) و(فوارق القافية والسجع) و(القرآن بين السجع والقافية)، و(الهدف والغاية) يوضح فيه حيثيات بيان معاني الآيات في قالب نظمي مقفى، ليؤكد استحالة وضع القرآن الكريم وتفسيره في قالب شعري حسب معايير الشعر، وإنما هو من النظم المقفى مع التفعيلة وإن تقولب في بحر من البحور الخليلية والكرباسية التي بلغت 210 بحور، من هنا فإن المفسر الكرباسي يؤكد: (إن الهدف الرئيس من نظم القرآن هو نظم تفسير القرآن، وإلا فإن نظمه كترجمته لا يمكن إلا من قبله تعالى، ووصف النصوص المنقولة إلى لغات أخرى غير العربية بالترجمة هو من باب المسامحة، والأدهى من ذلك أن نُسمِّي نظم القرآن بالشعر لأن الثاني أكثر استحالة من الأول بل هو المحال عينُه).

اما لماذا بدأ بنظم تفسير القرآن من الجزء الثلاثين ولماذا أطلق عليه المختوم؟

يجيب الشيخ الكرباسي: (بدأنا بالجزء الأخير من القرآن لأنه فيه ذكاء من الشعر ونفحة من النظم، فإذا ما أظهرنا فيه استحالة النظم وأبدينا التفعيلة المستخدمة فيه جرى في غيره بسهولة، ولاستحالة قلب النص القرآني شعرًا سمَّيناه "المختوم في التفسير المنظوم")، والمختوم من ختم الرسالة وغلقها بالشمع أو الرصاص بحيث لا يعرف محتواها إلا المرسل والمرسل إليه، ومهما بلغ المفسرون قُلل المعرفة فإنهم حتى يومنا هذا قاصرون على الوقوف على حقيقة المراد من آيات القرآن الكريم، والأمر موكول إلى المُرسل والمُرسل إليه والموصى به: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) سورة آل عمران: 7، ولهذا استوجب التسليم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) سورة النساء: 59.

لا هذا ولا ذاك

وحيث عرف العرب النثر والشعر وما بينهما من سجع وتقفية، فإن مجموعة غير قليلة من آيات القرآن الكريم ذات مسحة من سجع وتقفية، وهو ما جعل كبار المشركين يلوون حقيقة الوحي الرباني ونسبتها الى الكهانة والسجع البشري، والفقيه والمفسر الكرباسي يوقفنا في التمهيد وفصوله بشرح مفيد عن مفهوم السجع والتقفية وتمثلاتهما من القرآن الكريم، كون السجع غير الشعر المقفى، فالأول: (هو الكلام المقفى، أي الكلام الذي يكون آخر مقاطعه من الحروف التي مخارجها متحدة أو متقاربة) وهو خاص بالنثر، والكلام الموزون المقفى هو خاص بالشعر، فالسجع من خواص النثر والقافية من لوازم الشعر، فما خلا من سجع فهو كلام منثور وصنوه ما خلا من قافية، وإنما سمي السجع سجعا لتقاربه في اللحن من سجع الحمام لتناسب فواصل لحن الكلام المنثور وتقارب آواخره بمخارج الحروف أو توافقها.

والسجع على أربعة اطوار كما يسترسل المؤلف والناظم مستشهدا بآيات من القرآن الكريم:

الأول: السجع المُطرّف: وفيه اختلف آخر الجملتين في التفعيلة واتفقتا في القافية (الروي)، ومن ذلك قوله تعالى في سورة نوح: 13 و14: (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً) (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً).

الثاني: السجع المتوازي: وفيه اتفقت المفردة الأخيرة من الجملتين فقط على تفعيلة وقافية، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الغاشية: 13 و14: (فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ) (وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ).

الثالث: السجع المرصّع: وفيه اتفقت مفردات إحدى الفقرتين في التفعيلة في معظم مفرداتها مع الأخرى كأنها صدر وعجز، من ذلك قوله تعالى في سورة الإنفطار: 13 و14: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ).

ومن المفارقات في الشواهد الثلاثة اتفاق أرقام الآيات الشريفة.

الرابع: السجع المشطَّر: وهو من التشطير الشعري المسجع، ومحله كما يضيف الناظم في الشعر وليس في النثر، حيث يلاحظ السجع في كل شطر من شطري البيت، من ذلك قول الشاعر أبي تمام حبيب بن أوس الطائي (179- 228هـ) من بحر البسيط:

تدبيرُ معتصِمٍ بالله مُنتقِمٍ *** لله مُرتَغِبٍ في الله مُرتقِبِ

ولا يخفى أن السجع من المحسنات اللفظية ومن بديع البلاغة، له منزلة طيبة في القلب والعقل، تتلقى النفس مفرداتها كما تتلقى الأرض الجدباء قطر السماء، وهو ظاهر في الأدب القرآني وبتعبير الناظم: (السجع شيمة الأدب القرآني الذي انتهل منه الرسول(ص) وآله(ع)، ومن أنكر ذلك حاله كمن ينكر الشمس في رابعة النهار، ومَن استنكر هذا النوع من الأدب ببعض الروايات الضعيفة أو الموضوعة فلا يُصغى له).

وإذا كان السجع في النص القرآني ظاهرًا فإنه في المأثور كثير، من ذلك ما جاء في مناجاة الإمام علي بن الحسين السجاد (33- 92هـ) بلسان حال التائبين: (إِلَهِي أَلْبَسَتْنِي الْخَطَايَا ثَوْبَ مَذَلَّتِي)، (وَجَلَّلَنِي التَّبَاعُدُ مِنْكَ لِبَاسَ مَسْكَنَتِي)، (وَأَمَاتَ قَلْبِي عَظِيمَ جِنَايَتِي)، (فَأَحْيِهِ بِتَوْبَةٍ مِنْكَ يَا أَمَلِي وَبُغْيَتِي)، (وَيَا سُؤْلِي وَمُنْيَتِي)، (فَوَعِزَّتِكَ مَا أَجِدُ لِذُنُوبِي سِوَاكَ غَافِراً)، (وَلَا أَرَى لِكَسْرِي غَيْرَكَ جَابِراً)، (وَقَدْ خَضَعْتُ بِالْإِنَابَةِ إِلَيْكَ)، (وَعَنَوْتُ بِالِاسْتِكَانَةِ لَدَيْكَ)، (فَإِنْ طَرَدْتَنِي مِنْ بَابِكَ فَبِمَنْ أَلُوذُ)، (وَإِنْ رَدَدْتَنِي عَنْ جَنَابِكَ فَبِمَنْ أَعُوذُ)، (فَوَا أَسَفَا مِنْ خَجْلَتِي وَافْتِضَاحِي)، (وَوَا لَهْفَا مِنْ سُوءِ عَمَلِي وَاجْتِرَاحِي)، (أَسْأَلُكَ يَا غَافِرَ الذَّنْبِ الْكَبِيرِ)، (وَيَا جَابِرَ الْعَظْمِ الْكَسِيرِ)، (أَنْ تَهَبَ لِي مُوبِقَاتِ الْجَرَائِرِ)، (وَتَسْتُرَ عَلَيَّ فَاضِحَاتِ السَّرَائِرِ)، (وَلَا تُخْلِنِي فِي مَشْهَدِ الْقِيَامَةِ مِنْ بَرْدِ عَفْوِكَ وَغَفْرِكَ)، (وَلَا تُعْرِنِي مِنْ جَمِيلِ صَفْحِكَ وَ سَتْرِكَ)، (إِلَهِي ظَلِّلْ عَلَى ذُنُوبِي غَمَامَ رَحْمَتِكَ)، (وَأَرْسِلْ عَلَى عُيُوبِي سَحَابَ رَأْفَتِكَ) إلى آخر المناجاة السجادية.

وينتهي المؤلف إلى التأكيد بأن السجع في ذاته ليس منهيا عنه: (وإنما المنهي عنه هو الحكم المتبوع في قول الكاهن، فقال رسول الله: أسجعًا كسجع الكُهان، أي أحُكمًا كحُكم الكُهان).

من منظوم التفسير

وإذا كان السجع مقرونا بالكُهان فإن المنبئين والمنجمين استخدموا الشعر مركبًا لهم، كما استقلَّ عدد من الشعراء لا كلهم ظهر الشعر لإغراء الناس بأكاذيبهم وإغوائهم، والشعر في المنظوم كالسجع في المنثور: (لم يرد فيهما نهي في القرآن) كما يضيف المحقق الكرباسي. بل إن الشعراء فقراء إلى القرآن الكريم فهو ليس من السجع وليس من الشعر وفوقهما، وبتعبير الناظم: (إنَّ الشعر يتسكّع على أبواب سور القرآن وآياته ومفاهيمه، ومنذ أن نزل القرآن أخذ الشعراء ينهلون من القرآن نهلا، وتغيرت صورة الشعر بعد الإسلام، إذ كان القرآن الكريم أحد أهم مصادر الإلهام لهم) من شعراء وأدباء وأمثالهما.

ومن نماذج الإلهام هذا التفسير المنظوم بعينه الذي يبدأ من سورة النبأ وينتهي بسورة الناس، فهو قريب من التضمين وما هو منه، وقريب من التشطير وليس منه، وأشبه بالإقتباس وهو غيره، وبتعبير الشاعر الجزائري الدكتور عبد العزيز مختار شبين في تقديمه للكتاب: (وديوان الكرباسي المختوم في التفسير المنظوم يمثل خطوة في هذا المنهج الذي يدعو إلى اقتباس القرآن الكريم واعتباره المورد الخالص للبلاغة، ومنه تنهل كل الينابيع مهما اختلفت مصادرها، وتنوعت اتجاهاتها، ووجد فسحة الوقت متاحة فأتى لنا بنسيج فريد في نظمه، فجعلنا نقرأُ القرآن نصًّا كاملا ومجوَّدًا في بيت منظم موزون مقفى، ولا أظن أحدًا سبقه إلى هذه الصنعة من قبل في أدبنا العربي، وإن وجدت فهي لا تتعدى اقتباسًا أو تأثرًا).

ومن الشواهد قول الناظم في تفسير البسملة والآيتين الاولى والثاني من سورة النبأ: (بسم الله الرحمان الرحيم. عمّ يتساءلون. عن النبأ العظيم)

بسم الله الرحمان الرحيم *** ذا نظمي تفسيرٌ للرقيمِ

يا رسول الله عمّا يتساءلونْ *** في حجازٍ هؤلاءِ المتقاعسونْ

هم عَنِ الإرسالِ طبعًا يتباحثون *** ما لهم يستغربوه ويعاندونْ

إنهم قد شكَّكوا بالنبأ العظيم *** فاستخفوا كلهم بالكَلِمِ القويمْ

ومن الشواهد في تفسير سورة الكوثر: (إنا أعطيناك الكوثر. فصلِّ لربك وانحر. إنّ شانئك هو الأبتر) صدق الله العلي العظيم:

فإننا أعطيناك درَّة كالكوثرْ *** فَصَلِّ دوما شكرًا لربك .. انهض وانحرْ

فإنّ نسل الداعي لفاطمٍ مِن حيدرْ *** فذاك مَن زكّى في صلاته إذ كبَّرْ

وشانئَ الهادي عند ربك المُسْتَنْصَرْ *** قضى عليه .. حكما هو القطيعُ الأبترْ

صدق الله العليُّ العظيمُ *** فيه قالَ الرسولُ الكريمُ

ومن لطائف التفسير المختوم أن المؤلف ألحق بخاتمة كل سورة منظومة نصًا منثورًا هو لسان حال السورة من حيث مكان النزول وسبب النزول وفيمن نزلت ومؤداها ومرادها والعبرة المستخلصة، وضمّ إليها 54 صورة تشكيلية تخيليّة من عمل الفنان المهندس محمد علي عبد الصاحب الأعرجي، مع بيان للعلامات المستخدمة، وعدد من اللطائف والنكات الظريفة من وحي أسماء سور القرآن الكريم، مع مجموعة فهارس متضمنة: فهرس الآيات، الأحاديث، البحور والقوافي، الأعلام، الأماكن، المتفرقات، الصورة والرسوم والملحقات، المصادر والمراجع، وفهرس المواضع.

وكما بدأ الكتاب بمقدمة لشاعر جزائري ختمه بتقريظ كريم جمع بين النثر والشعر لأديب عراقي هو الشاعر رحيم شاهر الربيعي الذي رأى في الكتاب: (شكل من أشكال التفسير الشعري للقرآن، ولكنه في هذه المرة جاء ترجمة جمالية من العربية إلى العربية، عبر إضافات عروضية جديدة لافتة، أي حاملة لوحة العروض الأبهى ومزدانة بحلته)، وختم تقريظه النثري بمقطوعة شعرية من ثمانية أبيات من بحر المتكامل، مطلعها:

هذا كتابٌ وحيه القرآنُ *** أهل المعارف أفصحوا وأبانوا

وخاتمتها:

فالدرُّ مختومٌ بلطف مواعظ *** وبلوحِهِ قد دلَّلَ العنوانُ

في الواقع يمثل كتاب "المختوم في التفسير المنظوم .. جزء عمّ" نقلة نوعية في الاستخدامات الشعرية وفيه وظّف الناظم القافية في تفسير معاني مفردات الآيات، وهو صنو كتاب "التفسير المسترسل .. جزء عمّ" للمؤلف نفسه الذي صدر عام 2010م الذي مثّل هو الآخر نقلة نوعية في التفسير المنثور على غير المعهود، وفيه وظَّف الكرباسي الكلمة الأدبية في تفسير مفردات الآيات بأسلوب ميسر سلس.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

علاء اللاميعن دار "المركز الثقافي للكتاب" في الرباط وبيروت، صدر كتاب جديد للباحث العراقي في "الرافدينيات" د. خزعل الماجدي بعنوان "أنبياء سومريون ..كيف تحول عشرة ملوك سومريين إلى أنبياء توراتيين؟".

هذا الكتاب مهم لناحية موضوعه، وجريء في طريقة تناول هذا الموضوع بعلمية ومنهجية دقيقة، فهو يتناول موضوعا شديد الحساسية بسبب انغراسه عميقا في المقدس الديني في الديانات الإبراهيمية الثلاث، والمقدس التوراتي خصوصا. وهو ما أشار إليه المؤلف في مقدمته بقوله إن كتابه (يكسر عند الناس واحدا من أكبر التابوهات التي تخص بداية ظهور الإنسان وظهور الأنبياء الأوائل).

والتابو الذي يقصده الكاتب هو ذاك الذي يغطي موضوع أصول الديانات السماوية، وقضية خلق العالم والإنسان وجذورها الأسطورية في عصور ما قبل الطوفان، وكيف قدمتها الديانات السماوية الثلاث الأكبر لاحقا. فقد ساد اقتناع أولي، مع بدايات الكشوفات الآثارية الأركيولوجية في بلاد الرافدين، بأنها ذات أصول رافدينية سومرية انتُحِلَت أو انتقلت بطريقة التناص إلى السردية التوراتية اليهودية، ومنها انتقلت لاحقا إلى الديانتين الإبراهيميتين الأخريين المسيحية فالإسلام. ولكن الماجدي يحاول أن يفكك ويوضح، مستعينا بما يقدمه علم الآثار الحديث من أدلة مادية، تفاصيل وجذور تلك الأصول الرافدينية السومرية، ليسنتبط منها لاحقا آليات تكونها وانعكاساتها وانتقالاتها من سردية إلى أخرى. إن الهاجس الموضوعي والانشداد إلى المقاربة الدقيقة للحقيقة هو ما يحفظ المؤلف من الانزلاق وراء تقديم أحكام باترة وقاطعة، وهذا ما نجده غالبا في كتاب الماجدي فهو يتوخى الدقة ونقل الرأي المخالف، ليصوغ، من ثمَّ، خلاصاته واستنتاجاته بحذر ودراية وبلغة متسائلة، شكاكة، بعيدة عن القطع في أمور لا يجوز القطع فيها.

إن موضوع المقارنة بين السردية الرافدينية والأخرى التوراتية ليس جديدا، فقد طُرِحَ في الثمانيات من القرن التاسع عشر من قبل وينكلر وعلماء مدرسة "توراة بابل" الذين قالوا (إن معظم حكايات العهد القديم وخصوصا أسفار موسى الخمسة، هي انعكاس للأدب المسماري "الرافديني")، ولكن ماير، زميل وتلميذ العالم الشهير ويلهاوزن، رفض ذلك وقال إن تلك الحكايات التوراتية (كانت في الأصل مرويات شفهية ومجموعات من القصص المؤلفة من الحكايات الشعبية والأساطير والملاحم/ طومسون 12). ثم تناول تلك العلاقة بالدراسة والعرض والتمحيص باحثون عرب وأجانب آخرون من بينهم الباحث العراقي الراحل فاضل عبد الواحد في كتابه "من سومر إلى التوراة" سنة 1989، ولكنه لم يتوقف تحديدا وبالتفصيل لموضوع العلاقة بين ملوك سومريين وأنبياء توراتيين لعصور ما قبل الطوفان. كذلك قارب هذا الموضع الباحث فراس السواح في كتابه "مغامرة العقل الأولى" سنة 1976، لكنه اكتفى بحشد كمٍّ مهم من النصوص الرافدينية ذات العلاقة بالنصوص التوراتية تاركاً مهمة المقارنة والتحليل والخروج بالاستنتاجات الحاسمة للقارئ! ومن الباحثين الأجانب ألف فردريك ديليتش كتابه الشهير "بابل والكتاب المقدس" الذي ترجم إلى العربية سنة 1987، وهو كتاب مفيد فعلا ولكنه مضطرب من الناحية العلمية وينحو نحوا إنشائيا أحيانا فينتهي إلى استنتاجات ذاتية الطابع ثم أنه لم يكن دقيقا في طريقته في الاقتباس من الكتاب العبري المقدس كما في نقله المبتور لوصف بابل كما جاء في سفر إرميا.

لعل أهم ما يتميز به كتاب الماجدي هو أنه يذهب مباشرة وعميقا إلى موضوع تلك العلاقة والتي يسميها "الينبوع الثيولوجي" للسرديات الدينية، فيضعها تحت نور البحث التحليلي مخصصا كتابه برمته لها و لتفاصيلها وجزئياتها وتدعياتها.

اعتمد الماجدي في تأليفه كتابه استراتيجية تأليفية شديدة الدقة والوضوح وهذا ما يجعل الكتاب في متناول فهم القارئ الأكاديمي المتخصص وغير المتخصص، رغم تعقيدات الموضوع المدروس وغموض مراجعه الرافدينية، إضافة إلى المتعة الحقيقية التي يقدمها للقارئ الشغوف بالتاريخ والمثيولوجيا.

الفكرة الجوهرية الرئيسية التي ينهض عليها الكتاب هي محاولة رصد وتفسير أوجه التشابه البالغ أحيانا حدَّ التطابق في التفاصيل بين ما قدمته الكتب الدينية اليهودية وخصوصا التوراة وأسفارها الخمسة من سردية روائية ورؤيوية لعشرة من أنبياء بني إسرائيل لعصور ما قبل الطوفان وبين ما قدمته السردية السومرية السابقة لها بقرون عديدة والمدعمة بالأدلة الآثارية "الأركيولوجية" القاطعة من تفاصيل تتعلق بعشرة من الملوك السومريين للفترة السحيقة. وينال موضوع الخلق الأول للعالم وأبي البشر الأول "آدم التوراتي" المقابل لـ "ألوليم السومري" وموضوع الطوفان ذاته وبطله "نوح التوراتي" المقابل لـ " زيوسودرا السومري".

الأنبياء "الآباء" التوراتيين العشرة الذين يؤثل لهم الباحث هم: آدم، شيث، أنوش، قينان، مهللئيل، يارد، أخنوخ ، متوشالح، لامك ونوح. وبعد مقارنات وتحليلات معقدة ولكنها معروضة بشكل واضح ورصين يضع الماجدي جدولا بالملوك السومريين العشرة المقابلين لهم، وهم: ألوليم، ألكار، إينمن لو أنا، إينمن كال أنا ، ديموزي سيبا، أنسيبازي أنا، إنمين دور أنا، أوبار توتو، شكور لام، و زيوسودرا والذي يحمل باللغة الأكدية في العصر البابلي اللاحق للسومري اسم "أتونبشتم" صانع الفُلك للنجاة من الطوفان والذي يقابل في الدور والصنيع نوح التوراتي. وفي موضع آخر من الكاتب يناقش المؤلف مؤيدا وجهة نظر أخرى حول آدم التوراتي ويقوله أنه هو نفسه "ديمو- زي" الإله المتحول إلى بشر والكلمة تعني (الإنسان المرتفع أو العالي)، ملاحظا القرب الصوتي بين لفظتي آدم و ديمو.

ينتظم الكتاب في ثلاثة أبواب، يضم الأول ثلاثة فصول حول كتب الديانة اليهودية وأسفارها. وهو باب مهم يقدم لوحة مبسطة لشبكة الكتب اليهودية المعقدة والمتداخلة. وفي الباب الثاني يناقش المؤلف ويحلل على امتداد اثني عشر فصلا "حقيقة آباء وأنبياء ما قبل الطوفان" عارضا سرديات اثني عشر نبي توراتي هم موضوع المقارنة والمطابقة مع عشرة ملوك سومريين بادئا بآدم "الأب الأول" ومنتهيا بآخر أنبياء ما قبل الطوفان نوح. وفي الباب الثالث والأخير وعنوانه " آلهة وملوك" يضع الباحث خلاصة جهده واستنتاجاته في فصلين مهمين.

أن كتاب الماجدي يقدم محاولة جدية وواعدة لملء الحلقة المفرغة التي تدور فيها الأبحاث التاريخية والتوراتية والإناسية "الانثروبولجية" وعلم الإلهيات "الثيولوجية" وعلم اجتماع الأديان حول حقيقة الفراغ الكبير واللاتاريخانية التي تسم الرواية التوراتية المدونة سواء في نصوص الملك يوشيا (641 ق.م – 609 ق.م) قبل سقوط يهوذا، أو من قبل عزرا الكاتب (480 ق.م – 440 ق.م) العائد من بابل بمعية نحميا، حول ما ترويه عن عصور ما قبل تدوين التوراة نفسها نزولا إلى عصر ما قبل الطوفان، وعن السر والسبب الحقيقي الذي يجعل القصص التوراتي متطابقا هذا التطابق المذهل مع القصص الرافديني الوثني والمؤكد بالأدلة الآثارية الملموسة، آخذا بنظر الاعتبار الأسبقية التأريخية للنص الرافديني على التوراتي بقرون عديدة، ولهذا سيشكل هذا الكتاب إضافة مهمة وجديدة لعلم أساطير نشوء الإنسان، الأنثروبوغونيا ( ANTHROPOGONY).     

صحيح أن إجابات الماجدي ليست مباشرة لأنها تنتمي إلى البحث المنهجي العلمي وليس إلى الإنشاء المسبق المُحْتَكِم إلى الظنون، وصحيح أنها ليست الأولى في هذا الميدان ولكنها الأكثر دقة والأعمق تحليلا وتنظيما.

في نهاية كتابه، هذا يَعِدُ الماجدي قراءهُ بكتاب ثانٍ في هذا الباب، يرصد فيه آباء وأنبياء آخرين، توراتيين ورافدينيين، لعهود ما بعد الطوفان، ليستكمل بذلك ما بدأه في هذا الكتاب. إنه كتاب مهم وجدير بالقراءة العميقة والمنتجة لنقود خلاقة تفتح باب البحث على مصراعيه في هذا الميدان وعلى أرض حوادثه وسردياته الأصلية ذاتها في بلاد الرافدين. يقع الكتاب في 487 صفحة.جدير بالذكر، أن الباحث الماجدي قدم للمكتبة العربية قبل عامين كتابا مرجعيا ومهما في بابه، عنوانه "علم الأديان .. تاريخه مكوناته مناهجه أعلامه حاضره ومستقبله" وقد صدرت طبعته الثانية قبل أسابيع قليلة.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

صدر حديثا في بغداد كتاب بعنوان (الهويدر قرية الألف لقب والألف شهيد) للأستاذ الفاضل حسن علي احمد الهاشمي الحسيني، عن مكتبة فضاءات الفن، يدعو الكاتب ويستقبل زواره من القراء ببيت الشعر (طوباك يا نخل الهويدر حيني.. فحفيف سعفك هزني ودعاني) والكتاب واضح من عنوانه فهو يتناول قرية الهويدر المعروفة والمشهورة في محافظة ديالى، بعد التوطئة يتناول الكاتب تعريف مفصل بالقرية، مساحتها وموقعها والطريق المؤدي لها، وعلاقتها الازلية بنهر ديالى والذي يحيطها احاطة شبه تامة ليوحي بعشقه لتلك القرية وأهلها ، ذلك النهر الخالد، الشيخ الوقور، يسير الهوينى، يلتوي بشدة قبل وصوله بعقوبة محيطا بذراعيه ابنة اشنونا المدللة، وفي أروع عملية من الأخذ والعطاء، هو يمدها بالخصب والحنان وهي تهديه عبق القداح ورائحة الطلع عطرا وثمر البرتقال وتمر النخيل طعما في سمفونية سرمدية على مدى التاريخ .

 ثم هنالك عرض تاريخي لنشأة القرية بالاعتماد على ارجح الروايات ومن ادق المصادر وأوثقها، بعدها يعرج الكتاب على عادات وتقاليد أهالي القرية، وما يتميزون به من طيبة وكرم وتواصل على الحب والمودة والاحترام، ويمر الكتاب على معالم القرية القديمة مركزا على الطوق والديوخانات، ويقصد بالطوق المجسر الذي يربط بين بنايتين متقابلتين والمبني بالمواد الانشائية المتوفرة في ذلك الزمان، والديوخانة هو بيت واسع للضيافة يقع بين مجموعة من البيوت، تتوفر فيه كل مستلزمات الاقامة والضيافة، ويعدد لنا الكاتب عدد من الطوك والديوخانات المشهورة. وهكذا يسترسل بنا الكتاب وكاتبه وبشوق ودون اي محطات استراحة للغور في متاهات واسرار الهويدر، مرورا بعوائل وبيوتات الهويدر وبساتين القرية وما حصل للمجتمع الهويدري في تعاقب العصور، مذكرا بعالمها الجليل المرحوم محمد صالح. لا يتركك الكاتب الا وعرج على كل ما في القرية من معالم واحداث مهمة والحرف والمهن والاعمال الحرة ومحترفيها والموظفين والضباط واصحاب الشهادات كل حسب اختصاصه ولا يترك اي شاردة أو واردة الا وعرج عليها وشرحها تفصيلا دون ملل، متخذا من كثرة الألقاب الشخصية والشهداء في القرية عنوانا لكتابه هذا .

الكتاب ممتع ومفيد ويعطي صورة متكاملة عن هذه القرية العريقة وأهلها، ويعتبر مصدرا مهما في موضوعه، ان لم نقل وحيدا بدقته وسعته .

شكرا للعزيز حسين علي (أبو أزل) على تلك الرحلة الجميلة في اغوار الهويدر وهويتها المميزة، يذكر ان الكاتب من مواليد قرية الهويدر عام 1947م وحائز على شهادة البكالوريوس في علم الحيوان والاحياء المجهرية عام 1969م، عمل مدرسا في مدارس ديالى وبغداد وشارك في تأليف مناهج الاحياء الحديثة للدراستين الاعدادية والمتوسطة لعام 2011 .

 الكتاب من القطع المتوسط وبـ 239 صفحة ويحتوي على الكثير من الصور ومنها النادرة والملونة .

متوفر في شارع المتنبي / مكتبة الكتبي السيد احمد العبادي . 

 

 خالد حسين سلطان        

 

عزالدين عنايةتمازجت عوامل مختلفة وراء اندلاع الحروب الصليبية بين العالم الإسلامي والممالك المسيحية في أوروبا. وقد بدا ظاهريا أن الأمر ديني ولكنّ عوامل سياسية واقتصادية فاعلة كانت المحرّك الأساسي لذلك أيضا. تغيرت أثناء تلك الحملات القيادة السياسية بحسب تبدّل القوى الاقتصادية المهيمنة على الساحة في أوروبا. وقد مثّلت الحملة الصليبية المستحيلة، كما سماها المؤرخ الإيطالي ماركو بلليغريني، التي انطلقت مع مطلع القرن السادس عشر، إحدى الحملات الفاشلة التي قادها شارل الخامس، قائد الإمبراطورية الرومانية المقدّسة المنطلق من إسبانيا بعد أن شمل نفوذه أجزاء واسعة من أوروبا وامتدّ إلى العالم الجديد. ترافق ذلك التحفّز حينها بتشكّل قوّة بحرية صاعدة للإمبراطورية العثمانية لا سيما مع سليمان القانوني (1520-1566). جعلت شارل الخامس يصطدم بواقع جديد في خوض حملته الصليبية على نقيض ما كان سائدا في القرون الوسطى.

الكتاب ضمن فصوله الخمسة يستعيد تطوّر إمبراطوريتين عالميتين وتمدد نفوذيهما على منطقتي المتوسط وأوروبا، من خلال استحضار وقائع الأوضاع الاقتصادية والدوافع السياسية الفاعلة في ذلك، مبرزا عوامل فشل شارل الخامس في حملته بفعل تبدّل موازين القوى في تلك الفترة.

يستهلّ المؤلف حديثه في الفصل الأول بصعود الدولة العثمانية على المسرح الدولي في حوض المتوسط وما أدخله من تغيير في معادلات السيطرة. حيث مثّل فتح القسطنطينية سنة 1453م بداية تحوّل في العلاقات الدولية. وكان وقعُ سقوط المدينة في أيدي المسلمين فاجعا في الغرب، وبالمثل كان للحدث أثره في شحذ همم الإسبان للتحفّز لحرب الاسترداد (Reconquista) بعد عقود من الخمول. حيث استأنف هنري الرابع ملك قشتالة سعيه الحثيث لطرد المسلمين عقب الحدث الجلل الذي حلّ بمعقل المسيحية في الشرق، باحثا عن سبيل لتهوين ما نزل بأوروبا من خزي على الحدود الآسيوية. فباشر هنري الرابع هجماته على الإمارات الإسلامية في الأندلس منذ العام 1455 ولم توفّق قواته في دحر المسلمين من أرض الأندلس وإن نجح في انتزاع مضيق جبل طارق سنة 1462.

يبرز بلليغريني مدى خضوع الخيارات السياسية لمقدرات القوة العسكرية من خلال تطلّع مسلمي الأندلس، الذين بدأ يضيق عليهم الخناق، نحو شرق المتوسط بحثا عن سند في الدولة العثمانية لدفع تهديدات قشتالة وحثّهم الخطى بإرسال السفراء إلى السلطان محمد الثاني (1477) وإلى بايزيد الثاني (1487) طلبا للعون دون أن تخلّف تلك السفارات نتيجة ملموسة. فقد كان من الصعوبة بمكان تشكيل محور مع إسطنبول لإنقاذ مصير المسلمين في تلك الديار، لاسيما في ظل غياب رؤية سياسية موحدة في بلاد المغرب التي مثلت سببا من جملة عدة أسباب في انهيار الأندلس. فقد كانت الدولة الحفصية في تونس تربطها علاقات متينة ومعاهدات بإسبانيا بلغت حد اعتبار الدولة العثمانية عدوا مشتركا بين المتحالفين.

892 عثمانيةفي الفصل الثاني يبرز بلليغرني أن بدء تشكّل إيديولوجيا "الريكونكويستا" لإفريقيا الشمالية في بلاط "الملوك الكاثوليك" استند إلى أن المنطقة هي أرض مسيحية في سابق عهدها، اُحتلت من قبل "الغزاة العرب" وقد حانت اللحظة لإعادة الأمور إلى نصابها، وهي تعلّة لطالما برّر بها الغزاة غزوهم. في وقت كانت فيه الهجمات البحرية المنطلقة من بلاد المغرب، المعروفة بغزوات السراسنة، والتي باتت تُعرف منذ عصر النهضة بغزوات البرباريسك، بنعت متداخل في دلالته بين "البربر" الأمازيغ، و"البرابرة" الهمج، تقضّ مضجع سواحل جنوب أوروبا وحركة العبور في المتوسط. وقد مثّل احتلال أوترانت (1480-1481م) الواقعة في منطقة بوليا جنوب إيطاليا، من قِبل الأتراك صدمة ثانية للإيطاليين. حيث كان سعي الإمبراطورية العثمانية لتشكيل قوة بحرية في وجه القوى المسيحية مع محمد الفاتح بعد فتح القسطنطينية مباشرة، حين دفع بالتحدي إلى البحر الأيوني من خلال عملية إنزال موفقة في أوترانت، وتواصل ذلك مع ابنه بايزيد الثاني إلى حين باتت الإمبراطورية العثمانية بحوزتها قوة بحرية ضاربة في بحر إيجي.

وعلى ما يورد بلليغريني، دفعت الأوضاع فرديناند وإيزابيل لخوض حرب استنزاف في غرناطة، انطلقت مع العام 1482 وانتهت باستسلام المدينة في الثاني من يناير 1492م. ومع دحر المسلمين من ذلك المعقل، بدأت تتشكل معالم الحملة الصليبية الجديدة تحت مبررات دينية، مستهدفة بالأساس إخضاع منطقة الشمال الإفريقي، ولا سيما الجزائر التي كانت تشكّل معقلا لانطلاق الهجمات البحرية نحو أوروبا. ولم يكن هدف الحملة في ذلك العهد الأراضيَ المقدّسةَ، كما كانت سابقاتها، بل هدفَت إلى خلق هيمنة في المتوسط بقيادة إسبانيا. فكانت أولى الهجمات على وهران وبجاية وامتدت مع العام 1510 لتبلغ طرابلس. وكان المنطق الجديد الذي لازم "الريكونكويستا" يملي فرض المسيحية بالقوة وتحويل المساجد إلى كنائس والعبث بالمقدسات في المدن الإسلامية التي تقع تحت السيطرة.

من جانب آخر وفي الفصل الثالث، يتناول بلليغريني بالحديث تدشين الموسم الحافل للجهاد البحري الإسلامي في بلاد المغرب مع سلالة عسكري عثماني سابق المسمى يعقوب، الذي يُرجَّح أنه من أصول ألبانية وقد ترك أربعة أبناء منهم عروج وخضر الذي بات يُعرف بخيرالدين بربروس (ذو اللحية الحمراء). كانت انطلاقة عروج من تونس حين ولاه ملك تونس مهمة الدفاع عن جزيرة جربة عقب أحداث جزيرة قرقنة التونسية التي كانت عرضة لغزو الإسبان مع العام 1510-1511م. وبدأت الأوضاع تتطور مع عزل مولاي عبدالرحمان والي بجاية الجزائرية من قِبل الإسبان ودعوته عروج لمعاضدته في دفع بليّة النصارى الإسبان.

ضمن هذه الأجواء ما كان منطق القطيعة هو السائد بين العالمين الإسلامي والمسيحي الأوروبي طيلة تلك الحقبة؛ بل كانت الأمور تخضع لمنطق المناورة والهدنة والصلح رغم أجواء التصارع الغالبة على إمبراطوريتين عالميتين. يورد بلليغريني على سبيل المثال، لقي "الآباء الثالوثيون" ترحيبا من قِبل الأهالي المسلمين سنة 1509 بحلولهم بمدينة الجزائر لتقديم خدماتهم الصحية مما يسّرَ لهم، على مدى قرنين، إنشاء خمس مصحّات في المدينة. وناهيك عن أشغال الطبابة التي يتعاطونها كانوا يلعبون دورا في الوساطة لتحرير العبيد النصارى مقابل ما يُقدّم من فدية، مما يسّر لهم تكوين رصيد مادي يعضد مهامهم الأصلية. ولا ضير ضمن منطق ذلك العصر أن تُشنّ الحرب في جبهة ويُعقد الصلح في أخرى، فمنطق العلاقات الدولية يتيح ذلك. فبعد سقوط فلسطين بأيدي العثمانيين سنة 1516م سارع شارل بإرسال بعثة إلى السلطان سليم الأول يطلب منه تجديد الاتفاقيات المبرمة في عهد سابق مع الحاكم المملوكي بمصر، والتي تضمن للحجيج النصارى زيارة الأراضي المقدسة مع امتيازات للكنائس.

فالسلم في عُرف الإمبراطوريتين السائدتين تربّصٌ والحرب سجال كما يوضح بلليغريني. وقد مثّل حصار رودس، كبرى الجزر في بحر إيجة، سنة 1522 صفحة جديدة في استعمال الأسلحة الثقيلة، قبل انتشارها في الغرب. وما أن سقطت الجزيرة في أيدي العثمانيين حتى جاءت التهاني من البندقية، الملقّبة بعاهرة الأتراك، إلى الباب العالي لاجتثاثه وكرا للقراصنة هزّ أركان الأمن في بحر إيجة. كانت الأوضاع في الغرب حينها مهترئة من الداخل جراء الصراعات الكاثوليكية البروتستانتية، وكان شارل في ذلك العهد يسعى جاهدا للهيمنة على إيطاليا بوصفها البلد الأغنى والقلعة المتقدمة في أوروبا نحو المتوسط. ولم تأت سنة 1523م حتى تم توقيع معاهدة بين هنري الثامن ملك إنجلترا وشارل الخامس فضلا عن ممالك إيطاليا المتحالفة معه بإشراف البابا هدريانوس السادس. تغيرت بمقتضاها اللغة السياسية منذ إسداء لقب إمبراطور روماني مقدس لشارل لتغدو الأراضي المسيحية "إرث المسيح" و"ميراث الرب" سعيا لشحذ الهمم نحو الحرب المقدسة المنشودة.

من الجانب العثماني كان مخطط سليمان القانوني يهدف رأسا للوصول إلى إيطاليا وما كانت المجر غرضه الأكبر ولا النمسا بل لفسح الطريق نحو روما. فبعد إخضاعه المجر توجهت قواته لحصار فيينا التي بلغتها في 21 سبتمبر 1529، ودام الحصار إلى السادس عشر من أكتوبر لكن جراء عوامل الجوّ وفشل أربع محاولات قرر العثمانيون التراجع عن تلك الخطة مؤقتا.

في الفصل ما قبل الأخير يركز بللغريني على الدور الفاعل للبحرية الجزائرية في ذلك العهد. فقد عضدت الزحف العثماني في الجبهة الغربية للمتوسط قوات بربروس المرابطة في الجزائر وحققت انتصارا باهرا في أكتوبر 1529 على قوات قشتالة في معركة بحرية حاسمة. مبرزا الكاتب تصرف الدولة العثمانية كقوة دولية قادرة على تحريك قوى في جبهات متباعدة. ما دفع بالملك الفرنسي فرانسوا الأول لعقد تحالفات سرية مع الباب العالي ضد القوات الإسبانية. وهو ما زاد من مخاوف روما بحصول غزوة وشيكة على المدينة المقدسة بعد تبادر نوايا باقتسام إيطاليا بين الباب العالي والملك الفرنسي. في ذلك العهد ما كانت فرنسا تعلن صراحة تحالفها الاستراتيجي مع الباب العالي وكانت تزعم حفاظها على الوضع السائد في إيطاليا، رغم علمها بالمخططات العثمانية وبتحريك البيلرباي في الجزائر لمهاجمة القوات الإسبانية في المتوسط، ما أوحى لشارل الخامس أن مشروع إرساء نظام أوروبي يعضده الحماس الديني ضد "المحمّديين" قد بدأ يختلّ.

يستعيد بلليغريني إحدى صفحات الصراع التي تخلّدت في التاريخ، حتى تجذّرت في اللاوعي الجمعي للإيطاليين والإسبان مخاوف دائمة من المسلمين: "لما صار خيرالدين بربروس أميرال الأسطول العثماني، قاد بنفسه سنة 1534م سلسلة من الهجمات وعمليات الإنزال على السواحل الإيطالية في مناطق شترارو وسان لوشيديو، في كالابريا، وفي عدة مناطق من خليج نابولي، في سبارْلونغا وفي فونْدي، وفي إقليم لاتسيو. ولم تمض سوى فترة قصيرة حتى عبث القرصان الطاعن في السن بسواحل نابولي وبوليا ودلماتي.

كان العام اللاحق وخيما أيضا على الشواطئ الإيطالية، حين سار أسطول بربروس حذو السواحل مهدّدا المناطق المجاورة، إلى أن بلغ كالابريا وكامبانيا، ثم احتلّ غايْتا حتى بلغ نهر التبر وعبّأ مؤونته من ماء الشرب. بنى قاعدة قرب غروسيتّو، انطلقت منها غاراته إلى ماريمّا؛ وفي إحدى تلك الغارات التي قادها أحد أعوان بربروس، المسمى نظام، هاجم غيلة في توسكانا تالاموني، قرب أوربيتِللو. حيث أخرج جثّة برتولوميو بيريتي من قبره وأحرقها ثم ذرى رمادها؛ فقد خرج النبيل برتولوميو قبل عام، على رأس جيش للكنيسة، في غزوة للشرق، خلّفت دمارا مسّ ميتيلان، المدينة التي وُلد فيها بربروس.

فما كان الأتراك فحسب يثيرون الهلع في الضفة الشمالية للمتوسط بل البرباريسك أيضا المسمون بـ"موريسك إفريقيا". وبالفعل كانت حربا نفسية مشنونة ما كانت الإمبراطورية العثمانية هي الصانع لها وحدها بل المستفيد منها في بسط هيمنة الهلال.

في الفصل الأخير يتعرض الكاتب إلى وصول الحملة إلى أوجها ومن ثمة تراجعها. ففي ظل تضييق الخناق على إيطاليا، ارتأى شارل الخامس ألا سبيل لبثِّ الوهن في الخصم العثماني المتحالف مع الفرنسيين سوى بنقل الحرب إلى ديار حلفائه. فكان قرار إبحار أسطوله من برشلونة عبر إيطاليا إلى تونس ومهاجمتها، وفي منطقة شفيتا فاكيا كان اللقاء بالبابا الذي بارك الأسطول، المتوجه إلى صقلية ثم رأسا إلى تونس. كان دخول تونس كارثة كما يصف بلليغريني الأمر بإيجاز مخلّ. وقد تركز التدنيس على جامع الزيتونة والمكتبات المجاورة كما وصف الوزير السّراج الحدث في مؤلف "الحلل السّندسيّة في الأخبار التّونسيّة" بقوله: "وقسّمت  المدينة [تونس] إلى مؤمن وكافر، وأُهين المسجد الأعظم ونُهبت خزائن الكتب الّتي كانت به، وداستها الكفرة بالأرجل وألقيت تصانيف الدّين بالأزقّة تدوسها حوافر الخيل والرّجال؛ حتّى قيل إنّ أزقّة الطيبين كانت كلّها مجلّدات ملقاة تحت الأرجل. وضُربت النّواقيس وربطوا الخيل بالجامع الأعظم، ونُبش قبر الشيخ سيدي محرز بن خلف فلم يجدوا به إلاّ الرّمل، وبالجملة فعلوا ما تفعله الأعادي بأعدائها وكانت كلّ دار مسلم يجاورها نصرانيّ". يذكر بلليغريني أن 15 ألفا من سكان المدينة قد تمت إبادتهم، وهم ثلث الأهالي، في حين فرّ الثلث الثاني، والثلث الأخير كان مصيرهم النخاسة. ثم نصّب شارل الخامس مولاي الحسن ووقّع معه عهدا يقضي بعدم اتخاذ عبيد من النصارى في المدينة والتزام الملك الحفصي بعدم استضافة موريسكيين أندلسيين، ناهيك عن غرامة سنوية تُسدَّد لإسبانيا من المال والخيل مع إقامة حامية دائمة في تونس بألفي جندي بأُسرهم في منطقة حلق الوادي.

كان سقوط بودا المجرية بأيدي العثمانيين إعلانا بانتهاء حلم إنشاء سد منيع أمام الأتراك شرق أوروبا. وزادت أوضاع القرن السادس عشر المتميزة بالخلافات الأوروبية من حدة تبخر أحلام الحملة الصليبية وإنشاء الإمبراطورية العالمية لشارل الخامس. ويمكن عدّ العام 1541م عام انكفاء الحملة وتوقف شارل عن شن حروبه على الإمبراطورية العثمانية.

الكتاب يتناول مرحلة تاريخية مهمة في تاريخ الصراع العثماني الإسباني، ولكن يطغى على بعض فقراته طابع الحكي ما يجعل محتواه أقرب إلى النص الأدبي منه إلى النص التاريخي. فكتابة التاريخ ليست سرد أحداث فحسب بل تعليق على جريانها وتفسير لها. ثمة صرامة منهجية مفقودة في تناول القضايا التاريخية تتخلل الكتاب، كما أن كثافة الخلاصة التاريخية تعوز مضامينه، ناهيك عن غياب تطرق صاحبه بعمق للعسف الذي لحق بالمسلمين أكان في الأندلس أو في بلاد المغرب، إبان تلك الحملة الشعواء التي نعتها بالمستحيلة وهي بالأحرى مدحورة، وهو أمر جوهري في ذلك العهد.

نبذة عن المؤلف: ماركو بلليغريني، مؤرّخ وأستاذ التاريخ الحديث وتاريخ عصر النهضة في جامعة برغامو في إيطاليا. له جملة من المؤلفات منها: "حروب إيطاليا" (2009)، "البابوية في عصر النهضة" (2010)، "الحملة الصليبية في عصر النهضة تبدلات طارئة على أسطورة 1400-1600م" (2014).

الكتاب: "الحرب المقدّسة ضدّ الأتراك.. الحملة الصليبية المستحيلة لشارل الخامس"

المؤلف: ماركو بلليغريني.

الناشر: إيل مولينو (مدينة بولونيا-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2019.

عدد الصفحات: 416ص.

 

د. عزالدين عناية

أكاديمي تونسي مقيم في إيطاليا

 

886 سهام الشجيريإنشغلت زميلتي الدكتورة سهام الشجيري بقضية إعلامية مهمة تعنى بانحياز وسائل الإعلام، ورصدت هذا الأمر لسنوات، خرجت منها بملاحظات مهمة، طالما أرقتها في ترتيب أولويات الموضوعات الإعلامية المختلفة، وها هو  كتابها (التحيز في التناول الإعلامي/ بناء نموذج تفسيري لتحيزات وسائل الإعلام) الذي صدر عن دار حميثرى للترجمة والنشر في مصر، 2019، بأكثر من 575 صفحة، قد أسست فيه الافكار المتعلقة بالتحيز، واستطاعت بناء نموذج تفسيري لتحيزات الخطاب الإعلامي.

في هذا الكتاب رصدت الشجيري ظاهرة التحيز الإدراكي للتناول الإعلامي، من أجل التعرف على خصائص موضوعة التحيز الادراكي وعلاقته بمنظومة القيم المهنية، ووصف ظاهرة التحيز من خلال جمع المعلومات عنها بدقة، إذ تشير الدراسات في مجال الإعلام، إلى غياب المعايير الموضوعية لقياس الأداء المهني للإعلاميين والصحفيين في معظم المؤسسات الإعلامية والصحفية، فضلاً عن عدم توافر ضمانات ممارسة المهنة من خلال تفعيل التشريعات التي تحقق الحماية المهنية للصحفيين، وهو ما دعانا لطرح مفهوم التحيز في التناول الإعلامي، ومحاولة بناء نموذج تفسيري لتحيزات وسائل الإعلام، إذ أن إشكالية التحيز الإعلامي وخاصة التحيز الادراكي منه تتمحور في علاقتها بمنظومة القيم المهنية وفق مجموعة من المعايير المتعلقة بهذه القيم، وقدرة الوسيلة الإعلامية على التلاعب والتزوير، وقابلية بعض المحطات الإعلامية على شنق الحقيقة، ورفع السوط الإعلامي عالياً بوجه الضحية أكثر من أي جلاد سياسي آخر، ومحاولة تبشيع الخصم وأبلسته، إلى الحد الذي يصبح الإعلامي معه مثل المفتي الذي يشرعن قتل الشعوب وإبادتها، لكن الافتقار إلى الكفاءة والخبرة، بل وغياب المهنية التي تتعلق بمهارات الصحافيين عموماً، هو من جعل التحيز يأخذ دوره الكبير في التناول الإعلامي، وثمة أيضا غياب التخطيط الاستراتيجي، المتخصص بالعملية الإعلامية، مع غياب واضح لمعايير الجودة، التي يمكن من خلالها تأشير أطر التحيز الإعلامي، وتصحيحها من أجل حماية المنتَج الإعلامي، من الانزلاق في متاهات الفوضى، فالوظيفة الإخبارية لوسائل الإعلام تستهدف إحاطة الجمهور علماً بالأحداث بطريقة موضوعية ونزيهة تعاونه على تكوين رأي عام متبصر، إلا أن الممارسات الإخبارية تكشف عن صعوبة الفصل بين الرأي وبين الحقيقة حيث تستخدم وسائل الإعلام كل وسيلة ممكنة لتبدو الآراء وكأنها حقائق، كما ان انخفاض مصداقية وسائل الإعلام أصبح يشكل قلقاً متزايداً للمهتمين بأخلاقيات الإعلام وللمهنيين على وجه السواء، إذ أن تحيز القائمين بالاتصال يؤثر على شكل ومضمون التغطية للقضايا المثارة، علاوة على ذلك تلجأ وسائل الإعلام إلى الإفراط في نشر الأخبار السيئة وقصص الإثارة من أجل زيادة التوزيع، فضلا من أن الصحفيين يدركون بشكل مقصود أم غير مقصود التحيز تجاه هذا الطرف او ذاك ممن ينصب التناول الإعلامي على أحداثهم ووقائعهم، وعدم التقيد بالضوابط، والمعايير، والجدوى، والتخطيط الاستراتيجي، والمهنية، التي تتعلق بنقل الخبر، أو التقرير، أو التحقيق، أو المقال، أو الفيلم الوثائقي، أو غيره مما ينتمي إلى الفنون الإعلامية المختلفة، التقليدية منها والالكترونية، بصورة موضوعية وبحياد تام، فالتعتيم على مصدر الخبر، مثلا، ودرجة الوثوق منه، لا تزال واضحة في المشهد، وربما تحدث بصورة متواصلة، والسبب كما هو واضح، غياب المهنية، والاحتراف في العمل الصحفي واستسهاله، بعدم التزام الإعلام بنقل الأحداث بحيادية أقرب ما يمكن للواقع بسبب الميول السياسية أو الإيديولوجية، وتكريس التحيز وفق هذه الإيديولوجيا، والقبول بفكرة الرأي والرأي الآخر، واحترام الرأي الآخر، لأن دور الإعلام عموماً، ليس التحيز بإدراك تام ولا تشويش ولا تلوين ولا التشويه، ولكن نقل الصورة بـكافة جوانبها، وهو ما تفتقده، لأنها تتحرك وفق غايات القائمين عليها، وآراءهم وتوجهاتهم، وتأكيد دور الإعلام في تنمية فكر المتلقي وتعريفه بما يدور حوله من أحداث، دون أن يكون الإعلام طرفاً في الصراع، فمن المفترض أن الصحافي يقوم بعرض وجهات النظر المطروحة دون أن يعبر عن وجهة  نظره الشخصية، لكن ما يحدث في وسائل الإعلام تجاه مختلف الأحداث، هو أن كثيرا من الصحافيين يقدم نفسه لخدمة فصيل سياسي أو أيديولوجي معين، فيعمل كل ما يستطيع فعله ليكون في مصلحة هذا الفصيل، وغالبا تكون مقابل ثمن وهذا سبب ما نحن فيه من خلل في المنظومة المهنية للإعلام، لذلك فأن التناول الصحفي كثيرا ما يكون تناولا شديد التحيز وبعيد عن الدقة والموضوعية، والنزاهة، ووفق هذه المعطيات فمن الضروري إدراج قضية التحيز والموضوعية والحياد في الدراسات والأداء الإعلامي ضمن أولويات التناول الصحفي، فضلا عن إنشاء مراكز بحوث خاصة بمراقبة الأداء الإعلامي، ومعنية بوضع ضوابط علمية، يمكن قياس أثرها للتعاطي مع المنتج الإعلامي، بشكل يراعي أهمية الضوابط، ويستفيد من الخبرات، ويتوافق مع خصوصية ومتطلبات البيئة ويستجيب لرغبات وحاجات الجمهور ويحقق إشباعاتهم، ولذلك لا تتطلب الصحافة من أبناء المهنة أن يكونوا مجرد حرفيين مهرة أو خبراء متمكنين من أدوات المعرفة فحسب، بل تحتم عليهم التمسك بالضمير المهني والالتزام الذاتي بالصدق والموضوعية والأمانة، وبشفافية عالية، وحيادية تامة والتفريط فيها يعرض جوهر المهنة إلى الفوضى.

ونبهت الشجيري الى إن الخطأ الذي تقع فيه بعض وسائل الإعلام أن موادها موجهة أما للموالين  لها ليزدادوا ولاء، أو للرافضين لها ليزدادوا رفضا، فيما ينبغي أن تكرس جهدها لاجتذاب القطاع المحايد والذي لايزال لم يشكل موقفا أو رؤية، إذ أن بعض وسائل  الإعلام على اختلافها (المقروءة والمسموعة والمرئية، والالكترونية) تتصور أن متبنياتها بما إنها صحيحة فلا تكرس إلا رؤيتها، ولا تفرد مجالاً واسعاً  للرأي والرأي الآخر أو على الأقل التظاهر بالحيادية، لكي لا تخسر المزيد من  جمهورها، متجاهلة حقيقة أن لكل فكرة جانبي الصحة والصلاحية، كما أن الإعلام لم يعد يتوجه إلى كتلة بشرية أو شريحة معينة، بل صار محددا وموجها، وقد أظهرت دراسات عديدة تحيزاً في الأخبار، وهذا التحيز مهما كان دافعه يشوه صورة الواقع، وبعض الباحثين والمختصين عد التحيز وهم وآخر عده تهمة فيما تساءل آخرون عن ماهية المفهوم من تهمة "تحيّز الإعلام" فيما أنكر غيرهم أن يكون هناك حياداً تجاه قضايا مهمة كالأمن القومي والوطني مثلا فلا حياد مع المخاطر الذي يتعرض لها أمن البلد، كما لا حياد مع خطاب المصالح والمنافع، وتلعب وسائل الإعلام دوراً رئيساً وفاعلاً في تشكيل سياق التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي في المجتمعات المختلفة، حيث تعكس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين النخبة والجماهير، ويتوقف إسهام ودور وسائل الإعلام في عملية الإصلاح السياسي الديمقراطي على شكل ووظيفة تلك الوسائل في المجتمع وحجم الحريات، وتعدد الآراء والاتجاهات داخل هذه المؤسسات، بجانب طبيعة العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية المتأصلة في المجتمع، فطبيعة ودور وسائل الإعلام في تدعيم الديمقراطية، وتعزيز قيم المشاركة السياسية وصنع القرار السياسي، يرتبط بفلسفة النظام السياسي الذي تعمل في ظله، ودرجة الحرية التي تتمتع بها داخل البناء الاجتماعي، وأصبح الاهتمام بوسائل الإعلام ومضمونها أمراً بالغ الأهمية، وإذا ما سلمنا بأن الإعلام بحد ذاته هو عملية تزويد الناس بالأخبار والمعلومات والحقائق الثابتة، فكيف يمكن الحكم على صحة وثبوت حقيقة معينة من جهتين متناقضتين؟ فكل جهة تنظر إلى الأشياء بمنظورها الخاص المتطابق مع مصالحها الاقتصادية والسياسية!

ويهدف الكتاب إلى معرفة التحيز الذي ولد مصطلحه على يد المفكر الكبير الدكتور عبدالوهاب المسيري، كما افردت الشجيري فصلا كاملا عن توضيح ذلك، ودور المسيري في التركيز على كل ما يتعلق بالتحيز، وأنواعه وأنماطه وسماته في وسائل الإعلام المختلفة، والوقوف على حقيقة أداء وسائل الإعلام، وتعريف وسائل الإعلام بآراء الجماهير فيها، بحيث لا تحيد عن الشفافية والحيادية، والقضاء على العقبات التي تعرقل أداءها، وإتاحة حرية تداول المعلومات، ويكفل للإعلاميين الحصول عليها بشكل مباشر ومن مصادرها الشرعية، وإشاعة قيم الشفافية والحيادية في التعامل مع الأحداث، فالإعلام ليس مجرد ناقل محايد، بل يؤثر ويتأثر في ظل سياق تساهم الأحداث المهمة في دفعه للأمام لأجل الاستجابة للمتغيرات بمرونة تامة، وعبر العصور الزمنية نلاحظ توثق العلاقة بين الفعل الثقافي والنشاط الإعلامي، وهو ما اهتمت به الشجيري في محاولتها لبناء نموذج للتفسير ولفهم التناول الإعلامي بغية الخلاص من التحيز تجاه هذا الطرف أو ذاك، ودعت إلى تكوين هيئات رقابية من الناس تراقب وسائل الإعلام وتنشر تقاريرها عن المغالطات والتحيزات فيها شبيهة بهيئة الصدق والدقة في التقارير الإخبارية في بعض وسائل الإعلام الأمريكية، ويتألف الكتاب من تسعة فصول، تناول الفصل الأول تأصيل لمفهوم التحيز، وتخصص الفصل الثاني بالتحيز كمقاربة أولية، فيما تناول الفصل الثالث التحيز أنواعه وأنماطه وسماته، أما الفصل الرابع فتحدث عن القيم المهنية ذات العلاقة بالتحيز الإعلامي، وكان الفصل الخامس قد تطرق إلى التحيز في التغطية الإعلامية، وتناول الفصل السادس التحيزات الشخصية للإعلاميين، اما الفصل السابع فقد تناول التحيز في الخطاب الإعلامي، فيما تناول الفصل الثامن التحيز اللغوي، والفصل التاسع تناول تحيز الصورة والصورة المتحيزة، التوفيق لزميلتي المبدعة وبانتظار صدور كتابها المهم، عن النظرية الفرعونية في وسائل الإعلام.

 

هادي جلو مرعي

 

احمد راضي الشمريالمقال تضمنته مقدمة كتاب: "الحقيقة المرة" للدكتور مهدي الحسني، الذي صدر سنة 2017. وقد اشتمل ضمنيا، على حقيقة مرة اهتدى اليها الكاتب بعد عناء طويل في المسير نحو تحقيقي "حلم" الدولة الاسلامية التي يعتقد دعاة الاسلام السياسي بوجوبها.

في ظل تراكم التجارب الدينية في حكم المجتمعات المسلمة، وعدم انبثاق اي نموذج يشار اليه بالبنان باعتباره نموذجا يحاكي عظمة الإسلام وروح القرآن، ستظل الحركات الاسلامية تدور في دوامة الشعارات والتمنيات وامجاد الماضي الفارغةيحدوها بصيص امل،  ولكن تفصل بينهما فجوة تبعدها عن القيم والمبادي القرآنية والاسلامية الحقيقية.

ان الكثير من هذه الحركات الاسلامية تعتقد انها غيورة جدا على دين الله، وهي صادقة كل الصدق في اعتقادها وتسعى جاهدة لتطبيق شريعة الله بكل اخلاص، حتى لو كلفها ذلك احراق الشعوب في أتون الحروب. ولكن شدة غيرتها تفقدها صوابها وتجعلها فاقدة لمدى الرؤية واتجاه البوصلة في آن واحد. اذ انها تعتقد جازمة ان تطبيق شريعة الله هي في تطبيق حدوده وعقوباته؛ فهي لا تلتفت الى ان الإخلاص والحرقة وكل العواطف ليست لا تجدي نفعا وحسب،  بل لا تقل خطرا عن الفوضى إذا تفردت بالحل دون ان تسعى الى خلق او اكتشاف الحواضن والممهدات والاسس التي اشار اليها الكاتب في ثنايا هذا الكتاب. ومن هنا فانها تقع في الخطأ والظلم في آن واحد، فهذه الحركات تخطأ في فهم المغزى الحقيقي للاسلام والرسالات التي تسعى الى تطبيق العدل، على ما في تطبيق العدل من تعقيد. وتظلم حين تسعى الى تطبيق الحدود والعقوبات والفرائض الاخرى، دون الالتفات الى توفير البيئة الحاضنة وسد حاجات الانسان المادية والمعنوية الاساسية.

ان العدل الالهي هو عدل بكل ما تعنيه كلمة عدل، فهو عدل وموازينه ربانية. اذ انه لا يطلب من الانسان طلبا ولا واجبا دون ان يقابله حق على الطرف الاخر. فقطع يد السارق،  لمن يريد تطبيقه، يقابله ضمان كرامة ذلك الرجل وعدم دفعه الى السرقة؛ وتوفير حاجاته وحاجات عياله المادية (الاكل والملجأ والملبس والدواء) والمعنوية (الامن والامان والسلامة والاستقرار الاجتماعي). وهكذا في كل الحدود والعقوبات والواجبات والفرائض. وهذا ما أشار اليه الكاتب متبنى الدولة المدنية، التي تختلف كثيرا عن الدولة الإسلامية؛ ولكنها تحقق ما تحققه الدولة الاسلامية. واترك التفاصيل الى القارئ المحترم ليطلع عليها بنفسه. وقد يكون القصد من قطع يد السارق ليس قطعها بالسكين؛ بل هو البحث عن دوافع السرقة واستئصالها من اخلاق ومتبنيات السارق. قد تكون الأسباب الكامنة وراء السرقة هي شذوذ نفسي او حاجة حقيقية او لأطماع سياسية لتشويه سمة طرف او فئة وحرمان الامة من توجيهاتهم. ولذلك فان طموحات الأحزاب او الحركات الاسلامية التي تريد اعادة المجد المحمدي هي طموحات لا تتوج بالنجاح ولا تتحقق الا بان تضمن تحقيق شيئين:

- على المستوى العملي: تأهيل وتدريب وصقل المهارات؛ وبناء الاستعدادات لخلق الشخصية القيادية والربانية التي تتمتع بالإمكانات القيادية الاساسية كالرؤية البعيدة والصحيحة واستشراف المستقبل والشجاعة الكافية والمرونة في التفاوض ... الخ، وعند غياب هذه المهارات ستتشتت ولاءات المجتمع هنا وهناك ولا يمكن توجيه طاقاته وارادته باتجاه رؤية القائد واهداف حركته.

- على المستوى النفسي: ان الاستعداد النفسي للقائد؛ واخذه الوقت الكافي للتأمل والنظر بعين البصيرة بعيدا عن ضوضاء الحياة وصخبها؛ من شأنه ان يصقل الرؤية ويضمن القدرة على ملاحظة ومراقبة تفاصيل الحياة صغيرها وكبيرها. مثل ما كان يفعله النبي (ص) من خلال مراقبة الحركة حول مكة وشعابها من غار حراء، وان تتشرب قناعاته بالرضا والتسليم؛ اذ ان هذه الفترة، كما نستوحي منها، انها ساعدت النبي (ص) على توفير صورة واضحة صادقة مكتظة بالتفاصيل مفعمة بالأحداث مليئة بالوقائع. هذه الصورة الغنية ساهمت في توضيح حقيقة المجتمع القرشي بعد ان درسه النبي (ص) بكل امعان ودقة.

ان ايا من قادة اليوم لم يتضور ابدا جوعا للمأكل والمشرب،  بل للعلم والمعرفة لأسباب عديدة منها شحة الدراسات الاجتماعية والنفسية ذات البعد التحليلي للمجتمع العراقي؛ وانشغال معظم القيادات الحالية طيلة ايام المعارضة بأمور تبدو جانبية إذا ما قورنت بعدم التفات هذه القيادات لهذه الدراسات اصلا حتى وان وجدت. وقد تتوسع اسباب تعثر تنفيذ هذا "الحلم" لتشمل:

- اختلاف الزمان والمكان: الخطاب الديني المتخشب لا يحفل ولا يهتم بالأبداع في الوسائل؛ ابتكار الاليات الجديدة التي تتلاءم وثقافات وقيم المجتمع المعاصرة. مثلما جاء النبي (ص) الى قريش وهو عالم بمجموعة القيم الاجتماعية التي يريد التخلص منها،  وكذلك بالقيم التي يريد الابقاء عليها. خدمة لمشروعه التغيري. وبهذا فان قراءته الزمكانية آنذاك كانت قراءة ملائمة لعصره وواقعه. ان القراءة الزمكانية تختص بزمكانيتها ولا تمتد عبر الازمان والقارات. (كل يوم هو في شأن).

- لم تأت الحركات الاسلامية الى المسرح السياسي العراقي برغبة الجماهير الخالصة، وانما اتت اليه بمساعدة فرصة ساقتها الاحداث فركبت هذه الاحزاب تلك الموجة. ولهذا فان التفويض الاساسي لتطبيق احكام الشريعة لم يعلن عنه الجمهور بوضوح ولم يدعيه السياسيون بجرأة. علما ان تطبيق احكام الشريعة ليس بمقدور تلك الاحزاب أصلا لأسباب يحتاج سردها الى موسوعات.

وربما يعترض معترض بالقول ان هذه الاحزاب وصلت للحكم عن طريق الانتخابات. وهذا وان صح الا ان الجماهير لم توصل هذه الاحزاب الى السلطة قناعة منها بمشروعها الديني الاسلامي التغييري؛ كما اعطت جماهير يثرب محمدا ذلك التفويض. فقد كانت جماهير يثرب مطلعة وعن كثب بالمشروع النبوي وبتفاصيله؛ وان لم تكن بالدقة المطلوبة. وبهذا فان تطبيق النبي (ص) لشريعته الاسلامية كان مدعوما بالتفويض الشعبي شبه المطلق بعد ان وصل الى دفة الحكم. بينما لم تكن جماهيرنا متصلة ومتعايشة مع هذه الاحزاب وغير مطلعة على مشاريعها السياسية اوالمدنية،  ان وجدت.

كما ان الجماهير العراقية،  على مايبدو،  اعطت اصواتها للأحزاب الدينية الاسلامية ليس ايمانا بمشروع الدولة الاسلامية في الفكر الاسلامي،  بل رغبة منها في ارجاع الحقوق المسلوبة وايقاف الاضطهاد المذهبي وتحقيق العدالة الاجتماعية وانشاء المشاريع التنموية الي قد تعوض خسائر القمع والاضطهاد وتعيد توزيع الثروات والسلطات من جديد... الخ. وكل هذه المنطلقات والتصورات هي اجتماعية بالدرجة الاولى ولم تكن دينية بالضرورة، ولذلك فان عمل هذه الاحزاب على تطبيق احكام الشريعة الاسلامية كان عملا غير موفق بلحاظ الواقع العراقي. 

واليوم،  يبدو ان إخفاق معظم التجارب الدينية في الحكم، اعطى انطباعا شبه حقيقي للمجتمعات والجماهير المسلمة بصعوبة تطبيق المشروع الاسلامي لأسباب عديدة منها: القراءات الناقصة للقرآن،  ولمعظم الحركات الاسلامية، الاضطراب او عدم الاستقرار الذي يصاحب هذه الحكومات، انتشار الفساد الاداري والمالي الاخلاقي في هذه الحكومات مما يسلبها انتمائها الحقيقي للمشروع الاسلامي.

- الانفتاح المعرفي والتواصلي: ان امورا مهمة مثل العولمة وثورة المعلومات جعلت من العالم قرية واحدة سهلت العيش فيه امر مهمة اذ باتت معظم شعوب الارض تعيش ثقافة متقاربة نوعا ما في المظاهر العامة. وهذا بدوره يجعل من الصعب تطبيق الافكار السياسية والدينية في أي مجتمع ولا نستثني مجتمعنا منها. خصوصا إذا كانت افكارنا تتعارض وجوهر الافكار العالمية السائدة، والتي اثبتت صلاحيتها وفاعليتها وتوائمها مع المجتمعات الانسانية. وأعني بذلك حقوق الانسان وحرية التعبير وحرية المعتقد والفكر والحريات الاخرى. وهناك اسباب اخرى لا يتسع لها الحديث ربما نتعرض لها لاحقا.

وفي خضم هذا الارتباك الحركي المتواصل للحركات الاسلامية وضعف قدرتها على انتشال نفسها من وحل التيه الفكري يبقى اصرارها على رفع شعار (الإسلام هو الحل) او تطبيق احكام الشريعة الجريء، تبقى هذه الاشياء كما يقول المثل الإنكليزي: طعنات في ظلام الليل؛ إذا انها طعنات عمياء عشوائية في الهواء بلا هدف كـ (تشريع منع الخمر) الذي شرعه البرلمان العراقي والذي جاء في غير محلهولا اوانه.

ولا حل كما يبدو في الافق القريب ولا حتى المتوسط الا بدراسة الواقع بظروفه المحيطة والعمل على تطبيق الإسلام العملي من خلال سد حاجات المواطن في الأرض، لا من خلال فرض النظريات التي مازالت حبرا على ورق حتى يؤذن لها برؤية النور في تجربة ناصعة لاتحتاج بعدها الى حديث. ذلك النور الذي لا يرى له شعاع في الامد القريب.

ان الأفكار التي وضعت بين دفتي الكتاب انما ولدت من رحم التجارب الفكرية والواقعية المدركة لعقبات وصعوبات الواقع والمنتبهة جيدا لتعقيدات الفرق بين النظرية والتطبيق. انها عصارة افكار منبثقة من الخزين الفكري النظري والعملي الذي اثرته مسيرة الدراسة والهجرة والمعارضة والغربة ومن ثم الحكم. ويبدو، من خلال مايبثه الكاتب من لوعات واهات بين اسطر الكتاب، ان هذه المسيرة الشاقة الطويلة قد كتبت اثارها بالمسامير لا بالأقلام.

والكتاب، وهو لأحد ابناء هذه الحركة، لا يعوزه الدليل على وجود خلل واضح وفجوة كبيرة في فهم هذه الحركات للتوجيهات القرآنية وفي فلسفتها لحركة التغيير والإصلاح. فتجارب اليوم في اغلب المجتمعات التي يتنفذ فيها الحكم الديني قد بررت اشكالاتنا على مسارات الحركات الإسلامية وطريقة تعاطيها مع تجربة الحكم بالاضافة الى اخفاقاتها في تحقيق أدنى مستويات الرفاهية لشعوبها.

وتبقى هذه الاشكالات مستمرة متواصلة تلاحق النخب الاسلامية الحاكمة التي اعتلت منصة الحكم بدون استحقاق مهاراتي او وتفوق علمي يميزها كنخبة مستقلة عن باقي نخب المجتمع. وكيف تستحق الطبقة الحاكمة ان تحكم وهي ورعيتها سواء من ناحية الفكر والمعرفة والعلم او الثقافة او الرؤية في الميدان؟

املنا كبير في ان المرحلة المقبلة هي مرحلة ممازجة الافكار الاسلامية مع الافكار الليبرالية التي تهتم بمنح الحرية الشخصية للفرد. اذ ان بين هذين الفكرين مشتركات في طريقة واسلوب العيش المشترك؛ وقد ينكرها او يستنكرها بعض الاخوة. الا ان املنا كبير أيضا في قدرة المفكرين الاسلاميين على فك الاشتباك بين الدين والعلمانية من خلال ابراز الجانب المدني في الاحكام الإسلامية وفي وتوضيح المنهج القرآني في الاعتراف بحق الانسان في اختيار معتقداته وافكاره ورفض مالا يحلو له من الامور الشخصية. ذلك لان الاسلام نظام حياة أكثر مما هو دين تعبد.

 

احمد راضي - ملبورن/ استراليا

.............................

المقال كتب في 08/02/2017 وعُدّل بشكل طفيف جدا في 03/05/2019

 

نبيل عبدالامير الربيعيبطل تلتهب عنده الأحداث، ذلك البطل الثائر هو عقيل حبش، الذي تتوقف عنده الاضطرابات، لكن الزمن عنده ايضاً يضطرب، إذ كان زمن اعتقاله مع رفاقه رفاق السلاح في الدواية أيضاً مضطرب، مضطرب بذاته، يحمل متغيرات كثيرة غير أن عقيلاً هو عقيل ويسوقه قدره الفطري للثورة المسلحة.

التقيت به مساء يوم الخميس المصادف 24 نيسان 2019 في صالة فندق فلسطين مرديان قبل ليلة من انعقاد انتخابات المجلس المركزي لاتحاد أدباء وكتاب العراق، لم أعرفه سابقاً ولكن ما قرأته عنه الكثير، سألني من أي مدينة، كان جوابي المولد في مدينة الديوانية أما السكن ففي مدينة الحلة، قال هل تعرف محمد علي محيي الدين وحامد كعيد الجبوري وعقيل الربيعي وعبد اليمة (أبو نصار)، كان جوابي بالإيجاب، اعرفهم حق المعرفة، اتصلنا بمحمد علي محيي الدين والشاعر حامد كعيد الجبوري إذ كانا في نفس الفندق وكان لقاءاً ممتعاً، ودارت الذكريات دورتها في ذاكرتي حول دور هذا المناضل وهروبه من نفق سجن الحلة المركزي عام 1967م مع البعض من رفاق الطريق، وقد كُتب الكثير من المقالات وصدرت عشرات الكتب حول الهروب، فضلاً عن دوره في ثورة هور الغموگة يوم 28 نيسان 1978م.

لمذكرات عقيل حبش (شهادة حيّة من لهيب المعركة) الدور في معرفتنا على الدور البطولي لأثنى عشر مناضلاً قادوا الثورة المسلحة في هور الغموگة وبما يعرف جماعة (القيادة المركزية)، عند اطلاعي عليها احسست بالانبهار وكأنك في حكايات ألف ليلة وليلة، لصدق الكلمات والوصف، لكن حديثه في صالة الفندق وجهاً لوجه هو الأمر الأشد غرابة، مملوء بالصدق والعفوية وسحر التعبير، كانت لأيام سجنه وقتاله وتعذيبه لها لذة الألم، وذكريات رفاقه العالقة في ذاكرته الحية وفي حياته كلها، إذ يمتلك ذاكرة طرية مملوءة بحب الحزب والثورة.

كانت بداية ثورتهم المسلحة في أهوار الغموكة يوم 28 نيسان 1968 بعد أشهر من هروبهم من نفق سجن الحلة المركزي، تلك الثورة التي قادها الشهيد خالد أحمد زكي (جبار) واحدى عشر من رفاقه، مثلت بداية لحركة ثورية كان يمكن لها أن تغيّر وجه العراق، وتسقط الحكم الرجعي الذي سيطر عليه، لكن تكالب القوى المعادية لها مما أدى إلى سقوط جبار (خالد أحمد زكي)، وشلش (محسن حواس)، وكاظم (منعثر سوادي) شهداء أبرار للشعب العراقي والحركة الشيوعية، أما الآخرين فتم إلقاء القبض عليهم وهروب حسين ياسين، كانت معاناتهم واحباطاتهم تصارعها نفوسهم الثائرة، وتبعث الحياة فيها لتنهض من جديد، كان عقيلاً عندما فكر بالانضمام إلى حركة الكفاح المسلح لا يوقفه توسل ولوم، ولا تثنيه دمعة أمه، أو مشورة صديق، سار يتبع ثورته وعشقه للمواجهة.

كان عقيلاً قد تبنى قضية تبناها مع رفاقه، فهي لم تعد قضية أفراد ووجهة نظر مجموعة، بل قضية يهتم بها عموم الشعب ويتحدث عنها الجمهور بفخر، إن هناك أبطالاً أرادوا وفعلوا ليدخلوا بوابات الأسطورة والتاريخ بكل ما أنجزوا من أفعال، ويكونوا رمزاً ليؤكدوا لنا أن الأمة الحيّة قادرة على أن تلد الأبطال في كل مرة من المواجهة والتحدي.

عندما تقرأ مذكرات عقيل حبش تعرف الحقيقة وتشعر بصدق العمل في مجال العمل الحزبي والكفاح المسلح، ففي يوم أيلولي ساخن من عام 1968 "عقيل ورفاقه الأربعة في سجن مقر انضباط الفرقة الأولى في الديوانية، تقلبهم أخبار مقلقة، تعصرهم بين تنفيذ حكم الإعدام الصادر ضدهم وأخبار الحزب المنقطعة وغصة الألم التي تولدت لديهم بعد أحداث انقلاب 17 تموز 1968، إحباطات ومرارات، غير أنهم ما زالوا يتحدون اليأس ينشدون أناشيد الثورة والصمود، لتلك الأناشيد أثر معنوي يدركه عقيل فيكرر غير مرة، في أحداث محددة . في لحظة صدور حكم الإعدام أو تنفيذه في لحظة عودة أحدهم من التعذيب أو ذهابه إلى الاستجواب . تلك الأناشيد تحافظ على تأجيج الثورة وحس التحدي . تبعد اليأس من التسرب إلى بعض الرفاق، خمسة في السجن، يتوالى دورهم في الاستجواب والتعذيب بعد أن انهار سادسهم فأفشى كل أسرار الحزب الخطيرة، حتى عزله المحقق في زنزانة أخرى ليبعده من تأثير ردود أفعال الرفاق، صدر الحكم عليه بالسجن المؤبد (عبد الأمير الركابي)، على خلاف رفاقه الستة كانوا البقية الباقية من خلية هور الغموگة الإثنى عشر يمارسون الحياة بطرق بدائية، يصنعون من عجين الخبز المتبقي لعبة الشطرنج، يتقاسمون السيگارة التي يغنمونها، ويتناقشون في أمور المعتقل والتحقيق والمحكمة، عن أخبار الحكومة الجديدة في 17 تموز 1968 وبصيص الأمل الذي بدأ يصل مسامعهم بالعفو أو بتخفيض الأحكام القاسية، ما زالوا متماسكين حتى الساعة.

في الديوانية في سجن مقر انضباط الفرقة الأولى وهي المحطة الثانية بعد سجن الناصرية عندما انتهت قاعدة الكفاح المسلح في هور الغموگة في أولى عملياتها بنهاية درامية عظيمة، تحتاج بذاتها إلى دراسات وتقييم عن مدى الارتباط والإيمان الذي كان يتمتع به أولئك الإثنى عشر شاباً هم كلٍ من :-

1- خالد أحمد زكي (جبار) . قائد المجموعة.

2- محسن حواس (شلش).

3- منعثر سوادي (كاظم).

4- حسين ياسين (أبو علي).

5- عقيل عبد الكريم حبش (أبو فلاح).

6- عبد الأمير عبد الواحد يونس الركابي (لفتة).

7- عبد الجبار علي جبر (أبو هادي).

8- عبد الله شهواز زنگنة.

9- عبود خلاطي.

10- محمد حسين الساعدي.

11- علي أبويجي.

12- حمود (صالح).

كانت تتملكهم أخلاقيات احترام الحياة حتى يفضلوا عدم قتل الشرطة ... في لحظة المواجهة، كانوا حقاً وطنيين ترف قلوبهم بنفس النبض الذي ينبض في قلوب الآخرين من أفراد الشعب ولو كانوا شرطة.

جاءت عائلة (هادي) أو (أبو هادي) إلى سجن مقر انضباط قيادة الفرقة الأولى في الديوانية، وهو الاسم الحركي لبطل عظيم اسمه عبد الجبار علي جبر من قرية برنون من محافظة بابل، كان لهذا البطل موقف عام 1968م وفي شهر أيلول تقدمت القوات العسكرية والشرطة، ملأت مدينة الدواية تلك المدينة الصغيرة من نواحي لواء الناصرية، كان عدد القوات العسكرية كبيراً، أصبحت المدينة كأنها ترافقها البرمائيات والسيارات المسلحة والشرطة والمسؤولون، الكل يعرف أنهم جاءوا بعد عملية الغموگة بأيام . عملية الغموگة التي قامت بها قاعدة الكفاح المسلح في الهور، حتى بلغ أن طائرة هليكوبتر قد أسقطوها، كان حجم الحدث مؤلماً للسلطة رافقه خبر مصرع طيارها الملازم الأول طيار بنوئيل بابيلا أغاسي وهو مسيحي من أهالي الموصل، ومعاونه الملازم الطيار يحيى حديث التخرج من أهالي البصرة وكان مسالماً لم يصب بأي أذى، خبر جديد يهز معنويات جموع العسكر والشرطة المحتشدة.

أثارت تلك الأخبار أن الهور يحترق وأن حجم المقاومة كبير، فمن عملية مخفر الغموگة ومصادرة السلاح إلى إسقاط طائرة ومقتل طيارها، بلغ الأمر مقتل شرطة وجرح بعضهم . عمل كبير يثير الخوف والقلق لدى الحكومة التي وقعت بين حيرة التقارير والوشاية والاعترافات عن حجمهم وهذا الفعل الذي لا يمكن أن تنجزه تلك الأعداد . انتهت المواجهة عند المساء، أو بالتحديد في بدايات عصر ذلك اليوم والشمس تقارب الأفق، قدمت القوة بسيارات الشرطة المختلفة وخلفها عاصفة من التراب، كان حوض السيارة الشوفرليت الزيتونية يسعهم خمسة أو أربعة . اثنان على كل جانب توسط الجلسة خامسهم يرافقهم شرطيان "إلى الأمام، وثالث نزل حال توقفها ليدخن سيگارة، كانت وجوههم مرفوعة، عيونهم تلتقي بعيون المتجمهرين إصراراً وإباء، الثياب الممزقة وشكلهم يوحي بأنهم أعظم مما يرتدون . قال أحدهم قطعت يده اليمنى، بقيت متصلة بذراعه، ضاق ذرعاً بها ... وضعها تحت قدمه اليمنى وسحبها، انقطعت كف يده وبقيت تحت قدمه الأنسجة والأعصاب المتصلة . اقشعر الجميع لتلك الصورة التي وصفها الشرطي للواقفين، جرأة صورت ارادت الثورة واستفزت معنويات الجموع الواقفة عند الخندق المتناثرة على جوانبه اضلاف الرصاص والبنادق المرمية وشواجير الرشاشات، ثلاثة كانوا على جانبي الخندق أو ذلك الجدول الجاف متجمدة أجسادهم في معركة مقاومة، بنادقهم بأيديهم أو في أحضانهم، التصق أحدهم بالأرض، شهداء ثلاثة على الأرض (خالد أحمد زكي، ومحسن حواس، ومنعثر سوادي) . تدلت يده بعد أن تلقف القنبلة المتدحرجة على الأرض المرمية من قبل الطيار ليبعدها عن خندق رفاقه ويعيدها إلى الجموع المحتشدة على مقربة منهم المكونة من الجيش والشرطة وشرطة خيالة، إلا أن الزمن كان حرجاً ... انفجرت بيده، قطعت يده اليمنى من الرسغ، بقيت يده متدلية ولم تزل في يده اليسرى بندقيته، إحساس فطري بإصرار على الثورة، أخذه النزف والجروح التي توزعت على جسده الواهن.

كانت آلام التعذيب الجسدي وألم الروح من كل الإحباطات، إحباطات قاعدة الهور ومرارة انهيار بعض الرفاق الذي بلّغ عقيل حبش الحزب عنها برسائل وتقارير ورسائل شفوية وتنويهات وتحذيرات إلى الحزب وإلى الرفاق عبرَ منافذ متعددة، قمة معاناته أن يحافظ على تماسك رفاقه من الانهيار.

انهار أحدهم ليكون جرحاً نازفاً في جسد الحزب، اعتقلت بسببه قيادات الحزب العاملة والنشطة لاطّلاعه على أسرار الحزب المهمة . لحظة ضعف في سجن مظلم وقسوة مفرطة ونفس آثرت أن تقدم ما لديها مقابل لحظة رحمة . انفصل عن المجموعة... كانوا ستة وهم عقيل حبش/ عبد الجبار علي جبر/ حسين محمد حسن الساعدي/ علي بوجي/ عبد الأمير عبد الواحد يونس الركابي/ عبد الله شهوار زنگنة/ لكن حسين ياسين قد هرب في بداية الموجهة لينفذ بجله، وكان عبد الأمير عبد الواحد الذي انهار في التحقيق . قدم كل شيء حتى عزل في أخرى من سجن انضباط الفرقة الأولى في الديوانية خوفاً من مضايقات رفاقه أو ضغطهم عليه، المحنة هي مقياس قوة الرجال، اقترب من المحقق يسجل أسماء وعناوين كانت تعمل من أجل الحزب، لم يحترمه المحقق لأن الخونة لا يحترمهم المستفيدون ولا يأمنونهم.

كان أول من أعلن الخيانة هو هروب حسين ياسين مسؤول التنظيم وعضو الارتباط الذي أثبت للمرة الثانية أنه ضعيف عند المواجهة، ترك رفاقه في محنة المواجهة في خندق مجهول الاتجاهات أمام قوة العسكر والشرطة، فافتعل سبباً، صدقه رفاقه بإنقاذ رفاقهم الذين سبقوه بالهروب وهم سيد درعان (صالح) وعبود خلاطي (حمود) تسلل وهو ابن الهور الذي يعرف الطريق دون أن يلتفت إلى الوراء، مرة أخرى يقدم نفسه ومصالحه، كانت المرة الأولى عندما أراد أن يهرب وحده من نفق سجن الحلة المركزي، ويجهز على مشروع له دلالة أكثر من الهروب نفسه، وقد كان أيضاً مسؤول فريق العمل عن مشروع النفق، هكذا النفعيون يحبطون الثورات في لحظة المواجهة، أو التنفيذ التي توهم الآخرين بالحقيقة.

وكانت رسالة الشاعر مظفر النواب تحاكي الواقع الذي مرَّ به ثوار الغموگة، وهي رسالة مرسلة إلى عقيل حبش، انقل جزء منها: "(أيها الحبيب.... مرٌ لوني، مرٌ طبعي ومرٌ طعمي، مرّتان عيناي حتى أراك ثانية وحتى ذلك اليوم توقظني الوحشة والنار التي في حزامي وفي قلبي ألومك كثيراً لأشياء وأشياء وفي قلبي أحكي معك كثيراً عن أشياء وأشياء وفي قلبي أقبلك وأنت ترفض كثيراً وكثيراً عن أشياء وأشياء).

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

881 ايمان شمس الدينلمؤلفته: إيمان شمس الدين.

"حاجة الإنسان إلى الدين كضرورة لا تنفك عن وجوده، فالإنسان بفطرته ينزع نحو المقدس، ويسكن إليه، المقدس للإنسان هو مصدر طمأنينته وسعادته"

مقدمة

من المؤلفات الهامّة للغاية الصادرة حديثًا، في مجال التغيير والإصلاح، وقراءة مسارات النهضة في تقاطعاتها بالمعرفة، والمجتمع، وقضايا النكوص ومعارك الوعي في أطوار استكمال مهامه نحو التجديد، كتاب الباحثة إيمان شمس الدين، "التغيير والإصلاح.. مطالعة في التأسيسات والإشكاليات والمعوّقات"..

من اللحظة الراهنة في الواقع العربي والإسلامي، بتداعياتها المشوّشة، في ظلّ الاستبداد الممارس على الشعوب، والصورة المشوّهة في فهم الدين الإسلامي لدى الذاكرة الجمعية المجتمعية، ما أدىّ لظهور دعوات لتحييده، والتنازل عنه، بوصفه مادة وفعل عنفي خطير، واستحضار صراعات العولمة والنظام العالمي الجديد، في ظل الهيمنة، بدت لنا أهمية قراءة المادة المعرفية التي تضّمنها هذا الكتاب، لفهم ما يجري من انتكاسات في ذواتنا التاريخية والحاضرة، بالوقوف على أهم محاوره الفكرية والنقدية، وآليات اشتغاله في دراسة موضوعة الإصلاح، وتشابكاتها مع أنماط السلطات والنخب والجماهير، وبالصورة الحقيقية لخطاب الخالق، ودلالاته.

يأتي هذا المؤلَّف من باحثة متخصصة في العلوم الإنسانية، لها أعمال وكتابات كثيرة منشورة، ومشاركات بحثية في مؤتمرات عديدة، فوجدت أهمية في دراسة "طبيعة التغيرات الاجتماعية المتفاعلة مع البعدين الديني والسياسي" وسط "ظروف سياسية ودينية يُحيط بها لغة الحروب العسكرية والباردة، وتسلّط أنظمة مستبدة، وتآمر خارجي، للإفقار والتدمير وتغيير معالم الهويات الإسلامية والحضارية" لتأسيس وصياغة مشروع الإصلاح والحفر في طبقاته وتحديد أسباب اخفاقاته ومآلات نجاحاته، لنقف على أهم المميزّات في الرؤية المطروحة، التي يُراد بها انتشالنا من حالات التشظيّ والانقسامات.

والباحثة "إيمان شمس الدين" مثلما يُلمح في مقدّمتها، تؤمن بوظيفة المثقّف في تجاوز دائرة التخصّص الأكاديمي المحدود، للتفاعل مع سائر قضايا عصره، وإن أفدنا من عتبة عنوان الكتاب "التغيير والإصلاح.. مطالعة في التأسيسات والإشكاليات والمعوّقات" اتساع الموضوعة المقاربة عن تخصصها، لأن الإصلاح لا يمكن أن يقف عند ممارسات معينة وإنما هو مفهوم يتجسّد في مجالات معرفية متنوعة، دينية، فكرية، إنسانية، إعلامية، سياسية، مما يجعلها تنتصر في رهان المعالجة والمواجهة، في تعميق اشتغالها، وصلاته بواقع يرزح بأثقال الألم والوهن، لتحويله لمصدر فيض مُنتج للمعنى الإنساني في مستوى القيم المعرفية والحضارية.

بنية الكتاب

جاء الكتاب الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط1، 2019م. مشتملاً على 266 صفحة من الحجم الكبير، موّزعًا على ثلاثة فصول متماسكة ومتفرّعة إلى مباحث متعددة، اقتضتها طبيعة التناول وتشابك قضاياه، فخصّصت أولها لبحث "عناصر التغيير الداخلي والخارجي، وأهمّ معوّقات التغيير" و خصّصت الفصل الثاني "للإصلاح ومعوّقات النهوض"، أما الثالث " الإعلام ودوره في التغيير وحركة الإصلاح" فأحاطت الباحثة فيه بالمكوّن الإعلامي والخاصيّة الاتصاليّة على مستوى الأدوار والوظائف المتفاعلة مع الإصلاح. وبمنهجية متكاملة وجامعة، قاربت موضوعة البحث، بالتأصيل لعمليّة التغيير، ووضع روابط ارتكازية جامعة للبعدين السماويّ والأرضي، من أجل الكشف عن جوهر الإصلاح المبتغى، المراهن على دور الشعوب وحراكها أولاً، دون إغفال الدور الفكري المتحقق بالنظريات ومعالمها، وجماعة النخب والقادة المؤثرين بصورة خاصة في تغذية أي مشروع حضاري ودفعه.

مع الكتاب

قسمّت المؤلفة الفصل الأول إلى محورين: في الأول تطرّقت إلى عناصر التغيير الداخلي، والثاني عناصر التغيير الخارجي، كمنطلقات وعوامل مولّدة لشرارة العمليّة التغييرية، وموقدة لجذوتها وحاملة لشعلتها الإصلاحية، وفق خطّة طريق واضحة المعالم يسيرة الأسس، رفيعة الأهداف والغايات..

وتنطلّق في معالجتها للمحور الأول من فكرة انبعاث أي عملية تغييرية ينبغي أن تنبثق من الذات، على مستوى الفرد، ومقوّماته الداخلية، فتحت عناصر التغيير الداخلي، تفرّق الباحثة "شمس الدين" بين مفهوم التفكير المرتبط بنشاط العقل، أو ببحثه عن إجابات لتساؤلات أو حل مشكلات، والإدراك كحاضنة أوسع في شموله لعمليات عقلية عديدة، والوعي المستلزم حضوراً لانتباه الفرد والتفاتته لاشتغالاته العقلية، في إطار الخصائص النوعية المائزة للعمليات الذهنية. وتنطلّق، من تلك العمليات لتعدد تأثيراتها ومردوداتها، كمداخل متنوعة وأساسيّة تصب في سنخ عملية التغيير، بمقدار وظائفها وعلائقها بنظم التصوّرات، والصراعات الناتجة عنها، وما يستتبعها من تبنّي للمواقف والسلوكيات، وتقول "منطقة الذهن الحية، تعتبر منطقة حيوية خطرة في نشاطها وتحاج إلى تشريعات ضابطة، لانعكاس هذا الضبط تلقائيا على الفرد" وتعتبر "الأفكار إمامًا للعقل، والعقل بدوره إمامًا للقلب، والأخير بدوره إمامًا للجوارح والسلوك الإنساني".

وترى أهمية العقل وفعاليته في إصابة الحقيقة، وضمان سيره باتجاهات سليمة، تتمثل في إضاءة سؤال" كيف وبماذا نفكر؟" فحدوث الاستيعاب له، شديد الارتباط "في بناء مرجعية معيارية وقيمية للفرد والمجتمع" وتُعدّ "شمس الدين" "ضبط المجال الإدراكي للإنسان ونظم عملية التفكير ومنهجيتها"، وطرق استخدامها وتوظيفها، من المداميك الرئيسية في تفعيل الدور القيادي الذاتي لعملية التغيير، والمادّة الخام لتجاوز حالة العشوائية الاجتماعية المهيمنة على مشهد التثقيف والتعليم، التي قادت إلى ما اسمته اليوم ب فوضى المعرفة، تقول "يتداخل في الفوضى المعرفية ما هو حقيقي واقعي مع ما هو موهوم"

وتعيّن "شمس الدين" مراحل عملية التفكير، الماثلة في: "مرحلة التكوين، مرحلة الربط والتوسع، مرحلة التطوير والنمو، وينضاف للأخيرة التفكير النقدي" فيمكن للفرد أن يخطيء بصدد المحسوسات والمعقولات، في تفسير الأخبار، في تشخيص العدو من الصديق، وفي التشخيص الصائب للفهم النظري والعملي للموضوعات، داخل هذا الإطار تضعنا أمام بوصلة التفكير النقدي، وتجد فيها "مرحلة متحركة، ذات مراتب مشككة، تعتمد على سير الإنسان في طريق تكامله العقلي والفكري، ومراكماته المفهمية، حول ذاته، ومحيطها، ومع السعي المنهجي السليم تريه الأمور أكثر قربًا من واقعها، الذي غالباً ما يصنعه عوام الناس من العادات دون مراجعة فاحصة" وما يترتّب على النخبة المتقدّمة، في مد جسور التواصل والانصهار الإنساني والتصويب والمساهمة في تعميق التجارب العامة وتطوير المعارف لدى الفئات المراوحة في نموها عند أولى المراحل، والانطلاق بهم إلى مدارج جديدة.

وتُجمل "الباحثة" العوامل المؤثرة في عملية التفكير وتشكيل الأفكار، في "التأثر بالبيئة الأسرية المحيطة، البيئة المدرسية والعناصر المكونة لها ببعديها الإيجابي والسلبي، البيئة الاجتماعية ومكوناتها، السلطة السياسية والدينية. وعن وظائف الدولة والأسرة ومحورية التربية والتعليم في تشكيل بنية الأفكار، المساهمة في بناء العقل فكريًا ومعرفيًا وفلسفيًّا، وصناعة الوعي، وتوجيه السلوك." وفق منحىً تبادلي قادر على تشخيص الاحتياجات الفردية والمجتمعية وتبنّي المشاريع التوعوية في إطار البيت والمدرسة ومؤسسات الدولة، بوضع البرامج الجادة المواكبة للعصر، وتأهيل مدخلات العمليّة التعليمية، بإدراج الفلسفة كمنهج يهيئ الفرد لينخرط في البحث عن أجوبة الأسئلة التي تفرضها الماهيّة الجدلية المتُحرّرة لها، لتؤمن له طموحات النهضة.

وفيما يتعلّق بواقع الأنظمة والنظرية التعليمية، تصف "شمس الدين" واقعهما المنهجي بالمفلس والقديم، العاجز عن أداء مهمّاته الضرورية لتحقيق مخرجات متكاملة في جوانبها العقلية. وترجع سبب القصور الناتج بصفته مظهراً من مظاهر شكل الدولة فيما يخصّ الفضاء الجغرافي العربي والإسلامي، التي لم تستجب بحكم نظامها الوراثي أو الاستبدادي للشروط الموضوعيّة لخلق العقل النقدي، المُهدّد لبقائها واستمراريتها، وإن فعلت فلأجل جماعات انتقائية منحتها أفضل الفرص التعليمية؛ لتكون قوة تعبوية مجنّدة في أقصى تمثلاتها، لإدارة الصراعات المتخلّقة ضد الدولة، بتشريع من فقهاء مأجورين، أو بتغذية مقصودة للطائفية المفتتة لنسيج المجتمعات. وتقدّم صورتين مغايرتين للدولة إما حضارية، تُقرّ بالرأسمال البشري، أو سياسية تتقوّم بإكراهات ترافق الشعب، في وضع مُثقل بالظلم.

التفكير بين العقل الفلسفي والتلقين:

تتحدّث "شمس الدين" عن ضرورة تأسيس تصوّر لا ينظر لأدمغة الأفراد كأوعية للملء والتخزين، وكأن العقل مادة محدودة، ومعلوم أنه مجرّد وطليق، ميّزة العقل هذه يمكن استثمارها كفضيلة ونعمة، بإعادة الاعتبار للفلسفة وتضمينها في المناهج الدراسيّة، تقول "الفلسفة تبني ذهنية برهانية قادرة على النقد ورافضة للحشو والتلقين وتبدأ بالسؤال والشك، لا بالمسلمات واليقينيات والاتباع دون وعي"

وإن ثورات ومناهضة الأفراد والجماعات، لأنظمة الحكم، ليست مجرد وسيلة ابتداعية للخروج من حالة هضم حقوقها، بل يتعيّن لإحراز نجاحاتها، اعتبارها، سببًا ووسيلة ومقصدًا، "وهو ما يتطلب من الشعوب الراغبة في التغيير ونخبها أن ترسم استيراتيجية بناء جديدة للدولة تكون التربية والتعليم مرتكزا أساسيا فيها وهي الثورة الحقيقية التي تنتج واقعًا جديدًا".

التربية والتعليم وهدف التوحيد

وتلفتْ "شمس الدين" لموضوعة التوحيد ذي الدينامية المؤثرة، في تأسيس أفراد محكومين في مدى سيرورتهم وتطوّرهم، للخالق، لا للمخلوق، بإبراز وتعميق العقل الواعي بالوجود، الناشد ضمن حريته ووعيه وفطرته المجبولة لله تعالى وكماله، وتقول بأن "الاستبداد يقوم على ركيزتين معاكستين لميزتي النفس الإنسانية الحرية والوعي وهما القمع والجهل" وتضيف "التربية وسيلة لتحقيق الربوبية التامة، من خلال تقليل فرص هيمنة المستكبرين واتخاذهم ارباباً، وتمكين سلطة الله ومحوريته في الحياة" وترى افتقار عقل الفرد للنضج، بحيث لايوازي حجم صراعاته الداخلية، وشيوع التعبّد السلبي كان متجذّرًا عبر التاريخ، ولايفتأ يغذّي الانحرافات والجرائم بضراوة.

مصادر المعرفة ودورها في تشكيل بنية التفكير

وفق منطق تحليلي وتصنيفي تعدّد، "مصادر المعرفة في المدرستين الإسلامية والغربية، والأدوات الفاعلة في ترويجها، وهي، العولمة والتكنولوجيا والإعلام والتراث والتاريخ بكل مصادره، تؤطر البناءات الفكرية للأفراد وتنسحب على القطاعات السلوكية والمجتمعية، وخطوات ضبطها وتصويبها وغربلتها تُلزمهم بعمليّة التغيير بمعناها المشترك.

وتعرض الباحثة، "لأنساق الدين، الاعتقادي، والطقوسي، والمجتمعي"، وتقول "إن الشكل والوظيفة الاجتماعية للدين، مرتبطان بفهم شكل المجتمع وتطوره التاريخي، فدراسة الدين من خلال المحتوى التاريخي تساعدنا على رؤية وظائف الدين، إما على أنها عوامل مساعدة لتماسك المجتمع وإما عوامل مثيرة للصراع وذلك تحت تأثير الدين كاتجاه محافظ أو ثوري وهكذا"

من جهة ثانية تبيّن صور التناقض المرئية، في مفهوم الدين وتطبيقاته، العاكسة لقراءة بعض المرجعيّات الفقهية المُراد منها تطويع النصوص، واحتكار الفهم، لتسير بإتجاه تأكيد رغبات السلطة، ومصادرة أفهام الأفراد وتساؤلاتهم، حتى ليبدون غائبين عنها حتى الإمحّاء، فتمثيل الدين كجوهر البناء المجتمعي المطلوب، يقتضي الاعتراف بحق الآخر في طرح الأسئلة والمناقشة والاختلاف، وإن انتمى لخارج المؤسسة الدينية في تخصصه الأكاديمي، وتشجيع مسيرة المتعلمين الجدد، وعدم الوقوف على الماضي كمقدس ومعيق في مجمل الميادين الفقهية. وتقول "الدين كمحتوى إلهي معصوم لا إشكالية حقيقية فيه، لأن أصل وجود الدين وتشريعاته، جاء لخدمة الإنسانية وإرساء العدالة"

الدين وظمأ الإنسان إلى المعرفة:

تطرح "شمس الدين" سؤالاً محوريًا، "ما هي حقيقة المعرفة، أي معرفة تلك التي تنظم حياة الإنسان وترشده للعيش الكريم؟" وتنتقد طرح "العلمانية" لدى بعض المنتمين للأوساط الفكرية النظرية، باعتبارها حلاًّ، لأنهم مدفوعين من تصوّر ضيّق يُخفي الآثار السيئة، إلى تلمسها بحمولاتها الثقافية والرمزية والهوياتية، دون مراعاة الفروق والخصوصيّة المميّزين لشعوبنا، وتعزو السبب "للتداخلات والتعقيدات المتشابكة والمتراكمة للمشكلات التي تداخل فيها السياسي بالمعرفي بالديني ليخنق الإنسان لا ليخدمه" وبالدراسة المتأنية المفصليّة لواقع تلك الميادين المتداخلة، المتكئة على فصلها وتمريرها في مصفاة النظر، لتبيين معايبها، واختراق أقنعتها، واعتبار الحقيقة مرهمًا لمداواة أمراضها لاحقًا، تقول "في ظل الفوضى وادعاء امتلاك الحقيقة لايمكننا زعم استحالة معرفة الحقيقة والحق، بل علينا امتلاك الجرأة والقدرة على مواجهة التحديات لمعرفة الحقيقة بقدر ما نمتلك من ادوات منهجية، فلن أدعي قدرتنا على امتلاك كل الحقيقة ولكنني اقول يمكننا الحصول على جزء كبير منها إذا قررنا ذلك" أما جماعات النخبة الدينية والفكرية فلاجتذابهم نحو رغباتهم، يمكنهم الحياد بمعارفهم لحساب مصالحهم الخاصة. بحسب رؤية "شمس الدين".

وتضع الباحثة مواجهة الذات كخطوة أولى للتشخيص وكشف الميولات والمحفزِّات والتأثيرات ومتعلقاتها، لتكييفها بحيث تتوافق مع النموذج الفطري الأخلاقي. وتوسّل أفراد مستقيمين "تتقدم معارفهم ومصلحة الإنسان على مصالحهم" لخوض معترك "المواجهة والإصلاح. وتحملّ جميع التبعات على المستويات كافة." وتُعلّق "شمس الدين" امتلاك تلك القدرة بدرجة واضحة، تعين في الإجابة عن السؤال المحوري المطروح. والحقيقة التي تؤكد عليها باستمرار "حاجة الإنسان إلى الدين كضرورة لا تنفك عن وجوده، فالإنسان بفطرته ينزع نحو المقدس، ويسكن إليه، المقدس للإنسان هو مصدر طمأنينته وسعادته"

الادراك المعرفي وأدواته:

تشير إلى ضرورة العلم بمناهج التفكير، أو بما اسمته العلم الطريقي، "الذي يدرس مناهج الفهم ويوضح العلاقة فيما بينها وبين تأسيساتها القبلية، ومن ثم بين هذه التأسيسات وبين الفهم" الناظم لطريقة فهم النص الديني، في العالم الإسلامي، الذي أفرز مدارس "كداعش" في تعاملها الحرفي المتحجّر مع المصدر الديني، "دون مدخلية للعقل أو للزمان والمكان، ومداورة لتلك النصوص وإعادة موضعتها فيما يتناسب مع معطيات الحاضر".

وفيما يتعلّق بعناصر التغيير الخارجي، توّضح شمس الدين أن "المرجعية المعيارية التي ينطلق منها صاحب المشروع، الخطوة الأهم في بناء أي رؤية ومنظومة، وتقصد بها مجموعة المعايير والضوابط التي تشكل مرجعية معرفية له على ضوء منظومته الفكرية وتؤسس لمشروعه لتشكيل البنى الأساسية التحتية التي سينطلق منها للبناء الفوقي."

ووفق ذلك تحدد مدرستين متغايريتن تتصدّران المشهد وتشكلاّن شرائح عريضة من الأفراد في كنه العولمة وتداعياتها المؤثرة في تشكيل مفاهيمنا ومنظومتنا المرجعية. وهما، المدرسة الغربية والإسلامية، وتقول "هناك اختلاف كبير جدا بين الحضارتين أو المدرستين وهذه الفروق تكمن في القاعدة والبنية الفكرية والفلسفية لكليهما، والتي على أساسها يتم البناء الفوق والانطلاق نحو كل العلوم والمعارف الفوقية."

وتستلهم "شمس الدين" أطروحة الشهيد محمد باقر الصدر؛ لارتباطها بالرسالة الحضارية، لتقرّر أن الصدر يكشف لنا في معالجته المجتمعية المتسمة بالأصالة والإبداع، عن جانب هام بالقياس إلى عمليّة التغيير الاجتماعي، فيقارن من أوجه متعددة مكونات المجتمع وعناصره، لدى المدرسة الغربية الثلاثية الأطراف الرائية للإنسان والطبيعة والعلاقة بينهما، والمدرسة الإسلامية التي تضيف بعدًا رابعاً وهو الخالق. ويحلل القواعد الفكرية التي تنطلق منها المدرسة الغربية، الحريات في مجالاتها الفكرية والدينية والسياسية والاقتصادية، ومعرفتها المادية المنشأ في الحس والتجربة، هذا التصور يتعارض مع المدرسة الإسلامية التي تضيف العقل والنص لمصادرها المعرفية، فيختلف المثل الأعلى بالتبع لدى كل منهما، ففي الحضارة الإسلامية، يكون الخالق هو المثل الأعلى.

تقول "شمس الدين" "يرتبط المجتمع ذو التركيبة الرباعية كله معرفيًا ومنهجيًا بالله وصفاته ومنهجه، فيكون هو الأصيل والإنسان هو الوكيل، أي خليفة ترشح عنه الأصول، ومستخلفًا يتلقى الأصول ويستخدم عقله وتجربته في قراءة تلك الأصول" وتضيف عن المجتمع ذو التركيبة الثلاثية " غيّب الله، فالإنسان هو محورها، ومصادر معرفته محصورة بالحس والتجربة، وهو مثل منخفض؛ لأنه هو من يضع المرجعية المعيارية فلا يمكننا الوثوق بموضوعيته، وتجرده، وصراعاته الداخلية، وتغليبه لمنافعه وعدم شمول رؤيته"

التعاطي مع مخرجات الحضارة الغربية

وترسم أطر التعاملات مع الحضارة الغربية، بما يوجب الحذر والتدقيق في معطياتها، وما يتدفّق عنها، فيما يتقاطع مع الأس الأهم وهو الخالق وتعاليمه. وقبول غيره فيما يسقط في خانة التبادلات العلمية، والانطلاق من الاحترام، والمماثلة المستقلّة لوجودنا، في مقابل وجودهم.

وتنتقل "شمس الدين" من إطار التشخيص المفهومي لمرتكزات الحضارتين، إلى مستوى البحث في عينات ونماذج حية، أي من البحث في تفاعلات "مفكرين غربيين منذ القرن السادس عشر حتى الثامن عشر، بدأت إزاء جبروت العهد الكنسي، وتملّك الإقطاعيين ومنها حركة الإصلاح الديني وحركة التنوير، والحركة العلمية والثورات الصناعية والسياسية، فهيمنت الفلسفة الإنسانية، لاستعادة دور الإنسان الذي تم تجاهله طوال العصور الماضية"

وحول تحقيق القانون هدف الاستقرار الاجتماعي المستديم، تقول "جوهر الاستدامة في الاستقرار الاجتماعي هو إحراز القانون للعدالة الاجتماعية، والعدالة لاتعتمد في تحقيقها على القانون والانضباط الاجتماعي فقط، بل تحتاج إلى الانضباط القيمي والمعياري والأخلاقي على مستوى الذات وهو ما يمكن تحقيقه من خلال بوابة التقوى"

وتحت مصادر التقنين، تقول "المرجعية الإلهية تنظم القوانين وفق أسس ثابتة وأخرى متغيرة وفق الزمان والمكان، تكون فيها الثوابت مرجعية لتلك المتغيرات، بحيث تشكل قواعد صالحة لكل زمان ومكان، وتكون المتغيرات في مصاديق تحقيق تلك القواعد الثابتة، وإن كانت كليات ثابتة مع تفاصيلها، فإن المحرك العملي هنا، قواعد كلية مرنة منتزعة من الشريعة، تعمل كمفصل مرن يجعل من هذه الثوابت صالحة لكل زمان ومكان، كقاعدة "لاضرر ولاضرار" على سبيل المثال"

وعن معيار الاستفادة من تجارب الآخرين البشرية الاجتماعية وما يتعلق بالتقنين، تشترط "عدم تعارضها مع القواعد الكلية للشريعة، ومع مقاصد الإسلام العليا، وتحقيقها لجوهرة القيم "العدالة" وعدم امتهانها لكرامة الإنسان ودوره الخلافي في الأرض"

وتعود إلى الشهيد الصدر من خلال السنن الاجتماعية وضوابطها، وتفصّل في أنواعها وتبيين مدخليتها في عمليات التغيير الاجتماعي، وتقول "تقدم السنن قوانين عامة تحكم مسارات التغيير، لكن حكمها ليس حكمًا جبريًا، بل إرشاديًا وقانونيًا، لكن القانون يعتبر قانونًا تكوينيًا، وليس تشريعيًا".

وتتعرض عند الحديث عن التغيير بين الفرد والمجتمع، إلى آراء المفكرين والمدارس العريضة حول أصالة الفرد أو المجتمع، وتنتهي إلى نقد دوركايم ورؤيته المتطرفة تجاه أصالة المجتمع، وتخلص إلى كون "المنطلق من الداخل النفسي الفردي، ومن ثم تتسع دائرة النفس لتبدأ تأثيرها، في الأسرة ومن الأسرة تتسع لتنطلق إلى المجتمع" وتقول "إذا غير في نفسه ولم يستطع التغيير في اسرته، ولا مجتمعه، للتضاد في الأفكار والاهداف والقيم والمنطلقات، فإنه يركز على اسرته، وإن لم ينجح فهو مسؤول هنا عن النأي بنفسه، ويكون عمل ذا بعدين لايخضع لسنن التاريخ التي تتطلب توافر بعد ثالث وهو الساحة الاجتماعية".

وتوّجه بشأن معوّقات عملية التغيير الاجتماعي، من "غياب الأسئلة الكبرى المشكلة للتفكير، وحب الذات من زاوية النظر لمعنى الخير والشر للأفراد، وموروثات الآباء والأجداد، والتنميط الاجتماعي للجماعات والأحزاب، وثقافة التقليد، وعدم وعي ضرورة التغيير."

وتستدعي للإجابة عن سؤال محوري مطروح سلفًا، أي معرفة للأختيار؟. حواضن المعرفة وفوارقها المدرسية المتواجدة، في، المذهب العقلي، التجريبي، الإخباري، الإشراقي، والاصولي، وترصد أدوات المعرفة وسبلها، وحقيقتها، وتحدد معالم المنهج السليم لإرادة المعرفة القائم على أسس: البحث عن المعارف على قاعدة الدليل والبرهان، التسليم بوجود ثوابت حقيقية واقعية وفهمنا لها ليس كاملاً، أو مطابقا للواقع بل تتغير الأفهام بتطور أدوات المعرفة وتكامل القدرات العقلية البشرية مع التقادم، ضرورة معرفة وظيفة العقل وقدرته والإيمان بالذات وقدراتها، ومعرفتها، والتعامل مع الآخر بغض النظر عن الظروف الخارجية، يتم التعامل معه من موقع الندية المعرفية لا الذوبان المعرفي."

وتبيّن أن "تحقيق الهدف من وجود الإنسان لا يتم إلا عن معرفة صحيحة، تدفعه لاختيار المنهج الاصلح، هذه المعرفة تطرح له عدة مناهج وطرق وأهداف، بالتالي يشخص هو بعد هذه المعرفة الأصلح من الأفسد ومن ثم تنبعث إرادته لاختيار السلوك المناسب وتطبيقه في الواقع الخارجي، لتحقيق هدفه والوصول إليه" وتحذّر قائلة "الاتباع والتقليد القائمين على المألوف الاجتماعي أو جبره على الانتماءات العصبوية بكل أشكالها، يحولان الإنسان إلى مقلد فاقد للاختيار، وهو ما يجسد يوم القيامة بقانون البراءة، حيث تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ولا يبقى آصرة حقيقية تربط الإنسان بالآخر إلا آصرة المعرفة المرتبطة بالنوعية والأدوات"

الفصل الثاني: الإصلاح ومعوّقات النهوض

تكشف "شمس الدين" عمّا يصاحب الحراك التغييري في تاريخ البشرية الطويل، من "إشكاليات تتمثّل في: غياب النزعة النقدية، والتخلف والاستبداد، والارتهان السياسي واعتبارات القداسة" ومن بداهة حدوث التغيير المعبّر عن إمكانات لامتناهية لمسيرة العقل الإنساني، نضير الحياة المتجددة، وتطوّراتها، توضّح الأبعاد الثلاثة التي تتموضع عليها حركة الإصلاح، "البعد الذهني الذي تتشكل فيه الأفكار المرتبطة بغايات الإنسان، والواقع ومتغيراته وأحداثه، والسلطة (دينية، سياسية، ثقافية، فكرية) ودخالتها في تشكيل الواقع".

ويكتسب النقد لدى "شمس الدين" دلالات متعددة، منها ما يحمل "دلالة إيجابية، تنزع للوصول إلى الإصلاح في المنظومة الفكرية والمعيارية والقيمية للفرد والمجتمع، والمنهج والأدوات وآليات القيادة، الأفراد والجماعات والمجتمع، والقيادة بكل مصاديقها" كما يدل على "السلب" عندما يُراد به استعمال الوسائل النقدية الممكنة لمجابهة الحركة الإصلاحية، فالاستقلال والتمتع بحرية الفكر والخروج من حالة القصور والعجز عن استعمال الفهم، هو المعنى القوي الذي تلمح إليه كظاهرة في "المجتمعات الإسلامية، وخاصّة العربية والخليجية"

وتقرن في حديثها عن "الاحتياجات الفطرية للانتماء للجماعة" في المجتمع العربي والإسلامي، بمسائل "الأحزاب والقبليّات والسلطات" التي تقع في صلب رهانات "العنصريات" بإعتبارها مشغلاً مؤججًّا بالصراعات الصعبة، في مدار السياسة والدين والأعراف، لتدّعم وجود الأمة منطلقة من" فكرة التوحيد القرآنية، وتوسعتها، لتعميق مفهوم التعددية المذهبية، تحت شعار ومحور التوحيد "لله تعالى" وبدورها تخرجنا في مجتمع تعددي من المظلة الأيديولوجية المذهبية، إلى المظلة التوحيدية التي تتناسب وعالمية الامة الإسلامية" وترى ضرورة الطرح التكاملي في توجهات الأحزاب الإسلامية، بحيث تنبني في أدائها ومناشطها، على إلغاء الحدود الموضوعة لاكتساح السياسي للشأن العام، بتفعيل الثقافة والفكر المؤديان للتكوين الشخصي والتشكيل المعرفي للقدرات الشمولية.

وبعد توصيفها لأشكال الحكومات وما ينبغي مأسستها عليه، تنبّه فيما يخص "الإصلاح بين الأنظمة السلطوية وشبه السلطوية"، على وجود نظام يضمن للسلطة مجالات من الحظر، لايجوِّز مسّ مكانته، وتقول "إن الدول التي اقرت دساتير في منطقتنا هي دول شبه سلطوية، يتطلّب التغيير السياسي فيها للعبور نحو الديمقراطية المحققة للعدالة، والمناسبة لقيمنا وثوابتنا، فحركة الإصلاح مقدمتها الطبيعية، خضوع تلك السلطة للنقد والتقويم، وهو ما لا يتحقق إلا إذا امتلك أفراد المجتمع والشعب وعيًا بمنظومة المعايير والحقوق"

وتحدد ملامح "المنهج التعطيلي التوقيفي" في الخصوصيّة المشهدية للمجتمعات العربية والإسلامية، السائد أمام حركات الإصلاح، في "التربية على تقديس الرموز بطريقة غير عقلية، تمنع الفرد المستهدف من توظيف قواه العقلية بطريقة سليمة، ومنع النقد وتعطيله بحجة التكليف والقداسة، التي تمنع كل محاولة تقويم، ولا أنكر وجود التكليف في كثير من المسارات، ولكن أنكر توظيفه بما يشل قدرة الإنسان على التفكير والاستقلال في القرارات المتعلقة بمصيره وعلاقته بالله، ومنع التدوير الوظيفي والموقعي، فتعطّل طاقات الشباب، أو توظف بطرق غير سليمة وتبدأ عملية الانتكاس العكسي، وهنا يأتي دور النخب في قيادة المجتمع نحو حراك وعي"

أما "منهج النقد" المعادٍ للوثوقية المعلّبة، والمناويء للاستبداد بشتّى صنوفه، اجترحت ممارسته عند البعض مسالك خاطئة، تمثلّها "شمس الدين" ب "الصدامية من خلال الألفاظ المستخدمة، والتخوين الممارس بحق الآخر، ونقد من قال وليس ما قاله، وعملية النقد للرأي غالبًا شعبوية، لا تحمل مقومات النقد العملي، وتصدي من ليس أهلاً للنقد، والاسقاط الاجتماعي إما للناقد وإما لصاحب الفكرة"

وتُبيّن مظاهر الاستبداد في سلب الحرية تكون "على مستوى الدولة، و في الأسرة بفرض رأي الوالدين على الأبناء، وقمع آراءهم، وفي المجتمع، عندما يحاول الفرد ليصبح مستقيما فيما توارثه من عادات تخالف الدين والعقل، لينتهي معزولاً بسلطة القوانين الجائرة، و بإشاعة الخوف عبر الاعتقالات التعسفية، وبخروجه عن الثقافة التلقينية، وبتحكم السلطات بجهاز الإعلام لإشاعة وعي زائف يعارض صحوة الأفراد و بإهمال العلوم الإنسانية والفلسفية والمنطقية ذات المنزع العقلي الناهض، و بإدماج مؤسسات المجتمع المدني بما يخدم أجندات السلطة، و بتشويه جماعة المعارضة على مستوى الإعلام والقضاء، و بمشاريع تجارية ذات أهداف موهومة لاستنزاف أموال الأفراد، و بتطويع المناهج التعليمية في جانب العواطف غير المتزنة مع معايير التفكير".

وتُشير إلى المجتمع المقهور ومواجهة التجديد، هذه الصورة الجامحة "للمجتمع المقهور" لتفادي حالة الإنفصال، التي بررّت الاتصال مع "الواقع الاستبدادي الخارج"، فتتخذ ولافتكاك المسلوب منها، الوجهة التعويضية، بما يهيأ لها الانتماءات الواهمة، من شأنها أن تبرز خاصيّة أساسيّة، في التعاطي السلبي مع المشاريع التجديدية، فإذا كان الانفصال يحقق الدلالة الثورية في مجاوزة الحالة التقليدية نحو نظام تقدمي، فإن تماهي تلك المجتمعات مع الاستبداد ، يشكّل شرخ مباغت، وطفرة عليلة في جسد الحراكات، "من خلال عدة طرق أهمها: انشائها شبكة علاقات مع المتنفذين في السلطة ومع المستبد لضمان تحقيق حاجاتها الخاصة، تدفع بعض أفرادها للانخراط في السلطة، لتحقق بنفوذهم ما تريد، المصاهرة وخلق شبكة أنساب مع المستبد ومحيطه واستغلال ذلك لتحقيق نفوذ أو مطالب معينة. هذه طرق يمكن من خلالها للجماعات المنكفئة على ذاتها تحقيق وجودها بشكل محاصّة قبلية لاتمت إلى الدولة وبنيتها بصلة"

تطلّ "شمس الدين" في "التقليد ودوره في صناعة التخلف والاستبداد" على القناعات المثبتة والعادات المتوارثة، فمن شأن الاشتغال على التربية المتسلطة كبت الإرادات وحجرها، في القلاع الأبوية المحصنّة، ليصبح الأبناء وعلى قدر اتساع تلك العلاقة، في تقلّص للمساحات الفردية، فخطاب الطاعة العمياء، يسلب الأبناء حقهم في تكوين وعي مفارق لإملاءات جماعة الآباء، فيُغبنون، في النماذج والمفاهيم المؤولة بما يتماشى، والمطابقة مع رمزية الأب، تقول "فيصبح من مقومات العيش الكريم، امتلاك الأموال، مقابل الولاء الكامل للمستبد، وامتلاك الأموال والرفاه المبني على العطاء المشروط، وإحراز منصب متقدم في السلطة، شريطة القبول بها، حتى لو كانت متعسفة، والحصول على مميزات وظيفية مقابل التعامل مع المستبد، وإمرار مشاريع فاسدة له من قبل هذا الشخص، من موقعه الوظيفي لتنفيع أصدقاء له بصفقات غير مشروعة"

في البدء والمنطلق

تُجسّد رؤية "شمس الدين" للبداية الإصلاحية، لحظة لقاء بين عالمين، عالم القول، وعالم الفعل، ففكرة المزواجة بينهما تبقى واسطة عقد في اختبار صدقية المصلحين، وجدوى دعواهم، في ردم فجوة التقابلات الحادة بين ما يدعون الغير إليه، وحقيقة امتثالهم له، فنبرة إصلاح الخارج يتعذّر تحصيله دون البدء من الداخل، حاضرة بكثافة في تنظير "شمس الدين" في هذا الكتاب. وتربط بين خطين متوازيين في المنهج النهضوي الإصلاحي، "الأول، البناء الداخلي للإسلام وسبر أغوار الإشكاليات التي اعاقت إبرازه كحضارة ونهضة مستديمة، في سيرورتها التاريخية واكتشاف نقاط الضعف ونقد الذات من موقع المتمكن، والمعتز بهويته الإسلامية، لا من موقع التابع والمنهزم، ومستفيدا من الحضارات الأخرى، وتجاربها في النهضة والإحياء، ويتطلب ذلك تفكيكا بنيويا داخل ديني ابستمولوجيا، نشخص من خلاله أهم مكامن الخلل المعرفية في إبراز معالم النهضة الإسلامية، بالاعتماد على قراءة تجارب مصلحين سابقين، والثاني، البناء الخارجي المتعلق بالحضارة الغربية والعوامل الخارجية، المؤثرة في عملية التغيير والاطلاع على كل اسهاماتها، وثمارها اطلاعًا علميًا لا تابعًا، ناقدًا لا مستسلمًا، مستفيدًا لا مستنكفًا، مدركا الفروق الجوهرية ومكامن خلل الاسقاطات والمقايسات بينه وبين حضارات أخرى" .

وتتعرّض لمفهوم الإصلاح، بمعنى "التنظيم والترتيب، وهو حركة تحدث تغييراً نحو الأكمل، أي حركة ديناميكية مستمرة، والمصلح هو الشخص أو المجموعة التي تقوم بعملية التغيير نحو الأكمل" وبعد معالجة أسباب "عدم التناغم بين عدد الشعارات الإصلاحية المرفوعة ضمن المطالب النهضوية، وبين غاياتها على ارض الواقع"، وعدم وضوح العلاقة التلازمية بينهما، بحيث يؤسس الشعار لمفهوم النمط الإصلاحي المُراد، ويدل تمتع الأفراد بهذا الفهم على نجاح الشعارات المرفوعة، تبيّن اختلاف أهداف حامليها، بين الذاتي، والسياسي، واختلاف مدارسهم المنتمين إليها.

وبعد مناقشة "دور القداسة الشخصية واعتباراتها الدينية والفكرية، في دفع مسيرة الإصلاح أو منعها" تنتهي إلى اعتباريّة تأثيرها، لتضع اتجاهات لمعالجة جذور تلك المشكلة: الأول "تفكيك الخطاب الديني، لإعادة بنائه دون التنازل عن ثوابته، ثم صياغة خطاب ديني تعايشي ليس تساهليًا، يضع الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على حروف مقتضيات الزمان والمكان، وجعل الفتوى، في خدمة البحث الفكري ومواجهة الشبهات القادمة مع العولمة، وإنكار سلطة استخدامها بما يجعلها نوع من الإرهاب الفكري المؤسس على تقديس التراث والنص دون إعمال العقل" و الثاني "إعادة إنقاذ النزعة الإنسانية للدين"، و الثالث "إعادة إنتاج خطاب الإعلام، على ضوء ما سبق ليتخلص من رواسب التعصب باسم الدين"

ترصد "شمس الدين" حركة الإصلاح في إنتاج المعرفة الدينية، من تجارب المصلحين، وتأثيراتهم في مجال الحياة الواقعية في سياق تصدّيهم للإصلاح وبناء أشكال مختلفة من تجليات الوعي الديني، وتُعّدد أبرزهم "الشيخ النائيني، والسيد محسن الأمين، والشهيد الشيخ مرتضى مطهري، والشهيد السيد محمد باقر الصدر، والإمام الخميني، ومحمد عبده، وحسن البنا، ومحمد اقبال، وجمال الدين الأفغاني، ورشيد رضا، وآخرين." و"دور الوعي بالفارق، حافزا للسؤال عن سر التقدم الغربي كما عند رفاعة الطهطاوي، ودور الهجرات من الشرق إلى الغرب" الذي أوقف بعض الاعلام الوافدة، على إطار التحديث والمعاينة المبهرة المتفّوقة بأشواط عن محيطهم العربي، وكانت بمثابة محّركات للإعجاب وبواعث لمحاكاة الغرب، ولا تحصر قيام حركات التجديد على تخوم تلك الفترات التاريخية، بل ظلّت دائرة ومتعاقبة تحت مسميّات عديدة.

وتذهب "للمدارس التي برزت في الساحة المعرفية كردود أفعال في التعامل مع الثقافة الغربية: المدرسة السلفية، والحداثية، والتجديدية، والترقيعية، نتيجة للجدلية التي نشأت بين ما هو عليه راهن المسلمين وفهم الدين وبين المطالبين بالتجديد" وفي الحقل الديني، استعان المنادون بالتغيير، لإجلاء الدين من الفضاء التقليدي المتصلّب، وإعادة ترتيبه وعصرنته، بما يستجيب للتحديّات، عبر "مناهج المؤسسات الدينية، وبلورة رؤية إصلاحية، تحاكي الماضي، وتراكم عليه بالجديد والأصيل، وآليات التدريس الديني، وتطوير النظم الدراسية، وإعادة النظر في طرق الاستنباط الفقهي، وتجديد الاجتهاد لكي يغطي أكبر مساحة من الحياة بجميع مصاديقها، والفهم وأثره في بلورة الفكر الديني والنظرية الإسلامية"

الجبهات التي واجهها الإصلاحيون

وبقدر ما تشكّل التحولاّت والنقلات المعرفية، لحظات في مؤشر التميّز والانعتاق، وعلامة اعترافية على التقدّم في البصيرة، المغيّرة في مدى النظر ومألوفاته، فإنه يطرح في الوقت نفسه مشكلات ليس اقلّها تحدّي جبهات، تصدّ الوصول بإتجاه نجاح المشاريع التجديدية، ولا يغيب عن "شمس الدين" توصيفها، "جبهة داخلية تمثلّت في اختلاف الرؤى المطروحة، للإصلاح، لاختلاف الاهداف والغايات، والآليات، ودخول جدلية الأنا على خط الخلافات. وخارجية تمثلت في جهتين، التقليديون من العلماء والمتدينين الإسلاميين والمثقفين، والأكاديميين، والجماهير والعوام من الناس، وتحول الطرح العلمي إلى احتراب شخصاني، أطاح النظريات والحوارات العلمية من خلال قتل طارحيها اجتماعيًا، وفي داخل المؤسسة الدينية وإقصائه عن دائرة الحضور الاجتماعي والعلمي، مما أثّر على عملية الارتقاء العملي والفكري، ونشر ثقافة الخوف بين صفوف المصلحين وحدا بتخلف الكثيرين عن ثقافة الاختلاف والرأي الآخر، وإحلال بديل له وهو الإرهاب الفكري".

وتشكّل سمات "المشروع الناشد للتجديد والإصلاح الديني" واحتياجاته ب "مشروع توعوي يركز على جانبي الفكر والعاطفة، ويعالج المغالطات بطريقة مرحلية ومنطقية، مع طرح بدائل، والارتقاء التدريجي بوعي الجماهير، وطرح الإصلاحات خصوصًا، فيما يتعلق بالشعائر الدينية، مع تقديم البدائل، وتبسيط اللغة في الخطاب، والابتعاد عن الشخصانية في الطرح العلمي الجاد، وإصلاح الأفكار لا الأشخاص، وفصل السياسي عن السلطة ونخبها وفقهائها، ومشروع إعلامي قادر على محاكاة الجماهير، وفق خطة فكرية مدروسة تستطيع إحداث تغيير مفاهيمي، والتنسيق الفعلي بين المطالبين بالإصلاح في الفكر الديني والاصلاحيين الحقيقيين المنطلقين من فهم واع يحافظ على عنصري الأصالة والخلود"

وتطرح "شمس الدين" سؤالاً "هل الحاجة إلى التجديد في الفكر الديني تعني وجود نقص في الدين؟" لتجيب، بقصور العقل من ناحية النظر في وصوله إلى جميع الحقائق والمسائل وإدراكها، ودلّلت على صور التباساته، ومحدويته، بالاكتشافات والنظريات العلمية التي يتم التخلي عنها لاحقًا، لتبيان خطأها وعدم جدوها، بعد عمل العقل عليها وإقرارها مسبقًا، وبالتالي هو محتاج إلى خالقه لقدرة أحكامه ووصاياه في تحقيق السلامة النفسية والمعيشية، وضمان سيره بالاتجاه الصحيح، مما يعني أنّ "القصور ليس في الدين كتشريع وكأفكار واقعية." وتؤكد الحاجة لتجديد الفكر الديني، بالوسائل الخادمة لمجرى الزمن، ومقاصدها النهضوية، الصادرة عن إرادة لتحرير العقل من الانصهار التام في الحضارة الغربية، لتكوين الذات المتوازنة المستقلة المقيّمة لما يُطرح من الأفكار الوافدة.

وفي الفصل الثالث، حول الإعلام ودوره في التغيير وحركة الإصلاح

تعتقد "شمس الدين" بدور الإعلام الإيجابي في عملية الإصلاح والتغيير، كما عرفته أقطار الربيع العربي من ثورات، ومع ذلك فهو مرتبط بالعناصر القيادية والأبنية والتفاعلات السياسية، والغرب بوصفه مصدر القوة الإعلامية، فقد شكّل عقبة في نجاح الثورات والتخلّص من السلطات المستبدّة لتحقيق الممارسة الحقوقية العادلة على أرض الواقع.

ومن مداخل نظرية عديدة مُفسِّرة لنشاط التأثير الإعلامي على الأفراد، مثل وسائل الاتصال كإمتداد للحواس، بإعتمادها ثلاث مقدمات، الوسيلة هي الرسالة، والحتمية التقنية، وتقسيم وسائل الإعلام إلى باردة وساخنة، الوسيلة هنا هي الأصل، ومن يتحكّم بوسائل العصر، يهيمن على كل ما تحتها، و"نظريات التأثير القوي، واجتياز المجتمع التقليدي، والتقمّص الوجداني" تنفذ "الباحثة" إلى علاقته القوية الإيجابية أو السلبية في عملية التغيير.

وتطوّر قطاع الاتصالات والإعلام في النظام العالمي، ذو علاقة وثيقة، مع أهدافه وغاياته، في تعزيز الهيمنة، وتدجين الوعي، تكشف "شمس الدين" عن محددات نفوذها وتغلغلها، على مراحل وهي: مرحلة التمكين، وتقول "عبر بناء جسور الثقة بين السلطة والجمهور بالتركيز على صدقية الحدث، ومن ثم احتكار الحدث والخبر والإعلانات، من خلال المنظومة الرأسمالية" وتسلّط واحتكار فئات محدودة على التكتلات والمؤسسات والرساميل العملاقة، داخل الحوزة الأمريكية، على السوق العالمية، لأهداف تخدم الاستعمار الجديد بناتج الاتصالات الثقافية.

وتضيف "ورسم شخصية نمطية مدروسة، كمنوذج تُحاك وفقه الشخصية الغربية دون وعيها، بما يتناسب وثقافة الاستهلاك وتشيّء الإنسان؛ ليتناسب مع خطتها التسويقية، فأنتجت له حاجات وهمية وقدمتها كحاجات ضرورية وحولت نمط حياته الخلاق بالفكرة، إلى شخصية ذات بعد واحد لاتفكر، بقدر ما هي تنكفيء على ذاتها، ورسخت في ذهنه ثقافة الغلبة والاستعلاء على الشعوب الأخرى، وحق قيادتها تحت شعارات الديمقراطية والحرية الزائفين"

و"مرحلة الاستيلاء"، وفيها امتدت البنية الاستعمارية بفعل العولمة الإعلامية، إلى المناطق الإسلامية، وخططت لنسخ النموذج الغربي وتطبيقه على الشخصية الإسلامية، بتنميط وسائل الحياة وطرقها، وفق مصادر الاستغلال القائمة، على هدم جميع تركات الشخصية المسلمة، عقيدتها ومقاومتها وحضارتها، وتصف "شمس الدين" واقع أغلب المجتمعات المسلمة بالرثّ، ومعتقداتهم بالهشّة، في ترسيخ مفهوم ثقافة العيب والحرام دون دليل وثقافة الجبر العقدي والمسلمات غير المنطقية، وبدعم من التحالفات المستبدة.

وعن تأثيراتها التضليلية في المصطلحات، التي واكبت أحداث سبتمبر، والحملة على الإرهاب دون توضيح ماهيته، تجد "شمس الدين" استعداء واضح لثقافة الرفض والممانعة، بخلطها بمفهوم الإرهاب، وتقسيم العالم إلى محورين، محور الاعتدال ومحور الشر وخلطه بدول وحركات المقاومة.

وحول "مرحلة التجهيل بصناعة الوعي"، تقول "شمس الدين" "تحت ضربات العلمنة، تم بناء وعي جديد تحولت معه أغلب المجتمعات العربية إلى ما يشبه المجتمعات الغربية، بعد تكريس ثقافة الانهزام النفسي في وعي العربي، وغلبة الغرب كفهم قهري غير قابل للنقاش، واستيراد مفاهيمهم حول الدين ونظام الحكم لتلبسيها لعالمنا المختلف الهوية، بأنماط متنوعة من وسائل الترفيه التلفزيوني والسينمائي المؤدلجة" وتُرجع سبب ظهور مشكلات معقّدة تكتنف الهوية الإسلامية من غياب ملامحها، وتسطيح أبعادها الثقافية، وانكفاءاتها، وتوجيه بؤرة الاهتمام للصراعات الطائفية، وفتاوى التكفير واللغط الكلامي، لأثر طويل الأمد من التلقين المعرفي المدبّر.

وتقارب التأثيرات الإعلامية في هذا الفصل من منظورات كثيرة، وتقدّم قراءة في واقع الخطاب، وتضع في النهاية الحلول المرجوّة فيما يتعلق بعلاقة الإصلاح والتجديد بالمتغيّر الإعلامي، بصورة مفصلة نستخلص منها:

"مواجهة الذات ونقدها داخليًا وخارجيًا، بناء منظومة معرفية منتجة، على مستوى الواقع والفعل الاجتماعي وساحات العقل، خطاب استقطابي مؤسس لثقافة المقاومة، مظلة المقاومة الجامعة التي تعمق من حالة الرفض للعبودية والهيمنة وتؤسس لقيمة الحرية كقيمة غائية تحقق قيمتي العدالة والكرامة، اختراق ساحات الغرب إعلاميًا عبر الأدوات والمنهج نفسيهما ولكن وفق مبدأ الصدق ونقل الواقع كما هو وكشف الحقيقة بلغة المجتمع الغرب وأدواته، المهنية العالية في أداء المهمة الإعلامية، تطوير فقه للإعلام والسينما، وجعله أولوية ضمن قائمة الأولويات في التشريع المعاصر".

نتائج وتقويم:

- قيمة الكتاب تظلّ في كونه يُعالج منظومة التغيير والإصلاح، في أفقها الواسع من حيث تحليل المشكلات وماهيّتها  وتفكيك العوائق ووضع الحلول الجذرية لها، وتتبنى الباحثة من خلاله ضرورة التجديد في المجالات الدينية والسياسية والإعلامية، بما يتوافق مع القيم والثوابت.

- تؤكد الباحثة على كون التغيير والتجديد ينطلق من الذات والإرادة، ويبدأ بالفرد ليكمل مساراته في المجتمع، وارتباطه بجهات مستهدفة سياسية، دينية، فكرية، إعلامية، تحدد الآلية الخاصّة الملائمة لكل جانب.

- الروح الرساليّة والإرادية ل "شمس الدين"، تجعلها تميّز بين التغيير كنهضة حقيقية منبعثة في البنيات الذاتية والخارجية، أو كردود أفعال على الرغم مما ينطوي عليه الأخير بالضرورة، من تجديد وقلب ولعله قلب للأشخاص مثلما أشارت، لا للمنظومة المعيارية القيمية ككل، فحيثما يكون أتباع التغيير الموضوي والعشوائي مدموغين بالشعور بالظلم والحراك ضدّه، فإن الثورة لديها ليست مسألة شعور بالحاضر المرّ المنفلت في تراجيديته، وإنما مشروع له أصوليته وعوامله ومنطلقاته.

- تبدع الباحثة في الغوص الاستقصائي الدقيق، بمجهود تؤسس فيه لمشروعها النهضوي النابع من رؤية عميقة، وبإعتماد عدد هائل من العناوين العديدة الأصلية والفرعية.

- قدرة الباحثة وفطنتها السيسولوجية، في تحليل الحركات الإصلاحية بتناولها لعيّنات من المصلحين وتفصيل أسباب الإخفاق وسبل النجاح، مما يجعلها ملامسة للوقائع، في مقاربة تنزّلت بها من فضاء المفاهيم الجافّ نحو تلمّس جوهر الظاهرة بواقعية.

- تشتغل الباحثة، بالحسّ النقدي التحليلي، في مواجهة معوّقات التغيير، وجبهات الصدّ في جذور المسارين الديني والسياسي الاستبدادي.

- تميّز "شمس الدين" بين اتجاهات عديدة للمدارس الفكرية والدينية، وتجعل للمعرفة والمناهج السليمة الدور الأساس في الانتخاب الصحيح بينهم، أي في الاعتماد على الوعي والنقد والتحليل والمقارنة وقراءة الحاضر، الأمر الذي يُحسب لها في جعل الحرية الفكرية للفرد أساسًا في ذلك، ويُبرز في تصورّاتها ذاك القدر الكبير من الحجية البرهانية.

- تنبّه "شمس الدين" في التعاطي مع الحضارة الغربية، بعدم الغفلة عن الاختلافات المرجعية، وتباين الهويات، وخصوصية الثقافات والمجتمعات، والوقوف إزائها من منطلق القوة، والاستقلال، والإفادة منها ومن التجارب البشرية الكونية، بشرط عدم مخالفتها مع القواعد الكلية للشريعة وكرامة الإنسان.

- وتؤكد "حاجة الإنسان إلى الدين كضرورة لا تنفك عن وجوده، فالإنسان بفطرته ينزع نحو المقدس، ويسكن إليه، المقدس للإنسان هو مصدر طمأنينته وسعادته".

 

قراءة وتقويم: ألباب الخليفة

  

879 بغدادصدرت عن دار "ألكا" في بروكسل الطبعة الثانية من كتاب "بغداد في حداثة الستينات" للكاتب والمترجم العراقي جمال حيدر. وهي طبعة مزيدة ومُنقّحة استدرك فيها المعلومات التي غابت عن الذاكرة بفعل تقادم السنوات لكنه استرجع بعضها في أثناء زيارته الأولى لبغداد عام 2004 بعد أن تمثّلها برؤية مغايرة تتقصّى الأمكنة، وتفحص الأحداث بعين واقعية مُحايدة تتفادى قدر الإمكان المبالغات السمجة أو التقزيم المُتعمِّد.

يتألف الكتاب من سبعة فصول إضافة إلى مقدّمة مُركّزة يؤكد فيها المؤلف بأنّ هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية، وإنما هو محاولة لرسم ملامح مدينة بغداد، وتدوين لسيرة أمكنتها الشاخصة أو المطمورة التي استقرت في الذاكرة الجمعية للناس. ينطوي الكتاب على كمٍ وافر من المعلومات والأرقام والتواريخ والتسميات "الإشكالية" التي تتضح معانيها كلّما توغّل المتلقي في ثنايا هذا الكتاب الممتع، وقلّب المزيد من صفحاته الشيّقة. لا يمكن الإحاطة بكل الأحداث والمعلومات التاريخية لمدينة بغداد، فالكاتب ينتقل بسلاسة من بين الأزمنة المختلفة التي مرّت على مدينة بغداد، فتارة يعود إلى زمن إلى أبي جعفر المنصور الذي بنى بغداد المدوّرة، وتارة يعود إلى سقوطها على يد هولاكو عام 1258م. أو ينتقل حينًا إلى العهد العثماني، ثم يتراجع حينًا آخرَ إلى الاحتلال البريطاني الذي قسّم المدينة إلى أحياء ومحلات أخذت أسماء الشخصيات والعوائل التي عاشت فيها ويُورد قرابة 70 حيًّا أو منطقة تبدأ بباب المعظّم والميدان وتنتهي بالسيد عبدالله والعيواضية. وفي كل انتقالة يزوّدنا الكاتب ببعض المعلومات التأريخية مثل نزوح الأرمن إلى العراق بعد الحرب العالمية الثانية واستقرارهم في الموصل وبغداد ومزاولتهم لمهنة التصوير التي اقتصرت على الرجال تحديدًا إلى أن جاءت المصوّرة الأرمنية ليليان التي أخذت على عاتقها تصوير العوائل البغدادية المحافظة. يتقصى المؤلف المعاني اللغوية للعديد من الكلمات والاصطلاحات الأجنبية التي دخلت إلى قاموس المحكيّة العراقية مثل "الكلجيّة" التي تعني بالمنغولية "موضع الرؤوس" حيث كان يقف هولاكو ويعدّ الرؤوس المحزوزة للعراقيين و"كَوك نزر"، المُحرّفة عن العبارة التركية "كَوزيل نزر" وتعني "المنظر الجميل"، و"السِنك" التي تعني بالتركية أيضًا "الذباب" وما سواها من المفردات المنغولية والتركية والفارسية والأنجليزية التي وفدت إلى لغتنا العربية وأصبحت جزءًا من نسيجها المحلي. وفي السياق ذاته يذْكر المؤلف بأن ظاهرة "الأشقياء" قد برزت إلى السطح بعد سقوط بغداد عام 1258م ولم تنتهِ إلاّ في أواخر الستينات من القرن الماضي حيث خيّرهم النظام القمعي السابق بين القتل أو العمل لمصلحة الأجهزة الأمنية ففضّل معظمهم الخيار الثاني.

يعود بنا المؤلف في الفصل الثاني إلى الأسواق التي ازدهرت في زمن المنصور مثل سوق الفاكهة، والقماش، والورّاقين، والعطّارين، والصيارفة، والأغنام، ثم ينتقل إلى زمن مدحت باشا الذي رمّم الأسواق القديمة، وشيّد أخرى جديدة، ثم يتوقف عند أسواق أخرى راسخة في ذاكرة العراقيين مثل سوق "الشورجة" وسوق "السراي"، وسوق "الصفافير"، وسوق "الجبوقجية"، أي الغلايين، وسوق "الهرج" و"الثلاثاء" و"اللنكَة"، و"حنّون" و"حمادة" وغيرها من الأسواق التي تماهت مع مسمياتها أو مع مهنها أو مع الأماكن التي انبثقت منها وصارت جزءًا من تكوينها الجسدي والروحي.

يخصص المؤلف الفصل الثالث من الكتاب لأشهر شوارع بغداد وميادينها مثل شارع الرشيد، والسعدون، والنهر، وأبي نواس، والبنوك، والقصر الأبيض، والمشجّر، والكفاح. وعلى الرغم من أهمية هذه الشوارع ودورها في الحياة الاجتماعية البغدادية إلاّ أن بعض المواقع والأمكنة لعبت دورًا مهمًا في تنوير العقل العراقي مثل مكتبة "مكنزي" التي كانت تبيع الكتب الإنجليزية والأميركية في بغداد، وكيف ساهم دونالد مكنزي في ترويج الكُتب الاشتراكية واليسارية في العراق. أو جامع الحيدرخانة الذي اجتمعت فيه الحلقة الماركسية الأولى بمبادرة من محمود أحمد السيد، نجل إمام الجامع وخطيبه في مفارقة غريبة للترويج للفكر اليساري من الجوامع التي تناصب اليسار عداءً مستحكمًا في العراق والدول العربية والإسلامية. ثمة محلات شهيرة ذاع صيتها بين خاصة الناس وعامتهم مثل "شربت زبالة" و"كعك السيد". وأساطير انتشرت كانتشار العطر في الهواء مثل أسطورة "طوب أبو خزّامة" الذي يعتقد البغداديون أنه هبط من السماء لمؤازرة الجيش العثماني في حروبه المتواصلة. يكتظ هذا الفصل بالحديث عن نُصب وتماثيل عديدة زيّنت شوارع بغداد وميادينها العامة مثل "نُصب الحرية" لجواد سليم، و"الجندي المجهول" الذي صممه رفعة الجادرجي، و"كهرمانة" لمحمد غني حكمت، وتماثيل متعددة للسعدون، والرصافي، وأبي نواس وسواهم من الرموز السياسية والثقافية في العراق.

يتضمّن الفصل الرابع نبذة توثيقية عن تاريخ المقاهي في العراق، ومعلومات عن أول مقهى نُظم بشكل عصري، وأول من جلب الشاي إلى العراق، وكيف أصبح مشروبهم اليومي المفضّل. وثمة أرقام متفاوتة لعدد المقاهي في بغداد خلال القرنين الأخيرين. وقد تضمّن الدليل الرسمي العراقي لسنة 1936 جدولاً بلغ فيه عدد المقاهي بشارع الرشيد لوحده 62 مقهى مسجّلة بأسماء أصحابها، وعناوين مقاهيهم. وفي مطلع الأربعينات عرفت بغداد المقاهي العصرية مثل مقهى "بلقيس" الذي كان يقدّم الشاي بالحليب على الطريقة الأوروبية. يصف المؤلف شارع الرشيد بالإمبراطورية التي تعجُّ بالمقاهي، فمقهى "البلدية" رأسها، و"أم كلثوم" و"الزهاوي"، و"حسن عجمي"، و"البرلمان"، و"الشابندر" و"الشط"، و"التجّار" جسدها، , "شطّ العرب"، و"البرازيلية" و"سمر" أطرافها. يتردد المثقفون العراقيون على مقاهي بعينها مثل "حسن عجمي"، فيما كانت "الشابندر" تحتضن قارئ المقام العراقي رشيد القندرجي، والسيّاب، أما "البرازيلية" فكان يتردد إليها الباحثون عن الهدوء والسكينة أمثال عبد الوهاب البياتي، بلند الحيدري، فؤاد التكرلي، عبد الملك نوري وغيرهم من أبناء الطبقة المتوسطة العليا. ثمة مقاهٍ معادية للثقافة الرسمية السائدة مثل مقهى "مجيد" الذي يُطلق عليه مقهى "المعقدين" أو مقهى "العباقرة" الذي لا يخلو من العناصر الأمنية التي تحصي على الأدباء والفنانين أنفاسهم.

يرصد المؤلف في الفصل الخامس نهر دجلة بجسوره الثمانية، "وشرايعه" المتعددة على ضفتي الرصافة والكرخ، وفيضاناته التي بلغت 18 فيضانًا، أولها سنة 1356 وآخرها سنة 1954، كما يتوقف عند وصف الرحالة الإنجليزي جيمس ريموند وليستيد، والأب أنستاس ماري الكرملي، وعبد العزيز القصاب لبعض هذه الفيضانات.

أما الفصل السادس "طقوس" فقد قسّمه المؤلف إلى تسعة عناوين وهي "رمضان"، "المحْية"، "العيد"، "عاشوراء"، "مدارس"، "شموع الخضر"، "صيام زكريا"، "الكَسْلة" و"الخِتان"، وهي جميعًا طقوس محلية معروفة باستثناء "مدارس" التي يجب أن تندرج خارج هذا الإطار، وتنضاف إلى الفصول الخمسة الأولى مع شيء من التوسّع خصوصًا وأنّ الإعدادية المركزية قد ضمت شخصيات سياسية وثقافية مهمة. فيما ضمّ الفصل الأخير "فوتوغراف" 57 صورة فوتوغرافية لأبرز معالم بغداد الحضارية والثقافية والفنية.

ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب أنه مدوّن بلغة أدبية رشيقة هي أقرب إلى لغة القصة والرواية منها إلى السرد التقريري، فثمة مشاعر قوية طافحة على مدار النص السردي تؤرخ للفتى النابه منذ دخوله إلى الصف الأول حتى مغادرته العراق في منتصف السبعينات حين اقتلعه البعث من جذوره ورمى به إلى المنافي الأوروبية النائية.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

876 عبدالهادي سعدونقرأت في الايام الاخيرة كتابين مترجمين من الاسبانية الى العربية للدكتور عبد الهادي سعدون وهما – ابتهالات الحاج – و– الكوندي لوكانور - وعبد الهادي عراقي مقيم في اسبانيا منذ مطلع التسعينات ويعتبر من القامات الثقافية العربية الساطعة في مجال التأليف والترجمة في اسبانيا، وهو نشط ومبدع ويتسابق في عمله مع الزمن، وهو ايضا كهف حصين في ثقافته وجذوره العربية ، وكذلك رحالة يقيم المحاضرات هنا وهناك باللغتين الاسبانية والعربية وقد قامت عدت دور للنشر عربية واسبانية بطبع ونشر مؤلفاته وحاز على الكثير من الجوائز التقديرية في اسبانيا وخارجها منها جائزة الابداع الادبي الشعري جائزة انطونيو ما تشادو العالمية عام 2009 عن ديوانه الشعري – دائما – وهو مدير دار نشر الفالفا للاصدارات الادبية الاسبانية وعضو جمعية المتاسبنين الدولية AHI.. .. والقارئ الى ترجماته يجد قوة في النص واللغة وتماسك وحبكة في سياقها ومعانيها وبنائها الفني بحيث تشعرك ان المترجم استاذ وصاحب خبرة وتجربة عميقة ومسيطر على اللغة فلا تفوته شاردة او واردة، ولهذا فان ترجماته الى العربية فيها عذوبة غنائية ورومانسية جذابة وطروبة ...

ابتهالات الحاج

كتاب ابتهالات الحاج هي عبارة عن قصيدة طويلة لرحالة موريسكي مسلم الى مكة المكرمة مكتوبة بلغة يطلق عليها اسم - الالخميادية – اي الاعجمية ويمكن من خلالها معرف تدني مستوى آداب الرحاله في ذلك الوقت بعدما خسر المسلمون دولتهم واصبحوا في تخفي ومطاردة من قبل محاكم التفتيش و رحمة الدولة الكاتوليكية . هؤلاء المسلمون اظطرهم الواقع المزري في ذلك الوقت لاختراع كتابة لا يفهمها احد الا هم، يكتبون فيها آدابهم وتفاسيرهم وفقههم وعلومهم وغيرها وهي عبارة عن لغة اسبانية تكتب بحروف عربية. .. وقد اشارة احد الروائيين الاسبان المعاصرين وهو خوان غويستولوا بان على الادباء والدارسين ان يهتموا بهذا اللون من الآداب لانها جزءا لا يتجزءا من الآداب الاسبانية ..

ابتهالات الحاج لا يعرف مؤلفها وهي مجهولة كتبها احد الموريسكيين من منطقة اراغون من مدينة موريسكية تسمى- بوي مونثون- في نهاية القرن السادس عشر او بداية القرن السابع عشر بعض الدارسين للرحلة يضعون تاريخ احتمالي لعام 1603 قبل قانون الطرد الذي شرع عام 1609 من قبل الملك النمساوي فيليب الثالث والذي احدث صاعقة مأساوية للمجتمع الاسباني ... وقد خرج الحاج من بلدتهي على تخفي وحذر وابحر من مدينة بلنسية الى شواطئ شمال افريقيا ومدنها حتى وصوله الى مكة المكرمة ثم عاد الى مدينته من نفس الطريق .. وفي اناشيده او قصيدته يصف لنا رحلته بالتفاصيل عن ما شاهده من المدن الاسلامية والمجتمعات العربية وتقاليدها وعاداتها وما عاناه خلال ابحاره ومخاطر البحر... وتعد هذه الرحلة وثيقة حية لذلك الزمان . مثل رحلة ابن جبير 1145-1217 ورحلة ابو حامد الغرناطي 1080-1169 وغيرهم

876 2

اكتشاف اللغة الالخميادية:

في عام 1884 كان هناك عدد من العمال يقومون بتهديم بيوت عتيقة تعود الى ازمنة سحيقة في قرية- الموناثيد دي لا سيرا- من مدينة سرقسطة حيث كانوا يهمون بنقل حجارتها لبناء بيوت جديدة، وفي هذه الاثناء انهار جدار وسطي متكون من جدارين متلاصقين وقد وجدوا بينهما كما هائلا من المخطوطة القديمة وقد عمد اصحابها دفنها بين جدارين خوفا من اكتشافها من قبل محاكم التفتيش ... هذه الكتب تعرضت للرمي مع الانقاض وبعضها مزقه الاولاد .. وفي الاثناء كان هناك راهبا مارا فشاهد ذلك المشهد فقرر شراء الكتب من العمال مما حدى بهم الى الانتباه الى قيمتها التاريخية فاخذوا يبحثون اكثر عنها فوجدوا كميات اخرى من المخطوطات .. ولما علم بعض المهتمين بالتاريخ في سرقسطة توجه الى المكان واشترى كل ما وجد من مخطوطات وبعد حوالي 27 عاما من الدراسة والتدقيق لها استطاعوا من معرفة قرائتها وحل رموزها وهذه الكتب مكتوبة باللغة الالخميادية الموريسكية . وربما لازالت لحد اليوم هناك كنوز علمية وثقافية تعود للموريسكيين مخفية بين البيوت القديمة .

الكوندي لوكانور:

يعود الكتاب الى الامير دون خوان مانويل وهو يتضمن مجموعة من الحكايات والمواعظ الشعبية والامثال والتي جمعها وصاغها وانتهى من كتابتها عام 1335 م وبطلي هذه الحكايات هما الكونت لوكانور ومستشاره باترونيو والكتاب يتألف من خمسة اجزاء . علما ان الامير قضى ردحا من الزمن مع العرب المسلمين لقضايا شخصية ضد الممالك النصرانية وتعلم الثقافة العربية وتشبع بها و ربما حتى اللغة العربية ولكنه ما برح ان عاد الى اصله وانظم الى ابناء جلدته في الشمال ضد العرب .. ولد دون خوان في مدينة اسكالونا التابعة الى طليطلة عام 1282 وتوفى في قرطبة عام 1348 م ورغم انشغالاته السياسية الا انه كان اديبا بارعا وكان عاشقا للادب العربي ويرى ان اندحار العرب امام الكاثوليك ليس عيبا يحط من قدرهم فقد تركوا حضارة قامت عليها لاحقا الحضارة الاوربية .. وفي هذه الحكايات تأثيرات واضحة من كتاب كليلة ودمنة والف ليلة وليلة .. مثلا عندما قرأت بعض حكاياته وجدت واحد منها وهي . ان رجلا خرج مع ولده وخلفهما دابة فعندما مر عليه جمع من الناس قالوا كيف يسير الاثنان ولم يمتطي احدهما الدابة.. فامتطى الرجل الدابة، وعندما مر عليهما جمع آخر قالوا مسكين الشاب والده على الدابة وهو يسيرمتعبا، فنزل الرجل وركب الولد، فمر عليهما جمع آخر فلاموهما، فركب الاثنان على الدابة فمر ايضا عليهما جمع آخر وقالوا مسكينة الدابة كيف لهؤلاء ضمير ان يحملوها اكثر من طاقتها ... هذا اللون من الحكايات قرأتها في اكثر من الكتاب العربية ومنها قصص جحا ..

طبع هذا الكتاب لاول مرة في اشبيلية عام 1575 ثم اعيد طبعه عام 1642 وبالتالي فقد قراه كل كتاب القرن السابع عشر ثم طبع عدة مرات خلال القرن التاسع عشر وترجم الى اللغات الاخرى ولازال العمل حيا حيث اصبح تراثا حاضرا لما يحمل من قيم ثقافية وجمالية وانسانية ..

 

د. كاظم شمهود

 

 

874 المذهبيةدائِمًا يطل علينا الباحث والشاعر والناقد والقاص، صالح أحمد كناعنة، بالجديد النافع للقارئ العربي، وللمكتبة العربية، كتابه الجديد، تحت عنوان: "المذهبية في الأدب العربي القديم" الصادر عن دار السكرية للنشر والتوزيع -مصر- القاهرة، بإدارة محمد سلامة، يقع الكتاب في 184 صفحة من الحجم الكبير، طباعة أنيقة، تصميم الغلاف فلاح عيساوي، الكتاب عبارة عن دراسة جدية يتناول الأدب العربي وأعلامه من العصر الجاهلي حتى العباسي، توقف بعمق حول قضايا أدبية وفلسفية، ويناقش المذاهب الرئيسية في الادب العربي، يستخلص النتائج ويقدمها للقارئ على طبق من ذهب، يرتكز في بحثه العميق على عشرات المراجع الهامة على آراء الكتاب والنقاد، على أمّهات الكتب، وفي الأساس يعتمد على المصادر الأولية، على ما كتبه الشاعر والكاتب نفسه، يرفق لنا مقتطفات من الشعر الجميل من الحكم والعبر .

الغرض من الدراسة:

يكشف لنا المؤلف صالح أحمد كناعنة في مقدمة الكتاب الغرض الصريح لتأليف كتابه: "رأيت أن أُقدِمَ على هذا العمل المتواضع، في محاولة لبعث روح جديدة في دراسة الأدب العربي القديم بحيث ترتكز أساسًا في البحث عن روح الكاتب الشاعر، على قدرته على خلق الصور والتوحد معه، على قدرته على خلق إطار وجو من التّمَيُّز الشخصي من خلال نصوصه، بحث يستشعر القارئ روح الشاعر من خلال شعره، بغض النظر عن الموضوع أو المعنى العام والمجرد، فالموضوع والغرض والمعنى... ليست بحاجة إلى دارس أو ناقد ليدل القارئ عليه، وكما بين الجاحظ؛ وإنما روح الشاعر وشاعريته وإحساسه وخياله وقدرته على إبداع وخلق الجديد المبتكر من الصور والأخيلة والآفاق التعبيرية والفكريّة... وذلك ما يحتاج إلى دراسة وشرح وتحليل وبيان... جل ما أطمح إليه أن أكون قد وفقت إلى فتح باب جديد لدراسة الأدب القديم وبشكل عصري وعلمي، ووفق روح المذهبية، دراسة تستجلي روح الكاتب، ولا تقف عند حدود اللفظ والمعنى الحرفي، والغرض السطحي المجرد، بل المكشوف والساذج"

من هنا يتضح لنا أن الباحث صالح أحمد كناعنة، لا يدلو بدلوه في عالم النقد الأدبي فحسب، بل جاء ليقلب النظريات والدراسات التي تناولت الادب القديم رأسا على عقب، تلك النظريات التي تشير إلى أن الشعر العربي القديم مجرد ألفاظ، وأغراض محدودة مثل المدح والهجاء وتمجيد القبيلة وغيرها من أغراض الشعر المتعارف عليها عبر العصور، جاء ليمنح الشعر العربي القديم حقه المسلوب، لينصف العديد من الشعراء والكتاب، ويدحض الهالة الكبيرة التي أحاطت وتحيط ببعض الشعراء...

البحث جاء ليضع الأمور في نصابها، وينصف أصحاب الأقلام الجادة، ويبيّن جهدهم وأثرهم على الحركة الأدبية حتى يومنا هذا..

صالح أحمد كناعنة في كتابه يحاول إعادة قراءة الشعر العربي القديم، بأسلوب جديد، يتلاءم مع روح العصر، يتّكأ على ثقافته العميقة واطلاعه الكبير على الأدب القديم وأمهات الكتب، وعلى تجربته الغنية في الشعر والنثر والقصة والبحث الأدبي والفلسفي وثقافته الدينية الواسعة وعلى حدسه وتحليله الشخصي... يحاول تأسيس مدرسة خاصة في التعامل مع روح الأدب وروح الشعر (ص 11) يقول الكاتب: "ليس الشعر العربي الجاهلي مجرد شعر رعاة ساذجين، لا يتقنون من الحياة سوى الوقوف على الاطلال، ووصف ما يرونه في الطريق، ومدح الملوك للتكسب، وغير ذلك مما يدرج تحت ما اتفق على تسميته بأغراض الشعر العربي، بل هو شعر راق ومتطور، يزخر بالصور الفنية الراقية التي تصدر عن نقس ذواقة وحس راق، وشعور مرهف، ونفسية منسجمة، مع بيئتها انسجاما تمازجيا حسيا ووجدانيا ساميا، تعبر عن حياة ثرية الموراد والمقاصد، تحفل بموروث عظيم من الأساطير والخرافات، والمعتقدات، مما أكسبه بعدًا أسطوريًا فريدًا"

من خلال كتابه يدخلنا المؤلف إلى عالم الشعر من أوسع أبوابه، يحاول تصنيف المذاهب الشتى وفق منهجية واضحة يدعم استنتاجاته، يستشهد بأقوال الشعراء أنفسهم، يتناول الشعر الجاهلي ويخلص إلى أن في الشعر الجاهلي مذاهب أربعة:

- المذهب الحماسي: المرتبط بالفروسية والغزو وتحقيق أمجاد القبيلة.

- المذهب البلاغي: المرتبط بحب البلاغة والتنافس البلاغي.

- المذهب الحكمي: المرتبط بحب الحكمة الموجز، والتطور الفكري الطامح للمثالية العقلانية والسلوكية.

- المذهب الحماسي:

يندرج تحته كل ما وصلنا من قصص الزير سالم، وبني هلال، وعنترة، وما زخرت به قصص أيام العرب، مثل معلقة عنترة العبسي وأخباره، وعمر بن كلثوم التغلبي وغيرهم.

أما في صدر الإسلام فيقسم الكاتب المذاهب إلى:

- الوجدان الغريزي

- الوجداني العقائدي

- الوجداني العقلي

- المذهب اليقيني

- المذهب الأخلاقي

- المذهب التعبيري

- المذهب العقلاني

- المذهب الحماسي

- المذهب الروحاني

أما في العصر الأموي:

- المذهب الزهدي

- المذهب الرومانسي ( توجه عذري، توجه جمالي)

- المذاهب الفكرية الفلسفية العقدية.

 

العصر العباسي: يطلق عليه عصر القمة

- المذهب العبثي

- المذهب الجمالي الحسي

- المذهب الجمالي الذهني

- المذهب الجمالي التصويري

***

- نزعة الاستدلال العقلي عند الجاحظ:

يناقش الكاتب فكر وفلسفة ومذهب الجاحظ، ويخلص إلى نتيجة مفادها: "يعتبر الجاحظ أستاذ المدرسة النثرية في العصر العباسي، بل وسلطانها، فهو الذي جعل للنثر الفني والأدبي والعلمي مكانة مرموقة بعد أن كان مقصورًا على الخطب والرسائل والترجمات، وهو إلى ذلك رائد الجدلية الفكرية الأدبية في العالم العربي. الجاحظ بلغ بالنثر مراقي الجدلية العقلية والفكر الاستقرائي، والتعبير الأدبي الراقي والمميز ليستوعب كل أجناس الأدب،من قصة وأحجية وطرفة وسخرية وجد وهزل ورزانة... وصولا إلى الفلسفة الجدلية، والاستقراء العلمي.. ليصل من الفرضية إلى البرهان، ومن الشك إلى اليقين... فالجاحظ موسوعة عصره فكرًا وأدبًا، مهارة وعلما وثقافة".

- ابن سينا ومنطق اليقين:

يتناول الكاتب فكر ابن سينا، ويركز على كونه شاعرًا وأديبا لا يقل عن كونه فيلسوفًا: "كان اهتمامه بأن بكون شاعرًا، لا يقل عن اهتمامه بأن يكون فليسوفًا، بل لا يرى فصلا بينهما. والشعر عنده يجب أن لا يكون مقصودًا لذاته وإنما لغاية، وغاية الشعر عنده الحث على فعل، أو الكف عن فعل، كما يشترط فيه تحقيق المتعة واللذة والفائدة لدى القارئ والسامع، وهو القائل في رسالته عن الشعر: "المستحسن في الشعر هو المخترع المبتدع (المتخيل)" .

- المذهب الصوفي:

يعرف المذهب واختلاف الباحثين حول التسمية، بعضهم يقول أن أصل التسمية هو تحريف لكلمة "سوف" باليونانية وتعني الحكمة، وبعضهم يقول: سبب التسمية من لبس صوف التيوس، أظن هذا هو الارجح. وبعضهم ينسب التسمية إلى الصفاء. وقيل: إن الاسم معروف قبل الإسلام، وكان ينسب إلى أهل الصلاح والعلم...

يناقش الكاتب شعر الصوفيين وأدبهم، مبيّنا أن الحب عندهم على أنواع: الهوى، العشق، الود، الحب الإلهي، الحب الروحاني، الحب الطبيعي... ويعرض أهم المصطلحات الرمزية عندهم وأكثرها شيوعا: (المقام، الحال، الوجد، العشق، الحبيب، السُّكْر، الصحو، الذوق، الري، القرب، البعد، الفراق، المحو والاثبات، التستر والتجلي، التجلي للخواص، القربة، الوصال، التجريد، الرياضة، الفقر، الروح المقدسي، الروح السلطاني، حجلة الأُنس، القدرة، التجريد..."

ويستشهد الشاعر بأقوال الجيلاني، ابن عربي، والحلاج، وغيرهم... وهو يركز على الجيلاني والحلاج خاصة وهو القائل:

مزجت روحك في روحي كما  كما تمزج الخمرة بالماء الزلال

فاذا مسك شيء مسني  وإذا أنت أنا في كل حال (الحلاج)

 

وإن كنا نحبذ أن يستطرد عن شعر الحلاج وما أصابه من انتقام سياسي، لكن الكاتب آثر السلامة في هذا الموضوع فاقتصر بحثه عن الصوفية في عرض مذاهبهم الأدبية وركز على أشعارهم، ليخلص إلى بيان أن: "الصوفية تفكير وتدبير، نمط سلوك ومنهاج حياة... وهذه التكاملية واجبة في حياة الصوفي، ترافقه من الوسيلة إلى المشاهدة ليكون من أهل السلوك والجاذبية" ص 141 .

 

- مذهب الرمزية:

الرمزية في أدب ابن المقفع: في كتابه "كليلة ودمنة" الذي جمع بين مألوف المثل والاسطورة عند العرب، المشبع بالتشبيه والاستعارة الشفافة والأنسة، والتمثيل الحسي والوجداني.. ليعبر عن نقده العميق، واستيائه الشديد من جهل الحكام وعسف ممارساتهم (ص148). وقد جاء كتاب كليلة ودمنة، بعد كتابيين غلب عليهما طابع الترجمة أو التعريب خاصة عن الفارسية لغة قومه:

- الأدب الصغير: يتحدث عن أدب السلطان، أدب الصديق والمصادقة...

- الأدب الكبير: يدور حول سياسة الاجتماع، وتهذيب النفس وترويضها على الأعمال الصالحة ومعرفة الخالق .

يخلص الكاتب إلى نتيجة: أن الأدب الرمزي والرمز في الأدب بلغ ذروته في العصر العباسي، ليبدأ رحلته الطويلة لاحتلال مكانة خاصة ومميزة في الأدب العربي والعالمي فيما بعد بأشكال وأساليب أكثر نضجًا وتطورًا .

الباحث صالح أحمد يخلص إلى نتيجة هامة حول كتاب "كليلة ودمنة" مبيّنا أنه: "أراد من خلالها تتويج حملة الموالي (الشعوبية) وهو من زعمائها – في نقل التراث الفارسي إلى العربية بأرق وأسهل وأعذب أسلوب؛ لتستولي على عقول العامة، وتستميلهم إلى التراث الفارسي، وتصبغ المجتمع بالثقافة الفارسية، إلى جانب إرادته في لفت الأنظار إلى فساد القصور والحكام، وما يدور حولها، وخلق روح ناقدة في المجتمع"(ص151)، وإن كنت أختلف مع الكاتب في استنتاجاته، فمن الطبيعي أن يتأثر ابن المقفع بالثقافة الفارسية والهندية، لم يتطرق المؤلف الى نهاية ابن المقفع المأساوية،الذي اتهم بالزندقة في اعتقادي كانت جاهزة لكل معارض سياسي، تماما مثل محاكم التفتيش بالأندلس، لق المؤرخ الذهبي في كِتابه سير أعلام النبلاء على هذه الحادثة قائِلاً:

«كانَ ابنُ المُقفَّعِ معَ سعَةِ فَضْلِه، وَفرطِ ذكائِهِ، فِيْهِ طَيشٌ، فَكانَ يقُوْلُ عَنْ سُفْيَانَ المُهلَّبيِّ: ابْنُ المُغْتَلِمَةِ مِما تَسَبّب بقتلِه.» قتل ابن المقفّع وهو في مقتبل العمر، ولم يتجاوز السادسة والثلاثين عند موته. إلا انه خلّف لنا من الآثار الكثيرة ما يشهد على سعة عقله وعبقريته، وانه صاحب المدرسة الرائدة في النثر. المقفّع اظهر عيوب النُّظُم الإدارية في عصره وفضّل النظم الإدارية الفارسية، فالحقيقة إن العرب كانوا بعيدين عن النظم الإدارية، بسبب حداثة الدولة الاسلامية وانتشار الاسلام السريع .

وإن كنت أتوقع من الباحث أن يتعمق أكثر في كتاب كليلة ودمنة، أصل الكتاب، وأثره وأهميته، وسبب انتشاره، ويشرح عن أبوابه، لكن الباحث عالج الأمر باقتضاب شديد، وتركز في حدود المذهبية فقط.

يختم الباحث كتابه بالأدب الأندلسي، يعرفه، ويعرفنا على المذاهب الأدبية لديهم منها: التقليد والتبعية: أي الكلاسيكي المتتبع لمنهج القديم، والتبعية الفكرية، المذاهب الفلسفية، الموشح "مذهب الفن للفن".

خلاصة:

الباحث والأديب صالح أحمد كناعنة، قدم لنا الأدب العربي القديم، في حلتة الجميلة، من خلال قراءة جديدة مغايرة، لا يناقش من خلالها تاريخ الشاعر والأديب الشخصي، بل يحاول الولوج إلى روح الشعر ومعاقله وعرين الابداع، يستعرض أجمل الأشعار وأعذبها، يفسرها بلغة عصرية... وقد حاول إنصاف الشعر الجاهلي وشعر صدر الإسلام، الشعر الأموي ـ والعباسي، والأندلسي، ناقش فكر الأعلام والشعراء والمفكرين مثل: ابي العلاء المعري، الجاحظ، ابن سينا، ابن المقفع، الحلاج، وغيرهم... هذا البحث الموسوعي، يزخر بالفكر والشعر والنظريات... معتمدًا مئات المراجع، ليخلص إلى آراء واستنتاجات الباحث الذي يقدم لنا عصارة الفكر على طبق من ذهب .

نبارك للصديق والأديب الفذ صالح أحمد كناعنة عمله الجديد الجاد، الذي يعتبر مرجعًا هامًا لكل باحث في الأدب العربي القديم، ومتذوق للشعر العربي الأصيل، ويضيف الكثير للمكتبة العربية وللأمانة الأدبية .

 

بقلم : سهيل ابراهيم  عيساوي

 

 

محمد السعديهذا عنوان الكتاب الذي أهدانياه الدكتور خليل عبد العزيز المثقف والسياسي والمناضل، والذي ولج طريق السياسة منذ نعومة أظافره . حيث واكب الحياة السياسية العراقية في مدينته (الموصل) . منذ بدايات أرهاصاتها السياسية الاولى في الصراع التاريخي بين القوميين والشيوعيين والتي تفجرت بحركة الشواف الانقلابية عام ١٩٥. عندما كان خليل عبد العزيز شاباً في بداية منعطفه السياسي متصدراً مشاريع اليسار والحزب الشيوعي العراقي ليحمل لوائه في الدفاع عن أهدافه ومنجزات ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨ . كانت تلك البداية في الانطلاق لتستمر مسيرة طويلة وحافلة من النضال والصعاب والغربة والموقف والتحدي بين شتى بلدان عديدة تقاذفته مناحي الحياة لتجمعه برؤساء دول وقادة أحزاب وسياسيين . بلغ من العمر عتياً، لكنه غزير الابداع والانتاج والذاكرة ومازال يضحي بوقته الثمين في العاصمة السويدية (أستوكهولم)، يرفد الثقافة الوطنية بنشاط يومي وفعال في الدفاع عن وجه العراق الناصع وتاريخ الشيوعيين الوطني .

عن دار (سطور) للنشر والتوزيع في العاصمة بغداد صدر كتابه في طبعته الأولى عام ٢٠١٨ . عن ٣٢٤ صفحة من حجم الورق الكبير، والذي ضم بين جنباته تاريخ حافل بالاحداث منذ مطلع الخمسينيات الى يومنا هذا . محطات تستحق الذكر والقراءة والدراسة لاستخلاص المواقف والتحديات لمواجهة أزمات الواقع الحالي . 

جاء في مقدمة كتابه (محطات من حياتي) بخط قلم صديقه ورفيقه كاظم حبيب .. سيرة ذاتية ديناميكية بين الموصل . بغداد . موسكو . عدن . ستوكهولم . لكل واحدة من تلك المدن، كان للدكتور خليل محطات نضالية ومواقف أنسانية تركت أثرها الواضح في معطيات تلك المدن وسيرة أحداثها من خلال دوره وموقعه في قلب الحدث حاملاً فكره وأيمانه بنصرة الانسان ودوره في بناء صرحاً أنسانياً يليق بآدمية الانسان على الارض .

الكتاب (محطات من حياتي) . كل فصل فيه يحتاج الى كتاب مستقل بما يحمل من أحداث أرتبطت وأنطلقت من أرض العراق ليجوب العالم بها ومؤمناً بحتمية التاريخ في صراع الارادات والمواقف والافكار .

قرأت الكتاب بتمعن وحرص شديدين حرصاً مني على سبر أغوار التاريخ المنسي أحداث ومواقف تلقفناه كأي تلاميذ أبتدائية في مقتبل مشوارنا السياسي ولضعف قدراتنا الفكرية في التحليل والقراءة لنبني رؤى عليها بشدة بساطتها لم يرحمنا الزمن بعمق معانيها . أرادة الدكتور خليل عبد العزيز في فك مفاصلها العقدية من خلال كتابه الذي جاء تتويجاً لمسيرة نضالية قاسية كان أحد مناضليها المهميين في تجسيد تلك المعاني النضالية وروايتها بلغة صادقة وجريئة في تعاقب أحداثها، وهذا ما يميز منجزه الفكري والسياسي في صفحات كتابه محطات من حياتي .

وقفت متأملاً بعد أن أنهيت صفحات كتابه الثمين من أي باب سوف أدخل ؟. وأي موضوعه سوف أختارها في شهادته التاريخية عن حقبات مهمة في تاريخنا العراقي ؟. والتي شدتني حقاً في تتبع تفاصيلها برؤية وطنية بعيداً عن أجندات لقد أخرتنا زمناً طويلا ًفي بداية مشوارنا النضالي وحددت أطر التحليل والتجديد والفهم الواقعي برؤية نقدية من منظور ماركسي لينيني حول حركة المجتمع ومستقبله .

تعرض خليل عبد العزيز الى الملاحقة والاعتقال والحكم عليه بعد أحداث الشواف، دارت به الدنيا وتقاذفته السجون من سجن بعقوبة المركزي وأنتهت بأبعاده الى مدينة (بدرة) الحدودية التابعة للواء الكوت، كان في طليعة المقاومين لمؤامرة الشواف في الموصل بأعتباره أبن المدينة وعضو في الحزب الشيوعي العراقي ومن المتمسكين بأهداف ثورة تموز ومنجزاتها، ومن المساهمين في تأسيس أتحاد الطلبة العراقي العام ١٩٥٢ في مدينة الموصل .

قضى ردحاً من الزمن الطويل في الاتحاد السوفيتي، وبات من الوجوه البارزة والمألوفة في معهد الاستشراق ومن خلال فضاءات تلك المعهد تعرف وأطلع على شخصيات وأحداث مهمة في العلاقات الدولية ومن خلال تلك العلاقات تسنى له أن يحدد ويتخذ مواقف بما يمليه عليه أنتمائه الوطني، وهذا الكم الهائل من الرؤى والمواقف والتجارب في كتابه تجرك الى أحداث مشوقة ومهمة في رسم سياسات العالم .

فصول الكتاب المتعاقبة زمنياً في الحدث والمكان والتاريخ دعنا أنها مشوقة ولكنها لا تخلوا من المتعة ولهفة المتابعة وسرد للتاريخ، بتنا اليوم وبما يمر به بلدنا العراق والمنطقة من ويلات وأرباك في الشأن الوطني والانتماء القومي ففصول الكتاب وأحداثه التوثيقية تقربك من عمق وخفايا تلك الاحداث .

توقفت عند كل فصل من تلك الفصول، وبتقديري كانت مهمة جداً لانها تدخل ضمن العلاقات الدولية ومصالحها الخاصة وغلبتها على القييم والمباديء والانتماءات المشتركة .

واحد من تلك المداخل ، والذي يبدأ بوصول البعثي ورجل المخابرات (فاضل البراك) الى معقل الشيوعية وهو من المعادين لها فكراً وممارسة، وأصبح نائب الملحق العسكري في السفارة العراقية ومسؤول محطة المخابرات العراقية في موسكو، قدم أطروحته حول حركة رشيد عالي الكيلاني عام ١٩٤١ والتي تدخل ضمن الدراسات القومية وفي الوقت الذي يعتمد ضمن نهج وسياسة المعهد هو الاهتمام وأعطاء الاولوية للدراسات الماركسية اللينينية، والشيوعيين أولى بمقاعدها .

يتضمن كتاب (محطات من حياتي) للدكتور خليل عبد العزيز مداخيل عدة ومهمة وغير مطروقة سابقاً في أسرار وبروتوكولات في العلاقات الدولية ونمط تحديدها من أحمد حسن البكر الى ملك حسين الى محمد سياد بري الى حافط الاسد الى عبد الفتاح أسماعيل، وأنتهاءاً بجمال عبد الناصر . ووجهة السياسة السوفيتية في التعامل مع وجهات نظر ونمط حكم ورؤية هؤلاء الرؤساء مع حركات شعوبهم وعلاقاتهم بقوى المعارضة الشيوعية في بلدانهم . عكس الدكتور خليل في متون كتابه تلك الوقائع بأعتباره شاهد وباحث وسياسي وأعلامي .

خصص الدكتور خليل في كتابه فصل كامل ومهم للقاريء العربي من وجهة نظر سياسية (يسارية) .

السياسة السوفيتية وعلاقتها بالاحزاب الشيوعية العربية، والتي مازالت الى يومنا هذا تتصدر المشهد السياسي العربي (الشيوعي)، في تداعياته المتشظية في اللوم والنقد وعدم الرضا تجاه مصير أحزاب وشعوب وحركات وأحداث .

البلاشفة في ثورتهم التاريخية ٦ أكتوبر ١٩١٧ بقيادة زعيمهم فلاديمير إيليتش لينين، أستلهم الدروس الأولى في تطبيقاتها على أرض الواقع بدكتاتورية البروليتاريا وسلطة العمال في البناء الاشتراكي من تعاليم كارل ماركس ورفيقه فردريك أنجلس، لكن بعد موت لينين العام ١٩٢٤ ترك فراغاً كبيراً في قيادة دفة الحزب وفي عملية بناء النظام الاشتراكي بصعود قيادات متهورة بأمكانيات محدودة ومحصورة في النظرية والتطبيق والممارسة . ستالين وصحبه وخطابهم الايديولوجي الجديد الذي يتقاطع تماماً مع خطوات الزعيم الشيوعي لينين، والذين تمسكوا بخطواته في بدايات مسيرة الثورة وعملية البناء تمت أزاحتهم من قيادات الحزب الشيوعي السوفيتي، بوخارين، زينوفيف، كامينيف، تروتسكي، وتعرضوا الى سلسلة أنتهاكات، سلسلة عمليات تطهير كاملة شملت أهم قيادات الحزب الشيوعي، ولم تنتهي الا بسقوط النظام الشيوعي والذي أعتبر زلزالاً هز العالم، مثلما أعتبر الامريكي اليساري (جون ريد) في كتابه حول يوميات ثورة أكتوبر (عشرة أيام هزت العالم)، قبل سبعة عقود مضت.

تضمن الكتاب حوارات صحفية أجراها الصحفي فرات المحسن مع مؤلف الكتاب الدكتور خليل عبد العزيز ومن أهمها حول علاقة السوفيت بالاحزاب الشيوعية العربية، حيث أنها يصفها علاقات بين تابع ومتبوع من خلال موظف حكومي وحزبي صغير يشغل مكاناً متواضعاً في جهاز المخابرات يدعى (نيجكين) يقبل الهدايا ويطالب بالرشاوي من قادة تلك الاحزاب لتمشية معاملة لقاء مسؤول أو مكاناً في منتجع على شواطيء البحر الأسود . يذكر عبد العزيز في كتابه عندما وصل الى موسكو ألتقاه الشهيد سلام عادل ونبه بعدم قبوله الذهاب الى تلك المنتجعات لو عرض عليه من خلال يومياته التي قضاه في تلك المنتجعات والأساليب المتبعة والمعمول بها والهدف من ورائها . تعامل القادة الشيوعيين السوفيت مع ملفات الاحزاب الشيوعية العربية بالضد من أرادة جماهير هذه الاحزاب بالتنسيق مع قادتها في أجهاض أي مشروع ثوري يؤدي الى ثورة وطنية من خلال أستلام السلطة في بلدانهم أي كان هناك إذعان وخضوع كامل لوصايا اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي السوفيتي من خلال ممثل لجنة العلاقات الخارجية الرفيق (بوناماريوف)، والذي كان يصغى بشكل طوعي الى معلومات (يفغيني بريماكوف)، الذي بدوره يقدم معلومات سيئة وصورة غير واضحة عن سياسات ومواقف الاحزاب الشيوعية العربية ومحاولات لوي ذراع لسياسة الاحزاب الشيوعية العربية التي لا تتماشى مع وصايا القادة السوفيت وخير مثال الحزب الشيوعي السوداني أيام عبد الخالق محجوب الذي كان يعارض علناً السياسة السوفيتية مما مورست عليه ضغوطات كبيرة وحصار سياسي وفكري لتحيده عن مواقفه، بل تعدى الأمر الى أبعد من ذلك بمنعه من حضور أجتماعات الاحزاب الشيوعية العربية لمواقفه الصريحة والعلنية في أنتقاد السياسة السوفيتية تجاه شعوب المنطقة وأحزابها الوطنية، في الوقت الي كان مدير معهد الاستشراق (غفوروف)، له رأي أخر تجاه السياسة السوفيتية أكثر واقعية وتطلعاً مشرقاً لنضالات تلك الاحزاب نحو الحرية والاشتراكية كما أكد الدكتور خليل عبد العزيز في كتابه (محطات من حياتي) .

مارس الشيوعيين السوفيت ضغوطات كبيرة على قيادة الحزب الشيوعي المصري للانضمام الى مشروع الاتحاد الاشتراكي العربي بقيادة جمال عبد الناصر الذي أسسه بتوجيهات من السوفيت بعد مشروع السد العالي، بل ذهب السوفيت الى أكثر من ذلك بمطالبتهم للحزب الشيوعي المصري بحل تنظيماته وألغاء كيانه السياسي والتخلي عن مشروع الثورة والسلطة، ولم يستطيع ذلك الحزب العريق في مقاومة الضغوطات السوفيتية بسبب ضعف أمكانياته على المستوى العام، فاندحر مستسلماً صاغياً، أزاء أدعاء عبد الناصر السياسي نحو بناء نظام أشتراكي عربي وبدعم سوفيتي واضح، وفي الوقت الذي كانت السجون المصرية تغص بالشيوعيين المصريين والتقدميين .

موضوعة التطور اللارأسمالي والانتقال الى السلطة سلمياً وتسويقها أيدلوجيا منذ نهاية الخمسينيات لأطفاء شعلة الثورة بين صفوف الشيوعيين في العالم، أعتمدها السوفيت في علاقاتهم الخارجية تجاه الدول النامية، على حساب مصلحة ومصير القوى اليسارية والديمقراطية في ذلك البلاد .

العراق والحزب الشيوعي العراقي من أكبر ضحايا السياسة السوفيتية في تضييع فرصته التاريخية في أخذ السلطة من مجموعة من العسكر المتهورين الزعيم عبد الكريم قاسم ورهطه . وفي فترة حكم الزعيم قاسم طالب عزيز محمد بحل التنظيم الحزبي داخل الجيش العراقي وأثنى عليه عامر عبدالله لعدم أزعاج الزعيم وتبديد خوفه من تطلع الشيوعيين الى السلطة وتماشياً مع الموقف السوفيتي تجاه العراق .

وعلى غرار ما حدث في مصر . أراد السوفيت أن يعيدوا التجربة السيئة في العراق، فبعد أنقلاب عبد السلام عارف على سلطة البعثيين في ١٨ تشرين الثاني العام ١٩٦٣ والاعلان عن الاتحاد الاشتراكي العربي، ضغط السوفيت على قادة الحزب الشيوعي العراقي بأتجاه حل تنظيمات الحزب والانصهار في بوتقة الاتحاد الاشتراكي العربي، هنا برز خط (آب) في تبني هذه السياسة بالتناغم مع موقف السياسة السوفيتية حول رؤيتها بمصير الاحزاب الشيوعية العربية، والشك بقدراتها على تعبئة الجماهير وقيادتها نحو البناء الاشتراكي .

وقد أقر خط آب في أجتماع اللجنة المركزية عام ١٩٦٤ المنعقد في العاصمة (براغ) بالاغلبية فقط أعترض عزيز الحاج عليه وتحفظ أراخاجادور على التصويت، وخط أب هو أمتداد للنهج الستاليني اليميني وتعزيز للسياسة السوفيتية باتجاه تهميش دور الحزب الشيوعي العراقي في قدرته على تعبئة الجماهير وقيادته على العمل الثوري في البناء الاشتراكي من خلال مفهوم التطور اللارأسمالي والذي أعتمده الحزب الشيوعي في سياسته العامة في مؤتمره الثالث العام ١٩٧٦ المنعقد في بغداد تحت شعار (من أجل ترسيخ وتعميق المسيرة الثورية وتوجه العراق صوب الاشتراكية) . وفي إجتماع اللجنة المركزية المنعقد في بغداد نيسان العام ١٩٦٥ أثير نقاشاً حاداً حول خط آب وتداعياته السلبية بين الناس وجماهير الحزب فتم رفضه بالكامل من قبل المجتمعين ورميت كل قراراته السابقه في سلة المهملات، وأنتهجوا سياسة جديدة وصدروا بياناً ضد حكومة عبد السلام عارف ودعوا الى أسقاطه . وحاول عزيز محمد بعد عودته من موسكو بأعتماد سياسة خط أب بصيغة التطور اللارأسمالي، وفي الأخير نجح بعقد جبهة وطنية وقومية مع البعثيين في تموز عام ١٩٧٣ .

الدكتور خليل عبد العزيز في كتابه سلط الضوء على أحداث مهمة مقتطعة أو مجزء من التاريخ فعادها الى مكانها المفترض من خلال تجربته النضالية والاعلامية والسياسية .

 

محمد السعدي

مالمو / أبريل ٢٠١٩

 

860 حقوق الكنيسةشهدت علاقة الكنيسة الكاثوليكية بموضوع حقوق الإنسان عدة تطورات، ونظرا للمنشأ العلماني لهذا الموضوع في التاريخ الحديث فقد شكّلَ نقطة خلاف جوهرية بين الكنيسة وبين الدولة الحديثة في الغرب. حيث عبّرت كنيسة روما في عدة مناسبات عن انتقادها لمفهوم حقوق الإنسان ومعارضته. لكن في ظل تحول مبادئ حقوق الإنسان إلى مرجعيةٍ كونيةٍ، شهد موقف الكنيسة تبّدُلا مجاراة لأوضاع وأعراف دولية باتت سائدة. كتاب الباحث الإيطالي دانييلي مينوتسي، أستاذ التاريخ المعاصر بمدرسة التعليم العالي بمدينة بيزا، يحاول تتبّع هذا التحول في الموقف الكنسي من قضية شائكة لا زالت عسيرة الهضم في التصور اللاهوتي، ولا زالت مثار العديد من الحساسيات في الدوائر الكنسية، لا سيما في الأوساط الاجتماعية التي ما زالت واقعة تحت تأثير الكنيسة.

يقسّم مينوتسي بحثه إلى ستة أقسام تتلخص في ثلاثة محاور رئيسة: الموقف من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي 1789؛ الكنيسة الكاثوليكية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948؛ وحقوق الإنسان بين رؤى الكنيسة الغربية وعالم الجنوب. فقد كان حرص الكنيسة، قبل صدور "إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي"، على إعلان الكاثوليكية دينا رسميا للدولة. ومع أن الكنيسة قد شاركت -ممثَّلةً بجمْعٍ من الأساقفة والكهنة- في صياغة تلك المبادئ فإنها قد تنكّرت لذلك الإعلان. إذ عقب صدور الإعلان، أملت الثورة علْمنةَ التنظيمات والهيئات التابعة للكنيسة؛ وفي شهر يوليو من العام 1789 أصدرت "الدستور المدني للإكليروس"، ودعت رجال الدين لأداء قسم الولاء للدستور الثوري الجديد، لكن ذلك خلّف معارضة كنسية جادة.

في المركز في روما، وإن أبدى البابا بيوس السادس حيرة أمام القرارات الجديدة في فرنسا، فقد جاء تحرّكه مشوبا بكثير من الريبة. ولم تكن الإدانة للدستور المدني للإكليروس ولمبادئ الثورة الفرنسية صريحةً سوى في "المختصر الرسولي" (Quod aliquantum) في العاشر من مارس 1791. إذ خلص البابا بيوس السادس إلى أن "وضع كافة الناس على قدم المساواة واعتبارهم على القدر نفسه من الحرية"، يشكّل فعلاً منافياً للمعتقد الكاثوليكي (ص: 29). فالمساواة والحرية الدينية، وما ينجرّ عنهما من إبعاد الكاثوليكية عن تولّي موقع الصدارة كدينٍ مهيمن، تهدف كلتاهما إلى الإطاحة بمؤسسة السلطة الدينية.

جعلت هذه التحولات الخطيرة البابا، على ما يرصده مينوتسي، يُبدي رفضا قاطعا للفصل العاشر من الإعلان المتعلق بالحرية الدينية، ويقف ضد تأميم أملاك الكنيسة، ويرفض إلغاء نظام العشور. ولكن ذلك الاحتجاج من قِبل رأس الكنيسة لم يمنع جيروم شامبيون دي سيسي، رئيس أساقفة مدينة بوردو الفرنسية، من الانحياز للثورة ومجاراة التحولات الجديدة.

عقب ذلك تطوّرت الأمور سلبا مع الكنيسة، وسارت باتجاه فرض الثورة أداء قَسَم الولاء للدستور المدني للإكليروس. وفي منظور البابا، يعني إفقادُ الكنيسة السند التشريعي للدولة، أثناء أداء مهامها الدينية، تشكيلَ نظام اجتماعي جديد يهدف إلى تدمير الدين المسيحي (ص: 55). حيث قاد تشدُّدُ الموقف الكنسي إلى اعتبار "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" منافيا للكتاب المقدس، لما تضمنه من حثّ على الحرية والعدالة. ومنذ تلك الآونة انطلقت معارضة منتظمة من روما بقيادة البابا.

يُبرِز مينوتسي توارث بابوات روما، بشكل عام، الخصومة مع حقوق الإنسان والحداثة. حيث نجد بيوس التاسع في خطاب ألقاه في التاسع من يونيو 1862، يعلن بصريح العبارة معارضته "لحقوق الإنسان الزائفة"، التي تتعارض مع "الحق الشرعي والصحيح" المتلخص في "الصلاّبو"، أي قائمة آثام العصر الثمانين.

كما يورد مينوتسي، ضمن هذا السياق، موقفا بارزا لِـلوي فيكومت دي بونال (1840-1754)، وهو سياسي مناهض للثورة، انتقد فيه إعلان حقوق الإنسان، قائلا: "انطلقت الثورة بإعلان حقوق الإنسان والمواطن وستنتهي بإعلان حقوق الرب". هذا التضارب بين حقوق الإنسان وحقوق الرب مثّلَ جوهر الخلاف بين الكنيسة والثورة، أو الحداثة عموما. لكن ينبغي التنبه إلى أن الثقافة الكاثوليكية ما كانت كلها تسير بحسب هذا التوجه المحافظ، فقد سعت بعض التيارات الليبرالية إلى بناء مصالحة بين المعتقد الكاثوليكي وحقوق الإنسان، غير أن تلك التوجهات لم تحظ بالقبول. ففي العام 1845 اقترح الأسقف دوبانلو على الكنيسة توظيف حقوق الحرية والدين والرأي والصحافة لبناء مجتمع مسيحي مصادَر وغير مسموح به. وفي سنة 1861 ظهر كتاب في فرنسا، من تأليف الكاثوليكي ليون نيكولا غودار بعنوان: "مبادئ 89 والمعتقد الكاثوليكي"، ذهب فيه صاحبه إلى أن جملةً من المبادئ الواردة في إعلان 89 لا تتناقض مع المعتقد الكاثوليكي، لكن مؤلفه لقي تأنيبا وتأثيما من روما.

ولم تشهد الأمور انفراجا سوى بانفتاح الكنيسة على مدخل آخر للحقوق في الرسالة البابوية "القضايا المستجدة" سنة 1891، التي أصدرها البابا ليون الثالث عشر. اعتبر في الرسالة من الواجبات الملحة والعاجلة للدولة العناية بالعمال. دشن البابا بذلك مقارَبة جديدة للحقوق، وقد مثّل ذلك خطوة مغايرة لحوار الكاثوليكية مع الحداثة.

وبحسب ما يرصده دانييلي مينوتسي فقد أمضت الكنيسة الكاثوليكية ما يزيد عن القرن في حيرة، منذ صدور الإعلان الفرنسي، حتى تيسر لها أن تستعيد وعيها من جراء الصدمة. حيث جرّبت في مرحلة أولى المعارضة، ثم في مرحلة لاحقة التأقلم مع التحولات التي اندلعت مع ثورات القرن الثامن عشر التي هزت المجتمعات الغربية.

في المحور الثاني من الكتاب الذي يتناول فيه مينوتسي موضوع "الكنيسة الكاثوليكية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948"، يتتبعُ ما خيّم من حذرٍ على الكنيسة طيلة الفترتين النازية والفاشية، ناهيك عن الصمت الذي لازمها في التعاطي مع مسألة حقوق الإنسان طيلة الحقبة الاستعمارية، أكان في إفريقيا أو في أمريكا اللاتينية. لكن التقاطَ الكنيسة لعلامات زمن جديد بدأ يطلّ، كما تقول، من خلال بداية تشكُّل عالم يقرّ ويعترف بحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، هو ما دفعها للانخراط في رسْم معالم هذا العالم الناشئ. فكان "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" 1948 بمثابة الموعد الجديد للكنيسة.

يورد مينوتسي أنه أثناء صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة، تمّ رفض مقترح الممثل البرازيلي تريستاو دي أتايدي بعد طلبٍ بتضمين مرجعية علوية للمبادئ، باعتبار تلك الحقوق عطية سماوية إلى الإنسان (ص: 145). وقد كان رد فعل البابا بيوس الثاني عشر حينها سلبيا على الإعلان. حيث بقي النفور حاضرا بين كنيسة روما وحقوق الإنسان على الشكل الذي صيغت به في الأمم المتحدة. والحقيقة أن ثمة قرابة بين تلك المبادئ الواردة ضمن الإعلان الأممي، وسابقتها الواردة في الإعلان الفرنسي، ومختلف ما تدعو إليه التقاليد الدينية، غير أن الهيمنة الكاثوليكية، أو الدغمائية الكنسية، هي التي دفعت للتصادم مع تلك المبادئ في العديد من المناسبات. لكن هذا لم يمنع من تحقيق بعض النجاحات تتصل بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية الواردة ضمن الإعلان، نتاج تدخّل ممثّلين كاثوليك. كانوا قد تجمّعوا في تنظيم دولي للعمال المسيحيين، بقيادة كاثوليكي فرنسي، ودفعوا باتجاه إقرار حقوق تسير نحو تقليد الكنيسة، الوارد ضمن مفهوم "العقيدة الاجتماعية"، أي مجموع المبادئ والتعاليم المعبرة عن توجهات الكنيسة، في نظرتها إلى مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والتي على ضوئها تحدد تدخلها في الشأن الاجتماعي.

لقد أملت التحولات التي شهدها العالم على الكنيسة تغييرا في تعاطيها مع الأعراف الجديدة التي باتت سائدة. حيث بقبولها بالأمر الواقع جنّبت نفسها العزلة والانحصار: وكما يقول اللاهوتي بييترو بافان (1903-1994) شهد العالم تحولا ديمقراطيا، وما لم تول الكنيسة حقوق الإنسان اهتماما توشك ألا تفهم هذا العالم، وأن لا تقدر على التخاطب معه، وألا تكون حاضرة فيه؛ وبالتالي يتهدد ذلك الدور الرعوي للكنيسة.

لكن في ظل التبدلات الكنسية مع موضوع حقوق الإنسان، يبقى ما حصل بصدور الرسالة البابوية "السلام في الأرض" للبابا يوحنا الثالث والعشرين (1958-1963) الأبرزَ ضمن هذا السياق. كانت المرة الأولى التي يورد فيها البابا، وبشكل جلي، إعلان حقوق الإنسان 1948 مرجعيةً، باعتبار ذلك خطوة مهمة على طريق تنظيم المجموعة الدولية، ورغبة منه في مراعاة تلك الحقوق المعلنة في كافة البلدان لتغدو واقعا فعليا. مع رسالة البابا يوحنا الثالث والعشرين "السلام في الأرض"، التي كانت بمثابة الإعلان الكاثوليكي لحقوق الإنسان، يرى دانييلي مينوتسي أنه يمكن الحديث عن بداية تحوّل براغماتي للكنيسة، وليس مصالحة مسيحية مع حقوق الإنسان.

وبُعيد اعتلاء البابا يوحنا بولس الثاني سدة البابوية في ديسمبر 1978، تكرّر التنويه بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فقد أرسل رسالةً إلى الأمين العام للأمم المتحدة حينها، كورت فالدهايم، بمناسبة الذكرى الثلاثين لصدرو الإعلان، معربا له فيها عن غبطته بحلول هذه الذكرى المهمة. كما عاد الموضوع في الرسالة البابوية الأولى "فادي الإنسان" المنشورة في شهر مارس 1979؛ واستُعيد ثانية في الخطاب الذي أُلقِي أثناء زيارة الأمم المتحدة في أكتوبر من العام نفسه. وفي الخطاب السنوي الذي اعتاد البابا إلقاءه أمام أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمَدين لدى حاضرة الفاتيكان، تطرّق خلال العام 1988، بالحديث للإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 حينها، معتبرا إياه "علامة مهمة على الطريق الطويل والشاق للبشرية".

غير أن ما يمكن ملاحظته في تعاطي الكنيسة مع موضوع حقوق الإنسان، عقب صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، أنها لم تقبل بحرية التدين ومبدأ التسامح إلا بعد أن أيقنت أنها الأقدر في التحكم بهذه الأدوات الجديدة، في لعبة التنافس مع الأديان الأخرى، وباتت تُعيّرُ الأوساط الدينية التي لا تعترف بذلك، بعد أن كانت ترى الأمر من "المواد الضارة" ومن خطايا العالم الحديث. فكان إلحاح يوحنا بولس الثاني على حقوق الإنسان -مثلا- نابعا من السعي لإسقاط جدار برلين، مؤكدا حينها على "حق الناس في الدين".

في المحور الأخير من الكتاب "حقوق الإنسان بين رؤى الكنيسة الغربية وعالم الجنوب"، يتعرض مينوتسي إلى ما أُثير مجددا حول مسألة الحرية الدينية ضمن وثيقة "الكرامة الإنسانية"، عقب انعقاد مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965). فقد كان هاجس الكنيسة متلخصا في عنصرين: التعاطي مع المسألة، في واقع يمثّلُ فيه المسيحيون أغلبيةً وتحضر فيه الكنيسة بمثابة "دين الدولة"؛ والتعاطي مع المسألة في واقع يمثّل فيه المسيحيون أقليةً وتطمح فيه الكنيسة إلى كسب امتيازات إضافية. حيث تمخّضَ المجمع المذكور عن إقرار الحرية الدينية بقصد توظيفها كأداة أيديولوجية نحو الخارج، بما يعضد الكنيسة في مسكونيتها وما ييسّرُ مسعاها لأنجلة العالم. ضمن استراتيجية جديدة توخّتها في التعامل مع الآخر، تمثلت في ما يُعرف بـ"نوسترا آيتات" التي تشكَّلَ بموجبها "مجلس الحوار مع الأديان غير المسيحية"، الذي كُلِّف بهندسة علاقات الكاثوليكية مع أديان العالم. حينها خرج الجدل بشأن الحرية الدينية وحقوق الإنسان من التداول الغربي، بين التصورات الدينية واللادينية، وبات مطروحا خارج الإطار الغربي. حيث يستعرض مينوتسي المستجدات التي حصلت داخل الكنيسة وارتباطها بمسألتي حقوق الإنسان والحرية الدينية من خلال واقع أمريكا اللاتينية وواقع البلاد الإسلامية.

إذ لم تشفع قرارات مجمع الفاتيكان الثاني، التي عُدَّت ثورة فريدة داخل الكنيسة، دون بقاء المركز في روما عرضة للهزات. فقد جاءت المراجَعة الجذرية لمفهوم حقوق الإنسان من أقاصي الجنوب، تحديدا من أمريكا اللاتينية، عبْر ما عُرِف بلاهوت التحرر. حيث دبّ تساؤل في أطراف العالم الكاثوليكي المهمَّش بشأن صدقية مفاهيم حقوق الإنسان دينيا، في ظل غياب التطرق بحزم لـ"حقوق الفقير" وما يرهِق أتباع كنائس العالم الثالث. وقد ذهب لاهوت التحرر إلى محاولة تحويل حقوق الإنسان إلى حقوق الفقراء. لكن ذلك الهمّ الإنساني الذي استبدّ بلاهوت التحرر، منذ نشأته، جعله عرضة لاتهامين رئيسيين: موالاة الشيوعية ومخاطر تحويل الدين إلى سياسة.

وأما ما يخصّ تحولات الكنيسة عقب الفاتيكان الثاني وانعكاساتها على العالم الإسلامي، فما إن أوشكت جولة توظيف حقوق الإنسان ضد الخطر الشيوعي على الانتهاء، حتى توجّهت الأنظار نحو العالم الإسلامي، ولا سيما في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن تبين أن العالم الإسلامي منهَكٌ، ويمكن استيعابه وردعه بإثارة مسائل على غرار انتهاك حقوق الإنسان والأقليات، كلّما استلزم الأمر. وبيُسرٍ نَقلت الكنيسة معركة حقوق الإنسان من الفضاء الغربي إلى فضاء "العالم الإسلامي" و"العالم الهندي الصيني". ولم تعد الكنيسة رافضة لمفهوم الحرية الدينية في فضائها الغربي التقليدي، بعد أن اطمأنت أن الداخل خارج التهديد. وباتت حقوق الإنسان منظورا إليها كحقوق للاختراق الديني، بعد أن أمسى الحديث عنها كقضية إشكالية ضمن تراث الآخر وواقعه وثقافته.

ومنذ أواخر حقبة يوحنا بولس الثاني وطيلة فترة جوزيف راتسينغر شهدت الكنيسة نوعا من "التصلب المفاهيمي" تجاه حقوق الإنسان، وبات الحديث عن أن حقوق الإنسان هي بمثابة التهديد المتأتي من الفلسفة العدمية والنسبية. حيث الإلحاح المستجد للكنيسة على امتلاك القانون الطبيعي. وعاد الخطاب الكنسي الدغمائي بعد أن توارى طيلة عقود. ومنذ أواخر فترة يوحنا بولس الثاني عاد الحديث عن الإجهاض والقتل الرحيم بمثابة التقويض لمبدأ حقوق الإنسان. ومن هذا المنظور توجهت انتقادات للمنظمات الدولية التي تدافع عن تلك الحقوق  كونها تهدد بعمق الحياة.

بحسب المسار الذي رسمه دانييلي مينوتسي في كتابه، مرّت الكنيسة بمراحل مع حقوق الإنسان من المعارضة الراديكالية لإعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي 1789 إلى القبول الحذر للإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، وإلى غاية التصادم المستجد والعودة للحديث عن القانون الطبيعي مع يوحنا بولس الثاني ثم مع راتسينغر. فحسب مينوتسي المصالحة النهائية بين الكنيسة وحقوق الإنسان ما زالت معلَّقةً.

 

الكتاب: الكنيسة وحقوق الإنسان.

 المؤلف: دانييلي مينوتسي.

الناشر: إيل مولينو (مدينة بولونيا-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2019.

عدد الصفحات: 280 ص.

 

عزالدين عناية جامعي تونسي مقيم بإيطاليا

 

علي المرهجصدر مؤخراً كتاب (شيعة العراق بعد 2003ـ الرؤى والمسارات)، تحرير: د. مؤيد آل صوينت و د. علاء حميد، وهو محاولة لقراءة التحول الاجتماعي والسياسي للمكون الشيعي في العراق والتحول الدراماتيكي من الهامش إلى المركز.

لم يكن للشيعة دور في الإدارة السياسية للدولة منذ نشأتها كدولة حديثة في بداية القرن العشرين.

أثناء الحملة البريطانية على العراق حمل الشيعة راية الذود عن (بيضة الإسلام) الذي كانت تُمثله الدولة العثمانية آنذاك رغم تهميشها لهم، فكانت فتوى الإمام الشيرازي آنذاك بمثابة الاعلان عن رفض الشيعة لركوب موجة التغيير الجديدة لأنها تُمثل تأييداً للصليبيين وتكريساً لهيمنتهم، فكان الشيعة من أشد المُعارضين لتواجدهم في أرضي المُسلمين، وبعد أن تمكن البريطانيون من احتلال العراق ولأنهم يعرفون موقف الشيعة منهم سلفاً، نجدهم أقرب للقبول بتقريب السنة الذين لم يُظهروا كبير عداء لهم، فصار الشيعة كما يرغبون دائماً هم الهامش واليسار الذي يُمثل خط المُعارضة، أما السنة فقد تمكنوا من ترتيب علاقتهم مع المُحتل الجديد، فصاروا مركزاً بحكم رغبتهم واتقانهم للعمل فيه تاريخياً، فهم تاريخياً متن السياسة ومركزها ويمينها.

استمر الحال في ادارة الدولة العراقية، الشيعة هم الهامش، والسنة هُم المتن والمركز، وبعد الثورة الإسلامية في إيران بدأ (الفاعل السياسي) في العراق يستشعر خطر تهديد الهامش لضمان وجوده في المركز، فبدأ يرسم الخطط تلو الخطط للعمل على إداممة بقاء الهامش هامشاً، فحاول قمع المعارضين في العلن والسرَ ولم يكتف، فوجد في الحرب سياسة ذكية لديمومة التهميش، ولكن الروح الثورية التي نشطت بفضل الثورة الإيرانية التي داعبت مخيال الروح الجمعي للشيعة في كل العالم قد طالت شيعة العراق الذين يحلمون بخروج الإمام (المهدي) الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلأت جورا، والثورة في إيران هي تمهيد لظهور الإمام الحُجة!.

فطال ما طال الشيعة من تنكيل وسجن وتقتيل، وانتهت الحرب، ولكن الحُلم الشيعي بتأسيس دولة العدل على يدي الإمام الحُجة لم تنته!.

وبعد مُدة ليست بالطويلة انتفض شيعة العراق فيما سُميَ بالانتفاضة الشعبانية التي يحمل أصحابها ذات الرؤية والحُلم بالخلاص من دولة الاستبداد والاستعباد لتحقيق العدل في البلاد بثورة إسلامية، ولكن بمعونة خارجية وسماح أمريكي لطائرات النظام بالقصف تمكنت قوات النظام المُسلحة من القضاء على الانتفاضة، فبقي الهامش هامشاً والمركز مركزاً، ولم يتغير ميزان المعادلة التقليدية في الصراع بين اليسار واليمين، فلم يتحول اليسار إلى يمين، والعكس صحيح.

بعد أن مرَت العديد من السنين، وتبدل القناعة الأمريكية بفعل تأثير قوى المعارضة الكُردية والشيعية ولقناعة أمريكا بأن نظام صدام صار خطراً يُهدد شعبه وباقي شعوب المنطقة اتخذوا قرار اسقاطه، وقد تم هذا الأمر لهم عام 2003، ولم يكن من السنة في المُعارضة سوى القلة القليلة، فلم يكن من خيار أمام الأمريكان سوى أن يختاروا مجلساً للحُكم على أساس نسب المكونات، والشيعة هم المكون الأكثر، فكان تمثيلهم في هذا المجلس هو الأكبر.

ويبدو أنهم استفادوا من الدرس، فلم يقبلوا أن يخسروا تواجدهم في صناعة القرار هذه المرة بعد أن اتعضوا من الدرس أبان الحُكم البريطاني، وهنا بدأ ميزان المُعادلة التقليدية للحُكم يختل في العراق، فتحول الهامش ليكون مركزاً، واليسار إلى يمين، والمركز صار هامشاً، واليمين صار يساراً، فبعد أن كان الشيعة مُعارضة على طول التاريخ، صاروا هم السلطة، وبعد أن كان السُنة سلطة على طول التاريخ صاروا هُم المعارضة. إنها لُعبة تبادل الأدوار بين الهامش والمركز.

بعد 2003 تحولت مظلومية الشيعة وظُلامتهم من عنوان للدفاع عن المُهمشين والمُستضعفين إلى عنون لتبرير أفاعيل السلطة بطابعها المُحافظ، فبعد أن كانوا هم والسلطة في تناقض أو تضاد صاروا وهي أي السلطة صنونان لا يفترقان، وكل ناقد لسلطتهم إنما هو عدو للمذهب! ولقضية عاشوراء التي اتخذها ساسة الشيعة اليوم ذريعة لقمع كل صوت معارض وتبريراً لفشلهم في إدارة الدولة!.

إن مشكلة الشيعة في إدارة الدولة إنما تكمن في التعارض بين مُتبناهم الغيبي الذي يقتضي تغييب (الواقع) = (المصالح) لصالح (المثال) = (المبادئ)، فدولتهم محض خيال وفق المُتبنى العقائدي، والدولة (الواقع) مُمارسة وتبدل في الآراء على قاعدة (لا يوجد عدو دائم، ولا صديق دائم، إنما الدائم هي المصالح)، لذا حار القادة الشيعة بين مُتبناهم العقائدي ومُقتضيات إدارة الدولة لا وفق سياسة علي (ع)، إما أن تكون مع الحق أو مع الباطل، وتلك دولة المثال (المُتمنى)، ليكتشفوا أن إدارة الدولة في المعارضة تقتضي التنظير وفق المثال (علي)، ولكن إدراة السلطة في الواقع تقتضي إدارة الدولة وفق المُتغير الذي أدرك كُنه التعامل معه (معاويه).

لقد توصل ساسة الشيعة أن الرؤية اللاتاريخية في الحُكم إنما هي ضرب من ضروب العيش في عوالم الحُلم، لذا نجد أغلب ساسة الشيعة يستغلون فضاء الحُلم هذا عبر تفعيل المخيال الشيعي العام لديمومة الشعور بالمظلومية، فعملوا على تدعيم وتشجيع التعبير الطقوسي والشعائري لا لأنهم أدركوا مقصدية التضحية وقيمة الإصلاح الحقيقي في أس هذه المظلومية ألا وهو القضية الحُسينية بوصفها إصلاح إنما هي محاولة منهم لتوظيفها لصالح استمرارية بقائهم في السلطة، أو ما أسماه (د.أياد العنبر) "طوباوية الدولة وواقعية السلطة"، للمحافظة على وظيفتين أساسيتين فيي خطاب المظلومية هذا:

ـ وظيفة هوياتية الطابع تعمل على شرعنة رؤية مثالية للذات ـ وبالضرورة رؤية اقصائية تجريمية للآخر المُختلف.

ـ وظيفة حجاجية يُركز أصحابها على المُمارسات أو الأهداف السياسية، يستخدمها دعاتها لتبرير الأفعال الخاطئة التي لا تنسجم ومنطق إدارة الدولة بقدر ما تنسجم وشحذ مخيال الطائفة (المُهمشة)!، مثلما فصل في ذلك د. ذو الفقار علي في بحثه (المظلومية في الخطاب الشيعي).

لا يخفى على أحد التوظيف الشيعي للطقوس والشعائر، فبات من المعروف عن الشيعة "التوظيف المُتزايد للخزين الطقوسي والرمزي والشفاهي وتحويله إلى نموذج مُهيمن في الحياة اليومية" وتلك صورة واضحة وجلية في مُمارسات الشيعة لشعائرهم في مواكبهم العاشورائية وانتشار صور المراجع والأئمة والمراثي الحُسينية، الأمر الذي جعل من هذه المظاهر "الشيعية كطريقة للحياة" بعبارة (د.علاء حميد) في بحثه بذات العنوان.

إن مُشكلة المذهب الشيعي أنه "مذهب عابر للقوميات"، وحتى المرجعية فيه "عابرة للقوميات" أو ما أسماه (د.خالد حنتوش) في بحثه "عالمية الحوزة"،  وفي هذه الحوزة تعدد في المرجعيات يختلف مراجعها في رؤيتهم لشكل الدولة وطريقة إدارتها، فمنهم من يؤمن بـ "ولاية الفقيه" وآخرون لا يؤمنون بهذه الرؤية، وعلى رأسهم السيد السيستاني الذي لا يعتقد بولاية الفقيه وهو أقرب للقول بضرورة وجود "الدولة المدنية". للمزيد حول بلورة مرجعية السيد السيستاني وتصدره لمشهدية الحضور الفاعل يُنظر بحث سجاد رضوي "التعبئة السياسية والمرجعية الدينية الشيعية" في الكاتب موضع القراءة.

رغم أن السيد محمد محمد صادق الصدر لا يؤيد القول بالدولة المدنية، إلَا أن السيد مُقتدى نجله الذي تمكن من نيل مقبولية أغلبية الشيعة المُستضعفين بوصفه المُمثل لهم والناطق باسمهم.

لقد توصل السيد مُقتدى إلى قناعة مُماثلة لما توصل له السيد السيستاني من قبل، فآثر تشكيل ائتلاف مع القوى اليسارية والماركسية من أجل الإصلاح وبناء عراق مدني يحترم التعددية الفكرية والدينية والمذهبية، رغم أن في أصل تكوين الرؤية الشيعية حمولة انكار لمُعطيات الديمقراطية لأن "الفقيه الجامع للشرائط قيَم على مُخرجات الآليات المُسمات بالديموقراطية، وله حق نقض القوانين التي تُخالف القوانين الإنسانية العُليا بحسب قناعته، لأنه الصائن والحافظ الأول لمصالح العباد والبلاد"!. لأن الإسلام بحسب رؤية السيد محمد محمد صادق الصدر نظام إلهي، لا يعترف بالتمثيل البرلماني...وأن العقل البشري قاصر...(لذا) فلا حاجة تبقى لدى الشعب المُسلم إلى التصويت على أي قانون من القوانين الإسلامية".

هكذا تكون التجربة الشيعية في الحُكم وفق الدستور الحالي تجربة هشة لأن مُتبنياتها الأصولية والسياسية التراثية واليوم هي ذات المُتبنيات التي تختط لها طريقة في الحياة والرؤية الاجتماعية والسياسية بعيداً عن نتاجات الحداثة ومعطياتها في التوجه نحو المدنية والديموقراطية.

على الرغم من أن المرجعية الدينية الشيعية هي التي ساعدت على التعجيل في اجراء الانتخابات للتخلص من الوصاية الأمريكية وسمة الاحتلال، وعلى الرغم أيضاً من المرجعية العليا للسيد علي السيستاني كانت أكثر حنكة وقدرة على التخلص من توصيفها الطائفي عبر تأكيدها على وحدة الأرض العراقية ووحدة الشعب ودعوتها المُستمرة للتجاوز شرك الطائفية، واصداره لفتوى الجهاد الكفائي التي كان لها الأثر الأكبر في تحشيد العراقيين والخلاص من (داعش) وتأييده للمظاهرات السلمية المطالبة بالحقوق ومُحاسبة الفاسدين.

رغم كل مُتبنيات المرجعية لهذه الخطوات الأصيلة لبناء مُجتمع مُتماسك، إلَا أن طبيعة قيمومتها الدينية والاجتماعية التي تُضفي على وجودها دور القداسة المُستمد من تاريخ وجودها المُستمد من ارتباطها وأهمية حضورها من تمثيلها للسلطة الدينية المُمثلة عند الشيعة بالأئمة المعصومين وصولاً للإمام الغائب، فالحوزة بحسب المنظور الشيعي تستمد وجودها من الإرادة الإلهية ولا دور للجماهير في وجودها، لأنها محفوظة بأمر إلهي طبقاً لما جاء به النص المُقدس في النص والتعيين الإلهي للإمام، والحوزة إنما وجدت طبقاً لنص تأسيسي من الإمام الحُجة "وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله" ولفظ (ارجعوا) هو الذي ساهم في التأسيس الأصيل لوجود المرجعية بحسب ما يرى د.خالد حنتوش في بحثه "حوزة البراني والجواني".

لم يتقبل هذه الرؤية أغلب مكونات المجتمع العراق على أساس عقائدي رغم تقديرها العالي لها، لكنها تتردد في مقبولية خطابها، وإن ظهر جلياً ابتعاد مرجعية السيد السيستاني فكراً ومنهجاً عن مرجعة السيد الخامنئي، فكل دعوات السيد السيستاني تؤكد ابتعاده عن فكرة "ولاية الفقيه" واهتمامه ببناء الدولة العراقية وفق مبادئ القانون الوضعي الذي يحترم التعددية الدينية ويرفض "النظام السياسي الطائفي والمذهبي"، كما أكد (رايد فيسر) في بحثه المنشور في الكتاب.

في المُقابل نجد أن أغلب الشيعة العراقيين وجُلَ ساستهم إنما هُم يسيرون شعاراتياً مع ركب المرجعية، لكنهم على مستوى المُمارسة نجدهم يستخدمون ثقل المرجعية وقداستها وجذورها الفكرية لصالح استمرارية بقائهم في السلطة عبر اللعب على وتر العاطفة والوجدان الشيعيان.

تمرحل دور المرجعية الشيعيةعلى ثلاث مواقف:

1ـ الاقتصار على الدور الافتائي من دون الدخول في الفضاء السياسي.

2ـ اقتصار دور المرجعية على الإشراف على العملية السياسية دون التدخل المباشر، والابتعاد عن التفاصيل قدر اللإمكان. وهذه الحال تنطبق على مرجعية السيد السيستاني الذي حاول أن يكون باني جسور بين أبناء المجتمع وساسته.

3ـ تنبني خيار ولاية الفقيه في العراق، أعتقد أن هذا الخيار لم يتخذه مرجع في العراق بقدر ما اتخذته جماعات شيعية تؤيد مرجعية السيد علي خامنئي ومحاولة تطبيق النموذج الإيراني. كما فصل في ذلك د. مؤيد آل صوينت في بحثه.

يؤكد د. أياد العنبر على "أن من يقرأ المدونات الفقهية والمصادر الفكرية الشيعية لا يجد اهتماماً حقيقياً بمسألة التنظير للدولة" كما بين في بحثه المنشور في الكتاب.

إن تكوين الدولة عند السيد محمد باقر الصدر مرتبط بـ "الأمة الإسلامية" الأمر الذذي يعني غياب الدولة والأمة معاً بالمعنى السياسي الحديث لهما.

ولا يخرج فكر السيد باقر الحكيم عن وجهة النظر هذه. ينضوي جُلَ مراجع الشيعة ضمن هذه الرؤية لأن "المذهب الشيعي مذهب عابر للقوميات" كما وضح (ايرنستو أج برام) ببحثه في الكتاب ذاته.

في بحث د.علي حمود الطاهر (المثقفون الشيعة وبناء الدولة) نجده يُصنف مواقف المُقفين الشيعة طبقاً لمعرفته هو لأصولهم التكونية مذهبياً، الأمر الذي لا يرتضيه بعضهم أو جلهم هذا التوصيف المذهبي، فكيف يُمكن لنا توصيف حيدر سعيد مثلاً على أنه مُثقف شيعي، وهو الذي عمل جاهداً للخروج من قوقعة الطائفية ونقدها!. والحال ذاته ينطبق على غالب الشابندر الذي غادر مواقعه القديمة في انتمائه الدوغمائي للمذهب ليحط رحاله في مرافئ الديمقراطية، وهكذا الحال مع عبدالجبار الرفاعي وحسين درويش العادلي وابراهيم العبادي، لأن جميع هؤلاء ينطبق عليهم وصف الوطنيين العراقيين أكثر مما ينطبق عليهم الوصف بأنهم مُثقفوا الشيعة. أظن أن وصف المُثقف بأنه سُني أو شيعي هو تكريس للطائفية لا تجاوز لها.

من هو الشيعي؟ سؤال وضعه د.علاء حميد في بحثه "الشيعية كطريقة للحياة" يختصر تساؤلات د.علي طاهر الحمود، فالشيعي هو:

1ـ الذي ينتمي للحركات الشيعية (إسلامي) حركي = (توظيف سياسي).

2ـ الذي يهتم بالطقوس (طقوسي) شعبوي (توظيف اجتماعي).

3ـ الذي يهتم بالتاريخ (مُتعلم/ مدني) = مدني.

الذي يشتغل بالعلوم الدينية (أصولي).

ولا أظن ىأن أحداً من المثقفين السابقين ينطبق عليه وصف الشيعي طبقاً لهذا التصنيف.

هل مثل ساسة الشيعة مصالح المُكون وطنياً؟

بكل وضوح وجرأة لم يكسب الشيعة العراقيين من ساسة الصدفة الذين حُسبوا عليهم سوى الدمار والفساد وخراب البلاد، لأن ساسة الشيعة لم يكونا مُمثلين لهم بحق، إنما كانوا خير من يُمثلون مصالحهم ومصالح الجوار الاقليمي الذي يُدينون له بالولاء!، وتلك احصائيات أجرتها الدكتورة عامرة البلداوي في بحثها (التجربة البرلمانية للنواب الشيعة) لتُثبت فساد الفاعلين السياسيين الشيعة في البرلمان عبر تسقيطهم للوزراء المُخالفين لهم من مكونات أخرى وتجديد الثقة لوزراء فاسدين من مكونهم.! فوصل الأمر لاسقاط رئيس البرلمان (السني) لالأنه طالب بمحاسبة السيد عبدالعزيز الحكيم عضو البرلمان الذي لم يحضر ولا جلسة برلماني ناقش فيها البرلمانيون مُقترح! والحال ذاته ينطبق على أياد علاوي وابراهيم الجعفري، فأقيل رئيس البرلمان، وبقي قادة الكُتل الشيعية لا يحضرون!!.

إن ما يُميز الشيعة هو تماسكهم وترابطهم لأنهم يعيشون مخيال المظلومية الذي يقتضي التماسك الذي تؤكده روبط مُتعددة أهمها: "البقاء، والقوة، والطاعة، والترابط" وتلك مبادئ اتفقوا عليها لتوصيف ما اعتقدوا أنها مظلومية عاشوها عبر التاريخ، فجاء بحث عدنان صبيح ثامر (أنثربولوجيا الخطابة الشيعية) ليُفصل فيها.

إن هذه العناصر ترتبط معاً بمقدار ما يكون للوجد الطائفي والقبلي حضور فاعل، ولكنها لا مكان لها في عوالم الديموقراطية ومقتضيات المواطنة الحقة التي تقتضي الإيما بوجود موطن حُر لا ولاء له سوى لهويته الوطنية التي لا تكشف عنها نزعة الانغلاق الطائفي أو المذهبي بقدر ما تكشف عنها "نزعة الأنسنة" و "العلمنة" التي ترفضها "راديكالية" الأحزاب الشيعية المُهيمنة على القرار السياسي في عراق ما بعد 2003.

في بحثه "شيعة العراق بعد 2003" يُحاول د.جعفر نجم نقد ما  أسماه "أوهام الأسلمة" بتأكيده على البون الشاسع بين (الشريعة) والمُتغير (القراءة لها ـ الفقه)، والعمل على تجديد حضور ما هو ديني بتغيير نمط حضوره، عبر جعله منبعاً للضوابط الأخلاقية.

مُلخص قولي أن شيعة السلطة لم يُحسنوا إدارة الدولة لأنهم عملوا على تنمية مواردهم الذاتية، واللعب على تاريخية المظلومية بوصف المكون الشيعي هامشاً والسُنة مركزاً، وفي المقابل لهم لم يُحسن السُنة تقبلهم التحول من المركز ليكونوا في الهامش، فكان ساسة الشيعة أسوء مركزاً = (سلطة) والسُنة لا يتقبلون أن يكونوا هامشاً بحكم (جين) موروث تكونهم بوصفهم "مركزاً".

ونحن العراقيين اليوم يجذبنا المد والجزر، مد "المركز" و "جزر" الهامش" والخشية كُل الخشية في تبدل الأدوار بين "المدَ" و "الجزر"، فكيف يُمكن لـ "المدَ" أن يكون "جزراً"، أو أن يكون "الجزر" "مدَاً" تلك هي لُعبة المُمكنات في عوالم التغيير.

 

ا. د. علي المرهج

 

علي جابر الفتلاويفي كتاب (الدين والظمأ الانطولوجي) للدكتور عبد الجبار الرفاعي محاور فكرية وفلسفية عديدة، يعطي فيها رؤيته في هذه المحاور، إضافة لبيان رؤاه في الدين وفق رؤية عصرية لا تتقاطع مع الايمان، ولا مع الطقوس الدينية التي هي الهوية والعنوان، كالصلاة والصوم وغيرهما من الواجبات التي هي طقوس لا تتأثر بالآراء حسب الزمان والمكان.

 يقول عن التجربة الدينية في كتابه (ص133) أنها: (تعني مواجهة الله وتذوق حضوره، وتحسس هذا الحضور روحيا. هي نحوُ تجلٍ وجودي للالهي في البشري). عبارته تفصح عن رؤيته الصوفية، التي آراها رؤية سليمة، هذه الرؤية هي التي تلازم قلب المؤمن، فهي ثمرة الإيمان القلبي والروحي القريب من إيمان العارف، مشاعر إيمان الصوفي والعارف تتوائم مع العقل، ومع أهداف الدين الانسانية. يرى الدكتور الرفاعي أن رؤيته عن التجربة الدينية متوائمة مع تعبير المتصوف الهندوسي (رادهكرشنان) عندما وصف التجربة الدينية بقوله:  (أقوى برهان على وجود الله هو إمكان تجربته وإدراك حضوره. فالله معطى تجريبي ومضمون محسوس للتجربة، وحالة روحانية)(1)

يقول الدكتور الرفاعي: أن التجارب الدينية متنوعة، كتجربة الانجذاب والهيبة وتجربة الاعتماد، وتجربة الأمل، وتجربة الحب، وغير ذلك من التجارب، يرى أن الإيمان الديني يرتكز على هذه التجارب، ويرى أن التجربة الأعمق والأشد لهذه التجارب هي تجربة الأنبياء والأولياء والمتصوفة والقديسين، وعبارته تفصح أن هذه التجربة الدينية شاملة لكل الأديان، فهي حالة روحانية قلبية كما عبّر عنها، يرى أن هذه التجارب الدينية هي أعمق مستويات الأديان؛ وأن معارف الدين مهمتها تفسير هذه التجارب وتصنيفها، يرى أنّ ميراث التصوف المعرفي والعرفان النظري هو الأقرب لبيان حقيقة التجارب الدينية. فهو يميل لكفة ميراث التصوف العرفاني. لأنه يفرّق بين نوعين من التصوف كما سنرى.

العبادات من صلاة وغيرها عنده هي معراج الوصال مع الحق،(ص72)، أرى أنّ هذا هو سبيل المتصوف العارف، فالتصوف السليم والعرفان هما السبيل للوصال مع الحق تعالى، لكن عندما يسلك التصوف طريق الانفراد عن العرفان، يقع حينئذ في المحذورات والمحظورات، يعيش المتصوف عندئذ في عزلة، بعيدا عن مسار الدين الذي رسمه الانبياء والاولياء وأهل القرب من الله.

الدكتور عبد الجبار الرفاعي حسب ما استوحيت من صفحات كتابه، هو حسب تعبيره مع المتصوف والعارف الذي يؤمن أن الشريعة توصل إلى الطريقة والطريقة تقود إلى الحقيقة، ومن يتخلى عن الشريعة لا ينال الطريقة، وبالتالي لا يتذوق الحقيقة (ص72).

العبارات تعزل بعض المتصوفة الذين يبتعدون عن الشريعة بطريقتهم الخاصة وغالبا ما تكون فردية، وقد يكون معهم أتباع أفراد أيضا، فيعيشون في عالم منعزل عن الآخرين، عالم خاص بعيد عن المجتمع والواقع.

من يقرأ كتاب (الدين والظمأ الانطولوجي) يجد الايمان حالة انطولوجية وجودية لا تخضع للمعايير العقلية أو المنطقية، أنه إشراق روحي في القلب، وإيمان الدكتور الرفاعي هو من هذا النوع كما يصرح في كتابه (80): (إيماني حالة انطولوجية لا أستطيع الإطاحة بها).

 في رأيي هذا الايمان هو التصوف أو العرفان الذي يكون فيه الانسان مسيّرا من قلبه لا عقله، هذا النوع من الايمان مرحلة متقدمة من مراحل الإيمان، ويُعدّ هذا الاتجاه في التصوف إيجابيا، هو إشراق روحي لا يمكن توصيفه، كما عبّر الدكتور الرفاعي، وأضاف وهو يصف إيمانه (من المحبة أو العشق الذي يغرق فيه قلبي).  يذهب (ص81) إلى أن من علامات الإيمان عند المتصوف والعارف هو الحيرة: (ورد في ميراث التصوف المعرفي ما يؤشر إلى تبجيل الحائرين وتمجيد (الحيرة) وإن كان معناها لديهم يشي بعوالم الملكوت، ويحيل إلى الجمال والكمال في الأسماء الالهية، واغتراف السالك من ذلك الجمال والكمال غير المحدود). يقول: الحيرة ليست كما نفهمها التي تعني التيه والضلال، بل هي شعلة عقلية روحية عاطفية ملتهبة، هدفها إيقاظ الذات من غفوتها.

 كلامه يُفصح عن تصوفه. لكن التصوف الإيجابي الفاعل والمتفاعل مع المجتمع. عبّر عن ذلك: (ص89 - 90): (أنّي لست مع تصوف يخرج الفرد من العالم. نعم أتضامن مع شيء من مقولات التصوف المعرفي، الذي يثري الروح ويضيء القلب بجماليات الوجود، ويجعل الكائن البشري فاعلا في بناء هذا العالم.)

يرى أنّ المتصوف هو صاحب التجربة الدينية، ليس كل متصوف صاحب تجربة دينية، وليس كل صاحب تجربة دينية متصوفا. يرى ليس كل متصوف مقبولا يقول: (ص136): (فقد يكون المتصوف خاويا روحيا هشا أخلاقيا، جائعا للمال والجاه غارقا بكل ما هو شكلي زائف، لا يمتلك أي ثراء معنوي، ويفتقر للمثول الحقيقي في حضرة الله، مثلما هو شأن طيف عريض ممن يمتهنون ذلك، وهم أقرب للمشعوذين منهم إلى ذوي التجارب الروحية، بغية نيل مكانة اجتماعية، أو مصالح حياتية، خاصة في مجتمعات تمنح مثل هؤلاء ألقابا دينية، وصفات قدسية، وتهبهم مكاسب مادية، وفرص عيش مجانية.)

الدكتور عبد الجبار الرفاعي لم يذكر لنا نماذج تأريخية من هؤلاء المتصوفة الذين يحملون الاسم دون المحتوى الروحي الإيماني، الذين يتخذون من التصوف وسيلة للحصول على المكاسب والمنافع، وهذا التصوف في الواقع بعيد عن خط التصوف العرفاني الذي يعيش أجواء القرب من الله.

استوحي من كلامه أن من هؤلاء فقهاء السلاطين، الذين يعملون لتحسين صورة الحاكم الظالم في عيون الجماهير، وأصدار الفتاوى حسب الطلب، ومثل هؤلاء كثيرون، إذ برزوا في الساحة الدينية منذ العصر الأموي حتى عصرنا الحاضر. اليوم تجني الشعوب المظلومة أثار فتاواهم السلطانية الجاهزة.

يرى الدكتور عبد الجبار الرفاعي نمطين للتصوف، تصوف الدراويش والخانقاهات والتكايا والزوايا، وتصوف معرفي يعتمد العقل، يقرأ النصوص خارج إطار مناهج وأدوات القراءة والفهم والنظر الموروثة، التصوف المعتمد على العقل هو المقبول  لأن التصوف الأول هو نوع من الرهبنة المبتذلة حسب اصطلاحه، لانه مرآة لتشوهات المسلمين يقول ص136: (ترتسم فيه صورة تخلف المسلمين وجهلهم وأمراض التجربة التأريخية لزمان تراجع المسلمين، وتتفشى فيه أمراض وعاهات تقاليد الاسترقاق ومسالك الاستعباد مثل التربية على نفسية العبيد، وذهنية القطيع والرضوخ والطاعة العمياء لمشايخ الطرق الصوفيه، والهيام الذي يصل لمستوى العبادة للشيوخ والأقطاب والمشاهير منهم، وتقليدهم في كل شيء إلى درجة السعي للذوبان بهم. والعزلة والخروج من العالم، والهروب من الحياة، والتنكيل بمتطلبات الجسد، والتضحية بالغرائز والحاجلت الطبيعية ... وغيرها.)

أما التصوف المقبول فهو الذي يتوافق مع العقل، يَعدّ هذا النوع من التصوف إيجابيا، لأنه يمنح المسلم أفقا رحبا في تأويل النصوص، وانتاج قراءات لمعنى النص تتوائم مع التطور في الميادين المختلفة، استطاع هذا النمط من التصوف الخلاص من التمسك بالشكل على حساب المعنى، كذلك يروي الروح المتعطشة للمقدس، فيحيا القلب كي يعيش في نور الايمان بالحق.

نرى في التصوف الايجابي يتعايش القلب والعقل كل في مجاله وفضائه، اللجوء الى القلب خارج باب العقل يقود الى التحنيط والجمود، ويؤول إلى التشبث بالشكليات على حساب المعاني المتجددة الفعالة، في كتابه (الدين والظمأ الانطولوجي) يعطي توصيفا لنمطين من التصوف، سمّى هذا النوع من التصوف الذي أركانه العقل والروح والقلب في كتاب آخر من كتبه(2) بالتصوف الفلسفي، تفريقا له عن علم الكلام، ونأمل كتابة مقال آخر عن هذا المحور ومن الله التوفيق.

 

علي جابر الفتلاوي

........................

المصادر:

 (1): د. عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الانطولوجي، ص133، الحاشية: 2. (عن المصدر الذي اقتبس منه عبارة المتصوف الهندوسي) .

(2): د. عبد الجبار الرفاعي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص209- 217، ط1- 2018م.

 

857 سرمكالإبادة البشرية منذ نشأتها حتى الوقت الحاضر

عن دار ضفاف صدر مؤخرا الجزء الأول من كتاب "أمريكا ومحارق (هولوكوستات) الإبادة البشرية منذ نشأتها حتى الوقت الحاضر" (321 صفحة) للباحث الدكتور حسين سرمك حسن.

جاء في مقدمة الكتاب:

(في هذا الجزء (الثالث والثلاثون) والأجزاء الثلاثة المقبلة من موسوعة جرائم الولايات المتحدة الأمريكية، سوف نستعرض بتفصيل ضروري جرائم الولايات المتحدة في مجال الإبادة البشرية باوجهها الثلاثة المهمة : الجماعية والثقافية والجنسية والتي تكبّدت البشرية من جرائها -  كما سنرى -  عشرات الملايين من القتلى على يد دولة تعتبر نفسها اليوم -  ويا للعجب -  المدافعة الأولى عن حقوق الإنسان.

ويتناول هذا الجزء ، والجزء الذي سيليه – ما اصطلح المؤرخ الأستاذ "منير العكش" على تسميته ب "الهولوكوست الأمريكي" في كتبه الثلاثة المهمة جدا: أمريكا والإبادات الجماعية ، أمريكا والإبادات الثقافية، وأمريكا والإبادات الجنسية. وهو تعبير دقيق جدا لأننا سنرى أنّ جرائم الإبادة التي اقترفتها أمريكا تفوق من حيث حجمها وعددها ووحشيتها واستمراريتها الزمنية الهولوكوست النازي بمئات المرات فهي – أي الأمريكية – قد شهدت قطع الرؤوس وجز فرواتها وسلقها والتمثيل بفروج النساء وتمزيق الأرحام وغيرها من الأهوال التي لم يجرؤ النازي على اقترافها على الأقل علنا والاحتفال بها جماعيا ووضع المكافآت في الصحف مقابلها.

تبدأ مسيرة الهولوكوستات الأمريكية بالهولوكوست الأمريكي ضد الهنود الحمر (الفصل الأول) وهو الأول والأبشع في التاريخ والذي اقتفى آثاره وسار عليه الهولوكوست النازي والذي أدّى إلى إبادة 112 مليون مواطن أصلي كما يشير المؤرخ العكش (و 65 مليون حسب دراسة المتحف الأمريكي لسنة 2015) ، وشهد أبشع الممارسات الوحشية مثل : قطع الرؤوس وجز فرواتها، اللعب بالرؤوس المقطوعة كرة قدم في الشوارع، سلق الرؤوس وأكلها، طبخ البطاطا بالشحم البشري وأكلها، التمثيل بفروج النساء وحملها على سروج الخيل أو على قضيب أمام البيوت رمزاً للتفاخر، عمل أكياس تبغ من قضبان الذكور، سلخ جلد الضحية من الخصر إلى أسفل لعمل قطع لشحذ أمواس الحلاقة أو سراويل حمر redskin pants (تمّت تسمية فريق واشنطن لكرة القدم على اسم هذا الطقس) .. وغيرها من الممارسات التي تقشعر لها الأبدان. وبالنسبة لجزّ فروات الرؤوس فقد ثبت أنّ المستعمرين الإنجليز هم أوّل من مارسها وليس الهنود الحمر المسالمين (الفصل الثاني). ولأنّ نفس المستعمرين الإنجليز قاموا بـ "فتح" القارة الاسترالية وإبادة المواطنين الأصليين التي امتدت حتى السبعينات من هذا القرن ، فقد استعرض الفصل الثالث الهولوكوست الاسترالي الذي أودى بحياة 67 مليون مواطن أصلي هناك عوملوا بنفس أساليب الإبادة الجهنمية السابقة.

وهكذا يمضي هذا الجزء في العرض التفصيلي لباقي الهولوكوستات الأمريكية مثل الإبادة الجماعية للمواطنين الأفارقة الأحرار من خلال العبودية المقيتة التي مات فيها بين عامي 1661م -  1774م فقط 9 ملايين أفريقي ناهيك عن الذين كانوا يموتون بسبب الجوع والمرض ويلقون إلى سمك القرش أثناء نقلهم إلى أمريكا.

ثمّ يأتي لهولوكوست الفلبيني (إبادة الشعب الفلبيني) الذي قتل الأمريكان فيه مليون مدني و16 ألف جندي فلبيني ، الهولوكوست الألماني (إبادة الشعب الألماني) في الحرب الثانية وبعدها والذي يكفي أن نقول عنه أن الهولوكوست الألماني بعد الحرب والذي قادته الولايات المتحدة الأميركية قضى على 9- 15 مليون مواطن ألماني . كما أنّ محرقة أسرى الحرب الألمانيين على يد إيزنهاور أدت إلى مقتل مليون أسير ألماني. وبرغم هذه الإبادة سوف يندهش السادة القراء بالتأكيد حين يطالعون الفصول الأربعة التالية (10، 11، 12، 13) عن التطابق بين امريكا والنازية وكيف تأثر هتلر بالتجربة الأمريكية واقتبس منها مفاهيم ونظريات الإبادة البشرية والانتقاء العنصري والتعقيم القسري لتحسين (قطع) النسل والمجال الحيوي وغيرها الكثير ويكفي القول إنّ هتلر الذي اقتبس الكثير من أفكاره في كتابه الشهير "كفاحي" من المفكرين الأمريكيين قد عبر عن امتنانه لهم برسائل منه. كما سنرى – وهذا ما غيبته الدعاية الأمريكية طويلا عن عقول البشر – كيف ساعدت الولايات المتحدة وبريطانيا هتلر على الوصول إلى الحكم في ألمانيا وطوّرت قواته العسكرية وقواته الجوية وقدراته الصاروخية والأدهى من ذلك كيف زودته بالغاز السام وباستمارات إحصاء الضحايا قبل نقلهم إلى معسكرات الاعتقال) .

ضمّ محتوى الكتاب تسعة عشر فصلاً هي:

(1) الولايات المتحدة الأمريكية وجرائم الإبادة البشرية: الهولوكوست الأمريكي ضد الهنود الحمر هو الأول والأبشع في التاريخ وسار عليه الهولوكوست النازي

(2) مَنْ ابتكر سلخ فروات الرؤوس وقطعها : الأمريكان أم الهنود؟

(3) الهولوكوست الاسترالي: إبادة 37 مليون من السكان الأصليين في استراليا

(4) والآن: هل تغيّر الحال في القرن الواحد والعشرين؟ -  الهولوكوستات من أمريكا إلى فلسطين

*(5) هولوكوست إبادة الأفارقة الأحرار (9 ملايين قتيل خلال 13 عاماً فقط)

(6) الهولوكوست الفلبيني (إبادة الشعب الفلبيني): إبادة مليون مدني و16 ألف جندي فلبيني

(7) الهولوكوست الألماني (إبادة الشعب الألماني) في الحرب الثانية وبعدها

(8) الهولوكوست الألماني بعد الحرب قادته الولايات المتحدة الأميركية فأبادت 9- 15 مليون مواطن ألماني

(9) محرقة أسرى الحرب الألمانيين على يد إيزنهاور أدت إلى مقتل مليون أسير ألماني

(10) التطابق بين أمريكا والنازية

(11) آل بوش روّاد الإبادة البشرية الذين اقتدى بهم هتلر (القسم الأوّل)

(12 آل بوش روّاد الإبادة البشرية الذين اقتدى بهم هتلر (القسم الثاني)

(13) كيف أوصلت أمريكا هتلر إلى الحكم في ألمانيا وزوّدته بالغاز السام لإبادة اليهود (القسم الثالث)

(14) الهولوكوست الياباني (إبادة الشعب الياباني)

(15) تمثيل جنود الولايات المتحدة الأمريكية بجثث قتلى الحرب اليابانيين

(16) جرائم الاغتصاب التي ارتكبتها القوات الأمريكية في الحرب العالمية الثانية

(17) الهولوكوست الإندوتيسي: أكثر من مليون قتيل حسب منظمة العفو الدولية

(18) الهولوكوست الفيتنامي (إبادة الشعب الفيتنامي): أمريكا قتلت 4 ملايين فيتنامي من أجل الديمقراطية

(19) الإبادة البشرية الكيمياوية الأمريكية للشعب الفيتنامي

 

دار ضفاف

 

 

829 اقتصادنابمناسبة استشهاد السيد محمد باقر الصدر، توالت المنشورات التي تقدسه وتبالغ في تقديسه، فمنها ما ذكر انه كتب اعظم كتاب في الاقتصاد وآخر أكد ان السيد الصدر حل لغز الاستقراء الذي عجز عنه الفلاسفة منذ ارسطو، ولأكثر من الفي عام، الخ.

دعوني أكشف لكم سراً اكتشفته قبل بضعة سنوات، وهو أن "تقديس الشخص" والمبالغة في ذلك، غالباً ما تكون مناورة للتخلص من اتباع تعاليمه وارشاداته!

وليس هذا الأمر غريب جداً، لو امعنّا التفكير فيه. فعندما نرفع شخص ما إلى مرتبة عظيمة فوق البشر، فلن يطالبنا أحد بأن نفعل مثله! فيقول الشيعي من أنا لأقلد الإمام الحسين في شجاعته، او الإمام علي في زهده وحكمته؟ ويقول السني من أنا لأقلد عمر في عدله؟ والمسيحي أيضا لن يفكر ان يكون بتضحية المسيح وتسامحه. فهذه مطالب فوق بشرية، ونحن بالتالي نعفي انفسنا منها. ويذهب الإعفاء اننا لا نحاول حتى ان نقلد ما نستطيع. إذن مسموح لنا ان نطلق لكل مشاعرنا التي تناقض من نقدس او نبجل أو نحترم، وأن نبقى ندعي تبعيتنا لهؤلاء، وبدون ان نشعر، نلقي بأنفسنا في تهمة: "النفاق"! 

عودة الى السيد محمد باقر الصدر. انا قرأت كتابه لأني لم اكن اقدسه، بل سمعت عنه ما يجعلني احترمه وأريد قراءة ما كتب، فالتقطت كتابه: "اقتصادنا". ولم اكن أتوقع ان اجد امامي كتاباً عجيبا خاليا من الخطأ والنقص، فالكاتب بشر في نهاية الأمر، ولولا ذلك لفقدت ثقتي بالكتاب والكاتب من أول نقطة لم اقتنع فيها بما كتب. انا لم أقرأه لكي اقدسه ولا لكي اعجب به، بل ببساطة: لكي اتعلم منه شيئا. والحقيقة اني لم اكن حتى متأكداً اني سأتعلم منه شيء! لكني كنت مخطئاً جداً في هذا!

لم اتفق مع السيد محمد باقر الصدر في كل ما جاء في الكتاب، بل اني لاحظت ان بعض النقاط التي أوردها في نقده لماركس، ان هناك بعض عدم الوضوح في الطريقة التي فهم بها "رأس المال". ومع ذلك فربما كان "اقتصادنا" أكثر كتاب اثار دهشتي في السنوات الأخيرة، بل وسعادتي أيضاً. فالكتاب يبين بشكل رائع أن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد اجتماعي جميل ومتطور، وليس اقتصاداً يهدف الى إثراء فئة وافقار أخرى، ولا يسمح بذلك. وبالتالي وجدته قريباً أخلاقيا من الاشتراكية وان اختلف معها في بعض التفاصيل، اما موقفه من الرأسمالية فهو النقيض الأخلاقي شبه التام لها. فالاشتراكية والاقتصاد الإسلامي يهدفان الى خير المجتمع، اما الرأسمالية فتهدف في حقيقتها الى خير أفراد، وتتيح لهم الفرصة في حقيقة الأمر لتحطيم المجتمع في النهاية، ما لم يجدوا من يردعهم. ووجدت في الكتاب كنزاً تطبيقياً ثميناً يمكن له أن ينقذ المجتمع الذي يطبق فيه من غول الرأسمالية المنفلتة الذي يفترسه اليوم.

إلا ان سعادتي باكتشافي لكتاب السيد باقر الصدر لم تدم. فسرعان ما جاء التساؤل: "لماذا لا يحاول احد تطبيقه، او تطبيق ما يمكن منه"؟ وهنا صدمت بحقيقة أن من يقدس الصدر لا يقرأه وكتبت مقالة كان عنوانها : "يقدسونه ولا يقرأونه". كما كتبت مقالة أخرى او اثنتين عن اقتصادنا، املا بتحفيز اهتمام الناس لتطبيقه.

من أسباب الرفض كانت حجة أنه "لا يصلح لهذا العصر". وهذا يفضح حقيقة ان من يقول ذلك لم يقرأه. ففي الاقتصاد الإسلامي الذي شرحه الكتاب بوضوح ما يسمى "منطقة فراغ" تتيح للمشرع ان يضع فيها ما يجعل الاقتصاد مناسباً للعصر الذي هو فيه وللظرف الذي يعيشه، دون ان يحيد عن الهدف الاجتماعي الأسمى لاقتصاد يليق ان يسمى اقتصادا إسلاميا. والحقيقة هي ان هؤلاء لا يريدون تطبيق مثل هذا الاقتصاد، فهو، على العكس من حرية السوق والخصخصة والبنوك الدولية وقروضها، لا يتيح لهم الفساد العظيم والسرقات المدمرة التي يتمتعون بها الآن.

إن "اقتصادنا" ليس اشتراكياً بمعنى ما، لكنه بدون أي شك، اقل رأسمالية بكثير مما يتبنى الحزب الشيوعي اليوم بقيادته الأشد نفاقاً وقلة حياء حين تمتدح اقتصاد السوق ومبادئ الرأسمالية وتحتفظ بـ "عمامة" الشيوعية كما يحتفظ بعمامة الدين كل منافق بعيد عن الدين.

 

الكتاب يزخر بالمبادئ المدهشة الرائعة للاقتصاد الإسلامي، مثل مبدأ "لا أجر بلا عمل" و "ملكية الأمة" ذلك المبدأ المدهش الذي يتفوق في حرصه الاجتماعي حتى على الماركسية، ومبدأ "منطقة الفراغ" الذي يؤمن إمكانية تطبيقه في ظروف مختلفة ويتيح للدارس المرونة الكافية لإيجاد الطريق الى التطبيق، والشرط الوحيد هو أن لا يحيد عن المبادئ الاجتماعية للدين الإسلامي، والتي تؤكد رعاية جميع المواطنين (مسلمون وغير مسلمين) وتأمين مشاركتهم في المجتمع، ومنع التبذير وغيرها من الأخلاقيات التي لا يستطيع مجتمع ان يتواجد بدونها، فهي ليست عوائق لأي اقتصاد هدفه المجتمع.

لذلك كله، ادعوكم اليوم، وخاصة من يدعي محبة أو تقديس السيد باقر الصدر، إلى قراءته أولا لمن استطاع، والى السعي لتطبيقه. وسواء تمت قراءته ام لا، يجب على من يحترم الصدر، طرح الأسئلة على الساسة ومحاصرتهم بها عما فعلوا من أجل تطبيق كتابه في الاقتصاد. إنها دعوة لكم لنفي حالة التقديس المنافقة التي يكون هدفها التهرب من اتباع مبدأ المقدس والاسترشاد بفعله، والتحول إلى هدف ابسط، وهو ان نقترب منه خطوة بأن نبذل بعض الجهد لنفهمه أولا، وأن نطالب الساسة الكذابين ورجال الدين الكذابين ونسألهم لماذا لا يطبقونه او يقتربون منه! فما فائدة "اعظم اقتصادي" و "اعظم مفكر" إن كنا نقف عند هذه الكلمات ونهمله هو وما كتب؟ هل ينم هذا عن احترام حقاً، ام مراوغة غير امينة؟

لنقترب منه ومن أفكاره فإن فعلنا، ولننظر ما يمكن ان تنفعنا به في الحياة، فهذا هو الاحترام الحقيقي له، وهو خير ما نهديه لروحه في مناسبة استشهاده هذه، وهي في الحقيقة هدية لنا وليست هدية له. دعونا نلقي نظرة مبسطة على تلك المبادئ، لعلها تفتح شهيتكم لقراءة المزيد وربما المساهمة يوما بالضغط من أجل تطبيق مبادئ "اقتصادنا". والمادة التالية من مقالتي " محمد باقر الصدر – يقدسونه ولا يقرأونه"! .. ارجو لكم وقتا ممتعا ومفيداً مع هذه الباقة من المبادئ الجميلة:

لا أجر بلا عمل

يؤكد الصدر في أكثر من مكان أن لا أجر في الإسلام بلا عمل! وهو في هذا يذهب بعيداً في قربه من المبادئ الماركسية الاجتماعية، فهو لا يجيز للمالك أن يحصل على جزء من أرباح انتاج لم يبذل به جهد إيجابي انتاجي! وكان هذا الأمر جدير بإثارة شهية اليساريين لدراسته بتمعن!

أنظروا كيف يحل هذا المبدأ أيضاً إحدى مشاكل حالة الفساد العراقي هذا اليوم، وهي ظاهرة المقاولات المتتالية. فنجد أن الإسلام يمنع أن يكسب المقاول مالا بان يبيع عقده لمقاول آخر بفارق مالي، دون ان يبذل جهداً تنفيذيا انتاجيا بنفسه. فعندما يقوم المقاول بتحويل المقاولة إلى مقاول آخر والتربح من فارق السعر، يعني أنه يتربح مما يسميه الصدر "جهد تسلط واحتكار". أي انه يحصل على المال فقط لأنه كان السباق بوساطاته للحصول على المقاولة واحتكارها، وهو محرم في الإسلام، حسب الصدر. ومن الواضح أن هذه الطريقة هي طريقة فساد تقوم على أساس المحسوبية والمنسوبية والرشاوى وليس لها علاقة بالعمل الإنتاجي.

مبدأ "ملكية الأمة" الرائع

وفكرة أخرى رائعة هي فكرة "ملكية الأمة". فهي تذهب أبعد من التقسيم المعتاد بين "الملكية الخاصة" و "الملكية العامة"، إلى ملكية اجتماعية ثالثة للمجتمع لا يسمح حتى للحكومة أن تتصرف بها تصرفا حراً. وفي هذا يعبر الاقتصاد الإسلامي عن إدراك بأن هناك فرق بين الحكومة والمجتمع وأن مصالحهما قد تختلف! ولذلك فمن الضروري حماية مصالح المجتمع حتى من الحكومة نفسها. و"ملكية الأمة"، التي توضع تحتها الثروات الطبيعية عادة، تعكس وعياً شديداً لأهمية الثروة المادية للمجتمع وخطر قيمتها على مستقبله، فلا تأتمنها تماما حتى للحكومة. إن العلاقة بين "ملكية الدولة" و "ملكية الأمة" أشبه بالعلاقة بين "القانون" و "الدستور". ففي الوقت الذي يسمح للحكومة بكتابة وتغيير نصوص القوانين، فإنها محدودة الصلاحية فيما يتعلق بكتابة الدستور وتغييره، حيث يشترط ذلك موافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين في العادة، بينما يتطلب تشريع القانون الأغلبية البسيطة عادة. فالدستور هو الضمان الأخير للشعب من تسلط حاكميه ومؤسساته، وكذلك فأن "ملكية الأمة"، وهي ما يفترض أن يبقى للأمة واجيالها من ضمان لا يتم التلاعب به مثل الثروات الطبيعية الأساسية.

 

"اقتصادنا" والنفط

نستنج من هذا أن النفط بالنسبة للعراق مثلا باعتباره الثروة الكبرى وشريان الحياة للأمة، سيكون وفق الاقتصاد الإسلامي وفق قراءة الصدر، ضمن "ملكيات الأمة". ولأن هذه الملكية تشترط استفادة "كل" الأمة من تلك الملكية، فلا يحق للحكومة أن تخص البعض من أبناء الشعب (فضلا عن الشركات الأجنبية) باستثماره او تشركهم في إنتاجه. وهو ما يعني أن خصخصة حقول النفط (كما يدعو إليه أمثال عادل عبد المهدي) وحكرها على جهة أو شركة معينة سواء بشكل كامل او بشكل جزئي، محرم في الشرع الاقتصادي الإسلامي. وبلغة العصر الحديث، فأن "عقود المشاركة" التي تسعى إليها الشركات وتجهد حتى اليوم بدفع العراق إليها، مخالفة لتعاليم الإسلام، إضافة إلى مخالفتها لنص الدستور الذي أقر بأن النفط ملك للشعب العراقي. وبالتالي فأن العقود الشرعية الوحيدة إسلامياً هي "عقود الخدمة"، تقدم فيها الشركات خدماتها وتأخذ أجورها وتذهب في حال سبيلها عند انتهائها.

 

وقد كانت عقود كردستان من نوع "مشاركة الإنتاج" المناسبة للشركات، وكانت جميع عقود التراخيص من نوع "الخدمة". ولكن هذا لا يناسب الشركات، لذلك تشن اليوم حملة تسقيط لم يسبق لها مثيل في تاريخ العراق لتشويه سمعة تلك العقود والضغط لتغييرها إلى عقود مشاركة إنتاج. وتتربص حكومة العبادي التي جاء بها الأمريكان لهذا الغرض ضمن أغراض أخرى، الفرص لإنجاز هذا التحويل في أقرب فرصة، وجعلها مثل عقود كردستان التي أعطت الشركات أربعة أضعاف الأرباح الطبيعية.

مبدأ "منطقة الفراغ" – المرونة للتطور

أما القول بأن "اقتصادنا" لا يصلح لهذا العصر، فهو أيضا نتيجة عدم قراءة الكتاب. إنهم يفترضون أن السيد باقر الصدر قد دعا لتطبيق اقتصاد كتب قبل 1400 سنة بشكل مباشر، وهم بذلك يفضحون هذا الفهم السطحي له، بل وعدم قراءته. فمن قرأ "اقتصادنا" لن تفوته رؤية مبدأ "منطقة الفراغ". وهذا المبدأ يقسم تعاليم الاقتصاد إلى قسمين: المبادئ الاجتماعية للاقتصاد، والمستوحاة من مبادئ الإسلام، ومنطقة حرية التصرف للحكومة (دون الخروج عن المبادئ الإسلامية الأساسية في العدالة ورفاه المجتمع وعدم تجمع الثروة، الخ). وحرية التصرف هذه في "منطقة الفراغ" هي كل ما يحتاجه الاقتصاد من مرونة يتحرك ضمنها دون ان يخرج عن هدفه الإسلامي: خدمة المجتمع!

"اقتصادنا" يخدم المجتمع

إن "اقتصادنا" مليء بالمبادئ والأفكار الرائعة والحديثة وأهم من ذلك، الإنسانية الهادفة إلى خدمة المجتمع وليس لتجميع الثروة بيد أثريائه وإفقار الباقين وفق مبدأ "ما متع غني إلا بما حرم فقير". وفيه المرونة اللازمة لمتابعة تطورات العصر، ما لم تكن تلك التطورات لا إنسانية. وإن كل ما يقال من حجج عن عدم صلاحية هذا الاقتصاد للمجتمع الحديث محض هراء واحتيال لمن لا يناسبهم ان تذهب الثروة إلى المجتمع، بل يريدونها للصوصه!

التحدي

إن على من يقدس الإسلام ومبادئه، ومن يحترم السيد محمد باقر الصدر حقاً ومن يؤمن من اليساريين بأن ثروة البلد يجب أن تستخدم لبناء مجتمعه لا أن تهدر للأثرياء والشركات الأجنبية كما في دول الخليج وغيرها، يجب أن يسعوا بحزم وشجاعة إلى العمل على دراسة هذا الموضوع وطرح "اقتصادنا" كبديل لاقتصاد السوق الشره والمدمر للبلاد، وأن يحرجوا مدعي الدين ومدعي اليسار أن يجيبوا على السؤال، وعلى شجاعتهم وحزمهم في طرح قضيتهم، قد يعتمد مستقبل بلادهم ومصير مجتمعهم. السؤال مطروح عليك .. انت!

 

صائب خليل

 

 

826 الماريتيرويندرج كتاب "الشهيد في الإسلام الحديث" ضمن الأبحاث السوسيولوجية التي تتناول ظاهرة العمليات الاستشهادية في المجتمعات الإسلامية إبان الحقبة المعاصرة. صدر الكتاب بالإيطالية وحظي مؤلّفُه بحضور لافت في وسائل الإعلام لِما يعالجه من قضايا راهنة على صلة بموضوعيْ الأمن والإرهاب في الغرب. المؤلف هو أستاذٌ وباحثٌ في الدراسات الإسلامية وقضايا الشرق الأوسط في الجامعة العبرية في القدس. صدرت له جملة من الأبحاث منها: "الهويات السياسية في الشرق الأوسط: الخطاب الليبرالي والتحدي الإسلامي في مصر" (2007) و"الفكر الليبرالي العربي بعد حرب 67: مآزق الماضي وتطلّعات الراهن" (2015). يستمدّ الكتاب الذي نتولى عرضه أهميته من كونه يعبّر عن وجهة نظر أكاديمية إسرائيلية، تحاول رصد ظاهرة التضحية بالنفس وتفهّمها بعيدا عن الخطاب السياسي الإسرائيلي الرسمي الأهوج في غالب الأحيان.

فعلى نطاقٍ عامٍ، مثّل التوترُ العنوانَ الأبرزَ في علاقة العالم الإسلامي بالعالم الغربي على مدى العقود الأربعة الأخيرة، وبما يفوق ذلك مع الدولة العبرية منذ اغتصاب فلسطين. ولم تبق المسألة في حدود المماحكة اللفظية أو الجدل السياسي، أو في مستوى المحاصرة والمقاطعة، بل تخلّلت ذلك عمليات اجتياح واحتلال وتهجير وتشريد وهجمات واغتيالات وحروب، من الطرف الغربي ومن الجانب الإسرائيلي كان العرب فيها المتضررَ الأبرز، ولم تكن عمليات العدوان وصدّه في ذلك التدافع العنيف متوازنةً بين الطرفين. لكن في ظلّ ذلك الصراع الذي طبع العقود الماضية، والذي ما أن يهدأ حتى يندلع مجددا، برزت ظاهرة العمليات الاستشهادية أو العمليات الانتحارية، بحسب توصيف الجهة التي تباركه أو التي تمقته، سلاحاً في قلب هذا الصراع. والفعلة التي يتمحور تنفيذها بالأساس حول فرد أو ثلّة آمنت بذلك الخيار، لطالما أقضّت مضجع الممسك بمقاليد القوة والمتحكم بمسرح عمليات التنفيذ. لكن ظاهرة الاستشهاد الذاتي والإلقاء الإرادي بالنفس في مهاوي الردى، لم تنحصر في الخصم الخارجي والآخر فحسب، بل ارتدّت بفعل تطورات سياسية واجتماعية ألمّت بالمنطقة نحو الأوساط الصادرة منها، ولم تعد تلك الأوساط بمنأى عن تشظّي آثار تلك الظاهرة، ما خلق جدلا واسعا بشأنها.

يحاول هذا البحث فهمَ ظاهرة خيار الاستشهاد الإرادي في الإسلام، وتحديدا في الأزمنة الحديثة، أكان في الأوساط السنّية أو الشيعية، العربية أو غير العربية. معتمدا الباحث في ذلك أدوات المنهج السوسيولوجي المقارن في تتبّع الظاهرة، من خلال التطرق إلى الموضوع في اليهودية والمسيحية أيضا، ليُقدّم الكتاب إطارا شاملا للشهادة ضمن خطاب الحركات الإسلامية المعاصر.

في القسم الأول من الكتاب، وهو عبارة عن مدخل تاريخي تمهيدي، ينطلق الباحث في معالجة الظاهرة من التراث العبري. فقد لاح سلاح خيار الموت الإرادي جليا في التاريخ اليهودي، حيث بدا الربي عقيبا بان يوسف علماً بارزاً بين المضحين بأنفسهم في سبيل عقيدة التوحيد وهو يردّد: "اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد" إلى حين لفظه أنفاسه. وتكثّفَ خيار الموت الإرادي مع الحقبة المُكابية، خلال القرن الثاني قبل الميلاد، في صراع يهوذا المكابي ابن الربي ماتاتيا الحشموني ضد السلوقيين. وقد تلخصت دواعي الصراع حينها في الإصرار على عقيدة التوحيد ورفض وثنية الإله زيوس المفروضة، حسب ما يورد الباحث، ولكن المسألة أبعد من ذلك التقييم وفق تقديرنا، كون الصراع في ذلك العهد ما كان دينيا فحسب، بل صراع هيمنة شاملة بمدلولها السياسي والاقتصادي لبِست لبوس الدين.

وضمن ذلك الإطار يستحضر الكاتب حوادث الاستشهاد الإرادي الحاصلة في التاريخ اليهودي اللاحق، مثل الإصرار على الانتحار الجماعي في مسعدة (سنة 73م)، الذي يبرئه من تهمة الانتحار الجماعي ويطلق عليه الاستشهاد الجماعي، إحدى الممارسات اللافتة في التاريخ اليهودي وقد أتت بعد ثلاث سنوات من تهديم الهيكل. أو كذلك ما حصل في ثورة باركوبكا ضد الرومان (132-135م)، ويربط الأمر بتراجع سلطة السنهدريم (مجمع الكهنة) على أنشطة الأطراف، وتضخّم نفوذ النِّحل والطوائف المناهضة للرومان، وهو ما تسبّب في تسليط عقوبة جماعية انتهت بتهديم الهيكل. وقد قادت آثار هذا الأحداث الفرديّة والمستقلّة إلى فرض واقع الشتات على شعب إسرائيل، ليخلص الباحث إلى أن العمليات الاستشهادية في التاريخ اليهودي القديم، قد حصلت تحت وقع حماسة مفرَطة لمعتقد التوحيد دون مراعاة أوضاع الأكثرية، ما جرّ إلى تلك الكارثة، وهو ما ينطبق على الحالة الفلسطينية اليوم وفق تحليله. في الأثناء يذكر الباحث رأياً لموسى بن ميمون (1135-1204م) المتشدد بشأن خيار الاستشهاد الذاتي والقبول به في الحالات القصوى لا غير، ويرضى بدل ذلك بالخضوع والإذعان.

وفي تناول الباحث المسألة ضمن التراث المسيحي، يبرز أن مفهوم الشهيد لم يخرج من مدلوله اللاهوتي إلى دلالة على صلة بالنضال السياسي والصراعات الإثنية سوى مع حقبة الإصلاح البروتستانتي، إبان القرن السادس عشر، لتشمل الشهادة أيضا كل من قضى نحبه لأسباب سياسية. وتبقى تضحية المسيح بذاته على الصليب -وفق المنظور الإيماني المسيحي- دالة وبارزة من زاوية إيمانية. وقد تتابع ذلك مع آباء الكنيسة الأوائل ممن لقوا حتفهم مثل ترتوليانس القرطاجي (ت. 225).

غير أن العصور الحديثة شهدت تحولا في دلالات مفهوم الشهادة، فمع الثورة الفرنسية خرج الاستشهاد من دائرة دينية إلى دائرة مدنية لائكية ذات بُعد دنيوي، وهو ما تمّ أيضا في ألمانيا، بهدف رصّ صفوف الوحدة الوطنية. وعلى إثر ذلك تحوّلَ الاحتفاء بالشهادة من مضامينه الدينية الأخروية إلى دلالات دنيوية عنوانها المجد والخلود للشهداء دنيويا واستدعاء تلك الفعلة في الأعياد والذكريات الوطنية الدورية. ويبرِز الباحث ضمن الفصل التمهيدي أن الديانات "المسالِمة" أيضا، مثل البوذية والشنتوية لم تدخر جهدا في توظيف سلاح الموت الإرادي، إذ يمكن أن نجد ذلك حاضرا في تراث الساموراي، وهو ما برز جليا إبان مشاركة اليابان في الحرب العالمية الثانية، أو في حرب فيتنام في ستينيات القرن الماضي احتجاجا على الاحتلال الأمريكي.

القسم الثاني من الكتاب وهو ما حاز الجانب الأكبر، تركّز على جوهر البحث، أي تناول أبعاد المسألة في الواقع الإسلامي المعاصر. حيث يعتبر الباحث أن التنشئة الاجتماعية، والشّحن الثقافي المتأتي من الجماعة التي تعضد الشهيد في السير لتحقيق هدفه المنشود، والاستعداد الإرادي للتضحية بذاته وبلوغ مبتغاه، كل تلك العوامل تضافرت معاً في صنع المنفِّذ. لعلّ الكاتب الإسرائيلي هنا يوجّه اتهاما مبطَّنا للحاضنة الجماعية بقوله، وبما يبرر تسليط العقوبة الجماعية ضد الفلسطينيين (ص: 117-123). ويعتبر مائير هاتينا أن الشهيد يبقى فاعلا ومؤثرا بعد مماته، من خلال الرصيد المعنوي الذي يخلّفه بين ذويه وأهليه وبين أفراد تنظيمه الحزبي. "فهو وسيلة فاعلة في توحيد الآراء وتعزيز أواصر الوحدة. وبمقدور الشهداء توحيد جماعاتهم، من خلال رص صفوفها وعضد مقاومتها" (ص: 170). حيث يقدّر الباحث أن ثمة أثرا سياسيا للشهيد في توحيد الصفوف يتخطى دائرة الحزب والتنظيم إلى العائلات السياسية المتخاصمة. كما يسهم استشهاده في تيسير استقطاب آخرين لتكرار الفعلة. وهو ما تقابله الجماعة الحاضنة بإضفاء صورة ميثولوجية على الشهيد ذات أبعاد رمزية عالية، بما يثير حماسة عميقة في أوساطها. يقول عالم الاجتماع رونالد كاسيمار: "ليس الشهداء صنيعة قناعات وأفعال ذاتية فحسب، بل هم نتاج من رأوهم وذكروهم عبر رواية تاريخهم أيضا".

في محور آخر ضمن هذا القسم يعالج الكاتب الظاهرة في الواقع الراهن، مبرزا ما طرأ من تحول جذري على العمليات الاستشهادية بين أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين. فعلى سبيل المثال ما شرعنته الثورة الإسلامية الإيرانية في بداية سنوات الغليان الثوري بشأن دور الشهيد وفلسفة الشهادة (وهو ما تجلى في أدبيات المفكريْن الشهيدين مرتضى مطهّري وعلي شريعتي) باتت تتبناه الدولة، ما توجّهَ الأمر للعدو الخارجي المضطهِد للمسلمين والمغتصب لأراضيهم (في لبنان، وفلسطين، وأفغانستان، وكشمير، والشيشان) بوصفه سلاح المستضعَفين ضد المستكبِرين حين تضيق السبل. وإضفاء الشرعية على فعل الشهادة، تحت مبرر التخلّص من نير الاحتلال والدفاع عن الذات، راج حتى غدا منشودا لدى تنظيمات تبنّت العمل المسلَّح ضد المحتل، وإن كانت منطلقاتها علمانية أو لادينية. فعلى ما يذكر الباحث مائير هاتينا مثلا، لقيت بعض الأعمال الاستشهادية في الساحة الفلسطينة قبولاً أيضا لدى التنظيمات الثورية العلمانية (الجبهة الشعبية، والجبهة الشعبية القيادة العامة، والجبهة الديمقراطية). ولكن ما حصل من تحول لافت مع موضوع الاستشهاد الإرادي، وفق الباحث، قد جاء مع تنظيم القاعدة. والمتمثل في التوجه بعمل الشهادة، ليس إلى العدو الخارجي البعيد فحسب، أو العدو المضطهد والمحتلّ لأراضي المسلمين، بل إلى حلفائه في الداخل من المسلمين، وهو ما أعطى غطاء شرعيا للعمليات داخل بلاد الإسلام بشكل لم يكن معهودا. ناهيك عن عدم مراعاة أخلاقيات الجهاد بالمفهوم المتعارف عليه في الإسلام، حيث يحيل الباحث على فتوى لبن لادن (1988) ينفي بموجبها وجود أبرياء مدنيين، كون الجميع مندرجين في آلية تنتمي إلى دائرة دار الحرب (ص: 222). وبموجب تلك المغالاة اللافتة حوّل تنظيم القاعدة فعلَ الشهادة إلى رسالة دعائية صادمة، من خلال استغلال وسائل الإعلام الحديثة وترويج تسجيلات مثيرة ذات وقْعٍ عالمي.

وتحت عنوان "صراع التأويلات بشأن العمليات الاستشهادية" يتناول الباحث الجدل الحاصل في الأوساط الإسلامية حول جواز التضحية بالذات من عدمه. مستهلا حديثه بمحاولة الإمساك بخيوط التبرير الفقهي من عدمه بخصوص العمليات الاستشهادية، دون غوص مفرط في تعليلات الضوابط الفقهية. حيث ينطلق من بعض المواقف الفقهية الكلاسيكية مثل موقف ابن رشد (ت. 1198م) وشروط الشهادة والمشاركة في الجهاد لديه مثل السنّ والوضع الأسري ومدى الخطورة المحدقة، بناء على أن المؤمن لا يلقي بنفسه إلى التهلكة حين يلاحظ الفارق البيّن مع الخصم. كما يذكر في السياق نفسه موقف حديثا لشيخ الأزهر محمود شلتوت (ت. 1963) في حصره واجب الجهاد في ثلاث حالات: رد الاعتداء، والدفاع عن بيضة الإسلام ورسالته، وحماية المسلمين في أرض غير إسلامية.

ليلاحظ الباحث انزياح الموقف العام في الوقت الراهن صوب الرفض الأخلاقي للعمليات. فقد حاول بعض الفقهاء وضع ضوابط لهذه الممارسات حتى لا تتحول إلى ممارسات فوضوية. حيث كتب الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين "فقه العنف المسلح في الإسلام" سنة 2001، في محاولة لضبط قواعد هذه الممارسة وبيان الحكم الشرعي فيها بعد أن لاحظ التوظيف المفرط للمخزون التراثي، حتى غدت كربلاء، في الأوساط الشيعية، عنصرا محوريا في البنثيون الثوري للشيعة المعاصرة. وقد برز الجدل بشأن العمليات الاستشهادية في البلاد الإسلامية، خصوصا بعد نشأة الجماعات المستقلة بمرجعياتها في الفتوى، ما جعل العمليات الاستشهادية تشكّل خطرا على الأمن العام والسلم الاجتماعية لبعض البلدان العربية والإسلامية. إذْ ما بقيت الدولة محتكرة إضفاء المشروعية على ممارسة العنف وحدها، في ظل الهشاشة الأمنية في بعض المناطق، بل زاحمتها الحركات المنفلتة، ما جعل المؤمن عرضة لصراع التأويلات القائم بين الطرفين بشأن العمليات الاستشهادية. وما عمليات الاستقطاب إلى صفوف تنظيم داعش والالتحاق به سوى دليل واضح على عمق صراع التأويلات الذي لم يحسم بعد، ليبقى التحمّس للاستشهاد الإرادي قويا داخل أوساط سلفية مثل تنظيم داعش.

لعل الانتقاد الأساسي الموجه للبحث في تجنب صاحبه الغوص في ملامسة المثيرات الحقيقية لظاهرة الاستشهاد في الواقع العربي الحديث، الذي يرزح تحت فواعل مباشرة تتمثّل أساسا في الاحتلال الإسرائيلي. إذ ليست الظاهرة بمنأى عن مولّداتها، فهناك انفصال بين رصد الظاهرة فينومنولوجياً وتغييب عوامل منشئها سوسيولوجياً في الكتاب. غياب ذلك الغوص في تحليل منشأ الظاهرة وتشكلها، والاقتصار على رصد آثار تنفيذها وما تخلّفه من مواقف متباينة، يطرح أحيانا مصداقية البحث العلمي وموضوعيته في دراسة التوترات الحاصلة في عالمنا. سيما وأن هذا البحث وغيره يأتي مدعوما ماديا ودعائيا من قِبل جهات مثل الجهة الداعمة والممولة للبحث "المؤسسة الإسرائيلية للعلم" (ISF) كما يصرح الباحث في مقدمة بحثه.

 

الكتاب: الشهيد في الإسلام الحديث.. الورع والسياسة والسلطة.

تأليف: مائير هاتينا.

الناشر: منشورات أوبارو (ميلانو) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2019.

عدد الصفحات: 400ص.

 

د. عزالدين عناية

أكاديمي تونسي مقيم بإيطاليا